تحميل رواية «ذنوب على طاولة الغفران» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تواقيع أبطال #ذنوب_على_طاولة_الغفران كالعادة مفيش بطل رئيسي كل واحد يحدد مين الثنائي الرئيسي اللي هو بيفضله ♥️ كل بطله ثنائي جايين ورا بعض ♥️ ياسر الوتيدي ♥️ غنى المسيري خالد الوتيدي ♥️ أشجان عزام عمر الوتيدي ♥️ شروق الجيار كمال الوتيدي ♥️ أسيا عزام رحيم الوتيدي ♥️نجاة (ضي) سليمان يزيد الوتيدي وووو تتوقعوا مين ؟؟😂😂😂 ياسر و يزيد أخوات & خالد و كمال أخوات و عمر ابن أختهم ♥️ و كلهم ولاد عم و رحيم ابن عمهم بردو مستنيه رأيكوا و توقعاتكواو مين أكتر ثنائي حبتوه فيهم و متحمسين ليه ♥️ و متنسوش تسيبولي...
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الحادي وخمسون 51 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الإثم الخامس و الثلاثون ❤️🩹 بعنوان
" آثام لا تغتفر و عشق لا يُنتسى، وحقائق لا يُمكن التبرأ منها"
البارت دا انا فعلًا محتاجه كومنت على كل فقرة لمست قلبكوا فيه ♥️
تختلف طبائع البشر إلى حدٍّ قد يُصيبنا بالحَيْرة؛ فهناك من يتدثَّر بأقنعة شتّى تُخفي ما يختلج في أعماقه من زيفٍ وقُبْحٍ، وهناك من يحاول زخرفة قُبحه، فيكسوه بعباءة الحُب المُطرَّزة بالعواطف الكاذبة التي تمنحه مظهرًا جماليًّا خادعًا في أعين المُغفَّلين، وهناك من ضلَّلتهم الأنانية وأعمت بصيرتهم، مما أدّى إلى اختلال ميزان الإدراك لديهم، فأصبح تجاوزهم في حقوق الغير أمرًا مُبرَّرًا ودفاعًا مشروعًا عن حقوقهم المزعومة.
ومع غياب الضمير واندثار أثره، يشرعون في تزيين أفعالهم وإقناع الجميع بعدالة مسارهم. كلُّ هؤلاء ضلّوا عمدًا، ولم تخدعهم الطُّرقات، بل سلكوها عن وعيٍ وإدراكٍ . لذا لا تقل : "تغيّروا"، بل قل : "سقطت أقنعتهم المُزيَّفة"، ولا تتساءل لِمَ تبدَّلوا ليُصبحوا بهذا السوء، بل قل : "انقشعت الغمامة عن عينيَّ، فأصبحتُ أرى حقيقتهم جيّدًا". فهذه هي وجوههم الحقيقية، وتلك الصورة الرائعة التي كنتَ تراهم بها ليست سوى انعكاسٍ لروحك التي كانت أنقى من أن تُلوِّثها قذارتهم.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
شعرت بالاختناق من استفهامات ضابط الشرطة، و من خوفها من الإدلاء بما حدث ذلك اليوم بينها و بين المدعوة عنايات لتستغل انشغال ياسر معهم، و تخرج لاستنشاق الهواء لتجلس قليلًا في الحديقة، و لكن سرعان ما لفت انتباهها إمرأة حامل تمشي بحذر و ذراعي زوجها تُحيطها بحنو، ليتولد داخلها شوق كبير للحظة مثل هذه، و فجأة خطر على بالها فكرة قد تُفيدها لتشرع في تنفيذها فوراً بأقدام مُتلهفة، و قلب يدُق بعُنف ويتمنى لو تساعدها طبيبة النساء و التوليد في فهم حالتها، و هل ستؤثر عليها في المستقبل ؟ لا تعرف شعرت بأنها بحاجة للبوح لشخص تعلم أنها لن تراه مرة أخرى. وصلت إلى الطابق الخاص بهذا القسم لتجده فارغ، فأخذت تتلفت حولها لرؤية أي شخص تسأله عن الطبيبة، ولكن لفت انتباهها أحد الممرضات التي كانت تتلفت حولها قبل أن تُشير إلى أحداهن و التي كانت إمرأة ستينية و معها فتاة جسدها ضئيل نوعًا ما، فاقتربت غنى التي احتمت بعربة النظافة لتستمع إلى همسهم الذي جعل حفنة الوخزات تجتاح جسدها كالإبر
ـ بصي انا فضتلك العيادة، و قولتلهم الدكتورة بتتغدى، و هدخلك ليها من الأوضة دي و لما تخلصوا هتطلعوا منها بردو .
ـ عفارم عليكِ. خدي دول عشانك.
أنهت المرأة البغيضة حديثها وهي تدس يدها في ملابسها العلوية لتخرج حفنة من النقود، و تضعها بين يد الممرضة، ولكن ما قبض قلب غنى حد الألم هو هذه الفتاة التي كانت ترتعش كالشاة قبل ذبحها و على وجهها علامات الضرب التي كانت تشبه التي شوهت وجهها ذات يوم لتجرفها الذكرى المؤلمة التي جعلت جسدها يقشعر، وهي تتخيل أن تُلاقي هذه الفتاة نفس المصير السيء الذي آل إليه حالها، و هنا أخذ عقلها يستيقظ من وطأة الذكريات الأليمة وهي تُفكر في منع هذه الكارثة، فكرت أن تُعلم ياسر و لكن سيكون الوقت قد أزف، فما العمل؟
انتظرت حتى خرجت الممرضة من الغرفة إلى الحمام المُقابل لها، و توجهت إلى الغرفة ودقات قلبها تضرب بعُنف الم صدرها من فرط الخوف، فلم تُمهل نفسها الوقت حتى للتفكير بل انساقت وراء خوفها على تلك الفتاة لتقوم بفتح باب الغرفة بعُنف و عينيها على سرير الكشف لتبهت ملامحها، وهي ترى الزمن يُعاد مرة أخرى، فقد كانت الفتاة تبكي وهي نائمة على السرير، و قدميها مرفوعتان لأعلى و فوقهم ملاءة بيضاء تتناقض مع سواد قلوبهم، هذه الشمطاء تخبرها بأن تثق بها مثلما فعلت عنايات معها، و الطبيبة توشك على ارتكاب هذا الجُرم لتصرخ غنى بقوة آلمت أحبالها الصوتية
ـ يا مجرمييين.
لحظة هوجاء لم يعرف فيها أيًا منهما ماذا يفعل، فالطبيبة خلعت جوربها البلاستيكية و تراجعت للخلف، والمرأة شهقت بعُنف، وحدها الفتاة من اعتدلت وهي تحاول ستر نفسها وسط نهنهاتها التي تردد صداها في أرجاء الغرفة، لتهرول غنى تجاهها وهي تحتضنها وتصرُخ بجنون
ـ ابعدي عنها يا مجرمة. عايزة تعملي فيها ايه؟
استعادت المرأة جبروتها وهي ترى زوجة ابنها بين أحضان غنى تتوسلها بأن لا تتركها
ـ أبوس ايديكِ متسبنيش.
لتهتف المرأة بتجبر
ـ جرى ايه يا مخبولة أنتِ؟ شيلي ايدك من عالبت.
غنى بهياج
ـ أنا مخبولة يا شيطانة! عايزة تقتليها عشان تحيي ابنك المريض
المرأة بصدمة
ـ أنتِ تعرفي ابني منين يا بت أنتِ؟ مرض لما يبقى ياخدك.
هنا تدخلت الطبيبة بارتباك
ـ أنتِ ازاي تتجرأي و تقتحمي غرفة الكشف بالطريقة دي! أنتِ مين أصلًا تعرفيها!
تراجعت غنى إلى الخلف وهي تصرخ فيما بينهم
ـ بس يا مجرمة منك ليها. عايزين تضيعوا البت الغلبانه . مش هسمحلكوا.
كان انفعالها و هياجها بهذه الطريقة أمرًا مُثيرًا للدهشة، فقد كانت تحمي الفتاة و كأنها تعرفها. تُشير إليهن بأصابع الاتهامات وكأنها تعرف ما حدث، والحقيقة أنها كانت تفعل ما تمنت لو أنه أحدهم قام به عنها. انساقت خلف أمنية لطالما احتجزت خلف جدار المُستحيل بأن يعود الزمن بها إلى الخلف، ويُنقذها أحد من بين براثن الذئاب. تصرُخ من أجل هذه الفتاة تمامًا كما تمنت أن يصرُخ لأجلها أحد. تحتضنها بقوة تشبة القوة التي تمنت لو عانقها بها أحدهم في هذه اللحظة. تُثيؤ زوبعة من الفوضى لتحول بين هذا الفعل الدنيء، و تُلقي الضوء على جرائم تُرتكب في الخفاء، و أرواح تُنتهك برائتها خلف الجدران دون أن يشعر بها أحد
ـ لاااا دا أنتِ باين عليكٓ مجنونة. أنا هطلبلك الأمن.
غنى بنبرة بُحت من فرط صُراخها
ـ أيوا اطلبي الأمن. أنا عايزة الأمن ييجي.
ثم التفتت إلى الفتاة وهي تستفهم بحروف مُبعثرة
ـ أنتُ أهلك فين؟
الفتاة بنبرة ترتجف رعبًا
ـ ابويا ميت و أمي متعرفش حاجة.
عند هذا الحد شعرت المرأة بالذُعر، فاقتربت تجذب الفتاة من بين يد غنى وهي تصيح بجهامة
ـ اوعي قطع ايديك. مالك أنتِ و مالها، و مال أهلها. غوري امشي من هنا، و لا شوفيلك مستشفى مجانين تلمك.
كادت أن تقع لولا أنها استندت على مقبض الباب الذي انفتح لتدلف الممرضة و هي تقول بذُعر
ـ ايه الصويت دا في اي؟
صاحت الطبيبة بلهفة
ـ خدي المجنونة دي طلعيها بره على ما أطلبلها الأمن.
صاحت غنى بانفعال
ـ اللي هيقرب مني هوديه في ستين داهية.
اطبقت الممرضة الضخمة عليها وهي تحاول جرها إلى الخارج، و في هذه الأثناء كان ياسر يبحث في كل مكان عنها إلى أن صُدِم حين شاهد أحد الممرضات وهي تجرها بعُنف ليصرُخ بصوت جهوري ارتجت له جدران المشفى
ـ شيلي ايدك من عليها.
انتفضت المرأة مذعورة من هذا الصوت، قبل حتى أن تُفكر كانت غنى تندفع إلى طوق الأمان المتمثل في ذراعيه وهي تصيح بملء صوتها
ـ ياسر.
احتضنها بقوة كمن عُتِقت رقبته من طوق المشنقة قبل إعدامه بلحظات، فخسارتها تعني هلاكه، ولكنها لم تُعطيه الفُرصة حتى للإطمئنان عليها بل ارتدت إلى الخلف وهي تصيح بانفعال
ـ الحقها يا ياسر. الحقها هيضيعوها.
ياسر بعدم فهم
ـ مين دي اللي الحقها؟
جذبته من يده وهي تصرُخ
ـ تعالى بسرعة.
دلفت خلفها إلى الغرفة التي كانت خالية الا من الطبيبة التي ترتجف ذعرًا، ولكن في الجهة الأخرى من الغرفة كانت المرأة تغادر عبر الباب الخلفي لتصرُخ غنى بهياج
ـ استني يا مجرمة.
اندفعت وهو خلفها لتلحق بالمرأة و الفتاة التي تعثرت وكادت أن تسقطت لتحول بين محاولتهم للهرب، فأمسكت غنى بشعر المرأة وهي تصيح بجنون
ـ رايحه فين؟ فاكرة نفسك هتعرفي تهربي يا عنايات.
كان المشهد غريبًا على الجميع، و أولهم ياسر الذي اقترب ليخلص المرأة من بين يديها وهو يهتف بانفعال
ـ كفاية يا غنى. عرفيني في ايه؟
احتشد الجميع على أصوات الصُراخ، فلم تعرف شفاهها طريقة للتعبير عن ما يحدُث، و لكن أتاها صوت يزيد اللاهث وهو يستفهم
ـ في ايه يا غنى ؟ صوت صريخك قالب المستشفى كلها!
اندفعت تجاهه وهي تهتف بتعلثُم و نبرة مبحوحة
ـ يزيد. الحق البنت دي . الدكتورة المجرمة و الست دي كانوا هيضيعوا مستقبلها.
يزيد وقد وصل إليه أن الأمر خادش للحياء، فالتفت إلى الفتاة المُرتجفة بملامحها المتورمة و هذه الكدمات التي تُفسِد رونق معالمها، فأتاهم صوت ياسر الغاضب
ـ أنا عايزة اعرف في اي؟ و مين البنت دي ؟ تعرفيها منين!
ارتسم العذاب فوق ملامحها و أجل التوسل من عينيها وهي تطالع يزيد الذي اقترب من الفتاة وهو يقول باستفهام
ـ الست دي تبقالك ايه؟
الفتاة بنبرة مُرتجفة
ـ حماتي.
المرأة بذُعر من افتضاح أمرها
ـ أنت مين يا جدع أنت؟
يزيد بنبرة جافة بعد أن وصل إلى عقله حقيقة الأمر
ـ أنا الدكتور يزيد، و البنت دي باين عليها قاصر، و جوازها جريمة، و أنا لازم ابلغ البوليس.
شهقت المرأة من تهديده الواهي لتقترب غنى من ياسر وهي تقول بتوسل
ـ خلينا نكلم أهلها يا ياسر .
ياسر بحنق
ـ هو انا اعرفها عشان أعرف أهلها!
التفت يزيد إلى الفتاة وهو يستفهم قائلًا
ـ معاكِ رقم حد من أهلك.
ارتجف جسد الفتاة حين التفتت الى المرأة المدعوة بحماتها التي رمقتها بوعيد ألجم الكلمات فوق شفاهها ليرى ياسر ما حدث، فاقترب منها وهو يقول بنبرة صارمة
ـ متخافيش من أي حد. محدش هيقدر يقربلك و احنا موجودين.
ما أن لامس نسيم الأمان صدرها حتى هتفت بلهفة
ـ معايا رقم خالي.
ياسر باختصار
ـ مليهولي.
أخذ ياسر الرقم و ادخل يزيد غنى و الفتاة إلى أحد الغرف لتحتضنها غنى و كلتاهما تبكيان بقهر لتخرج الكلمات ملتاعة من بين شفتي غنى
ـ ضربك جامد
الفتاة من بين بكائها
ـ كسر عضمي، وانا والله ما عملتله حاجة.
شددت غنى من احتضانها وهي تهتف بغل
ـ يارب تتكسر أيده.
رفعت الفتاة رأسها تطالعها بقهر تجلى في كلماتها حين قالت
ـ أنا معرفش انا عملت أيه؟ انا كنت بحبه. معرفش ليه عمل فيا كدا؟ والله ما عملت حاجة ولا غلطت في حاجة
تعالت شهقات غنى التي نزفت جميع جروحها الداخلية و الخارجية وهي تهتف بنبرة متقطعة من فرط بكائها
ـ عارفة انك معملتيش حاجة. عارفة انك ملكيش ذنب. عارفة.
مر وقت لم يكُن طويل حتى حضر أهل الفتاة ليتحدث إليهم يزيد، فصرخت والدتها بتحسُر
ـ بنتي. عملوا أيه في بنتي؟
يزيد في محاولة لتهدئتها
ـ متخافيش يا حاجة. بنتك كويسة. محصلش حاجة.
ـ طب هي فين عايزة أشوفها؟
اخذها يزيد إلى الغرفة المتواجد بها الفتاة وغنى لتصرُخ والدتها بفزع حين رأت وجه ابنتها
ـ يا قلبي يا بنتي.
اندفعت الفتاة إلى حضن والدتها التي كانت تبكي وتنوح وهي تشدد من عناق طفلتها و تُكرر بوعيد
ـ ولاد الك... عملوا فيكِ ايه؟ ولاد الك... والله لهكلهم بسناني.
اقتربت منها غنى وهي تقول بلوم
ـ و سبتيها ليهم ليه من الأول ؟
المرأة بانفعال
ـ والله كانت بتحبه و بيحبها، ويوم لما روحت أزورهم في الصباحية المخفية حماتها قالت أنهم سافروا الغردقة يقضوا شهر العسل. والله ما اعرف. احكيلي عملوا فيكِ ايه يا بتي؟
هنا تدخل يزيد الذي تحدث بحرج
ـ معلش يا حاجة لازم الدكتورة تكون حاضرة الكلام عشان نوفر عليها انها تحكيه مرتين، لأنها لازم تكشف عليها، و تعرف هل حالتها محتاجة تدخل طبي، لاتمام عملية الزواج، ولا لا، و بعد كدا هنحدد.
اومأت المرأة بلهفة ليرشدهم يزيد إلى أحد الطبيبات التي يقف بها، و بنزاهتها ثم عاد إلى غنى يناظرها بريبة تجلت في نبرته وهو يتحدث أثناء تضميد جراحها
ـ هو أنتِ عرفتي اللي حصل ازاي؟
تجاهلت استفهامه، و استفهمت بنبرة جافة
ـ أنت واثق من الدكتورة دي؟
يزيد بتأكيد
ـ طبعًا واثق.
غنى باستفهام
ـ الموضوع هيطول!
يزيد باختصار
ـ لا.
ـ ينفع امشي، و تبقى تطمني عليها بالتليفون؟
يزيد بتحيُر
ـ لا مينفعش. عشان لو طلعت فعلًا حالتها تستدعي التدخل الجراحي لا الدكتورة هتسكت ولا حماتها، و المستشفى لازم تتحفظ على كل الموجودين لحد ما نعرف الدنيا فيها ايه؟
أومأت برأسها، ليغادر دون الضغط عليها أكثر فمر الوقت على ظهر سُلحفاة، وهي تجلس صامتة و كأنها في عالم آخر تحارب شياطين الذكرى الأليمه لما حدث لها، ولكن تبدد كل شيء حين دلف يزيد إلى الغرفة وهو يقول بنبرة قاتمة
ـ كان عندك حق.
غنى بلهفة
ـ طب و هتعملوا ايه؟
يزيد بهدوء
ـ أهلها هيحرروا محضر بواقعة الضرب وطبعًا هنذكر اللي حصل، و الموضوع كبير بس متقلقيش حق البنت هييجي، كل حاجة في صالحها.
اومأت بصمت ليدلف ياسر إلى الداخل، وهو يناظرها بغموض تجاهلته وهي تقول باختصار
ـ عايزة امشي.
لم يُجادلها أحد لتتوجه مع ياسر الى السيارة بأعيُن شاردة إلى البعيد و ذكرى هذا اليوم البعيد تستعرض بوضوح أمام ناظريها، و كلمات هذه المرأة المقيتة تتردد بأذنها
ـ خلاص يا عين خالتك. دلوقتي بقيتي مدام، عيزاكي بقى أيه تنسي اللي حصل دا، و تفوقي لبيتك و جوزك. عيزاكي تحت رجله.
كان الألم يفتك بروحها وهي تتذكر كم بكت من فرط الألم الجثماني، و كيف تم هتك برائتها بقسوة، و كأنهم أرادوا أن تظل هذه الذكرى محفورة في عقلها و قلبها إلى الأبد.
كان يطالعها بنظرات يملؤها التساؤل، و عقل تدور به الأفكار كالطواحين مما جعله يهتف بحدة
ـ ممكن اعرف في ايه؟ و تعرفي البنت دي منين؟ و ايه عرفك باللي حصل معاها؟
ابتسامة جانبية ساخرة ارتسمت على ثغرها وهي تهتف بمرارة
ـ أنا اكتر واحدة عارفة اللي حصل معاها.
ياسر بنبرة أشبه بالجنون
ـ يعني ايه دا فهميني!
لم تُجيبه انما وضعت يدها حول رأسها، فقد أوشكت على الإصابة بسكتة دماغية من فرط الضغط ليُقرر إنهاء الحديث إلى أن يصلوا، وما أن توقف سيارته حتى ترجلت و هي تتجاهل صراخه لتهرب من ذكرياتها و منه و تدلف إلى غرفتهم وهي تُغلِق الباب خلفها في وجهه لتسقط على الأرض وهي تبكي كما لم تفعل من قبل، مما جعله يصل إلى حافة الجنون وهو يصرُخ بهياج
ـ غنى. افتحي الباب يا غنى . قوليلي في ايه؟
فوصل صوته إلى روضة التي هتفت بلهفة
ـ في ايه يا ياسر ؟ غنى مالها!
نفى عقله هذا الهاجس الذي دق ابوابه ليُجيبها بضياع
ـ مش عارف.
وضع يده فوق جبهته وهو يدور حول رأسه بأنفاس مُتهدجة، فتعالى صوت شهقاتها ليصرُخ بعُنف
ـ هيام. فين هيام ؟
روضة بذُعر
ـ في أوضة حمادة.
توجه إليها وهو يفتح الباب بعُنف، وما أن وجدها حتى صرخ بجنون
ـ هيام.
هيام بذُعر وهي تنتفض من جانب صغيرها
ـ في ايه يا ياسر؟
ياسر بنبرة غاضبة جريحة
ـ تعالي شوفي غنى مالها!
ـ مالها غنى.
توجه إليها يجذبهاو يجرها خلفه وهو يزأر بغضب
ـ اعرفي منها في ايه؟
هيام بلهفة
ـ انتوا اتخانقتوا ولا ايه؟
أخذ يدور حول نفسه وهو. لا يعرف بماذا يُجيبها فقط هتف من بين عبرات تهدد بالهطول
ـ معرفش. شافت ست في المستشفى واخدة مرات ابنها للدكتورة عشان...
صمت لثوان وعقله يستنكر ما يحدُث وشفتاه لا تعرف كيف تعبر عنه ليصرخ بعُنف
. اعرفي منها حصل ايه؟ اعرفي حالتها دي ايه سببها ؟ انا خلاص قربت أتجنن.
صرخ بجملته الأخيرة مما جعل هيام تنتفض بجانبه وهي توميء برأسها بلهفة و تتوجه إلى غنى قائلة
ـ افتحي يا غنى. أنا هيام. افتحيلي.
في هذه اللحظة كان تستطيع الحديث مع أي شخص في العالم سواه. هو الوحيد الذي لا تستطِع سرد معاناتها و مأساتها أمامه. لذا فتحت الباب لتدلف هيام إلى الداخل و تغلق الباب خلفها وهي تشهق بصدمة
ـ ايه اللي عمل فيكِ كدا ؟
دون حديث ارتمت بين ذارعيها تبكي بحرقه، وجسدها يهتز من فرط الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت
ـ أنا ليه ملقتش حد يلحقني! أنا ليه محدش صرخ وقال الحقوها؟ ليه محدش نجدني من بين أيديهم يا هيام ليه؟!
تناثر الدمع من بين عيني هيام تأثرًا بحالتها التي تجهل ما أوصلها إليها لتجذبها إلى السرير و تجلسها فوقه وهي تهتف بعدم فهم
ـ فهميني في ايه و مين دول ؟ انا مش فاهمة حاجة.
سرحت نظراتها في البعيد وهي تهتف بنبرة مُلتاعة
ـ عنايات و رأفت.
هيام بلهفة
ـ مالهم عملوا فيكِ ايه؟
غنى بأسى من بين عبراتها
ـ دمروني. مكنتش عارفة حاجة، ولا فاهمة هو بيضربني ليه؟ ضربني وانا بفستان فرحي. بقيت اصرخ عشان حد يرحمني و ملقتش. حتى وانا في المستشفى. معرفش خدتني ليه و لا كنت اعرف هتعمل فيا اي؟
صمتت هيام لثوان لتحتضن غنى نفسها بذراعيها وهي تهتف بأسى
ـ أنا ليه موجوعة. لسه شايفة دمي وهو على أيديهم. كنت بحاول انسى. بس النهاردة شفت اللي حصلي بيحصل لواحدة تانية غيري.
بدأت هيام بفهم ما حدث ليقشعر جسدها وهي تناظر غنى كالتمثال لتهتف الأخيرة بلوعة
ـ شوفت عذابي كله. نفس النظرة. نفس الخوف. نفس الرعشة.
كانت شهقاتها تتردد بكل انحاء الغرفة، وهي ترى ذلك المشهد يُعاد أمامها بحذافيره لتضع يدها فوق صدرها وهي تقول بنبرة مُتهدجة من فرط البكاء
ـ دبحني. دبحني بدل المرة ألف. انا كنت بموت بين ايديه، و ملقتش حد ينجدني منه. سابوني. سابوني ليه و ليها. انا كنت خايفة. مش فاهمه. مش قادرة انطق بحرف.
ـ ابوس ايدك اهدي جرحك فتح تاني.
هكذا هتفت هيام وهي ترى يدها تنزف ، ولكنها لم تكُن تستمع إلى أي شيء سوى صراخه عليها. بل كانت تشعر بضرباته التي لازالت آثارها محفورة بين ثنايا روحها لتهمس بنبرة مبحوحة من فرط البكاء
ـ كان بيداري عجزه فيا. كان بيطلع كل طاقته في تعذيبي، و كأنه كان بياخد الأدوية دي عشان يموتني. كان بيحملني سبب عجزه، وانا مكنتش فاهمه ولا عارفه أنا ايه ذنبي!
صمتت لثوان قبل أن تقول بنبرة تقطر قهرً ووجعًا
ـ انا ايه ذنبي؟
احتوتها هذه اليد الحانية وهي تحاول وقف النزيف الذي بدأ بالعودة مرة أخرى بصورة أقوى، ولكنها كانت في وادٍ آخر ترى صورتها وهي أسفل قدميه وهو يمارس عنفه المريض فوق ساحة جسدها الذي أخذ ينتفض و هي تصرُخ بحرقة
ـ انا شفت كل دا النهاردة تاني. حسيت بيه كله تاني.
أخذت تصرُخ و كأن مسًا من الجنون طالها وهي تهتف و كأنها وقعت أسيرة لمس شيطاني
ـ بكرهك يا رأفت. بكرهك. بكرهك يا ياسر. بكرهكوا كلكوا.
أخذت تتخبط بين يدي هيام لينفتح الباب و يطِل منه ياسر الذي تراشقت كلماتها كالخناجر في صدره، فقد فطن إلى حقيقة ما حدث معها، و كل هذا الظلم و القهر الذي تعرضت له لتأخذه أقدامه إليها لتتفرق نظرات هيام بينهم، لتقرر الهرب، فهي الأخرى كانت تعاني من جلد ضميرها لتتركهم برفقة الألم و اللوعة و القهر الذي يُخيم على كليهما ليقترب ياسر و هو يعانق ظهرها بقوة، فشعرت به لتتعالى شهقاتها وهي تضع يدها فوق وجهها خذيًا لا تعرف سببه، ولكنه كان شعور مرير آخر انضم لكل هذه المشاعر المؤلمة التي تحياها ليُشدد من عناقها وهو يبكي كالأطفال لتتعانق شهقاتهم التي دوى صداها في أرجاء الغرفة
في الخارج كانت تبكي هي الأخرى ذنبًا يشتد طوقه حول عنقها يومًا بعد يوم، ولكن الآن أصبح خانقًا حد الموت، و خاصةً حين استمعت إلى كلمات جابر الجارحة
ـ دلوقتي بتعيطي يا هيام! معيطيش ليه و أنتِ بتفرقي بينهم؟
شهقت روضة بصدمة و التفتت هيام تناظره ورأسها يلتف في كلا الجهتين، و عينيها تتوسله بالرحمة ليصرُخ جابر بلوم
ـ مبكتيش ليه وأنتِ بتبعتي مها تتبلى على اخوكي عشان توقع بينه و بين حبيبته ؟
صدمة قوية اجتاحت الجميع تلاها صوت إرتطام قوي، فالتفت كُلًا من جابر و هيام و روضة و يزيد القادم من الخلف لتبرق الأعيُن حين رأت ياسر الذي خر على ركبتيه من فرط الصدمة في شقيقته..
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ♥️
★★★★★★★★★
ما أثقل شعور شخص خُيّل له أنه بيده مفاتيحُ الجنة، ليفيق بعد وهلةٍ على حقيقة أنه سجين لجحيم ينهش في روحه دون رحمة !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
لأول مرة منذ زمن بعيد يشعر بأن هواء الصباح رائعًا، ولما لا! و قد قضى ليلة البارحة في الجنة بين ذراعيها. هذه الفتاة التي شغلت عقله و قلبه في الفترة المنصرمة، وقد كان يقاومها بشتى الطرق خوفًا منها و عليها، و من ذلك الذنب الذي يطوق عنقه تجاهها، فهي تُعاني من جُرح كان هو من حفره بقلبها و جسدها تلك الليلة حين وضع له ذلك الوغد السُم في المياة، ليغيب عقله، و يتلبسه شيطان رچيم كاد أن يقتل هذه الفتاة بين براثنه، لولا صوت أذان الفجر الذي لا يعرف من أين جاء، ربما من أحد المساجد البعيدة، لينقذه و ينقذها، و على الرغم من أنه كان عاقب شعبان على ما فعله إلا أنه لازال ناقمًا على نفسه، و لهذا استمع الى حديث خالد حين أخبره أنه عليه دين يجب تسديده، وهو الزواج بها، فهو لم يُخبر أحد عن هذا الجرم الذي كاد أن يرتكبه سواه.
تناول هاتفه من جيب جلبابه الصعيدي وقام بالإتصال على خالد الذي أجاب ساخرًا
ـ ايه يا عمدة. أخيرًا اتصلت عليا.
رحيم بحنق
ـ بجولك اي متحسسنيش اني جاطعك بجالي زمن.
قهقه خالد بصخب على حديثه قبل أن يُجيبه بنبرة ماكرة
ـ سيبك انت. مش هتاخدني بالكلمتين دول. أموت واعرف ايه اللي كان شاغلك اوي كدا يخليك تخلع قبل الجون على طول! قر و اعترف.
زفر رحيم بحدة قبل أن يقول بإزعان
ـ حبيتها يا خالد، و مجدرش اخبي عليها أكتر من اكده.
خالد بخشونة
ـ جمد قلبك، واحكي وابدأ معاها على نور، ولو مهما عملت انت هتقدر تحتويها. دا أنت وتيدي على أبوه هو أنت أي حد!
رحيم بنبرة مغمومة
ـ ادعيلي يا واد عمي.
ـ ربنا معاك. المهم قولي ايه الدنيا عندك!
هكذا استفهم خالد ليُجيبه رحيم بسعادة
ـ زينة جوي. لعبناها صوح، و الكلب لساته في المركز، و على ما يفوج نكون ظبطناها.
خالد بحبور
ـ عال اوي الكلام دا، وان شاء الله تكون عمتك فاقت، و نقدر نعرف منها اللي حصل.
استرعى انتباهه صوت صرخة مكتومة، فارتجف قلبه، ليغلق الهاتف مع خالد وهو يتوجه إلى الداخل ليجدها تتوسط السرير جالسة، وهي تضم الشرشف حول جسدها، و خصلات شعرها المُشعثة تخفي ملامحه وجهها عنه، فانتفضت لوعات الشوق بداخله، وهو يرى الغرفة التي تبعثرت بالكامل من أثر ليلتهم الصاخبة، ليتحمحم بخشونة وهو يبلل حلقه قبل أن يتحدث قائلًا
ـ من ميتا، وأنتِ صاحية؟
لم ترفع رأسها إليه أو تُجيبه، فالتفت يجلس بجانبها لترفع رأسها ناظره للبعيد ليُصدم بملامحها المنكمشة بألم و عينيها التي فاض منها الدمع كالسيل على وجنتيها وهي شاخصة بنظراتها إلى البعيد، فاقترب منها رحيم بلهفة، وهو يستفهم بلوعة
ـ حوصول ايه يا نچاة؟
انتفضت كالملدوغة من جانبه، وهي تصيح بعُنف
ـ بعد عني. اوعاك تلمسني.
تجمدت أوصاله من فرط الصدمة لحديثها لتتراشق ألسنة الاتهامات من عينيها التي ناظرته بكره ليهتف بنبرة جافة من فرط الخوف
ـ ليه بتجولي اكده؟
نجاة بألم و نبرة جريحة
ـ عشان بكرهك.
انغرزت أنصال كلماتها في أعمق نقطه من فؤاده، لتنكمش ملامحه بألم اجتاح نبرته حين قال
ـ بتكرهيني يا نچاة!
تدلّى الحزن من عينيها، وتكسّرت بقاياه في نبرتها، كزجاجٍ هش تحطم من فرط القسوة حين هتفت قائلة
ـ أنت اللي عِملت فيا اكده. أنت اللي أديلي سنين بعاني بسببه. أنت اللي چريت ورايا الليلة دي، و كنت عايز تجتل روحي.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة صارخة، تنزف حروفها دمًا لا يُرى لجروح تؤلم حد الموت الذي جعل الندم يتبلور في عينيه، و ينبلج في نبرته كاعتذارٍ متأخرٍ أثقلته الدموع حين قال
ـ مكنتش في وعيي.
لم تكُن في وضع يسمحلها أن تستمع لمبرر، فقلبها غارقًا في طعناته، وروحها المذبوحة ترفرف يائسةً كطائرٍ مكسور الجناح يبحث عن نجاة، فمن أسماها نجاته تبحث عن مُعجزة لتنجو لذا صرخت بانفعال
ـ اسكت. اوعاك تبرِر. اني شوفتك بعيني، اديلي سنين بعيش كل ليلة وچعى، و اجوم مفزوعة ادعي على اللي عِمل فيا أكده، و النهاردة بس شفتك. شفت عنيك و وشك و ملامحك. كان أنت. أنت الشيطان اللي جتلني. أنا بكرهك. بكرهك. بكرهك. يا رحيم يا وتيدي...
اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بكَ مِن عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ♥️
★★★★★★★★★★★
أخيرًا نجحت محاولتهم في السيطرة على هذا الحريق الذي بدا لوهلة كالجحيم الذي لا ينطفيء أبدًا، و على الرغم من الجراح المتفرقة، ولكن الانتصار عليه فاق كل شعور له الآن، لتطوف نظراته على المكان حوله الذي تحول إلى رماد مُحترق، و هناك تساؤلات تتناحر بعقله عن كيفية حدوث كل هذا الدمار؟
ـ يا كبير. الحج. يا كبير.
كانت الأنفاس تتشاجر بصدره، فلم يكن ينقصه مُصيبة أخرى ليهتف بغضب
ـ ايه تاني يا غراب البين أنت ؟
الخفير بأنفاس متقطعة
ـ الحكومة يا كبير. چايين يجبضوا عليك.
رماح بصدمة
ـ وه! يجبضوا على مين يا حمار انت! داني المضرور!
لم يكد يُتهي جملته حتى تفاجيء من أفراد الشرطة المُسلحين تحسباً لأي مقاومة يتقدمون منه، و الضابط يهتف بجفاء
ـ يالا معانا يا رماح.
رماح بتهكم
ـ خبر ايه يا بيه؟ چايين تاخدوا المچروح بدل ما تشوفوا مين چرحه؟
الضابط بفظاظة
ـ المجروح خاطف و متهم بشروع في قتل!
رماح بصدمة
ـ مين دا اللي عتتكلم عنِه؟
ـ أنت يا رماح. متهم بخطف بدرية سليمان، و الشروع في قتلها.
رماح بحنق
ـ كيف ده؟ حد يجتل مرته يا بيه!
الضابط بتهكم
ـ يا راجل، و حد بردو يضرب مراته ويرميها في مخزن عشان تموت بالبطيء. هاتوه.
لم يقاوم، فقد كان يعلم بأنه سيخرج من الأمر كخروج الشعر من العجين، ولكن عقله كان يعمل في اتجاه آخر إلى أن اقترب منه أحد رجاله ليهمس بجانب أذنه بشيء جعل ملامحه تتبدل إلى شيء آخر لا يسر المرأ في النظر إليه، ليتحول فجأة إلى مسخ يقاوم للهروب، فألقى الضابط أوامره ليتجمع حوله العساكر و يحاولون السيطرة على هذا المسخ الضخم إلى أن استطاعوا تكبيله، و الزج به في سيارة الشرطة رغم زئيره الذي أفزع جميع المتفرجين.
اللهم إني أعوذ بك من فواجع الأقدار، ومن فقد الأهل، ومن حزن القلب، وحرقة الشعور. اللهم لا تفجعنا بمن نحب، اللهم احسن خاتمتنا وأجرنا من موت الغفلة، ولا تأخذنا من الدنيا إلا وأنت راضٍ عنا"، ♥️
★★★★★★★★★★★
أتساءل: كيف أمكنك أن تصبح قاسيًا إلى الحد الذي يجعلك تؤذيني، وقد رأيت كل هذا الحب الذي يحتضنه قلبي من أجلك؟
وكيف استطعت أن تطفئ روحًا انتشلتك من بين براثن الهلاك، وغرستك في تربة الحياة لتُزهِر من جديد؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
لأول مرة لا تبتهج وهى تنظر إلى المرآة تطالع جمالها المُشِع في هذا الرداء الباهظ الثمن، بألماساته التي يُضفي بريقها عظمة و جمال على جمالها، و على هذا العقد الألماسي الذي كان أحدى هداياه الثمينة، فما حدث صباحًا لازال آثاره منطبعة داخل قلبها، ولازالت تحت تأثير هذه الموجة من التعنيف التي يقودها عقلها، و يستمر بترديد كلمات رؤوف المُهينة على مسامعها، ليتولى ضميرها دوره الذي كان ينهال عليها بسياط من نار ليسوقها إلى محراب العذاب دون مهرب، ولا ملجأ سوى الاعتراف بذنبها الذي يضعها تحت طائلة قانون الحياة، فحتى الاعتراف به لم يرحمها من العقاب، و خاصةً و أن عقلها ولو أبى تصرفها، فلا يزال هناك سيطرة مُطلقة لفكرة الانتقام التي لم تبارحها بالرغم من كل هذه الإنذارات، فهي عندما توجهت للأسفل لملاقاته، استوقفها رؤية ميرهان التي كانت تصعد الدرج وهي تبتسم بسعادة أثناء حديثها على الهاتف، فدهست جميع مشاعرها، و إثمها المزعوم ليتولى شيطانها الدفة و تتوجه خلفها لتغلق باب الغرفة مما جعل ميرهان تلتفت إلى الخلف تناظرها بصدمة سرعان ما تبدلت إلى مكر حين شاهدت غضبها لتهتف بدلال:
ـ طيب يا رؤوف هسيبك دلوقتي، ونكمل بعدين يا روحي.
كانت تتقن استفزازها للحد الذي جعل عينيها تبرقان من شدة الغضب الذي توارى خلف قناع السخرية التي ارتدته حين قالت:
ـ يا روحي! بتقولي لرؤوف يا روحي! دا أنتِ صدقتي نفسك اوي!
ميرهان بلامُبالاة مُتعمدة:
ـ و أنتِ ايه مشكلتك اصدق نفسي اصدق رؤوف انا حرة أصدق اللي أصدقه.
آسيا بنبرة بها عُنف مكتوم:
ـ عشان أنا من مكاني شايفة نهاية الليلة دي، و أنتِ يا حرام قاعدة على السرير دا بتعيطي، و مقهورة لما رؤوف يقولك انك زي أخته. عارفة ليه هيقولك كدا ؟
كانت ميرهان تستمع إلى حديث آسيا وهي تنظر إلى أظافرها بلامُبالاة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ لية؟
آسيا بنبرة فاحت منها رائحة الغرور:
ـ عشان أنا وبس اللي في قلبه.
ميرهان بنبرة هادئة أثارت حنق آسيا أكثر:
ـ وانس. أن دا صح. بس هو مش في قلبك كدا ولا اي؟
طحنت ضروسها بغل تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ حتى لو دا صحيح. بس قلبه محجوز ليا انا وبس.
تعمدت الاستفزاز في نبرتها التي كان إيقاعها ناشزًا على الآذان :
ـ معلش هو انا ليه شامة ريحة غيرة في كلامك؟ يا مدام..
قالت جملتها الأخير. بطريقة ساخرة أججت حمم الغضب بداخلها حتى بدت كبركان في طور الانفجار لتتعمد صب الزيت على شعلة غضبها :
ـ ايه! فكرتك انك متجوزة! حطيتك قدام حقيقتك الحقيرة انك بعتي حبيب القلب عشان الفلوس و النفوذ ! سوري يا روحي مقصدتش.
استفزت غرور الصمت بداخلها لتهتف آسيا بنبرة تميز من الغضب، و كأن النار تتقطّر من حروفها.
ـ اخرسي يا تافه. يا فاشلة. عايزة تعملي ايه حاجة عشان تنتصري عليا وخلاص. بتلمي من ورايا. بس لازم تعرفي اني انتصرت، و الدليل اني واقفة قدامك. آسيا هانم مرات كمال بيه الوتيدي. اللي لو صرخت دلوقتي و قولتله الحق دي ضايقتني هيدوس عليكِ زي الكلبة.
اهتاجت من فرط الغضب، لتهتف كبحر هائج يوشك على ابتلاع كل شيء أمامه
ـ هو دا بالظبط اللي اتجوزتيه عشانه. عشان النقص اللي جواكي، وفاكرة أن اخويا هيبقى لعبة في ايدك، وهتقدري تكرهيه فينا. دا في أحلامك.
استفحل الخُبث في نظراتها و تمكن الكبر من نبرتها حين قالت:
ـ لا يا روحي أحلامي كلها حققتها، و أيوا اتجوزت أخوكي عشان أذلك، و بقى خاتم في صباعي، وممكن اخليه يتبرى منك كمان.
لمع الخبث في عينيها لوهلة عابرة، كبرق يفضح مكنونها، ثم سرعان ما ارتدت ثوب الضعف، و الألم يجتاح قسماتها المرتجفة وهي تقول باستنكار وكأنها خنجرها المسموع خلف تأثرها:
ـ سمعت يا ابية كمال، و عرفت حقيقتها بنفسك!
تابع الجزء الثاني 👇
تجمدت من فرط الصدمة التي شلت حركتها، فيما بدأ الألم يتسلل إلى قلبها كالسُم بطيء المفعول، وهي تلتفت لتصطدم بعينيه التي غمرتها الدهشة و الذهول حتى بدت كبحر مضطرب، و اغتيلت وسامة ملامحه تحت وطأة الصدمة الجارحة التي تلقاها، فأفقدته توازنه للحظة جعلته يهمس باسمها
ـ آسيا.
تداعى عالمها فجأة، و انقلب رأسًا على عقب، فهي لم تتخيل أن كذبتها التي حاكت خيوطها بمنتهى الدهاء حبلها قصير مهما طال، و حتى لو تبدلت المشاعر، ليتحول قلبها إلى ساحة من المشاعر الضارية تجاهه، فهاهي تقف عارية أمام الحقيقة لا تملك سوى التبرير بحروف ترتجف من فرط هشاشتها
ـ كمال. لا . متصدقهاش. انا . دي . دي. بتكذب . عشان. عشان تفرقنا. هي. هي بتكرهني أنت عارف.
كان حائرًا بين الألم و الصدمة ليحاول البحث عن أرض صلبة تحتوي تخبطه، فتكلم بنبرة مُتحشرجة و أنفاس مقطوعة من فرط الوجع الذي يخضع لطغيانه
ـ بس أنا سمعتك و أنتِ بتقولي عكس دا.
تدفقت الكلمات كالسيل من بين شفاهها مرتبكة و ممزقة تحاول نفس حقارة فعلها بكل ما أوتيت من تبرير، رغم أن الوجع بملامحها كان يصرخ مُكذبًا كل ما تتفوه به
ـ لا. اقصد. ايوا. انا قولت كدا. بس . بس عشان أوجعها زي ما وجعتني.
أنهت كلماتها و اندفعت إلى أحضانه تحول ترميم الصدع التي تسببت به عبر عناق صامت و كأنها تتلمس الحماية بين ذراعيه من شياطين عقلها المسموم الذي أودى بها إلى الهلاك، لتحتضنها ذراعيه، و كأنه يتوسل ألا تخذله بصمت، فيما جسده بجميع ارتعاشته يرفض التصديق على خطيأتها متمردًا على العقل رافعًا لواء الحب
امتقعت ملامحها و تشوه قناع الجمال الذي بُميزها لتبصق سمومها هاتفة بنبرة مُشبعة بالغل
ـ وجعتها ازاي ؟ ما تسألها، ولا اقولك مش لازم عشان هي معجونة بالكذب.
هب لحمايتها مدفوعّا بغريزة الحب، و هو يهتف بصرامة
ـ متغلطيش فيها قدامي.
لمحة من الراحة غزت عينيها لوهلة سرعان ما تبددت إثر هذا الهجوم الضاري لميرهان التي صرخت بلوعة
ـ متدافعش عنها. دي مبتحبكش، و بتخونك، و إلا ايه اللي وداها تزور رؤوف في شقته النهاردة.
باغت حديثها بصفعة مدوية ألجمت الحروف على شفتيها ليتحول صوتها إلى ذهول مُختنق بعبرات جريحة جردتها من نصيبها في الرحمة لتصرُخ بصوت ارتعد له أوصال قلبه
ـ بتضربني عشانها! طيب ايه رأيك أن الكاميرات مسجلة دخولها و خروجها؟ اقولك تعالى اسمع الهانم وهي بتعترف انك لعبة في أيدها و وسيلة عشان تخرج من المستنقع اللي جت منه.
أغمض عينيه وهو يرفرف برموشه الكثيفة كمن يحاول التشبث بقوة لم يعد يملكها، يحاول محاربة القادم الموجع، و هي بجانبه تنتفض كطير مفجوع يخنقها الرعب من انكشاف الحقيقة التي ستجرها إلى الهاوية لا محالة وهي تنظر إلى ميرهان التي كانت تعبث بهاتفها ليصدح صوتها في الغرفة بهذه المحادثة التي تمت بينها و بين رؤوف يوم الزفاف، و التي استخدمتها يد الشر و وضعتها في مكانها الصحيح، بعد أن جزت منها باقي الحقيقة لينتهي التسجيل عند جملة
ـ حبك دا أكبر ابتلاء ربنا بلاني بيه، وأنا راضي عشان عارف ان ربنا هيراضيني، و حقيقي مُشفق على عريسك عشان لو في يوم من الأيام خسر كل اللي عنده مش هيلاقي منك غير الخذلان لأنك عمرك ما عرفتي يعني ايه حب.
أصابها مس من الجنون جعل جسدها يرتعش كغصن ضعيف في مهب العاصفة، و تباينت لهجتها ما بين الارتباك و الذُعر، فصارت لهجتها تفضحها وهي تحاول انكار الحقيقة بها
ـ لا. كمال. اصل. هقولك. يعني.
شوه الوجع وسامته، و انمحى من عينيه بريق الحياة، و سحقه الألم بقوة ليتحول فجأة إلى ظل لشخص كان يومًا يفيض حضورًا، ليدفعها بكل قوته، و يغادر بنفس القوة التي كان يحاول بها أن يبقى ليصدح الألم من أعمق بؤرة في قلبها و يتغلب نبرتها حين صاحت بصوت جهوري
ـ كماااااال...
اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي♥️
★★★★★★★★
لم اكُن يومًا من النساء اللواتي ينفقن العبرات على أتفه الأسباب، ولم يكن النواح أو العويل من ضمن طقوسي مثل الكثير من فتيات جنسي . على العكس تمامًا كنت امرأة ذات شكيمة، أتقن الرقص على أنغام الغضب دون أن يختل ثباتي مثقال ذرة. اتفنن في القتل بالكلمات دون أن يتلوث خنجري بدماء الانفعال، ولكنني الآن أريد البكاء حتى تنضب جميع البحار و تجف المُحيطات، أريد الصراخ بملء صوتي حتى تهترأ احبالي الصوتية، و كأن صرخاتي ستُتقذني من جحيم يستعر داخل صدري، فالألم الذي ينهش بقلبي كوحش جائع لا يُحتمل، يجعلني إمرأة عارية أمام ضعفي الذي لم اعترف بيه يومًا، وهاهو يُهدد باحتلال عالمي، ولا أملك سوى البُكاء كحبل نجاة يقيني من الهلاك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
توقفت سيارته أسفل البناية الضخمة بقلب هذه المقاطعة التي لا يرتادها الا من هم من الطبقة المُخملية، و من يرتدون قناع الثراء الفاحش
ارجع رأسه إلى الخلف وهو ينظر إلى لآلئ الندى التي تلمع فوق زجاج سيارته التي تحجب عنه البرد القارص في الخارج، ليجد عقله الجو مناسب حتى يبدأ في تشييد جدران من الثلج حول قلبه ذلك القلب الذي هدم كل هذه الجدران باستفهام واحد
ـ أيُمكن لذراعيك إحتواء إمراة أخرى غيرها!
خفقة قوية تُشبة انذار بالخطأ انطلق من أعماق روحه بأن هذا لن يحدُث، فصار يستعيد بعض من مشاهده معها، و هو يستشعر حلاوة قربها و دفء قربها الذي أصبح قلبه أسير له، ليستند برأسه إلى الخلف وهو يهتف بحروف نضجت في إناء الحيرة
ـ و بعدين ياعمر! هتعمل ايه في الحيرة اللي أنت فيها دي!
كان يُخاطب نفسًا انقسم شقيها في حربًا هوجاء بين تجبر و تسلط عقل في الدفاع عن معتقداته البالية، و بين ثورة و تشبس قلب أخيرًا التحم ضلعه الأعوج بمن خُلِقت منه ليشعر بالكمال بين يديها، اختل توازنه من هذه الحيرة ليضرب بقوة على المقود وقد ضاق ذرعًا من كل هذا التخبط ليقوم بجذب مفتاحه، ليترجل من السيارة، فإذا بصورتها تتشكل أمامه على هامش السراب، و جملتها حين كانت بين ذراعيه ترتجف من كابوس مزعج اغتال نومها الهانيء ترن بأذنه
ـ خليك جنبي يا عمر. بتطمن وريحتك محوطاني.
شعور كامل بالنشوة غمر جسده، وهو يتذكر ما حدث بعدها، وكيف يتيقظ قلبه في حضرة وجودها كما لم يفعل مع أي انثى مُسبقًا، و هنا بتر كل اتصال لعقله مع شيطان الأنانية الذي يتسلط عليه دائمًا ليقود السيارة عائدًا إلى امرأة الصقيع التي لم يجد إمرأة في دفئها، و قد اختار طريقه، فهي فلكه ومداره ولن يحيد مرة أخرى عنها.
تعالى رنين هاتفه تزامنًا مع توقفه أمام باب القصر الداخلي ليُجيب حانقًا
ـ في ايه؟ رن رن رن. زهقتيني. قولتلك مليون مرة مترنيش عليا تاني.
صدمت شاهي من حديثه لتهتف بغضب
ـ بتكلمني كدا ليه يا عمر، وبعدين مانا رنيت عليك لما غلبت مبقتش عارفة اوصلك، و عملتلي بلوك على الواتس.
عمر بحدة
ـ عشان قرفتيني عماله تبعتي رسايل و تحذفيها من امبارح. شاهي فكك مني. أنتِ زيك زي هايدي. شوفي بتعمل ايه بعيد عني.
شاهيناز بانفعال
ـ كدا يا عمر ! خليك فاكر اللي بتقوله دا بكرة هتندم عليه وانا عمري ما هرن عليك تاني.
عمر بجفاء
ـ حلو اوي دا. اثبتِ على كدا بقى.
اغلق الهاتف في وجهها بل و اغلقه كُليًا حين وجد مصطفى يتصل هو الآخر، فلن يدع شيء يؤثر على قراره و توجه إلى الأعلى، ولكن من منا يملك رفاهية أن يُعيد السهم إلى نقطة الإنطلاق مرة أخرى؟ وهل لحبل المشنقة الذي نحر عنق بريء أن يُعيد النظر في فعله؟
قُضي الأمر، و شُوهت كل ذرة حب داخلها لأجله، فقد سحق قلبها و عشقه أسفل عجلات الخيانة التي في قانونها الخاص شعور، وليس فعل، لتُقرر قطع كل صلة له بقلبها، لتأخذ استراحة مُحارب، و تتخلص من كل هذه العبرات التي تعج بها مُقلتيها هُنا في هذه الغرفة و على هذا السرير الذي شهد على سعادتها الواهية بين ذراعيه، و الآن يشهد على ضعفها الذي واجهته كخصم شرِس، تحاول هزمه قبل أن يقضي عليها، ولكن سرعان ما تجمد كل شيء حين سمعت قفل الباب يدور، وصوت أقدامه التي يحفظها قلبها تتقدم لتقف أمام مخدع الغرام و الخديعة لتتفاجيء حين وجدته يحتضنها من الخلف، وهو يهمس بنبرة تحترق من فرط لوعتها
ـ مقدرتش يا شروق. مقدرتش اعمل معاكِ كدا.
أفصحت عينيه عن ضعفها الذي صفع صفحة خدها البيضاء ليُتابع وهو يُشدد من احتضانها وكأنه يريد أن يمرعبر جسدها ليرتديه
ـ قلبي مقدرش يعمل فيكِ كدا، مقدرش حتى يشوف واحدة غيرك. أنتِ اكبر مانا اتخيلت جوايا. أنتِ بقيتي لروحي سكن، و اي مكان غير حضنك غريب عليها.
كان فخًا بالحب كما خيل لها عقلها الذي غض بصره عن صدق كلماته لتُقرر الثأر من ضعفه لكرامتها المهدورة أسفل حذائه، فجذلت نفسها من بين ذراعيه ممن انتزع من بين يدي لعبته المفضلة لتعتدل جالسة، وهي تقول بنبرة جافة يغلب عليها التجبر
ـ تبقى غلطان و قلبك محتاج تروضه يا دكتور عمر.
تجاهل إرتطام صخرة كلماتها بقلبه، وهتف بنبرة تتوسل لها أن تنفي ما تقصده
ـ تقصدي ايه بكلامك دا ؟
تناقضت ملامحها التي تعج بالألم مع نبرتها التي تسلحت بسلاح القسوة، ولكنه كان تضاد يُبرز المعنى الذي أرادت إيصاله حين قالت
ـ يعني متلزمنيش يا عمر، و مبقتش عيزاك، ولا يشرفني اني افضل مراتك.
ألقت بقلبه عمدًا في حقل الأشواك المُعبئة بقيح الإهانة ليعتدل في نومته، وهو يصارع أنفاس و يقاوم وحوش الإلم التي تزحف إلى صدره حين قال بنبرة جريحة:
ـ بتقولي ايه يا شروق؟ أنتِ متضايقة، فبلاش نتكلم دلوقتي!
