تحميل رواية «ذنوب على طاولة الغفران» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تواقيع أبطال #ذنوب_على_طاولة_الغفران كالعادة مفيش بطل رئيسي كل واحد يحدد مين الثنائي الرئيسي اللي هو بيفضله ♥️ كل بطله ثنائي جايين ورا بعض ♥️ ياسر الوتيدي ♥️ غنى المسيري خالد الوتيدي ♥️ أشجان عزام عمر الوتيدي ♥️ شروق الجيار كمال الوتيدي ♥️ أسيا عزام رحيم الوتيدي ♥️نجاة (ضي) سليمان يزيد الوتيدي وووو تتوقعوا مين ؟؟😂😂😂 ياسر و يزيد أخوات & خالد و كمال أخوات و عمر ابن أختهم ♥️ و كلهم ولاد عم و رحيم ابن عمهم بردو مستنيه رأيكوا و توقعاتكواو مين أكتر ثنائي حبتوه فيهم و متحمسين ليه ♥️ و متنسوش تسيبولي...
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الحادي وستون 61 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
متنسوش تعملوا فوت يا حبايبي و تسيبوا كومنت على الفقرات اللي حبتوها♥️
مقدمة السبيل السابع ❤️🔥
يُقال إنَّ آخر أيّامِ المحبّة هي أوّل أيّام الفِراق، ولكن
ماذا عن قلبٍ فارق، وما يزال داخله فيضٌ من الحبّ، وأطنانٌ من العِشق الذي لا يُنقِصه فِراق، ولا يُبخِس لوعته شِقاقٌ؟
و خاصةً حين يقف جريحاً أعزلًا في مواجهة نوبات الحنين الضارية حين تباغته الذكريات وتستيقظ من سُباتها، فتنقشع الغمامة عن جراحٍ غائرة، وتُداهم قراراتِ العقل بضراوة، لتجرده من كل شيء يملكه ماعدا الوجع. فيتحوّل الأمر إلى حربٍ طاحنة لم يُكتب لأيً من أطرافها النصر.
لذا، أؤكد أنه لا حبَّ يُنهيه الفِراق، ولا فِراق قادر على إقصاء الحُب
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
شعرت بأن للكلمات أسنان مُدببة انغرزت في قلبها حين جاء على ذِكر زوجته الأولى، و وضعها في مقارنة معها. وكما هي العادة تختار أن تتألم وحدها بصمت لذا تراجعت من أمامه دون أن تُعطيه الفرصة لتجاوز صدمته عن ذلك الخطأ الفادح الذي ارتكبه في حقها دون قصدٍ منه، ليفزع قلبه حين شاهدها تتراجع إلى غرفة تبديل الملابس وتغلق الباب خلفها ثم تستند عليه بكل ثقلها و عبراتها تروي أي وجعًا أصاب قلبها، لتنتفض إثر طرقه القوي على الباب وهو يهتف بلهجة مُشبعة بالندم واللهفة معًا:
ـ أشجان. حقك عليا. اخرجي نتكلم.
كانت تجلس فوق الأرض الصلبة تضم قدميها إلى صدرها تحتضنهم بذراعيها، فهي الشخص الوحيد الذي يبقى لها في نهاية المطاف، فبكل مرة تسقط تكن هي الوحيدة التي تمحو عبراتها و تربت على جراحها حتى تهدأ.
ـ سيبني دلوقتي يا خالد أنا مش قادرة اتكلم..
كان الندم يقرضه من الداخل حتى كاد الألم أن يجعله يُجن بالإضافة إلى نبرتها المبحوحة و شهقاتها الخافتة التي تتراشق بصدره كالرصاص، كل هذه الأشياء كان لها وقعًا ضاريًا عليه ليصرخ بانفعال ارتجت له جدران الغرفة:
ـ أشجان بلاش تجننيني قولتلك افتحي الباب دا خلينا نتكلم.
هبت من مكانها وهي تصرخ بانفعال من بين عبراتها الغزيرة:
ـ قولتلك مش عايزة أكلمك امشي..
صوتها الجريح و بكائها و حزنها كان هذا المُثلث المُرعِب قادر على الفتك به في هذه اللحظة، فأي غباء قد ارتكبه في حق حبيبته البريئة الرقيقة مما جعل نبرته تتهدج حين قال:
ـ طب اسمعيني و بس. مش لازم تردي عليا. خليني افهمك. أنتِ متعرفيش أنا بخاف عليكِ منهم ازاي!
كان عقلها كالإعصار الذي لا يهدأ، فقد أخذ يستعرض ذكرياتها المريرة منذ زواجها الأول، و حتى طلاقها و كل ما تلاه من وقائع ظالمة نالت من قلبها حتى أدمته مما جعل آلامها تتضاعف، ولم تلحظ كلماته التي تقطر عشقًا، فقد أرادت التلاشي من هذا العالم الذي لا يحترم الضعف ولا يقدس البراءة. لا إراديًا وضعت يدها فوق أذنها وهي تهز رأسها يمينًا و يسارًا هاتفه بصراخ:
ـ اسكت بقى. مش عايزة اسمع منك حاجة. محدش فيكوا بيحبني. محدش فيكوا اتقبلني زي مانا. كلكوا وحشين زي بعض. أنا بكره الدنيا اللي رمتني في طريقكوا. كلكوا دوستوا عليا. أمين و أمه و ماما و نبيلة و أنت. بكرهكوا كلكوا. أنتوا ناس مبترحمش. كلكوا شبة بعض...
لم تكد تُنهي جملتها حتى شقت جوفها شهقة قوية حين وجدته يضرب الباب بقوة لينفتح على مصرعيه و يطل عليها بجسده الضخم و ملامحه الخشنة المُكفهرة بفعل الغضب و الألم معًا إضافة إلى عينيه التي من فرط تباين الشعور بها يراها المرأ و كأنها نافذة تُطل على جهنم.
ـ خليك عندك.
هكذا همست بنبرة خافتة، فقد شعرت بالذُعر منه حين رأت مظهره على عكس شعوره القوي بالغضب حين وضعته بكفه واحدة مع هذا الحقير، ولكن هناك شعور كان أقوى و أعنف وهو الذنب لكونه من دفعها إلى هذه الحالة ليتقدم منها بخطوات فهدية جعلت الدماء تتجمد في عروقها من الخوف الذي بددته يداه التي جذبتها بقوة لتستقر بين ضلوعه وهو يضمها إليه بعُنف وكأنه يداوي خطأه بما هو أعظم من الاعتذار، فبعض العبارات لا تفي بالغرض لهذا خُلِق العناق. ليُرمم بعضًا مما أفسدته الكلمات، و بالرغم من أنه كان السبب في ألمها ولكنه كان الوحيد القادر على تخفيفه لذا دفنت رأسها في صدره تبكي كما لم تبكي من قبل، وقد كان هذا أقسى عقاب قد يسقط عليه في حياته. أن يكُن هو سبب لوعتها و ألمها بدلًا من أن يكون سبب فرحتها و اطمئنانها.
ـ حقك عليا يا حبيبي. والله ماكنت أقصد.
هكذا همس وهو ينثر أسفه على هيئة قُبلات متفرقة فوق خصلاتها و يديه تمر برفق وحنو فوق ظهرها و كأنه يمسد وجعها ليهدأ ولكنها ظلت تبكي بقوة مما جعله يتابع بحنو:
ـ كفاية دموع بقى عشان خاطري. أنا مقدرش اتحمل تزعلي مني كدا.
تراجعت إلى الخلف تناظره بعتب لم يُخطيء في فهمه ليمد يديه و يكوب وجهها بين يديه وهو يتابع بصوتًا أجش:
ـ دموعك دي أكبر عقاب ليا في الدنيا. أنتِ مش متخيلة بتعذبني قد أيه؟
لثمت كلماته جرحها ولكنه لم تمحو الوجه كُليًا لتُجيبه بنبرة مُتحشرجة:
ـ كلامك عنها قهرني يا خالد.
خالد بلهفة:
ـ بعد الشر عنك. أنا بعتذرلك. أنا عمري في حياتي ما اعتذرت لحد لأني مكنش بيفرق معايا زعل أي حد. بس أنتِ لا.
أشجان بنبرة ترتجف ألمًا:
ـ أنا مش محتاجة منك اعتذار. أنت قولت اللي جواك..
قاطعها بنبرة خشنة:
ـلا محتاجة. محتاجة أقولك ان انا أسف عشان خبطت في الكلام. لكن مشاعري و اللي في قلبي لو شوفتيهم مش هتنزل دمعة واحدة من عيونك.
أشجان بنبرة مُثخنة بالوجع:
ـ الكلام اللي بيخرج لحظة الغضب بيكون أصدق كلام يتقال..
خالد بنفي قاطع:
ـ الكلام دا مش صح. لما ذكرت اسمها مكنش عشان اقولك انها احسن منك. أو مكنش عشان أنا مش قادر اتخطاها. أنا اتخطيت كل حاجة وحشة حصلتلي في حياتي معاكِ. مشاعري تجاهك محستهاش تجاه أي حد في الدنيا.
كانت تعرف أنه صادق، فقد رأت ذلك بعينيه ولكن جرحها لازال يئن لذا استفهمت بحيرة:
ـ طب لو انت متقصدش تقارني بيها أو تحسسني أنها أحسن مني واني لازم اكون زيها. ولا انت لسه في قلبك مشاعر ليها. ليه جبت سيرتها بيننا؟
خالد بنبرة لينة:
ـ الغضب بيعمي يا أشجان، وأنا كنت في أقصى درجات غضبي منك. لما اعرف أنك اتعرضتي لإهانة أو موقف سيء لدرجة أنك تزعلي تعيطي و ابقى عارف و متأكد انك مردتيش ولا خدتي حقك. عيزاني أكون عامل ازاي ؟!
أشجان باندفاع:
ـ لا رديت عليها بس بأسلوبي اللي أنا عارفة أنه مش هيعجبك.
خالد بتفهم:
ـ مش كدا. بس أسلوبك دا هيبقى صح مع اللي هيفهمه.
شعر بتعبها و تخبطها ليجذبها من يدها بحنو و يجلسها فوق الأريكة وهو يتابع بنبرة هادئة:
ـ يا حبيبتي افهميني. دول اخواتي وانا عارفهم كويس. عارف عيوبهم و بحاول على قد ما اقدر أقومها و اتعامل معاها. لكن أنتِ مش بتساعديني.
أشجان باستفهام:
ـ ازاي مش بساعدك؟!
خالد بنبرة خشنة:
ـ أيوا مش بتساعديني. منعت نبيلة تدخل البيت عشانك قبل ما يكون عشان ميرهان عملتي أنتِ اية؟ روحتي دخلتيها من ورايا. تقوم هي اللي تحكيلي عشان تقومني عليكِ.
هتفت بنبرة متلهفة:
ـ بس والله هي صعبت عليا.
خالد بنبرة يشوبها الحنق:
ـ عارف. و عشان كدا بقولك أسلوبك كتير بيكون غلط. اشجان هو أنتِ مسألتيش نفسك هل لما بقسى عليهم كدا انا بكون من جوايا مبسوط؟
أجابته بخفوت:
ـ أكيد لا.
حاول توضيح الأمر من جهته دون التطرق لتفاصيل مؤلمة حين قال:
ـ دول اخواتي اللي من دمي. صعب عليا أني اقسى عليهم و ادوس بالشكل اللي بتشوفيه دا. بس دا الحل الوحيد قدامي عشان اوقفهم عند حدهم.
أرادت أن تستغل الأمر و تطرح هذا الاستفهام المُلِح الذي ودت طرحه منذ زمن:
ـ طيب ليه متجربش تقرب منهم و تتكلم معاهم؟!
خالد بسخرية مريرة:
ـ مين قالك اني معملتش كدا؟! بس صدقيني النتيجة كانت أسوأ مما تتخيلي.
قرضها الفضول لتستفهم عما يعنيه قائلة:
ـ ازاي؟
لم يكُت يريد تذكر تلك الذكريات السيئة لذا قال بجفاء:
ـ مش لازم نتكلم في اللي فات. خلينا في دلوقتي. أنا عايزك تكوني عندك شيء من الحزم و الشدة لو أمكن. و عارف انك مش عايزة تكوني طرف في مشكلة بيني وبينهم.
قاطعته بلهفة:
ـ والله أنا مش عايزاك تخسرهم عشان زي ما انت قولت هما اخواتك و بتحبهم.
شدد من احتواء يديها بين كفوفه وهو يقول بنبرة يشوبها الصرامة:
ـ لو فعلا مش عيزاني اخسرهم يبقى تقفي أنتِ قدامهم وتاخدي حقك منهم. لأنك لو معملتيش كدا انا اللي هعمل دا، و بالطريقة دي اكيد هخسرهم.
اخفضت رأسها وهي تقول بقلة حيلة:
ـ المشكلة اني فعلا مبعرفش أرد زيها. عقلي مبيجمعش الكلام اللي مفروض أقوله، يمكن آسيا شاطرة في دا عني بس انا دي مش طبيعين. كمان ميرهان هديت عن الأول كتير. بتتلاشاني اصلًا. إنما نبيلة....
احتارت كيف تخبره بتهديها الذي لا تملك عليه أي دليل و أيضًا الحديث الذي يخص زوجته السابقة بأنها من تخلصت منها. ودت لو تبوح بكل هذه الأشياء التي تؤرقها ولكنها لا تملك دليلًا واحدًا عليها، كما أنها تعرف أنه سيعلن الحرب وقتها وهذا قد يستفز هذه الحية و قد تُقدِم على أذيتها بالفعل أو أذية أطفالها لذا لجأت للصمت القاتل لتسمعه يتحدث بنبرة يشوبها الشجن:
ـ نبيلة اتعودت من وهي طفلة تاخد متديش. والأخد اللي مالوش حدود دا بينمي الجشع في النفوس. و دا خلاها عايزة تاخد كل حاجة من اللي قدامها سواء كان شيء مادي أو معنوي.
صمت لثوان يسترجع تاريخًا ود لو يدفنه في أعماق قلبه ليُتابع بسخرية مريرة:
ـ نبيلة متجوزتش عز عشان بتحبه. اتجوزته عشان هو بيحبها. بيحبك يعني هيتحملك. يعني مش هيقدر يزعلك. يعني هييجي على نفسه عشان خاطرك، وهو دا اللي هي عايزاه. لدرجة أن عمر ابنها كان نفسيًا بيتأذي من سيطرتها على أبوه طول الوقت لدرجة أن الموضوع عمله عقدة.
أشجان بلهفة:
ـ أيوا فعلًا انا حسيت أن تصرفاته مع شروق فيها ازدواجية، بالرغم من أنه بيحبها جدًا بس قبل يتخلى عنها عادي.
خالد موضحًا:
ـ هو مفكر أن الحب ضعف، وأنه هيحوله لنسخه هو بيكرهها. واللي هي عز الدين.
كان الحرج يكسو نبرتها حين قالت:
ـ طيب انا اسفة في السؤال يا خالد. ازاي انتوا اتربيتوا سوى و من نفس الاب و الأم. انت وكمال يعني مختلفين عن نبيلة و ميرهان اقصد أن هما مش شبهكوا خالص.
أطلق تنهيدة قوية قبل أن يُجيبها بنبرة خشنة:
ـ عارفة المشكلة في ايه؟ أن في ناس كتير اوي بتعتبر أن الست دي كائن مالوش لازمة. شيء على الهامش. في حين أن تسعين في المية من نجاح أي بيت هو الست.
ـ صح بس دا ايه علاقته بسؤالي؟!
خالد موضحًا:
ـ علاقته أن والدي الله يرحمه كان بالنسباله نبيلة دي بنت ملهاش اي تأثير مسيرها تتجوز و هتبقى في رقبة راجل. فكانت طريقة التعامل كلها معاها غلط. اتجاهلها، متسمعلهاش، متركزش معاها، هي أيه إمكانياتها؟ و دا خلق جواها شخص معقد عايز يفرض وجوده و يسرق الاهتمام بأي شكل. دا غير أن بقى عندها نهم للسيطرة على أي حد أضعف منها. عشان تحس أن ليها شخصية.
أشجان باسفتهام:
ـ طب و ممتك كان ايه وضعها؟
خالد بجمود:
ـ ممتي كانت حنينة فوق ما تتخيلي. مبتقولش غير حاضر و نعم، ودي اكتر حاجة كانت بتضايق نبيلة. عشان هي شايفة دا ضعف وللأسف ماتت بدري، و بدأ بابا يشوف نبيلة و ازاي هي كانت منهارة، و للأسف كان بيعالج حزنها و زعلها على ماما غلط جدًا.
ـ ازاي؟
خالد بتهكم:
ـ بدأ يدي كل حاجة ببزخ ماعدا الاهتمام طبعًا. أو كان بيديه بطريقة معينة. يعني مثلًا مكنش عنده وقت يسمعها ولو اتكلمت كأن هي والهوى واحد. لكن في نفس الوقت كان كل طلباتها المادية مجابه. شوف يا خالد هي عايزة أي و هاتهولها. اعملهولها. متزعلش أختك. في حين أنه حتى عمره ما سمع مشكلة ليها ولا أهتم!
ـ بس دا غلط.
أكيد حديثها قائلًا:
ـ أكبر غلط طبعًا. دا غير أنها لما كانت بتغلط في حق نسمة مفكرش ولا مرة يردها. كان يقولي بنتي مبتغلطش من غير ما يسمع ولا يعرف هي عملت أيه؟
أشجان باستنكار:
ـ طب ليه كدا؟ هو معنى أن بنتي غلطت اني معاقبهاش احنا بنبربي ولادنا عشانهم قبل اي حاجة.
خالد بأسف:
ـ مكنش فيه الكلام دا. هو كان شايفها أقل بكتير من أن يكون ليها تأثير، وفي نفس الوقت هي بنت الوتيدي مينفعش حد ييجي عليها. وهي استغلت دا صح. و اتجوزت عز الدين عشان تحس ان ليها قيمة و شخص مؤثر و مُسيطر و بقت بتدوس و مش فارقلها بتدوس على مين..
شعرت أشجان بمدى معاناته لتقول بخفوت:
ـ الموضوع معقد فعلا.
خالد بخشونة:
ـ التطرف في التربية هو اللي غلط. و الانحياز كمان. اللتنين دول بيعملوا كوارث. بابا مكنش شايف غيري انا وكمال. وبالرغم من كدا كان بيقسى علينا و هو مفكر أنه بيربينا عشان نكون رجاله، و في المقابل نبيلة و ميرهان دول ستات في النهاية كل واحدة فيهم هتبقى في رقبة راجل وخلصت.
ـ فعلًا عندك حق. الست ليها دور في كل حاجة. سواء سلبي أو إيجابي.
خالد بتوضيح:
ـ الست أساس كل حاجة. لو صالحة هيبقى البيت في توازن. هي مش مجرد تابع، ولا القوامة معناها أن الست تخضع للراجل و خلاص. ربنا أدى للراجل القوامة عشان هو قوي مش عشان الطرف الأهم.
ـ صح.
أحنى رأسه ليُلثم باطن كفها بحنو قبل أن يرفع رأسه قائلًا بنبرة لينة:
ـ عشان كدا عايزك تعرفي رنا الغلط من الصح. ومتتهاونيش ابدًا في الغلط. بالعكس من آمن العقاب أساء الأدب. لازم تفهم أنها شخص مسئول. الحنية مطلوبة بس مش لدرجة أنها تفسد. أنا عارفة أن رنا معاكِ في إيد أمينة و انك عارفة ربنا كويس، والموضوع دا مريح قلبي فوق ما تتخيلي.
تضخم قلبها من فرط السعادة بإطرائه و ثنائه عليها لتقول بخفوت:
ـ حاضر.
مد يده يداعب خدها وهو يداعبها قائلًا:
ـ الجميل زعلان مني لسه؟
تدللت قائلة:
ـ بصراحة أه ..
خالد بنبرة عابثة:
ـ طيب أيه رأيك أصالحك؟
أشجان بمرح:
ـ مش عارفة محتاجة افكر شوية.
شاكسها قائلًا:
ـ حبيبي. أنا لما قولتلك اني عايزك قوية و عندك حزم والكلام دا كنت أقصد معاهم مش معايا.
أشجان بمُزاح:
ـ معلش المباديء مبتتجزأش.
خرجت منه ضحكة مرحة قبل أن يقول بنبرة عابثة:
ـ صح. احنا نلغيها خالص.
ـ دا اللي هو ازاي يعني؟!
ضيق عينيه وهو يشاكسها قائلًا:
ـ يعني مثلًا اول ما تدخلي من الباب دا تسبيها كلها بره.
أشجان متصنعة الاندهاش:
ـ وابقى إمرأة بلا مباديء يرضيك؟!
خالد متصنعًا الصرامة:
ـ اه يرضيني. انا موافق بيكِ على كدا. نخرج بره ناخد المباديء بتاعتنا المرمية دي و متقلقيش مفيش حد هنا هيبصلها ولا هتلفت انتباههم حتى.
أطلقت ضحكت رنانه دغدغت حواسه و أشعلت حمية العشق بقلبه ليقول بنبرة تقطر ولهًا:
ـ أهي الضحكة دي اللي بتنور دنيتي. مش هسامح نفسي أبدًا لو غابت بسببي.
أشجان بخفوت:
ـ غصب عني أنا اتوجعت أوي لما قولت اسمها و قارنتني بيها..
خالد بحُب:
ـ مفيش حد في الدنيا يتقارن بيكِ.
صمت لثوان قبل أن يتابع ينتقي كلماته بعناية حتى لا يجرحها:
ـ لكن عشان اكون صريح معاكِ هي الله يرحمها هفضل شايلها كل الاحترام و المعزة جوايا. دي أم بنتي. و مشوفتش منها غير الخير. حتى لو كنا بنختلف بس كانت ست محترمة. و دا حقها عليا اني افتكرها بالخير.
تعلم أنه رجل صالح، ولكنها انثى تعشق و تغار لذا أخفضت رأسها تُخفي تأثرها بحديثه ليمُد أصابعه و يضعها أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه، ثم تابع بنبرة تعج بالمشاعر:
ـ لكن أنتِ....
أشجان بلهفة:
ـ أنا أية ؟
صمت لثوان وعينيه تتشربان ملامحها الجميلة قبل أن يقول بنبرة مُفعمة بالعشق:
ـ أنتِ حياة الروح.
ابتسمت على هذا اللقب الغريب ليتابع موضحًا:
ـ على فكرة دي حقيقة. أنا قبلك مكنتش عايش. أنتِ حييتي روحي من أول و جديد.
لا إراديًا ارتسمت ابتسامة عذبة فوق شفتيها قبل أن تقول بنبرة عاشقة:
ـ كلامك دا بيحييني يا خالد.
خالد بنبرة مُحبة:
ـ قلب خالد مفهوش غيرك ولا بيدق لغيرك. و لا هيشوف غيرك. نعمة وجودك في حياتي تخليني اقعد عمري كله احمد ربنا عليها.
اتسعت ابتسامتها و عادت سماءها صافية من جديد ليقترب مُضيقًا عينيه وهو يقول بتخابُث:
ـ الضحكة الحلوة دي معناها اتصالحنا؟
أشجان بخفوت:
ـ اتصالحنا!
خالد بتهكم:
ـ ورحمة أمي انا عارف انك هتفضلي هبلة و مش هتتغيري..
أشجان بصدمة:
ـ ليه بتقول كدا؟
خالد بتخابُث:
ـ هو الصلح بيكون كدا بردو؟!
غزى الخجل ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ اومال ازاي؟
احتوتها ذراعيه ليحملها بين يديه وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ تعالي يا حلو وانا اقولك..
( و أدي خزان الأحزان اللي كنتوا شايلين همها مبسوطة و الوحش قاعد يطبطب و يحايل فيها الدور و الباقي علينا احنا اللي اتحرق دمنا بسبب ماتش المنتخب 😒 يالا يا ولاد مش هنحسدها المضروبة بنت رضا 🙂 ربنا يهني سعيد بعيدة😂😂)
اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ الكَسَلِ والهَرَمِ، والمَأْثَمِ والمَغْرَمِ، ومِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وعَذابِ القَبْرِ... وأَعُوذُ بكَ مِن فِتْنَةِ الفَقْرِ ♥️
★★★★★★★★★
كانت تمكث بغرفتها منذ أن وصلوا إلى البيت بعد ما حدث في المشفى، و خاصةً بعدما رأت تأثير كلماتها الهوجاء عليه، فقد كان يتجنبها وكأنه يحميها من غضبه.
زفرت بحدة وهي تؤنب نفسها للمرة التي لا تعرف عددها. كيف خرج منها هذا الهُراء؟ كيف استطاعت التفوه بتلك الكلمات الغبية؟!
كاد رأسها أن ينفجر من شدة التفكير و الندم لتسند رأسها بين كفيها تحاول تنظيم أنفاسها حتى يتثنى لها التفكير بروية في إصلاح ما أفسدته بحديثها الغبي، ولكنها تفاجئت حين وجدت باب الغرفة يُفتح و ياسر يطل عليها بملامح واجمة وهو يقول بجفاء:
ـ يالا عشان تتعشي.
لم يُطِل في المكوث بل التفت يغادر لتعبأ صدرها بالهواء النقي وهي تحاول التحكم بضربات صدرها المُتلاحقة قبل أن تتوجه إلى الخارج لتجده يجلس حول الطاولة الموضوع فوقها أطباق الطعام الذي قام بإعداده لتتقدم نحوه تجلس في المقعد المجاور له بصمت ولكن عينيها كانت تتحدث نيابة عنها، فقد كانت تطلق الكثير من الاعتذارات التي لا تعرف كيف تُصيغها لتمحو ذلك الخطأ الكبير الذي ترك بصماته على ملامح ياسر المُكفهرة فقد باغته حديثها و أصاب كبريائه و قلبه في آنٍ واحد، فلم يحتمل البقاء أكثر من ذلك ليغادر وكأنه يفر من غضبه ومن جرحه و من انفجار أن أفلت زمامه سيحدث الكثير من الضرر، ولهذا لجأ للنوم حتى يبتعد عنها بالقدر الذي يجعلها في مأمن من غضبه.
بالرغم من كل شيء ولكنه قام بإعداد الطعام، و اخبارها كونه متأكد من أنها لم تأكل شيء منذ الصباح وهذا ما لم يحتمله قلبه الذي و أن عانى لأجل عشقها للمرة الألف، سيهتف أعشقها عله ينجو في المرة الألف و واحد.
توقف النبض بأوردته لثوان وهو يشعر بكفها يغمر كفه لتنتقل إليه رجفتها، فرفع رأسه لينظر إلى عينيها و إذا به يصطدم بكل هذا الألم الذي يغتال جمالها و يطفيء بريقها، فرق قلبه لحالها، و خاصةً حين همست بخفوت:
ـ ياسر..
من سوأ حظه أن هذه المرأة تعلم جيدًا كيف تتسلل إلى قلبه فتُعريه ضعفه تجاهها، و تستميل جميع حواسه تجاهها فحتى العقل يتنحى أمام كل هذا العشق الذي يحمله لها.
ـ نعم..
هكذا أجاب وهو ينتزع عينيه من شباك عينيها ناظرًا إلى الجهة الأخرى لتمتد يدها إلى ذقنه لتُعيده للنظر إليها مرة أخرى، وكأنها تتحدى ثباته و تعاند غضبه دون النظر إلى العواقب
ـ بصلي طيب..
هكذا تحدثت بنبرة يشوبها التوسل فجذب نفسه بعيدًا عن مرمى لمساتها ليهتف بجفاء:
ـ عايزة ايه يا غنى؟
غنى بنبرة مُشجبة
ـ عايزة اقولك اني آسفة قد الدنيا كلها، و الكلام اللي قولته...
قاطعها حادة مُحذرة:
ـ اعمليلك قفلة يا غنى.
لم يرهبها تحذيره ولم توقفها حدته إنما تابعت بنبرة يتساقط منها الأسف:
ـ ياريت لساني انقطع قبل ما اتغابى في الكلام.
ياسر بقسوة:
ـ كويس انك عارفة انك اتغابيتي...
غنى بلهفة:
ـ عارفة و أسفة. أنا فعلًا مقصدتش بس...
رأى الكثير من الأحاديث الصامتة في عينيها مما جعله يقول بجمود:
ـ قولي اللي عندك كله.
اخفضت رأسها وهي تزفر بقوة وكأنها تلصق الوجع بذرات الهواء التي تخرج منها لتقول بنبرة مُشبعة بالحزن:
ـ مش هتكسف أقولك على اللي جوايا يا ياسر. أنا كان نفسي اعمل اي حاجة تخلي ماما تشوفني مش عبء عليها هي وبابا، وأني اقدر اكون سند ليهم زي الولد بالظبط.
تناثرت حبات اللؤلؤ من عينيها وهي تتابع بشفاة مُرتجفة:
ـ خرج الكلام من بُقي من غير حتى ما افكر. والله ياياسر ما كنت اقصد...
كلماتها استفزت غضبه و حنقه على هؤلاء البشر و لا إراديًا تنحت كل مشاعره السلبية تجاهها و أصبح كامل حواسه تتضامن مع وجعها ليهتف بنبرة محتقنة بالغضب:
ـ سيبك من الكلام دا و قوليلي مين اللي قالك الكلام العبيط دا؟! ولد ايه وبنت ايه؟ دي البنت أوقات كتير بتكون أحسن ألف مرة من الولد..
غنى بسخرية مريرة:
ـ الكلام دا ممرش على دماغ بابا و ماما يا ياسر. دي كانت قاعدة تعيط في المستشفى و تقول ياريتني سبته يتجوز و يجيب الولد اللي يسنده..
ياسر باستنكار:
ـ وأنتِ الكلام الاهبل دا اثر فيكِ؟
غنى بنبرة مُشجبة:
ـ الموضوع اكبر من مجرد أثر. دي عقدة نقص جوايا و عشان كدا خرج مني الكلام غصب عني.
تبدلت نبرتها إلى السخرية حين قالت:
ـ قال يعني كدا هيقولوا عني أن أنا سند وبميت ولد.
احتوى كفها بين يديه و عينيه تحنو وهو يقول بنبرة صادقة:
ـ بس دي حقيقة. أنتِ فعلًا كدا.
لامست كلماته أوتار قلبها، ولكنها سرعان ما استنكرتها قائلة:
ـ بتتريق يا ياسر! هو أنا عارفة أسند نفسي لما هسند حد؟!
ياسر بنبرة هادئة:
ـ كفاية انك عندك استعداد للعطاء. بس عشان تقفي جنب الناس اللي بتحبيهم، و خصوصًا أن العطاء عندك مش مشروط.
ـ تقصد ايه؟!
ياسر بنبرة تجيش بها المشاعر التي يعج بها صدره:
ـ أقصد أن الإنسان يكون عنده استعداد يدي من غير ما ينتظر مقابل دي حاجة كبيرة اوي، مش كل الناس بتفهمها. للأسف في ناس بتدي عشان تملك اللي قدامها، ولو مقدرتش تملكه بتعايره باللي ادتهوله.
زفر بقوة قبل أن يُتابع بمرارة وكأن هناك علقمًا يسكن صدره:
ـ اوحش حاجة في الدنيا دي المعايرة. سواء كانت بالمشاعر أو بالعطاء أو بالأفعال! و خصوصًا لما تخلي اللي قدامك يلعن الحوجة اللي وصلته انه يقبل منك حاجة.
فطنت إلى مقصده لتقول بنبرة رقيقة:
ـ فهماك و حاسة بيك. بس في حاجة مهمة لازم تاخد بالك منها.
ـ اللي هي ايه؟
غنى بنبرة لينة:
ـ موضوع هيام مش مجرد أنها عايزة مقابل وبس. هيام بتغير عليك مني. كل اللي شايفاه اني خدتك منها.بالرغم أن زمان مكنتش كدا.
ياسر باختصار:
ـ مين قالك؟
غنى بتوضيح:
ـ مكنش باين عليها.
ياسر بأسف:
ـ عشان مكنش في أي موقف يسمح بأنها تبين دا. مكنش في ارتباط رسمي بيننا، و كمان المواقف هي اللي بتبين اللي جوا القلوب.
شعرت بمقدار الأسى الذي يشعر به لذا مازحته قائلة:
ـ بس شوفتني النهاردة وانا طيبة و بسمع كلامك!
تبدد حزنه و تحول إلى حنق تجلى في نبرته حين قال:
ـ لا شوفتك و انتِ بتخبطي في الكلام و عايزة قلمين يعدلوكي.
غنى بتهكم:
ـ الصراحة أنا قولت انك هتديني علقة محترمة.
ياسر بنبرة مغلولة:
ـ والله نفسي.
غنى بمُزاح:
ـ أنا حسيت كدا بردو و عشان كدا كنت قاعدة بفكر هغضب اروح فين؟ أمي لو روحتلها هتعملني محتوى سنة قدام..
شاركها المُزاح قائلًا:
ـ هتخلي فضيحتك بجلاجل..
غنى يتهكم:
ـ و هتشمت فيا الأخصام انا عارفة.
ياسر بوعيد:
ـ و ياترى بقى استقريتي هتغضبي فين لما أديلك العلقة المحترمة؟!
غنى بعفوية:
ـ الصراحة فكرت اه و استقريت على مكان كمان
ـ كمان!
ـ أيوا أومال!
ياسر بسخرية:
ـ و ايه هو بقى؟ مستشفى المجانين!
ضحكت على حديثه قبل أن تقول بمرح:
ـ لا طبعا دول لو قفشوني مش هيعتقوني.
ابتسم على حديثها ليقول بتهكم:
ـ اومال كنتي هتروحي فين يا ناصحة؟
غنى باندفاع:
ـ كنت هروح اقعد مع آسيا و شروق. وحشوني اوي.
ضيق عينيه و تضاربت المشاعر داخله ما بين عشق كبير و غضب يوازيه ليهتف بحنق:
ـ اعمل فيكِ أيه؟
غنى بلهفة:
ـ سامحني و اكسب فيا ثواب دانا غلبانه والله. و معايا شهادة معاملة أطفال.
ياسر بجدية زائفة:
ـ مش مسامحك لا.
احتدت نبرتها حين قالت بنفاذ صبر:
ـ اعملك قفلة بقى ياريس. في ايه؟!
برقت عينيه من الاندهاش، فهي تستخدم كلمته الشهيرة مما جعله يقول باستنكار:
ـ نعم ياختي.
غنى بدلال:
ـ نعم الله عليك. اضحك بقى.
لم يفلح في قمع ضحكته التي أضاءت ملامحه مما جعلها تقول بنبرة عاشقة:
ـ أحلى ريس في الدنيا والله.
غزى ملامحه العبث مما جعله يقول بتخابُث:
ـ أنا ملاحظ انك عماله تعاكسيني، ومن شوية كنتِ بتتحرشي بيا و بعدين يعني مش عيب؟!
ارتدت إلى الخلف وهي تهتف باستنكار:
ـ نعم! مين اللي اتحرشت بيك دي أن شاء الله ؟
ـ أنتِ مش لسه كنتِ ماسكة إيدي!
ـ اه بس..
قاطعها بحدة زائفة:
ـ مبسش دا اسمه تحرش و كمان حسستي على وشي.
غنى باندفاع:
ـ محصلش.
ياسر بعناد:
ـ حصل.
غزر الحرج معالمها لتهتف بارتباك:
ـ أيوا يعني عايز ايه يعني...
قاطعها حين اقترب يقتطف قطرات العسل من فوق ضفتيها بحنو وكأنه يمحو بشهدها كل ما مر عليهم من أحداث مؤلمة، و قد كانت هي الآخرى تبغي النسيان والسكينة ولكن ذلك الإضطراب و المشاعر الجارفة التي ضربتها لم تكُن في الحسبان، و لكنه كما عهدته حنونًا مراعيًا تراجع قبل أن تتبدد روعة الأمر و تستفز خوفها يكفيه أنها لم تعُد تهاب قربه، وقد حاول أن يفرش طريقه معها ببتلات العشق الذي غزا نبرته إلى جانب العبث حين قال:
ـ بعد كدا مش هقول أنا عايز ايه ؟ انا هاخد اللي أنا عايزة على طول ..
شعرت وكأن صوتها تلاشى أمام طغيان ما اكتنفها من مشاعر انضم إليها الخجل لتهمس بخفوت:
ـ ياسر.
ياسر بنبرة خشنة:
ـ غُريبة قلبي.
ابتسمت بخجل قبل أن تُعيد همسها باسمه مرة أخرى ولكن هناك من سبقها إذا بدد صوته الجهوري الذي كان كالنشاذ:
ـ يااااااسر...
انتفضت غنى فزعًا بينما ياسر عض على شفتيه حتى كاد أن يُدميها من فرط الحنق الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ اطلع ابلعه لسانه الحيوان دا ولا اعمل فيه ايه؟
ضحكت على حديثه لتقول بسخرية:
ـ معتقدش أن يزيد زينا عنده لسان واحد..
ياسر بغل:
ـ هييجي يوم و هقصهوله. وعلمي على كلامي
غنى بتهكم:
ـ ربنا معاك...
اللهم يا رازق السائلين وراحم المساكين، إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم إني أسألك رزقاً واسعاً طيباً من رزقك، يا مقيل العثرات، يا قاضي الحاجات، اقض حاجتي، وفرج كربتي، وارزقني من حيث لا أحتسب ♥️
★★★★★★★★
ـ حمادة. مالك يا قلب أمك؟
هكذا هتفت هيام بلهفة حين أخبرتها أحد الخادمات بأن طفلها مُصاب بنوبة برد لتهرول إلى الأعلى وتحديدًا إلى غرفته فوجدت جابر الذي كان يجلس بجانبه من اتجاه و روضة من الاتجاه الآخر.
ـ متقلقيش يا ابلة هيام الدكتور كتبله على دوا وقال هيبقى كويس..
هكذا تحدثت روضة ليأتيها صوت جابر الغاضب الذي افزعها في مكانها:
ـ روضة.. روحي على أوضتك..
اطاعته روضة مهرولة إلى الخارج بينما ارتفعت نظرات هيام عن طفلها تناظره بترقب لتجد الغضب بادٍ على محياه بصورة تدعو إلى الريبة، فاختارت الصمت خوفًا من حدوث ما لا تُحمد عقباه بينهم، لينفجر جابر في وجهها صارخًا:
ـ عرفتي أن ابنك كان محموم و سخن مولع يا ست هيام، و مكنش جنبه غير روضة.
ارتعبت من صراخه بهذا الشكل الذي لم تره به منذ أن تزوجته لتهتف بارتباك:
ـ يا قلبي يا ابني. بس . بس حرارته كويسة..
جابر بقسوة:
ـ حرارته كويسة دلوقتي. انما من كام ساعة كان مولع نار و مش مبطل عياط بينادي على أمه، لكن حضرتك كان عندك حاجات أهم..
بللت حلقها قبل أن تقول بتوتر:
ـ معلش يا حاج. حقك عليا. أنا أصلي كنت مع يزيد في مشوار..
جابر بانفعال:
ـ يزيد اللي سابلك البيت ومشي . بعد ما ياسر هج من الحارة والمكان كله بسببك! غريبة يعني أنه بص في وشك بعد كل دا وراح معاكِ مشوار!
