تحميل رواية زهرة الاشواك بقلم نور pdf
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خيركانت الجمله إلى اى بنت بتتمنا تسمعها وتبقى هتموت من الفرحه بس هى كانت لابسه الاسود والحزن هو الى ظاهر على وشها .. اتجوزت واحد متعرفوش ولا هو يعرفها مشفتوش غير مرتين وكانت دى المره التانيه، وقف رجل فى أواخر العشرينات من عمره يافع وقال- يلا- يلا على فين- البيت- بيت!!قالتها بتعجب بس هو مردش عليها مشي وهو بيسبقها، كان وكأنه عزاء على الجميع محدش حتى باركلها كان شاهدين والشيخ وهى وهو بس، فشعرت وكأن ظهرها محنى من وحدتها فمن كان خلفها قد رحل وها هى أصبح...
رواية زهرة الاشواك الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نور
ابتسمت وقالت:
– أيه ده؟ مكافأة آخر الخدمة.
– مش لما تكون ماتت ابقى أكافئك.
– أنا عملت اللي اتقالي.
– هو اللي أنقذها.
– من غبائك، لأنك مشوفتيش شغلك صح.
– أنا…
صاحت بها بغضب:
– خلاص ولا كلمة.
خافت ولم تتكلم ثانياً خوفاً من أن تُقتل هي بدلاً منها.
أشارت لها على المال وقالت:
– خدي الفلوس دي وابعدي، مش عايزة أشوف وشك.
– أبعد عن مين؟ والفلوس دي ليه؟
– بيدوروا عليكي، وياسين مش هيسيبك.
نظرت لها بشدة وقالت:
– إيه؟
– لو لقاكي ابقي اتحسري على نفسك، وساعتها أنا هكون بره الموضوع.
– بس انتي إ…
مسكتها من رقبتها وهي تطبق بيدها بقوة وقالت:
– أنا إيه؟
اختنقت وحاولت أن تبعد يدها التي تعتصر عنقها.
– افتكري إن رقبتك تحت إيدي.. كلمة واحدة منك هتخليكي تموتي فيها.
ثم دفعتها من يدها.
كحت وهي تأخذ أنفاسها خوفاً من المرأة التي تقف أمامها، فهي كالشيطان الذي يقتل أي ما يريده ولا تهتم لحياة أحد.
– خدي فلوسك وامشي.
– أروح فين؟
– اهربي.
قالت ذلك بتحذير.
سكتت، أخذت الفلوس ومشيت سريعاً وهي تبتعد عنها.
وما أن خطت على الطريق حتى جاءت سيارة قوية اصدمت بها لتطيح بجسدها وتستلقي أرضاً والدماء تسيل منها.
اقترب…
كانت عيناها مفتوحتان وكأنها تشاهد آخر مناظر لها، وتدرك أن ما حدث لها كان مخططاً من البداية.
التفتت المرأة إليها، نظرت لها لتجدها تظهر وجهها إليها.
انصدمت.
اقترب الناس منها سريعاً.
– انتي كويسة؟
– لازم نسعفها.
أصوات كثيرة حولها.
رفعت إصبعها بصعوبة مشيرة عليها لتسكن حركتها.
عيناها غارقة في دمائها.
– مفيش نبض.
– ماتت.
عادت المرأة تغطي وجهها وذهبت مبتعدة عن ذلك الحشد، وكأنما حيوان قد قُتل لا قيمة له.
***
أكلت فريدة حتى شبعت. كان ياسين ينظر إليها وأنها أكلت كثيراً ويخشي عليها أن تتأذى.
نظرت له فريدة حين لاحظت نظراته وقالت:
– إيه؟
– أول مرة تاكلي الكمية دي.
– عشان ده أكلي المفضل، وبصراحة كان طعمه حلو.
– المهم ميكنش غلط عليكي.
قالت بتذمر:
– أنا مأكلتش كتير عشان تقلق.
نظر ياسين إلى الأطباق باستغراب، فهي أكلت أكثر من صنف.
قال:
– تحبي تحلي؟
أومأت إيجاباً وقالت بتلقائية:
– عايزة.
– ثانكس.
نظر لها، فهل ستستطيع أكلها؟
اتكسفت.
ابتسم عليها وقال:
– تمام.
ابتسمت.
وقفت، بصت له بإستغراب.
قال:
– بس تاكليها بعدين، تكوني هضمتي.
– مش عارفة قلقان ليه، بس أوكي.
قرب منها.
نظرت له لتجده يهمس لها:
– بصي على بطنك وهتعرفي قلقان ليه.
بعد عنها، عدلت نفسها والدريس عليها.
قالت:
– أي مكسوف تمشي معايا؟ روح شوفلك واحدة شبهك.
مشيت.
مسك أيدها وسحبها ليه لتنصدم بصدره.
نظرت له بشدة.
قال:
– أنا عايزك انتي.
نظرت فريدة إليه وهو ينظر إلى عينيها.
اتوترت.
قالت:
– ياسين.. حد يشوفنا.
– خليهم يشوفوا.
دق قلبها.
نظرت ليده عند خصرها.
قرب ياسين منها.
ارتبكت كثيراً.
جاء النادل.
– ياسين بيه…
بعدت فريدة على الفور.
التفت النادل لما شافهم.
قال بحرج:
– أنا آسف.
نظر ياسين إلى فريدة وكيف أبعدته عنها.
كانت تعدل نفسها بخجل.
لا يعلم لماذا تضايق حين أبعدته، رغم أنه يعلم أنها تستحي كثيراً.
قال ياسين:
– في إيه؟
التفت النادل وهو يخفض وجهه.
قال:
– طلب حضرتك.
أخذه منه.
ذهب وتركهم.
وكان مستغرباً كثيراً، معقول ده ياسين بيه اللي الكل عارف شخصيته وقوته، وكيف الجميع يهابه؟ كان هذا الشخص مع فتاة ويتقرب منها، رغم أنه لم يهتم يوماً بنساء.
قال ياسين:
– بعدتي لي؟
– بعدت لي؟! قلتلك ممكن حد يجي، إحنا مش في البيت.
– يعني إيه؟ انتي مراتي؟
سكتت قليلاً.
نظرت له وقالت:
– محدش يعرف ده يا ياسين.
نظرت له.
قربت منه.
أخذت الحقيبة.
ابتسمت.
قالت:
– شكراً.. هاكله لما أهضم.
وعدت.
وكان يطالعها.
تنهد وتبعها.
***
كانت يارا قاعدة في أوضتها ماسكة تلفونها. رن وهو في إيدها، ولما بصت على اسم المكالمة حزنت حين تذكرته.
قفلت، وكانت أول مرة تقفل عليه.
لكنه رن عليها ثانياً.
لم ترد، وتركته حتى صمت لوحده.
بعد دقائق سمعت صوت رسالة.
ترددت بس فتحت.
وكان مسجل صوت منه.
– ردي على تلفونك يا يارا، لازم أقابلك.
سخرت داخلها منه وحطت التلفون ولم تعطيه اهتمام.
رغم حزنها، لكن أيظنها حمقاء لتلك الحد الذي تذهب لرؤيته ثانياً؟
ماذا يريد منها ثانياً؟ هل هو غاضب من ما فعله؟
يا ياسين، إنها وبرغم ذلك حزينة على ما حدث منه، ويجب عليه هو من يحزن.
ندامة على الذهاب كثيراً.
***
كان محمود في مكتبه. طرق الباب.
سمح له بالدخول.
دخل إيهاب.
– حضرتك طلبتني.
– أه يا إيهاب، تعالي.
اقترب منه ليردف:
– فكرة في العرض اللي قلته لك عليه.. عن سفرك وشغلك بره.
– راسك إيهاب.
عرف قصده إيه.
قال:
– أيوه.
– كويس، وقرارك إيه؟
– أنا مش عايز اشتغل بره.
– انت متأكد؟ أي حد بيستنى فرصة زي دي.
– مع احترامي ليك، وأنه عرض ما يترفضش، بس أنا ليا ظروفي ومتمسك باستقراري هنا.
أومأ له محمود وقال بابتسامة هادئة:
– تمام، زي ما تحب. في الحالتين القناة واحدة.
بالله الابتسامة.
وقال:
– شكراً.. عن إذنك.
مشي وسابه.
وكان محمود باصص، وهو عايز يعرف ليه داليا مهتمة بذلك الشاب.
***
رجع كل من فريدة وياسين البيت. وكانت مبتسمة.
قالت:
– عارف، مكنتش مبسوطة واحنا رايحين المقابلة دي، بس الخروجة طلعت حلوة.
– المهم إنك اتبسطتي.
نظرت له وقالت:
– أوي.
ابتسم عليها، لكن توقف فجأة.
نظرت فريدة إليه.
قالت:
– في إيه؟
بصت وشافت داليا موجودة.
تفاجأت كثيراً بوجودها.
كانت داليا تنظر إلى ياسين ولا تصدق أنها رأته يبتسم ويبدو عليه الراحة النفسية.
نظرت إلى فريدة التي برفقته.
ابتسمت.
قالت:
– شكلك بقيت أحسن عن الأول.
استوعبت أنها تكلمها.
قالت:
– أه الحمدلله.
– كلنا كنا قلقانين عليكي، خوف ياسين كان أكتر.
نظرت فريدة إلى ياسين، فهي لا تزال لا تعلم هل كان خائفاً عليها حقاً لدرجة أنه ابتعد عنها لتكون أمانه، وهو يعاني بتأنيب نفسه.
قالت:
– حضرتك هنا من امتى؟
– لسه جايه من دقيقتين تقريباً، وكنت ماشية بس كويس إنكم جيتوا.
وقال ياسين:
– بتعملي إيه هنا؟
نظرت داليا إليه من سؤاله، وتفاجأت فريدة هي الأخرى.
تنهدت داليا.
قالت:
– جايه أشوف فريدة من آخر زيارة ليها كانت في المستشفى.
قالت فريدة بابتسامة:
– كنا على ميعاد قبل كده.
– فاكرة، ولينا دردشة مع بعض.
– ياسين قالي إنك تعرفي بابا.
أومأت لها إيجاباً بابتسامة.
قالت:
– أعرفه.
سعدت فريدة، فهي تحب سماع أي شيء عن والدها.
كانت لسه هتتكلم.
قال ياسين:
– فريدة روحي على أوضتك.
استغربت.
نظرت له، فهي أتت لها هي، لماذا يريدها أن تذهب؟
نظرت إلى داليا.
مشيت وسابتهم ليبقوا بمفردهم.
قالت داليا:
– واضح إن فريدة قريبة منك… عن الأول.
– إيه سبب وجودك؟
– قلتلك فريدة، كنت عايزة أشوفها وأشوفك…
نظرت له وأكملت:
– يارا حكتلي اللي حصل يومها.
– بعدين.
– شكراً يا ياسين إنك رجعت أختك بخير.
– أي حد مكاني كان عمل كده.
– إزاي؟
– أي بنت مكانها بتتعرض لموقف ده ومش قابلة، كنت هساعدها، مش هقف أتفرج عليها.
– ولو يارا كانت قابلة كنت هتتفرجي برضو ولا هتدخلي عشان أختك؟
– مهما عملت، هفضل أول واحدة عارفاك وفاهمة انت بتفكر إزاي.
– انتي آخر واحدة ممكن تعرفي اللي جوايا.
– آخر واحدة يا ياسين.. مهما الحزن اللي انت شايله مني، مصيره يتمحي، بس هتضيع عمرنا بعنادك.
– تفتكري ههتم دلوقتي بعمري؟ أنا نفس العيل اللي ضيع سنين بعناده بدل ما يلعب كان شايل مسؤوليته.
– انت اللي مكنتش عايز تعيش معايا، حاولت معاك كام مرة.
– ولا مرة.
نظرت له ليكمل:
– ولا مرة قولتلك ترجعي إلا وخُذلتيني وكملتي معاه هو.
– افهم بقا أرجوك، أنا كان مصيري أتجوز.. أنا متجوزة جابر وأنا صغيرة، وكان لسه العمر قدامي. كان كتير هيتقدمولي، وأول حد فكرت فيه هو…
– هي نفسك.. كتير هيتقدمولك، بس انتي اخترتيه هو.. حبك ليه كان أقوى من حبك لابنك.
– مش صحيح والله، انت بس اللي فاكر كده.
– أنا كلمتي كانت واضحة، لما تختريه انسيني، وانتي عندك بنت تعوض مكانى.
حضنته وكأنها ترد عليه، لكنه لم يبادله.
قالت:
– محدش هيعوض مكانك عندي ياسين..
بعدت عنه ومسكت إيده.
قالت:
– أنا مخذلتكش، أنا…
– انتي فكرتي إنها زعلت، قلتي يومين وينسى. سنة سنتين أربعة. بس الأربعة اتحولت لعمر… كان طول ما الوقت بيعدي كل ما أنا بفتكر لحظتها وإنك اتخليتي عني. منسيتش بس اتعودت…
نظرت له بشدة من ما يقوله.
– اتعودت على غيابك، وإن أي كان الرباط اللي بينا علاقتنا مش هترجع زي أي أم وابنها. مش ده اللي انت عايزه.. أنا برضو عايزاه منك وملقتهوش، والحاجة اللي الإنسان بيفتقدها ميقدرش يديها لحد.
سكتت ولم ترد عليه، لكن سالت دمعة من عينها.
وقالت:
– مش هتتغير.
أخذت شنطتها ومشيت وسابته، وهي تشعر بخيبة كبيرة في قلبها. أنها من تسببت في جعل قلبه متحجر منها. تمنت رؤية ذرة حب داخله. لقد اختفى شعوره ناحيتها.. وزال معه آخر أمل.
كانت فريدة واقفة وقد سمعت حديثهم. نظرت إلى ياسين بضيق.
نظر إليها.
من نظراتها مشي، لكنها أوقفاته.
قالت:
– ياسين.
قربت منه.
قالت:
– إزاي تكلم والدتك كده؟
نظر إليها.
لم يهتم بها وذهب.
لكنها وقفت في وجهه.
قالت:
– حرام عليك تمشيها زعلانة منك.
– ملكيش دعوة يا فريدة.
نظرت له من ما قاله.
قالت:
– كنت تقول لي كده في الأول، بس دلوقتي الوضع اتغير، ولازم أدخل في حياتك زي ما بتدخل فيا.
– مفيش حاجة اتغيرت، عشان كده خليكي بعيدة.
نظرت له حين قال ذلك بتلك النبرة. شعرت بالحزن.
مشيت وسابته، وكانت مضايقة. ماذا يعني هذا؟ ألا يزال يخبرها ألا تدخل في شؤونه.. بعدما أصبح حبيبها، ألا يحق لها أن تتدخل في حياته التي تكون منهارة؟
ياسين أوضته. قعد وتذكر ما قاله.
تنهد وهو يعود بظهره للوراء.
سمع صوت.
فتح عينيه ونظر.
لقى فريدة.
استغرب جداً من وجودها.
دخلت.
وقالت وهي تذم بشفتيها:
– مت بصليش.. أنا قولتلك قبل كده إني هسيبك لوحدك وأنت مضايق.
رغم حزنها منه، لكنها تعلم أنه حزين داخله ومكسور القلب، وهي تريد أن تجبره خيراً.
– تعالي.
نظرت فريدة.
اعتدل وهو يشير إليها.
لم تفهم.
أردف:
– تعالي يا فريدة.
قربت منه وقعدت جنبه، وهي لا تنظر إليه بأنها متضايقة منه.
مال عليها وهو يدفن وجهه في كتفها.
تفاجأت كثيراً.
– خليكي معايا.
نظرت له وكأنه يرمي هموم الدنيا حين يصبح قريب منها ويطلب منها أن تبقى.
شعرت بالشفقة على حاله.
رفعت يدها بتردد، لكن استسلمت وعانقته من مأساته.
فهو في كل محادثة مع والدته يصبح هكذا.. مرهق نفسياً.
أشفق عليك يا ياسين أنك تحبها، لكن يعاند كبرياؤك لجرحك في الماضي، وعنادك هذا هو الذي يؤلم قلبك، لأنه لا يريدك أن تعاند فيما يحب.. أن نسيانك هو علاجك.. سأجعلك تنسي ما دمت معك، سأسعى لذلك.
***
في الشركة كان أنور يعمل.
جت ميرال.
– خلصت؟
– أه.. بعتي لياسين الإيميل؟
– بعته بس لسه مردش عليا.. هو هيرجع امتى؟ مقالكش؟
– عايزاه يرجع لي.
بصت له باستغراب.
قالت:
– عشان شغله؟
– انتي بنفسك اللي قلتي إنه بيعرف يشتغل وهو في البيت، يعني عادي.
– الشغل في الشركة غير في البيت، فيه عقود واقفة محتاجة إمضته هو.
– هاتي أودهاله.
– بطل رخامة.. تفتكر عمل إيه في موضوع فريدة؟
– لسه بيدور.
– ممكن فعلاً حد حاول يقتلها.
– من وجهة نظري أنا.. حاسس إنه كان حادث مش مقصود، بس هو أدرى أكيد خايف عليها.
– ملاحظتش تغير فيهم؟
– زي إيه؟
– يعني لما روحنالهم آخر مرة كان فيه حاجة متغيرة ما بينهم.
– ميرال.
– امم.
– القوة هتقع على إيدك.
نظرت له وإلى الفنجان اللي كانت ماسكاه ويميل.
اتعدلت، فهي قد شردت.
قال:
– ركزي وبطلي رغي.
ابتسمت ساخرة.
قالت:
– شوف مين بيتكلم.
مشيت وسابته، ليبتسم عليها بقلة حيلة.
***
عند ياسين.
نزل بعد أما خد دش، وكان رايح يشرب.
سمع صوت.
المطبخ.
نظر لها.
فريدة بداخل.
راح شافها قاعدة وتاكل الحلوى اللي جابها.
نظر لها.
قال:
– فريدة.
لفت وشافته.
قالت:
– ياسين.. كويس إنك جيت.
خدت واحدة.
قربت منه.
قالت:
– دوق، طعمها حلو.. يفكر تخليك تسأل الشيفات هناك عن الوصفة.
– مش قلتلك خليها كمان شوية.
– هو ده اللي أنا عملته.. فين من ساعة ما أكلنا؟
صمت.
قالت بضيق:
– انت مش عايزني آكل، امال جايبها لي.
– لا، السعرات الحرارية غلط عليكي.
– قلتلك كلام الدكاترة موسوس.. يلا دوق.
اقتربت منه.
شبكت لتصبح مقابل فمه.
نظرت له بمعنى أن يفتح فمه.
ابتسم عليها.
حط إيده على وسطها.
شالها لتقف على قدميه وتصبح قريبة قليلاً لطوله.
اتوترت فريدة.
قرب ياسين وأكل من يدها.
رفع عينيه إليها لتتقابل أعينهم.
نظر إلى شفتيها.
كان يوجد عليها شوكولاتة.
قرب إيده منها ولمس شفتيها.
دق قلبها من شدة توترها، وكأنه سيخرج من مكانه.
قرب ياسين منها وأصبحت شفتيها الناعمة بين شفتيه.
وقع الأكل منها لتسلم له وهي تشعر ببعض الخوف.
حط إيده ورا ضهرها وقربها منه وهو يقبلها بعمق شديد، وكأنه لم يستطع المقاومة أكثر من ذلك.
لتدوم قبلتهما العاشقة.
شعرت فريدة بوخزة.
– آهه.. ياسين.
قالت ذلك وهي تبعده عنها.
بعد ونظر إليها ولشفتيها الحمراء ووجهها الشاحب.
قال:
– فريدة.
بعدها على الكرسي وهي بتحاول تنظم أنفاسها.
قال بقلق:
– مالك؟ انتي كويسة؟
– أنا كويسة، متخافش.
لم يكن يظهر ذلك على ملامحها.
خاف.
نظر إلى الطعام وإليها.
مشي سريعاً راح أوضتها.
فتح الدرج وساف أدويتها.
خرج الدواء الذي أعطاه له الطبيب.
رجع إليها.
أداها برشامة.
– خدي.
أخذتها منه.
وضعتها في فمها.
قرب منها.
شربت من يده حتى ابتلعتها.
قال:
– حاسة بإيه؟ احسني.
أومأت إيجاباً وضرباتها تعود كما كانت.
تنهد وهو يخفض رأسه، وكان الخوف يتملك قلبه.
نظرت له فريدة.
قالت:
– ياسين.
– انتي مخدتيش الدوا لما رجعتي.
– نسيت.
– مش قولتلك متهمليش في أدويتك.. شوف حصلك إيه.
– محصلش حاجة يا ياسين، ده مجرد هبوط بسبب…
اتكسفت أنها تكمل وتخبره بسبب قبلته الذي كانت تريد الهواء منها.
– ده مش هبوط يا فريدة.
نظرت له ليكمل بضيق:
– مستهونيش بأي حاجة.
استغربت كثيراً منه.
قالت:
– ب إيه بالظبط.. قولتلك إني كويسة، لى قلقان كده.
مردش عليها واضايق أنه أظهر لها شيئاً من تعبيراته.
مسكت إيده.
قالت:
– ياسين.. في إيه مخبيه عني؟
– مفيش حاجة.
– تصرفاتك غريبة من يومها، حتى بقيت بتبعد عني، ودي أول مرة تقرب لي من ساعتها… لي؟! الدكتور قالك إيه خلاك تبعد عني؟
– مفيش حاجة من دي يا فريدة.
– امال لي شايفاك ندمان؟
كأنها ترى أنه متضايق أنه قبلها.
سكت ياسين.
اضايقت فريدة وحزنت. معقول أنه لم يعد يريدها حتى قبلته يندم عليها؟
بعدت عنه ومشيت.
منعها ياسين.
قال:
– أحلى لحظة عندي هي لما تكوني قريبة مني.. عايز آخدك بس.
– بس إيه؟
– ده هيضر بيكي حالياً زي اللي حصل من شوية.
استغرب.
تنهد.
نظر إليها.
قال:
– فريدة، انتي عندك ضعف في القلب.
انصدمت من اللي قاله.
قالت:
– إيه؟
خشي عليها أن تحزن وصدمتها تلك.
قال:
– هتبقي كويسة، مش هياثر عليكي.
– وإللي حصل ده مش تأثير؟
افكرت أفعاله وقلقه وخوفه عليها.
قالت:
– هيأثر على حياتي كلها يا ياسين.. ممكن.. ممكن أموت لو حصل اضطرابات غلط ومعشت.
مسك وجهها وقال بحده:
– بس يا فريدة.
نظرت له وكانت عينها مدمعة.
قالت:
– انت حتى خايف زي.
– الدكتور طمني، مفيش حاجة هتضرك.
– امال لي حبيت عليا؟ لو الوضع ميخوفش.
– عشان متزعليش بس، كان لازم تعرفي عشان تاخدي بالك.. معلش، هتتقيدي لفترة لحد ما تبقي أحسن.
– اوعدني.
نظر لها قليلاً.
ضمها بزراعيه لتقبع داخل أحضانه، وكأنها جزء من ضلعه.
قال:
– أوعدك يا حبيبتي، مفيش حاجة هتحصلك.
شعرت بحنانه.
ابتسمت حين قال إنه حبيبته، وكلمته كان لها أثر كبير عليها.
بادلته العناق.
بعد مرور ثلاثة أيام من هدوئها الثلث، وفريدة التي تحاول نسيان الحقيقة التي عرفتها أنها أصبح لديها عاهة ستؤثر على حياتها.. لكن ما كان ينسيها هو ياسين ووجوده معها واهتمامه الذي باتت تعتاد عليه.
كانت قاعدة معاه في الجنينة، كان بيشتغل وهي صامتة تنظر إلى السماء.
قالت:
– ياسين.
– امم.
– ينفع أطلب منك طلب؟
نظر لها، فهو سيلبي أي شيء تريده.
قال:
– عايزة إيه؟
ترددت شوية أنها تكلم.
– مامتك.
تبدلت ملامح ياسين حين قال ذلك.
– مالها؟
– انت مكلمتهاش من يومها.. أكيد زعلانة. رن عليها حتى دقيقة تعرف إنك اتصلت.
– فريدة.. متشغليش بالك بالموضوع.
قال ذلك بهدوء.
نظرت له.
قالت:
– بس انت كلمتها وحش، مينفعش تقول كده.
– فريدة.. انتي عارفة كل حاجة.
– وعارفة إنها مغلطتش.
– مغلطتش؟!
– أيوه، عملت إيه غلط غير إنها حبت.. لو شايف الحب غلط يبقى إحنا كمان غلط.
– أنا مرمتش ابني وافتكرته جوايا بدل ما أديله اللي محتاجه. ده لو هي كانت فكراني زي ما بتقول….
صمت ليردف:
– لو شيفاني غلطان يبقى انتي شايفة من منظور واحد بس.
– معاك إنها غلطت لما سابتك، بس.. أي كان دي أمك، وانت جرحتها أوي يا ياسين.
قال ببرود:
– فريدة، اقفلي الموضوع.
– بس…
سكتت عشان متضايقهوش.
رن تلفون ياسين.
مشي ليرد.
نظرت له وفي داخلها أنها لم تصمت لهنا، أنها قطعت وعداً داخلها أن تعيده لوالدته.. ليس من أجلها، بل من أجله.. ياسين، أنت أكتر واحد يحتاج عناقها الذي حرمت منه.
قال ياسين:
– فيه جديد؟
– لقناه.
تفاجأ وقال:
– فين؟
لكن تبدلت ملامحه فوراً عندما سمع ما قاله.
***
دخل ياسين المشرحة. أعطى خالد أمراً للموجودين، فرفعوا الوشاح.
ضاقت ملامح ياسين حين رآها هي.
كانت النادلة.
– لقوها فين؟
– لما دورنا عرفنا إن مستشفى استقبلتها من يومين كحالة طارئة.. عربية خبطتها، حادثة على الطريق، والأسواق بيتحقق معاه.
كان حاسس بخيبة شديدة. فقد زال الأمل الذي كان يريد أن يعرف من يمكن أن يريد إيذاء فريدة.
خرج وتركهم.
تبعه خالد.
وقف ياسين.
قال:
– كده القضية هتتقفل.
قال خالد:
– احتمال كبير.
– إزاي؟ دي مش القاتلة.
– بس هي اللي خدت فريدة هناك يومها، ودي معانا… لو كانت عايشة كنا نقدر ناخد منها الفاعل الحقيقي، بس في الوضع الحالي مفيش أي خبر كويس.
– ممكن تبقى هي كمان اتقتلت عشان يخفي الدليل عليه.
– فكرة في كده بردو، بس اللي كان ستيف موظف حكومي عادي، وقال إنه مشفش غير وهي بتقف قدامه.
– لازم يكون فيه تحقيق أكتر من كده.
– إحنا بنحقق لسا، المشكلة إن الطريق ده كان طريق عام والحوادث بتحصل هناك.. أنا طلبتك لإن من خلال نظريتي ممكن أقول إن مكنش فيه قاتل.
– غريبة، انت اللي بتقول كده.
– ممكن إنها مكنتش جريمة قتل، مكنش الهدف فريدة، ده كان انت.. تهديد ليك مثلاً.
– تهديد.. من مين؟
– ده ينطبق عليك.. أعدائك كتير بأنك شخص ناجح، لو شاكك في حد، قول لي.
سكت، فمن الممكن أن فعل ذلك. تهديد إليه.. يهدده بمقتل حبيبته.. ماذا يريدون منه وهو سيفعله، لكن لا يؤذوها.. لا يشك بأحد.. لا يريد أن يشك أو يظلم أحد بشدة، لكنه أصبح يخون جميع من حوله.
مشي ياسين ومتكلمش.
نظر له خالد.
رجع للتصه ونظر إلى الجثة.
كان يمشي بس وقف لما شاف إصبعها وكان مرفوعاً، وكأنه يشير على أحد.
استغرب.
بص خلفه.
راح ووقف ناحيتها ليرى كيفية إشارتها ورأى حركة يداها، وكأنها كانت تشير على أحد، ليست حركة عادية.
تخيل لثواني وكأنها كانت تنظر لأحد قبل موتها وأشارت عليه وهي تلفظ آخر أنفاسها.
كانوا هياخدوها.
– استنى.
نظروا له.
رفع كاميرته وصور ذلك، لعله يكون شيئاً.
أومأ لهم.
أخذوها وذهبوا.
***
كانت يارا داخلة الجيم مع صاحبتها وقد خرجت من بعض بقاياها في المنزل.
– رجعتي تاني؟
قصدك إيه؟
قالت يارا ذلك.
خافت وقالت:
– مقصدش.
– تمام، بحسب.
مشوا.
بس وقفت يارا لما شافت أنور.
نظرت له قليلاً من تذكر ذلك الوجه.
نظر لها، فتذكرته.
أنه كان في ذلك اليوم، كان لابس ملابس رياضية وعضلاته بارزة ومتعرق.
لوح لها بيده.
تفاجأت.
نظرت صديقتها.
قالت:
– إيه ده.. شايفة القمر ده بيشاور لي.
– اسكتي.
– ده جاي.
قرب أنور منها.
نظرت له ليوجه كلامه إليها.
قال:
– افتكراني.
– أه.
– انتي بتتمرني هنا؟
– لا، أنا جايه مع صحبتي.
نظر إلى صحبتها الذي لوحت له بيدها بابتسامة.
بادلها الابتسامة.
قربت من يارا وقالت:
– مين ده؟ عرفيني عليه.
نكتزها فصمتت بضيق.
قال أنور:
– لو احتجتي حاجة هتلاقيني موجود.
– تمام.
– خليكي، أنا هروح أغير وأجي.
نظرت لها بشدة.
ذهبت وتركتها معه.
نظر لها أنور ثم نظر إلى يارا التي كانت متضايقة من رؤيته حين تتذكر ذلك اليوم وأنه رآها.
جلس وهو ينشف رقبته.
قال:
– عاملة إيه؟
تساءلت عن ماذا يسألها؟ هل يسخر منها؟
قالت:
– كويسة.. أه، شكراً عالمناديل، كنت محتاجاها.
– كان باين.
تعجبت، هل يسخر منها حقاً.
– أعقدي لحد ما أرجع.
وقفت لي.
قعدت.
وجدت ماء.
أخذتها لتشرب.
– كان صاحبك.
تعجبت من سؤاله.
قفلت الإزازة وعرفت أنه قصده أنس، فهو رآها أيضاً.
– لو مش عايزة تجاوبي عادي، مجرد حوار.
نفيت له.
وقالت:
– أنا مبصاحبش.
– امال ده يبقى مين؟
سكتت شوية.
كانت تحزن حين تتذكر.
قالت:
– أنس أعرفه من زمان، عشان كده كنت بعتبره أكتر من صديق.
– حبيبك؟
نظرت له من ما قاله، وكأنه عرف من تعبيراتها.
أومأت إيجاباً.
قالت:
– كان.
– وهو؟
– هو إيه؟
– بيحبك.
تعدلت وقالت وهي تثقبه بعينيها:
– هو اللي بعتك عشان تسألني الأسئلة دي كلها، مش كده؟
بصلها بإستغراب.
قال:
– مين؟
– هيكون مين يعني؟ ياسين.. مش انتوا صحاب؟
– مبدئياً، ياسين مبيطفلش على حد، وعمره ما يفكر كده. ثانياً، أنا مش عيل.. شوف فرق سن مابيني وبينك كام.
– مش كتير، متتفور.
– اتفوري.
تنهدت.
قالت:
– سوري… اصل غريبة تسأل الأسئلة دي لتاني مرة تشوفني فيها.
– رابع.
– إيه؟
– دي رابع مرة، أنا عرفك بكونك أخت ياسين، بس دي رابع مرة أشوفك فيها.. الحفلة، المستشفى، في البار، وهانا.
نظرت له وأردف ببساطة:
– ثم إني قولتلك ده حوار، مش عايزة تتكلمي متتكلميش.
– قصدك إنك إنسان فضولي.
– ده على أساس إنك مصدقتييش حد يتكلم معاكي، وإلا مكنتيش جاوبتي على أسئلة مينفعش تجاوبي عليها لواحد متعرفوش أصلاً.
نظرت له بشدة، فهي تكلمت معه بالفعل وكأنه صديقها.
قالت:
– أنا…
– كلنا محتاجين نتكلم.. متقلقيش، أنا مش هروح أقول لياسين، أنا مش فتان.
قال آخر جملة ساخرة على كلامها السابق.
ضحكت.
قالت:
– أوكي.. أول مرة ألاقي حد بيعرف يرد عليا بصدقيتك كده.
– دي حاجة كويسة.
– بلاش الغرور ياخدك.
نظرت له.
قالت:
– عرفت منين إنه يبقى حبيبي.
– كان واضح عليكي يومها.. هتضايقي لو فسرت؟ لو مكنتيش بتحبيه كنتي هدافعي عن نفسك من الأول، بس انتي حاولت تبرريله جواكي، ولما جيتي تبعدي معرفتيش.
– وياسين جه ساعدني.. ده اللي حصل فعلاً.. بس إظهار إن تبريري وثقتي كانت غلط.
– لي؟
– لأن كنت فاهمة إن العلاقة متبادلة، حسيت إن طرف واحد فجأة، وإن النوايا غير..
خفضت رأسها.
قالت:
– عمري ما فهمت أفعال أنس، حبه عاوزني، وحبه يكلم غيري ويصاحب، ومكنتش بتكلم عشان ميضايقش أو إني بخنقه، كان يقولي إني غير أي واحدة هو كان يصاحب، بس معاملته معايا غير أي واحدة، يمكن ده اللي كان مخليني أصدقه.. بس الظاهر إني طلعت زيهم.. عارف يعني إيه تكون واثق في حد ويخذلك وتحس إن شعورك كان من طرف واحد.
– عارف.. انتي بتحكي لأكتر واحد ممكن يكون مدرك اللي بتقوليه.
نظرت له باستغراب.
قالت:
– انت؟
– أه، مستغربة ليه؟ إحنا مبنحبش زيكم.
– لا مقصدش، بس انت مش باين عليك.
– عايزاني أعيط مثلاً.
– لا مش لدرجة.. بس أنت بيتهزر يعني شخصية مرحة، عكس ياسين طبعاً.
– لا ياسين ده كئيب، حتى أنا مستغرب إزاي انتي أخته.
قالت بتلقائية:
– صح، أنا بردو ساعات بشك في كده.. أنا كوين إن ومبتسمة على طول.
نظرت له من غرورها الذي عاد إليها.
نظرت له من نظرته.
قال:
– ما بتصدقي.
بصراحة.
قالت:
– أه.
ابتسم.
جت ميرال.
– أنور.
نظرت إليها.
نظرت ميرال إلى يارا باستغراب من وجودها.
قالت بابتسامة:
– هاي يارا.
نظرت يارا إلى أنور بأنها هي أيضاً تعرفها.
قال:
– متتفاجئييش، دي ميرال معانا.
– فاكراها، بس مكنتش أعرف اسمها.
قال ميرال:
– صاحبتها ولا إيه؟
قال أنور:
– شفتها صدفة فتكلمنا شوية.. انتي خلصتي؟
– آه، يلا.
نظر أنور إلى يارا.
انحنى وأخد الفوطة.
قال:
– اعملي اللي عقلك شايفه صح، لأنه هو اللي هيرشدك لما تكوني تايهة.
نظرت له من نصيحته.
ابتعد.
لوح لها وذهب مع ميرال التي كانت مستغربة.
قالت:
– انت كنت بتقولها إيه؟
– بوصيها على المقابلة التانية.
– وانت بتيجي هنا ليه أصلاً؟ ده أنا اللي جايباك.
– استمر فيه.
ابتسمت.
قالت:
– أنور، انت مبضيعش الفرصة.. بس افتكر إن دي يارا تكون أخت ياسين، مش أي بنت.
– واخده عني فكرة غلط.
– عايزة أعرف الصح.
نظرت له.
وقال:
– هيجي يوم وتعرفيه.
لم تفهم معنى ما قاله.
نظرت له وهو يكمل سيره بلا مبالاة.
***
كانت فريدة قاعدة بتتصفح الإنترنت، أو بلأصح معلومات عن ياسين.
وهي بتقرأ جت صورة قدامها.
كانت صورتها معه في الحفلة حين كان يرقصان.
توقفت قليلاً حين رأت نظراتهم.
ابتسمت، فكيف كانت تجهل حبه لهذا الحد؟ كانت حمقاء.
بصت على الكابشن المكتوب: "تظهر صورة لياسين جبر مع فتاة برفقته وسط إحدى حفلاته، وقد تكشف حول مواعدته مؤخراً، طول تلك السنين التي لم يصرح بأي شيء بها عن حياته الشخصية كحياته العملية الذي يعلمها الجميع بنجاحها الفائق".
– مرتبطين.. ده بس اللي الناس فكراه يا ياسين.. إني مجرد واحدة تعرفها.
كانت تشعر بالخيبة قليلاً، لكن لا تهتم بأحد طالما كانت معه.
حفظت الصورة، فكانا ثنائياً جميلاً.
ابتسمت.
جت الخادمة.
قالت:
– الشاي بالنعناع اللي حضرتك طلبتيه.
– شكراً.. ياسين لسه مجاش.
– ياسين بيه جه من ساعة تقريباً.
نظرت لها بشدة.
قالت:
– ساعة؟
فهو حين يأتي يخبَرها أو يأتي ليراها، لماذا لم يتفوه بشيء أو لم تعلم بمجيئه حتى؟
نزلت فريدة.
لم تلفحه.
راحت المكتب.
قالت:
– ياسين.
بس لما دخلت كان فارغ، بس لقت النافذة الزجاجية مفتوحة.
راحت وقفت عندها.
لقته واقف في الجنينة.
تقدمت منه، وكان باين عليه أنه مش حاسس بوجودها، وهذا ليس من عادته، فهو يشعر بأي شيء حوله.
قالت:
– ياسين.
نظر إليها من وجودها.
قال:
– مقولتليش لي إنك جيت.
– نسيت.. بتعملي إيه هنا.
– أنا كنت جايلك، لقيتك واقف هنا.
أومأ لها بتفهم.
نظرت له من ملامحه تلك.
قالت:
– مالك.. بتفكر في إيه؟
نظر ياسين إلى عينيها.
لم تفهم نظراته، لكنه طال النظر إليها وكأنه يطمئن قلبه أنها ستكون بخير. لا شيء سيحدث مما يوسوس له شيطانه.
"ممكن يكون تهديد مثلاً".
معقول؟ هناك أحد يهدده بها؟ لماذا؟ أيريده أن يبعدها عنه وأنه سيتسبب بأذى إليها؟ أصبحت خطراً عليها؟ هل يتركها لتكون بخير بدونه؟ ماذا أن سمحت لهم واستغلوا ذلك؟ ماذا يفعل معها.. لا يستطيع الابتعاد، ويخشى أن يبقى فيراها ميتة بين يديه مثل قبل.
– ياسين.
أفاقته فريدة وهي تمسك ذراعه.
نظر لها.
قالت:
– سرحت في إيه؟
مردش عليها، بس قربها منه وحضنها.
تفاجأت فريدة كثيراً.
لماذا يعانقها الآن؟
كان رأيها عند صدره الصلب وهو يحاوطها بضلعيه، يستمد القوة منها ويعطي نفسه قراراً داخله من ذلك العناق.. قرار حاسم لعلاقتهم، أما أن تتوقف لهنا، أو أن تستمر.
يتبع…
رواية زهرة الاشواك الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نور
ياسين سرحت في اىقربها منه وحضنها تفجأت فريده كثيرا لماذا يعانقها الآن كان رأسها عند صدره الصلب وهو يحاوطها بضلعيه يستمد القوه منها ويعطي نفسه قرارا داخله من ذلك العناق.. قرار حاسم لعلاقتهم أما أن تتوقف لهنا ام أن تستمر.
بعدها ياسين نظرت له ليقول:
– مفيش حاجة.. يلا ندخل عشان الجو شكله هيقلب.
أومأت له بالطاعة ومشيت معه.
قال:
– خدتي أدويتك.
نظرت له وصمتت. ضاقت ملامح ياسين.
قال:
– فريده.. هفضل أفكرك لحد أمتى.
شعرت بالحرج. مشي وكان مضايق. ابتسمت.
قالت:
– خدتها.. ممكن متكشرش بقا.
نظر لها. فهل أخذتها حقا؟ قربت منه.
قالت:
– ابتسم مفيش حاجة مستاهلة.. خدتها والله.
– مصدقك.
قال ذلك وهو يبتسم بهدوء ليرضيها. فبرغم أن حملتها قالتها بطفولية كعادتها، لكنها أصرت في قلبه ببهجتها.. تلك العينان الجميلتان لن يبتعد عنها كما يريدون، بل إنه يريد أن يموت فداها.
مرت الأيام تدرجيا بهدوء سلس. عاد ياسين إلى الشركة. كان يتأخر من كثرة أعماله الذي راكمها. كان مشغولاً بتعقيداته. كانت فريده تراه يعمل ليلاً، حتى أنه لم يعد يأتي لينيمها كما كان يفعل، فباتت تستسلم لنومها وهي تدثر نفسها تحت الغطاء. هي لا تخاف، فهو ليس بيده، لا تستطيع أن تأخذه من عمله. لكن اهتمامه قد قل، وكان ذلك يضايقها. تشعر وكأن حبه لم يعد مثيراً كالسابق. كانت تظن أن هذا مؤقت، لكن لم تعلم أن تلك هي حياة ياسين العملية وأنه دائماً مشغول والوقت ثمين لديه.
عادت الدراسة. وفي ذلك اليوم لبست لتصبح جميلة ومرتبة. كان ياسين في غرفته يتكلم عبر سماعته.
– ياسين.
فتحت الباب عليه بعفوية. وكانت فريده. نظر إليها.
قالت بحماس:
– حاسة إن رجلي رجعت تاني. مبقتش أعرج وأنا بمشي كويس عشان الجامعة.
نظر إلى قدمها والسعادة الذي هي فيها.
قال:
– كويس.
– مقولتليش أي رأيك.
ابتسم لها.
قال:
– جميلة.
عاد إلى مكالمته وهو يكمل كلامه. نظرت له فريده وكأنه لم يهتم بها. لم يعلق على أي شيء بها كالسابق. كانت تريده أن يرى أنها ارتدت ذلك من أجله. نظرت له وكان يبدو أنه مشغول. مشيت وسابته وهي مضايقة.
في الجامعة، وصلت فريده. وجدت أنظار من البعض. لم تهتم وأكملت سيرها. قابلت تسنيم. بصت لها. ابتسمت.
قالت:
– فريده.
قربت منها وسلمت عليها.
قالت:
– عاملة إيه.. الإجازة كانت حلوة.
لم تكن بالنسبة لها. فكانت ممتلئة بالكوارث.
قالت:
– يعني.
– انتي مدخلتيش المدرج لي.
– قلت أقف ممكن أشوفك وانتي داخلة. ندخل سوا. يلا عشان اتأخرنا.
أومأت لها وذهبت معها. دخلا الجامعة وهما ماشيين. قابلا يارا. نظرت إلى فريده، لكنها أكملت سيرهم بتجاهل.
– عاملة نفسك مش شايفة ني.
تنهدت فريده. فها قد ابتدأنا. وقفت قدماها ونظرت لها بتفحص.
قالت:
– مم.. شكلك بقيتي كويسة. آخر مرة شوفتك فيها وانتي في المستشفى بتعافري الموت.
– آسفة إني خيبتلك أملك وعشت.
– فهمتيني غلط. أنا مقصدتش حاجة. بوصفلك الوضع. ممكن أكون جبتها بطريقة غلط. المهم إنك بقيتي كويسة.
نظرت تسنيم إلى فريده باستغراب. إلى كانت برضو مش فاهمه يارا. هل فعلا تطمئن عليها.
قالت:
– انتي راحة فين كده.
– المحاضرة.
– أوكي.. good luck.
مشيت وسألتهم. استغربت فريده أكتر وهي بصالها بعد ما أبعدت.
قالت:
– هي كويسة.
قالت تسنيم:
– كنت هسألك فيها أي. بس واضح إنك كمان مش فاهمه حاجة.
راحوا المدرج حتى انتهت محاضرتهم وخرجو وكانو مروحين.
– فريده.
وقفت وبصت للصوت. تفاجأت لما لقيتها يارا. كانت واقفة مع صحابها. راحتلها.
قالت أحد أصدقائها:
– هي يارا بتكلمها بجد.
– هي غريبة أصلا اليوم كله.
قربت من تسنيم وفريده.
قالت:
– انتي راحة فين.
– أه. معنديش محاضرة تاني.
– أوكي.. هروح معاكي.
نظرت لها باستغراب شديد.
قالت:
– يلا.. هتمشوا ولا إيه.
قالت تسنيم بهمس لفريده:
– انتي تعرفيها. ممكن تكون هتقتلنا ولا حاجة.
قالت فريده بحدة:
– تسنيم.
نظرت لهم يارا من تتحدثهم جنباً لجنب. وهذا ما تكرهه، لكن لم تتكلم.
قالت تسنيم:
– انتي مش بعدتي عن صحابك.
قالت يارا:
– لا.. عندك اعتراض من وجودي.
نظرت لها تسنيم.
قالت فريده:
– هي بتسألك مش أكتر.
– انتو وراكم حاجة دلوقتي غير إنكم مروحين.
– لا. ليه.
– أوكي.. تعالوا نقعد في كافيه شوية.
نظروا لها بشدة وهي تتقدمهم كأنها حاسمة الأمر.
قالت تسنيم:
– ظهرت على حقيقتها. هتقتلنا لو روحنا معاها.
نظرت لها فريده. تضايقت ومشيت من سكات.
قالت تسنيم:
– الكافيه ده فين.
كانت تقلب في هاتفها.
قالت:
– مش بعيد.. بس تحفة هيعجبكم أوي.
كانوا خارجين من الجامعة. وقفت لما شافت انس. وكان واقف عند عربيته هو وصحابه. نظر إليها. نظرت فريده وتسنيم. وجدوها تكمل سيرها بتجاهل.
– يارا.
قال ذلك. ندائها لها. وقف وراحلها ليوقفها.
قال:
– يارا.. لازم نكلم.
– مفيش حاجة نتكلم فيها.
مشيت لكنها أمسكها.
قال:
– فيه.. ياريت تيجي معايا.
نظرت يارا إلى يده. بعدت. نظر لها فريده وتسنيم باستغراب. فهل تشاجرا.
قالت فريده:
– هنستناكي بره.
نظر لهم انس.
قال ساخراً:
– شايفك صاحبتيها.
– عايز إيه.
– هنتكلم هنا. تعالى نقعد.
– لا.
– ممكن أفهم مبترديش على تلفونك لي.
ابتسمت وقالت بسخرية:
– يعني منتاش عارف.
– يارا أنا يومها كنت شارب.
– بس كنت واعي يا انس ومدرك اللي بتعمله.
تنهد وهو لا يملك تبريراً.
قال:
– متزعليش مني.
– زي كل مرة. كلمة بتسمعهالي عشان أسكت. عارف يا انس إنت أول واحد بكلمه في ضيقي وأول واحد بيخذلني. بس المرة دي إنت نسيت مين هي يارا وفكرني زي أي واحد من اللي تعرفهم. لا يا انس مش أنا.
– أنا عمري ما شوفتك زيهم وإنتي عارفة كده كويس. دايماً كنتي مميزة عندي يا يارا وإلا مكنتش كملت معاكي لحد النهارده من ارتباطنا. عارف إنك مضايقة مني.
قرب منها ومسك أيدها.
قال:
– يارا أنا آسف. مكنتش عارف أنا بعمل أي. معترف بغلطي وإني اتجاوزت حدودي ونسيت نفسي.
مردتش عليه. بس شعرت بالحزن. وسالت دمعة منها. وكأنها لم تعد تستطيع أن تمثل الجرح الذي تركها داخلها. نظر لها. هل يارا تبكي بالفعل. نزلت أيده.
قالت:
– مفيش حاجة هترجع زي ما كانت. لا ثقتي فيك ولا علاقتنا.
نظر لها. مشيت وسابته. وكانت حزينة. فليس من السهل أن تقطع علاقة دامت منذ زمن. اعتادت وجوده. تكثر من أي أحد وأحبته.
خرجت. شافت فريده. اللي كانت بتبصلها من الحزن إلى ظهر عليها. وأشفقت عليها. أخفت عيناها.
قالت:
– يا.
قالت تسنيم:
– هتروحي.
– غيرتوا رأيكوا.
– لا. بنسألك عادي. بصراحة مكنتش أعرف إنك بتحبي. قولت صحابك.
زقتها فريده. نظرت لها.
وقالت بتألم:
– أي.. قلت حاجة غلط.
قالت يارا:
– ليه معنديش قلب.
ردت فريده:
– تسنيم مش قصدها.
أومأت بتجاهل الأمر. راحوا الكافيه. قعدوا. مسكت فريده المنيو. وبتشوف المشروبات المناسبة ليها.
– إيهاب.
نظرت فريده إلى تسنيم من قول ذلك الاسم. نظرت لترى إيهاب وهو يدلف لداخل. نظر إلى تسنيم. وقعت عينه على فريده. الذي نظرت له هي الأخرى.
– انتي تعرفيه.
– على الطريق قابلته. وكانت الساعة متأخرة. ف وصلني للبيت.
أومأت لها فريده. نظرت لها يارا.
وقالت بتساؤل:
– تعرفيه.
– ابن عمي.
أومأت بتفهم. إذا كانت والدتها محقة. أنه من أحد أقاربها. وقفت فريده ومشيت. نظرت له. اقتربت من إيهاب.
قالت:
– عامل إيه.
نظر إليها. وقف بجانبه.
قال:
– عامل مش شايفني.
– قولت محرجكش مع صحابك.
– إنت عارف تسنيم مش كده. مقولتليش إنك شفتها.
– كانت صدفة. إنتي عاملة إيه مع ياسين.
سكتت فريده. ونظرت له من سؤاله.
قالت:
– الحمد لله.
