تحميل رواية «انا لها شمس» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شخصيات رواية «أنا لها شمس» عائلة غانم الجوهري البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ممشوقة القوام، تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفِي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا، والمكونة من بِذل نسائية كلاسيكية، مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها، بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة، مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما، رغم اكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة...
رواية انا لها شمس الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم روز امين
بعد قليل كانت بانتظارهِ داخل مكتب أبيها.
حضر فؤاد فقصت عليهما ما حدث وأعطت إلى فؤاد تسجيلاً صوتيًا خاص بـ"رولا".
سجلت بكل دهاء المحادثة دون علم الأخرى حيث جهزت هاتفها وجعلته في وضع التسجيل قبل دخول المكان لمقابلة "رولا".
أثنى عليها أبيها وفؤاد أيضًا الذي شكرها برغم معرفته بتلك المقابلة حيث أبلغهُ الرجل المكلف بمراقبة" رولا" بتلك المقابلة وهو في طريقه إلى هنا.
وبرغم هذا لم يخبرها هي أو عمه لكي يحتفظ بأسراره لنفسه.
طلب منها فؤاد تتبع السرية التامة وألا تخبر أحدًا حتى شقيقها "بسام".
واتفقا على أن توهم تلك الـ"رولا" بأنها وافقت على ابرام ذاك الاتفاق، وتجعلها تطمئن لها وأن تبلغه سميحة بجميع التطورات ليوقعا بها بالوقت المناسب.
وطلب أيضًا الاستمرار بتسجيل جل ما يدور بينهما للاحتفاظ به داخل سجل القضية.
انتهى فؤاد من سرد ما حدث تحت غرور سميحة وهي تتطلعُ على إيثار برأسٍ شامخ مما جعل قلب الأخرى يغلي.
ومازاد من اشتعال قلبها هو عدم اخبار زوجها بذاك الاتفاق.
تحدثت بنبرة جادة:
- متشكرة يا دكتورة على موقفك، بس لازم تعرفي إن مع احترامي الشديد ليكِ وللهانم اللي اتفقت معاكِ واللي مش فاهمة ليه اختارتك انتِ بالذات لما فكرت في أذيتي.
ثم حولت بصرها إلى فؤاد الصامد وتابعت بغلٍ يعودُ لغيرتها المشتعلة من فكرة وجود شيئًا مشترك بينه وبين تلك المرأة الحقود التي تكن لها العداء:
- ومع إحترامي ليك شخصيًا يا سيادة المستشار، أنا محدش يقدر يأذيني لسبب بسيط، وهو إني واخدة إحتياطاتي الأمنية كويس جداً، وشغلي كله وأوراقي المهمة بعيدة عن العين واللمس، ومش أنا الست الساذجة اللي هتمضي على ورق من غير ما أقراه كويس.
حك فؤاد ذقنهُ وبات يتطلعُ بتمعُنٍ ويتعجب لأمر تلك العنيدة.
نعم يعلمُ أنها إمرأة ذكية وليست بالهينة ولذا اختارها بدون تفكير لقيادة ذاك المنصب الهام والوثوق بها.
لكنهُ كان يتوقع على الأقل شكرها لتلك الـ"سميحة" برغم عدائهما الظاهر للجميع.
لكنه توقع تقديمها الشكر حسب الاصول المتعارف عليها، لكنها تخطت الأصول لأول مرة ويعلم هو لماذا.
بالطبع فهي الأن تغلي داخليًا لوجود سميحة بمفردها معهُ بحجرة المكتب وهذا ما قصدهُ حين طلب حضورها بجانب الإسراع في ابرام الاتفاق كي يوقعا تلك الشيطانة التي تريد الأذى لزوجته.
نطق بابتسامة هادئة ليشعل روحها بعدما أستثارهُ عنادها الكافر:
- لو مش حابة تحضري الاجتماع يا حبيبي ممكن تتفضلي.
تابع بنفس ابتسامته الهادئة كي لا يظهر خلافهما ويصل لتلك الـ"سميحة":
- أنا مقدر إنك واخدة أجازة من شغلك النهاردة علشان ترتاحي، وعلشان كده محبتش اجهدك وأبلغك باجتماعي مع سميحة.
رفعت حاجبها باستنكار لكل كلامه لتنطق بنبرة مستفزة متجنبة نبرته الودود وكلماته المعسولة شديدة التصنُع:
- أنا قاعدة يا سيادة المستشار وحابة أعرف سير خطواتكم ، ده لو مكانش يضايقكم طبعاً.
تنهد باستسلام ليتابع وضع الخطة لايقاع تلك الشيطانة بأسرع وقت.
بعد قليل وقفت سميحة وهمت بالخروج وهي تقول:
- أستأذن أنا يا فؤاد علشان ألحق وقتي.
وقف يشكرها من باب الاحترام:
- مع السلامة يا سميحة، ومرة تانية متشكر على إنك سبتي شغلك وجيتي أول ما كلمتك.
نطقت بصوتٍ حنون متعمدة إشغال قلب تلك الزوجة العاشقة:
- بتشكرني على إيه بس يا فؤاد، إنتَ مش عارف قيمتك عندي ولا إيه.
ابتسم بلُطفٍ تحت اشتعال روح الأخرى وكظمها لغضبها الكامن بصعوبة بالغة.
لتتابع وهي ترمقها بكبرياء:
- باي باي يا مدام.
ظلت جالسة كما هي واكتفت بالتلويح بإشارة من أصابع كفها.
تصرف أشعلت به قلب سميحة التي تحركت للخارج.
وما أن خرجت حتى تحدث فؤاد بحدة وملامح وجه مكفهرة كان يحجبها لوجود ابنة عمه:
- إتفضلي فوق على جناحك يا مدام.
هتفت بحدة وتحدي:
- هو الباشا حطني تحت الإقامة الجبرية ولا إيه؟!
لم يكلف حاله عناء النظر لوجهها وبدأ ينظر لذاك الملف الموجود أمامه ويقلب بأوراقه بإهمال.
لتسأله بعدما استفزها تجاهلهُ:
- ممكن أعرف إنتَ منعتني أروح شغلي ليه النهاردة؟!
- مزاجي كده... قالها باستخفاف.
لترد بحدة:
- وبالنسبة لنومك هنا في المكتب، وهدومك اللي بعت عزة خدتها وأنا نايمة؟
وتعالت وتيرة حدتها وهي تقص عليه قائمة أخطائه:
- والشاور بتاعك اللي أخدته في الحمام اللي تحت وخلتنا مادة خام للت ورغي الشغالات؟
بمنتهى البرود صدمها:
- خلصتي كلامك، اتفضلي بقى على فوق.
صاحت بعدما أشعل روحها بردوده الباردة:
- مش هطلع يا فؤاد، ولازم تحترمني وأنا بكلمك أكتر من كده.
لتتابع بعدما خرج وحشها الكامن:
- ويكون في علمك، لو كررت اللي عملته إمبارح ونمت في المكتب هترجع الجناح مش هتلاقيني فيه.
قالت كلماتها التهديدية لتهب واقفة وتتحرك صوب الباب بحدة.
ليوقفها صوته الحازم:
- استني عندي.
توقفت لكنها لم تلتفت.
فتابع بعصبية مفرطة:
- بصي لي وأنا بكلمك.
ظلت على حالها.
ليصيح بحدة أرعبتها:
- مبتسمعيش الكلام ليه؟
ازدردت لعابها ثم التفتت وناظرتهُ مدعية القوة.
ليسألها بهدوء ما قبل العاصفة:
- عيدي لي كده الكلام اللي قولتييه ده تاني؟
هتفت تناظرهُ بحده:
- انت سمعته كويس قوي.
يسألها مستفسرًا:
- تمام، هتروحي فين بقى لما تسيبي الجناح؟
أجابتهُ بتحدي:
- هنام مع مالك، ومش هتشوفني تاني في اوضتك يا فؤاد.
أجابها بهسيسٍ من بين أسنانه:
- طب لو قد كلمتك إعمليها، وأنا أطربق الأوضة فوق نفوخك يا إيثار.
شعرت بالمهانة جراء تعديهِ عليها في الحوار وخرجت سريعًا لتجد والداي زوجها يقفان بالبهو بعدما ودعا سميحة.
سألها علام بارتياب بعدما لمح دموعها الحبيسة:
- مالك يا بنتي، إيه اللي حصل؟
شعرت بوقوف جارح الروح خلفها فتحدثت بعدما اعتدلت لتواجهه:
- ابقى اسأل سيادة المستشار على اللي حصل امبارح وهو يقول لجنابك يا بابا.
صاح يعنفها بحدة وصرامة:
- اللي حصل أسرار زوجية والمفروض إنه يخصنا لوحدنا يا مدام، ومش من الأصول ولا الأخلاق نشاركه مع حد مهما كان قدره عندنا.
- هو أنا حد يا فؤاد؟!... قالها علام بحدة.
ليجيبه بهدوء يعود لرفضهِ معرفة والدهُ بما حدث بينهُ وبين ذاك الوغد لعدة أسباب أهمهما هو جرح كبريائه كرجُل وأيضًا الخوف من تعنيف والدهُ له:
- مع احترامي الكبير لحضرتك واللي مش محتاج أتكلم عنه يا باشا.
تابع وهو يرمقها شزرًا:
- بس فيه حاجات خاصة بيني وبين الهانم مراتي المفروض محدش يعرفها غيرنا.
لمحت عصمت دموع إيثار وضعفها فهتفت ناهرة ابنها لأجل تلك المسكينة:
- جرالك إيه يا فؤاد، إنتَ عمرك ما كنت عصبي بالشكل ده، وبعدين هي عملت إيه يعني لكل ده؟
هرولت لتصعد الدرج هاربة قبل أن تنزل دموعها ويراها الجميع وتشعر بالمهانة أكثر.
أما هو فولچ إلى داخل المكتب من جديد بعدما استدعى عزة التي ذهبت إليه بسيقانٍ متخبطة.
وقفت برأسٍ منكس كالتلميذ الخائب وهي تقول:
- أفندم يا باشا.
وقف ليستدير حول المكتب ثم وقف يقابلها.
لحظات من الصمت مرت عليها كدهرٍ وهو يتمعنُ بملامحها المرتعبة.
ليخرج صوتهُ أخيرًا:
- لما ابن الكـ.... ده دخل الشقة وانتوا فيها مخدتيش المدام وجيتوا بسرعة على البيت ليه؟
هتفت بجسدٍ مرتجف من شدة خوفها من هيأته ولون عينيه الحمراء مما يوحي إلى شدة غضبه:
- والله ملحقنا يا باشا، ده يادوب المنيل على عينه طب علينا، وعلى ما ايثار جريت على أوضتها علشان تغير هدومها وأنا حتى ملحقتش ألم السفرة.
وباتت تقص عليه ما حدث.
ليسألها متذكرًا:
- تليفونها كان فين لما رنيت عليها أكتر من خمس مرات ولا مرة ردت فيهم؟
- كان في شنطتها جوة والاوضة مقفولة عليه، اول ما روحنا يوسف يا حبيبي كان جعان ومكلش حاجة من الصبح، من لهوجتها رمت الشنطة ويادوب غيرنا هدومنا وجرينا على المطبخ علشان نغرف الأكل.
سألها مستنكرًا:
- وإنتِ بقى عاجبك اللي حصل ده يا عزة هانم؟
نطقت بحروفٍ مرتبكة:
- وهو اللي حصل ده يعجب مين بس يا باشا، بس والله العظيم إيثار ماليها أي ذنب.
- ليها ملهاش أنا قولت لها مرواح لشقة يوسف تاني ممنوع... قالها بحدة.
لتنطق بموائمة:
- عداك العيب يا ابن الأصول.
نطق مؤكدًا:
- يعني أنا قراري صح يا عزة؟
- صح الصح طبعاً... قالتها بتأكيد.
لتتابع بإبانة:
- أنا بنفسي قولت لها الكلام ده أول ما نزلنا من شقة يوسف وسبناك فوق، مهو المثل بيقول، الباب اللي يجي لك منه الريح، سده واستريح، وابن البنهاوي راجع وشكله ناوي على الشر، ده عاوز يخرب عليها ويدخل الشيطان بينكم يا باشا.
تحدث متمالكًا أعصابه:
- طب يا ريت يا عزة تبقي تفهمي الهانم الكلام ده.
نطقت تجيب بدفاع:
- وحياة النبي دي غلبانة وبتتمنى لك الرضا، دي راحت صبغت شعرها عشان...
ورفعت كفيها لأعلى:
- ملحقتش تتهنى بيه إلهي ينكد عليك يا ابن إجلال قادر يا كريم.
زفر بحدة لينطق بعدما استدار ليعود إلى مقعده:
- روحي إعملي لي فنجان قهوة أروق بيه دمي اللي اتحرق من عمايلكم.
- ومن إمتى القهوة كانت بتروق الدم... قالتها مستنكرة لتنسى حالها وهي تقول بتوددٍ متغاضية غضبه:
- أنا هروح أعمل لك كباية مانجة تظبط لك الدماغ، تشربها وتطلع تريح ظهرك على سريرك فوق.
وتابعت بثرثرتها المعتادة:
- تلاقيه قافش يا نضري من نومة الكنبة بتاعت امبارح.
اتسعت عينيه ليسألها مستفسرًا:
- هو إيه ده اللي قافش يا ست إنتِ؟
باستنكارٍ أجابته:
- ظهرك يا باشا.
بالكاد تمالك أعصابه كي لا يتهور ويفعل ما لا يحمد عقباه.
أغمض عينيه يستدعي الصبر ثم أشار نحو الباب قائلاً من بين أسنانه:
- إطلعي برة.
سألته باستفزاز:
- طب والقهوة؟
- بطلتها، همنع دخولها القصر من هنا ورايح بسببكم.
وتابع بحدة:
- برة.
انتفض جسدها لتهرول للخارج سريعًا قبل أن يتحول ويخرج شحنة غضبه بها.
بالأعلى، ظلت تبكي حتى أخرجت شحنة ألمها ثم أمسكت الهاتف بعد أن قررت الاتصال بنجلها والاطمئنان عليه.
كان يجلس وحيدًا شارد الذهن، ينظر أمامهُ في نقطة اللاشئ.
استمع لرنين هاتفه فالتقطه ليجيب سريعًا فقد كان قلقًا عليها للغاية:
- طمنيني عليكِ يا حبيبتي، من امبارح وأنا هتجنن وأكلمك، بس خوفت يكون بابا جنبك.
نزلت كلماته ولهفتهُ على قلبها أحزنته لتسألهُ بلومٍ كي تزيل عنه ثقل الشعور بالذنب:
- وإيه المشكلة في إنك تكلمني قدام بابا يا يوسف؟
تغاضى عن التحدث في ذاك الموضوع كي لا يجدد حزنها فأكمل متخطيًا:
- مفيش مشاكل ولا حاجة يا حبيبتي، المهم إنتِ طمنيني عليكِ، فيه حد زعلك؟
شعرت بحاجتها للارتماء بأحضانه والبكاء على صدره لكنها تماسكت لاجله لتجيبه بصمودٍ ونبرة خرجت بصعوبة متماسكة:
- ولا أي حاجة، انا زي الفل، طمني عنك إنتِ يا حبيبي.
- أنا كويس يا ماما متشليش هم.
بعد الاطمئنان عن حاله سألته باهتمام:
- أختك عاملة إيه؟
بابتسامة مريرة أجابها:
- مشيت مع ابوها امبارح.
سألته متعجبة:
- بتتكلم عن زينة؟
- هي فيه غيرها عايش معايا يا ماما... قالها بهدوء.
ثم قص عليها ما حدث لتشهق وهي تستمع إلى تلك التفاصيل وجسدها يرتعب خوفًا.
يا الله، هل فعل زوجها هذا حقًا، ماذا قال له ذاك الحقير حتى أوصلهُ للتصرف بتلك الهمجية واستغلال السلطة لاول مرة.
فتحدث يوسف بعدما علم عدم معرفتها بالأمر:
- ماما الكلام ده ميطلعش لأي حد، وخصوصًا الباشا.
نطقت على استحياء:
- متقلقش، خلي بالك من نفسك لحد ما الأمور تهدى وبعدها ترجع تعيش معايا هنا.
هتف بلهجة شديدة:
- إنسي يا ماما، اللي بتقوليه ده مستحيل يحصل، أنا عمري ما هسمح لنفسي أكون عالة على أي حد تاني.
هتفت تعنفهُ باعتراض:
- إنتَ عارف إن عمرك ما كنت عالة على حد يا يوسف، وأنا عمري ما كنت هقبل عليك ده أبدًا حتى لو كنت هتطلق للمرة التانية.
- متخليش زعلك من فؤاد ينسيك وقوفه معانا ومعاملته ليك يا يوسف، ومش هو وبس، جدك فؤاد وتيتا عصمت وكمان فريال، كلهم بيحبوك وعمرهم ما فرقوا في المعاملة بينك وبين أحفادهم اللي من صُلبهم.
وتابعت ناصحة:
- اوعى تخلي الغضب يتحكم فيك وينسيك فضل الناس عليك يا ابن.
نطق بقلبٍ منكسر:
- ماما، أنا مش حابب أتكلم ولا قادر، أنا اتصلت علشان اطمن عليكِ، وعلشان أقولك بلاش تيجي عندي الفترة اللي جاية، لحد ما أعصاب الباشا تهدى.
وتابع مغيرًا وجهة الحديث:
- بالمناسبة، خالو ايهم جالي بالليل وسهر معايا لوقت متأخر، وكلمنا تيتا منيرة وسألتني عليكِ.
تنهدت وأجابته:
- أنا نسيتها خالص في وسط اللي أنا فيه، بقالي خمس أيام مكلمتهاش ولا اطمنت عليها.
تابعا حديثهما ثم أغلقت لتنهمر دموعها قهرًا على نجلها الحبيب وما تفعلهُ به الحياة من تلطيم.
داخل غرفتها التي خُصصت لها بمنزل والدها، كانت تتوسط الفراش تحتضن جسدها بذراعيها، تشعر بغربة روحها وتبكي على فراق شقيقها الحنون.
بكت ولامته على تفريطه بها بتلك السهولة.
انتبهت لرنين هاتفها فهرولت تخطفهُ على أمل أن يكون المتصل شقيقها.
تنهدت وخاب ظنها حين رأت نقش اسم رامي، فأجابت بصوتٍ واهن:
- أيوه يا رامي.
بعد السلام والاطمئنان عليها سألها باهتمام:
- صوتك ماله يا زينة، إنتِ فيه حد مزعلك؟
وكأنها كانت تنتظر سؤاله، فمنذ أن حضرتك لمغارة علي بابا تلك وهي تشعر بالوحدة والعزلة والانكسار.
نطقت بصوتٍ مختنق بفضل الدموع:
- أنا سيبت البيت ليوسف امبارح وقاعدة عند بابا يا رامي.
- ليه، إيه اللي حصل؟
نطقت باقتضابٍ:
- بابا اختلف وعمل مشكلة مع جوز طنط إيثار مامت يوسف، ويوسف أخد صف جوز مامته، وأنا زعلت منه وخيرته لو ما وقفش مع بابا هسيب له البيت وهعيش عند بابا.
وتابعت بخزيٍ وخزلان:
- وللأسف، إختار يفرط فيا، سابني يا رامي وهو عارف إني مليش حد غيره.
قالت جملتها الأخيرة بألم ودموع مما أحزن قلب الأخر ليقول محاولاً إصلاح ما بين الأشقاء:
- يوسف بيحبك يا زينة، ومش معنى إنه انحاز لطرف على حساب التاني إنه اتخلى عنك أو فرط فيكِ زي ما بتقولي.
وتابع بتروي:
- اكيد هو انحاز للطرف اللي شايفة على حق من وجهة نظره.
تنهدت بألم ليتابع مسترسلاً يلومها:
- ممكن اقول لك رأيي بس من غير ما تزعلي مني.
- أنا عمري ما ازعل منك يا رامي مهما حصل... قالتها بصوتٍ حنون وصل لأوصاله فأصاب قلبهُ بارتجافة منعشة.
لينطق بنبرة رومانسية:
- أحلا رامي بسمعها في حياتي منك إنتِ يا زينة.
اذابتها كلماته الساحرة حتى كادت تُنسيها ذاك الحزن الكامن بقلبها إن لم يكن عظيما.
ابتسمت بخجل ليتابع مسترسلاً:
- بصي يا زينة، اللي قدرت استنتجه من خلال كلامك معايا المدة اللي فاتت، واللي قدرت أعرفه لما كنت معاكم في شقة يوسف، إن اخوكي بيحبك جدًا، وضحى كتير علشانك، مش هنيجي علشان موقف حصل ننسى بيه الحلو كله.
وافقته الرأي فتحدث من جديد:
- لو تحبي أتدخل واكلمه...
قاطعت كلماته وهي تقول بانفعال:
- لا يا رامي لو سمحت، أنا مش عاوزة أكون تقيلة عليه، هو لو عاوزني اكيد هييجي ياخدني من غير ما حد يضغط عليه ولا يتوسط لي عنده.
تعجب لطريقة تفكيرها العقيمة وأجابها:
- يا بنتي ده أخوكي، مش لازم يكون فيه حساسية بينكم بالشكل ده.
- معلش يا رامي، ارجوك سيبني على راحتي.
أجابها بابتسامة وصوتٍ حنون:
- أنا أهم حاجة عندي راحتك.
جعلت كلماته روحها تسبحُ في الفضاء وكأنها فراشة تتراقصُ بجناحيها وتخطف الأنظار بألوانها الزاهية.
ليجهر عليها بقولهِ:
- زينة.
- نعم.
- أنا بحبك.
إلى هُنا شعرت بروحها تُسحب منها، باتت دقات قلبها تتسارعُ بوتيرةٍ عالية وكأنها دقاتِ طبولٍ تعلنُ عن بداية الحرب.
نطق يسألها بارتياب:
- ساكتة ليه يا زينة.
لم يجد ردًا فتسائل بخوفٍ من جديد:
- ارجوكِ ردي علي.
لا صوت يعلو فوق صوت دقات قلبها العالية وللمرة الثالثة على التوالي يقابل صمتٕا رهيبًا منها مما جعلهُ يسألها بريبة:
- أنا أسف لو ضايقتك، وصدقيني أخر مرة هتطفل عليكـ....
لم تدعه يكمل لتهتف مخترقة طبيعتها الخجولة خشيةً من خسارته:
- بالعكس، أنا مضايقتش خالص.
تعجبت من حالها، منذ متى وهي تتحلى بتلك الجرآة.
بينما شعر هو بسعادة تملكت منه لينطق متسائلاً:
- أفهم من كلامك إنك بتبادليني نفس المشاعر؟
اشتدت سعادتها والتزمت الصمت من جديد لكنها اكتفت بصوت ابتسامتها العذبة التي جعلته يتحدث:
- أنا مش هضغط عليكِ أكتر من كده، بس هعتبر الضحكة الحلوة اللي سمعتها دي هي الرد، لحد ما اشوفك بكرة في الجامعة، وأشوف الرد في عيونك الحلوة.
قاطع اندماجها صوت طرقات الباب لتدلف تلك الصغيرة التي نطقت برقة:
- زينة، البابا طالب يشوفك هلق.
أجابتهُا بهدوء:
- انزلي وأنا هحصلك يا نور.
نطقت الفتاة باعتراضٍ:
- ما فيني، هاديك التيتا اللسمينة يلي قاعدة تحت قالت بتچيبيها معك.
ابتسمت على وصف الصغيرة لجدتها إجلال بالسمينة واستأذنت لتغلق الهاتف وتهبط للأسفل لتتلقى كلماتها السامة على يد تلك المرأة الجبروت لتلعن غبائها بقرار القدوم للعيش هنا.
كانت تجلس بغرفتها تنتظر صعودهُ إليها وقد قررت بتنفيذ تهديدها إذا ما صعد وغفى اليوم أيضًا بحجرة المكتب.
ملت من الإنتظار وقد تأخر الوقت وتعدت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.
هبت واقفة لترتدي مأزرها الحريري بعدما عقدت النية على الذهاب إلى حجرة صغيرها لقضاء الليلة معه.
اتجهت صوب الباب وما أن أمسكت مقوده لتلفهُ وجدت من يدفعهُ برفقٍ لتتراجع سريعًا وتُفاجأت بدخوله إليها مستسلمًا خانعًا لقرارها خشيةً من تنفيذه.
فقد اتخذ قرار الصعود بعد تفكيرًا عميق تجنبًا لاتساع حجم المشكلة والفجوة التي سيحدثها العناد بينهما.
طالعها بحدة وسألها بصوتٍ غاضب:
- الهانم كانت رايحة على فين إن شاءالله؟
وقفت تقابلهُ بتحدي لتجيب بصرامة:
- كنت رايحة أوضة مالك.
طالعها وجنون الغضب يتمثلُ بعينيه لينطق بعدما استطاع كبح غضبه كي لا يفرغهُ بها:
- طب ادخلي نامي وخلي ليلتك تعدي على خير.
حكمت العقل، لم تريد افتعال مزيدًا من المشاكل واتساع دائرة الصراع بينهما، لذا تحركت نحو الفراش لتخلع عنها مئزرها وتلقيه بإهمالٍ فوق المقعد المجاور، ويظهر ثوب نومها الرقيق الذي بالكاد يصل لمنتصف فخدها بالإضافة لكونه باللون النبيذي الذي يثير ويزيد من جنون عشقه بها، مما أشعل قلبهُ ليصيح بجنون بعدما رأها بكل تلك الأنوثة ولون شعرها الجديد الذي لم تتح لهُ الفرصة كاملة بالتغزل به بما يكفي والاستمتاع أيضًا بلونه المميز:
- إنتِ كنتي رايحة أوضة إبنك باللانچري ده يا مدام؟
طالعته بحدة لتنطق ببرودٍ قاتل:
- وإيه المشكلة، أنا كنت رايحة أوضة ابني، يعني لا نازلة تحت ولا خارجة الجنينة؟
زادت حدته وهو يهتف بأعين متسعة بجنون:
- أهو ده اللي ناقص، فعلاً ده اللي ناقص.
رفع كفيه للتعبير عن فرط عصبيته من أفعال تلك التي ستتسببُ يومًا بإصابته بسكتة قلبيه جراء عنادها.
ليحاول التحدث ولكن خرجت كلماته متلعثمة من شدة انفعاله وأيضًا هيأتها المثيرة جعلت من عقله وقلبه متضاربين فشتت تركيزه:
- أنا تعبت معاكِ، بجد مبقتش قادر أستوعب أفعالك.
رمقتهُ بازدراءٍ قبل أن تتحرك ناحية الفراش وترفع الغطاء كي تتسطح بجسدها الأنثوي أمامهُ.
بسطت كفها وأغلقت اضاءة الإنارة المجاورةِ لها وتحدثت بلامبالاة كادت أن تصيبهُ بالجنون:
- إقفل النور اللي عندك علشان تعبانة وعاوزة أنام.
جذب شعرهُ للخلف بقوة مفرطة كادت أن تنتزع جذوره وبات يتطلعُ لبرود تلك المرأة.
فبدلاً من مبادرتها لمراضاته وطلب السماح تعند وتتجاهل بل وتحاول إغرائه دون التودد له والتقرب.
اسرع إلى الحمام ليخلع عنه ثيابه بالكامل ويفتح المياه الباردة لتنهمر على جسده علها تهدأ ثورتي العشق والغضب اللذان تملكا منه.
بعد قليل كان يتسطح بجوار تلك التي تعطيه ظهرها وتصنعت بالنوم كي تزيد من حرقة قلبه.
تسطح على ظهره ليتجنب النظر لمنحنيات جسدها المثير وبات ينظر في سقف الغرفة ويزفر محاولاً إخراج غضبه الممتزج بشوقه حتى غفى بعد صراع طويل وحربًا ضارية بين العقل والقلب خرج فيها العقل منتصرًا.
مر يومين وبقي الوضع على حاله، صراعًا نفسي رهيب بين الجميع، فؤاد، إيثار، بيسان، زينة وأيضًا عمرو.
كانت رولا تجلس داخل مكتبها الخاص بشركة الصخرة المملوكة لزوجها.
أتاها اتصالاً من سميحة فأجابت سريعًا:
- كيفك حياتي.
لم تعر لكلماتها المصطنعة أية أهمية وتحدثت مباشرةً:
- صفقة شُحنة اللاب توب جاهزة ولا لسه؟
أجابتها بانتشاءٍ وسعادة:
- جاهزة وكل شي تمام حياتي، الشُحنة رح توصل للجمارك بعد يومين، الزلام قاموا بالواچب وچهزوا كِل شي، واتفقت مع زلمة بالچمارك المصرية رح يمرق لي ياها بكل سهولة، إي الموضوع كلفني كتير، بس مو مهم، كِله لعيون السِت إيثار بيهون.
كان الاتفاق الذي عرضته عليها رولا بالماضي توريط إيثار بأخذها رشوة ووضع إمضائها على أوراق تُثبت التهمة عليها والتبليغ عنها ليتم التحفظ عليها من قِبل رجال الشرطة.
ولكن التهمة لم ترق لفؤاد فأراد أن ينتقم من تلك الحقودة التي تجرأت وأقبلت على أذية خليلة الروح.
فطلب من سميحة أن تقترح على الأخرى بتغليظ التهمة وتوريط "إيثار" أكثر عن طريق وضع أخطر أنواع المواد المخدرة "الهيروين" داخل شحنة أجهزة الحاسوب التي ستقوم باستيرادها شركة الصخرة باسم "رولا سليم إلياس".
وبعد دخولها للبلاد ستدخلها سميحة إلى شركة الزين عن طريق أوراق رسمية ستضع إيثار عليها إمضائها، وبعدها سيتم إبلاغ الشرطة للقبض على إيثار.
تحدثت سميحة بخبثٍ:
- ياريت تخلصيني من الموضوع ده بسرعة، أنا مبحبش التوتر والقلق.
نطقت رولا لطمأنة الأخرى:
- لشو القلق يا عيوني، الموضوع كتير سَهل، مانه صعب صدقيني.
أغلقت الهاتف ومر اليومان سريعًا.
ووصلت الشحنة إلى ميناء القاهرة الدولي وبترتيب من فؤاد تم ضبط الشحنة والتحفظ عليها والقبض على الموظف الفاسد الذي اعترف على تلك البلهاء التي اتفقت معه بنفسها.
فقد كانت صيدًا سهلاً للغاية بالنسبة لفؤاد حيث فعلت كل شيءٍ بنفسها ورفضت الاستعانة بوالدها رجل العصابات الدولية خشيةً من منعها من القيام بذلك العمل المتهور.
بينما أخفت الأمر عن عمرو لتفاجأهُ بالخبر ظنًا منها أنهُ سيسعدُ بخطتها ويزيد رصيدها لديه أضعافًا بعد أخذها ثأرهِ القديم.
تم القبض على "رولا" من داخل الميناء.
صرخت بكل قوتها وطلبت الاتصال بوالدها لكن رجال الشرطة رفضت وقاموا باصطحابها إلى قسم الشرطة مقيدة.
بينما كان "عمرو" يجلس داخل شركة الصخرة يتابع العمل.
أتاهُ اتصالاً هاتفيًا من رقم غير مدون ليضغط زر الرد ليقابلهُ المتصل:
- بقول لك يا عمورة، إطلع على قسم شرطة النزهة ومتنساش تاخد معاك عيش وحلاوة لمراتك، وإن شاءالله قريب هبعت لك أوردر باسمك إنتَ كمان لما تنور في ليمان طُرة.
انتفض واقفًا ليصرخ بقوة:
- مين اللي بيتكلم؟!
وتابع بعدما استطاع تمييز صوته لينطق:
- فؤاد علام اللي معايا مش كده؟
أنهى فؤاد الاتصال وابتسم بشرٍ وقلبهُ يشعر بغليان برغم القبض على تلك الحقيرة التي تجرأت على أذية حبيبته.
بينما جن جنون عمرو ليهاتف امرأته ليجيب عليه ضابط الشرطة ويؤكد له ما أخبرهُ به فؤاد.
هرول إليها وبينما كان بطريقه إلى قسم الشرطة اتصل ليبلغ سليم إلياس كي يتحدث إلى معارفه لإخراج تلك البلهاء التي ولچت بساقيها لعرين الأسد.
بعد قليل كان يقف أمامها داخل مكتب الضابط الذي خرج ليتركهما سويًا لبعض الوقت.
بأعين تشتعلُ بنار الغضب صرخ بها "عمرو":
- مين طلب منك تتصرفي لوحدك من غير ما تبلغيني؟، وإزاي جت لك الجرأة تفكري وتخطتي بحبس أم إبني في جريمة كبيرة زي دي؟!
من بين دموعها الحارقة تحدثت بشهقات متقطعة:
- كان بدي أنتقملك منها وبرد نار قلبك عخيانتها هي وزوچها الحقير، كان بدي إتخلص منها لنرتاح ويهدى قلبي يا"عمرو"، وبهيك يوسف بيرچع لك وبيعيش معنا كعيلة واحدة وبنرتاح كلياتنا.
صرخ وهو يرمقها وعينيه تطلقُ سهامًا نارية لو خرجت لحولت جسدها لإربًا:
- وإنتِ كنتي فاكرة إني هفرح لو عملتي فيها كده؟!، لا ومن غبائك متخيلة إن يوسف هييجي يعيش معانا بعد ما يعرف إن أنا وإنتِ كنا السبب في حبس أمه!، ده مش بعيد كان قتلني أنا وإنتِ يا غبية.
كان يصيح بجنون يتخفى خلف الخوف على مشاعر نجله بينما الحقيقة سبب إثارته وجنونه هي رعبه على تلك الجميلة مالكة الكيان، تلك التي امتلكت القلب واستوطنت وختمت باسمها على قلبه وأغلقته للأبد.
شهقت بقوة لتنطق برجاءٍ من عينيها:
- دخيلك يا عمرو تطلعني من هون.
انفطر قلبها وهي تكمل بهزة نافية من رأسها:
- مفيني أقضي ليلة واحدة بالحبس، رح موت إذا بقيت هون يا زلمة.
رق قلبهُ لحالها فاقترب يدخلها بأحضانه مربتًا لتهدئتها:
- إهدي يا رولا، أنا هعمل المستحيل وهخرجك، وأكيد سليم باشا مش هيسيبك وهيصرف بطريقته.
شهقت بقوة لتدخل في حالة من النحيب الشديد.
أما بمنزل عمرو البنهاوي، تجلس تلك السمينة بوسط الأريكة وتجاورها "زينة" المنكمشة على حالها وقلبها يرتعدُ رعبًا بفضل صوت تلك التي كانت تصرخ بكامل صوتها وهي تتمسكُ بتلابيب بذلة زوجها:
- بتقلب الدنيي فوقاني تحتاني وبتچيبلي بنتي الليلة يا سليم، بنت نائلة المحمدي ما بتبات بالحبوس متل المُچرمين والحرامية.
حاول تهدأتها وتحدث بثقة ويقين:
- فيكي تهدي، صدقيني رح طلعها وچيبها لعندك.
أخرج تنهيدة حارة تنمُ عن مدى احتراق روحه على ما حدث لوحيدته ثم تابع بنبرة جادة:
- بس الموضوع بده شوية وئت، الورطة يلي ورطت بنتك حالها فيها مانا سهلة.
صرخت وهي تنطق اعتراضًا برأسها:
- ما تئلي وئت، ما فيني أقعد دقيقة واحدة بدون بنتي، إتصرف يا سَليم، إتصل بمعارفك وشوف يلي بيقدروا يعملوه وادفعلن، لو بدن ياخدوا كِل ثروتي بس بيطلعولي بنتي بعطيهن.
حاوطت تلك البدينة فكها بأصابع يدها لتنطق متسائلة بسخرية تعود لعدم معرفتها بما حدث:
- مقولتيش يا سنيورة، الحلوة بنتك اتحبست في إيه؟
وكأنها استفاقت على صوت تلك البغيضة لتلتفت إليها بحدة وتطالعها بأعين تطلق شزرًا وهي تنطق باتهام:
- انحبست بسبب إبنك الأزعر، بنتي يلي عاشت عمرها كله مدللة بفرنسا وما انهانت بعمرها ولو بكلمة، موچودة بالحبوس بسبب إبنك والمصايب يلي عمتلاحقه، ابنك الحقير هو لعنة بنتي، وبإذن الله لما تطلع بالسلامة، أول اشي رح إعمله هو طلاقها منه يلي ماشافت يوم منيح معه من وئت ما عرفته.
وأشارت مهددة بسبابتها:
- بتتصلي هلا بإبنك وبتقيلي له، إذا بنتي ما إچت معه مبيرچع عالبيت الليلة، وحياة الله إذا بشوفه بقتله بإيدي هادول.
حاولت زينة أن تقترب من المرأة لتنطق في محاولة لتهدئتها:
- من فضلك اهدي علشان متتعبي.
صرخت بقوة وغضب:
- محدا منكن يقلي إهدي، كل يلي بدي إياه منكن إنكن تخرسوا ومتسمعوني أصواتكن البغيضة.
ارتعب جسد الفتاة لتنكمش على حالها متراجعة للخلف ونزلت دموع الندم على ما اقترفته بحق ذاتها.
أما إجلال فتحدثت بشرٍ يكمن بنظراتها:
- حظك حلو إنك جيتي لي بعد ما صحتي راحت، يا خسارة، كنت عرفتك مقامك صح وخليتك تقضي باقية حياتك بتتلفتي حوالين نفسك زي المجانين.
رواية انا لها شمس الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم روز امين
كانت تثرثر وكأنها تحدث نفسها، فالأخرى سرحت بعالمها المؤلم وعقلها يتساءل. هل تحدثت مع غريمتها وأبلغتها بما حدث بشأن موضوع هام كهذا ولم يهتم بإخبار صاحبة الشأن؟ هي أحق منها. تملك الحزن قلبها بعدما انطلت عليها كذب سميحة التي وضعت توابلها على الموضوع لتشعل الأجواء بين غريمتها وحبيبها. هي من تواصلت به عبر الهاتف الجوال وليس هو، نظرًا لعلمها بموعد وصول الشحنة وجميع التفاصيل بحكم أن اتفاق رولا كان معها هي.
وتابعت باستفزاز تحت حزن الأخرى:
- إيه يا مدام، مش هتشكريني ولا إيه؟
استعادت توازنها لتسألها متهكمة:
- أشكرك ليه وعلى إيه؟
رفعت حاجبها الأيسر وتحدثت مستنكرة:
- على إني أنقذتك. لولايا كان زمانك مرمية في الحبس مكان رولا الغبية.
قاطعت إيثار حديثها معلقة:
- إنتِ بنفسك قولتيها، غبية.
رفعت رأسها لأعلى لتتابع بكبرياء:
- وأنا مش غبية يا دكتورة، علشان كده لسه باقية في المنصب ومحافظة على الكرسي بتاعي.
اشتعل قلب سميحة من رد تلك المتكبرة لتتابع الأخرى مستطردة بإبانة:
- تفتكري إني متعرضتش لعشرات المخططات وكتير حاولوا يوقعوني علشان بس يثبتوا لبشوات عيلة الزين سوء اختيارهم ليا.
- قصدك مين باللي حاولوا دول يا مدام... جملة حادة وجهتها لها سميحة وهي ترمقها بنظرات غاضبة.
لتنطق الأخرى بثبات:
- تقدري تسألي الباشمهندس أحمد في الموضوع ده، هو عنده علم بكل حاجة حصلت هنا في الشركة، من يوم ما أنا استلمت منصب رئيس مجلس إدارة المجموعة، لحد اللحظة اللي أنا وإنتِ قاعدين نتكلم فيها دي.
أرادت سميحة إشعال روحها فأجابت ببرود:
- هبقى أسأل فؤاد أفضل، مش حابة أتعب بابي معايا. وبعدين...
وتابعت بنظرة تحدي:
- أنا برتاح أكتر في الكلام مع فؤاد، لأننا فاهمين بعض كويس قوي، بحكم إننا متربيين في بيت واحد وعمرنا كله قضيناه مع بعض.
وباتت تسرد لها:
- قعدنا في بيت جدو قبل ما كل واحد يبقى له بيت لوحده ويتنقل فيه، وسفريات الصيف ورحلات لندن وباريس، ومزرعة الخيول وسباقتنا اللي كنا بنستمتع بيها.
مع كل كلمة تنطق بها كانت تزيد من اشتعال روح تلك العاشقة التي انفجرت وما عادت تستطيع الاحتمال:
- ياريت يا دكتورة تهتمي بجوزك هو كمان وتفتكري ذكرياتك معاه، هو مش برضه من العيلة وأكيد كان ليكم مع بعض ذكريات؟!
وتابعت بضغط وتأكيد:
- وأهو على الأقل لما تفتكري ذكرياتك معاه مش هتاخدي ذنوب زي غيره.
احتدمت ملامحها وامتلأت بالغضب لتهب واقفة وهي تقول:
- أنا مسمحلكيش تدخلي في حياتي الشخصية وتقولي لي أعمل إيه ومعملش إيه يا مدام!
وتابعت والغل يأكل قلبها:
- أنا اللي غلطانة لما فكرت أغير من طريقة تعاملي معاكي وجيت لك علشان أبلغك إن اللي كانت عاوزة تأذيكي وقعت في نفس الحفرة اللي حفرتها علشانك، وده بسببي وبسبب ذكائي.
واستطردت بلهجة حادة:
- وبدل ما تشكريني وتحفظي جميلي عليكِ، بتعاملتي بمنتهى قلة الذوق، لا وكمان قاعدة تسمعيني في خطب وتديني نصايح.
وتابعت متبعة سياسة قلب الطاولة:
- قبل ما تعملي عليا أبلة الناظرة وتديني نصايح، روحي شوفي بلاويكي وماضيكي الزبالة اللي ورطتي العيلة كلها فيه، مش بس الغبي ابن عمي اللي دخلك عيلة الزين وحطك في مكانة مكنتيش تحلمي بيها.
حاوطت فكها بأناملها الرقيقة وتحدثت بهدوء ما قبل انطلاق العاصفة:
- وإيه كمان يا دكتورة، طلعي الغل والحقد اللي مخبياه في قلبك بقالك سنين.
وتابعت بابتسامة شريرة:
- حارقك قوي إن فؤاد اختارني ولتاني مرة يرفضك.
اتسعت عينيها بجنون لتصيح بصراخ هائج:
- إنتِ اتجننتي، إزاي تكلميني بالطريقة دي، شكلك نسيتي نفسك وأصلك.
انتفضت لتقف بجسد ينتفض جميع خلاياه لتهتف بغضب وصرامة:
- أصلي وتربيتي هما اللي مخليني مكملة ومستمرة في مكاني لحد الوقت، فؤاد علام اختارني من بين كل الستات اللي كانوا بيلفوا حواليه علشان بس يشوفهم بعيونه.
هدأت قليلاً لتتابع بلهجة شديدة تصل للغرور:
- فؤاد علام بجلالة قدره هو اللي قعد سنة بحالها يلف حواليا، عارفة ليه؟
كان قلبها يغلي كبركان لتتابع الأخرى بنبرة أهدأ:
- لأنه لقاني مختلفة، شاف فيا الست المحترمة اللي محافظة على نفسها واللي هتصون اسمه في غيابه قبل حضوره، شاف فيا أم أولاده اللي هيفتخر بتربيتها ليهم.
استمرت بالحديث وهي تقول باعتزاز وكبرياء:
- أنا إيثار الجوهري مديرة مكتب أيمن الأباصيري، المطلقة البسيطة اللي مفيش راجل من الكتير اللي حاولوا يقربوا لي قدر يلمس طرف فستاني، واللي وكيل النيابة من أول يوم شافني فيه وهو مقرر إني هكون مراته.
رفعت سبابتها لتنطق بتوعد مباشر:
- أنا مرات فؤاد علام وأم أولاده، إوعي بعد النهاردة تحاولي تقللي مني.
وتابعت محذرة:
- وكلمة أخيرة واعتبريها نصيحة، إبعدي عن جوزي يا سميحة، وإلا قسمًا بربي هفضحك قدام العيلة كلها، هكشف لهم عن الوش الحقيقي للدكتورة المحترمة اللي سابت شغلها في دبي وسحبت وراها جوزها وعيالها علشان ترجع تقرب من حبيب القلب اللي ولا مرة اختارها، إبعدي عن جوزي، يا سميحة.
وتابعت بشراسة أنثى عاشقة:
- واعتبريه تهديد ما قبل العاصفة، اتقي شر قلب ست بتعشق جوزها ومتأكدة إنه بيموت في التراب اللي بتمشي عليه، مش هسمح لك تقربي من جوزي بعد النهاردة.
هزت سميحة رأسها بذهول قبل أن تنطق مستنكرة بازدراء:
- إنتِ واحدة مجنونة.
أجابتها بأعصاب باردة:
- يبقى خليكي زي الشاطرة وتتقي شر جناني، مش برضه بيقولوا ليس على المريض حرج.
فرغت جعبتها لتهز غاضبة بجنون:
- أنا مش هرد عليكِ علشان منزلش لمستواكِ، أنا هنقل كل كلامك ده لفؤاد وهخليه يجيب لي حقي منك.
رفعت حاجبها مستنكرة:
- وإنتِ فاكرة إن فؤاد لما تروحي تشتكي له مني هيقف في صفك ضدي؟ ده إنتِ تبقي طيبة قوي، يا بنتي فؤاد بيعشقني، إفهميها بقى.
هرول كلاً من بسام وأيهم بعدما علت أصواتهم واخترقت الجدران، لتسمع كلاً منهما إلى بعض الطرقات السريعة وبعدها دفع أيهم الباب ليدخل سريعًا وتلاهُ بسام الذي طرح سؤالاً وهو يتطلع بين كلتيهما:
- فيه إيه، صوتكم جايب آخر الشركة؟
- فيه إن المدام اتعدت حدودها معايا في الكلام، وأنا مش هسكت، والله ما هسكت يا بسام...
أنهت سميحة كلماته الغاضبة واندفعت مغادرة كثور هائج لا يرى أمامه من شدة غضبه. انسحب بسام خلف شقيقته بعدما رمق إيثار بنظرة ازدرائية، بينما هتف أيهم بغضب حاد تجلى في نبراته:
- مالها الست دي يا إيثار، وإزاي تكلمك بالطريقة دي؟
استندت بكفيها على المكتب ثم ابتسمت وهي تقول بطريقة متهكمة:
- سيبها تخرج الغضب اللي جواها بدل ما تنجلط وأعيش بذنبها.
ابتسم ليعقب:
- للدرجة دي قهرتيها يا بنت الجوهري.
بملامح وجه مكفهرة نطقت من بين أسنانها:
- دي آخرة اللي ييجي عليا يا أيهم، الهانم جايه تصيع عليا وفاكراني غبية وهصدق لعبتها، كانت فاكرة إني هشكرها وأفتح لها حياتي ونقرب من بعض علشان تعرف تختار مناطق ضعفي اللي هتضربني منها كويس، بس ده بعدُها، أنا واقفة لها بالمرصاد، ومبقاش إيثار الجوهري إن ما كنت أخليها تلم شنطها وتسحب التافه جوزها في إيدها ويرجعوا على دبي في أقرب وقت.
وهمست بهسيس بالكاد سمعته هي:
- فؤاد علام ملكي، واللي هيقرب من ملكي مش هسيبه غير وروحه طالعة في إيدي.
***
داخل المكتب الخاص بسميحة، كانت تجوب المكان بجنون وهي تتحدث:
- أنا أتعامل بالطريقة دي ومن مين، من واحدة مقبلش أشغلها عندي سكرتيرة، ربنا يسامحك على اللي عملته في عيلة الزين يا فؤاد، معرفش عقله كان فين وهو بيختارها واجهة ليه، وعمي إزاي وافق على الفضيحة دي، لا ومكتفاش بفضيحة جوازه منها، ده كمان ركبها علينا في الشركة وخلاها ترأسنا كلنا و تدينا أوامر.
- تستاهلي كل اللي إنتِ فيه وأكتر يا سميحة، عارفة ليه... جملة نطق بها ذاك الذي يقف متفرجًا واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله والابتسامة تعلو ثغره.
لتلتفت إليه تلك الغاضبة ليتابع هو بشماتة:
- علشان جت لك الفرصة إنك تخلصي منها وتخلصينا كلنا وإنتِ بغبائك ضيعتينا.
أشارت بسبابتها إليه وتحدثت بجدية:
- مفيش حد غبي غيرك يا بسام، إنتَ مش بس غبي ومبتفهمش، إنتَ حقود.
احتدمت ملامحه وامتلأت بالغضب لتتابع هي بإبانة:
- علشان متضايق من واحدة تروح تتفق مع العدو وتضيع سمعة العيلة كلها.
وتابعت بإبانة أظهرت مدى ذكائها:
- هو أنتَ فاكر إن الزفتة دي لو انقبض عليها في قضية رشوة مش هتضر باسم شركتنا وتخسف بأسهمها الأرض؟ ده غير إني كنت هحط نفسي في مواجهة الوحش، هو أنتَ فاكر إن الخطة الهبلة اللي عملتها البت اللبنانية دي كانت هتعدي على واحد بدهاء وخبرة فؤاد، ده كان هيدور ويقلب الدنيا لحد ما يظهر الحقيقة ويطلع مراته منها زي الشعرة من العجينة.
وتابعت بسخرية:
- وأنا اللي كنت هشيل كل الليلة ومش بعيد كان ضحى بيا وحبسني مكانها.
تشتت عقل الآخر ليجيبها:
- أكيد الست كانت هتخطط بطريقة ذكية للموضوع ومكنش هينكشف.
أطلقت ضحكة ساخرة ثم تحدثت بتهكم:
- لا هي من ناحية ذكية فهي أثبتت إنها فعلاً ذكية، بدليل إنها رايحة بنفسها المينا تستلم شحنة الهيروين وكل الأوراق باسمها.
***
داخل الحرم الجامعي، كان يتحرك ممسكًا بيده كوبًا من مشروب النسكافيه. تحركت إليه سريعًا ساندي بمجرد ما إن لمحته، تكاد تكون تراقبه طيلة اليوم في محاولات مستمرة ومستميتة للتقرب منه. تحدثت وهي تبتسم بدلال:
- ازيك يا حضرة الظابط.
بنبرة جادة أجابها:
- أنا تمام، إنتِ أخبارك إيه؟
- مش كويسة... قالتها بعبوس مصطنع لتكمل بدلال حاولت به جذب ذاك الوسيم:
- وزعلانة منك قوي.
- ليه بس... قالها بهدوء لتجيبه:
- علشان طلبت منك أكتر من مرة نتقابل برة الجامعة وإنت كسفتني.
تنهد براحة ثم أجابها وهو يتحرك باتجاه المكتبة لمراجعة بعض المراجع:
- إنتِ عارفة كويس إن معنديش رفاهية الوقت للخروج.
كاد أن يكمل ليقطم كلماته وهو يستمع لرنين هاتفه الذي أخرجه سريعًا لينتفض قلبه رهبة حين وجد نقش اسم فؤاد علام. ارتبك وانتابته عدة مشاعر مختلطة ما بين ألم وحزن وفرحة وأيضًا لوم كبير. نطق للأخرى وهو يتخذ جنبًا:
- بعد إذنك.
- ألو... قالها بجدية أظهرت للأخر مدى حزن يوسف.
لينطق فؤاد بجدية فهو الآخر ما زال غاضبًا من تصرف الفتى:
- أيوه يا باشمهندس.
علم من هنا أنه غاضبًا للغاية فتابع فؤاد بجدية:
- أنا بكلمك علشان أبلغك بحاجة مهمة حصلت ولازم تعرفها.
كانت كلماته عملية أكثر من اللازم بالحد الذي جعل يوسف يتيقن من أن فؤاد لن يغفر له ذلته بسهولة. هو أيضًا حزين مهموم من معاملة فؤاد له بطريقة مهينة بذاك اليوم المشؤوم وحتى الآن يعامله برسمية كشخص غريب عنه:
- خير حضرتك.
قص عليه تلك المؤامرة الحقيرة التي حاكها والده ورولا بالاتفاق مع سميحة، ليقول لائمًا:
- عرفت أنا ليه مكنتش عاوزك تدي لأبوك فرصة يقرب منك ويدخل حياتك، لأنه راجع وقاصد أذية أمك.
واسترسل بحدة بالغة:
- ولو أمان أمك ميهمكش يا حضرة الظابط، فهو مسؤوليتي، وأمانها قصاده روحي.
صاح يوسف بلهجة شديدة:
- حضرتك عارف أمي بالنسبة لي إيه.
نطق ساخرًا يخبره بما يعلمه من خلال المراقبة الشديدة التي وضعها هو على الشاب لتأمينه:
- آه عارف، بدليل إنك زورت عمرو في بيته وقعدت وأكلت معاه هو وجدتك وباقي العيلة.
ذُهل من معرفته بالأمر وتحدث بعدما تمالك من حاله:
- أكيد اللي وصل لحضرتك المعلومات قال لك كمان إني كنت رايح أجيب اختي، اللي جدتها بعتت لها رجالة قطعوا طريق رجوعها من الكلية وخطفوها لعندهم.
صُعق مما استمع إليه، من أي مادة مصنوعة قلوب هؤلاء البشر، ألم يشفع لهم مرض تلك المسكينة ليضاعفوا آلامها ويزيدوها رعبًا داخل قلبها. وبرغم غضبه مما استمع إليه لكنه لم يظهر أي ردة فعل وتحدث بحدة:
- حوارات عيلتك دي كلها متخصنيش يا يوسف، أنا اللي يهمني في الموضوع ده كله هي مراتي، قسمًا بربي يا يوسف، لو عمرو البنهاوي حاول يأذيها بأي شكل من الأشكال ما هعمل حساب إنه أبوك تاني.
من شدة غضبه شعر بعروقه تنفر وتنتفض. لم يعد يعلم من أين تأتيه الضربات، هل يحزن على هذا الأسلوب الجديد الذي يعامله به أبوه الروحي، أم على ابتلائه في الدنيا المتمثل بذاك "العمرو". تحدث بصوت تملؤه خيبة الأمل:
- لما ييجي تحت إيدك تاني مترحمهوش، ومن النهارده حضرتك اعتبرني مش موجود في حياتك، واتصرف على إني مليش أي وجود في دايرتك.
وتابع تحت انتفاضة قلب فؤاد وارتيابه:
- بعد إذن حضرتك.
أغلق الهاتف تاركًا فؤاد لتأنيب ضميره. جذب شعر رأسه بقوة وعنف ودق بقدمه الأرض. لام حاله على تلك الكلمات الحانقة التي خرجت نتيجة غضبه من عمرو. أراد أن يهاتفه مجددًا ويعتذر له عن كل ما بدر منه من كلمات جارحة لم تخرج من قلبه المحب لذاك الحبيب الذي تربى داخل كنفه. هز رأسه بأسى وقرر مهاتفة الفتى لاحقًا حتى تهدأ ثورتيهما وتخمد نار غضبهما الذي تسبب به "عمرو البنهاوي".
استقل الشاب سيارته وقادها بسرعة جنونية تاركًا تلك التي زفرت بحدة من تجاهله لها حتى أنه غادر الجامعة دون الاعتذار منها.
***
داخل منزل عمرو البنهاوي.
يجلس هو وسليم ونائلة بصحبة المحامي لتنطق الأخيرة بدموع وانهيار:
- دخيلك تطمني وتقولي إن بنتي راح تطلع من هاديك القضية بسلام.
تحدث المحامي بثقة:
- متقلقيش يا هانم، القضية سهلة جداً، بمجرد ما الموظف اللي أقنعتوه يروح النيابة ويعترف إن هو اللي اتفق على تهريب شحنة الهيروين في الأجهزة، وإن مدام رولا ملهاش أي علاقة هتخرج بسهولة.
سأله عمرو بارتياب:
- طب والتسجيلات اللي مسجلاها بنت عم فؤاد علام يا متر؟
- تبلها وتشرب ميتها... نطق بها الرجل ساخرًا ليتابع موضحًا الأمر:
- التسجيلات دي ملهاش أي لازمة وغير معترف بيها لأنها تمت بدون إذن من النيابة العامة.
نطق سليم إلياس مستفسرًا:
- وإذا فؤاد علام أوجد إذن النيابة، شو راح يصير ببنتي يا أستاذ؟
نطق الرجل بطلاقة لمعرفته بفؤاد:
- فؤاد علام أذكى من إنه يزق باسمه واسم والده في حاجة مشبوهة زي دي، ده راجل مرشح لإنه يكون عضو من أعضاء هيئة المستشارين بالمحكمة الدستورية العليا، فاطمنوا.
وتابع بدهاء رجل قانون متمرس:
- من خلال خبرتي أقدر أقول لكم إن اللي عمله فؤاد علام قرصة ودن لـ عمرو بيه مش أكتر، لأنه لو عنده النية فعلاً يسجن المدام كان حبك القضية أكتر من كده، ومكنش ساب ثغرة واحدة لمحامي يعرف يعدي منها.
سأله سليم:
- وبرأيك شو يلي منعه يا أستاذ؟
- ضميره الحي، عيلة الزين وخصوصًا علام وابنه، معروفين بالسمعة الطيبة والضمير الحي. وتابع مستشهدًا:
- يا راجل ده سجن مراته ومخافش من الفضيحة ولا على شكله قدام الناس.
صاحت نائلة ودموعها تغرق وجنتيها:
- ميهمنيش كل اللي عم تحكوا فيه، أنا بدي بنتي تخرج اليوم قبل بكرة.
أجاب الرجل بثقة:
- هتخرج يا هانم، شوفوا بس الراجل اللي هيشيل الليلة وراضوه كويس علشان لما النيابة تضغط عليه ميضعفش ويعترف ويضيع كل اللي رتبنا له.
أجابه سليم بثقة:
- لا تقلق، أنا عطيته مبلغ إذا بيقضي عمره كله عم يرمح رمح ما بيجمع ربعه.
قطع كلامهم صياح يوسف الذي هتف بقوة زلزلت جدران المنزل:
- إنتَ فين يا عمرو يا بنهاوي، إطلع لي هنا وكلمني راجل لراجل.
هتفت إجلال التي تجلس ببهو المنزل مرتكزة على تلك العصا تتكأ عليها:
- فيه إيه يا واد، مالك داخل علينا حامي كده؟
- إبنك فين؟... قالها بحدة وغضب ليجتمع جميع من بالمنزل على صياحه العالي، حتى زينة هرولت من المطبخ حيث أمرتها إجلال بتجلي الصحون كنوع من التسلية وممارسة أقرب الهوايات إلى قلبها، ألا وهي قهر وإذلال الآخرون.
هرول عمرو على نجله ليسأله بهلع:
- مالك يا يوسف، فيه إيه يا ابني؟
بأعين تطلق حممًا بركانية هتف:
- إوعى أسمعك بتقول كلمة ابني دي مرة تانية، إنتَ فاهم.
وهَرول يقابله بالوقوف، كور قبضة يده ورفعها للأعلى ثم نفضها بحدة في الهواء ليهتف من بين أسنانه والشرر يتطاير من عينيه:
- المفروض تحمد ربنا ألف مرة على إني متربي كويس وعارف ديني، وإلا كان زماني مخلص عليك ومخلص أمي من شرك.
هتف سليم وهو يحث المحامي على التقدم للخارج:
- اتفضل معي يا أستاذ.
خرج كلاهما وصعدت نائلة للأعلى تاركة هؤلاء المجانين كي يمارسوا هوايتهم المفضلة وهو التشاجر وممارسة الصوت العالي.
هتفت إجلال وهي ترمق الشاب باحتقار:
- إخص على ربايتك، إنتَ فعلاً ترباية مرة يا واد يا يوسف.
التفت إليها بأعين تطلق أسهمًا نارية:
- ترباية المرة اللي بجد واقف قدامك أهو.
اتسعت أعين عمرو وهو يرى نجله الحبيب يشير إليه ليتابع الفتى بشراسة:
- اللي يتفق مع مراته على أم ابنه ويحاول يلفق لها تهمة مخدرات ويسجنها، هو ده اللي يتقال عليه ترباية نسوان بجد.
- أنا معملتش كده، والله العظيم ما ليا يد في أي حاجة ولا كنت أعرف... قال تلك الكلمات بدفاع وتبرئة حاله ليتابع وهو يتطلع لعينيه برجاء:
- أنا عمري ما أفكر أأذي إيثار لسببين يا يوسف.
همس متأثرًا:
- الأول لأني لسه بحبها وعمري ما نسيتها.
وتابع بصدق وهو يحيط كتف الفتى:
- والتاني لأنها أمك يا حبيبي.
نفض عنه يده وتحدث بحدة:
- كلامك ده تروح تضحك بيه على أي حد غيري.
صرخ عمرو بدفاع عن حاله:
- والله العظيم يا ابني دي الحقيقة.
نطق سليم الذي ولج للتو بعدما تحدث بالحديقة لبضع دقائق مع المحامي:
- صدقه لبيه يا يوسف، بيه عم بيقول الحقيقة.
قالها وصعد لزوجته لينطق يوسف بغضب:
- اسمعني كويس يا عمرو يا بنهاوي، قسمًا برب الكون، لو حاولت تقرب من أمي تاني لانسى إنك أبويا وأنسفك من على الأرض نسف.
تفت إجلال بحدة متهكمة:
- والله وعرفت تربي بنت منيرة.
تحرك ليغادر فجذبه عمرو من رسغه وهو يقول بعدما أرغمه على الوقوف:
- فؤاد علام بيحاول يفرق بينا يا يوسف، إوعى تدي له الفرصة دي.
- فؤاد علام أشرف منك ألف مرة... قالها باشمئزاز وهو يجذب رسغه بحدة ليتابع بتهديد صارم:
- لأخر مرة هقولها لك، إبعد عن أمي واتقي شر غبائي.
تحرك خطوتان صوب باب الخروج لتهرول إليه الفتاة وهي تنادي باسمه بندم:
- يوسف.
قطعت طريقه وأمسكت ذراعيه وكأنها تستنجد به، وقفت تتطلع عليه بأعين دامعة آسفة تجول على ملامحه التي اشتاقتها بألم. ابتلع ريقه لينطق بحزم:
- هستناكي برة في العربية على ما تجيبي حاجتك.
حركت رأسها عدة مرات بسعادة لتهرول سريعًا إلى الدرج كعصفور سجين فُتح له باب القفص. خرج يوسف ينتظر شقيقته بالخارج ليقف عمرو مكتوفي الأيدي بقلب مكسور لتنطق إجلال وهي تدق الأرض بعصاها:
- يا خيبتك في عيالك يا عمرو يا ابني، زرعتك كلها طرحت في أرض غيرك.
تنهد بألم ونظر أمامه وهو يشعر بخيبة الأمل والحسرة لخسارته لنجله رغم محاولاته المستميتة لاحتوائه والتقرب منه.
بعد قليل كانت تجاور شقيقها سيارته، تطلعت عليه وهو يقود وينظر أمامه كالألة. ابتلعت ريقها لتضع كفها فوق كفه وهي تقول بخجل:
- أنا آسفة يا يوسف.
تطلع عليها لتخرج تنهيدة حارة شقت صدر كلاهما لتشهق هي بدموع الندم. رق قلبه ولان فصف سيارته جانبًا ليأخذها بين أحضانه وبات يربط على ظهرها حتى هدأت واستكانت.
***
ليلاً داخل منزل ماجد.
يجلس حول تلك الطاولة المتواجدة بالحديقة تجاوره فريال وبالمقابل سميحة التي أتت لزيارتهما كي تشتكي إلى فريال زوجة أخيها التي تعدت جميع خطوتها بالنسبة لها. هتفت بحدة والحنق يتملكها:
- أنا، دكتورة سميحة الزين يتقال لي الكلام ده يا فيري، ومن مين، من واحدة دخيلة على عيلتنا.
وتابعت بحدة أعنف:
- ولما أقول لها هشتكي لفؤاد وهو هياخد لي حقي منك، تقولي بكل غرور وهي بتضحك، هو انتِ فاكرة بغبائك إن فؤاد ممكن يقدر يزعلني ولا يعملي حاجة، ده بيموت في التراب اللي أنا بمشي عليه.
نطقت بهدوء لاخماد ثورة ابنة عمها:
- يا حبيبتي اهدي شوية، أكيد إيثار متقصدش بكلامها المعنى اللي وصلك.
بلهجة غاضبة عنفت الأخرى:
- هو انتِ لسه هتدافعي عنها بعد كل الكلام اللي حكتهولك ده يا فيري؟
كان متكئًا على المقعد محاوطًا فكه بأصابع يده يتطلع على سميحة بتتمعن وهو يستمع لحديثها باستمتاع وحبور داخلي، ليقرر التدخل بكلماته المسمومة قائلاً:
- ريحي نفسك يا سميحة، فريال عمرها ما هتيجي على الهانم علشانك أو علشان أي حد.
وتابع ساخرًا:
- إذا كانت بتقف ضدي أنا شخصيًا علشانها، هتقف معاكِ ضدها إزاي؟
- ماجد من فضلك... جملة تحذيرية قالتها فريال ليهيج هو أكثر مستغلاً غضب سميحة:
- بلا من فضلك بلا زفت بقى، الموضوع كده زاد عن حده، الهانم أخدت راحتها على الآخر لدرجة إنها اتجرأت على أخوكِ شخصيًا والغريب في الموضوع إنك لسه بتحامي لها.
نطقت بدفاع مستميت لأجل صديقتها:
- بلاش تحكم على حد من غير ما تسمع منه يا ماجد.
أشار بكفه إلى سميحة ونطق لإشعال غضبها أكثر:
- اتفضلي.
هاجت الأخرى وصاحت بعتاب:
- قصدك إن أنا كذابة وبأفترى عليها يا فيريال؟
- أكيد مقصدش كده يا سميحة... وتابعت بحكمة:
- ممكن تهدي بقى علشان نعرف نتفاهم.
بحدة بالغة أخرجت كلماتها:
- نتفاهم على إيه، أنا جاية أشتكي لك من مرات أخوكي اللي أهانتني قدام الشركة كلها، وإنتِ بتكذبيني من قبل حتى ما تسمعي منها، فاضل إيه تاني نتكلم فيه يا فيري؟
أجابتها ببعض من التعقل:
- أنا مكذبتكيش ولا أقدر أقول كده، أنا بقول يمكن فهمتي كلامها غلط.
تحدث من جديد لإشعال الفتنة:
- يا سميحة أنا قولت لك ريحي نفسك، إيثار هانم خلاص، ملكت الشركة وأصحابها وانتهى الموضوع.
هتفت بجنون:
- أنا هتجنن يا ماجد، إزاي قدرت تسيطر على عقول الكل بالشكل ده، ده حتى بابي لما روحت أشتكي له منها غلطني ووقف معاها، أنا معرفش الست دي عملالهم إيه، ده أنا لو بصدق في السحر كنت شكيت إنها عاملة لهم أعمال!
نطق بغل وحقد:
- خبث ولؤم الفلاحين مفعوله أشد من السحر يا دكتورة.
- ماجد، متنساش إن اللي بتتكلم عنها دي تبقى مرات سيادة المستشار فؤاد علام... قالتها فريال بلهجة حادة لتتابع باستغراب:
- ثم أنا مش فاهمة إنتوا ليه حاطينها في دماغكم قوي كده، الست في حالها وعمرها ما أذت حد فيكم.
صاحت سميحة باعتراض:
- ولما تاخد المكانة دي في شركة عيلتي متبقاش بتأذينا يا فريال؟
نطق ذاك الشيطان:
- سميحة عندها حق، دي شركتكم أنتم، شركة أولاد الزين ولازم اللي يديرها يبقى حد منكم، على الأقل هتحافظوا على مالكم، طب أهي مشغلة أخوها ومراته معاها في الشركة، حد عارف بيعملوا إيه من الباطن، مش يمكن بيمرروا صفقات لحسابهم وإنتوا مش حاسين.
هتفت سميحة مؤكدة:
- عندك حق يا ماجد، الهانم واخدة صلاحيات إن محدش يقدر يراجع وراها، دي أوراقها الخاصة بشغلها محدش يقدر يوصلهم يا ماجد، تخيل؟
نطقت فريال تجيبها:
- فؤاد هو اللي مديها الصلاحيات دي علشان يأمنها، لأنها مستهدفة يا سميحة، وإنتِ بنفسك شفتي لما الحقيرة مرات طليقها حاولت تلفق لها تهمة زور.
وتابعت ردًا على حديث زوجها:
- وبالنسبة لإدارة الشركة فهي أحق حد بإدارتها، أولاً جوزها بيمتلك أكتر من سبعين في المية من الأسهم بعد بابا ما اتنازل له عن الأسهم بتاعته، يعني معظم الشركة ملك لأولادها وهي أحق بإدارة مالهم.
اتسعت أعين سميحة لينطق ماجد باستسلام:
- أنا قولت لك من الأول متتعبيش نفسك يا سميحة.
***
في الصف المقابل، تقف إيثار داخل شرفتها تتطلع على اجتماع ذاك الثلاثي بقلب حزين. نزلت إلى الأسفل وتطلعت بأسف على قلبها الماكث خلف باب ذاك المكتب المغلق. فمنذ ما حدث بمنزل نجلها وهو بعيدًا كل البعد عنها، يستيقظ باكرًا دون أن ينظر لوجهها ويذهب إلى عمله ثم يعود إلى المنزل يتناول وجبة غدائه مع العائلة ثم يقضي معظم يومه داخل ذاك المكتب اللعين ولا يخرج منه سوى على النوم بحجرتهما المشتركة تجنبًا لتنفيذ تلك الغاضبة لتهديدها.
استمعت لأصوات ضحكات أنجالها الثلاث يأتي من حجرة المعيشة حيث كانوا يجلسون بصحبة جديهما لمشاهدة أحد الأفلام العربية. تنهدت بأسى وشعرت بالوحدة فتحركت لتجلس بالحديقة عل استنشاقها للهواء النقي يساعدها على الاسترخاء قليلاً وتحسن حالتها المزاجية. أقبلت عليها عصمت التي تحدثت:
- قاعدة لوحدك ليه يا إيثار؟
اعتدلت بجلستها وتحدثت بصوت يحمل الكثير من الهموم:
- متوترة شوية ومحبتش أضايقكم معايا.
جلست بالمقابل وسألتها:
- بردوا مش عاوزة تقولي لي إيه اللي حصل بينك وبين فؤاد ووصل الأمور بإنه يحبس نفسه في المكتب بالشكل ده؟
أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بعدما اتخذت قرارها:
- أنا هحكي لك يا ماما، بس بعد إذنك، اللي هحكيه يفضل ما بينا، لأن لو فؤاد عرف مش هيسامحني، ده غير إن بابا لو عرف مش هيسكت وممكن المشكلة تكبر أكتر من كده، وكمان علشان أحكي لك على اللي حصل من الدكتورة سميحة النهارده في الشركة.
قصت لها كل ما حدث بدايةً من حضور عمرو إلى منزل يوسف حتى مشاداتها مع تلك السميحة.
شقهقت عصمت وتحدثت بذهول رافض:
- إزاي فؤاد يقلل من نفسه ويخاطر بمنصبه بالشكل المتهور ده، ده الباشا لو عرف هيخرب الدنيا.
حاوطت كفها بخاصتها في محاولة لكبح غضبها وهي تقول:
- أرجوكِ تمالكي أعصابك وحاولي تهدي، أنا علشان كده قولت لك الباشا الكبير مش لازم يعرف.
- وتفتكري واحد في منصب الباشا ووضعه في البلد مش هيعرف يا إيثار؟
أجابتها الأخرى بتأكيد:
- مش هيعرف لأن فؤاد عاوز كده، فأكيد بطريقته هيمنع أي معلومة توصل للباشا.
ضيقت بين عينيها بتفكر ثم سألتها:
- بس غريب قوي تصرف سميحة معاكِ!
نطقت إيثار بدهاء:
- ولا غريب ولا حاجة، سميحة مش هبلة زي بسام، هي ست ذكية وأكيد حسبتها بعقلها وقالت إن فؤاد كده كده هيعرف زي ما كشف بسام قبلها.
ونطقت بما أملته عليها ضميرها:
- ده غير إنها فعلاً أثبتت إن ولاءها لعائلتها كبير، سيبك من إنها بتكرهني، بس كانت ممكن ترفض عرض رولا وتكتم على الموضوع من غير ما تبلغ فؤاد، بس هي لعبتها بذكاء، كسبت ثقة فؤاد بإنها بلغته وسجلت لها، وتاني حاجة حمت عيلتها من واحدة مجرمة بتخطط توقع شركة العيلة وتسوء سمعتها في المجالس.
سألتها عصمت بألم ظهر بعينيها:
- ويوسف حبيبي عامل إيه، قدر يتخطى اللي حصل ولا لسه مأثر عليه؟
بدى على وجهها التأثر والحزن لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تتحدث:
- بيحاول يكون كويس، إنتِ عارفة يوسف كتوم ومبيحبش يظهر اللي جواه، ودي مشكلته، بيتحمل من غير ما يبين إنه تعبان أو مقهور.
ناقشتا بجميع النقاط ثم تحدثت عصمت بدهاء:
- طب وإنتِ هتفضلي سايبة جوزك زعلان كده كتير؟
طالعتها بذهول لتتابع الأخرى بذكاء:
- أنا خايفة لسميحة تستغل خصامكم وتقرب منه علشان تغيظك.
تحدثت بشراسة من بين أسنانها:
- خليها تقرب وهي تشوف الوش التاني لإيثار الجوهري، أنا مكنتش بهوش بالكلام اللي قولتهولها يا ماما، أنا كنت بحذرها علشان تستغل آخر فرصة وتختفي من حياة جوزي.
وتقريبًا هي فهمت رسالتي وعرفت إني جبت أخري منها وصبري عليها نفذ، علشان كده جت تشتكيني لفريال وماجد.
تطلعت عصمت إليها وصمتت فتابعت مسترسلة بحدة:
- فؤاد غلط فيا وأهاني يا ماما، وده كله عندي كوم، ومعاملته ليوسف وإنه يزقه بالشكل ده كوم تاني، كله إلا يوسف يا ماما، كله إلا يوسف.