اصابتها كلماته في الصميم مما جعلها تهب واقفة وهي تُجيبه بانفعال:
ـ حاسب على كلامك يا حاج..
ـ و أنتِ كنتِ حاسبتي على افعالك؟!
هيام بحدة:
ـ أفعالي دي حاجة بيني وبين اخواتي..
جابر بصراخ افزعها:
ـ أنتِ ناسية انك محسوبة عليا مرا...
أهانها للمرة الثانية، لتهبط العبرات من مُقلتيها وبالمقابل تفجر الغضب في اوردتها لتهتف بحدة:
ـ خلي بالك من كلامك يا جابر. و متفكرش أن عشان مانا مبكلمش اخواتي اني بقيت وحيدة و ماليش حد!
جابر بقسوة:
ـ أنتِ مينفعش غير انك تبقي وحيدة عشان تقدري قيمة الناس اللي في حياتك.
هيام بانفعال:
ـ أنت بتكلمني كدا ليه؟ هو انا عملت فيك ايه؟
جابر بتقريع:
ـ لما تتعديني و تخلي صاحبي يمشي اخوكي من الشغل عشان تضيقي الدنيا عليه، و مش بس كدا. دا أنتِ تستخدميني في أساليبك القذرة دي تلقي عايزة قطم رقابتك..
صُدِمت حين علم بما أخفته عليه طوال الفترة المنصرمة لتتأرجح الحروف فوق شفتيها وهي تقول:
ـ أيه. اللي . أنت. بتقوله دا يا حاج..
قاطعها بحدة:
ـ كمان هتكذبي عليا وانا عيني في عينك! اسمعي يا بت الناس. أنا العوج دا محبوش، والدنيا علمتني لما الفرع يميل يتقطع. شوفي نفسك لو هتفضلي مكملة في طريقك دا يبقى كل واحد يروح لحاله.
شهقت بصدمة:
ـ عايز تطلقني يا جابر؟
جابر بجفاء:
ـ قدامك حلين ملهمش تالت. يا ترجعي زي ما كنتِ وتحافظي على البيت دا، يا هطلقك، و أشوف واحدة تعرف ربنا تربيلي العيل اللي حيلتي..
بلغت الإهانة حدها الأقصى بالنسبة لها مما جعلها تقول بانفعال:
ـ أنت كدا غلطت يا جابر وانا مش هقبل بالإهانة دي. أنا هروح على بيت أبويا ولما تعرف قيمتي ابقى تعالى.
اللهم ارزقني وارزق مني رزقاً لا عد له ولا مد له من حيث لا أعلم ولا أحتسب، وأنا بصحة وعافية... يا رب اجعلني ذو حظ عظيم وسخر لي الأرض ومن عليها. ♥️
★★★★★★★★
جاءت عطلة نهاية الأسبوع الذي كان ثقيلًا على من يجاهد حتى تمر الأيام، يدعي أنه على قيد الحياة ولكنه كان يهرب من الموت فقط.
يظن بأنه يسلك درب النجاة، ولكن الحقيقة أنه يهرول في طريق الهلاك وكأنه العدو الأكبر لنفسه. تدور به الأيام وهو يجاهد حتى ينسى ولكن قلبه مازال في نفس المكان عند تلك اللحظة التي ادعت بها أنه لا شيء بالنسبة لها.
زفر عمر بقوة وهو يقف على الجهة الأخرى أمام هذا المطعم الذي يقع بالقرب من الشاطيء يشاهد تلك التي سلبت منه قلبه، و طمأنينته و تركته فريسة للألم والغضب، و الحيرة فهو بكل مرة يقرر تخطيها يجد نفسه يبحث عنها. يؤنبه عقله و يتراجع أمام جبروته ولكن يجذبه إليها طوق من نار يكتوي بها قلبه الذي تأزر به الوجع حين رآها تستقل السيارة مع هذا الرجل و تتوجه الى هذا المكان.
غادر الرجل الكريه و تركها ليبقى هو يجاهد شوقه و غضبه الذي يوسوس له بالتوجه إلى حيث تمكث ليهزها بعُنف وهو يخبرها أنها لا يجوز لرجل آخر الاقتراب منها، ولكن كيف وقد قرر هو أن يُكمل حياته مع أخرى!
انتشله من ضجيج أفكاره رؤيته لسيارة كمال التي أوقفها على الرصيف المقابل له ليندهش في بداية الأمر ولكنه سرعان ما غادر سيارته لينادي عليه، فالتفت كمال إليه قائلًا باستنكار:
ـ عمر!
عمر بشوق:
ـ حمد لله عالسلامة يا كمال وحشتني.
كان هو الآخر يشتاق إليه لذا قام بمعانقته وهو يقول:
ـ الله يسلمك يا عمر، وأنت كمان وحشتني.
تراجع عمر يناظرها بعتب تجلى في نبرته حين قال:
ـ من وقت ما عرفت انك رجعت وانا مستنيك تكلمني. بس انت متكلمتش.
ـ وأنت ليه متكلمتش ؟!
عمر بنبرة يتخللها خيبة الأمل:
ـ خوفت تكون مش عايز تشوفني أنا كمان.
عنفه كمال قائلًا:
ـ بقولك ايه يا عمر بلاش تعيش دور اللي بيكسف عشان انت بجح وأنا اكتر واحد عارفك.
ابتسم عمر على حديثه ليجيبه بسخرية:
ـ كويس عشان أنا ماليش خلق للافلام دي.
ـ قولي انت جاي هنا ليه؟
هكذا استفهم كمال ليحاول عمر المراوغة قائلًا:
ـ كنت معدي من هنا.
كمال بعدم تصديق:
ـ مش مصدقك.
عمر بملل:
ـ ولا انا مصدق نفسي انت داخل المطعم ده؟
ـ ايوه ليه؟
ـ هدخل معاك.
كمال باستنكار:
ـ تدخل تهبب ايه ؟!
عمر بنفاذ صبر:
ـ معرفش المهم اني هدخل معاك وخلاص.
كمال بسخرية:
ـ لسه تبت زي ما انت.
عمر بتهكم:
ـ حصل.
سار كمال و من خلفه عمر في الممر المؤدي إلى المطعم لتبرق نظرات عمر الذي هتف بحرج:
ـ كمال.
استدار كمال ليرى على ماذا تستقر نظرات عمر لتتوسع حدقتيه و يهتف بحدة:
ـ أيه العبث دا؟!
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا
صدق الله العظيم ♥️
★★★★★★★★★
ـ اعملي حسابك هنسيب الولاد مع سوزي و نخلع احنا.
هكذا تحدث خالد بجانب أذن أشجان التي غمرها الخجل من تلميحاته لتهتف بخفوت:
ـ خالد بطل. رنا جاية..
خالد باستفهام:
ـ هي رنا بتكلم مين في التليفون؟
ـ بنت صاحبتها اسمها سهيلة اتعرفت عليها مبقالهاش كتير، وعلى فكرة باين عليها حبوبة أنا كلمتها و عزمتها تيجي تتغدى معانا عند سوزي عشان اتعرف عليها أكتر.
اومأ خالد برأسه في استحسان قبل أن يقول بنبرة حانية:
ـ كويس انك عملتي كدا. يالا عشان منتأخرش.
تبعته أشجان إلى الأسفل ليوقفهم صوت نبيلة الكريه وهي تصيح بحبور:
ـ يا خالد. تعالى بسرعة شوف مين نورنا؟!
توقف خالد مبهوتًا حين رأى.....
يتبع....
للمرة التانية مشهد رحيم و ضي يتحذف وانا بنسخه 💔 لكن الحمد لله ان الباقي موجود.
دعواتكوا لكرملة عشان لسه الدور تاعبها و محبتش أأجل البارت دا كمان 🥺
قراءة ممتعة ♥️
متنسوش تشوفوا الجمال دا و تسيبوا كلمة حلوة هناك ♥️
و كمان تقدروا تحجزو ذاكرة الرماد و كل رواياتي الورقية بخصومات تصل إلى ٥٠٪ من هنا
أو من رقم الواتساب 👇🏻
+201121530961
دا مخبز سوزان والمكان اللي هي عايشة فيه زي ما في خيالي قولولي شايفينه كدا ولا أيه
و دا غلاف روايتي الورقية الجديدة ذاكرة الرماد اللي هحون فرحانه اوي لو اشتريتوها♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثاني وستون 62 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الثامن ❤️🔥
الحُب...
هل هو شعورٌ مُطلق، أم عقدٌ مشروط؟
وما مفهوم الحُب:
ـ أنـا أحبك ما دمتَ تُسعدني؟
ـ أم أحبك حتى حين ينهكنا الحزن، ولكننا معًا؟
كثيرون ظنّوا أن الحُب هو مفتاح السعادة،
واستنكروا كيف للمرء أن يهوى من يُؤلمه.
غير أن الحقيقة أعمق من ذلك..
" فالحُب هو الشعور الوحيد الذي يولد حرًّا،
لا يساوم، ولا يُقايض، ولا يعترف بلغة الشروط.
إما يُمنَح كاملًا أو لا يُمنَح أبدًا. وحين تتوهّج نيرانه في القلوب، لا يفلح رماد العقل في إخمادها.
ومهما بلغ الألم، لا يفر الحب أبدًا بل على العكس، فهو يتصدى له، و كأنه خُلق لينتصر لا ليخسر.
وحين نقرن الحُب بالسعادة، نكون قد أخطأنا فهم جوهره. فالسعادة قد تكون ثمرته. لكنها أبدًا لا تصلح أن تكون شرطًا له، ولا فرضًا يُقاس به مدى صدقه.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ زينة!
هكذا هتف خالد باندهاش وهو ينظر إلى تلك المرأة الثلاثينية التي تضاعف جمالها منذ آخر مرة رآها بها لتبدو بهيئة رائعة مصحوبة بابتسامة لازالت تخطف أنفاس كل من رآها.
ـ حمد لله على السلامة رجعتي من السفر أمتى؟
هكذا تحدث خالد وهو يصافح زينة شقيقة زوجته الراحلة التي ابتسمت بدورها و أجابته بنبرة رقيقة ولكنها تحمل الثقة كما هي عادتها:
ـ الله يسلمك. أنا راجعة بقالي تلت أيام.
ـ اخس عليكِ. تلت أيام ولسه فاكرة تيجي تزورينا النهاردة!
هكذا تحدثت نبيلة بود زائف لتنظر إليها زينة بابتسامة هادئة قبل أن تقول بنبرة تحمل السخرية بين طياتها:
ـ صدقيني يا بلبلة لو اعرف انك هتستقبليني الاستقبال الحار دا كنت نزلت من الطيارة على هنا على طول.
ارتسمت ابتسامة بسيطة على ثغر خالد الذي يعلم المعنى المبطن خلف كلماتها، ولكن نبيلة تجاهلت ما ترمي إليه وهي تقول بنبرة ودودة:
ـ ازاي بقى؟ دا أنتِ حبيبتنا. أنتِ ناسية انك متربية وسطنا ولا أيه؟
لم تُعلق زينة ليلتفت خالد ناظرًا إلى أشجان التي كانت تقف أسفل الدرج بأعيُن يتماوج بهم الغضب ليقول بنبرة خشنة:
ـ حبيبي. تعالي سلمي على زينة.
اقتربت أشجان بخطوات هادئة و عينيها لم تغفل عن نظرات نبيلة الخبيثة لتتفاجيء حين طوق كتفها خالد وهو يقوم بتعريفها إلى هذه الضيفة الجميلة:
ـ اعرفك يا زينة. أشجان مراتي. و دي زينة خالة رنا..
تبادل كُلًا من أشجان و زينة النظرات المصدومة حين علمت كلتاهما هوية الآخرى لتستفهم زينة بجمود:
ـ معقول اتجوزت!
هذه المرة كانت المفاجأة من نصيب خالد حين وجد أشجان تمد يدها و تصافح زينة وهي تُجيبها بنبرة قوية:
ـ أه معقول. نورتينا..
شعر بالغبطة من فعلتها لتبتهج عينيه فمن الرائع أن الأمر حين يصل عنده يتبدل سكونها و تشتعل جذوة النيران بداخلها كما هو واضح في نظراتها لتندفع زينة بلهفة:
ـ على فكرة والله انا مقصدش. أنا بس اتفاجئت. ألف مبروك..
شعرت أشجان باحراجها و بعفويتها في التعامل لذا ابتسمت بلُطف وهي تقول باختصار:
ـ الله يبارك فيكِ.
ـ يالا ندخل أنتِ واقفة على الباب ليه؟ و فين شنطك عشان الخدم يطلعوها فوق..
تصلب جسد أشجان أسفل ذراعه من حديث نبيلة المسموم ليتحدث خالد بنبرة جافة:
ـ نبيلة. أدي فرصة للناس تاخد نفسها، أنا مُقدر طبعًا أن زينة وحشاكي! بس الدور اللي أنتِ قايمة بيه دا دور أشجان بما أن دا بيتها.
قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى، فشعرت نبيلة بالإهانة خاصةً أمام زينة التي شعرت بالحرج، فهتفت الأخيرة بارتباك:
ـ سوري يا خالد. أنا اللي جيت من غير ميعاد، و نبيلة اكيد متقصدش.
تدخلت أشجان قائلة بنبرة يغمرها الثقة النابعة من دعمه لها، و تعزيز مكانتها علنًا دون تهاون:
ـ مفيش داعي للإعتذار. أنتِ نورتينا حقيقي، وكلنا مبسوطين أننا شفناكِ مش نبيلة بس، و اللي هيفرح أكتر و أكتر بقى لما يشوفك هي رنا.
ابتسم برضا من حديثها ليستمع إلى صوت زينة تقول:
ـ ميرسي لذوقك. أنا فعلًا نفسي أشوف رنا دي وحشاني أوي.
أشجان بهدوء:
ـ دقيقتين و هتلاقيها نازله. اتفضلوا نقعد في الصالون..
تقدمت نبيلة في المقدمة وكأنها تعلن كونها فردًا أساسيًا في هذا المنزل، و خلفها زينة، لتتبعهم أشجان و بجانبها خالد الذي جذبها مختلسًا قبلة استقرت فوق جبهتها كتعبير غير منطوق لما قامت به منذ دقائق ثم توجهوا إلى الصالون الكبير ليستقر الجميع في مقاعدهم لتبدأ نبيلة في استجوابها قائلة:
ـ قوليلي يا زينة يا حبيبتي. هو جوزك اتوفى بقاله قد أيه؟
خالد باستفهام:
ـ أيه دا هو سامح اتوفى امتى؟ انا فاكرك جايه زيارة عادية؟
زينة بهدوء:
ـ لا للأسف. سامح اتوفى بقاله أربع شهور و نص، و أنا راجعة استقر في مصر. مش ناوية اسافر تاني.
التمع الفرح في أعيُن نبيلة من حديث زينة، على عكس أشجان التي دق ناقوس الخطر في قلبها لا تعلم السبب ولكنها لم تُعلق ليقطع الصمت الدائر دخول رنا التي ما أن سمعت بوجود خالتها حتى هرولت من الأعلى لتحتضنها بشوق و فرحة عارمين.
★★★★★★★★★★
كان كمال يجلس حول الطاولة في مواجهة سوزان و ملامحه مُكفهرة بشكل يبعث على الرهبة، منذ أن رآى تلك الغبية تقف في شرفة الشقة وهي ترتدي هذه المنامة البيتية التي تكشف عن اكتافها البيضاء و خصلاتها البنية تتماوج حرة طليقة حولها وكأنها قاصدة استفزازه بينما هي كانت تنظر إلى البحر وهي تحمل كوبّا ترتشف منه على مهل غافلة عن الأعيرة النارية التي تندفع من نظراته
ـ نورتني النهاردة يا كمال.
هكذا تحدثت سوزي بلُطف وهي تنظر إلى ملامح كمال التي تُنذر بالسوء و كذلك كانت لهجته الجافة حي أجابها:
ـ أي مكان بتكوني فيه بينور بوجودك يا سوزي..
التفتت سوزان ناظره إلى عمر الذي كان يجلس بجوار كمال و قد بدا عليه التحفظ لتقول بنبرة ودودة:
ـ و اللي أحلى و أحلى كمان انك جبت معاك الدكتور عمر. سمعت عنه كتير..
كمال بحنق:
ـ أنا لا جبته ولا شفته أصلًا. أنا اتكعبلت فيه وأنا داخل..
اغتاظ عمر من كلمات كمال ليُتمتم بحنق:
ـ أصيل طول عمرك..
سرعان ما تبدد حنقه ليُجيب على سوزان قائلًا بمرح:
ـ الصراحة أنا كنت بتمشى بالعربيه و لفت نظري المكان. فقولت ادخل اقعد شوية واتفاجأت بكمال، و بعدين بحضرتك. مكنتش اعرف ان دا المطعم بتاعك. يعني الموضوع كله صدفة.
كانت ترى الكذب بوضوح في عينيه، ولكنها اكتفت بالقول بابتسامة بشوشة:
ـ يا محاسن الصُدف والله.
علق كمال ساخطًا:
ـ هي محاسن فعلًا.
ـ سوزي يا سوززززي.
هكذا هتفت آسيا و من خلفها شروق ليتنبه كُلًا من كمال وعمر إلى وجودهم الطاغي، و بالمقابل تفاجئت الاثنتين من وجودهم لتشتعل النظرات لثوان بين الجميع، خاصةً حين شاهد كمال ذلك الفستان الذي ترتديه آسيا و الذي لم يكُن كاشفًا كتلك المنامة التي كانت ترتديها في الشرفة، ولكنه كان يبرز منحنياتها بدقة و يتلائم لونه الزيتي مع لون بشرتها، فبدت صارخة الجمال حتى بدون مساحيق تجميل.
أما عن عمر، فقد افلتت نظراته المُشتاقة تحتوي شروق التي كانت ترتدي ملابس بسيطة، مكونه من تيشيرت أبيض اللون بنصف أكمام، و بنطلون أسود يعانق ساقيها بأغواء. تاركة العنان لخصلاتها الرائعة لتتماوج خلفها بحرية و خاصةً وقد ازداد طولها عن السابق، فهاجمته ذكرى بعيدة وهو يقوم بتصفيف هذه الخصلات المتمردة و يستنشق عبيرها و يغرز أصابعه بين طيات نعومتها.
ـ أهلًا بالحلوين. تعالوا يا بنات..
كانت شروق كعادتها سرعان ما تحسن ارتداء قناع الجمود قبل أن يظهر عليها أي شيء على عكس آسيا التي كانت تعرف مُسبقًا بأنه قادم، ولكن بدا عليها التأثر حين تذكرت تلك الصفعة التي نالت من كرامتها لتغيم عينيها بحزن تبدد حالما لمحت نظرات سوزان المُحذرة لتتدراك الأمر حين رأت شروق التي أرادت النيل من عمر هذه المرة أيضًا حين تقدمت من كمال قائلة بنبرة ودودة:
ـ ازيك يا كمال عامل ايه؟
صافحها كمال وهو يجيبها بنبرة ودودة:
ـ الحمد لله ازيك يا شروق..
كان يتفرسها رغمًا عنه، فقد اشتعلت جذوة الشوق بصدره و ود لو يعانقها حتى تتكسر عظامها، فلن يكفيه مجرد مصافحة، والحقيقة أن لشروق رأيًا آخر أفزع كبريائه بقوة حين ضنت عليه بالمصافحة التي لم تكن ترضيه واكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها كتحية له، وقد تبدلت نيران شوقه إلى غضبًا حين رآها تلتفت ناظرة إلى سوزان وهي تقول بمرح:
ـ شوفتيني وأنا منضبطة و جاية آخد الشيفت بتاعي في معاده!
سوزان بحـب:
ـ لا شوفتك وأنتِ زي القمر. يالا على المطبخ.
شروق بمُزاح:
ـ عنيا يا فندم.
أنهت جملتها ثم التفتت إلى كمال قائلة بنفس نبرتها المرحة:
ـ كان نفسي أوجب معاك والله. بس المديرة بتاعتنا شديدة شوية.
ابتسم كمال الذي كان يتقن لعبة التجاهل هو الآخر ليقول بنبرة خشنة:
ـ كفاية أن أنا شوفتك. دا أحلى واجب.
اقتربت آسيا مُزعنة لتقوم بالترحيب بعمر الذي كان الغضب بادٍ على محياه:
ـ أهلًا يا دكتور عمر. نورتنا.
صافحها عمر وهو يحاول التغلب على غضبه من تجاهلها له قائلاً بنبرة جامدة:
ـ ازيك يا آسيا عاملة أي؟
آسيا باختصار و هي تحاول تجاهل هذا الذي لم يعير وجودها حتى التفاتة:
ـ الحمد لله.
ثم التفتت إلى سوزان قائلة بجمود:
ـ وأنا هجهز الشواية عشان ابتدي الشوي على ما خالد و أشجان يوصلوا.
ناظرتها سوزان بلوم يتناقض مع نبرتها المُعتزة حين قالت:
ـ حظكوا من السما هتاكلوا احلى مشويات من إيد آسيا النهاردة.
كان باردًا إلى الحد الذي يظن المرأ بأن براكين الغيرة لم تطأ أرضه يومًا، ولم يحترق مناخه بنيران العشق أبدًا، لينهض من مكانه وهو يضع نظراته الشمسية لتكتمل صورة نموذجية لرجل وسامته و الهلاك وجهان لعملة واحدة، ليقول بنبرة خشنة
ـ أنا همشي عشان ورايا حاجات مهمة، و بعدين أنا ماليش في المشاوي، تقيلة على معدتي. مابحبهاش.
غادرت بهدوء وكأن داخلها لم يتحطم منذ لحظات لتحدجه سوزان بنظر لأئمة قبل أن تقول بنبرة مُعاتبة:
ـ على فكرة أن قايله لخالد يقولك انك هتتغدى معانا النهاردة.
كمال موضحًا:
ـ قالي والله، و مردتش أقوله يعتذرلك جيت بنفسي عشان متزعليش.
مد يده يصافحها فربتت على كفه بيدها الأخرى وهي تقول بنبرة ذات مغزى:
ـ هيفوتك كتير.
كمال بجمود:
ـ محدش بياخد أكتر من نصيبه.
لم تُطيل في الأمر لتوميء برأسها، فتدخل عمر قائلًا بنبرة جافة:
ـ أنا كمان همشي، مبسوط اني شوفت حضرتك و اتعرفت عليكِ.
سوزان بنبرة ودودة:
ـ أنا اكتر، و اتمنى اشوفك كتير هنا. المكان مكانك.
عمر بجمود:
ـ أن شاء الله.
ما أن غادر الرجلان حتى هتفت سوزان بنبرة ساخطة:
ـ أنتِ يا مقصوفة الرقبة ياللي اسمك آسيا.
جاءت آسيا بخطوات غاضبة و نبرة تشبة الصراخ:
ـ أنا مقصوفة الرقبة ليه أن شاء الله ؟!
سوزان بتقريع:
ـ بقى يا بت أنتِ دا اللي اتفقنا عليه؟ الراجل داخل عليا هيطق من جنابه!
آسيا بحنق:
ـ يستاهل.
تدخلت شروق محاولة تخفيف الأمر:
ـ اهدي شوية يا آسيا و اسمعي سوزي.
سوزان بحنق:
ـ ليه تسمع الشر بره و بعيد! هي لازم تجود من عندها.
آسيا بحدة:
ـ مش هو عاملي فيها مجروح و مد إيده عليه يستاهل بقى..
هتفت سوزان موبخة:
ـ عشانك غبية. مفروض شوفتيه متعصب متقفيش قدامه.
آسيا باستنكار:
ـ دا ليه أن شاء الله! حد قالك إن أنا جبانه!
سوزان بتقريع:
ـ لا مش جبانه بس غبية. لما الواحدة تلاقي اللي قدامها متعصب مفروض تنسحب حتى لو عندها الف حق. عشان ميحصلش اللي حصلك. وعلى رأي أدهم الحسيني الله يمسيه بالخير دا الجري نص الجدعنة.
شروق و آسيا في آنٍ واحد:
ـ مين أدهم الحسيني دا؟
سوزان بشجن:
ـ دا واحد حكيم كدا. كان في رواية اسمها للعشق وجوه كثيرة أنا بحبها اوي.
عقبت شروق قائلة باعتراض:
ـ ما علينا. بس على فكرة يا سوزي اللي عيزاها تعمله دا يبقى اسمه هروب.
سوزان بتوضيح:
ـ اسمه هروب تكتيكي يا هبلة. هو لما يتهور مين اللي هيتعور !
شروق بإقرار:
ـ هي.
تدخلت آسيا بغضب:
ـ بصي بقى أنا السبب هو السبب. المهم أنه جه عليا و قوي، و مفكر أني هجري وراه اترجاه! دا بعينه! أنا أموت ولا اني اتذلل لحد.
سوزان بحدة:
ـ يابت تتذللي أيه ؟ أنتِ هتجننيني! عارفة ؟ انا مش تاعب قلبي غيرك! شايفة البت اللي عاملة فيها رضوى الشربيني دي ميتخافش عليها. حتى الهبلة أشجان انا متطمنة عليها. انما أنتِ دماغك مسوحاكي و شيطانك عفي.
تجمعت سحب الغضب بعينيها لتمطر ألمًا تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنتِ اللي بتقولي كدا!
رق قلب سوزان لعبراتها لتهتف بحنو:
ـ يا بنتي الله يهديكِ. بلاش تصبي الزيت على النار. قولنا أن دا ابننا و غلط، و مجروح، قلبه واجعه. كمال لسه باديء يفوق من الصدمة. منضغطش عليه. نتجنب غضبه. دا الحزن معشش جوا عنيه.
اقتربت آسيا تجلس بجانبها واضعه رأسها فوق صدر سوزان لتهتف من بين عبراتها:
ـ عارفة أن القلم اللي ضربهولي موجعنيش قد كلامه! لما سمعته بيتكلم مع خالد و قد أيه هو مجروح حسيت اني كرهت نفسي. اتمنيت لو كنت موت ولا كنت وجعته كدا.
سوزان بحنو وهي تمحو عبراتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ يا حبيبتي اللي حصل حصل، واحنا بنحاول نصحح الغلط دا. بلاش تستفزيه احنا عايزين نقرب بطريقة متبينش اننا قاصدين. بنحاول نخلق صدف عشان نقرب المسافات بينكوا.
آسيا بنبرة تئن وجعًا:
ـ بروده و تجاهله ليا دول بيجننوني. شوفتي شكله كان عامل ازاي لما دخلت؟ اللي يشوفه و ميعرفش اللي كان بيننا يقول إني شفافة بالنسباله. غصب عني الموضوع مؤلم و مُهين أنتِ متعرفيش كمال دا كان بيتعامل معايا ازاي!
سوزان بتوضيح:
ـ على قد حبه على قد وجعه. اصبري و اهمدي و اسمعي الكلام. عايزينه يرجع زي الأول و أكتر بس بعقل.
اومأت برأسها بإذعان لترفع سوزان رأسها و تنظر إلى شروق التي كانت في وادٍ آخر لتهتف قائلة:
ـ والله ما مريحني إلا العاقلة الراسية دي. جابته على ملا بوزه قال أيه كان معدي من هنا بالصدفة و لفت انتباهه المطعم!
انتفضت دقات قلبها إثر حديث سوزان لترتسم ابتسامة ساخرة فوق شفتيها قبل أن تقول بمرارة:
ـ والله لو بيموت يا سوزي وروحه معايا هيستكبر ياخدها، وانا هستكبر أردهاله. أنا غير آسيا. أنا عارفة و متأكدة أن قضيتي خسرانه معاه.
مدت سوزان يدها إلى شروق التي كانت في أمس الحاجة لعناقها لتحتل الجانب الآخر من صدرها في مقابلة آسيا لتقول سوزان بحنو:
ـ مفيش خسارة يا حبيبتي. هو بس محتاج يتقرص عشان يفوق.
شروق بتهكم:
ـ عُمر عمره ما هيفوق أبدًا.
سوزان برزانة:
ـ بكره تشوفي. اللي بيتكبر على الحب. زي بالظبط اللي بيقف يرتجف في البرد عشان خايف لا النار تلسعه. ولما يحس أنه قرب يموت من البرد هيجري على اللي كان خايف منه. الإنسان لما بيلاقي نفسه بيقع بيدور على أي حبل يتمسك بيه حتى لو كان الحبل دا شوك. مش قلب زي قلبك.
خرج استفهام مؤلم من بين طيات قلبها الموجوع:
ـ وهل يفلح مع من ارتكب جُرمه الغفران؟!
سوزان بحنو:
ـ بكرة كل حاجة هتتصلح بإذن الله و هتقولوا سوزان قالت.
أنهت جملتها و قامت بتوجيه ضربة خفيفة لجبهة آسيا وهي تقول بتقريع:
ـ دا لو الهانم طبعًا سمعت الكلام، و متسببتش في كارثة بعنادها.
رفعت رأسها تناظره سوزي بتأثر وهي تقول بتعب:
ـ تفتكري في أمل كمال يرجعلي تاني؟!
سوزان بحنو:
ـ في بدل الأمل ألف. بس احنا نتصرف بعقل و نبطل نبني في السور اللي بيبعدك عنه بدل ما نهده.
آسيا بلهفة:
ـ حاضر هسمع كلامك في كل اللي تقوليه.
تدخلت شروق التي قالت بتخابُث:
ـ و الخطوة الجاية من عندي. يالا يا سيسو أن شالله ما حد حوش.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال"♥️
★★★★★★★★★
زينة بنبرة رقيقة:
ـ خالد ممكن اتكلم معاك في موضوع ؟
نظر خالد إلى ساعته قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ معلش يا زينة خلينا نأجل كلامنا النهاردة لأننا للأسف عندنا معاد مهم و اتأخرنا عليه و مضطرين نمشي. البيت بيتك طبعًا.
لا تعلم لما شعرت بأنه يتهرب من الحديث معها لتوميء برأسها قبل أن تقول بخفوت:
ـ لا طبعًا ولا يهمك اتفضل. أنا بس هستأذنك اخد رنا تبات معايا النهاردة عشان هي وحشاني أوي..
هذه المرة تدخلت أشجان عن عمد حين قالت:
ـ وليه تاخديها وتمشي؟! خليكِ معاها هنا. و باتي كمان معاها.
هتفت رنا بحبور:
ـ ياريت يا خالتو. أنا نفسي بجد اقعد معاكِ. أنتِ وحشاني أوي..
اندهشت زينة حين تولت أشجان الإجابة بدلًا عن خالد، وكأنها تخبرها بأن ابنة أختها تحت تصرفها هي ولكنها لم تُفصِح عما يجول بخاطرها بل تحدثت بهدوء:
ـ خلاص تمام. أنا بس محتاجة اروح الفندق عشان اجيب هدومي و حاجات ليا.
ـ مفيش مشكلة وأنا هبعت السواق معاكِ يوديكي و يجيبك.
هكذا تحدث خالد لتبتسم زينة بامتنان لتلتفت أشجان ناظرة إلى رنا بحُب قبل أن ان تقول بهدوء:
ـ متنسيش تكلمي سُهيلة تقوليلها انك مش هتخرجي معانا.
رنا بأدب:
ـ حاضر يا مامي. و بوسيلي نانا سوزي وقوليلها سوري عشان مش هعرف اجي معاكوا..
قبلتها أشجان فوق جبهتها قبل أن تقول بحنو:
ـ حاضر ياروحي. اتبسطي مع خالتو و نبقى نروح لنانا سوزي في وقت تاني.
أخيرًا توجه كُلًا من خالد برفقة أشجان و أطفالها إلى الخارج وما إن كاد يستقل السيارة حتى تفاجيء من هذا الصوت خلفهم:
ـ خالد..
التفت خالد فصُدِم حين وجد هيام التي كانت تقف على مقربة منهم، ولكن كانت الدهشة من نصيب اشجان التي هتفت قائلة:
ـ هيام!
ـ أهلًا يا هيام. واقفة بعيد ليه؟ تعالي.
هكذا تحدث خالد لتتوجه هيام تجاه سيارة خالد لتمد يدها و تصافح أشجان ثم التفتت لتصافح خالد وهي تقول بحرج:
ـ حقك عليا جيت من غير معاد. بس الموضوع اللي جايه فيه مهم أوي.
شعرت أشجان بأنها لا تريد الحديث أمامها لذا التفتت إلى خالد قائلة:
ـ خالد أنا نسيت حاجة هطلع اجبها و اجي.
اومأ خالد برأسه قبل أن يلتفت إلى هيام قائلاً:
ـ تعالي احنا نقعد نتكلم هنا.
توجهت معه إلى أحد الطاولات بالحديقة لتجلس وهي تحاول ترتيب حديثها، وإذا بها تفاجئه حين قالت:
ـ أنا جيالك يا ابن عمي لما الدنيا ضاقت بيا وملقتش حد أروحله.
كانت تتحدث و العبرات تتحدث عنها أيضًا ليتفاجيء خالد الذي هتف بقلق:
ـ حصل ايه يا هيام؟ و ليه بتعيطي كدا؟
هيام بنبرة حزينة:
ـ مخنوقة شوية، و كنت عايزة اطلب منك تكلم رحيم عشان استلم ورثي من أبويا الله يرحمه.
يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ♥️
★★★★★★★★★
كان يجلس في القاعة الكبيرة التي تحتل جزءً كبيرًا من مقدمة البيت يفض أحد النزاعات بين الفلاحين، والتي انتهت أخيرًا بالتراضي ليتفاجيء بصوتٍ صراخ أحد الفتيات داخل البيت، فهب من مكانه يندفع إلى الداخل ليرى ماذا حدث، فإذا بأحد الخادمات تصرخ بذِعر:
ـ الست نچاة غميت.
و كأن قلبه انشق إلى نصفين حالما رآها تتوسط الأرض وهي ساكنة كجثة هامدة ليندفع كالممسوس تجاهها يتفحص نبضها بيدين ترتعش من فرط القلق، فإذا به يشعر بالراحة حين أدرك بأنها على قيد الحياة ولكنها فاقدة للوعي ليقوم بوضع ذراعه أسفل ركبتها و الآخر خلف ظهرها وهو يصرخ في الخدم بصوته الجهوري:
ـ شيعوا للحكيمة بسرعة.
هرول بها إلى الأعلى وهو يدعو الله أن تفتح عينيها الجميلة و ترفرف برموشها الطويل التي تلقي بشباكها حول قلبه، فيقع بعشقها بكل مرة يقف أمامها، ولكن آخر مرة تحدث معها كان الحديث شوكًا بينهم، ولكن كيف يحنو وهو المذبوح بسكينة الهجر!
وضعها فوق مخدعه وهو ينتظر مجيء الطبيبة لتطمئنه على حالها، والتي لم تتأخر بل جاءت على الفور لتقوم بالكشف عليها لتخبره بأنها أُصيبت بهبوط في الدورة الدموية نتيجة الضعف و عدم التغذية، ليلعن تحت أنفاسه، فهي منذ ثلاثة أيام لا تجلس على مائدة الطعام معه، و تحديدًا منذ تلك المواجهة المروعة بينهم.
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ أنت اللي جتلك مَرتك!
ناظرها رحيم بصدمة تجلت في نبرته حين قال:
ـ بتجولي اي؟
نجاة بنبرة حاولت جعلها قوية:
ـ بجولك انت اللي جتلت مَرتك؟! و ياريت تچاوبني بصراحة من غير لف ولا دوران.
كان حديثها أهانة بالنسبة إليه، فهل تتهمه بالجُبن و الخوف من قول الحقيقة أمامها! أسدل الغضب ستائره على ملامح رحيم و تبدلت نظراته من الصدمة إلى الغضب الذي احتل نبرته حين قال بجهامة:
ـ أنتِ بتتحدتي أكده ويا مين! مچنونة أنتِ ولا اي؟ رحيم الوتيدي عيخاف من مرا!
الخوف احتل تقاسيمها و نظراتها للحد الذي جعلها تتراجع خطوة للخلف، وهي تهتف بنبرة مُرتجفة:
ـ مجصديش. أني بس عايزة اعرِف الحجيجة.
رحيم بفظاظة:
ـ وهي الحجيجة دي أني هخاف أجولها جدامك!
كان يقترب منها بخطوات وئيده كفيلة ببث الذُعر في أوصالها، ولكنها عاندته وهي تقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
ـ يبقى تجولها.
توقف أمامها وعينيه رغم القسوة كان بها عتاب كبير، ولكنه لم يُفصِح عنه إذ قال بجفاء:
ـ مجتلتش حد.
رغمًا عنها خرج استفهامها مندفعًا كالإعصار :
ـ ازاي الحديت دا!
ـ زي الناس. لما أجول مجتلتهاش يوبجى مجتلتهاش.
هكذا هتف رحيم بنبرة غاضبة ألجمت الكلمات فوق شفتيها ولكنه تابع بنبرة خطرة:
ـ بس جتلت غيرها!
شهقت بصدمة ليُتابع رحيم بمرارة لم تُخطيء في فهمها:
ـ عارفة جتلته ليه؟ عشان غلط غلطة كبيرة جوي، و بسبب غلطته دي اني ارتكبت أكبر ذنب في حياتي.
غافلتها الكلمات و خرجت مندفعة حين قالت:
ـ ذنب ايه؟
تنهيدة قوية خرجت من جوفه قبل أن يقول بنبرة يفوح منها الوجع:
ـ أذيتك!
كانت عينيه تخاطب عينيها بعتب و اعتذار ولكن ألمها كان أكبر من كليهما لتهتف بلوم:
ـ أذيتني بس! أنت دبحتني! يمكن لو كنت موتني كنت هرتاح لكن اني بسببك كنت بعيش نفس الخوف و الوچع كل يوم.
اقترب ممسكًا ذراعيها يهزها بقوة جاءت من عمق الوجع الكامن بداخله وهو يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ فكرِك أني متوچعتش! فكرك اني مكنتش مدبوح جبلك!
همست بنبرة مذبوحة من فرط الوجع:
ـ أني ذنبي أيه في وچعك ده!
غامت عينيه بالقسوة قبل أن يقول بنبرة قاسية:
ـ اللي وچعني دمه بيچري في عروقك، بس اني مش ظالم، و مخدتكيش بذنب حد. مشيلتكيش شيلة مش شيلتك.
نزعت نفسها منه وهي تهتف باستنكار:
ـ كل حديتك عن ابوي أني مش مصدجاه. استحالة يكون بالقسوة دي! و بعدين ما يمكن انت عملت فيا أكده عشان تنتقم منيه!
برقت عينيه من حديثها ليهتف مُستنكرًا:
ـ انتقم منيه فيكِ! و لما دي نيتي مكملتش في انتقامي للآخر ليه؟ و ليه اتچوزتك بعد أكده! و ليه لما بقيتي في داري عِملتك هانم عالكل، ومحدش يقدر يتنيلك كلمة!
لا تعلم كيف خرجت الكلمات من فمها كالرصاص حين قالت:
ـ ما دا انتقام بردك. لما تكون مبتچيبش عيال و تتچوزني يوبقى عشان عايز تنتقم مني!
