تحميل رواية زهرة الاشواك بقلم نور pdf
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خيركانت الجمله إلى اى بنت بتتمنا تسمعها وتبقى هتموت من الفرحه بس هى كانت لابسه الاسود والحزن هو الى ظاهر على وشها .. اتجوزت واحد متعرفوش ولا هو يعرفها مشفتوش غير مرتين وكانت دى المره التانيه، وقف رجل فى أواخر العشرينات من عمره يافع وقال- يلا- يلا على فين- البيت- بيت!!قالتها بتعجب بس هو مردش عليها مشي وهو بيسبقها، كان وكأنه عزاء على الجميع محدش حتى باركلها كان شاهدين والشيخ وهى وهو بس، فشعرت وكأن ظهرها محنى من وحدتها فمن كان خلفها قد رحل وها هى أصبح...
رواية زهرة الاشواك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور
يعنى إيه مراتى انتحرت؟ هونت حاططها في مقلب زبالة.
نزل عليه جملته كالصاعقة، تقسمها لنصفين.
وشعرت بأن الدنيا توقفت لهذي اللحظة.
كان الغضب يمتلك ياسين وهو يتكلم.
لف وانصدم برؤية فريدة واقفة عند الباب وتنظر له بعينين غائبتين.
- فريدة.
- انت قلت إيه؟ مراتك.
لقد سمعته، لقد عرفت كل شيء.
كانت عيناها تدمع والصدمة تمتلكها.
قرب منها وقال:
- فريدة، رد عليا. مراتك مين؟
- دارين.
نظرت له واردفت بصدمة:
- هي كانت عايشة أصلاً؟ وانت... انت متجوز؟
- أهدى، هفهمك كل حاجة.
- تفهمني إيه؟
وفى ثوانٍ، أتت ذاكرتها عبر السنين الفائتة حين كانت تعيش معه.
- عندي سفرية شغل لازم أروحها.
- هتتأخر؟
- يومين وراجع، مش هطول.
- تمام، هستناك.
افتكرت نقاشهم لتقول باستدراك وهي تنظر له بشدة:
- كنت معاه.
نظر إليها لتردف:
- كنت بتروحلها وبتقولي إنك مسافر للشغل، وهي كانت شغلك؟ مش كده؟
لم يكن يستطيع الرد، ويشعر بالأسى الشديد.
لكنه لا يملك جواباً.
لم يفعل لذلك اليوم حساباً، أنه يرى حلمه يخرب فوق رأسه.
ما كان يخشاه قد حدث.
- كنت بتكذب عليا وكلمني إنك وصلت وإنك معاها... اتكلم.
- محصلش يا فريدة، أنا...
ليجد دموعها تسيل لكسرتها، لتصرخ به ببكاء:
- لي... لي يا ياسين؟
قرب منها ومسك وشها وهو يحاول تهدئتها.
- بس متعيطيش، أرجوكي.
بعدت يده وقالت:
- ابعد عني، متلمسنيش. مش طيقاك ولا طايقة نفسي... حتى كرهت إني حبيتك في يوم.
شعر بألم شديد من سماع تلك الحملة التي فتكت بقلبه.
- إزاي كنت غبية كده؟
- فريدة، اسمعيني.
- مكنتش عايزني، لأنها موجودة عندك اللي يسد حاجتك، وأنا... أنا سد خانة ليها.
- بس ارحميني. والله ما قربت منها طول ما انتي معايا، كنت مكدبتش عليكي والله. كنت ببقى في شغل وزرتها مرة واحدة مش أكتر.
- بطل كذب بقى، هتكدب عليا أكتر من كده؟ أنت كده.
سمعتني، كذاب وخاين. أنا كنت في حياتك زوجة تانية.
شعر بالحزن من كلامها التي تبصقه عليه، ولم يكن يتحدث لأنه يعلم حزنها منه.
- لما هي لسه عايشة ومعاك، بتتجوزني ليه؟
- هي على ذمتي، بس مش أكتر. ملمستهاش ولا خونتك.
مسكها من كتفها وقال:
- أنا مش خاين يا فريدة، سمعتني.
نظرت له يحنق وقالت:
- دارين على ذمتك، عياله مثلاً؟
- بس هي مش مراتى، هي انتهت من زمان أوي. جزء من ماضي أنا مش عايز أفتحه.
- دارين اللي كنت بتحاول تنساها؟
- كنت بحاول أنسى الكسر اللي جوايا منه.
تنهد، فهو لم يخبر بأحد عن ذلك، لكن ما باليد حيلة.
- خانتني.
نظرت له بشدة مما قاله.
- خانتك؟
كان سيكمل سرده لتتفهمه.
لكنها وجدتها تبتسم وتقول:
- دارين... خانتك؟ اللي كنت عايش بتتوهم باسمها وبتشرب بسببه؟
تعجب منها كثيراً، ألا تصدقه؟ أنها تضحك على ألمه؟
قالت بغضب:
- وأنا... أنا خنتك أنا كمان عشان تعمل معايا كده؟
- فريدة، اسمعيني، أرجوكي. كفاية... هحكيلك كل حاجة والله.
بعدت خطوة وقالت:
- أنا مش عايزة أسمع حاجة منك.
نظرت له وقالت والدموع تسيل من عيناها بحزن شديد:
- أقل حاجة تعملها إنك تخرجها معايا. كنت عايش بذنب أنت معملتوش وبتحاسب نفسك على غلطها، ودلوقتي هتعيش بذنبى أنا... أنا اللي حبيتك من قلبي يا ياسين. كنت عارف كل كبيرة وصغيرة عني... كنت فاكر إني هخونك زيها عشان كده كنت بتديني نصايح.
- لا يا فريدة، أنا...
صمتت وهي تشعر بغصتها لتردف بصوت خالٍ من المشاعر:
- هي خانتك، بس أنا مستاهلش منك ده.
ألقت عليه جملتها ومشيت وسابته ودموعها تسيل على خديها مختلطة بمساحيق التجميل الذي ذاب وأظهر انكسار قلبها وشحوب وجهها.
تبعها ياسين ليوقفها قال:
- فريدة، استني.
لم ترد عليه.
شافتهم موجودين وينظرون إليهم بالتحديد، ومن شكلها وإلى ياسين الذي لحقها، ولا يفهمون شيء.
قالت تسنيم:
- فريدة، انتي كويسة؟
لم ترد على أحد وهي تكمل سيرها.
نظرت كل من يارا وتسنيم لما يحدث.
قرب ياسين من فريدة عشان ميسبهاش تمشي وهي كده.
مسك أيدها بس هي أفلتتها بضيق وقالت بغضب:
- متفكرش تيجي ورايا، سمعتني؟
نظر إليها بحزن من عينيها المتتلئة بالدموع ويريد أن يرتب عليها.
تلك طفلته، حبيبته، الذي تبكي أمامه بسببهم.
مشت، بس وقفت.
نظرت لتجد إيهاب أمامها برفق والدته وعمها أشرف.
فكانوا من المدعوين.
كانوا للتو قد أتوا ورأوا ما يحدث.
تقدمت منه وهي تتخطى ياسين والجميع.
نظروا إليها.
راحت عند إيهاب وقفت عنده.
نظر إليها من وجهها وبكائها:
- إيهاب... تتجوزني؟
لينصدم الجميع من ما قالته فريدة.
وشعر ياسين بأنه قديم خطأ منها.
هل تعرض الزواج على رجل آخر وهي متزوجة به؟
نظرت تسنيم لها بشدة ونظرت إلى إيهاب الذي وقف متصنماً لا يصدق ما قالته.
نظر إلي ياسين الذي كان ينظر إليهم.
قرب منها ومسك أيدها.
نظر إليهم بشدة ليجده ينظر إلى فريدة ويقول:
- تعالي.
خدها إيهاب ومشي.
نظرت سلوى وأشرف إلى ابنهما بشدة.
وكذلك ياسين.
جمع قبضته وأعينه امتلأت بالغضب.
مشي، بس وقف أنور في وجهه بيمنعه.
- أهدأ، مش وقت عصبية دلوقتي.
نظر له وهو في أوج غضبه، لكن إن فعل شيئاً سيجعلها تبغضه أكثر، وهو لا يريد ذلك.
قالت داليا:
- اللي حصل، البنت خارجة بتعيط من عندك لي بعد ما كانت فرحانة؟
نظر لها وشعر ببعض الحزن، فهي بالفعل كانت سعيدة للغاية، وهو الآخر كان أسعد منها، لكن سعادتهم لم تكتمل.
مشي ولم يرد عليها، متجاهلاً الأنظار التي تثقبه.
تبعته ميرال وأنور.
دخلا، شافوا ياسين واقف ويفكر في فريدة.
قال أنور:
- اللي حصل يا ياسين.
سكتت قليلاً ثم قال بضيق:
- فريدة عرفت بدارين.
تفاجؤوا كثيراً.
قال:
- عرفت منين؟
- سمعتني وأنا بتكلم في التليفون مع المستشفى.
قالت ميرال:
- هما اتصلوا بيك تاني لي؟ مش روحت الإجازة اللي فاتت؟
تساد لحظات من الصمت حتى قال:
- دارين انتحرت.
أنصدم أنور.
وضعت ميرال يدها على فمها بصدمة تحتل وجهها.
لتدمع عينها وتقول بصوت مبحوح:
- دارين مين؟ اختي يا ياسين... اختي ماتت.
كان ياسين لا يريد أن يعرفها، لكنها كانت ستعلم.
- كذابين.
نظروا إليها.
قالت:
- مش صح. اتصل بيهم تاني واسألهم.
لم يعلق عليها حزن أنور من رؤية صدمتها.
- أنا هكلم بابا وأسأله.
رفعت هاتفها.
منعها أنور.
نظرت له.
قال:
- أهدأ يا ميرال. زمنهم فيهم اللي مكفيهم.
الانتحار هناك مش بالساهل.
سكتت وسالت دمعة من عينها وكأنه يفيقها على الواقع الأليم.
فهي بالفعل كانت مريضة مغيبة لا تعلم أين هي ومن الذي حولها، وليس على المريض حرج.
لتستوعب ما حدث بألم شديد وحسرة.
ربت أنور على كتفها.
نظرت له ثم نظرت إلى ياسين وهو ينظر إلى الفراغ بشرود والحزن يملأ وجهه.
لم يعلموا هل هو حزين على أي منهما، دارين أم فريدة؟
أم الاثنان.
قال أنور:
- هتعمل إيه؟
- هسافر.
- هشوف فريدة الأول... مش همشي وأسيبها كده.
فهو لا يريد أن يترك للخلاف أن يتسع بينهم وأن تكون حزينة منه أكثر.
نظرت له ميرال وأنه يفكر فيها.
قالت:
- لو موافقتش.
نظر إليها لتردف:
- مشفتش قالت إيه لإيهاب؟
- أضايق من التذكر، بس قال بهدوء عكس الذي بداخله.
- مكنتش عارفة بتقول إيه. حبيت تضايقني وخلاص... هرجعها يا النهارده أو بكرة.
كان قلبه يعطيه الثقة بها وبحبها، وستعود إليه.
- بعدين أقدر أسافر.
نظروا إليه.
كان ياسين مدرك ما حدث لدارين ويشعر بالأسى عليها.
ليتحدث داخل نفسه:
- لي عملتي كده يا دارين... لي.
لم يكن يعلم هل هو حزين من الخبر أم يشعر بالحزن من حبيبته التي تركته ورأى كسرتها أم يشعر بالحزن على نفسه.
كان في مثل تلك الليلة، كانت ستكون معه ويمتلكها، كانت ستصبح زوجته.
لكن كل شيء قد تطاير في نسمة هواء.
لماذا اليوم؟
لماذا حدث ذلك اليوم في يوم زفافه؟
لطالما تعذبت في حياتي بسببك يا دارين، حتى حين رحلتِ لم تتركيني وخربتِ حياتي بأكملها.
كأن لعنة حلت عليّ، لن تسمح لي بالراحة، وقد كتب لقلبي المشقة الدائمة.
***
في بيت أشرف، كانت فريدة جالسة وسلوى بجانبها.
- أهدئي يا فريدة وافهمينا إيه اللي حصل.
كانت لا تتحدث، فقط الحزن ظاهر عليها.
كان إيهاب ينظر لها وغاضب وهو يراها هكذا.
- ما تقولي عملك إيه؟ هتفضلي ساكتة كده كتير؟
نظرت إليه.
تنهد، انحنى إليها قال:
- فريدة... أنا معاكي. اتكلمي، متخافيش.
نظرت إلى إيهاب للحظة في عينه.
سالت دمعة من عينها.
نظر لها ولم يفهم.
خفضت عينيها وقالت بصوت مبحوح:
- خاين.
نظروا إليها بشدة.
تفاجأ أشرف كثيراً.
قال:
- قلتي إيه؟
غضب إيهاب قال:
- دي آخرتها، بعد ما حبته خانته.
نظر والده إليه بحدة، فهذا ليس وقته.
تنهد ونظر إلى فريدة قال:
- فهميني إيه اللي حصل.
كانت ساكتة ومبتردش، فقط غارقة في خيبات قلبها والكحل الذي جف على خديها.
قالت:
- قلت لي قبل كده، لو عاوز حاجة اطلبها منك، مش كده.
وما إيجاباً بتأكيد لتردف:
- عايزة أطلق.
نظرت لها سلوى بشدة.
قالت:
- طلاق إيه يا فريدة؟ وياسين مش هيرضى.
صاحت وهي تقول بانكسار:
- أنا مش عايزة أسمع اسمه.
نظروا إليها لتردف والدموع تسيل:
- ياسين... ياسين... ياسين... هاخد الإذن منه كمان في طلاقي.
استغرب كثيراً منها وتحولها ذلك.
أليس هذا كان حبيبها الذي بمثابة والدها وزوجها وعائلته؟
كيف انقلب الوضع هكذا؟
نظرت سلوى إلى أشرف الذي كان حائر.
تنهد وقال:
- نتكلم بعدين تكوني هديتي.
وقف ومشي.
نظروا إليه.
قالت سلوى:
- تعالي غيري الفستان ده الأول.
أخذتها وذهبوا.
نظر إيهاب إلى فريدة وهي تغادر.
راح لأشرف شافه بيكلم حد.
قال:
- بابا بتكلم مين؟
- ياسين.
نظر له بشدة.
قال:
- لي؟
- هقوله إنها عندي، وبالمرة ممكن يفهمني إيه اللي حصل.
قلبهم كده.
- قالت خانها، تهم إيه؟
- ياسين مش من النوع ده من الرجال.
- عاشت معاه فوق التلت سنين وهي بتقول ده بنفسها، جاي انت تبرر له يا بابا؟
- أنا عارف أنا بقول إيه، وليا نظرة في اللي قدامي.
- وبالنسبة ليها هي إيه؟
- معرفش، ادينا هنسأل.
- مش محتاجين نسأل يا بابا، فريدة هتقولنا وهى واخدة قرارها من الأول.
نظر أشرف إلى ابنه.
مشي أوقفه وقال:
- إيهاب.
وقف لما ناداه أبوه ليكمل:
- فريدة مكنتش عارفة هي بتقول إيه وهي هناك... إياك تفكر في كلامها أنه جد.
- ولو كان جد... مفيش حاجة هتوقفني عن اللي هعمله.
نظر له بشدة.
نظر إيهاب أمامه بلا مبالاة وذهب، ليشعر أشرف بالريبة من ابنه وما ممكن أن يحدث في وجود فريدة هنا وابنه معها.
وهو الذي سعى لإبعادها، لكنها عادت.
ويبدو أن الأمر سيطور أكثر عن ذي قبل.
***
في المنزل، رجع كل من يارا وداليا.
تعجب محمود من رؤيتهم.
- محضرتوش الفرح ولا إيه؟
قالت يارا:
- فرح إيه؟ ما خلاص.
- خلاص إيه؟
قعدت جنبه وقالت:
- مفيش فرح، اتلغى تقريباً.
- اتلغى إزاي؟
جلست داليا بتنهيدة قالت:
- منعرفش، ممكن يكونوا اتخانقوا.
- خناقة تبوظ الفرح كله كده؟
قالت يارا:
- عادي، بتحصل.
رن تلفونها.
نظرت، ذهبت لترد قالت:
- الو، يا أنس.
- انتي فين؟
- في البيت.
- في البيت إزاي؟
- اهو اللي حصل.
- مالك؟
- مملل يعني، مش معقولة تكون جهزت نفسي بعد ده كله، وفي الآخر مخرجش ولا اتصور.
- هعدي عليكِ كمان خمس دقايق.
قالت بدهشة:
- انت برا؟
- مش سامعة صوت الطريق... ابقي خرجيلي، ماشي؟
- تمام.
قفلت معاه.
راحت خدت شنطتها قالت:
- أنا خارجة، عايز حاجة يا بابي؟
قالت داليا:
- راحة فين؟
- أنس هيعدي عليا نخرج... باي.
مشت.
نظروا إليها.
قالت داليا:
- أنا مش عاجبني الخروج الكتير ده يا محمود.
- انتي مش عاجبك أنس كله يا داليا... من يوم ما جه هو وخليل وحاسس إنه مش داخل دماغك أو مجبرة توافقي عليه.
- عشان يارا مرديتش أضايقها، بس أنا يشوفه عيل.
- عيل؟!! اتخرج من سنة وبيشتغل مع والده غير شغله الخاص.
- الأمر يرجع ليارا... أنا عايزة بنتي تبقى مبسوطة مع البني آدم اللي تحبه ويقدرها.
- أنا أول واحد لو شفت فعل منه معجبنيش، هلغي الموضوع من أصله... دي بنتي الوحيدة واللي هيتجوزها لازم يعرف هو واخد مين.
خرجت يارا ومكنش لسا جه.
بصت في التليفون لقت سيارة تقف أمامها.
اتخضت.
نظرت له وكان هو.
- اركبي.
فتحت الباب وهي بتركب:
- انت مش هتبطل الحركة بتاعتك دي... كنت هدوسني.
ابتسم نظر إليها وهي تجلس بجانبه من الأعلى للأسفل.
- إيه الجمدان ده؟
نظرت له وإلى نظراته عليها.
اتكسفت.
ابتسمت وقالت:
- طب بص قدامك وامشي.
***
كان إيهاب جالس بيفكر في فريدة.
رن تليفونه.
نظر ليجدها تسنيم.
ففي تلك السنوات نشأت صداقة بينه وبينها.
كان قليلاً ما يتحدثا، لكنها كانت رفيقة جيدة له.
حيث شهد اهتمام منها، تعلق به لوهلة.
أنها الشيء الجيد الذي اكتسبه عن طريق فريدة.
كانت تسنيم في أوضتها وهي باصة التليفون والتوتر ممتلأ على وجهها.
فتح إيهاب.
ردت:
- إيهاب.
- أي يا تسنيم.
- فريدة عاملة إيه؟ مبتردش على تليفونها.
تنهد وقال:
- ساكتة، بس عايزة تعيط.
- وانت عرفت منين؟
- عشان أنا عارف فريدة واللي جواها.
سكتت وهي تشعر في كلامها فيه من حب وضيق.
قالت:
- مالك؟
- يعني مشفتيش اللي حصل؟
عرفت أنها محبة أنه يفكر فيها فقط.
قالت:
- كلنا مضايقين عشانها. إنشاء الله يرجعوا لبعض عادي.
صمت إيهاب.
فهل بالفعل ستعود له؟
كملت تسنيم بتأكيد:
- ياما بيتخانقوا وياسين يصالحها.
- بس المرة دي غير.
- معاك حق، واضح إن الخناقة كبيرة. الفرح وكل حاجة اتلغت في لحظة... بس هما بيحبوا بعض.
كانت ترمق لها.
حيث شعر بالضيق من مغزى كلامها عن حبهم.
قال:
- أكلمك بعدين.
- فريدة عندك؟
- مع ماما... لي؟
- ممكن أكلمها.
سكت قليلاً.
فهل ستخبرها أن تعود إليه؟
تنهد وذهب.
راح الأوضة اللي هي فيها، وكانت مفتوحة.
نظر وجدها جالسة ووالدتها قريبة منها.
- أنا عارفة إنك زعلانة دلوقتي، بس أي كان اللي حصل يا فريدة مش طول الوقت كده. طلاق يا بنتي.
- أنا مش هرجع تاني.
- ماشي، خدي موقف تجنبيه لفترة، بس فكري تاني. الطلاق مش بالساهل ولا لعب عيال.
سكتت فريدة، لكن بكت.
نظرت لها بتفاجؤ من بكائها.
قالت:
- فريدة، مالك؟
كانت تبكي بحزن شديد.
قالت:
- أول مرة أحس إني مكسورة كده.
كأن ما كان ياسين يسد فراغه قد ظهر، أنها لا شيء بدونه.
حتى هما لا يسعهم مساعدتها فيها.
تريده.
أضايق إيهاب.
دخل قال:
- فريدة.
نظرت له سلوى.
تقدم منها جلس بجانبها.
قال:
- انتي مش لوحدك، أنا معاكي... وأي حاجة أنتِ عايزاها هتحصل.
نظرت له مما يقوله وعيناها مدمعة.
مسح دمعتها وقال:
- عايزة تطلقي... هيحصل.
أنصدمت سلوى.
وقالت:
- انت بتقول إيه يا إيهاب؟ لازم ترجع لبيت جوزها.
- فريدة مش هتخرج من هنا يا ماما، ومش هترجعله.
- مالكش دعوة انت... ده بينا وبينهم وهما هيحلو بنفسهم.
- كان في الأول، معدتش دلوقتي.
نظرت له سلوى لتحده ينظر إلى فريدة التي كانت تخفض رأسها ولم تعلق على أي من كلامهم.
قالت سلوى:
- انت كنت جاي لي؟
افتكر إيهاب الذي كان حتى عشانه.
افتكر أن تسنيم معاه على المكالمة.
بص، لكن وجدها قفلت المكالمة.
تعجب.
قال:
- كان في تليفون عشان فريدة.
نظرت له.
قالت:
- مين؟
- تسنيم، بس قفلت. ممكن عشان طولت عليها.
شعرت بالخيبة، فقد ظنت أنه هو.
على الجانب الآخر، بعدما قفلت تسنيم المكالمة وامتزج وجهها بمعالم الحزن.
قالت:
- معقول اللي بفكر فيه يحصل؟ لا فريدة متعملش كده.
تذكر في الصباح وهي تعرض نفسها للزواج من إيهاب.
إيهاب الذي أحبته هي طوال هذه السنوات.
تعمل على التقرب منه وأصبحوا أصدقاء.
لكنها كانت معجبة به واهتمامها به لم يكن سوى حب.
***
في السيارة، كانت يارا جالسة مع أنس وشاردة.
- فضيت وقتك الثمين ليا، كان بقالنا كتير مخرجناش.
مسك أيدها وقال:
- معلش... في الحالتين مبعجبش.
- أه.
رفع حاجبه باستغراب.
ابتسمت وقالت:
- كنت عارفة إنك اللي هتخليني أضحك.
بما أن اليوم اتقلب نكد.
ابتسم وسار بأنامله على يدها.
قال:
- نكد وأنا معاكي.
نظرت له.
بعدت أيدها وهي تضرب كفه وتقول:
- أنس.
- إيه؟
تنهدت بقله حيلة، فهي تكلمه في شيء وهو ليس معها كعادته.
قليل الاهتمام بأقل شيء من أمورها ولا يستمع إليها.
- مقولتيش مالك؟ كنتي مخنوقة الصبح.
- كويس إنك سألت.
- اللي أعرفه إنك كنتي في فرح أخوكي، يعني جاية مبسوطة.
- الفرح مكملش.
- يعني إيه؟
- معرفش... افتكرت فريدة وهي تخرج باكية ودموعها تملأ وجهها وما قالته لإيهاب الذي أذهل الجميع.
- كل حاجة اتغيرت فجأة ومنعرفش حصلهم إيه والفرح اتلغى.
- ممكن حصل حاجة بينهم.
أردف ببساطة:
- اكتشفت إنه بيخونها مثلاً.
- إيه ال انت بتقوله ده؟ لا طبعاً.
- أمال هيكون إيه اللي يخليهم يقرروا يلغوا الفرح بعد ده كله؟
- معرفش، بس أكيد مش زي تفكيرك. ياسين مش كده، وهما بيحبوا بعض من زمان، فجأة كده هيخونها يوم فرحهم.
- والله يا روحي، أي راجل بيخون.
قالت بثقة:
- الراجل اللي بجد مبيخونش يا أنس... لأن في قلبه واحدة وبس.
- مم، أنواع، حسب الواحدة اللي معاه.
قربت منه وقالت بابتسامة سمجة:
- انت بقى بتخون؟
نظر إليها وقال:
- لو خنتك هتعملي إيه؟
- هتعرفي وقتها.
- متعرفيني دلوقتي.
- ممم، جايز.
مسكته من ملابسه بقوة ليصبح قريب منها لتقول:
- أنا متخونتش، سمعتني؟
اتخضت أنس من فعلتها وهي تمسكه هكذا.
قال:
- يارا، في إيه؟
- عايز تعرف هعمل فيك إيه؟ هشوهك انت وهيا.
توترت من كلامها الجدي.
مسك أيدها وبيبعدها لتتركه.
قال:
- أهدأ يا يارا، أنا بهزر.
- بعرفك بس.
لا تكون ناوي تهرب ومن خطوبتنا اللي بعد شهرين.
- هي بعد شهرين؟
- كمان مش فاكر؟
- ل... لا فاكر.
- طب يوم إيه؟
سكتت.
شعرت بالخيبة.
سابته وبعدت عنه وهي تضم ذراعيها.
قالت:
- امشي.
- يارا...
- عايزة أروح.
سكت ولم يجاملها.
بص قدامه ومشي ولم يفتح الأمر، وكأنه تهرب كي لا تنكد عليه في يومه.
فالصمت أفضل.
***
رجع ياسين البيت الذي كان مهتماً بدونها.
لم يتوقع أن يأتي يوم ولا تكون هنا معه.
فلقد اعتاد وجودها.
طلع أوضته وفتح أزرار قميصه.
قعد ع الكنبة وهو يريح ظهره للخلف.
رن تليفونه.
خرجه ليجد المكالمة من والد دارين.
تنهد وفتح ليرد عليه.
- ياسين... عرفت الخبر.
- أيوه، كلموني الصبح.
- كلموني بعدك ع كده، قولهم يدوني دارين.
مش معقول، أخد الإذن منك عشان استلم بنتي... مش هستنى لما تيجي لسه وأمشي في إجراءات جنازتها.
- محدش قال كده، هما بس ميعرفوش حضرتك.
- هكلمهم حاضر.
- تمام، شكراً يا ياسين.
لسه هيقفل.
قالت ديانا:
- ياسين... انت كنت بتتكلم معاه؟
- لا.
- هات أكلمه... هات أسأله، اتجوز وعايش حياته وبنتي انتحرت بسببه.
كان ياسين لا يزال معه ع الهاتف.
- أهدأ.
- اللعنة عليك يا ياسين... اللعنة على معرفتك اللي دمرت ابنتي.
كانت تتحسن قبل معرفة زفافك من هذه الفتاة.
قمت أنت بإعلان زواجك لتقم هي بقتل نفسها.
قال بحده:
- ديانا.
بكت وقالت بحنق:
- انت سعيد الآن؟ اتقضي ليلتك مع زوجتك... اللعنة عليك وعلى حبها اللي دمرها.
أنتم الرجال لا تستحقون ذلك.
ضمها وهو يربت عليها لتبكي بانهيار.
كان ياسين يستمع لكل هذا وصامتاً، راسخاً مثل الجبال.
- ياسين... اعتذر لك.
- لا بأس.
- أرسل لها أسفي.
- يصل.
أنهى مكالمته وترك هاتفه مع صدى كلماتها تتردد بإذنه.
- حبها.
قتلت نفسها لأنها تحبه حين علمت أنه سيتزوج.
ماتت بيوم زفافه.
إذن، ألم يكن هذا صدفة؟
كانت تعلم أن اليوم سيتزوج.
لم يكن حباً، بل كان أنانية.
لا أحد يعرف الحقيقة التي يعرفها هو.
فهو من تعمد ألا يخبر بها والديها.
لذلك تركها على ذمته كي لا يكون محض أسئلة.
فبرغم أن والدها عاش في الخارج، لكنه عربي، رجل شرقي متمسك بتقاليد.
وإن كان عرف شيئاً كما عرفه هو، كان سيؤذيها، بل سيتبرأ منها وليس كالآن.
لهذا صمت ياسين لأنه لم يريد أن ينفرها والدها هو الآخر، فتسوء حالتها.
انتظر حتى تتعافى وتعود كما كانت، ويقطع هذا الرباط.
بقى معها لأنسانيته، برغم كسر قلبه الذي عاش يتألم بسببه، لكنه لم يفعل مثلها.
بعد ذلك يصبح السيء... أنه السيء في رواية الجميع.
حط دراعه على عينه وهو يتنهد، تنهيظه عميقة مليئة بالحزن.
وكأنه يشعر بأشواك عالقة في قلبه.
- انتي فين؟
كان يناديها راجياً.
فلو كانت معه لما كان هكذا.
سيشعر بدفء فقط بوجودها وتربت على قلبه كما تفعل.
أنه يحتاجها في ذلك الوقت كثيراً، وهي من تخلت عنه.
خرج تذاكر من جيبه، وكانت تذاكر سفر.
F- فريدة.
دخل وهو ينادي عليها، لقاها واقفة وبتبص في المراية.
قال:
- بتعملي إيه؟
- ياسين، أنا تخنت.
تصلها باستغراب من سؤالها.
ابتسم.
نظرت له وقالت:
- بتضحك على إيه؟ دي مشكلة كبيرة.
- لي؟
- كده الفستان مش هيجي عليا، وهبقى شكلي وحش.
- زي ما انتي يا فريدة... جميلة.
ابتسمت إليه.
قالت:
- أنا عارفة إنك بتقول كده عشان مأجلش الفرح.
- فرح إيه اللي يتأجل؟
- فرحنا... منا لو تخنت هتستنى عقبال ما أخس ونعمله براحتنا.
- مين اللي قالك إني هلغيه؟ أنا كنت بعد الأيام عقبال ما يجي اليوم ده.
اتكسفت.
لتلمع عيناها وتقول بسعادة:
- وأنا كمان...
مسكت أيده واردفت بمرح:
- مش مصدقة إن بعد يومين فرحنا، أنا فرحانة أوي يا ياسين.
كان سعيداً وهو ينظر إليها.
فهو سعيد أكثر منها.
قال:
- عايز أشوفك دايماً فرحانة.
نظرت له بابتسامة رقيقة.
ثم قالت:
- كنت عايز إيه صحيح؟
- أه...
خرج تذاكر من يده.
نظرت له.
خدتها منه قالت:
- إيه ده.
نظرت لتجد تذاكر لرحلة جوية.
قالت بدهشة:
- باريس...
- كنتي عايزة تروحيها مش كده؟
- أيوه أوي...
- إحنا هنروح الهاني مول في باريس.
أومأ لها إيجاباً.
لتعانقه وتقول بفرحة:
- شكراً.
بادلها العناق النقي.
بعدت عنه ونظرت إلى التذاكر.
قالت:
- انت بدلعني أوي على فكرة.
- لو مش هعمل كده معاكي، هعمل مع مين؟
قال بحده:
- ولا حد، أنا بس.
ابتسم بخفة.
لتبادله الابتسامة وسط أجواء هادئة تعمها الفرحة والسعادة.
B
ها هو الآن جالس في غرفته بمفرده.
بعدما كان من المفترض أن يكون معها، تجمعها غرفة وسقف واحد كما تمنى.
لكن لا شيء يحدث كما يريده.
لطالما أمنياته تنقلب ضده.
ويخشى أن تنقلب أمنيته في فريدة، فهذه لن يتحمل فيها خسارة أكثر.
أنه جالس يشعر بالوحدة ليوم واحد غابت عنه فيه.
- ياريتك بس سمعتيني.
قال هذا بترجٍ وخيبة.
كلما يتذكر كلماتها في الصباح وهي تنعته بالخائن والكاذب.
حين يتذكر دموعها يشعر بالندم الشديد والضيق من نفسه.
لكنه لطالما كان مخلص لها.
لم يخنها بجسده أو بقلبه يوماً.
ليتك تفهمين ذلك يا فريدة.
أخشى أن تعاندي في كبريائك، فنجد أنفسنا لسنا سوى ذكرى عابرة بداخل الأخرى.
هذا من إحدى كوابيسي التي أخشاه ولم أفعل له حساباً.
تنهد واستلقى على الأريكة بأرق من اليوم.
وكان يفكر فيها لحين طلوع الصباح.
سيكون عندها ليعيدها إليه.
لا شك أنها تنتظره.
***
كانت داليا جالسة وكل ما يشغل تفكيرها هو ياسين وحول ما حدث معه وفريدة.
- داليا.
نظرت لتجد محمود اقترب وجلس معها.
قال:
- لسا صاحية؟
- تقدر تكلم لي حد من معارفك في كندا؟
- كندا... لي يعني؟
- عايزة أعرف حاجة مهمة... حاسة إن اللي حصل النهارده مع ياسين وفريدة ليه علاقة بهناك.
***
بعد مرور يومين.
في منزل أشرف، كان واقفاً ينتظره.
جه ياسين.
نظر له إيهاب.
تجاهله ياسين واقترب من أشرف.
قال:
- فريدة فين؟
- قولتلها إنك جاية، بس هي رافضة.
- أنا سبتها امبارح، زي ما قولت.
أنها مش هتعرف تتكلم.
قال إيهاب:
- إحنا هنكدب عليك ليه؟
قال أشرف بحده:
- إيهاب.
كان ياسين متمالكاً نفسه.
قال أشرف إليه:
- فريدة موصلتش لقرار سليم. اعقدوا مع بعض واتفاهموا بنفسك... بس منصحكش دلوقتي.
تساءل هل زالت متضايقة منه ولا تريد رؤيته؟
وهو مشتاق إليها.
أم أنهم يريدون أن يبعدوها عنه؟
قال:
- نده لي... هشوفها وأمشي.
كان قلقاً عليه ويريد أن يطمئن قلبه برؤيتها.
فهو لم يراها بيومين بالكامل.
نظر له أشرف.
مشي، بس جت فريدة.
وقالت:
- جاي لي يا ياسين؟
نظر إليها وهي تدير بوجهها الخالي من مشاعر.
وكأنها كانت تعلم بوجوده وهي من تمتنع لمقابلته بالفعل.
- ممكن نتكلم لوحدنا؟
- مفيش حاجة نتكلم فيها.
وكأنها مصممة إخراجه أمام الجميع.
قالت:
- هو عمي مقلكش؟
استغرب ونظر إلى أشرف.
وقال:
- مقليش إيه؟
- إني عايزة أطلق.
نظر لها بشدة.
فهل لا تزال هذه الفكرة برأسها؟
قال:
- تطلقي؟
- اه.
ها هي كوابيسه تتحقق وترسمها أمامه بالابتعاد عنه.
قال:
- فريدة، أنتِ مش عارفة بتقولي إيه، ممكن تهدأي.
- أنا عارفة كويس كلامي وبقولهولك دلوقتي إني مبقتش عايزة العلاقة دي تستمر أكتر من كده.
نظرت له واردفت:
- هي كانت غلط من الأول وهتفضل غلط.
سكت حين قال ذلك، وكأنها سلبت كل الكلام الذي يريد قوله.
قال:
- هجيلك في وقت تاني تكوني هديتي.
كان حاسس أن نقاش سينتهي بشيء لم يرضيهما.
لذلك قرر الذهاب.
لكنها قالت:
- وحتى لو جيت ياسين، قراري مش هيتغير.
- إلى هو... نطلق؟
شايفة إن ده قرار صح.
سكتت.
تنهد واردف:
- فريدة، أنا محتاجك جنبي.
- إيه؟ عايزني أخفف عن جروحك ولا أطبطب عليك عشان مراتك ماتت؟
اللي هي تبقى ضرتي... مش أنا ياسين، أنا مبقتش عايزك وكفاية لحد هنا... علاقتنا كانت غلط من الأول.
صمت.
ابتسمت وقالت:
- طبعاً مش هترد، بس أنا قلبي بيتحرق لمجرد التخيل إني كنت طرف تالت، كنت عايشة معاك ده كله وكنت بتغفل، كنت بتروحلها وأنا قاعدة أستناك ومعرفش إنك معاها كل ده وأنت بتقولي إنك بتحبني عشان أكتشف يوم فرحي إنك متجوز.
- أنا محبتش غيرك يا فريدة، حقك عليا متزعليش مني.
بعدت وهي تقول:
- كان الأول يا ياسين، بس مش دلوقتي.
- يعني إيه؟
- ملفتهوش ده نظرك لحاجة ياسين؟ إن ربنا بينبهني من اللي كنت هقع فيه.
- أنتِ مش فاهمة، أنتِ بتقولي إيه.
- فاهمة وعارفة إن كنتي غلط من الأول.
ولما نطلق هاخد إنسان بيحبني وبحبه.
نظرت له مما قالته، ليقول ببرود:
- عايزة تتجوزي؟
- اه، افتكرتني هعيش على ذكرياتك.
- مين اللي بيحبك وتقصديه بكلامك يا فريدة؟
سكتت.
ومرديتش وهي تنظر إليه وتعلمه أنه إيهاب.
- أنا مش هطلق يا فريدة.
نظرت له بشدة من ما قاله.
ليردف:
- همنعك من اللي بتحاولي تعمليه.
- مش هتقدر تمنعني يا ياسين، أنا معدتش العيلة اللي بتسمع كلامك على طول.
قال أشرف:
- فريدة... ادخلي دلوقتي.
نظرت له وقالت:
- أنا اديتك قراري، ولو كنت خايف تقف معايا في طلاقي منه، فأنا مش بخاف.
نظرت له أشرف بشدة من ما قالته، فهي تعلن أن الكل يهاب ياسين.
قالت سلوى بضيق:
- فريدة، اعرفي إنك بتكلمي عمك اللي في مقام والدك.
- مقصدتش حاجة، بس دي الحقيقة وأنا عارفاها.
ياسين طلقني، أنا مش عايزة ألجأ للمحاكم.
نظر لها بشدة.
قال:
- محاكم؟
أدارت وجهها كي لا تنظر في عينه، وكان يعلمها أنها لا تستطيع النظر كي لا يكشف حبها.
قال بغضب:
- ما تردي... لو مش هطلقك هترفعي قضية؟ فاكرة إن القضية ممكن تكسبيها ضدي؟
نظرت له.
فهل يهددها بفشلها وأنها لن تقدر عليه؟
- غلطانة يا فريدة، هتبقى زي ما دخلتي زي ما خرجتي.
أنا محدش يجبرني على حاجة.
- هتخليني معاك لي؟ هاا، هتعيش مع واحدة مش عايزك.
خلاص، حتى قعدتي معاك مبقتش عايزها، هو بالعافية.
نظر لها الجميع بشدة، ولتدرك هي ما قالته.
لم يجب قوله البتا.
نظرت إلى ياسين.
تقدم منها وتخطى أشرف الذي نظر إليه وقلق من ردة فعله.
وقف أمامها مباشرة لينظر إليها نظرة طويلة لم تفهمها.
رفع يده.
نظرت له، لكن وجدته يمسك وجهها برفق تام.
تعجبت من هدوئه، فهي ظنت أنه سيغضب عليها كثيراً من كلامها.
قبل رأسها بحسرة شديدة.
تفاجأت من فعله، وكان الجميع ينظر إليه.
ليبتعد قليلاً وينظر إليها بعينيه الخالية، ليفجر هذا الصمت بقنبلته الموقوتة ويقول:
- انتي طالق.
بارت ٢١
تفااااااااااااااااااعل🧡
منك لله يا فريدة😭، معلش ع التأخير بس كان ورايا امتحانات وباخد هدنة ومعرفتش أكتب.
قال ياسين:
- أنا مش هطلق يا فريدة.
قالت فريدة بغضب:
- هتخليني معاك لي؟ افهم بقى، إحنا خلاص مش لبعض... هتعيش مع واحدة مش عايزك، هو بالعافية.
نظر لها الجميع بشدة، ولتدرك هي ما قالته.
لم يجب قوله البتا.
نظرت إلى ياسين.
تقدم منها وتخطى أشرف الذي نظر إليه وقلق من فعله.
وقف أمامها مباشرة لينظر إليها نظرة طويلة لم تفهمها.
رفع يده.
نظرت له، لكن وجدته يمسك وجهها برفق تام.
تعجبت من هدوئه، فهي ظنت أنه سيغضب عليها كثيراً من كلامها.
قبل رأسها بحسرة شديدة.
تفاجأت من فعله، وكان الجميع ينظر إليه.
ليبتعد قليلاً وينظر إليها بعينيه الخالية، ليفجر هذا الصمت بقنبلته الموقوتة ويقول:
- انتي طالق.
تصل الجملة في مسامعهم جميعاً.
نظرت فريدة له بشدة، بعد عنها وكأنه كان يودعها.
ليلفت وهو يذهب.
صاحت فريدة وهي تقول:
- بكرهك يا ياسين.
توقف ليتردف بصوت أجش:
- ندمانة إني عرفتك.
شعر بالحزن لتسهيل دمعة صامتة من شدة قهره.
نظر أمامه وذهب دون أن ينطق ببند كلمة أخرى أو يلتفت وينظر إليها حتى.
نظرت له بعدما ذهب، وكان الغضب ممتلكها.
ذهبت بضيق شديد لتختفي عن ناظري الجميع.
دمعت عينيها بحزن وغضب وضيق.
كانت مشاعر مختلطة تتأجج في غضبه.
دخلت الأوضة لتسيل دموع من عينيها.
ارتمت على السرير وهي تبكي بحزن شديد، ولا تزال الجملة تتردد بأذنها.
- بكرهك ياسين... بكرهك.
لقد طلقها، انتهى الأمر إلى هنا بعد حبهما.
كل ذلك قد انتهى في لحظة.
كان إيهاب عينه معلقة على غرفة فريدة.
تنهد أشرف وجلس بضيق من ما حدث.
ذهب إيهاب.
نظرت له سلوى.
قالت:
- إيهاب.
- رايح فين؟
- هشوف فريدة.
- يفضل تسيبها دلوقتي.
سكت، بس كان مضايق من اللي حصل.
وهل ممكن أن تكون حزينة على طلاقها؟
لم يستمع إلى والدته وراح يشوفها.
طرق ع الباب.
دخل شافها قاعدة وكانت تمسح وجهها.
- فريدة.
لفت نظر إليها، لم تكن تظهر دمعة واحدة، لكن عينيها يبدو عليها الدمع.
- انتي كويسة؟
ردت بلا مبالاة:
- أفضل.
تعجب كثيراً.
لتردف:
- فكرت في اللي قولته لك.
لم يفهم، لكن نظرت له وعرف ما ترمق إليه.
***
رجع ياسين إلى بيته والحزن متتلأ وجه.
مشي.
قالت الخادمة:
- ياسين بيه، نحط الغداء؟
- لا... مش عايز حد يدخل علي.
نظر إليه وهو يتوجه لغرفة فريدة.
دخل وأقفل الباب عليه.
تعجب.
وكان واقف في غرفتها يخطو بقدماه.
لا تزال رائحتها تملأ الغرفة، رائحة العطر الزهوري الذي تفوح منها.
سمع صوت صريخ داخل رأسه لمشهد لها وهي تركض إليه وتمطى على ظهره.
"ياسين... ف... ف فاار... ورا الستارة."
حين اكتشف أنه لم يكن سوى طائر صغير قد علق.
"أهدأ، ده هو اللي خايف منك."
لتخفض عينيها بحرج من نفسها ولم تنطق.
ليبتسم عليها.
رفعت عينيها ونظرت إلى ابتسامته، فبادلته البسمة الرقيقة التي كان يعشق رؤيتها.
شعر ياسين بغصة قوية في حلقه من التذكر وحرقة في عينه تهلك أوتار بصره.
"تعرف إن بحس إن بابا لسا موجود وأنت معايا."
"لما بتقولي كده بحس إني كبير في مقام والدك."
"في حنانه مش في السن، اهتمامك بيا وإنك بتحاول ترضيني ده كفيل يحسسني بالأمان اللي كنت حاسة بيه في وجود بابا... كنت مدلعة زيادة، حتى صحابي كانوا بيضايقوا من تصرفاتي شوية، بس ده كان بسبب دلع بابا."
"خدت بالي."
"كنت مدلعة؟"
أومأ وهو يقول:
"شويه."
نظرت له وقالت وهي تحسن الأمر:
"وانت كمان هدلعني زيه كده واهتمامك ميقلش بعد الجواز زي بقيت الرجالة... وإلا..."
رفع حاجبه باستنكار:
"إلا إيه؟"
قالت ببساطة:
"هرفض طلبك مني للجواز."
"ده على أساس إننا مش متجوزين؟"
"امم، لا مفيش حاجة تثبت ده."
اقترب منها وقال:
"بس أنا أقدر أثبتلك."
نظرت له بشدة من مغزى كلامه الجريء، لتحمر وجنتيها بخجل شديد وتذم بشفتيها وتقول بضيق وحرج:
"مكنتش أعرف إنك قليل الأدب."
رد عليها بهدوء:
"هتتأكدي بعد الجواز."
صاحت وهي تنكزه:
"يااااااسين."
ابتسم عليها.
فكان يجب رؤيتها خجلة وجهها محمر ولا تستطيع النظر إليه.
يحب رؤية حيائها كثيراً ومضايقتها، ليرى أنه لم يحب سوى طفلة.
لحد اليوم، أنه تأكد أنه أحب طفلة غير مسؤولة لا تدري أي شيء عن ماهية العلاقة وقوتها.
فلقد أنهت حبهم في لحظة غضب دون أن تعطيه فرصة.
لتستمتع له، وهو الذي أفنى سنين بجانبها، يستمع إليها فقط.
"أنا عايزة أطلق، مش عايزك. هتخليني أعيش معاك بالعافية، هو إجبار، متفهم بقى، انتهينا."
جمع قبضته بضيق شديد وهو يتذكر كلامها.
لقد تحكم في غضبه، لكنه متضايق منها كثيراً.
لقد مست رجولته وتحمل لأنها متضايقة منه، لكن لم يستطع أن يرفض ما تقوله وأن يجعلها على عاتقه وهي لا تريده.
فذلك كان سيقلل من نفسه، ليس إلا.
لهذا أنها كل شيء كما تريد هي.
- انتي اللي نهيتينا يا فريدة.
دمعت عينه ليخفض رأسه ويقول بصوت مبحوح وقهر:
- الشخص الوحيد اللي قدر يفهم معنى اللي جوايا هو والدك، وهو بنفسه اللي نصحني متكلمش.
***
F- كل ده حصل معاك هنا؟
نظر إلي يعقوب الذي قالها وهو يجلس بجانب ياسين الذي لا يزال لديه ضمادة ملتفة حول رأسه أثر الحادث.
- انت الوحيد اللي قدرت أتكلم معاه وأحكيله... ممكن لأن أول مرة أحس نفسي تايه أوي وحاسس بنار تدمرها وتدمرني معاها...
نظر إلى يده وقال:
- حاسس بالعجز.
- وأول ما سمحوا لك تخرج جيت ع مصر... زي عادتك ملجأك الهروب من أي مشكلة بتحصلك.
- بس دي مشكلة... دي خيانة.
لو كنت مشيت خوفاً عليها، أنا مش عايز أعمل حاجة أندم عليها وأحس بالذنب.
- الذنب الحقيقي هو نفسك يا ياسين، اللي هي فيه بسببك.
أنت ذنبها.
سكت.
نظر يعقوب إليه ومن حالته الذي لأول مرة يرى ياسين فيها شخص تمتلأ عينه بالغضب ونيران قلبه الذي تريد الانتقام، وبين شخص قليل الحيلة يشعر بما تعانيه ويشفق عليها ولا يريد أن يؤذيها أكثر مما تعرضت له.
كان يعقوب يعلم ما يحول في بال ياسين.
ابتسم بهدوء قال:
- انت مش عايز تأذيها، مش كده؟
نظر له من ما قاله:
- لحد الآن لا، ممكن لأن جوايا حاجات كتير مانعاني.
أولهم إني عايزها ترجع عشان أعرف كل حاجة.
- تفتكر لو عرفت ده هيكون في صالحك؟
انت مبين شخص بيقولك إنها مخنتكش، وده لأنك حبيتها، وشخص بيقولك إنك اتخانت، والغضب عاميه، وده ياسين اللي أنت بتحاول تمنعه.
سكت رأسه من كثرة التفكير الذي كان خطأ عليه.
قال:
- كل حاجة ضدي، مبقتش عارف أعمل إيه... ممكن العيب مني.
- لو هتتحمل أخطاء غيرك، يبقى هتتعب في الدنيا دي كتير.
الشخص الناقص ده بيبقى من عنده، مش عيب في غيره خلاه يعمل كده.
شعر ياسين بالحزن.
فلماذا إذا؟
لماذا تخونه وهو كان يعطيها كل شيء؟
- طلقتها؟
- لسا... الطلاق هناك بيقولوا هيسألوا عن سبب الانفصال وأهلها.
- مش عايز تذكر السبب.
سكت ياسين، فهو لا يريد أن يبعدها عن والدها أيضاً أو ينفرها منه.
مد يعقوب يده بزجاجة مياه لياخذها منه.
- متقولش لحد.
نظر له ياسين من ما قاله:
- كفاية اللي حصلها... في النهاية ربنا مبيسبش حق حد.
واديك شايف خسارة النفس بتهلك البنأدم.
ومتفتحش الموضوع مع أي حد كان، سواء كان حاضر أو ماضي، فهو انتهى وركز في حياتك الجاية.
الدنيا موقفتش.
كان يحفزه ويديه دعماً.
قال:
- أنت شايف كده؟
- مش ده نفس تفكيرك؟
وكأنه كان يعلم أن هذا كلام ياسين أيضاً، فقاله تأكيداً له أنه صحيح ولم يخطأ.
ربت على كتفه الهزيل أثر التعب البادي عليه.
***
B
كان يعقوب لم يكن سوى تحريك ذهني لياسين الذي سار على منهجه.
فكان قريب لمكانه والده.
وهو بنفسه الذي أخبره أن الماضي لن يفعل شيئاً سوى تدمير حاضره.
لذلك فلا داعي من فتحه.
بالفعل ياسين التزم صمته المهيم طوال سنواته الذي كان يصارع داخله.
لكن لم يأتِ يوم ويبوح لأحد عن شيء وفضل الصمت.
لمن لم يعلم أن هذا سيأتي بخراب لحياته أيضاً.
وكأن في الحالتين مقدر له أن لا تكون حياته مستقرة يوماً.
"انت كداب وخاين... مش انت ياسين اللي رسمتهولي... كنت بتستغفلني وتروحلها وتقولي شغل... عايزني أداوي جرحك من مراتك الأولى اللي هي تبقى ضرتي... مش أنا ياسين، أنا مبقتش عايزك وكفاية لحد هنا... علاقتنا كانت غلط من الأول."
سالت دمعة من عينه من تذكر كل كلامها.
كأنها انتهزت فرصة لتتركه كالذي يبحث لحجة لشخص ولم يجد.
فرأى كثرة حبه خطأ ليتركه.
- حبك كان ضعيف أوي كده.
"بكرهك يا ياسين... سمعتني، بكرهك... وندمانة إني عرفتك."
لتخور قواه عند تذكر ما قالته له.
أنها الآن نادمة عليه.
لماذا؟
ماذا فعل حتى تنهيه هكذا؟
لم يكن يريد غيرها.
وكانت تعلم وتثق بحبه الشديد لها.
لذلك أرادت إخضاعه.
استغلت حبه وأنه لحد الآن غير حزين منها.
لماذا استغلتي ضعفي يا فريدة؟
تثقين بحبي وإني لن أتخلى عنك، فتخليتي أنتِ.
فقط كنت أسعى للبقاء معك.
ما لي لا أرى سوى نفسي غارقاً في خيبات قلبي وذكريات تركتيها لي.
أنتِ.
***
في اليوم التالي، على السفرة كانت تجلس سلوى مع أشرف ع الغداء.
جه إيهاب وجلس.
قال:
- فين فريدة؟
نظروا إليه.
قالت سلوى:
- دخلت عليها لقيتها نايمة، محبتش أصحّيها.
قال أشرف:
- بس دي مأكلتش من امبارح... كده يحصلها حاجة.
قالت سلوى:
- أول ما تصحى هبعتلها الأكل.
كانت سهرانة امبارح ومنمتش.
أومأ بتفهم.
قالت سلوى:
- ياسين مكلمش.
نظر لها إيهاب من ذكر اسمه.
قال أشرف:
- هيكلمني إيه؟ هو مش خلاص؟
- يعني إيه؟ مش هتعمل حاجة؟
- هعمل إيه يا سوي؟ هي مش كانت عايزة تطلق؟ أهو طلقها من غير ما أنا أكلمه حتى.
- ممكن لحظة غضب ويرجعها.
قال إيهاب:
- فريدة مش لعبة عشان يطلقها وقت ما هو عايز ويرجعها تاني.
لي؟ معندهاش كرامة؟
نظر له والده من كلامه.
قال:
- وانت عايز إيه يا إيهاب؟ تتجوزها مثلاً؟
- أه.
نظروا إليه بشدة.
قال:
- إيه؟ قلت حاجة غلط؟ أنا بحب فريدة من زمان وعايزها، وهو اللي خدها مني.
- محدش خدها، هي اللي حبته.
- ودلوقتي حبهم خلص، ومعدش فيه ياسين.
- وهي بقا عايزة إياك زي ما أنت عايزها؟
- فريدة هي اللي قايلالي، وأنا موافق.
نظرت له سلوى بشدة.
قالت:
- قالتلك إيه؟
قال أشرف:
- إمتى؟
قال إيهاب:
- امبارح.
- قدر لسا بتحبه؟ فاكر هتنساه بالسهولة دي؟ انت اللي هتتأذى مش هي.
بتستخدمك عشان هو؟ تفتكر قالتلك كده يومها لي؟ لأنه كان موجود.
- وامبارح مكنش موجود... فريدة ليا ومش هتكون لغيري، وأنا عارف أرجعها إزاي.
نظر له أشرف من إصرار ابنه وما يحول في عقله.
قالت سلوى:
- أنا مش موافقة ع جوازك منها.
هي نفس البنت اللي اتخليت عنك يا إيهاب، أنا مش عايزك تنكسر تاني.
- وأنا كنت نسيت الأولاني.
أنا لحد النهارده بحبها ومش فارق معايا حاجة غير أنها تبقى معايا.
- بس اديك استقريت، هترجع للهم ده تاني؟ مش كنا خلصنا؟
- أنا قلت اللي عندي، لو عايزين تقفوا لابنك في جوازه بجد.
وكأنه أبداً أمام الأمر.
قالت سلوى:
- ما تتكلم يا أشرف.
كان صامتاً.
نظر له إيهاب، وهل ممكن أن يمنعه؟
قال:
- بابا، بعد إذنك.
- انت حر.
نظرت له سلوى بشدة.
ليردف:
- بس أنت اللي هتتحمل نتيجة اختيارك.
أومأ له بتفهم ومشي، وكأنه غير مبالي.
قالت سلوى:
- انت هتسيبه يتجوزها؟
- مش انتي شايفة ابنك؟ فكرك لو اعترضت مش هيعمل اللي في دماغه؟
منتي عرفاه.
لو كان عندي اعتراض ع جوازهم، فهي ع الطريقة والنتيجة بعدين.
بس فريدة مفيهاش حاجة تعيبها، دي بنت أخويا.
- بس عيلة، واللي حصل أثبت إن تفكيرها متسرع لما خلت ياسين يطلقها.
مش بعيد تكون بتستغل ابني عشانه.
- سيبها ع ربنا يا سلوى.
سكتت بقله حيلة وكانت قلقة.
***
كانت داليا بتتكلم في التليفون.
- ماتت؟!!
قالت ذلك بصدمة.
- انت متأكد من اللي بتقوله؟ روحت واتأكدت من المستشفى... تمام.
قفلت الهاتف وهي في دهشة.
قالت:
- دارين ماتت.
تفتكر ياسين وفريدة وما حدث بينهم.
معقول لهذا السبب إذا كان زواجهم قد فشل بسبب ذلك الخبر.
- هي فريدة مكنتش تعرف إنه متجوز؟!!!
كانت عايزة تكلم ياسين وزعلانة عليه، فبطبع فيه هموم الدنيا الآن.
لكن تعلم أنه لن يرحب بوجودها وسييراها تتطفل عليه.
لكنها حزينة عليه بالفعل، وحزينة على فريدة.
أنهما الاثنان قد تأخذهم الحياة لمجرى الغرباء.
- أستاذة داليا.
كانت مساعدتها تقاطع شرودها.
- نعم.
- مستنين حضرتك عشان يبدأوا البرنامج.
أومأت لها وذهبت معها.
***
الشركة.
دخل ياسين متوجهاً لمكتبه.
نظر له موظفينه، فهو كان سيأتي بعد شهر على الأقل.
نظر إليهم قال بحده:
- كل واحد ع شغله.
التفت جميعهم بخوف.
رآه ميرال وأنور.
تفاجؤوا، فليس من عادة ياسين أن يغضب في الصباح هكذا.
قال أنور:
- ياسين ماله؟
قالت ميرال:
- مش عارفة، هروح أشوفه.
شكله ميطمنش.
مشيت.
نظر لها أنور.