قالت كلمتها الأخيرة بدموع ترقرق بعينيها مما جعل الأخرى تتحدث وهي تربط على كفها باحتواء وحنان:
- بلاش تدي لموضوع يوسف حجم أكبر من اللي يستحقه يا إيثار، يوسف غلط بالنسبة لفؤاد وأي ابن بيغلط أبوه بيعنفه وبيعامله بشدة علشان ميكررش غلطه تاني، وكلنا عارفين يوسف إيه بالنسبة لفؤاد، ده مبيقولش عليه غير ابني البكري، وإنتِ أكتر واحدة عارفة الكلام ده كويس ولمساه في معاملة فؤاد ليه، وأكيد إنتِ مش مستنية إني أفكرك بالكلام ده كله.
نطقت بصوت مختنق بفضل دموعها الحبيسة:
- حضرتك مشوفتيش هو زقه إزاي يا ماما.
أجابتها بنبرة حنون للتخفيف من ثقل ما تشعر به من انكسار:
- يا حبيبتي قولنا ابنه، واحد غضبان وفرغ غضبه في ابنه، اللي من وجهة نظره هو السبب في المشكلة لأنه سمح لابوه يدخل البيت وإنتِ موجودة. إنتِ الوحيدة اللي في إيدك حل المشكلة بمنتهى السهولة يا إيثار.
قطبت جبينها وترقبت حديث والدة زوجها فتابعت الأخرى برزانة:
- حاولي تهدي يوسف من ناحية فؤاد وتقربي بينهم من جديد، وراضي فؤاد، خديه في حضنك وطبطبي عليه، الراجل لما بيغير بيبقى عامل زي الأعمى، لا بيشوف ولا بيسمع اللي بيقوله، وهو أكيد ندمان على كل اللي قاله وعمله، بس مكسوف يبدأ هو.
نطقت متهكمة:
- آه، هو مكسوف وكرامته غالية عليه وأنا كرامتي متاحة للجميع يدوسوا عليها ويهينوا فيا وبكل بساطة أرجع مذلولة وأنا اللي أتأسف كمان.
هبت واقفة لتنطق بحدة وصرامة:
- أنا آسفة يا ماما، مقدرش أسمع كلامك المرة دي وأتنازل عن كرامتي.
نطقت عصمت بجدية تعود لحدتها من زوجة نجلها وعنادها الكافر:
- براحتك، أنا نصحتك باللي يمليه عليا ضميري واللي شفته صح من وجهة نظري ومن خلال خبرتي ونضوجي الفكري اللي اكتسبته من السنين، إنتِ بقى ديري حياتك براحتك وزي ما تشوفيها.
أومأت برأسها ثم نطقت بتأكيد:
- ياريت زي ما اتفقنا متقوليش حاجة للباشا.
أجابتها بطمأنة:
- مستحيل أعمل كده، علام لو عرف هيبهدل فؤاد واحتمال يقاطعه فيها مدة كبيرة، لأنه نبهه كذا مرة وأكد عليه.
- متشكرة يا ماما.
تنهدت الأخرى وتحدثت:
- اطلعي خدي لك شاور سخن يحسن من مزاجك وحاولي تهدي شوية، مفيش حاجة بتفضل على حالها، وفؤاد هيزعل له يومين وهيرجع يصفى تاني هو ويوسف.
حركت رأسها بموائمة واتجهت للأعلى للعمل بنصيحة "عصمت".
***
في تمام الحادية عشر تسطحت فوق الفراش ومالت على جنبها واضعة كفها تحت رأسها وباتت تفكر بألم فيما وصلت إليه بفضل ذاك "العمرو". ألم تنتهي لعنتها بعد، إلى متى سترافقها لعنات الماضي وتلاحقها ذنوبهُ، متى ستحيا حياة البشر الهادئة، لقد هرمت روحها من كثرة ما عاشت من مؤامرات وكوارث هي ونجلها. تنهدت حين استمعت لباب الغرفة يفتح بهدوء، ولج ليجد المكان سابحًا في الظلام، تحرك وضغط زر الإضاءة المجاور لطرف فراشه لتظهر بعض الإضاءة الخافتة.
اختفى خلف باب الحمام وخرج بعد مدة وهو يرتدي بنطالًا من القطن الأبيض وصدرًا عاريًا كعادته. تسطح بجوارها وشبك كفاه ليضعهما تحت رأسه. تنهد بحزن ثم استدار لينام على جنبه. تطلع على تلك التي تواليه ظهرها وتتظاهر بالغوص في النوم. اقترب عليها بعدما غلبه الشوق وشق قلبه الاشتياق. قرب أنفه من خصلات شعرها المبعثرة فوق وسادتها البيضاء والتي أظهرت لونه الرائع. أغمض عينيه وبدأ يأخذ أنفاسًا عميقة ليحتفظ داخل رئتيه بأكبر قدرًا من عبق روائحها الذكية التي تنعش روحه وتشعره بالحياة. لقد اشتاقها بجنون، اشتاق عبق روائحها، عطر أنفاسها، عيناها، لمساتها الساحرة لجسده. يا الله، كم يعشق تلك المرأة التي استولت على كيانه واستوطنت العقل قبل القلب. دقات قلبه تضاعفت وباتت تدق بصوت عال ووتيرة سريعة.
تخيلها وهي تعتدل لتملس بأناملها الرقيقة فوق صدره لتشعل جنونه وتزيد لهيب الغرام. تخيلها بين أحضانه وهي تعتذر بعينيها قبل اللسان عن تلك المشاعر القاسية التي تسببت له بها من خلال ما حدث. تخيلها وهي تسقيه من شهد غرامها كؤوسًا وكؤوسًا كتعويضًا عما حدث. ترددت همساتها داخل أذنيه وهي تلقي على مسامعه أعذب كلمات الغرام وتخبره أنه رجل حياتها لتشعره أنه سيد الكون بأكمله. تنفس براحة لمجرد التخيل وزاد لهيب جسده مطالبًا بها. لكنه فاق على ثبات تلك الحبيبة التي باتت تواليه ظهرها بكل ليلة بدلاً من الاعتذار والارتماء داخل أحضانه. كانت تشعر بفوران جسد حبيبها، إن لم تشعر هي به فمن سيشعر. ودت لو بإمكانها العدول عن ذاك العناد والاستدارة لترتمي بين أحضان حبيبها. تمنت لو يحتوي ألمها كعادته ويشدد من احتضانها ليزيل عنها جميع مخاوفها والأحزان. انتظرت بأن يجذبها عنوة ليثبتها بأحضانه بالقوة. كلمة يقولها وينتهي كل هذا العناد ويمضي، "أنا آسف". أقسمت لو فعل هذا وقالها لجنبت كل ما حدث وحاولت نسيانه. انتظرت وانتظرت ولم يأتي فزاد عنادها. حدثتها كرامة الأنثى لديها حين لان قلبها وهمس بأن تعتدل وتطلب وده. قالت لها، أين كرامتك يا امرأة، ألا لعنت الله على الاشتياق، ولتذهب المشاعر إلى الجحيم أمام الكرامة.
***
بعد مرور عدة أيام.
خرجت رولا من القضية تحت تسلية فؤاد الذي جعلهم يرون حجمهم الطبيعي بجواره، لكي يحذروا من التلاعب معه بعد ذلك. ما زال الوضع بائسًا كما هو بين العاشقين "فؤاد" و "إيثار" بل زاد عنادهما وكلاهما بات ينتظر الاعتذار من الآخر. تحسنت علاقة زينة ويوسف بفضل تغافل الأخير لذلة شقيقته. أما ذاك العاشقان الصغيران فقد تفاقم الوضع وأصبح أكثر سوءًا، ومضت بيسان بطريق الانتقام لكرامتها، واليوم هو يوم إتمام خطبتها على ذاك المتسلق على أكتاف الآخرين "نبيل".
أصرت بيسان على إقامة الحفل داخل قصر علام لضمان حضور يوسف بعدما بعثت له بدعوة خاصة إلى مسكنه للحضور بصحبة شقيقته، كي ترى بعينيها الحسرة وهي تملأ عينيه حين يراها تجاور غيره وترتدي خاتم الارتباط به. كانت بإحدى الغرف بالطابق الأعلى، تجلس أمام إحدى مصففات الشعر التي حضرت لتزيينها وإخراجها في أبهى صورة، تجاورها فريال ودموعها الحبيسة ساكنة بعينيها وهي تتطلع على ملامح ابنتها التي سكنها الحزن واستوطن.
أما بمسكنه، فكان واقفًا أمام مرآة الزينة يصفف شعره بعناية فائقة. أمسك بقنينة عطره المميز لينثر بسخاء منها على جسده. ابتسم بسخرية وهو يتطلع على تلك البذلة الفخمة والتي كان قد جلبها خصيصًا واحتفظ بها لذاك اليوم. فقبل حدوث المؤتمر بسبعة أيام فقط قرر أن يذهب بعد المؤتمر مباشرة ليطلب يد حبيبته من أبيها بحضور علام والجميع. كان سيطلب يدها برأس شامخ بعدما أثبت أنه جديرًا بالفوز بأميرته.
أخرجه من شروده طرقات شقيقته التي ولجت لتنطق بأعين حزينة:
- لأخر مرة سأطلب منك متروحش يا يوسف.
تجاهل حديثها واستدار يتطلع عليها بنظرات إعجاب لثوبها وجمالها الهادئ:
- إيه يا بنتي الجمال ده كله، كده هتغطي على العروسة.
تحدثت متأثرة ولمعة دموعها تتلألأ بعينيها:
- بلاش علشان خاطري يا يوسف، إحنا مش مجبرين نحضر.
استدار ليقف أمام مرآته من جديد ليرتدي ساعة يده الفخمة قبل أن يقول بجدية:
- أنا كده جاهز، نقدر نتحرك.
رواية انا لها شمس الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم روز امين
______
«إلى تلكَ التي أهدَتني الكذِبَ والخِداعَ،وقرَرَت بين ليلةٍ وضُحَاها أن تتركَنِي فريسةً للحيرةِ والضياعِ، إلى مَنْ ظَنَنْتُها إمرأةَ العُمُرِ وأسمَيتُها نبضَ الغرامِ،مَنْ أسكنتُها تجاويفَ قلبي وتَوَجتُها ملكةً على عرشِ الوجدانِ، لأكتوىَ بِنارِ غدرِها وبِدونِ مقدماتٍ،إليكِ يا مَنْ ناقَضْتِ العهدَ وبمُنتَهَى التَخَلِي تركتي الوعدَ،أتيتُ إليكِ اليومَ لِأَشهدَ تدوينَكِ لِعهدِكِ الجديدِ لبديلٍ عني،جئتُكِ لأتعمقَ بعيناكِ لِلمرةِ الأخيرَةِ وأنا أُمَزُقُ أمامَكِ تلكَ الدفاترُ التي دونتُ بها قصائِدَ غرامَكِ على مرِ الزمانِ بأحرُفٍ من دَميِ،ولِيشهدَ الجميعُ مرارةَ النِهايةِ كما شَهُدوا روعةَ البدايةِ ، واليومَ، فلِنَنْتَهي.»
«يوسف البنهاوي»
بقلمي« روز أمين»
حالة من التأهب التام تحدث داخل حديقة قصر الموقر "علام زين الدين" حيث تتم أقصى الاستعدادات لاستقبال حفل الخطبة من قِبل الشركة المنظمة المتفق معها من قِبل فؤاد وعلى نفقة علام الذي تكفل بكامل الحفل كهدية لحفيدته الغالية برغم حزنه على ذاك النسب الغير ملائم للجميع.
تحركت نوال بجوار ماجد لتفقد أصناف الطعام الذي سيقدم بالحفل لتقول بجشعٍ وهي تتطلعُ عليه:
-هي الناس دي بتجيب الفلوس دي كلها منين يا ماجد، دي الحفلة دي مصروف عليها ملايين
زفر ماجد بضيقٍ يعود لعدم رضاه على تلك الخطبة برمتها لتسترسل نوال حديثها:
-إهدى بقى وروق يا حبيبي، محدش عارف الخير فين، والولد مش وحش بردو، ده هيبقى سفير وأبوه عنده شركات وفلوس تسد عين الشمس.
-القصة مش قصة فلوس بس يا ماما، الناس دي لا تناسبنا إجتماعيًا ولا علميًا.
-أهم حاجة في الزمن ده هي الفلوس...جملة نطقتها نوال عن إقتناعًا لتقطع حديثهما اقتراب عصمت منهما وهي تسألها من باب الواجب:
-إيه رأيك في البوفية يا مدام "نوال"؟
بابتسامة هادئة أجابتها:
-حلو قوي يا حبيبتي،عقبال ما تعملوا لها بوفية الفرح
بكل ثقة وأريحية أجابتها" عصمت":
-إن شاء الله،وانا بنفسي اللي هشرف على تجهيزه،وعلى مزاجي.
نطقت كلماتها لتنسحب تتابع باقي التجهيزات، لوت نوال فاهها لتسأل نجلها باستنكارٍ:
-هي حماتك بتتكلم كده ليه يا ماجد؟
نطق بتملُل وحدة نابعة من داخله:
-سبيني في حالي يا ماما،أنا مش طايق نفسي.
_______________
بالأعلى
فتح باب الجناح كي يرى ساكنة الروح ويطمئن على حالها، فمنذُ الصباح لم يلمح طيفها بالمنزل، فقد عزلت حالها بغرفة ابنتها كي تتجنب التحضيرات التي تتم داخل القصر وبحديقته لاتمام خطبة حبيبة نجلها الغالي على غيره،لم تتحمل الوضع فابتعدت كي لا يتأذى قلبها أكثر،حتى أنها لم تقترب من غرفة الفتاة والتمست فريال لها عذرًا، وجدها تقف أمام الفراش تساعد الصغير على إتمام ارتداء ملابسه بالكامل،صاح الصغير حين رأى غالي قلبهُ ليقول بسعادة وهو يُشير لثياب أبيه:
-شوفت يا بابي البدلة بتاعتي زي بتاعتك إزاي
ارتسمت ابتسامة مصطنعة على وجهه لينطق بودٍ للصغير:
-جميلة يا حبيبي، حلوة قوي
تحدث الصغير وهو يقفزُ بحبورٍ بَين على ملامحهُ:
-جدو علام حبيبي هو اللي جابها لي مع بدلته
وتابع بثرثرةٍ اتخذها نهجًا عن عزة:
-أنا قولت له عاوز بدلة لونها أبيض زي كريم صاحبي،بس هو قال لي هجيب لك لونها إسود علشان نلبس كلنا شبه بعض، أنا وإنتَ وبابي والعبقري "زينو" حبيبي
رفع كتفيه لأعلى ليتابع:
-بس أنا مش عارف يوسف هيلبس زينا ولا لاء
حاولت تثبيته لتتمكن من إغلاق أزرار قميصه الأبيض ثم نطقت بصوتٍ يكادُ يستمع من شدة حزنها:
-إثبت يا مالك علشان أعرف أقفل لك زراير القميص.
تطلع لوجهها وتمزق قلبه لحالها، فبرغم أنهما مازالا متشاحنان إلا أن قلبه يتألمُ بشدة لأجل حالها وحزنها على فلذة الكبد، اقترب من طاولة الزينة وبدأ يعبت بأدراكها متعللاً بالبحث عن ساعة يده حيث تعمد نسيانها ليصعد مرةً آخرى ويرى فاتنته العنيدة، انتهى الفتى من ارتداء ملابسهُ لتتحدث إليه بانكسارٍ ظهر بصوتها:
-روح لاخوك أوضته زمانه خلص لبس هو كمان وإنزلوا عند جدوا
وتابعت محذرة:
-إوعى تسيب إيد أخوك أو تتشاقى يا مالك
خرج صوتهُ وهو يمسك بقنينة عطره وينثر منها على عنقه وذقنه:
-إستنى يا حبيبي أنا هاخدك معايا وأنا نازل
وتابع بصوتٍ حاد متحاشيًا النظر لوجه تلك التي مازالت بثياب المنزل:
-لما تجهزي إبقي رني عليا علشان أطلع أخدك وننزل الحفلة مع بعض
قالها متحججًا باتباع الأصول لتمتنع هي عن الرد وتتحرك منسحبة تختفي خلف باب الحمام وتترك قلبه للغليان حيث همس من بين أسنانه:
-ماشي يا إيثار،تقلي في حسابك معايا كمان وكمان.
-إنت بتكلم نفسك زي زوزة يا بابي؟!... قالها ذاك المراقب لملامحه ليصيح به الآخر بحنقٍ:
-ملقتش غير عزة وتشبهني بيها يا سرسجي العيلة
وتابع وهو يشير إلى الباب تحت ضحكات الصغير:
-يلا قدامي
هتف معترضًا وهو يهرول إليه:
-حط لي برفيوم من بتاعك الأول.
-تعالي يا يا ابو لسانين... نثر عليه من العطر ثم اصطحبهُ وتحركا إلى حجرة زين لينطق للفتى:
-خلي أخوك معاك يا زين واستنوني هنا في الأوضة، هروح أشوف عمتك وبوسي وأرجع لكم علشان ننزل الحفلة مع بعض
-أوكِ يا بابي... قالها الفتى باحترام لينسحب فؤاد إلى الحجرة التي خُصصت لنجلة شقيقتهُ كي تتجهز بها لاستقبال حفل خطبتها،دق الباب لتفتح لهُ فريال التي طالعتهُ بأعين يكاد الدمع ينفجرُ من داخلهما، شعر بحزنها فملس بكفهِ على شعرها الناعم وتحدث قائلاً بهدوء:
-بوسي خلصت؟
-أه يا حبيبي... وأشارت بكفها:
-إدخل
إعتدلت الفتاة حين رأته وتحركت إليه تطالعهُ بجمودٍ يخبئ خلفهُ دمارًا شامل لروحها، تنهد بأسى قبل ان يسألها بهدوءٍ كأنهُ يقدم لها الفرصة الأخيرة للتراجع والفرار:
-جاهزة؟
استمدت قوتها من ثورة مشاعر الغضب الكامنة بداخلها من خيانة ذاك الحبيب الذي تخلى وتحدثت:
-جاهزة يا خالو
وكأنهُ مُصرًا على إفاقتها قبل فوات الأوان لتنأى بحالها:
-أكيد يا بنتي؟
بثقة ظاهرية أجابتهُ:
-أكيد يا خالو.
رفع كتفيه لأعلى وأهدلهما باستسلامٍ وهو يقول:
-ربنا يسعدك يا بوسي
أومأت له بأسى فاحتضنها بقوة قابلتها بتشديدٍ من ذراعيه عليه وكأنها تترجاهُ أن يتدخل جبرًا ويردعها، تركها وتحرك مع فريال خارج الغرفة لتتحرك إليها صديقتها عالية وهي تقول بشفاهٍ مرتجفة من شدة التأثر:
-بلاش تعملي في نفسك كده يا بوسي
وتابعت بأعين متسعة من الاستغراب:
-إيه اللي يجبرك تتجوزي واحد إنتِ مبتحبهوش؟!
-السؤال ده متأخر قوي يا عالية...جملة نطقتها باستسلام لتتابع بكبرياءٍ:
-ويعني انا أخدت كنت إيه من اللي بحبه غير الغدر والخيانة
ازدردت الفتاة ريقها ثم همست لها بارتيابٍ يرجع لجبنها وتحذير والدتها بالنأي بحالها خارج ذاك الموضوع:
-مش يمكن تكوني ظالمة يوسف واللي احنا شوفناه ده اتفسر غلط، أو...
وصمتت لتتابع وهي تفرك كفيها بتوترٍ بالغ:
-أو حد قصد إن إحنا نشوف المشهد ده
قطبت جبينها وكادت أن تسألها عن مصدر حديثها لكن صوت هاتفها اوقفها عندما ارتفع رنينه، جلبته لها العاملة وناولتها اياه لتجيب الفتاة على والدها الذي سألها بصوتٍ حاد يعود لعدم رضاه على تلك الخطبة:
-عريس الهنا وصل هو وعيلته، إنجزي، ربع ساعة بالكتير وهطلع أجيبك
كانت كلماتهُ تنزل على قلبها تشقه لنصفين،يا لقسوة قلبه،ألا يكفيه ما تعانيه روحها من ويلات، هو ابيها ومن المفترض أن يكون لها السند ويكون داعمًا لقراراتها أيًا كانت، نطقت بقلبٍ ينزفُ دمًا:
-حاضر
أغلقت معهُ لترفع رأسها للأعلى تحاول تنظيم أنفاسها كي تتتحكمُ بدموع عينيها التي تقفُ متأهبةً تنتظرُ السماح، تراجعت عالية عن خطوتها بالاعتراف حين رأت سوء حال صديقتها
بالخارج تحدثت فريال تشتكي إلى شقيقها والدموع تملؤ مقلتيها:
-بنتي بتضيع قدام عنيا وانا واقفة متكتفة ومش قادرة أعمل لها حاجة يا فؤاد
تنهد بحزنٍ على حال شقيقته،لم يكن شعورهُ ببعيدًا عنها، فهو أيضًا يحتله شعور العجز لينطق بصوتٍ استسلامي على غير عادته:
-بنتك كتفتنا كلنا بقرارها يا فريال، اول مرة أشوف واحدة بتعادي الكل وبتحارب بكل قوتها علشان تدمر نفسها
نطقت تجيب حيرته:
-أنا متأكدة إن كل ده كيد في يوسف، لو بس اعرف عمل فيها إيه ووصلها من قمة الحب لقمة الانتقام.
جذبها لتسكن أحضانه وتحدث للتخفيف من ثقل ما تحمل بقلبها:
-هوني على نفسك يا حبيبتي، دي لسه مجرد خطوبة، محدش عارف بكرة مخبي إيه
هدئ من روعها وتحرك ليصطحب نجليه وتحرك بهما للأسفل، وجد عزة تخرج من غرفة إعداد الطعام لينطق بجدية:
-إيثار بتلبس فوق،اول ما تكون جاهزة تتصلي بيا علشان اخدها وندخل الحفلة سوا
-عيني يا باشا... قالتها وهي تشير على عينيها ليقترب عليها كي لا يصل حديثهُ لصغيراه ونطق يعيد حديثهُ مؤكدًا:
-لو عاندت وخرجت من غيري،حسابي هيكون معاكِ إنتِ،وصدقيني الحساب المرة دي هيفوق توقعاتك
هتفت باعتراضٍ بأعين متسعة:
-اللاه،طب وأنا مالي يا باشا
أشار نحو فمه وقام بحركة يحثها من خلالها وبنظرة مرعبة على الصمت فالتزمته دون أن تنبس ببنت شفة، تحرك بصغيراه للخارج لتشهق هي بسخريةٍ معترضة:
-هو إيه أصله ده كمان، هو مش قادر على عِند بنت منيرة، وجاي يطلع غلبه فيا أنا، رجالة إيه دي.
خرج فؤاد ليجد نبيل وعائلتهُ قد حضروا واستقبلهم سيادة المستشار علام ودكتورة عصمت ودكتور ماجد ووالديه، تزينت الحديقة على أكمل وجه، حيث استدعى فؤاد شركة خاصة بتجهيز الحفلات تحت استيائه وقلبهُ المتألم لأجل غاليته الحزينة ونجله الروحي، لكنهُ كان يفعله مجبرًا لاجل واجبه تجاه شقيقته لا أكثر، أفلت الصغير كفهُ من والده وتحرك مهرولاً قاصدًا طاولة جديه ليستقبلهُ علام بابتسامة مرحبًا وحضنًا دافئًا حنون:
-إيه الوجاهة والشياكة دي كلها يا سعادة المستشار "مالك" باشا
ضحك الصغير وتحدث بحبورٍ وهو يُشير على زيه:
-شوفتني يا جدو وانا لابس زيك إنتَ وبابي؟
اجابهُ علام:
-باشا صغير يا حبيب جدو
لتنطق عصمت بحبورٍ ظهر بعيناها:
-الله اكبر يا حبيبي، زي القمر يا ملوكي، ربنا يحميك من العين ويحفظك إنتَ واخواتك يا حبيبي
تدلل وذهب ليرتمي بأحضانها ليعنفهُ صوت فؤاد الذي أقبل عليهم ليرمق الصغير بنظراتٍ غاضبة:
-إنتَ مبتسمعش الكلام ليه يا ولد، أنا مش قايل لك متسيبش إيد أخوك ولا تبعد عنه طول الحفلة؟
وتابع بأعين غاضبة:
-يعني بغبائك بتكسر كلامي وبكل بجاحة بتسيب إيدي وتجري من غير حتى ما تستأذني؟!
وتابع بحدة:
-إنتَ بقيت بجح قوي
نطقت "عصمت" وهي تتلفت حولها تراقب نظرات من حولهم:
-فيه إيه يا فؤاد، ما تهدي يا ابني مش كده، الناس حوالينا
ابتسامة ساخرة ارتسمت بجانب فاه علام سبقت جملتهُ المتهكمة:
-سيادة المستشار بيخرج غضبه المكتوم في العيل الصغير
ابتلع لعابهُ من نظرات والده المتفحصة لقسمات وجهه ليتابع علام بحزمٍ بعدما تعلق الصغير ببطال جده يتحامى به من ذاك الشرس:
-روح استقبل أهل العريس ورحب بيهم يا سيادة المستشار، وخد معاك زين الدين
اومأ ناطقًا باحترام:
-أوامرك يا باشا
تحدث الفتى بلباقة منسحبًا بجوار والده:
-بعد إذنكم.
تطلع علام على وجه زوجته لتسألهُ باستغراب لغرابة نظراته:
-مالك يا باشا، فيه حاجة مضايقاك؟!
-مفيش يا دكتورة... قالها بجدية
ازدردت لعابها بعدما تذكرت جلوس تلك الحية الرقطاء "سميحة"منذ القليل على طاولته، أما علام فتذكر حديثهُ مع ابنة شقيقه منذ القليل
عودة لما قبل النصف ساعة من الآن
ولچت سميحة مع عائلتها وزوجها لتجلس قليلاً وبعد مدة حضرت عائلة العريس ليقف علام باستقبالهم كما جرت العادة، انتهزت سميحة وجود علام بمفرده بعدما تحرك ماجد وعائلته وعصمت باصطحاب عائلة العريس ليرافقوهم إلى الطاولات المحجوزة لهم، ساعدته إلى أقرب طاولة ليسألها بعدما جلس:
-عاملة إيه في شغلك يا سميحة
عبست ملامحها وتحدثت مستغلة الوضع:
-مش عارفة أقول لحضرتك إيه يا عمو،أقول لك كل حاجة تمام واني مرتاحة ومبسوطة في الشغل وابقى بكذب عليك
وتابعت بنظراتٍ حزينة اصطنعتها بجدارة:
-ولا اقول لك الحقيقة واضايق حضرتك
بدى الانزعاج على وجه علام ليسألها بحنوٍ:
-فيه إيه يا بنتي، إنطقي؟
انتهزت تعاطفهُ وقصت عليه ما حدث منذ لقائها مع" رولا" إلى تعدي إيثار عليها بالسب والصاق تهمة عشقها لفؤاد،كل هذا لم يشغل بال علام لعلمه به مسبقًا من فؤاد بذاته، ما أشعل صدرهُ وجعلهُ مستعرًا هو ما أخبرته به لاحقًا وهي تقول بعدم تقبل لما حدث:
-يعني إيه سعادة المستشار فؤاد علام يروح يتهجم على واحد في بيت ابنه وقدام الحرس بتوعه بسبب غيرته على الهانم، حضرتك شايف هي وصلته لفين؟
وتابعت مبررة:
-أنا مبكرهاش صدقني، بس أنا خايفة على مستقبل إبن عمي السياسي وده حقي
ضيق بين عينيه يسألها بعدم استيعاب:
-هو مين اللي اتهجم على مين يا سميحة؟، أنا مش فاهم إنتِ بتتكلمي عن إيه!
قطبت جبينها تسألهُ متعجبة:
-هو حضرتك متعرفش إن فؤاد اتهجم على طليق إيثار في شقة ابنها وضربه وربطه بالحبل في الكرسي؟، واتصل بمراته علشان تروح تفكه بنفسها وتاخده
احتدم داخلهُ وسألها بحدة:
-وإنتِ مين اللي قالك الكلام الغريب ده؟!
نطقت بحدة أظهرت كرهها الاعمى إلى إيثار:
-مرات طليق الهانم اللبنانية، كلمتني وقتها وحكت لي على اللي حصل لجوزها وضربه من "فؤاد"، وحلفت لتنتقم منه وأنا هددتها وقولت لها لو مسيتي شعره واحده منه أنا اللي همحيكِ من على وش الأرض، فهديت وقتها
كانت كلماتها تنزل عليه كسوطٍ يجلد جسده دون رحمةٍ، لتتابع بخبثٍ مستغلة حالة ذهول الرجل الواضحة:
-صدقني يا عمو،أنا مش بقول لك كده بقصد الغيرة من اللي اسمها إيثار علشان أخدت المكان اللي المفروض يكون بتاعي أنا في شركة عيلتي،خالص،أنا ببلغ حضرتك علشان تاخد بالك وتعرف إن الست دي هتكون سبب دمار مستقبل فؤاد
احتدت ملامح علام وامتلئ قلبهُ غضبًا،شعر بأن نجلهِ لم يعد يحترمه كقبل.
عودة للوقت الحاضر
حضر دكتور أحمد الأباصيري نجل أيمن الأباصيري مالك الشركة التي كانت تعمل بها إيثار بالماضي، تحرك فؤاد للترحاب به وبزوجته سالي وابنته الشابة إبنة التاسعة عشر سنة "ليان"، لينطق فؤاد باحتفاءٍ كبير:
-أهلا وسهلاً يا دكتور،شرفتنا بحضورك
نطق الأخر بوقارٍ وهو يصافحهُ بحفاوة:
-الشرف ليا أنا يا سيادة المستشار
التفت إلى تلك المتعالية لينطق بابتسامة زائفة ترجع لعدم ارتياحه لشخصها ولأنها تكن البغضاء داخل قلبها إلى حبيبة القلب:
-أهلاً يا هانم، شرفتينا
قابلت ترحابهُ بابتسامة واسعة لتسألهُ من باب الذوق:
-هي مدام إيثار مش مع حضرتك ليه؟
أجابها بافتخارٍ قاصدًا تعزيز زوجته أمام تلك المرأة :
-الهانم لسه في جناحها فوق، أول ما تجهز هطلع اجيبها بنفسي
برغم مرور كل تلك السنوات لكنها مازالت تحمل بقلبها حقدًا على من اتخذت منها عدوة دون وجود أية أسباب منطقية،ابتسم للفتاة ليتحدث إلى أحمد متسائلاً:
-دي بنتك يا دكتور؟
أكد له وهو يشير بكفه:
-" ليان" بنتي
وتابع ممازحًا:
-دي صديقة عزيزة لإيثار هانم
تحدث فؤاد إليها بابتسامة سعيدة:
-نورتي يا "ليان"،جدك الله يرحمه كان من أعز أصدقائي برغم فارق السِن اللي كان بينا
ابتسمت الفتاة واجابتهُ برقة:
-ميرسي لحضرتك
أشار بكفهِ ليتقدمهم حتى وصلوا إلى إحدى الطاولات واطمئن على جلوسهم
___________
بالأعلى، تجهزت وقبل أن تهبط للأسفل أمسكت بهاتفها لتخاطب نجلها في محاولة للتأثير عليه للعدول عن فكرة حضوره الحفل ليصدمها باقتراب وصوله، تنهدت وقالت بحدة:
-طول عمرك عِندي وبتعمل اللي في دماغك وبس
أجابها وهو يقود برصانة:
-انا مش فاهم حضرتك زعلانة من حضوري ليه؟!، المفروض حاجة زي دي تفرحك وتحسسك بقوة إبنك
اقتحمت عزة الغرفة وهي تقول:
-الضيوف كلهم وصلوا، مفضلش غير العروسة،يلا اتأخرتي قوي
أغلقت مع ذاك العنيد لتهتف الأخرى بانبهارٍ:
-اللهم صلِّ على النبي، زي القمر يا حبيبتي، اللي يشوفك يديكي تلاتين سنة بالكتير
وتابعت وهي تهز رأسها بافتخار:
-واللون الأزرق هياكل منك حتة، بس ملبستيش فستان نبيتي علشان مزاج الباشا ليه؟
تحدثت بحدة أظهرت مدى انزعاجها:
-عزة، أنا مش فايقة لك، دماغي فيها ألف حاجة منكدة عليا عيشتي
لوت فاهها لتنطق مستنكرة:
-وتتنكدي ليه ان شاء الله، إوعى تقولي لي علشان خطوبة بنت ماجد
لتتابع بحدة واستنكار:
-يختي في ستين سلامة هي وابوها، إن شاء الله نصيبه هيوقعه في ست ستها، وبكرة تقولي عزة قالت
وتابعت بعدما لوت فاهها عدة مرات متبرمة:
-إنزلي بنفسك شوفي عيلة الندامة اللي مناسبينهم، وحياتك ما فيهم حد يشرف غير المنيل العريس، والباقي كلهم رجالة قُرع وبكروش زي بتوع المدبح
لم تعلق بل اتخذت من الصمت ملاذًا وتحركت نحو الباب لتهتف الأخرى بصياحٍ عندما تذكرت:
-استني عندك، إنتِ رايحة فين؟!
-هكون رايحة فين يعني يا عزة، نازلة الحفلة
تحدثت وهي تتمسك بكفها لتمنعها من الحركة:
-استني هنا لحد ما انزل اجيب تليفوني من المطبخ أصلي نسيته على الرخامة، وهتصل بالباشا ييجي ياخدك على طول
جذبت كفها بحدة وتحدثت بصرامة:
-شيفاني عيلة صغيرة علشان الباشا بتاعك ييجي ياخدني
فتحت الباب وخرجت بعدما عقدت النية على إعلان الحرب عليه وليكن البقاء لصاحب النفس الطويل،لهثت الاخرى خلفها وهي تقول برجاء:
-ارجعي استني جوزك في الأوضة الله يهديكي، بلاش تخلقي النكد باديكي، كفاية الهم والغم اللي غرقانين فيهم من يوم اللي عمله الشيطان إبن إجلال.
نزلت الدرج ضاربة بحديث الأخرى عرض الحائط وهي تقول:
-بجملة النكد يا عزة
-الباشا هيبهدلني، ده مأكد عليا لو خرجتي من غير ما أبلغه هيسود عيشتي، خرجيني من حربك مع جوزك أنا مش قد قلبته
-إبقى قولي له اني خطفت منك التليفون ومنعتك تتصلي بيه... قالتها إيثار وهي تتجه لباب المنزل لتقابلها نجلتها التي صاحت بانبهار من مظهر والدتها:
-واو يا مامي، إيه الجمال والشياكة دي كلها
تحدثت" عزة" وكأنها عثرت على طوق النجاة:
-جيتي في وقتك يا "تاج"، خليكي واقفة معاها لحد ما اكلم الباشا أبوكي
هرولت إلى المطبخ لتحتوي إيثار وجنة نجلتها وتحدثت بفخرٍ:
-إنتِ اللي زي القمر يا تاجي
أمسكت بكفها وتحركتا للخارج تحت انتباه الحضور لتلك الجميلة التي خرجت من بوابة القصر الداخلي، اما فؤاد فكان ظهرهُ للباب ليرن هاتفه فأجاب:
-الهانم جهزت؟
-اه يا باشا، ومستنياك عند الباب تعالى بسرعة
استدار ليجدها تتحركُ برشاقة وجسدٍ متناسق وكأنها إبنة الثامنة والعشرون، استشاط غضبًا من عنادها ليهتف إلى تلك التي تهاتفهُ:
-المدام في وسط الحفلة يا عزة هانم،ده أنتِ وقعتك سودة معايا النهاردة،إصبري عليا لما الحفلة تخلص
تحرك ليقابلها لتهتف عزة بعدما فاض الكيل بها:
-والله أنا عملت اللي عليا ومراتك هي اللي مسمعتش الكلام، أهي عندك،اعمل فيها اللي إنتَ عاوزه بعيد عني،اهي عندية وتستاهل،وأنا خرجوني من بينكم آه، انا ست كبرت ومش حمل فرهدة، وابقى اضربني بجزمتك لو اتدخلت لكم في أيتوها حاجة تاني
-إقفلي يا عزة... قالها بعدما وصل للأخرى، تشابك ذراعها وتحركت بجواره كملكة في طريقها للتتويج، مال بجزعه قائلاً بهسيسٍ مخيف:
-أنا مش منبه عليكِ متتحركيش من جوه غير لما اجي لك
تحلت بالصمت كي لا تزيد من اشتعال ناره إذا تحدثت،تنهد بألم لأجلها،يعلم أن الأمر شديد الصعوبة بالنسبة لها،لكنه صعبًا عليه هو الآخر ولا يوجد بيده ما يفعلهُ تحت قرار الفتاة واصرارها العجيب، تحركت بجواره إلى طاولة "علام" و"عصمت" وقدمت لهما التهنئة تحت نظرات سميحة المتفحصة لتعبيرات تقاسيم وجه علام والعجيب أنهُ قابلها بابتسامة مطمئنة ليستشيط غضب سميحة وهي تشعر بخيبة أمل من ضياع مخططها، تحركت بجواره إلى ماجد ووالديه، لتصافح السيدة بيدها قائلة بتعالي:
-مبروك لحفيدتك يا مدام "نوال"
-الله يبارك فيكِ... نطقت بها "نوال" بابتسامة لتتابع بلطافة عكس عادتها وكأنها تبدلت لامرأة أخرى:
-عقبال ما تفرحي بحبيبك،سمعت إنه بقى ظابط
رفعت إيثار حاجبها الأيسر متعجبة وأجابتها بلامبالاة:
-الحمدلله
تخطتها وتابعت موجهة حديثها للرجل بابتسامة صافية تعود لحسن اخلاقه معها:
-ازي حضرتك يا استاذ "عليوة"
-في نعمة يا هانم الحمدلله
-مبروك يا دكتور...قالتها إلى ماجد بجمودٍ وملامح حادة
-متشكر يا مدام... قالها مقتضبًا ليتحدث فؤاد إلى ماجد:
-الناس كلها وصلت يا ماجد، إطلع هات البنت علشان نبدأ فقرات الحفلة
-خلينا نخلص... قال كلمته الأخيرة باستياءٍ ليومي له الأخر ويصعد،حضر بعض وكلاء النيابة بصحبة زوجاتهم فتحركت بجوار فؤاد لاستقبالهم، انتهزت فرصة تحرك فؤاد معهم لايصالهم للطاولات المعدة لهم مسبقًا، لتنسحب من قبضته، وأثناء التفاتها وجدت دكتور أحمد فابتسمت تلقائيًا وتحركت إليه للترحاب بابن أكبر صاحب فضل عليها بعد الله،ما إن وصلت إلى طاولتهم حتى وقف أحمد ليقابلها باحترامٍ،لتهلل هي بابتسامة مرحبة:
-أهلاً أهلاً أهلاً يا دكتور، نورت الحفلة ونورت بيتنا
إزيك يا أستاذة، والله ليكي وحشة... قالها بابتسامة ودودة لتردها إليه قائلة:
-وإنتَ كمان والله يا دكتور
وتابعت وهي تبسط يدها لتلك المتعالية التي لم تكلف حالها عناء الوقوف واكتفت بمد يدها بترفعٍ:
-إزيك يا مدام "سالي"
-أهلاً يا مدام،مبروك... قالتها بتعالي لتجيبها الأخرى بنفس التعالي:
-ميرسي، عقبال "ليان"
وتحركت نحو الفتاة التي وقفت لها احترامًا وقبلتها لتقول لها إيثار باستحسانٍ لجمالها البارع:
-إيه الجمال والشياكة دي كلها يا "ليا"
-ميرسي يا طنط، عمتو "لارا" ونانا بيسلموا عليكِ كتير
-بوسي لي نانا وبلغيها سلامي، وقولي لها إني هزورها قريب إن شاءالله
وتابعت بابتسامة لطيفة:
-طمني على صحة "نيللي" هانم يا دكتور
اجابها بحزنٍ:
-بخير الحمدلله، بس إنتِ عارفة، هي اتأثرت جدًا بعد وفاة بابا، وللأسف، من وقتها مش قادرة ترجع زي الأول
بدى الحزن على ملامحها وهي تقول متأثرة:
-ومين فينا رجع زي الاول يا دكتور، أيمن بيه سايب علامة في روح كل واحد فينا، الله يرحمه
تابعت مسترسلة لتغيير الحديث:
-طمني، "لارا" عاملة إيه هي وجوزها في إدارة الشركة؟.
-ماشي الحال، هي مسافرة حاليًا لندن بتخلص شغل هناك وجوزها متابع هنا شغل الشركة، هو ده اللي منعها إنها تحضر الخطوبة
أجابتهُ بابتسامة ودودة تحت احتراق قلب سالي من تودد زوجها مع تلك المرأة:
-أه هي قالت لي في التليفون واعتذرت لي.
وأثناء حديثها ذاك كان هناك من يجوب الحفل بعيناه باحثًا عنها حتى تنهد براحة حين عثر عليها، ثار قلبهُ قليلاً عندما رأى ابتسامتها اللطيفة وملامح وجهها الضاحكة وهي تتحدث إلى أحمد، يعلم جيدًا ما تشعر به من امتنانٍ لهذا الرجل ولأبيه لكنه بالنهاية رجُل يغار على إمرأة حياته، وصل إلى عندهم وبدون مقدمات حاوط كتفها بذراعه وقربها إلى صدره بتملُكٍ واحتواء لينطق بابتسامة هادئة عكس ما بداخله من غيرة:
-شرفتنا إنتَ وعيلتك يا دكتور
-الشرف لينا إحنا يا سيادة المستشار...ليتابع فؤاد بمجاملة:
-إنتوا لازم تشرفونا قريب نقضي يوم مع بعض في مزرعة الخيول
وتابع وهو ينظر للفتاة:
-ليكِ في الخيل يا "ليان"؟
بابتسامة صافية أجابته:
-بحب أتفرج عليه من بعيد،لكن اقرب منه وأكله بإيدي وكده
لتتابع بارتيابٍ ظهر على وجهها:
-مستحيل،بخاف منه جدًا
قرب حبيبته ليلصقها به أكثر تحت انتفاضة جسدها وتحدث وهو ينظر إليها بسعادة:
-طنط إيثار كانت زيك كده في الأول،لحد ما أنا جرأتها وخليتها تقرب منهم وتحبهم
وتابع متفاخرًا:
-الوقت بتركب الحصان وتجري بيه أحسن مني أنا شخصًا.
-مش كده يا حبيبي؟...قالها بنعومة بالغة إقشعر لها بدنها وانتفض قلبها من تقربهِ هذا،ناهيك عن رائحة عطره التي تغلغلت داخل أنفها لتسكرها كالعادة،إبتسمت لتجيبه:
-ده حقيقي،لولا وجودك معايا مكنش فيه حاجات كتير عملتها واتعلمتها
تعجب من صدق كلماتها التي نطقت بها الجملة برغم خلافهما.
التفت جميع الأنظار على تلك الجميلة التي خرجت من بوابة القصر الداخلية ليعلو تصفيق الجميع وتهليل أصدقائها هي ونبيل الذي تحرك إليها تحت صرخات قلب إيثار وهي تشاهد حبيبة نجلها وهي تتم خطبتها على غيره،أما حال تلك البائسة فلا توجد كلماتٍ لوصفه وهي ترى اقبال اكثر شخصًا تبغضهُ بحياتها يقترب ليستلم يدها من والدها الغاضب من تلك الخطبة التي لا تروق له،انتفض قلبها وثار مطالبًا إياها بالتخلي عن تلك الخطوة المدمرة له ولها،لكنه العند لا سامحهُ الله،عبست ملامح ماجد عندما صافحهُ ذاك الثقيل على قلبه وهو يقول:
-مبروك يا عمو
إكتفى ماجد بحركة من رأسهِ فحقًا لم يستطع إخراج حرفًا واحدًا ولو على سبيل المجاملة، ازدرد لعاب "بيسان"عندما اقترب"نبيل "منها وهو يقول بسعادة مبالغ بها:
-مبروك يا حبيبتي،ألف مبروك
حركت رأسها بتيهةٍ وشرود وكأنها مغيبة، ارتعبت حين سحب ماجد يده من ذراعها، طالعتهُ برعبٍ سكن عينيها وكأنها تتوسل إليه بألا يتركها ويتخلى عنها لهذا الغريب، تنهد ماجد وقلبهُ يغلي كالبركان من أفعال ابنته الغبية،قلبه يغلي غضبًا منها وبالوقت ذاته حزنًا على ما فعلته بحالها، جنب مشاعرهُ وسلم زمام الأمور إلى العقل ثم زفر بهدوءٍ وتحدث اليها بكلماتٍ خرجت عنوةً عنه:
-مبروك يا قلبي
بصوتٍ مختنق وعينين حزينة أجابته:
-ميرسي يا بابي
تحركت بجوار الآخر كأنها شاهٍ مساقة لـ ذبحها
أما فريال فقد وقفت عند آخر سُلمةٍ بالدرج الداخلي لمنزل والدها ولم تستطع الخروج معها لهطول دمعاتها الحزينة، إقتربت عليها عزة وباتت تواسيها لتنطق بلومٍ واستنكار:
-أنا مش عارفة كانت لازمتها إيه الخطوبة الهم دي، البت طالعة بتجر في رجليها زي متكون واخدينها على حبل المشنقة، وابوها مادد بوزه شبرين وهو جاررها في اديه، وإنتِ قلبتيها لنا مناحة هنا
وتابعت بسخرية:
-يكونش يختي العريس ده ماسك عليكم ذِلة؟
ارتفعت شهقات فريال لتتنهد الأخرى بأسى وهي تربت على كتفها:
-صلي على النبي كده واطلعي اقفي جنب بنتك متسبيهاش لوحدها، وأهي ليلة وتعدي، اما نشوف أخرتها إيه مع ام دماغ عاوزة كسرها
وتابعت وهي تناولها محرمة ورقية:
-إمسحي دموعك واطلعي لبنتك يا حبيبتي
نطقت من بين دموعها الغزيرة:
-حاضر يا عزة، حاضر.
وصلت بيسان للمكان المخصص لجلوس العروسان تحت تصفيق الجميع لتجلس بجوار ذاك الثقيل، انهالت عليهما التهاني من الحضور لتتحدث "ناهد" والدة "نبيل" إلى العروس:
-زي القمر يا حبيبتي، إنتِ وبُلبُل لايقين قوي على بعض.
-ميرسي لحضرتِك... قالتها بيسان بهدوء لينطق عاطف الذي توخى الحذر في نطق كلماتهِ حرصًا من تكرار ما حدث بلقاء التعارف وغضب نجله ومقاطعته لفترة ليست بالقليلة:
-مبروك يا بنتي، عقبال التمام
-ميرسي لحضرتك يا افندم... لم يستطع لسانها نُطق كلماتٍ ودودة لشعورها بغربة الروح بين هؤلاء الناس.
ابتعد الجميع عنهما فاحتضن كفها بقوة وتملك ليصيب جسدها باشمئزازٍ من لمسته وبلحظة سحبتها متعللة بتعديل إحدى خصلات شعرها، برغم ما يشعر به من مشاعر سلبية منها ونفورٍ تجاههُ إلا أنه تغاضى وتحدث بابتسامة جذابة:
-أنا اسعد راجل في الكون النهاردة
اكتفت بابتسامة متصنعة زادت من حنقهِ عليها ليقسم بداخلهِ أن يُذيقها كل ما شعر به على يدها أضعافًا بعد ان يتملكُ منها.
كانت تتطلعُ على البوابة الخارجية بترقبٍ شديد،تتسائلُ لما تأخر لهذا الوقت،وهل سيأتي أم أنها لم تعد تعني لهُ شيئًا فبات حضورهُ لخطبتها من عدمه سواءًا بالنسبة له.
༺༻༺༻٭༺༻༺༻
بالخارج، صف يوسف سيارته ووقف يعدل من وضع بدلته ثم تحرك للجهة الاخرى وقام بفتح الباب ومساعدة نزول شقيقته، تأبطت زينة ذراع شقيقها وتحركا نحو البوابة ليتوقف عندما استمع لحروف اسمهِ من إحداهُن،إلتفت ليضيق عينيه وهو يرى "ساندي" تخرج من سيارتها الفارهة وتهرول إليه بسعادة:
-إستنى يا يوسف علشان ادخل معاك
-"ساندي"!...قالها متعجبًا ليتابع مستفسرًا:
-إنتِ هنا بتعملي إيه؟!
-العريس قريب مرات خالو...وتابعت باستفاضة:
-كنت عند خالو ومامته جت تعزمهم،وعزمتني وانكسفت ارفض
وهتفت بسعادة وحبورٍ ظهر بملامحها الرقيقة:
-ومن حظي الحلو لقيتك وأنا داخلة
وتابعت لتشتيتهُ:
-وإنتَ جاي تبع العريس ولا العروسة؟
اخترق سؤالها قلبهُ وكأنها غرست خنجرًا مدببًا بعمقه، لملم شتاته وأجابها:
-العروسة قربتي
تطلعت على زينة بتشتُتٍ وضياع ليجيب تساؤلها الحائر بعينيها:
-زينة أختي
وكأن بجوابه هذا قد رد إليها روحها ليتهلل وجهها وتقترب على الفتاة تحتضنها رغم عدم سابق المعرفة مما جعل الفتاة تتعجب، تحرك ثلاثتهم للداخل لتتعمد ساندي مجاورة يوسف والتقرب منه، سألها متعجبًا:
-وإنتِ جاية لوحدك ليه يا ساندي؟
طالعتهُ بجبينٍ مُقطب ليسترسل مفسرًا:
-مجتيش مع خالك ومراته ليه؟
ارتبكت وتحدثت سريعًا:
-مرات خالو تعبت في أخر لحظة وخالو إضطر يوديها المستشفى علشان يطمن عليها
وتابعت:
-وأنا انكسفت أعتذر
اومأ بلا اهتمام وولجا من البوابة لينتفض قلب تلك العاشقة عند رؤية الحبيب، طالعتهُ باشتياقٍ مرير، كم كان جذابًا مُلفت النظر بتلك البذلة السوداء الفخمة وذاك الـ"بابيون" بلونه الأسود الذي ظهر سوادهُ بقوة من شدة بياض القميص،باتت تتطلعُ على تقاسيم وجههِ مرورً بشعره الفحمي الناعم،تنهدت بحالمية من هالة ذاك الحبيب التي تحاوطهُ لتجذب الانظار إليه، استفاقت من حلمها الوردي بصفعة قوية نزلت على قلبها حين رأت تلك الفتاة بذاتها تجاورهُ الدخول،نارًا مستعرة اشتعلت بجميع شرايين جسدها حتى وجهها زاد احمرارًا من شدة الغضب والإنفعال
تحرك للداخل أيضًا تحت نظرات إيثار المتوجعة على حبيبها الغالي التي تحركت لتقابلهُ هي وأشقائه الثلاث بحفاوةٍ شديدة حيث صرخ الصغير باسمه وهو يقفز لأعلى ليثبته الأخر بين أحضانه،وتحدثت تاج بدلالٍ وهي تتمسحُ بصدر شقيقها:
-وحشتني يا حضرة الظابط
-وإنتِ اكتر يا "تاجي"
احتضن أيضًا ذاك الرزين "زين الدين"وتحدث:
-بروفيسير العيلة اللي مشرفنا
ابتسم الفتى خجلاً،حاوطت إيثار رأس نجلها من الخلف بكف يدها لتميل برأسها والدموع ساكنةً بعينيها،ضمها بقوة وبات يملسُ بكفهِ على ظهرها بحنوٍ كي يُهدأ من ورعها، تحدثت بصوتٍ متأثر:
-إنتَ كويس يا حبيبي؟
ابتعد ليجيبها وهو ينظر وبداخل عينيه تحدي وقوة أراد من خلالهما أن يوصل لها رسالة:
-طمني قلبك عليا يا ماما، ده أنا تربية إيثار الجوهري.
ابتسمت وهي تتحسسُ وجنتيه بكفيها ثم تحدثت:
-أنا لسه مباركتلهاش، مستنياك نروح لها وإيدي في إيدك
قالت كلماتها بتحدي ليبتسم يطمئن قلبها، انشغل هو بأشقائه واحتضنت إيثار زينة وهي تسألها عن حالها فأجابت الفتاة:
-الحمد لله يا خالتي، أنا كويسة
توقفت عيني إيثار وثبتتهما على تلك الغريبة لتسأل زينة بابتسامة مجاملة:
-دي صاحبتك يا" زينة"؟
قبل أن تجيبها نطقت الاخرى بحماسٍ مفرط ظهر بعينيها:
-هاي يا طنط، انا "ساندي"صديقة يوسف في الجامعة
قطبت إيثار جبينها لتحول أنظارها على يوسف الذي رفع حاجبهُ بترفعٍ فابتسمت للفتاة ومدت كفها للمصافحة:
-نورتينا يا حبيبتي،إتفضلوا
أشارت بكفها للداخل
هتف"نبيل" بحدة اظهرت حقده على" يوسف" وهو يراهُ مقبلاً للداخل:
-إيه اللي جاب الزفت ده حفلة خطوبتنا؟!
برغم سخطها عليه إلا أن جسدها اشتعل غضبًا لما استمعته من إهانة ذاك الوغد لساكن الروح لتهتف بحدة خرجت دون تفكير:
-إسمه الباشمهندس يوسف
طالعها بعيني متسعة لتتابع بقوة:
-وأنا اللي عزمته بنفسي
كاد أن يعنفها لكنه تراجع بأخر لحظة متبعًا خطته التي وضعها لحين اتمام زواجهما وبعدها يظهر تملكهُ وشراسته عليها، تحدث بلين وابتسامة مصطنعة:
-كويس يا حبيبتي إنك عزمتيه
إحتضن كفها بتملكٍ ثم أدار رأسه يتطلعُ عليه وهو يسترسل بحقدٍ أظهر كم الضغينة التي يكنها له بقلبه:
-علشان يتقهر وهو شايفك جنبي وادينا شابكة في بعض
لم تستمع لكلماته تلك ولا تشعر بوجوده من الأساس لشدة غضبها وغيرتها وهي تراه يصطحب تلك الفتاة ذاتها، حدثت حالها بألمٍ:
-يا لمدى حقارتك أيها الكاذب،أوصلت معك درجة الحقارة إلى أن تأتي بتلك التي تخليت عني لأجلها وتجلبها لحفل خطبتي،كم بِتُ أكرهُكَ يا يوسف،كم بِتُ أكرهك.
اقترب يوسف من طاولة علام فلم ينتظر الأخر حضورهُ ليقف مستندًا على عصاه واحتضنته عينيه قبل ذراعيه وهو يربت على كتفهِ قائلاً:
-وحشتني يا يوسف
وإنتَ أكتر يا باشا... قالها مغمض العينين وهو يتنفسُ بعمقٍ وكأنهُ يحتفظُ بأكبر قدر من رائحة ذاك الجد العزيز بين رئتيه، ابتعد علام ليحتوي وجنة الفتى بكفه وهو يقول بفخرٍ:
-مش قولت لك متغبش على جدك يا يوسف
بابتسامة صافية تحدث بهدوءٍ:
-وأنا قولت لك أنا تحت الأمر يا حبيبي، يوم ما تحتاجني هتلاقيني تحت رجليك
أجابه علام بنظراتٍ تقطرُ حنانًا:
-أنا طول الوقت محتاج لك يا حبيبي
اقترب من عصمت ليقبل رأسها بوقارٍ مغلفًا بالحنان:
-وحشتيني يا دكتور
أجابتهُ بملاطفة لكسر حالة الحزن المسيطرة على الأجواء:
-إنتَ بكاش يا حضرة الظابط، لو وحشاك بجد مكنتش تبعد عننا الوقت ده كله
-انا بكاش يا دكتور؟!... قالها بلومٍ مصطنع ليتابع بخفة وهو ينظر إلى علام:
-إتفضل إنتَ يا باشا رد عليها،هو أنا مش تربية سعادتك ولا إيه؟
كانت ضحكاتهم تصل لجميع الحضور مما أشعل قلب ماجد واحزن بيسان،تحرك يوسف إلى فؤاد الواقف جانبًا وتحدث بجدية وهو يصافحه باليد عن بُعدٍ كبير تحت صرخات قلب إيثار التي تتابعهما عن كثب:
-إزي حضرتك يا باشا
-ازيك إنتَ يا يوسف...قالها فؤاد بعينين حزينتين ليتابع متأثرًا:
- طمني عليك؟
-الحمدلله... قالها يوسف بجمودٍ ليتابع وهو ينسحب سريعًا لينهي ذاك اللقاء المزعزع لثبات قلبه:
-بعد إذنك
ابتعد كماالهاربُ من عدوٍ تاركًا خلفهُ قلب فؤاد الصارخ والذنب والندم يأكلاهُ ويضنيا روحه
اقتربت منه ساندي وهي تبتسم لتقبل عليه أيضًا إيثار وهي تقول:
-حبيبي إنده لـ"زينة"ويلا علشان نبارك للعرسان ونتصور معاهم
عكس فوران فوهة بركان قلبه قابل حديثها بابتسامة باردة وهو يشير إلى زينة لتنطق ساندي بنظراتٍ متوسلة:
-ممكن تاخدي أسلم عليهم معاك يا يوسف
ضيق بين عينيه متعجبًا من أفعال تلك الفتاة وغرابتها لتتابع باستعطافٍ:
-أصلي مكسوفة أطلع لهم لوحدي
-أنا شايف إن فيه عامل مشترك بين كل أحداث حياتك المرتبطة بالحفلة دي يا ساندي
ضيقت عينيها ليجيبها قبل أن تسأله:
-الكسوف
وتابع بابتسامة أذابت قلب تلك المغرمة:
-إنكسفتي ترفضي عزومة قريبة خالك، وانكسفتي متحضريش برغم ان صاحبة الأمر نفسها محضرتش، ومكسوفة تدخلي لوحدك وتطلعي لهم لوحدك
ابتسمت بدلالٍ ليجيبها بابتسامة جذابة تحت احتراق قلب بيسان المراقبة لكلاهما:
-بتعملي ليه كده في نفسك
وتابع ناصحًا:
-إوعي مرة تانية توافقي على حاجة إنتِ مش حباها لمجرد إنك ترضي غيرك
بنبرة صوت هائمة نطقت بأعين من الغرام تفيضُ:
-برغم كل المواقف السخيفة اللي قابلتني في حضوري للحفلة دي، بس أنا حقيقي ممتنة جدًا لكل الظروف اللي خلتني أجي النهاردة واشوفك يا يوسف
تحمحم وهو يرى اقتراب إيثار عليه بعدما جمعت أشقائه ليصعدوا كعائلة تحت صرخات قلب فؤاد الذي شعر بأنهُ منبوذًا من تلك الحبيبة وذاك العزيز، وحتى زينة التي طالعتهُ بنظراتٍ مرتابة مخيبة للأمال، شعر بالندم الشديد وتمنى لو بيده محو ما حدث من ذاكرة ثلاثتهم، تحرك الجميع صوب جلوس العروسان تحت استنفار بيسان التي شددت من تمسكها بكف نبيل كتأكيدًا منها لذاك الخائن على نسيانه، همست أيثار بأذن نجلها:
-إيه حكاية ساندي دي كمان؟
أجابها بلامبالاة جعلت قلبها يطمئن:
-لا حكاية ولا رواية، طمني قلبك يا بيسو
-أما أنا محضرة لك حتة مفاجأة، بعد ما نبارك للعرسان هعرفك عليها... قالت كلماتها بحماسٍ زائد ليتطلع عليها يوسف باستغراب فتابعت بابتسامة سعيدة:
-إصبر يا حضرة الظابط
تقدمتهم إيثار لتمد يدها بمصافحة الفتاة بقوة:
-مبروك يا بيسان، ألف مبروك
لم تستطع إخراج حرفًا واحدًا واكتفت بإيمائه بسيطة ونظرة ندم يصاحبها اعتذارًا توجهت بها إليها على ما بدر منها بالسابق، ولكن هل يفيد البكاء على اللبن المسكوب؟!
أما يوسف فاحتضن فريال المجاورة لابنتها وتحدث بابتسامة هادئة:
-مبروك لبيسان يا عمتو، عقبال فؤاد يا حبيبتي
ابتسمت ساخرة وسألته:
-من قلبك يا يوسف؟!
-أكيد يا حبيبتي،بيسان زي زينة واتمنى لها كل خير... قالها بقناع قوةٍ زائفة لتنظر على ساندي ونظراتها العاشقة له ثم تعود إليه ترمقهُ بازدراءٍ وهي تقول بحدة غاضبة:
-الوقت بس عرفت سبب قرار بنتي المفاجئ
-قصدك إيه؟... سألها متعجبًا لتجيبه بسخرية:
-ولا حاجة يا حضرة الظابط، وعقبالك إنتَ كمان
قطع حديثهما جذب تاج له وهي تقول:
-تعالى سلم على العرسان يا حضرة الظابط
وقف امام نبيل بقامة مرفوعة وتحدث وهو يصافحه بقوة:
-مبروك
-الله يبارك فيك...قالها نبيل بابتسامة شامتة ليقترب عليه ويتابع هامسًا بغرور تحت احتراق قلب بيسان:
- مش قولت لك، نبيل مبيخسرش، ولو حط حاجة في دماغه بيوصل لها غصب عن أي حد
بملامح وجه جادة تحدث بثقة:
-العبرة بالنهايات يا صديقي.
انسحب ليقف مقابل تلك التي ناظرتهُ بأعين تطلقُ شزرًا لينطق دون مصافحة:
-مبروك يا بيسان، أخيرًا فوزتي بالشخص اللي يستحقك
طالعتهُ بنظراتٍ حادة كنظرات الصقر لتنطق بقوة وهي تفرق نظراتها بينهُ وبين تلك الفتاة:
-عقبالك
وتابعت بحدة وهي تشير لتلك التي جاورته:
-مش تعرفنا؟
-ساندي...قالها بإشارة من يده لتلك الجميلة التي بسطت كفها لتجيبها بحفاوة:
-ألف مبروك
شعرت بنارًا تتغلغلُ بخلايا جسدها بالكامل حين شاهدت نظرات يوسف الحنون وهي تشملُ الفتاة والتي قصدها عن عمدٍ لاشعال قلب الأخرى، وتابعت الفتاة وهي تصافح نبيل:
-مبروك
-متشكر جدًا...قالها نبيل لينتبه على نظرات "عالية" الغاضبة وهي ترمقهُ باحتقارٍ ليبتعد سريعًا عن ساندي، وقف يوسف لينطق بثقة وهو يطالع كلاهما بابتسامة مستفزة:
-بصراحة إختياركم لبعض هايل، لايقين جدًا على بعض
وتابع بازدراءٍ قاصدًا الإهانة:
-وأحلا حاجة في الموضوع إن بينكم صفات كتيرة مشتركة
اشتعل قلبها لتنطق "تاج" وهي تستدعي شقيقها وساندي للاصطفاف بجوارهم:
-قربوا علشان ناخد سيلفي مع بعض
انتهزت ساندي الفرصة والتصقت بيوسف بحجة إلتقاط الصور ليعلو ويهبط صدر بيسان اللاهث بقوة من فرط الانفعال، ودت لو بإمكانها أن تصرخ للتعبير عن رفضها لكل ما يجري من حولها، لكنها من فعلت هذا بنفسها وبهذا قد أسقطت عنها أحقية الاعتراضِ.
ابتعد الجميع عن العروسان ليتركوا لهما المجال وأثناء تحرك ساندي بجوار يوسف قطعت طريقهما ناهد والدة "نبيل" التي تبسمت بوجه الفتاة وهي تقول بترحاب:
-نورتي الخطوبة يا حبيبتي، كنت هزعل قوي لو مكنتيش جيتي
تنهدت بهدوء لتجيبها:
-حضرتك قدرتيني وعزمتيني فكان لازم اجي
اجابتها المرأة بسعادة:
-عقبال ما أحضر خطوبتك أنا كمان قريب يا ساندي
شكرتها وتحركت بجوار يوسف الذي سألها:
-دي مامت العريس؟
-أه، طنط ناهد.
ما أن وصل لمنتصف الحديقة حتى تجمعت من حولهِ بعض الشخصيات الهامة من معارف علام وعصمت وفؤاد وبدأوا بالإشادة بما قام به من دورٍ هام لخدمة الوطن، ومنهم من طلب اتخاذ بعض الصور التذكارية معه وكأنهُ نجمًا سينمائيًا، أيضًا إلتفت حولهُ بعض الفتيات الجميلات لالتقاط الصور الفوتغرافية عبر الكاميرات وايضًا الهواتف المحمولة، وبلحظة تحولت الساحة لمباركات وتقديم التهاني التي انهالت على يوسف الذي وقف ثابتًا وبدأ يتحدث بلباقة وابتسامته الجذابة لا تفارق ملامحهُ الجميلة، لم تتحمل بيسان ما جرى لتهرول مسرعة إلى داخل القصر واوصدت على نفسها باب الحمام، وقفت أمام المرآة لتهطل دموعها بغزارة وصوت شهقاتها يُسمع فريال وعالية اللتان لحقتا بها، لتصيح فريال وهي تقرع الباب بقوة:
-إفتحي يا بيسان، إفتحي الباب
صرخت الفتاة بانهيارٍ وهي تشيح بكفيها:
-سبوني لوحدي، مش عاوزة أشوف ولا اتكلم مع حد، سبوني حرام عليكم
أما بالخارج، هدأت الاجواء وانفض الجمع من حول يوسف الذي تحرك ليقف بجوار والدته جانبًا، ليقطع خلوتهما فؤاد الذي أقبل ليقابل الفتي وبدون مقدمات حاوط خلف رأسه ليجذبه لأحضانه بقوة تحت تصلب جسد الفتى، لم يستسلم فؤاد وضمه أكثر ليربت بقوة فوق ظهره وهو يقول عاتبًا بصوتٍ متأثر:
-زعلان من ابوك يا يوسف، جالك قلب تقاطعني يا ابن عمري؟
ابتعد الفتى قليلاً ليقول بأعين متأثرة وصوتٍ عاتبًا عتاب مُحبٍ:
-قسيت عليا قوي يا باشا
ابتلع لعابهُ وأجابهُ متأثرًا:
-اتنرفزت وفشيت غضبي في ابني، متستحملنيش؟!
فرت دمعة هاربة من عين يوسف ليمد فؤاد يده سريعًا يجففها ويجذبهُ يخبأ وجههُ داخل صدره وهو يقول:
-إوعى أشوف دموعك دي تاني
وتابع تحت دموع إيثار المتدفقة:
-إنتَ ابن فؤاد علام وتربية الباشا، وإبن فؤاد راجل ومفيش حاجة بتكسره، فاهم يا يوسف
مدت يدها الحنون تتلمس بها على ظهر يوسف حتى يهدأ، كان مشهدًا مؤثر لجميعهم ليخرج يوسف من احضانه ويتابع فؤاد مسترسلاً:
-أنا أسف يا حبيبي، كانت لحظة شيطان والغضب عماني.
نطق الفتى للتخفيف عن قلب فؤاد:
-خلاص يا بابا، إعتبر الموضوع محصلش من الأساس
سعد قلبه لعودة مناداته بكلمة أبي،بعد دقائق تحرك يوسف إلى أشقائه الأربعة ليقف هو متطلعًا على تلك الواقفة،لف ساعدهُ حول كتفها وتحدث:
-وإحنا إيه،هنفضل كده كتير؟!
تطلعت عليه وبنظراتٍ متألمة تحدثت:
-إنتَ اللي وصلتنا لكده
نطق بهدوء:
-ما إنتِ عرفاني كويس،الغيرة عليكِ بتقتلني،وخصوصًا الماضي الملعون، المفروض تبعدي عن أي حاجة بتثير جنون غيرتي عليكِ.
صمتت لتنظر امامها بملامح حادة ليخترق سمعها كلمة لم ينطق بها سوى مراتٍ تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة:
-آنا آسف
ابتلعت لعابها ليضم خصرها مع مراعاته انهم بالحديقة، نعم يقفا بعيدًا بجوار السور لكن هذا لا يمنع،تابع بصوتٍ هائمُ بعشقها:
-وحشتيني
طالعتهُ بحنانٍ ليتابع هو بهيامٍ:
-أنا بحبك قوي يا إيثار،ومن غير حُضنك بضيع.
ابتسمت لتتمسك بكفهِ برعاية، سألها بمشاكسة للخروج من تلك المشاعر المتأثرة:
-هي حبيبة حبيبها، ممكن ترضى على حبيبها النهاردة وتدلعه شوية في أوضة الچاكوزي
ابتسامة واسعة خرجت من ثغرها لينطق بنظراتٍ تفيضُ من الغرام ما يكفي مدينةً بأكملها:
-وحشتيني يا بابا،كل حاجة فيكِ وحشتني.
أسندت رأسها على ذراعه وتنهدت ليتنفس هو بعمقٍ واسترخاء اخترق روحهُ وتخلل بكيانهُ شعورًا هائلاً بالطمأنينة
أما نبيل، كان يتحدث بغلٍ مع صديقهُ المُقرب:
- شايف المسخرة اللي حصلت يا نادر، الناس بتعامله زي ما يكون هو نجم الليلة مش أنا
زفر نادر ليهتف متذمرًا من شكوى صديقه:
-إنت عاوز إيه تاني يا نبيل،مش كفاية إنك أخدت منه حبيبته وحرمتهم من بعض؟، سيبه في حاله بقى يا أخي
نطق وهو يرمق يوسف بحقدٍ:
-ولسه،لما الهانم تخرج من جوة هوريك أنا هقهر قلبه إزاي
ابتسم وهو يرى تلك الـ"ساندي"تتحرك وتختفي في الحديقة الخلفية بعيدًا عن الزحام، ترك صديقه وانسحب خلفها ليصل إليها بعد قليل وهو يقول مبتسمًا:
-برافوا عليكِ، مثلتي المشهد ببراعة
تنهدت بارتياحٍ ثم أجابتهُ:
-كويس إنك فهمت مامتك على الموضوع، أنا كنت مرعوبة ليكون يوسف شك في كلامي اللي قولتهوله، بس كلام مامتك قفل كل بيبان الشك قدامه.
ابتسم بشرٍ ليجيبها:
-عيب عليكِ ده انا نبيل السرجاوي، أنا قولت لك في أول يوم جت لك علشان نتفق، ثقي فيا.
عودة لما قبل الشهرين.......