كانت في موضع قوة واهية سببها ضعفه وليس صلابتها التي تدعيها، وبالرغم من كل شيء هتفت بنبرة يكسوها القسوة:
ـ لا يا عمر. انا مش متضايقة بالعكس. انا متصالحة جدًا مع فكرة انك متنفعش اي حاجة خالص. لا تنفع زوج ولا أخ، ولا حبيب، ولا حتى تنفع اعتبرك ضل اتحامى فيه من شوية هوا. مجرد صورة باهته لإنسان أناني شايف أنه يستحق احسن حاجة في الدنيا. بس في الحقيقة هو ميصلحش لأي حاجة في الدنيا.
تفاقم الأمر ليتخطى حدود غضب العقل و ألم القلب ، و يخطو إلى ما هو أشرس و أعنف، وهو الكبرياء الذي اهتاج بداخله حين صرخ بنبرة أفزعت نوافذ وجدران الغرفة
ـ اسكتِ يا شروق، واعرفي انك لو اتماديتي اكتر من كدا هتشوفي النسخة اللي أسوء من اللي في خيالك عني.
استفهام ساخر طرأ من جوف الألم الذي يتوسط قلبها وهل لم أرى؟
سكن كل شيء بها حد الجمود، وهي تطالع ألمه الذي ينهش وسامته، و يُطفيء بريق عينيه لتنتظر حتى تعرى ضعفه أمامها حين قال
ـ اللي مينفعش في أي حاجة دا حتى ضل تتحامي بيه من شوية هوا. حماكي من كل شيء، بس أنتِ جاحدة، وقلبك نكار أوي.
ترقرق العبرات في مقلتيه، وارتجاف نبرته وضعوها أمام طريقين، إحداهما الارتماء بين ذراعيه حتى يهدأ الوجع، أو الأعراض عن هذا العشق المسموم الذي يقتلها بالبطيء، ولكنها الخيانة!
الخيانة هي غُصن أزهر ثقة، ثم أثمر شوكًا في قلب لم يتوقع إلا وردًا.
لذا هتفت بنبرة قاسية تشبة قسوة الألم بصدرها
ـ و دا يعرفك أننا انتهينا خلاص.
عمر بنبرة يصرخ بين طياتها الوجع
ـ يعني ايه.
توسلت لثباتها بعدم التخلي عنها ككل شيء لتهتف بنبرة جامدة
ـ طلقني. انا مش عايزاك، ولا قادرة اتحمل اني أفضل على زمتك دقيقة...
قاطعها بجفاء
ـ أنتِ طالق..
اللهم ارزقني رزقًا واسعًا حلالًا طيبًا، واستجب دعائي من غير رد، وأعوذ بك من الفضيحتين؛ الفقر والدين.
اللهم إني أسألك رزقًا واسعًا طيبًا من رزقك، يا مقيل العثرات، يا قاضي الحاجات، اقض حاجتي، وفرج كربتي، وارزقني من حيث لا أحتسب.
اللهم ارزقني رزقًا حلالًا طيبًا، وبارك لي فيه، واجعله سببًا في سعادتي ♥️
★★★★★★★★★★
هو رجل قضى عمره قائدًا، لا يعرف في معاركه سوى الانتصار، وهي إمرأة ظنت أنها ما خُلِقت إلا للهزيمة فقط، وحين التقت طرقهم في محراب الحياة، التي لا تنفك في هدم جميع ثوابتنا، لينحني القائد طواعيه أمام امراة هزمها القدر مرارًا و تكراراً، ثم انصفها لمرة واحدة، ليكون هو أول إنتصار تذوقته بحياتها.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ هو انا ينفع أسأل أنت ليه أصريت أننا نقضي الليلة في أوتيل مش في البيت !
هكذا استفهمت أشجان على استحياء قابله خالد الذي احتوى خصرها بحنان يفيض تملكًا، وهو يستنشق عطرها كأنه نَفَس النجاة، ويروِي قلبه من أريجها حتى انتشى بها و كأنها خمرة لا يُفيق منها أبدًا، فقد أصبحت روحها و كأنها امتداد لروحه، فهتف مُغمغمًا و أنفاسه تداعب عنقها من الخلف
ـ مانا قولتلك هستفرد بيكِ بطريقتي.
صمت لثوان يستشعر حلاوة طعمها الرائع بين شفتيه قبل أن يُتابع بخشونة
ـ و بعدين ايه ممكن أسأل دي! أنتِ الوحيدة اللي مسموحلك تعملي كل حاجة، و تسألي عن كل حاجة، و قلبي رهن إشارتك يا شجنِ.
تدثرت بذراعيه أكثر وهي تغمس جسدها بين احضان جسده لتتكور بين يديه وهي تهتف بخفوت
ـ عايزة كل شويه اثبت لنفسي انك حقيقة مش حلم.
مد أناملة لتلامس ذقنها بكل ما يملك من حنان ليرفعه حتى يرى عينيها التي يتوهج بريقها بأغواء قاتل جعل الكلمات تخرج من بين شفتيه بنبرة مُتحشرجة
ـ أهو انا مش هبطل أحب فيكِ عشان أثبتلك اني حقيقة.
أنهى جملته و اندفع يأخذ ثغرها بين خاصته بشغف عارم في رحلة من السعادة و السكينة، بينما قلبه يذوب في قبله رائعة كأنها معزوفة موسيقية تعزفها أرواحهم معًا.
ـ لسه عايزة إثبات اني حقيقة!
هكذا تحدث مُشاكسًا، فأخفضت رأسها خجلًا ليصطدم جبينها بشفتيه ليغرس بتلات عشقه فوقه، وهو يُتابع بنبرة عابثة
ـ أنا بقول افضل أثبتلك من هنا للصبح عشان ميبقاش في ذرة شك. أنا في الإثباتات معنديش هزار.
لكزته في كتفه وهي تهتف بخجل
ـ خالد بطل بقى؟
استفهم بخداع قائلًا
ـ بتقولي ايه مسمعتكيش!
رفعت رأسها إليه وهي تهتف بدلال
ـ خالد ب....
لم يسمح لها أن تُكمِل جملتها، فقد اندفع يرتشف حلاوة اسمه من بين شفاهها، ليجرفها معه في تيار عشقه الجارف الذي لا ينضب أبدًا، و لأول مرة تبادله بعد أن خلعت عنها خجلها أمام فيض حنانه الذي احتوى سائر كيانها ليوقع معها وعد روحاني، وخمرة حلال لا تُسكُر الجسد بل تُسكِر الروح، وتترك في القلب لذة لا يفيق منها أبدًا.
انبثق الصباح عنوة من بين ستائر الليل الحالك الذي كان كرداء مُخملي، اسدلته السماء ليخفي عناق الأرواح، و يحرس سر الهوى بين العاشقين عن أعين الفضول، ليصدح معه رنين الهاتف بإلحاح، و كلما تنبه عقله إليه، يجذبه قلبه أكثر ليلتصق بها، وكأنه يهرب من ثقل مسؤولياته بين ذراعيها، ولكن مطرقة القدر حين تهوى لا تُفرق ولا تلتفت للأذى التي تتسبب به، لينهض على مضض وهو يتوجه الى هاتفه مُجيبًا بنبرة مُتحشرجة من أثر النوم
ـ في ايه يا عابد؟
لحظة تبدد بها كل شيء لتختلط الصدمة بالغضب، وشعور مُريع بالألم حين وصل إلى مسامعه جملة خالد التي أشبه بالقنبلة
ـ رنا بنت حضرتك اتخطفت يا خالد بيه.
يتبع ..
إلى اللقاء في الجزء الثاني " هل من سبيل للغفران؟ "
الحقيقة مكنتش ناوية افصل بين الجزئين، كنت ناوية ادوس فيهم ورا بعض زي ما عملت في الأقدار و للعشق، بس للأسف ضغط الناس، و معرفتي بأني مش هقدر التزم في التنزيل الفترة دي، و واضح عيانًا أن جزء كبير من الناس مش هيتحملني، و مش هستحمل اسمع كلمة تزعلني ناني، فأنا هضطر اخد اجازة عشان استعد لدخول الدراسة كل سنة و أنتوا طيبين، عندي فارس ما شاء الله سنة أولى، و كارما ما شاء الله بيبي كلاس، و مدارسهم صعبة، و عايزة استعد ليها، و مش هقدر اوزن دنيتي الفترة دي، ولا انتوا هتتحملوني، فخلونا ناخد أجازة و نستعد سوى، و كدا الذنوب بقت مطروحة على طاولة الغفران، فعلًا و هنشوف في الجزء التاني هل من سبيل للغفران؟ ♥️
توضيح بسيط كنت بقسم الفصول على ٢ عشان كنت عايزة اوقف الجزء الأول عند الفصل ال٣٠ مش عشان الفصول صغيرة ولا عشان كنت بنزل نص بارت مفيش نص بارت بيتخطى ال ٦٠٠٠ كلمة ، اتمنى تكونوا فهمتوني ♥️
دعواتكوا ليا، و متقلقوش مش هنوقف نشاط الجروب ولا واتباد الفترة دي، هعيد نشر روايتي الأولى اللي كتير منكوا ميعرفهاش
سلسلة للعشق ( للعشق وجوه كثيرة ج١& عشق بين حنايا الروح ج٢) و اللي بفضل الله عدلتها عشان تليق بمتابعتكوا♥️ هتنزل كل يوم فصل على جروبي وعلى واتباد ابتداءً من يوم الثلاثاء القادم بإذن الله ♥️
أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه أحبائي و أصدقائي و عائلتي الثانية ♥️ نورهان العشري ♥️
غلاف السبيل الأول بإيد مبدعتي هدير ♥️
و دا جروبي اتمنى تنوروني عليه ♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثاني وخمسون 52 - بقلم نورهان العشري
بوست مهم ‼️ اتمنى من كل متابعيني المشاركة فيه ♥️
طبعًا طبعًا وحشتوني اوي اوي اوي ♥️
و جاية و جيبالكوا معايا بوبوناية مسكرة زيكوا 🙈 ان شاء الله هنستأنف الجزء التاني من روايتنا الحلوة ذنوب على طاولة الغفران يوم ١٠ ديسمبر "
اتمنى المعاد يكون مناسب و لو في اي اعتراض انا معاكوا ♥️
ناس قالتلي استني على اجازة نص السنة بس كدا هيبقى شهر كمان و انا مش حابة دا، انا. هيكون عندي امتحانات والله بس في شوية حاجات شخصية منعاني اكتب دلوقتي بس حبيت نبدأ السنة الجديدة و احنا متعمقين مع الوتايدة اللي وحشوني زي ما وحشوكوا ♥️
شوفوا عايزين أيه و أنا معاكوا ♥️
و دعواتكوا ربنا يهديلي فارس ابني ♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم ♥️
قبل القراءة متنسوش لايك و كومنت و فولو ليا و ياريت تكتروا من الكومنتات اللي بين الفقرات بحبها جدا ♥️
السبيل الأول ❤️🔥
يُقال إنّ العفو من شِيَم النبلاء، ولكن هل يسقط من قائمتهم مَن كانت آلامه تقف سدًّا منيعًا بينه وبين الغفران؟ ماذا لو فاق الوجعُ قدرةَ الإنسان على الأحتمال، وجعله ضحيةً لعقلٍ يتملّكه غضبٌ أهوج، وقلبٍ يفترسه وجعٌ عظيم يُفقد الروحَ وهجَها ويُطفئ آخرَ ضوءٍ للحياة بداخلها؟
من هذه البقعة المظلمة تحديدًا تُولَد القسـ.وة، ويُخلَق الجبر.وت؛ فحين تأبى القلوبُ العفوَ ذلك ليس بدليلًا على اسودادها، بل لأنّ الألم قد يفوق طاقة احتمالها. فليست كلّ الأخطاء قابلةً للغفران، ولا يجوز المقارنةُ بين الخَد.ش والذ.بح، أو وضعُهما في كفّة عقابٍ واحدة. ومن الإجحاف أن يُطلَب من قلبٍ فتّته الألم أن يمنح ما لا يملكه ولا يقدر عليه؛ أليس العفوُ مقرونًا بالمقدرة؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
اهتزت الأرض حين خر على ركبتيه ينظر بضياع و رفض كما تنظر الشاة إلى السكين الذي سيجتز عنقها دون رحمة، وعينيها المرتجفتين تتعلقان بصاحبها، ذاك الذي أطعمها يومًا وسقاها، فإذا به اليوم يقف أمامها ممسكًا نصلًا يلمع ببرود مُخيف، و كأنه يشمت بارتجافها قبل أن يهوِي به عليها.
كانت لحظة مُرعبة تتجسد بها الخيانة في أقبح صورها حيث يتحول الأمان إلى مقصلة، واليد التي كانت تحنو ذات يوم تحولت إلى أخرى تذبح.
ـ أنتِ يا هيام!
توسعت عينيها كبحيرة عميقة فاضت مياهها بغزارة وهي ترى نظرات ياسر الضائعة المُستنكرة، و ذلك الألم الذي يتساقط من عينيه جهرة ليرتجف جسدها وكذلك نبرتها حين قالت:
ـ اسمعني يا ياسر. أنا...
توقفت جميع الأعيُن على هيام التي لم تستطِع إكمال حديثها ليصرخ يزيد بقسوة:
ـ ردي يا هيام. أنتِ فعلًا عملتي كدا!
تعالت نهنهاتها للحد الذي جعل الكلمات تضيع فوق شفتيها لينصب ياسر عوده وهو يتقدم منها وعينيه تشتبك مع عينيها بنظرات تتوسلها بنفي هذه الجُرم كما توسلتها نبرته حين قال:
ـ قولي لا و أنا هصدقك. قولي انك معملتيش فيا كدا.
خرجت أنفاسه محرورة و كأن هناك حريق داخل صدره جعل نبرته مبحوحة حين قال:
ـ كنتِ بتطبطبي عليا بإيد، و بالتانية بتغرزي السكينة في ضهري!
هيام بلهفة:
ـ اسمعني يا ياسر. والله انا مكنش قصدي!
استنكر حديثها بشدة ليصرخ بانفعال:
ـ مكنش قصدك! يعني أي! يعني دبحتيني، و فرقتي بيني وبين الإنسانة اللي محبتش في حياتي غيرها، وجاية تقولي مكنش قصدي!
ابتسامة مريرة أبعد ما يكون عن المرح شوهت ملامحه قبل أن يقول بنبرة جريحة:
ـ روحتي بعتي واحدة تتبلى عليا، و تطلعني كلب و حقير ضحك عليها، و تقوليلي مكنش قصدك!
تراجع للخلف وهو يحاول تهدئة أنفاسه الثائرة فقد كان صدره يعلو و يهبط بعُنف، و لُهاث تنفسه يوحي بأنه يخوض معركه ضارية جعلت نبرته تتهدج حين قال:
ـ أيه يا هيام! اومال لو قاصدة كنتِ عملتي فيا أيه!
شهقة قوية خرجت من قلب غنى جذبت جميع الأنظار إليها كما فتتت كلماتها قلوبهم حين قالت:
ـ معقول أنتِ اللي تعملي فينا كدا يا أبله هيام! دانا موت في السنتين دول مليون مرة.
ارتجف جسدها من فرط الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ دي الجدران شققت من صوت صريخي كل يوم.
كان وقع كلماتها مُريعًا عليه وكأن أحدهم انتزع شمسًا صغيرة مُلتهبة، و قام بغرسها بمنتصف صدره، فصار يحترق من الداخل بنار لا تُرى ولا تنطفئ، ولكن هيام لم تحتمل اتهامات غنى فصرخت بعُنف:
ـ أمك السبب. أمك هي اللي خلتني عملت كدا.
غنى بصدمة:
ـ أمي؟!
هيام بصُراخ:
ـ أيوا أمك. هي اللي جتلي البيت بهدلتني و هددتني لو مبعدتش ياسر عنك هتموته أو هتحبسه!
غنى باستنكار:
ـ بتقولي أيه؟
هيام بانفعال:
ـ بقول اللي سمعتيه.
صمتت هيام تناظر ياسر بتوسل وهي تتذكر ما حدث في ذلك اليوم
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ أنا واقعة في عرضك يا أبله هيام.
هكذا تحدثت مها بذُعر، فهتفت هيام بلهفة:
ـ خير يا مها في أي؟
مها بتلعثُم:
ـ أنا عملت مصيبة كبيرة، و هتفضح أنا و أمي.
هيام بذُعر:
ـ ما تقولي يا بت في أيه؟ وقعتي قلبي.
مها بخزي:
ـ أنا حامل من عماد.
هيام بصدمة:
ـ يا نهار مش فايت! بتقولي أيه يابت؟
أجابتها مها من بين نهنهاتها:
ـ غصب عني والله يا أبلة هيام. انا بحبه، وهو وعدني أنه هيتجوزني، وهو عند وعده. المشكلة أن أبوه مش موافق على الجوازة دي، وانا مرعوبة مش عارفة اعمل أية.
هيام بعويل:
ـ الله يخيبك يا بت. تعملي في نفسك كدا ازاي! مخوفتيش على أمك! بلاش أمك. مخوفتيش من ربنا!
مها بانهيار:
ـ بالله عليكِ ما تقطميني أنا مش ناقصة، و بفكر أموت نفسي في اليوم ميت مرة.
هيام باستنكار:
ـ اخرسي. كمان عايزة تموتي كافرة. أيه يا شيخة! الشيطان راكبك كدا ليه؟
ما أن أوشكت مها على الحديث حتى دوى طرق قوي على باب البيت، فارتعش جسد مها التي هتفت بذُعر:
ـ يالهوي لا يكون ياسر. أوعي تقوليله حاجة يا أبلة هيام أبوس إيدك.
هيام بحيرة:
ـ أقول اية و أنيل أيه! قومي اتنيلي اغسلي وشك أما أشوف مين. شكلك يغُم.
توجهت مها إلى المرحاض و هيام إلى باب البيت لمعرفة من الطارق، و قد غزت معالمها الدهشة حين شاهدت صابرين التي كانت تُطالعها بغضب تجاهلته هيام وقالت بنبرة ودودة:
ـ أهلًا و سهلًا يا أم غنى.
صابرين بحدة:
ـ لا أهلًا ولا سهلًا ياختي. هما كلمتين جاية أقولهملك توصليهم لأخوكي.
تفشى الحرج بأوردتها و خاصةً حين شاهدت نظرات المارة الذين جذبهم صوت صابرين الغاضب لتحاول امتصاص غضبها وهي تقول بابتسامة بشوشة:
ـ يا ستي ادخلي جوا في أية ؟ هو احنا غُرب. كلام أي اللي يتقال قدام الباب دا!
دلفت صابرين إلى الداخل و لازالت ملامحها تحمل التجهم و الغضب الذي تجاهلته هيام قائلة:
ـ تشربي اية؟
صابرين بحدة:
ـ أنا مش جاية اضايف يا عنيا. انا جاية اقول كلمتين و همشي على طول.
هيام بسخط:
ـ سمعيني يا صابرين الكلمتين اللي تاعبينك دول.
صابرين بقسوة:
ـ أيه اخرتها مع أخوكي الصا... اللي واقف حال بنتي دا!
انتفضت هيام بحدة تجلت في نبرتها وهي تقول:
ـ أخو مين اللي صا... يا صابرين ما تحسني ملافظك، وبعدين أخويا موقفش حال حد. اخويا جه لحد باب بيتك وطلب إيد بنتك، و أنتِ اللي معجبكيش.
صابرين بغضب:
ـ أيوا معجبنيش و عمره ما هيعجبني، اخوكي دا مين ولا ابن مين ولا بيشتغل أيه عشان اجوزه البت اللي حيلتي!
هيام بتحذير:
ـ خلي بالك يا صابرين. أنتِ عماله تغلطي وانا سكتالك عشان غنى، وعشان أنتِ في بيتي.
صابرين بقسوة:
ـ ولا تقدري تعملي حاجة. الغلط راكب اخوكي من ساسه لراسه، و بعدين يا حبيبتي احنا ملناش في قتا.لين القتلة، وبتوع الحشيش.
انتفضت هيام وكأن سهمًا مُشتعلًا أصاب قلبها:
ـ مين اللي قتا.لين القـ.تلة و بتوع حشيش يا صابرين!
ـ أنتوا يا عنيا. تنكري أن أبوكي اتطرد من بلده بسبب عملة سودا عملها! و تنكري أنه كان حشاش و خمورجي!
تراشقت الإهانات بصدرها، فأصابتها بالوهن الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ عيب يا صابرين الكلام دا. ابويا الله يرحمه كان مظلوم، و ياسر مالوش ذنب...
قاطعتها صابرين بجحود تجلى في نبرتها و كلماتها:
ـ مش شغلنا يا حبيبتي. له ذنب ولا مالوش ميخصناش. هما كلمتين ملهمش تالت. اخوكي يبعد عن بنتي. لا هو من توبها و لا يليق لها. بنتي زينة البنات. تروح للي يتاقلها.
هيام بنبرة ترتجف ألمًا:
ـ و افرض هي عايزة ياسر؟
صابرين بحدة:
ـ خليه هو بس يبعد عنها و يبطل يميل دماغها. اسمعيني يا هيام أنا لحد دلوقتي عاملة بأصلي معاكوا، و مقدرة حالتكوا لكن اخوكي لو مسك سلوك الكهربا مش هياخد البت اللي حيلتي. ماهو انا مش مجنونة ار.ميها في النار بإيديا، و بدل ما اديها للي يهننا اديها لواحد يمرمطها.
هيام باستنكار:
ـ مين قالك إن ياسر هيمرمطها!
ـ وهو الفقر و الحوجة مش مرمطة! ولا الكام ملطوش اللي بياخدهم من جابر يعملوا أيه في الزمن دا! إلا بقى لو كان ناوي ينزلها تشتغل معاكي في المشغل.
كانت رنة السخرية في جملتها الأخيرة جارحة إلى درجة كبيرة لتهتف هيام بلوعة:
ـ الشغل مش عيب يا صابرين، وانا بشتغل مش عشان حوجة. لا انا اخواتي مش حارميني من حاجة، وعمر ياسر ما هيبهدل بنتك.
صابرين بتجبر:
ـ قصره يا هيام. انا بنتي جايلها عريس مايترفضش. راجل ملو هدومه و أبوه تاجر كبير اوي، و الواد و أهله هيموتوا عالبت، وأنا هجوزهاله هجوزهاله، و أخوكي دا لو مبعدش عن بتي. الله في سماه لهحسرك عليه عمرك كله. فيا تبعديه عنها بالذوق يا هعمل فيه بلاغ و اوديه في ستين داهيه
ضاقت ذرعًا من الإهانات و تجبر هذه المرأة لتصرخ بعُنف:
ـ من غير تهديد با صابرين. اللي خلق بتك خلق مليون غيرها. اشربيها، و أخويا ميستحقش ناس شبهكوا. روحي يا حبيبتي بيعيها للي هيدفعلك أكتر.
صابرين بتبجح:
ـ ملكيش فيه. ابعديه بس عننا، و ربنا ياختي يبعتله نصيبه.
تشعب الغل في أوردتها و نبرتها حين قالت:
ـ هيحصل يا صابرين. بس اوعي تنسي كل كلمة قولتيها النهاردة عشان هييجي يوم و أندمك عليها.
ابتسامة ساخرة و نظرة مُحتقرة كانت الإجابة التي رمتها بها صابرين قبل أن تُغادر صافقة الباب خلفها لتسقط هيام فوق المقعد تبكي بحرقة آلمت مها التي كانت تستمع إلى الحديث منذ بدايته، ولم ترِد الخروج حتى لا تُحرج هيام أكثر، لتقترب منها تعانقها بقوة وهي تقول بتأثر:
ـ اهدي بالله عليكِ يا أبله هيام. متزعليش نفسك. دول ناس زبالة، و ياسر يستحق اللي أحسن منهم.
لم تفلح كلمات مها في تهدئة الألم الذي يكاد يفتك بروحها، و الذي استدعى شيطان الحقد بداخلها لتهب من مكانها وهي تهتف بغل:
ـ البت دي لازم تبعد عن أخويا. لازم أخليه يشيلها من دماغه.
مها بنبرة يشوبها الحسد:
ـ بس ياسر بيحبها أوي. تفتكري في حاجة ممكن تخليه يشيلها من دماغه!
توقفت هيام بمنتصف الغرفة وهي تنظر إلى البعيد بغضب مقيت قبل أن تهتف بقسوة:
ـ لا مفيش. ياسر لا يمكن يسيبها.
صمتت مها تفكر و من ثم هتفت بلهفة:
ـ طب أية رأيك لو تحاولي تبعديها هي عنه!
هيام بتفكير:
ـ تصدقي عندك حق. أخويا أصيل لا يمكن يتخلى عنها. بس هي أكيد واطيه زي أهلها، و هتبيعه بالساهل.
ـ طب ناوية على أيه!
صمتت هيام لبعض الوقت تعيد تدوير الأفكار في رأسها قبل أن تتسلط عينيها على مها التي كانت تطالعها بغرابة سرعان ما تحولت إلى دهشة حين سمعتها تقول:
ـ لو عيزاني أساعدك في المصيبة اللي أنتِ فيها. يبقى تساعديني أنتِ كمان ابعد البت دي عن ياسر.
مها بلهفة كغريق وجد قشة نجاته:
ـ موافقة. هعمل كل اللي أنتِ هتقولي عليه.
تملك الشيطان منها لتقول بنبرة مغلولة:
ـ اسمعيني كويس..
عودة للوقت الحالي
كاد عقلها أن يطير من هول ما سمعته، فهل هناك أم في العالم قد تدعس فوق قلب ابنتها بمثل هذا الجبروت! كانت الأعيُن متوسعة من فرط الصدمة و الذهول ليهتف يزيد باستنكار:
ـ أية دا! أيه القرف دا! انتوا مين عشان تعملوا في الناس كدا! مين عشان تلعبوا بحياة البني آدمين بالشكل دا! أنتوا أية؟
قال جملته الأخيرة صارخًا مما جعل جابر يحاول تهدئته قائلًا:
ـ أهدى يا يزيد. أهدى خلينا نفكر بالعقل يا ابني.
هنا تحدث ياسر بنبرة تعانق بها الألم و الخذلان و الاستنكار معًا:
ـ نفكر!
وضع يده فوق رأسه و أخذ يدور حول نفسه كالنمر الذي أُغتيلت هيبته بضربة غدر جاءت من صديق، فصار ينهش الهواء حوله ليُخفي وجعه. عاجز عن محو عبراته و ردع صرخاته التي لم تُهدأ هذا الوجع المُميت بداخله ليقوم بتوجيه لكماته إلى الحائط لكمة تلو الأخرى وهو يزأر بوحشية:
ـ ليه؟ ليه ؟ ليه؟
هرول كُلًا من يزيد و جابر يحاولون السيطرة عليه ليتراجع عنهم وهو يصرخ بصوت أفزع الجميع:
ـ ابعدوا عني.
كانت أنفاسه تتصاعد كزئير وحشًا جريح ينهشه الألم نهشًا فيحاول ركله مع الهواء الخارج من صدره حتى صار كل نفس يخرج منه أشبه بانفجار مكتوم يتردد صداه في المكان مما جعل الجميع يتراجع خوفًا من مظهره، ولكن هذا الوحش الجريح، بكل ما فيه من غضبٍ ووجع، لا يحتاج لأحد سواها فهي البلسم الوحيد القادر على تهدئة نزفه، واليد التي تعرف كيف تُرمم ما تمزق منه، ليتوجه إليها يجذبها من يدها بقوة و هو يهبط الدرج مهرولًا إلى الخارج و كأنه يفر من هذا المكان كما يفر الإنسان من جهنم.
لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليم،
لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيم،
لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السماواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريم.»♥️
★★★★★★★★
كان هذا الصباح يحمل من الغيوم ما أثقل كاهل السماء فأخذت تُمطر و كأنها تُنفس عن وجعها الذي كان أضعافه بصدر خالد الذي ما أن سمع عن اختطاف ابنته، وهو كالمجنون، فقد خرج الوحش من مكمنه، و السيطرة عليه دربًا من المستحيل فقد أصبح مُرعبًا حد ارتجافة جسد أشجان الجالسة بجانبه في السيارة التي كانت تبتلع الطريق كثعبان ضخم لا يجرؤ أحد على اعتراض طريقه.
ـ خالد.
هكذا هتفت بذُعر ليلتفت إليها بحدة جعلت جسدها يرتد إلى الخلف، و العبرات تتدحرج من مقلتيها كهارب يفر من طوق المشنقة مما جعله يحاول تنظيم أنفاسه قليلًا قبل أن تمتد يده و تقبض على كفها بقوة لم يكُن يقصدها ليجذبها إلى صدره الذي كان يرتج بعُنف، و كأن هناك قنبلة على وشك الإنفجار تنبض بين ضلوعه، و تقذف الهواء من داخله مما جعل نبرته متهدجة حين قال:
ـ اهدي. متخافيش. أن شاء الله رنا هترجع بالسلامة.
أخذ جسدها يرتجف أسفل حصار ذراعه ليقترب واضعًا قبلة سطحية فوق حجابها و كأنها اعتذار عن هلعها يتنافى مع نظراته المُرعبة و صوته القاسي الذي يعج بالوعيد حين قال:
ـ لسه متخلقش على وش الدنيا اللي يمس شعره من أهل بيت خالد الوتيدي.
كان حديثه مرعب و غضبه مقيت، فاحتمت بصدره دافنه وجهها بين ضلوعه إلى أن سمعت صوت احتكاكًا قويًا و فجأة توقفت السيارة بشكل مباغت ولكنها كانت آمنه أسفل ذراعه المُحيط بها، و قد شعرت بالبرد يكتنفها حين جذبه بعيدًا عنها لترفع رأسها إليه، فلمحت ومضة من اللين داخل عينيه قبل أن تتحول نظراته إلى أخرى قاتمة مرعبة تشبة نبرته الخشنة حين قال:
ـ هتنزلي دلوقتي و تدخلي القصر و اوعي تخرجي منه لحد ما ارجع رنا. سمعاني!
خرج صوتها أشبه بالهمس حين قالت:
ـ هتعمل ايه؟
كانت ملامحه جامدة و قاسية في آن واحد بالإضافة إلى نظراته الخطرة التي بعثت الخوف في نفسها ولكن جاءت كلماتها لتهدم الفُتات المُتبقي من ثباتها حين قال:
ـ هوري اللي فكر يقرب من بنتي جهنم على الأرض شكلها أيه!
ارتجف جسدها رعبًا أفصحت عنه عينيها بغزارة لتُصيبه بلعنة الذنب على مظهرها المرتعب مما جعله يقول بخشونة:
ـ اوعي تخافي من أي حاجة أبدًا طول ما أنتِ معايا، و ادعيلي. يلا انزلي.
لم يُمهلها الوقت إنما تركها ليترجل من السيارة و هو يلتف إلى الجهة الأخرى ليقوم بفتح الباب و احتضان يدها ليُخرجها من السيارة فمدت يدها تمسك مقدمة قميصه بقوة ليُغمض عينيه محاولًا التغلب على طاقة الألم النابع من خوفه على ابنته و الغضب الهائل التي ضاعفه خوفها و نبرتها المُهتزة حين قالت:
ـ خالد. انا خايفة عليك أوي.
وضع قبلة محرورة فوق حجابها قبل أن يقول بنبرة جافة غاضبة:
ـ قولتلك متخافيش. ادعيلي بس.
بتر كل محاولاتها في الحديث ليصرخ على أحد الخادمات التي هرولت إليه ليهتف بجفاء:
ـ اسنديها لحد جوا. يالا.
أطاعته وقد أمسكت الخادمة بيدها لتساعدها في المشي فقد كانت أقدامها تلتف حول بعضها من فرط الخوف، و هي تنظر إلى الخلف وعينيها معلقة على خالد الذي قام بجذب سلاحه من خلف ظهره وهو يحادث قائد الحرس خاصته:
ـ عرفتوا خدوها وراحوا فين؟
عابد باحترام:
ـ أحنا مراقبينهم عن طريق الGps اللي في هدوم رنا هانم، و زي ما حضرتك توقعت. أنهم هيتخلصوا من أي حاجة معدن معاها. زي الساعة و التليفون و حتى السلسلة اللي كانت لبساها.
ناوله عابد أغراض طفلته ليشعُر بقبضة قوية تعتصر صدره من فرط الألم ليلحظ عابد تبدل ملامحه مما جعله يقول بلهفة:
ـ متقلقش يا خالد بيه. رجالتنا طلعوا على الطريق من اول ما لقطنا الإشارة، و أن شاء الله هيلحقوهم.
اومأ خالد برأسه بوعيد، وهو يتذكر ما حدث قبل عملية إنقاذ عمته و ما سبقها من ترتيبات
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ جبت اللي قولتلك عليه يا باشمهندس!
هكذا تحدث خالد إلى أحد رجاله ليقوم الرجل بإعطائه صندوق صغير تناوله خالد وهو يتفحصه بينما أخذ الرجل يشرح ما به:
ـ دا طلبك بالظبط يا خالد بيه. جهاز تتبع. حجمه صغير بس الإشارة بتاعته قوية جدًا و بيشتغل بمجرد ما حضرتك تدخل الباس وورد بتاعته على الجهاز بتاعك، و بسبب حجمه الصغير احنا ممكن نذرعه في أدق الأماكن و اللي محدش أبدًا يتخيل أن فيها جهاز تتبع.
خالد باستفهام:
ـ زي ايه يعني ؟
ـ زي مثلًا زراير القمصان أو البلوزات!
خالد مُستفسرًا:
ـ اشرحلي اكتر..
قام المهندس بإخراج كيس بلاستيكي يوجد به عدة أزرار قمصان تحمل حبة من اللؤلؤ التي كان حجمها صغير ثم أخرجها من مكانها ليقوم بوضع أحد أجهزة التتبع أسفلها ثم ثبتها في مكانها مرة أخرى، وقد اندهش خالد من الأمر قليلاً ليبتسم المهندس وهو يقول ببساطة:
ـ كدا احنا زرعنا الجهاز و تقدر توصله باللاب بتاع حضرتك، و عشان تفتحه هتدخل الباس وورد بتاعته. كل جهاز ليه باس وورد.
خالد بابتسامة كسولة:
ـ هو دا بالظبط اللي أنا بدور عليه.
ـ لو حابب انا ممكن اركبه في أي هدوم تحبها.
خالد بتأييد:
ـ هخليك تعمل دا. مع المدام و الولاد، حتى لو هنقلل خروجهم الفترة دي لحد ما الدنيا تهدى. لكن على الأقل هدوم الولاد بتاعت المدرسة لازم نركب فيها الجهاز دا. عايزين الوضع يبان طبيعي بس تبقى واخدين احتياطاتنا.
الرجل باحترام:
ـ اعتبره تم يا باشا.
عودة للوقت الحالي
ـ زودت الحراسة على القصر زي ما قولتلك؟
هكذا تحدث خالد باستفهام ليُجيبه عابد بتأكيد:
ـ حصل يا فندم، بس..
خالد باستفهام:
ـ بس أية؟
عابد بتردد:
ـ كمال بيه من وقت اللي حصل برن عليه تليفونه مغلق، و مش في البيت. أنا مش مطمن.
صمت خالد لثوان قبل أن يقول بنبرة آمرة:
ـ هنحاول نتواصل معاه وأحنا في الطريق. يالا عشان نلحق الرجالة.
و بالفعل استقل الرجال السيارات و التي كان عددها عشر سيارات دفع رباعي، لينطلقوا كالإعصار الذي لا يقدر على إيقافه أو ردعه أي شيء.
«اللهم إني عبدُك، ابنُ عبدِك، ابنُ أمتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك... أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي.»♥️
★★★★★★★★★★
انتصف النهار، و لكن لم تشرق الشمس بل توارت خلف السُحب، وكأنها تشجب كل هذا الحزن الذي يعج به صدر أحدهم، وتمقت هذا الكبرياء الذي يُشبه كثيرًا هذه السُحب التي تحجب دفئها عن الأرض، فقد كان هو الآخر يحجب وهج العشق الذي يجيش بالصدور و يقودها إلى طريق الهلاك الذي لا نجاة منه.
توقف عمر أمام أحد المباني و إلى جانبه شروق التي كانت ترتدي الكبرياء كثوب يتماشى مع ملامحها الجامدة و نظراتها التي تدعي الهدوء على عكس كل هذا الخراب بداخلها، وقد كان هذا الأمر مثير للغضب داخل عمر الذي قال بجفاء:
ـ أنتِ متأكدة أن اللي بيحصل دا صح!
شروق باختصار و بنبرة جامدة:
ـ جدًا.
كانت أشواك الكبرياء تنغرز بصدره، فتمنع الكلمات من التدفق من بين شفتيه، ولكنه سلك دربًا آخر حين قال بتحذير:
ـ خلي بالك أن الموضوع ميخصكيش لوحدك. في جميلة و في تيتا كمان.
بشق الأنفُس استطاعت البقاء على جمودها حين التفتت تناظره وهي تقول بنبرة جافة:
ـ الوضع اللي انا عايزة اصححه ميخصش حد غيري يا دكتور عمر، و اعتقد أن الورث دا حقنا و مش مشروط بجوازي منك كدا ولا أيه؟
كان هناك استفهامًا مُلحًا يثور بداخل صدره ألا وهو : كيف تستطيع الثبات بتلك الطريقة التي تبدو وكأن قلبها لم يرتج بعشقه يومًا!
هدوء ملامحها و جمود نظراتها الموجهة إليه و إصرارها للتخلص من قيده و كأنه خطيئة تحاول التملص منها حتى لا تُدنس صحيفتها! كيف تفعل هذا؟
ـ تمام يا شروق اللي تشوفيه.
ارتج قلبها لجملته، و بصعوبة بالغة قاومت سيل من العبرات وهي تتوجه خلفه إلى الطابق الذي يقع به مكتب الشيخ لإستكمال إجراءات الطلاق، تلك الكلمة التي مازالت ترن بأذنها منذ البارحة، وقد كان ردها اليتيم عليها:
ـ خلينا نروح الصبح للمأذون عشان نطلق رسمي.
وهاهي تجلس أمام الشيخ الذي أخذ يؤكد على أن أبغض الحلال عند الله الحرام، وكان قلبها يردد بأن الظلم و القهر أيضًا من المحرمات و على رأسهم الخيانة، عند هذه النقطة تدحرجت العبرات من مُقلتيها وهي تهتف بنبرة مُشجبة:
ـ أنا بصحح وضع كان غلط من البداية يا حضرة الشيخ.
جملتها كانت صفعة مؤلمة لكبرياؤه الذي أبى هذه الأهانة ليهتف هو الآخر دون النظر إلى عبراتها و أنفاسها المتألمة، والتي تكاد تشق صدرها إلى نصفين:
ـ عندها حق. جوازنا دا كان أكبر غلطة غلطناها في حياتنا، و لازم نصححها.
استسلم الشيخ امام قرار الإثنين و بدأ في معاملات الطلاق لتأتي اللحظة الحاسمة حين طلب منه أن يُلقي يمين الطلاق ليلتفت إليها بقلب يحترق ألمًا و عقل كان له بالمرصاد، فأخذ يخبره بأنها ليست سوى نزوة لا تليق به لذا جاءت نبرته باردة و جافة حين قال :
ـ أنتِ طالق.
كان لهذه الكلمة صدى كبير داخل صدره الذي فطن الآن أنه خسرها للأبد، فضربت أوصاله رجفة قوية خاصةً حين رأى حزنها القاتل الذي تغلب على كبريائها و أرداه صريعًا ليحاول الاقتراب منها قائلًا:
ـ تعالي اوصلك...
ـ امشي.
كانت كلمة قاطعة تحمل قهر و غضب وخذلان تحولا إلى غل مكتوم أطل من عينيها لتُتابع بقسوة:
ـ مش عايزة أشوفك تاني طول مانا عايشة.
اللهمَّ رحمتَكَ أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفةَ عين، وأصلح لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت.♥️
★★★★★★★
كانت السيارات تبتلع الطريق أمامها وبداخلها خالد و رجاله، فقد قاربوا على الوصول لنقطة بعيدة تمامًا في الصحراء، و التي توقفت عندها السيارة المُحتجز بها ابنته، ليصرخ في الهاتف بجنون:
ـ اسمع اللي هقولك عليه و نفذه بالحرف الواحد، اشتبكوا معاهم بس على حذر. شتتوا انتباههم و خليهم يحسوا بالخطر من غير أي ضرب نار حي. اشغلهم عنها بس لحد ما نوصل. احنا مقدمناش كتير.
نفذ الرجال حديثه لتنشب الاشتباكات بينهم، و يهتف أحد الرجال بغضب :
ـ هنعمل أيه دلوقتي، و رماح بيه إتقبض عليه!
سمع أمين حديثهم فهتف بعويل:
ـ الله ينتقم منك يا رماح الكلب. سلمت رقبتي للوتيدي! الله يخربيتك هعمل أيه دلوقتي! دا هيموتني.
تراجع بظهره إلى أحد الغرف وفجأة وقعت نظراته على رنا التي كانت ترتعب في آخر الغرفة ليهرول تجاهها قائلًا بطمئنة زائفة:
ـ اهدي يا حبيبتي. انا مخطوف زيي زيك. بس أنا مش هأذيكي، ولا هخليهم يأذوكي. انا هوديكِ لباباكي.
رنا بذُعر وهي تبكي بحرقة:
ـ وديني لبابي بليز.
أمين بلهفة:
ـ حاضر. حاضر.
التفت أمين إلى الباب إلى النافذة التي تتوسط هذه الغرفة الكبيرة التي كانت مُعدة للماشية، فلفت إنتباهه هروب بعض الرجال من الخلف، فلعن تحت أنفاسه، وقد صح ظنه بأن هذا القذر يلعب به و جعله طُعم لخالد الوتيدي ليهرول إلى الخارج، فقد كان هناك مناورات من كلا الجانبين لتقع أنظاره على مفاتيح السيارة المعلقة في زنار أحدا الرجال، فهرول ليختطفها، وحين التفت الرجل قام بتوجيه ضربة قوية إلى رأسه بمقدمة سلاحه، و توجه إلى الغرفة ليجد رنا مازالت تنتفض رعبًا لم يمس قلبه، بل تركها و قام بالقفز من النافذة مهرولا إلى أحد السيارات ليستقلها بسرعة، و إذا بوابل من الرصاص ينهال فوقه، فعلم بأن القيامة قامت فوق رأسه ليقوم بتدوير المحرك، و يحاول الهرب بأقصى سرعته، و خلفه خالد الذي كان يزأر كالوحوش، وقد راى وجه هذا الحقير و علِم هويته ليصرخ في الرجال:
ـ اطلعوا ورا الكلب دا، هاتوه حي.
أطاعه بعض الرجال بينما اشتبك الآخرون معه في حرب الرصاص هذه، ليُشير إليه عابد في اتجاه النافذة المفتوحة، فهرول إليها و خلفه أربعة رجال مسلحين ليقوم بمعاينة الغرفة والتي كانت خالية إلا من رنا، فهوى قلب خالد بين قدميه حين شاهدها وهي ترمي في آخر الغرفة تبكي برعب من صوت إطلاق النيران، ليقوم بالقفز من النافذة، و فعل أحد رجاله المثل من النافذة الأخرى ليهرول هو محتضنًا طفلته، بينما الرجال يحمون ظهره ليهتف بقلب يخفق بعنف:
ـ اهدي يا حبيبة بابا. أنتِ في حضني خلاص.
ـ بابي. انا مرعوبة.
هكذا هتفت رنا بجسد مذعور كالعصفور الصغير بينما خالد كان يحل وثاقها بكل ما يحمل من لين، وما إن انتهى حتى جذبها لتستقر بين ذراعيه ولسانه يردد عبارات الحمد بأنها بين أحضانه، و فجأة انفتح الباب على مصرعيه ليُطل عابد بجسده الضخم و من خلفه حفنة من الرجال ليهتف بطمأنه:
ـ خلصنا عليهم يا خالد بيه.
حمل خالد رنا بين يديه، وهو يهتف بشراسة:
ـ و الكلب اللي هرب.
عابد بأسف:
ـ للأسف العربية انقلبت بالرجالة، و عرف يهرب..
لعن خالد من تحت أنفاسه قبل أن يقول باستفهام:
ـ حد من الرجالة جراله حاجة؟
ـ إصابات بس. حتى اللي كانوا في العربية الحمد لله مخسرناش حد منهم.
خالد بنبرة آمرة:
ـ عالجوا كل الرجالة اللي اتصابت، وشوف لو في أحياء وسط الكلاب دول هاتوهم. هينفعونا.
أنهى حديثه وخرج حاملًا رنا بين يديه عائدًا إلى البيت.
«اللهمَّ إني أعوذ بك من الهمّ والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجُبن والبُخل، وأعوذ بك من غَلَبة الدَّين وقهر الرجال♥️
★★★★★★★
كانت جامدة كجثة لا حراك بها، تنظر إلى البعيد بأعيُن لأول مرة يتلمع بهم الندم، فكان حالها أشبة بشخص خسر نزاله مع الحياة وهو على مشارف خط النصر، فقد ظنت أنها انتصرت، أو هكذا أوهمها عقلها المريض، الذي آمن لتقلبات القدر، و أعماه كبرياء جشع صور لها ان بإستطاعتها امتلاك كل شيء و هاهي تهوى في فخ غرورها و تعود خائبة من النقطة ذاتها التي ظنت أنها ستظل فوق قمتها للأبد.
ـ كمال.
هكذا همست بلوعة، وهي تتذكر نظراته المذبوحة من فرط الألم، و ملامحه التي امتص الخزلان وجهها وخروجه العاصف منذ البارحة ليتركها للوحدة التي ظنت أنها فارقتها إلى الأبد، فأخذ قلبها يتضرع إلى الله بأن ينفتح باب هذه الغرفة و يطِل عليها لتُشرِق الحياة بقلبها من جديد.
مرت ساعة تلو الأخرى والصمت يُخيم على المكان حتى كاد عقلها أن يُجن، فهبت من جلستها على الأرض الصلبة لتقرر تغيير ملابسها، فقد كانت لازالت تردي هذا الفستان منذ البارحة، ليُقاطع خطتها ارتطام باب الغرفة بقوة بالحائط خلفه، و وجه ميرهان القبيح وهي تهتف بشراسة:
ـ كمال راح فين؟
آسيا بجمود:
ـ معرفش.
كان مظهرها مُذريًا أعيُن متورمة، و وجهًا كان كلوحة مُريعة شكلتها مساحيق التجميل التي سالت، فاختلطت فأصبح شكلها مرعبًا خاصةً بذلك السواد الذي سال من عينيها، لتتراجع ميرهان إلى الخلف وهي تقول باحتقار:
ـ ياريته كان هنا عشان يشوف بشاعتك.
لم تكُن لديها القدرة لسماع حرفًا واحدًا لذا هتفت بتحذير:
ـ اخرجي بره.
ميرهان بتجبر:
ـ أنتِ اللي هتخرجي بره.
توسعت حدقتي آسيا من حديث ميرهان التي كانت تقصد كل حرف تفوهت به، فقد قامت بجرها من يدها وهي تصرخ باحتقار:
ـ اخرجي من حياتنا. اللي زيك مالوش مكان وسطنا. اخرجي بره.
خرجت أشجان مفزوعة على صراخ ميرهان التي ما أن رأتها حتى قامت بدفع آسيا لتستقر في أحضان أشجان التي هتفت باستفهام:
ـ في اية؟
لأول مرة لم تقاوم، فقد كان غيابه كالفيروس الذي شل جميع حركاتها و امتص كامل طاقتها، فقط تبكي بحرقة بين احضان شقيقتها وهي تهمس بضعف:
ـ كمال.
أشجان بلهفة:
ـ ماله كمال!
تولت ميرهان الإجابة قائلة بغل:
ـ أخويا مشي بسببها. بعد ما عرف خيانتها له مقدرش يستحمل، مشي و مرجعش من امبارح، و أظن أنه لما يرجع مش هيكون حابب يشوفها.
تعالت شهقات آسيا لتهتف أشجان بلوعة:
ـ أنتِ بتقولي ايه؟ مين اللي خاينة! في أية يا آسيا!
لم تجد من الكلمات ما يُسعفها لتتقدم ميرهان منها بغل و تقوم بجذب آسيا من خصلات شعرها وهي تصرخ بحقد:
ـ اخرجي بره. مش عايزة أشوف وشك هنا تاني.
حاولت أشجان حماية شقيقتها من بين يدي ميرهان التي هبطت الدرج وهي تجر آسيا من خصلاتها فيما كانت الأخيرة تبكي بحرقة لينتفض الفتيات الثلاثة إثر صوت خالد الصارخ:
ـ ميرهان!
توقف النبض بأوردتها لثوان حين استمعت إلى صوت شقيقها الصارخ و رغمًا عنها افلتت خصلات آسيا، بينما أشجان هرولت إلى ذراعي خالد التي احتوتها لتصرخ بفزع:
ـ الحقنا يا خالد.
احتواها خالد بقوة وهو يطلق الشرر من بين عينيه و فمه حين قال:
ـ أنتِ بتعملي أيه؟
ميرهان بتهتهه كالأطفال:
ـ أصل. يعني. كمال. هي....
لم تستطِع إكمال جملتها، لتقتربت أشجان من شقيقتها تحاول مساعدتها بينما خالد كان يقترب من ميرهان بخطٍ وئيدة و نظرات كانت كالجحيم الذي غرقت به حين سمعته يقول:
ـ إزاي تسمحي لنفسك تعملي فيها كدا؟
كانت فرصتها الوحيدة للنجاة لذا هتفت بلهفة:
ـ أنت متعرفش دي عملت ايه؟ دي خاينة. خانت كمال، و هو عرف. و من وقتها مشي و مرجعش. انا . انا كنت خايفة عليه.
كان حديثها رغم تقطعه ولكنه صادم لذا التفت ناظرًا إلى أشجان قائلًا بجمود:
ـ طلعيها على فوق لحد ما اكلم كمال اعرف منه فيه أية؟
أشجان بلهفة:
ـ طب رنا.
خالد بنبرة جافة خالطتها بعض الحنية:
ـ اطمني.
أطاعته وهي تساعد آسيا للصعود إلى الأعلى ليلتفت هو موجهًا حديثه إلى ميرهان التي لازالت ترتجف:
ـ اوعي اسمعك بتقولي حرف من الكلام اللي قولتيه من شوية دا، واعرفي أن حسابه غالي اوي.
ميرهان من بين عبراتها:
ـ حسابه غالي لو بكذب. إنما أنا صادقة في كل كلمة، وتقدر تسأل كمال.
خالد بشراسة:
ـ على أوضتك.
هرولت ميرهان هي الأخرى للأعلى ليجلب هاتفه و يقول بالاتصال بهاتف كمال و دقات قلبه تهدر بعُنف من القلق على شقيقه الذي لايزال هاتفه مُغلق، فجن جنونه ليقوم بالاتصال على عابد قائلًا بنبرة آمرة:
ـ عابد كمال لسه مظهرش من امبارح ودي مش عوايده. عايزك تقلبلي الدنيا، و تلاقيه.
أنهى مكالمته مع عابد وارخى جسده فوق المقعد خلفه، وعقله يعمل في جميع الاتجاهات يشعر بأن هناك سوء ألم بشقيقه، فهذا الألم الذي يجتاح صدره حتمًا لن يأتي من فراغ.
لم يمر الكثير ليخترق نُباح نبيلة رأسه:
ـ صحيح اللي سمعته دا يا خالد! اللي خطف رنا هو جوز أشجان!
برقت عينيه و تأجج بها الجحيم حين نسبت زوجته لذلك الحقير فاسودت معالمه، ووثب واقفًا ليبدو كالوحش الغاضب الذي يلفظ النيران من فمه على هيئة كلمات:
ـ جوز أشجان واقف قدامك أهو ولا أنا مش مالي عينك!
تراجعت نبيلة للخلف من فرط الرُعب وهي تقول بتلعثُم:
ـ لا. أنا. انا. مقصدش. أنا قصدي يعني اللي كان جوزها.
في هذه الأثناء كانت أشجان تهبط الدرج ليخترق الحديث أذنيها فهتف باندفاع:
ـ أنتوا بتقولوا أيه ؟ أمين اللي كان خاطف رنا؟
تحولت نظراته الوحشية إلى أشجان التي كانت تطالع نبيلة بصدمة لتهتف الأخيرة بخُبث احتل اتهاماتها حين قالت:
ـ تخيلي! بنتنا كان هتروح مننا بسببك!
أشجان باستهجان:
ـ إزاي! أمين عمره ما يعمل كدا!
لمع الخُبث في عيني نبيلة كما تلمع النجوم في السماء لتهتف بمكر:
ـ ياااه للدرجادي واثقه في نُبل أخلاقه!
أشجان بلهفة:
ـ لا أنا...
قاطع حديثها صوت خالد الذي ارتجت له جدران البيت:
ـ ولا كلمة.
شهقة خافتة خرجت من جوف أشجان التي هالها مظهره و نظراته القاتلة لها و خاصةً نبرته حين تابع:
ـ اطلعي على أوضتك.
ضحكة ساخرة خرجت من فم نبيلة لتستقر في أذنيه ليلتفت إليها قائلًا بنبرة آمرة:
ـ و أنت روحي على بيتك، مش عايز أشوف وشك هنا تاني.
قال جملته الأخيرة بصراخ أفزعها لتُطيعه على الفور، فالتفت هو قاصدًا تلك المجنونة التي أخرجت شياطينه من جحيمها ليأخذ الدرج في عدة خطوات قبل أن يقتحم الغرفة لينتفض جسد أشجان و يرتد إلى الخلف وهي ترى مظهره المُرعب لتكتمل صورة الوحش في ناظريها حين سمعت صوته القاسي البارد حين قال:
ـ سمعيني بقى قولتي أيه تحت؟
تفشت وخزات الرعب في سائر جسدها لتخرج نبرتها مُرتجفة حين قالت:
ـ خالد أنا.
خالد بزئير وحشي:
ـ سمعيني قولتِ أية؟
تضامن الخوف بداخلها مع الغضب لتهتف صارخة:
ـ قولت أن أمين ميعملش كدا.
توسعت عينيه حين أعادت جملتها مرة أخرى لترتسم ابتسامة مُرعبة على شفتيه حين قال:
ـ بتدافعي عنه قدامي!
كانت كطفلة صغيرة تقف أمام وحش مرعب لا تعرف كيف يُمكنها النجاة من بين براثنه لترتجف الحروف فوق شفتيها حين قالت:
ـ لا . لا . أنا...
قاطعها خالد بقسوة يتخللها الألم:
ـ واثقة فيه أوي أنه لا يمكن يعمل كدا! طب أيه رأيك بقى أنه هو اللي خطف رنا!
لم تصدق أن هذا الجبان يُمكنه أن يُقدم على فعل كهذا لتحاول تهدئته قليلًا حتى يتثنى لها التفاهم معه'
ـ خالد ارجوك تهدى. أهدى شوية.
