تحميل رواية «انا لها شمس» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شخصيات رواية «أنا لها شمس» عائلة غانم الجوهري البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ممشوقة القوام، تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفِي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا، والمكونة من بِذل نسائية كلاسيكية، مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها، بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة، مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما، رغم اكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة...
رواية انا لها شمس الفصل الحادي عشر 11 - بقلم روز امين
كنت لي يومًا أسمى وأنبل أمنياتي، حتى أني لقبتك بأعظم انتصاراتي، فكيف بين ليلة وضحاها يتحول انبهاري لبغض وتصبحين أضخم خيباتي.
فؤاد علام زين الدين
بقلمي روز أمين
ارتدت أفخم ثيابها استعدادًا لرؤية أبيها العزيز التي حرمت من رؤياه لمدة تخطت الستة أشهر، منذ آخر زيارة لها إلى البلدة وما حدث بها، حيث اتفق عزيز مع عمرو ووالده وهاتفها أيهم ليبلغها بمرض أبيها الشديد، وبأن عليها الحضور الفوري لتهرول لمنزل عائلتها والرعب يعتريها.
دقت فوق الباب بلهفة لتجد ذاك العاشق يقابلها بباقة رائعة من الزهور مع ابتسامته التي باتت تبغضها ككل شيء يتعلق به ويذكرها بماضيها الأليم.
تنفست بقوة وكأنها تنفض عنها تلك الذكريات البغيضة لتنتعش روحها وهي تنظر لانعكاس صورتها في المرآة وتبتسم وكأنها تبث الأمل بداخلها.
خرجت من غرفتها لتجد عزة تقابلها، حيث ولجت من شرفة البهو بعدما روت الزهور والزرع، لتهتف بانبهار عند رؤيتها لتلك السعيدة:
"وشك منور وكأنك بدر في ليلة تمامه، طبعًا حد قدك هتشوفي أغلى الغوالي أبوك وابنك."
لم تعر لحديثها اهتمامًا ولم تلتفت لها من الأساس، لتسترسل الأخرى بتقليل من حجم ما اقترفته:
"مكنوش كلمتين وقولتهم اللي هتفضلي لوَيالي بوزك عليهم طول النهار."
احتدت ملامح الأخرى وهي ترمقها باشتعال، لتستطرد عزة بتطفل كعادتها:
"طب هو أنت كنتي بتكلمي مين؟"
هتفت بحدة بالغة:
"كنت بكلم وكيل النيابة المسؤول عن حادثة كريم الله يرحمه، يا رب تكوني ارتحتي بعد الرغي والهرتلة اللي قولتيها قدامه."
لوت فاها لتقول بلامبالاة بعد تفكر:
"وهو يعني وكيل النيابة ده ما بيستحماش زينا؟"
رفعت ساعديها لأعلى وقبضت على كفيها بقوة وهي تغمض عينيها في محاولة منها للسيطرة على كم الغضب الهائل الذي أصابها من أثر لامبالاتها، لتصيح وهي تقول بامتياض ظهر بين على ملامحها المكفهرة:
"عزة..."
قطع حديثها صوت جرس الباب، فهرولت عزة بالمبادرة بفتحه كي تنأى بحالها من انفجار تلك الغاضبة بها.
ولج والدها وهو يحمل صغيرها ويجاوره الحارس الخاص بالبناية يحمل عنه حقيبة كبيرة مليئة بخيرات.
لوت جانب فمها بطريقة ساخرة لتقول بنبرة تحمل الكثير من الألم:
"كتر خيرها."
تنهد الأب لأجل تلك الموجوعة، لتهتف بانتشاء في محاولة منها للخروج من دوامة أحزانها التي لا تنتهي:
"تعالى يا بابا اغسل إيديك ووشك علشان نتغدى."
واستطردت وهي تحمل صغيرها وتتحرك به للداخل:
"أنا وعزة عملنا لكم كل الأكل اللي بتحبوه."
"عملتي لي الفراخ المقرمشة اللي بحبها يا مامي؟"
"عملت لك كل الحاجات اللي بتحبها يا قلب مامي..."
نطقتها بنبرة تفيض حنانًا وهي تتطلع لصغيرها الذي اشتاقت لرائحته حد الجنون.
جلست بصحبة والدها الحنون وتناولا الغداء فوق الطاولة التي رص عليها كل ما لذ وطاب من أكلات متنوعة يفضلها والدها ونجلها العزيزان.
بعد انتهاء الطعام، جلس الجميع بالبهو وبدأوا بتناول الفاكهة والحلوى ليقضي الجميع سهرة مميزة.
في آخر الليل، بعدما ولجت لداخل حجرتها لتستريح من عناء اليوم، وجدت من يطرق الباب بخفة فسمحت له، ليدخل والدها بابتسامته البشوش التي تعشقها، لتسأله بتلهف:
"عايز حاجة يا بابا؟"
"عايز أتكلم معاك شوية..."
قالها بهدوء، لتجيبه وهي تشير إلى حافة الفراش، ليقول بتأثر بعدما تجاورا الجلوس:
"أنا عارف إني ما كنتش الأب الكويس ولا السند الشديد ليك، ما قدرتش أحميك من ظلم اللي حواليك وأولهم أمك وإخواتك."
كادت أن تتحدث فطلب منها الصمت حتى ينتهي:
"أنا خائف عليك ليبهدلوك من بعدي يا بنتي."
"بعد الشر عليك يا حبيبي، ربنا يطول في عمرك ويبارك لي فيك..."
نطقتها بفزع، ليجيبها بإيمان.
تحدثت بعينين متأثرتين:
"أرجوك يا بابا تبطل الكلام ده وبلاش تقلقني عليك."
أجابها بهدوء:
"سيبك من الكلام ده وخلينا نتكلم في المهم، أمك وأخواتك حب المال عامي عنيهم، وعلشان ينوبهم جانب من مال نصر المتلتل مستعدين يعملوا أي حاجة حتى لو كانت الحاجة دي فيها أذيتك."
توقف ليأخذ نفسًا عميقًا تحت نظراتها المتأثرة ليقول بعزيمة:
"علشان كده أنا فكرت في حاجة هتحميك منهم لو جرى لي أي حاجة."
قطبت جبينها لتسأله مستفهمة:
"ورقة إيه دي يا بابا؟"
تنفس بهدوء ليخبرها:
"ده عقد بيع وشراء مني ليك بالبيت والأرض اللي حيلتي، خليت محمد ابن عبد السلام أبو مسعود المحامي يكتبهم لي وبصمت عليهم أنا واتنين شهود، فاضل بس إمضتك وأمنته ما يجيب سيرة لأي مخلوق."
واستطرد تحت ذهولها:
"دول اللي هيأمنوكي من غدر إخواتك بيك."
هتفت وهي تهز رأسها باستنكار:
"لو كنت فاكر بإنك كده بتحميني فاحب أقول لك إنك باللي عملته ده بترمييني في نار جهنم بإيديك."
"عزيز أخويا لو عرف مش بعيد يقتلني فيها..."
نطقتها بعيون زائغة مرعوبة، لتسترسل برفض تام:
"ده غير إني مستحيل أوافق على حاجة زي دي، أنا مش عايزة منهم حاجة غير إنهم يحبوني ويحسسوني إني أختهم، ده غير اللي حضرتك عملته ده حرام شرعًا وأنا لا يمكن أوافق عليه."
أخذ نفسًا عميقًا ليتحدث بتفاخر برد فعلها:
"أنا كنت متأكد إنك هترفضى ومستحيل تاخدي حق أخواتك، وعلشان كده كتبت لك كل حاجة وأنا مطمن."
ضيقت بين عينيها لتسأله:
"أنا مش فاهمة حاجة!"
تحدث بإبانة:
"بصي يا بنتي، أنا عارفة إنك مستورة من ورا شغلك، عندك شقتك وعربيتك وقادرة تعيشي وتربي ابنك برغم اللي..."
"ولما حضرتك عارف ده كتبت لي كل حاجة ليه؟"
أجابها بحكمة رجل اكتسبها عبر سنوات عمره الطوال:
"العقود دي هتفضل معاك ومش هتطلع إلا لو عزيز حاول يضايقك وياخد حضانة ابنك منك، ساعتها هتخرجيها وتهدديهم بيها وتحطيها شرط ببعادهم عنك، وأنا متأكد إن ساعتها عزيز هيختار السكات والبعد، وبكده أبقى حميتك من شرهم حتى بعد مماتي."
ترقرقت الدموع بعينيها بعدما اكتملت فكرته ووضحت لها، لترتمي بين أحضان غاليها الذي يفكر بحمايتها من أشرار روايتها حتى بعد رحيله.
انهمرت دموعها لتغرق ثياب ذاك الطيب مما جعل دموعه هو الآخر تسيل.
داخل المطبخ الخاص بسجن القناصر المخصص للنساء، تقف تلك النحيفة القوام بثوبها وحجابها بلونهما الأبيض، تزفر وتبرطم ببعض الكلمات الساخطه كعادتها وهي تقوم بتقليب الطعام بالوعاء الكبير، لتهتف تلك:
"بطلي برطمة وخلصي اللي في إيدك علشان تلحقوا تطفحوا في الميعاد."
رمقتها بنظرة غاضبة، لتهتف الأخرى وهي تشملها بازدراء:
"قلبي الأكل كويس يا بت بدل ما يتحرق منك وتتجازي زي العادة."
لم تجبها، لتسترسل الأخرى متهكمة:
"شكلك حبيتي الانفرادي وبتحرقي الأكل مخصوص علشان تترمي فيه."
انطلقت ضحكات السجينات ساخرين من تلك التي تتعالى على جميعهن، لتصيح السجانة بصوت غليظ دب الرعب بقلوبهن:
"اخرسي يا وليه وشوفي شغلك منك ليها."
"ولا يهمك منهم، دول شوية غجر ما يعرفوش قيمتك يا بنت الأكابر."
تنهدت نجلا بأسى وهي تتطلع في المرآة وعلى المكان التي زجت بنفسها بداخل براثنه، لتتحسر على ما آلت إليه.
رفعت ذراعها لتجفف بطرف الجلباب جبهتها المتعرقة من جراء موقد النار الواقفة أمامه، لتتابع تقليب ما بداخل القدر بذراعيها وهي تلعن حالها وفؤاد اللذان أوصلاها إلى هنا.
اقتربت منها سيدة ببداية عقدها الخامس ويبدو على وجهها الطيبة لتقول بنبرة هادئة:
"لو فضلتي على حالتك دي هتتعبي، حاولي تتقبلي الوضع الجديد لحياتك وبلاش تستفزي الستات بسكاتك ونظراتك ليهم، علشان ما يحصلش زي قبل كده ويتربصوا لك ويضربوك."
لم تجبها، لتسترسل الأخرى متعجبة صمودها:
"يا بنتي ده أنت ليك سنتين هنا، ما زهقتيش من السكات! طب ما وحشكيش الكلام، دي حتى الستات معروفين بالرغي."
أخذت تقلب عينيها بضجر من ثرثرة تلك السيدة التي تصر على اقتحام دائرة الصمت التي صنعتها لحالها، لتتحدث بعدما سئمت حديثها:
"ممكن تسيبيني في حالي؟"
تحدثت المرأة بتودد:
"يا بنتي أنا خايفة عليك، السكات ده مش حلو علشانك."
"غريبة قوي، هو أنت هتعرفي مصلحتي أكثر مني؟"
نطقتها بسأم لتهتف بسخط بعدما احتدت ملامحها:
"ممكن تبعدي عني؟"
قالتها وهي تشير بكفها باشمئزاز، لتهز السيدة رأسها بأسى وتحركت دون أن تنبس ببنت شفة، لتزفر الأخيرة بوجه مكفهر وهي تتطلع من حولها على الجميع باشمئزاز.
وهي تتطلع على الطعام بتقزز واشمئزاز، تنهدت حين لاحت بمخيلتها طاولة الطعام الخاصة بقصر علام زين الدين. تذكرت ما كان يرص فوقها من أصناف طعام متعددة وفاخرة.
حزنت لما خسرته ولجسدها الذي أصبح نحيفًا وفقد كثيرًا من الوزن لعزوفها عن طعام السجن المقزز.
ليقطع شرودها دخول الحارسة التي نطقت بصياح حاد:
"نجلا جلال السيد منير!"
التفت للخلف تتطلع عليها لتسترسل الأخرى بإعلام:
"زيارة."
انتفضت من جلوسها لتتحرك سريعًا مع السيدة إلى أن وصلت للمكان المقصود.
أسرعت لترتمي داخل أحضان والدتها التي تحدثت بدموعها المنهمرة ككل مرة ترى بها فلذة كبدها بهذا الرداء الأبيض.
ارتمت فوق كتف والدتها لتنهمر دموعها الحبيسة وكأنها لا تجد السبيل لإخراجها سوى بداخلها.
رفعت وجهها وجففت دموعها سريعًا لتتحدث على عجالة وهي تجاور والدتها الجلوس فوق تلك الأريكة الخشبية:
"طمنيني، قابلتي فؤاد؟"
تطلعت للحقائب الموضوعة جانبًا وهي تقول بنظرات زائغة لتغيير الموضوع:
"جبت لك لبس وأكل وشوية فواكه من اللي بتحبيها."
تعلم أن والدتها تتهرب من الإجابة لذا سألتها من جديد بنبرة جادة:
"اتكلمتي مع فؤاد؟"
تنفست لتنظر أرضًا بخيبة أمل وهي تقول:
"ما لحقتش، أول ما عرف إني طالبة أقابله خرج لي بره القصر وكلمني بطريقة زي الزفت قدام السيكيورتي وسابني ودخل بعد ما وصاهم يطردوني."
"لازم تحاولي تاني يا ماما، أنا مش هقدر أكمل وأضيع خمس سنين من عمري تاني في السجن."
أجابتها بيأس:
"مش هقدر أروح القصر تاني يا نجلا، فؤاد وصى السيكيورتي لو شافوني هناك تاني يطلبوا لي الشرطة ويقدموا بلاغ إني بتهجم عليهم، وأول ما روحت اللي اسمها فريال جت لي لحد البيت وهددتني لو ما بعدتش عن فؤاد هتلبسني أنا كمان تهمة وتجيبني أقعد جنبك."
احتدت ملامحها وبلحظة اشتعلت مقلتيها وامتلأت بشرارات الغضب وهي تصيح بسخط:
"يعني إيه!"
هتخافي من كلام اللي اسمها فريال ومش هتحاولي علشاني! أنت كمان هتتخلي عني زيهم. طبعًا ما أنت عايشة حياتك بتاكلي وتشربي وتنامي على سريرك المفروش بالحرير ومش حاسة بالچحيم اللي أنا عايشة فيه هنا!
نطقت الأخيرة بصراخ هيستيري وهي تلقي اللوم على والدتها، لتهتف الأخرى بغضب شديد:
أنت كمان هتتعصبي عليا! مش كفاية قلة القيمة اللي شفتها على إيديكِ؟ بعد ما كان بيضرب لي تعظيم سلام لما بدخل قصر علام زين الدين، بقيت بتطرد منه زي المتسولين، وكله بسببك!
رمقت والدتها بحدة، لتقابل فايزة نظراتها بمثيلتها وهي تصيح بعدما فاض بها الكيل:
أنت إزاي بجحة قوي كده ومش حاسة باللي وصلتينا ليه؟ مش كفاية إن أبوك مات بسببك؟ الراجل متحملش الفضيحة ومات بعد دخولك السچن بشهر واحد من حسرته عليكِ!
واستطردت بحسرة:
تمسكت بكفيها كطفلة لتقول بتوسل وكأنها لم تستمع لكل ما قيل:
أرجوك يا ماما ماتسبنيش! روحي لفؤاد تاني وأترجيه. فؤاد بيحبني، قولي له إني مستعدة أعمل له أي حاجة يطلبها مني بس يخرجني من هنا.
هزت الأم رأسها بألم. كم كان قاسيًا رؤيتها لابنتها الوحيدة وهي بتلك الحالة المزرية. شعورًا حقًا مميت وبالغ الألم. تنفست لتتحدث بنبرة انهزامية لامرأة خسرت كل شيء بدنياها.
لتسترسل بتذكير:
لولا الصدفة كنتي قضيتي على سمعة عيلته اللي قعدوا يبنوها في سنين.
انفجرت ببكاء هيستيري لتقول بندم:
غلطة يا ماما، قولي له غلطة ومش هتتكرر.
اتسعت عينيها بحقد لتستطرد بنبرة ساخطة:
كله بسبب الشيطان اللي اسمه محسن، هو اللي خلاني أعمل كده يا ماما.
مبقاش ينفع الندم خلاص يا بنتي، واهو محسن خد جزاءه هو كمان... كلمات نطقتها بإحباط لتسترسل بقلب ينزف على فقدانه لجميع أحبائه دفعة واحدة:
بسببه خسرت أختي الوحيدة بعد ما قاطعتها بسبب اللي حصل لك من ورا ابنها.
قاطع حديثهم دخول الحارسة التي هتفت بحدة:
الزيارة انتهت.
وقفت لتتحرك بجانب السجانة وهي تهتف بتوصية:
روحي لفؤاد تاني يا ماما واتكلمي معاه. أنا لو فضلت هنا أكتر من كده ممكن أموت، مش هقدر أكمل بالشكل ده يا ماما.
باتت تصيح بهيستريا إلى أن اختفى صوتها خلف الأبواب تحت دموع فايزة وحسرة قلبها على نجلتها الوحيدة التي ضيعت حالها وأبيها بتهورها وانجرافها خلف الشيطان. ولجت نجلا لداخل الزنزانة لتتحرك بجسد هزيل نحو التخت المخصص لها لتلقي بجسدها فوقه وتتمدد واضعة رأسها فوق الوسادة الصلبة. تنفست وعادت بذاكرتها للوراء.
انتباااااه!
عودة لما مضى.
اصطحب محسن تلك التي سلمت حالها للشيطان وذهبت بصحبته للشقة التي أملى عليه الرجل عنوانها، وكانت شقة خاصة بتخليص الصفقات المشبوهة. ولجت بجانبه ليستقبلها الرجل بحفاوة. جلست واتفقت مع الرجل على جلبها للورقة المطلوبة ليسلمها حقيبة سوداء بداخلها ثلاثة ملايين من الجنيهات المصرية. تطلعت على المال بنظرات زائغة وكأنها لم ترَ مالًا من قبل، بالرغم من مستوى والدها الفوق متوسط ومستوى زوجها الملياردير الذي لم يبخل عليها، حيث كانت تقتني ثيابها من أفخم الماركات العالمية وتحصل على كل ما تريد من المجوهرات وتقوم بإرسال الفواتير لزوجها ليقوم بتسديدها عن طيب خاطر. ابتلعت لعابها وكأنها لم ترَ مالًا من قبل لتتحدث مستفسرة بنهم:
إمتى هاخد الاتنين مليون الباقيين؟
تبسم الرجل واتكأ للخلف بغرور وهو يدخن سيجاره بتسلٍ بعدما رأى جشعها للمال ليجيبها:
بمجرد ما رجالاتي تستلم الورقة اللي في الملف ونتأكد إنك بدلتيها بورقتنا اللي هتطلع أخويا براءة، هتاخدي فلوسك وفوقيهم بوسة.
أرفق بكلمته الأخيرة بغمزة وقحة.
من عينيه لترمقه بحدة بعد تعديه حدود الأدب معها، لتمسك الحقيبة وتهب واقفة وهي تتحدث بامتعاض:
أنا هسلم الورقة لمحسن وفلوسي توصلي لحد عندي، مش هاجي هنا تاني.
أوامرك يا مدام. أهم حاجة الورقة بتاعتنا توصل للملف بتاع القضية قبل سيادة المستشار ما يمسكه علشان يدرسه.
واستطرد متكئًا على الكلمة:
قبل يا مدام، مش بعد.
ودي تفرق معاك؟ سؤال وجهته إليه لينطق وهو يميل بعنقه للجهة اليسرى بطريقة متهكمة:
إلا تفرق! إحنا عاوزينه يشوف المستند اللي على بنائه هيبني قرار الإفراج عن أخويا ويقدمه للمحكمة.
واستطرد بتذكير:
محسن هيبعت لك صورة الورقة المطلوبة على الواتساب علشان ما تعكيش الدنيا وتجيبي أي ورقة غيرها.
أومأت عدة مرات للتأكيد لتتحرك صوب الباب بهرولة. تأكد محسن من ابتعادها ليهمس بتملق للرجل:
أظن أنا كده عداني العيب ونفذت اللي عليا في الاتفاق، ناقص أنت كمان تعمل اللي عليك وتديني نصيبي يا باشا.
سحب نفسًا عميقًا من دخان سيجاره لينفثه صوب عينيه وهو يقول:
تجيب لي الورقة تاخد باقي فلوس السنيورة وتاخد التلاتة مليون بتوعك.
ليستطرد بنبرة تهديدية:
بس خليك فاكر باقي اتفاقنا علشان متزعلش. لو أخويا مخرجش براءة، هجيبك حتى لو كنت في بلاد الواء واء.
ابتلع لعابه ليستكمل الآخر محذرًا:
لأن ساعتها هتأكد إن الورقة موصلتش للملف في الوقت اللي أنا عاوزه.
متقلقش يا باشا أنا هفهمها على كل حاجة... انتفض على صوت نجلا التي هتفت باستعجال:
يلا يا محسن.
بعد إذن سعادتك يا باشا... نطقها وهو يعظم لذاك المنفوخ الخارج عن القانون والذي اتخذ من أذية الشباب كمصدر دخل له، حيث اتبع الشيطان وخنق ضميره ليسمح لحاله بالاتجار في المواد المخدرة التي تتلف عقول الشباب وتقضي على مستقبلهم وأعمارهم أيضًا.
خرجت بصحبة محسن لتتحدث بشراهة:
مينفعش تحطيها في حسابك اللي فؤاد عارفه يا نجلا. أنتِ ناسية إنه حساب مشترك وأكيد هيوصل له إخطار بالمبلغ.
فتحت فاها ليسترسل هو بدهاء:
الأضمن تعملي حساب جديد في بنك أجنبي.
وافقته الرأي وذهبت بصحبته ووضعت المال وعادت لمنزلها وكأن شيئًا لم يكن. عاد فؤاد من عمله بنفس الموعد اليومي ليصعد لجناحه ويقوم بأخذ حمام دافئ ويعود من جديد للأسفل بصحبة تلك التي قابلته بحفاوة. جلسا سويًا بصحبة العائلة وأثناء تبادلهم للأحاديث وقفت ليسألها فؤاد بهدوء:
رايحة فين يا حبيبتي؟
أمسكت بجبهتها لتمثل الألم وهي تقول:
جالي صداع مفاجئ يا فؤاد، هطلع آخد له مسكن وأنزل علشان أكمل السهرة معاكم.
أمسك كفها ليمنعها من التحرك وهو يقول بهدوء:
خليك مرتاحة وأنا هبعت أي حد من الشغالين يجيب لك.
تطلعت إليها عصمت لتقول بتطابق مع رأي نجلها:
إقعدي ارتاحي والبنات هيجيبوا لك المسكن ويعملوا لك أي عصير فريش.
ارتبكت داخلها لكنها سرعان ما تماسكت لتنهي تلك المسألة:
أنا هطلع بنفسي يا طنط علشان عاوزة أدخل التواليت.
ترك فؤاد كفها لتنسحب سريعًا إلى الأعلى. باتت تتلفت حولها بارتعاب إلى أن وصلت للحقيبة وفتحتها سريعًا لتخرج الملف وتعبث بمحتوياته بيدين مرتعشتين. اتسعت عينيها حين وجدت الورقة المطلوبة لتبتسم بسعادة وكأنها عثرت على كنز ثمين. بعجالة هرولت لخزانتها لتخرج الورقة البديلة من تحت طيات ملابسها وتضعها بالحقيبة وتغلقها على الفور وتحتفظ بالمستند الآخر بجيب معطف معلق. وضعت يدها فوق صدرها لتهدئ ضربات قلبها وأنفاسها اللاهثة وكأنها كانت تجري بأقصى سرعة داخل سباق. نزلت من جديد وانضمت لجلسة العائلة.
بعد قليل صعد فؤاد وبدأ بفتح حقيبته وإخراج الملف وجلس طيلة الليل على دراسته. وباليوم التالي سلمت الورقة إلى محسن واستلمت ما تبقى لها. وبعد مرور أسبوع كان موعد محاكمة المتهم وقد حصل على البراءة من المحكمة بناءً على ما تقدم لديها من تحريات وإثباتات تثبت براءة المتهم.
كانت تجلس داخل النادي تستجم مع صديقاتها اللواتي لاحظن تبذيرها بالمال حتى أنها بدأت بدفع جميع الفواتير الخاصة بخروجتهن بدلًا عنهن. تفاجأت بمحسن يقف أمامها وهو يقول:
إزيك يا نجلا؟
تطلعت عليه من تحت نظارتها الشمسية لتقول باسترخاء تام:
إزيك يا محسن، تعالى اقعد معانا.
قالت الأخيرة وهي تشير له على إحدى المقاعد ليجيبها باعتراض لطيف:
تعالي نقعد على ترابيزة تانية، عاوزك في موضوع مهم.
وقفت وجلست حول طاولة أخرى ليتحدث هو بانتشاء:
جايب لك عملية جديدة بس المرة دي المبلغ أكبر.
جحظت عينيها لتهتف بحدة غاضبة:
إيه الأسلوب الرخيص اللي بتكلمني بيه ده يا محسن؟ أنت ليه محسسني إنك بتكلم تاجرة مخدرات؟
واستطردت بصرامة:
وبعدين أنت بتكلمني على إن خلاص الموضوع بقى شغل بالنسبة لي! دي مرة وما صدقت إنها عدت على خير وأكيد مش هكرر المخاطرة دي تاني.
أسند ظهره للخلف وأظهر هدوءًا لا يعكس غضبه الداخلي من تلك الغبية التي ستفسد عليه وتغلق بوجهه كنز على بابا الذي فتح أمام عينيه ليمد يده ويغرف منه بلا حساب بسبب غبائها ورعبها الشديد:
أنتِ حرة، أنا بس كنت مستخسر المبلغ الكبير ده يروح لحد غيرك.
واستطرد كالشيطان ليسيل لعابها على المال:
وزي ما قولت لك قبل كده، الناس دي مبتغلبش، وكده كده هيوصلوا للي عاوزينه سواء عن طريقك أو طريق غيرك.
لعب الشيطان بها وأخذت تقلب الفكرة بعقلها لتسأله بتردد:
هو المبلغ كام؟
الضعف... نطقها وهو يشير بكفاه بوجهها لتهتف بعيون جاحظة:
عشرة مليون!
مال برأسه بإيجاب لتضغط هي على شفتها السفلى بأسنانها وعلى عجالة هتفت بشره:
أوك، موافقة.
واستطردت سريعًا:
بس دي هتكون آخر مرة يا محسن.
زي ما تحبي أنا تحت أمرك... نطقها بخبث بعدما بات متيقنًا أنها أصبحت عبدة للمال ولن تستطيع التخلص من شراهة سطوته مهما حاولت. مرت الأيام وجاء اليوم المتفق عليه وفعلت كالمرة السابقة، حيث استغلت غياب زوجها بالأسفل وانشغاله مع عائلته وقامت بتبديل الأوراق المدينة. وتلك المرة كانت القضية أصعب، حيث كانت قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد. باليوم التالي ذهبت مع محسن إلى منزل هائل بإحدى المناطق الحديثة المصممة على الطراز الإيطالي. دخلت واستقبلها مالك المنزل وجلسوا ليتحدثوا. وما أن شرعت بتسليمها المستند واستلام المبلغ المتفق عليه حتى انتفض الجميع رعبًا حين اقتحمت رجال الشرطة المكان ليصيح مالك المنزل قائلًا بحدة:
أنتوا مين وإزاي تقتحموا بيتي بالطريقة دي!
انتفض جسد نجلا وبات يرتعش رعبًا وهي تمسك بساعد محسن متشبثة به ليتحدث الشرطي وهو يقوم بإشهار ورقة بوجهه:
معانا أمر من النيابة بالقبض عليكم وتحريز المستند وشنطة الفلوس.
مستند إيه اللي بتتكلم عنه؟ نطقها لينفي التهمة عنه لتستمع لآخر صوت تريد الاستماع إليه الآن:
المستند اللي مراتي المحترمة سرقته من شنطة جوزها وكيل النائب العام وجت لك بكل رخص علشان تقبض الثمن.
عند نطقه لكلماته الأخيرة كان قد وصل ليقابلها الوقوف ينظر لعينيها بجمود واحتقار العالم أجمع تكونت بنظراته لها. خرج صوتها مرتعشًا وهي تقول بتوسل مدعية الإنكار:
أنا ماليش علاقة بأي حاجة يا فؤاد. أنا اتعمل عليا خطة ودخلوني في اللعبة علشان يشوهوا سمعتك عن طريقي.
قالت كلماتها بارتجاف لتستدير تطالع ابن خالتها وهي تلقي بالتهمة عليه:
محسن، محسن هو اللي عمل كل ده.
ظهر التوتر على ملامح الآخر ليهتف وهو ينظر إلى فؤاد بارتباك:
متصدقهاش يا سيادة المستشار دي كذابة، الموضوع كله حصل بموافقتها وبمزاجها.
واستطرد متنصلًا:
أنا أصلًا معرفش أي حاجة، دي هي اللي اتصلت عليا وقالت لي إنها عاوزاني أروح معاها مشوار مهم.
كذاب... نطقتها بصراخ.
ليهتف صاحب البيت محتقرًا غباء ذاك الثنائي المنقطع النظير:
أنت بتقول إيه أنتِ وهي؟ هتودونا في داهية الله يخرب بيوتكم.
خرج صوت فؤاد قوي حيث قال:
مفيش داعي للإنكار لأنه مش هيفيدكم. العملية كاملة متسجلة صوت وصورة من أول ما المدام سرقت المستند من قلب شنطتي في أوضتي لحد اللحظة الحلوة اللي إحنا متجمعين فيها دي.
انتهى من حديثه ليشير بسبابته إلى الأعلى وعيون الجميع معلقة معه باتجاه النجفة المعلقة مرورًا بالحوائط وحتى مزهريات الزهور الموضوعة فوق الطاولات، حيث قامت النيابة العامة بإخراج تصريح يسمح بزرع كاميرات صوت وصورة بداخل جناح فؤاد حيث زرعها هو بنفسه لتصوير زوجته لإثبات التهمة وجعلها قضية مكتملة الأركان. وتواصلت الشرطة مع أحد العاملين بالمنزل ليقوم بزرع الكاميرات بالمنزل الذي سيتم به التسليم والذي تم معرفته حسبما استمعوه من المكالمة التي تمت بين نجلا ومحسن وهما يتفقان، حيث وضعا هاتفهما تحت المراقبة لكشف ملابسات القضية بالكامل.
نظرت إليه بذهول ليبتسم إليها بخيبة أمل ويعود بذاكرته لما قبل الثلاثة أسابيع، حيث كان يجلس بأحد الكافيهات يحتسي كأسًا من العصير الطازج بعدما شعر لحاجته بتغيير روتينه وقرر الذهاب لذاك الكافيه. ليقتحم أحد الرجال خلوته حين تحدث قائلًا بلباقة:
مساء الخير يا سيادة المستشار.
رفع بصره يتطلع عليه باستغراب ليسترسل الآخر:
ممكن آخد من وقت سعادتك عشر دقايق؟
سيادة المستشار فؤاد زين الدين نار على علم يا باشا... نطقها ثم استطرد:
تسمح لي أقعد؟
أشار له ليجلس الرجل ويتحدث:
مش هعطل حضرتك وهدخل في الموضوع على طول.
تحمحم ليسترسل:
أنا عندي قضية خاصة بابني وهتتقدم لسعادتك الأسبوع الجاي. وكنت طمعان في كرم معاليك وأي مبلغ هتقول عليه اعتبره وصل لحسابك البنكي.
اشتعلت عيونه لتمتلئ بشرارات الغضب وهو يقول بسخط أرعب الرجل:
أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟ أنت بتعرض عليا رشوة!
ليسترسل متعجبًا:
منين جت لك الجرأة اللي تخليك تقف قدام فؤاد ابن المستشار علام زين الدين وبكل وقاحة تعرض عليه رشوة؟ نطقها بعيون تطلق أسهمًا نارية ليهتف الرجل مرتبكًا:
حقك عليا يا باشا، أنا والله جيت لك بعد الكلام اللي سمعته مراتي من واحدة صاحبتها.
ضيق فؤاد بين حاجبيه لينتبه جهاز الرادار لديه ملتقطًا تلك الكلمات التي بالطبع لن يمررها مرور الكرام ويدع الغضب يتملك منه. تحدث بنبرة ثابتة وعينين كصقر جريح:
وياترى إيه بقى اللي سمعته مراتك من صاحبتها وخلاك تتجرأ وتيجي لحد عندي؟
ابتلع الرجل ريقه ليسترسل فؤاد ما جعل الرجل ينتفض:
ارتجفت أوصال الرجل وبدأ يخبره بأن صديقة زوجته أتت إليها كي تواسيها حيث تم القبض على نجلها بقضية حيازة قطعة كبيرة من مخدر الحشيش، وأثناء تبادلهما للحديث أخبرتها صديقتها أن زوجها قد عثر على أحد وكلاء النيابة بنفس الدائرة يقوم بأخذ مبلغًا من المال مقابل إتلاف الدلائل وأعطتها اسمه. كان يستمع للرجل وكل ذرة بجسده تحترق.
قام بتهديد الرجل إذا علم أحدًا بما دار بينهما فسوف يقوم بتقديم بلاغ رسمي يتهمه بتضليل العدالة وعرض رشوة على موظف عام. وطلب منه السرية التامة للإيقاع بهؤلاء الخارجين عن القانون الذين يحاولون بزج اسمه لتشويه صورته كرجل قانون لديه من النزاهة ما يكفي للحصول على وسام الشرف. وقد عاهده الرجل على غموض تلك القصة.
بالفعل اتفق مع فريق البحث الخاص به وبدأوا بمراقبة الرجل الذي حصل على اسمه من ذاك الشخص. قاموا بمراقبة هواتفه وتتبع الشخص ذاته وجميع أفراد أسرته. وأثناء مراقبتهم وجدوه يتردد على شقة علموا من التحريات أنها خاصة بتخليصه لأعماله المخالفة للقانون. فأمرهم فؤاد بالعثور على الكاميرات الخاصة بالبناية المتواجد بها الشقة وأيضًا الكاميرات الخاصة بالمحال المحاطة بالبناية ومراجعة آخر أربعة أسابيع حيث موعد قضية شقيقه حينها. بالفعل عثر الفريق على تلك التسجيلات وأثناء مراجعته للتسجيلات ذهل حينما وجد زوجته تدخل البناية بصحبة محسن ابن خالتها وبعد حوالي النصف ساعة كانت تخرج وهي تحمل بكلتا يداها حقيبة سوداء لأول مرة يراها.
تشتت ذهنه ولم يعد يستوعب ما رأته عينيه ليتجاوز الصدمة سريعًا، فليس هذا الوقت المناسب للانهيار. فالأولى إنقاذ سمعته وسمعة عائلته وبعد ذلك سيجلس مع حاله ويحاسبها على تقصيرها ومنحها الثقة لغير المستحق. تتبع اسمها بالبنوك حتى وصل لحساب خفي بأحد البنوك الأجنبية وبه مبلغًا من المال وقد علم أن أصل المبلغ الذي قامت بإيداعه خمسة ملايين. على الفور اتجه لوالده وسرد عليه ما حدث ليصطحبه وذهبا للنائب العام وأطلعاه على القصة من جميع الجوانب وقد أمر النائب العام بتشديد المراقبة على نجلا والمدعو محسن للإيقاع بهما وتم زرع كاميرات بالجناح الخاص بفؤاد بعدما قام بتفتيش خزانتها وعثر على صورة لسونار كانت قد قامت به للتأكد من الحمل وكيفية التخلص منه، ومن سوء حظها غفلت عن التخلص من تلك الورقة ليعثر عليها.
فقط الذهول هو من سيطر عليه. لم يستطع عقله استيعاب أن من اختارها من بين كل نساء الدنيا ليسلمها قلبه واسمه واسم عائلته هي من طعنته وبدون رحمة. الاسم الذي بذل أباه الغالي والنفيس وعاش بشرف ونزاهة لبنائه طيلة سنواته التي قضاها في خدمة الوطن وهيئة القضاء متأملًا أن يتوارثه نجله ومن بعده أحفاده. تلك الحية الرقطاء ليكتشف بالنهاية أنه رجلًا تم تغفيله على يد امرأة، وأي امرأة يا سادة! امرأته التي كان يغفو بجانبها معطيًا لها كل الأمان.
عودة للوقت الحالي:
رمقها بنظرة يملؤها الاشمئزاز لينزل على وجنتها بصفعة جعلت من شعرها يتبعثر ليهتف بنبرة حادة:
دي علشان خيانتك لأمانة شغلي.
رفعت وجهها تتطلع عليه بذهول ليباغتها بأخرى أقوى وهو يردد بنبرة يملؤها القهر:
دي علشان قتل ابني.
جحظت عينيها بحيرة. كيف علم بأمر الجنين؟ ليصفعها من جديد قائلًا:
ودي علشان تلويثك لاسم عيلتي اللي عمرك ما كنتِ جديرة بيه.
أمسك شعرها وجذبها مقربًا وجهها له ليسترسل بفحيح يشبه الأفعى الغاضبة:
وإدعي لاسم أبويا لأن لولا إني خفت عليه ليتلوث كنت لبستك قضية زنا مع الرجالة اللي بتدخلي شققهم يا...
على ذكر قتل ابني، صحيح الدكتور الزبالة اللي ساعدك إنك تتخلصي من عار حملك في طفل من عيلة الزين.
هدي نفسك يا باشا، سيبها للقانون وهو هيربيها.
حاجة أخيرة بعد إذنك... نطقها فؤاد ليبتعد الشرطي ليسترسل الآخر وهو يرمقها بعينين تنطق بجميع عبارات السب والاحتقار:
قبل ما تتحركي خطوة واحدة لطريقك للسجن، لازم أنضف اسمي واسم عيلتي.
ليسترسل بقوة:
أنتِ طالق.
تساقطت الدموع من عينيها بغزارة لتدوي صرخاتها بالمكان بعدما أصيبت بنوبة هلع هيستيرية وهي ترى رجال الأمن يصطحبوها للزج بها داخل السجن:
ما تخليهمش ياخدوني يا فؤاد أرجوك سامحني وأنا هعيش خدامة تحت رجليك، هخلف لك الولد اللي نفسك فيه والله هبطل الحبوب وهجيب لك البيبي اللي بتحلم بيه فؤاااااااد.
صرخت بها بجنون وهي تتشبث بذاك الباب الحديدي في مقاومة منها لعدم الخروج:
ما تتلمي يا بت في ليلة أمك السودة دي، هو أحنا مش هنخلص من جنان أهلك ده؟ يخربيتك على بيت فؤاد في...
وقفت أمام خزانة ملابسها لتنتقي ثوبًا يليق بوقارها الذي اتخذته دربًا ونجحت بفرضه على الجميع. عاشت بمدينة لم تكن يومًا بمدينتها وأناسًا لم يشبهونها بشيء، ومع هذا لم يستطع أحدًا تخطي حدود الأدب أو اللباقة معها. تبسمت حين وقعت عينيها على تلك البدلة النسائية الكلاسيكية المكونة من بنطال وبليزر. ابتسمت وشرعت بارتدائها لتقف تتطلع على انعكاسها بالمرآة لتنبهر بجمالها الساحر فقد منحتها البذلة إطلالة عصرية جذابة لتبدو أنيقة للغاية وبالأخص ذاك اللون القرمزي الذي أضفى على لون بشرتها الفاتحة لتضوي وتشع نورًا. وضعت بعض الرتوش من مساحيق التجميل الخفيفة لتبدو أكثر سحرًا وإشراقًا. حملت حقيبة يدها وخرجت من الحجرة لتجد والدها يجلس بجوار صغيرها وهما يشاهدان فيلمًا للرسوم المتحركة لتفاجئ بعزة خارجة:
خديني معاكِ هروح أزور شهيرة وابقى عدي عليا وأنتِ راجعة.
ابتسمت حين تأكدت أن تلك الخلوق لم ترد الجلوس بمفردها مع رجل غريب بنفس المكان لذا قررت الذهاب لصديقتها الماكثة بنفس الشارع والتي تعرفت عليها من خلال زياراتهما للمتجر لشراء احتياجات المنزل. هزت رأسها لتلتفت لوالدها وهي تقول:
أنا خارجة يا بابا، هروح المشوار اللي قولت لك عليه وإن شاء الله مش هتأخر.
أومأ لها بابتسامة وأجاب:
ربنا معاكِ ويجعله في ميزان حسناتك يا بنتي.
مش عاوز حاجة أجيبها لك معايا يا حبيبي؟ نطقتها بعينين تشعان حنانًا ليجيبها بقلب يرتجف من فيض حنان عيناها:
هو أنتِ مخلياني عاوز حاجة من ساعة ما جيتِ يا بنتي؟
تبسمت له وتحركت لتستقل سيارتها بطريقها للعنوان.
وصل فؤاد إلى الفندق قبل الموعد بعشرة دقائق ليكون باستقبالهم. دخل بهيبة تدعو كل من يراه للانبها. كانت طلته ملفتة للنظر للغاية، حيث كان يرتدي بدلة مودرن بليزر من اللون الأسود وقميصًا لونه بينك هادئ وبنطال من الجينز الأزرق مما أعطاه مظهرًا عصريًا وقلل من سنوات عمره فمن يراه لا يعطيه ثلاثين عامًا على الأكثر. تحرك للمكان الذي احتجزه مسبقًا وجلس بكل وقار واضعًا ساقًا فوق الأخرى وبدون وعي منه إلى أن رآها وهي تدخل من الباب. توسع بؤبؤ عينيه حين رآها بكل تلك الأنوثة، كم كانت رائعة جذابة. لم تدم انتشائة روحه التي شملته لكثير حين انقلب الحال من سعادة وانتشاء لتعجب وهو ينظر عليها بجبين مقطب وعلى ذاك المجاور لها والذي كان يتحدث إليها بتودد تقابله هي بابتسامة هادئة. وقف عند العاملة التي كانت تستقبل الوافدين لتخلع عنه معطفه ويبادر هو بالتحرك ليشعر فؤاد باشتعال اقتحم أوردته بل وجسده بالكامل حين لمح أحمد وهو يقف خلفها مباشرة ليخلع عنها معطفها ويسلمه للعاملة التي اصطحبته هو ومعطفه وتحركت لمقر تعليقهما حسب بروتوكول المكان.
ما زاد من حدة اشتعاله هو ابتسامتها الساحرة التي أهدته بها ليبادلها الآخر بأخرى مثيلتها ويشير لها لتتحرك للأمام وبالفعل تحركت ليجاورها الدخول إلى أن وصلا للمكان الذي حجزه فؤاد وأصر تحمل جميع بجلسة للملوك. وقف لاستقبالهما حين اقتربا عليه لتقع عينيها على هيأته لينتفض داخلها فقد كانت طلته مبهرة وساحرة تسر الناظرين إليه. لم يكن حاله بأفضل منها فقد أسرت روحه بمظهرها الساحر وذاك اللون القرمزي الذي يراه عليها لأول مرة فمنذ أن رآها وهي تتشح بالسواد.
أقبل عليه أحمد وبسط ذراعه للمصافحة وتحدث بنبرة هادئة:
مساء الخير يا جناب المستشار.
بادله السلام لتتحدث هي دون المصافحة مما أثار حفيظته:
إزيك حضرتك يا أفندم؟
تمام الحمد لله... نطقها باقتضاب ووجه مبهم مما دعا لتعجبها لكنها سرعان ما نفضت عنها ذاك الشعور عندما أشار لهما بالجلوس ليبادر بسؤال لأحمد:
هو أيمن بيه مجاش معاكم ليه؟
تحمحم أحمد ليجيبه وهو يعتدل بجلسته:
الباشا جاي في الطريق، دقايق وهيبقى هنا.
تعجب ليسأله من جديد وهو يتناقل ببصره بينهما:
هو أنتوا جايين مع بعض؟
تعجبت سؤاله المتطفل ليجيبه أحمد بهدوء طمأن قلب الآخر:
أنا جاي من المستشفى على هنا على طول لأن كان عندي عملية مهمة.
ثم طالع الأخرى وأجابه مشيرًا بكفه صوبها:
وإتقابلنا أنا وإيثار برة عند مدخل الفندق.
أومأ برأسه ليسألهما بلباقة:
تحبوا تشربوا حاجة؟
خرج صوتها متزنًا وهي تقول:
خلينا لما الكل يوصل أفضل.
اكتفى بهزة من رأسه ليسألهما من جديد:
بفكر أخليهم يجهزوا لنا عشا، إيه رأيكم؟
قال أحمد بتسرع:
أنا عن نفسي ما بتعشاش غير مع مراتي، لأنها بتستناني واليوم اللي بآكل فيه بره لا يمكن تدوق الأكل.
ربنا يخليكم لبعض، مدام سالي مفيش أطيب منها.
لتستطرد هي الأخرى معتذرة:
أنا كمان ما بتعشاش غير مع ابني.
أومأ لهما ثم وقف ثلاثتهم لاستقبال أيمن الذي ولج للتو وتلاه صلاح الذي حضر بصحبة نجله هيثم. تحدث فؤاد بوقار حيث بدأ حديثه مستشهدًا ببعض الآيات القرآنية عن فضل التسامح والعفو ونشرهما بالمجتمع وبات يتحدث بطريقة سلسة جعلت الجميع منصتين له بتمعن. وقد تصافى الطرفان وتواعدا ألا يعودا أحدهما لإخلال الوعد وأخبرهما فؤاد أن عليهما الذهاب لمبنى النيابة غدًا لإتمام المصالحة من خلال محضر رسمي مثبت به بنود المصالحة ووضع كلا منهما إمضته عليه للتأكيد. وبعدها اقترح أيمن على صلاح بأن يتشاركا بمشروع جديد يطلقاه معًا لتوطيد العلاقة أكثر. وافق صلاح مرحبًا ليتحدث أيمن موجهًا حديثه للجميع:
على بركة الله، وإن شاء الله هعمل حفلة كبيرة الأسبوع ده وهنعلن فيها عن إطلاق المشروع علشان السوق كله يعرف إن المشاكل اللي بينا انتهت.
هتهدي الدنيا وتوقف استغلال المنافسين ليكم للموقف واللي كانوا بيحاولوا يولعوا الدنيا بينكم علشان مصالحهم الشخصية.
كانت تستمع إليه بعيون منبهرة بذكائه الحاد وشخصيته المسيطرة التي طغت لتجعل كل الحضور صامتين ينصتون إليه وكأنه ألقى بتعويذة سحرية على الجميع. تطلعت لعينيه بانجذاب وكأنها مسلوبة الإرادة أمام بحر عينيه لتقول بإثناء:
بصراحة أنا مبهورة باللي حضرتك عملته يا سيادة المستشار.
ابتسم لها بهدوء وشكرها.
انتهى الاجتماع وتحرك الجميع متجهين صوب الجراج الخاص بالفندق استعدادًا للتحرك بسياراتهم كل لوجهته. وقفت بجانب سيارتها وهمت بفتح الباب لكنها توقفت حين استمعت لصوته وهو يسألها:
هتيجي الحفلة؟
التفتت إليه لتجيبه بصوت هادئ:
أكيد. أي حفلة خاصة بالشركة أنا اللي برتبها، ومن الطبيعي أكون موجودة علشان أشرف على كل حاجة بنفسي.
هشوفك هناك... نطقها بعينين ساحرتين لتجيبه بصوت متأثرًا بشعاع عينيه:
إن شاء الله.
تحرك بطريقه لسيارته لتستقل هي مقعدها استعدادًا لانطلاقها ليباغتها بعدما أدخل رأسه من نافذة السيارة:
أنتِ أجمل واحدة شفتها في حياتي، أنتِ ملكة.
انتهى من كلماته الساحرة ليغمز لها بعينيه بطريقة أذابت قلبها وجعلت قشعريرة لذيذة تسري بجسدها بالكامل قبل أن يبتعد ليستقل سيارته منطلقًا بعدما لوح لها بكف يده. يا الله ماذا فعل بها! لقد ألقى بتعويذة سحره الخاصة عليها وانطلق تاركًا إياها غارقة بسحره الذي لا يقاوم. رحل هو بينما رائحة عطره المميز ظلت لتحتويها وتنقلها لعالم آخر جديدًا عليها. استفاقت بعدما استمعت لصوت رجل الأمن وهو يسألها باهتمام:
أنتِ كويسة يا هانم؟
هاا... نطقتها ببلاهة لتسترسل بعدما وعت على حالها وبدأت تدير محرك السيارة:
معلش، أصلي سرحت شوية.
انطلقت بسيارتها لتقودها بقلب هائم وعينيه الساحرة لم تتركها لتراها تحوم حولها بجميع الزوايا وكأنها تحاصرها. تعالت ضربات قلبها المندفعة حتى أنها كانت تستمع إليها لتتنهد بانتشاء وحالة من الوله تسيطر على كل ذرة بكيانها.
رواية انا لها شمس الفصل الثاني عشر 12 - بقلم روز امين
لقد كان الأمر شاقًا جدًا عليها، كان يتطلب عشرة قلوب لتحمل جلَّ ما حدث من كوارث كادت أن تودي بقلبها إلى التهلكة، ولكنها بقلب واحد فعلت.
إيثار الجوهري
بقلمي روز أمين
لعينيه بريق اخترق جدار قلبها بسهامه النافذة ليجعل روحها هائمة كطير سابح بسمائه الواسعة، مما جعل ابتسامتها الواسعة مرتسمة على ثغرها طيلة الطريق، فقد رحل هذا الداهي ليترك طيف عينيه يحوم حولها وكأن بهما سحرًا جذبها لتسقط بأعماقهما وتغرق ببحرهما العميق. لم تشعر بمثل تلك الأحاسيس المرفهة منذ زمن بعيد، تنفست بانتشاء لتتوقف أمام أحد محلات الحلوى الشهيرة بالعاصمة، والتي تتردد عليه دائمًا لجودة منتجه. انتقَت إحدى كعكات الشوكولاتة المحببة لدى صغيرها وأيضًا والدها العزيز، واستقلت سيارتها من جديد لتدير مؤشر الراديو بعدما شعرت بحاجتها الملحة لاستماع الموسيقى، وبالصدفة كانت غنوة لسيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم، وكأن الغنوة تريد إيصال رسالة من خلالها فكانت كلماتها تقول:
"رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا
علموني أندم على الماضي وجراحه
اللي شفته قبل ما تشوفك عنيا
عمر ضايع يحسبوه إزاي عليا عليا"
ظلت تستمع لكلمات الغنوة بتمعن وترددها وكأنها تستمع إليها للمرة الأولى، شعور هائل بالراحة تملك منها، لا تعلم مصدر تلك المشاعر الحالمة التي انتابتها منذ أن اقترب عليها ولفحتها رائحة عطره الرائعة ونظرة عينيه، آه وألف آه من سحرهما، لطلتهما سحر وكأنه يلقي بتعويذة تأثر ناظريه. تنفست براحة لتتوقف أمام البناية وتترجل صاعدة بصحبة عزة، حيث هاتفتها قبل وصولها للبناية بعدة دقائق.
هتفت بسعادة ووجه مشرق على غير العادة وهي تقترب من والدها ونجلها:
جبت لكم معايا تورتة شيكولاتة علشان نحتفل بوجود الحاج غانم.
ابتسم لها بطيبة ليرد بأمنية وشوق ظهر بعينيه:
يسمع منك ربنا ويقدرني أزور بيته الحرام قبل ما أموت يا بنتي.
إن شاء الله ربنا يكتبها لك وتتمتعي بزيارته السنة دي يا بابا... نطقتها بحنو لتسترسل وهي تنظر إلى عزة:
يلا يا عزة هاتي الأطباق والشوك واعملي شاي لبابا على ما أدخل أغير هدومي بسرعة.
هتفت سريعًا وهي تتجه صوب المطبخ:
من عنيا.
بعد قليل كانت تجاور والدها الحنون وهي تتناول قطعة الحلوى بسعادة بالغة، لتهتف عزة بعدما لاحظت حبورها الشديد وزيادة نور وجهها:
ياريتك كنت جيت من زمان يا عم غانم علشان أشوف ضحكة إيثار اللي منورة وشها دي.
خجلت من حديث عزة، بالطبع هي سعيدة بزيارة والدها الحنون وعودة صغيرها بعد يومين من البعاد المر، ليأتي ذاك الفارس ويزيد من فيض بهجتها وتهلل روحها وكأن اليوم هو يوم سعدها. ابتسم غانم أيضًا وسعد لهناء صغيرته، ليتنهد بضيق بعدما مرت بطيفه مكالمة منيرة منذ قليل، حيث هاتفته لتلح عليه بأن يعرض على ابنته عودتها لطليقها لأجل منفعة أبنائها الذكور من نصر وأنجاله، ليستغفر ربه بسريرته ويخرجه صوت ابنته من شروده حيث قالت على استحياء:
ياريت يا بابا تقعد معايا هنا على طول.
هم بالحديث ليقاطعه الصغير بنبرة حادة:
إحنا اللي هنروح نعيش في البلد يا مامي.
قطبت جبينها تتعجب حدة الصغير الذي أكمل بشفاه ممدودة مما أوحى لشدة استيائه:
بابي وجدو جابوا لي لبس ولعب كتير قوي، وتيتا إجلال قالت لي لما ترجع إنت ومامي جدو هيجيب لك أكتر منهم.
تنفست بهدوء لعلمها بمخطط هؤلاء المعدومين للضمير، والتي انتزعت من قلوبهم الرحمة، حيث وصل بهم الأمر إلى أن يقوموا باللعب على مشاعر الصغير دون مراعاتهم لإمكانية تأثره والآثار الجانبية التي ستؤثر بتكوين الطفل وما سيترتب عليه فيما بعد من اضطرابات لصحته النفسية. قالت بنبرة هادئة:
إحنا مش هينفع نسيب هنا يا حبيبي، هنا مدرستك وأصحابك وتمريناتك.
جدو هيعمل لي كل ده هناك، وكمان هناك باكل شيكولاتة حلوة قوي أحسن بكتير من اللي إنت بتجيبيها لي، وبعدين أنا لازم أروح علشان أسوق عربيتي... كلمات نطقها بتمرد ليسترسل بعدما خفض بصره بحزن:
أنا طلبت من بابا أجيبها هنا معايا لكن تيتا رفضت، وقالت لي هات ماما وتعالوا عيشوا هنا وكل حاجة هتبقى معاك طول الوقت.
تبادلت النظرات مع والدها لتتنهد قائلة:
أنا مش هرجع هناك تاني يا يوسف، لو حابب تروح هناك يبقى هترجع لوحدك وتعيش من غيري.
لا يا مامي أنا...
عاوز أعيش معاك إنت وعزة، بس كمان عاوز العربية بتاعتي... كلمات قالها الصغير بحيرة لتجيبه بابتسامة هادئة:
خلاص يا حبيبي، أنا هجيب لك عربية زيها.
بجد يا مامي... نطقها بحبور بعدما انتفض بجلسته لتهز رأسها بإيجاب، صفق له الصغير وانسحب للداخل بصحبة عزة. نظرت لوالدها لتقول بنبرة بائسة:
شايف يا بابا، نصر وإجلال بيحاربوني بابني.
صمت الأب بحزن، فأي كلمات من الممكن أن تقال لتخفف من وطأة ما تشعر به تلك المحاربة. بعد مدة ولج والدها داخل حجرة الصغير وغفى بجانبه وغفت عزة، أما هي فصنعت لحالها كوبًا من مشروب الشوكولاتة الساخنة وخرجت بالشرفة لتبتسم تلقائيًا حين تذكرت ذات العينين كثيفة الرموش وسحرهما الخاطف. سرحت بخيالها لبعيدًا لمدة، وبلحظة وبدون سابق إنذار هزت رأسها وكأنها تنفض تلك الأفكار الشاذة بعدما تذكرت ماضيها المؤلم وتجربتها المريرة لتتحدث بتأنيب لحالها:
ماذا دهاك أيتها البلهاء؟ أواعيت أنت لما تقترفين من جرم بحق حالك؟ ألم تكتفي ذلًا؟ أحدهم من جديد؟ يا لك من غبية عديمة التعلم، كيف سمحتِ لحالك بأن تنخدعي على يد أحدهم للمرة الثانية؟ أنسيتِ ما حدث بالماضي؟ كيف تسمحين لذاك المغرور اللعب على مشاعرك بغمزة حقيرة من اللعينة عيناه؟ توقفي في الحال واستفيقي على حالك، انفضي من رأسك كل تلك الأفكار اللعينة واستعيدي توازنك من جديد. أنت الآن امرأة حرة قوية فلا تسمحي إذًا لأحد الرجال بأن يمتلك حريتك ويقيدها ويقيد معها روحك، ومن جديد تفقدين على يده كرامتك التي انتزعتها واحتفظتِ بها عنوة عن الجميع. جل ما يجب التفكير به هو يوسف، يوسف وفقط هو من يستحق أن تكرسي له حياتك وحنانك وجميع ما تحملين بقلبك من مشاعر.
نزلت دمعة مريرة من عينيها لتهمس لحالها:
يكفي ما حدث بالماضي يا إيثار.
لتعود بذاكرتها لما مضى.
انتباااااااااه
عودة إلى الماضي
ارتدت ملابسها وأعدت الحقيبة الخاصة بالصغير حيث وضعت بها بعضًا من غياراته الداخلية والخارجية وبعض الاحتياجات الخاصة به، وجلست بأريكة بهو مسكنها الخاص والتوتر والقلق ينهشان من تفكيرها. ظلت منتظرة حتى وصلت الساعة إلى الحادية عشر ظهرًا وهذا هو موعد ولوج إجلال لغرفتها وخلودها للنوم، حيث أنها تفيق مبكرًا ولذا تحتاج للنوم كي يأخذ جسدها قسطًا من الراحة والدلال قبل أن يعود زوجها من الخارج. أسرعت أمام شقتها لتنظر من أعلى الدرج وبالفعل شاهدت دخول إجلال لغرفتها، لتهرول للداخل وتحمل الصغير الغافي لتتحرك للخارج وهي تغلق الباب بعد أن علقت الحقيبة بساعدها، ونزلت تتسحب على أطراف أصابعها. اطمأنت حين استمعت لصوت مروة وياسمين يأتي من داخل المطبخ فتأكدت أنهما تعدان وجبة الغداء. هرولت إلى أن وصلت للباب الخارجي وفتحته بحرص شديد كي لا يحدث صوتًا ينتبه له أهل المنزل، وهرولت بطريقها إلى منزل أبيها. وصلت خلال عشرة دقائق ودقت الباب لتفتح لها نسرين التي تعجبت لزيارتها المفاجئة والغريبة، فمنذ زواجها وهي تعامل كملكة متوجة من قبل عمرو الذي لا يأتي بها إلى منزل أبيها إلا بمواعيد مسبقة وعلى فترات طويلة، ويوم الزيارة تأتي وكأنها بموكب لا ينقصها سوى الحمل على الأعناق، حيث تستقل سيارة زوجها ذو الماركة العالية مرتدية أفخم الثياب وأثمن الجواهر لتترجل من السيارة وبجوارها عمرو حاملًا صغيره عنها كي لا يؤرقها. كانت تضع ساعدها مما حجب دخولها لتقول بنبرة باردة متعجبة:
إيثار!
إيه اللي جابك بدري كده!
رمقتها بنظرة حادة وهي تقول:
ممكن توسعي علشان أدخل.