طالعتهُ مستغربة وجففت جبينها مرةً أخرى وهي تقول بصوتٍ لاهث نتيجة التدريب: -ميرسيتحركت بطريقها لينطق هو من خلفها بصوتٍ واثق: -هستناكِ قدام حمام السباحة نشرب حاجة مع بعض علشان محتاجين نتكلم. استفزتها طريقة كلامه الآمرة فالتفتت إليه وبنظراتٍ ساخرة شملته لتنطق بكبرياء: -ده إيه الثقة اللي إنتَ جاي تكلمني بيها ديوتابعت بحدة: -إسمع يا... صمتت ليجيبها بابتسامة متهكمة: -نبيل، نبيل السرجاويبلامبالاة أشارت بكفها: -أيًا كان إسمك فهو ميهمنيش، اللي محتاجة إنك تعرفه هو إن طريقتك للتعارف بيا مستفزة جدًا، وحتى لو كانت طريقتك واو ومحصلتش فأنا رفضاهاوتابعت بغرور يعود لجمالها وحسبها ولمحاولات الجميع التقرب إليها والفوز بها تحت رفضٍ تام منها:- كتير قبلك حاولوا يتعرفوا عليا بكل الطرق،ولا واحد وافقت اكلمه، لأني ببساطة مش بصاحب ولا بتعرف على شباب،فياريت توفر على نفسك تعب المحاولة. انتهت من كلماتها واندفعت للأمام لتتسمر ساقيها عندما استمعت لكلماته: -حتى لو كنت جاي لك بخصوص "يوسف عمرو البنهاوي "ازدردت ريقها وبدون شعورًا منها التفتت تناظرهُ ودقات قلبها تتزايدُ بشكلٍ كبير، ابتسم بجانب فمه وتحدث آمرًا بعدما نجح بإصابة الهدف: -قدامك ربع ساعة تغيري فيهم هدومك وتحصليني، لو اتأخرتي همشي، بس وقتها تنسي إن يوسف البنهاوي يكون من نصيبك. زادت دقات قلبها لتسألهُ بحيرة: -إنتَ تعرف يوسف منين، وإزاي عرفت... قاطع حديثها بذكاء: -إنك بتحبيه، إزاي عرفت إنك بتحبيهابتلعت لعابها ليتابع هو بغرورٍ وكبرياء: -غيري هدومك وحصليني، متتأخريش بعد وقت قياسي كانت تقابلهُ الجلوس، ثواني واتسعت عينيها حين حضر النادل ووضع أمامها مشروبها المفضل من القهوة السريعة لينطق بغموض أرعبها: -إشربي الموكا بتاعتك قبل ما تبردسألته بارتياب: -إنتَ مين، وعرفت كل ده عني إزاي؟! -أنا مراقبك كويس قوي، وعارف كل تفاصيل حياتك -ليه؟! أجابها بثقة: -فيه بينا حاجة مشتركة، هنفذ خطة بسيطة مع بعض وكل واحد ياخد اللي ليه ويكمل طريقة بعيد عن التانيسألته بتيهة: -مش فاهمة؟أجابها باقتضاب: -ما أنا هنا علشان أفهمكوتابع باستفاضة: -بصي يا ستي،إنتِ بتحبي "يوسف"،ويوسف عمره ما هيفكر فيكِ ولا هيشوفك قدامه لأنه ببساطة بيحب "بيسان"، وأنا بحب" بيسان"، وهي كمان عمرها ما هتفكر فيا لنفس سبب" يوسف" تنهدت بألم ويأسٍ ليتابع مجددًا الأمل بداخل قلبها العاشق: -بس فيه حاجة لو حصلت إنتِ هتتجوزي يوسف وتعيشي باقية حياتك سعيدة معاه، وأنا كمان هفوز بـ"بيسان"قطبت جبينها ليسترسل مفسرًا: -الحل إننا نفرق بينهم، خطة بسيطة هنفذها مع بعض، ندخل الشك بينهم ونفرقهم، وكل واحد فينا ياخد حبيبه ويكمل طريقههزت رأسها لتجيبهُ برفضٍ تام: -أنا لا يمكن أعمل حاجة زي كده، لا أخلاقي ولا تربيتي ولا حتى كرامتي هيسمحوا لي إني ارخص من نفسي بالشكل ده، ده غير اني ازاي هبني حياتي على كذبة وخدعةوتابعت بشرودٍ: -وذنبها إيه البنت تتحرم من حبيبها علشان إحنا نكون مبسوطين؟ اجابها بوجهٍ خالي من التعبير: -"الخدعة مشروعة في الحب والحرب"، كل الوسائل مشروعة لتحقيق النصر قررت كلمته باستنكار: -نصر؟! اجابها بثقة: -أيوه نصروتابع بإبانة مفسرًا الوضع: -كده كده هما مستحيل يكملوا مع بعض، بابا بيسان رافض جوازها من يوسفوتابع متذكرًا حديث تلك الـ"عالية" له بعدما استدرجها بالحديث بمنتهى الدهاء وجعلها تقص عليه جميع أسرار صديقتها بمنتهى السذاجة والغباء ويرجع هذا لعفويتها الزائدة وعدم إدراكها لمعنى الصداقة الحقيقي: -يوسف يبقى إبن مرات خال بيسان، ودكتور ماجد بباها بيكره أم يوسف جدا لاسباب كتير متخصناش، وهو اتقدم اكتر من مرة والراجل مصمم على الرفضفتح ذراعية بطريقة مسرحية ليتحدث:-يعني إحنا هنا مبنخدعش حد،إحنا هنسرع إنفصالهم مش أكتر بعد محاولات عدة استطاع إقناع تلك العاشقة وبدأ بتنفيذ خطتهما معًا واستدراج "عالية" معه بمنتهى السهولة والسذاجة. تحدث نبيل مع ساندي بذاك اليوم قائلاً: -عاوزك تركزي كويس قوي، مش عاوز غلطة واحدة يا ساندي، اللي هتعمليه النهارده هو ده اللي هينهي الموضوع ويقفله للأبداومأت بقلق: -تمام، اتفضل قولي المطلوب مني وأنا هحاول انفذه بشكل كويسهتف معنفًا بقوة وصرامة: -مش هتحاولي يا ساندي، إنتِ هتنفذي وهتنجحيأومأت والتشتت يملؤ عينيها، نطق هو بجدية: -إنتِ هتروحي مع يوسف على الكافية اللي فاتح جديد، وهتقعدوا تشتغلوا الأول ولازم تقنعية بجدية مشروعك، هيكون قاعد هناك "نادر" صاحبي، هيقعد قصاد عيونك وهتاخدي منه الإشارات، عينك لازم تكون معاه طول الوقت، أنا هكون معاه على التليفون وأول ما بيسان تقرب تدخل على الكافية هو هيبلغك بإشارة، لازم تتصرفي وتخلي يوسف يأكلك في بقك من المولتن كيكنطقت بحيرة: -أنا مش فاهمة إنتَ جايب منين الثقة اللي بتتكلم بيها دي، ومنين واثق إن يوسف هيطلب مولتن كيك وفي الوقت ده تحديدًا؟! نطق مفسرًا: -أنا ليا ست شهور عيني على إبن البنهاوي ليل ونهار، ليا عيون عليه منين ما يروح، وبصراحة شخصيته المنظمة الروتينية ساعدتني كتير، هو كل يوم بيروح يشرب قهوة في كافية معين، وبياخد مع القهوة مولتن كيك شيكولاتةسألتهُ بتيهة: -طب ولما هو متعود مكان معين، إزاي هقدر أقنعه يروح معايا الكافية الجديدهتف بصرامة: -لازم يروح الكافية الجديد يا ساندي، وإلا خطتنا كلها هتفشل، الكافية اللي كان بيروحه يعتبر ليه ذكريات كتير مرتبطة بـ بيسان، ده غير إنها بتروحه دايمًا وساعات بيتقابلوا هناك بالصدفة، فمن الطبيعي إنه لما يخونها ويحب غيرها، مش هيودي حبيبته الجديدة نفس المكان اللي كان بيقابل فيه حبيبته القديمة راق لها ذكائهُ الخارق في التخطيط، حيث أنهُ لم يترك أية تفصيلة للظروف، بل خطط ودبر بكل حرفية ليبدو الأمر طبيعيًاوفي اليوم المتفق عليه لتنفيذ المخطط، كان يوسف يخرج من باب الجامعة لتوقفهُ "ساندي" بحديثها كثير الأهمية بالنسبة إلى يوسف: -ازيك يا باشمهندس، كنت محتاجة لك جدا في حاجة ضرورية وأتمنى تقف جنبي وتساعدني، لإن إنتَ الوحيد اللي ممكن تفيدني سألها باستغراب وجدية: -خير يا آنسة ساندي؟ تحدثت بطلاقة: -انا بعمل مشروع خاص بالتكنولوچياوتابعت كي تستقطب اهتمامه لعلمها أهمية ذاك المجال لديه:- تقدر تقول إختراع هيفرق للبشرية كلها لو إكتمل صح وخرج للنور رفع حاجبهُ يسألها باستفسار: -ياه للدرجة المشروع مهم؟! أجابتهُ بثقة: -هتتأكد من ده بنفسك لما أشرحهولك، ها، قولت إيه؟ وتابعت بأعين راجية:- هتساعدني؟ ابتسم وعلى الفور وافق لحبه لمجال الإلكترونيات ولفضوله الكبير لمعرفة نوعية الإختراع، لتتابع هي برجاء: -طب يلا بينا، أنا عارفة مكان مريح وبيقدم قهوة حلوة جدًا أومأ بموافقة وذهبا لأحد الأماكن العامة المتفق عليه، وجلسا يتناقشان وبالفعل كان لديها مشروعًا أعجبهُ للغاية لدرجة أنهُ اندمج كثيرًا معها ونال عقلها وتفكيرها استحسانهُ لدرجة كبيرة،بعد مرور بعضًا من الوقت، طلب لنفسه قدحًا من القهوة مع قطعة من كعكة الشيكولاتة"مولتن كيك" كنوعًا من مكافئة حاله بعد يومًا شاق، ثم سألها باهتمام: -مش هتاخدي حاجة حلوة مع الموكا؟ حركت رأسها بنفيٍ وأجابته بابتسامة جذابة: -إنتَ شكلك مصمم تبوظ لي الرچيم بتاعيابتسم بهدوء وانتظر حتى أتى النادل ورص ما طلبه كلاهما فوق الطاولة وذهب، جلسا يتحدثان وهما يحتسيان مشروبهما إلى أن حانت اللحظة الموعودة وأشار لها نادر باقتراب دخول بيسان فتحدثت بابتسامة حرجة بعدما تخلت عن حيائها وكبريائها المعروف عنها لأجل الحب: -هو أنا ممكن اطلب منك طلب تاني؟ بابتسامة هادئة أجابها: -شكلك داخلة على طمع ومش هتكتفي بمساعدتي ليكِ في المشروع ضحكت بدلالٍ وسعادة داخلية بعدما رأت طيف بيسان الواقفة بجوار صديقتها يشاهدان جلوسهما معًا، تحدثت منتهزة الفرصة: -بصراحة شكل المولتن كيك يجنن، وحابة أدوقه لأني مجربتوش في المكان ده قبل كده، ده لو ينفع طبعاً أجابها بجدية: -حالاً هطلب لك نطقت سريعًا قبل أن يلتفت إلى النادل ويرى بيسان: -مش لدرجة إنك تطلب لي، أنا عاوزة بس حتة صغيرة جدًا وتابعت بحرجٍ: -لو ممكن تدوقني من طبقكنطق يخبرها: -ثواني هطلب لك شوكة نضيفة على الفور رفضت: -مش مستاهلة، أنا هاكل بشوكتك عادي، ومتخافش، مش هلمسها ببقي شعر بإحراجٍ كبير من طلبها الغريب، منعهُ حيائه من رفض طلبها فقام بقطع قطعة صغيرة وبسط كفه لمناولتها لتباغتهُ هي بمسك كفه بخاصتها وتقريب الشوكة من فمها لتغمض عينيها ويبدوا على ملامحها الاستمتاع بمذاقها، ظهرت الصورة وكأنها لحبيبًا يُطعم حبيبتهُ العاشقة والمستمتعة لأبعد حد، كل هذا حدث تحت احتراق قلب بيسان التي نزلت دموعها وعلى الفور غادرت المكان ليسحب يوسف كفه بخجلٍ ولومًا لحاله وشعورًا بالذنب يراوده ويتملك منه ليؤنبه عقله قائلاً: -كيف تسمح لحالك بارتكاب تلك المعصية وخيانة حبيبتك. ليقف سريعًا وهو يعتذر: -أنا مضطر أمشي لأني اتأخرت قوي، وكده أنا ساعدتك في بعض النقط اللي كانت واقفة قدامك، كملي إنتِ بقى وربنا يوفقكنطق كلماته كوداعًا وقطع الأمل على أي فرصة لتجمعهما في المستقبل، وبالفعل عاد يعاملها برسمية وجدية بعدما لاحظ محاولات التقرب منه، ناهيك عن نظرات الوله التي كانت تقطرُ من عينيها وتدل على عشقٍ هائل يسكن بقلبها تجاههُ،لكنها لم تستسلم وظلت تحاول إلى الآن باستماتة ظنًا منها أنهُ أصبح حقًا مشروع بعدما تمت خطبة نبيل وبيسان. عودة للوقت الحالي، ابتسمت ساندي وتحدثت بإطراءٍ: -بصراحة يا نبيل، أرفع لك القبعة على الخطة اللي رسمتها بمنتهى البراعة، ودخلت على يوسف وبيسان لدرجة إن محدش منهم شك ولا حاول يسأل التاني -منكرش إن غباء وعِند الإتنين ساعدني كتير في نجاح الخطة... قالها بابتسامة شامتة ليتابع مسترسلاً بجدية:-كل واحد فيهم كرامته كانت أغلى عنده من حبيبه،وكل واحد اتمسك بكبريائه ومن هنا نجحت الخطة.ابتسمت وتحدثت بتوترٍ:-أنا لازم ارجع الحفلة قبل ما يوسف يحس بغيابي ويشك فيا-بالتوفيق يا شريكتي العزيزة... قالها وهو يصافحها واسترسل: -أحب أبشرك، قريب جدًا الفار هيقع في مصيدة حبك، مهو خلاص، مبقاش قدامه غيركبرغم عشقها الهائل ليوسف إلا أن كلماته أشعرتها بالدونية _____________-فؤاد...قالتها إيثار التي تجاور حبيبها الوقوف-إيه يا حبيبي... قالها بنعومة وكأنهُ يتغنى حروفها لتتخطى جمال اللحظة وتسألهُ بجدية: -إيه رأيك في ليان بنت دكتور أحمدسألها: -من حيث إيه بالظبط؟ -كل حاجة، ادبها ذوقها جمالها ورقتهااجابها وهو يتطلعُ على الفتاة: -باين عليها محترمة، مش شبه أمها في حاجه، طالعة طيبة وأصيلة لجدتها وعمتهانطقت باستحسان: -ده حقيقي، وده اللي خلاني أفكر فيها عروسة لـ"يوسف"طالعها بحزن وتحدث: -يوسف مش هيوافق، لأن قلبه مع غيرهانطقت بلامبالاة: -وغيرها باعته واشترت الرخيصنطق بثقة عالية: -هترجع له، وبكره هفكرك بحدة اجابته: -وإبني مش ترانزيت لقلب بنت ماجد يا فؤاد،تسيبه وترجع له وقت ما مزاجها يسمح لها نطق بجدية ويقين: -الموضوع أكبر من كده يا إيثار،العيال دي فيه حاجة كبيرة حصلت ما بينهم،وأنا مش هسكت غير لما أعرفها نطقت بخيب أمل وانكسار: -الحاجة الكبيرة اللي حصلت هي إن بنت اختك اقتنعت بكلام أبوها طالعها لينطق متأثرًا: -متبقيش قاسية قوي كده على البنت،روحي بصي في عنيها وإنتِ تعرفي إنها بتفرفر من جواها-مبقتش بهتم بمشاعر حد غير إبني وبس...وتابغت وهي تترجاه بعينيها:-فؤاد،علشان خاطري خلي بالك من معاملتك مع يوسف أكتر من كدهوتابعت بأعين تلألأت بداخلهما حباة الدموع:-يوسف مش بس إبني،ده شريك مشواري وداق معايا المُر قبل الحلو فيه،علشان كده قلبي بيوجعني لما أي حاجة تمسهوتابعت بشعورٍ نابعًا من عمق القلب: -لو بإيدي أخده واخبيه جوة عيوني وأقفل عليه برموش عنيا علشان أمنع عنه أي شعور مؤذي ممكن يوصل له، كنت عملتها من غير تفكير.أجابها بمشاعر نابعة من القلب: -يوسف إبني زي ما هو إبنك يا إيثار،ده أول طفل أحس معاه بمشاعر الأبوة،ابني اللي مخلفتهوش،أول ولد أخده وأنزل معاه الملاهي وأسيب هيبتي وكبريائي قبل ما اتحرك بيه،نام في حضني وشميت ريحته قبل ما ألمس ولادي منك،يمكن مخدش مني إسمي بس خد كل طباعي لدرجة إن كتير من الناس كانوا فاكرينه إبني من كتر ماهو شبهيوتابع بأعين متوسلة:-فبلاش تطلبي مني حاجة تفكريني بيها إنه مش إبني وإني مليش حق عليهابتسمت وشددت من احتضان كفها لخاصته وكأنها تعتذرُ منه بتلك الطريقة وتحدثت بإبانة: -عمري ما فكرت بالشكل ده، وطول الوقت بتعامل أنا وهو على إنك أبوه الحقيقي،بس يمكن اللي متعرفهوش إني بلوم نفسي وبحتقرها ألف مرة لو جيت في يوم و زعلته،يوسف مكانته في قلبي غير يا فؤادأخرجت تنهيدة حارة وتابعت وهي تنظر إلى الأمام بحزنٍ سيطر على ملامحها وملئ صوتها: -طول الوقت شعور الذنب بيقتلني على الظروف اللي اتخلق جواها،حاسه إني السبب في اللي شافه ولسه بيشوفه بسبب ابوه وعيلتهأخذت نفسًا عميقًا وتابعت بلومٍ قاتل: -أنا جبته للدنيا علشان يحاسب لوحده على "أذناب الماضي" ،ديول الماضي وذنوبه الكتير اللي ماشية تلاحقه زي ظله، ده الشعور اللي دايمًا مسيطر عليا طول الوقتحولت بصرها إليه وتابعت: -يوسف نقطة ضعفي يا فؤاد، كسرة ظهري اللي عشت بيها طول عمري. احتوى كتفها ليحدثها بالعقل: -أولاً لازم تستغفري ربنا لأن هو اللي بيخلقنا وبيجبنا للدنيا مش إحنا، إنتِ مجبتيش يوسف يا إيثار، ربنا خلقه في وسط الظروف دي لحكمة لا يعلمها إلا سبحانه وتعالى، فبلاش تجلدي ذاتك على حاجة إنتِ ملكيش ذنب فيها. ______________تحركت إيثار نحو علام الجالس بصحبة شقيقه أحمد ومالت بجزعها تسألهُ بحميمية: -إنتَ كويس يا بابا؟ أومأ لها بابتسامة فتابعت تسألهُ بودٍ: -ناقصك حاجة يا حبيبي، أجيب لك حاجة مسكرة تاكلها على ما يفتحوا البوفية؟ أجابها بهدوء يعود لحزنه منها بسبب عدم اخباره بما جرى بمسكن يوسف:-أنا تمام، ركزي إنتِ مع ولادك وخصوصًا "مالك"، خلي عينك عليهربطت على كفه الممسكة بعصاه وتحدثت: -متقلقش يا حبيبي، عزة معاه طول الوقت، خلي بالك إنتَ من صحتكإبتسم لها مع هزة بسيطة من رأسه، استقامت لتتحدث إلى عم زوجها الحنون: -منور الحفلة يا باشا -إنتِ اللي منورة الدنيا كلها يا إيثار... قالها بتودد وابتسامة حنون لتنطق بابتسامة سعيدة تحت نظرات نجوى المستنكرة: -حبيبي يا عمو وتابعت بعدما تطلعت على نجوى: -منورة يا نجوى هانم-ميرسي... قالتها وهي تشملها بكبرياء لتقترب عصمت التي حضرت للتو: -إنتِ فين يا إيثار، تعالي رحبي معايا بالضيوف، ظهري وجعني من اللف لوحدي على الترابيزات، وفريال مختفية هي وبنتها، معرفش راحوا فين-حاضر يا ماما، إرتاحي شوية جنب الباشا وانا هرحب بالضيوف واشوف لو الترابيزات ناقصها حاجة. تحركت تحت غضب سميحة التي تراقبها عن كثب لينطق زوجها المرافق لها بطاولتهما الخاصة: -أنا مش عارف إنتِ شاغلة نفسك بالست دي ليهزفرت بقوة ليتابع زوجها للتقليل من الاخرى بغرض نيل استحسانها: -دي حتى مش من مقامك علشان تعملي لها حساب وتضايقي بغرور اجابتهُ بعدما أرجعت ظهرها للخلف: -هو أنتَ فاكرني عاملة لها هي حساب؟!، أنا على عيلتي اللي كل شوية ينفخوا فيها لحد ما صدقت نفسها ونسيت أصلهاوتابعت بزفرة حادة: -الله يسامحك يا فؤاد، هو السبب في إننا نعرف الاشكال دي نطق زوجها ذات الشخصية الضعيفة لارضائها: -ولا يهمك يا حبيبتي، تعالي نرقص سوى علشان تفرفشي نطقت مستنكرة: -نرقص إيه في أم الليلة الغريبة دي، الحفلة بادئة بقى لها أكتر من ساعتين والعريس والعروسة لسه ما افتتحوش الرقصة الاولىوتابعت وهي تتلفتُ من حولها بتمعنٍ: -وبعدين هي بيسان سايبة عريسها وراحت فين؟! __________تحركت إيثار بجوار نجلها ليرحب بـ دكتور أحمد وعائلته، وبعد مدة كانت تقف جانبًا هي و"يوسف" و"ليان"، اندمج يوسف مع الفتاة وتبادلا الاحاديث والمناقشات المثمرة ولا سيما من إطلاق الضحكات على بعض المزحات التي تعمدت إيثار طرحها لتلطيف الاجواء بينهما بعدما اتخذت قرارًا باقتراحها كـ خطيبة على ابنها. خرجت مرةً أخرى تلك البائسة بصحبة والدتها بعدما استدعت لها الاخيرة خبيرة التجميل التي مازالت موجودة بالحفل لتفادي بعض الطوارئ،رفعت رأسها لأعلى وباتت تجول المكان تبحث عن ذاك الخائن إلى أن اهتدت لمكان وقوفه، اشتعل قلبها من جديد حين رأت سعادته وضحكاته المتتالية وما زاد من احتقان قلبها هو وقوفهُ مع تلك الجميلة بمفرديهما بعدما اعتذرت إيثار وانسحبت بحُجة متابعة الحفل والحضور،لتعطي لهما فرصة للتقرب. تحركت بغضبٍ وقلبها يغلي كالبركان نحو نبيل الذي استقبلها ببرودٍ اصطنعهُ بإعجوبة ليخبأ خلفهُ بركانه الثائر بقلبه وتحدث: -إنتِ فين يا حبيبتي، منظم الحفلة عاوز يفتتح بينا الرقصة الأولى -تمام... قالتها بحدة وتحدي ليعلن المسؤل عن الموسيقى عن انطلاق الرقصة الاولى الخاصة بالعروسان، تحركت لتتراقص معه على انغام موسيقى هادئة، وبرغم إغداقها من ذاك اللزج نبيل بكلماتٍ غرامية إلا أنها لم تكن تسمعهُ من الأساس، فكل تركيزها صبته على ذاك الخائن لتراقبهُ عيناها وهو يقف مع تلك الفتاة الجميلة تحت احتراق روحها وروح ساندي أيضًاأما هو فمنذُ ان استمع لإعلان العامل عن بدأ رقصة العروسان وجسده يغلي كبركانٍ ثائر،كيف لها أن تفعل بهِ هذا وتضعهُ بذاك الإختبار اللعين،لم يستطع النظر عليهما كي لا يفقد أعصابهُ ويفعل شيئًا يندم عليه لاحقًا،عقله يصرح رافضًا تصديق ما فعلتهُ به،كيف تسمح لحالها بأن يقترب منها ذاك الوغد،أسمحت له بأن يمسك كفها ويلف ذراعهُ حول خصرها كما المتعارف عليه بتلك الرقصة اللعينة؟!أم أنها حافظت على نفسها،الفضول يكاد يفتك به ويطالبهُ قلبهُ بالالتفات عليها ليرى ما يحدث، والعقل رافضًا بقوة بأن يذل حالهُ ويراها بذاك المشهد المهين لرجولته،عدة مشاعر مختلطة انتابته جعلت من عقله يتشتت ليفيق على سؤال تلك الجميلة:-يظهر إن حضرة الظابط سرحان في حاجة مهمة نطق يسألها باعتذار: -سوري، كنت بتقولي حاجة؟! ضحكت برقة وهي تؤكد: -كنت بقول إنك سرحان بس إتأكدت بعد جوابك ده-أنا آسف جدًا، غصب عني سرحت شوية في حاجة شغلاني...ليتابع بطريقة مهذبة: -إتفضلي قولي سؤالك، أنا سامعكنطقت بهدوء: -كنت بسألك إيه أفضل لقب لقلبك، حظرة الظابط، ولا الباشمهندس؟ اجاب بثقة: -اللقبين بيمثلوني ويكملونيبجبينٍ مُقطب سألته: -إزاي؟! أجاب بمهارة: -الباشمهندس هو صاحب الاختراع اللي وصلني للقب الظابط، يبقى الاتنين أنا، والاتنين بيمثلوني. نطقت بإعجابٍ بدى على ملامحها: -عجباني دماغك وردودك، حساك مختلف عن شباب جيلك. -إنتِ كمان مختلفة ابتسمت لتسألهُ بمراوغة: -مختلفة دي حاجة حلوة ولا وحشة؟ضحك يجيبها تحت استمرار اشتعال قلبه:-حاجة حلوة جدًا انطلقت ضحكاتهما تحت سعادة قلب إيثار التي تراقب ردود أفعالهما وسالي أيضًا التي أعجبها ذاك التقرب برغم كرهها لـ إيثار لكن لا يمنع أن الشاب يمتلك مقومات الرجل الناجح والتي تتمناهُ كل إمرأة عاقلة لابنتها. إنتهت الرقصة تحت احتراق قلب بيسان من التجاهل الكامل والمتعمد من يوسف، ناهيك عن إنقلاب السحر على الساحر، فبدلاً من رؤيتها لاحتراق روحه كما خطتت وهي تبعث له الدعوة، حدث العكس، وهي من احترقت بنار الغيرة وتدمرت روحها وانهارت، وقف نبيل بجانبها وتحدث إلى الجميع من خلال الميكرفون: -ممكن أخد دقيقة من وقتكم لو سمحتم انتبه الجميع حتى يوسف الذي التفت بجنبهِ مرغمًا كي لا يثير تساؤلات البعض فتابع نبيل بابتسامة متقنة الصُنع: -أولاً حابب أشكركم كلكم على حضوركم وتشريفكم لينا، علشان تحتفلوا معايا أنا وبيسان باليوم العظيم دهتعمق بعينين يوسف وتحدث كذبًا قاصدًا إشعال النيران بروحه: -يوم تتويج حبنا الكبير،وحياتنا اللي هتكون رائعة واللي بدأنا تأسيسها النهاردة بالخطوبة،وعاوزكم كلكم تشوفوا اللحظة التاريخية وانا بلبس حبيبتي الخاتم اللي هيربطنا ببعض العمر كله. قطع حديثهُ ذاك الصوت المرتفع الذي انطلق بصياحٍ مع اقتراب صاحبهُ لمكان العروسان: -...... إنتهى الفصل
رواية انا لها شمس الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم روز امين
لقد أذاب عشقك الراقي جليدي، بعد أن تسلل إلى قلبي وأبدل قسوته بفيضان متدفق من المشاعر الدافئة، فتحول ظلامي إلى ضوء مشع وبات السلام يسود داخل نفسي الثائرة.
فؤاد علام زين الدين
بقلمي روز أمين
ليلة طويلة لم تنتهِ بعد، بعض القلوب استكانت وهدأ ضجيجها، وبعضها اشتعلت بنيران الغضب. صعد عمرو مهرولًا فوق الدرج ليصل لشقته الخاصة بإيثار. فتح الباب وبات ينظر للمكان وتجهيزاته، فقد أحضر متخصصًا ليزين له المكان ليبدو وكأنه ساحة احتفال، زهورًا هنا وهناك وشموعًا ذات رائحة نفاذة. تطلع لتلك الطاولة الموضوعة بمنتصف البهو وما عليها من أشهى المأكولات وأنواع الحلوى المحببة لدى حبيبته التي توقفت حياته بغيابها، وظل يحلم باليوم الذي سيجمعهما من جديد ويحملها بين ساعديه ويلج بها إلى مسكنهما من جديد. أقسم بداخله بأنه سيفعل ما بوسعه حتى يمحو من مخيلتها جل ما سبق، ويبدأ معًا صفحة جديدة خالية من مسببات الحزن والألم. هذا ما رسمه بخياله بعدما ابتاع وحدة سكنية بإحدى المدن الجديدة بالقاهرة، وانتوى أخذ امرأته وصغيرهما والبعد عن كل ما سيؤرق حياتهم، دون وضع نصر وإجلال بحساباته، فقد جنب هذا الأرعن التفكير برد فعل والديه بهذا الأمر.
هرول إلى طاولة الطعام وقام بجذب مفرش الطاولة بقوة، لتتناثر جميع الصحون والكؤوس وكل ما تحتويه الطاولة ويسقط أرضًا، ليتناثر الزجاج وينتشر فوق الأرضية الرخامية، مما أحدث صوتًا هائلًا استمع له ساكنو المنزل بأكمله. أصبح كالمجنون حيث هرول على طاولة جانبية ليمسك بالمزهرية الكريستالية الموضوعة عليها ويلقي بها بكل قوته بعرض الحائط، لتتحول لقطع صغيرة وتستقر أرضًا. صرخ بكل صوته وهو يقول بقلب مشتعل بنار الغيرة:
- ليه يا إيثار؟ إزاي قدرتي تعملي كده فيا؟ ده أنا عمري ما حبيت حاجة في حياتي واتعلقت بيها قد ما حبيتك.
أمسك شيئًا آخر وقذفه بقوة على الحائط ليستطرد صارخًا بهياج:
- ده أنا سلمتك قلبي، وعملت علشانك كل حاجة، تيجي بعد كل ده وتديني ظهرك وتجري تترمي في حضن راجل غيري يا بنت غانم!
هاج وبدأ بتحطيم كل ما تطاله يداه حتى أنهى على كل شيء. توقف وبدأ يتلفت بعينيه باحثًا عن شيء يصلح للكسر، ليهرول باتجاه ستائر الردهة ليجذبها بكل قوته ولم يتركها حتى وقعت أرضًا، ليصرخ بكامل صوته الحانق:
- هقتلك يا ابن الـ...
تلفظ بسباب بذيء قاصدًا به فؤاد ليسترسل بجنون:
- والله العظيم لأقتلك!
استمع لطرقات عالية فوق الباب ولصوت إجلال الصارخ المترجي:
- افتح يا عمرو، افتح يا ابني متوجعش قلبي عليك.
صرخ وهو يقول بنبرة ساخطة:
- سيبوني في حالي، محدش ليه دعوة بيا!
نطقها وبات يتلفت بعينين زائغتين عله يجد شيئًا جديدًا ليقوم بتحطيمه كي يهدأ من حالة الجنون التي أصابته. انضم طلعت وحسين إلى والدتهما كي يحثا ذاك الأرعن على فتح الباب والتوقف عن تلك الأفعال الجنونية.
أما بالأسفل فوقف نصر أسفل الدرج ليصيح بصوت ناقم قاصدًا نجليه:
- سكتوا الأهبل ده بدل ما أطلع أكسر اللي باقي من الشقة على نفوخه.
أخرسه صوت إجلال التي صاحت بصوت ساخط:
- ده بدل ما تقول له كلمة تهون عليه الخيبة التقيلة اللي صابتنا قاعد تهزأ فيه!
رد عليها بصياح معترض:
- وهو مين اللي وصله للخيبة التقيلة وكان السبب فيها؟ مش سرمحته ومشيه العوج؟ زعلان قوي وقاهر نفسه على بنت غانم؟ ما كانت في حضنه وخدامة تحت رجليه، ضيعها وضيع ابنه بطفاصته وجريه ورا النسوان الشمال.
زفرت بقوة ليهتف طلعت وهو يطرق الباب بكف يده:
- افتح يا عمرو وبطل الجنان اللي بتعمله ده، افتح وخلينا نفكر بالعقل.
هتفت إجلال بقوة وجبروت:
- هرجعها لك، وحياة أمها لأجيبها لك زاحفة وأركعها تحت رجليك.
استمعت لتلك الواقفة خلفها حيث تحدثت متهكمة وقد خانها ذكاؤها تلك المرة وهي تقف عزلاء أمام الأسد بعرينه:
- ودي هتعمليها إزاي يا ستهم بعد ما بنت منيرة اتجوزت؟
اتسعت عيني إجلال لتلف وجهها سريعًا تتطلع على هيئة سمية الواقفة أمام باب شقتها، مرتكزة بجسدها على الحائط بطريقة مفتقرة للاحترام لتسترسل بابتسامة شامتة:
- لا ومش أي جوازة، دي متجوزة مستشار ابن مستشار.
واستطردت بنظرات فرحة وهي تشير بإصبعي السبابة والوسطى:
- يعني معاه بدل الحصانة حصانتين.
جحظت عينا طلعت ليهتف بحدة:
- ادخلي على شقتك واكتمي نفسك بدل ما أكتمهالك أنا.
انتفض الجميع أثر صوت الباب الذي فتح بقوة ليخرج ذاك الثائر بهيئته الجنونية، حيث نكش شعر رأسه وانتفخت عيناه وتحول بياضها إلى أحمر كاتم جراء غضبه العارم، ليتخطى الجميع بسرعة ليهجم عليها كالأسد الجائع وهو يفتك بفريسته. اتسعت عيناها لتتخذ خطوات تراجعية للخلف لكن بعد فوات الأوان، فقد طالها وتحكم بقبضتيه على عنقها ليتحول وجهها إلى اللون الأحمر الداكن، ليخرج لسانها وعيناها في الحال وهي تشعر بالاختناق وبخروج روحها. صرخ بكامل صوته وهو ينعتها بسخط:
- كله منك يا بنت الـ...
سبها بأقذر الشتائم وألعنها ليسترسل وهو يضغط بكامل قوته على عنقها ليحجب الهواء عنها:
- أنت السبب، لولا قذا...
مكنتش خسرت حبيبتي وابني، دخلتي عليا زي الحية لحد ما اتمكنتي مني بنعومتك، وبعد كده قرصتي قرصتك اللي طلعت بالدم.
هرول شقيقاه محاولين تخليصها من بين يديه، ليهتف حسين وهو يفك قبضته من حول عنقها:
- سيبها يا عمرو، البت هتموت في إيدك.
صرخ بجنون قائلًا، وهو يشدد من قبضته وينظر بعينين جاحظتين لتلك التي أوشكت على لفظ أنفاسها الأخيرة:
- خليها تموت علشان أخلص من الصفحة السودة دي وأقفلها.
بصعوبة أفلتا شقيقيه عنقها من قبضتيه لترتمي أرضًا وهي تتحسس عنقها وتتلفت حولها بهلع وجسدٍ ينتفض بقوة، أفلت حاله من أيادي شقيقيه ليهجم عليها كالثور الهائج وبات يكيل لها بالصفعات القوية على وجنتيها تحت صرخاتها المستنجدة، ليجذباه طلعت وحسين ويوقفاه مع عدم توقفه فقد بدأ بركلها بقدمه ببطنها وظهرها وكل مكان تطاله قدمه، ليهتف طلعت بحدة:
- بطل جنان بقى، هتموتها في إيدك ويحسبوها عليك واحدة.
جذباه للخلف لينظر عليها بعينين حادتين وصدرٍ يعلو ويهبط من شدة غضبه، أسرعت عليها ياسمين لتقول وهي تتفحص تلك التي تسعل بقوة وهي تحاول أن تستعيد انتظام أنفاسها:
- إنتِ كويسة؟
صمت الجميع حين استمعوا لصوت إجلال الذي خرج مجلجلًا وهي ترمق تلك المرتمية على الأرض ببغضٍ:
- تستاهلي، علشان تحرمي تقفي قدام أسيادك وتعلي صوتك تاني.
واسترسلت قاصدة ياسمين:
- إرميها جوة في شقتها واقفلي عليها الباب.
صرخ عمرو معترضًا:
- مش هتقعد في البيت طالما إيثار مرجعتش.
ثم رمقها باشمئزاز وكاد أن ينطق بما قرأته إجلال بعينيه لتقاطعه قائلة:
- عمرو، مش هينفع علشان بنتك.
واسترسلت بجبروت:
- مش حفيدة نصر البنهاوي اللي الناس تجيب في سيرتها ويقولوا دي أمها مطلقة.
جذبتها ياسمين من ذراعها وهي تهمس بارتعاب:
- قومي ادخلي جوة بدل ما يتجنن عليكِ تاني.
لم تكترث لكل ما حدث وكأن ما فعله بها أمام الجميع لم يعيقها لتقول وهي تنظر له بقسوة:
- نفسي أعرف عاملة لك إيه بنت منيرة علشان تبيع علشانها اللي شاريك وبيتمنى رضاك.
تابعت وهي تصرخ بقوة:
- حتى بعد ما باعتك وجريت ورا وكيل النيابة بتاع السلطة والفلوس لسه باقي عليها.
أشار إلى ياسمين ليصيح بصوتٍ ساخط:
- إبعديها واخفيها من قدامي بدل ما أرتكب لكم فيها جناية.
رفعت إجلال سبابتها لتصيح بقوة وتجبر:
- وعزة جلال الله لو ما اختفيتي جوه شقتك حالًا لاكون مخلية الغفر شايلينك وراميينك في قلب الجبل للديابة تنهشك.
واسترسلت بتهديدٍ مباشر:
- أم حفيدتي لما تبقى ميتة أشرف لها من لما تكون مطلقة.
ابتلعت لعابها بعدما لمحت الغدر بعيني إجلال لتزحف للخلف سريعًا لتختفي داخل مسكنها تحت تمسكها بغريزة البقاء.
*******
داخل الجناح الخاص بفريال علام وزوجها، كانت تجوب المكان ذهابًا وإيابًا بوجهٍ ارتسمت عليه علامات الغضب، اقترب عليها زوجها وهو يقول في محاولة منه لتهدئتها:
- إهدي يا فريال مش كده.
صاحت بقوة وهي تنطق باعتراض:
- أهدى إزاي وأنا شايفة أخويا العاقل جايب لنا واحدة لا نعرف أصلها ولا فصلها ومطلوب مننا نرحب بيها، لا وكمان هتعيش معانا!
أجابها بهدوء كي يهدأ روعها:
- أخوكِ شخص واعي ومسئول عن تصرفاته، وأكيد علام باشا مش هيسمح لواحدة تدخل بينا إلا إذا كان واثق منها مليون في المية، ويا ستي لو طلعت داخلة على طمع أكيد الباشا هيعرف وساعتها يبقى جت لقضاها برجليها.
نظرت لزوجها وبدون سابق إنذار سالت دموعها لتنهمر على وجنتيها مما جعله يتأثر ويضمها ليحتوي حزنها، بات يربت على كتفيها ويقول لتهدئتها:
- إهدي يا حبيبتي وادخلي اغسلي وشك علشان ننام.
استمعت لزوجها لتدخل إلى الحمام تاركة إياه يهز رأسه بأسى.
*******
أزيح ستار الليل لتشرق الشمس معلنة عن مولد يومٍ جديدٍ بحياة الجميع، فاقت على صوت زقزقة العصافير الساكنة بأشجار الحديقة، حركت أهدابها وما أن فتحت عينيها حتى باتت تتلفت حولها باستغراب للمكان وسرعان ما تذكرت لتهدأ وترتسم ابتسامتها سعيدة فوق ثغرها، تمطأت بدلال لتشعر بحركة الصغير الذي بدأ يفيق من غفوته، ابتسمت ورفعت رأسها لتتطلع عليه وما أن فتح عينيه حتى ابتسم لها لتنطق وهي تدغدغ بطنه بدلال:
- صباح الخير يا قلبي.
- صباح النور يا مامي... قالها قبل أن يتطلع حوله باستغراب ليسترسل متعجبًا:
- هو احنا فين؟!
مالت تهمس بجانب أذنه بمداعبة كي تنسيه ما عاناه معها خلال الفترة الماضية:
- في بيت شرشبيل الشرير.
ضحك بصوتٍ طفولي ليسألها من جديد:
- هو احنا هنرجع بيتنا إمتى؟
تنهدت بعمق ثم أجابته بهدوء:
- قريب يا حبيبي إن شاء الله.
عاد يسألها من جديد بما أرق روحها:
- هو احنا مش هنعيش خلاص مع بابي؟ ده عمل لنا البيت حلو قوي، وجاب لنا حاجات كتيرة فيه، عمل لي أوضة حلوة قوي وحط لي فيها كل ألعابي اللي جدو نصر اشتراها علشاني.
تنفست الصعداء قبل أن تجيبه:
- إحنا حياتنا كلها هنا يا چو، أنا شغلي هنا وإنتَ مدرستك وأصحابك كلهم هنا، مينفعش نسيب كل ده ونروح نعيش عندهم في البلد.
وقبل أن يباغتها بأسئلة أخرى قفزت لتحمله بين ساعديها وهي تقول:
- بطل رغي بقى وتعالى ناخد شاور متين على ما عزة تجيب لنا الهدوم.
ولجت به إلى الداخل لتملأ له حوض الاستحمام وتضعه داخله لينتعش الصغير، بعد مدة أخرجته ولفته بإحدى المناشف الكبيرة وخرجا معًا لتضعه على الفراش وهي تجفف له شعر رأسه، ولجت للحمام وقامت بغسل وجهها جيدًا ومررت أصابعها بشعرها الأسود الحريري والذي يصل لمنتصف ظهرها، استمعت لصوت طرقاتٍ خفيفة فوق الباب فهرولت بالخروج كي لا يتحرك الصغير لفتح الباب ويتعرض لوعكة، بالفعل وجدته يستعد للنزول فأشارت له ليلتزم الجلوس وتحركت نحو الباب لتدير المفتاح استعدادًا لفتحه، أخذت نفسًا عميقًا استعدادًا لمواجهة الطارق وتوارت بجسدها خلف الباب وفتحته بهدوء وهي تطل برأسها عبر الباب الموارب لتتفاجأ بظهوره أمامها وابتسامته الرائعة التي تعلو ثغره وهو يقول بصوتٍ أصاب قلبها برجفة:
- صباح الخير.
- صباح النور... نطقتها بعينين تلتمعان بوميض الانبهار ليبتسم من جديد ناطقًا بأدب:
- ممكن أدخل؟
- آه طبعًا... نطقتها بإحراج وهي تختفي خلف الباب لتفسح له المجال، ولج واستدار يغلق الباب ليتطلع لتلك الواقفة تلتصق بالحائط لتتسع على الفور عينيه ناهيك عن قلبه الذي بات يدق بوتيرة عالية حينما رآها مرتدية الجزء العلوي فقط من بيجامته حيث تصل لمنتصف فخديها ليظهر استدارتهما وجمالهما الساحر، رفع أعينه على أكمام البيجامة حيث شمرتهما ليصلا لنصف ساعديها كي لا يعيقا حركتها ليصعد سريعًا لفتحة الصدر، تعمق بفتحة الصدر العميقة على شكل حرف V والتي تعمقت بإظهار قدرٍ ليس بالقليل نظرًا لمقاس البيجامة الكبير، أظهر لون البيجامة الزيتي لون جسدها الأبيض مما جعل الآخر بحالة يرثى لها، ابتلع لعابه لتتحرك تفاحة آدم خاصته صعودًا وهبوطًا أظهرت كم الربكة التي أصابته من مظهرها المهلك لقلبه العاشق، كانت تراقب عينيه وهي تجوب جسدها بقلبٍ يدق بأصواتٍ تشبه طبول الحرب من شدة خجلها، تسللت رائحة عطره القوية إلى أنفها لتنهي على قلبها المشتاق مما جعلها تبتلع لعابها ليقترب هو عليها وهو يهمس بصوتٍ خرج متحشرجًا جراء تأثره بتلك الحالة التي بعثرت كيانه وشتت عقله:
- هو إنتِ عاوزة إيه بالظبط؟
حركت أهدابها بشكلٍ سريع غير مدركة لمقصده ليتابع وهو يصعد ويهبط بعينيه عليها:
- امبارح جننتيني بشكلك في البورنس لدرجة إني طول الليل بحلم باللحظة اللي هاخده منك فيها.
فتحت فاها ببلاهة ليسترسل وهو يتمركز بمقلتيه فوق شفتيها:
- والنهاردة كملتي على حبة الصبر والعقل اللي فاضلين بالبيجامة.
خجلت من كلماته ليقترب عليها لتهمس وهي تشير بجانب عينيها إلى الفراش كي تنبهه:
- يوسف.
- ماله؟... نطقها بتيهة وما زال مثبتًا مقلتيه على ثغرها ببلاهة وكأنه مغيب لتجيبه بشكلٍ أوضح عله يستفيق من حالة الوله تلك التي استحوذت عليه:
- قاعد على السرير.
ليجيبها مسحورًا غير مدركٍ لما يحدث من حوله أو يقال:
- هو مين؟
- يوسف... نطقتها وهي تشير بسبابتها باتجاه الفراش ليتابع بعينيه أصبعها ليباغته ذاك المتطلع عليهما بعينين مسلطتين وفاهٍ مترجل، تحمحم وابتعد سريعًا بعدما اكتشف أمر الصغير، زفر بقوة عله يخرج نار قلبه المستعرة ليضع أنامله في حركة تلقائية يتخلل بها شعر رأسه الكثيف بلونه الفحمي، وعى على حاله ليتحرك صوب الصغير وهو يقول بحرج:
- يوسف باشا، صباح الخير.
- صباح النور... قالها بهدوء ليجاوره فؤاد التمدد فوق الفراش ويميل بجذعه على ذاك الجالس ليطبع قبلة حنون بوجنته قبل أن يهتف بنبرة حماسية:
- إيه الريحة الحلوة دي على الصبح.
- لسه واخد شاور... قالها يوسف بتلقائية ليسترسل وهو يشير على المنشفة الملفوفة حول كامل جسده:
- بس مش لبست هدوم.
أخذ نفسًا عميقًا ليتمكن من ضبط حاله ولملمة كيانه المبعثر ثم أجابه:
- عزة جاية في الطريق ومعاها كل هدومك، أنا لسه مكلمها حالًا وقالت لي عشر دقايق بالظبط وهتكون هنا.
ابتسامة رائعة خرجت من ذاك البريء أسعدت قلب فؤاد جعلته يميل تلقائيًا على كفه الرقيق الموضوع فوق الفراش ليطبع به قبلة حنون جعلت من إيثار تتطلع عليه باستغراب، استمعت لصوت طرقاتٍ على الباب فارتبكت بوقفتها ليشير لها بأن تهدأ وتحرك صوب الباب ليواربه ليجد تلك البشوشة تجاورها إحدى العاملات الحاملة لحقيبة كبيرة جمعت بها بعض الثياب الهامة التي ستحتاج لها إيثار ويوسف طيلة مدة إقامتهما بالقصر، تجاورها حقيبة أخرى بها بعض الأحذية وحقائب اليد وبعض المستلزمات الأخرى، صاحت بصوتٍ حماسي وهي تتطلع إليه وكأنهما تربيا معًا منذ الصغر:
- إزيك يا سيادة المستشار.
- حمد لله على السلامة يا عزة... نطقها بترحيب لتجيبه وهي تتطلع برأسها لاستكشاف الداخل تحت استشاطة فؤاد من أفعال تلك الفضولية التي أثارت حفيظته:
- الله يسلمك، أمال فين إيثار ويوسف؟!
رمقها بنظرة لم تستطع تفسيرها ولولا ما فعلته لأجل إنقاذ أميرته لتصرف معها بطريقة أرعبتها فلتحمد الله أن تصرفها قد يشفع لها أية تصرفات غريبة قامت بها وربما ستقوم بها بالمستقبل، فتح الباب ليشير لها بصمت لتلج سريعًا بعدما رأت إيثار، هرولت إليها ثم وضعت كفيها تتفحص بهما وجهها لتسألها بنبرة حنون وكأنها أمها التي أنجبتها:
- إنتِ كويسة يا قلبي؟
- أنا بخير يا حبيبتي... نطقتها إيثار بعينين مشتاقتين لتسترسل بنبرة صادقة:
- وحشتيني.
جذبتها عزة داخل أحضانها لتقول وهي تشدد من ضمتها:
- إنتِ اللي وحشتيني يا نور عيني، عملوا فيكِ إيه يا نظري.
قطب جبينه وهو يتطلع على تلك العلاقة الفريدة التي تجمع حبيبته بتلك المربية والتي تحمل داخل قلبها حبًا هائلًا لها، خرجت من أحضانها فور استماعها لصوت ذاك البريء الذي هب واقفًا وبات يهلل فوق الفراش:
- وحشتيني يا عزة.
- يا نن عين عزة من جوة... نطقتها وهي تهرول عليه تضمه لتقبل كل إنشٍ بوجهه وكفيه تحت حبور الصغير الذي يشعر بالأمان والحنان في حضرة تلك العطوف صاحبة القلب اللين.
أشار فؤاد للعاملة وتحدث أمرًا:
- دخلي الشنط وساعدي عزة في توضيبها.
ثم قطب جبينه ليتساءل:
- باقي الشنط فين يا عزة؟!
تلبكت وهي تنظر إلى إيثار التي فاقت عند صلاة الفجر وبعد تأدية الصلاة اتصلت بعزة وطلبت منها جلب حقيبة واحدة فقط وأخبرتها أن مكوثهم بهذا القصر لن يطول، انتفض جسدها حين تحدث إليها بصوتٍ جاد:
- مش بكلمك؟!
ابتلعت لعابها من نظراته التي تشبه نظرات الصقر لتجيبه بتخبط:
- إيثار هي اللي اتصلت بيا وقالت لي متجيبيش حاجات كتير علشان قعدتنا هنا مش هتطول.
- لا والله... نطقها وهو يركز بنظراته بعيني حبيبته لترفع حاجبها الأيسر بتأكيد جعله يضغط على شفته السفلى بغيظ ليزيد الصغير من استشاطته حين صاح بصوتٍ حماسي:
- مامي قالت لي إننا هنقعد عند شرشبيل كام يوم وهنرجع تاني لبيتنا.
هز رأسه عدة مرات قبل أن يبتسم بخبث لينطق وهو يتفحص ملامحها بلؤمٍ وتوعد:
- ده شرشبيل طلع مش مسيطر خالص يا چو، بس بسيطة، كل اللي محتاجه يغير الخطة اللي بيلعب بيها، والدنيا هتظبط بعدها.
ابتسمت لتنظر له بتحدي بادلها إياه بتوعد، فتحت العاملة الحقائب وبدأت بمساعدة عزة، كان يتطلع لقطع الثياب بتمعن وفضول تحت خجل إيثار الشديد، لاحظ عزة وهي تحمل رداء الحمام الخاص بأميرته وتتجه به إلى الحمام الملحق بالغرفة ليسرع الخطى وهو يمنعها من الدخول:
- ثواني يا عزة، فيه حاجة جوة تخصني.
أفسحت له الطريق ليختفي بالداخل، تفحص الحمام باحثًا بعينيه حتى وجده معلقًا بالمكان المخصص له، أسرع الخطى ليجذبه ويضمه بكفيه مقربًا إياه من أنفه ليغمض عينيه وهو يشم رائحتها بين ثنايا خيوطه وبات يقبل الرداء وكأنها بداخله، أما إيثار فقد ضيقت عينيها متعجبة تصرفه مع عزة لتتسع حدقتاها حين رأته يخرج وهو يضع الرداء الخاص به على ذراعه باحتواء، ابتسمت بخجل وهي تتذكر كلماته الوقحة عن انتظاره لذاك الرداء، خرجت العاملة لتتجه للأسفل بعدما انتهت من وضع الأشياء بأماكنها، ولجت عزة بصحبة يوسف لداخل الحمام لكي تساعده بارتداء ثيابه، تحرك إليها ليقول:
- أنا في أوضتي لحد ما تغيري هدومك، لما تخلصي خبطي عليا علشان ننزل نفطر مع بعض... قالها بهدوء لترتبك بوقفتها ثم أجابته وهي تفرك كفيها ببعضهما:
- هو أنا لازم أنزل؟
- آه طبعًا لازم، العيلة كلها مستنياكِ على الفطار... قالها بجدية واعتزاز ليسترسل بنظراتٍ مطمئنة وكلماتٍ أراد بها أن يزرع الثقة بداخلها:
- دي الدكتورة عصمت أخدت أجازة مخصوص علشان ترحب بيكِ.
- هو إنتَ هتروح شغلك وتسيبني هنا لوحدي؟... نطقتها كطفلٍ صغير يخشى ابتعاد ملاذه عنه لينتفض قلبه فرحًا ويجيبها سريعًا كي يبث داخل قلبها كامل الاطمئنان:
- لا يا بابا مش هسيبك.
نطقها بطريقة أذابت قلبها ونهت عليه ليسترسل بصوتٍ يشع حنانًا ويحمل بين طياته عشقًا جارفًا:
- حد بردوا يسيب حبيبه وحده.
ذابت روحها وسرت ارتجافة لذيذة بجسدها لتداعب فراشات العشق معدتها بعدما أخبرها بأنه اتخذ اليوم أجازة لأجلها، اقترب على أذنها ليهمس قبل أن يخرج:
- هستناكِ في أوضتي لما تخلصي، متنسيش تجيبي لي البيجامة بتاعتي معاكِ.
ابتعد واستدار ليخرج تاركًا إياها بحالة يرثى لها لتنظر عليه بقلبٍ هائم قبل أن يباغتها باستدارته ليتطلع عليها من جديد وهو يقول بنبرة جادة وعينيه بها تحذيرٌ نابعٌ من غيرة رجلٍ عاشق:
- متنسيش تلبسي فستان محتشم وعليه حجاب يداري صدرك علشان ماجد هيفطر معانا.
ثم غمز بعينيه وتابع بمداعبة:
- شرشبيل بيغير على مراته موت، ومراته لازم تتحمل جنون غيرته وعشقه.
ابتسم ليستدير من جديد ويخرج من الغرفة تاركها بحالة هيام كامل، ظلت تتطلع على الباب بنظراتٍ ولهة لتعي على صوت عزة التي خرجت من الحمام ممسكة بيد الصغير بعدما ارتدى جميع ثيابه:
- كده لبسنا واتشيكنا، تعالى بقى نسرح شعرنا علشان الشياكة تكمل.
تطلعت على تلك الواقفة تنظر لهما ببلاهة لتسألها باستغراب:
- مالك يا إيثار، واقفة مبلمة كده ليه؟
نطقت بتيهة:
- ها، مفيش يا عزة.
ابتسمت لتقول بمداعبة:
- على عزة بردوا، إلا قولي لي يا إيثار.
قالتها بلؤمٍ لتسألها:
- شايفاكِ واقفة قدام وكيل النيابة كده وواخدة راحتك، مترسيني وتقولي لي اللي حصل؟!
قطبت إيثار جبينها لتسألها مستفسرة:
- واخدة راحتي إزاي يعني؟
ضحكت لتجيبها بغموض:
- بصي لنفسك في المراية وشوفي اللي لابساه وواقفة بيه قدامه وإنتِ تعرفي قصدي.
فهمت مقصدها الخبيث لتهتف بحدة تتوارى خلفها لعدم فضح مشاعرها:
- وأنا كان عندي حاجة ألبسها وقولت لا، وبعدين ده بيته ومن حقه يدخل في أي مكان فيه.
ابتلعت لعابها وباتت تفرك يدها ببعضهما لتتابع بعينين زائغتين من شدة الخجل وهي تهمس:
- وجوزي.
ابتسمت عزة لتتحدث بفرحة عارمة ظهرت بعينيها:
- ما أنا عارفة يا ست البنات، وعارفة إن الجدع من حقه يشوف اللي أكتر من كده كمان، بس كنت بنكشك.
- إنتِ سخيفة يا عزة... قالتها بصياحٍ غاضب لتدخل الأخرى بنوبة من الضحك جعلت الأخرى تتذمر، أمسكت عزة بفرشاة الشعر الخاصة بالصغير وبدأت بتسريح شعره لتقول لتلك المتسمرة بوقفتها كي تحثها على الإسراع:
- ادخلي غيري هدومك علشان تلحقي تنزلي قبل الفطار، أخرج لك أنهي فستان؟
تنهدت بعمق حين تذكرت رحيل والدها الحبيب، فقد دخلت في دوامة كثرة الأحداث لتلهيها عن القوقعة والبعد عن الناس لكي تعطي حزنها على غاليها قدره، لكن انظر ماذا حدث، فقد انقلبت حياتها رأسًا على عقب، نطقت بنبرة حزينة لتذكرها للألوان:
- خرجي لي أي حاجة لونها أسود.
حزنت ملامح عزة لتنطق وغشاوة الدموع قد تكونت بعينيها:
- الله يرحمك يا عم غانم، كنت راجل طيب.
عبست ملامحها وتحركت إلى الخزانة لتنتقي ثوبًا، باتت تتفحص الثياب لتهتف عزة وهي تمسك بثوبٍ رائع كلاسيكي ناعم ذو أكمامٍ طويلة تنتهي بأساور مغلقتين بزرارين من اللون الذهبي، أما قصة الصدر فتبدأ بياقة كلاسيكية من القماش الستان على شكل V، يلتف فوق خصره حزامٌ أيضًا باللون الأسود، ولجت للحمام وبعد قليل خرجت لتشهق عزة وهي تقول بانبهار من إطلالتها المبهرة:
- قمر يا ست البنات.
ابتسمت لتتحرك صوب طاولة الزينة لتقف أمام المرآة التي عكست صورتها مما جعلها تتطلع برضا، بدأت بلف الحجاب وإحكامه برتابة لتجلب لها عزة حذاءً جلدي باللون الأسود ذو كعبٍ عالي مما أعطاها مظهرًا خلابًا وزاد طولها لعدة سنتيمترات، استمعت عزة لصوت هاتفها فنظرت بشاشته لتنطق قائلة:
- ده أيهم أخوكِ، كلمني وأنا جاية في الطريق وكان عاوز يكلمك علشان يطمن عليكِ، وقالي إنك عاملة له حظر.
صاحت بنبرة غاضبة:
- مش عاوزة أكلم حد، هما عاوزين مني إيه تاني، مش كفاية اللي حصل لي من وراهم.
هرولت عليها لتقول في محاولة منها لتهدئة روعها:
- إهدي يا إيثار، أيهم ملوش دعوة بيهم، ده هو اللي كلمني وقالي أكلم أيمن بيه علشان يلحقك، وكلمني امبارح بالليل وقال لي إن أمك وعزيز رفضوا يرفعوا القضية.
وبدأت تقص عليها ما حدث تحت استغراب إيثار من موقف أيهم الرجولي بالنسبة لها.
**********
نزلت عصمت من فوق الدرج لتتطلع بأرجاء بهو القصر بتمعن تبحث بعينيها عن ابنتها وحفيديها فلم تجدهما بمكانهما المعتاد، فبكل يوم تفيق فريال باكرًا هي وابنتها وصغيرها الرضيع ليجلسوا بالردهة يتابعون مسلسل الرسوم المتحركة التي تتابعها الصغيرة عبر شاشة التلفاز المعلقة لحين موعد التجمع العائلي على طاولة الفطور الصباحي وبعدها تذهب الفتاة إلى مدرستها مستقلة الحافلة الخاصة بالمدرسة، تعجبت عصمت لعدم وجود نجلتها لتصيح بصوتٍ رزين وهي تستدعي كبيرة العاملات:
- سعاد، سعاد.
أتت السيدة الأنيقة وهي تمشي برقي لتجيبها بعدما وضعت كفيها فوق بعضهما وأحنت رأسها قليلًا كنوعٍ من التوقير:
- أفندم يا دكتورة.
سألته مستفسرة:
- فريال والولاد فين؟
أجابتها بإبانة:
- مدام "فريال" طلبت الفطار يطلع لها هي و"بيسان" فوق.
تطلعت أمامها بتركيز ثم أخرجت تنهيدة عميقة قبل أن تنظر إلى العاملة لتقول بهدوء:
- متطلعيش حاجة لحد، جهزي الفطار زي كل يوم ومتنسيش تعملي حساب مدام إيثار معانا، حطي لها طبق جنب فؤاد باشا، واعملي حساب ابنها مع بيسان.
- تحت أمرك يا دكتورة... قالتها المرأة بوقار لتتحرك عائدة إلى المطبخ، زفرت عصمت باستياء استنكارًا لأفعال نجلتها العنيدة ثم نظرت للدرج وتحركت صوبه لتصعده مرة أخرى، بعد قليل دقت فوق باب الجناح الخاص بصغيرتها لتستمع إلى صوت ماجد الذي نطق بوقار:
- ادخل.
فتحت الباب لتجده واقفًا أمام المرآة يعقد ربطة عنقه بعدما ارتدى ثيابه استعدادًا للذهاب إلى الجامعة، أما فريال فكانت تجلس فوق الأريكة متكئة على ذراعها تجاورها بيسان المنشغلة بمشاهدة مسلسلها الكرتوني المفضل "السنافر"، التفت ماجد صوب الباب لينتبه باحترام لوقوفها لتلقي هي عليهم تحية الصباح قائلة ببشاشة وجه:
- صباح الخير.
على عجالة نطق ماجد باحترام:
- صباح النور يا دكتورة، اتفضلي.
قالها وهو يشير لها بكفه باتجاه الداخل، اعتدلت فريال وردت تحية والدتها، تطلعت عصمت على ماجد ونطقت تسأله باهتمام:
- رايح الجامعة؟
أومأ بإيجاب ليسألها مستفسرًا بعدما لاحظ عدم ارتدائها لملابسها الرسمية التي ترتديها بالجامعة:
- هو حضرتك مش رايحة الجامعة النهاردة ولا إيه؟
أجابته باستفاضة:
- اتصلت بالجامعة وأخدت أجازة عارضة علشان مرات فؤاد ما تحسش إننا مش مهتمين بوجودها.
لوت فريال فاها بطريقة تهكمية ثم قلبت عينيها بضجر، أما ماجد فوافقها التفكير ثم نطق وهو يرتدي حلة بدلته:
- أنا نازل.
اقترب على زوجته وضع قبلة فوق رأسها وأيضًا صغيرته ثم مال ليلتقط حقيبته الجلدية من فوق طاولة صغيرة وانسحب للخارج ليترك لهما المجال، تطلعت عليها لتسألها بتعجب عن الصغير:
- هو فؤاد لسه نايم ولا إيه؟
بملامح وجه عابسة أجابتها بنعم لتتحرك والدتها وتجاورها الجلوس لتقول بنبرة هادئة:
- أول مرة تطلبي من سعاد تطلع لك فطارك هنا.
تنهدت بعمق لتقول بملامح جامدة وهي تنظر لشاشة التلفاز متلاشية النظر لوالدتها:
- ما حبيتش أزعج فؤاد باشا بوجودي.
واستطردت متهكمة بعدما لاحظت اهتمام والدتها بتلك الدخيلة على قصرهم:
- واهي فرصة علشان تعرفوا ترحبوا كويس بالكونتيسة.
أخرجت تنهيدة حارة مع هزات بسيطة من رأسها استياءً لحديثها الناقم ليخرج صوتها مؤنبًا لنجلتها قائلة:
- ليه كل ده يا فريال، عاملة كل ده ليه؟!
- إنتِ عاوزة تجننيني يا ماما صح؟... نطقتها فريال بحدة بعدما التفتت بجسدها لتصبح في مواجهة والدتها ثم استرسلت بنبرة لائمة:
- أنا مش قادرة أستوعب اللي حصل ولا قادرة أفهم موقفك إنتِ وبابا، بسهولة كده تقبلتوا الموضوع وسمحتوا لواحدة جاية من الشارع إنها تدخل بيتنا وتعيش وسطنا من غير أي قيود.
تعمقت بعينيها ثم هزت رأسها بجنون لتسترسل باعتراض شديد لموقف والديها المخزي بالنسبة لها:
- ده انتوا حتى ما سألتوش عليها علشان تأمنوا لوجودها وسطنا!
اتسعت عيني عصمت ذهولًا وهي تستمع لكلمات صغيرتها الغاضبة لتنطق باستنكار:
- أنا اللي بجد مش مصدقة رد فعلك المبالغ فيه على الموضوع، إنتِ شايفة نفسك بتتكلمي إزاي والطريقة اللي بتكلميني بيها؟!
تذمرت كالأطفال وهي تقول بنبراتٍ صادقة:
- يا ماما حاولي تفهميني، أنا خايفة على أخويا وده من حقي.
واسترسلت بقلبٍ يعتصر ألمًا على ما مر به شقيقها بالماضي:
- فؤاد مر بتجربة بشعة حولته لبني آدم تاني ولسه لحد الوقت متأثر بتوابعها.
واسترسلت بكلماتٍ مستنكرة يشوبها التوجس:
- نعرفها منين البنت دي؟ مش يمكن تكون أسوأ من نجلا ولعبت عليه لحد ما اتجوزته علشان فلوسه ومنصبه، ويرجع يعيش نفس الوجع تاني؟!
أمسكت بكفي ابنتها باحتواء لتجيبها بنظرات حنونة:
- يا حبيبة قلبي خليكي واثقة في أخوكِ أكتر من كده، فؤاد مش صغير ولا من النوع اللي بينساق ورا قلبه وبس، هو أكد لـ بابا إنه سأل عليها كويس جدًا، ده يعرفها من فترة كبيرة، وأكيد مش هياخد خطوة زي دي غير لما يكون مطمن لها وواثق منها أكتر من ثقته في نفسه.
تنهدت بعمق لتسترسل بقلب أمٍ توجع لسنوات لأجل صغيرها:
- يا بنتي إحنا ما صدقنا إن ربنا يفك عقدته ويتجوز، وبعدين أخوكِ شكله بيحبها بجد.
- أيوا، الأستاذة شكلها عرفت تملكه كويس قوي... نطقت كلماتها بحدة لتسترسل بغيرة ظهرت بينة بعينيها:
- شفتي إزاي كان شايل الولد وكأنه ابنه، ولا هي، شفتي كان طول الوقت حاضن وسطها إزاي، البنت شكلها مش سهل يا ماما.
ضحكت عصمت وتحدثت قائلة بمشاكسة لصغيرتها:
- إنتِ غيرانة على أخوكِ ولا إيه يا بنت؟
أشاحت ببصرها عنها لتضحك الأخرى ثم وقفت وهي تقول:
- هاتي بيسان ويلا علشان نلحق الفطار، وياريت تبقي لطيفة مع البنت علشان ما تزعليش فؤاد منك أكتر من كده.
انسحبت لتلحق بها تلك المتمردة مصطحبة ابنتها معها.
*********
داخل فيلا أيمن الأباصيري.
يلتف الجميع حول طاولة الإفطار يتناولون الطعام بهدوء، نظرت لارا إلى شاشة هاتفها تتفحصه وهي تقول بسعادة:
- فون إيثار اتفتح، هقوم أكلمها علشان أطمن عليها.
قالت كلمتها الأخيرة وهي تهب واقفة ليوقفها صوت أبيها قائلًا:
- اصبري يا لارا، إبقي كلميها متأخر.
أجابته بحماس:
- إيثار بتصحى بدري يا بابي.
تحدث بنبرة جادة:
- النهاردة أول يوم جواز لإيثار ولازم تراعي ظروفها الجديدة.
جحظت أعين الجميع ليسأله أحمد باستغراب:
- مين دي اللي اتجوزت يا بابا، إيثار!
ابتسم ليقص لهم ما حدث لتجحظ عيني سالي وهي تسأل بذهول:
- إيثار وفؤاد علام؟ طب إزاي؟!
واستطردت تسأل بحيرة:
- وأهله، وافقوا كده عادي؟
أجابها ببساطة وهو يتناول طعامه:
- آه طبعًا وافقوا، سيادة المستشار بنفسه أكد لي وأنا بكلمه بالليل أطمن على إيثار إنه بلغ أبوه وأبوه مرحب بالموضوع.
هزت رأسها بذهول، أيعقل أن تتزوج تلك البسيطة بذاك الوسيم الثري وتصبح سيدة مجتمع تنتمي للوسط الراقي بعد أن كانت تنتمي للطبقة الكادحة، ابتسمت نيللي لتنطق وهي تقول بتأكيد لصحة نظرتها للأمور:
- علشان تبقي تصدقيني لما أقول لك أي حاجة بعد كده.
تنفست بضيق لتجيبها بملامح وجه مستاءة:
- والله يا طنط الواحد ما بقى مصدق اللي بيحصل حوالينا من كتر غرابته.
- إيثار تستاهل كل حاجة حلوة... نطقتها لارا بنبرة سعيدة لترمقها سالي باستخفاف وعقلها الباطن يستنكر ما حدث بشدة.
***********
كان يقف بوسط غرفته، ما زال محتضنًا ذاك الرداء يشم به رائحتها التي سلبته لبه بعينين مغمضتين وقلبٍ ينتفض بقوة وكأنه عاد مراهقًا من جديد، تلك المشاعر التي يحياها معها لم تمر عليه من ذي قبل، لذة من نوعٍ خاص يتذوقها لأول مرة معها، فكل شيءٍ معها مميزٌ وغريب، نظراتهما، الابتسامات المتبادلة وحتى اللمسات، يكاد يجزم الآن أنه لم يتذوق للعشق طعمًا قبلها، انتفض بعدما استمع لخبطات فوق الباب ليسرع مهرولًا ليقوم بتعليق الرداء ويتجه سريعًا صوب الباب وهو يقول:
- ثواني يا حبيبي.
ابتلع باقي كلمته وهو يتطلع لتلك الواقفة أمامه وابتسامتها البلهاء تملأ وجهها وهي تبسط ذراعيها بالرداء لتقول:
- البيجامة بتاعتك يا باشا.
لتسترسل وهي تشير للغرفة المجاورة:
- إيثار بتقول لك إنها جاهزة.
كظم غيظه بداخله وأشار لها بالانصراف لتزيدها عليه تلك الثرثارة حيث سألته بابتسامة مستفزة:
- تؤمرنيش بحاجة يا باشا؟
رمقها بحدة ليهتف من بين أسنانه بغيظٍ لو خرج لفتك بها:
- روحي من وشي يا عزة.
وقبل أن تجيبه قام بصفع الباب بوجهها لتلوي فاها وهي تقول باستياء:
- ماله ده كمان.
بالداخل، أمسك البيجامة وقام بتعليقها لتجاور الرداء وتحدث بصوتٍ عالي وقلبه يغلي كالبركان:
- ماشي يا إيثار.
فبعد أن انتظرها داخل غرفته ومنى حاله ليختلس منها بعض اللمسات التي من الممكن أن تؤدي لقبلة، هدمت أحلامه وبكل لؤمٍ بعثت له بتلك الثرثارة، تحرك للخارج ودق بابها لتخرج عليه بهيأتها المهلكة، وبعد أن كان غاضبًا تحول لمذهولٍ عاشق بقلبٍ يدق من لوعة العشق والاشتياق، تحمحم ليقول بصوتٍ متأثرٍ بضربات قلبه القوية:
- إنتِ أكيد ناوية على جناني.
رفعت حاجبها باستفسار ليسترسل بما جعلها تغرق بخجلها:
- اعملي حسابك إني مش هقدر أتحمل كتير لو استمرينا بالشكل ده.
ابتسمت ليقترب من أذنها هامسًا ليبعثر بكيانهما معًا وهما مغمضان أعينهما مستسلمين لحالة الوله:
- هو حبيبي حلو كده على طول، ولا قربه من فؤاده هو اللي زاده حلا.
- فيه حاجة يا سيادة المستشار؟... نطقت بها عزة التي ظهرت من خلف إيثار لينتفض جسده متطلعًا عليها بعينين متسعتين:
- فيه إيه يا ست إنتِ؟
وضعت إيثار كف يدها تكظم به ضحكاتها على ذاك الذي كاد أن يصاب بذبحة صدرية على يد تلك الغريبة، رمقها بنظراتٍ متوعدة وهو يقول:
- بتضحكي، طيب يا إيثار.
ثم حول بصره لتلك الحاملة للصغير وهتف بحدة وهو يشير لها بأن تتقدمه:
- قدامي يا عزة، خضتين زي دول وهقطع الخلف نهائي يا ماما.
تعالت ضحكات حبيبته رغمًا عنها ليرمقها بغيظٍ مصطنع لتتحرك عزة تسبقهم على الدرج، وضع ذراعه لتتأبطه في أول خطوة يعلن بها ملكيته أمام الجميع، تحركت بجانبه بقلبٍ سعيد وعقلٍ لم يستوعب بعد ما أصبحت عليه، فقد سارت بين ليلةٍ وضحاها زوجة فؤاد علام زين الدين الرسمية، ما كان حاله يختلف كثيرًا عنها، مال عليها ليقول بصوتٍ هامس معاتبًا إياها:
- بقي باعتة لي عزة الأوضة يا إيثار.
ضحكت بخفوت ليسترسل بوعيد:
- ماشي، إبقي قابلي اللي هيجرى لك يا مدام فؤاد علام، من سوء حظك إن جوزك ما بيسبش تاره يبات.
- حد قال لك عني إني هبلة؟... قالتها بتهكم لتسترسل بدهاء وهو يتمعن بملامحها منتظرًا تفسير جملتها:
- بقى عاوزني أدخل للأسد عرينه بإرادتي.
أجابها بثقة عالية:
- وغلاوتك عندي لتدخليه قريب وبكامل إرادتك.
هزت رأسها مستنكرة غروره ليكملا طريقهما إلى أن وصلا لغرفة الطعام وولجت عزة بالصغير لغرفة خاصة بإطعام أطفال المنزل عن طريق المشرفات على إطعامهم بعيدًا عن الطاولة الرئيسية كي لا يحدثوا فوضى، ولجا للداخل ليلتفت الجميع إليهما لتتفاجأ فريال الجالسة بمقعدها وهي تتطلع على تلك الأنيقة وكأنها تبدلت لأخرى، فهناك فرق شاسع بين فتاة الأمس الذابلة وثيابها غير المهندمة بالمرة وبين تلك الأنيقة بثوبها الكلاسيكي وحجابها الرقيق وحذائها لتظهر بجاذبية وأناقة، على غير عادته تحدث بنبرة حماسية وملامح وجه ضاحكة يملأها الحبور:
- صباح الخير.
تعجب الجميع وردوا تحيته لتلقي هي الأخرى تحية الصباح ليردوها بوجوهٍ بشوشة عدا تلك الجالسة بمقعدها بملامح وجه صارمة، فقد ردت بجمود، اقترب من المقعد الذي خصص لها وبرأسٍ شامخ سحبه للخلف لتجلس هي ليتحرك ويجاورها الجلوس بمنتهى السعادة، تحدثت عصمت برقي:
- نورتي سفرتنا يا إيثار، أهلًا وسهلًا بيكِ.
شعرت بارتياح تجاه تلك الخلوقة لتبتسم بخفوت وهي تشكرها بلباقة:
- السفرة والبيت كله منور بأهله يا دكتورة.
أشار لها علام بابتسامة لتبدأ:
- كلي يا بنتي.
هزت رأسها شاكرة ليتحدث لها فارسها المغوار:
- أحط لك مربى؟
- أوك... قالتها بهدوء ليبدأ الجميع بتناول طعامهم، نظر للصحن المملوء بأصنافٍ عديدة من الفاكهة ليقترب عليها قائلًا بصوتٍ حنون:
- كريز.
كاد الطعام أن يقف بحلقها ويخنقها من شدة الخجل بعدما اعتقدته يغازل شفتيها لتنظر له بذهولٍ سرعان ما تحول لخجلٍ عندما وجدته يمسك بين أصابعه حبتين من ثمار الكريز ويضعهما بداخل صحنها، شكرته بعينيها ليميل بجانب أذنها ويهمس بدهاءٍ:
- إيه رأيك، شفتي رديت لك حركة عزة بسرعة إزاي، علشان تبقي تبعتيها لي الجناح مكانك تاني.
جحظت عينيها وباتت تتطلع عليه بعدم استيعاب، يا له من داهية شرس لا يترك تاره يبات، نظر لها وبكل براءة تحدث بصوتٍ وصل للجميع:
- ما بتاكليش ليه يا حبيبي، مش بتحبي الكريز؟
واستطرد مدعيًا البراءة تحت ابتلاعها للعابها من شدة الحرج من المحيطين بها وهو يناديها بـ "حبيبي" أمامهم بتلك السهولة:
- طب تاخدي فراولة؟
نطقت بخفوت وخجل:
- ميرسي يا فؤاد، لما أحتاج حاجة هاخدها.
كانت عصمت تتابعهما بعينيها وقلبها ينتفض فرحًا وهي ترى تغير نجلها الواضح ومشاكسته لتلك الجميلة، نطقت بعدما رأت خجلها:
- سيبها تاكل براحتها يا فؤاد.
