تحميل رواية «ذنوب على طاولة الغفران» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تواقيع أبطال #ذنوب_على_طاولة_الغفران كالعادة مفيش بطل رئيسي كل واحد يحدد مين الثنائي الرئيسي اللي هو بيفضله ♥️ كل بطله ثنائي جايين ورا بعض ♥️ ياسر الوتيدي ♥️ غنى المسيري خالد الوتيدي ♥️ أشجان عزام عمر الوتيدي ♥️ شروق الجيار كمال الوتيدي ♥️ أسيا عزام رحيم الوتيدي ♥️نجاة (ضي) سليمان يزيد الوتيدي وووو تتوقعوا مين ؟؟😂😂😂 ياسر و يزيد أخوات & خالد و كمال أخوات و عمر ابن أختهم ♥️ و كلهم ولاد عم و رحيم ابن عمهم بردو مستنيه رأيكوا و توقعاتكواو مين أكتر ثنائي حبتوه فيهم و متحمسين ليه ♥️ و متنسوش تسيبولي...
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الحادي وثمانون 81 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل ما تقروا قولولي شطورة عشان كاتبة البارت في أسوء ظروف ممكنة بس الحمد لله قدرت و كملته 🥹😍
عايزة بقى احلى فوت من حبايبي و كومنتات كتييييير و قمر على الفقرات اللي حبتوها عشان بحب كدا اوي ♥️♥️♥️
السبيل العشرين 🔥
هل خذلتنا الحياة أم نحن من خذلناها؟
سؤال لطالما فرض نفسَه بقوة على ساحة العقل، لكن إجابته لم تكن واضحة؛ فكل شخصٍ يرى الأمور من منظوره الخاص، ويحكم عليها من خلال تجاربه الفردية.. ولكن، حين نتسلح بالمنطق سنجد أن الإنسان هو العدو الأول لنفسه.
فعادةً ما يظن المرء أن الحياة تعاقبه حين تمنع عنه ما يُريد، وأنها تفرض عليه الشقاء كضريبة واجبة الدفع، بينما تمنح غيره ما يشتهيه، فيراها غير عادلة. وهنا يُطرح استفهام آخر أكثر جدلاً:
هل عطاءُ الحياة مِنحة مجانية، أم اختبار لمدى استحقاقنا لهذا العطاء؟ فأحياناً، تُغدق الحياة على المرء من نعمها حتى يصاب بداء الأنانية، فيرى نفسه الأحق بكل شيء، وأن ما يناله حق مكتسب ولو جاء دون عناء. هذه هي ذروة الغرور. اللحظة الفارقة في حياة الانسان حيث يكتب بيده نتيجةَ رسوبه في أهم اختبارات الحياة.. لحظة إرتكابه لخطأً لا يُغتفر، قد يقضي ما تبقى من عمره في سداد فواتيره المُضنية. حينها فقط، ندرك أن الحياة لم تخذلنا، بل نحن من سقطنا في اختباراتها وانسقنا خلف إغراءات واهية لا تُسمِن ولا تُغني من چوع. لتبدأ رحلة السقوط من قمة الغرور إلى قاع البؤس، يرافقنا فيها شعور واحد: الندم. وقد تبتلعنا هذه المرحلة في دواماتها إن لم نضع حداً فاصلاً بين الفناء غرقاً في الهموم، وبين الحياة قتالاً لإصلاح ما أفسدناه. تبدأ النجاة حين يقف الإنسانُ أمام مرآته مواجهًا قبح نفسه، ليعيد تصحيح مسار حياته، ولو كان الثمن اقتلاع قلبه والمُضي وحيداً في دروبها. ويا للمفارقة، حين يكون الحبيب هو أحد مصادر الوجع أو السبب الأساسي له، فيصبح لزاماً على المرء نزعُه من بين طيات روحه ليتمكن من إكمال طريقه. ولكن، هل يحيا الإنسان بلا صراعات؟ وإلا فما قيمة الحياة! غير أن الصراع هذه المرة أبدي ومريع، صراعٌ بين ذاكرتين تفرضان نفسيهما بقوة: ذاكرة العقل التي تحفظ تراكمات المواقف التي أشبعتنا وجعاً، وتحثنا على الرحيل مُتلحفين بالمنطق الذي يخبرنا بأن 'من هان عليه وِدنا، هان علينا فراقه، وذاكرة القلب الممتلئة بتراكمات لحظات السعادة التي غمرتنا ذات يوم، لتظل تهمس لنا بأن الغفران ليس مستحيلاً، ولو كان دربه صعبًا يعج بالأشواك. وهكذا تدور الدائرة؛ فالعقل ينشد النسيان بغرض الحماية، والقلب يرفضه طمعاً في السكينة. تُرى، من منهما سيفرض حضوره في النهاية؟ وهل يمكن لغبار الوقت أن يطمس ذاكرة القلب بلحظاتها الرائعة؟ أم أن الوجع الذي تكتظ به ذاكرة العقل سيبقى هو الندبة التي لا يفلح النسيان في محوها؟"
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت تجلس على مخدعها بهدوء يُخفي الكثير من القلق و التوتر فبعد أن كانت بوادي الموت الآن هي على قيد الحياة، شعور غريب و مُخيف لا تفلح الكلمات في وصفه، فمن يستطيع التعبير عن مشاعره شخص عاد من الموت!
رفعت رأسها إلى السماء فتحركت خصلاتها السوداء الجميلة التي ترتاح بجانبها على السرير، فقد كان شعرها كَـليل طويل حالك لا تُحاكي ظلمته سوى ظلمه عينيها السوداء الذي لم يكن مجرد لون، بل هو عمقٌ سحيق يتوهج في وسطه ضياء غامض، تغزله رموش طويلة سوداء، كأنها ستائر من حرير تحجب أسراراً لا تُحكى، فقد كانت إمرأة فاتنة بحق. كان وجهها يفيض بالنضارة و يتوهج بياضه و كأنه اقتبس لونه من زهور الياسمين و شفتاها مكتنزتين كحبات التوت سابقًا كانت الابتسامة لا تفارقهما، أنفها الدقيق المستقيم الذي نحت ببراعة منحها شموخًا و ملامح أرستقراطية ناعمة، و ينتهي جمال وجهها بذقن مستدير و محدد بدقة يتوسطه طابع حُسن أضفى لمسة من الفتنة على ملامحها الرائعة و أكمل رسمة وجهها الذي كان ينبض بالجمال في جميع تقاسيمه.
أنها صافية... تلك المرأة التي كان جمالها سبب لعنتها الأبدية، و قلبها أيضًا ذلك الذي أوقعها في عشق رجل هو والشيطان سواء، و حين استفاقت من غفلتها وجدت نفسها في عرينه مقيدة بسلاسل كالجمر تحرقها كل ثانية تمر في حياتها حتى اعتادت الألم، ولكن روحها الأبية لم تعتد الإنحناء و بالرغم من كل شيء كانت واثقة بأنه سيأتي الوقت و ستغادر هذا الجحيم و قد تحققت معجزتها بأكثر الطرق المستحيلة، لكنها في النهاية تحققت.
عبأ الهواء النقي صدرها ليُذكرها بأن الأوقات السيئة مضت وهي اليوم مع أحبائها
ـ الجميل سرحان في أيه؟
كان هذا صوت خالد الذي يطالعها بعينين تلمعان بحب كبير، فهي لم تكُن عمته فقط بل صديقة طفولته نظرًا لتقاربهم في العمر و لكن يد الغدر انتزعتها من بين أيديهم و اليوم و بعد طول انتظار هاهي أمامهم الآن.
ـ تعالى يا خالد. اتأخرت عليا ليه؟
خالد بنبرة ودودة:
ـ مقدرش اتأخر عنك. بس مقدرتش اجي لوحدي..
صافية بلهفة:
ـ رحيم وياك؟
هتف رحيم القادم من الباب بصوته الغليظ:
ـ الوتايدة كلاتهم يا عمة.
التمعت نجوم السعادة في عينيها لتهب من مكانها بلهفة وهي تنظر إلى الباب الذي أطل منه ياسر أولاً وهو لا يكاد يُصدق عينيه، فهذه المرأة هي عمته التي كان يختبئ خلفها وهو صغير هارباً من العقاب حين يرتكب أي خطأ، و كما كانت تنقذه وهو صغير تسببت في كارثة حياتهم دون أن يكن لها ذنب، فبسببها خسروا كل شيء. حياتهم، كرامتهم، عائلتهم، ثروتهم و أخيرًا والدهم الذي لم يحتمل كل هذه الخسارة، ولكن هاهي كما عهدها جميلة، صافية، و وجودها في حد ذاته هو وثيقة براءة والده
ـ ياسر..
تناثرت العبرات من مقلتيه وهو يقترب منها هامسًا:
ـ عمتي صافية.
بكت و كأن عينيها أرادت مؤازرة عينيه لتنهمر عبراتها كالشلال وهي تمد ذراعيها نحوه هاتفه:
ـ قرب مني يا جلب عمتك..
اندفع ياسر تجاهها يعانقها بقوة وهو يبكي و كأنه لا يصدق أنها معهم الآن لتمر لحظات وهو يشتم رائحتها التي تشبه كثيرًا رائحة والدته التي لازال يفتقدها و يفتقد حنانها، ولكن الموت سلبها منهم وهم في أكثر الأوقات احتياجًا لها..
ـ وحشتيني أوي يا عمتي. مش مصدق اني شايفك قدامي..
هكذا تحدث ياسر وهو يناظرها بشوق كبير لتجيبه هي الآخرى بنبرة صادقة:
ـ و أنت كمان وحشتني فوج ما تتخيل.
ضمت رأسه إلى صدرها وهي تهمس بخفوت:
ـ أني اللي مش مصدجة إني وسطيكوا من تاني..
لمحت عند الباب كمال الذي كان ينظر إليها و كان عينيه في حديث خاص مع ملامحها يقارنها بالماضي و كيف كانت جميلة و دافئة تمنحهم الحب و تعاملهم بكل حنو. حتى أنه حين توفت والده كان يتمنى لو كانت موجودة حتى يبكي بين ذراعيها كما اعتاد وهو صغير، ولكنها جاءت الآن حين قرر قطع كل الأوصال التي تربطه بشقيقتيه. جاءت في أكثر وقت يحتاج إليها به.
ـ كمال.
هكذا تحدثت صافية وهي تناظره بعد أن تنحى ياسر حتى ترى كمال الذي هتف بابتسامة لونت شفتيه:
ـ صح. متوقعتش انك تفتكريني..
مازحته صافية من بين عبراتها قائلة:
ـ ازاي بس؟ طول عمرك حلو يا واد. تعالى في حضن عمتك..
اندفع كمال يعانقها بقوة وكذلك هي وقد كانت العبرات تتسيد اللقاء حتى عرفت طريقها إلى كُلًا من رحيم و كذلك خالد الذي لم تكُف شفتاه عن ترديد عبارات الحمد، فقد كانت عودتها إليهم بمثابة مكافأة عن الكثير من العناء الذي يجتاح حياتهم، وقد كان الجميع في حاجة ماسة إلى وجودها..
ـ نورتي حياتنا يا عمتي.
هكذا تحدث كمال وهو يلثم كفها لتمد يدها تربت على خده وهي تقول بحُب:
ـ دا اني اللي حياتي نورت لما شفتكوا رچالة تملى العين..
ـ طيب ما في رجالة تانية لسه مستنيه دورها ورا، ولا عشان ما كل واحد فيهم قد الحيط واكلين الجو!
هكذا تحدث يزيد بحنق وهو ينتظر دوره في التعرف إلى هذه العمة التي لا يذكرها ليبتسم الجميع على حديثه و تهتف صافية بمرح:
ـ وه. واقع من مين ده! لا تكونش ابن خالد ولا حاچة!
خالد باستنكار:
ـ أيه يا صافية! وأنا لحقت أخلف بغل زي دا بردو! دا يزيد أخو ياسر..
صافية باندهاش:
ـ ياااه عالزمن. كبرت يا يزيد. جرب يا حبيبي تعالى أما اسلم عليك.
يزيد بلهفة:
ـ صباح الفل يا ستي. أخيرًا افتكرتيني.
ما إن هم بالتقدم إليها حتى جذبه عمر إلى الخلف وهو يقول بتقريع:
ـ ايه يا متر و ربع أنت رايح فين! هي وكالة من غير بواب! في دور، استنى لما الكبار يسلموا و بعدين أبقى تعالى.
قهقه الجميع على حديثه ليتقدم من صافية وسط كلمات يزيد الساخطة:
ـ قصدك لما البغال يسلموا. معلش الأخير له رب كريم. ربنا ينتقم منكوا..
اقترب عمر من صافية وهو يقول بمرح:
ـ ايه يا عمتي. متقوليش انك مش فكراني؟
تغضن جبينها وهي تفكر في هويته لكن عقلها لم يُسعفها لتقول بحرج:
ـ اعذرني يا ابني. أني بحاول افتكر معرفتش. أنت مين بجى!
عمر بتذمر:
ـ فرد من العيلة. بس ممكن اتحضن عادي يعني.
تدخل خالد موضحًا:
ـ عمر ابن نبيلة..
صاحت صافية بتذكُر:
ـ أيوا أيوا. والله و كبرت يا عمر. بس أنت لا شبه امك ولا شبه أبوك..
عمر بتهكم:
ـ دا من حسن حظي. المهم هتحضنيني امتى؟
قهقهت صافية على حديثه وجذبته إلى داخل أحضانها بقوة وهي تقول بحنو:
ـ ياااه وحشتوني يا حبايب جلبي..
تراجع عمر عنها وهو يقول بصدق:
ـ والله وأنتِ وحشتينا على الرغم انك مش فكراني بس أنا والله عمري ما نسيتك،
صافية بحنو:
ـ أصيل يا جلب عمتك. ألا جولي و ازي نبيلة أمك عاملة ايه؟
لون الامتعاض ملامح عمر و نبرته حين قال:
ـ أهو السؤال دا بقى اللي أنا كنت مقلق منه. كويسة يا عمتي سألت عليكِ العافية..
ـ إلهي يعدموك العافية يا بعيد. ما توعى يا ابني خليني أسلم على عمتي.
هكذا هتف يزيد بحنق ليتنحى عمر مُفسحًا له الطريق وهو يهتف بسخرية:
ـ اتفضل يا عملي الأسود.
اقترب يزيد لتعانقه صافية بحب وعينيها لا تكفان عن ذرف العبرات فرحًا لأول مرة منذ سنوات قضتها في وكر هذا الشيطان، الذي و أخيرًا تحررت من سطوته، تبقى فقط اسمه و وجوده لينتهي كابوس حياتهم.
أخذ يزيد يتحدث إلى صافية و يطلق النكات التي جعلت الضحكة تلون ثغرها الجذاب و كذلك كان الرجال يضحكون بقوة على حديثه و هم يتذكرون مواقف من الماضي ليجذب رحيم يد خالد و يأخذه إلى الجانب الآخر وهو يقول باستفهام:
ـ ناويت على أيه يا خالد؟
خالد بخشونة:
ـ صافية هتروح معايا القصر و هتقعد فيه و تعيش حياتهم عادي.
رحيم بتوجس:
ـ أكده اللعب هيبقى على المكشوف يا واد عمي.
خالد بجفاء:
ـ ودا اللي أنا عايزه. خلاص فاقت و اللي كان مانعني عنه أني عايز اعرف حصل أيه طول السنين اللي فاتت، والدكتور قالي اني ممكن اتكلم معاها و أسألها في كل حاجة.
رحيم باستفهام:
ـ هي جالتلك حاچة؟
خالد بقسوة وعينين يلتمع بهم الجحيم:
ـ الكلب دا اتجوزها.
رحيم بصدمة:
ـ أيه؟؟؟
خالد مُصححًا:
ـ بس جواز صوري، و دا اللي خلاها تحاول تموت نفسها لما الكلب دا حاول يقرب منها غصب عنها.
كز رحيم على أسنانه بغل تجلى في نبرته حين قال:
ـ الكلب. و عزة و چلالة الله ما حد هيرحمه من يدي.
تحمحم خالد قائلًا بنبرة ذات مغزى:
ـ سيبك منه دلوقتي. احنا عايزين نعرف مكان الوكر دا، و أنت الوحيد اللي معاك المفتاح..
شخص رحيم بأنظاره إلى البعيد و تغيرت ملامحه ليغزوها الحرج ليستمع إلى صوت كمال المندهش خلفهم:
ـ مفتاح ايه؟ هو رحيم يعرف مكان الوكر بتاع الحيوان دا؟
التفت رحيم يناظره بغضب جعل الضحكة تزحف إلى وجه خالد ليحاول قمعها قائلًا:
ـ لا بس يعرف حد عارف الطريق..
شعر كمال بأن هناك شيء ما يحدث، فملامح رحيم كانت غريبة و مُكفهرة، ولكن خالد لم يترك له المجال للتفكير إذ قال:
ـ صافية هترجع معانا على القصر، و هتدخل من الباب.
كمال بصدمة:
ـ أيه؟
خالد بخشونة:
ـ لازم العيلة كلها تتجمع و تعرف أن عمتك صافية عايشة.
ـ طيب هنقول أيه؟ رجعت ازاي؟ هنقدر نحكي اللي حصل قدامهم كلهم!
هكذا استفهم كمال و الريبة تجتاح نظراته و نبرته ليهتف خالد بشراسة أفزعته:
ـ مانا بقولك عيلتنا. اللي مفروض أنهم إيد واحدة و اللي لو حد فيهم من فكر يخون الله في سماه ما هسمي عليه. مش هنخسر أغلى ما خسرنا يا كمال.
فهم كمال الرسالة جيدًا ليقترب منهم ياسر و يقول باستفهام بعد أن سمع الحديث الأخير:
ـ كلامك غريب يا خالد. هو في حد مننا ممكن يغدر بينا؟
لم يُمهل كمال خالد الوقت للإجابة إذ اندفع قائلًا:
ـ اللي غدر بصافية زمان كانت واحدة من الوتايدة وانا بقى مبثقش في ولا ست فيهم..
رمقه خالد بغضب و كذلك رحيم ولكن ياسر سانده قائلًا:
ـ كمال عنده حق احنا مينفعش نكشف على ورقنا.
خالد بصرامة:
ـ مرات عمك سكينة هتتحاسب، و مش هي وبس. هي وكل اللي هيقف قدام مصلحة العيلة دي او هيحاول يضرها وقتها يبقى هو اللي اختار مصيره.
رحيم بعنفوان:
ـ كلنا اهنه على جلب راچل واحد، وانت كَبيرنا يا خالد، و كلمتك سيف على رجابينا.
ياسر بنبرة متوعدة:
ـ انا معاك و في ضهرك يا خالد، و مستني اليوم اللي هاخد فيه تار أبويا.
كمال باستفهام:
ـ طب و مطاوع هنعمل معاه أيه؟
رحيم بغموض:
ـ هنشوف هو هيعمَل أيه اللول، و بعديها نوبجى نحدد..
اقترب منهم عمر قائلًا بمرح:
ـ قاعدة الشنبات اللي ترد الروح للي خالقها دي مش مطمناني.
رمقه خالد بسخط قبل أن يقول بجفاء:
ـ في ظرف نص ساعة تكون مجمعلي العيلة كلها. في القصر الكبير.
هتف يزيد القادم من الخلف بحماس:
ـ أيوا بقى يا وحش. قولي انك هتعمل فيهم زي ما محمد علي عمل في المماليك و سممهم و خلص عليهم. عليا النعمة مش بحبك من فراغ أنا..
شمله خالد بنظرات ساخطة قبل أن يقول بوعيد:
ـ جهز نفسك بقى عشان الوليمة دي هتكون على شرفك يا ظريف.
تراجع يزيد إلى الخلف وهو يقول بنبرة درامية:
ـ أهون عليك وانا بعتبرك الأخ الروحي ليا!
عمر بتهكم:
ـ أيه الأخ الروحي دي مش كانت الأب الروحي!
يزيد بسخرية:
ـ مانت لسه سامع بيقول لعمتك ايه من شوية اجي اقوله الاخ الروحي يحطني مكان الديك الرومي في الوليمة..
نجح في رسم الابتسامة على ملامح الجميع و خاصةً خالد الذي قال بنبرة خشنة:
ـ أنت جدع يا يزيد، وانا معجب بشخصيتك
يزيد بلهفة:
ـ والله و ماليك عليا يمين انا بكراش عليك من زمان..
قهقه الجميع على حديثه لينتهز كمال الأمر قائلًا:
ـ هروح أنا عند سوزان اجيب آسيا والبنات...
قاطعه عمر بتهكم:
ـ لا بقولك ايه يا أبو سيف. اركن على جنب. بيقولك نجمع العيلة. مش نفرج عليهم الناس. أنا هروح أجيبهم. خدلك جنب أنت عشان آسيا تضرب ولا تُبالي..
أوشك كمال على الحديث مغتاظًا من هذا المستغل ليوقفه خالد قائلًا:
ـ اسمع كلام ابن أختك بيقول حكم، و على فكرة مش شرط آسيا تحضر من الأساس
كمال باندفاع:
ـ ليه بقى اشمعنى كلهم هيكونوا موجودين!
خالد بنبرة ذات مغزى:
ـ عشان أنا واثق أنها مش هطول في العيلة كتير..
ابتلع كمال حديثه الغاضب ردًا على كلمات خالد الموبخة ولكنه أصر على حضورها كفرد أساسي في عائلته..
ـ بنتي الحلوة سرحانه في أيه؟
استدارت آسيا تنظر إلى سوزان التي كانت تناظرها بحنان كان أكثر ما تحتاج إليه في هذه اللحظة لتُجيبها بنبرة مُتحشرجة:
ـ هي ليه الدنيا زعلانه مني كدا؟
سوزان بهدوء:
ـ الدنيا مبتزعلش من حد يا آسيا. ربنا بيبعتلنا اختبارات في الحياة عشان تقوينا و بيحطنا في مِحن تبان صعبة و قاسية بس عشان يسمع صوتنا واحنا بنقوله يارب. و عشان هو ربنا العادل الرحيم بعباده مفيش محنة بنمر بيها غير وفيها منحة لينا. ربنا بينزل العسر و معاه اليُسر. فكري كدا طول حياتك كل المِحن و المصاعب اللي مريتي بيها هتلاقي فيها من وسطها بيطلع حاجات حلوة بنعرف قيمتها قدام.
اغرورقت عينيها بالعبرات و قد مست كلمات سوزان شيء ما بداخلها لتبدأ بفتح الجراح رويدًا رويدًا حتى لا تقع فريسة بين أنياب الألم:
ـ طيب قوليلي ايه الخير في كسرة أهلي ليا؟ أنا طبعًا راضية. بس موجوعة. غصب عني. حاسة أن في سكينة اتغرزت في ضهري النهاردة.
ربتت سوزان فوق ذراعها وهي تقول بنبرة تتسم بالقوة و المواساة معًا:
ـ لولا أهلك و طباعهم دي مكنتيش بقيتي آسيا البنت اللي واقفة قدامي دلوقتي. عارفة؟ أحيانًا القسوة بيكون فيها خير منعرفهوش. تخيلي لو أشجان مكانك كانت زمانها واقفة وصالبة حيلها زيك دلوقتي!
آسيا بنبرة يفوح منها رائحة القهر:
ـ أشجان أرق قلب في الدنيا. أنا اوقات كتير بخاف عليها من خالد نفسه. أشجان مش ضعيفة بس رقيقة و حنينة.
سوزان بنبرة قوية:
ـ بس مكنتش هتقدر تقاوم التيار. كان هيجرفها. قوليلي هي السكينة اللي اتغرزت في ضهرك النهاردة دي قدرت توقعك!
هزت رأسها بالنفي لتهتف سوزان بقوة:
ـ عشان جدعة و قوية. كمال موقعش في حبك علشان جميلة ولا عشان شيك. ولا عشان عيونك حلوين. لا... كمال وقع في حب البنت القوية الشجاعة اللي عندها كرامة وكبرياء و بتعافر و مبتطاطيش عمرها. شاف واحدة أبهرته بقوتها و جرأتها، و دفاعها عن نفسها. بنت بتشتغل و بتكافح و بتعافر لوحدها قصاد الدنيا.
آسيا بنبرة يغلب عليها الألم:
ـ عشان كدا عايز يكسرني بكل الطرق.
سوزان بنبرة حازمة:
ـ بطلي دلع ماسخ و فوقيلي هنا. مين اللي يكسرك! ولا هو ولا بلده يقدروا يعملوا كدا. هو اللي مكسور قدام حبك. يوم الحفلة أنا شوفت في عنين كمال نظرة لا يمكن اقدر أنساها. نظرة واحد عاشق، مجروح، و مشتاق. كان بيحاول يمنع عينيه تيجي عليكِ و مش عارف. النهاردة لما والدتك زغرطت عليكِ اتعريتي و بان ألمك، و دا مفرحهوش. بالعكس أنا شوفت في عنيه حزنه عشانك.
تناثرت العبرات من مقلتيها وهي تهتف بنبرة ملتاعة:
ـ أنا حسيت أني رجلي هتخوني و هقع قدامها. متعرفيش كمية الوجع اللي حسيته لما عملت كدا. متخيلة أنها شايفة قهرتي و مش فارقلها. دي فرحانه! و على فكرة بابا كمان بيفكر زيها. هو بس حنين شوية، أسلوبه مش هجومي زيها. بنصعب عليه. انما هي لا.
سوزان بتعقل:
ـ اللي حصل حصل، و أنتِ وقفتي و موقعتيش، ولازم دلوقتي تفكري في اللي جاي اللي فات دا مبقاش في إيدنا. نضيع وقتنا بالتفكير في ليه؟
آسيا باستفهام:
ـ أنتِ شايفة أن كمال مش غلطان في حقي؟ أنتِ الوحيدة اللي هسمع منها.
سوزان بحزم:
ـ غلطان والغلط راكبه من ساسه لراسه. محدش يقدر يقول أنه مش غلطان. مجرد أنه يتجوزك تحت ضغط و من غير ما يعرفك بموضوع ابنه دا في حد ذاته كارثة. بس اللي بيهون من غلطة ابنه دي دا أنه مغلطش عن عمد. دا غلط وهو مجروح. تاني هقولهالك. كمال سافر ومش وهو شايفك خاينة. يعني ملكيش حق واحد عنده.
صمتت سوزان لثوان قبل أن تقول بحنو:
ـ عارفة يا آسيا أنا ليه موقفتش في وش كمال النهاردة و قولتله انك مخادع و كذاب ؟
ـ ليه؟
سوزان بتوضيح:
ـ عشان حاجتين. أولهم أني هعريه قدام نفسه بدري أوي، و أنا مش عايزة دا يحصل دلوقتي. عايزاه يستوي على نار هادية. و تاني حاجة عشان هو دا المخرج الوحيد من حصار أهلك.
آسيا بتعب:
ـ السبب التاني أنا يمكن فهماه انما الأول وضحي أكتر.
سوزان بسخرية:
ـ قبل ما اشرحلك لازم تاخدي بالك من حاجة مهمة أوي. حياتك مش كلها كمال الوتيدي! أنتِ ليكِ شغلك و كيانك و طموحك. كمال وارد يكون بطل أساسي في حكايتك و وارد يكون مجرد ورقة فيها. لازم تفوقي لنفسك وتشوفي شغلك اللي أهملتيه، و شغلك مع راجي أنتِ لسه محتجاه عشان تعملي علاقات أكتر و توصلي أسرع. أول حاجة بتدي استقلال للبنت أنها تتكفل بنفسها ماديًا، واحنا مش عايزين دا بس. احنا عايزين ننجح و نجمنا يعلى. فهماني؟
آسيا بنبرة يشوبها الحماس:
ـ هو دا فعلًا اللي أنا ناوية عليه الفترة الجاية. كله إلا شغلي و كياني. أنا لازم أفضي دماغي و اركز اكتر من كدا.
سوزان بتشجيع:
ـ أنتِ كدا بنتي الجدعة اللي أعرفها، و من هنا بقى أقدر اقولك أن كمال بيه سلمك بإيديه المفتاح اللي تربيه بيه. كفاية أوي أنه يشوفك ناجحة و بتلمعي و قدام عنينه وهو ميقدرش يطولك. زي الشمس بالظبط بتضوي و منورة لكن لو قرب منك هيتحرق. هتوقفيه في النص ما بين نار حبه ليكِ و نار كبريائه. لحد ما يقول حقي برقابتي.
آسيا بنبرة حائرة:
ـ طيب ولو قال حقي برقابتي وبردو قلبي مقدرش يسامحه اعمل إيه ؟
سوزان بلهفة:
ـ وقتها ليكِ حرية الاختيار تكملي ولا لا دا قرارك محدش يقدر يراجعك فيه؟ بصي يا آسيا. الحياة المرة دي جمعتكوا من غير أقنعة ولا خطط و مؤامرات. من غير أخواته ولا رؤوف. اللي أنا بردو مش مرتحاله و متسألنيش ليه! أكيد في مغزى لكل دا. مفيش حاجة بتحصل من غير سبب. ربنا له حكمة انكوا تتجمعوا تاني و قدام هتعرفي ايه الحكمة من كدا. كل اللي أنا عايزاه دلوقتي انك تستغلي اللي حصل دا لصالحك و متقفيش عند نقطة معينة. كملي. أنتِ تقدري تعملي دا.
سحبت قدرًا كافيًا من الهواء داخلها لتبدأ الراحة بالتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا مما جعلها تقول بنبرة قوية:
ـ أنتِ صح. أنا شوفت أكتر من كدا و قاومت و مسمحتش للدنيا تهدني، و مهما حصل مش هسمح بدا، و كمال بيه زي ما قولتي هو اللي جابه لنفسه. و وعد عليا مبقاش آسيا لو مخلتوش يندم ندم عمره على كل حاجة عملها فيا.
سوزان بخفوت:
ـ أقولك على حاجة. أنا شايفة جواه حاجات كتير أوي ملخبطاني. كمال كان بيهرب بنظراته مني و كأنه خايف يتكشف قدامي.
آسيا بسخط:
ـ كمال دا بجح زيه زي الوتايدة كلهم لا بيعرف يهرب ولا بيخاف.
ما إن أنهت جملتها حتى رن هاتفها برقمٍ غريب لتُجيب باستفهام:
ـ آلوووو
مهما حاول التملص من تأثيرها عليه فنبضات قلبه تكشفه، فهاهي أحرف بسيطة جعلت ضرباته تقرع كالطبول، ولكنه كالعادة ظاهريًا جامدًا كالصخر لذا تحدث بجفاء:
ـ اجهزي عمر هييجي ياخدك أنتِ و شروق و جميلة على القصر. في حاجة مهمة تخص العيلة و لازم كلنا نتجمع.
نبضاتها بادلت خاصته الجنون حالما سمعت صوته ولكن حديثه أصابها بالصدمة لتبعد الهاتف عن أذنها و تلتفت إلى سوزان قائلة يتهكم:
ـ مش قولتلك دا بجح!
زفرت بحدة قبل أن تعيد الهاتف إلى أذنها مرة آخرى وهي تقول بحدة:
ـ أيوا يخص العيلة أنا مالي أحضره ليه؟
كمال بنفاذ صبر:
ـ هو سيادتك مش مراتي ولا أنا مش واخد بالي!
آسيا باستخفاف:
ـ والله لو بتسألني عن رأيي، فأنت لا جوزي ولا طايقة أشوفك قدام عيني..
كمال بحدة أربكتها:
ـ يمين بالله يا آسيا لو ما بطلتي لسانك الطويل دا لهقصهولك!
صاحت بنبرة ساخرة قاصدة استفزازه:
ـ تمام التمام يا عيون آسيا. خلي بالك اني لو قابلت واحدة من الحيزابونات اللي عندك دا همسح بيها بلاط القصر بتاعكوا. دا عشان لو عايز سبب يخليك تقصلي لساني!
وقف لبرهة عاجز عن الرد، فلو كان بوسعه إعطاء أحدهم الجائزة الكبرى في إدهاشه فستكون هي. إمرأة مثلها منذ بضع ساعات كانت في أقسى درجات الخذلان و الحزن، و الآن تقاتل و تتوعد و تتحداه! تجعله يقف عاجز عن الحديث وهو الذي لم يستطِع جيش من الرجال الزج به في خانة الصمت!
زفر بقوة قبل أن يختصر حديثه قائلًا:
ـ مش فارقلي. اعملي أنتِ عايزاه المهم تيجي. عمر زمانه على وصول هو و يزيد. مستنيكِ..
رفعت رأسها تطالع سوزان بعد أن أنهت حديثها معه لتقول بسخرية:
ـ كلامك بدأ يتحقق. شكل مصيبة جوازي منه هتخليني أشفي غليلي من العقارب أخواته..
سوزان باستفهام:
ـ في أيه؟
آسيا بسخرية:
ـ اجتماع طاريء في قصر الوتايدة، و بما أني زوجة الرجل الثاني للعائلة العريقة وجب حضوري. بس وحياتك عندي لهخليه اجتماع اسود على دماغهم. وهو أولهم..
اللهم يا فارج الهم، وكاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك.♥️
★★★★★★★★
ـ كل دا رن يا عمر في ايه؟
هكذا تحدثت شروق إلى عمر الذي أخذ يتصل بها كثيراً حتى اضطرت إلى إجابته ليقول بحدة:
ـ مبترديش ليه يا هانم؟ و كنتِ ويت من شوية. بتكلمي مين؟
شروق بحدة:
ـ ميخصكش.
عمر بغضب:
ـ يخصني يا بنت عمتي. كل حاجة تخصك تخصني.
شروق ببرود أثار جنونه:
ـ أنا قولت انك بتحلم. ياريت تروح تكمل نوم و تسيبني عشان أنام.
عمر بوقاحة:
ـ حلو أوي دا. لو هتنامي في حضني أنا موافق ومش هصحى ولو بعد ميت سنة.
لا تنكر بأن حديثه أصابها بالإضطراب ولكنها كالعادة وقفت سدًا منيع لمشاعرها تجاهه حين قالت بجفاء:
ـ بطل طولة لسان وقول عايز أيه. عشان لو قفلت السكة في وشك والله لو مسكت سلوك الكهربا مش هرد عليك تاني..
عمر بلهفة:
ـ قبل ما أقولك ايه حاجة من الكوارث اللي جايه. لازم تعرفي أني بموت في ثبات أمك دا..
شروق بتحذير:
ـ عمر...
عمر باندفاع:
ـ هاجي اخدك أنتِ و جميلة و آسيا على القصر حالًا، وقبل ما تعترضي دا مش كلامي دي أوامر خالد الوتيدي بجلالة قدره طلب حضور الجميع لأمرٍا عاجل ولو مش مصدقاني كلميه أستأليه، و يالا اجهزي عشان جايلك في الطريق.
بالفعل جلب عمر الفتيات إلى القصر ليتباين الشعور بداخل ثلاثتهم، فلكل واحدة منهم ذكرى سيئة في هذا المكان، وقد لاحظ كُلًا عمر ويزيد تجعد ملامح شروق و احتضان جميلة لها وحدها آسيا من حاولت التظاهر بالقوة فهي لن تدع احد من سكان هذه القلعة أن ينال منها، ولكنها صُدِمت حين شاهدت كمال ينتظرهم أمام الباب الداخلي للقصر لتحاول تجاهل نظراته المندهشة إليها، فقد كانت في أبهى صورها كمحارب أراد النيل من خصمه مُستعرضًا جميع مزاياه أمام عينيه. لترتفع زاوية فمه بسخرية قبل أن يُقرر هو الآخر مفاجأتها حين اقترب يمسك بكفها بين يديه و يتوجه إلى الداخل غير عابيء بمقاومتها و كلماتها المعارضة لما يفعله:
ـ سيب ايدي. أنت صدقت أن أنا مراتك بجد ولا حاجة!
لم يتكبد عناء أجابتها ليجذبها إلى درجات الباب الكبير لتهتف بسخط:
ـ سيب ايدي أحسنلك. بدل ما....
ـ اسكتي أو اسكتك أنا بطريقتي.
هكذا تحدث كمال و في عينيه نظرات عابثة لم تخطيء في فهمها، و على الرغم من الأضطراب الذي بثه في داخلها لوقاحته في إيقاظ الذكريات من سُباتها ولكنها لازالت تقاومه حيث قالت بتهكم ساخر:
ـ طريقتك دي تمشي مع الناس كلها إلا أنا. هو أنا مقولتلكش! اصل كل حاجة من النهاردة هتمشي على طريقتي أنا...
عض على شفتيه بقوة وهو يمنع تدفق الكلمات من بينهم ليتفاجيء من هذا الصوت المصدوم خلفهم:
ـ هي دي بتعمل أيه هنا؟
كانت ميرهان تقف كالمبهوتة من رؤية آسيا التي تقف بجانب كمال يمسك يدها وهو قريب منها إلى هذه الدرجة، فلم تتخيل أن تراه بجانبها بعد ما حدث ليلتفت الأخير ناظرًا إليها شذرًا قبل أن يقول بجفاء:
ـ و أنتِ مالك؟
كان مظهرها وهي على حال الصدمة و الاستنكار لهو مشهد يبعث على الراحة في صدر آسيا و كذلك حين قالت بانفعال:
ـ أبية كمال أنت سامحتها؟ اوعى تقول انك سامحتها وانا لا!
لم يكد كمال يُجيبها حتى تفاجئ بآسيا التي اقتربت منه وحاوطت خصره بطريقة جعلت جميع حواسه تتحفز وهي تمُط شفتيها بدلال تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ ياريت على قد كدا يا ميري. دا احنا كمان اتجوزنا، و مش بس كدا دانا مهما حاولت مش هقدر اوصفلك هو اتحايل عليا قد أيه اني ارجعله وانا كنت رافضه! صح يا كمال؟!
برقت عينيه حتى كادت أن تفارق محجريها وهو يناظرها كيف كانت قريبة منه إلى هذا الحد! تتغنج و تشاكس و تطلق ضربات تعرف كيف تُصيب هدفها ببراعة! و الأدهى من ذلك أنها تُعلن الحرب بشراسة و دون أي اعتبار لما حدث!
استفاق كمال على صراخ ميرهان التي هتفت بقهر:
ـ لا. أنتِ كذابة. استحالة يصدقك تاني.. أبية كمال أرجوك قولي أنها بتكذب...
كانت أشجان تجلس في الغرفة الكبيرة لتتفاجئ بالخادمة ترحب بأحدهم و تقوده إلى الداخل لتجد نفسها وجهًا لوجه أمام غنى و بجانبها هيام، هتفت مرحبة:
ـ أهلًا و سهلًا. اتفضلوا..
لم يكد يُجيبها أحد حتى شاهدت نبيلة القادمة من الخلف و بجانبها هايدي، وقد كانت نظراتهم كالأعيرة التي أضافوا لها كاتم الصوت، و من ثم تلتهم ضي التي كان وجهها مُغبر و جامد لتشعر أشجان بالصدمة من هذا الجمع، و كذلك غنى التي اقتربت تعانقها وهي تقول:
ـ هو في ايه؟
أشجان بخفوت:
ـ معرفش.
لم تكد تُنهي جملتها حتى سمعوا صوت شجار قوي قادم من الخارج ليندفع الجميع إلى مصدر الصوت ليتفاجئوا حين شاهدوا ميرهان التي كانت تنظر إلى كمال الذي يحتضن كف آسيا و عينيه تبرقان كسماء ترسلان صواعق من الغضب ليُخيم الذهول على الجميع من رؤيتهم معًا ولكن الكارثة الكبرى لم تأتي بعد لتستفهم نبيلة قائلة:
ـ هو في أيه بيحصل هنا؟
اندفعت ميرهان إلى أحضان شقيقتها وهي تصرخ من بين عبرات غزيرة:
ـ شوفتي أبية كمال اللي مش طايق يبص في وشي. رجعلها تاني. سامحها و انا لا.
نبيلة بصدمة:
ـ الكلام دا حقيقي يا كمال..
قاطعها كمال بنبرة صارمة و عينين لا تخفيان الوعيد:
ـ حقيقي. آسيا مراتي و اللي هتجيلها على سكة فيكوا هتشوف مني وش عمرها ما هتنساه في حياتها..
نبيلة بغضب:
ـ طب لما انت بتعرف تسامح و تدي فرصة تانية مش أختك اللي من دمك اولى بيها!
كانت جميع الأعيُن تنصب على هذا الرباعي المتعطش للثأر بكل جموح لتنطلق كلمات كمال كالأنياب حين زمجر بشراسة اهتزت لها جدران القصر:
ـ أنتوا ابتلاء مش أخوات. قصتكوا معايا انتهت خلاص. مش عايز أعرفكوا تاني. سمعتي ولا أسمعك اكتر!
برقت الأعيُن من حديثه لترفع آسيا رأسها تناظره بصدمة، فقد ظنت أنها حين رأتها معه في الشركة بأنه قد سامحها و الآن هاهي تراه يعلن تبرأه منها و من شقيقته الأخرى أيضًا، والحقيقة أن هذا الجانب منه كان مُخيفًا بقدر كافي ليردعها عن التدخل في الأمر ليكن هذا التصرف من نصيب عمر الذي قال بجفاء:
ـ كفاية يا كمال كدا. مش دا اللي اتفقنا عليه من شوية..
تدخلت نبيلة قائلة يتهكم:
ـ والله ! و كمان بتتفقوا من ورانا! و ياترى اتفقوا على أيه بقى يا عمر! هتخلصوا مننا ولا هتعملوا فينا أيه؟
عمر بجمود:
ـ الموضوع اكبر منكوا بكتير..
لم ينتظر كمال لسماع كلمات عمر انما جذب آسيا إلى الداخل وهو يُحيط كتفها بذراعه، وكأنه يريد أن يضاعف موجات الغضب خلفهم لتلتفت ميرهان ناظره الى هايدي التي همست بجانب أذنها:
ـ اتقلي. وحياتك عندي لهندفعها التمن غالي اوي..
تابع عمر حديثه حين قال باختصار:
ـ يالا على جوا، وخالد جاي دلوقتي هيفهمكوا على كل حاجة..
اتخذ الجميع مكانه في الداخل فاكتظت الغرفة بعدد كبير من الأشخاص، واختارت غنى الجلوس بجانب اصدقائها نجاة، شروق، جميلة، و أشجان، و من شدة حنق آسيا فقد اضطرت أن تجلس إلى جانب كمال الذي ظل يُمسِك يدها، و كأنها طفلة صغيرة والحقيقة أنه لم يكُن يفسر سبب تصرفه ولكنه يشعر لا إراديًا بالخوف من تركها بينهم.
شعور مؤلم يجتاح داخله حين يشعر بأنه غير آمن في بيته و مع أشقائه أولئك الذين تجري بداخلهم نفس الدماء، ولكنه لا يستطِع إدارة ظهره إليهم، فقد طُعِن ذات مرة ولا ينوي تكرارها...
تحدثت هيام التي كانت تشعر بالغرابة وسط أقاربها، و لولا إصرار ياسر عليها بالحضور ما كانت فعلت أبدًا:
ـ ألا الجَمعة الحلوة دي وراها أيه؟ أنا الفار ابتدى يلعب في عبي..
كان يزيد يختلس النظرات إلى جميلة التي كانت تغض عينيها عنه قصدًا ليقول بملل:
ـ وانا في صرصارة مجننه أمي.
شهقت هيام بذُعر:
ـ يا نهار مش فايت! هو في هنا صراصير؟!
شهقت الفتيات كلهن دفعةً واحدة و عمت حالة من الذُعر جعلت آسيا تجذب يدها بغتة من يد كمال الذي صُدِم حالما رآى خوفها ليرتفع أحد حاجبيه تهكمًا على تلك التي لم يرها تهاب أحد في حياتها والآن تخشى حشرة صغيرة!
ـ أشجان هانم. ممكن لحظة!
هكذا تحدثت أحد الخادمات لتنهض أشجان من مكانها و تستغل آسيا فرصة خلاصها من قيده لتتوجه و تأخذ مكان أشجان في الأريكة بينما الأخيرة توجهت إلى الخارج لتخبرها الخادمة أن خالد ينتظرها في غرفتهم لتهرول إلى الأعلى و منه إلى غرفتهم لتسمع صوت قادم من غرفة الملابس فتوجهت لاهثة إلى هناك لتجده يضع شيء ما خلف ظهره لتشهق بخفوت مما جعله يستدير ليقترب منها قائلًا بلهفة:
ـ مالك ؟ في اية؟
قال جملته وهو يتلقفها بين يديه التي أمسكت بذراعيها يفحصها بنظراته القلقة لتُجيبه بتلعثم:
ـ أنت اللي في أيه ؟ و أيه كل الحراسة اللي حوالين القصر دي؟
تلاشى طوفان غضبه أمام مرافئ خوفها، فلم يجد بُدّاً من اختطافها إلى حصنه، لتستقر بين ذراعيه في ضمة أراد بها ترميم تصدعات روحه قبل حمايتها. كان يضمها بيقين الغريق الذي عثر أخيراً على يابسته، محاولاً تحصين دفاعاته المنهارة بقداسة قُربها فشاء أم أبى، استبد به عشق يدفعه لتجاهل أنين جراحه النازفة، مقايضاً آلامه كلها بلحظة دفء واحدة تسرقها روحه من بين يديها. فأخذ ينهل من عطرها أنفاساً تُعيده إلى قيد الحياة. كمن يعبأ صدره بآخر ذرات الأكسجين قبل الغوص في المجهول. ثم تراجع عنها على مضض، وكأن قوى خفية تجبره على الانفصال، ليشتبك بصرُه مع عينيها في حوارٍ صامتٍ عاصف، حديث تفضحه النظرات وتنفيه الكلمات، بينما تهيأت شفتاه لتنطق بعكس ما استعر في قلبه، وحينها قال:
ـ متقلقيش. دي إجراءت أمنية.
أشجان بلهفة:
ـ ليه؟ حصل ايه؟
تراجع عنها ليقوم بجذب خزنة آخرى من الرصاص يضعها بجانب سلاحه وهو يقول باختصار:
ـ صافية رجعت معانا عالقصر.
شهقت أشجان بصدمة ليتابع خالد بنبرة خشنة:
ـ مفيش وقت للصدمات و لا في داعي للقلق. القصر متأمن كويس اوي تحسبًا لأي حركة جنان من الكلب اللي اسمه رماح دا.
أشجان بذُعر:
ـ يعني ايه يا خالد ؟ هو ممكن يعمل أيه؟ و أصلًا هيعرف منين؟
خالد بقسوة:
ـ هيعرف و هيتجنن، و دا المطلوب. المهم هاتي رنا والولاده تحت معاكوا، ويالا عشان ننزل.
كاد أن يتجاوزها لتقف أمامه وهي تقول بشفاة مّرتعشة:
ـ أنا خائفة عليك أوي يا خالد.
كانت تتشبث بمقدمة قميصه كغريقٍ يرجو النجاة، وعيناها تفيضان بذعرٍ صامت، بينما شفتاها ترتجفان بانتفاضة لم يصمد أمامها صبره. في تلك اللحظة، تلاشى كل تعقُل يملكه و اندفع يقتنص ضفتي التوت خاصتها بلهفة مباغتة أجفلت كيانها، وكأنه يسترد أنفاسه التي سُلبت منه طوال فترة غيابها؛ فهو الذي لم يعرف للحياة طعماً إلا في فلكها ليقتنص تلك الفرصة الذهبية ويُروي ظمأ روحه المتعطشة منها فأخذ يمتصّ خوفها و قلقها بتروي، ويحتوي ارتعاشتها بين ثنايا قُبلته حتى استكانت أخيراً بين يديه. غير أن شوقه لم يعرف السكون، وقلبه الذي أضناه البعد لم يرتوي بعد؛ كان وكأنه يعتقل طيفها بين أضلعه، رافضاً أدنى مسافة قد تتسلل بينهما. لقد كان يصارع فيها غيابهما المر، متشبثاً بخصرها كأنها اليابسة الوحيدة في محيط من العدم، أو كأن انفلاتها يعني سقوطه الأبدي في لُجة واقعٍ لا يرحم.
ولكنه أخيرًا وجد نفسه مُجبرًا على انتزاع نفسه من جنة وجودها ليتراجع عنها وهو يناظرها بأعيُن عاتبتها بقسوة ما فعلته به ليتبلور الندم في عليها غير أنه لم يكن يملك الوقت حيال أي حديث ليجذب يدها بيد كفه الخشن وهو يقول بجفاء:
ـ هاتي رنا والولاد ويالا على تحت..
اللهم يا جابر القلوب المنكسرة، اجبر كسر قلوبنا جبراً يليق بعظمتك، جبراً يتعجب منه أهل السماوات وأهل الأرض، جبراً يعيد لروحنا الطمأنينة ولأيامنا السلام ♥️
★★★★★★★★★
في الأسفل أقتربت الفتيات من بعضهن البعض و تهمس غنى بخفوت:
ـ حد فيكوا يعرف في ايه؟
شروق بهدوء:
ـ غالبًا محدش يعرف.
تدخلت نجاة ساخطة:
ـ ولا نعرِف ولا لينا نفس نعرِف أي حاچة عن العيلة الغبرة دي..
أيدتها آسيا قائلة:
ـ عندك حق أنا عن نفسي لو يسيبوني هجيب برميل جاز و اولع فيهم كلهم وهما متجمعين كدا عشان جهنم تستقبلهم كلهم مرة واحدة..
نجاة ساخرة:
ـ مش هيموتوا بردك يا حزينة!
جميلة باستفهام:
ـ ليه يعني ؟ زومبي مثلًا؟!
نجاة بتهكم:
ـ مش بيجولك القيامة هتجوم على أشر الناس! اهم دول هم أشر الناس..
شروق باندفاع غير متعمد:
ـ تصدقي صح.
آسيا بتحسر:
ـ أنتوا شوفتوا شر فين! أومال أنا اللي معايا الشيطان بذات نفسه أقول ايه؟
غنى بهمس غاضب:
ـ بقولكوا أيه خدوا هيام معاكوا لو ناويين تولعوا و سيبولي ياسر حبيبي أنا عايزاه.
تشدقت آسيا ساخرة:
ـ دلوقتي حبيبك! مش كان واطي و اكبر غلطة قي حياتك!
غنى باندفاع:
ـ كان! دلوقتي لا.. و بعدين مانا هديكوا هيام زعلانه ليه!
نجاة بسخط:
ـ والله ما احنا عايزينها. خليهالك. جال هتدينا الچايزة ياخيي! دي هي و البومة مولودين راس براس.
صمتت لثوان قبل أن تتابع باستنكار:
ـ اومال الواد دا مادد بوزه معانا أكده ليه؟
هكذا تابعت نجاة وهي تنظر إلى يزيد الذي كان يختلس النظرات منهم وهو بجانب هيام ليلاحظن نظراته المنصبة فوق جميلة التي تفشى الخجل في ملامحها لتهتف غنى بتخابُث:
ـ ايه دا بقى يا ست جميلة؟ دا في جو ولا ايه؟
شهقت نجاة باستنكار :
ـ چو! چو ايه ياللي ياكلك بعو أنتِ! بت يا چميلة أنتِ بغلة يا بت! وتيدي تاني! مش شايفة المرار اللي راكب چرار اللي احنا فيه؟!
جميلة بلهفة:
ـ لا والله مفيش حاچة من دي.
نجاة مُحذرة:
ـ أيوا أكده. اياكِ هدعك بوزك في المسقى اللي في الچنينة ورا. الأمل فيكِ أنتِ يا حزينة!
أرادت شروق تغيير سياق الحديث حين هتفت قائلة:
ـ أنتِ اللي بتتكلمي يا ضي! دا العمدة راجل محترم اومال أنا و آسيا نعمل ايه في الصيع اللي اتبلينا بيهم دول!
نجاة بجدية:
ـ أيوا أني معاكِ العمدة هيبة و راچل و له مركزه الحج يتجال. بس وتيدي ياما. يوديكي البحر و يچيبك عطشانه و شرجانة كمان..
زجرتهم غنى قائلة:
ـ بس بس. دول شكلهم جايين..
دلفت سعاد إلى الداخل بمساعدة الخادمة و خلفها زينة ولم تمر بضع دقائق آخرى حتى أطلت عليهم إمرأة جميلة تتأبط ذراعي كُلًا من رحيم على الجانب الأيسر و خالد علي الجانب الأيمن و في الناحية الآخرى كانت أشجان تحتضن كتف رنا و اولادها برفقتها و خلفهم ياسر ليخيم الصمت للحظات قبل أن تنطلق الهمهمات التي شقتها صرخة هيام حين هبت من مكانها وهي تقول بذهول:
ـ صافية!!
و كأن الكلمة وباء تفشى في الجميع ممن يتسائلون عن هوية هذه المرأة مرددين الاسم لتهب نبيلة من مجلسها وهي تقول بصدمة:
ـ أيوا صافية..
لأول مرة تتفق المرأتان على شيء، لتهتف هيام بذهول:
ـ طب ازاي ؟
بدأت عبراتها بالهطول و جسدها بالإرتجاف ليقترب منها يزيد و يهرول ياسر إليها ليقول الأخير مُهدئًا:
ـ اهدي يا هيام. اهدي يا حبيبتي، و هفهمك كل حاجة..
جعدت غنى ملامحها وهي تُتمتم بحنق بجانب آسيا:
ـ حبيبته! غيرت رأيي. هبعته مع قرايبه لجهنم هو كمان..
ـ قعدها يا ياسر.
هكذا تحدث يزيد ليجلس الرجلان على ركبتيها بجانب مقعد هيام التي أخذ الماضي يُعاد أمامها و كأنه البارحة لتستمع إلى صوت خالد المطمئن حين قال:
ـ هوني على نفسك يا هيام. اللي جاي خير بإذن الله.
تحدث رحيم بنبرة لينة بعض الشيء:
ـ تعالي يا صافية. أجعدي و ارتاحي يا غالية خلي كل واحد يستوعب الصدمة على مهلة..
تمتمت ضي حانقة:
ـ غالية! جولتلكوا وتيدي محدش صدجني.
جلست صافية على الأريكة الكبيرة و بجانبها رحيم ليلتفت خالد إلى أشجان قائلًا باختصار:
ـ اقعدي جنب صافية.
لوهلة أشفق على حيرتها و قد قرر إنهاء هذا الفضول القاتل الذي يعج به المكان ليبدأ حديثه قائلًا:
ـ أقدملكوا عمتي الحاجة صافية الوتيدي.
تبادل الجميع النظرات، ولكنه لم يفتح مجال للأستفهامات حين تابع موضحًا:
ـ الحاجة صافية لسه راجعة من رحلة علاج بره، و هتفضل عايشة هنا معانا. حبيت الكل يكون موجود عشان يتعرف عليها. لأنها بالنسبالنا حاجة كبيرة أوي، و كلنا هنا وأنا أولكوا لازم نحترمها و نشيلها في عنينا.
صافية بنبرة صوتها المميزة التي دوت في المكان بأكمله:
ـ تعيش يا جلب صافية..
توقفت نظراته في هذه اللحظة على شقيقته نبيلة التي لم تكن تستوعب ما يحدُث ولم يخطر على بالها قط أن ترى تلك الفتاة التي تسبب موتها في انقلاب حال عائلة بأكملها، والآن عودتها تقلب الوسط رأسًا على عقب..
لم يكد خالد يُنهي جملته حتى سمعوا صوت طلقات نارية في الخارج لتنطلق الصرخات من أفواه الفتيات و سرعان ما تجمدت تلك الصرخات حين شاهدوا تلك الأسلحة التي أشهرها كُلًا من خالد، رحيم، كمال، ياسر، عمر، يزيد ليصرخ خالد بنبرة أرعدت الجميع.
ـ الكل يهدى، و محدش يخاف احنا عاملين حسابنا كويس. كمال، عمر. يزيد. خليكوا هنا. و انت يا رحيم تعالى معايا أنت و ياسر..
رغمًا عنها خرج اسمه من بين شفاهها مرتعبًا:
ـ خالد..
للحظة حجبه ندائها عن العالم ليلتفت إليها و يمد يده يحتضن وجهها وهو يقول بطمأنه:
ـ متخافيش. اوعي تخافي وانا موجود
اومأت برأسها لتهمس رنا برعب:
ـ بابي..
خالد بحنو:
ـ خليكي مع ماما، ومتخافيش..
توجه خالد إلى الخارج و معه ياسر و رحيم الذي حانت منه التفاته إلى نجاة لم تكن طمأنه إنما كانت نظرة غامضة لا تعرف لما أضافت رعبًا من نوعٍ آخر إلى صدرها
فتح خالد باب القصر على مصرعيه ليجد نفسه في مواجهة هي الأولى من نوعها بعد مرور كل هذه السنوات مع رماح الهلالي الذي كان العُنف يعتلي نظراته على عكس خالد الذي كانت الابتسامة تلون شفتيه وكأنه يستقبل ضيف متوقع و مُرحَب به كما جاءت نبرته الخشنة حين قال بصوتٍ جهوري:
ـ رماح الهلالي في قصر الوتايدة. يا مرحب يا مرحب.
يتبع....
اسمع احلى تعظيم سلام للمعارك الجاية 💃🏼💃🏼💃🏼
البارت نازل الصبح و مفحوتة قي كتابة من بالليل بس وحياة ربنا ما عندي وقت اهرش حتى امتحانات و ظروف عزا و ناس داخله و ناس طالعة و لقيتني قاعده مع نفسي النهاردة بعد يوم متعب بقولها ماهو يا تقومي تكتبي يا عمرك ما هتلاقي وقت للحاجة الوحيدة اللي بتحبيها 🥹
هكون طماعة لو قولتلكوا اتحملوني لحد ما اخلص امتحانات فارس يعني ان شاءالله الفصول تنزل بانتظام بس متأخر او الصبح المهم اني هحاول اكتب و انزل بانتظام خصوصا اننا دخلنا في مرحلة قوية في الرواية و الأحداث الجاية نارية و انا في أشد حالات الحماس لأستكمالها 🥹
بتمنى تدعموني و تقولولي كلام يفرحني عشان كلامكوا دا أقسم بالله بيهون عليا التعب و السهر و كل حاجة ♥️
بحبكوا قد الدنيا ♥️
و دا جروبي نوروني هناك
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثاني وثمانون 82 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل ما تقروا جماعة التفاعل مزعلني جدًا 🥺 أتمنى تفرحوني بتفاعل حلو على البارت دا 🥺🥺
متنسوش تعملوا فوت كتيرو كومنتات اكتر على الفقرات اللي حبتوها♥️
السبيل الواحد و العشرون ❤️🔥
ثم ابتسم وقال لها بنبرة خشنة طابعها الثقة:
ـ كوني لي شمسًا لا تغيب، قمرًا لا ينطفئ نوره، ودِفئًا لا يهزمه صقيع.
فابتسمت بتحدٍ أعلنه كبرياؤها الأبيّ لتهتف بشموخ:
ـ أخبرني إذن؛ هل ستحتمل نهاري الأبدي؟ وليلي الذي لا ينام، وناري التي لا تكف عن التوهج؟! ألن تشتاق عيناك لعتمةٍ تسكُن إليها حتى تغفو؟ ألن تشعر بأنك في حاجة لبردٍ يجبرك على البحث عن مأوى، فيجعل لقربي معنى! مُخطئ يا عزيزي، فأنت تحتاج ليومٍ يتخلى عنه شروق الشمس، وليلٍ يغلفه الظلام، وصقيعٍ يرتجف له قلبك شوقًا.. حتى تدرك أن وجودي في حياتك ليس مجرد ضوء، بل هو سببٌ للحياة.
غازلتها عيناه التي أفصحت عن إعجابٍ لم تنله امرأة قبلها، ثم تحدث بنبرة مُخملية:
ـ ظالمة أنتِ يا امرأة تملكين كل الحُسنِ والدلال.. وتضنِ عليّ حتى بالتمني!
تعلم أنه ماكرٌ بقدر وسامته، لذا رسمت على ثغرها ابتسامةً واثقة يزينها دلالٌ مغوي، وأجابته بنبرة ناعمة:
ـ أُحذرك فقط، لك أن تتمنى ما تشاء، ولكن..
اعلم بأنني لن أكون أبدًا مجرد فصلًا في كتاباتك، بل جوهر الحكاية. و إن شمسي لو انطفأت فلن تجد كوكبًا في هذا العالم يحتضن عتمتك، فالحياة بقرب إمرأة مثلي يعني أنك ملكت كل شيء بين يديك، فاحذر أن تفقد ما ملكت، فلن أخبرك كم هو قاسي هذا الشعور.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ رماح الهلالي في قصر الوتايدة. يا مرحب يا مرحب.
هكذا تحدث خالد بنبرة جهورية و ملامح يغلفها القسوة، يتوجها عينين حادتين تنظران بقوة و تحدي إلى داخل عيني هذا الحقير الذي كان ينهج كالثور صدره يعلو و يهبط بعُنف وهو لا يتخيل أن هناك سدًا منيعًا بينه وبين إمرأة حياته التي حارب لأجلها أعوام مضت و فعل الممكن و المستحيل حتى تصبح بين يديه. هناك نزعة بدائية بداخله تأمره بفتح فوهات النيران على هذا القصر اللعين الذي يحجبها عنه و ساكنيه و لكن سيحدث ذلك و هذه المرة سيتأكد من محوهم جميعًا من الوجود.
فقد واجه هذه العائلة لأجلها في السابق و انتصر و اليوم تتكرر المواجهة ولكنه سينتصر أيضًا لذا حاول تحجيم شره الهائل أمام هذا الوحش الذي يبتسم في وجهه ولكن عينيه تحملان تحذيرًا بأنه على أتم استعداد للثأر لذا تحدث رماح بنبرة ساخرة:
ـ مرحب بك يا يا خالد باشا. لساتك بتعرِف في الأصول كيف چدك الله يرحمه.
خالد بنبرة ماكرة يغلفها السخرية:
ـ الله يرحمه. كويس ان قلبك أبيض و بتترحم عليه بعد اللي حصلت منه آخر مرة..
تجمدت الابتسامة الساخرة فوق شفتي رماح الذي تذكر تلك الإهانة الكبيرة الذي تلقاها على يد ذلك العجوز حين طرده و أخبره أن ابنته العزيزة أغلى و أثمن من أن يُعطيها لحقير مثله.
رماح من بين أسنانه:
ـ أني مش چاي في شر اني چاي أخد مرتي وامشي.
تدخل رحيم الذي يقف بكتف خالد و في الناحية الآخرى كان ياسر:
ـ ملكش حريم عِندينا. احنا اللي لينا تار عندِك..
هتف ياسر الذي كان ينظر إليه و كأنه أسد جائع وجد فريسته بعد عناء:
ـ و جاهزين ناخده حالًا.
تفرقت نظرات رماح ما بين الثلاث رجال بغضب يتسم بالعجز، فهو لن يستطِع التعبير عنه و إلا فلن يخرج حيًا لذا توقفت أنظاره على خالد وهو يقول بحنق:
ـ صافية مرتي...