دخلت ميرال لمكتب ياسين، وكان يقلب في ملف ويقول:
- الملف ده مترجعش لي لحد دلوقتي.
حطه على جنب بضيق.
نظرت له وإلى انفعالاته.
قالت:
- هرجعه بنفسي.
قربت ونظرت إليه وملامحه.
قالت:
- ياسين... مالك؟
نظر إليها من سؤالها ونظراتها إليه المليئة باهتمام.
امتثل البرود.
وقال:
- مفيش.
قربت منه وبصتله.
قالت:
- فيه...
نظر إليها لتردف:
- أول مرة أشوفك مضايق كده.
لم يرد عليها.
قالت باستدراك:
- فريدة مش كده؟ روحت لها ولا لسا؟
حين تذكر ياسين البارحة، خارت قواه.
- ياسين... اتصالحته؟ فهمت الحقيقة ولا لسا؟
- طلقتها.
اتسعت عيناها بصدمة.
ورأت حزنه الظاهر في عينه، لاول مرة لا يستطيع ياسين في كبحه.
- مأدتنيش فرصة أفهمها.
شعر بغصة في حلقه، وكانت ميرال لا تصدق ما تسمعه.
ألم يعد هناك فريدة بعد الآن؟
هل طلقها؟
نظرت إليه وشعرت بالحزن عليه.
قالت:
- زعلان؟
مسكت أيده واردفت:
- ده قدر، ومحدش عارف إيه اللي مستخبي.
- أنا اللي وصلنا لهنا.
- كان مفروض تسمعك.
هي اتسرعت لما حكمت عليك.
نظر إليها وهي تمسك بيده وتحاول تهدأته.
قال:
- مسافرتيش لي؟
- مش هاين عليا أسيبك لوحدك.
صمت قليلاً من ما قالته واهتمامها به الذي لطالما كانت هكذا تفضله من بين الجميع وتقف بجانبه.
مثلما كان في المشفى وفتح عينه وجدها هي الباقية بجانبه.
- شكراً يا ميرال.
وكأنه ممتن لها على كل ما فعلته معه.
ابتسمت له.
قالت:
- ع إيه؟
كان أنور واقفاً عند الباب ومجمع قبضته وهو ينظر إليهم من ميرال الذي تمسك يد ياسين وقريبه منه ومن نظراتها إليه.
ابتعدت.
وقالت:
- أعملك قهوة معايا؟
- مش عايز.
- هعملك أنا، عارفة نوع قهوتك المفضلة.
قالت ده بحزم وهي تخرج وتتركه.
تنهد ياسين ليبدأ في عمله، لكن تذكر فريدة.
"هقعد معاك بس متطردنيش زي المرة اللي فاتت."
"لسه زعلانة؟"
"مش هفتكر اللي فات لأنك كنت غريب."
"ودلوقتي؟"
"بقيت أغرب... بس غرابتك دي أحلى من عموضك اللي بيخوف."
"ممكن لأن دلوقتي مش غريب... أنا بقيت قادر أتنفس برجودك."
"عايزاك كده طول الوقت."
كانت ذكرياته تحرقه من الداخل، وكأن نيران اجتمعت وتأمرت على حرقه.
أنها لا تسعى من مغادرة رأسه حتى العمل لا يستطيع أن يديره بسببها.
مسك رأسه بضيق، يشعر بأنه السبب فيما هو عليه.
يشعر بالعجز والغضب منها، لكن وبرغم ذلك... لا يزال يحبها ويشتاق لها كثيراً.
كانت ميرال تعمل القهوة إلى ياسين وهي تريد أن تنال إعجابه.
- فرحانة.
نظرت إلى الصوت، وكان أنور الواقف عند الباب وينظر إليها.
قالت:
- أنور... انت هنا من إمتى؟
- من وانتي بتعمليله القهوة بدقة عشان تعجبها.
استغربت من لهجته.
قالت:
- مالك؟ انت كويس؟
- أنا كويس، بس بسألك انتي إذا كنتي كويسة ولا أفضل عن أي يوم.
كانت تقلب بالملعقة.
قالت:
- هبقى أفضل لي؟ عادي يعني.
- عشان طلقها، مثلًا.
توقفت عن التقليب حين قال ذلك.
نظرت له.
قالت:
- عرفت منين؟
- سمعته وهو بيقول.
أومأت بتفهم.
قالت:
- اممم، زعلت عشانهم.
- زعلتي بجد.
استغربت كثيراً ونظرت له من نظراته الموجه نحوها.
ارتبكت وقالت:
- قصدك إيه؟
- فكرك إن ياسين نسيها بين يوم وليلة... بالعكس، هيفضل فاكرها حتى لو مرجعوش، لأنه حبها بجد... زيك كده يا ميرال.
- زي إيه؟
قرب منها وقال:
- متعلقة بيه أوي ومش قادرة تمشي حياتك اللي وقفتيها عليه من ١٠ سنين.
أفادت نظراته الذي تتقربها، وكأن أمرها قد كشف.
قالت:
- مش عارفة انت بتتكلم عن إيه.
- انتي أكتر واحدة عارفة كل حاجة ماشية إزاي، بس بتعملي عبيطة...
نظرت له ليردف:
- الحكاية مخلصتش، مدام لسا بيحبوا بعض.
نظرت له بشدة.
قال:
- ياسين بيحبها، وده سبب عصبيته دلوقتي... هتعرف تخلصه من حبها؟
- طلقها.
استغربت من إلى قالته.
كملت:
- معدش فيه فريدة، وهي اللي اختارت ده.
معناه مجرد وقت وهينساها.
- ومنسيس دارين ليه؟ وقف حياته عشانها.
- منسيبهاش من الجرح اللي عملتهوله، بس اتخلص من حبها.
- وفريدة معملتش حاجة، بالعكس عملت اللي تخليه يفتكر بيها، وهي إنها رجعت ياسين وخلصته من ماضيه.
ياسين لو بقى سوي نفسياً مع نفسه، فده بسببها وعيشته معاها.
- اديك قلت، خليته سوي، قادر ينسي ويعالج نفسه بنفسه، معدش محتاج حد... معاناته هيفتكرني كذكرى ويشزف حياته.
نظر لها من ردودها عليه.
قال:
- انتي فرحانة بجد فيهم؟
نظرت له حين قال ذلك.
- أنا لا فرحانة ولا مضايقة، مش عارفة انت بتقول كده لي... أنا بس بفكر في ياسين، هو اللي يهمني.
- ومفكرتيش في نفسك لي قبله؟
لم تفهم ما يقوله.
قالت:
- أفكر في نفسي إزاي؟
- عيبك إنك بتفكرى فيه... والدليل إنك خدتي كلامي كله على ياسين ومخدتهوش عليكي، وإلى أنا قصده.
توترت.
خدت الفنجان.
قالت:
- مالك يا أنور، انهارده عمال تقول كلام فلسفي زيادة.
قرب منها قبل أن تذهب.
نظرت له.
تقدم منها، عادت للخلف.
مسك أيدها.
قال:
- لي؟
تعجبت لتجده يقبض على يدها بقوة.
نظرت له، فهي لأول مرة ترى تلك النظرة الباهتة من أنور وعينه الحادة تلك.
قرب منها أكثر حتى لم يعد هناك ما يفصلهم سوى بضع بوصات.
اقترب من شفتاها.
نظرت له ميرال.
قالت:
- أنور.
لكنه لم يتوقف.
شعرت بشفتاه، وكان على وشك تقبيلها.
لكنه همس من بينهم وهو يقول:
- تعبتي أنور معاكي ياميرال... اتعذب كتير أوي، ولسه هيتعذب أكتر الفترة الجاية.
نظرت له.
ليرفع أعينه إليها:
- فريدة بعدت، فياسين قلبه معاها، مش هيتخطاها يالسهولة دي... متتوهميش نفسك.
قال ذلك وبعد عنها ومشي.
نظرت له من كلامها حتى اختفى عن عينيها.
وكانت تشعر بالضيق والحزن.
مسكت ذراعها بقله حيلة وهي تجز على شفتاها وتقول بصوت أجش:
- مش بإيدي.
لتسيل دمعة من عينها وهي تعلم أن ما يقوله صحيح.
أنها وقعت في حب معتم.
وقعت في خطيئة ستؤدي لهلاكها، وهي استسلمت لذلك.
***
في اليوم التالي، كانت فريدة جالسة تنظر في الفراغ بتفكير مما أصبحت عليه.
طرق الباب.
سمحت له بالدخول.
دخل إيهاب.
نظر إليها.
قال:
- فريدة، انتي ماشية؟
- اه.
- لي؟
- عايزة أبقى لوحدي ومش عايزة أتقل على حد.
- بابا قالك حاجة زعلتك؟
- لا.
هو رافض خروجي من هنا لوحدي، أنا اللي عايزة ده.
وقف لتذهب.
نظرت له.
قالت:
- انت كنت عايز إيه؟
- حضري نفسك بليق.
قالت بعدم فهم:
- لي؟
- هنروح عند المأذون.
نظرت إليه واردف:
- هكتب عليكي.
نظرت له بشدة ولم تستطع الرد، وكأن الكلام علق في حلقها.
نظر لها إيهاب من تعبيراتها.
قال:
- قلتي إنك عايزة نتجوز، مش كده؟ وأنا موافق.
- أيوه ب... بس... انهارده... بسرعة دي؟
- أه...
- ولا انتي معترضة؟
- لا يا إيهاب.
- يبقى مفيش مشكلة.
مشي.
أوقفته وقالت ببرجلة في كلامها:
- بس ليه الاستعجال؟ إحنا مورناش حاجة... لسا من يومين كنت...
قاطعها وهو يقول:
- لو انتي عايزاني بجد يا فريدة.
نظر لها بطرف عينه.
وقال بجدية:
- تبقى مراتي، يلا... قولتي إيه؟
***
كان ياسين خارج رايح لشغله، وكان هيركب العربية.
وقف لما شاف داليا واقفة عند عربيتها وتنظر له وكأنها كانت منتظرة رؤيته.
تعجب كثيراً من رؤيتها.
ن
رواية زهرة الاشواك الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور
أنور قدم استقالته.
أنصدم كل من ياسين وميرال.
نظرت له بشده، قالت: "بتقول إيه؟ أنور استقال؟"
قال ياسين: "إمتى؟"
"انهارده قدم استقالته ومشي."
"مكتبش سبب الاستقالة إيه؟"
"لأ."
شعر ياسين بضيق من فعل أنور ذاك، قال: "إزاي مدير تنفيذي يستقيل وميكتبش سبب؟"
"والله يا مستر ياسين كنت لسه هسأله بس مشي ومكنش مهتم."
تنهد وقال: "تمام، امشي انت."
أومأ له وذهب.
قالت ميرال: "أكيد بيعمل مقلب فينا زي عوايده."
مسك تلفونه ليتصل عليه، قال: "أنور مش يوم أما بهزر يستقيل... مشي إمبارح إمتى؟"
"مشي بدري مكملش نص اليوم، كنت عايزة أقولك بس نسيت."
نظر لها.
سمع صوت من مكالمته.
نظرت ميرال إليه.
قفل تلفونه بضيق، قالت: "إيه؟ مردش؟"
"تلفونه مقفول."
"مقفول... ممكن يكون نايم."
لم يكن ياسين يشعر بالارتياح، لذلك أخذ جاكته وهاتفه وذهب متوجهاً إلى منزله. كيف يستقيل؟ إنه يترك أنور كثيرًا عليه ويثق به لأنه صديقه ولم يتركه يومًا ومتمسك بعمله، كيف هكذا يستقيل؟
وصل ياسين وأصبح أمام منزله.
نزل لكن توقف حين رأى الباب يفتح ويخرج أنور.
واستعجب كثيراً حين رأى حقيبة بيده.
توقف أنور حين رأى ياسين.
وجوده هنا نظر له ياسين.
اقترب منه، قال: "انت هتنقل؟" "بتعمل إيه هنا؟"
تعجب ياسين من سؤاله، قال: "أنا اللي أسألك بتعمل إيه... انت استقلت؟"
"آه."
تفاجأ من رده البارد ذاك، قال: "ليه؟!"
قفل الباب وسحب حقيبته، قال: "مش عايز أكمل في الشغل."
"لو تعبان ممكن تاخد إجازة بس تستقيل كده مرة واحدة، انت عارف إني محتاجك."
"عشان كده استقلت."
نظر له بشدة مما قاله، قال: "عشاني... انت مضايق مني في حاجة؟"
كان أنور ينظر له ويتذكره البارحة مع ميرال ونظراتها إليه ويشعر بالغيظ.
بينما كان ياسين ينتظر كلامه لكنه لم يتحدث وذهب وهو يتخطاه.
نظر له ياسين، قال: "انت رايح فين؟"
"مسافر."
انصدم من ما يقوله، قال: "مسافر؟!!!!"
توجه لسيارته.
مسكه ياسين بقوة وقال بغضب: "ما تقف بقى وكلمني... إيه اللي انت بتقوله ده؟ أنا مش فاهم حاجة."
"ولا هتفهم يا ياسين، وده أفضل لينا."
نظر له باستغراب شديد، قال: "أفضل إزاي؟ وانت مسافر فين؟"
"مش لازم تعرف."
"يعني إيه... أمال هنشوفك إزاي؟"
"يعني أنا مسافر عشان أبعد، مش عايز حد يعرف مكاني، وإلا مكنتش هبعد وأسيب كل حاجة."
نظر له بشدة بأنه لا يريد رؤيتهم ولا البقاء معهم، أنه يغادر ولا يسعى للتواصل معهم أو أن يأتوا إليه حتى.
ذهب وهو يضع حقيبته في السيارة.
"هترجع إمتى؟"
صمت أنور قليلاً من سؤاله.
لم يفهم ياسين الصمت.
"مش راجع تاني."
لينصدم ياسين.
حمل أنور شنطته وقفل.
قال ياسين: "مش راجع؟"
لم يرد عليه أنور وذهب.
تصدى له ياسين، قال: "ما تتكلم، هتفضل ساكت كتير؟ اللي حصل... مش هنشوفك تاني؟"
"محصلش حاجة."
"يعني فاجأة كده تستقيل وتسافر؟"
"أي غريبة، ولا ضمنت وجودي؟"
استغرب ياسين من لهجته، ليردف: "كل واحد ليه طاقة، وأنا طاقتي خلصت... معدتش حامل اللي أنا فيه."
كان ياسين ينظر إلى صديقه ولا يستوعب كلامه ولا نبرته الذي لن يعتادها يومًا.
"في إيه يا أنور؟ فهمني إيه اللي بيحصل؟ تقلت عليك في الشغل؟ مضايق مني في حاجة؟"
"مفيش حاجة، أنا اللي اكتفيت ومش عايز أكمل... لحد هنا وكفاية، محتاج أرتاح من كل حاجة."
صمت ياسين وهو ينظر إليه.
فتح أنور الباب، نظر إلى ياسين نظرة مطولة.
لأول مرة يشعر بها ياسين، كأنه اللقاء الأخير ويودعه.
"خلي بالك من ميرال."
ثاني شخص يوصيه عليه.
الأول كانت دارين، وها هو صديقه الثاني.
ركب العربية.
نظر في المرآة ليرى ياسين خلفه.
دمعت عينه وهو يريد وداعاً أكثر من ذلك.
نظر أمامه ببرود تام وذهب.
غادر وتركه واقفاً يطالعه حتى اختفى من عينيه.
الحزن في قلبه وعقله لا يستوعب شيئًا، فقط يشعر بخسارة صديق غالٍ عليه.
خسارة كبيرة كخسارة فريدة.
وكان كل من حوله يتخلى عنه.
أنه يعود ثانيًا إلى الوراء.
يعود إلى حيث حقيقته وهي أنه وحيد في هذه الدنيا.
وحيد تمامًا وكل من حوله فان.
"ليه يا أنور... انت كمان... ليه؟"
جاءت سيارة وكانت لميرال.
نزلت ونظرت إلى ياسين.
قربت منه، قالت: "ياسين، واقف هنا ليه؟ أنور مش جوه؟"
كانت تقصد منزله.
لم يرد عليها، فيعلم أنها ستحزن كثيرًا.
نظرت إلى المنزل، قالت: "لسه مرنتش؟"
راحت أوقفتها ياسين، وقال: "مشي."
"مشي راح فين؟"
"سافر."
تفاجأت كثيراً، قالت: "سافر؟ ليه... وفين؟"
"معرفش."
"فجأة كده مقالناش ليه حتى وازاي يمشي من غير ما أشوفه... مطار إيه؟"
"أنا معرفش سافر فين أصلًا يا ميرال."
"إزاي؟"
قال بانفعال وضيق: "معرفش، مقاليش حاجة، مشي من غير ما يفهمني في إيه غير كده."
"هيرجع إمتى؟ مقالش كمان؟"
سكت.
فهل يخبزها أنه أخبره أنه لن يعود مجددًا؟ لن يراهم ولن يتقابلا؟
مسح وجهه بضيق، وقال: "أنور قطع علاقته أول ما مشي... قالي إنه مش عايز حد يتواصل معاه وعايز يبقى لوحده، ده اللي فهمته منه."
قالت بصدمة: "انت بتهزر يا ياسين صح؟ أنا هكلمه، هيرد عليا أكيد."
مسكت تلفونها ورنت عليه وهي على أمل أن يرد، وقلبها ينبض أن يكون ياسين يقول الحقيقة.
لكن سمعت صوت: "الرقم الذي طلبته غير موجود في الخدمة، يرجى..."
انصدمت ونظرت إلى ياسين بشدة، قالت: "غير رقمه؟"
نظر لها.
رن هو الآخر ليجدها محقة.
شعر بالضيق من تصرف صديقه.
قالت ميرال: "ممكن يكون في حاجة، مش معقول ميرجعش تاني."
تنهد، وقال: "يلا يا ميرال."
نظرت له وهو يركب سيارته ليغادر.
معقول لن يعودوا الثلاثي كما كان؟ لقد افترق صديقهم وها هم أصبحوا اثنان.
بل كان بمثابة أخ لديه.
كان حزين ويتمنى أن يكون مجرد هراء لبعض الوقت، وحين يصفّي ذهنه يعود.
يتمنى ذلك بشدة.
لكن ما كان يقلقه أن كلامه كان أكثر جدية لم يعتاده من أنور. "مش راجع تاني."
لقد رحل.
دون وداع كافٍ، حتى لو لم يكن أتى لرؤيته لما عرف أنه قد غادر البلاد.
لماذا... لماذا تخلى عنه صديقه؟ وكل هذا الضيق منه.
ماذا قد فعل ليغضبه؟
"ياسين."
نظر إليها ميرال وهي تفيقه.
وكانا أمام الشركة.
قالت: "مش هتنزل؟"
"جاي."
أومأت له ونزلت قبله ودخلت.
نظر لها وتذكر توصيته عليها الذي لم يفهمها.
***
في المنزل نزلت يارا لقت داليا قاعدة لوحدها.
قربت منها وقعدت جنبها، قالت: "بتفكري في إيه؟"
"انتي لسه بتتواصلي مع فريدة؟"
"آه، ليه؟"
"تقدري تكلميها تشوفيها عاملة إيه وتعرفي إذا كانت مضايقة ولا لأ من كلامها."
"هشوفلك حالتها عشان ياسين يعني."
تنهدت داليا.
قالت يارا: "تمام."
مرنت يارا على فريدة وهي تنتظر ردها، لكن طال الاتصال ولم تجد ردًا.
تعجبت، رنت ثانيًا، لكن الحال واحد.
قالت: "مبتردش."
"انتي كمان؟"
"انتي رنتي عليها؟"
"أيوه... كنت هخلص البرنامج وأروح لها بس نسيت إني معرفش هي قاعدة فين."
"رميت عليها مرديتش."
"تصدقي ولا أنا؟"
"تلاقيها عند أهلها."
صمتت، فهي تعلم أن أهلها ليسوا بجيدين لتبقى عندهم.
قالت يارا: "تعرفي أوقات بكون عايزة أسألها هي ليه كانت عايشة مع ياسين أصلًا أو اتعرفوا على بعض إزاي؟ كأنها ملهاش غيره، حتى كان هو اللي بيمشي لها كل حاجة في الجامعة كأنه ولي أمرها."
"ياسين كده فعلًا."
"إزاي هي مش ليها أهل؟"
صمتت، فهي تعلم أن ياسين كافٍ بالبقية.
قالت: "هو مش كان جوزها؟ هتحتاج لحد غيره؟"
نظرت لها يارا، وقالت: "قصدك إيه بـ 'كان'؟"
صمتت داليا.
قالت يارا: "هما مش هيكملوا؟"
"هترجع... ياسين هيرجعها."
"بس فريدة بتعند قوي بصراحة يعني، ربنا يكون في عونه."
"لو انتي في مكانها هتعملي إيه؟"
ابتسمت وقالت: "أنا معرفش المشكلة أصلًا، بس لو قولتيلي هقولك."
تنهدت، وقالت: "روحي نامي يا يارا."
نظرت لها، وقفت وذهبت.
لم تبالي يارا بالأمر كثيرًا.
***
مر ثلاث أسابيع من ذلك رحيل أنور، ولم يكن قد حدث أحد.
لا ميرال ولا ياسين.
وكان ياسين على أمل أن يتصل به صديقه ولا حتى برسالة يخبره أنه قد وصل، لكن لا شيء من هذا.
في إحدى الليالي مثل أي ليلة قد مرت عليه بالبطيء.
كان ياسين جالس في الشركة وكان الجميع قد غادر وهو الباقي.
فكان كثير الجلوس في عمله ليشغل أوقاته، فأصبح لا يحب العودة لمنزله بعدما لم تكن فيه من كانت تنيره.
كان يعود فقط باكرًا لأجلها للبقاء معها وكَي لا تحزن منه، لكنها لم تعد موجودة.
اشتاق لتذمرها ومجادلتها مرارًا، وهي تقبع داخل أحضانه وتبتسم ابتسامة رقيقة.
ابتسم لتذكرها، لتتحول ابتسامته بابتسامة مريرة مليئة بالحنين ويشعر بغصة داخله.
"وحشتيني."
قال ذلك بشوق شديد ويشعر بألم في روحه.
أراح ظهره للخلف، فهو بالفعل يعمل كثيرًا، لكنها لا تغادر من رأسه.
يحبها ولم يتوقف عن ذلك حتى من يوم طلاقهم، بعدما أخبرته بندمها على معرفته وأنها لا تريده، شككت كونه رجلاً أمامهم وأنها ستحيل أمرهم للقضايا إن لم يعتقها وكأنه ذنب تريد التخلص منه.
ليس حزينًا منها أنه متضايق من أفعالها، لكن يحبها ويتعهد بإعادتها، فهو لم ينساها.
***
في اليوم التالي كانت يارا تسير مع تسنيم في النادي وتتحدث معها.
قالت: "عايزة أعمل السكراب، أهملت بشرتي الفترة اللي فاتت."
لكن تسنيم كانت في عالم آخر.
نظر لها يارا، قالت: "تسنيم."
صاحت بها وهي تهزها: "تسنيممممم."
اتخذت تسنيم من صوتها، وقالت: "إيه؟"
"أنا عماله أكلمك وانتي مش معايا."
"لأ، سامعاكي."
"طب أنا كنت بقول إيه؟"
لم ترد عليها، قالت: "معلش يا يارا."
نظرت لها من لهجته، فهي لاول مرة تعتذر لها، بل عادتاً يتشاجرون.
قالت: "بتفكري في إيه؟"
نظرت لها من معرفتها، قالت: "عرفتي منين؟"
"من ساعة ما انتي اتعجبتي بيه وبقيتي غريبة بسببه."
"لأ، الموضوع مش كده."
"متخليهوش يفقدك الثقة بنفسك. لو مش شايفك غيره عايزك... افتكري كلامي ده."
"بس أنا معجبة بيه قوي يا يارا... صداقتنا قوية، ساعات بحسه بيقادلني وبيعملني بلطف بس كأن في حاجة منعاه."
"ممكن هو لطيف معاكي لأنكم صحاب مش أكتر يا تسنيم، وهو اتعودك كصديقه وبقيتوا قريبين من بعض."
"ليه أنا بس اللي حبيته؟"
"وهو محسّسك منه حاجة؟"
نفيت لها بخيبة، قالت: "قلتلك متعمد يخفي، حتى بيلمح لي في الكلام إن صداقتنا قوية وبيحب وجودي وفي نفس الوقت مش عايزها تنتهي... كأنه عارف بحقيقة مشاعري بس."
"بس بيستعبط."
"ايهاب مش كده."
"خلاص انتي أدرى... بس معرفتش بردو اللي مخليكي مهمومة كده."
"فريدة."
نظرت لها، كملت: "كل شوية أفتكر اللي قالته يوم الفرح لإيهاب قدامنا."
افتكرت يارا وعرفت أنها تقصد عرضها لزواج.
قالت: "زي... دي أكتر حاجة علقت معايا يومها. تعرفي إن لو واحد تاني غير ياسين كان اتعصب لأنها مراته وعايزة تتجوز غيره..."
"ياسين كده فعلًا. يارا مش وقت فزلكة وتحليل مواقف. ياسين متفتح وانتي مشوفتيش فريدة كانت عاملة إزاي."
"صح، مفهمتش بردو إيه مشكلتك انتي؟"
"ليه اختارت إيهاب اللي تقوله كده؟ كان قدامها أنور مثلًا."
"أنور صاحب ياسين، بطلي ذكاء. أكيد هيحرجها وهي عارفة صداقتهم قوية قد إيه."
"وليه واثقة من إيهاب؟"
"ممكن لأنه ابن عمها... انتي خايفة من الكلام ولا إيه؟"
سكتت.
ابتسمت يارا، وقالت: "خايفة الكراش يتجوز... يا بنتِ اعترفي، وشك فاضحك."
"محدش يقدر يتكلم معاكي جد."
"انتي اللي مكبرة الموضوع... كانت كلمة اتقالت في ساعة غضب. فريدة متعملش كده."
"انتي شايفة كده؟"
"أيوه يا بنتي، انتي قلقانة ليه؟"
شعرت بارتياح، فهي خشيت بالفعل أن يحدث ذلك، لكن صديقتها لن تفعلها.
قالت: "تعالي نروح لها نشوفها."
"تعرفي هي قاعدة فين؟"
"عند عمها والد إيهاب."
"وهو قاعد معاها؟"
"معرفش... ممكن ده اللي كان موترني، بس يلا نشوفها بالمرة."
قالت بشك: "نشوفها هي ولا هو؟"
"إيهاب في شغله، أنا رايحة عشان فريدة."
"تمام، مصدقاكي. استني أغير ونروح سوا."
"تمام."
***
دخلت ميرال الشركة.
سألت أحد الموظفين: "مستر ياسين جه؟"
"لأ."
أومأت لها وذهبت.
كانت رايحة مكتبها بس، وقفت وتوجهت لمكتبه ياسين.
دخلت ملقتوش موجود.
نظرت إلى الغرفة، راحت عند مكتبه ونظرت إلى الأوراق والملفات المفتوحة وتخيلته جالسًا لوهلة.
نبض قلبها وهي تتذكره.
"ميرال."
نظرت لصوت، وكان ياسين.
اتفتحت لما لقيته موجود وكان خرج من الحمام مبلل وجهه ويرفع أكمام قميصه.
قالت: "أنا كنت جايه أشوفك."
نظر إليها وهي واقفة عند مكتبه.
قالت: "انت هنا من امتى؟ سألتهم قالولي إنك لسه مجتش؟"
قرب وهو يأخذ مناديل وهو يجفف وجهه ويقول: "ممشيتش."
"انت هنا من امبارح؟"
نظرت له وإلى عروق يده.
ليومئ لها إيجابًا.
وكانت مركزة معه.
قال: "بعتلك CV على الإيميل، ترجميه وابعتيهولي."
"حاضر، هفتح وأشوفه."
راح وجلس.
قالت: "المكتب مش متظبط، باين إنك كنت شغال الليل كله."
قربت منه.
نظر لها وهي تنظر في عينه وتقول: "انت منمتش من امبارح..."
ابتعد عنها، وقال: "مجاليش نوم مش أكتر."
"التعب ظاهر عليك... مش ملاحظ إنك بقيت تهلك نفسك في الشغل بزيادة؟"
"أنا كويس، تقدري تجيبلي اللي قولتك عليه؟"
"حاضر."
مشيت وسابته.
تنهد هو بالفعل عقله شبه غائب.
فهو غسل وجهه من الأرق.
نظر في الساعة وإلى هاتفه.
مسكه وأقام مكالمة.
"في حاجة يا ياسين؟"
"فريدة عاملة إيه؟"
"آه الحمد لله أحسن."
صمت ياسين قليلاً.
تنهد، فهو أخذ قرار بالفعل.
قال: "عايز أشوفها."
قطع في كلامه، وقال: "تشوفها؟"
لم يفهم ياسين.
قال: "آه... بتهيألي هديت عن الأول، أقدر أكلمها."
قال بتوتر: "بس..."
"بس إيه؟ هي مش قاعدة معاك؟"
"لأ، مشيت إمبارح."
"مشيت راحت فين؟"
"عند إيهاب."
انصدم، وقال: "عند مين؟ وهي بتعمل إيه عنده؟"
"ماهي بقت مراته..."
توقف الزمن عند تلك اللحظة قبل أن يكمل موضحًا: "فريدة وإيهاب اتجوزوا امبارح."
لينزل هذا الخبر عليه كصاعقة تشق قلبه لنصفين.
قالت: "اتجوزت؟"
لم يكن يصدق الجملة.
هل تحالفوا ضده؟ إنها لا تفعل ذلك؟ هل أصبحت لغيره؟
معقول؟
قال: "انت بتقول إيه؟ إزاي؟"
"اللي حصل."
قفل والغضب يملأ عينه.
دخلت ميرال في ذلك الوقت.
نظرت إلى ياسين، قالت: "ياسين، الميتنج..."
لكنه لم يرد عليها، كان كالبركان.
قال: "اتجوزت."
نظرت له من همسه، قالت: "إيه؟"
دفع المكتب بقوة ليتكسر.
انفزعت من فعله.
نظرت له بشدة والغضب الذي احتله.
"ليه... إزاي ده يحصل؟"
وأضرب على المنضدة بقوة لتتهشم ويدخل الزجاج في يده.
انصدمت وهي ترى الدماء تسيل من يده الذي جرحت.
قربت منه، قالت بقلق شديد: "يااااسين... ايدك... ايدك بتنزف... لازم نروح المستشفى يشوفهالك..."
سحب يده بقوة ومشي.
قالت: "ياسين رايح فين؟"
"رايحله... هدمره."
نظرت له بخوف من كلماته وإلى أين يذهب وهو غاضب هكذا.
***
كانت سلوى قاعدة.
سمعت صوت الجرس.
أخبرت الخادمة أن تفتح، لكنها لم تسمع.
تنهدت وذهبت.
وحين فتحت الباب تفاجأت حين رأت تسنيم ويارا.
ابتسمت تسنيم، وقالت: "إزيك يا طنط؟"
بادلتها البسمة بترحاب، وقالت: "إزيك يا تسنيم يا بنتي؟ ادخلوا."
ادخلوا ونظروا حولهم لذلك السكون في البيت.
"اعقدوا... تشربوا إيه؟"
"لأ، مش عايزين نتعب حضرتك."
"دي أول مرة تيجي هنا مفيش تعب."
قالت لها سلوى، فكانت تحب تسنيم وترى بها فتاة طيبة جميلة.
قالت يارا: "أما فريدة فين؟"
وتبدلت ملامح سلوى.
قالت تسنيم: "هي مش قاعدة هنا؟"
لم تتحدث.
تعجبوا منها، حتى قالت: "هي مقالتلكوش؟"
"قالت لنا إيه؟"
"عن جوازها."
قالت تسنيم بدهشة: "فريدة اتجوزت ياسين؟ إمتى؟"
"مش ياسين."
قالت باستغراب: "أما مين؟"
نظرت لها لم تفهم نظرتها، لكن شعرت بغصة ما تخنقها من ما تفكر فيه.
قالت: "ا... إيهاب؟"
أومأت لها إيجابًا، لينصدم الاثنان من ذلك الخبر.
دمعت عينها وتحاول إمساك نفسها.
نظرت لها يارا، قلقت، وقالت: "تمام، شكراً نيجي في وقت تاني."
مسكت تسنيم لتحاول أن تقويها، قالت: "يلا يا تسنيم."
مشيت معها.
نظرت لها سلوى بحزن بعدما غادروا.
قالت: "غشيم يا إيهاب... تسنيم بنت جميلة، ليه محاولتش تشوفها مرة... البنت بتحبك، وجعت قلبي."
كانت تحبها وتتمناها لابنتها وتريده أن يراها، لكنه كان يستكبر ويتجاهل حبها بإرادته.
وها قد خسرها وكسر قلبها.
جلست وهي متضايقة وحزينة عليها.
***
كان أشرف في عمله واقف ومتوتر.
انفتح الباب بقوة.
نظر ليرى ياسين أمامه يشبه الوحش الثائر والغضب مملأ عينه.
"ياسين."
تقدم منه، وقال: "انت إزاي متقوليش حاجة زي دي في وقتها؟"
كان ذلك أشرف الذي حدثه ياسين، فكان يتواصل معه لمعرفة أخبار فريدة والاطمئنان عليها.
مسكه، وقال بغضب: "أنا مش كنت بكلمك وبسألك عنها، ولما أكون عايز أشوفها تقول لي رافضة؟"
"دي الحقيقة والله، هي كانت رافضة أي حاجة عنك... ثم انت طلقتها وهما الاتنين اتجوزوا، فين الغلط؟"
"كان لازم أعرف، مش تيجي تقول لي النهارده كنت فين إمبارح وهما بيتجوزوا... أنا كنت بسألك عنها لأنني مستني الوقت المناسب اللي هكلمها فيه تاني."
"ولو كنت اتكلمت معاها وكلامكم ملوش لازمة ومش هترجع وهتتحجز بردو... كنت هتقف جوزهم مثلًا؟"
قال بحنق: "كنت هرجعها."
"وانت كنت هترجعها تاني من بعد كلامها يومها؟"
قال ببرود شديد: "ده ميخصكش، دي حاجة بيني وبينها... انت خوفت على ابنك، خوفت تجيب لي سيرته."
"فريدة كانت موافقة، أنا مغصبتش حد."
نظر له وتوقف لوهلة، كأنه يواجه بالحقيقة.
معقول أنها من أرادت ذلك؟
"كل حاجة كانت بإرادتها..."
نظر أشرف إلى ياسين الذي قد شرد، ليقول: "نفترض إنك كنت هتحاول ترجعها، شايف إنها قابلة رجوع..."
نظر له من كلامه ذلك ليردف مؤكدًا: "أنا سألتها قبلها يا ياسين إذا كنت لسه في دماغها، بس هي قالت لي إنك انتهيت بالنسبة لها."
كانت الحقيقة قد فتكت بقلبه وتخور قواه.
"أنا كنت مجرد وصي في العقد، وروح اسألها ده لو ليك كلام معاها."
صمت فتاك.
الحقيقة.
لماذا الغضب؟ إنها بالفعل لا تريده، بل أرادت وتزوجت غيره.
هل نسي كلامها في ذلك اليوم؟ "أنا معدتش عايزة أك... هتجوز واحد بيحبني وأقدر أعيش معاه، والحد ده مش انت... إحنا انتهينا، افهم بقى."
جمع قبضته وهو يعتصرها، وقطرات الدماء تتساقط من يده المجروحة.
نظر له أشرف، تركه بضيق وذهب وهو شخص ميؤس.
نظر له أشرف وهو يذهب.
***
خرجت تسنيم وهي تكبح دموعها وتقول هامسة بانكسار: "ات جوز يا يارا... اللي كنت خايفة منه حصل."
نظرت لها وصمتت، فهي لم تتوقع ذلك، لكن يظل قلب الأنثى يقينها صحيح على من أحب.
لقد كانت تعلم حدوث ذلك لهذا كانت تخشاه، وهي التي ظنت أنها تبالغ، لكنها كانت محقة.
"قولتيلي إن مفيش حاجة من دي هتحصل وإنها هواجس مني أنا."
"م كنتش أعرف يا تسنيم، من امتى شفتيني مصدومة زيك."
"بس مش زي صدمتي."
قالت ذلك ببكاء.
تنهدت يارا، وقالت: "أهدي."
"لو هو كان مش شايف حبي، فريدة كانت شايفة اهتمامي بيه... ليه إيهاب بالذات؟"
بكت.
حزنت يارا، ضمتها لتعانقها تسنيم وتبكي.
"معلش."
"ليه يعملون فيا كده؟"
"متزعليش، هو ميستهلكيش والله. اللي تتجاهل حبك مش هيدهولك بعدين."
"أنا قلبي بيتحرق، مكنتش أعرف إني هتوجع كده منه... مكنتش أعرف إني بحبه لدرجة دي، أنا غبية، يا ريتني ما عرفته... يا ريتني ما عرفتهم."
مرت عليها بشفقة من ما حدث، وتتساءل إن كانت فريدة سعيدة الآن بعنادها ذلك إلى ما أدى قرارها لهلاك اثنين.
أولهم ياسين... وصديقتها... لما تلك الأنانية فقط لإرضاء غرورها؟
تتساءل هل ياسين عرف أم لا.
تتساءل بفضول شديد كيف هو الآن.
***
كانت ميرال تتصل على ياسين ومبيردش عليها.
"رد بقى يا ياسين."
كانت قلقة عليه.
تنهد بضيق، وهي كانت تنتظره لكنه لم يعود منذ أن غادر.
خدت شنطتها ومشيت.
***
في المنزل كان ياسين جالس بفرد منعزلاً خافض رأسه ومجمع يده بحالته المزرية.
سمع صوت خطوات كعب يقترب منه.
"ياسين."
وكانت ميرال التي أتت لرؤيته.
نظر إليها وهي تقف أمامه.
قال: "إيه اللي جابك؟"
نظرت إليه وإلى يده ووجدتها به ضمادة وأنه عالجها.
قالت: "ايدك عاملة إيه؟"
لم يرد عليها، وكأنه لو تحدث النهار جبل يسانده بصمته على الصمود.
رأت زجاجة ويسكي أمامه.
نظرت له، فهل هو شارب؟
قعدت جنبه، قالت: "توقعت إني ألاقيك في البار... بعد أما عرفت الخبر اللي انت عرفته وخلاك كده."
نظرت له، وأردفت: "بس ملقتكش هنا."
مسكت الزجاجة وتفاجأت حين وجدتها لا تزال كما هي، لم يأخذ منها.
نظرت له، إذا هو واعٍ؟
قالت: "حاططها قدامك ليه؟ عايز تشرب؟"
"مش قادر."
وكأنه يريد لكن لا يستطيع.
نظرت له: "كانت بتتضايق لما تلاقيني شارب، ودلوقتي عايز أشرب عشان أنساها."
"ومشربتش ليه؟"
"مش عايز ألجأ للحلول اللي بتدمرني... حتى بعد ما مشيت مش عارف أشرب كأني هلقاها بتعاتبني في هلاوسي."
"اللي حصل يا ياسين... مالك؟"
صمت قليلاً من تفتح جرحه، ليقول: "ات جوز..."
أردف بصوت مخنوق: "فريدة اتجوزت إيهاب... نهيتنا... كل حاجة انتهت."
"كنت عايز ترجع لها بعد اللي حصل؟"
"كان عندي أمل إنها تكون ليا وكل ده يتصلح، بس هي خدت الأمل، خدت كل حاجة."
نظرت له وتشعر وكأنه يكبح بكائه.
"ليه تعمل كده... عملت إيه لكل ده؟"
"ياسين."
قال بانفعال وحزن: "بتنتقم مني في إيه؟ ليه تحرمني منها؟ أنا مكنتش عايز غيرها... كنت مستعد أعمل أي حاجة عشانها، مستسلمتش، كنت هرجعها، مكنتش هسيبها. زعلانة مني وهحاول تاني، بس هي قضت على كل حاجة وقضت عليا."
شعرت بالحزن عليه.
عاد بظهره للخلف وهو يضع ذراعه على عينها التي تمتزج بالدموع.
"ليه ربنا بياخد مني كل حاجة بحبها... كأن مكتوب لي أعيش لوحدي دايماً... حتى أنور مشي... كل اللي جنبي بيمشي... أوقات أشوف نفسي غلط إني جيت الدنيا دي... أتعذب فيها وبس."
دمعت عيناها.
مسكت يده، وقالت: "متقولش كده... أنا معاك دايماً."
شالت ذراعه من على عينيها.
نظرت إلى وجهه المرهق، وقالت: "لو عايزني أكلمها، أروح لها وأقولها ترجع لك."
"انت كده بتقلل مني يا ميرال. أنا وفريدة انتهينا، هي اتجوزت وهتعيش حياتها."
"أنا عايزة أعمل أي حاجة أساعدك بيها... مشوفكش كده."
"أنا كويس... هبقى كويس، مجرد وقت زي العادة."
"حبي تقول إنك عايزها ترجع وحبي تقول انتهيتوا."
"شايف اتنين بعدوا قوي مفيش حاجة تقدر تجمعهم تاني... وفي نفس الوقت..."
نظرت له.
تنهد بألم، وقال: "بتمنى تبقى بخير معاه."
ابتسمت بمرارة.
وقالت: "حبيتها قوي كده... مش زعلان وهي مع غيرك؟"
"هكدب عليكِ لو قولت إني ممكن أرجع زي وأنا معاها... بس هي عالجتني، بشكرها على ده."
"طلعت بنفسك كويس، أفضل من اللي خسرها... ليه شايفة ندم في عينك وإنك مخبي الحقيقة؟"
لم يرد عليها.
بينما قال: "إحساسي بالذنب إني كنت السبب..."
نظرت له ومن حزنه، قال: "حاسس إني جرحتها وإني السبب الأول في اللي احنا وصلنا له."
ابتسمت.
نظرت له، وقالت: "لأ، وانت بتحس قوي يا ياسين."
استغرب كثيراً من نبرتها.
لتردف: "طب يا أخي، كنت حس باللي معايا الأول... أنا أتقنت دور الصداقة قوي كده."
كانت تتحدث بنبرة منكسرة يحلها، لكن ينظر إلى كلامها.
قال: "مش فاهم."
"وانت من امتى بتفهم؟ من امتى فهمت حبي ليك يا ياسين؟"
نظرت له بشدة من اعترافها ذلك، بعد أيده عنها.
نظرت له من فعله.
قال: "بتقولي إيه؟"
"أي مصدوم؟ ولا هتبعدني عنك لما لقيتني ببصلك بنظرة تانية؟ هتحاسبني عن حبي وأنا معرفش حبيتك إزاي ومش قادرة أتخلص منك."
لم يكن مصدقًا ما تقوله.
هل جادة حقًا في كلامها؟
"حسيت بالكل يا ياسين، حسيت بفريدة ووالدتك لسه بتحبها، ده حتى دارين حسيت بيها، بس أنا... أنا محسيتش بيا ليه؟"
دمعت عينها بعدما طفح الكيل من صمتها.
قالت: "كنت ببقى شفقة وعبرة للغير، وأنا وقفت حياتي لعشر سنين عشان أبقى معاك، وقفتها عليك. ده حتى أختي يا أخي حبيتها، تخيل تكون سبب إن حبيبتك تتجوز غيرك."
ابتسمت بينما دموعها تسيل، وكان ينظر لها.
"دارين يوم أما حبيتها أنا كنت بحترق إني كنت السبب في إنكم تتعرفوا على بعض... اتقيدت إني مقلش مشاعري بسببها، بحكم إنك بقيت جوز أختي، وغلط... غلط كبير أفكر فيك، بس أنا معرفتش أبطل حبك... معرفتش والله."
وضعت يدها على وجهها وبكت.
قالت: "معدتش قادرة أخبي، مش قادر أستحمل كلامك عنهم وأسمع لك وأتخنق زي كل مرة."
نظر لها وهي تبكي بحزن شديد.
تقول: "أنا مكنتش هحسسك بحاجة زي عادتي، بس بجد أنا مطقنة الدور قوي كده."
كانت تعلم أن ربما تكون هذه آخر محادثة بينهم.
تبكي بحزن من حبها وانكسارها وهي جالسة معه.
قرب ياسين منهم ويسمع صوت شهقاتها.
مسك يده من على وجهه وأبعدها، لتنظر له وتتلاقى بأعينهم الهادئة.
حزن من رؤية دموعها الكثيره، لاول مرة.
"أهدى."
"معقول محسيتش بحاجة ناحيتي خالص؟ ليه كلهم شافوا حبي ليك وانت اللي اتعميت عنها؟"
نظر إلى كلتا عينيها وكلامها المكسور.
كيف لهذا الحب الكثيرات الذي لم يراه وتغافل عنه.
"عمر حد حبك قدي يا ياسين، ولا واحدة استحملت تشوف حبيبها مع واحدة وهو مش شايفها... أنا استحملت قصاد إني أكون معاك، بس خلاص... معدتش قادرة."
قرب يده من وجهها، مسح دمعتها.
نبض قلبها ومسكت يده.
"متعيطيش."
دمعت عيناه، وكأنها لا تستطيع.
حضنته باشتقاق وحزن.
نظر لها ياسين، بادلها العناق.
نظر له، لم تصدق أنها داخل أحضانه الآن ويبادلها.
لم يبعدها، ربت عليها، قال: "أنا آسف."
نبض قلبها، مالت على صدره بارتخاء ودموعها لا تزال تسيل، لكن تبسمت بحزن وارتخاء.
***
في مكان آخر كانت فريدة في أوضة بمفردها جالسة وتنظر للفراغ.
فتح الباب ودخل إيهاب.
نظر إليها.
"صحيتي؟"
نظرت له، قالت: "آه، لسه صاحية."
قرب وقعد جنبها.
قال: "نمّتي كتير امبارح."
قالت بحرج: "كان بقالي كتير منمتش."
أومأ بتفهم، وقال: "كويس، أحسن دلوقتي... مش يلا ولا إيه؟"
نظرت له وتوترة من تذكر البارحة.
***
دخلت فريدة مع إيهاب المنزل بعدما عقدوا قرانهم وتزوجوا.
نظرت إلى الشقة.
قفل إيهاب الباب.
نظرت له.
تقدم منها، قال: "ادخلي غيري جوه."
"فين؟"
"على إيدك الشمال."
نظرت له، ذهبت إلى الغرفة.
قالت: "بس مش دي أوضتك؟"
دخل وهو يقول: "ماهي هتبقى أوضتك كمان يا فريدة... انتي مراتي."
أومأت بتفهم، فهي نسيت ذلك الأمر.
قعد جاكته.
نظرت له، توترت.
قالت: "انت هتغير هنا؟"
رفع حاجبه باستغراب، وقال: "ف حاجة؟"
"هخرج عقبال ما تخلص."
جت تمشي.
مسكها، وقال ببرود: "رايحة فين؟"
"استغربت من نبرته.
نظرت إلى يده التي تمسكها.
قالت: "إيهاب."
ترك يدها، وقال: "هغير في الأوضة التانية، خليكي."
مشي وساب الأوضة ليها.
نظر إليها بطرف عينيه من ملامحها العابسة.
نظر أمامه وذهب ليبدأ ملابسه.
وحين انتهى وعاد إليها، لقى الباب مقفول.
استغرب.
فتح، قال: "قافلة الباب ليه؟"
كانت لسا قاعدة زي ما هي ماسكة يدها وبتفرك.
نظرت له، قالت: "عادي."
"متقفلاهوش تاني، مبقاش فيه خصوصية بينا."
اقترب منها، قعد جنبها.
قال: "انتي مش هتغيري؟"
"ها... لأ."
"هتعقدي بالفستان كده يعني؟"
"أنا مستريحة عادي."
شعر بتوترها، قال: "متخافيش يا فريدة."
نظرت له، وهل شعر بها؟
مسك يدها، وقال: "عارف إنك متوترة، ده طبيعي."
"بجد؟"
ابتسم، وقال: "بجد... يلا قومي غيري."
قرب منها وحط إيده على ظهرها.
وقال: "لو عايزاني أساعدك، معنديش مشكلة."
ابتعدت عنه، قالت: "لأ، أنا عارفة... خلاص."
نظر لها، مشيت.
دخلت الحمام.
نظر إلى يده المعلقة في الهواء.
خرجت تاني.
نظر لها، قالت: "نسيت هدومي."
خدت الهدوم ودخلت سريعا.
وحين أقفلت الباب، سندت ظهرها عليه، وكان صدرها يعلو ويهبط، وكأنها تفر من المكان الذي يكون موجود فيه حتى لا تعلم تخرج كيف.
راحت عند المراية ونظرت إلى نفسها.
خفضت رأسها وهي تجمع قبضتها بتماسك.
لتسيل دمعة من عينها.
"هكمل إزاي؟"
رفعت عينيها وهي تتنهد.
فها هي أصبحت لغيره في النهاية.
كتب لها أن تكون مع إيهاب.
كان إيهاب قاعد على السرير بيقلب في تلفونه، فلقد طالت فريدة بالداخل.
نظر إلى الحمام.
"فريدة... هتباتي جوه؟"
قام وراح خبط عليها.
"فريدة."
فتحت الباب وخرجت.
نظر إليها، قالت: "آسفة."
نظر إلى ملابسها.
قال: "إيه اللي انتي لبستيه ده؟"
فكانت ترتدي ملابس عادية وكأنها ليست عروس.
بل لم ترتدي بيجامة حتى.
قالت: "إيه؟"
"انت شايف إن ده عادي يعني... ملبستيش من اللبس اللي جبته ليه؟"
"أنا مش واخده على اللبس ده يا إيهاب."
مشيت وسابته.
نظر لها باستغراب، قال: "محنا جبناه عشان تلبسيه تاخديه عليه."
"مرة تانية، أنا مستريحة كده، مش ده اللي يهمك."
"آه، ده اللي يهمني."
نظرت له.
اقترب منها، اتوترت.
جت تمشي، مسكها.
وقال ببرود: "رايحة فين؟"
"هشرب، عطشانة."
"المية على الكمود، مش محتاجة تخرجي."
ارتبكت كثيراً.
وضع يده عند خصرها وقرب منها.
نظرت له، دق قلبها.
قالت: "إيهاب."
"اممم."
لمس عنقها، توترت.
وبعدت عنه، وقالت: "إيهاب."
نظر لها، قال: "ف إيه؟"
"أنا تعبانة."
"مالك؟"
قرب منها بقلق، وقال: "حاسة ب إيه؟ أجيب الدكتور."
نظرت له من اهتمامه، قالت: "لأ، أنا تمام، بس اليوم والأحداث لسا مش قادرة أستوعبها."
"وأنا كمان مش مصدق إنك بقيتي مراتي..."
بعد شعرها عن وشها وهو بيلمسها.
"عارف إنها جت بسرعة، بس كل ما بناجل بتحصل حاجة تبعدك عني."
قرب منها ونظر إلى شفتيها.
وقال: "بس اديكي معايا دلوقتي، كل حاجة هتبقى بخير."
شعرت بأنفاسه الساخنة.
بعدت وشها وهي تضع يدها عند صدره وتبعده، وتقول: "إيهاب، لو سمحت... مش دلوقتي."
نظر لها، وقال: "أما إمتى؟ انتي مراتي خلاص، اتجوزنا."
"معلش، اديني فرصة أستوعب اللي بيحصل."
تنهد، وقال: "تمام، مش هضغط عليكي."
"شكراً."
بعدت عنه.
نظر لها، خدت مخدة وتلفونها ومشيت.
نظر لها بشدة، خرج ليجدها تدخل إلى غرفة أخرى.
كانت هتقفل الباب، حط إيده بيمنعها.
وقال: "انتي بتعملي إيه؟"
"هنام هنا."
"ده ليه؟ أملا الأوضة دي إيه؟ أنا وافقت إن مش هيحصل حاجة النهارده، بس مش تسيبيني وتنامي في أوضة تانية يا فريدة."
"معلش يا إيهاب، النهاردة بس."
سكت، تنهد، وقال: "تمام، هسيبك ع راحتك."
مشي وهو يتركها.
رجع أوضته ودخل نام وهو يضع يده خلف رأسه.
فهل تلك الليلة التي تمناها معها؟
مسح وجهه بضيق.
جلست فريدة على السرير بعدما رحل، لتشعر أن التوتر ينزاح.
شربت ميه وهي تتنهد.
استقلت ونامت وهي عيناها مفتوحتان.
نامت على جنبها وهي تدثر نفسها في الغطاء.
"نامي أرجوكي."
كأنها ترغم نفسها على النوم لتخرج من واقعها ذاك.
في اليوم الثاني صحى إيهاب.
نظر في الغرفة.
راح يشوف فريدة، لقت لسا الباب مقفول.
كان هيخبط، بس افتكر أنها بقت مراته.
فتح عليها.
"فريدة."
لكن وجدها نايمة كما هي.
استغرب، ألا تزال نائمة؟
قرب منها، نظر إليها وهي نائمة هكذا، كان شعرها مبعثر والبرائة تملأها.
تلك هي التي أحبها، أصبحت له في النهاية.
قرب يده منها وازاح شعرها.
حسيت فريدة به، فتحت عينيها ونظرت له.
"فريدة."
ابتعدت سريعا، وقالت: "إيهاب، بتعمل إيه هنا؟"
نظر لها من سؤالها الغريب وابتعادها.
قال: "كنت عشان أشوفك صحيتي ولا لسا... بس شكلك لسا نايمة."
"آه، نمت متأخر."
"الساعة ٣؟!"
لم ترد عليه، وكانت مرهقة بالفعل.
"تمام يا فريدة، نامي."
نظرت له، خرج وتركها وهو متضايق من ذلك الوضع.
نظرت له بعدما ذهب.
***
"خوفت أخاف اشوفك. إقليكي لسا نايمة؟ قلقت عليكي من النوم ده."
كانت تريد أن تخبره أنها كانت تدعي النوم، فهي مستيقظة منذ الصباح.
قال: "مش يلا ولا إيه؟"
نظرت له، وقالت: "يلا إيه؟"
"ناكل... انتي فهمتي إيه؟"
"ها، لأ مفهمتش حاجة... انت لسا مأكلتش؟"
قرب منها، وقال: "استنيتك ناكل سوا."
ارتبكت.
قالت: "هحط لك أكل."
"أساس إنك بتعرفي تطبخي؟"
اتكسفت، وقالت: "كنت هخرج لك من التلاجة وأستخدم الميكرويف عادي."
"ملوش لازوم... أنا عملت حسابي وجبت عشا."
"أنا مش جعانة."
قالت ذلك بنفي.
قال: "مفيش حاجة اسمها مش جعانة، يلا يا فريدة."
مسك يدها، وقال: "عشاني."
نظرت له وصمتت، فهي أيضًا جائعة.
راحت المطبخ عشان تخرج الأكل.
كان إيهاب ينظر لها، لم تفهم نظراته، لكن كانت تتجاهلها.
فتحت الأكياس وتفاجأت، خرجت المعلبات المجهزة.
قالت بدهشة: "باستا."
خرجت البقية، وكان معه دجاج مقلي وأنواع أكلها المفضل.
ابتسمت، وقالت: "أنا جوعت."
"هغير وأجيلك."
أومأت له، مشي وتركها.
رجع جلس، وجلست فريدة مقابله.
نظر لها، وأنها كانت بإمكانها أن تجلس بجانبها، وكأنها لا تزال متقيدة بالحدود.
"فريدة."
"امم."
"قاعدة بعيد ليه؟"
نظر له حين لاحظ.
قالت: "لأ، عادي."
"طب تعالي اقعدي جنبي... محناش في مطعم."
سكتت.
قامت وقعدت جنبه بتردد، وتركت بينهم مسافة أيضًا.
نظر لها إيهاب، تنهد بقلة حيلة.
قرب منها، لكنها ابتعدت.
نظر لها من فعلها ذاك، قال: "ف إيه؟"
"لأ، أشغل التلفزيون."
جت تقوم، مسكها من وسطها وقربها منه.
اتسعت عيناها، قال: "الريموت معايا، اقعدي بقى."
نظرت له بتوتر من اقترابه.
ابتسمت رغما عنها، وهي تحاول أن تكون عادية.
نظر لها إيهاب من شكلها الذي يحبه.
كانت تلاحظ نظراته وتأكل ببطء من ارتباطها.
فهل لم تكن مرتاحة وهي قريبة منه هكذا؟
حاولت أن تكسر بعض من توترها، وتقول: "انت رفضت ليه نقعد عند عمو أشرف؟"
"كنتي عايزة تقعدي هناك؟"
"لأ، عادي يعني."
"رفضت عشان ده يبقى بيتك انتي... قرب منها وأردف: "ونبقى لوحدنا."
اتكسفت كثيراً.
نظر لها، وقال: "وانتي ليه رفضتي نعمل فرح؟"
كانت فريدة لم تريد زفاف أو حتى حفلة، بل أرادت أن تكون عقد قران فقط.
"عشان مش عايزة اللي حصل معايا يتكرر تاني... أسعد يوم لأي بنت بقى يوم مش عايزاه يتكرر، ولا يجي."
نظر لها من كلامها، وهو شاك أن فريدة لم تريد فهل حفل لأجل ياسين؟
جمع قبضته.
نظرت له فريدة، وقالت: "بعدين انت كنت مستعجل وحطتني قدام الأمر كده، أو أنا مش عايزة."
"عارف كل حاجة جت بسرعة، بس هتمشي صح..."
قرب منها وهو يضمها إليه، ويقول: "متقلقيش، مدام انتي معايا."