كانت فريال أيضًا تتابعهما بترقب شديد وعدم رضا، وخصوصًا بعدما علمت من والدتها وظيفة تلك الإيثار وتأكدت من أنها طامعة بثروة شقيقها ليس إلا، تحدث ماجد كي يغطي على صمت زوجته وعبوس وجهها:
- مبروك يا مدام إيثار وإن شاء الله ترتاحي معانا هنا في البيت.
- متشكرة يا أفندم، ميرسي لذوقك... كلماتٌ شاكرة قالتها إيثار بهدوء وهي تنظر إليه لتتعجب لعبوس تلك المجاورة له، التقت أعينهما لتبتسم لها بسماجة قبل أن يصدح رنين هاتف فؤاد لينظر بشاشته ليجده رئيسه فأخذ الهاتف وتحدث باعتذار:
- تليفون ضروري ولازم أرد.
أمسك كفها وقام بوضع قبلة احترام فوقه ليتحدث بعجالة:
- مش هتأخر عليكِ.
أومأت له لينسحب للخارج لتشعر على الفور بالضياع في ابتعاده، فقد أصبح يمثل لها الأمان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، انتبهت على سؤال فريال التي وجهته لها بطريقة حادة خالية من اللباقة:
- إلا قولي لي يا مدام، هو أنتِ هترجعي لشغل السكرتارية تاني؟
لتسترسل بذات مغزى:
- ولا اكتفيتي بهذا القدر بعد جوازك من سيادة المستشار فؤاد علام؟
واسترسلت وهي تركز وتضغط على لقب عائلتها المرتبط بسوق المال والأعمال:
- زين الدين.
لم يرق لها سؤال تلك اللئيمة لترد بنبرة واثقة ورأسٍ شامخ:
- أنا عمري ما فكرت أسيب شغلي ولا هفكر، الشغل بالنسبة لي مش مجرد وسيلة للحصول على مستوى معيشي أفضل وبس، شغلي بالنسبة لي هو كياني وقيمتي بين الناس.
واستطردت للتوضيح:
- على فكرة أنا مش سكرتيرة، أنا مديرة مكتب أيمن الأباصيري شخصيًا، وده مش تقليل مني لوظيفة السكرتيرة لأنها لا تقل أهمية عن وظيفتي.
لتستطرد بابتسامة هادئة:
- بس حبيت أوضح لك.
ابتسمت وهي ترفع حاجبها لأعلى بسخرية واستنكار لترمقها والدتها بحدة، أما علام فتحدث باستحسان:
- برافو عليكِ يا إيثار، أنا بحب جدًا الناس المخلصة لشغلها وبتقدره بعيدًا عن الماديات.
مالت على أذن زوجها لتقول باستنكار:
- الأستاذة شكلها حافظة لها شوية إنشاء وشكلهم عجبوا الباشا الكبير ودخلوا عليه.
همس يحذرها:
- بطلي تستفزيها بكلامك ده، وخلي بالك إنتِ كده ممكن تخسري أخوكِ.
انتبه الجميع على صوت فؤاد الحماسي وهو يقول لوالده فاتحًا كفيه بحبورٍ:
- قول لي مبروك يا باشا.
تطلع إليه علام بتمعن ليتابع الآخر بذات معنى:
- الخبر اللي مستنيه بقالي سنين.
- الترقية؟... كلمة نطقتها عصمت بترقب ليهز رأسه بتأكيد لتقفز فريال من فوق مقعدها وتجري مهرولة لترتمي بأحضان شقيقها وهي تهلل متناسية ما حدث بينهما بالأمس:
- مبروك يا حبيبي، مبروك يا فؤاد.
- الله يبارك فيكِ يا حبيبتي... نطقها بسعادة وهو ينظر لتلك التي تتطلع عليه بحبورٍ ملأ وجهها لتقف عصمت وتحتضن صغيرها والدموع ترقرقت بعينيها، فمنذ تلك الحادثة اللعينة وهم ينتظرون تلك الترقية التي تأجلت لمدة ثلاثة سنوات بسبب ما حدث ولوث اسمه كوكيل للنائب العام، واليوم فقط تم ترقيته لرتبة رئيس نيابة، وضع أنامله يجفف لوالدته الحبيبة دموعها وهو يقول:
- دموعك غالية قوي يا حبيبتي.
بصوتٍ متقطع متأثرًا ببكائها نطقت عصمت بحنو:
- ما فيش أغلى منك ومن مستقبلك علشان تنزل لهم دموعي يا فؤاد، الحمد لله، الحمد لله يا حبيبي.
قبل رأسها ليجذبه علام أيضًا لاحتضانه وتقديم التهنئة له ليسأله:
- مبروك يا سعادة رئيس النيابة، عقبال ما تمسك مكاني.
هنأه ماجد أيضًا ليتحرك إلى أن وقف مواجهًا لها، حاوط وجنتيها بكفيه تحت ارتعاشة جسدها لينطق بعينين تفيضان من العشق والحنين:
- أكيد مش صدفة إن الترقية اللي مستنيها بقالي تلات سنين تتمضي بعد ما أمضي قسيمة جوازي منك.
أكدت عصمت على حديثه قائلة بسعادة هائلة:
- عندك حق والله يا فؤاد، مراتك جاية وجايبة معاها الخير للكل.
غاصت ببحر سوداوية متناسية الجميع من حولهما لتنطق بنبرة تشع حنانًا:
- مبروك يا فؤاد.
لم يشعر بحاله إلا وهو يجذبها ليدخلها بأعماق أحضانه لتذوب داخله وتغمض عينيها ليضمها بقوة مستمتعًا بأول عناقٍ لهما تحت نظرات الجميع المتعجبة.
رواية انا لها شمس الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم روز امين
مر اليوم الأول عليها بسلام داخل قصر علام زين الدين، فقد كانت مقابلة البعض لها أكثر من رائعة، كمقابلة علام بذاته وزوجته الراقية. فقد توقعت اعتراضهما عما حدث أو حتى عدم تقبلهما لوجودها بينهم، ليحدث العكس ويعاملاها بكثير من اللين والاحترام، ناهيك عن رجلها المغوار، فقد عاملها بكثير من الدلال والرقي أمام عائلته، مما عزز الثقة داخل نفسها، إلا من تلك المتعالية حيث تعاملت معها بطريقة لم ترق لها لكنها تغاضت لأجل فؤاد ووالديها.
عند غروب شمس اليوم التالي وبعدما تناولت وجبة الغداء بصحبة العائلة وبجوار فؤاد بعد عودته من العمل، صعد الجميع لينالوا قسطًا من الراحة، فأخذت هي صغيرها لينضم إليها بالتخت، أما عزة فظلت بصحبة العاملات بالأسفل.
فاقت عند الغروب لترتدي بنطالًا فضفاضًا من اللون الأسود تعتليه كنزة بنفس اللون حتى الحجاب، فهي ما زالت بفترة حداد على والدها الحبيب، اصطحبت صغيرها وخرجت لتتفقد الحديقة، فقد كانت جميلة للحد الذي يخطف الأنفاس، أشجار صغيرة متناسقة بشكلها وأوراقها الخضراء، وزهور مشكلة بألوان زاهية متنوعة، ونجيلة خضراء تفترش أرضية الحديقة بأكملها بتناسق.
مرت بجانب حوض السباحة الكبير والذي يتوسط الحديقة ليهتف الصغير الممسك بكفها وهو يهزها بنبرة حماسية:
- مامي، أنا عاوز أعوم في البيسين.
حثته على المضي قدمًا وهي تقول له في محاولة منها بإقناعه:
- مش هينفع يا حبيبي، ده مش بيتنا يا چو، إن شاء الله يومين بالضبط وهوديك النادي تعوم هناك براحتك.
تذمر الصغير ودق الأرض بساقيه مع مطه لشفتيه للأمام كطريقة منه للاعتراض. وصلا لحوض للزهور يمتاز بألوان خلابة جذبها عن غيره، باتت تتطلع عليها بنظرات منبهرة لتضع يدها تتفقد بعضهم وتميل بجسدها لتستنشق عبيرها ذو الرائحة العطرة والفريدة التي لم تشتم مثلها من قبل، تحدثت للصغير كي تخرجه من تذمره وينسجم معها بالحديث:
- شوفت الورد ريحته جميلة قد إيه يا چو.
تطلع للزهور وبدأ يتحسسها ويشم عبيرها ليندمج معها.
بالأعلى، فاق من قيلولته ليلج لداخل حمامه الملحق بعدما قرر أخذه لحمام دافئ يعيد لجسده النشاط والحيوية، خرج يلف جسده بالمنشفة وتحرك صوب خزانة الملابس لينتقي بنطالًا من الجينز تعتليه كنزة بأكمام طويلة، صفف شعره بعناية ونثر عطره المميز وتحرك صوب غرفة أميرته التي أنارت حياته بعد عتمة طالت.
دق الباب عدة مرات وحينما لم يأته الجواب اضطر للدخول بعدما شمله الارتياب عليها، قطب جبينه حين وجد الغرفة خالية ومرتبة مما يعني عدم مكوثها بها وأيضًا تطلع إلى الحمام ليجد إضاءته مغلقة، تحرك للأسفل عبر الدرج بخطوات واسعة وما أن لمح مرور إحدى العاملات ليسألها بنبرة جاهد لتخرج رزينة:
- مدام إيثار فين يا وداد؟
نظرت عليه لتجيبه باحترام:
- خرجت في الجنينة يا باشا.
هز رأسه لتسوقه قدميه وقلبه يرفرف يسبقه إليها، خرج يتطلع على المكان بترقب شديد وعيناه تجول الحديقة بلهفة تحولت لراحة واستقرار صاحبتها رجفة بقلبه حين رآها تتجول بين الزهور بينما هي أجملهم وأزهاهم، كانت تميل عليهم تشم رائحتهم بطريقة أظهرت كم انجذابها إليهم، استمعت لصوته الرخيم من خلفها وهو يقول بمداعبة:
- يا بخت الزهور.
انتفضت بوقفتها لتواجهه منتصبة الظهر وقد اكتسى وجهها باللون الأحمر الداكن الناتج عن شدة خجلها، شملها بابتسامة رائعة قبل أن ينحني ليحمل الصغير ويثبته بين أحضانه ليميل على وجنته واضعًا قبلة حنون قبل أن يقول بنبرة حنون:
- أخبارك إيه يا بطل؟
- كويس... نطقها بملامح وجه عابسة ليسأله الآخر باهتمام وجدية:
- مالك يا حبيبي، مين اللي مزعلك؟
أشار بإصبع السبابة باتجاه والدته لينطق بنبرة حزينة:
- مامي.
شهق بافتعال ليحول بصره سريعًا على تلك التي نظرت لصغيرها تلومه بعينيها ليسألها بنبرة جادة:
- مزعلة يوسف ليه يا مامي؟
- خلاص يا چو... قالتها بتنبيه للصغير فأعاد هو السؤال للصغير:
- قولي أنتِ مامي مزعلاك في إيه؟
أجابه بعبوس شديد:
- قلت لها إني عاوز أعوم في البيسين بس رفضت وقالت لي مش هينفع علشان ده مش بيتنا.
على الفور حول بصره إليها يرمقها بنظرات حادة ممتزجة بالحزن واللوم، فتلك هي المرة الثانية على التوالي التي تخبر بها الصغير بأن هذا ليس بمنزلهما وأن إقامتهما به مؤقتة، لينطق بصوت حاد لا يقبل المناقشة بعدما رمقها بقوة وكأنه يحذرها من تكرارها:
- مامي بتهزر معاك يا يوسف، البيت ده بقى بيتكم خلاص وهنعيش فيه كلنا مع بعض، وبالنسبة للبيسين تنزله وقت ما تحب، وأنا هخلي كابتن علي اللي بيعلم بيسان العوم يعلمك أنتَ كمان.
واستطرد بنبرة حنون بعدما حول بصره على الصغير:
- تعالى نغير هدومنا علشان نعوم حالًا.
- بجد يا عمو؟... نطقها بسعادة ليتابع متسائلًا ببراءة:
- يعني أقدر أنزل البيسين زي ما أنا عاوز؟
- أكيد يا حبيبي... قالها بتأكيد لينطق الصغير وهو يمرر كفه الرقيق على وجنته:
- ميرسي يا عمو، وميرسي كمان على الثلاجة اللي طلعتها فوق ومليتها بالشوكولاتة اللي أنا بحبها، أنا سألت مامي وقالت لي إن أنتَ اللي طلعتها في الأوضة مخصوص علشاني.
بنبرة تشع حنانًا أجاب على الصغير:
- يا حبيبي أي حاجة نفسك فيها تعالى وقول لي عليها وأنا هجيبها لك فورًا، وملكش دعوة بمامي، مامي عندها شوية عقد وكلاكيع كده وأنا هعرف أخرجهم لها بطريقتي... نطق كلمته الأخيرة بغمزة وقحة من عينيه لتبتسم وهي تتطلع عليه بسعادة، كم كان عطوفًا حنونًا في معاملته للصغير.
خرجت عزة من الداخل حاملة فوق يديها حاملًا موضوعًا عليه بعض الفواكه وكأسين من المشروب البارد قد جهزتهما لإيثار والصغير حين لمحتهما يتوجها للحديقة، أقبلت عليهم وهي تقول بابتسامة بشوش:
- عملت لكم عصير ينعشكم.
واستطردت وهي تنظر إلى ذاك المحب:
- يقطعني يا فؤاد باشا، ما كنتش أعرف إنك هنا عشان كده ما عملتش حسابك.
- ولا يهمك يا عزة... قالها ببساطة ليتسرسل بنبرة جادة:
- حطي الصينية اللي في إيدك قدام حمام السباحة وتعالي خذي يوسف لبسيه مايوه علشان هينزل الماية معايا.
نفذت ما أملاه عليها وصعدت بالصغير ليتطلع ذاك الحانق عليها لينطق بنبرة حادة:
- ممكن بقى تقولي لي هتبطلي الكلام الخائب اللي عمالة تقوليه للولد ده إمتى؟
بنبرة هادئة أجابت على تساؤله:
- أنا بقول له الحقيقة علشان ما يتأملش إن قعادنا هنا هيطول ونفسيته تتأقلم على كده.
- هو حد قال لك إني متجوزك تخليص حق وهرجعك لما تسددي ديونك؟! قالها متعجبًا ليقول بمشاكسة كي يخفف عنها وطأة خجلها:
- فوقي لنفسك يا مدام، أنتِ دخلتي عرين فؤاد علام ومش هتخرجي منه للأبد.
ابتسمت بحبور شديد لينطق بعينين تسكنهما السعادة لأجلها:
- ضحكتك بتنور الدنيا كلها يا إيثار.
اقترب عليها حتى كاد أن يلتصق بها لينطق بجرأة تحت ضربات قلبها السريعة وهو يشير لغرفة زجاجية جانبية ملحقة بالحديقة خاصة بتغيير الثياب:
- ما تيجي معايا وأنا بغير المايوه جوه.
وكأن عقرب لدغها لينتفض جسدها بالكامل وعلى الفور تراجعت للخلف تحت ضحكاته العالية التي انطلقت بصوت رنان أعلن عن سعادته لينطق بمشاكسة:
- بقى بذمتك، فيه واحدة تسيب جوزها لوحده كده طول الوقت وهي عارفة إنه هيتجنن عليها، طب على فكرة بقى، ده بيبقى سبب رئيسي بإن الراجل يبص برة وبعدين ترجعوا تصيحوا وتشتكوا.
- إبقى بص لو قدرت... نطقتها وهي تنظر له بتحدي كنوع من المداعبة ليرفع حاجبه باستعجاب وهو يقول:
- دي الهانم واثقة بقى.
اقترب عليها بطريقة مثيرة ليتابع بعينين متشوقة منجذبة لكل إنش بوجهها:
- واثقة في حبيبها ومتأكدة بإن عيونه ما بتشوفش من ستات الدنيا كلها غيرها.
تعمقت بعينيه لتفاجئه بحديثها الساخر:
- ويا ترى بقى قلت الكلام ده لكام مغفلة قبلي؟
- وحياتك عندي أنتِ المغفلة الأولى والأخيرة في حياتي... نطقها ببرود ليستشيط داخلها لتهتف من بين أسنانها وهي تصك عليهم بغضب:
- مغفلة!
شكرًا، شكرًا قوي يا سيادة المستشار.
رفع رأسه وأرجعه للخلف وهو يقهقه عاليًا مطلقًا ضحكات رجولية أثارت حواسها، ثم فصّل ضحكاته لينطق بنبرة حنون صادقة:
-مش لوحدك اللي مغفلة في الحب يا روحي، أنا كمان مغفل وغرقان في عشقك، مغفل وغافل عن كل حاجة قدام غرامك.
تعمّق بمقلتيها لينطق بحال قلبه قبل لسانه:
-قصاد عيونك بغفل عن أي شيء وكل شيء ممكن يفصلني عن الحالة اللي بعيشها معاكِ، وبحلم باليوم اللي هقدر أحضنك فيه بكامل رضاكِ علشان أقدر أعيشك وأدوقك غرامي ليكِ اللي عدى كل حدود اللامعقول.
أمسك كفها الرقيق بخاصته وقام بوضعه فوق صدره، وبالتحديد فوق موضع قلبه، ليقول بنظرات تهيم عشقًا:
-هنا فيه حب كبير قوي ليكِ، شوق وعشق وحنان وخوف ورُعب عليكِ من أي حاجة وأي حد ممكن يفكر إنه يأذيكِ.
رفع كتفيه باستسلام لينطق متعجبًا:
-إزاي وإمتى إتكونوا وكبروا كده جوايا أنا معرفش، كل اللي أعرفه إني عاوز أقضي باقي حياتي كلها جنبك، سواء بقى رضيتي عني ودخلتيني جنتك، أو سبتيني واقف على بابك مستني أنول الرضى اللي باقي لي من عمري.
أدخلها سيل كلماته الرومانسية وعينيه الناطقة بالهيام بحالة عالية من الغرام والتيهة، أما هو فضيق بين عينيه ليبتسم بخفة وهو ينطق متعجبًا:
-تعرفي إني مستغرب نفسي قوي، لو حد قال لي من كام شهر إني هقف قدام واحدة ست أيًا كانت هي مين أو درجة جمالها إيه وأقول لها الكلام ده كله، لا وكمان أقول لها إني مستني إشارة منها علشان تسمح لي أدخل جنتها كنت قولت عليه مجنون أو بيخرف تخاريف الموت.
تنهد براحة وهو يتأمل ملامحها ويُطيل النظر بعينيها مسترسلًا بصوتٍ هائمٍ بغرامها:
-بس معاكِ الوضع كله بقى مختلف، وكأن فؤاد علام اتولد من جديد وبقى حد تاني وشخصية غير اللي عاش بيها عمره كله، بقى أقصى حلم ليا هو وجودك في حياتي بالشكل الصحيح، الشكل اللي هيدوبنا في بعض ويحولنا مع الوقت لشخص واحد.
تحمحمت لتنطق أخيرًا بعد صمتٍ تام وهي تستمع إليه باستنفارٍ لجميع حواسها التي التهبت بنيران غرامه المشتعل:
-هو أنا ممكن أتكلم معاك بصراحة ومن غير ما تزعل مني؟
بنبرة صادقة وعينان تشع من الحنان ما يثبت صحة كلماته، نطق ليطمئنها وكأنها صغيرته المدللة:
-أنا عمري ما أزعل منك يا بابا، ولو زعلت يبقى علشانك مش منك.
شعورًا هائلًا وهائمًا شمل كيانها، وعلى الفور شعرت بفراشات العشق تداعب أسفل معدتها لتسري الرعشة بكامل جسدها، تحمحمت لتكمل ما بدأت بنبرة تحمل الكثير من التوجس:
-أنا كتير بصدق إحساسي ناحيتك وبحس إن الكلام بيخرج من قلبك ويترجمه لسانك.
واستطردت بتيهة ظهرت بينة بعينيها:
-بس على طول عقلي بينبهني ويفكرني بعرضك المهين ليا وكأنه بيفوقني.
فهم مقصدها بذكائه ليتنهد بأسى، عله يستطيع محو ذاك اليوم وما حدث به من ذاكرتها كي يمحو عنها حزنها الساكن بداخلها والذي لمحه بعينيها عندما تحدثت عن تلك الذكرى المؤلمة، لتتابع بقلبٍ يتألم:
-بتكسف قوي من نفسي وبأنبها وألومها على أي لحظة لاستسلام مشاعري ليك وخنوع قلبي المخزي.
رد على حديثها بنبرة تمتلئ صدقًا:
-غلطة وندمت عليها واعتذرت لك.
ابتلع لعابه وشاح ببصره عنها لشدة خجله وعدم قدرته لمواجهتها ليتابع بذات مغزى:
-كان عرض مهين لنفسي قبل منك، وليه أصل وأكيد هقعد معاكِ في يوم من الأيام وأحكي لك أنا ليه قولته.
ضيقت بين عينيها لتتطلع بعينيه تستشف معنى كلماته التي كررها من قبل ليسترسل بعدما فهم مقصد نظراتها:
-مش أنتِ لوحدك اللي عندك ماضي مؤلم يا إيثار، أنا كمان قصتي مع طليقتي فيها تفاصيل كتير لازم أحكي لك عليها، من حقك تعرفي كل حاجة عن الراجل اللي هتكملي معاه باقي حياتك.
قطبت جبينها ونطقت بمداعبة حاولت بها انتشاله من تلك الحالة التي تراه عليها للمرة الأولى منذ أن تعرفت عليه، انكسار بعينيه وهزيمة بنبرة صوته لتقول بمشاكسة وهي ترفع حاجبها الأيسر باستنكارٍ مفتعل:
-هو الباشا قرر خلاص منه لنفسه كده إني هكمل باقي حياتي معاه!
بغمزة من عينيه داعبها قائلًا بثقة عالية قد تصل لحد الغرور:
-وبمزاجك على فكرة، وبكرة هفكرك.
ابتسمت لتنظر إليه بحنان ليتابع بنبرة تفيض من العشق ما يملأ مقدار بحرٍ:
-أنتِ مش بس حبيبتي يا إيثار، أنتِ دنيتي الحلوة اللي رجعت أعيشها من تاني، بعد ما كنت فاكر إن حياتي انتهت وإن اللي بعيشه مجرد أيام وبتعدي.
تنهيدة حارة خرجت من صدرها ليكمل بابتسامة حنون:
-مع إني دايب في حُبك ومش قادر أتحمل فكرة إنك بقيتي مراتي ولسه بعيدة عن حضني، بس هتحمل.
وغمز بعينيه قائلًا بمداعبة:
-علشان لحظة اللقا تبقى مكتملة الأركان.
سحبت عنه بصرها بخجل لتأخذ نفسًا عميقًا أظهر قمة اندماجها وعشقها لكلماته، لكنه اكتفى بابتسامة واسعة مع إخراجه لتنهيدة حارة، نطق بمراوغة بعدما وجد عزة والصغير يخرجان من بوابة القصر الداخلية:
-لسه مصرة إنك ما تجيش معايا وأنا بغير هدومي؟!
هزت رأسها باستسلام من ذاك المشاكس وكلماته الجريئة المليئة بالإيحاءات لينسحب هو بعدما همس بجانب أذنها بما زلزل كيانها وأثار جميع حواسها واستنفرها:
-قريب قوي هندخلها مع بعض، وعلى فكرة فيها جاكوزي متأكد إنه هيعجبك جدًا.
نطق بكلماته ليتركها دون النظر لوجهها الذي أصبح ملتهبًا من شدة خجلها لتنظر في أثره بذهول حتى استفاقت على صوت عزة المشاكس:
-أنا شايفة إني هبل الشربات وهوزعه وهملي البيت زغاريد قريب قوي.
-عزة، أنا مش ناقصاكي... نطقتها باستياء مفتعل تختبئ خلفه لترد الأخرى بضيق:
-حقك، ما هي عزة الحيطة المايلة بتاعتك، الهيئ والميئ لسيادة المستشار وقلبت الوش للمسكينة عزة.
كانت هناك عينان تراقبان وقوفهما من شرفتها الملحقة بجناحها بالأعلى بملامح وجه عابسة ترجع لعدم تقبلها لعلاقة شقيقها بتلك الدخيلة والتي تراها لا تناسبه من كل الجهات، زفرت بضيق لينضم لها زوجها الذي جاورها الوقوف ليسألها مستفسرًا بعدما وجد العبوس يحتل ملامحها:
-مالك يا حبيبتي، بتنفخي ليه؟!
أشارت له على فؤاد وهو يداعب الصغير ويحمله داخل المياه بشكلٍ مرح أظهر كم انسجامهما:
-تعالى اتفرج على المسخرة اللي بتحصل.
وقف يتطلع ليجد فؤاد يعوم على ظهره داخل مياه حمام السباحة حاملًا الصغير فوق بطنه ويطلقان الضحكات بسعادة، من يراهما للوهلة الأولى يعتقدهما رجلًا وصغيره المدلل، حرك بصره خارج المغطس ليجد إيثار تجلس وهي تراقبهما بملامح وجه سعيدة مطمئنة وكأنها امرأة أخرى غير المرأة المرتبكة ونظراتها الزائغة التي رآها باليوم الأول، رفع سبابته يحك بها أنفه قبل أن تتابع الأخرى بنبرة ساخطة:
-دي ما طلعتش هي لوحدها اللي واكلة عقل أخويا، دي كمان زاقة عليه الولد الصغير.
ضحكة ساخرة خرجت من ماجد لتسأله بحدة بعدما التفت تطالعه بغضب:
-بتضحك على إيه يا دكتور؟!
توقف عن ضحكاته الخفيفة لينطق بنبرة جادة:
-على كلامك الغير منطقي بالمرة يا فريال.
واستطرد معترضًا:
-معقول تفكيرك يوصل بإن أم تخلي طفل صغير يمثل على أخوكِ الحب علشان يكسب وده؟!
أجابته بتأكيدٍ جاد:
-وليه لا يا دكتور، أنتِ مش شايف إن منصب فؤاد وفلوسه يستاهلوا؟!
واسترسلت وهي تذكره بما حدث في الماضي:
-ولا نسيت اللي عملته نجلا؟
واسترسلت بمقارنة ظالمة:
-وأهي دي كانت حالة عيلتها المادية كويسة جدًا، عاوزني أفكر إزاي في واحدة شغالة سكرتيرة ومطلقة وكمان معاها طفل.
جحظت عينيه ليسألها مصدومًا:
-مالها المطلقة يا فريال؟!
زفرت بضيق ونظرت تتابع شقيقها ليستطرد ماجد بعدم استيعاب:
-شوفي إحنا متجوزين بقى لنا كام سنة، بس أول مرة أعرف إن تفكيرك طبقي وعنصري.
ابتسامة ساخرة خرجت لتسأله باستنكار:
-خلاص، خليتني طبقية وعنصرية علشان خايفة للي حصل مع أخويا زمان يرجع يتكرر تاني؟!
لتسترسل بنبرة حادة:
-حتى لو هبان عنصرية أنا راضية، المهم أخويا ما يتأذيش.
نفسًا عميقًا أخذه كي يستعد للحديث مع تلك التي تتحول من امرأة رقيقة إلى غولٍ عندما يتعلق الأمر بشقيقها الوحيد، نطق بنبرة هادئة:
-بصي يا حبيبتي، أنا معاشر فؤاد بقى لي أكتر من تمن سنين، أول مرة أشوف عيونه بتضحك وهي بتبص لحد، أخوكِ بيحبها وواضح جدًا من اللي أنا شايفه إن هو اللي بيسعى علشان ينول رضاها، وده شيء واضح للأعمى.
نطقت سريعًا بتفسير:
-ماهو ده الدهاء والخبث اللي بتكلم عنه يا ماجد.
لتستطرد وهي تهز رأسها بضيق ظهر عليها:
-صدقني البنت دي مش سهلة.
لتستطرد وهي تتمركز بعينيه باستنكار:
-يا ابني دي سكرتيرة، أنتِ ما بتشوفش اللي بيعملوه مع المديرين بتوعهم علشان يوقعوهم ويتجوزوهم.
جحظت عينيه بافتعال ليسألها ساخرًا:
-لا والله، وده شوفتيه في أنهي مسلسل، ويا ترى عربي ولا تركي؟
أجابته باستياء بعد سخريته منها:
-إفضل أنتَ اتريق على كلامي لحد ما هييجي اليوم اللي تقف فيه قدامي وتنحني لذكائي لما البنت لعبتها تنكشف وتنفضح قدامكم كلكم.
صاح فؤاد مناديًا على حبيبته بابتسامة واسعة وهو يعوم بجاذبية أهلكت قلبها:
-مش ناوية تغيري رأيك وتيجي تعومي معايا؟
احتدت ملامحها لتسأله باستغرابٍ حاد وهي تُشير إلى حمام السباحة بتعجب:
-أنتَ عاوزني ألبس مايوه وأعوم قدام الحرس بتوع قصرك يا سيادة المستشار؟!
-ومين جاب سيرة العوم في حمام السباحة... ضيقت عينيها ليباغتها بوقاحته التي بلغت الحد وهو يشير بعينيه لتلك الغرفة الجانبية بحوائطها الزجاجية التي لا تكشف عما بداخلها بينما يستطيع من بالداخل استكشاف من بالخارج بكل سهولة:
-أنا قصدي على الجاكوزي.
-قليل الأدب... نطقتها بهمسٍ كي لا يستمع إليها الصغير ليطلق هو ضحكاته المجلجلة التي ملأت أرجاء المكان لتعلن عن سعادته المطلقة بوجود حوريته التي اقتحمت حياته بكل قوة لتنتزع الحزن من قلبه وتزرع بدلًا منه السعادة والهناء وراحة البال، ابتلعت لعابها من هيئته المهلكة لتحول ببصرها للجهة الأخرى كي لا تزيدها على قلبها المُنهك، حاولت إلهاء حالها بتذوق كأس المشروب البارد لتُعي على صوت عصمت التي هتفت بنبرة مرحة وهي تنظر لسعادة نجلها:
-مساء النشاط يا سيادة المستشار، من إمتى ما نزلتش حمام السباحة.
لتسترسل وهي تنظر إلى إيثار بذات مغزى:
-والله برافوا عليك يا يوسف، عملت اللي محدش قدر عليه قبلك.
-مش كده برضه يا دكتورة... نطقها بتأكيد ليتابع بمراوغة:
-يوسف ده عظيم ويستحق الشكر والتقدير.
خجلت من تلميحات حبيبها ووالدته التي لفت لتجلس بمقابلتها وهي تقول بملامح وجه بشوشة:
-عجبتك الجنينة يا إيثار؟
تنفست بعمق أظهر كم إعجابها لتنطق وهي تتطلع إلى ما حولها من الزهور والأشجار:
-حلوة قوي يا دكتورة، فيها أنواع ورود أول مرة أشوفها.
أومأت لها لتجيبها بجدية:
-علام باشا بيحب الزرع ويقدره جدًا، علشان كده بيهتم بالجنينة وبيشرف عليها بنفسه، أول ما يسمع عن نوع جديد من الزهور أو النباتات يبعت يجيبه ويشارك الجنايني في زرعها.
اندَمجت معها بالحديث لأكثر حد، فقد كانت شخصية عصمت أكثر من رائعة، توقعت رفضها لتواجدها بينهم ونفورها من وجود يوسف لكنها فُوجئت بالنقيض، فقد كانت ودودة هادئة محبة، تمتلك قلبًا رقيقًا ولسانًا لينًا لا ينطق سوى بكل طيبٍ، ما أجملها امرأة.
انضمت صغيرة فريال إلى خالها ويوسف لتندمج معهما بالسباحة والانطلاق، بعد مدة خرج فؤاد ليترك الصغار تحت مراقبة إحدى العاملات المختصة بشأن الاهتمام بالصغيرة، لف خصره بمنشفة كبيرة وأخذ يجفف شعر رأسه بإحدى المناشف الصغيرة تحت خجل حبيبته وهو يقف أمامها بمظهره المفعم بالرجولة لتسحب بصرها بعيدًا عنه وتثبته بالأسفل تحت ابتسامة عصمت التي لاحظت خجلها الشديد من فؤاد برغم أنه أصبح زوجها رسميًا، انتبهت على صوته وهو ينطق باسمها بجدية:
-إيثار، اطلعي غيري هدومك علشان هنخرج مع بعض.
رفعت وجهها تتطلع عليه من جديد لتسأله مستفسرة:
-هنخرج فين؟!
أجابها بصوتٍ رخيم وهو يهز شعره لتتناثر منه قطرات المياه:
-مشوار مهم.
-طب ويوسف... نطقتها وهي تنظر لصغيرها بتوجس ليخبرها بطمأنة:
-يوسف معاه عزة، وبعدين ما تقلقيش، إحنا مش هنتأخر، كلها ساعتين وهنرجع على طول.
نظرت له بتيهة لتنتبه على صوت عصمت حيث نطقت بهدوء:
-اخرجي يا حبيبتي مع فؤاد وما تشيليش هم يوسف، أنا هخلي بالي منه مع عزة لحد ما ترجعي.
ابتسمت تشكرها بامتنان وصعدت للأعلى بصحبة عزة لتترك الصغير بصحبة عصمت وعلام الذي انضم إليهم، وقفت تتطلع عليها بتأمل بعدما ارتدت ثوبًا باللون الأسود وحجابًا يماثله، نطقت بحذر خشيةً من حزنها:
-مش كنتِ لبستي أي حاجة غير الفستان ده، الراجل أول مرة يخرج معاكِ تقومي تلبسي له أسود.
ضيقت بين عينيها تتأمل ملامحها لتقول بتعجب:
-شكلك اتجننتي خلاص يا عزة، أنتِ نسيتي إن بابا لسه ما فاتش على وفاته إسبوع!
هتفت بمقاطعة:
-هو أنا بقول لك تلبسي له أحمر، عندك لبس حلو أنا جايباه معايا، فيه طقم زيتي حلو قوي وواحد تاني لونه بني.
-ريحي نفسك أنا مش هلبس غير الأسود... نطقت جملتها بصرامة لتنطق الأخرى باعتراضٍ كعادتها:
-على فكرة بقى، أنتِ كده بتخالفي أوامر ربنا، لأن الدين سامح للبنت بتلات أيام بس حداد على أبوها.
زفرت بضيق لتهتف باستنكار وحدة:
-اطلعي من دماغي يا عزة وانزلي شوفي يوسف، وإوعي يغيب عن عينك دقيقة واحدة.
أومأت لها وقبل أن تنسحب استمعتا لطرقات خفيفة فوق الباب، فتحت ليظهر ذاك الأنيق وهو يرتدي بنطالًا من الجينز يعتليه قميصًا منمقًا من القماش القطني باللون البينك الخفيف واضعًا بلوفر من الصوف فوق ظهره لتتهدل ذراعي البلوفر فوق كتفيه مما زاد من سحر جاذبيته وأظهره بشكلٍ عصري، نطق وهو يتأملها بعينين مسحورة:
-جاهزة؟
-إمم... قالتها بخجلٍ وهي تتوارى من نظراته المتفحصة لها لينطق بنبرة حنون:
-طب يلا.
عدل من وضعية ذراعه في دعوة منه لتتأبط الأخرى ذراعه وتحرك بها إلى الأسفل ليستقلا السيارة ويتحركا بها إلى الخارج تحت نظرات الجميع حيث انضمت فريال إلى والداها، نظرت فريال حولها لتتفقد ابنتها وجدتها تهرول بسعادة بصحبة ذاك الصغير وهما يمرحان ويلهوان، تنهدت وباتت تتعمق بالنظر للصغير وللغريب أنها شعرت براحة والتعاطف معه رغم عدم تقبلها لوالدته، أشفقت على حاله وحالته النفسية التي حتمًا تأثرت حال انفصال والداه.
تنهدت لتقول مقترحة بنبرة حماسية:
-إيه رأيك يا بابا لو نعمل حفلة كبيرة ونعزم فيها كل قرايبنا ومعارفنا بمناسبة ترقية فؤاد؟
أجابها بهدوءٍ ورزانة:
-أنا فكرت في كده فعلًا يا فريال بس تراجعت عن الفكرة لما افتكرت إن أبو إيثار لسه متوفي من أيام.
تعمقت بالنظر لوالدها لتنطق متعجبة:
-وإحنا مالنا، ثم قرايبنا ومعارفنا ما يعرفوش إن فؤاد اتجوز أصلًا.
تحدثت عصمت لتجيب على تساؤلات ابنتها المتعجبة:
-مالنا إزاي يا بنتي، هي إيثار دي مش مرات فؤاد ولازم يحترم مشاعرها وحزنها على أبوها؟!
تنهدت بضيق قبل أن تقول بإيضاح:
-يا ماما يا حبيبتي كلنا عارفين طبيعة الظروف اللي أجبرت فؤاد على جوازه منها، بلاش تتعاملوا مع الوضع وكأنه بقى فرض وإن الجواز بقى أمر طبيعي.
تنهدت عصمت وتحدثت لتضع النقاط فوق الحروف:
-أخوكِ متجوزها عن اقتناع مش مجرد جواز صوري علشان يحل لها مشكلتها، وده واضح جدًا من معاملته ليها ومن التغيير اللي كلنا ملاحظينه عليه.
ابتسمت ساخرة لتنطق:
-هو فيه راجل متجوز ست عن اقتناع وكل واحد منهم قاعد في أوضة؟
تطلع علام إلى ابنته التي لا تتقبل انضمام إيثار للعائلة وترفض وجودها بقوة ليقول بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش كي يضع لتلك المناقشة العقيمة حدًا:
-الموضوع ده خاص بأخوكِ ومحدش ليه الحق يقرر إذا كان جوازه منها شكلي ولا هيكمل معاها غيره هو، ومحدش فينا ليه الحق في الكلام فيه.
تذمرت بجلستها وبدا على وجهها العبوس لكنها أجبرت على الالتزام بالصمت منعًا لإثارة حنق والدها.
********
عودة إلى تلك الجميلة التي استقلت المقعد المجاور لذاك الجذاب، لوهلة لم تستوعب ما حدث وجعلها بين ليلةٍ وضحاها زوجة لذاك الوسيم حلم كثيرًا من الفتيات الفاتنات، وربما هناك من هي الأجدر منها باستحقاقه لكنها أخيرًا من حظيت بلقب زوجة فؤاد علام، ضغط على الزر المسؤول عن تشغيل الموسيقى لينطلق صوت السيدة أم كلثوم وهي تنشد بكلماتٍ يبدو أنها اختيرت بعناية وعن قصد:
رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا، علموني أندم على الماضي وجراحه.
اللي شفته قبل ما تشوفك عنيا، عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّ.
أنت عمري اللي ابتدي بنورك صباحه.
قد إيه من عمري قبلك راح وعدى يا حبيبي قد إيه من عمري راح.
ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة ولا ذاق في الدنيا غير طعم الجراح.
التفت بجسدها تنظر إليه ببلاهة وذهول فقد استمعت لتلك الغنوة باليوم الأول الذي شاكسها به وهو يخبرها بأن اللون النبيذي يليق بها ويجب عليها الإكثار من ارتدائه، تعجبت لتلك الصدفة الغريبة، ابتلعت لعابها حين وجدته يتطلع إليها بعينين هائمتين ويحرك شفتاه مع كلمات الغنوة وهي تقول:
ابتديت دلوقت بس أحب عمري ابتديت دلوقت أخاف، أخاف لا العمر يجري.
كل فرحة أشتاقها من قبلك خيالي، التقاها في نور عنيك قلبي وفكري.
يا حياة قلبي يا أغلى من حياتي، ليه ما قابلتش هواك يا حبيبي بدري.
اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه، عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّ.
أشاحت بعينيها بعيدًا ليباغتها بكف يده الذي تلمس ذقنها برقة ليحثها على النظر لعينيه وهو يقول:
-هتفضلي تهربي كده كتير؟
ليستطرد متعَمقًا بعينيها بطريقة أشعلت حواسهما وألهبتها:
-عيونك فاضحة أسرار قلبك وكشفاها، يعني ملوش داعي كل اللي بتعمليه ده.
تنفست بعمقٍ قبل أن تنطق بنبرة صادقة:
-ده مش هروب يا فؤاد، ده خوف وعدم شعور بالأمان ملازمني من يوم وفاة بابا.
ترقرقت الدموع بعينيها لتتابع بألمٍ يمزق قلبها:
-عاوزني أكمل حياتي إزاي بطريقة طبيعية بعد اللي إخواتي وأمي عملوه فيا؟!
انتفض قلبه حزنًا عليها ليأن حين لمح شبح لدموعها ليصف سيارته سريعًا على جانب الرصيف وعلى الفور فك وثاق حزام الأمان ليقترب عليها فأكملت هي بما شطر قلبه لنصفين:
-إخواتي كانوا هيرجعوني عبدة تحت رجلين نصر ومراته لولا ظهورك في الوقت المناسب يا فؤاد.
واستطردت بدموعها التي انهمرت بغزارة وهي تنطق بأنين:
-أنتَ فاهم يعني إيه أرجع أعيش مع راجل ما خلاش حاجة تحسسني بالذل والألم إلا وعملها فيا؟!
-ششش... قالها وهو يجذبها ليسكنها داخل أحضانه ويضمها بقوة ليشعرها بوجوده، وللعجيب أنها تمسكت بتلابيب قميصه وتركت العنان لدموعها لتنساب، وضع كفه فوق ظهرها وبات يحركه صعودًا وهبوطًا بطريقة ناعمة استشعرتها تلك الباكية وبالفعل هدأت من روعها قليلًا، مال على رأسها وضمها بشمول وهو يهمس بحنو:
-عيطي يا حبيبي، عيطي وخرجي كل اللي واجعك.
ظلت تبكي بحرقة لوقتٍ تعدى العشرة دقائق وهو يهدهدها كصغيرته ويهمس لها بكلماتٍ مطمئنة كي يشمل روحها بالحنان، فاقت على كلماته الهامسة بجانب أذنها:
-إهدي يا قلبي وإوعي تخافي، أنا معاكِ.
تحمحمت وابتعدت عن أحضانه ليسألها باهتمام:
-بقيتي أحسن؟
اكتفت بهزة من رأسها ليتنهد بأسى لحالتها ثم تحرك عائدًا إلى مقعده ليتابع القيادة من جديد، بعد قليل توقف بها أمام متجرٍ كبيرٍ للمصوغات الماسية والذهبية، تنهد براحة ونظر لها ليقول بهدوء:
-يلا يا حبيبي.
تعجبت لتسأله باستفسار:
-هنروح فين؟!
-انزلي وهتعرفي.
ترجل من السيارة واستدار سريعًا ليفتح لها الباب، مد يده لتضع كفها داخل خاصته ليحتضنها بشمول ويتحركا للداخل وهو يرفع قامته بكبرياءٍ يرجع لسعادته بامتلاكها، ولج لداخل المتجر ليهرول عليه مالك المكان متحدثًا بترحيبٍ عالي:
-أهلًا وسهلًا، نورت المكان يا باشا.
توترت من فخامة المكان والقطع النادرة الظاهرة من الفاترينات الزجاجية ليتابع الرجل بإنحناءٍ تعبيرًا عن تقديره لها:
-أهلًا يا هانم، شرفتينا.
هزت رأسها بشرود ليجيبه فؤاد بصوتٍ قوي:
-أهلًا بيك يا خليل، جهزت لي اللي قولت لك عليه؟
على الفور أجابه بطاعة:
-كل طلباتك اتنفذت زي ما جنابك أمرت بالظبط يا باشا.
أشار الرجل بكفه صوب الصالون المذهب المتواجد لاستقبال الزائرين من صفوة المجتمع وقدم لهما مشروبًا، اقتربت منه لتهمس متسائلة:
-إحنا جايين هنا ليه يا فؤاد؟
مال عليها ليهمس بحبورٍ:
-علشان نجيب شبكتك يا عروسة.
ابتلعت لعابها ليمسك كفها يساعدها على الجلوس وهو يعاملها كالأميرات المدللات، جلست وجاورها الجلوس واضعًا ساقًا فوق الأخرى ليأتي الرجل ممسكًا بعلبة فخمة ليضعها صوب أعينهم لتكشف عن قلادة ألماسية تبهر من يتطلع إليها وتخطف بصره، تلاه رجلان من العاملين بالمتجر ممسكين بعلبتين الأولى بها خاتمٌ أقل ما يقال عنه بأنه تحفة فنية صُنع بحرفية عالية، أمسك بالخاتم وبات يتطلع عليه ثم قربه من عينيها ليسألها بتوقير:
-إيه رأيك يا حبيبي؟
-حلو قوي... نطقتها بنبرة متوترة ليباغتها بلمس كفها وإلباسها إياه ليدخل بأصبعها بسهولة وكأنه صُنع بمقاس إصبعها خصيصًا لتسأله باستغراب:
-منين عرفت مقاس صباعي؟
-البركة في عزة... قالها هامسًا وهو يتذكر منذ يومين حيث طلب من عزة أن تجلب له خاتمًا دون إخبارها لأخذ المقاس وقد فعلت، ابتسمت إيثار ليرفع هو كفها واضعًا قُبلة احترام فوق أصبعها التي ترتدي بداخله الخاتم تحت شعورها بقشعريرة لذيذة سرت بجسدها، أمسك علبة القلادة ليسألها من جديد:
-عاجبك؟
-كفاية الخاتم... نطقتها باستحياء ليجيبها الجواهرجي بتفاخر:
-كفاية إيه بس يا هانم، دي شبكة خطيبة فؤاد باشا علام.
-حرم فؤاد علام... قالها مصححًا للآخر وهو يتطلع عليها بفخرٍ واعتزاز جعلها تنظر إليه بعينين مسحورة، نطق الرجل بحماس:
-ألف مبروك يا باشا، مبروك يا هانم.
-ميرسي... نطقتها بخجل ليسألها من جديد مؤكدًا عليها:
-ماقولتيش رأيك يا حبيبي.
-حلو قوي يا فؤاد... قالتها بخجل ليتحدث إلى الجواهرجي بنبرة جادة:
-جهزت لي الخلخال يا خليل؟
اتسعت عينيها بذهول لينفتح فاها تلقائيًا وهي تنظر ببلاهة لذاك الرجل الذي تحدث وهو يتلقى علبة أخرى من يد المساعد لديه:
-موجود يا باشا ونفس الصورة اللي جنابك بعتها لي على الواتس.
-خلخال يا فؤاد!... همست بها ليؤكد بعدما همس بأذنها:
-خلخال يا سارقة عقل فؤاد.
تحمحم الرجل ليسألها باحترام:
-إيه رأيك يا هانم؟
تطلعت إليه لتقول وهي تشير بكفها باتجاه حبيبها الذي أصيب بهوس غرامها وانتهى الأمر:
-اسأل الباشا.
كظم ابتسامة كادت أن تنفلت منه رغمًا عنه ليتحدث إلى ذاك المسمى بخليل:
-هايل يا خليل، جهز لي الفاتورة.
انحنى الرجل ليقول وهو ينسحب للخلف بتوقير:
-أوامرك يا جناب المستشار.
تطلعت عليه لتنطق وما زالت آثار الصدمة تعتلي ملامحها:
-ما طلعتش سهل يا سيادة المستشار، خلخال؟!
-متأكد إنه هيجنن عليكِ وخصوصًا مع لانجري نبيتي.
-أنتَ قليل الأدب... قالتها بحدة لتنطلق منه ضحكة رجولية أثارت حفيظتها، صمتت ثم سألته بفضول كاد أن يُنهي عليها:
-فؤاد، هو الخلخال ده ألماس ولا مجرد إكسسوار؟
قطب جبينه قبل أن يجيب على سؤالها بمشاكسة:
-عيب عليكِ، مرات فؤاد علام هتلبس إكسسوار برضه.
-بس ده افترا، هلبس ألماس في رجلي؟! ... قالتها باعتراض لينطق وهو يتعمق بعينيها:
-ألماس الدنيا كله فدا نظرة رضا واحدة من عينيكِ يا إيثار.
انتفض قلبها لتبتسم له بحنان ليخبرها بنبرة حنون:
-فاكرة هدية عيد ميلادك؟
قطبت جبينها بعدم استيعاب ليسترسل مفسرًا:
-الإسورة.
تذكرت على الفور لتهز رأسها ليبتسم هو متابعًا:
-موجودة في خزنتي في البيت، أول ما نروح هلبسها لك بنفسي.
ابتسمت تطالعه بامتنان قابله بنظراتٍ عاشقة لكل إنشٍ بوجهها، بعد قليل خرجا من المتجر يرافقهما أحد العمال وهو يحمل حقائب المشتريات، وضعها داخل السيارة ليتحرك فؤاد باتجاه إيثار ليفتح لها باب السيارة لتستقل مقعدها برقي، استقل هو الآخر مقعده وبعد قليل توقف جانبًا لتنظر إليه متسائلة باستغراب:
-وقفت ليه؟!
كان يتطلع أمامه، أخذ نفسًا عميقًا ثم استدار بجسده ليقابلها، تعمق بعينيها فقرأت بهما حديثًا يخشى عليها من معرفته، ابتلعت لعابها لتسأله بتوجس:
-فيه إيه يا فؤاد، اتكلم.
اقترب عليها وقام باحتواء كفيها بخاصتيه لينطق بعينين مترقبة:
-نصر البنهاوي رفع قضية لضم يوسف واستشهد بقسيمة جوازنا.
شهقة عالية خرجت من صدرها الذي نزل الخبر عليه وكأنه خنجرًا مسموم ليشقه لنصفين، صاحب الشهقة اتساع لعينيها ليقترب منها أكثر وهو يقول على عجالة:
-ما تخافيش يا بابا أنا معاكِ، وبالنسبة للي عمله ده خطوة روتينية وإحنا كنا متوقعينها.
هزت رأسها باستسلام لتهبط دمعاتها مما جعله يرفع كفيها ليجففهم لها سريعًا وهو ينطق بكلماتٍ تخرج من قلبه لا لسانه:
-محدش هيقدر ياخد يوسف من حضنك، أنا وعدتك.
هزت رأسها رافضة حديثه لتهتف بهيستيريا:
-نصر هياخده مني، أنتَ ما تعرفهوش، ده راجل مفتري وإيده طايلة.
وضع إبهامه فوق شفتيها ليمنعها من الحديث لينطق هو في محاولة منه لتهدئتها:
-إهدي يا بابا، نصر مين اللي بتتكلمي عنه، ييجي إيه هو في بحر علام زين الدين.
هدأت قليلًا ليتابع تهدئتها بكلماته الصادقة:
-أنا وعدتك إن ما فيش مخلوق هيقدر ياخده من حضنك حتى لو هستعمل نفوذي ونفوذ أبويا.
واستطرد بثباتٍ وذو مغزى:
-بس إن شاء الله مش هحتاج لكده.
تمسكت بكفيه بقوة لتنطق بنظراتٍ توسلية:
-إوعدني إنك مش هتتخلى عني ومش هتخلي حد ياخد يوسف مني يا فؤاد.
-أوعدك يا قلبي، أرجوكِ إهدي بقى... قالها بنظراتٍ حنون لتهز رأسها بطاعة، اقترب منها وضمها لأحضانها بقوة وتعجب باستغراب لتجاوبها معه، فقد شددت من عناقه وكأنها تطمئن حالها بالقرب من قلبه التي تستمع لدقاته العالية، شدد من ضمتها وظلا يلتصقان أكثر وكأن كلًا منهما وجد ملاذه الآمن داخل أحضان الآخر، ابتعد قليلًا ليتطلع عليها فوجدها تتمعن بعينيه بحالة من الهيام، مرر إبهامه فوق شفتها وهو يتعمق بمقلتيها، حكت العيون وقامت بفضح كلاهما وما شعر بحاله إلا وهو يقترب من شفتيها ناظرًا لهما بشوقٍ ورغبة بقطف أولى ثمار شفتاها الكرزية، وأخيرًا لامس شفتيها ليقبلها برقة ورومانسية جعلتها تُغمض عينيها وتذوب معه وهي تتذوق أشهى قُبلة ممكن أن تتذوقها امرأة على يد معشوقها، ذابا معًا وتعمقا بالقبلة التي تحولت من هادئة ناعمة إلى قوية متعمقة ثم شرسة تنم عن مدى جوع كلاهما واحتياجه للمزيد من الآخر، ابتعدا كلًا منهما مجبرين لحاجتهما القوية للهواء، باتا يأخذا أنفاسهم اللاهثة بقوة وصدريهما يعلوان ويهبطا، هدأت أنفاسهما قليلًا لينظر من جديد لشفتيها فقد كان بحاجة للقرب أكثر والشرب من رحيق قبلاتها لكنه تحمل وجاهد حاله كي لا يجعلها تنفر منه أو تحزن عندما يراودها شعورًا باستغلاله لحالة ضعفها تلك بعد أن تُعي لحالها، تحمحم ليتحدث بنبرة عاقلة لقلبٍ يذوب غرامًا:
-أنا عارف إنك بتحبيني ومتأكد من إنك عوزاني زي ما أنا عاوزك بالظبط.
واستطرد بنبرة تُشع حنانًا كي يزرع داخلها شعور الطمأنينة:
-وعارف إنك مشوشة وإن اللي حصل لك بعد وفاة عمي غانم مأثر على تفكيرك وأنا عاذرك، خدي الوقت اللي يكفيكِ وأنا هفضل مستنيكِ، عمري ما همل من الانتظار.
ابتسمت بحنان ليسترسل وهو يمرر إصبعه فوق شفتيها تحت رعشة جسدها متعَمقًا بعينين تنطق عشقًا وتفيض حنانًا:
-عاوزك تعرفي إني عمري ما حبيت قبلك، وإن أنتِ الست الوحيدة اللي قدرت تسيطر على قلبي وتملك زمامه يا إيثار.
بلهفة نطقت بعينين متشوقة للإجابة:
-بجد يا فؤاد؟
-بجد يا عيون فؤاد... نطقها وهو يقترب من شفتيها من جديد ليلتقط شفتها السفلى بين خاصتيه ويغيب معها لعالمٍ يخطواه لأول مرة، فبرغم تجربة الزواج السابقة لكلٍ منهما إلا أنه يتذوق كل شيءٍ مع الحبيب وكأنه يحياه للمرة الأولى، صدق من قال أن كل شيءٍ مع الحبيبِ مختلف.
قاد السيارة من جديد، عادت تلك الحالمة إلى المنزل لترتمي فوق الفراش وكأنها فراشة تهيم في سماء العشق وما كان حاله ببعيدٍ عنها، بعد قليل نزلا ليتناولا العشاء ثم انتقلا إلى الحديقة وقضيا ليلتهما يتبادلان أطراف الحديث فيما بينهما أمام حوض السباحة حتى تأخر الوقت كثيرًا فاضطرا للصعود كي يغفوا هو بضعة ساعات قبل ذهابه إلى العمل.
********
فاقت من نومها في حدود الساعة العاشرة تناولت إفطارها وصعدت من جديد لترتدي ثيابها كي تستعد للذهاب إلى شقتها الخاصة لجلب بعض الثياب التي تحتاج إليها، ولجت عزة لتسألها باستفسار:
-استأذنتِ من سيادة المستشار؟
أجابتها بلامبالاة ترجع لعدم اعتمادها على أحد منذ البعيد:
-هستأذن منه في إيه يا عزة، هو أنا مسافرة، أنا رايحة بيتي أجيب شوية حاجات ناقصاني وراجعة على طول.
-يا بنتي ليزعل... قالتها بارتياب لتجيبها الأخرى وهي تتحرك للأمام:
-ما تقلقيش، فؤاد عقله كبير.
ذهبت إلى شقتها جلبت بعض حاجتها الخاصة بها وبيوسف وأيضًا عزة وعادت سريعًا، لم يعد فؤاد ظهر هذا اليوم لانشغاله بقضية غاية في الأهمية، عاد ليلًا ليوقفه رجل الحراسة ليقول له:
-فؤاد باشا، مدام إيثار خرجت النهاردة وأنا حاولت أخلي حد من الحراسة يروح معاها بس هي رفضت.
تحولت عينيه لحادة ليسأله بنبرة هلعة:
-يعني إيه، خرجت لوحدها؟!
أومأ له بإيجاب ليقول بنبرة غاضبة:
-وأنتَ لازمتك إيه قدام البوابة يا بيه، أنا مش قايل لك لو حصل أي حاجة تتصل بيا فورًا وتبلغني؟!
-يا سعادة الباشا أنا اتصلت بيك كتير جدًا وجنابك كنت بتكنسل عليا... قالها الرجل بجسدٍ مرتعش ليدخل سريعًا بعدما وبخ الرجل وتوعد له بالعقاب، صعد السلالم بطريقة أظهرت كم غضبه ليقطع طريقه هبوط إحدى العاملات وحظها السيئ الذي واجهها بذاك الثائر، استشاط غضبًا ليقول بملامح وجه لا تبشر بخيرٍ:
-بلغي إيثار هانم إني مستنيها في أوضتي، عشر دقايق وتبقى قدامي، مفهوم.
ارتعب جسدها لتهز رأسها ببلاهة وتسرع خلفه، ولج هو لغرفته لتدخل هي بسرعة وهي تقول لتلك الجالسة فوق فراشها تتطلع على جهاز الحاسوب بتعمق:
-فؤاد باشا مستني جنابك في جناحه وبيستعجلك يا هانم.
قطبت جبينها متعجبة طلبه، ارتدت معطفًا فوق المنامة البيتية وتحركت إليه، دقت الباب بهدوء لتستمع لصوته الحاد من الداخل، فتحت الباب لتجده مواليها ظهره المتصلب من شدة غضبه وخوفه عليها، تحمحمت لتنطق بصوتٍ هادئ:
-مساء الخير يا فؤاد.
باغتها بالتفافه السريع ليرمقها بنظراتٍ حادة كالصقر وهو يسألها متجنبًا تحيتها:
-أنتِ خرجتِ من البيت النهاردة؟
تحمحمت لتجيبه بتلقائية:
-آه، روحت شقتي علشا...
قاطع حديثها بقوة لينطق متجاهلًا أسبابها بطريقة فظة أشعرتها بالإهانة:
-ما يهمنيش رايحة فين وليه، أنا اللي يهمني هو إزاي تخرجي من البيت من غير إذني، لا وبتعاندي مع الحرس اللي حب يعرفك إني منبه محدش يخرج من غير ما أكون عارف وأنا بنفسي اللي مدي أوامر للحرس بخروجه.
واستطرد بجنونٍ عندما جال بخاطره فكرة أن نصر أو عمر كان يراقب تحركاتها وأصابها بمكروهٍ:
-ده أنتِ من جبروتك رفضتِ إن الحرس يرافقك.
هتفت تسأله بحدة بعدما أثارت طريقته المقللة لشأنها لحنقها:
-هو أنا تحت الإقامة الجبرية ولا إيه سيادة المستشار، ولا أكونش محبوسة وأنا مش واخدة بالي.
هتف بنبرة مشتعلة من طريقتها الحادة:
-الغلطان بيعتذر يا مدام، مش بيرد على مواجهته بأخطائه ببجاحة.
صاحت بنبرة غاضبة ترجع لعدم تقبلها لطريقته المهينة لشخصها:
-أنا ما أسمحلكش تكلمني بالطريقة دي.
اتسعت عينيه ليرمقها باشتعالٍ وهو يقول بغضبٍ متعجب:
-أنتِ إزاي بجحة كده، لا بجد إزاي، يعني غلطانة وخرجتِ بدون إذني وعرضتِ نفسك للخطر، ده غير إنك خليتِ شكلي زي الزفت قدام الحرس وكمان مش عاجبك؟!
صاحت بحنقٍ رافضة لفرض قيوده عليها:
-أنا حرة، وأنتَ والحرس بتوعك تروحوا تفرضوا أوامركم على أي حد غيري.
هتف مزمجرًا بعدما اتسعت عينيه بحدة من شراستها:
-أنتِ مش حرة يا هانم، البيت ده ليه قوانين وقواعد، وطالما قعدتِ فيه يبقى سيادتك مجبرة تلتزمي بقوانينه، مش سويقة هي علشان تتصرفي من مزاجك.
تراجعت للخلف وهي تبتلع ريقها بتوتر وقد كسى الخجل والإحراج وجهها ليسترسل الآخر بطريقة أكثر عنفًا متغاضيًا عن صدمتها من حديثه:
-ليكِ حدود في البيت ده، ويا ريت تلتزمي بيها علشان ما تشوفيش الوش التاني لفؤاد علام واللي أكيد مش هيعجبك.
كانت تستمع إليه ومقلتيها متسعتين للغاية، تهز رأسها لا إراديًا بعدم استيعاب لتلك الحالة التي ولأول مرة تراه عليها.
أولته ظهرها لتُسرع إلى الباب وتهرول للخارج بعدما أغلقته بقوة هزت أركان الحجرة، بخطواتٍ سريعة وصل إلى الباب وكاد أن يخرج خلفها ليلحق بها ويعتذر عما بدر منه بلحظة غضب ترجع لخوفه الشديد عليها، لكنه تراجع باللحظة الأخيرة بعدما أمسك بمقبض الباب استعدادًا لفتحه، عاد خطوتين للخلف لتكفهر ملامحه وهو يهز رأسه باستسلام مطلقًا زفرة حادة تنم عن مدى غضبه واشتعال روحه، وضع كفه فوق شعر رأسه ليجذب خصلاته للخلف بطريقة عنيفة أظهرت كم الغضب الذي اعتراه.
عودة لتلك التي ولجت لغرفتها المخصصة لها لتغلقها خلفها وترتمي على ذاك المقعد المجاور للتخت، شرعت ببكاءٍ مرير يقطع نياط القلب، شهقت بقوة ولعنت حالها وغباءها الذي صور لها أنه بالفعل أصبح قريبًا منها للحد الذي يسمح لها بالتحرك بحرية في المنزل، خرجت منها شهقة قوية عبرت عن مدى القهر الساكن بداخلها، لأول مرة بكامل حياتها تُوضع بمثل هكذا موقف، شعرت بالمرارة على ما وصلت إليه، لما فعلت هذا، هي التي وضعت قوانينها بعدم السماح للآخرين بالقرب منها بعدما رسمت حدودها الخاصة بعدم الاقتراب، لما كسرت حاجزها التي شيدته طيلة تلك السنوات لتقترب منه لهذا الحد بل وتسمح له بالغوص بداخل أعماقها واستكشاف ما بها، باتت تسب وتلعن حالها على موافقته لعقد القران الذي من الواضح بأنه سيتخذه سلاحًا للتحكم بها وفرض قيوده عليها، ظلت على هذا الحال لفترة طويلة حتى شعرت بتملل صغيرها بنومه، فتحركت سريعًا إليه بعدما وجدته يرفع رأسه لأعلى باحثًا عن مصدر أمانه الوحيد بتلك الغابة الموحشة، وما أن أسرعت نحوه وسحبته لداخل أحضانها حتى استكانت روحه وعلى الفور عاد إلى غفوته من جديد، تنهدت بضيق ثم أغمضت عينيها لتطبق جفنيها بقوة وتسمح لدموعها الحارة أن تنهمر من جديد، ازدردت لعابها ثم تنهدت بهدوء بعدما اهتدت لخطوتها التالية والتي لابد أن تقوم بها مُنذ الصباح لحفظ ما تبقى من كرامتها، أمسكت هاتفها الجوال وضغطت على رقم عزة وانتظرت حتى جاءها الرد من تلك التي كانت تنعم بغفوتها وانتفضت على أثر ذاك الاتصال لتُجيب بصوتٍ متحشرج من أثر النعاس:
-خير يا بنتي، إيه اللي مصحيكِ لحد الوقت، دي الساعة عدت من أتنين!
تحمحمت لتجلي صوتها ثم تحدثت بصوتٍ باكٍ لم تستطع السيطرة عليه:
-جهزي شنطة هدومك علشان هنرجع لشقتنا أول ما النهار يطلع.
ضيقت عينيها لتسألها مستفهمة:
-إيه اللي حصل يا إيثار، هو أنتِ اتخانقتي أنتِ وفؤاد!
-اسمعي الكلام يا عزة وبلاش أسئلة كتير، الله يخليكِ أنا مش ناقصة... نطقت كلماتها بنبرة بائسة فاستشفت الأخرى أنها قد وصلت لذروتها من الغضب فقررت الاستجابة لحديثها كي لا تزيدها على ابنتها التي لم تحظ بإنجابها لتجيبها بطاعة:
-حاضر يا حبيبتي، أول ما النهار يُشق هطلع أساعدك في توضيب شنطك أنتِ ويوسف.
أغلقت معها بدون إضافة كلمة أخرى لتتنهد وتندثر بجسدها للأسفل واضعة رأسها فوق الوسادة لتقع صريعة للنوم بعد عدة ساعات بعدما أنهكها البكاء.
رواية انا لها شمس الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم روز امين
متمردة، عنيدة، شرسة ومستفزة، أنانية ولا تهتم سوى بحالها. شعارها المرفوع دائمًا: فليذهب الجميع إلى الجحيم ما دمت أنا بخير. ألقاب حصلت عليها، ويعلم الله أني بريئة من جميعها. ولو أنهم تأنوا وغاصوا بأعماقي لوجدوا فتاة صغيرة تحتضن حالها وتحتويها بساعديها الضعيفين. نظراتها المرتعبة تجول هنا وهناك بهلع، مترقبة للأخطار المحيطة بها دومًا. بجوارها سيف حاد صنعته من صبرها، وسنته بسعيها لحماية قلبها الموضوع بين الضلوع. من تسول له نفسه بمجرد الاقتراب منه، تبادر بهجومها الضاري بمنتهى الشراسة لتظهر روح المحاربة الكامنة بداخلها. هي لا تحمي حالها ولا تهتم من الأساس، جل ما يعنيها هو قلبها البريء وفقط. ذاك المتمثل بصغيرها "يوسف"، هذا هو قلبها الساكن بالضلوع والمحاط بسياج حديدي صنعته بكامل قوتها لحمايته.
أتى الصباح وأشرقت الشمس لتعلن عن ميلاد يوم جديد بأمل جديد للجميع، إلا من تلك الحزينة ذات الحظ السيئ. حيث فاقت باكرًا بعينين ذابلتين وجفون منتفخة بفضل بكائها الحاد ليلة أمس، فهي من الأساس لم تغفُ سوى ساعتين فقط. أمسكت هاتفها وتحدثت إلى عزة وطلبت منها الصعود، وبغضون دقائق معدودة كانت تقف أمامها لتسألها بفضول وإصرار بعدما رأت ملامح وجهها المنطفئة. زمجرت الأخرى وأبت لكنها اضطرت لإخبارها تحت إصرار الأخرى القوي. لتهتف عاتبة بحدة بعدما استمعت لكامل ما حدث:
- غلطانة يا إيثار، وأنا قولت لك قبل ما تتحركي إنك لازم تستأذنيه قبل ما رجلك تخطي برة القصر. ده جوزك يا بنتي وده حقه عليك، وإنت بنت أصول.
رمقتها بنظرات شديدة اللوم قبل أن تسترسل بكلمات لازعة لكنها الحقيقة المؤلمة:
- ومتزعليش مني، اللي عملتيه معاه مفهوش ريحة الأصول.
تنهيدة حارة خرجت من صدرها لتنطق بنبرة بائسة:
- عدى وقت الكلام ده يا عزة، وأنا حقيقي تعبانة ومش هقدر أتحمل أي كلمة فيها لوم أو عتاب من أي حد.
واسترسلت بنبرة خافتة وجسد هزيل وهي تتجه صوب الخزانة لتشير لها نحو الحقيبة:
- طلعي الشنطة يلا ولمي معايا الهدوم بسرعة خلينا نمشي، وأنا هقوم يوسف وألبسه علشان نوصله للمدرسة في طريقنا.
- مش هتقولي له؟!
نطقتها عزة باستفهام لتنطق الأخرى نافية بحدة وشراسة ترجع لشعورها المرير بالإهانة الملازم لها منذ الأمس:
- طبعًا لأ.
ابتلعت غصة مريرة لتسترسل وهي تدفن نظراتها بطيات الثياب التي تجمعها كي لا تلمح الأخرى عينيها التي اغرورقت بدموع الألم والشعور بالتدني:
- استعجلي خلينا نخرج من هنا، وكفاية إهانة لكرامتنا لحد كده.
كان يقف أمام مرآة الزينة يعقد ربطة عنقه بملامح وجه مكفهرة نتيجة ما حدث بينه وبين تلك الجميلة. انتهى من الربطة ليمسك بقنينة عطره ويقوم بنثر بعضًا من الرذاذ فوق عنقه وذقنه، وبعد أن انتهى أعاد القنينة لمكانها برتابة ليُلقي بنظرة أخيرة على هيئته المنمقة واضعًا أصابع يده تتخلل شعره الأسود الفحمي. تنهد بضيق وهو ينظر لملامحه العابسة ووجهه الذابل جراء ما حدث بينه وبين مالكة الفؤاد بالأمس. برغم غليان جسده مما فعلته تلك العنيدة من حماقة كبيرة إلا أنه تألم لأجلها ولام حاله كثيرًا على غضبه المبالغ به وحديثه الحاد المهين لها. حجته الشرعية هي هلعه الذي أصابه عندما قص عليه الحارس ما حدث، والذي لولا ستر الله عليهما لتعرضت لما لا يعلمه سوى الله وحده. زفر بعمق ليخرج من صدره ناره المشتعلة منذ الأمس ثم تحرك صوب الباب بعدما التقط حقيبة عمله. توقف أمام باب غرفتها بعدما عقد النية على ألا يذهب إلى عمله قبل أن يقوم بتقديم الاعتذار لها كي لا يدعها للحزن يسيطر عليها ويدمي قلبها. دق بابها فأتاه صوت عزة بالاذن بالدخول. فتح الباب لتجحظ عينيه وهو يراها تقف أمام صغيرها الواقف فوق الفراش تساعده بإلباسه كامل ثيابه. ليحول بصره سريعًا نحو "عزة" حيث كانت تفرغ ما بداخل خزانة الثياب وتضعها بتلك الحقيبة الكبيرة الموضوعة فوق الفراش. ابتلع لعابه وارتجف جسده حين استشف ما يحدث ليتساءل بصوت خرج حادًا رغمًا عنه:
- إنت بتعملي إيه يا إيثار؟!
- زي ما أنت شايف، بنلم هدومنا وماشيين.
نطقت كلماتها باقتضاب وهي تتابع مساعدة صغيرها على استكمال ارتدائه لملابسه دون عناء النظر إلى وجهه ليسألها من جديد بصوت جاد:
- يعني إيه ماشيين دي؟!
انتهت من إلباس الصغير الذي نظر إلى فؤاد وغمره بابتسامة جعلت من قلبه يسعد رغم ما يشعر به من ارتياب، لتحول بصرها عليه وتجاوبه بعدما ثبتت عينيها بخاصته بقوة وكبرياء يرجع لاحتفاظها بكرامتها:
- راجعين شقتنا. أظن كفاية لحد كده، إحنا تقلنا عليكم زيادة عن اللزوم وكان لازم نمشي قبل كده بكتير.
زفر بقوة ثم حول بصره لتلك التي تباشر وضع الملابس داخل الحقيبة بملامح وجه حزينة ليتحدث إليها بتودد:
- خدي يوسف وانزلي بيه تحت يا عزة علشان عاوز أتكلم مع المدام لوحدنا.
كادت أن تتحرك لولا صوت إيثار التي هتفت بحدة وهي ترمقها بشراسة:
- خليكي مكانك وكملي اللي بتعمليه يا عزة.
ثم حولت بصرها إليه لتستطرد بنبرة جافة:
- مفيش كلام ممكن يتقال تاني بعد اللي اتقال إمبارح يا سيادة المستشار.
زفر بهدوء محاولًا كظم غيظه من تلك العنيدة التي ستصيبه بجلطة لا محالة. فقد فعلت معه ما لم يتجرأ بشر على الإطلاق فعله، ومع ذلك يتمنى نول الرضا منها. ولتتدلل كيفما تشاء فدلالها كالعسل المصفى بالنسبة له وهواها أشبه بالترياق للعليل. أشعلت نيرانه بحديثها الحاد ليهتف بحدة وهو ينظر لتلك التي تابعت ما تفعل وكأن حديثه والعدم سواء:
- هو أنا مش قولت لك تاخدي الولد وتنزلي؟!
ليسترسل بعينين تطلق سهامًا نارية تنذر بنشوب حرب شرسة:
- الكلام ما بيتسمعش ليه؟!
ارتعب داخل عزة من نظراته النارية لتسرع إلى إيثار تبسط ذراعيها لحمل الصغير عن تلك التي رفضت في البداية لتسلمها إياه لتتراجع مستسلمة بعدما رأت زمجرة ذاك الغاضب مع رمقه لها بنظرات تحذيرية أرعبت داخلها. هرولت عزة بالصغير للخارج لتغلق الباب خلفها. تحرك صوبها بعد خروج عزة ليقف مقابلًا لها واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله ليسألها بنظرات عاتبة وصوت حبيب لائم خرج بنبرة خافتة برغم اشتعال روحه:
- ينفع اللي بتعمليه ده؟!
واسترسل بعينين تشع حنانًا وبنبرة هادئة أشبه باعتذار:
- هو أنا علشان اتنرفزت عليك شوية تقومي تلمي هدومك وعاوزة تسيبي بيتك؟!
أجابته بنبرة منكسرة ونظرات عينيها أظهرت كم تألمت:
- بيتي! بس ده مش بيتي يا سيادة المستشار، أنا عارفة حدودي في البيت ده كويس قوي. أنا هنا ضيفة، مجرد ضيفة، وضيفة تقيلة كمان.
تعمقت بمقلتيه لتسترسل تأكيدًا على حديثه المهين ليلة أمس:
- وعلشان عرفت حدودي وقيمة نفسي قررت أرجع شقتي وأصون كرامتي أنا وابني.
- وهي كرامتك مش متصانة هنا يا إيثار؟!
سؤالًا وجهه لها بعينين معتذرتين لتهتف بعدما اغرورقت عيناها بدموع الألم الممتزجة بالخجل والانكسار:
- أنا عمري ما حسيت بالإهانة زي ما حسيتها في كلامك ليا إمبارح.