سددت سهم كلماتها في منتصف صدره ببراعة ليجتاحه نوبة ألم قاسية أفقدته النطق للحظات، شعر بها بأن العالم يدور من حوله، فقد تعرى أمام محبوبته، ولم يقتصر الأمر على هذا فقط. بل وقد استغلت هي الأمر لتطعنه بقوة في أضعف نقطة بقلبه، ولكنه لم يعتد على الانحناء يومًا، فقد كان يتلقى الرصاص كرذاذ المطر، هل يقع الآن من مجرد طعنة حتى و إن كانت نافذة!
شعرت بغباء ما تفوهت به، و انتفض قلبها يُعنفها على ما اقترفته بحقه، ولكنه لم يُمهلها الفرصة لكي تتراجع أو تصلح الأمر بل وجدته يتراجع شامخًا برأسه وهو يشبك يده خلف ظهره و قد خيمت القسوة على نظراته و نبرته حين قال:
ـ صوح. حديتك صوح. اتجوزتك عشان انتقم عشان اني مبخلفش. و لو كنت بخلف. عمري ماكنت هتچوز من بنت رماح الهلالي! الدم النچس ده مينفعش واصل أنه يختلط بدم الوتايدة.
شعرت بالألم يقطر من بين كلماته التي آلمتها هي الآخرى، ولكن الأعظم من الألم هو أن تضطر للتماسك بينما داخلك ينهار وقد كان هذا حاله عندما غادر الغرفة ليتركها فريسة للندم و الوجع والقهر.
عودة إلى الوقت الحالي
كانت عينيه تمر على ملامحها بشوق، فمنذ ذلك اليوم حُرِمت عليه رؤيتها، فقد انقطعت عن مشاركته الطعام، وقد كان هو يختار البقاء طوال اليوم في الخارج ليبتر نوبات الحنين التي تجره إليها خاصةً وأن كلماتها كانت كالسرطان الذي يأكل روحه بصمت مروع، فقد نالت من كرامته و كبريائه و رجولته حين ذكرته بنقصه. ولكنه لا يقدر على أيذائها، فقط تجاهل مؤلم من جانبه كان الشيء الوحيد الذي استطاع فعله.
عبرة متمردة غادرت جفنيه يبدو أن الألم قد فاق حدود احتمالها لتمحوها أنامله بقوة حين شاهدها ترفرف برموشها و تبدأ في الاستيقاظ ليهب من مكانه ويتوجه إلى المقعد المقابل لمخدعها، فما أن فتحت جفونها بتثاقُل حتى وجدته يجلس أمامها بهدوء و عينين لا تفصحان عن شيء وملامح جامدة لتعود رويدًا رويدًا إلى الواقع و يبدأ قلبها بالأنين فقد تغزى الندم على روحها الايام الماضية و سلبها طاقتها حتى لم تعد تحتمل أكثر من ذلك فسقطت، ولكنها قررت الحديث، فلم تعُد تطيق هذا الثُقل بداخلها.
حاولت الاعتدال تبغي الجلوس ولكن الدوار داهمها مرة أخرى ليسقط رأسها على الوسادة مما جعله يندفع لا إراديًا ليساعدها معدلًا من وضع الوسادة خلف رأسها قبل أن يجعل رأسها يستند عليها برفق لامس قلبها، فبالرغم من كل شيء ولكنه يهُب لمساعدتها وكأنها ليست من قتلته منذ أيام!
حين أراد النهوض من جانبها أوقفته حين قالت بخفوت:
ـ رحيم.
اخترقت حروف اسمه قلبه حين نطقتها بتلك الطريقة ولكنه حاول الثبات قائلاً بجفاء:
ـ نعم..
شعرت بجفاءه ولكنها لم تستسلم بل قالت بخفوت:
ـ عايزة اتحدت وياك.
رحيم بجفاء ولازال عازفًا عن النظر إليها:
ـ جولي اللي عندك.
جفائه مؤلم، أو أنها غير معتادة عليه لذا أرادت تبديده حين قالت بجرأة:
ـ ينفع تمسك يدي عشان اجعد!
رغمًا عنه التفت يناظرها بصدمة طالت للحد الذي جعلها تتمتم بحزن:
ـ خلاص هجعد أني...
حين حاولت الحركة تفاجئت حين اقترب يُحيط خصرها بذراعه القوي لتصطدم بصدره و تتعانق نظراتها مع خاصته في قربٍ مُهلِك لكليهما جعلتهم يتشاركا الهواء سويّا لتمر لحظات من الصمت المشحون بضجيج لا يسمع صوته ولكن صداه كان شيئا لا يمكن نكرانه!
قطع رحيم تواصلهم البصري حين تركها فجأة بعد أن اسندها على ظهر السرير ليتراجع ينوي تركها ولكنها لم تتركه بل مدت يدها لتمسك خاصته حتى توقفه عن المغادرة، فخيم الاندهاش على ملامحه والذي تضاعف حين قالت بخفوت:
ـ أني آسفة.
ارفقت اعتذارها بعبرات غزيرة تلاها كلمات مؤثرة خرجت من شفتيها المُرتعشة حين قالت:
ـ أني معرُفش قولت اللي قولته دا ازاي! بس الوچع اللي في جلبي معدتش جادرة اتحمله.
لم يحتمل التطرق إلى هذا الحديث ليجذب يده من يدها و ينهض من جوارها وهو يقول بقسوة:
ـ متبرريش حاچة. الحديث اللي جولناه مفيهوش حاچة غلط. كل واحد قال اللي في جلبه، و انتهينا..
عاندته حين قالت باندفاع وهي تحاول الوقوف على قدميها:
ـ لا منتهيناش يا عمدة. ولازمن تعرِف أني عارفة غلطي، و ندمانه عليه كمان.
ـ ممنوش فايدة الحديت ده. خدي دواكي و ريحي، و أنا هخليهم يطلعولك الوكل اهنه.
هكذا تحدث رحيم بجفاء وهو يحاول الهرب من أمامها، فالأمر كان موجعًا بالنسبة إليه، لتهتف نجاة بنبرة حادة:
ـ أني عارفة موضوع الخلف ده من اول يوم سبوع ليا اهنية. قبل ما يحصول بيننا أي حاچة.
خيمت الصدمة على ملامحه من كلماتها ليلتفت ناظرًا إليها بعدم فهم لتُتابع بنبرة مُتحشرجة:
ـ ولو أنت مكنتش عايز من بنت رماح الهلالي ولاد، فبنت رماح الهلالي مكنش يفرج معاها لو قعدت العمر كله چنبك من غير ولاد.
يتبع...
خدوا أول جزء من البارت عرفاكوا مش قادرين تستنوا و النص التاني هينزل على الفجر أن شاء الله ♥️
البارت طويل و مش هينفع ينزل كامل على الفيس، فهنزله على جزئين
عشان آسيا و كمال استنوا الجزء التاني 😉❤️🔥
جماعة بليز زودوا التفاعل شوية عشان الفوت و الكومنتات بالنسبة لعدد المشاهدات قليل جدًا 💔
و دا اقتباس صغنن من روايتي الورقية (ذاكرة الرماد " حين ينفُث الرماد عطرًا ")👇🏻
حين تعشق المرأة، تستطيع أن تهديك الكون بأكمله، وحين تخاف على عشقها، قد تحرق هذا الكون فقط لتُبقي شرارة عشقها حية، وتشيد مملكة من الرماد لتسكنها مع من أحبت. ولكن، ماذا عن امرأة أحرقت الماضي وكل ما يشير إليه لتخفي الحقيقة؟ ظنت أن رماده ليس إلا غبارًا تبعثره الرياح، و تمحيه كأنه لم يكُن يومًا، ولكن الحياة كما عهدناها تباغت دون شفقة، و تصفع بلا هوادة، و تثبت أن الأخطاء لا تموت بالاحتراق، وأن هذا الرماد ليس النهاية؛ فالذنب لم تمحوه النيران، والخطايا ما زالت تتنفس، بل و تشكلت، لتصبح كابوسًا مُرعبًا، كسر صولجان الظلم، ورغم محاولاتها اليائسة لمحو الحقيقة من دفاتر الوجود، ثمة أرواح عصيّة على الركوع. لم يُعجزها الظلم ولم يُعيقها الألم، لتظل على عهدها تقاتل إلى أن تلاقت القلوب بين الركام، و تشابكت الأيدي رغم الجراح النازفة، لتنبت المعجزة من رحم المستحيل، وينفث الرمادُ عطرًا.
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
رواية ذاكرة الرماد للكاتبة نورهان العشري
تقدروا دلوقتي تطلبوا
بخصومات كبيرة تصل إلى ٥٠٪ خلال فترة المعرض من على المتجر الإلكتروني الخاص بالدار
من على رقم الواتساب👇🏻
+201121530961
#للحصول_على_الروايات_من_خارج_مصر_تواصل_برسالة_على_رقم
00201121530961
#ذاكرة_الرماد_حين_ينفث_الرماد_عطراً
#نورهان_العشري
#قيثارة_الكلمات
#ولاد_الوناش
#معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب2026
#مدينة_الأدباء_للنشر_والتوزيع
#صالة2_جناحC34
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثالث وستون 63 - بقلم نورهان العشري
متنسوش تسيبولي كومنت حلو على الفقرات اللي حبتوها ♥️
السبيل الثامن ❤️🔥
الحُب...
هل هو شعورٌ مُطلق، أم عقدٌ مشروط؟
وما مفهوم الحُب:
ـ أنـا أحبك ما دمتَ تُسعدني؟
ـ أم أحبك حتى حين ينهكنا الحزن، ولكننا معًا؟
كثيرون ظنّوا أن الحُب هو مفتاح السعادة،
واستنكروا كيف للمرء أن يهوى من يُؤلمه.
غير أن الحقيقة أعمق من ذلك..
" فالحُب هو الشعور الوحيد الذي يولد حرًّا،
لا يساوم، ولا يُقايض، ولا يعترف بلغة الشروط.
إما يُمنَح كاملًا أو لا يُمنَح أبدًا. وحين تتوهّج نيرانه في القلوب، لا يفلح رماد العقل في إخمادها.
ومهما بلغ الألم، لا يفر الحب أبدًا بل على العكس، فهو يتصدى له، و كأنه خُلق لينتصر لا ليخسر.
وحين نقرن الحُب بالسعادة، نكون قد أخطأنا فهم جوهره. فالسعادة قد تكون ثمرته. لكنها أبدًا لا تصلح أن تكون شرطًا له، ولا فرضًا يُقاس به مدى صدقه.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان الأمر يبدو و كأنها اختارت كلماتها بعناية حتى تجعله يقع في عشقها للمرة التي لا يعرف عددها. فتتنحى كل شيء في هذه اللحظة ما عدا صورتها المُرتجفة أمامه ليقترب منها بخطٍ سُلحفية وهو يقول بنبرة خطرة:
ـ جولتي ايه؟
ارتجفت الحروف فوق شفتيها وهي تقول:
ـ جولت اني مكنش فارج معاي اي حاچة من اللي سمعتها. مكنش فارج معاي غيرك.
وقف أمامها يُطالعها بأعيُن يتماوج بهم الشعور، فلم تُمهله فرصة للتفكير إذ قالت بخفوت:
ـ أني طول عمري بكرة الأذى، وعمري ما كنت ولا هكون شخص مؤذي. حتى لو اني بنت رماح الشيطان اللي انت بتكرهه، فأني مش زيه، وآسفة على الحديت اللي خرچ مني يومها....
لم يُمهلها الوقت للحديث إنما قام بجذبها لتستقر في منتصف حضنه وكأنه يرفض أي شيء قد تقوله يمنعه من فعل ذلك، فقد فاق الوجع كل شيء داخله يبغي قربها حتى يتخدر ذلك الألم العظيم ولو لثوان، و يبدو أنها تشاركه نفس الأمنية إذ ارتمت بداخله بعجز دون مقاومة أو اعتراض..
أخرجهم رنين الهاتف من تلك اللحظة الرائعة ليتراجع عنها على مضض، ولكن حين رآى رقم المتصل أجاب على الفور ليقع هذا الخبر فوق رأسه وقوع الصاعقة حين سمع الحديث على الطرف الآخر:
ـ رماح رجع مصر النهارده الصبح يا عمدة!
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه وارزقني من حيث احتسب ومن حيث لا احتسب يا رب العالمين♥️
★★★★★★★★
الحقد كالظلام الذي يسكن الروح، فيُطفيء بصيرتها، ويعميها عن رؤية البياض ولو كان متوهجًا ساطعًا. هو صدأ يغشى القلوب يحجب قدرتها على التمييز، فيختلط عليها كل شيء و يصبح النقاء شيئّا مُنفرًا، و الجمال صفة لم تخلق أبدًا. فتُصبِح العتمة ملاذًا للقلوب لأن الأنفس المظلمة بالحقد لا تحتمل وهج الحق.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ هيام الكلام اللي أنتِ بتقوليه دا مينفعش. يعني أيه مقولش لياسر على الموضوع دا!
هكذا تحدث خالد باستنكار لتُجيبه هيام بحزن:
ـ ياسر قطع علاقته بيا عشان مراته، باعني عشان الهانم بتاعته ويزيد مشي وراه. بدل هما خالص باعوني يبقى يعرفوا عني حاجة ليه؟
خالد بعدم تصديق:
ـ هو أنتِ بتتكلمي عن ياسر و يزيد اللي انا اعرفهم؟!
هيام بسخرية:
ـ أيوا هما. هو في غيرهم!
خالد بنفاذ صبر:
ـ أنا لازم اتكلم مع ياسر، و اوعي تقوليلي لا. الكلام اللي أنتِ بتقوليه دا مش داخل دماغي، وحتى لو اللي بتقوليه فعلًا صح يبقى ياسر محتاج اللي يرده لعقله.
اخفضت هيام رأسها وهي تقول بجمود:
ـ اعمل اللي تعمله المهم اني عايزة أخد حقي في اقرب وقت.
شعر خالد بأن هناك خطبًا ما ليستفهم قائلًا:
ـ أنتِ في عندك مشكلة؟!
تناثرت العبرات من مقلتيها قبل أن تقول بخفوت:
ـ اتخانقت مع جابر و سيبت البيت..
خالد باستنكار:
ـ سبتي البيت؟! ليه حصل ايه؟
هيام بحرقة:
ـ الناس كلها بقت وحشة يا ابن عمي. مفيش حد بيفتكرلك حاجة حلوة عملتهاله. بيهدوك و يدبحوا فيك أول ما حاجتهم عندك تخلص.
على الجانب الآخر كانت أشجان تغلي من الغضب في الغرفة حالما تذكرت كلمات نبيلة المسمومة حين وجدتها تدلف إلى الداخل
ـ أيه دا انتوا مش كنتوا خارجين!
تسمرت أشجان في مكانها، فقد كانت غاضبة بقوة من هذه المرأة لما حدث منذ قليل لذا خرجت الكلمات حادة من فمها حين قالت:
ـ شيء ميخصكيش..
اغتاظت من ردها الذي لم تكن تتوقعه لتصعد الدرج خلفها هاتفه بتهكم:
ـ هو أنتِ متعصبة ليه كدا؟ أحسن يكون خالد غير رأيه في موضوع الخروج دا بعد ما شاف زينة! شوفتي زينة عاملة ازاي يا أشجان!
قالت جملتها الأخيرة بنبرة مُبطنة بالتحقير ولكن أشجان عكفت عن الرد لتُتابع نبيلة قاصدة إذلالها:
ـ زي القمر، و أرملة، و حلوة، و دكتورة و من عيلة محترمة. لا و التقيلة بقى من ريحة سهام الله يرحمها.
نالت منها كلمات نبيلة للحد الذي أعماها مما جعلها تهتف بغضب:
ـ قصدك سهام اللي أنتِ قتلتيها!
برقت عيني نبيلة و جمدت ملامحها للحد الذي كان مُخيفًا ثم التفتت تنظر حولها قبل أن تقوم بجر أشجان من يدها بقسوة لدلف الى داخل غرفتها التي كانت على بعض خطوتين منهما ثم أغلقت الباب لتلتفت ناظرة إلى تلك التي كانت ترتجف من فعلتها لتلون ابتسامة خبيثة ثغرها قبل أن تقول بنبرة مسمومة:
ـ سمعيني بقى قولتي أيه تاني كدا!
تذكرت كلمات خالد البارحة لتحاول تنحى خوفها جانبًا وهي تقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
ـ أنتِ سمعتي أنا قولت أيه، و خلي بالك انا لولا خايفة على خالد لا يتصدم أن أخته بالبشاعة دي كنت قولتله على اللي قولتيه من زمان..
توسعت عيني نبيلة من فرط الصدمة، و سرعان ما احتل الخوف زاوية عيناها ولكنها نحته جانباً و حاولت رد الهجوم بآخر مُضاد حين قالت:
ـ أيه دليلك! تبقي مجنونة لو فكرتي أن ممكن خالد يصدقك. عارفة ليه؟ عشان خالد حتى لو مبيعجبهوش تصرفاتي فهو واثق و متأكد أن أخته ضعيفة و منقدرش تعمل كدا. كبيرها تضرب إسفين بينه وبين مراته.
عاندتها أشجان قائلة:
ـ هيصدق لما اقوله هيصدق!
نبيلة بخُبث:
ـ وحتى لو صدق! تفتكري هيبلغ عني! هيسجنني! هيقتلني! هيعمل أي! هيقاطعني لا هيقدر يخرجني من بيتي، ولا هيقدر يخرج من بيت أبوه. هيزعق و هيكسر، و مش بعيد يضربني، وقتها لا عز ولا عمر هيسكتوا، و هيقفوا كلهم لبعض. و لما يحصل دا انا اكيد مش هقف ساكتة! دانا هحسرك على ولادك زي مانتِ خسرتيني أخويا.
لم تكُن تتخيل كل هذا الحقد الذي تحمله تلك المرأة داخلها لتهتف بلا وعي:
ـ أنتِ ايه؟! أنتِ مش طبيعية! دا ابليس مش كدا! أنت ِ أبشع إنسانة شفتها في حياتي.
نبيلة بتهديد:
ـ أنتِ لسه مشوفتيش حاجة من بشاعتي.
أشجان بحدة:
ـ ربنا شايف. و صدقيني مهما كان جبروتك ربنا قادر يخسف بيكِ سابع أرض.
لم تتأثر بالحديث ولكنها تأكدت من أنها أخافتها على النحو المطلوب، لتقول بنبرة ناعمة:
ـ مش هرد عليكِ. عارفة ليه؟ عشان أنا واثقة انك مش في حالتك الطبيعية من وقت ما شوفتي زينة. يا حرام الله يكون في عونك. ماهي عرتك و بينت قد ايه أنتِ قليلة. اتوقع أن خالد هيشوف دا قريب جدًا و هيرجعك لمقلب الزبالة اللي جابك منه.
آلمتها الإهانة بقوة ولكنها الآن أدركت كم كان مُحقًا في حديثه عنها، لذا حاولت جعل نبرتها ثابتة حين قالت:
ـ اللي خلى جوزك يعيش معاكِ العمر دا كله من غير ما يشوف بشاعتك. يخلي خالد ميشوفش ست غيري. اخرجي بره أوضتي.
نجحت في تهديد إهانة قاتلة في مرماها، ولكنها حاولت التظاهر باللامُبالاة حين قالت:
ـ بردو صعبانه عليه. عشان كدا مش هرد عليكِ. كفاية اللي أنتِ فيه.
أنهت جملتها و خرجت تتهادى في مشيتها إلى أن غادرت لترتمي أشجان فوق مخدعها وهي تشهق بقوة، فقد تخطت هذه المخلوقة كل الحدود في تجبرها و شرها.
اللهم يا رزاق السائلين، يا قاضي الحاجات، اقض حاجتي، وفرج كربتي، وارزقني من حيث لا أحتسب" ♥️
بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ
( دا دعاء حلو أوي بقوله وانا خارجة من البيت♥️)
★★★★★★★★
ـ اهدي يا هيام و امسحي دموعك، وانا ليا كلام تاني مع الحاج جابر و مع ياسر.
هكذا تحدث خالد مواسيًا لتُجيبه هيام ساخرة:
ـ خلاص مبقاش له لأزمة للكلام. كل واحد عقله في راسه يعرف خلاصه.
ضاق ذرعًا من حديثها ليقول بنبرة خشنة:
ـ أنتِ قاعدة فين دلوقتي ؟
زاد بكائها وهي تُجيبه:
ـ أنا مفروض أني كنت اروح بيت أبويا بس طبعًا ياسر هناك و معاه الهانم مراته، روحت قعدت عند واحدة اعرفها لحد ما اخد فلوسي و اشتريلي بيت يلمني انا و ابني.
استشاط خالد غضبًا ليهتف مُستنكرًا:
ـ دا كلام يا هيام! ازاي مجتيش هنا على طول. طب ياسر و في مشكلة بينك وبينه. أنما احنا مش اخواتك ولا أيه؟
ـ مش حابة أشيلك همي يا خالد.
قاطعها بنبرة حادة:
ـ بطلي عبط و اعملي حسابك انك هتقعدي هنا لحد ما نشوف هنعمل ايه..
هيام بلهفة:
ـ مش هينفع يا خالد سيبني على راحتي...
خالد بنبرة صارمة:
ـ مفيش حاجة اسمها سيبني على راحتي.. في حاجة اسمها أصول. تقدري تقوليلي لو جوزك فكر يصالحك و جالي ولا راح لياسر نقوله منعرفش هي فين؟
حاولت الحديث فحدجها بنظرة مُحذرة قبل أن يقول بصرامة:
ـ عيب يا هيام. أنتِ ليكِ رجالة، وانا هخلص الموضوع دا مع ياسر النهاردة. يالا تعالي جوا، وأنا هخلي أشجان تقول للخدم يجهزولك اوضة.
لم يترك أمامها مجال للرفض لتسير بجانبه مُذعنة إلى الداخل، فوجد نبيلة أمامه التي بدورها صُدِمت من وجود هيام، ليتجاهلها خالد وهو ينادي على أشجان التي كانت قد غسلت وجهها حتى تُهديء من غضبها قليلًا لتهرول إلى الخارج حالما سمعت ندائه
ـ نعم يا خالد.
دقق النظر في ملامحها وهي تتوجه إليه فحاولت رسم ابتسامة فوق ثغرها حتى لا تثير قلقه، فمن الواضح أن هناك خطبًا ما لينظر إلى هيام وهي يقول:
ـ معلش يا حبيبي هتعبك. بس عايزك تقولي للخدم يجهزوا أوضة لهيام. عشان هتقعد معانا شوية.
صُدِم الجميع من حديثه و كان أول المُتحدثين هي نبيلة التي هتفت باستنكار:
ـ بتقول ايه يا خالد ! مين دي اللي تقعد هنا!
اغتاظ من وقاحتها ليناظرها شكرًا قبل أن يقول بنبرة قاسية:
ـ أنا موجهتش كلامي ليكِ عشان أعيده تاني!
لأول مرة تشعر بالسعادة حين ترى شخصًا يُهان أمامها لتتسع ابتسامتها قبل أن تقول برقة:
ـ عيوني يا روحي. دي هيام دي حبيبتي و عشرة عمر.
هيام بامتنان:
ـ تسلمي يا أشجان. دا العشم بردو.
اندهش من حديثها خاصةً حين تخلت عن خجلها لأول مرة أمامهم بهذا الشكل، و ذلك اللفظ التحبُبي الذي خرج كالعسل من بين شفتيها، ولكن من ملامح نبيلة أدرك أن هناك شيئًا ما، فنادى على أحد الخدم ليرشد هيام إلى غرفة الجلوس حتى يتم تجهيز أحد الغرف لها، وما إن غادرت حتى هتفت نبيلة بحنق:
ـ مش لازم كل ما يكون في حد موجود تحرجني بالشكل دا يا خالد! ماهو أنا أختك بردو، وكرامتي من كرامتك، ولا عادي تدوس على كرامتي قدم الناس كل شوية!
ارفقت عتابها بعبرات زائفة لتؤثر عليه أمام تلك التي تنظر إليهم بترقب لردة فعل خالد الذي خرجت الكلمات منه جريحة حين قال:
ـ ياريت تقولي الكلام دا لنفسك. أنا حقيقي نفسي ولو لمرة واحدة تجبريني اتعامل معاكِ كويس.
أنهى جملته و لازالت عينيه تعاتبها ولكن اي عتاب قد تفهمه وهي مصابه بكل هذا الحقد داخلها، ليُدرك من مظهرها أنه ليس هناك أمل، وحين وجدها توشك على الحديث مد يده يجذب يد أشجان ويتوجه إلى الخارج.
ما أن لفح الهواء النقي وجهه حتى التفت ينظر إليها بحُب قبل أن يقول باعتذار:
ـ حبيبي احنا للأسف مضطرين نلغي خروجة النهاردة.
أشجان بلهفة:
ـ ليه كدا؟ حصل أيه ؟ هيام شكلها ميطمنش.
قربها منه يضمها إلى صدره قبل أن يتمتم بحنق:
ـ الأوضاع مش متظبطة بينها وبين أخواتها، و لازم ادخل.
كان في أمس الحاجة لدعمها وقد شعرت بذلك لتضمه بقوة قبل أن تقول بحنو:
ـ ولا يهمك يا حبيبي. روح شوف اللي وراك، وانا هكلم سوزي اعتذرلها ونبقى نعوضها وقت تاني. أساسًا مكناش هنعرف ننبسط من غير رنا.
تراجع ينظر الى داخل عينيها قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ كويس انك فكرتيني. بخصوص زينة هيكون عندك مشكلة لو قعدت معانا فترة بسيطة على ما تظبط أمورها.
شعرت بأن دقات قلبها تهتاج داخلها و تأمرها بالرفض، ولكنها لن تسمح لتلك المشاعر التي بداخلها أن تعميها ولا لتلك الكلمات الحقيرة التي سمعتها من نبيلة أن تُخيفها فهي تثق به لذا قالت بابتسامة هادئة:
ـ لا يا حبيبي. معنديش اي مشكلة. تقعد زي ماهي عايزة.
اقترب خالد يكوب وجهها بين يديه قبل أن يقول بنبرة حنونة:
ـ اسمعيني كويس. لو الموضوع مش على هواكي قوليلي واتأكدي أني مش هعمل غير اللي يريحك.
شعرت بمدى صدقه و أيضًا كان حنانه مُغريًا، ولكنها أشفقت على رنا، فهذه المرأة هي الذكرى الوحيدة من والدتها و لا يجب أن تكون أنانية لذا أجابته بنبرة رقيقة:
ـ عارفة دا كويس، و مقدرة انك مخدتش قرار غير لما سألتني. و معنديش مشكلة.
ابتسم خالد على طيبتها و حنانها الذي لا حدود له، فأراد أن يضع كل شيء نُصب عينيها حين قال:
ـ حتى لو دا رأيك. بس أنا حابب تعرفي وجهة نظري، زينة مسافرة بره بقالها اكتر من عشر سنين، و أنا مش حابب أنها لما ترجع تتبهدل خصوصًا أن أنا تقريبًا اللي مربيها، وكمان دي خالة رنا والحاجة الوحيدة اللي باقية من والدتها الله يرحمها.
اهتز قلبها حين وجدته يتعمد عدم ذكر اسمه زوجته أمامها ولو كان في حديث عارض، وقد أبرز هذا كم هو مراعيًا لمشاعرها مما جعل ابتسامة رائعة تُضيء ملامحها حين قالت:
ـ وأنا فاهمة كل الكلام دا من غير ما تقوله و معنديش فيه اي مشكلة.
تضخم قلبه من فرط العشق الذي يتضاعف كل دقيقة تمر عليه بجانبها، فهذه المرأة هي الملاك الذي هبط من السماء ليحول حياته إلى جنة:
ـ طب أنا هحبك أكتر من كدا ايه؟
اغرورقت عينيها بالدموع قبل أن تقول بنبرة خافتة:
ـ حبني كتير أوي يا خالد. أنا مش محتاجة حاجة في الدنيا دي غير حبك.
خالد بنبرة تقطر عشقًا:
ـ وأنا بحبك اكتر من حاجة في الدنيا دي.
" أي حد هيدخل يقولي عندنا جفاف عاطفي، والقلب اشتكى من قلة الهشتكة و ارحمينا و الذي منه، هطربقها على دماغ أشجان البارت الجاي. اه انا أساسًا بتلكك 🙂🥱"
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ♥️
★★★★★★★★★
ـ يعني أنت نويت تدفع فلوس العملية كلها يا ياسر!
هكذا تحدث يزيد الى ياسر الذي أجاب باختصار:
ـ أيوا.
يزيد بتحذير:
ـ خلي بالك انت كدا هتحط كل اللي حوشته الفترة اللي فاتت دي، وكأنك معملتش حاجة طول السنة اللي فاتت دي.
زمجر ياسر غاضبًا:
ـ أسيب الراجل يموت يعني .
تراجع يزيد عن حديثه قائلًا بلهفة:
ـ اللي تشوفه يا ريس. لو عايز تاخد كليتي تديهاله متغلاش عليك. دا أبو نسب بردو.
ابتسم ياسر لا إراديًا على مُزاح يزيد ليقول الأخير بمرح:
ـ أيوا يا عم اضحك كدا وفكها مش ناقصين نكد.
لم يكد ينهي يزيد جملته حتى اندفعت غنى من الداخل هاتفه باعتراض:
ـ بس أنا مش موافقة يا ياسر..
غصب ياسر من تدخلها في هذا الأمر و تذكر كلماتها في المشفى ليهتف بحدة:
ـ و أنتِ مين طلب رأيك؟!
غنى بانفعال:
ـ مش لازم حد يطلب رأيي. دا ظلم يا ياسر، وأنا مش هقبل تدفع كل اللي معاك وتبدأ تاني من الصفر. أنت محدش قدملك حاجة عشان تضحي بالشكل دا.
ياسر بنبرة حاسمة:
ـ وأنا مطلبتش حاجة من حد، ولا عايز حاجة من حد، وبعدين ايه الأوفر دا تضحية أيه! دا والدك و مريض أسيبه يموت يعني! دا لو حد معرفوش و سمعت بحالته هساعده.
تعلم كم هو نبيل، ولكنها تشعر بالأسف لأجله، فهي سبب كل هذه المصائب التي ألمت به، فبسببها ترك كل شيء لذا قالت بنبرة مُلتاعة:
ـ يا ياسر افهمني.
قاطعها ياسر بنبرة قاطعة:
ـ اعمليلك قفلة يا غنى.
قاطع حديثهم صوت رنين هاتف ياسر الذي أجاب حين رأى أن المتصل خالد:
ـ أيه يا وحش عامل ايه؟
خالد باختصار:
ـ كويس انت فين؟
ياسر بقلق:
ـ أنا في الحارة. رجعت بقالي حوالي أسبوع. في حاجة؟
خالد بنبرة خشنة:
ـ أيوا في. هيام عندي في البيت. زعلانه من جوزها و منكوا، و عايز اعرف حصل ايه؟
تفاجيء ياسر من حديثه ليهتف بعدم تصديق:
ـ بتقول ايه يا خالد؟
ـ اللي سمعته يا ياسر. هيام زعلانه اوي و كلامها زعلني. لازم نتقابل و افهم منك حصل ايه.
قمع غضبه بشق الانفُس قبل أن يقول بجفاء:
ـ طيب أنا دلوقتي عندي حوار كدا هخلصه و هكلمك نتقابل.
خالد باستفهام:
ـ في حاجة؟
ياسر بجمود:
ـ والد غنى تعبان اوي، و لازم يعمل عملية نقل كلية في أسرع وقت و بندور على متبرع و مش لاقيين.
خالد بخشونة:
ـ طب ليه مكلمتش عمر!
ـ كنت هلجأله آخر حل.
هكذا تحدث ياسر ليُجيبه خالد بتقريع:
ـ والله عيب عليك. هو انتوا أيه اللي حصلكوا يا وتايدة ؟ كل واحد خيبته اكبر من التاني ايه كدا؟!
ياسر بحنق:
ـ خلاص يا خالد أنا مش طايق نفسي أصلًا.
خالد بفظاظة:
ـ كلم عمر رسيه على حوار حماك و أنا نص ساعة و هكون عندك.
اغلق ياسر الهاتف والتفت ناظرًا إلى غنى التي كانت تتشاجر مع يزيد قائلة:
ـ عاجبك اخوك وعنده!
يزيد بحنق:
ـ يعني أنت عاجبك اقتراحاتك اللي شبه وشك دي!
غنى بحدة:
ـ الحق عليا اني خايفة عليه.
هتف يزيد ساخطًا:
ـ الله يخربيت دي كلمة. هو كل واحدة تعمل فيه مصيبة تقول خايفة عليه! شحط زي دا خايفين عليه من ايه؟
لم يمنحها ياسر الفرصة للحديث بل هتف بنبرة جافة:
ـ خالد هيجيلي و هنخرج، و متقلقيش عليا من اي حاجة. هكلم عمر يشوف متبرع عنده في المستشفى وان شاء الله خير.
ارتاحت حين سمعت حديثه لتبتسم براحة ليتدخل يزيد ساخرًا:
ـ شوف ياخي ضحكتي دلوقتي و بتسبلي ياما كان نفسي يمسكك يدور فيكِ الضرب.
غنى بحدة:
ـ ضربة في قلبك دا بعينك.
قالت جملتها قبل أن تتوجه لتستقر بين أحضانه ليقوم بوضع قبلة حانية فوق خصلاتها و يشدد من احتضانها ليُتمتم يزيد بحنق:
ـ ياما نفسي حد يمسكك أنتِ وهيام اختي يدور فيكوا الضرب لحد ما يبانلكوا صاحب.
ياسر باستفهام:
ـ بتقول أيه باد أنت!
يزيد بسخط:
ـ بكح!
مر بعض الوقت ليلتقي كُلًا من ياسر و خالد الذي قال بخشونة:
ـ مزعل هيام ليه يا ياسر!
ياسر بتهكم:
ـ مزعل هيام! تخيل بقى أن هيام قهرتني يا خالد؟!
خالد باستفهام:
ـ لا وضح عشان مش فاهم.
زفر ياسر بتعب قبل أن يقُص عليه ما حدث بداية من جريمتها التي ارتكبتها في حقه مرورًا بكل ما حدث إلى أن أنهى حديثه قائلًا:
ـ تخيل أنها بعد كل دا مفكرتش تقولي أنا آسفة أو أنا غلطت!
كانت الصدمة تحتل ملامحه بقوة من حديث ياسر ليحاول التغلب عليها قبل أن يقول ساخرًا:
ـ غلطت! هو اللي عملته دا مجرد غلط! أيه التهريج دا! هي هيام خابت على كبر ولا ايه؟!
ياسر بتعب:
ـ والله يا خالد أنا عن نفسي مصدوم ومش عارف اعمل أيه؟! تعبت فعلًا.
صمت خالد لثوان قبل أن يقول بعتب قاسي:
ـ أنا زعلان منك يا ياسر . ماشي حقك تزعل و تثور و تغضب لكن مفروض أن ليك اخوات كُبار تتكلم معاهم و تاخد رأيهم. انما تروح تتبهدل في البلاد عشان تعاقب هيام! و نشتغل عند الناس وانت صاحب ملايين! أيه المنطق دا!
ياسر بانفعال:
ـ أنا مش هاخد ولا جنية من الفلوس دي. قبل ما الناس كلها تعرف أن أبويا اتظلم يا خالد. الفلوس دي عمرها ما هتمحي العار اللي حسينا بيه ولا هترد كرامتنا.
خالد بخشونة:
ـ أنت عارف كويس اوي أننا بنسعى لدا و حق والدك دين في رقابتنا، و اول خطوة كانت رجوع صافية..
استفهم ياسر بيأس:
ـ مفيش أخبار بردو!
خالد بحزن:
ـ للأسف لا. الدكاترة بتقول أن الغيبوبة دي اوقات كتير بتطول، ووارد ممكن تفوق في أي وقت.
تحدث ياسر بإرهاق:
ـ أنا تعبت يا خالد.
خالد بنبرة مُشجعة:
ـ دا مش وقت تعب. أنت لازم تقعد هيام قدامك و تحطها قدام غلطها. دي بتتكلم و كأنها مظلومة قلباً و قالبًا لدرجة اني زعلت عشانها!
ياسر بنبرة مُشجبة:
ـ أنا نفسي مصدوم. مش مصدق أنها تعمل كدا. بس للأسف هي عملت كدا و أكتر من كدا. دي بتكابر لدرجة تخليك تتجنن.
خالد باستياء:
ـ دي كارثة. أنها تعمل كل دا و متكونش متخيلة أنها غلطانه. بقولك ايه مش يمكن تكون غيرانه عليك!
قال خالد جملته الأخيرة باستفهام ليُجيبه ياسر ساخطًا:
ـ اهو دا بقى اللي غايظني! و دا اللي بيقوله يزيد. الموضوع كدا مش غيرة يا خالد. لما توصل أنها تأذي بالشكل دا يبقى مش مجرد غيرة دا بقى مرض.
خالد بامتعاض:
ـ يعني هو جديد على ستات العيلة دي كلهم كدا. المهم. عمر هيتولى موضوع والد غنى، وانت تشوفلك حل مع هيام..
ياسر بنبرة حازمة:
ـ خالد يكون في علمك أن انا اللي هدفع كل جنية لعملية أبو غنى.
زجره خالد بغضب قبل أن يقول بتقريع:
ـ حاضر لما نوديه مستشفى تانية مش عليها اسم الوتيدي هنبقى ندفعك. عيب دا انت ريس. متزعلنيش منك.
يعلم كم أنه شهم، فهو مثله تمامًا كلاهما يجري في عروقهم نفس الدماء ليقول ياسر بامتنان:
ـ تسلم يا خالد.
خالد موضحًا:
ـ للمرة المليون دا حقك للمرة. وانت مأجله لكن مش رافضه. المهم شوف مع جابر دا هو مزعل هيام ليه، وأنا هخليها عندي كام يوم لحد ما نشوف هنعمل أي؟
ياسر بجمود:
ـ حاضر. هشوف و هكلمك.
اللهم إني أستغفرك لكل ذنب يعقب الحسرة، ويورث الندامة ويحبس الرزق ويرد الدعاء، اللهم إني أستغفرك من كل ذنب تبت منه ثم عدت إليه...♥️
★★★★★★★★
مر يومين حافلين بالكثير مما لم يكُن يعنيها، ما يُعنيها أن اليوم هو ميعاد الاجتماع الثاني لهم مع شركة الوتيدي، و قد تراه هذا أن تخلى عن قراره في تجنبها، وهنا قد بدأ الصراع يحتدم بين توقها لرؤيته و بين خوفها من عواقب ما يحدُث، و على الرغم من ذلك فقد تأنقت لتبدو من الخارج حورية هاربة من أحد الأساطير بينما في داخلها هي عجوز تجاهد حتى تحيا الباقي من أيامها دون ألم.
ـ تفتكري هييجي؟
هكذا استفهمت شروق بخفوت لتحاول آسيا تضمين اللامُبالاة في نبرتها حين قالت:
ـ جه أو مجاش النتيجة واحدة، فمش هتفرق.
لاحظت آسيا جمود راجي و تحفظه في الحديث مع شروق لتستفهم بخفوت:
ـ هو أنتوا لسه زعلانين ولا ايه؟
تمتمت شروق بحزن:
ـ واخد جنب مني بسبب موضوع عمر، و زعلان اني خبيت عليه انه كان جوزي.