رفعت حاجبها وأبعدت ذراعها وهي تلوي فاهها باستنكار، لتهرول إيثار للداخل لتقابلها منيرة التي كانت تنزل الدرج، فاقتربت منها تتطلع على وجهها باستغراب بعدما لمحت حدة ملامحها، ناهيك عن جفني عينيها المنتفخة مما يوحي لبكائها لفترات طويلة، سألتها متعجبة:
إيه اللي جايبك من وش الصبح كده؟
رفعت رأسها تتلفت باتجاه الباب تبحث بعينيها عن عمرو لتسترسل باستغراب بعدما وجدت نسرين قد أغلقته، لتقترب تتطلع على كلتاهما:
وفين جوزك؟ إنتِ جاية لوحدك يا إيثار؟
تطلعت بعينين متعجبتين وهي تتفحص ملامح هذه المرأة قاسية القلب، أي أم أنت؟ وأي قلب هذا الذي تحملينه بصدرك؟ ألم يحن ويقلق ويضطرب لرؤيتي بتلك الحالة المزرية؟ ألم يشعر بما أعانيه من شعور مرير بالذل والإهانة؟ بدلًا من أن تحملي الصغير عني لتخفيف عناء حمله، تقفين وبكل جبروت تسألين عن من تذوقت مرارة الألم النفسي على يده وبفضله استمعت لقذائف سباب من ذاك النصر عديم الرحمة والمروءة، وتلك الشمطاء زوجته. نفضت أفكارها لتأخذ نفسًا عميقًا وهي تقول باستسلام وخنوع:
خليني أقعد وأخد نفسي الأول، وبعدين أبقي حققي معايا براحتك.
قالت كلماتها لتتجه صوب غرفتها لتجد معالمها قد تغيرت، فقد استولت عليها نسرين ووضعت بداخلها أشياء نجلها الكبير واتخذت منها غرفة له. جحظت عينيها لتسأل والدتها باستغراب:
كتب مين اللي على مكتبي دي يا ماما؟ وإيه الهدوم اللي على السرير دي!
كانت تهم بالرد لولا تلك التي هتفت بدلًا عن والدة زوجها لتقول بحاجب مرفوع:
كتب غانم يا حبيبتي، عزيز عطى له الأوضة يذاكر وينام فيها.
وعزيز يديها له بصفته إيه؟ دي أوضتي! نطقتها بحدة لتضع صغيرها الغافي بمنتصف الفراش وتسرع مهرولة لتفتح الخزانة وهي تعبث بالأشياء:
وفين حاجتي اللي كنت سايباها هنا؟ فين كتبي وهدومي القديمة يا ماما!
بنبرة أشعلت روح إيثار أجابتها نسرين بكلمات استفزازية:
لمتهم في كرتونة وحطتهم في أوضة الفرن.
حطيتي كتب لا تقدر بثمن في أوضة الفرن! لتسترسل بجنون:
ومين أصلًا سمح لك تلمسي حاجتي وتاخدي أوضتي!
هتفت بوقاحة:
ومن امتى اللي بتتجوز بيبقى لها أوضة يا حبيبتي؟ اليوم اللي البنت بتخرج فيه من بيت أبوها بيبقى آخر يوم ليها كصاحبة بيت، بعد كده بتدخله ضيفة وملهاش الحق تنطق ولا تقول رأيها في حاجة، دي عوايدنا اللي طلعنا لقيناها، مش هتيجي على آخر الزمن وتغيريها لنا.
لتسترسل بعدما رمقتها بحقد دفين:
ولا أنت فاكرة إكمنك اتعلمتي هتعملي لنفسك نظام غير الكل.
حولت بصرها لوالدتها وهمست تسألها بذهول لصمتها المخجل:
إنتِ ساكتة ليه يا ماما؟ ولا يكون كلام نسرين جاي على هواك!
زفرت بقوة لتهتف وهي تسحبها من رسغها وتتحرك باتجاه حجرة المعيشة:
سيبك من الرغي الفاضي ده وتعالي احكي لي.
وصلت للأريكة الخشبية لتدفعها على الجلوس فوقها بحدة وهي تسألها:
إيه اللي جايبك الساعة دي من غير جوزك؟
اغرورقت الدموع بعينيها لتنطق بنبرة متألمة لعينين مكسورتين:
عمرو مد إيده عليا إمبارح بالليل.
وبدأت تقص عليها ما حدث لتسترسل بدموعها الغزيرة بعدما انتهت من سرد جميع التفاصيل:
وأنا استغليت وجوده بره وجبت ابني وجيت.
نهارك أسود يا بنت غانم! يعني إنتِ طالعة من غير علم جوزك وأهله! نطقتها بعينين تطلق شزرًا لتجحظ عيني الأخرى بعدم استيعاب وهي تسألها بذهول:
هو ده كل اللي فارق معاك؟
يعني مش فارق معاك ضربه ليا ولا شتيمة أبوه وأمه وغلطهم في بابا؟
باغتها صوت عزيز الذي حضر سريعًا بعدما هاتفته الحرباء زوجته ليقول بصوت بارد فاقدًا للنخوة:
يعني هي الشتيمة بتلزق؟
ليسترسل بنظرات ازدرائية:
وبعدين هو الراجل يعني هيضربك كده من الباب للطاق؟ تلاقيكي عملتي مصيبة من مصايبك اللي مبتخلصش.
نطق الأخيرة ليرمقها بنظرات كارهة مسترسلًا بحقد:
ما أنا عارفك عندية ودماغك عايزة الكسر.
كانت تستمع لهما بعيون زائغة بين ذاك الحاقد وتلك الأم التي تفتقر أدنى مفاهيم الأمومة، وبين نسرين الساندة بجزعها على الباب وهي تطالعها بنظرات شامتة تقطر كرهًا وكأنها قتلت لها أعز الأشخاص وأقربهم لقلبها. أتى والدها وشقيقاها وبدأ للجميع بتبادل الحديث ولم ينصفها أحد حتى أباها الذي تحدث بضعف وهوان:
يا بنتي، المصارين في البطن بتتخانق، وده جوزك وأبو ابنك، ولازم تتحمليه وقت غضبه.
وبالنسبة لشتيمتي أنا راضي بيها يا ستي، خرجي إنتِ نفسك من الموضوع.
نزلت كلماته على كيانها زلزلته، ومنذ تلك اللحظة علمت أن حياتها أصبحت ملكًا لنصر وإجلال، وما عليها سوى الخضوع والتنازل من الآن وصاعدًا. انتبهت لصوت منيرة الذي صدح بالمكان وهي تلطم فخديها بكفيها بقوة:
يا خيبتك القوية في بنتك الوحيدة يا منيرة! الناس هتقول عليا إيه الوقت؟ معرفتش أربي حتة البيت اللي حيلتي، من أول خناقة ليها في بيت جوزها خدت ابنها وهربت من البيت.
نكست رأسها تنظر لقدميها والذهول وعدم الاستيعاب لما يحدث حولها هما المسيطران عليها. انتبهت على صوت عزيز الذي صاح بفظاظة:
قومي هاتي ابنك من جوه ويلا علشان أوصلك واستسمح الحاج نصر، زمانهم عرفوا بغيابك وهيخربوا الدنيا على دماغنا بسبب ابنهم اللي خدتيه من ورا علمهم.
هزت رأسها بذهول لتنظر لوالدها بترجي:
لا يا بابا، علشان خاطر ربنا مش عاوزة أرجع هناك الوقت، سيبني هنا حتى لو أسبوع لحد ما أحاول أنسى اللي حصل وأعصابي ترتاح.
نظر لها بقلب مفطور لأجلها، وقبل أن يضعف لنظراتها المتوسلة سبقته منيرة التي هتفت بحدة:
قومي يا بت امشي مع أخوك، ولا عاوزة الناس تشمت فينا ويقولوا بنت غانم معمرتش في بيت الحاج نصر.
لوت نسرين فاهها لتهتف بكلمات تقطر سمًا:
أول مرة أشوف واحدة عاوزة تخرب على نفسها، وسايبة بيت عايشة فيه زي الملكة علشان كلت لها حتة قلم. تعالي يا أختي شوفي عزيز أخوك واللي بيعمله فيا.
لكزتها نوارة التي كانت تبكي تأثرًا بدموع وانهيار إيثار لتهمس لها:
بلاش تشعللي الدنيا بكلامك، هي والعة لوحدها.
لترد لها لكزتها بأعنف وهي تقول:
اخرسي إنتِ يا أم قلب حنين، ولا عاوزاها تيجي تكتم على نفسنا زي الأول.
تحدث أيهم إلى والده بعينين راجيتين بعدما رأى انهيار شقيقته:
بلاش تخلي عزيز يوديها النهاردة يا بابا، خليها قاعدة هنا يومين، هتروح إزاي وهي بالشكل ده.
ليصدق وجدي على حديثه قائلًا:
خليها تقعد لحد ما ييجي جوزها ياخدها بنفسه يا أبا.
هتف عزيز حسبما أخبرته الحقيرة زوجته:
وهو جوزها كان مشاها علشان ييجي ياخدها؟ الست أختك هربانة بابنه، ده نصر هيطربق الدنيا فوق دماغنا علشان خاطر حفيده اللي الهانم خطفته. نطق كلماته وهو يرمقها بسهام نارية من مقلتيه لتهتف بدموعها الغزيرة دفاعًا عن حالها:
أنا معملتش حاجة علشان أهرب يا عزيز، أنا أخدت ابني ومشيت من غير ما حد ياخد باله علشان ميحاولوش يمنعوني.
طب قومي يلا معايا وبلاش تتبطري على النعمة لتزول من خلقتك. نطق كلماته بازدراء ليقطع حديثهم صوت دقات فوق الباب الخارجي ليصمت الجميع حينما استمعوا إلى صوت وجدي:
تعالى يا عمرو.
عجبك اللي عملته بنتك يا عم غانم؟ ينفع تاخد ابني وتمشي من غير ما حتى تستأذن من أمي!
نطق غانم بصوت خافت حزين لأجل ما أصاب ابنته على يده وعائلته:
والله يا ابني اللي حصل كله لا يرضيني ولا يعجب حد أبدًا.
هتف عمرو متجاهلًا حديث غانم اللائم ليقول باندهاش:
أنا سايب أبويا في البيت هيتجنن علشان يوسف، إنت أصلك مش عارف أبويا متعلق بالواد قد إيه، ده أول ما بيرجع من بره أول حد بيسأل عليه ويشوفه هو يوسف.
واسترسل وهو يتطلع على تلك التي لا تعيره عناء النظر إليه:
قال وأنا اللي طالع زي المغفل علشان أجيبه من الشقة، ألاقي مراتي خدته ومشيت من غير ما تعمل لي حساب ولا كأنها متجوزة راجل.
غلطة ومش هتتكرر تاني يا عمرو، امسحها فيا أنا يا ابني. كلمات ذليلة نطقتها الأم بخنوع لينكسر على أثرها قلب تلك المتألمة ويزيد عليها عزيز الذي نطق بما جعلها تشعر بانحطاطها ومدى تدنيها:
حقك علينا يا عمرو، أنا كنت جايبها وجاي لكم حالًا، يعني لو اتأخرت نص ساعة بس كنت هتلاقيني عندك بيها.
لم يعر لحديثه اهتمامًا لينظر لها وهو يقول بصوت خافت بعدما رأى دموعها التي تتدفق بغزارة فوق وجنتيها بصمت تام منها:
قومي هاتي يوسف علشان نروح بيتنا.
لم تنبس ببنت شفة لتستمع لصوت والدها الخانع وهو يحثها على النهوض:
قومي يا بنتي روحي مع جوزك واخزي الشيطان.
رفعت بصرها تتطلع عليه بخيبة أمل ليسحب عنها بصره سريعًا ليتلاشى سهام نظراتها القاتلة، لتستفيق على لكزة منيرة القوية وهي تهمس بصوت خفيض:
قومي امشي مع الراجل، قاعدة متصنمة كده ليه؟
ابتسامة شاحبة ظهرت على محياها ليتحول وجهها لشاحب كما الموتى، استمعت لصوت صياح صغيرها الذي فاق من غفوته لتأتي به نوارة ويتناوله منها عمرو الذي ضمه لأحضانه وبات يزيده بقبلاته الشغوفة ليقابلها الصغير بابتسامات سعيدة.
وقفت ببطء لتنسحب للخارج دون أن تنظر لأحد مما شطر قلبي غانم وأيهم عليها، ليتحرك خلفها حاملًا صغيره. خرج من المنزل وجدها قد استقلت مقعدها الأمامي بالسيارة وهي تنظر أمامها كما الأشباح، ليفتح الباب واضعًا صغيره بأحضانها ويستدير ليستقل مقعده أمام مقود السيارة، وقبل أن يتحرك اقترب عزيز ليسلمها حقيبة الصغير وهو يهتف بقوة كي ينال بها رضى ذاك العمر:
تسمعي كلام جوزك وحماتك وتبطلي الجنان ده، بدل ما أكسر لك دماغك وأربيك من أول وجديد.
خلاص يا عزيز، ملوش لازمة الكلام ده. نطقها بعدما رأى انكسار زوجته وحالة اللاوعي التي ولجت بداخلها وكأنها منساقة للموت.
بعد قليل وصلت لمنزل نصر وولجت بساقين منساقتين، لتقابل بتجاهل تام من نصر الجالس بتفاخر بوسط البهو ليأخذ الصغير من عمرو الذي ناوله إياه وبدأ بمداعبته متجاهلًا وقوفها، لتتلقى هي سيلًا من السباب والهتاف الحاد من إجلال وصل إلى تهديد صريح إذا تكررت فعلتها فستحرم من نجلها إلى الأبد وستلقى بمنزل والدها لتبقى معلقة، لا هي زوجة ولا مطلقة. استمعت لكلامهما المهين لتتجه صوب الدرج دون أن تنطق بحرف مما جعل عمرو يتعجب لحالتها. بعد قليل صعد لمسكنه ليبحث عنها، وجدها بحجرة الصغير حيث كانت متقوقعة على حالها متخذة وضع الجنين.
خلاص بقى افردي وشك، أنا مبحبش أشوفك زعلانة.
بعد مرور حوالي عام أصبحت العلاقة فاترة بين عمرو وإيثار بعدما حدث، رغم محاولاته العديدة لإصلاح ما فسد لكنها قبلت جميعها بالصد منها وكأنها كسرت وانتهى الأمر. أصبحت حياتها مملة وكأنها انطفأت، باتت لا تحفظ سوى كلمتان: نعم وحاضر للتأكيد. أصبحت أيضًا خانعة خاضعة لجميع أوامر نصر وإجلال التي تجبرت عليها بعد تخلي عمرو ورفع يد الحماية عنها، لتجد حالها كورقة شجرة متساقطة في وسط رياح عاتية حيث تحركها كيفما تشاء بلا إرادة أو قدرة على اعتراض.
وقت الغروب حضرت سمية إلى منزل نصر لتلج إلى الداخل بعدما أدخلتها العاملة، وجدت إجلال تجلس فوق أريكتها حاملة الصغير الذي أتم عامه الثاني وأصبح ملكًا على عرش قلبها الطاغي، هرولت عليها لتمسك كفها تقبله وتقول بتملق وإذلال:
إزيك يا ستهم؟
أهلًا. نطقتها بوجه جامد لعدم راحتها لتلك الفتاة، لتتحدث الأخرى متسائلة:
هي إيثار مش هنا؟ أنا جاية أقعد معاها شوية.
فوق في شقتها. قالتها بجمود لتشير لها بضيق:
اطلعي لها.
هرولت الأخرى ناحية الدرج لتخرج ياسمين التي تقدمت من جلوس والدة زوجها وهي تقول:
الشاي يا ستهم.
هو أنا مش نبهت قبل كده على اللي اسمها إيثار متدخلش البت دي هنا تاني؟ قالت الأخرى بعجالة:
حصل يا ستهم.
ولما هو حصل، كلامي ما بيتسمعش ليه يا ياسمين؟ ولا تكونش بنت غانم فكراه بيت أبوها تدخل فيه اللي على كيفها؟ المصيبة أنها لامة علينا الوغش اللي شبهها، ياريتها مصاحبة حد نضيف. كلمات قالتها إجلال بسخط لتسترسل بتوعد:
أما يجيني عمرو، أنا ليا معاه كلام تاني.
فتحت إيثار الباب لتفاجأ بها لتنطق باستغراب:
سمية!
ولجت سريعًا لتغلق الباب خلفها وهرولت للداخل لتجلس بالمقعد متجاهلة لجميع الأصول وقواعد اللباقة، لتهتف بنبرة ساخطة:
الولية اللي اسمها إجلال دي ترعب، أنا مش عارفة إنتِ عايشة معاها في بيت واحد إزاي.
تنهدت باستسلام لتجلس بمقعد مقابل لتسألها الأخرى:
طمنيني عليك، اتصالحتِ إنتِ وعمرو؟
عرفت إنكم اتخانقتوا خناقة كبيرة من يومين.
قطبت جبينها متعجبة. بالفعل منذ يومين صفعها منذ عودته من الخارج ليلًا بفضل تحريضه من إجلال التي طلبت منها جلي الأواني قبل صعودها، لتتجاهل الأخرى وتصعد لشدة إرهاقها، وكانت تلك هي حجته بينما الأصل هو غيرته الشديدة عليها حيث حضر ابن عمه للمنزل وصافحها وابتسمت له بمجاملة لتنسحب بعدها للمطبخ تاركة الجلسة كي لا تثير حنق ذاك الغيور.
وإنتِ إيه اللي عرفك إن أنا وعمرو متخانقين!
كنت برغي إمبارح في التليفون مع نسرين والكلام جاب بعضه. قالتها باقتضاب لترد الأخرى متعجبة:
أنا ملاحظة إنك قربتي قوي من ياسمين الفترة الأخيرة.
رفعت كتفيها لتقول بلامبالاة مصطنعة:
أهو بنتسلى مع بعض في الكلام، بعوض بيها غيابك عني.
لتسترسل بنبرة ملامة:
ما هو من ساعة ما اتجوزتي وأنا مش عارفة أتلم عليك زي الأول، مرة تحت في البيت بتشتغلي ومرة مشغولة مع عمرو.
تنهدت لتسألها الأخرى بتلهف:
ما قولتيش اتصالحتوا ولا لسه متخانقين؟
مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده يا سمية. قالتها بصوت محبط لتسألها لتغيير مجرى الحديث:
حددتوا الفرح إنتِ وخطيبك ولا لسه؟
هتفت بضجر:
ولا باين له هيتعمل أصلًا.
سألتها متعجبة:
ليه بتقولي كده؟ إنتِ مش قولتي إن خطيبك هيسافر سنة وهيرجع تتجوزوا على طول؟
وأهي السنة خلصت، وال بيه لا حس ولا خبر، بيقولي هنستنى سنة كمان علشان يعرف يجيب لي شبكة حلوة ويعمل فرح معقول. ثم نطقت بسخط:
حسرة عليا وعلى حظي، يوم ما اتخطب اتخطب لواحد فقري هيقضي عمره كله بالسفر علشان يدوب في الآخر يعرف يأكلني.
بعد مرور أكثر من ساعتين قضتهما تلك الثقيلة في الثرثرة والنميمة، وقفت إيثار معتذرة علها تشعر وتذهب كي لا تثير حفيظة إجلال أكثر:
معلش يا سمية مضطرة أدخل أخد شاور علشان أنزل أجهز العشا مع ياسمين ومروة.
أشاحت بكف يدها لتتحدث بلامبالاة وهي تنتقي إحدى حبات ثمار التفاح لقضمها:
ادخلي يا إيثار أنا مش غريبة.
سئمت من داخلها لكنها اضطرت للدخول للحمام لتستمع سمية لفتح الباب وتشعر بقدوم عمرو لتفك حجابها سريعًا وتتكيء بجلستها بطريقة مثيرة جعلت من عيني عمرو متسعة بعدما رأى ساقيها التي تعمدت إظهارهما له. ابتلع لعابه الذي سال ليتحمحم متسائلًا:
إزيك يا سمية؟
إزيك إنت يا عمرو؟ سألها وهو ينظر بأرجاء الشقة بعينين زائغتين:
هي إيثار فين؟
أجابته بذات مغزى:
في الحمام بتاخد شاور، لسه داخلة حالًا يعني قدامها كتير على ما تطلع.
وبعدين معاك في اللي بتعمليه ده؟
همست أمام شف.
تيه بعدما شبت على أطراف ساقيها كي تصل لطوله.
"وبعدين معاك إنت يا عمرو، لحد إمتى هتفضل مطنشني ومش حاسس بنار قلبي اللي مولعة بحبك؟ بقالي شهور بلف وراك من المزرعة لجنينة المانجة لأي مكان بعرف إنك فيه على أمل تحن عليا، وإنت قلبك حجر."
"يا بنت الناس قولت لك قبل كدة ألف مرة مينفعش." نطقها لتقاطعه بعينين لائمتين.
"واشمعنا نفع مع شيماء بنت أم بطة؟ ولا هي أجمل مني؟"
انتفض وابتلع لعابه ليهمس وهو يتلفت من حوله رعبًا من أن تستمع لحديثها إيثار، فبرغم كل ما يفعل من تجاوزات ومحرمات نهى الله عنها بجميع كتبه السماوية، إلا أنها الوحيدة التي سكنت قلبه ويشعر داخل أحضانها بالاستكانة والدفء والأمان.
"وطي حسك لا إيثار تسمعك، الله يخرب بيتك، إنت مين اللي قال لك على زفتة شيماء دي كمان؟"
أجابته بشفاه ممدودة لإثارته:
"عرفت بمصادري، وعلى فكرة أنا كان ممكن أقول لإيثار وأقلبها عليك بس مردتش علشان بحبك."
أجابها وهو يبتعد عنها:
"بصي يا بنت الناس، إنت بالذات مينفعش يحصل بينا حاجة، أولًا علشان إنت لسه بنت وأنا مليش في العلاقات التياري، وتاني حاجة إنت صاحبة مراتي."
ابتسمت بخبث لتجيبه:
"الموضوع الأولاني ده ملكش فيه، أنا مخطوبة ومش عاوزة منك أي حاجة غير إنك تبادلني حبك وبس، وبالنسبة لصاحبة مراتك دي اعتبرني من النهاردة قطعت علاقتي بيها، ها كدة مرضي؟"
اتسعت عينيها بذهول من شدة سعادتها، فأخيرًا ستنال ما حلمت به وتمنت طيلة ما يقارب من الأربع سنوات منذ أن وقعت عيني عمرو على صديقتها واختارها ليطلبها للزواج دون غيرها من الفتيات، فقد أخذت عهدًا على حالها بأن توقعه داخل شباكها لتوريطه بزيجة أخرى، وبرغم خطبتها لآخر إلا أنها لم تيأس وظلت تحاوطه بألاعيبها واليوم ستحقق أول انتصاراتها بعدما استطاعت إيقاعه بشباكها.
ارتدت حجابها سريعًا لتهرول للأسفل استعدادًا ليومها الذي طال انتظاره من تلك الرخيصة. جلس ليتنفس بعمق ليستمع لصوت باب الحمام يفتح وتخرج منه تلك الجميلة تلف رأسها بالمنشفة لتدخل لغرفتها سريعًا متجاهلة وجوده بعدما بحثت بعينيها عن تلك الثقيلة لتتيقن ذهابها. انسحب خلفها، وجدها تقف أمام مرآة الزينة تضع مادة مرطبة بوجهها وساعداها، وقف يتحدث بنبرة صادقة لرجل متناقض غريب الأطوار لا يعلم ماذا يريد من دنياه.
"حقك عليا، آخر مرة همد فيها إيدي عليك."
رفعت المنشفة استعدادًا لتصفيف شعرها لتبتسم بمرارة وهي تقول بنبرة انهزامية وملامح منطفئة لامرأة خارت قواها لكثرة حروبها الخاسرة:
"سمعت الكلام ده قبل كده كتير، أنا خلاص مبقتش بصدقك ولا بثق في كلامك."
"صدقيني دي آخر مرة، أنا بحبك وبغير عليك، وإنت بتتعمدي تخرجي جناني من النقطة دي."
ليسترسل بحنق:
"كام مرة نبهت عليك وقولت لك لما نكون قاعدين وحد من ولاد أعمامي يدخل تطلعي على شقتك على طول، وبرده ما بتسمعيش الكلام."
أجابته ببرود:
"والله أنا بنفذ كلام ستهم اللي منعانا نطلع شققنا غير بمواعيد وكأننا تلاميذ في مدرسة، ولو مش عاجبك الكلام روح قولها هي."
لتستطرد بإبانة:
"وبعدين أنا اللي عليا بعمله وأول ما بلاقي حد جه بدخل المطبخ، عاوزني أعمل لك إيه تاني؟ ولا تحب أحبس لك نفسي في قمقم علشان يعجب عمرو بيه؟"
تنفس مهديء من حاله ليجيبها بنبرة حنون:
"خلاص يا حبيبتي ما تزعليش، حقك عليا بقى."
تنهدت باستسلام ليحتضنها الآخر مقبلًا إياها بشغف يطفئ به لهيب اشتياقه من ابتعادها عنه لمدة يومين تحت إحباطها ونفورها الذي أصابها جراء أفعاله التي أصبحت لا تطاق.
بعد مرور ثلاثة أشهر.
ارتدت ثوبها على عجالة واتجهت نحو المنزل لتدخل من الباب الخلفي للحديقة ومنه للأعلى لتدق الباب على عمرو بعدما بعثت رسالة إلى إيثار من رقم كانت قد ابتاعته إتمامًا لخطتها التي كانت تنتظر الموعد المناسب لتنفيذها، وها قد أتت لها الفرصة وقدمت على طبق من ذهب. بعثت بالرسالة وكانت فحواها "تعالي شقتك حالًا علشان تشوفي بعينيك اللي بيحصل من جوزك." فتح عمرو الباب ليرتعب حين رأى سمية التي ولجت للداخل ليغلق هو الباب سريعًا وهو يتلفت من حوله ليسألها بحدة:
"إنت اتجننتي؟ إيه اللي جايبك هنا؟"
ليقوم بجذبها من رسغها متجهًا نحو الباب وهو يهتف بسخط:
"اخرجي قبل ما حد ييجي ويشوفك هنا وتبقى مصيبة."
تدللت عليه وبالنهاية استطاعت.
أما إيثار فقد انتابتها الريبة من تلك الرسالة واتخذت قرارًا بالذهاب لكشف غموض تلك الرسالة لتهمس إلى مروة قائلة:
"مروة عاوزاك تيجي معايا الشقة، نسيت حاجة مهمة هناك."
بالفعل توجهتا إلى المنزل وولجت للداخل والارتياب يملأ قلبها. فتحت الباب ببطء لتصدم بأصوات عالية تأتي من غرفة نومها لتهتف مروة قائلة:
"هو فيه إيه يا إيثار؟ إنت مخبية عليا حاجة؟"
لتضع يدها فوق فمها بعدما تأكدت من مصدر الأصوات لتقول بذهول:
"ده صوت عمرو، مين اللي معاه؟"
تصنمت بأرضها ولم تستطع الحركة لتهزها الأخرى بقوة وهي تقول:
"إنت لسه هتتصدمي؟ مش وقته، ادخلي شوفي جوزك مع أنهي زبالة."
وكأن كلمات مروة أعادت لها الوعي لتقترب من الغرفة بساقين تنتفض من هول ما هي مقبلة عليه لتمسك بمقبض الباب وتفتحه سريعًا لتصدم بأبشع مشهد ممكن أن تراه عينيها: زوجها ذاك الذي اختاره قلبها ليدق له بعدما أخبرها أنها من ملكت الفؤاد واستوطن، يقوم بخيانتها ومع من؟ صديقة طفولتها من كانت تظنها كأخت لها. فزعت وهي تشهق من هول ما رأته عينيها لتضع كفها فوق فمها لينتفض عمرو وهو ينظر لها بذهول:
"إيثار، استني هفهمك."
صرخت تنفض يده عنها وكأنه مرضًا خبيثًا سيصيبها. عاد سريعًا يتوارى خلف الباب عندما شاهد وقوف مروة التي شهقت بذهول من مظهره المخزي لتصرخ إيثار بعدما انتابتها حالة من الهياج، هاتفت مروة زوجها سريعًا ليأتي وأبيه وطلعت لينقذوا الموقف. وهاتفت أيضًا والدة زوجها التي تركت الحفل لتأتي على عجالة والرعب يتسلل لجسدها. بعد عدة دقائق كان جميع أهل المنزل بمسكن عمرو يرمقاه هو وتلك الحقيرة باشمئزاز وتقزز ليصيح نصر بحدة:
"ملقتش غير بيتي يا وسخ عشان تنجسه وتيجي تكب فيه زبالتك."
لتهتف إجلال بدفاع عن نجلها:
"أهي جلبة الهانم مراته."
لتلتفت لها قائلة:
"مش دي اللي معتبراها صاحبتك ودخلتيها بيتي؟"
لتصرخ هي بجنون امرأة ذبحت ودهست كرامتها تحت أقدام الخيانة:
"طلقني، طلقني حالًا، أنا لا يمكن أقعد دقيقة واحدة مع واحد زيك."
"اهدي يا بنتي، الموضوع ما يستاهل، شوفي الآخر الشيطان شاطر وبيقدر على التخين فينا." ثم نظر لتلك الواقفة تدعي الخجل وهو يهتف باحتقار:
"إنت إيه اللي موقفك لسه يا بت؟ غوري يلا، وإياك تخطي برجلك هنا تاني، والله لو شفتك في أي مكان يخصني لأكون قاتلك."
رفعت رأسها لتتحدث بصوت قوي:
"مش هينفع أخرج من هنا يا حاج نصر، لو روحت وأبويا عرف هيقتلني."
"القتل لأجيرة اللي زيك حلال." نطقها طلعت وهو يرمقها باحتقار لتهتف هي بصوت قوي:
"الكلام ده لو هموت لوحدي."
تطلعت لوجه نصر لتتحدث ببجاحة:
"أظن يا حاج ما يرضيكش إن حفيدك يتقتل معايا."
لتسترسل بقوة:
"أنا حامل في شهرين."
صدمة نزلت على الجميع ألجمت ألسنتهم ليهتف عمرو وهو يجذبها من رسغها ليلقي بها خارج المسكن بعدما رأى انهيار إيثار واهتزاز جسدها من جراء واقع الصدمة.
هتفت بتهديد خفي:
"تمام يا عمرو، أنا هستنى لما أولد وأعمل للولد تحليل الـ DNA وساعتها هو اللي هيثبت إذا كان الولد من دمك وصلبك ولا أنا بضحك عليك زي ما بتقول، ووقتها هتبقى مجبر تكتبه باسمك بحكم من المحكمة."
نزلت كلماتها كالصدمة على نصر، كيف له أن يواجه المجتمع بفضيحة كهذه، وأكثر ما زلزل كيانه هو إقباله على الانتخابات فحسم أمره سريعًا ليقول:
"سيبها يا عمرو."
ليسترسل بعدما أحال بصره صوب نجله الأكبر:
"وإنت يا طلعت تروح لأبوها بالليل وتتفق معاه إن عمرو هيكتب كتابه عليها والدهلة الأسبوع ده علشان نلحق نلم الفضيحة قبل ما تبان، وآهو العيل لما يتولد هنقول إنه اتولد ابن سبعة."
جحظت عيني إجلال لتهتف صائحة وشرارات الغضب تندلع من مقلتيها وهي ترمق سمية باشمئزاز:
"إنت شكلك اتجننت يا نصر!"
لتستطرد بتعالٍ:
"ما بقاش إلا الزبالة دي كمان اللي هتجيبها تعيش مع ستهم تحت سقف واحد."
زفر بقوة وأجابها بانهزام:
واستطرد بتوصية وهو ينظر لنجله بعدما رأى استسلام زوجته للأمر الواقع:
"خلص في الموضوع بسرعة ومن غير ما حد يحس حتى أهلها يا طلعت، أنا مش ناقص شوشرة على وش الانتخابات."
باتت تنظر على الجميع وهم يتحدثون ويقومون بترتيب الأمور دون أن يكلف أحدًا منهم التفكير بحالها أو بمشاعرها وما أصابها من ذاك الزلزال المدمر الذي عصف بكيانها بالكامل وحول روحها إلى كومة من الركام. جففت دموعها التي انسابت لتتحجر دمعاتها الأخريات بمقلتيها لترفع رأسها للأعلى وهي تقول بقوة وحزم:
"المأذون اللي هيكتب كتاب ابنك على الزبالة دي يكون مطلقني قبلها."
واسترسلت بتهديد مباشر بقوة جديدة عليها:
"وإلا قسمًا بالله لأكون فضحاكم في البلد والمركز كله."
اتسعت عيني نصر ذهولًا ليهتف باكفهرار تحت ابتسامة سمية الشامتة:
"إنت بتهدديني يا بت؟ ده إنت شكلك اتجننتي يا بنت غانم."
صاحت بعلو صوتها:
"أنا فعلًا اتجننت يوم ما وطيت راسي قدام ناس زيكم ما فيش في قلوبهم رحمة ولا عندهم ذرة إيمان وخوف من ربنا، كل اللي في حساباتكم الخوف من الناس والفضاياح لكن خوفكم من ربنا مش داخل حساباتكم أساسًا، وشكرًا على إنك كشفت لي ورقة ضعفك علشان هلاعبك بيها بعد كده وهيبقى اللعب على المكشوف."
اقترب ذاك الواقف بقفص المذنب ليقول بعينين مترجيتين:
"إيثار أنا لا هتجوزها ولا هعمل أي حاجة من الهري اللي سمعتيه ده كله، أنا هاخدك إنت وابني ونمشي من البلد كلها."
ليسترسل بنظرات متوسلة وصوت ذليل وكأنه طفل يخشى توهة روحه بعد رحيل والدته والابتعاد عنه:
"أهم حاجة ما تبعديش عني."
رمقته باشمئزاز لتهرول للأسفل تاركة الجميع وهم يتناوشون بأصوات عالية. وجدت العاملة تحمل صغيرها الصارخ لتحمله عنها وتهرول لمنزل أبيها بعدما سمح لها نصر بالخروج خشية إحداثها لفضيحة كما هددت. وكالعادة قابلت والدتها الخبر باللوم عليها بإدخال تلك الحية الرقطاء وتقريبها من عمرو. وكالعادة أيضًا تعاملوا مع الوضع باستهانة والتقليل من ضخامته حتى أنهم ضغطوا عليها بعد توصيات نصر وإجلال التي تنازلت وحضرت لمنزل غانم لطلب عودة إيثار بعدما أصيب مدللها باكتئاب حاد جراء ابتعاد إيثار عنه. جذبها عزيز وأعادها داخل سيارة طلعت عنوة عنها لتجد نفسها تسكن بمقابل تلك الخائنة وما كان منها سوى الانهيار الذي أدى إلى ذهاب عقلها بلحظة تخلت فيها عن كل مبادئها والإيمان القوي برب العالمين ولم تدري إلا وهي تسقط داخل بركة من الدماء بعدما ضعفت وقامت بقطع شريان معصمها لتسقط داخل إغماءة كانت ستقضي على حياتها لولا دخول عمرو بالوقت المناسب حيث صرخ وحملها للمشفى لينقذها الأطباء. وبعد تلك الحادثة تحول غانم لوحش كاسر فلم يعد للخنوع مكانًا بعدما حدث لصغيرته وكاد أن يفقدها بسبب ضعفه. لم ينتهِ الوضع عند هذا الحد فاتفقت منيرة وعزيز وأيضًا وجدي بعدما ضلله عزيز أنه يفعل هذا لأجل مصلحة شقيقته التي خرجت من تلك الزيجة خاوية اليدين بعدما تنازلت عن جميع حقوقها مقابل خلاصها من عمرو وكان هذا شرطًا وضعه نصر لتعجيزها علها تراجع حالها ولكن هيهات فكانت تريد الخلاص بأي ثمن تدفعه سوى صغيرها التي تمسكت به بكل قوتها بعدما ضاق بها الحال من تضييق الخناق عليها من الجميع. هاتفت صديقة لها كانت معها بالجامعة وطلبت منها البحث لها عن فرصة عمل للحصول على أموال من خلالها تستطيع تأمين حياة كريمة لها ولطفلها. بالفعل قد وجدت لها وظيفة سكرتيرة بشركة أيمن الأباصيري قد توسط لها أبيها حيث كان يعمل حينها مديرًا للحسابات بالشركة. اعترض نصر وحاول عدم أخذها للصغير والذهاب به لكنها أصرت وأعادت تهديدها له بأن تفضح أمر تلك العروس الحامل. ساعدها غانم وأعطى لها مبلغًا كان يحتفظ به للزمن وسافرت إلى القاهرة بصحبة شقيقها أيهم وهذا سهل عليه أمر الذهاب إلى جامعته.
انتباااااااااه.
انتهى الفلاش باك بالكامل.
عودة للحاضر.
فاقت من ذكرياتها المريرة لتجفف وجنتيها من دموعها السائلة لتتنفس بقوة وكأنها كانت تتخلص من آخر دموع تربطها بالماضي. تحركت للحمام لتغسل وجهها وتتحرك باتجاه غرفة صغيرها، وجدت والدها قد ضم التختين الصغيرين لتتسع المساحة. ابتسمت وانضمت لهما بالتخت لتجاور صغيرها المحاط بينها وبين والدها الذي فاق على حركتها ليسألها:
"فيه حاجة يا بنتي؟"
ابتسمت له لتضم كفه المجعد بخاصتها وهي تقول بحنين:
"ما فيش يا حبيبي بس حبيت أنام في حضنك إنت ويوسف."
ابتسم وعاد للنوم من جديد حيث سيفيق باكرًا ليعود لقريته بعد أن اطمأن عليها.
صباح اليوم التالي.
ولج لمكتب رئيسه ليطلعه على ما تم باجتماعه بالأمس برجلي الأعمال أيمن الأباصيري وصلاح عبدالعزيز ليثني عليه الرجل ثناءً عطرًا:
"أنا فخور بيك يا فؤاد، عمرك ما خيبت ظني ودايمًا بتثبت للكل إنك جدير باسم والدك العظيم وإنك ماشي على خطى سعادته."
أمال برأسه ممتنًا ليسأله الرجل مستفسرًا:
"هيجوا إمتى النيابة علشان المصالحة تتم بشكل قانوني؟"
"كمان ساعتين جنابكم، أنا كمان هاخد عليهم تعهد بعدم تعرض كل طرف للتاني." نطقها بجدية ليسترسل معلمًا:
"ده غير إني كلمت رئيس المباحث طارق المليجي إن الاتنين لازم يتحطوا تحت المراقبة لمدة ست شهور على الأقل."
قطب الرجل جبينه ليسأله متعجبًا:
"إنت مش واثق فيهم ولا إيه يا فؤاد؟"
أجابه بعملية ودهاء:
"شغلنا علمنا ما نديش الأمان ولا نثق في أي حد بسهولة ولا ناخد بكلام الناس على محمل الصدق التام."
أومأ الرجل بتوافق ليستطرد الآخر بإبانة:
"أيمن الأباصيري أنا واثق فيه لعدة أسباب، ده راجل كان عايش في أمان وفي لحظة بقى متهم في قضية قتل بالخطأ ومطلوب للتار من أبو القتيل، يعني المصالحة بالنسبة له كانت طوق النجاة ومع ذلك مش هستثنيه من المراقبة."
واستطرد بدهاء رجل قانون:
"أما بقى بالنسبة لصلاح فده أنا مش واثق فيه إلى أن يثبت العكس."
واسترسل مبررًا:
"ده راجل خسر ابن من ولاده الاثنين اللي ما عندوش غيرهم، وطبيعي قلبه هيبقى محروق والشيطان هيحرضه ياخد بتاره، علشان كده هشدد المراقبة عليه."
"هايل يا فؤاد." نطقها الرئيس باستحسان لينطق فؤاد بضيق ظهر بصوته وعينيه:
"أنا اللي مضايقني بجد يا باشا إن اللي اسمه صلاح قدر يفلت من عقاب اغتيال السواق بتاع أيمن، وحق الولد المسكين ضاع قصاد سطوة صلاح وفلوسه وجبروته."
واستطرد محملًا حاله الذنب:
"وده اللي مش قادر أسامح نفسي عليه."
تحدث الرئيس بعملية ليخفف من وطأة ما يشعر به تلميذه النجيب:
"كان ممكن تحمل نفسك ذنب دمه لو كنت قصرت في التحريات والتحقيقات، لكن إنت عملت المطلوب منك وزيادة."
واسترسل:
"الاعتراف سيد الأدلة يا سيادة المستشار، والراجل اللي ضرب النار على كريم سلم نفسه واعترف إنه كان على خلاف مع كريم وعلشان كده قتله."
قاطعه فؤاد بنبرة غاضبة:
"أيوه يا فندم بس كلنا عارفين إن صلاح بعت الراجل بتاعه يسلم نفسه بعد ما أنا بدأت تحرياتي، هو خاف على نفسه وحب يريح دماغه علشان يبعد الشبهة عنه."
"إنت عارف كويس قوي إنك ما كنتش هتلاقي أي دليل يدين صلاح عبدالعزيز مهما حاولت واجتهدت." نطقها بهدوء ليستطرد بإبانة:
"الناس دي ما بتسيبش حاجة للصدفة يا فؤاد، وأكيد أمن نفسه كويس قوي بحيث يبعد عنه الشبهة لأنه ببساطة مش هيسلم رقبته لحبل المشنقة بسهولة، ده عنده فريق من المحامين اللي ساعدوه وخططوا له بمهنية عالية إزاي ياخد حقه من أيمن من غير ما الموضوع يمسه ولا حتى يأثر على سمعته في السوق."
أومأ له فؤاد ليكمل على حديث سيده بذكاء وخبرة اكتسبهما من خلال مزاولته لعمله:
"وعلشان كده لما جم يختاروا المجرم اللي هينفذ عملية الاغتيال جابوا واحد كان متربي مع كريم السواق في نفس الملجأ، لا وكمان كان بينهم عداوة لأن المجرم حاول أكثر من مرة يجر كريم في سكة الإجرام معاه، والولد الله يرحمه كان نضيف ورفض وده اللي خلى المجرم اللي اسمه حسان يتخانق كذا مرة معاه وللأسف فيه شهود على كده."
واستطرد بتوقع لما حدث:
"صلاح ورجالته اختاروا الولد بذكاء شديد، علشان لو الطلقات أصابت أيمن ومات وأصابع الاتهام اتجهت ناحيته ساعتها يخلي الولد يسلم نفسه زي ما حصل بس ساعتها كان هيقول إن كريم هو اللي كان مقصود والطلقة جت في أيمن بالغلط."
واسترسل وهو يكز على أسنانه:
"تخطيط شيطاني."
"عندك حق يا فؤاد." نطقها الرئيس باستسلام قبل أن ينطلق فؤاد عائدًا لمكتبه لمزاولة عمله.
مرت أربعة أيام منذ ذهاب أبيها وعودته للبلدة واليوم هو موعد الحفل التي قامت بالإشراف عليه لإخراجه بشكل لائق كي يتناسب مع ضخامة الحدث حيث سيعلن بداخله المصالحة وأيضًا الإفصاح عن تفاصيل تدشين مشروع ضخم مرتبط بالشركتين ليكون بداية جديدة. ارتدت ثوبًا باللون الأزرق جعلها تبدو كالأميرات، وقامت بوضع حجابًا من اللون الأبيض مما أعطاها إنارة لوجهها وقامت بوضع بعض الروتش من الزينة مما أعطاها مظهرًا ساحرًا وجعل جمالها خاطفًا للأنفاس. نظرت برضا على حالها وبكل قوة وكبرياء تحركت لتستقل سيارتها بطريقها إلى الحفل.
ترى ما الذي سيحدث داخل الحفل؟
رواية انا لها شمس الفصل الثالث عشر 13 - بقلم روز امين
للخيانة مذاق مر كطعم الحنظل، والأكثر إيلامًا هي الصفعة القوية التي تلقيناها من هؤلاء الذين ارتضوا بكسرتنا وعصفوا بخيانتهم كل جميل بداخلنا، ليتركونا بقايا أرواح محطمة، محترقة الكيان. فهل لقلوب تجرعت كؤوس الألم ومرارة طعم الخيانة أن تتغاضى وتقذف بماضيها الأليم خلف ظهورها لتمضي، ومن جديد تستعيد ثقتها بحالها والآخرين وتصنع مستقبلًا تشرق به شمسها مجددًا، أم أن غدر حبيب الماضي وذبحه للوفاء وعهود الهوى سيقفان حائلًا بين ظلام الماضي وشروق المستقبل؟
بقلمي روز أمين
وضع لمساته الأخيرة لينظر على حاله بابتسامة جذابة وهو يرى طلته الساحرة بانعكاس المرآة، لينطلق للخارج متجهًا للأسفل عبر الدرج. وما أن رأى والده يقف بجوار زوجته وفريال وزوجها ماجد، حتى أطلق صافرة إعجاب عندما وجد والده بملابسه المهندمة ومظهره اللافت، ليقول بإعجاب:
"يظهر إن سيادة المستشار بيستعيد عصره الذهبي وناوي يخفي حضوري ويغطي عليا في الحفلة."
وافقه الرأي ماجد الذي تحدث بإطراء مادحًا والد زوجته:
"عندك حق يا فؤاد، اللي يشوف شياكة سيادة المستشار ولياقته البدنية بالكتير يدي له خمسة وتلاتين سنة."
ابتسم علام ليتحدث بملاطفة لنجله وزوج ابنته:
"يا حبيبي أنا لو اهتميت بنفسي ربع اهتمامكم مش هتتشافوا جنبي أساسًا."
تعالت ضحكات الجميع لتتحدث عصمت بافتخار وهي تضع كفها فوق قلب فارسها النبيل:
"أمال لو شفتوا سيادة المستشار في شبابه كان عامل إزاي؟ دي بنات الجامعة كلها كانت بتقف على رجل أول ما يدخل من الباب الرئيسي."
تطلعت لعينيه بهيام متبادل لتسترسل:
"طلته في المكان كانت زي طلة نجوم السيما بالظبط."
شملها بنظرة حنون بعدما حاوط كفها الموضوع على قلبه بخاصته، ليصدح صوت فريال المنتشي جراء ما تراه من عشق متبادل بين والديها وهي تقول بملاطفة:
"ومن بين كل بنات الجامعة، عيون الشاب الحليوة وقعت على البنوتة القمر اللي كانت لسة مستجدة في الفرقة الأولى واختارها علشان تكون حبيبته وخطيبته."
ضحكت عصمت لتتحدث بحماس وكأنها عادت ابنة التاسعة عشر:
"مش عاوزة أقول لك يوم ما قرر يكلمني علشان يتعرف عليا إيه اللي حصل، كنت وقتها قاعدة في مكتبة الجامعة مع بنتين صحباتي وده وقف قدامي وبكل جرأة قال لي قدامهم بصراحة كده: إنت عجباني وعيني عليك من أول يوم دخلتي فيه الجامعة، ولاحظت انضباطك واحترامك لنفسك، وعلشان كده قررت أخطبك."
"أوباااااا! مش شايف إنك كنت مستعجل شوية يا باشا؟ خطوبة كده مرة واحدة؟ طب ادي للبنت فرصة تتعرف فيها عليك..."
كلمات مازح بها فؤاد والده الذي رد بابتسامة:
"مكنش فيه وقت، أنا كان فاضل لي شهرين وأتخرج وأسيب الجامعة وهي كانت لسة في الفرقة الأولى وخوافت تتخطف مني."
ضحك الجميع ليتنهد علام قائلًا بحنين:
"كانت أحلى أيام."
قاطع حنينه للذكريات صوت فؤاد حيث قال:
"طب يلا يا جنابك علشان ما نتأخرش على الناس اللي مستنيينا، حاكم أنا عارف سيادتك والدكتورة لما بتفتحوا باب الذكريات ممكن تقعدوا يوم بحاله تسترجعوا جمال الماضي."
عدل علام من وضع حلة بدلته وأخذ وضع الاستعداد بجانب نجله، لتباغتهم عصمت بحديثها:
"خلي بالك من بابا ليتخطف من البنات يا فؤاد."
رفع حاجبه الأيسر متعجبًا ليقول بمشاكسة:
"ولما أنت خايفة عليه قوي كده محضرتيش الحفلة ليه؟ واهو بالمرة تراقبيه بنفسك لعينيه تزوغ هنا ولا هنا."
"ولد..." نطقها علام بتنبيه مصطنع ليضحكا ماجد وفريال.
"مبحبش أروح مكان ماعرفش الناس اللي فيه يا فؤاد."
"دي مجاملات اجتماعية لابد منها يا دكتورة..." قالها فؤاد ليسترسل بإبانة:
"الراجل عامل الحفلة مخصوص على شرفي وكلم الباشا بنفسه وعزمه هو وحضرتك وفريال وماجد."
رفع ماجد كفه ليتحدث بملاطفة:
"خليني أنا بعيد عن مجاملات شغلكم دي يا سيادة المستشار، أنا أستاذ جامعي وبقوم بدري علشان ألحق الطلبة بتوعي، ماليش أنا في جو الحفلات والسهر والكلام ده كله."
لتكمل فريال على حديث زوجها:
"وأنا ست بيتوتية من الدرجة الأولى وبحب أكون في المكان اللي جوزي فيه."
لوح فؤاد بكفه متحدثًا بمداعبة:
"خلاص! خلصتوا مبرراتكم اللي مالهاش أي معنى غير إنكم شوية ناس كسلانين تموتوا في الأنتخة."
"امشي يا فؤاد..." نطقتها عصمت وهي تدفع نجلها صوب الباب ليتحرك مبتسمًا بجانب والده، حيث أصر أيمن على حضوره الحفل كي يتشرف به أمام الحضور.
وصلت إيثار لحديقة منزل أيمن شاسعة المساحة، والتي قامت بالترتيب مع إحدى الشركات الكبرى المسؤولة عن تنظيم الحفلات وتابعت معهم لخروجها بشكل لائق، وقد ذهبت لمنزلها لتجهيز حالها بعدما تأكدت من جاهزية المكان لاستقبال المدعوين. وجدت أيمن يقف بجوار أحمد فاقتربت منهما ليتحدث أيمن بنبرة لائمة:
"اتأخرتي ليه يا إيثار؟ الناس على وصول."
"ما اتأخرتش ولا حاجة يا باشمهندس..." نطقتها بهدوء لتستطرد بعينين متعجبتين:
"هو حضرتك قلقان كده ليه؟"
هتف بنبرة حادة تنم عن مدى توتره:
"هو أنتوا إيه حكايتكم النهاردة؟ مفيش على لسانكم غير قلقان ليه إهدى؟"
ليستطرد بنبرة أعلى:
"شايفيني بقطع في شعري!"
قطبت جبينها لتحول بصرها إلى أحمد الذي طالبها بعينيه بالصمت لتتنفس باستسلام وتنتبه على صوت أيمن البائس وهو يقول:
"اطلعي للارا وحاولي تقنعيها تنزل الحفلة، هي بتحبك وبتقتنع بكلامك."
تمعنت بالنظر لملامحه الحزينة لتدرك سبب سوء حالته المزاجية ليسترسل هو بملامحه المهمومة:
"عندها حالة رهاب من ساعة ما عرفت إن أهل الولد جايين الحفلة."
تفهمت موقفها وتحدثت بطمأنينة:
"متقلقش، أنا هطلع لها وشوية وهننزل قبل الناس ما تيجي."
أومأ لها فتحركت سريعًا إلى الأعلى ودقت الباب بهدوء لتستمع لصوت نيللي وهي تسمح للطارق بالدخول لتلج وتقول بابتسامتها البشوشة بعدما رأت لارا وهي تتوسط الفراش بجلوسها تحاوطها والدتها وسالي:
"ممكن أدخل؟"
هتفت نيللي مستنجدة بتلك المقربة لنجلتها:
"تعالي يا إيثار شوفي لارا."
اقتربت لتتحدث لكلتيهما:
"معلش يا مدام نيللي ممكن تسيبوني شوية مع لارا لوحدنا؟"
وقفت سالي لتتحدث بنبرة استسلامية:
"اتفضلي إقنعي الأستاذة وأنا هروح أكمل الميكب بتاعي، الميك أب أرتيست مستنياني بقالها ساعة."
تحدثت إيثار بثقة:
"ياريت يا مدام سالي تبعتيها بعد ما تخلص معاكِ علشان تجهز لارا."
تطلعت عليها بارتياب لتهز رأسها وهي تقول بنبرة مرتجفة:
"متحاوليش يا إيثار، أنا مش هتحرك من سريري لو إيه حصل."
زفرت نيللي باستسلام لتطالعها إيثار بذات مغزى فهمته الأخرى لتنسحب للخارج وتغلق خلفها الباب لتهتف الأخرى برهاب ظهر فوق ملامحها:
"مش هقدر أشوف أهله يا إيثار، مش هقدر."
واستطردت بعدما تمسكت بكفي الأخرى بتشبث:
"صورة بسام وهو غرقان في دمه مبتفارقش خيالي، كل ليلة بحلم بيه وبشوف اللوم في عيونه، أنا السبب، لو مكنتش استفزيته برفضي المبالغ فيه اللي جننه وخلاه ييجي لحد هنا كان زمانه عايش."
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بتعقل:
"ممكن تهدي علشان نعرف نتكلم بالعقل؟"
هزت رأسها وهي تبتلع لعابها برعب لتسترسل الأخرى بيقين وإيمان:
"أولًا كده لازم تشيلي من دماغك فكرة إن إنت السبب في موت بسام، لأن ده نوع من عدم الإيمان بالقدر، بسام ربنا كاتب له الثانية اللي هيموت فيها وإمتى وفين وإزاي، كون إنك رفضتي قربه منك وهنتيه قدام زمايلكم ده ما يعنيش إنك السبب في موته."
لتستطرد بثقة:
"إنت كنتي مجرد سبب علشان يوصل للمكان والساعة اللي هيلفظ فيها روحه."
"تفتكري تفرق؟" نطقتها بدموعها لتجيبها بثقة:
"طبعًا تفرق يا حبيبتي، ربنا محدد له ميعاد ومكان طلوع روحه وإنت ملكيش أي ذنب."
لتستطرد بنبرة حادة:
"وبعدين تعالي لي هنا، بسام مين اللي موقفة حياتك وحابسة نفسك في البيت من ساعة اللي حصل علشانه؟ ده كان واحد مستهتر عديم الأخلاق والتربية، فيه واحد سوي وعنده ذرة خوف من ربنا يتهجم على واحدة في بيتها وينتهك حرمة البيوت علشان يوصل لغرضه الدنيء؟"
واستطردت بنبرة ساخطة:
"ده يستاهل يموت بدل المرة مية مرة."
"قومي بطلي هبل وإلبسي بسرعة وأنا هروح أنده لك الميك أب أرتيست علشان تيجي تجهزك..." نطقتها بتحفيز لتسألها الأخرى بصوت أقل ارتيابًا من السابق:
"طب هقابل أهله إزاي؟"
هتفت بسرعة بديهة:
"أهله اللي إنت شايلة هم مقابلتهم دول أول ناس عارفين إن ابنهم كان زبالة وراح للنهاية اللي يستحقها واحد مستهتر زيه، وعلشان كده أبوه وافق على الصلح أول ما وكيل النيابة اللي ماسك القضية عرض عليه."
واستطردت لطمأنتها:
"وبعدين مش مطلوب منك تقابليهم، هما جايين علشان موضوع عقد الشراكة يعني إنتِ ملكيش أي دخل."
تطلعت لعينيها وجدت حديثها قد لاقى قبولًا لديها فاسترسلت بعجالة مستغلة الموقف قبل تراجعها من جديد:
"إنت لسة قاعدة؟ قومي ألبسي، باباكي هيتجنن علشانك تحت، ولو ملاقكيش قدامه حالًا ممكن لا قدر الله الضغط يعلى عليه وتجي له الأزمة بتاعت كل مرة."
ما إن استمعت لكلماتها عن أبيها العزيز حتى انتفضت خوفًا عليه، وبغضون الخمس دقائق كانت قد ارتدت ثوبها بمساعدة إيثار التي خرجت تستدعي لها الأخصائية التجميلية. وبعد حوالي النصف ساعة كانت تجاور إيثار من الخروج بباب المنزل ليبتسم أيمن الذي احتضنها فرحًا ونظر لإيثار شاكرًا إياها بعينيه. بدأ توافد المدعوين واشتغلت الموسيقى الهادئة التي تعبر عن رقي الحفل، فقد خرج حقًا مذهلًا بكل ما فيه، وساعدت مساحة الحديقة الشاسعة وحمام السباحة المتواجد بالمنتصف على ظهوره بصورة رائعة. كانت تتحرك برشاقة لتتابع التنظيم والإشراف على مائدة الطعام التي ستقدم للحضور. وصل صلاح عبدالعزيز ونجله وزوجته لتنكمش الفتاة على حالها عندما تعرفت على شخصياتهم، فجاورتها إيثار وبدأت بالهمس بجانب أذنها بكلمات هدأت من روعها. تحدث أيمن بترحاب عالٍ وهو يصافح صلاح:
"أهلًا وسهلًا يا صلاح باشا، نورت الحفلة والبيت."
قابل الآخر ترحابه بقبول حار ليقول بنبرة رزينة:
"البيت منور بأصحابه يا أيمن باشا."
"منورة يا هانم..." جملة ترحيبية نطقتها نيللي إلى زوجة صلاح التي نطقت باقتضاب وملامح جامدة دلت عن عدم تقبلها لما يحدث:
"متشكرة."
شعرت الأخرى بالحرج فأمسك أيمن يدها للمؤازرة ثم تحرك هو ونجله أحمد ليصطحبوهما إلى الطاولة الخاصة المعدة لهما وانصرفوا لاستقبال الوافدين فقال صلاح لزوجته نادية والدة القتيل:
"افردي وشك شوية يا نادية وبلاش أسلوبك المعادي ده، أحرجتي الست."
احتدت عينيها لتصيح بنبرة غاضبة:
"وعاوزني أعامل الناس اللي قتلوا ابني وحرموني منه إزاي يا صلاح؟"
"اهدي يا ماما أرجوك..." قالها هيثم لتهتف بحدة:
"محدش يلومني على أي حاجة تحصل مني النهاردة، كفاية إنكم جبتوني هنا غصب عني، مش هتجبروني كمان أتكلم وأجامل غصب عني."
"بيتهيأ لي إنك آخر واحدة ممكن تلومي حد على اللي حصل لبسام..." نطقها بلوم ليسترسل محملًا إياها مسؤولية ما حدث:
"إنت اللي وصلتيه بنفسك لنهايته، ياما قولت لك بلاش الفلوس الكتير اللي بتديها له من ورايا لأنها هتفسده، وإنت ولا أنتِ هنا، ده غير مصايبه اللي كنتي بتداري عليه فيها وتحاولي تحليها بعيد عني علشان ما أعرفش. للأسف يا نادية إحنا الاتنين السبب، إنتِ باستهتارك وتدليلك الزائد وأنا بإهمالي وعدم متابعتي ليه."
رمقت زوجها بشرارات من الغضب لتهتف لائمة:
"برافو عليك يا صلاح، هو ده فعلًا المكان المناسب لكلامك ده."
هم بالحديث ليقاطعه نجله قائلًا بتعقل:
"خلاص لو سمحتم، لا ده وقته ولا مكانه."
أما نيللي التي انضمت لصغيرتها وزوجة نجلها التي سألتها باهتمام بعدما لاحظت تغير ملامحها:
"مالك يا طنط فيه حاجة حصلت ضايقتك؟"
همست بجانب أذنها كي لا يصل حديثها إلى لارا وتنتكس حالتها من جديد لتقول بحنق:
"الست السخيفة مرات صلاح عبدالعزيز عاملتني بمنتهى قلة الذوق، بني آدمة جلياطة."
أجابتها باقتضاب لتخرجها من تلك الحالة:
"سيبك منها متخليهاش تقفل لك اليوم."
وصل فؤاد ووالده علام زين الدين لتلتفت جميع الأنظار إليهما، وذلك لشهرة علام ووجه معلوم لدى الجميع لظهوره إعلاميًا كعضو بارز ونائب لرئيس المحكمة الدستورية العليا. كانا يدخلان بقامات مرتفعة ليستقبلهما أيمن وزوجته ونجلهما، ليتهافت عليهما الكثير من رجال الأعمال والمشاهير لنيل شرف المصافحة لذاك القامة القانونية. تحدث أيمن إلى علام:
"شرفتنا يا سعادة الباشا."