قاطعه خالد الذي تجعدت ملامحع و اسودت عينيه وهو يبتسم بشراسة تجلت في نبرته حين قال:
ـ لو راجل ادخل خدها.
لم يتوقع رماح إجابته لتخيم الصدمة على ملامحه للحظات قطعها خالد الذي زمجر بوحشية:
ـ مستني منك تخطي خطوة واحدة بس، وأنا وشرف أمي لهكون دافنك مكانك أنت و كلابك دول حتى لو هتكون آخر حاجة هعملها في حياتي.
كان يرى بأم عينيه كم أن هذا الرجل يقصد كل كلمة يتفوه بها، فقد كانت ملامحه متعطشة للدماء وكأنه أحد الوحوش البدائية التي تحيا على القتل و سفك الأرواح، وقد كان هو الآخر يشاركه الرغبة في القتل، ولكنه لا يريد الموت لذا هتف بنبرة مسمومة:
ـ اللي خلاني خدتها من خشم السبع زمان. لما چدك الكبير خباها مني و بنى بيني وبينها الف سور. هيخليني اخدها منِك بردك. متجلجش.
ابتسم خالد بطريقة مرعبة اضفت وقودًا مشتعل فوق نيران رماح الذي تفاجئ حين بتر ضحكته الرنانة و عاد الغضب الأعمى يلون ملامحه وهو يهتف بكلماتِ كان كـ نصل سيفٍ بارد يوضع على العُنق، كل حرفٍ فيه كان يقطر وعيداً:
ـ بس انا مش مخبيها منك زي ما جدي عمل زمان. أنا دخلت بيها قدامك أنت و كلابك، و مقدرتش توقفني، و بردو مش باني بينك وبينك ولا طوبة واحدة. عشان توصلها عديني.
كان يعلم أن ذلك الوحش الغاضب لن يتردد في القتال حتى الموت و إن كان يتحدث عن نفسه فهو يقصد جميع أبناء عمومته معه، فقد أراد إيصال معنى واضح وهو أنهم جميعًا شخصًا واحد، فاولئك النمور التي تقف بجانبه و الآخرين الذين يعج بهم المكان لن يترددوا أبدًا في الدفاع عن بعضهم البعض، فقد رأى ذلك في الماضي و يدركه جيدًا، وان نظر إلى قاعدة القوة تغلب الشجاعة، فهو يفتقد الإثنين في هذه اللحظة لذا اومأ برأسه وابتسامة كريهة تلمع فوق شفتيه سرعان ما انمحت حين شاهدها تقف أمام باب القصر وخلفها ثلاث رجال يعرفهم جيدًا، كمال، عمر، يزيد.
بهتت ملامحه و تسارعت دقات قلبه وهو يرى ابتسامتها الشامتة و لمعة الانتصار التي تغلف عينيها، فهي لم تنفك تخبره طوال السنوات التي قضتها في محبسه بأنها ستتحرر منه، و ستعود إلى مكانها بين أهلها، وها هي اليوم تُعلِن انتصارها مما جعل الجنون يلون نظراته ليقوم بوضع يده فوق السلاح و هو يضغط بقوة يجاهد غضبًا مُريعًا يفترسه و يأمره بسحب السلاح و إلقاء نفسه في معركة الموت لأجل انتزاعها من بين براثنهم، وقد كان مظهره لوحة حية عن القهر والغضب أثلجت صدر الرجال جميعًا، فقد كان خالد يتذكر جيدًا مدى القهر الذي عايشه جده و والده حزنًا على عمته
ـ أكده يا وتايدة. وماله. مبروك رچعة الغالية وسطيكوا يا خالد. افرحوا و أشبعوا من بعض. محدش يعرِف بكرة فى أيه ؟ يمكن چايب موت و خراب...
تدخل ياسر هذه المرة بنبرة شرسة:
ـ هو فعلًا جايب كدا انت مكذبتش. روح بقى الحق اعمل حاجة لأخرتك. بدل ما يبقى خراب عليك دنيا وآخرة.
سانده رحيم هو الآخر قائلًا بسخرية:
ـ يعز عليا والله امشيك جفاك يجمر عيش ما احنا بردك من بلد واحدة. بس امشيك على رچليك أحسن ما تطلع على ضهرك.
جذب اسماعهم طرق كعب حذاء على الأرض واثق و متناسق و كأن صاحبته تتحرك على أنغام نوت موسيقي لتتنبه حواس الجميع حين سمعوا صوت صافية القوي وهي تقف على بعد خطوات من الرجال الثلاثة:
ـ أيه يا كبيرنا. هي الكلاب لسه متصرفتش كلات ده ليه؟ بزياداهم عويل لحد أكده. فال وحش.
كانت لحظة إنتصار مجنونة ولكنها عاشت أكثر من نصف عمرها تتمناها. أن تأتي اللحظة و تقتص ممن سلب منها حياتها وعائلتها و سلامها النفسي و كل شيء و لم تستطِع مقوماتها، فقد كانت تنظر إليه بتشفي وانتصار، وهي محاطة بسياج من الرجال الأشداء الذين لن يتوانوا عن الدفاع عنها، ولكم أسعدها هذا الشعور الأمان.. يالها من كلمة افتقدتها لسنوات، والآن تشعر بها و تستمتع بحلاوتها.
ـ ماشيين يا غالية. عرفوا غلطهم خلاص..
هكذا تحدث خالد الى رماح الذي كانت ملامحه مزيج من الغضب والألم والقسوة معًا، فقد أذلته كلماتها و نالت منه، و لسوء حظه كان في أكثر لحظاته ضعفًا، فهو يرى بعينيه أنهم يفوقونه بكثير هو و رجاله عددًا و عتادًا، فقد وقع في فخ مُحكم أعده لها هذا الوحش الذي أصبح الآن يمقته مثلما يمقت الإنسان جهنم، لذا ابتلع جمرات ويلاته و خيبته و ذله وهو يقول بنبرة تعج بالغضب العنيف:
ـ واللي خلج الخلج ما في حاچة من اللي حُصلت اهنه دي هتعدي على خير..
كانت تلك الكلمات أقصى ما يستطِع قوله الآن و إلا فلن يستطِع القبض على زمام الصبر أكثر من ذلك، فاستدار وهو يأمر رجاله بالمغادرة، و ما كاد أن يصل إلى بوابة القصر حتى سمع صوت طلقات نارية أطلقها رحيم من فوهة سلاحه، فهي عادتهم في الأفراح أطلاق النيران في الهواء و كأنه يعلن انتصارًا ساحقًا و فرحة عارمة
ـ متفقناش على كدا يا صافية.
هكذا تحدث خالد مُعاتبًا لتنهمر العبرات فوق وجنتيها وهي تقول بتوضيح:
ـ مجدرتش يا خالد. غصب عني. عشت عمري كله في چحيمه بتمنى أخرچ للنور. كان نفسي أدوقه الجهرة اللي جهرهالي أنا وأبوي و أبوك و الوتايدة كلاتها.
تقدم رحيم يربت بحنو على كتفها وهو يقول:
ـ هوني عليكِ يا عمة. و بلاش دموعك دي. خلاص أهو غار في داهية.
كمال بغضب:
ـ بس مخلصناش منه. الكلب دا مش هيعدي اللي حصل على خير..
تبادل خالد نظرات ذات مغزى مع رحيم قبل أن يتوجه إلى صافية و يمسك بيدها وهو يستدير قائلاً بمرح:
ـ سيبك أنتِ بس ايه الأداء العالي دا؟
هرول يزيد يتأبط ذراع صافية من الجهة الآخرى وهو يقول بمرح:
ـ يخربيتك يا عمتي دا انا خوفت منك وربنا. كنتِ فين السنين اللي فاتت دي دانا ياما اتروقت و اتكسرتلي نضارات..
صافية بابتسامة جميلة:
ـ أني عروجي بيچري فيها دم الوتايدة يا دَكتور، و اللي بيچري في عروجه دم الوتايدة لازمن يوبجى قوي، و ميهابش حاچة واصل..
سخر خالد قائلًا:
ـ سامع يا بغل..مش تقولي ياما اتروقت!
قهقه عمر القادم من الخلف:
ـ أه يا عرة الوتايدة. ياللي فاضحنا في كل حتة. الواد دا باين عليه لسه تقاوي وتيدي صغير. نستنى عليه لما يكبر يمكن أداؤه يتحسن..
في الخلف كان الرجال الثلاثة كمال، وياسر، و رحيم يقفون بمكانهم ليقول الأخير بتحذير:
ـ خلي بالك منك له. الأوضاع أكده مبجتش تطمن. بقيت العداوة عيني عينك. و كل واحد فيكوا لازمن يمشي حاطط عينه في وسط راسه. الكلب ده عرِف أنه عمره ما هيجدر يوقف جدامنا راس براس يوبجى هيبتدي يوسخ..
زفر ياسر بغضب، فقد كان يود لو يفتك برأس هذا الشيطان ولكنه لم يستطِع التعدي على سلطة أبناء عمومته و على رأسهم خالد الذي هو كبيرهم الآن لذا هتف بحنق:
ـ أنا مسكت نفسي بالعافية اني اخلص عليه. نفسي أشفي غليلي منه..
رحيم في محاولة لتهدئته:
ـ هيحصل. صدجني هيحصل. بس في حاچات كتير لازمن تتعمل جبل أكده، مش عايزين نچاسته تطول حد من العيلة.
كمال بنفاذ صبر:
ـ يالا ندخل عشان الناس اللي جوا دول زمانهم ماتوا من الرعب، وبعدين نبقى نشوف هنعمل ايه..
توجه الرجال الثلاثة إلى الداخل ليجدوا الجميع في مكانه، ولكن أعينهم جميعًا تلمع باستفهامات لم يجرؤ أحد على الإفصاح عنها ليبدأ رحيم بالحديث قائلاً:
ـ جصر الوتايدة نور بوچودك يا غالية..
صافية بابتسامة مُحِبة:
ـ جصر الوتايدة منور برچالته اللي كيف الأسود. ربنا ما يحرمني منِكوا و يبارك فيكوا العمر كله.
كانت النساء تنظر باندهاش إلى هذه العلاقة الغريبة، و النظرات الممتنة والهائمة بهذه المرأة لتهمس غنى في أذن آسيا قائلة بخفوت:
ـ هما مالهم متنحين كدا ليه؟ هي مين الست دي؟
آسيا بملل:
ـ ايه الغباء المستحكم دا ! ما قالوا خمسين مرة عمتهم.
شروق باستنكار:
ـ أيوا ايه يعني عمتهم! هما مالهم عاملين عليها كدا ليه؟
آسيا بسخرية:
ـ تقريبًا دي آخر النساء المحترمات في العيلة الغبرة دي..
كانت نجاة في وادٍ آخر ما أن وصل إلى مسامعها اسم والدها لتبدأ دقات قلبها يعزف الخوف بجنون جعل الدماء تتضرج إلى وجنتيها لتتفاجيء حين اصطدمت بنظرات رحيم الذي كان الغموض يلون ملامحه و عينيه، ولكنه سرعان ما ابتسم وهو يقول بصوته المُجلجل:
ـ معيزاش تتعرفي على مرتي يا عمة ولا ايه؟
صافية بنبرة ودودة:
ـ كيف ده! أني عايزاك تعرِفني على كل البنات الحلوين دول.
رحيم بمرح:
ـ طب نبدأ بالكبير بجى..
كانت تجلس إلى جانبه بصمت، فهي لم تتغلب على صدمة المشهد السابق بعد، ولكن هناك شيء غريب يحدُث فالجميع يقمع تساؤلاته و يتبع سير الأحداث الذي وضعها هو و كأنهم في لعبة هو من يضع قوانينها فقط.
في هذه اللحظة اصطدمت عينيه التي كانت الهدوء يغلب على سماءها بعينيها التي كانت غائمة بقلق وحده يدركه ولكنه كان هادئًا غامضًا كما عاهدته لتتفاجيء حين مد ذراعه يضعها فوق كتفها وهو يقول بنبرة يدوي العشق بين طياتها:
ـ أشجان. مراتي يا صافية..
ناظرتها صافية بمحبة قبل أن تقول بنبرة صعيدية جميلة:
ـ أشجان! اسمك چميل بس أنتِ أجمل. ذوقك حلو يا جلب صافية.
كانت رنا في الجانب الآخر ليحتضنها خالد وهو يقول بحُب:
ـ و دي برنسيس رنا. أميرتي الحلوة..
خجلت الصغيرة كثيرًا ولكن فرحة عارمة اجتاحتها لإطراء خالد عليها لتبتسم صافية بحُب وهي تمد يدها الى الفتاة التي التفتت إلى خالد ليوميء برأسه، فنهضت و تقدمت من صافية بخجل لتجذبها الأخيرة إلى أحضانها وهي تقول بحنو:
ـ حبيبة جلبي، و بت الغالي.
شعرت رنا بالراحة إلى جانب هذه المرأة الجميلة لتبتسم بخجل تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أهلًا بحضرتك..
ضمتها صافية إلى أحضانها بقوة ليجذب انتباهها صوت خالد الذي قال بجمود:
ـ و دي ميرهان أختي واللي جنبها هايدي بنت نبيلة.
كانت وجوههم جامدة و ابتسامتهم لا تحمل ترحيبًا مما جعل صافية تقول برسمية:
ـ أهلًا بالصباية..
تحدث رحيم الذي نظر إلى نجاة وهو يقول بنبرة ذات مغزى:
ـ و دي نچاة مرتي يا عمة. تعالي يا نچاة سلمي على عمتي صافية.
كانت تحاول تهدئة أنفاسها الثائرة، و خاصةٍ حين شعرت باهتزاز هاتفها الذي سرعان ما أضاء مُعلنًا عن رسالة نصية جعلتها حروفها تتصبب عرقًا:
" يا بنت الهلالي اوعاكِ تنسي أنتِ مين وبت مين! و اعرفي انك دلوك جاعدة في وسط اللي جتلوا چدك و عمك، و حاولوا يجتلوا أمك..
لحظات و كانت جميع الأعيُن عليها مما جعل جسدها يتجمد في مكانه وهي غير قادرة على الحركة أو إبداء أي ردة فعل لتشعر شروق بأن هناك شيء ما يحدُث معها مما جعلها تمسك بيدها وهي تهمس بخفوت:
ـ ضي. قومي سلمي.
في تلك اللحظة التي تفوهت بها شروق كانت غنى من الجهة الآخرى تهديها ضغطة بسيطة فوق ذراعها و كأنها دعم غير منطوق شعرت بأنها في حاجة إليه لتستطِع أخيرًا رسم ابتسامة بسيطة فوق شفتيها وهي تنصب عودها لتتقدم من صافية و تمد يدها للسلام عليها، ولكن الأخيرة شعرت بشيء ما في عيني نجاة شيء أخافها لا تعرف سببه ولكنها مدت يدها لتسلم عليها، فإذا بالأخيرة تتراجع ليوقفها حديث رحيم الذي هتف بنبرة رخيمة:
ـ تعالي يا نچاة اجعدي چاري اهنه.
شعرت بالغضب منه في هذه اللحظة ولكنها لم تُعلِق إنما توجهت لتجلس بجانبه بصمت ليتدخل يزيد قائلًا بمرح:
ـ ايه التصوير البطيء دا. استني يا عمتي أنا هعرفك عليهم دي شروق حرم. لا مش حرم حد. كانت و خلعته باين. أو خلعت منه. أيهما أقرب..
زجره عمر في كتفه وهو يكاد يتحدث لتباغته شروق التي قالت بنبرة هادئة:
ـ أهلًا بحضرتك أنا شروق و بصراحة معرفش إذا كنتِ تعرفي ممتي ولا لا. بس تيتا سعاد جدتي و دي جميلة أختي..
تدخل خالد موضحًا:
ـ شروق تبقى بنت نسمة اخت عز الدين جوز نبيلة.
صاحت صافية بتذكر:
ـ أيوا. أنتِ بنت نسمة! تعرفي انك حلوة جوي شبه أمك كنك فولة و اتجسمت نصين. ألا هي فين؟
تدخل يزيد هاتفًا بتفاذ صبر:
ـ ماتت الله يرحمها. خلينا في اللي عايشين. دي جميلة أخت شروق.
قال جملته و عينيه تلمعان لتتدخل سعاد قائلة بتحفظ و رسمية:
ـ حمد لله على سلامتك يا صافية. أن شاء الله لينا قاعدة كبيرة سوى. تكوني عرفتي كل اللي فاتك. اعذريني معاد دوايا عدا.
صافية برسمية لم تخلو من الابتسامة الباهتة:
ـ تصبحي على خير.
اومأت سعاد برأسها، وهي تأمر الخادمة بإعادتها إلى الملحق وداخلها غاضب بشدة من كل هذه الأحداث التي تعيق مخططها لتتدخل نبيلة قائلة بنبرة ناعمة ولكن عينيها لم تكُن صافية أطلاقًا:
ـ وحشتينا يا صافية. مش مصدقة اني شيفاكي خصوصًا..
نظرة مُحذرة من خالد أخرستها ليهتف يزيد بنفاذ صبر:
ـ استني يا حاجة ام عمر بس اما نعرفها على باقية العيلة.. دي بقى الست غنى هانم مرات الريس ياسر قومي فزي يا بت يا غنى اعبطي عمتك..
خرجت الضحكات من فم الجميع ماعدا ثلاثي الشر ليقول ياسر موبخًا:
ـ بت في عينك. اتلم ياد أنت.
تدخلت صافية قائلة بمرح:
ـ في أيه مالكوا كلكوا عالواد ولا اي! سيبوه يجول اللي يلد عليه.
صاح يزيد مُهللًا:
ـ ينصر دينك يا عمتي.. هو دا الكلام.
تعالت قهقهات الجميع على حديثه ليُشير ياسر إلى غنى لتهب من مكانها و تتقدم تجاه صافية بخطوات خجلة متحفظة، فإذا بالأخيرة تعانقها بقوة مما جعل غنى تبادلها العناق وهي تقول بابتسامة مرحبة:
ـ أهلًا بيكِ يا عمتو.
كان هناك صراعًا دائرًا في الخلف ما بين ثنائي الشر ميرهان و هايدي و بين قطبي العناد والعشق كمال و آسيا التي ما أن سمعت يزيد يهتف باسمها
ـ و دي بقى آسيا...
لتقاطعه وهي ترسم ابتسامة متحفظة على ملامحها وهي تقول بجمود:
ـ أنا آسيا أخت أشجان، و اتشرفت بمعرفتك.
برقت عيني كمال، فقد وضعته في أكثر المواقف حرجًا، فهي تملصت من انتسابها إليه كزوجة و الأدهى من ذلك حين نصبت عودها المغوي وهي تقول باختصار وابتسامة مُتكلفة:
ـ شوشو دقيقة لو سمحتي..
أنهت جملتها وتوجهت إلى الخارج، فلم يكُن ينقصها أن تُعرف أمام هذه الضيفة بأنها زوجته! فهي تنوي أن تنسى هذا اللقب في المرحلة القادمة إلى أن تتخلص منه.
تشدق يزيد ساخرًا حالما غادرت آسيا:
ـ دي آسيا القادرة خدي مني و متدوريش ورايا..
ابتسمت صافية وقد حانت منها نظرة إلى كمال الذي كان وجهه لوحة حية عن الغضب الذي تجلى في فكه المشدود بقوة وعروق رقبته البارزة لتعي بأن هناك الكثير مما لم يُقال.
في وسط جميع الأحاديث الصاخبة و الضحكات التي تذهب و تأتي كانت تجلس هي بوجوم سارحة في ذكريات لم تفلح يومًا في تخطيها، فقد نالت منها و بقوة وشوهت ماضيهم و حاضرهم، فلم تكن قادرة على منح ولو بسمة بسيطة مما جعل صافية تتحدث بنبرة جذابة تُشبِهُها:
ـ أني مبسوطة جوي اني جاعدة وسطيكوا. بس اعذروني ليا حبيبة عايزة اشبع منيها.
كانت عينيها على هيام التي لم تكُن تدرك شيئ سوى أنها تتألم لينظر إليها ياسر بحزن على حالها وعلى ما تمر به، فهو يشاركها الشعور و يعرف اي سطوة هي واقعة أسفل عجلاتها الآن ليتدخل خالد ينهي هذا الصمت الخانق:
ـ سيب هيام معانا النهاردة يا ياسر، و أنا اديت الحاج جابر خبر. هي و صافية محتاجين يقعدوا مع بعض و يتكلموا..
لم يجد ياسر بُدًا من الإذعان لحديث خالد الذي تلقى رسالة من قائد الحرس خاصته بأن الطرق آمنه في الخارج و قد اتخذ كافة الاحتياطات لحماية الجميع رغمًا عن أنف كمال الذي ما أن تواجد بمفرده مع شقيقه في المكتب حتى هتف ساخطًا:
ـ أنا مش عايز معايا حراسة يا خالد، و بلاش الجو دا انا مش عيل صغير.
خالد بنبرة صارمة:
ـ أنت مش بس هتاخد معاك حراسة. أنت هتسيب حراسة على المكان طول الوقت، و حراسة مُكثفة. على المزرعة كلها ايه مش خايف على ابنك!
صاح كمال بانفعال:
ـ خلصنا يا خالد. بلاش تضغط عليا. أنا أساساً من غير حاجة مش طايق. نفسي. رماح مش هيضربنا في الوش.
خالد بجفاء:
ـ كويس انك عارف، وعشان كدا لازم ناخد احتياطاتنا كويس.
كمال بضيق:
ـ طيب يا خالد. أنا همشي عشان تعبت و عايز أنام.
تحمحم خالد قبل أن يقول بنبرة أهدأ:
ـ حاول تتعامل مع البنات بطريقة أحسن من كدا شوية.
كمال باهتياج:
ـ مش هتعامل أصلًا. مبقوش أخواتي، ولولا الدم اللي بيننا كانوا هيبقوا أعدائي.
خالد بخشونة:
ـ مش وقته يا كمال..
كمال بنبرة قاسية تعج بالألم:
ـ في كل الأوقات هما خلاص انتهوا بالنسبالي. بلاش انت بالذات تضغط عليا في أي حاجة تخصهم.
اقترب خالد منه يربت بمواساة على كتفه قبل أن يقول بهدوء:
ـ مش هصغط عليك. لكن هقولك عشان خاطري بلاش نخلق لنفسنا مشاكل غير اللي احنا فيها. أنا محتاجك جنبي.
كمال بجمود:
ـ أنا موجود على طول وانت عارف دا. بس أنا مخنوق يا خالد. واقف على أرض رمل عماله تطوح فيا. مش عارف اتعدل بعد اللي حصل.
خالد بنبرة خشنة:
ـ و عشان كدا احنا محتاجين نتكلم. أنا مش عايز اقتحم مساحتك الشخصية ولا اتدخل في حياتك بطريقة أنت مش هتحبها.
كمال بنبرة متعبة:
ـ أنا مش عايز اتكلم في اي حاجة. بس عمومًا انت عارف اني مش هروح بعيد عنك. ياريت تسيبني لحد ما احس اني قادر أخرج كل اللي جوايا.
في الاعلى هبت أشجان من مكانها وهي تصيح بصدمة:
ـ ايه؟ كمال عنده ولد من واحدة تانية غيرك!
آسيا باختصار موجع:
ـ أيوا.
أشجان باستفهام ذاهل:
ـ طب ازاي؟ لحق عرفها امتى! ولا اتجوزها امتى! دي سنة اللي غابها!
حاولت قمع ألمها أسفل قناع الجمود الذي صاغت به نبرتها حين قالت:
ـ ميهمنيش كل دا. اللي يهمني أن زي كل مرة ماما حطتنا تحت رجليها وداست و مهمهاش مشاعري و لا قهرتي..
اقتربت أشجان من آسيا تحتضنها بقوة، فقد رأت تلك العبرات التي تُثقِل جفونها و قد كان الحنان هو كل ما تملكه لتعطيها أياه في هذه اللحظة لتتعلق آسيا بأحضان شقيقتها بقوة وهي تقول بنبرة جريحة:
ـ حتى بابا خذلني يا أشجان. أنا لا يمكن أسامحهم أبدًا. أنا مبقاش ليا في الدنيا غيرك. معنديش أهل غيرك أنتِ..
ضمتها أشجان بحنو تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ حاسة بيكِ عشان عشت الإحساس دا كتير و ياما قتلني. دا يمكن كمال هين، و مهما عمل مش هيكون زي أمين.
تراجعت آسيا عنها تنظر إلى داخل عينيها وهي تقول بأسى:
ـ تعرفي أني دلوقتي بس حسيت بكل معاناتك اللي عشتيها مع أمين، و فهمت لما اختارتي تروحي تقعدي في بيته وهو في السجن ولا انك تقعدي مع ماما. عشان هي كانت معاكي أسوأ منه. القسوة منه موجعتكيش زي القسوة منها. صح!
مدت أشجان يدها تمحو عبرات شقيقتها وهي تقول بنبرة حزينة:
ـ صح. بس عارفة. عمري ما قدرت أقول أنهم مش أهلي أو اتنكرت منهم. لأني مقدرش اغضب ربنا، لو عايزة نصيحتي. كملي في حياتك من غير ما تعلقي عليهم أي أمل. من غير ما تقربي منهم لدرجة أنك تتأذي ولا تبعدي عنهم لدرجة أن يبقى عليكِ إثم.
تفهمت مقصد شقيقتها لتوميء برأسها بصمت قطعه صوت طرق خافت على باب الغرفة لتنهض حين وجدت خالد الذي دلف إلى داخل الغرفة بخطوات هادئة تشبه نبرته حين قال:
ـ عاملة ايه يا آسيا؟
آسيا بجمود وهي تمحي عبراتها:
ـ الحمد لله تمام.
لم يكُن الوقت مناسب الحديث لذا اكتفى بالقول:
ـ لما تكوني عندك استعداد خلينا نتكلم شوية..
اومأت برأسها قبل أن تلتفت و تعانق أشجان وهي تقول باختصار:
ـ هكلمك.
كان الغضب بادٍ على محياها و قد لاحظ خالد ذلك مما جعله يلتزم الصمت ولكنه حين وجدها تتبع شقيقتها إلى الخارج استغل مرورها إلى جانبه لتمتد يديه و تقبض على رسغها يوقفها عن السير لتلتفت إليه باندهاش قطعه صوت باب الغرفة الذي أغلقته آسيا ليبدأ بالحديث قائلًا باختصار:
ـ استني عشان في كلام مهم لازم تسمعيه.
اغضبتها لهجته ولكنها تحلت بفضيلة الصبر كعادتها لتبدأ بأخذ وضع الاستماع حين ربعت ذراعيها حول بعضهم في انتظار أن يبدأ بالحديث و قد شرع فيه بالفعل حين تحدث بنبرة خشنة:
ـ زي ما شوفتي صافية هتقعد هنا في القصر، و طبعًا الكل هيكون متواجد باستمرار. صافية الوحيدة اللي كلامها هيكون مسموع هنا، و مسموحلها تعمل اللي هي عايزاه، أناعايزها تحس أنها في بيتها.
اغضبها حديثه لتستفهم قائلة:
ـ يعني ايه الوحيدة اللي كلامها هيكون مسموع! مفروض اخرس أنا مثلًا!
استدار يناظرها بصدمة تحولت إلى استنكار تجلى في نبرته حين قال:
ـ هو ايه الكلام دا و اللهجة دي؟
لم ترهبها ملامحه المشدودة ولا استنكاره لتُجيبه بنبرة قوية:
ـ بسألك يعني ايه الوحيدة اللي كلامها مسموع! هل دا معناه اني اخرس خالص و اقعد استناها تقولي اعمل ايه ومعملش ايه؟
كانت نادرة الغضب ولكن غضبها اليوم كان كبيرًا و أيضًا هناك لمعة من العبرات في مقلتيها مما جعله يتجاهل نبرتها و طريقتها و يتحدث بجمود قائلًا:
ـ مرات خالد الوتيدي محدش أبدًا يقولها تخرس. المقصود بكلامي أن وضع صافية غير وضع نبيلة، من غير حاجة أنتِ هتشوفي فرق كبير بينهم. بقولك كدا عشان تساعديها تحس أنها في بيتها.
أوشكت على الحديث ولكنه تابع قاطعًا عليها الطريق:
ـ معنى كلامها مسموع. أنها الوحيدة بعدك اللي مسموحلها تأمر و تنهي هنا و بقصد طبعًا الخدم.
أدركت مقصده ولكنها كانت غاضبة من ما حدث مع شقيقتها و منعه لها من النزول خلفها، فقد كانت تنوي الحديث معه و توبيخه على فعلته علها ترفع عن آسيا ذلك الشعور الموحش وهي متأكدة أنه أوقفها ليمنعها من الحديث معه لذا أفلتت الكلمات من شفتيها حين قالت:
ـ و مين قالت إن الخدم هنا مش تحت طوع نبيلة هانم!
ضيق عينيه وهو يناظرها بطريقة جعلتها تشعر بغباء ما تفوهت به، فهل ستقدر على سرد ما تعرفه خاصةً في مثل هذه الظروف ؟ الحقيقة أنها تفتقد إلى أهم شيئين لتفعل ذلك، الدليل و الجرأة و بدونهم لا تستطِع البوح عما يؤرق حياتها، ولكنه باغتها حين قال بهسيس خشن:
ـ حطي في دماغك حاجة مهمة أوي. مفيش حد غيري الكل تحت طوعه في البيت دا أو في العيلة دي سواء كانوا أهل أو حتى خدم..
لا تعلم لما شعرت بأن لحديثه معانٍ آخرى جعلتها تشعر بالدوار. هل يعلم ما تُخفيه؟ هل يعلم ما فعلته شقيقته؟ هل يعلم بكل هذه الكوارث التي حدثت خلف ستار هذه الجدران ؟ شعرت بالإرهاق وهي عاجزة عن الرد او الحديث لتحاول تغيير دفته حتى تُفلت من بين براثن عينيه المربكة:
ـ طب بما أن الكل تحت طوعك. ايه رأيك في اللي عمله كمال؟
ـ ميخصكيش!
إجابه قاطعه باردة و حادة في نفس الوقت مما جعلها تهتف باستنكار:
ـ ازاي ميخصنيش؟ دي أختي..
خالد بجفاء:
ـ أختك مش طفلة و تقدر تحل مشاكلها لوحدها، دوري على مشاكلك أنتِ و حليها.
كلمته طعنتها بقوة، فهل يتهمها بالعجز عن حل مشكلاتها؟ أم يقصد أن يصب الحديث في بوتقة فعلتها النكراء ! في جميع الأحوال فقد آلمها حديثه مما جعلها تقول بتحدي:
ـ أنا معنديش مشاكل عشان أحلها. بس لو أنت عندك قولي. هكون مبسوطة لو ساعدتك..
نجحت في أغضابه و الأكثر من ذلك استفزازه، فهل ذلك الجفاء بينهم والبعد المقيت لا يشكل لها أزمة أو مشكلة! هل حرمانه من قربها كل هذه الفترة ليست بالمشكلة! ضيق عينيه وهو يتقدم منها بخطوات سُلحفية بثت الذُعر إلى داخلها و خاصةً حين لمحت ذلك الوميض الخطِر في نظراته لتتراجع بدورها إلى الخلف حيث خانتها المسافات فلم يعد خلفها سوى حائط صلب جعلها في تماس مُباشر مع جسده القوي، عينيه الحادتين وهي تغوص في خاصتها، أنفاسه التي أحرقت بلهيبها وجنتيها و صوته الخشن الذي هسهس بنبرة خطرة:
ـ هتكوني مبسوطة لو ساعدتيني! وماله. ساعديني.
تفرقت نظراته ما بين عينيها و شفاهها وهو يقول بخشونة أذابت أوصالها:
ـ عندي قطة مجنناني، عايز أروضها. بتبقى مغمضة مع كل الناس وأول ما تيجي عندي أنا تخربش و ضوافرها تطلع. تعرفي تشوفيلي حل معاها؟!
كانت كفأرة صغيرة في مواجهة أسد ضخم يملك مقاليد كل شيء بين براثنه، ويعرف جيدًا كيف يصيغ الحديث في جميع الزوايا التي تناسبه، و يُجيد اللعب بالكلمات بمهارة بينما هي بريئة كليًا حيث لم نستطِع منه تلك الرجفة التي تمكنت من شفتيها و الآخرى التي أصابت جسدها، ولكنها حاولت الصمود ولو قليلًا حين قالت بنبرة تكاد تكون همسًا:
ـ ما. ما تحاول تفهمها يعني. يمكن عندها وجهة نظر
رائحتها كانت بمثابة فخٍ عذب حين غزت رأتيه سرقت أنفاسه، فخبأ الهواء الذي يحمل نسمات أريچها بداخل صدره عله يطفيء وهج الشوق المستعر بقلبه ليقترب أكثر من ساحة عنقها البض، وقد تبعثرت كلماته على أعتاب عطرها، وكأنه الضجيجَ الوحيد الذي أجبر عقله على الصمت بينما شفاهه غمغمت بخفوت:
ـ فهميني.
كانت بين شقي الرحى. سحره الطاغي و رغبته بالفهم. مع أيهما ستستطِع التعامل! و هل هذا وقت الحديث ام إذابة كل هذه العوائق التي تحول بينهم، و هناك طرفًا آخر لا يرحم وهو شوقها إليه. كانت أضعف من كل ذلك ليحاول عقلها التصرف حين قالت بتلعثُم:
ـ اف. افهمك. أنت لازم تتفهم انها قطة يعني و مش معصومة من الغلط يعني. كل القطط بتغلط. عادي.هنعلقلها المشنقة!
كلماتها الخرقاء كانت كدلو مياة باردة صُب فوق نيرانه الموقدة ليتراجع عنها ناظرًا في عينيها بغضب مُستعر يُشفق على ضعفها منه ليعض على شفتيه وهو يحاول قمعه قدر الإمكان ليهتف باستنكار:
ـ كل القطط بتغلط!
تداركت هفوتها لتحاول تصحيح مسار الحديث قائلة بلهفة:
ـ لا.أقصد. أنت...
عاد إلى الخلف بصدرٍ يعلو و يهبط من فرط تناحر أنفاسه مما جعل نبرته لاهثة حين قال:
ـ أنتِ نامي. كفاية عليكِ كدا النهاردة. القطط اللي المتربية بتشرب اللبن و تنام بدري.
أنهى جملته وتركها ليخرج من الغرفة صافعًا الباب خلفه بقوة..
اللهم إنا نسألك سعادة لا تزول، وإيماناً لا يرتد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنات الخلد ♥️
★★★★★★★★★★
مر يومان مثقلان بالتفكير و التعب، و لكن كان التجاهل هو سيد الموقف، و الخيار الطاغي لجميع الجبهات إلى أن قررت شروق البدأ في تحديد مسار حياتها القادمة التي تنوي أن تكون هي صاحبة القرار الوحيد بها.
ـ عايزة أشوفك..
كانت رسالة نصية وصلت في توقيت صحيح إلى رجلًا آلمه العشق و أضناه التفكير لينتفض قلبه وهو ينظر إلى رسالتها و يعيد الرد الذي جاء مختصرًا كما فعلت:
ـ اجهزي هعدي عليكِ وانا رايح الشركة.
بالفعل تجهزت شروق و توجهت إلى الخارج لتمر إلى المخبز و تحتضن سوزان من الخلف وهي تقول بابتسامة عذبة:
ـ صباح النور.
سوزان بابتسامة بشوشة:
ـ صباح الورد والفل والياسمين على عيونك.
وضعت شروق قبلة دافئة فوق وجنتها وهي تقول بهدوء:
ـ أنا مش هعرف أفطر معاكي. على الأغلب هفطر في الشركة عشان اتفقت مع راجي أقابله و نتكلم.
سوزان بحنو:
ـ عين العقل يا حبيبتي. حطي النقط على الحروف عشان ترتاحي و تعرفي هتبدأي منين.
شروق بهدوء:
ـ هعمل كدا.
سوزان بترقب:
ـ و أنتِ بتحطي النقط على الحروف متنسيش أن في علامة تعجب كبيرة هتقابلك. خلي بالك منها عشان دي مبتتفاهمش، و خصوصًا أنها عرفت قيمة اللي ضاع منها.
ابتسمت شروق على مزاحها ولكن مغزاه وصل إلى عقلها مما جعلها تقول:
ـ وانا رايحة اتكلم مع راجي مش حاطة عمر في حساباتي. بس في نفس الوقت مش نسياه، و حتى لو كان عرف قيمتي، فالموضوع مش متوقف عليه ولا هو بضغطة زرار هجري عليه و افرح واقول دا فاق. عشان حتى لو فاق هو لسه مش جدير بيا، وانا معنديش ثقة فيه..
سوزان بتعقل:
ـ أنا فاهمة دا كويس. و واثقة فيكِ و في انك هتعملي الصح، و حتى لو جيتي قولتي في يوم من الأيام مش عمر الراجل اللي أنا عايزه اكمل معاه. دي مش قضيتي. قضيتي انك تعرفي تفصلي بين كل الخيوط المتلعبكة دي، و تبعدي الخصمين عن بعض.
مدت يدها تحتوي كف شروق وهي تشدد عليه قائلة:
ـ بمعنى أصح صلة قرابتك براجي اوعي تعتبريها وسيلة تربي بيها عمر أو تاخدي حقك منه. أنا عارفة انك عاقلة بس الست لما يكون ليها تار مع راجل عقلها مبيريحش، و ممكن يزين الغلط و يجمله. و دا ميليقش بيكِ. هنفرمل واحد و نحدد إطار علاقتنا، و نتعامل مع التاني بره خالص عنه. فاهمه يا حبيبتي ؟
ابتسمت شروق بحرج فقد كانت سوزان ماهرة في قرائتها لذا قالت مُعترفة:
ـ بصي مش هنكر اني الموضوع دا مش مغري بالنسبالي عشان اشوف الندم في عنيه لكن بردو غلط وانا مش هعمله.
ابتسمت سوزان بحنو فقد اعجبتها صراحة شروق لتحتوي وجهها بين يديها وهي تقول بحُب:
ـ بنتي العاقلة الجميلة. ربنا يبعتلك خير الدنيا كله يا حبيبة قلبي..
اخذت شروق تتلفت حولها فلمحت أولئك الرجال الذي يحيطون بالمكان فقالت بعدم راحة:
ـ هو الحرس دول هيفضلوا هنا كتير؟
سوزي بتوضيح:
ـ بس متقوليش حرس، و أه هيفضلوا كتير. خالد مشدد أنهم ميتحركوش لحظة من حوالينا، و بعدين هما مضايقينك ليه؟ دول لابسيين لبس عادي يعني اي حد هيشوفهم هيفكر أنهم ناس بتشتغل حوالينا. محدش مركز معاهم أصلًا.
شروق باقتضاب:
ـ طيب..
في الخارج كان يزيد يقف بعيدًا من المكان يريد رؤية تلك الفتاة التي أصابته بالجنون من طريقتها تارة تبتسم له بعذوبة و مرات تتجاهله ولا تلتفت إليه. تجيب على رسائله واحدة و تعكف عن الرد لمرات. لا يعلم لما تعلق قلبه بها بهذه الطريقة و أيضًا اغتاظ كبريائه منها، فأراد لقائها وجهًا إلى وجه حتى يعلم لما كل هذا العبث، وفي أثناء انتظاره لخروجها شاهد سيارة راجي التي توقفت أمام المدخل الخارجي للمكان و ماهي إلا دقائق حتى خرجت شروق و استقلتها معه ثم انطلقا في طريقهما، فاحتار ماذا يفعل هل يخبر عمر أم لا؟ و الحقيقة أنه بالفعل جلب الهاتف ليخبره، فما أن أجاب عمر حتى صاح يزيد ساخرًا:
ـ دكتور البهايم بتاعنا بيعمل ايه على الصبح؟
عمر بسخرية:
ـ بولد الست والدتك يا ظريف!
يزيد بتقريع:
ـ طب تعرف النكتة اللي بتقولك الست والدتك في العش ولا طارت؟
عمر بملل:
ـ مالها؟
يزيد بتشفي:
ـ طارت. خدها الواد أبو عنين كحيلة اللي جايب شعره على جنب في الچيب شروقي و خلع.
تنبه عمر لحديثه ليهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ هي مين دي ياد أنت ؟ نهارك مش معدي أنت تقصد شروق!
يزيد بملل:
ـ بذكائك الحاد هيكون مين غيرها! يعني طولك مترين و لسانك عشرة و معندكش مخ! اومال لو مش هما خمس شعريات في راسك كنت عملت فينا أي؟
صاح عمر بانفعال:
ـ مش وقت ظرافة أهلك. انجز قولي عرفت منين وراحوا فين؟
يزيد باندفاع:
ـ عرفت منين ايه؟ دانا مرابط قدام بيتهم من فجر الله. طالع قبل بتوع اللبن ما يحلبوا حتى..
عمر باستفهام:
ـ و مرابط عندهم ليه؟
يزيد بتلعثُم:
ـ اقعد أسأل و اتمرقع كدا لحد ما الواد الملزق دا يشقط البت. يالا سلام..
عمر بلهفة:
ـ استنى رايح فين؟
يزيد باندفاع:
ـ رايح أشقط أختها..
ـ أيه؟!
يزيد مُصححًا:
ـ اقصد رايح اكلم أختها اعرف راحوا فين يعني؟ ماهو مأذون فاتح دلوقتي يكونوا رايحين يتجوزوا مثلًا.
كز عمر على أسنانه و بدأ غضبه يستعر بصورة كبيرة مما جعله يهدر بانفعال:
ـ بطل خربطة و اسمعني. حاول تعرفلي من جميلة راحوا فين؟ و أنا عشر دقايق بالكثير و هكون عندك.
يزيد ساخطًا:
ـ و تكون عندي ليه؟ أنا مال أمي أنا. ما تكون عندهم هما. روح دور عليهم بعيد عني. انا غلطان اني بفطمك..
عمر بحدة:
ـ اسمع الكلام يا يزيد الكلب بدل ما اللي هعمله في الزفت دا اعمله فيك أنت. تترزع عندك لحد ما جميلة تخرج و تعرف منها الهانم راحة فين مع الحيوان دا.
يزيد بتخابُث وهو يحاول أن يظهر بأنه مُكره على الأمر:
ـ ياعم وأنا كنت شغال ناضورجي عند اللي خلفوكوا. لا أنا دكتور محترم. ماليش في شغل الحبيبة دا..
عمر بسخط:
ـ محترم! طب غور امشي مش عايز من وشك حاجة..
كان يزيد يعطي ظهره للمكان، فلم يلمح جميلة التي خرجت بالفعل و قامت بالإشارة لسيارة أجرة و استقلتها أثناء استدارة يزيد الذي صاح بتحسر:
ـ امشي ايه ؟ دي هي اللي مشيت مشش في ركبك الطويلة دي! اقفل يا فقر ابو معرفتك..
أنهى مكالمته و أخذ يُشير إلى السائق ليقف والذي بدوره التفت إلى جميلة مُستفهمًا:
ـ تعرفيه دا يا آنسة؟
ناظرته جميلة بلا مُبالاة قبل أن تقول:
ـ امشي ياسطى دا باين عليه واحد معتوه..
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين" ♥️
★★★★★★★★★★
أخيرًا وصلت إلى مكتبها بعد أن قضت أكثر من ساعتين في البنك تحاول سحب اوراق القرض لتبتاع ولأول مرة سيارة تخصها، فقد قررت أن لا تعتمد على اي أحد و خاصةً أن هذه المزرعة تبعد أكثر من ساعة عن مكان عملها، وهي لن تسمح لنفسها باستخدام أي شيء يخصه أو استقلال سيارة واحدة معه، و على الرغم من أنها ستنفق جميع مدخراتها، و ستقترض ولكن يبقى هذا أفضل خيار، فالاستقلال سلعة ثمينة ستشتريها بكل ما تملك، فقد عزمت على فعل ذلك منذ تلك اللحظة التي عادت بها إلى بيته قبل يومان
عودة إلى ما قبل يومين
ـ البيت فيه أوض كتير تقدري تختاري اللي يعجبك و كلهم ماستر..
باغتته حين قالت بجمود:
ـ أوضتك فين ؟
رغمًا عنه تشنجت عضلة في فكه حين استعملت عن غرفته، و كباقي الرجال تحفزت غريزته لكنه حاول اخفاء تلك اللهفة التي باغتته و أشار الر غرفة في أقصى اليمين لتُشير هي الى آخرى في أقصى اليسار وهي تقول بلامُبالاة:
ـ يبقى هختار دي..
عودة إلى الوقت الحالي
كانت تلك الكلمات المقتضبة هي ما حدث بينهم طوال اليومين، فقد قررت تجاهله على الرغم من أن صراخ الطفل كان يزعجها طوال الليل، فقد كان يصرخ بقوة، و المربية تحاول تهدئته بشتى الطرق حتى تفشل، و بعدها تستمع إلى خطواته و بعد دقائق يهدأ الطفل تمامًا، وتبدأ جراحها هي بالاهتياج إلى أن تنام مش شدة التعب والأرهاق.
تحاول أن تعتاد حتى تستطِع تغيير هذا الواقع، ولكن كل شيء يمكن التعود عليه إلى أنين القلب المذبوح بخنجر الخيانة..
ـ اجمدي يا آسيا. اجمدي. كل حاجة هتعدي زي ما عدت قبل كدا. اجمدي..
هكذا أخذت تحادث نفسها وهي تمسد معدتها وكأنها تهدهدها كطفل صغير لتبدأ في عملها الذي دام لنصف ساعة ثم دخلت الى مكتبها الصغير الفتاة المساعدة لها والتي قالت بذوق:
ـ مدام آسيا. في واحدة ست جتلك هنا كذا مرة الفترة اللي فاتت دي و ملقتكيش النهاردة اتصلت وانا قولتلها انك جيتي، و حددتلها معاد و زمانها على وصول..
آسيا بلامُبالاه:
ـ تمام. أول ما تيجي دخليها...
و بالفعل ما هي إلا ربع ساعة حتى دلفت إلى المكتب إمرأة جميلة تبدو في العقد الرابع من العمر أطلت على آسيا بابتسامة جميلة تخفي حقيقة أقبح ما تكون لترفع آسيا رأسها وهي تقول بذوق:
ـ أهلًا بحضرتك اتفضلي.
تقدمت منها المرأة وهي تقول بابتسامة واسعة:
ـ أخيرًا اتقابلنا. أنا كنت فقدت الأمل اني اشوفك..
آسيا باعتذار:
ـ أنا بعتذر لحضرتك بس ظروفي مكنتش أحسن حاجة الفترة اللي فاتت. اتشرف باسمك..
تحدثت المرأة بنعومة:
ـ سحر. سحر زين الدالي...
آسيا بذوق:
ـ أهلًا يا مدام سحر. اتفضلي اقدر اساعدك ازاي ؟!
سحر بتخابُث اتقنت تغليفه جيدًا حتى يبدو مقنعًا:
ـ أنا عندي ملجأ للأيتام بنات بس، وكنت عايزة اعمل حفلة للولاد بمناسبة تخرج مجموعة من البنات من الجامعة، و كنت عيزاكي أنتِ اللي تنظميلي الحفلة دي...
آسيا بتفكير:
ـ هو طبعًا أنا تحت أمرك. بس يعني حضرتك عاملة حفلة كبيرة على كدا ولا ايه؟ أنا طبعًا مبتكلمش في الفلوس خالص بالعكس أنا بدل هي حفلة لأيتام هيكون التعامل بطريقة تانية خالص.. بس حابة افهم يعني بتفكري في ايه؟
سحر بنبرة زيفت بها الشجن:
ـ أنا مبقبلش أي جنية يتصرف على بناتي غير لما يكون يخصني. كمان أنا عايزة اعمل حفلة كبيرة جدًا في الملجأ عايزة افرح البنات أوي، و هخليهم يعزموا أصحابهم في الجامعة كمان.
آسيا باستفهام:
ـ طيب على كدا المكان كبير! أنا في كل الأحوال هاجي و هعاينه.
سحر مقترحة:
ـ طيب ايه رأيك تيجي نروح نعاين وتتفق على كل حاجة على الطبيعة؟
صمتت آسيا لثوان و لكنها في النهاية اومأت بالموافقة:
ـ خلاص أوك. يالا بينا..
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ♥️
★★★★★★★★★★
كانت تقف في الشرفة تنظر إلى تلك الحديقة الكبيرة التي هي خلفية للقصر الكبيرة و أمامية لمجموعة من الفلل التي تُحيط به، و كم كان المظهر من الاعلى جميل ولكنها كانت في وادٍ آخر، فما حدث تلك الليلة و ظهور والدها و رسالته، وهي تشعر بالخوف و التخبط، و خاصةً أن رحيم كان يلتزم الصمت تجاهها، فقط نظرات مُختلسه تزيد من تخبطها و قلقها. لا تعلم ما الذي عليها فعله؟ تنظر إليه وهو نائم وقلبها يخبرها بأنه الملاذ الآمن من بين عثرات الحياة و تخبطاتها، ولكن من جهة والدها الذي بكل مرة يحادثها تشعر باللوعة و القهر في نبرته، و والدتها التي لا تعرف أين هي؟ ولا ماذا حدث معها؟ ألقت بها في أعماق بركانٍ ثائر و تركتها لا تعرف في أي جهة تستطِع المكوث.
تدرك بأن والدها ليس شخصًا جيدًا ولكن هل بهذا السوء؟
و لماذا هي من بين الجميع تملك أبًا سيئًا مثله؟ وهل ذلك يجعلها تفرط في الشيء الوحيد الذي منحتها أياه والدتها و تسلمه أياه مثلما سلمته قلبها رغمًا عنها؟
عبرت دمعة يتيمه مني ين سياج رموشها وحين رفعت يدها لتمحيها كانت هناك انامل ضخمة فعلت بدلًا عنها لتفزع حين شاهدته أمامها فقد كانت غارقة في تخبطاتها و لم تلحظ قدومه
ـ العيون الحلوين دول كيف يبكوا عالصبح أكده!
كان حديثه عذبًا بطريقة تسلب أنفاسها، ولكن هناك غصات تمنعها من الانجراف نحو عذوبته لتتحمحم قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ لاه. بكي ايه؟ إني بس عيني انطرفت..
حاوطتها نظراته بطريقة اربكتها لتحاول الهرب قائلة:
ـ أني هروح أطل على أشجان....
اوقفتها يداه وهو يجذبها بغتة لتصبح قريبة منه حد تبادل الأنفاس و قد كان حضوره طاغيًا للحد الذي جعل جسدها يرتجف أسفل قبضته و خاصةً حين قال:
ـ بزيداكي هروب يا بت الناس. أني معرِفش لعبة القط و الفار دي، و مش لادد عليا چو شوج ولا تدوج ده!
فطنت إلى ما يقصده لتتبدد رجفة الخوف و تتحول الى انتفاضة غضب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أني لا بشوج ولا بدوج. و سيب يدي.
عاندها وهو يجذبها إليه أكثر هاتفًا بجهامة:
ـ مش هسيبها، و مش بمزاچك. لو فاكرة انك بتلوي دراعي، اعرفي انك غلطانه. أني ممكن اخد اللي أني عايزة منِكِ في التو و اللحظة. بس اني مرايدش تاچي غصب..
نفضت يدها عنه وهي تتذكر تلك الليلة المُريعة لتتكشف جراحها دفعةً واحدة وهي تصرخ بألم:
ـ أيوا. زي ما كت عايز تعمل الليلة إياها..
لعن حظه العاثر، فقد لفت حديثه انتباهها إلى هذا الأمر مُجددًا ليحاول تصليح الأمر قائلًا:
ـ اهدي و بطلي چنان. الليلة دي كانت غلطة. مكنتش في وعيي، وعمر اللي حوصول وجتها ما هيتكرر تاني..
نجاة بانفعال:
ـ مش مصدجاك. وجت ما تچيب آخرك هشوف وشك الحجيجي، و هتاخد أمانتك و ترميني ماني عدوتك وبت عدوك..
عند تفوهها بهذه الحروف قام بمد يده يجذب عنقها من الخلف و يبتر حديثها المسموم هذا بين ثنايا عشقه مرتشفًا أفكارها السوداء مع رحيقها العذب قاطعًا كل سُبل التفكير في هذا الأمر المؤسف لكليهما. لتمر لحظات خاطفة للأنفاس قبل أن يتراجع عنها دون أن يفلتها بل ظل جبينه ملتصقًا بخاصتها ليخاطبها بأنفاس مقطوعة:
ـ اوعاكِ تچولي انك عدوتي تاني، وأوعاكِ تنسبي نفسك ليه..
نجاة بنبرة مُتهدجة:
ـ مش دي الحجيجة!
رحيم بقوة وكفوفه تحتضن وجهها:
ـ لاه.. أنتِ مرتي و تخصيني أني. أنتِ نچاتي اللي ربنا بعتهالي ترحمني من العذاب اللي كت عايش فيه...
تخدرت جميع اوجاعها و حواسها من حديثه لتهمس بنبرة خافتة:
ـ رحيم..
ما أن أوشك أن يُجيبها حتى بدد ذلك الجو المشحون بالعواطف صوت رنين الهاتف الخاص بها لينتفض جسدها بين يديه و يهوى قلبها بين ضلوعها حين شاهدت رقم المتصل....
يتبع.....
حرفيًا فضلت اكتب لحد ما عيني وجعتني و فصلت 🥺
ادعو لفارس عنده امتحان دلوقتي♥️
و دا جروبي نوروني عليه ♥️ بحبكوا ♥️
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثالث وثمانون 83 - بقلم نورهان العشري
قبل البارت السبيل الجديد هيكون ان شاءالله الاربع و الجمعة عشان انا مسافره فرح بنت عمي و هروح الثلاثاء ان شاء الله و هنزلكوا البارت الاربع
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الثاني و العشرون ❤️🔥
الحب لا يثق بالقلوب، فهو يعرف أنها هشة، قد تحتضنه اليوم كطفلٍ مُرتجف، ثم تنكره غدًا كولد عاق.
في حين أن القلوب لا تثق بالحب، فهي شاهدت كيف أنه قد يأتي كمعجزة، ويغادر كـ كارثة. تترك الروح باكية تقف على أطلال الذكريات.
حتى اللقاء لا يثق في العيون التي تلمع له، يخاف أن تعتاده فيفقد بريقه و يتلاشى رونقه أمام ناظريها.
أيضًا العيون لا تثق باللقاء، تخشى أن يكون وهجه مجرد فصلًا أخيرًا في حكاية تتبدل تفاصيلها كل يوم، فيتركها غارقة في الدموع عمرًا بأكمله.
بينما القرب لا يثق بالمسافات، يعلم أنها قد تنصر عدوه و تتركه يئن شوقًا، أو تتوجه بانتصارٍ خانقٍ يغتال حريته تحت شعار التعلق.
والمسافات لا تثق بالقرب، فهي تعرف أن خطوة واحدة قد تقلبها من شوق مُحبب إلى قيد مرفوض.
هكذا هو الحب
تعثُر يعقبه تعلُق، قد يتحول إلى قيد ربما لا تتحمله بعض القلوب، أو يشتهيه البعض الآخر كطوق نجاة أخير، و كأن الروح كلما تألمت لا تنفك عن البحث عمن يلملم شتاتها، ولكن العقل دائمًا ما يكُن له رأيًا مُغايرًا للقلب، فهو يرى الحب طوق يُمسك القلب من حافته، يلتف حول المعصم معانقًا نبضه، يتحكم بكل ارتجافه تصدر عنه، فتارة يُثقِل خفقاته، و يُسكرها تارة أخرى، يرفع القلب إلى أسمى درجات التمني، ثم يهوي به إلى أعمق بؤرة في مخاوفه، وفي كل صعود وهبوط يتعلم القلب أن أجمل الأشياء هي التي تُربك نبضه، وتعلمه كيف يخاف، وكيف يشتاق، وكيف ينجو، ولكن بالنهاية فالحب دائمًا يجعل القلب مُعلقًا بين رغبة في البقاء، و خوف من أن يجعله البقاء عُرضهً للفتور، ولهذا فالعقل لا يثق بالحب.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁
كانت عينيه الخبيرتين تشاهد ارتباكها بصمت وترقب جعل الدماء تندفع إلى خديها وهي تتمنى لو أن هذا الهاتف يكف عن الرنين لبقية حياتها ٱلا أنه كان يُلِح و كأنه يعاندها لتبتلع ريقها وهي تنحني لتلتقطه من فوق الطاولة لتتفاجيء حين رأت رقم المنزل مما جعلها تتنفس الصعداء وهي تلوح بالهاتف أمام عينيه قائلة بتلعثم:
ـ يوه. دا البيت. أيوا. أيوا يا حاچة عاملة ايه؟ كيفك؟
كانت تتحدث بأنفاس مقطوعة و ارتباك مما جعلها تقع في فخ المُبالغة في تحية المرأة و طريقتها في معاملتها لتنتهي المكالمة وهو لازال يُحيطها بنظرات ثاقبة جعلت حلقها يجف لتتحمحم قبل أن تقول:
ـ دي مرت عمك. الحاجة سكينة. كانت بتطمن عليّ عايزة تعرِف هنروحوا ميتا.
رحيم بجمود:
ـ سمعت.
نجاة باندفاع:
ـ ولما سمعت واجف كيف لوح التلچ أكده ليه؟
رحيم باستفهام:
ـ نعم!
نجاة بلهفة لتصحيح كلماتها:
ـ اجصد يعني. ساكت ليه؟
كان يقف بقامته الشامخة يده اليسرى في جيب جلبابه واليمنى يقبع كفه الضخم على صدره جزء منه يختفي في خلف الشق الأمامي للجلباب الصعيدي، فقد كانت وقفته تلك بحد ذاتها قادرة على بث الذعر في قلبها لتأتي كلماته المُرتابة حين قال:
ـ أنتِ في حاچة مخبياها عليا يا ست البنتة ؟
استفهامًا كان كفيل بجعلها تفقد الوعي من شدة الإضطراب الذي وقعت تحت سطوته، ولكنها جاهدت على البقاء ثابته حين قالت بارتباك طفيف:
ـ و هخبي ايه يا سيد الرچالة؟
ابتسامة خافتة لاحت على ملامحه قبل أن تتسع ليقول بنبرة عميقة:
ـ تِعرفي ايه أحلى حاچة فيكِ؟
نجاة بخفوت:
ـ ايه؟
رحيم بنبرة رخيمة:
ـ انك مش بس زينة في الشكل و الملامح. لاه أنتِ كمان عقلك زين. تفكيرك مش عفش. عنيكِ صافية مفيهاش مكر الحريم ولا لوعهم، و دي الحاچة الوحيدة اللي خلتني آمنتلك.
كانت كلماته كهجمات سُدِدت ببراعة إلى ضميرها و قلبها لتبدأ أنياب كُلًا منهما في نهش داخلها بقوة، ولكنها لم تكن لتخون أبدًا هي فقط تتمنى لو تطأ أقدامها بر الأمان، فالجميع يتحدث و يطلق الاتهامات من كل حدبٍ و صوب، وعقلها لم يعد يتسع لكل هذه الحيرة..
ـ واني كمان محتاچة أأمنلك يا رحيم.
هكذا تحدثت بنبرة متعبة قابلها بآخرى عاشقة:
ـ اؤمري يا جلب رحيم.
ارتج قلبها بين ضلوعها من جملته وعينيه التي أذابتها لتحاول السيطرة على ثورة مشاعرها العاتية حتى تصل معه إلى نقطة التقاء واضحة ولكن جاءت نبرتها مهتزة حين قالت:
ـ عايزة أشوف أمي. محتاچة أشوفها. هي الوحيدة اللي هتجولي اللي يريحني. نفسي افهم أنا ليه أشيل الحمل ده كله! و ايه اللي على ضهري ده! و ابوي عفش زي ما بتجول ولا لاه؟ نفسي ارتاح يا رحيم. نفسي أأمن زي ما انت امنت.
وضعته في مأزق لا يعرف كيف الخروج به، فهو يريد ما لديها بأقصى سرعة، ولا يستطِع أن يعدها بالإنتظار، فواجبه نحو عائلته أقوى من أي شيء و لا يعرف ماذا فعل هذا الأخرق بوالدتها ولا يملك الوقت ليعرف لذا زفر بتعب قبل أن يقرر حمل الأمر على عاتقه:
ـ مجدرش اوعدك الاقيها لكن اوعدك اني احاول اوصلها. بس اوعاكِ ترهني اللي عندك بأني الاقيها. أني آخر اللي اعرفه عنها أن أبوكي حاول يموتها، واتجبض عليه عشان أكده معرِفش حاچة تاني..
تناثرت حبات الدمع من عينيها رغمًا عنها ولكنها حاولت التسلح بقوة استمدتها من عينيه لتقول بوجوم و بنبرة لا تلين:
ـ و أني كمان مجدرش اوعدك اني اديلك الحاچة الوحيدة اللي عندي من غير ما أعرِف ليه أني؟ بدل أمي أمنتني الأمانة دي يوبجى أكيد عشان يكون في يدي حاچة تحميني و أفاوض بيها..
رحيم بحدة يخالطها التحذير:
ـ بلاش الطريجة دي معاي، و خلي بالك اني ممكن اخد اللي عايزة بالغصب واني مراديش..
نجاة بانفعال:
ـ جولتلي الكلام ده جبل سابج...
قاطعها بعنفوان افزعها:
ـ زين انك عارفة. لازمن بردك تعرفي أني في المرة التالته مش هجول هعمل طوالي.
أنهى كلماته ولم يُعطيها الوقت للحديث بل استدار مُغادرًا ليتركها في حالة يُرثى لها من الضياع والحيرة والألم.
ربَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار♥️
★★★★★★★★★
ـ صباح الورد. ايه الجمال دا كله؟
هكذا تحدثت أشجان إلى رنا التي كانت تخرج من غرفتها و هي بكامل إشراقتها و سعادتها، فاليوم هو المتفق عليه لتخرج مع اصدقائها، مما جعلها تهتف بحبور:
ـ صباح النور. حضرتك اجمل..
اقتربت أشجان تحتضنها بحُب قبل أن تستفهم عن الحقيبة التي بيدها قائلة:
ـ ايه دا! أنتِ واخدة شنطتك تحت ليه؟
رنا بخفوت:
ـ أصل أنا هخرج كمان شوية..
تبدلت ملامح أشجان وهي تقيم ملابسها التي كانت ضيقة بشكل كبير، فقد كانت تظنها ستجلس في البيت لتتفاجيء بأنها ستخرج مما جعلها تقول بحرص:
ـ طيب يا روحي لما أنتِ هتخرجي ليه ملبستيش؟
ـ مانا لابسة أهو..