زمت شفتيها بحنق لتسمع صوت خالد يقول نبرته الخشنة:
ـ يالا بينا نبدأ..
استفهم راجي قائلًا:
ـ مش هنستنى كمال ولا ايه؟
لم يكد خالد يُجيبه حتى تفاجئوا من كمال الذي دلف إلى داخل الغرفة وهو يقول بجفاء:
ـ صباح الخير.
رد الجميع تحية الصباح بينما هي كانت في وادٍ آخر حين استمعت إلى صوته الجاف الذي جعل حفنة من الوخزات الموترة تتفشى في جسدها، فبللت حلقها و جذبت كفوفها المرتعشة لتخفيهم أسفل الطاولة، وقد شعرت بتوتر بالغ جعل الألم يزحف إلى جسدها.
ـ أظن كدا نبدأ؟
راجي باختصار:
ـ يالا بينا..
بدؤوا طرح الاقتراحات و نقل جميع التطورات في الموقع ليأتي دور آسيا التي حاولت التعامل وكأنه غير موجود لتشرح الميزانية اللازمة التي جهزتها لوحدات العلاج و المعدات التي سيجلبوها من الخارج، وقدمت شروق قائمة بالبلاد التي سيجلبون منها المعدات، ليقطع انغماسهم في العمل دخول فتاة البوفية لتدوين طلباتهم، فطلب راجي قهوة سوداء و كذلك خالد و كمال و طلبت شروق كوب من القهوة سريعة الذوبان ليأتي دور آسيا التي قالت وعينيها على الأوراق أمامها:
ـ عايزة اسبريسو..
ـ لا.
هكذا جاء صوت شروق المندفع لترفع آسيا رأسها من الأوراق و تناظرها بغضب لم تلتفت له شروق التي قالت بحزم:
ـ هاتيلها عصير فريش.
غضبت من هذا الموقف المُحرج ليتطاير الشرر من عينها تجا شروق ولكنه سرعان ما تبدد ليتحول إلى صدمة حين سمعت خالد يقول بنبرة جافة:
ـ هاتيلها عصير.
تفرقت نظراتها بينهم بحرج، ولكن كان الترقب والريبة من جانب كمال الذي لاحظ حرب النظرات الدائرة، فشعر بأن هُناك خطبًا ما ليتذكر ذلك المشهد حين رآها في غرفة المشروبات الذي جعله يسأل عمر بدون التطرق إلى تفاصيل
ـ بقولك ايه يا عمر هي أيه أضرار القهوة؟!
عمر باختصار:
ـ بالعكس دي مفيدة.
كان الأمر يؤرقه لا يعلم السبب لذا استفهم بإلحاح قائلًا:
ـ يعني في كل الحالات مفيدة مفيش منها ضرر!
ـ أكيد لا. بس الإفراط فيها غلط، و كمان لو اتشربت على الريق غلط جدًا على المعدة.
لم تروي إجابته فضوله ولكنه عنف نفسه على هذا الاهتمام الغبي ليأتيه سخرية عمر حين قال:
ـ متقوليش انك خايف على نفسك من القهوة! دي القهوة اللي تخاف على نفسها منك. دانت عايز فدان بن عشان يأثر في التراي بس..
التفت له كمال هاتفًا بسخط:
ـ دمك يلطش..
أخذت نظراته تستقر على ملامحها الغاضبة و من الواضح أنها أعلنت الإضراب عن شرب كل شيء فهاهو كوب القهوة لم يُمس، فاحتار في تفسير الأمر ،و استبعد فكرة أن يسأل عنه بطريقة مُباشرة لينفض عنه تلك الأفكار، و يمتثل لنداء عقله بالابتعاد عنها وعن كل ما يخصها ليصب اهتمامه بالعمل. ليمر بعض الوقت قبل أن يقول خالد بجمود:
ـ أنا بقول ناخد استراحة و نكمل كمان شوية. أكيد البنات تعبت.
لم تتحدث آسيا بل انتظرت حتى وافق الجميع على اقتراحه لتنسحب من المكان وهي ترغي و تزبد من الغضب، وقد كانت شروق تنوي اللحاق بها ولكن رنين هاتفها أوقفها لتخرج حتى يتثنى لها الإجابة عليه، وقد كان هناك من يقرضه الشوق، ويفترسه القلق، و رغمًا عنه توجه إلى ذلك المكان الذي توقع أن تكون موجودة به، وقد صح ظنه، فقد وجدها تقف أمام ماكينة صنع القهوة تقوم بإعداد القهوة السوداء التي منعتها شروق من تناولها في الداخل، فشعر بحاجة مُلحة داخله تخبره بأن يمنعها. لذا هتف بنبرة قاسية:
ـ هو أنتِ مفيش حاجة غلط مبتعمليهاش!
يتبع.....
بجد مبقتش قادرة اكتب حرف تعبت و الفون هيفصل أتمنى بجد ألاقي تقدير لتعبي و البارت يوصل ٣٠٠٠ فوت ♥️
مستنية رأيكوا في العظمة دي 👇
و هكون فرحانه أوي لو فرحتوني و طلبتوا روايتي القمر (ذاكرة الرماد " حين ينفُث الرماد عطرًا")
و كل روايتي بخصومات كبيرة أوي تصل إلى ٥٠٪ خلال فترة المعرض من على المتجر الإلكتروني الخاص بالدار
من على رقم الواتساب👇🏻
+201121530961
#للحصول_على_الروايات_من_خارج_مصر_تواصل_برسالة_على_رقم
00201121530961
#ذاكرة_الرماد_حين_ينفث_الرماد_عطراً
#نورهان_العشري
#قيثارة_الكلمات
#ولاد_الوناش
#معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب2026
#مدينة_الأدباء_للنشر_والتوزيع
#صالة2_جناحC34
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الرابع وستون 64 - بقلم نورهان العشري
كانت تجلس في الحديقة تنتظره، فاليوم يجب أن تتحدث معه في كل شي، فقد علِمت لما تفوه بهذا الحديث اليوم في المكتب، و قد قررت إزالة الغبار عن هذه المشاعر التي تجتاح كليهمَ، و ما هي إلا دقائق حتى سمعت صوت سيارته تصطف أمام باب القصر الداخلي، فأخذت تتجول هي في حديقة الورود التي تحيط بمرسمه، إلى أن سمعت خطواته تقترب، و أطل عليها بجسده الضخم لتهتاج دقات قلبها حين رأته، و بالمقابل كان هو يشاطرها نفس الشعور ولكن أقوى، فقد كان في أمس الحاجة لرؤيتها حتى يهدأ داخله ولو قليلًا و يبدو أن السماء استجابت لدعائه الصامت. لكنه كعادته لا يظهر منه سوى التجهم و الجفاء الذي شاب نبرته حين قال:
ـ بتعملي أيه هنا؟
غالية بصراحة أدهشته:
ـ مستنياك.
خيمت الصدمة على ملامحه، ولكنه سرعان ما تدارك الأمر قائلًا بنبرة خشنة:
ـ أول مرة متلفيش و تدوري!
ابتسامة رائعة أضاءت ملامحها قبل أن تقول بمرح:
ـ مانا لقيتك بتقفشني كل مرة. قولت اعترف على نفسي بقى مش طالبة احراج.
نجحت كلماتها في رسم الابتسامة على معالمه ليُجيبها قائلًا:
ـ تعالي نتكلم جوا. الجو هنا برد عليكِ.
اومأت برأسها وهي تدلف إلى الداخل أمامه لتحاول تلطيف الأجواء أكثر حين قالت:
ـ تقريبًا دي أول مرة ادخل هنا بإذنك. كل مرة كنت بدخل زي الحرامية.
للمرة الثانية تنجح في جعله يبتسم وهو يقول:
ـ حلو انك معترفة انك حرامية.
غالية باندفاع:
ـ هي مين دي اللي حرامية! سرقت منك ايه أن شاء الله ؟
انغمس في صمتْ كان بألف كلمة، و عينيه تبحران فوق عينيها بتمعُن وكأنه له حديث خاص مع كل تفصيلة بها، بينما هناك سؤال مُلِح يطوف بعقله
ـ وماذا عن قلبي! ذلك القلب الذي أُخذ ولم يُرد!
وهل هناك سرقة أبلغ من سرقة القلوب!
شهقت غالية بصدمة وهي تقول باستنكار:
ـ أنت بتفكر كمان! لا متهزرش خدت منك ايه أنا.
ابتسم سُفيان وهو يقول بنبرة رخيمة:
ـ اللي يعجبك خديه انا موافق.
ابتسمت بدورها قبل أن تقول باستفهام خافت:
ـ عايزة اطمن عليك ينفع!
تفهم كونها تقصد ما حدث ليوميء برأسه قبل أن يقول باختصار:
ـ اطمني. أنا كويس.
تحمحمت بخفوت قبل أن تقول:
ـ الحمد لله.
كان يأخذ قنينة مياة من الثلاجة الصغيرة قبل أن يسمعها تقول بتردد:
ـ على فكرة أنا روحت عند فريد النهارده!
قالت جملتها بتردد، وياليتها لم تفعل، فقد تفاجئت به حين وجدته يلتفت ناظرًا إليها بأعيُن تفيضان غضبًا و كأنهما مرآة للجحيم الذي احتل نبرته حين قال:
ـ نعم! فريد مين اللي روحتيله؟! أنتِ اتجننتِ!
تراجعت للخلف خوفًا من مظهره المروع، لتهتف بلهفة لم تخلو من الارتباك:
ـ أيه المشكلة؟ أنا كنت عايزة اتكلم معاه.
كان غضبه كلهبًا أسود. كلما مرت اللحظات يزداد هوسه، وكأن السماء هي من تمده بالوقود مما جعله يصرخ بانفعال:
ـ تتكلمي معاه بتاع أيه؟ أنتِ مش شايلة اسم راجل!
غالية بحدة:
ـ أنت متعصب أوي كدا ليه؟
سُفيان بجفاء:
ـ مش متعصب ولا زفت. متعمليش كدا تاني! سامعه ولا لا؟!
ارتدت ثوب الجرأة وهي تقول بجمود:
ـ لا متعصب. أو يمكن غيران!
خفق قلبه بقوة من حديثها، و اهتاجت أنفاسه حتى بدى تنفسه مسموعًا،ولكنه حاول إدعاء الامُبالاة حين قال:
ـ ايه العبط دا! غيرة أيه وكلام فاضي أيه؟!
غالية بقوة:
ـ متكذبش عليا. أنا سمعت كلامك مع فريد.
تلئلئت صواعق الصدمة في عينيه من حديثها الذي يُهدد بكشف المستور ليتحمحم بخشونة قبل أن يقول من تحت أنفاسه:
ـ تقصدي أيه مفهمتش.
تهدجت نبرتها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنا مكنتش اقصد. كنت رايحة اتكلم معاه، وسمعت صوتك جوا، ولما لقيتك بتقوله يعني. أنك هتجاوب على سؤاله. مقدرتش مسمعش إجابتك.
اغمض عينيه بقلة حيلة، فقد انكشف سره العظيم مما جعله يقول بنبرة جافة يتخللها التوتر الذي لأول مرة يتغلب عليه:
ـ أيوا يعني عايزة أيه دلوقتي!
شاهدت في عينيه ما جعلها تتمادى أكثر قائلة باستفهام:
ـ عايزة اعرف اللي قولته صح ولا لا؟!
لأول مرة يلجأ للمراوغة حين قال:
ـ هيفرق في أيه!
ـ هيفرق معايا.
عنادها كان كالمطرقة التي تهوى على ثباته بضراوة فحاول استخدام القسوة حين قال وهو ينظر إلى الجهة الأخرى:
ـ مش صح. اعتبري نفسك مسمعتيش حاجة..
كان يهرب بنظراته، و الهرب هو شريعة الكاذبين لذا توجهت لتقف أمامه قائلة بقوة:
ـ أنت فعلًا بتعشقني زي ما قولت لفريد!
كان إغوائها لا يقاوم في تلك اللحظة، خاصةً أمام رجل عاش عمره كراهب لا يُغريه في الحياة شيء، لتأتي هي و بكل عنفوان و تُثير جميع رغباته دفعةً واحدة دون رحمة أو شفقة، ولكنه مازال يحاول التمسك بحبال الواجب التي تجذبه من عنقه تجاه أخيه إذ قال بجفاء:
ـ لا. مش صحيح.
تألمت، و كثيرًا ولكنها معركتها الأخيرة، و ستقاتل حتى تصل إما إلى نهاية سعيدة بجانبه أو جحيم أبدي من دونه
ـ بس عنيك بتقول غير كدا.
بدأ ثباته بالتلاشي ليهتف بتعب:
ـ ملكيش دعوة بيها. أنتِ ليكِ اللي انا بقوله.
أبت كرامتها المحاولة مرة أخرى لذا تراجعت خطوتين إلى الخلف وهي تقول بجفاء:
ـ تمام. وأنا مصدقاك. عن اذنك
تغلبت إرادة قلبه و حطمت قيود العقل التي تكبلها حين رأى ذلك العذاب الذي يرتسم بعينيها وهي تلتفت قاصدة المغادرة لتمتد يده و تقبض على معصمها وهو يهتف بنبرة مُلتاعة
ـ رايحة فين ؟
غالية بنبرة تئن ألمًا:
ـ ماشية. هستنى ليه؟ خلاص أنت قولت اللي عندك و نهيت الكلام.
كان قلبه يرتعب من فكرة فراقها، يود الارتماء بين ذراعيها ناشدًا السكينة، ولكنها كانت أمنية بعيدة المنال لذا حاول التشبس بوجودها ولو قليلًا، فقال بنبرة جريحة:
ـ يعني ايه؟
غالية بقوة وهي ترتد للخلف بعيدًا عن مرمى يديه:
ـ يعني مبقاش عندي حاجة أقولها. مبقاش ينفع استنى هنا لحظة واحدة بعد كدا. بدل انت مش صريح معايا ولا مع نفسك هيفيد بأيه وجودي هنا؟
ضاق ذرعًا من كل هذا الضغط الذي يُعايشه ليصرخ بنبرة ارتعدت لها جدران الغرفة:
ـ يعني عيزاني اقولك ايه!
استغلت كونه على حافة الانهيار لتصرخ باستفهام:
ـ بتحبني ولا لا؟
بكل ما يعمل بداخله من قهر و عشق و ألم صرخ بصوتًا جهوري:
ـ بحبك.
انتزعت كلمته أنفاسها لتظل تناظره بصمت بينما هو تابع بنبرة خشنة مُفعمة بالوجع:
ـ أيوا بحبك. بالرغم اني عمري ما عشت الحب ولا عرفته بس حبيتك. للأسف حبيتك.
كلمته الأخيرة بترت فرحتها في مهدها لتقول باستنكار جريح:
ـ للأسف! هو انا وحشة أوي كدا. ولا انت شايفني مستحقش اتحب!
تهدلت اكتافه قبل أن يقول بنبرة يفوح منها رائحة الألم:
ـ لا دا ولا دا يا غالية. بس مش هينفع نكون لبعض.
تناثر الألم من بين جفونها حين قضى على آخر خيط كان يربطها بالسعادة، وخاصةً حين تابع بنبرة مُلتاعة:
ـ حبك عامل زي النار اللي دوبت الجليد اللي جوايا، و حسستني بالدفا لأول مرة في حياتي، بس في النهاية النار دي هتحرقني. أنا مش هقدر اخسر أخويا عشانك يا غالية.
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
الاقتباس الأول لروايتي ذاكرة الرماد"حين ينفُث الرماد عطرًا" ♥️
مين لسه مطلبش الرواية 🙈 الرواية دي فيها قصص و أحداث و تفاصيل في حتة تانية خالص 🙈♥️
يالا يا فرولاتي مستنية رأيكوا في الاقتباس 🙈♥️
#سفيان_الوناش
أول بطل نزله اقتباس عايزين نشوف بقى أيه حوار الباقي و نشوف مين اكتر بطل مسيطر في #ولاد_الوناش 😂 مستنية رأيكوا ♥️
و اللي لسه محجزش الرواية يلحق يحجز في خصومات رهيبة طول فترة المعرض و دا لينك المتجر عشان تحجزوا 👇
و دا رقم الواتساب للي حابب يحجز من هناك 👇
+201121530961
و الناس اللي من لبنان أو سوريا تقدروا تحجزوا من اللينك دا 👇
والحلوين اللي من الأردن احجزوا من هنا واتساب 👇
+962 7 9896 0775
أو من هنا 👇
و اللي من اي مكان في العالم يقدر يحجز من هنا 👇
00201121530961
بحبكوا و استنوا فصل ناري النهاردة أن شاء الله من #هل_من_سبيل_للغفران
#ذاكرة_الرماد_حين_ينفث_الرماد_عطراً
#نورهان_العشري
#قيثارة_الكلمات
#معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب2026
#مدينة_الأدباء_للنشر_والتوزيع
#صالة2_جناحC34
دي صورة غلاف الرواية
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الخامس وستون 65 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
جماعة التفاعل سيء بأمانة انا مخنوقة و متضايقة جدًا ياريت تعملوا فوت و كومنتات بين الفقرات عشان ترفع الرواية 🥺
السبيل التاسع❤️🔥
يحدُث أن أُحبُّك بكلِّ ذرةٍ من كياني، ولا أجرؤ على البوح. حتى إنني أتنكر لقلبي وهو يعاندني، رافعًا لواء العشق باسمك.
يقتلني الاحتياج الذي ألمحه في عينيك، غير أن الألام التي تجتاحني بسببه تكبل لهفتي وتُخرٓس اندفاعي.
أموت شوقًا إلى لحظة حُبٍ تحتوينا معًا، ورغم ذلك أُجهِز بيدي على كل فرصة قد تجمعنا يومًا.
هذه التناقضات التي تمر بي لا تعبر فحسب، بل تخلف وراءها آثارًا مروعة لمعارك طاحنة تدور بين قلبٍ يشتعل ولا يساوم، وعقلٍ متصلب لا يرضخ، ولا يترك للغفران سبيلًا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ هو أنتِ مفيش حاجة غلط مبتعمليهاش!
اخترقت كلماته أذنيها و قلبها معًا مما جعلها تنتفض ليهتز الكوب الذي كان على أعتاب شفتيها فوقعت قطرات من السائل الساخن على فمها لتحترق بسخونته فشهقت بألم قبل أن تلتفت ناظرة إليه، لترى شيئًا يُشبه الاهتمام في نظراته، ولا تعلم بأن قلبه يحمل اهتمام العالم أجمع بداخله لأجلها، ولكن كيف لها أن تعلم ذلك وهو يتقن إرتداء قناع الجمود بهذا الشكل!
ـ نعم! و أيه الغلط اللي عملته بقى؟!
هكذا تحدثت بحدة طفيفة ناتجة من ألمها لتتفاجيء حين ناولها أحد المحارم الورقية لتمسح شفتيها وعينيه يغلفهما جدار سميك من القسوة التي شابت نبرته حين قال:
ـ قولي ايه الغلط اللي معملتوش!
ناظرته بألم تتمنى لو يعرف الطريق الى قلبه حتى يلين ولو قليلًا ولكنها اصطدمت بإرادة فولاذية لا شيء يفلح في اختراقها ليغزو اليأس قلبها مما جعلها تقول بسخرية:
ـ متقوليش انك خايف عليا من القهوة انت كمان!
الحقيقة أنه يخاف و بشدة دون أن يعلم السبب في هذا الخوف، ولكنه يرتاب فيما حدث منذ قليل أثناء الاجتماع ولا يجروء على السؤال ولا يستطيع تركها و شأنها، يلوم نفسه بشدة على مجيئه خلفها ولكن أنها هفوات القلب الذي مهما تأذى يظل عاشقًا:
ـ لا مش هقولك كدا. عشان مش فارقلي.
اغتاظت من حديثه لتهتف بتحدي لم يخطئ في فهمه:
ـ ولما هو مش فارقلك جيت ورايا ليه؟
يعلم كم هي ذكية، ولكنه أذكى لذا نجح في رسم السخرية على ملامحه و في نبرته حين قال:
ـ على ما افتكر أن دي شركتنا ودا مكان القهوة الوحيد اللي موجود في الدور هنا. بطلي ترسمي أوهام في دماغك.
كانت مشاعرها تتماوج ما بين الألم والحسرة، العشق والقهر. تتمنى لو تعود إلى الخلف للحظة واحدة لتغدق عليها عينيه بنظراته العاشقة التي لاتزال تحيا على ذكراها للآن، لذا لانت عينيها و احتل الألم نبرتها حين قالت:
ـ دي مش أوهام دي أمنيات. بس بصراحة من بعد ما مديت إيدك عليا، وأنا بطلت احلم أنها تتحقق.
نالت منه بطريقة لم يتخيلها، فقد اطفيء الألم بريق الزمرد في عينيها و حتى ملامحها الجميلة كان الحزن يُعشعش في كل سكنة بها، و جاءت كلماتها المُعذبة أشعل جذوة نيران الذنب بصدره لذا هدأت القسوة في نبرته واحتل محلها العتب حين قال:
ـ القلم دا رد على قلم أكبر خدته منك.
أنهى جملته و هو يكز على أسنانه لاعنًا ذلك الضعف الذي جعله يهتف بهذه الكلمات التي آذت كبريائه ليلتفت إلى ماكينة القهوة ليقوم بتشغيلها بعُنف هدأ بلمح البصر حالما وضعت كفها المُرتعِش فوق كفه الضخم ليشعر و كأن صاعق كهربائي أصاب قلبه لينتفض داخله بعُنف أدى إلى تصدع ذلك القناع الجليدي الذي يرتديه ليلتفت ناظرًا إليها ليصطدم بكم العبرات الهائلة التي تغشى عينيها و هذا الحزن العارم الذي تشعب إلى نبرتها حين قالت:
ـ هو أنت معندكش فضول تعرف أنا حصلي أيه في السنة اللي غبتها عني؟! قلبك مش عايز يعرف هي عدت عليا ازاي!
كان قريبًا منها بطريقة قاتلة يرى بوضوح ألمها و معاناتها، ولكن ماذا عن هذا الألم الذي خابره حتى كاد أن يقتله ذات ليلة؟! ماذا عن تلك النيران التي يعج بها صدره ومشهدهم الأخير يمر بذاكرته!
هناك أوجاعًا تقتلنا و هناك أوجاعًا تقتل الحياة بداخلنا و كلاهما يملتليء بهم صدره لذا جذب كفه من أسفل كفها وهو يقول بسخرية مريرة!
ـ اللي أثار فضولي بصراحة لما عرفت انك مخدتيش الفلوس اللي سبتهالك! مش دا بردو السبب اللي اتجوزتيني عشانه؟!
كلماته آثارت زوبعة في داخلها لتهتف بلهفة و بنبرة مُلتاعة:
ـ لا..
ـ بس أنا سمعتك بوداني بتقولي كدا.
هكذا تحدث كمال بقسوة لم تخلو من العتب لتهتف هي بانفعال:
ـ دا كان رد على كلامها اللي وجعني.
توحشت نظراته و نبرته حين صاح:
ـ تقصدي كلامها عن رؤوف و علاقتها بيه وجعك مش كدا!
آسيا بنبرة يكسوها الألم، ولهفة امتزجت بالعبرات حين صرخت تنفي حديثه:
ـ لا والله. أنا ميفرقش معايا رؤووف...
ـ ولا أنتِ بقيتي تفرقي معايا.
بتر حديثها بجملته القاطعة، وعينيه اللتين وان كان الألم يتجلى بهم، فقد رافقته القسوة، و حين حاولت الحديث تفاجئت بهذا الصوت الأنثوي الرقيق القادم من الخلف:
ـ كمال!
نال كمال حظه من المفاجأة حين رأى زينة التي تقف على أعتاب الغرفة بكامل فتنتها وأناقتها ليترك آسيا متوجهًا إليها وهو يهتف باندهاش لم يخلو من الترحيب:
ـ زينة! معقول! أنتِ رجعتي امتى؟!
و كأنه وضعها في محرقة مليئة بالجمرات حين تركها و ذهب كالمسحور إلى تلك المرأة الجميلة الغريبة، والتي من الواضح أنها تعرفه حق المعرفة وهو كذلك، فقد حادثته بكل وقاحة قائلة:
ـ راجعه بقالي كام يوم. وحشتني أوي. عامل أيه؟
صافحها بحرارة وهو يضم كفها بين كفيه قائلًا بود يتنافى مع جفاءه منها منذ لحظات:
ـ الحمد لله. أنتِ وحشتيني أكتر. أيه الجمال دا بس!
شعرت وكأن ما يجري بعروقها سيلًا من النيران لا الدماء، فتلك المرأة استأثرت بكامل اهتمامه لدرجة أنه نسيها، و أيضًا يتغزل بها دون أن يلتفت إلى مشاعرها، مما جعل النيران تنتقل الى معدتها، فصار الألم كبيرًا ولكن ألم الغيرة التي تنهش بها يفوقه بأضعاف مما جعلها ترقق نبرتها وهي تهتف باسمه:
ـ كمال.
الحقيقة ان قدوم زينة استأثر بانتباهه للحظات، ولكنه لم ينسى وجودها حتى لو تعمد التظاهر بذلك، ليأتي همسها بهذه الرقة بنتائجه فقد اهتاجت دقات قلبه رغمًا عنه ليلتفت ناظرًا إليها، فوجدها تمسك كوب القهوة الخاص به، وهي تتغنج قائلة:
ـ القهوة بتاعتك جهزت.
لم يغفل عن احتراق الزمرد في عينيها، والذي كان له وقعًا قويًا على قلبه، و للحظة أحتار هل يتجاهلها أم يتجاهل قلبه الذي لا يفلح في تجاوزها أبدًا لتأتيه كلمات زينة التي شعرت بأن هناك خطب ما يحدُث:
ـ طب أنا هروح لخالد عشان مستنيني، و هخلص معاه و أجيلك نتكلم شويه. وحشني الكلام معاك أوي.
و كأن تلك المرأة تتمنى هلاكها، فقد شملتها نظرات آسيا بغضب سودوي لم يخفى على كمال الذي تحدث بنبرة ودودة:
ـ أنا واحشني بقى كل حاجة معاكِ. روحي شوفي خالد وانا هستناكي في مكتبي، و اعملي حسابك هنتغدى سوى.
كانت تعد للعشرة حتى لا تلقي كوب القهوة في وجهه هو و تلك الغبية التي تبتسم له، و تتغنج في حديثها، لتغادر قبل أن تحل عليها لعنة الغيرة التي تفترس صدرها، والتي تغافل عنها كمال ليقترب منها ناظرًا إليها بسخرية لتأتيه نبرتها الحانقة حين قالت:
ـ اومال مين طنط!
كمال بصدمة:
ـ طنط!
آسيا بحدة:
ـ أيوا طنط! هي مش تقريبًا عندها خمسين أو ستين سنة؟!
لم يستطِع منع قهقهاته على حديثها الذي يقطر غيرة، فكعادتها لا تكُف عن إدهاشه. بالرغم من كل شيء ومن كل ما حدث بينهم، إلا أنها تفوق جميع النساء في كل شيء. يشعر بأنه يريد تقبيلها بقوة الآن، ولكن هناك من يعنفه على هذا الشعور.
هدأت ضحكاته وهو يناظرها يود لو يخبرها بأنها ترهقه و تجعله يخوض ألف حربًا في اليوم الواحد بين عقله و قلبه و كبريائه الذي تسلط عليه في هذه اللحظة بالذات ليهتف قاصدًا إشعالها أكثر:
ـ بقى الجمال دا كله عنده خمسين أو ستين سنة! شكل السنة اللي عدت فعلًا أثرت على عقلك.
كان حديثه إهانة كبيرة بحقها أضيفت إلى كل ما نالته منذ أن عاد، لتجد نفسها في مواجهة ألام اقوى من طاقتها على الاحتمال، آلام يكاد جسدها يُفصِح عنها في أي لحظة، ولكنها تمسكت بآخر خيط يمكنه أن يربط بينهم حين قالت بنبرة جامدة و عينين تشبهانها:
ـ و الجمال دا كله يبقى مين؟ و بتتكلم معاك كدا ازاي؟
هل تستجوبه حقًا؟! بعد ما فعلته به؟! كذبها وخداعها، و خيانتها؟! و ثقته التي أهدرتها و لطختها بأفعالها النكراء؟! اسودت معالمه و توحشت نظراته و نبرته حين قالت:
ـ ميخصكيش، واوعي تفكري تستجوبيني، أو تقربي مني أو من حياتي تاني. مبقاش ليكِ مكان فيها، أنا مش بس اتخلصت من حبك. أنا حتى مبقتش شايفك.
توقع منها الغضب. الصراخ البكاء ولكن أبدًا لم يتوقع منها تلك الابتسامة الهادئة، و هذه النظرات التي هدأت نيرانها كأنها لم تندلع أبدًا لتفاجئه أكثر حين قالت بنبرة ثابتة:
ـ تمام التمام.
أيقظت جملتها مشاعره العاتية من سُباتها، ولكنها سرعان ما أخمدتها حين قالت بلهجة واثقة بعيدة كل البُعد عن الألم أو حتى الغضب:
ـ وأنا من اللحظة دي شيلتك من قلبي كأنك مكنتش موجود أصلًا.
كانت ملامحها هذه اللحظة تشبه ملامحها حين أتت إلى الشركة للمرة الأولى جامدة، خالية من كل شيء يمت للمشاعر بصلة، و كأنها تؤكد حديثها بالأفعال. لتفاجئة حين ألقت بكوب القهوة في سلة المهملات وهي تهتف بلامُبالاة:
ـ ملهاش لزوم. بردت.
أنهت جملتها و توجهت إلى الخارج وهي تتهادى بثقة و خصلاتها تتماوج خلفها، وكأنها لم يتحطم قلبها منذ لحظات، فقد عادت تلك الفتاة في السابق بعنفوانها و ثقتها و ثباتها الذي كان يثير استفزازه.
مرت لحظات قبل أن تقف وجهًا لوجه مع نفسها في مرآة الحمام، تنظر إلى ملامحها و عينيها و هذا الألم الذي جعلها تبدو و كأنها جثة لا روح فيها.
ـ كان لازم تتهاني يا آسيا عشان تفهمي. كان لازم يعني يدوس على كرامتك و يوجعك عشان تعرفي أنه مبقاش ينفع؟!
هكذا حادثت نفسها في المرأة و كأنها تعاتبها على ما تشعر به من ألم. لتّتابع بتقريع:
ـ يارب تكوني مرتاحة. أيوا أنا مرتاحة. أنا مرتاحة فعلاً . ماهو الألم اللي جوايا دا هو اللي هيعلمني.
حاولت محو عبراتها قبل أن تُتابع بلهجة تقطر ألمًا:
ـ مانا موصلتش للي أنا فيه زمان غير لما داسوا عليا و وجعوني زمان.
كفكفت عبراتها وهي تقول بنبرة يغلب عليها التصميم:
ـ بس المرة دي مفيهاش انتقام يا آسيا. المرة دي كل حاجة هتعمليها عشان آسيا وبس. كل مكانة هتوصليها عشان آسيا وبس. هي بس اللي تستحق انك تحبيها.
كان وعدًا صادقًا خرج من أعماق جرحًا غائرًا يحتل منتصف قلبها، وقد أقسمت على تحقيقه ولو كلفها الأمر الموت وهي تحاول.
تناثر الألم من عينيها و فمها وكأن جسدها ينفس عن وجعه و مدى القهر الذي يجتاح داخلها لتهدأ ثورته بعد وقتًا قليل، وعلى الرغم من أن هذا المشهد تكرر قبل كذلك ولكنها أقسمت في تلك اللحظة أن لا تدعه يتكرر:
ـ دي آخر مرة هتنزفي عشان خاطر حد. آخر مرة يا آسيا..
نثرت المياة بغزارة فوق وجهها قبل أن تقوم بتجفيفه وهي تنظر إلى نفسها في المرآة لتستمع إلى صوت باب الحمام يفتح وقد كانت شروق التي هتفت بقلق:
ـ آسيا!
صدمها استفهام آسيا حين قالت:
ـ معاكِ روچ!
شروق بذهول:
ـ نعم!
آسيا بملل:
ـ اللي سمعتيه!
ناولتها شروق أحمر الشفاة الذي تحتفظ به في حقيبتها لتأخذه آسيا منها وهي تحاول وضع بعض اللمسات البسيطة فوق ملامحها التي لم تكن تحتاج أكثر من ذلك لتبدو جميلة كما هي عادتها، فقد استيقظ من بين أنقاض الألم إمرأة قادرة على المواجهة تنوي ألا تُهزم أمام أي شيء حتى وجعها.
اللهم بدِّل خوفي أمنًا وطمأنينةً منك، وأزل الهمَّ من قلبي والضيق من صدري، اللهم أعطنا خير الأقدار واكفنا شرها، اللهم هب لنا قلوباً آمنة مطمئنة لا يؤذيها بلاء الدنيا ♥️
★★★★★★★★★
ـ نورتي الشركة يا زينة.
هكذا تحدث خالد بنبرة خشنة لتُجيبه زينة بآخرى ناعمة حين قالت:
ـ ميرسي يا خالد. أنا قولت نتكلم في الشركة أحسن. بدل البيت. يعني حسيت إن كدا أحسن.
خالد بجمود:
ـ بالنسبالي عادي. المهم اللي يريحك أنتِ.
زينة بتهكم:
ـ أي مكان بعيد عن عين نبيلة أنا واثقة أنه هيكون مُريح.
ابتسم خالد على حديثها لتُتابع بمرح:
ـ بس قولي طقم الحنية اللي عملته معايا دا كان عشان تغيظ مراتك صح!
خالد بسخرية:
ـ حاجة شبة كدا.
زينة بلهفة:
ـ بس يا حرام مراتك شكلها طيب أوي و ذوق كمان.
خالد بنبرة يتخللها العشق:
ـ فعلًا هي كدا و أكتر.
لا إراديًا لم تشعر بالسعادة لحديثه، فهذه المرأة بالرغم من كل شيء أخذت مكان شقيقتها لذا هتفت مُشجبة:
ـ هو أنا شايفة قد أيه انت بتحبها، و عشان أكون صريحة غصب عني اضايقت. بس أنا بردو مُشفقة عليها من نبيلة.
لم يُريد التطرق لأحاديث لا فائدة منها لذا تحدث بنبرة جافة:
ـ وفري مشاعرك دي لحاجة أهم، وخلينا فيكِ أنتِ. ناوية على أيه ؟
فطنت إلى محاولته لتغيير دفة الحديث لتستجيب له قائلة:
ـ والله يا خالد أنا متلخبطة. مش عارفة أبدأ منين ولا ازاي؟
خالد باستفهام:
ـ أنتِ خلاص نويتي تستقري هنا صح؟
ـ مبقاليش حاجة هناك. و أهل سامح مش مُريحين انا حتى لسه مخدتش نصيبي في الورث و مخليه المحامي هو اللي يتعامل معاهم.
هكذا تحدثت بنبرة يشوبها فقدان الأمل ليُجيبها بنبرة حازمة:
ـ أي حد هيفكر ييجي عليكُ أنا في ضهرك وأنتِ عارفة دا.
زينة بامتنان:
ـ عارفة.
ـ طيب سيبي موضوع الورث دا على جنب. أنا حابب أنك تقعدي معانا الفترة دي يعني أكيد رنا وحشاكي وأنتِ كمان. و بردو تفكري من غير أي ضغوطات هتعملي ايه الفترة الجاية.
كان عرضًا مُغريًا ولكنها قالت بتوجس:
ـ بس أنا مش عايزة اكون سبب أي مشكلة تحصل بينك وبين مراتك.
خالد بسخرية:
ـ ليه هتكوني سبب في مشكلة بيني وبين أشجان؟! على فكرة أشجان طيبة و هادية بس عقلها يوزن بلد و بردو لازم تعرفي أني اتكلمت معاها قبل ما اعرض عليكِ انك تفضلي معانا.
شعرت ببعض الارتياح من حديثه لتقول بابتسامة هادئة:
ـ طب كويس انك كدا ارتحت، وبصراحة أنا فعلًا رنا وحشاني جدًا، و حابة اني اكون جنبها الفترة دي.
خالد بنبرة خشنة:
ـ أنا مقدر مشاعرك تجاه رنا بس أشجان مش مقصرة معاها في أي حاجة بالعكس. و مش هكون ببالغ لو قولتلك أنها بتعاملها كأنها بنتها و أكتر.
زينة بلهفة:
ـ أنا مقصدش على فكرة و أكيد مش بشكك في حب أشجان لرنا بس دي بنت اختي و الحاجة الوحيدة اللي بقيالي منها. كمان انا مخلفتش وانت عارف دا، فاعذرني لو مشاعري خدتني شوية معاها.
كان يتفهم ما تشعر به، ولكنه أراد وضع قواعد لكل شيء حتى لا يتأذى أحد و خاصةً حبيبته لذا قال بنبرة هادئة:
ـ معنديش مشكلة في دا، بس بردو خلي بالك عشان دا ميخلقش حساسية بينك وبين أشجان..
زينة بطمأنه:
ـ اطمن من الناحية دي.
نصبت عودها وهي تقول بمرح:
ـ أنا هسيبك بقى عشان لسه شايفة كمال من شوية وبصراحة هو اكتر واحد وحشني وعايزة اقعد معاه شوية.
نظر خالد إلى ساعته قبل أن يقول:
ـ كمال عنده اجتماع حالًا بس مش هيطول لو حابة تستنيه.
زينة بهدوء:
ـ تمام.
★★★★★★★★★★
ـ أيه يا رنوشة ياللي ادتيني معاك و خلعتي؟!
هكذا تحدثت سُهيلة بمرح لتهتف رنا بلهفة:
ـ سامحيني يا سهيلة والله خالتو جت فجأة من السفر، والخروجة كلها اتلغت.
سهيلة بمُزاح:
ـ يا بنتي بهزر والله أنتِ على طول بتتخضي كدا؟!
رنا بهدوء:
ـ مش كدا. بس أنا محبتش تزعلي مني.
سهيلة بنبرة صادقة:
ـ أنتِ محدش يزعل منك أصلًا. المهم الاوباش دول أصحابي تعالي اعرفك عليهم.
رنا بتوجس:
ـ دول كتير اوي. لا بصي. أنا مش هروح هكسف.
سهيلة باستنكار:
ـ تكسفي! ليه هما شباب؟! دول بنات يا حبيبتي، وكلهم لُذاذ جدًا و هتحبيهم، يالا بلاش خيابة.
طاوعتها رنا على مضض، لتقترب سهيلة و تصافح الفتيات قائلة بمزاح:
ـ أجمد بنات في المدرسة كلها. وحشتوني يا غجر.
أجابتها فتاة تدعى راما:
ـ طبعًا لينا حق نوحشك ما أنتِ محدش بيشوفك..
سهيلة بسخرية:
ـ طبعًا يا بنتي انا شخصية مهمة لازم مكونش فضيالكوا.
تحدثت فتاة آخرى تدعى أسيل:
ـ و سيدة الأعمال سهيلة جاية تعمل معانا ايه لما هي مشغولة.
ابتسمت سهيلة وهي تنظر إلى رنا قائلة:
ـ قولت احن عليكوا شوية، و بالمرة اعرفكوا على رنا صاحبتي الجديدة.