تنهد بثقل لرؤيته لغيمة دموعها. اقترب منها ممسكًا بكف يدها ليهتز جسديهما معًا لذاك الشعور الذي أصاب كليهما وأربكهما ليتحدث هو متحاملًا على حاله:
- متخليش موقف عابر يأثر عليك ويخليك تاخدي قرار غلط في وقت غضبك.
واستطرد موضحًا سبب ثورته عليها بالأمس:
- أنا ما اتنرفزتش غير لما عرفت إنك خرجتي لوحدك ومن غير حراسة. اترعبت عليك لما الحارس بلغني. مجاش في بالك إن ممكن نصر يكون متابعك ويأذيك؟!
اقترب عليها أكثر ليتابع بمراوغة أراد بها الاستحواذ على مشاعرها كي ينال استرضائها:
- الأستاذة شكلها نسيت إنها بقت مراتي وبالتالي لازم تستأذنيني قبل أي خطوة تخطيها برة القصر؟!
ابتلعت لعابها من قربه ورائحة عطره المسكرة التي تسللت عبر أنفها لتحارب شعورًا عارمًا اجتاحها يطلبها بقوة بإغماض عينيها والارتماء داخل أحضانه لتتنعم بحنانه الذي تستشعره من خلال أشعة عينيه ليسترسل هو مداعبًا إياها للتخفيف من وطأة حزنها:
- وبعدين هي كل واحدة جوزها يقولها كلمتين وهو متنرفز تلم هدومها وتسيب البيت؟!
ارتجف قلبها بقوة من حديثه المتودد وابتسامته الخلابة التي أسرت لبها، وما كان منها سوى ابتسامة ساحرة ارتسمت فوق ثغرها هاج قلبه على أثرها وطالبه بالتحرك الفوري لإنقاذ دقاته المتسارعة. امتثالًا لذاك المتيم بسط كف يده يتلمس به وجنتها التي توهجت بفعل كلماته، وما زاد من اشتعالها هي لمساته الحنونة تلك ونظرات عينيه الآسرة لقلبها الذي فتح له بابه على مصراعيه. شعورًا هائلًا تملك منه ولن يشعر بحاله سوى وهو يميل على شفتيها ليلتقطهما بين خاصتيه ويذوب داخلهما بنعومة جعلت تلك الرقيقة تُغمض عينيها وتذوب مستسلمة لقُبلته التي بادلته إياها وأرخت بجسدها مستسلمة. شعر بارتخائها بين يديه كقطعة شيكولاتة ذائبة داخل كوب من القهوة الساخنة مما جعل قلبه يرفرف من شدة حبوره، فزاد من تعمقه بالقبلة وضم جسدها بقوة إليه تحت استحسانها ورغبتها. تسللت يدها خلف رأسه لتداعب أناملها خصلات شعره الناعمة بحركة عفوية جعلت من خلايا جسده تتصلب بالكامل ليبتعد قليلًا لاهثًا ينظر لعينيها متلهفًا ليجد ما تمناه منها وانتظره طويلًا. كان صدره يعلو ويهبط تأثرًا باللحظة. داعب وجنتها بأصابعه بنعومة وتحدث بنبرة حنون تحت خجلها:
- أنا عندي شغل مهم قوي ولازم أتحرك فورًا. هتأخر فيه لحد الساعة ثمانية بالليل، بس هنكمل اللي بدأناه ده لما أرجع.
ثم مال بجانب أذنيها هامسًا بنعومة أذابت جسدها:
- عاوز أرجع من شغلي ألاقي مراتي مستنياني في أوضتنا، سمعاني يا إيثار، أوضتنا وعلى سريرنا.
ليبتعد برأسه للخلف قليلًا ويرفع فكها ليحثها على النظر بعينيه هامسًا بنعومة أذابت قلب كليهما:
- اتفقنا يا حبيبي؟!
شعرت بأنفاسها تكاد تنقطع لشدة خجلها وسعادتها معًا. "حبيبي" يا لها من كلمة ساحرة تأسرها وتسحبها لعالم خاص لم تطأ قدماها داخله سوى مع ذاك الوسيم وفقط. اكتفت بهزة رأسها بإيماءة أشعلت بها قلب ذاك الملتاع الذي طبع قُبلة رقيقة فصلها سريعًا خشية التعمق بها ليتحدث بصدر يعلو ويهبط من شدة الاشتياق والاحتياج:
- إبقى خلي عزة تيجي تبات هنا مع يوسف علشان ميقلقش لوحده، وأنا هخلي سعاد تجهز لنا الجناح. وشوفي لو محتاجة أي حاجة معينة قولي لها تجهزها وتطلعها لنا.
أومأت بخجل جعل من وجنتيها محمرتين كجمرة نار. تنفس بصعوبة ليهرول متحركًا للخارج مجبرًا قبل أن يضرب بعمله عرض الحائط ويبقى ويجذبها داخل أحضانه ليكملًا ما بدأه معًا ويسبحا بجنتيهما المترقبة.
أغلق خلفه الباب وما زالت تلك الهائمة تنظر لأثره وحالة من الولع الشديد تسيطر على كامل كيانها. تنهدت باستمتاع وهي تتلمس موضع شفتيه فوق خاصتها لتبتسم مغمضة العينين بحالمية هائلة. تحركت صوب الفراش لتلقي بجسدها عليه باستسلام وهي تعيد بذاكرتها ما حدث للتو وقلب الأوضاع رأسًا على عقب. كانت مبتسمة شاردة قطع تفكيرها عدة طرقات فوق الباب لتدلف بعدها عزة التي تعجبت لتسطحها فوق الفراش بهذا الاسترخاء لتسألها بلهفة:
- هكمل تقفيل الشنطة ولا هنعمل إيه يا بنتي؟!
- رجعي كل حاجة زي ما كانت يا عزة، إحنا قاعدين خلاص.
نطقتها بصوت مسترخ ليسعد داخل السيدة لرؤية إيثار بتلك الحالة من الهدوء والرضا والاسترخاء لتكمل بابتسامة:
- طب قومي غيري هدومك علشان أجيب لك الفطار.
قاطعتها وهي تتمطى بدلال:
- مش عاوزة أفطر، أنا نعسانة قوي وعاوزة أنام.
- يوسف راح المدرسة؟
قالتها بنعاس لتجيبها الأخرى:
- آه، الأتوبيس جه وأنا سلمته بنفسي للمشرفة.
أومأت برأسها لتقول وهي تنظر إلى الحقيبة الموضوعة بجانبها:
- نزلي الشنطة واركنيها واقفلي لي الستاير والنور، ولما أقوم من النوم نبقى نرجع الهدوم مكانها.
ابتسمت عزة وفهمت ما حدث. فعلت ما أملته عليها وجذبت الغطاء وفردته على جسدها بعناية بعد أن أوصتها الأولى برعاية الصغير وألا تغفل عنه. طمأنتها ثم تحركت تاركة إياها لتنعم بنومها التي سقطت بداخله على الفور ويرجع ذلك لعدم استطاعتها النوم ليلة أمس بفضل حزنها الكبير لكن الأمر اختلف كليًا الآن.
*******
داخل منزل نصر البنهاوي
كان يقف بمنتصف غرفته يرتدي جلبابه الفلاحي ليستعد للخروج لمباشرة أملاكه الهائلة. فتح الباب لتلج منه إجلال وهي تتطلع عليه بترقب كترقب الذئب لفريسته ثم نطقت بنبرة جادة:
- الفطار جاهز يا نصر والكل قاعد على السفرة مستنيك.
تطلع عليها ثم تحرك ليقف أمام مرآة الزينة قبل أن يقول متهكمًا وهو يصفف شعر شاربه بعناية:
- البيه ابنك نزل ولا لسه نايم فوق زي النسوان؟!
زفرت بحدة لاستغلال نصر نقطة ضعفها ألا وهي عمرو ليتهكم عليها في محاولاته الدائمة للضغط على أعصابها وإظهارها فاشلة بتربيته لتهتف بنبرة حادة:
- صاحي وقاعد برة، وياريت بلاش تقطم فيه قدام إخواته ونسوانهم، سيبه في حاله.
زمجر بها بحدة:
- ماله حاله، مش كل اللي هو فيه ده بسبب عمايله السودة وجريه ورا الحريم، خليه يشرب.
ثم ضيق عينيه ليسألها بتوجس:
- البيه مقالكيش كان طافش فين اليومين اللي فاتوا؟!
تنهدت بضيق لتجيبه بأسى:
- كان قاعد في المركز عند واحد صاحبه يفك عن نفسه شوية.
واستطردت بتعاطف:
- ده يا حبة عيني من ساعة ما رجع إمبارح الصبح وهو نايم. اللي يشوفه يقول ما داقش ريحة النوم ليه إسبوع.
هز رأسه باستسلام ليقول باستياء وتوجس:
- يا خوفي منه، حاسس إن نهايتي ونهاية كل اللي عملتها طول عمري هتبقى على إيده.
هتفت بقوة وحدة:
- فال الله ولا فالك يا نصر، اجدعن إنت بس ورجع له يوسف والحرباية بنت منيرة وهو حاله هيتصلح وهيبقى زي الفل.
عدل من ياقة جلبابه ليقول بثقة عالية:
- أديني رفعت القضية عند أكبر محامي في مصر، والراجل مطمني وقال لي إن الحضانة من حقنا والقضية مضمونة طالما الهانم اتجوزت.
خرجا معًا لينضموا إلى الجميع حول الطاولة وبدأوا بتناول الطعام. نطقت سمية بنبرة هادئة موجهة حديثها إلى نصر:
- بعد إذنك يا عمي، أنا هروح المركز النهاردة مع أمي علشان أكشف عند الدكتورة، أصلي تعبانة شوية.
رمقها بحدة لينطق بكلمات لازعة:
- ما أنت زي القرد أهو وصحتك تهد جبال.
- والله تعبانة يا عمي.
قالتها بوجه حزين كي تبتز تعاطفهم لتسترسل بإيضاح:
- رايحة لدكتورة النسا والتوليد.
رفع نصر بصره يتطلع عليها ليسألها بلهفة:
- إنت حامل؟!
ابتسمت بخيبة أمل لتحول بصرها إلى زوجها الجالس بجانب والدته بوجه عابس يقلب بصحنه ويتناول منه القليل بدون شهية لترد متهكمة:
- وده هيحصل إزاي يا حسرة وابنك سايبني وطافش برة البيت طول الوقت، واليلة اللي ربنا بيهديه وينامها في البيت بينامها لوحده في شقة بنت غانم.
هتفت إجلال بشراسة وهي ترمقها باستنكار وازدراء:
- اتحشمي يا بت وإنت بتتكلمي قدام الرجالة، ولا أمك معلمتكيش يعني إيه خشى؟!
قاطعها نصر بحدة ليقول بنبرة غاضبة:
- بدل ما تقولي لها اتحشمي فهمي ابنك إن اللي بيعمله ده حرام.
- والله الحرام هو إن بنت الـ...
دي...
تفضل قاعدة في بيتي وعلى ذمتي لحد الوقت، أنا مش فاهم أنتِ ليه مُصر إني مطلقهاش، واحدة مش طايق حتى أبص في وشها، بأي عقل تفضل على ذمتي، لا وكمان بتطلب مني أعاملها كزوجة وأديها حقوقها.
هب واقفًا واستطرد وهو يوجه لومه لأبيه:
ولعلمك بقى، لولا إصرارك ده كان زمان مراتي وابني في حضني من زمان.
صاح بكامل صوته وهو يشير عليها باشمئزاز:
إيثار رفضت ترجع لي علشان مطلقش الحرباية دي.
صاح نصر باستنكار ونظراتٍ كالصقر:
علّي صوتك كمان على أبوك يا عمرو بيه وإرمي عليا خيبتك وفشلك.
واستطرد بنبرة ساخطة رامقًا إياه بنظراتٍ تملؤها خيبة الأمل:
بنت منيرة طفشت من دناوة نفسك ومشيك العوج، وبعدين مرات مين يا موكوس، كل شوية تصرخ لنا زي العيال مراتي مراتي، مراتك سابتك وراحت لوكيل النيابة يا بقف.
ختمتك على قفاك أنت واخواتها ونشنت على الراجل اللي هيعرف يقف للكل بمنصبه ومنصب أبوه.
واستطرد بابتسامة ساخرة:
والله برافوا عليها بنت غانم، طلعت بنت أبوها بجد ونشنت والنشان صاب.
احتدت ملامحه وامتلأت بالغضب والقسوة وما كان منه سوى الهرولةِ إلى الخارج كبركانٍ ثائر كي لا ينفجر بوجه أبيه.
احتدمت ملامح إجلال لترمق نصر بنظراتٍ توعدية جعلته يبتلع لعابه رعبًا، أما سمية فكانت تجلس بقلبٍ سعيد لرؤيتها لفوران عمرو بتلك الطريقة بعد توبيخ أبيه له، تحدثت ياسمين زوجة طلعت كي تهدأ من حدة تلك الأجواء المحتدمة:
تعالي معايا النهاردة يا سُمية أنتِ وخالتي ناصرة، طلعت هيوديني للدكتورة اللي بتابع معاها.
هتف نصر بنبرة غاضبة تنم عن مدى سخطه على حال أبنائه:
ربنا ينفخ في صورتك المرة دي وتجيبي لنا حتت واد بدل ماسورة البنات اللي فتحتيها علينا.
أجابهُ طلعت بنبرة واثقة:
بعون الله هيطلع واد المرة دي يا حاج.
ليسترسل بنبرة أظهرت كم حقده على الصغير لما يحظى به من حب واهتمام من والديه:
وهجيب لك يوسف بدل ابن عمرو اللي طار مع أمه.
تحولت ملامح نصر لحادة ليدق بكفه بقوة فوق الطاولة مما أرعب الجميع لينطق بصرامة لا تقبل المناقشة:
البيت ده مفهوش غير يوسف واحد، وقريب قوي هجيبه وينور بيت جده ويعيش فيه عيشة الملوك.
ارتعبت أوصال الجميع والتزم الجميع الصمت تحت حقد طلعت الدفين لذاك الصغير الذي لا ذنب له سوى براءته وطهارة قلبه.
*******
داخل منزل غانم رحمة الله عليه.
نزلت منيرة من فوق الدرج بعدما أطعمت الطيور فوق السطوح لترى نسرين تعدل من وضعية كيسٍ كبيرٍ مليءٍ بحبوب القمح بينما تقف نوارة بالمطبخ تجلي الأواني، تطلعت عليها لتسألها مستفسرة لاعتقادها أنهُ هدية من أحدهم:
مين اللي جايب لنا القمح ده يا نسرين؟
عزيز هو اللي جابه ورجع تاني على الأرض...
نطقتها بلامبالاة لتسألها من جديد:
رجع يجيب باقي القمح يعني؟
ردت عليها ببرود:
لا يا مرات عمي، عزيز مجابش غير الشوال ده وباع الباقي كله.
اتسعت عينا منيرة لتصيح بها بحدة وعدم استيعاب:
باع خزين البيت؟!
لتسترسل باعتراضٍ حاد:
ومنه لنفسه كده من غير ما يقولي؟! وهنقضي باقي السنة إزاي من غير خزين؟! ولا هتاكلوا طوب بدل العيش؟!
مالت بخصرها بطريقة خالية من الاحترام لوالدة زوجها لتقول ببرود:
وكنتي عوزاه يعمل إيه، باعه علشان يصرف على العيال بعد ما بنتك راحت اتجوزت من وراكم ووطت راسكم، وقفلت باب الرزق اللي كان هيفتحه لنا الحاج نصر.
هتفت منيرة بملامح وجه مشتعلة لتعدي تلك الحقيرة عليها بالحديث المقلل لكرامتها:
إوعي تجيبي سيرة بنتي على لسانك لأقطعهولك.
بنبرة متهكمة تحدثت:
بدل ما تقطعي لي لساني روحي ربي بنتك، وعلى فكرة، عزيز مش هيدخل محصول الأرض في البيت تاني، عيالك الاتنين بيقبضوا وعلى قلبهم قد كده، خليهم يشتروا قمح وذرة لأكلهم هما وعيالهم.
نطقت كلماتها الحادة وصعدت الدرج وهي تقول:
إبقى اعملي الغدا أنتِ ونوارة ونضفوا البيت علشان أنا مش قادرة النهاردة.
اشتعلت عينا منيرة لتهتف بقوة:
ماشي يا نسرين، إن ما خليت عزيز يربيكِ على كلامك ده ما أبقاش أنا منيرة.
استدارت لتجيبها بابتسامة مستفزة أحرقت قلب الأخرى:
كلامي ده أوامر عزيز ليا يا مرات عمي، هو اللي قالي كده وقالي كمان اللي مش عاجبه الباب يفوت جمل.
نطقت كلماتها التي أملاها عليها عزيز بعدما اتفقا سويًا بأن يأخذ أموال محصول الأرض لحاله مما شجع نسرين على فرض سيطرتها وهيمنتها هي الأخرى على المنزل وعلى منيرة بذاتها بما أنها أصبحت زوجة كبير المنزل الحاكم الأمر.
أما نوارة فكانت تتوارى خلف حائط المطبخ تشاهد ما حدث بقلبٍ مهموم وصمتٍ كعادتها المسالمة، فقد تجبر عزيز وزوجته بعد وفاة غانم، وباتت نسرين تأمرها وتحملها جميع متطلبات المنزل لكنها لم تتوقع أن تتجبر على والدة زوجها هي الأخرى، تنهدت بثقل وهي تهمس بين حالها بنبرة متوجسة:
ده ذنب المسكينة إيثار اللي كلنا شاركنا في ظلمها، ولسة ياما هيحصل فينا بذنبها.
فاقت من غفوتها وقد تخطت الساعة الحادية عشر ظهرًا، تمطأت لتفرد ذراعيها بدلالٍ ووجهٍ ضاحك حين تذكرت وعد حبيبها لها، نفضت الغطاء وتحركت إلى الحمام بنشاط وقامت بأخذ حمامٍ، خرجت بعد قليل مرتدية "البورنس" لتتحرك صوب خزانة ملابسها لتختار بعض الملابس، انتقَت كنزة من اللون الأزرق وبنطالًا أبيض وحجابًا من نفس اللون بعد كلام عزة اللائم لها عن عدم جواز ارتدائها للأسود المتوشحة به منذ وفاة والدها وأيضًا اتباعًا لأوامر ديننا الحنيف بعدم جواز ارتداء المرأة للزي الأسود "الحداد" ما فوق الثلاثة أيام، استمعت لطرقات خفيفة على الباب لتدخل عزة التي توسعت عينيها وهي تردد بسعادة:
الشمس نورت يا ست البنات، عين العقل إنك قلعتي الأسود، الحزن في القلب وعمره ما كان باللبس أبدًا.
ابتسمت بسعادة لتتطلع بتمعن على تلك الباقة الرائعة من الزهور وعلبة الشيكولاتة المرصوصة بعناية ودقة داخل طبق كريستالي فخم ومغلف بورق السيلوفان الشفاف، لتتذكر عزة وتقترب عليها قائلة بمزاحٍ لطيف:
الباشا بيصبح.
فؤاد هو اللي باعتهم؟
قالتها بسعادة وهي تتناول باقة الزهور وتميل عليها تشتم رائحتها العطرة لتجيبها الأخرى بمشاكسة:
العاشق الولهان بيصالحك بورد وشيكولاتة زي بتوع الأفلام، الحارس قالي إنهم مبعوتين لمدام فؤاد باشا.
شعرت بسعادة الدنيا تغمرها من حبيبها الذي لا يترك مناسبة إلا ويثبت بها أنها امرأته التي تخصه، وضعت الباقة فوق الفراش واقتربت على عزة لتزيل ورق السيلوفان وتخرج إحدى حبات الشيكولاتة وتزيل غلافها لتتناولها، أغمضت عينيها تتذوقها بتلذذ واستمتاع، فقد كانت من النوع السادة المحبب لديها، ذابت بنعومتها بفمها ومازالت مغمضة العينين مبتسمة تحت سعادة عزة لتفتح عينيها عندما استمعت لصوت رنين الهاتف، أمسكت هاتفها لتجده فارسها المغوار حيث نطق بنبرة حنون بعد انسحاب عزة للخارج:
الشيكولاتة عجبتك؟!
طعمها حلو قوي، تسلم إيدك.
نطقتها بسعادة ليسترسل بذات مغزى ووقاحة:
ولسه هيبقى أحلى لما أكلها لك بنفسي.
ابتسمت وتنهدت براحة ليسترسل بنبرة جادة:
إيثار، ممكن اللي حصل إمبارح ده ما يتكررش تاني.
واستطرد مرتابًا:
أنتِ ليه مش مقدرة حجم الخطر اللي أنتِ فيه، أنا كنت هموت من رعبي عليكِ إمبارح، مقدرتش أنام طول الليل كل ما أتخيل إن لا قدر الله كان ممكن يحصل لك حاجة وأنا مش جنبك.
بنبرة أشبه بالهمس نطقت بكلماتٍ أذابت بها قلبه:
أنا آسفة يا فؤاد، أوعدك اللي حصل إمبارح مش هيتكرر تاني.
تنهد لينطق من جديد:
وموضوع خروجك من البيت ورجوعك لشقتك القديمة ده تنسيه وتشيليه من دماغك نهائي، حتى لو زعلنا مع بعض، أنتِ خلاص بقيتي مراتي، يعني ده بيتك اللي مش هتخرجي منه غير بعد عمر طويل.
حاضر.
كلمة أثارته بها لتسترسل مستوضحة:
طب أنا كنت عاوزة أسألك على موضوع رجوعي للشركة، هرجع إمتى أنا كده اتأخرت قوي وتقلت على الباشمهندس أيمن.
أخذ نفسًا عميقًا ليجيبها بغموض:
خلي كل حاجة لوقتها، نتكلم في الموضوع ده بعدين.
ما أنا عاوزة أعرف...
قاطعها بنبرة متوسلة لينطق بقلبه قبل لسانه:
حبيبتي، خلينا مبسوطين النهاردة ومنفكرش في أي حاجة غير في اللي هيحصل بينا وبس، أنا عاوزك تبقي ليا بكل ما فيكِ النهاردة حتى عقلك.
خجلت ليستمع هو لطرقاتٍ فوق باب مكتبه لينطق سريعًا:
أنا مضطر أقفل علشان عندي تحقيق مهم، خلي بالك من نفسك وحاولي تستجمي على ما أجي لك.
حاضر.
نطقتها برضوخٍ أنثوي أثار حواسه لينطق بنبرة تهيمُ عشقًا:
بحبك يا إيثار...
قالها بكل ما فيه من هيام ليغلق الهاتف ويتركها سارحة في ملكوت عشقه.
بعد قليل هبطت إلى الأسفل لتجد فريال تجلس ببهو القصر تطعم صغيرها اتجهت إليها لتتحدث بوجهٍ مبتسم مشرق في محاولة منها للتودد لها رغم تحفظ الأخرى بمعاملتها:
صباح الخير.
تطلعت عليها بعينين متفحصة لتتعجب، فقد كانت مختلفة كليًا ابتداءً من تخليها عن الأسود مرورًا بنور وجهها المشرق وابتسامتها الرائعة الدالة على راحتها النفسية، أجابتها بهدوء:
صباح النور.
لتسترسل لخلق حديثٍ بينهما:
صاحية متأخرة النهاردة؟
ابتسمت الأخرى لاهتمامها لتجيبها وهي تجلس بمقابل مقعدها كنوعٍ من مجاراة الحديث:
منمتش كويس بالليل.
توقفت عن إطعام صغيرها لتنظر إليها بجبينٍ مُقطب وهي تسألها باهتمامٍ ملفت للنظر:
ليه؟
ضيقت الأخرى عينيها متعجبة من ذاك السؤال لتسترسل الأخرى سريعًا لتعديل صيغة السؤال:
أقصد يعني إيه اللي ما خلاكيش تنامي كويس، كنتي تعبانة ولا..
صمتت تحت استغراب إيثار من فضولها المثير للجدل ليقطع صمتهما دخول العاملة التي تحدثت قاصدة بحديثها إيثار:
صباح الخير يا مدام إيثار، سيادة المستشار وصاني أول ما حضرتك تصحي أجهز لك الفطار وأطلعهولك بره في الجنينة.
تمام يا..
صمتت لتسألها بابتسامة مشرقة:
-هو أنتِ اسمك إيه؟
اسمي انتصار يا هانم. نطقتها بوجهٍ بشوش لتجيبها الأخرى بعدما وقفت استعدادًا للتوجه للخارج:
-أوك يا انتصار، طلعي الفطار وأنا خارجة حالًا.
ثم حولت بصرها لتلك التي تستمع الحديث باشتعالٍ بقلبها لتتحدث بوقار:
-بعد إذنك.
أومأت بابتسامة مصطنعة لتتحرك الأخرى صوب الباب الخارجي لتستقر بعد قليل فوق مقعدٍ أمام حمام السباحة لتأتي العاملة بعد قليل حاملة صينية بين يديها لترص ما بها فوق الطاولة وتنسحب للداخل تاركة تلك التي بدأت بتناول الطعام بشهية مفتوحة ووجهٍ ضاحك كلما تذكرت كلمات ذاك الذي غمرها بعشقه وأفرط في دلالها بطريقة راقية. انتهت من تناول الإفطار لتأتي العاملة وترفع الأواني، وبعد قليل أتت عزة حاملة قدحًا من القهوة لتنطق بحبورٍ ودلال:
-قهوة ست البنات.
ابتسمت بسعادة وبسطت يدها لتتناول قدح القهوة قائلة باستمتاع:
-ميرسي يا عزة، تسلم إيدك.
نطقت بسعادة بالغة:
-بالهنا والشفا يا حبيبة قلبي.
أطالت النظر بعينيها لتسترسل بمشاكسة:
-شكلنا هنستقر هنا وست البنات هيكون مكانها في جناح الباشا قريب.
اتسعت عيني إيثار وتوردت وجنتيها لتتحدث بابتسامة خجلة:
-إيه اللي بتقوليه ده يا عزة، عيب كده.
ضحكت لتتحدث بمداعبة:
-هو إيه ده اللي عيب؟ كفانا الشر، ده جوزك حلالك اللي بيموت فيكي.
قطبت جبينها تتطلع عليها لتقول بنبرة ساخرة:
-بيموت فيا مرة واحدة، ودي عرفتيها لوحدك ولا حد قالها لك يا أم العريف؟
ضحكت لتجيبها بتأكيد:
-وهي دي محتاجة حد يقولها لي؟ طب ده الجدع اتفزع وقلبه كان هيخرج من صدره أول ما دخل الصبح ولقانا بنلم حاجتنا في الشنط، لولا الملامة كان جري عليكي وأخدك في حضنه واترجّاكي ما تسيبيه.
ابتسمت إيثار بسعادة لتسترسل الأخرى بملاطفة:
-العيون بتفضح الحبيبة، مهما خبّوا عينيهم بتفضحهم، وسيادة المستشار عيونه فضحته، والنبي الراجل دايب في جمالك يا ست البنات.
اكتسى وجهها بحمرة الخجل لتنزل بصرها للأسفل مبتعدة عن مرمى عيني تلك المراقبة لتغيراتها بسعادة، قطع تلك اللحظة إقبال فريال التي تحدثت بنبرة جادة إلى عزة:
-اعملي لي فنجان قهوة لو سمحتي يا عزة.
-من عنيا يا ست هانم، حالًا هيكون عندك أحلى فنجان قهوة. نطقت كلماتها لتنسحب للداخل في حين تحدثت فريال بابتسامة مصطنعة:
-تسمحي لي أشرب قهوتي معاكي؟
-أكيد طبعًا اتفضلي. نطقتها بإشارة من كف يدها للجلوس، جذبت المقعد وجلست لتقابلها ثم تحدثت بنبرة جادة:
-هو أنتِ مش هترجعي لشغلك ثاني؟
أجابتها بهدوء:
-هرجع أكيد.
لتستطرد بحرج ظهر بعينيها:
-المسألة مسألة وقت مش أكتر.
هزت رأسها بتفهم لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تنطق بنبرة مترددة:
-عاوزة أتكلم معاكي شوية بخصوص فؤاد يا إيثار.
نظرت لها إيثار بتمعن لتتنفس الأخرى بعمقٍ قبل أن تسألها بعينين مترقبة:
-هو أنتِ نمتي في أوضة فؤاد امبارح؟
قطبت جبينها بعدم استيعاب لسؤالها لتسترسل الأخرى بتفسيرٍ أشمل:
-حصل بينك وبينه حاجة يعني.
اتسعت عيني إيثار لتستطرد الأخرى بجرأة تصل لحد الوقاحة:
-من الآخر كده أنا شفتك امبارح بالليل وأنتِ داخلة أوضته.
لتسألها مستفهمة:
-أنتِ نمتي معاه؟
احتدَم داخل إيثار من وقاحة تلك مفتقرة الأدب لتهتف بنبرة حادة:
-من فضلك، مينفعش تكلميني بالطريقة دي.
واستطردت بنبرة صارمة وعيني تشتعلُ من شدة غضبها:
-ثم أنتِ مش شايفة إنك بتدخلي في أمور خاصة وميصحش تسألي فيها؟!
إلى هنا واشتعل داخل فريال لتهتف بنبرة صارمة وعينين حادة كشّرت بهما عن أنيابها:
-كل حاجة تخص فؤاد تخصني أكتر مما خيالك يصور لك.
فؤاد أخويا الوحيد ويهمني أمره. نطقتها بعينين حادتين لتغمض عينيها وتطلق زفيرًا يهدئ من حدتها لتفتح أهدابها من جديد وتحدثها بعدما تحولت نظراتها لهادئة:
-اسمعيني كويس يا إيثار، أنا زي ما خايفة على أخويا فأنا كمان خايفة عليكي، أنتوا متنفعوش لبعض، ده غير إنك ست عندك ولد ومحتاجة حياة مستقرة، على الأقل علشان ابنك يستقر نفسيًا بدل ما أنتِ بتتنقلي بيه من بيت لبيت.
نزلت كلماتها المهينة كنصلٍ حاد لسكينٍ مدبب الأطراف غُرس بقلبها بكل جبروت ليقطر دمًا، بقلبٍ يأنُ ألمًا وصوتٍ خافت سألتها:
-أنا مش فاهمة أنتِ تقصدي إيه بكلامك ده؟!
أخذت نفسًا عاليًا قبل أن تتحدث بما قضى على آمال تلك معدومة الحظ:
-إحنا عارفين حقيقة جوازك من فؤاد، وعارفين إن فؤاد عمل كده شهامة منه علشان يحميكي من إخواتك اللي كانوا عاوزين يرجعوكي لطليقك غصب عنك.
اتسعت عينيها بهلع لتسترسل الأخرى كذبًا بما جعل قلب الأخرى يتلوى قهرًا:
-فؤاد قال لنا على العقد المزوّر اللي وراه لإخواتك وحكى لنا كمان إنه أول ما وصل بيكي القاهرة أخدك وراح عند مأذون شرعي وكتب كتابه عليكي علشان لو إخواتك قدموا فيه بلاغ يكون جاهز وكل شيء قانوني.
بصعوبة أخرجت كلماتها بتخبطٍ أوضح تشتتها:
-فؤاد هو اللي قالك الكلام ده؟
أجابتها مؤكدة بزيفٍ، فقد قصّ فؤاد على والده ما حدث أما فريال فقد علمت من والدها وليس من فؤاد كما تدعي:
-أيوة، في اليوم اللي جابك فيه على البيت أنتِ وابنك، بعد ما طلع معاكم فوق نزل وحكى لنا أنا وبابا وماما.
واسترسلت بقلبٍ حزين صدقًا لأجلها بعدما رأت شتاتها:
-أنا مش ضدك يا إيثار، بس مش عاوزاكي تبني أحلام وتتأملي إنها هتتحقق وفي الآخر تتصدمي لما تكتشفي إنها مجرد أوهام، وتبقى زي اللي بنى بيته على الرمل وفرح بيه لحد ما جت أول موجة ومحت أي أثر ليه.
اغرورقت عينيها بدموع القهر والألم لتتابع الأخرى بصوتٍ متأثر:
-مش عاوزاكي تزعلي مني، أنا حبيت أقصر عليكي الطريق وأفوقك قبل ما تصحي تلاقي نفسك غرقانة في حكاية هتطلعي منها خسرانة كتير.
لتستطرد بتأكيد:
-من الآخر كده فؤاد أخويا لا بتاع حب ولا جواز، أنا وبابا وماما لينا سنين بنحاول معاه وهو رافض، مش حابب يعيد تجربة الجواز مرة تانية.
تحاملت على حالها واستندت بساعديها على جانبي المقعد لتقف فاردة ظهرها وتحدثت بصوتٍ لامرأة مهزومة:
-أنا مش زعلانة منك، بس حابة أوضح لك طبيعة العلاقة بيني وبين سيادة المستشار، كل اللي قلتيه أنا عارفاه وعارفة حدودي كويس سواء في علاقتي معاه أو حدودي هنا في البيت.
تعمقت بعينيها لتسترسل:
-ومتقلقيش، أنا مش مطولة هنا، وأول ما ظروفي تتحسن هاخد ابني وأرجع لشقتي وشغلي وأمارس حياتي بشكل طبيعي، أنا قاعدة هنا بشكل مؤقت لحد ما طليقي وإخواتي يزهقوا ويخرجوني من حساباتهم.
أومأت فريال برأسها بجمود لتتحرك الأخرى في طريقها لدخول المنزل لكنها سرعان ما استدارت لتتحدث بصوتٍ قوي لامرأة شامخة:
-على فكرة يا مدام فريال، أنا كنت رايحة أوضة سيادة المستشار علشان هو كان باعت لي بخصوص خروجي من غير حراسة امبارح، ومكملتش عشر دقايق ورجعت على أوضتي نمت مع ابني.
أنزلت فريال بصرها للأسفل لتتحرك إيثار صوب الداخل ومنه إلى الأعلى لتغلق عليها باب الغرفة مطلقة العنان لدموعها التي انهمرت قهرًا على ما وصلت إليه، تنفست بقوة لتنوي الرحيل عقب استقرار الوضع وذلك بعد كل ما تعرضت إليه من إهانات داخل ذاك المنزل.
أمسكت الهاتف لتطلب من عزة انتظار صغيرها لحتى العودة من مدرسته والصعود به مباشرةً وذلك بعدما شعرت بحاجتها لضمة صغيرها لتستمد منه قوتها وصمودها.
*********
بعد عدة ساعات
عاد فؤاد من عمله عندما حل المساء ليصعد سريعًا لجناحه على أمل أن يملأ عينه برؤية من ملكت القلب، أمسك مقبض الباب وفتحه بقلبٍ يرتجف ويكادُ ينخلع ليسبقه إليها من شدة سعادته، تطلع للمكان بعينين متشوقتين لكن سرعان ما اختفت البسمة حين وجد المكان مظلمًا وخاليًا من أميرته، ضغط على زِر الإضاءة ليستكشف ما إذا كانت نائمة تنتظره بفراشه فانهدمت آماله عندما رأى الفراش مرتبًا ليحول بصره سريعًا نحو باب الحمام ليجدُه مظلمًا أيضًا ليتأكد من عدم زيارتها لجناحه من الأساس، فكر بأن يذهب لغرفتها ليستدعيها فلربما يكون الخجل هو من منعها من الحضور، هز رأسهُ باقتناع ودخل سريعًا إلى الحمام ليختفي خلف بابه بعدما قرر بأخذ حمامًا دافئًا يرخي به عضلات جسده المتشنجة نتيجة العمل، خرج بعد قليل يلف منشفته حول خصره وذهب لغرفة الملابس اختار تيشرت بيتي من اللون البيج وبنطال مريح من القطن بلونٍ أسود، صفف شعره بعناية ونثر رذاذ عطره الفواح وابتسم برضى وهو يلقي على حاله نظرة أخيرة بانعكاس المرآة قبل أن يتحرك بقلبٍ متلهف نحو حُجرتها، دق بابها وبعدما استمع لصوتها دخل على الفور يبحث عنها بعيونٍ زائغة متشوقة، وجدها تتوسط الفراش مُمسكة بكتيبٍ لإحدى قصص الأطفال تقص منه لصغيرها القابع فوق ساقيها يستمع لما تقص بإنصات، هلّل الصغير عندما رآه فتحدث مبتسمًا وهو يتجه نحوه:
-ازيك يا جو.
الحمد لله يا أنكل. نطقها بابتسامة واسعة عبّر من خلالها عن ارتياحه لشخص فؤاد، ارتبكت حين جاورها الجلوس فوق فراشها ليسحب الصغير من فوق ساقيها ويضمه لأحضانه، تعجبت بعدما رأت صغيرها قد لف ساعديه حول عنقه ليشدد من عناقه، كيف لصغيرها الخجول والغير مندمج مع الآخرين أن ينجرف بمشاعره ويطلق لها العنان في التعبير عنها لذاك الفؤاد، تنهدت بألم لعلمها ما ينتظرها وصغيرها بعلاقتهما معه، نظر لها فوجد ملامحها مشتتة فتحدث مبتسمًا وهو يربت على ظهر الصغير الذي أراح برأسه فوق كتفه باسترخاء:
-استغربت لما رجعت ملقتكيش في جناحي زي ما اتفقنا.
تلبكت لتتحدث بنظراتٍ زائغة بعيدًا عن مرمى عينيه:
-أنا قاعدة مع يوسف زي ما أنتَ شايف، مكنش ينفع أسيبه لوحده.
رد على حديثها بابتسامة لطيفة:
-مش إحنا اتفقنا إن عزة هتنام معاه هنا؟
-عزة تعبانة. نطقتها متهربة من عينيه المتفحصة لملامحها ليسألها بجبينٍ مُقطّب:
-تعبانة إزاي؟
أجابته بتلبك:
-عندها صداع ومرهقة.
وضع قُبلة فوق وجنتي الصغير الذي مازال محتضنًا إياه ليتحدث إليها من جديد:
-أنا هتصل برقيه تطلع تبات معاه، هي عندها خبرة في تربية الأطفال وهتعرف تتعا... قطعت حديثَهُ بحدة قائلة برفضٍ تام:
-ملوش لزوم تتعبها معانا.
ابتسم ليتحدث بعدما بسط ذراعُه يتلمس به وجنتها بنعومة جعلت القشعريرة تسري بكامل جسدها لتنتفض على أثرها:
-مفيش تعب ولا حاجة، ثم إن ده شغلهم.
شغلهم لأصحاب البيت يا سيادة المستشار، مش للضيوف. قطب جبينه مستغربًا حديثها ليسألها:
-طب ما أنتِ من أصحاب البيت يا إيثار.
بلاش نضحك على نفسنا بكلام ومصطلحات مش صحيحة. نطقت جملتها بحدة وهي تسترجع بداخل عقلها كلمات شقيقته عن أنهُ قصّ لهم ظروف زواجهما وكشف سترها أمام عائلته لتسترسل بذات المعنى وهي تتمركز بمقلتيها بخاصتيه:
-أنا وأنتَ عارفين كويس أوي ظروف جوازنا، فياريت نتعامل مع بعض على أساس إن الموضوع مؤقت ومسيره ينتهي وكل واحد فينا يرجع لحياته الطبيعية.
شعر بحدتها فأخذ يتطلع إليها عدة لحظات طويلة بصمت متفحصًا إياها بأعين متعجبة ليسألها بهدوء:
-أنتِ كويسة، حصل حاجة أنا معرفهاش زعلتك؟
تحدثت بثقة ونبرة جادة أرادت بها الحفاظ على ما تبقى من ماء وجهها:
-خالص.
لتستطرد متسائلة باستخفاف:
-إيه اللي بيخليك تقول كده؟
أصل كلامك معايا الوقت مختلف جدًا عن كلامنا مع بعض الصبح، يعني حسيت... قاطعته بحدة ناهرة:
-غلطة يا سيادة المستشار، كلامنا كان نابع من لحظة ضعف عشناها كراجل وست قربوا من بعض وحسوا بتوتر وشوية أحاسيس مكنتش لازم تتحس، وللأسف انجرفوا ورا رغبة.
لتنظر بعينيه قائلة بقوة وتأكيد:
-مجرد رغبة، والحمد لله إني فوقت لنفسي قبل فوات الأوان.
كلماتها كانت أشبه بطعناتٍ ضربت بها نصف قلبه فتناثرت دمائه النقية على أثرها، ابتلع غصة مريرة ليتحدث بصوتٍ ظهر حاد امتثالًا لكرامة الرجل الذي بداخله:
-أنا كمان شايف كده.
نظر للصغير ولرأسه المرتخية فوق كتفه ليتفاجأ بغفوته وكأنهُ وجد سلامه النفسي بأحضان ذاك الحنون فاستسلم ودخل بسباتٍ عميق، أنزله بين يديه بهدوء وأشار لها كي تعدل الفراش وبالفعل جذبته ليُنزِل الصغير برفقٍ ويعدل من وضعية رأسه فوق وسادته ثم يدثرُه بمساعدتها بالغطاء الوثير ليميل فوق وجنته واضعًا قُبلة حنون، لا يعلم ما يحدث له بكل مرة يقترب فيها من ذاك الملاك، فقد استطاع ببراءته أسر قلب ذاك القوي ليحولُه للين، بقلبٍ يأن ألمًا وعينين مغرورقتين بالدموع كانت تطالعُه، كم تمنت أن تجد لصغيرها صدرًا حنون يحتويه ليُشعره بالأمن والأمان ويكون لهُ السند الذي افتقده بغياب ذاك الأناني الذي لم يضعه بحسبانه وانجرف خلف شهواته، بصعوبة أبعد شفتاه عن وجنة الصبي لينتفض واقفًا وتحرك سريعًا صوب باب الغرفة ليقف فجأة متحدثًا بصوتٍ صارم دون الاستدارة:
-عاوزك تنسي طلبي اللي بلغتك بيه الصبح، تمحيه من ذاكرتك نهائي لأنه زي ما قلتي، ناتج عن رغبة من راجل لست.
واستطرد مؤكدًا على حديثها بطريقة ساخرة:
-مجرد رغبة.
نطقها وانطلق بسرعة البرق ليختفي خلف الباب حيث أغلقَهُ برفقٍ لتجنب إزعاج الصغير، أطلقت العنان لدموعها الغزيرة فور خروجه، شعرت بمرارة حلقها لتنظر لصغيرها الغافي، كم تمنت لو كان صادق الوعد وأثبت حسن نيته بمساندتها، تنهدت بألم لتسأل حالها باستغراب:
-ولما الاستغراب يا إيثار؟ ما الذي فعله كي يثبت أنهُ ينظر لكي كزوجة محترمة يريد مشاركتها لمشوار حياته؟ ماذا كنتِ تنتظرين من رجل من الوهلة الأولى التي رآكِ بها طلب الزواج منكِ بعقدٍ عرفي؟ أواعيةً أنتِ؟ كان يريدكِ امرأةً في الظل، هكذا هي نظرته لكي منذُ البداية، إذًا فلا داعي لما تفعلين.
أما عن ذاك العاشق فقد ولج لحجرته كمحارب مهزوم يجر أذيال خيبته، ألمًا ساكنًا بثنايا قلبه، ذهب وكلُه أمل أن يعود بها لتدفئ فراشَهُ البارد وتشاركه ليلهُ الطويل، عاهد حالهُ أن يتخذ منها سكنًا وسكينة ويحيا معها إلى نهاية العُمر، لكنها وللأسف ضربت بأحلامه عرض الحائط.
كان يدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يجذب خصلات شعره الناعمة بعصبية مفرطة متنفسًا بتلك الطريقة عن غضبه الحبيس الذي لو خرج لأحرق بطريقُه الأخضر واليابس، بات يراجع حديثهما صباحًا، هل تحكم به عشقها الملعون لدرجة جعلته يتخيلها توافق على تلميحاته بتسليمه حالها؟ نفض رأسهُ معترضًا ليراجع حاله، لا لم يكن تلميحًا بل كان تأكيدًا بالموافقة على طلبه الصريح بأن يعاملها معاملة الأزواج، نعم لقد رأى استجاباتها بل انسجامها مع كلماته ونظراته الجريئة التي كانت تتحرك بجرأة فوق شفتيها وعينيها تحت سعادتها التي رآها بأم عينيه، هو ليس بأَعرَن كي لا يستطيع قراءة عيني امرأة راغبة ورغبتها نابعةً من عشقها، نعم لقد رأى شغف عشقها بمقلتيها.
دار حول حاله بجنون، يا الله سيُجن، مالذي حدث وأبدل الحال هكذا؟ ظلا هكذا لوقتٍ غير معلوم بالنسبة لهما، لقد عاشا وقتًا صعبًا، جلس كلٌ منهما يترقب الوقت ويتمنى داخله بأن تنتهي تلك الليلة الطويلة الحالكة والتي اختفى قمرها ليزيدها سوادًا.
********
انتهت عتمة الليل وشق نور الصباح ليسدل الستار على يومٍ عصيب لا زالت توابعُه قابعة بقلبي كِلا العاشقين، ارتدى ثيابه البيتية الهادئة، بنطال من القطن وكنزة نصف كم باللون الأبيض صفف شعره وهندم شعر ذقنه ونثر عطره ليتحرك إلى الأسفل للحاق بتجمع العائلة حول مائدة إفطار يوم الجمعة وهو اليوم الوحيد التي تجتمع به الأسرة بتلك الوجبة، خرج من حجرته وكاد أن يتجه صوب الدرج لكنه توقف وهو يرى عزة تخرج من حجرة محطمة آماله حاملة الصغير فوق صدرها، تحرك إليها ليبتسم للصغير مداعبًا وجنتَهُ الرقيقة بأصابع يده ليبتسم ذاك البريء، نظر لها متسائلًا باستفسار:
-المدام نزلت تحت يا عزة؟
لتجيبه بنفيٍ:
-الست لسه في أوضتها يا باشا، طلبتني وقالت لي أنزل يوسف وأفطره وأخليه يلعب في الجنينة علشان ميزهقش.
سألها من جديد:
-وهي منزلتش ليه؟
أجابته بهدوء:
-مش عارفة يا فؤاد باشا، بس هي شكلها كده مزمزئة شوية.
قطب جبينه لعدم فهمه للمصطلح لتستطرد مفسرة:
-شكلها داخلة على دور برد.
تحدث وهو يتحرك لغرفتها:
-خدي الولد نزليه تحت وأنا هدخل لها.
ابتسمت بسعادة ودق هو الباب، تعجب من عدم ردها ليفتح الباب ويدخل ليتفاجأ بخروجها من الحمام، أخذ يتطلع إليها متفحصًا إياها بنظراتٍ مبهمة فقد كانت ترتدي قميصًا بيتيًا قصيرًا يكشف عن سيقانها المتناسقة والناصعة البياض ليمرر بصره للأعلى حيث ذراعيها العاريين مرورًا بفتحة صدره التي كشفت عن بداية نهديها بينما كانت ترفع شعرها لفوق بكعكة عشوائية لتتناثر منه بعض الخصلات الشاردة فوق عنقها المرمري، قبض على فكيه ليتماسك أمام كل هذا السحر وتلك الأنوثة المكتملة لامرأة بعمر السابعة والعشرون، تحمحمت بخجل وباتت تغلق من فتحة صدرها بعدما رأت عينيه وهي مثبتة فوقها دون حياء، عاد لرشده سريعًا ليتحدث بنبرة صوت رخيمة:
-صباح الخير.
بصوتٍ متحشرج متأثرًا باللحظة أجابته وهي تتهرب من عينيه:
-صباح النور.
منزلتيش ليه علشان تفطري مع العيلة؟ نطقها بجدية لتهمس بصوتٍ خجول:
-أنا هخلي عزة تطلع لي الفطار هنا، يعني علشان أسيبكم على راحتكم.
ابتلعت لعابها بمرارة لشعورها الدائم أنها عبء على أهل المنزل وأنهم أجبروا على وجودها الذي فرضه فؤاد على الجميع:
-أنتوا عيلة وأكيد عندكم أسراركم وخصوصياتكم اللي حابين تتكلموا فيها يوم الإجازة، وجودي مش هيبقى لايق.
تحدث بنبرة جادة وملامح وجه صارمة:
-يظهر إن مدام إيثار ناسية إنها بقت فرد من العيلة وإن مبقاش فيه أسرار عليها،
واسترسل بغصة متذكرًا حديثها ليلة أمس:
-على الأقل طول الفترة اللي هنقضيها كزوجين، يلا غيري هدومك علشان تنزلي معايا. نطقها بجدية وملامح مبهمة لتتحدث بنفس اللكنة الخجلة:
-أرجوك سيبني على راحتي، أنا مبحبش أكون تقيلة على حد أو أكون موجودة في مكان غير مرغوب بوجودي فيه.
قطب جبينه ليسألها بلهجة حادة بعدما تحولت نظراته لقاتمة:
-فيه حد من أهل البيت قال لك أو حتى لمح لك إن وجودك مش مرغوب فيه؟
هزت رأسها سريعًا لتجيبه نافية:
-لا خالص، بالعكس، الكل بيبتسم في وشي وعمرهم ما حسسوني إني عالة عليهم أو إنهم مجبرين على وجودي وسطهم.
ضيق عينيه ليهتف باستياء:
-عالة عليهم ومجبرين!
إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟
ليستطرد بقوة زرعت بداخلها الثقة:
لازم تعرفي إنك موجودة هنا بصفتك مرات فؤاد علام زين الدين، والبيت ده بيتك زيك زي ماما وفريال وليكِ فيه زي اللي ليهم بالظبط، وياريت تسيبك من الحساسية الزايدة عن اللزوم دي.
لم تدرِ لما تملك منها ذاك الشعور الهائل بالسعادة الذي شملها، ليكمل هو بعدما رأى بنظراتها شعورًا بالرضى والحبور:
أنا مستنيكِ قدام الباب على ما تغيري هدومك علشان ننزل مع بعض.
أومأت بابتسامة شاكرة ليخرج وينتظرها بالخارج لتهل عليه بعد قليل بمظهرها الخلاب الذي خطف لُبه، أشار بكف يده نحو الدرج ليهبطا منه سويًا متجهين صوب غرفة الطعام، وقبل دلوفهما من الباب مد كف يده ليحاوط خاصتها تحت انتفاضة جسدها جراء المفاجأة، لتنظر له لتجده ينظر لها بطمأنة ليتحرك للداخل وبصوتٍ هادئ وملامح وجه بشوشة تحدث:
صباح الخير.
التفت الجميع صوبه لتتفاجأ فريال بضمته لكف تلك التي تتحرك بجانبه والخجل يعتريها، رد الجميع التحية ليتحدث علام مستفسرًا:
إيه التأخير ده كله يا سيادة المستشار، موتنا من الجوع وكنا لسه هناكل ونسيبكم.
ابتسم لوالده ليتحدث وهو يسحب المقعد للخلف لتجلس عليه كأميرة:
أنا آسف يا باشا، نمت إمبارح متأخر علشان كده أخدت وقت على ما فوقت نفسي.
ولا يهمك يا حبيبي، محصلش حاجة دول كلهم عشر دقايق.
كلمات هادئة نطقت بها والدته لتسترسل وهي توجه بصرها لتلك المتلبكة بابتسامة:
إزيك يا إيثار.
أخرجت صوتها لتتحدث بخجل:
الله يسلمك يا دكتورة.
عاملة إيه يا إيثار، يا رب تكوني مرتاحة في البيت واتأقلمتي عليه بسرعة.
كلمات نطقها والده لتبتسم له بسعادة ليتحدث ذاك الذي جاورها الجلوس بالمقعد المجاور:
أكيد اتأقلمت يا باشا، فيه حد بيستغرب بيته وميرتاحش فيه.
جعلتها كلماته واهتمامه بها تشعر بوغزة اقتحمت قلبها، أبعد ما أخبرته به ليلة أمس وتلك المعاملة الجافة ما زال يغمرها باهتمامه المبالغ به، لقد أثبت بالفعل أنه رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لقد توقعت ثورة عارمة من غضبه ستطولها بعدما هدمت أمنياته وصدته وهي التي جعلته يتأمل ويمني حاله بامتلاكها والدخول بها كزوجة شرعية حتى تأمل واستعد نفسيًا، وعلى حين غرةٍ صفعته بقوة برفضها الصريح له، وعَت على صوته وهو يسألها ممسكًا بشوكتين بين يديه:
تاخدي جِبن؟
أومأت بابتسامة سعيدة لم تستطع حجبها عن عينيه ليضع بصحنها بعضًا من أنواع الجِبن ثم أمسك بالخبز ليضعه أيضًا داخل صحنها تحت نظرات فريال المتفحصة لتلك النظرات المتبادلة بين شقيقها وتلك الدخيلة، تنهدت بريبة وعدم راحة بقلبها.
********
بعد انتهاء اليوم
صعدت لتغفو بغرفتها وكعادتها منذ أن أحضرها فؤاد إلى هنا أخذت صغيرها داخل أحضانها ليغفوا، فهي تخشى عليه لذا لا تأمن وجوده إلا بأحضانها، وأثناء ما كانت تغط بنومٍ عميق دق بابها بخفة لكنها لم تشعر لشدة أرقها، فتح الباب بهدوء كي لا يزعج الصغير ونظر عليها ليرى وجهها عبر الضوء الخافت المُنير من ذاك المصباح الكهربائي المعلق بالحائط، كانت الإضاءة باللون الأحمر الخافت مما انعكس على ملامح وجهها وأعطاها مظهرًا مثيرًا للغاية، ابتلع لعابه عندما اقترب ليقف بجانبها ورأى شعر رأسها الحريري شديد السواد مفرودًا فوق وسادتها البيضاء، أما شفتاها المكتنزة فحدث ولا حرج، ابتلع لُعابه وأغمض عينيه ليأخذ نفسًا عميقًا حاول به تهدئة ثورة مشاعره الكامنة، وضع كفه فوق كتفها العاري فقد كانت ترتدي منامة بحمالات رفيعة من اللون الأزرق الذي أظهر بياض جسدها، هزها بحنان وهو يهمس بنبرة خرجت رغمًا عنه حنون:
إيثار.
استمعت لصوته الحنون لتبتسم تلقائيًا لتخيلها أنه يراودها بأحلامها، انتفض جسده وهو يستمع لهمهماتها الحالمة:
إمممم.
هامت روحه وما شعر بحاله إلا وهو يتلمس شعرها بنعومة ليتابع محاولة إيقاظها قائلًا بهمس:
إيثار، إيثار.
قاومت نعاسها وبدأت بفتح أهدابها رويدًا رويدًا اتباعًا لندائه باسمها وما أن استعادت وعيها ورأته يقف بجوار الفراش حتى انتفضت لتهب جالسة وبحركة تلقائية وضعت كفيها فوق فتحة صدر المنامة في محاولة منها لمداراة جسدها عن عينيه، شعر بخجلها العارم فاتجه صوب المقعد والتقط مأزرها ليعود به يناولها إياه وهو يشيح ببصره بالجهة الأخرى، تناولته بلهفة لترتديه على السريع وما أن انتهت لتسأله بنبرة حادة بعدما تطلعت بالهاتف لتجد الساعة الثالثة فجرًا:
خير يا سيادة المستشار، إيه اللي جايبك في الوقت المتأخر ده؟!
رواية انا لها شمس الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم روز امين
وما لي لا أرى من حسناوات الدنيا سواكِ حبيبتي، نعم حبيبتي الأولى بل والأخيرة وآسرة لـ لُبي، فأنتِ الوحيدة من بين نساء الكون بأكمله التي وجدتُ حالي الضائعة بأعماق عينيها وبين ثنايا قلبها الراقي، بعناقكِ أشعر وكأني ملكًا متوجًا وأمتلك الكون بما عليه، يا لكِ من ساحرة ماكرة، كيف استطعتِ أن تسرقيني من نفسي بتلك الطريقة السلسة حتى أنني لم أشعر؟!
متى وكيف؟!
فقد قضيتُ أعوامًا أبحثُ فيها عن ذاتي التائهة فلم أجدها إلا بين ثنايا روحك الطاهرة، فيا مستبدة كفى عنادًا، فالقلبُ فاض ولم يعد فيه تحمل الابتعاد.
اتبعيني وتعالي لتسكنّي أحضاني وأقسم سأذيقكِ بداخلها شراب العسل المصفى وستنعمين بقربي، سترين معي ما لم يخطر لك يومًا حتى بأحلامكِ، فقط سلمّي لي قلبك وامهليني الفرصة كي أسلبكِ لُبكِ مثلما فعلتِ.
ووعدًا ستعضّين على قلبكِ ندمًا، فلن تكفيكِ حينها العشرة أصابع على كل ما أهدرته من وقتٍ في ابتعادنا!
علام زين الدين
انتفضت بارتياب حين وعَت على حالها ورأته يقف بجوار فراشها فجرًا لتهتف بسؤالٍ خرج تلقائيًا بنبرة حادة:
- خير يا سيادة المستشار، إيه اللي جايبك في الوقت المتأخر ده؟!
اعتدل يتطلع عليها ثم نطق بصوتٍ رزين جاد:
- سعاد اتصلت عليا وبلغتني إن عزة تعبانة قوي.
شهقت بخضة وارتعبت أوصالها لتقفز بجلبة واحدة وبلمح البصر كانت تقف أمامه تسأله بلهفة وارتياب:
- تعبانة إزاي؟!
أجابها بإيضاح:
- أنا نزلت شوفتها وتقريبًا عندها مغص كلوي، لازم تتنقل للمستشفى حالًا لأنها بترجع.
هتفت وهي تتوجه نحو الباب بهلعٍ ظهر فوق ملامحها:
- يا ريت تتصل لنا بعربية إسعاف وأنا هاخدها وأروح لأقرب مستشفى.
باغتها بجذب ساعدها بقوة ألمتها ليهمس غاضبًا وهو يرمقها بنظراتٍ نارية:
- إنتِ رايحة فين بهدومك وشعرك ده؟!
تطلعت لنظراته المستعيرة لتستشعر جرمها وهي تنظر لذاك الروب الحريري المجسم عليها ناهيك عن شعرها المفرود فوق كتفيها وظهرها لتبتلع لعابها حرجًا فيتابع هو بنبرة حازمة:
- بطلي بقى تتصرفي كأني مش موجود في حياتك، سيادتك بقيتي مراتي ومسؤولة مني وكل حاجة تخصك بقت تخصني.
ليستطرد بتذكير لحديثها المميت له:
- حتى لو جوازنا صوري ولوقت محدد زي ما جنابك مقررة فأنتِ مجبرة إنك تحترمي وجودي في حياتك وتتصرفي بشكل يليق بيا وبمكانتي طول ما أنتِ على ذمتي.
ابتلعت لعابها رعبًا من هيأته وعينيه الغاضبة وصرامته التي كان يتحدث بها، مالت برأسها للأسفل بعدما اعتراها الخجل ليزفر هو بقوة فقد سأم تجاهلها له ولعبها لدور القائد بحياتها طيلة الوقت وهذا ما يحرق فؤاده ولم يتقبله منها، فهي حبيبته بل ابنته الضائعة من حالها، يريد أن يضمها لصدره ويخبئها ليحميها من جميع الأخطار والذئاب الشرسة التي تلاحقها طيلة الوقت، يريدها أنثاه الطائعة، تسلمه زمام أمرها ليقودها معه ويبحرا حتى يرسا لبر الأمان، لكن تلك العنيدة لا تعطيه الفرصة، دائمًا ما تشعره بأن لا حاجة لها به، تتصرفُ كما كانت قبل أن تصبح زوجته أمام الجميع وهذا ما يثير جنونه، فقط حالتها النفسية وتشتتها الذي اجتاح كيانها بفضل وفاة والدها وما تلاه من أحداث هو من يجعله صبورًا مراعيًا، لكنها وبمواقفها المستفزة معه تثير حفيظته وتجبره أحيانًا لانفجار ثورته العارمة بوجهها، أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا ليهدئ به روعه ليسترسل ناطقًا بنبرة هادئة كي يسحبها من دوامة حزنها قبل أن تبتلعها بعمقها:
- غيري هدومك والبسي حجابك وألحقيني على تحت علشان ناخدها للمستشفى في عربيتي.
هزت رأسها لعدة مرات للتأكيد لكنها توقفت وهي تنظر لصغيرها الغافي بتشتتٍ وارتياب:
- طب يوسف هعمل فيه إيه؟ لو صحي ولقى نفسه لوحده من غيري أنا وعزة هيترعب.
هز رأسه يحدثها بجدية كي يطمئن قلبها:
- ما تقلقيش، هخلي سعاد تطلع له حد من البنات تقعد جنبه لحد ما نرجع.
أومأت بإيجاب لتسرع إلى خزانة الملابس وتنتقي بنطالًا وكنزة باللون الأسود. بعد قليل كانت تستقل الكنبة الخلفية بجانب عزة التي تتألم بشدة ليتحدث فؤاد إلى رئيسة العاملات من نافذة السيارة:
- خلي بالك من يوسف كويس يا سعاد، الولد أمانة عندك وأنتِ المسؤولة عن أمانه قدامي، ولو الباشا والدكتورة صحيوا قبل ما نرجع بلغيهم باللي حصل وطمنيهم.
أجابته برتابة وجدية:
- اطمن يا سيادة المستشار، يوسف في عنيا.
انطلق بسيارته سريعًا لتصرخ عزة وهي تشدد بقبضتها على كف إيثار ويبدو على ملامحها شدة الألم:
- هموت يا إيثار، جنبي هيتفرتك.
بملامح وجه متألمة لألمها نطقت بارتعاب ظهر بعينيها لطمأنتها:
- سلامتك يا عزة، أول ما نوصل على المستشفى هيدوكي أدوية هتريحك على طول إن شاء الله.
كان يقود بسرعة متابعًا الطريق ويتابعهما أيضًا بانعكاس مرآة السيارة فتحدث كي يبث داخل عزة الطمأنينة:
- اتحملي شوية يا عزة، المستشفى قريبة من هنا وأنا بلغتهم إننا في الطريق، إن شاء الله هنلاقيهم في انتظارنا على البوابة.
بالفعل ما هي إلا دقائق وكان يصف سيارته ليسرع إليه طاقم من التمريض والعمال ليصطحبوا عزة ويحملوها فوق التخت المتحرك وبسرعة البرق كانت داخل حجرة الكشف الأولي، كانت تقف بالخارج تستند برأسها على الحائط ويبدو عليها الهلع، اقترب عليها وتحدث قائلًا ليهدأها:
- ما تقلقيش، أكيد شوية مغص والدكتور هيديها أدوية تريحها.
أومأت له والتزمت الصمت. بعد قليل خرج الطبيب ليتحدث إلى فؤاد:
- المريضة عندها التهاب شديد بالزايدة الدودية ولازم استئصالها فورًا.
وضعت كف يدها على فمها واغرورقت عينيها بدموع الألم أما فؤاد فتحدث بنبرة جادة:
- اتفضل شوف شغلك يا دكتور.
أومأ له وتحرك الطبيب فاقترب هو عليها ليقول:
- عملية الزايدة سهلة جدًا، هتعملها وهتقوم بالسلامة إن شاء الله.
- يا رب يا فؤاد، يا رب... قالتها بضعف ألم قلبه لأجلها فاقتربت إحدى الموظفات لتبلغه:
- يا ريت حضرتك تتفضل معايا للحسابات علشان تدفع تأمين العملية.
أوك... نطقها لينظر لتلك الواقفة وهو يبلغها بنظراتٍ حنون وكأنه يحدث ابنته:
- خليكِ هنا علشان عزة لما تطلع من الكشف تلاقيكِ، وأنا مش هتأخر، شوية وهرجع لك على طول.
أمسكت كفه قبل أن يتحرك لتبلغه بما أشعل روحه:
- خليك أنتَ جنب عزة وأنا هروح معاها، أنا معايا الفيزا وفيها فلوس كفاية الحمد لله.
تحول بلحظة وأصبحت ملامحه الحنون إلى شرسة وهو يرمقها بعينين تطلق شزرًا قبل أن يقول من بين أسنانه بلهجة حادة غير قابلة للنقاش:
- اقعدي مكانك واستني عزة زي ما قولت لك.
ارتبكت من نظراته الغاضبة لتهز رأسها سريعًا عدة مرات دلالة التأكيد مما جعله يكظم ضحكاته من هيأتها التي تشبه الفأر داخل المصيدة ليتحرك ويتركها تتنفس براحة فور ابتعاده. بعد مدة عاد لينضم إليها. بعد قليل كانا يتحركا بجوار عزة وهي محمولة على الشزلونج المتحرك باتجاه غرفة العمليات. أمسكت كفها لتنطق بأعين تفيضُ حنانًا:
- ما تخافيش يا حبيبتي، العملية سهلة وهتقومي منها بالسلامة.
شددت على كف يدها لتوصيها بنبرة صوت مرتعبة ونظراتٍ شقت بها صدر الأخرى:
- ما تسيبنيش لوحدي في المستشفى وتمشي يا إيثار، ولو موت في العملية اتصلي بأختي علشان تاخدني وتدفني جنبي أمي.
نزلت دموعها وقبل أن تجيبها قاطعها فؤاد بما فصل وصلتهما وهو يتطلع على كلاهما باستغرابٍ وتعجب مشمئز:
- إيه الأوفر اللي أنتَ فيه ده يا عزة، هو أنتِ داخلة تعملي قلب مفتوح يا ماما؟!
واستطرد بتهاون أراد من خلاله تهوين الأمر عليها:
- دي عملية زايدة، حاجة كده شبه لما تدخلي المطبخ تعملي كباية شاي.
وتابع قاصدًا كليهما:
- فبلاش تعيشوا الدور أنتِ وهي وتقلبوها لنا دراما كوين.
ابتسمت لترد بمداعبة بعدما رأت دموع إيثار المنهمرة فوق خديها:
- يا ساتر عليك يا سيادة المستشار، لازم تفصلني يعني.
ابتسم الجميع لتتابع هي بمشاكسة:
- اتصلي بقى بالست دولة في القصر خليها تعملي فرخة بلدي وشوربة لسان العصفور علشان أعوض لما أخرج من العملية.
لتسترسل بتنبيه:
- بس نبه عليها تعملها بالسمنة البلدي، حاكم أنا ما بحبش السمن الصناعي.
ضحك ليجيبها بموافقة:
- بس كده، أنتِ تؤمري يا عزة هانم.
وصلت إلى الباب لتختفي خلفه لتنساب دموع إيثار مع خروج شهقاتٍ متتالية، هرول عليها ليسحبها داخل أحضانه وبات يمسح فوق ظهرها ويهدهدها قائلًا بنبرة تقطر حنانًا واهتمام:
- إهدي يا بابا، عزة هتبقى كويسة.
أومأت وهي تقول بدموعها:
- يا رب يا رب.
تحرك بها ليجلسها على إحدى مقاعد الاستراحة وجاورها الجلوس ليضع ساعديه فوق ركبتاه شابكًا كفيه ببعضهما وهو ينظر أسفل قدميه منتظرًا. مرت أكثر من نصف ساعة وفجأة وجدها تميل برأسها على كتفه ليتطلع عليها رآها غارقة بنومها. ابتسم واعتدل ليستند بظهره خلف المقعد ثم مد يده يعدل بها وضعية رأسها لترتاح فوق كتفه. قرب أنفه من حجابها الموضوع فوق شعرها وبات يستنشق رائحته باستمتاع. يا لها من رائحة تشبه رائحة تفتح زهور البرتقال، بالتأكيد توجد روائح أفضل بكثير من رائحتها لكنها الأفضل على الإطلاق بالنسبة له، مال بجانب عينيه يتطلع على ملامحها الهادئة وبدون إدراكٍ وضع كفه يتلمس وجنتها الناعمة، أصبح مهووسًا بغرامها فقد فتنته بعنفوانها واختلافها عن الأخريات فوقع صريعًا لغرامها المتيمُ وانتهى الأمر.
تنهد بأسى لأجلها فقد بدا على ملامحها الإرهاق أما جسدها فكان مستسلمًا للنوم مما يدل على حاجتها الملحة للراحة ترجع لعدم أخذها القسط الكافي من النوم والراحة هذه الأيام، أسند رأسها بكفيه على خلفية المقعد قبل أن يعتدل ويهب واقفًا ليحملها بين ذراعيه القويتين مما أفزعها وجعلها تفتح عينيها سريعًا لتتفقد ما حدث لها بعد أن شعرت بحالها ترتفع في الهواء، طمأنها سريعًا وهو ينطق بصوتٍ حنون:
- إهدي، هاخدك ترتاحي في الأوضة اللي حجزناها لعزة.
شعرت بالاستكانة بين يديه لتباغته بلف ساعديها حول عنقه تتشبث به بعدما شعرت بأمانها داخل أحضانه، ابتسم وهو ينظر لملامحها الجذابة وتحرك بها بقلبٍ منتفض بقوة لشدة قُربها منه بتلك الطريقة المُهلكة له، تحرك بها حتى وصلا للغرفة وقام بفتحها ليلجا ثم قام بغلق الباب بمقدمة قدمه وسار إلى الأريكة الجانبية ليميل ويضعها بحرصٍ كمن يتعامل مع بلورٍ شفاف ويخشى من كسره، تجمد جسده حين شعر بتشبثها به بقوة وكأنها تخشى ابتعاده ليهمس لها وهو يفك كفيها من حول عنقه:
- نامي لك شوية علشان رقبتك ترتاح.
حركت أهدابها لتسأله بصوتٍ متحشرج:
- هي عزة خرجت؟
- لسه قدامها نص ساعة كمان في أوضة العمليات وساعة على الأقل في غرفة الإفاقة، نامي وأول ما تخرج هصحيكِ... نطقها بهدوء لتومي له برأسها وأغمضت عينيها على الفور، كاد أن يتحرك نحو النافذة ليتطلع منها على الخارج لكنه تصنم حين أمسكت كفه بقوة لتمنعه من الرحيل حيث همست بنعاسٍ وعيناها ما زالتا مغمضتين:
- خليك جنبي يا فؤاد، ما تسيبنيش.
لا يدري ما أصابهُ جراء تلك الحركة، انتفض جسده وسارت دقات قلبه تقرع مثل طبول الحرب، مال مقتربًا على وجهها وبدون إدراكٍ منه وكأنهُ مغيب أجابها بهمسٍ ناعم تسلل لداخلها ليشعرها بالأمان الفوري:
- عمري ما أقدر أسيبك.
تزحزحت بجسدها للخلف تفسح له المجال ليجلس بجانبها، اقتحمت سعادة الدنيا روحه لتنتعش وكأنه عاد مراهقًا، فتلك المشاعر التي تجتاحه بحضرتها لم يسبق ومرت عليه، نعم فكل شيءٍ معها مختلف وله مذاقٌ من نوعٍ خاص، جاورها الجلوس وما زال كفها متشبث بخاصته وكأنه أصبح ملاذها لتدخل بنومٍ عميق، نظر لملامحها المطمئنة وعلى الفور ارتسمت ابتسامة سعيدة فوق ثغره.
تنهد بقلبٍ أرقته كثرة الاشتياق، همس من بين شفتيه الغليظة وهو يتعمق بها:
- لحد إمتى هفضل أكابر وأتحمل، ربنا يصبرني على هرمونات الجنان اللي بتهب عليكِ فجأة.
ليتنهد بقلبٍ يتحرق شوقًا متابعًا بلهيبٍ:
- والله حرام عليكِ اللي عاملاه فينا ده.
مر الوقت سريعًا وهو جالسًا بجوارها يتأمل وجهها بجسدٍ متيبس جراء اقترابه بهذا الحد المهلك، وأثناء اندماجه استمع لخبطاتٍ فوق الباب، سحب كفه سريعًا لتنتفض تلك النائمة وتجلس تتلفت حولها بفزعٍ قبل أن يطمئنها بهدوء:
- إهدي يا بابا وعدلي حجابك كويس.
تحرك سريعًا وقبل أن يصل للباب وجده قد فُتح ودلف من خلاله العمال وهم يحركون الشزلونج حيث تتمدد عليه عزة، قفزت لتهرول ناحيتها ليوقفها بيده وهو يقول بهدوء:
- اصبري لما ينقلوها على سريرها.
بعد قليل اطمئنوا على عزة حيث فاقت واستعادت وعيها بالكامل. اتصل فؤاد بأحد حراس القصر وطلب منه أن يأتي بالعاملة "وداد" كي تجالس عزة وبالفعل أتى كلاهما وانتظرا خارج الغرفة. بعد مرور بعض الوقت تحدث فؤاد بنبرة هادئة وهو يطالع تلك الممسكة بكف عزة بتشبث:
- يلا بينا يا إيثار.
تطلعت إليه باستغراب ليتابع بعدما قرأ ما بعينيها من رفض:
- إحنا لازم نروح لأني عندي شغل وأنتِ كمان محتاجة تاخدي شاور وتنامي، كمان علشان يوسف لما يصحى.
واستطرد لإقناعها:
- الولد لسه مش متعود على حد من أهل البيت، ولو صحي وملاقكيش جنبه أنتِ أو عزة هيتخض.
كانت تستمع له بتمعن شديد لتنطق مقترحة:
- أنتَ ممكن تبعتهولي مع حد من البودي جارد.
تحولت عينيه لحادة كالصقر ليرتعب داخلها أثر استماعها لطريقته الخشنة:
- إيثار!
واستطرد بنبرة صارمة ترجع لرعبه عليها من فكرة استفراد نصر ونجله بها:
- الموضوع ده غير قابل للمناقشة.
أطرقت برأسها في حزن ليزفر هو بقوة قبل أن تنطق عزة بما حسم الأمر:
- روحي مع جوزك يا حبيبتي علشان الولد.
لم تدرِ ما حدث لها حينما استمعت لكلمة "زوجك" من عزة، فقد غزت مشاعر رائعة داخلها لكونها منسوبةً له، لتستطرد عزة بحروفٍ متقطعة ترجع لتأثرها بدواء التخدير:
- هو عنده حق، يوسف هيتفزع لو قام من النوم ما لقناش إحنا الاثنين، وغلط عليه إنك تجيبيه هنا في المستشفى.