خالد بغضب مروع:
ـ أهدى ايه وانا شايفك بتدافعي عنه؟
أشجان بانفعال:
ـ انا مبدافعش. بس أمين...
قاطعها صراخه المُفزع وهو يركل الطاولة أمامه حتى طارت في الجهة الأخرى و هو يصرخ بشراسة:
ـ متجبيش اسم الحقير دا على لسانك تاني.
كادت أن تسقط أمامه من فرط الخوف الذي جعلها تصرخ بانفعال:
ـ خالد امشي. انا مش عايزة اتكلم معاك و انت كدا. امشي أنا قادرة ابص لك أصلًا.
تجمدت أنظاره عليها وهو يردد عباراتها بعدم تصديق:
ـ مش قادرة تبصيلي!
تقدم منها بخطوات وئيدة و عينين ملتهبتان بجمر الغيرة و الألم، فأوقفه صراخها المرتعب:
ـ قولتلك امشي. ابعد عني. ابعد عني يا خالد.
لم تتخيل نبرته البادرة كنصل السكين حين قال:
ـ لا مش هبعد يا مدام.
ما أن تقدم منها خطوتين حتى أخذ جسدها يرتجف بعُنف وهي تقول من بين انهيارها:
ـ حرام عليك أنا هموت من الرعب. أنت عامل كدا ليه؟
استقر استفهامها المؤلم بداخل قلبه لتحين منه إلتفاته إلى المرآة الجانبية التي أظهرت مظهره المُرعب، شعره الأشعث، و قميصه الممزق و الملطخ بالسواد، بالإضافة إلى عروقه النافرة في رقبته ووجهه و عينيه القاتمة و التي تطلق أعيرة نارية بدلًا عن النظرات ليبدو بهيئة أشبه برجال العصابات مما جعله يتجمد في مكانه، وهو يقول بنبرة حاول صبغها بالهدوء:
ـ اهدي. انا عمري ما هأذيكي و أنتِ عارفة كدا.
أشجان بصراخ و جسدها يرتجف جراء إنهيارها:
ـ لا مش عارفة. مش عارفة حاجة. أنت مش شايف نفسك.
زفر بقوة بحاول استجماع كل ذرة صبر لديه ليتقدم يجذبها بين ذراعيه رغم مقاومتها الضارية لتستقر أخيرًا بجانب صدره الخافق بعُنف، وهو يقول بحنو:
ـ خلاص يا حبيبتي اهدي.
استكانت في براح صدره لدقائق تشكو لقلبه هلعها الكبير منه و يديه تمران بين خصلات شعرها بحنو قبل أن يتراجع عنها محتضنا وجهها بين يديه وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ بصي في عنيا.
رفعت رأسها تطالعه بعتب لتمحو أنامله الحانية عبراتها بلُطف قبل أن يقول بصوتًا أجش:
ـ انا بغير عليكِ من نسمة الهوا اللي بتلمس خدك.
ارتج قلبها تأثرًا بكلماته لتهتف بهمس::
ـ خالد.
خالد بنبرة خشنة:
ـ غصب عني. افهميني، و اعرفي أن مجرد انك تذكري اسمه دا بيجرحني. مش تدافعي عنه!
قال جملته الأخيرة بعتب لتهتف بلهفة نافية عنها هذه الشبهة
ـ أنا والله مش بدافع عنه. انا عارفة قد أية هو حقير و على قد ماهو حقير هو جبان. ميجرؤش أنه يعاديك علني كدا.
أعاد رأسها فوق صدره وهو يحتويها بقوة ناظرًا إلى البعيد يقلب حديثها في رأسه بعيدًا عن الغضب ليهتف بجفاء:
ـ الراجل دا كان في العربية اللي خطفت بنتي، و الرجالة اللي معاه رجالته.
ـ بس دا مش معناه أنه العقل المدبر للموضوع. هو انت مفكر أن انا افرق معاه لدرجة أنه يأذيك في بنتك عشاني!
خالد بحدة:
ـ متحاوليش تقنعيني أن خسارته ليكِ دا شيء عادي بالنسباله!
أشجان بهدوء:
ـ لا مش هحاول اقنعك. ماشي هو جواه نار منك انك خدت حاجة منه. بس النار دي مش هتظهر غير لو أنت أقل منه أو بمعنى أصح في موقف ضعف. وهو في موقف قوة. أكيد حد مقويه.
صمت قليلًا، وقد بدأ يقتنع بحديثها بالفعل لتُتابع قائلة:
ـ البني آدم دا المثال الحي للنرجسية. بيحب نفسه لأبعد حد عمره ما يأذيها حتى عشان ابنه اللي من دمه. في حد تاني وراه. في لعبة كبيرة بتتلعب عليك أنا حاسة.
خالد باختصار:
ـ في حاجة تانية في دماغك؟
أشجان بتفكير
ـ خلينا نفكر كدا. هو مطلبش منك فلوس، و سابها في المكان دا و هرب؟ طب خدها ليه؟ في حاجة غلط. هل هو أذاها!
خالد باختصار:
ـ لا.
أشجان بلهفة:
ـ يبقى في حاجة غلط.
كان يقلب كل الاحتمالات في رأسه، و عقله يستنكر أن يكون هناك صلة بينه وبين هذا الجبان القابع الآن في السجن، ولكنه في الحقيقة أقر بصدق حديثها حين قال:
ـ أنتِ عندك حق، و لغاية ما اوصل للحقيقة و للي وراه مش عايزك تتحركي خطوة واحدة من غيري، لا أنتِ ولا الولاد.
أشجان بخفوت
ـ حاضر.
خالد بخشونة:
ـ و رنا...
قاطعته بحنو لون نظراتها قبل نبرته:
ـ مش هتوصيني على بنتي.
ابتسامة دافئة لونت ثغره قبل أن يقول بصوته الأجش:
ـ يا بختي انا و هي بيكِ
أشجان بعتب:
ـ بلاش تخوفني منك تاني بالشكل دا. انا حسيت إن قلبي هيقف.
احتواها بقوة قبل أن يقول بنبرة حانية:
ـ بعد الشر عنك.
شددت هي الأخرى من احتوائه قبل أن تقول باستفهام:
ـ طب مش هتوديني عند رنا بقى!
خالد باختصار:
ـ حاضر. بس دلوقتي نطمن على كمال.
تراجعت عنه تناظره بضياع ليستفهم قائلًا:
ـ اتكلمتي مع آسيا و عرفتي في أيه؟
أشجان بحزن:
ـ مقالتش حاجة غير أنها يدوب غسلت وشها و اترمت على السرير نامت. أنا قلقانه عليهم أوي.
خالد بنبرة جامدة ظاهريًا ولكن يقبع خلفها قلق كبير:
ـ أن شاء الله خير.
«اللهم إني أسألك رزقًا واسعًا طيبًا مباركًا فيه، اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزِله، وإن كان في الأرض فأخرِجه، وإن كان بعيدًا فقرّبه، وإن كان قليلًا فبارِكه، وإن كان كثيرًا فلطّفه.♥️
★★★★★★★
ـ بتعملي أيه يا نچاة!
هكذا استفهم رحيم وهو يراها ترتدي عباءتها السوداء تنوي الخروج من الغرفة لتتجنب النظر إليه وهي تقول بجفاء:
ـ ماشية من اهنه.
رحيم بغضب:
ـ كلام ايه ده؟ يعني ايه ماشية من أهنه!
نجاة بانفعال:
ـ بعد عني. معيزاش اجعد في دارك دجيجة واحدة. هملني اروح لحال سبيلي، وكفاية اللي عملته فيا.
كلماتها أيقظت شرارة الذنب بداخله مرة أخرى ليهتف بلوعة:
ـ مش هجدر ابعد عنك بعد ما لجيت روحي وياكي. ورب العزة ما كنت في وعيي.
تراجعت للخلف وهي تهتف بحرقة:
ـ اسكت. متبررش. انا عشت سنين اتعذب بخاف أنام من الكوابيس، ولو نمت بجوم اصرخ من الخوف، والوچع، بالنسبالك كانت ليلة بالنسبالي سنين.
اقترب يحاول استمالتها،فقد كان قلبه يتلوى بداخله من فرط الوجع لتنهره صارخة:
ـ بعد يدك عني، و اوعاك تلمسني. خلاص شفتك على حجيجتك.
سقطت على المقعد بجسد منهك من فرط الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ اني موت بسببك مرتين. مرة في الليلة المشجومة دي، و مرة النهاردة الصبح. بعد ما فكرت اني لجيت روحي وياك، و سلمتلك جلبي و أمنتك على حالي، و اطمنت چارك. صحيت على كابوس. شفتك. شفت ملامحك و عنيك و وشك.
حاولت التحكم بشهقاتها وهي تقول:
ـ كل ليلة كنت بشوف ضل للراچل اللي جتلني. بس ليلة امبارح حلمت بيك شفت وشك اللي انكشف جدامي جبل ما يغمي عليا.
ارتفعت أنظارها تطالعه بأعيُن تحمل من العتب ما أذاب عظامه كما فعل حديثها:
ـ أنا عشت اخاف من الناس و صنف الرچالة كله، و معاك انت بس حسيت بالإمان، تجوم تطلع انت سبب لعنتي. الله ينتجم منك.
أخذت تصرخ بوجع ليتناثر الألم من بين مآقيه و هو يراها تهرول إلى الخارج تبكي بصوت تتقطع له نياط القلوب بينما هو كان عاجزاً عن إيقافها، و لكن قلبه لم يحتمل فكرة فراقها ليرسل خلفها أحد الغفر حتى يعرف إلى أين ذهبت و بعد مرور ساعة من الآن تفاجيء بمجموعة من ضباط الشرطة تقف أمام المنزل ليهبط الدرج بهيبته التي تلائمه كظله وهو يقول بصوته الجهوري:
ـ في أية يا حضرة الظابط
ـ في بلاغ مُقدم ضدك من السيدة نجاة سليمان انك حاولت تغتصبها، و خطفت والدتها.
«اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يُضام، واحفظني بقدرتك، اللهم اني لا افتقر و أنت ربي ولا أهلك وأنت رجائي.♥️
★★★★★★★★
كانت تتوسط مخدعها ترويه أسفلها بالعبرات الغزيرة التي كانت كالبحر لا تنضب منذ أن غادرها بتلك الطريقة، والتي أدمت قلبها الذي ما أنفك يلومها على خسارته و يعنف عقلها المريض و غرورها اللعين، فكان الألم فوق حدود احتمالها، ولكنها لم تحسب حساب لتلك الضربة القاصمة حين فتحت أشجان باب الغرفة وهي تصرخ بعُنف:
ـ عملتي أيه في كمال يا آسيا؟
آسيا بذُعر:
ـ في أية؟
قامت أشجان بإلقاء ورقة بيضاء في وجهها وهي تصيح معنفة:
ـ كمال سابلك ورقة طلاقك و سافر.
يتبع....
يا حلوين دا السبيل الأول مستنيه أرائكوا الجميلة و ان شاءالله هننزل المواعيد من الاسبوع الجاي حبيت ابدأ البارت ده من آخر نقطة وقفنا فيها عشان مضيعش شغف الناس اللي مستنين ردود أفعال الابطال وبإذن الله البارت الجاي الأحداث هتأخذ منحنى ثاني مختلف وأن شاء الله يعجبكم
يالا بقى يا حلوين شوفوا القمرات دول اللي هيكون ليهم قصة معانا قمر اوي خمنوا بقى ايه قصتهم 👇🏻واللي هيخمن صح له مني حاجة حلوة ان شاءالله ♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الرابع وخمسون 54 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة السبيل الثاني ❤️🔥
في قانون العشق: قد نمضي عمرًا بأكمله و نحن نتصارع، أهون علينا مِن أن نخطو خطوة واحدة في طريق الفراق، فالقلوبُ ترى الفراقَ لصًّا متخفّيًا، يقف على أبوابها حائرًا؛ أيطرُق بابها كزائر غير مرغوب به ليُهلكها سالبًا منها نصفها الآخر؟
أم كمحتل غاشم يجتاحها بغتةً ولا يغادرها حتى يتيقّن من أنه ترك فيها ندبةً لا تشفى أبداً؟
بينما الفراقُ يرى نفسَه فارسًا نبيلاً يأبى الخداع، لا يأتي ليهدم، بل ليكشف للقلوب كم كانت تتّكئ على أوهام الحب الزائفة لوقتٍ طويل، و تهفو خلف ضلال طال أمده.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
حبايب قلبي و متابعيني الغاليين ♥️ رجعنا تاني لأجوائنا الجميلة، و أغلفتنا القمر اللي تخطف القلب و العين 😍😍😍 شوفولي جمال و حلاوة و عظمة الغلاف القمر دا 😍😍😍 عارفين حقيقي كل مرة بشوف غلاف لمي بقول معقول في ابداع كدا 😍 معقول في لوحة ممكن تجسد أحداث و مشاعر بالإتقان دا 😍😍 بجد مي كل مرة بتتفوق على نفسها، و بتثبتلي أن الموهبة دي شيء فطري بيتولد جوا الإنسان مش مجرد شيء بيتعمله، عشان الموهوب بجد هو اللي بيقدر يوصل بموهبته لطور الأبداع زي ما أنتوا شايفين كدا ♥️♥️
فخورة بتيم التصميم بتاعي أوي و فخورة بنفسي اني قدرت أجمع حواليا ناس جميلة بتبدع زيهم، و زي حضراتكوا اللي بجد آرائكوا و نقاشتكوا بتفيدني أنا شخصيًا و بتفتحلي أبواب كتير للمعرفة ♥️♥️
شكرًا مصمماتي المبدعات ♥️ شكرًا متابعيني القمرات ♥️
مستنيه رأيكوا في الخاطرة و بإذن الله البارت أول ما يخلص هينزل انا شغالة فيه و احتمال كبير يكون بكرة زي دلوقتي لو خلص قبل كدا هنزله بإذن الله ♥️♥️
اعذروني دي فترة امتحانات و الدنيا مضغوطة جدًا ربنا ييسر تخلص على خير و نحط مواعيد لروايتنا الحلوة ♥️♥️
#نورهان_آل_عشري
#قيثارة_الكلمات
#هل_من_سبيل_للغفران
#ذنوب_على_طاولة_الغفران
#بين_ثقل_الآلام_وأندحار_الأمل_هل_يوجد_خلاص
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الخامس وخمسون 55 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الثاني ❤️🔥
في قانون العشق: قد نمضي عمرًا بأكمله و نحن نتصارع، أهون علينا مِن أن نخطو خطوة واحدة في طريق الفراق، فالقلوبُ ترى الفراقَ لصًّا متخفّيًا، يقف على أبوابها حائرًا؛ أيطرُق بابها كزائر غير مرغوب به ليُهلكها سالبًا منها نصفها الآخر؟
أم كمحتل غاشم يجتاحها بغتةً ولا يغادرها حتى يتيقّن من أنه ترك فيها ندبةً لا تشفى أبداً؟
بينما الفراقُ يرى نفسَه فارسًا نبيلاً يأبى الخداع، لا يأتي ليهدم، بل ليكشف للقلوب كم كانت تتّكئ على أوهام الحب الزائفة لوقتٍ طويل، و تهفو خلف ضلال طال أمده.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ كمال. أنت فين؟ رد عليا. أنا خايفة أوي.
هكذا كانت آسيا تصرخ وهي تدور حول نفسها في هذا المكان المُظلِم المُخيف، الذي كان خاليًا إلا منها هي و مخاوفها، لتظل تطرق كل الأبواب و الطرق بحثًا عنه إلى أن وجدته يقف في مكان بعيد نسبيًا يطالعها بأعيُن جامدة لا يتوهج بها العشق كما عهدتها و ملامح شاحبة لا تشبه أبدًا ولكنها توحي بثقل ما يحمله داخله لتصرخ بلهفة:
ـ كمال أخيرًا لقيتك.
ـ خليكِ مكانك. اوعي تقربي مني.
هكذا صرخ كمال بعُنف أفزعها ليتساقط الدمع من مقلتيها كالمطر وهي تهتف بتوسل:
ـ أرجوك اسمعني.
التفت إلى الجهة الأخرى وهو يقول بجفاء:
ـ مهما قولتي مفيش حاجة هتتغير. الخيانة ملهاش مبررات.
آسيا بلهفة و نبرة مُستنكرة:
ـ أنا عمري ما خُنتك ولا حبيت حد غيرك في حياتي.
كمال بقسوة:
ـ وأنا عمري ما ندمت على حاجة في حياتي غيرك.
بكرهك يا آسيا. بكرهك. أنتِ طالق. طالق.
هكذا أخذ صوته يعلو و يتردد في الأجواء حتى اخترق سمعها فحاوطت رأسها بيدها وهي تصرخ بألم:
ـ لا يا كمال. لا استنى متقولش كدا. كفاية. كفاية..
قالت جملتها الأخيرة بصراخ أنتشلها من هذا الكابوس المرعب، لتلتفت حولها بأعيُن جاحظة و جبين متعرق و جسد يرتجف بقوة لتندفع أشجان تجاهها تحاوطها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ آسيا يا حبيبتي. فوقي دا كابوس.
كان جسدها يرتجف كُليًا و كذلك نبرتها حين قالت:
ـ يعني كمال لسه هنا! كمال مطلقنيش صح!
اخفضت أشجان رأسها بحزن قبل أن تقول بأسف:
ـ لا يا آسيا كمال فعلًا طلقك و سافر.
كانت الجملة و كأنها سهم سُدِد إلى قلبها بمنتهى الدقة فبكت بقوة حتى اهتز جسدها و السرير أسفلها لتحاوطها أشجان بذراعيها وهي تقول بمواساة:
ـ اهدي يا آسيا. الدكتور قال أن الإنفعال غلط عشانك.
طافت عينيها في المكان حولها ليتضح أنها بغرفة مشفى فلاحظت أشجان الاستفهام الصامت في عينيها لتقول بحنو:
ـ لما قولتلك الخبر أغم عليكِ و عمر قال لازم ننقلك المستشفى.
آسيا بنبرة تنفطر ألمًا:
ـ ليه؟ كنتوا سبتوني.
انتقلت أشجان لتجلس في مقابلها وهي لازالت تحتوي أكتافها لتقول بجدية:
ـ أنتِ لازم تهدي عشان تقدري تحكيلنا ايه اللي حصل خلى كمال يطلقك و يسافر بالشكل دا. يمكن نقدر نحل الموضوع.
لا تعرف كيف تبدأ و من أين يمكنها الشرح؟ هل تبدأ من تلك الليلة التي قلبت حياتها ولطخت برائتها، و زرعت بذرة الانتقام داخلها! أم تبدأ من عند تلك اللحظة التي اصطدمت بحقيقة عشقها له؟ أم تبدأ من نقطة غبائها و زيارتها لها الرجل! كل البدايات تُدينها و النهايات لم تنصفها، فلماذا الحديث!
ـ مش عايزة اتكلم. عايزة أنام.
اندهشت أشجان من حديثها، ولم تستطع الصمت لتهتف بحدة:
ـ لا هتكلمي. أنتِ عارفة أنتِ متهمة بأيه؟ متهمة أنك خاينة، و عشان كدا جوزك طلقك و سافر. فوقي كدا و اعرفي أن غصب عنك لازم هتتكلمي.
صُدِمت من حدة أشجان التي كانت جديدة كليًا عليها فناظرتها آسيا بألم ليتناثر الحزن من بين عيني أشجان و نبرتها حين قالت:
ـ حقك عليا. بس أنا مقدرش اسمع الاتهامات دي بتتوجهلك و اسكت. قوليلي أي حاجة أرد بيها غيبتك. اخرس أي حد يتكلم عنك.
جرفتها نوبة إنهيار قوية وهي تصرخ بكل ما يعتمل بداخلها من قهر:
ـ أنا غلطانه بس والله مش خاينة. والله ما خنته. دا هو النفس اللي بتنفسه.
ـ يبقى تحكيلي أيه الغلط اللي ارتكبتيه وصلكوا للنهاية دي.
كان هذا صوت خالد الذي سمع صوت صراخها من الخارج ليندفع إلى داخل الغرفة ليصطدم بحديثها الذي هدأ من غضبه قليلاً.
التفتت أشجان تناظره بتوسل ليقترب منها و يربت بحنو على كتفها وهو يقول بنبرة جامدة:
ـ استنيني بره يا حبيبتي. عايز اتكلم مع آسيا شوية.
كانت عينيه تطمأنها لتوميء برأسها قبل أن تضع قبلة حانية فوق خصلات آسيا التي كان الخوف يلون نظراتها مما جعل أشجان تهمس أمامها بحنو:
ـ متخافيش من حاجه أبدًا. أنا جنبك دايمًا.
خرجت أشجان ليجلب خالد كوب من المياة و يناوله إلى آسيا التي اخذته بيد مرتعشة لترتشف منه قليلًا وهي تراه يتربع فوق المقعد المقابل لمخدعها لتعتدل في جلستها مستندة فوق الوسادة خلفها ليبدأ خالد حديثه قائلًا بجمود:
ـ كمال مشي ليه يا آسيا؟
آسيا بنبرة مُتحشرجة من فرط البكاء:
ـ عايزني أبتدي منين ؟ من أول امبارح ولا من ست شهور لما دخلت الشركة أول مرة و لا من سنتين!
استفز حديثها فضوله كثيرًا ليقول بنبرة خشنة:
ـ من البداية. مش عايز يكون في حاجه معرفهاش.
شردت بنظراتها للبعيد قبل أن تبدأ في سرد وجعها بنبرة مُحتقنة بالألم:
ـ من سنتين بالظبط أنا كنت بكره كمال كره العمى، ومش هو بس. لا كنت بكرهكوا كلكوا. متستغربش! بس بسببكوا انا أتأذيت أكبر أذى في الدنيا.
صمتت لثوان تحاول تجاهل غصة البكاء التي تؤلم حلقها لتُتابع بنبرة مُلتاعة:
ـ ليلة احتفال كمال أنه اتعين المدير التنفيذي للمجموعة كان فرح بنت خالتي و لما ماما طلبت من نبيلة هانم تاخد إجازة عشان الفرح بهدلتها وقالتلها هو أنتِ هتبدي افراحكوا العرة دي على الحفلة بتاعتنا! أنتِ خدامة هنا، و لما نعوزك تكوني موجودة حتى لو بتموتي، و فعلا ماما راحت و الوقت اتأخر روحت اجيبها انا و رؤوف ابن عمي وهناك قابلت ميرهان و هايدي.
كان الغضب يرتسم فوق ملامح خالد بوضوح، ولكنه لم يُعلق لتُتابع قائلة:
ـ كعادتهم فضلوا يتريقوا عليا.
قاطعها خالد مُستفهمًا:
ـ يعني أيه كعادتهم؟
آسيا بسخرية مريرة:
ـ عشان على طول بيعملوا كدا. بيتريقوا عليا اني بنت الخدامة، و بيعايروني أن والدك الله يرحمه هو اللي مدخلني الجامعة دي بفلوسه.
اكفهرت معالمه من حديثها، ولكنه تحدث باختصار:
ـ كملي.
آسيا بنبرة تتضور وجعًا:
ـ اليوم دا زودوها اوي، ضربوني و قطعولي هدومي، و شتموني بأبشع الألفاظ. داسوا على كرامتي و عروني، و مش بس كدا. دول حاولوا يشوهوني بضوافرهم، و اللي أنقذني من أيديهم خروج كمال اللي فضل ينادي عليهم، و طبعّا كالعادة لبسوا وش الملايكة قدامه، حتى أنه شاف دمي على أيديهم بس هما قالوله دي قطة مجروحة صعبت علينا و كنا بنساعدها. تخيل أنه كان خايف عليهم لا يتأذوا من حيوانات الشوارع و نبه عليهم ميقربوش منهم تاني. و حب بقى و احضان و دلع، وانا مرمية على الأرض غرقانه في دمي و دموعي.
تبدد الغضب فوق ملامحه إلى صدمة لتهتف آسيا بنبرة تحترق قهرًا:
ـ كرهته معاهم، و حلفت لا هندمهم كلهم على اللي عملوه فيا، و عدة سنتين وانا لسه منستش ولا حتى قدرت أتجاوز. لحد ما اتخرجت و حضرتك عينتني في الشركة. يومها قررت أبدأ في انتقامي منهم، و أولهم كمال. عدت الأيام و لقيت نفسي بغرق في مشاعر مش فهماها و عقلي رافضها. أنا حبيته، و لما حبيته حاولت ابعد بس هو مدانيش فرصة، وكنت كل ما اتقابل مع ميرهان كانت بتوجعني بكلامها و إهاناتها. أنا حاولت امشي. حاولت أوقف بس هما مدونيش فرصة.
قالت جملتها الأخيرة وهي تبكي بحرقة لتمتد يد خالد بأحد المحارم الورقية تناولتها منه بأيدًا ترتجف ألمًا لتحاول محو عبراتها الغزيرة قبل أن تتابع بنبرة يتخللها الندم:
ـ و عشان أكون صريحة معاك اكتر. كمال كان فرصة العمر. منها احقق انتقامي، وأبقى اعلى منهم، واخلي الإيد اللي كانت بتطبطب عليهم هي اللي تقسى و توجع زي ما وجعوني، و كمان ابقى آسيا هانم. أعيش حياة كريمة في مستوى اجتماعي مرموق. مش هعفي نفسي من الغلط ولا هلبس توب الملايكة. أنا كنت وصولية و طماعة.
بكت بحرقة قبل أن تتابع بنبرة يفوح منها رائحة القهر:
ـ بس كمال مكنش يستحق مني كدا. دا مفيش حاجة حلوة ممكن تتعمل معملهاش عشان يفرحني. خلاني أحس اني نسيت الماضي. رجعنا من شهر العسل وانا طايرة من الفرح. لحد ما جت نبيلة و حضنتني وهي بتقولي مبروك يا بنت الخدامة، نار الغضب و الانتقام شعللت في قلبي وحلفت اني اكمل في انتقامي.
خالد بجفاء:
ـ و كملتِ؟
آسيا بنبرة صادقة:
ـ لا . والله ما أذيت حد فيهم. لكن هما أذوني. مبطلوش يوم يأذوني.
خالد باستفهام:
ـ عملوا ايه؟
آسيا بحزن:
ـ رؤوف ابن عمي. دا كان أقرب حد ليا، وكان في مشاعر بيني وبينه بس انا مصرحتش بيها. فضلت كتماها في قلبي عشان رؤوف مكنش طموحي، وقدرت فعلًا اتغلب عليها. بس هو لا، و لما قالي أنه عايز يتجوزني هربت، و حاولت أوصله اني رافضه من غير ما اجرحه. مكنش لسه حصل حاجة بيني وبين كمال، و يوم فرحي اتفاجئت برؤوف جايلي و اتهمني اني مابحبش كمال بحب فلوسه، وسألني لو كان كمال في مكانه وهو في مكان كمال كنت هقبا اتجوز كمال بردو!
التفتت تناظر خالد وهي تقول بصدق:
ـ رديت عليه وقولتله إني هتجوز كمال في كل الظروف عشان بحبه، و كنت صادقة في كلامي، مكنش اعرف ان في مؤامرة قذرة بتتعمل عليا بينه هو و ميرهان!
خالد بترقب:
ـ وهو ايه علاقته بميرهان؟
آسيا بنبرة مغلولة:
ـ كانت بترسم عليه لأنها فكرتني بحبه، و كانت عايزة تكسرني بيه، والحقيقة اني اتقهرت لما عرفت أنه مشاركها في مكتب هندسي، و اتقهرت اكتر و أكتر لما عرفت أن في علاقة بينهم. بس مش علشان بحبه أقسم بالله. بس متخيلتش أنه يحط إيده في إيد الإنسانة اللي أذتني الأذى دا كله. هو كان أكتر واحد شايف هي عذبتني ازاي!
اسودت ملامحه من فرط الغضب، و أصبحت عينيه كالحمم البركانية التي تهدد بالانفجار في أي لحظة و كذلك كانت نبرته قاسية حين قال:
ـ ما أنتِ اتجوزتي اخوها.
آسيا بلهفة:
ـ بس أنا اكتشفت أن كمال مش زيهم، ولا عمره كان هيقبل باللي حصل معايا دا.
اومأ خالد برأسه قبل أن يقول بجفاء:
ـ كملي.
آسيا بنبرة مُشجبة:
ـ روحت لرؤوف المكتب و اتخانقنا سوى، و لومت عليه ازاي يعمل كدا و يحط ايده في إيدها بعد ما أذتني الأذى دا كله، و هناك اتخانقنا و رجعت وانا كلي ندم اني روحت، و من غبائي لما شوفت ميرهان بتكلمه في التليفون حبيت اعرفها أنها مكسرتنيش و قعدت أخبط في الكلام، و قولتلها اني اتجوزت كمال عشان أذلها، و هو سمعني، و ميرهان قالتله اني روحت لرؤوف المكتب، و إني خاينة، واتضح كمان أن رؤوف كان بيسجلي يوم الفرح و قص الجملة اللي بقوله فيها اني بحب كمال و هتجوزه تحت أي ظرف، وبعته لمريهان وهي سمعته لكمال، و من وقتها مشفتوش تاني.
بلغ الأمر قمة الوقاحة من وجهة نظره من كلا الجهتين، و خاصةً شقيقاته الاغبياء، ولكنه لم يعفيها هي الأخرى من اللوم ليقول بنبرة قاسية:
ـ أنتِ شايفة نفسك غلطانه يا آسيا؟!
آسيا بنبرة تتضور وجعًا:
ـ غلطانه و استحق الموت.
خالد بجفاء:
ـ عارفة غلطك فين؟
ـ غلطت اني مشيت ورا انتقامي، وسمحتلهم يوصلوني للنقطة دي، غلطانه عشان روحت لرؤوف يومها. بس والله أنا ما خونته أبدًا و عمري ما حبيت غيره.
بلغ الغضب منه مبلغه، فهنض من على المقعد وهو يقول بقسوة:
ـ غلطك الأساسي من بدأ يوم ما ضربوكي يوم الحفلة، و مصرختيش و فضحتيهم، و كنتِ هتشوفي كمال وقتها هيعمل فيهم أي وهياخد حقك ازاي!
لم يعطها الفرصة للرد عليه بل تابع بحدة افزعتها:
ـ غلطتي لما مستكفتيش بكمال و حبه و طمعتي انك تكملي انتقامك، بالرغم من أن ربنا كرمك في شغلك و دراستك و حب كمال ليكِ، و سمحتيلهم يجروكي للقرف دا.
حاولت الحديث فصرخ بحدة جمدتها بمكانها:
ـ غلطتي عشان محترمتيش الراجل اللي أنتِ شايله اسمه، و روحتي تقابلي واحد تاني أيًا كانت أسبابك. تعاتبيه ليه و عشان أيه! يخصك في أيه يشارك ميرهان ولا يولعوا اللتنين!
كان مُحقًا في حديثه للحد الذي أشعرها برغبة قوية في التلاشي من فرط الحرج و الألم ليهتف خالد بشراسة أفزعتها:
ـ أنتِ و هما شبة بعض. لا أنتِ تستحقي زوج زي كمال، ولا هما يستحقوا أخ زيه، و النهاية أخويا مشي و مش عارف هو فين ولا حالته أيه بسبب ناس تافهه و أنانية زيكوا.
تعالت شهقاتها مما جعل أشجان تهرول إلى الداخل لتُصدم من مشهد آسيا التي انفجرت في بكاء مرير لم يردع خالد عن الحديث بجفاء:
ـ كمال قبل ما يمشي حب يحققلك أمنيتك، و كتبتلك شيك باتنين مليون جنية مهرك و مؤخرك، و قال للمحامي يديلك كل حقوقك. شوفتي بقى كمال اللي كرهتيه عشان فكرتيه زيهم فكر فيكِ ازاي! حتى و أنتِ دبحاه كان بيفكر فيكِ بردو.
ارتجت الجدران إثر بكائها مما جعل أشجان تهتف بتوسل:
ـ خالد.
قمع باقي كلماته وهو يضغط على أسنانه بعُنف حتى كاد أن يطحنها، فأخذ يطلق أنفاسًا قوية تحرق جوفه من الداخل، قبل أن يلتفت مرة أخرى إلى آسيا قائلًا بجفاء:
ـ مبروك يا آسيا. خدتي حقك تالت و متلت و انتقمتي مننا كلنا. حقك تفرحي مش تعيطي.
رفعت رأسها تناظره بألم، ولكن كلماته كانت تحمل معنًا مُستتر لتقول بلوعة:
ـ أنا منتقمتش غير من نفسي.
خالد بشراسة:
ـ متقلقيش الكلاب الباقيين ربايتهم عندي أنا.
فزعت أشجان من جملته و خاصةً عندما انطلق إلى الخارج لتهرول خلفه وهي تصرخ بفزع:
ـ خالد. استنى يا خالد هتعمل أيه؟
خالد بصراخ اهتز له جسدها:
ـ ورحمة أمي لا اللي هعمله فيهم مايتخيله عقل. بس الصبر.
أشجان بذعر:
ـ طب أهدى. أهدى بس و خلينا نطمن على كمال الأول.
عند ذكرها لاسم شقيقة اكتظت جفونه بالألم لتنفلت منهم دمعة غادرة غافلت كبريائه و ثباته كما جاءت نبرته جريحة حين قال:
ـ كمال ميستحقش حد فيهم. أخويا مش هيمشي كدا غير لو الأذى فاق قدرته على التحمل.
اقتربت أشجان تعانقه بشفقة وهي تهمس بطمأنة:
ـ أن شاء الله هيرجع يا خالد. يوم ولا يومين وهيرجع هيروح فين.
ألقى بنفسه و بكل هذا الثقل الذي يرسو فوق صدره في أحضانها وهو يقول بنبرة تئن من فرط الألم:
ـ مش بالسهولة دي. آخر مرة كمال مشي فيها كانت بعد موت بابا. فضل سنة غايب، و محدش يعرف هو فين. سنة كاملة واحنا بنتعذب من القلق و الخوف عليه.
حاوطته بقوة وهي تبكي بألم و احساس قوي بالذنب يجتاحها ليتضاعف احساسها حين سمعته يقول بنبرة جريحة:
ـ كمال مش بس أخ. كمال سند عارف اني لو في يوم وقعت هيكون هو عكازي.
تعالت شهقاتها لترتد إلى الخلف وتقوم باحتضان وجهه بين يديها وهي تهتف بطمأنه:
ـ هيرجع يا حبيبي. زي ما رجع قبل كدا. لو في حد في الدنيا كمال ممكن يرجع عشانه هو أنت.
أومأ برأسه قبل أن يتراجع عنها وهو يحاول محو آثار ضعفه ليقول بجمود:
ـ روحي شوفيها و خليكِ جنبها لحد ما ارجع.
كعادته بتر اعتراضها و التفت مغادرًا ليقوم بجذب هاتفه يجري مكالمة، و ما أن أتاه الرد حتى صرخ بلهجة آمرة:
ـ اسمعني كويس يا عابد. ميرهان، نبيلة، هايدي، عز الدين مفيش مخلوق منهم يخرج بره القصر النهاردة، ولو عز الدين فتح بقه قوله خالد الوتيدي بيقولك لو خرجت من البيت مش هتدخله تاني.
اللهم اجعل السعادة دائمة في حياتنا، اللهم ابعد عنا الحزن والضيق، وفرج همومنا، واشرح صدورنا، وتقبل أدعية قلوبنا"، و"اللهم ارزقني سعادة لا تزول، وفرحًا يأتي من عندك، ويسر أمري، وبارك لي في وقتي"، وأيضًا طلب العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ♥️
★★★★★★★★
كانت تجلس فوق المقعد تحتضن جسدها بخوف، فقد استيقظت لتجده غير موجود، فاجتاحتها موجة هلع كبيرة أن يكون حصل له شيء، فهي لم تعد تمتلك في هذا العالم سواه، لتنخرط في نوبة بكاء حارة لم يقطعها إلا صوت قفل الباب يدور لتهب من مقعدها حالما رأته و تندفع إلى أحضانه وهي تصرخ بانفعال:
ـ ياسر
حاوطها ياسر بقوة وهو يهتف بلهفة:
ـ مالك يا غنى في ايه؟
غنى بنبرة ترتجف ألمًا:
ـ كنت فين يا ياسر ؟ أنا موت من الرعب عليك.
أطلق أنفاسه المحبوسة وهو يشدد من احتوائها بين يديه وكأنه يمتص خوفها قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ كل دا عشان اتأخرت عليكِ شوية! وقعتي قلبي يا غنى.
غنى بعتب:
ـ شوية أيه؟ دا انت من الفجر و انت نازل، انا اترعبت قولت جرالك حاجة بعد الشر.
امتدت أنامله الحانية تمحي عبراتها بلُطف تجلى في نبرته حين قال:
ـ متخافيش يا حبيبتي. أنا كويس.
عبأ صدره بالهواء النقي قبل أن يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ عشان أنتِ موجودة بس يا غنى انا كويس.
ابتسامة بسيطة مزقت قناع الألم الذي يخيم على ملامحها، فيفقدها رونقها لتمتد يدها تعانق ذراعه وهي تجذبه ليجلس على الأريكة لتعانق كفوفه بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنا دايمًا موجودة عشانك. اطمن.
مد يده ليلامس خصلة هاربة تتمايل فوق جبهتها قبل أن يقول بنبرة خافتة:
ـ بقالي كتير بلف في الشوارع. عمال أسأل نفسي ليه و ازاي؟ و أيه كمية الظلم اللي حصلنا من أقرب الناس لينا دا؟ ولما ملقتش إجابة لقيتني بقول الحمد لله انك هنا.
غنى بنبرة جريحة:
ـ أكتر حاجة توجع في اللي حصلنا دا أنه كان من اقرب الناس لينا. احنا ليه حصل معانا كدا؟
لم يحاول منع عبراته من التدفق لتتحشرج نبرته وهو يتابع:
ـ متقوليش الكلام دا. احنا ربنا رحيم بينا أوي على فكرة.
ضيقت عينيها باستنكار ليُتابع بأسى:
ـ اللي عملته هيام دا كسر ضهري. مش هقدر أنكر. بس لو مكنتيش جنبي مكنش زماني قدرت أقف على رجلي تاني.
غنى بحُب:
ـ أنا جنبك على طول. أصلًا ماليش مكان غير جنبك. أنا بس كل اللي واجعني. هل هنقدر نتخطى اللي حصل! هنقدر نبص في وشهم يا ياسر؟! هقدر اتعامل مع ماما عادي! و انت هتقدر تبص في وش هيام تاني!
وضعته وجهاً لوجه مع هذا الاستفهام الذي نهش روحه بلا رحمة، فأخذ يهيم في الطرقات بحثاً عن إجابة بإستطاعتها تهدئة أنين قلبه، ولكن لا الإجابة جاءت ولا الأنين هدأ! فكيف يتخطى الإنسان الضربة التي جاءت من أكثر موضع للأمان بالنسبة إليه! و أي دواء هذا الذي يُجدي نفعًا مع طعنة غدر جاءت من أولئك الذين ظنناهم خلاصًا فصاروا هلاكًا!
جاءت نبرته قاطعة حين قال:
ـ لا، و مش مضطرين نعمل دا. اللتنين شافوا وجعنا بعنيهم، و محدش
فيهم اتهز في شعره. يبقى احنا كمان مش هنحطهم في حساباتنا تاني.
لا إراديًا احتمت بصدره من ذلك الألم الذي نهش روحها ليحتويها في اعتذار صامت عن كل هذا الوجع الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ طيب هنروح فين؟ هتفضل قاعدين في فندق كدا على طول!
نثر عشقه فوق خصلاتها قبل أن يقول بنبرة صارمة:
ـ لا يا غنى مش هنهرب.
تراجعت عنه تنظر إليه بعدم فهم ليُتابع موضحًا:
ـ أيوا مي هنهرب. هنرجع تاني الحارة، و هنعيش هناك. بس لوحدنا. في بيت أبويا.
توسعت عينيها من الصدمة ليُتابع بجمود:
ـ عشان نبقى على نور أنا مش هاخد حاجة من فلوسي اللي مع جابر. عشان أساساً هي فلوس هيام. دا كان مهرها من جابر، و دا اللي بدأنا بيه الشراكة سوى، ولا هاخد مليم من ورث ابويا الله يرحمه. مش بعد ما اتجنوا عليه و ظلموه و قهروه اخد فلوسهم كدا عادي. أنا هبدأ من الصفر يا غنى. عارفة يعني أيه من الصفر!
صمت يتابع وقع الحديث على ملامحها ليُكمل بنبرة مُتحشرجة:
ـ قبل ما تقرري اذا كنتِ معايا ولا لا لازم تعرفي أني مش هقدر اوفر لك كل الرفاهية اللي كانت في البيت هناك، ومقدرش اوعدك كمان إني هملى إيدك دهب ولا هملى دولابك حرير و هدوم عالموضة.
شدد من احتضان يديها قبل أن يُتابع بنبرة صادقة يجيش بها العشق الخالص الذي يحمله في قلبه تجاهها:
ـ كل اللي اقدر اوعدك بيه. اني أشيلك فوق راسي، و بين رموش عنيا، و هتقي ربنا فيكِ، و ابديكِ على نفسي في كل حاجة، وعمري في يوم لا ههينك ولا هندمك انك اختارتي تكملي معايا. قولتي ايه يا غنى معايا؟!
كانت عينيه تتوسلانها بالقبول، تعدها بعشقٍ خالص لا يشوبه وجع ولا يخالطه خذلان. يرتجي من قلبها تجاوز منحنى الفراق و السير معه في درب الحياة حتى يستطِع إكمالها، و لأنه كانت أمنيتها الوحيدة و الدائمة مدت يدها تلامس وجهه بحنو وهي تقول بابتسامة عذبة:
ـ قولت إني غنى ملهاش حياة من غيرك يا ريس.
لم يُصدق حديثها الرائع ليقوم باعتقاله بجانب صدره، وهو يهتف بنبرة عاشقة:
ـ ياروح قلب الريس.
تنهيدة قوية خرجت من جوفه، فقد كانت السبيل الوحيد لنجاته وسط كل هذه الطرق الموحشة، ليشدد من احتوائها أكثر وهو يهمس بجانب أذنيها:
ـ بحبك يا غُريبة.
ابتسامة عذبة اعتلت ثغرها وهي تُجيبه بخفوت:
ـ قلب الغُريبة.
مرت لحظات من السكون و الهدوء بينهم كانت هي آمنه بين جنبات صدره و هو آمن بوجودها إلى أن تراجع ينظر إليها و هو يقول:
ـ يالا عشان نرجع. مبقاش له لزوم لقُعادتنا هنا.
تشابكت الأيدي و تعانقت القلوب بعد أن هدأ ضجيج الألم قليلًا ليمر وقت ليس بطويل قبل أن يوقف ياسر السيارة أمام بيتهم القديم، و يترجل منها وهي كذلك لتمتد يده لتحتضن يدها وهو يتوجه إلى بداية طريقهم، و إذا به يتفاجيء حين وجد يزيد يجلس على عتبة الباب الخارجي واضعًا رأسه بين يديه لتبادل الثنائي النظرات المدهوشة في أن يقول ياسر بصدمة:
ـ يزيد! بتعمل ايه هنا؟!
هل يزيد من مكانه ينظر إلى شقيقه نظرة شمولية وكأنه يطمئن عليه و يروي قلبه من رؤيته قبل أن يذم شفتيه وهو يقول بتوبيخ:
ـ لسه فاكر تيجي يا بيه انت وهي؟! اتأخرتوا كدا ليه؟
توسعت أعينهم من حديثه لتهمس غنى بخفوت:
ـ هو ماله دا! اتهبل ولا أيه؟
هتف يزيد بتقريع:
ـ سمعتك على فكرة. لا ياختي متهبلتش. فسحي كدا.
قال جملته وهو يقترب منهما لتبتعد عن ياسر مدهوشة ليرتمي بين أحضان شقيقه يعانقه بقوة، و كأنه لا يصدق أنه يراه سالمًا، و بالمقابل بادله ياسر العناق الشوق بالشوق، و اللهفة باللهفة، فقد كان يعتبره ابنًا وليس أخ
ـ كدا بردو يا ريس! تاخد الصفرا دي و تمشي و تسيبني! تسيب يزيد حبيبك، محستش أن في حاجة واقعة منك طيب ترجع تاخدها.
رغمًا عنه ضحك ياسر على حديثه قبل أن يقول بتقريع:
ـ مين دي اللي صفرا ياد أنت؟!
يزيد بمرح:
ـ خضرا طيب! أي لون المهم تضحك.
غنى بحنق:
ـ ليه بطيخة يا ظريف؟!
يزيد بنبرة تمتثل إلى الأدب:
ـ مش هرد عليكِ عشان الريس واقف. اصبري بس لما يبقى مش هنا.
ياسر باستفهام:
ـ هتعمل ايه وانا مش موجود أن شاء الله ؟!
ـ سيبك منها بس خلينا نعيش اللحظة من تاني. دانا محضنتكش من وانا في رابعة ابتدائي.
ابتسم ياسر على حديثه، و قام بالربت على كتفه وهو يقول:
ـ طب تعالى ندخل جوا بدل ما تفرج الناس علينا.
غنى بسخرية:
ـ أنا بقول كدا بردو.
يزيد بتهكم:
ـ وتقولي ليه؟ أخ و أخوه بيقولوا تدخلي ليه بينهم؟!
غنى بحدة:
ـ عشان دا جوزي يا خفيف.
يزيد بتهليل:
ـ سيدي يا سيدي. جوزي بقى و حركات. اي نعم بتقول جوزي قدامي من غير كسوف ولا احراج. بس بتحبك. والله العظيم البت دي بتحبك وأنا بحبك. وربنا بحبك أكتر منها.
نجحت كلماته في جعل الضحكة تعرف طريقها إلى ثغر ياسر، فابتسمت غنى في المقابل وهي تجلس على الأريكة القديمة التي تتوسط الصالة الصغيرة ليبدأ يزيد في الحديث هذه المرة ولكن كانت الجدية تلون ملامحه حين قال:
ـ حقك عليا يا ياسر. حقك على راسي في اللي حصل.
شعرت غنى بأنها يجب عليها أن تُفسِح لهم المجال للحديث على انفراد، فتمتمت بخفوت:
ـ اقعدوا اتكلموا انتوا براحتكوا على ما استكشف البيت.
أوقفها حديث يزيد حين قال:
ـ بقولك أيه استني.
التفتت تناظره باهتمام ليُتابع مازحًا:
ـ في خمسين قرش من أيام القدماء المصريين أنا عاينها تحت المخدة اوعي تطمعي فيها..
نجح في تبديد الاحراج الباد على ملامحها وجعلها تضحك بقوة ليُتابع بأسف حقيقي:
ـ حقك عليا أنتِ كمان يا غنى. عارف ان أعتذاري دلوقتي مش هيغير حاجة. بس دا ابسط حق ليكِ.
ناظرته بامتنان تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بالعكس. اعتذارك دا له قيمة كبيرة أوي عندي.
رغمًا عن كل شيء ولكن هناك شيئًا اهتز داخله و بقوة من موقف شقيقه الأصغر و اعتذاره لها ليربت بحنو على فخذه قبل أن يقول:
ـ طول عمرك راجل يا يزيد.
يزيد بنبرة يتخللها الفخر:
ـ طبعًا مش تربية الريس ياسر الوتيدي.
ياسر بنبرة حانية:
ـ خلتني فخور بيك فعلًا.
يزيد بمرح:
ـ لا و لسه الفشخرة جاية متقلقش.
ابتسم ياسر على حديثه وهو يقول بجدية:
ـ عرفت منين أن انا جاي هنا ؟
يزيد بهدوء:
ـ عشان هنا أصلنا، و مرجوعنا. بيت أبونا يا ياسر، وانا عارف البيت دا غالي عندك قد أيه؟
ياسر بشجن:
ـ حسيت اني عايز أبدأ منه.
يزيد بتشجيع:
ـ عين العقل. رجوعك لبيتك و لحتتك بعد اللي حصل دا دليل انك قوي و عايز تقف على رجلك من تاني، و هتعمل دا انا واثق فيك.
ياسر بهدوء:
ـ ياريت كل الناس تكون زيك.
يزيد بقوة:
ـ حتى لو مش كل الناس زيي. أنا في ضهرك، و مش هسيب حد ييجي عليك تاني.
ياسر بنبرة يفوح منها رائحة الحزن:
ـ المشكلة أنها حرب غير متكافئة يا يزيد. تخيل لو حد تاني اللي عمل كدا انا كنت عملت في أيه؟!
قست نظراته و نبرته حين قال:
ـ الله في سماه كنت ساويته بالأرض.
ربت يزيد فوق ركبته محاولًا تهدئته حين قال:
ـ ربنا أراد يبتليك عشان بيحبك، و صبرك على الأذى دا هتؤجر عليه يا ريس مش انا اللي هقولك.
أما بالنسبة لهيام. سيبهالي. أنا هعرفها غلطها.
ياسر باستهجان:
ـ ليه هي مش عارفة أنها غلطت ولا ايه؟
صمت يزيد يسترجع جملتها التي ألجمته من فرط الصدمة:
ـ لا مغلطتش، دي واحدة أتمننت ببنتها عليه، و عايرتنا و هانتنا، و تستحق اللي شافته في جوازة بنتها دا عقاب من ربنا على اللي عملته فينا و فيه، ولو رجع بيا الزمن هعمل كدا تاني.
ادعى يزيد اللامُبالاه حين قال:
ـ مش فكرة متعرفش أنها غلطت. فكرة أنها شيفانا نخصها. ولادها اللي مفروض نسامحها لو عملت فينا ايه..
هل ياسر من مكانه، وهو يصيح باستنكار:
ـ ولادها! وفي أم تعمل في ولادها كدا؟! بإيديها تأذيهم، و تغدر بيهم؟!
يزيد في محاولة لتهدئته:
ـ أهدى يا ياسر، و شيل هيام من حساباتك خالص. فكر في نفسك، وشوف هتعمل ايه و هتبتدي منين، دا الأهم دلوقتي.
انتهى من الإطمئنان على ياسر ليتوجه إلى البيت الكبير، فوجد هيام تقابله بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ لقيته يا يزيد؟!
يزيد بجمود:
ـ لقيته.
ـ طب هو فين؟
يزيد بجفاء:
ـ مش هقولك يا هيام.
هيام بصدمة:
ـ كدا يا يزيد؟ مش عايزني أشوفه وانت عارف انا قلبي محروق عشانه ازاي ؟!
يزيد بجمود:
ـ أيوا مش عايزك تشوفيه بس عشان عارف هو قلبه محروق بسببك ازاي؟!
هيام بتوسل:
ـ طب قولي بس هروح أشوفه و اطمن عليه.
يزيد بعناد:
ـ لا، وخلي بالك أن انا اللي هقفلك لو فكرتي تروحيله.
برقت عينيها من شدة الصدمة لتهتف دون وعي:
ـ هتقف قدامي يا يزيد؟
يزيد بجفاء:
ـ أيوا هقف قدامك. كفاية أوي اللي عملتيه فيه، و اللي حتى مش ندمانه عليه ارحميه بقى....
قاطعته هيام بصفعة قوية جعلت رأسه يدور الى الجهة الأخرى ..
اللهم سخر لي من حظوظ الدنيا أجملها، ومن السعادة أكملها، ومن الناس أخيرهم، واجعل قلبي متعلق بك لا يرى سعادته إلا منك".
★★★★★★★★★★
عادت من المشفى بعدما اطمأنت على آسيا، وقد قررت أنها لن تبقى في هذا المنزل الملعون دقيقة واحدة، ستأخذ شقيقتها و تغادر قبل أن تخسر المزيد من ثباتها و كرامتها، لتتوجه إلى الأعلى مرورًا بنبيلة التي كانت تحتسي كوب من القهوة في الصالون الواسع، و ابتسامة عريضة تلون ثغرها، فقد عرفت من ميرهان ماذا حدث بين كمال و آسيا، وأيضًا سمعت هذا الخبر السعيد حين سمعت سعاد وهي تصرخ في عمر صباحًا:
ـ هتندم يا عمر. طلاقك لشروق دا مش هيعدي بالساهل. هترجع تقول ياريتني، و تترجاها بس تبص في وشك، ولا هتسأل عنك.
شاهدتها نبيلة تتجاوزها و تصعد إلى الأعلى لتهتف بسخرية:
ـ شروق. قلبي عندك يا حبيبتي. سمعت أن عمر ابني طلقك!
توقفت شروق بمنتصف الدرج وهي تحاول كظم غيظها قبل أن ترسم ابتسامة هادئة على شفتيها وهي تلتفت قائلة:
ـ قلبك عنده هو يا طنط مش عندي. أصله بصراحة كان رافض و طلع عيني عشان اخلص منه. هو أولى بالمشاعر النبيلة دي مش أنا.
توسعت عيني نبيلة من حديثها و خاصةً أنها غادرت إلى الأعلى لتتركها تغلي من شدة الغضب الذي تبدد حين رأت عز الدين الذي كان يصرخ بهياج:
ـ هو مفكر نفسه مين عشان يمنعني من الخروج؟!
هرولت نبيلة لتقابله وهي تقول بلهفة:
ـ حصل أيه يا عز الدين؟!
عز الدين بانفعال:
ـ خالد بيه أخوكي. مانع حد أنه يخرج من البيت لحد ما ييجي! شكله اتجنن على الآخر..
نبيلة بلهفة:
ـ طب أهدى يا حبيبي. يمكن خايف علينا ما انت شوفت حصل أيه مع رنا.
عز الدين بغضب:
ـ بلا إهدى بلا زفت.
لم يكد يُنهي جملته حتى سمعوا احتكاك قوي لإطارات سيارة و صوت خالد الجهوري كالرعد على أسماعهم:
ـ ميرهان..
عند سماع اسمها بتلك الطريقة هرولت ميرهان للأسفل وهي تعدو كالشاة التي تفر من الذ.بح لتحتمي بنبيلة التي ارتجف جسدها حين رأت مظهر خالد المرعب و الذي هتف بسخرية:
ـ الله الحرابي كلهم متجمعين ؟! اومال فين التالتة بتاعتكوا؟ راحت في أنهي داهية ؟!
قال جملته الأخيرة بصراخ افزعهم ليهتف عز الدين باستنكار:
ـ أنت ازاي تتكلم عن بنتي بالشكل دا؟! أنا مسمحلكش.
خالد بشراسة:
ـ انت مين عشان تسمح ولا متسمحش. وبعدين مالك فخور أوي كدا بنتك. بنتك دي مشافتش تربية. عايزة الضرب بالنار.