ابتسمت الفتيات وهن يتعرفن على رنا التي في البداية كانت تشعر بالحرج ولكن سرعان ما اندمجت مع الفتيات فقد كُن لطيفات بدرجة كبيرة ماعدا تلك الفتاة التي تدعى راما والتي كانت تحدجها بنظرات غريبة لتقترب من سهيلة قائلة بخفوت:
ـ هي راما دي متضايقة مني في حاجة؟!
سهيلة بلامُبالاة:
ـ راما متضايقة من نفسها أصلاً فكك منها، و متركزيش معاها.
أطاعتها رنا و اندمجت مع الفتيات متجاهلة راما التي كانت ترمقها بحقد كبير..
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض، ورب العرش الكريم ♥️
★★★★★★★★★★
ـ سايبة الحارة و جاية هنا ليه يا هيام؟!
هكذا تحدثت نبيلة بحدة الى نبيلة التي كانت تجلس في الصالون بجانب أشجان لترفع رأسها تناظر نبيلة باحتقار تجلى في نبرته حين قالت:
ـ عشان لما اشوف وشك اعرف قيمتها يا عنين هيام.
برقت عيني أشجان من حديث هيام الذي أصاب نبيلة في مقتل لتهتف الأخيرة بحنق:
ـ قصدك تفتكري مكانتك و الفرق الكبير اللي بيني وبينك.
رفعت هيام كوب القهوة إلى فمها ترتشف منه بتمهل قبل أن ترفع رأسها مرة أخرى وهي تقول باستفزاز:
ـ ومين قالك اني ممكن اقارن نفسي بيكِ. حد قال عليا اتجننت ولا أي؟
نجحت في جعلها على حافة الجنون لتهتف بحدة وهي تتوجه لتقف في مقابلتها:
ـ أنتِ تطولي أصلًا!
ابتسمت هيام بخُبث تخلل نبرتها قبل أن تقول:
ـ متتعصبيش كدا. أنتِ مبقتيش صغيرة. أنا مش قصدي أقلل منك ما احنا ولاد عم بردو. أنا بتكلم انك ست كبيرة. مينفعش اقارن نفسي بيها..
بهتت ملامح نبيلة من حديث هيام الذي أصاب صميم كبريائها و أنوثتها و المروع في الأمر أن هذا كله يحدث أمام عيني أشجان التي لم برقت عينيها حين سمعت لحديث هيام التي تابعت قائلة لأشجان:
ـ بس تعرفي يا شوشو أن البيت بقى له شكل و منظر لما اتجوزتي خالد. ياختي كان كئيب و رخم. و كل حاجة فيه واقفة مبتتبلعش زيه زي نبيلة بنت عمي بالظبط.
سقط فك أشجان من الصدمة وهي تناظر هيام التي كانت تحتسي القهوة بهدوء وكأنها لم تشعل فتيل النيران بصدر نبيلة التي هتفت صارخة:
ـ أنتِ يا جربوعة أنتِ بتقوليلي كدا؟!
شهقت قوية خرجت من جوف أشجان حين رأت تبدل ملامح هيام التي وضعت فنجان القهوة بعُنف وهي تقف في مواجهة نبيلة التي تراجعت إلى الخلف لتصرخ هيام في وجهها بصورة ارعبتها:
ـ مين دي اللي جربوعه يا صفرا. ياللي شعرك شاب ولسه لسانك عايز قطعه. الدنيا جابتك وودتك و لسه ما اتعلمتي الأدب والأصول.
كانت تتقدم و نبيلة تتراجع إلى الخلف مذعورة لتُتابع هيام تقريعها:
ـ لتكونيش مفكرة ياختي أن الغنى بالهدوم ولا بعوجة اللسان! لا... الغنى بالنفس، وأنتِ نفسك فقيرة. عندها نقص. بتطلعه على خلق الله. بس لا.... تيجي عندي و تقفي. أحسن اوقعك على بوزك اكسرلك مناخيرك اللي أنتِ رفعاها لفوق دي..
هنا تدخلت أشجان التي كانت مأخوذة من الصدمة لتحاول فض هذا النزاع قائلة:
ـ عيب يا جماعة ميصحش كدا انتوا أهل؟!
هيام و نبيلة في صوتٍ واحد:
ـ متقوليش أهل!
أشجان بلهفة:
ـ خلاص مش هقول....
كانت هناك أعيُن تتطلع لهذا النذال وهي تجده ملاذها للهرب، و قد استغلت انشغال الجميع عنها لتطلق ساقيها للريح.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ♥️
★★★★★★★★★
ـ الموظفة المثالية عندي بقت تتأخر على الاجتماع!
هكذا لفت انتباه كُلًا من شروق و آسيا صوت راجي الذي كان يتحدث نكايةً بشروق لتُضيق آسيا عينيها قبل أن تحين منها التفاتة إلى صديقتها التي لون الاستنكار ملامحها لتقول آسيا بعدم تصديق:
ـ الموظفة المثالية دي أنا؟!
راجي بتأكيد:
ـ طبعًا. هو في حد هنا غيرك؟!
اغتاظت شروق من عقابه الذي ما زال يمارسه عليها لتقوم باحتضان آسيا وهي تقول قاصدة إثارة غضبه:
ـ طبعًا يا سيسو يا قلبي أنتِ مثالية في كل حاجة..
حاوطتها آسيا بحُب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ ياروح سيسو أنتِ؟!
كان هذا الحديث يدور أمام كُلًا من خالد الذي يراقب بصمت و زينة التي أُعجِبت كثيرًا بالفتاتين و كمال الذي لا يصدق أن هذه الفتاة كانت تستعطفه و تبكي لأجله منذ قليل..
ـ لا والله أنتِ وهي؟! طب أيه رأيكوا اني بفكر أخصم أسبوع لكل واحدة فيكوا؟!
هكذا تحدث راجي الذي كان مُغتاظًا من شروق مما جعل آسيا تطلق ضحكة مدوية قبل أن تقول بمُزاح:
ـ والله المدير الحنين رزق. شوفتي بيساوي بيننا حتى في الظلم!
اخترقت آذنه ضحكتها و مرحها، فظن أنه ربما أصابه الجنون أو ربما يهزي، فهل ما يراه حقيقي؟!
كانت الظنون تعصف برأسه حتى كادت أن تشطره إلى نصفين، وهو ينظر إلى مرحها و ضحكتها، فهل هذه المرأة حقيقية؟! ألمها و حزنها و ذبولها منذ قليل هل كان حقيقي؟ أم أن مرحها و وهجها الآن هنا الحقيقيين؟!
ـ يالا بينا يا جماعة عشان نكمل.
التفت الجميع نحو خالد ماعداه كان ينظر إليها بطريقة غامضة لا تخلو من الغضب أما عنها، فلم تُعطيه حتى إلتفاته.
ـ مش هتعرفني يا خالد؟!
هكذا تحدثت زينة برقة ليقوم خالد بتعريفها إلى الجميع و أولهم راجي ثم شروق ثم آسيا:
ـ دي آسيا أخت أشجان.
زينة بنبرة ودودة:
ـ أهلًا بيكِ يا آسيا. أنا زينة خالة رنا. على فكرة أنتِ فيكِ من أشجان تقريبًا نفس العيون الحلوين..
صافحتها آسيا وهي تجيب بذوق:
ـ ميرسي دا من ذوقك.
ـ أنا همشي بقى عشان معطلكوش، وان شاء الله لينا قاعدة سوى يا كمال..
هكذا تحدثت زينة بنبرة لطيفة، لم تعيرها آسيا اهتمام ظاهريًا بل دلفت إلى الداخل وهي تتبادل أطراف الحديث مع شروق و راجي ليأخذوا مقاعدهم حول طاولة الاجتماعات لبدء المناقشات مرة آخرى وقد أعطته قدره من التجاهل مما جعله يشعر بالغضب والألم معًا ولكنه عزم على تخطيها هو الآخر، وقد شرع في ذلك إلى أن مر الوقت وانتهى الاجتماع ليقول راجي بكسل:
ـ كدا احنا ظبطنا الدنيا و عرفنا محتاجين أيه على الأقل مش هنحناج لاجتماع تاني قبل أسبوع لأني مسافر الصبح شرم عشان أقابل الوفد الألماني.
خالد بعملية:
ـ مفيش مشاكل. بس لازم تعين حد تبعك عشان يباشر الموقع يروح على الأقل مرة او اتنين مينفعش نسيب العمال كدا من غير متابعة.
اجابه راجي مُقترحًا:
ـ بما أن شروق هتكون معايا يبقى هخلي آسيا تقوم بالمهمة دي.
تنبهت حواس كمال لذلك الاقتراح الذي أثار حنقه ليستفهم خالد قائلًا:
ـ بس آسيا مينفعش تروح لوحدها!
راجي بتوضيح:
ـ أكيد طبعًا بشمهندس إيهاب رئيس قسم المعمار عندنا هيكون معاها، و عربية الشركة هتكون معاهم.
أعجبت آسيا بالأمر كثيرًا لذا تدخلت موجهة حديثها لخالد قائلة:
ـ تمام. أنا معنديش مشكلة، و أنا هبعت لحضرتك و لمستر راجي آخر التطورات على الميل.
كان خالد يرى بوضوح هذا الجحيم الذي يلون عيني كمال ولكنه لن يتدخل لذا اومأ بموافقة وانتهى الاجتماع ليكون هو أول من يغادر الى مكتبه قبل أن يحرق هذا المكان بمن فيه..
اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك"♥️
★★★★★★★★★
ـ أيه يا هيام اللي عملتيه دا؟!
هكذا تحدثت أشجان بذهول الى هيام التي كانت تجلس وكأنها لم تفعل شيء بينما نبيلة هرولت مذعورة إلى بيتها لتُجيبها هيام بحدة:
ـ هو أنا لحقت اعمل حاجة! لولا أنتِ وقفتي بيننا كان زماني أديتها على بقها عدلتهولها.
تفاقم ذهولها للحد الذي جعلها عاجزة عن الحديث لتهتف هيام قائلة:
ـ اسمعي مني. الأشكال دي تكشميلها تتعدل على طول. لكن تطاطيلها تسوق فيها.
تنبهت جميع حواس أشجان إلى حديث هيام مما جعلها تقول باستفهام:
ـ بجد يا هيام! يعني لو حست إن أنا ضعيفة هتسوق فيها؟!
هيام بحدة:
ـ دي هتسيق بيكِ بلاط القصر دا لا مؤاخذة كل يوم.
أشجان بقلق:
ـ بس دا ممكن يخليها تأذيني اكتر. أو تاخدني على خوانة مثلًا!
هيام بتحذير:
ـ لا ما أنتِ تصحصحي كدا. دي نسخة من أمين عايشة معاكِ. لازم تبقى عنيكِ في وسط راسك. وسيبك من الوش الحنين دا دي لازم تخاف. لازم تخاف منك. تترعب كدا أنها تقربلك.
أشجان بيأس:
ـ ودي هخوفها ازاي! امسك عليها ذلة يعني؟!
هيام بتحفيز:
ـ إن لزم الأمر أه. و مش هتحتاري اللي زي دي مصايبها كتيرة. يعني سهل تجبيها.
نظرت أشجان للبعيد وهي تفكر في حديث هيام و جزءٍ منها يستنكره والآخر يميل إليه، ولكن سرعان نفت هذه الأفكار لتنظر إلى هيام وهي تقول بجمود:
ـ ربنا يستر. هطمن على الولاد و أجيلك..
ـ وماله ياختي. شوفيهم ألا تكون بلعتهم ولا حاجة..
هكذا تحدثت هيام لتتركها أشجان و تمسك بهاتفها تنوي التحدث إلى خالد الذي ما أن رأى اسمها يُضيء هاتفه حتى ارتسمت ابتسامة حانية فوق ملامحه لا إراديًا ليُجيب بشوق:
ـ حبيبي اللي بييجي في وقته.
تخبطت دقاتها بعُنف داخل صدرها جراء حديثه الرائع لتُجيبه بنبرة ناعمة:
ـ عايزة اتصل بقالي شوية بس خوفت اكون بعطلك.
خالد بنبرة عاشقة:
ـ عطليني ولا يهمك. أنا وقتي كله ملكك..
ابتسمت بخجل على حديثه، ولكن كان هناك شيء ما يؤرقها لذا تحدثت على استحياء قائلة:
ـ هو أنت لوحدك ولا معاك حد؟؟
اندهش لاستفهامها مما جعله يقول بمُزاح:
ـ في الشركة أكيد مش هكون لوحدي..
أشجان بلهفة:
ـ مقصدش كدا. أقصد يعني في مكتبك. في حد معاك؟!
ابتسم على غيرتها التي تخجل من الإفصاح عنها، ولكنها كانت بريئة و نقية لا تعرف الخُبث لذا يعلم تمامًا ما يدور بداخلها فتعمد مشاكستها حين قال بمكر:
ـ حد زي مين مثلًا؟!
ضاقت ذرعًا من التحايل لذا قالت باندفاع:
ـ يعني أقصد محدش غريب غير الموظفين؟!
قهقه خالد بقوة على حديثها قبل أن يُجيبها بخُبث:
ـ الحلو بتاعي بيغير ولا ايه؟!
انكشف أمرها لذا قالت بصراحة:
ـ دي حقيقة. معرفش ينفع أقول كدا ولا لا؟ بس أنا غصب عني بغير.
كانت تتقن اللهو بدقات قلبه والفتك بثباته دون أن تدري ماهو تأثيرها و تأثير كلماتها عليه مما جعله يقول بنبرة خشنة تنجح في دغدغة حواسها:
ـ الكلام الحلو مبيتقالش وانا قدامك ليه عشان اعرف أرد عليه؟!
نبرته وحدها كانت كفيلة بإضرام نيران الخجل في وجنتيها و سائر جسدها لتهتف بخفوت:
ـ بكسف.
نبرتها الخافتة و خجلها الرائع و برائتها جميعها أشياء تودي بثباته الهلاك لذا هتف بخشونة:
ـ طيب أنا دلوقتي اعمل أيه وانا بعيد عنك، و إيدي مش طيلاكي؟!
لا إراديًا خرجت منها ضحكة خافتة استقرت بمنتصف صدره كشرارة أيقظت حمية العشق بقلبه والتي تضاعف حين قالت:
ـ مش لازم تعمل. يعني ممكن تقولي وحشتيني مثلًا!
أجابها بصوتًا أجش:
ـ وحشتيني بس! دانا بعد الثواني عشان ارجع و أشوف عيونك الحلوين، و بالمرة اشوف موضوع الغيرة دا.
أشجان بدلال:
ـ والله! هو بقى موضوع ؟!
خالد بنبرة عابثة:
ـ طبعًا موضوع. دا موضوع خطير كمان. و لازم نحله النهاردة سوى.
أشجان بخجل:
ـ على فكرة بقى أنت بتكبر المواضيع.
خالد بنبرة تعج بالمشاعر:
ـ على فكرة بقى أنا بحبك..
لم تكد تُجيبه حتى شاهدت ياسر يدلف إلى داخل القصر لتهتف قائلة:
ـ أيه دا ؟ دا ياسر هنا..
خالد بتذكر:
ـ أه صحيح. هو جاي يتكلم مع هيام.
ـ طب تمام. هي في الصالون هخلي الخدم يدخلوه.
خالد بنبرة حانية:
ـ ماشي يا حبيبي، وانا مش هتأخر ورانا مواضيع كتير نناقشها..
ابتسمت على كلماته قبل أن تغلق الهاتف وتتوجه إلى الخارج لتأمر أحد الخدم باستقبال ياسر الذي ألقى التحية عليها قبل أن يدلف إلى الغرفة التي تستقر بها هيام التي تفاجئت حين رأته لتهتف باندهاش:
ـ ياسر!
ياسر بجمود:
ـ أيه؟ مستغربة أوي؟ مكنتيش متوقعة اني اجيب لما اعرف أنك هنا؟!
هيام بعتب لم يخلو من السخرية:
ـ متوقعتش تهتم وتيجي من أساسه؟!
اقترب ياسر يجلس على الأريكة أمامها وهو يستفهم بنبرة يشوبها الألم؟!
ـ ليه يا هيام؟
ـ ليه أيه؟!
هكذا استفهمت ليتحدث ياسر بخيبة أمل:
ـ ليه بقيتي كدا؟! فين هيام أختي اللي ربتني و كبرتني و كانت أحن حد عليا في الدنيا؟!
هبت هيام من وقفتها وهي تهتف صارخة:
ـ موجودة قدامك بس أنت مبقتش شايفها. عارف ليه؟ عشان بقى في غيرها بيطبطب و يهنهن. نسيت هيام اللي مكنتش بتقدر على زعلها لحظة.
هب هو الآخر مُستنكرًا حديثها قائلًا:
ـ أنتِ بتقولي ايه؟ أنتِ مش فاهمة حجم الأذى اللي أذتيهولي؟!
شعرت ببعض الألم و الندم لحديثه ولكنها نفضت ذلك جانبًا وهي تهتف باستنكار:
ـ أيه يعني عملت ايه؟ بعد السنيورة عنك؟! كنت عايزني اعمل ايه وأمها عماله تهين فينا، فيك وفي أبوك. دي داست على كرامتنا.
ياسر بحدة:
ـ تقومي أنتِ تدوسي عليا وعليها ؟!
هيام بانفعال:
ـ لما احافظ على كرامتنا ابقى بدوس عليك؟! لما ابعدك عن واحدة أهلها بيحتقروك وأمها عايرتني بأبوك ابقى كدا شيطانة؟
ضاق ذرعًا من هرائها فزمجر غاضبًا:
ـ أنا وهي ذنبنا أي؟ أهلها زي الزفت احنا نتاخد في الرجلين ليه؟!
صاحت بانفعال:
ـ عشان دول أهلها مش هتتسلخ عنهم. واديك شفت بعنيك. أول لما ابوها تعب جريت عليه بالرغم من كل حاجة و جرتك وراها.
اقتربت منه تصرخ بنبرة تئن قهرًا:
ـ الناس اللي صغرتني قدامهم، و اعتذرتلهم عشان قال أيه أنا ادتلهم كلمتين ميجوش نقطة في بحر من اللي ياما قالوه عنك!
كان مذهولًا من حديثها و إصرارها على موقفها لذا استفهم بنبرة جريحة:
ـ أنتِ فعلًا شايفة انك مغلطيش في حقي يا هيام؟! انك تشوهي صورتي و تلبسيني عملة زي دي مش غلط يا هيام؟!
وقفت للحظات عاجزة عن الحديث، ولكن شيطان الكبر بداخلها جعلها تهتف بنبرة يشوبها التوتر:
ـ أيه يعني لو خرجت عن شعوري وغلطت. مرة من نفسي. اتحرقت من كلامها وعقلي صورلي أن دا الصح!
بهتت ملامحه من حديثها الذي يجعل الأمر بسيطًا على الرغم من مدى فداحته لتُتابع بتقريع:
ـ المثل بيقولك أن جه الطوفان حط ابنك تحت رجليك، وانا معملتش كدا انا شلتكوا في حضني زي القطط و حاوطت عليكوا. غلط مرة. عملت أنت أيه؟ نسيت كل حاجة حلوة أيه و خدت السنيورة في إيدك و مشيت...
كان لأول مرة عاجزًا عن الحديث يشعر و كأن للحروف تقف على أعتاب شفتيه تأبى الخروج، فكيف تكُن هذه شقيقته؟
ـ كنتِ عيزاني اعمل أيه يا هيام؟! اطبطب عليكِ ولا أسقفلك؟!
هيام بحدة:
ـ لا دا ولا دا. زعق، كسر، بهدل الدنيا الا انك تاخدها و تمشي. تركبها عليا و ترميني و تختارها هي. لا..
حديثها جعله يستعيد وعيه ليهتف بنبرة أخرستها:
ـ أنتِ ايه؟ بتفكري ازاي ؟ دا كل اللي همك! أني خدتها و مشيت؟! مش شايفة غلطك و اللي حصلنا بسببه و بتدوري على أيه؟ حاطة نفسك في كفة معاها و لا اكنك ضرتها! فوقي يا هيام. متصغريش نفسك كدا...
عرتها كلماته أمام نفسها ليهتاج شيطانها المريد و ترفع يدها بقوة لتهوى على خده بصفعة تردد صداها بالأجواء.....
اللهم إني أسألك قلباً مطمئناً، ولساناً ذاكراً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء، وأعوذ بك من الفزع والهم والحزن ♥️
★★★★★★★★★
كانت تخرج من الجامعة لتجد شخصًا ما يناديها، فالتفتت تنظر إلى الخلف لتتفاجيء حين وجدت يزيد الذي اقترب يناظرها باعجاب، فقد كانت جميلة كاسمها تمامًا فقد مر وقتًا طويل منذ أن قابلها وقد تغيرت كثيرًا عن السابق:
ـ يزيد ؟!
هكذا تحدثت جميلة باندهاش حين رأته ليُجيبها يزيد بسخرية:
ـ لا ابن عمته.
جميلة بتهكم:
ـ تبقى يزيد. خفة الدم دي متطلعش غير منك.
يزيد باستفهام:
ـ حاسك بتتريقي!
ـ طبعًا بتريق.
ابتسم على صراحتها، فقد كانت تشبهه كثيرًا:
ـ طمنيني عليكِ
سارت جنبًا إلى جنب معه وهي تُجيبه بخفوت:
ـ الحمد لله، وأنت؟!
ـ كويس الحمد لله.
اشتبكت نظراتهم لثوان كان كُلًا منهما يتطلع إلى الآخر بمشاعر غريبة لا يعرف كليهما تفسيرًا لها، وقد شعرت جميلة بالخجل من نظراته لتلتفت إلى الجهة الآخرى وهي تقول بتوتر:
ـ و الحارة عاملة ايه؟
يزيد بسخرية:
ـ هتعمل ايه زي ماهي!
لم تكد تُجيبه حتى صدح صوت خبيث خلفهم:
ـ وله. شوف الصاروخ اللي هناك دا!
التفت يزيد يناظره قائلًا بغباء لحظي:
ـ مين الصاروخ دا أنا؟!
الشاب بسخرية:
ـ لا يا خفيف الصاروخ اللي جنبك.
يزيد بتهكم غاضب:
ـ و أنت بتتكلم بقلب جامد كدا مش خايف لا اهبدك قذيفة تجيب أجلك؟!
اقترب الشاب الضخم منه قائلًا بوعيد:
ـ تهبد مين ياد؟!
يزيد بنفاذ صبر:
ـ بقولك ايه اتلشاني. دا عشانك مش عشاني.
الشاب لاستفزاز:
ـ هتعمل ايه يعني؟!
يزيد بحدة:
ـ هلعب في وشك البخت!
ـ ما توريني كدا..
التفت يزيد ناظرًا إلى جميلة التي كانت تشعر بالذُعر في أن يناولها أشياؤه وهو يهتف غاضبًا:
ـ خلي البالطو دا معاكِ. كان يوم أسود يوم ما اتكعبلت فيكِ.
بلمح البصر التفت لاكمًا الشاب بشكل مُباغت لم ثم انهال عليه باللكمات مما جعل صديقه الآخر يتخلى عنه ويهرول إلى الطرف الآخر لينتهي يزيد من الشاب الذي ما أن تركه حتى فر هاربًا لتقترب جميلة منه قائلة بإعجاب:
ـ طب ما أنت طلعت جامد أهو.
يزيد بفخر:
ـ طبعًا اومال كنتِ فكراني عيل توتو ولا ايه؟
تمتمت جميلة بسخرية:
ـ أنا مكنتش فاكرة انا كنت متأكدة..
ـ نعم !
تراجعت جميلة عن حديثها قائلة بلهفة:
ـ آسفة والله بجد أنا مش عارفة أشكرك ازاي كل مرة أكون في مشكلة اقابلك و دا بجد من حظي الحلو
يزيد بسخرية:
ـ و من حظي المنيل.
ابتسمت على حديثه لكنها قالت بامتنان:
ـ ميرسي عشان دافعت عني...
كان عينيه على هيئتها وملامحها قبل أن يقول بإعجاب:
ـ بس أنتِ ايه الحلاوة دي يعني ؟ نضفتي!
تجمدت البسمة على شفتيها لتهتف بتقريع:
ـ هو انت لسانك طويل على طول كدا؟!
يزيد بنبرة عابثة:
ـ بس دمي خفيف وقلبي أبيض.
جميلة بتهكم:
ـ بصراحة معرفش ايه مدى صدق الموضوع دا؟!
استغل الفرصة قائلاً:
ـ طب أيه رأيك تعرفي؟
جميلة بخجل:
ـ تقصد ايه؟
ـ هتعمليلي عبيط بقى؟!
ـ نعم.
فاجأها حين تلى رقم هاتفه وهو يُعطيها غمزة عابثة:
ـ زيرو ١٥ عشرين ٧٠ تلت ستات دا رقمي سجليه.
جميلة باستنكار:
ـ تلت ستات مرة واحدة.
تمتم يزيد بتهكم:
ـ هي بدأت تغير ولا ايه؟؟
جميلة بلهفة:
ـ هي مين دي!
يزيد بتخابُث
ـ لا مفيش، و بعدين يعني هعمل ايه الستات بتحبني وكدا.
جميلة بتهكم:
ـ ما شاء الله وسامتك مقوية قلبك.
يزيد بحدة!
ـ بتتريقي!
ـ لا أبدًا. أنا أقدر؟!
ابتسم بمرح:
ـ طيب سجلي الرقم بقى و كلميني لو حبيتي تتخانقي تاني انا في الخدمة..
ابتسمت بدورها على حديثه ليرن هاتفها فقامت بالإجابة على الفور حين وجدت شروق تحادثها:
ـ أيه يا شوشو. أنا قربت اوصل. شنطة سفر! ليه أنتِ هتسافري فين؟ هو مستر راجي معندوش غيرك يعني ياخده معاه! اسبوع كمان! بتهزري هتسبيني أسبوع ؟! طيب حاضر. هجهزلك الشنطة.
كان هذا ملخص المكالمة بينها وبين شروق مما لفت انتباه يزيد ولكنه لم يُعلق بل التفت ناظرًا إليها وهو يقول بتهكم:
ـ شكل جالك ترانك.
ـ حاجة زي كدا.
ـ خلاص هسيبك أنا، وهستنى منك تليفون..
هكذا تحدث إلى جميلة التي اومأت بخفوت دون أن تُجيبه لتلتفت و تستقل سيارة أجرة لتترك يزيد الذي أخذ يدير الحوار برأسه، فقرر الاتصال بعمر الذي أجابه بمرح:
ـ زيدو..
يزيد بتهكم:
ـ اوطى دكتور في المجرة عامل أيه؟!
عمر بتحذير:
ـ اتلم بدل ما الخبطلك ديكورات وشك..
يزيد بسخرية:
ـ لا ماهو لو انت هنا مكنتش هقول كدا طبعًا. عارفك غبي و ممكن تأذيني.
ابتسم عمر على حديثه و هتف بوقاحة:
ـ ماشي يا جبان.
يزيد بتقريع:
ـ الجبان دا متصل يخدمك على فكرة.
ـ هو في خدمات ممكن تيجي من ناحيتك! أنت ميجيش من وراك غير المصايب
يزيد بمكر:
ـ والله ما كذبت هي مصايب فعلًا بس من طرف الحبايب.
تنبهت حواس عمر من حديث يزيد ليقول بترقب:
ـ تقصد أيه؟!
ـ كنت مع جميلة دلوقتي و شروق كلمتها و بتقولها مسافرة مع مديرها الشغل، انا معرفش انت ايه دنيتك معاها بس حسيت اني عايز أقولك.
توقف النبض بأوردته و خيمت الصدمة على ملامحه للحد الذي جعله يغلق الهاتف في وجه يزيد دون أن يشعُر وهو يجاهد تلك النيران التي اندلعت في صدره و التي كان لابد التنفيس عنها حتى لا تقتله لذا قام بإلقاء الهاتف بقوة ليتحطم متحولًا إلى قطع صغيرة وهو يزمجر بوحشية:
ـ ماشي يا شروق. هنشوف مين فينا اللي هينتصر في النهاية..
أنهى جملته و خرج من الغرفة متوجهًا إلى الأسفل ليجد والدته التي كانت تبكي و تنوح وهي تشكو لزوجها ما فعلته بها هيام ليهتف عمر بجفاء:
ـ عايز أروح أخطب شاهي...
اللهم إنا نسألك هدوء النفس وطمأنينة القلب وانشراح الصدر، وتوفيقاً لخطانا، ومغفرة لنا" ♥️
★★★★★★★★★
ـ أنا عايزة افتح مدرسة اعلم فيها البنات..
هكذا تحدثت نجاة بحدة الى رحيم الذي منذ أن أتته هذه المكالمة البارحة وهو لا يتحدث معها بل لا يتحدث مع أحد، فقط يجري المكالمات السرية التي لا تعرف مع من يُجريها، وقد فسرت هذه التصرفات على أنه عدم احترام لمشاعرها، وقد قررت تجاهلها و تجاهله معها والبدء في تصحيح مسار هذه القرية الظالم أهلها.
ـ أيه اللي عتجوليه ده؟
هكذا استفهم رحيم بنبرة متجهمة لتُعيد حديثها بصيغة آخرى:
ـ عايزة ادي فرصة للبنتة اللي في البلد المشجومة دي انهم يتعلموا..
رحيم بحدة:
ـ چبتي الفكرة المقندلة دي منين؟!
التفت لتجلس على المقعد المقابل له وهي تُجيب بقوة:
ـ من چوايا يا عمدة. أني كان منايا اتعلم بس ملقيتش حد يطاوعني.
رحيم بتهكم غاضب:
ـ و مين قالك اني هطاوعك على چنانك ده؟!
أسبلت جفونها و أخذت ترفرف برموشها فكانت تسرق أنفاسه بفعلتها قبل أن تقول بخفوت:
ـ مش أنت جولتلي عاد انك هتعمل ايه حاچة تخليني أسامحك!
رحيم باستنكار:
ـ وه. أنتِ بتساوميني ولا ايه؟!
نجاة بلهفة:
ـ لاه مش أكده واصل...
ـ أومال اي؟ و بعدين هو احنا مش اتصالحنا امبارح ولا اي؟!
تذكرت خروجه العاصف البارحة الذي أغضبها وآلمها في آنٍ واحد لتهب من مكانها وهي تهتف غاضبة:
ـ مين اللي قالك أكده! أني اعتذرت عن غلطي، لكن احنا زي ما احنا، هو انت فاكر اني هبلة إياك هتضحك عليا بكلمتين و حضن!
ابتسم رحيم على هفوتها وقال بنبرة عابثة:
ـ طب أصالحك بكام حضن طيب! جوليلي واني موافج!
تداركت خطأها ليزحف الخجل إلى وجنتيها فحاولت الثبات على موقفها حين قالت:
ـ فكر زين في اللي طلبته منِك، و اعرِف انك مش هتراضيني دا انت هتعمل خير كبير جوي. عن اذنك..
اللهم اهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ♥️
★★★★★★★★
كان يغلي من شدة الغضب يدور في غرفته كالليث الجريح، وهو يتذكر ما حدث منذ قليل، و كأن قلبه يضخ النيران داخل أوردته لا الدماء.
لا يعلم لما تجاهلها أثار جنونه أليس هذا ما يبغيه؟! أليس هذا ما أخبرها به؟!
لقد أخبرها كذباً أنه لا يراها، و أخبرته فعلًا بأنها لا تراه! ولكن الأمر كان مؤلمًا إلى حد كبير لم يتحمله.
يشعر بأنه على وشك تحطيم المكان بأكمله. يريد الصراخ حتى تهدأ دواخله، ولكنه لا يملك تلك الرفاهية مما جعله يضرب على المكتب بقوة وهو ينفُث أنفاسه كالتي كالحمم من فرط احتراقها.
جاء الطرق على باب الغرفة كصوتٍ نشاء لم تحتمل أذنيه ليصرخ قائلًا:
ـ مين؟؟
تفاجيء حين انفتح الباب و أطلت منه ميرهان ليتوقف بضع لحظات يُحملق بها، وهو لا يصدق أنها تجرأت و أتت إليه
ـ أبيه كمال...
هكذا تحدثت ميرهان بنبرة مُلتاعة من بين عبرات غزيرة ليقاطعها كمال بحدة:
ـ انتِ إيه اللي جابك هنا؟!
اقتربت منه على حذر وهي تقول بألم حقيقي:
ـ أنت وحشتني اوي والله .
ـ اخرسي، و اخرجي بره.
كان رفضه مؤلم، و الأكثر ألمًا أنه لم يكُن قاسيًا أبدًا معها منذ أن وعت إلى هذه الحياة سوى الآن لتحاول امتصاص غضبه قائلة:
ـ طيب أنا جايه اتأسفلك.
كان على حافة الجنون لا ينقصه حرفًا واحدًا ولا يريد أن يخرج عن شعوره أكثر، فيؤذيها لذا جذب هاتفه وتجاهلها متوجهًا إلى الخارج، وفي هذه الأثناء كانت آسيا تقف إلى جانب شروق يتهامسون إلى أن اخترق أذنيها صوت مألوف كثيرًا لتتوسع عينيها حين التفتت، فوجدت رؤوف يقف خلفها ناظرًا إليها بأسف، ليتهادى إلى سمعها صوتًا آخر لطالما كان كريهًا بالنسبة إليها، لتستدير فإذا بها تصطدم برؤية كمال يناظرها بأعيُن يلتمع بهم الشر كأنصال الخناجر التي تتلهف بقوة لبتر الأعناق، و من خلفه تقف ميرهان مشدوهة حين وقعت عينيه على رؤوف ليبدو المظهر كمربع تشتعل جميع زواياه بوميض الغضب، بداية من ميرهان إلى كمال مرورًا بآسيا لينتهي عند رؤوف.
يتبع.....
بارت طويل في كل أبطال الرواية و اظن انتوا قرأتوه وشوفتوا كم الجهد المبذول فيه أتمنى بجد ألاقي تفاعل كويس عليه عشان أنا فعلا اتخنقت من قله التفاعل دا و حاسة اني كدا مبتقدمش خطوة للأسف 💔
جماعة الفوت مش جاي ربع عدد المشاهدات والتفاعل دا سيء والموضوع دا مضايقني جدًا
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل السادس وستون 66 - بقلم نورهان العشري
ان شاءالله الفصل الجديد نازل النهاردة بإذن الله بكتب فيه♥️
و على ما اخلصه شوفوا الحلويات دي اقتباس من الرواية الورقي♥️👇🏻
ممكن اعرف أنت ازاي تعمل فيا كدا!
هكذا تحدثت بقلب مفتور و أعيُن ألتمع بهم الألم مما جعل الذنب يزحف إلى قلبه ليقول مراوغًا:
ـ أيه اللي حصل لكل دا؟
تحدثت بنبرة جريحة:
ـ كمان بتسأل أيه اللي حصل! ازاي تقدمني للناس على أني مراتك، و سبب كل النجاح اللي أنت فيه؟ انا أعرفك من امتى أصلًا!
حاول امتصاص غضبها قائلًا:
ـ ممكن تهدي عشان نعرف نتكلم!
هتفت بحدة:
ـ أهدى! أنت عايز تقنعني أن الناس اللي تحت دي ميعرفوش مين هي مراتك! زمانهم بيقولوا عليا ايه دلوقتي ؟ خطافة رجالة خدت الراجل من مراته!
تحدث في محاولة لتهدئتها:
ـ محدش يقدر يقول عليكِ حاجة.
هتفت بانفعال:
ـ ليه ميقدروش! هتمسك لسانهم! ولا مراتك اللي أنت محيت كل تاريخها بأستيكة، و نسبته لواحدة تانية. ازاي عملت كدا؟
اهتاج مُستنكرًا:
ـ متقوليش انك زعلانة عشانها!
تمتمت بتهكم مرير:
ـ تصدق على قد كرهي ليها على قد ما أشفقت عليها النهاردة!
صاح باستهجان:
ـ لا والله! كمان أشفقتي عليها!
تحدثت بصدق:
ـ أيوا أشفقت عليها. تخيل جوزها يمحي تاريخها كله و ينسبه لواحدة تانية. هي عملت فيك ايه عشان تعمل كدا معاها! طب أنا وليا ألف حق أكرهها أنت بتكرهها أوي كده ليه!
هتف بانفعال:
ـ كذبت عليا و خدعتني. هو اللي عملته دا هين في نظرك!
ـ مش هين. بس انتقامك منها صعب اوي. أنا مش قادرة انسى منظرها يوم ما جت و عرفت أننا اتجوزنا.
صاح بحدة:
ـ هي تستاهل اكتر من كدا.
هتفت بغضب:
ـ و عشان كدا طلبت تتجوزني صح! عشان تقهرها و تنتقم منها مش عشان تحميني أنا و بنتي ولا حاجة!
تحدث باندفاع:
ـ لا طبعًا مش كدا. منكرش إني كنت عايز أكسرها و أعاقبها على كذبها عليا بس أنا فعلًا كنت عايز أحميكوا منها.
أجابته بنبرة آسفة:
ـ مش قادرة أصدقك للأسف. كل حاجة بتقول انك بتكذب.
هتف بجفاء و نبرة مُحذرة:
ـ خلي بالك من كلامك. أنا مكذبتش عليكِ و لا محتاج اكذب.
أجفلتها نبرته ولكنها كانت تتألم لأقصى درجة مما جعلها تهتف بعتب:
ـ زي ما قولتلي بردو أن الحفلة دي مجرد تجمع بسيط بينك و بين الشباب اللي بيعتبروك مثل أعلى ليهم و مش حفلة بالمعنى الحرفي للكلمة! مش دا كلامك؟ كذب ولا مش كذب!
تحدث بهدوء أذهلها:
ـ و لسه عند كلامي. دي حفلة بسيطة جدًا بالمقارنة بالحفلات اللي بنعملها.
لا تعلم لما شعرت بالإهانة من حديثه، و لهذا أجابته بنبرة جافة:
ـ معلش بقى واحدة زيي لا تعرف الحفلات و لا عمرها حضرتها. كان ممكن توضحلها و تفهمها الوضع أيه بالظبط.
شعر بأن الأمر أحرجها فتحدث بنبرة لينة بعض الشيء:
ـ حقك عليا انا متخيلتش انك ممكن تتضايقي.
لونت السخرية معالمها لتمحوها كلماته المُبطنة بغزل اخجلها:
ـ و بعدين بصراحة كان لازم اعرف كل الناس اللي في الحفلة أن الست الجميلة دي مراتي.
خيم الخجل على ملامحها و انطبعت آثاره بوضوح فوق وجنتيها، ولهذا حاولت الهرب ككل مرة وهي تقول بنبرة يشوبها الارتباك:
ـ لو سمحت عايزة أخد بنتي و نروح بيتنا.
نغزة قوية أصابت منتصف قلبه لا يعرف سببها ليهتف بلهفة:
ـ تقصدي أي بيت؟
هتفت بجمود:
ـ أقصد شقتنا. شقة جوزي الله يرحمه.
تفشت علة الغضب بقلبه ليهتف بحدة:
ـ أنا جوزك يا مدام لو مش واخدة بالك.
صاحت دلال بانفعال:
ـ جوازنا دا ميعتبرش جواز أصلًا دا مجرد اتفاق....