أومأ بتفهم. شعرت بالحزن حياله.
قالت:
– إنت بتعمل إيه هنا.
– وقت البريك باجي آخد قهوتي.
– إنت شغلك قريب من هنا.
– ف أي جديد.
– بخصوص إيه.
– شغلك. قلت إن صاحب القناة فرحان منك وهيخليك تدير فرع تاني بره.
ابتسم.
قال:
– لسه فاكرة. بحسبك نسيت.
نظرت له. فهل يسخر منها.
قالت:
– وافقت.
– لا.
– إنت بتهزر صح. إنت كنت فرحان وعايز تسافر بره.
– اممم. الوضع اتغير. مبقاش عندي شغف إني أخرج بره.
– لسببها.
شعرت بتأنيب الضمير. ليكمل:
– وماما رافضة موضوع سفري دي لوحدها. لزملاءها قاعدة.
ابتسمت:
– طنط سلوى معندهاش غيرك. أكيد هتكون عايزة تفضل معاها.
– إنتي رأيك إيه.
– ف إيه.
– غلط لما رفضت.
كان يستشيرها كالسابق. وكأن علاقتهم لا تزال كما هي.
قالت:
– أي واحد عايز يخرج يشتغل بره. بس أنا مع الاستقرار في بلدك هما أفضل عن الغربة. برضه ده يرجع لوجهة نظرك.
أومأ إيجابا. نظر إيهاب رأي تسنيم. التي كانت جالسة تنظر له. أبعدت عيناها. حين رآها بحرج من ذلك اليوم الذي لم تستطع رؤية وجهه وتكلمت معه بعشوائية. ابتسم. نظرت له فريده وعلى ما ينظر.
– شكلك اتأخرتي عليه.
عرفت أنه يقصد يارا وتسنيم. جه النادل.
قال:
– أستاذ إيهاب.. قهوتك.
– شكراً.
أخذها منه. نظر إلى فريده.
قال:
– لازم أمشي. خلي بالك من نفسك.
أومأت له بابتسامة هادئة.
قالت:
– وإنت كمان.
بادلها الابتسامة ثم ذهب. رجعت فريده وجلست معهم.
قالت تسنيم:
– طولتي.
– كان بقالي كتير مشفتوش. بنسلم على بعض عادي.
نظرت لها يارا بشك. ونظرت إلى إيهاب.
***
في الليل كان ياسين يعمل في مكتبه. دخلت فريده.
نظر لها.
قالت:
– كنت عايز قهوة مش كده.
نظر إلى يدها.
قال:
– طلبتها منهم.
– عملوها بس أنا خدتها وقلت أجبهالك.
قربت منه وحطتهاله. ابتسم لها.
قال:
– شكراً.
– أي اللي مصحيكى.
– بذاكر.
أومأت بتفهم. كان نفسها يسألها عن يومها كما كان يفعل. لكنه حتى حين عاد من العمل أكلا سوياً بصمت.
– يومك كان عامل إيه.
نظرت له حين قال ذلك. فهل افتكر أخيراً.
قالت:
– كان كويس. عارف اللي حصل النهارده.. يارا.
نظر لها من ذكر اسمها. فهل تشاجرا ثانياً.
– مالها.
– جت اتكلمت معايا النهارده.. قالت ننسى إللي فات. ورحنا كافيه بعد الجامعة وقعدت معانا أنا وتسنيم. كنت مستغرباها. حتى كنت خايفة لتكون هتعمل حاجة. بس اليوم عدى تمام. كانت غريبة. حتى صاحبها ممشيتش معاهم. عندك فكرة عن ده.
– هعرف منين.
– كنت بحسبك سبب تصرفاتها دي. بس افتكرت إنك ملكش كلام معاها.
لم يعلق. فكان مستغرب هو الآخر. هل ابتعدت عن أصدقائها. وكأنها فكرت في كلامه الذي لن يتوقع أن تأخذه داخلها. لم يهتم وعاد لعمله. نظرت فريده كونه مشغول. مشيت وسابته وشعرت بالخيبة. لماذا لم يعد يظهر لها حبه كما كان في السابق.
بعد مرور يومين من وجود يارا برفقة فريده. كانت تجلس مع تسنيم وفريده قبل انتهاء اليوم.
في أحد الأمسيات كانت راجعة من برا. دخلت واخيراً. الخادمة أن تعملها كوب عصير. بس وقفت فجأة لما شافت انس في بيتها.
رواية زهرة الاشواك الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نور
وقفت فجأة لما شافت أنس في بيتها قاعد مع أبوها وكان معاه والده. نظر أنس إليها، وتقدمت منهم. ابتسم محمود لما شافها، وقال:
"يــارا."
كانت بتنظر إلى أنس. نظرت إلى والده، وقالت:
"إزيك يا عمو خليل؟"
"الحمدلله، إنتي عاملة إيه؟"
"كويسة.. هو في حاجة؟"
نظر محمود إليها من سؤالها. رد عليها خليل، وقال:
"أنس طالب إيد."
انصدمت ونظرت إليه بشدة وهي لا تصدق ما تسمعه. نظرت إلى والدها الذي أومأ إيجابًا. قالت:
"بابا بس أنا.. أنا صغيرة."
نظر خليل إليها وكذلك محمود. ابتسم، وقال:
"يا يارا، أنا ما قلتش إنك هتتجوزي دلوقتي. ثم مش لما تفكري؟"
كانت لن تضع في هذا الموقف من قبل. قال أنس:
"ممكن أتكلم مع يارا."
استأذن من محمود. نظر إليه وأومأ. نظرت له يارا. تقدم منها وأشار أن تذهب. مشيت قبله، تبعتها. قالت:
"إنت بتعمل إيه هنا؟"
"يعني مسمعتيش؟"
"إزاي؟!"
"يعني إيه إزاي؟"
"أقصد إنت.. إنت جاي تتقدملي وإنت بنفسك كنت رافض ده من الأول وإنه لسه بدري."
"ما كنتي عايزة الكل يعرفوا إننا مرتبطين رسمي. تمام، اديني جيت."
"بس إحنا لسه بدري، أنا لسه بدرس وإنت كذلك."
ابتسم، وقال:
"محدش قال إننا هنتجوز يا يارا، ده مجرد اتفاق بين بابا وعمو محمود عشان يبقوا عارفين بعلاقتنا."
"وأيه اللي اتغير؟ إنت مكنتش عايز تعرف حد حتى أهلنا."
"حسيت إنك هتضيعي من إيدي، كان لازم أثبتلك إني مش عايز كده."
نظرت له. مسك إيدها، وقال:
"عرفتي إني بحبك بجد. عارف إنك زعلانة مني من يومها، بس أنا مكنش قصدي أعمل أي حاجة تضايقك.. أنا آسف."
مكنتش مصدقة أن أنس بالفعل يحبها. إنها كانت حزينة أنها ستبتعد عنه. فهم أصدقاء منذ أن كانوا صغار. طالما كانت معه. فكرة أنها تبتعد عنه كانت فكرة تؤلمها. برغم ما حدث معها، لكنه يعتذر الآن ويفعل ما تريده لإرضائها.
"أول مرة أشوفك بتعيطي."
نظرت له. وكان يقصد يوم الجامعة لما كلمها وفرت دمعة منها. قالت:
"غريبة، مع إني عيطت لك كتير."
"بتبقى مشاكل مع والدتك. متوقعتش إني أشوفك زعلانة كده عشاني."
"ليه مبحسش؟ أنا كنت زعلانة من خذلي فيك."
قرب منها وحضنها، وقال:
"خلاص، متزعليش."
نظرت له. سمع صوت بعد على الفور. ونظر ليرى أن كان أحد رآهم. قال:
"بلاش أتغابى عشان مليش. أبوكي هو اللي بيرفدني."
ابتسمت عليه. نظرت له، وقالت:
"إنت متأكد من ده؟"
"لو مكنتش متأكد هجيب بابا وأجي ليه. هو اتضايق في الأول، قالي جواز إيه؟ بس لما قلت له إنه مش جواز حالي وإنك البنت، فرح. واتصل أبوكي."
ابتسمت. اقترب منها، وقال:
"مترفضيش عشان هيبقى شكلي وحش."
"خايف على شكلك أوي."
"خلاص يا يارا. يلا."
رجعوا. وكانت داليا قد أتت. نظرت إلى ابنتها وشعرت بالضيق من رؤية أنس. نظر محمود إلى يارا. قال أنس:
"يلا يا بابا."
أومأ له خليل. وقف، وقال لمحمود:
"متنساش تبلغني."
أومأ له. غادروا. وكان أنس يلاحظ نظرات داليا، لكن تجاهلها وغادر. قالت داليا:
"خير يا محمود، فيه إيه؟"
"أنا مكنتش أعرف عشان تبقي عارفين. خليل قالي هييجي يزورني وجاب أنس واتكلموا على يارا."
"اتكلموا في إيه؟"
"عايز يارا لـ أنس."
نظرت داليا له بشدة. نظرت إلى يارا التي لم يكن ظاهر أي علامات الضيق على وجهها. قالت:
"وإنت قلت له إيه؟"
"أنا عمتاً موافق. خليل صديقي وأكبر جواهرجي في مصر واسم عيلة يشرف."
قالت يارا:
"يعني حضرتك موافق؟"
"أيوه. المهم إنتي.. فكري وبلغيني."
وقف ومشي. نظرت له داليا. ثم نظرت إلى يارا. قالت:
"معنى كلامك ده إيه؟ إنتي موافقة؟"
"ماما، أنس اعتذر مني الأيام اللي فاتت. ولما ملقاش فايدة، جه لبابا عشان يثبتلي إني غلط."
"ده ميتأمنش عليكي وإنتي معاه. نسيتي اللي حصل؟"
"كان سكران، صدقيني. هو مضايقنيش قبل كده وهو في طبيعته."
"إنتي لسه بتحبيه وعايزاه؟"
"إنتي معترضة عليه؟"
سكتت داليا. قربت منها يارا، وقالت:
"ماما، إنتي عارفة إني بحب أنس."
"وهو بيحبك؟"
افتكرت يارا أنس وهو يعترف لها بصدق. أومأت لها. قالت:
"لو مكنش مهتم بيا مكنش جه."
"تهد داليا، وقالت: "وياسين..؟"
استغربت. قالت:
"ياسين؟! ماله؟"
"مش هيتقبلوا."
"أنا مالي بيه."
"يعني إيه مالك؟ هو مش أخوكي؟ وأكيد هيحضر لك في خطوبة."
"واثقة ليه كده؟"
"أنا عارفة."
"تمام."
وقتها هيكون الوضع هدأ ونسي أصلاً.. ثم إن متكلمش مع فريدة في حاجة.
استغربت. قالت:
"فريدة؟"
"آه، باين إنها متعرفش بالخلاف اللي بينا أنا وأنس. تعرفي إنه على.."
نظر إليها.
"من نظري كنت بحسب.. رجع حكالها."
"إنتي تعرفي فريدة منين أصلاً؟"
"أم.. مقولتلكيش."
"لأ، مقولتليش."
"مش بقينا صحاب؟"
نظرت لها داليا بشدة. ابتسمت يارا. قالت:
"صدمة، مش كده؟ بس قولت أصلح مشاكلنا كشكر لياسين بس.. طلعت طيبة. ممكن أنا اللي كنت ظالماها."
فهي كانت لا تطيقها بسبب أنس لا غير. ولما كانت متخانقة معاه لم يعد هناك ما يزعجها منه. وبالفعل رأت أنها ظلمتها وأذيتها على لا شيء.
"يــارا."
قالت داليا ذلك. نظرت لها، وقالت:
"نعم."
"متتخانقيش معاها.. هي أصغر منك واعملي حساب لأخوكي."
"حاضر يا ماما."
"إنتي خايفة مني ليه؟ أنا بتاعت مشاكل أوي كده؟"
"عارفة إنك مش سهلة."
ابتسمت. قالت:
"متقلقيش."
***
كانت فريدة في أوضتها بتكلم مع تسنيم مكالمة فيديو. قالت فريدة:
"زهقانة."
قالت تسنيم:
"هو مش معاكي ولا إيه؟"
نظرت لها فريدة بشدة. قالت:
"قصدك مين؟"
"ياسين جابر، هيكون مين؟"
"لأ، مش معايا. في شغله."
"أم.. وإنتي زهقانة عشان قاعدة لوحدك؟"
"لأ، الوضع ده كله كل يوم.. بفكر أشترك في نادي."
"تعالي معايا.. ونشوف يارا، بس بتهيألي هي مشتركة في نادي أصلاً."
كانت تتسائل أن كان ياسين سيوافق. سمعوا رنين. نظروا. وقالت تسنيم:
"جت على السيرة.. افتحي، خليها تدخل معانا."
فتحت لتدخل يارا معهم عبر الفيديو. قالت تسنيم:
"هااااي يارا، لسه كنا بنتكلم عليكي."
"في إيه بالظبط؟"
"فريدة عايزة تواظب على نادي، بنفكر نروح سوا."
"أوك، تبقى فكرة حلوة."
"ممكن تسيبني المنكير ده وتركزّي معايا؟"
"في موضوع مهم هحكيه لكم بكره."
قالت فريدة:
"موضوع إيه؟"
"أنس."
قالت تسنيم:
"ماله.. كلمك تاني؟"
"لأ، بس كلم بابا.. وحالياً عارفين بعلاقتنا ببعض."
تفاجأوا كثيراً. قالت فريدة بابتسامة:
"كويس إنكم اتصلحتوا."
وتفاجأت يارا أنها مع ذلك تتمنى الخير لهما وفرحت لها. ابتسمت، وقالت:
"كويس، متعرفوش فرحت إزاي."
قالت تسنيم بمزاح:
"لأ، واضح! وإلا مكنتيش دخلتي الكول معانا."
"كنت عايزة أشارك حد فرحتي، ملقتش غيرك الصراحة."
ابتسمت فريدة بقلة حيلة من كلامها الدبش، بينما تسنيم طالعتها بشدة. قالت:
"صحابك كتير، روحي قوللهم."
"قال ملقتش غيركم."
"قال."
قالت يارا:
"أنا بكلم فريدة."
"بس إنتي جمعتي وأنا معاكو في المكالمة."
تنهدت فريدة منهم. جت الخادمة تخبرها عن العشاء. أومأت لها. قالت:
"أشوفكم بكرة."
قفلت معاهم ونزلت. ملقتش ياسين. استغربت. قالت:
"ياسين فين؟"
"لسه مجاش، بس ده معاد أكل. حضرتك."
"سكتت بضيق. قالت: "مش عايزة، هستناه لما يجي."
"بس.."
"مشيت وطلعت أوضتها."
فهي لم تعد تحتمل. لماذا لم يخبرها أن سيأخر، ويريدها أن تأكل بدونه؟ افتكرت يارا، فهي فرحت لها، لكن شعرت ببعض الخيبة. معقول ياسين حبه لها أقل من حب أنس ليارا؟
رجع ياسين. راح لغرفته. سأل أحد الخدم، وقال:
"فريدة نامت؟"
"معرفش، أروح أشوفها لحضرتك."
"لأ، خلاص."
مشي. أوقفته. وقالت:
"الآنسة فريدة مأكلتش."
بصله باستغراب. قال:
"مأكلتش ليه؟"
"معرفش، بس رفضت تاكل وإنت مش موجود."
"تمام."
كانت فريدة في أوضتها. طرق الباب ودخل ياسين. قال:
"فريدة."
نظرت له وأظهرت الضيق له. اقترب منها، وقال:
"مأكلتيش ليه؟"
"مش عايزة."
"يعني إيه مش عايزة؟ نسيتي إنك تعبانة."
"منستش."
"فريدة، أنا مبحبش الإهمال ده."
قال ذلك بضيق. نظرت له، وقالت بحزن:
"أنا مهملة يا ياسين.. إنت عارف إني مبحبش آكل لوحدي، عشان كده قلت أستنى."
تنهد. جلس أمامها، وقال:
"الدوا لازم يتأخد في وقته. عشان كده قلت لهم يحطوا لك الأكل.. اهتمي بنفسك أكتر من كده."
"أنا مهتمية، بس الظاهر إنك إنت اللي مبقتش مهتم."
نظر إليها من ما قالته. والضيق الذي داخلها تجاهه. قال:
"ليه بتقولي كده؟"
"ده اللي أنا حاساه يا ياسين. إنت مبقتش بتحبني."
"مش حقيقة، ومش هيحصل. أنا حبي ليكي بيزيد يوم عن التاني."
"بجد؟"
أومأ لها إيجابًا. قال:
"يلا عشان ننام."
مشي وتركها. نظرت له. فهي تشعر أنه يأخذها على قد عقلها. لو مكنش مهتم بها، مكنش عرف أنها مأكلتش.
***
في اليوم التالي، على السفرة. كان جالسين كأي يوم عادي. كانت فريدة تنظر إلى ياسين وتصدر صوت في طبقها. نظر لها، وكان يتجاهل تصرفاتها. لمن كان الضيق ظاهر على وجهها. استغرب، هل لا تزال متضايقة منه منذ البارحة؟
"فريدة، مالك؟"
"ماليش."
"متأكدة؟"
"آه."
استغربت منها، بس سكت. أضايقت أنه مسألهاش تاني. أنها لن تستطيع أن تؤثر على ذلك الشخص البارد. قامت وكانت ماشية. مسك ياسين إيدها وسحبها. فجلست على قدميه. انصدمت فريدة. نظرت له بشدة، وقالت:
"ياسين، بتعمل إيه؟"
"باين إنك مضايقة انهارده."
"اسأل نفسك."
استغرب. قال:
"مضايقة مني؟ في إيه بالظبط؟"
"لو كنت مهتم، كنت عرفت لوحدك."
كانت لسه هتقوم، لقيته مسكها من وسطها وقربها منه لتصبح مقابله. نظرت له ومن الوضع الذي أصبحت عليه، اتوترت. نظر ياسين إلى شفتيها. قرب إيده منها، قال:
"إيه ده؟"
لمس شفتيها بأصبعه. قال:
"إنتي حاطة حاجة على شفايفك؟"
نظرت له بشدة. فهل هذا ما كان يدقق النظر إليه؟ قالت:
"مرطب."
رفع أعينه إليها، ولا يعلم لماذا هي حزينة منه. نزل بإيده على عنقها. نظرت له فريدة. قرب منها. اتوترت. قالت وهي توقفه:
"ياسين."
نظر لها، وكانت خجلة كثيراً. لا تنظر إليه. قالت:
"اتأخرت."
تشعر بالحرج بأنها رفضته للتو. أليست هي التي كانت تسأله لماذا يبتعد عنها؟ وها هي التي تبعده. سابها. مشيت وسابته. ولا تعلم هل أخطأت أم لا. لكن لتعذبه قليلاً معها، ولا تجعله يأخذ ما يريد.
***
كانت تسنيم جالسة على الدرج، فاتحة تلفونها وبتقلب. بس وقفت فجأة لما لاقت أكاونت إيهاب جه قدامها. دخلت عليه وشافت صورته. فتحتها ونظرت إليها. افتكرت كلامهم، فابتسمت. فتحت الأسورة. بتاعة كان منزل صورة في مقهى وكتاب بحوزته.
"كتاب هليب فوهلر."
كانت تعرفه هذا الكتاب جيداً. قعدت تقلب في صوره. وبالغلط داست على اللايك. اتسعت عيناها.
"لأأأأ!"
نظر الجميع إليها من صوتها. اتكسفت. رجعت لتلفونها وشالت اللايك. قفلت تلفونها ومسكت رأسها وهي مضايقة من نفسها. فبطبع سيظهر إليه. جت فريدة. نظرت إليها، وقالت:
"تسنيم."
رفعت رأسها وهي تعود لطبيعتها. قالت:
"جيتي.. اتأخرتي ليه؟"
"الطريق."
"يــارا جت هي كمان."
نظروا لها. تقدمت منها وسلمت عليهم. قالت:
"لسه مدخلتوش المحاضرة؟"
"لسه، الساعة ١. جاية مبتسمة انهارده."
"أكيد."
قالت ذلك بثقة. بما كان يحزنها قد زال. نظرت يارا إلى فريدة التي كانت شاردة. قالت:
"مالك يا فريدة؟"
نظرت لهم. وهم ينظرون إليها. قالت:
"ماليش."
قال تسنيم:
"لأ، شكلك غريب من امبارح. حتى وإحنا بنتكلم مكنتش مبسوطة."
قالت يارا:
"ياسين ولا إيه؟"
تفاجأت فريدة كثيراً بمعرفتها. ابتسمت، وقالت بتكبر:
"تخميني صح.. ليا وجه نظر طبيعي يكون السبب."
قالت تسنيم:
"ليه يعني؟"
"مش بتحبه."
نظرت تسنيم إلى فريدة إلى اتكسفت. قالت يارا:
"الكسوف ده مش لصالحك. لازم تتجرأي أكتر من كده يا فريدة."
"إزاي؟"
"بيشوفوا الكسوف ضعف. خليها عادية، أو بمعنى صح.. مش عارفة أقولها."
قالت تسنيم بابتسامة سمجة:
"بجحة."
"أيوه."
"كلام جميل. متسمعيش كلامها، إنتي جميلة كده."
"برحتك، بس خديها نصيحة مني. الراجل يعجب بشخصية البنت القوية، مش اللي بتتكسف حتى منه."
نظرت لهم فريدة وهي لا تفهم أي شيء منهما. قالت:
"أنا شخصيتي مش ضعيفة."
"عارفة، بس بتتكسفي بزيادة. إذا كنا إحنا اتكسفتي لما قلت إنك بتحبيه."
قالت تسنيم:
"عادي، بتحصل."
قعدت فريدة وهي تضع يدها على وجهها بتافف. قالت يارا:
"هو الحب كده يا ينور أو يطفيك."
قالت تسنيم:
"وإنتي إيه بقى؟"
"لأ، أنا غير. ممكن أزعل، بس برجع تاني."
"آه، واضح من اليومين اللي فاتوا."
نظرت لها يارا بضيق. لم تهتم. نظرت لهم فريدة، وقالت:
"أعمل إيه؟"
قالت تسنيم:
"اتقلي.. النقل صنعة."
نظرت لها. افتكرت الصبح لما بعدت عنه. قالت:
"يعني أستمر؟"
قالت يارا:
"إنتي بتتقلي عليه بجد؟ عشان كده جاية إنه بعد عنك."
"يعني إيه؟"
"الكلام ده على حد تاني. بس ده جوزك.. التقل مش حلو لحالتك الميؤوسة. بالعكس، ممكن تخليه يبص وراكي."
وقالت تسنيم:
"دي حقيقة."
نظرت وأنها توافقها في كلامها.
"مش بعيد لو روحتيله في شغله تلاقي مع واحدة.. مش هو ليه تعامل مع عميلات؟ أكيد."
أومأت إيجابًا. قالت:
"طيب، وعايزة إنتي تبعدي عنه بدل ما تخليه مايشوفش غيرك. لو لقى واحدة بتدي كلام حلو، هيبصلها ويسيبك."
سكتت وحست بالخوف. معقول ياسين يميل لغيرها؟ مستحيل. قالت:
"ياسين مش كده."
"أنا عارفة إنه شخصية، بس أي كان بيفضل راجل وكلهم كدة."
افتكرت ميرال. فهي فاتنة وجميلة ومرحة. وهي تغار من صداقتهم وتقربها إليه.
"بس هو بيحبني أنا."
"عشان كده بقولك إنتي جميلة. وعرفي ده كويس عشان ما يشوفش واحدة غيرك وتبقى إنتي اللي ملياه."
"أعمل إيه؟"
"ادلعى عليه. اعملي أي حاجة يا فريدة تجذبه ليكي. أنا مش مصدقة إنك بتسأليني. آمال مراته إزاي؟"
"أصل أنا.."
"إنتي إيه؟"
كانت عايزة تقولها أنهم فقدوا عقد القران، لكن لم يتزوجوا. لا يعيشون حياة المتزوجين الذي تظنها هي. قالت تسنيم:
"إنتي بتقولي كده عشان يبقى أخوكي ويهمك طبعاً، فعايزة تروقي عليه."
قالت يارا:
"أنا بتكلم بصيغة عامة، وهي بتحبه. لو شايفة كلامي غلط، ماتعمليهوش."
قالت تسنيم:
"وإنتي معملتيش كده ليه؟"
"أما موقفي غير. بطلي غباء بقى. أنا وإنس مجرد مرتبطين."
نظرت لها تسنيم. قالت:
"أنا غبية."
تفافت بضيق. وقالت:
"سوري."
ساد لحظات من الصمت. جه أنس هو وأصحابه. نظر إلى يارا. قرب منها. نظرت له. ابتسمت. قالت:
"هاي.. اتأخرت انهارده."
نظر إلى تسنيم وفريدة. قالت بتساؤل:
"هتقفي هنا؟ مش هتيجي؟"
نظرت إليهم. قالت:
"نتقابل بعد المحاضرة."
أومأ لها. ذهبت مع أنس. حط دراعه على كتفها. قال:
"وشك منور انهارده، يا ترى أنا السبب؟"
مسكت إيده ونزلتها من عليها. قالت:
"على أساس إني مبنوروش غير بيك."
"يمكن."
ابتسم وذهبا سوياً. ابتسمت تسنيم. وقالت:
"اتفرجي. اللي كانت بتديكي درس في التقل.. سكتت. لم شافت فريدة غير مهتمة بتاتاً. تنهدت. وقالت: "يلا، زمان المحاضرة بدأت."
استغربت تسنيم، بس أومأت لها ومشيت معاها. فتحت التلفون. وكانت لسه على صفحة إيهاب. نظرت فريدة وشافت الصورة. قالت:
"ده إيهاب."
نظرت لها يارا. خبأت الهاتف. قالت بفضول:
"في إيه؟ وريني. أنا متأكدة إنه هو."
قالت تسنيم:
"الأكونت طلع في وشي صدفة."
أومأت لها بتفهم. خرجت تسنيم. نظرت إلى فريدة قليلاً. ثم قالت:
"فريدة."
"أم.."
"إيهاب عنده كام سنة؟"
"٢٤، وفيه واحد هيتم الخمسة."
قالت بمزاح:
"إنتي عارفة عيد ميلاده.. أنا ناسيه عيد ميلادي أنا شخصياً."
لم تعلق فريدة، فهي تعلم كل شيء عن إيهاب. فما كان بينهم لم يكن قليل.
***
كان ياسين في مكتبه. وكان أحد موظفينه معه. سمع صوت من برا.
"في إيه؟"
اتفتح الباب. نظر إلى فريدة التي دخلت. وكانت غاضبة. نظر إلى السكرتيرة. قال:
"اخرجوا."
أومأت له ومشيت. قفل ياسين الملف اللي معاه، وأمامه للموظف. قال:
"نكمل بعدين."
"اللي تشوفه حضرتك."
خرج. وتركهم. نظر ياسين إلى فريدة. قال:
"بدخلي كده ليه؟"
"ضايقتك؟"
استغرب من ردها. قعدت. وقالت:
"كنت داخلها ومنعتني. قالتلي إنك مشغول. وكانت بتكلمني ولا كأني عميلة ومعاد ومش معاد. أنا هاخد معاد معاك عشان أجلك."
"اهدّي يا فريدة. محصلش حاجة لكل ده."
كانت حاسة بالضيق حينما دخلت ورأت الفتيات وموظفينه. أن يارا محقة. كيف كانت تبتعد عنه ولم تغار عليه؟ بل هي الآن تغار كثيراً. قالت:
"باين عليا إني مضايقة."
"مشوفتيش دخلتي إزاي؟"
راحت لمكتبه. وقفت جنبه. قالت برقة:
"هي اللي عصبّتني. إنت عارف إنها مش كده."
نظر إليها من لهجتها التي تحولت. قال:
"مالك؟"
"ماليش."
"بتعملي إيه هنا؟"
"خلصت المحاضرة وقلت أجي أشوفك عشان وحشتني."
نظر لها بريبة من كلامها. قعدت على قدمه. ولمست وجهه. لينظر لها بشدة. واليدها. قال:
"فريدة، إنتي كويسة؟"
"أيوه، ليه يعني؟"
رفعت أعينها إليه. شعر بالضعف من نظرتها تلك. قالت:
"إنت مشغول؟"
"لأ."
"تمام. هقعد معاك بس متطردنيش زي المرة اللي فاتت."
افتكر ياسين آخر مرة كانت هنا وذهبت وهي حزينة منه. قال:
"خلاص، مش هفتكر حاجة فاتت. إنتي كنتي غريبة."
قرب منها. نظر لها وكأنها تحاول إثارته بحبها. استغرب كثيراً. أليست هذه في الصباح الذي كانت تبعده عنها؟ ماذا حدث الآن. انفتح الباب ودخل أنور وميرال. لكن توقفوا بصدمة من ما يروه. نظر فريدة ولسا هتقوم بسرعة. مسكها من وسطها وهو بيمنعها. نظرت له بشدة.
"واضح إني إحنا بنيجي في وقت مش مناسب."
كسفت ونظرت إلى ياسين الذي ينظر لها بثقة ومكر. فلقد رأى خجلها ثانيا بمجرد أن كان أحد سيراها. قالت ميرال:
"فريدة، إنتي هنا من امتى؟"
نظرت فريدة إليها. مسكت إيد ياسين وهي تبتسم وتقول:
"من شوية.. حبيت أجي أشوف ياسين."
نظرت فريدة إليه. وقالت:
"أتمنى أكون معطلتكمش عن شغلكم."
وكان ينظر إليها ولا يصدق. هل هذه فريدة حقاً؟ مسكت إيده جامد لكي يرد. قال:
"لأ."
نظر إلى أنور وميرال الذي كانوا مصدومين. قال:
"فيه حاجة؟"
قال أنور:
"كان فيه عقد عايزينك فيه.. نجيلك في وقت تاني."
أومأ له. مشي أنور. بص لميرال إلى لسا واقفة. قال:
"ميرال.. يلا."
مشيت معها. وتركو ياسين وفريدة خلفهم. قالت ميرال:
"أنا مش فاهمة حاجة. مش دي فريدة؟"
ابتسم أنور عليها. قال:
"هي، وده ياسين بردوا."
وعند ياسين وفريدة. كانت لسا باصة على الباب. وحاسة أنها انتصرت. أنها أثبتت ملكيتها على ياسين. فهي تغار من ميرال. لقت اللي بيشد عليها من وسطها وبيقرّبها منه.
"قوليلي بقى إيه اللي بيحصل؟"
"مفيش."
قرب من شفتاها. ولمسها. اتوترت. ونبض قلبها. رفع أعينها إليها. ورأى تورّد وجنتيها. قال:
"بس أنا شايف عكس كده. كنتي من الصبح بتبعديني. إيه اللي اتغير؟"
"إذا كانت مضايقة، فهو بسببك. كنت عايزك تهتم بيا زي الأول. وقلت لما أبعد ممكن ترجع تحبني."
"جاوبتك على كلامك ده امبارح. مفيش الكلام ده. حبي ليكي مقلش لو لحظة."
"أمال ليه مبقتيش تعقدي معايا. إنت بتعقد في الشغل أكتر من البيت."
تذكرت وهي تقول:
"حتى ميرال ليها حق تشوفك أكتر مني."
نظر لها وقال باستغراب:
"ميرال؟!"
لم ترد عليه. رأى الغيرة في عينيها. افتكرت كيف تدللت عليه أمامها. ولم تهتم لوجود أنور. كيف دخلت باندفاعة وهي مضايقة من السكرتيرة. قال:
"متزعليش."
نظرت له. وأنه يهدأ نار قلبها. فهو يدرك أن الأنثى لا تستطيع أن تتحمل غيرتها. لمس وجهها برفق.
"بتغيري؟"
رفع أعينه إليه. اخفضتهم بحرج. بأنه اكتشف ما بداخلها. قالت:
"مليش إني أغار عليك."
ابتسم. مسك وشها ورفعه لينظر إلى عينيها الجميلة. قال:
"محدش ليه حق غيرك."
نبض قلبها من كلامه. ليردف:
"إنتي جيتي حررتيني يا فريدة."
حط إيدها على قلبه. وقال:
"ده ابتدى ينضف.. بقيت قادر أتنفس تاني."
نظرت إلى ابتسامته المطمئنة، عكس ما كان في السابق. شخص جامخ تخاف منه. قالت:
"خليك كده على طول."
"خليكي معايا وأنا هبقى كده."
"وعدتك إني مش هسيبك. وأنا قد وعدي."
نظر لها قليلاً. ثم قرب من شفتاها. ارتبكت. نظر إلى يدها وهي تجمع قبضتها. وقف. قال:
"مش هتقوليلى جبتي الجرأة دي منين؟"
بصله بشدة من معرفته.
"جبتها منين إزاي؟"
ابتسم. وقال:
"أنا عارف إن الأفعال دي مش منك."
تضايقت من معرفته. قالت بخجل:
"يــارا."
"يــارا؟!"
اندهش حقاً. أومأت له. قالت:
"هي. بس قالتلي متتكسفش معاك عشان متحبش واحدة تانية، واندعي."
"وإنتي صدقتي إن إني ممكن أحب غيرك؟"
نفيت له بمعنى لا. تنهد. وقال:
"من امتى وانتوا ليكوا كلام مع بعض عشان تتصرفي زي ما بتقولك؟"
"بقيت صحبتي. وكانت بتنصحني مش أكتر."
" صحبتك؟!"
"أيوه. عندك اعتراض؟"
"كويس إن المشاكل بينكم اتحلت."
"أيوه. عرفت إن أنس راح اتقدمله."
نظر لها من ما قالته. أنس.. أليس هذا الشاب الذي رآه في الجامعة. وكان معها في البار يحاول التقرب منه؟
"يــارا حكتلي امبارح. بس مجرد ارتباط بينهم."
لم يهتم ياسين بما قالته. نظرت له. قالت:
"ومامتك بتسلم عليكي."
تبدلت ملامحه. وابتعد عنها. قال:
"متحاوليش تفتحي الموضوع ده يا فريدة."
نظرت له. حسيت إنها ضايقته. قالت:
"حاضر. أنا همشي عشان معطلكش أكتر من كده."
مسك إيدها. بيمنعها. نظرت له. قال:
"أي حاجة تحصل ما بينا، ماتقوليهاش لحد."
استغرب. هل يقصد محادثتها مع أصدقائها؟ قالت:
"أنا عارفة ده كويس. بس أنا مقلتش حاجة. إحنا كنا بنتكلم عادي."
"عارف. أنا بس بأكد عليكي. مش عايز حد يدخل بينا. عايزك تبقي بطبيعتك."
أومأت له. فابتسم. لأنها استمعت إليه. قربت منه سريعاً. وطبعت قبلة على خده. قالت:
"متتأخرش."
نظر إليها بشدة. بعدت عنه ومشيت. ابتسم. شعر قليلاً أنه يريد شكر يارا. الذي أحيت غيرتها. فهي لم تكن فريدة الذي يعرفها. بل كانت فتاة ماكرة. تعلم نقاط ضعفه وتغريه بها. فهي تعلم أنه أن ينظر لغيرها. لكنها تتعمد رؤية ضعفه لتثير الثقة في نفسها.
***
في المساء. كان إيهاب في العمل. رن تلفونه. وكانت والدته. رد عليها.
"ألو، يماما."
"خلصت شغل؟"
"لسه. كان فيه حاجة وماشي."
"كنت بزور قرايبنا هنا. قلت نروح سوا."
ابتسم. قال:
"تمام. أنا جايلك."
قفل معاها. وجلس. وراح قابلها. كانت واقفة عند الطريق. نظرت له. ابتسمت. قرب منها. قال:
"تعرفي، كنت وحشاني."
"أنا لو وحشاك مكنتش سألت."
"متزعليش. تعالي هعزمك على عشاء."
"لأ، تعالي نتعشى في البيت."
"إنتي غاوية تعب. تعالي هنا. هاكل من مطعم قريب. هنامسك إيدها."
ابتسمت. ونظرت له. وأنه بات يستعيد روحه ثانياً. راحوا المطعم. وأكلوا. كان شهاب ماسك التلفون. بص على الإشعارات. ليرى اسم أكاونت مميز. دخل. وكان هو اسم تسنيم. شاف اللايك اللي عمله.
***
كانت تسنيم قاعدة في أوضتها. سمعت صوت. نظرت. لقت رسالة. فتحت. وتفاجأت. لما لقتها من إيهاب. وأنه بعتلها رسالة فعلاً. فتحتها.
"لغيتي اللايك ليه؟"
شعرت بالحرج. قالت:
"عملته بالغلط."
قفلت وهي مضايقة من نفسها. لأنها حطت نفسها هنا. سمعت صوت. اتفاجأت. هل رد عليها؟ فتحت سريعاً. وكان هو:
"ودخلتي الصفحة بالغلط؟"
اتكسفت. وكأنه يفهم عقلية الفتيات. ابتسم إيهاب. نظرت له سلوى. وقالت:
"إنت بتكلم حد؟"
نفى. وقال:
"متشغليش بالك."
سمع صوت رسالة. كانت منها.
"كنت عايزة أسألك على حاجة. فكنت بشوفها مش أكتر."
"أم.."
"مش هتسألني حاجة؟ إيه؟"
"قولي."
"كنت منزل استوري ومعاك كتاب. كنت بدور عليه. فكنت عايزة أسألك جبت النسخة دي منين."
"عايزاه؟"
تفاجأت كثيراً. ابتسمت. وقالت:
"لأ، مش لدرجة دي. شكلك لسه بتقرأه."
"خلصته انهارده. تقدري تاخديه عادي. وترجعيه لما تخلصي."
"بجد.. تمام. أقدر أقابلك فين طيب؟"
"مش هعرف أقابلك. لإن حالياً بروح. هعدي من الطريق ناحية بيتك. عادي ولا هيحصلك مشاكل؟"
"بلاش يكون عند البيت عشان عيلتي. خليك في الشارع اللي قبله. وأنا هاجي."
"تمام."
قفلت معه. وهي شايفة طريقة كلامه وذوقه جميل. فهو لم يحرجها. بل سيعطيها الكتاب.
***
دخلت ميرال بعد أما فريدة مشيت. نظرت إلى ياسين. الذي كان ينظر إلى الزحام المطل على الخارج بشرود. قربت منه. وحطت فنجان. قالت:
"القهوة."
"شكراً."
نظرت له. قالت:
"بتفكر فيه؟"
نظر إليها. وأنها عرفت ما يدور في عقله.
"إنت مش ناوي تقولها على الحقيقة؟"
"معرفش."
تنهد. وقال:
"مش عايز الماضي بتاعي يطبق على حاضري. ملوش داعي اللي كنت مخبيه. اتكلم فيه دلوقتي. ده زمان وخلص."
صمتت. ونظرت له. فهي تقتنع بقراره. أياً كان هو. فهذه حياته فقط. ولكنها تنصحه لصداقتهم.
***
في السيارة. وقف إيهاب. فتح تلفونه عشان يكلم تسنيم ويسألها هي فين. نزل. ونظر إلى الشارع المجاور. كان ناحية بينها. فهو توقف هنا. كما قالت.
"إنتي مستنية حد؟"
نظر. وجدها ظهرت. كانت لابسة دريس ولافة وشاح على شعرها بشكل عشوائي. تقدمت منه. قالت:
"خليتك تستنى."
"لأ، لسه جاية."
نظرت سلوى إلى تسنيم. ابتسمت. وقالت:
"مين دي؟"
نظرت تسنيم إلى الصوت. وشافتها. نظرت إلى إيهاب باستغراب. قال:
"أمي."
ابتسمت. وقالت:
"إزيك يا طنط."
ابتسمت لها سلوى. وقالت:
"الحمدلله. مش تعرفيني يا إيهاب؟"
"تسنيم، تبقى صحبة فريدة."
نظرت لها. فهل هذه الفتاة في مثل عمر فريدة؟ إنها أطول منها ويافعة عنها. فريدة تبدو أصغر سناً. مد إيهاب يده. وقال:
"الكتاب."
أخذته منه. وقالت:
"شكراً. أنا مكسوفة لحظة منك كده. ممكن أدفع لك حقه؟"
"عيب، اللي إنتي بتقوليه."
اتكسفت. قالت:
"آسفة لو ضايقتك. مقولتليش جايبه منين؟"
"خدتها من الكاتب."
قالت بدهشة:
"الكاتب نفسه؟"
"بشتغل في الإعلام، فيا تعامل معاهم."
"واو. وبتقابل المشاهير وكده؟"
نظر إليها. ومن لهجتها تلك. كانت تنظر له بإعجاب. ابتسم. وقال:
"يعني."
نظرت له. من ابتسامته. أشار على كتاب. وقال:
"بتميلي للقراءة؟"
"شوية. بفضل كتب علم نفس الرياضة. كرهتني في المعادلات."
"ربنا معاكي. إنتي محجبة؟"
نظرت له. حط أيدها على رأسها. قالت:
"آه، قصدك على ده. عشان الهوا برد مش أكتر. أكيد لو محجبة مكنتش هخرج شعري كلها."
أومأ إيجابًا. قال:
"لايق عليكي."
نظرت له. حين قال ذلك. اتكسفت. ساد الصمت قليلاً. قالت:
"أنا لازم أمشي. أشوفك بعدين."
نظرت إليه. نظرت إلى سلوى. التي كانت قاعدة في العربية تنظر لهم الاثنان. قالت:
"باي طنط."
"باي يا حبيبتي."
ابتسم إيهاب على والدته. مشيت. نظرت إليه حتى اختفت.
"حلوة البنت، مش كده؟"
نظر إلى والدته. ركب. وقال:
"لطيفة."
"بس؟"
لم يبالي بتلميحات والدته.
***
رجع ياسين البيت. كان هادئاً. عكس ما توقع. مشي. بس وقف. لما شاف فريدة نازلة. نظر لها. كانت ترتدي شورت أسود وتظهر ساقيها. وبلوزة وردية بنصف كم. وكانت أول مرة ترتدي ملابس البيت. وإحدى البيجامات وهي موجودة في منزله. بل كانت ترتدي مثل ملابسها في الخارج.
"ياسين.. إنت جيت."
نظرت لها. راحت قعدت. ترفع الشورت. كانت فريدة مكسوفة. بس بتحاول متظهرش. نظر لها ياسين. قال:
"فريدة."
"أم."
"إنتي كويسة؟"
"آه، ليه يعني؟"
قعد. نظر إليها. قال:
"مش سقعانة؟"
ابتسمت. وقالت:
"لأ."
"أول مرة تلبسي كده."
"ممكن لإنها مبقتش متقيدة زي الأول."
نظرت له. قربت منه. وقالت:
"ده كان لبسي في البيت. مش ده بيتي كمان."
اتوتر ياسين. ونظر إلى شفتاها. قال:
"آه، بس أنا.."
"أنا مراتك. يعني أقعد كده براحتي. صح يا ياسين؟"
كانت تتحدث بدلع. وكانت تشعل غرائزه. وهي يراها هكذا. ومستغرب منها. هل لا تزال مثل الصباح؟ لكنه الآن أضعف. وكأنها عرفت نقطة ضعفه. ولم يعد يستطيع إخراجها. بعدما تجرأت هي. نظر إليها قليلاً. قرب منها. رجعت لورا. وكأنها تنازلت عن جرأتها. مهما فعلت، ستكون فريدة الطفولية. التي تخجل كثيراً داخلها. هذه حقيقتها.
"مش شايفة إنك لما تقعدي كده معايا غلط؟"
توترت. تصنعت القوة. قالت:
"غلط ليه؟"
قرب منها أكتر. قال:
"مش عشاني، عشانك إنتي."
نظرت له من اقترابه. لف ذراعها حولين رقبتها. قالت:
"بس أنا مش شايفة في حاجة غلط."
نظر لها ياسين. وبدأ يشعر بالضعف كثيراً. قال:
"فريدة."
"أم."
نظر إلى شفتاها. الذي لم يعد يستطيع أن يقاوم أكثر. سرعان ما أخذ شفتيها بقبلة. نظرت له فريدة. اتوترت. لكن استسلمت لقبلته. بعد ياسين. وبصله. وكان صدره يعلو ويهبط. وهو يطالعها. وأنفاسه ساخنة. رفعت فريدة أعينها إليه. وكانت وجنتها حمراء. لمس وشها. قال:
"الوضع مبقاش لصالحك. خايف أذيكي زي المرة اللي فاتت."
تذكرت ذلك اليوم. قالت:
"بس أنا بقيت كويسة."
"بيتهيألك."
وكأنه يحذرها منه. فهو قلق أيضاً. قربت منه. وقبلته بخفة من شفتاه. نظر لها بشدة. من ما فعلته. كانت مكسوفة. وكأنها تعطيه موافقتها.
وفي لحظة. شالها ياسين. نظرت له. نظر إليها. أخذها. وصعد إلى غرفته. التي كانت أقرب له. دخل. قفل الباب. اتوترت فريدة. حطها على السرير. وهو فوقها. ليميل عليها. قبل رقبتها الناعمة. وكان عطرها النافذ يتغلغل بين أنفاسه. قشعر بدنها. حين شعرت بلمسته. حضنتها. وهي بتخبي وشها. وقف ياسين. بعد. ونظر إليها. فترودرت وجنتها من نظرته. بعد شعرها عن وشها. وشعر بسخونتها. وكأنها ستنفجر من الخجل.
"مش دلوقتي."
نظرت له فريدة. من ما قاله. نظر إليها. وأردف:
"لما نتجوز."
"إحنا مش متجوزين؟"
"نتجوز قدام الناس كلها. زي أي اتنين. وأعملك فرح."
تفاجأت. وقالت ببهجة:
"فرح؟"
أومأ إليها. وقال:
"إنتي مش قليلة عن أي بنت. الظروف هي اللي جمعتنا ببعض. بس دلوقتي نقدر نتجوز من تاني بطريقتنا إحنا."
"ليه كل ده؟"
"عايز الناس كلها تعرف إنك مراتي. مش في السر. وقتها هبقى قادر أقربلك وأنا مش حاسس إني مقصر."
سكتت قليلاً. وكانت فرحانة من كلامها. وأنه بيفكر فيها. وبسعادتهن. قالت:
"امتى؟"
"مش دلوقتي. لما تكبري."
قالت باستغراب:
"كنت بحسب بتقول كده لإيهاب. بس."
"أنا كنت بقول كده عشان سواء مع إيهاب أو معايا. مش عايز أذيكي وأنا شايفك لسه صغيرة."
"متتقولش صغيرة."
ابتسم عليها. قرب منها. وقال:
"متعمليش حاجة إنتي مش قدها تاني."
أومأت بالطاعة. وقالت:
"وإنت.. متعملش تقيل. وإنت عارف إنك مش هتقاومني."
"باين عليا."
كان مبتسمان الاثنان. على كل منهم. نظر إليها. قال:
"بحبك."
نظرت له. خدها في حضنه بتملك. وقال:
"متبعديش."
ابتسمت. رفعت زراعيها. وبادلته العناق. قالت:
"وأنا كمان."
——————————————
بعد مرور ثلاث سنوات. عند الأوتيل. على الباب. كان سيارات مصطفة. كانت تقف بالخارج. نظرت في الساعة.
"عندك معاد؟"
نظرت إلى الصوت الذي بجانبها. وكان أنور. ابتسمت ميرال. وقالت:
"كويس إنك ظهرت.. أمال ياسين فين؟"
"سبته وجيت."
نظر إلى فستانها الأسود المناسب. قال:
"مش كنتي تحبيه أحمر.. كان هيبقى أجمد."
نظر إلى نفسها. وقالت:
"حبيت أطقم معاك. بالمناسبة البدلة حلوة عليك."
"آه، قولتيلي قبل كده."
ابتسمت عليه بقلة حيلة. نظرت إلى الساعة. وقالت:
"هروح أشوفها وأجي."
"مين؟"
"هتكون مين.. فريدة."
***
كانت واقفة في غرفة أمام مرآة. تنظر إلى نفسها. بفستانها الأبيض. الذي كان مناسب جمالها وجميل عليها للغاية. كانت امرأة بجانبها. وتضع لها مساحيق التجميل. رفعت يدها. وهي تزيح خصلة من على عينيها. نظرت إلى يدها. قالت:
"حلو أوي الأنسيال ده."
نظرت إلى يدها. ارتسمت ابتسامة على شفتاها. وقالت:
"شكراً.. هو اللي جابهولي. زي الفستان."
"ذوقه تحفة أوي.. حضرتك شبه العارضات."
"لأ، مش لدرجة دي."
انفتح الباب. دخلت فتاة. وكانت تسنيم. قالت:
"اتأخرت عليكي."
لفت. ونظرت إليها. وكانت تلك فريدة العروس. الذي يحضر لها الجميع لذلك اليوم.
"المفروض تكوني هنا من امبارح أصلاً. ياسين حجز لنا في الأوتيل عشان نجهز ومنتأخرش. بس إنتي مهنش عليكي تباتي معايا ليلة."
"إنتي عارفة بابا موافقش. وبعدين لسه بدري.. إنتي خلصتي ولا لسه؟"
"قربت."
لم تكن تصدق أن ذلك اليوم قد أتى. الذي سيكونون زوجان أمام الجميع. وقد أعلن عن ارتباطهم رسمياً. والجميع يعلم بعلاقتهم. لقد كبرت وازداد حبها له.
"أما يارا فين؟"
"أنا هنا."
نظروا إلى الصوت. ووجدوا يارا عند الباب. وكانت لابسة فستان وردي جميل. قربت منها. قالت:
"واو، تصميم الفستان حلو عليكي أوي."
ابتسمت. قالت تسنيم:
"طالما ابتسمت كده، اعرفي إن ياسين هو اللي مختاره. وإلا مش هتكون بالثقة دي."
قالت يارا:
"أكيد هو مش هيجيب أي حاجة.. وريني كده المصمم."
قالت فريدة:
"بعدين.. المهم هي فين؟"
فهمت ما تقصده. قالت:
"من غير ما تسألي."
نادت. وقالت:
"ماما."