نبيلة بنبرة ترتجف خوفًا:
ـ أهدى يا خالد بس و قولنا حصل ايه؟
توجه خالد ليجذب ميرهان من خصلاتها بعُنف وهو يهتف بغضب يتخلله صرخاتها:
ـ هتقولي أنتِ عملتوا أيه في آسيا في الجنينة يوم حفلة كمال، ولا أقول انا؟! هتقوليلها خربتي حياة اخوكي ازاي ولا اقول انا؟!
كانت ميرهان تنتفض أسفل يديه من فرط الألم و الخوف وهي تنتحب قائلة:
ـ والله يا أبيه كذابة. أنا..
مالت صفعة قوية من خده تلاها صراخه المرعب:
ـ و كمان بتحلفي بربنا كذب. أنتِ ايه شيطانة!
تسمرت شروق و من خلفها جميلة وهم يروا ما يحدث ليلاحظ خالد وجودهم و تلك الحقيبة التي بجانبهم ليهتف ساخرًا:
ـ طبعًا انتوا ناويين تطفشوا من وكر التعابين اللي عايشين فيه؟!
جاء صوته شروق جامدًا على عكس أنين قلبها:
ـ أنا أطلقت انا وعمر.
عض على شفتيه بغيظ تحول إلى سخرية حين قال:
ـ صح هي دي المعادلة المظبوطة. مينفعش البيت دي يكون في بذرة خير واحدة. عشان كدا محدش فينا لام على أمك لما مشيت زمان.
صرخ عز الدين بانفعال:
ـ لا انت زودتها أوي، و ناسي أن البيت دا له راجل ؟!
خالد باستنكار جارح:
ـ هو فين الراجل دا؟! هو اللي مراته تمشيه يبقى راجل؟! و على فكرة بقى اللي متعرفهوش. أنا اني كنت وكيل نسمة في كتب كتابها، نسمة مهربتش ولا حاجة. نسمة نفدت بجلدها منكوا، و الست مراتك كانت عارفة بس اختارت تستغفلك، وانت من غبائك مفكرتش تدور وراها.
أنهى جملته التي كان وقعها مريعا على عز الدين الذي ارتمى جالسًا على المقعد خلفه، انا أعيُن نبيلة المصدومة ليتجاهلهم خالد و يلتفت موجهًا حديثه
إلى شروق:
ـ سيبي الشنط و أسبقوني على العربية.
اطاعته شروق ليأمر أحد الحرس بأخذ حقائبهم الى السيارة و يلتفت إلى نبيلة و عز الدين قائلًا باحتقار:
ـ طلقتي شروق، و آسيا و طفشتوا كمال؟! مش متفكروش أن اللي حصل دا هيعدي بالساهل؟! ألاقي كمال بس و كله هيتعاقب.
أنهى جملته و جر ميرهان من خصلاتها التي لازالت أسيرة قبضته الغير رحيمة وهو يهتف بوعيد:
ـ أما أنتِ بقى، فربايتك هتبدأ من النهاردة.
أخذت تصرخ وهو يجذبها خلفه ليتوقف أمام باب القصر وهو يقول بتحذير:
ـ خلي بالك لو عقلك وزك و فكرتي تقربي من أشجان. هيكون موتك حلال بالنسبالي.
لم ينتظر أي إجابة كعادته، و توجه بميرهان جرًا ليُلقي بها على أرض الصالة الواسعة، وهو يزأر بوحشية:
ـ اللي زيك بقى لازم يعيش عيشة الخدامين اللي ياما هانهم، و داس على وجعهم. من هنا ورايح مفيش خروج غير بأذني، ومفيش عربية، و كريديت كارد، و هتقعدي تاكلي في المطبخ معاهم. سامعة؟!
ميرهان بذُعر:
ـ سامعة. سامعة والله.
خالد بتحذير:
ـ ولو سمعت ولا عرفت انك ضايقتي واحدة فيهم بحرف، ومنفذتيش أمر من أوامري يا ويلك يا ميرهان مني.
أخذت تتراجع إلى الخلف وهي تصرخ كالمذعورة:
ـ حاضر.
كان الخدم يقفون على أعتاب المطبخ ليصرخ بهم:
ـ كلامي واضح ليكوا أنتوا كمان؟
اومأ الجميع برأسه دلاله على الموافقة ليتوجه إلى الأعلى لغرفة ميرهان و يقوم بإخراج ملابسها من الخزانة ليتوجه إلى الخارج و يقوم بإلقائها من أعلى الدرج وهو يزأر بوحشية:
ـ هدوم الرقاصات دي يتولع فيها و تترمي في الزبالة سامعين؟!
الجميع في آن واحد:
ـ أوامرك يا خالد باشا.
اللهم اقسم لي من خشيتك ما تحول به بيني وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغني به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا♥️
★★★★★★★★
كانت على صفيح ساخن تتقاذفها أمواج الغضب من كل الجهات لتقوم بجذب هاتفها و إجراء مكالمة و ما أن سمعت صوت رؤوف حتى صرخت باحتقار:
ـ ارتحت دلوقتي يا رؤوف بيه؟! خربت بيتها و ارتاحت؟!
رؤوف بصدمة:
ـ في أيه يا أشجان؟ و بيت مين اللي اتخرب؟!
أشجان بانفعال:
ـ آسيا اللي اتعاونت انت والحقيرة التانية عشان تخربوا بيتها؟! وصلت بيك الحقارة انك تسجلها و تدي التسجيل لأخت جوزها؟! قد كدا انت قذر!
رؤوف بذهول:
ـ أنتِ بتقولي ايه؟ تسجيل أيه ؟!
أشجان باحتقار
ـ أسأل نفسك. حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا رؤوف. كمال طلق آسيا و آسيا هتموت من القهرة، و كل دا بسببك.
أنهت جملتها و أغلقت الهاتف في وجهه وهي تبكي بحزن ليصل إليها أنين آسيا من الداخل، فهرولت إلى الغرفة لتتفاجئ حين رأت تلك الدماء التي تتساقط من فم شقيقتها.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ♥️
★★★★★★★
كان يجلس بحزن واضعًا رأسه فوق يده يتذكر ما حدث منذ يومان في قسم الشرطة:
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ في حد بيغـ.تصب مرته يا محمد بيه؟!
هكذا تحدث رحيم بجمود أمام ظابط الشرطة الذي قال:
ـ يعني البلاغ دا كاذب يا عمدة، وانت محاولتش اغتصا.ب المدعوة نجاة سليمان، و حبس والدتها؟!
رحيم بجفاء:
ـ متعيدهاش اومال! بجولك مرتي، و دي القسيمة، و أمها دي معمريش شفتها.
التفت الضابط إلى نجاة قائلًا:
ـ سمعتي كلام العمدة؟!
حين أوشكت على الحديث تدخل رحيم قائلاً:
ـ معلش يا حضرة الضابط. سيبنا وحدينا شوي، واني هعرِف أراضي مُرتي.
أطاعه الضابط ليُفسح المجال لكليهما بالحديث، لتهتف نجاة بقهر:
ـ أنت الكذب عندك عادي اكده؟! بتكذب و عنيك في عنيا من غير ما يرفلك چفن؟!
رحيم محاولًا الهدوء:
ـ إني مكذبتش يا نچاة. إني فعلًا مغتصـ.بتكيش، الليلة دي أني مجربتش منك، و أنتِ عارفة أكده..
هبت من مكانها تهتف بقهر:
ـ بس حاولت، و دا چريمة لازمن تتعاقب عليها.
ـ و أني موافج.
تفاجئت من رده، بل و تفاجئت أكثر حين نصب عوده الضخم وهو يقول بخشونة:
ـ لو عايزة حجك خديه مني يا نچاة. خديه بيدك. الحكومة مهتهعملكيش حاچة. اني هنا السلطة، و محدش هينصفك غيري.
نجاة بانهيار:
ـ بتعجزني إياك؟! بردك هاخد تاري منِك.
رحيم بنبرة مُشجبة و عينان تتوسلان الصفح:
ـ لاه. عمرك ما تعچزي واني موچود.
توسعت عينيها حين جذب سلاحه من بين طيات ملابسه، وهو يمده إليها قائلًا:
ـ خدي تارك مني، واني راضي و موافج.
ارتعبت من شكل هذا السلاح حتى أن جسدها ارتجف وهي تقول بأحرُف متقطعة:
ـ لاااه. بعدو عني. بعدو عني.
على الفور أعاده مكانه وهو يهتف بلهفة:
ـ خلاص. اهدي رچعتو مكانو اهدي.
تساقطت العبرات من مقلتيها بغزارة وهي تهتف بلوعة:
ـ ليه عِملت فيا أكده؟! ليه أنت اللي تقتلني اكده؟! ليه يا رحيم ليه؟!
لم يستطِع رؤيتها هكذا دون أن يجذبها بين ذراعيه بقوة وهو يهتف باعتذار:
ـ حجك علي، حجك على راسي، ياريتني موت واندفنت جبل ما اعمل فيكِ أكده.
عودة إلى الوقت الحالي
ارتجف قلبه وهو يتذكر كيف كانت تبكي و تنتفض كطير ذبيح بين يديه تشكوه جُرحًا كان هو فاعله ليشعر بإنقباضه صدره حين رجعت معه إلى البيت لتجلس بغرفتها مغلقة الباب عليها وهي تخبره أنها لا تريد رؤيته، و قد مر يومان وهو على هذا الحال من الألم و التعب حتى أنه لم يكن ينام من كثرة التفكير ليُصدم حين فُتِح باب الغرفة و أطلت عليه قائلة بحدة:
ـ أبويا فعلًا لسه عايش زي ما قولتلي قبل سابق ؟!
رحيم بجمود:
ـ أيوا عايش..
نجاة بجفاء:
ـ عايزة أشوفه.
لم يكن هناك بدًا من معرفة الحقيقة لذا قال باختصار:
ـ محبوس، و قبل ما تسألي أنا اللي حبسته.
اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وعلماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً♥️
★★★★★★★★★
كان يُنهي بعض الأوراق حتى يعود للمشفى ليطمأن على أشجان، ليُصدم حين فُتِح باب الغرفة و رأى رؤوف يطل عليه ليهتف خالد بشراسة:
ـ أنت...
يتبع....
شكرًا من كل قلبي على كل إنسان عنده ذوق اتحملني و قدر تعبي و معافرتي أني التزم و اقف على رجلي بعد كل حاجة صعبة مريت بيها ♥️ شكرًا عشان كلامكوا اللي بيطيب الخاطر و يملاني طاقة إيجابية، و بجد أي انسان قال كلمة زعلتني أو كـ.سرت خاطري في الوقت دا بالذات مش هسامحه أبدًا
منعًا لأي زعل و ضغط انا في غنى عنه بإذن الله هنكمل بارت في الأسبوع لحد ما فارس يخلص امتحاناته و أنا اخلص رواية المعرض قبل البارت هنزل المقدمة و أعلن عنه
قراءة ممتعة ♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل السادس وخمسون 56 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم ♥️
قبل القراء بليز متنسوش تعملوا فوت و كومنتات كتير على الفقرات اللي حبتوها بحب كومنتاتكوا اوي ♥️♥️
السبيل الثالث ❤️🔥
عجبًا للحياة حين تسخر منا، وتدور بنا في دوائر مفرغة، نظنّ مع كل خطوة فيها أننا تخطّينا، ولكن حين نرتطم بصخرة اللقاء نجد أننا ما غادرنا نقطة البداية قط.
فكلّ شيء لا يزال كما تركناه، حتى وإن تراكم عليه غبار الحنين! ولكن الشعور نفسه، واللهفة ذاتها، وحتى النبضات لا تزال تعزف سيمفونية واحدة بعنوان: «أحتاجك».
وإن كانت هذه المرة مُثقلة بالألم، وبالرفض لهذا الاحتياج وتلك المشاعر، إلا أنها لا تنفك تستبدّ بنا، وتفرض وجودها بقوة تجعلنا نلجأ إلى التلصص من نافذة الصمت، والمراقبة من بعيد دون اقتراب.
لا نحن نقترب لننجو، ولا نبتعد لنرتاح؛ فالعقل يأبى الاستسلام والنفس تشد رحالها نحو الرجوع، ووحده القلب يقع فريسةً بين هذه الحيرة.
وطبقًا لفلسفة الحب، لا يُعدّ البقاء دليلًا قويًا على التواجد، وليست العودة إلى بعض الأشخاص رجوعًا؛ فهناك من نعانقهم وقلوبنا لم تلحظ حتى وجودهم، وهناك من نهرب بكل الطرق الممكنة لننجو منهم، ولكن قلوبنا لا تزال عالقة بين نسيم ذكراهم.
أحمقٌ من ظنّ أن الهرب نجاة، فأدرك حقيقة أن البقاء ولو كان موجعًا، فهذا الوجع هو الضريبة التي يدفعها مقابل الحياة.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ خالد بيه ممكن اخد من وقتك دقايق؟!
هكذا تحدث رؤوف وهو يقف أمام خالد الذي كانت عينيه تبرقان من شدة الغضب الذي جعل لهجته جافة حين قال:
ـ أكيد ممكن. دا أنت طلعت واخد حيز كبير من حياتنا الفترة اللي فاتت، وأنا مكنتش واخد بالي.
جلس رؤوف أمام خالد وهو يحاول ابتلاع غضبه من هذا الموقف المُحرج الذي زُج به دون أن يدري ليتجاهل سخرية خالد قائلاً بجمود:
ـ في سوء تفاهم حصل و كنت جاي اوضحهولك.
خالد باختصار:
ـ سامعك.
تحمحم رؤوف قبل أن يبدأ من نقطة انطلاق قوية حين قال بصدق:
ـ طبعًا انا بعتذر عن اللي حصل بين آسيا و كمال بسببي، و بعتذر اكتر عشان اللي اتسبب في العبث دا كله كانت اخت حضرتك. لإني لا ادتلها التسجيل بتاع آسيا ولا حتى عرفتها بوجوده، و اتفاجئت أنها أخدته من موبايلي من غير ما اعرف.
خالد بقسوة:
ـ ميرهان غلطها كبير، دا شيء مفروغ منه، لكن الغلط بدأ من عند الراجل اللي مفروض بنت عمه دي عرضه، و تخصه، ولكنه راح سجلها بمنتهى الوقاحة.
أوشك رؤوف على الحديث، ولكن خالد لم يُعطه الفرصة لذلك إذ تابع بحدة:
ـ و طبعًا مهما كانت أسبابك انك تعمل دا، فالنية السيئة موجودة، ودا شيء منقدرش ننكره.
رؤوف بنبرة يجيش بها الندم:
ـ هتجاوز من غلطك في حقي، عشان أنت فعلّا عندك حق.
خالد بجمود:
ـ كدا نبقى احنا بدأنا صح. اتفضل كمل.
رؤوف بنبرة لا تخلو من الألم:
ـ أنا فعلًا حبيت آسيا، و اتمنيت أنها تكون مراتي، و يمكن هي بادلتني نفس المشاعر لكنها مصرحتش بأي حاجة، والحق يتقال هي معشمتنيش بحاجة. لكن أنا أكتر واحد عارف آسيا كويس. آسيا طموحة لدرجة اني كنت أحيانًا بخاف عليها من طموحها دا، وعايزة تكبر وتحقق ذاتها، و بصراحة اللي كان بيدفعها لدا أكتر التنمر و البهدلة اللي شافتهم على إيد ميرهان و هايدي. معرفش إذا كنت تعرف دا ولا لا. بس هما مسابوش حاجة وحشة معملوهاش فيها.
كان رأسه يكاد ينفجر من شدة الغضب، وهو يتذكر ما قصته عليه آسيا من أفعالهم الحقيرة، ولكنه أعطى الوقت الكافي لرؤوف لكي يُكمل حديثه ليتابع الأخير قائلًا:
ـ منكرش إني حسيت في نار جوايا لما عرفت أن في بينها و بين كمال حاجة، و طبيعي اني وقتها افكر أنه وسيلة عشان تحقق ذاتها، و بالمرة تنتقم منهم. يمكن كنت غلط. بس كنت مجروح أوي، والإنسان لما بيتجرح بالشكل دا مبيفكرش بشكل سليم، ودا غلط كبير للأسف انا وقعت فيه.
اومأ خالد برأسه، وهو يتخذ مقعد الصمت لكي يُتابع رؤوف حديثه ليستطرد الأخير قائلًا:
ـ في الفترة دي ميرهان ظهرت و أنا أسف في اللي هقوله. بدأت تتقرب مني، و أنا لا رفضت دا، ولا قبلته، مكنش في بالي غير حاجه واحدة بس. أن آسيا مش هتكون ليا. بس أقسملك بالله انا ما فكرت أأذيها لحظة، و الدليل على كلامي أن ميرهان قبل الفرح جت جابتلي مجموعة صور لوالدة آسيا و هي بلبس الخدم، و بتخدم على الضيوف في حفلاتكوا، و قالتلي أن اختها الكبيرة طلبت منها أنها تنشر دي على مواقع التواصل الاجتماعي عشان تبقى فضيحة والفرح ميكملش، وأنا اللي منعتهم.
في هذه اللحظة أصبحت عيني خالد و كأنها مرآة للجحيم من فرط ما يشعر به من غضب، فالأمر تفاقم بشكل كبير للحد الذي لم يتخيله عقله، ليتابع رؤوف قائلًا:
ـ أنا عارف انك مستغرب من كلامي. بس دا فعلاً اللي حصل، و الصور دي لسه معايا. مقدرتش اني اعرض آسيا و أشجان للموقف دا أبدًا
خالد بجفاء:
ـ ولما انت بتفكر كدا. ليه روحت سجلت لآسيا يوم فرحها!
احنى رأسه يحاول تجاهل الألم الذي يجيش به صدره قبل أن يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنا كنت مضطر اني اروح الفرح عشان عمي ميزعلش، بس يوم الفرح الصبح مرات عمي جرحتني بالكلام و خصوصًا أنها كانت عارفة مشاعري تجاه آسيا و كانت مرحبة جدًا دلوقتي بعد ما آسيا لقيت حد أحسن بتبعدني عن طريقهم بالقسوة دي! هي مش وحشة ولا سيئة لكن مش طيبة. حرفيًا كلامها خلاني أحس أني كاره نفسي و كل الناس. مقدرتش امنع شيطاني اللي قالي روح واجهها بحقيقتهم.
اهتزت جفونه بالعبرات، ولكنه قاومها وهو يتابع بألم:
ـ و روحت فعلًا و اتكلمت معاها. عاتبتها، وهي كانت بتسمع، و عينيها كإنها بتقولي اسكت. مبقاش ليه لزوم للكلام دا، وانا كنت عارف ان كلامي مالوش لزوم، بس غصب عني كنت فعلًا مجروح، و لقيتني بسألها لو كان كمال ظروفه وحشة و مش كمال بيه الوتيدي كنتِ هتوافقي تتجوزيه!
ارتسمت ابتسامة مليئة بالوجع فوق ملامحه حين قال:
ـ و فاجئتني لما قالتلي انها فعلًا بتحب كمال، وأنها هتختاره في كل الأحوال. مهما كانت ظروفه، و دا تحديدًا الجزء اللي ميرهان قصته من الريكورد اللي سمعته لكمال.
أصابه الصداع كالفيروس الذي يهاجم جهاز المناعة بشراسة مثلما كان يهاجم رأسه من كثرة ما استمع اليوم إلى أفعال شقيقاته النكراء، ولكنه حاول التغلب على ألمه حين قال بفظاظة:
ـ و أيه اللي عرف ميرهان بموضوع التسجيل!
أجابه رؤوف قائلاً:
ـ بعد ما اتجوزت آسيا كنت أنا بدور على مكان اعمله مكتب هندسي، كنت ناوي احط طاقتي كلها في الشغل، و بالصدفة قولت كدا قدام ميرهان، و بعدها بفترة لقيتها جابتلي مكتب في مكان راقي جداً وقالتلي أنها عايزة تشاركني، و أنا في الأول رفضت لكن هي أصرت و حسيت اني جرحتها و هي كانت عايزة تساعدني، و بعد جدال طويل اتشاركنا، و آسيا عرفت، وطبعًا اتصدمت عشان أنا عارف كل اللي عملته ميرهان فيها زمان.
تحمحم بخشونة قبل أن يُكمل:
ـ اتفاجئت أنها جيالي المكتب، و بتعاتبني، و أنا بصراحة ضايقتها بالكلام، و كأني برد اعتباري و اتخانقنا، و مشيت، بعد ما مشيت قعدت اسمع التسجيل للمرة المليون، وانا بعيد و أزيد في جملتها أنها بتحب كمال.
ابتسامة ساخرة مليئة بالوجع اعتلت ثغره قبل أن يتابع:
ـ تقريبًا أنا مدين للجملة دي بحاجات كتير. كل ما كنت بسمعها كنت بتحفز أكتر اني اشتغل و أحقق نفسي، على قد ما كانت بتوجعني على قد ما كانت بتخليني عايز انحت في الصخر عشان اقدر اوصل، بعدها بمفيش لقيت ميرهان داخله المكتب، قفلت التسجيل فورًا و دخلت اغسل وشي، و في الوقت دا هي اخدته، و سمعته لكمال بعد ما قصت منه أهم حاجة، وحصل اللي حصل.
بالرغم من أنه يمقته كونه تسبب بشكل أو بآخر في إيذاء شقيقه، ولكنه لم يستطِع تجاهل شعوره بالاحترام تجاهه كونه جاء ليخبره بما حدث لذا قال بنبرة خشنة:
ـ بغض النظر عن غلطك الكبير، و اللي أدى لكارثة بس على الأقل أنت مش جبان، و مهربتش. بالعكس جيت و حكيت اللي حصل.
رؤوف بنبرة مُتحشرجة:
ـ مكنش ينفع أن آسيا بتتعرض لإتهام زي دا بسببي و موضحش اللي حصل.
تحمحم خالد قبل أن يقول بجمود:
ـ و عشان كدا انا مش هظلمك. طبعًا شراكتك مع ميرهان انتهت خلاص.
ـ أنا عارف دا من غير ما تقوله، و ناوي اسلم المكتب، و ارجعلها فلوسها اللي دفعتها.
خالد بجفاء:
ـ وأنا ميرضنيش دا. أنت شاب في أول حياتك، ودا مشروعك اللي حلمت بيه، وانا مش ههده. أنت هتفضل زي ما انت. مجرد تعديل بسيط. ان الفلوس اللي خدتها من أختي تقدر تعتبرها دين تسدده أول ما ربنا يكرمك. في ظروف تانية كان ممكن أقولك اني هشاركك. لكن مقدرش احط إيدي في إيد حد اتسبب في تدمير حياة أخويا.
تفاجيء رؤوف من شهامة هذا الرجل على الرغم من أن جملته الأخيرة كان بها تقريع لم يفته، ولكنه للأسف لن يستطيع قبول عرضه لذا قال بامتنان:
ـ أنا شاكر ليك ذوقك و شهامتك. بس أنا مش هقدر اقبل فلوس متلوثه بدموع آسيا. خلينا نتكلم بصراحة. ميرهان معملتش كل دا ولا شاركتني. غير عشان تكسر آسيا، وأنا مش هقبل أبدًا اني ابني حياتي على حساب حياتها.
تفهم خالد وجهة نظره، وقد أقر داخليًا بأن جميعهم ما هم إلا فرائس لكيد النساء الذي من شأنه أن يهدم حياة بأكملها لذا قال بجمود:
ـ اللي تشوفه. بس ياريت تبعتلي التسجيل دا. أنا أكيد هحتاجه.
أومأ رؤوف برأسه، وقام بإرساله إلى خالد الذي قال بنبرة خشنة:
ـ للأسف مش هقدر ألومك، كونك جيت هنا و حكيت اللي حصل و بعتلي التسجيل، فدا شيء يُحسبلك. لكن ياريت تبعد عن حياة آسيا و ميرهان، و كفاية أوي العك اللي حصل.
رؤوف باختصار:
ـ دا اللي ناوي اعمله. عن اذنك، و شكرًا أنك سمعتني.
غادر رؤوف ولكنه لم يستطِع الراحة ولو قليلًا، فقد وجد عز الدين يقتحم مكتبه وهو يهتف بملامح مُكفهرة:
ـ صحيح اللي قولته بخصوص نسمة!
صمت خالد يسترجع هذه الذكرى المؤلمة
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ معنديش حد أروحله يا خالد، و مش عايزة ارجع تاني. أنا بكرة البيت دا وكل الناس اللي فيه. و مش طالبه منك غير جاحتين.
خالد باستفهام:
ـ أيه هما!
نسمة بنبرة يختلط بها التوسل:
ـ عايزاك تبقى وكيلي وأنا عروسة. مش عايزة صابر يشوفني مجرد واحدة أهلها رموها.
خالد بغضب:
ـ بس أنتِ مش مضطرة لدا. تعالي اقعدي معانا لحد ما يعرفوا قيمتك.
نسمة بلهفة:
ـ مينفعش هيموتوني يا خالد يا اما أنا هموت نفسي بسببهم . ارجوك ساعدني.
خالد بإذعان:
ـ حاضر، و أيه السبب التاني ؟
نسمة بتوسل:
ـ تحلف يمين الله انك مش هتقول لعز الدين انك كنت وكيلي ولا حتى تعرف حاجة عني.
ـ أنتِ مجنونة يا نسمة! عيزاهم يشوفوكي واحدة زبالة هربت من واحد من غير ما يعرفوا حتى انك اتجوزتيه.
نسمة بنبرة ساخرة يشوبها المرارة:
ـ و مين قالك أنهم مش شايفني كدا حتى وانا قافلة أوضتي عليا. يا خالد عز ضربني وكان هيموتني عشان بس نبيلة قالتله إني كنت بتمشى في الجنينة قدام الحرس. دا سبني بأبشع الألفاظ. خليه يفكر اني حطيت رأسه في الطين. دا الانتقام الوحيد اللي ممكن انتقمه منه و من ماما على كل اللي عملوه فيا . أرجوك نفذلي طلباتي.
عودة إلى الوقت الحالي
ـ أيوا صح.
عز الدين بذهول:
ـ ازاي! ازاي تعمل فينا كدا!
خالد بقسوة:
ـ ما تسأل السؤال دا لنفسك! ازاي انت تعمل فيها اللي يوصلها لكدا!
عز الدين بانفعال:
ـ أنا كنت بربيها، و أنت بدل ما تجيبها من شعرها و ترميها تحت رجلينا روحت و طاوعتها على الغلط!
خالد بجفاء:
ـ و أيه الغلط انها تتجوز على سنة الله ورسوله!
صرخ عز باهتياج:
ـ اللي عملته دا مش هنساهولك، و على فكرة انا بدل ما كنت بكرهها قيراط دلوقتي بكررها أربعة و عشرين..
خالد بقسوة:
ـ أهو دا تحديدًا اللي مخلانيش أرجعها عن قرارها. لأن بصراحة هي كان عندها حق. انتوا معندكوش دين ولا رحمة، وانا عمري ما كنت هقدر اتحمل ذنب اني ارجعها ليكوا تاني.
عز بوعيد:
ـ هتندم يا خالد.
خالد بفظاظة:
ـ مفتكرش انك بتهددني أو حتى بتخوفني. معلش بقى أصل اللي ممشياك بتيجي عندي و تفرمل.
كظم غيظه و تراجع ينوي الخروج لتوقفه كلمات خالد الغامضة:
ـ خلي بالك أن الماضي منتهاش على كدا. لسه في كتير متخبي، هتعرفه لما تدفع ضريبته!
رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ♥️
★★★★★★
كانت كالفريسة التي وقعت بين شباك ذئاب لا تعرف الرحمة، هكذا شعرت حين قص عليها رحيم أفعال والدها التي تستوجب القبض عليه لتسقط جالسه على المقعد خلفها وهي تقول بنبرة لا روح فيها:
ـ يا مُري! دا انتوا مش بشر! دا الحيوانات عِنديها رحمة مش عندكوا!
حاول رحيم تهدئتها قائلًا:
ـ إني في نظرك معنديش رحمة. عشان أنتِ مش واجفة مكاني، و لا شايفه اللي أني شفته. لكن في يوم لما توبجى قادرة تسمعيني. هتعرفي اني ايه اللي وصلني للحالة دي، و يمكن كمان تزعلي عشاني.
نجاة بصدمة نتج عنها استنكارًا كبير تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ ازعل علشانك! ده في شرع مين يا عمدة! ابجى اني المدبوحة، و ازعل عشان اللي دبحني!
اقترب رحيم يمسك أكتافها يهزها بعُنف وهو يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ مش يمكن أني ادبحت جبلك!
جذبت نفسها من بين ذراعيه وهي تهتف بشراسة من بين انهيارها:
ـ و أني ذنبي ايه؟ أذيتك في ايه؟ انا مأذتش حد في حياتي واصل. حتى ابوي اللي معرفوش عمري، و مجدراش اروحله. ماهو اوحش منِك. أروح فيكوا فين أني! اللي زيي يروح فين وسطيكوا! يعيش چاركوا ازاي، و أنتوا كيف الوحوش!
قالت جملتها الأخيرة وهي تصرخ ألمًا تراشق بصدره كالسهام، ليُقرر وضع حدًا لمعاناتها و معاناته بعد أن اختار عقابه بنفسه:
ـ إني هجولك يا نچاة. أنتِ هتجعدي اهنه. ست الدار دي، و مرت العمدة جدام الناس كلاتها. لكن بيني وبينك عمري ما هجرب عليكِ، ولا حتى هتعرضلك. لحد ما تاچي أنتِ، و تجوليلي أنك ريداني.
ابتسامة ساخرة لونت ملامحها لتهتف بمرارة:
ـ كيف الغزالة تريد صيادها يا عمدة!
رحيم بنبرة يعج بها الألم:
ـ يمكن لما تعرف أنه اتغدر بيه زيه زيها تجدر تسامحه!
كان حديثه يحمل معانيٍ كثيرة استفزت فضولها ولكن كان قلبها يكتظ بالألم الذي جعلها تعزف عن السؤال، لتقول بجفاء:
ـ موافجة. بس جبل اي حاچة. عايزة اعرِف طريق أمي.
رغمّا عنه عمرته السعادة كونها لن تغادره، ولكن هذا الشرط كان تعجيزيًا بالنسبة إليه لذا قال بحدة:
ـ قولتلك معرِفش. رماح الكلب هو اللي تاواها إني معرِفش مكانها.
في هذه الأثناء رن هاتف رحيم ليجد الضابط محمد يهاتفه، فأخذ الهاتف بعيدًا وهو يُجيب، و سرعان ما برقت عينيه من فرط الصدمة حين سمع حديثه الغاضب:
ـ بدرية برأت رماح، واتنازلت عن المحضر اللي رفعه زناتي ضده, وقالت إنه مكنش خاطفها ولا معذبها ولا حاجة، و رماح دلوقتي خرج يا عمدة!
اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى واللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ♥️
★★★★★★★★
ـ يا ميلة بختك في عيالك يا رضا. يا حوستك السودا يا رضا. كان مستخبيلنا فين دا ياربي!
هكذا أخذت رضا تولول وهي تتوجه إلى غرفة آسيا التي كانت تساندها أشجان لتستلقي فوق مخدعها بتعب تضاعف حين سمعت صوت والدتها، لتربت أشجان فوق كتفها بلطف قبل أن تنظر إلى شروق قائلة بلهفة:
ـ خليكِ جنبها يا شروق لحد ما ارجع.
شروق بهدوء:
ـ متقلقيش عليها.
هرولت أشجان إلى الخارج للحد من عويل رضا إذا قالت بحدة طفيفة:
ـ في أيه يا ماما؟ بتولولي كدا ليه؟!
رضا بنحيب:
ـ كدا بردو يا أشجان. تضحكي على أمك و تلبسيها العمة! بقى أختك تطلق و ترقد في المستشفى و متعرفنيش! اعرف من المخفية مرات عمك!
اكتظت ملامحها بالغضب الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ خلاص يا ماما. اللي حصل حصل، و قولت مخضكيش غير لما اطمن عليها الأول.
رضا بانفعال:
ـ تطمني عليها! تطمني عليها دا أيه! لا هي السنيورة ليها نفس تدلع بعد ما طفشت جوزها و خلته يطلقها! اقول ايه لابوكي! أقول أيه للناس! أودي وشي منهم فين؟
بهتت ملامح أشجان لثوان من الصدمة، و سرعان ما اغتمت ملامحها من حديث والدتها لتهتف بتقريع:
ـ ناس مين يا ماما اللي بتفكري فيهم! مش تطمني على بنتك اللي كانت بتموت الأول، و بعدين تبقي تفكري في الناس! و بعدين بابا راجل عاقل و عارف ربنا، وفاهم أن كل شيء قسمة و نصيب، وهي متفقتش مع كمال و أطلقوا فين الجريمة في كدا!
صاحت رضا مُعنفة:
ـ اتنيلي على خيبتك. ماهو مبوظكوش غير ابوكي. قسمة ايه و نصيب أي! دي عيلة خايبة. بعد ما بقت هانم والكل بيعملها ألف حساب ضيعت الجدع من إيدها، و بكرة لما الناس تعرف هتبقى سيرتها على كل لسان!
ضاقت ذرعًا من هذا التفكير العقيم والذي ضيع منها أزهى سنوات عمرها لتهتف بانفعال:
ـ كفاية بقى تفكيرك اللي هيضيعنا دا. ما تولع الناس. محدش له عندنا حاجة..
صرخت رضا بغضب:
ـ اخرسي. أنا تفكيري اللي مضيعكوا ولا انتوا اللي بنات خايبة قليلة الرباية. كل واحدة فيكوا ليها قصة شكل، أن كنتِ أنتِ ولا هي انيل من بعض. الواحدة اللي متحافظش على جوزها و بيتها تبقى عايزة قطم رقبتها. اوعي من وشي أما اروح أجرجرها من شعرها.
حاولت أشجان منع رضا من الدلوف إلى غرفة آسيا ولكنها دلفت إلى الداخل وهي تناظر آسيا بغضب لتقف أمامها أشجان وهي تهتف للمرة الأولى أمام والدتها بنبرة صارخة:
ـ ارحمينا بقى حرام عليكِ. عايزة تعملي فينا أي! هتستني لما واحدة فينا تجيلك ميته؟ بسببك ضيعت أحلى سنين من عمري مع إنسان حقير وراني العذاب ألوان. كان نفسي مرة تطبطبي عليا و تاخدي حقي لكن محدش كسر ضهري غيرك!
صفعة قوية وقعت على خد أشجان أخرستها أمام طغيان رضا التي قالت بصراخ:
ـ اخرسي. قطع لسانك. دانا اللي اتقطم ضهري عشان اعرف اربيكوا، و دي آخرتها. دا الواحد لو ربى كلب كان نفعه عنكوا.
صرخت آسيا بصدمة:
ـ ماما.
و كذلك شروق بذهول:
ـ بتعملي أيه يا طنط؟!
برقت عيني أشجان وهي تنظر إلى والدتها غير مصدقة لهذه القسوة التي تنثرها كالأشواك في طريقهم، ولكن حتى نظرتها لم تفهمها، فقامت آسيا بالتحامل على جسدها لتنصب عودها الواهن و تتقدم لتحتضن أشجان المذهولة من الخلف وهي تهتف بنبرة تئن وجعًا:
ـ حرام عليكِ ليه كدا يا ماما؟!
رضا بحدة:
ـ متستعجليش يا قلب أمك. دورك جاي. قوليلي يا بنت عزام جوزك طلقك ليه؟
لم تعرف كيف ستخبرها بما حدث، و هي تعلم تمام العلم أنها لن تفهم شيء من ما تشعر به أبدًا لذا اختصرت الأمر قائلة:
ـ متفقناش سوى.
تبلور الجنون في نظرات رضا التي اقتربت تهتف بغضب:
ـ بت أنتِ الكلام دا ميتقاليش. أحنا يا روح أمك مش ولاد ذوات من اللي كنتِ معشراهم. احنا ناس عندنا أصول و العوج دا مش هينفع معايا. انطقي قولي حصل أي خلاه يرميكي الرمية دي!
كانت الإهانة هذه المرة قاتلة بل و أبشع ما تعرضت له في حياتها، فمن المفترض أن تلقي بنفسها بين أحضانها تشكو إليها مُر ألمها ولكنها تقف أمامها كالجلاد، دون أن يرف لها جفنًا من الرحمة، لم تتعلم شيء مما حدث لشقيقتها لذا استجمعت طاقتها المهدورة و اقتربت منها و الشماتة و التشفي يغلفان نبرتها حين قالت:
ـ عرف اني كنت بحب رؤوف قبله، واني روحتله المكتب، وعشان كدا طلقني.
تعالت الصيحات المستنكرة من فم كُلًا من شروق و أشجان من حديثها المُجتز، ولكنها كانت تشتهي الموت في هذه اللحظة، فلم تهرب حين رأت الجنون يتبلور في عيني رضا التي هجمت عليها بالصفعات المتتالية وهي تصرخ باحتقار:
ـ أه يا رخيصة يا كل.... دانا هقتـ.لك و اشرب من د.مك. وطيتي راسنا في التراب. وديني لهخلص عليكِ.
كانت تصيح كالمجنونة و هي تمسك خصلات آسيا بين يديها حتى كادت أن تقتلعها وهي تمطرها بكل أنواع السُباب، بينما حاولت كُلًا من أشجان و شروق تخليصها من بين يدي والدتها، ولكن المثير للدهشة أنها لم تكن تقاوم بل و كأن ما يحدث هو حقّا ما أرادته، فالحياة الآن تشبه استراحة في الجحيم. ستظل تتعذب بها إلى أن تصعد روحها إلى بارئها.
تجمدت فجأة يد رضا المـمسكة بخصلات آسيا وهي ترى الدماء تنبثق من فمها، بينما الأخيرة تناظرها بتشفي تضاعف حين شاهدت نظراتها المذعورة لتهتف كمن مسه الجنون:
ـ وقفتي ليه؟ كملي. كملي لسه فاضل حاجة بسيطة، و تنجحي في اللي أنتِ عايزاه.
كان جسد رضا يرتجف لتُتابع آسيا بابتسامة مرعبة:
ـ ماهو أنتِ مش هترتاحي غير لما تكوني سبب موت واحدة فينا. وقتها يمكن تسيبي التانية تعيش في سلام.
ارتد جسد رضا إلى الخلف و العبرات تتساقط من مقلتيها لتهتف آسيا تحسها على استكمال أفعالها:
ـ تعالي قربي. بعدتي ليه؟ خوفتي! لا متخافيش محدش هيقول انك أنتِ اللي موتيني. بس ممكن يقولوا انك قهرتيني لحد ما موت. عشان السجن و كدا. أنا عايزة ضميرك هو اللي يعاقبك مش حد تاني.
صرخت أشجان بقهر وهي تحتضن شقيقتها:
ـ كفاية بقى. اسكتي.
أخذت تمحي هذه الدماء التي تلوث فمها بينما شروق أتت بالطبيب و طاقم التمريض في الحال ليحملوا جسدها الواهن و يمددوها على السرير ليأمرهم الطبيب بالخروج من الغرفة.
مرت دقائق كانت مرعبة على الجميع و خاصةً رضا التي خرجت كلماتها متقطعة، وكأن الحروف تهرب من فوق شفاهها:
ـ هي أختك مالها! الدم. يعني. اللي. نزل من بقها. هي متعورة!
ناظرتها أشجان بغضب وهي تتجاهل إجابتها ليتولى الطبيب ذلك حين خرج من الغرفة، و على وجهه إمارات الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ افتكر اني قولت لحضرتك أنها مش لازم تتعرض أبدًا لأي ضغط عصبي الفترة دي، وان دا هيأخر حالتها أكتر.
وقعت الكلمات وقوع الصاعقة فوق أذن رضا التي سبقت أشجان قائلة بذُعر:
ـ بنتي فيها أيه يا دكتور!
ـ بنتك يا حاجة عندها قرحة في المعدة، و الموضوع بدل وصل لنزيف يبقى مينفعش نستهون بيه.
شهقت رضا بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ يا قلبي يا بنتي! طب هي حالتها خطيرة! يعني هتموت!
الطبيب بتوضيح:
ـ كلنا هنموت يا حاجة. تعددت الأسباب والموت واحد، و بالنسبة لحالتها فهي طبعًا خطيرة بدل وصلت للنزيف، لكن مع العلاج و اتباع التعليمات الحالة هتتحسن بإذن الله.
رضا بلهفة:
ـ طب و اللي جالها دا سببه ايه؟
ـ في أسباب كتير. ممكن يكون كان عندها جرثومة معدة و متعالجتش صح، و لما اتعرضت لتوتر و ضغط عصبي شديد عملها القرحة، و ممكن تكون بتتبع طريقة أكل غلط لمدة طويلة، أسبابها كتير، واحنا بنعملها التحاليل و الفحوصات اللازمة عشان نفهم ايه السبب!
شروق باستفهام:
ـ يعني الضغط العصبي و التوتر هما السبب في كدا يا دكتور!
الطبيب بتوضيح:
ـ مش سبب مباشر لحدوث القرحة بس عامل مساعد قوي، و خصوصا أن النزيف جه فجأة بدون أي مقدمات. عمومًا الفترة الجاية دي نحاول منعرضهاش لأي ضغط، و نتبع نظام غذائي سليم و كمان في علاج هتمشي عليه. نعرف السبب المباشر، و هنبتدي فورًا بالعلاج.
استأذن الطبيب، فأخذت أشجان تناظر والدتها بلوم لتحاول الأخيرة ايجاد كلمات يمكنها أن تبرر أفعالها الخرقاء ولكنها لم تجد، فالأمر لم يكن تصرف عرضي بل اعوجاج في الفكر جعلها تؤذي حتى اقرب الناس إليها.
ناظرت أشجان باعتذار لم تعبر عنه، و توجهت تنوي المغادرة، لتهتف أشجان بحدة:
ـ على فكرة آسيا مخنتش كمال، واللي حصل بينهم دا سوء تفاهم و أن شاء الله هيتحل. ابقي دوري بقى على عذر تبرري بيه اللي عملتيه فيها.
أنهت جملتها و اندفعت إلى الداخل و خلفها شروق ليطمئنوا على حالة آسيا التي كانت نائمة، فاتخذت كل واحدة مقعدًا لتشرد بينها وبين نفسها فيما تحمله من أثقال تهلك البدن و تشيخ لها الروح، لتقطع شروق الصمت الدائر قائلة بجمود:
ـ على فكرة انا أطلقت من عمر.
شهقت أشجان بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ بتقولي أيه يا شروق!
شروق باختصار:
ـ بقولك اللي حصل.
ـ طب ليه؟ و ازاي؟
شروق بنبرة هادئة رغمًا عن تماوج الألم بصدرها:
ـ عشان مكناش ننفع لبعض من الأول، وقبل ما تقولي أي حاجة. أنا كدا مرتاحه، و على فكرة خالد بيه عارف.
أشجان بذهول:
ـ خالد عارف!
اومأت شروق برأسها وهي تتذكر ما حدث قبل عدة أيام:
عودة إلى الوقت الحالي
ـ تحبي أوديكوا على فين؟!
هكذا تحدث خالد وهو ينظر إلى شروق الجالسة بجانبه، والتي كانت ضائعة لا تعرف ماذا عليها أن تفعل! لتخرج الكلمات من فمها غير مرتبة:
ـ ممكن فندق. أو. لو في مكان بيأجر شقق مفروشة حضرتك تعرفه.
ناظرها خالد بشفقة، وهو يتذكر كم كانت نسمة جميلة و هادئة تشبه شروق كثيرًا لذا استفهم بنبرة هادئة:
ـ أنتِ معندكيش مكان تروحيه أنتِ و جميلة صح!
لأول مرة تعري ضعفها أمام شخص غريب عنها، فقد انفرط عقد الدموع التي فاضت به عينيها لتهتف بنبرة جريحة:
ـ لا عندي مكان اروحه ولا عندي حد ألجأله، و كل اللي عايزاه مكان محدش فيهم يعرفوا عشان اقدر اقف على رجلي من تاني.
خالد بصدمة:
ـ قد كدا أتأذيتي منهم!
شروق بنبرة تئن وجعًا:
ـ أذوني بس! أنا اتكسرت هنا مليون حتة، و مش عارفة هقدر اجمع اللي اتكسر مني تاني ولا لا!
التفت خالد ناظرًا إلى الجهة الأخرى يشعر بألم قوي يشق قلبه من الداخل، وهو يرى هذا الوجع في عيني تلك الفتاة اليتيمة، و شقيقتها التي تبكي في الخلف بصمت، و الأكثر من مؤذي بالنسبة إليه أن من فعل بها هذا الأمر هو أقرب المقربين إليه!
كانت تظن بأنه سيتخلى عنها، في خضم كل هذه النزاعات التي يمر بها لتهتف بخفوت وهي تكفكف عبراتها:
ـ أنا عارفة أن حضرتك أكيد مشغول. ياريت بس توديني وسط البلد، وانا هدور بنفسي...
قاطعتها نظرات خالد الحادة، و كذلك نبرته حين قال:
ـ متخيلة اني ممكن أسيب بنات نسمة يتبهدلوا كدا! أنا هوديكوا على أكتر مكان ممكن تحسي فيه بالأمان طول حياتك.
كان هناك الكثير من الاستفهامات التي تتبلور في عينيها ليقرر خالد إجابتها حين قال:
ـ عارف أنتِ بتسألي انا كنت فين من زمان؟ بس صدقيني دا كان قرار والدتك أنها تبعد عن أي حد في العيلة، و لما تعبت و بدأت تبعت لجدتك كنت أنا في ملكوت تاني. لا شايف و لا سامع ولا عارف حد.
كانت تعلم انه يشير إلى موت زوجته لذا لم تُطيل في الأمر بل قالت بامتنان:
ـ دا نصيب، و شكرًا أنك مش هتتخلى عننا.
أومأ خالد برأسه قبل أن يقود السيارة إلى المكان الوحيد الآمن وسط غابة الذئاب التي يعيشون بها، ليتوقف أمام أحد المطاعم الجميلة رغم بساطته، و التفت إليهم قائلاً باختصار:
ـ استنوني هنا.
توجه إلى حيث تجلس سوزان التي تبلور الحب في نظرتها و نبرتها حين قالت:
ـ أيه المفاجأة الحلوة دي! مقولتش يعني انك جاي! و فين أشجان؟!
خالد بنبرة مُغتمة:
ـ هحكيلك بعدين. المهم. الشقة اللي كانت أشجان ساكنه فيها لسه موجودة!
سوزان بلهفة:
ـ أيوا طبعًا هأجر شقتك من غير ما اقولك! ليه يا خالد؟!
أشار خالد إلى السيارة وهو يقول بنبرة مُشجبة:
ـ في العربية معايا بنتين يتامى. والدتهم قريبتي. شافوا بهدلة و مرمطة محدش شافها، و لما ضاقت بيا و بيهم الدنيا ملقتش مكان أأمن ولا أحن من هنا مكان عشان أجبهم فيه.
شعرت بسحب الحزن تتجمع في عينيه، ولكنه على عادته يتملص منها، ولكنها تخيم على ملامحه و نبرته لتهتف أشجان بحنو:
ـ أي حاجة من ريحتك أشيلها فوق دماغي. روح هاتهم.
خالد بامتنان:
ـ للمرة اللي مش عارف عددها بكون عاجز عن شكرك.
سوزان بحنو:
ـ للمرة اللي مش عارفة عددها بقولك انك ابني. بطل كلامك دا و ناديلي عليهم. أنا اصلا اتحمست أن هيكون ليا جيران جداد.
خالد بابتسامة صافية:
ـ هتحبيهم اوي. أنا واثق من دا.
ـ طب مش هتحكيلي حكايتهم؟!
خالد باختصار:
ـ اسمعيها منهم أحسن.
أشار خالد لشروق لتأتي، و كذلك جميلة لتترجل الفتاتان من السيارة و يتوجهن إلى داخل المطعم الذي كانت رائحته الطيبة تفوح في المكان بأكمله كانت رائحة الخبز الناضج تذكرها بوالدتها مليئة بالدفء الحنان وتفتح شهية المرأ على الحياة، و تثير بداخله احساسًا بالإنتماء و الأمان، وقد كان كل هذا يتبلور في هذه البسمة الصافية التي كانت تلون ثغر سوزان و نبرتها حين قالت:
ـ طول عمرك يا خالد بتيجي و جايبلي الخير معاك.
كانت جملة بسيطة ولكنها وقعها كان عظيماً على صدر شروق التي نبذتها كل الأماكن، و خسرت على كافة الأصعدة، فقط حاولت الظفر بفُتاتها حتى تحاول لملمة الباقي منها، وقد شعرت سوزان بأن هذه الفتاة تكاد تسقط من شدة الوجع الذي تعج بها نظراتها لذا قالت بحنو:
ـ أنا سوزان، و دا مطعمي. مفتوح للحبايب، و الناس الحلوين اللي مبيعيطوش.
رغمًا عنها ابتسمت شروق على حديثها لتقول سوزان بترحاب:
ـ أيوا كدا اضحكي، و تعالي نتعرف وانا بفرجكوا على الشقة، و بالمرة احكيلكوا واحد صاحبنا كان ناقص يجيب كنبة و ينام قدام باب الشقة عشان الأميرة أشجان تحن عليه و تبصله ولو بصة واحدة.
نجحت في رسم الابتسامة على ملامح خالد التي جعدها الحزن، ولكن كان حنان هذه المرأة كبير مما جعله يعتبرها والدته التي حُرِم منها منذ زمن بعيد .
عودة إلى الوقت الحالي
ـ يعني خالد وداكوا عند سوزان. ازاي مقاليش؟!
هكذا هتفت أشجان بذهول قابلته شروق بالامتنان:
ـ دي أحسن حاجة عملها فينا الست دي طيبة أوي، و بعدين أنتِ بتقولي مش عارفة تتلمي عليه من وقت اللي حصل. ربنا يكون في عونه
ـ يارب. على فكرة سوزان دي ملاك ماشي على الأرض. ياريت ماما كانت زيها ولا حتى ربع حنانها و تفهمها. كان زمان حاجات كتير اتغيرت..
هكذا تحدثت أشجان بنبرة مُشجبة لتحتضنها شروق بقوة وهي تقول بمواساة:
ـ معلش يا أشجان. كل واحد و طبعه، و الخالة رضا بتحبكوا بس هي طبعها صعب شوية.
أشجان بسخرية مريرة:
ـ ياريت على قد طبعها صعب! ماما بيفرق معاها الناس و كلامها اكتر مننا. يالا ربنا يهديها.
شروق باستفهام:
ـ قوليلي هي آسيا فعلًا رفضت تاخد الفلوس اللي كمال سابهالها!
أشجان بتعب:
ـ فعلًا، و بيني وبينك دا القرار الصح. بس المشكلة أن هي مينفعش تعيش مع ماما بالطريقة دي، و بابا كمان منعرفش رد فعله أيه لما يعرف باللي حصل، و مينفعش كمان تعيش في الفيلا. معرفش هتعمل ايه؟ انا خايفة عليها أوي.
صمتت شروق تفكر ثم لمعت برأسها فكرة جعلها تهتف باندفاع:
ـ بقولك ايه. ما تخلي آسيا تيجي تعيش معايا أنا و جميلة؟
أشجان بلهفة:
ـ تصدقي فكرة. منها نبعدها عن ماما فترة لحد ما ترتاح، ومنها أكون متطمنة عليها. و كمان سوزان أحسن حد ممكن أأتمنه عليها وهي في الحالة دي.
شروق بشجن:
ـ و اهو نبقى مع بعض و نتسند على بعض بدل ما كل واحدة فينا تقع لوحدها.
اقتربت أشجان تحتضنها وهي تقول بحنو:
ـ بعد الشر عنكوا من الوقوع. يارب ما أشوف فيكوا حاجة وحشة أبدًا
اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَبَرَّأُ مِنْ حَوْلِي وَقُوَّتِي وَأَلْتَجِئُ إِلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، اللَّهُمَّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي♥️
★★★★★★★★★
كانت تقف أمام الموقد تقوم بإعداد الطعام في انتظار ياسر الذي بدأ عمله منذ ثلاثة أيام في أحد المتاجر بقرية تجاور قريتهم، فقد كان صاحب هذا المتجر صديق قوي له وهو يعمل مع جابر، وقد تفهم رغبته في العمل دون الحاجة إلى أي تبرير، و قد ارتاحت كثيرًا حين باشر بالعمل حتى تستقر حياتهم.
طرق قوي على باب المنزل جعلها تتوجه إلى الخارج لمعرفة من الطارق لتتفاجيء حين وجدت صابرين التي كانت تناظرها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت وهي تدفع الباب:
ـ دا اللي سمعته صح بقى! المحروس جابك من البيت الكبير و رماكي في مقلب الزبالة دا!
لم تكن تخطت ما حدث منذ أيام لتجد نفسها وجهًا لوجه مع والدتها والتي كانت تلومها بكل تجبر و قسوة لتحاول غنى كظم غيظها وهي تقول بجفاء:
ـ أنا مع جوزي منين ما يروح. سواء بيت كبير ولا عشة فراخ.
اهتاجت صابرين وهتفت بغضب:
ـ عشة فراخ في عينك يا بت أنتِ. أنتِ اتجننتي ولا جرى لعقلك حاجة! بقى بعد ما كنتِ هانم و عايشة في عز وهنا. جاية تترميلي هنا و تقولي انا مع جوزي منين ما يكون!
غنى بذهول:
ـ هو دا اللي فارق معاكِ! دا أنتِ حتى مسألتنيش ايه اللي حصل ؟
صابرين بغضب:
ـ يحصل زي ما يحصل. مش مشكلتي. دلوقتي الراجل دا اتفق معانا اتفاق، واحنا وافقنا نجوزك له على أساس انكوا هتقعدوا في البيت الكبير. ايه اللي جابك الخرابة دي!
كعادتها تمر من فوق جراحها دون أن تلحظ ألمها مما جعل غنى تهتف بانفعال:
ـ قولتلك أنا مكاني مع جوزي منين ما يروح، وبعدين الخرابة دي عندي احسن ألف مرة من أي مكان تاني.
سخرت صابرين قائلة:
ـ ياختي اتنيلي. مشتهية الفقر اوي كدا ليه؟ مشبعتيش منه! أنتِ ايه يا بت! الراحة بتهرب منك ليه؟ و القرف بيجري وراكِ بمنكاش!
لم تعد تحتمل حديثها، ولازالت كلمات هيام تطن برأسها لتهتف بانفعال:
ـ أنا حرة، و عاجبني حالي كدا. سبيني بقى و ارحميني.
اهتاج غضب صابرين أكثر لتهفت بحدة:
ـ نعم ياختي! أسيبك دا مين؟! دانا هاخدك من ايدك معايا و هتترزعي في بيت أبوكي لحد ما سبع البرومبة يجبلك بيت يليق بيكِ. هو فاكرنا أيه مختومين على قفانا! يالا قدامي.
إلى هنا... ولم تَعُد تحتمل.