قاطعها عزيز هاتفًا بانفعال:
ـ يبقى نتممه حالًا عشان بعد كدا تبطلي تقولي عليه مجرد اتفاق.
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تاني اقتباس لبونبونايتي القمر روايتي الورقية (ذاكرة الرماد "حين ينفُث الرماد عطرًا")
📌مستنية رأيكوا 🙈 شوية معلومات عن الرواية
★أولًا الرواية كبيرة
★ فيها كذا بطل و بطلة
★الرواية عامي سرد فصحى و حوار عامي زي سلسلة الأقدار و ذنوب على طاولة الغفران و للعشق وجوه كثيرة
★ الرواية فكرتها متناقشتش قبل كدا
★ فيها تفاصيل جميلة هتحس أن أبطالها انت شايفهم و هتتمنى لو تكون واحد منهم ♥️
★ رومانسية، اجتماعية، كوميدية و فيها شوية نكد حلوين بردو بس الحمد لله مش كتير 😂
★ هنشوف فيها العوض بشكل مختلف، والانتقام بشكل مُروع و الرومانسية بطابع قاسي، و المستحيل ييتحقق عادي ♥️
★ ولاد الوناش في حتة تانية بكل تفاصيلهم😉 لا تقولي وزانين ولا وتايدة ولا ولاد الحسيني 😂😂 دول كانوا مخوفيني أنا شخصياً 😂😂😂
اللي حالفه الحظ و راح المعرض هيلاقي ذاكرة الرماد في دار مدينة الأدباء صالة ٢جناح c34
و اللي مش عارف يروح جبنالك المعرض لحد عندك تقدر تطلبها أون لاين توصلك لحد باب البيت و مش بس كدا دي الدار عاملة خصومات جبارة الحقوا اطلبوها دلوقتي من. المتجر الالكتروني 👇
أو من على الواتساب 👇
+201121530961
#ذاكرة_الرماد_حين_ينفث_الرماد_عطراً
#نورهان_العشري
#قيثارة_الكلمات
#ولاد_الوناش
#مدينة_الأدباء_للنشر_والتوزيع
#معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب2026
#صالة2_جناحC34
و دي صورتي في المعرض بالرواية الجميلة بتاعتي ذاكرة الرماد👇🏻
الحمد لله الطبعة الأولى من ذاكرة الرماد خلصت و الطبعة التانية نورت المعرض♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل السابع وستون 67 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل القراءة شكرًا عشان التفاعل بتاع البارت اللي فات فرحني اوي♥️
اتمنى بجد يستمر بالشكل الجميل دا ♥️
السبيل العاشر ❤️🔥
تدور بينا عجلة الحياة ما بين سقوطٍ و ارتفاع، و أحيانًا نجد نفسنا عالقين بالمنتصف، عاجزين حتى عن التحكم بمصائرنا، لنظن بأننا لسنا سوى بيادق في لعبةٍ تتقاذفنا ما بين صدماتٍ موجعة و مواجهات مُربكة.
ولكن أيضًا هُناك ثوابت يجب أن نضعها دائمًا بعين الاعتبار:
فالصدمة التي لا تقتُل لا تُحيي على الفور. بل تجعلنا مُجبرين على ألّا نسقط. مهما كان الألمُ ثقيلًا لا يُحتمل، وكان الخذلانُ ضاريًا، كوحشٍ كاسر لا يردعه ضعف ولا يرهبه خوف. فالإنسان حين تصفعه صدمات الحياة، لا تُعطيه الكثير من الخيارات؛ إمّا الوقوع في هاوية الخسارة، وإمّا المقاومة حتى النجاة. غير أن النجاة هنا لا تعني دائمًا الانتصار، فهناك ضرائب مدفوعة من أحلامٍ تتساقط واحدًا تلو الآخر في خِضم هذه المعركة الشرسة، معركةٍ تُجرِّد الإنسان من أبسط حقوقه:
وهو حق الانهيار حين لا تعود هناك طاقةٌ على الصمود.
وحين نُفسِح الطريق للكبرياء ليتولى دفةَ الأمر، يصبح صوته حادًّا كالسيف في أوج المعركة حيث لا تهاون، ولا مساومة، ولا التفاتةً لما يتحطّم في الداخل. فالألمُ حين يفوق الحدّ، يولد غضبًا أهوج لا يعترف بالمشاعر، ولا يقبل سوى الثأر.
ومن هنا تحديدًا يبدأ الإنسان في الانجراف نحو الخطأ، فتغدو الحاجة مُلحة إلى الموازنة بين النضال من أجل البقاء، والقتال بدافع الانتقام.
فكثيرٌ منّا لا يُدرك الحكمة الكامنة خلف كل صدمة أصابته، ولا السر خلف كل صفعة خذلان نالت منه منه، إلّا حين يبلغ حافة النهاية. حينها فقط، يرى بوضوح أنَّ كل ما مرَّ به لم يكن عبثاً، بل كان مخاضاً قاسياً لولادة إنسانٍ جديد، وسبباً قوياً لتصحيح مسار رحلته.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دارت النظرات المُشتعِلة بين الأربعة يُكلهها غضب عارم و خذلان مرير، ميرهان التي تركها رؤوف عامًا كامل دون كلمة وداع واحدة، و كمال الذي لم يكُن يصدق أن يراها بجانب هذا الرجل بعد كل ما حدث بالإضافة إلى وقاحته في القدوم إلى عرينه، و آسيا التي كان الغضب إلى جانب الخذلان يتربعان في عينيها وهي ترى ميرهان خلفه هل سامح من اغتالت حياتهم و هدمتها فوق رؤوسهم، ولم يُكلف نفسه عناء سماعها ولو لدقائق، ثم رؤوف الذي تماوج الاحتقار بعينيه تجاه ميرهان إضافة إلى الغضب تجاه كمال الذي تسبب في كارثة حياته و انتزاع كل ماهو غالي بها، ولكنه تجاهل رؤيته هو و شقيقته ليهتف بنبرة يشوبها التوسل:
ـ آسيا. أنا لازم اتكلم معاكِ.
وكأن الحياة اليوم أقسمت أن تضعها في أسوأ المواقف، و أصعب المواجهات، بداية من حديثها الشائك معه، و إهانته المتعمدة لها مرورًا بتلك المرأة زينة، و قربها منه الذي أوقد نيرانًا هوجاء داخلها ثم رؤيتها لهذه الفتاة التي هدمت حياتها تقف إلى جانبه كانت هذا الأمر بمثابة صفعة خذلان اخرى لها ! توالي الصدمات كان أكبر من قدرتها على الاستيعاب لذا تساقطت العبرات من مقلتيها التي كانت تطلقان الشرر منها حين التفتت إلى رؤوف هاتفه بحدة:
ـ أنت أيه اللي جابك هنا؟! أنا مش عايزة أشوفك تاني ولا عايزة اسمعك.
تألم من حديثها ولكنه اقترب خطوتين منها وهو يحاول تهدئتها قائلًا:
ـ طيب اهدي وخلينا نقعد و نتكلم.
كان هذا الحديث يقع على مسامع كمال الذي التمع الجنون بنظراته و اكفهرت معالمه بشكل مُريب، ليتدخل راجي الذي شاهد ما يحدُث و خاصةً حين سمع كلمات آسيا التي كان جسدها ينتفض وهي تهتف:
ـ امشي. مش عايزة أشوفك هنا تاني، وعمري ما هسمعك ولا هسامحك. لا أنت ولا هي.
قالت جملتها وهي تُشير إلى ميرهان التي كانت تكاد تنفجر من شدة الغضب و القهر وهي تراه يتوسل إلى آسيا حتى تحادثه وهي لم تظفر حتى بنظرة منه.
ـ اهدي يا آسيا و يالا نمشي. ممنوش فايدة الكلام دا.
كان هذا حديث شروق الذي اتبعه راجي الذي شاهد ملامح كمال المرعبة والجنون الباد في عينيه
ـ اركبوا العربية يالا.
جذبت شروق آسيا من يدها وسط نظرات رؤوف المُعذبة تجاهها، لتدخلها إلى السيارة التي انطلق بها راجي ليبتسم كمال بشر وهو يتوجه إلى رؤوف الذي كان يتبادل معه نظرات الغضب ليتفاجيء حين انقض عليه كمال بلكمة عنيفة لم يتوقعها قط، أودت به طريحًا فوق الأرضية الصلبة.
فبالرغم من محاولته السيطرة على نفسه إلا أنه حين شاهدها تغادر لم يستطِع ردع تلك النزعة الشيطانية التي اهتاجت داخله في الثأر لكرامته من هذا الرجل الذي تجعدت ملامحه من فرط الألم الذي تحول إلى غضب مُريع حين انتفض واقفًا ليقوم بتوجيه لكمة أشد عنفًا إلى كمال الذي تفاداها ببراعة ليقوم بتوجية ضربة رأس قوية إلى رؤوف شوشت الرؤية أمامه ليأتيه صوت ميرهان الصارخ:
ـ حرام عليك يا كمال سيبه.
تشتت كمال بفعل صوتها الذي أثار حنقه أكثر ليستغل رؤوف الأمر و يلكم كمال بمعدته لينحني الأخير بوجع لم يردعه عن رد الضربة بأقوى منها لتنال من عيني رؤوف اليمنى و لكنه لم يكتفي بل كان على وشك الإجهاز عليه بضربة آخرى لولا يد خالد التي أمسكت بيدي كمال وهو ينهره بحدة:
ـ بتعمل أيه ؟ انت اتجننت!
نزع كمال يده من يد خالد وهو يزأر بوحشية:
ـ بربي الكلب اللي جاي برجليه لحد هنا و مش هامه حد.
صاح رؤوف الذي تبدلت معالم وجهه من قسوة ضربات كمال:
ـ الكلب دا اللي شك في مراته وسابها و سافر من غير ما يسمع منها حرف.
و كأن الكلمات كانت كالقنابل المُسيلة للغضب الذي تبلور في عيني كُلًا من خالد الذي التفت ناظرًا إليه بحدة، وكمال الذي كان على وشك سفك دماء هذا الرجل في تلك اللحظة ليبتسم بجنون و هو يعض على شفتيه و يقترب منه هاتفًا بوعيد:
ـ وشرف أمي لهدفنك حي...
عند هذه اللحظة صرخت ميرهان بفزع ليتدخل خالد مُستخدمًا قوته في تحجيم جنون كمال الذي اندفع كالثور ينوي تنفيذ تهديده ليصرخ به خالد بعنفوان:
ـ كفاية غباء بقى.
ـ سيبني يا خالد. هخلص عليه.
هكذا صاح كمال ليقوم خالد بدفعه إلى الخلف بقوة وهو يصيح بصوت أفزعهم جميعًا:
ـ اخرس بقى بدل مانا اللي هكسر دماغك.
أنهى جملته والتفت لرؤوف هاتفًا بصوته الجهوري:
ـ وأنت امشي وإياك أشوف وشك هنا تاني. و إلا مش هتروح بيتكوا على رجليك.
تراجع الرجلان فقد خرج الوحش من مكمنه ليطلق نظراته التي كانت تحمل من الغضب ما جعلهم يتأكدون بأنه عازم على تنفيذ تهديده ليكون كمال أول من تراجع وهو يلعن بجميع اللغات ليستقل سيارته و يندفع كالإعصار الذي لا يجرؤ شيء على اعتراضه، ومن بعد رؤوف الذي كان يلوم نفسه بقوة على القدوم إلى هذا المكان الملعون.
بعدما غادر الجميع كانت هي هناك وحدها تقف مذعورة من ما حدث حتى أوشكت قدماها على خيانتها لتعلو شهقاتها و تزداد انتفاضة جسدها الذي كاد لان يسقط لولا خالد الذي هرول إليها بلهفة شابت نبرته حين صاح:
ـ ميرهان..
سقطت بين يديه وهي تنتفض كالطير الذبيح وخالد يحاول طمأنتها وهو يهرول بها إلى الأعلى حتى وصل إلى مكتبه، فقام بوضعها فوق الأريكة ثم جلب زجاجة مياة من الثلاجة الصغيرة في أحد جوانب الغرفة ليحاول جعلها ترتشف بضع قطرات حتى تهدأ قليلًا ولكنها تشعر بإحساس مُريع جعل انتفاضة جسدها تتضاعف وهي تهتف بشفاة مُرتجفة:
ـ أنا السبب. أنا وحشة. أنا السبب في كل اللي بيحصل دا..
وضع خالد قنينة المياة و جذبها إلى أحضانه، فلأول مرة يراها بهذه الحال الذي أثار قلقه ليحاول تهدئتها وهو يقول بنبرة حانية:
ـ اهدي. و بطلي الكلام دا مالوش لازمة.
كانت المرة الأولى التي تستشعر حنانه فلم تمنع نفسها من احتضانه بقوة وكأنها تدعوه لأن يغدقها به أكثر، فشعر خالد بذلك ليُشدد من احتضانها و يده تربت فوق خصلات شعرها بحنو، فقد كان شعورًا رائعًا لم تعرف كم افتقادها له إلا حين تذوقته. حتى أنها بدأت تهدأ تدريجياً ولكنها لم تُريد مفارقته أبدًا ليبدأ هو بالحديث قائلًا بحنو:
ـ بقيتي أحسن؟
رفعت رأسها تناظره بعتب لم يخفى عليه:
ـ ياااه يا إبيه. أنا مش فاكرة اخر مرة حضنتك فيها كانت امتى؟
عاتبها بنبرة أقوى:
ـ افتكري كدا اخر مرة عملتي حاجة فرحتني كانت امتى و أنتِ تعرفي!
شعرت بالمرارة التي تتشعب بين حروفه لتخفض رأسها بخزي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنا عمري ما عملت حاجة تفرحك أنا عارفة. بس أنا معرفش ايه اللي ممكن يفرحك عشان اعمله.
مد يده إلى ذقنها ليرفع رأسها حتى التقت نظراتهم ليقول بنبرة هادئة:
ـ اللي يفرحني أن ألاقي أختي ناجحة. بتشتغل على نفسها. بتحترم الناس و مبتقللش من حد. أشوف فيها البنت البريئة الصافية مش واحدة بتكره الخير لغيرها كل حياتها عبارة عن خطط و مؤامرات عشان تأذي الناس وبس.
نجح في جعل نيران الذنب تزحف إلى قلبها لتبدأ العبرات في التزاحم بمقلتيها وهي تهمس بإزعان:
ـ عندك حق.
وجد أنها الفرصة المناسبة لتصحيح مسار تفكيرها لذا قال باستفهام:
ـ قوليلي يا ميرهان أنتِ عملتي ايه لنفسك؟!
استفهام وضعها أمام حقيقة مؤلمة وهي أنها لم تفعل أي شيء قد يُفيدها أو يُعزز من شأنها لتلتزم الصمت المُخزي، فتابع هو باستفهام أشد قسوة:
ـ طيب لو فجأة لقينا الفلوس دي كلها راحت و لقيتي نفسك مضطرة انك تشتغلي عشان تقدري تعيشي وقتها هتعملي أيه؟
بدأ عقلها يجلدها بسوط الحقيقة المُنفرة وهي أنها لا تصلُح لأي شيء وبدون عائلتها فهي لا شيء لذا تمتمت بخفوت:
ـ مش عارفة..
خالد بنبرة مُعتدلة:
ـأنتِ اكتر حد ضرتيه نفسك. فكرتي تأذي غيرك لكن مفكرتيش تنفعي نفسك. أنتِ بالشكل دا أكبر عدو لنفسك.
كان مُحقًا للحد الذي جعلها تتحدث دون تفكير أو أي محاولة للإنكار:
ـ طيب هعمل ايه؟ انا مفيش حاجة قدامي تتعمل ومفيش حاجة هعملها هتضيف حاجة لحد.
خالد بقوة:
ـ هتضيفي لنفسك.
صمت لثوان قبل أن يُتابع بعتب:
ـ أنتِ متتخيليش أنا زعلان منك وعشانك قد أي؟
لامست جملته حواف قلبها مما جعلها تهتف باندفاع:
ـ هو أنا ينفع افتح قلبي واتكلم معاك؟
ـ طبعا.
تساقطت العبرات من مُقلتيها وهي تتحدث بنبرة حزينة:
ـ أنا اللي زعلانه منك. أنت ولا مرة خدتني في حضنك ولا مرة طبطبت عليا ولا مرة اتكلمت معايا. كل كلامك زعيق و شخط لحد ما بقيت بترعب من وجودك و بقى عندي احساس انك بتكرهني.
لدغته الحروف بقسوة و تفشت علة الندم بقلبه، ولكنه كان يملك تبريرًا لم يتوانى عن طرحه حي قال:
ـ طيب ما كمال طول عمره بيطبطب عملتيله أيه؟
استفهامًا موجعًا أصاب عمق جُرحها ليُتابع خالد موضحًا:
ـ أنا كنت بشد عليكوا عشان مفيش غيري بيشد. مش عشان بكرهك انا بكره تصرفاتك. في فرق كبير بين اللتنين.
كانت العبرات تتساقط بقوة من مقلتيها ليمد خالد يده يمحوها بلُطف قبل أن يُضيف بعتب:
ـ كمان احنا اتكلمنا قبل كدا بس أنتِ اللي وعدتيني وخلفتي..
تذكرت ذلك اليوم حين علمت نتيجتها السيئة في أحد المراحل و كانت ترتعب من عقابه ولكنه فاجئها حين جلس يتحدث معها بهدوء محاولًا تغيير مسار تفكيرها، ولكن هناك من سنن أفكارها، فلازالت كلمات نبيلة المسمومة ترن بأذنيها حين قالت:
ـ سيبك من الكلام الأهبل دا. دا بيثبتك يا حبيبتي عشان يعملك مرمطونة لمراته اللي هتجبله ولي العهد .فكرك هو بيتكلم معاكي دلوقتي ليه؟ عشان سواد عيونك! لا دا عشان الهانم راضيه عنه، و مش عايز حد يضايقها فتقلب عليه.
تجلت حيرتها بوضوح في عينيها لتهتف بضياع:
ـ ماهو انت بتقول كلام. و في كلام تاني بردو بيتقال عكس اللي أنت بتقوله يعني اسمع مين؟!
خالد بثقة:
ـ تسمعيني انا طبعاً. و دا مش عشان أنا اخوكي الكبير وبس، أو عشان أنا كبير العيلة! دا عشان أنا عمري لا ظلمت ولا هظلم حد خصوصًا لو الحد دا يخصني.
هتفت ميرهان باندفاع:
ـ يعني أنت مش هتيجي علينا عشان أشجان زي ما كنت بتيجي علينا عشان سهام!
خالد باستنكار:
ـ امتى جيت عليكوا عشان سهام؟!
ميرهان بخفوت:
ـ كنت بتيجي على نبيلة..
خالد بسخرية:
ـ هو في حد بيعرف ييجي على نبيلة! دا أنتِ أكتر واحدة عرفاها. أنا بحاول أحجمها عشان متدمرش اللي فاضل مننا.
صمت لثوان يحاول انتقاء كلماته حتى تتفهمها ثم عاد يتابع موضحاً:
ـ أنا لو جيت عليكوا أو هاجي عليكوا كنت نفذت وصية بابا الله يرحمه و اديتكوا ربع حقكوا زي ماهو قال.
ميرهان بلهفة:
ـ أيوا بس انت مكتبتش ورق و مفيش إثبات بالكلام دا
خالد بتهكم:
ـ وهو مين اللي مرديش! مش نبيلة بردو؟!
ميرهان بصدمة:
ـ.أيه ؟ نبيلة اللي عملت كدا؟ ازاي؟ دي قالتلي انك مش موافق تعمل ورق بالكلام دا، وان دا كلام و خلاص عشان تهدينا.
خالد بصراحة أجفلتها:
ـ وانتوا لو مهدتوش هتعملوا أيه؟ هتقدروا تقفوا قدامي؟
ميرهان بإذعان:
ـ لا!
زفر خالد بغضب قبل أن يقول بنبرة خشنة:
$ نصيبك ونصيبها موجودين و دا انا قولت هديهولكوا من فلوسي الخاصة عشان مكونش خالفت وصية أبوكي. و عند كلمتي ولو عايزة فلوسك خديها.
ضيق عينيه قبل أن يقول بتحذير:
ـ بس دا مش معناه اني هسيبك تتصرفي فيها زي ما أنتِ عايزة. عشان باختصار أنتِ مش عاقلة كفاية انك تعملي دا. صح ولا أنا غلطان؟!
تهدلت أكتافها وهي توميء برأسها قبل أن تقول:
ـ صح. بس انا مش محتاج فلوس.
شعر خالد بالكثير خلف جملتها الأخيرة فقال باستفهام:
ـ وأيه اللي أنتِ محتجاه؟
ميرهان بشفاة مُرتجفة:
ـ محتاجة أن انت و كمال تسامحوني.وانا والله هتغير ومش هعمل حاجة وحشة تاني تزعلكوا.
صمت لثوان فرأى في عينيها ما جعله يقول بحزم:
ـ الكلام بالنسبالي ضياع وقت. عايز أشوف منك اللي يخليني من جوايا أسامحك. و مش محتاج اقولك تشيلي آسيا من دماغك دا شيء مفروغ منه.
تبدلت نظراتها للغضب الذي شاب نبرتها حين قالت:
ـأنا مابحبهاش و عمري ما هحبها في يوم. لكن اوعدك اني عمري ما هيكون ليا علاقة بيها لا من قريب ولا من بعيد.
كان يرى الصدق في عينيها، لذا قال بنبرة حازمة:
ـ وانا هصدقك. بس لو خالفتي وعدك معايا هتزعلي مني..
ميرهان بلهفة:
ـ لا والله مش هعمل كدا. أنا كل اللي محتجاه فرصة منك
خالد بنبرة خشنة:
ـ و أنا معاكِ شوفي عايزة أيه عشان تبتدي صح المرة دي..
ابتسمت بامتنان قبل أن تقول بنبرة مفعمة بالأمل:
ـ هفكر و هقولك.
خالد باختصار:
ـ موافق.
كانت هناك ابتسامة مُشجعة على شفتيه جعلتها تقترب لتحتضنه بقوة ليبادلها العناق و بداخله شعور قوي بالسعادة التي لم يستطِع التعبير عنها بالكلمات، ولكن هذه السعادة لم تمحو شعور موجع بالذنب يعبأ داخله.
اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي" ♥️
★★★★★★★★★★
ـ ياسر. كنت فين قلقتني عليك..
هكذا هتفت غنى حالما رأت ياسر يدلف إلى المنزل لتتراجع خطوة إلى الخلف حالما رأت ملامحه الغاضبة وعينيه التي سكنها غضب مريع، حادّ كنصلٍ مسموم، تومض فيه شرارات قاسية تنذر بأن القادم لن يكون هينًا لذا تراجعت من أمامه تفسح له المجال للمرور دون حديث لتجده يتوجه إلى المرحاض ليضع رأسه أسفل المياة في محاولة منه للتخفيف عن هذه النيران المُشتعلة التي تكاد تفتك به، ولكن هل يفلح شيء في إخمادها:
ـ ياسر.
هكذا همست غنى التي التهمها القلق على مظهره الذي يوحي بأن هناك أمرًا جلل قد حدث:
ـ هدخل أنام محدش يصحيني.
هكذا تحدث بجفاء لم تعتاده منه لذا لجأت للصمت و هي تتابعه يتجاهلها ويدلف إلى الداخل لتأخذ مقعدها على الأريكة وداخلها شخصان يتناحران ما بين الغضب و الحزن الغضب منه ومن تجاهله لها و الثاني حزين على رؤيته في هذه الحالة.
جانب منها يتوسلها أن لا تدعه وحده حتى ولو شاركته مصابه صمتًا و جانب آخر يأمرها بتجاهله كما فعل معها، ولكن كانت الغلبة للأول الذي جعلها تتوجه إلى المرحاض لتتوضأ ثم سارت بهدوء لتجلس على حافة السرير الذي يتوسطه لتمد كفها فوق جبهته قبل أن تبدأ في تلاوة الرُقية الشرعية بصوتٍ هاديء لا يُسمع ولكنه يبعث على الراحة.
في بداية الأمر ظل ساكنًا ولكنه بعد ذلك لم يستطِع تجاوز فعلتها و آثرها في نفسه المُحطمة، فقد كُسِر اليوم من أقرب شخص إلى قلبه، وقد كانت توابع هذا الأمر مروعة مما جعل العبرات تجري فوق خديه كالأنهار التي تتدفق بصمت، ولأن القلوب تشعر بساكنيها، فقد شعرت هي به لتبدأ في مشاركته البكاء هي الآخرى دون أن تصدر صوتًا قد يزعج هذا الإنهيار المختنق، لتجده يلتفت مُحتضنًا خصرها بقوة و هو يطلق العنان لنهنهاته التي تردد صداها في الغرفة حولهم.
مرت دقائق لا تعلم عددها إلى أن بدأت عاصفة إنهياره بالهدوء لتمتد يدها تربت فوق خصلات شعره بحنو كان في أمس الحاجة إليه لتسمعه يهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ غنى.
غنى بخفوت:
ـ نعم يا قلب غنى.
شدد من احتضان خصرها وهو يهتف بنبرة مُلتاعة:
ـ أنا بحبك أوي.
كان احتياجًا للحب أكثر من أعلان صريح عنه لتلبي ذلك الرجاء الصامت الذي يتخلل نبرته وتُجيبه بنبرة حانية:
ـ وأنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
رفع رأسه يطالعها بأعيُن انطفىء بريقها و طمس الحزن وهج الحياة بهم ليهمس بنبرة تئن من فرط الألم:
ـ أنا مخنوق أوي يا غنى. حاسس أن حزن الدنيا كله في قلبي.
لم تستطِع إلا أن تسأله بلهفة:
ـ أنت روحت لهيام؟
اعتدل جالسًا، وقد بدأ الغضب يستعرض نفسه بقوة في عينيه ليهتف بنبرة جافة:
ـ روحت.
ـ اتخانقتوا.
هكذا استفهمت بلهفة ليُجيبها بسخرية مريرة:
ـ لا اتفقنا.
اندهشت من إجابته ليلتفت ناظرًا إليها وهو يتابع بتهكم غاضب:
ـ اتفقنا أن محدش فينا هيعرف التاني أبدًا.
شهقت غنى بصدمة:
ـ بتقول أيه؟
نظر إلى الأمام وهو يهتف بقسوة:
ـ هيام ماتت بالنسبالي...
ـ في أيه يا هيام بتعيطي ليه؟
هكذا استفهمت أشجان بلهفة حين سمعت صوت نحيب هيام التي تصدعت الجدران من بكائها الذي جعل نبرتها مُتهدجة حين قالت:
ـ خسرت يا أشجان. خسرت نور عيني وابني اللي ربيته و حاوطت عليه برموش عنيا. بيقولي أنتِ موتي بالنسبالي.
أشجان بصدمة:
ـ بتقولي أيه يا هيام؟ ياسر قالك كدا ! طب ليه؟
هيام بانفعال:
ـ كله من بنت خالتك. هي السبب! هي اللي دخلت بيننا و كرهته في أخته اللي ربته. خلته مبقاش شايف غيرها. لكن لا...
هبت من مجلسها وهي تهتف بشراسة:
ـ مبقاش هيام لو سبتهولها. ياسر و يزيد دول زرعة عمري. زيهم زي حمادة و أكتر، ومش هسيب حد ياخدهم مني. عرفي بنت خالتك الكلمتين دول.
تراجعت أشجان إلى الخلف وهي تهتف بصدمة:
ـ أيه يا هيام اللي بتقوليه دا؟ غنى دخلها أيه في اللي بينك و بين أخواتك..
هيام بحدة:
ـ هي أوس البلاوي اللي في الدنيا. بس مبقاش هيام لو موقفتهاش عند حدها..
قالت جملتها و غادرت تاركة أشجان في ذهول مما رأته و سمعته منها
ـ استهدى بالله يا ياسر. و استغفر ربنا. مينفعش اللي انت بتقوله دا.
هكذا تحدثت غنى في محاولة منها لتخفيف حدة الأمر قليلًا، فقد صدمها بحديثه و خاصةّ حين صاح باندفاع:
ـ اللي بقوله دا هو اللي هيحصل، و من هنا ورايح الموضوع دا ميتفتحش تاني سامعة!
أغضبتها لهجته في الحديث لذا اكتفت بالقول بنبرة واجمة:
ـ اللي تشوفه يا ريس.
شعر بأنه تمادى معها، ولكنه غاضب حد الألم الذي يتشعب بكل خلية داخله. وحين رآها على وشك المغادرة قم بجذب يدها ليُعيدها إلى مكانها مرة آخرى ولكنها أقتربت أكثر من المُعتاد لتجد نفسها على مقربة منه مكنتها من رؤية ذلك الخيط الزيتوني الذي يتسلل بخُبث في عسليتيه ليجعل لونهم أروع ما يكون، فبدأ قرع الطبول يدق بصدرها، و كذلك هو، فقد كان يُعاني الأمرين طوال الفترة الماضية يرغب بقوة في قربها، ويخشى أن يقترب فتفزع و ترتعب، يريد بدأ حياته معها، ولكن شرطه الوحيد أن تكون راضية راغبة. يؤلمه الشوق و يهلكه العشق و كأنه أقام مأدبة على شرف عذابه و بالرغم من ذلك مازال يتمسك بحبال الصبر عل الجبر آتيًا في طريقه إليه.
ترك فاصلًا من الصمت يمر وهو يستنشق عبير أنفاسها بهدوء قطعه حين همس بنبرة خافتة:
ـ لو قولتلك اني حاسس و كأن روحي بتتسحب مني و قربك هو اللي هيحييها هتقولي لا.
جملته أيقظت وحوش الخوف من مكامنها، ولكن هناك جبهة آخرى تحارب بضراوة لأجل رجل امتلك كل ذرة من كيانها لذا همست بنبرة يشوبها العذاب:
ـ عمري ما هقول لا حتى لو كان قربك دا محطتي الأخيرة في الدنيا. أنا موافقة.
يرى بعينيه ما لا تستطِع التصريح به. يرى خوفًا و عذابًا و استنكار وكأن عقلها يبدأ في استعراض ذكريات سيئة لازالت تطاردها كالأشباح، ولكنه لم يعُد يحتمل ثقل ما يمر به لذا اقترب يطوي كل تلك العوائق بينهم ليُقربها منه بقوة لا تضاهيها سوى عشقه لها، وقد كانت هي على الجانب الآخر تغمض عينيها لا تُبدي أي ردة فعل سوى ارتجافة بين يديه دون اعتراض أو استجابة، ولكنه لم يستطِع احتمال هذا الأمر، لذا تراجع عنها غاضبًا أكثر من ذي قبل ولكنه لم يـفصح عن غضبه إنما حاول اغتصاب ابتسامة فوق شفتيه قبل أن يقول بنبرة قاطعة:
ـ احنا لازم نروح لدكتورة..
تراجعت للخلف تناظره بصدمة تحولت إلى استنكار لم يخلو من الخوف حين قالت:
ـ دكتورة ليه؟ أنا معنديش حاجة بتوجعني.
قالت جملتها الأخيرة بشفاة مُرتجفة ليقترب ويحتوي وجهها بين يديه وهو يقول بحنو:
ـ دكتورة نفسيه يا حبيبتي. حتى لو معندكيش حاجة زي ما بتقولي أو مش بتشتكي من حاجة بس هي هتساعدك.
هدأت و لانت ملامحها قليلًا حين علمت مقصده ليستغل ذلك ويُتابع بنبرة عاشقة:
ـ عايز أبدأ حياتي معاكِ يا غنى. نفسي أشوف ولادي منك. أنا تعبت من كل اللي بيحصلنا دا. نفسي لما يكون في حاجة مضيقاني اترمي من حضنك من غير ما افكر ولا اعمل ألف حساب لرد فعلك.
غنى بخفوت:
ـ حقك عليا..
ياسر بلهفة:
ـ أنتِ مغلتطيش في حقي عشان تقولي كدا. أنا عايز حياتنا تكون طبيعية مش أكتر.
ابتسمت بهدوء قبل أن تقول برضا:
ـ وأنا موافقة. هعمل كل اللي يرضيك ويخليك مرتاح.
ابتسم يداعب أنفها بخاصته وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ أحلى غُريبة في الدنيا..
لم تمر إلا ثوان حتى سمعوا طرق قوي على باب البيت لينتفض جسد غنى من حدته و يهب ياسر من مكانه متوجهًا إلى الباب ليفتحه فإذا به يجد هيام أمامه بملامح مُغبرة و نظرات غاضبة و نبرة تُشبهها حين قالت:
ـ مكنتش متخيل طبعًا انك تشوف وشي بعد ما موتني على حياة عيني.
تراجع ياسر إلى الخلف ليسمح لها بالدخول وهو يحاول قمع غضبه الجحيمي الذي أن أطلق له العنان سيحرق الجميع وهي أولهم ولكنها لا تساعده إطلاقًا بل تغزي نيرانه بوقود غبائها حين قالت بحدة:
ـ بس أنا بقى جاي أقول كلمتين فيهم الناهية يا ياسر، وقدام السنيورة مراتك عشان تحطهم حلقة في ودنها العمر كله.
صرخ ياسر مُحذرًا:
ـ ملكيش دعوة بيها و كلميني أنا.
هيام بتهكم:
ـ مليش دعوة بيها! دي هي سبب الليلة دي كلها.
التفتت تناظر غنى التي كانت تقف بهدوء في آخر الغرفة:
ـ لو كنتِ فاكرة أنتِ أو أمك انكوا هتحرقوا قلب هيام تبقوا غلطانين! الراجل الطول بعرض اللي واقف قدامك دا ربايتي، زرعتي. ابني اللي حاوطت عليه برموش عنيا، واللي ليا ألف حق فيه. دا ابن قلبي اللي عمري ما هسمح لمخلوق في الدنيا بحالها يبني طوبة بيني وبينه. مش تفكري انك هتاخديه مني.
كان الغضب يمضغ تقاطيعه بطريقة لم يعهدها من قبل ولم يستطِع السيطرة عليه حين احتل نبرته وهو يصرخ قائلًا:
ـ أنتِ أيه؟ عقلك دا فين؟ ارحميني. أنا كرهت نفسي بسببك. ياريتك رمتينا في الشارع بدل ما سممتي حياتنا. لسه بردو بتجيبي اللوم عليها. ارحمينا.
تفاجئت المرأتين من صراخه المُفزع و ملامحه المنفردة و خاصةً حين أضاف و الزبد يسيل من شدقيه:
ـ أنتِ دمرتيني. اكتر حد آذاني في الدنيا. كل اللي عملتيه ميدكيش الحق تلعبي بحياتي و تحرميني من الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها. أنتِ مفيش حاجة وحشة معملتيهاش. الراجل اللي بتقولي انك ربتيه دا أنتِ بنفسك اللي هيفتيه لما مديتي إيدك عليه. لما صغرتيه وخليتي واحد كان بيتمنى اني ارمي عليه السلام يطردني من شغلي. عايزة تعملي فينا أيه اكتر من كدا.
كانت الإهانة أمام غريمتها أقسى و أشد لذا صرخت مُستنكرة تحاول فرض سيطرتها المطلقة:
ـ اعمل اكتر من كدا، و متخرجش عن طوعي.
ياسر بصوت جهوري اهتزت له الأبدان:
ـ ليه؟ تبقي مين عشان اتحمل منك كل دا؟! أمي! حاسبه نفسك أم! لو أمي كانت عايشة كانت سابتك تعملي كدا! كفاية بقى مش هسمحلك تستنزفيني أكتر من كدا. فوقي بقى أفعالك اللي خسرتك. مترميش ذنوبك على حد...
استقرت كلماته في أعماقها و ظلت تتردد في رأسها لدقائق وهي تنظر إليه بصمت و لا تتخيل أنه يحادثها بهذا الشكل أمام زوجته التي لابد و أنها شامتة بها هكذا خُيل لها لذا هتفت بقهر:
ـ ذنوبي! بقيت عاصية في نظرك! أنا عارفة أن أنا مش أمك، مانا لو أمك كنت غفرتلي غلط مكنش مقصود. غلط جه بسبب حرقة قلبي عشانك، وعشان متحملتش عليك الهوى. لكن أنا مش امك. بالنسبالك. لكن بالنسبالي طول عمرك ابني. لكن ماشي يا ريس. أنا محقوقالك. و أسفة ليك و للسنيورة تحب ابوس على راسها! ولا رجليها! ماهي الدنيا كدا اللي ترفعه يذلك. بس أنا مسمحاك. مسمحاك عشان قلبي مش زي قلبك وميقدرش يقسى عليك. لكن ربنا مش هيسامح صدقني. عمره ما هيسامحك يا ياسر على عمايلك فيا.
غادرت تاركة خلفها زوج من العينين تناظرها بألم كبير، فقد نجحت كلماتها بإشعال فتيل الذنب بداخله، و أيضًا إصرارها على ارتداء ثوب الضحية بهذه الصورة جعله يشك في أمره!
هل حقًا يظلمها! هل الأمر ليس كبيرًا إلى هذه الدرجة؟! كيف وهو يتألم بهذه الطريقة!
أخذت الاستفهامات تطن بعقله كالذُباب، وهو يجلس واضعًا رأسه بين يديه، فلأول مرة بحياته يجد نفسه تائهًا إلى هذا الحد، غارقًا في الحيرة والألم. يرى الحق بوضوح ولكن كلماتها تشوش الرؤية أمامه مُستغله معدنه الطيب و خوفه من الخطأ لتضغط و بقوة على هذه النقطة لتزُج به في صراعٍ مُميت لا فائز به ولا منتصر.
ـ ياسر..
لم يرفع رأسه لتقترب هي و تجلس أمامه على الأرض ناظره إليه وهي تقول باستفهام:
ـ في أيه جواك يا ياسر؟! اتكلم قول خليك ترتاح..
ياسر باستنكار:
ـ ارتاح!! أنتِ مش سامعة الكلام!
هب واقفًا وهو يدور حول نفسه يهزي كالمحموم:
ـ دي بتدافع عن نفسها كأن هي الضحية! دا لو أن اللي روحت اتبليت عليها و لبستها مصيبة زي دي مكنتش هتقف تقولي كدا!
زرع يديه في خصلات شعره يجذبها بعُنف وهو يصيح بانفعال:
ـ يعني هي اللي صح؟ يعني أنا مكبر الموضوع! أنا مبقتش فاهم حاجة. أنا اللي ربنا مش هيسامحني! أنا خلاص قربت اتجنن.
قال جملته الأخيرة وهو يصرخ بجنون جعله يضرب يديه في الطاولة الزجاجية لتتحطم و يخترق أشلائها يديه لتنبثق الدماء منها كالشلال مما جعل غنى تصرخ بفزع:
ـ ياسر....
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم ♥️
★★★★★★★★★★★
ـ جايلي بكل وقاحة و بيقولي لازم نتكلم! تخيلي بعد ما خرب حياتي. جاي عايز يتكلم معايا!
هكذا تحدثت آسيا إلى سوزان التي أخذت تربت فوق ظهرها بلُطف في محاولة منها لتهدئتها قليلًا:
ـ ما أنتِ اللي من وقت اللي حصل وأنتِ مش راضية تسمعي منه. قولتلك خلصي الموضوع دا معاه، واقفليه عشان يبطل يحاول معاكِ. مبتسمعيش الكلام.