طالعتها بحزنٍ لأجلها لتتابع الأخرى للتهوين من الأمر عليها:
- روحي وما تقلقيش عليا، أنا معايا وداد والحارس هيستنانا قدام المستشفى، أنا هعوز إيه تاني أكثر من كده.
نظرت لها بوجهٍ حزين لتحثها الأخرى على التحرك:
- يلا يا بنتي روحي مع جوزك علشان الراجل يلحق يروح شغله.
ابتسم ليقول باستحسان لحديثها:
- ربنا يبارك في عقلك يا عزة والله.
- عد الجمايل يا باشا... قالتها بابتسامة ليردها إليها بامتنان.
استقلت السيارة معه وانطلق بطريقهما للعودة إلى القصر، وضعت كف يدها على فمها لتتثاءب بنعاسٍ لمحه بطرف عينيه المراقبتين لها طيلة الوقت ليسألها بمشاكسة أراد بها انتشالها من دوامة حزنها على تركها لعزة وحيدة بالمشفى:
- لسه ما شبعتيش نوم، ده أنتِ نايمة من ساعة ما طلعنا من البيت.
- ما نمتش كويس ليا يومين... نطقتها بصوتٍ متألمٍ خجول يرجع سببه لما حدث بينهما منذ أن خرجت صباح أول أمس لينتهي اليوم بمشاجرة وتراشق بالكلمات وما أنهى على تماسكها وحرم على عينيها النوم هو ما حدث بمساء أمس، تنهد بأسى حين رأى نظراتها الزائغة وفهم مغزاها ليتطلع أمامه وهو يتابع القيادة بصمتٍ تام دام من كلاهما حتى وصلا لداخل القصر. توقف بالسيارة وتطلع عليها ليجدها غارقة بالنوم. ابتسم وتأذى بنفس الوقت لحالتها المزرية. فك وثاق حزام الأمان الخاص به واقترب عليها يهمس كي لا يفزعها:
- إيثار، قومي إحنا وصلنا.
حركت أهدابها لتفتحها بصعوبة ليميل عليها وبدأ بفك وثاق حزام الأمان من حول خصرها. انتفض داخلها بقوة لاقترابِهِ منها لهذا الحد وأسرتها رائحة عطره التي باتت تعشق استنشاقها وكأنها أصبحت الأكسجين بالنسبة لها، انتهى وعاد لمكانه ليخرج من السيارة بأكملها ويتجه للجهة الأخرى وقبل أن يصل لها كانت قد فتحت الباب ليسرع هو ويبسط كفه لها. تطلعت بعينين ولهة للأعلى تتعمق بعينيه لكنها صُدمت حين رأت بهما جمودًا على غير العادة. ابتلعت ريقها برعبٍ وخجلٍ لتسلمه كفها كي يساعدها على الترجل من السيارة. أغلق الباب وتحدث إليها باهتمام لكنه الجمود ذاته ما زال ساكنًا عيناه:
- قادرة تمشي؟
إمممم... قالتها بأعين خجلة ناظرة أسفل قدميها لتتحرك بجانبه للداخل ليصعدا الدرج سويًا إلى أن وصلا لجناحيهما المتجاورين لتتفاجأ به ينسحب صوب بابه الخاص دون أن يكلف حالهُ عناء النظر إليها لتنطق سريعًا وهي تراه ممسكًا بمقبض الباب يستعد للفه:
- متشكرة يا سيادة المستشار، مش عارفة من غير وجودك معانا النهاردة كنت هعمل إيه أنا وعزة... نطقتها بعينين تنطقان ولهًا. استدار يتطلع عليها ليبتلع لعابه تأثرًا بمظهرها الفاتن، للحظة شعر بغصة مرة بقلبه عندما أُعيدت لذاكرته رفضها له بكل مهانة لتصرخ كرامة الرجل بداخلهُ وهي تأمره بالهروب الاضطراري وباتباعه لسياسته الجديدة الذي قرر بين حاله اتباعها كي يكسر عناد تلك المستبدة لتتحول على الفور نظراته لباردة وهو ينطق بصوتٍ صارمٍ متجاهلًا شكرها وامتنانها:
- أنا هاخد شاور سريع وأروح على شغلي.
رفع ساعده ينظر بساعة يده فوجدها قد تخطت السابعة والنصف ليتابع بترتيبٍ لها كي يطمئنها لتغفو بسلامٍ واطمئنان:
- وهبلغ سعاد تطلع بعد ساعة تلبس يوسف وتسلمه للباص بنفسها.
واستطرد بجدية وكأنه آلة:
- لو احتجتي أي حاجة خاصة بعزة إبقي رني عليا.
أومأت بحزن لمعاملته التي تغيرت على حين غرة لينسحب لداخل حجرته مغلقًا الباب دون النظر لتلك الواقفة تطالعه بقلبٍ متمزق. نظرت لباب غرفته المغلق وكأن أحدًا قد قام بطعنها بنصل سكينٍ حاد. أخرجت تنهيدة حادة لتنسحب داخل غرفتها باستسلام. انتقَت منامة هادئة واختفت داخل الحمام لتغتسل سريعًا وتبدل ثيابها وتخرج من جديد لتنضم لصغيرها كي تغفو ولكن من أين يأتيها النوم بعد تلك المعاملة الخشنة التي تلقتها للتو من حبيبها ومالك روحها. تنهدت ودخلت بدوامة تفكيرها ليمر على مخيلتها كل ما بات يؤرقها مؤخرًا.
********
بعد مرور عدة أيام
داخل منزل غانم الجوهري، ولجت منيرة من باب المنزل حيث كانت بالخارج تقوم بتأدية واجب عزاء في وفاة إحدى سيدات القرية. سألت ابنة عزيز الكبرى مستفسرة بشكلٍ روتيني:
- أمك ومرات عمك فين؟
- في المطبخ بينضفوا بط.
اتسعت أعينها وأسرعت بخطى واسعة وهي تهتف غاضبة:
- بط إيه ده اللي بينضفوه!
خطت بساقيها لتتوقف وهي ترمقهما بعينين جاحظتين لتصيح بنبرة مشتعلة:
- بتعملي إيه أنتِ وهي؟!
هي تكية أهاليكم علشان تعملوا اللي ييجي في دماغكم من غير ما تستأذنوا صاحبة البيت اللي آويكم؟!
هبت نوارة لتقف منتفضة وهي تقول بارتياب وبجسدٍ منتفض لحدة غضب والدة زوجها:
- أنا ماليش دعوة يا مرات عمي، نسرين هي اللي دبحتهم وندهت عليا أنضف معاها.
واسترسلت برعبٍ ظهر بمقلتيها:
- وأنا والله كنت فكراكِ أنتِ اللي قايلة لها.
توسع بؤبؤ عيني منيرة وهي تنظر لبرود تلك الـ "نسرين" التي لم تتزحزح بجلستها وتابعت ما تفعل لتنطق بملامح وجه هادئة وهي تنظر لما بيدها دون عناء النظر لتلك التي تشتعلُ غضبًا:
- ما فرقتش كتير يا نوارة، كبير البيت هو اللي قال لي.
هتفت منيرة وهي تضرب كفًا بالآخر:
- ويطلع مين يا أختي كبير البيت ده كمان؟!
رفعت عينيها تتطلع إليها لتقول ببرودٍ كالثلج:
- عزيز يا حماتي، كبير البيت واللي بقى ليه الكلمة الأولى والأخيرة في البيت ده.
- على نفسه وعليكِ يا موكوسة الأملة... نطقتها بغضبٍ لتتابع بسخرية وتهكم:
- وبعدين اللي يحكم يحكم من ماله ومن جيبه يا أختي، مش يحكم في ملك غيره؟!
- والله الكلام ده تروحي تقوليه لابنك مش ليا... كلماتٌ قالتها بتجبر وتقليل من شأن والدة زوجها أشعلتها وقبل أن تجيبها صدح صوت عزيز من خلفها حيث ولج للتو من الخارج ليهتف بنبرة حادة:
- صوتكم عالي وجايب آخر الشارع ليه؟!
وما أن استمعت نسرين لصوت زوجها حتى هبت واقفة لتنفض يداها من ريش الطير وهرولت إليه لتقول بملامح وجه رسمت عليها الحزن والتأثر:
- تعالى يا عزيز شوف أمك عملت فيا إيه، بهدلتني علشان دكرين البط.
وتابعت بتفخيم لذاته كي تستدعي غضبه على والدته أكثر:
- وليه وليه اللي بأقول لها إن كبير البيت هو اللي أمرني بكده.
استدارت منيرة لنجلها تسأله بحدة:
- أنتَ اللي قولت لها تعمل كده يا عزيز؟!
رفع قامته ليجيبها بتجبر:
- أيوه يا أما أنا اللي قولت لها، وحتى لو ما قولتلهاش، ده بيتها وخير جوزها ومن حقها تعمل اللي على كيفها.
صاحت بكل صوتها لتنطق بطريقة لأول مرة تتعامل بها معه:
- ده لما يكون المال مالك يا عين أمك، إنما كل الخير اللي عمال تبهدل فيه أنتَ والمعدولة مراتك ده يبقى مال أبوك وشقايا أنا وهو طول السنين.
صاح بحدة وعيناه تشتعل نارًا من حقدها:
- كل حاجة بتاعتي وشقايا مع أبويا، كفاية إني أخدت دبلوم وسبت عيالك يدخلوا الكليات، ده حتى البت لما خدت كلية، يبقى العدل بيقول إن آخد نص البيت ونص الأرض قصاد تعليمي اللي ما كملتوش.
- لا، ده أنتَ عيارك فلت أنتَ ومراتك ولازم أخواتك يقعدوا معاك علشان تعرف حدودك... نطقتها لتنطلق لغرفتها وتصفع بابها بحدة لتعلن من خلاله عن غضبها العارم. نظر عزيز لزوجته ونوارة ليشير لكليهما بلامبالاة وكأن شيئًا لم يحدث:
- يلا انجزوا علشان تلحقوا تطبخوا الغدا في ميعاده، أنا ميت من الجوع.
ليلًا
اجتمع الشقيقان ومنيرة بصحبة عزيز في جلسة عائلية طلبتها منيرة لوضع النقاط فوق الحروف، وتناقشا ليهب عزيز من جلسته وينطق بتجبر:
- آخر كلام عندي، البيت ده أنا اللي هتحكم فيه والكلمة الأولى والأخيرة ليا.
ليستطرد بنبرة صارمة:
- وأنتِ يا أم عزيز، ريحي نفسك واقعدي على الكنبة اتفرجي على التلفزيون مع العيال، ومن بكرة نسرين هي اللي هتمسك البيت.
نزلت كلماته على قلب منيرة شطرتها لنصفين، أفبعد كل ما فعلته من أجله ووقفت بجبهته تحارب معه جميع الجبهات يتجبر عليها هكذا وينصر زوجته بل ويطلب منها التقاعد كموظفي الحكومات، نزلت دمعة ألم وحسرة من عينيها ليهب أيهم واقفًا ليقول بعنفوان الشباب:
- أنتَ اتجننت يا عزيز، إيه اللي بتقوله لأمك ده؟
تسمر بمكانه عندما نزل كف عزيز على وجهه ليلطمه بقوة جعلت الجميع يذهلون لتصرخ منيرة ويهرول وجدي إلى عزيز يمسكه من تلابيب جلبابه ويقول وهو يهزه بعنف وعيناه تطلق شزرًا:
- هي حصلت كمان تضرب أخوك، أنتَ فجرت ومبقاش حد قادر عليك، بس أنا بقى اللي هاقف لك يا عزيز.
قبض عزيز على كفي شقيقه وقام بنفضهما بقوة ليهتف بتجبر وفجور ظهر بعينيه:
- أعلى ما في خيلك اركبه يا بيه، وهي دي معاملتي من هنا ورايح للكل.
وتابع بصياحٍ وهو يرمق أيهم المصدوم بحدة:
- واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل.
صرخ أيهم ليهتف بنبرة غاضبة:
- الباب اللي يفوت جمل ده أنتَ اللي هتطلع منه أنتَ والخسيسة مراتك اللي أصلها الواطي ظهر في معاملتها لأمك، وديني وما أعبد لأكلم إيثار وأخليها تجيب جوزها وييجوا يرموك أنتَ وهي وعيالكم في الشارع زي كلاب السكك.
قهقه بقوة لينطق بثقة عالية:
- وأنتَ فاكر إن إيثار هتعبرك ولا هترد عليك من الأساس.
صاح أيهم يتحداه بنظراتٍ نارية:
- هترد وهتيجي لما تعرف اللي حصل لأمها على إيدك أنتَ وقليلة الأصل مراتك.
ضحك ليجيبه ساخرًا:
- بأمارة إيه يا حبيبي هتجي تقف جنبها، أمك بالنسبة لإيثار أكبر عدوة ليها، وكل اللي يهم إيثار هو حضانة ابنها.
واستطرد بدهاء:
- أختك ذكية وهي عارفة إن أنا الوحيد اللي أقدر أجبر أمها وأخليها ترفع قضية الضم، علشان كده عمرها ما هتعاديني، ولا هتيجي في صفكم لأن ببساطة كلنا بقينا في نفس الخانة عندها بعد اللي حصل في عزا أبوك.
تطلع لوجوه الجميع التي أصابها الوُجومُ جراء صحة حديث ذاك الحاقد الذي استغل الوضع لصالحه، رفع سبابته ليشير به متنقلًا بين الجميع:
- من هنا ورايح كل واحد فيكم يلزم تمامه ويعرف حدوده في البيت، والكلمة اللي أقولها تتنفذ ومن غير وش كتير.
وأنتِ يا أم عزيز، الكلام اللي قولته يتسمع، أنا عاوز لك الراحة... قالها بتأكيد لينسحب للخارج بارتياح تحت عدم استيعاب الجميع لما حدث للتو ونظراتهم المتبادلة فيما بينهم بذهولٍ لما وصلوا إليه، ارتمت منيرة فوق الأريكة لتنهمر دموعها الغزيرة والمتألمة تحت نظرات نجليها المتألمين لرؤيتهما لوالدتهما على تلك الحالة المزرية.
*******
في تمام الساعة الثالثة ظهرًا
كانت تجلس بجوار حوض الزهور الذي سلبها عقلها منذ أن أتت إلى القصر، تجاورها الجلوس عزة التي بدأت تتعافى وتخرج في الحديقة لاستنشاق الهواء النقي بعدما ملت من التمدد بتختها، والحق يقال فقد راعتها عائلة علام وحاوطتها بالاهتمام مما حسن نفسية عزة وجعلها تشعر بالراحة والانسجام. تحدثت بهدوء وحذر:
- نوارة كلمتني الصبح.
- خير؟! قالتها باقتضاب حيث أنها قد أغلقت قلبها من ناحية الجميع منذ ما حدث وما عادت تطيق الاستماع لأخبارهم، أجابتها بهدوء:
- بتقولي عزيز مبهدل أمك وإخواتك معاه من ساعة ما أبوكِ مات.
ابتسمت ساخرة قبل أن تنطق بلا مبالاة:
- وإحنا مالنا.
أجابتها بتعاطف:
- البت مكلماني ومتعشمة تتدخلي وتلمي عزيز ومراته وتهدديهم بعقد البيت والأرض.
زفرت بحدة لتقول بصرامة:
- عزة، أنا مش عايزة أسمع أي كلام في الموضوع ده تاني، الناس دي أنا ما شفتش منهم أي خير، أول ما عزيز اتجبر بدأ بيا أنا، وبدل ما يقفوا جنبي ويدافعوا عن الحق وقفوا معاه هو ضدي، ولولا ربنا سخر لي فؤاد كان زماني مرمية تحت رجلين إجلال ويا عالم كان هيجرى لي إيه، ولولا بابا الله يرحمه كان عنده بُعد نظر كان زمانهم واخدين ابني مني ومسلمينه لنصر.
وتابعت بعينين زائغتين غير مستوعبة:
- بأي عين جايين الوقت يطلبوا مساعدتي؟!
كادت أن تنطق لتوقفها بإشارة من يدها واسترسلت قائلة:
- خلاص يا عزة، أنتِ لسه تعبانة من العملية ومش حمل مناهدة.
تنهدت بهدوء لتقول وهي تستند على حواف المقعد لتفرد ظهرها:
- حاضر يا إيثار، هاقوم آخد الدوا اللي قبل الغدا.
- استني لما أجي أساعدك... قالتها وهي تستعد للوقوف لتهتف الأخرى سريعًا مما طمأنها وجعلها تتسمر بمقعدها:
- خليكِ مكانك، أنا زي الفل النهاردة.
لتسترسل بعينين تحمل الكثير من عبارات الشكر والامتنان:
- كتر خيرك على اللي عملتيه معايا، من ساعة ما عملت العملية وأنتِ ما سبتنيش لحظة واحدة، لو عندي بنت ما كنتش هتحبني وتهتم بيا زي ما عملتي معايا يا إيثار.
- طب ما أنا بنتك يا عزة، ولا هو لازم أقولك يا ماما علشان تحسيها... قالتها بعينين حنون لتسترسل بنبرة صوت متأثرة:
- ربنا يخليكِ ليا أنا ويوسف يا عزة.
ابتسمت لتنطق بدعابة ابتسمت على أثرها الأخرى:
- ويخلي لك سيادة المستشار ويهديكِ عليه يا بنت الحاج غانم.
ضحكت لتنسحب الأخرى للداخل، تنهدت وباتت تتطلع حولها بتمعن لتشغل عقلها بعيدًا عن أخبار عائلتها التي برغم جمودها التي أظهرته أمام عزة إلا أنها تأثرت وحزن قلبها لأجل والدتها وشقيقيها، فبرغم ما فعلوه بها إلا أنهم يظلوا عائلتها. أثناء ترقبها للحديقة وجدت سيارته تدخل من البوابة الحديدية لينتفض قلبها بقوة كادت تخرجه من بين ضلوعها، راقبت ترجله من السيارة وقدومه ناحيتها لتبتسم بحالمية وهي تنظر إليه متلاشية كلمات فريال اللاذعة التي قذفتها بوجهه. انصدمت بمروره للداخل وهو ينطق بجمودٍ دون الالتفاف إليها:
- السلام عليكم.
اتسع بؤبؤ عينيها وهي تتطلع على ظهره تتابع خطواته الواسعة المتجهة صوب المنزل ليخيمُ على قلبها الحزن أما هو فتبسم حين لم يجد منها ردًا مما يعني صدمتها من معاملته ونهجه الجديد الذي اتبعه معها.
بعد قليل أتت إليها العاملة لتستدعيها للداخل لتناول وجبة الغداء، ولجت للداخل لتجد الجميع بانتظارها مرحبين بتواجدها بينهم كما المعتاد، وما أثار دهشتها وقوف حبيبها السريع ليسحب لها المقعد المجاور له، وكعادته بدأ يحدثها بملاطفة وبدأ بوضع بعضٍ من أصناف الطعام داخل صحنها، فقد بات يحفظ ما تحب كما يحفظ اسمه، انتهى الغداء وجلست العائلة في جوٍ مبهج لكنه لم ينضم إليهم وصعد ليغفو. ليلًا نزلت لتتناول وجبة العشاء معهم لكنها لم تجده فسألت والدته على استحياء:
- هو سيادة المستشار مش هينزل يتعشى معانا؟
نظرت عصمت لزوجها باستغراب لتجيبها بنبرة هادئة:
- فؤاد خرج يتعشى بره مع واحد صاحبه.
أصابها حزنًا لتكمل عليها تلك الفريال التي أرادت إنهاء تلك المسرحية الهزلية بمنتهى السرعة لتنطق وهي تمسك بإحدى حبات العنب تقلبها بأصابعها بتمعن يدعو للاستفزاز:
- هو ما قالكيش ولا إيه؟!
دفنت نظراتها بداخل الصحن لتقول بصوتٍ خافت:
- أنا كنت نايمة.
شعرت عصمت بعمق حزنها لتجيب على حديثها كي تسحبها من ذاك الحزن الذي ملأ عينيها وظهر بنبرة صوتها:
- أكيد ما حبش يزعجك يا حبيبتي.
شاركها علام أيضًا لينطق بملاطفة:
- هو فؤاد طول عمره كده، بيخرج من غير ما يقول.
واستطرد بتوددٍ وهو يشير لصحنها:
- كملي أكلك علشان نخرج مع بعض في الجنينة.
واسترسل كي يخفف من وطأة حزنها:
- عاوز أوريكِ أنواع الزرع الجديد اللي جبناه.
بالفعل استطاع جذبها لتبتسم له وتومي برأسها بحماس.
********
بعد مرور بضعة أيامٍ
داخل إحدى العيادات الخاصة بإحدى طبيبات النساء والتوليد وبالتحديد داخل حجرة الكشف، تجلس سمية بصحبة والدتها تنتظر انتهاء الطبيبة من قراءة التحاليل والأشعة التصويرية التي طلبتها منها منذ زيارتها لها بالأسبوع الماضي مع ياسمين. أخرجت الطبيبة زفرة قوية لتهيئ حالها وهي تقول:
- للأسف يا سمية، زي ما شكيت.
تمعنت بالنظر لها لتتابع الأخرى:
- عندك ورم ليفي ضخم مش عارفة إزاي استنيتي عليه المدة دي كلها، وللأسف اتسبب لك في عُقم ولازم نستأصل الرحم.
نزل عليها الخبر كالصاعقة لتجحظ عينيها وهي تصيحُ بجنون:
- أنتِ بتقولي إيه يا دكتورة، عقم مين ورحم مين اللي يتشال!
وقفت والدتها لتساندها في حين تحدثت الطبيبة بعملية:
- إهدي يا سمية الانفعال مش كويس علشانك.
تحدثت والدتها بترجي:
- طب شوفي لها أي علاج غير شيل الرحم ده يا دكتورة.
هزت رأسها لتجيبها بأسى:
- ما فيش أي حل تاني، حالة بنتك متأخرة وللأسف مش هينفع غير الاستئصال وإلا حياتها هتتعرض للخطر.
هتفت بذهول واعتراض بعدما انتفضت بجلستها:
- خطر!
هو فيه أخطر على حياتي من اللي بتقوليه؟ أنا لسه مخلفتش الواد اللي هيقويني وياكل الجو من ابن إيثار. اللي إنتِ بتقوليه ده معناه إنها انتصرت عليا، وده اللي لا يمكن أسمح بيه أبدًا.
صرخت كالمجنونة وهي تشير بكفيها لتتابع بحقد دفين جعل من الطبيبة ترتعب:
- ده أنا أقتلها هي وابنها بأيديا دول.
ذهلت الطبيبة من هيئة تلك الحقودة لتجذبها والدتها من ذراعها تحثها على النهوض لتقول للطبيبة بإحراج:
- معلش، أصل الخبر صدمها وخلاها تفقد عقلها.
هزت المرأة رأسها بتفهم وهمي لتسحب ابنتها التي ما أن خرجتا من العيادة حتى هاجت وهي تهتف لوالدتها بسخط:
- شوفتي النحس اللي ملازمني يا ماما؟ أعمل إيه وأروح فين؟ أنا لو شيلت الرحم العقربة إجلال هتتجوز عمرو تاني يوم علشان يخلف. دول كانوا صابرين عليا علشان متأكدين إنهم هيرجعوا له بنت منيرة علشان تخلف له كمان واد. إجلال كانت بتقول إنها طالعة لأمها، خلفتها كلها هتبقى صبيان.
واسترسلت بعينين زائغتين تنظر بهما هنا وهناك كالتي فقدت عقلها:
- أهي اتجوزت، يعني خلاص، إجلال هتفضى لي وبعد ما كانت مطنشاني هتفوق عليا، وأنا خلاص، لا هعرف أجيب الواد ولا حتى بنت تانية.
جذبتها والدتها من رسغها تتعجل خطواتها وهي تقول:
- بطلي نواح ومدي شوية خلينا نلحق لنا تاكسي يوصلنا على البيت، وهناك نفكر هنعمل إيه ونتصرف في المصيبة دي إزاي.
عصر يوم الجمعة.
كانت تجلس بغرفتها تراجع لصغيرها بعض دروسه، استمعت لبعض الطرقات الخفيفة فوق الباب لتسمح للطارق بالدخول، لتلج "وداد" وهي تخبرها باحترام:
- مساء الخير يا هانم. علام باشا عاوز يوسف ينزل في الجنينة علشان عاملين حفلة شوي وعاوزه يلعب مع بيسان، وبيقول لحضرتك تنزلي علشان الغدا هيكون في الجنينة النهاردة.
أومأت لتجيبها:
- حاضر يا وداد، خذي يوسف وأنا هغير هدومي وأحصلك.
ارتدت بنطالًا من القماش الخفيف باللون البيج وكنزة باللون النبيتي المفضل لدى معذب قلبها كانت قد ابتاعتها عبر الإنترنت قبل يومين، جلبتها خصيصًا لإثارة ذاك الذي أصبح لا يعيرها أدنى اهتمام، فقررت بدهاء الأنثى سحبه لعندها رغماً عنه، تعلم من أعماقها أنه تغير معها للثأر منها لأجل كرامته التي أهينت على يد تلك العنيدة، لذا قررت اتباع الأساليب الملتوية لتجذبه إليها من جديد متغاضية عن حديث فريال، فأحكام القلب أقوى من أي حسابات أخرى، لعنت حالها وغبائها حين انجرفت خلف كبريائها وانساقت لحديث تلك الفريال رغم كل ما تشعر به من عشق وحنان يشملها به وتتلمسه من اهتمامه بها وبالصغير، وقفت أمام مرآة الزينة لتضع بعض الرتوش الخفيفة على وجهها مما أعطاها مظهرًا جذابًا، فهي بالأصل جميلة ولا تحتاج لأي إضافات، تنفست بعمق لتتحرك للخارج، ارتبكت حين وجدته يخرج من باب جناحه، توقفت لانتظاره تترقب ردة فعله على لونه المفضل لكنه صدمها عندما تحرك حتى وصل إليها ليقول بنبرة باردة كالثلج دون أن يلتفت إلى ما ترتديه من الأساس مما أصابها بخيبة الأمل:
- نازلة؟
أومأت له بنعم ليشير هو لها باحترام لتتحرك بجانبه، سألها باهتمام:
- يوسف فين؟
أجابته بتوتر ظهر بصوتها:
- سيادة المستشار بعت وداد أخدته من شوية.
اكتفى بهزة من رأسه ونزلا الدرج سويًا ومنه إلى الحديقة مع التزامهما بالصمت التام، تمعنت بالنظر لتلك الفتاة الواقفة تساعد علام وماجد بتسوية اللحوم فوق الشواية، ضيقت عينيها وهي تنظر لثيابها المتحررة حيث ترتدي شورتًا قصيرًا بالكاد يغطي منتصف فخذيها تعتليه كنزة بحمالات رفيعة وصدر مفتوح، ترفع شعرها الأشقر لأعلى على هيئة كعكة، انتبهت لصوت ذاك المجاور لها وهو يهتف بمرح ليصل صوته لتلك الفتاة الشقراء:
- ده إيه المفاجأة الحلوة دي.
وكأنها كانت تنتظر صوته لتلتفت متلهفة على رؤياه، ضحك وجهها بسعادة وألقت ما بيدها فوق المائدة بإهمال ولم تنتظر حتى يذهب إليها بل أتت هي مهرولة لاستقباله، احتضنته بحفاوة ليشتعل داخل إيثار من المنظر وما زاد من نار غيرتها تقبيل زوجها لتلك الشقراء من وجنتيها، كانت تنظر إليهما كالبلهاء حتى استفاقت على صوت تلك الدخيلة وهي تتأمل ملامحه بعينين متشوقة لفتاة عاشقة، نعم فهي أدرى الناس بحال العاشقين:
- وحشتني يا فؤاد، وحشتني قوي.
ابتسم وهو يقول بنبرة رصينة:
- إزيك يا سميحة، جيتي إمتى من لندن؟!
تحولت نظراتها لحادة وهي تقول بتنبيه:
- اسمي سو يا فؤاد، مش سميحة.
قهقه بصوت مرتفع وطريقة جذابة لتختطفه تلك الغريبة وهي تتحرك به للأمام تاركين إيثار بالخلف تتطلع عليهما بذهول وبلاهة، شعرت بالإحراج وفكرت بأن تنسحب للأعلى من جديد لكن صوت علام الذي هتف يستدعيها بأبوة كان رادعًا لتفكيرها:
- تعالي يا إيثار، واقفة عندك ليه يا بنتي.
تحركت للأمام تحت نظرات فريال المتفحصة لملامحها وتأثير زيارة سميحة وتقبيلها بحفاوة لفؤاد، ابتسمت عصمت لتضع يدها على كتفها باحتواء وهي تقدمها إلى سميحة المندمجة بالحديث مع فؤاد ولم ترَ بأعينها سواه من بين الجميع:
- تعالي لما أعرفك على سو بنت عم فؤاد وفريال، كانت مسافرة بريطانيا بتحضر ماجستير في الطب النفسي ولسه راجعة من يومين.
أومأت إيثار برأسها وهي تقول بصوت خفيض وملامح وجه ساكنة:
- أهلًا وسهلًا.
أومأت لها الأخرى لتستدير عصمت وهي تنظر بفخر إلى تلك التي دخلت إلى قلبها واتخذت مكانًا بجوار نجلها الغالي:
- ودي إيثار، مرات فؤاد.
نزل الخبر على سميحة كصاعقة زلزلت كيانها، قصدت عصمت التنويه لكي لا تجعل تلك السميحة تتأمل ككل مرة ترى بها فؤاد، فهي تعشقه منذ صغرها وقبل أن يتزوج نجلها لكنه لم يراها سوى شقيقة له مثلها كفريال.
ابتلعت لعابها لتنطق وهي تتفحص تلك الواقفة أمامها:
- مرات فؤاد!
حولت بصرها إليه لتسأله بعينين لائمة:
- إنت اتجوزت؟!
- آه يا حبيبتي، عقبالك... قالها ببرود ليستدير لوالده يتابع معه تكملة عملية نضج اللحوم، جذبت عصمت إيثار وجلستا حول المائدة تنتظران تسوية الطعام، أما سميحة فسألت فريال بترقب وما زالت الصدمة ظاهرة فوق ملامحها:
- ليه ما قلتليش إن فؤاد اتجوز وإنتِ بتعزميني على الغدا؟!
رفعت كتفيها لتنطق بلامبالاة:
- لأنه متجوزش بالمعنى اللي فهمتيه.
سألته باهتمام:
- يعني إيه كلامك ده؟
رفعت كأس المشروب البارد لترتشف بعضًا من قطراته ثم أنزلته بهدوء لتقول وهي تتفحص إيثار الجالسة بارتياح بجوار والدتها:
- دي جوازة مؤقتة وليها ظروف خاصة، فترة وكل واحد منهم هيروح لحاله.
سألتها متلهفة:
- بتتكلمي جد يا فيري؟
- طب احكي لي التفاصيل.
هزت رأسها بنفي قبل أن تقول:
- التفاصيل ما تخصناش، المهم في الموضوع إن الطلاق هيتم قريب جدًا، لو لاحظتي هتلاقي فؤاد متجنبها خالص.
تنهدت سميحة براحة وعاد لها الأمل من جديد بفضل كلمات فريال المطمئنة، وبعد قليل كان الجميع يجتمع حول طاولة الطعام، تعمدت سميحة مجاورة فؤاد والحديث معه بصوت خافت أثار حنق تلك المجاورة له بالمقعد الآخر، غرست الشوكة بقطعة من اللحم ومدتها باتجاه فم فؤاد لتقول بجرأة:
- دوق حتة اللحمة دي يا فؤاد وقول لي رأيك فيها، أنا اللي شوياها بنفسي.
اقتضمها منها تحت غليان قلب إيثار حيث اشتعل جسدها بالكامل من تقرب تلك الحية من زوجها، نعم هو زوجها هي فكيف لها أن تكون بتلك البجاحة وتتقرب منه هكذا، ضحك علام وهو يداعب ابنة شقيقه الغالي:
- اللي يسمعك يقول إن إنتِ اللي متبلة اللحمة ومجهزاها.
نطقت بدلال وهي تنظر إلى فؤاد:
- خلاص بقى يا عمو، مش لازم تكسفني قدام فؤاد وتعرفه إني مش بعرف أطبخ.
ضيق فؤاد عينيه باستغراب لتضحك فريال وهي تقول بمشاكسة:
- فؤاد مش بيهتم بالحاجات دي يا سو، فما تقلقيش.
- فريال... قالتها عصمت بحزم لتتابع بعدما وقفت:
- تعالي معايا نجيب باقي اللحمة من على الشواية.
تعجبت من حدة والدتها ونظرت للطعام الذي يملأ الطاولة إذًا فلا داعي لجلب المزيد وخصوصًا أن اللحوم بعيدة عن النار فلا خوف عليها من الاحتراق، لكنها انصاعت لأمر والدتها وتحركت بجانبها وما أن ابتعدا حتى هتفت بصوت خفيض كي لا يصل للآخرين:
- ممكن أعرف آخرة اللي بتعمليه ده إيه؟
مطت شفتيها لتسألها بدهاء:
- مش فاهمة يا ماما، تقصدي إيه؟
هتفت بنبرة صارمة:
- أقصد بنت عمك اللي فاجأتينا كلنا بعزومتك ليها على الغدا من غير ما حتى تبلغيني، وكلامكم ونظراتكم الغريبة لبعض، وكلامكم عن فؤاد.
واسترسلت بنبرة تحذيرية:
- اسمعيني كويس يا فريال واعتبري ده آخر إنذار لكِ مني، ابعدي عن أخوكِ ومراته وسيبيهم في حالهم، أخوكِ بيحبها فبلاش تعملي بينهم مشكلة بسبب بنت عمك.
ابتسمت بسخرية قبل أن تقول متهكمة:
- مرات مين يا ماما، هو حضرتك مصدقة إنها مراته بجد.
وأشارت بكف يدها نحو فؤاد المنسجم بالحديث والضحكات مع سميحة لتتابع ساخرة:
- هو فيه واحد بيحب واحدة يبقى قاعد يهزر ويضحك مع غيرها ولا عامل لوجودها حساب.
تنهدت عصمت بأسى لتسترسل الأخرى بإيضاح:
- إيثار قربت تكمل شهر في بيتنا، تقدري تقولي لي ليه لحد الوقت كل واحد منهم في أوضة لو فعلًا بيحبها زي ما حضرتك بتقولي؟!
- فوقي يا ماما وبلاش تعلقي نفسك بوهم مش هيتحقق.
لتتركها فريال وتنسحب لتنضم إلى الطاولة من جديد وتابعتها عصمت، أشار علام إلى أحد الصحون ثم قال قاصدًا ابنة شقيقه:
- ممكن تناوليني طبق السلطة يا سميحة.
- سو يا عمو، سو سو سو... نطقتها بطريقة أظهرت كم حنقها لتتابع وهي تغمض عينيها باستسلام:
- الله يسامحك يا بابي، من بين كل أسماء البنات مختارليش غير اسم تيتا.
ضحك ليجيبها متهكمًا:
- إنتِ كنتِ تطولي تتسمي على اسم سميحة هانم الحداد.
قلبت عليها بسأم وغيظ مفتعلين لتنطق بملاطفة:
- طبعًا، مين يشهد للعروسة.
لتجاريها بالحديث فريال التي قالت وهي تنظر لوالدها بمداعبة:
- ابنها.
أطلق الجميع ضحكاتهم، قرر ماجد المشاركة بالحديث الدائر برغم أنه لا يفضل كثرته:
- أكيد باباكي بيحبك جدًا ولكِ مكانة مميزة في قلبه بدليل إنه اختار لك اسم أغلى حد في حياته.
- أكيد، بس سميحة اسم قديم قوي... قالتها بعدم تقبل ليتابع الجميع الحديث عدا تلك الجالسة بصمت تام رغم محاولات علام وعصمت بإشراكها معهم لكنها ظلت متحفظة.
انتهى وقت الطعام وانتقلوا للجلوس حول حمام السباحة وظلوا يتبادلون الأحاديث فيما بينهم حتى أتى المساء، أما فؤاد فقد استغل وجود سميحة أسوأ استغلال بعدما لاحظ غيرة واشتعال تلك الشرسة، فأراد أن يزيد من نارها حيث طلب من سميحة مجاورته ليريها الحديقة والزهور النادرة الموجودة بها، انسحبت إيثار معتذرة متعللة بإصابتها بصداع نصفي لتصعد لغرفتها بعدما فقدت القدرة على السيطرة على حالها، خطت بساقيها للداخل لتفك حجاب رأسها لتلقي به بعنف فوق التخت، باتت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا بجسد ملتهب من شدة اشتعاله، اقتربت من النافذة لتنظر للأسفل فوجدت ما جعل قلبها يتحول لفوهة بركانية على وشك الانفجار حين رأت فؤاد يجلس أرضًا فوق النجيلة فاردًا ساقيه للأمام مستندًا بساعديه للخلف في مظهر جذاب أثارها هي شخصيًا، تقابله تلك الحقيرة المتكئة بكوعها على الأرض وتتمدد على جنبها بجسدها المفرود دون خجل أو حياء يمنعها، كانت ساقيها العاريتان مقابلة بوجه فؤاد مما أشعل جسدها بالكامل وجعلها تهرول إلى داخل الحمام لتخلع عنها جميع ثيابها وتنزل تحت صنبور المياه وتفتحه على البارد علها تهدأ من اشتعال روحها ولو قليلًا.
أما فريال فكانت تتمشى بجانب زوجها الذي تحدث بنصح:
- على فكرة، كل تصرفاتك مع فؤاد غلط، صدقيني هتخسريه لو فضلتي مكملة بالطريقة دي.
- حتى أنت كمان مش قادر تفهمني يا ماجد... قالتها بتأثر لتنطق بصدق ظهر بعينيها:
- أنا خايفة على فؤاد وعاوزة أنهي المسرحية دي بسرعة قبل ما يتأذي من علاقة ما لهاش ملامح.
تخطت الساعة التاسعة ليلًا وما زالت تراقبه من نافذتها تحت نظراته الخبيثة التي تراقب خيالها الظاهر برغم حرصها على ألا تظهر، وقف منسحبًا للأعلى وترك سميحة التي انتوت المبيت بالمنزل اليوم تحت ترحيب الجميع عدا عصمت الغاضبة مما يحدث، وصل لغرفته وما أن شرع بتغيير ثيابه وبالكاد ارتدى بنطالًا مريحًا ليجد خبطات سريعة وقوية تقتحم بابه، ابتسم لمعرفته لشخص الطارق وتنفس بعمق قبل أن يرسم الجدية على ملامحه وينطق قائلًا:
- اتفضل.
فتحت الباب لتتحرك سريعًا وتقف بمقابلته متلاشية عدم ارتدائه لملابس بالجزء العلوي من جسده، هتفت بنبرة حادة وعينين تطلق شزرًا توحي بمدى احتراق روحها:
- ممكن تفسر لي اللي عملته تحت قدام أهلك ده؟!
قطب جبينه بعدم استيعاب ليسألها بعدما قرر اللعب على أعصابها:
- مش فاهم؟
هتفت بحدة وجسد متشنج:
- أقصد ضحكك وهزارك الغير مقبول مع بنت عمك وكأني مش موجودة.
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيه قبل أن يضيق بين عينيه ويسألها متعجبًا:
- هو مش المفروض إن جوازنا صوري وهنتطلق بعد ما أضمن لك حضانة يوسف؟!
هز رأسه ليتابع مستفسرًا بتهكم:
- يبقى إيه اللي يزعلك في إني أهزر مع بنت عمي أو حتى أصاحبها؟
اشتعلت روحها من ردوده الباردة لتصيح بلهجة غاضبة:
- اللي يزعلني شكلي اللي خليته زي الزفت قدام أهلك وقدام اللي ما عرفش اسمها إيه دي كمان.
- سميحة... نطقها ببرود ليتابع بنظرات جادة:
- اسمها سميحة.
رفعت سبابتها أمام عينيه لتصرخ بعينين ملتهبتين من شدة غضبها:
- ما يهمنيش اسمها ولا هي مين أصلًا، كل اللي يهمني إنك تحترم وجودي وهي كمان تحترم نفسها وما تقربش منك.
بمنتهى الهدوء أمسك صباعها وأنزله للأسفل ثم تنهد ليقول بصوت خال من المشاعر:
- لو خلصتي كلامك ممكن تتفضلي على أوضتك علشان نعسان وعاوز أنام.
صاحت لتنطق بقوة متغاضية عن كلماته المهينة:
- مش همشي غير لما تجاوبني على سؤالي.
- اللي هو إيه سؤالك؟!
قالها مستفسرًا لتتابع هي بنبرة متألمة:
-إنتَ حكيت لأهلك عن مشاكلي مع إخواتي وقولت لهم إنك اتجوزتني شهامة وإن جوازنا مؤقت لحد ما أحل مشكلة الحضانة؟!
بملامح وجه قاسية أجابها باقتضاب:
-مقولتش أي تفاصيل غير لأبويا وده لأماني أنا وإنتِ، وعمري ما جبت سيرة إن جوازنا مؤقت ليه ولا لأي مخلوق، إنتِ اللي طول الوقت بتقوليها.
ابتلعت لعابها ليسألها بجبينٍ مقطب بعدما بدأ بربط الخيوط:
-الكلام ده وصلك منين؟!
تنهدت وفكرت بالبوح له عما أخبرتها به فريال، لكنها تراجعت لعدم إرادتها بافتعال المشاكل وزرع الفتنة بينه وبين شقيقته، هزت رأسها لتجيبه بصوتٍ خرج هادئًا:
-محدش قالي حاجة، أنا اللي حبيت استفسر إذا كنت اتجوزتني شهامة منك وحاطط في دماغك إنها فترة وهتطلقني ولا لا.
-خلصتي كلامك واستفساراتك؟!
قالها ببرود ليشير لها من جديد صوب الباب.
شعرت بكلماته القاسية تلك وكأنها نصل سكّينٍ حاد غرز في وسط قلبها لينهي عليه، ابتسمت ساخرة من حالها لتنطق بضعفٍ وقد لمعت عينيها من إثر الدموع:
-أنا آسفة يا سيادة المستشار، يظهر إني نسيت نفسي وتخطيت حدودي في البيت من جديد.
نطقت كلماتها وانطلقت مهرولة للخارج لتصل إلى غرفتها لترتمي بجسدها فوق التخت وتطلق العنان لدموعها الحبيسة.
********
ظل يتحرك داخل غرفته يجوبها بغضبٍ عارم وهو يشدد على خصلات شعره الغزير يسحبهُ للخلف بحدة يكاد أن يقتلعه من جذوره، توقف فجأةً لينظر باتجاه الباب ومن دون تفكير هرول للخارج ليقتحم باب غرفتها دون استئذان مما أفزع تلك الحزينة حيث تطلعت عليه بنظراتٍ هلعة تتمعن بهيأته الجنونية. أما هو فزاد جنونهُ حين رأى دموعها المنهمرة ليسألها بغضبٍ عارم:
-إنتِ عاوزة إيه بالظبط، ها؟! جيتي لي الأوضة ليه برغم إني مش فارق معاكِ! غيرانة عليا من بنت عمي ومرعوبة ليكون فيه بينا حاجة وقاعدة بتعيطي ليه؟!
ليصيح وهو يشيح بذراعيه بطريقة مسرحية:
-مش جوازنا صوري والهانم وخداني كوبري يعديها لبر الأمان هي وابنها؟!
ليستطرد بما زلزل كيانها رُعبًا:
-أحب ولا أصاحب ولا أتجوز ملكيش فيه بقى، أنا حر زي ما أنتِ حرة في قرارك اللي أخدتيه.
زادت شهقاتها وانهمرت دموعها أكثر وأكثر وهي تتطلع لحالته التي تراه عليها ليصرخ قائلًا بجنون:
-بطلي عياط وكلميني زي ما بكلمك.
تابعت شهقاتها وبصمتٍ وضعف هزت رأسها مما زاد من اشتعال جسده، لم يدري بحاله إلا وهو يهجم عليها كثور هائج فلت لجامه ليمسك بمعصمها بقسوة كادت أن تكسره ويجذبها بعنفٍ لتقف أرضًا أمامه تترنح بجسدٍ غير متزن ليهتف متجاهلًا حالتها بلهجة أشد:
-انطقي، أنا مش هسيبك النهاردة غير لما ننهي المسرحية السخيفة دي.
نطقت بحروفٍ متألمة:
-فؤاد أنا بحبك، بس خايفة.
هتف يسألها بصرامة وعيناه حادة:
-من إيه؟ خايفة من إيه وأنا معاكِ؟
واسترسل بلهجة أقرب للجنون:
-جاية تسأليني إذا كنت اتجوزتك شهامة وحاطط في دماغي إنها مرحلة مؤقتة وتنتهي ولا لاء؟!
نطق مبررًا ليثبت لها أنها حبيبته بالفعل لا بالكلام:
-ده أنا روحت كفر الشيخ علشان أجيبك إنتِ ويوسف وأنا مش عارف إذا كنت هطلع من هناك حي ولا جثة، ده ما يشفعليش عندك ويغفر لي غلطتي الأولى اللي مش قادرة تنسيها لي؟!
-أنا محتاجة أطمن يا فؤاد.
نطقتها بضعفٍ ودموعٍ مزقت بها قلبه ليهتف بجنون فقد أثارت غضبه وأوصلته تصرفاتها للهياج وانتهى الأمر:
-أطمنك إيه أكتر من إني اتجوزتك رسمي وجبتك على بيتي ووقفت بيكِ قدام أهلي وبكل فخر واعتزاز قولت لهم دي مراتي؟!
واسترسل وهو يهز رأسه باستسلام وحيرة:
-إيه المطلوب مني تاني علشان أثبت لك إني بحبك وبحترمك وعاوزك زوجة في النور، زوجة أكمل معاها باقي حياتي في استقرار وحياة طبيعية، قولي لي أعمل لك إيه تاني؟
صرخ بجملته الأخيرة لتنطق بضعف بعدما مالت برأسها تترجاه عينيها:
-أنا آسفة.
سألها بحدة مستفسرًا:
-يعني إيه آسفة؟
-آسفة.
كررتها هامسة بعينين متوسلة ليصرخ بجنون وهو يشدد من قبضته على رسغها:
-على إيه؟ آسفة على إيه بالظبط؟!
نطقت بكلماتٍ متقطعة بفضل بكائها الحاد:
-آسفة إني تعبتك معايا ووصلتك للحالة دي، فؤاد أنا بحبك زي ما أنتَ بتحبني ويمكن أكتر.
انتفض قلبه وهو يستمع لكلمة "أُحبك" للمرة الأولى من بين شفتيها لتتابع هي بدموعها الكثيفة:
-بس أنا خايفة ومحتجاك تطمن خوفي وتحتويني.
رفع كتفيه للأعلى وأنزلهما ليسألها باستسلام:
-طب قولي لي إزاي، وأنا هعمل اللي يريحك ويطمنك.
أجابتهُ هامسة:
-خليك معايا ومتسبنيش.
-ما أنا معاكِ، أنا أمتى سيبتك ولا بعدت؟!
قالها بعينين حائرة لم تجد برًا ترسو عليه مع تلك المشتتة التي أرقت مشاعره وساقتهُ لدرب الجنون، تنهدت بعمقٍ قبل أن تتخذ قرارها وتباغتهُ بإلقاء حالها داخل أحضانهُ لتتجرأ أكثر وهي تلف ذراعيها حول عنقه لتتعلق به تعبيرًا منها عما لا تستطع الكلمات شرحه ولا يساعدها لسانها بقوله، زادت من جنونه حين اقتربت بشفتيها من عنقه لتطبع به قُبلة متعمقة جعلت من كل ذرة بجسده تنتفض، همس بجانب أذنها يسألها للتأكيد، هو يريدها بجنون ولكن، سيتحمل لأجل أن يحسم الأمر كي يغلق عليها كل أبواب العودة:
-معناه إيه اللي عملتيه ده؟
-بحبك.
كلمة نطقت بها للمرة الأولى وهي تلامس جلد عنقه بحالمية زلزلت بها كيانه وكانت كفيلة للرد عليه لكنه لم يكتف ليسألها كي يضع الأمور في نصابها الصحيح:
-يعني إيه بتحبيني؟ إيه اللي لازم أفهمه من الكلمة دي؟
أبعدها عن أحضانه مجبرًا ليتعمق بمقلتيها، أخفضت عينيها للأسفل بخجلٍ لتواريهما عنه مع اشتعال وجنتيها بحمرة الخجل مما جعله يمد أنامله أسفل ذقنها رافعًا وجهها إليه ليهمس متابعًا برقة وحنان:
-عاوز رد واضح؟
ابتلعت ريقها وهي تقول على استحياء وعيناها تنطقان بالوله والاحتياج يصرخ بهما:
-يعني عوزاك معايا يا حبيبي.
لمسات أناملها التي تتحرك فوق عنقه الخلفي لتصعد لخصلات شعره تداعبه برقة مع صرخات عينيها المتوسلة زلزلت كيانه ليشعر باهتزاز جسده وتصلب جميع شرايينه ليقول مستفسرًا بشفتيه الغليظة:
-إنتِ قولتي إيه؟
حركت أهدابها عدة مرات لتضغط على شفتها السُفلى مما جعل دقات قلبهُ تُسرع، كاد أن يقترب عليها ليدخلها بين ضلوعه ويشدد من احتضانها علهُ يطفئ نيران قلبه الشاعلة بعشق تلك الحورية لكنه صمد ليرى رد فعلها لتنطق هي بخجلٍ ظهر جليًا بصوتها:
-عوزاك معايا.
-يا إيه؟
نطقها متلهفًا منتظرًا إجابتها بشفاه مرتعشة لتجيبه بصوتٍ أنثويٍ ناعم وابتسامة سلبته لبه:
-يا حبيبي.
-إنتِ عارفة إنتِ عملتي فيا إيه بكلمتك دي؟
نطقها بصوتٍ هامس ليكمل مسترسلًا بعينين هائمتين:
-طلعتيني لسابع سما، لدرجة إني حاسس إني طاير وعاوز أغرق في بحر هواكِ.
-وإيه اللي مانعك؟
نطقتها بدلال أفقدهُ عقله ليجيبها متوجسًا:
-خايف.
-من إيه؟
ليجيبها بصوتٍ يشوبهُ الخوف من خيبة الأمل:
-لتوقعيني على جدور رقبتي زي ما عملتي المرة اللي فاتت.
ابتسمت لتنظر بصرها خجلًا وهي تدعوه صراحةً:
-طب ما تجرب، هتخسر إيه؟
تنهد لينطق بلهجة تحذيرية:
-المرة دي مفيهاش رجوع يا إيثار، لو دخلت جنتك مفيش قوة هتجبرني على إني أخرج تاني، هحبسك جوايا حتى لو كان ده ضد رغبتك.
همست وهي تعبث بزرائر قميص بيجامته بجرأة جديدة عليها لتقول وهي تميل برأسها بدلال أجهز على ما تبقى لهُ من صبرٍ لديه:
-ومين قالك إنه هيكون ضد رغبتي.
قالتها وهي تقترب منه ليسألها بمشاكسة:
-قد كلامك؟
ابتسمت لتهز رأسها بإيجاب بنظراتٍ خجلة أثارت جنونه، مال يطبع بشفته قبلة رقيقة بجانب شفتها السفلى حاسمًا أمره بعد كلماتها الرقيقة تلك لينحني عليها رافعًا إياها بين ساعديه القويين وصار متوجهًا بها ناحية الفراش ليضعها برفقٍ فوقه ثم اتجه لباب الغرفة يوصدهُ للأمان وشرع بخلع ثيابه وانضم إليها لينتهي إلى هنا حديث الكلمات ويبدأ معًا حديثًا من نوع آخر لا مكان فيه للكلمات، ليطلقا العنان لمشاعرهما المكبوتة لتعبر عن مكنون العشق الجارف الذي يحملهُ كلاهما للآخر.
باتا يتذوقان شهد الغرام لوقتٍ غير معلوم لكليهما، فقد توقف الزمان عند هذه اللحظات ليتناسيا نفسيهما وفقط كل ما يتذكراه الآن هو الشعور الهائل بالسعادة التي ولأول مرة يصلا له، فحقًا كل شيءٍ من الحبيب مختلف وله نعيمهُ الخاص، العناق، القبلات الهمسات وحتى النظرات لها رونقًا خاصًا ولغة لا يعلمها سوى العاشقين.
بعد مدة كان يستند بظهره على خلفية تختهما يشدد بذراعيه على تلك الجالسة فوق ساقيه وهو يسكنها بأحضانه ويشدد عليها كمن يخشى هروبها، عيناهُ مغمضتان والابتسامة العريضة تملأ ملامح وجههِ المنتعشة، "ما أشبه الليلة بالبارحة"، فقد كان أشبه بأرضٍ يبست وتشققت من شدة جفافها والآن بعد أن ارتوت ترعرعت أوراقها الخضراءُ لتتراقص مع نسمات الفجر الباردة، أما هي فلم يختلف حالها بالكثير عن حبيبها، فقد ذابت وانصهرت روحها لتتوحد بخاصته، ظلا يتطلعان بأعين بعضهما بصمتٍ كان أبلغ من الكلام، استمعا لطرقاتٍ فوق الباب لتنتفض تختبئ بأحضانه ليضحك مقهقهًا على هيأتها المثيرة للضحك، لامتهُ عينيها ليطمئنها وهو يهمس بكلماته بجوار أذنها:
-إهدي يا حبيبي، إنتِ في حضن جوزك وحمايته.
ابتسمت بسعادة لتحاوط وجنتيه بأناملها الرقيقة واقتربت تطبع قبلة تثبت لنفسها قبله أحقيتها بملكيته:
-أيوه يا فؤاد، إنتَ جوزي حبيبي، ملكي أنا وبس.
كان يستمع لها بعينين مغمضة وجسدٍ متخدر من إثر كلماتها الأشبه بالسحر، مال على شفتيها ليقول بسحرٍ:
-أيوة يا قلب فؤاد من جوة، أنا ملكك وإنتِ ملكي.
انتفض جسديهما ليبتعدا حين تعالت الطرقات من جديد، تحمحم وهو يقول:
-هشوف مين السخيف ده وأرجع لك على طول.
ترجل من فوق التخت وأمسك بثيابه ليرتديها على وجه السرعة ثم توجه للباب وفتحه بحذرٍ ليتفاجأ بعزة تحمل الصغير فوق كتفها غارقًا بغفوته بعدما قضى يومه باللعب مع الصغيرة وعلام، جحظت عينيها لتسأله ببلاهة:
-فؤاد باشا، إنتَ بتعمل إيه هنا؟
-مستني المترو.
قالها باستخفاف لتنطق ببلاهة:
-ها؟
تحمحمت بعدما فهمت ما يحدث من مسكة يده المتشبثة بالباب لينطق هو بهدوء:
-خدي يوسف يبات معاكِ النهاردة ومن بكرة الأوضة دي هتبقى بتاعتك إنتِ وهو.
واستطرد بجدية:
-عاوزك بكرة تقفي مع وداد وتنقلي كل حاجة إيثار لجناحي.
-آه.
قالها بتذكر تحت ذهول تلك الواقفة ليتابع:
-نبهي عليهم تحت محدش يصحينا بكرة، إحنا هنصحى براحتنا.
-ألاَ، هو أنتَ هتبات هنا يا باشا؟!
سؤالًا نطقته عزة ليضيق عينيه ثم بملاطفة رد عليها مقتبسًا كلمتها:
-ألاَ، ليكون عندك مانع يا عزة هانم.
اتسعت عينيها وامتلى وجهها بالسعادة لتنطق بلهجة شديدة الحبور:
-مانع إيه بس يا باشا، ده أنا هاين عليا أملى القصر كله زغاريد من كتر فرحتي.
وضع كفه يتلمس وجنة الصغير لينطق بنبرة حنون:
-طب يلا انزلي علشان الولد ما ياخدش برد منك.
سألته من جديد:
-هو أنتَ مش هتروح الشغل بكرة يا باشا؟
رفع حاجبه الأيسر ليقول من جديد باستسلام:
-هو أنا يا عزة مش لسه قايل لك محدش يصحينا بكرة؟
-تمام يا باشا، تصبح على خير.
قالتها وتحركت للأسفل ليوصد الباب جيدًا ثم استدار لتلك المتشبثة بالغطاء خشيةً من أن تراها عزة بذاك الوضع، قهقه عليها وانضم لجوارها ليسحبها داخل أحضانه ليهمس أمام شفتيها:
-هو حبيبي مكسوف لحد يعرف اللي حصل بينا ولا إيه؟
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تضع كفيها تحيط بهما وجنتيه واقتربت تستندُ بجبهتها على خاصته وهي تهمس بولهٍ ظهر بعينيها المغرمتين:
-من النهاردة مش هتكسف وهدافع عن حقي فيك بكل قوتي يا حبيبي، إنتِ نصيبي الحلو اللي ربنا كان شايلهولي.
وتابعت بقوة وإصرار:
-ومن النهاردة مش هسمح لمخلوق يبعدنا عن بعض تاني.
قطب جبينه ليسألها مستفسرًا:
-وهو مين كان بعدنا أولاني يا قلب حبيبك؟!
ابتسمت واقتربت تطبع قُبلة فوق شفته لتهمس بنبرة نادمة:
-غبائي وضعفي هما السبب.
دفعها بقوة لتنبطح فوق الفراش ليميل عليها قائلًا:
-همحيهم لك، ومن النهاردة مش هسمح لك تخرجي من حضني تاني.
قالها وسحبها معه بعنفٍ لعالمٍ من الخيال لا يوجد به سواهما وفقط.
رواية انا لها شمس الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم روز امين
أشرقت الشمس من جديد لتدب الحياة بقصر علام زين الدين، حيث يعمل جميع من بالمطبخ على قدم وساق لتجهيز مائدة الفطار قبل أن تتجمع أفراد العائلة حولها ككل صباح. تحركت عزة وتطلعت لحركة الجميع النشطة باستحسان وانبهار بتنظيمهم. وقفت في المنتصف تتطلع إلى تلك الواقفة بلباسها الأنيق تباشر العاملات لتنطق هي بصوت مرتفع متعمدة ليصل للجميع:
- مدام سعاد.
التفتت إليها سعاد لتتابع بنفس الصوت الحماسي:
- فؤاد باشا قال لي امبارح بالليل أبلغك إنه نايم في جناح الست إيثار، وبيقولك محدش يصحيهم، هما هيقوموا بمزاجهم.
تطلعت جميع العاملات إلى بعضهن وبدأن بالهمس والأحاديث الجانبية فيما بينهن، لترفع سعاد قامتها قبل أن تسألها:
- هو الباشا مش هيروح النيابة النهاردة؟!
نطقت وهي ترفع قامتها في محاولة منها لتقليد تلك الراقية:
- لا، هو قال لي يا عزة أنا مش هروح الشغل بكرة ومحدش يقلقنا علشان هنام متأخر.
ضحكت العاملات بخفوت لترمقهما سعاد بحدة وتعود ببصرها إلى تلك التي تابعت بكبرياء يرجع لتفضيل فؤاد لها عن سعاد بذاتها برغم مكانتها المرتفعة بالمنزل:
- وقالي كمان، خلي سعاد تجهز نفسها هي وكام بنت علشان يطلعوا يساعدوكي وأنتِ بتنقلي حاجة الهانم لجناحي الخاص.
لتسترسل بسعادة وتفاخر:
- وقال لي يا عزة، طلعي حاجتك في جناح الهانم علشان من النهاردة ده هيبقى جناحك أنتِ ويوسف.
تنفست سعاد بضيق لتهتف وداد تسألها بتطفل:
- يعني إيثار هانم هتعيش خلاص مع الباشا في جناحه؟!
هزت رأسها عدة مرات دلالة على التأكيد لتهتف إحدى العاملات بحفاوة:
- المفروض نجهز فطار العرايس من الوقت، فطير وعسل.
لترد عليها أخرى بمشاكسة:
- ومتنسيش الحمام، الباشا بتاعنا بيحبه.
هتفت أخرى بعدما قررت المشاركة في ذاك السباق:
- وهو الباشا محتاج الحمام، ده الله أكبر عليه.
انطلقت ضحكات جميعهن لتصيح سعاد بنبرة صارمة:
- سكوت، مش عاوزة أسمع نفس واحدة فيكم.
دارت بعينيها الثاقبة بينهن لتتابع بصرامة أرعبتهن:
- شوفي شغلك منك ليها بدل الرغي والكلام الفاضي، الدكتورة لو صحيت وملقتش السفرة جاهزة كلكم هتتجازوا.
ثم استدارت تتطلع لتلك العزة والتي أخذت أوامر من عصمت وفؤاد بشخصه بأن يتعامل الجميع معها باحترام وأنها ليست بعاملة بل إيثار تعاملها كشخص من عائلتها، لذا فقد حرصت عصمت على احترام تلك النقطة كي لا تثير حزن تلك الخلوقة التي استطاعت جذب نجلها الغالي إليها. تحدثت إليها باحترام وهدوء:
- حاضر يا عزة، لما الباشا الصغير يصحى هنطلع مع بعض ننفذ أوامره.
مالت عزة بجانب أذنها لتسألها بتمعن:
- هو أحنا مش هنعمل لهم فطار يرم عضمهم؟
قطبت الأخرى جبينها متعجبة للكلمة لتسترسل الأخرى:
- الباشا هيقوم هفتان أكيد، ولازم له أكلة حلوة تروم عضمه.
تحمحمت سعاد لتقترب عليها قبل أن تسألها لتتأكد لتبلغ سيدتها:
- أنتِ متأكدة إن الباشا والهانم؟
تحمحمت بخجل لتعيد عليها:
- يعني، تمموا جوازهم بجد؟
لوت فاهها لتجيبها باستياء يرجع لتشكيك الأخرى بحديثها:
- وأنا يعني هضحك عليكِ؟
لتسترسل بثرثرة وهي تشير بكفها:
- طب ده أنتِ لو شفتي شكله وهو بيفتح لي الباب، شعره كان منكوش وهدومه...
- خلاص خلاص...
صاحت بها المرأة وهي تشيح بكفها لتصمتها قبل أن تتجرأ في الوصف أكثر. تنهدت عزة لتسألها من جديد:
- بردوا مقولتليش، هنعمل لهم فطار إيه؟
رفعت المرأة قامتها قبل أن تنطق بجدية:
- هسأل الدكتورة لما تصحى، وهي هتقول لنا.
بالأعلى، فاقت سميحة ووقفت أمام مرآة الزينة المتواجدة بالغرفة المجهزة لاستقبال الضيوف تستعرض الثوب الذي أحضرته لها فريال لترتديه بدلًا عن ملابسها التي حضرت بهم واتسخت. ابتسمت بسعادة وهي تتطلع لبهائها وجمال شعرها الأشقر المجعد التي فردته فأعطاها مظهرًا حيويًا لفتاة عصرية. أخرجت أنينة عطرها من حقيبة يدها ونثرت من رذاذه فوق عنقها وفتحة صدر الثوب ثم أخرجت أحمر شفاه باللون النحاسي وبدأت بضم شفتيها لتضعه بتمهل. وما أن انتهت تطلعت على حالها بخيلاء. ثم تحركت سريعًا كي تحضر الفطور من بدايته لترى حبيبها وتسعد قلبها وعيناها برؤياه البهية. تحركت للخارج لتتابع طريقها داخل الممر المؤدي للدرج، وأثناء مرورها تصادف خروج فريال وزوجها من باب جناحهما الخاص. توقفت تتبادل معهما الابتسامات وهي تقول:
- صباح الخير.
ردوا التحية وانسحب ماجد ليسبقهما للأسفل لتسألها فريال بملامح متعجبة:
- صاحية بدري ليه، ده أنا قولت هتنامي لحد أذان الظهر!
أجابتها بإيضاح:
- أنتِ ناسية إني كنت بحضر ماجستير في بريطانيا، وهناك كنت بقوم بدري جدًا.
تحركا حتى وصلا إلى جناح فؤاد لتسألها بصوت هائم:
- هو أنا ممكن أدخل عند فؤاد، يعني علشان أستعجله؟
ضحكت بمرح لتجيبها وهي تسحبها من يدها صوب الباب:
- تعالي نستعجله أنا وأنتِ، تلاقيه لابس وجاهز على النزول.
طرقت بخفوت عدة مرات وحينما لم تجد ردًا فتحت الباب بهدوء لتطل برأسها وباتت تتطلع على المكان باستغراب، حيث وجدت الحجرة فارغة وستائرها مغلقة لتتطلع على الفراش بتعجب لترتيبه الزائد عن الحد. تنفست بهدوء لتعود للخلف وهي تغلق الباب تحت تعجب سميحة لتقول الأخرى:
- مش موجود، أكيد عنده شغل بدري ونزل.
سألتها بعينين متلهفة:
- يعني هلاقيه لسة تحت ولا مشي على شغله؟!
أجابتها فريال وهما تتحركان صوب الدرج:
- فؤاد مبيخرجش قبل ما يفطر، وشغله مبيبدأش قبل تسعة.
دخلتا معًا لحجرة الطعام حيث الجميع جالسون حول طاولة الطعام عدا العاشقين الغارقين بالأعلى بأحضان بعضيهما. رحب الجميع بسميحة لينطق عمها بحفاوة وهو يشير على المقعد المجاور لزوجته:
- تعالي يا حبيبتي اقعدي جنب طنط عصمت.
ابتسمت لها عصمت لتنطق هي قبل الجلوس:
- هو فؤاد فين؟!
نطقت عصمت بجمود وعدم ارتياح للوضع الذي فرضته فريال على الجميع:
- شوية وهينزل، اقعدي يا حبيبتي.
سحبت المقعد لتجلس عليه بهدوء قبل أن تقول باستغراب:
- هينزل منين؟!
فؤاد مش في أوضته يا طنط.
تغيرت ملامح عصمت لحادة قبل أن تسألها بجدية وصرامة ترجع لعدم قبولها لتعدي أحدهم الأصول والاحترام بمنزلها:
- وإنتِ عرفتي منين إنه مش في أوضته؟!
ارتبكت من لهجة عصمت الحادة لتنقذها فريال التي تدخلت لانتشالها من صرامة والدتها التي لا تتهاون مع الخطأ أبدًا:
- أنا عديت عليه يا ماما وإحنا نازلين، ولقينا الجناح فاضي ومترتب.
قطبت عصمت جبينها ونظرت لزوجها الذي فهم سريعًا ما حدث لما لديه من فطانة، وأيضًا كان واضحًا له من نظرات إيثار وغيرتها المستعرة بعينيها على زوجها، وأيضًا راقب نظرات نجله حيث كان يتعمد إثارة الغيرة بقلبها وهو يراقب رد فعلها دون ملاحظتها للأمر. تحمحمت عصمت التي لم تفهم نظرات زوجها إلى الآن لترفع صوتها تستدعي كبيرة العاملات:
- سعاد، سعاد.
أتت المرأة لتقف منحنية قليلًا وهي تقول باحترام:
- أفندم يا دكتورة.
تعمدت نطق سؤالها بهذا الشكل كي تقطع الأمل على تلك سميحة التي استدعتها ابنتها لمهمة التفريق بين نجلها ومن اختارها فؤاده:
- فؤاد باشا والهانم ما نزلوش لحد دلوقت ليه؟!
تحمحمت المرأة واقتربت لتميل بجانب أذنها لتخبرها بما قصته عليها عزة. لا تعلم ماذا حدث لقلبها، فقد انتفض وعلت دقاته من جمال المفاجأة. ظهرت السعادة جليًا فوق ملامحها لتسألها بتأكيد:
- إنتِ متأكدة؟!
أومأت لتجيبها بهمس:
- أنا بنفسي طلعت واتأكدت إن جناح معاليه فاضي وما نامش فيه إمبارح يا دكتورة.
شملت كيانها راحة تامة لم تشعر بمثلها منذ الكثير لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تقول:
- تمام، خلي البنات يطلعوا يوضبوا الجناح كويس وشوفي لو ناقصه حاجة بلغيني.
- تحت أمرك يا دكتورة.
قالتها المرأة وانصرفت لتتحدث عصمت بحبور لم تستطع تخبئته:
- فؤاد بايت في أوضة مراته وواخد أجازة من شغله النهاردة.
صوت ضحكة خرجت مكتومة من ماجد الذي تخيل واقع الخبر على زوجته التي خططت وكان للقدر وشقيقها رأي آخر. سعلت سميحة بشدة حيث توقف الطعام في حلقها فور استماعها لذاك الخبر الذي أنهى الأمل بداخلها من جديد بعد أن تجدد بفضل تشجيع ابنة عمها. ناولت عصمت كأس الماء لتنطق بهدوء:
- اشربي يا حبيبتي وخلي بالك.
أما فريال فهتفت متسائلة بحدة خرجت رغمًا عنها:
- مين اللي قال لحضرتك الكلام الفارغ ده يا ماما؟!
تعجب علام من هجوم صغيرته وثورتها العارمة التي ظهرت بعينيها المعترضة ليسألها متعجبًا بمنطقية:
- وإيه العجيب والفارغ من بيات راجل في أوضة مراته يا فريال؟!
- آسفة يا بابا، خاني التعبير.
قالتها بصوت محبط وهي تنظر للأسفل، أما سميحة فحالها أصبح حال، فقد أتت متحمسة بعد استدعاء فريال لها وإعطائها أملًا لتكتشف اليوم أنه كان زائفًا وتحول من جديد لسراب.
استمع الجميع لصوت بكاء الصغير الآتي من الخارج وأيضًا صوت عزة وهي تهدهده وتحاول إلهائه. استدعاها علام لتلج إليهم ليسألها عن سبب بكائه وهو ينظر للصغير بحنان فهو منذ أن حضر للقصر قد ملأه مرحًا وسعادة ترجع لقبول قد وضعه الله في قلب كل من يراه. أجابته بهدوء:
- أصله عاوز مامته يا باشا.
- ومستنية إيه، ما طلعيه عندها.
جملة حادة نطقت بها فريال لتجيبها تلك الثرثارة التي انفتحت بالحديث كعادتها:
- مينفعش يا هانم، سيادة المستشار منبه عليا محدش يطلع يصحيهم، وقالي إحنا هنصحى بمزاجنا، أصل سعادته أخد أجازة النهاردة، ويمكن ياخد باقي الأسبوع كمان.
لتسترسل بسعادة ظهرت جليًا بصوتها وفوق ملامحها:
- عرسان بقى، عقبال ولادك.
هتفت متذكرة وهي تنظر إلى عصمت:
- إلا بالحق يا دكتورة، هو أحنا مش هنعمل فطار يليق بالعرسان؟
ابتسمت عصمت لتتابع الأخرى بثرثرة ليست بجديدة عليها:
- أصل سألت الست سعاد وقالت لي هبقى أسأل الدكتورة، ولحد دلوقت ما ردتش عليا.
تنفست براحة لتجيبها بحبور ظهر بصوتها:
- ادخلي المطبخ واعملي كل اللي تشوفيه مناسب، والبنات معاكِ هيساعدوكي، ولو محتاجة حاجة من برة خلي سعاد تطلبها لك.
لتسترسل بنبرة سعيدة وهي تنظر إلى ماجد:
- خدي لي أجازة عارضة من الشؤون يا ماجد.
واستطردت وهي تنظر لزوجها الضاحك:
- ما يصحش أسيب العرسان في يوم زي ده.
أجابها باحترام:
- تحت أمرك يا دكتورة.
وتابع هامسًا بعدما مال على أذن زوجته:
- أهو أخوكِ بنفسه حسم لك الأمر، اهدي بقى وتقبلي الوضع، وبلاش تنكشي في مواضيع ممكن تفسد علاقتك بأخوكِ.
تنهدت بخيبة أمل وهي تنظر لابنة عمها حيث سيطر الحزن عليها والتزمت الصمت التام.
تحدث علام وهو يشير للصغير الذي توقف عن البكاء إثر هدهدة عزة له:
- تعالى يا يوسف اقعد على حجري علشان تفطر معايا.
نطق بصوت خافت:
- ميرسي، أنا أكلت مع عزة.
- أنا أكلته يا باشا، هخرجه يلعب شوية في الجنينة على ما مامته تصحى.
قالتها عزة لتنسحب الصغيرة من المقعد المجاور لأبيها وهي تستأذن من والدتها:
- مامي، أنا هروح ألعب في الجنينة مع چو.
- أوكِ يا بيسان.
نطقتها بهدوء لتلتفت إلى عزة وهي تقول بتوصية:
- خلي بالك منها يا عزة، وإوعوا يروحوا ناحية البيسين.
- حاضر يا مدام.
تحركت عزة بالصغار لتهب سميحة من مقعدها وهي تقول باقتضاب:
- بعد إذنكم.
سألها علام بحنو:
- رايحة فين يا سميحة، إنتِ ما أكلتيش حاجة لسه.
- ما ليش نفس يا عمو.
قالتها وانسحبت للخارج لتتطلع عصمت لابنتها بنظرات لائمة لما فعلته بابنة عمها، ليهمس زوجها بنبرة لائمة:
- ضميرك مرتاح باللي عملتيه في بنت عمك، كان إيه لزمته كل ده يا فريال؟!
شعرت بالخزي لتقف بهدوء وهي تقول:
- هروح أشوف سو.
صعدت لغرفة الضيوف وجدت ابنة عمها تبكي بغزارة. جلست بجوارها لتهتف الأخرى بنبرة حانقة ودموعها تنهمر بغزارة:
- أنا عاوزة أعرف أنا فيا إيه مش عاجبه علشان يسيبني مرتين، أول مرة فضل عليا نجلا واتجوزها وفي الآخر طلعت نصابة وكانت هتوديه في ستين داهية، والمرة دي فضل عليا واحدة مطلقة وعندها ولد ومستواها المادي لا يشرف عيلتنا ولا يناسبه.
تحدثت الأخرى بهدوء:
- ممكن تهدي.
- أهدى إزاي يا فيري وفؤاد كل مرة بيتعمد يهيني.
قالتها بصريخ لتتابع بمرارة:
- فؤاد مش غبي علشان ما ياخدش باله من إني بحبه.