فكيف لم تر هذا الخراب الداخلي الذي ينهشها؟
ألم تُؤلمها عيناها حين شاهدت كل هذا الدمار يجتاحها، خلية خلية؟ أي الأمهات هي؟ وبِئس الأمهات هي!
لم تكُن قسوتها صُراخ بل كلمات كالخناجر تقتل ببطء وهي تنظر في عينيها. لم تحاول تصحيح ما أفسدته بل تتابع ما بدأته بكل احترافيه.
كيف تقتل الحياة فيها وهي من تسببت في قدومها إلى هذه الحياة؟!
كان الوجع ابلغ من أن يسرد وأقوى من أن يُحتمل
فالمجروح من أهله لا يمكنه الشفاء أبدًا، وذلك لأن الألم جاء من الموضع الذي يُفترض به أن يكون هو الدواء!
ـ اسكتي بقى. أنتِ أيه؟! أنتِ استحالة تكوني أم. دمرتي حياتي قبل كدا و جاية تكملي على الباقي. أنا عرفت كل حاجة. أنتِ اللي روحتي لهيام عشان تبعد ياسر عني، و خلتيها تعمل عملتها السودا فينا.
كان صراخها يصم الأذان، و يزلزل الجدران من فرط ما يحمله من وجع لتنجرح أحبالها الصوتية وهي تصرخ قائلة
ـ أنتِ السبب في كل اللي حصلي. أنا بكرهك. بكرهك . بكرهك...
برقت عيني ياسر حين دلف إلى الداخل و رأى مظهرها، فقد ارعبه صراخها ولكن حين رآها سرت النيران داخل أوردته ليهرول يحتضن جسدها قبل أن يرتطم بالأرض أمام نظرات صابرين المذهولة ليهتف بلوعة:
ـ غنى..
هتفت غنى من بين انهيارها:
ـ مشيها من هنا. دي عايزة تاخدني منك. عايزة تبعدنا عن بعض.
أخذت شهقاتها تتعالى حتى تأذت أحبالها الصوتيه وهي تتابع:
ـ عايزة تاخد روحي مني. مشيها من هنا ابوس ايدك.
لم تكن تحتاج لأكثر من نظرة من ياسر حتى تخرج، وقلبها لازال أسيرًا لصدمته في رد فعل غنى التي تعلقت بعنق ياسر كالغريق الذي يتعلق بقشة نجاته بينما كان هو يهدهدها كطفلًا صغير، وكل خلية بجسده تنتفض ألمًا على مظهرها وما ألم بهم، فقد تفاجيء اليوم من ناجح صاحب المحل الذي يعمل به يتوجه إليه قائلًا بحرج:
ـ ياسر يا أبني. أنا وشي في الأرض منك. بس انت ملكش شغل عندنا.
برقت عيني ياسر من شدة الصدمة التي شابت لهجته حين قال:
ـ ليه يا معلم ناجح بتقول كدا!
كان الحرج بادٍ على محياه و أيضًا كان الارتباك يتخلل نبرته حين قال:
ـ معلش بقى. أصل أنا. يعني. كنت مواعد واحد قريب الجماعة اني هشغله، و نسيت و لسه الحاجة مفكراني. المهم انك لازم تمشي، و خد دول مساعدة مني مشي نفسك بيهم لحد ما تلاقي شغل.
كانت إهانة قاسية بالنسبة إليه، فهتف بنبرة جافة:
ـ خلي فلوسك انا مش محتاجها. الريس ياسر مبيخدش صدقة من حد.
وضع قبلة دافئة فوق خصلاتها وهو لايزال يحتضنها و شفاهه لا تنفك عن ترديد آيات الذكر الحكيم على مسامعها حتى هدأت، ولكن الوجع لم يفعل ليتساقط من نبرتها حين قالت:
ـ خلينا نمشي من هنا. أرجوك يا ياسر مش عايزة اقعد في مكان قريب منها.
كان حديثها كالجمرات التي تحرق أحشائه من الداخل، ليهتف بنبرة مُتحشرجة من فرط الألم:
ـ متخافيش من حد طول مانا موجود.
رفعت رأسها تناظره بأسى تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنا خايفة على نفسي منهم. نفسي اعيشلي يومين مرتاحة جنبك، لكن بوجودهم حوالينا. أنا مش هستحمل. يا هيموتوني يا هموت نفسي.
ياسر بلهفة:
ـ بعد الشر عنك.
غنى بانفعال:
ـ أنت مش فاهم. دي كانت عايزة تاخدني معاها عشان أنا جيت أعيش معاك هنا. فارق معاها البيت والفلوس وانا لا. ابعدني عن هنا أبوس إيدك.
ياسر بحنو:
ـ طب اهدي يا حبيبتي وانا هعملك اللي أنتِ عايزاه. اهدي..
قام بحملها ليضعها فوق مخدعها وبقى إلى جانبها لبعض الوقت إلى أن غفت ليستمع إلى طرق قوي على باب الغرفة، فذهب لرؤية الطارق ليجده يزيد الذي كانت ملامحه مُغتمة ليرحب به ياسر قائلًا:
ـ تعالى يا يزيد ادخل.
دلف يزيد الى الداخل، وهو يقول باستفهام:
ـ غنى فين؟
ياسر بجفاء:
ـ نايمة.
ـ تعبانه ولا أي؟
زفر ياسر بتعب قبل أن يقول بجمود:
ـ شوية..
يزيد باستفهام:
ـ مالك؟!
تربع ياسر على المقعد خلفه وهو يقول بجفاء:
ـ ناجح طردني من الشغل، و رجعت لقيت غنى بتصوت و منهارة و بتتخانق مع أمها عشان الهانم عايزة تاخدها معاها. بعد ما سبنا البيت الكبير و جبتها نعيش هنا..
سخر يزيد مُستنكرًا:
ـ تاخدها معاها! هي العالم دي كفرة ولا معداش عليهم إسلام ولا ايه؟
ياسر بمرارة:
ـ مبقتش في رحمة في قلوب الناس يا يزيد. تخيل لما غنى تطلب مني و تتحايل عليا أننا نمشي من هنا. عشان متقعش بسببهم.
ناظره يزيد بتفكير ليُتابع ياسر بحنق:
ـ دي اللي هي المفروض أمها! تخيل حد يهرب من أمه!
فاجأه يزيد حين قال:
ـ و أنت كمان لازم تهرب يا ياسر.
التفت ياسر يناظره بصدمة تجلت في استفهامه حين قال:
ـ أنت بتقول أيه يا يزيد!
يزيد بجمود:
ـ بقولك اللي سمعته. خد غنى و أمشي من هنا..
ياسر بحدة:
ـ ما توضح تقصد ايه؟ و ليه بتقول كدا؟!
صمت يزيد يسترجع ما حدث بينه وبين هيام منذ عدة أيام
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ بتضربيني يا هيام!
هيام بصراخ:
ـ لما بعد العمر دا كله و بعد ما ضيعت شبابي عليكوا عايزين تحطوني تحت جزمتكوا يبقى أيوا هضربك يا يزيد!
يزيد بانفعال:
ـ لسه قادرة تتكلمي بعد اللي عملتيه في ياسر و غنى!
هيام بانفعال:
ـ كنت عايزني أسيبهم يدهوسوا علينا و يبهدلوا فينا عشان ست الحسن و الجمال! خلاص مبقاش عندكوا دم!
يزيد باحتقار:
ـ و أنتِ كدا انتقمتي من مين من أمها ولا من ياسر!
هيام بحدة:
ـ منتقمتش. أنا عملت الصح.
سخر يزيد بمرارة:
ـ طب اتبسطي بالصح بتاعك بقى عشان ياسر مبقاش عايز يبص في وشك تاني.
هيام بنبرة جريحة:
ـ عشان واطي. باعني أنا أمه عشان حتة بت أمها بهدلته وراحت باعتها بتراب الفلوس.
يزيد بتصحيح:
ـ قولي كدا بقى. دا اللي عاملك أزمة. بس عارفة ياسر عمره ما هيسيب غنى حتى لو كانوا أهلها شوك. و كمان هو مبقاش محتاجك خلاص، و دا من ضمن الأسباب اللي مجنناكي.
صرخت بملء فمها:
ـ هيفضل محتاجني العمر كله.
لأول مرة يتطور صوته إلى الصراخ حين قال:
ـ غلط. ياسر بنى حياته لنفسه و هيعيش في بيت بابا و هيشتغل و مش لازمه حاجة منك.
بلغ الغضب منها مرحلة الحقد لتهتف بشراسة:
ـ الله في سماه ما هيحصل، و مبقاش هيام الوتيدي لو في باب رزق واحد اتفتحله هنا طول مانا عايشة على وش الدنيا، و ورحمة أبوك و أمك لهخليه هو اللي يجيلي يبكي، مش انا اللي هروحله. وخلينا نشوف مين اللي كلامه هيمشي في الآخر.
عودة إلى الوقت الحالي
أسودت ملامحه من الغضب، و تعاظم الألم بصدره، فلم يكن يتخيل بحياته أن تؤذيه تلك اليد التي كانت تحنو عليه يومًا، ولكنه قرر أنه سيأخذ ثأره على طريقته، و ليتركها فريسة لما صنعته يداها لذا قال بجفاء:
ـ عندك حق. أنا لازم أمشي.
اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم♥️
★★★★★★★
مرتِ الأيام بثِقَلها، بما حملته من صعوباتٍ وأزمات؛ كانت وقودًا للبعض، وجدارًا سميكًا اصطدم به آخرون. وحتى حين مرت لم يكن مرورها عابرًا أبدًا؛ فقد خلفت في القلوب ندوبًا محفورة لا يمحوها الزمن، مهما حاولنا تجميلها أو تجاهل أنينها. تبقى هناك، بأوجاعها الكامنة، كأن القلب مقبرةٌ دُفن فيها الكثير من الذكريات. ذكريات لا تموت، بل تهتاج كلما أرخى الليل سدوله، فيبدأ الحنين بطرق الأبواب كزائرٍ غير مرغوب فيه، يذكّرنا بحقوقٍ لم تُرَدّ، وبأثمانٍ دُفعت من أرواحنا ولم يُسأل عنها أحد بعد.
ـ يالا يا أشجان اتأخرتي ليه؟ الحفلة هتبدأ!
هكذا تحدثت آسيا بتوتر بلغ ذروته، فقد كانت هذه هي أكبر حفلة أقدمت على تحضيرها منذ أن قامت بافتتاح عملها الخاص كمنظمة حفلات، و قد مر عامًا من التعب و الجهد المُضني المبذول في سبيل تحقيق غايتها في النجاح، وها هي الحفلة المرتقبة قد شارفت على البدأ ليأتيها صوت أشجان المرح من خلفها:
ـ أيه رأيك أظن مفيش أسرع من كدا.
التفتت آسيا تعانقها، و كأنها تستمد منها القوة التي لم تبخل عليها أشجان بها، بل هتفت بحبور:
ـ أيه الجمال دا يا آسيا!
آسيا بارتباك:
ـ أنا ولا الحفلة؟!
أشجان بصدق:
ـ أنتِ طبعًا في الأول. و الحفلة كمان التنظيم تحفة ايه الابداع و الذوق العالي دا؟!
شعرت آسيا بالسعادة من حديث شقيقتها لتهتف بأنفاس متقطعة:
ـ بطني وجعاني اوي بجد هموت من التوتر.
أشجان بلهفة:
ـ آسيا. اوعي تكوني مخدتيش الدوا، ولا اتجننتي و شربتي قهوة على الريق! ابوس ايدك أنتِ مش متحملة.
آسيا بملل:
ـ مفيش الكلام دا. أنا متوترة بس عشان راجي بيه طلب مني اني انا اللي هقول كلمة الافتتاحية.
احتضنتها أشجان وهي تقول بتشجيع:
ـ هتبهري الناس كلها أنا واثقة.
كانت بالفعل مبهرة في هذا الثوب الأسود الذي يعانق جسدها باغواء، بقماشته اللامعة و تلك الفصوص التي تزين صدره الذي كان يكشف مقدمة عنقها المرمري، و الذي حاوطته بخصلاتها الطويلة و لم تخفي اكمامه الشفافة بياض ذراعيها بل أظهرته لتبدو غاية في الفتنة تضج بالحياة و الحيوية التي يفتقدها قلبها تمامًا.
ـ شروق و جميلة وصلوا أهم و كمان رنا جاية مع خالد ورايا. يالا اطلعي أنتِ عشان تفتتحي الحفلة و خليكِ واثقة انك أنجح و أحلى و اشطر بنت في الدنيا.
هكذا هتفت أشجان بتشجيع لتناظرها آسيا بامتنان وهي تتوجه حامله فستانها ذو الذيل الطويل لتصعد إلى المنصة، و هي تفرق أنظارها بين مُحبيها لتتلقى النظرات المُشجعة، فسحبت قدرًا كافيًا من الهواء داخل صدرها قبل أن تبدأ في الحديث قائلة:
ـ مساء الخير على حضراتكم جميعًا، سعداء جدًا بوجودكم معنا الليلة في هذا الحدث المميز، حيث يجتمع الجمال مع الإبداع، والرقي مع البهجة، في أمسية نأمل أن تظل عالقة في الذاكرة طويلًا.
نلتقي اليوم لنحتفل بلحظة استثنائية، أُعدّت بكل حب واهتمام، لنصنع معًا تجربة تليق بحضوركم الرائع. نعدكم بسهرة مميزة تجمع بين الجدية والمتعة، وبين الفخامة والضحكة الخفيفة التي تُنعش الروح فحتى أكثر المناسبات رسمية، تحتاج إلى ابتسامة صغيرة لتكتمل.
أهلًا وسهلًا بكم، ونرجو أن تستمتعوا بكل تفصيلة اعددتها انا و فريقي المتواضع من أجل إرضائكم، و رسم الابتسامة على وشوش حضراتكم. ودعونا نبدأ هذه الليلة كما تستحق: بحماس، وووووو
فجأة توقف كل شيء من حولها صمتت جميع الأصوات، اختفى جميع الحاضرين من حولها و انحسرت كل الأضواء على شخصًا واحد سكن قلبها منذ زمن بعيد و غادرها بقسوة كعاصفة لم تغادر إلا بعد أن تأكدت أنها اقتلعت الحياة من جميع الزهور، لقد عاد حبيبها و معذبها عاد كمال....
يتبع....
ملحوظة البارت كان هينتهي على مشهد أن ياسر هيمشي بس مردتش أشلكوا و قولت يا بت دوسي و متسميش عليهم دول حبايبك 😂
و دا سبب تأخيري زودت ٢٠٠٠ كلمة عشان البارت الجاي يكون ضرب نار 🙈
أتمنى ان البارت يكون على مرضي و يشفعلي في التأخير بس والله حبيت يكون طويل و مليان ♥️ بالإضافة أن امتحان فارس بتاع الهاي ليفل بكرة و طول اليوم بنذاكر دعواتكوا ليه بحبكوا ♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل السابع وخمسون 57 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الرابع ❤️🔥
أتذكُر ليلة فراقنا المجيدة؟ تلك الليلة التي أطلقتُ فيها سراح آخر أمل لي في عشقك، بينما غادرتَ أنت بلا التفاتة، بلا رحمة، غير مبالي بالقلب الذي تصدع حتى العجز. يتشرب وجعه بصمت ثقيل و كأنه لوحة صامتة بعنوان: امرأة اختزلت العالم أجمع برجل، و خذلها بحجم العالم.
في تلك اللحظة أقسمت، وأنا أجمع رماد روحي، أن يأتي يوم أقتلعك فيه من أعماقي اقتلاعًا، وأمحوك كما تُمحى الندبة حين يكف الألم عن الاعتراف بها.
وها نحن نلتقي بعد عامٍ كامل من الاحتراق و النجاة،
أنت الآن تهواني، وأنا ما عدت أراك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
لحظات من الصمت الذي كان مليء بالضجيج مرت عليها، ضجيج كان منبعه قلبها الذي أهتاجت دقاته، و كأن أحدهم أشعل فتيل النيران بين جدرانه حين وقعت عينيها عليه.
كانت رؤيته الليلة تحديدًا آخر شيء توقعته في حياتها علمًا بأن هناك شعور قوي بداخلها يهاجمها منذ الصباح أن هذه الليلة لن تكون عادية أبدًا، و لن تمر مرور الكِرام، و ها قد صدق حدسها، و عاد الغائب الذي لم يغب يومًا عن ذاكرتها. عاد وهي بقمة نجاحها الذي كلفها الكثير من الدمع و الدماء حتى تصل إليه، لذا لن تسمح بهدم ما وصلت إليه.حتى لو تمزق قلبها لأشلاء ستقف على أطلاله وتُكمل ما بدأته.
أفلتته عينيها لتنتقل إلى أشجان التي كانت مبهوته كليًا حين رأته للحد الذي جعلها تستند على خالد وعينيها لا تفارقان كمال الذي بدا و كأنه يتطلع إلى عالمٍ آخر خالي تمامًا منها، فقد كان باردًا لا مُباليًا، وكأنها شيئًا لا يعنيه!
تناحرت أنفاسها و بدأ الألم بالإعلان عن نفسه لتتقلص ملامحها و أوشك جسدها خيانتها، ولكن هناك من البعيد أتت نظرة دعم كانت في أمس الحاجة إليها، والتي كانت من سوزان و كعادتها الدائمة تأتي في أكثر الأوقات التي تحتاجها. و لذلك ابتسمت بهدوء يكمن خلفه عاصفة هوجاء جعلت نبرتها مبحوحة بعض الشيء حين قالت:
ـ و الآن أترككم مع رجل الأعمال الأشهر في الشرق الأوسط الراعي الرسمي لحفلنا الليلة ورئيس مجلس إدارة النجار جروب، الرجل الذي آمن بفكرته، و حول حلمه إلى حقيقة، وها نحن نحتفل بنجاحه الليلة. رحبوا معي بالمهندس راجي النجار.
أنهت جملتها تزامنًا مع اقتراب راجي منها ليقترب و يُصافحها بحرارة قبل أن يتمتم مازحًا:
ـ أحرجتيني والله يا آسيا. متوقعتش انك بتعرفي تقولي كلام حلو.
ابتسمت بمجاملة، فقد تفاجئت من تلك الكلمات التي لا تعرف لما زينت بها حديثها عنه ولكنها خرجت منها دون أن تعي، فقد استفزتها نظراته الجامدة، و قررت تحريك الرماد قليلًا، أملًا في اشتعال جذوة النيران من جديد!
و لكن هل يمكن لما مات أن يحيا من جديد؟!
كان يقف على بُعد أمتارٍ منها، تلك المرأة التي لم تُحرقه فحسب، بل أطفأت وهجه. هو الذي ظن بأنه نارًا أزلية، لا تُمس ولا يجرؤ أحد على حرقها، جاءت هي، فانتزعت قلبه من بين ضلوعه، وألقته حيًا في أخدودٍ مكتظ بالجمر، مغمورٍ بالانتقام، و
قيح الخيانة.
هو الذي لم تُخترق حدوده قط، تسللت إليه كالسُم، بهدوء دون ضجيج. اقتحمت برجه العاجي لا بالقوة، بل بالنعومة الماكرة، تلوّنت كالحرباء، و التفّت كالأفعى حول قلبه، حتى أحكمت قبضتها على قلعته المنيعة، ثم ببرودٍ قاتل دفعت به من قمتها بلا تردد، ليجد نفسه كمحارب خسر في معركته مع الحياة، فهام في الأرض جريحاً، كسيرًا، دون مأوى ولا وطن، ولكنه عاد. و ينوي أن ينتزع كل ما سُرِق منه، دون أن تأخذه شفقة أو رحمة بأي أحد.
ـ أنت كنت عارف أنه راجع!
هكذا تحدثت أشجان بجانب أذن خالد بنبرة ترتجف من فرط الغضب و الخوف ليربت بحنو على كتفها وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ تقريبًا!
ناظرته بعتب تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ و ليه مقولتليش يا خالد؟
خالد باختصار:
ـ عشان مالوش لزوم.
أشجان باستنكار يخيم عليه الصدمة:
ـ مالوش لزوم! دا أنت شفت بعينك هي اتبهدلت ازاي! على الأقل أنبهها...
خالد بحدة طفيفة:
ـ ولما تنبيها. تفتكري كانت هتقدر تقف على رجليها قدام الناس زي ما وقفت كدا!
أعطته الحق في حديثه، فهي رأت كم كانت آسيا متوترة قبل أن تصعد إلى المنصة، وعلى الرغم من ذلك ذمت شفتيها وهي تناظره بغضب و تتخذ موضع الخصام لتلون ابتسامة عذبة ثغره قبل أن يتمتم بجانب أذنيها بنبرة عابثة:
ـ أفهم من كدا أن عندي سهرة صُلح للصبح النهارد؟
نجحت كلماته في رسم ابتسامة خجلة على شفتيها، ولكنها حجبتها عنه وهي تنظر إلى الجهة الأخرى تجاه رنا التي كان القلق يُخيم على محياها لتمد أشجان يدها وتهندم خصلة شاردة من خصلاتها وهي تقول بحنو:
ـ أيه القمر دا بس؟
التمعت النجوم في سماء عينيها وهي تقول بلهفة:
ـ بجد يا مامي شكلي حلو!
أشجان بتأكيد:
ـ طبعًا يا روحي شكلك زي القمر.
ابتسمت الصغيرة بسعادة وهي تعانق أشجان التي عانقتها بحب قبل أن تلتفت ناظرة إلى سوزان وهي تقول بقلق:
ـ تفتكري اللي جاي خير!
سوزان بغموض:
ـ مفيش حاجة بتحصلنا مبتكونش خير. احنا بس اللي لازم نفهم أن مش شرط الخير يكون على هوانا.
أشجان بنبرة مُشجبة وهي تناظر آسيا التي تقف من بعيد بابتسامة مشرقة تناقض الألم في عينيها:
ـ انا خايفة عليها أوي النهاردة. خايفة لا تقع مننا تاني.
ربتت سوزان على يدها بلطف قبل أن تقول بتقريع:
ـ نفسي تبطلي خوف شوية. جبتلنا ذعر لا إرادي. ماهي البنت زي الفل أهي، و واقفة قمر اربعتاشر. بنتي جدعة مش خرعة زيك..
ناظرتها أشجان بابتسامة ممتنة، فقد كانت هذه المرأة السبب بعد رحمة الله لاستعادة شقيقتها ثقتها بنفسها و حياتها من جديد.
بينما كانت سوزان تمثل الجمود و داخلها يحترق خوفاً على تلك الفتاة التي ارتمت بين أحضانها ذات يوم وهي تصرخ من فرط الألم الذي أطفأ وهج الحياة في ملامحها و قلبها، و بشق الأنفس استطاعت أن تعود للحياة من جديد
وهنا تذكرت ذلك اليوم الذي جاءت إليها آسيا برفقة أشجان و شروق.
عودة إلى وقتٍ سابق
كانت تُعِد أحد فطائرها المفضلة و هي تدندن مع فيروز
يا حبيبي الهوى مشاوير، وقصص الهوى مثل العصافير، لا تحزن يا حبيبي إذا طارت العصافير
وغنية منسية ع دراج السهرية
رجعت الشتوية
رجعت الشتوية
ضل افتكر فيي، ضل افتكر فيي
رجعت الشتوية
يا حبيبي الهوى غلاب
عجل وتعى السنة ورا الباب
يا حبيبي الهوى غلاب
عجل وتعى السنة ورا الباب
شتوية وضجر وليل
وأنا عم بنطر على الباب
ولو فيي يا عينيي خبيك بعينيي
رجعت الشتوية..
ـ سيدي يا سيدي على الروقان..
هكذا تحدثت أشجان وهي تقترب من سوزان التي التفتت ناظره إليها بحب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ الواحد بس يشوف الوش الحلو دا يروق على طول.
أشجان بحب:
ـ والله انا اللي لما بشوف وشك برتاح، و بطمن.
سوزان بهدوء:
ـ بس عنيكِ بتقول انك مش مرتاحة ولا مطمنه. مالك؟
سحبت قدراً كبير من الهواء داخلها قبل أن تقول بنبرة مُشجبة:
ـ آسيا. حالتها صعبة أوي، و بالعافية قدرت اقنع بابا أنها تقعد مع شروق شوية لحد ما نفسيتها تتحسن. مش عيزاها تصطدم بماما تاني. بيني وبينك انا مش هقدر أجازف اني اسيبها معاها لوحدها.
سوزان بتعقل:
ـ كل واحد فينا له طبع يا أشجان، و ممتك بتحبكوا مفيش خلاف على كدا. بس هي طبعها حاد شوية. عقليتها و تفكيرها جايين من زمن تاني، فبلاش تلومي عليها هي دي دماغها و دا تفكيرها، و في زمنها كانت كل حاجة لسه بخيرها.
أشجان بتعب:
ـ عادي بقى. ربنا يهديها. أنا عن نفسي مبقتش بزعل منها.
سوزان بهدوء:
ـ دا اللي مفروض يحصل. محدش يزعل من أمه. خلينا دلوقتي في آسيا طمنيني هي عاملة أي؟
أشجان بحزن:
ـ ساكتة. بس عينيها بتقول كتير.
ـ طيب استني انا عملتها حاجة خفيفة كدا تاكلها و بعدين تريح. يالا نروح نطمن عليها.
و بالفعل قادتها أشجان إلى الشقة المجاورة التي تمكث بها كُلًا من جميلة و شروق لتقابلهم الأخيرة بابتسامة هادئة و نبرة تشبهها حين قالت:
ـ أيه الريحة الحلوة دي يا سوزي؟
سوزان بمزاح:
ـ أهو أنتِ اللي حلوة.
كانت آسيا تجلس على الأريكة تستند برأسها إلى الخلف مغمضة العينين لتقترب أشجان منها قائلة بحنو:
ـ آسيا. سوزي جاية تسلم عليكِ.
فتحت عينيها و التفتت إلى سوزان التي هالها رؤية كل هذا الألم الذي يحتل ملامحها على الرغم من أنها لم تراها سوى مرة واحدة يوم زفاف أشجان و خالد، ولكنها أشفقت على ملامحها الجميلة من هذا الوجع الذي تحمله لتقترب منها قائلة بحنو:
ـ حمد لله عالسلامة يا حبيبتي.
آسيا بنبرة مُتحشرجة:
ـ الله يسلمك يا طنط. تسلميلي.
زمت سوزان شفتيها وهي تقول بتقريع:
ـ طنط! قوموا البنت دي مشوها من هنا. دي بتقولي يا طنط!
ابتسمت الفتيات على حديثها و من بينهم آسيا لتهتف شروق بمُزاح:
ـ معلش لسه نزيلة جديدة يا سوزي.
سوزي بمُزاح:
ـ لسه متعرفش القوانين يعني. بصي بقى عشان نبقى على نور. قواعدنا هنا مفيهاش استثناء. مش معنى انك حلوة و جميلة كدا أننا هنسكتلك لا! انا شديدة اوي مع النُزلاء بتوعي.
ابتسمت آسيا و لم تعلق لتُتابع سوزان بحدة مُفتعلة:
ـ و ممكن أسامح على اي حاجة إلا كلمة طنط دي، و مابحبش الناس الكشرية. أنا و النكد مبنجتمعش في مكان.
آسيا بنبرة حزينة:
ـ يبقى انا كدا ماليش مكان هنا.
مدت سوزان يدها لتربت فوق كتفها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ المكان هنا و سُكانه تحت أمرك، و أن مشالتكيش الأرض نشيلك جوا عنينا.
في السابق لم تكن ممن يؤثر بهم الحديث كثيرًا، ولكنها الآن كانت في أمس الحاجة للحظة حنان واحدة تربت على جراحها لتهدأ، فتجمعت العبرات في مقلتيها قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ شكرًا أوي على كلامك الحلو دا.
سوزان بهدوء:
ـ دا مش كلام يا حبيبتي دي حقيقة. احنا هنا كلنا أهل، و أنتِ بنت من بناتي، ولو احتاجتي أي حاجة أنا موجودة.
كانت تريد البكاء أو الصراخ ظنًا منها أن هذا قد يُفيد في تهدئة آلامها ولو قليلًا، ولكنها كعادتها لم تُفصح عن مكنوناتها، بل اكتفت بعبارات شُكر هادئة لتقوم سوزان بجذب صينية الطعام الشهي و طبق من الفطائر الشهية و وضعها أمامها وهي تقول بحنو:
ـ أنا جهزتلك أكل خفيف، تاكلي و تاخدي دواكي و تدوقي الفطيرة الحلوة دي عملتها بإيديا هستنى رأيك فيها.
ابتسامة ساخرة شقت جوفها وهي تستمع إلى كلمات سوزان التي أصابت وترًا حساسًا بداخلها لتهتف بتهكم مرير:
ـ أنتِ لو قاصدة توجعيني مش هتعملي كدا. فطيرة و غدا دا أنا امي معملتيش كدا! مفتكرتنيش أصلًا! بقولك أيه خدي أكلك، و حاجتك معاكِ أنا مش عايزة شفقة من حد.
دون أن تدري تساقطت العبرات من مقلتيها وهي تتحدث لتمتد يد سوزان و تمحو عبراتها وهي تتجاهل كلماتها التي تبدو قاسية لتقول بهدوء:
ـ مفيش بنات كبيرة تعيط زي العيال الصغيرة كدا، و مينفعش حد يقدملنا حاجة و نرفضها حتى لو وحشة. تدوقي و تقولي الله يا سوزي تسلم إيدك إيه الجمال دا.
اصطدمت بتقبل سوزان لكلماتها وسعة صدرها لتصمت غير قادرة على الرد، فتابعت سوزان بنبرة مُتحشرجة بالبكاء فقد آلمها حال آسيا كثيرًا:
ـ أنتِ مش محتاجة شفقة من حد. أنتِ أحسن بنت في الدنيا، حتى لو الدنيا ضغطت عليكِ شوية. دا عشان تخرج أحسن ما فيكِ. زي الفطيرة دي بالظبط. اتعجنت كويس، و اتسابت عشان تخمر، و بعد كدا حطناها تحت درجة حرارة عالية أوي عشان تبقى بالجمال دا. خليكِ جدعة، و اوعي تستسلمي. خلي الضربة اللي متموتكيش تقويكِ، و تخرج أحسن ما فيكِ. أنا عارفة انك تقدري تعملي دا.
اندفعت العبرات من بين مآقيها كالفيضان الذي اجتاح ثباتها دون أي مقاومة منها فقد كانت مهزومة، متعبة، تخلى عنها كل شيء حتى إرادتها لتهتف بنبرة تتقطع لها نياط القلوب:
ـ بس أنا مش قادرة آخد نفسي. حاسة في ألم في قلبي بيموتني بالبطيء. بحاول اتجاهل، و اقول هتعدي الاقي دموعي سبقاني، و كإن روحي بتنزف لحد ما هتتصفى و أموت وانا بتعذب.
شاركها الجميع في نوبة البكاء الحارة التي أنخرطت بها، ولكن سوزان استغلت ذلك لتحاول تهدئة هذا الألم قليلًا حين قالت:
ـ و ليه تتجاهلي! عيطي و صرخي لحد ما تخرجي كل الطاقة اللي جواكي. فرغي شحنة الألم و الخوف اللي مالية قلبك عشان يرتاح. خدي وقتك في الزعل. الجرح مبيطيبش لو قفلنا عليه و عملنا نفسنا مش واخدين بالنا منه.
صمتت ثوان لتمتد يدها تمحو عبراتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ عالجيه، وهو هيطيب واحدة واحدة. ربنا خلق النسيان عشان رحيم بينا متفكريش انك لوحدك اللي موجوعة. بس آخرة الوجع أيه؟ هنموت! لا. هنقف و نكمل لحد ما نلاقي ألف سبب نفرح عشانه.
آسيا بحزن:
ـ معتقدش اني ممكن افرح في يوم!
سوزان باستفهام:
ـ أنتِ شايفة انك تستحقي تفرحي!!
تذكرت ذنبها العظيم لتخفض رأسها بندم، ولكن سوزان لم تُمهلها الفرصة بل وضعت أناملها فوق ذقنها ترفعة بقوة اجتاحت نبرتها وهي تقول:
ـ تستحقي. أنا اللي بقولك دا. أنتِ تستحقي كل الفرح اللي في الدنيا. حتى لو غلطي. كلنا بنغلط دي صفة بشرية. المهم نتعلم، و نتجنب الأخطاء وحتى الطباع اللي وصلتنا أننا نغلط.
تخدرت أوجاعها قليلًا و هدأت نوبات الألم لتهمس بخفوت و نبرة يغلب عليها الامتنان:
ـ عندك حق. مش عارفة أشكرك ازاي!
سوزان بمُزاح:
ـ تقوليلي رأيك في الفطيرة بتاعتي. أو لا رأيك أيه تقوليلي حلوة على طول حتى لو معجبتكيش.
ابتسمت آسيا على جملتها و قالت بامتنان:
ـ حلوة عشان منك. كفاية انك تعبتي نفسك و عملتيها.
سوزان بحنو:
ـ أنتِ تستاهلي. يالا امسحي دموعك مش عايزة خيابة و بنات مايصة بتعيط على الفاضي و المليان. دا أنتِ غلبتي أشجان في النكد.
قالت جملتها الأخيرة بحدة مفتعلة لتتعالى قهقهات الفتيات على حديثها لتقترب أشجان تحتضنها بقوة وهي تقول بمُزاح:
ـ انتوا عملتوني ماركة مسجلة في النكد ولا أي؟ لا دانا بقيت فرفوشة.
سوزان بفخر:
ـ البركة في ابني الغالي.
ابتسمت أشجان لتلتفت سوزان إلى آسيا قائلة بمُزاح:
ـ خلاص بقينا أصحاب؟
آسيا بابتسامة هادئة:
ـ بقينا أصحاب.
سوزان بحنو:
ـ طب تعالي في حضني بقى..
لم يكن عناق بل قلب اشتهى أن يتكيء على جدار من الحنان لا ليسنده فقط بل ليحنو على فتاته حتى يستطِع لملمتها و البدأ من جديد.
عودة إلى الوقت الحالي
حاولت سوزان تجاهل تلك الغصة في صدرها وهي تنظر إلى آسيا بابتسامة مُشجعة، قبل أن تحين منها إلتفاتة إلى كمال الذي كانت تترقب عودته، ولكنها كانت تتمنى لو أنه يعود وهي في أبهى صورها حتى يُدرك أنها انثى لا تتكسر بسهولة حتى لو أضناها الوجع. و هاهو يعود هو الآخر ممزق من الألم، ولكنه يحسن ارتداء قناع الصلابة، و اللامُبالاة و ربما القسوة!
احتارت في تفسير قدومه في هذا الوقت بالذات.
ترى هل جاء ليهدم؟ أن ليُعيد بناء ما هدمه رحيله!
ـ ياترى صدفة ولا مقصود!
هكذا تحدث خالد إلى جانب كمال الذي قال بنبرة لامُبالية:
ـ هو أيه؟
يعرف تلك النظرات القاسية التي تنبعث من عيني شقيقه، و التي توحي بأن ما مر به لم يكُن سهلًا فقد أعلن حربه على كل شيء أودى به إلى هاوية الألم التي أصقلته كما تصقل النيران الحديد لكنه لم يُفصح عن شيء فقط قال بصراحة:
ـ انك تيجي الحفلة بتاعت آسيا!
مضى وقتٍ طويل منذ أن شعر بأن الألم يكاد يكسره، والآن تغلب على آثاره واعتاد عليه لذا لم يهتز عند ذكر اسمها ولا حتى رؤيتها لذا قال بملل:
ـ أنا هنا في مصر من أسبوع و أنت عارف دا، و كمان راجي كان زميلي في الجامعة، و بعتلي دعوة لحفلته، و بالمناسبة الدعوة كانت باسمه.
أومأ خالد برأسه، وقد أدرك أن تنصل شقيقه من أي شيء يخصها لهو بادرة تبعث على الراحة على الأقل في الوقت الراهن، فقد رأى بعينيه مدى معاناتها طوال الاثنى عشر شهرًا الماضيين، وهو ما جعله يخبر سوزان لتأتي إلى الحفل الليلة.
خالد بحبور:
ـ أحسن حاجة عملتها انك رجعت.
التفت كمال يناظره بابتسامة هادئة مُمتنة قبل أن يقول بنبرة جافة:
ـ من بكرة هنزل الشركة. مجمع المستشفيات اللي انتوا ناويين تعملوه محتاج كل الورق بتاعه والميزانية المبدئية عشان اشوفها الأول لو فيها تعديل.
خالد بعملية:
ـ هتلاقيها على مكتبك الصبح.
بدأ الحفل برقصة هادئة، لتستغل آسيا ذلك و تتوجه بخطٍ حاولت أن تكون ثابتة متجاهلة وجوده الطاغي و إشباع رغبة مُلحة داخلها في النظر إلى داخل عينيه، لتمر به وكأنه مجرد شبح لرجل زعزع وجوده أوتار قلبها، و ألقت بنفسها بين ذراعي سوزان التي تلقتها بقلب رحب، و عانقتها بكل ما تمتلك من حب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بنتي. حبيبتي. فخورة بيكِ أوي.
تشبست بها كما يتشبث المرأ بآخر خيط يربطه بالحياة لتهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ حاسة اني مش عارفة أتلم على نفسي. هو هنا صح!
سوزان بخفوت:
ـ هو هنا و بيبص عليكِ، و مش هو بس. كل اللي في الحفلة، يبقى نجمد كدا و نفضل جدعان لحد النهاية. افتكري أنك تعبتي لحد ما وصلتي للحظة دي.
سحبت قدرًا كافيًا من الهواء داخلها قبل أن تقول بنبرة مُرتجفة:
ـ بطني وجعاني اوي، و نفسي أملي عيني منه و اقف قدامه و أقوله إني اتوجعت منه و عشانه أوي.
تراجعت سوزان عنها لتنظر إلى داخل عينيها بحُب تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ ينفع تعتبريه مش موجود! الليلة دي بس، و بعدين هييجي الوقت اللي تقولي و تعملي فيه كل اللي أنتِ عايزاه. الصبر.
أشجان بتشجيع:
ـ اسمعي كلام سوزي، و كأنه مجاش.
اقتربت شروق تعانقها بقوة وهي تقول:
ـ قلبي يا سيسو. فرحانه بيكِ أوي.
عانقتها آسيا بقوة، وهي تقول بتوتر:
ـ احضنيني أوي.
شروق بتشجيع:
ـ اجمدي كدا. هو جاي النهاردة عشان يهد اللي أنتِ بنتيه! و أنتِ اوعي تسمحيله يعمل كدا.
كانت أكثر من يعلم بخطأها، ولكن ذبحها الفراق دون أن يمنحها الفرصة للدفاع عن نفسها، وهو ما لم يرتضيه قلبها أبدًا لذا حاولت أن تستمد الشجاعة من حديثهم لتقول بتصميم:
ـ حاضر.
ـ بقى بتعاكسيني قدام الناس كلها و جاية دلوقتي تديني ضهرك!
كان هذا صوت راجي المرح من خلفها لتلتفت آسيا تناظره بابتسامة باهتة و أجابته بنبرة يشوبها الارتباك:
ـ أبدًا والله. حضرتك تستحق اكتر من كدا بكتير.
كانت عينيه في مكانٍ آخر تحديدًا على ملامح شروق التي كانت جميلة بصورة خاطفة للأنفاس أو لأنفاسه هو ليبتسم وهو يوجه حديثه إليها قائلًا:
ـ طب ناخد رأي شروق بما أنها السكرتيرة بتاعتي؟
غمرها الإحراج لتقول بخفوت:
ـ حضرتك تستحق اكتر من كدا بكتير. أه اعرفك. دي سوزي اللي حكيت لحضرتك عليها.
قالت جملتها الأخيرة وهي تُشير إلى سوزان ليلتفت إليها راجي قائلًا باحترام:
ـ أهلًا بيكِ يا مدام سوزان. نورتي الحفلة.
سوزان بلُطف:
ـ ميرسي لذوقك. الحفلة منورة بالناس الجميلة اللي فيها.
في هذه اللحظة كان كمال يناظرهم بأعيُن حادة لا يفلح في كبح أسهمها وهو ينظر إلى ظهرها و يرى ابتسامات راجي المتبادلة بينهم، والتي كانت تخصها أكثر من أي أحد، وقد بدأ الغضب يتشعب إلى أوردته رغمًا عنه، فالعاشق يمكن إخفاء سنوات من العشق، و يسقط أمام لحظات من الغيرة، ولكنه لم يكُن يدري أنها كانت ترتجف من فرط التوتر الذي تحاول تجاهله، و لكنه تمكن من جسدها لتشعر برغبة مُلحة في التقيؤ، فاعتذرت منهم بلُطف، و توجهت إلى المرحاض حتى تنفث عن ألمها الداخلي، فالتفتت سوزان قائلة إلى أشجان بقلق:
ـ روحي ورا أختك اطمني عليها.
شعر راجي بالتوتر السائد ليقترب من شروق مستفهمًا:
ـ هي آسيا متوترة شوية و لا أنا بيتهيقلي؟!
شروق بقلق:
ـ هي فعلًا متوترة.
راجي بانتباه:
ـ في مشكلة ولا أيه؟
ناظرته شروق بتردد ليهتف بطمأنة:
ـ شروق أنتِ عارفة كويس أوي انك غالية عندي، و آسيا كمان، ولو في مساعدة أقدر أقدمها مش هتردد لحظة.
تعرف كم أنه شخص مُهذب، فمنذ ذلك اليوم الذي أوصى به خالد لتعمل عنده، وهو لا ينفك يُثبت لها أنه من الأشخاص الذين يمكن للمرء الاعتماد عليهم.
ـ كمال الوتيدي هو طليق آسيا، و تقريبًا من وقت ما أطلقوا وهي مشافتهوش، و اتصدمت لما شافته دلوقتي.
راجي باندهاش:
ـ معقولة! دا كمال كان زميلي في المدرسة، انا قابلته في الطيارة بالصدفة وانا راجع من إيطاليا.
تذكر تلك الجملة التي أخبره كمال بها وهم عائدين إلى أرض الوطن:
ـ مكنتش رحلة عمل. كانت رحلة علاج من مرض الشفا منه مستحيل.
راجي بحماس:
ـ أوبا. مرض مالوش علاج يبقى الحب. أنا بايني غبت كتير ولا ايه!
كمال بنبرة مُشجبة:
ـ أنا كمان غبت كتير، و ياريته بفايدة.
ـ سرحت فى ايه؟
هكذا استفهت شروق حين وجدته يشرد إلى البعيد ليتحمحم قائلًا بلامُبالاة:
ـ لا ولا حاجة. طيب أنا هروح اسلم عليه و ارجعلك
شروق بلهفة:
ـ متجيبش سيرة آسيا معاه.
راجي باندهاش:
ـ كمان هتقوليلي اقول لصاحبي ايه و مقولش ايه؟
شروق بحرج:
ـ أنا آسفة مقصدش.
راجي بغزل مُبطن:
ـ أنا عارف. بس بحب ارخم عليكِ. تقريبًا عشان بتبقي زي القمر وأنتِ مكسوفة كدا.
اخفضت رأسها بخجل، فهي ترى بعينيه ما يُخيفها ولكنها تتجاهله من فترة ولا تعرف إلى متى!
ـ ازيك يا خالد باشا عامل ايه؟
هكذا تحدث راجي مُرحبًا بخالد الذي أجاب بنبرة خشنة:
ـ أهلًا يا راجي. حمد لله على سلامتك.
ـ الله يسلمك. اومال فين كمال! عرفت أنه جه و بدور عليه مش لاقيه!
طافت عيني خالد في الحفل، فلم تجده و كذلك آسيا التي هدأت ثورة جسدها قليلًا لتخرج من المرحاض، وهي تحاول تنظيم أنفاسها، و هي تضع يدها فوق معدتها و كأنها تواسيها عن الألم الذي يجتاحها بشراسة، و في هذا التوقيت كان كمال يُتهي مكالمة طارئة وهو يقول بجفاء:
ـ اتصرفي لحد ما آجي.
أنهى كلماته تزامنًا مع اصطدام عينيه بآسيا التي كانت تلتقط شيء ما من النادل و تبتلعه ثم تمسك بكوب من المياة لترتشف بعض القطرات، وقد استرعى انتباهه هذا الأمر للحظات قبل أن يُعنف نفسه بأن هذا الأمر لا يُعنيه، و قد قرر الدلوف إلى الداخل دون أن يُعيرها أي اهتمام، ولكن للقدر رأيًا مغايرًا دائمًا، فحين التفتت لوضع الكوب على الطاولة المجاورة اصطدمت بذلك الجسد القوي الذي أصبح نحيفًا عن السابق، و اكثر صلابة، وقد كانت على وشك الوقوع لولا يد قوية اعتقلت خصرها بقسوة لتمنعها من الوقوع، وياليته ما فعل!
فكل شيء على قلبها أهون من تلك النظرة الباردة كالصقيع التي شملها بها قبل أن يتركها و كأن وجودها لا يعني شيء بالنسبة إليه، وكم آلمها ذلك كثيرًا، ولكنها لن تسمح لوجودها أن يكون عابرًا و ستتخلص من هذا الثُقل بداخلها و إلى الأبد لذا هتفت قائلة:
ـ كمال.
كان يُعطيها ظهره متوجهًا إلى الحفل، وكأن كلمتها ارتطمت بحائط صد، فعادت إليها خائبة، وقد كان تجاهله لها إهانة قاسية ربما أقسى من ألمها الداخلي، فهاهو يتجاهلها للمرة الثانية، ولكنها لن تسمح بذلك.
كان في طريقه إلى الحفل وهو عازمًا على تجاهلها وكأنها مجرد سراب، فحتى ارتجافة صوتها وهي تناديه لم تؤثر به، و قد نسى أو تناسى أن هذه المرأة قادرة على قهر ثباته و إضرام الدهشة بداخله ببراعة، وقد كان، فحين كاد أن يقترب من باب القاعة تفاجيء بها تقف أمامه حتى كاد أن يصدمها ليتوقف على بعد إنشات قليلة منها، وقد كان هذا ما لم يتوقعه، فتبدد الجمود في نظراته إلى ذهول لحظي تحول إلى غضب حين سمعها تقول:
ـ احنا لازم نتكلم.
أول ما فكر به هو أن يصفعها بقوة حتى لا تفرض وجودها مرة آخرى عليه، فقد كان بالكاد يتحكم بقلبه الجريح المُشتاق، و الذي لم يتخطى طعناتها التي غرستها بقلبه ذلك اليوم، ولكنه استخدم ماهو أقوى من الضرب، اختار صفعها بالتجاهل قبل أن يرميها بنظرة ساخرة، ثم تجاوزها و ذهب إلى الداخل، و كأن قلبه لم يدق بقوة لأجلها، وقد كان هذا اقسى ما قد تحتمله لذا لم تحاول قمع تلك العبرات التي تدافعت بقوة من عينيها و خاصةً حين سمعت ذلك الصوت الأنثوي الرقيق يناديه من بعيد:
ـ كمال!
تفاجيء كمال من وجود صوفيا التي اقتربت منه قائلة بحبور و نبرة رقيقة:
ـ مش مصدقة اني شيفاك قدامي! وحشتني اوي اوي .
اقتربت تعانقه، و هو بالمثل قبل أن تتأبط ذراعه و تدلف معه إلى داخل الحفل، لتلتفت آسيا ناظره أمامها وعينيها تطلقان جمرات مشتعلة بفعل الغيرة، لتجد يد أشجان تربت على ظهرها بقوة، وهي تقول بلهفة:
ـ آسيا كنتِ فين ؟ روحتلك التويليت ملقتكيش.
آسيا بنبرة مُتحشرجة:
ـ نسيني. أكيد. ماهي النظرة دي مش بتاعت حد قلبه لسه بيدق صح! لا و بيحضن كمان و بيسلم. ماشي. حلو اوي دا.
أشجان بقلق:
ـ حصل ايه؟ أنتوا اتكلمتوا ولا ايه؟
حاولت كظم غيظها و ألمها القوي لتمد يدها تجذب أحد المحارم فوق الطاولة و تكفكف عبراتها، وهي تقول بإصرار:
ـ هو مش أحسن مني! أنا كمان نسيته. مبقاش فارقلي، ماهو اللي يرميني سنة كاملة من غير حتى ما يسمعني ولو لمرة واحدة يبقى يستحق اني انساه صح!
أشجان بحنو:
ـ صح. لو دا هيريحك يبقى صح. أصلًا مش مهم أي حاجة في الدنيا غير انك تبقي مرتاحة.
آسيا بجفاء:
ـ مرتاحة جدًا يالا ندخل.
دلفت إلى الداخل بابتسامة مُشرقة أثارت انتباه الجميع، و خاصةً سوزان التي كان كمال يسلم عليها في هذه اللحظة ليستمع إلى صوت ضحكة صاخبة جمدته في مكانه، ولم يستطِع منع نفسه من الالتفات لرؤيتها وهي تتحدث إلى أحد ضيوف الحفل بحماس، لينضم إليهم رجلًا آخر قائلًا بغزل استقر بمنتصف أذنيه:
ـ بصراحة أنا كنت مندهش من الحفلة و التنظيم الرائع بس لما شوفتك و عرفت أن أنتِ اللي مسئولة عن كل دا. عرفت الذوق الراقي دا جاي منين! ماهو الجمال دا كله لازم يعمل العظمة دي.
آسيا بخجل:
ـ ميرسي جدًا لذوق حضرتك. أنا مش عارفة أشكرك ازاي!
الرجل بإعجاب بالغ:
ـ أنا اللي لازم اشكر راجي أنه عرفنا على مبدعة زيك.
لاحظت سوزان كم الغضب الهائل بعيني كمال لذا قالت بتخابُث يغلفه الحدة وهي تنظر إلى شروق:
ـ ناديلي على آسيا. مش معقول من بداية الحفلة و الكل عمال يعاكس فيها، مش طريقة دي!
إلى هنا و شعر بأنه لم يعُد يحتمل، فقد تخلى عنه ثباته، و عزيمته التي حشدها طوال الفترة الماضية ليهتف بجفاء:
ـ هروح أسلم على ناس صحابي.
أنهى جملته وهو يلتفت مغادرًا لتوقفه أحد النادلات وهي تقول بلُطف:
ـ من فضلك ممكن تاخد الرقم بتاع الرقصة الذهبية.
لم يكُن في حالة تسمح له بالاستفهام ولا الرفض، فقد انتزع البطاقة منها و غادر إلى الركن الآخر من المكان، بينما هي أخذت تتلقى المباركات و كلمات الإطراء و الكثير من العروض و هي تحاول تجاهله هو و قلبها على حدٍ سواء.
ـ خفي شويه يا سوزي. دا أخويا بردو!
هكذا تحدث خالد إلى جانب سوزان التي أجابته بتحدي:
ـ أخوك عايز قرصة ودن. شايف الناس عينيها هتطلع على البنت ازاي!
خالد بجفاء:
ـ المواضيع مبتتحلش كدا!
سوزان بتهكم:
ـ محدش تطرق لأي مواضيع. هو اللي ابن حلال ويستاهل. رزقه في رجليه.
التفت ناظرًا إلى أشجان التي كانت تتألق بفستان من اللون الأزرق الذي يحيط بجسدها دون ابتذال، و معه حجاب بنفس اللون يبرز لون بشرتها الخمري، و ملامحها الجميلة التي تأثره دائمًا، لتقسو يده حول خصرها جاذبًا انتباهها قبل أن يتمتم بعبث:
ـ بفكر اخدك و نهرب النهاردة على الفندق. ايه رأيك!
أشجان بنبرة يحتاجها القلق:
ـ لا دانا اللي ههرب منك و أروح أبات مع آسيا النهاردة. قلقانه عليها أوي، وشكلها مش عاجبني خالص.
خالد بحدة:
ـ أن شالله ما عجبك شكلها. آسيا مين اللي هتباتي عندها! مفيش الكلام دا.
أشجان بصدمة:
ـ خالد بتقول ايه! أختي محتجاني.
خالد ساخطًا:
ـ محتاجاكي في ايه؟ ماهي زي القردة اهي، وبعدين دي معاها سوزي. يعني اخويا الغلبان هو اللي يتخاف عليه!
ابتسمت على سخطه، وهتفت بتوسل:
ـ خالد بجد. سيبني النهاردة بس هاجي الصبح على طول...
خالد بصرامة:
ـ ولا حتى ساعة، و اقفلي الكلام على كدا.
لم تكد تُجيبه حتى استمعوا الى صوت راجي وهو يقول في مكبر الصوت:
ـ ضيوفي الكرام. جه وقت الرقصة الذهبية، وبما أن الجمال دا كله كان من إبداع المصممة الجميلة آسيا عزام، فهنشوف مين هيفوز بالرقصة الذهبية معاها!
وقع الأمر وقوع الصاعقة على مسامع كلٍ من كان يتشارك في هذه الحرب الخفية ولو كان مشاركته صمتًا، ولكن كان لآسيا نصيب الأسد من الصدمة، و بالمقابل برقت عيني كمال و برزت عروق رقبته بقوة حتى كادت أن تخترق جلده فهل يمكن أن يرى رجلًا غيره يراقصها، وقد كان الاستنكار نصيب خالد الذي هتف بحدة:
ـ أيه العبث دا!
ليستكمل راجي مفاجأته حين قال بتخابُث:
ـ الفايز بالرقصة الذهبية هو رقم ٧٧.
أخذ الجميع يقلب بطاقته ماعداه، فقد كاد على وشك الذهاب و تحطيم وجه راجي الذي اتسعت ابتسامته، وهو يقول بصوت جهوري:
ـ ٧٧ دا رقم رجل الأعمال كمال الوتيدي. يالا نحييهم كلنا.
تعالت الصيحات والتي وقعها لم يكن موقع تلك الصاعقة التي كانت أشد و أقوى من سابقتها على مسامعهم و جعلت جسد آسيا يرتجف، وهي لا تُصدق ما يحدُث ولا إراديًا التفتت تناظره، لتجده يقف في مكانه دون حراك، فمرت لحظات كانت كالدهر وهي تراه لا يزال على حالته، لتدرك أنه سيصفعها برفضه لها أمام الجميع لتستدير تنوي الذهاب تجاه راجي لإنهاء هذه المهزلة و إذا بها تجد يده قوية تقبض على معصمها لتشهق حين رأت كمال الذي كانت عينيه تحملان شيء أقوى من الغضب بكثير، فقد كانت القسوة تحتل نظراته و تسكن كفه الخشن الذي جذبها إلى حلبة الرقص دون وعيًا منها لتجد نفسها أسيرة لذراعيه و عينيه و جسده.