تجده يسير بانامله على رقبتها ويقترب من شفتيها.
بعدت سريعا، وقالت: "أنا مكنتش الشنطة دي."
نظر لها، ومن تهربها منه.
فتحت المعلبات وتوقفت لوهلة عندما رأت ثمبوثه.
صمتت وهي تعود للوراء.
"أنا مش قولتك كليها في وقت تاني."
"فين من وقت ما كلنا؟ قول إن انت مش عايزني آكل."
ابتسم عليها.
اقتربت منه وهي أشبه وتقول: "دوق، هتعجبك."
شالها وخلها تقف على رحلة لتصبح في مثل طوله ويأكل من يدها.
خفضت عينيها بخجل.
نظر إيهاب لها من ملامحه الذي تغير.
"ف إيه؟ مبتحبهاش؟"
استعادت رباط جأشها حين أفاقت، وقالت: "بحبها."
"اومال مالك؟"
"لأ، مفيش، افتكرت حاجة."
تنهدت وهي تشرب مياه باردة تبرد حريق قلبها ولتهدأ ضربات قلبها المضطربة.
"هحجز لنا نسافر شهر عسل في المكان اللي عايزاه."
نظرت له بشدة، وقالت: "شهر عسل؟"
"آه."
"لأ، ارفع حاجبه، وقال: "لأ، إيه؟"
"أقصد دراستي."
"مالها؟ لسا مبدأتش."
"بس..."
"مالك؟ مش عايزة تسافري؟"
"أنا مش جاهزة للسفر."
"ده هيقربنا من بعض."
"معلش، خليها بعدين."
قالت ذلك بتهرب.
حست بحاجة.
وكان إيهاب وقف وراها وبيحاوطها.
اتوترت كثيرا، جت تبعد، مسكها جامد مانعًا إياها.
اتوترت منه، قالت: "إيهاب."
قرب منها، وقال: "عايزك."
همس لها بنبرته الرجولية، قرب من رقبتها وقبلها.
نبض قلبها بقوة، قالت: "إيهاب."
لكن كان ضعيفاً.
حاولت تبعده، وهي خائفة.
اتسعت عيناها بألم حين شعرت بخوزة أيسر صدرها.
"آه."
هربت من بين يده، سمع إيهاب صوتها.
بعد عنها، شاف وشها غريب.
قال: "فريدة، انتي كويسة؟"
"مياه."
نظر لها، بعد خد الكويتيه وادهالها.
خدتها منه وشربت لتتنهد.
قال: "مالك؟"
"مفيش، قولت لك يا إيهاب مش دلوقتي."
"أنا لحقت أعمل حاجة؟"
اتكسفت.
خد الكوبايه منها، وقال: "تمام، مكنتش أعرف إنك ضعيفة كده."
"مش حكاية ضعف."
"أما... كسوف؟ مش معقول تكوني عرفاني من وإنتي صغيرة ومكسوفة مني يا فريدة، انتي مكنتيش كده، ف إيه؟"
ردت عليها.
"أنا شبعت."
نظر لها، مشيت.
مسكها، وقال: "رايحة فين؟"
"هنام."
"انتي لسا صاحية؟ بعدين مفيش نوم، هنام تاني."
"ليه إنشاء الله؟"
"لأنك مراتي، والمفروض تنامي معايا يا فريدة."
"قولت لك اديني وقتي."
"وأنا مش حد يا فريدة، أنا جوزك، مش واحد غريب."
شعرت وكأنه يرمق إلى ياسين.
قالت: "أنا تعبانة، تصبح على خير."
نظر لها، ذهبت وتركته وكأنها تتهرب منه.
بدأ بالتضايق.
مسح وجهه بضيق ويحاول أن يكون هادئًا.
في اليوم التالي صحى إيهاب.
خرج من أضته، سمع صوت.
نظر لقى فريدة قاعدة بتتفرج على التلفزيون.
"صباح الخير."
نظرت له، ردت عليه بتبادل.
قعد معاها، وقال: "صحيتي بدري يعني؟"
"لأ، أنا منمتش أصلًا."
نظر لها باستغراب، وقال: "إزاي؟ أمال قولتي تعبانة وعايزة أنام ليه؟"
"معرفتش أنام، صحيت الفجر أتفرج على التلفزيون."
"يعني قاعدة من امبارح؟"
"آه."
تثائبت، وقالت: "هدخل أنام، تصبح على خير."
نظر لها بشدة، ولسا هتقوم.
شدها لتعود لجلستها، ويقترب منها.
نظرت له، قالت: "إيهاب."
"بتحاولي تعملي إيه يا فريدة؟ بتتهربي مني."
"عايزة أنام، مش أكتر."
"وهو النوم مبيحلاش غير لما أعقد معاكي، مكنتي تصحيني بليل ولا استنيتي لما أنام؟"
"عادي يعني، مرديتش أضايقك."
"أفعالك هي اللي بتضايقني... انتي مش عايزاني أقرب لك؟"
ارتبكت، وقالت: "مفيش حاجة من اللي انت بتقول عليها."
"اثبتيلي."
نظرت له، وقالت: "إيه؟"
"يلا تعالي ندخل وننام زي أي اتنين طبيعين لما بيتجوزوا."
اتكسفت كثيراً.
قالت: "نتكلم بعدين."
ولسا هتقوم.
مسكها، وباسها.
نظرت له بشدة، وزقته بعيد عنها، وقالت: "إيهاب، مبحبش التصرفات دي."
نظر إليها، وقال بضيق: "يووه بقى، لحد امتى... فريدة، أنا راجل، لما مش هاخد حقي من مراتي هاخده من مين؟"
"معرفش، بس مش كده."
مسكها، وقال: "أما إزاي؟"
ضغط على معصمها.
أتلمت، وقالت: "إيهاب، سيب إيدي."
"أنا عايزك يا فريدة."
نظرت له بشدة.
قرب منها، وقال: "افهمي."
فاتت يدها، وقالت: "أنا مش عايزة، متفهم بقى، مش بالعافية."
"يعني إيه مش عايزة؟ أمال متجوزين ليه؟"
"اعتبرها كده."
لسا هتمشي.
وقف قدامها، وقال: "وأنا عايز حقي."
نظرت له بشدة.
زقها، وقعت على الكنبة.
نظرت له بخوف، وقالت: "إيهاب، بتعمل إيه؟"
لسا هتقوم، قرب منها ومال عليها.
قال بغضب: "إيهاب، ابعد."
قرب من عنقها وقبلها، وهي بتحاول تبعد.
مسك التيشيرت من عليها وخلعه.
لتخاف كثيراً.
قرب منها، وقالت: "ابعد، بتعمل إيه... انت اتجننت؟"
"انتِ اللي اضطرتيني يا فريدة."
قرب منها، وقالت: "لأ... متعملش كده... ابعد بقى."
لكنه لا يستمع إليها، سوى أنه يريد إرضاء غروره وكسر شكه بما يشعر به، وإن يهدأ من نار انتقامه لقلبه.
كان يلمسها وهي تحاول أن تبعده.
قالت: "أنا مش بنت."
توقف عندما قالت ذلك.
ابتعد عنها ونظر لها بشدة، وقال: "قولتي إيه؟"
"زي ما سمعت."
نظر لها بصدمة، وقال: "كداب."
مسكها، وقال: "انتي بتكذبي صح..."
لم ترد عليها.
قال: "إزاي تعملي كده؟ ليه؟ أدبتي اللي عايزاه."
"كان جوزي، مكنتش هسيبه يروح لغيري."
قال بغضب وحزن: "كان المفروض تبقى ليا... أنا اللي آخدك مش هو... ليه عملتي كده؟"
سكتت قليلاً، وهذا الصمت يقتله.
قالت: "كان لازم تعرف، وبعدين قرر إذا كنت لسه عايزني أو لأ."
قال بغضب شديد: "ده اللي انتي عايزاه... أسيبك مش كده؟"
نظر لها، وأيده وجعتها.
قالت: "إيهاب."
نظر إليها وهي تتألم منه، وقال: "تعرفي إنني لأول مرة أحس إني مش طايقك."
نظرت له.
سابها بضيق وذهب.
شعرت بالارتياح وأنه لم يمسها.
سمعت صوت قفل الباب بقوة.
عرفت أنه خرج وترك المنزل.
لهامسة.
امسكت يدها الذي اشتد عليها.
فلما ترى تلك القسوة من قبل، تذكرت ما كان سيفعله بها.
شعرت بالحزن على نفسها، وقالت: "إزاي وصلتي لهنا؟"
دخلت الحمام وغسلت وشها وهي قلقة من الشيء الذي أباحت به له.
جلست في المنزل وحدها.
ولم يعوض إيهاب مجددًا طوال اليوم.
كانت قلقة، وفي ذات الوقت مطمئنة.
دخلت نامت.
في الليل رجع إيهاب، قفل الباب ومشي.
وكانت خطواته غير متزنة.
نظر إلى غرفة فريدة.
توجه إليها.
كانت نائمة بهدوء.
حست بحد يمشي يده على جسمها.
فتحت عينيها على الفور ونظرت إلى إيهاب الذي كان قريب منها.
انتفضت، وقالت: "إيهاب."
"حد يخاف من جوزه بردون."
نظرت له بقلق، وقالت: "انت كويس؟"
"ابقى نفسك السؤال ده."
بصّله بعدم فهم.
قرب منها وهي يميل عليها، وأعينه تأكل جسدها.
ليردف: "عشان هتمم جوازي منك."
زهرة الأشواك
البارت ٢٢
تفااااااااااااااااااعل❤️، الدعاء لاخوتنا ف فلسطين🇵🇸
•
رواية زهرة الاشواك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور
كانت نايمة بهدوء.
حست بحد بيمشي إيده على جسمها.
انتفضت وقالت:
- انت بتعمل إيه؟
- إيهاب.
- حد يخاف من جوزه؟
- برود.
نظرت له بقلق من شكله.
- انت كويس؟
- اسألي نفسك السؤال ده.
أردف ونظراته تأكلها:
- عشان هتمم جوازي منك.
نظرت له بصدمة. قرب منها.
مشيت لكنه ركعها إلى السرير بقوة وأصبح فوقها.
قالت:
- إيهاب متعملش كده عشان خاطري.
- لي؟ حرام عليا وحلال ليه؟
نظرت له من عينه وكأنه غائب لا يدرك ما يفعله.
- إنت شارب إيه؟
- يهمك فحاحه؟ متخافيش أنا فايق أوي وهروقك خالص.
- اخرس ابعد.
- محدش هيسمعك ومهما تصرخي هاخد اللي أنا عايزه.
انقض عليها يقبلها لكنها أبعدت وجهها بضيق، قبل رقبتها.
حاولت تزقه.
- ابعد.
مسك ملابسه وهو يخلعها من عليها.
صرخت:
- لا.. سيبني أرجوك.. فوق بقى.
أصبحت ببلوزة قط وزراعها مكشوفان. دمعت عينها بخوف شديد وهي يقترب منها ويلمسها. وبتحاول تزقه لكنه يشتد عليها.
ضربته برجليها من الأسفل. ابتعد عنها بتألم.
جريت على برا وسابته الأوضة كلها. تبعها وقال بغضب:
- فرررريد.
دخلت أوضة وقفلت الباب بسرعة في وشه. ضرب الباب وقال:
- افتحي.
- ابعد يا إيهاب انت مش في وعيك.
- افتحي بقولك.
- سبني أرجوك.
ضرب الباب بقوة وكأنه لا يأبى سماعها. شعرت بالخوف فهو محكم عقله بالفعل وأنه سيأخذ منها ما يريده فقط.
نظرت في الغرفة. شافت تلفون. راحت سريعا. مسكته وكتبت رقمه تحفظه جيدًا ورنت وهي تنظر للباب بخوف.
رجع ياسين إلى منزله متوجهًا إلى غرفته. فك أزرار أكمام قميصه لتبديل ملابسه.
طرق الباب.
- ياسين بيه، نحط العشاء؟
- لا... مش عايز إزعاج وأنا نايم.
- حاضر.
أومأ له بالطاعة وذهب. جلس على السرير وهو يمدد بأرق. ليقاطعه رنين الهاتف. تنهد بضيق فهو نسي أن يغلقه.
كان الرنين مستمر. أخرجه وجده رقم غريب. رد عليه.
- ياسين.
اتسعت عيناه لسماع ذلك الصوت الذي غاب عن أذنيه.
- فريدة.
- ياسين ساعدني.
قلق من نبرتها الذي لأول مرة يسمعها وكانت تنهج بتقطيع وخوف.
- في إيه؟
- إيهاب... إيهاب اتجنن وبيحاول يكسر باب...
ولم تكمل جملتها حين ضرب الباب بقوة أفزعها.
شعرت بالخوف الشديد.
- الحقني أرجوك.
- أهدى، انتي فين؟
- في البيت.
قفل الهاتف وأخذ جاكته وذهب سريعًا. نزل نظر له الحراس.
- خد مفتاح العربية.
- ياسين بيه.
لم يرد على أحد منهم. ركب العربية وذهب سريعًا. نظروا إليه وهو يغادر. تعجب.
وكانت تمسك بالهاتف بقوة وكأنها تطمأن منه. فكانت تعلم أن ياسين هو الشخص الذي يستطيع مساعدتها بعد كل ما حدث. تعتمد عليه وأنه واقف بجانبها لأنها وصية من والدها. لن يتنازل عنها. لذلك اتصلت به تعلم أنه سيساعدها.
سالت دمعة من عينها.
انفتح الباب بقوة لتهتز الجدران. وقع التلفون من إيدها بخوف. نظرت إليه فهو يتطوح. لكن برغم ذلك قد كسر الباب لشدة دفعه وكأنه شرب كثيرا للحد الذي يكاد يقتل أحدًا.
- هتروحي مني فين؟
رجعت لورا بخوف.
- عايز إيه؟
- ما قولتلك عايزك.
- وأنا مش عيزاك.. افهم بقى.
جت تجري. مسكها من شعرها. صرخت بوجع.
- سيبني انت اتجننت اكيد.
- اه اتجننت ويلا بقى.
- مش هاخد حاجة مش عايزها سمعتني.. لو عملت كده تبقى مش راجل.
وهنا، صفعه على وجهها.
كان ياسين يقود السيارة. في يد أخرى هاتفه وبيرن عليها من الرقم اللي اتصلت بيه بس مكنتش بترد. كان ينظر إلى الطريق ليسمع صوت تصادم داخل رأسه. تعتصر عينه بضيق وقال:
- لا مش وقته.
كان يحاول التركيز على القيادة الذي يشعر أنه تنساها. ليجد دماء تتناثر على الزجاج وتلطخه معها. فتوقف بسيارته على الفور قبل أن يعمل حادثًا. وصدره يعلو ويهبط. ليجد أن لا شيء وأنها هواجس داخل عقله. نظر حوله كان بمفرده. كان واقف في منتصف الطريق والجميع لا يستطيع التحرك بسببه. "ياسين" فاق على صوتها في مخيلته وتذكر نبرتها وهي تستغيث به. نظر إلى يده وهاتفه الذي يرن عليها ولا تجيبه. نظر أمامه وهي يمنع ذاكرته قدر الإمكان وذهب.
تألمت منها وسالت دموع من عينها. مسك وشها وقال:
- مش بمزاجك.. كان قبل أما نتجوز فكراني المغفل الأول.. أنا هاخدك زي ما خدتك منه هاخد اللي خده ولو بالعافية.
نظرت له بصدمة. قرب منها وقال:
- فكراني دايب فيكي. أنا فعلاً بحبك بس كسرتي فيكي كبيرة أوي. واللي هيحصلك شوية من اللي عملتيه فيا.. انتقام وبحقق فيكي مش من حبي.
شدها أكتر من شعرها. وجعها كثيرا وعيطت وهي خايفة.
- لما أنا اتجوزتك عشان آخدك وانتي مدليش ده هاخده غصب عنك.. خليكي حلوة واسمعي الكلام.
- انت إزاي كده.. انت مش إيهاب مستحيل.
- أنا مش المغفل سمعتيني. مش أنا.
قربها منه وهو يحاول التقرب منها وتصرخ به:
- ابعد سيبني.. حرام عليك.
قرب من السرير ودفعها وهو ينام فوقها ويثبتها. وتحاول أن تبعده بكل قوتها لتخلص من لمساته. شعرت بوخزة أيسر صدرها لتغمض عيناها بضيق. فهذا ليس وقت ضعف. تنهدت بألم شديد وتتوقف. ليستغل ضعفها ويقترب منها ولم تكن تبعده. كانت تشعر بقلبها وهو ينكزها بقوة. تشعر بأن أوصال جسدها تتوقف وتحاول استعادت طبيعتها.
وصل ياسين إلى البيت. نزل على الفور وذهب ليرن الجرس ويقرع الباب بقلق.
كان إيهاب يقترب من فريدة التي ارتخت من بين يداه. لكن لا تزال تحاول أبعاده رغم ضعفها.
سمع صوت الجرس يقرع بقوة فتوقف للحظة ونظر للخلف. من ممكن أن يكون قد أتى الآن.
استغلت انشغاله. زقته بسرعة وجرت ليغضب كثيرا ويتبعه.
راحت فريدة عند الباب وفتحت سريعا لتجد ياسين واقفًا أمامها. نظر إليها وهي تنهج وكأنها تواجه صعوبة في التنفس. دخل بقلق من منظره.
نظرت له وعينها تدمع.
- ياسين.
نظر إلى شكلها وملابسها المبهدلة. جه إيهاب. وقفت فريدة ورا ياسين بخوف. نظر إليها من فعلها ذلك.
قال إيهاب ساخرًا:
- هو أنت.. أي اتصلتي عليه عشان يلحقك؟
نظر له ياسين من لهجته وشكلها الغريب.
- اللي بيحصل؟
- ملكش دعوة دي مسألة بين واحد ومراته واتفضل امشي.
مسكت فيه فريدة وقالت:
- لا متسبنيش.
نظر لها من خوفها. قرب إيهاب منها. أوقفه ياسين وقال:
- فهمني في إيه؟
- اسألها.. قولي له في إيه.
نظر ياسين إلى فريدة التي كانت مختفية فيه.
- مفهماني إنها بكر واتصدم إنها ما عدتش عذراء. لا وقايلة في العقد إنها لسه بكر.
نظر ياسين إليها. خفضت رأسها.
- ده يخليك تعمل كده؟
- ليك حق تدافع. منتا اللي خدتها في الآخر..
قرب منها بتلعثم وقال:
- أنا كمان. ده حقي وعايزه.. رافضة تديني أبسط حقوقي.
وضع ياسين يده عند كتفه يوقفه. نظر له إيهاب.
- مفيش حاجة بتيجي كده. اللي انت بتعمله ده غلط.
- الغلط اللي بجد وجودك هنا.
شال إيده من عليها وقال:
- قولتلك امشي دي مراتي وأنا حر فيها.
قرب من فريدة التي خافت كثيرا ونظرت إلى ياسين.
- ياسين.
نظر لها من خوفها. فهذا زوجها. لما الخوف الآن؟ لماذا تمنعه عنها؟
- يلا يا حبيبتي.
لسه هيمسكها. منعه ياسين وهو بيقف قدامه ويقول:
- مش شايفها عاملة إزاي؟ لما تهدى ابقى اتكلم معاها.
- وانت مالك.. ولا هو حلو ليك ووحش ليا.. هو مش زيي ولا إيه؟ ياسين.. انت مش خدتها. أنا كمان عايز آخدها.
قالت فريدة بغضب:
- اخرس.
تضايق ياسين من كلامه. مسكت فيه فريدة وكأنه سيتركها.
- لا ياسين متسبنيش لوحدي..
نظر لها. فهذا زوجها ليس له سلطة بل سيكون معتدى.
قال إيهاب:
- يلا من هنا عشان محتاج مراتي في كلمتين.
جمع قبضته بضيق. نظرت لا فريدة بخوف ونظرت إلى ياسين.
- متسمعش كلامه. متماشييش.. أنا مش ممكن أعيش معاه.
واستوقف ياسين شيء رآه. مسك وشها وأداره ليرى علامة على وجهه. لتشتعل عينه غضبًا شديدًا بأنه ضربها. لقد امتدت يده على فتاته الذي لطالما كان يدللها. فاعتدى عليها هو.
نظر له بغضب ومسكه بقوة من ملابسه وقال:
- انت بتمد إيدك عليها.
لم يكن مباليًا به وقال:
- قولتلك دي مراتي أعمل فيه اللي عايزه.
- لما تبقى حلالها من الشارع.
- هي اللي قلة أدبها ولو مسمعتش كلامي...
قاطعه ياسين وهو يخنقُه ويقول بلهجة مخيفة:
- هتعمل إيه؟
نظرت له فريدة وهو يقبض على عنقه. وكان إيهاب ضعيفًا لا يقدر على إبعاد ياسين وجسده القوي.
- ياسين.
قالت فريدة ذلك لتفيقه. وهو مخيف بعينه الغاضبة ويتذكر رؤيتها وهي تنهج. وجهها السحاب وعلامة ضربها. ملابسها. كل شيء يثير ناره. خافت فريدة من شكلها. سابه ياسين بضيق فوق إيهاب وسعل وهو يأخذ أنفاسه.
نظرت له فريدة. وياسين يطالعه ببرود. ليبتسم ويقول:
- عارف اللي بتعمله ده هيكفيك قد إيه يا غبي.. كنت فاكر إن الوحيد اللي على بس طلع فيه أغبى مني.. لسه عايزها بعد اللي عملته؟
خافت فريدة من كلام إيهاب الذي يريد التلاعب في رأس ياسين. نظرت إلى ياسين.
- شايف دي.. باتصال مني أجيب البوليس ياخدوك إنك بتعتدي عليا أنا ومراتي في بيتي. خدها من قصرها واخرج لأني مش هسيبها الليلة.
- وأنا بقولك مش هتاخد حاجة غصب عنها.
قال ياسين ذلك ببرود. نظرت له فريدة.
- هنشوف.
ولسا بيسند نفسه بثقل عشان يقوم.
- طلقها.
توقف ونظر له من ما يقوله. اعتدل وقال:
- انت عايزني أطلق حبيبتي؟ انت بتحلم. مش أنا.
قاطعه وهو يقول:
- تاخد كام وتطلقها؟
نظرت له فريدة بشدة. صمت إيهاب ونظر إليه.
- مين قالك إني عايز فلوس؟
- مليون؟!
ابتسم بمكر وهو ينظر إليه من فوق لتحت وقال:
- بس.. لا معاك أكتر.. عايز ٣.
صدمت فريدة من طلبه. ليردف:
- هتدفعهم.
لم تصدق أنه سيبيعها في لحظة. نظرت إلى ياسين الذي نظر له بضيق من طمعه. خرج دفتر شيك. لم تصدق أنه سيعطيه له بالفعل. كتب الرقم ومد يده إليه. أخذ إيهاب لكنه سحبه وقال:
- طلقها.
نظر إلى فريدة التي كانت مصدومة به.
- انتي طالق.
انصدمت. رمى ياسين الشيك إليه. مسك إيد فريدة التي كانت متصنمة أمامها. فهل هي بذلك الثمن لديه؟ مسك إيدها. نظر له. خدها ومش.
كانت فريدة تمشي خلفه وهي مطأطأة رأسها. تقدم ياسين من سيارته. نظر خلفه ووجدها متوقفة. نظر إلى ذراعها. شعر بالضيق من نفسه. اقترب منها وهو يخلع جاكته ويضعه عليها. نظرت إلى يده.
- ارفعي راسك دايمًا.
نظرت له من ما قاله. ابتعد عنها وذهب. عدلت جاكته عليها وتبعته. ركبت معه السيارة. ونظرت له بتفاجؤ وهو يجلس مكان السائق. فهل هو حقًا أتى إليها وهو الذي يقود بنفسه؟ نظر أمامه وذهب. أكان يكذب بشأن أنه يواجه صعوبة في القيادة بسبب الحادث الذي مضى.
كانت فريدة تمسك يدها وتبكي. بينما ياسين يقود ويسمع صوت بكائها.
- ينفع تهدى؟
لكنها لا تزال تبكي وصوتها يتردد في أذنه.
- اهددددي.
انفزعت من صوته وصمتت بخوف شديد وهي لأول مرة تراه غاضبًا ويصيح بها هكذا. توقف على جانب الطريق وتنهد بضيق حين رأى خوفها.
- مبتخديش الدوا بتاعك؟
- ب..باخده.
- امال كنتي كده إزاي؟
وكان يذكر شكلها. فهي إن لم تعد نظامها لفقدت وعيها. خفضت عيناها وقالت:
- خلص من يومين.
نظر لها وقال:
- مخدتهوش في اليوم ده.
نفت برأسها. تضايق من إهمالها. نزل السيارة.
- خليكي هنا.
جلست بمفردها وهي تنظر لطيفه. فهي لا تزال تصدق أنها معه وأتى إليها. رجع ركب السيارة. نظرت له وكان معه حقيبة.
- خدي واحدة دلوقتي.
نظرت له. أخذتها منه. لاحظ رعشة يدها. فتحت الحقيبة كان بها زجاجة مياه وعلبة الدواء الخاصة بها. عرفت أنه راح اشتراها. خدت برشامة ومسكت الإزازة. لكن وقعت من يديها أثر تلف أعصابها. انحنت والتقطتها لتفتحها. لكن واجهت صعوبة كأنها لا تقدر على فتح زجاجة لضعف جسدها. فكانت لا تشعر به. حاولت تاني.
مد ياسين يده. نظرت له بمعنى أن تعطيه. أدتهاله بحرج. فقام بفتحها وأدتهالها. مسكتها بيدها الاتنين عشان متقعش وشربت.
كان ينظر إليها وإلى ما وصلت له لتلك الضعف البدني الذي يشهده ويحاول تجاهله بعدم النظر لها.
تنهدت فريدة بعدما شربت وتهدأ من ضربات قلبها رويدًا رويدًا.
- كدبتي ليه؟
نظرت له حين قال ذلك ليردف:
- لي؟ قولتيلي إنك مش بنت ومفيش حاجة حاصلة بينا.
عرفت ما يعنيه. فلم ترد عليه.
- ما تردي. بتقولي كده ليه؟
أدارت وجهها وقالت:
- ملكش دعوة.
قالت ذلك وهي لا تنظر له. نظر لها بشدة وقال:
- مليش دعوة؟
- اه.
- ولما أنا مليش دعوة بتكلميني ليه؟
نظرت له وقالت بغضب ممتزج بالبكاء:
- مكنتش تيجي. كنت تسبني.
- للأسف مقدرش. وانتي عارفة ده كويس. اتصلتي وانتي متأكدة إني هجيلك زي ما اتأكدتي من حاجات كتير. واستغلتيني بيه.
نظرت له من ما قاله. وهل يقصد حبه؟
قالت:
- هايل. بقيت أنا الوحشة دلوقتي... أنا كل اللي فيه ده بسببك أصلًا.
نظر لها بشدة وقال:
- متحطيش غلطك عليا. خلينى أفكّرك إن ده اختيارك... هو ده اللي قولتي إن بيحبك ومش هيأذيكي زي.
صمتت بحزن ودموعها تسيل.
- عايز أسألك سؤال. أنا أذيتك إزاي يا فريدة؟ لأني مش لاقي جواب.. أذيتك إزاي بإنك تأذيني كده.
كانت تبكي بحزن على نفسها وعليه.
- اتخليت عني.
نظر لها من ما قالته لتردف بحزن شديد:
- سبتني ولا كأنك مصدقت اتخلصت مني.. عارف الشعور ده بيوجع إزاي؟
- وأنا شعوري إيه لما لقيتك اتجوزتي؟ مفكرتيش فيا ليه زي ما فكرت فيكي؟ أنا متخليتش عنك يا فريدة. أنا كل يوم بفكر هرجعك إزاي. مستني الفرصة اللي هنتكلم فيها. انتي خدتي كل حاجة وضيعتينا معاكي.
نظرت له ليردف بحزن:
- لو كنتي اديتيني فرصة بس تسمعيني فيها كان زمان ده حصل.
- بكيت ولم تملك ردًا عليه لمعرفة خطأها. لتغضبه أكثر من بكائها ويقول بغضب:
- ردي. كان زماننا هنا دلوقتي. شوفتي وصلتينا لإيه من ورا أفعالك. بعدنا أوي لدرجة إني حاسس وجودك معايا غلط ومش عارف أروح فين ولا أجي منين.
- نشحت وهي تقول:
- بقيت حمل عليك لدرجة إيه؟
نظر لها. مسحت دموعها بكفها وهي لا تزال تبكي وتقول:
- أنا ليا بيت مش محتاجة لحد.. وديني هناك ومتشكرة على مساعدتك. أنا أعرف أدبر أموري.
نظر لها من شكلها.
- واضح.
نظرت له وقالت بحنق:
- قصدك إيه؟
- بصي لنفسك وانتي تعرفي.
شعرت بالحرج وقالت:
- شمتان فيا.. ندمانة إني كلمتك.. روحني مش عايزة أكون معاك.
صمت ولم تدرِ معنى صمته. هل وافق أن يتركها؟ نظر أمامه وقال:
- مش هتتغيري.
نظرت له وكان قليل الحيلة بشأنها ومتضايق منها. ذهب ولم يعطها جوابًا. ولا تعلم أين يذهب. هل يعيدها لمنزلها ويتركها هناك بمفردها؟ هل صدقها أنها كانت تتحدث من وراء قلبها؟ فهي لا تريد البقاء بمفردها بعد كل ما حدث معها. تخشى أن تكون بمفردها فهي ضعيفة. برغم ذلك ولولا ياسين ما كانت هنا.
توقف بسيارته حين وصل.
- انزلي.
نظرت له. خلع الحزام ونزل قبلها. تبعته. وجدته جاء إلى منزله. ذهب ليدخل. نظر لها الحراس. تبعته بخطواتها الثقيلة ودخلت معه. نظرت إلى المنزل لا تصدق أنها عادت إليه ثانيًا. وكأن الأمور تأتي بها إلى حيث تنتمي.
- اعقدي هنا.
قال ذلك وهو يذهب ويتركها. جلست وكانت تشعر بجسدها المتكسر. ضمت ذراعيها بحزن.
جاء ياسين وكان معه علاج. نظر لها من بعيد وهي جالسة تبكي وجسدها يرتجف مع شهقاتها التي تحاول كتمها. راح لها. نظرت له وهو يقف أمامها. جلس مقابلها ومسك وشها. تألمت. نظر لها وشعر بوجعها. تنهد وأداره ليرى نص وجهها المحمر لبشرتها الرقيقة التي لم تتحمل أثر ضرب. شعر وكأن النيران داخله تشتعل من رؤية ذلك. فحين يتذكر شكلها يود أن يقتل من تجرأ وما حاول فعله.
خد العلاج ووضعه على وجهها برفق. نظرت له من اعتنائه بها بعد كل ذلك وهو يداوي جروحها. برغم من جرح قلبه لكن حزين عليها. ذلك من كان يدللها. هي من خسرت دلاله.
- مرهم عشان ميسبش أثر.
نظر لها لتتلاقى أعينهم. فتوقف لوهلة. وكانت أعينهم بها عتاب للآخر وحزن قابع داخلهم. أبعد عيناه بحمحمة. وضع المرهم جانبًا وقال:
- كملي انتي.
بعد عنها. خد منديل ومسح يده وكأنه يتهرب النظر إليها. مشي.
- ياسين.
توقف ونظر لها.
- انت مش هترجعني ليه؟ مش كده؟
لم يرد عليها. نظرت له فهل سيعيدها إليه؟
- اطلعي ارتاحي وبكرة نشوف الموضوع ده.
مشي وسابها وهي تنظر له. راحت إلى الأوضاع التي كانت تمكث فيها. كان الباب مغلق. دخلت ونظرت حولها لتجد كل شيء في مكانه. راحت وقعدت. بل كل شيء مرتب وكأنه جعل الخدم ينظفون الغرفة رغم أنها غير موجودة. سمعت صوت. نظرت لتجد العصافير تزقزق. فجأة نظرت له. اقتربت منهم.
- وحشتوني.
نظرت لهم ومدت إصبعها وهي تربت على رأسهم برفق. دمعت عينها وقالت:
- انتوا كمان زعلانين مني؟
سالت دمعة من عيناها. فهي اشتاقت لهم كثيرا. اشتاقت لغرفتها وسريرها. اشتاقت لرفاهيتها والدلال والحب. اشتاقت لحياتها الطبيعية التي انقلبت رأسًا على عقب بين يوم وليلة.
نامت وهي تقفل عيناها بأمان. لن تقفل الباب. خشية أن يقتحم إيهاب غرفتها. ستنام وهي مطمئنة. لكن قلبها يؤلمها وتشعر بالحزن.
كان ياسين في غرفته يخلع قميصه. نظر إلى البلكونة. خرج وقف فيها وهو يستنشق بعضًا من الهواء.
نظر إلى غرفة فريدة وهو يتخيلها داخلها. تنهد وهو يخفض رأسه بشرود من الآتي. ماذا سيفعل معها؟ لا يدري. فقط يعلم أنها في المكان الصحيح. من بعد ما حدث معها. تلك هي فريدة المدللة الذي كان يراها دائمًا. كيف الأمر بها إلى هنا؟ يشعر بالغضب. فهو لم يمد يده عليها يومًا. لم يؤذها. والآخر تجرأ واعتدى عليها. يعلم أن ما يفعله خطأ. برغم ذلك لن يعيدها إليه ما دامت عادت له.
***
في اليوم التالي.
صحت فريدة من نومتها لتنظر حولها. وجدت نفسها داخل غرفتها. إذن لم يكن حلمًا. أنها هما بالفعل.
نظرت في الساعة. فهي قد نامت كثيرا وكأنها لم تنم منذ زمن. وجدت الأمان. فنامت ليومين كاملين.
سمعت طرقات على الباب. دخلت الخادمة.
- آنسة فريدة.. نحط لك الفطار؟
- كمان شوية.
أومأت لها. وستذهب. أوقفتها فريدة وقالت:
- ياسين فين؟
- ياسين بيه خرج الصبح.
- خرج!! تمام شكرًا.
أومأت لها وذهبت. قامت فريدة. نظرت إلى ملابسها. فتحت الدولاب. لقت هدومها موجودة زي ما هي. خدت لبس وراحت تاخد دش عشان تفوق.
***
في المنزل.
إيهاب على صوت جرس الباب. اتعدل وهو يجلس. مسك دماغه.
- إيه الصداع ده.
كانت رأسه تؤلمه وثقيلة. سمع الباب. تضايق. لماذا لم تفتح فريدة؟ عرف أنها نايمة كعادتها. راح وفتح الباب. وجده محصل الكهرباء.
- إيهاب أشرف.
- أيوه.
- أمضي.
- هنا؟
أمضى إيهاب ودفع خد الفاتورة وقفل الباب. راح أوضة فريدة وفتح. بس ملقاهاش جوه. افتكر امبارح وآخر نقاش بينهم. بس وقف لحظة لما شاف ورقة على الأرض. التقطتها ونظر لها. كانت شيك بثلاث مليون. تعجب كثيرا. عاد للوراء ليتذكر وجود ياسين وما حاول فعله في فريدة وهو سكران.
أنصدم. شعر بالضيق الشديد. خد تلفونه والمفتاح وخرج. ركب العربية ورن عليها. لكن تلفونها كان مغلق. قفل تلفونه بضيق وذهب.
***
كانت سلوى جالسة مع أشرف بيفطروا.
- احنا مش هنروح نزور إيهاب؟
- لي؟
- لي؟ إزاي؟ عايزة أطمن على ابني.
- سيبيهم لوحدهم. اتصلت عليه من يومين قال لي إنهم كويسين.
أومأت له وأكلت. لكن تفاجأت وقالت:
- إيهاب.
نظر أشرف ليجد ابنه الذي أتى إليهم.
- فريدة مش هنا؟
نظروا إلى بعضهم بشدة.
- هي مش معاك ولا إيه؟
صمت. نظرت له والدته.
- في إيه يا إيهاب؟ فريدة فين؟
- بحسبها جت هنا.
نظرت له أشرف بشدة.
- بتحسبها؟ إزاي!... انتوا اتخانقتوا ولا إيه؟
سكت ولم يفهموا معنى صمته. وكان متردد في التكلم. لكن أخبرهم بما حدث البارحة. أنصدم أشرف وقال بغضب:
- انت عملت إيه متخلف.. أنا جايب لك واحدة من الشارع مش قادر تصبر.. رحت تصيع مع الشلة بتاعتك.
قالت سلوى:
- أهدى يا أشرف.
- منطيشايفه كان هيعمل فيها إيه.. كويس إنها عرفت تتصرف وتكلم ياسين. أهو أنقذها منه.
- انت فرحان إنها جبته؟ هي كلمته ليه أصلًا؟ هما مش خلاص؟
- كلمته عشان يلحقها.
قال إيهاب بضيق:
- يا بابا هي اللي ضايقتني.
- ضايقتك إزاي يعني؟
لم يرد. فهو لم يخبرهم بما أفشته له. ليخرج.
- خلاص اللي حصل.
- والبنت فين دلوقتي؟
صمت. نظرت له والدته بشدة.
- مش عارف مراتك فين.
- بحسبها جتلك.. خلاص عرفت مكانها.
قال ذلك وهو يذهب ويتركها. نظروا إليه. جلس أشرف. نظرت له سلوى.
- هتكون فين؟
- عند ياسين.
- إيه!!! بتعمل إيه عنده؟
- وهى ليها مين غيره يا سلوى؟
- امال إحنا فين.. بعدين هو وداها عنده بعد ده كله؟
- امال يسيبها.
- مقصدش بس بحسب علاقتهم انتهت.. فيجبهلنا هنا. هو ساعدها وخلاص.
- ممكن كان هيعمل كده لو مكنناش إيهاب.
- يعني إيه؟
- يعني إحنا أبوه وأمه أكيد هنقف معاه وهنشكل ضغط على فريدة. ولو البنت خايفة منه.. ف خدها عنده عشان محدش يتحكم فيها وتبقى حرة.
تنهدت وهي تأكل وتقول:
- محدش كان هيضغط عليها. هو بس اللي بيهتم بيها زيادة.. بستغرب الراجل ده.
- وأنا كمان.
قال ذلك بأنه مثلا. نظرت له سلوى باستغراب.
***
خرجت فريدة من الحمام وهي تجفف شعرها. شافت العصافير. خلصتها التي كانت تستبشر بهم في يومها.
نزلت راحت المطبخ. نظر لها الخدم.
- حضرتك عايزه حاجة؟
- أكل.
- ثانية واحدة ويبقى عندك..
قاطعتها وقالت:
- أكل العصافير... فين؟
أشارت لها. ذهبت وأخذت منهم. قالت:
- مين كان بيأكلهم؟
نظروا لها وصمتوا. نظرت لهم وقالت:
- مش معقول يعقدوا كل ده من غير أكل.
- ياسين بيه كان مهتم بيهم.
صمت. وهمست داخلها:
- ياسين!!
- قالنا مننسهمش وكنا بناكلهم زي حضرتك.
أومأت بتفهم ومشيت وهي بتفكر في كلامهم. معقول ياسين لم يتركهم في غيابها؟ هل كان يدخل غرفتها؟ وهي ماشية اصدمت بجسد. كان الطبق هيقع منها. لكن هناك من أمسكه. نظرت فريدة لتجده ياسين. نظرت إلى يده التي تطبق على يدها. ابتعد عنها وقال:
- سرحانة ليه وانتي ماشية؟
- أنا آسفة.. قالوا لي إنك مش هنا.
- كان ورايا حاجة بعملها. أكلتي؟
- لسه صاحية. هاكل كمان شوية.
نظر إلى يدها والطعام الذي تمسكه. لاحظت نظراته. قالت:
- شكرًا.
نظر لها من تذكرها.
- على امبارح.. وعرفت إنك كنت بتهتم بيهم في غيابي.
- مكنتش هسيبهم يموتوا.
نظرت له حين قال ذلك ليردف:
- نشفي شعرك عشان متاخديش برد.
ذهب فور أن قال ذلك. نظرت إلى نفسها ومسكت لشعرها. نسيت أنها فرداه وهو مبلل. فهي خرجت من الحمام ونزلت. اتكسفت. لكن تذكرت جملته الأخيرة واهتمامه بها. نبش قلبها. فهو لم يتغير رغم كل ذلك. لا تزال تهمه.
طلعت ومسكت الطعام ومدت يدها وهي تضعه لهم وتأكلهم. ليأكله من إيدها. فيدغدها. ابتسمت. كانت تشعر بإشراق عن ذي قبل. وكان روحها تعود بالتجول داخلها وتتنفس هواء نقي.
كان ياسين واقف عند الباب وينظر إليها وهي جالسة بجانبهم وتلتمس ريشهم الكناري وتبتسم. كانت ابتسامتها عكس شكلها البارحة وتبدو بعافية عن رعشتها وهي لا تقدر حمل زجاجة مياه. مشي ولم يطل النظر إليها.
شعرت فريدة بشيء. نظرت عند الباب. لكن لم تجد أحد. تعجب. هل كان هناك أحد واقف؟ تتأمل لذلك. لكن لن يحدث.
نزل ياسين. رن هاتفه. نظر إلى المتصل. لسا هيفتح ويرد. سمع صوت ضوضاء. نظر.
- في إيه؟
تقدم ليرى إيهاب على الباب. شعر بالضيق من رؤيته. نظر له. تقدم منه وقال:
- فين فريدة؟
- انت إيه اللي جابك؟
- جاي لمراتي.
- مراتك!! انت مش خدت الفلوس وطلقتها؟
- أنا طلقتها؟!!
قال ساخرًا:
- متشربش تاني بدام مش قد الشرب.
- وانت مالك؟ أنا حر.
- حر لو مش هتضر بيه حد غيرك.
عرف أنه يقصد فريدة.
- بردك أنا حر في مراتي.
مسكه ياسين بغضب وقال:
- منتش حر لما تمد إيدك عليها وتأذيها. تبقى احمد ربنا إنك لسه عايش.
قال بلا مبالاة:
- هتعمل إيه؟ فكرني خايف منك.. أي كان هتفضل واحد غريب بيدخل بين زوج وزوجته.
وكان يثير غضبه. لكن رد عليه ببرود وهو يتركه وقال:
- معدتش جوزها. انت طلقتها امبارح.
خرج إيهاب الشيك وقال:
- اتفضل الشيك بتاعك أهو.. أنا مش عايز فلوسك. عايز فريدة.
نظر له ياسين. فهو عاد لطبيعته. فهو ليس كذلك بالفعل. قال بصياح:
- فرررريد. انت وجدتها فين؟
لم يرد عليه ياسين. نظر له بغضب وقال:
- ذا ما ترد. حبيبتك فين؟ ولا انت مصدقت؟
- لو كنت محترمك فده عشانه.
نظر له بضيق من بروده وقوته الذي عادت بعدما ظن أنه كسره بسلب حبيبته منه.
- عايز إيه يا إيهاب؟
نظر إلى الصوت. وكانت فريدة التي أتت على الصوت. نظر إليها. اقترب منها. ولسا هيحضنها. رجعت فريدة لورا بخوف. نظر لها وحزن.
- خليك بعيد.
- فريدة ده أنا.. إيهاب.
قرب منها. مسك وشها. خافت أن يضربها. تنهد بضيق من نفسه.
- الحمد لله إنك كويسة.
لم ترد عليه. نظر ياسين إلى يده التي تمسك بها. شعر بضيق في صدره يخنقه. نظر أمامه.
نزلت فريدة إيده من عليها.
- أنا آسفة.. والله مكنت في وعي ولا عارف بهبب إيه.
- انت عارف كنت هتعمل فيا إيه امبارح.. انت مديت إيدك عليا وبعتني.
- أنا مكنتش واعي يا فريدة. أنا لا يمكن أعمل كده. انتي عرفاني.. حقك عليا.
اقترب منها وهو يحاول إرضائها. نظر لها ياسين وقد تميل إليه.
- سامحيني. أول ما فقت عرفت حجم غلطي.
- جاي لي؟
قال باستغراب:
- يعني إيه جاي لي؟ جايلك. متعرفيش كنت قلقان عليكي إزاي.
نظرت له. ونظرت إلى ياسين الذي كان يستمع إلى الحديث ومتجاهل. لا يظهر أي شيء من خلال تعبيراته.
- يلا نمشي.
نظرت له بشدة. مسك إيدها. أوقفته وقالت:
- أنا مش هروح معاك.
- يعني إيه؟ عايزة تقعدي هنا؟
سحبت إيدها وقالت:
- اه.
تنهد واقترب منها وقال:
- يلا يا فريدة.
- قلت لك لا.
لكنه مسك إيدها رغما عنها. نظرت له بخوف. مشي. ونظر إلى ياسين.
- متحاولش تدخل يا ياسين.
- سيبني. مش عايزة بقولك.
- وأنا مش هسيبك تعقدي هنا.
نظرت له بخوف من ما سيفعله بها. فذلك المنزل. نظرت إلى ياسين.
- ياسين.
تنهد تقدم من إيهاب وهو يقف أمامه ويقول:
- سيبها.
- قولتلك متدخلش.
لسه هيمشي. وقفه ياسين وهو يضع يده على كتفه.
- سمعت. قولتلك إيه؟
- بحكم مين بتأمرني إني أسيبها.. معدش في حاجة تجمعك بيها ولا تخليك تسمعلي.
- لو فاكر إنها لوحدها فانت غلطان. لما تعرف غلطك ابقى تعالي خده.
نظر له. مسك إيده وهو يجعله يتركها ويوقفها بجانبه. قال:
- فريدة مش هتخرج من هنا غير برضاه.
نظر إليها. ونظر إلى فريدة التي كانت موافقة على كلامه بل تحتمي به.
- وهى هتعيش معاك إزاي؟ انت لا جوزها ولا من محارمها.. عايز تستغلها.
- أنا مش زيك يا إيهاب. اتحوزتها تنتقم من اللي فات.
نظرت له فريدة. ومن معرفته.
- طلقها لأنها مش هترجع لك تاني.
- وده كلامها ولا كلامك؟ هتقف في وشي محدش هيتأذى غيرك. لو عملت محضر انت اللي هتتضرر.
خافت فريدة أن يراجع. لكنه رد عليه:
- الطريق قدامك. اعمل اللي عايزه.
- مش خايف من المسألة القانونية واللي هيحصلك واسمك.
- أنا مبخفش من حد. فريدة هتفضل هنا ومحدش يقدر يجبرها على حاجة طول ما أنا عايش.
شعر إيهاب بالحنق. ونظر إلى فريدة التي كانت خائفة منه بالفعل. ياسين لا يبالغ. بل هي حتى تخاف النظر إليه. لقد كسر دلالها معه ولن تعد مطمئنة منه حتى كسابق. حين كانوا أصدقاء.
- تمام يا فريدة. هسيبك تهدى.
نظر إلى ياسين وهو يردف بتأكيد:
- وأجيلك وقت تاني نتكلم بدون محد يدخل ما بينا.. بس عايزك تعرفي إن اللي حصل امبارح مكنش مني.
مشي وتركهم. وكان مضايق. لكن يعلم أن لا خوف عليها وهي معه. سيعود إليها. لكن ليراجع حساباته.
نظرت له فريدة بعدما رحل. مشي ياسين. نظرت له. جلست.
- ياسين.
- مش معنى إنه مشي الموضوع خلص. أديكِ سمعتي هيجي تاني.
قلقت كثيرا. وقالت:
- مش هو طلقني امبارح؟
نظرت له وصمت قليلا ثم قال:
- الطلاق لما بيقع وهو مش واعي مبتتحسبش. يعني انتي لسه على ذمته.
تفاجأت كثيرا. قربت منه وجلست.
- كده هيرجعني تاني.
لم يرد عليها. لتعلم أن تلك الحقيقة. وأنها ستعود إليها. دمعت عينها وقالت بخوف:
- ياسين.
نظر لها من نبرتها.
- متسبنيش. مش عايزة أرجع تاني. انت مش شفت كان عامل إزاي.
ليرى دموعها التي تلألأ من بين جفونها كأنها تضعفه بنظرتها تلك. تنهد بضيق.
- هحاول يا فريدة.
جه يقوم. مسكت أيده. نظر لها. تركتها بحرج. وقالت:
- أنا عايزة أطلق.
نظر لها بشدة من طلبها ذاك. هل تريد حقًا الطلاق منه؟ هل سمع صحيح؟
- قولتي إيه؟
- عايزة أطلق. مش هقدر أرجع تاني.
صمت وكأنه لم يتوقع ذلك بتلك السرعة. قال:
- انتي لي عندك الطلاق بالساهل كده؟ الموضوع أكبر من كده يا فريدة.
نظرت له. قالت بحزن:
- يعني مش هتساعدني.. انت هتخليه ياخدني بجد؟
صمت قليلا وهو ينظر إليها ومن رجائها. قال بجدية:
- أنا قولت إني معاكي ومش هيقرب لك ولا يجبرك على حاجة... بس هيرجع تاني.
نظرت له. ليكمل:
- تكوني هديتي. تكلمي معاه. مش هقدر أمنعه لأنه جوزك. لحد يومها فكري تاني بهدوء. وأنا معاكي في قرارك.
قال ذلك ليطمأنها وذهب وتركها لتبقى حائرة في أمرها.
***
رجع إيهاب بيته. قعد وكان مضايق. مسك رأسه بضيق.
- كان لازم توافق وتشرب يعني.
فكان البارحة حين خرج ذهب وجلس برفقة أصدقائه من إحدى جلساتهم الليلة الذي كان يجلس فيها معهم. وبالطبع لم يكن يحكي لفريدة شيئًا عن ذلك. فهي لعادتها تضايق. لكنها البارحة من جعلته يذهب ويشرب بذلك القدر الذي يجعله مغيب تمامًا.
رن هاتفه. نظر. وكان والده. تنهد. فهو لا يعرف بما يخبره أو يقول له. فلم يرد حتى يعلم ما سيفعله.
***
كانت فريدة في أوضتها. لقد الخادمة معها صينية الطعام وأحضرتها لها. نظرت لها.
- ياسين مش هياكل؟
- معرفش والله.
استغربت. فهم يسألونه عادة. أومأت لها وذهبت. قعدت عشان تاكل. بس توقفت لوهلة لما نظرت إلى النافذة. شافت سيارة تعرفها.
نزلت فريدة من غرفتها وتوقفت حين رأت ميرال جالسة مع ياسين ويتحدثا. تفجأت من وجودها. نظرت لها ميرال.
- فريدة.
نظر ياسين ليجدها واقفة تنظر لهم. ابتسمت ميرال بلطافة.
- هاي. عاملة إيه؟
بادتلها الابتسامة. وقالت:
- الحمد لله.
- حصلت فرصة واتقابلنا تاني.
نظرت إلى ياسين وأردفت:
- حبيبي مقلتليش ليه إن فريدة هنا؟
اتسعت قدحتا عيناها من ذلك اللفظ. ونظرت إلى ياسين.
- حبيبتك!!
وقفت ميرال بجانبه بقرب منه. وهي تقرب يدها تشابك أصابعهم وتقول:
- ياسين مقلتيش؟
نظرت فريدة إليها وهي قريبة منه.
- م..مقلليش إيه؟
نظرت إلى ياسين. ولم تفهم نظرتها تلك. لتقول:
- إننا هنتجوز.
رواية زهرة الاشواك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور
قالت فريدة بصدمة:
- حبيبك!!
مسكت ميرال يد ياسين وهي تشابك أصابعهم:
- ياسين، مقلكيش إننا هنتجوز.
انصدمت فريدة، بل شعرت وكأن الخبر شق قلبها لنصفين. نظرت إلى ياسين بشدة، فهل هذا صحيح؟ لكن الصمت كان تأييداً لكلامها. شعرت بوخزة في قلبها ودمعت عيناها.
نظر لها ياسين. ومن تلك النظرة التي قتلته، لأول مرة الصدمة تملأ عيناها:
- مش هتباركيلنا؟
قالت ميرال ذلك، لكن فريدة كانت تنظر إلى ياسين وإلى أياديهم المتشابكة. خفضت عيناها وهي تقول بصعوبة:
- مبروك.
كانت تشعر بغصة في حلقها، ذهبت وتشعر بثقل على قلبها. أنها تتركهم بمفردهم، لقد أصبحت هي الغريبة بينهم. كيف... ميرال وياسين معاً؟ كيف هذا؟ لماذا ياسين؟ لماذا؟
طلعت غرفتها. نظرت لها الخادمة وهي ترتب غرفتها:
- سيبيني لوحدي.
- مش عايزة حاجة.
- خدي الأكل ده.
- مش هتاكلي.
- خديه... أنا مش جعانة.
نظرت لها باستغراب. أومأت لها بتهديد وأخذته وذهبت وهي تقفل الباب. جلست فريدة على سريرها، سال الدمع من عيناها:
- مستحيل... ياسين هيتجوز... إزاي؟
تتذكر زواجها من إيهاب، فهي فعلت ما في رأسها وتلك حياته التي لن تعود لها أن تدخل بها. أصبح لغيرها.
كان ياسين لا يزال واقفاً. مسكت ميرال يده، نظر لها، أجلسته. قالت:
- واقف لي؟
جلس معها. نظرت له، قالت:
- أنت ناوي تعمل إيه؟
- مش عارف.
جاءت الخادمة وهي تقاطع جلستهم وتقول:
- الغداء يا ياسين بيه.
أومأ لها، قال:
- يالا.
قامت معه. أخذت السفره، قالت:
- كنت عايزة نتغدى برة، بس مش مشكلة مرة تانية.
جلست ميرال. كان ياسين هيعقد، استوقفه شيء. قال:
- فريدة أكلت؟
نظرت له ميرال. ردت الخادمة بالنفي وقالت:
- لا، قالتلي آخد الأكل وأسيبها لوحدها، تقريباً هتنام.
- تنام؟!!
نظر إلى غرفتها. قالت ميرال:
- فيه حاجة يا ياسين؟ ممكن تكون تعبانة وعايزة تريح.
صمت، فهو يعلم أنها استيقظت للتو ونامت كثيراً. لماذا تنام ثانية؟ كان هيعقد، لكن شيء ما أوقفه وهو مشهدها البارحة وهي ضعيفة، لإهمالها. تنهد، قال:
- كلي أنتِ... راجع.
نظرت له. ذهب وراح أوضة فريدة. كان هيدخل، بس وقف لما عرف إنه لازم يخبط الأول، فلم تعد فتاته، بل أصبح غريباً عنها. شعر بالاختناق من تلك الفكرة. تنهد وأطرق عليها، قال:
- فريدة.
لم ترد عليه. مسح المقبض بتردد ليسمع صوتها وهي تقول:
- عايز إيه؟
استغرب من صوتها، قال:
- ممكن أدخل؟
- لا وامشي.
لم يسمع كلامها وفتح، شافها نايمة ورافعة الغطاء عليها. قال:
- مقلتيش لي؟
- مش عايزة.
كانت تحدثه وهي لا تنظر له. تنهد وقال بنفاذ صبر:
- قومي يا فريدة عشان تاكلي.
قالت بصراخ وغضب:
- قلت مش عايزة.
تضايق منها وقال بضيق:
- يعني إيه مش عايزة تاكلي؟
- يعني مش عايزة آكل.
قرب منها، مسكها وهو بيلفها بغضب، بس تفاجأ حين رآها تبكي، فتوقف وزال ضيقه أمام دموعها تلك:
- أنتِ بتعيطي؟!
نشجت ودموعها تسيل وتبعد وجهها وتقول:
- ده يهمك في إيه؟
- أكيد يهمني...
نظرت له حين قال ذلك، ليردف:
- أنتِ عارفة إن دموعك بتضايقني.
خرج منديل وهو يمسح وجهها بحنان، لتنظر له بحزن وتقول:
- لسا بتضايقك ياسين... ولا كان الأول؟
نظر لها والتقت عيناهما. الذي لا يعلم ذلك الحزن الذي داخلهما. قال:
- بتعيطي لي؟ مش عايزة تسيبيه؟
زقته وهي تقول بغضب:
- مش عايزك تسيبني.
تعجب من قولها، لتردف:
- لي هتتخلى عني؟
- اتخلى عنك؟
- آه، هتتجوز وتبعد عني... وأنا!!
كانت تبكي بحزن وهو ينظر لها. فهل متضايقة من جوازه؟ قال:
- مش هبعد.
- هتبعد، هيبقا ليك حياة أنا مش فيها.
- لي بتقولي كده؟
- الحقيقة... يلا امشي بقا، روح اعقد مع حبيبتك الجديدة.
عادت إلى سريرها وهي تبكي. قرب ياسين منها، قال:
- فريدة.
لم ترد عليه. تنهد وقال:
- فريدة، ممكن تهدّي؟ وقفة عياط عشاني.
نظرت له. صمتت حين قال ذلك:
- معرفش جبتي الكلام ده منين... مش هسيبك، صدقيني. أنتِ هتفضلي معايا.
- يعني مش هتبعد عني؟
- لا.
نظرت له. نظرت على الباب، لتجد ميرال واقفة وقد سمعت كلامهم وما قاله ياسين بالتحديد.
- أوعدني.
استغرب منها، ألم تعد تصدقه؟ قالت:
- أوعدني إنك مش هتسبني يا ياسين، يلا.
- مش مصدقاني؟
- مصدقاك، بس الظروف هتحكم عليك إنك تتخلى عني.