ردت فريال على حديثها باستسلام:
- مشكلة فؤاد إن طول عمره شايفك أخته الصغيرة.
هتفت الأخرى بعينين لائمة:
- ولما أنتِ شايفة كده وعارفة إنه بيحبها كلمتيني وأديتيني أمل ليه يا فيري؟! ما أنا كنت بعيدة وبحاول أنساه وأشغل نفسي بالماجستير وشغلي.
ابتلعت لعابها لتنطق بكلمات تعلم من داخلها عدم صحتها لكنها مصرة على إبعادها عنه من شدة ارتيابها على شقيقها الغالي:
- صدقيني فؤاد مش بيحبها.
واسترسلت بحديث هرائي:
- تلاقيه كان رايح يتكلم معاها في موضوع ونعس ونام عندها.
- إنتِ مصدقة نفسك يا فريال؟!
سؤالًا وجهته لها سميحة باستياء لتتابع باستسلام وهي تنهض:
- أنا لازم أمشي قبل ما فؤاد يصحى، مش لازم يشوفني وأنا بالضعف ده.
جذبت يدها للأسفل لتحثها على الجلوس وهي تقول:
- هتمشي تروحي فين، إنتِ لازم تبقي أقوى من كده، عاوزة تنسحبي من أول جولة، صدقيني، هتلاقيها هي اللي رامية نفسها عليه علشان تكمل خطتها.
هتفت باعتراض غاضب كي لا تدع حالها تتعلق بأمل ومن جديد يتحول إلى سراب:
- أخوكِ اللي رايح لها أوضتها يا فريال، لو العكس كنت قولت لك جايز، لكن فؤاد هو اللي بايت عندها وكمان أخد لها أجازة، وده ما لوش غير معنى واحد، وهو إن فؤاد عاوزها بإرادته.
- طب ممكن تهدي ونقعد نتكلم شوية.
نظرت لها لتهتف متذكرة بنبرة عاتبة:
- تعالي هنا يا ست فيري، إنتِ إزاي تخلي بيسان تختلط بالولد ابن السكرتيرة؟!
قطبت فريال جبينها لتتحدث باستغراب:
- وإيه المشكلة لما بنتي تلعب معاه، على فكرة الولد متربي كويس جدًا وطبعه هادي.
رفعت حاجبها لتهتف باستنكار:
- يا سلام، وهو علشان هادي تسيبي بنتك معاه، الولد من بيئة غير بيئتنا يا فريال.
أخذت فريال نفسًا مطولًا ثم تحدثت بقناعة وصدق:
- بصي يا سو، موضوع الطبقات ده أنا ما بعترفش بيه خالص، بابا وماما ربونا على كده، وأنا شايفة إن طالما الإنسان اللي قدامي متربي كويس ما عنديش مانع يبقى صديق مقرب مني.
هزت الأخرى رأسها متعجبة لتنطق بسؤال منطقي:
- إنتِ غريبة قوي، طب لما هو ده تفكيرك إيه وجه اعتراضك على إيثار؟!
وكأنها تحولت لقطة شرسة تخربش بأظافرها الحادة كل من يقترب من صغارها لتنطق بحدة ظهرت بعينيها قبل صوتها:
- الموضوع هنا مختلف يا سو، الموضوع هنا يعني أمان أخويا وسعادته، وأنا لا يمكن هسمح لأي حد يقرب منه على سبيل التجربة، يعني يا طلعت بنت حلال وكويسة، يا طلعت نسخة مكررة من الحقيرة نجلا وتكرر مأساة أخويا تاني.
واستطردت بعقدة داخلية تكونت نتيجة حبها الشديد لشقيقها وهلعها من تكرار تجربته المريرة التي عاشتها معه بكل جوارحها وأثرت بداخلها:
- علشان كده فؤاد لازم يتجوز حد نعرفه كويس، والحد ده هو إنتِ بالذات يا سو، علشان إنتِ أكثر حد مناسب لفؤاد، بنت عمنا وعارفين أصلك وفصلك، وعندك الفلوس اللي تخليكي ما تطمعيش ولا تفكري تخوني فؤاد، وفوق كل ده إنتِ بتحبيه وأكيد هتسعديه بكل الطرق.
باتت تحاول إقناعها لتبقى ويكملَا تخطيطهما المفيد لكلتيهما.
أما بالأسفل فكان علام يتناول القهوة بصحبة زوجته التي لم تسعها الفرحة. تنهدت وهي تقول بانتشاء:
- يا يا علام، ما تتصورش فرحتي قد إيه النهاردة.
ابتسم وربت على كفها بحنان لينطق بحب:
- ربنا يكمل فرحتك على خير يا حبيبتي ونسمع خبر يفرح قلوبنا قريب.
هتفت بقلب يتراقص من شدة سعادته:
- يا رب يا علام يا رب، البنت كويسة جدًا وهادية، وما شاء الله على تربيتها لابنها، يعني إن شاء الله هتكون أم هايلة وتليق بإنها تربي أولاد فؤاد علام.
- وإنتَ بردوا هتسيبيها تربي حفيدك يا دكتورة؟!
نطقها ليطلق ضحكة مدوية توحي لمدى سعادته لتبتسم وهي تجيبه بملاطفة:
- مش هضحك عليك وأقول لك إني هسيب لها حرية تربيته بالكامل.
واسترسلت بمشاكسة:
- بس ممكن أخليها تشاركني فيها.
أطلقا ضحكاتهما السعيدة وأكملا الحديث.
**********
بالأعلى، كانت تضع خدها فوق صدره العريض وهي تغط في سبات عميق بوجه يبدو عليه الراحة، تغطيه بعض خصلات شعرها الحريري بلونه الأسود الذي أظهر بشرتها الحليبية. جسدها محاطًا بجسد ذاك المتملك حيث يشدد ذراعه الأيسر حول خصرها لاصقًا إياها بجسده والذراع الآخر يلفه حول كتفها بتملك. أما هي فكانت رأسها تتوسط صدره واضعة كفها الصغير على كتفه. تململت تحرك جسدها بهدوء فشعر بحركتها ليفتح عينيه ويرى أجمل مشهد رأته عينيه وتمناه منذ أن رآها وذاب بغرام عينيها. فطالما حلم بامتلاكها زوجة شرعية له لتغفو بأحضانه ويصحو على أجمل ابتسامة. وضع أنامله يزيح بها خصلات شعرها ليرى كامل ملامحها ويسعد قلبه. شعرت بحركة فوق وجنتها فحركت أهدابها تحاول فتحهما لتغمضهما من جديد وعلى الفور فتحتهما على مصراعيهما حين شاهدت ابتسامته الخلابة وعينيه المغرمتين وهو يتطلع عليها بتمعن ووله. زادت ابتسامته ليتحسس وجنتها بنعومة قبل أن يهمس بصوت متحشرج من إثر النوم:
- صباح الخير.
تمطأت بدلال أنثوي بين ذراعه المكبلة لها لتجيبه براحة وسعادة واستجمام ظهروا بعينيها:
- صباح النور يا حبيبي.
أحقًا هي الآن بين يديه وداخل أحضانه، لم يستوعب إلى الآن أن ما حدث بينهما بليلة أمس وامتلاكه لها حقيقة لمسها وعاش بداخلها أم أنها حلم راوده من شدة اشتياقه لضمتها. تحسس وجنتها لينزل بإبهامه على شفتها الممتلئة ويمررها ليتأكد من حقيقة وضعه لصك ملكيته عليها. تنهد لينطق بصوت يفيض عشقًا وحنانًا:
- عارفة يا حبيبي.
تطلعت لشفتاه بتمعن وتركيز ليسترسل بنظرات ولهة:
- إنتِ أحلى حاجة حصلت لي في حياتي كلها.
ابتسامة حانية ارتسمت لتنطق بعينيها الهائمة ما زلزلت به كيان متيمها:
- وإنتَ أول راجل بجد يدخل حياتي يا فؤاد.
- إنتَ إزاي راجل قوي كده؟
مال رأسه قليلًا يتطلع عليها بتأثر وعينين تنطق بالهوى لتسترسل بصدق:
- من النهاردة هسلمك روحي وهتبقى لي وطن وعنوان، هغمض عيوني وأمشي معاك طريقي.
هزت رأسها لتنطق عينيها قبل لسانها:
- مش عاوزة أعرف رايحين لفين ولا هوصل معاك لإيه، كل اللي حاساه إني عاوزة أكمل معاك وأفضل تحت ضلك ورعايتك أنا ويوسف، أنا روحي بوجودك بقت مطمنة يا فؤاد.
تنهيدة عميقة خرجت من أعماقه تدل على مدى تأثره بكلماتها، فحبيبته تقدم له حالها ليسير بها إلى بر الأمان. خرجت كلماته على هيئة همسات من رقة شعوره لينطق بصدق يقطر من بين حروفه:
- وعد عليا ما هخلي دمعة ندم واحدة تنزل من عينيكِ الغالية، وعمري ما هخليكِ تندمي على اختيارك ليا.
تنهد ليتابع بصدق ظهر بين بعينيه قبل كلماته:
- ولو أمانك إنتِ ويوسف قصاده روحي، تأكدي إني مش هفكر دقيقة في إني اختار أمانكم.
أحاطت وجنتيه بكفيها وهمست بلسان قلبها العاشق وهي تتطلع عليه بنظرات تهيم شوقًا:
- تسلم لي روحك ويخليك لقلبي يا حبيبي، ده أنا ما صدقت لقيتك.
وإلى هنا لم يعد للكلمات مكان، فاستلمت المشاعر الدفة لتدير سفينتهما المبحرة لتتعمق داخل بحر الغرام. مال على كريزتيها لينهل من شرابهما فذابت معه داخل تلك الرحلة التي استغرقت وقتًا غير معلوم لكليهما بعد أن قادتهما مشاعرهما الملتهبة للغوص بجولة عشقية جديدة لتوثيق ما حدث بالأمس. بعد مدة كانت تقبع بأحضانه يشدد عليها بذراعيه كمن يخشى ابتعادها، فيكفيهما ما تذوقاه من نار الابتعاد إلى الآن. وضعت كفها الرقيق تتحسس صدره قبل أن تهمس بصوت هائم يدل على مدى وصولها لدرجات العشق والهيام التي وصلت إليهما على يد فارسها المغوار:
- كنت فين من زمان يا حبيبي.
مال يتطلع لها بعينيه فتقابلت بخاصتيه الحنون ليبتسم قبل أن يجيبها بصوت متحشرج تأثرًا بما حدث:
- كنت مستني أمر ربنا وقدره اللي حطك في طريقي علشان نوصل للحظة اللي إحنا فيها دي.
- تعرف إني مستغربة نفسي قوي.
نطقتها باستكانة ليرفع حاجبه مستفهمًا دون حديث، فأجابته تلك المتطلعة باستغراب عليه:
- ما كنتش متخيلة إني هبقى طبيعية معاك قوي كده، كنت فاكرة نفسي هنكسف منك وأخد وقت طويل لحد ما أتعود عليك، لقيت نفسي بترمي في حضنك وأمان الدنيا كله حسيته في اللحظة دي، علشان كده سلمتك روحي واتعاملت معاك وكأن لينا سنين مع بعض.
ابتسم بحنان ومال يقبل جانب شفتها ليبتعد قليلًا وهو يقول بصوت يشع طمأنينة أقرب للهمس:
- محدش بيتكسف من روحه يا بابا، أنا وإنتِ روح واحدة، ومش علشان قربنا من بعض لا، إحنا من ساعة ما شوفنا بعض كل واحد فينا انجذب للتاني.
ليبتسم بمداعبة:
- بس كنا بنكابر ونكذب إحساسنا، واحدة واحدة الشعور بدأ يكبر جوانا، ومع مرور الوقت أرواحنا اتحدت وبقت واحدة، والدليل على كده إن برغم كل اللي حصل بينا ما قدرناش نبعد بشكل كامل.
ابتسمت بحالمية ليسألها بنبرة جادة:
- يوسف ما وحشكيش؟
هتفت بعينين متشوقة:
- جدًا.
أجابها بنبرة جادة وهو يستعد للنهوض:
- طب يلا ناخد شاور علشان أكلم عزة تطلعه، أصله وحشني أنا كمان وزمانه متضايق علشانك.
تعمقت بعينيه وأمسكت كفه تحثه على عدم الحركة:
- فؤاد، هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
- تو.
صوت أخرجه من فمه ليتابع بجاذبية أهلكت قلبها:
- إنتِ ما تسأليش، إنتِ تؤمري وأنا أطيع.
ابتسمت بسعادة لتنطق بصوت متردد بعض الشيء:
- هو أنتَ ليه ما خلفتش من طليقتك طالما بتحب الأولاد قوي كده؟!
أغمض عينيه يأخذ شهيقًا عميقًا ليزفره بقوة ثم من جديد فتح عينيه ينظر لها بعمق قبل أن يقول بنبرة حاسمة:
- بيتهيأ لي أن الأوان إنك تعرفي حكايتي مع الست اللي وثقت فيها وسلمتها اسمي واسم عيلتي.
توقف ليأخذ نفسًا يستطيع به المتابعة:
- وبالمقابل طعنتني في ظهري وباعتني بأقذر طريقة ممكن تغدر بيها ست بالراجل اللي عمره ما عمل فيها حاجة واحدة يستاهل عليها الغدر.
اتسعت عيناها بذهول جراء استماعها لكلماته التي خرجت من قلب يأن ألمًا لمجرد مرور الذكرى بخاطره. بدأ يقص عليها ما حدث من تلك الخائنة تحت قلبها النازف لأجل حبيبها. بعد مرور حوالي نصف ساعة نطق بأعين معتذرة وصوت آسف:
- وده كان السبب ورا طلبي المهين ليكِ.
هز رأسه بأسى ليكمل بعينين تأن ألمًا:
- كان صعب عليا أرجع أثق في أي ست تاني بعد اللي حصل لي من وراها، أنا عمري ما قصرت معاها في أي حاجة، وبرغم كده كانت مصرة تخسرني كل حاجة، شغلي سمعتي حتى ابني اللي كنت بتمناه، قتلته بدم بارد.
تنفس بعمق ليتابع موضحًا:
- وده اللي عمل لي شرخ كبير في حياتي وخلاني حريص في معاملاتي مع الناس لأبعد الحدود.
تطلع لتلك التي تستمع بعينين تملؤهما غشاوة الدموع لأجله، أما قلبها فكان كقتلة نار عليه ومنه. حزينة هي عليه وعلى ما حدث له على يد تلك التي لا تستحق حب نبيل مثله، لكنها بالوقت ذاته لم تستطع كبح غيرة المرأة بداخلها، فقد شعرت بنار مستعرة غزت جسدها وهو يروي تفاصيله مع امرأة أخرى. هو حبيبها هي، رجلها الأول والأخير، كيف له أن يتحدث عن أخرى حتى ولو بالسوء. مال برأسه لينطق بكثير من الأسف:
- أنا آسف، آسف لنفسي قبل منك لأني في يوم حطيتك في نفس الخانة مع البني آدمة دي، آسف لأني ما وثقتش فيكِ في أول علاقتنا واستسلمت لماضي لعين يتحكم فيا.
جلست على ساقيه تقابل وجهه ثم حاوطت وجنتيه بكفيها ومالت لتسند جبهتها بخاصته وهي تهمس أمام شفتاه:
- إوعى تتأسف على حاجة عدت، انسى كل اللي فات واطوي صفحة الماضي، خلينا نعيش اللي جاي من حياتنا في هدوء ونستمتع بعمرنا مع بعض، أنا وإنتَ ويوسف، و...
تعمقت بعينيه لتسأله في محاولة منها لانتشاله من تلك الحالة:
- ما قلتليش، تحب أول بيبي لينا يبقى ولد ولا بنت؟
اهتز قلبه واجتاحته نشوة من نوع خاص، علا صوت تنفسه وبدأ صدره يعلو ويهبط وعيناه تتعمق بساحرتيها بحيرة ممزوجة بسعادة هائلة لينطق بصوت متأثر يغلب عليه السعادة:
- عارفة، لأول مرة أحمد ربنا على إنها نزلت البيبي.
قبل شفتاها برقة ثم تابع وهو يتعمق بعينيها وينطق بولع:
- شعور إن أول مرة أجرب إحساس الأبوة من الست اللي بحبها أكيد هيكون مختلف وليه فرحته، معاكِ بأجرب كل حاجة وكأنها المرة الأولى ليا.
مطت شفتيها بأنوثة لتسأله بمشاكسة:
- بردوا ما جاوبتش على سؤالي.
ابتسم بسعادة وكأنه نفض جميع همومه خلف ظهره ليجيبها بنبرة حماسية:
- أنا في حبك ومعاكِ أكبر طماع، عاوزك معايا وجوة حضني طول الوقت، وعاوز أخلف منك ولاد كتير قوي صبيان وبنات، وكلهم يبقوا شبه روحك الحلوة، نفسي أفرح أمي وأبويا وأعوضهم عن اللي شافوه معايا، نفسي أمسح كل دمعة نزلت من عيونهم عليا وامحي أي إحساس بالحزن صابهم علشاني.
أمسكت كف يده وقامت بوضع قبلة عليه لتقول بعينين واعدة:
- يا حبيبي يا فؤاد، إن شاء الله كل اللي جاي جايب لنا معاه فرح وخير.
- إن شاء الله يا حبيبي، إن شاء الله.
قالها ثم نهض وتحرك نحو المقعد ليلتقط بنطاله ويرتديه ثم سحب منامتها التي كانت ترتديها بالأمس وعاد إليها من جديد ليناولها إياها قائلًا باقتضاب:
- البسي بيجامتك يا حبيبي.
تطلعت على ما بيده باستغراب قبل أن تنطق معترضة:
- وأنا إيه بس اللي هيلبسني البيجامة يا فؤاد وأنا داخلة أخد شاور؟!
واسترسلت وهي تشير إلى عليقة الملابس:
- اديني الروب كفاية.
أشار بكفه باقتضاب:
- اسمعي الكلام والبسي البيجامة يلا.
مطت شفتيها باستغراب ثم تناولتها منه وبدأت بارتدائها. أما هو فأمسك هاتفه الخاص وتحرك خارجًا بالشرفة واتصل على المطبخ لتجيبه سعاد فسألها مستفسرًا:
- دكتور ماجد راح الجامعة ولا موجود في البيت يا سعاد؟
أجابته المرأة بتوقير:
- الدكتور راح الجامعة في ميعاده يا باشا، بس الدكتورة موجودة.
أومأ لها ثم تابع برزانة:
- تمام، جهزي لي أنا والمدام فطار كويس وكاسين عصير جريب فروت، وخلي عزة تطلعهم على الجناح بتاعي بعد ساعة بالظبط.
أغلق معها وولج للداخل ليجدها قد انتهت. تحرك إليها ليقف مقابلًا لها ثم رفع كفها مقربًا إياه من فمه ليطبع بباطنه قبلة بث من خلالها احترامه وحبه الشديد. سحبها وجلس على طرف الفراش واستدار ليحثها على الجلوس خلفه ثم رفع ذراعيها يحثها على لفهما حول عنقه وبحركة مباغتة مسك ساقيها ليلفهما حول خصره وهب واقفًا منتصب الظهر ليتحرك صوب الباب مما جعلها تصيح بهلع:
- إنتَ واخدني ورايح فين يا مجنون؟!
- رايحين على جناحنا يا عروسة.
قالها ليسترسل بوقاحة:
- الحمام هنا ضيق ومش هناخد راحتنا فيه إحنا الاتنين، البانيو هناك أوسع.
هتفت وهي تحاول إيقافه:
- طب استنى يا فؤاد أجيب حاجة ألبسها بعد الشاور.
- كل حاجة معمول حسابها يا قلب فؤاد.
قالها وأمسك بكفه مقبض الباب وأداره ليخرج وهو يحملها فوق ظهره وهي تقهقه لتقول بمرح وسعادة:
- يا مجنون.
قهقه عاليًا لتبتلع هي باقي كلماتها عندما فوجئت بفريال وسميحة يقبلان عليهما من خلال الممر المؤدي إلى الدرج. اتسعت عيني فريال وهي ترى شقيقها العاقل بتلك الصورة العجيبة. كان عاري الصدر ولا يرتدي سوى بنطالًا فقط. بدا كمراهق يحمل صديقته فوق ظهره ويمرح بها دون الالتفاف لانتقادات الآخرين.
تأججت نيران سميحة المستعرة وهي ترى أمامها أكثر مشهد أدمى قلبها. حتى بليلة زفافه على المدعوة نجلا لم تحزن كما الآن، فزواجه من زوجته الأولى كان تقليديًا إلى حد ما، فهو رآها بإحدى الحفلات وأعجب بجمالها وأناقتها، بعدها تحرى عنها ووجدها مناسبة له اجتماعيًا وثقافيًا فقرر الزواج منها. طيلة سنوات زواجه بها لم تره بهذا الشغف ولم يفعل ما يفعله الآن مع تلك الدخيلة التي ظهرت من العدم. حتى برحلات المصايف العائلية التي كانت تجمعهم لم يحدث وترك العنان لحاله كما هو الآن.
ابتسم لكلتيهما وتحدث بابتسامة واسعة لم يستطع كبحها:
- صباح الخير.
- صباح النور.
نطقتها كلتاهما بتيهة وبلاهة لتستغل الأخرى الموقف أسوأ استغلال لتميل وهي تهمس بجانب أذنه قائلة بدلال:
- يا فضيحتك اللي هتلف القصر كله يا فؤاد يا علام.
لم يدرِ بحاله إلا وهو يطلق ضحكاته العالية التي توحي لمدى وصوله العالي من السعادة ليهمس بجانب أذنها:
- جوزك جامد ووشه مكشوف.
تسمرت الفتاتان وظلتا ينظران ببلاهة. وصل فؤاد إلى باب حجرته وأدار المقبض ليفتح الباب واستدار يغلقه لتوجه لهما كلماتها وهي تداعب بأناملها شعر حبيبها الحريري:
- سوري يا جماعة.
قالتها ليغلق فؤاد الباب ويوصده جيدًا. اتسعت عيني فريال ذهولًا من أفعال تلك الـ إيثار التي تبدلت وكأنها فتاة أخرى. ابتلعت لعابها خشية من أن تقص لشقيقها الحديث الذي دار بينهما سابقًا ويكون هذا الفيصل بعلاقتهما لتسحبها من شرودها تلك التي جذبتها لتهتف بنبرة حادة:
- هو ده اللي جوازهم صوري يا فيري؟!
زاغت عيناها لتسترسل بذهول:
- إنتِ شوفتي اللي أنا شفته، هو اللي أنا شوفته من شوية ده فؤاد بجد؟!
هزت رأسها يمينًا ويسارًا لتنفض عنها ذهولها وهي تقول:
- أنا آخر حاجة كنت أتخيلها هو إني أشوف أخويا بالمنظر ده، أنا حقيقي مش مصدقة اللي شافته عينيا.
هتفت سميحة بتمعن وحقد عليها:
- البنت دي شكلها مش سهل يا فيري.
بالداخل، تحدثت وهي تدفن وجهها داخل تجويف عنقه:
- كده يا بيبي كسفتني.
- وتنكسفي ليه، هو إحنا بنعمل حاجة غلط.
قالها ليلج بها داخل الحمام ويختفيا داخله بعد أن قرر أن يسرقا من الدنيا لحظاتهما السعيدة ويختطفا حظيهما السعيد بنفسيهما. بعد قليل خرج كل منهما يرتدي الثوب الخاص بالحمام. كانا متشابهين حيث ابتاعهما طاقمًا واحدًا، هو باللون الأبيض وهي اللون الروز. وقفت بمنتصف الغرفة لتسأله وهي تربع ساعديها بتذمر مصطنع:
- اتفضل بقى روح هات لي لبس من الأوضة.
اقترب عليها ليحتضنها من الخلف وتحرك يقودها أمامه ليدخل بها إلى باب حجرة الملابس الخاصة به وسرعان ما فتح الضوء لتنبهر وتتسع عيناها وهي ترى غرفة كبيرة مرتبة بأناقة وما جعلها تذهل هو وجود ملابس حريمي بكثرة، وأكثر ما لفت انتباهها هو طغيان اللون النبيذي. دارت بعيناها لترى الكثير من الأحذية الحريمي التي تملأ الأرفف وكل حذاء تجاوره حقيبة اليد المناسبة له من حيث اللون والموديل. استدارت تتطلع عليه لتشير بكفها نحو حالها بعينين سعيدتين:
- الحاجات دي علشاني؟!
أومأ برأسه لتسأله باستغراب:
- إمتى جبتهم؟
أدار وجهها ليقابلها ثم أجابها وهو يتحسس وجنتها بعينين تفيض حنانًا:
- ثاني يوم ما جينا هنا بدأت أجهز، أخدت مقاس هدومك من أوضتك من غير ما تاخدي بالك، وأديتهم لمصمم شاطر وهو جهزهم لي.
ابتسمت لتداعب شفته بأناملها برقة:
- ده أنتَ كنت واثق إننا هنكمل مع بعض.
ابتسم ليجيبها بعينين حنون:
- من يوم ما حبيتك وإنتِ بقيتي ملكية خاصة لفؤاد علام، الموضوع كان مسألة وقت مش أكثر.
واستطرد غامزًا بعينيه:
- فيه ضلفة سليمة خاصة باللانجري، ومعظمهم نبيتي وأزرق.
ضحكت لتسأله مستفسرة:
- نفسي أفهم إيه سبب عشقك للنبيتي.
تنهد قبل أن يجيبها بنبرة صادقة:
- هتصدقيني لو قلت لك إن عمري ما كان ليا في الألوان ولا بأركز أصلًا معاهم.
واسترسل متذكرًا ذاك اليوم الفارق بحياته:
- بس من ساعة ما شوفتك بالبدلة النبيتي يوم اجتماع الفندق وأنا حبيته، سحرتني طلتك فيه واتمنيت أشوفك دايمًا بيه.
أخرجت تنهيدة حارة لتنطق بنبرة متألمة:
- تعرف إني قطعت البدلة دي هي وكل الألوان النبيتي اللي عندي.
قطب جبينه مستغربًا لتجيب تساؤل عينيه:
- يوم ما طلبت تقابلني في مطعم الأوتيل وقلت لي إنك عاوزني في موضوع مصيري، توقعت إنك هتعرض عليا الجواز، يومها نزلت من البيت ودخلت أفخم محل لفساتين السواريه الهادية، واشتريت الفستان بمبلغ كبير جدًا عليا، كنت فرحانة جدًا وأنا بأجهز نفسي لأهم عرض هأسمعه في حياتي.
شعر بغصة مرة وهو يستمع لكلماتها المريرة لتتابع وهي تشيح عينيها بعيدًا عنه:
- يومها روحت البيت وقلعت الفستان وقطعته بالمقص لميت حتة، وجبت البدلة وكل حاجة لونها نبيتي وقطعتهم وبعدها انهارت من العياط جنبهم.
- أنا آسف.
قالها بعينين تقطر ندمًا لتأخذ نفسًا مطولًا قبل أن تبتسم وكأنها تطرد كل مشاعر السلبية والحزن:
- ما فيش آسف ولا دموع تاني خلاص، إحنا ننسى كل اللي فات ونفكر بس في كل السعادة اللي مستنيانا.
ابتسم بإيجاب. سحبها ليجلسها وخلع عنها منشفة الرأس ليبدأ بتصفيف شعرها بمنتهى الرقة تحت سعادتها الهائلة. انتهى من تصفيف شعرها ليساعدها على اختيار ثوب للنوم رقيق من اللون النبيذي ومعه روب بنفس اللون، وساعدها أيضًا في ارتدائه ولفت حزام الروب حول خصرها فبدت ساحرة. بعد قليل صعدت العاملة تحمل صينية كبيرة بها الكثير من أصناف الأطعمة المختلفة للفطار واللذيذة. أجلسها فوق ساقيه وظل يطعمها بيده وبفمه بمداعبة حتى انتهيا تحت سعادتهما التي تخطت عنان السماء. اتصل بعزة لتصعد لهما بالصغير. دق الباب فتحرك ليفتحه. وجد عزة تحمل الصغير الذي هتف باسم والدته. هرولت هي عليه لتحمله بين أحضانها. هتفت عزة بعدما رأت جمالها الذي تضاعف بفضل قربها من الحبيب وطغى على وجهها ليجعل منها جميلة وجذابة حد الفتنة:
- بسم الله الله أكبر، صباحية مباركة يا عرسان.
ابتسمت لها بخجل ليرد عليها فؤاد الذي أغلق الباب جيدًا:
- الله يبارك فيكِ يا عزة.
- عقبال البكاري يا باشا.
نطقتها بغمزة من عينيها ليجيبها بجبين مقطب:
- بصي يا عزة أنا ليا سنين بأسمع الكلمة دي في الأفلام والمسلسلات، بس عمري ما فكرت في معناها.
- يعني عقبال ما نفرح بخلفتكم يا سيادة المستشار، فهمت ولا لسه محتاج شرح.
نطقتها بحدة ليسألها ساخرًا:
- عزة، أنا عاوز أسألك سؤال مهم بالنسبة لي، من يوم ما اتقابلنا عند النيابة، اليوم ده اتعاملتي معايا بمنتهى القرف وأنا فوتها وقلت يمكن يكون بسبب توترها من اللي حاصل لإيثار، بس الموضوع طول يا ماما، إنتِ بتتعاملي معايا ولا اللي ماسكة عليا ذلة؟
- أهو أنا طبعي كده من ساعة ما ربنا خلقني، ما باحبش الحال المايل ولا اللي يسأل سؤال عوج.
قالتها وهي ترفع كفيها للأعلى. هز رأسه ليبتسم وهو يقول لها:
- عزة.
تحرك إلى الباب وقام بفتحه ليشير لها للخارج:
- انزلي تحت ومش عاوز أشوفك قدامي باقي اليوم.
رمقته وهي تنطق باستياء:
- الحق عليا، قال وأنا اللي عمالة أجهز لسعادتك إيشي حمام محشي بالفريك وإيشي كوارع وإيشي بط وفطير، وفي الآخر لا حمد ولا جميلة.
سألها متعجبًا:
- بتجهزيها لي أنا؟!
ليه إن شاء الله؟
هتفت بنبرة حماسية وهي تشيح بكفيها بطريقة كوميدية جعلته يبتسم رغمًا عنه:
- مش عريس والنهاردة صباحيتك ولازم تتغذى يا باشا.
قهقهت إيثار التي تتابع الحوار بتسلٍّ لينطق باستسلام بعدما فاض به:
- انزلي يا عزة قبل ما أفقد أعصابي اللي ماسكها عنك من أول يوم شفتك فيه.
أشاحت بكفها لتنطق بوجه عابس:
- اديني نازلة.
خرجت وصفقت خلفها الباب لينظر هو لتلك الضاحكة ليسألها بجنون:
- أنتِ استحملتيها كل السنين دي إزاي؟
- دي حبيبتي.
قالتها بوجه منير ليقترب عليها مترقبًا الصغير الذي بات يتحسس وجنة والدته وهو يقول بانبهار طفولي:
- شكلك حلو قوي يا مامي.
باتت تقبله بنهم لتهتف بنبرة حماسية:
- يا عيون وقلب وروح مامي، وحشتني يا جو.
- وأنتِ كمان وحشتيني.
قالها ببراءة واسترسل يطلعها على تقرير يومه:
- أنا كنت بعيط بس عزة أخدتني أنا وساندي ولعبنا في أوضة بحر الكور وانبسطنا كتير، وكمان جدو علام قعد يحكي لنا حكايات حلوة قوي، وأنا انبسطت معاه.
واسترسل بمشاعر صادقة:
- أنا بحب جدو علام قوي يا مامي.
اقترب عليه ليدغدغه ببطنه وهو يقول بمداعبة:
- طب وأنا يا جو، خلاص مبقتش تحب شرشبيل، نسيته خلاص؟!
قهقه الصغير بسعادة ليجتمع ثلاثتهم ويجلسون فوق التخت. جلس هو مستندًا على ظهر التخت واحتضن ظهرها لصدره والصبي بأحضان والدته وجلسوا يتحدثون ويضحكون كعائلة.
**********
بعد مرور ساعتين، صعدت عزة لجلب الصغير كي تفسح لهما المجال بالتقرب من بعضيهما. قضيا وقتًا مثيرًا بث فيه كلا منهما عشقه للآخر وبعدها اغتسلا وقاما بتأدية صلاة العصر معًا ثم اختار لها ثوبًا أيضًا باللون النبيذي وساعدها في ارتدائه. كان يدللها بشكل مبالغ به، يريد تعويضها وتعويض حاله عن كل ما مر به كليهما من صعاب وكوارث. ارتدت حجابها وجاورته النزول. وجدا الجميع يجلسون بالبهو وكأنهم ينتظرون نزوليهما. انتفض داخلها حين استمعت لصوت الزغاريد التي تطوعت عزة بإطلاقها تحت خجلها الذي شملها وسعادة ذاك المجاور لها الذي ضم خصرها إليه وكأنه يريد إخبار الجميع بشرعية ملكيته لها. لا يدري لما دائمًا يشعر بالتفاخر وهي بجواره، يراها بعينيه ملكة تستحق التتويج، هي عن غيرها من سحرته. نظرت لعينيه لتتوه بليليهما لكنها سرعان ما فاقت على صوت سميحة المستنكر بشدة وهي ترمق عزة باشمئزاز:
- يااي، بلدي قوي.
رمقتها إيثار بقوة هي من الأساس لا تطيق تواجدها بفضل أفعالها بالأمس. نظرت سعاد إلى عزة قبل أن تقول بجدية:
- الحاجات دي متنفعش هنا يا عزة.
قاطعها صوت عصمت التي وقفت تستقبل نجلها وعروسه بسعادة:
- حاجات إيه اللي متنفعش يا سعاد؟
واسترسلت بحماس:
- زغردي يا عزة وإملي المكان كله زغاريد.
اقتربت على تلك الجميلة لتحتضنها بانبهار لجمالها الخلاب والذي يظهر كل يوم أكثر:
- ألف مبروك يا إيثار، ألف مبروك يا حبيبتي.
تمنت لو الأرض انشقت لتبلعها وهي ترى أعين الجميع مصوبة تجاهها، تمنت أيضًا لو باستطاعتها أن تمسك بعزة لتنتقم منها على طريقتها الخاصة لوضعها بهذا الوضع المخزي. شعرت عصمت بخجلها وتوترها لتهمس بابتسامة:
- أنتِ مكسوفة ليه كده، الموضوع طبيعي ومفهوش أي كسوف.
أجابتها بارتباك:
- متشكرة على زرع الثقة يا دكتورة، بس الحقيقة أنا في وضع لا أحسد عليه، وكله بسبب عزة ربنا يسامحها.
ضحكت لتقول بنبرة صادقة:
- طب والله ست زي العسل، أنا حبيتها جدًا عزة على فكرة.
كانت نظرات سميحة الموجهة إلى إيثار حادة، فقد اعتبرتها غريمتها التي سرقت منها حبيب عمرها والرجل الوحيد الذي تمنته. أما فريال فكانت في حيرة من أمرها، فهي ولأول مرة بالحياة ترى شقيقها سعيدًا لهذه الدرجة، فقد اقتحمت السعادة قلبه بشدة لتغزو جميع جسده وتظهر على ملامحه، فبدا كشاب في منتصف العشرينات وهذا ما جعل قربها يتراقص.
نظرت عصمت لنجلها وسعادة الدنيا تكونت بنظراتها الحنونة له لتحتضنه بحفاوة وهي تقول:
- أخيرًا ريحت قلبي يا فؤاد.
قبل يدها ومقدمة رأسها لينطق بنظرات آسفة:
- سلامة قلبك يا حبيبتي، وحقك عليا.
- يا قلبي أنا أهم حاجة عندي تبقى مبسوط.
قالتها بنبرة تقطر حنانًا، ليجيبها بجرأة جديدة عليه:
- كلمة مبسوط دي فقيرة قوي جنب اللي أنا حاسه مع إيثار يا ماما.
تحدثت بعينين تنطق سعادة لأجل ولدها الغالي:
- يا حبيبي، ربنا يخليكم لبعض.
تحرك فؤاد إلى علام ثم بادر باحتضانه ليهمس كي لا يستمع عليهما أحد:
- مع إنك اتأخرت وخيبت لي أملي فيك، بس على كل مبروك، وعلى رأي المثل، أن تصل متأخرًا خير من أن لا تصل أبدًا.
رفع فؤاد حاجبه مستنكرًا ليرد بمشاكسة:
- ربنا ما يحرمني من تشجيعك ليا يا سيادة المستشار، دائمًا رافع من معنوياتي.
- أغشك يعني؟!
قالها بنظرة مستنكرة ليطلق فؤاد ضحكة عالية. أشار بكفه إلى إيثار لتقترب فوضع كفه فوق رأسها ليقول بنبرة أبوية حنون:
- مبروك يا بنتي.
أجابته بنبرة خجلة:
- الله يبارك في حضرتك يا سيادة المستشار.
تنفس لينطق بكلمات صادقة ظهرت بين نبراته وداخل نظراته الحنون:
- من النهاردة هتقولي لي يا بابا.
انتفض قلبها تحت سعادة فؤاد وعصمت في لحظة مؤثرة ليتابع وهو يشير بكفه نحو فؤاد:
- والولد ده لو زعلك تعالي لي وأنا أملص لك ودانه.
نظرت إلى فؤاد وبكل جرأة لا تدري من أين أتتها تحدثت بعينين تفيض غرامًا:
- ده حبيبي وهدية ربنا ليا، ربنا يخليهولي.
لم يشعر بحاله إلا وهو يسرع إليها ويسحبها ليسكنها أحضانه، محاوطًا جسدها بذراعيه مشددًا عليها وكأنه يريد إدخالها بين ضلوعه، مال على رأسها ليقبلها بعشق دون أن ينطق بكلمة، فكانت الأفعال كفيلة للتعبير عما شعر به من جراء كلماتها الصادقة.
كان الجميع يتابع المشهد بتأثر كبير عدا تلك السميحة فقد غزت نار الغيرة قلبها وأشعلته. تحدث علام بنبرة حنون:
- ربنا يسعدكم يا بنتي ويجعلكم عوض لبعض عن أي حاجة وحشة مريتوا بيها في حياتكم.
أمن الجميع على دعائه لينظر فؤاد لشقيقته التي تقف بعيدًا فاقترب عليها ليتحسس خدها ويسألها بنظرات عاتبة:
- مش هتقولي لي مبروك، ولا مش فرحانة علشاني؟
تنفست بهدوء لترتمي بأحضانه بعدما شعرت بالراحة وهي تقول له:
- مبروك يا حبيبي، وربنا يسعدك.
قالت كلماتها لتتنفس براحة. نظرت إلى إيثار بتعجب، فقد توقعت أن تقص له ما قالته لها لتكسب جولة على حسابها، لكنها لم تفعل. هي متأكدة من حدة فؤاد وصرامته بتلك المواضيع، فلو علم افتراءها عليه لربما تكون تلك النهاية بينهما، فأكثر شيئين يبغضهما بحياته هما الكذب والافتراء، وهي لم تقصر معه فقد كذبت ولفقت له حديثًا مفبرك. احتارت حقًا في أمرها وقررت متابعتها عن كثب ومراقبة أفعالها لربما تكون تلك خطتها لخديعتهم.
اقترب ماجد لينطق بهدوء:
- مبروك يا مدام إيثار.
- الله يبارك فيك يا دكتور.
هكذا أجابته بجدية. جلس فؤاد وأجلسها بجواره فوق الأريكة وبدأوا بالحديث. تحدث فؤاد للجميع بتذكر:
- بالمناسبة يا باشا، أيمن الاباصيري اتصل بيا امبارح بالليل وبيطلب من جنابك تحدد له ميعاد علشان يجيب عيلته وييجوا يزورا إيثار.
تحدث بابتسامة هادئة وهو ينظر لتلك التي استقبلت الخبر بكثير من السعادة وكأنها عائلتها الأصيلة:
- الباشمهندس ينور طبعًا، خليه يشرفنا بكرة بالليل، ده كفاية إنه من طرف إيثار.
شملته بعينين تفيض من الشكر والعرفان وهي تقول:
- متشكرة يا سيادة المستشار.
زمجر بافتعال وهو ينطق معترضًا:
- إحنا قلنا إيه؟!
- متشكرة يا بابا.
قالتها بسعادة ليحتضن كفها ذاك الفارس المجاور لها والذي يحمل يوسف فوق ساقيه من يراهم يعتقد أنهم عائلة واحدة وسعيدة.
لتنطق عصمت بنبرة حماسية:
- خلينا نحدد ميعاد لحفلة كبيرة يا باشا، نعلن فيها عن جواز فؤاد من إيثار وكمان بمناسبة ترقيته.
إلى هنا لم تستطع سميحة الجلوس وهبت لتصعد للأعلى وتركت الجميع يتفقون على موعد الحفل.
صدح هاتف فؤاد الموضوع فوق المنضدة ليمسكه ينظر بشاشته ثم ضيق عينيه ليوجه حديثه لها باستغراب:
- ده رقم نصر البنهاوي؟!
- وده عاوز منك إيه.
قالتها بتعجب لتسترسل:
- وجاب رقمك منين أصلًا؟!
أجابها بهدوء:
- خلينا نرد ونشوف.
وقف وبسط لها كف يده بطريقة أظهرت كم عشقه واهتمامه بها لتبتسم له وهي تضع كفها بخاصته ليطبق عليه ويحتويه. سارت بجواره متجهين خارج الحديقة إلى أن وصلا لنقطة لن يستطيع أحد الاستماع إليهم وضغط زر استقبال المكالمة حيث صدح الهاتف للمرة الثانية. ضغط أيضًا على زر مكبر الصوت ليستمع لصدوح صوت نصر حيث نطق بحماس:
- إزيك معاليك يا سيادة المستشار.
واستطرد بتفاخر:
- مع جنابك سيادة النائب نصر البنهاوي عضو مجلس الشعب.
أجابه بصوت رخيم:
- أهلًا وسهلًا يا سيادة النائب، اسمك ظاهر لي في التروكولر.
تنفس نصر الجالس ببهو منزله يجتمع حوله إجلال، عمرو، طلعت وحسين يترقبون لحديثه، تابع حديثه قائلًا:
- أهلًا بيك يا باشا، متأخذنيش إني بكلمك على غير ميعاد، أنا خدت رقم تليفونك من واحد حبيبي علشان عاوز جنابك في موضوع مهم.
واستطرد منافقًا:
- قبل ما ياخدنا الكلام حابب أهنيك على الترقية، وصلتني معلومات إن جنابك اترقيت وخدت منصب كبير.
اشتعل داخل عمرو المجبر على الجلوس والاستماع لمكالمة والده لذاك الحقير سارق أحلامه، حيث اقتحم حلمه باللحظة الأخيرة ولم يكتفِ بخطف زوجته بل أكمل على ما تبقى وسرق صغيره الرقيق. رد فؤاد بهدوء ورزانة يتميز بهما:
- الله يبارك فيك يا سيادة النائب، يا ريت تدخل في الموضوع على طول لأن وقتي محسوب.
اشتعل داخل نصر من غطرسة ذاك المتعالي لينطق بتفهم مفتعل نظرًا لمنصبه الجديد ومكانة والده أيضًا:
- مفهوم يا سعادة الباشا، كان الله في العون، أنا بكلم جنابك علشان ألاقي طريقة أبعت بيها مصاريف يوسف الشهرية.
قطبت إيثار جبينها ليسأله فؤاد وهو ينظر لحبيبته:
- على حد علمي إن مصاريف يوسف بتتبعت له عن طريق المحكمة يا سيادة النائب.
أجابه بنبرة خبيثة أراد بها بث السم وزعزعة العلاقة بين فؤاد وإيثار:
- أنت قصدك المبلغ اللي المحكمة حاكمة بيه يا باشا، تفتكر برضه أن حفيد نصر البنهاوي هيصرف سبعمائة جنيه في الشهر.
واسترسل بكبرياء وغرور:
- ده أنا بديهم للبت الخدامة اللي عندي تجيب بيهم فاكهة لعيالها وهي مروحة.
تنفس لينطق بزهو زائف:
- أنا ببعت لإيثار كل شهر ثلاثين ألف جنيه جنابك، يا دوب يغطوا مصاريف حفيدي الغالي.
جحظت عينيها فور استماعها لكلماته الكاذبة وكادت أن تصيح وتكذبه لولا إصبع فؤاد الذي سبقها ووضع فوق شفتها بنعومة ليطمئنها بعينيه مطالبًا بصمتها. هزت رأسها تنفي جميع افتراءاته ليرمش بعينيه دليلًا على تصديقه لها، فهي قد قصت له كل ما يخص هذا الموضوع هو والمحامي الذي أحضره لها بالقصر ليتابع القضية. تابع نصر اختلاقه قائلًا:
- ده غير مصاريف المدرسة أنا اللي بدفعها كلها، كل ده ببعتهولها مع عزيز أخوها وتقدر جنابك تسأله.
اكفهرت ملامحها وبدأت بهز رأسها مستنكرة حديث ذاك الكاذب المضلل والذي يريد به تشكيك فؤاد بها لينطق فؤاد بنبرة قوية واثقة:
- اسمعني كويس يا سيادة النائب، الكلام اللي حضرتك بتقوله ده ملوش أي أساس من الصحة بالنسبة لي أنا كرجل قانون اللي بيوصل إيثار هو المبلغ المدون في دفاتر المحكمة واللي بتستلمه هي كل شهر بشكل رسمي وقانوني، تاني حاجة لو سيادتك فعلًا عندك النية إنك تصرف على حفيدك بما يرضي الله ويتناسب مع دخلك ومكانتك الاجتماعية اتفضل اعمل ده بشكل قانوني والمبلغ يوصل ليوسف عن طريق المحكمة.
هتف نصر متسائلًا بحدة:
- يعني إيه كلامك ده يا باشا، أنت بتكدبني ولا إيه؟!
على عجالة رد فؤاد بطريقة دبلوماسية تستتر بين طياتها تكذيبه لجميع افترائاته:
- يا ريت متدخلنيش في النقطة دي يا نصر بيه، أظن أنا حسمت لك الموضوع من شوية وقولت لك إني رجل قانون وبمشي بالورق والمستندات القانونية، عندك مستند قانوني يثبت كلامك أهلًا وسهلًا، معندكش اسمح لي هتعامل مع كلامك كأنه هراء وملوش أي وجود من الصحة بالنسبة لي.
استشاط داخله من عجرفة ذاك القوي ليتراجع سريعًا كي لا يكسب عداوة فؤاد ليتابع بمكر وخبث لزعزعة ثقته بتلك الإيثار:
- أنا فاهم مقصد جنابك وعاذرك، أنت برضه لسة متعرفش مين هو الحاج نصر البنهاوي، أنا الحمد لله بتقي ربنا في كل شيء وبخافه.
ابتسامة ساخرة اعتلت وجه فؤاد مع هزت رأس استنكارية وهو ينظر لحبيبته العابسة ليمرر أنامله يداعب بها وجنتها الرقيقة كي يطمئنها ويحسها على الابتسامة ليتابع ذاك المضلل قائلًا بزرع بذور الشك:
- أنا بس قولت اشرح لك الوضع لتكون إيثار نسيت تقول لك، وتفتكر سعادتك إن سيادة النائب نصر البنهاوي بيدفع لحفيده مبلغ تافه زي ده.
ليستكمل:
- الخلاصة يا باشا أنا هبعت المبلغ لإيثار مع السواق بتاعي على قصر جناب المستشار.
على الفور خرجت كلمات حاسمة من فم فؤاد لحسم الموضوع:
- يا ريت ماتتعبش نفسك لأني مش هقبل حاجة زي دي، وزي ما قولت لك عاوز تبعت حاجة اتفضل خلي المحامي بتاعك يقدم طلب للمحكمة يطلب فيه تعديل وزيادة قيمة النفقة، غير كده مش هسمح بدخول مليم واحد لمراتي منك.
هتف بنبرة صارمة لصوت قوي:
- أظن كلامي واضح.
- واضح يا باشا.
قالها بتأكيد ليتابع بمكر وشماتة ظهرا بنبرات صوته:
- بس يعني مش مستاهلة أخلي المحامي يعمل كل ده وأنا كده كده هاخد حضانة حفيدي في أقل من شهر بعون الله.
انتفض جسدها وتجلى الهلع بنظراتها لمجرد الفكرة ليجذبها ويحاوطها بذراعه مقربًا إياها داخل أحضانه ليستند بذقنه على رأسها بخفة قبل أن يقول:
- الموضوع ده بقى بالذات نترك الحكم فيه للقانون يا رجل القانون، وأنت عارف القضاء المصري عادل وصارم.
أجابه على عجالة:
- أكيد يا باشا، وأنا علشان واثق في القانون حاسس إنه إن شاء الله هينصفنا ويرد لي حفيدي، واستطرد بدهاء بعدما بحث خلفه واستطاع معرفة بعض المعلومات عنه وعن أسرته:
- وأنا شايف إن ده أنسب لسعادتك كمان، أهو على الأقل تفضي لمراتك وتخلف لك منها حتة عيل يشيل اسمك وتفرح بيه قلب الباشا الكبير.
- سيادة النائب.
قالها بحزم وحدة لعدم تقبله لتدخل هذا الحقير في حياته الشخصية ليستطرد بنبرة أشد حزمًا وقوة:
- يا ريت تلزم حدودك وتلتزم بيها لما تتكلم معايا.
واسترسل بنبرة صارمة وهو ينهي الحديث دون انتظار الرد من الطرف الآخر:
- والوقت مضطر أقفل لأنك أخدت من وقتي كتير، مع السلامة.
أغلق الخط بوجهه لتبتعد عن أحضانه وهي تهتف بنفي برأسها وملامح وجه مذهولة:
- متصدقهوش يا فؤاد، نصر ده راجل كذاب.
حاوط ذراعيها بكفيه لينطق مهدئًا إياها بنبرة تحمل حنان العالم أجمع:
- اهدي يا بابا.
هزت رأسها لتقسم بنفي لحديث ذاك الكاذب:
- والله العظيم الكلام اللي بلغك بيه ده ما حصل ولا عمره بعت لي فلوس مع حد.
بنظرات عينين حنون تحدث بكلمات كي يبث السكينة بروحها:
- يا حبيبي أنا عارف وواثق ومتأكد من كلامك اللي قولتهولي قبل كده، هو قاصد يقول الكلام ده علشان يشككني فيك.
وتابع بذات مغزى ودهاء:
- مش عارف إني كاشف كل ألاعيبه القذرة دي واللي أفظع منها كمان.
سألته بعينين تائهة:
- طب هنعمل إيه يا فؤاد، ده شكله بيخطط لحاجة ومش هيسكت.
أخذ نفسًا مطولًا ثم أجابها بطمأنينة:
- مش عاوزك تقلقي من أي حاجة طول ما أنا جنبك، أنا متابع الوضع كويس قوي، كل اللي مطلوب منك تنسي خالص الموضوع وتتصرفي على أساس إن يوسف خلاص بقى في حضانتك.
اقترب عليها ليحتضن وجنتيها بين كفيه لينطق بعينين تصرخ من الوله:
- عاوزين نفضى لنفسنا شوية، أنتِ ناسية إننا عرسان جداد ومحتاجين نتدلع ولا إيه؟
- أحلى دلع لعيونك يا باشا.
نطقتها بابتسامة ساحرة ليرد عليها بعينين تلتهم ملامحها:
- والله ما حد باشا غيرك، عندنا خلخال محتاج يزلزل الجناح فوق.
ضحكت بدلال أثار داخله ليتحمحم سريعًا حينما لاحظ اقتراب أحدهم عليهما فحول بصره ينظر بترقب لذاك السخيف الذي قطع وصالهما فوجدها سميحة. كانت تتطلع على تقاربهما بنظرات حادة وما أن لمحتها تلك العاشقة حتى التصقت بزوجها لتلف ذراعها خلف خصره تأكيدًا منها على ملكيتها الخاصة له. رمقتها سميحة بحدة ردتها لها إيثار بتحدي. أخذت نفسًا مطولًا ثم تحدثت إلى فؤاد بابتسامة اصطنعتها بإعجوبة:
- أنا ماشية يا فؤاد.
أجابها من باب المجاملة:
- متخليكِ معانا النهاردة يا سميحة.
ابتلع باقي جملته وأطلق تأوهًا مكتومًا على خلفية لكزة قوية قد سددتها له تلك العاشقة التي لكزته بكفها على ظهره. اقتربت عليه سميحة لتسأله:
- مالك يا فؤاد، أنت كويس؟
كادت أن تتمسك بكفه فابتعد للخلف سريعًا لينطق بمغزى:
- هبقى كويس إن شاء الله.
نطقت بجدية بعدما لاحظت ابتعاده المتعمد:
- أوك، أنا مضطرة أمشي حالًا علشان بابي مستنيني على الغدا، بس متقلقش، هروح البيت أظبط شوية حاجات خاصة بشغلي وهرجع تاني.
واسترسلت وهي تنظر إلى إيثار بتحدي:
- هقعد معاكم يومين بحالهم قبل الحفلة.
- تنوري يا روحي.
قالتها إيثار بصوت رخيم مع ابتسامة صفراء بادلتها الأخرى بمثيلتها لتجيبها بعدم تقبل ظهر جليًا بنظراتها:
- ميرسي.
- باي باي يا فؤاد.
نطقتها بغنج وهي تقترب عليه استعدادًا لتقبيله وبلمح البصر كانت تلك العاشقة تقف حائل بينهما لتتراجع الأخرى سريعًا وباتت ترمقها بنظرات نارية وذهول لتقطع حبل أفكارها تلك التي نطقت باستخفاف:
- سوري يا روحي.
وتابعت بتملك ظهر بعينيها الحادتين وهي تقف أمام رجلها بشراسة:
- من النهاردة مش هينفع تقربي من فؤاد بالشكل ده تاني.
أشارت بكفها باستخفاف وهي ترمقها بتقليل:
- أنتِ بتقولي إيه، أنتِ عارفة فؤاد ده بالنسبة لي إيه؟!
أجابتها بازدراء ونظرات نارية:
- ابن عمك، يعني لا أبوكِ ولا أخوكِ ولا جوزك علشان تحضنيه وتبوسيه بالطريقة السخيفة والغير مقبولة دي.
- أنا مالي بأفكارك المتخلفة دي.
قالتها باستهجان وهي ترمقها باستخفاف لتتابع برفض تام لتصرفها:
- ثم أنتِ مالك أصلًا أحضنه ولا ما أحضنهوش.
كان يتطلع على حبيبته وهي تدافع عن حقها به بمنتهى الشراسة بقلب يرفرف من شدة سعادته. ما أسعده من رجل! لقد كانت أقصى أمانيه منذ القريب أن تسمح له تلك العنيدة الدخول لجنتها، أما الآن فهي تقف بوجه امرأة أخرى لتدافع عنه بقوة حيث نطقت بمنتهى الوحشية كنمرة:
- ده مالي وحلالي، ده جوزي، يعني ملكية خاصة وممنوع الاقتراب زي ما بيقولوا، ومن النهاردة مشوفكيش تقربي منه بالشكل السخيف اللي عملتيه امبارح لأني مش هسمح لك.
صاحت بحدة وهي تستنجد به:
- فؤاد، أنت ساكت لها ليه؟!
تنفس بعمق وجذب تلك الواقفة أمامه لتنضم جانبه ليحيط خصرها ويلصقها بقوة أثارت كليهما ثم نظر للجاحظة عينيها والتي أوشكت على إصابتها بذبحة صدرية ليقول بتفاخر وراحة ظهرت فوق ملامحه:
- الكلام في الجزئية دي بالذات لمراتي وأنا عليا الطاعة.
شعرت وكأنها فراشة تتراقص على أنغام كلماته التي تجزم على أنها لم تستمع نغمات أرق منها طيلة أعوامها. أما سميحة فتطلعت إلى رجل حياتها التي لم تتمنى سواه بحياتها لتسأله بذهول:
- نعم؟! فؤاد يا علام، أنت شارب حاجة، ما أنت أكيد مش في وعيك؟!
تعمق بعينين خاطفة أنفاسه لينطق بصوت يئن عشقًا:
- شارب النعيم كله على إيد حبيبي.
- يعني أنت موافق على الأفكار المتخلفة اللي بتقولها دي؟!
كاد أن يرد فقاطعته إيثار لتقول بنبرة جادة:
- على فكرة يا دكتورة، أنتِ محتاجة تقرأي وتتعمقي أكتر في أحكام دينك، الحضن وبوسة الخد اللي أنتِ مستهونة بيهم دول وأنتِ بتديهم لراجل أجنبي عنك، عقابهم عظيم عند ربنا.
خجل من كلماتها الجادة، فكان من الأولى اتباعه هو لأحكام الشرع الذي تمعن بدراسته، لكنه للأسف انساق وراء الأفكار التحررية للطبقة التي خلق منها. أما هي فرمقتها بنظرات تقليلية لتهز رأسها وتوجه حديثها إلى فؤاد متلاشية وجودها وكأنها لم تستمع لشيء من الأساس:
- هشوفك قريب يا فؤاد، باي باي.
- بجحة.
قالتها إيثار وهي تنظر لذهابها باشتعال لتنطلق ضحكات ذاك الوسيم الذي أرجع رأسه للخلف وبدأ بإطلاق القهقهات المتتالية لتبتعد عنه وتربع ساعديها فوق صدرها لتنطق بحنق:
- ممكن أعرف بتضحك على إيه؟!
بصعوبة توقف عن إطلاق ضحكاته ليتطلع عليها وبعينين تتأكلها قال:
- على حبيبي الشرس اللي بيدافع عن جوزه بكل قوته.
ابتسمت بخجل ليستكمل ضحكاته مسترسلًا بدعابة:
- البنت خلاص، مش هتدخل البيت ده تاني.
- يكون أحسن برضه.
قالتها بملامح وجه غاضبة، اقترب منها ليقول بوقاحة:
- بقول لك إيه، ما تطلعي تجهزي وتستعدي للخلخال، اللانجري النبيتي هيليق عليه جدًا.
ابتسمت خجلًا ليسحبها من كفها وتحركا عائدين للداخل من جديد.
رواية انا لها شمس الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم روز امين
أنهى نصر البنهاوي اتصاله مع فؤاد ليلقي بهاتفه فوق الطاولة الموضوعة أمامه ويتابع قائلًا بنبرة حادة توحي لمدى غضبه:
-ده أنت شيطان يا أخي، حتى الخطة اللي المحامي حطها علشان أضمن بيها الحضانة بوظها لي.
هتف طلعت بنبرة حادة والغضب يملأ عينيه:
-الراجل ده ملوش المعاملة دي يا حاج، ده راجل خبيث ومش هنعرف ندخل له من الحتة دي.
زفر بقوة ليجيبه بنبرة حانقة:
-وأنا يعني كان في إيدي حاجة غير كده ومعملتهاش يا طلعت؟
واسترسل مبينًا ما أملاه عليه ذاك المحامي الخبيث:
-المحامي نبه علي أوصل الفلوس لقصر فؤاد علام بأي طريقة علشان لما نستشهد بيه قدام القاضي يشهد بإنه استلم مبلغ مننا خلال الشهر اللي قعده الولد عنده، وبكده القاضي هيتأكد إن عمرو اللي متكفل بمصاريف ابنه بالكامل وهيحكم له بالحضانة من أول جلسة.
لوت إجلال فاها لتسأل بنبرة تشكيكية:
-وإنت إيه اللي يضمن لك إنت والمحامي إنه كان هيشهد معانا ويسيب مراته؟!
احتد داخل عمرو من استماعه لتلك الكلمة التي تجعل النار تشتعل بكامل جسده لكنه تمالك من حاله لأبعد حد وكظم غيظه بداخله ليجيبها نصر بجدية:
-مش ده اللي يشهد زور علشان خاطر أي حد يا ستهم، ده راجل دوغري وماشي زي السيف.
-وده الحل معاه إيه يا نصر؟
سؤال مستسلم وجهته إجلال ليحك ذقنه بأصابع يده قبل أن يجيبها:
-أدينا بنشوف أنا والمحامي يا ستهم.
زفر بضيق ليتابع باستياء ظهر فوق ملامحه:
-ماهو لو واحد عادي كانت ديته عندي طلقة بجنيه تخلص عليه وتريحني منه.
واستطرد ليذكرها برجل شركة الأمن الخاصة الذي استأجره ليتابع خط سير فؤاد ويتحرى عنه ليمده بالمعلومات التي ربما تفيده بقضية ضم حضانة الصغير:
-لكن إنتِ كنتي قاعدة معايا بنفسك والراجل بتاع شركة الأمن اللي أجرته يستفسر عنه بيتكلم، الراجل ماشي زي الألف، ملوش غلطة واحدة تتاخد عليه، من البيت لشغله ومن شغله لبيته، لا ليه في ستات ولا هلس ولا سهرات من إياهم ولا حتى رشوة.
هز رأسه بيأس ليتابع:
-ده غير مركز أبوه اللي نص مصر بتتهز له وتقف لاسمه تعظيم سلام.
صكت إجلال على أسنانها لتهتف من بينهما بغضب:
-أنا مش عارفة طلع لنا من أنهي مصيبة ده كمان.
لتشتعل عينيها بنار مستعرة وهي تتابع بحقد دفين ظهر بعينيها الغاضبتين:
-كله من القادرة بنت منيرة، كانت دخلتها شؤم على بيتي.
واستطردت باشمئزاز وهي تلقي بالافتراءات على تلك المسكينة بدون وجه حق:
-حسبتها صح وراحت لعبت على وكيل النيابة وهو زي الأهبل جري وراها وريل عليها، جرت رجله لحد ما اتجوزها وخدها جوه قصره علشان يحميها هي ويوسف.
وإلى هنا تحولت ملامحها واشتعلت عيناها بالجحيم لتتابع:
-بس ورحمة الحاج ناصف ما هخليها تتهنى بعيشتها في القصر ولانهش قلبها من جوه.
تابعت وهي تستعرض بقبضة يدها بطريقة شرسة:
-همد إيدي وهاخد حبيبي يوسف من قلب القصر اللي جريت تستخبى فيه، وتبقى تكمل حياتها جواه من غير ابنها ده لو قدرت.
صمتت لتتطلع على ذاك الجالس باطمئنان يرتشف مشروب الشاي باستمتاع ولا يبالي لحديثهم الدائر وكأن الأمر لا يعنيه بالمرة لتسأله باستغراب وجبين مقطب:
-إنت ساكت ليه يا عمرو؟!
-بسمعكم.
كلمة نطقها بنبرة باردة كالثلج ليقطب نصر جبينه وهو يرمقه بتعجب ليسأله:
-إلا قولي يا عمرو بيه، إنت بتغطس تروح فين اليومين دول؟!
بنبرة هادئة أجابه:
-ما أنا قولت لك قبل كده يا بابا، بسهر مع أصحابي في شقة واحد زميلي قاعد في المركز.
رمقه طلعت بازدراء قبل أن ينطق بنبرة متوجسة:
-يارب بس ما تجبلناش مصيبة جديدة بسهراتك دي.
ليستكمل نصر حديث ولده بتهكم وهو يتطلع عليه بسخرية:
-لا إزاي، ما يبقاش عمرو لو قعد عاقل زي البني آدمين.
ليتابع بحدة وغضب:
-مروحتش الرؤية بتاعة ابنك الأسبوع ده ليه يا بيه؟! المحامي بتاع الهانم رن علي وقال لي إنه كلمك وإنت مردتش عليه.
ارتشف من كوبه بهدوء ثم أجابه بنبرة مستفزة تعجبت لها إجلال:
-نسيت يا حاج، هبقى أروح له الأسبوع الجاي.
بكلماته الباردة نجح في تأجج غضب أبيه ليصيح الآخر بحدة بالغة:
-نسيت تشوف ابنك؟!
ليسخر متابعًا:
-ومراتك اللي فوق دي كمان ناسيها.
واسترسل بنبرة حادة توحي لمدى وصوله للمنتهى من الغضب:
-اسمع يا عمرو علشان أنا جبت آخري منك، من النهاردة ترجع تبات في شقتك مع مراتك، أنا عايز حفيد، مش هتقعد لي على حتة الواد اللي جبته.
واسترسل بحدة:
-أمال مين اللي هيورث الأبعدية دي كلها من بعدي ويكمل طريقي؟!
هب واقفًا كمن لدغه عقرب ليهتف بجنون وحدة:
-انسى الموضوع ده يا ابا، علشان لو السما انطبقت على الأرض ما هرجعش أنام في سرير واحد مع العقربة دي.
قاطعته إجلال لتقول باستياء ولوم قد فات أوانه:
-وكان مين اللي بلانا بالعقربة دي يا عمرو، مش إنت والشيطانة بنت منيرة اللي دخلتها بيتي؟!
صاح نصر بنبرة غاضبة:
-عدى وقت الكلام ده خلاص يا ستهم، البلوة واتبلينا بيها واللي كان كان.
ثم حول وجهته إلى ذاك الواقف بجسد ينتفض غضبًا ليتابع أمرًا بصرامة:
-اسمع يا واد، من النهاردة هتبات في شقتك مع بنت ناصرة، وشقة المحروقة بنت غانم ما أشوفكش تعتبها إلا لما ارجعها لك فيها مذلولة من تاني، وإلا قسمًا بالله أحرقها بكل اللي فيها.
وأشار بسبابته تهديدًا جادًا ظهر باشتعال عينيه:
-كلامي يتنفذ من النهاردة، وإلا ملكش قعاد في بيتي ورجلك ما تخطيش فيه لحد ما أموت.
زمجر بكلمات غير مفهومة وهو يهرول للخارج كالإعصار المدمر، وكعادة تلك الشريرة كانت تتسمع عليهم من فوق الدرج ليتهلل وجهها فرحًا.
ابتسم طلعت شامتًا بشقيقه الأصغر ليرجع بظهره للخلف وينطق بتفاخر:
-اللي هيكمل طريقك ويورث اسمك على حق جاي في الطريق يا حاج.
شمله بنظرة ساخرة قبل أن ينطق متهكمًا:
-ما تتنفخش قوي كده يا أخويا قبل ما تتأكد من اللي في بطن المعدولة مراتك، مش يمكن تكسفك زي كل مرة وتجيب لك الرابعة.
بنظرات حادة نطق بتحدي دون أن يقدم مشيئة الله:
-هيبقى ولد المرة دي يا حاج، ده أنا صارف قد كده مع الدكتورة قبل الحمل ومشينا على نظام أكل معين، وأكدت لي إن كل اللي جرب الطريقة دي نجحت معاه وجاب الولد.
ابتسم نصر ساخرًا من حسرته على حال أنجاله ليتحدث حسين متعجبًا حديث شقيقه المنافي لعقله:
-هو ده كلام ناس عاقلين برضه يا طلعت، ولد إيه ده اللي بيتحدد من نوع الأكل، يا راجل قول كلام يتصدق، ثم إن الموضوع ده بالذات بإيد ربنا سبحانه وتعالى، ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾.
شمل أخاه بنظرة حاقدة لينطق بازدراء:
-العلم اتقدم يا أبو العريف، ما تنبرش بس إنت فيها وهي تكمل.
-خلصونا بقى من كلامكم اللي زي قلته ده وخلونا في موضوع يوسف.
جملة نطقتها إجلال باستياء وصرامة جعلت من طلعت ينظر لها بحدة فهي لا يهمها أمر أحدًا من سكان هذا المنزل سوى مدللها العظيم "عمرو" ونجله وفقط، ولو بيدها لبسطت ذراعها للسماء لتخطف له نجمة تقدمها لإسعاده لفعلت وما تأخرت.
انسحبت سمية لمسكنها سريعًا لتمسك بالهاتف وتطلب والدتها التي سرعان ما أجابت لتهتف الأخرى بنبرة حماسية تذكرها بحديثهما الماضي:
-خلاص يا ماما، الفرصة اللي باستناها جت لحد عندي، الحاج نصر ضغط على عمرو ومن النهاردة هيرجع يبات معايا تاني.
يرجع أساس هذا الحديث إلى قبل يومين، حيث أبلغت تلك الحية والدتها بخطتها وهي أن تحاول جاهدة بالتقرب من عمرو ليحدث بينهما معاشرة ومن ثم تفصح للجميع عن حملها، ثم تبدأ بالبحث عن امرأة فقيرة تحمل برحمها ولدًا تهبها إياه مقابل مبلغًا هائلًا من المال، ولو لم تجد سيصل الأمر بها لتأجير أحدهم ليخطف لها طفلًا حديث الولادة من أي مشفى خاص بالتوليد وتعطيه هو المبلغ، لتمثل هي الحمل طيلة المدة وهذا الأمر لم يكتشفه عمرو لعدم رغبته بالتقرب منها، وتلك هي فرصتها الأخيرة لتعزيز مكانتها بمنزل نصر البنهاوي، وافقتها والدتها على خطتها الشيطانية، واتفقتا أيضًا على تأجيل عملية استئصال الرحم لحين الانتهاء من خطتها.
استرسلت سمية بنبرة حماسية:
-لازم أخطط للموضوع كويس قوي وأعمل حسابي من الوقت علشان أجمع مبلغ كبير، محدش عارف الموضوع ده ممكن يكلفني قد إيه.
ابتسمت الأخرى بمكر لتصمت بتفكير قبل أن تنطق متوجسة:
-بس قبل أي حاجة لازم تتابعي مع الدكتورة وتقولي لها إنك هتأجلي موضوع شيل الرحم ليكون خطر عليكِ.
تحدثت بلامبالاة ظهرت بصوتها:
-ولا خطر ولا حاجة، دول كلهم تسع شهور هيعدوا هوا، وهحاول أشوف حل وألاقي العيل جاهز بعد سبع شهور وأقول ولدت في السابع وخلاص، أهو أكسب شهرين.
أومأت لها الأم واستحسنت تفكير صغيرتها الشيطاني لتغلق معها بعد أن اتفقا على البحث عن من سيجلب لهما الطفل.
بالكاد أغلقت هاتفها ليصدح رنينه من جديد، زفرت بقوة حين وجدت نقش اسم نسرين على شاشة الهاتف، لم تعد تدري كيف تتصرف مع تلك اللعينة التي تظل تطاردها وتبتزها بالمكالمة المسجلة لتتلقى منها المزيد من النقود والتي لا تتوقف عن الإشباع منها مهما مدتها الأخرى بالأموال، والآن لا بد أن تحسم أمرها للتعامل الجدي معها، فقد أصبحت تسبب لها إزعاجًا شديدًا ولا بد من التعامل مع الأمر بجدية كي تقطع دابر تلك المشكلة.
بالأسفل
صدح صوت هاتف نصر لينظر بشاشته ثم يختطفه ويهب واقفًا سريعًا استعدادًا للانسحاب مما جعل الريبة تدخل قلب إجلال لتسأله بحدة:
-مين اللي بيرن عليك يا نصر؟!
وضع شاشة الهاتف صوب عينيها لينطق بصوت جاهد ليخرجه متزنًا:
-مكتوب قدامك الحاج عبدالسلام، ده عضو مجلس الشعب بتاع سوهاج اللي بيكلمني على طول.
أومأت بلامبالاة حين رأت اسم المتصل ليتحرك هو إلى الحديقة وابتعد إلى نقطة لن يستطيع أحدهم الاستماع إليه لينطق بنبرة حادة:
-شكلك ناوية على طلاقك مني قريب.
-ليه بس يا بيبي، ده أنا حبيبتك شذى.
قالتها بغنج أثار حنقه أكثر ليهتف بنبرة مشتعلة:
-سيبك من أمور السهوكة بتاعتك دي علشان مش هتاكل معايا.
ليهتف من بين أسنانه:
-أنا مش منبه عليكِ بدل المرة ألف وقايل لك ماتتصليش بيا طول ما أنا في البلد مهما حصل.
مطت شفتيها لتمثل عليه الحزن:
-وعاوزني أعمل إيه بس يا نصر، إنت ليك أكتر من أسبوعين ما جتش الشقة وحتى التليفون بطلته.
أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا ليهدئ من حالة الغضب التي تملكته ثم تحدث بنبرة أقل حدة:
-أنا مش قايل لك يا بنت الناس إن عندي ظروف هتمنعني أجي لك الفترة دي، وبعدين الانتخابات قربت وأنا مش عاوز شوشرة على اسمي.
-وأنا ذنبي إيه أتحرم من حبيبي المدة دي كلها من غير ما أشوفه.
قالتها بدلال لاستقطابه لتتابع بنبرة حذرة:
-وبعدين فلوسي خلصت، وإنت ما عملتش حسابك تسيب لي مبلغ يكفيني المدة اللي هتغيبها عني.
ضيق بين عينيه ثم ابتسم نصف ابتسامة ليلوي فمه وهو يقول في تهكم واضح:
-بقى هي الحكاية كده يا ست شذى، طب ما تقولي من الأول إنك متصلة علشان الفلوس وبلاه اللف والدوران ده كله.
استدعت دهاء ومكر الأنثى سريعًا لتنطق بنبرة غلب عليها الحزن والانكسار:
-دايمًا كده ظالم شذى حبيبتك، مش كفاية سايبني لوحدي للغيرة تنهش فيا كل ما أتخيل إن جوزي وحبيبي مع واحدة غيري.
مطت شفتيها قبل أن تنطق بصوت يهيم شوقًا أجادت صنعه بمنتهى البراعة:
-شكلك كده مبسوط عندك علشان كده نسيت شذى اللي بتتمنى لك الرضا علشان ترضى.
نطقت جملتها بدلال وغنج اشتاق إليه ذاك المحروم ليبتسم ساخرًا وهو يتذكر علاقته العجيبة مع إجلال، تنهد بقلب مال واشتاق ليجيبها بعد أن انصاع لطريقة سحبها لمشاعره:
-إنتِ عارفة إن القلب مفهوش غيرك يا مزة، وإن ما بيبعدنيش عنك غير الشديد القوي.
بنبرة أنثوية تتبعها دائمًا لجذب ذاك الأبله نطقت تلك الداهية:
-والله اللي أعرفه إن اللي يحب مراته بجد ما يقدرش يبعد عنها كل المدة دي، وييجي يغرق في حنانها تحت أي ظروف.