ارتفع حاجب أشجان بصدمة لتحاول التحدث معها بهدوء و حنو قائلة:
ـ بس دا مش لبس خروج يا رنا يا حبيبتي..
رنا بوجوم:
ـ ليه؟ أومال دا لبس ايه؟
أشجان بنبرة معاتبة:
ـ طبعًا هو اللبس جميل عليكِ. بس يعني السالوبيت الجينس دا ضيق اوي، واحنا كبرنا و بقينا عرايس قمرات. مينفعش نلبسه كدا من غير جاكيت فوقه على الأقل..
لم يعجبها الحديث، فقد كانت مولعة بشكلها ولأول مرة تشعر بالرضا خاصةً وهي تتذكر رد فعل سهيلة التي الحت عليها لترسل لها صورها و ترى ما ترتديه كنوع من أنواع المشاركة وهي كمان فعلت بالمثل معها:
ـ طلقة يا بت يا رنا ايه الجمدان دا! السالوبيت هياكل منك حتة. أنتِ كدا هتغطي علينا كلنا..
عادت إلى الواقع لتهتف مدافعة:
ـ على فكرة هو مش أوفر ولا حاجة بلس أن كل البنات في المدرسة بيلبسوا كدا و أكتر .
حاولت أشجان التعامل مع الأمر بروية حين قالت:
ـ طيب يعني لو كل الناس بتكذب احنا نكذب زيهم؟ لو كل الناس مبتصليش احنا نعمل زيهم!
ـ أكيد طبعًا لا.
أشجان بنبرة ودودة:
ـ الصح صح يا قلبي حتى لو مش كل الناس عملته، وأنتِ بنت جميلة و اي حاجة بتلبسيها بتخليها زي القمر. و الجمال دا كله لازم نداريه عن العيون، وكمان ربنا أمرنا بالستر و شرعلنا ضوابط للبس و أنتِ جميلة و كبيرة وعاقلة و عارفة دا.
كان صوت العقل يؤكد على حديث أشجان و يخبرها باتباعه ولكنها النفس التي دائمًا أمارة بالسوء تحاول جرنا تلك البؤرة التي تلمع بوميض كاذب من شعور بالرضا لن يدوم بل على العكس ينتهي بريقه بمجرد أن يقع الإنسان في الخطأ، ويبدأ في رحلة الندم المريرة..
شاهدت أشجان حيرتها لتتابع بحنو:
ـ أنتِ جميلة أوي يا رنا و بريئة و البنات اللي زيك نادر وجودهم دلوقتي..حاولي تحافظي على برائتك دي..
كانت كلماتها مؤثرة، ولكن هناك قوى مضادة داخلها مما جعلها تفكر في اللجوء إلى طرف ثالث لفض النزاع الدائر بداخلها لتهتف باختصار:
ـ تمام. أنا هنزل عشان خالتو مستنياني نفطر سوى..
لم تريد أن تطيل في الأمر أكثر وقد اغضبها ما يحدث بينهم فهي لم تقصر معها بشيء ولا تعلم لما تحاول الفتاة الابتعاد عنها مما جعلها تشعر بالحزن وهي تنظر إليها تهبط إلى الأسفل.
يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ♥️
★★★★★
ـ صباح الروقان. شيفاكي منورة و قاعدة في الجنينة. يبقى مزاجك رايق..
هكذا تحدثت زينة إلى نبيلة التي كانت تحتسي فنجان قهوتها الصباحية في الحديقة لتلتفت إلى زينة قائلة بجفاء:
ـ جالك تليفون امبارح و خرجتي جري روحتي فين ؟
زينة باختصار:
ـ ميخصكيش.
نبيلة بتقريع:
ـ لو احنا في مركب واحدة يبقى يخصني. خلي بالك اني وجودك جنب خالد مهم و دا سبب وجودك هنا، ودا أنا مبشوفهوش كتير. يبقى مفروض أسأل.
زينة بملل:
ـ ناوية تعملي ايه مع أشجان ؟ مشوفتش يعني زعل بينهم ولا خصام زي ما قولتي!
نبيلة بغل:
ـ عشان سهواكة. بس أنا هدخلها من حتة تانية.
ـ اللي هي؟
ـ رنا.. خالد لازم يشوف بعنيه انها متنفعش أم لرنا.
احتدمت نبرة زينة و اعتلى ملاحها التحذير حين قالت:
ـ رنا بره العك دا كله. مش هسمح للهوى حتى اني يقرب منها. شوفيلك خطة تانية..
نبيلة بسخط:
ـ أنتِ عبيطة! هو أنا هأذي رنا! أحنا بس هفسد العلاقة بينهم لصالحك، و هنوري خالد أنها مش ام مثالية لطفلة زي رنا..
زفرت زينة بقوة قبل أن تقول بنبرة آمرة:
ـ يبقى سيبي الموضوع دا عليا.
نبيلة بملل:
ـ حتى لو الموضوع دا هيكون عليكِ أنا لازم يكون لي دور فيه. رنا جاية أقفلي على القصة دي..
التفتت زينة تنظر إلى رنا بإعجاب جعلها تطلق صافرة في الهواء ثم قالت بإطراء:
ـ اوووه. عندنا برنسيس صغيرة على الفطار النهاردة..
انفرجت أسارير رنا من حديث خالتها لتتسع ابتسامتها وهي تقترب قائلة بخفوت:
ـ صباح الخير يا خالتو. صباح الخير يا عمتو..
زينة بحُب:
ـ صباح الورد يا قلبي. ايه الجمدان دا على الصبح يا بنت؟ جايبة الحلاوة دي كلها منين؟!
رنا بلهفة:
ـ بجد يا خالتو شكلي حلو..
تدخلت نبيلة قائلة بنعومة:
ـ شكلك حلو دي كلمة قليلة. شكلك زي القمر، و الچامب سوت هياكل منك حتة. كبرتي امتى كدا يا بنت!
تنفست الصعداء، فقد حُسُم الجدل الدائر بداخلها لتهتف بحبور:
ـ ميرسي لحضرتك ياعمتو. أنا كنت خايفه يعني أنه يكون أوفر..
زينة باستنكار:
ـ أوفر! دا مين الأوفر اللي قالك كدا؟!
ترددت رنا في الحديث لتفهم نبيلة على الفور مما جعلها تقول بتخابث:
ـ متحرجيش رنا يا زينة. واضح مي قالها وهي مش مش هتتكلم لأنها بنت متربية، و بتخاف على مشاعر باباها و زعله. تعالي جنبي هنا يا رنوش يا حبيبتي..
توجهت رنا لتجلس بجانب نبيلة التي أمسكت بيدها بكفها البارد الخالي من اي معالم للحنان عكس نبرتها الناعمة حين قالت:
ـ اسمعيني يا قلبي. أنا عارفة انك بتحبي بابي جدًا و متقدريش تزعليه، وبابي كمان بيحبك و مابيحبش حد قدك. يعني مش مجبرة ترضي حد عشان بابي يحبك. الناس هي اللي ترضيكي عشان باباكي يحبهم..
رنا بخفوت:
ـ تقصدي ايه يا عمتو؟
ـ اقصد انك مش مضطرة ترضي مرات بابا عشان بابا ميزعلش منك. هي اللي تعمل دا لأن أنتِ الأساس عند بابا.
هكذا تحدثت نبيلة بنبرة مسمومة لتقول رنا بارتباك:
ـ بس هي مبتضايقنيش. يعني اقصد بتقولي أنه مينفعش و حرام و كدا..
نبيلة بتخابث:
ـ يا حبيبتي انا مقصدش أنها وحشة أو بتكرهك! أنا بتكلم في نقطة تانية خالص. أنتِ عارفة أنها جاية من مكان شعبي مش شبهنا ولا شبه حياتنا، فطبيعي أن ذوقها يكون بلدي شوية و متفهمش في الموضة. و مع ذلك شوفي أختها اللي متجوزة عمو كمال ماهي بتلبس قصير و ضيق وكل حاجه. هي بس عايزة تعمل عليكِ كبيرة أو كان الموضوع كدا كانت قالت لأختها صح!
رنا بلهفة:
ـ أيوا صح.
تدخلت زينة قائلة بحنق:
ـ وبعدين هي ملهاش سلطة عليكِ أصلًا عشان تتدخل في لبسك..
نبيلة بمكر:
ـ أنا فاهمة بنت اخويا. رنا خايفة أنها تعمل مشكلة بينها وبين باباها..
زينة باستنكار:
ـ متقدرش طبعًا. رنا بصيلي اوعي تخافي أنا في ضهرك، وهتكلم مع خالد في الموضوع دا.
رنا بلهفة:
ـ بجد يا خالتو؟
زينة بابتسامة واثقة :
ـ بجد يا حبيبتي..
نبيلة بتخابث:
ـ وانا كمان ناوية اكلمه. عشان لو حاولت هي تتكلم اكون انا وخالتو فهمناه و منسمحش ليها تزعلكوا من بعض .
ابتهجت ملامح الفتاة البريئة التي لا تعلم أنها عالقة في جحر الأفاعي التي لا يأمن منهمَ إنسان. لتقول بتوسل:
ـ طيب ممكن تقوليله دلوقتي ؟ أصل انا مفروض هخرج مع أصحتبي بعد الفطار و خايفة يحصل حاجة تلخبط الدنيا.
زينة وهي تنظر إلى ساعتها:
ـ متقلقيش ياروحي. أنا هقوم اتكلم معاه حالًا، ولو كدا هاخدك معايا اوصلك لأصحابك دول و اتعرف عليهم بالمرة..
بالفعل توجهت زينة إلى مكتب خالد الذي كان يجري اتصالات هاتفية تخص عمله لتهتف زينة بدلال:
ـ يارب يكون سيادة رئيس مجلس إدارة الوتيدي جروب عنده وقت صغير عشان عايزة اتكلم معاه.
خالد باختصار:
ـ أمنية مستحيلة.
إجابة صادمة ولكنها لم عادته لذا تجاهلتها و تقدمت إلى الداخل لتقول باستفهام تعرف أنه سيجذب انتباهه:
ـ حتى لو الموضوع بخصوص رنا!
بالفعل نجحت في جذب كامل اهتمامه ليضع الهاتف بعد أن كان على وشك إجراء مكالمة هاتفية ليقول بنبرة خشنة:
ـ مالها رنا؟
اختارت مقعدها أمام مكتبه لتبدأ بالتطرق إلى حديثها بطريقة منمقة حين قالت:
ـ رنا كانت محتاجة اتكلم معاك بس انت عارف قد أيه هي خجولة و منطوية، و دا بداية الكلام. أنا مش عاجبني دا، و حابة أنها تغير طريقة حياتها و تندمج معانا اكتر من كدا.
كان يتابع حديثها بصمت ليُشير إليها بيده حتى تستمر في الحديث مما جعلها تهتف بسخط:
ـ أنا مش عايزة اقولك موضوع تعبير يا خالد. أنا محتاجة اتناقش معاك بشكل موضوعي عشان نقدر نوصل لحل يفيد رنا..
وضع القلم الذي بيده و تحدث بنبرة خشنة:
ـ أنتِ مجبتيش حاجة جديدة عشان كدا بقولك كملي سمعيني مقترحاتك، و بالنسبة لموضوع أن رنا خجولة دا شيء كويس أنا مش حابب اغيره. أما موضوع أنها منطوية، فدا طبعًا شيء مكنش عاجبني و أشجان معاها خطوة بخطوة وبتحاول أنها تساعدها تتغلب على دا و تندمج معانا شوية بشوية. ها عندك ايه تاني؟
اغتاظت من طريقته في الحديث، و شعرت بأنه طريقتها في التطرق إلى الامر مُباشرةً قد تأتي بنتائج عكسية لذا تحايلت على الأمر قائلة:
ـ تمام. خليني بردو ألفت انتباهك أن لبسها اكبر من سنها جدًا، وألوانه مفيهاش حياة. دي بنوته لسه طالعة للدنيا مفروض تكون زي الوردة المفتحة.
خالد مُصححًا:
ـ قصدك وردة لسه بتفتح على مهلها.
ـ تمام. ممكن نساعدها على دا. ارجوك تفهمني رنا دي حتة من قلبي و الذكرى الوحيدة اللي بقيالي من سهام الله يرحمها
هكذا تحدثت زينة بنبرة مستعطفة يخالجها شجن مما جعل خالد يقول باختصار:
ـ تمام. هنتكلم في الموضوع دا تاني..
شعرت بأنه على مشارف الاقتناع لذا هتفت بلهفة:
ـ طيب هي بره و نفسها تخرج مع أصحابها يتفسحوا و يعملوا شوبينج، وقبل ما تقول اي حاجة أنا ناوية اروح معاها عشان الظروف الملخبطة دي، و كمان اشوف أصحابها واتعرف عليهم.
نظر إلى ساعته قبل أن يقول بجمود:
ـ معاد الفطار جه نفطر و نشوف الموضوع دا..
كان أكثر ما تمقته به تلك الردود المُختصرة، و هذا الجمود الذي يحيط به، ولكم تساءلت في الماضي كيف لشقيقتها احتمال ذلك؟
في الخارج توجه الجميع إلى قاعة الطعام ليترأس الطاولة بعد أن ألقى تحية الصباح على الجميع بصفة عامة وعلى صغيرته بصفة خاصة حين قال بنبرة مُحبة:
ـ أميرة بابا عاملة ايه النهارده ؟
رنا بحبور:
ـ أنا تمام يا بابي و حضرتك؟
خالد مُغازلًا:
ـ طبيعي لما أشوف الحلو دا على الصبح هكون كويس..
ابتهجت الفتاة حتى انقطعت أنفاسها من دلال أبيها لها لتتدخل نبيلة قائلة بنعومة:
ـ شوفتي يا ست رنا بابي حبيبك مش شايف غيرك حلو ازاي؟ أنتِ رقم واحد عنده زي ما قولتلك...
أحيانًا تكُن الكلمات مجرد قشور لمن يكتفي بالوقوف عند حيز الصدى. أما الباحثون فيدركون أن وراء كل منطوق بحراً من المقاصد. ثمة عقول تمرر الحروف مرور الكرام، وعقول آخرى تتبع آثر الرحلة ومن أين نبعت هذه الكلمات؟ وكيف تشكلت؟ وما هي النوايا التي دفعتها؟ هؤلاء هم من لا تخدعهم الرؤية السطحية، بل يضعون الكلمات تحت مجهر الوعي ليقينهم أن خلف كل حرف يُطلق عالماً مستتراً يجب البحث بين خباياه
ضيق خالد عينيه قبل أن يقول باستفهام:
ـ أشجان فين؟
تولت نبيلة الإجابة قائلة بلهفة:
ـ معرفش يمكن اتأخرت في النوم!
تدخلت ميرهان التي دلفت لتوها من الخارج:
ـ صباح الخير..
رد الجميع تحية الصباح ليبدأ الخدم في وضع طعام الإفطار ولكنها لم تظهر بعد وقد ضايقه هذا الأمر، أو لنقل فهناك من يشتاق لإطلالة صباحية تضفي البهجة على قلبه ليجذب انتباهه حديث رنا التي حفزتها كُلًا من زينة و نبيلة على الحديث:
ـ بابي. أنا كنت استأذنت حضرتك عشان اخرج مع أصحابي تعمل شوبينج النهاردة. حضرتك فاكر ولا ناسي؟
خالد بهدوء:
ـ فاكر يا حبيبتي. قولتي لممتك؟
رنا بخفوت:
ـ أه.
لم تكد تكمل كلمتها حتى تدخلت نبيلة قائلة بلهفة:
ـ بصي بقى يا روني عايزة لبس بناويتي كدا جميل الوان حلوة و حاجات ستايلش بلاش الألوان الكئيبة و الحاجات الفلاحي دي. عايزة وردتنا تلمع و تنور كدا.
ساندتها زينة التي قالت:
ـ وأنا اتفقت مع خالد و ناوية أروح معاها و اختارلها لبسها. بصراحة لبس رنا مش شيك ولا ستايل خالص..
كانت تقف أمام باب الغرفة تستمع إلى حديثهم، فقد رأت زينة و هي تدلف إلى مكتبه و من هنا فطنت إلى طبيعة الحديث الذي دار بينهم، وقد شعرت بالألم و الحزن فالمقصود من هذا الحديث هو الاستخفاف بذوقها و لكنها لم تكُن تملِك رفاهية الهرب أو حتى حتى البكاء تنفيسًا عن غضبها أو حزنها لذا سحبت نفسًا قوياً داخلها و توجهت إلى الداخل وهي تقول:
ـ السلام عليكم.
رد الجميع السلام باقتضاب وسط نظرات جميعها ملوثة فقط هناك زوج من العينين كان يناظرها و كأنها الشمس التي أشرقت على عالمه لتوها بالرغم من الغضب والحزن بداخله ولكن إطلالتها تجعل روحه تشعر بأنها مـستقرة في جسده لذا تحدث بنبرة خشنة طابعها الاهتمام:
ـ صباح الخير.
أشجان باختصار:
ـ صباح النور..
نظرة واحدة إلى عينيها و كأنه قرأ كل ما بها لذا لم يُطيل في الحديث أمام كل هذه الاعيُن المتطفلة ليبدأ الجميع في تناول الطعام في صمت، لتتحمحم رنا قائلة بخفوت:
ـ بابي.
رفع رأسه يطالعها بابتسامة هادئة قبل أن يقول بنبرة خشنة:
'ـ تمام يا رنا. اطلعي غيري هدومك لو كنت ناوية تخرجي، وبالنسبة لموضوع اللبس هاتي كل اللي نفسك فيه بالذوق اللي يعجبك بس طبعًا مع مراعاة لضوابط اللبس المسموح بيه. تقدري تقعدي مع مامتك قبل ما تخرجي عشان تعرفك حدودك رايحة لحد فين...
توسعت جميع الأعيُن لتلتفت تناظره غير مـصدقة لكلماته، فجاء همس رنا المُرتجف:
ـ بابا.
تابع خالد حديثه بنبرة جدية لا تقبل جدال:
ـ طبعا مش محتاج اقولك أن أي حاجة مش هتكون مناسبة مش هتتلبس.
غضبت زينة لتهتف باعتراض:
ـ خالد لو سمحت...
قاطعها خالد وهو يمسح شفتيه بالمحرمة ليقول بنبرة جافة بعض الشيء:
ـ و بالمناسبة أنا شاكر الكل لاهتمامه ببنتي. بس نخلي بالنا واحنا بنتعامل أن رنا ليها أم موجودة بيننا. وهي الوحيدة المسئولة عنها قدامي، و بردو هي الوحيدة اللي ليها تقرر اي حاجة تخصها بعدي.
هتفت زينة باعتراض:
ـ بس أنا خالتها...
نصب عوده وهو يقول بجفاء يشوبه الحدة:
ـ الكلام في الموضوع دا منتهي بالنسبالي، و مفيش مجال للنقاش فيه. سمعاني يا رنا ؟
كادت أن تبكي في هذه اللحظة لذا خرجت الكلمات من فمها مرتجفة حين قالت:
ـ سامعة
التفت إلى أشجان وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ اتفضلي مع بنتك ولو لاقيت حاجة معجبتنيش هحاسبك أنتِ وهي.
ظاهريًا كان الأمر يبدو قاسيًا، ولكنه في هذه اللحظة أعلنها للمرة التي لا تعرف عددها أنها فوق الجميع، وان مكانتها لا يمكن أن يطالها أحد، فهو يضع بين يديها أثمن ما يملك في هذه الحياة. شعرت في هذه اللحظة أنها تريد أن تعانقه بشدة وقد تبدلت ملامحها إلى الفرح الذي جعل عينيها تبتسم، ولكن تغير كل شيء حالما رأت رنا التي هرولت إلى الداخل لتشعر بالحزن لأجلها وما كادت أن تتحرك لرؤيتها حتى هتفت زينة بحدة:
ـ اسلوب خالد سيء جدًا كسر خاطرها و زعلها من غير حتى ما يبص وراه. أنا هقوم أشوفها.
ـ استني يا زينة..
هكذا تحدثت أشجان بقوة أذهلت الجميع ولكنها لم تهتم بل توقفت وهي تنظر إلى زينة في عينيها قبل أن تقول بنبرة حازمة:
ـ خالد أدرى الناس ببنته و مفيش حد هيحب رنا قده، و رنا عارفة دا كويس، ولو في حد هيروح وراها فأنا اللي هعمل دا. تقدري تروحي تكملي فطارك..
أنهت جملتها و توجهت إلى الخارج تقصد غرفة رنا ولكن الخادمة أخبرتها أنها في مكتب خالد لتبتسم بهدوء، فهو حتمًا سيراضيها الآن..
ـ تعالي هنا يا آنسة..
هكذا تحدث خالد بنبرة خشنة جعلت رنا تشعر بالخوف الذي بالفعل كان بداخلها ما أن أخبرتها الخادمة أن والدها يريدها في الداخل لتقترب منه بخطوات سُلحفية ليمد يده و يقوم برفعها و إجلاسها فوق مكتبه وهو ينظر إليها بحنان:
ـ شايف أن في قمر زعلان مني، وانا للأسف مقدرش على زعله.
رفرفت برموشها فتساقطت عبراتها وهي تقول بخفوت:
ـ لا مش زعلانه.
مد يده يمحو عبراتها وهو يقول بحنان أبوي:
ـ أومال الدموع الغالية دي نازله كدا من غير سبب! احتوى يديها بين كفوفه وهو يتابع بحنو:
ـ أنتِ عارفة انك اغلى حد عندي في الدنيا؟
هزت رأسها بالإيجاب ليُتابع بنفس نبرته:
ـ طيب خدي بقى اللي متعرفيهوش. أنتِ بنتي حبيبتي، نور عيني. اللي لو اتحط العالم في كفة وهي في كفة كفنها ترجح من غير تفكير حتى. أنا ممكن أهد الدنيا لو لقيتك زعلانه أو متضايقة. دموعك دي بتقتلني. بحس اني ماليش اي لازمة في الحياة لما اشوفك حزينة و بتعيطي كدا.
هالها هذا الدلال و الكلام الرائع من أبيها لتهتف بشفاة مرتجفة من الفرحة:
ـ وانا كمان بحبك يا بابي أرجوك اوعى تقول كدا تاني.
ابتسم بحنو قبل أن يقول بخشونة:
ـ اقولك على سر.
اومأت برأسها بلهفة ليتابع قائلًا:
ـ تعرفي أني بغير عليكِ جدًا. يعني أحيانًا أقول لنفسي كدا. هو ممكن حد ييجي ياخد بنتي مني؟
غزى الخجل ملامحها لتُتمتم بخفوت:
ـ بابي. بتقول ايه؟!
خالد بنبرة حانية:
ـ انتِ جوهرة ربنا انعم عليا بيها، ولو كنت بضيق عليكِ في حاجات بس لازم تعرفي أني دا عشان خايف عليكِ مش قهر مني ولا تجبر. عايزك تكوني عارفة الغلط والصح. عارفة ايه اللي يليق ببنت جميلة زيك سواء في لبسها أو تصرفاتها أو نمط حياتها. بفهمك دلوقتي و يمكن اكون بمنع عنك حاجات بس صدقيني لمصلحتك.
فطنت إلى ما يقصده لتهمس بخفوت:
ـ يا بابي أنا عارفة حضرتك تقصد ايه؟ أنا بس عايزة يكون شكلي حلو. زي صحباتي.
خالد بصدق:
ـ هو في حد في صحباتك في جمالك أصلًا! أنتِ مش بس جميلة لا. أنتِ جميلة وبريئة و نقية، و كمان أنا مستني خطوة الحجاب دي منك. كبرنا و بقينا عرايس قمرات، و بابي بيغير علينا يا حلو.
كانت كلماته تقودها إلى برًا آمن بعيد عن تخبطات الآراء الآخرى، فهو والدها أكثر من يحبها في هذا العالم، وقد هدأ قلبها لحديثه، ولكنها قالت بخفوت:
ـ أوعدك اني هفكر فيه.
خالد بنبرة هادئة ولكن حازمة:
ـ احنا مسلمين يا رنا، وانا عارف انك بتصلي، والحجاب فرض، وانا مستني منك القرار دا قريب، و عارف ان بنوتي أجمل و أعقل بنوته في الدنيا. أنا واثق فيكِ فوق ما تتخيلي. مش عايزك تخيبي أملي فيكِ أبدًا.
ـ أوعدك مش هعمل كدا أبدًا يا بابي.
اتسعت ابتسامتها و أقبلت تعانقه بقوة ليبادلها العناق بأقوى منه وهو يتمنى بداخله لو تظل على نقائها و الا يلوث أفكارها ذلك المجتمع الذي يعج بالفاسدين.
تراجع عنها ليلحظ بعض الاستفهامات في عينيها مما جعله يقول بمرح:
ـ هاتي اللي عندك قولي يالا عايزة تسألي عن أيه ؟
رنا بحرج:
ـ بابي طيب ليه هايدي و ميرهان مش محجبين! حتى عمتو نبيلة كمان!
وهل يجرؤ على القول أمام صغيرته بأن هؤلاء هم خيبته الكبيرة!
ـ هايدي ونبيلة طبعًا وضعهم مزعلني بس المسئول عنهم عمو عز فالموضوع بره عني. انما ميرهان اللي اتأخرت في موضوع الحجاب دا أوي وليها شوية ظروف كدا لما تكبري شوية هنتكلم فيها، و هصارحك واقولك أن الموضوع مضايقني أوي. بس بردو هي لبسها في حدود.
رنا بلهفة:
ـ أنا مش هعمل غير اللي يفرحك يابابي عشان أنا بحبك أوي...
دوى طرق خافت على باب الغرفة قبل أن تطل أشجان عليهم وهي تقول مازحا:
ـ ينفع أرخم عليكوا؟
ابتسم خالد و كذلك رنا ليقول الأول:
ـ عشان أنتِ ماما بس منقدرش نتكلم كدا ولا ايه يا حبيبتي ؟
رنا بابتسامة صافية:
ـ كدا يا بابي..
اقتربت أشجان تبتسم بعذوبة قبل أن تشاكسه قائلة:
ـ معلش يعني. حضرتك واخد بنتي مني، مش عارفة اقعد اتكلم معاها. دا مش فير على فكرة..
ابتسمت رنا لحديثها ولكن سماء عينيها كانت بها بعض الغيوم ليلحظ خالد ذلك ولكنه تجاهل و تحدث بنبرة خشنة:
ـ و أدي ماما كمان بتغير عليكِ مني. احنا كدا في مشكلة..
في هذه الأثناء رن هاتف رنا لتجدها سهيلة صديقتها فرفعت رأسها إلى خالد الذي قال بهدوء:
ـ يالا روحي ردي على صاحبتك، و متنسيش كلامنا، و ماما هتيجي وراكي على طول.
اومأت رنا و توجهت إلى الخارج لتغلق الباب خلفها و من ثم التفت الثنائي إلى بعضهم البعض في محادثة صامتة تعج بالعتاب و الأسف ليقطعها خالد قائلًا:
ـ أنا ملاحظ أن العلاقة بينك وبين رنا متوترة اليومين دول.
أشجان بخفوت:
ـ فعلًا. من يوم اللي حصل وهي متغيرة معايا، وانا بحاول الاقي طريقة أدوب الخلاف دا.
سخر قائلًا:
ـ محتاجين والله طريقة تصلح العك دا كله.
هتفت حانقة:
ـ بس لو تكرمت أنت وبنتك تساعدوني شوية! بدل ما انتوا كل واحد واخد مني جنب كدا
خالد بتهكم:
ـ الله. دا القطة بدأت تخربش على الصبح ..
تذكرت البارحة و شعرت بالحرج لتقول بخفوت:
ـ خالد. ينفع نتكلم جد شوية؟
أطلق زفرة حارة من صدره قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ سامعك.
أشجان بنبرة خافتة:
ـ عايزة أقولك شكرًا عشان انت دايمًا في ضهري بالرغم من كل شيء. أنا تقريبًا عمري ما حسيت بالموضوع دا غير لما عرفتك. أن الإنسان يكون له ضهر يتسند عليه دا أجمل شعور اتخلق في الدنيا..
رغمًا عنها تناثرت بعض العبرات من مقلتيها لتسقط كصخور مدببة فوق قلبه ليتقدم منها وعينيه تعاتب خاصتها بينما تحدث بنبرة حانية و أن كان يشوبها الحزن:
ـ مينفعش غير اني اكون في ضهرك مهما حصل.
طالعته بأعيُن يطل منها الإنبهار، ذلك الرجل الشرقي الملامح ذو التقاسيم الرائعة بهاتين العينين العميقتين اللتان كان كبئرٍ من الطمأنينة الإبحار بهم لذة و السكون بداخلهم نعيم، و الابتعاد عنهم دربًا يؤدي إلى الجحيم
خرجت كلماتها هامسة صادقة حين قالت:
ـ أنت مصدر قوتي في الحياة دي..
خالد بصوتٍ أجش:
ـ أنا مصدر قوتك بس أنتِ نقطة ضعفي.
آلمتها جملته كثيرًا ولكن قلبه العاشق يأبى أن يرى طيف الحزن في عينيها ليجذبها من ذراعيها وهو يقول بنبرة خشنة مُتحشرجة:
ـ لكن أنا موافق، وهفضل جنبك وفي ضهرك العمر كله بالرغم من أي حاجة. لحد ما تبقي أنتِ مصدر القوة اللي اتسند عليه لو في يوم الدنيا حاولت توقعني.
مؤلم أن يخشى عليك من الألم من كنت أنت السبب في عذابه
ـ العتاب اللي في عنيك بيقتلني، و الحزن اللي في كلامك كمان.
زفر بتعب قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ الزعل مع الوقت بيروح لو صححنا اخطائنا و اتعلمنا منها. مهما إن كان أثره في القلب كبير. لكن في ثوابت مينفعش منعترفش بيها.
كانت تود عناق و لكنه كان يتألم وهي ترى ذلك بوضوح لذا ظلت في مكانها إلى أن سمعته يتحمحم بخشونة قبل أن يقول:
ـ الفجوة اللي بدأت بينك و بين رنا ياريت متسمحيلهاش تزيد عن كدا، و كمان خلي بالك اني كل اللي حواليكِ بيحاولوا يزودوها.
ـ حاضر.
خالد بتحذير:
ـ الموضوع دا بالذات مش هسمح فيه بأي غلط، و لا أي نتيجة عكسية. مش أنا اللي هقولك رنا عاملة ازاي أنتِ عرفاها كويس، و عشان كدا الموضوع كله قائم على طريقة معالجتك ليه.
ـ حاضر..
تراجع عنها ليقول باستفهام:
ـ صافية صحيت؟
أشجان بهدوء:
ـ صحيت فطرت و أخدت الدوا و نامت تاني.
أومأ برأسه قبل أن يقول بغموض:
ـ في مفاجأة النهاردة بالليل اعتقد انها هتعجبك.
لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين ♥️
★★★★
ـ ايه الجمال دا كله يا مدام سحر ؟ اللي يدخل الملجأ يقول إنه فندق فايف ستارز.
هكذا تحدثت آسيا بانبهار من شكل المبنى و الحدائق التي تحيط به، فمن يره لا يصدق أنه ملجأ بل سيظنه قصرًا فخم لعائلة عريقة
ـ بيقولوا فاقد الشيء لا يُعطيه. بس أنا بقى رأيي عكس كدا خالص. زي ما أنتِ شايفة. أنا اديت البنات هنا كل اللي أنا فقداه.
آسيا باندهاش:
ـ ازاي دا ؟
ابتسمت سحر لتستطرد آسيا قائلة بحرج:
ـ لا سوري أنا مقصدش اني اتدخل في حياتك والله بس كلامك أثار فضولي..
سحر بابتسامة هادئة:
ـ عارفة. بس أنا حياتي مش سر ولا حاجة. أنا اتربيت في ملجأ كان أسوأ مكان ممكن يعيش فيه بني آدم، و عشان كدا لما جيت اعمل ملجأ للبنات اللي اهاليهم قرروا أنهم مش عايزينهم عملت المكان اللي كان نفسي اعيش فيه زمان ومعرفتش. أما بقى جبت فلوسه منين! فدا كان تمن قصة حب فاشلة.
شعرت بتعاطف كبير مع تلك المرأة جعلها تقول بتأثر:
ـ اللي يشوف ملامحك و ضحكتك يفكر أن حكايتك غير كدا خالص..
اتسعت ابتسامة سحر التي قالت بسخرية:
ـ أنتِ صدقتي على طول كدا! ما يمكن بضحك عليكِ!
ارتبكت آسيا لثوان قبل أن تقول بابتسامة هادئة:
ـ سواء بتقولي الحقيقة أو حتى لو بتضحكِ عليا في الحالتين هصدقك لأن الموضوع مش شيء مهم بالنسبالي، فعادي بقى قولي اللي تقوليه و أنا هصدقك.
ـ أنتِ ذكية أوي، مش بس موهوبة و مجتهدة
كانت ذكية في إجابتها، وقطعت على سحر طريق إثارة فضولها، بل ولم تمهلها الوقت الاسترسال في الحديث لتبدأ في تحديد ما ستفعله و تدوين كل ما أرادته سحر إلى أن مر قرابة الساعتين لينتهي الأمر بكلمات آسيا العملية:
ـ كدا أنا حددت كل حاجة، بما أن حضرتك مُصرة على أعلى بادچيت يبقى فاضل بس تيجي المكتب عندي عشان تختاري معايا ال Details بتاعت الاكل و العرض ونشوف تفاصيل الألوان و نرتب العروض..
سحر بابتسامة بشوشة:
ـ تمام..شوفي فاضية امتى كلميني وانا هجيلك.
آسيا بعملية:
ـ السكرتيرة بتاعي هتبلغ حضرتك بالمعاد. أنا مضطرة امشي عشان عندي شغل كتير متأخر.
ضيقت سحر عينيها قبل أن تقول بغموض:
ـ ربنا يوفقك. و المرة الجاية لما نتقابل هقولك القصة الحقيقية للملجأ.
آسيا بابتسامة مُجاملة:
ـ أن شاء الله. عن اذنك..
وصلت إلى مقر عملها الذي كان معبر الأمان الوحيد لها الآن، فلا تملك بيت يحتوي ضياعها ولا جدران تخفي تخبطها.
جلست تنظر في الأوراق أمامها لتجد الفتاة التي تعمل معها تدلف إلى داخل الغرفة ووجها بادٍ عليه إمارات الدهشة لتستفهم قائلة:
ـ في حاجة يا منة؟
منة بابتسامة مندهشه:
ـ فيه.
لم تكد تنهي جملتها حتى تفاجأت بريبوت صغير له عجلات دائرية يدخل المكتب عندها ويحمل علبه بها هدية و كأن أحدهم يتحكم به عبر الريموت كنترول
اندهشت آسيا بدورها واخذت تنظر اليه باستغراب ثم توقفت وتوجهت لتقف أمامه وتنظر الى ما يحمله وما تحتوي هذه الهديه والتي لم تكن سوى قنينة عطر صغيرة وجميلة ولكنها لم تكن اي قنينة!
عاده بها الذكريات الى يوم ميلادها التاسع عشر حين تفاجأت برؤوف يجلب لها احد العطور الفخمة التي كانت تطوق بشده لاقتناء واحده منها
ـ ايه دا يا رؤوف جبتها منين دي غاليه قوي.
هكذا تحدثت بذهول حالما رأت قنينة العطر ليبتسم رؤوف وهو يقول بنبرة محبه
ـ عيد ميلادك السنه اللي فاتت سألتك نفسك في ايه قولتيلي نفسي في البرفيوم ده انا من وقتها وانا بحوش عشان أجيبهولك في عيد ميلادك.
عادت من ذكرياتها وهي تفتح عينيها بشجن تتذكر فرحتها العارمة بهذه الهديه التي كانت تفوق طموحها بمراحل لتبتسم بحزن، فكم كانت وقتها لا تحمل همًا. فقط حلم طموح ينمو الورود داخل صدرها.
ـ لو اعرف ان سان لوران هترسم الضحكه الحلوه دي على وشك كان زماني جبتها من بدري .
انتفضت آسيا لدى سماعها صوت رؤوف الذي كان يقف أمام باب المكتب ويحمل باقة من التوليب الأحمر الرائع لتلوح ابتسامة ساخرة على شفتيها فالتفتت تشير إلى الفتاة بالمغادرة ليقترب رؤوف منها وهو يقول بسخرية:
ـ مش عارفه اشكرك ازاي انك مش هتطرديني قدام منة النهاردة كمان!
لم تبتسم بل وضعت الهديه على المكتب ثم قالت بجفاء:
ـ جاي ليه يا رؤوف ؟ بعد كل اللي عملته واللي حصلي بسببك جاي ليه؟ قولتلك مليون مرة مش عايزة أشوفك.
وضع رؤوف الورد فوق المكتب وهو يقول بصدق:
ـ جاي عشان أقولك آسف. أنا عمري ما قصدت اجرحك أو أأذيكي. أنا محبتش حد غيرك في حياتي، و أنتِ عارفة دا..
قاطعته بنبرة حادة:
ـ لو سمحت. بلاش الكلام دا انا....
قاطعها بنبرة جريحة:
ـ أنتِ تايهة و ضايعة، ودا طبيعي بعد اللي حصل. عشان كدا كل مرة كنتِ بتطرديني من هنا ومن كل مكان أنا كنت برجع تاني. عشان عارفك و عارف انك هترجعي تقفي على رجلك و تتوازني من تاني، و تفهمي.
آسيا بانفعال:
ـ افهم ايه؟ أفهم انك جيتلي فرحي تسجلي عشان تلبسني مصيبة، و لا تروح تحط إيدك في إيد عدوتي عشان بس تضايقني، ولا انسى انك تروح تديها تسجيل ناقص دمر حياتي و حطي في أسوأ موقف في الدنيا..
صاح بألم:
ـ محصلش. أنا مدتهاش حاجة. هي خدته من ورايا وقصته، وانا أول ما عرفت جريت على خالد سمعته التسجيل الحقيقي. حتى لما الزفت دا جه شاف الكاميرات و شافك وأنتِ عندي انا معرفتش غير لما هي أدته فلاشة الكاميرات.
برقت عينيها من الصدمة هل شاهد هذا اللقاء؟ تأذت كرامتها بشدة، و شعرت بالألم والخزي يغمرها، فقد تعرضت في ذلك اليوم للإذلال الذي تتذكره للآن مما جعلها ترفع رأسها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ اسكت يا رؤوف و كفاية اللي عملته فيا..
اقترب منها خطوتين وهو يهتف بلهفة:
ـ انا جاي و ناوي اصلح كل اللي عملته، و مسامحك على كل حاجة عملتيها فيا. هتستغربي عارف. بس بصي حواليكِ هتلاقي أننا مبقاش لينا غير بعض. أنا جربنا تقرب من الناس دي وأتأذينا و ندمنا. أنتِ ندمتي على جوازك من الندل دا وانا ندمت اني عرفت الحقيرة أخته.
أوشكت على الحديث ليقترب منها أكثر حتى صار أمامها مُباشرةً وهو يستطرد قائلًا:
ـ افتكري كدا واحنا مع بعض. احنا عمرنا ما ندمنا أننا سوى، واحنا سوى كنتِ مبسوطة و فرحانه. اه مصرحناش بمشاعرنا بس كنا شايفينها في عيون بعض، وانا شوفت حبك ليا في عنيكِ يوم ما جيتي تعاتبيني في المكتب وانا كبريائي كان مانعني اني اقولك اني انا كمان بحبك، و خلاص مفيش حاجة هتمنعني اقولها، وكمان الدنيا اتغيرت. أنا شغلي ماشي كويس وأنتِ كمان نقدر نشتغل اكتر و نعافر سوى لحد ما نوصل للمستوى اللي بتحلمي بيه من غير لعنة الوتيدي دي خالص. أنا
لم تكد تتحدث حتى تفاجئت بباب المكتب ينخلع بقوة وكأن دبابة حربية صدمته، والحقيقة أنها لم تُخطيء، فقد أطل كمال من خلف الباب المُحطم بمظهره الضخم المرعب ليرتد جسدها إلى الخلف بقوة وهي تشعر بأن قلبها سيتوقف عن العمل في هذه اللحظة و خاصةً حين سمعته يّزمجر بشراسة:
ـ الكلب دا بيعمل ايه هنا؟
لم تسعفها الكلمات بالرد فقد كان الذُعر المخيم عليها يحجب حتى أنفاسها لتستمع إلى رؤوف يصرخ بغضب:
ـ و أنت مالك أنت اللي بتعمل ايه هنا ؟
اخترقت الكلمات عقل كمال الذي أصابه الهوس ليزأر بوحشية:
ـ أنا حذرتك مرة و التانية قولتلك اوعى التالتة معايا، عشان التالتة بتاعت كمال الوتيدي تابتة يا روح أمك و هطلع روحك في إيدي المرادي..
صرخت آسيا حين وجدته انقض عليه كالوحوش ليلكمه بقوة أطاحت برؤوف الذي سرعان ما توازن وهو يصرخ بصوت جهوري:
ـ أنت اللي هطلع روحك في أيدي لو شوفتك قريب منها تاني.
تفادى كمال لكمة رؤوف بكفة الذي قبض على خاصة رؤوف بقوة كادت أن تحطم ذراعه وهو يصيح بوحشية:
ـ دي مراتي يا حيوان.
توقف العالم بالنسبة لرؤوف وهو يستمع إلى جملة كمال التي اخترقت عقله كفيروس تسبب في إيقاف جميع العمليات الحيوية به. ليقوم كمال بضربه بجبهته بقوة أوقعته أرضًا ولكن عينيه توقفت على آسيا وهو يهتف بصدمة:
ـ الكلام دا صحيح؟
اهتاج كمال كالوحوش وهو يراه يحادثها بهذه الطريقة ليعميه الغضب و يقوم بإخراج سلاحه و يوجهه إلى رأس رؤوف وهو يصيح بوحشية:
ـ أنت بتعاتبها قدامي يا حقير..
اندفعت كالممسوسة تقف أمام كمان وهي تتمسك بذراعه وتهتف من بين نهنهاتها:
ـ ارجوك بلاش يا كمال. أبوس إيدك متعملش كدا. بلاش دم. بلاش عشان خاطري..
رأت في عينيه هذه اللحظة أقسى تعبير عن الاحتقار تعرضت له في حياتها و إن كان ممزوج بألمٍ قاتل و غضب عارم و خيبة انضمت الى سابقتها بداخله ليحاول إزاحتها وهو يقول بشراسة:
ـ اوعي من قدامي.
عاندته وهي تتشبس بذراعيه و مقدمة صدره لتهتف بصراخ:
ـ مش هوعى. مش هوعى. أرجوك كفاية. أرجوك..
ـ سيبيه. خليه يعملها. لو راجل اعملها..
هكذا صرخ رؤوف لتصرخ آسيا حين رأت كمال الذي شوه الغضب ملامحه، فبدا كالوحوش ليزيحها من طريقه، و حين أوشك على الضغط على زناد السلاح اندفعت آسيا تضرب السلاح إلى الجهة الأخرى ليدوي صوت الرصاص الذي جذب أسماع الحرس ليدلفوا إلى الداخل و يحولوا بين هذا الوحش الهائج و هذا النمر الجريح لتقوم آسيا بجذب يد كمال تجره إلى الخارج لتخترق رأسها جملة رؤوف المُحتقرة:
ـ والله ورخصت يا تفاح. هو دا اللي أنتِ تستحقيه..
لا يدري ماذا حدث له في هذه اللحظة حين سمع هذه الجملة ليدفعها و يخترق دفاع الحرس و يقوم بضربة بقوة في وجهه ليسقط مُغشيًا عليه، فصرخت آسيا و هرولت إلى الخلف لترى ما حدث لرؤوف ولكن يد كمال التي أحكمت الطوق حول خصرها كانت قاسية بشكل حجب عنها أنفاسها لتجد نفسها تستقل السيارة مع وهش هائج أنفاسه مسموعة بشكل مرعب، وكلتا يديه تنزفان من قوة الضربات التي أطلقتها، و صدره يعلو و يهبط بشكل مرعب لتبدأ نهنهاتها بالارتفاع رغمًا عنها و حتى معدتها أعلنت عن ثورة عارمة على وشك الانفجار لتجلب بعض المحارم الورقية و تضعها فوق شفتيها حتى تمحو آثار وجعها و ما هي إلا دقائق و أوقف كمال السيارة بعُنف أمام المنزل الكبير ليندفع هو ويجرها خلفه ليركل الباب بقدمه وهي عالقة بين براثنه كالشاه التي تساق إلى ذبحها:
ـ أنتِ ايه؟ شيطانة! كل مرة قلبي فيها بيفكر يشفعلك بتثبتيلي اني غبي و انك أسوأ إنسانة شوفتها في حياتي..
هكذا صاح كمال بصوت ارتعدت لها جدران المكان و كلك جسدها الذي انتفض إثر امساكه ليدها بقوة آلمتها ولكن الألم الأكبر من نصيب كبريائها الذي أُهدِر اليوم لتصرخ بانفعال:
ـ سيب إيدي. و بطل همجيتك دي. عايز مني ايه! مش أنا شيطانه و أسوأ إنسانة في الدنيا اتجوزتني ليه؟
توحشت ملامحه و أسودت عينيه أكثر و كأن السماء تمده بوقود الغضب ليُزمجر بشراسة:
ـ عشان أربيكي و أعلمك الأدب. هو أنتُ فاكرة انك هتدمري حياتي، وأنا هسيبك تعيشي حياتك كدا عادي! دانا هخليكِ تكرهي كل ثانية فيها.
كانت ترى في عينيه ماهو أبعد من الغضب و الاحتقار كانت نظراته تضج بألم كبير جعل عينيه تلمع و كأنها تستعد لذرف العبرات، وبالرغم من ذلك لم تستطِع إلا الإعلان عن عذابها ولوعتها هي الآخرى، فقد ضاقت ذرعًا من تعاقب الكوارث على حياتها لتصرخ بعُنف:
ـ أنا فعلًا بكره كل ثانية في حياتي. بس حياتي اللي عشتها معاك. بتمنى لو الزمن يرجع بيا تاني عمري ما همشي في طريق في ريحتك حتى!
هدأت لهجته ولكنها تضمنت كل معاني الاحتقار حين قال بقسوة:
ـ مش مستغرب كلامك دا. بالنسبالي أنتِ شخص لا عنده احساس ولا عنده مباديء. أنانية بدرجة مليون. بس اعرفي أن كل أخطائك هتتحاسبي عليها. ماهو مش لوحدك اللي بتعرفي تنتقمي، ولا لوحدك اللي بتعرفي تخططي عشان تفسدي حياة الناس!
كان يتوعد لها بالهلاك! أي هلاك أكثر مما هي به الآن. تشعر بالتعب و الإعياء كل ما بها يتألم جوهري و حسي. تعبت من كل شيء وملء كل شيء. شعرت بأنها تكره نفسها مثلما يكرهها و لكنها عبرت عن ذلك بإطلاق سهم مُشتعِل اخترق صدره ببراعة حين قالت:
ـ أنا بكرهك يا كمال..
كان في أسوأ حالة على الإطلاق يُمكِن أن يصل إليها رجل أو عاشق. فهو مذبوح القلب مهدور الكرامة، تقتله غيرة فتاكة، و يفترسه غضب عارم اجتمعت أضلع هذا المُثلث المرعب حول قلبه، فأعمت عينيه عن كل شيء، و صارت نيران ذلك الحريق تتراقص في مقلتيه و تلك الضحكات الصاخبة و الهمسات الناعمة تطن بأذنيه وتلك الرؤى المشوشة تمر من أمام عينيه لتتجعد ملامحه بشكل مرعب جعل آنه خوف تخرج من شفتيها وهي تتراجع إلى الخلف ذعرًا من مظهره الذي لم تره به من قبل لتتفاجيء حين أقبل عليها يجذبها بعُنف في هجوم كاسح فوق ضفتي التوت خاصتها هجوم جعلها أسيرة بين عشقه الضاري و غضبه المقيت و غيرته الهوجاء، فهل تنجو من هذا المثلث المُرعِب؟!
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى♥️
★★★★★
ـ غريبة قلبي.
التفتت غنى إلى ياسر الذي كان يقف خلفها يطالعها بأعيُن تلتمع سماءها بنجوم العشق لتبادله الابتسامة بأخرى خجولة ليقترب منها قائلًا بنبرة عاشقة:
ـ هو أنتِ بتحلوي كل يوم، ولا أنا اللي بحبك كل يوم اكتر من اليوم اللي قبله؟
غنى بدلال:
ـ اللتنين..
مازحها ياسر حين داعب أنفها بخاصته قبل أن يقول بعبث:
ـ مشكلتك انك واثقة في نفسك و عارفة اني دايب في أمك..
ابتسمت بحذر وهي تقول بخفوت:
ـ على ذكر ماما. احنا هنعمل ايه مع هيام؟
قرصها من خدها وهو يقول بحُب:
ـ قبل هيام في مفاجأة لعيون حبيبي بعدها نقرر..
غنى بحماس:
ـ الله مفاجأة. مفاجأة ايه؟
غمز ياسر بوقاحة تجلت في نبرته حين قال:
ـ عربني الأول.
غنى بخجل:
ـ أيه دا يعني ايه؟
ياسر بعبث:
ـ يعني ادفعي عربون. من الآخر اغريني. أنا راجل قليل الأدب و مستغل و مش هقولك حاجة غير لما تغريني و تثبتيني..
ناظرته غنى بسخط قبل أن تقول بتبرم:
ـ ماهو يعني. مينفعش كدا..مبتعملش حاجة من غير مقابل!
ياسر بعناد:
ـ لا مبعملش.
ـ طيب اعمل حاجة لله.
ياسر بإصرار:
ـ مبعملش..
أدركت أنه لا مفر أمامها لذا وقفت على أطراف أصابعها لتقترب من خده و تقوم بوضع قبلة صغيرة بجانب فكه الأيسر ثم عادت إلى مكانها مرة آخرى وهي تقول بحماس:
ـ يالا قولي بقى ايه المفاجأة..
ياسر بصدمة:
ـ نعم! مفاجأة ايه؟ مش قولنا. في عربون ؟!
ـ نعم واللي أنا عملته دا كان ايه ؟
ياسر بوقاحة:
ـ قلبظ بجنيه. أنتِ بتثبتي ابن أختك يا غنى! دا أنتِ هتاخدي اول علقة في جوازك النهاردة.
شهقت بقوة وهي تقول بصدمة:
ـ الحق يا ياسر. ايه اللي وراك دا؟
التفت ياسر بلهفة، فلم يجد شيء ليعلم أن هذه الماكرة تلاعبه، وخاصةً حين وجدها تهرول إلى الخارج وهي تضحك ليندفع خلفها في وصلة من اللعب واللهو و السعادة بينهم التي سرعان ما قطعها صوت رنين الباب فتوجه ياسر لمعرفة من الطارق ليجد أمامه صابرين والدة غنى والتي كان مظهرها لا يُبشر بالخير ليقول ياسر بذوق:
ـ أهلًا و سهلًا اتفضلي يا أم غنى.
ـ يزيد فضلك يا جوز بنتي.
هكذا تحدثت بمجاملة لتجد غنى تقف أمامها في الصالة فاقتربت تعانقها وهي تقول في أذنها بصوتٍ خافت:
ـ عيزاكي في موضوع مهم..
شعرت غنى بالقلق الذي جعل معدتها تتقلص، وخاصةً حين رأت نظرات ياسر الذي تحدث بجمود:
ـ هطلع اكلم يزيد بره و أنتِ اعمليلي كوباية شاي.
اومأت غنى برأسها ليخرج ياسر و تجلس بجانب والدتها التي قالت بحدة:
ـ أنتِ صحيح اتصالحتي على مقصوفة الرقبة اللي اسمها هيام؟
غنى بصدمة:
ـ أنتِ جبتي الكلام دا منين؟
صابرين بحدة:
ـ جاوبيني من غير أسئلة كتير. صحيح اتصالحتوا عليها و العدل جوزك ناوي تروحوا كمان تتغدوا عندهم الجمعة الجاية؟
غنى بجفاء:
ـ هي طلبت مننا دا واحنا لسه مقررناش.
صابرين باستنكار:
ـ لسه مقررتوش! بعد كل اللي حصلكوا منها وقلة أدبها ولسه مقررتوش ؟
غنى بانفعال:
ـ دا موضوع يخصنا احنا يا ماما، وكمان هيام مغلطتش لوحدها ولا منها لنفسها. أنتِ كمان كان ليكِ دور كبير..
زجرتها صابرين بغضب وهي تقول بحدة:
ـ دور في أيه يا عين أمك؟ دي لبست اخوها تهمة توديه في ستين داهية عشان بتكرهك و عايزة تخلص منك.
غنى مصححة:
ـ قصدك عشان ترد كرامتها هي و ياسر اللي دوستي عليها، و كمان عشان خافت من تهديدك!
صابرين بقسوة:
ـ اخرسي يا بت أنتِ و اسمعيني. هيام دي شيطانه، وانا متأكدة أنها بتكرهك، و ماصدقت تسمع مني كلمتين عشان تعمل عملتها.
صمتت لثوان قبل أن تقول بغضب:
ـ و مش بس كدا دي كمان كانت متفقة مع اللي ما تتسمى عنايات عشان يعملوا فيكي كل البلاوي الزرقا دي..
يتبع....
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الرابع وثمانون 84 - بقلم نورهان العشري
السلام عليكم دا الجزء الأول من الفصل و التاني ان شاءالله نازل كمان ساعة اتمنى الاقي تقدير لتعبي عشان حرفيًا التفاعل سيء بجد معرفش ليه كدا انا بيذل مجهود كبير في الكتابة و الفوت و الكومنت ولا حاجة و الناس بتستخسرها 💔
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الثالث و العشرون ج١❤️🔥
قلبي... هو مدينة غارقة في الظلام. تحمل لافتة كبيرة كُتِب عليها التمرد. حيث لا قوانين تحكمها ولا دستور يُحجِم فوضاها. في كل زقاق من أزقتها، يتجاور النقيضُ مع نقيضه، فالخير يطل بوجل من نافذة الشر، والعشقُ يقتات من مائدة الألم، كأنهما توأمان لا ينفصلان، وُلدا من رحِم وجعٍ واحد.
في كثير من الأحيان يُرهقني هذا الحمل الذي تعجز عن حمله الجبال، فـ الأوزار والندوب التي يعج بها قلبي تفوق قدرتي على الصمود لكنني، وبصورة مثيرة للدهشة تعايشت مع هذا النزاع المرير بداخلي، وألِفت أصوات السيوفِ في صدري وكأنها سمفونيةٌ صاخبة.
ولكن حين يأتي الليل.. يتضاعف الصخب أكثر و تنشق الأرضُ تحتَ أنقاضي، فتستيقظ الشياطين من جحيمها المستعر، لتبدأُ في شن غارات ضاريةً على حصوني وتنفث سموم الشك في أوردتي ليجتمع مع الشوق و الألم في مثلث مُرعِب اعترف و بشدة أنني أخشاه.
لكن العجب كل العجب في تلك الملائكة القابعة بالطرف الآخر في مدينتي؛ فهي تمكث في سكينةٍ غريبة، لا يُخيفها زئير الشياطين، ولا أنصال السيوف المولعة بالقتال، ولا يطرفُ لها جفنٌ أمام دخان المعركة.
فالملائكةٌ في مدينتي لا تربكها الرياح، والشياطينُ لا يُخيفها المطر.
ومع كل هذا الجنون أحيانًا أقفُ عاجزاً، لا أدري كيف أروض هذا الكيان الضاري الذي يسكنني، وكأنني أغرقُ في الرمال المتحركة دون إصدار آنة إعتراض واحدة، ف حين حاولت مد يدي طلباً للنجاة، وجدت كل شيء حولي يغذي هذا الضباب، الجميع يدفعونني نحو حافة الجنون، وبدلاً من أن يشعلوا لي شمعةً تضيءُ دربي، يسكبون الزيت على نيران ظلامي. ليصير الضياع قدري، والحيرة هي مسكني الوحيد.
أريد المساعدة، ولكني أعجز عن طلبها، فجميع الأعيُن يلتمع بها الشر أو هكذا أظن لا أدري، فأنا أرى كل شيء مشوش، و أتمنى لو أن أحدهم أمسك بيدي قائلاً هيا معي، ويقودني إلى بقعةٍ من الضوء، تُمزق هذا الظلام الذي يجيش بصدري، و يُعيد لقلبي المُنهك السلام و الهدوء الذي فقدهم تحت وطأة هذه العتمة..
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أنتِ بتقولي ايه يا ماما ؟ هيام مين اللي متفقة مع عنايات ؟
هكذا تحدثت غنى بأنفاس مقطوعة من الصدمة لتهتف صابرين بغلظة:
ـ متفقين عليكِ اسمعي من امك. الحرابي دول اتفقوا يذلوكي و يكسروا عينك و يبهدلوكي لجل ما المخفية هيام تنتقم مننا و ترد كرامتها..
وضعت يدها فوق رأسها المنهك وهي تحاول استيعاب الحديث ثم هتفت بنبرة خافتة متعبة:
ـ أنتِ جبتي الكلام دا منين؟ أنا مش فاهمة حاجة. ايه اللي جاب هيام لعنايات؟ دول حتى ميعرفوش بعض
صابرين بحنق:
ـ بقولك متفقين عليكِ، و يعرفوا بعض عز المعرفة و انا أتأكدت من دا بنفسي، و عشان أثبتلك المخفية هيام جايبة للمحروس رأفت عروسة من طرفها و مش بس كدا دي خدت اللي ما تتسمى عنايات و راحت عشان تشوفها معاها و تطلب إيديها لابنها ايه قولك بقى في الكلام دا؟
رفعت غنى رأسها إلى الأعلى وهي تحاول أن تزن الكلمات بميزان العقل بعيدًا عن صخب الألم في داخلها. لتتوالى الأحداث في رأسها كالشريط بداية من كل شيء إلى هذه النقطة المفعمة بالسواد، ولكن والدتها لم يُعجبها صمتها لذا هتفت بغضب:
ـ اسمعي يا غنى. هيام دي حية عايزة قطع رقبتها. سيبك من الوش اللي لبسهولكوا دا. دي بتتسهوك عشان تجر رجل أخوها و يصالحكوا. اوعي تنوليها مرادها. واجب عليكِ تنبهي جوزك و توعيه و تحاولوا ياختي تسلتوا فلوسكوا من ايديها هي و جوزها بالطريقة و بعد كدا تسدوا مكسرها بزفت..
توقفت الكلمات في حلق غنى من شدة الصدمة لحديث والدتها التي تركت جميع المصائب التي ألمت بها حتى أنها لم تلتفت إلى صدمتها و جل ما تلهث خلفه هو النقود!
ـ أنتِ بتقولي ايه؟ فلوس ايه اللي بتدوري عليها؟
صابرين بحدة:
ـ الحق عليا أني بدور على مصلحتكوا؟
غنى بانفعال:
ـ مصلحة أيه اللي بتدوري عليها؟ بصي قدامك وشوفيني . شوفي أنا بتألم ولا لا؟ شوفي مجروحة ولا مكسورة ولا فيا ايه؟
صمتت لثوان قبل أن تتابع بسخرية مريرة:
ـ ولا تشوفيني ازاي؟ إذا كنت اتكسرت قدامك ميت حتة قبل كدا و مشوفتنيش هتيجي تشوفيني دلوقتي ؟!
أربكتها كلمات غنى مما جعلها تقول بتلعثُم:
ـ يا بنتي. أنا خايفة عليكِ هو لو أنتِ مش بنتي حبيبتي و متهمنيش كنت جيتلك جري أول ما عرفت اتفاق الشياطين دا؟
غنى بسخرية جافة:
ـ لا كتر خيرك، وبعدين تعالي هنا. أنتِ بتقولي أن هيام متفقة مع عنايات عليا عشان ترد كرامتها يعني أنتِ عارفة انك هنتيها و بهدلتيها. لكن خلينا في موضوعنا. هيام متفقة مع عنايات على ايه؟ انها تطلع ابنها عاجز! و تخليه يطلع عجزه و فشله في ضربي و بهدلتي!
جف حلق صابرين، فلم تعرف بماذا تُجيبها لتقول بتلعثُم:
ـ لا. ممكن هو فعلا كدا. بس هما اتفقوا مع بعض مثلا أنهم يبهدلوكي مش كنتي بتقولي أن المخفية عنايات بتعاملك أسوأ معاملة ؟ أكيد كانوا متفقين!
غنى بحدة:
ـ عنايات كانت بتعاملني أسوأ معاملة عشان ملقتش حد يقفلي يا ماما. رمتيني تحت رجليها، فاعتبرتني الخدامة اللي من غير تمن ولا ضهر. الغلط مش من عند هيام فوقي يا ماما فوقي. أنتِ و بابا السبب في كل اللي حصلي. رأفت دا كان خاطب قبلي ست مرات و متجوز مرتين مكلفتوش خاطركوا تروحوا تسألوا عنه ولا تعرفوا اتجوز ليه و طلق ليه؟ رمتوني زي الكلبة ليه من غير تمن. أنتِ فشلتي كأم متعلقيش غلط على غيرك..
صفعة مدوية بترت كلماتها التي يصرخ بها الوجع و القهر ليتساقط من بين مآقيها وهي تنظر إلى والدتها التي هتفت بغلظة:
ـ اخرسي قطع لسانك. بقى الحق عليا اني جايه افطمك و انبهك تقوليلي فشلت. كنت اعرف منين أنه معيوب؟ أنا قولت عيلة و أصل وفصل و فلوس تعيشك باقي عمرك مرتاحة. جاية تقوليلي فشلت! أنا لو فشلت فأنا فشلت فعلًا في تربيتك.
ـ غنى ؟
هكذا تحدث ياسر بصوتٍ غاضب ليكُن هو القشة التي هرولت لتتمسك بها، فاندفعت ترتمي بين ذراعيه التي احتوتها بحُب و حنان كانت تحتاج إليهم بشدة لتهتف بقهر:
ـ ياسر..
رجاءها و ندائها آلما قلبه ولكن سرعان ما ضاق صدره و انقبضت معالمه بوحشية حين رأى ذلك الإحمرار فوق وجنتيها ليُدرك بأن صابرين قد صفعتها مما جعله يهتف بشراسة:
ـ أنتِ مديتي إيدك عليها؟
لا تنكر بأن مظهره افزعها ولكنها لم تظهر ذلك بل قالت بتبجح:
ـ أيوا مديت ايدي عليها. بنتي وبربيها..
صاح ياسر بقسوة اربكتها:
ـ بنتك دي ليها راجل مسئولة منه لو غلطت تيجي تقوليله. مش مسموح لأي حد في الدنيا يدوسلها على طرف حتى لو كنتِ أمها، و دا بس اللي مانعني اخد حقها منك حالًا.