صمت باستغراب ولن يفهم كلامها. بينما هي تقصد الظروف بميرال، التي تعجبت من فريدة. فهي تعلم أنها تسمع حديثهم. هل تريد أن أثبت لها أن ياسين متمسك بها برغم أنهم سيتزوجون؟
تنهد ياسين وقال:
- قومي كلي. مش عايز أشوفك زي امبارح.
لم يعطها جواباً، لم يوعدها كما أرادت لأول مرة. يخذلها في طلب لها، لتدرك أنه لم يعد كما كان ناحيتها. شعرت بالحزن، فهي تمنت أن يقول ذلك لتجعل ميرال تسمعه.
رحل ياسين وشاف ميرال واقفة. دخلت وقالت:
- كنت جاية أشوفك، اتأخرت لي؟
أومأ لها. نظر إلى فريدة التي كانت تشعر بالحزن:
- يلا يا فريدة انزلي معانا.
عضت بشفتيها بمعنى لا. نظرت لها ميرال، فهل تتدلل عليه؟ هل تلك تصرفاتها في العادة؟
- اسمعي الكلام.
نظرت له. قال:
- يلا.
أومأت له بالطاعة كعادتها، حين أدركت أنها ستأكل معهم ولن تأكل بمفردها.
على السفرة، كانوا يأكلون وفريدة تنظر إلى ياسين وميرال، التي كانت تحادثه وتشعر أنها الغريبة من بينهم. بل كان يبدو الشروق على وجه ميرال، وهي وجهها معتم، يحترق قلبها. ولا تزال لا تستوعب ما يجري.
- أمال فين أنور؟
قالت فريدة ذلك وهي تقاطعهم. توقف ياسين لوهلة عن الأكل. نظرت له ميرال:
- مجاش معاكي لي؟
- أنور مشي.
- مشي فين؟
- سافر من شهر.
تفاجأت فريدة كثيراً، قالت:
- سافر فين؟ ولي؟
صمت ملا الاثنين وحزن ياسين، فصديقه لم ينساه ويشعر بفقده. نظرت فريدة إلى ياسين وحزنه ذلك، قالت:
- أنتوا متخاصمين ولا إيه؟
- لا.
- أمال إزاي متعرفوش هو فين؟ مبتتكلموش معاه؟
- غير رقمه.
- قصدك إن ميعرفش بخبر جوازكم؟
أومأ لها بمعنى لا. أومأت بتفهم وقالت:
- هيزعل لما يعرف.
نظر لها ياسين حين قالت ذلك. لاحظت نظراتهم. قالت بتفسير:
- عشان مقولتلوش عن الخبر المهن ده وهو صاحبكم أوي يعني.
ردت ميرال:
- لو كنا بنتواصل معاه أكيد هنقوله.
وقف ياسين وذهب ولم يكمل طعامه. نظرت له ميرال. تنهدت بحزن، قالت فريدة:
- أنا قلت حاجة غلط؟ إزاي ما بتتواصلوش معاه؟ مبتكلمهوش يعني؟
- قولتلك غير رقمه.
- لي؟
- ممكن عايز يستريح من الشغل، ياخد إجازة، يبعد شوية، يغير جو.
أردفت بقلة حيلة:
- ياسين بيزعل لما يفتكر إنه مشي، حتى مش عارف يكلمه. أنور سافر مرة واحدة، ويعلم هيرجع تاني ولا لا.
- أنتِ قلتي إنه خد إجازة.
- ده اللي بقوله لنفسي. هو قال مش راجع... بس الفكرة دي مش قادرة أتقبلها.
قالت آخر جملة وهي تخفض وجهها بمعالم الحزن. نظرت لها فريدة، قالت:
- بتحبيه؟!
تعجب ميرال من قولها ذلك. أردفت:
- كصديق يعني.
- أكيد... بقينا اتنين. التالت اللي كان بينا مشي. متعرفيش أنور كان إيه بالنسبالنا؟ كان هو اللي بيخرجني من اللي أنا فيه، كنت قادرة أعيش بعيد عن أهلي لأنه مكنش بيحسسني بده.
ابتسمت وهي تتذكر مزاحه وسخريته، كان الفكاهي اللي بينهم. كانت فريدة تسمع إليها ولحزنها، لتجدها تكمل:
- بس ياسين وجوده مهون عليا خوف. أعقد ف الشركة لوحدي وسط الشغل، بس هو بقى يفضل معايا. وسعل، بيسهر على الشغل ومبيروحش، مبقيت أقضي وقت أكتر معاه.
تضايقت من كلامها. فهل ياسين يبيت في الشركة معها؟ يتأخر وتراه اليوم بأكمله؟
- بس ياسين معايا، وده كفاية.
- كفاية!!
- آه، أنا هنا عشان ياسين. وجودي في مصر مكنش غير عشان أبقى قريبة منه.
قامت وهي تمسح فمها:
- هروح أشوفه.
نظرت لها فريدة وشعرت بالضيق. إذا، كما كانت تعرف أنها تركت أهلها وحياتها في بلدها فقط لأجل أن تكون مع ياسين. لم تخطئ في غيرتها، ولم يخطئ قلبها أنها تحبه حتى وهو زوجها، وكان يحبها وتعلم ذلك. لم تتوقف عن حبه واستمرت. هل أحبت زوج شقيقتها حقاً؟ هل نسيت من يكون ياسين وأنه تزوج من شقيقتها في السابق وتريده ولا تهتم لأحد؟
كانت ميرال تدور على ياسين. شافته واقف في مكتبه قدام النافذة. دخلت، قالت:
- بتفكر في إيه؟
نظر لها من وجودها، قال:
- مفيش.
- مش ناوي تقولي عن فريدة؟
- مالها؟
- هتعمل فيها إيه... هتوديها فين يعني؟
نظر لها حين قال ذلك. فتلك المشكلة التي تدور برأسه. قال:
- فريدة هتبقى معايا. ده اللي أعرفه.
نظرت له بشدة، قالت:
- تبقى معاك إزاي يا ياسين؟ أنت نسيت إن دي يعتبر طليقتك اللي كنت بتحبها وهتتجوزها؟ عايزني أوافق تعيش معاك بالسهولة دي؟
- عاشت معايا قبل كده في الأول ومكنش فيه حاجة.
- الكلام ده لما كانت علاقتكم في الأول مفهاش أي حاجة غير أنها بنت عم يعقوب وأخدها وصاية بس دلوقتي...
- الوضع واحد يا ميرال. هي لسا وصاية.
- بعد كل اللي عملته.
- مدخليش مواضيع تانية ببعضها، ملهاش علاقة بمسؤولياتها مني.
- بس ده معدش ينفع. وجودها معاك غلط، غلط يا ياسين.
- عايزني أعمل إيه؟ أسيبها عند أشرف؟ يبقى أبو إيهاب اللي هي عندي هنا بسببه وخايفة ترجعله؟ عايزني أرجعها لأهلها عشان ميبقاش عندها اختيار غير أنها تبقى معاه؟ ولا أوديها لمدحت عشان يحاول يقتلها ويطمع في فلوسها؟
- إيهاب ده اختارته واتجوزته بكامل إرادتها، ولا أنت نسيت؟
شعر بالغضب من التذكر، قالت:
- هي اللي تتحمل، مش أنت. دي اختيارها وهما أحرار.
- فريدة مش هترجع له.
نظرت له بشدة حين قال ذلك بتلك الجدية، ليردف:
- طلبت الطلاق وده اللي هيحصل.
- أنت بتقول إيه يا ياسين؟ عايز تطلقها غصب عنها؟ ممكن يتفاوضو ويرجعو.
- مش هترجع. لما يمد إيده عليها ويحاول ياخد منها حاجة غصب عنها، فهو محترمهاش ولا احترم إن دي مراته وبنت. حتى استقوى عليها وشوفت ده بعيني. فبالتالي مش هترجع لشخص زيه.
- معرفش شوفت إيه، بس ممكن الموضوع مش كده. أكيد حصل حاجة بينهم خلتهم كده. أنا مبدافعش لحد، بس أنا وأنت عارفين إيهاب كان بيحبها إزاي. مش من يوم يحاول يأذيها وبعد ما تبقى مراته كمان.
تضايق من ذلك اللقب كثيراً، قال:
- هي اللي تقرر.
- ولما تقرر هتبقى مع مين؟ مع أهلها ولا هتعقد هنا؟ نفترض إنها أطلقت وعملتلها اللي هي عايزاه، هتكون مع مين؟
صمت. نظرت له، قالت:
- معتم برضه.
- آه.
- أنت عايز كده؟ عايزها تبقى معاك يا ياسين؟
تنهد وهو يقول:
- مقدرش أسيبها. افهميني.
- هي معدتش صغيرة، قادرة تهتم بنفسها. مبقولش سيبها أو اتخلى عنها، خليها معاك وروح شوفها، بس مش تكون في نفس البيت. افهمني أنت.
- بس هي صغيرة ومينفعش تعيش لوحدها. هنا مش زي هناك، لما البنت اللي عندها 16 قادرة تعيش لوحدها.
- أنا عارفة كل حاجة، وأنا مش غريبة. بس أنا هتعيشها معاك بصفتك إيه؟ جوزها؟ ولا قريبها ولا صديق باباها؟ وهتعيش معاك لحد امتى؟ تتجوز وتعيش مع جوزها.
كان يشعر بالغضب من ما تقوله. زواج ثانياً؟ هل سيتحمل رؤيتها تتزوج من رجل آخر؟
- هتستنى لما حد يطلب إيدها وتتجوز.
- فريدة مش هتتجوز غير بعد أما تخلص تعليمها، وهتكون معايا لحد يومها.
ابتسمت وقالت:
- هتجوزها بنفسك ولا إيه؟
صمت وهو ينظر لها بجدية بمعنى أجل. تفاجأت وقالت:
- ياسين، أنت بتهزر؟
تنهد وذهب. مسكت يده، قالت:
- رايح فين؟ مخلصناش كلامنا. هتعيش معاك في نفس البيت وشك في وش بعض.
- عندك حل تاني؟
- هي عندها أهل، مفيش غيرك يعني؟ أنا إلى مش هستحمل وضع زي ده، مش أنت.
نظرت له. أردفت:
- أنا مش أنانية، بس أنت مش شايف اللي بتقوله وعايزني أتقبله.
- ده اللي عندي يا ميرال.
نظرت ألا يبالي بها. صمت قليلاً ثم قال:
- فريدة مريضة.
نظرت له. أردف:
- وأنا بشوف نفسي سبب في مرضها من بعد اللي حصلها. مش قادرة تمارس حياتها بشكل طبيعي. غلطة ممكن ملقاهاش معايا.
تفاجأت ونظرت له، ليردف بتأكيد:
- عشان كده هي هتفضل معايا حتى لما تتجوز.
نظرت له بشدة، ليكمل:
- هي مسؤوليتي وأنا هتحملها لحد ما أموت. ياريت تفهمي ده يا ميرال.
قال آخر جملة معلناً إنهاء حديثه وذهب، وهو يتركها تطالعه وكأن يضعها أمام الأمر الواقع. هي فريدة، الذي لن يتركها حتى بعد زواجه، ستكون معه.
راحت وراه، قالت:
- ياسين.
توقف حين نادت عليه. سمعت فريدة الصوت. نظرت لهم.
قالت ميرال:
- قصدك إيه؟ إن لما نتجوز هتبقى معانا؟
صمت، فهو أخبرها بكل ما لديه. كانت فريدة تريد أن تعرف اللي بيحصل. أرادت أن تسمع ما يقوله.
قالت ميرال:
- لو قلتلك إني كنت على علاقة بواحد ولسة معاه، هتسبني مكملة؟
نظرت له بشدة:
- أنتِ بتقولي إيه؟
- ضايقت لي؟
- متوهيش يا ميرال. إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ حقيقة ولا لأ؟
لم ترد عليه، قالت:
- لما تديني رد هقولك.
مسكها وقال بغضب:
- ردي عليّ.
نظرت له من غضبه ذلك. قال:
- صدقت؟ ياسين، أنا بقول مثلاً. سبني.
سألها ونظر لها وإلى غضبه، قالت:
- معقول تصدق إني بحبك وأكون مع واحد؟ كنت بحطلك مثل عشان تحس باللي أنا حاسة بيه.
- غلطانة يا ميرال. أنتِ جبتي مثال مش زي الوضع اللي فريدة فيه. جبتيه مثال قذر.
- لي؟ فهمتها كده؟
قربت منه وقالت:
- علاقة مع واحد... كان قصدي حب، رسايل إعجاب. لي شوفتيها من منظور تاني؟ عشان دارين مش كده؟
نظرت له بشدة، قال:
- دارين؟
صمتت بتوتر من نظراته. قال:
- مالها دارين؟
- مش خانت...
انصدمت فريدة. هل أقول؟ هل أختها ذلك؟ نظرت إلى ياسين. فهل خانته بالفعل؟
- وأنتِ عرفتي منين؟
- سمعتك وأنت بتقول لفريدة يوم الفرح.
صمت وتذكر ذلك اليوم. قال:
- وأنتِ صدقتي؟ ممكن بقول كده عشان أرجعها.
- أنا بصدق أي حاجة أنت بتقولها. ومش أنت اللي تسئ لعرض واحدة كانت على ذمتك عشان ترضي غيرها.
سخر من نفسه. فريدة، الذي كان يحاول شرح لها، لم تصدقه. وميرال صدقت ما قاله برغم أنها أختها.
- أنا عرفاك ياسين، وأنت مبتكدبش. وعرفت يومها كل حاجة. كنت مخليها وعشت بتتوجع بسببها.
شعر بأنها ستعود بكلامها به للوراء. قال:
- نتكلم بعدين.
جه يمشي، مسكت يده. تضايق منها. وقفت قدامه، قالت:
- مش هتنسي اللي عملته. والدليل إنك مش قادر تتخطى خيانتها. بس ده مش ذنبك ولا ذنبي يا ياسين.
قالت آخر جملة بحزن. نظر لها. لتردف:
- أنا بحبك. ولو شوفت حبي ليك قد إيه هتعرف حجم غلطك معايا وسوء ظنك بيا. أنا آسفة عشان ضايقتك باللي قولته. بس أنا مش دارين. ولو شفتني زيها، حياتنا هتبقى كلها معاناة.
ذهبت حين ألقت عليها كلامه وغادرت، تتركه عالقاً بين الماضي والحاضر. فميرال جزء من ماضيه. حين ينظر لها يتذكر دارين. تنهد بضيق من نفسه ومشي. بس وقف لما شاف فريدة تنظر له والدهشة تملأ عيناها من الحقيقة التي عرفتها، بل كانت تعرفها وتتجاهلها.
- اللي قلته صح... دارين خانت.
كلم يرد عليها وذهب. نظرت له. دخل ياسين غرفته. مسك رأسه وجلس. جت فريدة وشافته. كان متصبب عرقاً، عروقه بارزة. تلك الحالة تشعر أنها رأتها من قبل في ياسين. ولم تعلم سببها. كان ماضيه من يفعل به ذلك. دارين... كانت هي السبب.
- ياسين.
قالت ذلك وهي تدخل، لكنه قال دون النظر إليها:
- امشي يا فريدة دلوقتي.
لم ترد عليه. اقتربت منه وجلست بجانبه. نظر لها، قالت:
- عارف إني مش هسيبك وهقعد.
- بس أنتِ سبتيني قبلها في وقت مكنش ينفع تسبيني فيه.
نظرت له حين قال ذلك. قام ليترك الغرفة لهما بأكملها. قالت:
- لو كنت فهمتني مكنش ده حصل.
توقف، نظر لها، قال:
- حاولت أفهمك. مدتنيش فرصة.
- مكنتش مصدقة كل حاجة. كانت بتقولي إنك...
- إني كداب؟ ياريتني كنت كده. فكرك إني هكدب وأقلل من رجولتي لي؟ هقولك إني اتخانت من فراغ؟ ف راجل يقبل يقول على نفسه كده؟
شعرت بالحزن أنها لن تصدقه. قالت:
- ولما هي خانتك، كنت لسا مخليها معاك لي؟ كنت بتروح لها بتزورها وأنا معاك؟ شايف إن ده عادي؟ معقول لسا بتحبها عشان كده مخليها على ذمتك رغم خيانتها ليك؟
- أنتِ مشفتيش كانت عاملة إزاي؟ خسرت نفسها وابنها، خسرت حياتها... وانتحرت يوم الفرح بسببي.
نظرت له بشدة، قالت:
- انتحرت؟
- كانت في مصحة بعد الحادثة. الدكاترة قالوا إنها في صدمة، بعالم هتفوق منها ولا لا. كنت حاسس إني السبب في اللي هي فيه، وخسارة ابننا كان بسببى، وده لأنني مكنتش شايف قدامي ومش مركز في السواقة. مكنتش مركز في حاجة غير اللي قالته لي.
نظرت له والألم يظهر على وجهه.
- مشهد الدم وهو محاوطني وهم قدامي عيني. جوزيف اللي كان بيصرخ صراخ مش عادي وأنا مش قادر أتحرك. لحد أما صوته وقف. كل الأصوات كانت في دماغي مش راضية تسبني من يومها. بعد أما فوقت اكتشفت إن ده مكنش كابوس، كان حقيقة. ابني مات ودارين حالها نفسية اتحجزت بسببها. كنت بروحلها كنوع من الإنسانية لأن اللي كان بيني وبينها مكنش حب عادي، ممكن يكون اتخطى الكلمة دي. أنا بس كنت عايز أسألها لي عملت كده، امتى وفين، وإزاي، ومع مين؟ أنا محرمتهاش من حاجة عشان آخد ده منها.
- كنت تطلقها ولا إنها تفضل لسا على ذمتك؟
- فكرك كنت فرحان.
نظرت له باستغراب، ليكمل:
- دارين لما اعترفتلي مكنتش قادر أستوعب يومها. لأن مفيش واحدة تعترف بخيانتها. وده كان مخليني معاها عشان لما ترجع أعرف منها كل حاجة. خانتني فعلاً ولا بتقول كده وخلاص زي عادتها عشان تشوفني متفتح ولا رجل شرقي؟
- مفيش راجل أياً كان مين هو يقبل هزار زي ده. ومفيش ست تقبل على نفسها الخيانة إلا لو كان فيه سبب.
- كنت عايز أعرف السبب، بس هي مشيت قبلها.
إذا، هذا السبب كان باقي فقط لأن يشك بخيانتها ولن يتأكد منها بعد. كان هناك ما يخبره أنها لم تخونه. وكان ذلك قلبه وعقله الذي يترحم الحسابات ويخبره أنه تعرض للخيانه من زوجته وطعن في شرفه. كان يريد التأكد بعده، كي يزول الإحساس بالمسؤولية ويعيش بعيداً عنها للأبد، لكنه لم يأخذ شيئاً منها وتركته دون جواب.
- كنت معاها عشان تعرف جواب لأسالتك.
قالت فريدة ذلك باستدراك. نظر لها، أردفت:
- كل اللي أنت قلته هي كانت السبب فيه، مش أنت. هي اللي عملت في نفسها كده. لي تاخد غلطها؟ لي مقالتش إنك اتخانت بدل ما تبقى أنت الغلطان؟
- هتخسر عيلتها هي كمان. وفكرت في نفسي. مكنتش عايز أضحي باسمي وشغلي. لأن محدش هيقدر يغطي خبر زي ده، إن مراتي خانتني. مش هقول نظرات شفقة، سخرية من حد. قفلت الموضوع، أفضل لينا إحنا الاتنين.
قالت ساخرة ممزوجة بالحزن:
- طب كويس إنك فكرت في نفسك المرة دي. بس بدل ما تفكر فيها طول الوقت.
- والدك كان مؤيدني في كلامي.
نظرت له بشدة، قالت:
- بابا.
أومأ لها إيجاباً، ليردف:
- مكنتش عارف أعمل إيه. جيت مصر وقعدت معاه، وكان معايا في قراري. لو فتحته هفتح عليا مواجع طويلة ملهاش نهاية. خليت اللي حصل ماضي ملهوش دعوة بحاضري.
نظر إليها، وأردف:
- عشان كده مقولتلكيش. مكنتش عايز الماضي بتاعي يأثر على حياتي معاكي.
نظرت له بشدة، قالت بغضب:
- حياتنا قصدك؟ دي كانت حياتنا اللي المفروض أعرف عنك كل حاجة. لو كنت قولتلي على كل حاجة من الأول... لي مقولتليش؟ لي؟
قاطعها وهو يقول:
- أقولك عشان تسبيني؟
نظرت له، ليردف:
- ردي. عملتي إيه لما عرفتي؟ سبتيني؟
قال آخر جملة باختناق. شعرت بالحزن:
- كنت عايز أقولك كل حاجة بس خوفت. فجأة لقيت نفس السيناريو اللي اتخيلته ما تعرفي بيتحقق. أول حاجة سبتيني وكذبتي أي كلمة قولتهالك. أنتِ مصدقتيش حتى إني اتخانت، كأني باخد منك شفقة.
حزنت وهي لا تملك ما تقوله.
- اتكلمي يا فريدة. عايزاني أقولك لي؟ عشان يحصل اللي حصل وده يبقى رد فعلك اللي أنا عارفه.
- عارفة إني غلطت من رد فعلي، بس أنت كمان غلط. عارف حسيت بإيه وأنا بتخيلك رايح لها وأنا قاعدة هنا مستنياك وفاهمة إنك في شغل؟ لما أتخيل إنك كنت معاها، كنت بحرق. حسيت إني اتخدعت فيك أوي وكل اللي عيشتهولي كذب. حتى حبك شكيت فيه، وإنه كذب. كنت عايزة اهتمام، تتمسك بيا، تكتب من كده. بس أنت اللي اتخليت.
- اتخليت عنك؟!! كام مرة عايزت أقابلك أتكلم معاكي فيها، وأنتِ رفضتي.
- أنت مدتنيش اهتمام حتى عشان أوافق أقابلك. أنا كل اللي كنت شايفاه واحد كذب عليا في أكبر حاجة ممكن أتخيلها. أعرف إنك متجوز ومراتك عايشة. مراتك اللي كنت عايش على ذكرياتها ومش عارف تخرج منها.
- ياريتك أدتيني فرصة أفهمك. فرصة واحدة بس يا فريدة نتكلم زي أي اتنين متفاهمين. بس أنتِ مدتهاليش. أنا كنت بحبك بجد. حبي اللي شكيتي فيه ما ضعفش.
دمعت عينها وقالت:
- كنت...
لم يعد كذلك. لم يرد عليها. قال:
- حبك كان ضعيف أوي يا فريدة، كأنك محبتنيش أصلاً. كأنك لقيتي غلطة مسطرة فيها عشان تتخلصي مني. كأنك فعلاً شايفه علاقتنا غلط وعايزة تبعدي.
وكان يقصد كلامها حين كان يحاول إرجاعها. "علاقتنا كانت غلط من الأول، معدتش عايزك، خلينا ننهيها لحد هنا." لعنة نفسها مراراً. هي فقط لم تكن تعلم ما تقوله. كانت تريد أن تنتقم على لا شيء. تنتقم وقلبه هو من يتفتت ولا تدري ذلك. رأت ألمها أكبر من ألم قلبه، وهي من كانت تعتصر بين يديها. قالت بحزن:
- ياسين.
- لو كان فيه حد اتخلى، فهو أنتِ.
- كفاية شكك فيا.
نظرت له حين قال ذلك، لتردف:
- لما شوفت صورتي مع إيهاب في المول وجيت، وكان شكلك غريب زي ما اتحولت مع ميرال. كنت بتنصحني خوفاً إن أبقى زي دارين وأخونك، مش كده؟
قالت ذلك بانكسار:
- معقول شوفتني زيها؟ عندك تبرير لده كمان؟
قرب منها. نظرت له. وقف أمامها، قال:
- عمري ما شكيت فيكي يا فريدة أو شوفتك يوم زيها. والدليل إني محبتش غيرك، لأنك الوحيدة اللي وثقت فيها وشوفتك بريئة. عكس فكرتي اللي كانت هتثبت عنهم، وإلا مكنتش هتجوز. حياتي كلها عايش في شك.
نظرت له. فهل هي من كسرت شكه؟ هي من حررته وخلته قادر يتزوج غيرها الآن؟
- لما كنت بنصحك دي، كانت نصيحة من خوفي عليكِ، مش إني خايفة تعملي زيها. كنت بنصحك عشان كنت بعتبرك مني وخايفة عليكِ من الدنيا وقلبتها.
شعرت بالحزن من ذلك الحب الذي تجاهلته واستغلته ضده. شعرت بالحزن من غبائها الشديد.
- تاني مرة بتسئي الظن فيا. ومع ذلك لسا معاكي.
قال ذلك بقلة حيلة من قلبه الذي لا يستطيع تركها. مشي. لكنها أسرعت بإمساك يده وقالت بصوت يرتعش بالبكاء:
- ياسين، أنا آسفة.
توقف، وظهر الحزن على وجهه. ولم يلتفت إليها:
- سامحيني.
نظر لها من دموعها المتجمعة، يريد أن يربت عليها، يمسح دموعها، لكن متقيد بأحكام. تذكر ميرال التي تخبره بحبها، وأن تقيد لامرأة أخرى تثق به.
- أنا آسفة أوي.
تنهد وهو يقول:
- متتأسفيش.
نظرت له. فهل سامحها؟ ليردف:
- اللي حصل انتهى. بلاش نتكلم فيه.
شعرت بأن قلبها يتكسر. معقول؟ هل أصبحت ضمن ماضيه الذي لن يفتحه مجدداً؟ هل أغلق صفحتها كدارين ووالدته؟ سالت دموع من عيناها. سابت يده ومشيت فوراً من أمامه. وقفت على السلم وهي تستند وتمسح دموعها، لكنها تسيل بغزارة. وهي السبب فيها. لماذا تبكي الآن على خسارته؟ أليس هذا ثمرة أفعالها؟ راحت سريعاً على أوضتها وأنهالت بالبكاء.
- لي يا ياسين؟ عارفة إني غلطت، بس متعاقبنيش كده. هتتجوز وتعرفني إنك أكبر خسارة ليا. مش هقدر أستحملها. حياتي كلها هعيش في ندم. لي عملت كده؟
بكت بحزن وندم أنه لم يعد لها. تتذكر كلماته، عتابه الذي كان يكتمه. كل الحقيقة التي عرفتها الآن. لو كانت استمعت له لما حدث كل هذا. لماذا هي غبية لهذا الحد؟ لماذا نسي أنها لا تزال صغيرته ولا يأخذ بأفعالها، بل يفهمها خطأها برفق؟ الست الفتاة المراهقة المدللة كما تدعي، لما لا تنصحني كالعادة وأنك لست حزين مني؟ كأني كسرت بك شيئاً لن يعود كما كان.
كان ياسين واقفاً في مكانه، لا يزال يشعر بطيفها. تنهد وذهب إلى الحمام وهو يغسل وجهه بمياه باردة. تذكر كلامها وهي تمسك بيده، الذي سحبها من بين كفيها وكأنها خطأ يتهرب منها. بل هي بالفعل خطأ، ومكانها خطأ، وكل ما يفعله خطأ. لا يجب أن يعود بالتفكير به.
نظر في المرآة وهو يرى طيف ميرال وإيهاب. تلك الحقائق التي تحاوطه. أصبح غرباء بالفعل. ابتعدا... ابتعدا كثيراً وقيدتهم حدود لا مفر منها. أنها متزوجة وهو أصبح في عقدة امرأة أخرى، ولن يخون ثقتها به. سامحيني يا فريدة... لم نعد مثل السابق. القلب عاشق، لكنني لم أعد لك، ولم تعدي أنتِ لي.
***
كان إيهاب جالساً مع عائلته. قال أشرف:
- سبتها عنده.
- هرجع تاني، بس تكون هديت. لأول مرة أشوفها خايفة من حد كده.
- طبيعي.
نظر لها باستغراب، لتردف:
- مقصدش حاجة. بس يعقوب الله يرحمه كان مدلعها ومكنش عنده غيرها. وياسين كان مديها الثقة في نفسها ومبيغلطهاش.
قال أشرف:
- البركة في إيهاب، خلي البنت حتى خايفة تيجي هنا بسببه.
حزن إيهاب من الحقيقة التي قالها والده. مشي وتركهم. قال:
- أنا مكنتش في وعي. مكنش قصدي أقسي عليها وتكون القساوة دي مني مع فريدة. أنتِ عارفة حتى يوم ما عرفت إنها بتحبه، سبتها رغم إني حسيت بخيانة، بس محبتش أعملها حاجة.
- وأنت مش شايف إنها استغلتك كمان في جوازك؟
صمت ولم يرد عليها. قال:
- أنا كمان يا ماما، كنت عايز أحقق انتقام منها ومنه. حسيت إني لما هتجوزها هبقى اثبتله إنها رجعتلي بعد ده كله وبقت ليا، وأكون رجعت كرامتي.
قالت بتفاجؤ:
- يعني أنت مبتحبهاش عشان كده اتجوزته؟
- لا يا ماما. أنا بحب فريدة ومش قادر أنساها. واحد دلوقتي عايز أرجعها.
- كفاية يا إيهاب.
نظر لها. ربتت عليه، وقالت:
- كفاية عشانك. متتجرحش أكتر، وعشانها متجبرهاش.
لم يرد عليها. فهل يتركها بعدما أصبحت له؟ يأتي يدها لتعود إليه؟
- أنت صحيح مقربتلهاش؟
نظر إلى والدته، لتردف:
- محصلش حاجة بينكم يعني؟
- لا يا ماما. أنا هكدب في حاجة زي دي لي؟
ابتسمت بخفاء، وقالت:
- طب كويس.
نظرت باستغراب شديد من سعادتها أنه لم يتمم جوازه منها. قالت:
- أقصد كويس عشان اللي حصل ده وخناقة من أولها.
أومأ لها بتفهم، قالت:
- أنت كلمتها؟
- مش عايزة تكلمني. كلامي كان مع ياسين.
- مبتكلمش على فريدة؟ بتكلم على تسنيم؟
تعجب كثيراً، قال:
- تسنيم؟
- أيوه. أنت مش بتكلمها؟
- لا، بقالي كتير مكلمتهاش.
استوقفه شيء، قال:
- هي عرفت إني اتجوزت منين؟ مفتكرش إني قولتلها.
- وأنت كمان عايز تقوله؟
لم يفهم ما تقصده والدته.
- جت وسألت عن فريدة، وقولتلها. شفت في عينها الزعل، خلتني أندم إني اتكلمت.
صمت إيهاب ولم يعلق على كلام والدته. نظرت له سلوى، قالت:
- متعرفش عنها حاجة بما إنها صاحبتك أوي و...
- لا معرفش.
قال ذلك وهو يقطع الحديث، كأنه لا يريد أن يسمع شيئاً عنها. قال:
- عايز أريح.
سكتت بقلة حيلة من ابنها، فهو يتهرب كعادته. تنهدت وقالت:
- متنامش، الأكل هيتحرق.
قامت وسابته، وقالت داخلها:
- بتحب اللي يجرحك بس... هو ده الحب. محدش بياخد اللي يريحه.
كان إيهاب جالساً. نظر إلى والدته بعد أما مشيت. افتكر كلامها عن تسنيم، الذي بالفعل لا يعلم عنها شيئاً. فتح تلفونه، بس وقف لحظة. نظر على الرسائل، لم يجد أي رسالة من تسنيم. وهذا بغير عادتها. فهو قفل منذ أيام، توقع أن يجد منها أي رسالة واهتمام وهي تسأله أين هو حين يقفل خمس دقائق.
لطالما كانت تلك الفتاة تعطيه اهتماماً والثقة بنفسه الذي جعلته فريدة أن يفقدها. بل كانت تعجب به لأقل شيء يفعله، حتى عمله دائماً ما تراه عظيماً.
حين كان جالسين في المقهى وتقرأ أحد مذكراته، كان يكتب بها ملاحظات. نظرت له، قالت: "واو، ده خطك... حلو. علمني."
"مبتعرفيش تكتبى؟"
"بطل رخامة، أكيد بعرف بس خطي مش كده."
"هبقى أعلمك حاضر. تدفعي كام؟"
"أنت مادي؟"
"بقيت مادي والكتب اللي بتاخدها؟"
"ده عشان مبلاقيهاش وبتكون معاك نسخة لسا بتطبع... بعدين قولتلك أديك حقها و..."
"تسنيم."
"خلاص أنا آسفة. مقولتليش." كملت بتردد: "ا.. أنت مرتبطش لي؟"
"بتسألي لي؟"
"عادي مجرد فضول."
"مبحبش الارتباط."
قفلته. قال ذلك وهو ينظر لها، وكأنه يؤكد لها ألا تفكر فيه، فهو لا يريد أن بخيرها كصديقة. بالفعل كانت تخشي من معرفته لحبها، فيبتعد عنها. لذلك كانت صامتة ولم تدرِ أن أفعالها كاشفة ويدرك عن يقين داخله أن تلك الفتاة تكن المشاعر له، لكن يتجاهل ذلك الصوت مراراً. يتجاهله عمداً ويظهر المبالاة، وهي من أعطته اهتماماً عكس أي فتاة أخرى.
حتى والدته حين تحدثت عنها بتلميح عن حبها، أصمتها. وليس لأنه لا يبالي ولا يريد سماع شيء عنها، بل لا يريد أن يشعر بتأنيب ضمير منها. لا يريد أن يشعر أنه كسر قلب أحبه، مثلما كسر قلبه. لا يريد أن يتأكد أنها كانت تحبه.
***
في اليوم التالي، كانت فريدة في غرفتها. فكان ياسين ذهب لعمله. أنها رأت تغيراً كبيراً به، لم يعد معها كالسابق. ولن يعد. كل ما تتذكر البارحة تشعر بالحزن، والندم، والتأنيب. سمعت صوتاً من تلفونها. مسكته بتنهيدة. وجدت مكالمات أخرى، فهي قافلة المكالمات منذ مدة ولا ترد على أحد. فتحته وشافت اسم يارا وتسنيم، اللتين كانتا متصلتين عليها كثيراً منذ مدة. عدى خمسة أيام لم يرنوا عليها مرة أخرى.
ما كل هذه الاتصالات؟ شافت التاريخ، قالت:
- الدراسة كمان هتبدأ.
رنت على تسنيم، بس ملقتش رد. رنت عليها تاني، لكن بلا رد. فاتصلت بيارا، حتى ردت عليها. قالت:
- افتكرتي؟
لم تفهم لهجتها. قالت:
- لسا شايفة المكالمات. كان فيه حاجة ولا إيه؟
- كنت بطمن عليكي بس. عرفت إنك كويسة، فمتصلتش تاني.
تنهدت، فهي ليست بخير تماماً. قالت:
- أنتِ فين يا يارا؟
- لي؟
- عايزة أجلك، مخنوقة.
- الجواز مطلعش حلو.
تفاجأت من معرفتها. لكن قالت:
- قصدك إيه؟
- مقصدش يا فريدة. تعالي، أنا كمان عندي كلام ليكي.
- تمام.
قفلت معاها عشان تلبس.
كانت يارا جالسة في مقهى في حديقة عامة وتحتسي مشروبها. نظرت، شافت سيارة بعيداً تقف وفريدة تنزل منها. نظرت لها. قربت منها، قالت يارا:
- أخيراً ظهرتي يا فريدة.
لم تفهم لهجتها. قالت:
- لما عرفت أخرج، جيت. الحوارات الأخيرة مكنتش بحتك بحد يا يارا.
- مالك؟ قولت هشوفك مبسوطة بجوازك.
نظرت لها فريدة، لتردف:
- عارفة آخر مرة اتقابلنا من يوم الفرح؟ قصدي فرح ياسين مش إيهاب.
- أنتِ عرفتي منين؟
- كلمته، قال لنا. وتسنيم كانت معايا يومها، كانت قلقانة عليكي، بس قلقها مكنش في محله.
لم تفهم فريدة، وقالت:
- مش فاهمة. وضحي.
- لو كان يهمك، كنت وضحت. بس أنتِ مبتهتميش غير بنفسك.
- يارا، قولي اللي عايزة تقوليه. أنا مبحبش كده. بتتكلمي معايا كده لي؟
- يعني متعرفيش؟
- معرفش إيه؟
تعدلت وهي تقول:
- فريدة، أنتِ اتجوزتي إيهاب لي؟ عشان تضايقي ياسين، مش كده؟ أنتِ كسرتي قلب تسنيم صاحبتك، اللي معملتلكيش حاجة.
- تسنيم؟
قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
- قالت ذلك بصدمة:
- بتحبه؟
- أيوه.
رواية زهرة الاشواك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور
فتح ياسين عليها، شافها واقفة في ركن الأوضة وبتعيط بشدة. نظرت له والدموع نازلة منها، لينصدم لما شافها ماسكة عصفور مرتخي من بين إيديها.
قرب منها ونظر للقفص، ليلاقيهم ماتوا. حزن من المنظر وقال:
- فريدة.
- ماتوا.
قال ذلك وهي بتبكي وماسكة واحد منهم وتمسد على ريشه الناعم. بكت بحرقة وقالت:
- مبيتحركوش ليه؟ ليه مش سامعة صوتهم؟
زعل عليها، قرب منها وقال:
- سيبيه.
- لا... هيصحوا... مماتوش.
هزت القفص كأنها بترجو عودتهم وقالت:
- هيقوموا... ليه؟ كانوا كويسين، كنت لسه بكلمهم امبارح.
بكت وصوتها كان بيردد في أذن ياسين وهو حزين عليها. قرب منها، ربت عليها وقال:
- أهدي يا فريدة.
- قتلوا.
نظرت له بأعين مليانة دموع وقالت:
- حتى دول... خدوهن مني... كل حاجة بتتاخد مني يا ياسين.
ارتمت على كتفه وبكت، وشعر برجفة جسدها وصراخ بكائها اللي كان بيألمه قلبه.
- ليه ماتوا؟ عملوا إيه؟
مسك وشها ومسح دموعها وقال:
- أهدي، أرجوكي.
لكنها لم تكن تسمع إليه. قال:
- متزعليش، هجيب لك غيره.
نفت له وهي بتبعد إيده وبتقول بصراخ:
- لااااا! أنا عايزهم هما... عايز دول اللي عاشوا معايا ومحسيتش بالوحدة في وجودهم.
حزن كثيراً، حضنها ليهدأها بينما لم تكن تصمت. أمسكت بزراعه بأظافرها وقالت:
- رجعهم لي، أرجوك.
دفنت وجهها في صدره وتبكي بقهر، ويتألم من صوتها. لأول مرة يراها تبكي بهذا القدر وصراخها يعلو بحرقة ويحرقه معها. كان يربت عليها، يحاول أن يهدئها، متجاهلاً ميرال التي كانت واقفة تشاهد ما يحدث وترى فريدة القابعة داخل أحضان ياسين.
كان الخدم واقفين عند الباب في الخارج، وحزينون عليها وخائفون في ذات الوقت مما ينتظرهم.
كانت تبكي وهو يمسد على شعرها بحنان، مثلما كان يفعل في السابق ويحنوا عليها لتهدأ، بينما كانت لا تزال تنشج.
نظر إلى الخادم، أشار له بعينه على القفص. أومأ له إيجاباً واقترب من القفص، وياسين يعانقها ويضع يده عند رأسها كي لا تنظر. أخذهم الخادم وذهب.
- أنسة فريدة هتتأثر أوي.
- أكيد، كانوا جزء من يومها.
- من ساعة ما ياسين بيه جابهم وهي بتعتبرهم كأنهم عيلتها، عكس أول لما جت هنا كانت حاسة بالغربة.
- بس ماتوا إزاي؟
- معرفش، أهو قدر.
- قدر يموتهم فجأة كده؟
سند ياسين فريدة وذهب بها إلى سريرها، وهي تتكئ عليه. أنامها، وكان هيبعد، وجدها متشبثة بملابسه كي لا يتركها. جلس بجانبها حتى تغفو. نظر إلى ميرال التي كانت تنظر إليه، لكنه لم يكن يفكر سوى بفريدة، وشارد الذهن.
نظر لها، فهو يقلق عليها من تلك الصدمات. من الجيد أنها نامت، لا تتحمل الحزن وما رأته.
قال ميرال:
- ياسين... أنا مش فاهمة حاجة. مين دول؟ وليه انهرت كده؟ الطيور شكلهم كان كده إزاي أصلاً؟
- معرفش يا ميرال... فريدة كانت متعلقة بيهم. حصل كده إزاي... هعرف ده بنفسي.
نظرت له حين قال ذلك بجدية، وهو ينظر إلى فريدة والحزن الذي تسبب به إليها وحالتها تلك. كانت متعلقة بهم كثيراً منذ أن جاءت هنا. أول بسمة كانت حين أحضرهم لها، وأول عناق بينهم كان بسببهم. لقد كان يخرج لشركته وهي تبقى في المنزل معهم كأنهم أصدقائها، حتى أنها كانت تبكي معهم أكثر منه، فهو كان يعود في الليل، أما هم فملازمين غرفتها. وها هم قد ماتوا، ولا يعلم السبب. معقول أنه عدم اهتمام أم البرودة، أم شيء نقصهم... أم تسمموا؟
بعد عند فريدة بعد أن نامت وخرج. نزل وسأل الخادم أين أخذهم. أخبره، فذهب ليلقي نظرة عليهم، لكن كل شيء كان كما هو. نظر إلى الطعام الخاص بهم، كان متبقياً منه خده. أمسك حبات من بين أصبعيه وفركه ليتفتت. اقترب منه وتشمم رائحته ليتعجب. ابتعد ونظر إلى أصبعيه.
نظر له الخادم بعدم فهم. حط ياسين الطبق وقال:
- تمام، خده.
أومأ له وذهب.
قالت ميرال:
- في إيه يا ياسين؟
- مفيش حاجة.
راح للمطبخ. نظروا له الخدم. قال:
- مين اللي كان بيحط الأكل لهم؟
- أنا... بس الأنسة فريدة كانت معظم الأوقات هي اللي تحطلهم، فكنت بحطلهم أنا وهي مش موجودة.
- أنتي اللي حطيتلهم امبارح؟
- آه، بس سبته عندهم وهي لما ترجع تاكلهم. هو في حاجة يا ياسين بيه؟
- لو حد ليه دخل باللي حصل يقولي من دلوقتي، عشان لو عرفت لوحدي مش هيبقى لصالحه.
ذهب، نظروا له بخوف وريبة. قالت:
- إنني عملتي إيه؟ أوعي تكوني حطيتي لهم حاجة.
- أنتي عبيطة؟ هحطلهم إيه؟ هو الأكل بتاعهم اللي بحط منه مبقاش موجود.
- أمال ياسين بيه مضايق ليه؟ كأننا السبب في موتهم.
- كده كده الطيور عمرها قصير، من أقل إهمال أو نسمة هوا بارد ممكن يموتوا.
- يلا، ربنا يعوضها.
في المساء، طرق ياسين الباب على فريدة. فهل ممكن أن تكون نائمة كل هذا الوقت؟ فتح، شافها جالسة وتنظر في الفراغ.
- صحيتي امتى؟
- من شوية.
نظر على ما تنظر، وكان مكان القفص الذي أصبح خالياً. تنهد، اقترب وجلس على حافة السرير بعيداً عنها وقال:
- أنتي اللي أكلتيهم امبارح.
أومأت له إيجاباً. نظر لها وقال:
- الأكل كان فيه بيكربونات.
نظرت له بصدمة وقالت:
- إيه؟ قصدك إنهم اتسمموا؟ زي ما قلت، اتقتلوا؟
- أهدي يا فريدة.
تذكرت البارحة والطبق الذي وضعوه عند القفص، وهي حسبته طعاماً فوضعته لهم. قالت:
- أنا اللي حطيت لهم... ماتوا بسببى يا ياسين.
مسك وجهها وقال:
- فريدة، خلاص.
سالت دموعها وقالت:
- والله ما كنت أعرف... ما كنت أعرف إن فيه حاجة.
- عارف، ممكن تهدى، كفاية عياط.
نظر إلى كلتا عينيها، فكانت مرهقة. مسح دمعتها وقال:
- خلاص.
أغمضت عينيها وهي تشعر بحنانه الذي اشتاقت له، ويده التي تمسك وجهها. نظر إليها ومن قربه منها، لينظر إلى شفتاها. نظرت إليه، تنهد وابتعد عنها.
دخلت الخادمة وهي تحمل صينية.
- الأكل.
أخبرها ياسين أن تضعه، لكن فريدة قالت:
- مش عايزة.
- أنتي ما أكلتيش من الصبح.
- مش عايزة أكل خالص... ماليش نفس... شيليه.
نظرت الخادمة إلى ياسين، فهل تفعل ذلك أم لا؟ أشار لها أن تذهب، فذهبت وتركتهما.
قال ياسين:
- فين الدوا بتاعك؟
- في الدرج.
راحت وفتحته ليخرجه ويضعه على الكمود. استغربت. قال:
- حطيه قدامك عشان تعرفي إن أكلك ليه... حتى لو مش جعانة، كلي عشان العلاج.
- معدتش تفرق.
نظرت إليه حين قالت ذلك وكانت منطفئة. تنهد وقال:
- فريدة، عارف إنك زعلانة بسبب اللي حصل، بس مش هقدر أسيبك على راحتك في الأكل.
نظرت له ليردف:
- بكرة بداية دراستك. مش عايزة تاكلي؟ مش هقدر أوديكي.
- بتهددني؟
- بعرفك... لو عايزة تروحي، كلي.
أدارت وجهها بعند وقالت:
- أصلاً كنت ناسيه بكرة إيه... انت اللي فكرتني.
أخذت الصينية بضيق لتبدأ في الأكل، فهي تريد الذهاب. سعد ياسين. سالت دمعة منها وهي تأكل، مسحتها بكفها، فكان حزنها لم يغفو، وصدمتها لا تزال عالقة في ذهنها.
وجدت يد تمتد وتضع منديل بجانبها. نظرت لتجده ياسين. وضع يده على رأسها يمسد على شعرها بحنان. خجلت ونظرت له من ملامحه الهادئة، ويده التي تحب ملمسها. لكنه ابتعد عنها ولم يطل كثيراً وخرج، وهو يتركها.
نظرت إلى المنديل، تشممته وكان به رائحة عطره. وضعت يدها على شعرها مكان يده، فظهرت حمرة طفيفة على وجنتيها وهي تتذكره.
في اليوم التالي، خرجت فريدة. قابلت ميرال التي نظرت إليها. لم تهتم فريدة بها، لكنها قالت:
- فريدة.
توقفت ونظرت لها.
- عايزة إيه؟
- عاملة إيه؟
استغربت من سؤالها وقالت:
- الحمد لله.
- كويس... لو عايزة حاجة قولي لي.
كانت مستغربة منها وقالت:
- أنا هعوز حاجة منك ليه؟ اللي بعوزه بكلبه من ياسين.
تنهدت ميرال من تلك الفتاة وقالت:
- أنا قولت أعرفك عشان متكونيش فاهمة إن عندي مشكلة ناحيتك... موفقة في يومك الدراسي.
- شكراً.
مشيت بعير مبالاة، بينما ميرال ذهبت، فهي كانت فقط تشفق عليها من البارحة. كانت فريدة مستغرباها، فهي كانت تستفزها الأيام الماضية. أليست غاضبة، أم أنها تسخر منها؟ لو كنتي فقط يا ميرال لم تفعلي ما في رأسك وتتزوجي من ياسين، لكنا أصدقاء، لكن هذا لن يحدث. أنك تعشقيه ولم تتركيه منذ زمن، فهل ستتركيه الآن؟ ياسين هو النزاع بيننا. إن عاد لي، فقضيتنا تنتهي. ليته فقط يعود.
كان ياسين في شغله بيفكر في فريدة، فهو لم يراها في الصباح وكيف أصبحت، وهل وصلت الجامعة. جت ميرال قاطعت تفكيره.
- ياسين... الميتنج.
أومأ لها. سبقته، أقفل هاتفه، كان يريد الاتصال عليها. ومشي.
كانت فريدة جالسة في المدرج تنظر حولها، لتلقي عينيها تسنيم. لكنها لم تأت، فاستغربت، فاليوم الأول للجامعة بعد انتهاء الإجازة، ولا تتأخر عادة.
ألقت الدكتورة دخلت، وقفل الباب بعدم دخول أحد بعدها. استلمت بيأس وحاولت تركز بعيداً عن تلك الأمور، لكن قلبها كان يشعر بالحزن.
خلصت المحاضرة وخرجت، قابلت يارا وكانت واقفة مع أصحابها. نظرت لها، قربت منها وقالت:
- مشوفتكيش وإنتي جاية... دخلتي على طول.
لم تعلق فريدة، بينما قالت:
- تسنيم مجتش.
- عارفة.
- منين؟
- ملقتهاش في السكشن.
- مكنتش عايزة تيجي الجامعة النهارده، بس جيت عشان أشوفها... وفي الآخر مجتش.
أردفت بحزن وندم:
- أنا السبب.
نظرت لها يارا وقالت:
- خلاص يا فريدة، اللي حصل حصل... هتيجي بكرة.
- وممكن متجيش... ممكن نروح لها نشوفها.
فتحت تلفونها وقالت:
- أنا معايا العنوان، بس معرفش المكان بالتحديد.
- أنا عارفة... يلا.
أخذتها وذهبوا. نظروا لها أصدقائها:
- راحة فين يا يارا؟
- راحة أقابل بكرة.
- تمام، باي.
مشيت مع فريدة، وقربت من عربيتها. بس وقت ونظرت للسائق والحراس. قالت:
- ودول هنمشي إزاي منهم؟
قالت فريدة:
- متحاوليش... حاولت قبلك معرفتش، هيروحوا معانا عشان أروح وإحنا راجعين.
ركبت فريدة مع يارا وذهبوا. نظرت يارا للخلف وكانت السيارة خلفها. قالت:
- لما كان البودي جارد معاكي أول مرة، كان الكل بيخاف يقرب لك منهم... الدليل أول خناقة ما بينا.
افتكرت فريدة حين صفعته أمس، وكان هيمتد عليها، لكنهم وقفوا أمامهم. ابتسمت وقالت:
- مش عايزة افتكر.
- ولا أنا... شكل ياسين لسه بيخاف عليكي. الوضع زي الأول.
قالت بمرارة:
- بيتهيأ لك، هو أسوأ لأنك مش عايشة اللي أنا عايشاه.
شافت حزنها وقالت:
- في إيه؟ أنتي غريبة أوي النهارده. حصل حاجة؟
- بعدين.
وصل كل منهم إلى منزل. نزلوا. قالت فريدة:
- ده... تقريباً... تعالي نشوف.
دخلوا وقرعوا الجرس. انتظروا قليلاً، فلن يأتهم رد. رنت يارا ثانياً. فتح الباب لهم وطلت امرأة. نظرت لهم. قالت يارا:
- تسنيم هنا.
- تسنيم... لا، هي برا.
صمت الاثنان بخيبة، لكن أعين فريدة التقطت أقدام واقفة من خلف الباب.
- هقولها مين؟
ردت فريدة عليها وقالت:
- قولي لها أصحابك جم يشوفوكي عشان قلقانين عليكي من تلفونها المقفول وغيابها عن الكلية.
كأنها توجه كلامها إليها وتردف:
- بس هييجوا تاني لأنك صحبتنا ومش ناسينك.
- هقولها مين؟
ردت فريدة:
- يلا يا يارا.
أخذتها وذهبوا. نظرت لهم المرأة، أقفلت الباب لتنظر إلى تسنيم التي كانت واقفة خلفه وسمعت كل الكلام الموجه إليها.
- كده تخليني أكدب يا تسنيم.
- معلش يا داده.
- مش عايزة تقابليهم ليه؟ شكلهم قلقانين عليكي فعلاً.
- كده أفضل.
في السيارة كانت فريدة صامتة. قالت يارا:
- مالك؟
- أنا غلطت أوي. كان معاكي حق يا يارا، خسرت صحبتي.
- ليه بتقولي كده؟ طنط قالت إنها مش موجودة.
- كانت واقفة ورا الباب.
تفاجأت كثيراً وقالت:
- تسنيم...
أومأت لها إيجاباً وقالت:
- هي اللي قالت لها تقول كده. مكنتش عايزة تقابلنا... أو بلا صح، تقابلني.
أردفت بتفكير:
- معقول إيهاب لحد دلوقتي مكلمهاش؟
- ومال إيهاب؟
- لو كان كلمها كانت قابلتني، كانت على الأقل عرفت إن أنا وهو اتطلقنا.
- ده هيفرق معاها.
- معرفش... بس ممكن لحد دلوقتي يفرق معاها.
- وممكن معددش يفرق.
- صدقيني لو كانت حبته بجد زي ما قلتي لي، فهيبقى فارق... لأنها مش هتنساه في شهر.
وكأنها تقصدها هي، فهي لم تنس ياسين حتى حين طلبت طلاقهم. كان كلامها ندمت عليه كثيراً، كلام ساعة غضب لفرك حبها له... وحبها هو الذي أوصلها لهنا... وغيرتها وأنانتها أداها لخسارة... كسر عميق بينهم تريد إصلاحه، لكنها لم تنساه يومهم، بل فعلت كل ذلك من أجله.
على العشاء، كانا جالسين بصمت. نظر ياسين إلى فريدة، فلم تكن تلك التي يعرفها. إنها صامتة، خافضة عينيها، لا تتحدث، تأكل بصمت. انطفأ بصغيرتها لم يراه سوى لأول مرة رآه فيها... كانت حزينة على وفاة والدها، وهي هي دخلت في حالة أخرى. يريد إخراجها منها، لا يحب رؤيتها كذلك.
- يومك كان عامل إيه؟
قال ذلك بتساؤل. نظرت له، فهل يحدثها هي؟ نظرت لميرال، عادت لطبقها.
- تمام.
لم يكن ذلك ردها، كانت تخبره ما فعلته وما تذمرت فيه، لأنها كثيرة الحكي والكلام، لكنها لا تريد التكلم حتى.
- ياسين.
نظر لها من نظرتها لتقول:
- بتروح المصنع امتى؟
استغرب، فهي لم تسأله يوماً عن ذاك.
- رايح بكرة... ليه؟
- هاجي معاك.
تفاجأ لتردف:
- عايزة أشوفه وأفهم شغل بابا كان بيمشي إزاي.
- تمام.
قالت ميرال:
- فكرة كويسة.
نظرت لها فريدة، فهي أول مرة تؤيدها.
- إنك عايزة تشوفي المصنع، تبقى عايزة تعرفي شغل والدك عشان هيكون شغلك قدام.
لم تفهم فريدة معنى كلامها ذلك، لكن شعرت وكأنها تتلاعب بها. هل تريد إبعادها عن طريق ياسين كي تكن مسؤولة أمامه وتجعله يتركها؟ أنك خبيثة يا ميرال... وأنا سألته بحسن نية، لكنك تقلبين الطاوله، ولم أعلم أن ذلك لصالحك.
طلعت على أوضتها، فهل تلغي رحلتها معه؟ أنها تريد أن تكون في صحبته، لكن ذلك بمثابة ابتعادها عنه. نظرت مكان فارغ، وكان موضع القفص سابقاً، الذي لم يعد موجوداً الآن.
شعر بالحزن الشديد. اقترب وجلس، فهي لن تعد هناك ما تحاكيه. كانت تنظر لهم تتذكر ياسين... تسمع زقزقة تملأ وحدتها وخوفها من الظلام. بات الهدوء والظلام واضحاً.
الآن لم يعد لها شيء خاص به سوى هذا الأنسيال الملتف حول معصمها، وتخشي فقدانه.
كانت ميرال جالسة مع ياسين.
- كويس إن فريدة افتكرت مصنعها.
- ليه؟
- عايزة تشوفه، يبقى عايزة تعرف الشغل أو تاخد نبذة عنه.
- ممكن تبقى زيارة عادية، وده من حقها. لو عايزة تعرف، هعرفها. مش عايزة، ده يرجع لها.
- لو شالت هي شغلها، هتريحك بعدين ومتكونيش بين المشغلين وتتعب. لازم تتعلم عشان تدير شغل أبوها وفلوسها. أنت شلته كتير يا ياسين، هي مصيرها تكمل لأنه شغل باباها. أنت تعبت كفاية لحد كده.
- ميرال، أنا مش بتعب.
قربت منه وقالت بحب:
- بس أنا شايف التعب عليك. مسرحياتك كتير من ساعة ما دخلت حياتك، وأنا مش معترضة، بس أنت عايز تتعب كده الحياة كلها؟ نفسك أولى بالراحة. أنت اللي تهمني.
- متخافيش... أنا كويس.
نظرت له ولجديته، تنهدت وقالت:
- زي ما تحب.
قامت وتركته. وفكر هو بكلامها. نظر، وجد هاتفها. تركته، خد راح أوضته. مر على غرفتها، لقى الباب مفتوح. دخل، لكنها لم تكن بالداخل. التفت، لكن توقفت عينه على شيء بركن الزاوية عند السرير.
- ياسين.
قالت ميرال ذلك وهي تخرج من الحمام. نظر لها، قربت منه وقالت:
- في حاجة؟
صمت قليلاً. لم تفهم صمته. مد يده وقال:
- نسيتي تليفونك.
نظرت إليه، ابتسمت وقالت:
- آه، ما أخدتش بالي... شكراً.
أخذته منه. نظر لها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير.
في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت.
قالت ميرال:
- هتيجي الشركة امتى؟
- هخلص وأجي، مش هتطول.
- تمام، هستنّك.
خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم.
- يلا.
- فريدة.
- اممم.
- مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟
بصت لنفسها وقالت:
- قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت:
- لا، مش قصيرة، بتهيألك.
نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها.
- اركبي.
نظرت له وقالت:
- هي قصيرة أوي.
- معرفش، بدام عجباكي، يلا.
- أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي.
- يلا يا فريدة.
ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل.
استغرب السائق وقال:
- ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟
استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال:
- استناها.
نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه. نظرت له وقالت:
- كده حلو.
- غيرتيها ليه؟
- عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟
لم يرد عليها. تضايقت. قال:
- جميل.
نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟
في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال:
- ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.
فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم.
- لازم أقول.
- لا، تنور حضرتك في أي وقت.
نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ.
- خلي بالك.
أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف:
- فريدة... طبعاً عارفها.
الرجل بدهشة وهو ينظر إليها:
- بنت يعقوب بيه؟
أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:
- فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود.
سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه.
- ربنا يرحمه.
أومأت له بحزن. أشار لهم وقال:
- اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟
نظرت إلى ياسين وقالت:
- لا، عايزة أشوف المصنع.
نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته.
في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال:
- في حد هنا؟
- ياسين بيه جه.
- وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده.
- إيه؟
- لا، مفيش... طلب أوراق الحسابات.
فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدّة، والكل يهابه. قال:
- لا، شكله جاي على الهادي النهارده... أصل الأنسة فريدة معاه. أقصد المدام، مش عارف أميز العلاقة.
أنصدم وقال:
- فريدة هنا؟
- آه.
- طب روح على شغلك.
كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها، لكنها كانت تثق به. وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً. كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله.
- هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني.
قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها.
كان الرجل يتحدث، بس وقف ياسين. بص لها. شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لإمساك نفسها.
قرب منها، وقف جمبها. مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. أنفطر قلبه من رؤيتها وهي تجز على شفتاها خشية البكاء أمام الجميع.
- مش قادرة... عايزة أستخبى.
فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال:
- خير يا ياسين بيه، في حاجة؟ هي كويسة؟
- كفاية كده... ابعت عصير على المكتب.
- حاضر.
أخذ فريدة ومشي راح إلى مكتب. دخلها، بعد عنها وقعدها وقعد بجانبها. قال:
- معدش في حد هنا، تقدري تاخدي راحتك.
كانت تخفض رأسها لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء لتقول:
- بابا وحشني أوي.
بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وينسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد.
- متعيطيش... ادعيله.
- بدعيله... منستوش، كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني.
تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال:
- خلاص... عشاني.
نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال:
- أنت داخل زريبة.
- معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة.
نظرت له فريدة، نظر لها، خافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها.
- نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران الصراحة.
جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم.
تقدم ياسين منه وقال:
- تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع.
انحرج مدحت وقال:
- على نفسها إن ليا نسبه هنا.
- نسبتك تبل ميتها... وأنا قولت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده.
- إزاي بقى؟ فاكرني هبيع؟
- هتعرف إزاي.
غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول:
- لو خلصت، روح على شغلك. أنا مبدفعش مرتب ع الفاضي.
نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين وقالت:
- هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتهوش ليه؟
- هو له نسبته يا فريدة، وكان بيشتغل فيه زمان.
- مش شفت عمل إيه.
- لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش. هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة.
سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة. وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال:
- دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي.
نظرت إلى كم الأوراق وقالت:
- وأنا هقرأ ده كله؟
- أمال هتعرفي بتدفعي كام، وبيدخلك قد إيه، وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟ لازم إقرار وتكتبي. تحسبي كل صغيرة ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير.
- أحفظ؟
طرق الباب. سمع له بالدخول. قال:
- العصير يا ياسين بيه.
أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أعطاه لفريدة. نظرت له وقالت:
- شكراً.
أخذته منه. نظر ياسين لها. شربت، وضعت الكوب جانباً. ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال:
- فريدة.
- نعم.
أشار على فمها. لم تفهم. قالت:
- في حاجة؟
قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه لها. خدته منه. نظر إليها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير.
في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت.
قالت ميرال:
- هتيجي الشركة امتى؟
- هخلص وأجي، مش هتطول.
- تمام، هستنّك.
خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم.
- يلا.
- فريدة.
- اممم.
- مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟
بصت لنفسها وقالت:
- قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت:
- لا، مش قصيرة، بتهيألك.
نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها.
- اركبي.
نظرت له وقالت:
- هي قصيرة أوي.
- معرفش، بدام عجباكي، يلا.
- أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي.
- يلا يا فريدة.
ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل.
استغرب السائق وقال:
- ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟
استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال:
- استناها.
نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه. نظرت له وقالت:
- كده حلو.
- غيرتيها ليه؟
- عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟
لم يرد عليها. تضايقت. قال:
- جميل.
نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟
في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال:
- ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.
فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم.
- لازم أقول.
- لا، تنور حضرتك في أي وقت.
نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ.
- خلي بالك.
أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف:
- فريدة... طبعاً عارفها.
الرجل بدهشة وهو ينظر إليها:
- بنت يعقوب بيه؟
أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:
- فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود.
سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه.
- ربنا يرحمه.
أومأت له بحزن. أشار لهم وقال:
- اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟
نظرت إلى ياسين وقالت:
- لا، عايزة أشوف المصنع.
نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته.
في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال:
- في حد هنا؟
- ياسين بيه جه.
- وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده.
- إيه؟
- لا، مفيش... طلب أوراق الحسابات.
فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدّة، والكل يهابه. قال:
- لا، شكله جاي على الهادي النهارده... أصل الأنسة فريدة معاه. أقصد المدام، مش عارف أميز العلاقة.
أنصدم وقال:
- فريدة هنا؟
- آه.
- طب روح على شغلك.
كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها، لكنها كانت تثق به. وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً. كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله.
- هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني.
قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها.
كان الرجل يتحدث، بس وقف ياسين. بص لها. شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لإمساك نفسها.
قرب منها، وقف جمبها. مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. أنفطر قلبه من رؤيتها وهي تجز على شفتاها خشية البكاء أمام الجميع.
- مش قادرة... عايزة أستخبى.
فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال:
- خير يا ياسين بيه، في حاجة؟ هي كويسة؟
- كفاية كده... ابعت عصير على المكتب.
- حاضر.
أخذ فريدة ومشي راح إلى مكتب. دخلها، بعد عنها وقعدها وقعد بجانبها. قال:
- معدش في حد هنا، تقدري تاخدي راحتك.
كانت تخفض رأسها لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء لتقول:
- بابا وحشني أوي.
بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وينسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد.
- متعيطيش... ادعيله.
- بدعيله... منستوش، كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني.
تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال:
- خلاص... عشاني.
نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال:
- أنت داخل زريبة.
- معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة.
نظرت له فريدة، نظر لها، خافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها.
- نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران الصراحة.
جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم.
تقدم ياسين منه وقال:
- تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع.
انحرج مدحت وقال:
- على نفسها إن ليا نسبه هنا.
- نسبتك تبل ميتها... وأنا قولت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده.
- إزاي بقى؟ فاكرني هبيع؟
- هتعرف إزاي.
غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول:
- لو خلصت، روح على شغلك. أنا مبدفعش مرتب ع الفاضي.
نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين وقالت:
- هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتهوش ليه؟
- هو له نسبته يا فريدة، وكان بيشتغل فيه زمان.
- مش شفت عمل إيه.
- لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش. هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة.
سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة. وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال:
- دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي.
نظرت إلى كم الأوراق وقالت:
- وأنا هقرأ ده كله؟
- أمال هتعرفي بتدفعي كام، وبيدخلك قد إيه، وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟ لازم إقرار وتكتبي. تحسبي كل صغيرة ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير.
- أحفظ؟
طرق الباب. سمع له بالدخول. قال:
- العصير يا ياسين بيه.
أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أعطاه لفريدة. نظرت له وقالت:
- شكراً.
أخذته منه. نظر ياسين لها. شربت، وضعت الكوب جانباً. ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال:
- فريدة.
- نعم.
أشار على فمها. لم تفهم. قالت:
- في حاجة؟
قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه لها. خدته منه. نظر إليها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير.
في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت.
قالت ميرال:
- هتيجي الشركة امتى؟
- هخلص وأجي، مش هتطول.
- تمام، هستنّك.
خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم.
- يلا.
- فريدة.
- اممم.
- مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟
بصت لنفسها وقالت:
- قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت:
- لا، مش قصيرة، بتهيألك.
نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها.
- اركبي.
نظرت له وقالت:
- هي قصيرة أوي.
- معرفش، بدام عجباكي، يلا.
- أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي.
- يلا يا فريدة.
ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل.
استغرب السائق وقال:
- ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟
استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال:
- استناها.
نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه. نظرت له وقالت:
- كده حلو.
- غيرتيها ليه؟
- عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟
لم يرد عليها. تضايقت. قال:
- جميل.
نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟
في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال:
- ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.
فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم.
- لازم أقول.
- لا، تنور حضرتك في أي وقت.
نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ.
- خلي بالك.
أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف:
- فريدة... طبعاً عارفها.
الرجل بدهشة وهو ينظر إليها:
- بنت يعقوب بيه؟
أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:
- فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود.
سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه.
- ربنا يرحمه.
أومأت له بحزن. أشار لهم وقال:
- اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟
نظرت إلى ياسين وقالت:
- لا، عايزة أشوف المصنع.
نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته.
في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال:
- في حد هنا؟
- ياسين بيه جه.
- وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده.
- إيه؟
- لا، مفيش... طلب أوراق الحسابات.
فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدّة، والكل يهابه. قال:
- لا، شكله جاي على الهادي النهارده... أصل الأنسة فريدة معاه. أقصد المدام، مش عارف أميز العلاقة.
أنصدم وقال:
- فريدة هنا؟
- آه.
- طب روح على شغلك.
كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها، لكنها كانت تثق به. وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً. كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله.
- هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني.
قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها.
كان الرجل يتحدث، بس وقف ياسين. بص لها. شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لإمساك نفسها.
قرب منها، وقف جمبها. مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. أنفطر قلبه من رؤيتها وهي تجز على شفتاها خشية البكاء أمام الجميع.
- مش قادرة... عايزة أستخبى.
فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال:
- خير يا ياسين بيه، في حاجة؟ هي كويسة؟
- كفاية كده... ابعت عصير على المكتب.
- حاضر.
أخذ فريدة ومشي راح إلى مكتب. دخلها، بعد عنها وقعدها وقعد بجانبها. قال:
- معدش في حد هنا، تقدري تاخدي راحتك.
كانت تخفض رأسها لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء لتقول:
- بابا وحشني أوي.
بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وينسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد.
- متعيطيش... ادعيله.
- بدعيله... منستوش، كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني.
تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال:
- خلاص... عشاني.
نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال:
- أنت داخل زريبة.
- معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة.
نظرت له فريدة، نظر لها، خافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها.
- نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران الصراحة.
جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم.
تقدم ياسين منه وقال:
- تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع.
انحرج مدحت وقال:
- على نفسها إن ليا نسبه هنا.
- نسبتك تبل ميتها... وأنا قولت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده.
- إزاي بقى؟ فاكرني هبيع؟
- هتعرف إزاي.
غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول:
- لو خلصت، روح على شغلك. أنا مبدفعش مرتب ع الفاضي.
نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين وقالت:
- هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتهوش ليه؟
- هو له نسبته يا فريدة، وكان بيشتغل فيه زمان.
- مش شفت عمل إيه.
- لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش. هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة.
سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة. وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال:
- دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي.
نظرت إلى كم الأوراق وقالت:
- وأنا هقرأ ده كله؟
- أمال هتعرفي بتدفعي كام، وبيدخلك قد إيه، وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟ لازم إقرار وتكتبي. تحسبي كل صغيرة ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير.
- أحفظ؟
طرق الباب. سمع له بالدخول. قال:
- العصير يا ياسين بيه.
أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أعطاه لفريدة. نظرت له وقالت:
- شكراً.
أخذته منه. نظر ياسين لها. شربت، وضعت الكوب جانباً. ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال:
- فريدة.
- نعم.
أشار على فمها. لم تفهم. قالت:
- في حاجة؟
قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه لها. خدته منه. نظر إليها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير.
في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت.
قالت ميرال:
- هتيجي الشركة امتى؟
- هخلص وأجي، مش هتطول.
- تمام، هستنّك.
خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم.
- يلا.
- فريدة.
- اممم.
- مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟
بصت لنفسها وقالت:
- قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت:
- لا، مش قصيرة، بتهيألك.
نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها.
- اركبي.
نظرت له وقالت:
- هي قصيرة أوي.
- معرفش، بدام عجباكي، يلا.
- أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي.
- يلا يا فريدة.
ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل.
استغرب السائق وقال:
- ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟
استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال:
- استناها.
نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه. نظرت له وقالت:
- كده حلو.
- غيرتيها ليه؟
- عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟
لم يرد عليها. تضايقت. قال:
- جميل.
نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟
في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال:
- ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.
فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم.
- لازم أقول.
- لا، تنور حضرتك في أي وقت.
نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ.
- خلي بالك.
أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف:
- فريدة... طبعاً عارفها.
الرجل بدهشة وهو ينظر إليها:
- بنت يعقوب بيه؟
أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:
- فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود.
سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه.
- ربنا يرحمه.
أومأت له بحزن. أشار لهم وقال:
- اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟
نظرت إلى ياسين وقالت:
- لا، عايزة أشوف المصنع.
نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته.
في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال:
- في حد هنا؟
- ياسين بيه جه.
- وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده.
- إيه؟
- لا، مفيش... طلب أوراق الحسابات.
فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدّة، والكل يهابه. قال:
- لا، شكله جاي على الهادي النهارده... أصل الأنسة فريدة معاه. أقصد المدام، مش عارف أميز العلاقة.
أنصدم وقال:
- فريدة هنا؟
- آه.
- طب روح على شغلك.
كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها، لكنها كانت تثق به. وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً. كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله.
- هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني.
قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها.
كان الرجل يتحدث، بس وقف ياسين. بص لها. شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لإمساك نفسها.
قرب منها، وقف جمبها. مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. أنفطر قلبه من رؤيتها وهي تجز على شفتاها خشية البكاء أمام الجميع.
- مش قادرة... عايزة أستخبى.
فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال:
- خير يا ياسين بيه، في حاجة؟ هي كويسة؟
- كفاية كده... ابعت عصير على المكتب.
- حاضر.
أخذ فريدة ومشي راح إلى مكتب. دخلها، بعد عنها وقعدها وقعد بجانبها. قال:
- معدش في حد هنا، تقدري تاخدي راحتك.
كانت تخفض رأسها لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء لتقول:
- بابا وحشني أوي.
بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وينسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد.
- متعيطيش... ادعيله.
- بدعيله... منستوش، كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني.
تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال:
- خلاص... عشاني.
نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال:
- أنت داخل زريبة.
- معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة.
نظرت له فريدة، نظر لها، خافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها.
- نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران الصراحة.
جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم.
تقدم ياسين منه وقال:
- تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع.
انحرج مدحت وقال:
- على نفسها إن ليا نسبه هنا.
- نسبتك تبل ميتها... وأنا قولت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده.
- إزاي بقى؟ فاكرني هبيع؟
- هتعرف إزاي.
غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول:
- لو خلصت، روح على شغلك. أنا مبدفعش مرتب ع الفاضي.
نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين وقالت:
- هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتهوش ليه؟
- هو له نسبته يا فريدة، وكان بيشتغل فيه زمان.
- مش شفت عمل إيه.
- لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش. هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة.
سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة. وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال:
- دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي.
نظرت إلى كم الأوراق وقالت:
- وأنا هقرأ ده كله؟
- أمال هتعرفي بتدفعي كام، وبيدخلك قد إيه، وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟ لازم إقرار وتكتبي. تحسبي كل صغيرة ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير.
- أحفظ؟
طرق الباب. سمع له بالدخول. قال:
- العصير يا ياسين بيه.
أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أعطاه لفريدة. نظرت له وقالت:
- شكراً.
أخذته منه. نظر ياسين لها. شربت، وضعت الكوب جانباً. ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال:
- فريدة.
- نعم.
أشار على فمها. لم تفهم. قالت:
- في حاجة؟
قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه لها. خدته منه. نظر إليها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير.
في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت.
قالت ميرال:
- هتيجي الشركة امتى؟
- هخلص وأجي، مش هتطول.
- تمام، هستنّك.
خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم.
- يلا.
- فريدة.
- اممم.
- مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟
بصت لنفسها وقالت:
- قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت:
- لا، مش قصيرة، بتهيألك.
نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها.
- اركبي.
نظرت له وقالت:
- هي قصيرة أوي.
- معرفش، بدام عجباكي، يلا.
- أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي.
- يلا يا فريدة.
ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل.
استغرب السائق وقال:
- ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟
استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال:
- استناها.
نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه. نظرت له وقالت:
- كده حلو.
- غيرتيها ليه؟
- عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟
لم يرد عليها. تضايقت. قال:
- جميل.
نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟
في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال:
- ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.
فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم.
- لازم أقول.
- لا، تنور حضرتك في أي وقت.
نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ.
- خلي بالك.
أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف:
- فريدة... طبعاً عارفها.
الرجل بدهشة وهو ينظر إليها:
- بنت يعقوب بيه؟
أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:
- فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود.
سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه.
- ربنا يرحمه.
أومأت له بحزن. أشار لهم وقال:
- اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟
نظرت إلى ياسين وقالت:
- لا، عايزة أشوف المصنع.
نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته.
في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال:
- في حد هنا؟
- ياسين بيه جه
رواية زهرة الاشواك الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نور
مشيت معاه بس حسيت بوجع مره واحده. رفعت إيدها لقتها مجروحة، لكن انصدمت لما ملقتش الإنسيال بتاعها.
"الإنسيال؟"
وقف ياسين، نظر لها من وقوفها وقال:
"يلا اركبى."
وجدها تلتفت. استغرب. رجعت لورا ومشيت وهى تدخل ثانياً.
"فريدة!"
لم ترد عليه. نظرت حولها وعلى الأرض. وأين ممكن أن تكون أضاعته؟ هل اشتبك بشيء وهي تسير؟ لتنصدم وهي تدرك الأمر.
"معلش؟"
"لا مستحيل. هل انسرق؟"
افتكرت ذلك الشخص اللي اتخبطت فيه.
"يا فريدة!"
ياسين مسكها وقال:
"مش بكلمك."
وحين لفها وجدها في حالة صدمة وتبكي. استغرب كثيراً وقال بقلق:
"فريدة؟"
"الإنسيال... إنسيالي."
نظر لها لينصدم حين رأى يده التي تمسك بعصاها بها دماؤها وكانت مجروحة.
"فريدة، إيدك بتنزف."
"الإنسيال."
لم تقل سوى ذلك وهي تنظر حولها.
بعدها عنها ومشيت وهي تدور عليه وتبكي. لتدرك أنها فقدت الإنسيال الخاص بها، كانت أول هدية منه. أحبتها وتعلقت بها. ها هي قد سلبت منها مثل الذي قبلها.
"فريدة!"
"الإنسيال فين... راح فين؟ كان معايا."
"أهدى، هنلاقيه... نشوف إيدك الأول."
"لا مش مهم نلاقيه الأول."
لم تكن حتى لاحظت جرحها. قال بحده:
"فررريدة!"
لكنها صاحت به وهي تقول:
"ابعد... اتسرق... أنا عايزاه. أديهم فلوس ورجعوهولي."
"عندك غيره؟"
"لا أنا عايز ده... عايزه ياياسين ده منك."
صمت حين قالت ذلك. ونظر إليها الجميع وهي بهذا الانفعال. مسكها.
"فريدة!"
"ابعد."
"بسسس."
"سيبني... هلاقيه."
"هجبلك زيه. ممكن تهدى؟"
"لا ده غير ده..."
ارتخت يدها. نظر لها. رفعت عيناها إليه وقالت:
"لي ياسين؟ أديهم فلوس بس هاتو... لي يسرقوه ده."
سابت قدماها وارتمت عليه فاقدة الوعي.
أمسكها ياسين بقلق وقال:
"فريدة!"
شالها وخرج. فتح له السائق فوراً. نظر إلى حراسه وقال:
"روحوا للباب الخلفي. أي حد يخرج امنعوه... ولو شفتوا واحد شكله غريب متسبوهوش."
وأومأ له. ركب ياسين وذهب فوراً. وذهبوا هم ليفعلوا ما قاله.
في المشفى كان يضمدون جرح فريدة وهي حزينة تبكي. وكان الطبيبة تنظر إليها وإلى ياسين بريبة كأنه مختطفها، لكن شكله لا يدل على ذلك. على يقسو عليها. قالت:
"آنسة... في أي مالك؟ محتاجة مساعدة؟"
نفيت لها. قالت:
"شكراً."
"طب أهدى. مفيش حاجة مستاهلة."
بعد أما انتهت قالت:
"جرح بسيط. خلي بالك المرة الجاية."
وقفت وفريدة ومشيت. قالت:
"يلا."
نظر لها من حزنها. سبقته هي والحزن يملأها وتمسك يده.
رن تلفون ياسين وكان الحارس:
"ياسين بيه."
"عملتوا إيه؟"
"شكله فعلاً حرامي. محدش شافه غير في الكاميرات ولا شافه بيخرج. إحنا قلنا الخروج زي ما قلت عشان نشوفه بس تقريباً خرج قبله."
تنهد بخيبة.
"بس المطعم ضر والعملاء اشتكوا من اللي حصل."
"هبقى أدفع لهم تعويض."
"تحب نراجع تاني؟"
"خلاص."
قفل الهاتف بضيق. فهل السارق أراد سرقة الإنسيال فقط؟ فهناك نساء ترتدي مجوهرات ظاهرة أمام الإنسيال. فكان رقيق من يراه من بعيد لا يدرك أن به فصوص من الألماس. كان فقط متضايق أن فريدة تأذت وجرحت، بل تأذت نفسياً أيضاً. بعدما كانت تضحك معه. ها قد انطفأت ثانياً من حبها لذلك الإنسيال. متضايق كثيراً أنه لا يهمه المال. بوسعه أن يعطيه للسارق أكثر ويعيده إليها. أنه يريدها بخير فقط. الحمد لله أنها بخير. فداها كل شيء. فداكي الجميع يا فريدة.
كانت ميرال جالسة في المنزل. سمعت صوت. نظرت لتجد ياسين ومعه فريدة. ابتسمت وقالت:
"اتأخرتوا أوي... ده كله في المصنع؟"
نظر ياسين لها من لهجتها. بينما فريدة لم تهتم وذهبت بتجاهل متوجه لغرفتها. نظرت لها ميرال باستغراب. فهل تدعي البراءة الآن أم تمثل الحزن ليتعاطف ياسين معها.
"كنت فين يا ياسين؟"
توقفت فريدة ونظرت لها. قال ياسين:
"في المصنع يا ميرال. إنتي عارفة."
"ده كله... يعني جايين من المصنع؟"
"بعدها اتعشينا برا."
"واو عشا... في موعد رومانسي ولا إيه؟"
"ميرال!"
نظرت له. بينما فريدة قالت:
"كنتي عارفة؟"
نظرت لها وأنها لا تزال موجودة. اقترب منها وصرخت بها:
"إنتي اللي سرقتيه مش كده؟"
وزقتها جامد. انصدمت ميرال ونظرت لها بشدة هي وياسين. اقترب من فريدة وقال:
"فريدة!"
"رجعيه حالا... رجعيه. أنا عارفة إنك إنتي اللي خدتيه. مفيش غيرك... رجعيه. ده بتاعي أنا."
كادت أن تنقض عليها. خافت ميرال، لكن ياسين أمسك فريدة وهو بيحوشها عنها وهي منفعلة. قال:
"بس يافريدة!"
كانت ميرال لا تستوعب شيئاً. واقفة خلف ياسين ومصدومة منها. قالت:
"ياسين هي اتجننت؟"
صرخت فريدة وقالت:
"إنتي اللي مجنونة. سمعتيني يا ميرال؟ إنتي مجنونة ومش طبيعية. مجنونة بحبك ومستعدة تعملي أي حاجة. إنتي اللي سارقتي الإنسيال. عايزة تاخدي أي حاجة ياسين جابها لي."
انصدمت ونظرت لها بشدة. قال ياسين:
"بس بقا يافريدة. أهدى."
قالت ميرال بغضب:
"تهدي؟ بعد اللي قالته وبتهديها هي. أنا بتهان. بيتقال عليا حرامية."
قالت فريدة:
"لأنك كده فعلاً."
"وأنا هعوز أي من الإنسيال بتاعك. أنا حتى ماكنتش أعرف إن ياسين هو اللي جايبهولك."
"كذابة. وعمري ما بصدقك. إنتي بنفسك اللي كنتي بتكذبي علينا كلنا، وأولهم أختك اللي خدعتيها بصداقتك بياسين وإنتي أصلاً بتحبيه."
قال ياسين بحده:
"بس يافريدة!"
لكنها أكملت وقالت:
"إنتي خاينة لأختك ولياسين وحتى أنور اللي مفكرتيش فيه. هتوقعي منك إيه كويس؟"
غضبت ميرال كثيراً وقالت:
"على الأقل ما روحتش واتجوزت غيره. أنا عشت عشر سنين حبيته قبل أما يتعرف على دارين. ماخنتش حد. بس إنتي... إنتي إيه بقا عشان يقعدك معاه هنا؟ إنتي اللي روحت واتجوزت غيره وسبتيه في أول نقطة خلاف حصلت."
جمع ياسين قبضته واحتنقت فريدة لتكمل:
"إنتي أنانية عايزة كل حاجة ليكي وفاكرة إن كل طلباتك مجابة. الدلع بتاعك ده دمر اللي حواليكي منهم إيهاب اللي صعبان عليا. إنتي الخاينة مش أنا. بصي لنفسك قبل أما تواجهيني بحاجة إنتي متعرفيهاش."
"ممكن ماكنتش أعرف بس إنتي بتوضحتي ليا وعرفت شكلك الحقيقي. إنتي مش زي ما بينا قدامنا إنتي خبيثة."
"أنا ولا إنتي. واخداه ورايحة المصنع عشان تبقي معاه مش عشان شغلك."
"إ..."
صاح ياسين بهم بغضب شديد وقال:
"بسسس بقاااا!"
نظروا إليه وإلى غضبه. ولأول مرة يشهدونه وصوته المرتفع. نظر إليهم الاثنان من شجارتهم وكل منهم تذكر بخذلانه عن ماضيه. دارين... فريدة... أنور. لم يحترم وقوفه وصرخاتهم وهو يحاول إحاشتهم عن بعضهم دون جدوى.
"روحي على أوضتك يافريدة."
بصتله فريدة ونظرت إلى ميرال بضيق ومشيت بغضب، لكنها لم تتطلع بها. كانت تنظر إلى ياسين وأنه تضايق.
"ياسين أنا ما اتكلمتش هي اللي جابت سيرة ياسين. مشفتش قالت عليا إيه. ما احترمتش إني أكبر منها حتى."
"خلاص ياميرال... خلاص."
وكأنه أرهق منهم. نظرت له. ذهب وتركها فكان متضايق كثيراً. نظرت له.
دخل ياسين أوضته. فتح أزرار قميصه من الضيق الذي هو فيه ويتذكر مشاجرتهم. تنهد وهو يخفض رأسه ويمسك وجهه. فهل ذلك الوضع سيستمر؟
عند شروق الصباح خرجت فريدة من أوضتها. وهو يجلس بأرق. دخلت ميرال وشافته. قربت منه وجلست بجانبه وقالت:
"مالك ياياسين؟"
"امشي دلوقتي. نكلم بعدين."
"مش هتخانق. أنا جايه أسألك مالك. اتضايقت بسبب اللي حصل."
"كبري عقلك. دي أصغر منك."
"إنتي مشوفتيش قالت عليا إيه و..."
شعرت أنها ستضايقه حين تعيد كلامها عليه. قالت:
"تمام. هحاول عشانك. استحملها."
قربت أيدها من وجهه. نظر لها. أزاحت شعره من بين أظافرها. قالت:
"تعبت. انهاردة... عشان كده قلتلك تعلمها شغل باباها عشان ما أشوفكش تعبان."
"ميرال!"
"خلاص. بس مالك؟ وهي كمان شكلها غريبة. صحيح الإنسيال بتاعها اتسرق؟"
"متعرفيش؟"
نظرت له باستغراب. وقالت:
"وأنا هعرف منين؟ آه قصدك إنها قالتلي. أنا بستفسر منك."
صمت وهو ينظر إليها. قربت أيدها من قميصه. قالت:
"أساعدك."
كانت هتفكه. لكنه ابتعد وقال:
"لا شكراً."
نظرت له. أومأت بتفهم. قالت:
"عايزة أقولك على حاجة تخصنا."
"إيه؟"
"بابا وافق على جوازنا."
قالت ذلك بفرحة. نظر لها ولم يعلق. استغربت. قالت:
"فكرتك هتفرح زي."
"كويس."
ابتسمت له ومالت على صدره بحب. نظر لها بحرج. قالت:
"نقدر نبدأ في جوازنا؟"
نظر لها وهي قريبة منه. ربت عليها. أبعدها. قال:
"عايز أرتاح."
"آه أسفة. هسيبك دلوقتي."
خرجت وتركته. راحت أوضتها بس. وهي راحة نظرت لغرفة فريدة. نظرات ثاقبة.
كان ياسين واقف على السلم عند غرفته وينظر إلى ميرال ونظراتها تلك. لكنها ذهبت. ليطالعها قليلاً ثم نظر إلى غرفة فريدة.
في اليوم التالي كانت فريدة راحة. جمعتها. شافت ميرال وكانت واقفة مع ياسين في الخارج كأنها تودعه وتبتسم له. ليذهب ياسين دون أن يراها حتى. التفتت ميرال وراتها. تجاهلتها وذهبت عكس فريدة التي كانت تشعر بنيران غيرتها. تلك الابتسامة والسعادة التي هي عليها كانت من المفترض أن تكون لها هي. لكنها تودعه ولا كأنها تزوجته. وهو غادر دون أن يراها.
حزنت وذهبت إلى جامعتها. قابلت يارا وكانت قاعدة في كافيه.
"فريدة!"
أشارت لها لتراها. اقتربت وجلست معها. قالت:
"بحسبك مش جايه انهارده."
"الدكتور قال فيه محاضرة."
"امم. مالك شكلك مضايقة؟"
صمتت بضيق. قالت يارا بإدراك:
"ياسين؟"
"تعبت."
قالت ذلك بحزن وهي تردف:
"لسة بحبه. ويمكن أكتر من الأول. بس هو اتغير... أو يمكن اتقيد بميرال."
"ميرال؟"
"آه. متعرفيش إنهم هيتجوزوا؟"
"أعرف. بس معرفش إنها صاحبته دي. هي اللي مضايقاكي؟"
"مش طايقة وجودها. كل أما أشوفها بتقرب منه بتصدر أفعال مني مقصدهاش. كل حاجة ياسين بيديهالي بتتاخد مني. كأن مش المفروض تبقى معايا."
نظرت إلى يدها بفقد. وقالت:
"هو كمان هتاخده مني؟ معقول اللي بعمله غلط وياسين معدش ليا؟"
"لو شايفة كده فمتحاوليش."
نظرت لها لتردف:
"ياسين حاول عشانك وقت ما كنتي عايزة تتجوزي إيهاب. وقولتله لو في وشه. مش قادرة تستحملي واحدة معاه بس لسه مفيش بينهم حاجة. مبالك لما اتجوزتي. تخيلاته وإنك مع غيره كانت إيه؟"
صمتت بحزن وندم. قالت:
"معرفش إحساسه. بس أنا دلوقتي بتحرق. ومش عارفة لما هيتجوزها هحس بإيه. مش عايز أعرف الإحساس ده."
"حاولي. لسه متجوزهاش. ولو شايفة إن المحاولة بقت صعبة يبقى خلاص. كل واحد وليه حياته."
سكتت ولم تعلق. قالت يارا:
"بس أنا كنت فاكرة ميرال في بينا حاجة ومبين أنور."
نظرت لها بعدم فهم. فأكملت:
"يعني كنت بحس بحاجة زي كده."
"أنور كان بيحب ميرال؟"
"بجد؟ عرفتي منين؟ هو قالك؟"
"لا. بس أنا بردو إحساسي كان كده. نظراته واهتمامه كان حب بجد مش صداقة زي ما بيكدب عليها. زي ما كذبت على ياسين وكانت بتحبه. هي بس لو كانت تشوف اللي حبها حقيقي مكنتش خسرته."
"وياسين إزاي صاحبه وهيتجوزها وهو بيحبها؟"
"ياسين مايعرفش لأن أنور مكنش بيكلم. وتقريباً دي معاملته معاها من سنين. فمكنش بيظهر إنه بيحبها أو إنها البنت اللي بيفكر فيها."
"قصدك ياسين مايعرفش صاحبه مين البنت اللي بيحبها؟ مشوفتهوش زعل حتى أو موقفه إيه لما عرف إنه هيتجوزها؟"
"مايعرفش أصلاً."
"إزاي؟"
"سافر قبلها تقريباً."
تفاجأت يارا وقالت:
"سافر إمتى؟"
"من شهرين. سبب السفر فجأة. متوقعتش إنه يمشي مرة واحدة كده وأرجع ملقاهوش."
سكتت يارا باستغراب من أنه مش في مصر. قالت:
"ممكن يكون عرف إنهم..."
"لا هما قرروا عن ارتباطهم من بعد أما مشي. مكنش موجود."
"مش عارفة. أي حاسة إن لو أنور كان موجود كان ياسين مش هيقرر يرتبط بيها. وإنه حاسس إنها البنت اللي حبها صاحبه."
"وهي هتفرق إيه وجوده عن عدمه؟ لو كان يعرف المفروض ما يرتبطش بيها."
"مش عارفة. فعلاً أمر غريب. إنتي عشتي معاه ومتعرفيش هو بيفكر إيه ولا عايز إيه؟ مبالك أنا اللي معرفش."
نظر لها من اهتمامها به. قالت:
"يلا حصل خير."
"رغم إنك مغرورة ومبتسمعيش غير لنفسك."
"Thanks."
"بس بتكوني عايزة تقولي حاجة وخايفة على برستيجك."
"زي أي."
"زي ياسين. نفسك يقرب منك ويبقى أخوكي فعلياً مش كده؟"
سكتت. تنهدت وقالت:
"هو مش معتبرني كده أصلاً. ممكن أكون عايزة أحبه كأخ."
"تحبيه؟"
"آه. مفيش حاجة بينا ولا حتى علاقة هشة. كان موقف زمان وعدى ورجعنا أغراب. بس ماما هي اللي معدتش قادرة تكمل أكتر من غيره. كل يوم بشوف حزنها بيزيد. حتى بقيت أشوف تعب غريب عليها. امبارح لفت برنامج بتاعها ودي عمرها ما حصلت."
قالت بقلق:
"هي كويسة؟"
"الحمد لله."
صمت وتشعر بالهيئه. تريد أن تخبرها ألا تضع آمالها عليها. فلا يوجد أمل أن تعود لياسين. أمل ضئيل. يجب أن تحاول هي مع ابنها.
"يارا!"
نظرت لصوت لتجد أنس. وكان يصطف سيارته. إشارته له بابتسامة. اقترب منها. قال:
"خلصتي؟"
"أعقد موحشتكش الجامعة."
"لا."
ابتسمت. نظر أنس إلى فريدة. قال:
"إزيك؟"
"الحمد لله... إنتوا خطوبتكم إمتى صحيح؟ يوم إيه؟"
صمت أنس. بينما قالت يارا:
"أجلناها."
قالت باستغراب:
"لي؟"
نظرت يارا إلى أنس. قالت:
"الاستاذ."
"موافقتك ولا لا؟"
تنهدت منه. وقالت:
"أجلناها عشان ناخد وقت. ماكناش مجهزين حاجة. وعشان إنتي كمان تجهزي نفسك لخطوبة صحبتك وتهتمي أكتر من كده."
ابتسمت فريدة. قالت:
"إن شاء الله."
وكأنها تدعي أن تمر الأقاوك وتعود لياسين وكل هذه المشاكل تنحل. خدت شنطتها وقالت:
"أنا رايحة المحاضرة."
قالت يارا:
"تمام. أكلمك بعدين."
أومأت لها وذهبت. لقتها باسمك أيدها توقفها. نظرت لها فريدة. قالت:
"إيه ده. اللي حصل لإيدك؟"
وكانت تنظر إلى الشاش الطبي. قالت:
"مفيش حاجة."
سحبتها واردفت:
"الإنسيال اتسرق مني امبارح فاتعورت."
"إي إنسيال؟"
أومأت لها بأنه الإنسيال الذي تعرفه. قالت بابتسامة مريرة:
"قولتلك كل حاجة بتروح."
ذهبت. طالعتها يارا بشفقة. وعرفت عشان كده لي زعلانة ومنطفئة وتشعر باليأس. عكس ما كانت تريد عودة ياسين وتعمل أي شيء.
"في حاجة يا يارا؟"
"لا. هنمشي نروح فين؟"
حط ايده على كتفها وقال:
"المشكلة إننا الصبح. عارفة لو بالليل كنت خدتك لنادي كلب جامد لوحدنا محدش يزعجنا."
قالت ببرود ونظرة حادة:
"لوحدنا ها؟"
ابتسمت. وقال:
"تمام. هنروح مطعم جميل هيعجبك وعام."
مسك أيدها وأخذها. ابتسمت عليه وذهبت معه.
في الليل نزلت فريدة للمطبخ. سمعت صوت. وحين نظرت وجدت ياسين. وكان يشرب. نظر لها. لتجده يبعد عيناه ويقلل الزجاجة. قالت:
"بحسبك بايت في الشغل. جيت إمتى؟"
"لسه جاي. إيدك عاملة إيه؟"
نظرت له وأنه اهتم. قالت:
"كويسة. أكلت؟"
"آه."
أومأ لها وذهب. أوقفته وقالت:
"ياسين إنت زعلان مني؟"
صمت ونظر إليها وهي تقول ذلك بحزن. لتردف:
"متكلمتش معايا اليوم كله. حتى مشفتكش وأنت خارج. ميرال قالتلك متكلمنيش؟"
تنهد وقال:
"ميرال مالهاش علاقة يافريدة."
"يبقى إنت اللي مش عايز تكلمني. حتى اتأخرت في الشغل عشان متاكلش معايا أو تشوفني."
شاف حزنها وكأنها ستبكي ولا يريد أن يسمع بكائها ثانياً. قال:
"الموضوع مش كده. أنا بس جاي تعبان فدخلت علطول. مشفتش حد."
"مش مهتم أصلاً. دي أول مرة أشوفك انهاردة ولو ماكنتش جيت هنا ماكنتش شفتك خالص."
قالت ذلك وهي تذهب وتتركه. تنهد ومسح وجهه بضيق.
بعد مرور يومين كانت ميرال تتجنب فريدة قدر الإمكان وتحاول تحمل أفعالها. في يوم كانت فريدة خارجة وارتدت كعب. لكنها لم تكن تتأقلم عليه. نظر لها ياسين. قال:
"فريدة هتروحي المصنع كده؟"
وكانت ستكمل لتتعلم تجارة والدها. قالت:
"آه."
"هتقفي كتير. هتستريحي في ده."
ابتسمت ميرال. تضايقت فريدة. وقالت:
"بتضحكي على إيه؟"
"لا حبيبتي. إحنا بس قلقانين على رجلك من الكسر اللي حصل فيها زمان. عشان كده البسي شوز وابقى أعلمك تلبسي هيلز بعدين."
"ملككيش دعوة. أنا مش عايزة أتعلم منك إنتي حاجة."
نظروا لها من لهجتها. قالت:
"أنا كنت بحاول أنصحك."
"وفرى نصحتك لنفسك."
"قصدك إيه؟"
قال ياسين:
"خلاص يا ميرال."
قالت فريدة:
"إنتي أكتر واحدة محتاجة النصيحة."
"عشان كده عايزة تبقي زي في ستايل لبسك. حتى في المشي."
غضبت فريدة. قالت:
"هقارن بواحدة أحسن مني مش أبص لتحت. راجعي نفسك. إنتي مليانة عيوب."
صمتت ميرال وهي تجمع قبضتها. نظرت لياسين بأنها تهان أمامه. ذهب. نظر لها تضايق. ونظر إلى فريدة التي لم تكن تهتم. لكن وجدته يذهب خلفها.
كانت ميرال واقفة. نظرت إلى ياسين. قالت:
"خلاص يا ياسين. زهقت. بعمل اللي بتقولى عليه واستحملها وأكلمها حلو. بس أنا بقل من نفسي وبتتهان وإنت مبتعوزش تكلمها عشان متزعلش. طب وأنا زعلي مش مهم عندك؟"
"معلش يا ميرال. هي بس اتضايقت."
"هي اتضايقتش غير بتغير. وتصرفاتها كلها كده. عايزة تبقي زي عشان تلفت نظرك بالعافية. ياسين البنت دي بتغير مني. مشوفتش تصرفاتك."
تنهد وقال:
"إنتي فاهمة غلط. مش كل اللي بيلبس كعب يبقى بيقلدك."
"إلى بيعرفوا بيلبسوا. لما تبقى عايزة تلبسه غصب عنها. وجيب قصير. حتى ستايل لبسها..."
قربت منه وقالت:
"إنت عارف إني هنا عشانك. بس الوضع ده هيكون لما نتجوز وابقى صاحبة البيت ده. واكون بتتهان."
"خلاص هسيبك البيت كله وامشي لو ده هيريحك."
قالت فريدة ذلك وقد كانت خلفهم. نظر لها ياسين من تلك المصيبة وأنها سمعت. قال:
"فريدة!"
مشيت وهي تبكي. تنهد من كم الضغط عليه. لا يستطيع مراضاة الاثنين. مشي. مسكت ميرال ايده. قالت:
"رايح فين؟"
"هشوفها."
مشي وسابها لتضايق منه. دخل وجدها تلم ملابسها. قال:
"بتعملي إيه يافريدة؟"
"ملكش دعوة. روح لها. جاي تزعقلي عشانها مش كده؟"
"ممكن تهدى وتسيبى هدومك."
"لا همشي. عشان أريحك إنت كمان."
"فريدة!"
"جايلك لي. روح شوفها زمانها زعلانة."
"هي متقصدش."
"لا تقصد. مش عايزاني أعقد هنا وإنت كمان."
مسك أيدها وهو بيوقفها ويقول:
"إزاي تقولي كده عني؟"
بكت وقالت:
"دي الحقيقة. إنت بقيت شايفني حمل عليك. لا أرجوكى لا تبكين الآن لترحمى قلبي الذي تعذبيه مراراً."
"همشي وأريحك عشان تعرف تعيش معاها وأريحها هي كمان. مش هتقل عليك أكتر من كده."
صاح بها بغضب وقال:
"بس بقا يافريدة!"
صمتت ونظرت له. تنهد وقال:
"ارجوكي كفاية."
وكان التعب بادياً عليه. وقف أمامها. قال:
"إنتي مش حمل عليا. وإلا ماكنتش وقفت قدام أشرف بأنه ياخدك عنده."
تفاجأت. فهل فهل ذلك. أردف:
"متيئليش كده تاني. ورجعي هدومك لمكانها. بلاش الحركات دي."
صمتت وهي تنظر إليه وأنه هداها. أومأت له وتركت ملابسها. ابتعد عنها وذهب. نظر الخدم إلى ياسين والضغوطات التي عليه. قالت إحداهن بهمس:
"يا عيني يا ياسين بيه. نسوان تجنن."
"الوضع بقى صعب معاه. أول مرة أشوفه كده."
"عرفت ليه صعب الراجل يتجوز اتنين."
"بيتبهدل."
لتفوا وانصدموا من رؤية ميرال التي كانت تنظر لها ببرود مخيف. نظرة لم يروها بها يوماً.
"ميرال هانم."
"ياسين هيتجوز واحدة... أنا."
قالت ذلك بتأكيد. أوماو لها بتفهم. قالت:
"احسبوا كلامك قبل ما تقولوه عشان متندموش."
لذلك وجهها الحقيقي. نظرت إلى المطبخ. فذهبوا من أمامها بريبة منها.
أخذ ياسين زجاجة مياه ليشرب. مدت ميرال يدها. نظر لها. وكان بها ماء. أخذها منها. نظرت له. قالت:
"الوضع صعب. لازم تشوف حل."
نظر لها. ذهبت وهي تخبره أن فريدة هدت. لكنها لا تزال في لوح غضبها. تنهد وجلس وهو يضع ذراعه على عينيه. لم يعد يتحمل تلك الشجارات. رأسه تعج بالضجيج. أنه يريد هدوء. نظرت له ميرال ومن تعبه في الفترة الأخيرة منهم.
في الليل خرجت فريدة من أوضتها وطلعت لغرفة ياسين. وقفت عندها بتردد. دخلت الأوضة وجدته نائم عشوائي وزراعه خارج من السرير. قربت منه ونظرت له وهو نائم. نظرت حولها. فأين الغطاء؟
راحت فتحت الدولاب وخدت لحاف وشالته. كان ثقيلاً عليها. لم تكن حتى ترى أمامها. استعادت توازنهها وراحت عنده. نزلته وفردته عليه وهي بتغطيه. مسكت ذراعه بحذر وحطته على السرير ورفعت الغطاء عليه وهي تدثره. لقيته بيتحرك. خافت. مسك أيدها وعانقها من بين أذرعه القوية.
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تنظر إلى وجه المقابل لها وشعره على جبهته. كم كان وسيمًا. نظرت إلى يدها. حاولت أن تسحب. لكن شعرت بدفأ غريب حين لامست كفه. نظرت إليه. قربت أيدها من جبهته لتجده دافئاً. فتح ياسين عينه ليقابل أعين فريدة. تعجب. رفع عيناه إلى يدها التي عند جبهته. نظرت له فريدة ليدرك أنها أمامه. ابتعد عنها وقال:
"فريدة..."
نظر إلى غرفته. فهو لم يخطأ. قال:
"بتعملي إيه هنا؟"
أشارت له. قالت:
"استنى."
حطت أيدها عليه والايد التانية عليها. كان ينظر إلى يدها وإليها.
"إنتي دافية."
نظر إليها قليلاً. نظرت له لتلتقي أعينهم. لكنه ابتعد وقال:
"دخلتي هنا إزاي؟"
أشارت له. قالت:
"من الباب. غطيتك وجيت أمشي. شوفت كنت ماسك إيدي إزاي."
نظرت له واردفت:
"أجبلك دوا."
اتسخر منه تلك الفتاة. قال:
"دوا إيه؟"
"للسخونية."
تنهد وقال:
"إيه اللي جابك. ده غلط. مينفعش تكوني هنا يافريدة."
"كنت عايزة أتأسفلك."
نظر لها. قالت:
"أنا آسفة. ضغطت عليك كتير."
"فريدة!"
"اممم."
"متتضايقيش ميرال."
نظرت له. مو اهتمامه بها. فهو لم يسمع ما قالته. أنها أتت لأن تعتذر من أجله هو.
"ياري طريقة كلامك تعاملك يبقى أحسن من كده."
"هي اللي اشتكتلك مش كده؟"
تنهد وقال:
"أنا اللي شوفت ومش عايز علاقتكم تبقى كده. جيتي واعتذرت وده اللي أنا عايزه منك. ممكن؟"
سكتت وهي حزينة. نظرت له وهو يريدها أن تريحه ولو لمرة. أومأت له. قالت:
"حاضر عشانك."
"شكراً... على اللحاف."
نظرت له. فقد لاحظ أنها غطته. قام وراح الحمام. قامت وخرجت من أوضته. نظرت إلى سريره. لا تعلم إن كانت ستراه بمفرده أم بمدة ستكون معه هنا. ذلك التخيل يحرق قلبها بشدة.
نزلت. لكن توقفت حين رأت ميرال. التي نظرت إليها وإلى غرفة ياسين. فهل كانت عنده؟ تخطتها فريدة بتجاهل. لكنها قالت:
"فريدة!"
توقفت بضيق. نظرت لها ميرال. وقالت:
"لازم نتكلم."
تعجب من هدوئها وهي تحدثها. قالت:
"نتكلم في إيه؟ مفيش حاجة بينا."
"فيه. وإنتي عارفة فيه."
صمتت ونظرت لها. فهل كشفت أفعالها؟ خشيت أنه يخرج ياسين ويسمعهم. فوقفوا بعيداً. قالت:
"نتكلم عن إيه بقا؟"
"عن الخلافات اللي بتحصل. وإن كل واحدة فينا مش قادرة تستحمل التانية. وإنتي عارفة السبب مين."
"معرفش بتتكلمي عن إيه."
"بتحاولي تعملي إيه يا فريدة؟"
قالت باستغراب:
"مبحاولش أعمل حاجة."
"تصرفاتك بتقول غير كده. إنتي بتغيظيني بياسين."
"وأنا هعمل كده لي؟ يعني إنتي بتتغيظي؟"
ابتسمت ساخرة. قالت:
"زي ما أنا كنت عارفة إن ده هيحصل. وإنك هتحاولي تضايقيني بأي شكل. بحسب ياسين انتهى بنسبالك."
"فكراني هسيبهولك؟"
"ما إنتي سبتيه في الأول. هتفرق دلوقتي."
"واديني رجعت."
"بس هو معدش ليكي. هنتجوز أنا وهو. إنتي مجرد وصية. ياريت تفهمي ده."
"ده الكلام اللي بتضحكي بيه على نفسك. ياسين فكر فيكي لما أنا بعدت. هيتجوزك صحيح بس بيحبني أنا."
"بس في الآخر هيتجوز مين؟ أنا وحبك هينتهي."
"لسه متجوزكيش."
نظرت لها. فهل تضع آمال أنهم لن يتزوجوا؟ قالت:
"إنتي باللي بتعملي بتخلقي مشاكل ملهاش أول ولا آخر. وأنا مقدرة إن عقلك صغير. وعشان ياسين ما يضايقش مني. بس حركاتك بقت مستفزة أوي. وهو بقى يتعب من كل الخناقات اللي بينا."
"مش فاهمة إنتي عايزة إيه؟"
"بتهيألي لازم واحدة فينا تبعد عشان يستريح."
صمتت فريدة بحزن. فهل تريد أن أبعدها هي؟ قالت ميرال:
"نفكر فيه من غير أنانية."
"لي متبعديش إنتي؟"
"لو كانت راحته إني أبعد صدقيني كنت عملتها. لأنه أولى اهتماماتي. بس إنتي يا فريدة اللي تعبتيه. شوفتي وجهه زمان. ولا زالت بوجودك معاه."
شعرت بالحزن. هل تتعبه حقاً؟ قالت ميرال:
"بلاش تكوني أنانية أكتر من كده."
"عايزة تبعديني عنه مش كده؟"
"مش عشاني. عايزة إني أفكر فيه هو. ياسين مش حاجة نتخانق عليها. هو ليه الحقوق إنه يقرر. هو قرر مني أنا."
"لي متقوليش إنه ماعزش يجرحك بس بيحبني أنا."
"إنتي مصدقة اللي بتقوليه؟ إنتي مسؤوليته هو. مخليه معاكي عشان باباكي اللي السبب إنك تعرفيه. وإلا كان زمانك مع أهلك ولا شوفناكي أصلاً. هو متمسك بيكي لأنه عم يعقوب كان زي والده وإنتي أمانته من بعد أما مات. فكراه هيتخلى عنك؟"
"مش حقيقة. ياسين عايزني عشان أنا. ماكنش هيتمسك بيا. وعمي قاله يخليني معاه. لو واثقة منه أوي كده اسألي."
قالت ذلك بثقة. وهي تكمل:
"اسأليه إذا كان هو عايزك إنتي ولا لأ. بعدها نقرر."
صمتت ميرال بضيق منها. قالت:
"ولا إنتي خايفة تسمعي الحقيقة اللي بتهربي منها. ومتأكدة إنك مش في قلبه."
"كنت فاكرة إنك هتفهميني. ولو بتحبيه بجد هتفحري فيه. بس إنتي هتفضلي أنانية مبتفكريش غير في نفسك. وطظ في اللي حواليكي. المهم تبقي مبسوطة. كنت عايزة نوصل للحال."
قالت ذلك بخيبة وذهبت. نظرت لها فريدة.
خرج ياسين من حمامه والأرق ظاهراً عليه. سمع صوت على الباب. نظر ليجدها ميرال. ظن أنها فريدة فهي التي مستيقظة.
"إيه اللي مصحيكي؟"
"عايزة أتكلم معاك."
هل ستناقشه عن الصباح؟ تنهد وذهب وهو يقول:
"لو فيه حاجة عايزة تقوليها ناجلها لبكرة."
لم ترد عليه. لكنها اقتربت منه وعانقته من الخلف. تفاجأ كثيراً. قالت:
"بحبك. يفهم ما الأمر وما سبب الكلام والعناق ذلك."
مسك أيدها وهو يحرر نفسه ويبعدها. لف ونظر إليها. قال:
"مالك؟"
"عايزة أعرف إجابتك."
"في إيه؟"
"إنت عايز تتجوزني فعلاً يا ياسين؟"
تعجب كثيراً. كملت:
"عايز نتجوز عشان ترضيني بس مفيش مشاعر من ناحيتك ليا."
تفاجأ من كلامها. قال:
"لي بتقولي كده؟"
"يبقى فهمني إنت. بدام أنا غلط. عرفني. لو فيه حاجة من دي قولهالي وابعد من دلوقتي. لو مش عايز الجوازة دي قول لي وأنا هنسحب من حياتك كلها. مقدرش أجبرك عليا أو أحسك بعيد عني بقلبك اللي أنا عايزه يحبني أكتر ما أبقى معاك جسداً بس."
كانت تحاول كبح دموعها وهي تفر النظر إليه وتقول:
"عادي مش هزعل. دي حياتك."
"أنا مش فاهم حاجة. لزمت كلامك ده إيه؟"
"إني أستريح وتحس بيا زي ما أنا بحس بيك."
صمت وهو ينظر إليها. مسكت أيده من بين يدها الناعمة. قالت:
"قولي الحقيقة وأنا هبعد نهائياً عنك."
رفعت عيناها إليه ليرى دموعها والحزن الذي لم تستطع إخفائه. تنهد وقال:
"ممكن تهدى. مفيش أي حاجة من اللي إنتي قولتيلي عليها."
"يبقى قوليها عشان أتأكد. لو ده الحقيقة وإني بس بتوهم."
صمت ولم يعلق. نظرت له. قالت:
"عايزني؟"
سكت قليلاً ثم قال:
"عايزك."
نظرت له. من ما سعدت وارتاح قلبها وعانقته فوراً بحب. نظر إليها. قالت:
"شكراً."
لم يفهم على ماذا تشكره. وهي تعانقه بتلك القوة والتملك. رفع يداه بتردد. لكن استسلم وبادلها وهو يربت عليها برفق. لتبتسم هي لذلك العناق.
بينما رفع ياسين أعينه لتتوقف عند رؤية طيف فريدة وهي واقفة عند الباب وتنظر له بأعين حانقة ممتلئة بالدموع والانكسار الذي لم يستطع أن يترجمها. لتغادر وتختفي من أمام ناظريه. وتركه عالقاً في مشهدها ونظرتها التي اخترقت قلبه. لن ينسى تلك النظرة. كانت نظرة غاضبة، حزينة، معاتبة. لم يشهدها من فتاة قبل.
دخلت فريدة أوضتها وبكت. وكان بكاؤها ليس كمثل ليلة من قبل بكت فيها. وضعت يدها عند قلبها الذي كان يعلمها. أخذت أنفاسها وهي تنشج بحزن:
"لي ياسين؟ لي؟"
تحلمهم وهم يتعانقان لتحترق داخلها.
في اليوم التالي حين عادت فريدة من جامعتها. وجدت ياسين جالس مع ميرال. تعجبت. ألم يذهب لعمله؟ كانت ميرال ملتصقة به وفاتحة الاب توب.
"ما روحتوش شغل انهاردة؟"
نظرة لها من عودتها. قالت ميرال:
"لا. اتشغلنا في ديكورات الحفلة."
قالت بعدم فهم:
"حفلة إيه؟"
مسحت ميرال ايد ياسين. نظر لها. قالت:
"أنا وياسين فرحنا بعد شهر."
صدمت. ونظرت إلى ياسين بشدة. وجدتها تلف ذراعيها حول ذراعه وتقول:
"خبر حلو مش كده؟"
كانت مصدومة. تشعر بالألم الشديد. فقط غضبت كثيراً وذهبت. نظر ياسين إليها. قالت ميرال:
"مش هنكمل."
"وقت تاني عشان تعبت."
"بس إحنا مشوفناش غير تصميم بس."
"دوري إنتي واللي يعجبك قوللي عليه."
"تمام. زي ما تحب."