"متشكر يا أيمن بيه."
كانت تتابع دخوله المهيب بجانب رجل القانون الشهير علام زين الدين، والآن فقط ربطت بين اسميهما. ابتلعت لعابها من جاذبيته العالية وشردت بمظهره فحقا له سحر خاص به لحاله، لتخرجها من شرودها سالي التي سألتها وهي تنظر عليه بعيون منبهرة:
"هو ده وكيل النيابة اللي اقترح المصالحة يا إيثار؟"
هزت رأسها لتتحدث بصوت خافت راجع لتأثرها:
"آه هو فؤاد علام..." نطقت صوته بهيام.
"اسمه حلو قوي ولايق عليه، اسم ملوكي..." نطقتها سالي لتسترسل بملاطفة وهي تنظر إلى لارا التي تجاورها الجلوس وبجانبها صديقتها المقربة ملك:
"إيه رأيك يا لارا؟ عريس مناسب جدًا ويليق باسم أيمن الأباصيري."
نطقتها بتفاخر لينتفض قلب إيثار بشدة وبدون وعي تلتفت سريعًا إليها ثم للارا التي هتفت بغيظ:
"إنت واحدة رايقة يا سالي."
"يا بنتي اسمعي مني دي فرصة هايلة، ولا أنت إيه رأيك يا إيثار!"
ابتلعت لعابها لترد بصوت مرتبك:
"رأيي في إيه؟"
"في فؤاد علام..." قالتها بغمزة من عينيها لتتحدث لارا باقتضاب:
"بطلي سخافة يا سالي، وبعدين ده باين عليه معدي الثلاثين سنة وأكيد متجوز ومش بعيد يكون عنده أولاد كمان."
لتقطع حديثها سالي وهي تقول بفطانة:
"مفيش في إيديه الاتنين دبلة يعني لا متجوز ولا حتى خاطب."
"فظيعة إنتِ في التفاصيل يا سالي..." قالتها ملك بمداعبة لترد الأخرى بتفاخر مصطنع:
"التفاصيل دي لعبتي."
تطلعت بتمعن لهيئة أبيه يبدو من مظهره الهيبة والوقار، لتبتسم ساخرة من حالها وسذاجتها عندما اعتقدت أن ذاك العالي ساكن قصور مجد عائلته سيتنازل وينظر لها ليتخذ منها زوجة له وينتشلها من مستنقع أحزانها ورعبها الملازم لها طيلة الوقت، تنهدت بأسى لتتحرك منسحبة لمتابعة تجهيزات الحفل. أما فؤاد فبعد أن استقر بجلوسه بجانب والده وأيمن ونجله بات يدور بعينيه باحثًا عن تلك المشاكسة ولكن بحرص لا يفقده هيبته. ركز على اللون النبيذي أثناء تفقده فقد راهن حاله بأنها سترتدي ثوبًا من ذاك اللون بعدما أخبرها عن إعجابه به وبأنه يليق بها، وبلحظة تعالت دقات قلبه واتسعت عينيه من شدة ذهوله بجمالها المبهر والخاطف للأنفاس حيث عثر عليها لكنه تعجب اختيارها للون الأزرق ليبتسم تلقائيًا بعدما تيقن أن تلك الشرسة قد عادت لقواعدها مرة أخرى وعليه بدء المحاولة من جديد.
تابعتها عينيه وهي تتحرك بين الحضور بخفة كفراشة تتنقل بين الزهور وتتراقص بأجنحتها الملونة. تقابلت الأعين ليبتسم لتسحب هي بصرها سريعًا قبل أن يحييها بعينيه مما جعله يتعجب لأمرها. وقف أيمن ليستدعي صلاح إلى الطاولة المعدة لإبرام الصفقة والتوقيع عليها، مستدعيًا أيضًا فؤاد ليشهد على إتمام آخر بند من المصالحة ثم أشار إلى إيثار لتحضر بجانبه كمديرة لمكتبه وهذا من صميم عملها. وقف أيمن وألقى بكلمة أعلن من خلالها إتمام المصالحة وإبرام صفقة لتوطيد العلاقة، ليصفق الجميع ويجلس أيمن من جديد تجاوره الوقوف إيثار الممسكة بملف الصفقة لتفتحه وتضعه أمام أيمن للتوقيع على نسختي العقد لتنتقل بخفة صوب صلاح تحت استشاطة فؤاد من تجاهلها التام له. وضع صلاح إمضاءه على النسختين لتخرج نسخة منهما وتسلمها لسكرتيرة صلاح وتحتفظ هي بالملف، فيصدح صوت التصفيق من الجميع. أخذت الملف وولجت لداخل المنزل واتجهت صوب المكتب الخاص بأيمن لتحتفظ بالعقد بالدرج الخاص والذي سلمها أيمن المفتاح الخاص به وأغلقت الباب لتوصده من جديد، وكادت أن تتحرك للخارج فقطع طريقها رجل أعمال يدعى عابد السعداوي ليتحدث بتطفل:
"إزيك يا إيثار؟"
"أهلًا وسهلًا..." نطقتها باقتضاب وكادت أن تمضي بطريقها ليقف أمامها كي يعوق خروجها وهتف مذكرًا إياها بنفسه:
"شكلك مش فكراني، أنا عابد السعداوي كان عندي ميعاد مع أيمن بيه من حوالي شهر وإتقابلنا هناك."
"فكراك طبعًا..." قالتها بجمود.
"طب ولما أنتِ فكراني مش ترحبي بيا الترحيب اللي يليق بيا وبمركزي؟" نطقها بمداعبة لاقت الرفض من جهتها حيث قطبت جبينها ليسترسل هو بوقاحة:
"عاوز أقول لك إن من ساعة ما شوفتك في مكتب أيمن وإنتِ دخلتي دماغي وعششتي فيه، وكنت متأكد إن تحت البدلة الرجالي اللي لابساها جسم ست صاروخ وأهو قدامي في الفستان أهو."
"احترم نفسك واحترم المكان اللي إنت فيه، المفروض إنك شخصية عامة فلازم تخاف على سمعتك وشكلك أكثر من كده..." نطقتها لعينين تطلق سهامًا نارية لتسترسل بسخط وهي ترمقه باشمئزاز:
"وأنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة من الهرتلة اللي قولتها علشان صورتك ما تتهزش قدام الباشمهندس أيمن."
ألقت بقذائفها في وجهه لتبتعد عائدة للخارج من جديد بقلب يغلي وجسد يستشيط غضبًا من ذاك الحقير، كم تمنت أن تصفعه بقوة لكنها تخشى إفساد الحفل وهذا ما جعلها تبتلع إهانتها وتنسحب في صمت. تحركت باتجاه البوفيه وهي تنفض تلك الأفكار وتزيحها بعيدًا عن مخيلتها لتتنفس بعمق لاستعادة ضبط النفس. أقبلت على المسؤول عن جاهزية الطعام لتسأله باهتمام:
"أخبار البوفيه إيه يا شيف؟"
"كله تمام يا أستاذة، أنا جاهز في أي وقت."
مالت برأسها وهي تقول برضا:
"كويس قوي."
قطع حديثها صوت ذاك الواقف خلفها والذي مال بطوله ليصل بالقرب من أذنها مما جعل جسدها ينتفض برعشة لذيذة لتشعر بفراشات تداعب أسفل معدتها:
"هي الأستاذة زعلانة مني في حاجة؟"
أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا تستعيد به توازنها لتلتفت إليه وتسأله بملامح وجه مبهمة تعجب لها:
"أهلًا يا سيادة المستشار."
قطب جبينه لتغير لهجتها ورسم الجمود على ملامحها، لم يكن هذا حالها منذ آخر لقاء جمعهما، فأراد ممازحتها كي تندمج معه بالحديث عله يستطيع جذبها لديه مرة أخرى:
"أهلًا بعد إيه بقى؟ ده أنتِ متجاهلة وجودي ولا كأني في الحفلة أصلًا."
رفع حاجبه ليسترسل بمداعبة:
"عمالة أقول الوقت تيجي ترحب بيِ زي ما هي بترحب بباقي الضيوف، بس للأسف محصلش."
واستطرد رافعًا كتفاه للأعلى مدعيًا الأسف:
"ولما ملقتش فايدة من انتظاري قولت أجي أسلم أنا."
رغم حلاوة حديثه المنمق وعذبه إلا أنها حاربت شعور الانجذاب إليه والذي بات يورق روحها، فحقا لحديثه ونظرة عينيه سحر يجذبها بل ويجبرها على انجراف مشاعرها والغوص ببحر عينيه والارتواء من شهد كلماته المعسولة رغم اتباعه لقواعد الأدب. تحمحمت لتجيبه بنبرة جادة تتخفى خلف جمودها:
"بس حضرتك مش ضيف علشان أرحب بيك يا سيادة المستشار."
"الحفلة كلها معمولة على شرف جنابك يعني حضرتك صاحب المكان وكلنا ضيوفك..." نطقت كلماتها بجدية ليبتسم لها مجيبًا على حديثها:
"إجابة دبلوماسية وذكية تليق بمديرة مكتب لأحد أهم وأكبر رجال الأعمال في مصر."
قالت بجسد مشدود للأعلى وكأنها تحارب جميع حواسها وتقف لها بالمرصاد:
"مجاملة لطيفة من سعادتك."
قطب جبينه متعجبًا ليسألها:
"هو أنا زعلتك في حاجة؟"
نزلت كلماته المصاحبة لنظرة صادقة لائمة على قلبها جعلته ينتفض بثورة ليسترسل هو بإبانة:
"كلامك معايا رسمي قوي ليه كده؟ على ما أتذكر إننا أخدنا هدنة من لعبة القط والفار اللي كانت بينا من وقت ما اتقابلنا."
تهربت ببصرها في محاولة بائسة منها للنجاة من شعاع عينيه القوي والذي يطاردها حتى بغيابه، لا لن تعطِ له الفرصة بإذلالها وسحق كرامتها تحت مسمى ما يطلق عليه بالعشق، ذاك المسمى اللعين التي باتت تبغضه وتتهرب منه كالهارب من وحش كاسر يطارده لينهي على حياته. تحمحمت كي يخرج صوتها ثابتًا غير مهزوز لتقول له بثقة زائفة اصطنعتها بإعجوبة:
"شكل الأمر اختلط على حضرتك وفهمت شخصيتي غلط."
واستطردت بذات مغزى ومقصد:
"أنا لا عمري كنت بتاعت ألعاب ولا هكون، واللي حصل بينا من مشادات كانت نتيجة طبيعية لمواقف معينة حصلت لو سيادتك فاكر."
وضع كفه ليحك به ذقنه النابتة بطريقة مثيرة ونظر لها مضيق العينين وهو يقول بتسلٍ بعدما تيقن بفطانته أنها تجاهد حالها لتخرج تلك الكلمات اللعينة:
"وبعدين كملي."
قطبت جبينها باستغراب لتقول بنبرة خرجت حادة:
"أكمل إيه؟"
"مبرراتك..." نطقها بذات مغزى وصلها معناه لتهتف بحدة أكبر تنم عن انزعاجها وتوترها لمحاصرته لها:
"أنا مبقولش مبررات ومش مجبرة أصلًا."
"أصلًا..." نطقها بفكاهة لتلطيف الأجواء لتسأله بنبرة انهزامية بعدما فقدت قدرتها على المجابهة:
"إنت عاوز مني إيه؟"
هم بالرد ليقطع حديثه أحمد الذي اقترب عليهما ليقول لإيثار بعدما أمال برأسه كتحية لذاك الواقف:
"البوفيه جاهز يا إيثار."
"جاهز من بدري يا دكتور..." ليجيبها متعجلًا:
"طب أكدي عليهم لآخر مرة علشان الباشا هيعلن عنه."
أومأت له لتنظر للواقف يلعن بسريرة ذاك الـ أحمد الذي قطع وصليهما، وهي تميل برأسها باحترام بادلها إياها لتنسحب مبتعدة للتأكد من الشيف قبل الذهاب لرئيسها بالعمل الذي وقف بمنتصف الحفل وهو يعلن عن فتح مائدة الطعام الخاصة بالاحتفال ليقف الجميع يتجهون صوب المائدة بتناسق لأخذ صحونهم واختيار الطعام المحبب لديهم من بين الأصناف المتعددة ليسكبه لهم القائمون على هذا. جهز أيمن وزوجته وجبات أشرفوا عليها بأنفسهما ليتقدما العاملون ويضعونها أمام فؤاد وعلام لتتحدث نيللي بملاطفة:
"كان نفسي أشوف الهوانم وأتعرف عليهم."
ليجيبها علام باحترام:
"مرة تانية إن شاء الله يا هانم."
"إن شاء الله..." قالتها وتحركت لتتركهما يتناولا الطعام في خصوصية وهدوء. كانت عينيه عليها أينما تحركت، انتشىء داخله عندما وجدها تقف بصحبة لارا وهي تضحك بانطلاق وبرغم هذا استشف حزن عينيها العميق والذي لم يجد له تفسيرًا.
بنفس التوقيت، ولجت منيرة الحجرة الخاصة بها وزوجها لتوقظه من غفوته الغريبة تلك وهي تقول:
"أبو عزيز اصحى يا أخويا."
فتح عينيه ينظر لها لتسترسل متعجبة:
"أول مرة تنام قبل ما تصلي العشا ورا الشيخ في الجامع!"
"هي أذنت؟"
أجابته:
"من بدري دول صلوها ليهم ييجي أكتر من ساعتين، قوم صلي علشان تاكل لك لقمة تسند بيها طولك."
تنفس بإرهاق ظهر عليه لتسأله باهتمام:
"مالك يا غانم؟ وشك أصفر ومش عاجبني ليك كام يوم."
رد بإحباط:
"جسمي حاطط وتقيل بقالي كام يوم، شكلي عجزت خلاص."
ابتسمت لتسأله بتغيير مجرى الحديث:
"مش هتريحني وتقولي عملت إيه مع بنتك في موضوع عمرو؟"
سحب جسده للأعلى ليهتف بنبرة حادة:
"معملتش حاجة ومش هعمل يا منيرة، ارتاحي بقى وشيلي بنتك من دماغك علشان لو انطبقت السما على الأرض بنتك مش هترجع لابن نصر."
"هي اللي قالت لك الكلام ده؟" ليجيبها:
"وهي يا ولية محتاجة تقوله؟ دي واحدة سابت لكم البلد وطفشت من خلقته وخلقتكم وهي مفيش جنيه واحد يوحد ربنا في جيبها، تقوم بعد ما ربنا يكرمها ويمن عليها ويبقى عندها شقة تمليك وعربية وعايشة في عز هي وابنها تسيب كل ده وترجع لذل إجلال فيها من جديد؟ لا وترجع على ضرة حرباية بنت كلب."
واستطرد وهو يرمقها باستخفاف:
"أنا مش فاهم عقولكم الصغيرة دي هتكبر إمتى."
احتدت ملامح وجهها لتهتف بسخط:
"بنتك أنانية مبتفكرش غير في نفسها وراحتها وبس، لكن إخواتها الرجالة ولا على بالها. وبعدين شقة إيه وعربية إيه اللي فرحانة بيهم؟ خايبة الرجا، ده الواد هيموت عليها ومستعد ينفذ لها اللي عايزاه كله."
برقت عينيها لتسترسل بجشع:
"الواد شغل الآثار خلاه يلعب بالفلوس لعب يا غانم، وبقى عنده مالية تسد عين الشمس بعيد عن أبوه، قال لي اللي هي عايزاه يا خالتي هجيب لها بمليون جنيه دهب، ولو عاوزاني أحط لها خمسة مليون باسمها في البنك هحط لها بس هي ترضى عني وترجع لي."
واستطردت بما يشغل بالها من الموضوع برمته:
"ده غير اللي هيعمله لإخواتها، طاقة قدر وهتتفتح لهم الثلاثة يا غانم، الواد بنفسه قال لي إنه بيعمل شغل من ورا أبوه وهيدخل عزيز ووجدي شركا معاه، يعني العز والهنا كله مستني إخواتها بكلمة تنطقها."
تطلع عليها بحزن لينطق بنبرة بائسة:
"نفسي تفكري في بنتك زي ما بتفكري في ولادك الرجالة كده يا منيرة، يا ولية بنتك مكسورة الجناح ومحتاجة لك."
"وهو أنا لما أتمنى لها الخير أبقى مبفكرش فيها يا غانم؟" نطقتها باستهجان ليهتف هو باعتراض حاد:
"أي خير ده اللي هتشوفه من بيت نصر؟ دي مشافتش منهم غير الذل والمهانة من يوم ما دخلت بيتهم."
واسترسل بعينين متعجبتين من تفكير تلك الجشعة:
"ترجع له إزاي وهو دب حها بسكينة تلمة؟ بنتك شافت جوزها مع واحدة تانية في قلب فرشتها يا أم عزيز!"
"غلطة وندم عليها..." قالتها باستخفاف لتسترسل بملامة حادة:
"والخايبة بنتك هي السبب فيها، ياما نصحتها وقولت لها تقطع رجل الحرباية دي من حياتها، وهي اللي مسمعتش الكلام، حتى الست إجلال بنفسها قالت لي إنها نبهت عليها كام مرة بكده."
أغمض عينيه باستسلام من أمر تلك الطامعة ليقول بإحباط ووهن ظهر بملامحه:
"قومي جهزي لي لقمة على ما أتوضى وأصلي العشا."
بنفس التوقيت، داخل الحديقة الخاصة بمنزل نصر البنهاوي تجلس إجلال بمقعدها العالي تفكر بأمر حفيدها وكيف ستجبر تلك العنيدة وتجعلها تعود صاغرة لمنزلها كي تحاسبها على كل ما أصاب مدللها بفضلها. أقسمت بسريرة بأنها ستحاسبها حسابًا عسيرًا بعد انتهاء زوجها من جولته الانتخابية التي لولاها لكانت أقامت قيامة تلك الإيثار، ولكن مهلًا ستصبر حتى تظفر بالانقضاض على تلك الحقيرة التي استطاعت الوقوف بوجهها بل والانتصار عليها. لأول مرة تشعر بالعجز حيال أحدهم، لكن ما يطمئنها هو وعد نصر لها وتأكيده على جلب إيثار ليلقي بها تحت قدميها، حينها ستذيقها من العذاب ألوانًا وأصنافًا وستتفنن باختلاق أساليب جديدة لإيذائها الجسدي والنفسي بمزاج حسن.
قطع شرودها ولوج نصر الذي تحدث بعدما جلس بمقابلها:
"شوفتي بنت غانم عملت إيه؟"
"عملها أسود ومنيل فوق دماغها..." نطقتها باستشاطة بعدما استمعت لاسم تلك التي باتت تطاردها بأحلامها واليقين وحتى بالخيال لتستطرد باستفهام غاضب:
"عملت إيه تاني بنت منيرة؟"
دقق النظر بعينيها لتحتد ملامحه بغضب شديد وهو يقول:
"المحامي بتاعها كلمني من شوية وقالي قال إيه الست هانم بتبلغني إن يوسف مش هينزل البلد تاني وإن من الأسبوع ده لو حد عاوز يشوفه مننا يروح مكان الرؤية اللي محكمة الأسرة محدداه."
"البت دي اتجنت ولا إيه يا نصر؟" نطقتها بحدة لتهتف مسترسلة بتعمد إذلاله:
"بس تصدق ليها حق بنت منيرة تشرط وتتأمر مهي مش لاقية حد يقف لها ويعرفها مقامها ومقام أهلها الزبالة."
ضيق بين عينيه ليرمقها بضيق وهو يقول بملامة:
"لازمته إيه رمي الكلام ده يا إجلال، أنا كام مرة أقول لك إني مقدرش أتحرك ناحيتها قبل الانتخابات، اصبري."
بفحيح خرج من بين أسنانها نطقت:
"أديني صابرة يا نصر أما أشوف آخرتها مع بنت الك... دي."
انضم إليهما عمرو الذي خرج للتو من الداخل مرتديا ثيابه ليذهب إلى الجبل لمراقبة العاملين على الحفر، أبلغه أباه بما حدث ليهتف غاضبا ملقيا باللوم عليهما:
"أنا قولت لك مية مرة بلاش الأسلوب ده مع الولد يا ماما، أكيد يوسف قال لإيثار الكلام اللي قولتهوله المرة اللي فاتت وعلشان كده قررت تمنعه."
زفر نصر بعمق قبل أن يقول وهو ينظر أمامه:
"أنا كلمت المتر عبدالسلام من شوية وحكيت له اللي حصل، قالي إن موقفها القانوني سليم مية في المية وإنها كانت بتبعت الولد هنا كرم منها."
واسترسل بإبانة:
"وإنها لو قدمت شكوى لمحكمة الأسرة ولمجلس حقوق الطفل وقالت فيها إن زيارة الولد عند عيلة أبوه بتأثر عليه بالسلب هيعملوا مشاكل للأب هو في غنى عنها."
قطع حديثه صوت رنين الهاتف الذي صدح ليعلن عن وصول مكالمة، وما أن نظر بالشاشة حتى ظهر الارتباك على وجهه، ومن حسن حظه انشغال إجلال بحديثها مع عمرو ليقول منسحبًا:
"هرد على التليفون وارجع لكم."
"مين يا نصر؟" سؤالًا وجهته له باستغراب لابتعاده.
"ده عضو مجلس شعب كنت طالب منه خدمة لحد معرفة."
أشاحت بكفها بلامبالاة ليبتعد الآخر ويرد سريعًا بصوت عالٍ متعمدًا إسماع إجلال:
"أيوه يا سعادة الباشا."
ابتعد كثيرًا ليتحدث بهمس خفيض:
"وبعدين معاكِ يا بنت الناس مبتسمعيش الكلام ليه؟ كام مرة أنبه عليكِ وأقول لك بلاش ترني عليا وأنا في البيت."
قالت تلك العشرينية الجميلة:
"طب قول لي أعمل إيه لما توحشني؟"
"هو أنا مصبرني عليكِ إلا كلامك اللي زي الشهد ده..." نطقها بصوت هائم لتنطلق ضحكة من تلك الـ شذى التي تستطيع بالقليل منها جذب ذاك الثري الذي اختارها لتكون زوجة له. تنهدت وقالت له برياء:
"وحشتني هتيجي إمتى؟"
أجابها:
"عندي جلسة في مجلس الشعب بعد بكرة، هقول لمراتي إني هبات في مصر يومين علشان هقضي شوية مصالح وأجي أقضيهم معاكِ."
عودة إلى الحفل من جديد.
كان يتابعها بعينيه الشغوفة والمنبهرة بسطوة جمالها المنفرد الذي أيقن ندرته، طالما رأى الأجمل منها بكثير لكن جمالها مختلف، فلم يحدث من قبل وأن انجذب لأنثى كما انجذابه إليها برغم نكرانه الدائم لذاك الشعور، لكنه يرى بها شيئًا مختلفًا ما هو لم يستطع تحديده بعد لكنه بالطريق إلى ذلك. وعلى النقيض كانت تتهرب هي للنأي بحالها من الوقوع داخل براثن عشقه المهلك لروحها. تحدثت إلى سالي ولارا وملك:
"هروح التواليت أظبط حجابي علشان حاساه اتعوج شوية."
إيماءة من رؤوسهن كانت الرد لتنسحب تحت نظر ذاك الجالس بجوار والده المنشغل بالحديث مع أيمن وصلاح وبعض رجال الدولة والقانون والأعمال، ليستغل الوضع منسحبًا بهدوء خلفها حين وجدها تلج لداخل المنزل. لم يكن الوحيد المراقب لها بل تحرك خلفها أيضًا ذاك المسمى بـ عابد السعداوي ليقطع طريقها وهو يقول بابتسامة ساخرة:
"يظهر إن المزة بتحب السلطة أكتر من الفلوس."
"بس لعلمك بقى الفلوس بتحقق كل حاجة وتجيب لك السلطة لحد عندك، جربي كده ومش هتندمي."
"إنت تقصد إيه بكلامك ده؟" نطقتها باستهجان وجبينًا مقطب ليقول بغمزة وقحة من عينيه التي باتت تتحرك على منحنياتها بحقارة أرعبتها وجعلتها تشمئز منه:
"أقصد الواد وكيل النيابة اللي كان واقف بيسبل لك من شوية وإنت مستحلية الموضوع وواقفة تجاريه علشان على هواك، بس أحب أقول لك إنه مش بالشكل هو يمكن حليوة وعنده شوية شعر بيتمنظر بيهم بس أنا أجدع منه وهتعرفي ده لما نتصاحب."
يقع بقوة على وجنته بصفعة عنيفة جعلت الدماء تغلي داخل عروقه، وأثناء بحثه عنها شاهد تعدي ذاك الحقير عليها وصفعها له. هرول إليها بعدما شاهد تهجم عابد عليها بعدما جن جنونه وهو يشدد قبضته على رسغها ويهزها بعنف قائلًا:
"إنت بتمدي إيدك عليا أنا يا بنت الك... ده إنتِ وقعتك سودة النهاردة."
"دراعي هيتكسر!"
أداره ليقبض على تلابيب الرجل وبات يهزه بعنف قبل أن يلكمه بوجهه لتسيل على إثرها الدماء من أنفه في منظر جعل تلك المنكمشة تذهل بنظرها. في غضون ثوانٍ اجتمع عدد ليس بالقليل من بعض الحضور الذين اختاروا العزلة والجلوس ببهو المنزل بعيدًا عن زحام الخارج، وأيضًا العاملون بالمنزل الذين أبلغوا أيمن وأحمد ونيللي ليحضروا في الحال. اقترب أيمن من فؤاد محاولًا تخليص عابد من قبضته الحديدية حيث مازال مشددًا على تلابيبه ويهزه بعنف. لم يشعر بحاله أو ما أصابه عندما وجدها تحت سطوة ذاك الحقير، لم يعر لمظهره الاجتماعي ولا لمنصبه الحساس ومنصب والده، جل ما فكر به بتلك اللحظة هي وفقط وكيف له أن يحميها ويمحي خوفها الساكن عينيها. استطاع أيمن وأحمد أن يخلصا عابد من قبضة فؤاد وجذبهما أيمن لحجرة جانبية لتنضم لهما إيثار التي أدخلتها نيللي كي يجدوا حلًا لتلك المشكلة.
بنظرات احتقارية تحدث أيمن معنفًا ذاك العابد ليقول:
"ما كنتش أتخيل إنك تطلع بالأخلاق دي يا عابد بيه، أنا احترمتك ودخلتك بيتي وإنت في المقابل انتهكت حرمة بيتي ووصلت بيك إنك بمديرة مكتبي."
هتف عابد بتبجح:
"إنت فاهم غلط يا أيمن بيه، وبعدين الهانم اللي إنت بتهيني في بيتك علشانها مدوراها مع الكل وجاية لحد عندي وعاملالي فيها خضرة الشريفة."
ليسترسل وهو يتطلع إلى فؤاد بحدة:
"وأولهم سعادة وكيل النيابة اللي اتجنن لما شافني برد لها القلم وجه يهجم عليا بس أنا مش هسكت، أنا هقدم فيك بلاغ للنائب العام وأتهمك بضربك ليا علشان خاطر الرخيصة اللي إنت ماشي معاها، والله ما هسكت..." قالها بتهديد وصياح عالٍ لتصرخ هي بصوت باكٍ:
"اخرس يا حيوان، محدش رخيص هنا غيرك."
"خلي بالك اللي بتتكلم عليها دي بعتبرها بنتي التانية ومش هسمح لأي مخلوق يتكلم عليها ربع كلمة..." كلمات حادة نطقها أيمن بعينين تطلق شزرًا جعلت من عابد يبتلع لعابه، وتلاه أحمد الذي قام بتوبيخه وشمله بنظرات احتقارية لأجل إيثار.
ليهتف فؤاد بنبرة هادئة تحمل بين طياتها جحيم:
"هو من جهة تقديم بلاغ للنائب العام فده هيتم كده كده بس هيتقدم مني فيك."
ليرفع سبابته اليمنى مسترسلًا بقسم تهديدي جعل من عابد يبدو كفرخ مبلول لتيقنه من استطاعة فؤاد تنفيذ تهديده بما لوالده من سلطة بالبلاد:
"وقسمًا بالله لأخليك تندم على اليوم اللي اتولدت فيه."
ثم التفت يتطلع على إيثار ليتألم لمشهد انكماشها نيللي وهي تربت على ظهرها بحنان علها تستطيع تهدئة انتفاضة جسدها. احتدت ملامحه ليهتف بنبرة حادة:
"يلا معايا علشان هتقدمي بلاغ حالًا في الزبالة ده وأنا هكون شاهد إثبات معاكِ."
"وأنا ودكتور أحمد هنشهد معاك يا سيادة المستشار..." نطقها أيمن ببسالة لتعلو صرخات عابد المتوسلة وهو يتحدث إلى فؤاد بعدما تيقن من أن مستقبله المهني والاجتماعي سينتهيا إذا تدخل فؤاد:
"أرجوك يا فؤاد باشا بلاش بلاغ، أنا مستعد أدفع لها أي مبلغ تطلبه للترضية بس بلاش علشان سمعتي، أنا راجل متجوز وكده بيتي ممكن يتخرب."
شمله بنظرات ازدراء من قمة رأسه لأخمص قدميه ليقول باحتقار:
"هو أنت فاكر إن كل الناس رخيصة وبتبيع شرفها قصاد الجنيه زيك؟"
توقفت باقي الكلمات بحلقه حتى كادت أن تخنقه حينما استمع لصوتها وهي تقول بمهانة:
"أنا مش هقدم بلاغ في حد يا سيادة المستشار."
اتسعت عينيها من تأثير الصدمة ليميل برأسه وهو يتطلع عليها بنصف عين متمعنًا بملامحها ليقول بصوت مرتعب خشية صحة ما جال بخاطره:
"هتاخدي منه فلوس مقابل كرامتك اللي اتهرست تحت رجليه!"
احتدت ملامحها غاضبة وخرج صوتها بصرامة وهي تنظر له بأعين قوية:
"مش أنا اللي أرضى بالذل والهوان وأقبض تمن إهانتي فلوس يا سيادة المستشار."
ابتسم ساخرًا ليسألها بتهكم:
"أمال هتتنازلي عن لمسته القذرة لجسدك بناءً على إيه يا أستاذة؟"
وأشار بكفاه بشكل استعراضي ساخر مسترسلًا باستهزاء:
"ياريت تنوري المحكمة وتشرحي لنا أسبابك النبيلة."
شعرت بكلماته وكأنها صفعات قوية تلطم وجهها لتتألم جراء إهانته لها وحديثه المليء بالتلميحات عن التشكيك في أخلاقها، وهذا الذي لن تقبله على حالها لتهتف بقوة بعدما أرادت وضع حد له:
"تنازلي من عدمه ده شيء يخصني لوحدي وأنا مش مطالبة أشرح وجهة نظري لحد."
حملق بها غير مصدق بـما تفوهت به، فاق من ذهوله سريعًا ليرمقها بنظرة نارية قبل أن يهتف صائحًا بغضب جعلت من عروق عنقه تنتفض بقوة:
"تصدقي أنا اللي غلطان اللي اتدخلت لواحدة زيك."
واسترسل بإهانة وهو ينظر إلى عابد الذي ابتلع ريقه براحة بعد حديثها:
"يظهر إنه عنده حق لما وصفك بالوضاعة والحقارة."
اتسعت عين نيللي حيث وضعت كفها فوق فاهها بذهول، وأيضًا أحمد وأيمن الذي فتح فاهه ليدافع عن تلك التي يعتبرها ابنته له لكنها سبقته عندما انفجرت به صائحة بعدما فاض بها الكيل وما عاد بها الاحتمال لأي إهانات أخرى:
"تعرف إيه إنت عني وعن ظروفي علشان تكلمني بالطريقة دي؟"
لتستطرد وهي ترمق عابد باحتقار:
"في الأول ظنيت فيا إني هقبل عرضه الحقير وأقبض منه تمن تحرشه بيا، والوقت بتتهمني بالوضاعة والحقارة لأني ست عارفة ظروفي الخاصة واللي تمنعني من دخولي في مشاكل وخصوصًا بمحاضر رسمية."
لتصرخ باستهزاء:
"ثم أنت مين أصلًا علشان تسمح لنفسك بإهانتي قدام الكل؟ يا سيدي متشكرين على وقفتك وشهامتك وتخليصك ليا من الحيوان ده، بس ده ميديكش الحق إنك تقف تحاسبني وتصدر عليا أحكامك."
واسترسلت بحدة:
"ولو جنابك زعلان قوي كده علشان خيبت ظن معاليك وما قدمتش البلاغ، اعتبر اللي حصل درس واتعلمت منه وبعد كده ما تساعدش حد وضيع وقذر تاني."
حملق بها قبل أن يقول بإهانة:
"مشوفتش في بجاحتك، حقيقي أنا مصدوم فيكِ."
"كفاية تجريح لحد كده يا فؤاد بيه..." نطقها أيمن بقوة ليستطرد شارحًا:
"إيثار مينفعش تقدم بلاغ وخصوصًا من النوعية دي لأن طليقها رافع عليها قضية ضم حضانة لابنها."
لعن حاله وغبائه وتسرعه بالحكم عليها قبل أن يستمع لمبرراتها، ماذا أصابه ليصبح بهذا الغباء؟ منذ متى وهو يتصرف بدون حكمة ووعي؟ لتنتفض هي مجففة دموعها لتتحدث إلى أيمن:
"بعد إذنك يا باشمهندس أنا مضطرة أمشي."
أومأ لها بموافقة ليتحدث أحمد بهدوء:
"استني هوصلك بعربيتي."
قاطعته سريعًا وبرفض تام:
"مفيش داعي يا دكتور، أنا هروح بعربيتي."
اقتربت منها نيللي لتقول لإقناعها:
"خليه يوصلك يا إيثار، مش هينفع تسوقي وإنتِ بالحالة دي."
"أنا كويسة..." كلمة كاذبة نطقت بها لتنطلق بخطوات سريعة باتجاه الباب. تحمحم فؤاد ليتحدث بانسحاب:
"بعد إذنكم."
خرج بحالة يرثى لها وأسرع بخطواته عله يلحق بها، وبالفعل استطاع أن يصل لمقر سيارتها التي استقلت مقعدها استعدادًا للذهاب ليتحدث هو بصوت يحمل الكثير من معاني الأسى:
"مدام إيثار."
استمعت لصوته ولم تعر لندائه اهتمامًا لتنطلق بسيارتها مندفعة للأمام بسرعة كبيرة كما الهاربة. توقف ليزفر لاعنًا حاله قبل أن ينطلق إلى أبيه ليخبره بأن عليهما الذهاب.
إلى متى ستظل الحياة تعبث معها بتلك الطريقة؟ لما كُتب عليها بأن ترى كرامتها تدهس دون رحمة تحت أحذية الآخرين؟ والأكثر إيلامًا هو إجبارها وحصرها بزاوية الصمت المخزي. لقد بات الأمر يؤرقها ويذبح روحها، وحقًا أصبح يفوق قدرة احتمالها. بعد قليل كانت ترتمي فوق فراشها بعدما أبدلت ثوبها لتطلق العنان أخيرًا لدموعها الحبيسة التي احتجزتها طيلة الطريق ومنذ دخولها للمنزل كي لا تثير شكوك عزة، بكت وبكت على كرامتها وعلى سوء حظها الملازم لها أينما ذهبت.
عاد من الحفل بحالة مزاجية عكس ما كان يتوقع، فقد خطط بالإيقاع بها لترفع رايتها مستسلمة لسطوته الرجولية التي لا تقاوم. لقد أثارته شخصيتها القوية منذ لقائه الأول بها حين صدته ولم تنبهر بجاذبيته مثل بنات جنسها اللواتي يقعن بغرامه دون أدنى مجهودًا منه، بل ومنهن من يتوددن إليه ويعرضن عليه الوصال ليلقي بعروضهن عرض الحائط ويصدهن بقوة ويشعرهن بالاحتقار والتدني، عدا تلك الصامدة التي شعر بصدها له بل ونفورها منه وعدم الاهتمام بوجوده من الأساس بالرغم من اهتمامه بها ومن محاولاته الاستفزازية لها إلا أنه كان يفشل بكل مرة مما جعله يصر على مواصلة إرغامها وخضوعها لسطوة جاذبيته. وما أثار دهشته اليوم هو تراجعها الكبير بعدما لمسه منها بالمرة الماضية من لين مشاعرها واهتزاز كيانها تأثرًا بسهام عينيه الذي رماها بهم، ولكن يبدو أنها مختلفة حقًا عن كل من قابلهن خلال حياته.
وما أثار حنقه هو ما حدث بنهاية الحفل وجعلها تثور وتلقي بكلماتها السامة الغاضبة بوجهه دون وضعها لأية اعتبارات أخرى، وبرغم كل ما حدث لم يلقِ عليها بذنب بل لام حاله وعاتبها لإيصالها لتلك الحالة واحتقر غبائه لعدم التأكد أولًا من قرارها بشأن رفضها لتقديم البلاغ. انتزع جميع ملابسه وولج بكابينة الاستحمام مستسلمًا لهطول الماء البارد فوق رأسه وجسده بالكامل علها تهدئ من روعه، ليخرج مرتديا قطعة ملابس تحتية فقط. التقط هاتفه بعدما عقد النية لمهاتفتها كي يعتذر، خرج بشرفته الخاصة بالغرفة وضغط زر الاتصال لينتظر الرد.
كانت تتوسط فراشها ودموعها الغزيرة لم تنقطع منذ أن عادت، استمعت لصدوح الهاتف لتنظر بشاشته وبدون تفكير ألقت به بعيدًا بعدما تأكدت أنه هو. انتهى الاتصال وعاد يصدح من جديد لتضغط على زر قطع الاتصال مما جعله يبتسم ليقول بصوت مسموع:
"عنيدة."
أمسك بعلبة سيجاره وأخرج واحدة وأشعلها ويأخذ نفسًا عميقًا ويخرجه للأعلى، بات ينظر على دخانها الذي شكل سحابة فوق رأسه لينظر للسماء وكرر أخذه نفسًا من السيجارة قبل أن يضعها بالمطفأة ويمسك بهاتفه من جديد ليبعث لها برسالة صوتية لتصلها في الحال مما جعلها تمسك بالهاتف تتفقده لتزفر حين علمت مصدر الرسالة. ألقت بالهاتف مرة أخرى بإهمال لتغير قرارها بلحظة وتسحبه من جديد لتفتح الرسالة لتستمع لصوته وهو يقول بتأثر:
"أنا عارف إنك زعلانة مني وطبعًا معاكِ حق، بصراحة أنا كنت أوفر قوي في رد فعلي."
صمت ليأخذ نفسًا عميقًا ويتابع مسترسلًا بصوت يملؤه الندم:
"بس يشفع لي خوفي عليكِ وإصراري على إنك تاخدي حقك من الحقير ده، وخصوصًا إن دي تاني مرة ترفضي مساعدتي ليكِ."
واستطرد مذكرًا:
"مرة في النيابة يوم والد طليقك ما اتهجم عليكِ وبرضه رفضتي عرضي لمساعدتك، والمرة التانية كانت النهاردة."
وصلتها رسالة أخرى ففتحتها بملامح وجه حادة:
"إيثار أنا آسف."
لا تنكر انتفاضة قلبها عندما استمعت لنطقه باسمها للمرة الأولى وبكل هذا السحر. تنهدت بضيق لترفع رأسها للأعلى ساندة للخلف لتستمع لصوت وصول رسالة أخرى لتنظر بالهاتف وتضغط لتشغيلها لتستمع لصوته الهادئ وهو يحاول مداعبتها:
"طب إيه هتفضلي تسمعي الفويسات من غير ما تردي عليا؟ على فكرة لو مردتيش حالًا هتصرف بأخلاق شرشبيل وساعتها ما تلوميش غير نفسك."
قطبت جبينها تتفكر بمقصد حديثه لتصلها رسالة نصية:
"أنا بجد آسف، أرجوكِ تقبلي أسفي."
قرأت الرسالة لتطلق زفرة عميقة وتلقي بهاتفها جانبًا فهي مازالت غاضبة منه وبشدة، وحالتها المزاجية سيئة للغاية ولا تقبل بالمزاح. أما هو فقد زفر بقوة ليرفع رأسه للأعلى مغمضًا عينيه وبدأ بتنظيم أنفاسه عله يستطيع إخراج ما بداخله من طاقة سلبية ومشاعر بالحزن ملئت قلبه جراء ما حدث.
رواية انا لها شمس الفصل الرابع عشر 14 - بقلم روز امين
ما بالك أيها العاصي العنيد، أما اتفقنا أن تكون لي درعًا أتوارى خلفه وأصد به ضربات الهوى الموجعة! لقد عاهدتني بأن تلقي في غياهب الجب دقاتك، ووعد الحر دين، لما الآن تتخلى عني وتلقي بوعودك عرض الحائط لأجل عيناه، عد سالمًا إلى قواعدك ولا تخزلني ولا تكن مثلك مثل الجميع.
إيثار الجوهري
استيقظت بصداع نصفي ينهش برأسها ويكاد أن يشطرها لنصفين من شدته. تألمت روحها وتوجعت حتى وصلت للفتور، فما عادت الدموع تغسل قلبها كما كانت، ولا الشكوى تريح روحها المتعبة. فاتخذت من الصمت ملاذًا لها وأودعت أمرها إلى بارئها كي يجعل لها مخرجًا من براثن أعدائها الكثر.
أخذت نفسًا عميقًا لتجدد به عزيمتها المنهارة، ثم تحركت للحمام وتوضأت وخرجت ترتدي ثياب الصلاة لتشرع بصلاة ركعتي الضحى. ثم تجهزت وارتدت بذلة باللون الأسود اعتلاها حجاب باللون النبيذي لتلقي نظرة أخيرة تقيم بها هيأتها قبل أن تنطلق إلى الخارج متجهة صوب المطبخ، لتجد عزة تقوم بتجهيز الفطور.
فاتجهت صوب الصغير الجالس حول الطاولة يتناول كأس حليبه، لتميل عليه واضعة قبلة فوق رأسه، ليهتف الصغير متفاخرًا بحاله بانتشاء:
"شفتي يا ماما أنا شاطر إزاي؟ لبست يونيفورم المدرسة لوحدي."
"شطور يا حبيبي، چو ده أجمل وأشطر حد في الكون."
نطقت كلماتها الحماسية وهي تجذب المقعد لتجلس عليه. لتهتف عزة بسعادة بعدما انضمت إليهما بالجلوس وشرعوا بتناول الفطور:
"دخلت علشان أصحيه وألبسه لقيته جاهز زي ما أنتِ شايفة."
ابتسامة منطفئة خرجت من جانب ثغرها، ليسألها الصغير بعدما رأى ملامح غاليته يكسوها الحزن والألم:
"مالك يا مامي، أنتِ زعلانة ليه؟"
انتبهت على سؤال الصغير الذي نطقه بكثير من التأثر، لتنزل كلماته الصادقة على قلبها تزلزله، مما جعلها تتحدث سريعًا كي تنزع من قلبه أية خوف بشأنها:
"أنا كويسة يا حبيبي، مين قال لك بس إني زعلانة؟"
"عيونك."
نطقها ببراءة، لتبتسم مطمئنة إياه:
"عيوني منفوخة علشان منمتش كويس، كان عندي ملف مهم سهرانة عليه."
رفعت عزة حاجبها لتسألها بشك بعدما تمعنت بملامحها وتأكدت من شك الصغير:
"مالك يا إيثار؟ فيه حاجة حصلت في الحفلة امبارح؟"
تلاقت أعينهما لتتمعن عزة بالتعمق، قابلته إيثار بالصمت فعلمت الأخرى أن بها شيئًا ما، لتهتف بقلب مرتعش:
"إيه اللي حصل يا بنتي؟"
"مفيش حاجة صدقيني."
تنهدت عزة، لتمسك إيثار بكوب قهوتها ترتشف ما تبقى منه، لتهب واقفة وهي تقول على عجالة:
"يلا يا چو علشان أوصلك للمدرسة."
"هو أنا مش هروح بالباص؟"
نطقها ببراءة لتشمله بنظرات حنون قبل أن تجيبه بما أسعد قلب الصغير:
"حابة أوصلك بنفسي علشان نعدي على محل الحلويات أجيب لك الكرواسون اللي بتحبه تاخده معاك."
"يا سلااام! أنتِ أحلى مامي في الدنيا."
نطقها بتصفيق حاد تحت بادرة سعادة تشق قلبها لتخرج من تحت الركام.
ساعدت عزة الصغير وألبسته المعطف، لتمسك إيثار بكف الصغير استعدادًا للتحرك، لتهتف عزة قائلة:
"هتحكي لي لما تيجي."
"خلاص بقى يا عزة."
نطقتها بضجر بعدما نفذ صبرها من تلك الفضولية.
تحركت بجانب الصغير ورافقتهما عزة حتى استقلا المصعد الكهربائي ليهبطا. تحركت ممسكة بكف صغيرها وما أن خرجت من باب البناية حتى اتسعت عينيها وتحول داخلها لمشتعل. وكأن ما كان ينقصها هو رؤية ذاك الشخص الذي ما كرهت بحياتها مثله، إنه عمرو الواقف وبجانبه سيارة تشبه تلك التي جلبها لصغيره في ذكرى يوم ميلاده بعدما قرر إصلاح ما أفسداه والديه، ولكن بعد ماذا؟ فدائمًا ما يصحو متأخرًا ويأتي بعد فوات الأوان.
هتف الصغير باسم أبيه وهو يهرول إليه ليقابله الآخر بحفاوة حاملًا إياه وبدأ يدور به بعدما غمره داخل أحضانه الحنونة. زفرت بسأم حين وجدته يغمرها بنظراته الهائمة التي ما عادت تبغض أكثر منها. جاهدت حالها لضبط الانفعال كي لا تفقد ثباتها وتقوم بتوبيخه وإبلاغه عن مدى كرهها الشديد له ولرؤية وجهه البغيض. وما منعها عن ذاك إلا هذا الصغير الذي لا ذنب له سوى أنه ولد ونُسب لأب حقير خائن بائع الود والعهود، حيث ضرب بجميع المبادئ والأخلاق عرض الحائط لينساق وراء غرائزه الحيوانية دون أدنى تفكير في من أودعته حياتها وحياة صغيرها بين يداه. وللأسف فاقت على كابوس قلب حياتها رأسًا على عقب.
اقترب عليها وهو يحمل صغيره ليقول بنبرة تفيض عشقًا:
"إزيك يا إيثار؟"
قالها وهو يشملها بنظرات يملؤها الحنين، لتشمئز وهي تقول بنفور وملامح وجه مكفهرة:
"إيه اللي جابك؟"
التف لخلفه يشير إلى تلك السيارة الموضوعة بجانب سيارته والمزينة بأشرطة حمراء:
"جيت علشان أجيب ليوسف العربية اللي كانت عجباه."
ابتسمت ساخرة لتقول بتهكم:
"قصدك العربية اللي جبتوها له ومنعتوه ياخدها علشان تجبروه يضغط عليا بيها!"
"مامي جابت لي العربية خلاص يا بابي."
نطقها الصغير ليسترسل بنبرة حماسية وهو ينظر لوالدته بسعادة:
"أخدتني محل الألعاب وخلتني أختار العربية اللي عجبتني."
شعور بالخزي اعتراه بعدما تيقن صغر حجمه بأعين صغيره والمرأة التي لم يعشق سواها بهذا الكون، ليهمس لصغيره بنبرة يملؤها الندم:
"حقك عليا يا حبيبي، أنا عارف إني اتأخرت عليك وإني كان لازم أجيب لك العربية من زمان."
ليسترسل بابتسامة اصطنعها بإعجوبة:
"بس ده ميمنعش إنك لازم تفرح علشان بدل ما كان نفسك في عربية بقى عندك اتنين."
"ماعندناش مكان غير لعربية واحدة."
نطقتها بحدة لتستطرد بذات مغزى:
"ما بحبش احتفظ في شقتي بكراكيب وحاجات مالهاش لا لازمة ولا قيمة."
يعلم أنها تقصده بحديثها، لكنه والله لم ولن ييأس وسيظل يسترضيها حتى يعيدها لحياته من جديد لينعم بقربها داخل أحضانه. ابتسم وتحدث بصوت حنون في محاولة للتأثير عليها كما كان يحدث بالماضي، لكنه غفل عن موت الماضي بالنسبة لتلك التي لم تعد كما السابق:
"معلش يا إيثار، خليها علشان يوسف ما يزعلش."
نظرت لصغيرها لتقول له بابتسامة حنون كي لا يستمع لما سيقال ويخلق لديه عقدة:
"استناني في العربية علشان عاوزة بابي في موضوع مهم يا چو."
هتف الصغير وهو يستعد للإفلات من داخل أحضان والده:
"حاضر يا مامي."
قبل صغيره بوجنته قبل أن يفلته، ليهرول الصغير إلى السيارة مستقلاً مقعده المجاور لوالدته، لتقول هي:
"يوسف زعل لما اتمنع واتحرم من إنه يحتفظ بحاجة عجبته وحبها."
قالتها في إشارة لما حدث من إجلال لتستطرد بابتسامة متهكمة:
"لكن إيه اللي هيزعله لما يستغنى عن حاجة هي بقت موجودة عنده أصلاً وصلت متأخر كالعادة، ياريت تكون فهمت قصدي يا أستاذ عمرو."
ابتلع لعابه خجلًا ليتحدث بنظرات توسلية:
"طب علشان خاطري خليها للولد، أنا خلاص اشتريتها، وأنتِ عارفة إن الحاجات دي مش بترجع، رميها في الشارع يعني."
هتفت بقوة بذات مغزى:
"وترميها ليه؟ إديها لبنتك اللي خلفتها من صاحبة الصون والعفاف."
انتابه شعور باليأس والخجل بعدما ضغطت على الماضي بكل قوتها وهي تذكره بذلته اللعينة. أنزل بصره لتهتف وهي تنظر له بقوة:
"أكيد المحامي بلغكم بقراري بخصوص رؤية يوسف، ومش بعيد تكون الست إجلال هي اللي باعتاك لحد هنا بالعربية علشان إيثار الهبلة تتنازل وتبعث لكم الولد تاني."
لتسترسل بنبرة تملؤها القوة والصمود:
"بس ده مش هيحصل، أنا مش مستعدة أهد كل اللي ببنيه وأنا بحاول أصنع من ابني بني آدم بنفسية سوية."
ثم أشارت بأصبع يدها السبابة وهي تقول بنبرة تهديدية:
"مش هسمح لأي مخلوق يأذي ابني ويفقده سلامه النفسي لمجرد إنه ينفذ تخطيط حقير لتركيعي."
رمقته بنظرات كارهة وهي تتابع بتهديد مباشر:
"ياريت ما تضطرنيش أقول الكلام ده تاني لأن المرة الجاية مش هيبقى مجرد كلام، ده هيبقى بلاغ رسمي للمجلس القومي للطفولة والأمومة وكل المنظمات المسؤولة عن حماية الطفل."
واستطردت بنبرة مبطنة بتهديد قوي:
"وأظن الحاج نصر في غنى عن كل ده، الراجل داخل على انتخابات ومحتاج السمعة الكويسة، ما تنساش تبقى توصل له الكلمتين دول هو والست الوالدة."
"ليه كل ده يا إيثار؟ أنتِ عارفة إن مفيش أغلى منك أنتِ ويوسف في حياتي، وعمري ما هسمح لحد يأذيه بأي شكل."
نطقها بضعف وعيون متوسلة، لتهتف بقوة ونظرات نارية:
"مجرد إنه منسوب لاسمك ده لوحده بيأذيه، ومرة تانية لو سمعتك بتجيب سيرة غلاوتي ههينك أكتر من كده."
رمقته بحدة أكثر لتسترسل بنبرة يملؤها الغضب:
"ابعد عني واحمد ربنا إني ما شوهتش صورتك قدام ابنك، وده مش علشانك لا، ده علشان مصلحة ابني علشان ما يخرجش للمجتمع بني آدم مشوه."
ثم استرسلت بتهديد:
"واحمد كمان ربنا إن ابنك معايا الوقت، مرة تانية لو شفتك قدام العمارة هبلغ البوليس، وأظن أنت فاكر إني عاملة لك محضر عدم تعرض."
واسترسلت بابتسامة ساخرة:
"يعني هتتروق في القسم لو بلغت فيك يا عمور."
نطقت كلماتها المقللة لشأنه لتسترسل وهي تتحرك صوب سيارتها:
"قول لبابي باي يا يوسف علشان مضطرين نتحرك علشان ألحق أوصلك للمدرسة قبل ما أروح شغلي."
رد عليها بدلًا من صغيره وهو يلهث خلفها:
"خليني أوصله وأنتِ روحي شغلك علشان ما تتأخريش."
ابتسمت ساخرة لتجيبه بعدما التفتت لتواجهه:
"تفتكر أنا ممكن أأمنك عليه بعد اللي شفته على ايديك؟"
تنهد بألم لعلمه مدى غضبها منه، ليقترب منها قائلًا بنبرة حنون:
"أنا عارف إنك ما حبيتشِ حد في الدنيا كلها غيري، وإن كل كلامك الجارح ده خارج من ورا قلبك، علشان كده مش زعلان منك بالعكس، أنا نفسي تديني فرصة تانية علشان أنسيك اللي حصلك، هعيشك ولا البرنسيسات يا إيثار."
واستطرد بحماس وانتشاء:
"أنا بقى معايا فلوس كتير قوي بعيد عن فلوس أبويا، هعيشك أنتِ ويوسف ملوك على الأرض، بس أنتِ وافقي وارجعي لحضني تاني."
نطق كلماته الأخيرة باستعطاف، لتبتسم ساخرة وهي تقول:
"مسكين، لا وغبي كمان."
نطقت كلماتها لتستقل السيارة، فأشار الصغير قائلًا لأبيه:
"باي باي يا بابي."
أشار للصغير ووقف بقلب يتمزق ألمًا وندمًا يتابع حبيبته وهي تنطلق بسيارتها حتى اختفت عن عينيه. اعتدل ليستقل سيارته فوجد سيارة الصغير مما جعله يزفر بقوة ويتلفت حوله ليجد حارس البناية فأشار له ليأتي الرجل مهرولًا وهو يقول:
"نعم يا بيه."
"خد العربية دي إديها لعيالك لو عندك أو إديها لأي حد."
نطقها وهو يستقل مقعده لينطلق مسرعًا تاركًا خلفه الرجل مذهولًا لارتفاع سعر تلك العربة.
ظهرًا
انتهى من التحقيق بإحدى البلاغات ثم أشار لكاتب النيابة ليخرج وألقى برأسه للخلف مغمضًا عينيه لأخذ قسطًا من الراحة. لاحت بمخيلته دموعها وهي تنظر له بعينيها اللائمتين. زفر بقوة فمنذ ما حدث بالأمس وطيفها لم يفارق خياله حتى بنومه.
اعتدل ليسحب الهاتف بعدما عزم أمره على أن يكرر اعتذاره من جديد. سحب نفسًا عميقًا ليضغط زر الهاتف برقم تلك التي كانت منكبة على مكتبها تتابع عملها على جهاز الحاسوب الخاص بها، ليصلها صدوح رنين الهاتف. استدارت برأسها لترى من المتصل فزفرت حين وجدت رقم خاص. عادت ببصرها من جديد إلى شاشة الحاسوب تتابع ما تعمل حتى انقطع الاتصال لتتطلع إليه من جديد وغصة مرة وقفت بحلقها حين تذكرت كلماته المهينة وهي تنزل على كرامتها كسوط.
أما هو فاستشاط داخله وغضب من تجاهلها له، فقد عذر تصرفها بالأمس وعدم إجابتها على اتصالاته، ولكن ما يمنعها الآن من الرد؟ كم تمنى أن يستمع لصوتها حتى يستريح ضميره الذي بات يجلده منذ ما حدث وللآن، حتى ولو هاجت ولامته مثلما فعلت بالأمس. نهض والتف حول مكتبه ليقف أمام النافذة يتطلع إلى الخارج ثم زفر بقوة عله يخرج ما بصدره من ضيق.
أما هي فقد هبت من جلستها بحدة بعدما انتوت حظر رقمه، فذهبت إلى هانيا لتسألها بملامح وجه متجهمة:
"هانيا، هو أنا ينفع أعمل بلوك لرقم برايفت؟"
"هو فيه طريقة كده سمعت عنها ممكن نجربها ونشوف، وريني آخر مكالمة."
مدت يدها وناولتها الهاتف، وبلحظة حسمت أمرها كأن قلبها ثار عليها لتسحب الهاتف من جديد وهي تقول بصوت مرتبك:
"خلاص يا هانيا مش مهم."
اختطفت هاتفها وانسحبت سريعًا للداخل مما جعل هانيا تلوي زاوية فمها متعجبة تصرفها. ولجت لمكتبها وتحركت سريعًا لترتمي فوق مقعدها وجسدها بالكامل يرتجف لتهمس بسريرتها:
"ماذا أصابك يا فتاة؟ أما زلتِ تشعرين تجاهه بذاك الإحساس اللعين؟"
وضعت كفها على موضع القلب لتحدثه بعتاب:
"ما بالك أيها العاصي العنيد، أما اتفقنا أن تكون لي درعًا أتوارى خلفه وأصد به ضربات الهوى الموجعة! لقد عاهدتني بأن تلقي في غياهب الجب دقاتك، ووعد الحر دين، لما الآن تتخلى عني وتلقي بوعودك عرض الحائط لأجل عيناه، عد سالمًا إلى قواعدك ولا تخزلني ولا تكن مثلك مثل الجميع."
تنهدت بعمق ليخرجها صوت رنين جرس أيمن لتضغط مجيبة:
"أيوه يا أفندم."
"تعالي لي حالًا يا إيثار وهاتي معاك ملف الصفقة الأخيرة."
نطقها فانسحبت بعدما أخذت الملف المطلوب.
مساء اليوم التالي
طلب من إحدى العاملات أن تصنع له كوبًا من عصير البرتقال الطازج وتخرجه له بالحديقة حيث اتخذ مقعدًا وجلس للاسترخاء أمام حوض المسبح. أخذ يفكر في من شغلت حيزًا كبيرًا من تفكيره وهذا ما جعله ينفر من حاله وبات يؤرقه مؤخرًا. ما باله هو ببنات حواء؟ ألم يعاهد حاله بالبعد عنهن؟ فقد كره النساء وقرر مقاطعتهن والنأي بحاله من براثن ألاعيبهن بعدما عاشر تلك الحقيرة وأزاح الستار ليظهر وجهها القبيح. ترسخت بصلب عقله فكرة أن جميعهن فارغات عقل وطامعات وجل ما يدور بمخيلتهن هو الحصول على المال بأية وسيلة وفقط. فهل حضرت تلك الإيثار لتقوم بتغيير تلك الفكرة الراسخة وتخرجه من ظلمات أفكاره إلى نور جنتها!
زفر بقوة وهز رأسه وكأنه ينفض تلك الأفكار الشاذة عن مخيلته. لا ينكر حزنه الشديد وسوء حالته المزاجية منذ ما حدث بينهما بالأمس. يكاد يجزم بأن رؤية دموعها هي الأسوأ على الإطلاق، فقد نزلت على قلبه كـ سياط ألهبت بجلداتها كل ما قابلته، وكانت كفيلة بأن تسحبه بدوامة الحزن إلى الآن لم يستطع الخروج منها.