أدخلت داليا. نظرت لها. قالت:
"إيه؟"
"كنتي فين؟"
"بتكلم على التلفون."
بصت على فريدة. ابتسمت. قربت منها. ونظر إلى شكلها. فكانت تبدو كالملائكة. قالت:
"ما شاء الله."
"عاملة إيه؟"
"بخير. يمكن ده أحلى يوم ليا إني هحضر فرح ابني."
لاحظت فريدة الامتنان في عينها. لتردف:
"شكراً إنك عزمتيني عشان أشوف اليوم ده."
"بتشكرينا على إيه؟ وجودك انهارده مهم ليا ولياسين."
قال اسمه بتأكيد عليها. ابتسمت لها. فكانت فريدة تحاول في تلك السنوات. الذي تعيش فيها معه. أن تقرب بين الأم وابنها. وهي بالفعل من عزمت داليا. لأنها تعلم أنه لن يتقدم لفعل ذلك. أنها لم تيأس. وتريد تحقيق وعدها أن تراهم معا. صفقت يارا. قالت:
"خلاص يا دراما.. يلا خلصي الميكب بتاعك عشان نلحق نروح السيشن."
"فصيلة."
طرق الباب. نظرت فريدة بترقب. ظهر ميرال بفستانها الأسود المناسب. ابتسمت. قالت:
"أنا بحسب لسه محدش جه. معرفش إنكم هنا."
نظرت إلى فريدة. وقالت:
"محتاجة حاجة؟ فضلك قد إيه؟"
"الميكب."
"عشر دقايق."
جت ميرال تمشي. أوقفها فريدة. قالت:
"ميرال.. ياسين فين؟"
"معرفش. المفروض يكون خلص ومستنيكي."
قالت داليا:
"بس أنا مشفتهوش برا. العربيات فاضية."
استغربت فريدة. قالت:
"بس هو قالي إنه خلص من بدري."
سكتوا. ومسكت فستانها. ومشيت. نظرو لها. قالت يارا:
"فريدة راحة فين؟"
"هشوفه وجاية."
"مينفعش كده. هتبوظي السيربرايز. لازم يتفاجأ."
"مش هتأاااااخر."
نظروا لها. وهي تذهب بتعجل. ابتسموا عليها. فالسعادتها لا تستطيع الانتظار. كانت مستعجلة. وتمسك فستانها. رجليها وجعتها من الكعب. وقفت. قلعته. ومشيت. وهي متلهفة. كانت تسرع. والسعادة تغمرها. حين يراها وتراه. وصلت الغرفة. الذي يحجزها له. كان الباب مفتوح قليلاً. ابتسمت. لسا هتفتحه عشان تدخل.
"إنت بتقول إيه؟"
سمعت صوته الغاضب. استغربت. رأته واقف. ويتحدث في الهاتف. ويقول بانفعال شديد.
"يعني إيه مراتي انتحرت؟ يعني إيه؟ هو أنا حاططها في مقلب زبالة؟"
اتسعت أعينها. وتصنمت مكانها لصدمتها.
رواية زهرة الاشواك الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نور
يعني إيه مراتى انتحرت؟ هو أنا حاططها في مقلب زبالة؟
جملته نزلت عليها كالصاعقة، تقسمها لنصفين. وشعرت بأن الدنيا توقفت لهذه اللحظة.
كان الغضب يمتلك ياسين وهو يتكلم. لف وانصدم برؤية فريدة واقفة عند الباب وتنظر له، له بأعين غائبة.
"فريدة"
"انت قلت إيه؟ مراتك؟"
لقد سمعته، لقد عرفت كل شيء. كانت عيناها تدمع والصدمة تمتلكها.
قرب منها وقال:
"فريدة"
"رد عليا.. مراتك مين.. دارين؟"
نظرت له واردفت بصدمة:
"هي كانت عايشة أصلاً؟ وانت.. انت متجوز؟"
"أهدى، هفهمك كل حاجة."
"تفهمني إيه؟"
وفى ثوانٍ، أتت ذاكرتها عبر السنين الفائتة حين كانت تعيش معه.
"عندي سفرية شغل لازم أروحها."
"هتتأخر؟"
"يومين وراجع، مش هطول."
"تمام، هستناك."
افتكرت نقاشهم لتقول بإستدراك وهى تنظر له بشدة:
"كنت معاه؟"
نظر إليها لتردف:
"كنت بتروح لها وتقولي إنك مسافر للشغل، وهي كانت شغلك؟ مش كده؟"
لم يكن يستطيع الرد ويشعر بالأسى الشديد، لكن لا يملك جواباً. لم يفعل لذلك اليوم حساباً، أنه يرى حلمه يخرب فوق رأسه. ما كان يخشاه قد حدث.
"كنت بتكدب عليا وتكلمني إنك وصلت وإنك معاها.. اتكلم."
"محصلش يا فريدة، أنا.."
ليجد دموعها تسيل لكسرتها لتصرخ به ببكاء:
"ليه.. ليه يا ياسين؟"
قرب منها ومسك وشها وهو يحاول تهدئتها.
"بس متعيطيش، أرجوكي."
بعدت أيده وقالت:
"ابعد عني، متلمسنيش. مش طيقاك ولا طايقة نفسي.. حتى كرهت إني حبيتك في يوم."
شعر بألم شديد من سماع تلك الجملة التي فتكت بقلبه.
"مسكت رأسها وقالت: "إزاي كنت غبية كده؟"
"فريدة اسمعيني."
"مكنتش عايزني، لأنها موجودة عندك اللي يسد حاجتك، وأنا.. أنا سد خانة ليها."
"بس ارحوكى.. والله ما قربت منها طول ما إنتي معايا. كنت مكدبتش عليكي والله. كنت ببقى في شغل وزرتها مرة واحدة مش أكتر."
"بطل كذب بقا. هتكدب عليا أكتر من كده؟ أنت كده.. سمعتني؟ كذاب وخاين."
"أنا كنت في حياتك زوجة تانية؟"
شعر بالحزن من كلامها التي تبصقه عليه، ولم يكن يتحدث لأنه يعلم حزنها منه.
"لما هي لسه عايشة ومعاك، بتتجوزني ليه؟"
"هي على ذمتي بس مش أكتر. ملمستهاش ولا خونتكم."
مسكها من كتفها وقال:
"أنا مش خاين يا فريدة، سمعتيني؟"
نظرت له يحنق وقالت:
"دارين على ذمتك؟ عيِّيِّه مثلاً؟"
"بس هي مش مراتي.. هي انتهت من زمان أوي. جزء من ماضي أنا مش عايز أفتحه."
"دارين اللي كنت بتحاول تنساها؟"
"كنت بحاول أنسى الكسر اللي جوايا منها."
تنهد، فهو لم يخبر بأحد عن ذلك، لكن ما باليد حيلة.
"خانَتني."
نظرت له بشدة مما قاله.
"خانَتِك؟"
كان سيكمل سرده لتتفهمه، لكنها وجدتها تبتسم وتقول:
"دارين.. خانتك؟ اللي كنت عايش بتتوهم باسمها وبتشرب بسببه؟"
تعجب منها كثيراً، ألا تصدقه؟ أنها تضحك على ألمه.
قالت بغضب:
"وأنا.. أنا خنتك أنا كمان عشان تعمل معايا كده؟"
"فريدة اسمعيني، أرحوكي كفاية.. هحكيلك كل حاجة والله.."
بعدت خطوة وقالت:
"أنا مش عايزة أسمع حاجة منك."
نظرت له وقالت والدموع تسيل من عيناها بحزن شديد:
"أقل حاجة تعملها إنك تخرجها معايا. كنت عايش بذنب أنت معملتوش وبتحاسب نفسك على غلطها. ودلوقتي هتعيش بذنبى أنا… أنا اللي حبيتك من قلبي يا ياسين. كنت عارف كل كبيرة وصغيرة عني.. كنت فاكر إني هخونك زيها عشان كده كنت بتدينى ف نصايح."
"لا يا فريدة، أنا.."
صمتت وهي تشعر بغصتها لتردف بصوت خالٍ من المشاعر:
"هي خانتك، بس أنا مستحقش منك ده."
ألقت عليه جملتها ومشيت وسابته، ودموعها تسيل على خديها مختلطة بمساحيق التجميل الذي ذاب وأظهر انكسار قلبها وشحوب وجهها.
تبعها ياسين ليوقفها.
"فريدة استني."
لم ترد عليه. شافتهم موجودين وينظرون إليهم بالتحديد، ومن شكلها وإلى ياسين الذي لحقها، ولا يفهمون شيئاً.
قالت تسنيم:
"فريدة انتي كويسة؟"
لم ترد على أحد وهي تكمل سيرها. نظرت كل من يارا وتسنيم لما يحدث. قرب ياسين من فريدة عشان ميسبهاش تمشي وهي كده، مسك أيدها بس هي أفلتتها بضيق وقالت بغضب:
"متفكرش تيجي ورايا، سمعتني؟"
نظر إليها بحزن من عيناها المتلئة بالدموع ويريد أن يربت عليها، تلك طفلته، حبيبته الذي تبكي أمامه بسببهم.
مشت بس وقفت. نظرت لتجد إيهاب أمامها برفقة والدته وعمها أشرف. فكانوا من المدعوين، كانوا للتو قد أتوا ورأوا ما يحدث.
تقدمت منه وهي تتخطى ياسين. الجميع نظروا إليها. راحت عند إيهاب وقفت عنده. نظر إليها من وجهها وبكائها.
"إيهاب… تتجوزني؟"
لينصدم الجميع من ما قالته فريدة. وشعر ياسين بأنه قد ارتكب خطأ منها. هل تعرض الزواج على رجل آخر وهي متزوجة به؟ نظرت تسنيم لها بشدة، ونظرت إلى إيهاب الذي وقف متصنمًا لا يصدق ما قالته. نظر إلى ياسين الذي كان ينظر إليهم.
قرب منها ومسك أيدها. نظر إليهم بشدة ليجده ينظر إلى فريدة ويقول:
"تعالى."
أخذها إيهاب ومشي. نظرت سلوى وأشرف إلى ابنهما بشدة، وكذلك ياسين. جمع قبضته وأعينه امتلأت بالغضب.
مشي بس وقف أنور في وجهه بيمنعه.
"أهدى، مش وقت عصبية دلوقتي."
نظر له، فهو في أوج غضبه، لكن إن فعل شيئاً سيجعلها تبغضه أكثر، وهو لا يريد ذلك.
قالت داليا:
"اللي حصل، البنت خارجة بتعيط من عندك ليه؟ بعد ما كانت فرحانة."
نظر لها وشعر ببعض الحزن، فهي بالفعل كانت سعيدة للغاية، وهو الآخر كان أسعد منها، لكن سعادتهم لم تكتمل. مشي ومردش عليها، متجاهلاً الأنظار التي تثقبه.
تبعته ميرال وأنور. دخلو شافو ياسين واقف ويفكر في فريدة.
قال أنور:
"اللي حصل يا ياسين؟"
سكتت قليلاً ثم قال بضيق:
"فريدة عرفت بدارين."
تفاجأوا كثيراً.
قال:
"عرفت منين؟"
"سمعتني وأنا بتكلم في التلفون مع المستشفى."
قالت ميرال:
"هما اتصلوا بيك تاني ليه؟ مش روحت إجازة اللي فات؟"
تساد لحظات من الصمت حتى قال:
"دارين انتحرت."
أنصدم أنور. وضعت ميرال يدها على فمها بصدمة تحتل وجهها لتدمع عينها وتقول بصوت مبحوح:
"دارين مين؟ اختي يا ياسين.. اختي ماتت."
كان ياسين لا يريد أن يعرفها، لكنها كانت ستعلم.
"كذابين."
نظروا إليها. قالت:
"مش صح. اتصل بيهم تاني واسألهم."
لم يعلق عليها حزن أنور من رؤية صدمتها.
"أنا هكلم بابا وأسأله."
رفعت هاتفها. منعها أنور. نظرت له. قال:
"أهدى يا ميرال. زمنهم فيهم اللي مكفيهم. الانتحار هناك مش بالساهل."
سكتت وسالت دمعة من عينها، وكأنه يفيقها على الواقع الأليم. فهي بالفعل كانت مريضة، مغيبة، لا تعلم أين هي ومن الذي حولها، وليس على المريض حرج. لتستوعب ما حدث بألم شديد وحسرة.
ربت أنور على كتفها. نظرت له ثم نظرت إلى ياسين وهو ينظر إلى الفراغ بشرود والحزن يملأ وجهه. لم يعلموا هل هو حزين على أي منهما، دارين أم فريدة.. أم الاثنان.
قال أنور:
"هتعمل إيه؟"
"هسافر."
"هشوف فريدة الأول.. مش همشي وأسيبها كده."
فهو لا يريد أن يترك للخلاف أن يتسع بينهم وأن تكون حزينة منه أكثر.
نظرت له ميرال وأنه يفكر فيها. قالت:
"لو موافقتش.."
نظر إليها لتردف:
"مشفتش قالت إيه لإيهاب؟"
"ضايقني من التذكر، بس قال بهدوء عكس اللي داخله: "مكنتش عارفة بتقول إيه. حبيت تضايقني وخلاص.. هرجعها يا النهارده أو بكرة."
كان قلبه يعطيه الثقة بها وبحبها، وستعود إليه.
"بعدين أقدر أسافر."
نظروا إليه. كان ياسين مدرك ما حدث لدارين ويشعر بالأسى عليها. ليتحدث داخل نفسه:
"ليه عملتي كده يا دارين.. ليه؟"
لم يكن يعلم هل هو حزين من الخبر، أم يشعر بالحزن من حبيبته التي تركته ورأى كسرتها، أم يشعر بالحزن على نفسه. كان في مثل تلك الليلة كانت ستكون معه ويمتلكها، كانت ستصبح زوجته، لكن كل شيء قد تطاير في نسمة هواء. لماذا اليوم.. لماذا حدث ذلك اليوم في يوم زفافه. لطالما تعذبت في حياتي بسببك يا دارين، حتى حين رحلتي لم تتركيني وخربت حياتي بأكملها. كأن لعنة حلت علي، لن تسمح لي بالراحة، وقد كتب لقلبي المشقة الدائمة.
***
في بيت أشرف، كانت فريدة جالسة وسلوى بجانبها.
قالت:
"أهدى يا فريدة، وفهمينا اللي حصل."
كانت لا تتحدث، فقط الحزن ظاهر عليها. كان إيهاب ينظر لها وغاضب وهو يراها هكذا.
قال:
"ما تقولي عملك إيه؟ هتفضلي ساكتة كده كتير؟"
نظرت إليه. تنهد. انحنى إليها.
قال:
"فريدة.. أنا معاكي، اتكلمي، متخافيش."
نظرت إلى إيهاب للحظة في عينه. سالت دمعة من عينها. نظر لها ولم يفهم. خفضت عيناها وقالت بصوت مبحوح:
"خاين."
نظروا إليها بشدة. تفاجأ أشرف كثيراً.
قال:
"قلتي إيه؟"
غضب إيهاب:
"دي آخرتها؟ بعد ما حبته خانته؟"
نظر والده إليه بحدة، فهذا ليس وقته. تنهد ونظر إلى فريدة.
قال:
"فهميني اللي حصل."
كانت ساكتة ومبتردش، فقط غارقة في خيبات قلبها والكحل الذي جف على خديها.
قالت:
"قلتلي قبل كده لو عايزت حاجة أطلبها منك، مش كده؟"
وما إيجاباً بتأكيد. لتردف:
"عايزة أطلق."
نظرت لها سلوى بشدة.
قالت:
"طلاق إيه يا فريدة؟ وياسين مش هيرضى."
صاحت وهي تقول بانكسار:
"أنا مش عايزة أسمع اسمه."
نظروا إليها لتردف والدموع تسيل:
"ياسين ياسين ياسين.. هاخد الإذن منه كمان في طلاقي."
استغرب كثيراً منها وتحولها ذلك. أليس هذا كان حبيبها الذي بمثابة والدها وزوجها وعائلته؟ كيف انقلب الوضع هكذا.
نظرت سلوى إلى أشرف الذي كان حائر. تنهد وقال:
"نتكلم بعدين، تكوني هديتي."
وقف ومشي. نظروا إليه. قالت سلوى:
"تعالي غيري الفستان ده الأول."
أخذتها وذهبوا. نظر إيهاب إلى فريدة وهي تغادر. راح لأشرف. شافه بيكلم حد.
قال:
"بابا بتكلم مين؟"
"ياسين."
نظر له بشدة.
قال:
"ليه؟"
"هقوله إنها عندي. وبالمرة ممكن يفهمني إيه اللي حصل. قلبهم كده."
"قالت خانها؟ تهم إيه؟"
"ياسين مش من النوع ده من الرجال."
"عاشت معاه فوق التلت سنين وهي بتقول ده بنفسها، جاي أنت تبرر له؟"
"أنا عارف بقول إيه، وليا نظرة في اللي قدامي."
"وبالنسبة ليها هي إيه؟"
"معرفش. ادينا هنسأل."
"مش محتاجين نسأل. بابا، فريدة هتقولنا، وهي واخدة قرارها من الأول."
نظر أشرف إلى ابنه. مشي أوقفه وقال:
"إيهاب."
وقف لما ناداه أبوه ليكمل:
"فريدة مكنتش عارفة هي بتقول إيه وهي هناك. اياك تفكر في كلامها إنه جد."
"ولو كان جد.. مفيش حاجة هتوقفني عن اللي هعمله."
نظر له بشدة. نظر إيهاب أمامه بلا مبالاة وذهب، ليشعر أشرف بالربكة من ابنه وما ممكن أن يحدث في وجود فريدة هنا وابنه معها، وهو الذي سعى لإبعادها، لكنها عادت، ويبدو أن الأمر سيطور أكثر عن ذي قبل.
***
في المنزل، رجع كل من يارا وداليا. تعجب محمود من رؤيتهم.
قال:
"محضرتوش الفرح ولا إيه؟"
قالت يارا:
"فرح إيه؟ ما خلاص."
"خلاص إيه؟"
جلست جنبه وقالت:
"مفيش فرح، اتلغى تقريباً."
"اتلغى إزاي؟"
جلست داليا بتنهيدة.
قالت:
"منعرفش. ممكن يكونوا اتخانقوا."
"خناقة تبوظ الفرح كله كده؟"
قالت يارا:
"عادي، بتحصل."
رن تلفونها. نظرت. ذهبت لترد.
قالت:
"الو يا أنس."
"انتي فين؟"
"في البيت."
"في البيت إزاي؟"
"أهو اللي حصل."
"مالك؟"
"ملل يعني، مش معقولة تكون جهزت نفسي بعد ده كله، وفي الآخر مخرجتش ولا اتصورت."
"هعدي عليكى كمان خمس دقايق."
قالت بدهشة:
"انت برا؟"
"مش سامعة صوت الطريق.. ابقي خرجيلي، ماشي؟"
"تمام."
قفلت معاه. راحت خدت شنطتها.
قالت:
"أنا خارجة، عايز حاجة يبابي؟"
قالت داليا:
"رايحة فين؟"
"أنس هيفوت عليا نخرج.. باي."
مشيت. نظروا إليها. قالت داليا:
"أنا مش عاجبني الخروج الكتير ده يا محمود."
"انت مش عاجبك أنس كله يا داليا.. من يوم ما جه هو وخليل وحاسس إنه مش داخل دماغك أو مجبرة توافقي عليه."
"عشان يارا مرديتش أضايقها، بس أنا يشوفه عيل."
"عيل؟ اتخرج من سنة وبيشتغل مع والده غير شغله الخاص."
"الأمر يرجع ليارا.. أنا عايزة بنتي تبقى مبسوطة مع البني آدم اللي تحبه ويقدرها."
"أنا أول واحد لو شفت فعل منه معجبنيش هلغى الموضوع من أصله.. دي بنتي الوحيدة، واللي هيتجوزها لازم يعرف هو واخد مين."
خرجت يارا ومكنش لسا جه. بصت في التلفون لقت سيارة تقف أمامها. اتخضت. نظرت له. وكان هو.
قال:
"اركبى."
فتحت الباب وهي بتركب:
"انت مش هتبطل الحركة بتاعتك دي.. كنت هدوسني."
ابتسم. نظر إليها وهي تجلس بجانبه من الأعلى للأسفل.
قال:
"إيه الجمدان ده؟"
نظرت له وإلى نظراته عليها. اتكسفت. ابتسمت وقالت:
"طب بص قدامك وامشي."
***
كان إيهاب جالس بيفكر في فريدة. رن تلفونه. نظر ليجدها تسنيم. ففي تلك السنوات نشأت صداقة بينه وبين. كان قليلاً ما يتحدثا، لكنها كانت رفيقة جيدة له، حيث شهد اهتمام منها. تعلق به. لو تعلق أنها الشيء الجيد الذي اكتسبها عن طريق فريدة.
كانت تسنيم في أوضتها وهي باصة التلفون. التوتر ممتلئ على وجهها. فتح إيهاب. ردت.
قالت:
"إيهاب."
"أي يا تسنيم."
"فريدة عاملة إيه؟ مبتردش على تليفوناتها."
تنهد وقال:
"ساكتة بس عايزة تعيط."
"وانت عرفت منين؟"
"عشان أنا عارف فريدة واللي جواها."
سكتت وهي تشعر في كلامها فيه من حب وضيق.
قالت:
"مالك؟"
"يعني مشوفتيش اللي حصل؟"
عرفت أنها محبة أنه يفكر فيها فقط.
قالت:
"كلنا مضايقين عشانها. إنشاء الله يرجعوا لبعض عادي."
صمت إيهاب. فهل بالفعل ستعود له؟
كملت تسنيم بتأكيد:
"ياما بيتخانقوا وياسين يصالحها."
"بس المرة دي غير."
"معاك حق. واضح إن الخناقة كبيرة. الفرح وكل حاجة اتلغت في لحظة.. بس هما بيحبوا بعض."
كانت ترمق لها حيث شعر بالضيق من مغزى كلامها عن حبهم.
قال:
"أكلمك بعدين."
"فريدة عندك؟"
"مع ماما.. ليه؟"
"ممكن أكلمها."
سكت قليلاً. فهل ستخبرها أن تعود إليه؟ تنهد وذهب. راح الأوضة اللي هي فيها، وكانت مفتوحة. نظر وجدها جالسة ووالدتها قريبة منها.
"أنا عارفة إنك زعلانة دلوقتي، بس أياً كان اللي حصل، يافريدة مش طول الوقت كده. طلاق يا بنتي."
"أنا مش هرجع تاني."
"ماشي، خدي موقف تتجنبيه لفترة، بس فكري تاني. الطلاق مش بالساهل ولا لعب عيال."
سكتت فريدة، لكن بكت. نظرت لها بتفاجؤ من بكائها.
قالت:
"فريدة مالك؟"
كانت تبكي بحزن شديد.
قالت:
"أول مرة أحس إني مكسورة كده."
كأن ما كان ياسين يسد فراغه قد ظهر، أنها لا شيء بدونه. حتى هما لا يسعهم مساعدتها فيها. تريده.
أضايق إيهاب. دخل.
قال:
"فريدة."
نظرت له سلوى. تقدم منها وجلس بجانبها.
قال:
"انتي مش لوحدك، أنا معاكي.. وأي حاجة انتي عايزاها هتحصل."
نظرت له مما يقوله وعيناها مدمعة. مسح دمعتها.
وقال:
"عايزة تطلقي.. هيحصل."
انصدمت سلوى.
قالت:
"انت بتقول إيه يا إيهاب؟ لازم ترجع لبيت جوزها."
"فريدة مش هتخرج من هنا يماما، ومش هترجعله."
"ملكش دعوة أنت.. ده بينهم وهما هيحلو بنفسهم."
"كان في الأول، معدتش دلوقتي."
نظرت له سلوى لتحده ينظر إلى فريدة التي كانت تخفض رأسها ولم تعلق على أي من كلامهم.
قالت سلوى:
"انت كنت جاي ليه؟"
افتقد إيهاب الذي كان حتى عشانه. افتقد أن تسنيم معه على المكالمة. بص، لكن وجدها قفلت المكالمة. تعجب.
قال:
"كان في تلفون عشان فريدة؟"
نظرت له. قالت:
"مين؟"
"تسنيم، بس قفلت. ممكن عشان طولت عليها."
شعرت بالخيبة، فقد ظنت أنه هو.
على الجانب الآخر، بعدما قفلت تسنيم المكالمة وامْتَزَجَ وجهها بمعالم الحزن.
قالت:
"معقول اللي بفكر فيه يحصل؟ لا فريدة متعملش كده."
تذكر في الصباح وهي تعرض نفسها للزواج من إيهاب.. إيهاب الذي أحبته هي طوال هذه السنوات. تعمل على التقرب منه وأصبحوا أصدقاء، لكنها كانت معجبة به واهتمامها به لم يكن سوى حب.
***
في السيارة، كانت يارا جالسة مع أنس وهي شارده.
قالت:
"فضيت وقتك الثمين ليا. كان بقالنا كتير مخرجناش."
مسك أيدها. وقال:
"معلش.. في الحالتين مبعجبش."
"آه."
رفع حاجبه باستغراب. ابتسمت.
قالت:
"كنت عارفة إنك اللي هتخليني أضحك. بما إن اليوم اتقلب نكد."
ابتسم وسار بأناملة على يدها.
قال:
"نكد وأنا معاكي."
نظرت له. بعدت أيدها وهي تضرب كفه.
وقالت:
"أنس."
"إيه."
تنهدت بقله حيلة، فهي تكلمه في شيء وهو ليس معها كعادته. قليل الاهتمام بأقل شيء من أمورها ولا يستمع إليها.
"مقولتيش مالك؟ كنتي مخنوقة الصبح."
"كويس إنك سألت."
"اللي أعرفه إنك كنتي في فرح أخوكي، يعني جاية مبسوطة."
"الفرح مكملش."
"يعني إيه؟"
"منعرفش.. افتكرت فريدة وهي تخرج باكية ودموعها تملأ وجهها، وما قالته لإيهاب الذي أذهل الجميع."
"كل حاجة اتغيرت فجأة ومنعرفش حصلهم إيه، والفرح اتلغى."
"ممكن حصل حاجة بينهم."
أردف ببساطة:
"اكتشفت إنه بيخونها مثلاً."
"إيه ال انت بتقوله ده؟ لا طبعاً."
"امال هيكون إيه اللي يحليهم يقرروا يلغوا الفرح بعد ده كله."
"معرفش، بس أكيد مش زي تفكيرك. ياسين مش كده، وهما بيحبوا بعض من زمان. فجأة كده هيخونها يوم فرحهم."
"والله يا روحي، أي راجل بيخون."
قالت بثقة:
"الراجل اللي بجد مبيخونش يا أنس… لأن في قلبه واحدة وبس."
"مم.. أنواع، حسب الواحدة اللي معاه."
قربت منه وقالت بابتسامة سمجة:
"انت بقا بتخون؟"
نظر إليها وقال:
"لو خنتك هتعملي إيه؟"
"هتعرف وقتها."
"متعرفيني دلوقتي."
"ليه بتخوني؟"
"مم.. جايز."
مسكته من ملابسه بقوة ليصبح قريب منها.
لتقول:
"أنا متخونش، سمعتني؟"
اتوترت من كلامها الجدي. مسك أيدها وبيبعدها. لتتركه.
قال:
"أهدى يا يارا، في إيه؟"
"عايز تعرف هعمل فيك إيه.. هشوهك انت وهيا."
توترت من كلامها الجدي. مسك أيدها وبيبعدها. لتتركه.
قال:
"أهدى يا يارا، أنا بهزر."
"بعرفك بس، لا تكون ناوي تهرب ومن خطوبتنا اللي بعد شهرين."
"هي بعد شهرين؟"
"كمان مش فاكر؟"
"ل..لا فاكر."
"طب يوم إيه؟"
سكتت. شعرت بالخيبة. سابته وبعدت عنه وهي تضم ذراعيها.
قالت:
"امشي."
"يارا.."
"عايزة أروح."
سكت ولم يجاملها. بص قدامه ومشي، ولم يفتح الأمر وكأنه تهرب كي لا ينكد عليه في يومه. فالصمت أفضل.
***
رجع ياسين البيت الذي كان مهتم بدونها. لم يتوقع أن يأتي يوم ولا تكون هنا معه. فلقد اعتاد وجودها.
طلع أوضته وفتح أزرار قميصه. قعد على الكنبة وهو يريح ظهره للخلف. رن تلفونه. خرجه ليجد المكالمة من والد دارين. تنهد وفتح ليرد عليه.
"ياسين.. عرفت الخبر."
"إيه؟"
"كلموني الصبح."
"كلموني بعدك ع كده، قولهم يدوني دارين. مش معقول آخد الإذن منك عشان أستلم بنتي.. مش هستنى لما تيجي لسا وأمشي في إجراءات جنازتها."
"محدش قال كده. هما بس ميعرفوش حضرتك.. هكلمهم حاضر."
"تمام، شكراً يا ياسين."
لسه هيقفل. قالت ديانا:
"ياسين.. انت كنت بتتكلم معاه؟"
"لا."
"هات أكلمه.. هات أسأله اتجوز وعايش حياته وبنتي انتحرت بسببه."
كان ياسين لا يزال معه على الهاتف.
"أهدى."
"اللعنة عليك يا ياسين.. اللعنة على معرفتك اللي دمرت ابنتي. كانت بتتحسن قبل معرفة زفافك من هذه الفتاة.. قمت أنت بإعلان زواجك لتقوم هي بقتل نفسها…"
قال بحده:
"ديانا."
بكت وقالت بحنق:
"انت سعيد الآن؟ اتقضي ليلتك مع زوجتك… اللعنة عليك وعلى حبها اللي دمرها.. انتم الرجال لا تستحقون ذلك."
ضمها وهي يربت عليها لتبكي بانهيار. كان ياسين يستمع لكل هذا وصامتاً، راسخاً كالجبال.
"ياسين.. اعتذر لك."
"لا بأس. أرسل لها أسفي."
"يصل."
أنهى مكالمته وترك هاتفه مع صدى كلماتها تتردد بإذنه.
"حبها.. قتلت نفسها لأنها تحبه حين علمت أنه سيتزوج.. ماتت بيوم زفافه. إذن، أم يكن هذا صدفة؟ كانت تعلم أن اليوم سيتزوج.. لم يكن حباً، بل كان أنانية.. لا أحد يعرف الحقيقة الذي يعرفها هو، فهو من تعمد ألا يخبر بها والديها، لذلك تركها على ذمته كي لا يكون محض أسئلة.
فبرغم أن والدها عاش في الخارج، لكنه عربي، رجل شرقي، متمسك بتقاليد. وإن كان عرف شيئاً كما عرفه هو، كان سيؤذيها، بل سيتبرأ منها، وليس كالآن.. لهذا صمت ياسين لأنه لم يريد أن ينفرها والدها هو الآخر فتسوء حالتها.
انتظر حتى تتعافى وتعود كما كانت، ويقطع هذا الرباط. يبقى معها لأنسانيته، برغم كسر قلبه الذي عاش يتألم بسببه، لكنه لم يفعل مثلها.. بعد ذلك يصبح السيء.. أنه السيء في رواية الجميع.
حط ذراعه على عينه وهو يتنهد، تنهيدة عميقة مليئة بالحزن، وكأنه يشعر بأشواك عالقة في قلبه.
"انتي فين؟"
كان يناديها راجياً. فلو كانت معه لما كان هكذا. سيشعر بدفء فقط في وجودها، وتربت على قلبه كما تفعل.. أنه يحتاجها في ذلك الوقت كثيراً، وهي من تخلت عنه.
خرج تذاكر من جيبه، وكانت تذاكر سفر.
"فريدة."
دخل وهو ينادي عليها. لقاها واقفة وبتبص في المراية.
قال:
"بتعملي إيه؟"
"ياسين، أنا تخنت."
تصلها باستغراب من سؤالها. ابتسم.
نظرت له. قالت:
"بتضحك على إيه؟ دي مشكلة كبيرة."
"ليه؟"
"كده الفستان مش هيجي عليا وهبقى شكلي وحش."
"زي ما انتي يا فريدة.. جميلة."
ابتسمت إليه.
قالت:
"أنا عارفة إنك بتقول كده عشان مأجلش الفرح."
"فرح إيه اللي يتأجل؟"
"فرحنا.. منا لو تخنت، هتستنى عقبال ما أخس ونعمله براحتنا."
"مين اللي قالك إني هلغيه؟ أنا كنت بعد الأيام عقبال ما يجي اليوم ده."
اتكسفت. لتلمع عيناها وتقول بسعادة:
"وأنا كمان.."
"مسكت أيده واردفت بمرح: "مش مصدقة إن بعد يومين فرحنا. أنا فرحانة أوي يا ياسين."
كان سعيدا وهو ينظر إليها، فهو سعيد أكثر منها.
قال:
"عايز أشوفك دايما فرحانة."
نظرت له بابتسامة رقيقة. ثم قالت:
"كنت عايز إيه صحيح؟"
"اه.. خرج تذاكر من يده. نظرت له. خدتها منه. قالت: "إيه ده؟"
نظرت لتجد تذاكر لرحلة جوية.
قالت بدهشة:
"باريس؟"
"كنتي عايزة تروحيها مش كده؟"
"أيوه أوي.. إحنا هنروح الـ هاني مول في باريس."
أومأ لها إيجاباً. لتعانقه وتقول بفرحة:
"شكراً."
بادلها العناق النقي. بعدت عنه ونظرت إلى التذاكر.
قالت:
"انت بدلعني أوي على فكرة."
"لو مش هعمل كده معاكي، هعمل مع مين؟"
قال بحده:
"ولا حد، أنا بس."
ابتسم بخفة. لتبادله الابتسامة وسط أجواء هادئة تعمها الفرحة والسعادة.
Bها هو الآن جالس في غرفته بمفرده، بعدما كان من المفترض أن يكون معها، تجمعها غرفة وسقف واحد كما تمنى، لكن لا شيء يحدث كما يريده. لطالما أمنياته تنقلب ضده. ويخشى أن تنقلب أمنيته في فريدة، فهذه لن يتحمل فيها خسارة أكثر.
أنه جالس يشعر بالوحدة ليوم واحد غابت عنه فيه.
"ياريتك بس سمعتيني."
قال هذا بترجّي وخيبة. كلما يتذكر كلماتها في الصباح وهي تنعته بالخائن والكاذب، حين يتذكر دموعها يشعر بالندم الشديد. الضيق من نفسه، لكنه لطالما كان مخلص لها.. لم يخنها بجسده أو بقلبه يوماً.. ليتك تفهمين ذلك يافريدة. أخشى أن تعاندي في كبريائك، فنجد أنفسنا لسنا سوى ذكرى عابرة بداخل الأخرى.. هذا من إحدى كوابيسي الذي أخشاه ولم أفعل له حساب.
تنهد واستلقى على الأريكة بأرق من اليوم، وكان يفكر فيها. لحين طلوع الصباح، سيكون عندها ليعيدها إليه.. لا شك أنها تنتظره.
***
كانت داليا جالسة وكل ما يشغل تفكيرها هو ياسين وحول ما حدث معه وفريدة.
"داليا."
نظرت لتجد محمود اقترب وجلس معها.
قال:
"لسه صاحية؟"
"تقدر تكلم لي حد من معارفك في كندا؟"
"كندا.. ليه يعني؟"
"عايزة أعرف حاجة مهمة.. حاسة إن اللي حصل انهارده مع ياسين وفريدة ليه علاقة بهناك."
بعد مرور يومين، في منزل أشرف، كان واقفاً ينتظره. جه ياسين. نظر له إيهاب. تجاهله ياسين واقترب من أشرف.
قال:
"فريدة فين؟"
"قولتلها إنك جاية، بس هي رافضة."
"أنا سببتها امبارح زي ما قولت، إنها مش هتعرف تتكلم."
قال إيهاب:
"إحنا هنكذب عليك ليه؟"
قال أشرف بحده:
"إيهاب."
كان ياسين متمالكاً نفسه.
قال أشرف إليه:
"فريدة موصلتش لقرار سليم. اعقدوا مع بعض واتفهموا بنفسك.. بس منصحكش دلوقتي."
تساءل هل زالت متضايقة منه ولا تريد رؤيته، وهو مشتاق إليها، أم أنهم يريدون أن يبعدوها عنه.
قال:
"ندهالي.. هشوفها وأمشي."
فكان قلق عليه ويريد أن يطمئن قلبه برؤيتها، فهو لم يراها بيومين بالكامل. نظر له أشرف. مشي بس جت فريدة.
وقالت:
"جاى ليه ياسين؟"
نظر إليها وهي تدير بوجهها الخالي من المشاعر، وكأنها كانت تعلم بوجوده وهي من تمتنع لمقابلته بالفعل.
"ممكن نتكلم لوحدنا."
"مفيش حاجة نتكلم فيها."
وكأنها مصممة إخراجه أمام الجميع.
قالت:
"هو عمي مقلكش؟"
استغرب ونظر إلى أشرف.
وقال:
"مقالش إيه؟"
"إني عايزة أطلق."
نظر لها بشدة، فهل لا تزال هذه الفكرة برأسها.
قال:
"تطلقي؟"
"آه."
ها هي كوابيسه تتحقق وترسمها أمامه بالابتعاد عنه.
قال:
"فريدة، انتي مش عارفة بتقولي إيه. ممكن تهدى؟"
"أنا عارفة كويس كلامي وبقولهولك دلوقتي إني مبقتش عايزة العلاقة دي تستمر أكتر من كده."
نظرت له واردفت:
"هي كانت غلط من الأول وهتفضل غلط."
سكت حين قال ذلك، وكأنها سلبت كل الكلام الذي يريد قوله.
قال:
"هاجيلك في وقت تاني تكوني هديتي."
كان حاسس أن نقاش سينتهي بشيء لم يرضيهما، لذلك قرر الذهاب.
لكنها قالت:
"وحتى لو جيت، ياسين، قراري مش هيتغير."
"إلى هو.. نطلق؟ شايفه إن ده قرار صح."
سكتت. تنهد وأردف:
"فريدة، أنا محتاجك جنبي."
"إيه؟ عايزني أخفف عن جروحك ولا أطبطب عليك عشان مراتك ماتت، اللي هي تبقى ضرتي؟"
أنصدم كل من أشرف وإيهاب مما سمعوه. كانت تنظر له بجمود عكس الحب الذي يشعر به، والرجاء.
قرب منها وقال:
"والله مبحبش غيرك. ممكن تهدى وتسمعيني."
"كنت فين لما كنت بسمعلك؟ جاي دلوقتي وعايزني أسمعك بعد ما اكتشفت كدبتك."
"أنا مبكدبتش عليكي في حاجة.. أنا اللي كنت أهمك، مش الماضي بتاعي."
"تهمني لو كنت أنت ياسين اللي رسمتهولي. عارف يعني إيه تحس إنك بتتغفل من البني آدم اللي حبيته؟ تعرف إنه متجوز، في غيره في حياته، ومراته الأولى اللي عارفة هو كان بيحبها قد إيه."
أردفت بحزن وحنق.
قالت:
"حبتها أكتر مني يا ياسين، مش كده؟"
صمت. ابتسمت وقالت:
"طبعاً مش هترد، بس أنا قلبي بيتحرق لمجرد التخيل إن كنت طرف تالت. كنت عايشة معاك ده كله، وكنت بتتغفل. كنت بتروحلها وأنا قاعدة أستناك ومعرفش إنك معاها. كل ده وانت بتقولي إنك بتحبني عشان أكتشف يوم فرحي إنك متجوز."
"أنا محبتش غيرك يا فريدة.. حقك عليا، متزعليش مني."
بعدت وهي تقول:
"كان الأول يا ياسين، بس مش دلوقتي."
"يعني إيه؟"
"مفكرتش ده نظرك لحاجة يا ياسين، إن ربنا بينبهني من اللي كنت هقع فيه."
"انتي مش فاهمة انتي بتقولي إيه."
"فاهمة وعارفة إن كنت غلط من الأول.. ولما نطلق، هاخد إنسان بيحبني وبحبه."
نظرت له مما قاله، ليقول ببرود:
"عايزة تتجوزي؟"
"آه. افتكرتني هعيش على ذكرياتك."
"مين اللي بيحبك وتقصديه بكلامك يا فريدة؟"
سكتت ومرديتش، وهي تنظر إليه وتعلم أنه إيهاب.
"أنا مش هطلق يا فريدة."
نظرت له بشدة من ما قاله. ليردف:
"همنعك من اللي بتحاولي تعمليه."
"مش هتقدر تمنعني يا ياسين. أنا معدتش العيلة اللي بتسمع كلامك على طول."
قال أشرف:
"فريدة.. ادخلي دلوقتي."
نظرت له وقالت:
"أنا اديتك قراري، ولو كنت خايف تقف معايا في طلاقي منه، فأنا مش بخاف."
نظر لها أشرف بشدة من ما قالته، فهي تعلن أن الكل يهاب ياسين.
قالت سلوى بضيق:
"فريدة، اعرفي إنك بتكلمي عمك اللي في مقام والدك."
"مقصتش حاجة، بس دي الحقيقة، وأنا عارفاها.. ياسين طلقني، أنا مش عايزة ألجأ للمحاكم."
نظر لها بشدة. قال:
"محاكم؟"
أدارت وجهها كي لا تنظر في عينه، وكان يعلم أنها لا تستطيع النظر كي لا يكشف حبها.
قال بغضب:
"ما تردي.. لو مش هطلقك، هترفعي قضية؟ فاكرة إن القضية ممكن تكسبيها ضدي؟"
نظرت له، فهل يهددها بفشلها وأنها لن تقدر عليه.
"غلطانة يا فريدة، هتبقي زي ما دخلتي، زي ما خرجتي. أنا محدش يجبرني على حاجة."
"هتخليني معاك ليه؟ هاا.. هتعيش مع واحدة مش عايزك. خلاص، حتى قعدتي معاك مبقتش عايزاه. هو بالعافية."
نظر لها الجميع بشدة، ولتدرك هي ما قالته. لم يجب قوله البتة. نظرت إلى ياسين. تقدم منها وتخطى أشرف الذي نظر إليه وقلق من ردة فعله.
وقف أمامها مباشرة، لينظر إليها نظرة طويلة لم تفهمها. رفع يده. نظرت له، لكن وجدته يمسك وجهها برفق تام. تعجبت من هدوئه، فهي ظنت أنه سيغضب عليها كثيراً من كلامها. قبّل رأسها بحسرة شديدة. تفاجأت من فعله، وكان الجميع ينظر إليه. ليبتعد قليلاً وينظر إليها بعينيه الخالية، ليفجر هذا الصمت بقنبلته الموقوتة ويقول:
"انتي طالق."
رواية زهرة الاشواك الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نور
قال ياسين:
– أنا مش هطلق يا فريدة.
قالت فريدة بغضب:
– هتخليني معاك ليه؟ افهم بقى، إحنا خلاص مش لبعض. هتعيش مع واحدة مش عاوزاك، هو بالعافية؟
نظرت إليها الجميع بشدة، لتدرك هي ما قالته.
لم يجب.
نظرت إلى ياسين. تقدم منها وتخطى أشرف، الذي نظر إليه وقلق من فعله.
وقف أمامها مباشرة لينظر إليها نظرة طويلة لم تفهمها. رفع يده. نظرت له، لكن وجدته يمسك وجهها برفق تام. تعجبت من هدوئه، فهي ظنت أنه سيغضب عليها كثيراً من كلامها. قبّل رأسها بحسرة شديدة.
تفاجأت من فعله، وكان الجميع ينظر إليه. ليبتعد قليلاً وينظر إليها بعينيه الخاليتين، ليفجر هذا الصمت بقنبلته الموقوتة ويقول:
– أنتِ طالق.
اتصلت الجملة في مسامعهم جميعاً. نظرت فريدة له بشدة. ابتعد عنها كأنه كان يودعها، ليلتفت وهو يذهب.
صاحت فريدة وهي تقول:
– بكرهك يا ياسين.
توقف ليتردف بصوت أجش:
– ندمانة إني عرفتك.
شعر بالحزن لتسيل دمعة صامتة من شدة قهره. نظر أمامه وذهب دون أن ينطق بكلمة أخرى أو يلتفت وينظر إليها حتى.
نظرت له بعدما ذهب، وكان الغضب يمتلكها. ذهبت بضيق شديد لتختفي عن ناظري الجميع. دمعت عينها بحزن وغضب وضيق، كانت مشاعر مختلطة تأجج في غضبتها.
دخلت الغرفة لتسيل دموع من عينها. ارتتمت على السرير وهي تبكي بحزن شديد، ولا تزال الجملة تتردد بأذنها:
– بكرهك يا ياسين.. بكرهك.
لقد طلقها. انتهى الأمر إلى هنا. بعد حبهما، كل ذلك قد انتهى في لحظة.
كان إيهاب عينه معلقة على غرفة فريدة. تنهد أشرف وجلس بضيق من ما حدث. ذهب إيهاب. نظرت له سلوى.
قالت:
– إيهاب.
توقف ونظر لها.
قالت:
– رايح فين؟
– هشوف فريدة.
– يفضل تسيبها دلوقتي.
سكت، لكن كان مضايقاً من اللي حصل، وهل ممكن أن تكون حزينة على طلاقها. لم يستمع إلى والدته وراح يشوفها. طرق الباب، دخل. شافها قاعدة وكانت تمسح وجهها.
– فريدة.
لفت نظر إليها. لم تكن تظهر دمعة واحدة، لكن عيناها يبدو عليها الدمع.
– انتي كويسة؟
ردت بلا مبالاة:
– أفضل.
تعجب كثيراً لتردف:
– فكرت في اللي قلتهولك.
لم يفهم. لكن نظرت له وعرف ما ترمق إليه.
***
رجع ياسين إلى بيته والحزن يملأ وجهه. مشى.
قالت الخادمة:
– ياسين بيه، نحط الغدا؟
– لا… مش عايز حد يدخل عليّ.
نظر إليه فهو يتوجه لغرفة فريدة. دخل وأقفل الباب عليه. تعجب. وكان واقفاً في غرفتها يخطو بقدميه. لا تزال رائحتها تملأ الغرفة، رائحة العطر الزهوري الذي يفوح منها.
سمع صوت صراخ داخل رأسه لمشهد لها وهي تركض إليه وتمسك على ظهره:
"ياسين.. ف.. فـاار.. ورا الستارة."
حين اكتشف أنه لم يكن سوى طائر صغير قد علق.
"اهدّي، ده هو اللي خايف منك."
لتخفض عيناها بحرج من نفسها ولم تنطق. ليبتسم عليها. رفعت أعينها ونظرت إلى ابتسامته، فبادلته البسمة الرقيقة الذي كان يعشق رؤيتها.
شعر ياسين بغصة قوية في حلقه من التذكر وحرقة في عينه تهلك أوتار بصره:
"تعرف إني بحس إن بابا لسه موجود وأنت معايا."
"لما بتقولي كده بحس إني كبير في مقام والدك."
"في حنانه مش في السن. اهتمامك بيا وإنك بتحاول ترضيني، ده كفيل يحسسني بالأمان اللي كنت حاسة بيه في وجود بابا. كنت مدلعة زيادة، حتى صحابي كانوا بيضايقوا من تصرفاتي شوية، بس ده كان بسبب دلع بابا."
"خدت بالي."
"كنت مدلعة؟"
أومأ وهو يقول:
"شوية."
نظرت له وقالت وهي تحسن الأمر:
"وانت كمان هدلعني زيه كده، واهتمامك ميقلش بعد الجواز زي بقية الرجالة… وإلا؟"
رفع حاجبه باستنكار:
"إلا إيه؟"
قالت ببساطة:
"هرفض طلبك مني للجواز."
"ده على أساس إننا مش متجوزين."
"امم.. لا، مفيش حاجة تثبت ده."
اقترب منها وقال:
"بس أنا أقدر أثبتلك."
نظرت له بشدة من مغزى كلامه الجريء، لتحمر وجنتاها بخجل شديد وتضم شفتيها وتقول بضيق وحرج:
"مكنتش أعرف إنك قليل الأدب."
رد عليها بهدوء:
"هتتأكدي بعد الجواز."
صاحت وهي تنكزه:
"ياااااسين."
ابتسم عليها. فكان يجب رؤيتها خجله وجهها محمر ولا تستطيع النظر إليه. يحب رؤية حيائها كثيراً ومضايقتها ليرى أنه لم يحب سوى طفلة.
لحد اليوم، أنه تأكد أنه أحب طفلة غير مسؤولة لا تدري أي شيء عن ماهية العلاقة وقوتها، فلـقد أنهت حبهم في لحظة غضب دون أن تعطيه فرصة لتستمتع له، وهو الذي أفنى سنين بجانبها يستمع إليها فقط.
"أنا عايزة أطلق.. مش عاوزاك. هتخليني أعيش معاك بالعافية، هو إجبار. متفهم بقى، انتهينا."
جمع قبضته بضيق شديد وهو يتذكر كلامها. لقد تحكم في غضبه، لكنه متضايق منها كثيراً. لقد مست رجولته وتحمل لأنها متضايقة منه، لكن لم يستطع أن يرفض ما تقوله وأن يجعلها على عاتقه وهي لا تريده، فهذا كان سيقلل من نفسه ليس إلا. لهذا، أنها كل شيء كما تريد هي.
"أنتِ اللي نهيتـينا يا فريدة.. دمعت عينه ليخفض رأسه ويقول بصوت مبحوح وقهر:
"الشخص الوحيد اللي قدر يفهم معنى اللي جوايا هو والدك، وهو بنفسه اللي نصحني متكلمش."
"كل ده حصل معاك هنا؟"
نظر إليه يعقوب الذي قالها وهو يجلس بجانب ياسين، الذي لا يزال لديه ضمادة ملتفة حول رأسه إثر الحادث:
"انت الوحيد اللي قدرت أتكلم معاه وأحكيله.. ممكن لأني لأول مرة أحس نفسي تايه أوي وحاسس بنار هتدمرها وهتدمرني معاها."