تشاركوا سويًا الأنفاس المحترقة، و النظرات المصدومة من جهتها، والغاضبة من جهته، لتمر الدقائق وهي ترقص بين يديه لا تدري كيف يتحرك جسدها ولا تملك سبيلًا للتوقف أو الابتعاد عنه، لتباغتها نبرته القاسية التي يشوبها التهكم حين قال:
ـ و ياترى اللي بيحصل دا كان من ضمن تنظيمات الحفلة بردو!
حاولت استجداء ثباتها أمام هجومه لتقول بنبرة جافة:
ـ البروجرام مش من ضمن ترتيباتي. مستر راجي هو المسئول عنه.
كان يطحن أسنانه بغل من فرط الغضب ليهتف بقسوة:
ـ معقول مقالكيش انك هتتقدمي جايزة لراجل من اللي في الحفلة.
استقرت إهانته في منتصف صدرها مُحدثة آلام عظيمة جعلت جسدها ينتفض بين يديه، لتحاول جذب نفسها من بين براثنه وهي تهتف بحدة:
ـ اخرس.
ـ مكانك.
هكذا هتف بشراسة أفزعتها لتتجمد مقاومتها فتابع بتهكم:
ـ متقنعنيش أن الموضوع جرحك أوي.
أرادت رد الصاع صاعين حين قالت بسخرية:
ـ اللي جارحني فعلًا أني برقص معاك أنت دونًا عن كل الموجودين في الحفلة.
أصابته في الصميم، و كما عهدها قوية لا يردعها شيء. تحارب حتى آخر أنفاسها لا يوقفها خصم، ولا يردعها خطر.
تركها كمال بغتة وهو يقول بقسوة:
ـ الجايزة للأسف مش مُجدية بالنسبالي، و أقل بكتير من أن يتقال عليها ذهبية. طلعت فالصو!
تركها و غادر دون الإلتفات لوقع كلماته عليها، فقد شعرت بأن ألمها يطفو على السطح، و قد يُعريها أمام الجميع لذا تراجعت إلى الآخرى إلى الخلف، و تختفي بين الجموع و لحسن حظها، فقد ساعدتها الأضاءة الخافتة حتى لا يرى الجميع حالتها المُذرية وهي تهرول إلى الحمام والدماء تنبثق من فمها.
اللهم رب السموات السبع وما أظلت، رب الأرضين وما أقلت، رب الشياطين وما أضلت، كن لي جاراً من شر خلقك كلهم جميعاً أن يفرط علي أحد وأن يبغي علي عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك". ♥️
★★★★★★★
ـ كمال استنى يا ابني رايح فين؟
هكذا تحدث راجي وهو يخرج خلف كمال الذي توقف في منتصف الرواق، يعض على شفتيه بقوة حتى لا يقوم بتحطيم رأسه، ولكنها كانت أمنية لا تقاوم، فإذا به يلتفت و يقوم بتوجيه لكمة قوية إلى وجه راجي الذي تراجع إلى الخلف من شدتها و على وجهه إمارات الذهول ليهتف كمال بشراسة:
ـ أنت كنت قاصد اللي حصل جوا صح! دا كله من ترتيبك؟
تغلب راجي على ألمه وهو يُشير للحرس بعدم الاقتراب من كمال ليمسد الضربة الموجعة بيده قائلًا بحدة:
ـ هتفضل غبي طول عمرك كدا. دا بدل ما تشكرني!
اقترب كمال منه حتى كاد أن يضربه مره ثانية ليوقفه راجي قائلًا بتحذير:
ـ هنتخانق هنا و نفرج الناس علينا، ولا نتكلم بالعقل و تفهم انا عملت كدا ليه؟
تجاوز عن غضبه وهو يقول بفظاظة:
ـ عشان حشري. و بتدخل في اللي ملكش فيه.
راجي بهدوء مستفز:
ـ لا مش كدا. بس مقبلش أن راجل غريب يرقص مع البنت اللي صاحبي بيحبها!
برقت عيني كمال من حديثه ليهتف بحدة:
ـ إيه دا أن شاء الله!
راجي بتوضيح:
ـ شروق قالتلي انك طليق آسيا، و هنا فهمت أن دي البنت اللي بسببها سافرت وسبت مصر، و بصراحة نظراتكوا لبعض أكدت لي دا، و لأن الرقصة الذهبية دي المفروض اللي يفوز بيها هو اللي يحدد هيرقص مع مين، و طبعًا أي حد من اللي جوا هيختار أنه يرقص معاها، و اكيد أنت شفت نظرات الإعجاب اللي عليها طول الحفلة. قولت العب لعبة صغيرة، و ابعتلك رقم الفايز، و ترقص انت معاها بدل أي حد غريب. فهمت بقى!
رغمًا عنه أقر بأنه فعل الشيء الأقرب إلى الصواب، فلو رأى أحد يرقص معها لكان هدم الحفل فوق رؤوسهم، ولكنه رفض أن يُعلن عن غيرته أو مشاعره التي خانته و ظهرت على السطح بأول ليلة له هنا إذا هتف بقسوة:
ـ الموضوع دا انتهى، وانا طلقتها، و متشغلش دماغك تاني.
لم يكد يُنهي جملته حتى لمحها وهي تهرول إلى الجهة الآخرى، فشعر بالقلق تجاهها، ولكنه تجاهل شعوره، و التفت مرة آخرى يناظر راجي قائلًا بجفاء:
ـ الموضوع دا انتهى من سنة، و مش عايز اي حاجة تفتحه تاني والإنسانة دي أنا مفيش أي حاجة بتربط بيني وبينها.
راجي باختصار:
ـ اللي تشوفه.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال"♥️
★★★★★★★★★
جاء الصباح بعد هذه الليلة الكارثية، وقد كانت شروق أول من تخطاها، بعد أن اطمأنت أن آسيا قد استقرت حالتها، فقد عرضوها على الطبيب البارحة بعد إنتهاء الحفل، والذي أكد على ضرورة عدم تعرضها إلى التوتر، والالتزام بالنظام الغذائي و الدواء الذي وصفه لها، لتتوجه إلى عملها وهي تحاول تجاهل شعور قوي بأن شيء سيء على وشك الحدوث، ولكنها تجاهلته لتقوم بتحضير مخطط اليوم، و تتوجه إلى مكتب راجي الذي رحب بها قائلًا:
ـ أهلًا بالموظفة المنضبطة اللي بتيجي في معادها مهما اتأخرت في السهر.
شروق بهدوء:
ـ الشغل مالوش علاقة بأني سهرت ولا لا. الشغل شغل..
راجي بإعجاب:
ـ عشان كدا دايمًا بقول عليكِ اختيار موفق.
شعرت بالخجل، وكعادتها تغير دفة الحديث حين يحاول أن يرسو فوق برًا لا ترغب به لتقول بهدوء:
ـ هعمل لحضرتك القهوة قدامك عشر دقايق تشربها قبل الاجتماع مع الدكتور معتز بخصوص مجمع المستشفيات.
راجي بابتسامة هادئة:
ـ الصراحة قهوتك دي أكتر حاجة انا محتاجها في الوقت الحالي.
شروق باختصار:
ـ حالًا و تكون جاهزة عن اذنك.
أنهت جملتها و توجهت إلى الخارج و منه إلى غرفة الاستراحة لتقوم بعمل فنجان من القهوة إلى راجي الذي رحب به كثيرًا لتمر الدقائق وهو يشاهدها تقوم بإعداد الأوراق المطلوبة بهدوء كعادتها و بأناملها الرقيقة التي تعمل بمنتهى الاحترافية ليجذب انتباهه صوت طرق على الباب، فسمح للطارق بالدخول ليُطل معتز برأسه إلى الداخل و من خلفه عمر الذي توجه خلف صديقه الى مكتب راجي الذي رحب بهم قائلًا:
ـ أهلًا بالدكاترة اتفضلوا.
كانت شروق تلملم الأوراق في الطرف الثاني من الغرفة، لتتجمد أوصالها حين سمعت صوت تعرفه جيدًا. صوت لطالما غزى واقعها و منامها و رغمًا عنها اشتاقه قلبها كثيرًا لتستدير ببطء وهي ترى عمر يجلس في المقعد المقابل لمكتب راجي، الذي كان يرحب بهم، غافلًا عن نظراتها المبهوتة، و ملامحها التي يلونها الفزع، فقامت على الفور بالالتفات الى الجهة الأخرى تحاول تنظيم أنفاسها حتى تستعد إلى هذه المقابلة، التي لم تحسب حسابها، فقد كانت آخر مرة رأته بها يوم طلاقهم، واختفى كأنه لم يكن موجود يومًا، ولكن عشقه المسموم لم يختفي معه.
شدت من أذر نفسها وهي تهمس لها بأنها قوية و أنها لن تدع له الفرصة للانتصار عليها، و ستجعله يرى أنه أصبح غريبًا و كأنه لم يكن موجود يومًا..
ـ شروق..
هكذا تحدث راجي مناديًا عليها ليشعر عمر بأن الاسم كألسنة اللهب التي تحرقه من الداخل و تُذكره، بذلك الجرح المدفون بأعماق قلبه، ليجذب أنفاسه وقع لكعب حذاء نسائي يبدو كالنغم الموسيقي الذي يوحي بأن هذه المرأة تتدلل لا تمشي، ولكنه لم يُكلف نفسه عناء الإلتفات نحوها، ليمنحها تلك الفرصة لرؤية وقع المفاجئة عليه حين التفتت تقف بجوار راجي قائلة بنبرة عذبة:
ـ صباح الخير.
اخترقت جملتها أذنه، فهذا الصوت لم يخطيء في معرفته أبدًا ليرفع رأسه و تستقر عينيه عليها لتتوسعان حتى كاد بؤبؤها أن يغادر مقلتيه!
ـ أعرفكوا. شروق مديرة مكتبي.
كانت جميلة، هادئة، واثقة بنفسها إلى حد كبير، ملامحها تضج بالفتنة و كأن الأيام مرت عليها لتُعطيها لا لتأخذ منها، وأيضًا ثيابها كانت لإمرأة ناضجة على عكس السابق، كل شيء بها مختلف مميز، على عكسه فقد نمت لحيته، و نحف جسده، و انطفأ بريق عينيه، حتى بدا أكبر من سنه بكثير و كأن الأيام كانت تغترف من طاقته و رغبته في الحياة.
ـ اتفضل يا فندم. دا المخطط اللي نفذه التيم عندنا للتصميم الداخلي للمبنى الرئيسي.
وضعت الأوراق أمام راجي الذي رمقها بابتسامة كانت كفيلة لتجعله يستيقظ من صدمته و تحتد نظراته التي شملتها كُليًا ولكنها لم تؤثر بها ولو قيد أنملة.
ـ عمر. يا عمر .
كان هذا صوت معتز صديقه الذي أخذ يكرر نداءه إلى عمر الغارق في تأمله لها ليجذب انتباهه يد معتز التي وضعها على فخذه ليجعله يستفيق و ينظر إليه، فقام معتز بوضع الأوراق أمامه وهو يقول:
ـ أيه رأيك؟
ضيق عينيه وهو ينظر إلى الأوراق بعقل مُغيب تمامًا و ملامح مكفهرة، و عينيه تتفرقان ما بين شروق التي كانت تتحدث بخفوت إلى راجي، و يبدو أنهم منسجمان في الحديث، مما جعله لا يدرك أي شيء مما يراه ليقترب منه معتز قائلًا بخفوت:
ـ في حاجة يا عمر؟
عمر بجفاء:
ـ لا..
ـ طب ايه رأيك؟!
هكذا تحدث معتز إلى عمر الذي كانت عينيه معلقة على شروق ليتابع معتز باستفهام:
ـ أنت تعرفها!
كيف يخبره بأنها أقرب الناس إلى قلبه بالرغم من كل شيء! أنها كانت زوجته الأولى و حبيبته الوحيدة التي حُرِمت عليه جميع النساء بعدها!
ـ لا.
ـ أيه رأيكوا يا دكتور معتز؟
لم يُمهله عمر الإجابة فقد نصب عوده وهو يقوم بلف اللوحات ليقول بجفاء و عينيه تتفرقان ما بين شروق و راجي:
ـ هنشوف و نبقى نرد عليك.
اندهش راجي من حديثه و مظهره، فلم يروق له ذلك الرجل منذ أن رآه، ولكنه لم يستطِع إلا أن يتعامل باحترام حين قال:
ـ طيب مش تشربوا حاجة!
التفت عمر ناظرًا إلى معتز وهو يقول بجفاء:
ـ هستناك بره.
ان بقى ثانية واحدة سيفجر رأسها تلك التي لم تمنحه حتى التفاتة على عكس قلبه الغبي الذي اهتز من مجرد سماعه وقع ضربات حذائها على الأرض!
ـ هو الدكتور عمر ماله!
هكذا استفهم راجي ليُجيبه معتز بحرج:
ـ معلش. بس اصل عمر لسه جاي من سفرية مكنتش أحسن حاجة، فأعصابه تعبانه شوية.
أومأ راجي بتفهم ليُغادر معتز خلف عمر الذي ما أن خرج من المشفى حتى قام بتمزيق اللوحات بحنق و إلقائها بعُنف، فقد كان تجاهلها قاسي حد الألم، مستفز حد الجنون، وداخله يستنكر رؤيتها في هذا الوقت بالذات. لم يكُن يحتمل أي استفهامات لذا استقل سيارته و غادر كعاصفة تشبه التي في قلبه تمامًا.
اللهم أبدل قلقي سكينة وهمي انشراح وسخطي رضا وخوفي طمأنينة وعجزي قدرة وحزني فرح".
"اللهم إني أسالك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ♥️
★★★★★★★★
ـ خالد. كمال رجع بجد!
هكذا استفهمت نبيلة التي هرولت إلى هذا المنزل الذي حُرِم عليها طوال الاثنى عشر شهرًا الماضيين بأمر من خالد الذي رفع رأسه يناظرها بقسوة تجلت في نبرته حين قال:
ـ أنتِ استأذنتي قبل ما تدخلي هنا.
نبيلة بعتب:
ـ هتفضل محرم عليا بيت أبويا العمر كله يا خالد! معقول مصعبتش عليك!
خالد بجفاء:
ـ لا..
ـ طيب بلاش انا. ميرهان اللي دابت زي الشمعة دي مش صعبانه عليك بردو!
خالد بفظاظة:
ـ بالعكس. أنا زعلان من نفسي اني اتأخرت اوي في تربيتها.
نبيلة بانفعال:
ـ كل دا عشان مين؟
صاح خالد بحدة أفزعتها:
ـ عشان تتربوا.
انتفضت إلى الخلف مذعورة من حدته لتهتف بنبرة مُرتجفة:
ـ للدرجة دي هونت عليك أنا وهي!
خالد بتهكم:
ـ بتستعطفيني عشان أيه! فارقلك بيت أبوكي اوي ولا حتى اللي فيه؟
ـ أيوا فارقلي. وانتوا كمان فارقينلي..
هكذا صرخت نبيلة لتهرول أشجان إلى غرفة المكتب إثر صراخها وهي تهتف بلهفة:
ـ في أيه؟
ناظرتها نبيلة بتخابُث قبل أن تقول بتوسل:
ـ تعالي يا أشجان احضرينا. يرضيكِ عمايل خالد فينا دي! يرضيكِ يمنعني ادخل بيت أبويا الفترة دي كلها، وحتى اني اشوف ميرهان اختي اللي مربياها على أيدي.
خالد بجفاء:
ـ خرجي أشجان من كلامنا دلوقتي.
نبيلة بمكر يغلفه الحزن:
ـ لا يا خالد ازاي مش مراتك و مفروض تنبهك لما تغلط.
أشجان بتأثر:
ـ لا يا خالد ملكش حق. خلاص بقى. انسى و المسامح كريم..
خالد بسخط:
ـ اركني أنتِ على جنب دلوقتي.
نبيلة بتخابث:
ـ ازاي تقولها كدا؟ اتكلمي يا أشجان.
أشجان بعتب:
ـ لا يا خالد مينفعش كدا. الكلام أخد و عطى...
خالد بتحذير:
ـ أشجان. الموضوع دا بره عنك.
أشجان في محاولة لتهدئته:
ـ أهدى بس يا خالد و اسمعها..
واصلت نبيلة بث سمومها إذ قالت بتأثر زائف:
ـ هو طول عمره كدا. قاسي و مبيفكرش فينا. ولا بيسمع لحد، ولولا أني كنت بصعب عليكِ و بتخليني اشوف ميرهان الفترة اللي فاتت دي. كان زماني بقالي سنة مشوفتش أختي!
اخترقت الجملة رأس خالد و صدر أشجان التي كادت أن تقع من فرط الخوف حين زأر بقوة:
ـ أشجااااان.
نبيلة بأسف زائف:
ـ أوف. أنا شكلي عكيت..
نهرها خالد بشراسة:
ـ اطلعي بره..
اطاعته على الفور لتغادر و على وجهها ابتسامة ساخرة، وهي تشعر بالغبطة لما فعلته، والذي لن يُمرره شقيقها مرور الكِرام، وقد تأكدت ظنونها حين سمعته يهتف بحدة:
ـ اقفلي الباب و تعالي هنا....
يتبع ...
حقكوا عليا في التأخير بس كارما وقعت الكومودينو عليها و ستر ربنا اني كنت جنبها و لحقتها قبل الأزاز ما يقع على رأسها و من الساعه واحدة ونص وانا بحاول أنيمها يدوب لسه نايمة من ساعة بعد ما اتفطرت من العياط 😭
الحمد لله على كل حاجة..
مقدرتش والله انتم من غير ما انزلكوا البارت اتمنى ينال اعجابكم ♥️
تصبحوا على خير
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثامن وخمسون 58 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
اتفضلوا اعملوا فوت و كومنتات بين الفقرات بحبها اوي 🥹♥️
السبيل الخامس ❤️🔥
عادةً لا تكون الحياة عادلة مع الجميع، و خاصةً حين تضع الإنسان في مواجهات لا تكفي طاقته لمُجابهتها، و لا يرتضي كبريائه الهرب منها، و نظرًا لأن جميع الطُرُق موحشة و نهايتها مجهولة المصير، فلا مفر من المُقاومة فـ عزة المُناضِل الشهادة و بئس النِضال الاستسلام.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أنتِ فعلًا كسرتي كلامي و خلتيهم يشوفوا بعض من ورايا ؟!
هكذا تحدث خالد بنبرة حادة قابلتها هي بالخوف الذي يُكلله الندم، فقد رق قلبها كثيرًا لبكاء الاثنتين، و أذعنت لرجاءهم في رؤية بعضهم البعض ولو لدقائق مستغلة غيابه، لم تكن تتخيل أن معروفها سينقلب ضدها و يضعها في هذا الموقف المُحرِج معه لذا أخفضت رأسها وهي تفرك يديها بقوة و العبرات تتزاحم في مقلتيها ترغب في الإفصاح عن ما يجيش بداخلها مما جعل نبرتها مُتحشرجة حين قالت:
ـ أيوا.
في وقتٍ آخر و مع شخصٍ آخر لكان هدم المكان فوق رأسه، فقد كان الغضب في أوجه داخل صدره، فهو يعلم أن هذا الإعوجاج الذي أصاب شقيقته الصغرى هو نتاج لتربية نبيلة لها، و لذلك لم يكن أمامه حلًا سوى بإبعادها عنها ليتمكن من تصليح هذا العطب الذي أصاب شخصيتها، و من جانب آخر فهو لم يكُن مُعتاد على تجاهل أوامره كما فعلت، و على الرغم من ذلك كظم غيظه و هتف بنبرة جافة:
ـ ليه؟
ـ صعبوا عليا.
هكذا رفعت رأسها تناظره فاصطدم غضبه العارم بحزنها الكبير ليُطفئه كنسمات الهواء العليلة التي رغم رقتها إلا أنهاأخمدت جذوة الجحيم بداخله، ليسحب قدرًا كافيًا من الهواء داخل صدره قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ تعالي هنا.
على الرغم من أنها تعرف مدى عشقه الكبير لها، و كم أنه يجاهد غضبه حتى لا يؤذيها، ولكن هناك في أعماق قلبها يوجد نقطة لازالت عالقة بالماضي تعج بالخوف الذي يهتاج رغمّا عنها حين ترى غضبه وقد تجلى ذلك في عينيها لتُجيبه وهي لازالت بمكانها:
ـ ميرهان كانت طول الوقت بتعيط و كنت بسمع دا بودني، بغض النظر عن أخطائها بس احنا بني آدمين هنفضل لحد امتى نقابل الشر بالشر، والغلط بالغلط. بالشكل دا الدايرة دي عمرها ما هتتقفل أبدًا!
لطالما كان هناك صراعًا قويًا بين الخير و الشر منذ بدأ الخليقة، ولكن ماذا لو اتخذ الشر من الخير درعًا لينتصر هو! و هل يُلام المرء على إنسانيته! أم يُعاقب على حسن الظن؟! أنحارب الشر حتى ينتصر الخير أم نعاقب الخير على تسيده لأفعالنا!
جميعها إستفتعامات دارت بعقله حين استمع إلى إجابتها لتلين ملامحه قليلًا قبل أن يمُد إليها يده وهو يقول بهدوء:
ـ قربي.
اقتربت منه بخطٍ سُلحفية و عينيها تبحث داخل عينيه عن أي ذرة غضب قد تتقد جذوته في أي لحظة ولكنها لم تجد سوى سماء خالية من الغيوم لا تصفو إلا إليها.
احتوت كفوفه خاصتها قبل أن يرفعهم إلى شفتيه ليُلثمهم برقة و عينيه تفصحان عن ما يجيش به صدره من عشقٍ كبير خلق لأجلها:
ـ لحد امتى هتفضلي تخطـفي قلبي برقتك دي!
التمعت نجوم الحب بسماء عينيها جراء حديثه لتقول بلهفة:
ـ يعني أنت خلاص مش زعلان مني!!
خالد بابتسامة ساخرة:
ـ أنا مش زعلان و بس! أناهطق منك.
انمحت بسمتها حين سمعت حديثه ليجذبها حتى تستقر بجانب صدره وهو يقول مُعاتبًا:
ـ ينفع تكسري كلمتي بدل ما تكوني أنتِ أول حد ينفذها؟
أشجان باعتذار:
ـ أنا أسفة. عارفة اني غلطت حتى لو عندي مُبرر من وجهة نظري قوي. بس صدقني هما فعلًا صعبوا عليا. نفس مشاعري ناحيتهم نفس مشاعرك تجاه آسيا. بالرغم من أنها جرحت كمال بس انت مقدرتش تتخلى عنها. حتى لو من جواك زعلان منها و مش مسامحها.
سحب رائحتها العذبة إلى رئتيه بقوة، فقد آلمه حديثها خاصةً و أن شقيقتاه لا يملكون خيرًا بداخلهم تجاه أحد، فإن كان هو ساعد آسيا ذلك لكونه متأكد من أنها تستحق ولكن شقيقته اثبتت اليوم و للمرة الألف أنها لا تستحق، ولكنه لن يقدر على البوح بما يعتمل بداخله لذا قال بخشونة:
ـ هطلب منك طلب، و ياريت بلاش أسئلة كتير اتفقنا!
رفعت رأسها تناظره وهي توميء بالموافقة لتمتد أنامله تلامس ملامحها بحنو وهو يقول بنبرة لا تلين سوى معها:
ـ بعد كدا متزرعيش الحب غير في المكان اللي عارفة أنه هيطرح ورد. مش شوك!
تفهمت على الفور لما يقصده، ولكنها لم تستطِع منع الكلمات من التدفق من بين شفتيها حين قالت:
ـ طيب واللي مبيعرفش يزرع غير الحب يعمل أيه!
ابتسم على عفويتها و طيبتها ليُجيبها بحنو:
ـ يبقى ميتعاملش غير مع حبيبه وبس. أنا أولى بالحب دا كله.
أشجان بخفوت:
ـ يعني متعاملش مع حد خالص!
خالد بسخرية:
ـ ياريت. تعاملاتك بتجيب مشاكل.
أضحكها حديثه بقوة لتُضيء عينيه حالما رأى ابتسامتها ليقول بحُب:
ـ ياريت لو العالم كله يقف عند الضحكة الحلوة دي.
أشجان بنبرة تقطر عشقًا:
ـ أنا كمان بتمنى العالم كله يقف وأنا جنبك و قدام عنيك. حقيقي مفيش حاجة أحلى من كدا.
ـ لا في أحلى!
أشجان باستفهام:
ـ أيه اللي أحلى؟
تفاجئت حين احتوت ذراعيه خصرها ليرفعها بغتةً حتى أصبحت بنفس طوله وهو يقول بنبرة عابثة لا تخلو من العشق:
ـ أنك تكوني في حضني..
أنهى جملته و أخذ يتناول العشق من بين ضفتي التوت خاصتها بروية، وكأنه يملك كل الوقت لذلك، ولكن العالم لا يُمهلهم الوقت للاستمتاع بعشقهم، فقد جاء صوت رنين الهاتف ليجذب انتباههم، فتركها خالد علي مضض وهو يجيب على كمال الذي قال باستفهام:
ـ صحيتك؟
خالد بتهكم:
ـ لا غلست عليا بس..
كمال بسخرية:
ـ الوحش بتاعنا بيفطر ولا أيه؟
خالد بحنق:
ـ بيحلي يا ظريف. انجز عايز أيه؟
كمال بعُجالة:
ـ مستنيك في الشركة قبل معاد الدوام عشان نتناقش في شوية حاجات مع بعض. متتأخرش.
خالد باختصار:
ـ نص ساعة وهكون عندك.
اغلق خالد الهاتف لتقترب منه أشجان وهي تمسك بكفه بتوسل خالط نبرتها وهي تقول:
ـ قولي أنه مش ناوي ينتقم من آسيا يا خالد. أنا عارفة اني كدا ممكن أكون أنانية. بس أنا مش فرحانه برجوعه. خايفة عليها أوي..
ربنا بحنو على كفها المُمسِك بكفه وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ لا مش أنانية اي حد مكانك هيحس بكدا، و عمومّا اطمني الانتقام دا مش طبع كمال، بالإضافة أنه عمره ما هيتخطاني. و عمومًا انا ليا كلام معاه.
أشجان بحب:
ـ ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
رفع كفها إليه يُلثمه وهو يبتسم بعذوبة قبل أن يقول باستفهام:
ـ قوليلي رنا عاملة أيه في المدرسة الجديدة؟
ـ مفيش جديد. لسه بس متوترة في الأول. كمان هي لسه متعرفش حد. بس واحدة واحدة هتتعود
هكذا أجابته أشجان ليُجيبها هو:
ـ خير. أنا هروح الشركة و نبقى نتكلم لما ارجع.
أشجان بحب:
ـ ربنا معاك يا حبيبي.
توجه معها إلى الخارج و ذراعه تحيط بكتفها، لتبرق عيني نبيلة حين رأت الصفاء الذي يخيم على أجوائهم، وكأنها لم تُفجر بارود حقدها بينهم منذ قليل ليرمقها خالد باحتقار لم يُعبر عنه بل التفت إلى أشجان قائلًا بحنو:
ـ لو حبيتي تخرجي هبعتلك السواق.
أشجان بهدوء:
ـ هكلمك اعرفك.
وضع قبلة فوق جبهتها قبل أن يقول بنبرة حانية على دويها بقصدٍ منه:
ـ خلي بالك من نفسك يا حبيبي.
أشجان بحُب:
ـ لا إله إلا الله.
ـ سيدنا محمد رسول الله.
هكذا أجابها قبل أن يرفع رأسه لتتبدل نظراته كُليًا وهو ينظر إلى نبيلة قائلاً بجفاء:
ـ يالا نكمل كلامنا بره، و لمعلوماتك أنتِ وهي أوامري لسه زي ماهي.
ارتعد جسد ميرهان من نظراته، فتراجعت إلى الخلف قاصده غرفتها لتتوجه نبيلة خلفه والغضب يأكل صدرها من الداخل و يتجلى بنبرتها حين قالت:
ـ أوامرك دي احنا كلنا كنا ماشيين عليها ماعدا مراتك الحلوة.
قالت كلمتها الأخيرة بسخرية قابلها بالجفاء حين قال:
ـ مراتي الحلوة تعمل اللي هي عايزاه، و بعدين هو أنتِ مش حكمتيها بينا و قولتي من شوية لو غلطت هي تردني! أهو حصل!
فغرت فاهها و توسعت حدقتيها من فرط الذهول حين سمعت حديثه، فهل هذا شقيقها الذي يرتعب منه الجميع! تلك النكرة باستطاعتها تغيير دفة تفكيره. بينما هو ابتسم ساخرًا على مظهرها ليُتابع بنبرة هادئة ولكنها قاسية:
ـ مراتي الحلوة كان عندها حق لما خليتكوا تتقابلوا من ورايا. يعني عشان محسش بأي تأنيب ضمير تجاهكوا.
نبيلة بأنفاس متلاحقة من الصدمة:
ـ والله!
خالد بهدوء مُثير للأعصاب:
ـ والله. استمروا على كدا بقى، وكل فترة لما تصعبوا عليها هتبقى تخليكوا تتقابلوا.
لطالما كانت تشعر بالغضب منه في السابق لكونه دائمًا من يُفسد خططها و يقف لمصالحها، ولكن منذ ذلك اليوم حين جعله والده رئيسًا للشركة بعده مُتجاهلًا زوجها الذي كان أكبر سنًا و أكثر خبرة، و قد بدأ الغصب يتحول الى حقد، جعلها تقتل زوجته و طفله، و الآن أصبح الحقد كُره كونه يقهرها و يقطع كل محاولاتها في السيطرة على كل شيء حولهم، و يُحقر من شأنها بهذه الطريقة أمام ابنة الخادمة التي أصبحت سيدة القصر الذي هو قصرهم مما جعل ضباب الانتقام يُخيم على عينيها قبل أن تقول بجفاء:
ـ مُتشكرين يا خالد. ياللي وعدت بابا الله يرحمه انك تحافظ على اخواتك البنات و تكون في ضهرهم لكن الحقيقة أن انت اللي بتقطع فيهم، ومن بس كدا! دا أنت كمان بتركب مراتك فوق راسهم.
ضيق عينيه وهو يناظرها بخيبة أمل كبيرة، و رغمًا عنه يقارن بين حديثها المسموم و حديث أشجان في المكتب! و بين ما فعلته معها و مخالفتها لأوامره فقط لأنها أشفقت عليها، وبين ما فعلته معها، و مقابلة معروفها بالسوء ما جعله يقول بفظاظة:
ـ العفو.
الوحيد الذي ينجح في استفزازها و إخراجها من طور الهدوء الذي تتقمصه لتهتف بغل:
ـ هو أنت للدرجادي مبقتش شايف في الدنيا غيرها!
خالد بنبرة خشنة:
ـ دي حقيقة، اللي يشوف الخير اللي جوا أشجان، طبيعي أنه ميحبش يشوف الشر اللي جواكوا، ولو كنتِ منتظرة مني إني ممكن اهينها أو حتى ازعلها عشان هي خالفت أوامري، فتبقى غلطانه!
نبيلة بحقد:
ـ اومال بتعمل معانا احنا كدا ليه؟ بتهد الدنيا فوق دماغنا لو واحدة فينا غلطت ليه؟
خالد بتقريع:
ـ عشان فرق كبير أوي، بأن الشخص اللي قدامي غلط عشان كان عايز يعمل خير، و بين شخص غلط عشان هو مؤذي و بيكره الخير للناس كلها.
كادت تأكل أسنانها من شدة الغيظ، ولكنه لم يُمهلها الفرصة. الحديث إذ قال بفظاظة:
ـ نرجع لموضوعنا. كمال رجع، و معتقدش انه هيكون حابب يشوفكوا أو يتعامل معاكوا، و طبعًا مش محتاج أقول إن رغباته هتكون أوامر و محدش فيكوا هيفكر يضايقه.
نبيلة بغضب:
ـ هتمنعنا عنه كمان!
خالد بجفاء:
ـ ما أنتِ لسه قايلة اني أبويا الله يرحمه موصيني على اخواتي، وأنا لازم احافظ على وصيته. أه و بمناسبة الوصية بما أن جوزك أسس شغل جديد له ايه رأيك لو تاخدي نصيبك و تساعديه...
ـ لا. نصيب أي؟ انا مش عايزة حاجة. خلي فلوسي زي ماهي معاك.
هكذا هتفت بلهفة، فهي لم تقع في هذا الخطأ و تنفصل عنهم، كيف تفعل و أموالها تتضاعف كل دقيقة وهي معه! و أيضًا هناك حلمٌ كبير بأن يُصبح كل هذا ملكٌ لها!
ـ و على ذكر وصية ابوكي الله يرحمه، ففي وصية كمان هو كتبها وموثقة أن كل بنت فيكوا متاخدش غير ربع حقها، وانا عشان الحرام والحلال، تجاهلت الموضوع دا، و قولت حق كل بنت في رقبتي،فبلاش تضطريني اغير الخطة.
هكذا تحدث بنبرة مُحذرة لتتراجع فورًا من قمة الغضب إلى أقصى درجات التملُق حين ارتمت بين ذراعيه وهي تقول بنبرة زائفة الحب:
ـ حقك عليا يا خالد. بس انت اخويا حبيبي و يعز عليا اني اشوفك بتنصر مراتك عليا. طبيعي اني اغير واخد على خاطري. مكنش قصدي كل اللي انت فهمته خالص. سامحني و حقك عليا.
خيمت الخيبة على ملامحه وهو يستمع إلى كلماتها و إلى عانقها الذي يشبه احتضان الأفعى لفريستها قبل اتهامها، فجميع مشاعرها زائفة، و قد عرف ذلك منذ زمن بعيد، ولكنه لم يُريد جرحها أكثر لذا قام بالربت على كتفها وهو يقول باختصار:
ـ حصل خير.
تراجع عنها دون النظر إلى وجهها، فقد كان الألم بادٍ على ملامحه، فبالرغم من كل شيء، فهي شقيقته، بكل ما تحمله من كره و حقد و شر يكن لها مشاعرٍ لا تستحقها، كما لا يستحق أحد في هذا العالم أن يشعر بأن عليه أن يقف حذرًا من جزءٍ منه! ذلك الجزء الذي من المفترض أنه يكون أمانًا ولكنه ليس سوى عدو مُقنع، فهذا الشعور لم يكُن موجعًا، فحسب ! و ليس حتى مجرد خذلان! إنما هو انهيار لمعنى الانتماء بحد ذاته.
ـ أنا كلمت السواق، و هياخد الولاد على سوزي، و هيرجع ياخدك أنتِ كمان على هناك، وانا لما اخلص هجيلكوا.
كانت هذه الرسالة النصية التي أرسلها إلى أشجان، فلم يكن في حالة تمكنه من الحديث، ولا يستطِع تجاهل شعوره بالخوف عليهم من بقائهم في المنزل مع كل هذا الشر المُحيط بهم.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَحْشَةِ الدُّنْيَا وَكَدَرِهَا، اللَّهُمَّ أَزِحْ مِنْ قَلْبِي كُلَّ خَوْفٍ يَسْكُنُنِي، وَكُلَّ ضَعْفٍ يَكْسِرُنِي، وَكُلَّ أَمْرٍ يُبْكِينِي، وَقَوِّنَا بِكَ يَا اللَّهُ وَلَا تُعَسِّرْ أَمْرَنَا وَافْتَحْ لَنَا الْأَبْوَابَ الْمُغْلَقَةَ" ♥️
★★★★★★★★
ـ كدا كل حاجة خلصت، و فاضل بس اغرف الأكل لما ياسر ييجي.
هكذا تحدثت غنى وهي تطفيء الموقد على الطعام، لتتوجه إلى الداخل و تتوضيء لتُصلي المغرب قبل وصوله، لتتفاجئ به يدخل من الباب، فارتسمت ابتسامة عريضة فوق شفتيها لطالما كانت العناق الذي يضم أوجاعه و يستقبله بحفاوة وهو عائد من هذا العمل القاسي، فقد كان يعمل في البناء طوال السنة الماضية في أحد المحافظات البعيدة كل البُعد عن القاهرة و خاصةً المكان الذي كانوا يعيشون به، ليستطِع أن يبدأ معها حياة لا يشوه تفاصيلها الماضي.
ـ حمدالله على السلامة. رجعت بدري النهاردة يعني.
تناسى تعبه وهو يقترب منها قائلاً بنبرة عاشقة:
ـ يمكن وحشتيني!
لون الخجل محياها لتقول بخفوت:
ـ يمكن مش أكيد!
ابتسامة عذبة أضاءت ملامحه وهو يُجيبها:
ـ دا أكيد وأكيد و أكيد. وحشتيني يا غُريبة قلبي.
ابتهج قلبها لجملته العذبة فالتمعت عينيها بالحب، و لكن هيئته جعلتها تتنبه لحالته، مما جعلها تقول بلهفة:
ـ تعالى ريح هنا، وانا خمس دقايق هجهزلك الحمام، و على ما تخلص اكون حطيت الأكل.
ياسر بحُب:
ـ مش عايز اتعبك.
غنى بدلال:
ـ تعبك راحة يا ريس.
توجهت إلى الحمام الذي لم يكُن فاخرًا أبدًا كحال الشقة التي كانت متوسطة ولكن وجودها و لمساتها الجميلة حولتها لتُصبح كالجنة في عينيه، فالسنة الماضية كانت كـ استراحة احتاجها كليهمَ لترميم تلك الجروح الغائرة، و شفاء لأوجاع جعلت الروح واهنه لا تقوى على المواجهة، وعلى الرغم من الجهد المُضني الذي يبذله في عمله الجديد، ولكن وجودها كان أكثر من كاف ليهون كل شيء و يبدد تلك العتمة عن عالمه، على الرغم من أنه لم يحدُث اي اتصال جسدي بينهم، ولكن يكفي أرواحهم التي تتعانق كل ليلة ليغفو كليهمَ مطمئنًا بجانب الآخر.
مضى بعض الوقت قبل أن يجلسوا سويًا على الطاولة الصغيرة في الصالة المتوسطة الحجم ليهتف ياسر باستمتاع:
ـ الأكل حلو أوي تسلم إيدك.
غنى بحبور:
ـ بالهنا و الشفا. قولت اعملك البامية اللي بتحبها.
ياسر بحنو:
ـ كل حاجة من إيدك بحبها.
اتسعت ابتسامتها ليُتابع بمرح:
ـ بس عشان أكون صريح البامية بتاعتك دي في قلبي. بتكون مسكرة زيك.
ابتسمت غنى بفخر تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أيوا أصلي بحط إيدي فيها.
ضيق عينيه بخُبث جعلها تتوجس خيفة منه و خاصةً حين قال بمكر:
ـ قولتيلي! أنا عرفت السر. طب ما تيجي ادوق كدا وانا اقولك صح ولا غلط!
غنى باندفاع:
ـ لا تدوق ايه؟ هو انت مش واثق في كلامي!
ياسر بمُزاح:
ـ لا يا غالي واثق. دا إلا الثقة. بس ميمنعش اني أدوق بردو. زيادة تأكيد. ولا ايه؟
كان الخُبث يلون ملامحه وعينيه مما جعلها تتراجع في مقعدها وهي تقول بتوجس:
ـ أيه ؟
باغتها حين هب من مكانه يندفع نحوها لتتراجع إلى الخلف وهي تشهق بفزع لتتفاجيء به يجذب كفوفها بين يديه، ليخفض رأسه يّلثم أناملها الصغيرة برقة قبل أن يرفع رأسه وهو يناظرها بحُب و ضحكة رائعة تزين عينيه ليقول بغزل:
ـ تصدقي صح. مسكرة.
ـ أنت بتسهبل على فكرة. وقعت قلبي.
هكذا تحدثت بلُهاث، فقد كانت تحبس أنفاسها من فرط الخوف، فطوال العام الماضي لم يحاول الاقتراب من تلك المساحة الشخصية التي وضعتها بينهم، وقد كان يحترم رغبتها دون أن يحاول فرض نفسه عليها، وكأنه اختار أن يُطيب جراحها واحدٍ تلو الآخر أولٍا ثم يبدأ حياتهم الزوجية بعد أن تصبح هي مستعدة لذلك، ولكن لم يخلو الأمر من مشاكساته و غزله الذي يوحي بأنه يرغبها كزوجة، وكأنه يذكرها بأن هناك روح تشتاق لاكتمالها و سرعان ما ياخذ الأمر منحنى آخر و ينتهي بضحكة سعيدة يتشتركوها سويًا، ولكنها بكل مرة يفعل ذلك تشتعل جذوة الخوف بقلبها. تتمنى لو تقتلع جذوره من داخلها لتهنيء بحياة سعيدة برفقته.
ـ سلامة قلبك يا حبيبتي. أنا بهزر معاكِ.
كلماته جعلت الذنب يزحف إلى قلبها، لتقول بنبرة حزينة:
ـ نفسي ابطل الخوف دا. بيكون غصب عني.
ياسر بتفهم وهو لازال يحتضن يدها بكفوفه الحانية:
ـ سيبي كل حاجة لوقتها. احنا ورانا أيه؟ و بعدين كفاية أننا مع بعض.
رق قلبها لحديثه لتقول باستفهام خافت:
ـ مش هتزهق؟
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ مهما حصل عمري ما هبطل أحبك، ولا اقولك انك أنا بحبك. اضحكي بقى..
اعتلت بسمة رائعة ثغرها ليبتسم هو الآخر قائلًا بمرح:
ـ اتمنى متكونش دي مقدمة و ألاقي الدنيا تضرب تقلب جوا، و تصعبي على ياسر، فيقف يساعدك، والحجج دي عارفها أنا..
قهقهت على حديثه وهي تراه يرفع صينية الطعام و يدلف إلى المطبخ الضيق ليضعها على الطاولة التي في ركن المطبخ وهي خلفه تهتف بتذمُر:
ـ هي مرة ولا اتنين اللي ساعدتني فيهم، مش حوار يعني!
رفع أحد حاجبيه بحنق قبل أن يقول بحدة:
ـ على أساس أن كلامي مطلعش صح! قربي وقوليلي ايه دا يا هانم!
برقت عينيها من الاندهاش، فقد قامت بجلي الصحون و تنظيف المطبخ. قبل حضوره لتقترب بلهفة، دون أن تدرك أنها كانت قريبة جداً منه ليقوم بوضع قبلة دافئة فوق خدها وهو يقول بحُب:
ـ اساعدك العمر كله يا غريبة قلبي. أنتِ بس اؤمري.
ارتج قلبها لأفعاله و لحنانه الذي أغدقها به حتى شعرت و كأنها امتلكت العالم أجمع بين يديها حين أصبحت زوجة هذا الرجل لتبتسم بحُب وهي تراه يقوم بجلي الصحون التي كانوا يأكلون بها، فبالرغم من صعوبة عمله إلا أنه دائمًا يساعدها في أعمال المنزل، و يجلب لها كل ما تحتاجه من الخارج، وكأنه يحاول تدليلها بقدر ما يستطِع.
ـ هتفضلي واقفة تسبليلي كدا كتير! الشيطان شاطر، وانا وهو ولاد عم أصلًا.
قهقهت على حديثه قبل أن تمازحه قائلة:
ـ اسبل ايه! و شيطان مين! متاخدنيش في دوكة. أنت نصاب على فكرة.
ياسر بمرح:
ـ أيوا طبعًا لازم اكون نصاب. اومال يتاكل حقي في البيت دا يا هانم.
غنى بسخرية:
ـ لا ناصح بصراحة..
ياسر بمرح:
ـ اومال ايه؟ وادي كدا المواعين خلصت يارب يتمر بس.
غنى برقة مُفتعلة:
ـ هيتمر طبعًا يا ريس. أنا أقدر!
ضيق عينيه وهو يرى تبدلها المفاجيء ليقول بقلق:
ـ قلبي مش مرتاحلك. في ايه؟
غنى بلهفة:
ـ زهقانه و عايزة أخرج.
ياسر باستفهام:
ـ عايزة تروحي فين؟
غنى بدلال:
ـ أي مكان معاك.
ياسر بوقاحة:
ـ لو تعرفي أنا هموت و نروح فين ؟!
غنى باندفاع:
ـ فين؟
ياسر بتهكم:
ـ مارينا! أيه رأيك ناكل أيس كريم!
غنى بحماس:
ـ أيوا بقى هو دا الريس ياسر الوتيدي. يالا بينا.
بعد وقت ليس بقليل كانت تسير إلى جانبه يدًا بيد وهم يتناولون المثلجات، لتقول غنى:
ـ عارف أحلى حاجة فيك أي؟
ياسر بحنو:
ـ أنتِ.
غنى بدلال:
ـ دا شيء مفروغ منه. أنا بتكلم عن حاجة تانية. بجد بحب أوي انك لما بنمشي سوى بتمسك ايدي كدا و تقربني منك. مش زي الرجالة اللي بتمشي قدام و تسيب مراتتها تمشي وراها.
ياسر بتهكم:
ـ هو انا عليا تار همشيكي ورايا تحرسيني!
اضحكتها كلماته بشدة لتجده يُتابع بتحذير وهو يضع ذراعه فوق كتفها:
ـ وبعدين لازم الغريبة بتاعتي تمشي جنبي كدا و إيدها في ايدي. عشان الناس كلها تعرف انها تخصني. أي حد ظريف، خفيف يفكر أنه يبصلها بعين اخلعله اللتنين..
ابتسمت على كلماته التي أشعرتها بالسعادة لتقول بحماس:
ـ أيوا بقى يا ريس يا جامد.
ياسر بوقاحة:
ـ والله ماحد جامد إلا أنت يا قلب الريس..
غنى بريبة:
ـ معرفش ليه بحس أن كلامك دا نصه وراه نوايا خبيثة!
ياسر بتهكم:
ـ حاسة مش متأكدة! أنا قولت من الأول انا متجوز واحدة هبلة..
مرت ساعة وهم يمشون في الطرقات الهادئة يدًا بيد يتجاذبون أطراف الحديث تارة و يمزحون تارة أخرى إلى أن وصلا إلى المنزل ليرن هاتف ياسر الذي أجاب بمرح:
ـ زيدو....
يزيد بحنق:
ـ زيدو و زفت. أبو قردان. اقصد أبو غنى بيموت. لازم تيجوا بسرعة.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقٍ يُؤْلِمُنِي وَمِنْ فِكْرٍ يُقْلِقُنِي، يَا رَبِّ ابْعَثْ فِي قَلْبِي رَاحَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَأَبْعِدْ عَنِّي الهَمَّ وَالحُزْنَ وَكَسْرَةَ النَّفْسِ". ♥️
★★★★★★★★
ـ كدا أنت قدامك ملخص اللي حصل طول الفترة اللي فاتت دي، و موضوع مجمع المستشفيات دا تقريبًا كان فكرة راجي. احنا بس طورنا فيها.
هكذا تحدث خالد إلى كمال الذي كان يطالع الأوراق أمامه بانتباه، فأجاب شقيقه قائلًا:
ـ هي فكرة كويسة جدًا، وأنا هشوف الميزانية بتاعتها، و هفكر في كام حاجة ممكن يفيدونا اكتر.
خالد بنبرة خشنة:
ـ عال أوي. خلينا نركن الشغل على جنب و نتكلم في موضوع أهم.
كمال بجفاء ولاتزال عينيه على الأوراق أمامه:
ـ مفيش حاجة أهم من الشغل يا خالد.
خالد بنبرة صارمة:
ـ لا في. سيب اللي في ايدك و اسمعني.
ترك كمال الأوراق من يده وهو يقول بجمود:
ـ قبل ما اسمعك. لو الكلام اللي هتقوله هيكون مُجدي قوله. لكن لو مجرد مبررات ملهاش لازمه يبقى بلاش منه.
يعرف أنه ليس الوقت المناسب للحديث، فلاي ال الجرح غائرًا و الكبرياء مُتسلطًا ولكنه قال بتوضيح:
ـ مش مبررات يا كمال. دي دوافع، و أيًا كان لازم تسمعها.
كمال بحدة طفيفة:
ـ وايه الدوافع اللي يخلي واحدة تروح لواحد غريب و كان بيحبها مكتبه من غير إذن جوزها! مع العلم أنها لو مش دوافع قهرية هتبقى بالنسبالي مجرد مُبررات خايبة.
تحمحم خالد بخشونة قبل أن يُجيبة قائلًا:
ـ خلينا نركن الموضوع دا على جنب. أنا بتكلم في نقطة تانية.
كمال بجفاء:
ـ بالنسبالي دي النقطة الأساسية. الغلط اللي مينفعش معاه غفران.
خالد بحدة:
ـ ادي لنفسك فرصة تسمع يا كمال...
كمال بمرارة:
ـ عارف ليه ؟ عشان هو مش مجرد غلط. دي خيانة ثقة. إهانة لكرامتي كراجل. عشان هي لو افتكرت جوزها مكنتش راحتله. زي ماهو قالها.
خالد باستفهام:
ـ يعني ايه زي ماهو قالها؟ أنت عرفت منين أنه قالها كدا!
أطلق نفسًا عالق بصدره قبل أن يبدأ باسترجاع ماحدث صباح هذه الليلة المشؤومة
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ في أيه يا كمال؟ هو أنت منزلني دلوقتي ليه؟
هكذا استفهمت ميرهان بخوف وهي تنظر الى كمال الذي شاخت ملامحه فجأة، وكأنه أصبح في السبعين من عمره، و حتى نبرته كانت جريحة لا تخلو من القسوة حين قال:
ـ المكتب دا في كاميرات من جوا ؟
ميرهان بلهفة:
ـ في..
كمال بجفاء:
ـ عايز تسجيلاتها..
ميرهان باستفهام:
ـ ليه ؟؟
كمال بحدة افزعتها:
ـ مش شغلك..
شهقت بذُعر قبل أن تقول بلهفة:
ـ حاضر. هجبهالك من اللاب توب بتاع الشغل.
عودة إلى الوقت الحالي
ـ شوفت و سمعت كل حاجة.
هكذا تحدث كمال بنبرة رغم قسوتها إلا أنها تحمل مرارة دفينة تمتد من القلب الى الحلق ليقول خالد باستفهام:
ـ اللي سمعته و اللي شفته في حاجة تدينها!
ابتسامة ساخرة لونت محياة قبل أن يقول بمرارة:
ـ شفت مراتي بتعاتب واحد بمنتهى العشم و كأنه مهم اوي عندها، و ازاي يحط إيده في إيد عدوتها! بس هو طلع راجل، وقالها ارجعي بيت جوزك و كفياكي قرف. أيه رأيك! في مبرر للي عملته؟!
لعن خالد سرًا آسيا ورؤوف و ميرهان وكل من تسبب في هذا الألم الذي يتبلور في عيني شقيقه الذي تابع بتهكم:
ـ أيه في الدنيا يخلي واحدة تهين نفسها وجوزها بالشكل دا؟!
خالد بجمود:
ـ مفيش حاجة. بس بردو في حاجات أنت لازم تعرفها يمكن كانت سبب غير مُباشر أنها تتصرف التصرف الغبي دا.
كمال بجفاء:
ـ بدل مش هتغير حقيقة اللي حصل يبقى ميلزمنيش اعرف حاجة.
خالد بفظاظة:
ـ في غلط كبير ابتدا من عندنا يا كمال!
كمال بانفعال:
ـ أنا كنت جزء من الخطأ دا؟
خالد باختصار:
ـ لا..
نصب عوده وهو يقول بصرامة:
ـ يبقى مدفعش تمنه.
ضاق ذرعًا بهذا الحديث ليقول بنبرة خشنة:
ـ عندك حق. بس لازم تفهم أن آسيا اتغيرت و اللي حصل دا آذاها جدًا، و لو عندك أي نية تاخد حقك، فاعرف أنها بقت أضعف بكتير من زمان.
كمال بجمود:
ـ ماليش حق عندها عشان أنا محتها من حياتي خلاص.
خالد بنفاذ صبر:
ـ طب ولو قولتلك أنها هتبقى معانا في شغل. عشان جنب شغلها البرايفت هي بتشتغل في الشركة مع راجي، وأكيد هتتقابلوا...
قاطعه كمال باختصار:
ـ زيها زي أي حد.
خالد باستفهام:
ـ طب و ميرهان....
ـ ماتت!
هكذا تحدث كمال بنبرة قاطعه تحمل الألم والكره معًا، فإن كانت حبيبته السلاح الذي طُعِن به، فاليد التي غرسته بمنتصف قلبه كانت شقيقته.
ـ طيب اعمل حسابك أن في ميتينج كمان ساعتين مع راجي وهي هتكون موجودة.
هكذا تحدث خالد بنفاذ صبر ليوميء كمال برأسه وهو يقول:
ـ تمام.
اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ♥️
★★★★★★★★★
ـ اللي سمعته. بجولك مفيش بيناتهم حاچة. من وجت ما چاب المهندِس جال عشان يچدد الاوضة وأني حسيت إن في حاچة غريبة بتحصول! اتاريه قسم الأوضة بيناتهم.
هكذا تحدثت سكينة على الهاتف بنبرة خفيضة ليأتيها صوت رماح المغلول:
ـ بت أبوها صوح. عرفت توجفه عِند حده. بس هانت. فات الكتير، واني جربت ارچع مصر من تاني، و هخليه يجول حجي برجابتي.
سكينة بحنق:
ـ إني سمعت الحديت ده كتير، و مفيش أي حاچة بتحصل. ميتا هتخلِص عليه!
رماح بحدة:
ـ الصبر يا ولية. جولتلك فات الكتير. جوليلي. أنتٌ ليكِ حديت معاها!
سكينة بغل:
ـ جليل جوي. الست هانم مابتعبِرش حد، و البيه جدامنا بيعاملها كيف الأميرة. لاه و مش بس أكده دا كمان مخليها تتحكم في الدوار كلاته.
قهقه رماح قبل أن يقول بشر:
ـ أكده معناه أنه طب، و ده حاچة في موصلحتنا. فاضل بس ألم الشمل، و البنته تعرِف أن أبوها بيدور عليها. اسمعيني زين في اللي هجوله و نفذيه بالحرف الواحد.
ـ سمعاك يا رماح.
في الناحية الآخرى كان رحيم يترأس طاولة الطعام، و هي على المقعد المقابل له، فطوال العام الماضي التزم كليهما جانب الصمت. يتعاملان أمام الجميع كزوج و زوجة، وبينهم كان كلًا منهما يلزم غرفته، فقد قام بجلب مهندس صديق له من القاهرة ليقوم بإعادة تشكيل غرفته الكبيرة لجعلها غرفتان ولكن بباب واحد حتى لا يشعر أحد بما يحدُث، و لم يكُن يدلف إليها أي شخصٍ سواهم كل هذا في سبيل رضاها الذي طال، حتى بدأ يشعر بأن طاقته أوشكت على النفاذ، فلم يستطِع اي شيء جعلها تتجاوز عن فعلته أو حتى تُعطيه الفرصة للشرح.