فاق من شروده على صوت والدته حيث أقبلت عليه لتميل منحنية للأمام وهي تضع حاملًا به كأس العصير خاصته، ليقول بابتسامة:
"دكتورة عصمت بنفسها جايبة لي العصير ده، إيه الرضا ده كله يا دكتور؟"
"طول عمري وأنا راضية عنك، إنت اللي عامل زي القطط..." قالتها بمزاح لترتفع قهقهاته العالية. جلست بمقعد مقابل له وتمعنت بعينيه لتسأله باستفهام:
"مالك يا حبيبي؟"
"مالي يا ماما؟" نطقها بعينين متعجبة لتجيبه الأخرى بريبة:
"مش عارفة من ساعة ما رجعت من الحفلة إمبارح وإنت متغير، حتى على الغدا ما نطقتش بكلمة واحدة."
زفر بعمق لتسترسل هي بمداعبة:
"هو الموضوع عميق قوي كده!"
ضحك لمشاكسة والدته له وبسط ذراعه يلتقط به كأس العصير ليرتشف منه القليل، ثم نظر لها بتمعن قائلًا:
"إنت عاوزة توصلي لإيه بالظبط يا دكتور؟"
"عاوزة أعرف ابني حبيبي ماله." نطقتها بجدية ليجيبها بنبرة يغلفها الندم:
"زعلت حد مني قوي، أهانته بدون وجه حق، وبعدها اكتشفت إنه كان مظلوم وأنا اتسرعت في حكمي عليه من غير ما أفهم الموضوع صح."
تحدثت بعقلانية:
"بسيطة، كلمه واعتذر له."
لوى جانب فمه ليجيبها بنبرة حزينة:
"حاولت أتصل بيه بس رفض المكالمة."
اعتدلت بجلستها لتقول بنبرة أكثر تعقلًا:
"سيبه يومين يهدى وبعدها حاول تتصل بيه تاني، لما بننجرح قوي بنحب نختلي بحالنا ونبعد عن كل الناس."
"عندك حق." قالها بمواءمة لرأيها لتسأله بمكر:
"مش هتقولي مين اللي إنت زعلتها ومش قادر على بعدها دي؟"
أطلق ضحكات عالية لتسترسل هي بدهاء:
"مهو ما تحاولش تقنعني إن كل الزعل والحزن اللي ناطط من عينك وإنت بتكلمني ده علشان راجل!"
توقف عن قهقهاته ليجيبها بابتسامة ماكرة:
"واحد صاحبي صدقيني."
رفعت حاجبها باستنكار ثم أجابته بمشاكسة:
"ماشي يا ابن سيادة المستشار، هعمل نفسي مصدقاك، بس هستنى اليوم اللي تيجي لحد عندي وتحكي لي فيه عن كل حاجة."
لتسترسل بغمزة من عينيها:
"وقلبي بيقول لي إن اليوم ده مش بعيد."
تطلع أمامه وبلحظة احتدت ملامحه وتحولت لقاسية ليقول بصرامة:
"مش دايمًا إحساسنا بيكون صح، ساعات القلوب بتخدع وتظهر لنا صورة مغايرة للواقع وبعدها نفوق على كابوس عمرنا."
"إنسي يا فؤاد، إنسي وحاول تلحق اللي فاضل من حياتك، مش كل الستات نجلاء، دور على واحدة بنت حلال تكمل معاها مشوارك." قالتها بتأثر لتسترسل برجاء وقد لمعت عينيها من أثر الدموع:
"نفسي أشوف لك طفل يا ابني، ما تحرمنيش من إني أشوف ولادك بيتحركوا قدام عينيا يا فؤاد."
وما أن نطقت بكلماتها حتى هاجمت تلك الذكرى المؤلمة عقله ولاحت صورة جنينه التي قتلتها تلك المجرمة بدون رحمة. إنه لشعور قاتل أن يصلك رفض امرأتك بل واشمئزازها من الاحتفاظ بقطعة منك داخل رحمها. وبلحظة احتدم غيظًا وهو يقول بصوت حاد:
"ماما أرجوك، أنا مية مرة قولت لك إني ما بحبش السيرة دي، وإنت مصممة في كل مرة بنقعد فيها مع بعض إنك تفتحي الموضوع."
انتفض واقفًا ليصيح مسترسلًا وسهام الغضب تطلق من عينيه:
"زي ما يكون بيصعب عليك أكون عايش رايق."
قال كلماته وانطلق مسرعًا صوب الداخل لتتنهد وهي تتحدث بقلب أم مقهور لأجل نجلها:
"حسبنا الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منك يا نجلاء على اللي عملتيه في ابني."
وكررت دعوتها بصوت يصرخ ألمًا:
"ربنا ينتقم منك."
بعد يومين.
ارتدى ثيابه بالكامل استعدادًا لمغادرته والعودة لبلده بعدما قضى يومين داخل أحضان زوجته السرية شذى، ليستعيد رونق حياته التي سرقتها منه تلك المتجبرة سليطة اللسان الملقبة بـ إجلال. تحركت تلك الفتاة اليافعة بجواره لإيصاله إلى الباب لتقول بنبرة دلالية:
"بقولك إيه يا بيبي، كنت محتاجة منك شوية فلوس."
"عيني ليك." نطقها بهيام ليسترسل بإبانة:
"شوفي عاوزة كام وهحولهم لك على حسابك في البنك."
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي." نطقتها بدلال وهي تتحسس صدره ليقول بنبرة حماسية:
"اصرفي على كيف كيفك واللي تعوزيه كله بإشارة واحدة يبقى تحت رجليك."
ضحكت بسعادة لتقول بصوت متردد:
"طب كنت عاوزة أكلمك في موضوع تاني."
وقف يقابلها ليستفسر:
"خير؟"
زاغت بعينيها لعلمها رفضه للموضوع لكنها قررت أن تتجرأ وتطلبه منه مرة أخرى:
"أنا نفسي أرجع الشغل قوي، زهقت من قعدة البيت."
"شكلك اتجننتي يا شذى، عاوزة ترجعي الكباريه تاني؟" نطقها بحدة ليسترسل بغضب عارم:
"ما بقاش إلا كده كمان، مرات نصر البنهاوي عضو مجلس الشعب تقف تخدم على الزباين."
ربعت ذراعيها فوق صدرها لتهدر غاضبة باكفهرار:
"وهو أنت يعني كنت عرفتني منين يا سيادة النائب؟"
"عرفتك من شقة في حفلة خاصة كنتي واقفة تخدمي علينا، ولما دخلتي دماغي ونغششتي جواه عرضت عليك الجواز، وكان شرطي وقتها إنك تبطلي شغل وتبقي بتاعتي، وقصاد كده قولت لك إن كل الفلوس اللي هتطلبيها هتبقى تحت جزمتك." قالها بغضب ليسترسل بإبانة:
"وأظن أنا وفيت بوعدي معاك ولا إيه يا بنت الناس!"
"يعني ما فيش فايدة؟" قالتها بيأس ليقول بنبرة صارمة:
"لو الكلام مش عاجبك نفضها سيرة وكل واحد يروح لحاله."
ارتبكت وبسرعة البرق تغيرت لهجتها لتبتسم قائلة وهي تقترب ملتصقة به بدلال:
"هو أنت ما حدش يعرف يهزر معاك خالص؟"
"ما ليش في الهزار والكلام المايع، باحب أقطع عرق وأسيح دم." كلمات حادة ذات مغزى نطقها لتبتسم وتميل عليه تضع قبلة مراضاة قبل أن يرحل. ابتسم بخباثة لعلمه كيفية التعامل مع تلك الطامعة.
بعد مرور أسبوع، ليلًا داخل مسكن عزيز الخاص. استغلت غياب عزيز خارج المنزل حيث ذهب هو وأبيه ووجدي لأداء واجب عزاء بأحد ساكني القرية. أمسكت هاتفها وضغطت زر الهاتف ليأتيها صوت تلك التي زفرت قبل أن تسألها بحدة:
"عاوزة إيه يا نسرين؟"
"هكون عاوزة إيه غير سلامتك يا حبيبتي." نطقتها بذات مغزى لتهتف متسائلة بسخط ظهر بصوتها:
"جهزتي لي العشر آلاف اللي طلبتهم منك؟"
بنبرة ساخطة هتفت بحدة متهكمة:
"ده على أساس إني ماكينة فلوس ومسخرة نفسي لتحقيق أحلام الأميرة نسرين!"
زفرت الأخرى بقوة قبل أن تهتف بضجر:
"بلاش تستفزيني بكلامك زي كل مرة يا سمية، مش كل ما أطلب منك قرشين مزنوقة فيهم هتفتحي لي تحقيق وتقعدي تقطمي فيا."
لتسترسل لائمة:
"أمال لو ما كنتش أنا السبب في الخير اللي بقيتي فيه ده كله؟"
هتفت باستنكار:
"خير إيه يا حبيبتي، محسساني إني غرقانة في فلوس نصر البنهاوي وبغرف منها، يا حسرة ده أنا بالعافية باجيب طلباتي الشخصية، هي اللي اسمها إجلال مدية فرصة لواحدة فينا تتنفس بعيد عن سيطرتها دي، حتى الهدوم بتخلينا نروح نشتريها ومعانا الولية أم سلامة بتستأمنها على الفلوس وتخليها تحاسب لنا على اللي بنختاره."
صاحت نسرين بنبرة غاضبة:
"سمية بلاش تتلائمي عليا وتقعدي تصيحي زي كل مرة، عاوزة تفهميني إنك ما بتلهفيش من فلوس عمرو المتلتلة واللي أكيد مرمية عندك في كل حتة؟"
"إنت عاوزة إيه في ليلتك اللي مش فايتة يا نسرين؟" نطقتها بسأم لتصيح الأخرى غاضبة:
"عاوزة العشر آلاف جنيه يكونوا عندي بكرة، وإلا والله العظيم أروح أفتن لعمرو وأقول له إنك كنتي بتستغليني علشان تعرفي كل تحركاته وتحاصريه لحد ما خربتي بيته."
واسترسلت بتهديد مباشر:
"ولا تحبي أقول له على الرسالة اللي وصلت لإيثار على تليفونها اليوم إياه!"
ابتلعت لعابها وصمتت لتهتف الأخرى بغضب:
"مش كفاية إنك استغلتيني وكنتي كل شوية تسأليني على أخبارها وأخبار جوزها وأنا ماشية وراك زي الغبية، ده أنا كنت بخلي حماتي تتصل ببنتها تسألها أحوالكم إيه وجوزها فين وكنت بقنعها إن ده لمصلحتها علشان تاخد بالها منه واخد منها الكلام واجري أبلغهولك."
بصوت حاد هتفت سمية:
"نسرين يا حبيبتي، بلاش تعملي فيها البريئة أم جناحين وتحسسيني إن أنا الشيطان الأعظم، أنا من أول ما اتفقت معاك قولت لك وصليني بأخبارها مع جوزها أول بأول والباقي عليا، ولما عرفتي إني ناوية على جواز من عمرو الفرحة ما كانتش سيعاك، أنا عارفة إنك بتكرهيها وكان منى عينك تكسريها، فبلاش تجي لي الوقت وتعملي فيها البريئة اللي انضحك عليها من سمية."
هتفت بإبانة:
"مش هنكر إني خططت معاك على كسرة إيثار علشان أشوفها مذلولة وأشفي غليلي، بس مش طلاقها وخراب بيتنا، أحنا يا حبيبتي إحنا خططنا سوا أه، بس إنت خططتي ولا الشياطين وكنتي متأكدة إن إيثار لما تشوفك في الوضع الزبالة ده وعلى سريرها لا يمكن ترجع تاني لعمرو."
واستطردت بندم:
"وأنا اللي طلعت غبية وخسرت كل حاجة، خسرت العز اللي عمرو كان معيشنا فيه أيام ما كانت البرنسيسة في بيته، ده حتى الشغلانة اللي ربنا من علينا بيها من ورا نصر رجع وحط لنا العقدة في المنشار وربط تمامها برجوع السنيورة."
"قصدك إيه بالكلام ده يا نسرين؟ شغلانة إيه ورجوع مين أنا مش فاهمة حاجة!" نطقتها ببلاهة لتهتف الأخرى بغضب:
"لو فاكراني غبية وهبلغك بكل حاجة زي زمان تبقى غلطانة، والفلوس لو ما وصلتنيش على بكرة بالكتير هكون متصلة بعمرو وحاكية له على كل حاجة وساعتها مش هيطيقك أكتر ما هو ومش بعيد يطلقك فيها."
"خلاص بطلي رغي، هبعت لك الفلوس بكرة مع أختي الصغيرة عند أمك." قالتها تحت جشع وراحة قلب الأخرى التي أغلقت لتتنفس براحة وهتفت لنفسها:
"حلو قوي كده يبقى معايا تلاتين ألف قلبتها فيهم في ست شهور، أروح أجيب لي بيهم غواشتين وأشيلهم عند أمي جنب إخواتهم الحلوين."
انتهت لتطلق ضحكة سعيدة أما الأخرى فقد زفرت بعدما أنهت الاتصال لتهتف غاضبة بحدة وسخط:
"ماشي يا نسرين الكل..."
مسيرك تقعي تحت إيدي، وساعتها واللي خلق الكون ما هرحمك.
مر عشرة أيام وظل الأمر كما هو عليه، فقد أخذ ما حدث على محمل كبريائه وقرر عدم مهاتفتها منذ آخر مرة حاول بها التواصل معها ولم تُعره الاهتمام، وهذا ما أغضبه وأرغمه على عدم محاولة الاتصال بها مرة أخرى لكي لا يخسر كرامته أكثر من ذلك، فقد تصرف عكس طبيعته وتنازل وقدم لها الاعتذار لأكثر من مرة بعدما كسر جميع قواعده لأجلها، وما زال حائرًا كلما فكر بالأمر، لما ولماذا هي عن غيرها من النساء الذي بدأ يفقد قناع جموده أمامها.
بعد مرور شهرين آخرين على ما حدث بالحفل.
داخل دار الأوبرا المصرية، ولج هو وعائلته خلف العامل الذي يصطحبهم للمكان المخصص لجلوسهم لحضور الحفل، استقر بجلوسه بعدما جلس والداه وشقيقته التي جاورت زوجها الجلوس ليسأله والده بهدوء:
هي الحفلة هتبتدي إمتى يا فؤاد؟
ربع ساعة بالظبط وتبدأ يا باشا... قالها برصانة قبل أن تتسع عينيه بدهشة وهو يراها تجلس بالبلكون المقابل لهم، لا يدري ما حدث له من انتفاضة شديدة تابعتها رعشة لذيذة سرت بجميع جسده وكأنهما يثوران عليه، فبرغم أنه كابر وعاند شعوره بعدما اتخذ قرار البعد إلا أن عينيها لم تفارقه وكأن لها سحرًا تلبسه، وعلى العكس بدلًا من أن ينساها، استفحلت مشاعره تجاهها لدرجة جعلت من طيفها ملازمًا له كظله أينما ذهب ذهبت.
أما هي فقد حضرت بدعوة من نيللي التي قررت الاحتفال بيوم ميلاد إيثار بطريقة مختلفة ليظل راسخًا بعقلها، حيث قامت بدعوتها بصحبة عائلة أيمن لتناول العشاء بمطعم فاخر، وبعدها انضموا للاستمتاع بإحدى حفلات دار الأوبرا المعروفة بالرقي، تطلعت إلى تلك المرأة النبيلة التي تشملها بعطفها الدائم هي وصغيرها في محاولة نبيلة منها بتعويضها عن الأسرة التي افتقدتها لتقول بنبرة ممتنة:
مش عارفة أشكر حضرتك إزاي يا مدام نيللي على اليوم الحلو ده، بصراحة فاجأتيني بحفلة الأوبرا.
ابتسمت لتجيبها بحنو ظهر بصوتها:
إيه متشكرة دي كمان، أنتِ زيك زي لارا ومفيش فرق بينكم.
ابتسمت لارا لتقول بنبرة حنون:
كل سنة وأنتِ طيبة يا إيثو.
شكرتها لتقول سالي بنبرة حماسية:
بعت لك هديتك على البيت يا إيثار علشان صندوق كبير ومكنش ينفع أجيبه معايا هنا.
لتهتف لارا بمشاكسة:
أفتن عليك وأقولها على الهدية!
لتصيح الأخرى محذرة:
بطلي سخافة يا لارا، أحلى ما في الهدية مفاجأتها.
واسترسلت بابتسامة وهي تتطلع على إيثار:
يارب تعجبك.
أثنت عليها قائلة بعرفان للجميع:
ليه تعبتي نفسك! بجد كتير عليا اللي بتعملوه معايا ده كله.
زفر أيمن ليقول بتعنيف مفتعل كي يُعفي عنها الحرج:
يادي كتير عليا اللي كل شوية تقوليها دي، وبعدين معاكِ يا بنت، فيه واحدة كل شوية تقول لأهلها اللي بتعملوه معايا ده كتير عليا!
ابتسمت بإحراج ليقول أحمد بنبرة هادئة:
إسكتوا بقى علشان العرض هيبدأ.
ثم التف يتطلع إلى إيثار وهو يقول بابتسامة هادئة:
كل سنة وأنتِ طيبة يا إيثار.
وحضرتك طيب يا دكتور... قالتها بسعادة لتنظر أمامها بعدما خُففت الإضاءة استعدادًا للبدء، خرجت الفرقة التمثيلية ليبدأ العرض الشهير، عرض باليه بحيرة البجع.
اندَمجت مع العرض لأبعد حد فقد كانت الموسيقى رائعة، أما الراقصون فكانوا يتحركون بطريقة استعراضية بمنتهى الحرفية جعلتها تسرح بخيالها وكأنها تحولت لفراشة راقصة، أثناء اندماجها تطلعت تتفقد المكان لتجحظ عينيها وتعود لنقطة معينة من جديد، نعم هو هي أكيدة من نظراته المسلطة عليها، الأضواء خافتة لكنها تستطيع تحديد هوية الأشخاص، وما جعلها تتأكد هي تحيته حيث مال برأسه كتحية منه، قابلتها بتجاهل تام فهي ما زالت غاضبة منه برغم مرور الوقت، هز رأسه بيأس مع
خروج ابتسامة خفيفة على تلك العنيدة، برغم غضبها الذي ما زال قائمًا إلا أن قلبها قد خانها وثار عليها منتفضًا لتعلو دقاته وكأنها طبول حرب، باتت تتطلع على العرض بتمعن لتظهر له عدم اهتمامها بحضوره، لكنها لم تستطع الصمود فانهارت قواها الواهية لتتسحب ببصرها كي تسترق النظر لهيأته بعدما توقعت صرف نظره عنها، لكنه باغتها بنظراته المسلطة فوقها وكأنه لم يرَ من العرض سواها، خجلت وسحبت عينيها سريعًا وبدأت تلعن حالها وغبائها الذي صور لها بأنها أذكى من ذاك الداهي.
أتى وقت الاستراحة لتُضوي الأنوار داخل الساحة من جديد، همس لعائلته معتذرًا:
هروح أسلم على أيمن الأباصيري.
نظر والده نحو الاتجاه الذي أشار ناحيته نجله ليهز رأسه بموافقة ويتحرك الآخر بالممر إلى أن وصل لمقصده، كانت تلتزم الصمت التام وجسدها متخشبًا تنظر تحت قدميها من جراء ما حدث لتنتفض من جديد حين استمعت لصوته يأتي من خلفها فقد وقف خلفها مباشرة ليقول بصوت رزين واثق:
مساء الخير.
مساء النور... رددها الجميع ليتحدث إلى أيمن:
منور الأوبرا يا أيمن بيه.
ده إيه المفاجأة الحلوة دي يا سيادة المستشار... نطقها أيمن ليجيبه فؤاد بلباقة:
هي مفاجأة حلوة وغير متوقعة.
واسترسل وهو يشير إلى البلكون المتواجد به عائلته:
أنا كنت قاعد أنا والباشا والعيلة ولقيت حضرتك مع عيلتك قولت لازم آجي أسلم.
نظر أيمن إلى علام ومال برأسه بتحية ردها الآخر ليلقي السلام على نيللي وأحمد وأشار بتحية صامتة لسالي ولارا، وجاء دور سلام تلك التي أشرفت على لفظ أنفاسها الأخيرة من شدة توترها ليقول بصوت بات هادئًا:
إزيك يا أستاذة إيثار.
الحمد لله... نطقتها بجمود عكس ما يدور بداخلها من توتر وارتباك لا تدري سببهما ليلتف إلى أن وقف أمامها وبكل بسالة تحدث دون خجل:
أنا آسف، عارف إن الموضوع عدى عليه وقت طويل بس أنا مدين ليك باعتذار قدام الكل.
واستطرد تحت ذهولها وذهول الجميع من موقفه:
ياريت تقبلي أسفي.
ابتلعت لعابها من هيأته التي تنطق بالرجولة والبسالة، وما زادها تلبكًا هي عينيه التي تشملها وكأنها تحتضنها، بالكاد استطاعت إخراج صوتها لتقول بنبرة تبدو متوترة:
حصل خير يا سيادة المستشار... نطقتها بهدوء ليقاطعها معترضًا:
اللي حصل مكنش خير خالص، أنا فقدت أعصابي في اليوم ده وكان لازم أكون أهدى من كده بس صدقيني أنا كنت متضايق علشانك مش منك.
كانت تستمع إلى كلماته الآسفة بصوته الواثق، أما عن عيناه فلا تسألني، فقد كانت تفيض حنانًا ممزوجًا بالاعتذار مما أدخلها بحالة لا تُحسد عليها، توترت لتبتعد بعينيها وهي تقول:
متشكرة لذوقك.
لم تستطع نطق أكثر من كلتا الكلمتين لتضع نيللي كفها على خاصتها وهي تبتسم لها بحنان وسعادة لأجل كرامتها التي ردت إليها بعدما سُلبت أمامهم.
مالت سالي بجانب أذن لارا لتهمس باستغراب يرجع لعدم علمهما بما حدث:
أنتِ فاهمة حاجة من اللي بتتقال!
رفعت الفتاة كتفيها للأعلى وهي تمط شفتاها للأمام بعدم معرفة لتسترسل الأخرى بمشاكسة:
سيبك أنتِ من الحوار ده، وخلينا في البرنس اللي واقف قدامنا، بذمتك مش شبه أبطال الأفلام الفرنسية القديمة.
سخيفة... نطقتها باستخفاف لترد الأخرى:
يا بنتي ده قمر، فرصة كبيرة بلاش تضيعيها من إيدك.
أما أيمن فتحدث بمشاكسة لمديرة مكتبه:
أظن دي أحلى هدية اتقدمت لك النهاردة في عيد ميلادك.
هو عيد ميلادك النهاردة... أجابته بهزت رأس ونظرات خجلة ليسترسل بنبرة هادئة:
كل سنة وأنتِ طيبة.
متشكرة لذوقك... قالتها بصوت خافت لتتحدث نيللي:
إحنا خارجين النهاردة نحتفل بيها يعني كلنا هنا النهاردة على شرف الأستاذة إيثار.
ميرسي بجد يا مدام نيللي ربنا يخليكم ليا... كلمات نطقتها بعينين متأثرة مع ابتسامة جذابة سرقت بها لُب ذاك الواقف يتطلع على حسنها بانبهار.
مش تسلم على لارا بنت الباشمهندس أيمن يا سيادة المستشار... جملة نطقتها سالي لينتبه ويتطلع عليهما لتسترسل بابتسامة هادئة:
شكلك مكنتش تعرفها.
أهلًا وسهلًا... نطقها وهو يميل برأسه للفتاة برسمية قابلتها الأخرى بابتسامة هادئة وهي تلكز زوجة أخيها بفخدها ليسترسل مستأذنًا:
العرض دقايق وهيبدأ أسيبكم تستمتعوا بيه.
واسترسل بلباقة وهو يمرر عينيه على الجميع:
أتمنى لكم سهرة سعيدة.
وتوقف ببصره فوق عينيها ليكمل بابتسامة حنون:
مرة تانية كل سنة وأنتِ طيبة.
أومأت بملامح وجه زادتها كلماته العطرة نورًا وابتهاجًا.
انسحب عائدًا لمكانه ليبدأ العرض بالمواصلة بعد انتهاء الاستراحة ليتابعاه كلاهما بقلوب ومشاعر مختلفة عن ذي قبل، فقد بات يتطلع عليها بنظرات أقوى لتسحب هي عنه بصرها بخجل إلى أن انتهى الحفل وذهب الجميع إلى وجهته بعدما شكرت
إيثار عائلة أيمن على هذا اليوم الجميل والمميز وعاد كل منهما يفكر بالآخر وتوقعت أن يهاتفها لكن خاب ظنها.
عصر اليوم التالي
كانت تجلس بصحبة عزة والصغير داخل الشرفة يتحدثون سويًا فاستمعوا لرنين جرس الباب لتنهض عزة متجهة صوب الباب، وبعد قليل استمعت لصوت تلك المزعجة يناديها، فاتجهت للخارج لتجد رجل يحمل إحدى باقات الزهور النادرة، تمعنت بوجه الرجل باستغراب لتهتف عزة قائلة:
واحد جايب ورد وبيقول علشانك.
علشاني أنا!... نطقتها باستغراب ليسألها الرجل باهتمام:
حضرتك الأستاذة إيثار غانم الجوهري؟
أيوا أنا... رد عليها:
فيه هدية وبوكيه ورد علشانك.
قطبت جبينها وأقبلت عليه تسأله:
مين اللي باعتهم؟
أجابها بعملية:
معنديش معلومات بس الكارت مكتوب عليه.
أخذت الكارت وقرأت ما عليه وكان كالآتي:
برغم إنك عملتي معايا اللي مفيش مخلوق في الكون قدر يعمله ومع ذلك مقدرتش أفوت مناسبة مهمة زي دي كل سنة وأنتِ طيبة مع تحياتي شرشبيل.
ابتسامة عريضة ارتسمت لتزين ثغرها تحت استغراب عزة التي هزتها لتسألها بفضول:
مين اللي باعت لك الورد؟
استفاقت من حالة الهيام التي سحبتها كلماته داخلها لترد على عزة:
هقول لك بعدين.
تنهدت لتقول للعامل بجدية:
أنا آسفة لتعبك بس أنا مش هقدر أقبل الهدية، ياريت ترجعها لصاحبها.
أجابها بجدية:
مش هينفع يا أفندم، إحنا مجرد شركة توصيل ملناش علاقة باللي بعت الهدية ولا عندنا أي معلومات عنه، يعني لو حضرتك رجعتيني بالأوردر مش هعرف أرجعه لصاحبه.
زفرت لتسأله بحدة:
والحل!
رفع الرجل كتفيه للأعلى ليقول بهدوء:
اتفضلي حضرتك استلمي الأوردر وإبقي رجعيه لصاحبه بنفسك.
زفرت بضيق لتقول لعزة:
خدي منه الحاجة ودخليها جوه يا عزة.
قدم لها الوصل لتضع إمضائها عليه ثم ناولته بعض النقود ليرحل، لتلج للداخل من جديد لتجد عزة ممسكة بذاك الصندوق الملفوف بشريط صغير باللون الأحمر، زفرت بعمق لتسألها عزة مستفسرة:
مين اللي باعت لك الحاجات دي يا إيثار!
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء وهي تقول:
وكيل النيابة اللي كان ماسك قضية كريم الله يرحمه.
قطبت الأخرى جبينها وهي تسألها باستغراب:
ووكيل النيابة يبعت لك هدية بتاع إيه!
لتشهق وهي تتحدث وكأنها تذكرت:
مش ده اللي كان بيكلمك من ييجي تلات أسابيع ساعة ما خدتي التليفون واتسحبتي وكلمتيه من أوضتك!
هي إيه الحكاية بالظبط متفهميني يا بنت عم غانم!..
نطقت كلماتها الأخيرة بغمزة من عينيها لتزفر الأخرى بضيق وهي تقول:
"هيكون إيه اللي بينه وبيني بعقلك يا ست عزة!"
واستطردت بألم وهي تتذكر الفارق الاجتماعي الكبير بينهما:
"ده راجل مستشار قد الدنيا، وأبوه يتعد من أبرز رجال الدولة، ده غير عيلته الكبيرة."
واسترسلت بصوت مختنق بالدموع:
"تفتكري إيه اللي ممكن يجمعه ببنت عم غانم الغلبان؟"
هتفت سريعًا بتفاخر:
"فشر! ده أنت ست البنات كلهم، وكيل النيابة ده لو لف الدنيا كلها لا هيلاقي في عقلك ولا أخلاقك ولا طيبة قلبك."
استمعت لصوت رنين هاتفها لينتفض قلبها حين رأت رقمه الخاص، لتبتسم تلقائيًا، وبلحظة ضغطت زر الإجابة لتستمع لصوته الرجولي المؤثر:
"إزيك؟"
"الحمد لله."
سألها بابتسامة هادئة:
"عجبتك الهدية؟"
"مشفتهاش علشان أحكم."
قالتها بهدوء ليسألها مداعبًا إياها:
"معقولة لحد الوقت ما فتحتيهاش!"
"أنا سبت لك ربع ساعة بحالها وبعدها رنيت."
ضيقت بين عينيها لتسأله باستغراب وهي تتجه صوب غرفتها لتغلق بابها عليها:
"وإنت عرفت منين إن فات ربع ساعة؟"
"السؤال ده عيب يتسأل لواحد زيي."
نطقها بغرور ليسألها من جديد:
"مقولتليش مفتحتيش الهدية ليه لحد الوقت؟"
"كون إني أفتحها معناها إني قبلتها."
قالتها بجدية ليسألها باستغراب:
"وليه ترفضيها؟"
"وليه أقبلها؟"
قالتها بثبات فأجابها بنبرة هادئة:
"تقبليها لسببين، أولهم بمناسبة عيد ميلادك، ثانيًا الهدية دي كاعتذار مني ليكي بسبب اللي حصل في الحفلة."
أجابته بثبات:
"أنا آسفة في اللي هقوله، بس أنا مفيش بيني وبينك اللي يخليني أقبل هدية منك ده أولًا. ثانيًا اللي حصل في الحفلة مفيش أي حاجة في الدنيا تمحي الألم والإهانة اللي حسيت بيهم وقتها."
"على فكرة، إنت كمان هنتيني ومش عارف إزاي قبلتها على نفسي واتصلت بيكي تاني."
نطقها مشيرًا لعدم إجابتها على مكالماته السابقة ليتابع مسترسلًا:
"أنا مفيش مخلوق على وجه الأرض قدر يعمل معايا اللي إنت عملتيه."
"وأنا عمري ما حد اتكلم معايا بالطريقة البشعة اللي اتكلمت معايا بيها."
قالتها باستنكار ليقول سريعًا بمداعبة:
"كده نبقى خالصين ونقطة ومن أول السطر."
"بمعنى؟"
أجابها بذكاء:
"أقصد إن إحنا الاتنين تجاوزنا في حق بعض فكده نبقى خالصين."
واستطرد بدهاء:
"بس أنا ليا شرط علشان أقدر أتجاوز إهانتك ليا."
رفعت حاجبها متعجبة لتسأله ساخرة:
"كمان! ويا ترى إيه بقى شرط جنابك!"
"إنك تقبلي هديتي."
قالها بصوت راجٍ لتجيبه بإحراج:
"معلش تعفيني من الطلب ده لاني حقيقي مش هينفع."
عندما وجدت منه الصمت استرسلت كي لا يحزن:
"أنا ممكن آخد الورد وده كفاية جدًا بالنسبة لي، بس الهدية أنا آسفة."
باغتها بطلبه:
"طب مش تفتحيها وتشوفيها الأول، مش يمكن تعجبك وتحبيها!"
بنبرة هادئة وواثقة أجابته:
"أيًا كان نوع الهدية فأنا متأكدة إن ذوقها هيكون هايل وراقي، لكن الموضوع بالنسبة لي مسألة مبدأ."
سألها باستفسار:
"هو أيمن الأباصيري مجابلكيش هدية؟"
أجابته بهدوء:
"جاب لي طبعًا، بس الموضوع هنا مختلف. الباشمهندس أيمن بيعتبرني زي لارا بنته، ده غير إن أنا بردها له في أعياد ميلاده وأي حد من العيلة."
"خلاص كده اتحلت."
قالها بدهاء لتسأله مستغربة:
"إزاي؟"
أجابها:
"ترديها لي في عيد ميلادي."
"للأسف مش هقدر."
قالتها بحزم ليسألها:
"ليه؟"
"علشان زي ما قولت لك من شوية مفيش بيني وبينك اللي يخليني أقبل هدية منك."
نطقتها بحسم ليقول ما جعل قلبها ينتفض ويثور عليها:
"طب ولو قولت لك علشان خاطري بردوا هترفضي؟"
"أرجوك بلاش تصعبها عليا."
نطقتها بصوت راجٍ ليجيبها بدهاء:
"لو ده هيريحك خلاص خلينا نتفق على ميعاد ترجعيها لي فيه."
قطبت جبينها ليسترسل هو:
"إيه رأيك لو نتعشى مع بعض بكرة؟ أنا عارف مطعم بيعمل أكل إيطالي تحفة، متأكد إنه هيعجبك."
تنهدت بعمق قبل أن تقول له:
"أنا آسفة بس حقيقي مش هينفع."
سئم رفضها المتكرر ليقول متعجبًا:
"طب أعمل إيه تاني علشان أريحك؟"
"متعملش حاجة، أنا بكرة هبعتها لحضرتك مع ساعي الشركة لحد مكتبك."
قالتها بعد تفكير ليجيبها بمكر:
"أكيد بتهزري، معقولة هتبعتي لي هدية على مقر النيابة!"
ليسترسل لإقناعها:
"مقر النيابة ليه قدسيته ولا إيه يا أستاذة؟"
"طب هنعمل إيه؟"
قالتها بعدما انتهت حلولها ليجيبها بمراوغة:
"خلينا نتقابل بعد ما تخلصي شغلك قدام كافيه لؤلؤة، المكان قريب منك يعني مش هتتأخري."
بعد تفكير دام أكثر من عشرين ثانية أجابته باستسلام:
"أوك."
"عندي طلب أخير لو أمكن."
قالها برجاء ليستطرد سريعًا:
"ممكن تعتبريه رجاء."
أجابته بترقب:
"لو هقدر أعمله أكيد مش هتأخر."
"هتقدري لأنه بسيط جدًا."
قالها بهدوء ليستطرد بتمني:
"عاوزك تفتحي الهدية وتقولي لي رأيك فيها."
وقبل أن تعترض تابع مسترسلًا:
"يهمني جدًا إني أعرف رأيك في ذوقي، يا ريت مترفضيش."
لم تستطع الرفض بعد إلحاحه الشديد لتقول له بنبرة مستسلمة:
"حاضر."
ابتسم ليقول بمشاكسة:
"يا سلام لما بتبقي مطيعة بتبقى تجنني."
خجلت من كلماته لتقول باستئذان:
"أنا مضطرة أقفل، بعد إذنك."
"قبل ما تقفلي عاوزة أقول لك على حاجة."
نطقها لتستمع بتمّعن وهو يقول بنبرة صادقة:
"أنا مستغرب نفسي قوي معاكِ، تعرفي إني عمري ما اعتذرت لحد، مش تكبر ولا غرور، أكثر من إنه انضباط نفسي لأبعد الحدود بيمنعني إني أغلط، ولو فلتت وغلطت مبحبش أعتذر مباشر، ممكن أعمل للشخص اللي غلطت في حقه حاجة توصله لمعنى الاعتذار بس من غير ما أنطقها مباشر."
أخذ نفسًا عميقًا ليسترسل بنبرة صادقة:
"معاكِ مش بس اعتذرت بالكلام، لاده الأمر وصل إني أرن عليكِ يومين ورا بعض وسيادتك تطنشيني، لا وأرجع أكلمك تاني النهاردة."
تنهد قبل أن يقول بما دغدغ مشاعرها:
"معاكِ فؤاد علام بيكسر كل قواعده اللي وضعها في التعامل بينه وبين الناس وبقى لي سنين ماشي على نهجها، إنتِ الوحيدة اللي أنا سمحت لك بتحطيم أسواري والدخول لأعماقي، إنتِ وبس يا إيثار."
نزلت كلماته الصادقة على قلبها البريء فزلزلته وضربت بجميع تحذيراته عرض الحائط، أغمضت عينيها لتسرح بمعاني كلماته الرائعة لتنسى وتتناسى معه ما مرت به من عواصف زلزلت بكيانها وما زالت توابعها تلاحقها للآن.
رواية انا لها شمس الفصل الخامس عشر 15 - بقلم روز امين
إيثار الجوهري
بقلم: روز أمين
أنهت محادثتها معه بقلبٍ منتشٍ، تشعر بعالمها قد تغير وكأن خريفها بلحظة تحوّل لربيعٍ، وتفتحت زهوره لتُضئ ألوانها الزاهية عالمها. كل هذا بفضل كلماته التي حملتها إلى أعنان السماء لتسبح بروحها داخلها، حتى أن قلبها كاد أن ينسى كل ما مر به من آلام طيلة الفترة المنصرمة. تشعر لأول مرة منذ ما حدث لها بالماضي أنها تريد ترك العنان لقلبها يتحكم بمصيرها وتدع عقلها الذي يؤرق نفسها جانبًا.
هرولت إلى المرآة لتنظر لانعكاس صورتها، فرأت وجنتيها قد التهبتا بنار الهوى وتحوّل لونهما للأحمر الداكن بفضل حبورها الشديد الذي شملها من مجرد بضع كلمات، فما بالك بنظرة من ساحرتيه أو همسة أمامه!
تنهدت وأخذت الشهيق والزفير لتنظيم ضربات قلبها السريعة، ثم خرجت بعدما هدأت بعض الشيء لتجد عزة تجلس بجوار الفتى يتطلعان على ذاك الصندوق الصغير بفضول، ليقول يوسف بصوت حماسي:
حولت بصرها في التو لتلك التي سحبته عنها سريعًا قبل أن ينكشف أمرها بأنها من حرضت الصغير. تنهدت لتقترب منحنية على الصندوق استعدادًا لفتحه، ليباغتها سؤال عزة التي قالت بتعجب:
"إنتِ هتاخديها!"
نظرت لها باستنكار لترد نافية:
"لا طبعًا، أنا رفضتها وهرجعها له بُكرة."
"أُمال بتفتحيها ليه!"
تنهدت قبل أن تجيبها وهي ترفع كتفيها مدعية اللامبالاة:
"هو طلب مني أشوفها وأقول له رأيي فيها."
قطبت عزة جبينها وهي تقول متعجبة:
"أمره غريب قوي الجدع ده."
فتحت الصندوق لتجد مجسمًا صغيرًا لشخصية شرشبيل الكرتونية، لتضحك بصوت عالٍ جعل من عزة ويوسف يهرولان لمكانها ليشاهدا ما يضحكها بهذه الطريقة الهستيرية. أخرجت المجسم بيدها بطريقة استعراضية لتمرره أمام أعينهم ليشهق الصغير متمتمًا بذهول:
"شرشبيل الشرير!"
أما عزة فلوت فاها لتقول وهي تضع كفها فوق فكها بتعجب:
أعادت إيثار المجسم داخل الصندوق ووضعته فوق الطاولة واستقامت بعدما أخذت العلبة وبدأت بفتحها لتُذهل من شدة ضوء تلك الإسورة المرصعة بالأحجار الألماسية بإطلالة مبهرة تسحر ناظريها. تمعنت بجمال صنعها المتقن وكأنها صنعت بمنتهى الحرفية لتبدو قطعة فنية مضيئة مزينة بفصوص الألماس المتلألئة وكأنها تعزف سيمفونية من الرقي والفخامة، لتهتف عزة بعينين مسحورتين:
"إيه الجمال ده كله! دي حلوة قوي يا إيثار."
لم تنكر انجذابها لتلك القطعة النادرة، وبرغم هذا الانبهار إلا أنها ما زالت عند قرارها التي اتخذته. الآن وفقط فهمت مغزى إصراره على رؤيتها، كان على يقين بأن هديته نادرة وتسحر، ومن تلك الغبية التي ترفض هدية بهذه الأناقة وبالتأكيد ثمنها باهظ!
استفاقت على صوت التي قالت وهي تشير بكفها أمام عينيها:
"روحتي لحد فين؟
مش هتلبسيها علشان تشوفيها على إيدك!"
أعادت وضعها داخل الصندوق لتقول وهي تجذب كف ابنها لتجلسه على ساقيها:
"وألبسها ليه طالما هرجعها!"
تطلعت لها لتسألها بتشكيك:
"هو أنتِ هترجعيها بجد؟ دي شكلها غالي قوي."
على عجالة نطقت بتأكيد:
"وللسبب ده بالذات لازم ترجع."
واسترسلت بنبرة جادة:
"أنا مستغربة هو إزاي يجيب لي هدية غالية بالشكل ده وهو ما يعرفنيش أصلًا."
"مش يمكن بيحاول يتعرف..." قالتها بابتسامة خبيثة لترمقها الأخرى بتحذير وهي تنظر للصغير لتجده ممسكًا بالمجسم وسارحًا بتفاصيله المتقنة بعدما أفلت حاله من فوق ساقيها وتوجه صوب الصندوق لتسأله هي بابتسامة:
"عجبك يا جو؟"
وضعه بداخل الصندوق وتوجه صوبها من جديد وهو يقول بوجه كاشر:
"مش بحب شرشبيل لأنه شرير وبيحارب السنافر."
ابتسامة عريضة زينت ثغرها عندما تذكرت إمضاء ذاك المخادع بـ "شرشبيل". تمدد الصغير فوق الأريكة ليضع رأسه فوق ساقي غاليتها لتعبث بحنان بأناملها الرقيقة داخل خصلاته الناعمة ليتدّلل مبتسمًا وهو يضم ساقها بأحضانه بدلال تعبيرًا عن مدى شعوره بالأمان والارتياح.
وقفت عزة لتسألها باهتمام:
"أعمل لك حاجة تشربيها معايا؟"
"يا ريت فنجان قهوة."
أومأت وانسحبت للمطبخ لتنظر هي لصغيرها وباتت تدغدغه بأناملها في بطنه مما جعل صوت قهقهاته تعلو وتصدح بالمكان لتجلجل أركانه تحت ابتهاج روحها.
ليلًا، كان يجلس بصحبة عائلته ببهو قصرهم الفخم، الجميع يتبادلون فيما بينهم الأحاديث عدا ذاك الشارد الذهن حيث كان سارحًا في تلك الساحرة التي استطاعت خطف لبه بجميع تفاصيلها، حتى تلك البسمة التي كانت تشع من عينيها وهي تتطلع عليه ما زالت مرسومة بذهنه، صوتها الهامس الأشبه بسيمفونية رائعة ما زال عالقًا يتردد رنينه بأذنيه.
جديدة عليه تلك المشاعر التي يحياها لأول مرة، حتى مع تلك الخائنة التي غربت شمس سعادته على يدها وتسببت له بجرح غائر بجبين كبريائه كرجل، لم يحدث وعاش بحضرتها مثل هذه المشاعر الخصبة.
ابتسامة رائعة زينت ثغره دون وعيٍ منه، كانت كفيلة لسعادة قلب علام الذي نطق لمشاكسته:
"اللي واخد عقل سيادة المستشار!"
"يتهنى به..." قالتها عصمت بمزاح ليرفع حاجبه متعجبًا وهو يتحدث لوالداه:
"ده إيه الروقان ده كله! الباشا الكبير والدكتورة بنفسهم بيقسموا عليا."
تعالت ضحكات الجميع ليقول ماجد:
"على فكرة يا سيادة المستشار، إنت فيك حاجة متغيرة النهاردة."
هب واقفًا ليقول وهو يستعد للخروج إلى الحديقة:
"ده الكل مركز معايا بقى! أنا أحسن حاجة أطلع أتمشى شوية في الجنينة."
"خلي بالك، إنت كل مرة تتزنق فيها وما تعرفش تجاوب تهرب..." قالتها فريال ليرمقها باستغراب قائلًا:
"كلي سناكس يا فيري."
هزت رأسها وهي تمط شفتاها لإغاظته ليضحك على شقيقته المشاكسة وينسحب للخارج.
تحرك إلى أن وصل للحديقة الخلفية وأخرج هاتفه وقبل أن يطلب رقمها ألغى خاصية عدم ظهور الرقم ليظهر على شاشة تلك التي كانت تتوسط فراشها وهي تقرأ كتابًا بيدها عن تعديل السلوك الإنساني. لتنتبه على صوت الهاتف وما أن نظرت إلى الشاشة وجدتها مزينة بحروف اسمه: "فؤاد علام زين الدين" فقد ظهر اسمه عن طريق برنامج الـ TrueCaller، لتبتسم تلقائيًا وتضغط زر الإجابة لتقول بصوت هادئ كنسيم البحر:
"تنازل كبير من سيادة المستشار إنه يمنحني شرف ظهور رقمه على تليفوني."
قابل كلماتها المشاكسة بقهقهة تفيض منها الرجولة لتداعب الفراشات معدتها على الفور مع ارتجافة لذيذة سرت بجسدها، ليتوقف عن قهقهاته ويقول بكبرياء مصطنع:
"دخلت التاريخ علشان رقم تليفونك ظهر عندي!"
بثقة عالية أجابها:
"آه طبعًا، إنتِ عارفة الرقم اللي سيادتك مستهونة بيه ده كام حد في مصر يتمنى يعرفه!"
ضحكت بسعادة ليتنهد بعمق ثم زفر بهدوء ليتحكم بحاله بعدما أذابته برقة ضحكاتها. تحمحم ليسألها بترقب:
"فتحتي الهدية؟"
وقبل أن تجيبه شاكسها مسترسلًا:
"أظن أديتك وقت كفاية، كده ما لكيش حجة."
"وإيه رأيك؟" سألها مترقبًا لتجيبه بصوت مبتسم:
"لذيذ."
"شرشبيل."
"طب كويس إن شرشبيل باشا نال الرضا. طب ده بالنسبة لشرشبيل، إيه أخبار الهدية الثانية معاكي؟"
بهدوء ورزانة أجابته:
"أنا قلت لك من قبل ما أشوفها إنها أكيد هتعجبني، وبالمناسبة حابة أهنيك على ذوقك المميز."
ليجيبها سريعًا:
"لسه ما اتفقناش، إحنا قولنا نشوف الهدية الأول وبعدها هنحكم."
قالها بصوت حنون وكأنه يترجاها مما جعلها تبتلع ريقها تأثرًا وتجيبه بنبرة حاسمة خرجت مرتبكة بعض الشيء:
"أنا بالنسبة لي حسمت قراري من وقتها وبلغتك بيه."
واسترسلت بصوت راجٍ أثاره:
"أرجوك ما تضغطش عليا."
انتعش داخله ولم يدري بما تفعل به نبرات صوتها الناعمة، كل ما يعلمه أنه يشعر بحالة من الانجذاب القوي لكل ما بتلك المبهرة: نبرات صوتها بكل حالاته، جديتها، نعومتها، حتى بثورتها تُثوره وتجعله يريد الوقوف أمام طلتها ساعات وساعات. تجذبه نظرات عينيها المتنوعة ما بين خجلة وسعيدة وحزينة وحتى الغاضبة منها، طلتها، جمالها الساحر برغم هدوئه وبرغم عدم.
"ما أقدرش أضغط عليكي يا إيثار، أنا لما فكرت في الهدية كان علشان أسعدك بيها وكانت بمثابة اعتذار مني."
"كلامك ليا قدام الباشمهندس وعيلته كان كفيل يمسح أي حزن حضرتك اتسببت لي فيه..." قالتها بكثير من الصدق والعرفان جعل قلبه يرتجف فابتسم قائلًا بعدما انتوى على أن يشاكسها:
"على فكرة، ما فيش داعي كل شوية حضرتك وجنابك والكلام الكبير ده، إحنا بنتكلم الوقت كـ..."
"لا طبعًا ما ينفعش."
"ليه ما ينفعش؟" نطقها بهدوء لتجيبه بجدية:
"علشان حضرتك ليك وضعك ومركزك."
"طب ما حضرتك برضه ليك وضعك ومركزك الكبير قوي في عنيا..." وإلى هنا وكفى فقد انصهرت مشاعر الفتاة وذابت روحها وانتهى الأمر، فكلمات ذاك الماكر قد أصابت هدفها واخترقت كيان تلك التي كانت تدعي الصمود لتكتشف أنه مجرد صورة واهية انهارت أمام كلمات ذاك الساحر.
اتخذت من الصمت ملاذًا فمن أين تأتي بكلمات وإذا وجدتها كيف تخرجها وقد اندثر صوتها تحت ما خلفه دمار كلماته.
ابتسم واسترسل ليخرجها من تلك الحالة التي أدخلها بها:
"تعرفي إن اسمك حلو قوي ومميز."
واستطرد بما نهى عليها:
"زي كل حاجة فيكي."
بصعوبة أخرجت صوتها المرتعش والذي دل على حالتها لتقول:
"هتكلم أقول إيه؟"
"أي حاجة منك هتبقى حلوة وحلوة قوي كمان..." قالها بصوت ناعم أقرب لهائم لتبتلع لعابها وهي تقول متهربة:
"أنا مضطرة أقفل علشان أروح أطمن على يوسف."
نطقها بهيام ارتجف على إثره جسدها ليسترسل مذكرًا إياها بجدية:
"آه ما تنسيش ميعادنا بكرة، الساعة خمسة مناسب ليكي؟"
نطقت بصوت ما زال متأثرًا:
"مناسب جدًا."
"اتفقنا، تصبحي على خير..." نطقها بصوت ناعم لترد بهدوء:
"وحضرتك من أهله."
"إممممممم، إحنا قولنا إيه؟"
ابتسمت لتجيبه:
"وإنت من أهله."
"خليكي كده دايمًا، لقد خُلقت السعادة من أجل ازدهار روحك وإنارة وجهك، ما بالك أنتِ بالحزن يا فتاة!"
شعورًا هائلًا بالسعادة احتل مدينتها لتجيبه بصوت يفيض فرحًا:
"يظهر إن الباشا ليه في الشعر كمان!"
"أنا ليا في كل حاجة محتاج بس اللي يكتشفني..." قالها بمشاكسة لتبتسم قائلة بهدوء:
"بعد إذنك."
أغلقت سريعًا لتأخذ نفسًا بعمق وكأنها كانت تكتم أنفاسها. بلا وعي ضمت الهاتف إلى صدرها لتغمض عينيها وهي تطلق تنهيدات عميقة. شعور حلو ولأول مرة تصل إليه وتتعايش داخله، تيقنت أنها لم تكن أكثر من ردة فعل على مشاعره الفياضة تجاهها. لقد أحبت حبه لها وأثارها.
أما ذاك الماكر الذي تبسم بارتياح بعدما رفضت وبشدة هديته القيمة والتي اختارها بعناية فائقة بحيث تسحر من تراها ومن الوهلة الأولى تتمناها ويصعب على أي أنثى رفضها، لكنها مقابل كل هذا الإغراء رفضتها لتريح قلب ذاك المجروح الذي طُعن بظهره على يد من سلمها حياته وكان يغفو بجانبها مطمئنًا، لذا سيكون حذرًا إلى أبعد الحدود مع تلك الإيثار وخصوصًا بعدما استمع إليه من صديقه وكيل النائب العام بشأن أقوال والد طليقها عن ابتزازها لنجله واستغلال الصغير من أجل الحصول على المال مقابل رؤيته. سيضع جميع الاحتمالات ولم ولن يعطي الأمان بسهولة. وضع يديه بداخل بنطاله القطني ليفرد قامته لأعلى وبدأ يتنفس.
صباحًا
داخل منزل أيمن الأباصيري، وبالتحديد بغرفة الطعام كانوا يصطفون حول المائدة يتناولون وجبة فطارهم الصباحي، لتقول لارا بنبرة هادئة:
"بابي كنت عاوزة أروح أقعد مع إيثار شوية بالليل، يوسف وحشني قوي ونفسي أشوفه."
"روحي يا قلبي، خلي السواق يوصلك الساعة ثمانية. وإن شاء الله في الويك إند هنعزمها هي ويوسف وعزة ييجوا يقضوه معانا، وممكن نعمل باربكيو."
"إبقي اسأليها على رأيها في الفستان يا لارا، أصلها ما كلمتنيش وقالت لي رأيها فيه، وخايفة يكون..."
"ذوق مين ده اللي ما يعجبهاش؟ أنا مراتي ذوقها يعجب الباشا."
اتسعت ابتسامتها لترد بسعادة:
"ميرسي يا حبيبي."
أجابها أيمن بهدوء:
"أكيد انشغلت لأن كان عندنا شغل كتير متأخر وكان فيه اجتماع مهم جدًا إمبارح هتكلمك النهاردة أكيد."
"عادي يا أونكل براحتها، أنا بس استغربت لأن أي هدية بجيبها لها بتكلمني بعدها على طول وتشكرني..." قالتها بهدوء ليقف أيمن بعدما جفف فمه بالمحرمة الورقية وهو يقول:
"أنا ماشي، عاوزة حاجة يا حبيبتي؟"
"ميرسي يا حبيبي..." نطقتها نيللي براحة ليقف أحمد وهو يقول:
"أنا كمان لازم أتحرك حالًا علشان عندي عملية بدري."
هبت سالي من مقعدها لتجاور زوجها الوقوف قائلة باهتمام:
"هوصلك يا حبيبي."
قاطعتها نيللي بهدوء:
"اقعدي يا سالي علشان عاوزة آخد رأيك في حاجة مهمة."
واستطردت بعدما وجدت منها نظرات متعجبة:
"أحمد خارج مع باباه فما فيش داعي توصليه."
قبل أحمد جبهة زوجته ليتحرك بجانب أبيه تحت تعجب سالي لتقف لارا قائلة:
"أنا هأروح أبلغ إيثار في التليفون إني هزورها، وكمان أختار من على أمازون كام هدية ليوسف علشان يلحقوا يوصلوا."
ابتسمت لها نيللي لتنسحب الفتاة منطلقة للأعلى لتتطلع نيللي لتلك التي ما زالت متسمرة بوقفتها لتشير لها وهي تقول باستغراب:
"ما تقعدي يا سالي."
جلست لتسألها بارتياب:
"خير يا طنط؟"
نظرت لها بحزم لتتحدث بصوت صارم وكأنها تحولت لأخرى:
"يا ريت اللي حصل في دار الأوبرا أول إمبارح ما يتكررش تاني لأنه لو اتكرر هزعل منك وأنا زعلي وحش وإنت لسه ما جربتيهوش، وأتمنى إنك ما تجربيهوش أبدًا."
قطبت جبينها متعجبة لهجة نيللي الحادة والتي تراها لأول مرة لتسألها بتوجس:
"حضرتك تقصدي إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة، وإيه اللي أنا عملته زعلك مني بالشكل ده!"
رفعت رأسها لتتحدث بكبرياء وتعالي:
"غلطة كبيرة قوي منك إنك تعرضي بنت أيمن الأباصيري على المستشار فؤاد علام."
ابتلعت لعابها وانتابتها حالة من الخجل من حدة نيللي لتقول بدفاع عن حالها:
"أنا ما قصدتش خالص من تصرفي المعنى اللي وصل لحضرتك يا طنط."
"كلامك ما لوش تفسير عندي غير كده يا سالي، أنا كنت في منتهى الحرج، الراجل يقول علينا إيه؟" قالتها بنبرة غاضبة لتسترسل بتنبيه:
"ثم أنتِ ناسيه الحالة النفسية اللي لارا بتمر بيها."
وإلى هنا قررت مصارحتها لتقول مبررة تفكيرها:
"بصراحة يا طنط أنا مش هأكذب عليك، أنا فعلًا فكرت إننا ممكن نقربهم من بعض علشان لارا تحاول تخرج من اللي هي فيه."
واسترسلت وهي تهز كتفها:
"وبعدين أنا شايفاه مناسب جدًا ليها وكمان هيبقى إضافة لاسم عمو في السوق."
هتفت بحدة واعتراض:
"اسم أيمن الأباصيري مش محتاج حد يسنده ده أولًا، ثانيًا لارا لازم اللي يختارها يكون بإرادته ويتعب علشان نوافق عليه كمان، مش إحنا اللي نرمي بنتنا ونعرضها عليه بالشكل المهين اللي عملتيه ده."
واستطردت بنبرة جادة:
"وبعدين مناسب للارا من أي اتجاه ده، عمره ضعف عمرها وأصلًا تلاقيه متجوز."
بلهفة أجابتها بنفي:
"لا مش متجوز، أنا شفت إيديه الاثنين ما فيهمش دبلة."
قالت نيللي بنبرة حاسمة:
"إنسي الموضوع ده خالص وخرجيه من دماغك يا سالي، وإوعي تفتحيه قدام لارا، البنت مش ناقصة انتكاسات في حياتها كفاية اللي حصل لها من الزفت اللي اسمه بسام."
"أنا شايفة إن عامل السن مش مهم وخصوصًا إنه مش باين عليه خالص، بالعكس ده غير وضع عيلته ومنصب باباه الكبير وكمان ثروتهم..." قالتها بمحاولة لإقناع الأخرى لتستطرد بانبهار:
"ده أنا لما سألت عنهم لقيت ثروتهم كبيرة جدًا يعتبر من أكبر أثرياء البلد."
رفعت كفها لتخبرها بما لاحظته بخبرة اكتسبتها عبر سنوات عمرها الطويلة:
"طب ريحي نفسك وبطلي تدعبسي وراه لأن الراجل عقله مشغول وشكله كده بيفكر يرتبط."
فتحت فاها لتسألها بفضول:
"يرتبط! حضرتك عرفتي منين؟"
أجابتها بذكاء:
"ما هو لو سيادتك ركزتي شوية كنتي عرفتي إنه مهتم بإيثار ومعجب بيها."
فتحت عينيها باتساع وفغر فاها لتقول بذهول:
"نعم! حضرتك بتقولي إيه يا طنط! فؤاد علام هيبص لواحدة زي إيثار!"
نطقتها باستنكار لتجيبها الأخرى باستغراب:
"ومالها إيثار!"
إيه اللي ناقصها علشان واحد زي فؤاد يفكر فيه؟
على عجالة تراجعت لعلمها محبة تلك المرأة لهذه الفتاة وما تكنه لها من غلاوة.
ملهاش، ولعلم حضرتك أنا بحب إيثار جدا وبحترم كفاحها. أنا حتى جبت لها هدية عيد ميلادها فستان من نفس الأتيليه اللي بشتري منه لنفسي.
واستطردت بإيضاح:
بس ده ابن علام زين الدين بجلالة قدره، والاسم لوحده يخض، وأكيد يوم ما يفكر يختار هيختار اسم عيلة يناسب عيلته قبل أي حاجة تانية.
وضعت نيللي كفها فوق فكها وهي تقول بدهاء:
وتفسري بإيه وقوف ابن علام زين الدين بجلالة قدره وهو واقف قدامنا كلنا وبيعتذر لإيثار؟
زاغت عينيها لتقول وهي تمط شفتيها بلامبالاة:
عادي إنسان محترم، وشكله غلط في حقها واعتذر لها. الموضوع بسيط ومش محتاج يتفسر بطريقة تانية.
ابتسمت نيللي لتسألها من جديد:
طب ونظرات الاشتياق اللي كانت بتنط من عينيه وهو بيبص عليها دي؟ عينيه كانت بتمر على كل ملامح وشها وكأنه بيصورها علشان يحتفظ بيها ذكرى في دماغه.
باذهلال نطقت:
معقولة يكون كلامك صح!
واسترسلت ببعضٍ من الكبرياء:
ده يبقى الزمن جاب آخره على رأي مامي.
قالتها بشرود لتتطلع سريعا إلى نيللي وهي تسألها بتمعن لردها:
طب تفتكري لو كلامك صح واحد زي علام زين الدين هيوافق بالمهزلة دي؟
ده شيء ميخصناش، اللي يخصنا قلتهولك، وياريت دي تكون آخر مرة نتكلم في الموضوع ده. بنتي خط أحمر بالنسبة لك يا سالي.
قالتها بلهجة حادة شبه تهديدية لترد الأخرى بخجل:
أوك يا طنط أوعدك.