نظر إلى يده وقال:
"حاسس بالعجز."
"واول ما سمحولك تخرج جيت ع مصر.. زي عادتك ملجأك الهروب من أي مشكلة بتحصلك."
"بس دي مشكلة.. دي خيانة. لو كنت مشيت خوفاً عليها، أنا مش عايز أعمل حاجة أندم عليها وأحس بالذنب."
"الذنب الحقيقي هو نفسك يا ياسين، اللي هي فيه بسببك. انت ذنبها."
سكت. نظر يعقوب إليه ومن حالته، الذي لأول مرة يرى ياسين فيها شخص تمتلئ عينه بالغضب ونيران قلبه الذي يريد الانتقام، وبين شخص قليل الحيلة يشعر بما تعانيه ويشفق عليها، ولا يريد أن يؤذيها أكثر مما تعرضت له. كان يعقوب يعلم ما يحول في بال ياسين. ابتسم بهدوء قال:
"انت مش عايز تؤذيها، مش كده؟"
نظر له من ما قاله:
"لحد الآن لا. ممكن لأن جوايا حاجات كتير مانعاني، أولهم إني عايزها ترجع عشان أعرف كل حاجة."
"تفتكر لو عرفت ده هيكون في صالحك؟ انت بين شخص بيقولك إنها ما خانتكش، وده لأنك حبيتها، وشخص بيقولك إنك اتخنت والغضب عاميك، وده ياسين اللي أنت بتحاول تمنعه."
سكت. رأسه من كثرة التفكير الذي كان خطأ عليه قال:
"كل حاجة ضدي، مبقتش عارف أعمل إيه.. ممكن العيب مني."
"لو هتتحمل أغلاط غيرك يبقى هتتعب في الدنيا دي كتير. الشخص الناقص ده بيبقى من عنده، مش عيب في غيره خلاه يعمل كده."
شعر ياسين بالحزن. فلماذا إذا؟ لماذا تخونه وهو كان يعطيها كل شيء؟
– طلقتها.
– لسا.. الطلاق هناك بيقول هيسألوا عن سبب الانفصال وأهلها.
– مش عايز تذكر السبب.
سكت ياسين، فهو لا يريد أن يبعدها عن والدها أيضاً أو ينفرها منه. مد يعقوب يده بزجاجة مياه لياخذها منه:
– متقولش لحد.
نظر له ياسين من ما قاله:
– كفاية اللي حصلها.. في النهاية ربنا مبيسبش حق حد.. وأديك شايف خسارة النفس بتهلك البنآدم.. ومتفتحش الموضوع مع أي حد كان، سواء كان حاضر أو ماضي، فهو انتهى وركز في حياتك الجاية. الدنيا موقفتش.
كان يحفزه ويديه داعم قال:
– انت شايف كده؟
– مش ده نفس تفكيرك.
وكأنه كان يعلم أن هذا كلام ياسين أيضاً، فقاله تأكيداً له أنه صحيح ولم يخطأ. ربت على كتفه الهزيل إثر التعب البادي عليه.
كان يعقوب لم يكن سوى تحريك ذهني لياسين، الذي سار على منهجه، فكان قريب لمكانة والده.. وهو بنفسه الذي أخبره أن الماضي لن يفعل شيئاً سوى تدمير حاضره، لذلك فلا داعي من فتحه.
بالفعل ياسين التزم صمته المهيمن طوال سنواته الذي كان يصارع داخله، لكن لم يأتِ يوم ويبوح لأحد عن شيء، وفضل الصمت لمن لم يعلم أن هذا سيأتي بخراب لحياته أيضاً. وكأن في الحالتين مقدر له أن لا تكون حياته مستقرة يوماً.
"انت كده وغبي وخاين.. مش أنت ياسين اللي رسمتهولي.. كنت بتستغفلني وبتروحلها وتقولي شغل.. عايزني أداوي جرحك من مراتك الأولى اللي هي تبقى ضرتي.. مش أنا ياسين، أنا معدتش عاوزاك وكفاية لحد هنا.. علاقتنا كانت غلط من الأول."
سالت دمعة من عينه من تذكر كل كلامها، كأنها انتهزت فرصة لتتركه كالذي يبحث لحجة لشخص ولم يجد، فرأى كثرة حبه خطأ ليتركه.
– حبك كان ضعيف أوي كده.
"بكرهك يا ياسين.. سمعتني بكرهك.. وندمانة إني عرفتك."
لتخور قواه عند تذكر ما قالته له. أنها الآن نادمة عليه. لماذا؟ ماذا فعل حتى تنهيه هكذا؟ لم يكن يريد غيرها، وكانت تعلم وتثق بحبه الشديد لها، لذلك أرادت إخضاعه. استغلت حبه وأنه لحد الآن غير حزين منها. لماذا استغلـيتِ ضعفي؟ تثقين بحبي وأنني لن أتخلى عنكِ فتخليتِ أنتِ؟ فقط كنت أسعى للبقاء معكِ. ما لي لا أرى سوى نفسي غارقاً في خيبات قلبي وذكريات تركتيها لي أنتِ.
***
في اليوم التالي على السفرة، كانت تجلس سلوى مع أشرف على الغداء.
جاء إيهاب وجلس قال:
– فين فريدة؟
نظروا إليه. قالت سلوى:
– دخلت عليها لقيتها نايمة، محبتش أصحّيها.
قال أشرف:
– بس دي ما أكلتش من امبارح.. كده يحصلها حاجة.
قالت سلوى:
– أول ما تصحى هبعتلها الأكل.. كانت سهرانه امبارح ومنمتش.
أومأ بتفهم. قالت سلوى:
– ياسين مكلمنيش.
نظر له إيهاب من ذكر اسمه. قال أشرف:
– هيكلمني إيه هو مش خلاص؟
– يعني إيه مش هتعمل حاجة؟
– هعمل إيه يا سلوى.. هي مش كانت عايزة تطلق؟ أهو طلقها من غير ما أنا أكلمه حتى.
– ممكن لحظة غضب ويرجعها.
قال إيهاب:
– فريدة مش لعبة عشان يطلقها وقت ما هو عايز ويرجعها تاني.. ليه معندهاش كرامة؟
نظر له والده من كلامه. قال:
– وانت عايز إيه يا إيهاب؟ تتجوزها مثلاً؟
– اه.
نظروا إليه بشدة. قال:
– انت بتقول إيه؟
– إيه؟ قلت حاجة غلط. أنا بحب فريدة من زمان وعايزها، وهو اللي خدها مني.
– محدش خدها، هي اللي حبته.
– ودلوقتي حبهم خلص ومعدش فيه ياسين.
– وهي بقى عاوزاك زي ما أنت عايزها؟
– فريدة هي اللي قايلالي وأنا موافق.
نظرت له سلوى بشدة. قالت:
– قالتلك إيه؟
قال أشرف:
– امتى؟
قال إيهاب:
– امبارح.
– لسه بتحبه؟ فاكر هتنساه بالسهولة دي؟ انت اللي هتتأذى مش هي. بتستخدمك عشان فاكرة. تفتكر قالتلك كده يومها ليه؟ لأنه كان موجود.
– وامبارح مكنش موجود.. فريدة ليا ومش هتكون لغيري وأنا عارف إرجعها إزاي.
نظر له أشرف من إصرار ابنه وما يحول في عقله.
قالت سلوى:
– أنا مش موافقة على جوازك منها.. هي نفس البنت اللي اتخلت عنك يا إيهاب. أنا مش عايزك تنكسر تاني.
– وأنا كنت نسيت الأولاني.. أنا لحد النهارده بحبها ومش فارق معايا حاجة غير إنها تبقى معايا.
– بس اديك استقريت؟ هترجع لهم ده تاني؟ مش كنا خلصنا؟
– أنا قلت اللي عندي. لو عايزين تقفوا لابنك في جوازه بجد.
وكأنه بضعة أظافر أمام الأمر. قالت سلوى:
– ما تتكلم يا أشرف.
كان صامتاً. نظر له إيهاب، وهل ممكن أن يمنعه؟ قال:
– بابا بعد إذنك.
– انت حر.
نظرت له سلوى بشدة. ليردف:
– بس أنت اللي هتتحمل نتيجة اختيارك.
أومأ له بتفهم ومشى. وكأنه غير مبالٍ. قالت سلوى:
– انت هتسيبه يتجوزها؟
– مش شايفه ابنك؟ فكراك لو اعترضت مش هيعمل اللي في دماغه؟ انتي عارفاه. لو كان عندي اعتراض على جوازهم، فهي على الطريقة والنتيجة بعدين، بس فريدة مفيهاش حاجة تعيبها. دي بنت أخويا.
– بس عيلة، واللي حصل أثبت إن تفكيرها متسرع لما خلت ياسين يطلقها. مش بعيد تكون بتستغل ابني عشان هو.
– سيبها على ربنا يا سلوى.
صمتت بقله حيلة وكانت قلقة.
***
كانت داليا تتكلم في التليفون:
– ماتت؟!!
قالت ذلك بصدمة:
– انت متأكد من اللي بتقوله؟ روحت وتأكدت من المستشفى.. تمام.
قفلت الهاتف وهي في دهشة. قالت:
– دارين ماتت.
تذكرت ياسين وفريدة وما حدث بينهم. معقول لهذا السبب إذا كان زواجهم قد فشل بسبب ذلك الخبر؟
– هي فريدة مكنتش تعرف إنه متجوز؟!!!
كانت عايزة تكلم ياسين وزعلانة عليه، فبطبع فيه هموم الدنيا الآن. لكن تعلم أنه لن يرحب بوجودها وسيـراها تتطفل عليه. لكنها حزينة عليه بالفعل وحزينة على فريدة. أنهما الاثنان قد تأخذهما الحياة لمجرى الغرباء.
– أستاذة داليا.
كانت مساعدتها تقاطع شرودها:
– نعم.
– مستنين حضرتك عشان يبدأوا البرنامج.
أومأت لها وذهبت معها.
***
الشركة. دخل ياسين متوجهاً لمكتبه. نظر له موظفوه، فهو كان سيأتي بعد شهر على الأقل. نظر إليهم قال بحده:
– كل واحد على شغله.
التفت جميعهم بخوف. رآه ميرال وأنور. تفاجأ. فليس من عادة ياسين أن يغضب في الصباح هكذا.
قال أنور:
– ياسين ماله؟
قالت ميرال:
– مش عارفة. هروح أشوفه. شكله ميطمنش.
مشيت. نظر لها أنور. دخلت ميرال لمكتب ياسين، وكان يقلب في ملف ويقول:
– الملف ده مترجعش لي لحد دلوقتي.
حطه على جنب بضيق. نظرت له وإلى انفعالاته قالت:
– هرجعه بنفسي.
قربت ونظرت إليه وملامحه قالت:
– ياسين… ماله؟
نظر إليها من سؤالها ونظراتها إليه المليئة باهتمام. امتثل البرود وقال:
– مفيش.
قربت منه وبصتله قالت:
– فيه. نظر إليها لتردف:
– أول مرة أشوفك مضايق كده.
لم يرد عليها. قالت باستدراك:
– فريدة مش كده؟ روحت لها ولا لسه؟
وحين تذكر ياسين البارحة، خارت قواه.
– ياسين.. اتصالحـتو؟ فهمت الحقيقة ولا لسه؟
– طلقتها.
اتسعت عيناها بصدمة ورأت حزنه الظاهر في عينه. لأول مرة لا يستطيع ياسين كبحه.
– مدتنيش فرصة أفهمها.
شعر بغصة في حلقه. وكانت ميرال لا تصدق ما تسمعه. ألم يعد هناك فريدة بعد الآن؟ هل طلقها؟ نظرت إليه وشعرت بالحزن عليه. قالت:
– زعلان؟
مسكت يده واردفت:
– ده قدر ومحدش عارف إيه اللي مستخبى.
– أنا اللي وصلنا لهنا.
– كان مفروض تسمعك. هي اتسرعت لما حكمت عليك.
نظر لها وهي تمسك بيده وتحاول تهدئته قال:
– مسافرتيش ليه؟
– مش هاين عليا أسيبك لوحدك.
صمت قليلاً من ما قالته واهتمامها به الذي لطالما كانت هكذا، تفضله من بين الجميع وتقف بجانبه مثلما كان في المشفى. وفتح عينه وجدها هي الباقية بجانبه.
– شكراً يا ميرال.
وكأنه ممتن لها على كل ما فعلته معه. ابتسمت له قالت:
– ع إيه.
كان أنور واقفاً عند الباب ومجمع قبضته وهو ينظر إليهم. من ميرال الذي تمسك يد ياسين وقريبة منه ومن نظراتها إليه.
بعدت وقالت:
– اعملك قهوة معايا؟
– مش عايز.
– هعملك أنا، عارفة نوع قهوتك المفضلة.
قالت ذلك بحزم وهي تخرج وتتركه. تنهد ياسين ليبدأ في عمله، لكن تذكر فريدة:
"هعقد معاك بس متطردنيش زي المرة اللي فاتت."
"لسه زعلانة؟"
"مش هفتكر اللي فات لأنك كنت غريب."
"ودلوقتي؟"
"بقيت أغرب.. بس غرابتك دي أحلى من غموضك اللي بيخوف."
"ممكن لأن دلوقتي مش غريب.. أنا بقيت قادر أتنفس بوجودك."
"عايزاك كده على طول."
كانت ذكرياته تحرقه من الداخل، وكأن نيران اجتمعت وتأمرت على حرقه. أنها لا تسعى من مغادرة رأسه، حتى العمل لا يستطيع أن يديره بسببه.
أمسك رأسه بضيق، يشعر بأنه السبب فيما هو عليه، يشعر بالعجز والغضب منها، لكن وبرغم ذلك.. لا يزال يحبها ويشتاق لها كثيراً.
كانت ميرال تعمل القهوة لياسين وهي تريد أن تنال إعجابه.
– فرحانة؟
نظرت إلى الصوت، وكان أنور الواقف عند الباب وينظر إليها. قالت:
– أنور.. انت هنا من امتى؟
– من وانتي بتعمليله القهوة بدقة عشان تعجبها.
استغربت من لهجته. قالت:
– مالك.. انت كويس؟
– أنا كويس، بس بسألك انتي إذا كنتي كويسة ولا أفضل عن أي يوم.
كانت تقلب بالملعقة. قالت:
– هبقى أفضل ليه؟ عادي يعني.
– عشان طلقها.
توقفت عن التقليب حين قال ذلك. نظرت له. قالت:
– عرفت منين؟
– سمعته وهو بيقولك.
أومأت بتفهم. قالت:
– اممم.. زعلت عشانهم؟
– زعلت بجد.
استغربت كثيراً ونظرت له من نظراته الموجه نحوها. ارتبكت وقالت:
– قصدك إيه؟
– فاكرة إن ياسين نسيها بين يوم وليلة.. بالعكس، هيفضل فاكرها حتى لو مرجعوش، لأنه حبها بجد.. زيك كده يا ميرال.
– زي إيه؟
قرب منها وقال:
– متعلقة بيه أوي ومش قادرة تمشي حياتك اللي وقفتيها عليه من ١٠ سنين.
أفادت نظراته الذي تتقربها، وكأن أمرها قد كشف. قالت:
– مش عارفة انت بتتكلم عن إيه.
– انتي أكتر واحدة عارفة كل حاجة ماشية إزاي، بس بتعملي عبيطة..
نظرت له ليردف:
– الحكاية مخلصتش مادام لسه بيحبوا بعض.
نظرت له بشدة. قال:
– ياسين بيحبها وده سبب عصبيته دلوقتي.. هتعرفي تخلصيه من حبها؟
– طلقها.
استغربت من إلى قالته. كملت:
– معدش فيه فريدة وهي اللي اختارت ده. معناه مجرد وقت وهينساها.
– ومنسـيش دارين ليه؟ وقف حياته عشانها؟
– منسـيهاش من الجرح اللي عملتهوله، بس اتخلص من حبها.
– وفريدة معملتش حاجة. بالعكس، عملت اللي تخليه يفتكر بيها، وهي إنها رجعت ياسين وخلصته من ماضيه. ياسين لو بقى سوى نفسياً مع نفسه، فده بسببها وعيشته معاها.
– اديك قلت خليته سوى، قادر ينسى ويعالج نفسه بنفسه. معدش محتاج حد.. معاناته هيفتكرني كذكرى ويشـف حياته.
نظر لها من ردودها عليه قال:
– انتي فرحانة بجد فيهم؟
نظرت له حين قال ذلك:
– أنا لا فرحانة ولا مضايقة. مش عارفة انت بتقول كده ليه.. أنا بس بفكر في ياسين، هو اللي يهمني.
– ومفكرتيش في نفسك ليه قبل؟
لم تفهم ما يقوله. قالت:
– أفكر في نفسي إزاي؟
– عيبك إنك بتفكري فيه.. والدليل إنك خدتي كلامي كله على ياسين ومخدتيهوش على نفسك، وإلى أنا أقصدها.
توترت. خدت الفنجان. قالت:
– مالك يا أنور انهارده عمال تقول كلام فلسفي زيادة.
قرب منها قبل أن تذهب. نظرت له. تقدم منها. عادت للخلف. مسك يدها. قال:
– ليه؟
تعجبت لتجده يقبض على يدها بقوة. نظرت له، فهي لأول مرة ترى تلك النظرة الباهتة من أنور وعينه الحادة تلك. قرب منها أكثر حتى لم يعد هناك ما يفصلهم سوى بضع بوصات. اقترب من شفتيها. نظرت له ميرال. قالت:
– أنور.
لكنه لم يتوقف. شعرت بشفتيه وكأنه على وشك تقبيلها، لكنه همس من بينهم وهو يقول:
– تعبتي أنور معاكي ياميرال.. اتعذبت كتير أوي ولسه هيتعذب أكتر الفترة الجاية.
نظرت له ليرفع أعينه إليها:
– فريدة بعدت، فياسين قلبه معاها مش هيتخطاها بالسهولة دي.. متتوهميش نفسك.
قال ذلك وبعد عنها ومشى. نظرت له من كلامها حتى اختفى عن عينيها، وكانت تشعر بالضيق والحزن. مسكت ذراعها بقله حيلة وهي تجز على شفتيها وتقول بصوت أجش:
– مش بإيدي.
لتسيل دمعة من عينها وهي تعلم أن ما يقوله صحيح. إنها وقعت في حب معتم، وقعت في خطيئة ستؤدي لهلاكها، وهي استسلمت لذلك.
***
في اليوم التالي، كانت فريدة جالسة تنظر في الفراغ بتفكير مما أصبحت عليه. طرق الباب. سمحت له بالدخول. دخل إيهاب. نظر إليها قال:
– فريدة، انتي ماشية؟
– اه.
– ليه؟
– عايزة أبقى لوحدي ومش عايزة أتقل على حد.
– بابا قالك حاجة زعلتك؟
– لا، هو رافض خروجي من هنا لوحدي، أنا اللي عايزة ده.
وقف لتذهب. نظرت له قالت:
– انت كنت عايز إيه؟
– حضري نفسك بليـق.
قالت بعدم فهم:
– ليه؟!
– هكتب عليكِ.
نظرت إليه بشدة ولم تستطع الرد، وكأن الكلام علق في حلقها. نظر لها إيهاب من تعبيراتها. قال:
– قلتي إنك عايزة نتجوز، مش كده؟ وأنا موافق.
– ايوه بـ… بس.. انهارده.. بسرعة دي.
– اه… ولا انتي معترضة؟
– لا يا إيهاب.
– يبقى مفيش مشكلة.
مشي. أوقفـته وقالت ببرجلة في كلامها:
– بس ليه الاستعجال؟ إحنا مورناش حاجة.. لسا من يومين كنت..
قاطعها وهو يقول:
– لو انتي عايزاني بجد يا فريدة.
نظر لها بطرف عينه وقال بجدية:
– تبقي مراتي الليلة.. قولي إيه؟!
***
كان ياسين خارج رايح لشغله، وكان هيركب العربية. وقف لما شاف داليا واقفة عند عربيتها وتنظر له وكأنها كانت منتظرة رؤيته.
تعجب كثيراً من رؤيتها. نظرت له والتقت عيناهما. تنهد. قفل الباب. قال:
– خليكم هنا.
أومأ له الحراس. راح لها. وقف عندها. نظر إليها ليبدأ هو ويقول:
– بتعملي إيه هنا؟
– جيالك.. مرديتش أدخل عشان مضايقكش، قلت استناك لما تخرج.
سكت ياسين، لكن لا ينكر أن كلامها ضايقه وانب نفسه. هذه والدته تقف تنتظره بينما تستطيع الدخول لمنزله، لكنه خشي أن يتضايق.
– تعالي نكلم جوه.
نظرت له من ما قاله. ابتسمت بهدوء قالت:
– أنا ماشية علطول.. كنت جايه أسألك عن حاجة.
– حاجة إيه؟
سكتت قليلاً بتردد ثم قالت:
– اللي حصل بينك وبين فريدة بسبب دارين، مش كده؟
نظر لها من معرفتها. قال:
– مش قولتلك مدوريش ورايا.. ليه مصره تخليني أبقى وحش؟
– تبقى وحش إزاي يا ياسين؟ عايز تعمل إيه مع أمك؟
لم يرد عليها. تنهد وقالت:
– أنا كنت عايزة أساعدك.. واسمعني لأول مرة.. ولو مش صلة بينا، فاعتبرها نصيحة من واحدة متعرفهاش.
وكأنها تحاول إيقاظ مشاعره واستعطافه.
– روحت لها ولا لسه؟
– اقفلي الموضوع ده.
– اقفله إزاي؟ وفريدة.. مش ناوي تصلحها؟
– هي قفلت الباب وقالت إنها مـعدتش عايزاني.
– أوعى تكون سمعتلها يا ياسين.. أنت عارف إنها عيلة وانت دايماً مبتأخدش كلامها.
– هي مـعدتش صغيرة وعارفة كلامها كويس.
– معاك، بس جرب تاني. روحلها واحكيلها بهدوء بينك وبينها… البنت بتحبك، واخده على خاطرها منك شوية، وده طبعاً فينا.. حسيـسها بأهميتها.
كم تبقى له لتعلم أهميتها عنده! بل هي تعلمها وإهانته لترى ما سيفعله وأنه باقٍ عليها. يشعر بالضيق منها، لكن اشتاق لها ولو رآها لعانقها شوقاً.
– أنا هسيبك وأروح أقعد معاها.
– متعمليش كده.
– هتروح انت.
– انتي مش فاهمة حاجة.
– مش فاهمة إيه؟
– أنا وفريدة اطلقـنا.
نظرت له بشدة. قالت:
– إيه… اطلقتوا؟
– وهي رافضة فكرة الرجوع، وحالياً بتدور ع إنسان تاني بس ميكنش أنا.
– انت.. انت طلقتها يا ياسين؟
– كان برغبة منها.
– وانت؟
سكت ولم يرد عليها. رأت في عينه حزن شديد يخيفه. قال:
– اتأخرت.
نظرت له وأنه لم يعلق عليها. مشى، لكن توقف. نظر إليها قال:
– متقفش كده تاني.. ابقى ادخلي.
نظر أمامه وذهب. فتح له السائق ليركب ويغادر. وكانت عيناها معلقة عليه وتتذكر ما قاله لها. تعلم أنه شئ عادي، لكن لوهلة أحست وكأنه شعر بها. تبسمت فمن أقل كلمة قالها أسعدها كثيراً.
تنهدت وهي حزينة عليه:
– فريدة.. ياسين عمره ما فكر إنه يطلقك.. قولتي إيه خلتيه ياخد قرار زي ده.
كانت مضايقة من اللي حصل. تنهدت لترى هذا الأمر. لبست نظارتها. ركبت عربيتها ومشيت.
***
كان ياسين في مكتبه ومعه أحد موظفيه يطلعه على أوراق العمل.
– ابدأوا في المبنى من بكرة.
– تمام. هكلم الطقم واديهم خبر.
دخلت ميرال. قالت:
– طلبتني؟
– ورق التصميم فين؟
– معايا.. أجيبه.
قلب ياسين في أوراق. وقف قال:
– العقد لسه منفذش ليه؟
– كنا محتاجين حضرتك عشان العميل عايز يستفسر عن التشييد.
– أنور مقعدش معاه لى وخلص..
لم يرد عليه. نظرت له ميرال من صمته. قال ياسين:
– ابعتله إني عايزه.
قفل الملف وهو يعطيه إليه ليذهب. نظر له ياسين وميرال من وقوفه.
قال ياسين:
– فيه حاجة؟
– مستر أنور قدم استقالته انهارده.
رواية زهرة الاشواك الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نور
أنصدم كل من ياسين وميرال.
نظرت له بشدة وقالت:
– بتقول إيه؟ أنور استقال؟
قال ياسين:
– إمتى؟
– النهاردة قدم استقالته ومشي.
– مكتبش سبب الاستقالة إيه؟
– لا.
شعر ياسين بضيق من فعل أنور ذاك.
قال:
– إزاي مدير تنفيذي يستقيل وما يكتبش سبب؟
– والله يا مستر ياسين كنت لسه هسأله بس مشي.
تنهد وقال:
– تمام. امشي إنت.
أومأ له وذهب.
قالت ميرال:
– أكيد بيعمل مقلب فينا زي عوايدهم.
أمسك تلفونه ليتصل عليه.
قال:
– أنور مش يوم أما بهزر يستقيل. مشي امبارح.
– إمتى؟
– مشي بدري مكملش نص اليوم. كنت عايزة أقولك بس نسيت.
نظر لها. سمع صوت من مكالمته. نظرت ميرال إليه.
قفل تلفونه بضيق.
قالت:
– إيه؟ مردش؟
– تلفونه مقفول.
– مقفول. ممكن يكون نايم.
لم يكن ياسين يشعر بالارتياح. لذلك أخذ جاكته وهاتفه وذهب متوجهاً إلى منزله. كيف يستقيل؟ إنه يترك أنور كثيراً عليه ويثق به لأنه صديقه ولم يتركه يوماً ومتمسك بعمله. كيف هكذا يستقيل؟
وصل ياسين وأصبح أمام منزله. نزل لكن توقف حين رأى الباب يفتح ويخرج أنور. استعجب كثيراً حين رأى حقيبة بيده.
توقف أنور حين رأى ياسين. وجوده هنا. نظر له ياسين. اقترب منه.
قال:
– إنت هتنقل؟
– بتعمل إيه هنا؟
تعجب ياسين من سؤاله.
قال:
– أنا اللي أسألك بتعمل إيه. إنت استقلت.
– آه.
تفاجأ من رده البارد ذاك.
قال:
– ليه؟!
قفل الباب وسحب حقيبته.
قال:
– مش عايز أكمل في الشغل.
– لو تعبان ممكن تاخد إجازة، بس تستقيل كده مرة واحدة؟ إنت عارف إني محتاجك.
– عشان كده استقلت.
نظر له بشدة مما قاله.
قال:
– عشاني. إنت مضايق مني في حاجة؟
كان أنور ينظر له ويتذكره البارحة مع ميرال ونظراتها إليه ويشعر بالغضب. بينما كان ياسين ينتظر كلامه لكنه لم يتحدث وذهب وهو يتخطاه.
نظر له ياسين.
قال:
– إنت رايح فين؟
– مسافر.
صدم من ما يقوله.
قال:
– مسافر؟!!!
توجه لسيارته. أمسكه ياسين بقوة.
قال بغضب:
– ما تقف بقى وكلمني. إيه اللي إنت بتقوله ده؟ أنا مش فاهم حاجة.
– ولا هتفهم يا ياسين وده أفضل لينا.
نظر له باستغراب شديد.
قال:
– أفضل إزاي؟ وإنت مسافر فين؟
– مش لازم تعرف.
– يعني إيه. أمال هنشوفك إزاي؟
– يعني أنا مسافر عشان أبعد. مش عايز حد يعرف مكاني. وإلا ما كنتش هبعد وأسيب كل حاجة.
نظر له بشدة بأنه لا يريد رؤيتهم ولا البقاء معهم. إنه يغادر ولا يسعى للتواصل معهم أو أن يأتوا إليه حتى. ذهب وهو يضع حقيبته في السيارة.
– هترجع إمتى؟
صمت أنور قليلاً من سؤاله. لم يفهم ياسين الصمت.
– مش راجع تاني.
لينصدم ياسين. حط أنور شنطته وقفل.
قال ياسين:
– مش راجع.
لم يرد عليه أنور وذهب. تصدى له ياسين.
قال:
– ما تتكلم. هتفضل ساكت كتير؟ اللي حصل. مش هنشوفك تاني.
– محصلش حاجة.
– يعني فاجأة كده تستقيل وتسافر؟
– إيه غريب؟ ولا ضمنت وجودي؟
استغرب ياسين من لهجته. ليردف:
– كل واحد له طاقة وأنا طاقتي خلصت. معدتش حمل اللي أنا فيه.
كان ياسين ينظر إلى صديقه ولا يستوعب كلامه ولا نبرته الذي لن يعتادها يوماً.
– فيه إيه يا أنور؟ متفهمني. إيه اللي بيحصل؟ تقلّت عليك في الشغل؟ مضايق مني في حاجة؟
– مفيش حاجة. أنا اللي استكفيت ومش عايز أكمل. لحد هنا وكفاية. محتاج أرتاح من كل حاجة.
صمت ياسين وهو ينظر إليه. فتح أنور الباب. نظر إلى ياسين نظرة مطولة. لأول مرة يشعر بها ياسين. كأنه اللقاء الأخير ويودعه.
– خلي بالك من ميرال.
الثاني شخص يوصيه عليه. الأول كانت دارين وها هو صديقه الثاني. ركب السيارة. نظر في المرآة ليرى ياسين خلفه. دمعت عينه وهو يريد وداعاً أكثر من ذلك. نظر أمامه ببرود تام وذهب. غادر وتركه واقفاً يطالعه حتى اختفى من عينيه. الحزن في قلبه وعقله لا يستوعب شيئاً. فقط يشعر بخسارة صديق غالي عليه. خسارة كبيرة كخسارة فريدة. وكان كل من حوله يتخلى عنه. إنه يعود ثانياً إلى الوراء. يعود إلى حيث حقيقته وهي أنه وحيد في هذه الدنيا. وحيد تماماً وكل من حوله فان.
– ليه يا أنور. إنت كمان. ليه؟
جاءت سيارة. وكانت لميرال. نزلت ونظرت إلى ياسين. قربت منه.
قالت:
– ياسين. واقف هنا ليه؟ أنور مش جوه؟
كانت تقصد منزله. أم يرد عليها. فيعلم أنها ستحزن كثيراً. نظرت إلى المنزل.
قالت:
– لسه مرنتش؟
راحت أوقفتها.
قال:
– مشي.
– مشي؟ راح فين؟
– سافر.
تفاجأت كثيراً.
قالت:
– سافر؟ ليه؟ وفين؟
– معرفش.
– فجأة كده مقلناش ليه حتى؟ وازاي يمشي من غير ما أشوفه. مطار إيه؟
– أنا معرفش سافر فين أصلاً يا ميرال.
– إزاي؟
قال بانفعال وضيق:
– معرفش. مقاليش حاجة. مشي من غير ما يفهمني فيه إيه. غير كده؟
– هيرجع إمتى؟ مقالش كمان؟
سكت. فهل يخبرها أنه أخبره أنه لن يعود مجدداً؟ لن يراهم ولن يتقابلا. مسح وجهه بضيق.
قال:
– أنور قطع علاقته أول ما مشي. قالي إنه مش عايز حد يتواصل معاه وعايز يبقى لوحده. ده اللي فهمته منه.
قالت بصدمة:
– إنت بتهزر يا ياسين صح؟ أنا هكلمه. هيرد عليا أكيد.
أمسكت تلفونها ورنت عليه وهي على أمل أن يرد. وقلبها ينبض أن يكون ياسين يقول الحقيقة. لكن سمعت صوت:
"الرقم الذي طلبته غير موجود في الخدمة يرجى..."
انصدمت ونظرت إلى ياسين بشدة.
قالت:
– غير رقمه.
نظر لها. رن هو الآخر ليجدها محقة. شعر بالضيق من تصرف صديقه.
قالت ميرال:
– ممكن يكون فيه حاجة. مش معقول ميرجعش تاني.
تنهد.
قال:
– يلا يا ميرال.
نظرت له وهو يركب سيارته ليغادر. معقول لن يعودوا الثلاثي كما كان؟ لقد افترق صديقهم وها هم أصبحوا اثنان. بل كان بمثابة أخ لديه. كان حزيناً ويتمنى أن يكون مجرد هراء لبعض الوقت وحين يصفّي ذهنه يعود. يتمنى ذلك بشدة. لكن ما كان يقلقه أن كلامه كان أكثر جدية لم يعتاده من أنور. "مش راجع تاني". لقد رحل. دون وداعاً كافياً. حتى لو لم يكن أتى لرؤيته لما عرف أنه قد غادر البلاد. لماذا؟ لماذا تخلى عنه صديقه وكل هذا الضيق منه؟ ماذا قد فعل ليغضبه؟
– ياسين.
نظر إلى ميرال وهي تفيقه. وكانا أمام الشركة.
قالت:
– مش هتنزل؟
– جاي.
أومأت له ونزلت قبله ودخلت. نظر لها وتذكر توصيته عليها الذي لم يفهمها.
***
في المنزل. نزلت يارا. لقت داليا قاعدة لوحدها. قربت منها وقعدت جنبها.
قالت:
– بتفكري في إيه؟
– إنتي لسه بتتواصلي مع فريدة؟
– آه. ليه؟
– تقدري تكلميها تشوفيها عاملة إيه وتعرفي إذا كانت مضايقة ولا لا من كلامها.
– أشوفلك حالتها عشان ياسين يعني.
تنهدت داليا.
قالت يارا:
– تمم.
مرنت يارا على فريدة وهي تنتظر ردها. لكن طال الاتصال ولم تجد رداً. تعجبت. رنت ثانية لكن الحال واحد.
قالت:
– مبتردش.
– إنتي كمان؟
– إنتي رنتي عليها؟
– أيوه. كنت هخلص البرنامج وأروح لها بس نسيت إني معرفش هي قاعدة فين.
رمت عليها. مردتش.
– تصدقي ولا أنا. تلاقيها عند أهلها.
صمتت. فهي تعلم أن أهلها ليسوا بجيدين لتبقى عندهم.
قالت يارا:
– تعرفي أوقات بكون عايزة أسألها هي ليه كانت عايشة مع ياسين أصلاً أو اتعرفوا على بعض إزاي؟ كأنها ملهاش غيره. حتى كان هو اللي بيمشيلها كل حاجة في الجامعة كأنه ولي أمرها.
– ياسين كده فعلاً.
– إزاي؟ هي مش ليها أهل؟
صمتت. فهي تعلم أن ياسين كفأ بالبقية.
قالت:
– هو مش كان جوزها؟ هتحتاج لحد غيره.
– لـ…
نظرت لها يارا.
قالت:
– قصدك إيه بـ "كان"؟
صمتت داليا.
قالت يارا:
– هما مش هيكملوا؟
– هترجع. ياسين هيرجعها.
– بس فريدة بتاعند أوي بصراحة يعني. ربنا يكون في عونه.
– لو إنتي في مكانها هتعملي إيه؟
ابتسمت.
وقالت:
– أنا معرفش المشكلة أصلاً. بس لو قولتيلي هقولك.
تنهدت.
وقالت:
– روحي نامي يا يارا.
نظرت لها. وقفت وذهبت. لم تبالي يارا بالأمر كثيراً.
***
مر ثلاث أسابيع من ذلك رحيل أنور. ولم يكن قد حدث أحد. لا ميرال ولا ياسين. وكان على أمل أن يهاتفه صديقه ولا حتى برسالة يخبره أن قد وصل. لكن لا شيء من هذا.
في إحدى الليالي. مثل أي ليلة قد مرت عليه بالبطء. كان ياسين جالس في الشركة. وكان الجميع قد غادر وهو الباقي. فكان كثيراً الجلوس في عمله ليشغل أوقاته. فأصبح لا يحب العودة لمنزله بعدما لم تكن فيه من كانت تنيره. كان يعود فقط باكراً لأجلها للبقاء معها وكى لا تحزن منه. لكنها لم تعد موجودة. اشتاق لتذمرها ومجادلتها. مر وهى تقبع داخل أحضانه وتبتسم ابتسامة رقيقة. ابتسم لتذكرها. لتتحول ابتسامته بابتسامة مريرة مليئة بالحنين ويشعر بغصة داخله.
– وحشتيني.
قال ذلك بشوق شديد ويشعر بألم في روحه. أراح ظهره للخلف. فهو بالفعل يعمل كثيراً لكنها لا تغادر من رأسه. يحبها ولم يتوقف عن ذلك حتى من يوم طلاقهم. بعدما أخبرته بندمها على معرفته وأنها لا تريده. شككت كونه رجلاً أمامهم وأنها ستحيل أمرهم للقضايا إن لم يعتقها. وكأنه ذنب تريد التخلص منه. ليس حزيناً منها أنه متضايق من أفعالها. لكن يحبها ويتعهد بإعادتها. فهو لم ينساها.
***
في اليوم التالي. كانت يارا تسير مع تسنيم في النادي وتتحدث معها.
قالت:
– عايزة أعمل السكين. أهملت بشرتي الفترة اللي فاتت.
لكن تسنيم كانت في عالم آخر.
نظر لها يارا.
قالت:
– تسنيم.
صاحت بها وهي تهزها:
– تسنيييييم.
اتخذت تسنيم من صوتها.
قالت:
– إيه؟
– أنا عمالة أكلمك وإنتي مش معايا.
– لا. سمعاكي.
– طب أنا كنت بقول إيه؟
لم ترد عليها.
قالت:
– معلش يا يارا.
نظرت لها من لهجته. فهي لاول مرة تعتذر لها. بل عادتاً يتشاجرون.
قالت:
– بتفكري في إيه؟
نظرت لها من معرفتها.
قالت:
– عرفتي منين؟
– من ساعة ما تعجبت بيه وبقيتي غريبة بسببه.
– لا. الموضوع مش كده.
– متخليهوش يفقدك الثقة بنفسك. لو مش شايفك في غيره عايزك. افتكري كلامي ده.
– بس أنا معجبة بيه أوي يا يارا. صداقتنا قوية. ساعات بحسه بيبادلني وبيعاملني بلطف بس كأن فيه حاجة منعاه.
– ممكن هو لطيف معاكي لأنكم صحاب مش أكتر يا تسنيم. وهو اعتادك كصديقة وبقيتوا قريبين من بعض.
– ليه أنا بس اللي حبيته؟
– وهو حسيتيش منه حاجة؟
نفيت لها بخيبة.
قالت:
– قلتلك متعمد يخفي. حتى بيلمحلي في الكلام أن صداقتنا قوية وبيحب وجودي وفيه نفس الوقت مش عايزها تنتهي. كأنه عارف بحقيقة مشاعري بس.
– بس بيستعبط.
– إيهاب مش كده.
– خلاص. إنتي أدرى. بس معرفتش بردو إلى مخليكي مهمومة كده.
– فريدة.
نظرت لها.
كملت:
– كل شوية افتكر اللي قالته يوم الفرح لإيهاب قدامنا.
افتكرت يارا. وعرفت أنها تقصد عرضها لزواج.
قالت:
– زي... دي أكتر حاجة علقت معايا يومها. تعرفي إن لو واحد تاني غير ياسين كان اتعصب لأنها مراته وعايزة تتجوز غيره.
– يارا مش وقت فزلكة وتحليل مواقف ياسين متفتح وإنتي مشفتيش فريدة كانت عاملة إزاي.
– صح. مفهمتش بردو إيه مشكلتك إنتي.
– ليه اختارت إيهاب اللي تقوله كده؟ كان قدامها أنور مثلا.
– أنور صاحب ياسين. بطلي ذكاء. أكيد هيحرجها وهي عارفة صداقتهم قوية قد إيه.
– و ليه واثقة من إيهاب؟
– ممكن لأنه ابن عمها. إنتي خايفة من الكلام ولا إيه؟
سكتت. ابتسمت يارا.
قالت:
– خايفة الكراش يتجوز. يا بنتي اعترفي. وشك فاضحك.
– محدش يقدر يتكلم معاكي جد.
– إنتي اللي مكبرة الموضوع. كانت كلمة اتقالت في ساعة غضب. فريدة متعملش كده.
– إنتي شايفة كده؟
– أيوه يا بنتي. إنتي قلقانة ليه؟
شعرت بارتياح. فهي خشيت بالفعل أن يحدث ذلك. لكن صديقتها لن تفعلها.
قالت:
– تعالي نروح لها نشوفها.
– تعرفي هي قاعدة فين؟
– عند عمها والد إيهاب.
– وهو قاعد معاها؟
– معرفش. ممكن ده اللي كان موترني. بس يلا نشوفها بالمرة.
قالت بشك:
– نشوفها هي ولا هو؟
– إيهاب في شغله. أنا رايحة عشان فريدة.
– تمام. مصدقاكي. استني أغير وأروح سوا.
– تمام.
***
دخلت ميرال الشركة. سألت أحد الموظفين:
– مستر ياسين جه؟
– لا.
أومأت لها وذهبت. كانت راحة مكتبها. بس وقفت وتوجهت لمكتبه ياسين. دخلت ملقتوش موجود. نظرت إلى الغرفة. راحت عند مكتبه ونظرت إلى الأوراق والملفات المفتوحة وتخيلته جالساً لوهلة. نبض قلبها وهي تتذكره.
– ميرال.
نظرت لصوت. وكان ياسين. اتفاجأت لما لقته موجود. وكان خرج من الحمام مبلل وجهه ويرفع أكمام قميصه.
قالت:
– أنا كنت جاية أشوفك.
نظر إليها. فهي واقفة عند مكتبه.
قالت:
– إنت هنا من إمتى؟ سألتهم قالولي إنك لسا مجتش.
قرب وهو يأخذ مناديل وهو يجفف وجهه ويقول:
– ممشيتش.
– إنت هنا من امبارح؟
نظرت له وإلى عروق يده. لياومأ لها إيجاباً. وكانت مركزة معاه.
قال:
– بعتلك C.V على الإيميل. ترجميه وابعتيهولي.
– حاضر. هفتح وأشوفه.
راح وجلس.
قالت:
– المكتب مش متظبط. باين إنك كنت شغال الليل كله.
قربت منه. نظر لها وهي تنظر في عينه وتقول:
– إنت منمتش من امبارح.
ابتعد عنها.
قال:
– مجاليش نوم مش أكتر.
– التعب ظاهر عليك. مش ملاحظ إنك بقيت تهلك نفسك في الشغل بزيادة؟
– أنا كويس. تقدري تجيبلي اللي قوللتلك عليه؟
– حاضر.
مشت وسابته. تنهد. هو بالفعل عقله شبه غائب. فهو غسل وجهه من الأرق. نظر في الساعة وإلى هاتفه. مسكه وأقام مكالمة.
– فيه حاجة ياسين؟
– فريدة عاملة إيه؟
– آآآه الحمد لله أحسن.
صمت ياسين قليلاً. تنهد. فهو أخذ قرار بالفعل.
قال:
– عايز أشوفها.
قطع في كلامه.
وقال:
– تشوفها؟
لم يفهم ياسين.
قال:
– آه. بتهيألي هدت عن الأول. أقدر أكلمها.
قال بتوتر:
– بس...
– بس إيه؟ هي مش قاعدة معاك؟
– لا. مشيت امبارح.
– مشيت؟ راحت فين؟
– عند إيهاب.
صدم.
وقال:
– عند مين؟ وهي بتعمل إيه عنده؟
– ماهي بقت مراته.
توقف الزمن عند تلك اللحظة. قبل أن يكمل موضحاً.
– فريدة وإيهاب اتجوزوا امبارح.
لينزل هذا الخبر عليه كصاعقة تشق قلبه لنصفين.
قالت:
– اتجوزت.
لم يكن يصدق الجملة. هل تحالفوا ضده؟ أنها لا تفعل ذلك؟ هل أصبحت لغيره؟ معقول؟
قال:
– إنت بتقول إيه؟ إزاي؟
– اللي حصل.
قفل والغضب يملأ عينه. دخلت ميرال في ذلك الوقت. نظرت إلى ياسين.
قالت:
– ياسين. الميتنج.
لكنه لم يرد عليها. كان كالبركان.
قال:
– اتجوزت.
نظرت له من همسته.
قالت:
– إيه؟
دفع المكتب بقوة ليتكسر. انفزعت من فعله. نظرت له بشدة والغضب الذي محتله.
– ليه؟ إزاي ده يحصل؟
ضرب على المنضدة بقوة لتتهشم ويدخل الزجاج في يده. انصدمت وهي ترى الدماء تسيل من يده التي جرحت. قربت منه.
قالت بقلق شديد:
– يااااسين. إيدك. إيدك بتنزف. لازم نروح المستشفى يشوفهالك. لـ...
سحب يده بقوة ومشي.
قالت:
– ياسين رايح فين؟
– رايحله. هدمره.
نظرت له بخوف من كلماته وإلى أين يذهب وهو غاضب هكذا.
***
كانت سلوى قاعدة. سمعت صوت الجرس. أخبرت الخادمة أن تفتح. لكنها لم تسمع. تنهدت وذهبت. وحين فتحت الباب تفاجأت حين رأت تسنيم ويارا. ابتسمت تسنيم.
قالت:
– إزيك يا طنط؟
تبادلتها البسمة بترحاب.
وقالت:
– إزيك يا تسنيم يا بنتي؟ ادخلوا. ادخلوا.
ونظروا حولهم لذلك السكون في البيت.
– اعقدوا. تشربوا إيه؟
– لا. مش عايزين نتعب حضرتك.
– دي أول مرة تيجي هنا مفيش تعب.
قالت لها سلوى فكانت تحب تسنيم وتراها فتاة طيبة جميلة.
قالت يارا:
– أمال فريدة فين؟
وتبدلت ملامح سلوى.
قالت تسنيم:
– هي مش قاعدة هنا؟
لم تتحدث. تعجبوا منها. حتى قالت:
– هي مقالتلكوش؟
– قالتلنا إيه؟
– عن جوازها.
قالت تسنيم بدهشة:
– فريدة اتجوزت؟ ياسين؟ امتى؟
– مش ياسين.
قالت باستغراب:
– أمال مين؟
نظرت لها. لم تفهم نظرتها. لكن شعرت بغصة ما تخنقها من ما تفكر فيه.
قالت:
– آآآهاب؟
أومأت لها إيجاباً. لينصدم الاثنان من ذلك الخبر. دمعت عينها وتحاول إمساك نفسها. نظرت لها يارا. قلقت.
قالت:
– تمم. شكراً. نيجي في وقت تاني.
مسكت تسنيم لتحاول أن تقويتها.
قالت:
– يلا يا تسنيم.
مشت معها. نظرت لها سلوى بحزن بعدما غادروا.
قالت:
– غشيم يا إيهاب. تسنيم بنت جميلة. ليه محاولتش تشوفها مرة؟ البنت بتحبك. وجعت قلبي.
كانت تحبها وتتمناها لابنتها وتريده أن يراها. لكنه كان يستكبر ويتجاهل حبها بإرادته. وها قد خسرها وكسر بقلبها. جلست وهي متضايقة وحزينة عليها.
***
كان أشرف في عمله واقف ومتوتر. انفتح الباب بقوة. نظر ليرى ياسين أمامه يشبه الوحش الثائر والغضب مملأ عينه.
– ياسين.
تقدم منه.
وقال:
– إنت إزاي متقوليش حاجة زي دي في وقتها؟
كان ذلك أشرف الذي حدثه ياسين. فكان يتواصل معه لمعرفة أخبار فريدة والاطمئنان عليها. مسكه.
وقال بغضب:
– أنا مش كنت بكلمك وبسألك عنها. ولما أكون عايز أشوفها تقول لي رافضة.
– دي الحقيقة والله. هي كانت رافضة أي حاجة عنك. ثم إنت طلقتها وهما الاتنين اتجوزوا. فين الغلط؟
– كان لازم أعرف. مش تيجي تقول لي انهارده؟ كنت فين امبارح وهو بيتجوزوا؟ أنا كنت بسألك عنها لأني مستني الوقت المناسب اللي أكلمها فيه تاني.
– ولو كنت اتكلمت معاها وكلامكم ملوش لازمة ومش هترجع وهتتحجز بردو. كنت هتوقف جوازهم مثلا؟
قال بحنق:
– كنت هرجعها.
– وإنت كنت هترجعها تاني من بعد كلامها يومها؟
قال ببرود شديد:
– ده ميخصكش. دي حاجة بيني وبينها. إنت خوفت على ابنك. خوفت تجيب لي سيرته.
– فريدة كانت موافقة. أنا مغصبتش حد.
نظر له. وتوقف لوهلة. كأنه يواجه بالحقيقة. معقول أنها من أرادت ذلك؟
– كل حاجة كانت بإرادتها.
نظر أشرف إلى ياسين الذي قد شرد. ليقول:
– نفترض إنك كنت هتحاول ترجعها. شايف إنها قابلة رجوع؟
نظر له من كلامه ذلك ليردف مؤكداً:
– أنا سألتها قبلها يا ياسين إذا كنت لسه في دماغها. بس هي قالت لي إنك انتهيت بنسبالها.
كانت الحقيقة قد فتكت بقلبه وتخور قواه.
– أنا كنت مجرد وصي في العقد. وروح اسأل ها ده لو ليك كلام معاها.
صمت فتاك. الحقيقة. لماذا الغضب؟ إنها بالفعل لا تريده. بل أرادت وتزوجت غيره. هل نسي كلامها في ذلك اليوم؟ "أنا معدتش عايزك. هتجوز واحد بيحبني وأقدر أعيش معاه. والحد ده مش إنت. إحنا انتهينا. افهم بقى."