ـ كيف الأحوال في الدوار اهنه؟
هكذا تحدث محاولًا فتح أي باب للحديث معها لتُجيبه دون أن ترفع رأسها عن الطبق أمامها:
ـ بخير.
عض على شفتيه حنقًا قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ سكينة لسانها بتضايجك!
نجاة بجفاء:
ـ لاه..
حاول مجددًا حين قال باستفهام:
ـ مين اللي عِمل الوكل؟
اغتاظت من إصراره على فتح حديث معها لترفع رأسها تناظرها بغضب قبل أن تقول بنفاذ صبر:
ـ اللي بيعمله كل يوم!
كان يشتاق لملامحها الرائعة التي أصبح يعشق كل إنش بها، لينمحي غضبه حين رفعت رأسها تناظره ليقول بنبرة خشنة:
ـ تسلم يدك..
زعزعت كلماته البسيطة ثباتها، و تنتفض دقات قلبها تأثرًا بنظراته التي اشتبكت مع خاصتها لبرهة قبل أن تجذب عينيها من أثر عينيه لتقوم من مكانها تنوي الهرب، و إذا بيده تقبض على خاصتها تمنعها من التحرك خطوة واحدة لتناظره بحدة قابلتها نبرته الآمرة حين قال:
ـ اجعدي كملي وكل..
عاندته قائلة بغضب:
ـ شبعت.
شاب التحذير نبرته حين قال:
ـ جولتلك كملي وكلك يا نچاة بطلي شغل عيال..
اغتاظت من حديثه، وحين أوشكت على الرد تفاجئت بسكينة التي دلفت الى داخل الغرفة، فوجدت يده تمسك بيدها لتتبدل نظراتها على الفور ونبرتها وهي تقول:
ـ شبعت. خليني اعملك الشاي. عشان متتأخرش.
دون أن يلتفت علم سبب تغير حالها ليستغل ذلك قائلًا بتخابث:
ـ متتعبيش حالك. اني معنديش مواعيد. لغيتها النهاردة وهجضي اليوم كله اهنه. كلي براحتك، و بعدين نشربوا الشاي مع بعضينا فوج.
ودت لو تقوم بكسر هذا الطبق فوق رأسه، فذلك اللعين قال حديثه عن قصد أمام تلك البومة التي كانت تناظرهم بارتياب وهي مجبرة على مجاراته حتى تقتل أي شك ينمو في رأسها اللعين لذا قالت بابتسامة صفراء:
ـ وماله. اللي تشوفه يا عمدة..
بعد مرور بعض الوقت كان رحيم يجلس في غرفته التي يفصلها عن غرفتها جدار وباب لعينان يحجبان عنه جنته بين ذراعيها، و لكنه أصبح لا يُطيق ذلك الوضع لذا قرر بكل الطرق تغييره.
دلفت إلى داخل الغرفة وهي تحمل صينية الشاي و الغضب يلون محياها، و خاصةً حين وجدت تلك البسمة الماكرة ترتسم فوق ثغره لتقوم بوضع الصينية التي كان فوقها إناء حراري به لترًا من الشاي و بعض الأكواب ثم التفتت تنوي التوجه إلى غرفتها لتوقفها كلماته الآمرة حين قال:
ـ صبيلي الشاي..
كانت تطحن ضروسها من فرط الحنق، ولكنها تجاهلته و توجهت إلى الصينية لتقوم بسكب الشاي في الكوب، ولسوء حظها، فقد كان الإناء غير محكم الغلق ليسقط الماء الساخن فوق كفها لتصرخ بألم، فهب رحيم مفزوعًا لينظر إلى جلدها المُحمر، وهو يهتف:
ـ مش تحاسبي.. وريني يدك..
تفحص يدها ليرى مدى الضرر بها ليقوم بجذبها و يتوجه إلى المرحاض ليضعها أسفل الماء الجاري، ولكنها صرخت بألم فقد كانت يدها تؤلمها بقوة جعلتها تبكي، ليرق قلبه كثيرًا على ألمها مما جعله يقوم بمد يده و محو عبراتها وهو يقول بحنو:
ـ بزيداكي بكى. تعالي معاي هدهنلك مرهم يهدي الحرج شوية.
لم تقاومه بل تركته يقوم بفرد الدهان فوق الحرق الذي يؤلمها و ما أن انتهى حتى أخذ ينظر إلى وجهها الباكي، وخصلاتها التي التصقت بجبينها من شدة التعرق ليمد يده بعفوية ويمحو قطرات العرق من على جبينها لتتراجع هي إلى الخلف بلهفة جعلته يقول باستنكار:
ـ لساتك خايفة مني يا نجاة! اديلنا سنة عايشين في أوضة واحدة كيف الاغراب محاولتش حتى اضايجك ولو بكلمة، و أنتِ بردك شيفاني كيف الوحش اللي هيأذيكِ!
تألم قلبها لحديثه ولكن عقلها إبى التراجع لتقول بلهجة مُتحشرجة:
ـ تجصد الوحش اللي أذاني جبل أكده.
آلمته الكلمة بقوة ليُغمض عينيه بألم تجلى في نبرته حين قال:
ـ أني عمري ما كنت وحش. بس أنتوا يا حريم كيف الجطط بتاكلوا و تنكروا. عمومًا متخافيش اني مش هجرب عليكِ لا بجصد ولا من غير. اطمني.
نهض من مكانه يتوجه إلى الخارج ليتجمد بأرضه حين سمع كلماتها المُعذبة بعد أن قررت المواجهة أخيرًا:
ـ أنت اللي جتلت مرتك صوح!
اللَّهُمَّ أَرِحْنِي بَعْدَ التَّعَبِ وَأَسْعِدْنِي بَعْدَ الحُزْنِ، وَكَافِئْنِي بَعْدَ الصَّبْرِ. اللَّهُمَّ أَزِحْ مِنْ قَلْبِي كُلَّ خَوْفٍ يَسْكُنُنِي، وَكُلَّ ضَعْفٍ يَكْسِرُنِي، وَوَفِّقْنِي وَاشْرَحْ صَدْرِي سَهِّلْ أَمْرِي إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".♥️
★★★★★★★★
كان يتوجه إلى هذا المكان الذي من المفترض أن يتم البناء عليه لدراسة عدة أفكار تدور برأسه، وإذا به يتفاجيء عندما وجدها تقف بين كل هؤلاء الرجال وتتحدث معهم و بعضهم يضحك، فشعر بالدماء الحارة تندفع إلى أوردته، فقد اتخذ من هذا العذر حجة لعدم حضوره الاجتماع حين علم بمجيئها، لا يريد أن يراها، أو ليعاقب قلبه الذي أراد رؤيتها و بشدة، فحرمه من هذه اللذة، ولكن للقدر رأيًا آخر دائمًا، فهاهي تقف أمامه، وتفرض وجودها على حياته، ولو كان من دون قصد.
زفر بقوة وهو يترجل من سيارته ليهتف أحد المهندسين بجانبها:
ـ مش دا كمال بيه الوتيدي!
شعرت بأن الأرض تميد بها، فقد قضت ليلة عصيبة بسببه، و بسببه أيضًا لم تستطِع البقاء في البيت، كانت تريد الهرب من التفكير فيه، و على الرغم من أن راجي قد أعطاها اليوم إجازة إلا أنها أرادت الإلتهاء بالعمل عن التفكير، و قد آثرت الذهاب الى الموقع لرصد العمل هناك، و تدوين الملاحظات و استلام الشكاوى لتصطدم به أمامها، فهل تطلق لساقيها الريح حتى تنجو بحياتها، فقد شعرت بألم شديد في معدتها بسبب التوتر الكبير الذي تشعر به، أو تستغل وجوده لإقامة حقها في الدفاع عن نفسها المؤجل منذ سنة، لا تعلم ما الذي عليها فعله، و خاصةً وهي تراه يقترب وهو يسلم على الجميع لكنه حين وصل أمامها لم يُعطها سوى إلتفاته بسيطة و إيماءة كانت تحيته قبل أن ينخرط في الحديث مع الجميع عن مسار العمل، وقد كان هذا التجاهل مثير للألم و الاستفزاز معًا، وقد قررت رد الصاع صاعين و المواجهة للمرة الأولى و الأخيرة ولكن على طريقتها.
كان يتحدث مع أحد المهندسين قبل أن يستمع إلى صوت أحد العمال وهو يصرخ بفزع:
ـ حاسبي يا مدام آسيا..
★★★★★★★★★★
كان يدور بالسيارة حول المكان الذي يتواجد به هذا الصرح الذي تعمل به، لا يعرف لما أراد رؤيتها؟ هل ليختبر شعوره تجاهها، فالمقابلة الأولى بينهم كانت عبارة عن صدمة، و من الطبيعي أن يجرفه الحنين إليها، ولكنه أراد رؤيتها مرة ثانية حتى يصل إلى ماهية هذا الألم بداخله، و أيضًا ليرى أن كانت هي الأخرى تجاوزته أم لا! وهل الصدمة ستُعريها أمام عينيه كما حدث معه!
حالة من الهياج القوي أصابت دقات قلبه حين وجدها تترجل من السيارة وكأن أحدهم القى قنبلة موقوتة داخل صدره الذي تفجرت به جميع المشاعر دفعةً واحدة ليجد عينيه تناظرها و كأنها تعانق كل إنش بها لتروي شوقًا حاول قمعه، مع كل لحظة ألم مر بها، وهو في هذه القافلة الطبية التي كان فرداً منها في أحد الدول النامية التي يعاني شعبها من الجوع و الأمراض، فقد أراد الهرب من ذكراها و رائحتها و كل شيء يُشير إليها حتى ينساها، و قد كان لكلمات خالد القاسية وقعً قويًا عليه، فعاد بذاكرته إلى ذلك اليوم الصعب
عودة إلى وقتٍ سابق
كان يجلس بالحديقة ينظر إلى الأعلى يحاول التغلب على هذا الفراغ الذي تركه غيابها، فقد علم من جدته أنها رحلت، و التي اختارت اعتزالهم أيضًا لتذهب إلى الملحق الكبير و تنقل جميع حاجياتها هناك، بعد أن أعلنت تبرأها من الجميع بعدما علمت بقرار طلاقهم، فقد بدا البيت موحشًا وكأن كل ركن به يعاتبه على رحيلها.
ـ عمر..
انتشله صوت خالد القاسي من أفكاره ليجده متوجهًا إليه، فهب عمر من مكانه للقائه و إذا بخالد يقوم بتوجيه لكمة قوية إلى أنفه وهو يهتف بشراسة:
ـ دي عشان قولت لأمك أن أمين هو اللي خطف رنا.
ثم وجه لكمة أخرى إلى صدغه الأيمن وهو يتابع بقسوة:
ـ و دي عشان محافظتش على أمانة عمتك.
ثم أضاف لكمة ثالثة إلى صدغه الأيسر وهو يقول بزمجر بانفعال:
ـ و دي عشان طلعت أحقر من ابوك و أمك.
انبثقت الدماء من وجه عمر الذي لم يكُن يصدق كل هذه الثورة من خالد الذي كان يعتبره والده بدلًا عن عز الدين ليهتف بصدمة:
ـ كل دا من غير حتى ما تسمعني!
خالد بتقريع و أنفاسه المتلاحقة تكاد تحطم صدره:
ـ أسمعك! أسمعك ايه بعد ما شوفت البنت اليتيمة خارجة من البيت و دموعها على خدها. هربانه منكوا زي ما حصل مع أمها زمان! ملهاش لا بيت ولا أهل ولا حد يقف جنبها!
عمر بانفعال:
ـ أنا مقولتلهاش تمشي.
خالد بشراسة:
ـ بس أجبرتها أنها تمشي.
عمر بحدة:
ـ هي اللي طلبت الطلاق، لا و أصرت عليه. بالرغم من أن أنا اللي كان المفروض اعمل دا بعد ضغطها عليا. لكن أنا كنت عند وعدي لآخر لحظة، و كنت هديلهم حقهم هي اللي رفضت تاخده.
خالد بتهكم:
ـ لا معلش يعني ايه انت اللي المفروض تعمل دا!
عمر باندفاع:
ـ أيوا. عشان هي طول الوقت بتضغط عليا اني اعلن جوازنا، و دا مكنش اتفاقنا، و مع ذلك انا وقفت قدام بابا وماما و الدنيا كلها عشانها.
خالد بجفاء:
ـ و ياترى وقفت ليه قدام الدنيا كلها عشانها؟!
لم يجد إجابة يمكنها أن تسعفه لتزوغ عينيه عن خالد الذي وضع الحقيقة نصب عينيه حين قال:
ـ عشان حببتها. بس بتكابر. و بصراحة مش لاقيلك مبرر انك تكون بتحبها و تعمل كل اللي يضيعها منك. بدل ما انت اللي تقول للناس كلها انها مراتك
عمر بحدة:
ـ مينفعش. ازاي هعمل دا؟
خالد بغضب:
ـ هو أيه اللي مينفعش!
ـ العلاقة دي متنفعش. أه حبيتها، بس مش هي البنت المناسبة ليا!
خالد بتهكم:
ـ نعم! هو انت نوع مختلف عن البني آدمين! يعني ايه مش البنت المناسبة ليك!
عمر باندفاع:
ـ ما تشوف هي أبوها مين وانا ابويا مين؟ شوف هي اتربت فين وانا اتربيت فين! شوف هي ايه وانا أيه؟ ماشي هي فيها كل الصفات الحلوة بس..
خالد بسخرية:
ـ بس متليقش بالدكتور عمر الوتيدي صح!
تجاهل أنين قلبه و قال باختصار:
ـ صح..
ناظره خالد بخيبة أمل قبل أن يقول باحتقار:
ـ بما انك بتتباهى باسم الوتايدة كدا. ما تقولي كدا انت عملت أيه ليهم؟ يعني أضفتلنا أيه نتباهى احنا بيه!
لم يجد إجابة لتساؤلات خالد الجارحة ليُضيف الأخيرة بتقريع:
ـ اقولك انا. ولا حاجة. أنت طلعت لقيت كل حاجة موجودة على الجاهز. بقيت دكتور عشان كل حاجة متوفرالك. مش مثلًا عافرت و اتحديت ظروف صعبة عشان تبقى كدا. صح ولا أنا غلطان!
التفت وجه عمر إلى الجهة الاخرى، فللمرة الثانية يصمت أمام كلمات خالد الذي تابع هجومه الضاري على كبريائه:
ـ عارف اللي تشرف مين؟ شروق. بنت يتيمة اتحرمت من أهلها و شالت مسئولية اختها وهي لسه عيلة، و مع ذلك دخلت كلية تجارة وكانت بتدرس وهي بتشتغل عشان تصرف على نفسها وعلى أختها. مقالتش امشي في الغلط مانا مش لاقية ولا مش معايا. حتى محاولتش أنها ترجعلنا وتدور على حق أمها. بنت عندها كرامة، عافرت و عملت اللي الراجل معرفش يعمله. تصدق ان العلاقة دي متنفعش أصلًا..عشان هي خسارة في واحد زيك..
عودة إلى الوقت الحالي
لازالت كلمات خالد تؤلمه كلما تذكرها، فقد آلمته للحد الذي جعله يترك كل شيء و يغادر يبحث عن نفسه عن هويته يبغي صنع شيئًا خاصًا به ينسبه إلى نفسه، كما أراد أن يثبت لنفسه بأنها لن تترك أثرًا بداخله، ولكن اليوم علم من جدته بأنها لم تأخذ نصيب والدتها علمًا بأنها أصبحت مؤهلة لاستلامه!
كانت تقف على الجانب الآخر من الشركة تنتظر الإشارة حتى تعبر الطريق و تتوجه إلى عملها، و إذا بها تستمع إلى آخر صوت أرادت سماعه:
ـ شروق..
في البداية تجمدت الدماء بعروقها حين سمعت صوته، وتزاحمت أنفاسها للحد الذي آلم صدرها، ولكنها حتمًا ستواجه لذا التفتت بكل هدوء تناظره و لحسن حظها، فقد كانت ترتدي نظارة سوداء تحجب عينيها عن خاصته حتى لا يرى مدى تأثيره عليها.
ـ دكتور عمر!
لا يعلم لما أغضبه أن تضع لقبًا قبل اسمه ولكنه تجاهل ذلك وقال بجمود:
ـ عايز اتكلم معاكِ!
ترى غضبه الذي يتجلى بهذا العرق النابض بقوة في رقبته بينما تحجب هي تأثرها به جيدًا، وقد كان هذا رغم الألم جيد لذا رفعت يدها تنظر إلى ساعتها قبل أن تعيد النظر إليه قائلة بهدوء:
ـ للأسف معنديش وقت. عن اذنك.
حين أوشكت على الاتفات وجدت قبضة كالفولاذ تحكم الطوق حول معصمها لتلتفت ناظره إليه باندهاش تحول إلى صدمة حين امتدت يده لتجذب نظارتها السوداء من فوق عينيها التي لم يكُن يُدرك مقدار اشتياقه لها سوى الآن، لتتهدج أنفاسه وهو يقول:
ـ كدا احسن عشان تعرف نشوف بعض كويس.
حاولت نزع يدها من بين قبضته وهي تقول بحدة:
ـ سيب ايدي..
ـ شروق..
كان هذا صوت راجي الذي برقت عينيه حين رأى ما يحدث ليقترب منها وهو يصيح غاضبًا فانتفض جسدها حين رأته لتفرق عينيها بين كلا الرجلين، وهذه النظرات المرعبة التي كانت متبادلة بينهم، لتدرك بأن القادم سيء
يتبع....
فصل ٦٥٠٠ كلمة كان نفسي اكتب اكتر من كدا بس والله مسافرة البلد عند أهلي الساعة ٧ الصبح يدوب الحق ألم حاجتي ♥️ دعواتكوا ليا بحبكوا♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل التاسع وخمسون 59 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل القراءة بتمنى تفرحوني بفوت و تسيبولي كومنت على الفقرات اللي حبتوها في البارت ♥️ بحبكوا ♥️🫂
السبيل السادس ❤️🔥
عادةً لا تكتفي الحياة بإعطائنا الدروس، ولا تقتصر على صفعنا لنستفيق من سُبات الوهم؛ بل أحيانًا تضعنا وجهًا لوجه أمام أفعالنا، لتجعلنا نتذوق الشعور ذاته الذي أذقناه لغيرنا. فيستنكر القلب هذا الألم الجارف الذي يجيش به، غير مُدرك أن ما يحدث ليس قسوةً أو تجبر، بل عدالةٌ سماوية لا تخطئ. فالحياة تُخبئ لكلٌ منا نصيبًا من كأس الألم الذي سقى به غيره، لندرك أن كل فعلٍ نُقدِم عليه يترك أثرٍا سيِرد إلينا ذات يوم وإن طال الزمن. وكلما ظن الإنسان أنه في مأمنٍ من الحساب أو أنه أفلت من العذاب، يشد القدر الخِناق أكثر و يبدع في تذكيره بأن ميزان العدل لا يختل ولا يميل لأحد، ليكسره من نفس الموضع الذي كسر به غيره وأن الوجع الذي تجاهله يومًا، و أدار له ظهره سيقف أمامه يومًا ما بذات الثقل، والألم، و أن الذنوب لا تُمحى بل تؤجل، و أن وقت الحساب حين يأتي لا يرحم أحد.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أنتِ تعرفيه منين يا شروق!
هكذا استفهم راجي بنبرة جافة وعينيه تطلقان حمم مشتعلة تجاة عمر الغاضب حد الجحيم، وهو يرى هذا الرجل يقف بالقرب منها، بل ويُطالبها بمعرفة من هو بالنسبة إليها؟!
كان هناك صراعًا مريعًا بين كلا الرجُلين، و خاصةً عمر الذي لازال قلبه العاصي يزعم امتلاكه لها، فالأنانية كانت تُعمي عينيه عن حقيقة أنها لم تعد شيئًا خاصًا به، لتسقط صخرة إنكارها له فوق قلبه حين قالت بجمود:
ـ الدكتور عمر الوتيدي. معرفة قديمة!
و كأن للحروف أسنان حامية نهشت صدره بضراوة حتى كاد ألمها أن يقتله، فهي لم تذكر قرابتها به أو حتى أنها كانت زوجته إلهذا الحد لا تُعطي لكل هذه الأشياء قيمة!
و فجأة اهتاج كبرياء قلبه لتنطلق الكلمات من بين شفتيه كالرصاص حين قال:
ـ شروق بنت عمتي، و كانت مراتي. ياريت تروح تشوف شغلك.
احتلت الصدمة ملامح راجي لثوان قبل أن تتحول الى غضب حين حادثه عمر بهذه الطريقة ليقترب منه وهو يهتف بجفاء:
ـ أنت بتتكلم كدا ليه؟
التمعت عيني عمر بالشراسة فقد كان يريد الفتك به منذ المرة الماضية التي رآها برفقته وقد جاءت الفرصة ليقترب وهو يزمجر بحدة:
ـ اتكلم زي مانا عايز..
ارتعبت من هذه المواجهة التي كانت ستنقلب إلى معركة طاحنة لو لم تتدخل قائلة بحزم:
ـ من فضلكوا ميصحش كدا. ايه اللي أنتوا بتعملوه دا!
راجي بحدة:
ـ أنتِ عايزة تستني معاه؟
جن جنون عمر من استفهامه ليهتف بشراسة:
ـ و أنت مالك انت؟ بقولك بنت عمتي و مراتي..
خرجت الكلمة الأخيرة من شفتيه دون أن يلحظ لتبترها حروف شروق الصارمة:
ـ كنت.. أنا كنت مراتك، و أنت قولت كدا من شوية، و لو سمحت استناني في العربية لحد ما ارجعلك.
في هذه اللحظة ود لو يحطم رأسها على حديثها الذي أصاب تلك النقطة الحساسة داخل قلبه، والتي لم يستطِع مواجهتها يومًا. نقطة تحمل حروف اسمها المطبوع بداخله بحروف من نار، ولكنه لم يملك الجرأة يومًا على المواجهة، ولا يعرف كيف السبيل لمحوها من داخله؟ فقط يغار كالمجنون الذي لا يملك حتى حق الصراخ للتعبير عن ألمه.
استقل سيارته، وهو يحاول التنفيس عن نيرانه التي تأكل صدره من الداخل حين رآها تقف معه و ملامحها تحمل اعتذار أو ربما توسل، وهذا الوغد يقف أمامها يناقشها، فقد كان هذا المشهد و كأنه وقود بصري يغني نيرانه بقوة، فأخذ يعِد إلى العشرة حتى لا يذهب و يقوم بسفك دمائه أمام عينيها، ولكن القدر تلطف به حين رآها تتوجه إليه، وهو لايزال واقفًا يطالعه بأعيُن لا تخفي الغضب بل تُعلنه جهرةً في تحدي صريح لثباته، ليجذب صوتها انتباهه حين فتحت الباب وهي تقول:
ـ مش هينفع نتكلم...
ـ اركبي..
هكذا بتر حديثها، فحالته كانت خطرة، ولا تحتمل أستفزاز آخر، وقد كانت مجبرة على طاعته حتى لا يحدث كارثة لتركب السيارة بجانبه، تنوي أن تخبره بأنه لا يوجد حديث بينهم، ولكنه لم يُمهلها الوقت لذلك إذ انطلق بالسيارة كالبرق الذي خطف أنظار راجي الغاضب بقوة، وقد شعر عمر بالانتشاء للحظات، وهو يشاهد ملامحه المشتعلة بصورة خاطفة في المرآة الجانبية لينتشله من متعته اللحظية صراخ شروق الغاصب:
ـ أنت أتجننت! مين قالك اني عايزة أروح معاك في مكان ؟
عمر بانفعال:
ـ أنتِ تخرسي مش عايز اسمع صوتك!
كلماته أثارت غضبها بشدة لتهتف بحدة:
ـ وقف العربية دي. أنا مش هروح معاك في أي حتة.
عمر بجفاء:
ـ هنقف في مكان ينفع نقف فيه. في كلام لازم نقوله.
استدعت كل ذرة هدوء تمتلكها، وقد قررت تلقينه درسًا قاسيًا ولكن على طريقتها لذا لجأت للصمت إلى أن توقف بالسيارة على جنب الرصيف وهو يحاول التنفيس عن هذا الغضب الهائل بداخله لكي لا يؤثر على تفكيره، و لكن صمتها كان مُثير للإستفزاز خاصةً وهي تنظر أمامها تترفع عن النظر إليه لتمر دقائق، قبل أن يقطع هذا الصمت صوتها الحاد حين قالت:
ـ اتمنى لو هديت تقول الكلمتين اللي عايز تقولهم عشان أنا مش فاضية!
هل تأمره؟ أم تقصد إثارة حنقه أكثر؟ و الحقيقة أن الإجابة كانت الإثنين معًا لتنجح في جعله يصل إلى حافة الجنون الذي جعله يصرخ بغضب مسعور:
ـ و كمان ليكِ عين تتكلمي كدا! ازاي الراجل دا يسألك عني وتنكري اللي كان بيننا!
شعرت برغبة مُلحة في الضحك على حديثه، ولكنها بدلًا عن ذلك اختارت الهدوء و النيل من كبرياءه بأقسى الطرق لتلتفت ناظره إليه بعينين تسخر من وجعه و نبرة رغمًا عن هدوئها ولكنها تحمل تقريعًا بين طياتها:
ـ اذا كنت أنت وانا مراتك و على اسمك أنكرت انتسابي ليك! عايزني أنا بعد ما أطلقت منك و نسيت اني كنت مراتك أصلًا أعلن دا! بأي منطق!
أتدري ذلك السهم الذي غرزته في قلبي ذات يوم! لم أنزعه ولم أداوي جرحه، بل تركت سُمه يسري في دمي لا لأموت به. بل لأجعلك تتذوق منه اليوم قطرة قطرة حتى تعلم أن الاحتراق لا يكون بالنيران فقط.
كان هذا حديث عينيها التي خاطبت عينيه لترى كم أن الأمر مؤلم حد الفزع بالنسبة إليه ليندفع استفهامًا موجعًا من بين حنايا صدره
ـ هل شعرت بمثل هذا الألم حين لم أُعلِن انتمائها لي؟!
ـ أنا عارفة قد ايه الموضوع مؤلم، و خصوصًا لما تكون مش متوقع دا. بس صدقني في الأول بس. اسمع من مجرب، ودلوقتي قولي كنت عايز أيه عشان أنا مش فاضية.
هكذا تحدثت شروق بنبرة لامُبالية ليتبدد الألم للحظات ويتحول إلى دهشة عارمة اجتاحت ملامحه، وهو ينظر إلى البساطة التي تتحدث بها، وكأن الأمر عاديًا لم يترك بها أثر! فهل حقًا نسيته كما قالت!
ـ عندك حق. كنت عايز اتكلم معاكِ بخصوص جدتك.
هكذا تحدث بنبرة مُتحشرجة لم يستطِع كبح الألم بها لتُجيبه بنبرة ثابتة كان يحسُدها عليها:
ـ مالها!
ـ ازاي تقعدي كل المدة دي متسأليش عنها؟!
هكذا تحدث عمر باستفهام يحمل عتبًا صريحًا تجاهلته حين قالت بجمود:
ـ عشان مش هنتفق، وهنزعل من بعض. بالإضافة لأن البيت دا انا خرجت منه ومش ناوية ادخله تاني!
عمر بسخرية مريرة:
ـ ياااه! للدرجادي كارهة البيت! على ما افتكر أن زي ما في ذكريات وحشة كان في بردو ذكريات حلوة.
شروق بنبرة هادئة:
ـ على حسب أنت مفهومك أيه عن الذكريات الحلوة! و عمومًا ذكرياته بحلوها أو مُرها مجرد ذكريات. انما أنا مش حابة اتعامل مع حد هناك. في حاجة تانية هتتكلم فيها!
استشاط غضبًا من حديثها ليهتف بحدة:
ـ أيه الغربة كلتك اوي كدا و عايزة ترجعي؟
شروق باختصار:
ـ عندي شغل و مش فاضية!
عمر بسخرية:
ـ و الشغل دا مهم اوي لدرجة أنك مش قادرة تتحملي نص ساعة على ما تتكلم!
شروق بملل:
ـ طب ما تتكلم و تقول اللي عندك. بدل ما احنا بنضيع وقت كدا!
لم يعُد عقله يحتمل برودها و تهكمها و ثباتها أمامه بينما هو يعاني من نوبات غيرة و شوق و غضب ينهشون بصدره حتى لم يعُد باستطاعته الصمت أكثر ليصرخ بملء فمه وهو يقوم بهزها من ذراعيها بعُنف:
ـ أنتِ بتتكلمي عادي كدا ازاي؟ أنتِ ناسية احنا كان بينا ايه! أنتِ كنتي في يوم من الأيام بتنامي في حضني.
كانت تتوقع ثورته التي أثلجت صدرها الذي لايزال يئن من فرط الوجع الذي تسبب لها به، ولكنها كانت حربها بينه وبين غروره الذي أقسمت أن تخسف به الأرض لتصرخ بقسوة وهي تنتزع نفسها من بين يديه:
ـ أيوا نسيت. نسيت ومش عايزة افتكر ولا لحظة من الماضي، و تحديداً غلطتي في ارتباطي بيك.
بهتت ملامحه حين سمع كلماتها ليهتف باستنكار جريح:
ـ غلطتك!
شروق بقسوة:
ـ أيوا غلطتي.
نجحت في إهانة غروره و النيل من كبريائه وقلبه في آنٍ واحد ليقرر لملمة الباقي من كرامته ليقول بنبرة جريحة ولكنها جافة:
ـ عندك حق. هي غلطة فعلا.
شروق بجمود:
ـ عشان كدا لازم تنساها زي مانا نسيتها.
لم يستطِع احتمال هذه الهزيمة النكراء أمامها لذا هتف بنبرة ساخرة قاسية:
ـ لا مانا كمان نسيتها. دانا حتى اطمنت أن أنتِ كمان نستيها. عشان محسش بأي تأنيب ضمير من ناحيتك.
لم يكُن الجرح شيئًا جديدًا منه، فقد قتلها في الماضي فهي يُحييها الآن! لذا تجاوزت عن ألمها وقالت ببساطة:
ـ لا اطمن من ناحيتي أوي. انا زي الفل.
استرعت جملتها الأخيرة انتباهه لتُبحر عينيه على ملامحها الجميلة، و هيئتها التي رغمًا عن كل شيء أيقظت الحنين بداخله ليتذكر أنه بيوم من الأيام كان السبب الوحيد في توهجها و الآن أصبح وهج جمالها يخطف العيون ولكن بدونه.
ـ مانا شايف انك زي الفل.
لم تُعير كلماته أي انتباه إنما قامت بفتح باب السيارة تنوي المغادرة، فهناك قلباً بداخلها يئن من فرط الوجع، الذي حاولت كبحه كثيرًا ليتساقط من عينيها بغزارة وهي توقف أحد سيارات الأجرة لتستقلها دون أن تُعيره أي التفاتة.
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه"، ♥️
★★★★★★★★
توقف النبض بأوردته حين رآها تقف على الحافة في أعلى قمة للمبنى ومعها أحد الرجال ليصرخ الآخر في الأسفل يحذرها من مغبة الوقوع من الأعلى، و عينيه تكاد تخرج من محجريها من شدة الفزع، ليُطلِق نفسًا قويًا من داخله حين وجدها تتراجع بعض خطوات للخلف، فلم يكُن عقله قادرًا على تخيل هذا المشهد وهي تهوى من فوق.
ـ هي المجنونة دي بتعمل أيه فوق؟
هكذا تحدث كمال غاضبًا إلى أحد المهندسين الذين يقفون معه ليُجيبه أحدهم:
ـ مدام آسيا تبع راجي بيه، و جاية بتعاين آخر التطورات، و على فكرة دي مش أول مرة تيجي هنا. كمان هي جريئة و مبيهمهاش.
وهل لا يعلم! هكذا دار استفهام ساخر بداخله، فهو أكثر من يعلم عن مدى جرأتها. فقد كانت سبباً آخر بالأضافة للكثير من الأسباب التي أسقطته في فخ عشقها!
كانت عينيه لازالت تحيط بها للحد الذي جعل قلبها يبتهج رغمًا عنها، فقد تقصدت جذب انتباهه أو لنقل استدعاء جميع شعوره تجاهها عن طريق القلق، و لكن بطريقة تبدو غير مقصودة.
مر بعض الوقت لتنتهي من تدوين كل التطورات في الموقع وسط نظرات مُختلسة من جانبه وكذلك كانت هي ليحين وقت المغادرة، فأخذت تعبث في هاتفها لتطلب أحد السيارات لتقلها إلى الشركة ولكن كانت الشبكة سيئة للغاية في الموقع، فاقترب منها أحد العاملين، ليسألها عن سبب انتظارها، و في هذه الأثناء كانت عيني كمال تطالعها بتمعُن من خلف نظارته السوداء، فقد بدت نحيلة عن السابق، على الرغم من أن ملامحها احتفظت بجمالها إلى حد كبير، و كذلك استطالت خصلات شعرها أكثر، وكم كان هذا يُعطيها جمالًا فوق جمالها ولكن من نوعًا آخر خربش صندوق الذكريات التي حاول دفنها في أعماقه ليتفادى نوبات الحنين العاتية، ولكنها الآن تستيقظ و بقوة، مُعلنه حالة الطوارئ داخله ليقوم بالالتفات إلى الجهة الآخرى ليبدأ الحديث مع أحد المهندسين عن تفاصيل البناء و مواقع الأقسام، ولكن كما هي العادة وجودها يفرض نفسه بقوة على عالمه، ليسمع اسمها في جملة أشعلت جذوة الغضب بداخله:
ـ أنا هوصل مدام آسيا للشركة.
استدار ينظر إلى صاحب الصوت ليقول بجفاء:
ـ في مشكلة ولا ايه؟
أجابه الرجل:
ـ لا يا كمال بيه؟ دي مدام آسيا بتحاول تطلب أوبر عشان يوصلها للشركة بس هنا مفيش شبكة. بس أنا هوصلها. أنا كدا كدا رايح هناك.
لا يعلم لما افلتت تلك الكلمات من شفتيه حين قال بصرامة:
ـ أنا هوصلكوا أنتوا الاتنين. اسبقني على العربية.
القى التحية على العاملين في الموقع وهو يتوجه إلى سيارته في أنتظار آسيا التي انتشى قلبها حين علمت بأنه سيقلهم إلى الشركة، وقد أيقنت بأنه فعل ذلك كونه لن يقبل أن تركب السيارة وحدها مع رجل غريب وقد كانت مُصيبة، فهو إن كان يمقت الاعتراف بهذا الشيء ولكنه كالغبي لازال يشعر بالغيرة عليها، ولكنه ينوي أن يحاول جاهدًا للتخلص من بقاياها التي لازالت عالقة بقلبه.. هكذا اقنع نفسه وهو يقود السيارة وهي إلى جانبه، و الرجل يستقل المقعد الخلفي، ليعم الصمت أرجاء السيارة إلى أن جاء رنين هاتفها لتُجيب على راجي:
ـ أيوا يا مستر راجي. أنا في الطريق للشركة.
راجي بحدة:
ـ عندنا اجتماع في شركة الوتيدي. روحي على هناك.
آسيا بارتباك:
ـ طيب هاجي على الشركة و نروح كلنا سوى..
راجي بنفاذ صبر:
ـ مفيش وقت. روحي على هناك.
آسيا باختصار:
ـ تمام.
كلمتها المعتادة، ولكن كان وقعها على قلبه مُغايرًا فقد ذكرته بمشاعر جاهد كثيرًا لأخفائها، ولكن صوتها المُرتبك انتشله من الهاوية حين قالت:
ـ أنا ممكن انزل على أي جنب!
كمال بفضول لم يفلح في كبحه:
ـ لسه قدامنا شوية على ما توصل الشركة؟
احتارت بماذا تُجيبه، فعلى الرغم من كونها تتمنى أن تظل إلى جواره حتى ولو قضت عمرها غارقة في الصمت، ولكن كان يجب الحديث لتقول بخفوت:
ـ عارفة. بس مستر راجي مش في الشركة. عندنا ميتينج بره وانا هقابله على هناك.
كمال باقتضاب:
ـ و الميتينج دا فين؟
آسيا بجمود:
ـ في شركتكوا.
يا لسخرية القدر، فقد كان يهرب من هذا الاجتماع حتى لا يلتقي بها، ولكن انتهى به الحال وهي إلى جانبه و في سيارته، ولكنه تجاوز عن أفكاره وقال بجفاء:
ـ خليكِ. هوصلك.
تحدث الرجل من الخلف:
ـ طيب أنا طريقي غير طريقكوا. ممكن أنزل على جنب؟
صف كمال السيارة جانبًا حتى يترجل منها، ثم تابع طريقه إلى شركتهم بصمت كان يعج بالكثير من الأصوات الداخلية داخل كلًا منهما. فقد كان قلبه يتمنى لو يعانقها ولو لمرةٍ واحدة يحيا على ذكراها الباقي من عمره، وقد كانت هذه أمنية قلبها الذي يبغي الاعتذار لمائة مرة أن تطلب الأمر، فقط من أجل لحظة دفء واحدة بين حنايا صدره. ولكنها كانت تعلم باستحالة هذا الأمر ليبدأ الألم بالزحف إلى جسدها لتستدير تطالع جانب وجهه الجامد بشوق يتجلى بنظراتها التي شعر بها. لتبدأ الخيانة الداخلية من قلبه الجريح الذي يشتهي جرعة مخدر واحدة ليسكن ألمه ولو قليلًا، ولكن حتى لو أودى به الأمر إلى موته، فلن يلتفت إليها أبدًا، فهي لا تستحق منه سوى التجاهل، وقد كان يُبدع به.
حاولت إخراج الكلمات من فمها ولكنها تأبى ذلك تريد أن تبدأ بالحديث، وترتعب من فكرة الرفض تتمنى لو يُعطيها إلتفاته واحدة تمهد الطريق لاعتذارها ولكن لا شيء سوى تجاهل مؤلم قررت هي التجاوز عنه حين قالت بنبرة مُتحشرجة:
ـ كمال.
ظاهريًا بدا وكأنه لم يسمع ندائها، ولكنه داخليًا استقر صوتها في منتصف قلبه الذي كان يتألم كحالها حين لم تجد منه إي إجابة، فحاولت قمع العبرات التي كانت تُهدد بالانفجار في أي لحظة، فهذا ليس وقد الضعف، فلابد من استغلال هذه الفرصة الذهبية لكونها معه لذا تحدثت بنبرة ثابتة بعض الشيء:
ـ كمال احنا لازم نتكلم.
للمرة الثانية التي يتجاهلها، فشعرت باليأس الذي تحول الى حزن حين وجدت مبنى الشركة يلوح أمامها لذا هتفت بنبرة حادة بعض الشيء:
ـ أيوا و بعدين يعني!
للمرة الثالثة التي يتجاهلها، وقد أيقظ حمية الغضب بداخلها خاصةً حين وجدته يصف السيارة ويقوم بإطفاء المحرك استعدادًا لمغادرة السيارة، ليتجمد بمكانه حين مدت يدها وقامت بانتزاع مفتاح السيارة وهي تناظره بتحدٍ و عناد ليهتف بحدة:
ـ أيه دا؟
آسيا بأنفاس متلاحقة و تحدٍ يتجلى بوضوح في نظراتها:
ـ قولتلك عايزين نتكلم.
أغضبه عنادها و الأكثر شعوره بالاشتياق إليها بتلك الطريقة، فمنذ أن استقلت السيارة بجانبه، و عبأت رائحتها المكان وهو يجاهد شوقه و حنينه و عشقه وكبريائه معًا، وقد كان تحديها هذا يوقظ مشاعر كثيرة بداخله ظن أنه قتلها، ولكنها كانت تتوارى خلف الجراح النازفة.
ـ كلمي نفسك بقى..
هكذا تحدث بقسوة قبل أن يستدير ينوي المغادرة ولكنها باغتته حين مدت يدها تمسك بذراعه لتمنعه من تركها ليستدير ناظرًا إليها بصدمة من فعلتها الجريئة! ليجد نفسه على مقربة كبيرة منها ومن ملامحها التي يعشق و أنفاسها التي كانت دافئة بالقدر الذي يمكنها من إذابة جبال الثلج الذي بناها حول قلبه، كانت لحظة خاطفة تنحى بها كل شيء جانبًا، و أبحرت عيني كلًا منهما فوق ملامح الآخر بشوق لم يفلحان في إخفائه وقد كانت هذه اللحظة بمثابة خيانة قاسية لكبريائه الذي انتفض مُهتاجّا حين سمعها تهمس قائلة:
ـ كمال.
و كأن كلمتها كانت ناقوس تنبيه جعله يجذب يده من بين يديها وهو يقول بقسوة:
ـ متكرريش اللي عملتيه دا تاني!
أجفلتها قسوته و حدته في نزع يده من يدها لتتراجع إلى الخلف بحزنٍ طغى على ملامحها ولكنها حاولت صبغ نبرتها بالثبات حين قالت:
ـ تمام. بس احنا لازم نتكلم.
نهرها قائلًا بجفاء:
ـ مفيش كلام بيننا.
عاندته قائلة:
ـ في.
ضاق ذرعًا من عنادها ليهتف بصرامة:
ـ مش عايز اسمعه.
أمطرت عينيها بغزارة وهي تهتف بنبرة يفوح منها رائحة القهر:
ـ بس الموضوع مش متعلق برغبتك أنت وبس!
زعزعت عبراتها أوصال قلبه، ولكنه قمع تأثره بين حناياه ليقول باستنكار غاضب:
ـ ايه هتخليني اسمعك غصب عني!
آسيا باندفاع:
ـ لو لزم الأمر أه.
كمال بسخرية:
ـ أنتِ جايبة البجاحة دي منين؟!
آلمتها إهانته ولكنها ترى في عينيه بوضوح كم تأذى حتى ولو حاول ارتداء قناع القسوة و التجاهل لذا كفكفت عبراتها وهي تقول بنبرة مّتحشرجة:
ـ يمكن تبانلك بجاحة. بس دا حق انت دوست عليه و حرمتني منه سنة كاملة.
لم يفلح في ردع الدهشة التي سيطرت على ملامحه و نبرته حين قال:
ـ نعم! أنا عملت كدا!
آسيا بلهفة و نبرة تتضور وجعًا:
ـ أيوا عملت.
لم يكُن ينقصه سوى أن تعلق عليه أحمال وزرها لذا ضحك بسخرية قائلًا:
ـ مش مستبعد منك أي حاجة و اعرفي انك مهما قولتي مفيش حاجه هتتغير، و عمري ما هيكون في حاجة تجمعنا تاني في يوم من الأيام!
كانت إهانة قاتلة و رفض صريح حتى وإن كانت تستحقه ولكنه آلمها حد الموت، فباغتته حين قالت بنبرة رغم الألم الذي يجيش بها إلا أنها كانت قوية:
ـ ومين قالك اني عايزة حاجة تجمعنا تاني! و لا مين قالك إن الكلام اللي عندي دا محاولة مني أننا نرجع!
ارتفع أحد حاجبيه بسخرية تجلت في نبرته حين قال:
ـ تصدقي شوقتيني اني اعرف الكلام اللي عندك! لا فعلًا أثرتي فضولي لدرجة اني حسيت اني عايز اسمعه.
تزاحمت العبرات في مقلتيها و تقلصت ملامحها بألم جعل نبرتها ترتجف حين قالت:
ـ أنا عارفة أني غلطت في حقك. بس انت غلطت في حقي من قبلها بكتير. و مش انت لوحدك انت و اختك و بنت أختك.
ضاق ذرعًا من هذا السبب الذي تُعلِق عليه كل شيء حتى الخيانة لذا هتف باحتقار:
ـ أنتِ و أختي و بنت أختي متفرقوش عن بعض حاجة!
لم تحتمل أن يضعها في كفة واحدة معهم لذا صرخت بألم:
ـ لا نفرق. أنا عمري ما كنت شبههم. على الأقل عمري ما اتجبرت على اللي أقل مني.
لم يعُد يستطِع الاحتمال ولا تجاهل ألمه أكثر، فقام برفع يده و هوى فوق خدها بصفعة قاسية وهو يهتف كالأسد الجريح:
ـ بطلي كذب وحجج ملهاش لازمة. أنا وقفت قدام الناس كلها عشانك، و محدش فيهم كان يقدر يقرب منك طول ما أنا جنبك، بس أنتِ خاينة...
وكأن قلبها من نال الصفعة وليس خدها، كانت مؤلمة و قاسية و آثارها مروعة على سائر كيانها، فرفعت نظراتها تطالعه بأعيُن مصدومة حزينة يتشعب الخذلان بجوانبها، فلو كان فعل هذا قبل أن يغادرها بهذه الطريقة لكانت رغم الألم تقبلت، ولكنها يعاقبها بقسوة بعد أن صفعها بطلاقه لها لذا لم يعد أمامها مفر من لملمة كبريائها الجريح و شتات قلبها لتهتف بنبرة تئن ألمًا و حسرة:
ـ أنا عمري ما كنت خاينة، ودا اللي مخليني بتكلم معاك دلوقتي. رؤوف ابن عمي و بس، و الفويس اللي سمعته دا كان في نص الحقيقة، ولو عايز تعرف الباقي دور عليه و اسمعه. عن اذنك.
غادرته بعد ما ألقت بارود كلماتها الذي تفجر بصدره، مُحدثًا غضب كبير مُضافًا إليه ذنب عظيم فيما فعله معها! فلم يتخيل أن يضرب إمرأة في حياته، وخاصةً هي..
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ♥️
★★★★★★★★★
ـ حمد لله على السلامة يا ريس.
هكذا تحدث يزيد مع ياسر معانقًا إياه بشوق على الرغم من أنه ذهب لزيارته عدة مرات ولكنه يفتقده كثيرًا
ـ الله يسلمك يا يزيد طمني عليك.
يزيد باقتضاب:
ـ الحمد لله اني متجلطتش لحد دلوقتي. حمد لله على السلامة يا غنى.
غنى بخفوت:
ـ الله يسلمك.
تبادل كلًا من يزيد و ياسر النظرات ليقول يزيد باختصار:
ـ هستناكوا بره عشان نروح المستشفى سوى.
خرج يزيد ليقترب ياسر من غنى التي كانت المشاعر تعصف بها كورقة خريفية تتقاذفها الرياح بكل الاتجاهات لتستقر بين حنايا صدره ملجأها الآمن مُلقيه بكل هذا الثُقل الذي يرسو فوق قلبها فجاءت نبرتها خائفة مرتجفة وهي تقول:
ـ أنا خايفة أوي يا ياسر..
شدد من احتوائها ويديه تربتان بحنو فوق خصلات شعرها قبل أن يقول بنبرة حانية:
ـ مينفعش تخافي وانا جنبك.
أطلقت تنهيدة قوية استقرت في منتصف قلبه ليتابع بطمأنه:
ـ أنا جنبك على طول، ومحدش في الدنيا يقدر يبعدني عنك، ولا يقرب حتى منك و أنتِ في حضني. لازم تفهمي كدا.
تراجعت إلى الخلف تنظر إلى داخل عينيه تستمد منها القوة ليقترب منها و يكوب وجهها بين يديه ليُتابع بنبرة عاشقة:
ـ اوعي تنسي إنك مرات الريس ياسر الوتيدي.
غنى بنبرة مُتحشرجة:
ـ انسى ازاي و دي أحسن حاجة حصلتلي في حياتي!
رغمًا عنه انساق خلف عشقًا هائل يجيش بصدره لأجلها، و فقد كل ذرة تعقُل لديه ليقترب منها للمرة الأولى منذ سفرهم ويهوى فوق ثغرها بتمهُل قاتل حتى لا يُخيفها، ليرتشف نبيذ العشق من فوق ضفتي التوت خاصتها، وياله من شعور رائع حُرٌم منه طوال سنة يخشى الاقتراب من حدودها حتى لا تفزع ولكنها الآن كانت هادئة ساكنة تتلقى حبه دون تململ. أو خوف وعلى الرغم من ذلك لم يُريد أن يُطيل في الأمر حتى لا يأتي بنتائج عكسية ليتراجع عنها بأنفاس مقطوعة من فرط التأثر، فوجدها تغلق عينيها وكأنها كانت غائبة عن الوعي ليستغل الفرصة و يقوم بإسناد جبهته على خاصتها وهو يقول من بين أنفاسه المحمومة:
ـ بحبك يا غُريبة.
كان جسدها ساكنًا دون خوف. تشعر بأنها في عالمٍ غريب عن هذا العالم الموحش. عالم لا يوجد به سوى هو و عشقه الضاري لها، فقد كانت تحتاج إليه بشكل جعل كل شيء بها يسكن بين يديه، تحتاج إلى الإطمئنان أكثر بأنه إلى جانبها و أنها آمنة إلى جانبه، ولكنها كانت خجلة بعض الشيء لذا همست بخفوت:
ـ وأنا كمان.
خبط قوي على باب المنزل جعلها تنتفض بين يديه ثم أتى صوت يزيد الحانق من الخارج:
ـ يا ريس. قربت يجيلي ضربة شمس ما تيالا بقى.
كان يطحن ضروسه من فرط الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ اطلع اخلص عليه ولا اعمل في ايه الحمار دا؟
ابتسمت غنى بخفوت وهي تقول:
ـ يالا عشان منتأخرش. أنا قلقانة على بابا أوي.
قادها إلى الخارج فقد وصلوا لتوهم إلى بيت والده في الحارة، ليتركوا أغراضهم هناك قبل أن يتوجهوا إلى المشفى، وقد عزم ياسر هذه المرة على المواجهة، والتي سيُنهيها حتمًا لصالحهم.
ترجلوا من السيارة و تبعوا يزيد الى حيث يرقد والدها، لتقع عينيها على والدتها التي كانت جالسة على أحد المقاعد تبكي بصمت، و بجانبها خالتها رضا، فشعرت غنى بنبضات قلبها تتسارع مما جعل جسدها يرتجف لتصب ارتجافتها بين كفه الذي يحتضن كفها ليُشدد عليه كدعمٍ صامت كانت بحاجة إليه. لتقف في مواجهة والدتها التي ما أن رأتها حتى هبت من مقعدها وهي تقول بعدم تصديق:
ـ غنى...
القى ياسر التحية قائلًا:
ـ السلام عليكم. عم مرزوق عامل أيه دلوقتي ؟
تفرقت نظرات صابرين ما بينه و بين غنى الصامتة والتي بدت عينيها جامدة و ملامحها كذلك لتُجيبه رضا بنحيب:
ـ حالته لا تسُر عدو ولا حبيب..
اندفعت الكلمات قلقة من فم غنى حين قالت:
ـ يعني ايه؟ ما تفهمينا!
صابرين بعتب:
ـ لسه فاكرة أن ليكِ أب تسألي عليه يا غنى!
كادت أن تصرخ في هذه اللحظة و لكن يد ياسر التي ضغطت عليها أوقفتها عن الحديث ليتولى الإجابة هو قائلًا بجمود:
ـ غنى سافرت مع جوزها زيها زي اي واحدة بتتجوز. مش بردو يا حاجة رضا اي ست بتتجوز بيكون مكانها جنب جوزها!
رضا على مضض:
ـ أيوا كلامك مظبوط. بس يعني.....
قاطعها ياسر بجفاء:
ـ مبسش. محدش يوجه كلمة لمراتي. غنى مغلطتش في حاجة، ولا تتلام على حاجة، وأول ما عرفت أن والدها تعبان جت تشوفها على طول.
لوت صابرين فمها قبل أن تتوجه إلى مقعدها مرة آخرى وهي تقول بتهكم:
ـ وهي هتبقى محتجانا بعد كدا!
حاوط ياسر كتف غنى بذراعه وهو يقول بخفوت:
ـ متركزيش. كبري دماغك.
قام يزيد بحلب أحد المقاعد لتجلس غنى فوقه قبل أن يتمتم بجانب أذن ياسر:
ـ عليا النعمة لو البومة دي حماتي لكنت هبدتها بوكس طبقتلها بوزها اللي طوله شبرين دا.
حاول ياسر قمع ابتسامته قبل أن يقول باستفهام:
ـ عايز اشوف الدكتور و اعرف حالته ايه؟
التفت ناظرًا الى غنى التي رأت القلق في عينيه، فقالت بطمأنة:
ـ روح معاه متقلقش عليا. أنا كويسة.
تدخل يزيد موضحًا:
ـ الدكتور في الدور اللي تحتينا مش هنتأخر.
اومأت غنى برأسها ليقول ياسر بحنو:
ـ مش هتأخر. هجيب الدكتور وهاجي عشان يطمنك عليه.
ـ مستنياك..
هكذا تحدثت قبل أن يسير ياسر بجانب يزيد و يهبطون الدرج إلى الطابق السُفلي و إذا به يصطدم بهيام التي تحدثت بسخرية:
ـ و أخيرًا الريس رجع! ياااه. دا مرزوق الفران طلع له سعر واحنا منعرفش!
يتبع...
دا نص البارت مردتش أأخره اكتر من كدا عشان مسهركوش معايا وان شاء الله بكرة هنزل الجزء التاني، و هيكون اطول بإذن الله ♥️ على فكرة التلت مشاهد دول حوالي ٤٣٠٠ كلمة يعني مش قليلين والله بس قولت انزل البارت بدري شوية وأكمل باقيته بكرة أن شاء الله ♥️
استنوني
و أتمنى بجد من كل الناس اللي بتحبني أنها تقدرين و تتفاعل على بوست الدار الموضوع دا حقيقي هيفرق معايا جدًا دا الوقت اللي الكاتب بيحتاج فيه متابعينه يكونوا في ضهره أتمنى متخذلونيش و توصلوا بوست الدار ل ٢٥٠٠ لايك واستنوا مني الجزء التاني للبارت اللي هيكون ناري كله مواجهات و احداث بكرة أن شاء الله ♥️
دا لينك اعلان الدار
اللي مفتحش معاه اللينك يدخل على جروب الفيس بتاعي و هيلاقي اللينك هناك ♥️
متنسوش تنضموا لجروبي و تنوروني عليه
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الستون 60 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
بليز بقى فرحوني بتفاعل حلو انا بجد تعبت من امبارح في الكتابة اوي 😭😭
اعملوا فوت و كومنتات بين الفقرات على المقاطع اللي حبتوها ♥️
السبيل السادس ج٢❤️🔥
عادةً لا تكتفي الحياة بإعطائنا الدروس، ولا تقتصر على صفعنا لنستفيق من سُبات الوهم؛ بل أحيانًا تضعنا وجهًا لوجه أمام أفعالنا، لتجعلنا نتذوق الشعور ذاته الذي أذقناه لغيرنا. فيستنكر القلب هذا الألم الجارف الذي يجيش به، غير مُدرك أن ما يحدث ليس قسوةً أو تجبر، بل عدالةٌ سماوية لا تخطئ. فالحياة تُخبئ لكلٌ منا نصيبًا من كأس الألم الذي سقى به غيره، لندرك أن كل فعلٍ نُقدِم عليه يترك أثرٍا سيِرد إلينا ذات يوم وإن طال الزمن. وكلما ظن الإنسان أنه في مأمنٍ من الحساب أو أنه أفلت من العذاب، يشد القدر الخِناق أكثر و يبدع في تذكيره بأن ميزان العدل لا يختل ولا يميل لأحد، ليكسره من نفس الموضع الذي كسر به غيره وأن الوجع الذي تجاهله يومًا، و أدار له ظهره سيقف أمامه يومًا ما بذات الثقل، والألم، و أن الذنوب لا تُمحى بل تؤجل، و أن وقت الحساب حين يأتي لا يرحم أحد.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
حان وقت المواجهة التي كان يبغضها قلبه ولكنها لم تترك له فرصة واحدة لكي يتفاداها بل وقفت أمامه بملامح مُكفهرة و عينين تحملان الضدين معًا الحب و القسوة العتب والغضب ولكنه لن يصمت بعد اليوم لذا قال بجفاء:
ـ الناس مش بتتقاس بسعرها. بتتقاس بمقامتها، و أبو غنى مقامه في السما. يالا يا يزيد.