شهقت صابرين بصدمة من حديثه، فلم تكُن تتخيل أن تراه يُدافع عن ابنتها بهذه الطريقة ولكنها أرادت استغلال الأمر و تغيير دفة الحديث حين قالت:
ـ طب و على كدا بقى هتقدر تحميها من شر الغندورة أختك!
ياسر بصرامة:
ـ لا أختي ولا أي حد في الدنيا يقدروا يمسوا شعره منها.
صابرين بحدة:
ـ و تفسر بأيه أنها واخدة اللي ما تتسمى عنايات راحة تخطب للمخفي طليقها ؟ حاطة إيدها في إيد اللي أذوا بنتي ليه؟
ياسر بقسوة و نبرة مُتجهمة غليظة:
ـ محدش في الدنيا أذى بنتك غيرك. مترميش بلاكي على الناس يا حماتي، و تاني مرة اياكي تحطي أختي في جملة مُفيدة.
كانت الصدمة من نصيب غنى التي لم ترى على وجهه أي إمارات للإندهاش من حديث والدتها، فهل كان يعلم؟
ـ دي طريقة تكلمني بيها يا جوز بنتي! و كل دا عشان تداري طبعًا على عمايل أختك...
صاح ياسر مُحذرًا:
ـ اعمليلك قفلة يا أم غنى، واعرفي ان اللي مسكتني عن عمايلك دي مراتي وبس، وانا بردو مراعي انك في بيتي. لكن أنا ليا كلام تاني مع حمايا..
لم يُمهلها اي فرصة للرد، فقد جاءت كلماته حازمة مما جعلها تلتفت إلى غنى التي كانت تقف مشدوهة بين يديه لتصيح صابرين بتقريع:
ـ سامعة يا ست غنى؟ أمك بتتهزق في بيتك من جوزك وأنتِ واقفة في حضنه! بس معلش أنا اللي غلطانه اني خايفة على مصلحتك لكن توبة ادخلك بيت تاني.
أنهت جملتها و غادرت دون أن تحاول غنى إيقافها، فقد كان عقلها يعمل في جميع الاتجاهات هل حديث والدتها صحيح؟ وهل يعلم هو به؟ كيف لم يتأثر ؟ أم أنه بارع في إخفاء انفعالاته حتى لا يظهر شقيقته بصورة أسوأ؟
ـ تعالي يا حبيبتي اقعدي..
هكذا تحدث وهو يجذبها لتجلس فوق الأريكة وعينيها تتعمقان في عينيه اللتان كانتا تحاول الهرب منها ليقول بجمود:
ـ هجبلك حاجة تشربيها..
لم تدع له الفرصة للهرب إنما أمسكت بيه لتمنعه من الحركة وهي تقول بلهفة:
ـ أنت كنت عارف اللي ماما قالته عن هيام؟
تحمحم ياسر قبل أن يجلس فوق الأريكة بجانبها ليقوم بمحاوطة خصرها ليرفعها حتى تصبح بين ذراعيه وهو ينظر إلى داخل عينيها اللتان كانتَ تلمعان بشكل خاطف للأنفاس ليبدأ حديثه قائلاً بنبرة مُحشرجة:
ـ بتحبيني قد أيه؟
توسعت حدقتيها من غرابة استفهامه وفي هذا التوقيت، ولكنها فضلت الإجابة دون جدال:
ـ بحبك أكتر من اي حاجة في الدنيا.
أعجبه أنها أجابت إجابة مُباشرة دون استفهامات ليقول بنبرة عاشقة:
ـ طب واثقة فيا ولا لا؟
غنى بخفوت:
ـ مش واثقة في حد غيرك في الدنيا دي...
رفع كفها إلى شفتيه ليُلثم باطنة برقه ثم تحدث بنبرة رجولية خشنة:
ـ عايزك تعرفي أني مش هسمح لأي حاجة أو لأي حد أنه يزعلك مهما كانت مكانته بالنسبالي أو بالنسبالك. أنتِ عندي رقم واحد في حياتي.
انفرجت شفتيها عن ابتسامة جميلة ليُتابع بنبرة عاشقة:
ـ أنا عاشقك يا غنى، و عشقك دا جنة ربنا اللي بعتهالي على الأرض، وعشان أكون شخص يستحق الجنة دي و يستحق يتنعم في خيرها، فأنا لازم أحارب و أجاهد كل الشياطين اللي حوالينا.
كانت كلماته عذبة رائعة تحمل سلامًا و طُمأنينة و وعدًا بالأمان كان أكثر ما تحتاجه مما جعلها تهمس بخفوت:
ـ ياسر...
مد يده يُزيح خصلة هاربة خلف أذنها وهو يقول بنبرة مُتحشرجة تعج بالمشاعر الضارية:
ـ عيون ياسر. لازم تعرفي أن الكلمة اللي بتتقال تجرحك بتجرحني قبلك، و أي حاجة حصلت وجعتك حتى لو كانت قبل ما نكون لبعض فهي وجعتني أنا كمان. و اللي جه عليكِ و أذاكي دا خصمي قدام ربنا ليوم الدين، و هاخد حقك منه قدام عنيكِ عشان تعرفي انك خدتي القرار الصح يوم ما أختارتي انك تثقي فيا دونً عن العالم كله...
لم تكُن تريد أكثر من ذلك لتهدأ و لتكُف عن التفكير فيما يحدُث، فهي تثق به و تثق بأنها آمنة بجواره لذا ابتسمت بعذوبة قبل أن تقول بهمسٍ مغوي:
ـ أنا كدا كدا عارفة اني خدت القرار الصح لما اختارت أثق فيك دونً عن العالم كله، وعشان كدا هغمض عنيا و أسيبك تمشي بيا الطريق لحد النهاية، و عارفة أني هكون في أمان، واني مش هعرف للفرحة طعم غير في حضنك..
ارتج قلبه لحديثها الرائع، وقد اشتعلت حمية العشق بصدره، فمنذ ذلك اليوم حين تذوق جنة قربها، وهو يخشى الاقتراب مرة آخرى حتى لا تفزع و لكنه اليوم يشتهي إرتشاف نبيذ العشق بجانبها و يتمنى أن يتذوق سُكر الهوى من جديد معها، مما جعله يهمس بجانب أذنيها بخفوت:
ـ طب غمضي عيونك الحلوين دول؟
رجفة قوية ضربت سائر جسدها، ولكن عقلها كان مُستكينًا على غير العادة بل أنه أخذ يعرض لقطات من سعادة خابرتها معه، ولأول مرة يكُن وسيلة دعم لقلبها، فأطاعته و أغلقت عينيها ليقترب منها بروية وهو ينثُر بتلات العشق فوق وجهها و يديه تمسد خصلاتها بحنو كان يلعب دور المخدر لجميع مخاوفها، فالأمر معه لم يكُن مُقتصرًا على لقاء جسدي يتوجه العشق بل كان بث طاقة كبيرة من الحنان فوق ندوب روحها، و زرع قدر كافي من الأمان في قلبها المكلوم، و ري شعور الأنثى الذي بداخلها حتى ينمو و يُزهر من جديد، فالمرأة لا تحتاج لأكثر من ذلك حتى تصبح ذلك الكائن الذي يعرِف كيف يصنع السعادة و يغمر الجميع بها، وهذا ما كان يفعله معها. يبثها كل شيء تحتاجه لتستطِع أن تُعطيه بعد ذلك، و يأخذ منها القدر الذي تسمح له به، دون أن يرغمها على العكس كان يغدق عليها بالمقابل من حنانه و احتوائه حتى سكنت روحًا و جسدًا و قلبًا بين يديه هانئة، سعيدة، مطمئنة، كيف لا؟ وقد أحياها من نفس النقطة التي قُتلت بها ذات يوم..
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال. ❤️
★★★★★★★★★★
ـ أنا عارفة انك زعلان مني، وانا كمان زعلانه منك و من نفسي وعشان كدا طلبت نتكلم سوى النهاردة.
هكذا تحدثت شروق وهي تنظر إلى راجي الذي كان التجهُم بادٍ على ملامحه و كذلك نبرته حين قال بتقريع مُبطن:
ـ عمومًا أنتِ أتأخرتي في الخطوة دي، بس كويس انك أخدتيها.
تعرف كم هو غاضب و متألم و ذلك يُحزنها لذا تغاضت عن جفاءه حين قالت بصدق:
ـ عايزة أقولك على حاجة و اتمنى تصدقها.
راجي بجمود:
ـ اعتبريني صدقتك. أنا عارف انك مبتكذبيش.
دمعت عينيها وهي تقول بتأثُر:
ـ أنا فرحت جدًا لما عرفت انك ابن عمي. يعني في الأول اتصدمت بس بعد كدا حسيت أن ربنا بيحبني. تخيل الشخص الوحيد القريب ليا يكون من دمي. أنا عارفة أن كلامي ممكن يزعلك بس أقسم بالله أنا فعلًا كان بييجي عليا وقت أقول ياريت لو راجي دا كان أخويا. يمكن الكلمة تضايقك بس أنا كنت شيفاك سند و ضهر و صاحب أحكيله عن كل حاجة مضيقاني من غير ما اتردد، و دا عمره ما حصل مع حد.
كانت كلماتها كالسُم المُختبيء في جوف العسل ولكنها كانت صادقة يعلم ذلك، و يعلم أيضًا أنها لطالما كانت واضحة في علاقتهم، فلم تعطه يومًا اي وعود ولو كانت غير منطوقة. فحين كان يحاول عبور المسافة بينهم كانت تحيط نفسها داخل قوقعة التجاهل و تلتزم غض البصر عن مشاعره و على الرغم من أن ذلك يؤلمه بشدة، ولكنه رجُلًا ذو كبرياء عظيم لم يُخلق من يمسه بعد لذا تحمحم بخشونة قبل أن قول بجفاء غير مقصود:
ـ ربنا حققلك أمنيتك، و طلعنا ولاد عم.
شروق من بين عبرات غزيرة:
ـ أقولك على حاجة. انت عندي اكبر من اني اورطك في قصة سخيفة زي قصتي. أنا ممكن أقولك موافقة ارتبط بيك، و نتخطب ونتجوز بس انت تستحق واحدة تديك حب الدنيا كله مش مجرد احترام و مودة. تستحق تتحب أوي. أنا هكون أنانية لو ظلمتك في مجرد مشاعر احترام و تقدير.
دموعها أحزنته كثيرًا فهذه الفتاة صادقة الى حدٍ يقتله لا تترك له شيئًا يلومها عليه، فهي شفافة، حانية و رائعة، بسيطة للحد الذي يجعل المرء يشعر بالانبهار من فرط رقتها و برائتها و نقائها، فلم تترك له مجالًا إلا لاحترامها حتى ولو كان يتألم لكنه سيتدارك الأمر لأجلها و لأجله فهي محقة هو يستحق من تعشقه بجنون لا مجرد مشاعر احترام و مودة:
ـ طيب ايه أنتِ قلبتي على عيلة في ابتدائي كدا ليه ؟ ما تنشفي شوية و امسحي دموعك دي.
قال جملته الأخيرة وهو يناولها محرمة ورقية تناولتها منه بأيدٍ مُرتعشة و شبح ابتسامة لاح عند زاوية فمها لتشكره بخفوت و هي تحاول كفكفة عبراتها ليبدأ هو بالحديث بنبرة هادئة على عكس ألمه العظيم:
ـ أنا مقتنع بكلامك، و بحييكي على صراحتك و وضوحك، و طبعًا أنا عمري ما هقبل اعيش مع نص قلب. يعني المودة و الاحترام دول موجودين لكن العشق اللي أنا استحقه مش موجود، فخلاص هنتجاوز الموضوع دا، أنا مش مُراهق و هقدر اتخطى في أقرب وقت. فخلينا نتكلم في المهم...
تسللت بعض الراحة إلى صدرها جراء حديثه و أن كانت ترى الألم يلوح بزوايا عينيه ولكنها تعلم بأن يتألم الآن خيرًا من غدًا، فهو لا يستحق منها سوى أن تكون صريحة معه، و عند ذكر آخر جملة في حديثه تنبهت جميع حواسها لتقول بهدوء:
ـ اتكلم أنا سمعاك..
راجي بنبرة جامدة:
ـ طبعًا أنتِ و جميلة لازم ترجعوا تشوفوا أهلكوا و تتعرفوا عليهم دا مبدأيًا، عمك عامر اتكلم معايا و أنا قولتله يديكوا وقتكوا و ميضغطش عليكوا وهو وافق و مستني مني أقوله انكوا جاهزين.
شروق بنبرة هادئة:
ـ طيب انا بس عايزة اتكلم معاك في نقطة مهمة شاغلة بالي.
ـ نقطة ايه؟
شروق باستفهام:
ـ تفتكر ليه بابا الله يرحمه ليه قبل ما يموت مقالناش عليكوا؟ يعني لما جه يكلمني قبل ما يموت كلمني على أهل ماما الله يرحمها مجبش سيرتكوا. حتى في لحظاته الأخيرة متكلمش عنكوا. اكيد دا له سبب..
كانت مُحقة و لذلك قرر أن يتحدث بصراحة قائلًا:
ـ مكذبش عليكِ أنا بردو استغربت ولما سألت عمي مجاوبش عليا بصراحة لكن فهمت منه أن عمي الله يرحمه كان شايف أن جدي خذله و كان خايف عليكوا لما ترجعوا تدفعوا تمن اللي حصل زمان. أو رجليكوا تتجر في حدوتة ملكوش علاقة بيها، فقال يبعدكوا عن كل حاجة. دا التفسير المنطقي الوحيد اللي وصلتله..
كانت تجلس بهدوء و خصلاتها تتمايل بخفة كلما حركت رأسها أو تحدثت و لا تدري بأنها تلتف حول عنقه الذي يكاد ينفجر من شدة الغضب و الغيرة في آنٍ واحد ولولا وجود يزيد لكان هدم المكان رأسًا على عقب و انتزعها من أمام هذا الرجل ثم انتزع روحه من مكانها ليرتاح من وجوده
ـ بطل تنحر في نفسك كدا هيطقلك عرق واحنا أساساً مش ناقصين مصايب.
هكذا تحدث يزيد بملل قابله عمر بالغضب الشديد الذي اهتاج في نبرته حين قال:
ـ أنا هتشل. قاعد هنا بتفرج عليها من بعيد وهي قاعدة قدام الحيوان دا. أنا فعلًا هيطقلي عرق.
يزيد بمهادنة:
ـ اسمعني. حاول تاخد نفس عميق كدا و تجاوزًا يعني حاول تستخدم عقلك أنا عارف انك لاغية من زمان بس احنا دلوقتي في مرحلة حرِجة في علاقتكوا..
رمقه عمر شذرًا ليُتابع يزيد موضحًا:
ـ افهمني بس و بطل تزغرلي من غير حاجة شكلك يخوف مش ناقص تشوية في منظرك يعني. دلوقتي البت شروق دي هادية و راكزة و عاقلة و الشخصيات اللي زي دي عايزة راجل تقيل. طبعًا دا بره عنك خالص. بس على الأقل حاول تمثل انك كدا.
عمر بسخط:
ـ هتستظرف هلخبط معالم وشك.. اتلم أنا على آخري.
يزيد بتملق:
ـ يا غالي أنا غرضي مصلحتك. يعني مثلًا لو شروق طرقعتلك هل أنا متضرر؟ إطلاقًا. هل أنا قاعد مبسوط وأنا شايفك هتطق من جنابك كدا؟
لمح عمر المكر في عينيه ليزجره بحدة فهتف يزيد باندفاع:
ـ إطلاقًا. أنا بس عايزك تهدى و تجيبها بالطريقة. شروق بغض النظر هي بتحبك ولا لا و بس هي بت ناس و متربية استحالة تفكر تغيظك براجي ولا حتى هتظلمه معاها. يبقى انت كدا ضامن من ناحية الأخلاق. نيجي بقى من ناحية القلب أنت عارف انها مجروحة منك حاول بقى تثبتلها انك بتحبها و بتقدرها و مديها مساحتها بس في نفس الوقت أنت عينك عليها زي الرادار. فهمت يا غالي؟
يعي كم أن حديثه صحيح ولكن الغيرة تنهشه بأنيابها التي لا ترحم يريد أن يصرخ تنفيسًا عن هذا الغضب الهائل بداخله ولكنه عاجز حتى عن ذلك
ـ بحاول اسمع كلامك و عارف أنه صح. بس غصب عني. مش قادر استوعب أنها قاعدة معاه وانا قاعد هنا..
يزيد بنفاذ صبر:
ـ معلش اتحمل اعتبره تكفير ذنوب وانت ذنوبك كتير أساسًا.
عمر بتحذير:
ـ متخليهاش تيجي فيك..
يزيد بلهفة:
ـ لا تيجي فيا أيه؟ بقى أنا عايز امنعك تضربه عشان متجرش معاك في الرجلين تقوم تضربني أنت! هي معرفة غبرة أنا عارف..
عمر بتقريع:
ـ أه يا واطي. يعني بتهديني عشان خايف تتروق!
يزيد بحدة:
ـ الواطي دا اللي جري عليك لما لقاك بتتخانق، و مفكرش لحظة، وبعدين الواد دا إيده طارشة و صعيدي و بصراحة بقى انا مش ناوي اضحي بوسامتي عشان خاطر غراميات حضرتك..
عمر بغيظ مكتوم:
ـ ماشي يا يزيد الكلب. اللي مسكتني عنك أن كلامك صح. أنا مينفعش أني ابينلها اني هتشل من الغيرة كدا. لازم تعرف اني تقيل و عاقل يمكن تتنيل تحن..
تمتم يزيد حانقًا:
ـ الهي يارب ما تحن غير لما توريك النجوم في عز الضهر يا عمر يا ابن نبيلة بحق قفايا اللي ولع من الشمس بسببك دا..
ـ اهم قايمين. يالا بينا...
هكذا هتف عمر حالما رآها تستعد المغادرة ليوقفه يزيد الذي هتف مُعنفًا:
ـ يا ابني اركز. الراجل چنتل استحالة هيسيبها تروح لوحدها أكيد هيروح يوصلها...
عمر بهياج:
ـ نعم! هي كمان هتركب معاه العربية؟ لا بقى دانا هروح أساويه بالأسفلت. أنا مش قادر اتحمل اكتر من كدا..
حاول يزيد تحجيم غضبه وهو يكتف يديه صائحًا بنفاذ صبر:
ـ أبوس مخك المصدي دا تعدي اليوم من غير خناق. البت هتطير منك، وربنا هتكره تشوف خلقتك اللي مبقاش فيها حتة سليمة...
تنبه عمر إلى ملامحه التي لازالت عليها آثار المعركة السابقة لتهدأ ثورته قليلًا وهو يقول باستفهام:
ـ تفتكر الحاجات دي هتفرق معاها؟
ارتاح يزيد قليلًا لهدوئه و أخذ نفسًا قويًا قبل أن يقول بتأكيد:
ـ طبعًا هتفرق. انت حاليًا محتاج تستخدم كل أسلحتك و أولهم وسامتك اللي مش موجودة.
عمر بتحذير:
ـ ياد بطل طولة لسان هعتبرك الزفت دا والعب في وشك البخت.
يزيد بلهفة:
ـ مش قصدي. أقصد يعني لازم تكون في أبهى صورة شيك، وسيم، هادي، لبق. جنتل مان. مش ذا هيتمان احنا مش في مصارعة. عايزها لما تشوفك قلبها يتشرح كدا و تخطف قلبها بوسامتك مش توقفه بغباوتك...
كز عمر على أسنانه وهو يطلق أهه غضب كبيرة قبل أن يُدير السيارة وهو يتعقب سيارة راجي و هو يسُبه بكل أنواع السُباب إلى أن وصل إلى مكان المخبز لتترجل شروق من السيارة وهي تُشير إلى راجي ثم انطلقت إلى الداخل ليصف عمر السيارة و يتوجه خلفها، فإذا به يصطدم بأحد العاملات في المخبز تقف أمام دلوفه إلى داخل المكان ليقول عمر بعُجالة:
ـ معلش عايز ادخل ..
الفتاة بصرامة:
ـ احنا وقت البريك..
عمر بحنق:
ـ أيوا مانا مش زبون عادي، وبعدين أنا عايز شروق قوليلها عمر بره..
الفتاة بجمود:
ـ مدام شروق قالتلي أقولك شطبنا...
عمر بصدمة:
ـ نعم! مين دا اللي شطب ما الناس قاعدة بتطفح اهي.
الفتاة بنفس لهجتها:
ـ أه ماهي مدام شروق قالتلي أقولك شطبنا مش هنبيعلك حاجة.
على صوت عمر من فرط الغليان:
ـ طب أنا بقى عايز أفطر زي الناس دي و مش همشي غير لما افطر...
الفتاة السخيفة بنفس نبرتها:
ـ مفيش فطار لحضرتك هنا. مش عاملين حسابك في المنيو..
قالت جملتها و أغلقت الباب في وجهه ليرمقها بحنق من الزجاج ولكنها لم تلتفت له بل أعطته ظهرها و انصرفت إلى عملها ليتراجع إلى الخلف وهو يتوعد ليزيد، فلو كان تركه من البداية لذهب و تحدث معها، ولكن الأخير كان يجلس براحة في السيارة وهو يصفف خصلات شعره يتجهز حتى يذهب إلى جميلته ليتفاجيء بعمر الذي فتح الباب وهو يجلس بجانبه و الوحشية ترتسم على ملامحه ليهتف يزيد مذعورًا:
ـ حصل ايه؟ نهارك مش فايت بلعتها ؟
لم يكد يُنهي جملته حتى قام عمر بضربه بمقدمة رأسه في جبهته وهو يقول بتشفي:
ـ عشان تبقى تحافظ على وسامتك حلو....
اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي". ❤️
★★★★★★★★★
ـ ايه دا يا نونو الفستان دا هياكل منك حتة. ايه الجمدان دا يا بنت الأية؟
هكذا تحدثت سهيلة بوقاحة مُفرطة جعلت رنا تشعر بالحرج الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ عيب يا سهيلة الطريقة دي. الناس تقول عنك أي؟
سهيلة بملل:
ـ يا بنتي فكك. ناس مين! خلينا فيك أنت يا وتكة..
أنهت جملتها و قامت بصفعها فوق جنبها الأيسر وهي تطلق ضحكة صاخبة إلى حدٍ كبير لتتراجع رنا مذهولة من طريقتها وهي تنهرها قائلة:
ـ سهيلة. أنا مابحبش الهزار بالإيد. بليز متعمليش كدا تاني..
تصنعت سهيلة الحزن الذي سكبته في كلماتها المسمومة وهي تخفض رأسها قائلة:
ـ أنا أسفة يا رنا. والله مكنتش أقصد. أنا بتعامل معاكي بطبيعتي. حقك عليا أنا ماشية..
ألقت الملابس من بيد يدها وهي تهرول إلى الخارج لتشعر رنا بالحزن الشديد لأجلها فوضعت الملابس من يدها وهرولت خلفها وهي تصرخ منادية عليها:
ـ سهيلة. استني يا سهيلة. خلاص حقك عليا مكنتش أقصد..
توقفت سهيلة وهي تخفي المكر جيدًا خلف قناع الحزن الذي عززته بعبرات ساخنة تدفقت من بين مآقيها لتقترب منها رنا قائلة بعفوية:
ـ سوري بجد يا سهيلة أنا مكنتش أقصد..
سهيلة بانفعال مدروس:
ـ لا تقصدي يارنا قولي انك مش بتحبيني ولا بتعتبريني صاحبتك بجد. كل مرة تكسفيني و تحرجيني قدام الناس، و ترجعي تتأسفي. خلاص انا مش هفرض نفسي عليكِ تاني..
رنا باندفاع و براءة:
ـ والله أبدًا أنتِ صاحبتي الوحيدة. بس أنا والله مش متعودة على الهزار دا، و غصب عني بتضايق منه.
سهيلة بحزن زائف:
ـ خلاص يا رنا. أنا مش هقرب منك تاني، و هحط حدود في التعامل بيننا، بدل أنتِ مش شيفاني أختك و بتضايقي من هزاري خلاص مش ههزر تاني معاكُ..
رنا بلهفة:
ـ لا طبعًا بتقولي ايه؟ أنتِ اختي وصاحبتي الوحيدة..
سهيلة بتخابُث:
ـ على فكرة بقى أنا كمان بعتبرك صاحبتي الوحيدة، والدليل اني سبت البنات وجيت عشان نخرج سوى و مردتش أقولهم ييجوا معانا.
رنا بانتباه:
ـ أه صحيح. هما ليه مجوش معانا؟ مش كنا متفقين نخرج كلنا؟
سهيلة بمكر يغلفه الجدية:
ـ بصراحة يا رنا أنا خوفت متتقبليش عمايلهم و تضايقي و تمشي.
رنا باستفهام؟
ـ ليه؟ هما بيعملوا ايه؟
سهيلة بتخابُث:
ـ بيعملوا حاجات مش هتحبيها. يعني مثلا بيشربوا سجاير، وأنتِ أكيد مش هتحبي دا..
شهقت رنا بذهول تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ سجاير! ازاي دا ؟ في بنات بتشرب سجاير و كمان في السن دا؟
سهيلة بتهكم:
ـ أه ياختي في، وبيشربوا اكتر من السجاير كمان. أنتِ بس اللي طيبة وبريئة وانا عشان بخاف عليكِ مردتش اقولهم يخرجوا معانا لأني واثقة انك هتضايقي لما تشوفي الحاجات دي.
رنا بامتنان:
ـ بجد يا سهيلة أنتِ مفيش منك. أنا فعلًا اتصدمت لما قولتيلي و كمان بابي لو عرف أن هما بيعملوا كدا عمره ما هيسيبني أخرج معاكوا تاني...
سهيلة بلهفة:
ـ أنا عارفة، وعشان كدا قررت نخرج سوى. يارنا أنا بحبك جدًا و بخاف عليكِ، وبتعامل معاكي على. طبيعتي، وانا عفوية شوية. و كمان بتعشم فيكِ أنتِ أقرب صاحبة ليا دلوقتي. ياريت تقدري دا..
رنا بحُب:
ـ وانا كمان بحبك جدًا يا سهيلة، و بعتبرك صاحبتي و أختي..
سهيلة بحقارة:
ـ خلاص بقى الدموع هتنزل من عنيا. يالا حضن بقى و نتصالح..
عانقتها رنا بعفوية و مشاعر صادقة قابلتها بأخرى شهوانية قذرة ترفضها جميع الأديان السماوية، يهتز لها عرش الرحمن، ولكن تلك القلوب الذي أصابها الصدأ و تمكن منها الشيطان لا يُرهِبها دين ولا يردعها نار...
اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وكربني من أمر دنياي وآخرتي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنوبي، وثبّت رجاك في قلبي، واقطعه ممن سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك". ❤️
★★★★★★★★★
ـ كيف الجمر النهاردة؟ أن شالله تكوني نمتي زين؟
هكذا تحدث رحيم موجهًا حديثه إلى صافية التي تلئلئت السعادة كالنجوم في سماء عينيها حالما رأته لتُجيبه بحُب:
ـ أني زينة عشان شيفاك يا حبة الجلب...
اقترب رحيم يجلس بجانبها و يقبل كفها الناعم وهو يقول بنبرة يشوبها الحنين:
ـ يااااه يا صافية. كفك ريحته بتفكرني بالحبايب كلاتهم. ريحة كلها حنية و دفا الواحد محروم منيهم اديله سنين...
صافية بحُب تجلى في كفوفها المُمسكة بيده و نبرتها حين حادثته قائلة:
ـ مالك يا جلب صافية؟ عنيكِ مليها الحزن والهم، فضفضلي يا ولدي..
كان يرحب بالانهيار كثيرًا في هذه اللحظة، فقلبه العليل يحمل ندوب و تصدعات يعجز كتفه عن حملها لذا مدد رأسه على قدميها وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ الحزن دا قدري يا عمة. أتعودت عليه. بس القهرة اللي في جلبي لساتها بتوچع...
صافية بلهفة:
ـ بعد الشر عنك يا نضري. قولي فيك ايه؟ احكي واني سمعاك..
تساقطت العبرة تلو الآخرى من عينيه وهو يهتف بنشيج:
ـ اطعنت في ضهري، وفي رچولتي و في شرفي. عشجت الغانية وسلمتها رقبتي، و آخرة المتمة شوفتها بعيني في حضن عشيقها...
ضربت صافية على صدرها وهي تهتف بصدمة:
ـ يا مُري... تجصد مين يا رحيم؟
رحيم بقسوة:
ـ حنان بت عمي. اتچوزتها و شيلتها في جلبي و فوج راسي. عِملتها ست الكل وفي الآخر طلعت بتخوني ويا الكلب اخو رماح..
ارتسم الإشمئزاز فوق ملامحها و في نبرتها حين قالت:
ـ نسل نچس طول عمره، و بنت المركوب ديه بدل ما تشيلك چوا نن عينيها تعمل العفاشة دي! صدج طالعة حية لأمها.
رحيم بنبرة جريحة:
ـ أمر من أمها يا عمة. دي كانت بتكذب عليا وعينيها في عيني، و بتجولي أني معخلفش، ومفهماني أنها متحمله عچزي واني شايلها على كفوف الراحة. بت عمي و بجول أصيلة، لكن طلعت كلبة ولا تسوى...
صافية بذهول:
ـ وه. يعني مفهماك انك معتخلفش، و عن تكذب عليك!
رحيم بألم:
ـ بتكذب عليا و عنيها في عيني.. يا خسارة جتلها أخوها هي و عشيجها. أني من الصدمة مجدرتش اتحرك. مصدجتش. حسيت نفسي بحلم. لا دا كان كابوس، فوجت منيه واني باخد عزاها، و من وجتها والنار شاعلة في جلبي...
صافية بحنو:
ـ سلامتك من النار يا نور عين عمتك. النار دي زمانها مولعة في چتتها الخاينة الرخيصة دي. بس انت يا ولدي ربنا كرمك ببنية زينة. باين عليك بتحبها، وهي كمان عيونها بتلمع لما بتطالعك. أني شوفتها..
أطلق زفرة حارة من جوفة قبل أن يعتدل وهو يناظرها بقلق حاول قمعه قدر الإمكان وهو يقول:
ـ نچاة دي النجاة اللي ربنا بعتهالي عشان تخلصني من كل اللي أنا فيه. بس...
ـ بس ايه؟
شعرت بأن القادم سيء ولا تعلم لما انتفضت دقات قلبها قبل أن يطلق رحيم سراح قنبلته قائلًا:
ـ نچاة توبقى بت رماح الهلالي يا عمة....
دا جروبي نوروني هناك
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الخامس وثمانون 85 - بقلم نورهان العشري
عايزة فوت كتير و كومنتس على الفقرات اللي حبتوها فصلين في نفس اليوم تعويضًا عن اي تأخير حصل قبل كدا ♥️
السبيل الثالث و العشرون ج٢ ❤️🔥
انقضى النهار وهو غارق في العمل إلى أن أتى الليل وهو لا يزال في المكتب، لتتصلب عضلات رقبته و يشعر بتشنج كبير في أكتافه جراء جلسته لمدة طويلة ليقوم بفك أزرار قميصه خالعًا عنه رابطة عنقه ثم قام بثني أكمام قميصه ليتمطى بتعب، فأتاه طرق خافت على باب غرفة المكتب، فأمر الطارق بالدخول ولدهشته وجدها تُشرِق عليه بإطلالتها الرائعة على الرغم من أن الوقت ليلًا ولكن حضورها كان كالشمس نثر الدفء في المكان عامة و قلبه بصفة خاصة
ـ أشجان! جيتي ازاي ؟ في حاجة حصلت؟
طمأنته قائلة:
ـ متقلقش. مفيش حاجة. أنا بس قلقت عليك لما اتأخرت، و حاولت اكلمك مبتردش، فسألت في الشركة سلمى قالتلي انك لسه بتشتغل قولت اعملك مفاجأة و أجي أطمن عليك...
كان يود أن يخبرها بأنها ليست بمفاجأة فحسب، بل هي مكافأة منحته إياها، فرؤيته لها بعد هذا اليوم الشاق لهو شيئًا عظيم، لكنه لم يُفصِح عن ما يجول بخاطره بل اكتفى بالحديث قائلًا:
ـ تعبتي نفسك. أنا خلاص قربت اخلص نص ساعة و كنت هروح..
تشابكت عينيها مع خاصته في نظرة دافئة جعلت نبرتها مُتحشرجة حين أجابته:
ـ تعبك راحة...
كان وجودها معه تحت سقف واحد، وفي سكون هذه الوحدة، اختباراً قسرياً لثباته. هو الذي روض نفسه على هجر الملذات منذ صدامهم حتى غدا في محراب خصامها زاهداً لا يلتفت لزينة الحياة. والآن، تعود هي بكامل سطوتها وجمالها، لتقف كالإثم الشهي في طريق توبته، مغويةً إياه كالثمرة المحرمة التي يستحيل مقاومتها، وخاصةً حين تابعت بنبرة ناعمة يتوجها الخجل:
ـ كمل شغلك وانا هستنى جنبك لو مكنش يضايقك..
دافئها و رقتها و عذوبة صوتها كان فخًا مُحكمًا نصبه القدر لصبره الذي بدأ يضعف امامها شيئًا، فشيئًا خاصةً وهو يراها تتحرك بخفة كالفراشة و تفك عنها حجابها لتضعه حول كتفها وهي تقول بخفوت:
ـ الجو حر هنا شوية.
قطع نظراته التي من فرط الشوق تكاد تلتهمها ثم تحمحم بخشونة قبل أن يقول:
ـ خدي راحتك...
التفت ليجلس حول مكتبه يحاول أن يُنهي تلك الأوراق التي أمامه هاربًا من سطوة حضورها ولكنها لم تكُن تساعده، فلم تكن بحاجة لحديثٍ أو حركة تصدر عنها لتنتصر إذ كانت رائحة عطرها فحسب تُفتت صموده، و تغزوه بصمت مزلزلة ذاك الجبل الجليدي القابع في أعماقه. هو الذي لم يختبر الهزيمة أمام أي إغواءٍ قط، وظل دومًا سيد ثباته، وجد نفسه الآن ينهار أمام سكونها، في مفارقةٍ عجيبة جعلت من صمتها قوة قادرة على هدم كل حصونه دون مجهودٍ يُذكر ليحاول استجداء ثباته بكل ما لديه من إرادة دافنًا رأسه في الورق، بينما هي كانت في وادٍ آخر تحاول تهدئة ضربات قلبها المُتلاحقة حين استمعت إلى حديث سوزان عصر اليوم:
ـ اتلحلي شوية يا أشجان. خالد عامل كل اللي عليه، و في عز زعله منك واقف في ضهرك، وبعدين اللعب بقى على المكشوف دلوقتي، و اللي اسمها نبيلة دي بعد ماهددتيها انك معنديش حاجة تخسريها ممكن تحاول تهدي الدنيا شوية استغلي بقى دا و صالحيه لحد ما نشوف هتعملي ايه معاهم، و كمان زينة دي أنا قلبي مش مطمنلها خالص.
اختارت أن تستمع إلى حديثها فهناك أنين صامت بداخلها يتوسل إليها أن تراضيه فالحياة ليس لها معنى في غيابه وجميع لياليها أصبحت باردة حين غاب دفء حضوره، لذا قررت التخلي عن تحفظها و القدوم الى هنا لتحاول مراضاته و تتمنى من الله أن تأتي خطوتها بثمارها.
مرت دقائق مشحونة بالتوتر من كلا الجانبين، فقد كانت كُلّا منهما يختلس النظر إلى الآخر بين الفينة و الآخرى وكأن كل نظرة كان تزيد من سخونة الجو، و ترسل تيارًا من المشاعر العاتية في الهواء المُحيط بهم، وفجأة شعرت بعقلها يقف عن العمل من فرط الصدمة حين رأت زينة تترجل من سيارة أجرة في الأسفل.
توسعت حدقتيها ذهولًا تحول إلى نيران مُستعرة، فما الذي يأتي بها الآن في هذا الوقت إلى الشركة؟ بالطبع تعلم بأنه هنا، و لهذا أرادت استغلال الفرصة! كزت على أسنانها. بغضب و استعرت نيران الغيرة بصدرها واستيقظت النمرة بداخلها حين شعرت بالخطر على رجلها و حبيبها الوحيد، لتقوم بالالتفات و التقدم بخطوات بطيئة مدروسة تاركة خلفها صدى كعب حذائها الرفيع والذي صار يعزف على أوتار ثباته وهو يراها تتقدم منه و في عينيها يلتمع الزمُرد مصحوبًا بألسنة اللهب التي جعلت بريقة يتضاعف لتظل أنظاره عالقة بها إلى أن وجدها تستند على المكتب خلفه واضعة يدها بجانبها وهي تقول بدلال:
ـ خلصت؟
جف حلقه من فرط المشاعر التي عصفت به، و لكنه أجابها بخشونة:
ـ قربت..
أشجان بنبرة خافتة ناعمة:
ـ أساعدك فى حاجة؟
اختصر حديثه حين قال:
ـ مش مستاهلة الموضوع بسيط.
تفاجئ حين وجدها تلتف لتقف خلف مقعده و تمد أناملها الرفيعة الناعمة لتُمسد أكتافه التي كانت تئن من فرط التعب والآن تنعم بملامستها ليُغمض عينيه تأثراً بلمساتها، و نبرتها الناعمة حين قالت:
ـ خلاص هساعدك بطريقتي..
استمعت إلى خطوات قادمة من الخارج لتخلع عنها الخجل جانبًا و تقوم بسحب نفس قوي إلى أعماق صدرها قبل أن تُدير مقعده ليكون مُقابلًا لها و تستند بكلتا يديها فوق ذراعي المقعد لتقول بهمسٍ قاتل:
ـ اتعبني يا خالد...
تفاجئ حد الذهول من فعلتها، ولكن سرعان ما انصبت جميع مشاعره في بوتقة الشوق الذي جعل أنفاسه تعلو و تتناحر بصدره لتخرج لهجته خشنة مُتهدجة حين قال:
ـ عايزة ايه يا أشجان؟
صححت قوله وهي تقترب منه حد التحام أنفاسهم:
ـ تؤ تؤ. قولي يا شجني..
ابتسم بعبث على حديثها ليقوم بمد يده ليجذبها حتى ترتطم بصدره و تستقر بين ذراعيه ليقول بنبرة رجولية أذابت أوصالها:
ـ لما تقولي عايزة أية؟
توقفت الخطوات على مقربة منهما لتعرف أن هذه فرصتها الوحيدة لرد الشر عن حياتها و لردع الشق الذي حدث بينهم لتهمس أمام عينيه قائلة بنبرة مُغوية:
ـ أنا مش هقول اللي أنا عايزاه! أنا هاخده..
أنهت حديثها و اندفعت ترتشف من عذب هواه، فقد أضناها الشوق و أرهقها الهجر، و لم تعُد تحتمل الشعور أنها مُهددة بفقدانه، و أيضًا لترى تلك الدخيلة أنها حبيبته و زوجته الوحيدة و قد كان لها ما أرادت، فقد تسمرت زينة في مكانها وهي تطالع هذا المشهد الرومانسي الذي جعل الدماء تتدفق في أوردتها، فانسلت بهدوء إلى الخلف حتى لا يلمحها ذلك الثنائي الغارق في لُجة العشق و ما أن حطت أقدامها في المصعد حتى رن هاتفها لتجيبه بملل، فوصلها صوت نبيلة الصارخ:
ـ ها وصلتي قبلها؟
زينة بملل:
ـ وصلت لقيتهم مشيوا، ويالا عشان مش فضيالك.
أغلقت الهاتف لتقوم بجذب آخر من حقيبتها و تقوم بإجراء مكالمة هاتفية وحين جاءها الرد هتفت بدلال:
ـ حسيت اني وحشتك، فقولت اكلمك نتقابل...
في الداخل لم يعرف كّلًا منهما كم مر من الوقت وهما غارقين في نوبة عشقٍ جرفت كليهما إلى جنة لطالما كانوا بها سوياً، لتأتي هي و تفسد كل شيء ولكنها تحاول جاهدة إصلاحه و تتمنى لو يساعدها قليلًا.
علت انفاس كُلًا منهما وكأنهم عائدين للتو من معركةٍ طاحنة و الحقيقة أنها كانت بمثابة معركة داخلية بين شوقٍ لايهدأ و غضبٍ مازال مُستعِر فالعقل لازال يتساءل ولم يجد ما يقنعه بالرغم من عشقه الضاري و حمايته المطلقة لها إلا أنه لايزال يريد من الأسباب ما يُرضيه ولا يقبل بترضية دون دوافع قد تشفع لكبريائه الجريح.
ألقت برأسها فوق صدره الخافق بعُنف وهي تحاول تنظيم أنفاسها الهادرة بينما هو كان صامتًا يحاول السيطرة على جموح مشاعره حتى لا يجد نفسه مُستسلمًا لقربها في نهاية المطاف..
ـ خالد...
هكذا تحدثت هامسة فقد طال صمته وقد أرهقها التفكير في رد فعله ولكنه أجابها بخشونة:
ـ نعم...
كانت يديه تُحيطانها بعناية و صدره يحتوي جسدها بحُب وقلبه يعانق قلبها بشوقٍ كبير تشعر هي به ولكن عينيه كانت بعيدة يسكن العتب و الألم زواياها مما جعلها تقول بنبرة يشوبها التوسل:
ـ لسه زعلان مني؟
خالد بنبرة جامدة:
ـ طول ما أنتِ مجاوبتيش عن سؤالي ليه عملتي كدا يبقى لسه زعلان منك.
أشجان بخفوت:
ـ يعني ندمي لوحده مش كفاية؟
خالد بجمود:
ـ ندمك خطوة كويسة. بس مش هيشفع عندي في غلط زي دا..
ـ طيب ولو قولتلك أنها كانت حركة غبية مني!
هكذا تحدثت بنبرة متعبة قابلها هو بآخرى جامدة حين قال:
ـ خلاص يبقى تسيبي الزمن هو كفيل يداويها..
أشجان بانفعال طفولي:
ـ بس انت وحشتني، و مبقتش قادرة اقعد في بيت الأشباح بتاعكوا دا وانت زعلان مني و مخاصمني...
خالد بصدمة:
ـ احنا بيتنا بيت أشباح؟!
تداركت خطأها لتقول بلهفة:
ـ هاه. لا مقصدش بس اقصد انك يعني وحشتني..
مد يده يُمسك خصلة هاربة من خصلاتها و يلفها حول إصبعه وهو يهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ وحشتك قد أيه ؟
أشجان بخفوت:
ـ وحشتني قد الدنيا كلها....
لم يكد يُجيبها حتى رن هاتفه ليلتقطه ناظرًا إلى رقم المتصل قبل أن يقرر الإجابة في نهاية الأمر:
ـ أيوا.. تمام أنا جاي أهو...
اغلق الهاتف وهو ينظر إليها قائلاً على مضض:
ـ مضطرين نروح دلوقتي في ضيوف مستنينا في البيت..
أشجان بفضول وهي تهب من مكانها:
ـ ضيوف مين؟
جذبها بغتة مُختطفًا من ثغرها قبلة سطحية قبل أن يقول بتقريع:
ـ الفضول قتل القطة..
رأت في عينيه شوقٍ لم يهدأ بعض لتهتف بدلال:
ـ لما أنت مخاصمني ليه بوستني ؟
خالد بنبرة متسلطة:
ـ وهو انتِ فاكرة أن حضرتك بس اللي مسموحلك تبوسيني وقت ما تحبي! يالا قدامي عشان نروح...
لا إراديًا ابتسمت على كلماته، فبالرغم من غضبه و حزنه لما فعلته ولكنه لازال يعشقها و ما فعلته اليوم حتمًا سيقلل الفجوة بينهم..
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ." ❤️
★★★★★★★
كانت تجلس في غرفتها تحاول النوم ولكن بكاء الصغير لا يساعدها إطلاقًا، واليوم كان صوته اعلى و هناك حركة في الخارج غير مريحة جعلتها تهب جالسة فوق مخدعها وهو تطلق أنفاسًا غاضبة و سرعان ما استرعى انتباهها حديث الفتاة المتقطع لتقرر ارتداء روب منامتها و الخروج لمعرفة اي لعنة تحدُث في الخارج و سرعان ما هالها مظهر الفتاة المُرتعب وهي تحاول الاتصال بشخصٍ ما ولكن يبدو أنه لا يُجيب لذا توجهت آسيا إليها لتقول بجفاء:
ـ أنتِ. في ايه؟
التفتت الفتاة إليها وحاولت شرح ما تريده بإنجليزية ضعيفة بعض الشيء:
ـ الصغير مريض كثيرًا. أنه يشتعل من الحمى ولا يستجيب لأي دواء كما أنني لا اجد السيد كمال أحاول الاتصال به كثيرًا ولكن هاتفه مغلق ولا اعرف ما الذي علي فعله؟
كان موقفاً كارثيًا بالفعل، فحين التفتت تنظر إلى الصغير الذي كان مخدعه مقابلًا لباب الغرفة تفاجئت حين رأت وجهه المُحمر بشدة و كأنه قطعة من النيران، فشعرت بالحنق و الكره تجاه هذا الرجل العديم المسئولية الذي يترك طفله في هذه الحالة، فيبدو أنه لم يعُد منذ أن فعل فعلته النكراء ليدفعها بعُنف حتى سقطت ملقاه على الأريكة و ولى هاربًا فمن الواضح أن الهروب هو أكثر ما يُجيب.
رغمًا عنها شعرت بالأسى لصوت الصغير الذي أن لم تقتله الحمى، فحتمًا سيقتله كثرة البكاء لذا تحركت على مضض وهي تنظر إلى هذه الغبية الفاتنة وهي تحاول الاتصال تاركة الطفل ينفطر من فرط البكاء لتهتف آسيا بشراسة:
ـ الله يلعنك انت و مجايبك يا كمال..
مدت يدها لتلامس جبهة الطفل لتجده يحترق وهنا تغلبت عليها إنسانيتها و قامت بحمله بين يديها لتقوم بنزع ملابسه بعُجاله قبل أن تحمله و تتوجه إلى المرحاض وسط أنظار الفتاة الغريبة الأطوار و قامت بوضعه في الحوض الكبير و فتحت صنبور المياة بعد أن قامت بجعل درجة حرارتها ملائمة لتقوم بتحميم الطفل و هي تحاول وضع المياة فوق شريانه النابض في رقبته بينما الآخر في فخذه كانت المياة تغطيه كليًا لتمر عدة دقائق حتى بدأ الطفل بالهدوء تدريجيًا و كأن نيرانه بدأت جذوتها بالخمود تدريجيًا حتى أنه بدأ بتحريك ركبته تعبيرًا عن شعوره بالسعادة لفعلتها مما جعل آسيا تهتف من بين أسنانها:
ـ بتضحك! تصدق انك بجح زي أبوك!
كان طفلًا جميلًا حتمًا كانت لتُحبه لو لم يكُن رمزاً لخيانتها، وعند هذه النقطة تصلبت يدها الممسكة بالطفل و كادت أن تُفلته ولكن عينيه الزرقاء الجميلة كانت تنظر إلى داخل عينيها و من ثم اهدتها شفتيه أجمل ابتسامة رأتها في حياتها، لتنتقل إلى شفتيها عدوى ابتسامته، فابتسمت هي الآخرى و اغرورقت عينيها بالعبرات لتهمس قائلة:
ـ أنتِ مش وحشة يا آسيا. مش زي ما هما شايفينك. دا طفل مالوش ذنب و مالوش حد زيك. أقرب ماليه سابه زي ما أقرب ما ليكِ سابك، متتخليش عنه.
كان حديثها ماهو إلا خروج من بقعة مظلمة اجتاحت قلبها دهرًا، و في هذه اللحظة أضاءت، فلطالما سمعت من الجميع كونها شخصًا أناني لا يرى سوى نفسه ولكن ها هي تحمل طفلًا صغيرًا كان وجوده بمثابة انهيار عالمها فوق رأسها، ولكنها لا تشعر نحوه بالكره أو الحقد. على العكس أشفقت على ضعفه وها هي تحاول مساعدته.
ليست سيئة، ولم تكُن بمثل هذه البشاعة التي حاولوا إلصاقها بها.
ابتسمت وهي تنظر إلى الصغير و تلامس جبهته بشفاهها حتى تقيس درجة حرارته، فوجدتها هدأت كثيرًا لتقوم بجذب أحد المحارم الكبيرة و لف جسده بها ثم خرجت إلى الغرفة، فلم تجد الفتاة لتقترب من الدواء الموجود على الطاولة، فقد كانت تعرف أنه خافض للحرارة، فكثيرًا ما كانت تسهر على راحة أطفال شقيقتها حين يمرض أحدهم، فقامت بالتوجه إلى الخارج لتصرخ على الفتاة التي هرولت إليها فقالت آسيا باستفهام:
ـ ما الجرعة المناسبة للصغير! و متى أخذ من هذا الدواء آخر مرة؟
الفتاة بتلعثُم:
ـ منذ أكثر من ثلاث ساعات، و حسنًا الجرعة هي (..).
قامت آسيا بأعطاءه الجرعة التي أخبرتها بها ثم حملت الطفل بحنو و أخذت تقرأ بعض آيات القرآن التي تحفظها، و بداخلها شيء يؤنبها بأنها أهملت حق ربها كثيرًا حتى أنها كانت تتخبط في بعض الآيات التي كانت في السابق تحفظها عن ظهر قلب، وهي آيات الرقية الشرعية..
هدأ الطفل بين يديها، لترفع رأسها وهي تقول باستفهام:
ـ متى موعد وجبته؟
الفتاة بأسف:
ـ لم يتناولاس شيءمنذ أكثر من ثلاث ساعات..
حدجتها آسيا بغضب لتلحق الفتاة نفسها قائلة:
ـ أنه معتاد على تناول الحليب في الليل من السيد كمال، فهو من يسهر به و يطعمه.
تمتمت آسيا حانقة:
ـ قصدك السيد غبي مش السيد كمال..
ـ عفوًا. ماذا تقولين؟
آسيا بلهجة آمرة:
ـ هيا حضري وجبته سينام المسكين وهو جائع لأنك كالبلهاء لا تُجيدين سوى العويل أكثر من الطفل نفسه.
اطاعتها الفتاة بلهفة لتحضر وجبة الحليب الخاصة بالطفل، وتتوجه إلى الأعلى فيما كانت آسيا تطالعه بشيء من الاندهاش من نفسها و من هدوئه بين يديها وقد شعرت بنشوة غريبة كونها شخصًا جيد بالقدر الذي يجعل طفلًا بريئًا في هذا العمر يتمسك بملابسها دون خوف أو شعور بالغربة، فهي المرة الأولى التي تحمله، وهاهو هاديء بين يديها و بدأت حرارته بالعودة تدريجيًا إلى طبيعتها مما جعلها تهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ المفروض اني اكرهك. بس دا محصلش. لاني مش وحشة. أنا النهاردة اكتشفت أن كلهم كانوا بيكذبوا عليا، و بيتهموني بالباطل. أنا عارفة أن عمري ما هسامح أبوك على اللي عمله فيا، و لا قلبي هيصفاله. بس أنا بردو مش بكرهك. انت نقطة فاصلة في حياتي، و زي ما اتسببتلي في ألم ووجع لا يحتمل. النهاردة أنا اكتشفت نفسي على ايدك.
كانت عينيها تذرفان العبرات بغزارة، فقد كانت ضحية لفساد نفوس لوثت قلبها و دنست براءة أحلامها، و قضت عمرًا تتخبط في دروبًا تجهلها. يعج قلبها بالتناقضات ينقسم إلى جحيم يستعر به الشياطين، و آخر تسكن به الملائكة، ولكنها الآن أدركت بأن شيطاينها لم يمحو الجانب الجيد بها، فهي لا تحمل ضغينة لطفلٍا صغير حتى ولو كان ابن غريمتها، و أن ما تكنه من حقدٍ كبير لأولئك الذين آذوها هو ما يستحقونه.
كانت على شفير الإنهيار، فقامت بوضع الطفل في مخدعه وهي تحاول كفكفة عبراتها قبل أن تأمر الفتاة التي تناظرها بفضول:
ـ هيا لتطعميه، و إياكي و أن تتركي حرارته ترتفع مرة آخرى، و إلا فسأحرص على أن تخسري عملك نتيجة إهمالك..
ـ لا سيدتي لن اتركه أقسم. هيا لترتاحي وانا اشكرك كثيرًا.
لم تنتظر آسيا لسماع باقي حديثها بل اندفعت إلى غرفتها وهي تشهق باكية لترتمي بعُنف على مخدعها و جميع العبارات المؤلمة التي تعرضت لها طوال حياتها تنهال على سمعها وكأنها طلقات تتراشق في صدرها، فقد عانت الأمرين فقط لكونها ابنة الخادمة التي لا يجب عليها أن تحلم أو تتمنى حياة سعيدة، تعلم أنها اخطأت ولكنها لم تؤذي أحد عمدًا حتى تلك الكلمات التي خرجت من بين شفاهها ذلك اليوم أمام هذه الحقيرة ميرهان لم تكُن تقصدها.
نعم ضعُفت أمام أنانيتها ولكنها تداركت الأمر و ندمت عليه. بالرغم من كل هذا الدمار الذي ألم بحياتها و كل تلك الصفعات التي تلقتها لكنها اليوم أدركت بأنها شخصًا لم يكُن سيئًا بطبعه، فهناك مشاعر نبيلة تفرض نفسها بقوة على واقعها و جرحها و حتى كرامتها، فاليوم حملت طفلة من اخرى متجاهلة أنين كبريائها الذي لم يردعها عن مساعدته، و في هذه اللحظة خرجت منها تنهيدة قوية شعرت براحة كبيرة بعدها لتكُن آخر شيء تتذكره قبل أن تغُط في نومٍ عميق ايقظها منه في السابعة صباحًا طرقٌ قوي على باب الغرفة جعلها تفتح عينيها بتكاسُل قبل أن تعتدل لتحاول أن تستيقظ كليًا حتى ترى من الطارق و لكنه لم يُمهلها الوقت لذلك فقد تفاجئت بهذا الضخم يقف أمامها بطلته المهيبة و مظهره المُشعث و عينيه الحمراء التي تبدو و كأن النوم لم يزر جفونها ليلة أمس، و لكن مظهره المُشعث لم يردعها عن الصراخ في وجهه بانفعال:
ـ أنت مين سمحلك تفتح الباب قبل ما اديك الأذن لدا؟
ضيق كمال عينيه و هتف ساخطًا:
ـ نعم ياختي..
لم تُمهله الوقت لإكمال جملته إنما قامت بإغلاق الباب في وجهه و اوصدته من الداخل وهي تهتف موبخة:
ـ تاني مرة متتكررش، و ياريت تستنى تحت عشان في كلمتين مهمين لازم تسمعهم مني..
لم يأتيها رد، و لوهلة شعرت بالذُعر من أن يقوم بتحطيم الباب فوق رأسها ولكن لا يهمها فهي وضعت خطًاف فاصلًا بينه وبين خصوصيتها وهذا هو المهم الآن مهما كانت توابعه، لذا و بعد مرور دقائق تأكدت من أنه غادر توجهت الى المرحاض لتأخذ حمام منعش و أنهت روتينها ثم اخرجت ملابس أنثوية جميلة عبارة عن تنورة تصل إلى ركبتها باللون الكريمي و فوقها جاكت من نفس اللون أسفله بلوزة داخلية من اللون الأخضر الداكن الذي تماشى مع لون عينيها هذا الصباح ثم قامت بوضع زينة خفيفة ولكنها تفي بالغرض كثيرًا عززت من جمالها إلى الحد الذي جعله مُشِع مما جعلها تشعر بالثقة لمواجهة ضارية ستخوضها أمامه الآن، و قد كان الحظ في صالحها فهو في اكثر حالاته ضعفًا يحتضن الطفل بحُب و شفتيه تتلوان عبارات الاسف الصادق من بين شفتيه، و رغمًا عنها شعرت بالغيرة تبدأ بغرس أنيابها في صدرها، فلو أحبت الطفل وساعدته ولكنه يبقى طفله من إمرأة آخرى، و في نهاية المطاف قمعت جميع انفعالاتها و حجبت شعورها جيدًا خلف قناع السخرية حين قالت:
ـ بعد كدا لما تقرر تخلف تبقى تسأل نفسك الأول جاهز تكون مسئول عن طفل ولا لا؟
تجاهل سخريتها و قام بوضع قبلة دافئة فوق جبهة الصغير الذي يبدو و كأنه سعيد كثيرًا بوجوده بجانبه، وقد لاقت ابتسامته صدى بداخل قلب آسيا فبالرغم من كل شيء كان طفلًا جميلًا.
ـ لسانك عالصبح..
هدرت الدماء في عروقها وهي تستمع إلى جملته الحادة و نظرته القاتمة لتهتف بسخرية:
ـ لساني عالصبح! طب للمرة التانية و الأخيرة بقولهالك خلي بالك من ابنك عشان أنا مش هربي ولاد حد... ايه دا؟
هكذا شهقت بعّنف وهي ترتد إلى الخلف حين استدار كُليًا فظهر صدره الصلب من ذلك القميص الذي كان مفتوح الأزرار لتشاهد تلك الندبة المريعة التي تشوه جزعه الأيمن، ليقشعر بدنها من مظهرها و خاصةً حين سمعته يهمس بمرارة:
ـ دا حاجة بسيطة من التمن اللي دفعته عشان حبيتك..
تساقطت جميع الأقنعة و تعرت مشاعرها بقوة أمام عينيه لتهتف بأنفاس مقطوعة و عينيه تنذران بهبوب العواصف:
ـ كمال أنت . انت بتقول ايه؟
عدل من وضع قميصه وهو يقول بجفاء:
ـ شكرا عشان اهتميتي بسيف و اللي حصل دا مش هيتكرر تاني.
كان تركيزها منصبًا على هذه الندبة البشعة و التي من الواضح أنها تشغل مساحة كبيرة من صدره لتمتد يدها رغمًا عنها و تحاول أن تلمسها ولكن كفة القاسي قبض بقوة على كفها قبل أن يصل إلى مبتغاها لتسمعه يقول بتحذير:
ـ اياكِ تعملي كدا.
كلماته و جفاءه اعادوها إلى حالتها الأولى لتحاول جـذب يدها من كفه الخشن وهي تهتف صارخة:
ـ متأمرنيش، و لا أنت بس اللي من حقك تقرب مني غصب عني عادي، و تجوزني غصب عني عادي، و تجبرني اجي اعيش جنبك هنا عادي! انت بس اللي ليك الحق تعمل كل حاجة عادي بس آسيا حرام عليها حتى السؤال.
كانت تتحدث وهو يتقدم إلى غرفته غير مُبالي بحديثها أو هكذا ظنت فحين توقف بمنتصف الغرفة استدار قائلاً بنبرة مُتعبة
ـ معنديش إجابة.
استنكرت حديثه و صاحت غاضبة:
ـ يعني ايه معندكش إجابة؟ بقولك ايه اللي عمل فيك دا؟
نظر إلى أعمق بؤرة في عينيها وهو يقول بنبرة جافة يتساقط منها الألم:
ـ قولتلك دا تمن حبي ليكِ...
كانت الكلمات تقرضها بأنيابها، فكيف هذا هو ثمن عشقه لها لذا لم تتراجع وهتفت مستنكرة:
ـ أيوا يعني ايه؟ مفهمتش..
كمال بجفاء ساخر:
ـ ولا عمرك هتفهمي. عارفة ليه؟ عشان مبتشوفيش غير نفسك بس...
أخطأ هذه المرة أن ظن بأن هذه الكلمات ستؤلمها بعد اليوم لذا هتفت بثقة و أعيُن يلتمع بهم التحدي:
ـ أنا مش أنانية كدا على فكرة...
كمال بسخرية:
ـ قوليلي حاجة واحدة شوفتها منك تثبتلي عكس كدا..
لم يخبو التحدي من صوتها ولكنها أضافت اللامُبالاه إليها حين قالت:
ـ مش ناوية أثبتلك حاجة ولا فارقلي انت شايفني ازاي؟
اقتربت منه وهي تشير بيدها قائلة بقوة:
ـ وعلى فكرة رؤوف مش أول مرة ييجي عندي و اطرده، والمرة دي كان هيبقى مصيره زي المرات اللي فاتت بس كنت مستنية اني يسمع مني اللي يخليه ميرجعش تاني.
توحشت ملامحه وهتف بشراسة:
ـ اسكتي.
عاندته قائلة بقوة:
ـ مش هسكت، و أنت كمان لازم تسمعني. مش فارقلي ايه اللي عمل فيك كدا عشان لو اللي حصلك دا تمن حبي، فأنا دفعت تمن حبي ليك أضعاف و كفرت عن غلطي في حقك بدل المرة ألف. ازاي بقى دي بردو مش مهم تعرفها. اللي مهم تعرفه اني هنا وضعي مؤقت.
أدار رأسه عنها، فحين تأتي عند نقطة دفع الأثمان تتدافع الذكرى إلى عقله و تبدأ الرؤى الموحشة بالعودة من جديد تدعمها شيطاين اختارت من قلبه مدينة تسكنها لتظل تذكره بما حدث بسببها، فتعالت الأصوات في رأسه و عاد بالزمن لاشهر مضت ليجد انثى فاتنة تتشبس برقبته وهي تهمس بتوسل و عينيها تذرفان العبرات بغزارة:
ـ ألا نستحق ليلة تمحو كل ما علِق بقلوبنا من عذاب كمال!
كان يحاول الإبقاء على وعيه قدر الإمكان ليهمس برفض قاطع:
ـ لورا رجاءً لاتفعلي ذلك..
لورا بإصرار:
ـ تحتاجني كمال كما احتاجك. تحتاج أن تدفن اوجاعك بصدر إمرأة مثلي. أنا اعرف كيف امحوها.
أخذ نفسه بصعوبة وهو يقول بتلعثُم جراء ذلك الدوار الذي يكتنفه:
ـ قلبي لا يعرف إمراة سواها. رجاءً ابتعدي..
لورا بحقد و ألم:
ـ أنها خائنة. لا تستحق هذا الوفاء صدقني..
كمال بتعب وقد بدأت الرؤية تتشوش أمامه:
ـ يكفي لا تفعلي ذلك.
لورا بهمسٍ يائس:
ـ إن لم افعل سنموت سويًا ونحن حاملين كل هذا الألم بداخلنا. سنموت ونحن نتألم. سنموت و نحن نتألم..