جمع قبضته وهو يعتصرها وقطرات الدماء تتساقط من يده المجروحة. نظر له أشرف. تركه بضيق وذهب وهو شخص ميئوس. نظر له أشرف وهو يذهب.
***
خرجت تسنيم وهي تكبح دموعها وتقول هامسة بانكسار:
– اتجوز يا يارا. اللي كنت خايفة منه حصل.
نظرت لها وصمتت. فهي لم تتوقع ذلك. لكن يظل قلب الأنثى يقينه صحيح على من أحب. لقد كانت تعلم حدوث ذلك لهذا كانت تخشاه. وهي التي ظنت أنها تبالغ. لكنها كانت محقة.
– قولتيلي إن مفيش حاجة من دي هتحصل. وإنها هواجس مني أنا.
– مكنتش أعرف يا تسنيم. من امتى شوفتيني مصدومة زيك.
– بس مش زي صدمتي.
قالت ذلك ببكاء. تنهدت يارا.
وقالت:
– أهدي.
– لو هو كان مش شايف حبي. فريدة كانت شايفة اهتمامي بيه. ليه إيهاب بالذات؟
بكت. حزنت يارا. ضمتها لتعانقها تسنيم وتبكي.
– معلش.
– ليه يعملوا فيا كده؟
– متزعليش. هو ميستاهلكيش والله. اللي تتجاهل حبك مش هيدهولك بعدين.
– أنا قلبي بيتحرق. مكنتش أعرف إني هتوجع كده منه. مكنتش أعرف إني بحبه لدرجة دي. أنا غبية. ياريت ما عرفته. ياريت ما عرفتهم.
مررت عليها بشفقة من ما حدث وتتساءل إن كانت فريدة سعيدة الآن بعنادها ذلك إلى ما أدى قرارها لهلاك اثنان. أولهم ياسين. وصديقتها. لما تلك الأنانية فقط لإرضاء غرورها. تتساءل هل ياسين عرف أم لا. تتساءل بفضول شديد كيف هو الآن.
***
كانت ميرال بتتصل على ياسين ومبيردش عليها.
– رد بقى يا ياسين.
كانت قلقة عليه. تنهد بضيق.
وهي كانت تنتظره لكنه لم يعود منذ أن غادر. خدت شنطتها ومشيت.
***
في المنزل. كان ياسين جالس بفرده منعزلاً. خافض رأسه ومجمع يده بحالته المزرية. سمع صوت خطوات كعب يقترب منه.
– ياسين.
وكانت ميرال التي أتت لترى.
نظر إليها وهي تقف أمامه.
قال:
– إيه اللي جابك؟
نظرت إليه وإلى يده. ووجدتها بضمادة. وأنه عالجها.
قالت:
– إيدك عاملة إيه؟
لم يرد عليها. كأنه لو تحدث النهار جبلاً يساند بصمته على الصمود. رأت زجاجة ويسكي أمامه. نظرت له. فهل هو شارب؟ قعدت جنبه.
قالت:
– توقعت إني ألاقيك في البار. بعد أما عرفت الخبر اللي إنت عرفته وخلاك كده.
نظرت له وأردفت:
– بس ملقتكش هنا.
كمسكت الزجاجة وتفاجأت حين وجدتها لا تزال كما هي. لم يأخذ منها. نظرت له. إذا هو واعي.
قالت:
– حاططها قدامك ليه؟ عايز تشرب؟
– مش قادر.
وكأنه يريد لكن لا يستطيع. نظرت له.
قالت:
– كانت بتتضايق لما ألاقيني شارب. ودلوقتي عايز أشرب بسببها عشان أنساها.
– ومشربتش ليه؟
– مش عايز ألجأ للحلول اللي بتدمرني. حتى بعد ما مشيت مش عارف أشرب. كأني هلاقيها بتعاتبني. فهلوسى.
– اللي حصل يا ياسين. مالك؟
صمت قليلاً. فتفتح جرحه.
ليقول:
– اتجوزت.
أردف بصوت مخنوق:
– فريدة اتجوزت إيهاب. نهيتنا. كل حاجة انتهت.
– كنت عايز ترجع لها بعد اللي حصل.
– كان عندي أمل إنها تكون ليا. وكل ده يتصلح. بس هي خدت الأمل. خدت كل حاجة.
نظرت له وتشعر وكأنه يكبح بكائه.
– ليه تعمل كده؟ عملت إيه لكل ده؟
– ياسين.
قال بانفعال وحزن:
– بتنتقم مني في إيه؟ ليه تحرمني منها؟ أنا مكنتش عايز غيرها. كنت مستعد أعمل أي حاجة عشانها. مستسلمتش. كنت هرجعها. مكنتش هسيبها. زعلانة مني وهحاول تاني. بس هي قضت على كل حاجة وقضت عليا.
شعرت بالحزن عليه. عاد بظهره للخلف. وهو يضع ذراعه على عينها التي تمزج بالدموع.
– ليه ربنا بياخد مني كل حاجة بحبها. كأن مكتوب لي أعيش لوحدي دايماً. حتى أنور مشي. كل اللي جنبي بيمشي. أوقات أشوف نفسي غلط إني جيت الدنيا دي. أتعذب فيها وبس.
دمعت عيناها. مسكت يده.
قالت:
– متقولش كده. أنا معاك دايماً.
شالت ذراعه من على عينيها. نظرت إلى وجهه المرهق.
قالت:
– لو عايزني أكلمها. أروح لها وأقولها ترجع لك.
– إنتي كده بتقللي مني يا ميرال. أنا وفريدة انتهينا. هي اتجوزت وهتعيش حياتها.
– أنا عايزة أعمل أي حاجة أساعدك بيها. مشوفكش كده.
– أنا كويس. هبقى كويس. مجرد وقت زي العادة.
– حابة تقول إنك عايزها ترجع. وحابة تقول انتهيتوا.
– شايف اتنين بعدوا أوي. مفيش حاجة تقدر تجمعهم تاني. وفي نفس الوقت...
نظرت له. تنهد بالم.
وقال:
– بتمنى تبقى بخير معاه.
ابتسمت بمرارة.
وقالت:
– حبيتها أوي كده؟ مش زعلان وهي مع غيرك؟
– مش هتعرف حجم اللي حاسس فيه.
فكان قلبه يعتصر ألماً لمجرد تخيلها سعيدة مع غيره. تبتسم وتضحك ويقترب منها. حبيبته تلك أصبحت لرجل آخر.
– هكدب عليكي لو قولت إني ممكن أرجع زي وأنا معاها. بس هي عالجتني. بشكرها على ده.
– طلعت بنفسك كويس. أفضل من اللي خسرتها. ليه شايف ندم في عينك وإنك مخبي الحقيقة.
لم يرد عليها. بينما قال:
– إحساسي بالذنب إني كنت السبب.
نظرت له. ومن حزنه.
قال:
– حاسس إني جرحتها وإني السبب الأول في اللي إحنا وصلنا له.
ابتسمت. نظرت له.
قالت:
– لا. وإنت بتحس أوي يا ياسين.
استغرب كثيراً من نبرتها.
لتردف:
– طب يا أخي. كنت حس باللي معاك الأول. أنا أتقنت دور الصداقة أوي كده.
كانت تتحدث بنبرة منكسرة يحلها. لكن ينظر إلى كلامها.
قال:
– مش فاهم.
– وإنت من امتى بتفهم؟ من امتى فهمت حبك ليا يا ياسين؟
نظر لها بشدة من اعترافها ذلك. بعد يده عنها. نظرت له من فعله.
قال:
– بتقولي إيه؟
– أي مصدوم؟ ولا هتبعدني عنك لما لقيتني ببصلك بنظرة تانية؟ هتحاسبني على حبي وأنا معرفش حبيتك إزاي ومش قادرة أتخلص منك.
لم يكن مصدقاً ما تقوله. هل جادة حقاً في كلامها؟
– حسيت بالكل يا ياسين. حسيت بفريدة ووالدتك لسه بتحبها. ده حتى دارين حسيت بيها. بس أنا... أنا محسيتش بيا. ليه؟
دمعت عينها. بعدما طفح الكيل من صمتها.
قالت:
– كنت ببقى شفقة وعبرة للغير. وأنا وقفت حياتي لعشر سنين عشان أبقى معاك. وقفتها عليك. ده حتى أختي يا أخي حبيتها. تخيل تكون سبب إن حبيبتك تتجوز غيرك.
ابتسمت. بينما دموعها تسيل. وكان ينظر لها.
– دارين. يوم ما حبيتها أنا كنت بتحرق إني كنت السبب في إنكم تتعرفوا على بعض. اتقيدت إني مقولش مشاعري بسببها. بحكم إنك بقيت جوز أختي. وغلط. غلط كبير أفكر فيك. بس أنا معرفتش أبطل حبك. معرفتش والله.
وضعت يدها على وجهها وبكت.
قالت:
– معدتش قادرة أخبي. مش قادر أستحمل كلامك عنهم وأسمع لك وأتخنق زي كل مرة.
نظر لها وهي تبكي بحزن شديد.
تقول:
– أنا مكنتش هحسسك بحاجة زي عادتي. بس بجد أنا مطقنة الدور أوي كده.
فكانت تعلم أن ربما تكون هذه آخر محادثة بينهم. تبكي بحزن من حبها وانكسارها. وهي جالسة معه. قرب ياسين منهم. ويسمع صوت شهقاتها. مسك يده من على وجهه وأبعدها. لتنظر له وتتلاقى بأعينهم الهادئة. حزن من رؤية دموعها الكثيرة. لاول مرة.
– أهدي.
– معقول محستش بحاجة ناحيتي خالص؟ ليه كلهم شافوا حبي ليك وانت اللي اتعميت عنه؟
نظر إلى كلتا عينيها وكلامها المكسور. كيف لهذا الحب الكثيرات الذي لم يراه وتغافل عنه.
– عمر حد حبك قدي يا ياسين. ولا واحدة استحملت تشوف حبيبها مع واحدة وهو مش شايفها. أنا استحملت قصاد أن أكون معاك. بس خلاص. معدتش قادرة.
قرب يده من وجهها. مسح دمعتها. نبض قلبها. ومسكت يده.
– متعيطيش.
دمعت عيناه. وكأنها لا تستطيع. حضنته باشتياق وحزن. نظر لها ياسين. بادلها العناق. نظر له. لم تصدق أنها داخل أحضانه الآن ويبادلها. لم يبعدها. ربت عليها.
قال:
– أنا آسف.
نبض قلبها. مالت على صدره بارتخاء. ودموعها لا تزال تسيل. لكن تبسمت بحزن وارتخاء.
***
في مكان آخر. كانت فريدة في أوضة بمفردها جالسة وتنظر للفراغ. فتح الباب ودخل إيهاب.
نظر إليها.
قال:
– صحيتي؟
نظرت له.
قالت:
– آه. لسا صاحية.
قرب وقعد جنبها.
قال:
– نمتي كتير امبارح.
قالت بحرج:
– كان بقالي كتير منمتش.
أومأ بتفهم.
قال:
– كويس. أحسن دلوقتي. مش يلا ولا إيه؟
نظرت له وتوترت من تذكر البارحة.
***
دخلت فريدة مع إيهاب المنزل بعدما عقدوا قرانهم وتزوجوا. نظرت إلى الشقة. قفل إيهاب الباب. نظرت له. تقدم منها.
قال:
– ادخلي غيري جوه.
– فين؟
– على إيدك الشمال.
نظرت له. ذهبت إلى الغرفة.
قالت:
– بس مش دي أوضتك؟
دخل وهو يقول:
– ماهي هتبقى أوضتك كمان يا فريدة. إنتي مراتي.
أومأت بتفهم. فهي نسيت ذلك الأمر. قعد جاكته. نظرت له. توترت.
قالت:
– إنت هتغير هنا؟
رفع حاجبه باستغراب.
قال:
– ف حاجة؟
– هخرج عقبال ما تخلص.
جت تمشي. مسكها.
وقال ببرود:
– رايحة فين؟
استغربت من نبرته. نظرت إلى يده التي تمسكها.
قالت:
– إيهاب؟
ساب أيدها.
وقال:
– هغير في الأوضة التانية. خليكي.
مشي وساب الأوضة ليها. نظر إليها بطرف عينيه من ملامحها العابسة. نظر أمامه وذهب ليبدأ ملابسه. وحين انتهى وعاد إليها لقى الباب مقفول. استغرب.
فتح.
قال:
– قافلة الباب ليه؟
كانت لسا قاعدة زي ما هي ماسكة أيدها وبتفرك. نظرت له.
قالت:
– عادي.
– متقفلهوش تاني. مبقاش فيه خصوصية بينا.
اقترب منها. قعد جنبها.
قال:
– إنتي مش هتغيري؟
– ها. لا.
– هتعقدي بالفستان كده يعني؟
– أنا مستريحة عادي.
شعر بتوترها.
قال:
– متخافيش يا فريدة.
نظرت له. وهل شعر بها؟ مسك أيدها.
وقال:
– عارف إنك متوترة. ده طبيعي.
– بجد؟
ابتسم.
وقال:
– بجد. يلا قومي غيري.
قرب منها وحط إيده على ظهرها.
وقال:
– لو عايزاني أساعدك. معنديش مشكلة.
ابتعدت عنه.
قالت:
– لا. أنا عارفة. خلاص.
نظر لها. مشيت. دخلت الحمام. نظر إلى يده المعلقة في الهواء. خرجت تاني. نظر لها.
قالت:
– نسيت هدومي.
خدت الهدوم ودخلت سريعا. وحين أقفلت الباب. سندت ظهرها عليه. وكان صدرها يعلو ويهبط. وكأنها تفر من المكان الذي يكون موجود فيه. حتى لا تعلم تخرج كيف. راحت عند المراية. ونظرت إلى نفسها. خفضت رأسها وهي تجمع قبضتها بتماسك. لتسيل دمعة من عينها.
– هكمل إزاي؟
رفعت أعينها وهي تتنهد. فها هي أصبحت لغيره في النهاية. كتب لها أن تكون مع إيهاب.
كان إيهاب قاعد على السرير بيقلب في تليفونه. فلقد طالت فريدة بالداخل. نظر إلى الحمام.
– فريدة. هتباتي جوه؟
قام وراح خبط عليها.
– فريدة.
فتحت الباب وخرجت. نظر إليها.
قالت بحرج:
– آسفة.
نظر إلى ملابسها.
قال:
– إيه اللي إنتي لبستيه ده؟
وكانت ترتدي ملابس عادية. وكأنها ليست عروس. بل لم ترتدي بيجامة حتى.
قالت:
– أنا مش واخده على اللبس ده يا إيهاب.
مشت وسابته. نظر لها باستغراب.
قال:
– ما هو جبناه عشان تلبسيه. تاخديه عليه.
– مرة تانية. أنا مستريحة كده. مش ده اللي يهمك.
– آه. ده اللي يهمني.
نظرت له. اقترب منها. اتوترت. جت تمشي. مسكها.
وقال ببرود:
– راحة فين؟
استغربت من نبرته. نظرت إلى يده التي تمسكها.
قالت:
– إيهاب.
وضع يده عند خصرها وقرب منها. نظرت له. دق قلبها.
قالت:
– إيهاب.
– اممم.
لمس عنقها. توترت. وبعدت عنه سريعا.
نظر لها.
قال:
– ف إيه؟
– أنا تعبانة.
– مالك؟
قرب منها بقلق.
وقال:
– حاسة بإيه؟ اجيب الدكتور؟
نظرت له من اهتمامه.
قالت:
– لا. أنا تمام. بس اليوم والأحداث لسا مش قادرة أستوعبها.
– وأنا كمان مش مصدق إنك بقيتي مراتي.
شعر بانفاسه الساخنة. بعدت وشها. وهي تضع يدها عند صدره وتبعده.
وقالت:
– إيهاب. لو سمحت. مش دلوقتي.
نظر لها.
قال:
– أمال إمتى؟ إنتي مراتي خلاص يا فريدة. اتجوزنا.
– معلش. اديني فرصة أستوعب اللي بيحصل.
تنهد.
قال:
– تمام. مش هضغط عليكي.
– شكراً.
بعدت عنه. نظر لها. خدت مخدة وتليفونها ومشيت.
نظر لها بشدة. خرج ليجدها تدخل إلى غرفة أخرى. كانت هتقفل الباب. حط إيده بيمنعها.
وقال:
– إنتي بتعملي إيه؟
– هنام هنا.
– ده ليه؟ أمال الأوضة دي إيه؟ أنا وافقت إن مش هيحصل حاجة النهارده. بس مش تسيبيني وتنامي في أوضة تانية يا فريدة.
– معلش يا إيهاب. النهارده بس.
سكت. تنهد.
وقال:
– تمام. هسيبك على راحتك.
مشي وهو يتركها. رجع أوضته ودخل نام وهو يضع يده خلف رأسه. فهل تلك الليلة التي تمناها معها؟ مسح وجهه بضيق.
جلست فريدة على السرير بعدما رحل. لتشعر أن التوتر ينزاح. شربت مياه وهي تتنهد. استقلت ونامت وهي عيناها مفتوحتان. نامت على جنبها وهي تدثر نفسها في الغطاء.
– نامي. أرجوكي.
كأنها ترغم نفسها على النوم لتخرج من واقعها ذاك.
***
في اليوم الثاني. صحى إيهاب. نظر في الغرفة. راح يشوف فريدة. لقت لسا الباب مقفول. كان هيخبط. بس افتكر أنها بقت مراته. فتح عليها.
– فريدة.
لكن وجدها نايمة كما هي. استغرب. ألا تزال نائمة؟ قرب منها. نظر إليها وهي نائمة هكذا. كان شعرها مبعثر والبرائة تملأها. تلك هي التي أحبها. أصبحت له في النهاية. قرب يده منها. وأزاح شعرها. حسيت فريدة به. فتحت عينيها. ونظرت له.
– فريدة.
ابتعدت سريعا.
قالت:
– إيهاب. بتعمل إيه هنا؟
نظر لها من سؤالها الغريب وابتعادها.
قال:
– كنت حتى أشوفك صحيتي ولا لسا. بس شكلك لسا نايمة.
– آه. نمت متأخر.
– الساعة ٣؟
لم ترد عليه. وكانت مرهقة بالفعل.
– تمام يا فريدة. نامي.
نظرت له. خرج وتركها وهو متضايق من ذلك الوضع. نظرت له بعدما ذهب.
– خوفت أخاف يشوفك. إقليكي لسا نايمة. قلقت عليكِ من النوم ده.
كانت تريد أن تخبره أنها كانت تدعي النوم. فهي مستيقظة منذ الصباح.
قال:
– مش يلا ولا إيه؟
نظرت له.
قالت:
– يلا إيه؟
– هناكل. إنتي فهمتي إيه؟
– ها. لا. مفهمتش حاجة. إنت لسا مأكلتش.
قرب منها.
وقال:
– استنيتك ناكل سوا.
أومأت له. مشي وتركها. ورجع جلس. وجلست فريدة مقابله. نظر لها. وأنها كانت بإمكانها أن تجلس بجانبها. وكأنها لا تزال متقيدة بالحدود.
– فريدة.
– اممم.
– قاعدة بعيد ليه؟
نظر له حين لاحظ.
قالت:
– لا. عادي.
– طب تعالي اقعدي جنبي. محناش في مطعم.
سكتت. قامت وقعدت جنبه. بتردد. وتركت بينهم مسافة أيضاً. نظر لها إيهاب. تنهد بقلة حيلة. قرب منها. لكنها ابتعدت. نظر إليها من فعلها ذاك.
قال:
– وفين؟
– لا.
– طب.
قرب منها.
وقال:
– قعدتك دي بتضايقني.
نظرت له.
قالت:
– طب.
– أنا مش عايز أضايقك. بس مش عارف.
نظرت له.
قالت:
– عارف.
– إيه؟
– إنك مش عايز تضايقني.
– طب.
– بس أنا مش عارفة.
– أنا عارف.
– إيه؟
– إنك مش عايزة تقربيني.
– طب.
– بس أنا عايزك.
– طب.
– طب إيه؟
– مش عارفة.
– أنا عارف.
– إيه؟
– إنك بتخافي مني.
– طب.
– بس أنا مش هاذيكي.
– طب.
– ممكن تقربي مني شوية؟
– طب.
– شكراً.
ابتسم.
نظرت له.
قالت:
– أنا جعانة.
– أنا كمان.
– طب.
– أنا عايز أدخل اوضة النوم.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك وافقتي.
– طب.
– إنتي اللي طلبتي.
– طب.
– أنا عايزك.
– طب.
– يلا.
– حاضر.
– شكراً.
– على إيه؟
– إنك
رواية زهرة الاشواك الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نور
كانت نايمة بهدوء، حسّت بحد بيمشي إيده على جسمها. انتفضت وقالت:
"انت بتعمل إيه؟"
"إيهاب."
"حد يخاف من جوزه؟"
نظرت له بقلق من شكله وقالت:
"انت كويس؟"
أردف ونظراته تأكلها:
"اسألي نفسك السؤال ده. عشان هتمم جوازي منك."
نظرت له بصدمة. قرب منها، مشيت لكنه ركّعها إلى السرير بقوة وأصبح فوقها. قالت:
"ايهاب، متعملش كده عشان خاطري."
"ليه؟ حرام عليا وحلال ليه؟"
نظرت له من عينه وكأنه غائب لا يدرك ما يفعله.
"إنت شارب إيه؟"
"يهمك؟ فحاحه، متخافيش، أنا فايق أوي وهروّقك خالص."
"اخرس، ابعد."
"محدش هيسمعك. ومهما تصرخي هاخد اللي أنا عايزه."
انقض عليها يقبلها، لكنها أبعدت وجهها بضيق. قبل رقبتها، حاولت تزقه. قالت:
"ابعد."
مسك ملابسه وهو يخلعها من عليها. صرخت:
"لا.. سيبني، أرجوك.. فوق بقا."
أصبحت ببلوزة قط وذراعها مكشوفان. دمعت عينها بخوف شديد، وهو يقترب منها ويلمسها. وهي بتحاول تزقه لكنه يشتد عليها. ضربته برجليها من الأسفل. ابتعد عنها بتألم.
جرت على برا وسابته الأوضة كلها. تبعه وقال بغضب:
"فرررريدددده!"
دخلت أوضة وقفلت الباب بسرعة في وشه. ضرب الباب وقال:
"افتحي."
"ابعد يا ايهاب، انت مش في وعيك."
"افتحي بقولك."
"سيبني أرجوك."
ضرب الباب بقوة وكأنه لا يأبه بسماعها. شعرت بالخوف، فهو محكم عقله بالفعل وأنه سيأخذ منها ما يريده فقط.
نظرت في الغرفة، شافت تلفون. راحت سريعا مسكته وكتبت رقمه، تحفظه جيدا ورنت وهي تنظر للباب بخوف.
رجع ياسين إلى منزله، متوجه إلى غرفته. فك أزرار أكمام قميصه لتبديل ملابسه. طرق الباب.
"ياسين بيه، نحط العشاء؟"
"لا.. مش عايز إزعاج وأنا نايم."
"حاضر."
أومأ له بالطاعة وذهب. جلس على السرير وهو يمدد بأرق. ليقاطعه رنين الهاتف. تنهد بضيق، فهو نسي أن يغلقه.
كان الرنين مستمرا. أخرجه وجده رقم غريب. رد عليه:
"ياسين."
اتسعت عيناه لسماع ذلك الصوت الذي غاب عن أذنيه.
"فريده."
"ياسين، ساعدني."
قلق من نبرتها التي لأول مرة يسمعها، وكانت تنهج بتقطيع وخوف. قال:
"في إيه؟"
"ايهاب.. ايهاب اتجنن وبيحاول يكسر باب.."
ولم تكمل جملتها، حين ضرب الباب بقوة أفزعه. شعرت بالخوف الشديد. قالت:
"الحقني أرجوك."
"أهدي، انتي فين؟"
"في البيت."
قفل الهاتف وأخذ جاكته وذهب سريعا. نزل نظر له الحراس.
"ياسين بيه."
لم يرد على أحد منهم. ركب السيارة وذهب سريعا. نظروا إليه وهو يغادر، تعجب. وكانت تمسك بالهاتف بقوة وكأنها تطمئن منه. فكانت تعلم أن ياسين هو الشخص الذي يستطيع مساعدتها بعد كل ما حدث. تعتمد عليه وأنه يقف بجانبها لأنها وصية من والدها. لن يتنازل عنها، لذلك اتصلت به. تعلم أنه سيساعدها.
سالت دمعة من عينها. اتفتح الباب بقوة لتهتز الجدران. وقع التلفون من يدها بخوف. نظرت إليه، فهو يتطوح. لكن برغم ذلك قد كسر الباب لشدة دفعه، وكأنه شرب كثيرا للحد الذي يكاد يقتل أحدا.
"هتروحي مني فين؟"
رجعت لورا بخوف. قالت:
"عايز إيه؟"
"ما قلتلك، عايزك."
"وأنا مش عايزاك.. افهم بقا."
جت تجري، مسكها من شعرها. صرخت بوجع. قال:
"راحة فين؟"
"سيبني، انت اتجننت أكيد."
"آه اتجننت، ويلا بقا."
"مش هتاخد حاجة مش عايزاها، سمعتني.. لو عملت كده تبقى مش راجل."
وهنا، دوت صفعة على وجهها.
كان ياسين يقود السيارة، في يد أخرى هاتفه ويرن عليها من الرقم الذي اتصلت به، بس ما كانت بترد. كان ينظر إلى الطريق. ليسمع صوت تصادم داخل رأسه. تعتصر عينه بضيق وقال:
"لا، مش وقته."
كان يحاول التركيز على القيادة التي يشعر أنه تنساها. ليجد دماء تتناثر على الزجاج وتلطخه معها. فتوقف بسيارته على الفور قبل أن يعمل حادث. وصدره يعلو ويهبط. ليجد أن لا شيء وأنها هواجس داخل عقله. نظر حوله، كان بمفرده. كان واقف في منتصف الطريق والجميع لا يستطيع التحرك بسببه.
"ياسين!"
فاق على صوتها في مخيلته وتذكر نبرتها وهي تستغيث به. نظر إلى يده وهاتفه الذي يرن عليها ولا تجيبه. نظر أمامه وهي يمنع ذاكرته قدر الإمكان.
"وذهبت."
ألّمت منها وسالت دموع من عينها. مسك وشها وقال:
"مش بمزاجك."
"كان قبل أما نتجوز، فكراني المغفل الأول؟ أنا هاخدك زي ما خدتك منه. هاخد اللي خده، ولو بالعافية."
نظرت له بصدمة. قرب منها وقال:
"فكراني دايب فيكي؟ أنا فعلا بحبك، بس كسرتي فيكي كبيرة أوي. واللي هيحصلك شوية من اللي عملتيه فيا.. انتقام وبحققه فيكي، مش من حبي."
شدها أكتر من شعرها. وجعها كثيرا وعيطت وهي خايفة.
"لما أنا اتجوزتك عشان آخدك وإنتي مدليش ده، هاخده غصب عنك.. خليكي حلوة واسمعي الكلام."
"انت إزاي كده؟ إنت مش إيهاب، مستحيل."
"أنا مش المغفل، سمعتيني؟ مش أنا."
قربها منه وهو يحاول التقرب منها. وتصرخ به:
"ابعد، سيبني.. حرام عليك."
قرب من السرير ودفعها وهو ينام فوقها ويثبتها. وتحاول أن تبعده بكل قوتها لتخلص من لمساته. شعرت بوخزة بأيسر صدرها لتغمض عيناها بضيق. فهذا ليس وقت ضعف. تنهدت بألم شديد وتتوقف. ليستغل ضعفها ويقترب منها. ولم تكن تبعده. كانت تشعر بقلبها وهي ينكزها بقوة. تشعر بأن أوصال جسدها تتوقف وتحاول استعادة طبيعتها.
وصل ياسين إلى البيت. نزل على الفور وذهب ليرن الجرس ويقرع الباب بقلق.
كان إيهاب يقترب من فريدة التي ارتخت من بين يداه. لكن لا تزال تحاول إبعاده رغم ضعفها.
سمع صوت الجرس يقرع بقوة فتوقف للحظة ونظر للخلف. من ممكن أن يكون قد أتى الآن.
استغلت انشغاله، زقته بسرعة وجريت ليغضب كثيرا ويتبعه.
راحت فريدة عند الباب وفتحت بسرعة لتجد ياسين واقفاً أمامها. نظر إليها وهي تنهج وكأنها تواجه صعوبة في التنفس. دخل بقلق من منظره.
نظرت له وعينها تدمع.
"ياسين."
نظر إلى شكلها وملابسها المبهدلة. جه إيهاب. وقفت فريدة ورا ياسين بخوف. نظر إليها من فعلها ذلك.
قال إيهاب ساخراً:
"هو إنت؟ أي اتصلتي عليه عشان يلحقك؟"
نظر له ياسين من لهجته وشكلها الغريب.
"إلى بيحصل؟"
"ملكش دعوة، دي مسألة بين واحد ومراته. واتفضل امشي."
مسكت فيه فريدة وقالت:
"لا، متسبنيش."
نظر لها من خوفها. قرب إيهاب منها. أوقفه ياسين. قال:
"فهميني في إيه."
"اسألها.. قوليله في إيه."
نظر ياسين إلى فريدة التي كانت مختفية فيه.
"مفهوماني إنها بكر. واتصدم إنها معدتش عذراء. لا، وقايلة في العقد إنها لسه بكر."
نظر ياسين إليها. خفضت رأسها.
"ده يخليك تعمل كده."
"حقك تدافع، ما انت اللي خدتها في الآخر."
قرب منها بتلعثم وقال:
"أنا كمان ده حقي وعايزه.. رافضة تديني أبسط حقوقي."
وضع ياسين يده عند كتفه يوقفه. نظر له إيهاب:
"مفيش حاجة بتيجي كده. اللي انت بتعمله ده غلط."
"الغلط اللي بجد وجودك هنا."
شال إيده من عليها وقال:
"قلتلك امشي، دي مراتي وأنا حر فيها."
قرب من فريدة التي خافت كثيرا ونظرت إلى ياسين.
"ياسين."
نظر لها من خوفها. فهذا زوجها. لما الخوف الآن؟ لماذا تمنعه عنها؟
"يلا يا حبيبتي."
لسه هيمسكها، أوقفه ياسين وهو بيقف قدامه ويقول:
"مش شايفها عاملة إزاي؟ لما تهدى ابقى اتكلم معاها."
"وانت مالك؟ ولا هو حلو ليك ووحش ليا.. هو مش زيك ولا إيه؟ ياسين، انت مش خدتها، أنا كمان عايز آخدها."
قالت فريدة بغضب:
"اخرس."
تضايق ياسين من كلامه. مسكت فيه فريدة وكأنه سيتركها.
"لا ياسين، متسبنيش لوحدي."
نظر لها. فهذا زوجها، ليس له سلطة. بل سيكون معتدى.
قال إيهاب:
"يلا من هنا عشان محتاج مراتي في كلمتين."
جمع قبضته بضيق. نظرت له فريدة بخوف. ونظرت إلى ياسين.
"متسمعش كلامه، متتمشيش.. أنا مش ممكن أعيش معاه."
واستوقف ياسين شيء رآه. مسك وشها وأداره ليرى علامة على وجهه. لتشتعل عينه غضباً شديداً بأنه ضربها. لقد امتدت يده على فتاته الذي لطالما كان يدَلّلها، فاعتدى عليها.
ونظر له بغضب ومسكه بقوة من ملابسه وقال:
"انت بتمد إيدك عليها؟"
لم يكن مبالياً به وقال:
"قلتلك دي مراتي، أعمل فيه اللي عايزه."
"لما تبقى حلالها من الشارع."
"هي اللي قلة أدبها، ولو مسمعتش كلامي..."
قاطعه ياسين وهو يخنقه ويقول بلهجة مخيفة:
"هتعمل إيه؟"
نظرت له فريدة وهو يقبض على عنقه. وكان إيهاب ضعيفاً لا يقدر على إبعاد ياسين وجسده القوي.
"ياسين."
قالت فريدة ذلك لتفيقه. وهو مخيف بعينه الغاضبة. ويتذكر رؤيتها وهي تنهج، وجهها السحاب، وعلامة ضربها، ملابسها. كل شيء يثير ناره. خافت فريدة من شكلها. سابه ياسين بضيق. فوق إيهاب وسعل وهو يأخذ أنفاسه.
نظرت له فريدة. وياسين يطالعه ببرود ليبتسم ويقول:
"عارف اللي بتعمله ده هيكفيك قد إيه يا غبي.. كنت فاكر إني الوحيدة اللي على، بس طلع فيه أغبى مني. لسه عايزها بعد اللي عملته؟"
خافت فريدة من كلام إيهاب الذي يريد التلاعب في رأس ياسين. نظرت إلى ياسين.
"شايف دي؟ باتصال مني أجيب البوليس يخدوك إنك بتعتدي عليا أنا ومراتي في بيتي. خدها من قصرها واخرج لأني مش هسيبها الليلة."
"وأنا بقولك مش هتاخد حاجة غصب عنها."
قال ياسين ذلك ببرود. نظرت له فريدة.
قال إيهاب:
"هنشوف."
ولسا بيسند نفسه بثقل عشان يقوم.
"طلقها."
توقف ونظر له من ما يقوله. اعتدل وقال:
"انت عايزني أطلق حبيبتي؟ انت بتحلم، مش أنا."
قاطعه وهو يقول:
"تاخد كام وتطلقها؟"
نظرت له فريدة بشدة. صمت إيهاب ونظر إليه.
"مين قالك إني عايز فلوس؟"
"مليون؟"
ابتسم بمكر وهو ينظر إليه من فوق لتحت وقال:
"بس.. لا معاك أكتر."
"عايز تلاتة."
صدمت فريدة من طلبه. ليردف:
"هتدفعهم؟"
لم تصدق أنه سيبيعها في لحظة. نظرت إلى ياسين الذي نظر له بضيق من طمعه. خرج دفتر شيك. لم تصدق أنه سيعطيه له بالفعل. كتب الرقم ومد يده إليه. أخذ إيهاب. لكنه سحبه وقال:
"طلقها."
نظر إلى فريدة التي كانت مصدومة به.
"انتِ طالق."
انصدمت. رمى ياسين الشيك إليه. مسك إيد فريدة التي كانت متصنمة أمامها. فهل هي بذلك الثمن لديه؟ مسك إيدها. نظر له. خدها ومشي.
كانت فريدة تمشي خلفه وهي مطأطأة رأسها. تقدم ياسين من سيارته. نظر خلفه ووجدها متوقفة. نظر إلى ذراعها. شعر بالضيق من نفسه. اقترب منها وهو يخلع جاكته ويضعه عليها.
"ارفعي راسك دايما."
نظرت له من ما قاله. ابتعد عنها وذهب. عدلت جاكته عليها وتبعته. ركبت معه السيارة. ونظرت له بتفاجؤ وهو يجلس مكان السائق. فهل هو حقا أتى إليها وهو الذي يقود بنفسه؟ نظر أمامه وذهب. أكان يكذب بشأن أنه يواجه صعوبة في القيادة بسبب الحادث الذي مضى؟
كانت فريدة تمسك يدها وتبكي. بينما ياسين يقود ويسمع صوت بكائها.
"ينفع تهدى؟"
لكنها لا تزال تبكي وصوتها يتردد في أذنه. قال بغضب:
"اهددددددي!"
انفزعت من صوته وصمتت بخوف شديد. وهي لأول مرة تراه غاضباً ويصيح بها هكذا. توقف على جانب الطريق وتنهد بضيق حين رأى خوفها.
"مبتأخديش الدوا بتاعك؟"
"ب..باخده."
"امال كنتي كده إزاي؟"
وكان يذكر شكلها. فهي إن لم تعد نظامها لفقدت وعيها. خفضت عيناها وقالت:
"خلص من يومين."
نظر لها وقال:
"مخدتهوش في اليوم ده؟"
نفت برأسها. تضايق من إهمالها. نزل السيارة.
"خليكي هنا."
جلست بمفردها وهي تنظر لطيفه. فهي لا تزال تصدق أنها معه وأتى إليها. رجع ركب العربية. نظرت له وكان معه حقيبة.
"خدي واحدة دلوقتي."
نظرت له. أخذتها منه. لاحظ رعشة يدها. فتحت الحقيبة كان بها زجاجة مياه وعلبة الدواء الخاصة بها. عرفت أنه راح اشتراها. أخذت برشامة ومسكت الإزاز. لكن وقعت من يديها أثر تلف أعصابها. انحنت والتقطتها لتفتحها. لكن واجهت صعوبة كأنها لا تقدر على فتح زجاجة لضعف جسدها. فكانت لا تشعر به. حاولت تاني.
مد ياسين يده. نظرت له بمعنى أن تعطيه. أدتهاله بحرج. فقام بفتحها وأدهالها. مسكتها بإيدها الاثنين عشان ما تقعش وشربت.
كان ينظر إليها وإلى ما وصلت له لتلك الضعف البدني الذي يشهده ويحاول تجاهله بعدم النظر له.
تنهدت فريدة بعدما شربت وتهدأ من ضربات قلبها رويدا رويدا.
"كدبتي ليه؟"
نظرت له حين قال ذلك. ليردف:
"قلتيله إنك مش بنت ومفيش حاجة حاصلة بينا؟"
عرفت ما يعنيه. فلم ترد عليه.
"ما تردي، بتقولي كده ليه؟"
أدارت وجهها وقالت:
"ملكش دعوة."
قالت ذلك وهي لا تنظر له. نظر لها بشدة وقال:
"مليش دعوة؟"
"اه."
"ولما أنا مليش دعوة بتكلميني ليه؟"
نظرت له وقالت بغضب ممتزج بالبكاء:
"مكنتش تيجي، كنت تسبني."
"للأسف مقدرش، وإنتي عارفة ده كويس. اتصلتي وإنتي متأكدة إني هجيلك زي ما اتأكدتي من حاجات كتير واستغلتيني بيه."
نظرت له من ما قاله. وهل يقصد حبه؟
قالت:
"هايل، بقيت أنا الوحشة دلوقتي… أنا كل اللي فيه ده بسببك أصلا."
نظر لها بشدة وقال:
"متحطيش غلطك عليا. خليني أفكرك إن ده اختيارك… هو ده اللي قلتي إنه بيحبك ومش هيأذيكي زي.."
صمتت بحزن ودموعها تسيل.
"عايز أسألك سؤال، أنا آذيتك إزاي يا فريدة؟ لأني مش لاقي جواب.. آذيتك إزاي بإنك تأذيني كده؟"
كانت تبكي بحزن على نفسها وعليه.
قالت:
"اتخليت عني."
نظر لها من ما قالته. لتردف بحزن شديد:
"سبتني ولا كأنك صدقت اتخلصت مني.. عارف الشعور ده بيوجع إزاي؟"
"وأنا شعوري إيه لما لقيتك اتجوزتي؟ مفكرتيش فيا ليه زي ما فكرت فيكي؟ أنا متخليتش عنك يا فريدة، أنا كل يوم بفكر هرجعك إزاي، مستني الفرصة اللي هنتكلم فيها.. إنتي خدتي كل حاجة وضيعتينا معاكي."
نظرت له ليردف بحزن:
"لو كنتي اديتيني فرصة بس تسمعيني فيها كان زمان ده حصل."
بكت ولم تملك رداً عليه لمعرفة خطأها. لتغضبه أكثر من بكائها ويقول بغضب:
"ردي.. كان زمانا هنا دلوقتي.. شوفتي وصلتينا لأيه من ورا أفعالك.. بعدنا أوي لدرجة إني حاسس وجودك معايا غلط ومش عارف أروح فين ولا أخطي منين."
نحنت وهي تقول:
"بقيت حمل عليك لدرجة؟"
نظر لها. مسحت دموعها بكفها وهي لا تزال تبكي وتقول:
"أنا ليا بيت مش محتاجة لحد.. وديني هناك ومتشكرة على مساعدتك، أنا أعرف أدبر أموري."
نظر لها من شكلها.
"واضح."
نظرت له وقالت بحنق:
"قصدك إيه؟"
"بصي لنفسك وانتي تعرفي."
شعرت بالحرج وقالت:
"شماتان فيا.. ندمانة إني كلمتك.. روحني مش عايزة أكون معاك."
صمت ولم تدري معنى صمته. هل وافق أن يتركها؟ نظر أمامه وقال:
"مش هتتغيري؟"
نظرت له وكان قليل الحيلة بشأنها ومتضايق منها. ذهب ولم يعطها جواباً. ولا تعلم أين يذهب. هل يعيدها لمنزلها ويتركها هناك بمفردها؟ هل صدقها أنها كانت تتحدث من وراء قلبها؟ فهي لا تريد البقاء بمفردها بعد كل ما حدث معها. تخشى أن تكون بمفردها فهي ضعيفة. برغم ذلك ولولا ياسين ما كانت هنا.
توقف بسيارته حين وصل.
"انزلي."
نظرت له. خلع الحزام ونزل قبلها. تبعته. وجدته جاء إلى منزله. ذهب لداخل. نظر لها الحراس. تبعته بخطواتها الثقيلة ودخلت معه. نظرت إلى المنزل لا تصدق أنها عادت إليه ثانياً. وكأن الأمور تأتي بها إلى حيث تنتمي.
"اقعدي هنا."
قال ذلك وهو يذهب ويتركها. جلست وكانت تشعر بجسدها المتكسر. ضمت ذراعيها بحزن.
جاء ياسين وكان معه علاج. نظر لها من بعيد وهي جالسة تبكي وجسدها يرتجف مع شهقاتها التي تحاول كتمها. راح لها. نظرت له وهو يقف أمامها. جلس مقابلها ومسك وشها. تألمت. نظر لها وشعر بوجعها. تنهد وأداره ليرى نص وجهها المحمر لبشرتها الرقيقة التي لم تتحمل أثر ضرب. شعر وكأن النيران داخله تشتعل من رؤية ذلك. فحين يتذكر شكلها يود أن يقتل من تجرأ وما حاول فعله.
خد العلاج وضعه على وجهها برفق. نظرت له من اعتنائه بها بعد كل ذلك وهو يداوي جروحها. برغم من جرح قلبه لكنه حزين عليها. ذلك من كان يدَلّلها. هي من خسرت دلاله.
"مرهم عشان ميسبش أثر."
نظر لها لتتلاقى أعينهم. فتوقف لوهلة. وكانت أعينهم بها عتاب للآخر وحزن قابع داخلهم. أبعد عيناه بحمحمة. وضع المرهم جانباً.
"كملي انتي."
بعد عنها. خد منديل ومسح يده وكأنه يتهرب النظر إليها. مشي.
"ياسين."
توقف ونظر لها.
"انت مش هترجعني ليه؟ مش كده؟"
لم يرد عليها. نظرت له. فهل سيعيدها إليه؟
"اطلعي ارتاحي وبكرة نشوف الموضوع ده."
مشي وسابها. وهي تنظر له. راحت إلى الأوضة التي كانت تمكث فيها. كان الباب مغلق. دخلت ونظرت حولها لتجد كل شيء في مكانه. راحت وقعدت. بل كل شيء مرتب وكأنه جعل الخدم ينظفون الغرفة رغم أنها غير موجودة. سمعت صوت. نظرت لتجد العصافير تزقزق. فجأة. نظرت له. اقتربت منهم.
"وحشتوني."
نظرت لهم ومدت إصبعها وهي تربت على رأسهم برفق. دمعت عينها وقالت:
"انتو كمان زعلانين مني؟"
سالت دمعة من عينها، فهي اشتاقت لهم كثيراً. اشتاقت لغرفتها وسريرها. اشتاقت لرفاهيتها والدلال والحب. اشتاقت لحياتها الطبيعية التي انقلبت رأساً على عقب بين يوم وليلة.
نامت وهي تقفل عيناها بأمان. لن تقفل الباب خشبة أن يقتحم إيهاب غرفتها. ستنام وهي مطمئنة. لكن قلبها يؤلمها وتشعر بالحزن.
كان ياسين في غرفته يخلع قميصه. نظر إلى البلكونة. خرج وقف فيها وهو يستنشق بعضاً من الهواء. نظر إلى غرفة فريدة وهو يتخيلها داخلها. تنهد وهو يخفض رأسه بشرود من الآتي. ماذا سيفعل معها؟ لا يدري. فقط يعلم أنها في المكان الصحيح. من بعد ما حدث معها. تلك هي فريدة المدللة التي كان يراها دائماً. كيف الأمر بها إلى هنا؟ يشعر بالغضب. فهو لم يمد يده عليها يوماً. لم يؤذها. والآخر تجرأ واعتدى عليها. يعلم أن ما يفعله خطأ. برغم ذلك لن يعيدها إليه ما دامت عادت له.
***
في اليوم التالي. صحت فريدة من نومتها لتنظر حولها. وجدت نفسها داخل غرفتها. إذن لم يكن حلماً. أنها هما بالفعل. نظرت في الساعة. فهي قد نامت كثيراً وكأنها لم تنم منذ زمن. وجدت الأمان فنامت ليومين كاملين.
سمعت طرقات على الباب. دخلت الخادمة.
"آنسة فريدة.. نحطلك الفطار؟"
"كمان شوية."
أومأت لها وهمت بالمشي. أوقفتها فريدة وقالت:
"ياسين فين؟"
"ياسين بيه خرج الصبح."
"خرج!!"
"تمام، شكراً."
أومأت لها وذهبت. قامت فريدة. نظرت إلى ملابسها. فتحت الدولاب. لقيت هدومها موجودة زي ما هي. خدت لبس وراحت تاخد دش عشان تفوق.
***
في المنزل. إيهاب على صوت جرس الباب. اتعدل وهو يجلس. مسك دماغه.
"أي الصداع ده."
كانت رأسه تؤلمه وثقيلة. سمع الباب. تضايق. لماذا لم تفتح فريدة؟ عرف أنها نايمة كعادتها. راح وفتح الباب. وجده محصل الكهرباء.
"إيهاب أشرف."
"أيوه."
"أمضي هنا."
أمضى إيهاب ودفع خد الفاتورة وقفل الباب. راح أوضة فريدة وفتح. بس ملقهاش جوه. افتكر امبارح. وآخر نقاش بينهم. بس وقف لحظة. لم شاف ورقة على الأرض. التقطتها ونظر لها. كانت شيك بثلاث مليون. تعجب كثيرا. عاد للوراء ليتذكر وجود ياسين وما حاول فعله في فريدة وهو سكير.
انصدم. شعر بالضيق الشديد. خد تلفونه والمفتاح وخرج. ركب العربية ورن عليها. لكن تلفونها كان مغلق. قفل تلفونه بضيق وذهب.
كانت سلوى جالسة مع أشرف بيفطروا.
"احنا مش هنروح نزور إيهاب؟"
"ليه؟"
"إزاي؟ عايزة أطمن على ابني."
"سيبيهم لوحدهم. اتصلت عليه من يومين قال لي إنهم كويسين."
أومأت له وأكلت. لكن تفاجأت وقالت:
"إيهاب؟"
نظر أشرف ليجد ابنه الذي أتى إليهم.
"فريدة مش هان؟"
نظروا إلى بعضهم بشدة. قال أشرف:
"هي مش معاك ولا إيه؟"
صمت. نظرت له والدته.
"في إيه يا إيهاب؟ فريدة فين؟"
"بحسبها جت هنا."
نظر له أشرف بشدة.
"بتحسبها؟ إزاي؟ إنتو اتخانقتوا ولا إيه؟"
سكت ولم يفهموا معنى صمته. وكان متردد في التكلم. لكن أخبرهم بما حدث البارحة. أنصدم أشرف وقال بغضب:
"انت عملت إيه؟ متخلف.. أنا جايب لك واحدة من الشارع مش قادر تصبر. رحت تصيع مع الشلة بتاعتك."
قالت سلوى:
"اهدأ يا أشرف."
"مانتيش شايفه كان هيعمل فيها إيه.. كويس إنها عرفت تتصرف وتكلم ياسين. أهو أنقذها منه."
"انت فرحان إنها جبته؟ هي كلمته ليه أصلا؟ هما مش خلاص؟"
"كلمته عشان يلحقها."
قال إيهاب بضيق:
"يبابا، هي اللي ضايقتني."
"ضايقتك إزاي يعني؟"
لم يرد. فهو لم يخبرهم بما أفشاه له. ليخرج.
"خلاص، اللي حصل."
"والبنت فين دلوقتي؟"
صمت. نظرت له والدته بشدة.
"مش عارف مراتك فين."
"بحسبها جتلك.. خلاص عرفت مكانها."
قال ذلك وهو يذهب ويتركها. نظروا إليه. جلس أشرف. نظرت له سلوى.
"هتكون فين؟"
"عند ياسين."
"إيه!!!"
"بتعمل إيه عنده؟"
"وهي ليها مين غيره يا سلوى؟"
"امال احنا فين.. بعدين هو وداها عنده بعد ده كله؟"
"امال يسيبها؟"
"مقصديش بس بحسب علاقتهم انتهت. فيجيبها لنا هنا. هو ساعدها وخلاص."
"ممكن كان هيعمل كده لو مكنش إيهاب."
"يعني إيه؟"
"يعني إحنا أبوه وأمه، أكيد هنقف معاه وهنشكل ضغط على فريدة. ولو البنت خايفة منه، فخدها عنده عشان محدش يتحكم فيها وتبقى حرة."
تنهدت وهي تأكل وتقول:
"محدش كان هيضغط عليها. هو بس اللي بيهتم بيها زيادة.. بستغرب الراجل ده."
"وأنا كمان."
قال ذلك بأنه مثلاً. نظرت له سلوى باستغراب.
خرجت فريدة من الحمام وهي تجفف شعرها. شافت العصافير خلصتها التي كانت تستبشر بهم في يومها. نزلت راحت المطبخ. نظر لها الخدم.
"حضرتك عايزة حاجة؟"
"أكل."
"ثانية واحدة ويبقى عندك."