وقف وذهب. قابل فريدة. التي نظرت له. لكن التفت بضيق ولم تتحدث معه. تعجب من نظرتها.
كانت تلك بداية معاناة جديدة لفريدة. فلم تكن أنها فتحت أبواب الألم إليها باكتشاف ميرال الأعيبها. فباتت تمارس الأعيبها هي الأخرى. كثيراً ما تحبس مع ياسين تتكلم عن زفافهم وتغضبها. أصبحت المواجهة صعبة. وكأنها منافسة بالفعل. أنها لن ولن تتركه لها. تلك المرأة متعلقة بياسين بشدة. وهي أيضاً لن تتركه. لكنها باتت تشعر بفقدان الأمل. شهر... شهر واحد فقط وسيكون مع غيرها. يبني حياة أخرى ويكون عائلة لا مكان لها فيه.
باتت فريدة تعد أيام تلك الأشهر. حيث مر أسبوع وتخترق يومياً. تتمنى من الله أن يوقف الزمن للحظة. لا تستطيع أن تستوعب. فقط أن يوقف الزمن أو أن تعود للوراء وتتعلق به مثل قديماً وتخبره كم اشتقت له. وأنا فاقدة الأمان. لقد فقدت الأمان من بعده.
في الليل كانت فريدة تدرس. جاء سؤال وحاولت عليه. بس افتكرت ياسين لما كان بيدرس لها. كان يخبريها بمعلومات مسبقة مثل هذه. وها قد أتى سؤال عليها.
خدت الملزمة وخرجت.
كان ياسين جالس في غرفته أمام الاب توب ويعمل. فتح الباب.
"لسه صاحي."
وكانت ميرال. قال:
"فيه إيه يا ميرال؟"
"جايه أشوفك."
جلست على سريره. نظر لها. مسكت كتاب من ضمن اللي على الكمود. ابتسمت. قالت:
"لسه بتهتم بمجموعة فينسل تراسبنار."
فتحتها وهي تقرأ منه. قالت:
"معانك معاك لغات بتخليني أترجم لك."
"الترجمة بتاخد وقت."
ابتسمت. قالت:
"ومحدش بيستغل الوقت قدك."
قربت فريدة من غرفته وفتحت الباب. قالت:
"ياسين!"
وتوقفت حين رأت ميرال في غرفته. فتفاجأت كثيراً. وجدتها تنام والحيبة ترتفع وتظهر ساقيها. لتغضب كثيراً. كأنها تحاول إغراءه. وظنت أن سريره أصبح سريرها. نظرت إلى ياسين ومن وجودها عنده.
قالت ميرال بتدلل:
"مش المفروض تخبطي يافريدة؟"
نظرت لها من قولها ذلك. وهي تلعب بخصل شعرها وتنظر لها وتبتسم بثقة لتثير الغضب داخلها. وكأنها تعرف أنها ستصبح حرة هكذا في غرفته قريباً. وأنها اقتحمت عليهم. قال:
"متعودتش أخبط الباب على ياسين."
"ممم. اتعودي بعد كده بقا. فيه اختلافات بينكم مش زي الأول."
قال ياسين:
"ميرال. خلاص."
"أوكي حبيبي."
نظر إلى فريدة التي كانت بتبصلها بغضب شديد وهي نائمة على سريره بتلك الحرية. حتى ملابسها ليست مثلها. تتقيد بملابسها في المنزل. لأنه بالفعل أصبح غريب عنها.
"عايزة حاجة يا فريدة؟"
نظرت له حين قال ذلك. دفعت الكتاب ليصبح عند قدميه. وقالت بغضب:
"مش عايزة حاجة. خليك معاها."
نظر لها من فعلها. وطالعتها ميرال. مشيت بضيق. نظر لها ياسين وإلى غضبها وانفجارها ذلك.
قالت ميرال:
"ياسين. علمها تتكلم معاك بحدود بعد كده. مش تفتح الباب عليك. ممكن تكون نايم أو بتغير."
"أنا اللي كنت عايز أكسر غرايتها عني."
"زمان. دلوقتي بقيت غريب ولازم تتعامل معاك كأنها متعرفكش."
تنهد وهو يقول:
"خلصنا. مكنتيش تتكلمي معاها. أنا أقدر أكلمها."
"أنا قولت أي غلط وقولت بلطف. هي اللي مبطيقش كلام مني أصلاً."
تنهد. نظر إلى مذكرة فريدة الذي رمتها عند قدمه. التقط ونظر ليرى أسأله. تعجب. لماذا أتت إليه بها؟ هل كانت تريد أن تسأله على شيء؟
كانت فريدة في أوضاع غاضبة. سمعت طرقات على الباب. فتح ياسين وقال:
"فريدة."
"عايز إيه؟"
"الكتاب؟"
هل أتى لذلك؟ راحت وخدته منه. قالت:
"تمام. هاتيه. امشي بقا."
نظر لها وقال:
"كنتي عايزة إيه؟"
"كنت عايزك تشرحلي حاجة. بس خلاص مش عايزة. شكلك مشغول."
قالت ذلك ساخرة. تجاهلها وقال:
"وريني."
"مش هتروحلها."
"هاني يافريدة. يلا. لو لسا عايزة أنا معاكي آه."
سكتت وأعطته المذكرة وأخبرته. فجلس وأخبرها أن تحبس بجانبه. فجلست وكانت متضايقة. وبالفعل شرح لها ياسين وأفهمها لها برفق. فنسيت غضبه منه. كانت تنظر له ولا تعلم تتركز معه أم مع الدراسة. اشتاقت لتلك الجلسة. اشتاقت له حقاً. ألم ينتهي العقاب يا ياسين؟ ألم تشفى عليك مني؟ أتتمتع وأنت تحرقني مثلما فعلت؟ ها قد نجحت أنني أحترق وأنت مع امرأة غيري. أحترق وأريد فعل أي شيء لأن أعيدك. أي شيء يا ياسين لتغفر لي.
بعد مرور ثلاث أيام في هدوء الأوضاع. كان ياسين بيشتغل. أتت ميرال إليه وأخبرته أنها تريد قضاء وقت معه.
"تعالى نخرج انهاردة. نتعشى أنا وإنت بس."
"انهاردة؟"
"أي يوم تكون فاضي. فضي وقتك عشاني شوية. إحنا المفروض نعيش الوقت ده في حياتنا في فترة خطوبتنا. أنا مخرجتش معاك قبل كده موعد رومانسي."
صمت بتفكير. فهو بالفعل لم يحصل أي جديد في علاقته معها. بل يتعامل معها كالسابق ولا يعاملها كأي اثنين.
"ماشي يا ياسين."
"حاضر."
سعدت بموافقته. قالت:
"تمام. هختار المطعم على ذوقي ويبقى عشا خاص."
أومأ لها من سعادتها. ذهبت وكانت فرحانة. جهزت ميرال لذلك العشاء. حيث أوصت المدير أن يكون المطعم خالياً لهم. وأجواء رومانسية. واتفقت معهم لتلك الليلة التي ستكون فيها مع حبيبها.
ارتدت أفضل ما لديها وصففت شعرها. وضعت مساحيق. حيث كانت جميلة كثيراً وتفتنت لأجله. فياسين الرجل الذي لم يتأثر بها عكس ما كانوا يريدون. ما وعدتها. لطالما لم يتأثر بنساء عكس امرأة. وكانت دارين.
خرجت وقابلته. ابتسمت حين رأت وسامته. قالت:
"آخرتك."
"مش مشكلة. خلصتي؟"
"آه. يلا."
مشت معه. توقف ياسين حين رأى الخادمة تحمل صينية. وكان بها عصير وعليه دواء. أوقفها وقال:
"إيه ده؟"
"ده لآنسة فريدة. دوا للمعدة."
قال باستغراب:
"دوا لي؟"
"أصلها تعبانة من الصبح. فقلت أعملها سحلب يدفيها. ممكن تكون بردانة في معدتها."
ذهبت. نظر ميرال له. قالت:
"فيه حاجة يا ياسين؟"
"هروح أشوفها."
أومأت له بتفهم. وقالت:
"تمام."
ذهب إلى غرفة فريدة. دخل شافها مسطحة على سريرها ومتغطية ووجهها به شحوب.
"فريدة!"
نظرت له. أقدم معها. قال:
"إنتي كويسة؟"
"مفيش. بطني بتوجعني بس ومصدعة."
صمت. فهل وجه معدة فقط؟ أليست آثار لمرضها؟ نظرت له ومن ملابسه. نظرت إلى ميرال التي كانت عند الباب ومتألقة لذلك الحد. قالت:
"إنتوا خارجين؟"
أومأ إيجاباً. فحزنت. قالت:
"روح. مش عايزة أخّرك."
وصمت ونظر لها. تثبت الناحية الأخرى كي لا تنظر إليه وحزينة.
قالت ميرال:
"يلا ياسين."
تنهد. وقف وغادر. لكن فكر بها قليلاً. قال:
"نأجل."
نظرت له. ليردف:
"معلش يا ميرال مش هقدر أخرج يوم تاني."
نظرت له بشدة. فهذه ليلة واحدة. ألا يستطيع تركها وذهبت. رجع ياسين إلى فريدة. نظرت له. جلس. قالت:
"مش هتروح؟"
فofتت كثيراً داخلها. أنها أفسدت موعدهم وعشائهم الرومانسي. أظنت أنها ستتركه لها بأفكارها الخبيثة لتقرب منه. هذا لن يحدث.
قالت الخادمة:
"اتفضلي."
خدته فريدة. كان هيتكب. مسكه ياسين. قالت الخادمة:
"أنا آسفة. اتحرقت."
قال فريدة:
"الغلط من عندي. ما مسكتهاش صح. حصل خير."
قال ياسين:
"سيبي الدوا وامشي إنتي."
أومأت له وذهبت. أعطاها ياسين الكوب. فامسكتها بيده وشربت. نظر لها وهي تمسك يده كأنه يسقيها. توتر. لكن أكمل وساعدها.
بعدما انتهت. بعد عنها. ومددت. كان هيمشي يشوف ميرال. لكن فريدة أوقفته.
"ياسين... خليك معايا."
"لسه تعبانة. أجيبلك دكتور؟"
"لا. خليك معايا بس لحد ما أنام."
صمت وكأنه تقيد. لا تجعل له مخرجاً ولا يستطيع أن يقول لها لا. أومأ وجلس. فسعدت وأغمضت عيناها لتنام بارتياح وطمأنينة.
نظر لها ياسين وهي تغفو. كان كتفها ظاهراً. تنهد وأبعد عيناه التي ستلقي به في الجحيم بلا شك. رفع البطانية وهو يخبيها دون أن يلمسها. نظر لها. فكيف سيبقى جانب الفتاة التي يقاومها لسنين؟ وجوده لن يؤثر سوى عليه ضعفاً. وهو يحاول تجنبها قدر المستطاع.
في اليوم التالي صحيت فريدة على ضوء الصباح. نظرت لم تجد ياسين معه. فشعرت بالخيبة. قامت بس. وقفت لما شافته غفى على الكنبة. أنه معها في غرفتها. لم يتتركها. اقتربت منه ونظرت له. نومته بملابسه. كانت عضلاته بارزة. يطوي أكمامه وعروق يده الجميلة.
"عجبك؟"
اتخضت. نظرت للصوت لتجدها ميرال. كانت تستند على الباب ببرود. توترت. ابتعدت. وقالت:
"مش عارفة. بتقولي."
جت تمشي. مسكتها ميرال. قالت:
"إنتي عارفة كلامي بس بتحاولي تعملي نفسك بريئة. إنتي واحدة خبيثة. وياسين بتدخلي عليه حيلك السخيفة."
صحى ياسين من الصوت. نظر إلى ميرال وفريدة. التي قالت:
"سيبي إيدي."
قال ياسين:
"فيه إيه؟"
سابتها ميرال. وقالت:
"كانت عمالة تتأملك وإنت نايم. أصلك عاجبها."
قالت فريدة:
"كذابة."
"محدش كداب قدك."
قال ياسين:
"ميرال. فيه إيه؟"
"عايزاك... لوحدنا."
قالت ذلك وهي تنظر لفريدة بأنها ستتدخل بينهم. قال:
"امشي وأنا جاي."
مشيت بضيق. نظرت لها فريدة. نظرت إلى ياسين الذي متضايق. هل شجار كهذا منذ الصباح؟ قالت:
"أنا بس كنت بشوفك صحيت ولا لسه. هي اللي فهمت غلط."
"خلاص يا فريدة."
سكتت. خد الجاكت ومشي. راح. وكانت ميرال تنتظراه. قالت:
"إيه اللي نايمك عندها؟"
"راحت عليا نومة."
"طبعاً. منتا سهرلي عندها الليل كله. وخروحتنا باظت."
تنهد وقال:
"عايزاني أعمل إيه؟ أسيبها وأخرج وهي تعبانة."
"مكنتش تعبانة. دي كانت بتمثل عشان تبوظ الخروجة ومتخلنيش معاك. ثم إن معاها غيرك."
اقتربت منه وقالت:
"ياسين. فريدة بتتعمد تعمل كده عشان عارفة إنك بتخاف عليها. فبتضايقني أنا. إنت لي مش شايف حركاتها ونظراتها ليك؟"
"دي أوهام جواكي."
"مش أوهام. ولا عمرها هتكون كده. زي حقيقة وأنا ساكتة عليها. بس خلاص معدتش قادرة أستحمل تصرفاتها دي الطفولية ودلعها الزايد. إنت مبتقولهاش على حاجة. لأ. وكل طلباتها مجابة. طب وأنا لو هتديها وقت اديني أنا كمان."
اقترب منها. قال:
"ميرال. ممكن تهدى؟"
"أنا الأحق بيك. وهنتجوز. ومش عارفة حتى أقعد وقت معاك لوحدنا من غير إزعاج. أنا زهقت يا ياسين. زهقت."
"قولتلك الوضع مش عاجبك. جبتك عشان متتضايقيش ولا تفكري في حاجة وتكوني معايا في أي تاني."
"مشيها."
نظر لها من ما قالته:
"إيه؟"
"أيوه. مشيها. ف الأول كنت أقدر. بس خلاص مش عايزها تبقى في حياتك خالص. مشيها من هنا."
قال ببرود:
"نتكلم بعدين لما تهدى."
"أنا هادئة وعارفة بقول إيه."
"وأنا قولتلك قراري في الموضوع ده."
"يا أنا يا هي يا ياسين."
نظر لها بشدة. وقال:
"اللي إنتي بتقوليه. حركاتك هي اللي بقت طفولية يا ميرال. إنتي أكبر منها وعاملة عقلك بعقلها."
"هي بس اللي عاملة نفسها صغيرة قدامك وبتدلع. بس دي واحدة عارفة وفاهمة كل حاجة. عشان كده بقولك مش هستحمل أكون أنا وهي معاك. حتى لما نتجوز هبقى أنا بس اللي في البيت ده ومش حد تاني في حياتك. وتنسي وصيتك عليها. في غيرك يقدر يبقى واصي وأحق بيها."
"قولتلك فريدة هتبقى معايا. مش هقدر أسيبها."
نظر له حين قال ذلك بجدية. قالت:
"يعني ده قرارك؟ بتختارها بدالي؟"
"أنا قولتلك قبل كده ملهاش معنى تحطي مقارنة. وإنتي عارفة قراري من الأول."
"لا ليها. عرفت أنا عندك إيه. أنا ولا حاجة."
قالت ذلك وهي تذهب من أمامه. وهي تخرج من المنزل. ركبت عربيتها وغادرت.
تنهد ياسين وجلس وهو يمسك رأسه. كانت فريدة واقفة وتنظر إليه من الأرق والضيق الظاهر عليه. نظرت للباب. فهل ميرال غادرت حقاً؟ هل خرجت من المنزل ولم تعود؟ لقد اختارها ياسين ولم يتخلى عنها كما تريد هي.
بالفعل لم تعد ميرال. حيث مر يومين. وكان الوضع في المنزل هادئ. لكن ياسين كان يبدو أنه مهموماً قليلاً. لم تعلم هل هو حزين أنها تركته. لكنها كانت سعيدة. وتتمنى ألا تعود إليه مرة أخرى.
في المساء كانت قاعدة بتتفرج على فيديوهات. وبتضحك. كانت فيديوهات توعية ذاتية. "كل واحدة فينا عندها أنوثة داخلها. هي بس تظهرها لنفسها. مش شرط لحد. توري قد إيه هي جميلة وتدي الثقة في نفسها. لما تشوف إنها جميلة هتعرف إن ربنا ما خلقش واحدة وحشة. كلنا جمال وجمالنا مميز عن التانية."
صمتت. قفلت الاب توب وقامت. فتحت الدولاب. ونظرت إلى الملابس. خرجت علبة مكياج. واختارت فستان.
كان ياسين جالساً يعمل بتعب. وضع ذراعه على عينيه من كثرة أفكاره. تنهد وقام وراح ليحضر شيئاً من مكتبه. و كان ملف. رجع. لكن سمع صوت. نظر. وكان الصوت غرفة فريدة. استغرب ماذا تفعل بذلك الوقت. لم يهتم. لكن سمع صوت أعلى. راح عندها. خبط وقال:
"فريدة. فيه إيه؟"
"ماااا فيش."
"إزاي؟ الصوت ده عادي؟"
فتح. شافها واقعة على الأرض عند الكمود. استغرب. ونظر إلى غرفتها المبهدلة. قال:
"إنتي كويسة؟"
كانت تمسك قدماها. قالت:
"آه تمام. متقلقش. كانت بتمسك قدماها. قالت: الكعب ده هو اللي عالي أوي. معرفش جبته إزاي. مش عارفة أقلعه."
تنهد. تقدم منها. وتفاجأ حين لاحظ ملابسها. وكانت ترتدي فستان أحمر قصير فوق الركبتين. وساقيها ظاهرتان بشدة. حيث تظهر أنوثتها وجمالها. توتر. قال:
"فريدة!"
"اممم."
"إيه اللي إنتي لبساه ده؟"
خجلت. نزلت الفستان لتخبأ قليلاً. قالت:
"كنت بلعب. قولتلك. هغير بس أقلع الجزمة دي الأول."
أسرعت وهي تحاول فكها. تنهد. وتقدم. انحنى. نظرت له. مسك قدمها. وكان الهيلز ذو رباط. تلفه وتعقده. نظرت له وهو يحاول أن يفكه من عليها. قال:
"ربطاه جامد لي كده؟"
"هو بيتربط كده عشان ما يتلقعش."
"الحاجة اللي مش هتستريحي فيها متجبهاش."
ذمت بشغفها. قالت:
"اشمعنا البنات يعني. بكرة أتعود عليه."
تنهد منها. فكه. نظرت له. مسك رجليها. خلعها من عليها. اتكسفت. وضعهم جانباً. نظر لها. وكان هيتكلم. بس توقف حين رأى شكلها.
كانت فريدة تضع مساحيق تجميل. حيث كانت ملامحها متغيرة. لأنها أثقلت فيه كالفتيات.
"إنتي عاملة إيه في وشك؟"
أفاقت. وضعت يدها على وجهها. قالت:
"إيه؟ كنت بسمع كورس تجميل. قولت أجرب."
رفع حاجبه باستغراب. وقال:
"إنتي غريبة انهاردة؟"
توترت. فهي فعلت ذلك لأنها سعيدة. قالت:
"لي؟ عادي يعني. هو وحش؟"
"متعودتش أشوفك كده. مش لايق عليكي."
"اشمعنا بقا؟"
خرج منديل. ومسك وجهها. نظرت له. قالت:
"هتعمل إيه؟"
مسح عيناها. قالت وهي تحاول أن توقفه:
"ياسين."
"استنى."
كان يمسحه من عليها كأنه يزيل غبار ليرى فتاته. اتكسفت. قالت:
"ياسين خلاص. بوظتلي وشي. أنا هشيله. مبتشلش كده."
لم يرد عليها. ابتعد. نظر إليها. وكانت عيناها قد ظهرت. قال:
"كده أجمل. متغيريش شكلك تاني."
توترت. قالت:
"حاضر."
نظر إليها وهو يتأملها لوهلة. نظر إلى شفتاها. قرب المنديل ليمسح أحمر شفاها. لكن لمجرد ما نظر لهم ضعف. نظرت له فريدة. ولنظراته. حاول أن يبعد عينه. لم يستطع. كان شغف شديد يجتاحه. اقترب منها وأخذ شفتاها بين شفتيه.
نظرت له بشدة. ونبض قلبها بقوة. ونظرت له وهو يقبلها. ابتعد عنها بصعوبة. وكأنه لم يعد يستطيع مقاومتها. وهي جالسة أمامه بذلك الفستان الذي يظهر أنوثتها ويثيره هو. لقد كبح نفسه كثيراً. وهاله ضعفه ازدادت تلبشاً بجسده.
ارتبكت فريدة من نظراته. تشع رغبة. وكأنه مغيب. كانت ستعود للخلف. لتجده يمسح شفتاها بأصبعه. بعدما أفسد أحمر شفاها. لتتصاعد دماؤها لوجنتها التي احمرت بشدة. قالت:
"ياسين!"
لم تدرِ أن لفظ اسمه بتلك النبرة أضعفه. ليقبلها. نظرت له فريدة قليلاً. أغمضت عيناها وتفاعلت مع قبلته. وهي تمسك وجهه بيدها الرقيقة. لف يده على خصرها وقربها منه بشدة. وحملها وهو يقف بها. لتقف على قدماه. وهي تحاوط رقبته. واضع يدها خلف رأسه. تقدم بها لتعود للخلف وتجلس على السرير. ويفصل قبلتهم. مال عليها. نظرت له. ليصبح فوقها. ونبضات قلبهم متسارعة.
"مبنعملش حاجة غلط. مش كده؟"
قالت ذلك وعيناها متعلقة بعينه. ليعطيها الأمان. قبلها. لتعانقه وهي تخبئ وجهها في كتفه وتسكن. وهي تستشعر حبه. ليقبلها من عنقها. ويترك علامات امتلاكه. ويروي شوقه منها. مد يده وأطفأ الضوء.
***
في صباح اليوم التالي في مقهى متواضع. فتح الباب وخرجت فتاة. وهي تقول:
"مع السلامة. يعم سلامة. هاجي بكرة. محدش يقرأ من الكتاب التاني عشان هكمله."
"حاضر يا آنسة تسنيم. موجود."
"شكراً."
خرجت وهي تبتسم وتلوح له. مشيت وكانت تمسك كتاباً. لكن اصطدمت بأحد. ووقع الكتاب منها. فتألم رأسها.
"أنا آسفة. ما أخذتش بال..."
لكن حين رفعت عيناها والتقت بأعين لم تتمنى رؤيتها. تصنمت لوهلة. وهي تراه أمامها. ينظر إليها بوهن وهدوء. بينما كان داخلها إعصار لا تهدأ.
"عاملة إيه يا تسنيم؟"
رواية زهرة الاشواك الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نور
فتحت فريدة عينها، كانت تحس بتخدير في جسدها.
تقلبت، لكن توقفت عيناها، رأت ياسين بجانبها وكان عاري الصدر.
اتسعت عيناها، نظرت حولها، وأنها في غرفتها وعلى سريرها.
نظرت لنفسها وقربها منه، كان قلبها ينبض بخوف.
رفعت الغطاء الذي عليها لتنصدم وتنتفض، وهي تضع الغطاء عليها تداري جسدها وتدمع عيناها بصدمة.
فاق ياسين من حركتها، سمع صوت شهقات.
نظر إلى فريدة، تفاجأ من ظهرها العاري، نظر حوله، جلس فورًا وهو في حالة ذهول.
"إحنا عملنا إيه؟" قالت ذلك بصوت مبحوح وخوف.
نظر إليها، بكت وقالت: "إزاي ده حصل؟"
كان هو الآخر مصدومًا، لا يصدق أنه فعل بها ذلك.
كانت تحاول تستر جسدها وتبكي بشدة وفي حالة هستيريا.
"فريدة..."
"إحنا عملنا إيه يا ياسين؟ هببنا إيه؟"
مسك الحلف ولفه على ضهرها.
صرخت به وهي تقول: "ابعد، متلمسنيش."
عادت للخلف وهي تبتعد عنه وتزحف بقدمها لتوصل لآخر السرير.
نظر إليها بحزن شديد وهي تبكي.
مسكت رأسها وهي تزيح شعرها وتقول: "إزاي أعمل كده... ليه خليتني أرتكب غلط زي ده؟ أندم عليه العمر كله... ليه خليتني هنا؟"
"فريدة، أهدي، متعيطيش."
"أهدأ!" قالت بصياح لتكمل: "بتقول إيه؟ مش المصيبة اللي أنا فيها وعايزني أهدأ... إحنا عملنا غلط أكبر... زنينا يا ياسين."
نظر إليها من ما قالته، بكت بحرقة من تلك الجملة لتقول: "أنا مش كده... مش أنا اللي أغلط كده."
"عارف والله مش غلط."
"...بتقولي مش غلط... فاكرني لسه مراتك؟ مش شايف اللي حصل مابينا... مصيبة... إحنا زنينا... اللي حصل ده اسمه زنا، زنااا، افهم بقى... إزاي قادر تبقى هادي كده؟ عشان مصيبتك مش زي..."
"متعيطيش، أرجوكي، هنلاقي حل."
"أنا إزاي طاوعتك؟ إزاي بغبائي طاوعتك ومعارضتش؟"
حزن ياسين، فهو لم يكن يفكر سوى بها.
"اطلع برا."
نظر لها، أردفت وهي تدير وجهها وتقول: "اخرج، أرجوك، مش عايزك تشوفني كده."
"فريدة..."
قطعته بحدة وهي تقول: "اخرج حالا... كاره نظرتك ليا، يلا."
صمت وهو يرى رجاءها بأن يذهب ودمعتها التي تسيل قهراً.
ابتعد عنها وذهب، توقف ونظر إليها وهي غارقة في بكائها، لا يصدق أنه فعل ذلك بها.
لماذا أوصلها لهنا؟ كيف كان البارحة معها؟ لماذا حدث ذلك؟
الآن، استوقفته بقعة دماءها، دليل عذريتها.
لقد أخذها. كان الرجل الأول في حياتها، أنه من امتلكها في الأخير.
كل الطرق أوصلتها لأن يأخذها هو.
سامحيني يا فريدة، لكنني لن أنسى تلك الليلة مهما حييت.
لست ناظم، لم أكن لأسمع أن يمتلك رجل غيري.
كنتي من حقي ولا زلتي.
سامحيني أرجوك، كاره نفسي كثيرًا على أذيتك بتلك الطريقة.
بكت فريدة بانهيار بعدما ذهب.
وقفت، لكن شعرت بألم والتفت ساقيها الضعيفة.
استندت على الكمود وبكت.
نظرت إلى المرآة لترى نفسها وشكلها وهي ملتفة بذلك اللحاف كالعاهرات المجرّدة من ملابسها.
لماذا فعلتي ذلك؟ لماذا أيتها الحمقاء أذللتِ نفسك؟
تعهدت بأن تعطيه أي شيء ليعود لكِ، لكنك أعطيته نفسك ولم يعد، بل طلعتِ بأكبر خسارة.
كيف يمكن أن تفعلي ذلك؟ أهذا حبك الذي نعته بالضعيف؟
هذا الحب الذي أوقعك في المعصية فقط لتكوني معه؟
ليتك لم تفعلي، ليتك فكرتِ بعقلك قبل هذا القلب الغبي الذي أرشدك لطريق خاطئ، طريق الظلام.
هذه النتيجة وصلتِ لوحة لم تتمني أن تكوني فيها.
أهذه أنتِ حقًا؟ هل الحب ما يفعل ذلك ويجر قدم صاحبه للمعصية؟ أم أنها من لم تحمي نفسها جيدًا وتخطت كامل الحواجز من أجل حبه؟
نسيتِ الحواجز وذلك الرجل، نسيتِ أنه رجل وهي فتاة، نسيتِ أخلاقها وأن مكانها خطأ، أنها الخطأ بعينه.
وضعت يدها على وجهها بضيق شديد من تلك الأصوات.
"لماذا؟ حقيرة... ماذا يراني؟ لماذا فعل بي ذلك؟ لماذا؟"
مسكت إزازة العطر ودفعتها بقوة لتتكسر المرآة وتتهشم، وتنظر إليها وكأنما تنظر إلى كامل صورها المتعددة وهي على الأرض كالذي قيمتها قد تدنست.
تذكرت لحظة استيقاظها ورؤيته معها.
يا لسخرية القدر! لم تتوقع أن اليوم الذي كانت تتمناه تستيقظ وتراه معها يكون بتلك الفجعة المفزعة.
بل لا تتمنى ذلك.
"كفاية، اسكتي بقى."
أليست تلك روحها وإرادتها التي تحدت الكل بأن تعيده؟ وأخبرته أن تفعل أي شيء لإرضائه؟
أنسيتِ من تكون لذلك الحد؟
سندت والدموع تسيل منها وهي تبكي.
ذهبت فدست على زجاج، تألمت بقدر روحها وضميرها الذي يؤلمها.
دخلت الحمام، اقتربت من البانيو وفتحت المياه على آخرها لتبكي دون أن يسمعها أحد.
تبكي على نفسها وحبها، تندب حظها.
كان ياسين في أوضته ويجمع قبضته بضيق من نفسه.
سمع صوت كسر. نظر وقلق.
خرج وراح لأوضة فريدة، وكان خائفًا يدخل فتصرخ في وجهه.
لكن فتح الباب بتجاهل، بس لم يلقاها.
نظر ليجد المرآة متكسرة. نظر حوله وكانت الأوضة مبعثرة.
تنهد، لكن رأى لزج أحمر على الأرض.
تعجب، نظر إلى الحمام بقلق شديد وراح سريعًا.
فتح الباب وتوقف حين رأى فريدة جالسة على سلالم البانيو.
"فريدة..."
لكنها لم تكن تتحرك.
اقترب منها ليجد الماء بلون محمر ويدها بها.
نظر لها بشدة، اقترب منها، مسكها وهو ينظر إليها وكانت مغشي عليها.
مالت عليه، شالها سريعًا وخرج ليجد الخدم الذين أتوا.
"خير يا ياسين بيه؟"
نظروا إلى فريدة بقلق من شكلها.
قال: "اطلبوا الدكتور، مش عايز حد هنا... يلا، امشوا فورًا."
أن قال ذلك، أقفلو الباب وهم مش فاهمين حاجة.
حط ياسين فريدة على السرير، جبلها هدوم.
***
"عاملة إيه يا تسنيم؟"
كان إيهاب منيقف أمامها، كانت تنظر إليه وجرحها يتفتح.
لم ترد عليه، بل كانت جملته أفاقتها على الواقع.
دمعت عينها، خفضت رأسها.
نظر لها إيهاب، انحنى والتقط الكتاب، قال وهو ينفضه من الغبار: "الحمد لله."
مشيت ولم تزد في كلمة، لكنه أمسك يدها ليوقفها، لكنها أفلتتها ليرى ردة فعلها ويحزن.
قال: "مبترديش على تليفونك ليه؟"
كانت تخفي وجهها، قالت: "ده يهمك في حاجة؟"
"اكيد يهمني."
استوقفتها كلمته، وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتاها، ابتسامة مريرة منكسرة.
"لو مكنش يهمني كنت هجيلك في المكان اللي عرفك بتبقى فيه عشان أشوفك."
"تعبت نفسيًا."
نظرت له ورأت عينيها المنكسرة لتقول: "متبقاش تيجي تاني."
تفاجأ من قولها، مشيت وهي تحتضن كتابها وتمسك دمعتها وتبتعد عنه وكأنها تهرب من جرح قلبها والخذل الذي لم تتعافى منه.
***
جه الدكتور وكشف على فريدة، قال: "جروح صغيرة."
"مفقتش ليه؟"
"الإغماء مكنش من الإزاز."
"امال؟"
"ضعف جسدي... كانت مرهقة حبتين، أدى أنها تفقد وعيها عادي، بتحصل."
صمت ياسين ونظر إليها، ضعف جسدي.
تذكر ليلة البارحة، تساءل كيف تحملت فريدة برغم مرضها ولم يجد عائقًا يمنعه.
لقد تحملت، كانت تمارس تمارين ضبط نفس كي لا يحدث أي اضطرابات.
تلك التمارين التي تدربت عليها فعلتها من أجله.
أيعقل أنه استغل ضعفها لذلك الحد؟
أرادت أن تكون معه، فتحملت برغم تألمها.
كيف أذيتها بتلك الطريقة يا ياسين؟ المعقول أنك فعلت بها ذاك.
فاقت فريدة ونظرت إلى الطبيب، ثم نظرت إلى ياسين ومن وجوده.
قال الطبيب: "خلي بالك بعد كده."
افتكرت ما حدث، نظرت لنفسها فورًا لتجد أنها بملابس ومرتبة.
نظرت إلى ياسين بصدمة.
"مين اللي لبسني؟"
نظرت له وعيناها تدمع بحزن وتقول: "وانت بتعمل إيه هنا؟ مين لبسني؟ قول أرجوك."
"كان لازم تلبسي عشان الدكتور..."
بكت وقالت: "دخلت هنا وشوفتني تاني... ليه؟ خدت عليها... بتلبسني بنفسك، استحلتها... كنت تسبني."
"فريدة، أهدي."
"ليه بتعمل معايا كده؟ ليه عملت كده ولسه بتعمل؟ ليه بتكرهني فيك وفي نفسي؟"
شعر بالحزن الشديد من كلامها.
اقترب منها قال: "متعيطيش، انتي تعبانة."
"بسببك... انت السبب... التعب ده منك. اخرج، جاي ليه؟"
"أهدي."
"اخرج بقولك... حالا."
مسك وجهها وقال بحدة: "أهددددي."
صمتت بخوف ودموعها تسيل.
نظر إلى عينيها التي ترتجف وتشهق بين يديه.
قال: "ملبستكيش والله... خلت واحدة تلبسك، كنت عارف إن دي هتيجي ردة فعلك."
بكت من بين يديه.
نظر إلى دموعها التي مالها وجهها.
قالت: "خلتهم يشوفوني وأنا كده... حتى لو واحدة، ما كنتش عايزة حد يشوفني... بتمنى لو اختفي حتى من قدامك دلوقتي."
وقته بعيدًا عنه وقالت: "ليه عملت فيا كده يا ياسين؟ ليه محذرتنيش منك؟ ليه جيتلي امبارح؟ ليه مخرجتش بدام شايف نفسك كده؟"
"والله ما كنت أقصد... ضعفت يا فريدة... نسيتي إني راجل عشان مسكت نفسي سنين وحميتك مني."
"وفي الآخر خدتني بس إزاي؟ ياريتني منسيت... كنت فعلاً شايفاك أمان."
تنهد وقال: "أهدي."
"قولي إزاي انت هادي كده... معقول مش همك ولا فارقة معاك؟ أنا قليلة عندك أوي كده؟ خدت اللي انت عايزه خلاص."
"متقوليش كده يا فريدة، أرجوكي... بتظلميني تاني بكلامك."
"قولي إزاي أبقى هادية زيك؟ بدل النار اللي جوايا."
"عايزك تهدى الأول ونتكلم."
"لسه بتقولي أهدي؟ نتكلم في إيه؟ نتكلم عن إيه أصلًا؟ عن امبارح و..."
صمتت بخجل شديد وتردف ببكاء: "ليه."
"قلتلك معملناش غلط، والله ما كنت أقصد، أحلفلك بأي."
"مكنش غلط إزاي؟ إزاي مكنش غلط؟ اومال إيه العلم في نظرك؟"
صمت قليلاً وهو ينظر لها، ثم قال:
"اللي حصل كان لازم يحصل من الأول."
وهنا صرخت في وجهه وقالت:
"بتتكلم بكل ثقة ولا كأني مراتك؟ يحصل من زمان مش دلوقتي؟ ما أخدتوش زمان ليه؟ ليه تاخده دلوقتي بالحرام؟ ليه؟"
حرام، اتسمى حبه لها حرامًا.
ألم ترَ كم مشاعره كانت صداقة معها، لم تكن شهوة فقط، بل مشاعر حبه الذي لم يخرج سوى لها هي.
"حرام عليك، حرااام."
قال بانفعال من صرخاتها: "أهدى بقى، انتي ليه محسساني إني غصبتك؟ اللي حصل كان بإرادتك."
وهنا صمتت فريدة ونظرت له، وهو الآخر استوعب ما قاله ليرى نظرة انكسار عميقة.
"معاك حق، كان بإرادتي."
تنهد بضيق لتردف: "أنا الغبية الحقيرة اللي سلمتك نفسي... أنا قذرة."
"فريدة..."
"ابعد عني."
"مقصديش كده والله... عارف إنك..."
"إني كنت عايزك زي ما انت عايزني، وإلى حصل كان بموافقتي وشاركت فيه..."
نظر لها من ما قالته لتقول: "معاك حق، أنا اللي وافقت، أنا زااانية."
تألم من ذلك النعت الذي وصفت به نفسها.
قال: "متقوليش كده."
"بس أنا سألتك... سألتك غلط ولا لأ، ليه معرفتنيش إنه غلط أكبر غلط بعمله؟ ليه مبعدتنيش وفوقتني؟ عيلة؟ ليه منصحتنيش زي ما بتنصحني؟"
تبكي ويرى ندمها الشديد.
تندم أنها بقيت معه، وكأنها أرادت أن تكون لأحد غيره لهذا الحد.
لا تتمناه لهذا الحد، نادمة عليه.
ليته أفاق نفسه أولًا يا فريدة، ليته نصح نفسه وابتعد من تلقاء ذاته ولم يكمل أذيته عليكِ، ويراكِ هكذا وهي تسخطه وتجهش أمامه.
"أخرج، سبني لوحدي."
نظر لها وصوت بكائها يمزق قلبه.
رجفة جسدها، يديها المجروحة، حالتها تمزقه وتجعله نذل أمام نفسه.
معقول... أفعل بها كل ذلك؟
"أنا آسف."
قال ذلك وابتعد عنها، خرج وتركها.
نظرت له الخادمة، قال: "متسيبيهاش غير ما تاكل... لما تهدأ."
أومأت له بتفهم.
ذهب وهو يفكر بها وبنفسه.
دخل غرفته.
"إزاي عملت كدا؟"
تذكر البارحة، مسك رأسه بضيق.
كيف يضعف لهذه الدرجة؟ كيف يفعل بها ذلك؟ كيف يحدث ذلك بينهما؟
لقد نسي من تكون.
تلك حبيبته، فريدة وصيته.
أهذه الأمانة التي أؤتمن عليها؟ لقد خانها.
خان وإذاها وهي مريضة كالوحش الذي فقط يريد إشباع رغباته.
نسي مرضها، نسي كل شيء.
أنه خائن.
منذ متى وهو شخص غير مسؤول؟ منذ متى وهو لا يستطيع التحكم؟
كان ضعفه البارحة ليس مثل أي ضعف مر عليه، وكأنه كان فقط ينتظرها لتحركه.
فكان ضعيفًا بالفعل، ضعيف الإرادة وهو المسيطر الدائم على نفسه.
يشك بأنه كان هو.
"لم يكن أنا... أنا لا أفعل ذلك... لا أستغل، لا أجبر أحدًا، لا أرتكب خطأ... أنا لا أؤذيكِ يا فريدة."
"أنا الذي صبرت تلك السنين، أبعدتها عني، وضعت حدًا وهي زوجتي، وحميتها من نفسي. لم أستطع كبح نفسي عن لحظة ضعف. لحظة شيطان صور له كفريسة. شيطان... لقد كان هو الشيطان."
"ماذا فعلت يا ياسين؟ اللعنة عليك، كيف تأذيها لهذا الحد؟ كيف فعلت ذلك بها؟ كيف وصلت لهنا؟"
ليته يقسم لها أنها لم تكن شهوة، بل كان حبًا.
حبًا مفرطًا في قلبه لسنين عاش به معها.
افتكرها وهي تبكي وتبتعد عنه.
ليته مات قبل أن يرى تلك النظرة والنظم في عينيها.
أخذها، لكنها لا تريد البتة.
ندمت عليه، كأنه ورطة، ونادم هو على أذيتها فقط.
***
روحت تسنيم.
نظرت لها والدتها قالت: "جيتي؟ كنتي فين؟ مهواش تعليم وخروج."
"بعدين يا ماما."
ومشت.
نظرت لها تعجبت، قالت: "هي البت متسرعة كده ليه؟"
دخلت تسنيم، جلست وافتكرت إيهاب.
فتحت تلفونها ودخلت ع الأكونت، شافت رسالته التي لم ترد عليها بالفعل، فكانت تقفل الرسائل كي لا ترى أحد.
دخلت ع صفحته، لكن استوقفها شيء.
الحالة التي يكتبها (عازب).
لكن كيف؟ هل نسي تغيير حالته إلى متزوج؟
أم عاد ليسخر منها ويرى انكسارها من بعد ما فعلوه بها؟
أم يريد تلك الصديقة الغبية التي لن تعود لها مجددًا؟
لكن نبذت نفسها بسببه.
حتى أنها لا تستطيع الذهاب لجامعتها كي لا ترى فريدة وتتذكره.
"تسنيم..."
نظرت، فتح الباب ودخلت والدتها، قالت: "فيه حاجة يا ماما؟"
"تعالي كلي."
"مش عايزة."
"يعني إيه مش عايزة، انتي نشفتي."
"مش جعانة دلوقتي يا ماما."
"أحسن."
نظرت لها، ذهبت وتقفلت الباب.
تنهدت تسنيم وأقفلت هاتفها، لكن نظرت إلى الاتصالات وكم المكالمات من أصدقائها، يارا و... فريدة.
تلك التي تهرب من لقائها، لكن يبدو أن الأوان.
***
كان ياسين واقف في البلكونة بشرود.
نظر إلى غرفة فريدة، لعلها واقفة ويراه.
لكنها لم تكن كذلك، فهو لم يكن رآها اليوم بأكمله.
لا يعرف عنها شيء، فقط أخبرته الخادمة أنها أكلت، وهذا ما أراح باله.
انشغل عليها.
لم يكن يذهب لعمله ولا يفعل شيئًا غير التفكير بها.
"هتعذبيني لحد امتى يا فريدة؟"
***
في اليوم التالي في الجامعة، كانت تسنيم خارجة من المدرج وهي مستغربة وتلقي بأنظارها بحثًا.
كانت يارا واقفة مع صحبتها، لكن تفاجأت من رؤية تسنيم.
"تسنيم..."
توقفت ونظرت لها.
اقتربت منها قالت: "تسنيم، أخيرًا."
عانق بعضهم، وسعدت تسنيم هي الأخرى أنها رأتها.
ابتسمت، ابتعدت يارا قالت: "ظهرتي."
"كان لازم."
لم تفهم، لتردف: "امال فين فريدة؟ مشوفتهاش يعني؟"
"آه، مجتش انهارده حتى تليفونها مقفول."
أكملت بسخرية: "انتي تختفي هي تظهر، انتي تظهر هي تختفي."
صمتت تسنيم.
نظرت لها يارا وقالت: "لو تعرفي إنك جاية أكيد هتيجي."
"ليه يعني؟"
قالت ذلك باستغراب.
صمتت، فهل تخبرها أن فريدة تعلم بحبها لإيهاب؟
فقالت: "وحشتيها عادي، كنتي بتغيبي ليه؟ فاتتك محاضرات كتير."
"بابا زعقلي، اضطريت أنزل."
"كويس، فرحانة إني شوفتك."
ابتسمت لها.
نظرت يارا وتبدلت ملامحها، تعجبت تسنيم.
نظرت لها يارا قالت: "جاي لمين؟"
لم تفهم، لفت وتفاجأت لما شافت إيهاب.
"بيعمل إيه هنا؟"
"يعني إيه بيعمل إيه؟ تلاقي بيحسب فريدة جت."
"وهو ماله بفريدة؟"
"ماله إزاي؟ هي مش مراته."
"لأ، معدتش كده."
نظرت لها باستغراب.
قال يارا: "بيبصلك، شكله جاي ليك."
نظرت تسنيم إليه لتجده ينظر لها.
صمتت.
نظرت لها يارا ابتسمت، وضعت يدها على كتفها قالت: "good luck."
نظرت لها، ذهبت وهي تودعها.
تنهدت تسنيم وذهب وتجاهلت إيهاب كأنها لا تراه.
"تسنيم..."
توقفت، تقدم منها قال: "ممكن نتكلم؟"
"لأ، لازم أمشي."
"نقعد في كافيه خمس دقايق."
قالت بضيق: "أقعد معاك في كافيه بتاع إيه؟ وبتكلمني ليه أصلًا؟"
"بكلمك ليه؟"
"لو ممشيتش هصوت وأقول إنك بتعاكسني."
"بعاكسك؟ بتقولي إيه؟"
"تحب تشوف؟"
أنصدم، فهي مجنونة، ممكن أن تفعلها.
قال: "خلاص، كلمتين وأمشي."
لم ترد عليه، ليردف: "وحشني كلامنا."
نظرت له من ما قاله، وزال غضبها، لكنها اختنقت وقالت ببرود: "احترم إنك متجوز على الأقل."
"بس أنا مش متجوز."
تعجب، هل سمعت صحيح؟
أكمل: "أنا وفريدة منفصلين بقالنا كتير."
نظرت له، فيبدو جديًا.
قالت: "إمتى؟"
"لو كنتي بتظهري كنتي عرفتي."
"مش عايزة أعرف... زعلتلك."
وقال آخر جملة برسمية كأنها لا تهتم بأي منهما، وكان يرى حزنها.
قال: "ممكن نقعد في حتة؟"
"لأ."
"ماما عايزة تقابلك."
نظرت له، قال بإستدراك: "جايلها عشانها."
يا للسخرية، لقد ظنت أنه أتى من أجلها، إنما يوصلها لوالدته.
"لأ، أنا كنت جاي عشانك... بس هي بتسألني كان عليكي بقالها كتير، قولتلك إني هشوفك، وعازت تيجي معايا."
صمت تسنيم ونظرت إلى السيارة، فلا أحد بها.
قال إيهاب: "هتيجي؟"
تأففت وقالت: "هيي فين؟"
ذهب لسيارته، وجدها متوقفة وتقول: "اركب فين؟"
"هنمشي ده كله يعني؟"
"آه."
"اركبى يا تسنيم."
"مش راكبة، يا نمشي يا لاء."
نظر حوله، وكانت صوتها مرتفع.
قال بجدية: "الناس بتتفرج."
"ما يتفرجوا."
"المكان بعيد، مش هتستحملي، بتكلم عشانك انتي."
صمتت وهي تنظر له.
قال: "مش واثقة فيا؟"
"لأ."
وكانت تلك الجملة أحزنته، فقد قالتها بكل جدية.
تقدمت، ركبت بخنقة، تنهد وركب.
نظر لها، كانت تنظر إلى النافذة.
قالت: "لحد أما نوصل، مسكنش في كلام."
تنهد منها ولم يرد عليها وذهب.
كانت يارا واقفة وتعمل مكالمة بعدما رأت تسنيم تغادر مع إيهاب.
"ردي يا فريدة."
كانت ترن، لكن بلا استجابة، حتى فتحت المكالمة.
"فريدة، انتي فين؟ مجتيش ليه؟"
"تعبانة، فيه حاجة؟"
"تسنيم جت."
تفاجأت فريدة وقالت: "انهارده؟"
"آه."
حزنت أنها لم تراها.
قالت: "سألت عني؟"
"آه... وعارفة كمان لسه ماشية مع مين... إيهاب."
"إيهاب؟"
"آه، جه الجامعة وكلمها، معرفش قالوا إيه بس ركبت معاه ومشيو... معرفش إيهاب بيحاول يعمل إيه، بس انتي بنت عمه، لو عملها حاجة..."
"متخافيش يا يارا، إيهاب بيفكر صح دلوقتي."
تعجبت، قالت: "واثقة ليه؟ هو اللي جرحها قبل كده."
"وأنا جرحتها؟"
قالت ذلك بحزن.
صمتت يارا.
"بتمنى الأمور تبقى كويسة معاهم."
تعجبت من نبرتها، وكانت تكتم دموعها.
قالت: "فيه إيه؟ مال صوتك؟"
"ماليش."
"متاكدة، من أول المكالمة وانتي غريبة."
صمتت لتسمع صوت شهقة.
تعجبت، قالت: "قولتلك تعبانة."
"فريدة، انتي بتعيطي!"
"لأ... سلميلي عليها."
"مش هتيجي بكرة؟"
"معرفش."
"فيه إيه؟ انتي كويسة؟ أجيلك؟"
"لأ، أنا كويسة، شكرا."
قفلت، تعجبت يارا ونظرت لهاتفها.
كانت فريدة في غرفتها التي لا تريد الخروج منها، تريد أن تقبع في السواد الذي اختارته.
وضعت الهاتف.
كانت سعيدة لأجل تسنيم، تتمنى رؤيتها، تتمنى أن إيهاب يفعل شيئًا صحيًا ويربت على قلبها.
بيتها قابلتها، لكن لا تستطيع الذهاب.
غارقة من بين بكائها، ولا يسمع صوتها غير قلبها الذي بدأ يتألم.
تشعر بوخزات وكأنه يعطيها تحذيرات، لكن لا تأبى سماعه، فذلك هو من جعلها ترمي نفسها لتهلكه.
لقد ركنت عقلها ولم تستمع له، نسيت الخطأ والصح، وكانت كل أفعالها خطأ، وها هي تكتشف الآن.
لكن ياسين، ماذا عنه هو؟ ماذا فخر وهو يفعل معها ذلك؟
تعلم أنه ليس هكذا، فلماذا؟ فهل ذلك معها وأخطأ ذلك الخطأ؟
أقلله من نظره؟ ألم يجد سواها؟
تتساءل لماذا أبقاها هنا.
بات عقلها ينفث أفكاره بأنه لم يكن ذلك الشخص الذي أحبته، بل كان رجل تركها لرغباته.
لكنها تنفي، بأنه ليس كذلك، تعرفه أكثر من نفسه.
لكن تبرير لم يصبح شيئًا، فما حدث حدث وانتهى.
لقد انتهيا معًا.
مستحيل أن يراها، ولن أن يفكر به.
لا تزال تحبه، لكن لن تفكر به ثانيًا، ولن تسمح لقلبها بأن يتمادى.
يتمادى؟ وهل يوجد تمادي أكثر من ذلك؟
هل تخبره أنها أعطته كل شيء وتخلت عن كرامتها من أجله؟
فعلت ما لم تتخيله لترجعه.
كانت شهوة ليس إلا، ليلة وانتهت.
لم يرها وجهه من البارحة، ولا تعلم عنه شيئًا.
لم تكن أيضًا تريد الاحتكاك بها، تخجل منه ومنها.
أخذها، لقد وفيت بوعدها له: "أنا ليك، أوعدك."
وعدته أن تكون له، لذلك كانت إيهاب من الاقتراب منها.
حافظت على نفسها من أجله، لأنها كانت مؤمنة دومًا أن ذلك حقه.
لطالما رأت حفاظه عليها، تعهدت بأنه الذي يستحقها.
دمعت بحزن وهي تتساءل هل لا يزال يستحقها؟ أن أنها دنيئة فقط.
***
دخلت تسنيم مع إيهاب لمطعم.
نظرت له، أشار لها قال: "يلا."
تبعته، قالت: "مامتك هنا؟"
"هكذب عليكي؟"
صمتت، نظر لها، فهي لم تعد تصدقه بالفعل.
نظرت لمعانها به، لقد انطفأت.
باتت تراه شخصًا عاديًا الآن.
كانوا ماشيين، وجدته يقترب من طاولة، وفعلاً رأت سلوى بها.
تقدمت منها، ابتسمت حين رأتها، قالت: "تسنيم، عاملة إيه؟"
حضنتها، نظرت لها تسنيم ابتسمت وربتت عليها، قالت: "الحمد لله، وحضرتك عاملة إيه؟"
"أنا كويسة."
نظرت إلى إيهاب قالت: "اطلب لنا حاجة يا إيهاب، هنقعد كده."
"انتي مطلبتيش؟"
"لأ، استنيتكم ولما تيجوا."
"تمام."
ذهب وتركهم.
مسكت سلوى يدها وقعدتها، قالت: "زعلك في الطريق."
"لأ، متكلمناش أصلًا."
نظرت لها وإلى ابنها، وأنه بعيد.
قالت: "تسنيم، أنا عارفة إنك واخدة على خاطرك، وعارفة إن ابني غلط معاكي."
نظرت لها، تنهدت بقلة حيلة، وقالت: "متزعليش منه، هو كان في صراع كبير وظهر أول ما عرف هو عايز إيه، هو وفريدة..."
قاطعتها وهي تقول: "مش مهتمية أعرف حاجة عنهم."
نظرت لها لتكمل: "هو حر في حياته، سوى دلوقتي أو قبل كده."
"بس انتي..."
"كان في الأول، دلوقتي أنا ببدأ تاني من غيره وقفلته، إذا كان هو أو فريدة."
نظرت لها وحزنت.
جه إيهاب، نظرت والدته له، جلس قال: "في ركن قراءة لو عايزة تقعدي فيه."
وكأنه يعرفها، أنه لا يزال يتذكر أوقاتهم وهم يجلسون بمقاهي القراءة ويتذمر عليها وتحدثه هي كثيرًا، بينما هي لم تتذكر سوى أنه لم يستمع لتلك الأحاديث.
قالت: "مش عايزة."
"زي مكنتش عايزة تيجي هنا خالص."
نظرت سلوى إليها قالت: "ليه مقولتلهاش إني موجودة؟"
صمتت تسنيم.
نظر لها إيهاب قال: "مكدبتش عليكي، عايزة تشوفك."
أيتها.
نظرت له وقالت: "لو مكنتش مصدقة مكنتش جيت معاك."
"بتقولي كده قدامها."
"وقدامك... أنا مش بخدع... زيك."
نظر لها حين قالت ذلك، وكانت سلوى تنظر لهم.
"عن إذنكم، همشي."
قالت سلوى: "بس الأكل."
"اتأخرت، شكرا، مش جعانة."
لم يتحدث إيهاب.
مشيت، أوقفه وقال: "تسنيم، استنى."
وقفت وهي بتوقف تاكسي، قال: "مش بكلمك."
"فيه حاجة تاني؟"
"احنا متكلمناش في الأولاني عشان نتكلم في التاني."
تقدم منها وقال: "اتكلمت مع ماما وأنا اللي كنت جايبك عشانها."
"عشانها؟"
"آه، عايز أقعد معاكي... نتكلم زي الأول، بس بتتجاهليني، حتى امبارح."
قالت بحنق: "انت وجود لازم أتجاهلهمش."
مشيت، أوقفه وقال: "زعلانة مني ليه؟ عشان اتجوزت؟"
استغربت وقالت: "دي حاجة ترجعلك، أنا مالي بجوازك."
"شوفتي مين بيخدع تاني؟"
تقدم منها، عادت للخلف، قالت: "مش فاهمة."
"جوازى ميفرقش معاكي؟"
"آه."
"يعني مبتحبنيش؟"
نظرت له قليلاً حين قال ذلك، ابتسمت بمرارة، قالت: "بتتريق عليا؟ بقيت مغفلة لدرجة دي؟"
استغربت، نظرت له، قالت: "غريب انت يا إيهاب... وقت ما كنت بظهر حبي كنت بتتجاهله، وقت ما نسيته بقيت تذكرني بيه... أيوه، كنت بحبك."
"كنت؟"
"حط خط تحتها... ندمانة لأني بتذل من الحب ده."
"أنا مذلتكيش، أنا..."
"انت بتعمل عليك زي كل مرة، وأنا الهبلة اللي بتصدقك."
شعر بالحزن من كلامها.
قالت: "انت ندل يا إيهاب... واحد مشوه منها، وكنت بتعوض نقصك فيا... مش فريدة اللي كنت بتحبها بردو؟ اللي سببتلك عقدة ومش عايز ترتبط عشانها... فروحت اتجوزتها في الأخير."
يرى جرحها.
قالت: "عايز مني إيه؟"
"اديني فرصة أتكلم."
"ابعد... مقابلتنا انتهت، مكنتش موجودة عشان تنتهي."
مشيت وهي تصدم في كتفه وتكمل طريقها، وكان واقفًا.
نظر لها، ركبت وغادرت.
تنهد وذهب ليجد والدته واقفة وتنظر له بشفقة عليه وعلى تلك الفتاة التي جرحت لهذا الحد.
ليس متعاطفة مع ابنها بقدر تعاطفها معها، فكم رأت حبها له من قبل، وبحجم الحب يكن الجرح عميقًا.
تقدم من والدته، قال: "قولتلها."
"خلاص.. مش عايزة."
نظرت له، قال ذلك وهو يذهب.
***
في منزل، كانت ميرال واقفة بالروب وتمسك الهاتف وتحرك ساقيها، والضيق يملأ وجهها.
لم يحدثها ياسين، لم يتصل بها ولو مكالمة واحدة.
لقد تركته لها، وها هي جالسة معه، وتشعر بالانتصار بأنه اختارها بدلاً منه.
لن يحدث، لن ولم يحدث ما تريدينه يا فريدة.
سيكون لها فقط، انتظري وسترين.
نظرت لهاتفها، ثم دفعته بضيق ودهست فوقه لشدة غضبها ونار الذي في قلبها بأنه لم يهتم بها.
ذهب.
جاءت الخادمة، تنهدت، فهل ستنظف ثانيًا؟ كل ثانية تكسر شيئًا من غضبها.
***
في الليل، خرجت فريدة من أوضتها بعد عزلتها الأخيرة، كانت عطشى.