عاد إلى أرض الواقع وجملتها الأخيرة تتردد في أذنه ورائحة الحريق تملأ رأتيه ليقوم بالالتفات إلى الجهة الاخرى هاربًا من هذه الذكريات التي تكاد تقتله ليجدها تقوم بإمساكه من ذراعه لتجذبه حتى يعيد انظاره إليها هاتفه بملء فمها:
ـ بصلي وأنا بكلمك. أنا لا عمري خنتك ولا هعمل دا عارف ليه؟ عشان أنا شايفة نفسي اغلى و أكبر من كدا بكتير، فلو معين حد يتجسس عليا و يبعتلك أخباري وفر أجرته. لاني مش هعمل حاجة تقلل مني.
كان على شفير الإنهيار لذا تمسك بخيط النظرات الدائرة بينهم، وكأنه يستجدي الرحمة في صمتٍ ليهمس بخفوت:
ـ خلصتي؟
اهتزت نظراتها جراء ذلك الصراع الغريب في عينيه و هذا التعب البادٍ على وجهه لترتجف نبرتها حين قالت:
ـ لسه. أنا ماليش حد غير نفسي. انت وانا دلوقتي شايفين بعض كويس ووجودي معاك هو المحطة اللي قبل الأخيرة. المحطة اللي أنا صابرة فيها بالرغم من كل الشوك اللي في قلبي عشان أقدر أقف على رجلي و اقف في وشك وفي وش أهلي وفي وش المجتمع العقيم اللي أنا عايشة فيه دا واقولكوا أنا مش محتجاكوا في حياتي.
كان صامتًا هادئًا على غير المتوقع منه في هذه اللحظة ولكن هناك شيء يؤلمها بقوة كلنا تعمقت بعينيه، و بالرغم من ذلك فقد ارادت أن تكن واضحة معه، وهذا هو النهج الذي ستسير عليه حياتها بداية من هذه اللحظة لتقول بنبرة تتضمن كل معاني الألم و الإصرار:
ـ و حط في بالك اني معنديش رفاهية الهروب زيك. طول عمري الدنيا بتحطني في وش المدفع و تربط ايدي و رجلي وانا مطلوب مني أواجه بس، فأنا واقفة قدامك أهو وبقولك في يوم من الأيام هتلاقيني جاية أقولك خلاص رحلتك انتهت من حياتي. حبيت بس انبهك عشان متجيش تقول اني استغليتك تاني.
لم تكُن تساعده، ولم يكُن يريد أن يؤذيها يكفي ما حدث البارحة، ويكفي ما يُعانية من صراع داخلي سيقتله و خارجي سيُذهب عقله لذا هتف بنبرة جافة:
ـ خلصتي؟
ـ خلصت.
ألقت جملتها في وجهه و التفتت تنوي المغادرة لتوقفها كلمته الحادة حين قال:
ـ استني.
توقفت في مكانها ليهتف بنبرة جافة:
ـ في حراسة عليكِ في كل مكان حتى وأنتِ في أوضتك قولت اعرفك عشان تضيفيها لقايمة الحاجات اللي مضطرة تتحمليها لحد ما تمشي من هنا.
لم تحتمل ما سمعته لتستدير قائلة باستنكار:
ـ ايه العبث دا؟ حراسة عليا ليه أن شاء الله ؟
كمال باختصار:
ـ من غير ليه..
صاحت بهياج:
ـ مفيش حاجة اسمها كدا كل حاجة ليها سبب معين عليا حراسة ليه؟
ضاق ذرعًا من هذا الجدال العقيم و بدأ حبل الصبر بالإنفلات من بين يديه مما جعله يهتف بسخرية قاسية:
ـ عشان يحرسوا جمال خطوتك دا سؤال!
اغتاظت منه لتهتف باندفاع:
ـ دمك سم..
زمجر كمال مُحذرًا:
ـ لسانك لو طول هقطعهولك قولت.
افزعتها كلماته ولكنها لازال تقاوم لتقول بغضب:
ـ وانا قولتلك متقدرش. جاوبني قولي معين عليا حراسة ليه؟
اختصر حديثه قائلاً بنفاذ صبر:
ـ عشان العيلة كلها في خطر .
تشدقت ساخرة:
ـ يا فرحة قلبي والله دا احلى خبر سمعته. أيه دا يعني أشجان في خطر هي والاولاد ؟
قالت جملتها الأخيرة بفزع بعد أن تذكرت شقيقتها و طفليها ليُجيبها بجمود:
ـ خالد مأمن كل حاجة كويس بس بردو لازم نكون حذرين..
تحمحمت قبل أن تقول بصلابة:
ـ أنا أقدر ادافع عن نفسي كويس خلي الحراسة دي تقعد جنبك، و ياريت تحرمني من شرف زيارة تانية لشغلي مش عايزة بلاوي ولا فضايح اكتر من كدا.
استدار يخلع بنطاله بلامُبالاة وهو يقول بجفاء:
ـ خدي الباب في إيدك...
غادرت و هي تسُبه بكل أنواع السُباب ذلك الوقح المتغطرس لتتفاجيء من تلك المربية البلهاء تقول بابتسامة عريضة:
ـسيدة آسيا لقد أحضرت طعام الإفطار.
هذا ما كان ينقصها. مربية حمقاء تخبرها بعد كل هذه المشاحنات أن الطعام جاهز! هتفت آسيا بنبرة ساخرة عالية حتى يسمعها جيدًا:
ـ حبيبتي لست فرداً من هذا البيت حتى اجلس على المائدة و أتناول طعام الإفطار براحة. تستطيعين انتظار ذلك الدب ذو الرأس الكبير الفارغ كليًا من العقل ليأتي و يتناول الإفطار برفقتك.
ما أن أنهت جملتها حتى اندفعت إلى الخارج تلعن هذا البيت و ساكنيه....
استغفرك ربي و اتوب إليك ♥️
★★★★★★★★★
ـ يالا ياختي انتِ وهي طرقونا. وصلتوا العروسة بيت عدلها.. يالا بقى من غير مطرود..
هكذا هتفت عنايات بسماجة إلى النساء المتشحات السواد وهي تدخل فريسة أخرى إلى عرين ذلك الوحش العاجز لتفاجئها تلك المرأة المستديرة الحجم حين شهقت بعُنف:
ـ كلام ايه دا يا ست عنايات؟ نمشي دا ايه ياختي؟ لااااا احنا منمشيش غير لما نطمن على بنتنا. اومال ايه؟ دي عوايدنا..
بهتت ملامح عنايات من حديث المرأة و ذهب اللون من وجهها ولكنها حاولت الثبات قائلة:
ـ جرى اي يا نبوية؟ أنتِ بتقولي ايه؟ مش واثقة في بتك ولا ايه؟ يالا يا ولية بلاش عبط..
نبوية برفض قاطع:
ـ عبط! عبط دا ايه يا ست عنايات ؟! أنتِ هتصغرينا وسط الخلق ولا ايه؟ الرجالة اللي تحت دي بايته هنا قدام البيت لحد ما تطلعولنا المعلوم، و الحارة كلها تشهد أن بت نبوية صاغ سليم...
تناحرت الأنفاس بصدرها و شعرت بأنها على وشك السقوط من فرط الذعر، فهاهو مخططها يكاد ينفضح و لا تعلم كيف السبيل الى إنقاذ سمعة ولدها الذي لابد و أنه يرتعب في الداخل من سماعه لهذه الكلمات، فحاولت أن تتحلى بالصبر لتقترب من المرأة وهي تقول في أذنها:
ـ يا بت بطلي هبل. بتك لسه صغيرة، وعايزة محايله عشان متتعبش ولا يجرالها حاجة.
نبوية بصياح:
ـ لا ياختي. بتي فاهمة كل حاجة كويس. ليه هو أنا هبلة أجوزها على عماها. همتك بس دخليها لعريسها ومتقلقيش عليها خلي الرجالة ترفع راسها في وسط الناس..
لم تجد أمامها مفر من إدخال العروس إلى الداخل لتجد ولدها يقف كالمذعور خلف الباب يختلس النظرات إليها وقد كان يرتعب مما سمعه لتهتف عنايات بسماجة:
ـ ادخلي ياختي أوضتك امك دي أصل عقلها فارغ..
دلفت العروس إلى الداخل لتقترب من الغرفة الآخرى وتغلق الباب خلفها لتحاول طمأنه ولدها قائلة:
ـ أهدى يا قلب أمك. انت اشرب الإزازة اللي الشيخ ادهالك دي اللي فيها الشفا، و أن شاء الله كل حاجة هتبقى عال، و هنصرف الغجر اللي تحت دول، و ندرًا عليا لهخليها بعد كدا تبقى ممسحة لجزمتك بت نبوية الكلب..
طاوعها وهو يرتجف ليقترب من الغرفة، و يدلف إلى الداخل ليجد الفتاة بانتظاره كانت جميلة وصغيرة و ابتسامتها رائعة و مغوية ذات جسد فاتن لكنه لا يُحرِك به ساكنًا، بل على العكس شعر بالخوف منها و خاصةً حين سمعها تقول بدلال:
ـ قرب يارأفت أنت مكسوف ولا ايه؟
أراد التحدث فخانته الكلمات ليتنحنح وهو يحاول إخراج صوته:
ـ لا. مكسوف من ايه؟ أنتِ عبيطة؟ أنتِ اللي مكسوفة يالا عشان تنامي..
تفاجيء حين اقتربت منه الفتاة وهي تقول بجرأة:
ـ لا مش مكسوفة. انت جوزي و حبيبي و مفيش بيننا كسوف الليلادي...
كان يرتعب من انكشاف أمره، فهذه الفتاة ليست غنى تلك العصفورة الصغيرة التي كانت ترتجف ذات يوم خائفة منه، وقد استغل ضعفها و خوفها ليبثها أسوأ ما فيه و يخرج بها عجزه ولم يرحم برائتها لتنقلب الأدوار و يكون هو المذعور الآن من هذه الفتاة و أهلها القابعين في الخارج
ـ ايه يا رأفت؟ قرب مني خايف ولا اي؟
رأفت بارتباك:
ـ خايف من ايه يا بت يا قليلة الأدب أنتِ! ما تتلمي..
تجاهلت الفتاة حديثه و اقتربت تمسكه من ياقة قميصه وهي تقول بدلال:
ـ تعالى يا حبيبي...
كانت عنايات تقف في الخارج و الرعب يكتنفها بل و يكاد يقيد أنفاسها مما قد يحدُث في الداخل خاصةً وهي ترى نظرات النساء الحادة لتشعر بأن القادم سيء و سرعان ما تجمدت أوصالها حين سمعت صراخ الفتاة من الداخل و استنجادها بأهلها ووووو يتبع.....
فصلين في بعض رجاءٍ بقى شوية تقدير ريفيوهات حلوة كومنتات حلوة لايكات وفوت كتير عشان انزلكوا اللي بعده على طول..
دا جروبي على فيس بوك نوروني عليه
ذنوب على طاولة الغفران الفصل السادس وثمانون 86 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
بعتذر عن التأخير بس القطرة بتاعتي الولاد دلقوها و عنيا تعبتني جدا وانا بكتب النهاردة واضطريت افصل كتير بين المشاهد بسبب الجفاف اللي في عيني 💔
قراءة ممتعة متنسوش تعملوا فوت و تشاركوني بكومنتاتكوا على الفقرات اللي حبتوها♥️
ملحوظة مشهد رأفت و الجُملة اللي فيه انا بعتذر عنه بس والله انا بحاول انقلكوا شيء للأسف كارثي و بيحصل و كان لابد منه عشان يدوقوا عمايلهم في بنات الناس ✌🏻
السبيل الرابع و العشرون ❤️🔥
أحبك.. بقدر ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ تعجز عن وصفها عدة حروف صماء. أحتاجك.. بقدر حاجة الغريق لأنفاسٍ أخيرة تعيد إليه الروح من جديد. حاجة ليس فيها ترف أو رفاهية، بل هي ضرورة للبقاء على قيد الحياة. أشتاقك.. بقدر لهفة الأرض الظمأى لقطرة مطر تعانقها وتروي عطش سنينها العجاف. أفتقدك.. بقدر ذلك الفراغ المُوحش الذي يتركه الراحلون في قلوب المُدن المهجورة، حيث لا يزال صدى وجودهم يئن في كل زاوية.. و أتمناك بقدر كل هؤلاء، لكني أحترق بكل هذه المشاعر بأمرٍ من كبريائي الذي هو القاضي والجلاد، لذا ستراني أمامك بكامل ثباتي المُزيف بينما مُدني تتداعي من الداخل و تنهار جميع حصوني وأنا أراقبك بصمتٍ يقتلني قبل أن يقتلك، و سأُمارس معك طقوس الغياب باحترافية بينما أنا غارق في تفاصيلك بكل ذرةٍ من كياني. أتعلم؟ أنه شعور يُشبه العجز. أن يكُن قلبي بين راحة يديك، و لساني مُقيد بسلاسل حمقاء تمنعني حتى من قول صباح الخير. لأجعلك تظن بأنني لا أراك بينما عيناي لا ترى من هذا العالم سوى عيناك، فبالنسبة إلي الموت في فخ الكبرياء أهون من أن أمُد يدي طالبًا قربك. هكذا أحببتك و هكذا سأفقدك. أو ربما سأنجح يومًا في الهرب من بين براثنه و تراني أخبرك صباح الخير أنا أُحِبُك..
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
فزعت عنايات وهوى قلبها بين ضلوعها حين سمعت صوت صُراخ الفتاة لتندفع إلى الداخل وخلفها نبوية و من معها من النساء لتحاول إيقافهن قائلة بصراخ:
ـ راحة فين منك ليها؟ هي وكالة من غير بواب؟
نبوية بسوقية:
ـ نعم يادلعادي! وكالة ايه و بواب أيه؟ هي اللي بتصوت جوا دي كلبة! دي بتي اوعي كدا من وشي.
قالت جملتها و دفعت عنايات من أمامها وهي تصرخ في النساء خلفها:
ـ ورايا يا نسوان..
اندفعت النساء خلفها لتقوم بفتح باب الغرفة لتُصدم حين رأت ابنتها التي كانت تُمسِك السكين و توجهه ناحية رأفت و هي تصرخ قائلة:
ـ الحقيني ياما.
نبوية بلهفة:
ـ في ايه يابت؟ و ماسكة السكينة لجوزك كدا ليه؟
الفتاة رحمة بعويل:
ـ جوزي ايه؟ دا جوز جزمة. دا شكله مش نافع في حاجة ولما اتكشف على حقيقته ضربني و كان عايز يخنقني..
كانت أثر أصابع رأفت على وجهها و آثار حمراء حول رقبتها لتضرب نبوية على صدرها بشهقة قوية:
ـ يا نهارك مش فايت! بتضرب البت يا خايب يا نايب! دانا هخلي فضيحتك بجلاجل النهاردة، و هخلي اللي مايشتري يتفرج عليك..
دلفت عنايات الى داخل الغرفة لتجد رأفت يرتجف من الذعر الذي حاول إخفائه وهو يوجه اتهامات بشعة إلى الفتاة:
ـ فضيحة مين يا ولية أنتِ لمي بنتك الصايعة.. البت دي مش بنت اصلا، وجايين تلبسوهالي.
لطمت عنايات خدها من حديثه الذي تعلم توابعه لتصرخ نبوية بصوت جهوري:
ـ اخرس قطع لسانك. طب وحياة مقاصيصي دي لهخلي كل حاجة على عينك يا تاجر.. بت يا رباب اجري أندهي عمك عباس، و عمك رمضان خلينا الد...خلة هتبقى بلدي و يانا يا انتوا النهاردة.
تدخلت عنايات على الفور لتحاول تدارك الأمر قائلة:
ـ أيه يا نبوية في ايه؟ أنتِ مش عاملة احترام لحد ليه؟ ما تتهدي شوية البيت دا له كبير. بلدي ايه و زفت ايه؟ في واحدة تعمل كدا في بتها؟
نبوية بحدة:
ـ بتي وانا حرة فيها، واللي ابنك قاله دا هيدفع تمنه يا عنيا. ماهو مش كل الطير اللي يتاكل لحمه..
عنايات في محاولة لتهدئتها:
ـ وهو حد يقدر يقول غير كدا! متاخديش لرأفت على كلام. ما أنتِ عارفة الرجالة لما بتتعصب..
نبوية بصراخ:
ـ أنتِ فكراني عبيطة و هتضحكي عليا بكلمتين رجالة ايه و زفت ايه. دا بيتهم بتي في شرفها، و بعدين هي فين الرجولة دي ؟ البت بتقولك ضربها و معرفش يتنيل على عينه. لا انا الفار بيلعب في عبي، ويمين بالله ما هعدي اللي حصل ولازمن كل حاجة تبقى على المكشوف.
سمعوا صوت حمحمة في الخارج تلاها نداء غليظ من المدعو عباس:
ـ يارب يا ساتر....
نبوية بلهفة:
ـ يا معلم عباس. انجدنا ياخويا. تعالى شوف اللي بيحصل في بتك.
دلف عباس إلى الداخل فوجد ابنته بخدها المحمر و شعرها المُبعثر تقف خلف والدتها و رأفت يقف في آخر الغرفة و على وجهه إمارات الذُعر ليهتف عباس بجهامة:
ـ في ايه يا ولية؟
نبوية بسخط:
ـ البيه ضرب البت و كان بيخنقها و لحد دلوقتي متممش الجوازة و بيقولي بتك مش بت بنوت، يرضيك اللي حصل دا؟
عباس بغضب:
ـ لا طبعا ميرضنيش! انت بتقول ايه يا جدع انت؟ بتي أشرف من الشرف..
عنايات بلهفة:
ـ طبعا يا معلم عباس ولو مكنتش كدا مكنتش جيت خطبتهاله. رأفت بس اتعصب و الكلام خرج منه غصب عنه..
نبوية بحدة:
ـ لا يا عنيا الكلام دا مفهوش غصب كله إلا الشرف، و بصريح العبارة كدا. احنا سامعين كلام مش ولا بد على المحروس ابنك، وعايزين نتأكد أه. ما احنا مش هنرمي بتنا..
عنايات بانفعال:
ـ قطع لسان اللي يقول على ابني أي حرف.
نبوية بلهفة:
ـ حلوو. أهو احنا بقى عايزين نقطع لسنه الناس وعشان كدا لازمن كل حاجة تبقى على المكشوف. كدا ولا ايه يا معلم عباس؟!
عباس بغلظة:
ـ عداكي العيب يا أم رحمة. اسمعي يا ست عنايات احنا ناس لامؤاخذة منعرفش اللوع و محليتناش إلا شرفنا، و بصريح العبارة الليلة دي مش مريحانا. أنا عم البت وبقولك لازمن الناس كلها تشوف أن بت أخويا شريفة، وإن ابنك صاغ سليم، يا كدا يا هيبقى فيه كلام تاني، و كلام مش هيعجبكوا. قولتي ايه؟
هوى قلبها بين ذراعيها والتفتت تنظر إلى رأفت الذي كان يرتجف و عينيه ترفضان هذا الاقتراح الذي سيكشف عن نقصه المريع و سيِظهر عجزه المُخجل، ولا يعلم لما تذكر غنى في هذه اللحظة تلك الفتاة التي ذبحها في ذلك اليوم و أجهز على جسدها مُشبعًا أياه ضربًا ولم يرحم ضعفها و الآن تبدلت الأماكن و أصبح هو في موقف الضعف و لن يجد من يرحمه حتى والدته لن تستطِع مساعدته، فقد كانت تقف أمام زوج من العيون التي تحمل قسوة مريعة غلبت قسوتها و تجبرها، لتجد نفسها تُذعِن لإقتراحهم ليلتفت عباس قائلاً لنبوية:
ـ أنا هستناكي بره. تخلصي و تطلعي تديني الأمارة..
نبوية بلهفة:
ـ عيني ياخويا...
ـ يالا ياختي خدي بتك اغسليلها وشها كدا و خليها تفوق و تفتح نفس جوزها. دا شيطان والله وعين عين مصلتش على النبي...
هكذا تحدثت عنايات إلى نبوية قبل أن تقترب من رأفت لتقول برفق:
ـ ادخل الحمام خد الحبوب دي و خلي عندك ثقة في نفسك. انت كويس مش فيك حاجة.
رأفت بهمس و العرق يتصبب من جبينه:
ـ أنا. أنا عايز امشي. مش هعرف. اطرديهم. هموتهم كلهم..
همست عنايات بتحذير:
ـ قولتلك متخافش. خد الشريط دا و ادخل الحمام خد منه حباية و أن شاء الله هتبقى زي الفل. اسمع كلام أمك..
أخذ منها الشريط وأخفاه في ملابسه ليدلف إلى الحمام و أنفاسه الهائجة جعلت صدره يعلو و يهبط بعُنف و أنظاره تتفرق ما بين صورته في المرآه وبين الشريط في يده. ليقوم بإخراج حبة ليتناولها و سرعان ما عادت إلى ذاكرته تلك اللحظات العصيبة التي مرت منذ دقائق ليقوم بإفراغ أربع حبات من الشريط و يبتلعهم دفعةٍ واحدة دون أن يعي ماذا يفعل كل ما يريده أن يمر هذا الأمر دون أن يتعرى ضعفه و عجزه أمامهم، فأخذت العبرات تنهمر من عينيه وعقله يعيد إليه تلك الذكرى البعيدة لهذه الفتاة التي أخذ يُفرغ بها عجزه و ضعفه و يُكيل لها الضربات و اللكمات حتى هدأت ثورته، و الآن يكاد يقتله الغيظ ولا يستطِع حتى أخذ أنفاسه، فكيف إذا لم يستطِع فعلها؟ هل سيتوسل لهم إخفاء تلك الفضيحة؟ ماذا سيحدُث؟ لا يعلم يرتعب من فتح هذا الباب. مثلما كانت ترتعب غنى من فتحه ذات يوم حتى لا تسقط فريسة بيه يديه. هو الآن الفريسة وليس الجلاد. الآن هو المرتعب. الآن خابر شعورها جيدًا ولكم كان قاسي هذا الشعور يتقدم خطوة و يتراجع آخرى. يود لو أن يهدم هذه الجدران و يلوذ بالفرار من بين براثنهم مثلما تمنت غنى ذات يوم، ولكن استحالت تحقيق أمنيتها كما يستحيل تحقيق أمنيته، فقد سمع طرق قوي على باب المرحاض و نبوية تقول بتهكم:
ـ ما تيالا ياسيد الرجالة هتنام جوا ولا ايه؟
على تنفسه أكثر و شعر بأن قلبه على وشك التوقف، فقد كان أخذ جرعة مضاعفة من الدواء المنشط الذي أعطته والدته، دون النظر إلى توابع ذلك، ولكنه لم يكن يهتم يريد النجاة ولو كان ثمنها حياته تمامًا كما فعلت غنى يوم أن أحرقت المنزل لتنجو، فقد أحرق روحه الآن و بدأ مفعول الجرعة الزائدة بالظهور ليشعر بدقات قلبه تزداد و بدأ الألم بالزحف إلى صدره، مما جعل رعشة قوية تصيب جسده ليمتد كفه المنتفض و يفتح الباب ليجد عينين تطالعه بسخرية جعلت رجفة جسده تتضاعف و بدأت حبات العرق بالتشكل فوق جبينه ليتقدم إلى منتصف الغرفة، فرأى رحمة تتسطح على السرير و على اليمين تقف عنايات و على اليسار تقف نبوية و جميع الأعيُن تطالعه بترقب بينما هو يشعر بألم قاتل يجتاح صدره و يتجلى بوضوح فوق معالمه حتى تجعدت بقوة مما جعل عنايات تقترب منه قائلة بلهفة:
ـ مالك يا رأفت ؟ في أيه؟
رفع رأسه يطالعها بلوم و هو عاجز حتى عن النطق، ليرفع يده الممسكة بالشريط لترتعب حين وجدته قد أخذ خمس حبات دفعةٍ واحدة لتصرخ بذُعر:
ـ يا نهار أسود! انت خدت كل دول ؟
لطمت خدها بعُنف وهي ترى ملامحه و شحوب لونه و ألمه الكبير لتصرخ بعويل:
ـ أنا قولتلك واحدة. قولتلك واحدة بس يا رأفت...
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدته يضع يده فوق قلبه وهو يصرخ من شدة الألم ليسقط بين يديها وهي تصرخ بملء فمها:
ـ رأفت...
سقط رأفت أرضًا وهو يتألم و يحاول أخذ أنفاسه و ملامحه توحي بمدى ألمه لتصرخ عنايات بقهر:
ـ الحقونا. حد يطلب الدكتور.
اخذت تصرخ بعُنف وهي تلطم خديها لتحدث حالة من الهرج والمرج حولها، و فجأة صمتت كل الأصوات و كأنها أصبحت في معزل عن العالم حين وجدت جسده يسكن بين يديها دون حِراك وإمارات الفزع بادية على وجهه متمثلة في عينيه التي كانت جاحظة بشكل مرعب لتُدرِك بأنه قد فارق الحياة، و هنا لم تستطِع سوى أن تنوح بصوت اهتزت لها الجدران..
ـ ابننني.....
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين❤️
★★★★★★★★
ـ أنت عتجول ايه يا رحيم ؟ مين دي اللي بت رماح؟
اعتدل رحيم وهو يناظرها قائلًا بلهفة:
ـ اسمعيني يا عمة. نچاة متعرِفش رماح ولا اتربت وياه. نچاة مش شبهه ولا زيه.
صافية بتهكم:
ـ اومال شبه مين إياك؟ نانسي عچرم! بته من لحمه و من دمه يعني وارثه منِه هو العيل بيطلع لمين إياك!
رماح بنفاذ صبر:
ـ يا عمه اسمعيني.. جولتلك معاشتش وياه ولا تِعرفه. دي جصتها واعرة جوي. اسمعيها اللول..
صافية بسخرية:
ـ اشچيني يا جلب عمتك..
زفر رحيم بحدة قبل أن يخبرها ماحدث معه و معها. قص عليها الأمر برمته لم يخفي عنها شيئًا، فقد كان يود أن يُسقِط كل هذه الاحمال من فوق كاهله يريد أن يستمع إلى رأيها، فقد كان يتمنى لو يرشده أحدهم إلى الصواب يشعر بالتعب المُضني الذي يجتاح قبله و عقله معًا، و لذلك اختتم حديثه قائلاً:
ـ انا عارف انك مش ظالمه، و حكيتلك كل اللي في جلبي مش عشان اخليها تصعب عليكِ لاه. عشان محتاچ اسمع كلمة تريحني. محتاچ أعرِف أني صح ولا غلط. محتاچ أشوف الحجيجة في عيون حد بيخاف عليا و بيحبني. اني معنديش حد غيرك يا عمة أجدر أبكي في حضنه من غير خچل..
كان يتحدث و عينيه تذرفان عبرات غزيرة كان احتفظ بهم لسنوات مما جعل قلبها يرق لأجله و تشاطره لحظات ضعفه لتبكي هي الآخرى بينما يديها تمحو عبراته وهي تداعبه قائلة:
ـ أجولك ايه يا أذكى اخواتك أنت. يعني خلصت من بنت الحية و رايح تتچوز بنت التعبان! من ريما لمشكاح يا جلبي لا تحزن..
نجحت كلماتها في انتزاع ضحكته من قلب الوجع ليُقهقه بقوة على حديثها وهو يقول بخشونة:
ـ ضحكتيني يا صافية، واني في عز وچعي. لساتك دمك خفيف كيف ما كنتي..
صافية بحدة مُفتعلة:
ـ صافية وتد بنت وتد. فكرك حاچة تجدر تجصر فيها ولا اي؟ احنا الوتايدة نمشوا الچن على هوانا. بالك أنت عمتك جعدت السنين دي كلاتها مع التعبان ده كيف؟ داني كنت بلففه حوالين نفسه كيف المخبول، ولا عرِف يطول مني صباع حتى.
ضحك رحيم بقوة قبل أن يقول بمزاح:
ـ والله ما أنتِ جليلة أبدًا. المهم جوليلي رأيك اي؟
صافية بتعقل:
ـ رأيي هجوله لما اعاشرها. لو بت رماح أني اللي هاخدها بيدي واطلعها من حياتك. لأن نسل رماح مبيچيش من وراه خير.. لكن لو لجيتها كيف ما بتجول. أني بيدي اللي هخدها في حضني.
كان قلبه يرفض أن يحدث أي شيء يمكن أن يفرقها عنه ولكنها كانت محقة لكنه قال بتحذير:
ـ واني موافج. بس خلي بالك. لحد ما تتوكدي من معدنها اوعاكي تزعليها. او تدوسيلها على طرف. دي مرتي يا عمة، واني جلبي بيجولي أنها مش عفشة زييه.
رفعت يدها لتربت على كتفه وهي تقول بحنو:
ـ متجلجش. أني عارفة هتعامل معاها كيف. بس انت لازمن تعرِف و تحط ده في عجلك. أن رماح مش هيسكت، و بدل عارف بوچودها هيحاول يجرب منِها مش حب فيها ولا عشان بته. لاه. ده عشان مصلحته. متخليش العشج يعمي عنيك. حرِس من عدوك مرة و من حبيبك ألف..
كلماتها أضاءت في عقله أفكار كثيرة لم تكُن غائبة ولكنه كان يرفض التطرق إليها ليستمع إلى صافية وهي تقول:
ـ احميها منيه و من نفسها لو كانت تعز عليك، واني عن نفسي لازمن أعرِفها نوعه كويس. عشان لما تجع الفاس في الراس متچيش تجول محدش عرفني.
رحيم باختصار:
ـ عندك حق....
سمعوا طرق خافت على بابا الغرفة، فالتفت رحيم سامحًا للطارق بالدلوف إلى داخل الغرفة ليجد نجاة تطل برأسها من الباب فابتهج قلبه رغمًا عنه، فقد أعطى الأمر للخادمة بأن تخبرها اللحاق به إلى هنا وها هي أطلت عليهم بجمالها الآخاذ الذي يجعل نجوم الحب تلمع في سماء عينيه، وقد لاحظت ذلك صافية التي ضيقت عينيها وهي تناظر نجاة بتقييم أشعر الأخيرة بالإرتباك مما جعل نبرتها مُرتعشة حين قالت:
ـ مساء الخير . كيفك يا عمة؟
صافية بنبرة هادئة:
ـ بخير يا بتي. تعالي اجعدي.. اتوحشتي چوزك ولا ايه؟
قالت جملتها الأخيرة بمكر وهي ترصد انفعالاتها لترى الخجل يخيم على ملامحها و الارتباك يسيطر على نبرتها وهي تجيبها بلهفة:
ـ لاه. متوحشتوش. اجصد. يعني. الخدامة جالتلي أچي على هنه...
هزت صافية رأسها وهي تتمتم بخفوت:
ـ مش هلالية لاه.. جربي يا هبلة أهنه. في واحدة تكون متچوزة الجمر ده و ميوحشهاش. لاه. دانتي عايزة جرصة ودن تفوجك باين .
امتقع وجه نجاة و استمتع رحيم كثيرًا بما يراه، فقد شعر بأنها نالت رضا صافية ليتدخل في لعبتها قائلاً:
ـ يرضيكِ يا صافية بتجولها أكده في وشي؟
صافية بمكر:
ـ سيبك من حديت اللسان يا ولدي. ده كذاب خلينا في حديت العيون. شوف عينيها بتجولك ايه و اسمعه ؟
اغتاظت نجاة من حديثهم كثيرًا و خاصةً حين سمعت رحيم يقول بتخابُث وعينيه تشتبك مع خاصتها في حديث خاص:
ـ تصدجي عندك حج. أني بعد أكده مش هسمع غير ليهم.
نجاة بسخط:
ـ ليه خُرص اومال! هنجضيها بص في عيون بعضينا ولا اي؟
تفاجئت صافية من حديثها العفوي لتبتسم قائلة:
ـ العنين بتبص عالقلب يا نچاة. لو عايز تعرِف اللي قدامك جلبه فيه ايه! بص في عنيه..
نجاة بجمود:
ـ مش كل الناس. في ناس بتعرِف تكذب وهي عينيها في عنيكي يا عمة.
صافية بهدوء:
ـ يوبجى العيب فينا. العين اللي بتكذب مبتجدرش تواچه ولو واچهت توبجى كاسرة العين اللي جدامها أو عارفة أن العين دي عاميها الحب و مخليها مشيفاش الكذب.
اخترقت كلماتها رأس نجاة التي تقازفت دقات قلبها رعبًا من أن تكن هي المقصودة فضميرها لا ينفك يؤنبها على إخفائها مكالمات والدها عنه، ولكنها لا تخفي لأنها سيئة بل لأنها لا تعلم من المُحِق ومن المُخطيء؟ قلبها يخبرها شيء و عقلها يطالب بدلائل ملموسة حتى يسلم رايته هو الآخر. تتعلق بخيط والدتها، فهي الوحيدة التي ستعرف منها الإجابة، ولا شيء يقودها إليه.
كانت صافية تقيم ملامح نجاة و انفعالاتها جيدًا لتقرر قطع دائرة أفكارها وهي تقول:
ـ بجولكوا أيه اني زهجت من الجاعدة أهنه. عايزة اشم هوى يالا بينا ننزلوا نشوفوا الناس اللي بره دي هتعمل ايه؟
كانت عيني رحيم لاتزال مُثبته على نجاة و داخله يتضرع إلى الله أن يخطيء ظنه و ألا تكُن يد هذا الرجل طالتها، ولكنه لم يفصح عن شيء بل قال بنبرة خشنة:
ـ جومي بينا ننزل يا عمة أساسي مفاچأة زينة جوي مستنياكي تحت..
اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي". ❤️
★★★★★★★★★
كان الجميع في غرفة الجلوس حين بدأ خالد بالحديث موجهًا حديثه إلى أشجان قائلًا بنبرة خشنة:
ـ أشجان عايزك تدي أمر للخدم يجهزوا الفيلا اللي بتطل على الاسطبل.
تنبه الجميع لحديثه، و خاصةً نبيلة التي كانت تشعر بأن هناك خطبًا ما حين أخبرتها الخادمة بأن خالد يريد أن يتناول الجميع العشاء سويًا في القصر لتتحفز جميع حواسها حين سمعت حديثه و إجابة أشجان التي قالت بهدوء:
ـ حاضر.
نبيلة باستفهام:
ـ ليه عايزهم يجهزوها يا خالد؟ دي مقفوله من زمان أوي...
خالد بنبرة خشنة:
ـ مقفولة من وقت ما صاحبها مات...
نبيلة باستفهام:
ـ و مين صاحبها ؟
خالد بجفاء:
ـ جدك محمود. نسيتي ولا ايه؟
بدأت الأفكار بالزحف إلى عقلها لتقول بنبرة ساخطة:
ـ جدي محمود ولا جدي منير؟!
صافية بجمود:
ـ اللتنين واحد يا نبيلة. كنك نسيتي زمان ولا ايه؟
نبيلة بجفاء:
ـ لا منستش، و دا اللي مخليني مستغربة و مستغربة اكتر وانا شيفاكي.
ضيق خالد عينيه قبل أن يقول بصرامة اجفلتها:
ـ و هتستغربي أكتر لما تعرفي أن ورث عمي محمود كله هيروح لياسر و أخواته.
هبت نبيلة من مكانها وهي تقول باستنكار:
ـ أيه؟
خالد بقسوة:
ـ اللي سمعتيه. عم ربيع الله يرحمه اتظلم، و اتنفى و خسر أرضه و ماله، و اتهموه في جريمةمعملهاش و احنا عرفنا مين اللي عمل كدا و صافية قدامك اهي. يبقى الحق يرجع لصحابه.
نبيلة بانفعال:
ـ أنت كدا بتاخد الحق من صحابه. أنا معرفش ايه اللي حصل مع صافية و ميهمنيش اعرف. بس اللي اعرفه ان دا حقنا، و الأملاك في البلد وهنا وحتى الأرض دي وكل اللي حواليها من فلوس جدي منير. اللي سابها لبابا الله يرحمه و عمي رجب ابو رحيم و عمي خلف ابو مطاوع و حنان الله يرحمها، و جدي منير قسم كل حاجة قبل ما يموت وكل واحد في دول خد حقه. منين بقى طلعتلي بعمي محمود و ياسر و أخواته!
كان الهواء ساخنًا حولهم و الجميع متحفز من رد فعل خالد الذي كانت ملامحه لا تنذر بالخير أبدًا و عينيه تشملان نبيلة بنظرات حادة وهو يُجيبها بنبرة صارمة تفي بأن صبره على وشك النفاذ:
ـ من غير كلام كتير أنتِ سمعتي اللي أنا قولته واللي هيحصل. رأيك تقدري تحتفظي بيه لنفسك.
نبيلة بانفعال:
ـ بس أنا شايفة أن دا....
قاطعها خالد بنبرة حادة وعينين تطلقان تحذيرًا لا يُمكن تجاهله:
ـ وفري اللي شيفاه لنفسك. أنا مطرحتش الموضوع للنقاش عشان تقولي رأيك. أنا قولت الحق هيرجع لصحابه. عجبك أو لا ميهمنيش.
شعرت بالغضب يفترسها لتهتف بانفعال:
ـ بس دا ظلم. أنهم ييجوا ياخدوا حقنا على الجاهز؟ كدا ولا لا يا رحيم..
تبادل كُلًا من خالد و رحيم النظرات ليقول الأخير بجفاء:
ـ لاااه. الظلم يا بت عمي أننا ناكل حق الغلابة. عمي ربيع اتظلم و اتشرد هو و عياله، و اتفرج عن أهله وناسه، نوبجى ظالمين لو مرچعناش الحج لعياله بعد ما ظهرت براءة أبوهم..
نبيلة بغضب:
ـ طيب ما تعرفونا بقى أثبتوا براءته ازاي؟ و الست صافية اللي ظهرتلنا بعد سنين واحنا مفكرينها ميتة دي طلعت منين هي كمان؟
هتف خالد بنبرة افزعتها:
ـ ميخصكيش، و اعرفي حدودك كويس.
نبيلة بانفعال:
ـ أنا اكبر منك لو كنت مش واخد بالك يا خالد، و مع ذلك بكبرك و بسمع كلامك عشان انت كبير العيلة لكن انا من حقي أفهم، انت بتتكلم في نص التركة! مش شوية فكة، و كمان كمال مش موجود ياترى هو موافق على الكلام دا؟
خالد بجفاء:
ـ حلو انك عارفة انك الكبيرة. ياريت تتعاملي على انك كبيرة فعلًا، و بالنسبة لكمال فبلاش أنتِ بالذات تتكلمي عنه.
تدخلت ميرهان في الحديث قائلة:
ـ ما علينا من أبية كمال. طب وأنا! مانا كمان مش موافقة الناس دي تاخد ورثي..
ابتسم خالد بسخرية قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ ورثك أنتِ وهي ابوكوا الله يرحمه مقسمة من قبل ما يموت وانتوا عارفين دا.
نبيلة بذعر:
ـ بس دا ميرضيش ربنا، وانت قولت مش هظلمكوا و هديكوا حقكوا بما يرضي الله.
خالد بنبرة خشنة لاتخلو من المكر:
ـ حصل. بس المباديء مبتتجزأش يا نبيلة، وزي ما رفضت أن أبوكي يظلمكوا مش هظلم ولاد عمك، وكل واحد فيهم هياخد حقه، ولا ايه رأيك يا عمدة؟
تحمحم رحيم قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ عداك العيب يا كبير، و يسلم لسانك..
تدخلت صافية قائلة بصوتٍ رنان:
ـ اجعدي يا نبيلة و ابلعي ريقك، و بطلي تكيلي بمكيالين، واحمدي ربنا ان اخوكي زينة الرچال مجبلش يظلمك أنتِ و أختك..
نبيلة بانفعال:
ـ طبعًا ماهو الموضوع على كيفك. ما أكيد أنتِ كمان هينوبك من الحب جانب..
خالد بتهكم:
ـ لا دي هتاخد الحب كله متقلقيش..
نبيلة بانفعال:
ـ بكرة تندم يا خالد، و خليك فاكر أن كل واحد بيحاسب على أفعاله. الدنيا مبتفوتش حاجة..
ضيق خالد عينيه و اسودت معالمه حين قال بنبرة قاتمة:
ـ كويس انك عارفة أن الدنيا مبتفوتش حاجة حتى لو عدا عليها ألف سنة..
لا تعلم لما أقشعر جسدها من كلماته ونبرته و نظراته لتشعر بأن الغرفة لم يعُد بها سواهم، فقط هي أسيرة لنظراته المُريبة و ملامحه الجامدة لينقذها قدوم الخادمة التي جاءت لتخبرهم بأن العشاء جاهز ولكنها لم تجد في نفسها طاقة للبقاء أكثر مما جعلها تقول بارتباك:
ـ أنا ماليش نفس عن اذنكوا....
غادرت من المكان وهي تشعر بأن كل شيء حولها ينهار تريد الصراخ من فرط الغضب ولكن لن تفعل حتى لا تدع احد يشمت بها بل قررت أن تحاول ايقاف هذا الجنون على طريقتها
في الداخل انتهى العشاء بهدوء ليتوجه خالد الى غرفة المكتب فلحقت به ليتفاجيء بها تغلق باب الغرفة خلفها وهي تقول باستفهام:
ـ هتفضل هنا النهاردة بردو يا خالد؟
لم يلتفت إليها إنما قال وهو يخلع جاكت بذلته:
ـ ورايا شغل كتير .
أشجان بغضب:
ـ بطل تتهرب مني يا خالد. هو الشغل دا مبيخلصش ؟
خالد باختصار:
ـ لا.
اقتربت تقف أمامه وهي تنظر إليه قائلة بعتب:
ـ هنفضل كدا لحد امتى؟
خالد بنبرة خشنة:
ـ معرفش السؤال دا تسأليه لنفسك...
أشجان بتعب:
ـ أيوا وبعدين ؟ عقابك دا هينتهي امتى؟
نفذ سهم الغضب، فقد كانت شرارته مُشتعلة من البداية بسبب ما حدث منذ قليل ليهتف بقسوة:
ـ مفكرتيش في السؤال دا ليه قبل ما تعملي اللي عملتيه ؟!
افزعتها نبرته و أحزنتها كثيرًا مما جعلها تقول بشفاة مرتجفة:
ـ انا فعلا مفكرتش. بس يمكن عشان عمري ما تخيلت انك ممكن تقسى عليا مهما حصل..
تناثرت عبراتها بغزارة فكانت كالصخور تسقط فوق قلبه الذي كان يتألم لأجلها و لأجله ولكنه لا يستطِع غفران ما حدث، و أيضًا لا يستطِع تركها تغادر وهي في هذه الحالة فما أن أوشكت على فتح بابا الغرفة حتى وجدته يغلق مرة أخرى لتلتفت و تجد نفسها محاصرة بينه وبين باب الغرفة، فأخفضت رأسها تبكي بقوة ليكن صدره هو الجدار الذي احتوى ضعفها و ألمها على الرغم من كل الألم الذي يشعر به ولكنه لم يستطِع تركها تعاني أبدًا ليقوم برفع رأسها لتتعلق عينيها الباكية بعينيه العاشقة فمد أنامله ليمحو عبراتها بحنو وهو يقول بنبرة خشنة مُثيرة:
ـ مش معنى انك عارفة أن دموعك بتقتلني تستغلي دا ضدي..
أشجان بخفوت:
ـ أنا مقصدتش اعمل كدا..
خالد بصوتٍ أجش:
ـ ولا أنا قاصد اوجعك. بس أنا زعلان منك و أوي.
همست بلهفة:
ـ خالد.....
وضع إصبعه فوق شفتيها وهو يقاطعها قائلًا:
ـ هششش. مش عايز اسمع اعتذارات. عايزك تعرفي اني مش قاصد اجرحك أو ابعد عنك. بس الموضوع مزعلني و لسه مش قادر اتخطاه. وبعدي عنك دا واجعني اكتر منك.
لم تعد قادرة على الاحتمال لذا هتفت بتعب:
ـ وانا معملتش دا من فراغ. بس صدقني أنا بخاف من كل اللي حوالينا واللي عمال يحصل. كل حاجة حوالينا تخوف عيلتك تخوف و فلوسها و نفوذها يخوف و نبيلة اكتر حد يخوف..
خرجت الكلمات من بين شفتيها دون القدرة على إيقافها ليرتفع أكد حاجبيه تعبيرًا عن الاندهاش من ذكرها نبيلة ليقول باستفهام:
ـ نبيلة!
حاولت جعل نبرتها ثابتة حين قالت:
ـ أنت شوفت لما جت سيرة الفلوس بقت عاملة ازاي! أنا خوفت. أيوا خوفت. كنت عايزة اقدر اتعامل و اتأقلم على كل حاجة قبل ما يكون في طفل بيننا. يمكن انت متتفهمش خوفي عشان عمرك ما جربت الخوف قبل كدا. بس أنا غصب عني بخاف...
جذبها خالد الى داخل ذراعيه وهو يهدأها و عقله يعمل في جميع الاتجاهات و التي تمحورت جميها في كلمة واحدة" نبيلة' أوشكت على الابتعاد لتتحدث ولكنه شدد من احتضانها وهو يهمس بخشونةقائلاً:
ـ خليكِ في حضني شوية..
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال. ❤️
★★★★★★★★★★
ـ ياسر أنت جايبني هنا ليه؟ هو أنت هتتجمع مع عيلتك تاني؟
هكذا تحدثت غنى بملل إلى ياسر الذي كان يصف السيارة أمام الباب الداخلي للقصر وهو يقول باختصار:
ـ اتكي عالصبر شوية و أنتِ هتعرفي كل حاجة في وقتها...
زفرت بملل وهي تترجل معه ولكن لدهشتها، فقد جذبتها يداه إلى طريق آخر كان عبارة عن ممر حجري تزينه الأشجار يشق طريقه بين الحديقة الشاسعة ليأتيها صوت صهيل الأحصنة مما جعل حواسها تتأهب و الحماس بداخلها يزيد إلى أن ظهرت أمامهم فيلا كبيرة مظهرها من الخارج يوحي بالفخامة و الترف و الباب الداخلي لها كان عبارة عن بوابة كبيرة عبرتها بجانبه وهي غارقة في الانبهار بهذا الجمال و الترف المُحيط بها و الذي تضاعف حين دلفت إلى الداخل لتتوسع عينيها من الإعجاب وهي تنظر إلى فخامة المكان من الداخل و روعة التصميم لتدور حول نفسها وهي تتأمل المكان، وفجأة خرجت شهقة خافتة من جوفها حين شعرت به يحيط خصرها من الخلف وهو يستند بذقنه فوق كتفها ليهمس بجانب أذنها بنبرة عاشقة:
ـ الأميرة أخيرًا نورت مملكتها..
كلماته دغدغت حواسها و ألهبت فضولها مما جعلها تهمس بخفوت:
ـ أميرة ايه و مملكة ايه أنا مش فاهمة حاجة ؟
أدارها إليه بحركة مُباغتة لتصبح في مواجهته تتنفس أنفاسه و يرتوي من عبيرها ليهمس وهو على مقربة كبيرة منها:
ـ النهاردة اتحقق حلمي من وانا عندي ١٧ سنة. النهاردة رجعت لأهلي و عيلتي و رجعلي حقي وحق أبويا يا غنى.
كانت هناك طبقة كريستالية من العبرات تغطي عينيه و نبرته كانت متأثرة كثيرًا مما جعلها تقول بعدم فهم:
ـ أنا مش فاهمة حاجة يا ياسر فهمني؟
قام بإمساك يدها و أدارها كالعروس وهو يقول باكيًا:
ـ دا قصر جدي محمود الوتيدي. جدي أنا يا غنى. دا قصرنا أنا و أبويا و اخواتي و دا مالنا اللي اتحرمنا منه سنين.
برقت عيني غنى من حديثه لتقول بعدم فهم:
ـ بتقول ايه؟
ياسر بنبرة متحشرجة:
ـ زمان أبويا اتغدر بيه من واحد كلب واتهموه أنه اغتصب صافية و قتلها، و جدي منير حرمه من كل حاجة وطردنا من البلد. كان هيقتله لولا هيام اختي اللي اترمت تحت رجليه تترجاه يسيبه عشان مكنش عندنا غيره بعد وفاة أمي الله يرحمها، اليوم دا مش ناسية طول حياتي ولا ناسي القهرة اللي حسيت بيها و الكسرة اللي اتكسرتها.
رفع رأسه إلى السقف العالي وهو يقول بنبرة جريحة:
ـ مكناش بنيجي هنا كتير كانت حياتنا كلها في البلد بس أنا فاكر حاجات كتير أوي هنا، زي مانا فاكر قد أيه كنت بعش تراب كل مكان عليه اسم الوتايدة. انا كنت متعلق بأهلي أوي يا غنى، ببلدي، بترابها، بأصولها، و اتكسرت لما اتحرمت من كل دا. لكن النهاردة رجع الحق لأصحابه.
تأثرت من حديثه و من هول ما حدث معهم لتتساقط عبراتها تأثرًا بوجعه ليقترب منها يحتضن أكتافها بيديه و يستند بجبهته فوق خاصتها وهو يقول من بين عبراته:
ـ اختارت أعيش لحظة انتصاري معاكِ. اخترت لما ارجع لأصلي و لأهلي بعد السنين دي كلها اكون معاكي..
عانقته غنى بقوة، فقام بحملها والدوران بها في البهو الواسع و كأنه يعلن انتصاره و لأول مرة على هذه الحياة، فهاهو عاد إلى أهله و استرد ما كان يملك و فوقهم هي،وقد كان هذا أعظم انتصار ظفر به طوال حياته..
مرت نصف ساعة وهو يتجول بها في المكان الذي أبهرها في جماله و فخامته ليقفا أخيرًا في شرفة كبيرة تطل على حظيرة الخيول ليمد ياسر يده يداعب خصلات شعرها قبل أن يقرر الحديث قائلًا:
ـ المكان عجبك؟
غنى بانبهار:
ـ عجبني بس! دا يجنن يا ياسر..
ياسر بحماس:
ـ ولسه لما اخدك البلد، وتشوفي الدوار بتاعنا اللي هناك، و الأرض كمان. كل حاجة هناك حلوة لدرجة أنك هتحسي انك مش قادرة تفارقيها.
غنى بسعادة:
ـ متحمسة أوي اروح هناك.
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ أن شاء الله في أقرب وقت. المهم دلوقتي اننا هننقل هنا في أقرب وقت.. دا من للحظة دي بيتك. البيت اللي هنعيش فيه و نربي فيه ولادنا...
غنى بذهول:
ـ بتقول ايه يا ياسر؟ أحنا بجد هنعيش هنا؟
ياسر بمرح:
ـ تخيلي!
ـ بطل رخامة بقى. بجد هنعيش هنا؟
قهقه ياسر قائلًا:
ـ يا بت قولتلك أيوا..
لم يكد يُكمل حديثه حتى رن هاتفه، فرفع عينيه ينظر إليها قبل أن يقرر الإجابة، فأتاه صوت هيام التي قالت:
ـ كل حاجة تمت زي ما اتفقنا يا ريس.. الخطة مشيت مظبوط بس....
ياسر باستفهام:
ـ بس أيه؟
هيام موضحه:
ـ لما زنقوه اضطر ياخد حبوب منشطة و من غبائه خد جرعة زايدة قلبه متحملهاش و وقع مات...
لا ينكر أنه تفاجيء بل و صُدِم على الرغم أنه يستحق هذه النهاية هو و والدته التي كانت تتجبر على الضِعاف ولكن الأمر كان صادمٍ.
اتاه صوت هيام على الطرف الآخر حين قالت:
ـ الله يرحمه. بس دا اللي هي زرعته و دلوقتي بتحصد عمايلها. ياترى يا ياسر رضيت عني؟ ولا لسه قلبك مش صافي؟
اتخذ قراره قائلًا:
ـ استنينا على الغدا بكرة يا أم حمادة.
اللهم إني أسألك نفسًا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك❤️
★★★★★★★★
كانت تقف في انتظار سيارة أجرة لتتفاجيء بسيارة دفع رباعي تقف أمامها تسد عليها الطريق و عمر يترجل منها يناظرها بسخط تجلى في نبرته حين قال:
ـ أنا عايز اعرف أيه نهاية لعبة القط و الفار اللي بتلعبيها معايا دي؟
شروق بهدوء:
ـ لعبة ايه معلش!
عمر بانفعال:
ـ بتتهربي مني ليه يا شروق؟
لازالت على هدوئها حين أجابته:
ـ أنا عمري ما اتهربت منك ابدا يا عمر...
ـ و امبارح؟
ـ امبارح زيه زي اول امبارح زيه زي النهارده. أنا مش عايزة اتكلم معاك و وضحتلك دا اكتر من مرة.
هكذا تحدثت بنبرة هادئة تتنافى مع جنون غضبه حين قال:
ـ ليه مش عايزة تديني فرصة ليه؟
شروق بتعقل:
ـ عشان معنديش حاجة أقولها يا عمر. احنا انتهينا قولتها مرة واتنين وعشرة هقول ايه تاني؟
داخله يستنكر حديثها بشدة لذا قال بجفاء:
ـ بس أنا مش موافق.
شروق باختصار:
ـ دي مشكلتك حلها بعيد عني..
التفتت تنوي المغادرة ليجذبها من يدها وهو يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ شروق أنا بحبك..
نزعت ذراعها من بين يديه وهو تقول بقوة:
ـ وانا مش محتاجة الحب. أنا عمري ما اتحرمت من الحب على فكرة أنا ابويا وامي الله يرحمهم غرقوني حب، و اختي بتحبني و صحابي بيحبوني و سوزي بتحبني و معوضاني عن كل الحب اللي في الدنيا. أنا مش ناقصني حب، و مشكلتي معاك مش الحب..
عمر بانفعال:
ـ اومال ايه مشكلتك؟
ـ الأمان... اكتر حاجة مفتقداها في حياتي هي الأمان، و دا مش عندك عشان كدا بقولك انتهينا..
عمر بحدة:
ـ مين قالك كدا؟
شروق بنبرة مُشجبة:
ـ محدش قالي انا جربت بنفسي يا عمر، وانا معاك عمري ما كنت متطمنة. انت مكنتش مطمني أبدًا.
كان العشق يتساقط من عينيه ليقول بنبرة عاشقة:
ـ طيب انا دلوقتي بطمنك.
شروق بجمود:
ـو ايه اللي يخليني أجازف! أنا كدا مرتاحة. احساس اني مش عشمانه فيك دا مريحني. أو على الأقل ارحم مليون مرة من اني اعيش في رعب وانا جنبك انك ممكن تسيبني.
صدمه حديثها مما جعله يقول باستنكار:
ـ للدرجادي ؟
شروق بألم:
ـ و أكتر. مفيش داعي اعيدلك تفاصيل الفترة اللي عشناها مع بعض و بغض النظر عن النهاية فأنا فعلا كنت حاسة كاني عايشة على كف عفريت. أنا عايزة أقف على أرض ثابتة حتى لو كانت قاسية بس سنداني احسن بكتير من اني اعيش مبسوطة فوق في السحاب بس مرعوبة اني اقع تتكسر رقبتي..
وضع يده فوق رأسه الذي يكاد ينفجر من شدة التفكير ليقول بتعب:
ـ شروق كفاية تعاقبيني على غلط والله ما كان مقصود. أنا مكنتش فاهم مشاعري ناحيتك..
شروق بجمود:
ـ الموضوع مش انت لوحدك. زي ما انت فهمت مشاعرك ناحيتي و فهمت انت عايز ايه أنا كمان فهمت أنا عايزة ايه و اللي أنا عايزاه مش عندك.
ضاق ذرعًا من عنادها ليهتف بانفعال:
ـ شروق أنتِ بتعملي كدا عشان تعاقبيني صح؟
شروق بهدوء أستفز غضبه أكثر:
ـ مش صح.. أنا مش بعاقبك..الدنيا هي اللي بتعاقبك. أنا كنت بين ايديك. مراتك. انت اللي ضيعتني.. مش ذنبي انك عرفت قيمتي أنا كمان عرفت قيمة نفسي...
عمر بألم:
ـ بس أنتِ كدا غير منصفة...
ادارات رأسها الاتجاه الآخر وهي تقول بجمود:
ـ انت كمان كنت غير منصف معايا وانا ملومتش عليك..
عمر بأسف:
ـ ياريتك لومتيني.
مد يده يدير وجهها إليه ليُتابع بنبرة جريحة:
ـ شروق أنا شايف في عنيكي حبك ليا..
شروق بعتب قاسي:
ـ طب و مش شايف أنا اتعذبت قد أيه بسبب الحب دا؟ اتعذبت قد أيه عشان اتخطى و أكمل حياتي. عشان لو وقعت هموت وفي طفلة صغيرة متعلقة في رقبتي. أنا قدوتها و سندها، وسبب قوتها في الدنيا دي.. للأسف يا عمر أنا مش هقدر أجازف تاني معاك..
عمر بنبرة تئن وجعًا:
ـ أنتِ ليه حطاني في صورة الراجل الندل؟ غلطت زي ما كل الناس بتغلط. قوليلي يا شروق أنتِ مشوفتيش مني أي حاجة حلوة تشفعلي عندك؟!
تألمت لحديثه و لرجائه و لألم قلبها الذي يعشقه حتى النخاع ولكنها ظلت على موقفها حين قالت بجمود:
ـ انت عارف انت مشكلتك ايه؟ انك أناني يا عمر. مبتشوفش غير نفسك وبس.
ـ مش صح..
ـ لا صح. قولي يا عمر أنت سألت عن شاهي بعد اللي انت عملته فيها؟
استنكر حديثها ليقول بجفاء:
ـ لا و مش هسأل..
شروق بسخرية:
ـ شوفت. بالرغم من انك ظلمتها من غير أي وجه حق. و دخلتها حياتك وانت بتحب غيرها بس عشان تثبت لنفسك اني مش فارقة معاك و فجأة و بمنتهى القسوة خرجتها منها من غير حتى ما تبص وراك.
صاح عمر مُستنكرًا:
ـ الموضوع مش كدا. هي تستحق..
قاطعته شروق بغضب:
ـ تستحق ابه؟ مين في الدنيا تستحق أن خطيبها يسيبها يوم خطوبتها و ياخد واحدة تانية معاه و يهرب. ترضاها على أختك يا عمر؟ رد عليا ترضاها ؟
أجابها عمر على مضض:
ـ لا.
شروق بنبرة لأئمة:
ـ شوفت. رمتها من حياتك فورًا و مبصتش وراك عشان كدا أنا بخاف منك و معنديش اي ثقة فيك، و مش هقدر اعيش عمري معاك وانا خايفة. حتى لو مش هحب غيرك. يكفيني اعيش متطمنة ولوحدي أحسن ما اعيش وانا بحب بس خايفة. عن اذنك..
أنهت جملتها و استقلت أول سيارة أجرة قابلتها لتترك خلفها قلب يئن وجعًا و ندمًا احنى جسده ليستند على السيارة لا يعرف ما الذي عليه فعله حتى يتمكن من تصحيح خطأه الجسيم...
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه.
★★★★★★★★
كانت تشعر بالشوق الشديد لفنجان من القهوة الصباحية التي حُرِمت منها بسبب مرضها، فقررت تناول إفطارها و الذي كان عبارة عن بعضًا من البسكويت الذي ابتاعته و وضعته في حقيبتها، فهي قد عزمت على أن لا تتناول أي شيء في هذا البيت، لذا ابتاعت بعض المعلبات معها، فلحسن حظها كانت هناك ثلاجة صغيرة في الغرفة و ذلك مكنها من جلب بعض الأشياء التي قد تحتاجها أن جاعت ليلًا، و في النهار هي تتولى أمرها في العمل.
قطمت آخر قطعة في البسكويت و نظرت إلى الساعة لتجدها الثامنة. حتمًا سيكون غادر إلى الشركة على عكسها فهي تملك وقتٍ كافياً قبل الذهاب الى العمل، فقامت بالتوجه إلى الأسفل، لتجد المكان هاديء، فخطت لأول مرة إلى المطبخ الكبير و قد قررت بأن تقوم بكسر القواعد و عمل كوب من قهوة الاسبريسو التي تعشقها غافلة عن عيون كانت تناظرها بعشقٍ يُكتبُ بماء الذهب في دواوين المحبين، ورغم غصات الألم وسحائب الحزن التي غشته، إلا أنها لم تنل من بريق حُبها ولا بمقدار ذرة. فكل ما مر به ترك بداخله دماراً مروعًا نال من كل شيء فيه و امتص الحياة بصدره ولكن الشيء الوحيد الذي لم يتأثر ولم ينتقص قدره هو عشقه الكبير لها، فهاهي دقات قلبه ترقص طربًا هذا الصباح لرؤيتها..
غزت رائحة القهوة الذكية أنفها لتشعر بالسعادة و هي تتوق لتذوقها وحين رفعت الكوب إلى شفتيها لتنال مرادها تفاجئت بيد غليظة انتزعت الكوب من بين يديها لتبرق عينيها من الصدمة التي تحولت لغضب عارم وهي ذلك الضخم يرتشف من كوب قهوتها باستمتاع مما جعلها تصرخ بجنون:
ـ أنت ازاي تاخد المج من ايدي؟ دي قهوتي على فكرة...
لم يُبالي بغضبها إنما واصل إرتشاف القهوة باستمتاع و كأنه قاصدًا إثارة غضبها أكثر ثم هتف قائلاً:
ـ القهوة في الجون..
عضت على شفتيها بحقد من ذلك المغرور الغبي ذو الرأس الكبير الذي يحاول استثارة غضبها ولكنها لن تكون هي لو لم ترد الصاع صاعين:
ـ عجبتك القهوة!
كمال باستمتاع:
ـ جامدة..
آسيا بابتسامة عريضة:
ـ بالسم الهاري أن شاء الله..
كان يعلم أنها تكاد تحترق من فرط الغضب وهو لم يكن ليقترب منها ولكن حين رأها تمسك بكوب القهوة تذكر ذلك اليوم في المكتب حين رفضت شروق أن تشرب القهوة و على الرغم من جهله بالأمر ولكنه أراد منعها من ذلك و كأن هناك غريزة بداخله تحسه على حمايتها من خطرٍ يجهل تفاصيله.
ـ حلو انك قررتي تنزلي المطبخ و تنتشري في البيت.
هكذا تحدث حين رآها توشك على مغادرة المطبخ لترتسم السخرية على ملامحها وهي تقول:
ـ اه. دانا كمان نويت اغير في الديكور. بص أنا بقترح نشيل الدفاية دي خالص و نحطلك صورة بعرض الحيطة. صورة كبيرة أوي كدا. عشان طول مانا واقفة في المطبخ ابص على صورتك و افتكر أن الدنيا دي دار شقاء، و أن الإنسان نازلها كعقاب من ربنا، و ادعي بقى أن ربنا يرفع عني غضبه.
أنهت جملتها و توجهت إلى الأعلى غافلة عن تلك الضحكة التي ارتسمت على ملامحه من حديثها و غضبها الذي جعلها تبدو كحبة الفراولة الطازجة وهو الجائع منذ زمن ويبدو أنه سيقضي الباقي من هكذا..