ازدرد لعابه شوقًا بعد كلماتها المثيرة والتي نطقتها عن عمد ليجيبها دون أن يفكر بمخاطر ما سيفعله:
-يومين بالظبط وهبقى عندك، جهزي لي نفسك علشان راجلك عطشان لحبك.
أطلقت ضحكتها الخليعة التي تثير بها جنونه ليغلق معها سريعًا قبل أن يكشف أمره.
**********
داخل منزل غانم الجوهري
كانت نوارة تجلس بجوار زوجها داخل غرفة المعيشة، تنظر لعبوس وجهه وحزنه الذي ما عاد يفارقه منذ وفاة والده وطغيان عزيز عليهم، نظرت لتلك السيجارة المشتعلة التي يمسكها بين أصابعه وينفث دخانها بشراهة وضيق، تنهدت بأسى لتنطق في محاولة منها بمؤازرة زوجها:
-خلاص بقى يا وجدي، ريح نفسك شوية وبطل السجاير اللي عمال تحرق فيها دي.
هتف بنبرة حادة ليعبر عن صدمته:
-هتجنن يا نوارة، مش قادر أتخيل اللي عزيز عمله فينا وفي أمي.
رمقته بضيق لتجيبه باستياء وجرأة:
-ومستغرب ليه، مهو عمل اللي أوحش من كده ألف مرة في أختكم وإنتوا سكتوا.
رمقها بحدة ليجيب على حديثها بقوة ليبرر لحاله قبلها:
-دي غير دي، موضوع إيثار عمله علشان خايف عليها وعاوز لها الستر.
صاحت بصوت معارض:
-ما تكدبش على نفسك يا وجدي، عزيز ما بيعرفش يخاف على حد غير نفسه وعياله وبس، أنا وإنت عارفين إنه عمل كده علشان الحاج نصر يرجعكم لشغل الحفر على الآثار معاه من تاني.
خجل من نظراتها الحادة لكنه عاند كي لا يظهر بصورة بشعة أمام زوجته:
-وإنتِ كنتي دخلتي جوه ضميرنا وكشفتي اللي فيه يا ست نوارة؟!
ليسترسل بحدة:
-عمومًا أهي خلاص، اتقفلت من كل ناحية علشان ترتاحي إنت وإيثار.
أجابته بحزن ملأ ملامحها:
-وإيثار ذنبها إيه، دي البنت رغم وقوفك في صف عزيز ضدها كانت بتبعت لي فلوس من وراك أجيب للعيال اللي ناقصهم.
جحظت عينيه مذهولًا من اعترافها لتتابع تخبره:
-هو أنت كنت فاكر إن المرتب اللي بتديهولي كل شهر هيجيب للعيال كل نواقصهم؟!
هز رأسه بعدما شعر بخيبة وخجل شمل كيانه ليسألها بنبرة خجلة من حاله:
-وإنتِ ليه ما قولتليش حاجة زي كده؟!
تنهدت بحزن تجيبه:
-هي اللي منعتني أقول لك علشان ما تحسش إنك قليل ومش قادر تكفي بيتك.
أغمض عينيه يضغط عليهما بحسرة ومرارة تحت تأثر زوجته على حالته.
********
عودة إلى إيثار الساكنة بقصر زوجها، كانت تتجول بالحديقة بصحبة زوجها بعد أن تناولا وجبة الغداء في حضور العائلة، خرج والده ليتابع زهوره النادرة التي يهتم بها بنفسه فانضم إليه فؤاد بعد أن استأذنت منه تلك العاشقة ليتركها لحالها كي تتحدث إلى عزيز عبر الهاتف، ضغطت زر الاتصال على ذاك الجالس بغرفته بالأعلى بجوار زوجته ليتفاجأ برقم شقيقته بعد أن أزالت خاصية الحظر، أجاب سريعًا يجيبها بنبرة حادة وعيناه تطلق شزرًا:
-لسة ليكِ عين تتصلي بيا بعد ما فضحتينا في البلد وصغرتينا قدام الحاج نصر وعياله؟!
قلبت عينيها بسأم وأطلقت زفرة قوية لتمد حالها بالطاقة والصبر كي تستطيع مجابهة ذاك الذي لا يملك ذرة واحدة من الرحمة أو الإنسانية، لذا قررت أن تتعامل معه بحدة وصرامة كي تحثه على التراجع:
-اسمعني كويس علشان معنديش وقت أضيعه في كلامك الفارغ ده.
استشاط داخله وكاد أن يرد لتقاطعه هي متابعة بقوة:
-عندي ليك كلمتين هتسمعهم وتنفذهم بالتي هي أحسن، يا إما ما تلومش غير نفسك على اللي هيحصل لك مني.
صاح بنبرة غاضبة أرعبت نسرين الجالسة بجواره:
-والله عال يا ست إيثار، ده أنت طلع لك حس وبتعرفي تهددي عزيز كمان؟!
-أهددك وأهدد اللي يتشدد لك طول ما أنا على حق.
قالتها بقوة ونغمة جديدة على أذن ذاك المذهل لتتابع بصرامة أكثر:
-وبعدين اسمعني وإنت ساكت علشان زي ما قولت لك معنديش وقت.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على جانب فمه ليجيبها بطريقة تهكمية:
-وماله، قولي يا مرات وكيل النيابة واشجيني.
أغمضت عينيها لتتخطى سخريته الواضحة لتكمل ما هاتفته لأجله:
-تاخدي الحية اللي إنت متجوزها وتنزلي تتأسفي لأمك قدام البيت كله، وبعدها تتلقح فوق في شقتها ورجلها ما تخطيش الدور اللي تحت غير وهي خارجة بره البيت.
واسترسلت بلهجة آمرة زادت من اشتعاله:
-خزين البيت من القمح والذرة تتصرف وتخلقه وترجعه البيت تاني، ومن النهاردة ملكش قعاد تحت لا إنت ولا مراتك، وأخوك اللي عملت عليه راجل وضربته بالقلم تتأسف له وإياك تفكر تعيدها تاني، وإلا قسمًا بالله هتشوف مني وش عمرك ما كنت تتخيله.
قهقه ساخرًا ليسألها متهكمًا:
-وإيه كمان يا هانم، اشجيني اشجيني.
أخذت نفسًا مطولًا لتتابع:
-بص يا عزيز، إيثار اللي بتتكلم معاك غير البنت المكسورة اللي كنت تعرفها، أنا الوقت مرات رئيس نيابة كلمته بتهز محاكم، وياريت كمان ما تنساش إن البيت والأرض باسمي، يعني لو عملت لك محضر بالطرد من بيتي الشرطة هتيجي تخرجك بالقوة ومفيش مخلوق هيقدر يساعدك حتى نصر اللي طول عمرك بتتحامي فيه.
شعر بالهزيمة وبأن معركته خاسرة أمام جبروت شقيقته التي جعلت منها الظروف أقوى منه وبدلًا من أن يرعبها كعادته باتت هي من ترهبه بتهديداتها الصارمة، ابتلع كلماته ونيرانه المستعرة ليحاول للمرة الأخيرة عله يستطيع ليقول بتهديد حاد مصطنع:
-فكري كده تعمليها وأنا تاني يوم هاخد أمك وأخليها ترفع قضية الحضانة.
بنبرة باردة أجابته باستفزاز:
-وماله، اعمليها، وأنا كمان تاني يوم هبيع الأرض وأطلعكم كلكم بره البيت وأبيعه هو كمان ونبقى كده خالصين.
وبجوابها هذا تأكد أنه قد خسر آخر جولة له، طال صمته لتبتسم بسخرية بعد أن علمت استسلامه لتنطق بنبرة تحمل بين طياتها تهكمًا لاذعًا:
-كده نبقى متفقين، اتفضل نفذ اللي اتفقنا عليه بالحرف الواحد، ولو أي شرط ما اتنفذش هعرف وهزعل، وأنا زعلي بقى وحش قوي يا عزيز.
ابتسم بسخرية على ما وصل إليه ليجيبها باستسلام:
-حاضر يا مرات رئيس النيابة، تؤمري بحاجة تانية؟
أجابته باستفزاز أرادت به إذلاله لترد له بعض ديونه:
-لحد الوقت لا، لكن لو جد في الأمور حاجة هكلمك.
قالت كلماتها لتغلق الهاتف ولم تعطه حق الرد مما جعله يحتدم غيظًا، سألته نسرين التي كانت تتابع ما يحدث بتركيز شديد:
-عاوزة منك إيه العقربة دي؟!
وكأن بسؤالها هذا أججت داخله ليخرج ما بها من نار شاعلة ظهرت بعينيه وهو يوبخها بحنق:
-اخفي من وشي الساعة دي لو عاوزة تصوني كرامتك.
ابتلعت لعابها وهبت من جواره ليهتف بصوت جاد بعدما حسم أمره:
-اعملي حسابك هتقعدي في شقتك من النهاردة، أكلنا وشربنا هيبقى هنا، ويلا علشان تنزلي معايا علشان تعتذري لأمي عن اللي حصل.
عودة لإيثار التي انتهت من مكالمتها لتفاجأ بقدوم فريال باتجاهها لتقف أمامها وبقامة مرتفعة سألتها باستغراب:
-ماقولتيش لفؤاد على الكلام اللي أنا بلغتك بيه ليه؟!
تطلعت عليها بتمعن لتنطق بثقة وصدق:
-مش أنا اللي أدخل البيوت وأفرق الإخوات عن بعضها.
رفعت حاجبها الأيسر باستنكار لتنطق باستخفاف وتشكيك:
-حركة ذكية منك عاوزة تبيني لي من خلالها قد إيه إنت إنسانة أصيلة وعندك مبادئ.
تعمقت بمقلتيها قبل أن تنطق بصوت جاد:
-أنا مش محتاجة لكل ده ولا مجبرة إني أحسن صورتي وأجملها في عينيكِ لسبب بسيط.
قطبت الأخرى جبينها تنتظر حديثها لتسترسل هي باعتزاز وثقة بالنفس وبحبيبها:
-وهو إن جوزي شايفني بالصورة اللي أنا عليها وده اللي يهمني في الموضوع.
أجابتها باقتضاب:
-جوزك عاشق والعشق بيعمي العيون.
رفعت حاجبها متعجبة من اعترافها لتنطق لتذكرها بحديثها الماضي:
-طب كويس إنك اكتشفتي إنه عاشق واتجوزني للسبب ده، مش شفقة منه وبونت جدعنة زي ما بلغتينا.
تطلعت عليها ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بهدوء حذر بعدما قررت الاكتفاء بهذا الحد كي لا تثير غضب تلك الهادئة:
-على العموم أنا متشكرة إنك احتفظتي بالكلام ده بينا، وأتمنى فؤاد ما يعرفش عنه حاجة.
أجابتها بملامح وجه جادة ونبرة صارمة:
-اطمني، لو عاوزة أقول له كنت قولت له لما جالي أوضتي يومها وسألني عن التغيير اللي حصل في معاملتي ليه، ساعتها اتنرفز علي وسألني، لو عاوزة أتكلم كنت اتكلمت وقتها وبرأت نفسي من تصرفي اللي ضايقه وأزعجه بشكل لا تتخيليه.
للحظة خجلت من حالها وتخيلت حزن شقيقها التي تسببت هي به، قاطع لحظة صمتهما إقدام فؤاد باتجاههما ليسأل حبيبته بنبرة أب لابنته وليس زوجًا:
-خلصتي مكالمتك يا بابا؟
-آه يا حبيبي خلصتها.
قالتها وهو يسحبها ليغمرها داخل أحضانه ثم يميل بقامته ليقبل رأسها بطريقة أشعرتها بأنها تملك الدنيا وما عليها، بسط ذراعه في دعوة منه لاستدعاء تلك الواقفة تتطلع عليه بحزن ظهر بعينيها لكنه يدري سببه جيدًا، كأنها كانت تنتظر ذاك التصرف لتبتسم بحبور وهي تبادر بتسليمه كفها ليسحبها هو ويسكنها الجانب الآخر من حضنه ليتقابل وجه كلتا اللتين نظرتا لبعضهما ليشدد هو من ضمته لكلاهما قبل أن ينطق بصوت يمتلئ بالسعادة والحنان:
-إنتوا أغلى اتنين على قلبي ومعاكم ماما، كل واحدة منكم ليها مكانتها الكبيرة قوي في قلبي.
ابتسمت فريال ورفعت وجهها إليه تسأله بمشاكسة:
-بس مكاني في قلبك أكبر مكان فيهم، اعترف.
ابتسم ليميل على جبينها يضع به قبلة حنون وهو يقول:
-إنت أختي الوحيدة وشريكة طفولتي وصباي يا فريال، أنا وإنت عشنا أيام مفيش أي حاجة تقدر تمحيها.
حثها لترفع رأسها ثم تعمق بعينيها لينطق بذات مغزى:
-سعادتك واستقرارك وأمانك أهم شي عندي، ولو سعادتك في بق الأسد هخاطر بعمري وأخطفها وأقدمها لك علشان بس أشوفك سعيدة.
ارتبك داخلها وللحظة شكت باكتشاف أمرها لتتطلع على تلك التي نفت بعينيها لتطمئن قليلًا وبرغم هذا نطقت بنبرة خرجت مرتبكة رغمًا عنها:
-سلامة عمرك يا فؤاد.
ابتسم لها ثم التفت ينظر لتلك التي تكبله من الخلف مما جعله يشعر بأعلى درجات السعادة والرجولة، مال على وجنتها ليضع قبلة لامست جلدها بجنان بث من خلالها مدى هيامه، تنهد ليتحدث إلى فريال وما زال متعمقًا ببحر حبيبته:
-ما قولتليش يا فيري، بعد الوقت اللي قضتيه مع إيثار في البيت إيه رأيك في اختياري الجامد لنصي التاني.
تطلعت بنظرات حادة لتنطق بذات مغزى:
-مش مهم رأيي أنا يا فؤاد، المهم إنك تكون مرتاح والأهم إنها تثبت إنها جديرة باسم فؤاد علام.
رفعت الأخرى قامتها لتقول بنظرات قوية بها تحدي:
-أهم من إني أكون جديرة باسم فؤاد علام هو إني أكون جديرة واستحق حبه وحنانه اللي قدمهم لي في وقت كنت في أمس الحاجة ليهم.
لتتابع بكلمات تقطر صدقًا وهي تتعمق بعيني حبيبها:
-شكرًا يا حبيبي، شكرًا على حبك وحنانك واهتمامك بمشاعري ومشاعر ابني، شكرًا على على كل حاجة حلوة حصلت لي وكنت سبب رئيسي فيها.
-بحبك.
نطقها بوله متناسيًا تلك الساكنة الجانب الآخر من حضنه لتبتسم وهي تشير بعينيها باتجاه فريال كي ينتبه فضحك لتتحدث وهي تنسحب تاركة المجال لهما ولكي تهتم أيضًا بصغيرها:
-أنا هروح آخد جو ونطلع علشان ياخد شاور.
لتتابع وهي تنظر للصغير الواقف بجوار علام يساعده بالاهتمام بري الزهور وسعادة الدنيا فوق ملامحه:
-شكله تعب سيادة المستشار معاه.
-بالعكس، بابا بيحبه جدًا واتعلق بيه.
قطبت جبينها لتتطلع بتعجب على تلك التي نطقت الكلمات بعفوية ودون إدراك منها لتحمحم بإحراج كي تكمل مجبرة على الاعتراف بالحق:
-الولد مهذب ولذيذ، اسمحي لي أهنيكِ على أسلوب تربيتك ليه.
-ميرسي.
قالتها وهي تميل برأسها وتضع كفها فوق صدرها بطريقة مسرحية لتتابع:
-دي شهادة غالية ومميزة من فريال هانم علام في حق الفقيرة إلى الله إيثار الجوهري.
طالعتها بأعين متفحصة قبل أن تسألها بتشكيك:
-مش عارفة ليه عندي إحساس إنك بتتريقي.
بنبرة جادة أجابتها:
-أنا ما بعرفش أتريق على حد وده مش أسلوبي، لما الكلام ما يعجبنيش ما باردش وبلتزم الصمت، والمفروض إن اللي قدامي يعرف من سكاتي إن كلامه أزعجني.
رفعت فريال حاجبها فقد راق لها أسلوب تلك الـ إيثار، لم تنكر إعجابها بشخصيتها القوية وردودها الجاهزة والقوية والمنمقة بالوقت ذاته، لماحة ذكية تمتلك من الحنكة ما يجبر الآخرين على احترامها.
كانت نظراته تتابع كلتاهما بتمعن واهتمام، تنهد ثم تحدث قاصدًا حبيبته:
-اطلعي يا روحي شوفي هتعملي إيه ليوسف وسبيه مع عزة تنيمه، وأنا ساعة بالكتير وهطلع لك.
ثم مال بجانب أذنها ليهمس بوقاحة:
-ما تنسيش الخلخال.
-وقح.
همست بها ليطلق قهقهاته العالية تحت استغراب فريال للتحول الجذري الذي حدث لشقيقها الكبير العاقل، سيادة المستشار، خرجت من بين أحضانه لتنظر لها وبابتسامة هادئة تحدثت:
-بعد اذنك يا فريال.
أومأت بهزة من رأسها لتنسحب تحت نظرات ذاك المغروم، تنهد لينظر من جديد إلى شقيقته ليسألها بمشاكسة:
-مش عارف ليه حاسس إن فيه حاجة بينك وبين إيثار أنا ما اعرفهاش.
تلعثمت لتسأله بعين زائغة ترجع لبرائتها وعدم خبثها:
-حاجة، حاجة زي إيه يا فؤاد؟!
-ما أنا لو أعرف ما كنتش سألتك.
قالها بحيرة مفتعلة ليتابع بنبرة جادة وقد استشف بدهائه بعدما ربط الأحداث ببعضها أن شقيقته هي من قالت ذاك الحديث الذي سألته عنه إيثار ليلة أمس وما إذا كان أبلغ والده عن مشاكلها مع عائلتها أو عن انطوائه لتركها بعد أن تحصل على حضانة الصغير:
-مش عجباني العلاقة بينكم، حاسس إنكم واقفين لبعض على الواحدة.
ليتابع وهو يهز رأسه باستنكار:
-ما ارتحتش لنظراتكم لبعض ولا لكلامكم.
تحمحمت تنفي شعوره لتقول:
-شعورك مش في محله المرة دي يا فؤاد.
ابتسم ليجيبها بنبرة حنون:
-أتمنى.
تعمقت بعينيه لتفاجئه بسؤالها:
-إنت بتحبها بجد؟!
ظهر العشق بعينيه قبل أن يتنهد بارتياح لينطق بكلمات تقطر عشقًا:
-عمري ما دوقت للحب طعم غير معاها، نظرة عينيها كفيلة إنها تزيل كل همومي وتنسيني أي وجع عيشته قبلها، معاها بحس إني رجعت فؤاد بتاع زمان، فؤاد اللي كله حيوية وعنده تطلعات وأحلام.
كانت تنظر إليه بعينين حنون، لقد تأكدت من عشق شقيقها الحبيب لتلك القوية الأبية، لا تنكر أنها أعجبت بصفاتها لكنها وإلى الآن لم تضع ثقتها الكاملة بها وستظل تلاحقها إلى أن يثبت العكس، فاقت على صوت شقيقها الذي نطق يطالبها بعينيه:
-علشان كده ياريت ما تحاوليش تضايقيها ولا تزعليها، لأن ساعتها هتكوني بتزعليني أنا مش هي.
نطق كلماته بدهاء ليصل معناها لشقيقته وها هي الآن تبصم بأصابعها العشرة أنه كشف أمرها بفطانته، تعلم علم اليقين أن شقيقها ليس بالرجل الغبي وسيربط التفاصيل ببعضها ليصل بالنهاية أنها من أخبرت تلك المرأة التي جلبها إلى القصر لينصبها على عرش قلبه.
تعمق بعينيها ينتظر جوابها فأومأت له بابتسامة خافتة وقد اعتراها الخجل من اكتشاف فعلتها الغبية.
**********
ولجت إلى جناحها الخاص بهما لتشهق حين رأت التجهيزات التي أشرفت عليها عصمت بذاتها، لم تكن مرتها الأولى التي تلج بها إليه لكنه أصبح مختلفًا تمامًا بعد أن وضعت بعض اللمسات السحرية التي حولته، كانت الغرفة مزينة بألوان هادئة ودافئة تعكس الهدوء والراحة لساكنيها، أثاثها بسيطًا وأنيقًا بالوقت ذاته، أما المفروشات فكانت من الألوان الزاهية لإضفاء جوًا من الدفء والحيوية، تتوزع مصابيح الإضاءة بشكل متناغم مما يخلق أجواء مختلفة حسب الحاجة، فمنها الإضاءة العالية ومنها الخافتة، سعدت بشدة لتبتسم تلقائيًا وهي تتطلع لأوراق الزهور المنثورة على الأرضية بشكل متناسق وبسيط بلونيها المميزين الأبيض والأحمر، رفعت بصرها لترى طاولة مستديرة بالمنتصف مليئة بأصناف متنوعة من ثمار الفاكهة المحببة لدى كلاهما، بالإضافة إلى كأسين فارغين لاستعمالهما في المشروب البارد المتواجد بتلك القنينة، على الجانب يوضع وعاء من الكريستال المبهر مملوءًا بالشيكولاتة المحببة لديها، يبدو أن حبيبها هو من جلبها خصيصًا لنيل رضاها، أخذت نفسًا عميقًا لتستعد لليلتها المميزة حيث يتطلع فارسها إلى الكثير والكثير من الدلال والغنَج تعويضًا له عن عنادها وصرامتها في التعامل معه منذ زواجهما، ولجت لداخل الحمام لتختفي بداخله وتنعم بالاستجمام داخل حوض الاستحمام ودلال حالها بإضافة بعضًا من الزيوت العطرية إلى الماء وأيضًا أوراق الورود المخصصة لهذا الغرض، خرجت بعد قليل لتجفف شعرها بجهاز مجفف الشعر الكهربائي، ارتدت ثوب النوم الخاص الذي اختاره لها فؤادها لتتحرك وتقف أمام مرآة الزينة لتصعق من شدة جمال الثوب على جسدها، فقد اختير بعناية فائقة من قِبل ذاك المغروم، وضعت بعض مساحيق الزينة البسيطة للغاية لتظهر جمال عينيها وشفتاها المكتنزة حيث لونتها بأحمر شفاه باللون النبيذي درجة أفتح من درجة الثوب، أمسكت قنينة العطر ونثرت من رذاذها لتشم رائحة الفانيليا المثيرة وهي تغمض عينيها باستمتاع، وأثناء تطلعها على هيأتها شعرت بدخول أحدهم إلى الجناح ليظهر فارس أحلامها بانعكاس صورة المرآة، تعمقت بعينيه المذهولة من مظهرها الذي يدعوه للجنون، فتنته هيأتها وأنوثتها الطاغية، يا الله، كل شيء يصبح معها مبهرًا وفريدًا، أخذ يتطلع إليها عدة لحظات طويلة بصمت متفحصًا إياها بعينين تلتمع بالشغف، ساقته خطواته إليها حتى أصبح خلفها مباشرة ليلف ذراعيه حول خصرها المنحوت وهو يتعمق بعينيها الساحرة، دفن أنفه بثنايا عنقها وبات يشم رائحتها العطرية، نظر بعينيها وهو يقول بنبرة تدل على مدى وصوله للهيام:
-إنت إزاي حلوة ومثيرة قوي كده؟!
ليتابع بانبهار وذهول:
-وأنا إزاي ما شفتش ولا أخدت بالي من كل ده إمبارح؟!
مطت شفتيها لتمثل الحزن بأعينها وتسأله بغنج ودلال:
-قصدك إني ما كنتش حلوة إمبارح ومش عجبتك؟!
غمرها بنظرات يملؤها حنان الدنيا قبل أن ينطق بولع:
-إنت سحرتيني إمبارح مش بس عجبتيني.
واسترسل موضحًا الفرق بإبانة:
-بس اللي حصل بينا إمبارح كان من روح عاشقة عطشانة ومتشوقة لقرب روح الحبيب، النهاردة الوضع يختلف، إحنا النهاردة بنكتشف بعض لأول مرة، إمبارح تقاربنا كان من حبيب لحبيبه، بس النهاردة اشتياق راجل للست اللي هوسته من أول مرة شافها فيه وأتمنى يعيش معاها اللحظة دي.
ليسترسل متسائلًا بغمزة من عينيه:
-فهمتي الفرق؟
ابتسمت لتجيبه بدلال:
-بحاول.
-أنا هفهمك بس بطريقة عملية.
قالها بغمزة وقحة لتبتسم بسعادة، تحرك مجبرًا إلى الخزانة ليخرج العلبة ويخرج منها ذاك الخلخال الألماسي الذي دفع فيه مبلغًا طائلًا من المال لينتهي به الأمر بأسفل ساق تلك الرائعة، مال بطوله ليركع تحت قدماها وبدأ بتلبيسها إياه بساقها اليمنى ليميل عليها يقبلها باستمتاع ونهم تحت ذهولها من المنظر، لو كان أحدهما أبلغها قبل مدة أن فؤاد علام ذاك المتكبر المغرور سيركع تحت ساقيها ويقوم بتقبيله وإلباسها خلخالًا من الألماس لـقالت أنه فاقد العقل والأهلية، رفع بصره ينظر لتلك المذهولة بعينين تنطق شوقًا ليقف منتصب الظهر ويمسك كف يدها يضع بداخله قبلة بث لها من خلالها كم الاشتياق، نظرت له بعينين سعيدة لترتمي بأحضانه وهي تهمس:
-يا عمري يا فؤاد، أنا بحبك قوي.
-وأنا بعشق كل ما فيكِ يا عيون فؤاد.
قالها ليصطحبها ويتحركا إلى الطاولة ليتحدث وهو يتطلع من حوله ويقوم بسكب مشروب عصير التفاح برتابة:
-دي الدكتورة عصمت متوصية بيكِ قوي، شكلها حبيتك وجدًا كمان.
ناولها الكأس لتمسكه بين أصابعها وهي تقول بمشاكسة:
-وأخبار ابن الدكتورة عصمت في حبي إيه؟!
أجابها بصوت مسحور:
-ابن الدكتورة عصمت عشق وداب وسلم الراية البيضا من أول نظرة.
ابتسمت فرحًا لترفع خصلة من شعرها تمردت لتضعها خلف أذنها، ارتشف من كأسه ثم تبادلا الشراب كل من كأس الآخر، أنزل كأسه ليمسك بواحدة من الشيكولاتة ويزيل عنها ورقتها، نظر لعينيها وقضم نصفها لتذوب بفمه، مال على شفتاها يقبلها بنهم لتذوب الشيكولاتة بفمي كلاهما تحت سعادتهما التي لا توصف، ابتعد ليغمز لها يذكرها:
-فاكرة الشيكولاتة اللي جبتها لك في اليوم إياه؟
ابتسمت خجلًا ليتابع هو بمداعبة:
-أنا شاكك إنك طمعتي في العلبة لوحدك وقصدتي تنكدي علي علشان تنفردي بيها.
أطلقت ضحكة عالية ليذهل ذاك العاشق من جمال ضحكتها الحماسية، كرر ما فعله معها وذابا معًا لأبعد حد ليبتعد بعد قليل تحت حاجتهما للتنفس، تحرك صوب جهاز الموسيقى لتنطلق بعد قليل موسيقى ذكرتها بماضيها الجميل قبل أن تفرمها طاحونة الزمان.
تسللت إلى مسامعها تلك الموسيقى الحالمة لتغمرها بشعور رائع وكأنها موسيقى من الجنة، حتى تلك الشموع المتناثرة هنا وهناك بإضاءتها الخافتة منحت المكان جوًا رائعًا من الخيال، كانت الموسيقى للملحن خالد الأمير الخاصة بفيلم الراقصة والسياسي فقد كانت تعشقها وتذكرها بأيام صباها حيث كانت ترى الدنيا بأعين بريئة، تطلع إليها ليقول وهو يغمز بعينيه:
-سمعيني بقى صوت رنة خلخالك يا حرمنا المصون، عاوز أتمزج بصوت الرنة.
-بس كده، من عيوني.
قالتها لتنطلق مندمجة لأبعد حد مع الموسيقى لتتمايل بجسدها هنا وهناك بطريقة جعلته يفتح فاهه مشدوهًا من شدة ذهوله وعدم تصديقه لما رأته عيناه، كان يشعر بأن لديها حسًا موسيقيًا وتستطيع الرقص، لكنه لم يتوقع تفوقها لهذا الحد، جلس على الأريكة يتطلع على رقصها المبهر بأعين عاشقة، ينظر للخلخال وهو يهتز بساقيها ليحدث صوتًا يشعل ناره المستعرة والمتأججة، لم يكن يومًا من الرجال المنجذبين للرقص ولا لحركات الجسد التي تثير الغرائز، لكن الأمر معها مختلفًا، تلك الجملة بات يكررها كثيرًا مؤخرًا وبفضلها.
تأججت مشاعر الاشتياق لديه من حركاتها المثيرة لقلبه العاشق وروحه المشتاقة وما شعر بحاله إلا وهو ينضم لها ليشاركها الرقص، ضحكت لتقول بصوت لاهث تأثرًا برقصتها:
-فين سيادة المستشار علام زين الدين والدكتورة عصمت الدويري ييجوا يشوفوا ابنهم المبجل رئيس النيابة بيعمل إيه.
ضحك مقهقهًا ليهمس وهو يشاركها الحركات:
-سيادة المستشار بيتحول لمراهق قدام عيون حبيبه.
ليتابع وهو يضمها له:
-جبارة إنت يا إيثار، قدرتي تخرجي اللي ما كانش موجود جوايا أصلًا.
-أصلًا.
قالتها بدلال ليجيبها بمداعبة:
-أصلًا.
ظل يرقصان إلى أن انتهت الموسيقى فحملها سريعًا بين ساعديه واتجه لفراشهما الوثير ليضعها عليه برفق وانضم معها لينعم بأحضانها الحانية وعشقها المسكر وحلاوة غرامها الفريد الذي يتذوقه للمرة الأولى على يداها، غابا لوقت ليس بالقليل داخل عالمهما الخاص المليء بكل ما هو ساحر ومبهر، رفع جسده ليستند بعدها على خلفية السرير، ضمها لتستند إلى كتفه، رفع يده ووضعها على كتفها لتضم نفسها إليه ملتصقة به وتمسك يدها بيده واليد الأخرى تتخلل أصابعهما ببعض لتقول بهمس أثار جنون حبيبها:
-خليني دايمًا في حضنك يا فؤاد، أوعى ييجي يوم وتنام فيه من غير ما تحضني وتضمني لصدري.
كان يشعر بدغدغة لذيذة بسائر جسده مستمتعًا بما حدث للتو بينهما ليهمس وهو مغمض العينين باستمتاع:
-حضنك بالنسبة لي زي الهوا يا قلب فؤاد، فيه حد يقدر يعدي يوم من غير ما يتنفس؟
ظلا يتحدثان لوقت طويل حتى غلبهما النعاس ليتمدد وهو يتملكها بأحضانه ليضع رأسها فوق صدره العاري مكبلًا إياها من خصرها، نطق بمداعبة بصوت متحشرج تأثرًا بنعاسه:
-يلا نامي يا حبيبي علشان عندنا بكرة حفلة چاكوزي بدري، فكراه؟
ابتسمت واقشعر جسدها باستمتاع حين تذكرت ذاك اليوم لتسأله بأعين مغمضة من شدة نعاسها:
-هو أنت مش هتروح الشغل بكرة؟
-تؤ.
صوت أخرجه من بين شفتيه ليتابع موضحًا:
-أخدت بكرة كمان أجازة علشان أقضيه في حضن حبيبي، لحد ما أرتب شغلي وآخد لنا أسبوع نسافر فيه لأي مكان تشاوري عليه.
بالكاد نطق كلماته ليغمض عينيه يشعر براحة رهيبة تملكت منه ليستسلم لنوم عميق ممتع، تطلعت عليه حين استمعت لانتظام أنفاسه لتضع كفها تتحسس صدره وتبتسم فرحًا كلما تذكرت كلماته الرائعة التي حملتها إلى أعناق السماء وجعلتها تتراقص على ألحانها، لتدخل هي الأخرى مستسلمة لنوم عميق جدًا.
رواية انا لها شمس الفصل الثلاثون 30 - بقلم روز امين
بعد فشلي الذريع بزواجي الأول وخروجي من تلك التجربة المريرة بمنتهى الانهزام والذل والمهانة، شعرت بانكسار الأنثى الكامنة بداخلي وتحطمها، وبأن طعم الحياة أصبح مرًا كالعلقم. حينها تيقنت أن حياتي قد توقفت عند تلك النقطة وعزمت على ألا أعيد تجربة إحيائها من جديد. دفنت الأنثى بداخلي وواريت جميع مشاعري داخل أعماقي، أغلقت حياتي وكرستها وقمت بصب جل اهتمامي وحبي لصغيري ذي الوجه الملائكي، إلى أن ظهر فارسي المغوار بطلعته التي تشبه أبطال الروايات الخيالية بأخلاقه النبيلة كالأمراء. ذاك الرائع الذي أخذني لأعيش في كنفه ثم بحالمية حملني بين يديه ليسبح بي داخل بحر هواه الفريد ويمحو بعشقه الجارف آثار الدمار الذي خلفه بروحي شبيه الرجال زوجي السابق. فبقدومه بزغ فجري وانكشفت غمتي وأشرقت شمسي التي سطعت وأنارت دربي لتجعله منيرًا مشرقًا بعد ليل عاتم. اختطفني وغاص بي بأعماق بحر الهوى لنسبح سويًا ونتنعم وسط أمواجه الحانية. فيا سعدي بك يا فؤادي يا من أصبحت لي خليلًا لروحي وسرًا لسعادتي وهنائي.
إيثار الجوهري
فاقت من نومها تشعر بانتعاشة رائعة بروحها، وما أن تطلعت لذاك الغافي بجانبها والمكبل لجسدها بتملك وسيطرة حتى ابتسمت وشعرت بفراشات العشق تداعب أسفل معدتها، وعلى الفور علمت سبب الانتعاشة. رفعت رأسها واستندت بساعدها على الوسادة وبدأت تتطلع على ملامحه الهادئة. كم أنه باهر حقًا، هادئًا مستكينًا راقيًا حتى بنومه. نظرت لشعر رأسه الفحمي الذي يشبه سواد الليل وابتسمت لتنزل ببصرها وتثبته فوق شفتيه الغليظتين اللتان تعطيه مظهرًا رجوليًا خلاب. شعرت برجفة بقلبها لتخرج تنهيدة حالمة وهي تتذكر ما حدث من زوجها من دلال ليلة أمس. فقد تعدى حدود الخيال معها وجعلها تحيا بين يديه ليلة ستظل محفورة بذاكرتها مهما تكررت لياليهم السعيدة معًا. مررت أناملها الرقيقة لتتخلل خصلات شعره بملمسه الناعم ليفتح جفونه على إثر لمساتها الحنون، وعلى الفور ابتسم حين رأى وجهها الصبوح البشوش لتميل هي على شفتيه وتلثمهما برقة لترفع من جديد حالها تنظر بمقلتيه العاشقة وهي تقول بصوت ناعم أشبه بأنغام الموسيقى:
- يلا يا فؤادي فتح عيونك علشان شمسي تنور.
تمطأ بمتعة لم يشعر بها إلا معها وسعادة بالغة ظهرت على ملامح وجهه المبتسم ليجذبها عليه ويقبل شفتيها بهدوء ليقوم بإبعادها قليلًا لتتحدث عينيه قبل لسانه:
- هو فيه حد بيقوم من النوم وهو قمر كده؟
أجابته بمداعبة وهي تحرك أناملها بدلال فوق صدره نال استحسانه وأشعره بأنه ملك في حبها:
- فيه، جوزي حبيبي.
أمسك خصلات شعرها الهاربة ليعيدهم بتهذيب خلف أذنها، ثم تعمق بمقلتيها وهو ينطق بنبرة تظهر كم أنه غارقًا ببحر الغرام ويتنعم سابحًا بين أمواجه العاتية:
- جوزك حبيبك متمزج يا إيثو، عايش حالة هيام عمري ما تخيلت إني أوصل لها ولا إنها تكون موجودة أصلًا.
ليبتسم ويتابع بصوت عاشق:
- بس معاكِ مفيش حاجة اسمها مستحيل. معاكِ كل يوم بكتشف مشاعر وأحاسيس لأول مرة بعيشها، وكأني بكتشف نفسي من جديد على إيدك.
ابتسمت ومالت على أنفه تداعبها بخاصتها لتنطق بمشاكسة ودلال:
- المواهب المستخبية بتظهر واحدة واحدة والهيبة بتنهار يا معالي رئيس النيابة.
قهقه برجولة زلزلت كيانها ليمسح بأصابعه على وجنتها بنعومة وهو يقول بغمزة من عينيه متذكرًا هيأتها بأول معرفته لها:
- المواهب كلها طلعت مستخبية وراء نظارتك الطبية وبدلتك يا حرم معالي المستشار.
جذبها ليجعلها تعتليه ثم استرسل وهو يمرر لسانه فوق شفته العليا:
- تيجي نبيلة عبيد تشوف الرقص على أصوله؟ رقص مرات فؤاد علام لجوزها حبيبها اللي دلعته أخر دلع.
ابتسمت بحالمية لتنطق بنعومة أثارته:
- مش قادرة أوصف لك فرحة قلبي وإنت بتنسبني ليك. أنا مرات فؤاد علام وحبيبته.
قالتها بفخر واعتزاز.
تنهيدة حارة شقت صدره وخرجت قبل أن يقول بنبرة رجل عاشق من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه:
- إنتِ مش بس مراتي وحبيبتي يا إيثار، إنتِ بنتي اللي بحسها مسئولة مني. إنتِ العوض الجميل، عوض ربنا اللي كان متشال لي وأكرمني بيه مرة واحدة.
حولتها كلماته الساحرة إلى فراشة تسبح في السماء وتتراقص على أنغام حروفه. تنهدت لتنطق بملاطفة:
- خلي بالك إنت كده هتعودني على الدلع.
بعينين تنطق ولهًا أجابها:
- وماله، ادلع يا بابا واتعود براحتك وأنا هغرقك في دلعي اللي مش هتلاقيه غير عند فؤاد علام لحبيبه وبس.
أراحت رأسها على صدره وباتت تتمسح به كقطة سيامي تتدلل على مربيها مما ثار جنونه ليأخذها في رحلة عشقية مليئة بالجنون والشغف الذي يزداد يومًا بعد يوم.
**********
بالأسفل داخل مطبخ القصر وبعدما تخطت الساعة العاشرة صباحًا، تجلسن العاملات يرتشفن مشروب الشاي الساخن بعد أن قمن بتنظيف القصر والمطبخ، إلا من عزة التي تقوم بتحضير وجبة الفطار لابنتها الجميلة وزوجها بعد أن جهزت الصغير وسلمته بيدها للسيارة الخاصة بالمدرسة. تحدثت إليها وداد:
- تعالي اشربي الشاي معانا يا عزة ولما الباشا والمدام يصحوا هقوم أنا أجهز الفطار معاكِ.
أجابتها وهي تتابع ما تفعل من تقطيع بعض أنواع الخضار بالسكين:
- هما صحيوا خلاص، إيثار ما بتنمش أكتر من كده.
ضحكت إحدى العاملات قبل أن تقول بذات مغزى:
- ده كان زمان يا ست عزة، أيام ما كانت بتنام لوحدها ومفيش حد يقلق منامها. الوقت بقت مرات فؤاد باشا.
ردت وداد بضحكة رقيعة:
- وما أدراك ما فؤاد باشا.
ضحكت جميعهن لتهتف عزة بحدة ترجع لخوفها على تأثر سعادة حبيبتها بحديثهن:
- اتلمي وخليكي في حالك منك ليها، وكفاية هتنشوهم عين تجيبهم الأرض.
ضحكن الجميع فقطع ضحكاتهن صدوح الهاتف المعلق بحائط المطبخ لتسرع عزة لتجيب بنبرة حماسية وكأنها تعلم المتصل:
- أيوة يا باشا.
- صباح الخير يا عزة... قالها ذاك المستند على ظهر السرير محتضنًا خليلة الروح والفؤاد مكبلًا إياها من خصرها لتجيبه عزة بصوت يملؤه الحماس:
- صباحك فل وورد وياسمين.
تمطأ ليكمل حديثه:
- جهزي الفطار وابعتيه مع أي حد على الجناح.
كعادتها ثرثرت بالحديث لتقاطعه باعتراض:
- ما تجيب ست البنات وتيجوا تفطروا في الجنينة، أهو تشموا لكم شوية هوى نضيف بدل الكتمة اللي إنتوا فيها دي.
وتابعت بثرثرة لولا هدوئه وراحة قلبه بفعل اقتراب حبيبته لانفجر بها وما تحمل لها كلمة:
- ده الهوى النهاردة يرد الروح ويشفي العليل.
تنفس مطولًا ليستدعي الصبر على تحمل تلك الـ عزة لينطق بنبرة باردة كالثلج:
- خلصتي؟
ضيقت بين عينيها لتسأله بعدم استيعاب:
- خلصت إيه يا باشا؟!
- رغي... قالها بحدة لتبتلع لعابها وتصمت فيتابع هو بنبرة صارمة:
- عشر دقايق والفطار يكون عندي.
لوت فاهها لعدم قبوله لفكرتها لتنطق باستياء ظهر بصوتها:
- فوق فوق، الحق عليا اللي خايفة عليك من الكتمة.
كانا يتحدثان تحت ضحكات إيثار التي فشلت في كظمها من ذاك الثنائي الفظيع ليحدق بها لائمًا إياها بعينيه لتزيد من ضحكاتها وهي تدفن وجهها بصدره لينطق وهو يغلق الهاتف:
- ربنا يصبرني على ابلائي.
وضع الهاتف جانبًا ليميل برأسه يتطلع على التي تكظم ضحكاتها بصدره ليقول بمداعبة:
- أنا بفكر أشوف لـ عزة عريس وأخلص منها قبل ما تشلني.
رفعت رأسها تتطلع عليه وهي تقول وما زال الضحك يسيطر عليها:
- وهتقدر تعيش من غيرها؟ دي بهجة حياتي.
تغيرت ملامحه لجادة وهو ينطق بغيرة واضحة:
- أنا بهجة حياتك وسر كل حاجة حلوة فيها.
وضعت كفها الحنون تتلمس ذقنه النابتة التي تثيرها لتقول بعينين تفيض عشقًا وحنانًا:
- إنت حياتي كلها يا فؤاد، دخلتها وهي صحرا وبلمسة من روحك الحلوة حولتها لجناين ورد وريحان.
- حبيبي بقى شاعر... قالها وهو يقبل أرنبة أنفها بدلال تحت سعادتها، أزاحت جسدها عنه لتقول:
- هلبس الروب قبل عزة ما تيجي.
نزل هو الآخر عن الفراش وقام بارتداء روب رجالي كاروهات مدمج من اللونين الزيتي والبيج بياقة ستان باللون البيج السادة وأسورتان بنفس اللون مما أعطاه مظهرًا رجوليًا شديد الجاذبية. تحرك نحو خزانة الملابس وقام بإخراج رداء الحمام والبيجامة التي سبق وارتدتهما حبيبة الروح لينطق وهو يتطلع عليهما:
- كده مهمتهم انتهت وممكن يتغسلوا.
قطبت جبينها تستوعب حديثه واقتربت عليه وهي تنظر لما يتطلع عليها لتسأله بعدما شهقت لفهمها مقصده:
- يا نهارك أبيض يا فؤاد، دي البيجامة والبورنس اللي اديتهم لي أول يوم جيت فيه معاك القصر؟!
رفع حاجبه ليميل برأسه بسعادة لتتابع هي بعينين متسعتين:
- هما ما اتغسلوش من وقتها؟!
ألقى بهما فوق المقعد الجانبي ليستدير لها ويجذبها ليلتصق بها ويتطلع متعمقًا بعينيها بنظرات يملؤها الشوق والهيام. ليتنفس بعمق قبل أن ينطق بصوت حنون يقطر صدقًا:
- كنتي عوزاني أغسلهم وأضيع أثر حبيبي منهم؟!
تنهد ليكمل متأثرًا بشوقه العارم:
- أنا كل يوم كنت بلبس حاجة منهم وأنام وأنا حاضن نفسي ومحاوط عليها كإني محاوط عليكِ. كنت بشم ريحتك فيهم وألمس وجودك بملمسهم.
- ياااه يا فؤاد، قد كده أنا تعبتك معايا وكنت أنانية... قالتها متأثرة لائمة لحالها ليقاطعها سريعًا بنبرة هائمة:
- قد كده عشقت روحك الطاهرة وقدرتي بعفويتك وكبريائك تأسري روحي وتوصليني معاكِ لعشق الروح، لدرجة إني أحضن بيجامة علشان بس أشم ريحتك فيها، وأحتفظ بيهم أكتر من شهر في دولابي.
واستطرد مبتسمًا متعجبًا حاله واستطاعتها الجبارة في تغيير أسلوب حياته:
- أنا اللي طول عمري مهووس بالنظافة لدرجة إن ممنوع إيد مخلوق تلمس هدومي بعد الغسيل والمكوى غير إيد أمي، أحتفظ بهدوم حد غيري لبسها ولمدة شهر.
كانت تستمع لكلماته التي حملتها إلى أعماق السماء وجعلت من قلبها يتراقص بشدة لترفع جسدها لأعلى وهي تقف على أطراف أصابعها لتصل لارتفاعه الهائل عنها وتنطق بدلال وغرور مصطنع أرادت به مشاكسة حبيبها الراقي:
- بس أنا مش أي حد، أنا حبيبة حبيبي وقلبه من جوه.
- إنتِ كل حاجة وأغلى حاجة يا حبيبة حبيبك... قالها بهيام ليرفع جسدها لأعلى مثبتًا إياها بأحضانه مما جعل ساقيها معلقة بالهواء ثم أقبل على شفتيها ينهل من شهدهم المميز لتندمج معه لأبعد الحدود. انتفضت لتبتعد عنه عندما استمعت لطرِقات خفيفة فوق الباب مما جعله يضحك عليها وهو يقول:
- يا روح قلبي قولت لك ألف مرة مفيش مخلوق ممكن يفتح الباب قبل ما أذن له، يبقى ليه الخوف ده.
أفلتت حالها لتلمس ساقيها الأرض وتقول وهي تعدل من وضع روبها:
- الحذر مطلوب يا سيادة المستشار.
ابتسم بخفة ليتحمحم ويصدح بصوته الرجولي:
- ادخل.
فتح الباب لتظهر منه عزة بابتسامتها المشرقة وسعادتها الظاهرة بوجهها وهي تمسك بصينية كبيرة عليها أصناف متعددة من أنواع الطعام المخصص للفطور. تلتها وداد تحمل صينية بها بعض الفاكهة وكأسين من العصير الطازج. لتنطق عزة بنبرة تملؤها السعادة:
- صباح الفل على أحلى عرسان في الدنيا كلها.
ابتسمت بخجل ليسحبها هو ويضمها لحضنه لتتابع عزة وهي تضع الطعام فوق المائدة المستديرة:
- عملت لكم فطار يفتح النفس، فطار عرايس بصحيح.
لتسترسل بما جعل فؤاد يقطب جبينه يرمقها بتعجب:
- ولو إني كان نفسي تاكلوه في الجنينة بعيد عن الكتمة دي.
لتتابع وهي ترمق فؤاد بازدراء:
- بس أقول إيه بقى في دماغ سيادتك اللي زي الحجر.
رمقتها إيثار بنظرة عاتبة لتعديها الحدود الحمراء. أما العاملة فارتبكت وهي ترى تلك الجريئة تتعامل مع سيدها بتلك الطريقة الغير مقبولة. ارتاب داخلها لتوقعها لثورة غضب ستطال بتلك عديمة العقل لكنها تعجبت حين تحدث بهدوء بطريقة ساخرة:
- ولزمتها إيه سيادتك معاليكِ؟!
- شكلي بوظت الدنيا زي عادتي... قالتها وهي تتطلع إلى إيثار التي أومأت لها بشفاه ممطوطة تعبيرًا عن خجلها لتصمت الأخرى لدقائق قبل أن تنطق سريعًا بعد أن فشلت بالصمت وقررت إرضاء ذاك الكريم:
- تحب تتغدى إيه يا سيادة المستشار؟ شوف نفسك في إيه وأنا أعملهولك هوا.
- مش لما نفطر نبقى نفكر في الغدا يا عزة... قالها وهو يجذب كف حبيبته ليسحب لها المقعد لتجلس عليه. تحرك ليقابلها الجلوس ثم وجه حديثه إلى وداد:
- خلي سعاد تشرف على تجهيز أوضة الجاكوزي ليا وللمدام يا وداد.
نطقت الفتاة وهي تنظر بأرضها باحترام:
- تحت أمرك يا فؤاد باشا.
أعاد عليها سؤالًا آخر:
- الدكتورة في الجامعة ولا تحت؟
أجابته باستفاضة:
- مفيش حد في البيت خالص يا باشا، سعادة المستشار راح مكتبه والدكتورة راحت الجامعة مع الدكتور ماجد، حتى مدام فريال أخدت فؤاد وراحت النادي تقابل صحباتها.
أجابها مقتضبًا:
- تمام، روحي بلغي سعاد.
- حاضر يا باشا... قالتها لتحول بصرها إلى إيثار التي أمسكت قطعة من الخبز وبدأت بوضع الزبدة عليها وفردها بالسكين لتسألها باحترام:
- تؤمريني بأي حاجة يا هانم؟
رفعت رأسها تتطلع إليها لترد بابتسامة هادئة:
- ميرسي يا وداد، الأمر لله وحده.
استدارت وتحركت للخارج تلتها عزة فاستوقفتها إيثار تسألها عن الصغير:
- يوسف راح المدرسة يا عزة؟
- آه يا حبيبتي أنا طلعته مع الأمن وركبته الباص ووقفت لحد ما اتحرك... قالتها بإبانة لتسألها الأخرى وقد ظهر بصوتها الحزن:
- ما سألش عليا؟
- سأل وقولت له إنك نايمة وسكت على طول، ما إنتِ عارفة هو بيحبني قد إيه... قالتها لتخرج سريعًا فنظر إلى حبيبته ووجهها الذي تحول. أشار لها بكف يده يستدعيها فتحركت إليه ليجلسها فوق ساقيه ثم سألها بعدما تعمق بعينيها:
- زعلانة ليه يا حبيبي؟
تنهدت بضيق قبل أن تنطق بصوت أظهر كم الألم الساكن بداخلها:
- حاسة إني بظلم يوسف معايا يا فؤاد، الولد ليه يومين بيروح المدرسة من غير ما أشوفه.
مسح بإبهامه على وجنتها قبل أن يجيبها:
- ده وضع مؤقت يا إيثار، كلها كام يوم وهنرجع لحياتنا الطبيعية، أنا هقوم بدري أروح شغلي وإنتِ هتقومي تتابعيه بنفسك.
- بالمناسبة يا حبيبي... قالها بتذكر ليتابع:
- أنا بفكر أنقل ليوسف جنبنا هنا في المدرسة اللي فيها بيسان.
واستطرد بمنطقية:
- المدرسة بتاعته بعيدة قوي وكمان علشان قلبك يطمن أكتر إنه جنبنا.
أجابته بحيرة ظهرت فوق ملامحها:
- أنا كمان فكرت في الموضوع بس لما دخلت على موقع المدرسة لقيت الموضوع صعب قوي، أول حاجة المدرسة دولية ويوسف مدرسته تجريبية، فأكيد مش هيقبلوه لأن شروطهم صعبة قوي وصارمة.
واسترسلت بخجل ظهر جليًا بصوتها:
- ده غير إني سألت على مصاريفها وطلعت غالية جدًا وفوق قدراتي المادية.
أغمض عينيه ليزفر بحدة قبل أن ينطق بهدوء استدعاه بصعوبة:
- بالنسبة لشروط المدرسة ما تشيليش همهم، أنا بنفسي اللي هروح أقدم له واعتبريه خلاص اتقبل.
وتعمق بعينيها ليتابع بصرامة كي يغلق عليها باب التعليق على الموضوع:
- أما بقى بالنسبة للمصاريف فبجد عيب، عيب ونتلم شوية.
- مش هينفع يا فؤاد... قالتها بصرامة لتتابع بعزة نفس وتفكير أكثر عقلانية:
- أنا كده هأكد لأهلك إني فعلًا اتجوزتك علشان فلوسك.
قطب جبينه ليسألها بتمعن:
- مين من أهلي اتكلم معاكِ في الموضوع ده؟!
ارتبكت وتلعثمت بالكلام وهي تتهرب من عينيه:
- محدش قال، أنا بخمن.
أمسك فكها ليرفعه فتقابلت أعينهم ليأخذ نفسًا عميقًا ويزفره بهدوء قبل أن ينطق بما جعل بؤبؤ عينيها يتسع:
- أنا عارف إن فريال حاولت تضايقك بكلام أكيد سخيف.
ابتلعت لعابها ليتابع بما استشفه بفطانته:
- وعارف إن الكلام اللي سألتيني عنه بخصوص إذا كنت قولت لأهلي عن مشاكلك ده فريال اللي بلغتك بيه.
- مين اللي قال لك؟!... سألته بصوت خافت ليجيبها بأسى ظهر بصوته وعينيه:
- حسيت.
إيثار... نطقها بنبرة حزينة ليتابع مترقبًا ملامحها بألم:
- يوم ما اتفقنا إني أرجع ألاقيكِ هنا علشان نتمم جوازنا، هو ده اليوم اللي فريال اتكلمت معاكِ فيه؟
أنزلت عينيها للأسفل فلم يعد لحديثها داعي. شعر بطعنة شديدة شقت صدره لنصفين. هل حقًا شقيقته هي من دمرت سعادته بذاك اليوم؟ لقد ذهب إلى عمله بقلب يرفرف من شدة سعادته ومنى حاله طيلة اليوم بعودته إلى جناحه ليجد عروسه الجميلة بانتظاره ليقضي معها أجمل لياليه. حين أتى من عمله يبحث عنها فلم يجدها فذهب لغرفتها ليعود خالي الوفاض. وضعت كفها تتلمس به وجنتها وهي تقول بنبرة حنون تحاول بها التخفيف من وطأة حزنه:
- على فكرة، أنا بعد ما عرفت قصتك مع طليقتك عذرت خوفها عليك. أختك بتحبك وبتخاف عليك وده حقها يا فؤاد.
أومأ برأسه ليجيبها بصوت محبط:
- وده نفس السبب اللي خلاني ما أخدش ضدها أي تصرف عنيف.
اشتدت عينيه بظلمة الغضب ليهتف بقسم من بين أسنانه:
- قسمًا بالله يا إيثار لو حد غير فريال اللي عمل كده وحرمني منك لكنت خليته يندم على اليوم اللي اتخلق فيه.
تنهدت لتجيبه بكلمات علها تستطيع من خلالها رفع الحرج عنه:
- خلاص بقى يا حبيبي، المهم إننا بقينا مع بعض.
لتتابع بعينين يظهر بهما تصميم شديد:
- ومن النهاردة مفيش مخلوق هيقدر يبعدنا عن بعض تاني.
دفن أنفه داخل تجويف عنقها ليهمس وهو يتنفسها:
- طب خلي حد يقرب منك كده ويحاول يبعدك عن حضني وشوفي هعمل لك فيه إيه.
أبعدها ليتحدث بجدية:
- المهم، موضوع مدرسة يوسف اعتبريه خلص.
- بس يا فؤاد... نطقت باعتراض ليقاطعها بحدة ناطقًا بحزم:
- الموضوع انتهى، إنتِ مراتي ومن حقي أرتب لك حياتك بالطريقة اللي تخلينا نعيش مرتاحين، وفلوس المدرسة اللي بتقولي عليها دي بالنسبة لثروتي زي موظف بيشتري من مرتبه واحدة شيكولاتة.
رأى بعينيها الحيرة والتردد ليتابع بإخبارها بما أبلغه به والده بالأمس:
- وعلى فكرة، علام باشا هو اللي اقترح عليا الفكرة امبارح، وقبل ما تفكري إن يوسف ما يهمنيش أنا والله فكرت في الموضوع من يوم ما جبتك من كفر الشيخ إنتِ ويوسف، لكن ما كانش ينفع أفاتحك قبل ما جوازنا يتحول رسمي لأنك أكيد كنتي هترفضي.
سألته بمداعبة:
- والوقت مش هرفض؟!
على الفور أجابها:
- تؤ، مش مسموح لك.
وتابع مشيرًا بأصبعه نحو الباب:
- من ساعة ما دخلتي برجلك من باب الجناح ده وأمرك إنتِ ويوسف أصبح مسئوليتي. من النهاردة مش عاوزك تشغلي دماغك ولا تشيلي هم لأي حاجة في الدنيا. إنتِ مراتي ومسئولة مني إنتِ ويوسف، فلوسي هي فلوسكم وأقل حق ليكم عليا هو إني أعيشكم في مستوى مادي محترم يليق بيكم وبيا.
استرسل بكلمات أسرت قلبها:
- بالنسبة ليوسف مش عاوزك تشيلي همه تاني، موضوع المدرسة هخلصه له وهشترك له في النادي مع بيسان. اقعدي معاه واختاروا نوع التدريبات اللي حابب يبدأ بيها علشان أبلغ بيها إدارة النادي.
كانت تشعر بالحرج الكبير، لقد عاشت حياتها وهي تتحمل مسئولية الصغير لحالها حتى اعتادت. لكن فارسها يأتي الآن ويزيل تلك المسئولية الضخمة من فوق ظهرها المنحني لتفرده من جديد وترفع عنقها لترى الدنيا بشكل صحيح. مشاعر متضاربة اقتحمت داخلها لتنطق بصوت خافت:
- بس ده كتير قوي يا فؤاد.
تنفس ثم نطق بهيام لرجل عاشق حتى النخاع:
- مفيش حاجة في الدنيا كلها تقدر توفيكي حق حياتي اللي رجعتيها لي من تاني يا حبيبة فؤاد.
واسترسل بصدق يعود لمحبته التي زرعها الله داخل قلبه للصغير:
- ويوسف أنا بعتبره زي ابني بالظبط.
ليغمز بعينيه متابعًا في محاولة لرفع الحرج عنها:
- ما تنسيش إنه أخو ولادنا.
ابتسمت لتلقي بحالها داخل أحضانه متعلقة بذراعيها حول عنقه بسعادة ليبتسم وهو يقول:
- يلا علشان نفطر، أنا ميت من الجوع.
اعتدلت واتخذت وضعًا مريحًا فوق ساقيه لتمسك قطعة من الخبز وتفرد فوقها بعضًا من معجون الجبن المطبوخ لتقربها من فمه ويتشاركا في قضمها سويًا وهما ينظران بأعين مغرمة. أمسك حبة من ثمرة الفراولة وقربها من فمها لتقضم جزءًا منها ويكمل هو المتبقي منها. لفت ذراعها حول عنقه وتابعت إطعام حبيبها باليد الأخرى لتنطق بنبرة شديدة الهيام:
- بحبك.
مضغ ما بفمه وابتلعه سريعًا ليقترب من شفتيها واضعًا قبلة سريعة ليقول بعدما ابتعد:
- وأنا بعشقك يا عمري.
غرس شوكته بقطعة جبن وقربها من شفتيها مسترسلًا:
- كلي يا بابا علشان ندخل ناخد شاور.
واسترسل بابتسامة ذات مغزى:
- ورانا جاكوزي والبيت فاضي، ولازم نستغل الفرصة أسوأ استغلال.
ضحكت بانوثة أشعلت بها قلبه لينطق بغمزة وقحة:
- فيه مايوه قطعتين في الدولاب، ما تنسيش تاخديه وإحنا نازلين.
ابتسمت بخجل ليتابعا تناولهما الطعام بمنتهى الرومانسية.
**********
داخل السكن الخاص بعمرو وسمية ليلًا، كان يقبع فوق الأريكة المتواجدة بحجرة المعيشة متكئًا على ذراعه ممسكًا بجهاز الريموت كنترول وهو يتطلع على شاشة التلفاز المعلقة ويقوم بالتنقل بين قنواته بلامبالاة. شعر بأقدام تتحرك من خلفه لتقف بعد قليل سمية وهي ترتدي ثوبًا مثيرًا للنوم كاشفًا أكثر مما يستر وباتت تتطلع عليه لعدة ثوان ليست بالقليلة متأملة أن ينظر إليها ويفتن بمظهرها لكن خاب أملها وشعرت بالإحباط حين وجدت منه التجاهل التام حيث لم يعيرها أي اهتمام وظل معلقًا عينيه بالشاشة وكأن لا وجود لها لتسأله بنبرة هادئة:
- إنت هتفضل قاعد على الكنبة كده طول الليل؟
رفع بصره يتطلع عليها ثم قطب جبينه بتجهم للحظات قبل أن يخرج سيجارة محشوة بالمخدر وهو يشعلها بيده الأخرى بصمت تام ليقول بعدها وهو ينفث دخان السيجارة رافعًا وجهه ليصعد الدخان نحوها في حركة مهينة لشخصها:
- مزاجي كده، واخفي بقى من قدامي علشان لو اتناطتي من هنا لبكرة اللي في دماغك مش هيحصل.
صاحت بجنون تذكره بالواقعة التي قاطعها وحرمها عليه كزوجة من حينها:
- كل ده ليه يا عمرو؟!
مش قادر تنسى وبتعاقبني من يوم ما بعت الرسايل اللي كانت بينك وبين بنت الـ...
ونطقت بكلمة نابية لتتابع:
- اللي اسمها شيماء لبنت منيرة؟!
استرسلت باستياء وحزن ممتزجان بالحيرة:
- مسألتش نفسك أنا عملت كل ده ليه؟! ده أنا خسرت أقرب صاحبة ليا علشان أوصل لك يا عمرو.
استرسلت بنبرة حنون مصطنعة:
- من أول يوم شفتك فيه مع إيثار في الميكروباص وأنا هتجنن عليك، حبيتك وأتمنيت تكون راجلي وحبيبي وجوزي، ومصدقتش نفسي لما حنيت عليا وقبلت تكون معايا.
واستطردت بتمثيل رائع لامرأة عاشقة حتى النخاع:
- ولما ربنا رضي عليا وحصل اللي حصل واتجوزتك فرحتي مكنتش سيعاني، حاربت عليك أيوه مش هنكر، وكنت بدعي ربنا كل يوم إن إيثار تتجوز ولا تروح في أي داهية المهم مترجعش هنا تاني.
استدعت دموع التماسيح بقوة لتنزل منها قطرتان لتتابع تحت عينين ذاك المتطلع عليها بعينين ضيقتين ويتابع تنفيث سيجارته:
- لأني كنت عارفة إنها يوم ماهترجع لك هتكون نهايتي، كنت هترميني أنا وبنتي وتحطها هي وابنها على الحجر والغالي كله هيجي لهم.
أخذ نفسًا مطولًا من السيجارة لينفثه صوبها قبل أن ينطق ببرود:
- هترجع، وهوفي بوعدي ليكِ يا سمية.
قطبت جبينها تستوعب كلماته التي لم تفهمها وسؤالًا راود ذهنها، عن أي وعد يتحدث ذاك الأبله ليقطع تفكيرها وهو يرد على سؤالها التي لم تطرحه بعد:
- هخليكِ خدامة تحت رجليها زي ما وعدتك، وده السبب الوحيد اللي هخليكِ على ذمتي علشانه.
صاحت بجنون:
- أنت فاكرها كانت بتحبك وسابتك بسببي، فوق من اوهامك يا عمرو، إيثار اتجوزتك طمع في فلوسك، هي وأهلها مكنوش يهمهم غير فلوسك وبس.
- وأنتِ...
قالها بابتسامة ساخرة ليسألها:
- اتجوزتيني ليه؟!
- علشان بحبك طبعًا...
قالتها بزيف ليطلق قهقهات متتالية ترجع لكشفه لألاعيب تلك الحية وأشار لها بيده باشمئزاز:
- اشتري نفسك وادخلي نامي.
وقفت أمامه لتهتف بوقاحة:
- هدخل، بس متزعلش لما أبلغ الحاج نصر بعمايلك دي.
- أعلى ما في خيلك اركبيه وارمحي بيه، ويلا بقى علشان مش طايق أشوف خلقتك قدامي.
قالها مشيرًا بيده بمنتهى الإهانة لترمقه باحتقار قبل أن تنسحب إلى الداخل كالإعصار المدمر.
********
داخل قصر علام زين الدين وبالتحديد داخل البهو، حضرت عائلة أيمن الأنصاري حسب الميعاد الذي حدده لهم علام للزيارة، رحبت بهم عصمت وعلام وفريال وأمجد وجلسوا ينتظرون نزول إيثار وفؤاد، كانت سالي تتطلع لما حولها بذهول وقد أصابها حزن بقلبها على المستوى الراقي التي انتقلت إليه تلك السكرتيرة البسيطة والتي أصبحت أعلى منها بالمستوى، ابتلعت لعابها وهي ترفع عينيها لتتطلع على تلك التي تهبط عبر الدرج وهي تتأبط ذاك الجذاب المثير، أرجعت ببصرها سريعًا لتلك التي تحولت فقد كانت ترتدي ثوبًا فخمًا مصنعًا من قِبل ماركة عالمية، لونه أزرق صريح واختارت له حجابًا من اللون البيج وحذاءً ذو كعب عالي مما أعطاها مظهرًا ساحرًا، هي بالأساس جميلة وزادتها حالة العشق التي تحياها فضلًا عن استقرارها النفسي جمالًا فوق جمالها لتصبح أيقونة أنوثة وجمال تتحركان، كانت تتحرك بجواره بابتسامة سعيدة وهي تتطلع على الجميع باشتياق، وصلت إلى مديرها ذاك الرجل الذي غمرها بعطفه واهتمامه وعوضها غياب الأهل، لتتحدث بسعادة:
- إزي حضرتك يا باشمهندس.
- إزيك أنتِ يا إيثار، أخبارك إيه يا بنتي طمنيني عليكِ.
كان الجميع يتطلع عليه باحترام لمعاملته الأبوية لتلك الراقية التي نطقت بصوت وعينين متأثرتين:
- أنا بخير الحمد لله، طمني على صحة حضرتك.
أومأ لها ليقول:
- الحمد لله يا بنتي.
انتقلت إلى نيللي، تلك السيدة الراقية بأخلاقها وأفعالها، جذبتها لتسكنها بأحضانها وهي تقول بنبرة صادقة:
- وحشتيني يا إيثار.
- وحضرتك كمان وحشتيني فوق ما تتخيلي...
قالتها لتلقي التحية على أحمد ولارا حتى وصلت إلى سالي التي وقفت تتطلع على هيئتها بنظرات تحمل بين طياتها ضغينة، ابتسمت تلك الجميلة لتنطق بترحاب:
- إزيك يا مدام سالي.
بتعالي أجابتها وهي تتطلع عليها:
- إزيك أنتِ يا إيثار.
تحدث فؤاد بعدما رحب بالجميع:
- نورتونا يا أيمن بيه.
- ده نورك يا سيادة المستشار...
قالها أيمن برزانة ليسحب فؤاد زوجته ليجلسها بجواره وهو يقول باحترام:
- اتفضلي يا حبيبي.
- ميرسي يا فؤاد...
قالتها وهي تتطلع عليه بابتسامة عاشقة بادلها إياها ولهة لاحظها الجميع، احتضن كفها برعاية ليعلن للجميع امتلاكه لتلك العاشقة.
أما لارا فقد هتفت بسعادة وحماس:
- بس إيه الجمال ده كله يا إيثو.
ابتسمت لتجيبها بهدوء:
- ميرسي يا قلبي على المجاملة الحلوة دي.
ابتسمت الفتاة لتهتف سالي بنبرة حادة لفتت بها انتباه الجميع:
- لارا عندها حق يا إيثار.
لتسترسل بنبرة جادة ونظرات حادة لم تستطع التحكم بهم وهي تتطلع على تلك الجواهر الثمينة التي ترتديها إيثار:
- أنتِ اتبدلتي وبقيتي واحدة تانية.
رمقها أحمد بنظرة لائمة وقطبت فريال جبينها وهي تتطلع على تلك الجالسة بكبرياء وترمق إيثار بحدة لتنطق نيللي بعدما أصابها الذهول من طريقة زوجة ابنها الجافة والخالية من أصول الأدب:
- إيثار طول عمرها جميلة وراقية بتصرفاتها واحترامها للجميع.
نال حديثها استحسان عصمت التي أكدت على حديثها بنبرة قوية لترفع من شأن زوجة أخيها الغالي أمام تلك المتكبرة:
- عندك حق يا نيللي هانم، إيثار من يوم ما دخلت بيتنا وهي زي القمر وكلنا بنتعامل معاها وكأنها ملكة، دي مرات سيادة المستشار فؤاد علام.
واسترسلت وهي تشملها بنظرة احترام تحت اشتعال سالي:
- ده غير وشها الحلو علينا، تاني يوم دخولها بيتنا سيادة المستشار اترقى لرئيس نيابة أول.
ابتسمت بسعادة لتلك الراقية بينما رفع هو كف يدها ليضع قُبلة حنون فوقه بث من خلالها احترامه وتقديره ولولا احترامه لـ أيمن وأحمد لكان أجاب تلك المغرورة بما يتناسب مع أمثالها، ليتحدث أيمن بوقار:
- مبروك يا سيادة المستشار، تستحقها بجدارة.
- ألف مبروك يا سيادة المستشار...
قالها أحمد ليرد فؤاد بوجه بشوش:
- الله يبارك فيك يا دكتور.
قال علام بنبرة وقورة:
- بمناسبة جواز فؤاد وترقيته إحنا عاملين حفلة بعد أسبوع وسعادتك والأسرة الكريمة أول المدعوين يا أيمن بيه.
أجابه بتوقير واحترام:
- شرف كبير لينا يا سيادة المستشار، إن شاء الله هنكون موجودين.
واستطرد وهو ينظر إلى إيثار:
- إيثار طول عمرها بالنسبة لي بنتي.
اهتز قلبها طربًا لتنطق بصدق:
- وحضرتك نعم الأب ليا.
وقفت فريال وتحدثت إلى إيثار بحميمية أرادت بها رفع شأن زوجة أخيها أمام تلك المتعالية:
- بعد إذنكم، أنا وإيثار هناخد مدام سالي ولارا ونقعد في الجنينة قعدة بنات.
ونظرت إلى العاملة التي تقوم على تقديم واجب الضيافة:
- طلعي العصير بتاع الضيوف بره وخليهم في المطبخ يجهزوا عصير الجريب فروت بتاع إيثار هانم.
اشتعل داخل سالي من شدة الغيرة، أحقًا تلك السكرتيرة أصبحت سيدة مجتمع ويطلق عليها لقب "هانم" وتحيا حياة الأميرات مع ذاك الوسيم.
********
مساء اليوم التالي
كان جالسًا فوق الأريكة داخل مسكن زميله رأفت الذي يجاوره الجلوس ويقابلهم ذاك الرجل الوسيط لشخص من دولة غربية، فذاك المتهور وضع حاله داخل قصة لا يعلم إذا كان سيخرج منها سالمًا أم سينهي أمره الحاج حماد السوالمي، بدأت الحكاية بعدما اختلف حماد مع رجل من دولة غربية كان يبيع له الآثار التي يتم استخراجها عن طريق رجاله، طلب حماد مبلغًا أكبر فرفض الرجل وذهب لعددٍ من رجال سوهاج المعروف عنهم استخراج الآثار ونهبها وبيعها للأجانب ليتم بعد ذلك تهريبها للخارج مما يضر باقتصاد البلد، وطلب منهم الحفر بباطن الجبل داخل مقبرة تم الكشف عليها من قِبل رجاله وسيتقاسم الموجود معًا، رفض الجميع خوفًا من بطش حماد الذي يمتلك من المال والجاه والرجال والسلاح ما يجعل الجميع يهابه ويخشاه، فلجأ الرجل إلى نصر وطلب مساعدته في الحفر بمقبرة داخل أرض سوهاج فرفض نصر لتيقنه من خطورة الأمر، وبعد خروج الرجل الأوروبي من منزل نصر هرول خلفه عمرو الذي كان حاضر الجلسة ليلحق به وعرض عليه أن يسلمه المقبرة ليبدأ هو بالحفر وما سيخرجاه سيقسم بينهما بالنصف، وافق الرجل.
نطق الرجل الوسيط:
- الخواجة عاوز يتطمن إن عندك رجالة بسلاح كفاية علشان يحموا الرجالة اللي هتحفر في سوهاج.
- كل حاجة معمول حسابها يا باشا...
نطقها عمرو وهو ينفث دخان سيجارة ليتابع الرجل حديثه بتأكيد يرجع لارتيابه من الأمر لشدة خطورته:
- الموضوع مش سهل يا عمرو، المرة دي إحنا مبنلعبش هنا في كفر الشيخ، إحنا رايحين محافظة مش بتاعتنا، والسوهاجية مبيحبوش حد يتعدى عليهم.
- قول للخواجة أنت بتتعامل مع عمرو البنهاوي، وهو لسه ميعرفنيش، أنا عندي رجالة وسلاح يسدوا عين الشمس، وإنتوا لو مش متأكدين إني هقدر أقف قصاد السوهاجية اللي اختلفتم معاهم مكنتوش لجأتوا لي.
- ماشي يا عمرو، جهز نفسك وإدينا الإشارة علشان نبدأ.
انصرف الرجل لينطق رأفت بارتياب وخوف يملؤ قلبه:
- راجع نفسك يا عمرو، الموضوع كبير وأبوك لو عرف مش هيعديهالك.
نطق بلامبالاة:
- أبويا كده كده هسيب له البيت قريب، مش فارقة بقى.
ليتابع بتمني:
- أنا كل اللي شاغلني إن العملية إياها تتم على خير قبل ما أبدأ حفر.