آسيا بحدة:
ـ مش طيقاه، ولا عمري هسمعه. خلاص دا انتهى من حياتي..
سوزان بتقريع:
ـ يبقى تبطلي تلومي على كمال أنه عمل معاكِ كدا، و مرديش يسمعك!
كان مجرد ذكر اسمه مريعًا بالنسبة إليها، و بدأت كلماته المؤلمة تتردد صداها في عقلها لتنتزع نفسها من بين ذراعي سوزان وهي تهتف بشراسة:
ـ و دا كمان انتهى من حياتي. مش هجري وراه ولا حتى هحاول أبررله. حتى لو جالي لحد عندي و أترجاني احكيله مش هعمل دا. خلاص بقى كفاية وجع قلب، و قلة كرامة. محدش يستحق اني أحبه غير نفسي، والمرة دي كل حاجة هعملها عشان خاطرها. لا عشان انتقم من حد ولا عشان اوصل لحد.
مدت سوزان يدها لتحتوي كفها قبل أن تقول بهدوء:
ـ حلو. كل دا حلو. ممكن بقى نبدأ ننفذه من دلوقتي. تنسي كل اللي حصل، و تقومي تاخدي دواكي، و تقعدي تخلصي شغلك و تنسيهم اللتنين. بدل اختارتي تعيشي لنفسك يبقى متضيعيش وقت.
آسيا بتصميم:
ـ هيحصل. متقلقيش.
★★★★★★★★★
ـ مبروك يا حبيبي. خلاص حددت المعاد مع راندا مامت شاهي، و هنروح نخطبها بكرة أن شاء الله.
هكذا تحدثت نبيلة بمرح و سعادة تتناقض مع تجهم عمر، و غضبه الذي كان يتبلور بوضوح في نظراته ليتهكم عز الدين قائلًا:
ـ طب مش قبل ما تعملي كدا تتأكدي أن ابنك مقتنع و فرحان!
نبيلة بلهفة:
ـ مش هيكون مقتنع و فرحان ازاي وهو اللي طلب مني دا!
عز الدين ساخرًا:
ـ دا شكل واحد مقتنع و فرحان أن خطوبته بكرة!
كانت ملاكح عمر لوحة حية عن الغضب والرفض الذي تعاظم ليتحول الى سخط تجلى في نبرته حين قال:
ـ هروح أقول خالد عشان ييجي معانا بكرة.
عز الدين بحدة:
ـ و خالد ييجي معانا بكرة بصفته أيه؟ ولا أنا مش مالي عينك!
لم يلتفت للرد عليه لتقترب نبيله من عز وهي تحتضن كفوفه بين يديها قائلة بنبرة ناعمة:
ـ دا كلام بردو يا حبيبي! دا انت فوق راسنا. هو بس عمر بيحب خالد شوية، وخالد مش غريب دا خاله، وبعدين خالد يشرف أي حد دا كدا ولا أيه
جذب يده من يدها وهو يصيح بغضب:
ـ طبعًا يشرف مش خالد بيه الوتيدي رئيس مجلس إدارة شركات الوتيدي اللي فنيت عمري فيها و في الآخر جه هو خد كل حاجة على الجاهز.
نبيلة بلهفة:
ـ وحياتك عندي لكل حاجة ترجعلنا من تاني. بس الصبر.
عز بحدة:
ـ أنا مش لازمني حاجة من حد. خلاص ههتم بشغلي من هنا ورايح مانا بردو وتيدي ولا نسيتي!
ـ لا طبعًا ليه بتقول كدا؟!
هكذا تحدثت نبيلة بإرتباك ليجيبها عز بجفاء:
ـ ورثك اللي لسه سيباه عند خالد. عشان يزيد، و لما احتاجتخ مفكرتيش تقوليلي هاخده عشانك. أيه معندكيش ثقة فيا. مش مأمناني على فلوسك صح ولا أنا غلطان؟!
تدرك جيدًا كيف تسيطر على لحظات غضبه، وكيف تمتصه ليتحول بعدها إلى عاشق لا يبغي سوى رضاها لذا أتقنت ارتداء قناع الضعف و ذرف العبرات الزهيدة لتهتف بشفاة مُرتجفة:
ـ كدا بردو يا عز! تظن فيا كدا؟! بقى أنا اللي سايبة فلوسي تحت تصرف خالد عشان يفضل ليك حق في كل حاجة تيجي انت تقول اني مش مأمناك؟!
كان حزنها أمرًا لا يستطيع تحمله، و خاصةً حين اخذ جسدها يرتجف وهي تُضيف بوهن:
ـ هو أنا ليه مش مكتوبلي افرح ؟! ليه مكتوب عليا أن اللي يأذيني هما اكتر ناس بحبهم؟!
امتدت يديه لتمحو عبراتها وهو يقول بحنو:
ـ خلاص يا نبيلة متقوليش كدا؟ انا مقصدش أأذيكي بكلامي، وعارف انك سايبة نصيبك عشان يكون لينا حق في كل حاجة. بس أنا مش محتاج دا، و مش لازمني حاجة منهم.
نبيلة بنبرة ناعمة:
ـ بس دا حقنا يا روحي. حق تعبك السنين اللي فاتت. و حق ولادنا..
زفر بتعب لتقوم برفع يده إلى شفتيها تقبلها وهي تقول بنبرة خافته تأثر بها كثيرًا:
ـ حقك على راسي، و متزعلش من عمر كله الا زعلك عندنا.احنا ملناش غيرك.
نجحت في تبديد شحنات غضبه واستبدال شرر نظراته إلى عشقًا تساقط من بين حروفه حين قال:
ـ دا أنا اللي ماليش غيرك يا نبيلة. أنتِ نعمة من ربنا عليا. ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
عانقته نبيلة والخبث يلون نظراتها و نبرتها حين قالت:
ـ ولا يحرمني منك أبدًا يا قلبي..
جذب نفسه من بين أحضانها لينظر إلى ساعته قائلًا:
ـ طيب أنا همشي دلوقتي عشان عندي معاد شغل مهم.
ـ اتفضل يا حبيبي، وانا هظبط الدنيا عشان مشوار بكرة..
غادر و تركها ليتوجه إلى سيارته ولكنه تفاجيء حين شاهد زينة التي اقتربت تناظره بسعادة وهي تقول بنبرة ودودة:
ـ أخيرًا يا عز!
عز بصدمة:
ـ زينة! أنتِ رجعتي امتى ؟!
ـ مبقاليش كتير. بس من سوء حظي اني مشوفتكش من وقت ما وصلت.
هكذا تحدثت بمرح قابله بالمُزاح حين قال:
ـ قصدك من سوأ حظي انا. المهم طمنيني عليكِ!
زينة بمرح:
ـ لا اطمنك دي فيها قاعدة، و معتقدش أن بلبلة هتسمحلنا بدا.
ابتسم على مزاحها، فقد كانت معروفة بصراحتها و خفة ظلها لذا ابتسم قائلاً:
ـ طيب أنا عندي معاد شغل. هخلصه و نتقابل بره نتكلم..
زينة بنبرة ودودة:
ـ و أنا موافقة..
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال" ♥️
★★★★★★★★
ـ هتفضلي كل ما تركبي الطيارة تتوتري كدا؟!
هكذا تحدث راجي يشاكسها فقد أضناه خصامها ولم يعد يُطيقه لتُجيبه بتوتر:
ـ أنا مابحبش اسافر بالطيارة و أنت عارف دا، وكل مرة بتصمم نسافر بيها معرفش ايه وجهة نظرك؟!
ابتسم وعينيه تطوف فوق ملامحها بحُب تجلى في نبرته حين قال:
ـ عشان عايز أساعدك تتخلي عن كل مخاوفك. مش عايز حاجة أبدًا تخوفك أو توترك.
تفشى الخجل في وجنتيها و التفتت ناظرة إلى الجهة الآخرى، فقد كانت تخشى التطرق لهذه الأمور معه، فهي ترى مشاعره بوضوح ولا تحاول استفزازها أو الاصطدام بها ولكنه قرر الإفصاح عنها حين مد يده يلامس كفها لتُعيد انظارها إليه لتصدمها تلك النظرات والتي توحي بالتصميم، فقد كان يعلم بأنها تهرب وقد عزم على وضع حدًا فاصلًا لهذا الأمر ليقوم بجذب علبة قطيفة حمراء و وضعها فوق راحة كفها وهو يفتحها ليلتمع بريق الألماس الذي كان يُزين هذا الخاتم الرائع لتشهق بصدمة تعاظمت حين قال:
ـ ملقتش في المجوهرات حاجة أغلى من الألماس عشان أقدمهالك، بس هقدم معاه حاجة أغلى من كنوز الدنيا. هقدملك قلبي. تتجوزيني يا شروق ؟!
اللهم إنك تعلم وهم لا يعلمون، اللهم أرح قلبي وهون علي وإسقني صبراً، وأعوذ بك من غصة القلب وضيق النفس، اللهم امسح على قلبي برحمة منك ولا تجعل لي حزنا يقلقني ♥️
★★★★★★★★
ـ حبيبي بيعمل ايه؟
هكذا استفهم خالد وهو يحادث أشجان على الهاتف لتُجيبه بخفوت:
ـ بعمل كيكة شيكولاته.
غازلها قائلاً:
ـ والله مافي شيكولاتة عايزة تتاكل غيرك!
ابتسمت بخجل خيم على نبرتها حين قالت:
ـ بعملها عشان عارفة انك بتحبها.
خالد بنبرة عاشقة:
ـ بحبها عشان من إيديكِ.
أشجان بنبرة خجلة:
ـ وأنا بحب اوي أأكلهالك بإيدي على فكرة..
زفر خالد بتعب:
ـ الله يخربيت الشغل اللي مانعني اجي اخدك في حضني دا..
نظرت إلى الساعة المُعلقة على أحد الجدران لتجد أن الوقت قد تأخر عن ميعاد عودته فهتفت باعتراض:
ـ المفروض الشغل يكون خلص بقاله اكتر من ساعتين. إيه اللي أخرك كدا؟!
خالد بنبرة خشنة:
ـ المدير مالوش مواعيد يا حبيبي.
ـ طب مرات المدير معترضة و زعلانه
هكذا تحدثت باعتراض ليبتسم قبل أن يقول مغازلًا:
ـ لا مانا ناوي أصالحها. و مجهزلها بروجرام في الجون.
أشجان بلهفة:
ـ بجد بروجرام أيه؟!
خالد بخشونة:
ـبعد ما اخلص شغل هعدي أخدك نروح للدكتورة، و بعدها نطلع على الاوتيل، و مش عايز اعتراض أنتِ وحشتيني جدًا و بقالنا كتير مش عارفين نتلم على بعض، وكدا مش فير بالنسبالي.
لم يمر الحديث على عقلها الذي كان متنبها لجملة واحدة وهي زيارتهم للطبيبة، وهنا هوى قلبها بين ضلوعها ذُعرًا مما جعل نبرتها ترتجف حين قالت:
ـ دكتورة ايه يا خالد؟
أجابها بتلقائية:
ـ هنروح نطمن عليكِ و نشوف ايه اللي مانع الحمل لحد دلوقتي!
ثم أضاف بنبرة عاشقة:
ـ مش هقدر اتحمل اكتر من كدا. نفسي في نسخة تانية منك. عايز مليون نسخة مش نسخة واحدة.
تبددت نجومها البراقة خلف سحب حالكة تهدد بهطول المطر في أي وقت، و توغر صدرها ألمًا، فهاهو ما تخشاه قد حدث لذا تاهت الكلمات من فوق شفتيها و ما كاد أن يكمل حديثه حتى انفتح باب غرفة مكتبه و أطل كمال بمظهره المُريع ليقول خالد بجفاء:
ـ طب اقفلي و هكلمك كمان شوية..
اغلق الهاتف ليتحدث كمال بنبرة حادة كالسيف:
ـ الفويس اللي سجله الحيوان دا لآسيا لسه معاك؟!
لم يتفاجيء كثيرًا من أستفهامه لذا قال باختصار:
ـ معايا.
كمال بنبرة قاطعة:
ـ عايزه...
يتبع.....
سامحوني والله ما قدرت اكتب اكتر من كدا ربنا وحده يعلم أنا بكتب البارت دا وانا عاملة ازاي من شدة تعب ضهري، و مردتش أأجله عشان محدش يقول دي بتزود المشاهدات🥺
الناس اللي معترضه على مواعيد التنزيل يا جماعة للمرة المليون انا عندي أطفال و مبعرفش اكتب غير لما يناموا، و ورايا التزامات بحاول التزم على قد ما اقدر و اني انزل بارتين في الأسبوع دا ربنا وحده يعلم بياخد مني مجهود و ضعط قد ايه و منعًا للكلام اللي بيزعل هنخلي مواعيد التنزيل يوم الاثنين والخميس الساعة ١٠ الصبح عشان محدش يسهر لا هتناموا و تصحوا تلاقوا البارت أن شاء الله ♥️
دعواتكوا عشان تعبانه فوق ما تتخيلوا 💔
و ان شاء الله لو بقيت أحسن بارت الخميس هيكون طويل و مُرضي بالنسبالكوا ♥️
أتمنى توصلوا الاقتباس دا ل ٢٠٠٠ لايك علشان دا بيساعد أن كتير يشوفوه و يطلبوا الرواية ♥️
و متنسوش أن روايتي القمر ذاكرة الرماد " حين ينفُث الرماد عطرًا" موجودة بكرة في المعرض بخصم حلو اوي في دار مدينة الأدباء صالة ٢جناح c34
ومش بس ذاكرة الرماد دا كل رواياتي " ما خبأته السماء و ميثاق الحبِ و الياقوت و في قبضة الأقدار ج١"
و اللي مش هيقدر يروح المعرض جبناله المعرض لحد عنده تقدروا تطلبوا رواياتي كلها من لينك المتجر الالكتروني 👇
أو رقم الواتساب 👇
+201121530961
بحبكوا ♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثامن وستون 68 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
جماعة قبل البارت هو ايه الكومنتات الوحشة دي ؟ يعني انا اتأخرت في التنزيل انتوا عارفين ظروفي ؟ عارفين ايه أخرني؟ ليه الجلد دا! ابني أقسم بالله طول الليل بيكح و تعبان و انا كانت نفسيتي زفت امبارح و ماليش نفس لحاجة و مع ذلك قعدت من الصبح اكتب البارت تقديرا للناس المحترمة اللي بتحبني اتفاجيء بالكومنتات دي! يا جماعة عيب ميصحش والله نصبر على الناس محدش يعرف غيره في ايه💔💔
السبيل الحادي عشر ❤️🔥
ظاهريًا، استنكر وبشدة أي شيء قد يجمعني بك، حتى وإن كانت جملة عابرة تضم اسمينا معًا، وكأنّ اجتماعنا أصبح جريمة لا تُغتفر. لكن الكارثي في الأمر أن الحربَ تدق بقلبي كلما مرت على مسامعي حروف اسمك، وكأنه صوت خفي يحيا بداخلي يوقظ كل ما حاولت جاهدًا دفنه.
يشتعل الشوقُ في صدري كلّما مررتُ بمكانٍ علِقت به رائحتكِ، فتغدو الذكريات فخًا لا مهرب منه، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى سيوف مسلطة على قلبي. غير أنّه الكبرياء، ذلك العناد الأعمى، هو ما يدفعني إلى نكرانك. بينما قلبي، بالرغم من ألمه و صمته، لا يعرف أمنية سوى أنه ينتمي إليك ولا يبغي سواك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
صمت مطبق خيم على المكان لثوان بعد أن انتهى التسجيل الكامل الذي قام خالد بتشغيله ليستمع كمال إليه و الذي كان صامتًا لا يظهر عليه شيء ليُعيطه خالد مساحته في التفكير قبل أن يقول بجمود:
ـ سكوتك دا رد فعل غريب يا كمال. بتفكر في أي؟
كان ساكنًا على نحو غريب ولكن ملامحه كانت صورة حية عن الخذلان الذي شاب كلماته المختصرة حين قال:
ـ كنت عايز اتأكد من حاجة و خلاص اتأكدت.
خالد باستفهام:
ـ أقدر أعرف ايه هي الحاجة دي!
كمال باقتضاب:
ـ مش لازم.
يرى بوضوح ذلك الألم في عينيه ولكنه أراد دفعه لأسقاط ولو جزء من هذا الثقل الذي يحمله ليقول بنبرة خشنة:
ـ انطباعك ايه عن اللي سمعته؟!
لم تخلو نبرته من السخرية المريرة حين قال:
ـ اتأكدت أن أنا عندي أسوأ أخت في الدنيا.
لا يستطِع معارضة حديثه، فهو محق بالرغم من كل شيء، فقد تأذى كثيرًا بسبب عناد شقيقته و تهورها لذا تجاهل أمرها وأجابه مُستفهمًا:
ـ و بالنسبة لآسيا!
تنبهت جميع حواسه حين أتى على ذكر إسمها و كأن كل ما به يعانده لأجلها، ولكنه يقاوم لذا قال بجفاء:
ـ مالها!
خالد بنفاذ صبر:
ـ أنت سمعت كلامها.
سخر بمرارة:
ـ سمعته. بس محستوش.
توجه ليجلس على أقرب مقعد ناظرًا للبعيد وهو يقول بنبرة يتشعب بها الألم:
ـ أنا عمري ما سألت نفسي هي بتحبني ولا لا! طول الوقت كنت مشغول اني أراضيها و افرحها. طول الوقت كنت بحاول اصلح اي حاجة مكسورة جواها.
صمت يحاول سحب قدرًا كافيًا من الهواء داخله عله يخمد تلك الحرائق المندلعة بصدره قبل أن يُتابع بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنا مش فاكر موقف واحد ليها أثبتلي أنها بتحبني أو حتى حسسني بدا، والحقيقة انا مكنش فارقلي. كل اللي كان فارقلي امي كنت عايزها تتخلص من كل حاجة سلبية ليها علاقة بالماضي عشان تقدر تحب.
خالد باستنكار:
ـ كلامك دا في تقليل منك يا كمال. في مليون سبب يخليها تحبك.
كمال موضحًا:
ـ مش تقليل . بس انا كنت مُتفهم ظروفها و اللي هي مرت بيه. مكنتش عايز اطالبها بأي شيء. لحد ما تحس انها قادرة تدي.
خالد باستفهام:
ـ طيب لما رجعت مشوفتش أنها بتحبك!
تغضنت ملامحه بالوجع الذي تجاهله وهو يقول بقسوة:
ـ شوفت. بس الحب دا جه بعد ما خسرتني..
خالد بنبرة خشنة:
ـ كمال لازم تفهم أن آسيا اتأذت جدًا في غيابك.. دي كانت....
قاطعه بألم و نبرة حانقة:
ـ لو هي اتأذت مرة أنا اتأذيت ألف. عارف ليه؟ عشان أنا حبيتها. حبيتها أكتر من أي حاجة في الدنيا، وهي خذلتني على قد ما حبيتها.
تزاحم الألم بمقلتيه ولكنه حاول جاهدًا قمعه ليسكبه بين كلماته حين تابع:
ـ الاحساس بالذنب مؤلم. بس ألم الخذلان مُضاعف يا خالد.
يرى بوضوح كم هو متألم لذا غير دفة الحديث قائلًا:
ـ أنت طلبت تسمع الفويس عشان ميرهان ولا عشان آسيا؟
كمال بجمود:
ـ عشان اللتنين.
أراد وضع اعترافها نُصب عينيه حين قال:
ـ طيب ما آسيا قالت أنها بتحبك.
أجابه كمال بمرارة وكأنه يمضغ صبارًا في جوفه:
ـ آسيا قالت كدا عشان تنفي عن نفسها التهم اللي وجههالها. هي دي آسيا يا خالد. قوية و عندها كرامة و عنفوان. عمرها ما هتتقبل الإهانة و لا هتعديها.
وضع يده على مكان الجُرح مُباشرةً لذا لانت لهجته حين قال:
ـ و دا اللي وجعك في أنها راحت لرؤوف صح!
اهتاجت جيوش الغضب والألم معًا ليهتف بنبرة مُلتاعة صارخة:
ـ دا اللي قتلني. آسيا اللي انا اعرفها بعد ما سمعت منه الكلام دا و المفروض أنه غلط مكنتش هتبص في وشه أصلاً بس واضح أنه غالي عليها شوية. فجت على نفسها و اتجاهلت إهانته وكرامتها وراحت تعاتبه.
ـ يا كمال متحسبهاش كدا..
ضرب بقوة على المكتب الخشبي وهو يهب من مقعده قائلًا بحرقة:
ـ هي كدا. ماهو يا هو عنده حق وهي وصولية و اتجوزتني عشان فلوسي و رمته هو. يا اما هو غالي عليها أوي لدرجة أنها تتجاهل اتهاماته دي وتروح تعاتبه.
صمت يحاول التغلب على تلك الغصة القوية التي اجتاحت صدره حتى كادت أن تمزقه حين تذكر حديثها له ليهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ دي كانت بتعيطله. بتقوله ليه تعمل كدا؟ عمري ما هشوف اللي عملته دا غير خيانة. قلبي و عقلي و كرامتي رافضين يشوفوها غير كدا..
كان مُحقًا بالإضافة لكونه يتألم بشدة وهذا واضح على معالمه و في عينيه ليهتف خالد يائسًا:
ـ طيب و العمل! أنت بتغير عليها لسه. بتحبها لسه..هتفضل تعذب نفسك و تعذبها كدا كتير!
غامت عينيه بأسى قبل أن يوجه إليه إستفهامًا غامضًا:
ـ تفتكر لو أنا غلطت نفس الغلط في حقها هتقدر تسامحني!
ضيق خالد عينيه بتفكير قبل أن يقول بترقب:
ـ تقصد أيه ؟
كمال بغموض:
ـ هتعرف بعدين، و وقتها هنشوف إذا كانت حبتني كفاية لدرجة أنها تغفرلي زي ماكانت عيزاني اغفر لها ولا لا..
اللهم يا مسهل الشديد ويا ملين الحديد، ويا منجز الوعيد، أخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق ♥️
★★★★★★★★★
مر يومان دون أحداث ظاهرية، فقد كان وكأن الجميع كلًا يحشد طاقته للمواصلة من جديد، وقد كان أول من استعاد ثباته ياسر الذي قام بشراء أحد المحلات المجاورة لبيتهم ينوي البدأ من جديد وحده، وقد مضى العقد مع صاحبها و هاهو بالرغم من كل شيء يقف ناظرًا إلى نقطة بدايته برضا و بداخله أملًا كبيرًا في أن تكون بداية موفقة ليهمس داعيًا:
ـ اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم. رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً.
ـ مبروك يا ريس..
هكذا تحدث يزيد بمرح ليستدير ياسر ناظرًا إليه بسعادة لم ينكرها، فشقيقه دائمًا إلى جواره مما جعله يقترب و يعانقه بقوة و كأنه يشكره بشيء أعمق من الحديث ليبادله يزيد العناق، فقد كان يشعر بما يجيش بصدر أخيه وعلى الرغم من استنكاره لما يحدُث ولكنه يقف صامتًا، فالخصم أقرب الأشخاص إليهم..
ـ متقوليش انك اكتشفت النهاردة انك بتحبني!
هكذا تحدث يزيد بمرح ليشاطره ياسر مرحه قائلًا:
ـ بالله عليك دي أشكال تتحب بردو!
يزيد بتهكم:
ـ طبعًا مانا مش صوتي ناعم ولا شعري كيرلي و اسمي غريبة. هتحبني ليه؟
قهقه ياسر على حديثه قبل أن يقول بسخرية:
ـ فعلًا. مفيش سبب واحد يخليني أحبك.
ابتسم يزيد على حديثه قبل أن يتابع ياسر ناظرًا إلى ساعته:
ـ يالا عشان نروح نتغدى غنى مستنيانا في البيت.
يزيد بتهكم:
ـ أهو أنا مابحبش في اليوم قد الفقرة دي. اروح الاقيها مستنيانا و عملالنا أكلها الرهيب. دا تحديدًا اللي مسكتني عن المشاعر الجياشة دي.
ياسر بسخرية:
ـ همك على بطنك يعني.
يزيد بجدية:
ـ مش فكرة كدا. بس انا عندي مبدأ بحترمه جدًا، وهو عض قلبي ولا تعض رغيفي، فمضطر اسكت أنها واخدة قلبك كله لحسابها في سبيل أنها بتعملي أكل حلو.
ياسر بتقريع:
ـ قصدك انك بتبيعني عشان الأكل. أنت واطي كدا ازاي!
يزيد بسخرية:
ـ دي جينات .
وصلا إلى المنزل ليستوقفهم نزول جابر من سيارته
وهو يلقي التحية:
ـ السلام عليكم ورحمة الله.
التفت الشابان إليه مرددان السلام ليتابع ياسر بترحيب:
ـ أهلًا يا معلم جابر اتفضل.
جابر بنبرة ودودة:
ـ يزيد فضلك يا ريس. ولو إني زعلان منك.
يعلم جيدًا السبب إذا قال بهدوء:
ـ حقك عليا يا حاج.
لم يكد يتحدث جابر حتى قال يزيد:
ـ طب تعالوا نتكلم جوا بدل ما احنا واقفين في الشارع
بالفعل دلفوا إلى الداخل ليبدأ ياسر حديثه قائلاً:
ـ متزعلش مني يا حاج. أنت غالي عليا.
ربت جابر على كتف ياسر وهو يقول بنبرة ودودة:
ـ أنت ابني يا ياسر، و اللي حصل زعلني زي ما زعلك وأكتر. لكن كنت مستني منك ترجعلي.
ياسر بتعب:
ـ غصب عني. اللي حصل دا كسرني. مكنتش قادر اواجه ولا حتى اتعامل. كان لازم نمشي أنا وغنى عشان نقدر نتعامل بعد كدا.
يعلم مقدار خيبته فقد نال منها أيضًا لذا أجابه قائلًا:
ـ عارف يا ابني، و مش هلوم عليك. أنا بس لازم اتكلم معاك انت ويزيد عشان نحط النقط على الحروف.
تبادل الشقيقان النظرات قبل أن يقول ياسر بقلق:
ـ اتفضل يا حاج جابر سامعك.
جابر بنبرة اصقلها الغضب:
ـ دلوقتي أنا شيلت هيام فوق دماغي من وقت مادخلت بيتي لا عمري زعلتها ولا ضايقتها و عن يدكوا الكلام دا. لكن بعد اللي حصل و الحال اتبدل، و أختك غلطت في حقي وفي حق بيتها، وأنا عشان راجل بيعرف في الأصول كلمتها و شديتها بالذوق. لا قليت أدبي، ولا مديت إيدي. بس الوضع دلوقتي مش مظبوط. عرفت انها راحت بيت ولاد عمها. ودا معجبنيش. لكن بردو أنا جيتلكوا عشان انتوا ولادي وتعزوا عليا وبينا عيش وملح. اختكوا لو رجعت ندمانة و هتشوف حالها وبيتها على راسي. انما أمور اللوع وشغل الحريم دا ميعجبنيش. أنا كدا غلطان يا ياسر؟!
شعر ياسر الغضب المُطعم بالحزن من حديث جابر الذي و للأسف كان مُحقًا لذا قال بتعب:
ـ عداك العيب يا معلم جابر. أنا هشوف الموضوع دا.
جابر بشفقة على حالهم:
ـ معلش يا ياسر. كلنا زعلانين من اللي حصل. أنا مش عارف أواسيك ولا أواسي نفسي. مش دي هيام اللي اتجوزتها أبدًا.
لم يحتمل أن يمس شقيقته بسوء ولو كان مُحقًا لذا اندفع قائلًا:
ـ هيام مش وحشة يا معلم جابر. هيام اطيب قلب في الدنيا. هي بس. زعلانة مني شوية. كانت عشمانه فيا. لكن أنت عاشرتها و شفت معدنها.
و أضاف يزيد أيضًا:
ـ اللي بيننا و بين هيام دا بره عنك يا حاج. ماشي هي ممكن تكون زعلتك. بس هيام أمنا هي اللي ربتنا و ضحت بأحلى سنين في حياتها عشان متسبناش. هي بس اتضايقت من اللي قالته الخالة صابرين، و غصب عنها عملت اللي علمته. كلنا بنغلط. مش هنعلقلها المشنقة.
ياسر بجمود:
ـ يزيد عنده حق. هيام أختي و مهما عملنا في بعض مقدرش أنكر فضلها عليا، ولو زعلان منها بسببي يبقى لا. أنت كدا بتزعلني انا. مهما حصل بيني وبينها مسيرنا راجعين لبعض الضفر عمره ما يطلع من اللحم.
برقت عيني غنى التي كانت تتابع الحديث من الداخل لتشتعل جذوة الغضب بداخلها، فبعد ما فعلته بهم يتفوه بهذا الحديث.
كان القهر يتشعب بين خلاياها وهي تجلس في الداخل تنتظر ذهاب جابر وهي تمضع أسنانها من فرط الغضب وكلماته تتردد بأذنيها إلى أن التقطت صوت قفل باب المنزل و ما هي إلا ثواني حتى وجدت ياسر يدلف إلى الداخل وهو يقول بنبرته العابثة:
ـ غريبة قلبي بتعمل أيه؟
ناظرته بعتب كبير و بنبرة يتخللها القهر والغضب أجابته:
ـ غريبة قلبك قلبها مفطور منك!
توسعت عيناه بصدمة وهو يقول مُستنكرًا:
ـ قلبك مفطور مني! ليه؟!
غنى بنبرة مُدججة بالغضب:
ـ هو سؤال واحد تجاوبني عليه!
بدأ يفهم سبب غضبها ليتركها تكمل فإذا بها تستفهم بنبرة مغلولة:
ـ هو اللي حصل من هيام بسيط اوي كدا. لدرجة أنك ممكن ترجع تتعامل معاها عادي.
اشتعلت الحرائق بصدره و غامت عينيه بغضب مُتحدُم جعل نبرته قاسية حين قالت:
ـ مانا اتجوزتك بعد اللي أنتِ عملتيه فيا!
صدمتها إجابته للحد الذي جعل اللون ينسحب من ملامحها قبل أن تقول بنبرة مشدوهة:
ـ هو أنت بتقارن اللي عملته هي باللي انا عملته! دي هي السبب...
قاطعها بغضب:
ـ هي غلطت و أذتني، وأنتِ غلطتي عشان صدقني عني القرف دا و أنتِ اكتر واحدة مفروض عرفاني و مكنتيش واثقة فيا.
ألقى إجابته في وجهها وعلى الرغم من أنها تشعر بالقهر لمعرفتها بأن لها جانب كبير من الخطأ ولكنها استنكرت أن يتحدث عنها بهذا الشكل، فظلت على صمتها تناظره بعتب غير منطوق ليُتابع هو بغضب:
ـ وبعدين تعالي هنا. هنعتبر ان هيام دي قتلتني عيزاني اشتم عليها قدام الراجل! قدام جوزها! ولا اطلعها وحشة!
هبت عاصفة جنونها حين هتفت بحنق:
ـ لا متشتمهاش بس متطلعاش شهيدة كدا.
لم يُعجبه الحديث لذا قال بتحذير:
ـ غنى اعمليلك قفلة.
عاندته بعناد:
ـ وانا معملتش يا ياسر.
علت نبرته و شابتها القسوة إلى جانب الصرامة حين قال:
ـ هعملك انا..
تساقطت العبرات من عينيها قبل أن تقوم بإلقاء قماشة المطبخ وهي تهتف بجفاء:
ـ أنا رايحة اشوف بابا.
عززت كلماتها الغضب بداخله أكثر ليهتف بحدة:
ـ لما اخلص هبقى اوديكي.
لم تكن تطيق البقاء أكثر من ذلك دون أن تصرخ من فرط الغضب لذا قالت معانده:
ـ انا مش عيلة صغيرة هتوديها و تجيبها.
أعماه الغضب ليهتف بقسوة:
ـ كدا! طب مفيش مرواح في حتة.
غنى بقهر:
ـ يعني ايه!
لأول مرة لم يلتفت لدموعها، فبنظره قد تتمادت كثيرًا لذا تحدث بنبرة قاسية:
ـ اللي سمعتيه. و اقطمي على الكلام دا. لما تبقي ترجعي لعقلك نبقى نتكلم.
عاتبته نظراتها بقسوة لتوميء برأسها و العبرات تتدحرج من مقلتيها قبل أن تقول باختصار:
ـ حاضر.
تجاوزته و توجهت إلى غرفتها لتوصد الباب خلفها لتتركه خلفها يعاني من الغضب و الذنب معًا ناظرًا إلى ذلك الضماد الذي يغلف جرح يده الذي لا شيء بالمقارنة بهذا الجرح العميق في قلبه.
زفر بقوة وتوجه إلى الداخل ليقوم بامساك الهاتف يجري اتصالًا هاتفيًا مع خالد:
ـ أيه يا وحش. عامل ايه؟
خالد بجمود:
ـ كويس.
ياسر بتهكم:
ـ تبقى مش كويس. عايز أقابلك..
خالد باختصار:
ـ ياريت. هعدي عليك بالليل...
اللهم إنك تعلم وهم لا يعلمون، اللهم أرح قلبي وهون علي وإسقني صبراً، وأعوذ بك من غصة القلب وضيق النفس، اللهم امسح على قلبي برحمة منك ولا تجعل لي حزنا يقلقني ♥️
★★★★★★★★★
صف إيهاب رئيس قسم الإنشاء في شركة الجيار سيارته أمام الموقع الذي يقيمون به هذا الصرح و بجانبه آسيا التي كان الجمود يلون ملامحها على عكس ذلك الشعور الخفي بالإنتشاء حين سمعت مكالمة شروق في الصباح:
ـ بقولك ايه! حصل حاجة الصبح انا سمعتها بالصدفة قولت اقولك..
ـ في أيه يا شروق؟
شروق بنبرة خفيضة:
ـ بصي راجي جاله تليفون معرفش من مين أنهم هيبعتوا لجنة من شركة الوتيدي هتباشر الشغل في الموقع، و راجي قال إنه متفق مع بشمهندس أيهاب و معاكِ انكوا هتباشروا الشغل. معرفش اللي بيكلمه قاله أيه؟ راجي رد وقاله مش عاجبني بس مش هزعلك. فمعرفش هو هيعمل ايه؟!
توقعت أن يكون المتصل كمال، ولهذا صممت أن تذهب اليوم كما هو متفق عليه، ولهذا قامت بإغلاق هاتفها، تحايلت على إيهاب لتفعل المثل بهاتفه حتى تأتي إلى الموقع و قد التمع الخُبث في نظراتها حين اصطدمت برؤيته ما أن ترجلت من السيارة. على عكس كمال الذي اشتعلت نيران الغضب في مقلتيه حالما رآها، فقد اتفق مع هذا الغبي راجي أن لا تأتي إلى الموقع وقد أبرم معاه اتفاق بأنه سيباشر العمل مع لجنة خاصة، ولكنه لم يلتزم بهذا الاتفاق و ها هي أمامه بكامل فتنتها و جميع العيون تطالعها بإعجاب خفي أيقظ شياطين جحيمه من جحيمها
ـ السلام عليكم. ازيك يا مستر كمال!
هكذا تحدث إيهاب بابتسامة بشوشة قابلها كمال بآخرى مقتضبة وهو يحاول جذب أنظاره من فوق تلك التي كانت تتهادى في مشيتها وهي تنظر حولها ثم أتى إليها أحد المهندسين لتتحدث معه بتلقائية وكأنها تعرفه منذ زمن ليقوم بإزاحة عينيه عنها بشق الأنفُس حتى لا يرتكب جريمة قتل، فلم يكُن الغضب منها وحدها بل من نفسه و من قلبه الذي يئن وجعًا عشقًا في آنٍ واحد.
كانت تعلم ما يشعر به بوضوح و كم الاحتراق الذي يجيش بصدره الآن، فقد كانت تحترق مثله منذ عدة أيام والآن جاء دوره.
انضمت إليهم لتستقر جميع الاعيُن عليها، فقد كان وجودها طاغيًا و جمالها مُـسيطرًا وكأنه رائحة عذبة تفشت في المكان لتستأثر بحواس الجميع و على رأسهم هو:
ـ ازيك يا بشمهندس علي. طمني أيه آخر الأخبار؟
تجاهلته و مدت يدها تصافح علي الذي صافحها بود وهو يقول بنبرة بشوشة:
ـ تمام احنا ماشيين على البلان مظبوط و أتوقع أننا هنسلم في المعاد المظبوط.
آسيا بنبرة رقيقة واثقة:
ـ أنا واثقة في حضرتك و في التيم. و عارفة انكوا قد ثقتنا..
اتسعت ابتسامة علي الذي أجابها بحبور:
ـ ثقتك دا شيء غالي علينا أوي يا مدام آسيا.
كان إيهاب يثرثر بجانبه ولكنه ليس هنا. فقد أسودت ملامحه وأخذ يطحن ضروسه من شدة الغضب، ولكن عقله لا ينفك يكرر على مسامعه أنها لم تعد تهمه. يحاول كبريائه تهدئه هذا الجحيم المُشتعل بين ضلوعه ولكنها لا تساعده، فقد هتفت بصوتها الناعم الذي يلتف حول قلبه فيجذبه ناظرًا إليها:
ـ حابة أخد جوله في الموقع و اشوف آخر التطورات.
علي بلهفة:
ـ وماله تحت امر حضرتك. اتفضلي.
إلى هنا ولو يعُد يحتمل ليستدير مصوبًا أعيرة نظراته اليها وهو يهتف بصوت خشن يحمل تحذير لفت انتباه الجميع:
ـ الجولة دي تتأجل لحد ما نخلص كلامنا. عشان كلنا محتاجين نشوف آخر التطورات.
أنهى جملته ليستدير مُستكملًا حديثه مع إيهاب، دون الالتفات لعلي الذي أجابه مندفعًا:
ـ طبعًا يا كمال بيه. وقت ما حضرتك تحب.
اغتاظت آسيا ولكنها لم تعلق بل اخذت تلهو بهاتفها إلى أن شعرت به يقترب، فقد كان هو الآخر حضوره طاغيًا للحد الذي جعل حواسها تتأهب و دقات قلبها تقيم احتفالًا داخلها ولكنها ظاهريًا كانت جامدة لا مُبالية لتبدأ الجولة و كلًا منهما لا يلتفت إلى وجود الآخر فقد أخذ يتابع التطورات الجديدة في الموقع وهي تدون الملاحظات ليمر الوقت إلى أن صعدوا إلى أحد البنايات التي كانت يجري بها التشطيبات الأخيرة، فتركتهم آسيا و اخذت تتجول في الغرف و دون أن تلحظ قامت بالدعس على لوح خشبي به مسمار كبير اخترق حذائها العالي ليستقر في كعبها لتصرخ بألم صرخة استقرت في صدره الذي انقبض بذُعر تجلى في نبرته وهو يهتف باسمها:
ـ آسيا.
هروح إلى مصدر آهاتها ليجدها جاثية على الأرض والدماء تنبثق من قدمها ليرتعب قلبه، ويغافله خوفه ليندفع إلى جانبها يتفحص حالة قدمها، فخرجت منها صرخة ألم استقرت في قلبه مما جعله يلتفت إليها مُهدئًا:
ـ اهدي. دا مسمار مصدي. لازم تروحي المستشفى عشان يطهروا الجرح عشان ميعملش تلوث..