قاطعتها وقالت:
"أكل العصافير.. فين؟"
أشارت لها. ذهبت وأخذت منهم. قالت:
"مين كان بياكلهم؟"
نظروا لها وصمتوا. نظرت لهم وقالت:
"مش معقول يعقدوا كل ده من غير أكل."
"ياسين بيه كان مهتم بيهم."
صمت. وهمست داخلها:
"ياسين!!"
"قال لنا ننسهم وكنا بناكلهم زي حضرتك."
أومأت بتفهم ومشيت وهي بتفكر في كلامهم. معقول ياسين لم يتركهم في غيابها؟ هل كان يدخل غرفتها؟ وهي ماشية اصطدمت بجسد. كان الطبق هيقع منها. لكن هناك من أمسكه. نظرت فريدة لتجده ياسين. نظرت إلى يده التي تطبق على يدها. ابتعد عنها وقال:
"سرحانة ليه وإنتي ماشية؟"
"أنا آسفة.. قالوا لي إنك مش هنا."
"كان ورايا حاجة بعملها.. كليتي؟"
"لسه صاحية، هاكل كمان شوية."
نظر إلى يدها والطعام الذي تمسكه. لاحظت نظراته. قالت:
"شكراً."
نظر لها من تذكرها.
"على امبارح.. وعرفت إنك كنت بتهتم بيهم في غيابي."
"مكنتش هسيبهم يموتوا."
نظرت له حين قال ذلك. ليردف:
"نشفي شعرك عشان متاخديش برد."
ذهب فور أن قال ذلك. نظرت إلى نفسها ومسكت لشعرها. نسيت أنها فرداه وهو مبلل. فهي خرجت من الحمام ونزلت. اتكسفت. لكن تذكرت جملته الأخيرة واهتمامه بها. نبش قلبها. فهو لم يتغير رغم كل ذلك. لا تزال تهمه.
طلعت ومسكت الطعام ومدت يدها وهي تضعه لهم وتأكلهم. ليأكله من يدها. فدغدغها. ابتسمت. كانت تشعر بإشراق عن ذي قبل. وكان روحها تعود بالتجول داخلها وتتنفس هواء نقي.
كان ياسين واقف عند الباب وينظر إليها وهي جالسة بجانبهم وتلتمس ريشهم الكناري وتبتسم. كانت ابتسامتها عكس شكلها البارحة وتبدو بعافية عن رعشتها وهي لا تقدر حمل زجاجة مياه.
مشي ولم يطل النظر إليها.
شعرت فريدة بشيء. نظرت عند الباب. لكن لم تجد أحد. تعجب. هل كان هناك أحد واقف؟ تتأمل لذلك. لكن لن يحدث.
نزل ياسين. رن هاتفه. نظر إلى المتصل. لسا هيفتح ويرد. سمع صوت ضوضاء. نظر.
"في إيه؟"
تقدم ليرى إيهاب على الباب. شعر بالضيق من رؤيته. نظر له. تقدم منه وقال:
"فين فريدة؟"
"انت إيه اللي جابك؟"
"جاي لمراتي."
"مراتك؟"
"انت مش خدت الفلوس وطلقتها؟"
"أنا طلقتها؟!"
قال ساخراً:
"ماتشربش تاني بدام مش قد الشرب."
"وانت مالك؟ أنا حر."
"حر لو مش هتضر بيه حد غيرك."
عرف أنه يقصد فريدة.
"بردك.. أنا حر في مراتي."
مسكه ياسين بغضب وقال:
"مانتاش حر لما تمد إيدك عليها وتأذيها. تبقا احمد ربنا إنك لسا عايش."
قال بلا مبالاة:
"هتعمل إيه؟ فكرني خايف منك.. أي كان هتفضل واحد غريب بيدخل بين زوج وزوجته."
وكان يثير غضبه. لكن رد عليه ببرود وهو يتركه وقال:
"معدتش جوزها. انت طلقتها امبارح."
خرج إيهاب الشيك.
"اتفضل الشيك بتاعك أهو.. أنا مش عايز فلوسك، عايز فريدة."
نظر له ياسين. فهو عاد لطبيعته. فهو ليس كذلك بالفعل. قال بصياح:
"فرررريدددده.. انت وجدتها فين؟"
لم يرد عليه ياسين. نظر له بغضب. وقال ذا ما ترد.
"حبيبتها فين؟ ولا انت صدقت."
"لو كنت محترمك فده عشانها."
نظر له بضيق من بروده وقوته التي عادت بعدما ظن أنه كسره بسلب حبيبته منه.
"عايز إيه يا إيهاب؟"
نظر إلى الصوت. وكانت فريدة التي أتت على الصوت. نظر إليها. اقترب منها. ولسا هيحضنها. رجعت فريدة لورا بخوف. نظر لها وحزن.
"خليك بعيد."
"فريدة ده أنا.. إيهاب."
قرب منها. مسك وشها. خافت أن يضربها. تنهد بضيق من نفسه.
"الحمدلله إنك كويسة."
لم ترد عليه. نظر ياسين إلى يده التي تمسك بها. شعر بضيق في صدره يخنقه. نظر أمامه. نزلت فريدة إيده من عليها.
"أنا آسف.. والله مكنتش في وعي ولا عارف بهبب إيه."
"انت عارف كنت هتعمل فيا إيه امبارح.. انت مديت إيدك عليا وبعتني."
"أنا مكنتش واعي يا فريدة. أنا لا يمكن أعمل كده. انتي عرفاني.. حقك عليا."
اقترب منها وهو يحاول إرضائها. نظر لها ياسين. وقد تميل إليه.
"سامحيني. أول ما فوقت عرفت حجم غلطي."
"جاي لي؟"
قال باستغراب:
"يعني إيه جاي لي.. جايلك. متعرفيش كنت قلقان عليكي إزاي."
نظرت له ونظرت إلى ياسين الذي كان يستمع إلى الحديث ومتجاهل. لا يظهر أي شيء من خلال تعبيراته.
"يلا نمشي."
نظرت له بشدة. مسك إيدها. أوقفته وقالت:
"أنا مش هروح معاك."
"يعني إيه؟ عايزة تقعدي هنا؟"
سحبت أيدها وقالت:
"آه."
تنهد واقترب منها وقال:
"يلا يا فريدة."
"قلتلك لا."
لكنه مسك إيدها رغماً عنها. نظرت له بخوف. مشي. ونظر إلى ياسين.
"متحاولش تدخل يا ياسين."
"سيبني مش عايزة بقولك."
"وأنا مش هسيبك تقعدي هنا."
نظرت له بخوف من ما سيفعله بها. فذلك المنزل. نظرت إلى ياسين.
"ياسين."
تنهد تقدم من إيهاب وهو يقف أمامه ويقول:
"سيبها."
"قولتلك متدخلش."
لسه هيمشي. أوقفه ياسين وهو يضع يده على كتفه.
"سمعت قولتلك إيه."
"بحكم مين بتأمرني إني أسيبها.. معدش في حاجة تجمعك بيها ولا تخليني أسمعلك."
"لو فاكر إنها لوحدها فانت غلطان.. لما تعرف غلطك ابقى تعالى خده."
نظر له. مسك إيده وهو يجعله يتركها ويوقفها بجانبه. قال:
"فريدة مش هتخرج من هنا غير برضاه."
نظر له إيهاب ونظر إلى فريدة التي كانت موافقة على كلامه بل تحتمي به.
"وهي هتعيش معاك إزاي؟ انت لا جوزها ولا من محارمها.. عايز تستغلها."
"أنا مش زيك يا إيهاب. اتحوزتها تنتقم من اللي فات."
نظرت له فريدة. ومن معرفته.
"طلقها لأنها مش هترجعلك تاني."
"وده كلامها ولا كلامك؟ هتقف في وشي؟ محدش هيتأذى غيرك لو عملت محضر. انت اللي هتتضرر."
خافت فريدة أن يراجع. لكنه رد عليه:
"الطريق قدامك. اعمل اللي عايزه."
"مش خايف من المسألة القانونية واللي هيحصلك واسمك."
"أنا مبخافش من حد. فريدة هتفضل هنا ومحدش يقدر يجبرها على حاجة طول ما أنا عايش."
شعر إيهاب بالحنق ونظر إلى فريدة التي كانت خائفة منه بالفعل. ياسين لا يبالغ. بل هي حتى تخاف النظر إليه. لقد كسر دلالها معه ولن تعد مطمئنة منه. حتى كسابغ خين كانو أصدقاء.
"تمام يا فريدة. هسيبك تهدى."
نظر إلى ياسين وهو يردف بتأكيد:
"واجيلك وقت تاني نتكلم بدون محد يدخل ما بينا.. بس عايزك تعرفي إن اللي حصل امبارح مكنش مني."
مشي وتركهم. وكان مضايق. لكن يعلم أن لا خوف عليها وهي معه. سيعود إليها. لكن ليراجع حساباته.
نظرت له فريدة بعدما رحل. مشي ياسين. نظرت له. جلس.
"ياسين."
"مش معنى إنه مشي الموضوع خلص.. اديكِ سمعتي هيجي تاني."
قلقت كثيراً وقالت:
"مش هو طلقني امبارح؟"
نظر لها وصمت قليلاً ثم قال:
"الطلاق لما بيقع وهو مش واعي مبتتحسبش.. يعني انتي لسه على ذمته."
تفاجأت كثيراً. قربت منه وجلست.
"كده هيرجعني تاني؟"
لم يرد عليها. لتعلم أن تلك الحقيقة وأنها ستعود إليها. دمعت عينها وقالت بخوف:
"ياسين."
نظر لها من نبرتها.
"متسبنيش. مش عايزة أرجع تاني. انت مش شفت كان عامل إزاي."
ليرى دموعها التي تلألأ من بين جفونها كأنها تضعهفه بنظرتها تلك. تنهد بضيق.
"هحاول يا فريدة."
جه يقوم. مسكت إيده. نظر لها. تركتها بحرج وقالت:
"أنا عايزة أطلق."
نظر لها بشدة من طلبها ذاك. هل تريد حقاً الطلاق منه؟ هل سمع صحيح؟
قال:
"قولتي إيه؟"
"عايزة أطلق. مش هقدر أرجع تاني."
صمت وكأنه لم يتوقع ذلك بتلك السرعة. قال:
"إنتي ليه عندك الطلاق بالساهل كده؟ الموضوع أكبر من كده يا فريدة."
نظرت له. قالت بحزن:
"يعني مش هتساعدني؟ انت هتخليه ياخدني بجد؟"
صمت قليلاً وهو ينظر إليها ومن رجائها. قال بجدية:
"أنا قلت إني معاكي ومش هيقربلك ولا يجبرلك على حاجة…. بس هيرجع تاني."
نظرت له. ليكمل:
"تكوني هديتي، تكلمي معاه. مش هقدر أمنعه لأنه جوزك.. لحد يومها فكري تاني بهدوء. وأنا معاكي في قرارك."
قال ذلك ليطمئنها وذهب وتركها لتبقى حائرة في أمرها.
رجع إيهاب بيته. قعد وكان مضايق. مسك رأسه بضيق.
"كان لازم توافق وتشرب يعني؟"
فكان البارحة حين خرج ذهب وجلس برفقة أصدقائه من إحدى جلساتهم الليلية. التي كان يجلس فيها معهم. وبالطبع لم يكن يحكي لفريدة شيئاً عن ذلك. فهي لعادتها تضايق. لكنها البارحة من جعلته يذهب ويشرب بذلك القدر الذي يجعله مغيب تماماً.
رن هاتفه. نظر. وكان والده. تنهد. فهو لا يعرف بما يخبره أو يقول له. فلم يرد حتى يعلم ما سيفعله.
كانت فريدة في أوضتها. لقد الخادمة معها صنية الطعام وأحضرتها لها. نظرت لها. قالت بتردد:
"ياسين مش هياكل؟"
"معرفش والله."
استغربت. فهم يسألونه عادة. أومأت لها وذهبت. قعدت عشان تاكل. بس توقفت لوهلة. لما نظرت إلى النافذة. شافت سيارة تعرفها.
نزلت فريدة من غرفتها وتوقفت حين رأت ميرال جالسة مع ياسين ويتحدثا. تفاجأت من وجودها. نظرت لها ميرال.
"فريدة."
نظر ياسين ليجدها واقفة تنظر لهم. ابتسمت ميرال بلطافة.
"هاى، عاملة إيه؟"
بادلتها الابتسامة وقالت:
"الحمدلله."
"حصلت فرصة واتقابلنا تاني."
نظرت إلى ياسين وأردفت:
"حبيبي مقلتليش لي إن فريدة هنـ.."
اتسعت حتاتا عيناها من ذلك اللفظ. ونظرت إلى ياسين.
"حبيبك؟!"
وقفت ميرال بجانبه بقرب منه. وهي تقرب يدها تشابك أصابعهم وتقول:
"ياسين مقلتليش."
نظرت فريدة إليها وهي قريبة منه.
"م..مقلليش إيه؟"
نظرت إلى ياسين. ولم تفهم.
"إننا هنتجوز."
•
رواية زهرة الاشواك الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نور
قالت فريدة بصدمة:
– حبيبك!
مسكت ميرال يد ياسين وهي تشابك أصابعهما:
– ياسين مقالكش إننا هنتجوز؟
انصدمت فريدة، بل شعرت وكأن الخبر شق قلبها لنصفين. نظرت إلى ياسين بشدة، فهل هذا صحيح؟ لكن الصمت كان تأييداً لكلامها. شعرت بوخزة في قلبها ودمعت عيناها.
نظر لها ياسين، ومن تلك النظرة التي قتلته، لأول مرة الصدمة تملأ عيناها.
– مش هتباركيلنا؟
قالت ميرال ذلك، لكن فريدة كانت تنظر إلى ياسين وإلى أياديهما المتشابكة. خفضت عيناها وهي تقول بصعوبة:
– مبروك.
كانت تشعر بغصة في حلقها، ذهبت وتشعر بحمل على قلبها. إنها تتركهم بمفردهم، لقد أصبحت هي الغريبة بينهم. كيف؟ ميرال وياسين معاً؟ كيف هذا؟ لماذا ياسين؟ لماذا؟
صعدت غرفتها. نظرت لها الخادمة وهي ترتب غرفتها:
– سيبيني لوحدي.
– مش عايزة حاجة.
– خدي الأكل ده.
– مش هاكل.
– خديه.. أنا مش جعانة.
نظرت لها باستغراب. أومأت لها بتنهيدة وأخذته وذهبت وهي تقفل الباب. جلست فريدة على سريرها، سالت الدموع من عيناها:
– مستحيل.. ياسين هيتجوز.. إزاي؟
تتذكر زواجها من إيهاب، فهي فعلت ما في رأسها، وتلك حياته التي لن تعود لها أن تدخل بها. أصبح لغيرها.
كان ياسين لا يزال واقفاً. مسكت ميرال يده، نظرت له، أجلسته. قالت:
– واقف لي؟
جلس معها. نظرت له وقالت:
– أنت ناوي تعمل إيه؟
– مش عارف.
جاءت الخادمة وهي تقاطع جلستهم وتقول:
– الغداء يا ياسين بيه.
أومأ لها وقال:
– يلا.
قامت معه. أخذت السفره وقالت:
– كنت عايزة نتغدى بره، بس مش مشكلة مرة تانية.
جلست ميرال. كان ياسين سيعقد، استوقفه شيء. قال:
– فريدة أكلت؟
نظرت له ميرال. ردت الخادمة بالنفي وقالت:
– لا، قالتلي آخد الأكل وأسيبها لوحدها، تقريباً هتنام.
– تنام؟!!
نظر إلى غرفتها. قالت ميرال:
– فيه حاجة يا ياسين؟ ممكن تكون تعبانة وعايزة تريح.
صمت، فهو يعلم أنها استيقظت للتو ونامت كثيراً، لماذا تنام ثانياً؟ كان سيعقد، لكن شيئاً ما أوقفه، وهو مشهدها البارحة وهي ضعيفة. لأهمالها، تنهد وقال:
– كلي أنتِ.. راجع.
نظرت له. ذهب وراح إلى أوضة فريدة. كان سيدخل، بس وقف لما عرف أنه لازم يخبط الأول، فلم تعد فتاته، بل أصبح غريباً عنها. شعر بالاختناق من تلك الفكرة. تنهد وأطرق عليها وقال:
– فريدة.
لم ترد عليه. مسح المقبض بتردد ليسمع صوتها وهي تقول:
– عايز إيه؟
استغرب من صوتها وقال:
– ممكن أدخل؟
– لأ وامشي.
لم يسمع كلامها وفتح. شافها نايمة ورافعة الغطاء عليها. قال:
– مأكلتيش ليه؟
– مش عايزة.
كانت تحدثه وهي لا تنظر له. تنهد وقال بنفاذ صبر:
– قومي يا فريدة عشان تاكلي.
قالت بصراخ وغضب:
– قلت مش عايزة.
تضايق منها وقال بضيق:
– يعني إيه مش عايزة تاكلي؟
– يعني مش عايزة آكل.
قرب منها، مسكها وهو يلفها بغضب، بس تفاجأ حين رآها تبكي، فتوقف وزال ضيقه أمام دموعها.
– أنتِ بتعيطي؟!
نشجت ودموعها تسيل وتبعد وجهها وتقول:
– ده يهمك في إيه؟
– أكيد يهمني..
نظرت له حين قال ذلك، ليردف:
– أنتِ عارف إن دموعك بتضايقني.
خرج منديل وهو يمسح وجهها بحنان، لتنظر له بحزن وتقول:
– لسه بتضايقك يا ياسين؟ ولا كان الأول؟
نظر لها. التقت عيناهما، الذي لم، لا يعلم ذلك الحزن الذي داخلهما. قال:
– بتعيطي ليه؟ مش عايزة تسيبيه؟
زقته وهي تقول بغضب:
– مش عايزك تسيبني.
تعجب من قولها، لتردف:
– ليه هتتخلى عني؟
– هتخلي عنك؟
– أيوه، هتتجوز وتبعد عني.. وأنا!!…
كانت تبكي بحزن وهو ينظر لها. فهل متضايقة من جوازه؟ قال:
– مش هبعد.
– هتبعد، هيبقا ليك حياة أنا مش فيها.
– ليه بتقولي كده؟
– الحقيقة… يلا امشي بقى، روح اعقد مع حبيبتك الجديدة.
عادت إلى سريرها وهي تبكي. قرب ياسين منها وقال:
– فريدة.
لم ترد عليه. تنهد وقال:
– فريدة، ممكن تهدي؟ وقفة عياط عشاني.
نظرت له. صمتت حين قال ذلك:
– معرفش جبتي الكلام ده منين.. مش هسيبك، صدقيني، أنتِ هتفضلي معايا.
– يعني مش هتبعد عني؟
– لأ.
نظرت له. نظرت على الباب لتجد ميرال واقفة وقد سمعت كلامهم وما قاله ياسين بالتحديد.
– أوعدني.
استغرب منها، ألم تعد تصدقه؟ قال:
– مش مصدقاني؟
– مصدقاك، بس الظروف هتحكم عليك إنك تتخلى عني.
صمت باستغراب. ولن يفهم كلامها، بينما هي تقصد الظروف بميرال، التي تعجبت من فريدة، فهي تعلم أنها تسمع حديثهم. هل تريد أن أثبت لها أن ياسين متمسك بها برغم أنهم سيتزوجون؟
تنهد ياسين وقال:
– قومي كلي، مش عايز أشوفك زي امبارح.
لم يعطها جواباً، لم يوعدها كما أرادت، لأول مرة يخذلها في طلب لها، لتدرك أنه لم يعد كما كان ناحيتها. شعرت بالحزن، فهي تمنت أن يقول ذلك لتجعل ميرال تسمعه.
لف ياسين وشاف ميرال واقفة. دخلت وقالت:
– كنت جاية أشوفك، اتأخرت ليه؟
أومأ لها. نظر إلى فريدة التي كانت تشعر بالحزن، قال:
– يلا يا فريدة، انزلي معانا.
ضمّت شفتاها بمعنى لا. نظرت له ميرال، فهل تتدلل عليه؟ هل تلك تصرفاتها في العادة؟
– اسمعي الكلام.
نظرت له. قال:
– يلا.
أومأت له بالطاعة كعادتها، حين أدركت أنها ستأكل معهم ولن تأكل بمفردها.
على السفرة، كانوا يأكلون وفريدة تنظر إلى ياسين وميرال، التي كانت تحادثه وتشعر أنها الغريبة من بينهم. بل كان يبدو الشروق على وجه ميرال، وهي وجهها معتم. يحترق قلبها، ولا تزال لا تستوعب ما يجري.
– أمال فين أنور؟
قالت فريدة ذلك وهي تقاطعهم. توقف ياسين لوهلة عن الأكل. نظرت له ميرال:
– مجاش معاكي ليه؟
قالت ميرال:
– أنور مشي.
– مشي فين؟!
– سافر من شهر.
تفاجأت فريدة كثيراً، قالت:
– سافر فين.. وليه؟
صمت ملا الاثنان وحزن ياسين، فصديقه لم ينساه ويشعر بفقده. نظرت فريدة إلى ياسين وحزنه ذلك، قالت:
– أنتوا متخاصمين ولا إيه؟
– لا.
– أمال إزاي متعرفوش هو فين.. مبتتكلموش معاه؟
– غير رقمه.
– قصدك إن ميعرفش بخبر جوازكم؟
أومأ لها بمعنى لا. أومأت بتفهم وقالت:
– هيزعل لما يعرف.
نظر لها ياسين حين قالت ذلك. لاحظت نظراتهم. قالت بتفسير:
– عشان مقولتلوش عن الخبر المهين ده، وهو صاحبكم أوي يعني.
ردت ميرال:
– لو كنا بنتواصل معاه أكيد هنقوله.
وقف ياسين وذهب ولم يكمل طعامه. نظرت له ميرال. تنهدت بحزن. قالت فريدة:
– أنا قلت حاجة غلط.. إزاي متعرفوش إنه سافر؟ مبتكلمهوش يعني؟
– قولتلك غير رقمه.
– ليه؟
– ممكن عايز يستريح من الشغل، ياخد إجازة، يبعد شوية، يغير جو.
أردفت بقلة حيلة:
– ياسين بيزعل لما يفتكر إنه مشي، حتى مش عارف يكلمه.. أنور سافر مرة واحدة، ويعلم هيرجع تاني ولا لأ.
– أنتِ قلتي إنه خد إجازة.
– ده إلى بقوله لنفسي، هو قال مش راجع.. بس الفكرة دي مش قادرة أتقبلها.
قالت آخر جملة وهي تخفض وجهها بمعالم الحزن. نظرت لها فريدة، قالت:
– بتحبيه؟!
تعجبت ميرال من قولها ذلك. أردفت:
– كصديق يعني.
– أكيد… بقينا اتنين، التالت اللي كان بينا مشي. متعرفيش أنور كان إيه بالنسبالنا.. كان هو اللي بيخرجني من اللي أنا فيه، كنت قادرة أعيش بعيد عن أهلي لأنه مكنش بيحسسني بده..
ابتسمت وهي تتذكر مزاحه وسخريته. كان الفكاهي اللي بينهم. كانت فريدة تسمع إليها ولحزنها. لتجدها تكمل:
– بس ياسين وجوده مهون عليا خوف، أعقد في الشركة لوحدي وسط الشغل، بس هو بقى يفضل معايا، وسأل بيسهر ع الشغل ومبيجوش، مبقت أقضي وقت أكتر معاه.
تضايقت من كلامها، فهل ياسين يبيت في الشركة معها، يتأخر وتراه اليوم بأكمله؟
– بس ياسين معايا وده كفاية.
– كفاية!!
– أيوه، أنا هنا عشان ياسين. وجودي في مصر مكنش غير عشان أبقى قريبة منه.
قامت وهي تمسح فمها:
– هروح أشوفه.
نظرت لها فريدة وشعرت بالضيق. إذا كما كانت تعرف أنها تركت أهلها وحياتها في بلدها فقط لأجل أن تكون مع ياسين. لم تخطأ في غيرتها، ولم يخطأ قلبها أنها تحبه. حتى وهو زوجها وكان يحبها، وتعلم ذلك. لم تتوقف عن حبه واستمرت. هل أحبت زوج شقيقتها حقاً؟ هل نسيت من يكون ياسين وأنه تزوج من شقيقتها في السابق وتريده ولا تهتم لأحد؟
كانت ميرال بدور على ياسين. شافته واقف في مكتبه قدام النافذة. دخلت وقالت:
– بتفكر في إيه؟
نظر لها من وجودها قال:
– مفيش.
– مش ناوي تقولي عن فريدة؟
– مالها؟
– هتعمل فيها إيه؟ هتوديها فين يعني؟
نظر لها حين قال ذلك، فتلك المشكلة التي تدور برأسه. قال:
– فريدة هتبقى معايا، ده اللي أعرفه.
نظرت له بشدة قالت:
– تبقى معاك إزاي يا ياسين… أنت نسيت إن دي يعتبر طليقتك، اللي كنت بتحبها وهتتجوزها؟ عايزني أوافق تعيش معاك بالسهولة دي؟
– عاشت معايا قبل كده في الأول ومكنش فيه حاجة.
– الكلام ده لما كانت علاقتكم في الأول مفهاش أي حاجة غير إنها بنت عم يعقوب وأخدها وصاية، بس دلوقتي…
– الوضع واحد يا ميرال، هي لسه وصاية.
– بعد كل اللي عملته.
– مدخليش مواضيع تانية ببعضها، ملهاش علاقة بمسؤولياتها مني.
– بس ده معدش ينفع، وجودها معاك غلط، غلط يا ياسين.
– عايزني أعمل إيه؟ أسيبها عند أشرف؟ يبقى أبو إيهاب اللي هي عندي هنا بسببه، وخايفة ترجعله؟ عايزني أرجعها لأهله عشان ميبقاش عندها اختيار غير إنها تبقى معاه؟ ولا أوديها لمدحت عشان يحاول يقتلها ويطمع في فلوسها؟
– إيهاب ده اختارته واتجوزته بكامل إرادتها، ولا أنت نسيت؟
شعر بالغضب من التذكر. قالت:
– هي اللي تتحمل مش أنت، دي اختيارها وهما أحرار.
– فريدة مش هترجع له.
نظرت له بشدة حين قال ذلك بتلك الجدية، ليردف:
– طلبت الطلاق، وده اللي هيحصل.
– أنت بتقول إيه يا ياسين؟ عايز تطلقها غصب عنها؟ ممكن يتفاوضو ويرجعو.
– مش هترجع. لما يمد إيده عليها ويحاول ياخد منها حاجة غصب عنها، فهو محترمهاش ولا احترم إن دي مراته وبنت، حتى استقوى عليها وشوفت ده بعيني.. فبالتالي مش هترجع لشخص زيه.
– معرفش شوفت إيه، بس ممكن الموضوع مش كده، أكيد حصل حاجة بينهم خلته كده.. أنا مبدافعش لحد، بس أنا وأنت عارفين إيهاب كان بيحبها إزاي، مش من يوم يحاول يأذيها وبعد ما تبقى مراته كمان.
تضايقت من ذلك اللقب كثيراً. قال:
– هي اللي تقرر.
– ولما تقرر هتبقى مع مين؟ مع أهلها ولا هتعقد هنا؟ نفترض إنها اتطلقت وعملتلها اللي هي عايزاه، هتبقى مع مين؟
صمت. نظرت له قالت:
– معتم برضو.
– أيوه.
– أنت عايز كده.. عايزها تبقى معاك يا ياسين؟!!
تنهد وهو يقول:
– مقدرش أسيبها، افهمني.
– هي معدتش صغيرة، قادرة تهتم بنفسها. مبقولش سيبها أو اتخلى عنها، خليها معاك وروح شوفها، بس مش تكون في نفس البيت. افهمني أنت.
– بس هي صغيرة ومينفعش تعيش لوحدها… هنا مش زي هناك، لما البنت تبلغ 16 قادرة تعيش لوحدها.
– أنا عارفة كل حاجة، وأنا مش غريبة.. بس أنا هتعيشها معاك بصفتك إيه؟ جوزها؟ ولا قريبها ولا صديق باباها؟ وهتعيش معاك لحد إمتى؟ تتجوز وتعيش مع جوزها؟
كان يشعر بالغضب من ما تقوله، زواج ثانياً؟ هل سيتحمل رؤيتها تتزوج من رجل آخر؟
– هتستنى لما حد يطلب إيدها وتتجوز.
– فريدة مش هتتجوز غير بعد ما تخلص تعليمها، وهتكون معايا لحد يومها.
ابتسمت وقالت:
– هتجوزها بنفسك ولا إيه؟
صمت وهو ينظر لها بجدية بمعنى أجل. تفاجأت وقالت:
– ياسين، أنت بتهزر؟
تنهد وذهب. مسكت يده قالت:
– رايح فين؟ مخلصناش كلامنا.. هتعيش معاك في نفس البيت وشك في وش بعض.
– عندك حل تاني؟
– هي عندها أهل، مفيش غيرك يعني. أنا اللي مش هستحمل وضع زي ده، مش أنت.
نظرت له. أردفت:
– أنا مش أنانية، بس أنت مش شايف اللي بتقوله وعايزني أتقبله.
– ده اللي عندي يا ميرال.
نظرت له، لا يبالي بها. صمت قليلاً ثم قال:
– فريدة مريضة.
نظرت له. أردف:
– وأنا بشوف نفسي سبب في مرضها، من بعد اللي حصلها، مش قادرة تمارس حياتها بشكل طبيعي. غلطة ممكن ملقاهاش معاها.
تتفاجأت ونظرت له. ليردف بتأكيد:
– عشان كده هي هتفضل معايا حتى لما تتجوز.
نظرت له بشدة ليكمل:
– هي مسؤوليتي، وأنا هتحملها لحد ما أموت. ياريت تفهمي ده يا ميرال.
قال آخر جملة معلناً إنهاء حديثه وذهب، وهو يتركها تطالعه وكأن يضعها أمام الأمر الواقع. هي فريدة، الذي لن يتركها حتى بعد زواجه، ستكون معه.
راحت وراه قالت:
– ياسين.
توقف حين نادت عليه. سمعت فريدة الصوت. نظرت لهم.
قالت ميرال:
– قصدك إيه؟ إن لما نتجوز هتبقى معانا؟
صمت، فهو أخبرها بكل ما لديه. كانت فريدة عايزة تعرف اللي بيحصل. أرادت أن تسمع ما يقوله.
قالت ميرال:
– لو قلتلك إني كنت على علاقة بواحد ولسا معاه، هتسبني مكملة.
نظر لها بشدة:
– أنتِ بتقولي إيه؟
– أضايقت ليه؟
– متوهيش يا ميرال، إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ حقيقة ولا لأ؟
لم ترد عليه. قالت:
– لما تديني رد هقولك.
أمسكها وقال بغضب:
– ردي عليا.
نظرت له من غضبه ذلك. قال:
– صدقت.. ياسين، أنا بقول مثلاً. سبيني.
سألها ونظر لها وإلى غضبه. قالت:
– معقول تصدق إني بحبك وأكون مع واحد؟ كنت بحطلك مثل عشان تحس بال أنا حاسة بيه.
– غلطانة يا ميرال، أنتِ جبتي مثل مش زي الوضع اللي فريدة فيه.. جبتيه مثال قذر.
– ليه؟ فهمتها كده؟
قربت منه وقالت:
– علاقة مع واحد.. كان قصدي حب، رسائل إعجاب، ليه شفتيها من منظور تاني؟ عشان دارين مش كده؟
نظر لها بشدة. قال:
– دارين؟
صمتت بتوتر من نظراته. قال:
– مالها دارين؟
– مش خانت.
انصدمت فريدة. هل أقول؟ هل أختها ذلك؟ نظرت إلى ياسين، فهل خانته بالفعل؟
– وأنتِ عرفتي منين؟
– سمعتك وأنت بتقول لفريدة يوم الفرح.
صمت وتذكر ذلك اليوم. قال:
– وأنتِ صدقتي؟ ممكن بقول كده عشان أرجعها.
– أنا بصدق أي حاجة أنت بتقولها.. ومش أنت اللي تسيء لعرض واحدة كانت على ذمتك عشان ترضي غيرها.
سخر من نفسه. فريدة، الذي كان يحاول يشرح لها، لم تصدقه. وميرال صدقت ما قاله برغم أنها أختها.
– أنا عارفاك يا ياسين، وأنت مبتكدبش، وعرفت يومها كل حاجة كنت مخليها وعشت بتتوجع بسببها.
شعر بأنها ستعود بكلامها به للوراء. قال:
– نتكلم بعدين.
جاء يمشي. مسكت يده. تضايق منها. وقفت قدامه قالت:
– مش هتنسي اللي عملته، والدليل إنك مش قادر تتخطى خيانتها. بس ده مش ذنبك ولا ذنبي يا ياسين.
قالت آخر جملة بحزن. نظر لها، لتردف:
– أنا بحبك. ولو شوفت حبى ليك قد إيه، هتعرف حجم غلطك معايا وسوء ظنك بيا. أنا آسفة عشان ضايقتك باللي قولته.. بس أنا مش دارين، ولو شفتني زيها، حياتنا هتبقى كلها معاناة.
ذهبت حين ألقت عليها كلامه وغادرت، تتركه عالقاً بين الماضي والحاضر. فميرال جزء من ماضيه. حين ينظر لها يتذكر دارين. تنهد بضيق من نفسه ومشي. بس وقف لما شاف فريدة تنظر له والدهشة تملأ عيناها من الحقيقة التي عرفتها، بل كانت تعرفها وتتجاهلها.
– اللي قلته صح.. دارين خانت.
كلمة يرد عليها وذهب. نظرت له. دخل ياسين أوضته. مسك رأسه وجلس. جت فريدة وشافته. كان متصبب عرقاً، عروقه بارزة، تلك الحالة تشعر أنها رأتها من قبل في ياسين، ولم تعلم سببها. كان ماضيه من يفعل به ذلك.. دارين.. كانت هي السبب.
– ياسين.
قالت ذلك وهي تدخل. لكنه قال دون النظر إليها:
– امشي يا فريدة، دلوقتي.
لم ترد عليه. اقتربت منه وجلست بجانبه. نظر لها. قالت:
– عارف إني مش هسيبك وهقعد.
– بس أنتِ سبتيني قبلها في وقت مكنش ينفع تسبيني فيه.
نظرت له حين قال ذلك. قام ليترك الغرفة لهما بأكملها. قالت:
– لو كنت فهمتني مكنش ده حصل.
توقف. نظر لها. قال:
– حاولت أفهمك، مدتنيش فرصة.
– مكنتش مصدقة كل حاجة كانت بتقولي إنك–
– إني كداب؟ ياريتني كنت كده.. فكرك إني هكدب وأقلل من رجولتي ليه؟ هقولك إني اتخانت من فراغ؟ ف راجل يقبل يقول ع نفسه كده؟
شعرت بالحزن أنها لن تصدقه. قالت:
– ولما هي خانتك، كنت لسه مخليها معاك ليه؟ كنت بتروحلها بتزورها وأنا معاك؟ شايف إن ده عادي؟ معقول لسا بتحبها عشان كده مخليها على ذمتك رغم خيانتها ليك؟
– أنتِ مشفتيش كانت عاملة إزاي.. خسرت نفسها وابنها، خسرت حياتها.. وانتحرت يوم الفرح بسببي.
نظرت له بشدة. قالت:
– انتحرت؟
– كانت في مصحة بعد الحادثة. الدكاترة قالوا إنها في صدمة، بعالم هتفوق منه ولا لأ.. كنت حاسس إني السبب في اللي هي فيه، وخسارة ابننا كان بسببى، وده لأني مكنتش شايف قدامي ومش مركز في السواقة، مكنتش مركز في حاجة غير اللي قالتهولي.
نظرت له والألم يظهر على وجه:
– مشهد الدم وهو محاوطني، وهما قدام عيني.. جوزيف اللي كان بيصرخ صراخ مش عادي، وأنا مش قادر أتحرك.. لحد ما صوته وقف. كل الأصوات كانت في دماغي مش راضية تسيبني من يومها. بعد ما فوقت اكتشفت إن ده مكنش كابوس، كان حقيقة. ابني مات ودارين حالها نفسية اتحجزت بسببها.. كنت بروحلها كنوع من الإنسانية، لأن اللي كان بيني وبينها مكنش حب عادي، ممكن يكون اتخطى الكلمة دي.. أنا بس كنت عايز أسألها ليه عملت كده، امتى وفين وإزاي ومع مين.. أنا محرمتهاش من حاجة عشان آخد ده منها.
– كنت تطلقها ولا إنها تفضل لسه على ذمتك؟
– فكرك كنت فرحان.
نظرت له باستغراب ليكمل:
– دارين لما اعترفتلي مكنتش قادر أستوعب يومها.. لأن مفيش واحدة تعترف بخيانتها، وده كان مخليني معاها عشان لما ترجع أعرف منها كل حاجة، خانتني فعلاً ولا بتقول كده وخلاص زي عادتها عشان تشوفني متفتح ولا رجل شرقي.
– مفيش راجل أي كان مين هو يقبل هزار زي ده، ومفيش ست تقبل ع نفسها الخيانة إلا لو كان فيه سبب.
– كنت عايز أعرف السبب، بس هي مشيتش قبلها.
إذا هذا السبب كان باقياً فقط، لأن يشك بخيانتها ولن يتأكد منها بعد. كان هناك ما يخبره أنها لم تخونه، وكان ذلك قلبه وعقله، الذي يترحم الحسابات ويخبره أنه تعرض للخيانه من زوجته، وطعن في شرفه. كان يريد التأكد بعدهت، كي يزول الإحساس بالمسؤولية ويعيش بعيداً عنها للأبد، لكنه لم يأخذ شيئاً منها، وتركته دون جواب.
– كنت معاها عشان تعرف جواب لأسئلتك.
قالت فريدة ذلك بإستدراك. نظر لها. أردفت:
– كل اللي أنت قلته هي كانت السبب فيه، مش أنت. هي اللي عملت في نفسها كده، ليه تاخد غلطها؟ ليه مقلتش إنك اتخانت بدل ما تبقى أنت الغلطان؟
– هتخسر عيلتها هي كمان، وفكرت في نفسي.. مكنتش عايز أضحى باسمي وشغلي، لأن محدش هيقدر يغطي خبر زي ده، إن مراتي خانتني.. مش هقول نظرات شفقة، سخرية من حد. قفلت الموضوع، أفضل لينا احنا الاتنين.
قالت ساخرة ممتزجة بالحزن:
– طب كويس إنك فكرت في نفسك المرة دي، بس بدل ما تفكر فيها طول الوقت.
– والدك كان مؤيدني في كلامي.
نظرت له بشدة. قالت:
– بابا.
أومأ لها إيجاباً. ليردف:
– مكنتش عارف أعمل إيه. جيت مصر وقعدت معاه، وكان معايا في قراري.. لو فتحته هفتح عليا مواجع طويلة ملهاش نهاية. خليت اللي حصل ماضي ملوش دعوة بحاضري.
نظر إليها وأردف:
– عشان كده مقولتلكيش. مكنتش عايز الماضي بتاعي يأثر على حياتي معاكي.
نظرت له بشدة. قالت بغضب:
– حياتنا قصدك؟ دي كانت حياتنا اللي المفروض أعرف عنك كل حاجة.. لو كنت قلتلي على كل حاجة من الأول… ليه مقولتليش، ليه؟
قاطعها وهو يقول:
– أقولك عشان تسبيني؟
نظرت له. ليردف:
– ردي.. عملتي إيه لما عرفتي؟ سبتيني؟
قال آخر جملة باختناق. شعرت بالحزن:
– كنت عايز أقولك كل حاجة، بس خوفت. فجأة لقيت نفس السيناريو اللي اتخيلته، ما تعرف بيتحقق.. أول حاجة سبتيني وكدبتي أي كلمة قولتهالك. أنتِ مصدقتيش حتى إني اتخانت، كأني باخد منك شفقة.
حزنت وهي لا تملك ما تقوله:
– اتكلمي يا فريدة، عايزاني أقولك ليه؟ عشان يحصل اللي حصل، وده يبقى رد فعلك اللي أنا عارفه.
– عارفة إني غلطت من رد فعلي، بس أنت كمان غلط. عارف حسيت بإيه وأنا بتخيلك رايح لها وأنا قاعدة هنا مستنياك وفاهمة إنك في شغل؟ لما أتخيل إنك كنت معاها، كنت بحترق.. حسيت إني اتخدعت فيك أوي، وكل اللي عيشتهولي كدب.. حتى حبك شكيت فيه وإنه كدب.. كنت عايزة اهتمام، تتمسك بيا، اكتب من كده. بس أنت اللي اتخليت.
– اتخليت عنك؟!! كام مرة عايز أقابلك، أتكلم معاكي فيها، وأنتي رفضتي.
– أنت مدتنيش اهتمام حتى عشان أوافق أقابلك… أنا كل اللي كنت شايفاه واحد كذب عليا في أكبر حاجة ممكن أتخيلها.. أعرف إنك متجوز ومراتك عايشة.. مراتك اللي كنت عايش على ذكرياتها ومش عارف تخرج منها.
– ياريتك ادتيني فرصة أفهمك.. فرصة واحدة بس يا فريدة، نتكلم زي أي اتنين متفاهمين، بس أنتِ مدتهاليش. أنا كنت بحبك بجد، حبى اللي شكيتي فيه مضعفش.
دمعت عينها وقالت:
– كنت…
لم يعد كذلك. لم يرد عليها. قال:
– حبك كان ضعيف أوي يا فريدة، كأنك محبتنيش أصلاً.. كأنك لقيتي غلطة مسطرة فيها عشان تتخلصي مني.. كأنك فعلاً شايفة علاقتنا غلط وعايزة تبعدي.
وكان يقصد كلامها حين كان يحاول إرجاعها. "علاقتنا كانت غلط من الأول، معدتش عايزك، خلينا ننهيها لحد هنا." لعنة نفسها مراراً. هي فقط لم تكن تعلم ما تقوله، كانت تريد أن تنتقم على لا شيء. تنتقم وقلبه هو من يتفتت، ولا تدري ذلك. رأت ألمها أكبر من ألم قلبه، وهي من كانت تعتصر بين يديها. قالت بحزن:
– ياسين.
– لو كان فيه حد اتخلى، فهو أنتِ.
– كفاية شكك فيا.
نظر لها حين قال ذلك، لتردف:
– لما شوفت صورتي مع إيهاب في المول، وجيت وكان شكلك غريب زي ما اتحولت مع ميرال.. كنت بتنصحني خوفاً إني أبقى زي دارين وأخونك، مش كده؟
قالت ذلك بانكسار. تذكرت حين أتى وهو في حالة من الغضب بسبب صورة مع إيهاب وهما بيحضنوا بعض، ولما يجلسون وينصحها: "خلي بالك من نفسي وحافظي عليها عشان منخسرش كل حاجة".
– معقول شوفتني زيها؟ عندك تبرير لده كمان؟
قرب منها. نظرت له. وقف أمامها قال:
– عمري ما شكيت فيكي يا فريدة، أو شوفتك يوم زيها.. والدليل إني محبتش غيرك، لأنك الوحيدة اللي وثقت فيها وشوفتك بريئة، عكس فكرتي اللي كانت هتثبت عنهم، وإلا ما كنت هتجوز. حياتي كلها عايش في شك.
نظرت له، فهل هي من كسرت شكه؟ هي من حررته وخليته قادر يتزوج غيرها الآن.
– لما كنت بنصحك في دي، كانت نصيحة من خوفي عليكِ، مش إني خايفة تعملي زيها.. كنت بنصحك عشان كنت بعتبرك مني وخايف عليكي من الدنيا وقلبتها…
شعرت بالحزن من ذلك الحب الذي تجاهلته واستغلته ضده. شعرت بالحزن من غبائها الشديد.
– تاني مرة بتسيء الظن فيا، ومع ذلك لسه معاكي.
قال ذلك بقلة حيلة من قلبه، الذي لا يستطيع تركها. مشي. لكنها أسرعت بإمساك يده وقالت بصوت يرتعش بالبكاء:
– ياسين، أنا آسفة.
توقف وظهر الحزن على وجه. ولم يلتفت إليها:
– سامحني.
نظر لها من دموعها المتجمعة. يريد أن يربت عليها، يمسح دموعها، لكن متقيد بأحكام. تذكر ميرال، التي تخبره بحبها، وأن تقيد لامرأة أخرى تثق به.
– أنا آسفة أوي.
تنهد وهو يقول:
– متتاسفيش.
نظرت له، فهل سامحها؟ ليردف:
– اللي حصل انتهى، بلاش نتكلم فيه.
شعرت بأن قلبها يتكسر. معقول؟ هل أصبحت ضمن ماضيه الذي لن يفتحه مجدداً؟ هل أغلق صفحتها كدارين ووالدته؟ سالت دموع من عيناها. سابت يده ومشيت فوراً من أمامه. وقفت على السلم وهي تستند وتمسح دموعها، لكنها تسيل بغزارة وهي السبب فيها. لماذا تبكي الآن على خسارته؟ أليس هذا ثمرة أفعالها؟ راحت سريعاً لغرفتها وأنهالت بالبكاء:
– ليه يا ياسين.. عارفة إني غلطت، بس متعاقبنيش كده.. هتتجوز وتعرفني إنك أكبر خسارة ليا؟ مش هقدر أستحملها. حياتي كلها هعيش في ندم.. ليه عملت كده؟
بكت بحزن وندم أنه لم يعد لها. تتذكر كلماته، عتابه الذي كان يكتمه، كل الحقيقة التي عرفتها الآن. لو كانت استمعت له لما حدث كل هذا.. لماذا هي غبية لهذا الحد؟ لماذا نسي أنها لا تزال صغيرته، ولا يأخذ بأفعالها، بل يفهمها خطأها برفق… الست الفتاة المراهقة المدللة كما تدعي، لما لا تنصحني كالعادة، وأنك لست حزيناً مني.. كأني كسرت بك شيئاً لن يعود كما كان.
كان ياسين واقفاً في مكانه، لا يزال يشعر بطيفها. تنهد، وذهب إلى الحمام وهو يغتسل وجهه بمياه باردة. تذكر كلامها وهي تمسك بيده، الذي سحبها من بين كفيها، وكأنها خطأ يتهرب منها. بل هي بالفعل خطأ، ومكانها خطأ، وكل ما يفعله خطأ. لا يجب أن يعود بالتفكير به. نظر في المرآة وهو يرى طيف ميرال وإيهاب. تلك الحقائق التي تحاوطه. أصبح غرباء بالفعل.. ابتعدا.. ابتعدا كثيراً، وقيدتهم حدود لا مفر منها. إنها متزوجة، وهو أصبح في عقدة امرأة أخرى، ولن يخون ثقتها به. سامحيني يا فريدة.. لم نعد مثل السابق.. القلب عاشق، لكنني لم أعد لك، ولم تعدي أنتِ لي.
***
كان إيهاب جالساً مع عائلته. قال أشرف:
– سبتها عنده.
– هرجع تاني بس تكون هدأت.. لأول مرة أشوفها خايفة من حد كده.
قالت سلوى:
– طبيعي.
نظر لها باستغراب، لتردف:
– مقصدتش حاجة، بس يعقوب الله يرحمه كان مدلعها ومكنش عنده غيرها، وياسين كان مضيع الثقة في نفسها ومبيغلطهاش.
قال أشرف:
– البركة في إيهاب، خلي البنت حتى خايفة تيجي هنا بسببه.
حزن إيهاب من الحقيقة التي قالها والده. مشي وتركهم. قال:
– أنا مكنتش في وعي، مكنش قصدي أقسي عليها، وتكون القساوة دي مني مع فريدة.. أنتِ عارفة حتى يوم أما عرفت إنها بتحبه، سبتها رغم إني حسيت بخيانة، بس محبتش أعملها حاجة.
– وأنت مش شايف إنها استغلتك كمان في جوازك؟
صمت ولم يرد عليها. قال:
– أنا كمان يا ماما، كنت عايز أحقق انتقام منها ومنه.. حسيت إني لما هتجوزها هبقى أثبتله إنها رجعتلي بعد ده كله وبقت ليا، وأكون رجعت كرامتي.
قالت بتفاجؤ:
– يعني أنت مبتحبهاش عشان كده اتجوزته؟
تنهد وقال:
– لأ يا ماما، أنا بحب فريدة ومش قادر أنساها. واحد دلوقتي عايز أرجعها.
– كفاية يا إيهاب.
نظر لها. ربتت عليه وقالت:
– كفاية عشانك متتجرحش أكتر، وعشانها متجبرهاش.
لم يرد عليها. فهل يتركها بعدما أصبحت له، يتيها لتعود إليه؟
– أنت صحيح مقربتلهاش؟
نظر إلى والدته. لتردف:
– محصلش حاجة بينكم يعني.
– لأ يا ماما، أنا هكدب في حاجة زي دي، ليه؟
ابتسمت بخفاء وقالت:
– طب كويس.
نظرت باستغراب شديد من سعادتها أنه لم يتمم جوازه منها. قالت:
– أقصد كويس عشان اللي حصل ده وخناقة من أولها.
أومأ لها بتفهم. قالت:
– أنت كلمتها؟
– مش عايزة تكلمني. كلامي كان مع ياسين.
– مبتتكلميش على فريدة، بتتكلم على تسنيم.
تعجب كثيراً. قال:
– تسنيم؟
– أيوه، أنت مش بتكلمها؟
– لا، بقالي كتير مكلمتهاش..
استوقفه شيء. قال:
– هي عرفت إني اتجوزت منين؟ مفتكرش إني قولتلها.
– وأنت كمان عايز تقولهالها؟
لم يفهم ما تقصده والدته.
– جت وسألت عن فريدة، وقولتلها… شوفت في عينها الزعل، خلتني أندم إني اتكلمت.
صمت إيهاب ولم يعلق على كلام والدته. نظرت له سلوى، قالت:
– متعرفش عنها حاجة، بما إنها صاحبتك أوي و…
– لأ، معرفش.