وقفت أمام خزانة ملابسها كي تنتقي ثوبا يليق برؤياه، فمنذ مكالمة الأمس وقد تغيرت لتصبح أكثر اهتماما بحالها. ابتسمت بحياء حين وقعت عينيها على ثوب رقيق باللون النبيذي يختلف عن سابقه، تذكرت كلماته الجريئة عندما أخبرها عن طلتها الهائلة وبأن هذا اللون يليق بها وعليها الإكثار من ارتدائه. وضعت يدها تتلمس هذا الثوب، وبعد قليل كانت ترتديه وتقف أمام مرآتها تتطلع على الثوب برضا كامل، فقد كان مفصلا بأناقة من الأعلى حيث ياقته العريضة والمصنوعة بدقة مرور بتجسيم خصره المحاط بحزام باللون الأسود تتوسطه حلقة مرصعة بحبات من اللون الأسود لينتهي بذيل واسع ليعطيها مظهرا خاطفا. لفت حجابا باللون البيج ليضفي لمسة أنوثة جذابة على مظهرها. ابتسمت وخرجت من غرفتها ممسكة بحقيبة صغيرة وضعت داخلها علبة الإسوارة لتشهق عزة من جمالها اللافت وهي تقول:
بسم الله ما شاء الله، شوفتي كنتي مخبية الجمال ده كله تحت بدلة الرجالة اللي لازقة لي فيها.
وبعدين معاك يا عزة؟
نطقتها بجدية وهي تزوغ بعينيها متهربة من تفحص الأخرى لها، لتأخذ صغيرها وتهرول للخارج دون أن تتناول فطارها لتنأى من محاصرة عزة لها.
ظهرا
بمنزل نصر البنهاوي
الجميع يجتمع على الطاولة الممتدة بطول الغرفة بأكملها كي تكفي هذا العدد المهول من الأبناء والأحفاد. هتفت ابنة طلعت الصغيرة وهي تسأل جدها ببراءة:
هو يوسف هييجي يوم الخميس يا جدي؟
استشاط داخله حينما ذكرته الصغيرة بما فعلته ابنة غانم التي أصبح ما يبغض أحدا بقدر ما يحمل لها من ضغينة داخل قلبه المليء بالشر، ليهتف من بين أسنانه متوعدا بشر ظهر بعينيه:
هيرجع في نفس اليوم اللي هتظهر فيه النتيجة، واخد الكرسي. نصر البنهاوي مبيقولش كلمة إلا لما يكون متأكد منها.
واستطرد وهو ينظر لعين الصغيرة:
وأمه هتبقى خدامة للكل، مرمطون البيت للصغير فيه قبل الكبير.
تبسمت بشماتة وهي تستمع لما يطرب أذنيها ويبرد نار قلبها الشاعلة تجاه تلك الإيثار، فبرغم أنها حصلت على مرادها وتزوجت من عمرو بل وتخلصت من إيثار إلى الأبد، إلا أنها ما زالت عالقة بذهن ذاك المعتوه بعشقها وتقف حائلا بينها وبين سعادتها من جميع الجهات، فبرغم ثروة عمرو التي كونها إلا أنه لا يعطيها المال إلا للضرورة القصوى كنوعا من العقاب لها كي لا تتنعم وهي التي منعت حبيبته بالتنعم بماله وعزه. وأكثر ما جعلها تحقد عليها هو وقوفها حائلا بينها وبين الطفل التي تتمناه كي تتملك به وتقف على أرض صلبة في هذا المنزل الذي يحبذ جميع من به الذكور ويفضلوهم على الإناث، والثالث وهذا الأضعف لديها وهو عزوف عمرو عن الوقوع بعشقها كما فعل مع الأخرى.
لتفيق من سعادتها على صوت مروة الشامت وهي تقول بابتسامة لإغاظتها أثناء تطلعها عليها:
برغم كلمات والده التي أوقدت بقلبه نارا مستعرة غيرة على المرأة التي لم يعشق غيرها بحياته، إلا أن كلمات مروة نزلت على قلبه كقطرات من ندى الصباح على الزهور، بينما أشعلت النيران بقلب الأخرى حين.
رمقته إجلال بابتسامة ساخرة منه ليتحدث حسين لتهدئة الأوضاع قائلا بصوت يتغلب عليه العقل:
خلينا نتفاهم معاها بالعقل يا حاج، في النهاية هي أم ابننا ومش عاوزين نخسره. خليني أروح لحد عندها أكلمها وأشوف إيه اللي مزعلها.
برعونة هتف ذاك الأبله متناسيا أمر والده ليقول:
إحمرت عيني سمية المستعيرة لتهتف بنبرة ساخطة:
وإنت إيه اللي بيوديك عند العقربة دي تاني؟
لتخرسها لهجة إجلال الغاضبة حيث صاحت وهي ترمقها بنظرات ساخطة:
إنت اتجننتي يا بت! شكلك نسيتي نفسك وأصلك الواطي وقاعدة تتكلمي وعاملة لي فيها ست وفين على سفرة ستهم؟
قالت كلماتها الأخيرة وهي تدق الطاولة بكفها لتهز ما عليها من صحون مما أحدث ضجيجا أرعب الجميع لتبتلع الأخرى ريقها برعب لينقذها صياح نصر الذي هتف ناهرا نجله:
هي اللي اتجننت بردوا ولا البقف ابنك اللي ناوي على موتي بجلطة؟
ليسترسل بتوبيخ:
إنت إيه اللي وداك عندها تاني يا بني آدم؟ مكفكش اللي حصل المرة اللي فاتت! ولا ناسي إن بنت غانم عاملة لك محضر بعدم التعرض يا بيه؟
ليستطرد صارخا بندب:
أنا عارف إن خروجي من المجلس ونهايتي هتكون على أديك.
ليكمل على حديثه طلعت الذي استغل الوضع ليثور ويوبخ مدلل أمه:
هو أنت يا ابني ما بتتعلمش؟ ده انت اتحبست وكلت علقة موت على إيد شوية بلطجية ما يساووش وبرده محرمتش.
هتف نصر متسائلا باستفهام:
وروحت لها ليه يا خلفة الشوم!
روحت علشان أحاول أتفاهم مع إيثار علشان تخليني أشوف ابني بالنظام اللي ماشيين بيه يا.
لا عشت ولا بقيت لو بنت غانم اتحكمت فيك وحرمتك من يوسف.
أدارت وجهها لنصر لترمقه بنار مستعرة ستحرق الأخضر واليابس:
ولو سيادة النايب مش عارف يتصرف أنا اللي هتصرف وهجيب لك ابنك في حضنك وهرجع لك بنت منيرة زاحفة وأرميها لك تحت رجليك.
ابتسم ساخرا ليقول بتهكم:
روحي هاتيها للمحروس علشان تبردي نار قلبه وتولعي فينا كلنا.
أمال عاوزني أشوف بنت منيرة قاعدة تبيع وتشتري فينا وأعمل زيك واقف أتفرج؟
لو على بنت منيرة كنت فعصتها تحت جزمتي هي وعيلتها كلها بس الخوف من الشوشرة اللي هيعملوها الكبار اللي البنت بتتحامي فيهم.
قال كلماته بإبانة ليسترسل بحدة:
والكلام ده قلته قبل كده ييجي خمسين مرة. كبري دماغك بقى واهدي لحد ما أظبط دنيتي.
انتهت من ساعات الدوام الرسمية لتلج إلى الحمام الخاص بها داخل العمل وأعادت ضبط حجابها والتأكد من كامل هيأتها، وبعد مدة كانت تستقل سيارتها متجهة للعنوان الذي اتفق معها على أن يلتقيا أمامه. نظرت على الحقيبة الموضوعة بالمقعد المجاور وابتسمت لتعود بنظرها لمتابعة الطريق. انتابها بعض الارتياب والتلعثم حين شارفت على الوصول للمكان لكنها تنفست بعمق لطرد ذاك الشعور السلبي كي تقوي حالها بتلك الكلمات:
ما بك يا إيثار؟ لما كل هذا الارتياب؟ الأمر بسيط ولا يحتاج لكل هذا التعقيد. ستلتقين به وتسلمينه هديته وانتهى الأمر. اهدئي يا فتاة.
بالكاد انتهت من حديثها مع النفس لتجد نفسها أمام المكان. صفت سيارتها وحملت حقيبة الهدية، وما أن ترجلت حتى تفاجأت به يترجل من سيارته الفخمة ويغلق بابها. وما أن اعتدل لينظر عليها حتى تسمر كلاهما.
هي تسمرت بوقوفها وباتت تتطلع على هيأته الرجولية بأنفاس متقطعة، فقد كان وسيما للغاية ببذلته ونظارته الشمسية التي ضاعفت وسامته.
سابقا بأنه عشقه عليها إذا فقد ارتدته خصيصا لأجل إرضائه، هكذا حدثته نفسه ليشعر بتفاخر.
نطقها بمشاكسة لتبتسم وتجيبه بمراوغة:
بيقولوا.
ابتسم ونظر لها كالمسحور ليبتلع لعابه وهو ينطق بكلمات أشعلت كامل حواسها:
إنت حلوة قوي النهاردة. ده ميمنعش إنك حلوة على طول بس النهاردة جمالك زايد مميز شويتين.
تطلعت إليه لتقول بابتسامة:
متشكرة.
واستطردت وهي تناوله هديته قائلة باحترام:
ميرسي بجد على ذوقك، وآسفة مرة تانية.
مش هتراجعي نفسك؟
قالها برجاء مفتعل ليتابع:
ده أنا منقيها على ذوقي وأول ما شفتها حسيت إنها اتعملت لك مخصوص.
تطلعت بعينيه وهي تقول بلوم ممتزج برجاء:
ابتسم ليمد يده متناولا منها الهدية وهو يقول:
لا وعلى إيه.
تنهدت لتقول بنبرة تحمل الكثير من الامتنان والاحترام:
متشكرة بجد على اللفتة الجميلة، وأرجو إنك تكون مقدر موقفي.
أخذ نفسا عميقا ليقول آسفا:
إنك تكوني مرتاحة.
هتفت بنبرة حماسية:
قبل ما أنسى، أنا احتفظت بشرشبيل.
كنت متأكد.
قالها بابتسامة جذابة.
تأسفت بعينيها مرة أخرى ليسود الصمت لعدة ثواني لتقطعه قائلة:
طيب بعد إذنك وفرصة سعيدة.
انتفض حين وجدها تستعد للرحيل لينطق سريعا وهو يشير إلى الكافيه:
خلينا نشرب فنجانين قهوة مع بعض.
مالت برأسها للجانب الأيمن وقبل أن تعترض باغتها بعينيه المترجية:
يعني مش كفاية رجعتي لي الهدية، كمان هتكسفيني وترفضي عزومتي على فنجان قهوة؟
تطلعت إليه بكثير من الحيرة والتردد ليسترسل مستغلا ترددها:
علشان خاطري.
قالها بعينين تفيض من الحنان والهيام ما جعلها تهز رأسها بطاعة عمياء وكأنها منساقة، اشتدت سعادته ليقترب من سيارته ليضع بداخلها الهدية ويستقيم مشيرا لها لتتقدمه. وصلا للداخل وقادهما المسؤول عن تنظيم المكان لطاولتهما، فاقترب على المقعد وقام بسحبه لها في حركة.
أتى إليهما النادل ليسألهما فاختارت قهوة ليسألها هو باهتمام:
تاخدي حاجة حلوة مع القهوة؟
لا متشكرة.
نطقتها بتوتر ليسألها باهتمام:
أنا هاخد قهوتي مع قطعة تشيز كيك بطعم التوت. إيه رأيك أطلب لك معايا؟
قالها بنبرة حنون لتهز رأسها بإيجاب سريع أظهر كم ارتباطها ليملي هو على النادل قائمة.
ابتسمت بخجل دون أن تجيبه ليسترسل بمداعبة:
قلت لك قبل كده إن النبيتي حلو عليك.
ملامحها ليضحك وهو يسألها:
مالك؟ اهدي شوية.
التفتت من حولها وهي تقول:
دي أول مرة أقعد فيها مع حد لوحدنا وخايفة حد يشوفني.
هو أنت دايما خايفة كده؟
قالها باستغراب لتأخذ نفسا بعمق يدل على مدى ما بداخل قلبها وهي تقول بتأثر:
تبسم ليقول بعينين تلتمعان بمزيج من الإعجاب والانبهار:
تعرفي إن يوسف محظوظ قوي عنده أم قلبها مليان بحبه.
أنا اللي محظوظة بيه، يوسف ده أحلى حاجة حصلت لي في حياتي، ألطف ولد ممكن تشوفه.
قالت كلماتها بعينين سعيدتين لتسترسل سريعا:
مبقولش كده علشان هو ابني على فكرة.
جاء النادل وأنزل ما بيده ليبدأ بتناول الحلوى مع ارتشافهما للقهوة ذات المذاق الممتع.
ابتسم سعيدا بالحديث معها ليباغتها بسؤاله المتشوق لمعرفة المزيد عن تفاصيل حياتها:
هو أنت منفصلة بالسكن عن أهلك ليه؟
امتعضت ملامحها ليشعر بها سريعا ويقول مفسرا سبب سؤاله:
أصل لاحظت وانا بكلمك فون إن دايما يوسف هو اللي حواليك والمربية بتاعته.
ضيق عينيه ليسترسل متسائلا كي يشتت تركيزها ليبعدها عن سؤاله بعدما تيقن من عدم ارتياحها لدخوله بتلك المنطقة:
اسمها عزة صح؟
ابتسمت لتذكره وهي تسأله بسعادة:
أي تفصيلة تخصك مهما كانت صغيرة بتتحفر في عقلي.
هامت عينيها بنظراته لتنزل كلماته على قلبها كغيث هطل على أرض تشققت من جراء الجفاف الملازم لها منذ سنوات لترتوي وتنهي عطش السنين لتشق الزهور طريقها وتخرج ومن جديد تزدهر. تمادى بكلماته الساحرة حيث أخبرها بأكثر جرأة:
تعرفي إن عيونك حلوين قوي.
خجلت كثيرا ليقول مسترسلا بنبرة متأثرة بسحرها:
ليهم سحر بيجذبني وكل ما أدقق النظر فيهم بحس إني عاوز أتعمق وأسيب نفسي أغرق فيهم أكتر وأكتر.
مجاملة لطيفة منك.
قالتها بهدوء ليقاطعها مذكرا إياها:
قلت لك قبل كده مليش في المجاملات ولا بحبها. فؤاد علام لسانه مبينطقش غير باللي بيحسه.
نطقها بقوة لتسأله بجراءة كي تستشف من عينيه ماذا يريد منها:
وإيه بقى اللي حاسه فؤاد علام!
تنهدت لتبتسم له وهي تقول بعدما عقدت النية على العودة إلى أرض الواقع من جديد فليس للأحلام مكان بدنياها المظلمة:
أنا فعلا سرحت بس رجعت تاني للواقع أصلي مبحبش الأحلام.
نطقتها بلامبالاة لتسترسل بقوة وذات مغزى:
أصلها بتعيشك حالة حلوة قوي لحد ما تصدق نفسك وتفرح وتبني قصور في الهوا، وبعدها تصحى على كابوس عمرك اللي بيفضل مكمل معاك وطابق على نفسك، ويا تخلص منه يا يخلص هو عليك.
تعمق بعينيها ليقول بثقة وقوة:
معايا الأحلام بتتحول لحقيقة، الكوابيس ملهاش وجود في حياتي.
تطلعت عليه لتسأله بحيرة:
إنت عاوز مني إيه بالظبط؟
أجابها بصلابة متعمقا بعينيها كي يصل لأعماقها:
عاوز أوصل لأحلامك علشان أحققها لك وأخليك تعيشي معايا فيها على أرض واقعنا.
خلي كل حاجة لوقتها، بلاش نتسرع ونتخطى خطوات كبيرة. المتعة الحقيقية دايما بتكون في الرحلة مش في الوصول.
لتهز رأسها بإيجاب بعدما وصلها معنى كلماته.
رواية انا لها شمس الفصل السادس عشر 16 - بقلم روز امين
عادت من موعدها بقلب يهيم عشقًا، وعقل يجنب كل مخاوفه لينقاد مستسلمًا لحكم الهوى ورغبة الفؤاد، تاركًا زمام أموره لذاك القلب الذي فلت لجامه وانطلق لعِنان السماء ليسبح ويمرح، متغاضيًا عن كل ما قد يؤرق عليه حياته ويفسد سعادته.
ولجت لداخل الحمام بعد أن قررت الحصول على قسط من الاستجمام. توجهت نحو حوض الاستحمام حيث ملأته بالماء الدافئ وسكبت بداخله بعضًا من سائل الصابون وبعض أوراق الزهور ومزيجًا من بعض الزيوت العطرية، لتغمر جسدها وتغمض عينيها لتدخل بحالة لذيذة من الاسترخاء.
كانت تتنفس بهدوء وبسمة حالمة لم تفارق شفتيها، وهي تسترجع مقابلتها معه بالكامل. نظراته الساحرة التي جعلت منها أسيرة، ناهيك عن كلماته الفاتنة التي استحوذ من خلالها على جميع حواسها، وسحبها معه لعالمه المبهر.
ظلت على وضعها لفترة طويلة حتى شعرت بالاسترخاء التام، لتخرج مرتدية ثياب الحمام وتتجه نحو خزانة الملابس لتنتقي ثوبًا هادئًا وترتديه. تحركت للمطبخ لتتأكد من أن عزة قامت بتجهيز الأصناف التي طلبتها منها لارا لحضور العشاء معهم.
بعد قليل كانت تقوم بوضع الصحون الفارغة فوق الطاولة لتجهيزها لحين وصول تلك الجميلة.
صدح رنين جرس الباب ليهرول الصغير استعدادًا لفتحه قبل أن تتبعه عزة التي استبقت خطواته لتنظر من فتحة الباب السحرية، قبل أن تبتسم وتشرع بفتح الباب بعد أن اطمأنت.
ابتسمت لارا ليصرخ الصغير باسمها وهو يهرول ليرتمي بداخل أحضانها مرددًا اسمها بسعادة. قابلتها هي بكثير من الحبور وهي تحمله وتلج به للداخل.
"وحشتني يا چو."
"إنت كمان وحشتيني كتير يا لارا..." نطقها ببراءة.
لتنظر للسائق الذي يحمل الكثير من حقائب الهدايا وهي تقول:
"إدي الشنط لعزة واستناني في العربية يا عم عيد."
لتستطرد بعد تفكير:
"ولا أقول لك روح بيتك اتعشى مع أولادك ولما أخلص هتصل بيك."
"حاضر يا هانم..." نطقها الرجل بطاعة ليناول ما بيده إلى عزة التي وضعتهم فوق طاولة جانبية وانسحبت خلفه لكي تغلق الباب.
خرجت إيثار للترحيب الحار بضيفتها الجميلة ليدخلا لغرفة الطعام مباشرة. لتتطلع لارا للأطعمة المتواجدة فوق الطاولة وهي تقول بصوت حماسي:
"كل الأكل الحلو ده علشاني؟"
"وإحنا في ده اليوم اللي ست البنات تيجي تتعشى عندنا..." كلمات ترحيبية نطقتها عزة بسعادة لتكمل إيثار على حديثها:
"عملنا لك كل الأكل اللي بتحبيه، يا رب بس يعجبك."
نطقت وهي تسحب المقعد لتجلس استعدادًا للبدء بالطعام:
"أكيد يا قلبي هيعجبني، ده كفاية إنه من صنع إيديكي إنت وعزة."
التف الجميع حول الطاولة وشرعوا بتناول الطعام. لتهز لارا رأسها وتقول باستمتاع وهي مغمضة العينين ويبدو على وجهها التلذذ بمذاق الطعام:
"يا جمال وطعامة ولذاذة الرقاق!"
هتفت عزة بإيضاح:
"ده عمايل إيثار، دوقي بقى الفتة السوري وقولي لي رأيك فيها علشان أنا اللي عاملاها."
ابتسمت الفتاة لتجيبها بحديث لين لقلب رقيق هين:
"أكيد روعة، كل حاجة بتعمليها تجنن يا عزة."
"ربنا يكرمك يا بنت الأصول..." هتفت لارا بحماس وهي تنظر للصغير:
"أنا جبت لك هدايا تجنن، هنلعب بيها مع بعض بعد العشا يا چو."
اشتدت سعادة الصغير لتسترسل الفتاة وهي تنظر إلى عزة:
"وجبت لك إنت كمان هدية يا عزة، يا رب تعجبك."
"مغلبة نفسك ليه بس يا بنتي..." قالتها بعينين شاكرتين لتسترسل بامتنان وهي تتطلع إلى إيثار:
"دي إيثار الله يكرمها مش مخلّياني محتاجة لحاجة."
مطت شفتاها للأمام مدعية الحزن لتنطق بكلمات لائِمة:
"طب هو أنا مش زي إيثار ولا إيه يا ست عزة، ولا هتخليني أزعل منك؟"
ابتسمت لها وأجابتها بصدق:
"ربنا يعلم معزتك في قلبي."
تابعوا تناول طعامهم وسط أحاديث شيقة دارت بين الجميع. بعد قليل انتقلوا إلى البهو. جلست إيثار فوق الأريكة بينما تجلس الفتاة أرضًا بجانب الصغير وهما يحاولان تركيب قطع القطار اللعبة، ليصفقا معًا بعدما نجحا بمهمتهما واشتغل القطار. لتنتقل هي بجانب إيثار تاركة الصغير الذي تابع اللهو بالقطار.
وضعت كف يدها تحتوي به خاصتها لتتحدث بامتنان:
"مش عارفة أشكرك إزاي يا لارا على اهتمامك بيوسف، الواد بيحبك جدًا وبيفرح قوي لما بيشوفك."
"أنا كمان ما تتصوريش سعادتي لما بقعد وألعب معاه..." واسترسلت بضحكات ساخرة من حالها:
"أنا بحس إني رجعت بنت صغيرة لما بكون معاه."
ابتسمت إيثار لتتحمحم الفتاة قائلة بعيون زائغة:
"عاوزة أحكي لك على حاجة حصلت."
"قولي يا قلبي..." تنهدت الفتاة لتقول بعينين حائرتين وارتياب ظهر فوق ملامحها البريئة:
"وليد رجع يكلمني تاني وعاوزنا نرجع لبعض، تخيلي يا إيثار بيقولي إنه مش قادر ينساني حتى بعد الكلام الصعب اللي قولته له آخر مرة."
تنهدت براحة لتجيبها بنبرة عاقلة:
"وده يثبت كلامي عنه ونظرتي فيه، وليد بيحبك بجد يا لارا، اتحملك واتحمل عصبيتك وحالتك النفسية بعد موت بسام."
صمتت لتسترسل بأسى:
"ده إنت اتهمتيه بإنه السبب في موت بسام."
بشعور مؤلم تحدثت الفتاة بما يؤرق نفسها:
"أنا محتارة يا إيثار ومش عارفة أعمل إيه، ما أكذبش عليكي، من ساعة ما كلمني وأنا فرحانة قوي وسعيدة إنه لسة مستنيني ومرتبطش لحد الوقت، بس في نفس الوقت خايفة. شعور إن وجوده في حياتي وحبي ليه هو اللي جنن بسام وخلاه يتصرف بالطريقة دي مش بيفارقني. خايفة أرجع له وبعدين أفشل ومقدرش أتخلص من الإحساس بالذنب المشترك بينا بقتل بسام، خايفة من الفشل يا إيثار."
زفرت إيثار لتجيبها بنبرة حاسمة:
"هرجع وأقول لك إنك لازم تروحي للدكتور النفسي وتتابعي معاه علشان تتخلصي من عقدة الذنب اللي ملازماكي طول الوقت واللي مالهاش أساس من الصحة أصلًا."
استدارت لتمسك كفيها وهي تقول بنبرة حنون:
"إنسي اللي حصل وحاولي تعيشي حياتك مع الإنسان اللي بيحبك وشاريك."
أخذت نفسًا عميقًا لتقول بعد حسم قرارها:
"خلاص يا إيثار، أنا هخلي أحمد ياخد لي ميعاد مع الدكتور اللي عنده في المستشفى."
باغتها الأخرى بإصرار:
"وتكلمي وليد وتقولي له إنك موافقة ترجعي له بس بشرط يتقدم لك رسمي زي ما طلب منك قبل الحادثة."
ابتسمت بخجل ليهتف الصغير بسعادة:
"يلا يا لارا علشان نلعب!"
ضحكت لارا لتهبط سريعًا تنضم لذاك البريء لتشاركه اللعب.
باليوم التالي في تمام الساعة الثانية ظهرًا، كانت مندمجة بالعمل على جهاز الحاسوب، تنظر بتمعن شديد على شاشته من خلال نظارتها الطبية بينما تتحرك أناملها فوق لوحة الكتابة بسلاسة وطلاقة. قطع اندماجها صوت رنين هاتفها الجوال لتتوقف وتنظر عليه، وبلحظة اعتلت ابتسامتها ثغرها ليضيء وجهها تلقائيًا حين وجدت نقش حروف اسمه التي زينت الشاشة، لتحول من قلبها الهادئ لمتراقص.
خلعت عنها النظارة ثم أمسكت الهاتف لترد بصوت بذلت قصارى جهدها ليبدو هادئًا:
"ألو."
"هتصدقيني لو قولت لك إن دي أرق ألو سمعتها في كل حياتي..." نطقها بصوت يفيض رجولة لتبتسم قائلة بعدما أرادت مشاكسته:
"وبعدين معاك يا سيادة المستشار، بالراحة عليا أنا مش قدك."
بصوت صادق أجابها:
"ده سيادة المستشار هو اللي طلع غلبان ومش قدك."
ليسترسل مخبرًا إياها بملاطفة:
"بقى أنا أفضل طول الليل سهران علشان طيف عيون سيادتك ملازمني ومش سايبني في حالي، ولما بصعوبة أنام الساعة ثلاثة الفجر ألاقيك جاية لي كمان في أحلامي."
ابتسمت بسعادة ليتابع باستنكار مصطنع:
"لا واللي أفظع من كده إني ولأول مرة في حياتي من ساعة ما اتعينت في النيابة أعمل مكالمة شخصية من مكتبي، علشان تتأكدي إنك قدرتي تسيطري على كل جوارح فؤاد علام وتخليه يكسر ويخالف ثوابت حياته، مش عارف هتوصليني معاك لحد فين."
تنهد وبدأ بلف مقعده يمينًا ويسارًا باسترخاء ليتابع مستطردًا بنبرة رجل يذوب عشقًا:
"غيرتيني قوي يا إيثار، غيرتيني لدرجة تخوف."
"بقى إيثار المسكينة عملت كل ده في فؤاد علام؟!" نطقتها بدلال جعل من قلبه هائجًا متوهجًا ليرد عليها بمراوغة:
"والله ما حد طلع مسكين غير فؤاد علام."
ابتسمت وتحمحمت قبل أن تقول باستئذان متهربة من كلماته التي تسحبها لعالم مليء بالحالمية، وليس هذا بالمكان المناسب لتلك المحادثات:
"لو قولت لك إني مضطرة أقفل تزعل مني؟"
"مقدرش أزعل منك..." قالها بصوت حنون ليتابع مفسرًا موقفه:
"أنا آسف بجد، أنا كنت مكلمك علشان أشتكي لك من طيف عيونك اللي عذبني معاه طول الليل، وكنت مقرر أقفل بسرعة علشان ما أعطلكيش عن شغلك."
واستطرد بصوت متأثر:
"بس كعادتي معاك، الكلام ما بيخلصش وجملة بتجر جملة وموضوع بيجيب موضوع وبنسى الوقت وياك."
"إيثار..." نطقها حين طال صمتها كي يطمئن عليها، ولكن أين هي إيثار؟ لقد ذابت الفتاة كقطعة شوكولاتة وقعت بكوب من الحليب الساخن لتنصهر وتذوب في الحال.
انتبهت فور نطقه لاسمها لتقول ببحة مؤثرة بصوتها:
"نعم."
"عينيك حلوة قوي..." قالها قاصدًا وهو يبتسم بخبث بعدما تيقن من انصهار مشاعرها من أثر كلماته الساحرة ليتابع مسترسلًا بعدما قرر أن يرأف بحالتها:
"أنا هقفل علشان تشوفي شغلك وهكلمك على الساعة عشرة بالليل."
وافقته فأنهى المكالمة لتتنفس بعمق وباتت تتفقد حرارة وجنتيها التي توهجت جراء كلماته التي نقلتها لعنان السماء.
بينما وقف هو ليتحرك حتى وصل لنافذة مكتبه الزجاجية ووقف يتطلع للبعيد بعينين لامعتين بوميض الهوى. انتشى داخله وبلحظة تعجب وبات يلوم حاله، كيف سمح لعقله الواعي بالانجراف كالمغيب خلف مشاعره الهوجاء؟ ما زالت مخاوفه من تكرار الماضي تلاحقه برغم محاولاته بالمضي قدمًا. بالنهاية قد وقع صريعًا لعيناها، لكنه سيوازن أموره بالتأكيد ولن يسمح لأخطاء الماضي بأن تتكرر.
داخل الحديقة الخاصة بمنزل نصر البنهاوي.
تجاورتان سمية وياسمين الجلوس لتنطق الأولى بنبرة بائسة وقد اكتسى وجهها بالحزن واليأس:
"أنا تعبت يا ياسمين ومبقتش عارفة أعمل إيه. كل يوم بيعدي وبيقربنا من الانتخابات بحس إن روحي بتتسحب مني. مصيري بقى متعلق بالانتخابات ونهاية حياتي مع عمرو بتقرب."
وعلى حين غرة التفتت إليها لتهتف بنبرة حاقدة:
"ده أصلًا مش طايقني لا أنا ولا البنت لوحدي، تخيلي بقى لما اللي اسمها إيثار دي ترجع هيعمل فينا إيه؟ ده الواد لما بييجي بينسيه الدنيا وما فيها، أمال لما هي بنفسها تيجي هيعمل معاها إيه؟"
تنهدت لتجيبها بما يطمئن قلبها:
"اوعي تكوني فاكرة إنها لما هترجع البيت هتتعامل زي قبل الطلاق. إيثار قيامتها هتقوم بمجرد رجوعها للبيت ده تاني. وحب عمرو وجنونه بيها مش هيشفع لها عند ستهم اللي خلاص حطيتها في دماغها وناوية تطلع القديم والجديد كله على جثتها."
لتسترسل بشفقة ظهرت فوق ملامحها:
"طب تصدقي باللي خلقك، رغم إن ابن إيثار بينغص عليا حياتي كل ما ييجي هنا، إلا إنها صعبانة عليا قوي. دي هتشوف أيام أسود من قرن الخروب وبكرة تقولي ياسمين قالت."
رفعت كفيها وهي تنظر للسماء وتنطق بكلمات تقطر حقدًا وغلًا:
"إلهي ما تشوف غير الهم والحزن في حياتها إيثار بنت منيرة. ربنا ينتقم منها بحق الظلم اللي شفته من جوزي أنا وبنتي بسببها."
انتفضت كلتاهما على صوت مروة التي باغتتهما وهي تهتف من خلفهما:
"يخربيتك ولية بجحة عديمة الحيا. إنت مصدقة نفسك وعاملة فيها مظلومة يا عقربة؟ بقى إيثار هي اللي ظلمتك يا عرة النسوان!"
واسترسلت بنظرات مذهولة:
"أمال لو ما كناش قافشينك مع جوزها وفي قلب فرشتها، صحيح اللي اختشوا ماتوا!"
قالت كلماتها الأخيرة وهي ترمقها بازدراء لتهب الأخرى من مكانها هاتفة وهي تلوح بإصبع كفها بنظرات كارهة:
"تعرفي إيه أكتر حاجة حارقة دمي يا مروة؟ إني مش قادرة أمد إيدي عليكي علشان ستهم مش هتسكت. لولا كده كنت جبتك من شعرك وحطيتك تحت رجليا وعرّفتك مقامك صح."
"لو بنت رجالة بصحيح اعمليها، ومش هقول لك ستهم هتعمل فيكي إيه لا..." نطقت كلماتها باستفزاز لتسترسل بكبرياء بعدما رفعت قامتها لأعلى:
"أهلي هما اللي هيمحوك إنت والعرة أبوك اللي عرف بفض يحة بنته واتكتم علشان فلوس ونفوذ نصر البنهاوي، ولا إنت نسيتي أنا بنت مين وإن عيلتي تاني أكبر عيلة في البلد بعد البنهاوية."
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق ثغرها لتسترسل بإهانة:
"ولا إنت فاكرة الناس كلها واقعة ومالهاش أصل زيك؟"
وصل داخلها لحد الاشتعال لتهرول مسرعة للداخل لعدم وجود كلمات تجابه بها تلك التي انطلقت بوجهها كمدفعية ألقت بقذائفها القوية بوجهها. أطلقت ياسمين ضحكة عالية لتنطق باستحسان وهي تنظر لتلك الواقفة تتطلع على تلك البغيضة وهي تهرب للداخل بابتسامة نصر:
"جدعة يا بت يا مروة، نسفتي جبهتها وجبتيها الأرض."
التفت لها لترمقها بنظرات قوية وهي تهتف بغضب:
"ولما إنت شمتانة فيها كده قاعدة تسمعي لها وتشجعيها على كلامها الفارغ ده ليه؟"
تحركت لتجلس بجوارها لتتحدث الأخرى وهي ترفع كتفيها بلامبالاة:
"يعني هقولها إيه؟ إيديها بترغي وأنا بسمع، وبعدين أنا لا بطيقها ولا بطيق اللي اسمها إيثار، كفاية عليا ابنها اللي كل زيارة يقلب جوزي وحماتي عليا، وكأنه بمجيته بيفكرهم إني ما خلفتش الولد."
"وهي إيثار وابنها ذنبهم إيه علشان تحاسبيهم بجهل دماغ جوزك وحماتك؟" قالت كلماتها الصادقة لتسترسل بسخط:
"وبعدين سيبك من إيثار، إنت إزاي أصلًا تقعدي مع واحدة خاطية زي دي، دي واحدة خانت أعز صاحبة ليها يعني مالهاش أمان، والله بستغربك قوي يا ياسمين."
لاحت الأخرى بكفها بلامبالاة وهي تقول:
"سيبك من الكلام ده، شكل الدنيا هتولع في البيت بعد الانتخابات ومحدش عارف إيه اللي هيحصل."
"ربنا يسترها يا ياسمين، بس شكل اللي جاي ما فيهوش خير لحد أبدًا..." نطقت كلماتها بتأثر خوفًا على تلك إيثار.
ذهبت إلى مدرسة صغيرها كي تجلبه بعدما أخبرتها المشرفة بأن السيارة الخاصة بنقل الأطفال ذهبت إلى الصيانة فاضطرت للاستئذان مبكرًا من عملها والذهاب إلى المدرسة. وما أن ترجلت فوجئت بوجود ذاك عمرو الذي اتفق مسبقًا مع المشرفة لتقول هكذا لإيثار بعد أن أعطاها مبلغًا كبيرًا من المال لم تستطع رفضه.
زفرت بضيق وتحركت باتجاه بوابة المدرسة ليقترب منها قائلًا بعد أن قطع طريقها:
"استني يا إيثار، أنا عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم."
رمقته بنظرات حارقة لتهتف بنبرة حازمة:
"إنت شكلك ما فهمتش كلامي كويس المرة اللي فاتت، وبتصرفاتك الغبية دي هتضطرني أبلغ البوليس."
"اسمعيني لآخر مرة وبعد كده ابقي اعملي اللي إنت عاوزاه..." نطقها بعينين مترجيتين ليسترسل بذات مغزى:
"مش يمكن كلامي يعجبك؟"
أخذت تقلب عينيها بضجر وسخط تلعن بسريرتها غباء ذاك الحقير ليباغتها قبل أن ترفض:
"عندي عرض ليكي، اسمعيه وقولي لي رأيك."
"اتفضل غني وسمعني..." قالتها بسخرية ليبتلع غصته من جفاء معاملتها ويقول متجاهلًا إهانتها:
"أنا اشتريت فيلا في كمبوند هيعجبك قوي وهكتبها باسمك، وهنقل ليوسف في مدرسة إنترناشونال هناك وأخليه يعيش ولا الملوك، بس إنت وافقي وخلينا نرجع ونعيش مع بعض، ووعد مني مش هنزلك البلد أبدًا، هعيش معاك هنا حتى لو أبويا هيقاطعني فيها بس مش هسمح لحد يمسك بكلمة تأذيك."
تنفست لتجيبه بعدما فقدت القدرة على المجابهة:
"طب بص بقى يا عمرو علشان تريح نفسك وتريحني معاك، لو إنت آخر راجل في الدنيا، وحياتي واقفة عليك ولو بقائي في الدنيا مرتبط بيك إنت بالذات، أنا متنازلة عن حياتي ومش عاوزاها. فيه أكتر من كده؟"
وكأنه في عالم موازٍ ولم يستمع لحديثها الكاره:
"يا إيثار أرجوك حاولي تفهميني، أنا مش قادر أكمل حياتي من غيركم. من يوم ما سبتيني وأنا حاسس إني ميت، ما بقتش بحس بأي حاجة وما بقاش فيه حاجة تفرحني. إنت الست الوحيدة اللي أنا حبيتها في عمري كله."
"وعلشان كده خنتني مع زبالة البلد كلها..." نطقتها بتهكم لتتابع بسخط:
"الزبالة اللي إنت متجوزها ما كانتش أول واحدة تخوني معاها."
هز رأسه بنفي كي لا يفقد احترامه أكثر من هذا ليقول بتضليل:
"لا يا حبيبتي صدقيني، ده كانت أول وآخر غلطة في حياتي."
صاحت وهي ترمقه باشمئزاز:
"الحقيرة اللي إنت خنتني معاها بعتت لي رسايل زبالة بينك وبين الأشكال الشمال اللي كنت ماشي معاهم في الوقت اللي كنت بتستغفلني فيه وتقول لي إني حب حياتك..." واسترسلت بنبرة تحمل الكثير من الاشمئزاز:
"إنت أول واحد إدي له الأمان وأسلم له روحي، بس طلعت خاين وطعنتني وغدرت بيا. جاي تلعب عليا وفاكرني مغفلة وهصدقك. قولتها قبل كده للحقيرة مراتك لما كلمتني تحذرني من إني أحاول أقرب منك، وهقولها لك إنت كمان ويا رب تفهم."
واستطردت وهي تشمله باحتقار:
"ما حدش بيرمي نفسه في الوحل تاني بعد ما ربنا رضي عنه وخرج منه سالم."
"سمية كلمتك إمتى؟" سؤالًا وجهه لها بعينين تطلق حممًا جحيمية لتجيبه باشمئزاز:
"روح اسألها بنفسك وبالمرة خليها تبعد عني وإنسوني بقى وخرجوني من دماغكم إنتوا الاتنين."
لتسترسل بنبرة تهديدية:
"وقسمًا برب العزة يا عمرو ما هعمل حساب لابني أكتر من كده، ولو ظهرت قدامي تاني حتى لو صدفة لأبلغ عنك واللي يحصل يحصل."
قالت كلماتها لتنصرف للداخل وتركته غارقًا في أفكاره وما فعلته تلك الحقيرة.
ليلًا بمسكن عزيز ونسرين الخاص.
كان يتمدد فوق فراشه الخاص بغرفة نومه، ساندًا برأسه على ظهر التخت، يتطلع أمامه بشرود تام وملامح وجه مكفهرة. ليلتفت لتلك التي ولجت وبيدها صينية تحمل فوقها كوبين من الشاي الساخن لتضعها فوق الكومود وتعتدل تجاور زوجها الجلوس فوق الفراش.
ناولت زوجها كوب الشاي لتسأله بعدما لاحظت امتعاض ملامحه:
"مالك يا عزيز؟"
اعتدل جالسًا ليتناول منها كوب الشاي وهو يزفر بقوة أظهرت كم الغضب الكامن بداخله ليهتف بنبرة حادة:
"الحالة كل ما دا بتضيق ونصر مش راضي يرجعني أنا ووجدي مع رجالته إلا لما أرجع له الهانم للبيه ابنه."
واستطرد بأعصاب مشتعلة:
"وأبويا حط لنا العقدة في المنشار، قفلت زي الدومنة ومش لاقي لها حل خلاص."
لوت فاها واستدارت بجسدها تتناول كوب الشاي لترتشف منه بعض القطرات ثم تنهدت بصوت عالي لتقول:
"عم غانم ده راجل غلبان وأختك عاملة زي الحية، بتسحب اللي قدامها بكلمتين ناعمين منها."
"منها لله، ضيعيتنا في الأول وشكلها مش هتسكت غير لما تخربها علينا خالص..." نطقها بحقد دفين ليسترسل بجشع بعدما التف بجسده نحو زوجته:
"إنت أصلك ما تعرفيش الفلوس اللي عمرو بقى عايم فيها بعد ما اشتغل من ورا أبوه، الواد بقى بيلعب بالملايين لعب يا نسرين. وقالها لي صريحة لو إيثار رجعت لي هعيشكم في عز عمركم ما حلمتوا بيه."
"ربنا يهديها وتراجع نفسها علشان خاطركم..." قالتها بفاه ملتوي لتسترسل بنبرة خبيثة كي تستدعي سخط ذاك الحانق على شقيقته أكثر وأكثر:
"بصراحة أنا أول مرة أشوف واحدة كارهة الخير لإخواتها كده."
قرب كوب المشروب من فمه وارتشف بصوت عالي ثم تحدث وهو يضيق بين حاجبيه:
"كنت ناوي آخد وجدي ونروح نجيبها نص الليل ولا من شاف ولا من دري بس أبويا الله يسامحه قفلها في وشي."
"هو إنت هتغلب يا عزيز؟ دور في جرابك على خطة تخليها ترجع."
"وأكيد هتلاقي..." قالتها بتحريض ليهز رأسه بموائمة.
عاد عمرو من القاهرة بعد منتصف الليل ليصعد سريعًا لمسكنه الخاص بتلك الحرباية. ولج لداخل حجرة النوم ليجدها تغط في سبات عميق ليهرول عليها جاذبًا إياها من شعرها لتفتح عينيها بفزع وتصرخ حين باعتها بصفعة قوية وهو يجز على أسنانه بحقد دفين:
"بقى أنا تلعبي عليا يا بنت الكـ..."
بتروحي تتفقي من ورايا مع الأشكال الزبالة اللي زيك، وتشتري منهم الرسايل وتبعيتيها لإيثار.
كذابة، والله العظيم كذابة، دي بتقول لك كده علشان تكرهك فيا.
قالت كلماتها الافتراضية وهي تقسم بالله كذبًا للخلاص من بين براثن ذاك الغاضب، ليباغتها بصفعة أخرى وهو يتابع قائلًا:
اخرسي، أوعي تجيبي سيرتها على لسانك، دي ستك وتاج راسك وراس أهلك، وبكرة أرجعها وآخدك تترمي تحت رجليها زي أقل خدامة في بيتها.
حاولت فك وثاقه وهي تصرخ بدموع من شدة الألم:
حرام عليك يا عمرو، سيب شعري.
ضغط على فكها بقبضته ليقول بتهديد صريح:
قسمًا بالله لو فكرتي مرة تانية تتصلي بإيثار، لأكون قاتلك ودافنك في مزرعة المواشي، المكان اللي يليق بواحدة زيك.
نطق كلماته بحقد ليدفعها تسقط فوق الفراش، ليرمقها بازدراء وتحرك للخارج بعدما بصق باتجاهها تعبيرًا عن مدى احتقاره لها، لتنظر بغل على الباب وهي تتوعد له ولتلك الحقيرة.
بعد مرور بضعة أيام، مرت على العاشقين وما زالت حالة الوله وجمال البدايات تسيطران على جوارحهما، حتى صار كلا منهما لا يستطيع النوم براحة إلا بعد سماع صوت الآخر والتشبع ببعض كلمات الغزل التي تغزو قلبيهما وتنعشهما.
كانت تحادثه من غرفتها الخاصة لتذوب من سؤاله المشاكس لها حيث قال بصوت منتشي:
هو أنا قولت لك قبل كده إنك حلوة قوي؟
صوت ناعم لضحكة رقيقة وصل إليه لينعش قلبه ويزداد انتشاءً حين استمع لصوتها المداعب:
آه، وكتير كمان.
رفع حاجبه الأيسر ليسألها لمشاكستها:
قصدك تقولي إني بقيت ممل وكلامي مكرر وسخيف؟
فغرت فاها بدهشة لتجيبه سريعًا بنفي قاطع خشية حزنه منها:
لا طبعًا، إنت بتقول إيه؟
لتسترسل بنبرة خجلة غُلفت بالانبهار:
إنت كل حاجة منك مميزة وغير، كلامك، نظراتك، حتى ابتسامتك غير.
أسمي ده إعجاب؟
قالها بخباثة ليستطرد بأكثر جرأة:
ولا حب وانبهار؟
خجلت من كلماته الصريحة ليزيدها عليها بعدما عقد النية عن معرفة مشاعرها تجاهه ليسألها بنبرة حنون جعلت من قلبها ينتفض ثائرًا:
أنا إيه بالنسبة لك يا إيثار؟
اشتعلت وجنتيها تأثرًا، لا تعلم ماذا يحدث لها معه، وكأن مشاعرها أصبحت بكرًا ولم تخض أية تجارب عاطفية من قبل، لكن حقًا هو غير بكل شيء.
باغتها بسؤاله ليضغط عليها قائلًا:
أنا عاوز إجابة ومش هتنازل.
أخذت نفسًا عميقًا كي تستطيع مجابهة ذاك الماكر لتقول بصوت هادئ:
إنت نسمة هوا باردة جاية بعد يوم مشمس حار، هو ده شعوري بيك يا فؤاد.
نزلت كلماتها الصادقة على قلبه لتدخله في حالة من السكينة والانتشاء لينطق بصوت هائم:
تعرفي إني حبيت اسمي قوي منك، كل ما بتنطقيه بحس إني أول مرة أستطعمه، بيخرج من بين شفايفك كأنه سيمفونية مش مجرد حروف بتتقال وخلاص.
أقول لك أنا بقى على حاجة؟
قالتها بصوت منطلق ليجيبها مهمهمًا بطريقة ناعمة أذابت قلبها:
إمممم.
ابتسمت لتتابع بانبهار:
وأنا بسمعك بحس إنك مش بتتكلم زي البشر، كلامك مترتب قوي وبحس إنه شعر مش مجرد كلام من اللي بيتقال طول الوقت.
طب مسألتيش قلبك عن المسمى الحقيقي للمشاعر دي؟
قالها بهدوء لتجيبه بخجل:
سألته طبعًا.
وقال لك إيه؟
ابتسمت بلؤم لتجيبه بعدما انتوت مداعبته على طريقتها:
اللي بيني وبين قلبي أسرار وأنا متعودتش أفتن.
ابتسم وصمت قليلًا بعدما عقد النية للدخول داخل عالمها أكثر، وبالأخص بعدما أجرى بعض التحريات عنها، لكنه أراد أن يختبر صدقها من عدمه من خلال إجابتها، وأيضًا هو لم يحصل على جميع تساؤلاته بشأن قصة طلاقها التي يشوبها الكثير من الغموض.
ليباغتها متسائلًا:
إيثار، هو أنا ممكن أعرف سبب طلاقك؟
انزعجت كثيرًا من طرحه لذاك السؤال، لكنها أعطته الأحقية لاستفساره لتجيبه بصوت جاهدت ليخرج مطمئنًا لكنها فشلت، ليخرج متألمًا ممزوجًا ببعض الحدة:
الخيانة.
نطقتها باقتضاب ليقطب جبينه ويطرح عليها استفسارًا جديدًا:
أي نوع من الخيانة تقصدي!
لما يصر على فتح هذا الباب مجددًا، لقد أغلقته وتوارت خلف أحزانه، وأقسمت بألا تقترب منه لكي لا تحزن، يبدو أن عليها فتحه الآن والضغط من جديد على جرحها العميق.
تنهدت لتجيبه باقتضاب:
هقول لك على اللي تقدر منه تتوقع اللي حصل، بس من غير الدخول في تفاصيل مش هتفيدك، الخيانة كانت مزدوجة والضربة كانت موجعة، والنتيجة إن اللي كان جوزي وأبو ابني.
توقفت لتأخذ نفسًا عميقًا عبر عن مدى صعوبة الحديث بالنسبة لها كامرأة ذبحت كرامتها:
متجوز حاليًا أقرب صديقة ليا ومخلف منها بنت.
الحقير!
كلمة غاضبة خرجت من فم فؤاد بلهجة مستاءة ليتابع بسخط واستنكار:
معقولة خانك مع صاحبتك!
واستطرد بذهول:
طب وهي إزاي قبلت بكده!
إزاي وافقته على حقارته دي، حتى لو قدر يشغلها ويخليها تحبه غصب عنها، إزاي قدرت تطعنك في ظهرك؟
ابتسامة ساخرة خرجت منها لتجيبه بانهزام:
طب إيه رأيك إن صاحبتي الوفية هي اللي حاربت وقاتلت لحد ما عرفت توقعه في شباكها، عمرو كان بيحبني جدًا.
برغم تمزق قلبه عليها، إلا أن حزنه عليها تحول لغضب عارم قد يحرق الأخضر واليابس حينما استمع لنطق شفايفها لحروف اسم رجل غيره، ليقول بنبرة هادئة لا تنم عن مدى النيران المستعرة الكامنة بداخله:
يا ريت دي تكون آخر مرة أسمعك تنطقي اسم راجل غيري، والبني آدم ده بالذات. على الأقل احترامًا للعلاقة اللي ما بينا حاليًا.
نطق كلماته الأخيرة بحدة أربكتها لتنطق بصوت خرج مرتبك:
خلاص متزعلش، أنا ما قصدتش إني أضايقك بكلامي. أنا بس كنت بشرح لك الـ..
لم تكمل جملتها لمقاطعته بصوته الحازم:
خلاص لو سمحتي، ويا ريت تقفلي الموضوع ده خالص.
صمت دام لأكثر من نصف دقيقة مرّت على كلاهما بصعوبة، هي وقد شعرت بالإهانة من حدة حديثه، وهو قد شعر بنار استعرت بجسده بالكامل لمجرد تخيله أنها كانت تخص رجلًا غيره في يوم من الأيام. تحمحمت لتقول باستئذان بعدما علمت بانتهاء الحديث:
أنا مضطرة أقفل.
إيثار... قالها بصوت يبدو غاضبًا ليتابع بنبرة صوت رجل يحترق غيرة على محبوبته:
أنا بحبك، وأظن من حقي أغير على الست اللي بحبها.
كان هذا أول اعتراف صريح منه بكلمة أحبك. انتابها شعور مختلط ما بين حب وألم وندم يخالطهم شعور بالذنب. ضاعت فرحة الاعتراف وسط تزاحم تلك المشاعر المتضاربة، ليكمل هو بصوت نادم بعدما وصله مدى تألمها حتى وإن لم تتحدث:
أنا آسف، اتنرفزت غصب عني لما تخيلت إنك في يوم كنتِ لغيري.
طب ما أنت كمان كنت مع غيري يا فؤاد، بس الفرق بيني وبينك إني احترمت كلامك وخصوصيتك لما بلغتني إنك كنت متجوز وانفصلت. قالت كلماتها بصوت متألم لتتابع بلوم:
وما سألتكش عن أي تفاصيل علشان ما أضايقكش.
أغمض عينيه بألم ولم يعد يدري أيحزن لأجل ألمها الذي تسبب هو به أم ينقم عليها لذكرها لتجربته المريرة مع تلك الحقيرة، ليهتف بصوت خرج جاد لأبعد حد:
موضوعي ما فيهوش أي تفاصيل مهمة علشان أقولها لك، أنا اتجوزت ومرتحتش.
واسترسل بزيف:
بعد الجواز اكتشفت إننا مختلفين عن بعض في كل حاجة فانفصلت عنها.
تنهدت وما زال الألم يسيطر على كل كيانها، ليقول بقلب يتمزق لأجلها:
أنا آسف.
ليتابع بصوت هامس متأثر يفيض صدقًا وهيامًا:
أنا بحبك.
سحبها اعترافه لعالم أكثر حالمية، عالم خالي من الأحزان والآلام. لم تدري بحالها إلا والابتسامة تشق طريقها ليسعد قلبها. الذي انتفض من مكانه يتراقص على أنغام اعترافه الصريح بعشقها الذي احتل قصوره العالية، ليكمل مسترسلًا بما جعلها تذوب وتنصهر من كلماته:
بحبك ومش عاوز غيرك من كل الدنيا، وعاوزك تنسي كل اللي فات وكأنه ما حصلش، عاوز أنسى معاك وبيك مرارة الأيام.
واستطرد هامسًا بما دغدغ مشاعرها وأنهى على صمودها الواهي:
عاوز أعيشك جوه جنة فؤاد علام، وأخليكِ تتنعمي وتدوقي فيها ومعايا متاع الدنيا بعيد عن أي حسابات.
كلامك بيسحرني وبيسحبني لعالم عمري ما دخلته غير معاك. كلمات حالمة نطقتها لتتابع بريبة استطاعت خرق قلبها رغم ما تشعر به من متعة لا يضاهيها شيئًا:
بس في نفس الوقت غامض ومش بقدر أفسره.
ضيقت بين عينيها لتسأله بحيرة:
زي مثلًا جملة "بعيد عن أي حسابات" تقصد بيها إيه!
بصوت قوي ثابت أجابها:
أكيد هييجي الوقت اللي هتفهمي فيه معنى كل كلامي، خلي كل حاجة لوقتها وعيشي اللحظة اللي إحنا فيها، بلاش تفكيرك في المستقبل يضيع عليك حلاوة اللحظة، عيشي الحاضر بجماله ورونقه وسيبي نفسك للمشاعر تحركك.
برغم حديثه الذي يحتمل أكثر من معنى، إلا أنها تشعر معه بأمان لا تدري مصدره. تنهدت وأكملا حديثهما الذي لا ينتهي منذ أن تعارفا واتفقا على المحادثات لإعطاء حاليهما فرصة للتقرب والتعرف كل على صفات الآخر.
بعد مرور شهرين على تقربهما، اتصل بها بعد تفكير عميق وبعدما حسم أمره بشأن علاقتهما لتجيبه بهدوء:
أهلًا يا فؤاد.
أخبارك إيه؟ قالها بهدوء لتجيبه بابتسامة سعيدة لاهتمامه:
الحمد لله.
باغتها بطلبه المرفوض بالنسبة لها:
إيثار، أنا عازمك بكرة على العشا وممنوع ترفضي.
نطقها بإصرار لتنطق برفض قاطع:
أرجوك يا فؤاد بلاش تضغط عليا، أنت عارف إنه ما ينفعش وده كان طلبي الوحيد لما طلبت مني نتكلم علشان نقرب ونتعرف على بعض، قلت لك إني مش هقدر أخرج معاك لأسباب كتير أنت عارفها.
وأنا قدرت ظروفك وما حاولتش أطلب منك أبدًا إننا نخرج، وصدقيني لو ما كانش الأمر ضروري ما كنتش هطلب. قالها بتوضيح ليسترسل بذات مغزى:
الكلام اللي عاوز أقوله لك ما ينفعش يتقال في التليفون، لازم أبص في عيونك وأنا بقوله وأستمتع بتأثيره عليك.
انتفض جسدها بالكامل وبتلقائية غزت السعادة قلبها لتيقنها مغزى حديثه، ليباغتها بكلماته الواثقة:
ثقي فيا وتأكدي إني عمري ما هعمل حاجة تأذيك.
أومأت لتجيبه بصوت كان ينطق فرحًا رغم محاولاتها التحكم به:
أنا واثقة فيك لأبعد حد، ولولا ثقتي في أخلاقك عمري ما كنت هوافق إننا نتكلم فون.
ابتسم لثقتها اللامحدودة به لينطق بصوت حماسي:
ما تنسيش تلبسي فستان رقيق ويا ريت يكون لونه نبيتي.
عدة مشاعر ثائرة هزت كيانها بالكامل، ما بين سعادة هائلة وارتياب من المجهول وشعور مرير يستقر في أعماقها خوفًا من تكرار الماضي اللعين، لكنها نفضت كل المشاعر السلبية لتجعل الإيجابية منها تستحوذ عليها لكي لا تفسد شعورها العميق بالبهجة. أغلقت الهاتف بعدما اتفقا على ساعة الموعد والمكان والزمان. قضت ليلتها في اختيار ثوبها الأنيق وحجابها ونوع العطر التي ستنثره عليها لينعش رائحتها. وأخيرًا جاء الموعد واستقلت سيارتها بعدما حاصرتها عزة بأسئلتها اللحوحة حتى اضطرت بإخبارها ليسعد قلبها ويطير فرحًا لأجل تلك الجميلة التي اتخذتها كابنة لها. وصلت للفندق الشهير الذي بعث لها بعنوانه على هاتفها الجوال، ووجدت موظف المكان بانتظارها بالخارج ليوصلها للقاعة بالداخل. ولجت للداخل بقلب مرتبك وجسد لم تستطع التحكم به ليرتعش تأثرًا بحالتها. انبهرت عينيها بجمال وروعة وفخامة المكان ليباغتها ذاك الذي وقف سريعًا من جلوسه حول إحدى الطاولات ليتقدم منها. لقد كان وسيمًا للغاية، يرتدي بذلة سوداء ذات ماركة عالمية، مصففًا شعره بعناية فائقة وذقنه مهندمًا بطريقة جعلتها تنظر عليها وتغمض عينيها للحظات وهي تتخيل حالها تتلمسها بأناملها الرقيقة. اقترب عليها ليمسك بكفها ويقربه من فمه.
قبل أن تلامس شفتيه جلدها الناعم لتغمض على أثر لمساته عينيها ويذوب جسدها من مجرد لمسة، لكنها سرعان ما فاقت لتسحب
رواية انا لها شمس الفصل السابع عشر 17 - بقلم روز امين
ما بالك يا قلب لا تتعلم، خيبة وراء خيبة ورثاءً على قلب لم يمت بعد.
إيثار الجوهري
بقلم: روز أمين
أخذ يتطلع إليها عدة لحظات طويلة بصمت، متفحصًا وجهها بعينين تلمعان بالشغف الممتزج بالوله، لينطق بما فاجأها:
"إيثار، تقبلي تتجوزيني؟"
أنار وجهها وكأن عالمها قد تغير بالكامل ليصبح أكثر إشراقًا وانتعاشًا وسعادة، وكل ما عاشته من آلام سينتهي مع ذاك القوي الحنون الذي حتمًا سيكون لها درع الحماية وسيحمي صغيرها.
"قولتي إيه؟"
هزت رأسها عدة مرات متتالية دلالة على التأكيد، ليبتسم بسعادة ظهرت بعينيه سرعان ما اندثرت وهو يتابع مسترسلًا بريبة:
"بس..."
قطبت جبينها تنتظر متابعته لحديثه بتمعن وجسد مشدود، ليأخذ هو نفسًا عميقًا قبل أن يقول متمعنًا بالنظر بمقلتيها لاستكشاف رد فعلها:
"محدش هيعرف بجوازنا، هيكون في السر، وده لأسباب كتير جدًا."
"عرفي تقصد؟" سؤال نطقته بملامح وجه مبهمة لم يستطع منها واقع الخبر عليها، ليجيبها نافيًا بعجالة:
"لا طبعًا، أنا راجل دارس شريعة وعارف إن الجواز العرفي مالوش أساس من الصحة في ديننا الإسلامي."
هزت رأسها بموائمة تحثه على المتابعة، ليسترسل بثبات ورصانة:
"جوازنا هيكون بعقد موثق عند محامي وعليه اتنين شهود، وإنتِ بالغة السن القانوني والدين والقانون سامحين لك بتزويج نفسك."
رفع وجهه للأعلى ليتابع مستطردًا:
"العقد هيكون متكامل فيه مهرك ومؤخر صداقك زيه زي القسيمة بالظبط."
أمسكت بكأس المشروب وارتشفت منه القليل، ليتعجب من أمرها فاستطرد مبررًا عرضه بعدما لاحظ تغير ملامحها إلى لامبالاة:
"المبلغ اللي هتطلبيه مهر هحوله في حسابك فورًا مهما كان حجم الرقم، وهحط لك زيه مؤخر صداق يتكتب في العقد، وكل اللي تؤمري بيه هيكون عندك في نفس اللحظة."