ـ عايزك قبل ما تخرجي.
هكذا اكتفى بالحديث وهو يتوجه إلى غرفته لتقرر عدم الالتفات له لترتدي ملابسها وهي تسُبه بينها وبين نفسها و من ثم أنهت زينتها و توجهت إلى الأسفل قاصدة المغادرة دون أن تخبره و ليذهب هو و ما يريده إلى الجحيم...
يا مقيل العثرات، يا قاضي الحاجات، اقضِ حاجتي، وفرج كربتي، وارزقني من حيث لا أحتسب ❤️
★★★★★★★★★
ـ ازيك يا دكتور يزيد عامل ايه؟
هكذا تحدثت جميلة وهي تقف أمام يزيد الذي كان يقف في المشفى يتابع أحد الحالات ليتفاجيء بها تقف أمامه، فرفع أحد حاجبيه باستنكار قبل أن يجيب بجمود:
ـ أهلًا يا أنسة جميلة..
جميلة بمرح:
ـ آنسة جميلة! دا انت شكلك زعلان مني؟!
يزيد بحدة:
ـ زعلان! دانا هطق منك..
جميلة بنبرة خافتة:
ـ طب ينفع نتكلم شوية مع بعض؟
يزيد بتكبر:
ـ دلوقتي جاية عايزة تتكلمي معايا؟ فاكرة لما قولتي للمخفي السواق دا باين عليه معتوه! و مردتيش تقفي تكلميني؟!
تجعدت ملامحها بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ تمام عن أزنك..
يزيد بلهفة:
ـ لا عن أذنك مين؟ دانا هقبض عليكِ هنا! استني يا بت..
جميلة بصدمة:
ـ بت!
يزيد بسخط:
ـ ماهو الأدب مبينفعش مع البنات.
جميلة بتهكم:
ـ وانت بقى عارف كل اللي بينفع مع البنات ؟!
يزيد بسخرية:
ـ وحياتك الأدب مبينفعش لا مع بنات ولا الولاد. تعالي نقعد هنا..
جلست معه في مقهى المشفى لتبدأ في الحديث قائلة:
ـ بص انت اكيد بتسأل أنا ليه جيت اتكلمت معاك، وانا هكون صريحة معاك وهقولك.
يزيد بإعجاب:
ـ كلي آذان صاغية يا قمر..
جميلة بتخابُث:
ـ أنا بصراحة عايزة اعرف انت عايز مني ايه؟
يزيد بصراحة:
ـ مش معجب بيكِ جدًا.
تفاجئت من صراحته و همست بخفوت:
ـ و بعدين..
يزيد بسخرية:
ـ ايه و بعدين؟ بقولك معجب بيكِ...
جميلة بحدة طفيفة:
ـ و بعد الإعجاب دا؟
تعمق في النظر إلى داخل عينيها قبل أن يقول بجدية:
ـ بصي يا جميلة أنا عارف انك مقلقه مني. يمكن عشان تجاربكوا أنتِ و أختك كلها مع الوتايدة تمن تقرف ستين كلب. بس هرجع و أقولك العبد لله غير. عمرك ما هتندمي انك قربتي مني!
ـ و مين قالك اني هقرب ؟
يزيد بتخابُث:
ـ يا باشا أنت قربت واللي كان كان..
جميلة بصدمة:
ـ نعم!
يزيد بملل:
ـ جميلة فتحي مخك معايا. أنا و أنتِ آخر فردين سنجل من العيلة خلاص العملية محسومة.
جميلة بسخط:
ـ عملية ايه اللي محسومة أن شاء الله ؟
ـ يا بنتي احنا في عِداد المرتبطين أصلاً. لا يصح إلا الصحيح..
هكذا تحدث يزيد بثقة استفزتها، فهو لم يخبرها عن مشاعره ولا عن ما ينتويه تجاهها مما جعلها تهتف بتهكم:
ـ هو أنت بتتكلم كدا على أساس ايه؟ يعني بتتكلم و واثق اننا مفروض تكون سوى؟ دا من باب أيه معلش!
يزيد بتلقائية أدهشتها:
ـ من باب أن جحا أولى بلحم طوره مثلًا!
هبت من مكانها وهي تقول بحدة:
ـ اسمعني يا دكتور على ما تفرج أنت. أنا أساساً غلطت أني جيت اقعد اتكلم معاك، و عمري ما فكرت فيك أصلًا. انت بس صعبت عليا عمال تلف حواليا قولت يا بت دا قريبك شوفيه عايز يقول ايه لكن أنت لا في دماغي ولا هتبقى في يوم في دماغي و أصلًا كفاية اسم عيلتكوا الغبرة دي عشان يخليني عمري ما افكر فيك. عن اذنك..
أنهت جملتها و غادرت دون أن تُعطيه فرصة للحديث لترتسم على ملامحه ابتسامة هادئة تمتليء بالكثير و الكثير....
يا كريم، اللهم يا ذا الرحمة الواسعة، يا مطلعاً على السرائر والضمائر، أسألك فيضة من فيضان فضلك، وقبضة من نور سلطانك، وأُنساً وفرجاً من بحر كرمك ❤️
★★★★★★★★★
كانت تقف أمام المرآة تُعدل من حجابها، وهي تنوي الخروج لزيارة سوزان لتجد هاتفها يرن برقمٍ غريب فأجابت على الفور ليأتيها أبغض صوت في هذا العالم:
ـ تصدقي وحشني صوتك وأنتِ لسه صاحية من النوم!
هوى قلبها بين قدميها من فرط الصدمة لتهتف هامسة:
ـ أمين!
أمين بوقاحة:
ـ حتى أمين دي وحشتني منك أوي...
أشجان بغضب:
ـ أنت ازاي تتجرأ و تتصل عليا؟
أمين بتخابُث:
ـ عايز اشوف ولادي، وامهم كمان لو أمكن.. هو أنتِ فكرتي أني رمتهم ولا ايه؟ عمومًا انا قدام المدرسة و داخل اشوفهم حبيت بس اعرفك لو عايزة تيجي تشوفيني و نتلم كعيلة من تاني. ماهو أنا مش ناوي أسيب ولادي لراجل تاني يربيهم...
يتبع.....
ذنوب على طاولة الغفران الفصل السابع وثمانون 87 - بقلم نورهان العشري
قبل القراءة متنسوش تعملوا فوت و كومنتات قمر زيكوا على الفقرات اللي حبتوها بارت ٨٠٠٠ كلمة يارب يعجبكوا عشان تعبت فيه اوي🥺
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الخامس والعشرون ❤️🔥
"لا ينسى الرجل امرأةً جعلته يُعاني"
لطالما مرّت هذه الجملة على مسمعي فكنتُ أسخر منها كثيرًا و أراها محض هراءٍ رومانسي أو مبالغة في تقدير شأن النساء. لم أدرك أن خلف سخافتها الظاهرة تكمن حقيقة مؤلمة لم أصطدم بها إلا حين وجدتُ نفسي اليوم أتجرع مرارة معانيها المُستترة. فها أنا أجلس بمقعد البائس على رف الانتظار في حكاية كنتُ أتوهم أنني بطلها الوحيد ومُحرك أحداثها، فإذا بي أكتشف أنني أصبحت مجرد هامش في نصها العظيم. أتطلع إلى تلك المرأة التي كانت يومًا ما ترى الكون بعيني، و اليوم أراها تُبصر كوناُ أوسع وأجمل بدوني. كنت أظن بأن رحيلي عن حياتها هو الظلام الذي لن يعقبه شروق، فإذا بها تصنع من بين لئالئ عبراتها نجومًا تُضيء الكون بأكمله و تصنع من حطامها سبيلًا لولادة إمرأة أقوى و أجمل.
لم تكن بخير فحسب. بل كانت مزدهرة و كأن الخذلان لم يمس قلبها يومًا، و كان وجهها مرآة للسلام الذي لم أمنحه إياها قط. بل صنعته هي حين تعلمت الاكتفاء بنفسها، فلم يعُد لوجودي معنًا في حياتها، و كأنها أيقنت بأن كفوفي التي أفلتتها سابقًا لم تعدا صالحتين حتى لملامسة أطراف ثوبها.
في هذه اللحظة ارتطم كبريائي بجدار العجز الذي لا يمكن وصفه، و احتل صدأ الندم منتصف روحي.
لأراني وبكل ما يجيش بداخلي من ألم أدون جملة أقوى مما سخرت منها في السابق وهي :
" لا ينسى الرجل إمرأة قتلته لتحيا"
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أخذت تدور حول نفسها كالممسوسة ودقات قلبها تتخبط بداخل ضلوعها حتى آلمتها لتتوقف عن الدوران وهي تضع يدها على قلبها تغمض عينيها بقوة و هي تحاول تنظيم أنفاسها لترفع رأسها إلى السماء تناجي ربها قائلة:
ـ ربي إني مسني الضُر وأنت أرحم الراحمين. يارب. يارب الهمني الصح.
أخذت تحاول التنفس بشكل صحيح قبل أن تقوم بجذب هاتفها و الاتصال بالمدرسة لتأتيها الإجابة على الطرف الآخر لتهتف بلهفة:
ـ السلام عليكم. لو سمحتي أنا مامي أمجد أمين و مريم أمين.
حيتها الفتاة على الطرف الآخر لترد تحيتها بعُجالة قبل أن تقول بتوتر:
ـ معلش أنا عايزة أعرف حد طلب يشوف الولاد النهاردة ؟
الفتاة:
ـ لا يا فندم.. حد زي مين؟
أشجان بلهفة:
ـ حد زي باباهم مثلا؟
ـ ثواني هشوف و هقول لحضرتك...
غابت الفتاة لبضع لحظات قبل أن تجيبها بالنفي لتتنفس الصعداء قبل أن تقول بلهفة
ـ طيب ممكن توصليني بمديرة المدرسة لو سمحتي الموضوع مهم جدًا.
و بالفعل أوصلتها الفتاة بالمديرة لتقول أشجان مشددة على كل حرف يخرج منها:
ـ إذا سمحتي يا مس عبير. ولادي في حضانتي، مش مسموح للمدرسة أنها تخلي أي حد يشوفهم. حتى لو كان باباهم، ولو جه سأل عنهم تبلغيني فورًا، و ممنوع يعرف أي حاجة تخصهم. وهو مالوش أي علاقة بيهم.
تفهمت المرأة حديثها و أجابت باحترام:
ـ حاضر يا مدام. بس ياريت المواضيع دي تتحل بعيد عن المدرسة عشان نفسية الأولاد و شكلهم قدام زمايلهم
أشجان بتحذير:
ـ مفهوم، وللمرة التانية بقول لحضرتك أنه ممنوع يقرب منهم، و لو عرفت أن المدرسة سمحتله يشوف ولادي أو يقرب منهم. أنا هعتبر دا تجاوز و مش هعديه على خير. وانا من ناحيتي هحل الموضوع.
أنهت المكالمة بعد أن اطمأنت من هذا الأمر لتقول بالنزول إلى الأسفل مُسرعة و هي تحادث السائق على الهاتف لملاقاتها أمام الباب الداخلي للقصر، فما أن أتى حتى هتفت بأنفاس مقطوعة:
ـ عم عبدو أنت هتروح تجيب الولاد امتى؟
ـ هروح في معادهم. في مشكلة ولا ايه؟
أشجان باستفهام:
ـ لا أنا بسأل بس. طيب الحراسة هتكون معاك صح؟
السائق باندهاش:
ـ أيوا طبعًا يا هانم. خالد بيه مشدد اني ممشيش خطوة بالولاد من غير حراسة.
غزت بعض الراحة صدرها ولكنها لازالت تشعر بالخوف من ظهور هذا الرجل مرة ثانية في حياتها و حياة أولادها، وهنا بدأ ضميرها في وخزها كونها تمنع أطفالها من رؤية أباهم، لكن بئس الآباء هو ولهذا فهي تخشى عليهم من أذاه.
شعرت بحاجة مُلِحة إلى البكاء و لكنها لن تفعل ذلك هنا لذا أخبرت السائق أن يأخذها إلى المخبز لترتمي بين أحضان سوزان التي احتوت خوفها و ألمها و نهنهاتها وشكواها حين قالت:
ـ الحقيني يا سوزي. الكابوس رجع من تاني..
سوزان بلهفة:
ـ كابوس ايه بعد الشر. حصل ايه؟
أشجان بنبرة تئن خوفًا:
ـ أمين. أمين كلمني النهاردة و قالي أنه قدام المدرسة و عايز يشوف ولاده.
شهقت سوزان بصدمة قبل أن تقول بحنو:
ـ طب استهدي بالله و اقعدي.. اقعدي ارتاحي و خلينا نتكلم...
أطاعتها سوزان لتجلس على أحد المقاعد وجسدها يرتجف و عينيها لا تتوقفان عن ذرف العبرات مما جعل سوزان تقول بعتب:
ـ طب ينفع! ايه اللي أنتِ عملاه في نفسك دا؟
أشجان بانفعال:
ـ أنتِ مسمعتيش أنا بقولك أيه يا سوزي ؟
سوزان بهدوء:
ـ سمعت. مشكلتي هنا معاكي أنتِ. هتبطلي تخافي من الحيوان دا و تديله قيمة امتى؟ بقى متجوزة واحد زي خالد الوتيدي بجلالة قدره اللي الكبير قبل الصغير بيعمله ألف حساب، وأنتِ خايفة من حتة تافة زي دا؟!
تغلغل حديث سوزان إلى عقلها مما جعل ثورتها تهدأ قليلًا لتقول بتوضيح:
ـ الموضوع مش خوف. او أني مدياله قيمة. أنا ما صدقت خلصت من سيرته و قفلت قصته خالص. علاقتي بخالد متوترة من غير أي حاجة. كمان أنا خايفة على خالد عشان زي ما بتقولي أمين دا حتة واحد تافه جنبه و التافه دي أكتر شخص غدار في الدنيا ميقدرش يواجه اللي اقوى منه فبيضرب في الضهر، وكون أنه يتجرأ ويتصل عليا و ميخافش من خالد دا قالقني. ناهيك بقى عن أني حاسة بالذنب تجاه ولادي عشان همنعه يشوفهم.
ربتت سوزان فوق كفها وهي تقول بحنو:
ـ طيب اهدي و خلينا نفصص كلامك واحدة واحدة. سيبك من أن علاقتك متوترة بخالد عشان أنتِ لو قتلتي لخالد قتيل وحس أن في حاجة ممكن تضايقك أو تقرب منك و من ولادك هيهد الدنيا.
اومأت أشجان بالموافقة لتُتابع سوزان قائلة:
ـ أمين لو هيضرب في الضهر فهتكوني أنتِ الوسيلة اللي تساعده على دا.و خلي بالك هو أكتر واحد عارف قد أيه خالد شخص صعب و مش صعب وبس دا غضبه مُرعب لأن وهو أكتر حد جربه.
أشجان باستفهام:
ـ يعني ايه اكتر حد جرب غضبه؟
سوزان بابتسامة بسيطة:
ـ ولو أن دا سر بس يالا أنا عارفة انك لو سألتيه مش هيخبي عنك. فاكرة يوم ما جيتي تجري وحكتيلنا على الكلام الزفت اللي أمين قاله عنك وعن خالد ؟
ـ فاكرة..
ـ خالد يومها جلده، و طبق عليه حد قصف المحصنات و ضربه تسعة و سبعين جلده، وقاله الجلدة الأخيرة دي بموتك. عرفتي بقى أقصد أي؟
بهتت ملامحها حين سمعت حديث سوزان فهي لم تتخيل ما حدث أبدًا ولم تستفسر عن الأمر، ولا عن اختفاء أمين من حياتها، فيكفيها أنه اختفى، ولكنها الآن تقف على حافة الذهول من هول ما سمعته لتُتابع سوزان قائلة:
ـ أمين عارف قد ايه أنتِ بتخافي منه، و كان متوقع انك تطلعي تجري على ولادك وهي دي الضربة اللي كان هيوجهها لخالد لأنه عارف انك هتخافي كمان عليه و بالتالي مش هتقوليله على مكالمته ليكِ. شطارتك بقى انك تساعدي جوزك و متبقيش السكينة اللي تتغرز في ضهره.
فطنت إلى ما تقصده لتقول بانفعال:
ـ أنا فاهمة أنتِ تقصدي ايه. لكن أنا فعلًا خايفة على خالد.
سوزان بتعقل:
ـ يبقى تنبهيه. أنا واثقة أن الزفت دا لا رايح ولا جاي، و ادي احنا مستنينن لو طلب يشوف الولاد هيكلموكي. بس أنا واثقة أنه مش هيعمل دا، و خلي بالك أن كل حاجة بتخبيها على خالد حبل و بتلفيه حوالين علاقتكوا. احنا ساكتين على موضوع نبيلة عشان هي أخته و للأسف مش هينفع نولع نار زي دي في قلبه من غير ما يكون معانا دليل. لكن أمين لا. لازم خالد يعرف اللي حصل، و بعدين يا هبلة استغلي الفرصة و صالحيه. رب ضارة نافعة.
أشجان بتمنى:
ـ تفتكري لو روحت وقولتله على مكالمة أمين دي حاجة ممكن تخليه يصفى من ناحيتي .
سوزان بتأكيد:
ـ طبعًا. كون انك تجري عليه و تصارحيه و تقوليله على اللي حصل و تستنجدي بيه دي حاجة هتفرحه ثقتك فيه هتفرحه. صدقك معاه هيفرحه. هتخليه يحس أنك اتعلمتي من غلطك. صدقيني الموضوع دا هيحنن قلبه عليكِ، و خصوصا انك اتصرفتي صح و كلمتي المدرسة. خليه يحس انك بتفكري و بتتصرفي صح.
أشجان بتعب:
ـ حتى لو مش هيحصل و هيفضل زعلان مني أنا مضطرة أقوله مقداميش حل غير كدا. عشان ميبقاش حرام عليا، و كمان لو أمين كررها تاني ورن عليا وخالد موجود أنا كدا ممكن اخسره للأبد.
ـ متجمعين من غيري! دي خيانة عظمى...
هكذا تحدثت آسيا التي دلفت من باب المخزن لتبتهج ملامح كلا المرأتين لدى رؤيتها لتهتف أشجان وهي تهب من مكانها تحتضنها بشوق:
ـ وحشتيني اوي..
بادلتها آسيا العناق بقوة وهي تقول:
ـ أنتِ كمان وحشتيني اوي..
انتقلت آسيا لتعانق سوزان التي طوقتها بحُب وهي تقول بنبرة حانية:
ـ والله روحي ردتلي لما شوفتك..
تأثرت آسيا من جملتها وقالت بحُب:
ـ دانا اللي روحي بتردلي لما بترمي في حضنك..
جلست النساء الثلاث حول الطاولة ليتوهج الزمرد في عيني آسيا وهي تقول:
ـ عندي ليكوا خبر حلو..
سوزان و أشجان بلهفة في آنٍ واحد:
ـ قولي و فرحينا..
رفعت آسيا مفتاح سيارة أمامهم وقالت بسعادة:
ـ أنا اشتريت عربية..
تعالت صيحات الفرح من كلا المرأتين لتعانقها أشجان وهي تقول بسعادة غامرة:
ـ ألف مبروك يا قلب أختك. ربنا يجعلها خير عليكِ يارب.
و هتفت سوزان هي الآخرى:
ـ يا ألف نهار أبيض. مبروك يا حبيبتي. ربنا يرزقك خيرها و يبعد عنك شرها.
آسيا بمرح:
ـ اه بالله عليكِ ادعيلي أسدد أقساطها. أحسن دي خلتني على الحديدة.
أشجان بعتب:
ـ طيب ما كنتي قولتيلي كنت اديتك الفلوس و اشترتيها كاش ليه تدخلي نفسك في أقساط و فيلم هندي؟
آسيا باستنكار:
ـ لا طبعًا أنتِ عايزة اول عربية اركبها في حياتي تبقى بالدين!
سوزان بتهكم:
ـ على أساس أن الأقساط دي ايه؟ ما أنتِ
آسيا بمرح:
ـ دي نقرة ودي نقرة يا سيدتي، وبعدين أنا استرونج اندبندنت ومان. موضوع السلف دا هيضرب مفك في سمعتي وهي مش ناقصة أصلًا..
قهقهت أشجان و سوزان على حديثها لتقول الأخيرة باهتمام:
ـ سيبك من دا كله وقوليلي. عاملة ايه مع كمال؟
زفرت آسيا بقوة قبل أن تقص عليهم ما حدث ذلك اليوم مع الطفل لتتناثر عبراتها فوق خديها وهي تقول بنبرة متأثرة:
ـ أول مرة أحس أني شايفة نفسي من جوا. هتصدقوني لو قولتلكوا اني كان نفسي ماما تكون موجودة وتشوف أني مش وحشة زي ما قالتلي ولا أنانية. أنا محستش أني بكرهه. بالعكس صعب عليا. حسيت انها شبهي اتخلى عنه الناس اللي مفروض يكونوا سنده في الدنيا. أنا حسيت اني مش طايقة كمال عشان سابه لوحده.
أشجان بتأثر:
ـ وهو ازاي يجيله قلب يسيبه مع البيبي سيتر لوحده! ازاي يكون غير مسئول بالشكل دا؟
آسيا بحنق:
ـ تخيلي الولد أصلًا طول الليل بيعيط مبيسكتش غير معاه. دا اللي جه في بالي وقتها. ازاي تسيبه وانت عارف أنه مش هيطمن وانت مش موجود..
انهمرت العبرات بغزارة فوق خديها وهي تتذكر تلك الليلة المشؤومة وما تلاها من أحداث مروعة
عودة إلى ليلة بكى فيها القمر " الإثم الأول"
ـ خالتي رضا اسندي آسيا لحد فوق. اصلها تعبانه شوية..
هكذا تحدث رؤوف وهو ينظر إلى آسيا التي كانت تحتضن جاكت بذلته تخفي بيه ثيابها المهلهلة، فقد كانت طوال الطريق تحتل الكنبة الخلفية للسيارة، وحين أتت والدتها جلست في المقعد الأمامي ظنا منها بأن آسيا نائمة، وقد قرر رؤوف أن يترك لها حرية الإختيار في اخبار والدتها بما حدث أو لا، لتقترب رضا وتسند آسيا وهي تقول بمزح:
ـ طبعّا هتلاقيها مبطلتش رقص مع غنى لحد الفرح ما خلص. طب كنتِ روحي معاهم ورؤوف كان جه خدني هو..
غادر رؤوف و ارتمت آسيا في أحضانها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ احضنيني يا ماما.
رضا بلهفة:
ـ في ايه يا آسيا؟ تعالي في النور كدا و وريني وشك. أنتِ متعورة ولا ايه؟
آسيا بتعب:
ـ تعالي نطلع فوق و هحكيلك كل حاجة...
بالفعل ساندتها رضا لتصعد معها إلى الأعلى، و منه إلى غرفتها لترتمي آسيا على السرير تبكي و تنتحب بعد أن سقط الجاكت من فوقها لتضرب رضا فوق صدرها بعُنف وهي تقول:
ـ يا ليلة سودا! مين اللي عمل فيكِ كدا ؟ حصلك ايه يا بت قوليلي..
آسيا من بين نهنهاتها و جراحها النازفة:
ـ آسيا و ميرهان ضربوني و قطعولي هدومي ياماما..
اقتربت رضا تحتضنها وهي تقول بلهفة:
ـ ضربوكي ازاي اللي ينضربوا في قلوبهم؟
كان الألم يجتاح جسدها كليًا و يستوطن اعناق قلبها و كرامتها مما جعل الكلمات تتأرجح فوق شفتيها حين قالت:
ـ قعدوا يهينوا فيا، ولما رديت عليهم ضربوني و قطعوا هدومي زي ما أنتِ شايفة.
هوى قلب رضا أرضًا واستفهمت بلهفة:
ـ رديتي عليهم ازاي؟ اوعي تكوني شتمتيهم؟!
رفعت آسيا رأسها إلى والدتها بذهول:
ـ بتقولي ايه يا ماما؟ بقولك ضربوني و بهدلوني، و قطعوا هدومي..
رضا بقهر:
ـ ضربة في قلوبهم. اللهي ايدهم تتشل. بس بردو يا آسيا. عرفيني قولتي أي؟ دول ممكن يقطعوا عيشي أو قالوا لحد من اخواتهم و بالذات الزفتة اللي اسمها نبيلة. قوليلي حصل أيه و طمنيني.
تشكلت غصة قوية داخل حلقها جعلتها عاجزة عن التنفس لتهتف بقهر:
ـ شتمتهم وقولتلهم أنهم فاشلين واني ناجحة و مش زيهم. ارتاحتي؟!
شهقت رضا بصدمة و تغلغل الرعب في صدرها خوفًا من رد فعل هاتين الفتاتين و أن يشتكوا عليها لنبيلة التي قد تتسبب في طردها من العمل لتندفع الكلمات من فمها غاضبة:
ـ كدا بردو يا آسيا! دا كلام يا بنتي؟ مكنتيش رديتي عليهم.. دول بنات تافهة كنتِ كبرتي دماغك!
توسعت عيني آسيا من هذا الموقف المُخزي لوالدتها التي كان الحزن يتآكلها من الداخل لأجل طفلتها ولكنها تخشى خسارة عملها، وقد كان هذا عذرًا أقبح من ذنب بالنسبة لآسيا التي هبت قائلة بقهر:
ـ بتقولي ايه؟ بدل ما تروحي تاخديلي حقي منهم بتلومي عليا؟ أنتِ ازاي كدا؟! ازاي مش موجوعة على وجعي! مش صعبان عليكِ بنتك والإهانة اللي اتهانتها على ايديهم؟
كانت داخليًا تشعر بالغضب و القهر ولكنها لن تستطِع الوقوف أمامهم لذا حاولت جعل نبرتها حازمة حين قالت:
ـ متزوديهاش. خلاص ما انتِ خدتي حقك ورديتي عليهم أهو. يعني مسكتيش. اقعدي ساكتة بقى ولا اقولك غيري و نامي..
لم تحتمل كل هذا الخذلان. كان كثيرًا عليها. كان ألمه ضاريًا جعل الحقد يتسرب إلى داخلها في هذه اللحظة لتهب من مكانها وهي تصرخ غاضبة:
ـ حرام عليكِ. أنتِ مش بتحبيني. مبتتحرقيش عشاني. أنا هروح اقول لبابا، وهو يجيبلي حقي..
ما أن أوشكت على الالتفات حتى أوقفتها قبضة رضا المؤلمة حتى أطبقت على رسغها. لتوقفها عن الحركة وهي تقول بقسوة:
ـ أستني هنا. راحة فين؟ بابا مين اللي تقوليله ؟ أنتِ اتهبلتي؟! هتجيبي لأبوكي الأذية و البهدلة عشان خناقة بنات فاضية. بطلي أنانية وعبط و اترزعي مكانك.
قالت جملتها الأخيرة وهي تدفعها لتسقط جالسه فوق مخدعها وهي تشهق بألم لتقترب رضا التي أكلها الذنب من الداخل ولكنها قمعت كل مشاعرها داخلها وهي تقول بنبرة حادة:
ـ اسمعيني. أنتِ عارفة أننا مش قد الوتايدة، و هايدي و ميرهان دول لو قتلوا قتيل أخواتهم هيداروا عليهم. مش حب فيهم لا عشان اسم عيلتهم، وأنتِ لسانك طويل وانا واثقة انك كيلتيلهم لما شبعتيهم. ادعي ربنا أن الموضوع يعدي على خير، و مخسرش شغلي. عشان هو اللي بيصرف علينا و بيخليني اقدر اجبلك تلبسي و تاكلي و تشربي، وتروحي جامعتك.
كانت الكلمات كالخناجر تقطع نياط قلبها مما جعل نبرتها تخرج هامسة لا روح فيها حين قالت:
ـ طب و كرامتي اللي داسوا عليها يا ماما؟
ارتبكت لثوان وقد شعرت بالألم يتضاعف داخلها لكنها قالت بحدة:
ـ متكبريش الموضوع. ما أنتِ كمان هزقتيهم. خلاص عدي بقى. خليكي تخلصي عشان تقدري تشقي طريقك و تبعدي عنهم و عن سكتهم خالص..
لم تدع لها الفرصة للحديث، وفي الحقيقة هي لا تملك أي شيء يمكن أن تقوله في هذا الموقف المؤلم، فقط ناظرتها بقهر وهي تستطرد قائلة:
ـ قومي اغسلي وشك ونامي. عندك جامعة الصبح، و شيلي الزفتتين دول من دماغك عشان تعرفي تعملي لنفسك حاجة.. تصبحي على خير..
غادرت وأغلقت الباب خلفها، تاركةً وراءها قلباً ينازع جراء طعنة خذلانٍ قاسية، نالت منه في عمق بقعة الأمان الوحيدة التي كان يمتلكها في هذا العالم. طوال الليل، بقيت تنتحبُ بمرارة، تتشبثُ بأملٍ واهنٍ في أن تعود والدتها لتُلقي بظلها فوق انكسارها، وتربت بحنوٍ فوق ظهرها، وتهمس لها بأنها لم تكن تعني حرفاً مما قيل.
لكنّ الليل مرّ ثقيلاً، وهي فريسةٌ للألم والقهر والخذلان، حتى بزغ ضوء النهار دون ربتة حنانٍ واحدة؛ تلك الربتة التي كانت لتكون بمثابة البلسم الشافي فوق جرحها الدامي، والسكينة التي تروض ضجيج عقلها الثائر، وتهدئ من روع أفكارها التي باتت تنهش روحها بلا رحمة.
عودة إلى الوقت الحالي.
تغضن جبينها بالألم الذي لاقى صدى كبير في صدر أشجان التي مدت يدها تحتوي كفوفها بحُب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ عايزة أقولك اني بحبك أوي، وفخورة انك أختي. أختي الحنينة الجدعة اللي دايمًا كانت واقفة في ضهري. أنتِ عمرك ما كنتِ أنانية.
ابتسمت آسيا بامتنان لحديث أشجان التي تابعت:
ـ الضربات اللي خدتيها والامتحانات اللي الحياة حطتك فيها لخبطت تفكيرك. غلطتي. أنا معاكِ. بس كلنا بنغلط مفيش حد معصوم من الغلط. بس أنتِ عشان ذكية وشجاعة اعترفتي بغلطك وانا واثقة انك اتعلمتي منه، بس الأهم أنك عرفتي قيمة نفسك، و عرفتي تقفي على رجلك. أنتِ استثنائية يا آسيا. مميزة في كل حاجة. خليكِ عارفة كدا، و خليكِ عارفة اني دايمًا جنبك و في ضهرك. أنا معاكِ.
تعالت نهنهات آسيا وهي ترتمي بين أحضان شقيقتها ليتعانقن تحت أنظار سوزان المتأثرة حد اندفاع العبرات من مقلتيها لتقول بحُب:
ـ والله الواحد محظوظ بيكوا يا بنات. ربنا يحميكوا يا يارب ،و يباركلي فيكوا..
التفتت آسيا تناظرها بحب تجلى في احتضانها لكفوفها لترفعها إلى شفتيها وهي تقبلها بحُب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ احنا اللي محظوظين بيكِ يا سوزي.. لولاكي بعد ربنا مكنش واحدة فينا هتقدر تقف على رجليها. أنتِ بوصلة الأمان في حياتنا. أنتِ عوضتينا عن كل اللي اتحرمنا منه في الدنيا.
تأثرت سوزان بحديثها كثيرًا وهمست بحـب:
ـ أنتوا اللي عوض من ربنا ليا. ربنا ما يحرمني منكم أبدًا..
كانت لحظة مليئة بالمشاعر و العواطف الحقيقة المتبادلة بينهم، ولكن سوزان استغلت الأمر قائلة:
ـ هطلب منك طلب و لو بتحبيني بجد يا آسيا تنفذيه.
آسيا بلهفة:
ـ أنا عنيا ليكِ.. اطلبي يا سوزي.
سوزان برجاء:
ـ عيزاكي تهدي، و تبطلي تاخدي كل حاجة على أعصابك. تركزي في شغلك، و متسمحيش لكمال حتى أنه يستفزك. حافظي على صحتك دي اهم حاجة عندي.
ابتسمت آسيا بحُب لهذه السيدة الحنون التي دائمًا تبُثها ما تحتاجه، وقالت بحب:
ـ أنتِ لو طلبتي مني ارمي نفسي في البحر هعمل كده، و أصلًا هو دا الصح. أنا محتاجة أهدى عشان اعرف اشتغل و أشوف مستقبلي. زي ما أشجان قالت أنا اتعلمت من غلطي، وأكبر غلطة غلطها كانت اني فكرت أروح لرؤوف أو اعاتبه أو اديله قيمة في حياتي..
أشجان باستفهام:
ـ في حاجة حصلت جديدة؟
زفرت آسيا بتعب قبل أن تقص عليهم ما حدث ذلك اليوم في مكتبها لتختتم حديثها قائلة:
ـ تخيلي لما يقولي قدام كمال والله و رخصت يا تفاح! الكلمة قتلتني. دا حتى لو أنا رخيصة متقولش كدا قدامه. أنا كنت غبية ازاي وفكرت أروح اعاتبه في يوم من الأيام؟!
هتفت أشجان بغضب:
ـ ازاي يكون بالحقارة دي؟ على فكرة هو قال كدا قاصد. عشان يقلل منك قدام كمال..
آسيا بنبرة محتقنة بالغضب و الألم معًا:
ـ دا اللي قهرني. أنت بتعمل كدا ليه؟ منين ندمان على اللي عملته فيا و منين بمجرد ما عرفت اني رجعتله عمال تقطع فيا. أقولك على حاجة ؟ أنا حسيت للحظة اني عايزة أشكر كمال لما رجع ضربه. حسيت انه ردلي كرامتي لما عمل كدا!
سوزان بحنو:
ـ ما قولنا تهدي، وأهو ربنا بيعرفك معادن الناس في حياتك.. الموضوع مش في الحب والكره. في ناس معدنها رخيص و ملهاش أمان حتى بتحب. حبها مؤذي عشان جواها مش نضيف..
آسيا بتعب:
ـ صح. عندك حق. للأسف أنا صدمة عمري خدتها في رؤوف. تخيلي أنه فكر عشان روحت أعاتبه اني بحبه! او عرفت اني بحبه و اتسرعت في جوازي من كمال، فندمت و روحتله..
تدخلت أشجان معاتبة:
ـ عشان كدا قولنالك دي غلطة عمرك. ربنا قال في سورة الأحزاب بسم الله الرحمن الرحيم
" يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾
هو دا اللي في قلبه مرض. يمكن كان غرضك تعاتبيه أنه اتقرب من عدوتك بنية أنه ابن عمك وعشرة عمرك، ويمكن كنتِ خايفة عليه منها. بس في النهاية غلط، للأسف غلط كبير.
اومأت آسيا برأسها قبل أن تقول بإذعان:
ـ فعلًا غلط، وانا مش زعلانه من كل اللي حصل، و يمكن خيانة كمال دي هتفضل سكينة مغروزة في قلبي العمر كله. بس الحسنة الوحيدة اللي حصلت منها انها شالت احساسي بالذنب ناحيته، لإني عارفة اني غلطت غلط كبير. بس هو باللي عمله دا ريحني من ناحيته.
سوزان بتفكير:
ـ حلو انك وصلتي للنقطة دي. لكن أنا عندي احساس أن رؤوف دوره موقفش هنا. حاسة أن في حاجات كتير مستخبية، وهي السبب في ثورة كمال دي.
لم تكد آسيا تتحدث حتى رن هاتفها لتجد أن المتصل راجي، فأجابت على الفور:
ـ مستر راجي..
راجي بحدة:
ـ الموظفة الغير مسئولة اللي مبتجيش شغلها، و فاكرة أن عشان عندها واسطة محدش هيعاقبها..
آسيا بحرج:
ـ بعتذر والله بس بعد اللي حصل أنا...
قاطعها راجي بجفاء:
ـ أجلي اعتذارك لبعد الاجتماع قدامك عشرين دقيقة وألاقيكي عند الوتيدي جروب عندنا اجتماع هناك النهاردة ومش عايز حجج أو اعذار المشروع دا أنتِ اللي ماسكه خيوطه صح ولا أنا غلطان ؟
التمعت عيني آسيا وهي تقول:
ـ حضرتك مبقتقولش حاجة غلط، وأقل من عشرين دقيقة و هتلاقيني هناك..
راجل بمرح:
ـ طول عمري اقول عليكِ راجل يا آسيا والله..
أغلقت آسيا الهاتف لتودع كُلًا من سوزان و أشجان و تنطق نحو عملها لتقول الأخيرة:
ـ افتكر انه آن الأوان عشان أتدخل في موضوع كمال وآسيا عشان اللي بيحصل دا مينفعش..
اللهم يا مسهل الشديد، ويا ملين الحديد، ويا منجز الوعيد، اخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق، بك أدفع ما لا أطيق ♥️
★★★★★
وصلت إلى الشركة في نفس وقت وصول راجي و معه شروق التي عانقتها وهي تقول بسعادة غامرة:
ـ أيوا بقى. مبروك العربية يا قلبي..
آسيا بسعادة:
ـ الله يبارك فيكِ . ايه رأيك فيها؟
شروق بحماس:
ـ حلوة اوي. اعملي حسابك عايزين نلف بيها لما نزهق.
آسيا بمرح:
ـ دا أكيد طبعًا. مش هنبطل لف أصلًا.
تدخل راجي قائلًا بتهكم:
ـ ابقوا قابلوني...
آسيا باستفهام:
ـ مستر راجي...
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدته يتطلع إلى الخلف لتلتفت، فإذا بها ترى كمال الذي كانت إمارات الغضب بادية على وجهه، ولكنها لم تعيره أي اهتمام بل استدارت تتحدث الى شروق لتسمع صوته الساخر خلفها:
ـ واقف كدا ليه؟ متقوليش انك محتاج حد يعرفك الطريق؟!
راجي بسخط:
ـ اه محتاج مرشد يا خفيف..
كمال بحنق:
ـ طب يالا عشان متتوهش.
تبعه راجي وخلفهم الفتيات لتهمس شروق في أذن آسيا:
ـ ماله دا عالصبح؟
تمتمت آسيا ساخرة:
ـ معلش أصله بقى راجل صاحب عيال بقى، فتلاقيه شايل الهم يا عيني..
لسوء حظها، فقد سمع حديثها مما جعله يعض على شفتيه غيظًا وقد رأت ذلك ولكنها تجاهلته لتستقل المصعد بجانب شروق وهو خلفها وبجانبه راجي ليتكون فريسة لأنفاسه الساخنة التي أحرقت بشرتها من الخلف وهي تتخيل أن يصب غضبه الملتهب هذا فوق رأسها في أي لحظة، لذا حمدت ربها حين وصل المصعد إلى الطابق المنشود ليتوجهوا الجميع إلى قاعة الاجتماعات ولكنه توجه إلى مكتبه مما جعلها تتنفس الصعداء و تجلس براحة فوق الطاولة الكبيرة و في المنتصف بينها وبين راجي جلست شروق التي قالت بخفوت:
ـ عندي ليكِ مفاجأة..
تحمست آسيا ولكن دخول خالد جذب انتباه الجميع ليلقي التحية و يصافح راجي و الفتيات قبل أن يأخذ مقعده في مقدمة الطاولة ليبدأ حديثه قائلًا:
ـ حلو انك جيت في معادك و مأجتش الاجتماع..
راجي بسخرية:
ـ قررت اسمع كلامك وربنا يستر.
ابتسم خالد دون تعليق لينفتح باب الغرفة و يدلف كمال بوجه مُغبر وملامح مُكفهرة، فمنذ الصباح وهي تقترف الخطأ تلو الآخر حتى بدأ غضبه بالتعبير عن نقسه وقد لاحظ الجميع ذلك لكن أحدًا لم يتطرق لمعرفة ما الأمر
ـ يالا عشان نبتدي..
علق راجي قائلاً:
ـ قبل ما نبتدي. عايز أقول حاجة مهمة. اي قرار هيتاخد بعد كدا مش هيكون ليا لوحدي. عشان أنا بقى عندي شريك في كل حاجة في الشركة..
ابتسم خالد على حديثه وقد فطن إلى ما يقصده على عكس كمال الذي قال بنفاذ صبر:
ـ مش كفاية علينا متحملينك هنتحمل كمان شريكك!
تدخلت شروق قائلة بعتب:
ـ طيب ما يمكن شريكه دا مش حد وحش يعني!
ضيق كمال عينيه مُستفهمًا ليهتف راجي بسخرية:
ـ معلش يا شروق هو كدا. ماهو مش دبابة من فراغ يعني! شريكي يبقى شروق يا بني آدم. النهاردة عينتها المدير التنفيذي للمجموعة، وهيبقى ليها كل الصلاحيات بعد كدا زيها زيي.
تفاجيء كمال من حديثه و كذلك آسيا التي عانقت شروق وهي تصيح بسعادة غامرة:
ـ دا بجد؟ مبروك يا شوشو... الف مبروك يا روحي. تستحقي كل حاجة حلوة في الدنيا..
عانقتها شروق بحب وهي تقول:
ـ الله يبارك فيكِ يا قلبي. ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
تحدث خالد هو الآخر بنبرة خشنة:
ـ مبروك ي شروق. أنتِ مجتهدة و تستحقي تكوني في المكانة دي.
شروق بامتنان:
ـ ميرسي يا مستر خالد. الله يبارك في حضرتك. شهادتك دي حاجة قيمة جدًا بالنسبالي.
خالد بنبرة داعمة:
ـ دا حقك، وأنا واثق فيكِ و عارف انك هتثبتي نفسك. وريني بقى..
تدخل كمال قائلًا بجمود:
ـ مبروك يا شروق. ربنا يوفقك..
شروق باختصار:
ـ الله يبارك فيك..
تحدث راجي قائلًا:
ـ بالمناسبة دي هنعمل حفلة عشان نقدم شروق للمجتمع على أنها بنت الجيار، و كمان احتفالًا بالمنصب الجديد.
آسيا بحماس:
ـ الله حفلة. جيت في ملعبي..
برقت عينيه من رؤيته لحماسها وهو الذي يحرقه الغضب لأجلها ولأجل هذه التنورة اللعينة التي ترتديها و تصل بالكاد إلى ركبتها، وهذا الأحمر الشفاه النبيزي الذي يجعل شفتيها كحبتي الفراولة الطازجة، و يُغويه بقوة لافتراسها، كل هذه المشاعر تعصف به من الداخل حتى أهلكته بينما هي لا تكترث لأي شيء سوى حفلة لعينة، فبدا الأمر وكأنه يقف تحت لظى شمسٍ لا ترحم، لم تكن حرارتها آتية من قرص السماء، بل كانت تنبعث من ضلوعه؛ غضب لافح وغيرةٌ تقتات على هدوئه، حتى خُيل إليه أن أنفاسه شرار يحرق الهواء من حوله. كان في غليانه ذاك يشبه صحراء قاحلة تجتاحها السموم، حيث كل فكرة تمر بخاطره تزيد حريقه اشتعالاً، والكون في عينه قد استحال لوناً واحداً من جمر الشوق والقهر معًا، وعلى بُعد خطوة واحدة منه، كانت هي في وادٍ آخر تماماً وكأنها ربيعها قد حل و ملامحها الجميلة هادئة كبحيرة في فجرٍ ساكن، مرتاحة كأنما لم تعرف الضيق يوماً. وبينما كان هو يحترق بلهيب مشاعره، كانت هي تتنفس الرضا، وتوزع ابتساماتها وكأن الفصل الحالي من عمرها هو نيسان دائم، غير آبهة بالعاصفة الرملية التي تضرب أعماقه على مرأى ومسمع من تجاهلها المميت له
ـ مين قالك انك معزومة في الحفلة اصلًا؟
هكذا تحدث راجي يشاكس آسيا التي قالت ببساطة أدهشته:
ـ طبيعي اني مش هتعزم. عشان أنا اللي هعزم لأن أنا صاحبة الحفلة أصلًا. عمرك شوفت صاحبة حفلة بتستني عزومة!
شروق بلهفة:
ـ بصراحة يا راجي هي عندها حق. دي حفلتها وهي اللي هتنظمها من الالف للياء.
راجي بحنق:
ـ بتدافعي عنها على أساس أن حد بيقدر عليها! أنا ابن عمك مفروض يكون ولائك ليا!
آسيا بتهكم:
ـ ولاء بتسلم عليك وبتقولك هتبقى تعزمك متقلقش
.
كانت عيني خالد على كمال الذي كان وجهه مرتعاً للغضب الاعمى ليقرر إنهاء الأمر قائلًا:
ـ قضيتك خسرانه يا راجي.. خلينا نبتدي اجتماعنا..
بالفعل بدأ الاجتماع و أخذ الجميع بتبادل وجهات النظر وما أصابه بالدهشة هو أنها كانت تتعامل معه بتلقائية وكأنهم فريق عمل دون النظر لأي اعتبارات آخرى، كان الأمر مؤلمًا بحق. أن تستطيع التحرر من مشاعرها ولو لعدة ساعات و تتعامل معه وكأنه مجرد شخص لا يجمعها به شيء كان أمرًا مثيرًا للدهشة والألم بالنسبة إليه، فقد كان يتمنى لو يسألها كيف فعلتها ؟ فهو لا يستطِع النظر إليها دون أن يؤلمه قلبه، و تثور عليه جميع جراحه وتبدأ بالنزف من جديد.
ـ كدا احنا تمام على الورق بالنسبة لأرض الواقع محتاجين ننفذ كل اللي اتفقنا عليه بالحرف الواحد، ونتابع لأن أي مشكلة هتواجهنا هتأخرنا عن مواعيد التسليم ودا أنا مش هقبل بيه..
هكذا تحدث خالد ليُجيبه رأفت قائلًا:
ـ بالظبط. لازم كل حاجة تتم بالشكل المطلوب مشروع ضخم زي دا مينفعش فيه أي غلط.
مدت آسيا جهاز الأيباد الخاص بها و وضعته أمام خالد وهي تقول بعملية:
ـ دي آخر التطورات اللي وصلتني الخاصة بشغل الشهر اللي فات، وهنا بردو هتلاقي بعض المشاكل اللي واجهتهم في الموقع. باشمهندس إيهاب بعتهالي، وأنا هنا عملت إحصائية بكل المشكلات والاحتياجات الملحة، ورصدت الثغرات اللي محتاجة تدخل فوري عشان نضمن سير العمل في المجمع بنفس الكفاءة ومن غير أي تعطيل، و حللت الأسباب و طرحت بعض الحلول عشان نتفادى أي تعطيل لسير العمل الفترة الجاية..
كان هناك تضارب قوي في المشاعر داخله ما بين انبهار بمدى تفانيها في العمل بالرغم من كل ما مرت به في الفترة الأخيرة و بين مشاعر الغيرة السوداء التي سيطرت عليه لدى ذكرها اسم ذلك الشخص و تواصلها معه ولكنه كان يقمع مشاعره بقوة تطلبت منه الكثير من الإرادة.
على الناحية الأخرى دقق خالد النظر في الجهاز اللوحي قبل أن يقول بثناء:
ـ عظيم يا آسيا. الموضوع دا هيساعدنا كتير في المرحلة الجاية. مبدأيًا أنا هدرس المقترحات دي، ولو تمام. هوصلها للتيم المخص، و اعملي حسابك اني هستنى منك كل فترة تقرير مفصل زي دا.
آسيا بحماس:
ـ تمام. عمومًا أنا بردو لازم هشوف على الطبيعة. عشان لو في اقتراحات تانية اقدر اضيفها على دول..
خالد بعملية:
ـ عايز دا يتم في أسرع وقت..
نظرت آسيا إلى ساعتها قبل أن تقول:
ـ النهاردة بعد الضهر هكون في الموقع، و أقصى حاجة بالليل هيكون عند حضرتك التقرير النهائي..
تدخل كمال قائلًا بجفاء:
ـ كدا احنا خلصنا؟!
خالد باختصار:
ـ اعتقد أه.
التفت إلى راجي مُستفهمًا:
ـ في حاجة تاني هنضيفها؟
راجي بتهكم:
ـ اه. خلينا ندعي ميطلعلناش خازوق يعطلنا المراكب السايرة..
ابتسم خالد ابتسامة عريضة قبل أن يقول بسخرية:
ـ دعوة جاية في وقتها بالظبط..
كان يعلم المغزى خلف هذا الحديث الدائر ولكنه كان قاب قوسين أو أدنى من الانفجار في وجه الجميع لذا نصب عوده وهو يتوجه إلى خارج الغرفة، و على الرغم من أنها ترى ما يحدث معه بوضوح ولكنها لم تُعيره اهتمام. بل لملمت حاجياتها لتسمع خالد يوجه حديثه إلى شروق قائلًا:
ـ شروق استني عشان عايزك.
اومأت شروق برأسها لتهتف آسيا بعُجالة:
ـ طيب انا همشي عشان ورايا شغل كتير، وهبقى اكلمك عشان حوار الحفلة دا..
شروق بابتسامة هادئة:
ـ تمام خلي بالك من نفسك..
خرجت آسيا لتتوقف أمام المصعد الكهربائي، الذي ما أن انفتح حتى توسعت عينيها حين رأته أمامها، بملامحه الغاضبة و نظراته القاتمة و عروق رقبته النافرة، ولوهلة شعرت بالخوف منها ولكنها حاولت التظاهر بأنها لا تراه لتجده يهتف من بين أسنانه:
ـ قدامي على المكتب...
تناحرت دقات قلبها بصدرها من فرط الترقب و التوتر، ولكنها كعادتها تحافظ على ثباتها حتى آخر ذرة لذا قالت بتعالي:
ـ مستعجلة عندي شغل. لو عندك حاجة مهمة قدامك خمس دقايق تقولها..
التمع الجنون في نظراته من حديثها و طريقتها المتعالية مما جعله يقول بهسيس خطر:
ـ لا والله! خمس دقايق ها؟!
آسيا بملل:
ـ للأسف دي المدة اللي وقتي يسمح بيها!
خرجت شيطاينه من جحيمها ليقول بنبرة خطرة وهو يقبل بجسده الضخم:
ـ تمام اوي كدا...
هوى قلبها بين ضلوعها حين رأته يقبل عليها وهو يهتف تلك الجملة التي أصبحت تخشى حروفها كثيرًا و بلمح البصر وجدت نفسها محمولة فوق كتفه، لتصرخ بذُعر، و إذا به يهتف بنبرة متوعدة:
ـ مبقاش كمال الوتيدي لو ما عيدت تربيتك من أول وجديد..
لحسن حظها أن هذا الطابق هو للمدراء فقط، ولهذا لم يراها سوى مديرة مكتبه التي فغرت فاهها وهي تراه يدلف إلى مكتبه وهو يحمل إمرأة فوق كتفه تتلوى كالثعبان تحاول الفِرار منه هذا الضخم الذي كان يحملها بيد واحدة و ما أن أصبح بداخل المكتب حتى قام بوضعها فوق المكتب بقوة دون أن تفلتها يداه لتندفع خصلاتها إلى الخلف، فإذا به يكن وجهًا لوجه مع ذلك الزمرد المتوهج في عينيها والذي كان الغضب يتراقص به بجنون جعلها تقوم بالصراخ بوجهه بانفعال:
ـ أنت مجنون. إيه اللي عملته دا؟
هتف كمال بصوت مرعب:
ـ صوتك لو علي عليا تاني هقصلك لسانك سامعه ؟
على الرغم من خوفها من تهديده ولكنها لن تخضع أبدًا لذا هتفت بحدة:
ـ لا مش سامعه، وابعد عني..
قالت جملتها وهي تدفعه في كتفه بيدها الحرة ليقوم بتكبيل كلتا يديها خلف ظهرها وهو يهسهس بنبرة خطرة وعينيه في حديث خاص مع عينيها:
ـ هبعد. متقلقيش. بس بعد ما احط الخطوط الحمرا قدام عنيكي عشان لما أهد الدنيا على دماغك متقوليش مكنتش اعرف..
آسيا بسخط وهي تحاول تحرير نفسها منه، فقربه وإن رفضت ذلك ولكنه يُثير بداخلها مشاعر لا تريد الاعتراف بها. تريد قتلها حتى تحيا:
ـ الخطوط الحمرا دي أنا اللي هحطهالك، وأولها أن ايدك دي متلمسنيش تاني.
كان قريب للحد الذي يجعله يتنفس أنفاسها، وقد كان لهذا وقعًا مُغايرًا لكل الغضب و الألم الذي يعصف به، ولكنه كان يقاوم مثلها بل و أكثر، وبالرغم من ذلك، فإنه لا ينفك يعلن سيطرته الكاملة عليها لذا قال بنبرة تملكية:
ـ ايدي دي ليها كل الحق تلمسك في أي وقت..
قاومت بقوة حتى تطلب الأمر أن يستخدم قوته البدنية في إخضاعها ليسمعها تقول بشراسة:
ـ الايد اللي لمست غيري دي هقطعها لو فكرت تلمسني، وانت عارف اني مبهددش.
رأى بعينيها كيف اكتظت خاصتها بالألم لذا غير دفة الحديث قائلًا:
ـ انسي انك ممكن تنزلي الموقع دا على الأقل وانا مش معاكي. دا رقم واحد..
كانت عينيها تبرقان من شدة الغضب الذي تجاهله ليتابع:
ـ اياكي أقولك عايزك و تتجاهليني وتمشي من غير ما تعرفي أنا عايز اكلمك في أيه.
أوشكت على الحديث ولكنه تابع بنبرة أحد من السيف:
ـ و إياكي. إياكي ألاقيكي لابسه الچيبة دي تاني او أي حاجة قصيرة بالشكل دا، وقتها رد فعلي مش هتوقعيه، والروج اللي أنتِ حطاه ترميه لو لاقيتك حطاه تاني همسحه بطريقة أنا واثق أنها مش هتعجبك..
هدأت بطريقة أثارت حفيظته ليجدها تستفهم باختصار:
ـ خلصت!
أجابها بنفس لهجتها المختصرة:
ـ خلصت.
فاجأته تلك البسمة الساخرة التي ارتسمت على شفتيها وخاصةً حين قالت:
ـ والله يا كمال أنت صعبت عليا. للدرجادي انت مراقب كل تفاصيلي؟
عرت مشاعره بكل وضوح مما جعله يتراجع عنها واضعًا يديه في جيوب بنطاله وكأنه لا يضمن ولائها له ليحاول التنكر لها و لمشاعره القوية نحوها قائلًا بلا مُبالاة:
ـ لا طبعا. فين التفاصيل دي؟
اعتدلت واقفة وهي ترفع خصلاتها لتجذبها إلى الجانب الأيمن وهي تقول بنعومة مُتعمدة:
ـ عارف! انا لو هعمل اللي أنت بتقول عليه دا هعمله من باب الشفقة. يعني بجد صعبت عليا مش عايزة اعذبك اكتر من كدا. حرام عندك طفل عايز تربيه.
اغتاظ من استفزازها السافر له ليقول بوعيد:
ـ مش سيف بس اللي محتاج يتربى..
آسيا بأسف زائف:
ـ أه صح سيف وأبوه. ابقى دورلكوا على مربية من مستشفى المجانين عشان تقدر تتحملكوا.
تنجح دائمًا في إثارة كافة مشاعره و استفزازه بدون أدنى مجهود لذا هتف مُحذرًا:
ـ في يوم من الأيام هقصلك الحتة الزايدة اللي في لسانك دي.
رسمت ابتسامة رائعة فوق ملامحها قبل أن تقول بدلال متعمد:
ـ طب ما تجرب تتلاشاني أحسن! لا بس صح الموضوع صعب. أنك تتجاهل وجودي صعب. صعب اوي و دا اللي مضايقك كدا صح؟!
مابالها تلهو فوق أوتار غضبه اليوم باحترافية، و تكشف عن مكامن ضعفه أمامها و تعري عشقه الضاري لها؟ تتقاذفه الرغبة الآن إما بصفعها أو تقبيلها كعقاب على تماديها معه، فأخذ يقترب منها بخطٍ سُلحفية وهو يعض على شفتيه متوعدًا:
ـ غرورك دا هيقتلك في يوم.
على الرغم من أنها كانت تتراجع تلك الخطوات التي يقتربها منها ولكنها واصلت عنادها قائلة:
ـ طيب احرمني من اهتمامك وحصارك دا عشان هما اللي مزودين غروري. يا ترى هتقدر؟
كانت مُحقة، فهو من يعزز هذا الغرور اللعين ولكن ما يفعل و كل هذا الألم الهائل الذي يجتاحه بسببها لا يستطِع مقاومتها؟ حتى الألم يقف عاجزًا أمامها!
قست نبرته حين قال:
ـ أنا لا مهتم ولا في دماغي. بس بما انك شايله اسمي يبقى لازم تعملي اللي يليق بمرات كمال الوتيدي..
آسيا بجفاء:
ـ طب ما تيجي نريح بعض و تحرمني من شرف حمل اللقب العظيم دا.
كمال بخشونة:
ـ لما أعلمك الأدب الأول.
آسيا بسخرية:
ـ اتعلم الأدب ولا لا شيء ميخصكش. على كلامك انت لا مهتم ولا في دماغك..
تجاهل حديثها وقال مُحذرًا:
ـ متحاوليش تهربي من عربية الحراسة تاني عشان الموضوع مش هزار..
زفرت بحنق تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مش محتاجاها ولا محتاجة حمايتك أنا اعرف احمي نفسي كويس.
حدجها بنظرة غاضبة قبل أن يقول بحدة:
ـ اسمعي الكلام وأنتِ ساكته.
تشدقت ساخرة:
ـ لا دي تلاقيها في كارفور عليها خصم.
ـ هي أيه دي؟
آسيا بسخط:
ـ الست اللي بتسمع الكلام وهي ساكتة. روح الحق بيوزعوا عليهم خلطات هدية.
كان ليضحك بقوة على جملتها ولكنه قمع ضحكته بصعوبة، فبعد كل هذا الغضب تجعله بلحظة على حافة الضحك!
تضمنت لهجته الجفاء حين قال:
ـ كفاية بقى كدا. خلينا نتعامل زي أي اتنين عاقلين..
آسيا بعملية:
ـ تمام اوي. بما أنك عايزنا نتعامل زي أي اتنين عاقلين يبقى تطلقني..
كعادتها تأخذه من أقصى اليمين الى اقصى اليسار بطرفة عين. هاهي جعلت ثيرمومتر الغضب بداخله يرتفع إلى أقصى درجاته بعد أن خبى بقربها مما جعله يهتف بقسوة:
ـ ليه؟ عايزة تطلقي ليه؟ مصرة أوي على الطلاق ليه؟ في حد مستنيكي؟ معتقدش..
قال جملته الأخيرة بنبرة ساخرة مما جعلها تقول بغموض:
ـ محدش عارف بكرة في ايه؟
كمال بقسوة افزعتها:
ـ فعلا محدش عارف بكرة في أيه؟ بس الأكيد انك مش هتكوني فيه من غيري. حتى لو أنا وأنتِ مش عايزين دا..
كانت ترى الكثير في نظراته مما يجعلها تشك بأن هناك الكثير مما لا تعرفه ولذلك شنت هجومًا مضاد حين قالت بصراحة أجفلته:
ـ خايف اكون لحد غيرك؟
لم يجرؤ على التفكير في الأمر ولن يجرؤ على الإجابة، وكان في هذا اللحظة يود الصراخ في وجهها بما عاناه تلك الليالي وهو يتخيل أن تصبح لذلك القذر، ولكنه لن يُعري ضعفه أمامها أبدًا لذا اكتفى بنظرة ساخرة آلمتها قبل أن يقول بجفاء:
ـ في لجنة هتروح الموقع النهاردة و هبلغك بالنتيجة عشان تكملي باقي التعديلات.
رأت في عينيه ما آلمها لذا أرادت إنهاء هذا الحديث قبل أن يتشعب أكثر لما لا تحمد عقباه ولكنها لا تكون آسيا قبل أن تترك بصمتها لذا همست بنبرة ناعمة:
ـ تمام..
كان لها ما أرادت و انمحى الجفاء في نظراته ليتبدل لشيئًا آخر تعلمه، ولكنها لم تنتظر بل جذبت حقيبتها و غادرت مغلقة الباب خلفها ليسقط ذلك الجبل الشاهق فوق المقعد وهو يشعر بأن جسده لم يعد يحتمل كل هذا التعب الذي نال منها هي أيضًا مما جعلها تستند برأسها إلى الخلف حين استقلت سيارتها وهي تحاول تنظيم أنفاسها، فبعد المرة الأخيرة التي نزفت بها و أضطرارها لعمل ذلك المنظار وهي تحاول تجنب كل شيء مؤذي فالأمر كان مؤلمًا، ولكن يبدو أن الألم أصبح عاشقًا لها، ويبحث عنها و كأنه لا يوجد سواها في هذا العالم.
أخرجها من شرودها رنين هاتفها لتجيب ما أن شاهدت رقم المتصل، فإذا بها تجد سحر تقول بعتب:
ـ الناس اللي نسياني!
آسيا بذوق:
ـ مقدرش انساكي طبعًا، و على فكرة أنا ظبطت حاجات كتير و قولت لمنة تبعتهالك تختاري منها..
سحر باستنكار:
ـ اختار! قصدك نختار.. أنا وأنتِ هنختار وهنتغدى مع بعض النهاردة و مش هسيبك غير لما نكون قررنا كل حاجة.
آسيا باعتراض:
ـ النهاردة صعب...
قاطعتها سحر قائلة:
ـ مفيش الكلام دا. بناتي هيتجننوا عايزين يبدأوا بالتحضيرات وانا كمان بصراحة. يلا قولي موافقة..
أضطرت آسيا للإذعان إلى طلبها قائلة:
ـ خلاص موافقة. هستناكي النهاردة الساعة تلاته في المكتب..
أغلقت سحر الهاتف وهي تلتفت إلى رماح قائلة بمرح:
ـ كله تمام يا نور عيني..
رماح برضا:
ـ زين. زين. أكده كمال وخالد و رحيم، فاضل الغالي واد الغالي.
سحر باستفهام:
ـ تقصد مين؟
رماح بشر:
ـ ياسر واد ربيع و ده له مني حاچة حلوة چوي....
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى... اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ♥️
★★★★★★★★★
ـ يا ألف نهار أبيض.. اتفضلوا. البيت نور.
هكذا تحدثت هيام و الفرحة لا تسعها وهي ترى ياسر يدخل من باب البيت وهو يمسك بيد غنى و خلفهم يزيد ليتحدث ياسر قائلًا بابتسامة هادئة:
ـ البيت منور بصحابه يا أم حمادة..
ـ حمادة هيتجنن على خاله. نفسه يشوفه ويلعب معاه زي زمان..