قال ذلك وهو يقطع الحديث، كأنه لا يريد أن يسمع شيئاً عنها. قال:
– عايز أريح.
سكتت بقلة حيلة من ابنها، فهو يتهرب كعادته. تنهدت وقالت:
– متنامش، الأكل هيتحرق.
قامت وسابته وقالت داخلها:
– بتحب اللي يجرحك بس.. هو ده الحب؟ محدش بياخد اللي يريحه.
كان إيهاب جالس. نظر إلى والدته بعد أما مشيت. افتكر كلامها عن تسنيم، الذي بالفعل لا يعلم عنها شيئاً. فتح تلفونه، بس وقف لحظة. نظر على الرسائل. لم يجد أي رسالة من تسنيم، وهذا بغير عادتها. فهو قفل منذ أيام. توقع أن يجد منها أي رسالة واهتمام، وهي تسأله أين هو حين يقفل خمس دقائق. لطالما كانت تلك الفتاة تعطيه اهتماماً، والثقة بنفسه الذي جعلته فريدة أن يفقدها. بل كانت تعجب به لأقل شيء يفعله، حتى عمله دائماً ما تراه عظيماً.
حين كان جالسين في المقهى وتقرأ أحد مذكراته، كان يكتب بها ملاحظات. نظرت له قالت: "واو، ده خطك.. حلو، علمني."
"مبتعرفيش تكتبى؟"
"بطل رخامة، أكيد بعرف بس خطي مش كده."
"هبقى أعلمك حاضر، تدفعي كام؟"
"أنت مادي."
"بقيت مادي، والكتب اللي بتاخديها."
"ده عشان مبلاقيهاش، وبتكون معاك نسخة لسه بتطبع.. بعدين قولتلك أديك حقها وإ.."
"تسنيم."
"خلاص، أنا آسفة.. مقولتليش.. كملت بتردد: ا.. أنت مرتبطش ليه؟"
"بتسألي ليه؟"
"عادي، مجرد فضول."
"مبحبش الارتباط."
قفلته. قال ذلك وهو ينظر لها وكأنه يؤكد لها ألا تفكر فيه، فهو لا يريد أن يخيرها كصديقة بالفعل. كانت تخشى من معرفته لحبها، فيبتعد عنها. لذلك كانت صامتة، ولم تدرِ أن أفعالها كاشفة، ويدرك عن يقين داخله أن تلك الفتاة تكن المشاعر له، لكن يتجاهل ذلك الصوت مراراً، يتجاهله عمداً، ويظهر المبالاة، وهي من أعطته اهتماماً عكس أي فتاة أخرى. حتى والدته حين تحدثت عنها بتلميح عن حبها، أصمتها، وليس لأنه لا يبالي ولا يريد سماع شيء عنها، بل لا يريد أن يشعر بتأنيب ضمير منها.. لا يريد أن يشعر أنه كسر قلب أحبه، مثلما كسر قلبه. لا يريد أن يتأكد أنها كانت تحبه.
في اليوم التالي، كانت فريدة في غرفتها، فكان ياسين ذهب لعمله. إنها رأت تغييراً كبيراً به، لم يعد معها كالسابق، ولن يعد. كل ما تتذكر البارحة، تشعر بالحزن، الندم، والتأنيب. سمعت صوت من تلفونها. مسكته بتنهيدة. وجدت مكالمات أخرى، فهي قافلة المكالمات منذ مدة ولا ترد على أحد. فتحته وشافت اسم يارا وتسنيم، اللذان كانا متصلين عليها كثيراً منذ مدة. عدى خمسة أيام لم يرنوا عليها مرة أخرى. ما كل هذه الاتصالات؟ شافت التاريخ. قالت:
– الدراسة كمان هتبدأ.
رنت على تسنيم، بس ملقتش رد. رنت عليها تاني، لكن بلا رد. فاتصلت بيارا حتى ردت عليها. قالت:
– افتكرتي.
لم تفهم لهجتها. قالت:
– لسه شايفة المكالمات.. كان فيه حاجة ولا إيه؟
– كنت بطمن عليكي بس، عرفت إنك كويسة، فمتصلتش تاني.
تنهدت، فهي ليست بخير تماماً. قالت:
– أنتِ فين يا يارا؟
– ليه؟
– عايزة أجيلك، مخنوقة.
– الجواز مطلعش حلو.
تفاجأت من معرفتها. لكن قالت:
– قصدك إيه؟
– مقصدتش يا فريدة، تعالي، أنا كمان عندي كلام ليكي.
– تمام.
قفلت معاها عشان تلبس.
كانت يارا جالسة في مقهى في حديقة عامة وتحتسي مشروبها. نظرت، شافت سيارة بعيداً تقف وفريدة تنزل منها. نظرت لها. قربت منها قالت يارا:
– أخيراً ظهرتي يا فريدة.
لم تفهم فريدة لهجتها. قالت:
– لما عرفت أخرج، جيت.. الحوارات الأخيرة مكنتش بحتك بحد يا يارا.
نظرت لها يارا ومن كلامها. قالت:
– مالك… قولت هشوفك مبسوطة بجوازك.
نظرت لها فريدة، لتردف:
– عارفة آخر مرة اتقابلنا من يوم الفرح.. قصدي فرح ياسين مش إيهاب.
– أنتِ عرفتي منين؟
– كلمته، قالت لنا.. وتسنين كانت معايا يومها، كانت قلقانة عليكي، بس قلقها مكنش في محله.
لم تفهم فريدة وقالت:
– مش فاهمة، وضحي.
تنهدت يارا. قالت:
– لو كان يهمك، كنت وضحت، بس أنتِ مبتهتميش غير بنفسك.
– يارا، قولي اللي عايزة تقوليه، أنا مبحبش كده.. بتتكلمي معايا كده ليه؟
– يعني متعرفيش؟
– معرفش إيه؟
تعدلت وهي تقول:
– فريدة، أنتِ اتجوزتي إيهاب ليه؟ عشان ضايقتي ياسين، مش كده؟ أنتِ كسرتي قلب تسنيم، صاحبتك اللي معملتلكيش حاجة.
نظرت لها بشدة. قالت:
– تسنيم؟
– أيوه. مكنتيش تعرفي إنها بتحب إيهاب؟
قالت ذلك بصدمة. قالت يارا:
– وروحتي اتجوزتيه؟
– أنا معرفش والله، ما كنت أعرف.. بتحبه إزاي؟
– يعني إيه إزاي؟
– إمتى؟
– من زمان. أنتِ مستغربة ليه؟ هي مش معرفاكي.
– لا، معرفتنيش ولا قالتلي حاجة زي كده.. كل اللي أعرفه إنهم صحاب.
– مشفتيش حبها ليه يا فريدة؟ ولا اتغابيتي عنه عشان تعملي اللي في دماغك؟
صمتت قليلاً وهي تتذكر تسنيم وكلامها المثير عنه. قالت:
– بس.. مقالتليش ليه؟
– أكيد عشان بنت عمه، خافت تلمحيله بحاجة. كنت بشوفك جدعة وصاحبة وفية، عشان كده عايزة أقرب منك.. بس لأول مرة أحس إنك أنانية في تصرفاتك.
نظرت لها فريدة وشعرت بالحزن:
– خليتي تلاتة يعانو.. إيهاب اللي اتجوزتيه عشان ياسين، وياسين اللي شافك مع غيره، وتسنين لما خدتي إيهاب منها.
– وأنا إيه؟ معانتش أنا كمان ولا ظالمة وبس.. تعرفي إيه عن شعوري إني كنت سد خانة؟ ولا حاجة، لأنك مجربتيش.
نظرت لها يارا من غيرتها. قالت:
– عارفة إني غلطت، وأديني بتحاسب، وندمانة على تسرعي وغبائي، بس مين فينا مبيغلطش؟ أنا مفكرتش في العواقب، ويمكن ده غلطي. بس تسنيم، أنا مقصدتش أجرحها، وإيهاب كذلك و…
سكتت لما لقيتها بتقول:
– إيهاب هو أكتر حد جرحها.. أنا كنت عارفة إن الشخص ده بيحبك وعنده مشاعر ناحيتك. نظراته ليكي وكلامه، ولما كان بيجي الجامعة عشانك.. وعرفت إن كنت صح لما اتجوزك.. كنتي البنت اللي تسنيم عايزة تعرفها، ومين اللي مؤثر على حياته، ومتعرفش إنها صاحبتها.
– ده كان زمان.
– ودلوقتي.. هو مبقاش جوزك، والوضع اتطور.. أنا عارفة إنك بتحبي ياسين، فلي تتجوزيه؟ إيه اللي خلاكي تعملي كده؟
– مش هتفهميني، ولا أنا هقدر أشرحلك.
فكانت لا تستطيع البوح وتخبرها بما عرفته يوم الزفاف، الذي سيؤدي للبوح بماضي ياسين، الذي كانت تجهله، وأسئلة لن تنتهي. فقررت الصمت.
– مش مضطرة تفهميني، بس فهمي تسنيم.. أنا مش زعلانة منك.
نظرت لها لتردف:
– حاسة إن ورا اللي أنتِ عملتيه سبب كبير خلاكي تعملي كده، ومتفكريش في حاجة، والدليل إنك ندمانة. بس معرفش إذا ندمك هيرجع تسنيم صاحبتك ليكي تاني أو لأ.
– هي مبتردش عليا ليه؟ مش هتكلمني تاني؟
– معرفش، بس بتهيألي هتكلمك، فمتظهريش إنك عرفتي إنها بتحب إيهاب، هتعرف إني اللي قولتلها.
– أنتِ مبتكلميهاش؟
– بكلمها بس مش كتير.
تنهدت وقالت:
– أنتِ كنتي أقرب منها.. حاولي تكسبها تاني، ومتخسريش ناس حواليكي أكتر من كده.
وكأنها لخصتها. فأكبر خسارة لديها كانت ياسين. ها هي صديقتها من الآخر.
– يارا.
نظروا لصوت. شافت داليا كانت ترتدي نظارة وملابس عملها. قربت منهم وشافت فريدة، لتتوقف لوهلة.
– ازيك يا فريدة.
– الحمد لله، إزاي حضرتك؟
– كويسة.. يارا، مش يلا؟
– تمام.
– أنتِ هتقعدي ولا إيه؟
– هتكلم مع فريدة، وحاسة.
نظرت لها وإلى فريدة. قالت:
– أوكي، هستناكي في العربية.
أومأت لها وذهبت. ودعت فريدة وقالت:
– كويس إنك بخير.
نظرت لها فريدة، أومأت لها بأعينهم، أنها لا تزال صديقتها. فرحت، ذهبت يارا وتركتهم. قالت داليا:
– رجعتي لياسين؟
نظرت لها من معرفتها. قالت:
– نوع العربية والبودي جارد شفتهم عند البوابة، ومتخيلتش إنهم معاكي.
– أيوه.. رجعت في البيت، بس مرجعتش لحياة ياسين.
سكتت بحزن وضيق. وقالت:
– هيتجوز من ميرال.
– عرفت؟
– إزاي؟ هما أعلنوا حاجة؟
– لا، بس أنا بعرف أي حاجة متعلقة بياسين، زي ما عرفت زمانك إنك مراته.. ياسين ابني، ليا عين عليه، مش هو بس.
– أنا آسفة.
– على إيه؟
– إني موفتش بوعدي ليكي.. بعدت من غير ما أرجعه ليكي، مكنتش قد وعودي، لا معاكي ولا معاه.
– بس أنا لسه عايزة أرجعله، ومش هسمحلك تسيبيه بعيد عني.
– بس أنا معدتش قريبة منه عشان يسمعني.
– أمال رجعك إزاي؟
– مرجعنيش، هو سايبني عنده كنوع من أنواع المسؤولية.
– دي حجة ياسين بيقولها.. كان يقدر يسيبك، وأنتِ تتحملي مسؤولية نفسك من ورا اختيارك، بس هو مانشفش قلبه معاكي.
حاولت إمساك دمعتها وقالت بابتسامة مريرة:
– شكلي أنا الوحيدة اللي متعاطفش معاها.
حزنت فريدة عليها. قالت:
– هو بيحبك، صدقيني. طول فترتي معاه، وأنا بتأكد إنه بيحبك، وزعله منك هو أكبر دليل على حبه.
أومأت لها بتفهم من مواساتها. قالت:
– أنتِ انفصلتي عن إيهاب؟
– سكتت.
– لسه؟
– وعايزة ترجعي؟
لم ترد عليها. نظرت لها داليا بشدة. قالت:
– سبتيه ليه طالما مترددة وعايزة ترجعي؟
– حصل مشاكل بيني وبين إيهاب، ومكنتش هرجع من بعد اللي حصل، بس…
– بس إيه؟
– لما عرفت بجواز ياسين، حسيت إنه وجودي غلط، ولازم أكمل، بس بعيد عنه.
– تسلية عشان يتجوز يعني، وكل واحد يمشي في طريق لحياته الخاصة، بعيد عن التاني.
شعرت بالحزن من تخيل ذلك. حزن شديد أن يكون لامرأة غيرها. سالت دمعة من عينها. قالت:
– مش عايزة أبقى أنانية تاني.. ياسين من حقه يبقى فرحان، عنده غيري، وميرال بتحبه، بتصدقه وتثق فيه، وقادرة تفهمه. أنا زعلته مني، بس هي مستعدة تديه كل حاجة.
– وأنتِ مش عايزة تديه زيها؟ ولا هي بتحبه أكتر منك؟ حبك ليه قل، ولا لسه بتحبيه؟
صمتت فريدة ولم ترد عليها. قالت:
– ليه ميفرحش معاكي أنتِ؟
– إزاي.. ياسين مبقاش عايزني.. اختار ميرال ومش هيرجعلي.
تذكرت كلماته البارحة، فهو شالها من تفكيره، وفكرة رجوعه باتت صعبة. قالت:
– أنا.. أنا لسه بحبه. اعتذرتله، بس هو مردش عليا.
– جرح ياسين فيكي كبير، واعتذارك لوحده مش كفاية. ياسين من النوع اللي كرامته فوق قلبه، عشان كده مش هيرجع، بس أنتِ بإيدك ترجعيه.
نظرت لها لتردف:
– أنتِ الوحيدة اللي قادرة ترجعيه، أو تخليه يكمل. فكري صح يا فريدة، وبلاش تغلطي تاني. أنا كمان مضايقة منك، بس بعتبرك بنتي، لذلك بنصحك، ولسه عايزة أوديكي لياسين، رغم إني شوفت حزنه منك، بس عارفة إنك هتخليه يسامح.
نظرت لها من كلامها. قالت:
– إزاي؟
– اسألي نفسك. المهم تحسبي كل صح، مش تسيبيه لغيرك، وتستني رجوعه كده. أضمن خسارته. أنا مش معترضة على ميرال، بس أنا مبشوفهاش مناسبة لياسين، زي ما شوفتش دارين مش مناسبة ليه.
صمتت فريدة ولم تعلق.
رجعت فريدة البيت وهي مهمومة بمعنى الكلمة. فلم تزد خروحتها سوى خنقاً وضيقاً. دخلت، بس وقفت لما شافت ميرال موجودة. نظرت حولها:
– ميرال.
انتبهت لوجودها. قالت:
– هاي فريدة.. أنتِ كنتي بره ولا إيه؟
– أيوه.. ياسين مش هنا.
ابتسمت وقالت:
– عارفة.
لم تفهم إذا لماذا أتت، مدام ليس هنا. جاء الخادم وقال:
– عملنا اللي حضرتك طلبتيه.
– تمام، شكراً.
أومأ له وذهب. وكانت فريدة لا تفهم شيئاً. قالت:
– إيه اللي بيحصل؟
– قولتلها يجهزولي الأوضة عشان أعقد فيها.
– تعقدي فيها؟!!
– أيوه، منا هعيش هنا من النهارده.
رواية زهرة الاشواك الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نور
قولتلهم يجهزولى الأوضة عشان أعقد فيها.
تعقدى فيها؟!!
آه، منا هعيش هنا من النهاردة.
صدمت من الخبر، هل ستمكث هنا معهم؟ قالت:
إزاي؟
إزاي إيه.. مهو هيبقى بيتي يا فريدة.
شعرت بالحزن من تلك المعلومة، لكن قالت:
قصدى ياسين عارف؟
آه، هو اللي اقترحه عليا الصبح لما كنت معاه في الشركة.
ياسين من اقترحه؟ حقاً.. لماذا؟ لم يعد يريد أن يبقى معها بمفرده، ولا أن يعطي نفسه فرصة لتفكر بها، فجعلها تأتي لتسد عينها عنه.
أومأت لها. قالت:
مكنتش أعرف..
تمتمت لها ميرال.
مشيت فريدة وهي حزينة، كانت رايحة أوضتها بس شافت الخادمة توضب غرفة لتتفاجأ.. لحظة واحدة.. أليست تلك الغرفة التي بجانب ياسين؟ هل اختارتها لتكون بقربه؟
نظرت لها الخادمة. قالت:
مدام فريدة.. عايزة حاجة؟
كانت تشعر بالغضب والضيق، لم ترد عليها ومشيت لأوضتها. قفلت الباب وهي مضايقة.
اختارت الأوضة اللي جنبه، مكنش فيه أوض غيرها.. ده أنا حتى معملتهاش قبل كده وكان بيننا فواصل، رغم إني كنت مراته…
سكتت من ذلك اللقلب وقالت بحزن:
مراته!! بس أنا معدتش كده.. لي يا ياسين؟ قولتلها تيجي؟ معقول خايف على نفسك مني؟ أو ترجع تفكر فيا؟ بقيت عَبء عليك أو ورطة بتهرب منها؟
لكن يظل هذا بيته وهو حر به، من هي لتتدخل؟ بل هي الغريبة. أنهم مخطوبان وبينهم زواج وستكون هنا عنا قريب.. بل ستكون في غرفته معه بمفرده، وليست غرفة قريبة منه.. لتتحمل، فهي ستحترق كثيراً هذه الأيام، ستتعب والعقاب سيهلكها، ولا تعلم إلى أين سيصل.
كانت ميرال في الأوضة بتبص على الأغراض وإزاي الخدم عملوا الأوضة زي ما عازتها. قالت:
تمام.
حاجة تانية؟
شكراً.. ممكن نسكافيه.
ابتسمت الخادمة من طلبها بهذا الذوق. أومأت بهدوء. قالت:
أكيد.. هعمله لحضرتك.
هاتوهولي في البلكونة.
ذهبت وتركتها. رن تليفونها. نظرت، صمتت حين رأت المتصل. تنهدت وردت.
الو.. يبابا.
المسج اللي انتي بعتيها دي صح؟ انتي هتتجوزي؟
قال ذلك بسعادة. قالت:
آه.
أخيراً يا ميرال فكرتي في نفسك.. مين؟ وإمتى؟ مش تعرفيني عليه؟
شغلة ومركزة، أي؟
شخصية هتعجبك وناجح.
كويس، طالما متأكدة إنه هيعجبني.. عرفتيه منين؟
هيعجبك لأنه عجبك في الأول.. وعرفاه من زمان وحضرتك تعرفه.
قال باستغراب:
عجبني وأنا أعرفه وتعرفيه من زمان؟!! مين.. أنور؟!!
لا.
امال مين؟
لم ترد عليه، ليسود الصمت قليلاً، وكأنه يستوعب ويقول بصدمة:
ياسين.
آه.
إنتي بتقولي إيه يا ميرال… تتجوزي ياسين؟ إمتى الكلام ده وإزاي ده حصل؟
من أسبوع ارتبطنا وهنتجوز قريب، بس لسا محددناش الفرح.
فرح؟!! بتهزري؟ مش ياسين كان هيتجوز البنت اللي معاه؟
مكملش الفرح وانفصلوا.
تقومي راح تتجوزيه إنتي؟
هو عرض عليا وأنا موافقة.
إنتي معترضة على الجواز؟
مش معترضة إنك تتحوزي، معترضة على الشخص.
لي؟ ياسين كويس، يبابا، عيبه إيه؟
عيبه إنه كان جوز أختك.
كان..
ده ميغيرش الحقيقة.
بابا، أنا عايزة ياسين ومش عايزك تكون معترض على جوازنا، لأنه كمان مش عايز ده.. عارفة إنه متجوز دارين بس انفصلوا ودارين اتوفت، يعني أقدر أتجاوزه ومفيش حاجة غلط.
هتستحملي إنه كان مع أختك…. لي مش شايفة نقطة كبيرة زي دي؟ هتبقى نقد كبير عليكي.
استحملت حاجات كتير عشان أكون هنا.
لم يعلق عليها، ليسود الصمت قليلاً ويقول:
بتحبيه؟!
ترددت لكن قالت:
آه.
من إمتى؟ ديانا كانت بتقول الحقيقة إنك إنتي وهو…
لا يا بابا، متصدقهاش. أنا حبيت ياسين من قبل ما يتعرف على دارين.. حبيته واستخسرت إنه اتجوزها ومتخطيتش حدودي معاه، وهو كمان كان وفي ليها.. علاقتنا كانت صحاب، وإنت عارف كده كويس، متسمعلهاش.
امال بتقول كده لي؟
معرفش.. زعلها على دارين خلاها تفتكر إني بدام بحبه يبقى كان بينا حاجة… بس ده محصلش، إنت عارف بنتك.
الحقيقة إني معدتش عارفها.
قال ذلك لجدية. قالت:
بابا…
خلي بالك من نفسك يا ميرال.
وأقفل معاها وهو يشعر بالريبة من ابنته. بصت ميرال لتليفون، لا تعلم هل هكذا رفض؟ تنهد بحزن ومشى.
***
في المساء رجع ياسين من شغله. شاف ميرال. نظرت له. قالت:
جيت إمتى؟
دلوقتي.
متأخرتش زي كل يوم.
نظر لغرفة فريدة. نظرت له ميرال. قال:
فريدة كلت؟
آه، من شوية. معرفش إذا كانت نامت ولا لأ.. أروح أشوفها؟!
مفيش داعي.
مشى، راح على أوضته. شاف فريدة وكانت بتخرج من أوضتها. نظرت له وأنه أتى. كان هيدخل لكنها أوقفته. قالت:
ياسين.
نظر لها بمعنى نعم. قالت:
أنا كلت.
آه، عرفت.. كويس.
ترددت قليلاً. قالت:
إنت اللي قولت لميرال تيجي تعقد هنا؟
صمت. نظرت له فهي تشك أنها تقول الحقيقة، لكنه قال:
آه.
نظر لها وأردف:
عندك اعتراض على وجودها؟
تفاجأت إذا لم تكذب، أنه من أخبرها. شعرت بالحرج وقالت:
لا.
تمام.
مشى. نظرت له وهو يدخل غرفته. شعرت بالحزن. لفت بضيق وذهبت.
في الليل كان ياسين لا يزال مستيقظ يعمل. جت ميرال وشافته وكان يخطط بأدواته الهندسية ويطوي أكمامه وعروق يده بارزة.
قربت منه. نظر لها من وجودها. قال:
عايزة حاجة يا ميرال؟
خدت منديل ونشفت جبهته برفق. نظر لها وإلى يدها. قالت:
عرفت بتتعب لي، حتى وقتك في البيت شغل.
ابتعد وأخد منها المنديل. نظرت له. قال:
شكراً.
ومسح رقبته. لتطالعه هي قليلاً. قال:
إيه اللي مصحيكي؟
مش عارفة أنام.. بفكر في كلام بابا.
نظر لها باستغراب. قالت:
نسيت أقولك، كلمته النهاردة على موضوعنا.
أومأ بتفهم. وقال:
قالك إيه؟
سكتت شوية. قالت:
معرفتش ردّه لسا.
رفض؟
نظرت له وكأنه كان يعلم. قالت:
لا.. النقطة اللي إنت اتكلمت عليها هي اللي كانت شغالة، إنك كنت جوز أختي.
عارف، عشان كده قولتلك تكلميه الأول.
قربت منه وقالت:
بس أنا عايزة.
نظر لها. مسكت يده وقالت:
أنا مدياك موافقته من الأول، لي نتأخر؟
مش عايز أستعجل.. وموافقة والدك عندي مهمة.
قصدك إن بابا لو رفض مش هنتجوز؟
سكتت. تنهدت وقالت:
تمام، هكلمه تاني وأقولك. أنا عارفة إنه هيوافق.
واثقة لي؟
عشان هو عايزني أتجوز بأي طريقة.. ولو كان إنت اللي استنيته فهيوافق.
أومأ بتفهم. مالت عليه. نظر لها وهي قريبة منه. قال:
اتمسك بيا عشان يوافق.. هتتحل، مش كده؟!
توتر قليلاً من قربها. قال:
إن شاء الله.
ابتسمت لأنه يطمئنها. بعدت عنه ونظرت له. قالت:
إنت لي قولتلي أجي أعقد هنا؟
مكنتيش عايزة؟
أكيد عايزة ده.. أنا كنت بفكر في كده أصلاً، بس القرار جه منك فتفاجأت.
ده هيبقى أحسن للطرفين.
أنا وأنت ولا إنت وفريدة؟
لم يعلق. قالت:
كنت عارفة إنك هتفكر في كلامي وإني غلط تكون معايا لوحدك، ولو عشانها لأنها بنت وإنت راجل… وخدت قرار مناسب لينا.. معدتش عندي مشاكل، مادام هبقى معاك.
قربت منه وهي ترتدي على كتفه الصلب وتقول:
ريحتني باقتراحك، شكراً إنك اهتميت بمشاعري.
نظر لها ياسين وهي سعيدة وهي بقرب منه. رفع يده وربت عليها. ثم أبعدها بحرج. قال:
ميرال ورايا شغل.
آه، آسفة.. أساعدك؟
لا.
نظرت له من اعتراضه. قال:
روحي نامي.
سكتت. تبسمت من اهتمامه. قالت:
تمام.
مشيت وسابته. نظر لها ياسين، جلس. بينما لم يرى أن فريدة كانت واقفة بعيداً ورأت ما حدث وعيناها متجمع بهما الدموع بحرقة وهي تنظر له وإلى ميرال التي خرجت من عنده.
شعر ياسين بأحد. نظر لكنها التفت وذهبت. دخلت أوضتها ونامت وهي تبكي، تتذكر اقتراب ميرال منه وهي تمسك بيده. يؤلمها قلبها من تذكر ذلك. أغمضت عيناها بحزن وقالت:
لي يا ياسين.. جبتها عشان تحرق قلبي، مش كده.. بتعاقبني بيك وعقابك قاسي أوي.
بكت بحزن وندم على لحظة واحدة تجمعهم، لكن هذا لن يحدث. أنه يتقرب من ميرال فقط.
بينما كان ياسين يعمل، توقف عن العمل وهو حائر. "قرار مناسب.. مبقاش عندي مانع من وجودها بدام أنا معاك". كلمات ميرال تلك لم تكن لها علاقة به.. أنه فعل ذلك لفريدة… لا يعلم إن كان أخد القرار الصحيح بوجودها هنا أم لا.. لكن هذا ما وجده مناسب لها.. خوفاً عليها وعلى نفسه من مشاعره أن تتحرك تجاهها.. فهو يخشى عليه من نفسه بعدما أصبحت الفوارق كبيرة بينهم، أصبح يشكل خطراً عليه.
نظر إلى هاتفه وللمكالمة التي أتته في الصباح وجعلته مشوش ويتخذ هذا القرار الذي كان يتغاضى عنه.
لأول مرة يريد أن يشكرها لأنها وعته على نقطة كان يتجاهلها، لكنها تظل خطأ.. أكبر خطأ… هو وجود فريدة معه.
***
كانت داليا جالسة مشغولة في مقالاتها. نظرت لها يارا وقالت:
ماما، إنتي كلمتي ياسين لي؟
سكتت، فكانت هي داليا من تحدث مع ياسين. قالت:
عادي.
إنتي مبتكلميهوش غير في حاجة مهمة، وبعد أما كنتي قاعدة مع فريدة بالظبط اتصلتي عليه… هي قالتلك حاجة ولا إيه؟
مفيش حاجة يا يارا.
قالت بشك:
تمام، بس مش مصدقة.
لم ترد عليها داليا، متجاهلة نظرات ابنتها. رن تليفونها. نظرت. قالت:
ده أنس.. هرد عليه.
قامت ومشيت. نظرت لها وتذكرت فريدة حين ذهبت وتركتها. اتصلت بياسين.
كان ياسين في مكتبه. رن هاتفه ورأى المتصل وكانت والدته. تعجبت. رد عليها. قال:
الو.
إزيك يا ياسين؟
الحمد لله.. في حاجة؟
المرة دي أنا متصلة بيك فعلاً عشان موضوع، مش عشان أطمئن عليك.
استغرب من نبرتها. قال:
موضوع إيه؟
فريدة… قاعدة معاك؟
تعجب من معرفتها. هل فريدة أخبرته؟ يارا فأخبرت والدته؟ قال:
آه.
وهي على ذمة راجل تاني ولا على ذمتك؟
شعر بالضيق قليلاً. لكن قال:
لا ده ولا ده.. فريدة حرة.
قصدك ليا هتطلق؟
أطلقت فعلياً.
هتقف معاها في طلاقه؟
لم يرد عليها. قالت:
أنا ميهمنيش تبقى متجوزة ولا مطلقة. أنا اللي يهمني إنت وهي.. لو هترجع تعيش معاك فده معدش ينفع، إنت مبقتش جوزها.
ومينفعش أسيبها لوحدها؟
فريدة عندها أهل لسا. كان خوفك عليها فلازم يبقى منك إنت كمان، لأنك كده بتستغلها وعايز تربطها جنبك.
بستغلها؟!!
آه ياسين، لما تاخدها من جوزها وعايز تطلقها وتعيشها معاك وإنت أصلاً هتتجوز، يبقى إيه؟
ده مش جوزها ولا هيكون كذلك.. أنا خدتها خوفاً عليها منه وهي اللي طلبت الطلاق.
على أساس إنك مش عايز ده.. إنت هتتجوز ميرال، هيبقى ليك حياة وهتنسى فريدة، ممكن تشوفها عبء عليك ومراتك متستحملش، والبنت ساعتها تتجرح.
مستحيل ينساها.. ينسى حبيبته ويراها عبء؟ بل العبء الذي على قلبه ابتعادها عنه.
مش هسيبها.
عارفة ومش عايز تبعدها عنك، بس إنت كده بتوقف حالها.. عايزها تبقى معاك وفي نفس الوقت هتتجوز غيرها، ده إيه بالظبط؟
جمع قبضته بضيق. قال:
متربطيش وجودها بجوازى. أنا مش عايز منها حاجة.
أنا عارفاك كويس وعارفة إنك عمرك ما تأذيها، بس فكر فيكم إنتو الاتنين، مش هي بس.. وجودها معاك لوحدكم وإنت عازب وهي بنت غلط يا ياسين وإنت عارف ده، بس بتحاول تتجاهل عشان متسبهاش.
صمت ولم يرد عليها، فتلك حقيقة. قال:
مطلوب مني أسيبها.. وهي محتاجاني.
مقولتلكيش كده.. بقولك فكر في حل لطرفين.. افتكر كلامي كويس، لأني مش هقبل بالوضع ده.. لو كده فهاخدها تعيش عندي.
قفل المكالمة وعقله مشوش وحائر. تأخذها عندها وتبعدها عنه.. هل يرضيه ذلك الحل؟ لتشعر أنه يتخلى عنها؟ وهو الذي وعدها بأن يبقى معها حتى أن تزوج، أمسك رأسه بتفكير، فهو لا يريد إبعادها.
كانت داليا فعلت ما أرادته وتعلم أن سيفكر في حل مناسب. B
آسفة يا بابا، عارفة إني صعبت عليكي الموضوع باللي عملته وبعدته عنك، بس إنتي قادرة تقربيه. عملت كده عشانك.. عايزة أarquوا لبعض بس من غير غلط ووجودك معاه غلط.
ردت يارا على إنس. وقالت:
الو يا أنس.
مالك؟!
إنت فاكر مالي؟ أصل…
تنهد كي لا تفتح النباح. قال:
اخرجي.
اخرج فين؟
اخرجي من البيت.
مش شايفة الساعة؟ نخرج دلوقتي.. ثانية، قصدك إنك برا؟
آه.
بتهزر؟
يلا يا يارا، هقف لوحدي كتير.
تمام.
قفلت معاه وخرجت. نظرت لها داليا. قالت:
رايحة فين؟
هكلم أنس.. واقف برا.
خرجت وهي متعجلة. جت الخادمة وقالت:
اليانسون يا داليا هانم.
شكراً.
حضرتك عايزة حاجة تاني.. أعملك أعشاب عشان تستريحي؟
لا، متشكرة. أنا هبقى كويسة.
تمام.
شربت داليا، فكانت تشعر بالأرق وسابت اللي في إيدها عشان تريح دماغها.
خرجت يارا وشافت أنس واقف عند عربيته. نظرت له. ابتسمت وقالت:
مستني مين؟
واحدة كدا.
اقتربت منه. قالت بضيق:
الواحدة دي مش طايقاك.
امال فرحانة لي أنها شافتني؟
نكزته وهي تقول:
عشان غبية.
قال بخبث:
عشان بتحبني.
واثقة أوي كده؟ وإنت؟
بحبها.. مش واثقة أوي كده.
ضحكت وقالت:
مبثقش فيك لأنك غدار.
ظلماني دايماً.
رن تليفونه. نظر انس لكن لم يرد. نظرت له. قالت:
ما ترد.
قفل تليفونه. استغربت. قال:
ده بابا. شوفتي حتى جايلك وسايب الشغل وبيرن عليا أهو.
شغل دلوقتي؟ إنت مبتنامش ولا إيه؟
قالت بتصنع الحزن:
لا.. تعبانة.
قرب منها. رجعت لورا وبصت حواليها. قالت:
خلاص باين التعب مش بالقرب، لو حد شافك.
ابتسم عليها. قال:
إمتى خايفة ولا إيه؟ من إمتى؟
من إمتى إيه؟
خايفة من أخوكي.
وياسين ماله؟
يعني من آخر مرة وحصل اللي حصل وإنتي بتبعدي عني.
على أساس إني كنت بسمحلك تعمل كده من غير ياسين؟
لا، مقصدش بس بقيتي حريصة زيادة.
هو ملوش دعوة، أنا اللي فقدت الأمان منك و…
أوقفها وقال:
بس خلاص، هسكت. مش عايز خناق في حب اللي هقف معاكي فيه.
نظرت له بغضب:
قصدك إني بتاعت خناقات؟
أمسك رأسه من خطأه. قال:
معاك حق، منتا يا عالم عقبال ما بتفضى وقتك الغالي ولا بتفتكر حاجة غير أولوياتك.
خلصتي؟ أنا بفكرك على طول.
ضحكتني.
قالت ذلك ساخرة. قال:
لسه زعلانة من آخر مرة.. إنتي عارفة إن الشغل بينسيني حاجات كتير، حتى مش فاكر امبارح كان إيه.
بس دي خطوبتنا، معقول تنسيها؟
متزعليش مني.
لم ترد عليه وكانت لا تزال غاضبة منه. أمسك يدها. نظرت، لقيته بيخرج علبة مجوهرات ويخرج خاتم ألماس. لتندهش كثيراً. نظرت له. خد الخاتم وقفل العلبة.
إيه ده؟
خاتم، مش شايفة؟
آه، لي يعني؟ مفيش مناسبة؟
لبسهولها وهو بيقول:
هو لازم يكون في مناسبة.. بصالح حبيبتي.
نظرت إلى يدها وكان جميل عليها. قال:
سوليتير، شفتُه عند بابا. إصدارات مجوهرات جديد عجبني وملقتش غيرك الصراحة.
ابتسمت. قالت:
شكله جميل أوي.
عجبك.
يجنن.
كانت تنظر للخاتم بانبهار ونسيت ضيقها منه. ابتسم. وقال:
مفيش حضن طيب؟
نظرت له وهو يفتح ذراعيه ويقترب منها. قالت:
لا.
إيه الظلم ده؟ عربون شكر حتى.
قال ذلك بحزن. نظرت له. ابتسمت عليه. اقتربت وعانقته بحب. قالت:
شكراً.
ابتسم وبادلها العناق. قال:
بوسع بق.
ولسا هيبوسها. دفعته بعيداً عنها فانصدم بالسيارة. قربت منه بقلق. قالت:
إنت كويس؟
يا مجنونة، ده كله عشان قولتلك بوسة.
إنت قليل الأدب وبس.. حد يسمعك.
أعدل وقال:
إحنا مش اتخطبنا فإيه غلط؟
إحنا مخطوبين، مش تعتبرها متجوزين بأفكارك القذرة.
رفع حاجبيها بمكر. وقال:
وإنتي عرفتي أفكاري منين؟
عشان حفظاك.
نظرت له وقالت:
إحنا واقفين لي؟ تعالي نتكلم جوه، زمان بابا جاي من الشغل، تسلمي عليه بالمرة.
ملوش داعي، أنا لازم أمشي. كنت.. في موضوع عايز أكلمك فيه.
موضوع إيه؟
الخطوبة.
مالها؟
ناجلها شوية.
قولت إيه؟ نأجلها لي؟
حاسس إن هيبقى أفضل لينا وعشان تاخدي ع بعض أكتر.
إنت بتتهرب من المسؤولية، مش كده؟
لا.
امال إيه ده؟ تأخير لي؟
عادي يا يارا، أنا بس حاسس إنها قريبة.
قريبة، مش كده؟!! اتفاق مبين بابا وعمو خليل من الأول ومحددين من سنة، غير إني أعرفك من زمان أوي وتقول تسرع ومخظناش ع بعض…
افهميني.
لو مش عايز من الأول قول.
عايزك يا يارا، لي بتشككي في حبي ليك؟
امال كلامك ده إيه؟
أنا بقول نمد الفترة، حاسس بمسؤولية أنا مش قدها.
إنتي بتمنعيني أمارس رجولتي معاكي حتى؟ بقيت أشك فيها.
قالت بضيق:
إنت قليل الأدب وتجاربك كتير.
تنهد بضيق من نفسه من ذلك اللفظ. قال:
أنا آسف، مقصدش أساء ليكي، بس…
قلعت الخاتم. نظر لها. قالت:
خد يا أنس، متشكره.
نظر لها من ما تفعله. قال بجدية:
إنتي شايفة كده؟
آه، وشوف إذا كنت عايز نوقف خطوبتنا خالص ولا لأ، عشان أنا معدتش طايقة.
سكت ولم يرد عليها. قال:
كنت عارف إنك هتنهيها بنكد.. نظر إلى الخاتم. قال:
لو فاكرة إني ممكن أخده تبقى غلطانة، وكلامك إنك تنهيها مش هرد عليكي، هتعرفي اللي قولتيِه لما تهدّي وإني مكنتش أقصد حاجة إنتي ترجمتيها بعقلك إنتي بس.
نظرت له. ذهب، ركب العربية ومشي. نظرت إلى الخاتم، شعرت بالحزن. هل فعلاً هي من قلبت ضحكتهم وبسمتهم بحزن؟ أكان عليها أن تناقشه بهدوء؟ لماذا خيل لها في عقلها أنه يريد تركها؟ ألا تثق بأنس.. حبيب طفولتها؟
تنهدت بضيق. افتكرت كلامه وأنه تركها حتى تهدأ ولم يؤيدها في إعلان انفصالهما كما قالت بانفعال. وقدر لحظة غضبها. سعدت منه لكن غاضبة في ذات الوقت.
في اليوم التالي كانت قاعدة بتاكل مع والديها بشرود. نظرت لها داليا من تغيرها منذ البارحة.
ياره.
نعم.
وراكي حاجة انهارده؟
آه، رايحة النادي مع صحابي.
أومأ لها. نظر محمود إليها ليلتفت إلى يدها ويوقفه ذلك الخاتم. قال:
إيه ده؟
نظرت له. نظرت داليا وشافته. قالت:
إيه ده؟ جبتيه إمتى؟
أنس جابهولي.
نظرت لها. قالت:
أنس؟
أومأت لها إيجاباً. قال محمود:
هو جه هنا؟
قالت داليا:
جه امبارح ومشي طول.
أومأ بتفهم. نظرت لياره. قالت:
بتاخدي لي؟ مش ف خطوبة؟ هتلبسو الحاجات دي.
عادي يا ماما، جبلي هدية، أرفضها.
مش حلوة.
نظرت لها. نظر لها محمود. قال:
بجد؟ بس شكله عجبني أوي. تعرفي إنه إصدار فريد؟
قال محمود:
جميل يا ياره.
نظرت له. قالت:
صح.
آه. داليا بس غيرانة منك.
نظرت لهم داليا. قالت:
وأنا هغير منها لي؟ أنا بقول الحقيقة، والماس أوفر، إنت عارف إني بحب الهدوء.
بس المجوهرات ملهاش هدوء.
قربت ساره من والدها. قالت:
ابقى هاتي لها خاتم يا بابي عشان متتضايقيش.
ابتسم وقال:
عندها، بس متلبسنيش.
نظرت لهم. داليا تنهدت منهم. قالت:
خلاص كملوا أكل.
ابتسموا عليها. عادت ساره. قالت:
كنت عايزة أقولك حاجة يا بابي.
إيه؟
الخطوبة.
مالها؟
عايزة آجلها.
تفاجأ من طلبها. ونظروا لها. قال:
لي؟ إحنا متفقين.
آه، عارفة، بس عادي نأخرها، مش كده؟ حاسة إني عايزة آخد وقت وعشان الدراسة بردوا.
قالت داليا باستدراك:
وده قرارك إنتي ولا هو؟
قرارنا يا ماما.. أنا مش مستعجلة أصلاً، كنت عايزة أفكر في الجواز لما أخلص خالص، بس كلها سنة، مش مهم… إنت رأيك إيه يا بابي؟
صمت قليلاً. ثم قال:
اللي تشوفوه، طالما قراركم.
يعني عادي؟
لو مش عادي، أخليه عشانك يا ياره.. اللي عايزاه هيحصل، ناجلها.
ابتسمت له وقبلته. قالت:
يا أحسن بابي.
ابتسم عليها. ذهبت. قالت داليا:
مش هتاكلي؟
شبعت.
نظرت لها. تنهدت ونظرت إلى محمود. قالت:
مش كنت تسألها أكتر؟ مش توافق على طول. ممكن يكون هو اللي قايلها.
أنا عارف سارة، طالما قالت من بوقها يبقى هي معندهاش مانع، حتى لو كان منه.. أما لو معترضة فكانت قالت ده صراحة، زي عادتها. مش فارق حد معاها.
إنت مدلعها.
معنديش غيرها يا داليا.
نظرت له. أكلت وقالت:
يعني أنا اللي عندي غيرها؟ بنتي الوحيدة.
ابتسم وربت على يدها. نظرت له لتبادله البسمة الهادئة بطمأنينة.
***
في المنزل كان ياسين جالس في الحديقة يعمل، وكانت ميرال جالسة معه. قالت:
لو التصميم ده هيبقى أحلى.
جه الخادم وقال:
ياسين بيه، ف حد عايزك.
نظروا إليه وتفاجأ حين رأى إيهاب. قال:
أنا مكنتش عارف إني هاجي تاني.
أمسك لسانه. وقال:
جاي لي؟
فريدة فين؟
بتسأل لي؟
عايز أتكلم معاها.
امسكت ميرال يد ياسين. قالت:
ياسين.
نظر لها. قالت:
خليه يتكلم معاها، هما أحرار.
كان متضايق، يريد أن يخبرها أن تصمت، فكيف يتركه لها ثانياً.
إيهاب.
نظروا، وكانت فريدة التي أتت. نظر لها إيهاب. قالت:
خلاص ياسين، أقدر أتكلم؟
نظرت إلى ميرال بضيق. قالت:
متقلقيش عليا.
نظر لها. ذهبت معه. عاد. قالت ميرال:
كنت عايز تمنعه؟ متنساش إنها تبقى مراته.
شعر بالغضب من ذلك اللقب الذي يحرقه. قال:
يلا نكمل.
كانت عينه عليه وهي تسير معه. جلسا وتجاهل الأمر، فتلك حقيقة، لا يحق له منعها.
كان يسيران ببطء في الحديقة. نظر إيهاب إليها ولصمتها. نظر إلى ميرال وياسين وهما جالسان معاً. قال:
مكنتش أعرف إنها عايشة معاك.
وعرفت قصده. قالت بضيق:
لما عرفت إني رجعت، مستحملتش وجت تعقد هي كمان.
شاف ضيقها. قال:
لطيفة.
آه، أوي.
مضايقة منها؟!
لم ترد عليه، فهي تحترق. جلوسهم معاً وهي في غرفتها تنظر لهم من النافذة يجعلها تشيط غضباً. لم تعد تهمه، ها هو جالس معها ولا ينظر إليها، وهي تسير مع إيهاب. حتى أنه يتضايق، بل لا يعطيها اهتمام، فهو معه من تملأ عينه، أنها تحتل مكانتها. ألا يحق لها الغضب والحنق؟
عاملة إيه هنا؟
نظرت له من سؤاله، تريد أن تبكي، لكن تمسكت نفسها. قالت:
الحمد لله.
عايزة تطلقي؟
نظرت له بشدة، فهي كانت خليفة أن يعيدها معه. قالت:
آه.
بس أنا جاي عشان آخدك من هنا.
نظرت له. قالت:
بس أنا مش عايزة.
عارف إنك عايزة تبقي معاه.
تفاجأت من معرفته. قالت:
لا، أ..
قال بجدية:
متكدبيش، أنا عارف كل حاجة وعارف إنك حافظتي ع نفسك عشانه.
شعرت بالحزن من كلامه وحجم غلطها معه أيضاً. قال:
لسه بتحبيه يا فريدة.. عايزة تطلقي عشانه، مش كده؟
ملهاش علاقة.. جوازنا كان غلط، أنا آسفة، بتأسفلك… بس إحنا غلطنا. أنا.. وأنا غلطت أوي.. جرحت صحبتي.
وكانت تقصد تسنيم. لتردف:
قرار غلط اتسرعت فيه، قرار طفولي لواحدة عيلة مش مني.. بعدت ناس قريبين مني وجرحتك معايا، وإنت جرحت غيرك.
نظرت له وقالت:
كان عندك اللي بيحبك بجد بس اتجاهلته.. أنا خسرت صحبتي وإنت خسرت البنت اللي حبتك.
تسنيم؟
نظرت له من معرفته. وقالت:
بحسبك بتكلميها.. كنت هسألك عليها.
مبتردش عليا.. بدام عايز تسأل، اسأل من عندك إنت.. كنت عارف إنها بتحبك يا إيهاب وإنت اتجوزتني؟
لا يا فريدة… أنا كنت بحاول مخسرهاش، لأني محبتهاش.
بس إنت خسرتها فعلاً.. عرفت إحنا غلطنا لي في جوازنا؟ أنا خسرت كتير.
شايفاني غلطة لدرجة دي؟
أنا زعلانة إني جرحتك للمرة التانية، زعلانة من نفسي، بس ارجوك متصعبهاش عليا وخلينا نطلق.
لما تطلقي هتعملي إيه؟ هتعيشي معاه؟
سكتت ولم ترد. قال:
حتى لو فضلت معاه، هو هيتجوز، إنتي معدتيش في حياته.
ياسين ملوش دعوة.
عايزة تطلقي عشانه وبتقولي ملوش دعوة.. لو مكنش دخل، كنتي رجعتي.
أنا مش هقدر أرجع، افهمني بقى، مشفتش اللي حصل منك؟ أنا كنت هموت بين إيدك.
أنا آسف يا فريدة، بس إنتي عارفة إن ده مكنش أنا.. مكنش مني، أنا مستحيل أفكر أأذيكي أو أعمل كده.
حست بالحزن وهي شايفة حبه وندمه، وأنه فعلاً مكنش قصده، لكنها لا تأبى العودة. إن عادت، ستكون هي وياسين انتهوا إلى الأبد. ستكون قد تركته لميرال وتكتب نهايتهم.. لا تستطيع. قالت:
مينفعش، أنا آسفة.
نظر لها، وشردت ملامحه. قال:
لو قولتلك إني مش هطلق؟
نظرت له بشدة بخوف. قالت:
بس…
إنت مش هتقبل أعيش معاك غصب عني.
غلطانة، مش هقبل أجبرك وأشوفك حزينة معايا.
نظرت له من ما قاله، ليردف:
عايزك تبقي فرحانة.. هطلقك، اعتبري اعتذار على اللي حصل مني.
لم تكن تعلم هل تفرح أم تحزن، أنها ستطلق أم من حزنه الذي يحاول يخفيه، تسببت فيه للمرة الثانية.
ممكن أطلب منك طلب أخير؟
نظرت له وأردف:
احضنيني للمرة الأخيرة.
زعلت كثيراً عليه ولم تتردد وعانقته، ليبادله العناق بشوق، وكأنه يودعها ويكون حزنه في قلبه الذي أحبها. قال:
هتوحشيني.
زعلت كثيراً من جملته، فهل يلقي كلماته الأخيرة؟ بعد عنها. نظرت له. قالت:
مش عايزة أخسرك، هنرجع صحاب؟
المرة دي غير.. مينفعش نفضل على تواصل.
نظرت له. أكمل:
كل حاجة بتتعقد، لازم نبعد.
زعلت، إذا بالفعل هذا وداع، لقد خسرت ابن عمها وصديقها.
إيهاب.
أول ما أخرج من هنا انسيني، متزعليش مني على اللي عملته، أنا آسف.
نظر لها وقال بجدية:
هتتم إجراءات الطلاق في أقرب وقت.
شكراً.
أومأ لها. قال:
خلي بالك من نفسك.
ربت على كتفها وهو ينظر إليها نظرات أخيرة، ثم ذهب. توقف ونظر إلى ياسين الذي كان ينظر له بغضب. لم يفهم نظراته، لكن ذهب وتركهم.
ياسين.