واستطرد مستعرضًا ما تبقى من عرضه تحت نظراتها الهادئة والتي لم يفهمها، أهي رضا أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة:
"هشتري لك شقة في منطقة راقية وهكتبها باسمك، هنتقابل فيها لحد ما الظروف تتحسن ونقدر نعلن عن جوازنا قدام الكل."
تطلع إليها متعجبًا صمتها ليسألها باستغراب في محاولة منه لاستكشاف واقع الحديث عليها:
"ساكتة ليه؟"
"بسمعك..." قالتها بهدوء عكس ما يدور داخلها من حمم بركانية، ليرد عليها موضحًا:
"أنا عارف إني فاجأتك بطلبي، بس على فكرة قراري ده في مصلحتك."
رفعت حاجبها الأيسر باستنكار مع ابتسامة خفيفة، ليجيبها بتأكيد:
"طبعًا في مصلحتك، إنتِ ناسية حضانة يوسف اللي هتتأخد منك بمجرد ما المأذون يكتب الكتاب؟"
هزت رأسها عدة مرات متتالية، ليتطلع عليها محاولًا استكشاف ردة فعلها، فتحدث متسائلًا بدهاء أراد به اختبار أمومتها من عدمها:
"إلا لو موضوع الحضانة مش فارق معاكِ وشايفة إن الولد هيرتاح أكتر مع بباه، ساعتها أنا مستعد للجواز الرسمي وفورًا."
ضيق بين عينيه مستغربًا صمتها، لتشير هي للموظف الواقف جانبًا يتابع الحضور متجاهلة حديث ذاك المقابل لها، أتى الرجل تحت تساؤل فؤاد الذي نطق:
"عاوزة حاجة أطلبها لك؟"
تطلعت عليه بابتسامة مصطنعة دون رد، لتحيل بصرها سريعًا للرجل الذي حضر ومال برأسه توقيرًا لها وهو يقول باحترام:
"تحت أمرك يا هانم."
أمسكت الكأس تقلبه بين أصابعها، لتتطلع عليه بانبهار وهي تقول بصوت هادئ عكس ما يدور بداخلها من ثورة عارمة:
"عاجبني قوي اختياركم للأدوات بشكل عام وللكاسات بشكل خاص."
رفعت حاجبها وهي تتطلع على الكأس بإعجاب تجلى بنظراتها المتفحصة:
"شكله فخم ولايق بالمكان."
مال الرجل توقيرًا ليجيبها بتفاخر:
"ميرسي يا هانم، إحنا بنختار كل حاجة في المكان بمنتهى الدقة لأن زوارنا من صفوة المجتمع."
واسترسل بإبانة وهو يميل بقامته باحترام:
"الكاس اللي في إيد جنابك من منتجات مورانو الإيطالية."
شعر بالضجر من تجاهلها لعرضه واستدعائها العجيب للرجل وأسئلتها التي لا تمت بجلستهما بشيء، ليسألها بعدما تحكم بغضبه كي لا يحزنها:
"لو عاجبينك يا حبيبتي هعمل لك أوردر من الشركة يوصل لك في أسرع وقت."
تجاهلته وكأن وجوده والعدم سواء، لتتابع وهي تنظر للرجل:
"حلو قوي وشكله غالي."
"جدًا يا أفندم..." لتقول ببرود وأسى مفتعل:
"كان نفسي أشتري طقم منه، لكن للأسف مينفعش عندي، لأن لو انكسر منه كاس الطقم كله هيبوظ وهيبقى زي قلته ومش هقدر أجيب غيره لأن سعره عالي قوي عليا."
ارتشفت آخر قطرات الشراب ثم رفعت الكأس للأعلى وبسطت ذراعها جانبًا لتفلت أصابع يدها عنه، لينزلق الكأس مصطدمًا بالأرضية وينزل متهشمًا، لتتناثر قطع الزجاج وتملأ المكان تحت أعين جميع الحضور التي اتسعت وهم يلتفون برؤوسهم لينظروا باتجاه الضجيج الذي أحدثه التهشم، أما هو فقطب جبينه وبات يهز رأسه بذهول مستنكرًا فعلة تلك التي مطت شفتيها للأمام وهي تقول للموظف بلامبالاة وكأنها لم تفعل شيئًا:
"بس متخافش يا متر."
لتحول بصرها إلى فؤاد الذي اعترته الخجل من تصرفها حيث جعلهما تحت المجهر بعدما تحولت جميع الأعين صوبهما، لتقول بصوت حاد بذات مغزى:
"الباشا بيدفع كويس قوي وهيعوضك."
نظر للعامل وأشار بكفه بهدوء لينسحب ذاك المندهش، ليسألها بنظرات لائمة تملؤها خيبة الأمل:
"ليه كده يا إيثار، عاجبك منظرنا ده قدام الناس؟ مكنش ليها لازمة الفضايح دي كلها."
بجبين مقطب سألته:
"فضايح؟"
هي فين الفضايح دي! احمد ربنا إني متربية وبنت ناس وإلا كنت رديت عليك بالشكل اللي يليق بطلبك المهين ووريتك الفضايح اللي بجد.
نطقت كلماتها بصوت حاد وعيونها كالصقر لتسترسل بصوت أظهر كم احتراق روحها:
بقى جاي تطلب مني أتجوزك في السر؟ طبعًا تلاقيك قولت لنفسك دي واحدة مطلقة وعايشة لوحدها، وأكيد ماهتصدق أشاور لها بإيدي وأعرض عليها ملاييني.
نظر لها بكثير من الرجاء ليقول:
أرجوك حاولي تهدي ووطي صوتك، الناس بتبص علينا.
ابتسامة ساخرة خرجت من جانب ثغرها لتهتف بنبرة قوية:
مش إنت اللي طلبت تشوفني علشان تشوف رد فعلي على كلامك؟ يبقى تسمع وإنت ساكت يا باشا، وزي ما أنا سمعتك للآخر إنت كمان مجبر تسمعني.
احتدت ملامحها وهي ترمقه بتقليل لتسترسل بازدراء:
أنا بجد آسفة، بس مش ليك، آسفة لنفسي لإني خدعتها لما افتكرت إنك إنسان محترم وأتاريك زيك زي غيرك.
قطب جبينه بعدم استيعاب لتجيب على تساؤل عينيه الذي لم يصرح به وهي تشير إليه بنبرة متألمة:
أصل الباشا مش أول واحد يطلب مني الطلب ده، مهنتي خلتني أقابل أشكال كتير قوي، منهم المحترم ومنهم اللي شافني البت السكرتيرة الواقعة وقرر يكتب حتة ورقة ويرمي لها قرشين.
اتسعت عيناه بغضب لتستطرد متهكمة:
لو كنت صارحتني كنت وفرت على نفسك وصلة الغزل والغرام اللي تاعب نفسك بقى لك شهرين علشان تاكل بيهم دماغ البت السكرتيرة اللي عجبت الباشا، كنت وفرت عليك وقولت لك إن العنوان غلط يا ابن الأكابر.
زاغت عيناها لتستطرد ساخرة من غبائها:
أنا اللي غبية وساذجة وأستاهل كل اللي يجرى لي إني صدقت كلامك المعسول.
نطقتها بأسى لتسترسل بعدما تحولت عيناها لثورة تشبه فوران بركان:
قبل ما أمشي عاوزة أقول لسعادتك كلمتين.
تعمق بعينيها ينتظر ثورة فيضانها لتسترسل ناعته:
طظ فيك وفي منصبك وفلوسك وعيلتك.
وقفت تلملم أشياءها الخاصة لتستطرد وهي ترمقه بازدراء:
رقم تليفوني تمسحه من عندك وده أكرم لك.
نطقتها بتهديد لتنسحب كالإعصار المدمر لتخرج من المكان بأكمله تاركة خلفها ذاك المتطلع على أثرها، والذهول والحزن والندم أسياد موقفه. أغمض عينه في ألم ثم فتحهما من جديد يتطلع من حوله على أنظار المحيطين به التي تترقبه ليسحبوا أبصارهم سريعًا لتخرج منه تنهيدة حارة تنم عن اشتعال لو خرج لدمر المكان بأكمله.
أشار للنادل ليأتي برصانة وهو يقول:
تحت أمر سعادتك.
الشيك.
نطقها بتجهم ليغيب الآخر بضعة دقائق ويأتي بالفاتورة التي استلمها وألقى بداخلها عدة ورقات من الفئة الكبيرة دون النظر للمبلغ ويهب واقفًا يتجه للخارج بخطوات واسعة يريد بها أن يختفي عن تلك الأعين التي تنهش به دون حياء. لم يتعرض طيلة سنواته لهكذا موقف، لم يتجرأ بشرًا إلى الآن بلفظ كلمة واحدة تسيء إليه، بينما أغرقته تلك الأبية بوابل من التهكم والسخرية منه أمام كل هؤلاء الجمع. كان يتحرك وجسده بالكامل ينتفض غضبًا، لم يستطع استيعاب ما حدث للتو ولم يدرِ لما صمت وتركها تفعل به كل ما يحلو لها، كل ما توصل إليه هو أنه جرحها بعمق لذا تركها لتفرغ شحنة غضبها به حتى لو كان تنفيثها هذا على حساب كرامته.
استقل مقعده ليسب ويلعن حاله وهو يدير محرك سيارته التي اندفعت بسرعة جنونية كجنون صاحبها. كور قبضته ضاغطًا عليها بقوة حتى ابيضت عروقه ليدقها بعنف فوق طارة السيارة عله ينفث ولو قليلًا عن غضبه الكامن بداخل صدره. أمسك بالهاتف وضغط على زر تسجيل الرسائل بتطبيق الواتساب ليسجل بصوته الحاد الذي نم عن اشتعال روحه:
أنا تعملي فيا كده يا إيثار! تعملي من فؤاد علام مسخة وتخليني مسخرة قدام الناس!
واسترسل بغضب مكظوم وهو ينهج بشدة:
لازم تحمدي ربنا ألف مرة على المكانة اللي ليك جوه قلبي لأن لولاها...
قطع حديثه ليصمت لبرهة قبل أن يسترسل صارخًا بقسم:
قسمًا برب العزة لو حد غيرك اللي عملها ماهو خارج من المكان إلا في حالتين، يا إما متكلبش من إيديه وعلى البوكس علشان يقضي باقي حياته في طرة أو جثة خارجة في صندوق.
انتهى المقطع الصوتي الذي سجله بفحيح وكل ذرة بجسده تنبض من شدة غضبها. ضغط ليبعث بالمقطع ليصل في الحال إلى هاتف تلك التي تقود سيارتها وشلالات من دموعها تنهمر فوق وجنتيها والحسرة تكمن بقلبها. لاحظت وصول الرسالة لتفتحها وتستمع لصوته الغاضب تحت شهقاتها التي ارتفعت، وما أن انتهى التسجيل حتى أمسكت بهاتفها بعنف لتضغط على كلمة "حظر الرقم" ولينتهي الأمر عند هذا الحد.
كانت تقود بدموع وانهيار لتبتسم على خيبتها وسذاجة تفكيرها. تذكرت منذ ساعات وهي تتجهز للميعاد بحماس وفرحة لم تتذوق بمثيلتها، وهي تتخيل ذاك الذي رأته فارسًا لأحلامها البسيطة يتقدم ببساطة لخطبتها من أبيها. جل ما كانت تتمنّاه هو زوجًا حنونًا يحتويها داخل كنفه هي وصغيرها ويكون لها حصن الأمان، وبالمقابل ستهبه كل ما يحتاجه رجل ليكون سعيدًا بأكمله. فانظر لما حدث، فقد تحطمت أحلامها لتنهار فوق أرض واقعها المرير.
عودة لذاك الثائر الذي لاحظ رؤيتها للرسالة واستماعها لها وزفر بضيق ليضغط على زر الاتصال كي يجعلها تتوقف للحاق بها ومتابعة ما بدأه من حديث. عقد النية على أن يعترف لها بأنه كان يختبرها وسيقدم لها جميع كلمات الاعتذار المتواجدة بالقاموس العربي العامية منها والفصحى، لكنه بالوقت ذاته سيحاسبها حسابًا عسيرًا على تلك الفضيحة التي تسببت فيها وجعلت من كلاهما مادة ساخرة أمام رواد المكان وعماله. فوجئ برنة بسيطة ومن ثم أعطاه مشغولًا ليضيق عينيه محاولًا مرة أخرى ليصيح بغضب عارم بعدما تيقن حظرها لرقمه ليصرخ باسمها بجنون:
إيثااااااار! أكيد مش هتعملي فيا كده!
فتح تطبيق الواتساب ليتأكد بالفعل من عدم استطاعته لمراسلتها بعدما قامت بحظر رقمه. لا يعلم أين يذهب، فقد فقد صوابه وأصبح بلا وجهة. سيجن بالتأكيد إذا لم يتحدث معها الآن ويضع أمام عينيها تفسير ما حدث.
وصلت إلى البناية لتصف سيارتها وقبل أن تترجل نظرت لانعكاس وجهها بالمرآة وقامت بتجفيف دموعها. أخذت نفسًا عميقًا لتتحرك نحو باب البناية ومنه لباب المصعد الكهربائي. وما أن أغلق الباب عليها حتى انهمرت دموعها من جديد لتستند على المرآة وتنظر لحالتها المزرية وتنزل دموعها في صمت مرير إلى أن توقف المصعد لتخرج منه وهي تجر أذيال خيباتها. تفتح باب مسكنها لتدلف بقلب منكسر عكس ما خرجت.
كانت عزة تجلس تتابع فيلمًا سينمائيًا عبر شاشة التلفاز. شعرت بقدوم أحدهم لتلتفت للخلف وما أن رأت حالتها حتى هبت واقفة لتهرول عليها وهي تقول بهلع حينما لاحظت وجهها الملطخ بالكحل العربي الذي ساح ليلطخ وجنتيها بعدما اختلط بالدموع:
مالك! إيه اللي حصل وإيه اللي عمل فيك كده!
كسرني يا عزة، حسسني إني رخيصة قوي وآخر شوية فلوس.
نطقتها بقهر وألم يسكن عينيها قبل أن ترتمي بأحضان عزة التي احتوتها لتسترسل بنبرة منكسرة:
ضميني يا عزة، ضميني قوي.
نطقت جملتها لتجهش ببكاء حاد انتفض جسدها بالكامل من شدته. سحبتها عزة إلى غرفتها وأجلستها على حافة الفراش لتجاورها الجلوس وهي تسألها:
امسحي دموعك وانسي اللي حصل وكأنه مدخلش حياتك. طظ فيه، هو اللي خسران.
هزت رأسها لتقول بشهقات متقطعة:
لا يا عزة هو مخسرش حاجة، أنا اللي خسرت كرامتي وخسرت احترامي لنفسي.
لتسترسل بانهيار:
هو مش غلطان على فكرة، أنا اللي غلطت يوم ما مشيت ورا ده.
نطقت كلمتها الأخيرة وهي تدق بكفها بقوة فوق موضع قلبها لتتابع بصوت يقطر ندمًا:
يا ريتني سمعت كلام عقلي اللي كان دايمًا بيحذرني منه. ياما نبهني وقال لي إن زيه زي عمرو وغيره من الرجالة، بس أنا اللي كنت عامية، مشيت ورا الملعون قلبي اللي افتتن بكلامه المعسول.
يا ريتني ما شفته ولا عرفته، يا ريتني ما سلمته قلبي وحسسته بضعفي.
كانت تتحدث بصوت باكٍ يقطع نياط القلب لتسترسل بألم يمزق قلبها:
من يوم طلاقي وأنا معتمدة على نفسي ومكتفية بيها، عاهدت نفسي إن مفيش راجل يستاهل إنه يدخل حياتي أو أضيّع لحظة واحدة من عمري علشانه. أخذت ابني في حضني واكتفيت بيه عن رجالة الدنيا كلها لحد ما ظهر في حياتي وبدأ يلعب عليا.
لتتابع وهي تنظر إلى عزة الباكية لأجلها بنظرات زائغة وعقل مشتت:
بس إزاي قلبي مقدرش يكشف كذبه عليا؟ ده أنا حسيت بصدقه قوي يا عزة، كل كلمة كان بيقولها كانت بتدخل على قلبي تنعشه. معقولة كل ده كان كذب؟ للدجة دي كان بارع وأنا كنت غبية!
بنبرة حزينة هتفت كي تخفف من وطأة الكارثة عليها:
اهدي يا بنتي، ماتعمليش في نفسك كده. والله العظيم إنت خسارة فيه، هيلاقي فين زيك لو لف الدنيا كلها؟ أدب وأخلاق وأصل طيب.
لتسترسل وهي تحثها على النهوض:
قومي غيري هدومك ونامي، انسي الهم ينساكي.
أومأت بهدوء لتنهض بالفعل وتقوم بتغيير ثوبها إلى منامة حريرية. تطلعت على ذاك الثوب الملقى بإهمال فوق حافة الفراش لتهرول سريعًا نحو درج الكومود وتفتحه لتخرج منه مقصًا وتعود من جديد بعدما قررت تمزيق تلك الذكرى. أمسكت بالثوب وبدأت بتمزيقه بغل ليتحول بعد قليل إلى قصاصات مجهولة المعالم، وأسرعت نحو الخزانة لتجذب البذلة التي ارتدتها أثناء حضورها لقاء الصلح ونالت بها إعجابه لتمزقها إربًا في محاولة منها لمحو أي ذكرى من الممكن أن تذكرها به، وقررت من الآن محو اللون النبيذي من تاريخها كأنثى. كانت تمزق بقلب مشتعل وكأنها تمزقه شخصيًا. جثت على ركبتيها بعدما خارت قواها لتستند بكفيها على الأرض وتنهمر دموعها بغزارة. ظلت تشهق وتشهق علها تخرج ما بصدرها من وجع. وبعدما شعرت بالراحة هبت واقفة وتحركت إلى الحمام لتغتسل، وبعدها تحركت صوب حجرة صغيرها بعدما قررت الانضمام للنوم بجانبه. ولجت لغرفته وتحركت تنظر على ملاكها الغارق بنومه، جاورته الفراش بهدوء.
أما فؤاد فبات يجوب شوارع القاهرة طيلة الليل كالأسد الجريح. نعم، توقع غضبها من عرضه المقصود إذا صدق حدسه وظهر معدنها الأصيل، لكنه لم يضع بحسبانه ثورتها العارمة تلك وبأنها ستعرضه لتلك الإهانة الكبرى. ما حدث له لم يطرأ بمخيلته حتى بأسوأ كوابيسه. ليته لم يختبرها بتلك الطريقة الخسيسة. تنهد ليصرخ داخله حين شعر باحتمالية خسارتها. ظل يتنقل بين الشوارع إلى أن استمع لصوت أذان الفجر فقرر العودة لمنزله وحمد الله أن اليوم الذي بدأ هو يوم الجمعة الإجازة الأسبوعية، لولا هذا لكان واجه مشكلة كبيرة بكيفية مواصلة عمله وهو بتلك الحالة المزرية. عاد للمنزل وولج لداخل حمامه الخاص لينزل تحت المياه الباردة علها تطفئ ناره الشاعلة. بعد حوالي النصف ساعة كان يتوسط فراشه ممسكًا بهاتفه يحاول جاهدًا بالبحث في متصفح جوجل عن الوصول لطريقة يصل بها لهاتفها بعدما حظرت رقمه. وبعدما يئس من وجود حل ألقى بهاتفه جانبًا ليلقي بجسده ويقع صريعًا للنوم بعدما أنهك جسده وخارت قواه.
صباحًا
فاق الصغير ليبتسم بسعادة حين وجد حاله بغمرة والدته الحنون. بسط كفه الصغير:
مامي، اصحي.
صباح الخير يا حبيبي.
صباح النور يا مامي، إنت إمتى جيتي جنبي وليه مش صحتيني وحكيتي لي حدوتة؟
نظرت لصغيرها بكثير من الألم لتتنهد وهي تقول بنبرة خرجت بائسة رغما عنها:
محبتش أقلقك.
ابتسم لبرهة قبل أن يسألها بملامح وجه ارتسم فوقها الحزن:
هو أنا مش هروح عند جدو نصر في الويك إند تاني؟
تنهدت بألم فليس هذا بالوقت المناسب لطرح تلك الأسئلة المجهدة لعقلها المنهك. أنقذتها عزة التي ولجت من الباب وهي تقول بنبرة مشرقة:
صباح الفل، قوموا يا كسلانين علشان تفطروا. ما جوعتوش ولا مش شامين ريحة الأكل اللي تفتح النفس؟
جلس الصغير ليركز بحاسة الشم قبل أن يهلل مصفقًا:
دي ريحة باتيه!
هزت رأسها وهي تجيبه بابتسامة حماسية:
عملت لك باتيه وخلية النحل وكمان ميني بيتزا بالجبن زي ما بتحبها.
حملق الصغير بها تعبيرًا عن اندهاشه لينظر لوالدته التي ابتسمت وهي تقول:
يلا ادخل الحمام اتوضى وصلي وحصلنا على المطبخ.
حاضر.
قالها بسعادة وهو يقفز من فوقها لينفذ ما أملته عليه.
تابعته بهدوء لتنتبه لنظرات عزة التي تنهدت واقتربت منها لتسألها بنبرة حنون:
نمتي كويس؟
الحمد لله.
قالتها بملامح وجه بائسة لتخرج الأخرى تنهيدة حارة وهي تقول:
كله هيتنسي، إنت ست بمية راجل يا إيثار، والضربة اللي ما بتموتكيش بتزيدك قوة.
بنبرة بائسة أجابتها:
مبقتش حمل ضربات خلاص يا عزة، عضمي اتكسر ومبقاش قادر يتحمل وجع أكتر.
مر اليوم على كلاهما بصعوبة بالغة. قضته هي بانكماش على حالها واستكمال اليوم إما بالهروب عن طريق النوم لفترات طويلة أو بالصمت القاتل وكأنها مغيبة عن الواقع. أما هو فقضاه حبيس غرفته متحججًا بإصابته بحالة من الأرق الشديد كي يهرب من نظرات عائلته المحاصرة له.
صباح اليوم التالي فاق من نومه وأمسك هاتفه محاولًا الوصول إليها دون جدوى. تحرك متجهًا نحو عمله دون الانضمام لأسرته لتناول الفطور كما المعتاد تحت استغراب والداه وشقيقته. مر أكثر من ساعتين وهو منهمك بالعمل ليستغل وقت الراحة ويمسك بهاتف مكتبه الأرضي بعدما قرر مهاتفتها منه. كانت تعمل على جهاز الحاسوب وما أن استمعت للرنين ضغطت زر الإجابة لتجيب بنبرة جادة:
ألو.
إزيك يا إيثار.
شعور مؤلم اقتحم قلبها بمجرد استماعها لنبرات صوته التي كانت بمثابة الحياة بالنسبة لها منذ يومين فقط، والآن أصبحت وجعًا لا يحتمل. أغمضت عينيها واعتصرتهما بقوة وهي تهز رأسها بألم لتفتحهما من جديد على مصراعيهما بعدما وعت على حالها لتغلق الهاتف سريعًا كي تتخلص من ذاك الشعور المهين الذي اعتراها بمجرد مرور كلماته عبر خيالها. أخذ صدرها يعلو ويهبط بقوة من شدة التوتر والألم، أما دموعها فكانت على وشك الهبوط لولا عزيمتها القوية التي جعلتها تأخذ أنفاسًا منتظمة وتزفرها بهدوء كي تستطيع التحكم بها. ما هي إلا ثوانٍ ووجدت هاتف المكتب الأرضي يصدح فتوقعت بأنه هو، انتظرت حتى انتهى الاتصال وخرجت سريعًا إلى مكتب هانيا لتقف بشموخ تخبرها:
هانيا، من فضلك حولي كل المكالمات عندك وردي عليها بنفسك.
واستطردت بذريعة وهي تعدل من وضع نظارتها الطبية:
عندي ملف مهم بشتغل عليه ومش عاوزة إزعاج.
تمام يا أستاذة.
نطقتها بعملية لتنسحب الأخرى نحو مكتبها وأغلقت الباب لتصل إلى مقعدها وترتمي عليه بإرهاق. أخذت نفسًا عميقًا وبدأت بمواصلة عملها، ولكن ما هي إلا ثوانٍ لتجد هاتف مكتبها يصدح لتزفر وبعدها تجيب فوجدت صوته الحاد وهو يقول:
من فضلك ما تقفليش، أنا كل اللي عاوزه منك هي فرصة واحدة أشرح لك فيها كل حاجة والمغزى من طلبي وبعدها قرري عاوزة تكملي معايا ولا لا.
بصوت قوي يحمل شموخ الأنثى بداخلها أجابته:
يظهر إن سيادة المستشار ما وصلوش قراري مع إني أخدته في نفس اللحظة اللي بلغتني فيها بطلبك.
بس هوضح لك تاني وياريت دي تكون آخر مرة.
نطقتها بطريقة حادة فأغمض هو عينيه بمرارة لتستطرد هي بقوة:
سيادتك غلطت في العنوان، أنا لا بتجوز في السر ولا عمري هقبل بوضع العشيقة حتى لو كان لسيادة المستشار ابن علام باشا زين الدين صاحب المنصب الكبير والفلوس الكتير.
رفعت قامتها لأعلى لتتابع بصوت يقطر قوة واعتزازًا بالنفس:
أنا واحدة حرة، أبويا غلبان وعلى قد حاله آه، بس رباني صح، ولسة ما اتخلقش اللي يخليني أستخبى ورا حتة ورقة زي الحرامية وأروح أقابله في الشقق المفروشة وأنا بتلفت حواليا زي اللي عاملة عاملة وخايفة لانكشف.
رمى رأسه على خلفية المقعد وكل كلمة تنطق بها تمزق قلبه إربًا. شعر ببشاعة خطأه وجرمه العظيم بحق تلك الأبية. نهر حاله:
لم يضعها بتلك الاختبارات مجددًا. ألم يكتفِ برفضها لهديته الثمينة بالمرة الأولى؟ لما استجاب لعقله وجنّب قلبه الذي أنذره وحذره كثيرًا من القدوم على تلك الخطوة غير المحسوبة؟ وبالأخير صدق حدسه وظهرت أصالة تلك الجوهرة الثمينة، لكنه الآن أمام معضلة كبيرة. نعم، تأكد من طهارتها وعفة تفكيرها وبأنها مهرة أصيلة لن تتكرر، لكن هل ستغفر له ذلته تلك؟
أخرج صوته النادم ليقول بنبرة انهزامية:
أنا آسف يا حبيبي، ما كنتش أتمنى أبدًا إني أوصلك للشعور المميت ده، أرجوك حاولي تسمعيني وأنا هشرح لك كل حاجة، هقول لك أسبابي لطلبي ده واللي متأكد إنك هتعذريني فيها.
استمعت لكلماته بقلب مغلق يغلي بل يفور من غضبه لتقاطعه قائلة بنبرة أنثى حطم كبرياءها تحت قدمي من كانت تتوسم به خيرًا بل كانت تتأمل بحياة جديدة تحيا بالأمن والأمان تحت كنفه:
اللي عندي قلته، ومهما قولت من مبررات تأكد إنها هتكون تافهة بالنسبة لشعور الذل والمهانة والانكسار اللي حسيت بيهم من كلامك.
لتتحول نبرتها لغاضبة مسترسلة:
بس لا عاش ولا كان ولا لسة اتخلق اللي يقدر يكسرني. اسمع يا باشا، واعتبره آخر كلام عندي، لو حاولت تتصل بيا تاني بأي طريقة هضطر آسفة أبلغ أيمن الأباصيري بعرض جنابك عليا.
واسترسلت بابتسامة ساخرة:
ومن واقع معرفتي بسيادتك إنك ما بتحبش الفضايح، فمن الأحسن تبعد عن طريقي خالص لأني لا ضعيفة ولا قليلة، وصدقني هتشوف مني وش مش هيعجب ابن الأكابر.
بمجرد الانتهاء من كلماتها التهديدية أغلقت على الفور سماعة الهاتف ليعتصر عينيه ألمًا على تلك الغاضبة وما أوصلتها إليه كلماته المسمومة وعرضه المهين. أما هي فخرجت من مكتبها كالإعصار المدمر لتهتف بعينين حادتين وهيئة لا تبشر بخيرًا:
أنا مش قايلة لك تستقبلي كل المكالمات وتردي عليهم بنفسك! حولتي لي المكالمة ليه!
هبت الفتاة من مقعدها لتجيب بتلبك بعدما رأت ثورة غضبها:
ده سيادة المستشار فؤاد علام.
إن شاء الله يكون حتى رئيس الجمهورية بنفسه.
نطقتها بصياح جديد عليها لتتابع الفتاة توضيح تصرفها:
يا أفندم أنا قولت له إنك مش فاضية بس هو أصر وقال لي إنه عاوزك في موضوع خاص بالقضية وإنك عارفة بمكالمته دي ومستنياها.
رفعت سبابتها لتهتف بفحيح خرج من بين أسنانها:
آخر مرة تتصرفي من دماغك ومن غير الرجوع ليا، إنت فاهمة؟
نطقت كلمتها بصرخ لتنطق الأخرى بإيجاب:
حاضر، أنا آسفة.
رمقتها بنظرات نارية وكأنها تخرج شحنة غضبها بالفتاة. انطلقت عائدة لمكتبها من جديد وحاولت جاهدة إخماد حريق روحها الشاعلة ليباغتها استدعاء أيمن لها عبر الهاتف لتهرول إليه سريعًا وهي تقول بنبرة جاهدت لتخرج منها رصينة:
أفندم يا باشمهندس.
صوتك عالي ليه يا إيثار، فيه حاجة حصلت؟
لم تجد كلمات مناسبة للرد فتلعثمت وهي تقول بعيني زائغة هنا وهناك:
أنا آسفة لو أزعجت حضرتك يا أفندم، أصلي كنت بتكلم مع هانيا واتنرفزت وصوتي علي غصب عني.
أومأ بإيجاب ليسألها بعدما تمعن بمقلتيها:
مالك؟ إنت مش بطبيعتك النهاردة.
ابتلعت غصة مريرة لتجيبه بصوت خافت:
مفيش حاجة يا باشمهندس، شوية إرهاق مش أكتر.
هز رأسه بهدوء ليبتسم قائلًا:
لارا متغيرة كتير بعد زيارتها ليك، دي حتى طلبت من أحمد يحجز لها ميعاد مع الدكتور وبدأت متابعة معاه.
ابتسمت له ليقول بامتنان:
أنا عارف إن اللي حصل ده بفضل كلامك معاها، شكرًا يا إيثار.
قال الأخيرة بكثير من العرفان لتجيبه مبتسمة:
مفيش شكر بينا يا باشمهندس، لارا زي أختي بالظبط، ولو فيه حد يستحق الشكر فهو حضرتك وعيلتك اللي احتوتوني أنا وابني واعتبرتوني واحدة منكم.
رفع حاجبه ليجيبها باستنكار:
هنبدأ بقى في الكلام البايخ؟ يلا شوفي شغلك وما تنسيش تبعتي ملف الصفقة الأخيرة لمدير الحسابات.
حاضر يا أفندم.
قالتها بهدوء لتلتفت وقبل أن تصل إلى الباب استمعت لصوته مناديًا عليها:
إيثار.
التفتت تتمعن النظر إليه ليقول بذات مغزى بعدما تيقن أنها تواجه ألمًا نفسيًا:
مفيش حاجة في الدنيا تستاهل زعلك يا بنتي، وتأكدي إن مفيش مخلوق يقدر يأذيك طول ما أنا في ظهرك وطول ما أنت واقفة لهم بالمرصاد.
نطق كلماته قاصدًا بها عائلة طليقها اعتقادًا منه أنهم سبب تلك الحالة لتبتسم له وهي تقول بامتنان:
ربنا يخليك ليا.
أومأ لها ليطمئنها وبعدها نطق بممازحة:
اتصلي بالبوفيه.
خليهم يعملوا لي فنجان قهوة يظبط لي مزاجي اللي صوت صراخك العالي عكرهولي.
ضحكت رغما عنها لتعود لمكتبها تباشر أعمالها بعدما طلبت من البوفيه عمل القهوة لرب عملها.
داخل منزل والد نسرين زوجة عزيز.
كانت تجلس فوق الأريكة بانتظار والدتها التي ولجت لحجرة نومها كي تجلب لها المال التي بعثت به سمية وبالمرة ترتدي ثياب الخروج كي تذهب بصحبة ابنتها إلى المركز لشراء بعض قطع المصوغات الذهبية. خرجت شقيقتها الصغرى من المطبخ للتو لتقول بنبرة مستاءة بعدما جاورتها الجلوس:
اللي اسمها سمية دي دمها تقيل بشكل.
هتفت الأخرى مستفهمة:
ليه يا بت يا آلاء؟ قالت لك إيه العقربة دي؟
ردت الفتاة باستياء:
قالت لي قولي لأختك تصرفيهم على صحتك.
احتدت ملامحها لتنطق بحقد دفين:
بنت الـ... ماشي يا سمية أنا هوريك.
عبست ملامح شقيقتها لتهتف باستنكار:
يا بااااي! تحسيها بني آدمة جعانة، أنا مش عارفة عمرو ابن الحاج نصر بجلالة قدره اتجوزها إزاي الشرشوحة دي.
المفروض تقضي باقية عمرها وهي بتدعي لي لولا وقفتي معاها، عمرها ما كانت تحلم تدخل بيت سيادة النائب خدامة.
نطقتها بغل لتلج إليهما والدتها التي ألقت بالمال داخل حجرها وهي تقول:
خدي الفلوس عديها واتأكدي إنها مش ناقصة على ما ألف الطرحة.
أمسكت بالكيس الأسود لتنظر له باشمئزاز قائلة:
حطاهم في كيس أسود المعفنة.
رمقتها شقيقتها باستنكار:
أمال عوزاها تحطهم لك في كيس هدايا؟
ولج شقيقها الأوحد علاء أثناء عدها للنقود فوقف ينظر لها بعينين زائغة ليسألها بصوت مرتاب:
إنت جايبة الفلوس دي كلها منين يا نسرين؟
من عند الله يا علاء.
قالتها وهي تدس المال داخل حقيبة يدها الخاصة ليجلس بجوارها وهو يقول:
بقول لك إيه، ما تسلفيني الفلوس دي أسافر بيهم إيطاليا وأول ما الدنيا تلعب معايا هبعتهم لك وأكتر كمان.
قربت الحقيبة من صدرها لتحتضنها بقوة وهي تقول برفض تام:
لا يا حبيبي لا، عاوزة منك أكتر ولا أقل، دول شقى عمري كله، عاوزني أديهم لك وأقعد أشحت؟
التصق بشقيقته محاولًا إقناعها:
يا بنتي اسمعي الكلام، كل اللي راح إيطاليا عيشته اتبدلت، وأديكي شايفة جلال ابن خالتك إحسان جارتنا غير حالة أهله إزاي، وبعد ما كانوا مش لاقيين الرغيف الحاف بقوا يشتروا أرض وهدوا بيتهم وبنوه من جديد.
زفرت بضيق لتقول بنبرة باردة لغلق النقاش بالموضوع بشكل نهائي:
بقول لك إيه يا علاء، انزل من على نفوخي وريح نفسك علشان لو إيه اللي حصل الفلوس دي مش هدي منها مليم لمخلوق.
تحدثت آلاء إلى شقيقها بنبرة لائمة:
هو أنت لسه حاطط موضوع السفر في دماغك برضه يا علاء؟
ومش هرتاح غير لما أسافر.
نطقها الفتى صاحب الأعوام الأربع وعشرون لتجيبه شقيقته:
مش أبوك قال لك تنسى حكاية السفر دي وتطلعها من دماغك؟
واستطردت بنبرة متأثرة:
أبوك وحداني وأنا وأمك وأختك مالناش راجل غيرك، لو سافرت هتسيبنا لمين؟ ده أنت ظهر أبوك والحيطة اللي أمك مسنودة عليها.
نطق الفتى بنبرة منكسرة ساخطة على الظروف المحيطة به:
حيطة مايلة وظهر كسره الفقر يا بنت أبويا، خليني أسافر وأجرب حظي يمكن الدنيا تضحك لي زي ما ضحكت لغيري.
قالت نسرين ناصحة لأخيها:
هو لازم يعني السفر؟ روح مصر اشتغل هناك والدنيا تضحك لك.
لتسترسل بعينين حاقدة:
ما عندك العقربة أخت جوزي اللي اسمها إيثار خدت ابنها وهجت على مصر ومسافة كام سنة بقى عندها الشقة التمليك والعربية.
قطع حديثهم صوت والدتها التي هتفت من الخارج دون أن تعلم بوجود نجلها:
هتاخدي الغوايش الأولانيين تغيريهم ولا هتجيبي جديد بس المرة دي يا نسرين؟
اتسعت عيني شقيقها وسال لعابه بعد ما استمع إلى حديث والدته لتهتف وهي تنظر لذاك الذي لا يعلم شيئًا عن تلك الأموال التي تلقتها من سمية لا هو ولا أبيها حيث ظل السر بين المرأة وابنتيها لخطورة انتشاره:
كلام إيه اللي بتقوليه يا ماما؟
هبت من جلوسها لتخرج وهي تجذبها من ذراعها وتقول:
يلا هنتأخر.
ارتبكت المرأة بعدما رأت نجلها الذي خرج من الغرفة لتقول بارتباك ظهر بهيئتها:
إنت جيت إمتى يا علاء؟
من شوية يا أما.
قالها ليتحرك لغرفته لتهتف نسرين ناهرة والدتها:
يعني كان لازم تنسحبي من لسانك قدام الولا يا أما؟
أشارت بكفها وهي تقول بلامبالاة:
وأنا إش عرفني إنه هنا؟
تحركتا للأمام وهي توصي نجلتها:
خلي بالك من البيت على ما نرجع يا آلاء.
أومأت الفتاة بطاعة وبعد مرور حوالي الثلاث ساعات عادت الأم لحالها حيث عادت نسرين على منزل زوجها كي لا يشعر أحد على غيابها الكثير. وقفت الأم أمام خزانة الملابس لتخرج علبة كبيرة من تحت طيات الملابس الخاصة بها وتضع بداخلها المصوغات التي ابتاعتها نسرين لتتنهد الأم براحة واطمئنان على مستقبل نجلتها غير عابئة بمصدر الأموال وما إذا كان مصدرًا حلالًا أم حرامًا. أغلقت العلبة غافلة عن كلتا العينين التي تراقبها عن كثب من خلف الباب.
بعد مرور خمسة أيام لم يستطع بهم الوصول إليها برغم محاولاته العديدة والمتكررة. كان يجلس بغرفته يتوسط فراشه ممسكًا بسيجارة ينفث بها بشراهة لتدخل فريال بعدما دقت فوق الباب للاستئذان. جحظت عيناها بذهول مما رأته فقد كان دخان السجائر كثيفًا ومعبئًا الغرفة العاتمة لغلق ستائرها السوداء لتهتف بصوت مرتع:
إيه اللي إنت عامله في نفسك ده يا فؤاد؟
تحركت صوب الستائر استعدادًا لفتحها ليهتف الآخر محذرًا:
سيبي الستاير مقفولة واطلعي بره يا فريال.
هتفت بنبرة قوية وهي تشرع بفتح الستائر ليظهر نور شعاع الشمس الساطع على زجاج الشرفة ليهب منتفضًا ليصل إليها بجلبة واحدة وهتف صارخًا بحدة وهو يجذب الستارة منها ويغلقها من جديد:
قولت لك سيبيها واخرجي، إنت إيه ما بتفهميش؟
ذهلت من حدة شقيقها معها لتهتف متجنبة إهانتها وهي تقول بعناد:
مش هسيبك قبل ما تقول لي مالك وعامل في نفسك كده ليه!
وإنت مالك!
نطقها بصياح غاضب ليسترسل مزمجرًا وهو يرمقها بعينين تطلق شررًا:
حاشرة نفسك في حياتي ليه؟
حملقت به لتهتف بحدة غاضبة من حديثه:
أنا أختك وخايفة عليك.
زمجر صائحًا باعتراض بوجه عابس على وشك الانفجار:
أختي مش أمي، حتى أمي مالهاش الحق في إنها تتدخل في حياتي بالشكل الحشري ده.
وأشار بيده نحوها رامقًا إياها بازدراء أحزن قلبها:
روحي اشغلي نفسك بجوزك بعيد عني.
واستطرد بحدة:
ولو قاتلك الفراغ قوي كده لدرجة إنك جاية تشغلي وقتك بيا، فاتفضلي شوفي لك حاجة تسليكي غيري، اطلعي اشتغلي ولا روحي اقضي وقت مع صاحباتك في النادي، المهم تحلي عني وتحطي حدود في التعامل بينا لأني مش هقبل تدخلك في حياتي أكتر من كده.
اتسعت عيناها بصدمة لتقول وهي تشير بذهول على نفسها:
إنت بتقول لي أنا الكلام ده يا فؤاد!
رمقها بقوة ليهتف متهكمًا:
هو فيه حد هنا غيرك!
صدمة ألجمت لسانها لتشله لأول مرة يتحدث معها شقيقها المهذب بتلك الطريقة المهينة. ظل يتبادلان النظرات هي بمصدومة وهو بسخط إلى أن قطع صمتهما دخول عصمت التي هتفت بارتياب ظهر بصوتها المرتعب:
فيه إيه! صوتكم جايب آخر الجنينة تحت، إيه اللي حصل!
ليباغتها صياح ابنها الغاضب حيث انفجر ساخطًا وكأنه قرر إخراج كل ما يغضبه دفعة واحدة بوجهيهما:
يا ريت يا دكتورة تفهمي بنتك إن ليها حدود معايا واللي مش هقبل بعد كده إنها تتخطاها.
واستطرد مشيرًا بأصبع يده للأسفل:
وياريت تفهم إن الأوضة دي حدودي الشخصية وراحتي اللي مش هقبل من أي حد يقتحمها ويعدل على طريقة عيشتي فيها.
التفتت لابنتها لتسألها باستغراب:
عملتي إيه لأخوك نرفزته بالطريقة دي!
اتسع بؤبؤ عينيها لتقول وهي تهز رأسها بدموع وانهيار من عدم استيعابها لما يحدث:
والله ما عملت له حاجة يا ماما.
هتف بصوت صارخ وكأنه يريد التخلص من كل ما يؤلم قلبه عن طريق تلك الصرخات:
بتبلي عليك أنا صح؟ مجنون بقى تقولي إيه!
اتسعت عيني عصمت على مصراعيهما لتنطق علها تستطيع تهدئة ذاك الثائر:
اهدى يا فؤاد وفهمني من غير صراخ.
ما زالت عيناه تقطر غضبًا فأشاح بكفيه ليهتف ناهيًا:
الهانم داخلة تعدل عليا، فكراني مراهق ابن الـ16 وجاية تعلمني الأدب.
لم تستوعب شيئًا من حديثه لتنظر لابنتها تستعلم منها عن ما حدث لتجيبها بكلمات متقطعة بسبب شهقاتها حيث لم تستطع كبح دموعها لتنهمر بغزارة متأثرة بحديثه المهين:
كل اللي عملته إني فتحت الستاير علشان تهوي الأوضة لما لقيتها مكتومة من ريحة السجاير والدخان اللي ماليها.
احتدت ملامحه وامتلأت بالقسوة وهو يصرخ عاليًا:
وتفتحي الستاير ليه! وإيه اللي يدخلك أوضتي من أصله!
أنا عمري اتدخلت في حياتك ولا قربت من أي حاجة تخصك؟
واستطرد ناهراً بحدة:
زي ما بحترم خصوصيتك ومحترم حدودي، ف أنتِ مجبرة إنك تتعاملي معايا بالمثل وما تتعديش حدودك معايا.
كانت تستمع لكلماته الناهرة وهي تهز رأسها بذهول، ماذا يحدث ومن هذا بحق الله؟ أهذا هو شقيقها ذاته، نفس الشخص الذي طالما غمرها بحبه وعطفه وما ترك مناسبة إلا وعبر لها من خلالها عن احترامه ومدى قدرها لديه!
تألمت عصمت لرؤية صغيرها العاقل بكل هذا الغضب الأقرب للجنون، أشارت لابنتها بعينيها لتخرج فريال بعدما رمقت شقيقها بنظرات تحمل الكثير من اللوم، لتتنهد الأم وهي تقول في محاولة منها لتهدئة روعه:
أنا هتكلم مع فريال وأخليها تبعد عن أي حاجة تخصك بعد كده.
تطلعت عليه ثم تحركت للخارج بخطوات ثابتة دون التفوه بكلمة واحدة، وما أن أغلق الباب حتى وضع كفيه فوق شعر رأسه ليجذبه بقوة ويدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يجذب خصلات شعره بعصبية مفرطة تنم عن مدى وصوله لقمة الغضب.
بعد منتصف الليل
تسحب علاء إلى غرفة والديه بعدما تأكد من دخولهما في سبات عميق، تحرك على أطراف أصابعه وفتح خزانة الثياب ليسحب العلبة التي تحمل المصوغات الخاصة بشقيقته، ويخرج سريعاً ويغلق خلفه الباب من جديد بهدوء دون أن يشعر عليه أحد، اتجه مباشرة لغرفته ليتطلع على حقيبة ثيابه بعدما جمع بها كل ما يخصه استعداداً للهجرة، وذلك بعدما ذهب لأحد الرجال المختصين بأمر الهجرة غير الشرعية وأبرم معه اتفاقاً بحجز مكان بالسفينة المهاجرة فجراً مقابل المصوغات الذهبية، فتح علبة المصوغات ونظر داخلها بشراهة ليقول:
أنتِ اللي بدأتي لما رفضتي تديني جزء من الدهب أصرف بيه نفسي، اديني خدتهم كلهم يا نسرين.
أغلق العلبة ليضعها سريعاً داخل الحقيبة وأحكم غلقها، ثم حملها بذراعه ليهرول على عجالة تاركاً المنزل ليهرب من البلد بل والدولة بأكملها.
رواية انا لها شمس الفصل الثامن عشر 18 - بقلم روز امين
صمودك بات لا يجدي وما زلت تقاومين والأنفاس تتصارع، حتى تخطيت بصبرك عقبة الأوجاع الضالة بمفردك، والآن قد نجا بعضك من كلك أيضًا بمفردك.
إيثار غانم الجوهري
أشرقت شمس يوم جديد لتعلن عن أحداث جديدة وتطورات داخل حياة كلٍ منا، فاقت نوال من غفوتها توضأت وقامت بقضاء ركعتي الضحى لتتحرك نحو المطبخ بعدما نوت تجهيز وجبة الإفطار لنجلها قبل أن يذهب لعمله ككل يوم إلى أحد المطاعم المتخصصة بطهي وبيع "الكشري المصري" الذي يعمل به، وأثناء إعدادها لوجبة البطاطس المقلية المفضلة لدى نجلها ولجت إليها ألاء حيث تحدثت وهي تتكئ على باب المطبخ:
- صباح الخير يا ماما.
ردت الأم وهي تتابع تقليب أصابع البطاطس داخل الزيت:
- صباح النور، صحي أخوك يلا علشان ما يتأخرش على أكل عيشه.
- حاضر... نطقتها الفتاة وتحركت في الحال إلى حجرة شقيقها لتدق بابها قبل أن تدخل وتفاجأ بعدم وجوده، كادت أن تغلق الباب مرة أخرى لتعاود لوالدتها لكنها تسمرت عندما جذب انتباهها تلك الورقة المعلقة على ظهر التخت والمثبتة بقطعة صغيرة من العلكة الممضوغة، تحركت إليها وجذبتها وبدأت بقراءة محتواها لتجحظ عينيها على مصراعيهما في صدمة لتصيح وهي تهرول إلى والدتها قائلة بصوت يرتجف من هول الصدمة:
- إلحقي يا ماما.
التفتت المرأة تنظر لابنتها بتمعن لتتابع الأخرى صياحها:
- علاء سرق الدهب بتاع نسرين وطفش.
دقت على صدرها لتصرخ بتساؤل:
- أنت بتقولي إيه يا بت، طفش راح فين؟!
- سافر على المركب اللي رايحة إيطاليا... نطقتها لتشهر بالورقة بوجهها وتكمل:
- ساب جواب بيقول إنه أخد الدهب بتاع نسرين وسافر بيه، ولما الدنيا تمشي معاه هناك هيبعت لها فلوسه.
صرخت المرأة نادبة:
- يا دي المصيبة، أبوك لو عرف هيروح فيها.
واسترسلت وهي تدق على فخذيها بنحيب:
- ولا أختك، دي لو عرفت إنه سرق دهبها هتخرب الدنيا، ومش بعيد تفتكر إني متفقة معاه.
قاطعتها الفتاة لتهتف بخوف على شقيقها:
- سيبك من نسرين الوقت يا ماما وخلينا في علاء، إحنا لازم نعرف هو سافر مع مين علشان نطمن إنه وصل بالسلامة.
نظرت للفتاة وهزت رأسها بيأس وحيرة وشعور بالرعب ممتزج بالغضب وقلة الحيلة سيطروا عليها.
**********
بجسد مرهق كان يتوسط فراشه غافيًا على بطنه بشكل عشوائي لا يرتدي سوى شورت قصير، انتبه على صوت المنبه الذي صدح صوته من خلال هاتفه المحمول، مد يده بعشوائية فوق الكومود وبات يتحسس باحثًا عن الهاتف حتى عثر عليه وقربه أمام عينيه استعدادًا لغلقه، رفع رأسه وجاهد بفتح أهدابه بصعوبة ترجع لنومه لبضع سويعات بسيطة، أغلق الهاتف ليرمي رأسه من جديد فوق الوسادة بإنهاك شديد، لم تمر عدة ثوان حتى رفع جسده متحاملًا على حاله وجلس مستندًا للخلف، تنفس بهدوء ومسح على وجهه بكف يده ثم بسط ذراعه ليجلب علبة كانت موضوعة فوق الكومود وبدأ بفتحها وإخراج أحد الهواتف الذكية منها، بدأ بتركيب خط جديد قد ابتاعه بالأمس مع الهاتف وسجله باسم شقيقته ليستطيع من خلاله التواصل مع من استطاعت قلب حياته رأسًا على عقب منذ أن تركته وقطعت جميع خيوط الوصل تاركة إياه بلا قلب بعد أن سلبته إياه وعقله حتى أصبح كالمجنون المغيب، فتح الهاتف وسجل رقمها وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يضغط على زر تسجيل الرسائل الصوتية لينطق بصوت أقرب إلى الهمس يفيض من الاشتياق والعشق ما يجعل الحجر يلين:
- وحشتيني، نفسي أسمع صوتك، أشوف عيونك حتى لو هتبص لي بلوم، بس أشوفها وأملي عيوني منها.
سألها بنبرة لائمة كي يلين قلبها وتعي لما أوصلته إليه:
- طب أنا موحشتكيش، مهو مش معقول أكون بتعذب بالطريقة دي وهموت وأشوفك، وأنت مش فارق معاك وجودي في حياتك من عدمه.
نطقها بصوت متأثر ليتابع بصوت راجي:
- إيثار إحنا لازم نتكلم، مينفعش تنهي كل اللي بينا علشان غلطة، أيوة أنا غلطت وبعترف لك ومستعد أقضي الباقي من عمري وأنا بعتذر لك، بس متبعديش عني، اختيارك لعقابي بحرماني منك منتهى القسوة، ده الموت بالبطيء يا إيثار، علشان خاطري راجعي نفسك واديني فرصة واحدة نتقابل ونتكلم، وأنا واثق إني هقدر أقنعك.
تنفس بصوت عال يظهر كم الألم الساكن بداخله ليسترسل بوعد صادق:
- أنا هعمل لك كل اللي يرضيك ويريحك، بس ارجعي لي، وحياة يوسف تديني فرصة تانية.
انتهى من تسجيل المقطع الصوتي وأرسله وجلس يراقب ردة فعلها وبعد أن طالت المدة هب من مكانه ليتحرك إلى الحمام ويختفي خلف بابه بعدما قرر غمر جسده بالماء البارد عله يزيل من اشتعال روحه ولو قليلًا.
بعد قليل نزل الدرج مرتديًا ثيابه بالكامل حاملًا حقيبته الجلدية استعدادًا للذهاب لعمله، تفاجأ بشقيقته تخرج من المطبخ حاملة طفلها الصغير، تنهد بثقل في قلبه يرجع لوجعه مما حدث بينهما ليلة أمس، لم يكن يتخيل يومًا من الأيام أن يحدث صدامًا بينه وبين شقيقته الوحيدة والتي يعتبرها ابنته ومدللة قلبه، تألم حين رآها تحول بنظرها بعيدًا عنه لتتحرك بطريقها متجاهلة اقترابه منها ليسرع بخطاه حتى توقف أمامها وتعمق بمقلتيها ليجد فيهما حزنًا وألمًا وكثيرًا من الملامة، تنهد وبدون حديث قربها ليضمها إلى أحضانه ليميل مقبلًا رأسها، بادلته عناقه ليشدد هو من احتضانها وبعد عدة ثواني ابتعد ليتحسس وجنتها قائلًا بنظرة ترجو السماح:
- أنا آسف.
قطبت جبينها تنظر له متعجبة وهي تقول باستغراب:
- فؤاد أنت كويس!
ضيق ما بين عينيه مستفهمًا دون الإفصاح عنه لتتابع مسترسلة:
- أنت قولت آسف يا فؤاد؟!
لتستطرد بتفخيم للكلمات:
- فؤاد علام بيتأسف!
رفع حاجبه باستنكار قبل أن يجيبها بمشاكسة لتلطيف الأجواء:
- خلاص سحبتها واعتبريني ما قولتهاش أصلًا.
هتفت سريعًا بمداعبة:
- لا وعلى إيه، ده حدث تاريخي والمفروض أوثقه.
تبادلا الابتسامات وهو يتحسس وجنتها بحنو ليرفرف قلب عصمت من فرحته حين رأت نجلاها بكل هذا الوئام لتقترب عليهما وهي تقول بابتسامة:
- صباح الخير.
لم تعلق على ما حدث بالأمس وقد قررت تخطي الأمر كي لا تشعر صغيرها بالإحراج لتسترسل بوجه بشوش وهي تشير لهما نحو غرفة الطعام:
- يلا علشان تفطروا مع بابا.
اقتربت على ابنتها لتحمل حفيدها الذي يحمل اسم ابنها الغالي وتتحرك أمامهما ليغمر فؤاد شقيقته بضمة حنون ويتحركا خلف والدتهما.
أما تلك الجريحة صاحبة أسوأ حظ فقد ولجت إلى غرفتها لجلب هاتفها وحقيبة يدها للاستعداد للذهاب إلى العمل بعدما تناولت وجبة الإفطار بصحبة عزة والصغير، التقطت الهاتف ونظرت بشاشته لرؤية آخر المستجدات الخاصة بعملها ليلفت نظرها وصول رسالة صوتية، اعتقدت أنها تخص العمل فشرعت لفتحها ليدق قلبها سريعًا وينتفض بمجرد استماعها لنبرة صوته، وعلى الفور ضغطت لإيقاف التكملة، شعرت بغصة مريرة سكنت بقلبها وكادت أن تحذف الرسالة وتحظر هذا الرقم أيضًا، لكن شيئًا بداخلها منعها ليعطي القلب أمرًا إلى العقل ليتوقف على الفور أصبع يدها الموضوع على زر اختيار الحظر، تنفست كي تستطيع المواصلة لتفتحها من جديد وتستمع لصوته المتأثر، هزت رأسها بحيرة وجنون، لما دائمًا تستشعر من صوته الصدق حتى بعد حديثه المهين وخيبة أملها به ما زالت تستشف الصدق من كلماته، تأثر قلبها بنبراته الحزينة واستشفت كم الندم والألم الساكنان قلبه، أغمضت عينيها وضغطت على قبضة يدها لطرد شعوري الحنين والتأثر لتهتف بصوت داخلي غاضب وناقم:
- استفيقي أيتها الغبية، أما زلت للآن بلهاء وتنخدعين بصوت ذاك الحقير المتلاعب بقلوب النساء؟ ألم تتيقني بعد أنه بارع باللعب بالكلمات والمشاعر؟ اتركي كل هذا الهراء خلفك وانطلقي للأمام، ضعي صغيرك أمام عينيك فهو الوحيد الذي يستحق عنايتك واهتمامك وجل مشاعرك، استفيقي بالله عليك ولا تدعي الفرصة لتلك الأحاسيس الغبية لتتحكم بك، كفى ما حدث للآن فقد أنقذتك العناية الإلهية من براثن ذاك المخادع، فلتحمدي الله ولتمضي بطريقك دون الالتفات للخلف.
فتحت عينيها وبملامح تحمل الكثير من الحقد والغضب حذفت الرسالة وحظرت الرقم ملقية بإشارات ونداءات قلبها عرض الحائط، رفعت قامتها للأعلى لتأخذ نفسًا قويًا وتحركت للخارج بقلب أشبه بميت.
وأثناء تناوله لوجبة الإفطار التي تناولها بفقدان كامل للشهية وعدم تركيز لاحظه الجميع لكن لم يعلقوا احترامًا لتلك الحالة الجديدة على عزيز أعينهم وخصوصًا بعدما حدث ليلة أمس، على غير عادته أخرج هاتفه من جيب سترته لينظر بشاشته بلهفة ظهرت بعينيه لتتحول لإحباط وحزن كسى ملامحه بعدما رأى حظرها للرقم ليتنهد بيأس تحت نظرات علام الذي لاحظ تغيرات نجله ليسأله كي يطمئن عليه:
- مالك يا فؤاد، شفت حاجة ضايقتك في التليفون؟!
انتبه لحديث والده الذي أخرجه من شروده ليهز رأسه سريعًا وهو يقول بنفي قاطع:
- مفيش حاجة يا باشا.
انتفض من مقعده ليقول بصوت جاد فاقدًا للحيوية:
- أنا مضطر أمشي علشان ما أتأخرش.
تحدثت عصمت بصوت حنون:
- كمل القهوة بتاعتك يا حبيبي.
- هشرب غيرها في المكتب يا ماما، بعد إذنكم... جملة نطقها بصوت خالٍ من الحياة لينسحب للخارج بخطوات سريعة وكأنه يهرب من شيء يطارده، نظر علام إلى زوجته يستشف منها حالة نجله لترفع له كتفيها بعدم استيعاب لما يجري لصغيرهما ويصمتا تحت حزن فريال على ما أصاب شقيقها مؤخرًا.
**********
عند الغروب
كانت نوال تجلس داخل غرفتها بقلب يحمل الكثير والكثير من الهموم، ولجت ألاء لتقول بنبرة مرتعبة:
- وبعدين يا ماما، هنعمل إيه في المصيبة اللي إحنا فيها دي؟
دقت على فخذيها لتهتف نادبة:
- مش عارفة، حاسة إني متكتفة ومش عارفة أعمل إيه.
نطقت الفتاة بترقب:
- المفروض كنا قولنا لبابا علشان يتصرف.
هتفت بصوت منهار:
- هقول له إيه، ابنك سرق دهب أخته وسافر بيه ومش عارفين إذا كان وصل ولا بعد الشر حصل له حاجة؟!
لتستطرد وهي تتلفت حولها بعينين زائغتين:
- ولو سألني بنتك جابت الدهب منين أرد عليه وأقول له إيه؟!
صرخت بالكلمة الأخيرة ليباغتها ولوج زوجها الذي عاد من أرضه ليأخذ مالًا لشراء بعض السماد اللازم لتسميد الأرض فاستمع لحديثهما ليهتف متسائلًا بقوة:
- دهب إيه اللي بتتكلمي عنه يا ولية؟
وابنك فين؟ نطقها بصراخ لتبتلع المرأة لعابها برعب من هيأة زوجها وبعد إلحاح وضغط من الأب اعترفت الفتاة لأبيها بكل ما حدث، ما زال تحت تأثير الصدمة ليخرجه منها تلك الخبطات التي صدحت على الباب ليهرول الرجل وخلفه زوجته وابنته ليفتح الباب ويتفاجأ برجل يرتدي زيًا خاص برجال الشرطة ليسأله بنبرة جادة:
- ده بيت علاء محمد أبو سريع؟
رد الرجل بارتياب وقلب يرتجف خوفًا من القادم:
- أيوة يا باشا أنا أبوه.