وهي تسير متوجهة للمطبخ، رأت ضوء، لترى ياسين جالس على الأريكة.
نظر لها، أكملت سيرها بوجه يخلو من التعبيرات، وهي تتغاضى النظر إليه.
"فريدة..."
توقفت وجمعت قبضتها بتماسك نفسها.
وقف، تقدم منها، نظر إلى يدها ورجفتها، كم حزن من ذلك.
أتخاف منه لذلك الحد؟
"خايفة مني؟"
"عايز إيه؟"
نظر إليها وقال: "بصيلي وإنتي بتكلميني."
دمعت عينها وخفضت وجهها.
قال: "فريدة..."
قالت باختناق: "مش قادرة أبصلك."
صمت عند نبرتها تلك وشعر بكم الحمل الذي يضع على عاتقه.
"لو مش عندك حاجة تقولها همشي."
تنهد، قال بجدية: "البسي."
أردف وهو يذهب: "هنروح المأذون."
استوقفت جملته فريدة، نظرت له بشدة وهو يذهب.
قالت: "مأذون؟ ليه؟"
توقف، نظر إليها وقال:
"هرجعك."
رواية زهرة الاشواك الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نور
قال ياسين:
- البسي.. هنروح المأذون.
تفاجأت فريدة وقالت:
- مأذون.. ليه؟!
- هرجعك.
تفاجأت كثيراً من تلك الجملة، هل سمعت خطأ؟ هل ستعود إليه؟ ذلك اليوم الذي تمناه، لماذا أتى هكذا؟
- اشمعنى؟
تعجب كثيراً مما قالته، شافها لم تسعد، لم ترتاح، بل وجد الهمّ ملأ وجهها أكثر.
- يعني إيه؟ اشمعنا؟
- بتعمل معروف فيا.. ولا غلطة عايز تصلحها.
انصدم، نظرت له لتجدها جدية، فقال:
- انتي بتقولي إيه؟
- رد ده قرارك انت.
- أيوه.
- ومفكرتش ترجعني ليه غير دلوقتي... بسبب اللي حصل؟ لو كده ما كنتش فكرت ترجعني؟
- انتي مش موافقة؟
- لو كان القرار منك...
- ردي عليا موافقة ولا لا.. مش عايزاني...
تقدم منها وهو يرى تعبيراتها بأن تخيب آماله، قال:
-... مش عايزة نتجوز.
صمتت بحزن، تتمنى ذلك. نظر لها بشدة قال:
- ردي.
لم تعطيه إجابة، بل أدارت الموضوع وقالت:
- ميرال... هتتجوزها؟ أنا هبقى إيه؟
صمتت، لتقل باستدراك:
- زوجة تانية مش كده؟
كأنها تتحجج بميرال، قال:
- أنا بتكلم علينا.
- وميرال طرف تالت، أو أقول إن أنا الطرق التالت.. رد، عايز تتجوزني وتتجوزها؟
صمت بضيق، قالت:
- اللي وافقتش عليه من الأول عايزني أوافق عليه دلوقتي بوضع أصعب.. عايزني أبقى مراتك وأشوفك بتتجوز وتعيش معاها.. مش هقدر، فكرة بس إنك كنت بتسافر لدارين موتتني، عايزني أوافق دلوقتي إزاي؟
نظر لها وقال بجدية:
- ميرال هي اللي مضايقاكي؟
صمتت وهو ينتظر ما تقوله، لكنها ردت:
- كل حاجة غلط.. حتى القرار مش منك.
كأنها لا تطاوعه فيما يريده، لم تعطيه إجابة يتلهف بسماعها، تفكر في نفسها فقط وهو يفكر فيها.
- لو اللي حصل انتهى ومتحسس بالذنب، اعتبرها نزوة.
نظر لها بصدمة، مشيت، مسكها وقال:
- نزوة؟ بتسمي اللي حصل نزوة؟
بكت وقالت:
- أمال تبقى إيه؟ لا انت بتحبني ولا فيه حاجة بينا، تبقى إيه؟
لتلك الحد هي غبية، ألم ترَ أن لولا حبه لما فعل ذلك؟ حبه الذي أضعه معها لم يضعف مع أي امرأة أخرى طوال تلك السنين غير أمامها.
- لو كانت نزوة ما عملتش كده مع غيرك ليه؟ ليه اخترتك انتي؟ أنا مش كده.
- بحاول ألاقي لك تبرير، بس حتى أنا شايفة عادي، ولا كأنك معترف بالغلط...
نظرت له وأردفت:
- عايزة أسألك نفس سؤالك.. ليه أنا يا ياسين؟ لو كانت ميرال كنت عاملت معاها كده؟
تريده أن يعمل علاقة مع غيرها، أحقاً تخبره بفعل ذلك وأنها ستكون سعيدة إن فعلها معها بدلاً منها؟ قال:
- لا يا فريدة.
ويقول لأنه لا يكن لها تلك المشاعر ليفعل ذلك، لكنها حزنت وقالت:
- لأنك شايفها غالية، بس أنا...
أسكتها وهو يقول:
- بس بقا يا فريدة، بس، مش قادر أستحمل كلامك.. اسكتي خالص.
سكتت وهي شيفاه مضايق جداً منها، وكان يعطيها ظهره.
- ليه بيوجعك؟ هو ما يهمكش أصلاً؟
أغمض عينه بضيق ورجاء لتصمت:
- أرجوكي، تحرقي قلبي مراراً، تظلميني مراراً، ونظرتك تقتلني مراراً، هذا القلب بات يصبح ميتاً تحت يديك.
قال:
- قوليني أعمل إيه يا فريدة.. بحاول أرضيكي ومش عارف انتي عايزة إيه؟
- هتعمل إيه؟
- اللي انتي عايزاه هيحصل.. بس عرفيني عايزاني أعمل إيه؟
صمتت، فهل بالفعل سيفعل ما تريده؟ تتمنى أن تخبره بأن يعانقها لتشعر بالأمان من جديد، يخبرها أن كل شيء سيكون بخير، تتمنى لو تخبره ألا يتزوج وأنها تحبه.. تحبه كثيراً، أن يعود إليه.
نظر لها من صمتها وهو ينتظر:
- ردي يا فريدة، هعملك اللي عايزاه.
شعر بضيق منها، فهل لم تتغير؟ ينتظر منها كلمة واحدة ليغير هو كل شيء، كلمة واحدة منها، لا تستطيع أن تخبره بها.
- عايزة أمشي من هنا.
نظر لها بشدة، لقد سمع، صحيح، تريد المغادرة. قال:
- تمشي؟ تروحي فين؟
- مكاني اللي لازم أكون فيه من الأول... شكلك نسيت إن عندي بيت.
تريد أن تغادر وتنفرد بنفسها، لقد اختارته، الوحدة التي تخاف فيها بسببه.
- وجودي كان غلط من الأول، بس كنت بكابر لأني كنت عايزة أبقى معاك، بس دلوقتي خلاص اكتشفت الغلط من الأول في اختياراتي.
- غلط؟
- غلط كبيرة، وعارفة إنك عارف ده بس مش عايز تقول لي عشان ما تجرحنيش، بس أنا كمان كنت عارفة إن وجودي معاك غلط، ومينفعش أعرف عمي وافق إزاي، ولا قلت له إيه... بس كفاية، أنا عارفة إنك بتستحمل كون طليقتك عايشة معاك في نفس البيت، مش هخليك تستحمل تاني أو تشوفني وتحس بالذنب.
تخبره بأن يتحمل، فلماذا هي لا تتحمل مثله؟ تبتعد عنه كي تريح قلبها من ميرال، وهو الذي كلما ينظر إليها يرى إيهاب بها.
- عايزة تمشي ليه؟ مش هينفع أسيبك لوحدك وانتي كده.
- كده إزاي؟ أنا كويسة.. متحسش بالشفقة ناحيتي، قولتلك أنا كويسة... أول ما أخرج من هنا.
مشيت، أمسكها وقال:
- مش هينفع يا فريدة.
نظرت له وقالت:
- ليه مش هينفع؟
- مش هينفع أسيبك.
- ومينفعش أفضل... فـ إيه تاني هيحصل؟ كنت متخيلني معاك عشان كده؟ وأديك خدت اللي انت عايزه.
نظر لها بذهول من اللي سمعه منها، قال:
- بجد؟ دي نظرتك عني؟
قالت بحزن وهي تعلم أنها تحزنه:
- فيا إيه أتمسك فيه يا ياسين؟ خلاص حقك وخدته، أرجوك سيبني أمشي.
لا يصدق أنها تفكر فيه بتلك الصورة الحقيرة.
- عايزة أمشي بعفيك من مسؤوليتي ووصايتي.. بس كفاية لحد هنا، انت شوف حياتك وأنا أشوف حياتي.. مش قادرة أعيش هنا، صدقني ده مش مكاني من بعد اللي حصل، مخنوقة، عايزة أخرج.
سكت وهو ينظر إليها من ذلك القرار الذي مثابة قرار كبير بالنسبة له.
- لو ده اللي عايزاه، مقدرش أمنعك.
نظرت له حين قال ذلك، سالت دمعة من عينها بحزن وذهبت من أمامه. حزن ياسين وكان لا يصدق ما قالته له، كلامها يتردد في أذنه، الحناجر التي تلك شريان لتتناثر دمائه كمثل ضخ الألم في قلبه.
جلس من بين خيبات قلبه المتراكمة.
دخلت فريدة غرفتها ودموعها تسيل، مسحتهم، فهي تأخذ القرار الصحيح، أحل سيؤلمها قلبها، لكن بعد ما حدث لتبتعد.. أنه بالفعل لم يعد يريدها، لم يتمسك بها حتى.
راحت ناحية الدولاب ولمت هدومها وهي بتحطها في شنطتها.
وقفت ومسكت فستان ليعيد لها ذكرياتها معه حين كان في كندا.
"مش طويل عليكي."
اتغاظت لكن قالت بثقة:
"هظبطه أو ألبس كعب... مش هو حلو؟"
"جميل."
نظرت له من نبرته الهادئة، خجلت، قالت:
"خلاص عايزاه."
ابتسم عليها لتبادله البسمة.
كم اشتاقت لبسمتهم معاً، لم تعلم هل تتركه، لم تأخذه، لا تعلم هل ذلك لها أم لم يعد كذلك؟ كانت حين تشتري ملابس تركية إياها وتأخذ برأيه، كان يخبرها ألا تحضر بناطيل ويضيق حاجبيه بضيق منها حين يراها أحضرت، فيصبح وسيم كثيراً وتبتسم عليها.
اشتاقت لحياتهم سوياً، اشتاقت لصفاء حبهم، كان نقياً، أم الآن فدنس بالمعصية؟ تريد المغفرة، لعل ذلك عقاب الله على أفعالها وتفكيرها الخطأ.. عقاب كبير لن تتحمله.
في اليوم التالي، لم ينم ياسين، لا يزال جالساً في مكانه منذ ليلة البارحة، فلم يستطع النوم من آخر محادثة، ولم تكن فريدة نامت هي الأخرى.
سمع صوت، نظر، وجدها تخرج من أوضتها وهي تسحب حقيبتها، تفاجأ، وقف ونظر لها، توقف أمامها، قالت:
- جاهزة.
- إيه ده؟
- نسيت كلامي امبارح؟
- لسه عايزة تمشي؟
- ما غيرتش قراري.
ستذهب، يلقي الأثمان، نظرات على بعضهم، كنظرات الوداع، يريدها أن تتطلع بعينه، لكنها حتى تنفر النظر إليه.
- خليكي يا فريدة.
صمتت وهي تنظر له وتود البقاء.
- لو خايفة مني هبعد عنك.. ثقي فيا.
- كنت محل ثقة يا ياسين.. كنت زي المرأة اللي وقفت قدامها متخافش لأنها باصة لنفسها.. بس ده مش بيتي.. ده بيتك انت يا ياسين.
صمت، فلا مجال للكلام معها. خد منها الشنطة بدلاً منها، فهي ثقيلة عليها، وذهب، تبعته للخارج، تقدم من السيارة، أخذها السائق، وضعها في الحقيبة.
قالت فريدة:
- ملوش لزوم تيجي معايا... أنا منستش المكان، هعرف السواق.
كانت تعرض أن يرافقها حتى وهي تغادر. ركبت فريدة، نظر السائق لياسين، أومأ له بأن يسمع كلامها ويذهب معها.
أومأ بالطاعة وركب، ابتعد ياسين، لم تكن تنظر له حتى ذهب السائق، وبعدما غادرت فريدة، خفضت وجهها ودمعتها تسيل على وجنتيها. ها هي تتحرر.. لن تستحي من رؤية بعد الآن.
لفت ونظرت له لتجده يلف ويدخل، حزنت.. أهذه نهايتهم حقاً؟ لماذا فعلت ذلك؟ لماذا تمنع نفسها كمثل كل مرة؟ لماذا لم تحميني من شرك؟ أم لأنك لن تعد تحبني؟ تلاشى حبك وأنا الذي كنت أحارب لأن أعيده، ولا أعلم بأنه قد اختفى، لأخرج بأكبر خسارة لي.. لعلك سعيد الآن، أعطيتك أغلى ما أملك ولا زلت لم تعد لي.. عقابك شديد القسوة وقلبي لا يتحمل قسوتك عليه... أخطأت وندامة على خطئي بحقك.. أقسم لك أني أتمنى أن يعود يوم زفافها لأتشبثت بك وأخبرتك أنهم يسعون لتفريقنا، لأخبرتك ألا تتركني لأفكاري وغيرتي التي ستهلكنا.. ليتني اختبأت في أحضانك وبكينا سوياً وعاتبنا بعضنا البعض.. لما كنا هنا الآن.. أظل السبب فيما أنا عليه..
- مدام فريدة.
فاقت على صوت السائق، نظرت، وكانت السيارة متوقفة، قال:
- وصلنا.
أومأت له، فتح الباب، نزلت لتنظر إلى منزلها الذي أمامها.
خرج السائق الشنطة، اقترب منها، تقدمت فريدة وفتحت البوابة، تقدمت من الباب، خرجت المفتاح الذي لطالما تساءلت متى تستخدمه من جديد، وها قد أتى.. كانت تتمنى أن تأتي معه حين يصبح عائلة، لكن لا تستطيع أن تدخله ذلك البيت من بعد ما حدث بينهم، كأنه أصبح نقطة سوداء في حياتها.
فتحت الباب، تنهدت وهي تستجمع قواها وفتحت لتدخل. نظرت حولها، ذلك البيت التي ولدت وترعرعت فيه.
تسمع أصوات ضحكتها، أصوات تذمرها، تدللها على والدها وهم يصنعون الطعام معاً، فكان أبيها طباخ ماهر.. كان يعاملها كأميرة. لطالما الجميع يراها متدللة بزيادة، لكن ذلك داخلها، أبيها من علمها أن الأميرات تدلل كيفما شاءت وما تطلبه مجاب... ذلك هو والدها.
مسحت دمعة سالت منها. دخل السائق، وضع الحقيبة، قال:
- حاجة تاني يا مدام فريدة؟
- شكراً.
أومأ لها، نظر للمنزل وذهب وهو مستغرب، هل ستعيش هنا؟
قفلت فريدة الباب ودخلت، حط شنطتها، نظرت إلى المكان، كان يبدو نظيفاً، شالت الفرش إلى العفش، لتجده كما كان، ليس مترب حتى.
معقول أن ياسين أرسل أحد البارحة حين علم أنها ستأتي لهنا، فظبط المكان كي لا يتعبها، فيعلم أنها مريضة والغبار خطر عليها.
ألا تزال تهتم بي ياسين؟ لم أعد أعلم ماذا تريد مني.. أأنت شخص نرجسي؟ بعد الأوهام تحيط بي.
قعدت فريدة على الأريكة وهي تلمسها باشتياق، مسكت وسادة، نظرت لها، دمعت عينها، كانت مخدة ذو تطريز يدوي.
ابتسمت، فكانت صنعتها ليعقوب قديمها وأهدتها له.. كانت تلك مخدته المفضلة لأنها منه، لم يكن يسند ظهره سوى عليها.
عانقتها وهي تتشم رائحتها. شافت براوز على الطرابيزة، مسكته، كانت صورتهما معاً حيث التقطتها وهو جالس وهي تعانقه رقبتها ومواقفه خلفه، والبسمة تتسع شفتيه.
لطالما اشتقت لتلك البسمة.. لطالما فقدت روح أبيها وأخذت روحها معها.. ذلك الفقدان لم يعوضه أحد، حتى ياسين لم يسد فراغ أبيها.. لقد كان أول حب في حياتها وأكبر حب.. ذلك الرجل أعطاها كل شيء.
سالت دموع من عينها وهي تنظر له وكأنما ينظر إليها بسخط، بكره، بخجل، تركت الصورة بحزن.
- ما تبصليش كده.. أنا آسفة.. مكسوفة إنك بنتي.. أنا كمان مكسوفة منك ومكسوفة وأنا قاعدة هنا.
أخطأت ونسيت تربيتها له، تعتذر له بشدة، تقسم له أنها نادمة أشد الندم. بكت بحزن وهي تضع يدها على وجهها وتبكي بمفردها دون أن يستمع لها أحد غير جدران منزلها، تبكي من وحدتها التي تخاف منها وأصبحت فيها، وتبكي عليها وعلى قلبها، تخشى النوم أو أن ترتاح، تخشى أن يأتي لها في الأحلام وهو غاضب منها، حتى غفت على نفسها بعد كثرة البكاء.
كانت فريدة نائمة وتشعر بيد على رأسها، فتحت عينها، لقت أنها نايمة على أقدام أحد، رفعت عيناها من الذي يمسد على رأسها لتقابل أعين هادئة، منيرة، وجه اشتاقت له وتمنت لقياه. كان يعقوب، من تجلس أمامه.
دمعت عينها وهي تنظر له، فلقد كانت نايمة على حجره ويربت عليها مثلما يفعل.
- بابا.
انقضت عليه وهي تعانقه وتبكي وتقول:
- بابا... وحشتني أوي.. الدنيا دي وحشة وحشة... أنا آسفة سامحني أرجوك.
- آسف إني سبتك، كان لازم أكون معاك.
- أنا تايهة من بعدك، مكنش ليا حد غيرك، مكنتش احتاجت لحد لو انت موجود.. خليك متمشيش. عارفة إنك مضايق مني.. ممكن بتتعذب بسببى إنك عند ابنه زي...
- فريدة.
بكت وهي تحضنه باشتياق، قال:
- فريدة.
أبعدها ونظر لها قال:
- انتي بنتي مبتغلطيش.
- بس أنا غلطت.
- ما يرمكيش للهلاك... مش واثقة في أبوكي واختياراته.
لم تفهم، لم تعانيه، تعلقت برقبته وقالت:
- ما تبعدش، ارجع عيش معايا.
ربت عليها بابتسامة قال:
- خلي بالك من نفسك.. لسه قدامك حياة.
- مش عايزها، عايزك انت.. حياتي انتهت، انت متعرفش حاجة.
اشتقت إليه وكأنما ستخترق أضلعه لتشم رائحة المسك الخاصة به، بادلها العناق، الأب، الحنان الذي اشتاقت له.
كانت فريدة نايمة على الأريكة وتحتضن الوسادة، كان تلفونها يرن، فتحت عينها وصحيت، نظرت حولها لتجد أنها في منزلها، لقد كان حلماً.
حست بحاجة، مسحت الدمعة التي سالت من عينها، فكانت الدموع حقيقية.
نظرت إلى وسادة أبيها، لا تعلم أن كان هو بالفعل.. أنه ليست غاضب منها.. بل أتى يربت على قلبها.. لم تفهم آخر ما قاله.. ما معنى ذلك؟ أيخبرها أن تثق بياسين؟
صمتت، فهو لم يكن سوى حلم، بتأكيد ليس والدها، بصت لتلفونها، مسكته، وكانت يارا. ردت عليها:
- الو يا يارا.
- هتيجي الجامعة بكرة؟
- معرفش.
- تعالي.. نقعد إحنا التلاتة... تسنيم جاية.
- هشوف.
- تمام.
قفلت وذهبت، كانت جائعة ونسيت إحضار كل ما يلزم البيت، نظرت للساعة، فكانت متأخرة، لا تستطيع الخروج.
بعد مرور يومين في الجامعة، كانت يارا واقفة مع تسنيم ويتحدثان، قالت:
- غبي مبيعرفش يتكلم.. يعني مقالكش أي حاجة؟
- ومش عايزاه يقول لي، أنا خلاص شلته من دماغي.
- بيرفكت، أحسن قرار.
تنهدت تسنيم منها، فهي ترى الأمر بهذا السهل.
- فريدة جت.
نظرت تسنيم لترى فريدة، تعجبت:
- فين البودي جارد؟ مش قولتي أنها رجعت له؟ شكل ياسين مرجعش زي الأول.
قالت يارا:
- هو فعلاً مش زي الأول.. فريدة بتعاني.. اتغيرت وتفكيرها بيكبر لما عرفت غلطها.
- هو كمان هيبقى غلطان.. لو رجعلها.
نظرت لها يارا، تقدمت فريدة ونظرت لتسنين الذي لم تراها منذ فترة. سلمت يارا عليها، قالت:
- كويس إنك جيتي.. كنت هتصل عليكي.
- مكنتش حابة القعدة.
نظرت إلى الأخيرة ولصمتها قالت:
- تسنيم مش هتسلمي عليا؟
نظرت لها تسنيم، فتلك صديقتها المقربة، قالت:
- ازيك؟
- الحمد لله، وانتي؟
- كويسة.
تنهدت وأردفت:
- همشي عشان ورايا مشوار.. باي يا يارا.
- باي.
ومشت، نظرت لها فريدة، شعرت بالحزن، قالت:
- مش شايفة ني أصلاً.
- ما تزعليش منها.
- مش زعلانة... قولتي لي أن إيهاب اتكلم عنها؟
- أه، خدها ومشيوا، بس الظاهر أن إيهاب ده طلع مبيعرفش يعمل حاجة.
- بحسبه قدر يرجعها.
- هو شكله عاوز.
- هي قالت لك حاجة؟
- اتكلم معاها امبارح.. وكلامهم مكنش كويس.
هل قطعت الكلام وحسيت أنه بيهينها؟ متفهمة ابن عمك ده عشان حرضهاش عليه.
- بلاش تدخل يا يارا.
- ليه خايفة عليه؟
- هتبوظي كل حاجة، إيهاب شكله عرف هو عايز إيه.
- مكنش سابها من الأول.
صمتت فريدة، قالت يارا:
- أنا آسفة.
- عادي.. هروح المحاضرة.
- فريدة.
- امم.
- انتي إيدك اتعورت تاني؟
نظرت لها، مسكت أيدها، افتكرت فريدة حين جرحت من الزجاج، قالت:
- وقعت بس مش أكتر.
- وعينك مالها؟
- مالها عيني؟
- وسط شكله غريب.. انتي كنتي بتعيطي؟
- لا، تعبانة بس.
- مالك، كويسة؟
- أه.. أشوفك بعدين.
ودعوا بعضهم وذهبوا. وسعت فريدة يدها تحت عيناها، فهل أصبحت قبيحة؟ ألم تعد تلك الزهرة؟ أم الزهرة ذبلت وزال إشراقها؟ تنهدت بحزن.
***
كان ياسين لابس ليذهب لعمله الذي قطعه خلال تلك الأيام. نظر لغرفة فريدة، تنهد وذهب.
- ياسين.
نظر، شاف ميرال، تعجب من مجيئها. تقدمت منه قالت:
- عايزة أتكلم معاك.
قال بجدية:
- فيه حاجة؟
- مبتتكلمش معايا ليه؟ المفروض أنا اللي زعلانة مش انت.
تنهد قال:
- أنا متأخر.. نتكلم بعدين.
مسكت أيده تمنعه من الذهاب، نظر لها، قالت:
- ليه متصلتش عليا؟ استنيتك تهتم. معقول مفكرتش فيا ولا حتى تراضيني؟
- انتي اللي مشيتي يا ميرال.
- مش بسبب مين؟ بسببها.
- بسببك.. وانتي عارفة قولتي إيه.
- خيرتك مابينهم وانت اخترتها بدالي.
- كنتي عارفة قراري من ناحية فريدة. حطيتيني في مقارنة، عارفة آخرتها.. متحطيش ذنبك عليا.
صمتت ونظرت له، وأنه متضايق منها، قالت:
- أنا آسفة، عارفة إن مكنش لازم أحطك في الموقف ده.
نظر لها، فهو لم يتخيل أن ميرال من نوع تلك المرأة التي تخضع لرجل، فهي واثقة من نفسها كثيراً، لكن لم يعلم أن ليس معه هو.
- غلط لما قارنتني بيها، وعارفة إنك واخده وصاية مش أكتر.. خلاص معنديش مانع، عرفت غلطي، موافقة إنها تبقى معاك.
قال بتأكيد:
- حتى لو اتجوزنا.
- عارفة.. لازم أكبر عقلي أكتر من كده، أنا بس بغير عليك.. شوف عايز تعمل إيه وأنا معاك، مش هقولك سيبها، خليك معاها لحد ما تتجوز وتشوف حياتها ونشوف إحنا كمان حياتنا.
تتزوج فريدة، تتزوج غيره، تكن لرجل آخر، مستحيل أن يحدث ذلك.
قربت منه، نظر لها، قالت:
- كنت اتصل بي، متسبنيش مع نفسي، كنت بفكر فيك.
ابتعد عنها، قال:
- معلش.
- خلاص، مش مهم.
نظرت حولها، قالت:
- أمال هي فين؟ مش هنا يعني.
صمت، وكانت تقصد فريدة، حزن من التذكر، تنهد وقال:
- مشيت من يومين.
- مشيت راحت فين؟ هي زعلت عشان اتخانقنا بسببها؟ لو زعلان أقدر أكلمها وتخليها ترجع.
- لا، ملوش علاقة بيكي.
- يعني مش زعلان مني؟
مسكت يده ومالت عليه قالت:
- عايزة أقعد معاك.
أبعدها عنه بحرج، نظرت له، قال:
- لما أجي، ورايا شغل.
أومأت له بتفهم، ذهب، تنهد، فكيف يخبرها بما حدث بينه وبين فريدة؟ الأمور تتعقد.
نظرت ميرال لغرفة فريدة، فهل معقول أنها ليست هنا؟ هل تركته لها؟ ماذا حدث ولما يبدو ياسين كذلك؟ سعيدة أنها غادرت دون أن تفعل شيء وتتعبها، فحين تبتعد ستكون أمورها مع ياسين بخير.
سعيدة أنهم تصالحا، فهي لن ولم تتركه لها كما تريد.
***
انتهت فريدة من جامعتها وكانت ماشية مع يارا، التي كانت ملاحظة تغيرها وشرودها طول الوقت.
- يارا، هي الناس بتبص عليا؟
- لا، يا فريدة، دي تالت مرة تسأليني، هيبصوا عليكي ليه؟
صمتت، تنهد وقالت:
- انتي غريبة.. تعالي نقعد، لسه ساعة ع المحاضرة التانية.
- أنا همشي، محاضراتي خلصت.
- اقعدي شوية، هتمشي على طول كده؟
- عايزة أروح.
- انتي مملة أوي النهاردة.. براحتك.
***
في الشركة، كان ياسين في مكتبه يتكلم في التليفون.
- هقولها.
- غيرت رأيك ليه؟
- الوضع اختلف.. هعرفها عشان تستريح.
- لو حصل تعقيد هجي.
- تمام.
قفل الهاتف، وكان يفكر فيها، التف وذهب، وكان مقرر أن يذهب لرؤيتها اليوم ليطمئن عليها وكيف تعيش هي.
كان ياسين في السيارة بقرب شوارع فريدة ويتطلع فيها، تنهد ونظر للهاتف، لكن توقف لوهلة، لما شاف رجاله تخرج من البوابة.
نظر، انصدم، فكان ذلك... ذلك منزل فريدة.
- سرّع.
نظر السائق له وأسرع، نظر له الرجال، سرعان ما ركضوا، توقفت السيارة، نزل ياسين والحراس اقتربوا منه.
- فيه حاجة يا ياسين بيه؟
- وراهم.. متخليهمش يهربوا.
ركبوا سيارتهم وذهبوا سريعاً تجاهم، نظر ياسين للمنزل، ركض لداخل بخوف شديد.
كان باب المنزل مفتوح، دخل فوراً بقلق، كان المنزل مبهدل.
- فرييييدة.
ذهب لغرفتها ليجد كل شيء على الأرض، والقلق ينبت في قلبه، ماذا يمكن أن يكون فعلوا بها؟ من هؤلاء؟
خرج وهو يبحث عنها، اتصل بها ويتمنى أنها ليست هنا. سمع صوت هاتفها، نظر، ذهب تجاهه ليجد هاتفها على المنضدة، إذا كانت هنا أثناء وجود هؤلاء.. خاف كثيراً، هل هي بالمنزل؟
- ياسين.
سمع صوتها، لف، لقاها عند الباب وكان معاها أكياس وتنظر للمنزل بذهول، قالت:
- الباب اتكسر إزاي؟ ومين عمل في البيت كدة؟
اقترب منها وهي تتكلم:
- انت.. همجي ازاي تدخل كده وتكسر الباب؟ ا...
قاطعها وهو يضمها إليه، تفاجأت كثيراً وابتلعت الكلام الذي كان في حلقها.
- ياسين...
- الحمد لله إنك كويسة.
تعجبت وكان يضمها بقلق ليطمئن أنها بخير، وجهها مدفون في صدره، لتحمر وجنتيها وتشعر بحرقة في عينيها بحزن، قالت:
- إبعد...
بعدت عنه وقالت:
- بتعمل إيه هنا؟ إيه اللي حصل في البيت؟ ليه قلبتوه كده؟
- مش أنا.
- أمال مين؟
- انتي كنتي فين؟
- في الجامعة.
- جامعتك خلصت من ساعتين.
- أيوه بس روحت السوبر ماركت مع يارا اشتريت حاجات.
أشارت على الأكياس قالت:
- اتاخرت بسبب كده.
- كويس إنك كنتي برا.
- ليه؟
- شوفي إذا كان فيه حاجة اتاخدت من هنا.
- حاجة زي إيه؟
- فيه حرا..مية دخلوا يا فريدة.. شوفي خدوا إيه.
انصدمت، قالت بخوف:
- حرامية؟!.. دخلوا هنا إزاي؟
ذهبت لغرفتها سريعاً، نظر لها ياسين، شافت الأدراج على الأرض، شالت الهدوم وهي تبحث، ثم التقطت شيئاً، فأمسكتها بارتياح، نظر لها ليجدها تمسك صورتها مع يعقوب، ووضعتها وأكملت بحث. نظر ياسين إلى الصورة وهي صغيرة وتمتطي ظهر والدها، تذكر ذلك اليوم حين انقضت على ظهره لتريه هي ثقيلة بالفعل، أن لا كانت فاصلة آنذاك.
- كل حاجة موجودة.
قالت فريدة ذلك، نظر لها، قال:
- متأكدة؟
- الحاجة متبهدلة بس مفيش حاجة اتاخدت.
صمت ياسين وهو يستوعب ما حدث وما كان يحدث.
- ياسين بيه.
نظر ليجد حارسه، قال:
- مسكتوهم؟
- للأسف هربوا.
غضب ياسين، لكنه أكمل:
- بس مسكنا واحد منهم.
- فين؟
ذهب ياسين ليجده يمسكونه وكدمة على وجهه، أي ضربهم وهم يطاردوه.
- كنت بتعملوا إيه هنا؟
- كاسرين الباب ومبهدلين البيت، أكيد كنا بنسرق.
قال ذلك ساخراً، تقدم ياسين منه، ابتعد الحراس، نظر لهم، وأنهم تركوه، فممكن أن يهرب.
قال ياسين:
- كلهم مشيوا وسبوك، فقل لي على اللي جابكم وكان عايز إيه؟
- ما عادش جايبنا، قولت لك كنا بنسترزق.
تنهد ياسين، سرعان ما أكال عليه بـلكمة أطاحت به عليهم، أمسك وجهه بألم، فكانت قبضته أقوى من لكمات حرّاسه.. لقى أنفه تنزف، نظر إلى ياسين وهو يتقدم منه، خاف، قال:
- قولت لك الحقيقة.
- ما فيش حاجة اتسرقت.
انحنى إليه وعينه تشع برود مخيف، قال:
- هعيد تاني، كنت جايين ليه؟
صمت، نظر، وكانت فريدة خرجت من الغرفة وتنظر لهم بريبة. نظر إلى ياسين وإليها، ثم قال:
- عرفنا إن محدش قاعد هنا فجينا، بس ما نعرفش إن فيه وليمة.
وكانت أعينه تأكل فريدة، اشتعل ياسين غضباً ولم يعلم أنه أيقظ بركانه، لكمه عند صدغيه بقوة لتسيل الدماء من فمه، خافت فريدة كثيراً.
أمسكه ياسين ولكمه الأخرى، كان الحراس ينظرون إلى ياسين ويريدون التدخل، لكنه لم يعطهم أمراً، بينما كان الرجل يقتل تحت يديه، يكيل عليه لكمات دون رحمة حتى تراخى.
- ياسين.
توقف، نظر إليها، وكان واقفة بعيداً تنظر له بخوف وعلى وشك البكاء، وهي تنظر إليه من شكله ومن الرجل. نظر ياسين إليه، تركه، قال:
- خدوها.
أومأ له وحملوه، نظرت لهم فريدة بخوف، قالت:
- م..مات؟
- اقترب ياسين منها، قال:
- لا.
- مات، مبيتحركش.
- ما ماتش، أهدي.
مسك يدها وقال:
- يلا معايا.
نظرت له، ذهب، لكنها أفلتت يدها، قالت:
- يلا فين؟
- هنمشي.. لازم تيجي معايا يا فريدة.
- إيه؟ فين؟ عندك.. في بيتك.
- مش هينفع أسيبك تاني.
تقدم منها، عادت للخلف، قالت:
- مش جاية في حتة.
- اتعصب وقال:
- اسمعي الكلام، مشفتيش اللي حصل.. كان هيعمل إيه لو كنتي موجودة؟ كنتي هتتأذى، قلقت عليكي والحمد لله إنك كنتي لسه مرجعتيش.
سكتت وهي تنظر إليه، قالت:
- عايزني أجي ليه؟ خايف عليا ولا عايزني أرجع أعيش معاك؟ عايزني أرجع ليه؟ انت مش كده؟
نظر لها بشدة لتكمل:
- عشان اللي حصل يتكرر.. خدت عليا ياسين.
قال وقلبه حزين من كلامها:
- كفاية.
- ليه كفاية؟ مش دي الحقيقة؟
تحدث بصوت منهك:
- مش الحقيقة.. ليه شايفاني كده؟
- ليه شايفاني انت كده؟
- أنا خايفة عليكي.
- والخوف كان منك، انتقل بغضب:
- قولت لك ارجعك، انتي اللي موافقتيش.. أعمل إيه تاني يا فريدة؟
نظرت له، تقدم منها وقال:
- قوليلى أعمل إيه.. تعبت منك.. تعبت ارحميني.
سكتت وهي تنظر إليه من إرهاقه وطلبه للرحمة، وكأنما يريدها أن تشفق على قلبه، قال:
- كفاية.. كلامك مش عايز أسمعه.. نسيتي ياسين إزاي تفكري فيا كده إزاي.. أنا مش حقير.. بصيلي، شايف إني قذر لدرجة دي عشان عايزك معايا أبقى عايزك لغرض.
لمتى ستفهميني؟ تسىء الظن بي دوماً، ليتك هببتي ظني وفهميني صحيح، لكنك لا تزال لا تعرفيني.. ليتني أستطيع أن أشرح لك أنها لم تكن غلطة.. ليتني أفعل ذلك.
ساد الصمت للحظات بينهم، حتى قال ياسين:
- خمس دقايق وتخرجي.
نظرت له، ليردف:
- اسمعي الكلام.. المرة دي.
لم ينتظر رد منها، خد جاكته وذهب، وهي تتابعه حتى غادر.
كان ياسين بالخارج جالس في سيارته، تنهد، فريدة اقتربت وركبت معه، قفل الحارس الباب ومشوا، وكان الصمت يعم بينهم، وكأنهم غرباء، لكن القلوب كانت عاشقة.
في تلك اللحظة، كان المشهد شبيه كأول مرة، تذكرها ياسين، كيف كانت معه والعبث يملأ وجهها، كأنها تغادر بدون إرادتها، كان الظروف تحكم عليه دوماً بأن لا تتخذ قراراتها.
قالت فريدة:
- فاكر أول مرة كنت هنا؟
نظر لها حين تحدث، فهل هي الأخرى تتذكر مثله؟ أكملت:
- كان بمثابة توديع للمكان اللي اتربيت فيه.. كنت شايفة مخيف، معرفش أنا راحة مع مين وفين.
- ودلوقتي... عارفة انتي راحة مع مين؟
- دلوقتي مش عارفة نفسي عشان أعرفك.. معدتش أعرفك.
قالت ذلك دون أن تنظر إليه، فلم يعلق على كلامها وصمت وهو يتذكرها كيف كانت ترتدي الأسود، فتاة ميتة، كسرت روحها، انحنى ظهرها، الحزن يغفو في عينيها.
حينما كان يراها تبتسم، كانت بمثابة الدنيا بأكملها تبتسم له.. حتى جعل هدفه في حياته أن تكون سعيدة، هذا ما كان يريده قلبه، يعطيه راحته وسعادته بدلاً منه، فلتبقى هي بخير، أول مرة التقت عينه بتلك الفتاة التي أصدمت به، كأنه وقع في جحر لن يخرج منه أبداً.. كنتي انتي هذا الجحر يا فريدة.. جحر العذاب.
وصلوا للبيت، كان ياسين يسير وفريدة خلفه، نظر لها، فكانت لا تسير معه، تنهد بقلة حيلة وأكمل.
دخل، قال ياسين:
- لو عايزة حاجة عرفيني.
- متشكره.
- ياسين.
نظروا لصوت، وتفاجأت فريدة من رؤية ميرال، وكانت ترتدي ملابس النوم، خارجة بروب. نظر لها ياسين، نظرت إلى فريدة، قالت:
- فريدة.. قولتي لي أنها...
نظرت فريدة إلى ياسين بشدة، قالت:
- هي كانت قاعدة معاك؟
قالت ميرال:
- أه، ما احنا اتصالحنا ورجعنا. متعرفيش؟
انصدمت ونظرت إلى ياسين بحزن وكسرة شديدة، ومشيت وقلبها يحترق، فهل كانت تعيش معه بتلك الملابس؟ هل أخذوا راحتهم وهي غير موجودة؟ ميرال التي لا تيأس من محاولات إغرائه بجسدها الممشوق.. غابت ليومين وتركتهم معاً.. اللعنة عليك يا ياسين أنت وهي.
كان ياسين ينظر لطيف فريدة، بعد عن ميرال، قال:
- ميرال، انتي لابسة إيه؟
- بحسبك هتسهر في الشغل فخدت راحتي عادي يا ياسين.. بعدين انت وهي راجعين منين...
ذهب وجلس على الأريكة، تبعته، قالت:
- ياسين، انت كنت عندها؟
نظر لها، قال:
- متعرفيش؟
- وأنا هعرف منين؟ انت كنت عندها بجد؟ من الصبح؟
- من لما الرجالة دخلوا البيت.
- رجالة إيه؟
- رجالة حاولوا يتهجموا عليها في بيتها.
صمتت قليلاً وقالت:
- يتهجموا على فريدة.. ودول عايزين إيه منها؟
- مش هما اللي عايزين حد غيرهم عايز.
قالت باستغراب:
- حد دفع لهم يعني.. بس مين هيكون عاوز يأذيها؟
رفع عينيه ببرود وقال:
- يعني مش انتي يا ميرال؟
انصدمت من ما قاله، وتلك النظرة التي أرهبتها، قالت:
- ا.. أنا؟
وقف وتقدم منها، قال:
- فيه حاجة نسيتيها؟
نظرت له، ليقف أمامها مباشرة وهو يردف:
- محدش يعرف إن فريدة مشيت غيرك.
رواية زهرة الاشواك الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نور
طبعت شفتاها على شفتاه وهى تلاصقهم لتتسع أعينه بشده وزقها على الفور لتبتعد عنه.
لينظر ويتصنم من رؤية فريدة عند الباب وهى تنظر له بصدمة، وعين تملأها الدموع المتحجرة قهراً.
تلقي بنظراتها عليه وعليها، وملابسها الكاشفة وحالتها، لتسيل دمعة من عينيها.
فريدة ذهبت فوراً دون أن تطلعه أو تلتفت له.
تبعها ياسين فوراً، لكن ميرال أمسكته قالت:
- لو روحتلها هتنندم.
مسك أيدها ونزلها بضيق:
- ابعدي.
ذهب، لكنها أوقفته وقالت:
- اوعدك إني هندمك انت وهى هنا، هنقوم منكم. فرحتك ببنك هتبقى في خيالك بس يا ياسين. هخليك تموت بحسرتك عليه زي ما خدتك مني هاخد منها روحها.
التفت ونظر لها بكل جدية:
- اعملي اللي انتي عايزاه معايا.. متأذيهاش. هي ملهاش دعوة، أنا اللي سبتك يا ميرال مش فريدة.
- هي اللي خدتك مني.. لو خايف عليها اكسر شرّي من دلوقتي. لو حاسس بذنبك ولو شوية ارجع.
- أنا آسف، مش هقدر.
قال ذلك وهو يلتفت ويذهب، تاركاً إياها تحت الوعيد المميت.
مشى سريعا وبحث عنها. نظر للسائق قال:
- مقلتش إنها جت لي؟
- مدتنيش فرصة يا ياسين بيه، لقيتها جت وشافتني، فدخلت ع جوه. سألتها ف أي مردتش.
راح ياسين إليها قال بنداء:
- فريدة.
كانت تكمل سيرها وهي تبكي.
مسك ياسين يدها قال:
- استني.
دفعته وهي تصرخ في وجهه:
- ابعد عني، متلمسنيش.
- حاضر، ممكن تهدّي؟
بكت وقالت:
- حاولت عشانك كتير.. عملت اللي متخيلتش أعمله عشان آخد ده منك.. لييييه؟
- مفيش حاجة من اللي شفتيها.
دفعته بقوة وقالت:
- حقير وخائن.. كنت بتبوسها وتقولي مفيش حاجة، صح؟ شوفتك بعيني بحالتها وانت قريب منها. سمعتها وهي بتقولك إني مستني ابنك، بعدها ترميني.
- والله مفيش حاجة من دي، هي قالت كده لما شافتك.
- كداب.. كداب ومش هصدقكم.
مشيت.
وقفها قال:
- فريدة اسمعيني بقى.
- ابعد عني، متلمسنيش.
كانت تنفعل بشدة. قلق عليها قال:
- حاضر، بس ممكن تهدّي عشان نتكلم.
- سبتني وجيت لها.
رمت هاتفه ليلتقطه ويتفاجأ:
- فهل نسر هاتفه؟
- كنت بحسبك في شغل، وقلت أكيد محتاجة، معرفش إني هلاقیك في وضع ده.
- فريدة اهدّي، تعالي نرجع البيت.
- مش هرجع، أنا كده مش طايقة وقفتي معاك. تعمل معايا أنا كده يا ياسين.. لما انت عايزها، رجعتني لي؟
أردفت بصراخ وهي تقول:
- ما ترد.
- الانفعال غلط عليكي.
- كل ده اللي يهمك.. غلط وهيضر بمين؟ بأبنك مش كده؟ أما أنا مهمكش.
- أنتو الاتنين واحد، لما بخاف عليه بخاف عليكي.
- بس خوفك عليه أكتر. تزعق وتشخط وتقولي خلي بالك، لي عشان انتي حامل؟ لولا الحمل مكنتش رجعتني، ولا كنت ألغيت جوازتك. لولا إني حامل مكنتش هتبقى معايا.. يبقى مين السبب؟
نظر لها وهي تبكي، فهل أخطأ؟ هل هذا ما فهمته من خوفه؟
اقترب منها قال:
- مفيش حاجة من دي والله.. وحياتك عندي.
- أنا حياتي ليها قيمة عندك أصلاً يا ياسين.
نظر لها من ما قالته، فقد فقدت الثقة في حبه.
- يومين قعدت فيهم معاك عرفت قد إيه كنت غلط. أتمنيت أشوف الحب، كنت بحسب لما نرجع حياتنا هتبقى غير شكل. طريقة رجوعنا كانت غلط، لأنك مش راجع عشاني، انت راجع عشانه هو.
ابتسمت بمرارة وقالت:
- أنا متفاجأة من اللي شوفته لي.. انت كنت عايزها من الأول، ولسه عايزها مش كده؟ روح لها وسيبني.
- كنتي عايزاني، ودلوقتي بتطلبي مني أروح لها؟
- عشان مكنتش أعرف إن ده هيكون وضعنا.
- ماله وضعنا؟
- ولا حاجة... وجودي مع شخص جاف عايزني بس عشان ابنه، أسوأ شعور ممكن تحسه، كأنك غير مرغوب فيك.
بكت وهي تقول:
- أنا مش عايزة أكرهك، لو بتحبها اتجوزها وطلقني.
نظر لها بصدمة وقال بغضب:
- طلاق تاني يا فريدة؟ انتي مبتحرميش؟
- تاني وتالت ورابع، مش أحسن من إني اتخانت واشوفك معاها. عايزني أعمل إيه؟ أشوف خيانتك وأسكت؟
- ما خونتكيش والله، اسمعيني.
- مش هستنى، لما تخونني خيانة كاملة.
نظر لها. أردفت:
- امشي يلا، وع ابنك، أوعدك ههتم بيه وهستنى لحد ما يجي وأدهولك زي ما انت عايز.
طالعها بشدة وقال:
- بتتخلي عنه؟
- بسببك آه.. لما أبوك ميكونش عايزني غير عشانه، يبقى ياخده. شفتك بعيد، كل واحد ينام بعيد عن التاني، حتى قربك مني بتخاف منه وتبعد. ده لسوء شعور مر عليا، وإلى أنا شوفته بعيني، فأنت قتلتني. اهتمامك بيه طول الوقت، زعيقك، كنت بحاول أبرر له، بس أنا بقيت غضبك مني وخوفك عليه هو بس. وأنا يا ياسين؟
- بقولك عشان تاخدي بالك، زمان غير دلوقتي.
- أخد باله منه مش كده؟
- هو مش ابنك زي ما بنخافيش عليه، ولا أنا بس... أنا قولت أي غلط.
- قولت كتير، وعينيك بتقول... هو بس اللي قلقان عليه. كنت تكون صريح من الأول وتقول إنك رجعتني عشانه ومش عايز تبعده عنك.
صمت ولم يرد عليها، وهي تطالعه بهدوء من بكائها وهي لا تتوقف، بصراحة والبكاء.
- مش هقدر أكون معاك... أول ما ابنك ييجي، خده وابعد عني. أنا عايزة الحب يا ياسين، مش عايزك تموت معايا. ابنك وهيكون معاك في أي تاني.
- فإني مش هسمحلك تدميرنا للمرة التانية.
قال ذلك وهو يقترب منها، ويسحبها من وسطها ويقربها منه، ويأخذ شفتاها بين شفتيه في قبلة، ليقطع أحبال صوتها عن الكلام.
انصدمت فريدة، نظرت له بشدة وهمت بأعتراض وهي بتحاول تزقه، لكنه منعها وهو يطبق على خصرها، فأصبحت ملتصقة به.
توقفت عن الحركة واستسلمت، لتبادله القبلة. ليضع يده عند رقبتها كي لا تبتعد، ويقبلها بعمق شديد يظهر بها حبه واشتياقه الشديد لها.
ابتعد عنها لتأخذ أنفاسها وتهدأ ضربات قلبها، كانت تخفض وجهها من ما حدث، وكان يطالعها هو.
- اللي انت عملته ده...
- قولتي إني مش عايزاني، بس أفعالك بتقول غير كده.
ويقصد أنها بادلته بنفس الرغبة.
سالت من عينها دمعة بحزن من ضعفها، وتخيلته وهو يقبلها مثلها. قالت:
- بكرهك أنا...
- بحبك.
توقفت ونظرت له بشدة حين قال ذلك بهدوء. لم أصدق أنها سمعتها منه مجدداً. لقد نطقها بعد كل تلك الصعاب.
مسح دمعتها بحزن عليها من كل تلك الدموع وقال:
- ومش قادر أوقف حبي ليكي.. منكرش إني حاولت أنساكي.
مسك يدها عند أيسر صدره وقال:
- بس ده مصمم ما يخرجك منه.. تفتكري يقدر يخونك؟
نظرت إلى يدها، رفعت عينيها في عينه الصادقة وكلامه النابع من جوفه، حيث أوقف بكاءها في لحظة. قالت:
- لو بتحبني لي بتعمل فيا كده؟
- أنا آسف.. تعالي نتكلم.
صمتت وهي مستجابة، لتذهب معه ويعودان للبيت سوياً. وما أن دخلا إلى غرفتهم:
- عايز تفهمي إيه؟
- عايزة أفضي كل حاجة بينا.. أي حد شايل من التاني عنده أسئلة يقولها.
- تمام.. اسألي.
- مكنتش عايز تقول لي إننا متجوزين.. لي خليت الموضوع سر؟
- قولتلك، أنا كنت برجعك بس عشان تعقدي معايا، مفيش داعي إنك تعرفي.
- عشان ميرال متعرفش؟
- رجعتك عشان تفضلي معايا يا فريدة مش أكتر.
أومأت له وقالت:
- كنت مجبر، كأنك بتحب بخاطري عشان محسش إنك بتتخلي عني. ولما انت مش معترف بالجوازة.. لي خليته حقيقي وتممته مني؟
صمت. نظرت له قال:
- كانت لحظة ضعف.. صدقيني، أنا زيك مكنتش عارف إن ده هيحصل بيننا وإني هضعف كده. معرفش ده حصل إزاي، بس أنا كنت شخص تاني.
- ندمان؟
نظر لها. قالت:
- زعلان إنك سبتها ومعايا؟
رد بدون تفكير:
- مكنتش ألغيت الجوازة كلها عشانك يا فريدة.
- لغيتها لما عرفت إني حامل، غير كده مكنش زماني معاك هنا، ولا عرفت أصلاً إني مراتك. رايح تتجوز وأنا أصلاً مراتك.
ابتسمت وأردفت:
- يومها أما رفضت إننا نتجوز عشان مكنش خانة تانية، معرفش إنك بتتجوز عليا. هايل، الحاجة اللي مكنتش عايزة تحصل كنت بتعملها فعلاً وأنا معرفش.
صمت، بل نظر لها وقال:
- وقت أنا كان فارق معاكي ميرال، أنا مكنش حد فارق معايا غيرك.
- طب لي.. بتحبني مش كده؟ قولت إنك بتحبني، كب لي رايح تتجوزها؟
- لأن كنت شايف إننا انتهينا.. بحبك بس مينفعش نكون مع بعض.
أمسكت به وقالت:
- لي مينفعش.. لو مكنش فيه حب في العلاقة، فإيه لازمة جوازك طالما مبتحبهاش؟
- لو مفيش ثقة وطرف ميسمعش للتاني، يبقى هي مكنتش علاقة أصلاً.
صمتت حين أدركت أنه يقصدهم، فهي لم تعطِه فرصة لتسمعه.
- ممكن لو كنتي ادتيني دقيقة من وقتك، قعدنا نتكلم زي أي اتنين، مكنش كل ده حصل يا فريدة. منخليتش عنك بعد طلاقها، كنت بتابعك من عمك، مستني فرصة كلامنا للمرة التانية، بس انتي خدتي الفرصة دي مني.. بجوازك.
نظرت له ليكمل:
- أتمنيتلك حياة كويسة معاه وأنا قلبي بيتحرق.. متمنيتلكيش الوحش.. انتي قبل ما تكوني حبيبتي، كنت بعتبرك بنتي. هنا عرفت إننا انتهينا ومفيش فرصة نرجع.
دمعت عينيها بحزن وندم، قالت:
- عملت كده عشانك.. كنت عايزة أنتقم وأنا بتخيلك معاها، تتخليني معاه.
- كنتي بتنتقمي ع لا شيء يا فريدة. دارين مكنتش غير ماضي أنا ببعده عني عشان مش عايزة يأثر على حياتي. فجأة لقيت حياتي كلها بتدمر بسببه.
- عارفة إني غلطت، ومش دلوقتي، من أول ما كلامي ليك بما اتطلقنا حسيت بغبائي. برغم كده كبريائي وغيرتي خلتني أصر ع الغلط، كأني بنتقم لكرامتي.
خفضت رأسها بإنكسار، قالت:
- بس أنا اتعذبت معاك كتير، اتمسكا بيك برغم أفعال ميرال، وأنا قلبي بيتحرق لما أشوفك معاها. بحاول أقرب منك، وعملت كل حاجة عشان ترجعلي.
- انتي مكنتيش عايزاني أصلاً يا فريدة.
نظرت له بشدة، قالت:
- أنا.. اترجيتك يومها، عيطتلك وطلبت منك توقف جوازك، بس أنت رفضت.
- إمتى؟
استغربت منه، قال:
- قبل الفرح بساعات.. استنيت كلامك ده كتير، تحسيسني إني مهم. لما عرضت الجواز عليكِ مكنش ده غرضي، لأننا كده كده متجوزين. كنت بس عايز أعرف انتي عايزاني أنا ولا لأ، كل اللي كان شاغلك ميرال.. زي يوم فرحنا، لما كان فارق معاكي دارين وإنك كنتي خانة تانية، برغم إنك كنتي عندي الأولى والأخيرة.
تفاجأت وافتكرت ما قالته يومها وكلامهم: "عايزاني ولا لا؟" "ميرال، هتتجوزها؟"
- قولتلك هعملك اللي عايزاه.. وكنت عايزك تقوليلي اللي عندك وإن جوازي هوقفه، بس انتي اخترتي الصمت. كنت عايزك تخيبي مني، بس شوفتك زي ما انتي... جيتيلي قبل الفرح عايزاني ألغيه. كان نفسي يا فريدة، بس مش بإيدي.
- واللي اتغير منتا لغيته، هو كان بإيدك بس أنت اللي مش عاوز.
- الظروف حكمت عليا، كان لازم آخد قرار زي ده. الوضع اتغير لما عرفت بحملك، كل حاجة اتغيرت ميت درجة. كنت عارف إنك مش هتكوني معايا غير لما ميرال تبعد، فلغيته. مقدرش أسيب ابني ولا أسيبك.
- مكنتش هقدر أستحمل وجودها، لأني بحبك.
نظر لها، أمسكت يده وقالت بين دموعها:
- أنت اللي كنت بتفرق معايا، مش ميرال ولا دارين، ولا إني أكون زوجة تانية. أنا بغير عليك يا ياسين، بغير عليك أوي. مع أي واحدة أنا قلبي بيتحرق.
اندفعت وهي تعانق رقبته وتقول:
- لي عقبتني العقاب ده؟ عقاب قاسي أوي. أنا آسفة، صدقني ندمت من أول قرار، ولما سبتك ندمت أكبر ندم.
بكت. نظر لها، قالت:
- متبعدش أرجوك. لو غلطت عرفني غلطي زي كل مرة.. أنا فريدة بنتك، اللي لما بتغلط بتفهمها، مش بتسبها تغرق.
رفع ذراعيه ليبادلها العناق بحنين واشتياق شديد، بأنه بل فعل تركها، كان يجب أن يأخذها من بينهم.. أن يحبسها، لأنها لا تدرك أفعالها الطائشة، لكنه تركها.
- متسبنيش تاني.. مش عايزة أحس الشعور ده. كنت وحيدة.. وحيدة أوي. أنت عيلتي، مش عايزة حد غيرك.
- أنا آسف.. متزعليش مني.
- مش زعلانة، المهم انت متكنش شايل مني.
ضمها إليه بقوة وهو يدفنها بداخله بتملك لشدة حبه، لتميل هي عليه، يطمئن أنها بين أضلعه.
ابتعد عنها، نظرت له، لينظر إلى شفتيها التي تضعفه بشدة، قال:
- نامي دلوقتي.
قام، شعرت بالحزن، فهل محدداً سينام بعيداً عنها؟
قفل النور وعاد إليها، وهو ينام بجانبها. نظرت له.. لتجده يلف يده حول خصرها ويقربها منه. تفاجأت كثيراً، نظرت له وكان مغمض العينين، وقلبها ينبض بدقات متتالية من قربه.
- نامي عشان معملش حاجة اندم عليها.
انصدمت من ما يقصده، فتح عينه ونظر إليها بجدية، فهو يقاومها. احمر وجهها خجلاً وتغمض عينيها فوراً.
ابتسم بهدوء ونام مرتاح البال، وهي بين أحضانه. لقد تمنى ذلك كثيراً.. تمنى تلك النومة ولو لمرة واحدة. أن يكونا هما الاثنان على سرير واحد، لا يجد ما يفصلهم. أن يشعر بأنهم زوجان بحق.
في اليوم التالي، صحيت فريدة على ضوء الصباح. نظرت، فهل نسيت قفل النافذة؟ التفت، لكن شعرت بشيء، لتجد أنها داخل أحضان ياسين النائم بجانبها. تفاجأت ودق قلبها، لوهلة أدركت أنه زوجها.. لا داعي للخوف. حتى أنها سريره وبغرفته، لأنهم زوجان. تلك الحقيقة تشعرها بسعادة. نظرت له أثناء نومه، رفعت يدها إلى شعره وهي تزِيحه للخلف. لقت ذراعه يطبق على خصرها ويقربها منه. تفاجأت، لتجده يفتح عيناه وينظر لها، فاختفت ابتسامتها بتوتر.