هكذا تحدثت هيام وهي تقترب لتعانق غنى التي كانت لاتزال تمسك بيد ياسر لتتذمر هيام قائلة:
ـ مالك ياخويا ماسك أيدها كدا ليه؟ هناكل منها حتة! ما توعى خليني أحضنها..
تشدق يزيد ساخرًا:
ـ لسه عليه أقساط من تمنها باين..
ناظرته غنى بسخط وهي تعانق هيام بتحفظ تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أهلًا يا أبلة هيام ازيك؟
هيام بابتسامة صفراء:
ـ زي الفل يا حبيبتي. بعد ما شوفتك بقيت زي العسل..
غنى بتهكم:
ـ أنتِ مش محتاجة تشوفيني عشان تبقي زي العسل. أنتِ عسل على طول..
اقترب يزيد من ياسر قائلاً بسخرية:
ـ شوف ياخي جدران البيت شقتت من كتر النفاق..
كان يلاحظ ذلك الصراع الخفي الذي يدور بين زوجته وشقيقته ولكنه اختار الصمت إلى أن يتطلب الأمر تدخل صارم منه ليجد الحاج جابر يتقدم منهم وهو يقول بترحيب:
ـ يا ألف أهلًا وسهلًا يا ريس. نورت البيت يا راجل.
تبادل الرجلين السلامات ليتحدث يزيد بنفاذ صبر:
ـ جماعة أنا شامم ريحة المحشي خرمت مناخيري. مش يالا ناكل ولا ايه؟
هيام بلهفة:
ـ طبعًا. دي السفرة جاهزة و مستنياكوا عملتلكوا كل الأكل اللي بتحبوه.
يزيد بحماس:
ـ طب يالا بقى مستنيين أيه؟
ياسر بتقريع:
ـ هو أنت طول جعان كدا؟
يزيد بسخط:
ـ الموضوع مش موضوع جوع على فكرة. موضوع تقدير. يعني المحشي دا له برستيچة. مينفعش نسيبه يستنانا. احنا اللي نستناه. خلي عندك تقدير للعظماء شوية.
قهقه الجميع على حديثه لتقول هيام بحب:
ـ سيبه يا ياسر. دا يا قلب أخته معدته نشفت من قلة الأكل. شوف خاسس ازاي و وشه أصفر!
يزيد بتأثر:
ـ أيوا فعلًا أنا خاسس ووشي أصفر وكان الصبح أحمر من الشمس عادي جدًا..
التفتت هيام لتقترب من ياسر وهي تمد يدها تمررها فوق خديه وهي تقول بأسف:
ـ و أنت كمان يا ياسر. خاسس و متغير ليه كدا؟
برقت عيني غنى من شدة الغيظ لترفع رأسها تناظر ياسر بسخط ليحاول الأخير تدارك الأمر قائلًا:
ـ ولا خاسس ولا حاجة يا هيام أنا زي الفل أهو...
هيام بحب:
ـ ربنا يحفظك يا حبيبي، وتفضل زي الفل على طول قرب أقعد هنا في مكانك. أنت واحش كل ركن في البيت
لم تستطِع غنى سوى أن تطلق زفرة قوية تعبيرًا عن استيائها لتقول هيام بسخرية:
ـ و أكل غنى أصل هي كمان باين عليها هفتانة،و وشها متغير...
رفعت غنى رأسها وهي تناظر هيام بحنق قبل أن تقول بنبرة ذات مغزى:
ـ والله يا هيام أنتِ اللي صعبانه عليا بمشاعرك الجياشة دي شايفة الناس كلها يا عيني وشها أصفر وخاسة. في حين أن محدش متغير و تحت عينه أسود غيرك. أنتِ مبتناميش حلو ولا اي؟
برقت عيني هيام واعتدلت تنظر إلى مرآة معلقة على حائط جانبي وقد نجحت غنى في زعزعة ثقتها بنفسها مما جعلها تقول بحنق:
ـ لا ياختي مبنامش الليل اصلي بحب جديد. كلي كلي. بألف هنا و شفا.
كان ياسر ينظر إلى ما يحدث بصدمة تحولت إلى حنق، فزوجته وشقيقته يتراشقن بالكلمات الخفية، و هناك حربًا من نوعٍ خاص تحدث بينهن و لذلك زفر بتعب وهو يتمنى أن يعينه الله على ما هو قادم..
ـ بتتفخ من أولها. لا اجمد كدا. احنا لسه بنسخن، ودا كله ضرب من تحت الحزام اومال هتعمل ايه لما يشتغل قصف الجبهات..
هكذا تحدث يزيد ساخرًا لينهره ياسر قائلًا:
ـ اعملك قفلة بدل ما هحطك في بوز الصاروخ..
وضع يزيد رأسه في الطبق دون تعليق ليمر وقت الغذاء و توجهت غنى مع هيام لتغسل يدها لتستغل الأخيرة الأمر قائلة:
ـ مبروك يا غنى. حقك رجع..
غنى بعدم فهم:
ـ بتقولي ايه؟ حق ايه اللي رجع؟
هيام بتوضيح:
ـ حقك من رأفت. ياسر مقالكيش و دا كان طلبي كنت عايزة أقولك أنا.
دقت الطبول بقلبها من حديث هيام لتقول باستفهام:
ـ تقصدي أيه؟
هيام بهدوء:
ـ ياسر من بعد ما عرف اللي حصل و اللي اتعرضتيله في بيت الناس دي، وهو مش على حامي ولا على بارد، ويمكن سفركوا من هنا خلى المواضيع هديت شوية بالنسباله لكن النار منطفتش، و بعد ما اتكلمنا آخر مرة صارحني وقالي أنه مش قادر يسيب حقك عند الناس دي اكتر من كدا، وكمان لما عرف أن المخفي دا خاطب مقدرش أنه يسيب بنت الناس تتبهدل البهدلة دي، و اتفقت معاه أني هساعده و نكشف الناس دي ونفضحه قدام الخلق كلها عشان محدش تاني يقع في نفس المصيدة معاهم.
تدلى فكها من فرط الصدمة لتُتابع هيام قائلة:
ـ مكذبش عليكِ هو قالي صراحةً غنى مش هتدخلك بيت غير لما ايدك تنضف من اللي حصلها، وانا قبلت، و اشتغلت اللي اسمها عنايات دي. هي كانت عارفة بالمشاكل اللي بيننا، ودا ساعدني انها تكون مفكراني بكرهك دا سهل عليا الموضوع، واقنعتها أنها تخلي رأفت يسيب خطيبته واني هجيبلها عروسة تانية تكون منكسرة وأهلها مفرطين، و قولتلها اني لازم اثبت لياسر انك كذابة وان رأفت صاغ سليم، وهي بلعت الطعم و حصل..
غنى بشفاة مُرتجفة:
ـ هو ايه اللي حصل؟؟
هيام بطمأنه:
ـ متخافيش. كل حاجة كانت مترتبلها، لحد لحظة الفرح، نفس اللي حصل معاكي بالظبط بس الفرق أن نبوية أم العروسة فضلت قاعدة بره هي وأهلهامش راضيين يمشوا غير لما يطمنوا على بتهم، و دي كانت البداية..
غنى بأنفاس متلاحقة:
ـ و بعدين؟
ـ طبعًا عنايات وابنها قضيتهم خسرانه، وعشان كدا كل اللي كان في ايديها أنها تحاول تنقذ أي حاجة و قعدت تنفخ في الرماد فكرها أنه ممكن يبقى نار بس للأسف تار في الهوا وكأنه مكنش موجود.. أدت لرأفت شريط برشام منشط من يأسه و خوفه لا يتفضح خد جرعة كبيرة جدًا قلبه متحملهاش وقع مات..
شهقة قوية خرجت من جوفها وهي تضع يدها على فمها من هول الصدمة ليستمع ياسر إلى صوتها، فهرول إلى مكانهم يسبقه قلبه الملتاع ليجدها على حالتها من الصدمة، فاستدارت هيام قائلة بطمأنه:
ـ متقلقش مفيش حاجة. أنا كنت بقولها على اللي حصل.
رفعت غنى رأسها تطالعه بصدمة وهي تقول بشفاة مرتجفة:
ـ ياسر..
تحمحم ياسر بخشونة قبل أن يقول:
ـ الموضوع انتهى. حقك رجع، وهيام ساعدتني في دا.
غنى بضياع:
ـ بس دا مات...
ياسر بجفاء:
ـ يموت أحسن ما يموت بنات الناس بالحيا.. مات عشان مكنش راضي بقضاء ربنا و ابتلائه وكان بيتجبر على الضعيف. لو مكنش الناس وقفتله كانت البنت دي يمكن مطلعش عليها نهار. لأنه مكنش هيرحمها.
تدخلت هيام قائلة:
ـ و اللي ودته للموت بإيديها أمه. اللي مكنتش قادرة تتقبل أن ابنها عنده مشكلة. خدتها العزة والجهل و رفضت أنها تكون أقل من سلايفها اللي كل ولادهم متجوزين. مكنتش بتحاول تحل مشكلة ابنها. كانت طول الوقت عايزة تثبت أنه معندوش مشكلة عشان محدش يشمت فيها، وكانت النتيجة أنها بإيدها ادته السلاح اللي موته، وفي النهاية كل حاجة اتكشفت، و خسرت ابنها..
لم تستطع غنى تحمل كل ما سمعته، فالذكريات الآن باتت تهاجمها وبقوة، وفجأة شعرت بالأرض تميل بها و بأن قدميها ترتخي إلى أن سقطت مغشية عليها بين يدي ياسر الذي صرخ بملء فمه:
ـ غنى....
اللهم ارزقني رزقاً واسعاً حلالاً طيباً من غير كدٍّ، واستجب دعائي من غير رد، وأعوذ بك من الفقر والدّين.♥️
★★★★★★★★★★
حل المساء و قد كانت تشعر بأن كل خلية بداخلها ترتجف خوفًا لا تعرف كيف تخبره بما حدث، بماذا تبدأ حديثها؟ كيف تصيغه؟ يأمرها قلبها بالهرب من هذا الحديث الشائك وينهرها عقلها وهي عاجزة عن الاختيار لتحاول أخذ نفسًا قويًا ينعش صدرها وهي تدلف إلى الداخل لتفكر بروية، فهي تعلم أنه كالعادة في غرفة المكتب، فقامت بفتح باب الغرفة الغارقة في الظلام لتشهق بعُنف حين رأت ذلك الظل الضخم يقف أمام النافذة، ولكن سرعان ما هدأت حين سمعت صوته المطمئن:
ـ اهدي دا أنا...
تسلل بعض الهدوء الى صدرها ولكن لهجتها كانت حادة بعض الشيء حين قالت:
ـ أنت ليه واقف في الضلمة؟ خضتني..
خالد بنبرة خشنة وهو يقترب منها:
ـ نور القمر منور المكان، و بعدين أنتِ خايفة كدا ليه؟ هو في حد يقدر يدخل الأوضة غيري ؟!
كان استفهامه غريبًا أو لنقل هي من تحمل بداخلها سرًا ترى كل الأصابع تشير إليه، ولكنها كانت غاضبة منه لكونها افزعها إلى هذا الحد مما جعلها تتراجع وهي تقول بجفاء:
ـ عندك حق. أنا غلطانه اني اتخضيت فعلًا..
اوقفتها يداه التي قبضت على رسغها يُعيدها إلى مكانها مرة آخرى ولكن هذه المرة كانت قريبة جدًا منه حتى لامستها أنفاسه حين تحدث بهسيس خشن:
ـ متعصبة ليه؟
رفعت رأسها تنظر إلى عينيه قبل أن تقول بخفوت:
ـ عادي. اتخضيت بس، وأنت زعلان اني اتخضيت..
خالد بخشونة:
ـ مش زعلان...
أشجان بخفوت:
ـ خلاص وانا مش متعصبة...
سمعت نفسًا قويًا خرج من أعماقه، ولكم تمنت لو أنها تتنفس آخر مشابهًا له ولكن ذلك لم يحدث طالما تحمل كل هذه الأسرار، لذا قررت الحديث قائلة بتوتر:
ـ خالد. عايزة أقولك على حاجة..
تهدجت أنفاسه و كذلك نبرته حين قال:
ـ سامعك...
خاطبته عينيها بتوسل و كذلك نبرتها:
ـ عايزة اتكلم معاك بس أرجوك تكون هادي و متنفعلش و تسمعني للآخر. ممكن؟
ضيق عينيه وهو يناظرها بغموض لم تره لأن ضوء القمر كان ينعكس على ملامحها فقط، ولكنها سمعته يقول بنبرة خشنة:
ـ سامعك..
سحبت نفسًا قويًا بداخلها وهي تحاول شحذ كل ما تملك من قوة و إرادة حتى تتمكن من الحديث، فاستغرق الأمر عدة لحظات جعلته يقول بنبرة حاول جعلها لينة قدر الإمكان:
ـ من غير ما تفكري. قولي اللي عندك، و تأكدي أنه مهما إن كان هيضايقني. أني اسمعه منك دا لصالحك مهما كنتِ هتقولي أيه..
كان محق، وهكذا أخبرتها سوزان لذا استجمعت شجاعتها قبل أن تقول باندفاع:
ـ أمين اتصل عليا النهاردة، وكان عايز يشوف الولاد...
يتبع.....
كاتبة على البارت انه دا الجزء الاول عشان البارت التاني هيكون بنفس المقدمة احسن حد يفكر ان دا نص بارت هقتل نفسي وقتها 😂
لو أقولكوا حاولت قد أيه اني اكتب لحد ما اوصل لمشهد عمر و شروق بس أقسم بالله ما شايفة البارت طويل ٨٠٠٠ كلمة و عيني تعبتني جدًا أتمنى البارت يعجبكوا أن شاء الله و ياريت الاقي تفاعل يعوضني عن تعبي في الكتابة قراءة ممتعة ♥️
دا جروبي نوروني عليه
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثامن وثمانون 88 - بقلم نورهان العشري
قبل ما تقروا يا حلوين بليز متنسوش تعملوا فوت و تكتبوا كومنتات كتير على الفقرات اللي حبتوها♥️ قراءة ممتعة ♥️
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الإثم السادس و العشرون ❤️🔥
رسالة من قلبي:
" يحرقني حنيني إليك حتى كاد أن يُنهيني، ويأكل الشوق في قلبي ما لم تأكله الأيام، و ما يزيد النزف بصدري هو أنك لم تكُن بعيد فألقي اللوم على المسافات، بل أنت قريب للحد الذي يُمكنني من ملامسة وجهك ما أن أمُد يدي. لكني و بكُل أسف لا أستطيع فعلها. ربما ثُقل الذنب الذي أحمله هو ما يُكبلُني، ولكن و بكل صدق أشعر بالحزن كثيرًا كوننا نحمل كل هذا الحُب في قلوبنا، بينما نتعامل بكل هذه البرودة وكأننا غرباء لم يذوبا في بحور العشق يومًا.
أعلم بأن هُناك شيئًا في المنتصف بيننا قد تحطم، لا الحب قادر على إصلاحه ولا المواقف تسمح لنا بنسيانه. و بالرغم من ذلك لا أراك إلا كظلي، تلازمني بكل شيء تتبعني و اتبعك لا تفترق عني ولا استطيع الانسلاخ عنك، ولكني كُـلما مددت يدي لأعانقك تتلاشى فأجدني احتضن السراب.
لطالما آمنت بأن الحظ لا يضعني في حساباته. لكنني حين التقيت بك، ظننت أن الحياة أرادت الاعتذار لي أخيرًا عن قسوتها و سكبت جميع نِعمها بين كفوفي، لم أكن أعلم أن القدر يمنحنا العطايا ليجعلنا نتذوق مرارة السلب، و يختبر قدرتنا على الصمود ولكن قلبي لا يكُف عن التساؤل و لا يمل التمني:
"يا تُرى هل ستكون المنارة التي تنير الدرب لسفينتي التائهة في بحور الحياة المظلمة؟ أم أنك كنت محض خيبة عظيمة توهمت أنها ستكون النجاة بينما هي الغرق بعينه؟
أما عن التمني، فمن كل قلبي أتمنى أن يكون حُبك غمامة المطر التي جاءت لتُعيد الروح الى تربة وجودي و تغرس بها الحياة من جديد، على أن تكون مجرد سحابة شتاء عابرة تترك الروح عطشى أكثر من السابق..
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أمين اتصل عليا النهاردة و عايز يشوف الولاد..
لفظت كلماتها باندفاع، وكأنها تنزع عن كاهلها حِملاً ثقيلاً، أو كمن يرمي قنبلةً يدوية نزعت فتيلها للتو؛ ففي عينيها كان يلمع ذعر مكتوم، خوفاً من أن يرتد الانفجارُ إليها ويحيلها إلى رماد قبل أن تُنهي حديثها الذي جعل عينيه استحالت إلى فوهتي جحيم، تشتعلان بنار الغيرة التي لا تُبقي ولا تذر.. تشنجت ملامحه بقسوةٍ مرعبة وبرزت عروق رقبته كأفاعٍ تلتف حول فريستها، وكأن وجهه قناعٌ من حديدٍ انصهر تحت وطأة غيرةٍ مسمومة؛ لم يكن غضباً عادياً، بل كان ثورة مناضل يأبى أن تمسّ عيون الغرباء ذرةً من تراب أرضه، وجاءت نبرته لتُكمل الصورة المرعبة الوحش:
ـ كملي...
كلمة واحدة ولكنها قصمت ثباتها إلى نصفين كلاهما يجاهد حتى لا تسقط أمام عينيه، فحاولت أن تبقى جامدة ولو لبعض الشيء لتُكمل ما بدأته ولكن كانت نبرتها متوترة وكأن الكلمات تتأرجح على شفتيها حين قالت:
ـ قال إنه عند المدرسة، و، و أنه. هي. هيدخل يشوفهم، وانا، أنا بهدلته و قفلت. قفلت السكة..
لم يخبو غضبه بل تضاعف حتى خيل لها أن عينيه أصبحت مرآة للجحيم و كأن الشياطين قد اتخذت من سوادهما مأوى، فما كان منها إلا أن أكملت بأنفاس مقطوعة:
ـ بس. بس هو. هو أكيد. اكيد بيهدد، أصل. بس. بس أنا مسكتش. أنا اتصلت على المدرسة و نبهت. نبهت عليهم محدش أبدًا يشوف الولاد ولا..
ـ مكلمتنيش ليه في وقتها؟؟
هكذا تحدث بنبرة جافة باردة كنصل السكين الذي شعرت به مُسلط فوق رقبتها كما كانت عينيه مُسلطة على خاصتها لتمر لحظات قبل أن تتلاشى قدرتها على احتمال كل هذا الضغط، فأخفضت رأسها و تهدلت أكتافها بتعب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ خوفت، و اتوترت.
لم تكد تُنهي جملتها حتى امتدت يديه تطوقان جسدها بلطف يغلفه الحزم، ليجذبها إلى صدره وكأنه يجمع شتات روحها المنهكة. لم ينطق بكلمة، لكن احتضانه كان لغةً لا يفهمها إلا العشاق فقط، لغةً تخبرها بوضوح أنه هنا، وأنه الجدار الذي لن يجرؤ أحد على تجاوزه لينال منها وإنه لا يوجد شيء في هذا الكون يستحق الخوف طالما هو بجانبها.
ـ اهدي..
كانت في أمس الحاجة للهدوء، ولكن هل تهدأ حقًا؟ ألن يهدم العالم فوق رأسها؟ تراجعت عنه بلهفة تجلت في نبرتها وهي تقول:
ـ هو أنت مش هتقلب الدنيا فوق دماغي؟
انكسرت حدة الجحيم في عينيه أمام رقة ملامحها، و فجأة همدت ثورته وخمد لهيبها، واستحالت النيران التي كانت تحرق الأخضر واليابس إلى بركة من الحنان، وكأن إعصاراً مدمراً استسلم أمام نسمة صيف رقيقة، ليحل السكون في عينيه محل الضجيج، وتغرق قسوته في بحر عشقه الذي لا حدود له ليُجيبها بنبرة خشنة:
ـ أنا اقلب الدنيا فوق دماغ اي حد يفكر بس أنه يضايقك..
تضخم قلبها من فرط السعادة لحديثه، ولهذا الحنان الذي غمرها به و للطمأنينة التي قذفها بداخلها ولكنها على الرغم من ذلك شعرت بغرابة في الأمر مما جعلها تقول باستفهام خافت:
ـ هو أنا ليه حاسة أن في حاجة مش عرفاها. هو أنت..
جذبها من مرفقها بلطف، وهو يقول باختصار:
ـ تعالي اقعدي..
جلست و الفضول يلتمع كالنجوم في عينيها لتهتف باستفهام:
ـ خالد أنت...
خالد بجمود:
ـ اقعدي و اسكتِ.
أنهى جملته و توجه إلى الثلاجة الصغيرة في أحد أركان الغرفة، و قام بجلب زجاجة عصير ليفتحها قبل أن يقدمها لها وهو يقول بنبرة آمرة:
ـ اشربيها كلها.
كان حلقها جاف بالفعل من فرط التوتر لتلتقط الزجاجة منه و ترتشف منه حتى ارتوت ثم ناظرته بامتنان قائلة:
ـ شكرا..
استقر على المقعد أمامها لتبدأ هي بالحديث على حذر قائلة:
ـ أنت هتقولي على اللي أنا معرفوش صح؟
لم يُطيل في الأمر إنما قال بلهجة خشنة:
ـ قبل ما أقولك على اللي معرفوش. عايز اقولك انك اتصرفتي صح لما كلمتي المدرسة. لكن اتأخرتِ أوي انك تقوليلي..
قال جملته الأخيرة بعتب قاس يشوبه اللوم لتندفع قائلة:
ـ أصل أنا..
قاطعها بحزم وكأن أمرًا كهذا لا تشفع له أي مُبررات لا في الماضي ولا المستقبل:
ـ لكن أنا هعديه المرة دي عشان أنا عرفت في الوقت المناسب و اتصرفت.
بهتت ملامحها و هتفت بصدمة:
ـ لحظة واحدة! يعني ايه؟
نظر خالد الى البعيد وهو يتذكر ما حدث صباح اليوم
عودة إلى وقتٍ سابق
كان يتصفح أحد الأوراق حين رن هاتفه ليجد قائد الحرس خاصته عابد الذي تحدث باحترام قائلًا:
ـ خالد بيه. أمين عبد السلام دخل مدرسة الولاد و نازل من عربية چيب فور باي فور تحب حضرتك نتعامل؟
تأهبت جميع حواسه، و انتفضت عروق رقبته كالأفاعي تكاد تخترق جلده كما جاءت نبرته شرسه حين قال:
ـ اعرفلي ايه قصة العربية دي، و استنى إشارة مني...
اغلق الهاتف وهب من مكانه يقوم بالاتصال بالمدرسة لتُجيبه المديرة ليبادرها الحديث قائلًا:
ـ معاكِ خالد الوتيدي. في مشكلة عندك بخصوص الولاد؟
المديرة بارتباك:
ـ أهلًا خالد بيه... الحقيقة. أنا كنت لسه هكلم المدام. لأن. بابا الولاد. هنا وعايز يشوفهم.
تشعب الغضب إلى أوردته و سرى في خلايا كسده كسريان النار في الهشيم ليتحدث بنبرة حادة غير قابلة للتهاون:
ـ أنا في طريقي للمدرسة، و هتعامل بنفسي معاه..
طوى المسافات بأقصى ما يمتلك من سرعة، و اندفع بسيارته ينهب الطريق وكأن الغضب هو وقود محركها الحقيقي، فقد كان طيف ذلك الرجل يتراقص أمام عينيه، ليؤجج نيران حقدٍ أهوج جعل صدره يغلي بقسمٍ غليظ وهو أن يذيقه من العذاب ألواناً لم تخطر له على بال، فهو رجلٌ لا يعيد قوله، ولا يكرر وعيده، فكلمته الأولى تحذير و الثانية تنكيل، وقد أتى وقتها.
ـ اقدر أعرف أنا ليه مشوفتش ولادي لحد دلوقتي ؟ يعني أنا قدمت لحضرتك البطاقة و اكيد اتأكدتي اني والدهم....
هكذا تحدث أمين إلى المديرة بعد مرور عشرون دقيقة من الانتظار، ليقطع جملته دخول خالد الذي أطل من الباب بجسده الضخم مما جعل أمين يبتلع باقي كلماته بداخل جوفه، وعلى الرغم من أنه يتوقع مواجهة قريبة معه، ولكنه لم يتخيل أن تكن قريبة إلى هذا الحد، فقد ظن بأنها هي من ستأتي مستنداً على اعتقادًا أحمق بأنها لا زالت تخشاه!
ـ لا الموضوع دا عندي. أنا اللي هعرفك السبب..
هكذا تحدث خالد بابتسامة تبدو هادئة من الخارج ولكنها تحمل من الشر ما جعل أمين يبتلع ريقه وتبدأ أنفاسه بالتزاحم بداخله وهو يرى نظرات خالد المتعطشة للدماء ليلتفت الأخير ناظرًا إلى المديرة التي كانت تراقب بصمت ثم و بلطف قال لها:
ـ معلش ممكن تسبينا شوية!
المرأة بهدوء:
ـ طبعًا. خدوا راحتكوا...
غادرت المرأة ليستند خالد على المقعد أمام أمين واضعًا قدم فوق الأخرى وهو يناظره بشر و رمقه بنظرةٍ شيطانية تقبض الأنفاس. ابتسامة تخبره بوضوح أن فرصته قد انتهت، وأن هذا الوحش الذي أمامه يتأهب للفتك به.
ـ تعرف أن الإنسان دا كائن نمرود. تديله مهما تديله. طماع.
هكذا تحدث خالد بنبرة ساخرة خالية من المرح ليقول أمين بنبرة متوترة قليلاً:
ـ لو كنت تقصدني أنا، فأنت مدتنيش حاجة. بالعكس أنت خدت مني...
زمجر خالد يقاطعه بشراسة:
ـ سبتلك فرصة أخيرة تعيش. لكن زي ما قولتلك الإنسان أصله طماع و نمرود. لكن ملحوقة..
حاول أن يلتزم ضبط النفس حتى لا يخسر في المعركة من الجولة الأولى لذا تحدث بهدوء:
ـ كل دا ليه؟ عشان حبيت اشوف ولادي! هما مش ولادي بردو ولا نقلتهم على اسمك؟!
اقتنصت ملامحه ابتسامةٌ ملتوية قبل أن يقول بتهكم:
ـ مش محتاج أنقلهم على اسمي لكن هما محتاجين ينسوا اسمك. لأنه السيئة الوحيدة اللي في تاريخ حياتهم..
غضب أمين من حديثه ليقول بحدة:
ـ بس دول ولادي، ومحدش يقدر يبعدني عنهم..
قاطعه خالد بصرامة مُفزعة:
ـ لا ٱنت كدا كدا بعيد، و متجرؤش تقرب خطوة واحدة عايز تجرب المدرسة قدامك لو تملك الجرأة تطلع لواحد فيهم و تقولهم أنا أهو اعملها! أو أقولك أنا راجل حقاني، هاتلي حكم محكمة وانا بنفسي هخليك تشوفهم!
كان تحدي نتيجته محسومة، فهذا الرجل الماكث أمامه لا يمتلك أدنى ذرة من الحب تجاه أولاده وله يخوض حربًا لأجلهم، و بالمقابل هو يمتلك كل الحب تجاه الأطفال و والدتهم، و سيبذل الغالي و النفيس لأجل حمايتهم..
ـ هي سخنتك أوي كدا! دانا يدوب قولتلها عايز أشوف ولادي. مكنتش اعرف أن المدام تأثيرها....
لم يكد يُنهي جملته حتى أجهز عليه خالد بضربة قوية نالت من عينيه و جعلت رأسه يرتطم في المكتب أمامه، فلم يُمهله خالد الوقت حتى يتألم بل قبض على عنقه وهو يزمجر بوحشية:
ـ اياك مراتي سيرتها تيجي على لسانك القذر دا أو حتى اسمها يمر على خيالك.
تركه بغتة ليتراجع إلى الخلف و هو يرى أثار عنفه على ملامح أمين ليبتسم بتهكم وهو يناوله بعض المحارم الورقية قائلًا بجفاء:
ـ خد امسح وشك. عايزك تفضل بقيمتك وانت طالع من هنا. ما أنت بردو أبو الولاد. ميصحش تطلع و أنت متبعزق كدا..
في هذه اللحظة كان أمين يغلي من الغضب و القهر، ولكنه كان يكبت مشاعره خلف ستار الصمت، فقد خسر في هذه الجولة ويجب الخروج منها بأل الخسائر لذا محى قطرات الدماء التي نتجت عن جرح في حاجبه الأيمن، وهو يقول بغل:
ـ الدنيا علمتني أن الحرب جولات، ولو خسرت الجولة دي مش معناها أنها خلصت كدا...
قهقه خالد بشر قبل أن يقول بنبرة يتساقط المكر من بين طياتها:
ـ ماهي مخلصتش فعلًا..
أمين بترقب:
ـ تقصد أيه ؟
تجعدت ملامح خالد بقسوة تجلت في نبرته:
ـ عربيتك اللي بتولع بره دي. مجرد تذكار بسيط يخليك تفكر قبل ما تعدي من هنا تاني.
بهتت ملامح أمين و وثب قائمًا لتوقفه كلمات خالد المُحذرة:
ـ هتطلع مش هتلاقي منها غير العضم، و دا تحديدًا اللي هبقيه منك عشان يدفنوه، أنا قولتلك قبل كدا باقيلك واحدة، و هتبقى الناهية..
قال جملته الأخيرة و ملامحه تتضمن كل معاني الشر الذي جعل أمين يكاد يرتجف من شدة الخوف و الغضب في آنٍ واحد..
عودة إلى الوقت الحالي...
ـ الموضوع دا اتقفل. تنسيه خالص. ولادك في أمان، وهو استحالة هيتجرأ يقرب منهم.
واصل طمأنتها، فلم يكن يحتمل أن يرى نظرة خوف واحدة في مقلتيها ليقوم بوضع يدها فوق قلبه النابض:
ـ طول ما قلبي دا بينبض أنتِ في أمان، أنتِ و كل حاجة تخصك..
أخذ يضم كفيها بين يديه بحنوٍّ بالِغ، حنوٍّ لم ينطق به لسانه فحسب، بل أكدته نبرته الهادئة ونظراته التي احتوتها قبل يديه. وأمام هذا الأمان المباغت، لم تجد العبرات سبيلاً سوى التدافع من مقلتيها؛ لم يكن وجعاً ولا خوفاً إنما هو فيضُ الأمان الذي حين يحلُّ على القلب يُربكه
مما جعل كل مشاعرها المكبوتة تتحفز لتتسلل عبر عينيها، وكأن هذه هي طريقتها في قول شكرًا حين لم تعُد كلمات الإمتنان تفي بالغرض.
ـ عنيكِ الحلوين مش لايق عليهم الحزن.
هكذا تحدث وهو يمد أنامله ليمحو عبراتها الدافئة بحنو وكأنه خائفاً من أن تجور خشونة أصابعه على رقة الورد فوق خديها فتترك فيه أثراً لا يزول.
أسرها حنانه و نظراته، لتشعر بظمأ يمزق روحها. عطش لا تطفئه قطرات المياة، إنما تطفئه غمرة من فيض عشقه و عناقٌ يلملم شتاتها ويروي جفاف أيامها بغيابه لتهمس بخفوت:
ـ خالد. أنا ممكن أخسر أي حاجة في الدنيا إلا أنت. أنا عارفة انك زعلان مني. بس بُعدك عني و خصامك دا كاسرني. يمكن ماليش حق اطلب منك الطلب دا بس أنا وحشني حضنك أوي..
وهل يمتلكُ الأسير حق العصيان أمام من أسرته؟ كيف يرفض المرأة الوحيدة التي أحكمت قيد روحه قبل قلبه؛ فكيف له أن يرد طلبها بعناق عابر وهو الذي يشتهي التحامًا يسحق المسافات بينهما، واحتواء نهِم يشبه إلتهام الغريق لأنفاس الحياة.
ـ أنتِ الروح اللي مخليه خالد عارف يتنفس.
هكذا تحدث وهو يغرسها بين ذراعيه وكأنه يُعيدها إلى جذورها الأصلية ليأخذ نفسًا قويًا معبأً بأريجها وهو يُتابع بنبرة مُتحشرجة:
ـ لو تعرفي غيابك عامل فيا أيه؟ دا بيسحب روحي مني واحدة واحدة.
عانقته بقوة وكأنها تؤكد على أن حاجتها إليه لا يفيها حديث، فهي تحبه فوق الحب حب. تعلقت به بقوة وكأنها ترفض أن تسمح لنسمة هواء أن تكُن دخيلة عليهم. لتمر ليلتها بين ذراعيه حبيبة وليست زوجة، وكم كان هذا مؤلمًا أن كل هذا السيل من المشاعر لم يستطِع هدم هذا الحاجز بينهم، و هنا أدركت بأن هناك شيء ما تحطم بينهم ذلك اليوم حين أمسك بها بالجُرم المشهود، لا الحب قادر على إصلاحه، ولا المواقف تسمح لهم بالنسيان. لذا لم يبقى سوى طريق الحقيقة المليء بالشوك الذي و إن انغرز بصدرها، فلم تعد تهتم يكفي أن يعود الحبيب إلى سكناه...
اللهم إن في قلبي ضجيجاً لا يسمعه إلاك، وتيهاً لا يرشده إلا هداك.. اللهم أرِح قلبي بما أنت به أعلم، واجبر كسر روحي جبرًا يليق بعظمتك. ❤️
★★★★★★★★★
ـ مكنتيش قولتيلها حاجة يا هيام. كنتِ صبرتي شوية عليها..
هكذا تحدث ياسر باستياء ما أن أخبرهم يزيد بأن ضغط دم غنى قد انخفض وهو ما تسبب في إغمائها، مما جعل هيام تهتف باستنكار:
ـ دا جزاتي عشان قولت افرحها ؟!
ياسر بجفاء:
ـ الموضوع دا بيضايقها، و الكلام فيه مش سهل عليها.
شهقت هيام باستنكار:
ـ ليه ياخويا! تكونش بسكوتة واحنا مش واخدين بالنا؟
تدخل يزيد مُصححًا:
ـ لا بسكوت أيه! قصدك غُريبة..
حدجه ياسر بحدة و رمقته هيام بسخرية تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ تصدق صح، ولا يكونش الريس بتاعنا اللي قلبه طلع غُريبة عالآخر..
ياسر بتحذير:
ـ هيام! اعمليلك قفلة..
في هذه الأثناء بدأت غنى تعود إلى الوعي لتهمس باسمه بنبرة خافتة وعلى قدر همسها كان وقعه صاخبًا على قلب ياسر الذي اعتدل يحتضن كفوفها بحنو تجلى في نبرته حين قال:
ـ غنى. حاسة بأيه يا حبيبتي ؟
رفرفت برموشها قبل أن تفتح عينيها كُليًا، ليتجلى وجهه بوضوح أمام ناظريها مما جعلها تقول بخفوت:
ـ أنا فين؟
هيام بتبرم:
ـ في الدنيا يا عنيا.
و تمتم يزيد هو الآخر ساخرًا:
ـ دي تايهة ولا أيه ؟ هاتي شوية مية نطس وشها هتفوق على طول..
زفر ياسر بحدة قبل أن يقول بنبرة حانية:
ـ غنى يا حبيبتي. أنتِ كويسة؟
عادت إلى كامل وعيها لتجيبه بطمأنه:
ـ أنا كويسة. متقلقش.
اقتربت هيام من يزيد لتقول بحنق مكتوم:
ـ هي بلعت صوتها ولا أيه؟ ماهو كان زي الجرس من شوية..
يزيد بتهكم:
ـ البنية بتدلل يا هويام. سبيها تدلل يا هويام. متبقيش قطاعة أرزاق..
تمتمت هيام بحنق:
ـ لا و أنت الصادق. دا كهن حريم أنا عرفاه..
يزيد بملل:
ـ معلش ماهو اخوكي غلبان بردو يا هيام محتاج كهن. أقصد حنان يعني. عديها بقى..
هيام بتبرم:
ليه ياخويا و احنا كنا حارمينه؟
يزيد بنفاذ صبر:
ـ كنتِ بتطفي السجاير تحت باطه وهو صغير باين؟
انتقل ياسر ليستند على ظهر السرير ويحتضن رأسها لتقترب هيام قائلة بتبرم:
ـ سلامتك. يا غنى. مالك ياختي. طبيتي فجأة يعني! كنتِ زي القردة. أقصد زي القمر من شوية..
رمقها ياسر بحدة ولم يمهل غنى الفرصة للرد إذ قال بجفاء:
ـ ما أنتِ سمعتي يزيد قال ايه. ضغطها وطي..
هيام بحنق:
ـ هو أنت المتحدث الرسمي بتاعها. قوم يا قلب أختك خليني أقعد جنب مرات أخويا حبيبتي..
قالت جملتها و قامت بمد يدها لتجذب ياسر من جانبها و الذي تفاجيء من فعلتها، لينظر إلى يزيد مصعوقًا فقام الاخير بإرسال غمزة في الخفاء ليلتفت ياسر و ينظر إلى كُلًا من هيام وغنى و نظراتهم التي كانت تشبه نظرات خصمين في معركة..
ـ قومي ياختي كدا وفوقي اسم الله عليكي من الرقدة. دا فال وحش، والجدع مش فاضي يفضل يحايل يعني. خلاص. فضيها وفوقي كدا. عايزين نقعد معاكي..
اغتاظت غنى من غيرة هيام الواضحة للعيان، ولأن هذا أمر بعيد كل البعد عن فكر الرجل، فقد ظن أنها متضايقة من وجودهم لذا قال بجمود:
ـ يالا يا غنى عشان نمشي، ولما تبقي كويسة نبقى نرجع..
قام يزيد بلكزة في يده في الخفاء وهو يجذبه إلى الشرفة قائلًا بخفوت:
ـ هو أنت مسحوب من لسانك ما تسكت. مش شايف هيام شوية وهتقوم تغزك.
تمتم ياسر غاضباً:
ـ لو هي متضررة من مراتي هاخدها و همشي.
يزيد بنفاذ صبر:
ـ شوف ياخي ريس و هيلمان، و حاجة زي دي تفوت عليك! هيام غيرانه عليك. متضايقة من اهتمامك بغنى و لهفتك عليها، ناقص تطلعلها لسانك..
كان أمرًا مُضحكًا ولكنه حقيقيًا مما جعله يقول بسخرية:
ـ والله أنا لو حد عاملي عمل مكنش هيبقى دا حالي. يعني يوم ما الدنيا تتعدل مع غنى. هيام تنطلي.
يزيد بملل:
ـ الصراحة أنت حواراتك كترت و زهقتنا...
لم يكد يتحدث ياسر حتى سمعوا أصوات طلقات نارية في الأسفل ليلتفت ناظرًا من الشرفة، فإذا به يرى ملثمون يطلقون النيران عشوائيًا ليهرول الجميع إلى الأسفل وسط هرج و مرج و صرخات من كل حدبٍ و صوب لينطلق ياسر و خلفه يزيد إلى الخارج، فإذا برصاصة طائشة تخترق كتف ياسر الذي اخذها بدلًا عن جابر، وما أن رأت غنى الدماء تنبثق من كتفه حتى صرخت للحد الذي جعل أحبالها الصوتية تتقطع:
ـ ياااااسر....
اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ"❤️
★★★★★★★★★★★
ـ ايه يا مصطفى. أنت لسه غاوي رمرمة؟!
هكذا تحدثت شاهي إلى مصطفى الذي كان يجلس مع هايدي في أحد المقاهي الفاخرة لتلتفت هايدي تنظر إليها بصدمة سرعان ما تحولت إلى غضب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أيه يا بتاعة أنتِ بتتكلمي كدا عن مين؟
شاهي باحتقار وهي تُشير بإصبعيها إلى هايدي:
ـ الزبالة عارفة نفسها مش محتاجة أشاور عليها
هبت هايدي واقفة وهي تقول بانفعال:
ـ زبالة مين يا حيوانة؟ الزبالة دي أمثالك؟ أنتِ مجنونة أنا هايدي الوتيدي يا شاهي ولا شكل القلم اللي خدتيه من عمر ضيعلك اللي باقي من عقلك..
تدخل مصطفى محاولا تهدئة الأوضاع بينهم:
ـ عيب كدا يا جماعة في أيه؟
جن جنون شاهي حين سمعت حديث هايدي لترفع يدها و تحاول صفعها بقوة، ولكن هايدي كانت أسرع في فهم ما تنتوي فعله لتقوم بإمساك يدها وباليد الآخرى أعطتها الصفعة التي كانت تنوي توجيهها إليها، وهي تصيح بنبرة عالية يفوح منها رائحة الغرور:
ـ أنتِ اتجننتي يا حقيرة عايزة تضربي هايدي الوتيدي!
صرخت شاهي من شدة الصفعة ويدها التي قامت هايدي بلويها ليقوم مصطفى بتخليصها من يدها وهو يصيح في وجه هايدي بغضب:
ـ ايه الغباء دا؟ اوعي كدا. في أيه؟
تراجعت هايدي عنه بصدمة، فهل يصيح بوجهها لأجل هذه الفتاة؟! كانت صفعة كبيرة لكبريائها مما جعلها تقول باستنكار:
ـ أنت بتقول كدا لمين يا متخلف انت؟!
مصطفى. بغضب عارم:
ـ اخرسي. أنتِ اتجننتي؟ بتكلميني كدا ازاي؟
نظرت هايدي إلى المكان حولها، فقد كانت جميع الأعين عليها مما جعلها تقول بوعيد:
ـ خليك فاكر اللي حصل دلوقتي دا كويس اوي عشان مش هيعدي بالساهل...
لم يُعيرها اهتمام بل اندفع يرى تلك التي كانت تنتفض ألمًا وقهرًا لتغادر هايدي المكان، ولا تدري أن هناك أعيُن شاهدت ما يحدث بصدمة سرعان ما تحولت إلى سخرية. ثم لشيئًا آخر أعمق بكثير..
ـ ماشي يا مصطفى يا حيوان. أما وريتك أنت والحقيرة دي..
هكذا أخذت هايدي ترغي و تزبد وهي تتوجه إلى سيارتها لتتفاجيء بسيارة آخرى تقف بمحاذاتها و صوتٍ جذاب يشاكسها من الخلف:
ـ هو أنتِ يا إما متعصبة يا إما زعلانة؟!
تفاجئت حين استدارت لتجد رؤوف خلفها يستقل سيارته، و هو يبتسم لها بمرح، و ما كادت أن تنهره حتى شاهدت مصطفى الذي كان يخرج من المقهى باحثًا عنها لتهتف بلهفة:
ـ رؤوف. جيت في وقتك. خدني مشيني من هنا..
ترجل رؤوف من السيارة وهو يتوجه إليها قائلًا بإهتمام:
ـ في ايه؟
لمحت مصطفى الذي كان خارجًا من باب المقهى لتهتف بانفعال وهي تذرف عبرات رخيصة لكي تسير خطتها على النحو المطلوب:
ـ أرجوك مشيني بسرعة من هنا..
رؤوف بلهفة:
ـ طب تعالي اركبي...
استقلت السيارة برفقته، و عينيها تلمحان مصطفى الذي كان يقف مبهوتًا و من ثم غاضبًا وهو يراها تغادر برفقة رجلًا آخر، بينما هي كانت تشعر بالسعادة الغامرة وقد أهداها القدر انتصارًا على طبق من فضة، و ثأرًا سريعًا لما حدث في الداخل..
ـ هينفع أسأل مالك ولا لا؟
هكذا تحدث رؤوف لميرهان بعد أن ساروا مسافة لا بأس بها لتُجيبه الأخيرة بتخابُث:
ـ لما تقولي الأول. الواوا دي جتلك من أي؟
توحشت ملامح رؤوف وهو يتمتم حانقًا:
ـ دا دين، وهرده قريب...
لم يكد يُنهي جملته حتى رن هاتف هايدي، فكان المتصل ميرهان لتلتفت إليه هايدي ساخرة:
ـ تقريبًا كدا في حد حس انك موجود معايا..
ـ حد مين؟
هكذا تحدث بجفاء رؤوف لتُجيبه هايدي بسخرية:
ـ لا بدل عملت نفسك عبيط يبقى أنت عارف مين..
عاد رنين الهاتف، فهتف رؤوف بملل:
ـ ردي أو افصليه. بس لو هتردي متقوليش اني معاكِ
أجابت هايدي على ميرهان التي صاحت على الطرف الآخر:
ـ مبترديش على طول ليه؟
هايدي باستفهام:
ـ في ايه؟ كنت مشغولة شوية...
ميرهان على الطرف الآخر:
ـ عندي ليكِ خبر بمليون جنية. أبيه كمال اتجوز و خلف وهو مسافر، عرفتي بقى رجع اللي اسمها آسيا دي ليه؟ عشان تربي ابنه.. مش حب فيها..
الكلمات مرت عبر الهاتف لتخترق عقل رؤوف الذي برقت عينيه حين سمع كلمات ميرهان لتلتفت إليه هايدي هي الأخرى مصعوقة مما سمعت للتو..
اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي"❤️
★★★★★★★★
"لا ينسى الرجل امرأةً جعلته يُعاني"
لطالما مرّت هذه الجملة على مسمعي فكنتُ أسخر منها كثيرًا و أراها محض هراءٍ رومانسي أو مبالغة في تقدير شأن النساء. لم أدرك أن خلف سخافتها الظاهرة تكمن حقيقة مؤلمة لم أصطدم بها إلا حين وجدتُ نفسي اليوم أتجرع مرارة معانيها المُستترة. فها أنا أجلس بمقعد البائس على رف الانتظار في حكاية كنتُ أتوهم أنني بطلها الوحيد ومُحرك أحداثها، فإذا بي أكتشف أنني أصبحت مجرد هامش في نصها العظيم. أتطلع إلى تلك المرأة التي كانت يومًا ما ترى الكون بعيني، و اليوم أراها تُبصر كوناُ أوسع وأجمل بدوني. كنت أظن بأن رحيلي عن حياتها هو الظلام الذي لن يعقبه شروق، فإذا بها تصنع من بين لئالئ عبراتها نجومًا تُضيء الكون بأكمله و تصنع من حطامها سبيلًا لولادة إمرأة أقوى و أجمل.
لم تكن بخير فحسب. بل كانت مزدهرة و كأن الخذلان لم يمس قلبها يومًا، و كان وجهها مرآة للسلام الذي لم أمنحه إياها قط. بل صنعته هي حين تعلمت الاكتفاء بنفسها، فلم يعُد لوجودي معنًا في حياتها، و كأنها أيقنت بأن كفوفي التي أفلتتها سابقًا لم تعدا صالحتين حتى لملامسة أطراف ثوبها.
في هذه اللحظة ارتطم كبريائي بجدار العجز الذي لا يمكن وصفه، و احتل صدأ الندم منتصف روحي.
لأراني وبكل ما يجيش بداخلي من ألم أدون جملة أقوى مما سخرت منها في السابق وهي :
" لا ينسى الرجل إمرأة قتلته لتحيا"
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أيه يا شوشو القمر دا؟ الدريس تحفة عليكِ...
هكذا تحدثت آسيا بانبهار وهي تنظر إلى شروق التي كانت تلمع كالنجوم في هذا الثوب الأسود الذي يعانق جسدها بنعومة ويحتضن تفاصيلها الأنثوية بدلال يتوجه خصلات شعرها التي تركتها حرة، وكأنها تُعلن أن الليلة ليلة تحررها من الماضي، و آثامه كما أنها ولأول مرة تضع مساحيق التجميل و التي جعلت من جمالها الهادئ لوحة نابضة بالإغراء، وكأنها تعلن الليلة التمرد على جميع صفاتها القديمة.
ـ بسم الله ما شاء الله أيه الجمال دا يا شوشو ؟ ربنا يحفظك يا قلبي.
هكذا تحدثت سوزان وهي تنظر إلى شروق وجمالها المُشِع والتي التفتت ناظره إليها تحتضنها بحُب كبير وهي تقول:
ـ ربنا ما يحرمني منك أبدًا..
تدخلت جميلة التي قالت بصخب:
ـ أنا متحمسة أوووووي. يالا بقى ننزل الأجواء تحت تحفة أوي، وناس كتير موجودة.
شروق بتوتر:
ـ يارب ما يكون في ناس غريبة تحت؟!
آسيا بتهكم:
ـ ناس غريبة تحت! هو مفيش تحت غير ناس غريبة أصلًا. اومال هما هيقدموكي لمين؟
شروق بتوتر كبير:
ـ آسيا بلاش توتريني اكتر..
جميلة بمزاح:
ـ توترك أيه؟ آسيا عملتلك زفة على الفيس بوك.
شروق بصدمة:
ـ بتقولي ايه؟ أنتِ عملتي ايه يا آسيا؟
آسيا بملل:
ـ عملت ايه؟ نزلت بوست على فيس بوك بصورتنا، وعملت منشن لباقي العصابة، هو طرقع شوية. بس عادي دا المطلوب.
لمعت عينيها بخُبث وهي تقول جملتها الأخيرة لتشعر شروق بأمعائها تتلوى فهل يمكن أن يعلم بأمر الحفلة؟
لم تُطيل آسيا حيرتها كثيرًا إنما قالت بمكر:
ـ على فكرة دكتور الغبرة عاملي فولو. قولت ابقى اعمله بلوك بعد البوست. بس لما يشوف الأول..
و قد كان لها ما أرادت، فقد تفاجيء بهذا المنشور الذي كان يحمل صورة جميلة لها و بجانبها آسيا التي كتبت فوق الصورة:
" My girl is getting her crown tonight! So hyped for you
فتاتي ستتوج الليلة، متحمسة كثيرًا لأجلك.
ثم دونت عنوان المكان ليقوم عمر بالاتصال و الاستفسار عن ذلك الحفل المقام الليلة في أحد الأماكن الراقية، وقد صدمه الأمر، و بدأ الألم بالزحف إلى صدره، فهل بدأت حياتها بدونه وهو الذي لا زال يقف على أعتاب لحظات العشق التي جمعتهم ذات يوم، لا يستطيع التخطي، ولا يملك القدرة على البقاء.
أخذ قراره بأنه سيذهب لرؤيتها، و سيكون ألى جانبها، فهو لا يملك من أمره شيئًا سوى أن يشق سبيله إلى الغفران معها ولو ألزمه الأمر بأن يصبح كظلها..
انتقى باقة ورد رائعة من الأوركيد البيضاء الجميلة والتي كانت تشبهها في نقائها، و فريدة مثلها ليتوجه إلى الحفل وهو في كامل أناقته، ليتوقف الزمن في عينيه وهو يراقبها. كتلة من الفتنة تتحرك بدلال يغلفه الخجل، كانت جميلة بقدر عشقه لها، وفاتنة بقدر ما يحمله قلبه من ذرات الندم تجاهها. كأنها بجمالها الطاغي الليلة تمارس عليه أشد أنواع العقاب، تُعذبه بفتنةٍ مُحرم عليه لمسها، وتجعله يحترق شوقاً بين رغبته في الاقتراب و بين سياج أفعاله معها والذي بناه بيديه
ـ ها قد تمت الخطة على أكمل وجه..
هكذا أرسلت جميلة الرسالة إلى آسيا التي ما أن رأتها حتى التفتت تنظر إلى عمر الذي اقترب ليقف خلف شروق مُباشرةً و كأنها شعرت به، فقد اجتاحتها موجه من الوخزات الموترة التي جعلت أنفاسها تتعثر بصدرها، و بنظرة واحدة من آسيا إليها أدركت أنه بالفعل هُنا..
ـ شروق..
هكذا هتف عمر بلهجته الجذابة لتستقر الحروف في صدرها، فاستدارت ببطء تنظر إليه بهدوء يكمن خلفه أعاصير عصفت بسائر كيانها، ولكنها كعادتها تتسلح بالهدوء مع ابتسامة بسيطة لونت ثغرها الشهي، لتجده يقف أمامها بوسامته الفذة و طلته الرائعة لتأتي كلماته كإضافة إلى تلك اللوحة البديعة لرجلًا يعرف كيف يجعل حضوره مُربك
ـ مقدرتش امنع نفسي اني اجي اباركلك..
حاولت أن تصمد قدر الإمكان أمام مشاعرها و حضروه الطاغي لتجيبه بهدوء
ـ ميرسي يا عمر. تعبت نفسك...
لم تكُن بداية مُبشرة، بل كان الأمر وكأن هناك تضادٍ قويًا خُلق بينهم، فهي تقبع في أقصى مناطق الجليد حيث لا نبضٍ يسمع ولا شعور يُقال، وهو يتلظى في قعر جحيمٍ لا يهدأ، يفصل بينهم فجوةٌ موحشة، لو اقتربت هي لذاب عالمها، ولو اقترب هو لانطفأت نيرانه، وكلاهما يقف على حافة الشعور والوصالُ بينهما يبدو و كأنه ذنبٍ لا يعرف للغفران سبيل.
تحمحم عمر قبل أن يقول بخشونة:
ـ أنا. حبيت. أقولك انك تستحقي تكون في أحسن مكان.
ضنت عليه حتى بالكلمات لتأتي إجابتها مختصرة حين قالت بابتسامة باهتة:
ـ ميرسي لذوقك.
لم يجد ما يُقال، ولكن هناك خيبة تتجلى بوضوح في عينيه تجاهلتها نبرته حين قال:
ـ اتفضلي الورد..
ترددت في البداية ولكنها مدت يدها لتاخذه منه وهي تقول بابتسامة جامدة:
ـ تسلم.
لا يعلم كيف جرفته مشاعره ليقول بيأس ونبرة جريحة:
ـ يعني. لو مش حابة وجودي أنا ممكن امشي.
ما بين قلبًا يصرخ بالبقاء و عقلًا يرفض الأنحناء وقعت هي، ولكنها كما كانت دائمًا لا تقبل بأنصاف الحلول ولا بالوسطية لذا قالت بجمود وكأن الأمر لا يعنيها
ـ براحتك. زي ما تحب..
جرفه اليأس إلى منحنى التوسل الذي أطل من عينيه و نبرته حين قال:
ـ يعني أيه؟ عايزاني ولا؟ ولا امشي؟
كانت لحظة انتصار مهيبة لكبريائها الجريح، ذاك الذي سحقه ذات يوم رجل كان يمثل لها العالم بأسره. أما الآن، فقد دارت رُحى الأيام حتى ألقته تحت أقدام صمودها، مكسور الهيبة، حُطاماً يرجو نظرةً من عينين لم تعد تراه. لقد تبدلت الأدوار، فمن كان يظن أنه امتلك الأرض بما رحبت، يقف اليوم ذليلاً أمام كبريائها الذي نبت من وسط الركام ليُعلن سيادته:
ـ اللي يريحك. اللتنين عندي واحد..
هكذا تحدثت بابتسامة بسيطة جامدة وهي ترى انكسار بريق عينيه و ملامحه التي لم رحلت عنها جميع ملامح الحياة و نبرته التي كانت جريحة وكأن الحروف تصرخ من فرط الألم:
ـ اللتنين عندك واحد..
لم تعد تحتمل كل هذا الألم في عينيه و قلبها لذا أرادت الهرب فتحدثت بنبرة جامدة:
ـ معلش. مضطرة امشي. عن اذنك..
استدارت لتعطيه ظهرها و تمضي تاركة روح مذبوحة، و فؤاد ينفطر ألمًا كان له صدى كبير بداخلها، ولكنها أقسمت ذلك اليوم ألا يكسرها العشق مرة ثانية، وهاهي ظاهريًا منتصرة داخليًا تحمل هزيمة العالم أجمع في قلبها ولكنها راضية..
ـ اجمدي. هنعيط بس مش دلوقتي.
هكذا تحدثت آسيا وهي تقترب من شروق التي كانت تجاهد الألم و العبرات وكل ما بها لتستند على يد آسيا و تحاوطها جميلة من الجهة الآخرى ليبدأ راجي بالحديث و تقديم شروق كونها ابنة العائلة، بينما هو يقف بعيدًا ينظر إليها كما ينظر المرء إلى النجوم يفتنه ضياءها ويقتله بُعدها. هي كل ما يرجوه من هذا الكون، لكنها عالقةٌ في سماءٍ لا تطالها يداه، قريبةٌ من روحه بقدر ما هو مستحيل عليه لمسها، وكأن قدره أن يحيا على ضيها. دون أن يملك يوماً حق الوصول إليها.
كان كمال يشاهد ما يحدث من بعيد بغضب يجيش بداخله و يجعله يتمنى لو يهدم هذا الحفل فوق الجميع، فقد كان يراقب لعنته المتمثلة في امرأة. تلك التي نُسجت من خيوط الفتنة والوجع، يحبها بقلب ذبيح ويكرهها بعقل جريح. كانت تقف أمامه كخطيئة مغوية، جميلة بطريقة تثير إستفزازه، وكأن جمالها سوط يجلد كبريائه كلما حاول الهرب.
يحاول بشتى الطرق أن يغض بصره عنها، فتخونه حواسه وتصطفّ خلفها في تمرد سافل، عيناه ترفضان الإذعان، وأنفاسه تلهث خلف عطرها الذي صار زفيراً لرئتيه. هي ذروة اشتعاله ومنتهى انكساره يشتهي أن يقتلعها من عروقه كما يقتلع الداء، لكنه في كل مرة يجد نفسه يغرس نصل عشقها في أعماقه أكثر، ضائعا في غياهب تلك المفارقة و سؤالٍ مُلِح يدور كالطواحين في عقله وهو كيف لمخلوقٍ واحد أن يكون هو الجنة التي يرجوها. وجهنم التي يخشاها ؟
توجهت إلى المطبخ للإشراف على المشروبات و لتعطي بعض التعليمات، و حين توجهت عائدة إلى الحفل اصطدمت بذلك الجدار الصلب مما جعلها تتراجع إلى الخلف بألم سرعان ما تحول إلى غضب وهي تنظر إلى كمال الذي كان متجهم الملامح كعادته لتقول بحدة:
ـ أستاذ هالك. معلش بس تاخد بالك أن في مخلوقات تانية عايشة معاك على الكوكب..
كان ذلك الرداء الناري الذي ترتديه يجعل أعصابه على حافة الإنهيار وخاصةً حين يرى نظرات الجميع منصبة عليها. كيف لا وهي بكل هذا الفتنة؟
ـ خفي سخافة شوية وقوليلي الحفلة الزفت دي هتخلص امتى؟
آسيا بسخرية:
ـ بعد بكرة. ما تخلص وقت ما تخلص. أنت ايه مشكلتك؟
كمال بجفاء:
ـ مشكلتي اني اتخنقت. عايز امشي. انجزي يالا عشان نغور من هنا..
ـ هاه..
فغرت فاهها من حديثه، فبدا مظهرها مُضحكًا وقابل للإلتهام، وهو جائع منذ زمن و يتوق إلى قطرة عشق واحدة ترمم ذلك الشق النازف في روحه ولكنه يقاوم بضراوة لم تنجح مع نبرته حين قال بصوتٍ أجش:
ـ مسمعتيش قولت أيه؟
باغتته حين قالت باندهاش:
ـ لا سمعت. بس الحقيقة بجاحتك عمرها ما فشلت أنها تبهرني....
شهقت بقوة حين امتدت يده الصلبة تقبض على خصرها اللين بقوة جعلت الهواء يختنق بينهم ليقوم بإدارتها لتصبح حبيسة بينه وبين الحائط الذي لا يقل صلابه عن جسده و عينيه اللتان كانتَ تلمعان بقوة لتتهدج أنفاسها وهي تسمعه يقول:
ـ أنا كام مرة حذرتك لسانك يطول عليا!
في هذه اللحظة، تبعثرت شجاعتُها أمام جبروت حضوره و هيبة غضبه، فكيف لثباتها أن يصمدَ وقربُه يحاصرُها كالقيد، و نيرانه تلفح وجهها كالنار؟ لذا حاولت التمسك بقناع الهدوء، لكن ارتجافة قلبها فضحتها، لدرجة أنها شعرت بأن أنفاسه وحدها كفيلةٌ بهدم ما تبقى من إرادتها
ـ مبعدش..
هكذا تحدثت همسًا ليهتف أمام عينيها بوعيد حاول التسلح به حتى لا يسقط أمامها:
ـ قولت مرة، واتنين وتلاتة. مفروض بقى أقصلك لسانك الطويل دا...
لم تعرف يومًا الهزيمة لذا وهي في أقصى مراحل ضعفها تقاوم:
ـ طب ما ممكن تبطل تضايقني أسهل.
هتف كمال بمرارة:
ـ هو أنتِ في حاجة معاكِ سهلة أبدًا؟!
عادت تقاوم مرة آخرى لتحاول دفعة وهي تقول بتهكم:
ـ هو معلش لو هتعبك يعني تبعد شوية. عشان النفس بس. أصل أنا خلقي ضيق بنت سبعة بقى تقول أيه...
نالت منه وبقوة ولكنه لم يهديها إنتصارًا على طبق من فضة بل ابتسم بتهكم قبل أن يقول:
ـ هقول زي ما قولتي امبارح الصبح. ابتلاء ربنا ابتلاني بيه. أو تقريباً كانت ايه؟ أه تكفير ذنوب..
اغتاظت من حديثه لتهتف ساخطة:
ـ لا تكفير ذنوب ايه! متحاولش. أنت محجوزلك قصر في جهنم. مش انت لوحدك انت و العيلة الكريمة.
كز على أسنانه لتعلم بأنها تمادت كثيرًا، فتحمحمت قبل أن تقول بنفاذ صبر:
ـ الحفلة قدامها ساعتين على ما تخلص، و أنا مش هسيب شروق أبدًا و امشي، و كمان مش هركب معاك العربية لو حصل ايه. أقولك روح انت وانا هروح أبات مع سوزي... أنت راجل صاحب عيال روح الله يكون في عونك..
هذا المرة تمادت كثيرًا مما جعله يقول بوعيد افزعها:
ـ تمام أوي. اخليكي أنتِ كمان صاحبة عيال عشان تتلمي و تقعدي في بيتك..
بهتت ملامحها من حديثه و تراجعت إلى الخلف لا إراديًا لينقذها رنين هاتفه لتجاهله، و هو يرفع عينيه قائلًا بحدة:
ـ نص ساعة الليلة دي تتلم عشان نمشي...
أنهى جملته و تركها ليندفع إلى الخارج، فقد أخبره الحرس بأن عمر في حالة يُرثى لها في سيارته ليتوجه كمال إليه و يستقل المقعد بجانبه فإذا به يستمع إلى بكاءٍ حاد جعل الصدمة تخيم على ملامحه ليقول باستفهام:
ـ عمر. في ايه؟
يكاد الوجعُ يفتك به، وحين تتردد أصداءُ نهنهاتِه، تخالها ندبات صوتية تفصِح عن عجزه أمام نصل الفقد، فاليوم سقطت آخر حصونه، وخسِر المرأة التي كانت تمثلُ له العالمَ أجمع
ـ شروق اختارت يا كمال. اختارت تنساني. خلاص شروق محتني من حياتها..