هز الرجل رأسه ليخبره بهدوء:
- الضابط عايزك في القسم.
ليه، خير يا باشا... نطقها بتوجس لتصيح المرأة متسائلة بنبرة مرتعبة وقلب يشعر بما أصاب نجلها:
- ابني جراله إيه يا بيه، طمني وحياة حبيبك النبي.
تنهد الرجل لينطق بيأس:
- البقية في حياتك يا حاجة، ابنك غرق هو وكل اللي كانوا معاه في المركب اللي كانت مهاجرة لإيطاليا.
صرخة مدوية هزت أركان المنزل بأكمله ليهتز جسد الرجل ويرجع للخلف مستندًا على الجدار لكي لا يسقط أرضًا من هول مصيبته الكبرى.
هتفت الفتاة وهي تسأل الشرطي كغريق يتعلق بقشة كي يبقى على قيد الحياة:
- أنت متأكد إن علاء أخويا غرق، مش يمكن يكون لسة عايش؟!
- البلاغ جالنا من السلطات الإيطالية بأسماء الجثث اللي طلعها خفر السواحل، وجثة أخوك كانت من ضمن الجثث.
تعالت الصرخات وحضر الجيران لتشارك النسوة بالصراخ، ذاع الخبر المشؤوم بين الناس لينتشر بأرجاء البلدة بأكملها حتى وصل إلى نسرين، ذهب الأب وتأكد من وفاة نجله عن طريق الصور التي بعثت للشرطة عن طريق إيطاليا لتأكيد الأهالي من جثث ذويهم، أخبر الضابط الأهالي أن الأمر سيستغرق بضعة أيام لوصول الجثامين، كان المنزل يأج بالنساء اللواتي ارتدين ثيابهن السوداء وحضرن لتقديم واجب العزاء، وصلت نسرين بصحبة والدة زوجها ونوارة بعدما علمت بالنكبة التي حلت بعائلتها لتصرخ وهي تقترب على والدتها وتحتضنها لتصيح الأخرى بعدما دفعتها لتسقط بعيدًا منبطحة على الأرض لتقول وهي تنظر إليها بكره وحقد:
- اطلعي برة بيتي يا ملعونة، أنت السبب في اللي جرى لابني، لولا دهبك الملعون ما كانش راح للموت برجليه، أنت اللي قتلتي ابني.
اتسعت عينيها بذهول من حديث والدتها وهجومها غير المبرر والتي لا تعلم مصدره، اقتربت منيرة لتساند زوجة نجلها حتى تنهض بمساعدة مجموعة من النساء التي تساءلت إحداهن بفضول قاتل:
- دهب إيه اللي أمك بتتكلم عليه يا نسرين؟
تبرعت أخرى بالإجابة لتبرير ما حدث من وجهة نظرها:
- الولية شكلها فقدت عقلها من اللي حصل، الله يكون في عونها، ضهرها بقى عريان هي وجوزها وبناتها الاثنين بعد ما الواد اللي حيلتهم راح في غمضة عين.
جحظت عيني نسرين بعدما استوعبت لكلمات والدتها لتقترب عليها وتمسكها من ذراعيها كالتي فقدت عقلها وتهزها بعنف وهي تقول صارخة بعدم استيعاب:
- أنت بتقولي إيه يا ماما، بتقولي إيه؟!
جذبت ألاء قبضتها من فوق ذراعي والدتها وهي تبعدها ناهرة بذات مغزى:
- اللي سمعتيه ووصل لك، وكفيانا فضايح بقى، كفاية اللي حصل، أخوك راح خلاص، كله راح يا نسرين، كله راح.
لطمت خديها وباتت تطلق صرخات هزت صداها أرجاء البلدة بأكملها، لا تدري ما إذا كانت صرخاتها المدوية تلك تطلقها لأجل مصابها الجلل "وفاة شقيقها الوحيد" إما أنها حزنًا وقهرًا على أموالها التي حصلت عليها من سمية عنوة عنها مقابل مساعدتها في تدمير زواج إيثار وحصول الأخرى عليه كزوج لها، والآن فقدت كل شيء بلمح البصر.
هبت المرأة بعدما لاحظت صرخات ابنتها الطامعة وتيقنت بأنها تنعي مالها وتندب حظها وليس أخاها لتمسكها من ذراعها وتسحبها باتجاه الخارج تحت صيحات وتدخلات النساء اللواتي حاولن تخليص الفتاة من قبضة والدتها ولكن هيهات، ظلت تجرها حتى وصلت بها إلى البوابة لتلقي بها خارج المنزل وهي تقول صارخة:
- اطلعي برة وإياك تخطي برجلك هنا ثاني، البيت ده بقى محرم عليك.
وبشهد كل الناس اللي موجودة، إن موت قبلك غسلي وجنازتي محرمين عليك.
- وحدي الله يا أم علاء واعقلي... نطقتها منيرة لتهب المرأة وهي تغلق الباب بوجه كلتاهما:
- غوري يا ولية أنت كمان وخدي مرات ابنك من هنا، ما شوفناش من وراكم خير.
قالت كلماتها لتقذف الباب بوجهيهما، حولت الفتاة بصرها إلى والدها الجالس فوق المقاعد يتلقى واجب العزاء لنجدتها لكنها تفاجأت به يرمقها باشمئزاز وكره فعلمت أن والدتها أخبرته بقصة الذهب فقررت الانسحاب للحفاظ على ما تبقى من كرامتها التي بعثرت أمام سكان البلدة بأكملها، استغرب عزيز المجاور لوالد زوجته ما حدث للتو لكنه قرر التغاضي للوقوف بجانب الرجل في هذا الظرف السيئ، سندتها منيرة ونوارة التي خرجت خلفهما لتذهب بصحبتيهما، هتفت منيرة متسائلة بتشكيك لما حدث:
- هو فيه إيه بينك وبين أمك يا نسرين، الولية زي اللي صابها الجنان أول ما شافتك قدامها؟!
ابتلعت لعابها لتجيب بنحيب ودموع لم تنقطع حزنًا على شقيقها وأموالها معًا فقد تلقت ضربة مزدوجة مميتة:
- واحدة ابنها الوحيد مات غرقان وحتى جثته لسة ما دفنتهاش، عايزها تجيب العقل منين؟!
ضيقت بين عينيها بتشكيك لروايتها:
- واشمعنى أنت اللي عملت معاك كده؟!
لتتابع بتبرير متعجب:
- ما أختك قاعدة جنبيها وساندين على بعض الاثنين.
صرخت بعدما فقدت القدرة على التحمل من كثرة الضغط عليها من تلك المرأة فاقدة الحس:
- هو أنت بتحققي معايا ولا إيه، ما تسيبيني في حالي، مش كفاية المصيبة اللي حطت على دماغي.
نطقت نوارة بعدما شاهدت انهيار تلك النسرين لتقول برجاء:
- خلاص يا مرات عمي، سبيها في اللي هي فيه.
لوت فاهها وأسندتها طوال الطريق حتى وصلا للمنزل لتهرول نسرين إلى مسكنها وتبدأ في الصراخ والعويل نادبة لحظها العسر بعد أن خسرت كل شيء.
ليلًا
ولج عزيز إلى مسكنه وجدها مسطحة فوق تختها تبكي وتنتحب بانهيار تام، جلس بجوارها وتحدث بعدما ربت على ظهرها:
- البقية في حياتك يا نسرين، الله يرحمه.
لم تجبه بل ظلت على وضعها وصوت شهقاتها ارتفع ليسألها متعجبًا لما رأى دون مراعاة حالتها النفسية:
- هي خالتي نوال رمتك برة البيت ليه يا نسرين؟!
التفتت إليه لتهب جالسة وهي ترمقه بغضب:
- هو فيه إيه النهار ده، محدش عنده دم ليه، الكل بيسأل عن اللي حصل من أمي ومحدش واخد باله إن أخويا الوحيد مات؟!
- هو حد قالك حاجة يا بنت الناس علشان تصرخي كده، ما أنا أول ما دخلت قلت لك البقية في حياتك... نطقها بحدة ليسترسل موضحًا بتعجب:
- وبعدين سألتك علشان بصراحة اللي حصل من أمك غريب وما لوش تفسير.
لاحت بمخيلتها كذبة لتقول لتنأى بحالها من أسئلتهم التي أرهقت عقلها وزادت من سوء حالتها النفسية:
- كنت متخانقة أنا وعلاء قبل ما يمشي بيوم، ارتحت يا عزيز؟!
تطلع عليها بضيق ليهز رأسه بلامبالاة وتمدد بجوارها ليغفو بعد قضاء يوم شاق بالنسبة للجميع.
*********
عصر اليوم التالي
كانت تجلس بصحبة نجلها تراجع معه دروسه بتمعن واهتمام، استمعت لصوت رنين هاتفها فردت حين وجدته رقم نوارة:
- إزيك يا نوارة؟
ردت تلك الخلوقة بصوت هادئ:
- الله يسلمك يا إيثار، عاملة إيه يا حبيبتي ويوسف عامل إيه؟
- إحنا بخير الحمد لله، طمنيني على بابا... قالتها باهتمام وترقب لترد الأخرى:
- الحمد لله كويس.
أخذت نفسًا لتسألها باطمئنان:
- الفلوس اللي بعتها لك على الكاش وصلتك؟
- آه يا أختي كتر خيرك، صرفتهم ورحت اشتريت بيهم الكوتشات للعيال... نطقت كلماتها بعرفان لتلك الحنون التي تبعث لها بين الحين والآخر بعض الأموال كي تساعدها على شراء بعض مستلزمات الصغار سرًا بدون علم أحد حتى وجدي بذاته وكان هذا شرط إيثار، لتسترسل نوارة:
- أنا متصلة بيك علشان أقول لك إن علاء أخو نسرين تعيشي أنت.
اتسعت عيني إيثار لتقول بصوت متأثر:
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اتوفى إمتى وإزاي؟
قصت لها ما حدث تحت حزن إيثار على خسارة الشاب لعمره لتتابع الأخرى بتوضيح:
- أنا قلت أبلغك علشان تكلميها وتعملي الواجب.
تنهدت بهدوء لتقول بعقلانية:
- خليني بعيد عن نسرين أحسن يا نوارة، أنا ما شفتش منها قليل واللي عملته فيا كتير، كفاية إنها طول الوقت بتحرض ماما وعزيز عليا.
واسترسلت بتخوف:
- وبعدين دي بني آدمة مريضة، مش بعيد تفتكر إني مكلماها علشان أشمت فيها، وتسمعني كلمتين ما لهمش لازمة.
لتستطرد بحزم:
- ربنا يصبرها ويرحم أخوها، بس هي وعزيز البعد عنهم غنيمة، وأنا مش عاوزة أتواصل معاهم لأي سبب.
- اللي يريحك اعمليه يا إيثار، أنا قلت أقول لك وأنت أدرى بمصلحتك... قالت كلماتها لتسترسل بإبانة ما حدث:
- على العموم أهو ربنا خد لك حقك منها، وزي ما حرضت أمك عليك ربنا سلط أمها طردتها وبهدلتها من قلب العزا بتاع أخوها.
ضيقت بين عينيها لتسألها باستغراب:
- مش فاهمة، وأمها تطردها ليه؟
أجابتها:
- ولا حد يعرف حاجة، الولية زي ما تكون اتجننت، فضلت تزق فيها لحد ما رمتها برة البيت واللي طالع عليها أنت ودهبك الملعون السبب في موت ابني.
بلامبالاة أجابتها الأخرى:
- ربنا يسهل لها بعيد عني، خدي بالك من الولاد ولو احتجتي أي حاجة أو بابا ناقصه أي حاجة رني عليا وأنا هبعت لك على طول.
شكرتها بعرفان لتنهي المكالمة وتعود إيثار لمتابعة المذاكرة للصغير.
**********
بعد مرور حوالي أسبوعين
كانت داخل اجتماع منعقد بين أيمن وفريق العمل ورجل أعمال آخر لإبرام إحدى الصفقات، استمعت لصوت هاتفها فنظرت لتجد شقيقها أيهم ضغطت لتجعل الهاتف صامتًا لكنها تعجبت على إصراره وما زاد من تعجبها اتصال عزة بعد عدة محاولات من أيهم، انتظرت حتى انتهى الاجتماع بعد نصف ساعة لتهرول لمكتبها وتعاود الاتصال بشقيقها الذي هتف سريعًا بصوت متأثر:
- أنت فين يا إيثار، عمال أرن عليك بقالي ساعة.
ارتعب داخلها لتسأله بارتياب:
- فيه إيه يا أيهم؟
- بابا تعبان قوي وطالب يشوفك... نطقها الشاب بصوت حزين لتنطق بقوة وصوت حاد:
- قول لعزيز يلعب غيرها واتقوا الله بقى وسيبوني في حالي.
بنبرة أشبه بباكية أخبرها الشاب:
- أبوك بيموت يا إيثار، أنا بكلمك من مستشفى المركز والدكتور كلامه ما يطمنش.
هتفت بصوت يرتجف من شدة تخوفها:
- أنت بتقول إيه، بلاش كذب بقى.
بصوت متأثر نطق بقسم:
- والله العظيم ما بكذب عليك، هو بيعمل إشعة جوه ومعاه وجدي، وأول ما يخرج هخليه يكلمك علشان تصدقي.
نزلت كلماته عليها لتزلزل كيانها بالكامل، لم تدر بحالها إلا وهي تغلق الهاتف وتلملم أشيائها لتهرول على مكتب أيمن وتخبره بما حدث فقال لها مطمئنًا إياها:
- روحي اطمني عليه وابعثي لي عنوان المستشفى اللي هو فيها، وأنا هخلي أحمد يبعت لك عربية إسعاف مجهزة تنقله للمستشفى عندنا.
شكرته بعرفان وانطلقت بسرعة البرق لتستقل سيارتها متجهة للمركز للحاق بوالدها العزيز والاطمئنان على صحته.
ترى هل حقًا غانم مريض أم أنها لعبة جديدة من ألاعيب عزيز وستقع إيثار داخل مصيدة نصر المتربص بها ليقدمها قربانًا إلى زوجته المتجبرة لتنفذ انتقامها منها؟
رواية انا لها شمس الفصل التاسع عشر 19 - بقلم روز امين
كانت تقود سيارتها بسرعة فائقة وكأنها تسارع الزمن لتصل إلى عزيز عينيها قبل فوات الأوان. لم تنقطع دموعها منذ أن انطلقت بسيارتها وللآن، فكرة أن والدها من المحتمل أن يفارقها تدمي قلبها وتجعل داخلها ينتفض رعبًا. هل سيرحل ذاك الحبيب ويتركها تواجه عالمها المستوحش بلا سند؟ نعم، لم يكن لها بالسند القوي طوال الوقت، لكن طالما ظهرت قوته في الوقت المناسب. فكلما تكالب عليها الذئاب وأظهروا مخالبهم استعدادًا لنهشها، لينال منها الإحباط تحت كثرة عددهم، وعندما تشارف على لفظ أنفاسها الأخيرة يظهر هو لينقذها من براثن أعدائها وينأى بها بعيدًا عن خبثهم.
وصلت في وقت قياسي لشدة سرعتها. صفّت السيارة أمام المشفى وترجلت تهرول للداخل حتى وصلت للاستقبال، ومنه إلى المكان المتواجد به أبيها حسبما وصف لها موظف الاستقبال. خطت خطوتين لتتفاجأ بوجود عزيز وأيهم ينتظران خارج غرفة الكشف. أخذت نفسًا عميقًا لتمُد حالها بالصبر لتحمل أسلوب شقيقها المستفز قبل أن تتحرك وتخرج صوتها المرتعب وهي تسأل شقيقها:
- بابا فين يا أيهم؟
التفت كلاهما باتجاه الصوت ليهب أيهم مهرولًا نحو شقيقته ليمسك كفها وهو يقول بحزن تجلى بصوته وظهر داخل عينيه:
- مع الدكتور جوة ومعاه ماما وجدي.
كان صدرها يعلو ويهبط بقوة وأنفاسها تتعالى لشدة خوفها الممتزج بهرولتها إلى أن وصلت. وقبل أن تسأله عن حالة والدها، باغتتها مقاطعًا ذاك الجالس يترقب طلتها:
- طب ارمي السلام على اللي قاعدين، ده حتى السلام لله.
طالعته بملامح جادة لتقول بنبرة هادئة:
- إزيك يا عزيز.
- الحمد لله يا بنت أبويا...
نطقها ليقف منتصب الظهر وتحرك حتى وقف قبالتها يطالعها بحنان تعجبت له، والأدهى من ذلك صوته الهادئ الذي نطق به وهو يحاول طمأنتها:
- متخافيش أبوك شديد هيقوم منها وهيبقى زي الفل.
تعجبت تغييره الكلي في معاملتها لكنها تغاضت عن الأمر ورجحت تصرفه إلى ارتباكه وحزنه على والديهما فتحدثت إليه بنبرة متأثرة:
- أنا عاوزة أشوفه، وعاوزة أتكلم مع الدكتور.
لأول مرة في سنوات عمرها يقترب منها ويجذبها لداخل أحضانه ليهمس بهدوء وهو يربط على ظهرها بحنو:
- قلت لك متخافيش، أبوك عفي وهيقوم منها بالسلامة.
تسمر جسدها وتشتت تفكيرها وللحظة باتت تتساءل: من هذا بحق الله؟! أهذا هو عزيز بعينه!
ذاك القاسي من تذوقت على يديه جميع أنواع الذل والمهانة؟!
فاقت من شرودها على صوت باب غرفة الكشف الذي فُتح، لتبتعد سريعًا عن حضن شقيقها المزيف، والتي لم تشعر به. التفت لتجد شقيقها ووالدتها تسندان غاليها. صاحت باسمه وهي تهرول إليه كطفلة لم تتعدى الأربعة أعوام.
انشرح صدره وتهلل وجهه لرؤية صغيرته التي ارتمت بأحضانه وهي تقول بصوت مختنق بالعبرات رُغمًا عنها:
- سلامتك يا بابا، ألف سلامة.
ابتعدت كي لا ترهقه، وما أن تطلعت عليه بتمعن حتى انخلع قلبها رُعبًا عليه. فقد شحب وجهه كثيرًا وسكن عينيه المرض، حيث أصبح بياض عينيه أصفرًا، أما جسده فقد نحل وفقد كثيرًا من وزنه. اختنقت بالعبرات وما شعرت إلا بدموعها تنسدل فوق وجنتيها بعد أن رأت حالته المزرية.
تحدث بصوت متقطع نتيجة مرضه:
- كويس إنك جيتي يا بنتي علشان أشوفك قبل ما ربنا ياخد أمانته.
أردفت سريعًا وهي تنفي برأسها بينما تتناثر دمعاتها المتألمة وهي تحاول زرع الأمل في نفس غاليها:
- متقوليش كده يا بابا، إنت هتتعالج وهتبقى كويس إن شاء الله.
رمقتها منيرة بنظرات حادة لتقول ناهرة:
- إوعي من طريقه خلينا نقعده علشان يرتاح.
ابتعدت لتفسح له المجال ليجلس بعد عدة خطوات ساندًا ظهره للخلف مغمض العينين. نظرات باردة تبادلتها مع والدتها التي رمقتها بسخط. لم تشعر بلحظة حنين أو اشتياق بداخل عيني تلك القاسية برغم ابتعادها عنها وعدم رؤيتها لعدة شهور. أخذت نفسًا عميقًا لتستفيق على صوت شقيقها وجدي الذي وضع كفه على كتفها ليجبرها على الالتفاف له:
- حمدالله على السلامة يا إيثار.
التفت بجسدها ليجذبها بين أحضانه وهو يقول:
- عاملة إيه؟
ابتعدت قليلًا لتخبره بهزة من عينيها:
- أنا بخير الحمدلله.
واستطردت مستفسرة:
- الدكتور قال لكم إيه عن حالة بابا؟
- لسة الإشاعة مطلعتش. الدكتور قال إنه هيتحجز هنا في المستشفى كام يوم علشان يتابعوا حالته ويشوفوا عنده إيه.
قالها بهدوء لتنطق وهي تنسحب بهدوء داخل غرفة الطبيب:
- أنا هدخل أسأله بنفسي.
لوت منيرة فاهها ورمقتها بسخط بعدما تجاهلت وجودها ولم تلقي عليها حتى السلام أو تسألها عن حالها. ولجت إيثار بعد الإستئذان لتسأل الطبيب عن حالة غاليها، ليجيبها الطبيب أن حالته ليست بأحسن حال من خلال قياس النبض والهيئة العامة لجسده النحيل، لكنه لا يستطيع تحديد خطورة الوضع من عدمه إلا بعد ظهور نتيجة التحاليل والأشعة التي أُجريت له. أخبرته أنها ستنقل والدها لمشفى الأباصيري الاستثماري، ليُذهل الرجل من ذاك الاسم اللامع والشهير بعالم الطب، ليتعجب داخله من كيفية دخول شخصية بسيطة كـ غانم إلى مشفى استثماري كبير كـ "مشفى الأباصيري".
خرجت من عند الطبيب لتخبر والدها وأشقائها بانتقال والدها لمشفى كبير بالقاهرة، ليقول والدها باعتراض بصوته الخافت:
- أنا مش رايح لمكان يا بنتي، خليني أموت على فرشتي أحسن.
انحنت لتجلس تحت ساقيه لتقول بنبرة تشع حنانًا بعدما ضمت كفيه بخاصتها:
- العمر الطويل ليك يا حبيبي، إحنا هنروح مستشفى كبيرة وهيتعمل لك كل اللازم هناك، وهتخف وصحتك هترجع أحسن من الأول كمان.
مالت على كفيه لتطبع قُبلة حنون لترفع وجهها تطالع عينيه مسترسلة بتفاؤل:
- وبكره هفكرك.
ابتسم بوهن وبصعوبة رفع كفه ليمرره فوق وجنتها الناعمة ليشعر بحنان الدنيا يملأ عينيها التي تطالعه. أخيرًا قررت تلك عديمة الإحساس التخلي عن صمتها لتتحدث بملامح وجه صارمة:
- ودي مين اللي هيدفع فلوسها إن شاء الله؟
حزن غانم من كلمات زوجته وشعر بالعجز وبأنه عالة على الجميع، لتهتف سريعًا بعدما شاهدت تعبيرات وجهه الحزين:
- محدش هيدفع حاجة، دي مستشفى ابن الباشمهندس أيمن مديري، وهو هيعمل لي تخفيض كبير.
تابعت مسترسلة كي لا تُشعر والدها بالحرج:
- اللي هدفعه هيكون مبلغ رمزي، وبعدين الدنيا كلها فدى إن بابا يقوم بالسلامة.
ابتسامة حزينة ارتسمت بجانب ثغره، لتهتف منيرة بتبرير بعد أن رأت الأسى على وجه زوجها:
- طبعًا فداه الدنيا كلها، بس الإيد قصيرة والعين بصيرة.
واسترسلت عن قصد وهي ترمقها بذات مغزى وكأنها تحملها ذنب حالة أشقائها:
- وزي ما أنت شايفة حالة إخواتك، لا تُسر عدو ولا حبيب، اللي ميشوفش من الغربال يبقى أعمى.
وصلها المغزى من الحديث التي سأمته، وما أن تطلعت لأبيها بحنان حتى جذب انتباهها صدوع رنين هاتفها لتخرجه من حقيبة يدها لتفاجئ برقم أيمن. وقفت وهي تتحدث لأبيها تُعلمه:
- ده الباشمهندس أيمن بيتصل علشان يطمن عليك وياخد عنوان المستشفى، هيبعت لحضرتك عربية إسعاف مجهزة تنقلك علشان تكون مرتاح.
تمعنت بعينيه مستفسرة:
- هدي له العنوان يا بابا؟
أومأ بضعف لتقف جانبًا تعيد الاتصال الذي انقطع وتخبر أيمن بالعنوان ليبعثه في الحال لنجله الذي أسرع بإرسال عربة مجهزة حسب أوامر والده، حيث أبلغه بأنه سيتكلف نفقة العلاج، ليعارضه أحمد بعدما أصر على تحمل المشفى جميع التكاليف واعتبارها حالة إنسانية، وذلك لما يكنه من احترام وتقدير لـ إيثار.
********
بعد مرور حوالي الثلاثة ساعات، وصل والد إيثار المشفى ليستقبله أحمد بحفاوة وبدأ بالكشف عليه هو وبعض الأطباء الأكفاء وإجراء الفحوصات المطلوبة لتحديد ما يعاني منه. وبعد قليل بعث أحمد إلى إيثار لتحضر بمكتبه الخاص، فقرر وجدي الذهاب بصحبتها. ولجا للداخل ليشير لهما أحمد بالجلوس وبدأ بالحديث بمهنية طبيب ماهر:
- طبعًا الإشاعات اللي عملناها لسة نتيجتها هتطلع بكرة والمفروض ما أتكلمش معاكم في حاجة إلا بعد ما نتأكد.
أخذ نفسًا عميقًا ليزفره بقوة دلت على ما ينوي قوله، لينخلع قلبها بعدما توقعت سوء حالة والدها المرضية، ليتابع أحمد بحديث ثقيل على قلبه:
- للأسف، الدكتور الاستشاري اللي حضر الكشف الأولي على بباكم شاكك في كانسر في الكبد، كل المؤشرات بتوحي لكدة.
- شاكك ولا متأكد؟
نطقتها بقلب ينزف دمًا وساقين ترتجفتين لشدة صدمتها من ذاك الخبر المشؤوم والتي تتأمل أن يخطئ الطبيب بتشخيصه، لتتابع بصوت مهزوز:
- أصلها تفرق يا دكتور.
تنهد بضيق ليجيبها بمهنية:
- دكتور سليم متخصص في أورام الكبد وعنده خبرة كبيرة فيه.
واستطرد بأسى ظهر بَيِّن فوق ملامح وجهه:
- ولو مكنش متأكد 100%100 عمره ما كان هيبلغني.
نزلت كلماته على قلبها الضعيف لتشطره لنصفين. لم يسبق لها خوض ذاك الشعور المرير من قبل، فقد خاضت معارك كثيرة وذاقت من الخيبات والانكسارات ما حولها لتلك الصامدة الساندة لحالها، لكن تلك المرة تختلف كليًا، فالصدمة هذه المرة تخص الإنسان الأغلى بحياتها، والدها الحنون الذي طالما غمرها بحنانه وشملها بعطفه ورعايته وساندها كثيرًا كي تتخطى الكثير من عثراتها. سقط قناع القوة لديها لتنهمر دموعها كـ شلالات بعدما فقدت السيطرة عليها، مما جعل شقيقها الذي لا يختلف شعوره عنها بالكثير من أثر الصدمة ليربط على كفها قائلًا في محاولة منه لتهدئتها:
- استعيذي بالله من الشيطان الرجيم واتفائلي خير، كل دي لسة تخمينات.
بالرغم من وثوقه التام في قدرة دكتور سليم الطبية لكنه أراد أن يمنحها بعض الأمل الزائف كي يرتاح قلبها قبل التأكيد، لينطق في محاولة منه لبث التفاؤل لدى تلك الذي نزل عليها الخبر كالصاعقة:
- أتمنى من كل قلبي إن تشخيص دكتور سليم يطلع غلط، أنا حبيت بس أبلغكم علشان تكونوا مستعدين للي جاي، لأنه للأسف صعب عليه وعليكم قبل منه.
تخبط، تشتت، عدم اتزان بالمشاعر، فقدان التركيز وشعورًا بالضياع، كل هذه المشاعر هاجمتها هي وشقيقها الصامت. تحاملت على حالها لتستند بساعديها بجانبي المقعد كي تستطيع الوقوف لتنطق بحروف خرجت مهزوزة بعدما تطلعت إلى أحمد:
- متشكرة لتعبك واهتمامك يا دكتور.
أجاب باحترام لشخصها:
- ما تقوليش كده يا إيثار، إحنا أخوات والباشمهندس موصيني عليك بنفسه، وتأكدي إن والدك في إيد أمينة وأي حاجة هنلاقيه محتاج لها على الفور هتتعمل له.
بنبرة تملؤها عزة النفس أجابته:
- متشكرة جدًا لحضرتك، وياريت تدي خبر للحسابات إني هعدي عليهم بكرة بالكتير.
أجابها بنبرة زائفة كي لا يجرحها ويشعرها بالتقليل:
- والله الموضوع ده تحليه بينك وبين مديرك، لأني واخد دفعة كبيرة تحت الحساب.
نظرت له بامتنان وخرجت بمجاورة شقيقها لتنطق قبل أن يتجها صوب غرفته التي خصصها له أحمد:
- وجدي، الكلام اللي اتقال لنا من دكتور أحمد هيفضل بينا ومش هيخرج حتى لعزيز.
واسترسلت بإيضاح:
- مش عايزين بابا ياخد باله، على الأقل لحد ما نتيجة الإشاعات تطلع ونطمن على بابا وإن معندوش حاجة إن شاء الله.
- حاضر يا إيثار.
نطقها ليتلفت من حوله وهو يقول بتوجس:
- المستشفى شكلها غالي قوي، هتسدي حسابها إزاي ومنين؟
أجابته بهدوء:
- أنا معايا فلوس ركناها في البنك تحسبًا لأي طوارئ، وأظن مفيش ظروف أسوأ من كده علشان أستخدمها، وكمان دكتور أحمد أكيد هيعمل لي تخفيض كبير.
دلفا لوالدهما وحاولا التخفيف عنه ليسألها بتوجس:
- الدكتور قال لك إيه عني يا بنتي؟
ضمت كفه الضعيف بين راحتيها ومالت بقامتها لتضع قُبلة حنون عليه ثم طالعته بعينين مملوءتين بالحنان وهي تجيبه بكلمات زائفة تبث من خلالها السكينة والاطمئنان بروحه:
- قال إن صحتك زي الفل، بس جسمك مُرهق شوية ومحتاج شوية مقويات مش أكتر.
- بجد يا إيثار؟
قالها بعينين متأملتين النجاة لتومي له بابتسامة زائفة بينما قلبها ينزف لرؤية غاليها بذاك الوهن. مسدت بكفها فوق وجنته بحنان لتجيبه بأمل تعلم من داخلها مدى زيفه:
- طبعًا يا حبيبي، أنا عمري كذبت عليك في حاجة؟
نطقت كلماتها الأخيرة بابتسامة ليهز رأسه نافيًا بابتسامة مماثلة لخاصتها، كل هذا تحت نظرات منيرة الماكثة بالمقعد المقابل لوقوف ابنتها الجهة الأخرى وهي تزفر بضيق وعدم رضا لما يحدث من حولها. لاحظ غانم سخطها فتملك القهر من قلبه وحزن على رفيقة دربه التي سُرعان ما تذمرت من مرضه، وهذا ما رآه بعينيه منذ الوهلة الأولى التي خارت قواه واستسلم خانعًا للمرض. لاحظت أيضًا إيثار حزن والدها فتألم داخلها.
ولجت الممرضة لتقول للجميع:
- ممكن تستنوا برة لو سمحتم، الدكتور جاي بعد شوية هيكشف على الحاج ومحتاجة أجهزه.
خرجت هي وشقيقها ووالدتها ليجدوا عزيز وأيهم يجلسان بالمقاعد الموضوعة داخل الممر. جاورت منيرة عزيز لتزفر بقوة وهي تقول بتذمر:
- أنا مش عارفة إحنا إزاي سمعنا كلامها وجينا هنا، كان مالها مستشفى المركز، ما كانت حلوة ومقضية الغرض.
لتتابع بسخط ظهر بَيِّن على ملامحها وهي تُشيح بكفيها بطريقة غاضبة:
- مالنا إحنا ومال مستشفيات مصر، نسيب بلدنا ونيجي نتبهدل هنا ليه؟!
تطلعت تتمَعَّن بملامح مذهولة لتلك المرأة التي تفتقد لأدنى معاني الإنسانية والحس، ما أبشعها بكم الأنانية التي تسيطر على كيانها، حتى زوجها لا تطيق تحمل المشقة لأجل مرضه. تألمت لموقف والدتها المخذل، فتحدثت بنبرة ظاهرها يبدو هادئًا أما باطنها فيحترق:
- مفيش بهدلة إن شاء الله، الشقة عندي واسعة وتساع الكل.
رمقتها باشمئزاز قبل أن تُلقي بكلماتها السامة بوجهها:
- وأنا إيه اللي يدورني في بيوت الناس.
طالعتها بنظرات قوية لتهتف بنبرة حادة وكلمات لاذعة بعدما فاض بها الكيل من تلك التي لا تشعر بفاجعتهم:
- يبقى ترجعي بيتك علشان تاخدي راحتك فيه، وأبويا أنا وإخواتي هنخدمه ونشيله في مرضه.
هتفت منيرة باتهام:
- وإنت من إمتى حاطة أبوك في دماغك ولا بتعملي له حساب؟
اشتعل داخلها من حديثها لتقول بنبرة صارمة:
- طول عمري وأنا صورة أبويا قدام عيوني، وأول حاجة بفكر فيها قبل ما أخطي أي خطوة هو بابا، والحمدلله عمري ما عملت حاجة وطيت بيها راسه.
هتفت بحدة وهي ترمقها بازدراء:
- وإنت لما سبتي البلد وجيتي تعيشي هنا لوحدك وخليتي اللي يسوى واللي ما يسواش يتكلم عليه كنتي عاملة حسابه؟!
ردت بقوة:
- محدش يقدر يجيب سيرتي لأن عمري ما عملت حاجة غلط، وبتقي ربنا في كل أمور حياتي.
فتحت منيرة فاهها لتنطق ليقاطعها صوت وجدي الذي هتف باستياء:
- بذمتكم ده وقت كلامكم ده، إنتوا مش حاسين بالمصيبة اللي إحنا فيها.
- الكلام ده تقوله للست منيرة، اللي سايبة مرض جوزها وتعبه وبتفكر في بهدلتها برة البيت.
كلمات لاذعة نطقت بها إيثار وهي ترمقهم بحدة لتبتعد وتجلس وحيدة بعيدًا عن تجمعهم. وضعت كفاها تحتوي بهما وجهها مستندة بساعديها على ساقيها ليقف أيهم بعد أن قرر الانضمام إليها. جاورها الجلوس ونظر لها يسألها بعينين متوجستين يوجد بداخلهما أسئلة كثيرة وتوهة أكثر:
- أبوك ماله يا إيثار؟
فاقت من شرودها على صوته لترفع وجهها تناظره بعينين مملوءتين بالألم والحزن لتطلق تنهيدة طويلة قبل أن تقول بصوت يحمل الكثير من الهموم:
- ادعي له يا أيهم، ادعي كتير واتوسل لربنا إن نتيجة الأشعة والتحاليل تطلع كويسة.
- للدرجة دي حالته خطيرة؟
سألها متوجسًا لتجيبه بخفوت:
- بابا تحت عفو ربنا، ادعي له.
اعتدلت بجلستها ونصبت ظهرها لتقابل شقيقها الأصغر وتمد يدها تسحبه لداخل أحضانها لتربت فوق ظهره بحنان بعدما رأت ضياعه بعينيه، ليتنهد الفتى بعد شعوره بدفء أحضان شقيقته الذي حُرم منه منذ أن استمع لوسوسة شياطين الإنس وقرر تركها بأحلك أوقاتها وشدة احتياجها له بعدما أغراه نصر بالوظيفة والمال.
على الجهة الأخرى، مال عزيز بجانب أذن والدته ليهمس كي لا يستمع عليه أحد:
- اهدي شوية على إيثار يا أم عزيز، إحنا عاوزين ناخدها في صفنا ونطبطب عليها، مش نكرهها فينا أكتر.
زفرت بضيق لتهمس بصوت غاضب:
- البت مش معبراني يا عزيز، شافتني ولا كأني أمها.
أجابها ببرود على غير عادته لشخصيته المتهورة:
- معلش يا أم عزيز، خليكي معايا للآخر وصدقيني هتنبسطي بالنتيجة.
كانت تنظر أسفل قدميها بملامح وجه حزينة أخرجها صوت يُلقي التحية فانتفضت واقفة بعدما رأت أيمن الأباصيري وزوجته الجميلة تتأبط ذراعه ويقفان مقابلين جلوسها، لتهب واقفة لاستقبالهما لتقول بصوت واهن:
- أهلًا وسهلًا.
تحدث أيمن متأثرًا بالموقف:
- ألف سلامة على بابا يا إيثار.
- الله يسلم حضرتك.
أقبلت عليها نيللي واحتضنتها برعاية لتقول وهي تربت على ظهرها تحت نظرات منيرة وأنجالها الثلاث:
- سلامة بابا يا حبيبتي، ربنا يطمنك عليه.
ابتعدت قليلًا لتجيبها بأعين ممتنة:
- الله يسلمك يا مدام نيللي، تعبتوا نفسكم ليه وجيتوا، دكتور أحمد عامل الواجب معانا وزيادة.
ردت نيللي بنبرة صادقة:
- إنت بنتنا يا إيثار، مش عوزانا نقف معاك في محنتك؟
ليكمل أيمن على حديث زوجته الجميلة:
- وبعدين اللي أحمد عمله ده أقل واجب وأقل من اللي تستحقه شخصية محترمة زيك.
حول بصره على عزيز ومنيرة الواقفان يتابعان الأمر بعيون مُذهلة لتلك السيدة الأنيقة وذاك الأنيق المحنك. حول بصره عليهم وهو يقول:
- دول أهلك؟
أومأت بهدوء لتتحرك بجوارهم وهي تقدمهم قائلة:
- ماما، وعزيز أخويا الكبير وده وجدي وده أيهم.
رحبت السيدة والسيد بهم بحفاوة برغم علميهما بمدى بشاعتهم وكل ما اقترفوه بحق تلك المسكينة، ليقول عزيز بمكر:
- إحنا متشكرين يا باشا على أفضالك الكتير ووقوفك مع أختي إيثار.
رد أيمن بمصداقية:
- إيثار أنا بعتبرها زي بنتي لارا بالظبط، وأظن مفيش شكر لأب بيراعي بنته.
واسترسل بحديث ذات مغزى بعدما حول نظره إلى منيرة:
- تسلم تربيتك يا أفندم، ونعم التربية.
هزت رأسها لتقول على عجالة:
- تسلم وتعيش يا بيه.
خرج الطبيب لتلج إيثار إلى أبيها ودعت أيمن وزوجته للدخول لتقول منيرة وهي تلكز وجدي بذراعه:
- هو ده الراجل اللي اختك شغالة معاه يا وجدي؟
أومأ لها لتتابع بانبهار:
- دي مراته عاملة زي اللي بنشوفهم في التلفزيون.
ابتعد عزيز ليخرج هاتفه الجوال طالبًا رقم هاتف عمرو ليخبره بما حدث ويطلب منه الحضور للوقوف معهم ومحاولة استقطاب إيثار والظهور أمامها كفارس. على الفور هرول الآخر ملبيًا النداء. بعد مرور حوالي الساعتين، كانت تجلس بالمقعد المجاور لوالدها يجاورها وجدي وأيهم. على الجهة الأخرى تجلس منيرة وبجوارها عزيز استمعت لبعض الطرقات الخفيفة على الباب ليُفتح بعدما صاح عزيز بصوته للسماح بالدخول. ظهر عمرو ممسكًا بِعُلبة من الشيكولاتة الفاخرة ويرسم على وجهه علامات الزعر حيث اتجه سريعًا إلى غانم وهو يقول:
- سلامتك يا عم غانم، إيه اللي حصل؟
مال على رأس غانم واضعًا قبلة احترام ليرفع عينيه يتطلع بوله لتلك التي قلبت عينيها بضجر لاعنة سخافته.
وقفت منيرة وعزيز مهللين بترحاب:
- أهلًا يا عمرو.
قالتها منيرة لتتابع متسائلة:
- مين اللي قال لك إن إحنا هنا؟
نظر لعزيز المرتبك ليتحدث بذكاء:
- كان فيه واحد صاحبي في مستشفى المركز لما عربية الإسعاف وصلت وأخدت عمي غانم اتصل بيا وبلغني، وأنا كلمت مدير المستشفى وعرفت منه إنكم هنا.
- إزيك يا إيثار.
نطقها بنبرة عاشق لتتجاهله وهي تقول لأبيها:
- مرتاح يا حبيبي ولا أنده لك الممرضة؟
رد عليها بصوت واهن تحت غضب منيرة وعزيز من تصرفها:
- الحمدلله يا بنتي، أنا أحسن كتير.
جلس وبدأ بتناول أطراف الحديث بينه وبين والدتها وأشقائها وعينيه تتمركزان عليها لتنسحب للخارج وأبلغت الممرضة بالدخول وصرف جميع من بالغرفة وإبلاغهم بانتهاء موعد الزيارة. وبالفعل بعد قليل كانت تستقل سيارتها وبجوارها عزيز أما بالأريكة الخلفية يجلس أيهم ومنيرة التي اضطرت للمبيت بمنزلها بينما ظل وجدي مرافقًا لأبيه. ظل الجميع في صمت تام إلى أن وصلوا لمسكنها. ضغطت جرس المنزل لتفتح لها عزة. ولجت ثم تنحت جانبًا وهي تُشير لهم:
- اتفضلوا.
خطت منيرة بساقيها بمسكن نجلتها التي تدخله للمرة الأولى بحياتها لترمق عزة بنظرات حادة وكأن بينهما ثأرًا. تعجبت عزة ورفعت حاجبها باستغراب لكنها تغاضت عن نظراتها وعزيز لتقول بترحيب حار لأجل ابنتها التي لم تلدها:
- يا مرحب يا جماعة، نورتونا.
لتسترسل متسائلة باهتمام:
- الحاج غانم أخباره إيه؟
أجابتها إيثار بتنهيدة:
- الحمدلله يا عزة، فين يوسف؟
أجابتها برتابة:
- نايم من بدري، عمل الهوم وورك وعشيته بعدها ونيمته بعد ما طلع عيني.
دخل الجميع للردهة لتقول منيرة بوجها العبوس:
- فين المكان اللي هنام فيه علشان أريح فيه جتتي؟
تألمت لكلمات والدتها القاسية وقالت بنبرة هادئة كي ترفع عنها أية حرج تشعر به:
- خلينا نتعشى الأول وبعدين ادخلي خدي شاور ونامي.
- أنا لا باكل ولا بستحمى عند حد.
قالت كلماتها الرافضة بطريقة فظة لتهتف عزة بحديث متهكم، فهي تكره تلك المرأة حيث دار بينهما العديد من المكالمات الهاتفية التي تنتهي دائمًا بالشجار والتوبيخ من كلتاهما للأخرى:
- وبالنسبة للنوم عادي ولا فيه مشكلة هو كمان!
عاتبتها إيثار بإشارة من عينيها لتزفر بضيق وهي تتحرك منسحبة باتجاه المطبخ لتبرطم بصوت عالي استمع له الجميع:
- أنا هغرف الأكل واحطه على السفرة، واللي عاوز ياكل يتفضل واللي مش عاوز براحته.
- إنت بتقولي إيه يا ولية إنت؟
نطقتها منيرة وهي ترمقها بنظرات نارية لترد الأخرى بنبرة قوية:
- هو أنا جيت جنبك يا حاجة، ولا هي تلاكيك؟
جحظت عينا الأخرى لتهتف باعتراض:
- حاجة؟!
ليه شايفاني قد أمك علشان تقولي لي يا حاجة؟ ده اللي يدور عليكِ يلاقيكي أكبر مني.
-خلاص يا أما الله يرضى عليكِ، مش ناقصين صداع.
نطقها عزيز ليرمق عزة بنظرة حادة ليتابع مسترسلًا:
-وإنتِ يا اسمك إيه؟
-عزة، اسمها عزة يا عزيز.
قالتها إيثار بدفاع قوي عن تلك السيدة التي قامت باحتوائها هي والصغير، وبوجودها شعرت بدفء العائلة وجوها التي حُرمت منه، ليرد هو بسخط كعادته:
-أيا كان اسمها، خليها تجهز العشا وتحطه من سُكات، إحنا اللي فينا مكفينا ومن الصبح وإحنا متبهدلين في المستشفيات.
عذرت حدته وعصبيته لتنظر إلى عزة وهي تقول بنظرة توسلية:
-جهزي العشا لو سمحتي يا عزة.
اختفت عزة خلف جدران المطبخ لتلتفت هي للجميع مشيرة بكفها إلى مقاعد الجلوس:
-اتفضلوا على ما عزة تجهز العشا.
واسترسلت وهي تُشير بكفها نحو باب الحمام الخارجي:
-الحمام من هنا لو حابين تغسلوا إيديكم ووشكم من جو المستشفى.
تحركت منيرة لتغلق باب الحمام خلفها بحدة لتتنهد بأسى. اقترب عليها أيهم ليربت على كتفها وهو يقول مبررًا تصرفات والدته العدائية:
-معلش، هي مش واخدة على البيات برة بيتها علشان كدة هتلاقيها مهيبرة شوية وردها عنيف.
ابتسمت ساخرة، فحقًا شر البلية ما يُضحك. تنفست لتجيب شقيقها بطريقة متهكمة:
-إنتَ بتبرر لي إيه بس يا أيهم؟ ده أسلوبها معايا من يوم ما وعيت على الدنيا.
زفرت لتهدئ من روعها لتسترسل باستئذان:
-أنا داخلة أخد شاور وهخرج على العشا، وإنتوا خدوا راحتكم، البيت بيتكم.
بعد مدة قصيرة خرجت مرتدية منامة بيتية مريحة لتقول عزة وهي تضع آخر صَحن بيدها فوق السُفرة:
-العشا جاهز يا جماعة، اتفضلوا.
أشارت لهم إيثار وهي تقول:
-يلا يا ماما، يلا يا عزيز.
رمقتها بملامح وجه جامدة وبكلمات تفتقر أبجديات الأدب قالت:
-قلت لك ما بآكلش عند حد غريب.
بالكاد انتهت من كلماتها ليصدح صوت رنين الجرس فاتجهت عزة تفتحه لتتفاجأ بعامل توصيل الطلبات وهو يقول:
-فيه أوردر مدفوع التكاليف من مطعم مشويات عنتر علشان حضرتك.
-عشاني أنا؟!
نطقتها متعجبة لتسترسل بجدية:
-بس إحنا يا أخويا ما طلبناش أكل، تلاقيك غلطان في العنوان.
نطق العامل بإصرار:
-لا يا أفندم العنوان مظبوط.
تقدم منه عزيز ليسأله مستفسرًا:
-مين اللي باعت الأكل؟
أجابه:
-واحد اسمه الأستاذ عمرو البنهاوي.
ابتسم بحفاوة ليهتف قائلًا وهو يتناول الأكياس من يديه بنهم:
-تمام، يبقى لينا.
هتفت بحدة وهي تتحرك سريعًا نحو شقيقها لتحثه على عدم استلام الطعام:
-ادي له الأوردر لو سمحت يا عزيز، أنا مكلمة عزة من بدري وهي عاملة أكل كتير، وبعدين إحنا مش محتاجين أكل من البيه أو غيره.
انتزعت الأكياس من يدي شقيقها وكادت أن تعيدها للعامل لتُباغتها تلك التي انتشلتهم منها وهي تقول بحدة:
-هاتي الأكل ده، عمرو عارف إني ما بآكلش عند حد علشان كده بعته علشاني.
اتسعت عينيها بذهول من تلك التي اختطفت الطعام وولجت للداخل ليشير عزيز للعامل قائلًا:
-خلاص يا بلدينا، روح الله يسهل لك.
انتبهت لتهتف بإيقاف للعامل:
-استنى.
توجهت لحقيبة صغيرة مُعلقة بجوار الباب لتُخرج منها عملة ورقية متوسطة، ناولته إياها بشكر فـ فالأخير هو غير مسؤول عن ما حدث.
ولجت للسفرة لتجد والدتها قد نزعت الأكياس وأخرجت كم هائل من اللحوم والدجاج المشوية ومعها أنواعًا كثيرة من السلطات والمقبلات لتهتف بحدة:
-ممكن أفهم إيه اللي حضرتك عملتيه ده؟ إزاي تاخدي الأكل من الراجل وتحرجيني بالشكل ده؟!
أجابتها وهي تلوك الطعام بفمها بطريقة استفزازية:
-وإيه اللي يحرج في الموضوع؟ الراجل كتر خيره عارف إننا طول اليوم في المستشفى ومش فاضيين نطبخ، فبعت لنا أكل جاهز، إيه بقى اللي مضايقك؟!
هتفت بنبرة تدل على احتراق روحها:
-إنتِ حرة تاخدي منه اللي إنتِ عاوزاه، لكن مش في بيتي.
لتسترسل متعجبة بتهكم:
-ثم إيه اللي فتح نفسك على الأكل مرة واحدة كده؟ مش من شوية ما كنتيش بتاكلي عند حد!
لم تعر لحديثها أية اهتمام وتابعت بكل برود التهامها للطعام ليقول عزيز بحدة بعد أن سئم حديث شقيقته اللاذع:
-ما خلاص يا إيثار، إنتِ عاملة هوليلة على إيه؟ الراجل كتر خيره شايل همنا، ما أجرمش يعني.
هزت رأسها وهي ترمقهما بذهول لموقفهما المخزي لتتحرك سريعًا لغرفة صغيرها وتغلق بابها خلفها دون أن تتناول الطعام. جلس عزيز ليشارك والدته الطعام الذي أرسله عمرو لينظر إلى أيهم الواقف حائرًا بينهم ويقول وفمه ممتلئًا بالطعام اللذيذ:
-تعالى كل يا أيهم، الكباب موحوح والريش سخنة مولعة.
كانت عيني عزة تتابع ما يحدث من خلال فتحة المطبخ المصمم على الطراز الأمريكي لتهمس لحالها بنبرة تسمعها أذنها:
-يخرب بيتكم عيلة جعانة، ده إنتوا فضيحة، الله يكون في عونك يا بنتي، ده أنتِ خيبتك في أهلك تقيلة قوي يا نضري.
********
داخل المسكن الخاص بعزيز، تقف تلك الـ "نسرين" تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا لتقف فجأة وهي تقول بغضب ظهر بملامحها:
-لا، ما أنا مش هسيب النار تاكلني لوحدي وإنتِ قاعدة مرتاحة وبتغرفي من عز ابن البنهاوي يا ست سمية.
أمسكت هاتفها وضغطت اتصال على رقم سُمية لتجيبها الأخرى بصوت ساخط:
-خير يا نسرين، إيه اللي فكرك بيا تاني؟
أجابتها بحديث لاذع:
-قلت أتصل طالما إنتِ طلعتي قليلة أصل وحتى ما عزيتنيش في موت أخويا الوحيد.
بلا مبالاة أجابتها:
-الله يرحمه يا حبيبتي، أنا لا بحب الموت ولا بحب سيرته، ومعروف عني ما بأعزيش حتى قرايبي.
لتسترسل بعدما ضاق صدرها:
-ها، عايزة حاجة تاني قبل ما أقفل؟
باغتها بحديثها:
-طبعًا عايزة، أخويا أخذ ذهبي اللي كنت شارياه بالفلوس اللي أخذتها منك، يعني زي ما بيقولوا بالبلدي كده، موت وخراب ديار، وأظن ده ما يرضكيش.
ابتسمت ساخرة لتجيبها بلامبالاة:
-وأنا مالي يا حبيبتي بمواويلك مع عيلتك، أخوكِ سرقك وأهو دفع عمره ثمن عملته السودة.
واسترسلت بما أحرق روح الأخرى:
-وإنتِ المفروض تحمدي ربنا إنه طهرك من المال الحرام اللي لهفتيه مني غصب.
اشتاط غضبها لتهتف بنبرة غاضبة تهديدية:
-اسمعيني كويس يا بت، لو ما دبرتيش خمسين ألف جنيه الأسبوع ده هأقول لـ عمرو على كل حاجة.
أطلقت ضحكة رنانة لتقول بثبات وقوة:
-قولي له يا حبيبتي.
لتستطرد بتهديد مماثل:
-وأنا تاني يوم هآجي لحد بيتك وأفضحك قدام حماتك وعزيز، وقابلي بقى يا شاطرة لما يعرفوا إن إنتِ اللي كنتي السبب في طلاق بنتهم وخراب بيتها، وإنك قدمتي لي الفرخة اللي كانت بتبيض لهم بيضة ذهب على طبق من فضة.
لتسترسل بقوة وجبروت:
-اسمعيني إنتِ بقى كويس وحطي عقلك في راسك، أنا لحمي مُر واللي هيقرب مني هنهشه بسناني، يعني تبعدي عني بالذوق وتروحي ترمي بلاكي على حد غيري بدل ما أحطك في دماغي.
توقفت لتستطرد بتهديد مباشر مشيرة لما فعلته بإيثار:
-وإنتِ عارفاني كويس، اللي بأحطه في دماغي بأدمره.
قالت كلماتها الأخيرة بسخط لتغلق الخط دون الاستماع إلى رد الطرف الآخر مما جعلها تشتعل وتُلقي بهاتفها فوق التخت وهي تصرخ باشتعال مستغلة غياب زوجها:
-طيب يا سُمية، إن ما ندمتك ما بقاش أنا نسرين.
بعد ثلاثة أيام من مكوث غانم بالمشفى، ظهرت النتائج وتأكدت شكوك الأطباء بأمر غانم وللأسف أظهرت التحاليل أن المرض بالمرحلة الثالثة. استقبل الجميع الخبر بصدمة وذهول.
كان يجلس بمكتبه بوقت الراحة، يكاد أن يفقد عقله على أثر ابتعاد من امتلكت الفؤاد وتمكنت من الغوص بأعماقه لتستقر بالوتين. كيف ومتى حدث كل هذا؟ لا يوجد لديه تفسير، كل ما بات يعلمه هو صعوبة بل استحالة متابعة حياته بدون عينيها. تنهد بثُقل بعدما أوصدت بوجهه جميع الأبواب التي يمكن الوصول إليها من خلالها، فقد تسلل إلى جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي وبحث عنها وما إن عثر عليها وحاول التواصل معها لتصيبه بالإحباط حيث كانت تقوم بحظر حسابه فور وصوله إليها لتُغلق الباب بوجهه قبله كي لا تدع الأمر بين يدي قلبها ليتحكم بها من جديد وتفقد صغيرها. ألقى برأسهِ للخلف وأغمض عينيه يتذكر ملامحها، ابتسامتها الرقيقة وضحكتها الواسعة التي تُظهر صفي أسنانها ناصعة البياض، تأملها لعينيه، حديثها ورُقيها في اختيار الكلمات اللائقة. يا الله، لقد اشتاقها حد الجنون حتى عبوس وجهها ونظراتها الحادة عندما تغضب. اكتشف كم أنه ذاب بغرامها وانتهى الأمر، ولكن بعد ماذا؟!
لقد أحزنها بالحد الذي جعلها تنفر هاربة منه كما هروب الفريسة من صيادها. أقسمَ بالله رب العالمين لو ترضى وتعلن غفرانها لخطيئته الكُبرى بحقها ليرضخ لها ويلبي جميع رغباتها وسيصنع المعجزات لأجل رضائها وإدخال السعادة والسرور على قلبها نادر الوجود. فتح عينيه ليهب واقفًا على حين غرة مقتربًا من عُليقة الملابس ليخطتف حلة بدلته ليرتديها فوق قميصه الأبيض ويهرول متعجلًا بعدما قرر الذهاب لشركة أيمن وليحدث ما يحدث. تحرك بلا وعي، بلا حسابات كعادته، فقد جنب كل شيء حتى مبادئه وقوانينه التي أقر بها وفرضها على حاله مقابل الحصول على مبتغاه، وأي مبتغى، فهي من ردت له الروح وجعلت الحياة تدب بقلبه من جديد بعد فقدانه الشعور لسنوات. استقل سيارته وقادها بسرعة جنونية ليصل قبل انتهاء ساعات العمل حيث أشرف الدوام العملي على الانتهاء. وصل بوقت قياسي وبعد عدة دقائق كان يقف أمام السكرتيرة وعينيه تتمركز على باب مكتب من استولت على لُبه ليتحدث بنبرة جادة رزينة عكس ما يدور داخله من فوضى:
-ادي خبر لـ أيمن بيه إن فؤاد علام موجود وطالب يقابله.
وقفت سريعًا لعلمها بشخصه لتقول بنبرة حماسية:
-حالًا هأدي له خبر يا أفندم، اتفضل ارتاح.
قالت كلمتها الأخيرة وهي تُشير له بتوقير ليرفع كفه بممانعة لتنسحب هي للداخل وتدعه يتلصص على ذاك الباب المغلق وقلبُه ينهره بشدة ويأمره بالاستجابة لاقتحام بابها وجذبها بقوة ليسكنها بين أضلعه ويرحم أنين ذاك القلب المسكين الذي تذوق الأمرين في ابتعادها. فاق على صوت هانيا التي أشارت له نحو الباب وهي تقول:
-أيمن بيه في انتظار حضرتك يا أفندم.
تحرك برصانة منتصب الظهر بخطوات واثقة وما إن ولج ليتفاجأ بـ أيمن ينتظره بنصف المكتب ليقترب قائلًا بترحيب وحسن ضيافة وابتسامة بشوش:
-أهلًا أهلًا يا سيادة المستشار، ده إيه المفاجأة الحلوة دي.
صافحه فؤاد بحفاوة ثم تحدث مبررًا زيارته المباغتة:
-أنا كنت قريب من هنا فقلت أعدي أشرب مع سعادتك فنجان قهوة، وبالمرة أستفسر منك عن آخر الأخبار في موضوع المصالحة بينك وبين صلاح عبد العزيز.
كانت حجته مقنعة لذا فاتت على عقل أيمن الذي ابتسم قائلًا بتبجيل:
-جنابك تنور في أي وقت يا سيادة المستشار.
أجابهُ ببشاشة وجه:
-متشكر يا أيمن بيه.
اتجه أيمن إلى الأريكة الموضوعة بمنتصف حجرة المكتب ليجلس فؤاد بقلب يتلوى من شدة اشتياقه لرؤية محبوبته وينتظرُ على أحر من الجمر ظهورها أمامه كشمس ساطعة لتُنير لهُ الدُنيا وتزيل عتمته التي حلت فور غيابها. رفع أيمن سماعة الهاتف الأرضي وطلب قهوة له ولفؤاد ليتحرك إليه من جديد متحدثًا بترحيب عالٍ:
-منور الشركة يا سيادة المستشار.
رد بحصافة:
-ده نورك يا أيمن بيه.
جلسا يتبادلان أطراف الحديث فيما بينهما بتركيز شديد من أيمن وعقل مشتت من ذاك الذي أرهقه الانتظار. ولجت هانيا لتتحرك بدلال وأنوثة لتتحدث إلى أيمن باحترام:
-آسفة للمقاطعة يا أفندم، بس محسن الهلالي اتصل بيأكد على ميعاده مع حضرتك بكرة.
سألها مستفسرًا:
-هو ميعاده بكرة؟!
-تقريبًا يا أفندم.
نطقتها بعدم يقين لينطق متهكمًا بلهجة صارمة:
-ما فيش حاجة في شغلنا اسمها تقريبًا يا آنسة.
شعرت بالإحراج يعتريها لتنطق بصوت خافت متأثرًا بخجلها:
-الحقيقة يا أفندم أنا بصيت في لستة المواعيد اللي أستاذة إيثار سابتها لي ما لقيتش الميعاد متسجل، تقريبًا نسيت تسجله.
واستطردت مقترحة:
-إيه رأي حضرتك أتصل بيها وأتأكد منها؟
هز رأسه لينطق برفض:
-سيبي إيثار في اللي هي فيه يا هانيا، وطالما محسن الهلالي اتصل يبقى متأكد.