قال جملته الأخيرة وهو يُنظر إلى يزيد ثم تجاهلها ينوي التوجه إلى غرفة الطبيب لتوقفه يدها وهي تقبض على خاصته وتقول بنبرة مغلولة من فرط الألم:
ـ وأنا يا ريس! مقامي فين عندك؟
كانت العبرات تتلئلئ في مقلتيها و ملامحها تحكي مقدار وجعها و غضبها لكن ألمه كان يفوق كل شيء لذا قال بعتب قاسي:
ـ قبل ما تدبحيني ولا بعدها يا هيام!
كان استفهامًا مؤلمًا اخترق أعماق قلبها لتنتفض قائلة بشراسة:
ـ مش أنا اللي عملت كدا. أنا اتحرقت عشانك. مستحملتش بهدلت أمها فيك. ولا كلامها عنك. لو هي كانت بتحبك بجد مكنتش هتصدق فيك حاجة.
رغمًا عنه اندفع يقبض فوق يدها الممسكة بيده وهو يهتف بنبرة تئن من فرط الوجع:
ـ أنتِ مصدقة نفسك! مصدقة كلامك! أنتِ بعتي واحدة تقولهم انها حامل مني في الحرام. فاهمة يعني ايه الكلام دا ولا لا؟!
أمطرت عينيها بغزارة وهي تقول بألم:
ـ فاهمة. بس أنا غصب عني اتوجعت. حسيت اني عايزة ابعدهم عنك بأي طريقة. خوفت عليك. صابرين دي قالتلي أنها هتسمك أو هتبلغ عنك لو مبعدتش عن بنتها!
ياسر بخيبة أمل:
ـ عذر أقبح من ذنب! الكلام دا تعمليه مع عيل صغير. مش مع راجل أنتِ مربياه و عرفاه كويس.
هيام بلهفة:
ـ الكويس انك لسه فاكر اني ربيتك لحد ما بقيت راجل. يعني مفيش حد في الدنيا دي أبقى عندك مني.
ياسر بنبرة يفوح منها رائحة الألم:
ـ كنتِ كدا. الوحيدة اللي كنت بترمي في حضنها و أعيط. لحد ما عرفت أن أنتِ اللي طعنتيني في ضهري..
هيام بغل:
ـ قصدك لحد ما جت السنيورة و بقالك حضن تاني غيري..
تدخل يزيد الذي لاحظ نظرات الناس من حولهم ليقول بجمود:
ـ كفاية كدا. دا لا وقته ولا مكانه. بعدين نبقى نشوف الكلام دا.
ناظرته هيام بسخرية مريرة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ وأنت يا بيه! أيه اتبريت مني أنت كمان! ولا خلاص لقيت حد يغنيك عني!
يزيد بجفاء وهو يُشيح بنظره إلى الجهة الآخرى:
ـ والله خايف أرد عليكِ تمدي إيدك عليا قدام الناس.
توسعت عيني ياسر من كلمات يزيد ليلتفت ناظرًا إليها قائلًا باستنكار:
ـ أيه ؟
هيام بحدة:
ـ لما يقل أدبه عليا مفروض اعمل ايه يا ريس! اقف اطاطي للعيل الصغير لحد ما يمد هو إيده عليا ولا اعمل ايه؟
كان الأمر مؤسفًا بالنسبة إليه، ليحاول كظم غضبه وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ مش وقته الكلام دا. احنا في مستشفى.
هيام بتقريع وهي تمحي عبراتها:
ـ أنت معرفتش! ماهو أنا جاية اجري على المستشفى عشان اشوف اخواتي اللي رموني، و لا فيهم حد بيسأل عني.
بلغ الغضب مبلغه داخله ليهتف بصرامة:
ـ اعمليلك قفلة يا هيام.
ابتلعت باقي حديثها ولكن الغضب كان يتماوج في عينيها يُهدد بأن القادم لن يكون جيد ليتركها ياسر و يتوجه برفقة يزيد الى غرفة الطبيب، ولأن نيران الغضب لم تخمد بعد! قررت أن تحرق من تسبب في حرمانها من أشقائها لذا توجهت إلى الأعلى وهي تسأل أحد الممرضات عن غرفة مرزوق لتدلها عليها، فتوجهت إلى هناك.
ـ شوفتي يا رضا. مرزوق اللي كان بيمشي يقول للأرض اتهدي ما عليكِ قدي رقد ازاي و سابني زي التايهة مش عارفة اعمل أيه ولا أروح لمين؟!
هكذا تحدثت صابرين وهي تبكي بحرقة على صدر رضا شقيقتها التي قالت تواسيها:
ـ وحدي الله يا صابرين. بكرة يخف ويقوم ويبقى زي الفل.
صابرين بنواح:
ـ يا خسارة. يا ريتني قولتله روح اتجوز و جيبلك الواد اللي نفسك فيه. كان زمانه سانده و واقف في ضهره. بدل ما هو يا حبة عيني مالوش لا عيل ولا تيل!
ناظرتها غنى بخيبة أمل كبيرة، فهي لا تراها من الأساس، ولطالما عانت من هذا الأمر و كونها فتاة، فهي بلا قيمة لدرجة أنها تتمنى لو تركت زوجها يتزوج عليها لينجب ولدًا ماذا عنها؟!
ـ متقوليش كدا يا صابرين ياختي، وبعدين ماهي غنى أهي و جوزها اسم الله عليه موجودين جنبك في ايه وحدي الله.
صابرين بنبرة مُتحشرجة:
ـ لا إله إلا الله. كل واحد اختار الله يعينه على حاله. احنا اترمينا ياختي، وطلعنا وحشين. لا تربية شفعت ولا حنية نفعت!
عند هذا الحد هبت غنى من مجلسها وهي تهتف بقهر:
ـ حنية! هي فين الحنية دي يا ماما! دا أنتِ حتى مخدتنيش في حضنك وقولتيلي وحشتيني! دانتِ طول عمرك محسساني أني هم عايزة تخلصي منه!
صابرين بانفعال:
ـ و أنا بردو اللي طردك من بيتي و قولتلك أنا بكرهك صح!
اخفضت غنى رأسها وهي تقول بنبرة حزينة:
ـ مش أنتِ اللي كنتِ عايزة تحرميني تاني من ياسر! مش كفاية اللي حصلي قبل كدا! هو أنا مبصعبش عليكِ!
صابرين بنبرة لينة:
ـ مين قالك انك مش صعبانه عليا! هو انا كنت بعمل كل دا عشان مين! ماهو عشانك. أنتِ بس اللي أي حاجة أمك بتعملها بتبقى تقيلة على قلبك! بكرة أموت و ترتاحي.
غنى بلهفة:
ـ بعد الشر عنك. متقوليش كدا.
أشارت لها رضا حتى تأتي و تجلس بجانب صابرين التي كانت تبكي لتقوم غنى بمد يدها لتربت فوق كتفها وهي تقول بخفوت:
ـ متعيطيش يا ماما لو ليا خاطر عندك!
صابرين بحزن:
ـ أنا بعيط من الخوف على أبوكي. لو سابني و راح هيبقالي مين؟!
غنى بلهفة:
ـ بعد الشر عنه. متقوليش كدا ابوس إيدك أنا مش متحملة، وبعدين أنتِ مش لوحدك انا موجوده أهو.
داخليًا هناك جرح غائر داخلها لم يلتئم بعد ولكنها لا تحتمل أن ترى والدتها في هذه الحالة لتُنحي ألمها جانبًا، و تقوم بمحاوطتها بذراعيها وهي تبكي تارة على وجعها و تارة على والدها الذي حتى وأن لم يكُن حنونًا يومًا، فقلبها يحمل له الكثير من الحب.
ـ ياختي أيه الحنية دي! بتطبطبي عليها و بتواسيها! دا المشكلة طلعت من عند هيام بقى!
انتفض جسد غنى حين سمعت صوت هيام التي كانت تقف خلفهم تناظرهم بأعيُن يكتظ بها الغضب مما جعل غنى تهتف بجفاء:
ـ أنتِ عايزة أيه؟؟
هيام بتهكم غاضب:
ـ وهعوز منكوا أيه؟! أنتوا اللي خدتوا الغالي و خلعتوه من حضني. بعد ما كان كخة و ميلقش! لكن لما الجدع ربنا كرمه و بقى ريس قد الدنيا. أحلو صح يا رضا !
هبت صابرين واقفة وهي تناظر هيام بكُره لم تخلو منه لهجتها حين قالت:
ـ جاية ليه يا هيام ؟ ولا تكونيش جاية تشمتي في المرض!
اقتربت هيام وهي تقول بغل:
ـ جاية أشوف أخويا ابن أمي و أبويا اللي لهفته بتك، وقلبته على أخته اللي ربته واللي هي في مقام أمه.
غنى بصدمة:
ـ أنا قلبته عليكِ! كلام ايه دا؟!
هيام بانفعال:
ـ أيوا قلبتيه عليا. اخويا طول عمره ماشي تحت طوعي مبعدش غني و عارضني غير بسببك و بسبب وسوستك له زي الشيطان!
بهتت ملامح غنى من اتهامات هيام الباطلة لتهتف بانفعال:
ـ يعني مبعدش عنك عشان خربتيله حياته وفرقتي بينا وبعتي واحدة تتبلى عليه! بعد عنك عشان وسوسة غنى الوحشة اللي يوم ما اتكسرت اترمت في حضنك.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة جريحة لتهتاج العبرات في مقلتي هيام مرة أخرى فصاحت بألم:
ـ و أنا اتقهرت عشانك. روحتي أنتِ عملتي أيه؟ وقعتي بيني وبين أخويا. و كرهتيه فيا و خدتيه و مشيتي. بدل ما تعقليه و تقوليله أختك اللي ربتك، و كل دا وأنتِ عارفة أن اللي خلاني عملت كدا المحروسة أمك.
صاحت رضا من خلف غنى:
ـ أمها مالها ياختي! أنتِ جاية ترمي بلاكي علينا ولا أيه! وبعدين انا كنت خايفة على سمعة بنتي. مش روحت شوهت سمعتها زي ما أنتِ عملتي في أخوكي، وبعتي واحدة تتبلى عليه.
جن جنون هيام من حديث رضا لتهتف صارخة:
ـ قطع لسانك يا حية أنتِ! مبقاش ألا أنتوا يا خدامين اللي هتتطاولوا على أسيادكوا. دانا أدوسك بجزمتي.
لم تستطِع غنى احتمال تلك الإهانة في حق والدتها لتندفع صارخة:
ـ اخرسي و احترمي نفسك.
ـ غنى....
كان هذا صوت ياسر الصارخ من خلفهم ليجعلها تتجمد في مكانها بل و تبتلع باقي كلماتها خاصةً وهي تراه يقترب و الغضب يكاد ينفجر في عينيه لتلتفت هيام قائلة بسخرية:
ـ تعالى يا ريس شوف أختك وهي بتتهزق من المحروسة مراتك!
ناظرته غنى بترقب يحمل الخوف في طياته لتجده يقترب ليقف بينهن، ومن الواضح أنه لم يستمع سوى لجملتها الأخيرة فحسب، لتحاول شرح الأمر، ولكنه رفع كفه أمام وجهها لكي لا تتحدث، ليباغتها حين قال بنبرة صارمة:
ـ اعتذري لهيام يا غنى..
تفجرت كلماته في الوسط لتقلبه رأسًا على عقب، فقد توقفت عليه جميع الأعيُن بذهول و دهشة حتى هيام التي لم تتخيل بأقصى أحلامها أن يطلب من غنى الاعتذار لها لتلتفت وتناظر الأخيرة بتشفي، قبل أن تلتفت ناظرة إلى ياسر بتحدي حين سمعت غنى تقول بنبرة لا روح بها:
ـ ياسر..
صابرين بحدة:
ـ تعتذر لمين! دي بهدلتنا و هزقتنا! شايفة يا ست غنى البيه اللي بعتينا عشانه بيدوس عليكِ بجزمته قدامنا ازاي!
لم يلتفت ياسر لحديث صابرين إنما ناظر غنى بتحذير وهو يقول بصرامة:
ـ سمعتي أنا قولت أيه؟!
لم تكُن مجرد كلمات بل كان اختبارًا لثقة لطالما كانت مفقودة بينهم، وبالرغم من الألم الذي يجيش بداخلها و الإحساس بالقهر الذي يتبلور في عينيها ولكنها أطاعته لتلتفت إلى هيام قائلة بحروف مُرتجفة:
ـ أنا أسفة يا هيام..
اندهشت هيام كونها أطاعته، ولم يُفرحها الاعتذار كثيرًا على العكس جعلها تميز من الغضب، ونظرات النصر في عيني ياسر كانت خير دليل، ولكنه فاق جميع توقعات الجميع حين مد يده يجذب كف غنى لينحني واضعًا قُبلة دافئة فوقه ثم رفع رأسه وهو يناظرها بحُب تجلى في نبرته حين قال:
ـ وانا كمان أسف ليكِ يا ست البنات. حقك على راسي.
أنهى جملته و اقترب يلثم جبينها بحنو، ولكن هذه المرة كانت الصدمة مروعة حد اندفاع الشهقات من أفواه الجميع، ليُتابع وعينيه لازالت في حديث خاص مع عينيها:
ـ حقك عليا يا حماتي. أنتوا أحسن ناس في الدنيا، و مقامكوا عندي عالي. و أم حماده كانت محتاجة تعرف دا و خلاص عرفته.
كانت كلماته كشاحنة ثقيلة سحقت هيام أسفل عجلاتها لتهتف دون وعي:
ـ بتعتذرلها قدامنا يا ياسر! دا انت عمرك ما عملتها من يوم ما اتولدت.
مد يده يُحيط بكتف غنى التي كانت نبضاتها تضرب حدود صدرها بعُنف من فرط الصدمة التي اجتاحتها ليلتفت هو ناظرًا إلى هيام وهو يقول بفخر:
ـ مانا معملتهاش مع أي حد. دي غنى.
شدد من احتواء غنى وهو. يتابع بجفاء:
ـ واجبك وصل يا أم حمادة. تقدري تروحي.. وصلها يا يزيد..
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى يزيد الذي لم يُعجبه الموقف برمته، وقد كان الغضب يتفجر بأوردته مما جعله يهتف بقسوة وهو يمسك رسغ هيام:
ـ يالا يا هيام عشان نمشي.
كانت عيني هيام في عتاب قاسي صريح مع عيني ياسر و الاستنكار لازال يُخيم على ملامحها ليجرها يزيد خلفه وهو يهتف بحدة:
ـ بقولك يالا نروح..
غادرت هيام بملامح لا تُحسد عليها تاركة خلفها غنى التي كانت تناظره غير مُصدقة لما حدث منذ لحظات لتجد في عينيه اعتذار كبير و امتنان أكبر لتهمس بخفوت:
ـ ياسر..
مد يده يُعيد خصلتها خلف أذنها وهو يقول بخفوت:
ـ لينا بيت لما نروح نتكلم فيه..
أهدته ابتسامة عذبة لا تعرف هل كانت شكرًا كونه أعاد لها كرامتها و كرامة أهلها المهدورة، أو أنها ابتسامة عشق لرجل تلخصت به جميع مقومات الرجولة في عينيها. الشيء الوحيد الذي تعرفه بأنها تعشقه حد الجنون.
ـ الحاج مرزوق محتاج نقل كلية في أسرع وقت، وانا اتكلمت مع الدكاترة هنا وبدأنا ندور على مُتبرع وان شاء الله نلاقي على طول.
هكذا تحدث ياسر وهو ينظر إلى صابرين التي هتفت بعويل:
ـ طب ودي هنجيب فلوسها منين!
ياسر بطمأنة:
ـ متقلقيش من أي حاجة ربك هيفرجها أن شاء الله.
تدخلت غنى قائلة بلهفة:
ـ طب مانا فلوسي موجودة. أقصد الفلوس اللي خدتها من رأفت بعد ما....
بترت جملتها حين شاهدت نظرات ياسر الجحيمية وهو يلتفت إليها لتُدرك مدى غباء ما تفوهت به ليحاول بصعوبة ابتلاع جمرات غضبه حتى لا يقوم بصفعها بقوة على هذا الهُراء الذي خرج من فمها فقام بتوجيه حديثه إلى صابرين التي كانت لا تقل خوفًا من ابنتها قائلًا بجفاء:
ـ العملية هتتعمل بإذن الله، و أنتِ متشيليش هم حاجة..
صابرين بلهفة:
ـ كتر خيرك ياخويا. ربنا ما يحرمنا منك.
لم يكترث لكلماتها بل التفت قابضًا على رسغ غنى بقوة مؤلمة وهو يجرها خلفه قائلاً بنبرة قاسية:
ـ يالا عشان نروح..
( كان نفسي يلسعها قلمين على وشها بس خوفت تلسعوني أنتوا بلوك يطلع من نافوخي😂😂)
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال" ♥️
★★★★★★★★★
كان يقف أمام النافذة في غرفة مكتبه يود لو أنه يُلقي بنفسه معها مُرحبًا بالموت الذي كان هو الشيء الوحيد القادر على تخليصه من ألمه، و عشقه المسموم الذي يسري بأوردته كداء ليس له دواء، فهاهو يعاني الأمرين مع قلب يُعنفه على تلك الصفعة التي آلمته قبل أن تؤلمها. على النقيض عقله الذي كان يستعرض ألمه طوال الفترة الماضية، و ما شعر به جراء خيانتها، للحد الذي جعل العبرات تتساقط من مقلتيه، وهو يتذكر مشهدها وهي تقف أمام هذا الرجل تبكي و تعاتبه مما جعل الألم ينهش بصدره حتى لم يعُد في مقدوره احتماله. ليقوم بضرب زجاج النافذة بقبضته فتتحطم إلى أشلاء تمامًا كما تحطم قلبه.
تساقطت الدماء من يده جراء هذه الجروح التي نالت منها، ولكنه لم يتألم، فقد كان ينظر إليها بقسوة وكأنه يعاقبها كونها تجرأت عليها، و آلمتها. يعانده قلبه رغم جرحه لأجلها!
ليقف للمرة التي لا يعرف عددها وهو يهمس بهذا الاستفهام المؤلم:
ـ ازاي قدرتي تعملي فيا كدا، وانا بحبك كل الحب دا ؟! ازاي يا آسيا ازاي؟!
انفتح باب الغرفة من خلفه ليتفاجيء خالد بهذا الزجاج المُتناثر و هذه الدماء التي تغطيها ليهتف بصدمة:
ـ كمال..
التفت كمال يناظر أخيه بأعيُن تفجرت بها الحمم المُشتعلة التي تتساقط منها جمرات تحرق خديه لا عبرات، ليقترب منه بلهفة تجلت في نبرته حين قال:
ـ حصل أيه؟
رفع كمال يده الغارقة في الدماء وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ مكتفتش بعقاب الدنيا ليا فتقريبًا بعاقب نفسي. !
قام خالد بتفحص جروح يده ثم تناول بعض المحارم الورقية ليضعها فوق جراحه وهو يكتم غيظه بصعوبة، ثم توجه إلى الهاتف ليطلب صندوق إسعافات أولية من مديرة المكتب التي جلبتها على الفور ليصدمها منظر الغرفة ولكن نظرات خالد الصارمة جعلتها تبتلع استفهامها و تغادر بصمت ليقوم خالد بتضميد جراحه بصمت قطعه بعد دقائق وهو يقول بجمود:
ـ أيه اللي حصل؟
ـ محصلش.
هكذا تحدث كمال باقتضاب ليحذره خالد بنبرة حادة:
ـ كمال..
هب كمال من مجلسه وهو يهتف بنبرة محترقة:
ـ مش عايز أشوفها أبدًا، ولا حتى صدفة. أنا هربت عشان انسى مقدرتش اتحمل و مش قادر اتحمل تبقى قدامي.
دار حول نفسه كالأسد الجريح وهو يقول بنبرة يفوح منها القهر:
ـ صوتها، دموعها، بيدبحوني . و من ناحية تانية كل ما افتكر شكلها وهي واقفة بتكلمه احس بنار بتاكل فيا.
التفت ناظرًا إلى خالد وهو يصيح بألم مُثقل بالعبرات الغزيرة:
ـ أنا بكرهها يا خالد. بكرهها.
هب خالد من مكانه وهو يتألم بقوة لما ألم بشقيقه ليهتف قائلًا:
ـ اهدى يا كمال.
كان كمال في عالمًا آخر، وكأنه لازال واقفًا عند هذه اللحظة التي اُغتيلت بها حياته معها و انهارت بها أحلامه دفعةً واحدة لتتهدل أكتافه ويخفض رأسه وهو يقول بنبرة جريحة:
ـ أنا نفسي اكرهها. هتعمل فيا أيه اكتر من كدا عشان أكرهها! و بردو مكرهتهاش. عملت فيا كل حاجة تخلي اي راجل يكره بس انا مكرهتهاش!
خرجت جملته الأخيرة بنبرة صارخة توحي بمقدار ما يشعر به ليقرر خالد الحديث رغمًا عن اعتراضه ليقول بنبرة خشنة:
ـ كفاية تعذب في نفسك بقى و افهم آسيا مش خاينة.
زأر بشراسة:
ـ لا خاينة! راحتله ولا لا؟!
خالد بحدة:
ـ ماشي راحتله تتكلم معاه. بس في كل الأحوال دا مش راجل غريب. دا ابن عمها...
قاطعه كمال بانفعال:
ـ كان بيحبها وهي كانت عارفة ولا لا!
كان مُحقًا، ولكنه أراد تخفيف هذا الثقل الذي يحمله حين قال بمهادنة:
ـ عارفة و غلطانة. بس مش يمكن..
قاطعه للمرة الثانية حين هتف بقسوة:
ـ من غير يمكن يا خالد. متبررلهاش عشان تريحني. و اوعي تقولي حاجة تخليني في حيرة ألعن من اللي أنا فيها. الحاجة الوحيدة اللي هتطفي ناري أنها تكون فعلًا مراحتلوش.
خالد بغضب:
ـ مش هبرر بس في أسباب لازم نتناقش فيها، و خلي بالك انا لحد دلوقتي مش راضي افرض عليك تسمع اللي حصل عايزها تيجي منك عشان تقدر تستوعب كلامي.
كمال بنبرة تئن وجعًا:
ـ أنا للأسف عارف اللي حصل. تخيل اني ندمان عشان شوفت تسجيل الكاميرا. كان هيبقى عندي شك أن ميرهان بتكذب. انا حتى روحت شوفته عشان مبقاش ظالمها.
تساقطت العبرات بغزارة من عينيه وهو يتابع بقهر:
ـ اتجاهلت كل اللي سمعته و اللي يجرح اي راجل، و جريت عشان أعرف هي راحتله ولا لا؟
كان يرى عمق جرحه، و مدى صدق مبرراته لكل هذا الألم والغضب الذي يشعر به، لذا أراد جذبه إلى نقطة آخرى حين قال:
ـ اركن الموضوع دا على جنب وخلينا نتكلم عن موضوع الفويس اللي أنت سمعته.
كمال بمرارة:
ـ تعرف بالرغم من اني اتوجعت لما سمعته. بس عشان بحبها كان ممكن أسامحها أنها اتجوزتني لمجرد أنها تنتقم مني زي ما قالت لميرهان. كان ممكن أسامحها لو هي اتجوزتني حتى عشان فلوسي. لكن أنها تدوس عليا و تروح لراجل كان بيحبها تعاتبه.
خالد بنفاذ صبر:
ـ الله يحرقه هو و زفته في ساعة واحدة!
كمال بأسى:
ـ . العشم واخدها معاه أوي ريحاله تعاتبه ازاي يحط أيده في ايد عدوتها نفس المنطق اللي خلاه يتجرأ ويروحلها يعاتبها يوم فرحها!!
خالد بتعب:
ـ طيب و أخرتها يا كمال!
محى عبراته بظهر يده وهو يقول بجفاء:
ـ مش عارف. بس كل اللي اعرفه اني مش عايز أشوفها ولا اقرب منها. مش عايز أأذيها.
خالد باندهاش:
ـ للدرجادي يا كمال!
كمال بمرارة:
ـ أيوا للدرجادي! للأسف هي الوحيدة اللي بتقف بيني و بين عقلي.
شعر بالشفقة على حال أخيه كثيرًا ليقول بجمود:
ـ ماشي يا كمال. أنا هفصل أي شغل بينك و بينها. بس في كلمتين لازم تسمعهم مني.
ـ كلمتين ايه؟
خالد بنبرة ذات مغزى:
ـ احنا بشر. كلنا بنغلط، و ممكن كمان نتجاوز في حق أقرب الناس لينا، و ممكن يوصل بينا الألم لدرجة الموت. وعشان كدا ربنا خلق النسيان.
كمال بأسى:
ـ واللي مش قادر ينسى؟
خالد بقوة:
ـ يحاول. أنا اتعرضت لأصعب وجع ممكن تتخيله في حياتك. أنا فقدت مراتي وابني. كنت بموت من الألم. بقيت أقول لنفسي ياريت لو سهام ترجع لحظة وانا عمري ما هزعلها ولا هزعل منها أبدًا. بالرغم من أننا كنا بنحب بعض بس كنا دايمًا بنختلف.
كمال بتصحيح:
ـ بتختلفوا مش بتدبحوا بعض. بتفرق!
خالد بنبرة مُتأثرة:
ـ صح. بس عارف؟ أنا دلوقتي بخاف على أشجان من نسمة الهوى. بحاوط عليها زيها زي رنا بالظبط. عشان مش هقدر أعيش لحظة واحدة في الدنيا دي من غيرها.
كمال بريبة:
ـ أنت تقصد أيه؟
لم يتثنى لخالد الإجابة فقد سمعوا طرقًا قوياً على باب الغرفة ليسمح خالد للطارق بالدخول ليتفاجئوا حين وجدوا شروق التي كانت تشعر بالحرج الذي جعل نبرتها مهتزة حين قالت:
ـ مستر خالد معاد الميتينج. أنا قولت استعجل حضرتك احنا هنا بقالنا شوية.
التفت كمال يُعطيها ظهره، ليُجيبها خالد باختصار:
ـ اسبقيني، وانا جاي وراكِ..
نفذت شروق أمره لتخرج وهي تتنفس الصعداء من هذا الموقف المحرج تبحث عن آسيا التي كانت برفقتها في المرحاض لتستمع مديرة مكتب كمال تتحدث إلى أحد الفتيات قائلة:
ـ والله زي ما بقولك كدا. لقيت إزاز الشباك مكسور و ايد كمال بيه بتنزف، و شكله كان غريب، يظهر معيط ولا أيه؟
ناظرت آسيا شروق بقلب لهيف جعلها تهرول إلى الأعلى بعقل غير واعي لما هي مقدمة عليه، فقط أرادت الإطمئنان أنه بخير، وياليتها لم تذهب، فقد سمعت حديثه المؤلم مع خالد، ولكن كبريائها أبى عليها أن يخبره خالد بحقيقة مرضها، لكي لا تدعه يتعذب أكثر، وأيضًا لن تقبل أن يُشفِق عليها، لتقوم بالطرق على باب الغرفة تاركة شروق تواجه وحدها لتندفع هي إلى أحد المكاتب الخالية و تجلس فوق الأرضية الرخامية تبكي كما لم تفعل من قبل، فغبائها جعلها تخسر كل هذا الحب الذي كان يتساقط من بين حروفه.
انقضت ساعتين كان كمال يشعر بصداع يشطر رأسه إلى نصفين، فنصب عوده ليتوجه إلى مكان القهوة، فإذا به يجد آسيا تهتف بغضب:
ـ مش فنجان قهوه اللي هيموتني يا شروق. بس ممكن فراق كمال هو اللي يعمل كدا.
"يا رب ترى ضعفي وقلّة حيلتي، فإني ضعيف ذليل متضرع إليك، مستجير بك من كل بلاء، أذهب خوف قلبي. يا عزيز أعزني، ويا كافي أكفني، ويا قوي قوني، ويا لطيف ألطف بي في أموري كلها♥️
★★★★★★★★★
ـ وحشتني اوي يا عُمر..
هكذا تحدثت نبيلة وهي تضم عمر إلى صدرها بشوق بالغ قابله هو بالبرود الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ وأنتِ كمان.
نبيلة بعتب:
ـ بتكلمني من غير نفس ايه كدا يا عمر! دانا امك مش عدوتك يا عمر.
عمر بتعب:
ـ حقك عليا يا ماما مقصدش انا مخنوق شوية.
جذبته من يده بحنو وهي تقول:
ـ طب تعالى أقعد معايا شوية. دانا روحي بترد لما بشوفك.
لم يستطِع الرفض ليجلس بجانبها على الأريكة لربت على يده بخفه وهي تقول بمُزاح:
ـ أيه رأيك تحط راسك على رجلي العب في شعرك زي ما كنت بعمل وأنت صغير..
ابتسامة ساخرة لونت ملامحه حين تذكر تلك الأوقات حين كانت تفعل ذلك فقط لكي تجعله ينسى أفعالها مع عمته، و أحيانًا كانت تتعلل بأنها تخرج عن شعورها بسبب أفعال جدته معها، ولكنه الآن و رغمًا عن كل شيء كان يحتاج لأي بادرة حنان، فقلبه يؤلمه بقوة لذا لم يُعارض بل فاجئها حين وضع رأسه فوق فخذها ليبتهج قلبها كثيرًا، فقد كانت تتوقع رفضه، فمنذ أن غادر بعد طلاقه لهذه الفتاة لم يأتي البيت سوى مرات محدودة حتى أنها علمت بالتحاقه بهذه القافلة الطبية عن طريق صديقه، لذا حاولت استغلال الفرصة لتهتف بحنو:
ـ يااااه يا عمر. لو تعرف امك بتحبك قد ايه؟ طب دانا من فرحتي يوم ما خلفتك فضلت طول الليل صاحيه ابصلك وبس.
كان عمر شاردًا في تلك الملامح التي انتزعت السلام من عالمه، لذا أجاب باختصار:
ـ والله!
نبيلة بلهفة:
ـ اه والله. أصلك متعرفش انت كنت بالنسبالي أيه! مجيك للدنيا كان أمان بالنسبالي.
استرعت جملتها الأخيرة انتباه عمر ليقول بسخرية مريرة:
ـ أمان ايه يا ماما! دا بابا تقريبًا مش شايف في الدنيا غيرك. طب سيبي الأمان دا الي محتاجه!
استفزتها كلماته كثيرًا، ولكن الشيطان الذي يُعشعش بداخل عقلها جعلها تستغل الأمر لصالحها مما جعلها تقول بتخابُث:
ـ باباك بيحبني يا عمر، و اللي بيحب بيضعف قدام حبيبه.
هب عمر من نومته وهو يقول بحدة:
ـ لا أنا مش كدا.
نبيلة بمكر:
ـ بيتهيقلك. أنا شوفتك مع بنت نسمة كنت عامل ازاي؟ دا انت مكنتش شايف حد غيرها، وخايف عليها من الكل زي ما يكون هناكلها. أو دا نفس شعور باباك ناحيتي.
هب من مكانه يستنكر أن يكُن مثل والده في هذا الأمر تحديدًا، فقد كان هذا في مقدمة الأسباب لهذه الفجوة بينهم لذا هتف بانفعال:
ـ بطلي تهولي المواضيع. شروق وضعها مختلف، و تقريبًا كانت وحدها وسطكوا..
نبيلة بهدوء مدروس:
ـ طب مانا كنت كدا، وأظن انت فاكر جدتك كانت بتعاملني ازاي؟ و بعدين لو دا مزعلك اوي كدا. اطمن أنت اهو طلقتها، و قدامك بدل البنت مليون تختار منهم.
عمر باستنكار:
ـ لا والله!
نبيلة بمكر:
ـ على فكرة أنا بتكلم بجد. أنت زيي يا عمر. شخصية مابتحبش حد يسيطر عليها أو يتحكم فيها، وعشان كدا اختارت باباك بعقلي، و مندمتش لحظة. أنت كمان محتاج ترتبط بواحدة بتحبك، مش أنت اللي بتحبها.
نهضت من مجلسها تستغل هذا الضياع الذي يبدو على ملامحه وهي تُتابع بنبرة ناعمة كالسُم:
ـ واحدة تليق بيك. تستحق أنها تشيل اسم الدكتور عمر الوتيدي. بنت ناس ، وجميلة و مُطيعة. مستعدة تديلك عينيها. مش العكس.
كانت الكلمات تدور برأسه كالطواحين تعرف طريقها إلى نقاط ضعفه التي تعرفها جيداً ليقول باستفهام:
ـ أنتِ تقصدي أيه؟
نبيلة بنبرة لينة:
ـ أقصد أن في مليون بنت تتمناك. بس أنا من وسط المليون دول عايزة واحدة بتحبك عشان تريحك. صدقني الحب دا شقى و ضعف و أنت ميليقش بيك اللتنين..
استدعت كلماتها ذكرى ما حدث صباحًا، و تلك الكلمات المسمومة التي رمته بها وضعفه أمامها ليشعر بألم حاد ينخر عظامه، وهو يتذكر كيف تخلصت من ذكراه بداخلها ليهتف بقسوة:
ـ عندك حق..
ابتهج قلبها كثيرًا لتعمل بمبدأ الطرق على الحديد وهو ساخن فهتفت بحماس:
ـ يبقى متفقين. أنت بس اديني الأوك، وأنا عندي العروسة.
شعر بأنه ينجرف خلف تيار لا يعجبه لذا قال بجمود:
ـ سبيني أفكر..
ـ دكتور عمر سعاد هانم عايزة حضرتك.
هكذا تحدثت أحد الخادمات ليقول عمر باختصار:
ـ قوليلها جاي..
لم يُعطي لها عمر الفرصة للحديث بل تبع الخادمة على الفور و كأنه يهرب من هذه الأفكار المسمومة التي تبثها في عقله ليتوجه إلى سعاد التي كان الغضب يأكلها من الداخل، وحين وقعت عينيها عليه صاحت بسخرية:
ـ أخيرًا البيه شرف! والله تعبت نفسك أنا قولت هتقعد كمان كام شهر على ما تيجي تشوفني عايزة أيه!
عمر بحنق:
ـ نعم!
سعاد بحدة:
ـ قابلت شروق ؟!
تجاهل هذا الضجيج الذي دوى في قلبه ليقول باختصار:
ـ أيوا.
ـ و بعدين؟!
عمر بحدة:
ـ ولا قابلين. مش عايزة تدخل هنا تاني، ولا تشوف حد من البيت.
سعاد بانفعال:
ـ عملت أيه فيها وصلتها للدرجة دي؟! كسرتها ولا خنتها ولا عملت فيها ايه؟!
لم يحتمل حديثها ليهتف بقسوة:
ـ عملت فيها زي ما أنتِ عملتي في أمها بالظبط. ابقي لومي على نفسك قبل ما تلوميني.
جرحها في الصميم لتهتف بغضب:
ـ أنا فعلًا بلوم نفسي بس عشان آمنتك عليها في يوم من الأيام. فكرتك هتبقى راجل وتحافظ عليها.
عمر بتحذير:
ـ تيتا. خلي بالك من كلامك!
سعاد بتقريع:
ـ هستنى أيه من ابن نبيلة! بس يا خسارة أنا حتى ابني أسوء منكوا، هتطلع عدل لمين؟!
عمر بجفاء:
ـ عندك حق. أنا أسوأ منهم. اقفلي الموضوع دا بقى و متفتحيهوش معايا تاني..
سعاد باحتقار:
ـ تصدق نبيلة طلعت أنصح مني، و عرفت تخلي ابنها تحت طوعها. بس يالا ما أنت اصلك شبه أبوك. و بنت نسمة تستحق راجل مش واحد أمه بتحركه..
تولدت بداخله طاقة غضب عارمة جعلته يصرخ كالمجنون:
ـ كفاية بقى. ارحميني. عماله تحمليني في نتايج غلطاتك، وانا اللي مفروض ألم وراكي. دمرتي حياتنا كلنا.
سعاد بانفعال:
ـ أمك اللي خربت حياتنا. دخلت بيتنا زي الحية و فرقتنا.
أخذ يهزي كالمحموم:
ـ وأنا هكمل اللي هي بدأته، و ابقي خلي بنت بنتك بقى تنفعك. مش هي خلاص نسيتني، وانا كمان نسيتها وهتجوز ست ستها. يالا ابقي ضيفي دي كمان لعيوبي.
اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جاراً من شر خلقك كلهم ♥️
★★★★★★★★
ـ أيه يا قمر قاعدة لوحدك على طول ليه؟
هكذا تحدثت أحد الفتيات إلى رنا التي كانت تجلس في وقت الاستراحة وحدها على أحد الطاولات لتتفاجيء من هذه الفتاة التي جلست أمامها تناظرها بابتسامة مرحة قابلتها رنا بآخرى مُتحفظة وهي تقول:
ـ عادي.
الفتاة بمرح:
ـ لا عادي أيه؟ فكي كدا و خلينا نتعرف. أنا سُهيلة وأنتِ ؟
رنا بخفوت:
ـ رنا..
سُهيلة بمُزاح:
ـ يا بنتي علي صوتك مالك خايفة كدا. احنا بقينا أصحاب خلاص.
ابتسمت رنا بهدوء لتُتابع الفتاة قائلة:
ـ أنا شوفتك في حصة مستر أحمد و حسيت أنك مش فاهمة حاجة منه صح!!
رنا بخفوت:
ـ الصراحة صح. أنا في حاجات كتير فاتتني وهو للأسف مش بيعيد، ومش عارفة بجد اعمل ايه؟!
ابتسمت الفتاة قبل أن تقوم بجلب أحد الكشاكيل من حقيبتها لتقوم بوضعها أمام رنا وهي تقول بمرح:
ـ يالا يا ستي وأدي كل اللي فايتك.
لم تصدق رنا ما رأته لتبتهج ملامحها و ترتسم بسمة جميلة فوق ثغرها وهي تهتف بسعادة:
ـ بجد مش عارفة أشكرك ازاي؟!
سُهيلة بمرح:
ـ مفيش شكر بين الصحاب! مش احنا أصحاب ولا اي؟
رنا بابتسامة جميلة:
ـ طبعًا أصحاب...
اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والقرآن العظيم، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر ♥️
★★★★★★★★★★
ـ ممكن تهدي شوية وتقوليلي حصل ايه عشان تنهاري بالشكل دا؟!
هكذا تحدثت سوزان وهي تحتضن أشجان التي كانت تبكي بحرقة بين ذراعيها لتقول من بين شهقاتها:
ـ أنا كرهت البيت دا وحقيقي مش عايزة ارجعله تاني.
سوزان بحنو:
ـ طب اهدي يا نور عيني وفهميني حصل ايه؟
التفتت أشجان تنظر إلى ولدها الذي كان الحزن يلون ملامحه، مما جعل سوزان تلاحظ أن هناك شيء كبير قد حدث لتنادي على الصغير ذو الثماني أعوام وهي تقول بحنو:
ـ أمجد حبيبي تعالى اقولك.
تقدم أمجد منها لتقوم بجلب لوح من الشيكولاته الذي يحبها كثيرًا و أعطتها له وهي تقول بحنو:
ـ شوفت نانا جابتلك ايه؟!
فرح الصغير ولكن ليس كما اعتادت منه لتنظر إلى أشجان التي اخفضت رأسها لتقول سوزان بلُطف:
ـ يالا يا حبيبي روح العب مع اختك..
انصرف الصغير لتهتف سوزان بقلق:
ـ في أيه يا بنتي قلبي وقع في رجلي؟!
أخذت أشجان تقص عليها ماحدث قبل أن تأتي إليها
عودة إلى ما قبل ساعة من الآن
ـ ياروحي معقول كل الحاجات الحلوة دي في شخص واحد بس؟! لا كدا كتير بصراحة!
هكذا تحدثت نبيلة خلف أشجان التي كانت تقول بسقي أحد ورودها الجميلة في الحديقة التي تطل على غرفتها لتشعر بالخوف يسري في أوردتها حين استمعت إلى صوت نبيلة الساخر خلفها ولكنها حاولت عدم إظهار ذلك لتلتفت إليها وهي تقول بهدوء:
ـ تقصدي أيه مفهمتش؟!
نبيلة بسخرية:
ـ يعني طيبة و حنينة و قلبك رهيف، وحنينة على رنا و بتحبي الورد! مش كل دي حاجات حلوة ولا تكوني بتمثلي زي أختك!
أغضبها كثيرًا أن تأتي نبيلة على ذكر شقيقتها لتُجيبها بغضب:
ـ لو سمحتي بلاش تجيبي سيرة أختي..
نبيلة بسخرية:
ـ تعرفي بغض النظر عن أن وجودك هنا اكبر غلط حصل في الدنيا، بس أحسن حاجة فيكِ انك حافظة المقامات كويس. يعني بتتكلمي بأدب على عكس الحقيرة التانية!
أشجان بحدة:
ـ مسمحلكيش. اوعي تغلطي في أختي!!
نبيلة بتهكم:
ـ أنا مبغلطش فيها. أنا بوصفها. ماهي اللي تخون جوزها تبقى حقيرة.
شعرت بالعبرات تلسع مقلتيها ولكنها حاولت قمعها قدر الإمكان لتهتف بنبرة مُتحشرجة:
ـ الحقير بجد هو اللي بيرمي الناس بالباطل، و بيقذف المحصنات من غير اي دليل..
نبيلة بحدة:
ـ وهو لو مفيش دليل كان كمال طلقها ورماها بالشكل دا! و كفاية أن بسببها اخويا مقاطعنا
أشجان بحدة:
ـ اللي بينهم هما بس اللي يعرفوه. ياريت متتكلميش في الموضوع دا تاني..
نبيلة بغضب:
ـ مش أنتِ يا بنت الخدامة اللي هتعرفيني اتكلم أقول ايه!
لم تسعفها الكلمات في الرد، فهي لم تكُن يومًا مما يجيدون إلقاء الكلمات ليس ضعفًا ولكنه احترامًا تربت عليه، و أصبح طبعًا متأصلًا به لذا اكتفت بالقول بنبرة جريحة:
ـ الشغل مش عيب. بس إهانة الناس هو اللي عيب وقلة تربية. عن اذنك..
نبيلة بسخرية:
ـ تعرفي ايه الحاجة اللي مسكتاني عنك لحد دلوقتي ؟!
ـ توقفت أشجان بمكانها تنظر إلى نبيلة التي تابعت بخفوت وعينيها تطلقان سهام الشر:
ـ انك محملتيش لحد دلوقتي. معرفش ايه المانع بصراحة. بس اشكريه. عشان حملك من خالد يعني موتك.
قالت جملتها الأخيرة بجانب أن أشجان التي ارتجف بدنها من حديث تلك الحية لتنتفض بقوة والعبرات تتساقط من مقلتيها وهي تنظر إليها بأعيُن يلتمع بهم الذُعر لتتفاجئ بأمجد الذي كان رأى كل ما حدث ليتقدم يقف بجانب والدته بحماية وهو يقول:
ـ أنتِ بتزعلي ممتي ليه؟
تحدثت نبيلة بنعومة وهي تنظر إلى أشجان:
ـ أنا ياروحي! دي ماما دي حبيبتي. طول ماهي شاطرة وبتسمع الكلام هتفضل حبيبتي.
انتهت من سرد ما حدث دون أن تذكر حديث نبيلة عن موضوع الحمل لتهتف سوزان بغضب:
ـ الست دي لازم تتعلم الأدب. هي فاكرة ايه أن محدش هيقفلها أنا لازم اقول لخالد!
أشجان بلهفة:
ـ بالله عليكِ لا. هو لسه متخانق معاها الصبح، ودا اللي خلاها تطلع غلها فيها.
سوزان بحدة:
ـ قصدك خيبتك اللي خليتها تطلع غلها فيكِ.
أشجان بصدمة:
ـ أنتِ بتقوليلي أنا كدا؟!
سوزان بغضب:
ـ أيوا بقولك أنتِ كدا. أومال اقول لمين؟! لازم تنشفي شويه و تتعاملي معاهم بالأسلوب اللي يستحقوه.
ـ أنا برد بالطريقة اللي اتربيت بيها، والوحيدة اللي اعرفها.
سوزان بحدة:
ـ اللي زي دول ميعرفوش الأدب!
أشجان بانفعال:
ـ أنا بردو معرفش قلة الأدب، وبعدين أنا واثقة أن ربنا هيجيبلي حقي منهم.
كادت أن تتحدث ولكنها لمحت خالد الآت من بعيد لتقول بلهفة:
ـ طب اهدي خالد جه..
على الفور محت عبراتها و هي تهتف بتوسل:
ـ سوزان بالله عليكِ اوعي تجبيله سيرة..
سوزان بإذعان:
ـ حاضر..
رسمت ابتسامة زائفة على ملامحها لتستقبله، ليطوقها بين ذراعيه وهو يقول بخفوت إلى جانب أذنها:
ـ وحشتيني.
نجحت كلمته في إعادة الدماء إلى وجهها قبل أن يصافح سوزان وهو يقول:
ـ مستفردة بمراتي أنتِ على طول..
تمتمت سوزان بتهكم:
ـ استفرد انا بيها أحسن ما يبلعوها هما.
وصل حديثها إلى مسامع خالد، ولكنه لم يُعلِق فقط رأى هذا الإحمرار الذي يغتال ذلك الفيروز الذي يأثره في عيني حبيبته ليقرر المغادرة لمعرفة ما حدث لذا سلم على سوزان و توجه إلى السيارة برفقتها هي والأولاد ليصلوا إلى المنزل بعد وقت ليس بقليل، لتسبقه إلى الأعلى هربًا من مواجهته وهي لازالت تحت تأثير هذه الحالة، ليقوم بتبديل ملابسه و عمل روتينه الليلي ثم توجه إلى الخارج فلم يجدها ليتوجه إلى غرفة الأطفال، وهو يوفر بحنق، فهي دائمًا ما تلجأ للهرب حين تريد أن تخفي عنه شيئًا، ليقرر منحها بعض الوقت
ـ البطل لسه منامش؟!
هكذا استفهام خالد بحنو وهو يدلف إلى غرفة أمجد الذي ابتهج حين رآه ليقف فوق سريره يهتف بحـب:
ـ بابا خالد.
اقترب خالد يعانقه ثم قام بمداعبته قليلًا ليقهقه الطفل و كذلك خالد الذي كان يشعر بعاطفة أبوية قوية تجاهه هو وشقيقته
ـ قولي يا بطل اليوم كان حلو النهاردة ؟!
هكذا تحدث خالد بعد أن انتهى من اللعب معه لتتغضن ملامح الصغير بحزن تجلى في نبرته حين قال:
ـ اليوم كان حلو قبل ما ماما تعيط.
خالد باستفهام:
ـ وماما عيطت ليه؟
أمجد بخفوت:
ـ أنا خايف أقولك ماما تزعل مني.
حاول خالد طمأنة الصغير قائلًا:
ـ و ماما هتعرف منين انك قولتلي؟ مش احنا اتفقنا أننا رجاله زي بعض و اي كلام بينا محدش يعرفه!
اومأ الصغير بلهفة ثم هتفت بحزن:
ـ ماما زعلت و عيطت النهاردة لما طنط نبيلة قالتلها كلام وحش عنها وعن خالتو آسيا، و راحت كمان عيطت لنانا سوزي.
كاد أن يطحن ضروسه من فرط الغضب وهو يلعن نبيلة بينه وبين نفسه التي لا تكل ولا تمل من تعكير صفو حياتهم ليتوجه إلى الغرفة وهو ينفث النيران من أنفه فوجد أشجان تخرج من غرفة الملابس بعد أن بدلت ملابسها إلى ملابس النوم، ليشعر بتضارب في مشاعره تجاهها، فهو حزين عليها بقدر ماهو غاضب منها، ولكنه نحى الغضب جانبًا حين رآها تتقدم نحوه بخطوات بطيئة ليحتضن خصرها بين يديه وهو يقول بحنو:
ـ حبيبي ماله ؟
حاولت تزييف نبرتها لتبدو عادية حين قالت وهي ترسم ابتسامة باهتة على ملامحها:
ـ ولا حاجة. مالي ؟
خالد بنبرة خشنة:
ـ عيونك الحلوين باين عليهم زعلانين؟
أشجان بخفوت:
ـ لا أبدًا مفيش حاجة.
بدأ غضبه في التصاعد من أنكارها الأمر ولكنه اتخذ منحنى الهدوء حين اقترب يضع قبلة دافئة فوق جبهتها قبل أن يتراجع للخلف وهو يقول باستفهام:
ـ أنتِ عيطتي النهاردة ؟!
واصلت نهجها في إخفاء الأمر عنه لتقول بخفوت:
ـ لا يا خالد هعيط لي؟
بدأ غضبه بالظهور على السطح حين قال بحدة طفيفة:
ـ لا يا حبيبة قلب خالد عيطتي فقصّري و قولي في ايه عشان متعصبش.
ارتجف جسدها بين يديه حين سمعت كلماته المُحذرة لتحاول التبسيط من الأمر قائلة:
ـ أبدًا شديت مع نبيلة النهاردة شوية..
خالد باختصار:
ـ كملي.
أشجان بنفاذ صبر:
ـ مفيش يا خالد. بسبب موضوع آسيا و كمال، هي شايفة أن كمال مقاطعهم بسببها فشدينا مع بعض في الكلام.
خالد بغضب مكتوم:
ـ أتمنى تكوني شديتي فعلًا في الكلام مخدتيش في جنابك و سكتِ؟!
غضبت من حديثه لتهتف باستفهام:
ـ هو أنت ليه بتقول كدا؟
خالد بجفاء:
ـ عشان شكلك دا ميوحيش انكوا شديتوا مع بعض في الكلام!
أشجان بنفاذ صبر:
ـ اومال يوحي بأيه بقى أن شاء الله؟
خالد بحدة:
ـ يوحي بانك خدتي على دماغك و سكتِ صح؟!
هبت تدافع عن نفسها قائلة بغضب:
ـ لا مسكتش رديت بس أدب!
خالد بتهكم:
ـ شاطرة. مرتاحة بقى!
تعلم أنه يمقت طريقتها و يظنها ضعف وقد كان هذا الأمر يؤلمها لذا هتفت بانفعال:
ـ أنت عايز ايه يا خالد؟
خالد بغضب و انفعال:
ـ عايزك مرة واحدة تقفي تاخدي حقك، وتردي الكلمة عشرة. عايز الناس كلها تعملك ألف حساب مش عشاني لا دا عشانك أنتِ. نفسي اكون قاعد في شغلي مطمن عليكِ مش عقلي عمال يودي ويجيب و كأني سايب طفلة في البيت..
كانت كلماته بقدر ما تحمل من الخوف بقدر ما تحمل من الغضب و الضيق الذي أخذ منحنى آخر بالنسبة إليها لتهتف بنبرة جريحة:
ـ يااه للدرجادي انا عبأ عليك؟!
توسعت عينيه من جملتها التي جعلت الكلمات تندفع مغتاظة من بين شفتيه:
ـ أنتِ بتفهمي ازاي يا أشجان؟!
انهمرت العبرات من مُقلتيها وهي تقول:
ـ لا انا مبفهمش خالص عن اذنك.
أنهت جملتها و توجهت نحو باب الغرفة ولكنه لم يسمح لها بالتقدم أكثر من خطوة واحدة لتجذبها يداه بقوة و تغرسها بين ذراعيه ليحتويها بين يديه وهو يقول بحنو:
ـ هششش خلاص اهدي متزعليش.
حاولت جذب نفسها من بين ذراعيه وهي تهتف من بين عبراتها:
ـ سيبني لو سمحت.
شدد من احتوائها أكثر وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ لا مسمحتش ومش هسمحلك تعيطي بره حضني.
هتفت أشجان بانفعال:
ـ أنا بجد متضايقة يا خالد.
خالد بنبرة مغلولة:
ـ عارف و دا اللي مجنني. ليه تسيبيهم يضايقوكي كدا؟!
تراجعت للخلف وهي تهتف بحدة:
ـ هو انا لازم اكون قليلة الأدب عشان أعجب!
فاجئها حين قال باختصار:
ـ أيوا!
أشجان بصدمة:
ـ خالد.
خالد بنفاذ صبر:
ـ هقولك أيه يعني! هو انا بقولك سبيلهم؟!
أشجان بانفعال:
ـ يعني عايزني اعمل ايه ؟!
خالد بحدة:
ـ اتكلمي وخدي حقك تالت و متلت. متسمحيش لحد يتجاوز في حقك، ولازم تخلي الناس تحترمك و تعملك ألف حساب عشان تعرفي تعيشي وسطهم. انما الضعف دا هيخليهم يدوسوا عليكِ اكتر. دا مفيش واحدة فيهم كانت تقدر تكح مع سهام..
خرج سهم الكلمات من بين شفتيه دون أن يلحظ لتبرق عينيه حين وعى ما تفوه به و الأفظع منه هو وقع ما تفوه به على ملامحها التي بهتت و كأن أحدهم انتزع روحها فجأة ساحبًا الحياة من وجهها لتهتف بنبرة خافتة جريحة:
ـ معلش بقى للأسف انا مش زي سهام.
يتبع......
بارت طويل ٧٠٠٠ كلمة إلا حاجة بسيطة قولت بقى بدل ما يبقى نص بارت يبقى بارت كامل عشان حبايبي ويالا يا بت دلعيهم، دول بردو فنزاتك حبيباتك 😂♥️ يالا بقى دلعوني بتفاعل قمر و وصلوا بوست الدار ل٢٥٠٠ لايك بليز ♥️♥️ فرحوني بقى 🥹🥹
دا اللينك 👇
ي
متنسوش تنضموا لجروبي