- صحيت.
- حركتك كل شوية تقلقني.
- يبقا معرفتش تنام.. آسفة.
نظر لها حين قالت ذلك بحرج. قال:
- شكراً.
استغربت وقالت:
- على إيه؟
- حرمتيني من كوابيس.
تفاجأت، كيف حرمته؟ هل كان معتاد عليها؟
قربت منه وطبعت قبلة على خده، ليتفاجأ كثيراً وينظر لها بشدة.
- مش هتشوفها تاني.
كانت تخفض وجهها بخجل. ابتعدت عنها، مسكها وقال:
- فريدة.
- اممم.
- كل يوم هصحى بطريقة دي.
نظرت له، وكان يشير على خده. اتكسفت، قالت:
- لو نمت معايا وجيت بدري من شغلك.. يبقى هسيب منعها.
وقال:
- لو سبت الشغل وقعدت معاكي اليوم كله.
نظرت له من ما يعنيه، ليشير على شفتيه وقال:
- هاخد أكتر من كده.
خجلت كثيراً، قالت:
- هتعقد؟
- عايزاني أعقد؟
قربت منه وطبعت قبلة على شفتيه بسرعة. تفاجأ كثيراً، نظر لها، قالت:
- هتعقد النهارده، مش كده؟
فهي تريده أن يبقى معها دوماً. مسكها وباسها من شفتيها. نظرت له، مال عليها، عادت للوراء وقلبها ينبض بشدة وهي تتفاعل معه. ابتعد عنها، نظر إليها وإلى وجهها المحمر، قال:
- هعقد.
نظرت له، لمس خدها المحمر. نظر إليها قال:
- اهدي.. مكنتش بوسة.
خجلت كثيراً من بروده وزقته، وهي تذهب من أمامه، ليبتسم عليها.
خرجت فريدة، لكن لقت خادمة كانت قريبة من غرفتهم. نظرت له، قالت:
- بتعملي إيه؟
اتوترت، وقالت:
- كنت جاية أسألك حضرتك نحضر الفطار أو لا.
أطالت فريدة قليلا، قالت:
- تمام.
كان ياسين جالس في مكتبه. دخلت فريدة، نظرت له، قالت:
- قولت إنك هتعقد النهارده.
- شوفتيني خرجت؟
- كنت أقصد تعقد معايا، مش قاعد بتشتغل.
قالت ذلك بضيق. اقتربت منه وجلست معه. نظرت له، قالت:
- كنت بتخدعني، مش كده؟
- قولي عايزة إيه.
- فضيلي وقتك.
قفل اللاب توب. نظرت له، مسك الكرسي، قربها منه قال:
- معاكي.
توترت، لكن صمتت قليلاً، ثم قالت:
- تعالي نعقد في الجنينة.
لفت ذراعه حولين رقبته. نظر إليها، لتنظر في عينه وتقول:
- أنا وأنت وابنك.
وكانت تلك الجملة لمست قلب ياسين، حيث صمت قليلاً. نظرت له فريدة، قالت:
- ياسين.
ابتسم بهدوء، قال:
- تعالي.
ابتسمت وذهبت معه، لكن توقفت حين رأت ظل عند الباب. راحت عنده، نظر لها ياسين، لتجد فريدة ذات الخادمة واقفة ممسكة فنجان، وتفاجأت منها. قال:
- مدام فريدة.
- واقفة كده لي؟
- أنا كنت جاية أمضي لياسين بيه القهوة.
نظرت فريدة إلى ياسين، أخذتها منها، قالت:
- امشِ.
أومأت لها وذهبت. طالعتها وهي تشعر بريبة منها، متأكدة أنها كانت واقفة تسمعهم أو تراقبهم، تلك المرة لم تتوهم.
- قهوتك.
- مخلتهمش يعملولي معاك لي؟
- مطلبتيش.
- يبقى هشرب معاك.
خدت منه، لكنه سحب الفنان، قالت:
- إيه؟
أخذها وذهب للخارج، وقال:
- غلط عليكي.
- واشمعنا انت بقى؟
- تفرقة عنصرية.
ضايقت من بروده وضمت ذراعيها وهي تقول:
- غلث.
شال يده من على كتفها، لكنها أمسكتها بحدة، ابتسم عليها.
في مكان آخر، كانت ميرال واقفة تتحدث في الهاتف.
- عارفة هتعملي إيه؟
نظرت لكأسها وقالت:
- المهم محدش ياخد باله.
- القبض على كام؟
- لما تنفذي هتاخدي اللي عايزاه.. بس يحصل. غلطة واحدة، انتي عارفة هيحصلك إيه.
- مش أول مرة.
- ده اللي أنا عايزة أسمعه.
قفلت، وكانت واقفة عند النافذة أمام نبتة ذاوية. مالت الكأس لتسكب الخمر عليها، وكأنما بدلاً من أن تسقيها، تقتلها بذلك السم العفن.
- قضيتي مش معاكي يا فريدة.. قضيتي مع أي حد يحاول يقرب منه.. وانتي قربتي.. وده اللي هينالك.
رمت الكأس وذهبت، وهي تدهس على زجاج بكعبها بلا مبالاة.
في الليل، كان ياسين واقف في البلكونة يرتدي سماعاته. دخلت فريدة، قالت:
- بحسبك في المكتب.
لم يرد عليها. نظرت له ولملامح وجهه المتغيرة، ويده التي يضرب بها هاتفه بقبضته. قالت:
- ياسين.
نظر لها، شالت السماعة من ودنه، قالت:
- بتتكلم مع حد؟
- أخذتها منها، قال:
- لا، كنت بسمع لسجل من الشغل. كنتي بتقولي حاجة؟
- شكلك غريب.
نظر لها، مسكت يده وقالت:
- ف حاجة؟
لتشعر ببرودة يده، تعجبت، لكنه ربت عليها وقال:
- مفيش.. ادخلي يلا.
نظرت له، دخل، تبعته، جلس على السرير، قالت:
- أنت متأكد؟
- بعتولي من الشركة إن حصل اختلاط بين معدات مبنى فيها خلل.
نظرت له بقلق، قالت:
- إزاي.. حد حصله حاجة؟
- عاملين اتأذوا بجروح طفيفة.. هروح أشوف الموضوع ده بكرة. يومين قعدتهم حصل إيه؟
- أنا آسفة.. أنا السبب وقعدتك.
- انتي ملكيش دخل. الحوادث مقدرة تحصل سواء روحت أو قعدت، كان هيحصل مش هتفرق.
سكتت، نظرت له وهو ينام، أشار لها، قال:
- تعالي.
ابتسمت، اقتربت منه ليضمها إليه، وكأنما يستمد منها طاقته. خجلت، قالت:
- النور.
لم يبعدها عنها، مد ذراعه وأغلق، ليعود إليها وينام. ابتسمت، مالت على صدره وهي تعانقه أيضاً باطمئنان، وتخلد إلى النوم.
في اليوم التالي، كانت فريدة لابسة. دخل ياسين وشافها، قال:
- راحة فين؟
- نسيت، النهارده ورايا محاضرة.
- متمشيش.. هاخدك معايا في طريقي.
- ملوش داعي.. السواق معايا.
- فريدة.
- اممم.
- تمام، هستناك.
أومأ لها، ذهبت وتركتها. نزلت، سمعت صوت، بصت، شافت هناك من يتحدث في ركن زاوية. اقتربت بخطى خفيفة لترى تلك الخادمة تتحدث في الهاتف، وكأنما تتخفى.
- عملت اللي حضرتك عايزاه.. أيوه ياسين بيه.
لكن سكتت لما شافت فريدة، وابتلعت جملتها، قالت:
- مدام فريدة.. حضرتك عايزة حاجة؟
- بتكلمي مع مين؟
- ده تليفون من عيلتي بس بسلم عليهم.
كانت تشك في أمرها، خصوصاً وهي تخفي الهاتف من بين يديها. قالت:
- وريني.
- أوريكي إيه؟
- التليفون.
وأخذته منه، بس شافت المكالمة اتقفلت. كان من كان يتحدث، أغلق الهاتف. نظرت له، قالت:
- افتحيه.
- هو فيه حاجة؟
كانت هتتكلم، جاء صوت:
- فيه أي؟
لفت، وشافت ياسين. نظر لها وإلى الخادمة وهاتفها الذي مع فريدة. قالت:
- مفيش، بس كانت بتتكلم مع حد بصوت واطي.
يسألها بتتكلم مع مين، مبتردش.
نظر ياسين إليها، قالت:
- قولت لحضرتك، كنت بكلم أهلي.
- طب مش عايزاني أشوف الرقم ليه؟
سكتت، قال ياسين:
- تمام، روحي على شغلك.
أومأت له، أعطتها فريدة الهاتف، خدته ومشيت، وكأنها نجت. نظرت لها بضيق. لفت، وقالت:
- ياسين، دي بتتصنت علينا.
- جبتي الكلام ده منين؟
- شوفتها قبل كده واقفة عند أوضتنا.. وأفعالها غريبة. ودلوقتي كانت بتتكلم مع حد بصوت واطي.
أردفت باستدراك:
- ممكن تكون بتشتغل لميرال وبتبعتلها أخبارنا.
- مظنش.
نظرت له وإلى هدوئه، قالت:
- إلى يخليك متأكد كده؟
- لو كانت ميرال بتتواصل معاها، كنت عرفت، بس مش هي.
استغربت منه، لما نال تلك الثقة، قالت:
- تمام، ممكن أكون ظلمتها، بس أنا متأكدة إنها بتتجسس علينا. مش مرتحالها.
- هتأكد الأول قبل ما نظلمها، لو كده تمشي.
صمتت قليلاً، ثم قالت بتفكير:
- ارقبيها.
نظر لها، قال:
- فيكي حس مغامر.
ابتسمت، قالت:
- جدا.
- بس أنا مش عايزك ترهقي نفسك ولا تشغلي بالك بحد.
نظرت له، قالت:
- أنا مش مطمنة، حاسة بقلق.
- وانتي معايا؟
- وجودك هو اللي مخليني في أمان، بس لما بتبعد.
- مفيش حاجة هتحصلك. ثقي فيا.
- واثقة فيك.
قالت ذلك بدون تردد، وهي تبتسم له، ثم ذهبا. وقفت الخادمة، وهي تتكلم وتقول:
- ياسين بيه، أكيد هيراقبني.
- حصل إيه؟
- مدام فريدة شكت فيا، مش هعرف أقولك حاجة تاني.
- متقلقيش.
في السيارة، كانت فريدة مع ياسين. نظرت له وإلى السائق، قالت:
- ياسين.
- اممم.
- لي مبتسوقش أنت؟
صمت ولم يرد عليها، قالت:
- شوفتك في يوم بتسوق لأول مرة.
وكانت تقصد ذلك اليوم، لما اتصلت به عشان يلحقها من إيهاب، وأتى إليها فوراً. قالت:
- إزاي سُقت وقتها، وأنت بتواجه صعوبة في سواقتك، بسبب الحادثة؟
- لأنك كنتي في خطر.
نظرت له حين قال ذلك:
- وفيكي خلى ني مفكرش في حاجة غير إني أوصلك في أقرب وقت.
- بس أنت عرفت؟
- مقلتش إن المطيض كان ميسر.
استغربت، ليردف:
- متعرفيش وصلتلك إزاي.
صمتت، فهي لا تعلم بالفعل كيف أتى، وكيف خاض من الصراع النفسي داخله. توقف السائق، نظرت فريدة، قالت:
- هنزل.
- خلي بالك من نفسك.
نظرت إليه، ابتسمت، أومأت بالطاعة. نزلت، شافت يارا، وكانت لسه واصلة هي كمان. ابتسمت، وسلمت عليها. نظرت لتقابل أعين ياسين، وهو بالسيارة. نظرا لها، فريدة لفت وشافت ياسين، لتجده ينظر أمامه ويخبر السائق بأن يذهب، ليغادر. عادت، ونظرت إلى يارا، التي كانت تطالع أخاها. قالت:
- لو كان شافك كان سلم عليكي.
- عينه جت في عيني، بس مشي. إحنا أصلاً منفصلين.
حزنت من كلامها. نظرت لها يارا، قالت:
- بس غريبة.. انتي إزاي جايه معاه؟ متقوليش إنه هو اللي موصلك.
ابتسمت وأومأت لها إيجاباً. تفاجأت يارا، ونظرت لها:
- وشك رجع نور كمان. منشوفكيش قبل كده، كنتي واحدة منعرفهاش.
- المهم إني رجعت.
- فعلاً.. قوليلي السر بقى.
- بعدين.
نظرت حولها، قالت:
- أمال فين تسنيم؟ لسه مجتش.
- متعرفيش.
- معرفش إيه؟
- النهاردة بيتحضر لاستقبال إيهاب.
- تستقبله إزاي؟
- يا بنتي، إيهاب رايح يتكلم مع باباها بكرة عن ارتباطهم.
تفاجأت كثيراً، وقالت:
- بتتكلمي جد؟
- أيوه، قالت لي امبارح، وكانت فرحانة أوي.
ابتسمت فريدة، لكن لوهلة تلاشت ابتسامتها، قالت:
- زعلانة بس إنها مقالتليش.. رغم إننا اتصالحنا وجات لي بنفسها.
- ممكن تليفونك كان مقفول أو مسمعتيش.
- ممكن.. بس فرحنالها.
- انتي باين إنك فرحانة من غير حاجة.. وأكيد سر الفرحة دي ياسين. يلا، قوليلي ف إيه.
- لما نقعد.
- شكلها حكايات كتير.
ابتسمت الاثنان وذهبا، لكن رن هاتف يارا، ردت، تبدلت ملامحها:
- مامان.
نظرت لها فريدة من تغيرها، قالت:
- فين؟ تمم، أنا جايه.
قالت فريدة:
- ف إيه؟
- ماما تعبانة.. لازم أروح لها.
- أجى معاكي.
- مش مشكلة.. هسألهم ع العنوان، وانتي احضري محاضرتك.
نظرت لها وهي تذهب، فدخلت هي للجامعة.
- فريدة.
توقفت ونظرت لها، وكانت يارا الذي نادتها، قالت:
- ماما عايزكي.
وصلوا إلى العيادة، دلتهم الممرضة عن الغرفة، حين رأت يارا. فذهبوا معها. وما أن دخلو، شافوا داليا كانت نائمة، زبائن عليها التعب، ومحمود الذي كان معها. ركضت يارا إلى والدتها بقلق، وقالت:
- ماما، انتي كويسة؟
تألمت من عناقها، لكن ربتت عليها، قالت:
- أنا بخير، شوية تعب.
نظرت إلى محمود بعتاب، وقالت:
- مكنش لازم تقولها وتجيبها من جامعته.
لم يرد عليها. نظرت يارا إلى والدها، وذلك الصمت، لتجد حزن به، قالت:
- بابا.. ف إيه؟
- مفيش.
نظرت إلى والدتها، قالت:
- دكتور قالك إيه؟
- قولتلك شوية تعب.
- احلفي.
صمتت، نظرت لهما، قالت:
- قولولي، أنا معدتش صغيرة.. انتي كويسة، مش كده؟
نظرت إلى والدها، وقالت:
- قولي أنت يا بابا.. ماما كويسة، صح؟
نظر محمود إلى داليا، التي نفيت له بعينيها برجاء، فتنهد وقال:
- كويسة، متقلقيش.. معلش عشان خوفتك.
سكتت يارا بشك، نظرت إلى داليا، أومات لها بتأكيد. نظر محمود إلى فريدة، التي كانت واقفة تنظر لهم، خرجت من نظراته.
- فريدة.
قالت ذلك داليا. نظرت لها، أشارت بأن تقترب. قربت منها، قالت:
- انتي كويسة؟
سكتت، لكن بان الضعف والتعب، ونفت لها، قالت:
- مش كويسة.. أنا مريضة.
نظرت لها بقلق شديد، قالت:
- بس انتي قولتي.
- مقدرش أقول ليارا.. لسه معرفش عندي إيه.. لما الأشعة تبان هعرف، بس كلام الدكتور يقلقني.
نظرت لها، وقالت:
- عارفة مستغربة بقولك انتي لي.. عشان انتي حلقة الوصل بيني وبين ياسين. ممكن لما يعرف قلبه يحن ويجيلي، ولو إنسانية.
شعرت فريدة بالحزن عليها كثيراً. هل ياسين أوصلها لهنا، بأنها تريد أن يشفق عليها من مرضها، فيأتي إليها؟
- انتي وياسين أموركم اتحسنت، مش كده؟
تفاجأت كثيراً لمعرفتها. قالت:
- أيوه.. عرفتي منين؟
- عارفة كل اللي حصل الفترة اللي فاتت.. وإنه ألغى جوازه ورجعك.
- بس مظنش إن حد عرف، وعمي.. عني اللي قالك!!
- قولتلك إني عندي عيون على ابني، فبيته.. وإلى انتي شكيتي فيها، كنت هي اللي بتوصل لي أخبارها.
استغربت من ما قالته:
- شكيتي فيها؟
- مين؟
- سنية.. كانت بتكلمني أنا.
كان ذلك اسم الخادمة، الذي لاحظت فريدة أفعالها. اندهشت كثيراً، قالت:
- انتي.
أومأت لها، قالت:
- قالت لي ع اللي حصل، وكنت عايزة أقولك عشان متقلقيش، كنت عليها تديني أكلمك، بس ياسين جه، فمعرفتش. كان هيضايق مني أوي، بلاش تقولي له.
- مش هقول له.
خوفت تكون ميرال أو حد عايز يأذينا.
صمتت داليا قليلاً، ثم قالت:
- أنا آسفة.
- ع إيه؟
- إني أدخلت، ومستنتش أنا ترجعيه ليكِ.
استغربت، لكن ابتسمت، وقالت:
- متقلقيش، ياسين رجع.. إحنا عايشين مع بعض، وميرال بعدت.
- عارفة.. بس أنا كان ليا يد.
- يد إزاي، مش فاهمة؟
- حصل بينكم حاجة، مش كده؟
تفاجأت كثيراً من معرفتها، قالت:
- عرفتي منين؟
- فريدة..
تنهدت، وقالت:
- ياسين كان تحت مفعول برشامة.
صدمت فريدة من ما سمعته، ونظرت لها بشدة، قالت:
- ف اليوم ده عرفت إن ميرال مش موجودة، وكنت عارفة إنها هترجع، لأنها مش هتسيبه ليكي، أياً كان. ليلتها سنية حطت له منشط في قهوته.
اندهشت من ما تسمعه، بل أذهلت، وافتكرته: "لي عملت معايا كده يا ياسين؟ لي مبعدتنيش عنك؟" "أنا آسف، معرفش عملت كده إزاي." "معاك حق، أنا اللي أغريتك وجبتك هنا." "بس كفاية يا فريدة.. والله مقصدش أنا.. أنا لو كنت قادر أبعد، كنت أبعدت، انتي عارفاني... أنا آسف."
قال ذلك بندم، حتى أنه لن يكن يعرف ما الذي أصابه، فوق ذلك، كانت تلقي عليه بالأسئلة، وهو الذي كان حائر بشأنه، يسمع بكاءها، ويخبرها أن تصمت، ولا تعلم كم عانى من اتهامتها.
"لحظة ضعف.. صدقيني، يومها كان فيا حاجة غريبة.. لقيت نفسي هعمل الفل، مكنش قدامي غيرك، وانتي حلالي."
"لو كان بإيدي كنت بعدت.. يومها حمدت ربنا إنك مراتى."
"مستغلتكيش يا فريدة.. متبصليش كده، نظرتك بتقتلني."
كان بالفعل يعاني من تأنيب الضمير، لمن؟ لماذا لم يكن يريدها بالفعل؟ لتتذكره في ذلك اليوم، أنفاسه اللاهثة، عيناه الغريبة، عكس ما كان يبعدها من قبل، بل هو الذي اقترب منها، ولم يبعدها عنه، حتى حين أرادت أن تبتعد، أخبرها أنها زوجته. هل كان لذلك لغرض الشهوة فقط؟
- لي عملتي كده؟
- ياسين كان هيتجوز يا فريدة.. كنت عايزة أساعدك، وكنت حاسة إن رضا يزيد، كان لازم أرجعك ليه، عشان تساعديني بإنه يرجع لي.
- مقدرة حبك لي، بس انتي كده عملتي إيه غير إنك غصبتيه عليا؟
دمعت عينها وقالت:
- ممكن كان عايز ميرال فعلاً.
- ياسين محبش غيرك، وأنا واثقة من ده.
سكتت، فهو بالفعل اعترف لها أنه يحبها. تذكرت ليلتها، فكان معها بكامل مشاعره، الذي بادلته إياها. قالت:
- بردو كان لازم حاجة زي تحصل بإرادته هو.
- فكرك إن ياسين هياخد خطوة زي دي معاكي، وانتي مريضة؟ صدقيني مش هيعملها.
نظرت لها باستغراب، لنقل:
- حتى لما كنتي معاه، سبب بعده عنك، وإنه ميقربلكيش، كانت بسبب مرضك، اللي حذر فيه جداً. هو مكنش هياخد خطوة زي في حياتكو، حتى لو كان عادي، هو بيخاف عليكي من أقل حاجة.. وهو لسه بتقولي إنه مبيحبكيش؟ عايزة من راجل عايزك تعيشي معاه بس، ومياخدش منك حاجة غير إنك تكوني قدام عينيه وكويسة.. هو ده ياسين يا فريدة.. بيحبك انتي.
سكتت، كأنما لم تجد كلاماً تقوله.
- أنا آسفة إني أدخلت.. يس ممكن انتي معاه دلوقتي بسبب اللي حصل، مش كده؟
- كنتي تعرفي إننا متجوزين؟
- أكيد، وإلا مكنتش عملت كده.
- منين؟
- هو اللي قالي.
قالت بدهشة:
- ياسين؟
- آه.. كلمه عن وشك، وإنك مينفعش تقعدي معاه بحكم إنك بنت، وميربطكيش بيه.
- عشان كده جاب ميرال.. بسبب كلامك خلاها تعيش معانا. أنا كنت بحترق بسببها.
- هو جابها عشان ميضعفش قدامك، عشان عارف إنه لسه بيحبك، أما انتي كنتي مراته فعلاً.
- انتي عايزة إيه؟
- عايزة ياسين.. معرفش عندي إيه، بس مليون احتياجي ليه بيزيد. رجعيه لي.
سكتت بتفكير، فتعلم أمر ياسين من ناحية والدته. أومأت لها، قالت:
- هيحصل.. أوعدك هيرجعلك.
ابتسمت لها بامتنان، فهي تثق في وعودها. طرق الباب، دخل محمود، نظر لهم، وشاف دموع داليا، التي مسحتها أول ما دخل. قال:
- الدكتور قال نقدر نروح.
- تمام.
قامت، قرب منها وساندها. نظرت له فريدة، ومن حبه لها واعتنائه بها، فكيف لياسين أن يرى ذلك الرجل سيء؟ كيف له بأن يراهم مخطئان، وقد أخذا بعض عن حب؟ حمحمت، وقالت:
- أنا همشي.
- استنى.
أوقفها محمود، نظرت له، قال:
- هخلي السواق يروحك.
- مفيش داعي، معايا السواق.. شكراً لحضرتك.
نظر لها، ذهبت وتركتهم. نظر إلى داليا، قال:
- كنتي بتعيطي لي؟ كلمتك عنه؟
- كلامنا عليه هو بس يا محمود.. بحب أسمع أخباره.
تنهد منها، ولم يتحدث.
كانت فريدة طوال الطريق تتذكر ياسين وما قالته داليا. "ياسين عمره ما كان هياخد خطوة زي دي معاكي". افتكرت تبريراته، وهو يحاول إرضاءها بأي شكل. سوء ظنها به دوماً، فقد ظنت أنه أراد أن يربطها به.. أن يأخذ حقه القديم منها.. أنه لن يراها سوى رغبة وانتهت، ولن يحاول أن يبتعد عنها لأنها لا تهمه. ظنت كثيراً به، ولن تستمع لتبريراته، وهو يقسم لها بأنه لن يقصد فعل ذلك، وكان النظام لأنه فقط استغلها وهي مريضة، رغم أنها زوجته. كان متضايق من نفسه.. ولا يعلم أنه كان تحت تأثير. لقد ظلمته كثيراً.. ظلمت ذلك الحب، الذي يبدو أنها تجهل الكثير عنه.
رجعت فريدة البيت، طلعت أوضتها، شافت ياسين، وكان واقف يتكلم في التليفون. نظر له وهو يتحدث، دمعت عينها، اندفعت إليه وعانقته من الخلف.
اتخض ياسين، ونظر ليراها، اتفاجأ منها، قال:
- فريدة..
- شكراً إنك مخذلتنيش.
استغرب كثيراً حين قالت ذلك، شعر بأن هناك شيئاً. مسك يدها وبعدها ليوقفها أمامه، قال:
- فيه حاجة؟
نظر لها بشك، قالت:
- ماليش حق إني أحضنك؟
سكت، سحبها إليه وضمه، قال:
- محدش ليه حق غيرك.
ابتسمت وعانقته، وهي تشعر بسعادة ذلك الشعور، تتمنى أن تشعر به دوماً.. سعيدة أنها ظلمته، سعيدة أن يخيب ظنها السيء دوماً.
على العشاء، وهم يأكلون معاً، كانت فريدة تنظر إلى ياسين وتتساءل كيف ستفاتحه موضوع والدته.
- عايزة تقولي حاجة؟
نظر لها، لتتفاجأ أنه لاحظها. نفت له، قالت:
- لا.
- كنتي فين؟
استغربت من سؤاله، قالت:
- إيه؟
- قالوا لي إنك مدخلتيش الجامعة لما سبتك.
عرفت إنهم حراسه. قال:
- روحت عيادة.. حصلك حاجة؟
- مش أنا، متقلقش.
- امال مين؟
ارتبكت قليلاً، ثم قالت:
- ده يارا كانت تعبانة، فمعرفتش أسيبها، روحت معاها، وراحت عليا المحاضرة. مش مشكلة.
نظر لها ياسين، أومأ بتفهم. شعرت بأنه لن يصدقها، فسكتت.
في اليوم التالي، صحيت فريدة باكراً. نظرت إلى ياسين، وهو نائم، قبلته برقة. ابتعدت عنه وذهبت.
صحي ياسين، وأثناء وقلبه لم يجد فريدة بحانبه. فتح عيناه، ليراها واقفة أمام المرآة، وكانت ترتدي الأسود. نظر إليها، من هيئتها، اعتدل، قال:
- فريدة.
- صحيت.
قام واقترب منها، نظر لها، قال:
- راحة فين؟
- النهارده سنوية أبويا.
صمت وتذكر اليوم، فهي تذهب لقضاء اليوم عنده لزيارته، وتحكي له ملخص عامها بأكمله. قال:
- راحة دلوقتي؟
أومأت له. لفت ونظرت له، قالت:
- تعرف إنه جالي من يومين واتكلم معايا.
- امتى؟
- لما كنت قاعدة في البيت.
سكتت وهي تتذكره، قالت:
- كنت وقتها بعيط أوي، وإنه زعلان مني. بس هو جالي وطبطب عليا، قالي مزعلش، وإنه عمره ما يرميني للهلاك.
نظرت له وأردفت:
- قال لي اثق في اختياراته.. ومعرفش إنه بيتكلم عنك. كنت محل ثقة يا ياسين، مخذلتوش ولا خذلتني.
نظر لها من كلامها ذاك، مسك وجهها وقبل رأسها بحب. نظر إلى عينيها، قال:
- سلميلي عليه.
- مش هتيجي معايا زي كل مرة؟
- ورايا زيارة للعمال. هخلصها علموا وأجي. مش عايزك آخرك، لو هتقدر استنى.
أومأ لها بتفهم. نظر لها، قال:
- خلي بالك من نفسك.
- حاضر.
ابتسمت له وذهبت. تنهد ياسين وذهب للحمام ليستحم.
وصلت فريدة عند المقابر. نزلت، دخلت، رآها الغفير، قال:
- نورتي يا مدام فريدة.
أومأت له، وسمت ريحة البخور، الذي أمرتهم إشعالها دوماً. مشيت، تبعها الحراس، لكن أوقفهم الغفير، قال:
- فيه حاجة يا بشوات.. معلش، بس الميت ليه حرمته.
نظروا إليه، فهذا عملهم. نظرت لهم فريدة، قالت:
- معلش، خليكم هنا.. عايزة أبقى لوحدي.
صمتوا، لكن وقفت كما أخبرتهم، فذهبت هي معه إلى الداخل. وقفوا في انتظارها، ورؤية من يدخل.
جلست فريدة عن قبر والدها، حكت شنطتها على جانب، وأمسكت الزهور، الذي أحضرتها لتوزعها على قبره.
- آخر أمنية طلبتها منك، تحب لي وردة، بس وقتها إحنا كنا في شتا، مكنش في موسمه. برغم كده ميأستش وروحت عشان تجب لي الحاجة اللي طلبتها منك.. زي عادتك، مبتقوليش.
دمعت عنها، وأردفت:
- بس أنت رجعت لي وأنت عامل حادثة.. حادثة خدتك مني.
تنهد، وهي تكبح دموعها وترتب الزهور، قالت:
- أكيد مش هعيط عندك عشان متجيش تشدني من ودني في الحلم وزعلان مني. أنا جايه أفرحك.
وضعت يدها عند قبره، والأخرى عند بطنها، وهي تبتسم من بين دموعها، قالت:
- أنا حامل.. هيبقى عندك حفيد.
كان ياسين في عمله، بين مبنى يشرف عليه مع العمال. نظر إلى الساعة، وهو يفكر بها. قال العامل:
- هنا يا ياسين بيه.. الخلل مش في العمدان، بس خطأ من العامل نفسه.
- مش عايزة يتكرر.. هياثر على سمعة الشركة، والغلط هيبقى من عندنا إحنا.
- إحنا آسفين.
- شوفوا شغلكم كويس.
أوماوا له، ذهب وتركهم.
كانت فريدة جالسة عند القبر، وقفت، لكن سمعت صوت. استغربت، مشيت ناحية الصوت قليلاً، لقيت واحدة كبيرة واقعة على الأرض. قربت منها بقلق، قالت:
- انتي كويسة؟
- ساعديني يا بنتِ.
سندتها فريدة، قالت:
- محتاجة أي مساعدة.. دخلتي هنا إزاي أصلاً؟
- ضيعت طريقي.
نظرت لها فريدة، نظرت حولها، قالت:
- محدش معاكي؟
- لا.. ممكن شوية مية؟
- آه أكيد.
راحت فتحت شنطتها، بس لقت أنها انتهت بالفعل. قالت:
- هخليهم يجيبولك مية.
راحت تكلم الحراس، لكن قالت بحزن وخوف:
- لا، مش عايزة مشاكل. أنا مش حرامية.
نظر لها باستغراب، قالت:
- محدش قال كده. هما عارفين المكان هنا، وبيجبولك اللي عايزاه.
- لا خلاص، شكراً.
- طب فيه سوبر ماركت هنا؟
- آه، أول ما تخرجي. بس هيحسبوني شحاتة، بيرموني برا.
حزنت فريدة عليها، قالت بضيق:
- إيه قلة الذوق دي.. فين السوبر ماركت؟
- برامشيت.
فريدة أوقفتها المرأة، قالت:
- مش من هنا.
- بس هنا الباب.. طول ما بدخل من هنا.
- كده هيشوفوني وهيسألوني دخلتي إزاي، وأنا ع باب الله.
- خلاص، منين طيب؟
- اسنديني.
أسندتها، وذهبت معها، وهي ترشدها. لكن فريدة كانت قلقة، فهل تعرضت للاغتيال من زمن؟ لذلك لن تذهب كثيراً، سوى الخروج من هنا، برغم أنها ليست سوى عجوز، هي تفوق عليها قوة.
كان الحراس واقفين بالخارج. رن ياسين، رد عليه:
- فريدة لسه هناك؟
- آه، جوه.
قال باستغراب:
- انتوا مش معاها؟
- البواب قال لنا مينفعش نقف جوه عشان مدفن.
قال بحدة:
- قولت لكم متسبوهاش، حتى لو فين. ده كان زمان.
تفاجأ من رده، قال:
- المدام كانت عايزة تعقد لوحدها، وحضرتك قولت لنا نسمعلها.
هاتها، أكلمها.
ذهب لداخل، قال:
- مدام فريدة.
لكن توقف، ونظر بشدة، حين لم يجدها.
خرجت فريدة من المقابر. نظرت خلفها، فهي لن تخطو بعيداً. قالت:
- فين السوبر ماركت الأول؟
- اهو يا بنتِ، متخافيش.
نظرت فريدة، لكنه كان بنهاية. نظرت للمرأة، توقفت، ولم تتبعها. نظرت لها، قالت:
- مش هعرف أروح هناك، هخليهم يجيبولك غير كده، لال.
لفت فريدة، ودخلت، لكنه وجدت من يمسكها ويسحبها بقوة. نظرت وانصدمت، لتجدها تلك المرأة، ويبدو عليها القوة، عكس ما كانت تظهر.
- بتعملي إيه؟
زقها بقوة، ولسا هتجري، لقت إلى بيظهرو قدامها، وكانت نساء مخيفين.
- انتو مين؟
- امسكوها بقوة.
صرخت وقالت:
- ابعد، سيبوني.. عايزين مني إيه؟
كتموا بقها وسحبوها خلف الجدار في الخفاء. عضت أيدهم جامد، وصرخت، لكن هناك من لفت قماش حول فمها. تألمت، لكن لم تعد تستطيع إخراج صوتها. ليمسكوها كل واحدة من الجانب، ويقفون هالة أمامها.
- إحنا بننفذ وبس.
انصدمت فريدة من ما تعنيه. سرعان ما ركلتها بقوة أسفل معدتها، لتصرخ من شدة الألم.
رواية زهرة الاشواك الفصل الثلاثون 30 - بقلم نور
ابعدو سيبوني.. عايزين مني إيه
صرخت جامد بس مسكوها جامد. لفت قطعة قماش حول فمها، تألمت. لقتهم بيتجمعوا عليها بأشكالهم المخيفة.
"إحنا بننفذ."
بصدمة فريدة من ما تعنيه. سرعان ضربتها بقوة أسفل. بس لقت نور قوي ظهر. وكانت سيارة توقفت عندهم. سابوا فريدة. وقعت على الأرض وجريوا فوراً.
تألمت فريدة حين وقعت. فتح الباب ونزل. نظرت لتجده ياسين. نظر لها بشدة. ركض إليها بخوف.
"فريدة."
"ياسين."
دمعت عينه بخوف. مسح وشها من الغبار وقال:
"إنتي كويسة.. عملولك حاجة؟"
بكت وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة. قالت:
"عايزين يقتلوا ابني.. هيموتوني."
لتقفل عيناها بنعاس. لينتابه الخوف الشديد. قال:
"فريدة."
حضنها بخوف شديد وقال:
"أنا آسف، اتأخرت عليكي."
تذكر كيف كان يمسكونها ويضعون قماش على فمها مانعاً الصراخ. اشتعلت عينه غضباً وهي كالجثة بين يديه.
"هندمهم على اللي عملوه فيكي... هندمك يا ميرال."
كانوا يركضون سريعاً. وقفت لهم عربية تبعهم. ركبوا فيها بسرعة.
"اطلع بسرعة."
ولسا هيمشوا لقوا عربيات فاخرة تحوطهم من كل الجهات. قبل التحرك انصدموا. ليفتح الباب وينزل الحراس منها ويعملوا مكالمة.
"ياسين بيه."
"مسكتوهم."
"أيوه معانا نسلمهم للبوليس."
"لا."
استغرب ليجده يردف ببرود شديد:
"حققوا انتوا معاهم الأول بطريقتكو."
تمم. قفل ياسين هاتفه. وكان في السيارة ونظر إلى فريدة وهي مغشى عليها مستلقية على قدمه ويمسك بيدها بشدة. يشعر بدورتها الحيوية.
كانت ميرال في منزلها تحتسي الشراب بانتصار وكأنه نخب لفوزها.
"لسه متصلوش.. شكلك مطولة معاهم يا فريدة."
رن جرس الباب. ذهبت الخادمة لتفتح.
"ياسين بيه."
نظرت ميرال بدهشة. قامت ونظرت له بدهشة من رؤيته جاحد العينين وبرود تام.
"ياسين."
دخل وبص على الخمرة. قال:
"فريدة في المستشفى."
استغربت لكن سعدت. وقالت بادعاء الخوف:
"مالها."
"اتهجموا عليها وسقطوها. قتلوا ابني... للمرة الثانية خسرته."
قربت منه وحضنته لتبتسم بشر وقالت:
"كان غلط لما تعتمد على عيلة متقدرش تشيل مسؤولية زي دي."
لم يكن يبادلها. كان ينظر لها بجفاف شديد.
"متزعليش، كويس إنك جيتي هنا.. موجودة على طول عشان."
تبتسم وهي تعانقه بتملك.
"كان مرة خدعتيني."
استغربت كثيراً حين قال ذلك. أبعدها عنه ونظر لها ببرود وقال:
"إزاي قادرة تمثلي بالإتقان ده... بتحتفلي إنك حاولتِ تموتيها وقتلتِ روح ملهاش ذنب."
انصدمت من اللي بيقوله. قالت:
"أنا أقتل.. إنت بتقول إيه يا ياسين؟ أنا مقدرة اللي إنت فيه بس مش لدرجة تشك فيا إني أعمل جريمة بشعة زي دي."
"كام جريمة عملتيها يا ميرال؟"
لتصبها صاعقة. تقدم منها ونظر لها قال:
"عملتي إيه تاني وزيّفتيلي حقيقتك اللي بتخفيها."
عاد للخلف وهي تنظر له ليردف:
"كام مرة مثلتِ عليا يا ميرال.. وشك الحقيقي فين.. أنا إيه واحد فيهم.. اللي واقفة قدامي ولا اللي بيظهر من ورا."
سكتت ولم ترد. لكن خفضت رأسها بعد لحظات من الصمت. قالت:
"مكنتش عايزة أعمل كده.. هي اللي اضطرتني."
مسكها جامد بغضب شديد وقال:
"اضطرتك إيه.. تقتلي."
نظرت له في عينه وقالت:
"وأقتل أي حد يقرب منك يا ياسين."
نظر لها ولا يصدق ما قالته وأصابه الذهول من لكنتها.
"مخدعتكيش.. أنا معاك بحقيقتي.. معاكو كلكو بحقيقتي بس اللي يحاول ياخدك مني هيظهر أسوأ ما فيا.. مكنتش عايزة أبقى وحشة، كنت عايزك إنت بس."
"وابني ذنبه إيه."
"إنه منها.. ذنبه إنه كان السبب في إنكم ترجعوا وياخدك مني."
"بعتي ناس يسقطوها.. وياخدوا روحها كمان.. صدقيني حسيت بذنبه عشانه بس كل أما افتكر فريدة أكرهه زيها."
نظر لها بشدة ودفعها بضيق من يده.
"قتل.. معندكيش رحمة.. إزاي كنتي بتظهري عكس كده.. كل ده كان كدب."
دمعت عينها ونظرت له. صاحت به وقالت:
"قولتلك ترجعلي لي موقفتش ده من الأول."
"مبحبكيش يا ميرال."
نظرت له ليكمل:
"أعيش معاكي إزاي وأنا بحبها هي.. هتبقى فرحانة وأنا مجبر عليكي.. كنت بعمل كده لمصلحتك بإيدي أتزوجك بس هبعد عنك أوي.. سبتك حد يقدرك بجد وكان قدامك بس إنتِ كسرته."
وكان يقصد أنور صديقه وصديقها الذي لم يلقى سوى أذى منهما. حزنت من تذكره. لكن قالت:
"زي ما إنت مش قادر تبعد عنها أنا مش قادرة أبعد عنك.. أنا بحبك وإنت من حقي."
"الحب مش إنك تأذيه.. ده مسموش حب.. اسمه جنون."
"سميه اللي تسميه ياسين بتحاول ترضي ضميرك مني بس أنا مش هريحك.. ومش هبعد عنك طول ما أنا عايشة.. لا هسيبك معاها ولا مع غيرها."
"بس إنتي هتبعدي يا ميرال."
قال ذلك بثقة. نظرت له باستغراب لتجد الباب يفتح والشرطة تظهر وبقيادة خالد. الذي نظر إلى ياسين قال:
"كفاية كدب."
استغربت كثيراً. تقدموا منها. انصدمت:
"فايه.. ابعدوا سيبوني بقولكم متعرفوش أنا مين."
نظرت إلى ياسين بشدة قالت:
"ياسين."
"الستات اللي بعتيهم مسكتهم وفي تسجيل ليهم بيعترفوا عنك يا ميرال بالفلوس اللي دفعتلهم."
انصدمت بانه قبض عليه. زقتهم بعيد عنها قال:
"ابعدوا.. مستحيل.. إزاي يقولوا كده.. كدابين."
قال خالد:
"نعرف ده في القسم.. يلا."
أخذوها ومشوا. لتنصدم وتصرخ بهم. نظرت إلى ياسين قالت:
"ياسين.. هتسيبهم ياخدوني."
نظر لها وكان يرى صديقته السابقة اهتمامها به، اعتنائها به في الحادث. كانت له صديقة في غربته دون أهله وأهلها التي تركتهم من أجله. كيف يمكن بأن تنقلب صورتها فجأة؟ بعدما كان يراها أمان ومخزن لسره. بات يراها خطر عليه. لا يدري أي منهم تقف أمامه. من تلك المرأة التي لا يعرفها؟ فقط يرى غلظة في قلبها وعدم رحمة وشر. لم يظن أن بتلك الأعين شر كهذا.
"ياسين."
"مش هيعملوا لك حاجة."
نظر لها وأردف:
"احمدي ربنا إني وصلت قبل ما يحصلها حاجة."
انصدمت وطالعته بشدة قالت:
"يعني إيه."
"لو كان ابني مات وفريدة اتأذت صدقيني كنتي هتشوفي وش هتندمي إنك شفتيه."
أصابها الذهول. وقال:
"إزاي يعني هي محصلهاش حاجة."
إذا كان يخدعها وهي بغبائها اعترفت له. ليصير معه دليل وإثبات على كلامها أنها الفاعلة. لقد انكشفت وفريدة وابنها لا يزالان بخير.
أخذوها. لكنها صرخت بهم وقالت:
"ابعدوا سيبوني."
نظرت إلى ياسين قالت:
"إنت اللي أنقذتها مش كده.. عرفت منين بالوقت والمكان.. وصلتلها إزاي أصلاً."
"من تليفونك."
قالت بصدمة:
"إيه؟"
خرجت هاتفها وشافته. خده منها وفتح الجراب قال:
"حطتلك شريحة في تليفونك."
لقيته شايل شئ صغير للهاتف. وكان جهاز تعقب. انصدمت قال:
"من يوم أما عرفت إنك إنتي اللي موتِ العصافير. وأنا حسيت فيكِ بذرة شر مشوفتهاش فيكي قبل كده. بقيت أقلق منك ومن تصرفاتك. حتى نظراتك لفريدة بقيت تقلقني إنك قادرة تأذيها من غير ما تحسي بذنب زي ما عملتي مع طيور لا آذيتك عشان تقتليها.. ليه كده."
"ذنبهم إنك إنت اللي جايبهم.. أنا كمان اللي سرقت الإنسيال."
لم تتبدل ملامحه وكأنه توقع ذلك. قالت:
"سرقت كل حاجة أدتهالها عشان تبعد عنك. هي مكنتش متعلقة بيهم ولا بالطيور. هي كانت بتشوفك فيهم.. كانت بس عايزآهم لأنهم منك.. وده سبب كافي. طول ما هي بتسعى وراك هاخد منها كل حاجة ممكن تجمعها بيك."
"ليه بتعملي كده."
"عشان بحبك.. إنت السبب في إني أعمل كده. لو كنت بعدتها عنك من الأول مكنتش فكرت أذي حد ولا أفكر كده."
صمت ولم يعلق على كلامها. اقترب منها. نظرت له. قال:
"ابعدي عني يا ميرال."
أردف بجدية:
"ارجعي لحياتك وسيبيني عشان منوصلش لنقطة أنا مش عايزها.. هخليهم يرحلوكي ومترجعيش هنا تاني.. قدري إني سيبتك وابعدي."
نظرت له بشدة. أخذوها. صرخت بهم. قالت:
"ابعدوا.. عايزني أمشي عشان تبقا معاها مش كده."
لم يرد عليها وهو يتجاهلها. ذهبت لتقول بوعيد:
"قلبي بيتحرق وأوعدك إن ناره هتحرقكم كلكم."
نظر لها. أوقفهم. راح لها وقال:
"هسألك سؤال يا ميرال.. كان ليكي إيد في أي تاني."
نظرت له من اهتمامه. ليقول:
"حادثة فريدة.. كان إنتي وراها."
قربت منه. نظر لها. ثم همس في أذنه:
"عايز تريح قلبك.. وتعرف إذا كان الخوف كله اللي كان مني راحت."
تفاجأت منها. إذا هي ابتعدت. وقالت:
"مش هيحصل.. قولتلك قلبي مش هيستريح طول ما إنت معاها.. لا على ابنك ولا عليه."
مشيت معاهم وهي تذهب من أمامه. نظر خالد إلى ياسين قال:
"قالتلك حاجة."
صمت وتذكر كلامها. نفى له بمعنى لا. قال:
"خاطرت بمراتي وابني."
"بس بعدت عنهم الأذية وحميتهم."
"بإني أحطها طعم وأمسكهم منها."
"إنت كنت هناك قريب منهم يا ياسين.. ومكنتش عارف الوقت المحدد اللي هينفذوا فيه بس كنت عارف اليوم. فضلت هناك مستنيهم."
"لو كنت اتأخرت عليها."
"على قد الخطر لازم تخاطر."
نظر إليه. نظر للخارج وهو يرمق ميرال. قال:
"وأنا شايف إنها أخطر من اللي إحنا شايفينه.. اللي زيها مش سهل."
"آخرتها.. مقالتش اللي إنت كنت متأمل تسمعه."
"كفاية إنها اعترفت إنها حاولت تقتلها وهي اللي بعتت الناس دي ليهم.. عارف إنك كنت عايز تعرف إذا كانت هي اللي ورا الحادثة القديمة ولا لا."
"ممكن تكون هي وممكن يكون حد غيرها من أعدائك. بس اللي عمل كده مسبش ثغرة واحدة تكشفه. حتى البنت اللي كانت دليل عليه.. مسبهاش."
"مش نفس تفكير ميرال."
نظر له ليكمل:
"طريقة استدراج فريدة للمرة الثانية تشبه الأولى.. يموتوها في صمت."
"شاكك فيها."
صمت حين يتذكر كيف كانت تتحدث على الهاتف وسمع مكالمتها. شعر ببرائتها والخوف كثيراً ورأى ما لم يريد رؤيته.
"حققوا معاها وأول ما ينتهي التحقيق يتم ترحيلها من مصر فوراً."
"بدام خايف منها لى متخليناش ناخد إجراءات عليها."
صمت ولم يرد عليه. ذهب. نظر له خالد باستغراب. صعد ياسين سيارته. نظر إلى هاتفه.
"عرفت إن جوازك من ميرال متمش.. إيه اللي مخليها عندك."
"اسأليها السؤال ده."
"قصدك إيه."
"ميرال حاولت تقتل مراتي."
انصدم وقال:
"بتقول إيه.. ميرال."
"ده اللي حصل.. اللي دفعتلهم الفلوس اعترفوا عليها والتسجيل هيروح للقانون هياخد إجراء عليها."
صمت قليلا ولم يرد عليه. قال:
"بتتصل عليا تقولي كده."
"بتصل بيك عشان تعرف ميرال هتكون فين."
"رجعيها."
صمت ياسين حين سمع نبرته المحزنة. قال:
"رجع لي بنتي أوعدك بعدها عنك تماماً... رجعها وهى هتتحاسب هنا بس تبقى معايا."
لم يرد عليه. ليقول:
"قولت إنها حاولت.. يعني البنت كويسة مش كده."
"مش هستنى لما تقتلها فعلياً."
"مش هيحصل صدقني.. أوعدك يا ياسين.. بعتذرلك بنابة عنها بس ميرال كانت صديقتك.. حبها السبب في أفعالها.. لما ترجع هتنساك.. اديها الفرصة مش عايز أخسرها زي دارين بسببك."
صمت ياسين. وكانت جملته قد التمست قلبه. هل قال يخسرها بسببه؟ فدارين بالفعل سبب انتحارها كان بسبب زواجه الذي سمعت عنه بسبب إعلانه للجميع. لقد كان سبب في موتها. وها هي ميرال أدت نفسها للهلاك. اهو السبب أيضاً. أشفق على والدها ونبرته الراجية. قال:
"هحاول."
"شكراً."
لا يعلم إن كان فعل الصحيح أم الخطأ. لكنه يريد أن يرتاح ضميره لا أن يزيده هما فوق هم.
فتحت فريدة عينها. نظرت لتقابل سقف غرفتها. تفاجأت أنها في المنزل بالفعل وعلى سريره. لتقع عيناها على ياسين وهو جالس بجانبها. كان يضع يدها بين يديه ومخفض رأسه.
"ياسين."
رفع وجهه ونظر لها. لتقابل أعينها. نظرت له ومن حزنه وهمه الباين عليه. افتكرت اللي حصلها. نظرت إلى نفسها. سالت دموعها. قالت:
"ما.تبكي."
وهي تقول:
"قتلوا.. مش كده."
اقترب منها قال:
"أهدي."
"أنا والله حاولت أدافع عنه حاولت بس مقدرتش."
"ششش."
وضع إصبعه عند فمها. فصمتت. نظرت له. مسح دموعها قال:
"بس أهدي... إنتي بخير.. وابننا بخير."
تفاجأت كثيراً. قالت:
"ابننا."
"محصلكيش حاجة.. اغمي عليكي من الخوف."
"قصدك إني أنا لسه حامل."
أومأ لها إيجاباً. لم تصدق. والتمعت عيناها بأنها بخير. قالت:
"قول والله."
"والله."
قد أقسم لها إذا هو لا يكذب أنها بالفعل بخير وابنهما كذلك. سحبها ياسين إلى صدره. نظرت له ليعانقها وهو يدفنها داخله. تفاجأت فريدة. ونظرت له وهي لا تفهم شيئاً. كان يعانقها وكأنما يستمد منها طاقته. يرسل السكينة لقلبه.
"ياسين..."
"أنا آسف."
"على إيه.. إنت أنقذتني."
"قولتلك من الأول.. أنا الخطر اللي هيجيلك منه الأذية. آذيتك بسببى.. لو مكنتش معايا مكنش حصلك حاجة.. معرفتش أحميكي. كان الخطر قريب منك وعايش معانا وأنا بتفرج.. سامحيني إني كنت السبب."
أردف وهو يستنشق رائحتها. قال بشجن:
"قلقت عليكي أوي."
سمعت نبرة الحزن والخوف الذي يحل عليه. حضنته هي كمان.
"كويس إنك جيت.. لحقتني من بين إيديهم.. معرفش كان هيحصلي إيه."
"بس متفتكريشي في اللي حصل.. خلاص كل حاجة انتهت."
"قصدك إيه.. مسكتوهم يعني."
"أيوه."
ابتعدت عنه وقالت:
"واتكلموا ولا لسه.. قالوا مين اللي قالهم يعملوا كده."
"ميرال."
نظرت له بشدة قالت:
"ميرال."
تفاجأت كثيراً. كيف تفعل ذلك؟ إن كانت مكسورة القلب فما ذنب الطفل التي تريد قتله قبل أن يولد حتى؟ أتلك ميرال اللطيفة التي كانت تظهر دوماً بأنوثة ورفق؟ تجسيداً للشيطان بداخلها. نظرت إلى ياسين ومن همه. فهل حزين عليها. قالت:
"عرفت منين."
"كنت مراقبها من أول ما عرفت إنها اللي قتلت العصافير.. شوفت في أوضتها مادة سامة كانت نفسها اللي اتخلطت في أكلهم."
انصدمت قالت:
"قاتلتهم.. هي مش كده."
أومأ لها. بكت وقالت:
"ليه عملولها إيه عشان تموتهم.. بتكرهني أنا هما مالهم.. أكيد هي كمان اللي سرقت الإنسيال."
"خلاص يافريدة."
"كنت شاكك فيها وسمحتلها تعيش هنا ومخدتش موقف من بعد اللي عملته."
"كنت مراقبها.. بعرف تحركتها. مش أول ما أشوف حاجة أقولها ومبقاش استفدت حاجة. بالعكس هكون خسرت كتير وعرضتك أكتر للخطر بوجودها."
صمتت. نظر لها قال: مستني اللحظة اللي أعرف منها الحقيقة إذا كانت هي ورا الحادثة القديمة ولا لا.
"هي اللي حاولت تقتلني أنا واثقة.. زي ما ما لا تسقطني ومهما كان حد يبقى هيكون هما زمان عن دلوقتي."
نظرت له حين وجدت الصمت سيده وعينه بهما شيء من الانطفاء. اقتربت منه قالت:
"زعلان عشانها ولا مصدوم فيها."
"ميفرقش معايا غيرك."
"ليه مقولتشليش من الأول عن اللي جواك وعارف بعمايلها."
"مكنتش عايز أظلمها. كان نفسي أكون غلطان في حقها."
"عشان متخسرهاش."
"الخذلان وحش إن كان من أقرب الناس ليك."
صمتت. فهو فقد صديقيه الاثنان اللي كانوا بمثابة عائلته منذ سنين وصديقته خدعته. فذلك خذلان أكبر. أنه اختارها هي من بين الجميع ولا يهتم بأحد.
"وهي فين.. مسكتها مش كده سلمتها للبوليس."
"بيتحقق معاها يا فريدة.. وهتبعد عننا خالص."
"يعني هتتسجن."
"هناك يحسبوها."
"هناك فين.. بلدها؟!"
"كندا."
"كلمت السفارة وهتترحل.. هيتمنع رجوعها لمصر تاني."
"يعني قصدك إنها هتبعد نهائياً.. مش هترجع مش كده ولا يبقى ليها علاقة بيك."
أومأ لها إيجاباً. ليطمئنها. فعانقته. قالت:
"كده هنهتم بحياتنا بس.. أنا وإنت وابننا.. مفيش مشاكل ومفيش ميرال.. مش هتاخدك مني."
نظر لها. ربت عليها بحنين وشوق قال:
"محدش يقدر ياخدني منكم."
سد على شعرها بأنها بخير بين يديه ولم يمسسها أذى. نظرت له فريدة. قربت من رقبته. أبعدته عنها فوراً. نظر لها ياسين من ابتعادها هكذا. مسكت قميصه وقربت منه. بعد ياسين قال:
"فريدة."
قامت وقربت منه. لسا هيبعد. مسكته وشمته. استغرب كثيراً منها. رفعت عيناها بحدة وضيق. قالت:
"حضنتك."
طالعها بدهشة:
"إيه؟"
"ميرال حضنتك مش كده."
كيف استطاعت معرفة ذلك؟ هل عطرها ترك أثره عليها؟ عرفت من صمته أنه أجل. تضايقت كثيراً. قال:
"فريدة أنا."
"عارفة إنك مبادلتهاش وإنها اتلزقت فيك زي كل مرة.. بس أنا كمان واحدة بتغير.. وأول كمان. ولو سمحت لحد يقربلك تاني."
قالت ذلك وهي ترفع إصبعها في وجهها بتحذير. وتقول:
"هقتلك وأقتلـها."
طالعها من كلامها وغضبها. مسك إصبعها قال:
"مش كلام كبير عليكي؟"
"جرب وابقى شوف."
"خلاص أهدي."
مسكت قميصه. نظر لها لتجدها تفك أزراره. قام وقف قال:
"فريدة بتعملي إيه."
قامت وقفت على السرير قالت:
"ريحتها فيك.. اقلعه حالا."
نزلت وقربت منه وهي تمسكه. بعد عنها. تبعته وهي قائمة بأنها لن تتركه. قال:
"حاضر هغيره أهدي."
"دلوقتي."
لفت قدماها. مسكها. وقع على الأريكة وهي فوقه. نظرت فريدة. وأنها على صدره. رفعت وجهها لتقابل أعينه الحادة. قال:
"مش ناوي تهدى الفترة دي عشان تعدي على خير."
أحرجت. لكن قالت بضيق:
"إنت اللي عصبتني.. شكله عجبك."
"عايزاني أقلعه.. متأكدة."
نظرت له من ما يعنيه. مسكها ورفعها وهو بيقوم. لتجلس على قدمه ويرفع القميص من عليه ويخلعه ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ويرفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خجلت وذهبت جابتله تيشيرت فضفاض. قربت منه. ولسا هتعقد. مسكها من وسطها ورجعها لتجلس على قدمه. ورفع القميص من عليه. ليصبح عاري الصدر أمامه. نظرت له بشدة وهي قريبة منه ويجلس هكذا أمامها. بعضلاته البارزة التي تزيده جاذبية. حمر وجهها وكأنه سينفجر. توترت كثيراً. نظر لها ياسين من شكلها التي تحول لصمت وهدوء وخدودها التي توّردت من الخجل. قال:
"هاتيلي غيره."
نظرت له وقابلت عينه. خ