كان يراقب حديثهم بكثير من التمعُن حين ذُكر اسمها ليرتعب داخلهُ بعد جملة أيمن الأخيرة. خرجت هانيا وتركته غارقًا بأفكاره المرتعبة لينتبه على حديث أيمن الذي نطق ملتمسًا منه العُذر:
-أنا آسف للمقاطعة يا فؤاد باشا.
-ولا يهمك يا باشمهندس.
نطقها بعجالة ليسألهُ بعدما فقد صبرهُ وازداد ارتيابه وأراد الاطمئنان أنها بخير:
-هي الأستاذة إيثار في إجازة ولا إيه؟
لم يستغرب طرحه للسؤال فقد جمعته الظروف بها للحد الذي يسمح له بالاطمئنان عليها لذا أجابه باقتضاب:
-تقدر تقول إجازة إجبارية.
طالعه بعدم إدراك لمقصده ليسترسل الآخر مفسرًا بملامح وجه متأثرة:
-باباها تعبان وهي اضطرت تاخد إجازة علشان تقعد معاه في المستشفى.
حزن لأجلها ليسألهُ متلهفًا:
-تعبان إزاي؟
اكتست ملامحُه بالعبوس ليجيبهُ متأثرًا:
-الدكاترة اكتشفوا إنه مصاب بكانسر في الكَبد، وللأسف المرض انتشر في الكبد وفي مراحله الأخيرة.
نزل عليه الخبر كالصاعقة وعلى الفور جال بخاطره حبيبته، كيف حالها وكيف تقبلت ذاك الخبر المشؤوم؟ ليته كان باستطاعته الهرولة إليها ليجذبها ويدخلها بأحضانه كي ينتزع منها أية ألم ويبث داخلها الطمأنينة والسلام. لم يدري بحاله إلا وهو يسأله بتأثر:
-وإيثار عاملة إيه؟
تعجب الرجل من نطقه لاسمها بدون ألقاب لكنه تغاضى ليجيبه بأسى ظهر فوق ملامحه:
-مسكينة إيثار، أكيد مش هتبقى كويسة، ده باباها وكمان حنين عليها جدًا.
لقد عشقها للحد الذي جعلَهُ يُلقي بجميع قوانينه عرض الحائط، لم يعد للحسابات وجودًا لديه عندما يرتبط الأمر بها لينطق مجنبًا وقارَهُ:
-بعد إذنك ممكن أخد عنوان المستشفى اللي موجود فيها؟
على عجالة رد أيمن بهدوء:
-آه طبعًا، هو موجود في المستشفى بتاعة دكتور أحمد ابني، اسمها مستشفى الأباصيري، وعنوانها...
قاطعه ليهب واقفًا منتصب الظهر وهو يقول:
-عارفها طبعًا، المستشفى غنية عن التعريف يا باشمهندس.
تعجب أيمن من أمره ولاحظ اهتمامه المبالغ به فوقف وهو يسأله بجبين مُقطب:
-على فين يا سيادة المستشار؟ ده إنتَ لسة ما شربتش قهوتك؟!
تحمحم ليجيبه بنبرة زائفة:
-افتكرت مشوار مهم لازم أروحه.
ليستطرد معتذرًا بلباقة:
-تتعوض مرة تانية.
-إن شاء الله.
قالها أيمن بعدما وقف ليودعه وبعد خروجه وضع أيمن كفه محتويًا به فكهُ ليُضيق عينيه وبات يفكر في أمر ذاك الذي انقلب حاله عندما استمع لخبر مرض والد إيثار.
********
خرج من الشركة ليستقل سيارته ويقودها بسرعة فائقة متجهًا إلى المشفى كي يراها، يعلم أنها الآن ليست بخير، ليته كانت لديه الصلاحية باحتضانها ليضمها بشدة كي يزيل عنها الآلام الساكنة روحها ويمدها ببعض من الطمأنينة. لام حالهُ آلاف المرات على ما اقترفهُ بحقها، تلك البريئة التي تمتلك من الحظ السيئ ما يؤهلها لتصدر المقدمة في قائمة الأكثر بؤسًا. لقد وضعها تحت المراقبة المشددة خلال الفترة المنصرمة وتأكد من طهارتها وعفتها والتزامها الأخلاقي تجاه كل شيء بحياتها، ومنذ ذاك الحين وقد أصابتَهُ خيبة الأمل وتحميل حاله الذنب، كيف لمحنك مثله بألا يكتشف أصالة معدنها ونُدرة تواجدها، كيف لرجل قانون أن يقع في خطأ بتلك الفظاعة ويعرض على صاحبة الصون والعفاف هكذا عرض حقير.
زفر بقوة ليضع كفَهُ يمسح به على وجهه بعنف وكأنهُ يعاقب حاله. توقف عند أحد المحال المجاورة للمشفى المتخصصة ببيع الزهور وانتقى باقة كبيرة ليتابع وصوله للمشفى. ولج للاستقبال ليسأل عن اسم والدها الذي يحفظه جيدًا منذ أن التقى بحبيبته وقرر أنها تخصه. تحرك داخل الممرات ليصل إلى رقم الغرفة ليجدها تخرج أمامه من الغرفة وهي توصد بابها خلفها. كاد قلبه أن ينخلع لرؤياها ورؤية عينيها التي اشتاقها حد الجنون بعد أن حرمته طلتها. تسمرت بوقفتها حين رأته يهل عليها بمظهره الخاطف للأنفاس والمهلك لقلبها الذي ما زال يكن لهُ الحب رُغم فعلته الشنيعة بحقها والتي أجزمت عدم غفرانها له مهما طال الزمان، فالجرح عميق والضحية كرامتها فمن أين يأتي الغفران! نظرت خلفها للباب المغلق وتذكرت والدها الغافي ووجدي الجالس بجواره حيث ذهبت والدتها بصحبة عزيز وأيهم ليتابعوا أعمالهم والتزاماتهم نحو عائلتهم وتركوا وجدي مع شقيقته بعد أن اتفقوا أن يتبادلوا المناوبة في رعاية والدهم كي لا تقف حياتهم.
أسرعت باتجاهه ليقابلها بفرحة عارمة لـ لقياها لم يستطع مداراتها بعد رؤية الساحرتين اللتين بات يعشق التطلع ببحرهما العميق. يتحرك لتسوقه قدماه وهو يتعمق بمقلتيها وكأن سحرًا يجذبه إليها دون إدراك. وصل إليها مباشرة ليمد يده وهو يقول وما زال مثبتًا عينيه بخاصتيها:
-إزيك يا إيثار.
ابتلعت ريقها تأثرًا بحالته العشقية لترد بصوت هادئ بعد أن تحكمت به بمهارة:
-إزيك يا سيادة المستشار.
ارتجف قلبيهما من لمسة كفيهما حيث احتضن خاصتها بلمسة حنون وكأنهُ يبث لها حال قلبه المشتاق لها لتسحب كفها من بين راحته الحنون وأيضًا عينيه حيث باتت تتلفت حولها خشية خروج شقيقها ورؤيتها بتلك الحالة المخزية ليقول سريعًا بعدما فهم بفطانته نظراتها الزائغة:
-ألف سلامة على بابا.
ليتابع بعينين نادمة:
-أنا آسف إني اتأخرت بس والله لسة عارف حالًا.
قطبت جبينها تسألهُ:
-عرفت إزاي؟
-كنت في الشركة عند أيمن بيه وهو اللي قال لي.
نطقها متأثرًا لتنظر له بعدم استيعاب فتابع بما أربكها:
-كنت رايح علشان أشوفك.
نظرت إليه بتيهة ليستكمل بنظرة تشعُ حنانًا:
-وحشتيني وكنت عاوز أشوفك، اتلككت وقلت للباشمهندس إني كنت قريب من الشركة وطلعت أشرب معاه قهوة.
ابتسمت بسخرية لترد بتهكم جعل ابتسامته المشرقة تُنير وجههُ:
-ومن إمتى قهوتنا بتعجبك؟!
-قهوتكم بقت إدماني طالما هتخليني أشوف عيون حبيبي.
نطقها بكثير من الهيام الذي أربكها وجعلها تتلفت من حولها بعدم ارتياح ظهر بملامحها ليتحمحم بعدما تيقن أنهُ قد أزادها عليها فبسط يده مقدمًا لها الزهور لينطق بتأثر بعدما وعي على حاله وفاق من هالة المشاعر التي حاوطتهما منذ أن رأى طلتها المهلكة لقلبه:
-ألف سلامة على بابا.
تلقت باقة الزهور وتحدثت بنبرة رتيبة:
-ما كنش ليه لزوم تتعب نفسك وتجيب ورد، كفاية سؤالك واهتمامك إنك تيجي لحد هنا.
-ما فيش أي تعب يا إيثار، إنتِ أصلك ما تعرفيش إنتِ إيه بالنسبة لي.
نطقها ذو معنى لترد بنبرة حزينة منكسرة مشيرة لعرضه المهين:
-لا عارفة، وعارفة كويس قوي يا فؤاد بيه يا علام.
أخرج تنهيدة حارة عبرت عما بداخله بندم تناغم مع نظرات عينيه الآسفة وهو يقول بنبرة صادقة:
-مسيرنا في يوم هنقعد ونتكلم، هأقول لك على كل اللي في قلبي واللي دفعني للتصرف ده، وساعتها أنا متأكد إنك هتعذري تصرفي.
هزت رأسها بيأس ليسألها بعدما قرر تغيير وجهة الحديث كي لا يتصادما بالكلام مرة أخرى:
-طمنيني على بابا، الدكاترة قالوا إيه عن حالته؟
هزت رأسها بيأس وعينين خاليتين من الحياة وهي تقول:
-كلام الدكاترة ما يطمنش، بس أنا متوسمة خير في ربنا.
-إن شاء الله خير.
قالها بتأثر ليسألها بنبرة جادة:
-لو محتاجة أي حاجة أنا موجود.
واستطرد برجولة:
-وأنا هأروح حالًا لدكتور أحمد وأسأله لو فيه أمل إن الحالة تتحسن وليها علاج برة هأسفره في أسرع وقت.
أجابته بصوت هادئ وعينين ممتنة:
-متشكرة على شعورك النبيل وعرضك للمساعدة يا سيادة المستشار.
لتتابع بنبرة خافتة لقلب يتمزق ألمًا على عزيز عينيها:
-دكتور أحمد قال إن بابا للأسف في المرحلة الثالثة والمرض بدأ ينتشر في كل جسمه.
نطقت كلماتها الأخيرة وقد ذرفت دموعها التي انسدلت بعدما فقدت السيطرة عليها لتتابع بنبرة مزقت بها نياط قلبه:
-بابا بيموت يا فؤاد، بيموت خلاص.
لم يستطع رؤية انهيارها بهذا الشكل، نزلت دموعها على قلبِهِ لتكويه وكأنها مادة كاوية من الدرجة الأولى. اقترب عليها ليضم كفها الممسكة بباقة الزهور بحنان وهو ينطق بنبرة حنون:
-اهدي يا إيثار، اهدي يا حبيبي، أكيد هنلاقي حل، خلي أملك كبير في قدرة ربنا سبحانه وتعالى.
سحبت يدها سريعًا لترفعها تجفف بها دموعها المنهمرة وهي تقول بتهرب عينيها:
-إن شاء الله.
اتفضل حضرتك ما تعطلش نفسك أكتر من كده، بابا نايم وأخويا قاعد جنبه. واسترسلت بإيضاح:
-وطبعًا مش هينفع أقدمك ليه، أنا وإخواتي فيه بينا مشاكل بسبب رفضي لرجوعي لطليقي.
أومأ لها ليقول بتفهم:
-عرفت كل حاجة يا إيثار، ومقدر ظروفك، نطمن بس على بابا ولينا كلام بعدين.
نطقها بذات مغزى ليتابع بعينين يسألان بكثير من الترجي:
-أنا بس طالب منك حاجة واحدة وأرجوكِ تعمليها.
كانت تتطلع عليه بتعجب لتسأله بعينيها ليقول مسترسلًا بإيضاح:
-تفكي البلوك علشان أطمن عليكِ وعلى بابا، أرجوكِ.
نطقها برجاء ليتابع بمداعبة بعدما رأى ترددها:
-ده طبعًا لو مش عايزاني آجي لك هنا كل يوم.
ابتسمت بخفوت ليستكمل دعابتِهِ:
-لما أروح هرن عليكِ ولو لقيتك لسة عاملة لي حظر هتأكد ساعتها إن طلتي عجبتك وعايزة تشوفيني كل يوم، يعني هأعتبرها دعوة صريحة منك بحضوري هنا كل يوم.
بابتسامة واهنة لظروفها أجابته باستسلام كي لا ينفذ تهديده:
-هأفكه، والله هأفكه.
-حالًا.
نطقها بأمر بعدما رفع قامته متقمصًا الغرور لترفع هي حاجبها الأيسر وهي ترمقه باستنكار قائلة:
-لا والله، ده الباشا بيديني أوامر كمان.
-حقي على فكرة.
نطقها بثقة لا يعلم أين مصدرها لتتنهد بهدوء فالآن هي ليست بحالة تسمح لها بالشعور بالسعادة أو الانبهار. تفهم حالتها ليخرج تنهيدة حارة من صدرها تألمًا لحالتها ليقول بانسحاب:
-طب أنا همشي علشان أسيبك تدخلي لبابا، مش عايزة أي حاجة؟
-متشكرة بجد.
نطقتها بعينين ممتنتين ليقطع تواصل أعينهما صوت ذاك الـ عمرو الذي وصل للتو وهو يقول لتنتبه:
-إيثار.
التفت برأسها تتطلع إليه بعبوس لرؤية وجهه البغيض. لاحظ فؤاد استنكارها لينظر على ذاك الشخص بتمعُن وعلى الفور تذكرهُ. نعم لقد رآهُ بمقر مبنى النيابة حين التقى إيثار أثناء تنازلها عن محضر التعدي، بينما لم يتذكره الآخر لتشتت ذهنه ذاك الحين. وقف عمرو مقابلًا لفؤاد يتطلع عليه بعينين متفرسة كـ ذئب خبيث. سألها بنبرة حادة تنم عن غيرته على من يعتبرها ملكية خاصة قد أهداه صك ملكيتها نصر البنهاوي:
-مين ده يا إيثار؟
بنبرة صارمة غاضبة هتفت كـ قطة بمخالب حادة:
-وإنتَ مالك؟
ابتسامة ساخرة اعتلت ثغر فؤاد الذي تأكد من أن أنثاه نَمِرة شرسة تهجم بشراهة على من يشاكسها. أما عمرو فقد اعتراه الخجل من هجومها الحاد عليه وخاصة أمام ذاك الغريب الذي تحدث بهدوء متجاهلًا لهذا الإمعة:
-أستأذن أنا وزي ما قلت لك، أنا موجود في أي وقت تحتاجيني فيه.
رفع قامته ليرد نيابة عنها بنبرة حادة:
-متشكرين لأفضالك، إيثار مش محتاجة حاجة من حد طالما أنا موجود.
زفرة قوية خرجت منها عبرت عن مدى عدم تقبلها لحديثه أو وجوده من الأساس لتنظر إلى فؤاد وهي تنطق بابتسامة شكر وامتنان:
-متشكرة يا سيادة المستشار، نورت.
أومأ لها بابتسامة وتحرك منسحبًا لتتجه هي الأخرى بطريقها إلى غرفة أبيها ليقطع طريقها ذاك الغاضب الذي سألها وجنون الغيرة تطل من عينيه:
-مين الراجل ده؟ وليه يجيب لك ورد وإزاي تقبليه منه؟
بكلمات متقطعة نطقت متهكمة:
-وإنتَ، ماااالك؟
بعينين حادتين أجابها بتحدي:
-إنتِ حبيبتي وأم ابني وتخصيني، وقريب قوي هترجعي لي.
-ده في أحلامك، ما فيش قوة على ظهر الأرض تقدر تجبرني أرجع لواحد خاين زيك.
قالتها بتحدي لتمضي بطريقها إلى أن وصلت لغرفة والدها وولجت غالقة الباب بوجه ذاك الحانق ليهتف من بين أسنانه:
-ماشي يا إيثار، لما ترجعي لي هأحاسبك على كل ده.
لتتحول نبرته من غاضبة لحنون بلحظة وكأنهُ ملبوس وهو يتابع بعينين هائمتين:
-بس ترجعي لحضني الأول.
رواية انا لها شمس الفصل العشرون 20 - بقلم روز امين
"يا قمر ليلي المنير، يا من أزلت عتمتي، وبطلتها تبدلت حياتي.
لو ترضي عني وتغفري، لأصبحت لك شمسًا، وغمرتك بظلي وحناني، ودفنتك بين ثنايا روحي، وبأعماق وجداني.
شوقي إليك تخطى الحنين، ووصل لحد الجنون، بل والهيام، فرحماك أميرتي يا من ملكتي الروح وتملكتي، رحماك".
فؤاد علام زين الدين
بقلمي "روز أمين"
تركها بصحبة ذاك الإمعة بعدما اطمأن أن أنثاه قادرة على ردعه، وعدم السماح لتخطيه الحدود. وصل إلى الاستعلامات ليسأل الموظفة المسؤولة قائلًا برصانة:
- لو سمحتي، محتاج أقابل دكتور أحمد الأباصيري.
تطلعت إلى هيأته الجذابة لتسأله بصوت أنثوي بعدما أعجبتها طلته:
- فيه ميعاد يا أفندم؟!
أجابها بغرور لا يليق إلا به:
- بلغيه إن سعادة المستشار "فؤاد علام" موجود وطالب يقابله ضروري.
ابتسمت له برقة قبل أن ترفع سماعة الهاتف الأرضي وتطلب مكتب أحمد، الذي طالبها بمرافقة أحد الموظفين معه لاصطحابه لمكتبه على الفور. أغلقت وأشارت لأحد زملائها باتخاذ مكانها لحين الذهاب معه شخصيًا بعد أن أثارتها شخصيته. أشارت له ليتبعها قائلة:
- اتفضل معايا يا أفندم، الدكتور مستني حضرتك.
جاورها الخطى لتقول وهي تحاول لفت نظره:
- هو حضرتك مستشار في إيه؟
- إشمعنا؟... نطقها قاصدًا إحراجها ليسترسل بعدما وجدها تنظر له بذهول غير مستوعبة حديثه الغير لائق:
- ركزي في شغلك أحسن.
سبته بسريرتها ولو بيدها الأمر لقامت بتوبيخه. وصلا لمكتب أحمد واختفى بداخله لتنطق بصوت مسموع لأذنيها:
- واحد بارد وسخيف.
بالداخل
وقف أحمد ليستقبل فؤاد الذي جلس ليقول باقتضاب:
- هدخل في الموضوع على طول علشان ما اضيعش كتير من وقتك.
نطق الآخر برصانة واحترام:
- وقتي كله تحت أمرك يا سيادة المستشار.
بعينين ممتنتين نطق:
- متشكر للطفك يا دكتور.
واسترسل بإيجاز:
- أنا جاي أكلمك بخصوص والد الأستاذة إيثار، عاوز أعرف حالته بالظبط، ولو ليها علاج بره مصر أنا هتكفل بنقله وعلاجه في أي مستشفى حضرتك هتحددها، وميهمكش التكاليف، مهما كانت التكلفة أنا هتحملها بالكامل.
أخذ نفسًا عميقًا ليجيبه متأثرًا:
- للأسف يا سيادة المستشار، حالة عمي غانم متأخرة جدًا، وحتى العلاج الكيماوي مش هينفع معاه، لأننا هنكون بنعذبه على الفاضي، نقدر نقول إنه بيقضي آخر أيامه.
واسترسل بعملية:
- الدكتور اللي متابع حالته قال إن في خلال أيام هيدخل في غيبوبة، وللأسف.
قال كلمته الأخيرة بكثير من الأسى ليسأله فؤاد متأثرًا:
- يعني مفيش أمل ولو حتى ضعيف يا دكتور؟
هزة بسيطة من رأسه مع علامات الأسى التي ظهرت بعينيه كانت كفيلة بالإجابة ليتنهد الآخر بقلب حزين لأجل حبيبته. نطق بعدما وعى على حاله:
- بعد إذنك أنا عاوز أدفع حساب المستشفى.
- الحساب مدفوع يا سيادة المستشار... نطقها ليتابع بزيف كي لا يقلل من شأنها أمامه وغيره:
- إيثار أصرت تدفع الحساب وأنا عملت لها تخفيض كويس، فـ متقلقش.
تنفس عاليًا باستسلام لينهض ناصبًا ظهره وأمسك زر البدلة ليغلقه وهو يقول:
- متشكر لسعة صدرك يا دكتور، وآسف إني أخذت من وقتك وبدون ميعاد.
- ولا يهمك يا أفندم، جنابك تشرف في أي وقت... نطقها ليتطلع عليه الآخر بامتنان وهو يقول برجاء:
- لو لا قدر الله حصل أي حاجة للحاج غانم يا ريت تبلغني.
أومئ له بإيجاب ليشكره الآخر قبل المغادرة.
**********
ليلًا، كانت بغرفة والدها مع شقيقيها وجدي وأيهم.
اقتربت من والدها لتميل عليه واضعة قبلة حنون وهي تتطلع بمقلتيه لتبث الأمل بداخله:
- الله أكبر عليك يا حاج غانم، وشك منور النهاردة.
ابتسم ليجيبها بنبرة متفائلة:
- الحمد لله يا بنتي، أنا فعلًا حاسس نفسي أحسن من ساعة ما جيت هنا.
لم يكن ينطق إلا بما يشعر به، فقد اعتمد الأطباء على المسكنات القوية كي يخففوا من حدة الألم المصاحب لذاك المرض المميت، لذا فقد شعر بالتحسن بعدما خدرت جميع آلامه لتسكن وتستكين. كانت على دراية بكل هذا فقد اطلعها الطبيب المعالج على البرنامج، وبرغم تمزق قلبها على ما أصاب ذاك الحنون إلا أنها شعرت ببعض الطمأنينة عند علمها بعدم شعور والدها بالألم ليفارق الحياة بصمت دون آلام، فيكفيه ما عاناه طيلة حياته تارة من الفقر وتارة أخرى من زوجته، ابتلاءه من رب العالمين في الدنيا لتكفير ذنوبه.
ابتسامة تخبئ خلفها الكثير من الشعور بالمرارة خرجت لتقول وهي تمرر أناملها الرقيقة فوق وجنته الذابلة:
- إن شاء الله هتخف وهترجع أحسن من الأول كمان.
ابتسم وجدي ليكمل على حديثها بدعابة بعدما رأى ابتسامة والده والأمل يملأ مقلتيه:
- يلا بقى شد حيلك يا عم غانم علشان نجوزك واحدة ترجع لك شبابك تاني.
ضحك بشدة حتى ظهرت أسنانه لينطق أيهم بمشاكسة لشقيقه:
- لو أمك سمعتك رجلك مش هتخطى خطوة واحدة جوة البيت تاني.
كانت تتابع دعابات شقيقيها وضحكات والدها بقلب يعتصر ألمًا. تعلم أنها الضحكات الأخيرة بحياة والدها، كما تعلم أن أيامه بالحياة أصبحت معدودة. تود لو بإمكانها المكوث معه والتمدد بجواره كي تنكمش وتغفى بأحضانه. تود استنشاق أكبر قدر من رائحته العطرة بالنسبة لها لتحتفظ بها داخل رئتيها كي تسترجع استنشاقها بعد الرحيل.
يا له من شعور مرير، بل الأبشع على الإطلاق بحياة الفتاة. كلنا منذ أن نأتي للحياة نرى بأعيننا الأب في الصورة القوية المثالية، فهو بالنسبة للفتاة مثال للبطل الخارق والصورة الكاملة، فارس الأحلام كما يجب أن يكون، لذا جميعنا نتمنى زوجًا شبيهًا أبانا قرة أعيننا. فيا لها من طامة كبرى عندما نرى ذاك الجبل الشامخ وهو ينهار أمام أعيننا بمنتهى القسوة.
شعر بها ليتعجب لدموعها الساكنة مقلتيها، فهو إلى الآن لم يدرِ بحقيقة مرضه، وكان هذا ما جال بخاطرها وأخطرت به الأطباء وأشقائها الثلاث ووالدتها كي يرحل والدها بسلام دون هلعه من ذاك الخبر المفجع، وقد وافقها الجميع واستحسنوا فكرتها. سألها مستغربًا حالتها:
- مالك يا بنتي، فيه حاجة مزعلاكي؟
فاقت على سؤاله لتجيبه سريعًا قبل أن يتطرق بمخيلته ويبحث عن سبب حزنها:
- سلامتك يا حبيبي.
لتستطرد بزيف كي تزيل الشك:
- بالعكس أنا مبسوطة جدًا بلمتنا وضحكنا، بس كان نفسي نتلم ونضحك في ظروف أحسن من كده.
باغتها وجدي عندما رأى هبوط دمعاتها وخشي أن يتسلل الارتياب إلى صدر والدهم:
- وهي مالها بس الظروف يا إيثار، ما احنا زي الفل أهو، وأبوك عنده شوية مضاعفات ونقص فيتامينات والدكاترة هيظبطوا له الدنيا وهيبقى زي الفل، ويرجع بيته ينوره من جديد.
قال كلماته الأخيرة وهو يميل على يد والده ليضع قبلة حنون نال بها استحسان ذاك الطيب لتبتسم وهي تنظر لأبيها بنظرات تفيض حنانًا. تنفس غانم ليقول لها بعقلانية:
- قومي روحي مع أيهم علشان ترتاحي، ومتجيش بكرة بالنهار، روحي شغلك ومتوقفيش حياتك، أنا بقيت كويس خلاص.
ردت برفض تام:
- لا طبعًا مش هرجع شغلي غير لما أطمن عليك.
تنفس ليجيبها بصوت واهن:
- أنا بقيت كويس وأيهم إخواتك معايا طول الوقت، وإنت روحي شغلك وابقي تعالي بعد ما تخلصي.
- بابا عنده حق يا إيثار... نطقها أيهم ليسترسل موضحًا:
- كلنا بنتابع أشغالنا وبنبدل مع بعض، مفيش حد حياته واقفة غيرك.
- متشغلوش بالكم بيا، الباشمهندس أيمن مقدر ظروفي كويس... نطقتها بهدوء ليعترض والدها قائلًا:
- المثل بيقول: إذا كان حبيبك عسل، الراجل كويس معاك فبلاش تستغلي طيبته ليزهق منك.
ابتسمت له ووافقته الرأي. بعد قليل كانت تقف بوسط مطبخ مسكنها تقوم بتجهيز طعام العشاء لها وشقيقها. ولجت عزة وهي تفرك عينيها من أثر النوم حيث كانت تغط في سبات عميق بجوار الصغير قبل أن تستمع لجلبة آتية من المطبخ لتجد إيثار تقف أمام موقد النار لتقوم بتسخين الطعام. نطقت بصوت متحشرج من أثر نعاسها:
- إنت جيتي يا بنتي.
استدارت لتتطلع عليها لتقول مشفقة على حالتها:
- إيه اللي صحاك؟
- سمعت صوتك قولت أكيد بتجهزي أكل... قالتها بهدوء لتسترسل وهي تحثها على التحرك استعدادًا للوقوف بمحلها:
- اقعدي وأنا هسخن الأكل، فيه حد من إخواتك جه معاك؟
انسحبت لتجلس فوق المقعد لتشبك يديها ببعضهما قبل أن تضعهما على سطح الطاولة وهي تقول بصوت واهن:
- أيهم معايا، دخل ياخد شاور في الحمام اللي في أوضتي.
قطع حديثهما صدوح صوت هاتفها الجوال الموضوع على الرخامة المجاورة للموقد، لتمد عزة يدها تلتقطه كي تعطيها إياها. وأثناء تطلعها عليه لمحت نقش اسم المستشار فؤاد علام لتسألها بجبين مقطب:
- إنت فكيتي له البلوك إمتى ده كمان؟
أخرجت تنهيدة حارة لتنطق بإبانة:
- جه زار بابا النهاردة وطلب مني أفكه علشان يطمن عليه.
- وإنت طبعًا ما صدقتي... قالتها بابتسامة خبيثة لتقابلها الأخرى برمقة حارقة وصوت حاد:
- عزة، الموضوع ده مفيهوش هزار.
قالت بتبرير:
- ومين قال لك إني بهزر، الراجل عرف غلطه وندم وداير وراكي وهيتجنن علشان تصالحيه، متسوقيش إنت فيها قوي كده.
بملامح وجه تحمل الكثير من الهموم تحدثت:
- عزة، أنا فيا اللي مكفيني، عاوزة آكل لقمة وأدخل أنام علشان أقدر أكمل.
- طب مش هتردي على الجدع وتريحي قلبه... قالتها بعدما صدح صوت الهاتف مرة أخرى لتتنهد الأخرى بضيق وهي تتبادل النظرات بين الهاتف وعزة التي قالت بتشجيع:
- روحي البلكونة ردي عليه على ما الأكل يسخن.
أخذت نفسًا عميقًا لتنسحب إلى الشرفة وتجيب قبل أن ينقطع الاتصال:
- ألو.
- أخيرًا... نطقها ذاك الجالس خلف مكتب والده المتواجد بالطابق الأرضي لتجيبه بصوت يحمل بعض الأسف:
- آسفة، كنت بجهز العشا لأيهم أخويا.
بنبرة حنون أبلغها:
- يا حبيبي إنت تعملي كل اللي يحلالك في أي وقت، وأنا مستعد أستناك العمر كله.
أغمضت عينيها بعدما سئمت واستحقرت حالتها وانتفاضة قلبها تأثرًا بحديثه المعسول، لتلوم حالها وتسبها. أخذت نفسًا عميقًا لتتمالك من حالها قبل أن تنطق بنبرة جاهدت لإخراجها حازمة:
- أرجوك يا سيادة المستشار، مش معنى إني فكيت البلوك إني هسمح لنفسي قبل منك أسمع كلامك المعسول ده مرة تانية.
- بس ده مش كلام معسول زي ما بتقولي يا إيثار... قالها معترضًا ليتابع بما زلزل جدار قلبها:
- ده صوت قلبي ومشاعري اللي بتترجم وغصب عني بتطلع على هيئة كلمات.
تنفس لينطق بصوت يكاد أن يصرخ بكل ما فيه ليخبر العالم أجمع بعشقه لتلك العنيدة الشرسة:
- ليه مش قادرة تقتنعي إني دوبت في غرامك وانتهى الأمر؟
- أرجوك... نطقتها بنبرة متوسلة لتتابع مسترسلة:
- لا الوقت ولا الظروف تسمح لي بإني أتناقش معاك في مواضيع زي دي.
- خلاص يا حبيبي، اهدي... نطقها بحنو ليحثها على الهدوء لكنه وعلى العكس قد أثار حنقها لتهتف بنبرة حادة عندما جال بخاطرها أنه سيعيد ما حدث ويقوم بتكراره:
- يا ريت تبطل كلمة حبيبي، ده لو حابب نرجع نتكلم تاني بس كـ أصدقاء.
- موافق يا حبيبي... نطقها قاصدًا استفزازها لتصيح بحدة وزمجرة:
- فؤاد!
- عيونه... قالها بكثير من الهيام لتبتلع لعابها بصوت عالي وصل إليه عبر السماعة ليكظم ضحكاته ويسترسل بنبرة جاهد لتخرج جادة:
- خلاص يا إيثار، أوعدك مش هقول لك أي كلام يضايقك تاني، بس ده لفترة معينة.
ليستطرد بتصميم:
- لحد ما ألاقي فرصة نتكلم فيها من القلب ونخرج كل اللي جوانا.
تنهيدة حارة شقت صدرها وهي تخرج لتقول بصوت يملؤه الإحباط:
- الفرصة جت لك لحد عندك وبإيديك ضيعتها، وللأسف يا سيادة المستشار، أنا بدي للي قدامي فرصة واحدة يثبت لي فيها حسن نيته، وبعدها بقفل الملف وللأبد.
نطقت كلماتها بذات مغزى لتسترسل بإيضاح بصوت صارم مقصود:
- تجاربي علمتني إن مفيش حاجة اسمها فرصة تانية، الفرصة التانية غباء وإهدار للوقت، وصدقني كله في الآخر بيودي على طريق واحد، وهو الفشل، بس المرة التانية بتكون القاضية، لأن الفشل بيكون أعمق وبيدمر في طريقه أي أمل ويسيبنا بنفوس متدمرة.
كان يستمع لها بقلب يتمزق لأجل ما تشعر به بفضله. ود لو بإمكانه لاخترق الزمن وطار إليها ليقف أمامها ويسحبها لداخل أحضانه ليربط على ظهرها بمنتهى الحنان ويغمرها باهتمامه كي ينسيها تجربتها المريرة معه ومع غيره. تنهد ليقول بعدما قرر تخطي الحديث:
- بابا عامل إيه؟
هزت رأسها لتتخلص من تلك الطاقة السلبية التي تملكت منها لتقول بنبرة هادئة إلى حد ما:
- الحمد لله، الدكاترة كثفوا له جرعة المسكن علشان ميحسش بالألم، لأن للأسف، المرض انتشر بصورة بشعة في كل الجسم، وبابا بنيان جسمه ضعيف مش هيقدر يتحمل.
نطقت كلماتها الأخيرة بألم لتشهق بعدما انتهت لتبدأ وصلة دموعها التي انسابت رغما عنها بعدما فقدت الصبر. نطق بقلب يعتصر ألمًا عليها:
- إهدي من فضلك، لازم تكوني قوية علشانه، مينفعش يلمح في عيونك نظرة ضعف واحدة، لازم تكوني مصدر قوته.
بصوت يئن ألمًا أجابته:
- غصب عني يا فؤاد، مش قادرة أشوفه بالضعف ده، عقلي رافض يستوعب نوع المرض، مش قادرة أتخيل إن كلها شهور ويمكن أسابيع ومشوفش بابا قدامي تاني.
تنهد بألم وبرغم عشقه لنطقها لحروف اسمه التي تنطقه عندما تكون في حالة من اللاوعي إلا أنه لم يتذوق حلاوته لمرارة حديثها المؤلم. أجابها بكلمات عن الإيمان بالله ليحثها على التسلح بها:
- ده قدره يا حبيبي... نطقها مغيبًا ليتابع بصوت متأثر:
- وإنت ست مؤمنة ولازم ترضي وتصبري على البلاء وتحتسبي الأجر عند الله.
ادعي له يا إيثار، ادعي له كتير... قالها بصوت مريح مما جعل داخلها يستكين. نطقت بصوت ممتن:
- متشكرة يا سيادة المستشار، متشكرة بجد.
تنفس عاليًا لينطق:
- أنا معاك دايمًا، في أي وقت تحتاجيني فيه هتلاقيني، حتى من غير ما تندهي لي، أنا معاك ودايمًا هكون حواليك.
ما هذا الشعور العجيب الذي شمل روحها بمجرد نطقه بتلك الكلمات ليغمرها بواحة من السلام النفسي لم يسبق وعاشته من ذي قبل. تنفست بارتياح لم تتذوقه منذ الكثير قبل أن يباغتها صوت شقيقها الذي صدح من خلفها وهو يستعجلها:
- يلا علشان نتعشى يا إيثار.
التفتت بجسدها لتنظر للواقف خلفها وتحدثت:
- حاضر يا أيهم، ثواني وجاية.
انسحب للداخل وقبل أن تنطق قاطعها باحترام:
- روحي اتعشي وخدي لك شاور سخن وحاولي تهدي نفسك وتنامي.
أومأت دون حديث ليسترسل بانسحاب:
- هكلمك بكرة علشان اطمن على بابا وعليك، تصبحي على خير.
- وإنت من أهله... نطقتها لتغلق الهاتف وتنطلق عند أخيها ليلقي هو برأسه يستند بها على خلفية المقعد الضخم ويسرح بمخيلته بعينين منغلقتين. تذكر انتفاضة قلبه عند رؤياها اليوم. لقد كان يشتاقها بجنون نظرًا لابتعاده عنها بعدما حرمته طلتها حتى صوتها الحنون حرمته الاستماع لنبراته. ابتسم تلقائيًا لتذكره عينيها ليباغته دخول والدته التي تحدثت لينتبه ويخرج من شروده التي تيقنت منه بعدما رأت ابتسامته الواسعة:
- أخلي سعاد تعمل لك قهوة يا فؤاد؟
فتح عينيه وعدل من وضعية جلوسه سريعًا احترامًا لشخص غالته ليجيبها بنبرة صوت مستكين:
- لا يا حبيبتي متشكر.
أقبلت حتى اقتربت من المكتب ثم جلست بالمقعد المقابل لتقول بابتسامة مداعبة إياه:
- مش ناوي تحكي لي وتقولي مين هي؟
قطب جبينه ليسألها بريبة ظنًا منه أنها استمعت على حديثه مع من ملكت فؤاده:
- تقصدي مين بكلامك؟
ابتسمت لتجيبه بمشاكسة:
- أقصد اللي غيرت حياتك وخلتك تسهر الليالي بعد ما كنت بتنام من الساعة تسعة.
رفع حاجبه لتتابع:
- واللي بسببها محسيتش بدخولي من شوية مع إني خبطت أكثر من مرة، بس الباشا كان مغمض عيونه وسرحان فيها.
انطلقت منه ضحكة عالية لتتعمق عصمت بتعبيرات وجهه كي تستشف صدق حديثها من عدمه لكنها فشلت فهذا الداهي يستطيع بكل مكر تخبئة ما بداخله والسيطرة على مشاعره بحيث يصعب على الآخرين قراءة ما يدور بخلده.
توقف عن إطلاقه القهقهات ليقول بإنكار:
- ده إيه الخيال الواسع اللي عند حضرتك ده يا دكتورة، فجأة خلتيني حبيت لا والأستاذة غيرت طباعي كمان.
تعمق بعينيها ليسترسل بمشاكسة:
- إنت تعرفي عن فؤاد علام كده بردوا؟!
تطلعت إليه بعينين مستفهمتين ليتابع موضحًا بغرور يعلم من داخله أنه واهٍ:
- متخلقتش لسه اللي تدخل على حياة فؤاد علام وتغيرها.
نطق كلماته وهو على يقين من عدم صحتها فقد خلقت واقتحمت داخله وبدلت ثوابته بل وغيرت حياته بالكامل لكنه مازال يكابر على الأقل أمام الآخرين. حتمًا سيخبرها لكن بعد أن يضمن موافقتها على الزواج منه وحينها سيعلنها زوجة له أمام الجميع.
- مفيش فايدة فيك يا فؤاد يا علام، عمرك ما هتبطل غرور... نطقتها نكاية به ليقهقه قائلًا بمشاكسة:
- تربيتك يا دكتورة.
رمقته باستنكار ليسترسل مصححًا وصفها:
- وبعدين ليه تسميه غرور، ليه منقولش ثقة بالنفس.
قالت بإبانة:
- شتان ما بين الثقة بالنفس والغرور يا جناب المستشار، خيط رفيع بيفصل بينهم، يا ريت تاخد بالك منه.
ابتسم بهدوء ليجيبها بنبرة جادة بعيدًا عن مزاحهم:
- متقلقيش يا دكتورة، أنا تربية جناب المستشار "علام زين الدين" ودكتورة "عصمت الدويري".
تنفست بهدوء لتقول بعينين متأملة:
- ربنا يصلح حالك يا فؤاد ويرزقك ببنت الحلال اللي تسعدك وتعوضك خير عن كل اللي حصل لك قبلها.
- يا رب يا ماما... نطقها بتمني جعل داخلها ينتفض فرحًا، فتلك هي المرة الأولى التي لا ينزعج من ذكر الموضوع بل والأدهى هو تأمينه خلف دعائها. اشتدت سعادتها وتيقنت صدق حدسها لكنها كظمت شعورها بداخلها كي لا تثير حنقه ويرجع ذلك لفهمها لشخصية صغيرها العنيد، فأكثر ما يثير غضبه هو خوض الأشخاص بما يخصه والتجول بخصوصياته.
**********
داخل أحد المطاعم الخاصة بتقديم الطعام
يجلس دكتور أحمد مقابلًا زوجته الجميلة سالي يتناولان الطعام وهما يتحدثان، وأثناء حديثيهما سألته عن حالة والد إيثار وما إن حدث بها تطورات أم أن الحالة تنتكس، ليجيبها شارحًا الوضع لتقول متأثرة بملامح وجه ارتسم عليها الأسى:
- يا حرام، تلاقي إيثار زعلانة جدًا على باباها.
أجابها مؤكدًا:
- أكيد يا حبيبتي، الراجل حالته صعبة جدًا والمشكلة إن باباها هو الشخص الوحيد الحنين عليها من وسط عيلتها كلها.
حزنت لأجلها لينطق بعجالة وهو يمضغ الطعام وكأنه تذكر للتو:
- نسيت أقول لك، تخيلي مين جالي المستشفى النهاردة وسأل على باباها؟
قطبت جبينها للحظة لتهتف متذكرة حديث والدة زوجها:
- إوعى تقولي فؤاد علام.
ضيق بين عينيه متعجبًا ليسألها باستغراب:
- عرفتي إزاي؟
ليستطرد ما حدث متعجبًا:
- ده أنا نفسي مش مستوعب إنه يجي لي ويسألني على حالته، لا ويطلب مني أرشح له دولة متقدمة في علاج المرض ده علشان يسفره يتعالج هناك على حسابه الشخصي.
بملامح وجه مذهلة قالت بعدم استيعاب:
- للدرجة دي، ده على كده كلام طنط نيللي طلع صح.
مضغ ما في فمه سريعًا وابتلعه ليسألها مستفهمًا:
- كلام إيه ده اللي قالته ماما؟!
أطلقت ضحكة ساخرة قبل أن تجيبه متعجبة:
- اسمع يا سيدي آخر نكتة.
لتسترسل متهكمة وهي تهز رأسها بطريقة مسرحية:
- قال إيه فؤاد علام زين الدين، بوظيفته ومنصب بابه واسم عيلته الكبير اللي يخض أي حد يسمعه.
لتتابع بتقليل من شأن الأخرى متبعة ذاك التفكير الطبقي الذي عفى عليه الزمن:
- بيحب إيثار مديرة مكتب باباك.
اتسعت عينيه للحظة حتى استوعب الفكرة لا للتقليل من شأن إيثار لكن لغرابة الفكرة ذاتها لينطق بنبرة متعجبة:
- معقولة، طب وإيثار، هي كمان بتحبه ولا القصة من طرف واحد؟
جحظت عينيها لتقول بعنصرية:
- إنت هتجنني يا أحمد، هي المشكلة في إن إيثار تبادله الحب ولا في الفرق الطبقي الرهيب اللي بينهم.
واسترسلت بتعالي:
- تفتكر واحد زي علام زين الدين ومراته هيوافقوا إن ابنهم يتجوز مديرة مكتب!
- وليه يرفضوا؟ البنت محترمة جدًا ومثقفة ومفيش حاجة تعيبها... قالها بلامبالاة لتسأله بعقلانية وحسب تفكير تلك الطبقة بل والكثير من شعوبنا العربية:
- النسب مش شخصين ارتاحوا لبعض يا دكتور، النسب عبارة عن عيلتين لازم يكونوا متطابقين فكريًا وماديًا وثقافيًا، تفتكر عيلة إيثار البسيطة ممكن تندمج فكريًا وثقافيًا مع عيلة الزين لو دار بينهم حديث؟
أجابها بتبسيط للأمور وهو يتابع تناول طعامه:
- محدش بيفكر بالطريقة المعقدة دي الوقت يا قلبي، العالم اتطور والناس تفكيرها اتغير ومبقوش بيعقدوا الدنيا زي زمان، الناس بتاخد الأمور ببساطة.
- بيتهيأ لك يا حبيبي، وبكرة هفكرك لو فؤاد علام اتجنن وفكر يرتبط فعلًا بإيثار... قالتها بتحدي لتسترسل وهي تهز رأسها بابتسامة ساخرة:
- ده إذا ما كانش بيتسلى بيها.
لم ينل حديثها استحسانه لينطق بنبرة صارمة:
- إيثار مش من النوع ده وإنت عارفة كده كويس يا سالي، يا ريت تقفلي الكلام في الموضوع ده لأني محبتش أسلوبك وطريقة كلامك عنها.
واسترسل باستهجان:
- بصراحة صدمتني طريقة تفكيرك الرجعية.
هزت رأسها بذهول من مهاجمة زوجها لتقول باستغراب:
- إنتوا ليه كلكم فاكرين إني بهاجم إيثار أو بقلل من احترامها، أنا بتكلم من وجهة نظر المجتمع اللي حضرتك وطنط نيللي مغيبين عن تفكيره.
- سالي... نطقها بحزم مع نظراته التحذيرية لتفضل الصمت وتتابع تناول الطعام بعدما تيقنت وصول زوجها للحد الذي يجعلها ترتاب.
**********
بعد مرور أربعة أيام
كانت بمكتبها تتابع عملها بتركيز شديد ومهنية لتنهي ما عليها سريعًا كي تذهب إلى والدها لتطمئن عليه. أما أيمن فبرغم اعتراضه على تركها لوالدها إلا أن حضورها لمقر الشركة يشعره بالأمان والطمأنينة على كفاءة سير العمل حيث بات لا يأمن ولا يطمئن إلا من خلال التعامل معها. وأثناء مزاولتها للعمل والاندماج به وصل اتصال هاتفي من أحمد أبلغ به والده أن غانم قد ساءت حالته كثيرًا وتم نقله لغرفة الإفاقة وطلب حضور ابنته على الفور. طلب أحمد من والده إبلاغ إيثار وإحضارها للمشفى. أبلغها أيمن ليرتعب داخلها هلعًا على أبيها. طلب أيمن من السائق الخاص به إيصالها للمشفى وبالفعل بغضون النصف ساعة كانت تهرول داخل رواق المشفى بقلب منتفض وسيقان مرتعشة. وصلت إلى غرفة الإفاقة وجدت والدتها وشقيقيها عزيز وأيهم يتطلعون من خلال الحائط الزجاجي على ذاك الماكث بالداخل فوق التخت الخاص. تطلعت عليه لتشهق بصوت يدمي القلوب وهي تنظر عليه وعلى صدره الموصل بكثير من الأجهزة والخراطيم وجهاز التنفس الاصطناعي الموضوع على فمه وأنفه. خرج أحمد من الغرفة ليسرع الجميع إليه ليسأله عزيز بارتياب:
- أبويا ماله يا دكتور، ده كان كويس إمبارح.
بوجه حزين أجابهم:
- كل ده متوقع وأنا بلغتكم بيه قبل كده، للأسف الحالة بتتدهور بوتيرة أسرع مما توقعنا.
سألته بصوت يرتجف وحروفًا متقطعة ترجع لشدة هلعها:
- يعني إيه يا دكتور؟!
رفع منكبيه لأعلى ليجيبها بأسى:
- يعني تجهزوا حالكم لأسوأ الاحتمالات، ممكن منوصلش لمرحلة الغيبوبة.
لطمت منيرة وجنتيها وسالت دموعها ليتابع أحمد موجهًا حديثه لـ إيثار:
- ادخلي له يا إيثار لأنه طلبك.
- وأنا... نطقتها منيرة بحدة ليجيبها أحمد بنبرة حازمة:
- مش الوقت يا أفندم، المريض تعبان وهو اللي طالب يشوف بنته ومصر على طلبه، لولا كده مكنتش هسمح بدخولها لأن الحالة حرجة.
حول بصره إلى الممرضة ليتابع قاصدًا إيثار:
- خديها للتعقيم وجهزيها علشان تدخل عند المريض.
انسحبت لمكتبه وبعد قليل ولجت لغرفة الإفاقة بعدما ارتدت اللباس الخاص بالتعقيم. تحركت بساقين مرتعشتين حتى وصلت إلى مكوثه. أمسكت كفه ومالت لتطبع عليه قبلة فشعر بوجودها وفتح عينيه ليجدها. بصعوبة رفع كفه ليزيل به جهاز التنفس الاصطناعي لتباغته بحديثها الرافض:
- سيبه يا حبيبي علشان تقدر تتنفس كويس.
بصوت متقطع نطق وهو يأخذ نفسه بصعوبة بالغة:
- خلاص يا بنتي، الفراق وجب، وقبل ما أمشي والروح تطلع عند اللي خالقها، لازم أطمن عليك.
ارتفع صوت بكائها لتشهق بقوة ودموعها تنساب على وجنتيها كشلالات متدفقة ليتابع بوهن شديد يوحي لوصول النهاية:
- إوعي تنسي اللي قولت لك عليه، بخصوص حجة البيت والأرض، دول أمانك إنت ويوسف، إوعى قلبك يحن وتديهم العقود، هيضحوا بيكي علشان راحتهم يا بنتي، خليهم أمانك وسندك بعدي، وإوعى تأمني لأي حد منهم.
خرجت كلماتها بشهقات متألمة وهي تقول بقلب ينزف دمًا:
- متتعبش نفسك بالكلام، إنت هتصحى وهتبقى كويس صدقني، ومحدش هيحميني غيرك.
ابتسامة مستسلمة خرجت من جانب فمه ليخبرها بما أدمى قلبها:
- أنا سمعت الممرضات امبارح وهما بيركبوا لي المحلول وكانوا فاكريني نايم، عرفت إن عندي المرض الخبيث وإني بموت خلاص.
ليسترسل بيقين نابع من إيمانه:
- أنا راضي بنصيبي الحمد لله، بس مش خايف غير عليك يا بنتي، هسيبك أمانة لربنا يحميك ويحفظك من شر نصر وولاده وأمك واخواتك، وهدعي ربنا يرزقك بأولاد الحلال اللي يقفوا معاك.
تنفست لتجيبه بصوت خافت في محاولة منها لبث الطمأنينة بقلبه:
- مش عوزاك تحمل همي، أنا قوية وقدهم، واللي خلاني أقدر أعيش وأكمل كل السنين دي، هيخليني أكمل بأمر ربنا.
أمسك كفها ليقول بعينين آسفتين:
- سامحيني يا بنتي، سامحيني وإبقي افتكريني في دعواتك.
نطق كلماته الأخيرة ليسعل بشدة ويبدأ الجهاز المرتبط بنبضات القلب في إخراج صوت عالٍ كإنذار لتصرخ بكامل صوتها وهي تعيد جهاز التنفس لمكانه لتقول:
- اتنفس يا بابا، حاول تتنفس.
كان يتطلع إليها بنظرات مرتعبة هلعة وهو يتنفس بصعوبة. أسرعت لتهرول باتجاه الباب لتستدعي الأطباء لتتفاجأ بدخولهم بعدما استدعاهم عزيز الذي كان يراقبهما من خلف الحائط الزجاجي. هتفت وهي تجذب ذراع أحمد:
- بابا، بابا، مش قادر يتنفس، إلحقه يا دكتور.
جذبها من ذراعها واتجه بها نحو الباب وهو يقول:
- اخرجي علشان نشوف شغلنا.
صرخت وهي تقول برفض:
- مش هسيب بابا، مش هخرج قبل ما أطمن عليه.
أشار لإحدى الممرضات لتجذبها للخارج وهي تصرخ لتخرج وتنضم لوالدتها وشقيقيها لمشاهدة والدها الذي انتزعوا عنه ذاك الثوب الأزرق ليظهر صدره وبدأوا بوضع جهاز الصدمات الكهربائية فوق القلب في محاولة منهم لإنعاشه. كرروا تلك التجربة عدة مرات باءت جميعهم بالفشل الذريع لينظر الطبيب إلى أحمد يهز رأسه بمعنى لا فائدة وإخباره بأن الحالة قد فقدت حياتها. أغمض أحمد عينيه بأسى وبدأ طاقم التمريض نزع الأجهزة عن المريض وتغطية وجهه بالمفرش الأبيض.
صرخة مدوية زلزلت جميع أرجاء المشفى خرجت من أعماق صدرها حين تيقنت فقدانها لوالدها الحنون. بتلك اللحظة شعرت بهدم جدران حياتها بالكامل. شعور بالخوف تمكن من قلبها وسيطرت الانتفاضة على كامل جسدها. هرولت للغرفة تحاول اقتحامها والدخول لغاليها ليمنعها الجميع لكن دون فائدة. فقد وصلت بالفعل إليه وأزالت ذاك المفرش اللعين ليظهر وجه أبيها وعلامات الصلاح وحسن الخاتمة تظهر فوق ملامحه الهادئة. ظهر وكأنه يبتسم مرحبًا برحيله من الدنيا إلى الحقيقة المؤكدة بعالمنا وهي "الموت".
باتت تقبل كل إنش بوجهه وهي تقول وكأنه يسمعها:
- متسبنيش يا بابا، إوعى تسيبني يا حبيبي.
واسترسلت وكأنها تستعطفه بعينيها:
- ما إنت عارف إني مليش غيرك، يرضيك تسيبني أواجه الدنيا لوحدي.
- بااااااابااااا... نطقتها بصراخ بعدما تيقنت موته لتصرخ منيرة وتعدد بكلمات مؤلمة. أخرج الأطباء الجميع ليستعدوا لنقل الجثمان للغسل وتجهيزه لمثواه الأخير.
وصل أيمن وزوجته بعدما أخبرهما نجليهما لتأدية واجب العزاء وبعد قليل أتاها اتصال هاتفي من فؤاد بعد أن علم بالخبر عن طريق أحمد كما أوصاه من قبل. كانت تجلس بجوار نيللي وعزة التي حضرت بصحبة الصغير بعد أن هاتفها عزيز وطلب إحضاره كي يكون بجوار والدته ويخفف عنها وطأة الخبر المشؤم. وقفت مبتعدة لتجيب عليه بعدما كرر الاتصال أكثر من مرة وما أن فتح الخط حتى هتفت وكأنها تشتكيه مر زمانها:
- بابا مات يا فؤاد، مات وسابني لوحدي خلاص.
وكأن كلماتها نيرانًا نزلت على جسده لتشعله بالكامل وما شعر بحاله إلا وهو يقول بصوت يتألم لأجلها:
- الله يرحمه يا إيثار، ادعي له بالرحمة يا بابا.
واسترسل وهو يتابع قيادته للسيارة:
- مش عاوزك تخافي، أنا في الطريق نص ساعة بالظبط وهكون عندك.
استمعت لكلماته لينتفض جسدها رعبًا وهي تتلفت حولها. فالمشفى بلمح البصر امتلأ بأقربائهم وعمرو وشقيقاه طلعت وحسين الذين حضروا فور إبلاغهم عن طريق عزيز وحسب تعليمات نصر. لذا صاحت بصوت يتمزق ألمًا لشدة حزنها على والدها:
- بلاش لو سمحت يا فؤاد، إخواتي لو شافوك هيسألوني عليك وكمان عمرو وأهله هنا.
اشتعال جسده بنار الغيرة فور استماعه لاسم زوجها الأول ليهتف بصرامة:
- أنا جاي يا إيثار، لو موقفتش جنبك في يوم زي ده يبقى لزمتي إيه في الدنيا؟!
نطقت بصوت راجي:
- أرجوك يا فؤاد، علشان خاطري بلاش، صدقني وجودك هيفتح عليا أبواب جهنم وأنا مش ناقصني مشاكل معاهم.
بصعوبة استطاعت إقناعه بالعزوف عن الحضور ليغلق بعدما طلب منها مهاتفته طيلة الوقت كي يطمئن عليها.
تم تجهيز الجثمان واستخرجوا جميع الأوراق اللازمة ليقف الجميع استعدادًا للرحيل لتقف منيرة بوجه عزة التي تحمل الصغير لتهتف وهي تجذب الصبي من أحضانها لتنطق بصوت حاد:
- هاتي الولد وارجعي إنت على الشقة.
نطقت بترجي:
- خليني أجي معاكم أحضر الدفنة.
- قولت لك خليك علشان تحرسي الشقة... نطقتها بحزم لتنسحب السيدة بدموعها بعد أن ودعت إيثار التي أخبرتها أن لا داعي للسفر وبأنها ستعود بعد مراسم الدفن مباشرة.
بعد حوالي الساعة السادسة مساءً، كانت تجلس أرضًا بجوار قبر أبيها بعدما تم دخوله لمثواه الأخير، حاملة لكتاب الله العزيز "القرآن الكريم" تتلو بصوت مسموع بعض السور. بعد ذهاب الجميع صدقت وأغلقت المصحف الشريف ثم وقفت لتقوم بتوديعه بدموعها الغزيرة التي لم تنقطع لحظة منذ ما حدث. نظرت للقبر بعينين مذهولتين، كيف لها أن تتقبل رحيل غاليها؟ بأي عقل سترحل وتتركه تحت التراب؟ يا الله، كيف سمحت لهم بأن يضعوا والدها الحنون داخل ذاك القبر الصغير؟ كيف سيتحمل صغر حجمه وضيقه؟ كيف سيتحمل عدم تجهيزه ليتناسب معه؟ ألف كيف وكيف اقتحمت مخيلتها وكادت أن تذهب بعقلها لذا هزت رأسها سريعًا لتنفض تلك الأفكار الشاذة التي حشرها الشيطان بعقلها كي يجعلها تسخط على أمر الله ومشيئته. استغفرت ربها ووضعت كفيها فوق التراب الذي يضم جثمان والدها الغالي وضمت حفنة منه إلى صدرها تحت نظرات عمرو المتألمة. تحرك حتى جاورها الوقوف ليقول متأثرًا بقلب يتمزق لأجلها:
- كفاية يا إيثار، كفاية هتموتي نفسك.
لم تعر لحديثه أدنى اهتمام وتطلعت حولها تبحث عن صغيرها فلم تجده. هتفت بعينين زائغتين وكأنها أصيبت بحالة من الهلع:
- يوسف، فين يوسف؟
هرول ليجاورها التحرك وهو يقول:
- اهدي يا حبيبتي، يوسف أنا بعته عند جدته إجلال علشان ميسمعش الصراخ بتاع الستات.
تطلعت إليه بتيهة، حملت حالها ذنب تركها للصغير وانشغالها عنه بسبب حزنها على والدها. وبنفس الوقت لم تستطع اللوم عليه فتصرفه كان حكيمًا وعاقلًا لأبعد حد لذا فلم تصب غضبها عليه كـ.
كل مرة بل نطقت بانكسار وخفوت يرجع لحزنها الشديد:
- ابعت حد يجيبه علشان راجعين القاهرة.
باغتها صوت منيرة الباكي:
- قاهرة إيه اللي رجعاها؟!
لتسترسل بنبرة جادة وعينين ذابلتين من شدة بكائهما:
- أنتِ عاوزة تفضحينا في البلد يا بنتي، الناس يقولوا علينا إيه؟ دفنت أبوها ومشيت من غير ما تاخد عزاه.
لتستطرد بأعين باكية ليهتز قلبها ألمًا عليها:
- أبوكِ رخيص عليكِ يا إيثار؟ هي دي غلاوته وده مقامه عندك؟
أغمضت عينيها بألم وتيهة ليقف عزيز بجوارها محتضنًا إياها لينطق وهو يربت على ظهرها:
- اقعدي في أوضتك أنتِ وابنك الثلاث أيام بتوع العزا وبعدها ابقي ارجعي بيتك.
أومأت بموافقة ليعود الجميع إلى المنزل استعدادًا لنصب سرادق العزاء الخاص بالرجال واستقبال النساء اللواتي ستقدمن لتقديم العزاء.
عادت لمنزل والدها لتجد عزيز قد جهز لها غرفتها القديمة كي تمكث بها هي والصغير خلال فترة إقامتهما. هاتفت عزة وأخبرتها بتطورات الأمور وأيضًا فؤاد، حيث وجدت على هاتفها عدة مكالمات فائتة منه. أخبرته أنها بخير وبأنها ستعود فور انتهاء مراسم العزاء التي ستستمر لمدة ثلاثة أيام.
مرت الثلاثة أيام بصعوبة عليها، لأول مرة تلج لمنزل أبيها لتجده خاليًا منه. عندما حل مساء اليوم الثالث وبعد انتهاء العزاء وذهاب جميع النساء، ولجت لغرفتها لترتدي ثوبها التي حضرت به وجهزت صغيرها وحملت حقيبة يدها لتخرج من الغرفة لتتفاجأ بعزيز يقف بوجهها وهو يقول بصوت حاد:
- على فين العزم يا بنت أبويا.