صدمه حديث عمر أكثر من حالته لذا حاول تهدئته قائلًا:
ـ أهدى يا عمر، وكل حاجة هتتحل!
عمر باستهجان:
ـ هتتحل! مفيش حاجه هتتحل. خلاص. أنت مش فاهم. لما البنت اللي بتحبها تختار أنها تدوس على قلبها و تتخطاك. دا. دا مش بس صعب. دا الموت بعينه.
قال جملته الأخيرة بنبرة تقطر وجعًا ليشعر كمال بالألم لأجله مما جعله يقول بهدوء:
ـ ممكن تهدى عشان نعرف نتكلم؟
ضرب عمر مقود السيارة وهو يصيح بانفعال
ـ أنا ولا حاجة عندها. تخيل بعد ماكانت بين ايديا. دلوقتي محكوم عليا أشوفها من بعيد زي النجوم. مش قادر أقرب. مينفعش اقرب. مش مسموحلي أقرب.
قال جملته الأخيرة بنبرة أشبه بالصُراخ ثم أضاف بقهر:
ـ أنت مش حاسس بالنار اللي جوايا. أصعب وجع في الدنيا لما تلاقي نفسك ولا حاجة عند الشخص اللي ماحبتش في حياتك غيرك بعد ما كنت كل حاجة في حياته. عارف دا ايه؟
التفت عمر ينظر إلى كمال والوجع يتساقط من بين عينيه و يغتال وسامته بضراوة و كذلك لهجته حين تابع:
ـ دا ذُل و قهر.
وضع يده فوق رأسه وهو يتابع بنبرة مُلتاعة:
ـ أنا حتى مش قادر اصرخ. مش قادر اقولها سامحيني . ماليش عين أروح أشدها من أيدها وأقولها أنا بحبك عشان أنا اللي بعتها.
صمت لثوان قبل أن يتابع بنبرة تتضور وجعًا:
ـ أنا اللي دفنت روحي بإيدي.. أنا السبب يا كمال
أنا السبب..
كانت حالته لا تُبشر بالخير أبدًا وكان كمال يشعر بأن الكلمات تزحف إلى عقله و قلبه وتوقظ أشياء أراد قتلها داخله لذا حاول تهدئته قائلاً:
ـ خلاص يا عمر متعملش في نفسك كدا
صرخ عمر بقهر:
ـ صعب. صعب. أوي. الاحساس دا صعب. أنا بحبها. أنا بحبها اوي. هو احنا ليه مبنعرفش قيمة الحاجة غير لما بتروح مننا؟
خرجت الكلمات معانده غاضبة منه حين قال:
ـ ما يمكن في حاجة أحلى جاية في الطريق، واللي أنت مفكر نفسك خسرته يكون ميستحقكش أصلًا.
سخر عمر بمرارة موحشة توغلت داخل صدره:
ـ ماهي دي مشكلتي الكبيرة. إني عارف انها أحسن مني، و أن أنا اللي خسران بعدها مش هي. هي أحسن حد في الدنيا. هي تستاهل اللي أحسن مني. بس دا هيموتني. أنا أموت ولا أني أشوفها مع غيري.
كانت الكلمات تنهش أنيابها في صدر كمال، فهو يعلم جيدًا ما يعانيه عمر لذا هتف بنبرة يشينها الارتجاف:
ـ تفتكر هتقدر تروح لغيرك؟ يعني لو حبتك عمرها ما تقدر تفكر في حد غيرك!!
عمر بقهر:
ـ هي محبتش غيري أنا عارف. بس على قد ما حبتني على قد ما كسرتها. شروق بصت في عنيا النهاردة وقالتلي غيابك أو وجودك اللتنين واحد. اختارت أنها تشيلني من حياتها عشان تقدر تكمل.. أنا موت في عينيها يا كمال.
كان وجعًا تعجز الحروف عن وصفه، فقط كالثقل يرسو في القلب مُتحديًا قدرته على البقاء حيًا أمام كل هذا الوجع، الذي شعر به كمال ولكن الهاتف لم يدعه يشعر كثيرًا، فقد كان هذا صوت خالد الغاضب الذي قال بانفعال:
ـ هات الزفت اللي معاك و تعالولي حالًا...
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ❤️
★★★★★★★★★★
ـ كمال بيه أمرنا نوصل حضرتك لحد البيت عشان هو في مشوار مهم..
هكذا تحدث الحارس بعد مرور ساعتين و إنتهاء الحفل لتتفاجيء آسيا بل أنها شعرت بخيبة أمل كبيرة حين علمت بأنها ستغادر وحدها، بكل الاحوال لم تكن تغادر معه ولكن أن يكون الأمر اختيارها خيرًا من أن ينشغل هو عنها، ولكنها لم تظهر أي شيء بل استقلت سيارتها و انطلقت بسرعة لتنطلق خلفها ثلاثة سيارات دفع رباعي تخطتها أحداهما لتصبح في المنتصف بين الثلاث سيارات، وقد أدهشها الأمر كثيراً لما كل هذا الحراسة؟ في السابق حين تزوجته لم يكن هناك كل هذا القدر من الحراسة لما الآن!
وصلت إلى البيت ورافقها الحارس حتى وصلت إلى الباب الداخلي لتقوم بخلع حذائها الذي أرهقها إرتدائه كثيرًا و توجهت إلى الأعلى ولكن لفت انتباهها صوت بكاء مختنق لتقف للحظات تشعر بالحيرة والقلق هل تدخل الى غرفة الطفل ؟ أم تذهب الى غرفتها؟ ولكن في النهاية تمكن منها القلق لتتوجه إلى غرفة الطفل،فإذا بها تُصعق حين رأت.....
يتبع....
ان شاء الله هنوقف لحد العيد عشان العشر بتوع ذو الحجة كل سنة و حضرتكوا طيبين في صيام و تحضيرات للعيد، فإن شاء الله نستكمل السبيل السابع و العشرون بعد عيد الأضحى ♥️♥️
دا لينك جروبي نوروني عليه
ذنوب على طاولة الغفران الفصل التاسع وثمانون 89 - بقلم نورهان العشري
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عاملين ايه يارب تكونوا بخير ♥️ أولًا شكرًا لكل الناس الجميلة اللي دايمًا جنبي و مفرحاني و بتقول كلام يسعدني ♥️
الحقيقة اني حاولت كتير امسك نفسي كتير و مكتبش البوست دا بس الناس بلغت من التجاوز و الاستفزاز للحد اللي مخليني مش قادرة امسك نفسي ❌ من وقت ما نزلت اخر بارت و قولت هاخد أجازة عشان الصيام و العيد وانا بشوف كومنتات بشعة، قلة ذوق و سخرية و شتيمة هو في ايه؟ قبل اي حاجة دا اسكرين في تواريخ الفصول اللي بتنزل عشان بس الناس دي تقريبا مغيبة
شوفوا تواريخ الفصول كدا و تعالوا بقى كدا أشهدكوا على الكلام السيء اللي عماله اقراه اول حاجة واحدة داخله تقولي في البارت اللي فات مش ملاحظة ان الناس مبقتش تدخل تسأل على الفصول بسبب التأخير؟ الناس فضولها قل بسبب سوء المواعيد؟
اللي هو نعم؟ سوء مواعيد ايه ؟؟ هو انتوا بتلحقوا تسألوا غلى البارت؟ البارت بينزل في ميعاده و ان كان بينزل الصبح عشان دي فترة امتحانات و قولتلكوا يا جماعة انا بخلص اللي ورايا و انيم الولاد و اطبق اكتب الاسكرين اهي البارت بينزل بعد البارت اللي قبليه بيومين في معاده اقول لدي ايه؟ و التانية اللي داخله تقولي أنتِ بتتلككي عشان توقفي مفيش بارت بينزل من غير اعذار و هري و سخافة كتير ملهمش لازمة ! معلش انا وقفت امتى؟ انا من اول ما بدأت الجزء دا موقفتش غير في شهر رمضان الكريم و بعد كدا بدأت تنزيل و موقفتش من وقتها ممكن لما يحصل ظرف طاريء اضطر أأجل بارت فين الاعتذارات ؟ انا عايزة حد يقولي ارد على دي أقولها أية؟ دا غير ان في واحدة مهزقة دخلت تشتم ولما جبت الأكونت بتاعها على فيس بوك ودخلت قولتلها هعمل فيكي محضر سب و قذف قعدت تعتذر اصلي متعلقة بالرواية هو ايه العبث دا؟؟
و اخر كومنتين بقى و ليه توقفي هو اللي بيكتب قصة بيحسسنا انه بيهاجر هجرة غير شرعية ... عايزة بس اقولك حاجة اقعدي كدا مع نفسك امسكي الفون و اكتبيلك ٢٠٠٠ كلمة عبارة عن سرد و حوار و شوفي هياخدوا منك قد ايه وقت انا اقسم بالله اقل بارت بكتبه بقعد ٧ ساعات دي اقل مدة عشان اكتب و اراجع و اجيب مصطلحات جديدة من القاموس و ارجع اعيد الحوار عشان اهذبه و اعدله وهو و السرد البارت له ساعتين مراجعة بس
الكومنت الأخير بقى ايه علاقة الكتابة بالصيام يعني انا مدرسة اخد أجازة عشان الصيام والعيد! معلش حضرتك كونك مدرسة دا شغلك اللي هو بتطلعي الصبح رايحة شغلك زوج حضرتك مبيقولكيش بتعملي ايه انما انا ككاتبة الكتابة مش شغلي دي هواية لما اسيب اللي ورايا و جوزي ييجي يسألني اقوله معلش كنت بكتب مطلوب منه يقولي ايه؟؟
مفروض اننا صايمين انا بقى اخد من اليوم. ٧ ولا ٨ ساعات كتابة وانا صايمة طب و وولادي و بيتي و الصلاة و قراءة القرأن اجيبلهم وقت منين؟ ولا لا دول شكليات اهم حاجة ان حضرتك البارت ينزلك في معاده
يا جماعة الخير الكتابة دي هواية والقراءة دي هواية اما أجي ككاتبة أأجل فصل أو أخد أجازة عشان مسئولياتي دا مش مبرر لكل اللي انا شيفاه. دا ... البارت بالنسبة لحضرتك رفاهية لكن الكتابة بالنسبالي مسئولية و ضغط لما أأجل رفاهية حضرتك عشان مسئولياتي و التزاماتي دا ميخليكيش تدخلي تحرقي دمي و تسمعيني كلمة سخيفة ملهاش لازمة افضل لو لغيتي متابعتي و قولتي هقرأ الرواية لما تخلص لكن ليه حرقة الدم ؟ قسمًا بالله ان الناس على الفيس بوك من كتر ذوقهم و جمالهم والله قولت هنزل بارت الحد عشان خاطرهم. والله ماقدرت ازعلهم من كتر كلامهم الجميل و ذوقهم و تقديرهم ليا قولت خلاص هنزلكوا بارت الحد حتى لو مكنش طويل و اصلا هنا على واتباد التفاعل سيء بمعنى الكلمة شوفوا الفرق المهول بين عدد المشاهدات و الفوت و مهما اقول محدش بيقدر و مع ذلك بقول هنزل بردو عشان الناس اللي بتحبني و معظم الناس اللي كتبالي الكومنتات دي والله ما شوفتلهم كومنتات ابدًا عندي ولا مرة تسلم ايدك و لا الرواية عجبانا اول ما قولت هوقف طلعتوا زي المدفع طب كنتوا فين قبل كدا؟ انا بنزل هنا عشان حبايبي اللي بيدخلوا يكتبولي كلام حلو زيهم و بيجبروا بخاطري و يفرحوني بتفاعلهم و اقول عشان خاطرهم هنزل
الخلاصة يا جماعة انا أم وزوجة و عندي التزامات و على قد ما بقدر بلتزم بالتنزيل تقديرا مني للناس اللي بتحبني و بتقدرني لكن دا مش إلزام ✌🏻الكتابة هواية و الهواية الإنسان بيمارسها في وقت فراغه زي ما حضرتك بتيجي تقرأي في وقت فراغك مبتسبيش شغلك واللي وراكي و تيجي تقرأي انا بردو هكتب وقت ما يكون عندي وقت اللي عايز يتابعني و يتحمل ظروفي على دماغي واللي مش حابب ربنا ييسرله أمره من غير ما نحرق في دم بعض و لا نضايق بعض مش مستاهلة والله
و كل كلمة الانسان بيقولها خير او شر بتتردله الكلمة اللي حضرتك بترميها مش في دماغك أثرها ممكن تأذي غيرك و تحرق دمه خلينا نكون ناس عندنا لين و نتعامل مع بعض برحمة و بذوق و نجبر خاطر بعض ربنا هيأجرنا
ان شاء الله في بارت بكرة لعيون حبايبي اللي بيفرحوني و اللي دايمًا بيجبروا بخاطري اللي بالرغم من تعلقهم بالرواية إلا أنهم مقالوش حاجة تزعلني ♥️
دا جروبي يا جماعة نوروني هناك الجروب جميل و في ناس قمر اوي و بنتناقش سوى و بنزل عليه اقتباسات و تسريبات من الرواية و بجد في حالة حلوة اوي هناك ياريت كل حبايبي تنورني عليه ♥️
ذنوب على طاولة الغفران الفصل التسعون 90 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل القراءة حفظنا الفوت الجميل و الكومنتات القمر على الفقرات اللي حبتوها آمين؟آمين يالا يا حلوين قراءة ممتعة 😂♥️
السبيل السابع والعشرون ج١❤️🔥
رسالة لن تصل إلى صاحبها:
" بكامل إنكساري، وبكل ما أوتيت من أسفٍ مرير. أبوح لك اليوم بما عجزت إرادتي عن كتمانه:
أنا لازلتُ أتنفسك...
لقد أحرقني الفِراق، و أضناني الألم، و ذبحني الشوق، لكن حبكِ لم يغادر كما فعلت، بل تغلغل في أعماقي كوشمٍ أبدي تجدر في جسدي و كأنه عقِد مع دمي حلفاً قويًا لا ينفصم إلا بإنفصال الروح عن الجسد. وأنا التي ظننت بأن البُعد يقتل العشق، فإذا به يميتني و يُحييك في داخلي.
أشتاقك.. أشتاقك بقدر كل لحظات الألم التي عايشها قلبي في بعدك وبعدد كل دمعةٍ جرت من عيني وأنا أبكي لوعة غيابك غارقة في لحظاتٍ يذبحني فيها الحنين، فيقودني قسراً إلى رداءٍ يحمل رائحتك كنت قد خبأته ذات ليلة بين أشيائي الثمينة، لأظل أتنفس بقايا رائحتك العالقة به بنهم غريق يتشبث بآخر أنفاس الحياة، فحُبك كان بمثابة جمر ظنه الفِراق رمادًا، فما زادته رياح البُعد إلا اشتعالًا..
وأخيراً أفتقدك... أفتقدك بالرغم من الجراح النازفة و الآلام التي لا تهدأ ولا يسكُن أنينها، افتقدك بالرغم من أنني أعلم بأنك لن تسمع صرخات روحي و ذلك لأن لي كبرياءً صارم سيشنقُ هذه الكلمات على أعتاب شفتي قبل أن تصل إليك. كبرياءً يقف بيننا كجلادٍ يُحصي أنفاسي، و يحفظ كرامتي النازفة ويمنعني من الارتماء في بين ذراعي من ذبح الطمأنينة بصدري.
أعلم جيدًا أن الشوق هوان وأن بوحي هذا يُعد انتحار، لكنه انتحار صامت هاديء ليس له ضجيج؛ فهذه الحروف لن تُغادر عتمة صدري، ولن تُبصرها عينيك أبداً، و أعلم أيضًا أنني سأموت ذات يوم بحُمى الفقد وسأدفن بيدي جثة اشتياقي تحت نُصب كبريائي العنيد، لتبقى أنت في غيابك سالمًا، وأبقى أنا في صمودي مُحطمة.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ خير يا خالد في ايه؟
هكذا تحدث كمال بقلق وهو يرى خالد الذي كانت الغضب يظهر جليًا في ملامحه و عينيه و نبرته حين قال:
ـ خير! هو أنتوا وراكوا خير؟! ولا اللي يشوفكوا يعرف خير؟
صُدِم كمال من حديث خالد و كذلك عمر لتطوف عينيه فوق كُلًا من رحيم الذي لا يقل غضبه عن غضب خالد، و هيام التي بدا وأنها بكت كثيرًا و بجانبها غنى التي كانت لاتزال تبكي، و أخيرًا جابر الذي كانت ملامحه متجهمة ليهتف كمال بخوف:
ـ ياسر فين؟
و هتف عمر من الخلف مرتعبًا:
ـ و يزيد؟ حد منهم جراله حاجة؟
لم يكد يُنهي جملته حتى خرج يزيد من الغرفة و بجانبه مجموعة من الأطباء ليقترب خالد منه قائلًا بقلق:
ـ ياسر عامل ايه؟
يزيد بتعب:
ـ كويس متقلقش. الرصاصة جت في كتفه زي ما قولتلك، والحمد لله مجتش في منطقة حيوية من جسمه..
تحدث رحيم بغضب ساخر:
ـ المرة الچاية هتاچي يا دكتور متجلجش...
زفر خالد حانقًا قبل أن يقول بجفاء:
ـ أجل الكلام دا دلوقتي يا رحيم. دخل مراته تشوفه و تطمن عليه، و بعدين نبقى ندخل احنا.
كانت كل ذرة بها ترتعب منذ أن رأته يسقط غارقاً في دمائه لم يكن ما تشعر به مجرد خوفًا عابرًا، بل هو ذعرًا حقيقيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في تلك اللحظة حين رأته غارقًا في دمائه صرخت بقوة و كأنها أرادت أن تهتز الأرض لمصيبتها، ثم هدأت و كأن حبال الصلة بينها وبين العالم الخارجي قد انقطعت، و اخفتت الأصوات حولها حتى تحولت إلى طنين مبهم، وبدت الوجوه والحركات كفيلم سينمائي قديم يعرض بلا صوت.
دخلت في حالة من الإنكار الصارم رافضة تصديق ما تراه حتى أن رئتيها بدت رافضة أن تتنفس، فكثُرت تنهيداتها وكأنها تتوسل إلى الهواء ألا يخذلها هو الآخر. كانت الخسارة هنا ليست مجرد غياب لشخص عزيز، بل هي عملية بتر للروح حيث تقف على حافة الهاوية تشاهد نصفها الآخر وهو يسقط مدركة أنها إذا فقدته، فلن يتبقى منها سوى شبح لإمرأة أحياها العشق و قتلها الغياب..
ـ غنى. قومي ادخلي عشان تطمني على ياسر..
تزاحمت اللهفة في عينيها دون أن تفصح شفاهها عن شيء فقط نصبت عودها و توجهت بخطوات مرتجفة إلى داخل الغرفة، لتقع عينيها على ياسر الذي كان يجلس فوق السرير و ذراعه مضمد بالكامل و مُعلق في رقبته، و ما أن رآها حتى اعتدل في جلسته وهو يهتف بلهفة:
ـ غنى..
خرجت الحروف مرتجفة هامسة من بين شفتيها و كأنها غير مصدقة أنها تراه حيًا أمامها:
ـ ياسر..
لاحظ حالتها، فهب من مكانه متوجهًا إليها دون الالتفات إلى ألمه وهو يقول بنبرة عاشقة:
ـ أنا كويس يا روح قلب ياسر..
وكأن جملته بثت الحياة بجسدها لتتعالي شهقاتها وهي تهتف بلوعة:
ـ ياااااسر...
لم تكمل جملتها كان قد حاوط خصرها ليحملها بيده السليمة و يعانقها بكل ما أوتي من عشق، فهذا الذعر المرتسم على ملامحها والألم الذي يتساقط من عينيها و رجفة جسدها بهذه الطريقة بين يديه جميعها أشياء جعلته يكاد يُجن حتى يمحوها و يُعيد الصفاء إلى ملامحها مرة أخرى، فتوجه بها إلى السرير ليجلس وهي بين ذراعيه يهدهدها كطفل صغير، يديه تحنو، و شفتيه تغازل و كلماته تطمئن روحها المُعذبة:
ـ ايه كل الدموع دي يا غُريبة قلبي؟
غنى بهمس:
ـ مش مصدقة انك قدامي. شكلك وانت غرقان في دمك....
قاطع حديثها بطريقة خطفت أنفاسها حين هوى يرتشف حزنها مع رحيقها العذب، وكأنه يؤكد وجوده بجانبها بالأفعال ولكنه كان مـراعيًا لحالتها ليتراجع عنها وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ وأدي إثبات واضح و صريح اني هنا قدامك، و يارب يكون لسه عندك شك. عشان أأكدلك المرة دي بإثبات لا يقبل الشك..
نجح في رسم البسمة فوق شفتيها التي تشققت بفعل البكاء، ليهتف ياسر مُهللًا:
ـ اللهم صل عالنبي. دانا جرحي طاب من الضحكة يا جدعان..
أخجلتها كلماته فأخفضت رأسها وهي تقول بارتباك:
ـ ياسر بطل كلامك دا...
ياسر بتحسر:
ـ والله ياسر غلبان. مش في أيده حاجة غير الكلام في الوقت الحالي. بدراع واحد و في المستشفى، و كفار قريش مستنيني بره.
رفعت غنى رأسها وهي تقول بلهفة:
ـ أيوا صح. دول كانوا هيتجننوا عليك. يدوب يزيد كلمهم لقيناهم جم و خالد قالب الدنيا عشان يعرف مين عمل كدا ؟ هو مين عمل كدا يا ياسر؟
ضيق ياسر عينيه قبل أن يقول بنبرة متوعدة:
ـ هعرف، و هخليه يدفع تمن اللي عمله دا غالي أوي..
هبت غنى من مكانها و هتفت بانفعال:
ـ بس انا عارفة.
صُدم ياسر من حديثها وقال مُستفهمًا:
ـ يعني ايه عارفة؟
غنى بلوعة:
ـ هو أنا أغمي عليا ليه لما عرفت اللي عملتوه في رأفت؟ عشان عارفة أن عنايات و الزفت جوزها مش هيستكتوا. أكيد هيعرفوا الملعوب اللي عملتوه و هياخدوا تاره، و أدي اللي حسبته لقيته..
ياسر بحدة:
ـ ما يتحرقوا ولا يولعوا بجاز. هو أنا هخاف منهم! ولا الخربوش دا هيأثر معايا؟ اتأكد بس أنهم ورا اللي حصل وانا و عزة جلالة الله هخليهم يحصلوه ابنهم.
جن جنونها، فهتفت بانفعال:
ـ أنت بتقول اي يا ياسر؟ بدل ما تندم على اللي أنت عملته؟
ياسر بقسوة:
ـ نعم ياختي ! أنتِ اتهبلتي في عقلك ؟ اندم على أيه ؟ اندم اني جبتلك حقك من ابن ال**** هو و أمه؟
غنى بحدة:
ـ أنا مطلبتش منك دا. حقي عند ربنا هو اللي هيجبهولي منهم. أنا كل اللي عايزاه منك انك تحافظ على نفسك عشان أنا مقدرش اعيش لحظة من غيرك. أنا قلبي كان هيقف لما شوفتك واقع و غرقان في دمك..
كان الغضب يتراقص في مقلتيه و لم يعد يحتمل سماع اي شيء في هذا الأمر لذا قال بنبرة آمرة:
ـ غنى. اعمليلك قفلة عشان مش طلباكي، و لو رجع بيا الزمن حتى لو كان فيها موتي هعمل كدا.
أعماها الخوف و الغضب في هذه اللحظة لتصرخ بصوت عالٍ تخطى حدود المسموح:
ـ يبقى مش هعيش معاك لحظة واحدة لو هتفضل تفكر بالطريقة دي...
في هذه اللحظة دخلت هيام لتستمع إلى حديثها الذي اغضبها بقوة مما جعلها تقول بحدة
ـ و أيه السم اللي بيخرج من بقك دا يا ست غنى ؟ دا كلام تقوليه لجوزك اللي لسه واخد طلقة في كتفه؟!
أما عنه، فقد تجمدت ملامحه من فرط الصدمة و اطفأ الألم بريق عينيه حين سمع كلماتها التي مزقت أحشاؤه من الداخل، و بالرغم من كل هذا الألم إلا أن لهجته كانت باردة كالصقيع حين قال:
ـ هو أنتِ حطالي شروط عشان تكملي معايا؟!
تهدلت أكتافها بتعب وحاولت أن تقمع عبراتها و تمحو الرجفة من نبرتها حين قالت:
ـ سميها زي ما تسميها. بس أنت عارف كويس اوي أني ممكن أروح معاك النار معنديش مشكلة. لكن انك تحط نفسك في وش المدفع مش هسمحلك. انك تعرض نفسك للخطر و تخليني احس الاحساس المرعب اللي حسيته النهاردة دا تاني يبقى لا، و ألف لا يا ياسر...
كان تبريرًا مقبولًا أن احتكم العقل و القلب ولكن هناك من سمم الأول و جرح الثاني حين قال:
ـ أصيلة والله يا غنى. بدل ما تاخدي جوزك في حضنك و تطبطبي على جرحه واقفة تعلي صوتك عليه، و تشرطي كمان....
استدرارت غنى إلى هيام بحدة ليصرخ ياسر بنبرة أفزعتها:
ـ يزيد...
دلف يزيد إلى الداخل ليكمل ياسر بنبرة قاسية وهو ينظر إلى غنى:
ـ وصلها البيت...
توسعت عينيها بصدمة من حديثه كما تألم قلبها بشدة لقسوته و عدم تفهمه لخوفها عليه ليتلبسها شيطان الغضب و التفتت موجهة حديثها إلى يزيد:
ـ وديني على بيت أهلي يا يزيد...
غادرت و خلفها يزيد الذي غضب بقوة مما حدث ولكنه لم يُعلِق ليكز ياسر علي أسنانه و أحكم قبضته بقوة من جملتها التي استقرت في منتصف قلبه لتقترب هيام منه وهي تربت فوق صدره بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ والله ما أنت مزعل نفسك. جرحك لسه حي يا قلب أختك.
ياسر بنبرة غاضبة حد الألم:
ـ أنتِ مش سمعاها بتقول ايه؟
هيام بلهفة:
ـ متاخدش على كلامها. دي عيلة هبلة و عايزة قرصة ودن تعدلها. اسمع مني الدلع و الحنية أوقات كتير بيجيبوا نتايج عكسية. أنت شوية تشد و شوية ترخي. تقوم هي تفهم أن مش معنى انك بتحبها. انك ضعيف قدامها. لاااا. كدا تركب و تدلدل رجليها..
في هذه اللحظة دلف خالد الى الغرفة، و من خلفه كُلًا من رحيم و عمر و كمال ليقول الأول باهتمام:
ـ عامل ايه دلوقتي ؟
ياسر باقتضاب:
ـ الحمد لله أحسن.
اطمئن رحيم على حالته قائلًا:
ـ حمد لله على سلامتك يا واد عمي. طمني عليك..
ياسر بجمود:
ـ الله يسلمك يا رحيم أنا كويس..
تحدث عمر أيضًا:
ـ ألف سلامة يا ياسر. شدة وتزول يا ريس
ياسر باختصار:
ـ الله يسلمك يا كمال..
كان حديثهم قد وصل إلى مسامع الجميع في الخارج مما جعل كمال يقول بجفاء:
ـ ما صوتك ملعلع أهو اومال قالقنا عليك ليه؟
هيام بعتب:
ـ الملافظ سعد يا كمال. دا يا حبة عيني وشه أصفر لمونة ازاي؟
كان خالد قد سمع حديثها الذي ذكره بشقيقته، فشعر بالغضب منها مما جعله يقول بنبرة جافة:
ـ جوزك بره و شكله مرهق و تعبان يالا روحي معاه واحنا هنجيب ياسر و نيجي وراكوا..
هيام برفض قاطع:
ـ لا طبعًا يا خالد. أروح فين و أسيبه؟
قاطعها رحيم بحدة:
ـ هو احنا مش ماليين عينك ولا اي يا هيام؟ ما تسمعي الكلمة، و زي ما خالد جالك هنروحوا لحد الدار.
خالد بنبرة خشنة:
ـ يالا يا هيام.. عشان أنا لا عندي وقت ولا خُلق للكلام الكتير...
حاوطها ياسر بذراعه السليمة وقبل أعلى رأسها وهو يقول بنبرة لينة بعض الشئ:
ـ يالا يا حبيبتي. روحي من الحاج جابر وأنا هرجع معاهم، و مش هنتأخر متقلقيش..
أضطرت للإذعان في نهاية الأمر و غادرت مغلقة الباب خلفها ليبدأ خالد بالحديث حين قال بتقريع:
ـ بالله عليك انت شخص مسئول؟
ياسر بنفاذ صبر:
ـ انا عملت ايه يا خالد؟
خالد بحدة:
ـ قول معملتش ايه؟ هو أحنا يا بني آدم مش متفقين أن محدش في العيلة كلها هيمشي من غير الحراسة ؟ ايه اللي خلاك تمنعهم يأمنوا البيت..
ياسر بحنق:
ـ هو البيت دا في التجمع يا ياسر؟ دا في حارة. يعني وجود حرس و بودي جاردات هيلفت الانتباه، و مش بعيد الناس كلها تقف تتفرج..
صاح رحيم مُعنفًا:
ـ يتفرچوا ولا يتحرجوا. عاچبك اللي حوصول ده ؟ افرض كانت الرصاصة چت في.نافوخك ولا في صدرك جصفت عمرك ؟ كنت هتروح لابوك تجوله ايه؟
أيده خالد مُضيفًا:
ـ ولا مراتك اللي كان هيجرالها حاجة من الخوف والرعب عليك. دا كلام بزمتك؟!
حين أتى على ذكرها اهتاجت جيوش شوقه و غضبه في آنٍ واحد ليهتف بانفعال:
ـ ماهي الهانم اللي كان هيجرالها حاجة من الخوف غضبت وراحت عند أهلها أول ما اطمنت عليا...
تفرقت أنظار الرجال ليتدخل عمر قائلًا بجمود:
ـ بلاش ترمي دماغك للشيطان و تخلي كلمة تجيبك و كلمة توديك يا ياسر. عشان محدش هيندم غيرك..
ياسر بحدة:
ـ أنا مش هندم عشان مجتش عليها يا عمر. لكن هي هتندم عشان أنا ميتلويش دراعي..
لم يستطِع كمال الصمت أكثر بل تدخل قائلًا بجفاء:
ـ طيب بما أنك شايف انك مش غلطان، فخليني اتكلم معاك بصراحة. البنت عندها حق تخاف عليك و كلام هيام ليك صدقني غلط في غلط. أنا يمكن معرف غنى بس شوفت هي قد أيه بتحبك.
ياسر بصرامة:
ـ هيام مقالتش غير الصح. يمكن طريقتي معاها هي اللي خلتها تفكر أنها ممكن تلوي دراعي وانا عشان بحبها هقبل بأي حاجة تقولها.
كمال بنفاذ صبر:
ـ كلام هيام دا مكانه الوحيد هو الزبالة. على فكرة يا ياسر. هيام واضح جدًا أنها بتغير من غنى، و عشان تبقى في الصورة لما اتحبست وروحنالها أنا وآسيا احنا دخلنا لقينا هيام مبهدلة غنى و شوية و كانت هتضربها و سمعتها أسوأ كلام ممكن حد يسمعه، ولولا أننا وصلنا في الوقت المناسب منعرفش كان الموضوع هيوصل معاها لأيه،و اتهمتها أنها السبب في اللي حصلك. معرفش انت عندك علم بالموضوع دا ولا لا. بس كان لازم أقولك.
بهتت ملامح ياسر من الصدمة ليتدخل خالد في الحديث قائلًا:
ـ واضح إنك متعرفش و أن غنى مقالتش، و دا لو ليه معنى، فهو أن البنت دي بنت ناس و بتحبك حتى لو غلطت و قالت كلام في لحظة انفعال كان مفروض تحتوي الموقف، و متسمحش لحد يملى دماغك من ناحية مراتك..
سانده رحيم هو الآخر قائلًا:
ـ صوح الحديت ده يا واد عمي. افصل بين التنين عشان ترتاح و تروج دماغك. الحريم مشاكلهم كتير مفضيينش احنا.
تحول غضبه إلى بقعة آخرى وهو يتخيل ما حدث ولكن خالد لم يُمهله الوقت إذ قال بنبرة خشنة:
ـ و دلوقتي خلينا نتكلم في المهم. إيه قصة ضرب النار دي! و حوارك مع اللي اسمه عبد الحفيظ الصباغ دا؟
ياسر باستفهام:
ـ هو أنت عرفت منين حوار عبد الحفيظ الصباغ دا؟
خالد بنفاذ صبر:
ـ واحد اتصل على يزيد وقاله قول لأخوك اني مش هسكت غير لما أموته زي ما اتسبب في موت ابني، ويزيد قالنا ان الراجل دا اسمه عبد الحفيظ الصباغ. أية قصته دا بقى؟!
تحمحم ياسر قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى:
ـ دا موضوع حساس يا خالد. هبقى احكيهولك بعدين..
زفر خالد بغضب قبل أن يقول باختصار:
ـ يالا عشان نروحك..
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] 🩵
★★★★★★★★★
تجمدت الدماء بأوردتها حين رأت تلك المربية وهي تعامل الطفل معاملة سيئة وتحاول أن تجعله ينام بالقوة وهي تهتف حانقة:
ـ نم أيها الطفل الغبي، لقد سئمت منك، و سئمت من بكائك اللعين هذا. هي نم أو مت لا اهتم..
في خضم انفعالها و بكاء الصغير لم تستمع إلى صوت الباب الذي انفتح و أطلت منه آسيا التي اقتربت تدفعها بقوة وهي تصرخ بانفعال:
ـ ماذا تفعلين أيتها الحقيرة؟ هل هكذا تتعاملين مع طفلٍ صغير؟
سقطت المربية أرضاً وهي تنتفض من شدة الفزع، حين رأت آسيا التي أمسكت بها وهي تعنف ذلك الصغير البريء الذي كان وجهه مُحمرًا من شدة البكاء لتحمله آسيا بين أحضانها وهي تهدهده بلُطف تحاول تهدئته وقد كان الطفل ينظر إليها وهو يبكي و كأنه يشكو لها الشعور المرعب الذي عايشه مع تلك العديمة الإحساس لتضمه آسيا إلى صدرها وهي تحاول طمأنته، فقد كان تصرفًا عفويًا تجاه طفل شاهدته يُعنف بطريقة غير آدمية، في هذه اللحظة لم تتذكر ابن من يكون ؟ ولا كونه ثمرة خيانتها الموجعة، بل كادت أن تفتك بهذه الفتاة الملقاة أرضًا ترتجف من الرعب الذي تجلى في نبرتها وهي تحاول تبرير فعلتها:
ـ سيدتي. لقد. لقد فهمتي الأمر بشكلٍ خاطئ، لم أكُن أعنفه. كنت. كنت أحاول أن اجعله ينام..
لم تدعها آسيا تُكمِل حديثها بل صرخت في وجهها بقوة:
ـ اخرسي. أيتها الكاذبة اللعينة، و تجرؤين إلى الكذب أمامي! ماهذه الوقاحة؟ هيا اغربي عن وجهي واعلمي أنها المرة الأخيرة التي ستضعين يدك عليه. هيا اغربي...
هبت الفتاة مذعورة لتندفع إلى الخارج بينما آسيا تبدلت نظراتها وهي تنظر إلى عيني الطفل الجميلة التي تغلفها طبقة كريستالية من العبرات لتحاول آسيا محوها بلُطف تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ خلاص مشيت. خليك راجل بقى و بطل عياط.. دا أنت وتيدي يعني جايب الاحساس دا كله منين؟
أنهت حديثها و ابتسمت ليبتسم الطفل أيضًا، فأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بنبرة يخالطها مرارة الخذلان:
ـ فرحان عشان لقيت حد يدافع عنك. أنا كمان جه عليا وقت كان نفسي ألاقي حد يدافع عني. بس للأسف في كل مرة كنت بلاقي نفسي لوحدي. لحد ما اتعلمت ادافع عن نفسي..
ابتسامة مريرة ارتسمت على شفتيها وهي تتابع:
ـ طبعًا مش كل مرة بعرف أخد حقي. بس أديني بعافر، و ربنا بيكرم يعني...
كان الطفل يبدو و كأنه يستمع إلى حديثها باهتمام وهو ينظر إلى داخل عينيها لتبدأ هي في هدهدته و عينيها تشتبك مع عينيه في لحظات بثته حنانًا يحتاجه و استمدت منه راحة نفسية تحتاجها، و في هذه اللحظة قررت أن لا تنظر إلى أبعد من وجه الطفل، لن تنظر إلى صلته بهذا الرجل ولن تراه بعد الآن رمزًا لخيانتها، فما ذنب الطفل المسكين كونها أحبت ذلك الخائن؟
بدأ الطفل يخلد إلى النوم رويداً رويدًا حتى أغمض عينيه أخيرًا، وفي هذه الأثناء سمعت صوت أقدام في الخارج، فارتجف جسدها، و كأنها ترتكب جرمًا كبيرًا، فاقتربت لتضع الطفل في سريره، تزامنًا مع انفتاح الباب بقوة افزعت الطفل الذي انتفض باكيًا لتشهق آسيا بفزع هي الآخرى وهي تشاهد كمال الذي كانت ملامحه متصلبة، و عيناه كانت كجمرتين متقدتين تقطران شرراً أحرق كل ما تبقى من هدوء في داخلها. لم يكن غضباً عابراً، بل كان سيلًا جارفاً يوشك أن يلتهمها لتتراجع خطوة إلى الخلف وقد تجمدت الدماء في عروقها، و تسارعت أنفاسها وانقبض صدرها بضيق، كأنها تقف أمام وحشٍ حطم قفصه للتو، و هيبدو أنها ستكون فريسته، ولكنها أبت أن تدع الخوف يكبلها و خاصةً حين سمعت صوت تلك المربية الحمقاء تهتف بانفعال:
ـ أرأيت يا سيد كمال؟ أنها تعامله معاملة سيئة، ولهذا طردتني. حتى لا أخبرك بفعلتها النكراء...
توسعت عيني آسيا من إدعاءات تلك الحقيرة، فلم تشعر بنفسها سوى وهي تقترب منها وتحاول صفعها وهي تصرخ بحدة:
ـ ماهذا الهراء الذي تتفوهين به أيتها الساقطة ؟
المربية بذُعر:
ـ ابتعدي عني..
نالت المربية صفعة لم تكن قوية من يد آسيا لأن كمال تدخل ليقف بالممنتصف، وهو يهتف بحدة:
ـ آسيا خلاص وقفي الجنان دا..
قاومته آسيا وهي تريد من النيل من هذه الفتاة الكاذبة لتهتف بحنق:
ـ سأقوم بقطع لسانك الكاذب هذا... تعالي إلى هنا..
حاوط كمال خصرها بيد و بالآخرى كان يحاول تخليص خصلات شعر آنا من بين يديها وهو يصرخ بصرامة:
ـ آسيا قولتلك خلاص بقى...
تلاشت كل ذرة هدوء تمتلكها، فقامت بجذب نفسها من بين يديه وهي تلتفت ناظرة إليه بغضب و عينيها تتوهج بغضب يكلله عبرات غزيرة اهتزت بها جفونها لتصرخ بنبرة مُلتاعة:
ـ بلا آسيا بلا زفت اوعى ايدك دي من عليا. الحيوانة دي أنا دخلت عليها لقيتها بتضرب الولد وبتحاول تنيمه بالعافية عشان كدا طردتها. لكن تصدق أنا غلطانه، مفروض كنت سبتها تبهدل فيه عشان تعرف قد ايه انت شخص مستهتر و متستهلش أصلًا أن حد يبص في وشك ولا يعبرك..
تدحرجت العبرات من بين مقلتيها بغزارة تزامنًا مع انهائها الحديث لتستدير تنوي المغادرة، ولكن يداه أوقفتها وهو يقول بلهفة:
ـ آسيا استني..
نزعت يدها من بين قبضته وهي تصرخ باكية:
ـ اوعى كدا سيبني..
كاد أن يذهب خلفها إلا أن يد آنا أوقفته والتي هتفت بضعفٍ كاذب:
ـ سيد كمال رجاءً لا تصدق إدعائها. هي من أساءت معاملة الطفل و تريد إلصاق التهمة بي.
قاطعها كمال حين زمجر بشراسة أفزعتها:
ـ اخرسي، و احملي حقائبك و غادري في الحال، و أقسم أنني لو رأيتكِ هنا في الصباح، فسأجعلك طعامًا لكلابي..
تراجعت الفتاة مذعورة بينما اندفع هو تجاه غرفة آسيا التي كانت تقف في الحمام أمام انعكاسها في المرآة وهي تصرخ بتوبيخ:
ـ شاطرة يا آسيا هانم. بهدلتي نفسك وقللتي منها وحطيتي كرامتك تحت رجليه. تستحقي كل اللي يجرالك. عشان مهزقة و حيوانة و بتسمعي كلام قلبك الغبي.
قامت بحمل أحد الزجاجات الموضوعة فوق الرف الجانبي و قذفتها بعُنف في المرآة لتتحطم و تحدث صوتًا عاليًا وهي تصيح بقهر:
ـ غبية يا آسيا. غبية و ستين غبية..
هوى قلبه بين ضلوعه حين سمع صوت زجاج يتحطم، واخترقت كلماتها المُعذبة أذنيه كخنجرٍ مسموم. في تلك اللحظة الخاطفة، تلاشت كل تلك الحصون الشاهقة التي شيدها بينهما عبر شهور من الجفاء، و البعد، وانهارت كبيتٍ من الرمال وخسر وجعه معركته أمام خوفه الجارف عليها. فبالرغم من كل الألم الذي يتجرعه بسببها، إلا أن رُعبه عليها هزم كبرياءه في لمح البصر. و مزقت صرخاتها أحشاءه وكأنها تفتك بأوتار روحه، فلم يعد يرى أو يسمع سوى طيفها الخائف؛ وبلا وعي، هرول إليها بجسدٍ ينتفض، ساقطاً في فخ حب عجزت كل الحواجز عن قتله ليراها تقف أمام المرآة تنتفض ألمًا و تتهادى عبراتها تحفر وديان الألم فوق خديها و أمامها زجاجٍ متناثر تمامًا كحالها ليهمس بأنفاس مقطوعة:
ـ حصل ايه؟
انصبت جميع مشاعرها في بوتقة الغضب، و انتفض كبريائها الذي أبى أن يمنحه شرف رؤيتها وهي في هذه الحالة لتهتف بشراسة:
ـ محصلش. أخرج بره.
زمجر كمال مُحذرًا:
ـ أنا ميتقاليش كدا.
صاحت بانفعال:
ـ أنا أقول اللي أنا عايزاه. أخرج..
توقف عقله عن التفكير، و تخدرت جوارحه وهو يرى شتاتها، وهذا الألم الطاغي الذي يذبح بدمٍ باردٍ وهج الياقوت في عينيها الذي لطالما تاه في سحرهما.، وفجأة وتهاوت جميع الحواجز التي كانت تقطع طريق الوصل بينهما كقصورٍ من ورق. لتغمره عاطفة قوية ألغت عقله وهزمته شر هزيمة أمام هذا الضعف الطاغي الذي تسرب إلى داخله وهو يرى رجفتها و شعورها العارم بالخزي مما حدث،و بلا تفكير، مد يده وانتزعها من بين شتاتها بقوة مفرطة، ليغمدها في أعماق صدره، ويزرعها عنوةٍ إلى جوار قلبه. كان عناقاً عنيفاً في لهفته، و احتواءً مطلقاً أعلن فيه استسلامه الكامل، مضحياً بكبريائه تحت أقدام خوفه عليها، في لقطةٍ أذهلت روحها المنهكة و جعلتها لثوان عاجزة عن الحركة، فهي غارقة بين يديه و جسده الضخم يطبق عليها فيحتويها كليًا، و رائحته التي كانت تعشقها تحتل أنفها كحقيقة تتنفسها وليس سرابًا كما كان يحدث أثناء غيابه، و لكن.. يبقى الكبرياء يقظًا حينما يغيب العقل، فهناك جراحًا لا زالت تنزف بغزارة و آخرى تلوثت بقيح الخيانة
ـ ابعد عني و متقربش مني...
هكذا تحدثت بنبرة مهترئة تعج بالألم لتقابلها نبرته المُعذبة، وهو يقول بقوة:
ـ هقرب وقت ما أحب.
حاولت دفعه وهي تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ مش هسمحلك.
شدد من احتوائها وهو يقول بنبرة طابعها الصرامة:
ـ مش هاخد اذنك أصلًا.
شعرت بالتعب و الإرهاق يجتاح جسدها كليًا لتحاول استرداد أنفاسها التي سلبها قربه، و إذا بها تشعر بأنفاسه المحرورة تمر فوق ساحة عنقها ليصل إلى أذنها وهو يقول بصوتٍ أجش:
ـ أنا وأنتِ محتاجين الحضن دا أوي...
بكت بقوة، وهي تحاول استرداد ثباتها لتهتف بألم:
ـ أنا مش محتاجة منك حاجة...
عنادها قائلًا بنبرة تحترق قهرًا:
ـ بس انا محتاج.
تراجع عنها ينظر إلى عينيها وهو يقول بنبرة مُعذبة:
ـ أنا محتاج اعرف أنا بتعامل مع مين؟ محتاج اعرف أنتِ زي مانا شايفك ولا لا؟
أسند جبهته فوق خاصتها وهو يقول بنبرة تتضور وجعًا:
ـ أنتِ جنة ولا نار؟ أنا تعبت...
كانت عيناه مرآة مشروخة، تعكس بوضوح مرير تفاصيل العذاب، والقهر، وحيرة روحٍ تائهة في مجاهل الألم. أما ملامحه فكانت كلوحةٍ لون الوجع تفاصيلها، فيها حزنٌ يصرخ مستجدياً الرحمة، حزنٌ ارتد صداه في أعماقها ليؤلمها هي الأخرى. تألمتْ من أجله بقوةٍ هزت أركانها وهي تراه بهذا الهوان والشتات.. ولكن، بالرغم من هذا السيل الجارف من الشفقة التي كادت تذيب صدرها، كان قلبها يقف كجدارٍ من جليد ونار؛ جليد لا يُزيبه العشق، ونار لا يُطفئها النسيان، فخيانته محفورةً في أعماق قلبها كشفراتٍ حادة كلما مالت تجاهه متعاطفة، انغرست تلك الشفرات في صدرها لتُذكرها بطعنة تنزف بسخاء داخلها ، فظلّت مُعلقة بين سياط الوجع عليه، وسياط القهر منه لتهمس بنبرة جريحة:
ـ جنة أو نار. خلاص مبقتش تفرق. أنت دبحت كل المشاعر اللي كانت جوايا ليك لما اترميت في حضن واحدة تانية غيري، و خلفت منها.
لأول مرة لم ينفعل ولم يصرخ، بل هتف بنبرة متألمة:
ـ و أنتِ مخونتيش ثقتي فيكِ يا آسيا؟ مكذبتيش عليا وقولتيلي انك روحتيله عشان هو اللي شهد على وجعك الليلة دي؟
آسيا باندفاع:
ـ مكذبتش. والله ما كذبت. يمكن خنت ثقتك لما روحت، و كنت غبية و كرهي لميرهان ضللني. بس عمري ما خنتك ولا حتى بمشاعري...
وضعته الكلمات بين شقي الرحى، وبات عقله يتحرك بعنف بين جحيمين. يرى بعينيه صدقها، ويستشعر كمّ الألم الذي يعتصِر تفاصيلها، ولأول مرة تكن أمامه مكشوفة إلى هذا الحد، عارية من أي زيف أو قناع. بينما هو يقف في منتصف المسافة تماماً، ممزقاً بين روايتين. إحداهما سمعها بأذنيه وصارت كمسامير دُقت في وعيه، و الآخرى تراها عيناه الآن وتنبض بالصدق والوجع. باتت حيرته كحبل مشنقة يلتف حول عنقه؛ فكل فكرة تهاجمه تمحي ما قبلها، مما جعله ينوي بتر هذا التخبط، والتأكد من كل شيء حدث ليضع حداً لمعركته الطاحنة. مد أناملة يمحي عبراتها قبل أن يقول يقول بوعيد:
ـ عارفة يا آسيا. لو طلع اللي بتقوليه دا صحيح؟ أنا هفتح أبواب جهنم على الكل، و مش هسمي على حد..
انصهر جسدها تحت وطأة الخوف من حديثه، وقد شعرت بأن هناك الكثير مما تخفيه هذه النظرات لتهمس بنبرة خافتة:
ـ تقصد ايه؟
تراجع عنها وهو يحاول كبح جماح مشاعره الضارية تجاهها بالإضافة إلى يأسه و غضبه ليقول بنبرة جافة:
ـ أنا طردت آنا، و بكرة هشوف حد تاني غيرها..
أنهى جملته وغادر تاركًا خلفه تلك التي تكالبت عليها جميع مخاوفها و أوجاعها دفعةٍ واحدة لترتمي فوق مخدعها تحتضن وسادتها التي احتضنت عبراتها طوال الليل..
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ 🩵
★★★★★★★★★
رن هاتفها، فدب الذُعر في قلبها، وقد قررت بأنها لن تُجيب، فيكفي هذه المعاناة التي تعيشها و القلق الذي يخيم على حياتها خوفاً من انفضاح أمر تواصلها مع والدها لتقوم بغلق الصوت وهي تضع رأسها بين يديها ليصل إلى سمعها صوت رسالة نصية حالما وقعت عينيها على حروفها حتى تجمدت الدماء في أوردتها و تزاحمت أنفاسها حين قرأتها مرة أخرى
" أمك چاري و نفسها تسمع صوتك.."
هبت نجاة من مكانها وهي لا تصدق ما تراه إلى أن رن الهاتف مرة آخرى، فأجابت بلهفة:
ـ أما...
جاءها صوت بدرية المرتجف على الطرف الأخر:
ـ إيوا يا ضي كيفك يا بتي؟
ضي! استغربت حين نادتها والدتها بهذا الاسم بدلًا عن نجاة، فقد كان نجاة هو اسمها الحقيقي كما أخبرتها لما نادتها باسمها المزيف، ولكنها لم تطيل التفكير بل هتفت بنبرة مُلتاعة:
ـ أني هتچنن عليكِ ياما. فوتيني لحالي ليه؟ جلبي كان بيغلي من القلق عليكِ.
بدرية بتحفظ:
ـ أجمدي يا بتي، اني زينة طمنيني عنيكِ.
كان الجمود و التحفظ في نبرتها وجهًا آخر للخذلان الذي نال من قلبها، و بقوة، ألم تشعر والدتها بالقلق عليها بعد أن زوجتها لرجل غريب؟ ألم يُلِح عليها قلبها يومًا بالسؤال عنها؟
تساقطت عبراتها من بين مآقيها تنعي شيئًا بقلبها قد انكسر، لتقول بنبرة هادئة و كأن أحدهم نثر المياة على وهج مشاعرها:
ـ أني زينة.. نحمد ربنا.. كنتِ فين المدة اللي فاتت دي؟
بدرية بجمود:
ـ في الدنيا.
نجاة بعتب:
ـ والدنيا دي مفكرتكيش انك حداكي بنت حتى تفكري تسألي عنيها؟
لم تهتز نبرة بدرية، فقد كان كل تركيزها على عيني الشيطان الماثل أمامها مما جعلها تقول بجفاء:
ـ خلاص ماني اطمنت عليكِ. جوليلي چوزك عامل معاكِ ايه؟
نجاة بتحسر:
ـ أحسن من الدنيا.. على الأجل شايفني بني آدمة...
قالت جملتها الأخيرة بنبرة خافتة لم تصل إلى بدرية التي زجرها رحيم في كتفها لتهتف بتلعثُم:
ـ بجولك يا ضي. إني يا بتي غلطت. غلطت في حكك لما فكرت أن رحيم الوتيدي هو اللي هيحميكي. بس. بس كنت غلطانه..
تنبهت نجاة لحديثها وقالت باستفهام:
ـ يعني أيه الحديت ده؟
ابتلعت بدرية ريقها وهي تتحدث بارتباك:
ـ فاكرة ولد الحرام اللي طلع عليكِ في الچبل، و كان عايز...
قاطعتها نجاة قائلة بلهفة:
ـ فاكرة..
ـ هو. هو رحيم الوتيدي، و اللي عرفته بعد أكده. أنه. أنه مش أول مرة يعملها. ده. ده عِمل أكده كتير جوي، و ياما جتل بنته كتير، في نفس المكان بعد ما خد غرضه منيهم.
انتفض جسد نجاة و ضربته الرجفة كصاعقة لتجعل الكلمات تهتز فوق شفتيها وهي تقول:
ـ بتقولي ايه ياما؟
بدرية بتوتر:
ـ ده كمان. مبيخلفش، و ، وهو اللي جتل مرته. متصدجيش وش الملاك اللي لابسه. و الحديت اللي بيملى راسك بيه. ده. ده كمان بيكره أبوكي كره العمى، و عايز. عايز يكرهِك، و أني جولتلك جبل سابج.. فاكرة؟ فاكرة يا نچاة.جولتلك ايه على أبوكي؟ أنه راچل زين، و أنه....
جذب رماح الهاتف من يدها حين شعر بأنها تكذب، فهي لم تكن لتتحدث عنه بالخير أبدًا لذا بدأ هو بالحديث قائلًا:
ـ وعدتك هخليكي تسمعي صوتك أمك، و نفذت وعدي، و أديكي سمعتي منيها حجيجة الراچل دا. لازمن يا بتي تساعديني أخد حجنا منيه....
شعرت بأن قلبها على وشك التوقف من فرط الصدمة و الألم، و الحيرة لتقول بأنفاس مقطوعة:
ـ أنت عايز مني ايه؟
رماح بنبرة أتقن تزييف الضعف بها:
ـ عايز بتي توبجى في ضهري. بتي اللي اتحرمت منيها عمر بحاله، وهي اللي بجيالي من الدنيا.. چدك و عمك يرتاحوا في قبرهم، عشان بتهم مش هتسكت و هتوجف جدام عدوهم، و مهتخافش واصل..
شعرت بباب الغرفة يُفتح، فهمست بخفوت:
ـ أني هجفل دلوق...
أغلقت الهاتف و استدارت إلى الجهة الأخرى تمحو عبراتها و تحاول الظهور و كأن كل شيء على ما يُرام، ثم التفتت لتجد رحيم يدلف إلى الداخل وهو يقول بنبرته الغليظة:
ـ السلام عليكم..
نجاة بنبرة متحشرجة:
ـ عليكم السلام ورحمه الله وبركاته.
خلع رحيم عباءته وهو يقول بجمود:
ـ عاملة ايه النهاردة ؟!
نجاة بتوتر لا تعلم من أي جهة يتسلل إلى داخلها:
ـ أني زينة والحمدلله.
اومأ برأسه قبل أن يتحمحم قائلًا بجفاء:
ـ صافية شيعت الخدامة تجولك اني عايزاكي. لو مش وراكي حاجة مهمة روحي شوفيها.
لا تعلم لما تشعر بالخوف من هذه المرأة، أو لنقل فإن نظراتها ثاقبة بدرجة تبعث الرهبة في نفسها وخاصةً وهي بهذا الوضع لذا أجابته بتوتر:
ـ هتكون عيزاني في أيه يعني؟
لم يُعجبه حديثها مما جعله يتحدث بنبرة حادة بعض الشيء:
ـ لما تروحي أكيد هتعرِفي.
أجفلتها نبرته مما جعلها تقول بخفوت:
ـ هبجى أروح حاضر..
كان يقف وقفته المعتادة واضعًا يديه خلف ظهره ثم ضيق عينيه وهو يناظرها قبل أن يقول بخشونة:
ـ قربي مني...
ضربت حفنة من الوخزات الموترة سائر جسدها وبدأت قدميها بالإرتخاء وهي تقف على بعد خطوات منه تخشى أن يرى هذا الألم في عينيها و هذا التخبط الذي يكتنفها لذا حاولت الهرب من بين براثنه قائلة بتلعثم:
ـ ماني. ماني جريبة أهو.
ارتفع أحد حاجبيه وهو ينظر إلى المسافة التي تفصلهم ليقرر محوها هو قائلًا:
ـ خلاص أقرب اني..
ما إن رأت خطاه تتقدم نحوها، حتى ارتدت إلى الخلف بجسدٍ يحكمه الخوف و ليست الإرادة. لتتعثر خطوها المتعجلة بالحائط الصلب خلفها، وكأنها بلغت نهاية المفر و هناك انحبس العالم في صدرها الذي أخذ يعلو ويهبط في تموجات صاخبة، بينما تلاطمت أنفاسها الحبيسة بين أضلعها كطيورٍ مذعورة تضرب جدران قفصها، مُحدثةً ألم قوي تئن لا الروح، ويجعلها تبدو كمن قطع أميالاً من الركض فراراً من شبح شخص تعرف أنه حين يقسو سيكون الهلاك مصيرها.
لم يقترب فحسب بل اقترب حتى صارت أنفاسه هي أكسجينها، فصارت شفاهها ترتجف بقوة مما جعله يمد يده و يلامس خدها بحنو وهو يقول بنبرة عميقة:
ـ للدرچادي خايفة مني؟
حاولت أخراج الكلمات من بين شفتيها بصعوبة بالغة حين قالت:
ـ لا. لاه، و أني، و أني هخاف. منيك ليه؟
رحيم بنبرة عميقة يشوبها بحة رجولية مميزة:
ـ عيونك الحلوين بيهربوا، و شفايفك بيرچفوا، و چسمك بينتفض. افسِر دا بأيه؟
هربت بعينيها من عينيه التي تعريان تخبطها و لوعتها و خوفها لتقول بتعب:
ـ مش لازم كل حاچة يكون ليها تفسير..
رحيم بجمود:
ـ كل حاچة في الدنيا ليها سبب...
ضاقت ذرعًا من هذا الضغط، فقد كان رأسها على وشك الإنشطار إلى نصفين في هذه اللحظة، فهتفت بنفاذ صبر:
ـ جولت مفيش حاچة.
شعر بأنها تحت ضغط كبير لذا قرر أن يسلك طريق آخر معها ليمد يده و يُعيد رأسها في مواجهته مرة أخرى وهو يقول بصوتٍ أجش:
ـ عِندك حج. ملهاش لازمة الأسباب دلوق. خلينا اللول نمحي الخوف اللي في عنيكِ دا، و بعدين نوبجى نشوف بعد أكده..
كان يتحدث و يداه تلتف حول خصرها مما جعل المشاعر تتزاحم في صدرها ليخرج صوتها لاهثًا حين قالت:
ـ هتِعمل ايه؟
رحيم وهو يدنو منها أكثر:
ـ هطمنك على طريجتي....
همست بخوفٍ حقيقي:
ـ رحيم...
رحيم بنبرة عميقة تعج بالمشاعر:
ـ رحيم عاشجك يا نچاة... كنت مفكِر اني عشجت جبلك، بس اللي حاسة وياكي. محستوش مع حُرمة جبلك. أنتِ أول عشج يدوجه رحيم، و مش هفرِط فيكِ لو الدنيا اتهدت
غيبت كلماته عقلها عن الوعي لثوانٍ تاهت فيها بين امواج مشاعرها المُتلاطمة، فاستغل هو تلك الفجوة الزمنية ليدنو منها، متلهفاً ليروي ظمأ روحه من فيض قربها، ويسكب في قلبها من عشقه الضاري ترياقاً يمحو مرارة الخوف. و في لحظةٍ واحدة انقشع عن تفكيرها كل وجع، فكيف لا تفعل وهي بين يدي رجلٍ مثله يملك في هيبته سر الطمأنينة؟ رجلٌ في حضوره يخشاه الخوف و يفر منه القلق. استطاع أن يغمرها بأمانٍ دافئ عانق روحها كرداءٍ أبدي لا ينفصل عنها.
معه فقط ينكمش الذعر ويتلاشى، كأنه لم يجد له شبراً واحداً يتسع له في حضرة عشقه الجارف.
اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي 🩵
★★★★★★★★★
ـ صباح الخير يا خالو.
هكذا تحدثت هايدي إلى خالد وهي تدلف إلى غرفة المكتب لتجد الأخير ينظر إليها بجمود جعل القلق يتصاعد إلى عقلها، ولكنها التزمت الهدوء قدر الإمكان ليتحدث خالد باختصار:
ـ اقعدي..
اطاعته في صمت ليبدأ خالد حديثه من بطريقة كانت صادمة بالنسبة إليها:
ـ كنتِ فين امبارح؟
بهتت ملامحه، و امتقع لونها من استفهامه، ولكنها لم تأخذ وقت للتفكير إذ حاولت التصرف حين اسبلت عينيها بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ هو حضرتك عرفت اللي حصل ؟
خالد باختصار:
ـ اللي هو ايه بالظبط؟
حاولت التحلي بالهدوء و الثبات حين قالت:
ـ اللي شاهي عملته فيا، ولولا مصطفى صاحب عمر كان موجود في المكان كانت بهدلتني...
خالد بجفاء:
ـ و مصطفى صاحب عمر كان بيعمل ايه في المكان؟
زحف التوتر الى نبرتها حين قالت:
ـ معرفش. هو أنا. كنت بفطر و لقيته جه سلم عليا و سألني عن حالة بابا. ماهو متابع معاه، و يدوب ملحقناش لقينا شاهي داخلة علينا و قالت كلام سخيف جدًا و مش بس كدا دي كمان حاولت تضربني لولا أنا لحقت نفسي و مصطفى كتفها لحد ما مشيت..
تجهمت ملامح خالد وكذلك نبرته حين قال:
ـ و بعد كدا حصل اية؟
وصل إلى نقطة مرعبة بالنسبة إليها، و خاصةً وهي ترى ملامحه المتجهمة، و لكنها يجب أن تتخطى هذا الأمر بذكاء لتقول بنبرة زيفت بها الاندهاش:
ـ أبيه هو حضرتك بتراقبني؟
زمجر خالد بنبرة خشنة أرعدتها:
ـ أنتِ أيه علاقتك برؤوف ابن عم آسيا؟!
الجزء الثاني بفنش فيه ساعة بالكتير و ينزل ماهو أنا خلفتكوا و نسيتكوا قاعدة بكتب من الساعة سبعة امبارح في البارت 😭😭😭😭
اللي صايم يقرأ بعد الفطار يا ست أنتِ وهي مش عايزة أشيل ذنب حد، و اللي هيقرأ و مش هيتفاعل هعضه خلصانة🙂