قالت ميرال ذلك. نظر لها. لفت فريدة وشافتهم. نظر لها ياسين، بينما رأت يد ميرال المملوءة به. شعرت بالحزن. يبدو أنها ستتألم كثيراً، أنهم يمسكان أيديهم أمامها.
مشيت.
فريدة.
قالت ميرال ذلك لتردف:
تعالي اعقدي معانا.. إيهاب مشي لي.
نظرت لها وإليه، فكان يريد أن يعلم عما دار بينهم، لكنها قالت:
مظنش إنها حاجة تهمك.. مش عايزة أقطع قعدتكم مع بعض.
استغربت من ردها عليها. مشيت فريدة بضيق وسابتهم وهي مضايقة. كانت سعيدة بخبر طلاقهم، لكن اكتشفت الحقيقة المرة التي ستؤلمها. لقد ابتعد إيهاب، لكن ميرال لا تزال موجودة والعقدة أكبر.
***
في منزل أشرف كان ينظر إلى إيهاب وسلوى بعدما أخبرهم بحديثه مع فريدة. قال:
هطلقها.
صمتت. نظرت له سلوى. فهل لا يزال يحبها؟ لذلك هو حزين. قال أشرف بهدوء:
كان لازم يحصل من الأول.
نظروا إليه. مشي وسابهم. تنهد إيهاب. قالت سلوى:
إيهاب، إنت زعلان؟
لم يرد عليها. كانت فرحانة أنهم هيطلقوا، لكن حملت همومها من رؤية ابنها. وقف وقال:
أنا ماشي.
رايح فين؟
جيت أعرفكم، وأديكم عرفتم.
مشي.
قالت: إيهاب، كلم تسنيم.
توقف حينما ذكرت اسمه الذي يتردد في صداه ويأنبه ضميره حينما يتذكرها.
كلمها، البنت بتحبك، متخسرهاش.
لم يرد عليها، لكن شعر بالحزن من تلك الحقيقة، أنها أحبته وهو جرحها. تنهد وذهب.
***
بعد مرور أسبوع، بينما كان ياسين في عمله الذي ينفرد فيه ويترك البيت الذي كان يشعر بالضيق منه لرؤية فريدة… فكلما يراها يتذكر ذلك اليوم حين كان إيهاب موجود وحدهما يتعانقان. كلما يتذكر يشعر باختناق من مشهدهم الحميم ذلك، وكأنه هو من يسعى لتفريقهم.
لكن تفاجأ حين علم بانفصالهم وأن إيهاب طلقها فعلياً وأتم الإجراءات جميعها. تفاجأ منه، فهو ظن أن ذلك الأمر سيأخذ وقتاً وجدالاً، لكنه من فعلها، وذلك جيد. لكن لم يفهم كيف كانوا يتعانقان وهم يقرران الانفصال؟ أكان عناق الوداع؟ ألم يعد هناك إيهاب وفريدة؟ أصبحت حرة… لن يأتِ ويطالبه بها ويخبره أنه زوجها.. بل تركها لتصبح معه، وها هي جالسة في بيته كالسابق.
في يوم كان جالسون على الفطور، وياسين يرتدي ملابسه ليذهب للعمل، ومع ميرال. قال:
فريدة فين؟
معرفش، قالولها تنزل تاكل.
صمت وأكل، لكن شم رائحة عطر يعرفها. نظر ليجدها هي. وكان ترتدي جيب وبلاوز وتصفف شعرها. اقتربت وجلست على مقربة منه. نظرت لها ميرال وياسين. قال:
إنتي خارجة؟
آه.
رايحة فين؟
مشوار.
استغرب منها أن لا تخبره إلى أين ستذهب. نظرت له. قالت:
إنت مش قولتلي إنك هتاخدني ف تدريب؟
صمت باستغراب وتذكر كلامه معها "أنا هشتغل معاك في شركتك لما أكبر". "لو عايزة ده أنا معاكي". "يبقى إنت اللي هتدربني عشان أبقى ناجحة زيك".
وكأنها توحي ذكرياتهم داخلها. قالت بتفسير:
ودلوقتي أنا عايزة أتدرب زي ما قولتلي.
نظرت لها ميرال وإلى ياسين. قالت:
لابسة عشان تيجي معانا.
آه. عندك اعتراض؟
بس الشركة مفهاش تدريب مهني حالياً، وإنتي لسا صغيرة، يعني الشغل مش ليكي غير الدراسة.
أنا في سنة تالتة، وبدام ياسين موجود، أقدر أتعلم منه. افتكر إنه كان بيدرسني أحسن من الدكاترة.
نظرت لياسين وتذكر قديماً حينما كان يذاكر لها، ما يقف معه في ليالي امتحاناتها، وهي تبقى ناعسة ويفيقها لتدرس وتتأفف وتتذمر داخلها، ويحثها على الاستيقاظ ليجدها تغفو على كتفه.
تمام.
قال ياسين ذلك وهو يعود لطعامه. وقال:
كلي لو كنتي هتيجي معانا.
فرحت فريدة. نظرت إلى ميرال التي لم تفهم نظرتها تلك، وكأنها انتصرت عليها، وياسين لم يحرجها. أكلت كما أخبرها لتذهب معه.
في الشركة كانت فريدة مع ياسين، وكان الموظفين حين يرونها يتفاجئون من رؤيتها معه هنا وعودتها. كانت مضايقة من نظراتهم، وكذلك ياسين. قال:
ميرال هتعرفك تعملي إيه.
نظرت له. ذهب لمكتبه. قالت ميرال:
يلا يا فريدة.
لا.
مش عايزة تدربي؟
ياسين هو اللي يدربني.
اديكي سمعتيه.
مشيت ولم ترد عليها. قالت:
ياسين.
وقف. نظر لها. اقتربت منه. قالت:
علمني إنت.
استغرب. نظر إلى ميرال، فهل فعلت لها شيئاً؟ قالت:
لسه بقولها تعالي، لقيتها عايزة إنت.
قالت فريدة:
آه.. إنت قولتلي هتدربني وتعرفني الشغل بنفسك.
ميرال معاكي.
لا، أنا عايزة إنت.
ضايقت ميرال من تدللها. قالت:
فريدة، أنا وياسين واحد، واللي هيقولهولك نفس اللي هقولهولك.. مفيش فرق.
قالت بضيق:
محدش كلمك.
استغربت من طريقتها معها. نظرت إلى ياسين الذي أضايق من ردها أيضاً. نظر إلى ميرال. قال:
خلاص يا ميرال.. روحي على شغلك.
نظرت له بشدة، فهل استمع إليها؟ نظرت إلى فريدة. مشيت بتجاهل، فهي لا تطيق ذلك التدلل، وياسين يلبي طلباتها.
فرحت فريدة، لكن قال ياسين:
ممكن تتكلمي معاها أفضل من كده.
نظرت له من ما قاله. ليردف:
ميرال كانت هتساعدك، ملوش لزوم تتكلمي معاها كده.
أنا مقولتلهاش حاجة عشان تزعل عليها أوي كده.. أنا كنت بكلمك وهي بتقاطعني، لو مهتم بيها روح لها.
تنهد منها حين رآها حزنت. قال:
مقصدتش حاجة يا فريدة.
لا، تقصد. لو كنت مهتم بيا زيها، مكنتش هضايق عليها.. بس إنت حتى عايزها هي تضربني؟ لو مش عايز قول لي من الأول وامشي.
تقدم منها، رفع وجهها. قال:
لو مكنتش عايزك، كنت قولتلك لأ، بس أنا جبتك هنا.. متزعليش.
نظرت له في عينه من حنانه. قال:
يلا، نمشي.
تبعته. دخل إلى مكتبه مصحباً إياها لغرفة، وكانت غرفته دراسته. رأت تخطيطه وطاولة بها أوراق هندسية وأدوات كبيرة مثل الذي في مكتبه في المنزل.
عارفة التخطيط العمراني؟
ا..آه.
تقدري تبدأي.
نظرت له. مشي. قالت:
إنت رايح فين؟ مش هتعرف عليا؟
نظر لها. قال:
أنا معاكي. كنت هقلع الجاكت، مبعرفش اشتغل بيه.
قلعه، وضع على الكرسي، وعاد ليقف على قرب منها لتبدأ.
مسكت المسطرة. أعطاها القلم. خدته منهم وهي ترسم. نظر لها، وكانت المسطرة كبيرة، حيث لا تتحكم بها وتثبتها ليكون الخط مستقيم. كانت تحاول وتركز بعمق وشكلها كان مثير للضحك. وقعت المسطرة. مسكتها. قالت:
المسطرة دي صعبة.. أنا هشتغل بمسطراتي.
ابتسم بهدوء. وقال:
متختلفش عنها يا فريدة.
يبقى من الطاولة الكبيرة.. كل حاجة كبيرة، حتى الورق. بتوصل لآخر الخط إزاي؟
مسكت اللوحة بحرج. قالت:
كده حلو.
وكان خطاً معوجاً. نفى وهو يقول:
اعمليها صح.
إزاي؟
قرب منها، نظرت له، وقف خلفها، مسك ذراعها. توترت. ليمتد على آخره ويثبت المسطرة وهو يمسكها، وكأنهم جسد واحد. خد القلم وأمسكهولها وهو يمسك قبضتها، لينبض قلبها بقوة من اقترابه واحمرت وجنتيها كأنها ستنفجر.
خففي إيدك ع القلم.
قال ذلك وهو يحرك يدها وترسم خطاً طويلاً وتفعل ما يخببرها به. قال:
التخطيط أسهل حاجة. هتعمليها، متصعبيهاش.
نظرت له من ما يقوله. نظر لها والتقطت أعينهم كالتقاء موج البحر. نظر إلى عينها وجنتيها الحمراء التي تزيدها جمالاً وقربهم الشديد كأنهم متلاصقان. ليبتعد عنها وهو يتركها بحرج. نظرت له فريدة وهي خجلة.
كملي إنت.
نظرت له. مشي وكأنه يتهرب منها، لكن توقف. نظر لها. قال:
أول وآخر مرة تحطي ريحة برا يا فريدة.
استغربت كثيراً، فهل هذا ما يريد قوله؟ قالت:
بس ده برفان خفيف مش ظاهر.
سمعتيني.
قال ذلك بتأكيد. سكتت. أومأت له بتفهم. مشي وسابها.
عملتها.
قالت ذلك لنفسها وهي تمسك اللوحة. تلتفت وشافها وهي تبتسم ببهجة وتكمل بالفعل وتفعل ما أخبرها به.
في المساء كان ياسين جالس يعمل، وفريدة معه، يخبرها ما تفعله ويعطيها أوراق تقرأها، تتفهم أمور شغله وكيف يديره. كانت تعبت، فمنذ الصباح وهي لم تتوقف، وكأنها تعمل بالفعل.
نظر لها ياسين وأنها مجهدة. قال:
فريدة.
اممم.
خد منها الورق. قال:
كفاية، كملي بكرة.
استغربت. قالت:
لا، أنا مشتكتش.
مكنش فاعم. تمسكها ذلك. قالت:
إنت هتمشي دلوقتي؟
لا، لسا ورايا شغل.
نظرت له. قالت:
تمام، هقعد أكمل أحد أما نمشي سوا.
هتطول؟
نظرت له. قالت:
تمام، كده كده قاعدة في البيت، مش لاقية حاجة أعملها.
فكانت لا تريد أن تتركه، فهي تتجمع معه أخيراً الآن، ولا تريد رؤيتهم يعودون سوياً مثل كل يوم وتحترق قلبها. تريد أن تكون معه مثلها، فهي الأحق به، انه حبيبها هي فقط.
جت ميرال لتقاطع جلستهم. قالت:
أنا ماشية، وقتي خلص.
أومأت لها. نظرت إلى فريدة. قالت:
خلصتي ولا لسا؟
قال ياسين:
فريدة.. تقدري تروحي مع ميرال عشان متتعبيش.
لا، أنا لسا مخلصتش. لو عايزة تمشي، تمشي هي.
استغربت من ردها عليها، فهل تتمادى معها وتمسك نفسها من أجل ياسين؟ قالت:
أنا ماشية.
نظر لها ياسين. مشيت وهي مضايقة، ولم تكن فريدة مهتمة، بل سعدت أنها غادرت وأصبحت هي فقط الذي معه ولن تزعجه.
نظر ياسين إلى فريدة. قال:
في مشكلة بينكم؟
لا، أنا برد عليها عادي، هي اللي بتزعل من الحقيقة.
إنتي شايفة كده؟
آه، إنت بتزعلها لي؟ أنا معملتش حاجة عشان تزعقلي.
خفضت رأسها بحزن. نظر لها. قال:
أنا مزعقتلكيش يا فريدة.
امال إيه ده.. لو عايزني أمشي قول لي وأروح أجبهالك.
أنا بس بسألك لو كان فيه حاجة عشان اتغيرتوا عن الأول، مكنش كلامك كده معاها.
إنت عندك الإجابة.
استغرب من ردها ذلك، بينما كانت تقصد أنه هو الجواب، فإن كان معها، لكانوا ما زالوا أصدقاء، لكنها الآن حبيبته التي ستتزوجه، تتزوج من مين.. من حبيبها؟ هل ستكون معها كما كانت بعدما انكشفت نواياها وحبها الخفي بأنها كانت تغفلها وتحبه سرًا؟
مر الوقت. مد ياسين ظهره للخلف بتعب. قال:
فريدة.. قريتيها ولا لسا؟
لكنها لم ترد عليها. استغرب. نظر لها ليجد عيناها مقفلة، وكانت غفت على نفسها. تعجب أنه لم يلاحظها ولم يرى ذلك الهدوء. نظر لها قليلاً وهي تثقل رأسها على يدها. قلق أن تؤلمها حين تفوق. شال أيدها وحط إيده لترتمي برأسها على يده. تنهد منها، فهل هذه من كانت تريد البقاء؟
نظر إلى الساعة. نظر إليها. قال:
فريدة.
كان يوقظها. ربت عليها برفق. فتحت عيناها ونظرت لتقابل عيناه. قالت بنعاس:
ياسين.. شكلك حلو عن قرب.
ابتسم، ف لأول مرة يعرف أنها تهلوس حينما تكون ناعسة أو يفيقها أحد بغير إرادتها.
شكلي يخوف بعيد؟
لا خالص، بس كده أحلى… خليك معايا.. أنا محتاجالك.
قالت ذلك وهي تحتضن كفه. نظر لها، لتفتح عيناها فوراً وهي تدرك أنه يحدثها بأغلب. تنظر إليه. قالت:
ياسين.
نظرت إلى يده. سألتها، اعتدلت وشافت المكتب التي هي فيه، فهل نامت؟ نظرت له وهي محرجة. قالت:
أنا كنت بريح بس هكمل.
خلاص، هنمشي.
بسببي متقلقش، أنا فايقة.
يلا يا فريدة.. عشان متناميش على نفسك تاني.
قولتلك كنت بريح.
بتهلوسي هاا؟!
اتكسفت وافتكرت اللي قالتهوله، عدلت شعرها وهي تقف وتقول:
متتقولش لحد.. إني بهلوس.
ابتسم من ما قالته. خد جاكته. قال:
أنا بنفسي مكنتش أعرف، يمكن لأنه لم ينم معها قبل، فهو كان يضع حدوداً كأنهم شخصان عاديان.
مشى لتتبعه وتريد أن تخبره أنها لم تهلوس سوى ورؤية وجهه حين تفتح عيناها، كانت من أحد أحلامها.. ولا تزال.
كانت ميرال واقفة في البلكونة وتنظر للساعة وكيف تأخر ياسين. تنهدت، وكانت هتدخل، لكن سمعت صوت. نظرت، لتجدهم عادوا وينزلون من السيارة ويتحدثان.
بكرة هتدرب تاني.
خدي يومين استراحة.
لا، أنا كويسة.
واضحة.
تذكرت بشفتيها وهي تسير معه وتقول:
مكنتش خمس دقايق اللي نمتهم.
كانت ميرال قد رأتهم وهم اتو بهذه الإشراق ويتحدثان، عكس القبل، لم يكن هناك أحاديث بينهم.
شعرت بالغضب، فهل تعلم أن هذا ما أرادته فريدة؟ دخلت وهي مضايقة.
قالت فريدة:
بتشتغلوا لحد الساعة دي؟
على حسب الشغل.
امم.
أومأت بتفهم. نظرت له. قالت:
بفكر أبقى مهندسة ديكور عشان أكمل شغلك.
نظر لها. ابتسمت. وقفت أمامه. قالت:
تبقى إنت مدني، وأنا التشطيب.
مخترتيش ديكور لي من الأول.
حطاك قدوتي، عايزة أبقى معاك في شغلك، فاخترت زيك.
نظرت له. قال:
قدوتي؟
أومأت له إيجاباً. قصمت نظر إلى غرفتها. قال:
تقدري تنامي.
آه.. تصبح على خير.
قالت ذلك وهي تشير له بيدها وتذهب. لينظر لها. قال:
وإنت من أهله.
طلع على أوضته. دخلت فريدة وكانت فرحانة أنها تقربت منه، وقضت وقت معه. لم يكن وقت ثميناً، لكنها لم تكن تراه. نظرت إلى العصافير. راحت، وقفت عندهم وهي تبتسم. قالت:
قولتلكم زي ما أنا اللي وصلتنا هنا، هرجعها ليا تاني..
مسحتت على باصبعها عليهم وهي تتذكره وتقول بتمني:
قريب أوي.
نظرت، شافت طبق الطعام الخاص بهم. قالت:
نسبة يحطهولكوا.
فتحت القفص وحطته وهي تبتسم. أمسكت أحدهم وقبلت برفق، ثم تركته وذهبت لتبدل ملابسها وتنام، فهي متعبة.
في اليوم التالي كان ياسين جالس يحتسي قهوته. جت ميرال. جلست بجانبه. قالت:
صحيت إمتى؟
من ساعتين.
أومأت بتفهم. قالت:
فطرت؟
إنتي عارفة إني مبفطرش دلوقتي.
سوري، نسيت، أكمني لسا صاحية.
أزاحت شعرها على جنبها الآخر. نظر لها. قالت:
إنتوا رجعتوا إمتى إمبارح؟
استغرب من سؤالها. نظر لها. قال:
لي؟
عادي، بسأل سؤال. يدايقك؟
قالت:
١١.
صحيت فريدة من نومها لتتثاوب. راحت خدت هدوم من دولاب ودخلت لتتحمم لبداية يومها.
أومأت ميرال بتفهم. قالت:
أكيد تعبت وهي معاك، مكنتش تتقل عليها.. هتروح انهارده؟
لا.
نظرت له. ليردف:
هخليها أيام ميكنش عليا شغل كتير فيها عشان تروح بدري.
كويس.. كنت عايزة أسألك عن حاجة.
إيه؟
عنا.. مش لازم نتكلم في موضوعنا.
والدك كلمك؟
لسه… هتصل بيه النهارده، خايفة بس ديانا تكون عملت مشكلة. ياسين، إنت هتكلمه، مش كده؟
نظر لها من طلبها. قال:
حاضر.
ابتسمت له.
خرجت فريدة من الحمام وهي تجفف شعرها. وقف أمام المرآة وهي تنظر لنفسها. مسكت المشط لتمشط، لكن توقفت. بؤبؤ عيناها وهو يتسع بشدة.
كان ياسين جالس مع ميرال ليسمعا صوت صرخة مدوية أصابت قلبه الفزع ليعلم صاحبتها.
فريدة.
نظرت ميرال له. قام سريعاً تبعته ميرال والقلق بادياً على وجوههم. راح عند أوضتها وسرعان ما فتح الباب لينصدم من ما يراه.
رواية زهرة الاشواك الفصل الأربعون 40 - بقلم نور
فتح ياسين عليها، شافها واقفة في ركن الأوضة وبتعيط بشدة. نظرت له والدموع بتنزل منها، لينصدم لما رأها ماسكة عصفور مرتخي من بين إيديها.
قرب منها ونظر للقفص، ليجدهم ميتين لا روح فيهم. حزن من المنظر وقال:
– فريدة.
– ماتوا.
قال ذلك وهي بتبكي وماسكة في واحد منهم وبتمسد على ريشه الناعم. بكت بحرقة وقالت:
– مبيتحركوش ليه؟ ليه مش سامعه صوتهم؟
زعل عليها، قرب منها وقال:
– سيبيه.
– لا... هيصحوا... مماتوش.
هزت القفص كأنها بترجو عودتهم. قالت:
– هيقوموا... ليه... كانوا كويسين... كنت لسه بكلمهم إمبارح.
بكت وصوتها بيتردد في ودن ياسين وزعل عليها. قرب منها، ربت عليها وقال:
– أهدي يا فريدة.
– قتلوا.
نظرت له بعينين مليانين دموع وقالت:
– حتى دول... خدوهُم مني... كل حاجة بتتاخد مني يا ياسين.
ارتمت على كتفه وبكت. شعر برجفة جسدها وصراخ بكائها بيؤلم قلبه.
– ليه بيموتوا؟ عملوا إيه؟
مسك وشها ومسح دموعها وقال:
– أهدي أرجوكي.
لكنها لم تكن تسمع إليه. قال:
– متزعليش... هجبلك غيره.
نفخت له وهي بتبعد إيده وبتقول بصراخ:
– لااااا! أنا عايزهم هما... عايز دول اللي عاشوا معايا وحسيت بالوحدة في وجودهم.
حزن كثيراً، حضنها ليهدئها، بينما كانت لا تصمت. أمسكت بذراعه بأظافرها وقالت:
– رجعهملي أرجوك.
دفنت وجهها داخل صدره وتبكي بقهر، ويتألم من صوتها. لأول مرة يراها تبكي بذلك القدر وصراخها يعلو بحرقة ويحرقه معها.
كان يربت عليها، يحاول أن يهدئها، متجاهلاً ميرال التي كانت واقفة تشاهد ما يحدث وترى فريدة القابعة داخل أحضان ياسين.
كان الخدم واقفين عند الباب في الخارج، وحزينون عليها وخائفون في ذات الوقت مما ينتظرهم.
كانت تبكي وهو يمسد على شعرها بحنان، مثلما كان يفعل في السابق ويحنوا عليها لتهدأ، بينما كانت لا تزال تنشج.
نظر إلى الخادم، أشار له بعينه على القفص. أومأ له إيجاباً واقترب من القفص، وياسين يعانقها ويضع يده عند رأسها كي لا تنظر. أخذهم الخادم وذهب.
– الآنسة فريدة هتتأثر أوي.
– أكيد كانوا جزء من يومها.
– من ساعة ما ياسين بيه جابهم وهي بتعتبرهم كأنهم عيلتها، عكس أول ما جت هنا كانت حاسة بالغربة.
– بس ماتوا إزاي؟
– منعرفش، أهو قدر.
– قدر يموتهم فجأة كده.
سند ياسين فريدة وذهب بها إلى سريرها، وهي تتكئ عليه وأنامها. وكان هيبعد، وجدها متشبثة بملابسه كي لا يتركها. جلس بجانبها حتى تغفو. نظر إلى ميرال التي كانت تنظر إليه، لكنه لم يكن يفكر سوى بفريدة وشارد الذهن.
نظر لها، فهو يقلق عليها من تلك الصدمات. من الجيد أنها نامت. لا تتحمل الحزن وما رأته.
قال لميرال:
– ياسين... أنا مش فاهمة حاجة. مين دول؟ وليه انهرت كده؟ الطيور شكلهم كان كده إزاي أصلاً؟
– معرفش يا ميرال. فريدة كانت متعلقة بيهم. حصل كده إزاي؟ هعرف ده بنفسي.
نظرت له حين قال ذلك بجدية، وهو ينظر إلى فريدة والحزن الذي تسبب به إليها وحالتها تلك. كانت متعلقة بهم كثيراً منذ أن جاءت هنا. أول بسمة كانت حين أحضرهم لها، وأول عناق بينهم كان بسببهم. لقد كان يخرج لشركته وهي تبقى في المنزل معهم كأنهم أصدقائها، حتى أنها كانت تبكي معهم أكثر منه، فهو كان يعود في الليل، أما هم ملازمين غرفتها. وها هم قد ماتوا، ولا يعلم السبب. معقول أنه عدم اهتمام أم البرودة أم شيء نقصهم... أم تسمموا؟!
بعد أما فريدة نامت وخرج، نزل وسأل الخادم أين أخذهم. أخبره، فذهب ليلقي نظرة عليهم، لكن كل شيء كان كما هو. نظر إلى الطعام الخاص بهم، كان متبقي منه. أخذه وأمسك حبات من بين أصبعيه وفركه ليتفتت. اقترب منه وتشمم رائحته ليتعجب. ابتعد ونظر إلى أصبعيه.
نظر له الخادم بعدم فهم. حط ياسين الطبق وقال:
– تمام.
أومأ له وذهب.
قالت ميرال:
– في إيه يا ياسين؟
– مفيش حاجة.
راح للمطبخ. نظروا له الخدم. قال:
– مين اللي كان بيحط الأكل ليهم؟
– أنا... بس الآنسة فريدة كانت معظم الأوقات هي اللي بتحطلهم، فكنت بحطلهم أنا وهي مش موجودة.
– أنتي اللي حطيتلهم امبارح؟
– آه، بس سبته عندهم وهي لما ترجع تاكلهم. هو في حاجة يا ياسين بيه؟
– لو حد ليه دخل باللي حصل يقولي من دلوقتي، عشان لو عرفت لوحدي مش هيبقى لصالحه.
ذهب. نظروا له بخوف وريبة. قالت:
– إني عملت إيه؟ أوعى تكوني حطيتلهم حاجة.
– أنتي عبيطة؟ هحطلهم إيه؟ هو الأكل بتاعهم اللي بحط منه مبقاش موجود.
– أمال ياسين بيه مضايق ليه؟ كأننا السبب في موتهم.
– كده كده الطيور عمرها قصير، من أقل إهمال أو نسمة هوا بارد ممكن يموتوا.
– يلا ربنا يعوضها.
***
في المساء، طرق ياسين الباب على فريدة، فهل ممكن أن تكون نائمة كل هذا الوقت؟ فتح، شافها جالسة وتنظر في الفراغ.
– صحيتي إمتى؟
– من شوية.
نظر على ما تنظر، وكان مكان القفص الذي أصبح خالياً. تنهد. اقترب وجلس على حافة السرير بعيداً عنها وقال:
– أنتي اللي أكلتيهم امبارح.
أومأت له إيجاباً. نظر لها وقال:
– الأكل كان فيه بيكربونات.
نظرت له بصدمة وقالت:
– إيه؟ قصدك أنهم اتسمموا؟ زي ما قلت اتقتلوا؟
– أهدي يا فريدة.
تذكرت البارحة الطبق الذي وضعوه عند القفص، وهي حسبته طعاماً فوضعته لهم. قالت:
– أنا اللي حطيتلهم... ماتوا بسببى يا ياسين.
مسك وجهها وقال:
– فريدة خلاص.
سالت دموعها وقالت:
– والله ما كنت أعرف... ما كنت أعرف إن فيه حاجة.
– عارف... ممكن تهدّي. كفاية عياط.
نظر إلى كلتا عينيها، فكانت مرهقة. مسح دمعتها وقال:
– خلاص.
أغمضت عينيها وهي تشعر بحنانه الذي اشتاقت له، ويده التي تمسك وجهها. نظر إليها ومن قربه منها، لينظر إلى شفتيها. نظرت إليه، تنهد وابتعد عنها. دخلت الخادمة وهي تحمل صينية.
– الأكل.
أخبرها ياسين أن تضعه، لكن فريدة قالت:
– مش عايزة.
– أنتي ما أكلتيش من الصبح.
– مش عايزة أكل خالص... مليش نفس... شيليه.
نظرت الخادمة إلى ياسين، فهل تفعل ذلك أم لا؟ أشار لها أن تذهب، فذهبت وتركتهم.
قال ياسين:
– فين الدوا بتاعك؟
– في الدرج.
راحت وفتحته ليخرجه ويضعه على الكومود. استغربت. قال:
– حطيه قدامك عشان تعرف إن أكلك ليه... حتى لو مش جعانة كلي عشان العلاج.
– معدش تفرق.
نظرت إليه حين قالت ذلك، وكانت منطفئة. تنهد وقال:
– فريدة... عارف إنك زعلانة بسبب اللي حصل، بس مش هقدر أسيبك على راحتك في الأكل.
نظرت له ليردف:
– بكرة بداية دراستك. مش عايزة تاكلي؟ مش هقدر أوديكي.
– بتهددني؟
– بعرفك... لو عايزة تروحي كلي.
أدارت وجهها بعند، وقالت:
– أصلاً كنت ناسيه بكرة إيه... أنتي اللي فكرتني.
أخذت الصينية بضيق لتبدأ في الأكل، فهي تريد الذهاب. سعد ياسين. سالت دمعة منها وهي تأكل، مسحتها بكفها. فكان حزنها لم يغفو، وصدمتها لا تزال عالقة في ذهنها.
وجدت يد تمتد وتضع منديلاً بجانبها. نظرت لتجده ياسين. وضع يده على رأسها يمسد على شعرها بحنان. خجلت ونظرت له من ملامحه الهادئة ويده التي تحب ملمسها، لكنه ابتعد عنها ولم يطل كثيراً وخرج، وهو يتركها.
نظرت إلى المنديل، تشممته وكان به رائحة عطره. وضعت يدها على شعرها مكان يده، فظهرت حمرة طفيفة على وجنتيها وهي تتذكره.
***
في اليوم التالي، خرجت فريدة، قابلت ميرال التي نظرت إليها. لم تهتم فريدة بها، لكنها قالت:
– فريدة.
– عايزة إيه؟
– عاملة إيه؟
استغربت من سؤالها، وقالت:
– الحمد لله.
– كويس... لو عايزة حاجة قوليلي.
كانت مستغربة منها، وقالت:
– أنا هعوز حاجة منك ليه؟ اللي بعوزه بكلبه من ياسين.
تنهدت ميرال من تلك الفتاة، وقالت:
– أنا قولت أعرفك عشان متكونيش فاهمة إني عندي مشكلة ناحيتك... موفقة في يومك الدراسي.
– شكراً.
مشيت بعير مبالاة، بينما ميرال ذهبت. فهي كانت فقط تشفق عليها من البارحة. كانت فريدة مستغرباها، فهي كانت تستفزها الأيام الماضية. أليست غاضبة؟ أم أنها تسخر منها؟ لو كنتِ فقط يا ميرال لم تفعلي ما في رأسك وتتزوجي من ياسين، لكنا أصدقاء، لكن هذا لن يحدث. أنك تعشقيه ولم تتركيه منذ زمن. فعل ستتركيه الآن؟ ياسين هو النزاع بيننا. إن عاد لي، فقضيتنا تنتهي. ليته فقط يعود.
***
كان ياسين في شغله بيفكر في فريدة، فهو لم يراها في الصباح وكيف أصبحت، وهل وصلت الجامعة.
جت ميرال قاطعت تفكيره.
– ياسين... الميتنج.
أومأ لها، سبقته. أغلق هاتفه، كان يريد الاتصال عليها ومشى.
***
كانت فريدة جالسة في المدرج تنظر حولها، لتلقي عيناها تسنيم، لكنها لم تأت. استغربت، فاليوم الأول للجامعة بعد انتهاء الإجازة، ولا تتأخر عادة.
ألقت الدكتورة دخلت وأغلقت الباب بعدم دخول أحد بعدها. استلمت بيأس وحاولت تركز بعيداً عن تلك الأمور، لكن قلبها كان يشعر بالحزن.
خلصت المحاضرة وخرجت، قابلت يارا وكانت واقفة مع أصحابها. نظرت لها. قربت منها وقالت:
– مشوفتكيش وإنتي جاية... دخلتي علطول.
لم تعلق فريدة، بينما قالت:
– تسنيم مجتش.
– عارفة.
– منين؟
– ملقتهاش في السكشن.
– مكنتش عايزة أجي الجامعة النهارده، بس جيت عشان أشوفها... وفي الآخر مجتش.
أردفت بحزن وندم:
– أنا السبب.
نظرت لها يارا، وقالت:
– خلاص يا فريدة، اللي حصل حصل. هتيجي بكرة؟
– وممكن متجيش... ممكن نروح لها نشوفها.
فتحت تلفونها وقالت:
– أنا معايا العنوان، بس معرفش المكان بالتحديد.
– أنا عارفة... يلا.
أخذتها وذهبوا. نظرت لهم أصدقائها.
– راحة فين يا يارا؟
– راحة أقابل بكرة.
– تمام، باي.
مشيت مع فريدة وقربت من عربيتها، بس وقت ونظرت للسائق والحراس. قالت:
– ودول هنمشي إزاي منهم؟
قالت فريدة:
– متحاوليش... حاولت قبلك معرفتش. هيروحوا معانا عشان أروح وإحنا راجعين.
ركبت فريدة مع يارا وذهبوا. نظرت يارا للخلف، وكانت السيارة خلفها. قالت:
– لما كان البودي جارد معاكي أول مرة، كان الكل بيخاف يقربلك منهم... الدليل أول خناقة ما بينا.
افتكرت فريدة حين صفعته أمس، وكان هيمتد عليها، لكنهم وقفوا أمامهم. ابتسمت وقالت:
– مش عايزة أفتكر.
– ولا أنا... شكل ياسين لسه بيخاف عليكي... الوضع زي الأول.
قالت بمرارة:
– بيتخيلك... هو أسوأ لأنك مش عايشة اللي أنا عايشاه.
شافت حزنها، وقالت:
– في إيه؟ أنتي غريبة أوي انهارده. حصل حاجة؟
– بعدين.
وصل كل منهم إلى منزل. نزلوا. قالت فريدة:
– ده...
– تقريباً... تعالي نشوف.
دخلوا وقرعوا الجرس. انتظروا قليلاً، فلن يأتيهم رد. رنت يارا ثانياً، فتح الباب لهم وطلت امرأة. نظرت لهم.
– تسنيم هنا.
– تسنيم... لا هي برا.
صمت الاثنان بخيبة، لكن أعين فريدة التقطت أقدام واقفة من خلف الباب.
– أقولها مين؟
ردت فريدة عليها، وقالت:
– قولي لها أصحابك جم يشوفوكي عشان قلقانين عليكي من تلفونها المقفول وغيابها عن الكلية.
كأنها توجه كلامها إليها وتردف:
– بس هييجوا تاني لأنك صحبتنا ومش ناسينكم.
تنهدت المرأة وقالت:
– أقولها مين؟
– أصحابها... هي هتعرف هما مين.
استغربت، فهي كانت تريد أسماء. قالت فريدة:
– يلا يا يارا.
أخذتها وذهبوا. نظرت لهم المرأة. أقفلت الباب لتنظر إلى تسنيم التي كانت واقفة خلفه وسمعت كل الكلام الموجه إليها.
– كده تخليني أكدب يا تسنيم.
– معلش يا داده.
– مش عايزة تقابليهم ليه؟ شكلهم قلقانين عليكي فعلاً.
– كده أفضل.
في السيارة، كانت فريدة صامتة. قالت يارا:
– مالك؟
– أنا غلطت أوي... كان معاكي حق يا يارا خسرت صحبتي.
– ليه بتقولي كده؟ طنط قالت إنها مش موجودة.
– كانت واقفة ورا الباب.
تفاجأت كثيراً، وقالت:
– تسنيم!
وأومأت لها إيجاباً. قالت:
– هي اللي قالت لها تقول كده. مكنتش عايزة تقابلنا... أو بالأصح تقابلني.
أردفت بتفكير:
– معقول إيهاب لحد دلوقتي مكلمهاش؟
– ومال إيهاب؟
– لو كان كلمها كانت قابلتني، كانت على الأقل عرفت إن أنا وهو اتطلقنا.
– ده هيفرق معاها؟
– معرفش... بس ممكن لحد دلوقتي يفرق معاها.
– وممكن معدتش يفرق.
– صدقيني لو كانت حبته بجد زي ما قلتي لي، فهيبقى فارق... لأنها مش هتنساه في شهر.
وكأنها تقصدها هي، فهي لم تنسَ ياسين حتى حين طلبت طلاقه. كان كلامها ندمت عليه كثيراً. كلام ساعة غضب لفرك حبها له... وحبها هو الذي أوصلها لهنا... وغيرتها وأنانتها أدت لخسارة... كسر عميق بينهم. تريد إصلاحه، لكنها لم تنسه يومهم، بل فعلت كل ذلك من أجله.
***
على العشاء، كانا جالسين بصمت. نظر ياسين إلى فريدة، فلم تكن تلك التي يعرفها. إنها صامتة، خافضة عينيها، لا تتحدث، تأكل بصمت. انطفأ بصغيرتها، لم يراها إلا لأول مرة رآها فيها... كانت حزينة على وفاة والدها، وهي هي. دخلت في حالة أخرى. يريد إخراجها منها. لا يحب رؤيتها كذلك.
– يومك كان عامل إيه؟
قال ذلك بتساؤل. نظرت له، فهل يحدثها هي؟ نظرت لميرال، عادت لطبقها، وقالت:
– تمام.
لم يكن ذلك ردها. كانت تخبره ما فعلته وما تذمرت فيه، لأنها كثيرة الحكي والكلام، لكنها لا تريد التكلم حتى.
– ياسين.
نظرت له من نظرتها، لتقول:
– بتروح المصنع إمتى؟
استغرب، فهي لم تسأله يوماً عن ذاك. قال:
– رايح بكرة... ليه؟
– هاجي معاك.
تفاجأ، لتردف:
– عايزة أشوفه وأفهم شغل بابا كان بيمشي إزاي.
– تمام.
قالت ميرال:
– فكرة كويسة.
نظرت لها فريدة، فهي أول مرة تؤيدها.
– إنك عايزة تشوفي المصنع، تبقى عايزة تعرفي شغل والدك عشان هيكون شغلك قدام.
لم تفهم فريدة معنى كلامها ذلك، لكن شعرت وكأنها تتلاعب بها. هل تريد إبعادها عن طريق ياسين كي تكون مسؤولة أمامه وتجعله يتركها؟ أنك خبيثة يا ميرال... وأنا سألته بحسن نية، لكنك تقلبين الطاولة، ولم أعلم أن ذلك لصالحك.
طلعت على أوضتها، فهل تلغي رحلتها معه؟ إنها تريد أن تكون بصحبته، لكن ذلك بمثابة ابتعادها عنه. نظرت لمكان فارغ، وكان موضع القفص سابقاً، الذي لم يعد موجوداً الآن.
شعر بالحزن الشديد. اقترب وجلس، فهي لن تعد هناك ما تحاكيه. كانت تنظر لهم، تتذكر ياسين... تسمع زقزقة تملأ وحدتها وخوفها من الظلام. بات الهدوء والظلام واضحاً.
الآن لم يعد لها شيء خاص به سوى هذا الانسيال الملتف حول معصمها، وتخشى فقدانه.
كانت ميرال جالسة مع ياسين.
– كويس إن فريدة افتكرت مصنعها.
– ليه؟
– عايزة أشوفه، يبقى عايزة تعرف الشغل أو تاخد نبذة عنه.
– ممكن تبقى زيارة عادية، وده من حقها. لو عايزة تعرف، هعرفها. مش عايزة، ده يرجع لها.
– لو شالت هي شغلها، هتريحك بعدين ومتكنش مبين المشغلين وتتعب. لازم تتعلم عشان تدير شغل أبوها وفلوسها. أنت شلته كتير يا ياسين، هي مسيرها تكمل لأنه شغل باباها. أنت تعبت كفاية لحد كده.
– ميرال، أنا مششتكي.
اقتربت منه وقالت بحب:
– بس أنا شايف التعب عليك. سرعاتك كتيرة من ساعة ما دخلت حياتك، وأنا مش معترضة، بس أنت عايز تتعب كده الحياة كلها؟ نفسك أولى بالراحة. أنت اللي تهمني.
– متخافيش... أنا كويس.
نظرت له ولجديته، تنهدت وقالت:
– زي ما تحب.
قامت وتركته، وفكر هو بكلامها. نظر، وجد هاتفها تركته. خده، راح أوضته. مر على غرفتها، لقى الباب مفتوح، دخل، لكنها لم تكن بالداخل. التفت، لكن توقفت عينه على شيء في ركن الزاوية عند السرير.
– ياسين.
قالت ميرال ذلك وهي تخرج من الحمام. نظر لها. قربت منه وقالت:
– في حاجة؟
صمت قليلاً، لم تفهم صمته. مد يده وقال:
– نسيتي تلفونك.
نظرت إليه، ابتسمت وقالت:
– آه. مأخدتش بالي. شكراً.
أخذته منه. نظر لها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير.
***
في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت. قالت ميرال:
– هتيجي الشركة إمتى؟
– هخلص وأجي، مش هطول.
– تمام، هستنا.
خرجت فريدة، تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات اللاتي يذهبن لأعمالهن.
– يلا.
– فريدة.
– إممم.
– مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟
بصت لنفسها وقالت:
– قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت، ونظرت له، وقالت:
– لا مش قصيرة، بتهيألك.
نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تتبعه بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ إنها تريده أن يغار عليها.
– اركبي.
نظرت له، وقالت:
– هي قصيرة أوي.
– معرفش، بدام عجباكي يلا.
– أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي.
– يلا يا فريدة.
ركب ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. إنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل.
استغرب السائق، وقال:
– ياسين بيه، الآنسة هتيجي ولا نمشي؟
استغرب، وبص، لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة، وقال:
– استناها.
نظر إلى الساعة. بعد قليل، خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيب إلى جيب أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه. نظرت له، وقالت:
– كده حلو.
– غيرتيها ليه؟
– عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها حلو؟
لم يرد عليها. تضايقت.
– جميل.
نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه؟ أم ميرال أجمل؟
في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين. الذي حين دخلا، سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقتربه رجل، وقال:
– ياسين بيه، مقلتش إن حضرتك جاي.
فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم. قال:
– أنا لازم أقول.
– لا تنور حضرتك في أي وقت.
نظرت فريدة حولها، كان فيه حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين يدها، نظرت له، ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ.
– خلي بالك.
أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف:
– فريدة... طبعاً عارفها.
الرجل بدهشة وهو ينظر إليها:
– بنت يعقوب بيه؟
أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:
– فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا ترجع الأمل فينا إنه لسه موجود.
سعدت فريدة وشعرت بالافتخار بوالدها، كونه رجل طيب الجميع يحبه.
– ربنا يرحمه.
أومأت له بحزن. أشار لهم وقال:
– اتفضلوا... تحبوا تقعدي في المكتب بعيد عن الدوشة؟
نظرت إلى ياسين، وقالت:
– لا، عايزة أشوف المصنع.
نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته.
في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس، استغرب. نادى على أحدهم وقال:
– في حد هنا؟
– ياسين بيه جه.
– وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده.
– إيه؟!
– لا مفيش... طلب أوراق الحسابات.
فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدة، والحل يهابه. قال:
– لا شكله جاي على الهادي النهارده... أصل الآنسة فريدة معاه... أقصد المدام، مش عارف.
أنصدم، وقال:
– فريدة هنا؟
– آه.
– طب روح على شغلك.
كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها. لكنها كانت تثق به، وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً... كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله.
– هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني.
قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها.
كان الرجل يتحدث، فسكت ياسين. بص لها، شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لتمسك نفسها.
قرب منها، وقف جنبها، مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. انفطر قلبه من رؤيتها، وهي تجز على شفتيها خشية البكاء أمام الجميع.
– مش قادرة... عايزة أستخبى.
فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب، وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال:
– خير يا ياسين بيه؟ في حاجة؟ هي كويسة؟
– كفاية كده... ابعت عصير على المكتب.
– حاضر.
أخذ فريدة ومشى راح إلى المكتب. دخلها، بعد عنها، وقعدها، وقعد بجانبها. قال:
– مأعدش في حد هنا. تقدري تاخدي راحتك.
كانت تخفض رأسها، لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء، لتقول:
– بابا وحشني أوي.
بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وتنسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد.
– متعيطيش... ادعيله.
– بدعيله... منستوش كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني.
تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال:
– خلاص... عشاني.
نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم، دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال:
– أنت داخل زريبة.
– معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة.
نظرت له فريدة. نظر لها، فخافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها.
– نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران بصراحة.
جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم.
تقدم ياسين منه وقال:
– تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع.
انحرج مدحت، وقال:
– على نفسها إن ليا نسبة هنا.
– نسبتك تبل ميتها. وأنا قلت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده.
– إزاي بقا؟ فاكرني هبيع؟
– هتعرف إزاي.
غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول:
– لو خلصت روح على شغلك، أنا مبدفعش مرتب على الفاضي.
نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين، وقالت:
– هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتوش ليه؟
– هو ليه نسبة يا فريدة، وكان بيشتغل في زمان.
– مشفتش عمل إيه.
– لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش، هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة.
سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة، وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال:
– دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي.
نظرت إلى كم الأوراق، وقالت:
– وأنا هقرأ ده كله؟
– أمال هتعرفي بتدفعي كان وبيدخلك قد إيه وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟ لازم إقرار وتكتبي تحسبي كل صغيرة، ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير.
– أحفظ؟
طرق الباب، سمع له بالدخول. قال:
– العصير يا ياسين بيه.
أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أداه لفريدة. نظرت له، وقالت:
– شكراً.
أخذته منه. نظر ياسين لها، شربت. وضعت الكوب جانباً، ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال:
– فريدة.
– نعم.
أشار على فمها. لم تفهم. قالت:
– في حاجة؟
قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه له. أخذته منه. نظر إلى الساعة.
– فريدة.
نظرت له، وقالت:
– أنت هتروح الشركة إمتى؟
– لما نمشي، معرفش هروح ولا لا.
ابتسمت، لكن قالت:
– آخرتك؟
نظر لها ولحزنها، وقال:
– لا عادي، خلصي بس.
وضعت الملف على وجهها بتافف، وقالت:
– خلاص، أنا كمان تعبت. ممكن نكل بكرة تاني؟
– تمام.
اقترب منها واقفاً، الملف ورأى ما دونته. قالت:
– الحسابات مظبوطة.
– آه.
ابتسمت، قامت، لكن أمسكت معدتها، وقالت:
– ياسين، أنا جعانة.
نظرت له، فهي ستعود للمنزل، بامكانها أن تأكل، لكنها قالت:
– ممكن نأكل برا واحنا مروحين؟
– أنتي كده كده رايحة.
– لسه، عقبال ما أوصل... أنا عايزة آكل برا، زهقت من البيت، مبقتش أحب أقعد فيه أساساً.
نظر لها وإلى الساعة، وميرال التي تنتظره، ولم يعلم ماذا يفعل، لكنه كان يريد أن يخرج فريدة مما هي فيه. نسي عمله وكل شيء، أمام أن تنسى حزنها من اليوم وما يحدث معها... لذلك وافق.
– تمام. اسبقيني على العربية، هخلص وأجي.
ابتسمت وقالت:
– شكراً.
نظر إلى ابتسامتها، فتلك التي أراد رؤيتها.
***
كانت ميرال في الشركة بترن على ياسين، لكنه لم يكن يرد عليها.
– معقول لسه ده كله في المصنع معاها؟
سكتت، وافتكرت فريدة لحظة. أكانت تريد الذهاب لأن تقضي معه يوم لا غير، وتكون معه؟ شعرت بالغضب من تلك الفتاة الماكرة. لقد خدعتها، وقد ظنت تريد أن تعلم ما هي أبيها، لكنها فقط تحاول إبعاده.
رنت على ياسين ثانياً، فأين هم الآن؟
***
في المطعم، كان ياسين جالس ينظر إلى فريدة وهي تأكل. نظرت له، وقالت:
– مبتاكلش ليه؟
– مش جعان.
خافت يكون لا يريد أن يأكل، لكي حين يعود يأكل معها، قالت بحزن:
– مش عايز تاكل معايا.
نظر لها، لتردف:
– خلاص، مكناش نيجي أحسن.
– مفيش حاجة من دي يا فريدة.
– أمال مبتاكلش ليه؟
– قولت لك مش جعان. كلي أنتي.
لم ترد عليه قطعت بسكينه قطعة لحم، وأخذتها بشوكة. قالت:
– لو مأكلتش مش هاكل.
نظر لها باستغراب، فهل تريد أن تطعمه؟ قال:
– فريدة خلاص هاكل.
– شوفت؟ مش عايز تاكل مني.
حزنت. نظر الناس إليهم. مسك يدها قبل أن تنزل يدها، وأكل منها. نظرت له، عاد جلسته. قال:
– كلي بقى.
ابتسمت في الخفاء، وجدته يأكل كما أرادت، فشعرت بالانتصار.
– بتبسمي لي.
– شكلك حلو.
أردفت وهي تكتم ضحكتها:
– وأنت بتسمع الكلام.
نظر لها، فصمتت بحرج. عاد ياسين لطبقه، لكن ابتسم. نظرت فريدة إليه من ابتسامته، فرحت. لياكلا الاثنان، وياسين ينظر إليها. فماذا ستفعل به ثانياً؟ ماذا تعد له تلك الفتاة؟
خرج من المطعم، فتح تلفونه، وشاف مكالمات ميرال. نظرت له فريدة، وقالت:
– هتروح الشركة؟
– اليوم راح، وميرال زمانها روحت.
– أنا آسفة.
– عادي... يلا.
ذهب، ابتسمت وتبعته وهي تسير. جاء حد وخبط بها بشدة، تألمت.
– معلش.
وأمضى في طريقه دون أن ينظر لها. نظر ياسين إليها، وقال:
– أنتي كويسة؟
أومأت له. نظر إلى ذلك الشخص الغريب، فكيف ذهب دون أن يتوقف بعدما اصطدم بها ويخفض رأسه هكذا؟
قالت:
– يلامشي.
معاه. خرجوا، وكانت هتركب، لكن شعرت بألم مرة واحدة. رفعت يدها لتجدها مجروحة، لكنها انصدمت.
– انسيال.