كانت تشعر بألم كبير، ولكنها مدت يدها تحاول الاستناد على الحجر الكبير بجانبها لتقف ولكن سرعان ما خرجت منها شهقة قوية حين وجدت نفسها محمولة بين يديه أمام نظرات الجميع لتتوسع حدقتيها من فرط الصدمة، لتتبادل معه النظرات لثوان، ولكن جمود نظراته أعادها إلى الواقع، فقد أدار رأسه وهو يهتف بنبرة خشنة عالية:
ـ هوديها المستشفى، و بشمهندس إيهاب هيكمل..
تدخل علي باندفاع:
ـ أنا ممكن آجي مع حضرتك...
رمقه كمال بنظرة نارية جعلته يتراجع قبل أن يقول بجفاء لا يخلو من التحذير:
ـ خليك في شغلك..
كانت كالمنومة مغناطيسيًا حتى الوجع تخدر أمام ما يحدُث، لهفته و سرعته للإطمئنان عليها و حمله لها كل هذه الأشياء أثارت زوبعة من الفوضى داخلها، ولكن قربها منه بهذه الطريقة كان أمرًا رائعًا، فقد حملها و هبط بها أربع طوابق ثم سار مسافة ليست قليلة إلى أن وصل إلى سيارته، كل هذا الوقت الذي قضته بين ذراعيه كفيل بجعلها تتوه و تتخبط بين مشاعر عاتية لا تملك قوة حتى تجابهها أو تقاومها مما جعلها تضع رأسها فوق كتفه مستسلمة لهذه الدقائق الرائعة ولا تعلم أن فعلتها هذه كانت كفيلة بتوقف تدفق الدماء بأوردته، فكل ما حدث و يحدث ماهو إلا جنون سببه خوفًا مريع اجتاح قلبه منذ أن سمعها تتألم، ولكنه لم يجازف بجعل أحد غيره يقترب منها، لذا قام بحملها إلى الأسفل، وهو يرتدي قناع من الجمود لحفظ كبريائه بينما قلبه ينتفض فرحًا كونها بين يديه و يديها تحيط بعنقه ولكن حين وضعت رأسها فوق كتفه هاجمه جيش من المشاعر الضارية و اخذ قلبه يستعرض ذكرياتهم معًا وهي بين يديه و رأسها ملقى على كتفه وهو ينهل من عشقها بلا هوادة.
صرخت ألم خرجت من فمها حين وضعها على المقعد و اصطدمت قدمها المصابة بباب السيارة ليهتف بلهفة:
ـ حصل ايه؟
آسيا بألم:
ـ رجلي اتعورت.
في هذه اللحظة تحديدًا ود لو يقبلها إعتذارًا عن الألم الذي سببه لها، لينهره عقله و يعنفه مما جعل الجمود يحتل ملامحه ليقوم بإغلاق الباب برفقٍ يصاحبه صمتٍ تام ثم يتوجه إلى الجهة الآخرى السيارة ليستقلها و ينطلق إلى المشفى، وهي إلى جانبه تموت شوقًا لملامسة كفه الخشن الذي يقبض على مقود السيارة و كبريائها يعنفها بقسوة مما جعل بعض العبرات تتساقط من عينيها، فلاحظ ذلك فقد كان من الحين و الآخر يختلس بعض النظرات إليها مما جعله يقول بنبرة لا تخلو من القلق:
ـ رجلك بتوجعك أوي؟
كان تبريرًا منطقيًا لبكائها مما جعلها تقول بخفوت:
ـ شوية..
كان غاضبًا منها و من مشاعره تجاهها وهذا الضعف الذي يعتريه حين استمع الى نبرة صوتها المـتألمة لتخرج الأمور عن سيطرته و يهتف مُعنفًا بقسوة:
ـ ما أنتِ إنسانة مش مُريحة! أيه جابك الموقع والزفت؟ ما تترزعي و تقعدي في مكتبك!
لم تتخيل ثورته عليها بهذا الشكل، و بجانب الألم الذي تولد بداخلها كان الغضب أيضًا الذي جعل نبرتها حادة وهي تجيبه:
ـ والله أنا حرة اروح مواقع اقعد في مكتبي و حضرتك ملكش حق تحاسبني.
أثار حديثها جنونه أكثر ليزمجر بانفعال:
ـ أحاسبك و أديكي على دماغك. اديني اتعطلت بسبب سيادتك، و اضطريت اسيب شغلي.
لونت الدهشة ملامحها ولكنها لم تدوم طويلًا لتقرر رد الصاع صاعين حين قالت ساخطة:
ـ افتكر اني مطلبتش منك تسيب شغلك وتيجي معايا في أي مكان!
كمال بانفعال:
ـ تصدقي أنا غلطان! كان مفروض أسيبك مرمية بتنزفي هناك!
آسيا بحدة يتخللها الخُبث:
ـ ومين قالك اني كنت هستنى مرمية ثانية! الف مين كان هييجي يوديني المستشفى، وانت شفت بشمهندس علي كان عايز ييجي وأنت اللي منعته!
كانت تقصد إضفاء الوقود على غضبه وقد كان لها ما أرادت فقد أسودت ملامحه ونفرت عروق رقبته ليهتف بصوتٍ أفزعها:
ـ علي وزفت! مين علي دا كمان! حتة موظف ملوش تلاتين لازمة. اي موظف في الموقع دا لو جراله حاجة دي مسئولينا احنا. أنتِ الظاهر مخك فوت.
تبدلت ملامحها، و تفشى الحزن بقلبها هل لهذا اندفع لأنقاذها هل لأنها مسئوليتهم! بالإضافة إلى إهانته إليها التي نالت منها، ولكنها لن تُمررها أبدًا لذا هتفت ساخطة:
ـ طب أنا بعفيك من المسئولية دي، و ياريت تقف على جنب عشان مش هروح معاك في أي مكان!
لم يُعير حديثها أهتمام لتقوم بمد يدها في حركة جنونية لفتح باب السيارة، لتخرج جيوش غضبه عن السيطرة مما جعله يصف السيارة على جنب بطريقة مُباغتة جعلت خصلاتها تندفع إلى الأمام ثم قام بجذب رسغها يجذبها بعُنف وهو يصيح بوحشية:
ـ أنتِ أكيد اتجننتي!
صمت مطبق اجتاح الأجواء حولهم حين وجد نفسه على بعد إنشات من وجهها يتنفس أنفاسها و يغوص بعمق في أحجار الزمرد المدفون بين حدقتيها لتتقاذف دقات قلبه و تتناحر أنفاسه كمن يخوض سباق للعدو، فطاقة الشوق التي اجتاحت صدره ضارية للحد الذي آلم ضلوعه تدفعه للإرتواء من رحيقها الذي اشتاقه حد الجحيم، وقد كان حالها يشبهه بل و أسوأ فقد كانت منذ عدة أشهر تتمنى لو تلمح طيفه عل الشوق بقلبها يهدأ ولو قليلًا و الآن هي قريبة منه للحد الذي يجعلها تتنفس أنفاسه و تستشعر دقات قلبه الجنونية والتي توازي خاصتها، والحقيقة أن الشوق أضعف إرادتها قليلًا لتخفض رأسها بتعب جعله يستيقظ من لُجة المشاعر التي جرفته ليقترب من أذنها حتى لامستها شفتيه وهو يقول بنبرة مشحونة بالعواطف ولكنها تضم التحذير معها:
ـ اياكِ تحاولي تستفزيني تاني.. سامعة؟
كعادتها تقاتل حتى آخر نفس بالرغم من وهنها و تعبها إلا أنها تراجعت تناظره بتحدي احتل نبرتها حين قالت:
ـ وانت اوعى تفكر تقلل مني تاني.
كان العتب و العذاب يحتل نظراتها وقلبه ولكنه حاول شحذ ثباته وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ الأحسن منتعاملش مع بعض.
تألمت حد الموت، ولكنها ثابته حد الهلاك لتقول بجفاء:
ـ ياريت.
تراجع عنها وهو يحاول تنظيم أنفاسه المقطوعة، فقد أعياه الألم و الغضب والشوق خاصةً و أنها خصم لا يُهزم بسهولة لذا تابع رحلته إلى المشفى بصمت متبادل بينهما إلى أن وصل أخيرًا لتنزع عنها حزام الأمان تنوي أن تسير على قدمها السليمة ولكنه فاجأها حين فتح الباب وقام بحملها للتوجه الى داخل المشفى لتهتف بصدمة:
ـ هو احنا كنا لسه بنقول ايه من دقايق !
اغتاظ من حديثها الذي يعريه أمام نفسه و هو أنه لم يستطِع إلا استغلال فرصة للتقرب منها ولكنه بارد ظاهريًا كما أن لهجته كانت جافة حين قال:
ـ اخرسي.
اغتاظت من جفائه و وقاحته لتهتف بنبرة يغمرها الغضب و يتخللها المكر:
ـ لا مش هخرس، اصلي بصراحة شيفاك بتستغل الظروف ولا خلينا نقول بتتلكك!
كان يود لو يقبلها حتى تكف عن الحديث الذي يجعله ناقمًا على نفسه وعليها أو ليروي شوقه لها، ولكنه بدلًا عن ذلك تحدث بسخرية مستفزة:
ـ الإجابة الأصح. أحلام يقظة.
اغتاظت من براعته في الإجابة لتهتف بحدة:
ـ بطلت أحلم و البركة فيك!
كان قد وصل إلى الغرفة التي أشارت إليها الممرضة ليضطر إلى وضعها على سرير الكشف وهو يقول بنبرة متوعدة أضرمت الرجفة في أوصالها:
ـ حلو انك اتعلمتي مني حاجة. فكريني أعلمك تبطلي ترغي!
زحف الخجل إلى وجنتيها من حديثه الذي فسرته بمعنى آخر، وقد رأى ملامحها التي احتقنت خجلًا ليشتد حريق الشوق بداخله مما جعله ينظر إلى الجهة الآخرى حتى لا تفضحه عيناه ليقطع تلك الأجواء المشحونة قدوم الطبيب.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال ♥️
★★★★★★★★★
ـ اجمدي يا أشجان. لازم تعملي كدا عشان ترتاحي.
هكذا أخذت تحدث نفسها وهي تنظر إلى نبيلة التي كانت جالسة تتحدث على الهاتف حول الطاولة التي بالحديقة لتقترب منها أشجان وهي تحاول ادعاء الثقة ثم جلست على أحد المقاعد أمامها ليرتفع حاجب نبيلة باستغراب ولكن أشجان لم تعيرها انتباه بل طالعت أحد الصحُف لتنهي نبيلة مكالمتها وتبدأ في جولة الاستفزاز اليومية:
ـ الله الله دا احنا اتجرأنا اوي، وجاية تقعدي معايا كمان!
حاولت ادعاء اللامُبالة حين قالت:
ـ اقعد في المكان اللي أحبه. دا بيتي صح ولا أنا غلطانه!
اغتاظت ولم تظهر ذلك بل هتفت بسخرية:
ـ لا مش غلطانه. بس غلبانه.
استغلت الفرصة لتقول باستفهام:
ـ أنا فعلًا غلبانه لدرجة اني كل ما أشوف معاملتك الحلوة مع زينة أتصدم. ازاي تكوني عملتي كدا في أختها و تبصي في عينيها!
ناظرتها نبيلة بريية قبل أن تقول بجفاء:
ـ وهو أنا عملت أيه في أختها!
شعرت أشجان بأنها ستكشفها لذا حاولت التعامل بطريقة طبيعية لتقول بنبرة مُستنكرة:
ـ أنتِ ازاي كدا! ازاي بتبصي في عينين الناس و أنتِ بتأذيهم و بتأذي حبايبهم. خالد دا اللي أنتِ أذتيه في مراته وابنه أداكي ميراثه من فلوسه هو. ازاي تأذيه كدا! لا و بتبصي في عنيه عادي.
كانت ملامحها كما عهدتها، و طيبتها و نقائها يغلب عليها مما جعلها تنحي الشك جانباً لتقهقه بقوة قبل أن تقول بخفوت و بنبرة ماكرة:
ـ بتلوميني عشان خلصت على سهام! طب ماهو يا هبلة لو مكنتش عملت كدا مكنش بص في وشك..
وصلت أشجان إلى مبتغاها ولكنها واصلت تمثيليتها حتى لا تشك بها تلك الحية:
ـ نصيب ربنا محدش يقدر يتحكم فيه. وربنا كان كاتبلي اكون مراته. بس أنتِ مؤذية. وانا مش هسمحلك تأذي جوزي ولا ولادي.
ضيقت نبيلة عينيها ثم أخذت تتلفت حولها قبل أن تقول بنبرة متوعدة ولكنها خافتة حتى لا تصل لمسامع اي شخص حولهم:
ـ اسمعيني كويس. مكانك مش هنا. و زي ما غورنا أختك من البيت دا هتغوري سواء عايشة أو ميتة. حطي الكلام دا في ودنك!
زحف الرعب إلى أوصالها لتهتف بذعر:
ـ أنتِ بتهدديني انك هتموتيني عيني عينك كدا مش خايف لا اقول لخالد!
نبيلة بتخابث:
ـ أموتك ليه هو أنا قتالة قتلة! اللي هيموتك بقهرتك هي زينة! عارفة ليه؟ عشان هي راجعة و حاطه عينها على خالد، وبيني وبينك انا ناوية أساعدها.
هوى قلبها بين ذراعيها من حديث نبيلة التي نهضت من مقعدها وهي تقول بنبرة ساخرة:
ـ أه صحيح. حفلة خطوبة الدكتور عمر ابني. على شاهي بنت الحسب والنسب آخر الأسبوع ابقي تعالي عشان تحكي لصاحبتك أن عمر بيه بعد ما رماها خد ست ستها.
أنهت حديثها وغادرت تاركة أشجان تتلظى من الخوف و الصدمة، ولكنها غادرت هي الآخرى إلى الأعلى لتدلف إلى غرفتها وتقوم بإغلاق باب الغرفة وجسدها يرتجف من هول ما تشعر به لتقول بإحراج هاتفها و تقوم بتشغيل التسجيل الذي سجلته منذ دقائق ليأتيها صوت نبيلة الذي وأن كان خفيض ولكنه مسموعًا فقد سجلت حديثها ليكون دليل قوي تقدمه إلى خالد بعد أن تخبره ما حدث.
رن هاتفها لتجده هو فأجابته بلهفة:
ـ خالد.
لاحظ اللهفة و تزاحم أنفاسها حين أجابته ليقول بقلق:
ـ أيه يا حبيبي مالك!
أشجان بتوتر:
ـ لا. لا أبدًا أنا. أنا بس كنت. بفكر فيك!
خالد باستفهام خبيث:
ـ التوتر دا عشان بتفكري فيا! لا دانا لازم اعرف بتفكري في أيه؟؟
شعرت بالخجل من المعنى المستتر خلف حديثه ولكنها كانت لابد وأن تنفذ ما خططت له لتقول بنبرة خافتة:
ـ بصراحة انت وحشتني. وملحقتش اشوفك الصبح قبل ما تنزل..
وكأنها كانت تعزف سيمفونية عذبة على مسامعه ليقول بنبرة خشنة مدججة بالعواطف:
ـ والله انا اللي لو شوفتك دلوقتي هاكلك.
كانت تذوب خجلًا من كلماته لذا قالت بخفوت:
ـ خالد.
ـ خالد لو طايل ياخدك و يهرب هيعمل كدا!
هكذا تحدث بنبرة عاشقة لتهمس باستفهام:
ـ هنهرب نروح على فين!
خالد بخشونة:
ـ أي مكان مشوفش حد من الوتايدة فيه!
نجحت كلماته في جعلها تضحك لتصل ضحكتها إليه مما جعله يقول بنبرة عابثة:
ـ أهي ضحكتك دي ردتلي روحي.
خفقة وجلة ضربت قلبها، فهي خائفة من رد فعله حين يستمع إلى هذا التسجيل ولكن يجب أن تفعل ذلك حتى تحمي بيتها و زوجها و أطفالها من هذه المرأة لذا قالت على استحياء:
ـ هو ممكن أجيلك!
لمعت عينيه من حديثها ليهتف بنبرة عاشقة:
ـ اللي مينفعش انك تكوني بعيد عني لحظة. اجهزي على ما ابعتلك السواق.
أشجان بخفوت:
ـ حاضر..
اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي♥️
★★★★★★★★
ـ تقريبا احنا ممكن منكملش لآخر الأسبوع هنا. لو خلصنا بكرة هنرجع بالليل..
هكذا تحدث راجي إلى شروق التي قالت بعملية:
ـ أنا شايفة كدا بردو. الدنيا لو مشيت تمام. يبقى مالوش لزوم القاعدة هنا..
راجي بغزل:
ـ القاعدة هنا جميلة عشان أنتِ هنا. بصراحة مش عايز ارجع.
اخفضت رأسها من غزله الذي أخجلها ليُتابع بنبرة عاشقة:
ـ لسه بتفكري!
رفعت رأسها تطالعه بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ مستر راجي انا طلبت وقت افكر، ومعداش غير يومين!
راجي بنبرة عابثة:
ـ طب ما تخلينا هنا يمكن اقنعك!
ابتسمت على حديثه ليُقرر التطرق إلى تلك المنطقة الخطرة حين قال:
ـ عمر الوتيدي يا شروق لسه بيفرق معاكِ!
ارتج قلبها حين استمعت إلى حديثه لترفع رأسها تناظره بهدوء يكمن خلف الكثير من العواصف ولكنها كعادتها لا يظهر عليها سوى الجمود والذي احتل نبرتها حين قالت:
ـ لا..
ـ متأكدة؟؟
شعرت بأن استفهامه يخفي ورائه شيئًا ما، ولكنها قالت بنبرة ثابتة:
ـ متأكدة. ليه بتسأل تاني،؟
قام راجي بوضع الهاتف بين يديها وهو يقول باستفهام يشوبه الترقب:
ـ عشان أنا جيالي دعوة أحضر خطوبته آخر الأسبوع..
يتبع.....
دا اقتباس من الرواية الورقي عشان لو حبيتوا تفرحوني و تضموها لقائمة كتب المعرض بكرة ان شاء الله
اقتباس 🔥
لو أتخيرتي تبقي الشمس ولا القمر تختاري أيه؟
غالية بتلقائية:
ـ الشمس طبعًا.
ضيق عينيه باستغراب:
ـ غريبة! كنت مفكرك هتختاري القمر. يعني كل البنات بتحب اللي يشبهها بيه!
غالية بسخرية:
ـ لا موضوع الشكل دا أنا مبحطوش في دماغي أوي.
سُفيان بانتباه:
ـ أومال أيه اللي بتحطيه في دماغك!
غالية بنبرة مُعتزة:
ـ بحط في دماغي الحاجة اللي انا بقدر اعملها. يعني الملامح دي بتاعت ربنا، و أي حاجة من ربنا حلوة. لكن الشخصية دي أنا اللي ببنيها، وفي الغالب جمال الشخصية تأثيره بيكون اقوى من تأثير الملامح بكتير.
لا يعلم لما أراد مُشاكستها ليقول بنبرة يشوبها السخرية:
ـ و أنتِ بقى متخيلة أن شخصيتك جميلة!
غالية بنبرة فاحت منها رائحة الغرور:
ـ لا أنا مش متخيلة! أنا متأكدة أن شخصيتي جميلة جدًا.
سخر قائلًا:
ـ نفسي اعرف جايبة الثقة دي كلها منين!
غالية بتعالي:
ـ مني! أنا شايفة نفسي كويس بمميزاتي وبعيوبي!
سُفيان بتهكم:
ـ و أيه هي عيوبك من وجهة نظرك!
ـ إني مفياش عيوب.
لا إراديًا ابتسم على حديثها قبل أن تعود الجدية الى نبرته مرة أخرى:
ـ مقولتليش بردو ليه اختارتي الشمس!
غالية بتوضيح:
ـ القمر بالنسبة للسما مجرد رفاهية! غيابه مش هيأثر اوي، و ممكن النجوم تغنيها عنه. لكن الشمس مينفعش تغيب، و ملهاش بديل.
كان وصفًا مُميزًا يليق بصاحبته مما جعله يقول بخشونة:
ـ تقصدي الشمس و لا غالية!
غالية بثقة:
ـ غالية طبعًا!
اتسعت ابتسامته قبل أن يقول بتهكم:
ـ دا غرور ولا نرجسية!
غالية بنبرة رقيقة:
ـ طبعًا مش نرجسية وأكيد مش غرور. بس أنا ماحبش أكون غير كدا في حياة الناس اللي حواليا.
دار حديث خاص بين أعينهم يجهل كل منهما تفاصيله، ولكن الأمر لم يتوقف إلى هنا بل شعر بأنه يريد التعمق بداخلها أكثر مما جعله يقول باستفهام:
ـ كدا اللي هو ازاي؟
غالية بتلقائية:
ـ يعني أكون حاجة أساسية تقوم على أساسها الحياة مش مجرد إضافة ليها!
جملتها كان لها وقعًا مُغايرًا على قلبه ليجد نفسه يقول بنبرة يجيش بها شغف قاتل:
ـ تقصدي أن وجودك يكون محور الحياة، و غيابك نهايتها! زي الشمس بالظبط اللي لو غابت مفيش حياة.
تعالى عزف دقات قلبها جراء جملته التي كان وقعها مُثيرًا وصداها قويًا خاصةً و أن عينيه بدت مختلفة ربما لأن سمائها صافية خالية من غيوم الغضب أو حمم الجحيم لتُجيبه بنبرة خافتة و أعيُن مُعلقة بين براثن نظراته:
ـ بالظبط.
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
مش عايزين تعرفوا أيه حكاية الشمس والقمر 🙈 و ليه مكنش ينفع يتجمعوا في سما واحدة 🙈 و ازاي ابن الوناش مبيهموش أي حد ولا أي حاجة 🙈 و خد غاليه من بُق الأسد 🙈🙈🙈
#ذاكرة_الرماد
ملحمة مليانه مغامرات الشر فيها ملهوش حدود بس الخير فيها لا يُقهر. مليانه تناقضات هتلاقي نفسك حبيت الخير و الشر، القوة و الضعف ، بتعيط و في نفس الوقت ييجي مشهد يمو.تك ضحك 😂 الرومانسية فيها مش كلام مباشر بس أفعال بتقول كتير 🙈 العوض مش مجرد شخص لا دا حياة 😍😍
📌 رواية سرد فصحى حوار عامي، اجتماعية درامية رومانسية بطابع ديني ♥️ هتخرج منها زعلان عشان فارقت أبطالها و هتتمنى لو تعيش تفاصيلها 🥹♥️
📌 مشاعر الصداقة، مشاعر الحب، مشاعر الأخوة، الاحتواء، و حتى الضعف كل حاجة فيها ليها نكهة مُميزة ♥️ باختصار #ولاد_الوناش مسابوش حاجة معملوهاش😉🔥♥️
بإذن الله هكون منتظراكوا بكرة في معرض الكتاب دار مدينة الأدباء صالة ٢جناح c34
في حفل توقيع رواية ذاكرة الرماد 😍♥️
و لو مش هتقدر تروح المعرض متترددش انك تطلبها أون لاين توصلك لحد باب البيت من على المتجر الإلكتروني الخاص بالدار
او من على رقم الواتساب 👇
+201121530961
و بفكركوا أن مش بس ذاكرة الرماد اللي مستنياكوا في المعرض دا في كمان بونبوناية قمر أسمها #ما_خبأته_السماء و أبطالها #بدر_الجبالي و #ذكرى_الراعي و دي ملحمة مليانة مشاعر و عنفوان و كبرياء ست غير قابلة للإنحناء مهما هزمتها الظروف فضلت رافعة راسها و بتقاوم لحد ما لقت نفسها مع شخص يستاهلها ♥️
📌 و الحلوة بزيادة #ميثاق_الحب_والياقوت رواية بتدور أحداثها بين القوة و العنفوان 😍 قوته و عنفوانها، الثأر في أشد صوره، والحب في أعمق معانيه❤️🔥 معركة حامية ما بين القلب و الواجب بس في النهاية بينتصر العشق و دا عشان #جبار_آل_فارس مش أي بطل و #حورية_آل_شريف زينة البطلات 😉♥️
📌 و نيجي بقى للي عاملين انقلابات و اسمهم مسمع في كل مكان 🤭😍 #ولاد_الوزان 😍😍😍 الاسم لوحده علامة مسجلة 😂 الحلوين اللي عملوا للعشق منهج مختلف عن كل اللي سبقوهم و اللي لسه جايين 😍 اللي عملوا مفهوم للصداقة و الأخوة و الجدعنة و الشهامة 😍🙈 موجودين في معرض الكتاب و مش بس كدا 😉 دول عشان هما مش أي حد عليهم خصم نااار🔥🔥
و الحقيقة يا صديقي أن كل روايات نورهان العشري عليها خصومات كبيرة طول فترة المعرض 😍
الحقوا اطلبوا الروايات لو مش هتنزلوا المعرض 😍♥️ أو تعالوا بكرة نتقابل و خدوا توقيع #وحوش_الوتايدة 🙈🙈🙈
الكينج خالد الوتيدي، و معاه الدبابة كمال الوتيدي، و الريس ياسر الوتيدي، والعمدة رحيم الوتيدي، والدكتور اللي جايبلي الكلام عمر الوتيدي🤭😂 و زيدوووو باشا الدكتور يزيد الوتيدي 😍
مستنية رأيكوا في الاقتباس و مستنياكوا بكرة في المعرض أن شاء الله ♥️
فانزي الحبيب اللي من خارج مصر للطلب إلى سوريا و لبنان 👇
و للطلب إلى الأردن 👇
+962 7 9896 0775
#ذاكرة_الرماد_حين_ينفث_الرماد_عطراً
#نورهان_العشري
#قيثارة_الكلمات
#ولاد_الوناش
#مدينة_الأدباء_للنشر_والتوزيع
#صالة2_جناحC34
#معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب2026
بحبكوا و متنسوش اني هكون في المعرض بكرة أن شاء الله من الساعة ١٢ الضهر في دار مدينة الأدباء صالة ٢جناح c34
أنا و حبايبي ولاد الوناش ♥️ في حفل توقيع روايتي الحلوة #ذاكرة_الرماد
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل التاسع وستون 69 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الثاني عشر ❤️🔥
أحيانًا تُباغتنا الحياة و تضعنا في مواقف قد لا نجرؤ على تخيلها أو التنبؤ بها، فيجد للإنسان نفسه مُجبرًا على الاختيار و اتخاذ قرارات مصيرية من شأنها أن تقلب ميزان حياته. فهناك لحظات حاسمة قد لا تكون صاخبة أو مليئة بالأحداث بل أنها قد تأتي في صمتٍ خانق حين تضيق الدائرة، فلم يعُد هناك مجال للمراوغة أو البقاء في تلك المنطقة الرمادية التي تجمع الضدين معًا، فالقدر أحيانًا يرفض الحياد رفضًا قاطعًا، أو لنقل أن الحياة قد تمل من الانتظار، فلم يعد الصمت قرارًا قابلًا للتنفيذ، والمراوغة تُعد خيانة، والتخاذُل عذاب أبدي.
ولكن. ماذا لو أن هذا الاختيار يسير باتجاه مُغاير عكس ذلك الذي سارت عليه الحياة لسنوات! ليس لأجل العناد فحسب، ولا من باب التمرد! بل إنه استجابة لتوسل صامت يرتجف القلب لأنينه، فليس المنطق هو صاحب السيادة دائمًا على قراراتنا، فهناك قرارات لا تُقاس بمدى منطقيتها بل بقدرتها على إبقاء الروح على قيد الحياة.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ والله زمان. أخيرًا اتچمعتوا يا وتايدة!
هكذا تحدث رحيم الذي وصل من الصعيد منذ عدة ساعات لحضور خطبة عمر، و هاهو يجتمع مع أولاد عمومته بعد وقتٍ طويل.
ـ البركة في العريس!
هكذا قال خالد بتهكم وهو ينظر إلى عمر الذي كان يجلس شاردًا ليجذب انتباهه حديث خالد و لهجته الساخرة مما جعله يقول بسخط:
ـ يالا عدوا الجمايل.
كمال بسخرية:
ـ على آخر الزمن جه اليوم اللي يبقى ليك جميلة علينا!
هتف ياسر مازحًا:
ـ شوف ياخي يوضع سره في أهيف خلقه.
عمر بتحذير:
ـ بلاش أنت بدل ما اعملك أنا قفلة.
تدخل يزيد مازحًا:
ـ أوبا تخيلوا ياسر و عمر يدخلوا لبعض جولة مصارعة! أهي دي بقى اللي يتقال عليها مصارعة التيران بحق و حقيقي.
رمق خالد عمر شذرًا قبل أن يقول بجفاء ساخر:
ـ تصدق هو محتاج فعلًا بوكسين من إيد ياسر.
رحيم بمزاح:
ـ لا يا واد عمي ميصحش! احنا بردك بنعرِف في الأصول. خلينا نخرشمه بس بعد ما تخلوص الحفلة.
قهقه الرجال على حديثه ماعدا عمر الساخط على كل ما يحدُث ليتدخل يزيد بمرح:
ـ اسمعوا مني أنا بقول نخلص دلوقتي و نلحق بنت الحلال دي قبل ما تدبس فيه..
عمر بنبرة مُغترة:
ـ والله يا خفيف لو روحتلها برجل واحدة هي قابلة.
ياسر بسخرية:
ـ ليه أن شاء الله ؟
عمر بثقة:
ـ عشان بتحبني طبعًا.
كانت هناك نظرات ذات مغزى متبادلة بين كُلًا من خالد و ياسر الذي قال بتخابُث:
ـ طب أفرض جتلك هي برجل واحدة هتقبل بيها بردو!
توقف عمر أمام هذا السؤال قليلًا، فلم يجد بداخله إجابة تصلح للإفصاح عنها، ولكنه كان مُجبر على الإجابة فكل العيون منصبه فوقه ليقول بنبرة لا مُبالية:
ـ و أنا ليه اتجوز واحدة برجل واحدة؟! ليه اتجوز واحدة متكونش بيرفيكت في كل حاجة!
التفت خالد يناظره بتمعُن قبل أن يقول باستفهام:
ـ قولي يا عمر طيب لو اتجوزتها وهي مفيهاش غلطة و بعد كدا حصلها حادثة لا قدر الله اتشوهت و مبقتش بيرفيكت زي ما اتجوزتها هتسيبها! ولا هتكمل معاها؟!
رفع رأسه يطالع خالد بحيرة لونت نظراته، ولأول مرة يرى الأمر من هذه النقطة. ماذا سيفعل أن حدث مع شاهي هذا الأمر! هل سيتقبلها أم سيرفضها؟! و فجأة لاحت صورتها أمام عينيه فدق قلبه بقوة وهو يتذكر تلك الأيام التي كانت ساقها مكسورة وكيف كان يتمنى لو يبقى جالسًا بجانبها طوال الوقت. يخشى أن يتركها فتتأذى أو تضطر لمواجهة والدته وهي في موقف ضعف لا تستطِع الحركة. يتذكر كم كان السهر إلى جانبها أمرًا رائعًا، وكم كان احتياجها له يجعل النشوة تسري في أوردته، والحقيقة أن كل شيء معها كان مختلف و جميل.
ـ كل دا تفكير! يخربيتك دانت المادة الخام للوطينة!
هكذا تحدث ياسر ليشعر خالد بأن الغضب بدأ يتشعب بداخله من هذا الطائش الذي لا يعرف خطورة ماهو مُقبِل عليه ليُحاول تصحيح مسار تفكيره حي أعاد استفهامه ولكن هذه المرة وجهه إلى ياسر:
ـ طب و أنت يا ياسر. بعد الشر عن غنى طبعًا ممكن تسيبها لو حصلها اي ظرف!
ياسر باستنكار:
ـ لا طبعًا. دانا أشيلها على راسي و في عنيا العمر كله. هو في زي غنى؟! ولا أنا لو لفيت الدنيا بحالها ألاقي ضافرها!
يزيد بتهكم:
ـ أيه يا وحش! دي الغُريبة. الحتة الطرية يعني..
قهقه الجميع على حديثه ليقول ياسر بجدية:
ـ مش فكرة كدا. بس أن الإنسان يلاقي نصه التاني دي مش حاجة سهلة، و مش كل انسان في الدنيا دي محظوظ عشان يلاقي الشخص اللي يكمله. و يحس بالراحة جنبه.
تهكم عمر قائلًا:
ـ أنت اللي بتقول كدا! دا احنا قعدنا ليلة بحالها نقنعك تروح تتقدملها.
ياسر بتوضيح:
ـ أنا كانت ظروفي غير، وكان كبريائي مانعني، و واقف بيني و بينها، وبصراحة أنا مش هقدر انسالك الموضوع دا، وانك قدرت تقنعني وقتها. لو مكنتش اتجوزت غنى مكنتش عارف الأيام هتعدي عليا عاملة ازاي!
التفت خالد ناظرًا إلى رحيم الذي شعر بخطبٍ ما يحدُث لذا قال بنبرته الغليظة:
ـ مشكلتنا يا واد عمي أننا بنفكِر أن الحب ده عيبة، و بنتنكرو منيه، على الرغم أن الراچل منينا مهما بلغت قوته و چبروته محتاچ أنه يروح آخر الليل يلاجى الونس و الصدر الحنين اللي يرمي فيه كل همومه.
كان كمال ينظر إلى الجميع ويشعر بأن للكلمات أسنان مُدببة تُغرز بقلبه و توقظ جميع آلامه دفعةٍ واحدة لذا اختار الصمت، ليُتابع خالد الحديث من حيث وقف رحيم قائلًا:
ـ فعلًا عندك حق. مهما كان الراجل قوي و عنده سلطة و نفوذ بيحتاج لست تقف جنبه و تهون عليه. تكونله سكن و سكينة. دا ربنا لما خلق سيدنا آدم " عليه السلام" خلقله ستنا حوا عشان تكون ونيسه.
كان الحديث كأسهم اتهام تتوجه إلى عقله المتمرد مما جعله يقول ساخطًا:
ـ أيه يا وتايدة كلكوا بقيتوا عشاق على كبر!
صاح يزيد مازحًا:
ـ لا كله كوم ولا الوحش بتاعنا. اللي الناس كلها كانت تشوفه ماشي في طريق تلف من الطريق التاني دلوقتي بيتكلم عن الحب!
خالد مُحذرًا:
ـ خلي بالك أن الوحش بردو لسه الناس بتترعب منه. يعني لم لسانك الطويل دا وخاف على رقبتك.
يزيد بخوف ظاهري:
ـ يا كينج دا انت تقول اللي أنت عايزه، واحنا تقول سمعًا و طاعة. الحب الحب. الشوق الشوق.
تعالت الضحكات ليهتف عمر بجدية:
ـ بصراحة أنا مستغربكوا. الحب دا أكتر شيء في الدنيا بيضعف الإنسان.
قاطعه ياسر موضحًا:
ـ الإنسان الضعيف ضعيف بالحب أو من غيره.
عمر بحدة:
ـ لا معلش بقى. يعني أنت عايز تقنعني انك بسبب غنى متنازلتش على حاجات كتير! و على فكرة قبل ما تجاوب التنازل دا نوع من أنواع الضعف.
ياسر بنبرة ذات مغزى:
ـ انك تتنازل بإرادتك عن اي شيء عشان تكون مع الشخص اللي بتحبه دا منتهى القوة. انك تختار و تقف على أرض صلبة دا في حد ذاته قوة.
عمر باستنكار:
ـ ازاي يا فيلسوف عصرك و أوانك!!
ياسر بتوضيح:
ـ أنا لما سبت كل حاجة و خدت غنى و مشيت محدش جبرني اعمل دا. أنا اللي اختارت. اختارت كرامتي و كرامة مراتي و مشيت. و على فكرة انا ولا لحظة ندمت اني عملت كدا. لأن فعلًا وجودها بيغنيني عن حاجات كتير اوي. و أصلًا انا لما كان عندي الحاجات دي لا كنت مبسوط ولا سعيد زي مانا مبسوط و مرتاح وانا معاها.
دارت الكلمات برأسه قبل أن يقول بجفاء:
ـ المشكلة مش فينا. المشكلة في الستات أنهم لما بيشوفوا الحب في عنينا يبدؤا يتحولوا، و بيكون دا سلاح في إيدهم ضدنا.
تدخل رحيم قائلاً بفظاظة:
ـ صوح. كلام زين، بس الراچل بجى هو اللي بيده بيحط النقط على الحروف. دلع زي ما تحب لكن وقت الچد. كلمتك توبجى سيف على رجبتها. هي بجى عرفت تمشيك يوبجى العيب فيك أنت لا فيها ولا في الحب.
كان خالد يوميء برأسه بالموافقة وعلى ملامحه ابتسامة هادئة بألف حديث، وكأنه في تحدٍ غير مباشر مع عمر ليستغل ياسر الموقف ويقول:
ـ على فكرة انا و غنى زعلانين، وانا عارف اني قرصت عليها و جيت عليها شويتين، بس انا عملت كدا عشان أفرملها وأردها عن الغلط. بالرغم من أني عارف أنه كان غصب عنها لكن في وقت من الأوقات لازم أكون حازم معاها.
عمر بسخرية:
ـ يا جماعة أنتوا بتتكلموا عن الستات. دول ملهمش كتالوج. أن كيداهن عظيم. محدش يأمن مكرهم ولا تفكيرهم. الست من دول تبقى بتمثل دور الزوجة المطيعة وهي ممشية جوزها على العجين ميلخبطوش.
ياسر بجفاء:
ـ هو أنت يا ابني بتفهم منين؟! بنقولك كله من الراجل. مش معنى انك بتقدر مراتك و بتحترمها أنها تبقى ممشياك على العجين. دا تفكير غبي.
يزيد ساخرًا:
ـ و حمار كمان.
تجاهل ياسر حديث يزيد و تابع موضحًا:
ـ طب استني. حصل موقف أول ما رجعت في المستشفى ما بين غنى و هيام، و حق الله هيام هانت غنى و أهلها. و غنى انفعلت وردت عليها. وقتها انا طلبت من غنى تعتذر لهيام..
عمر ساخرًا:
ـ و رفضت طبعًا!
ياسر باختصار:
ـ لا..
عمر يتهكم:
ـ يبقى عيطت عشان تصعب عليك.
ياسر بنفي:
ـ لا بردو. غنى اعتذرت لهيام قدام والدتها و خالتها، مع العلم انها قبل ما تعتذر والدتها قالتها ادي اللي سبتينا عشانه بيدوس عليكِ. لكن غنى مسمعتلهاش و اعتذرت لهيام قدام الكل.
ناظره عمر بصدمة ليُكمل ياسر بنبرة ذات مغزى:
ـ وقتها روحت بوست راسها و اعتذرتلها كمان و رديت اعتبارها هي و أهلها. كدا انا ابقى واحد مراتي ممشياني! ولا راجل مراتي قدرتني و اشترتني وأنا بردو قدرتها و احترمتها! ابقى انهي فيهم من وجهة نظر ؟!
تدخل خالد بفخر:
ـ تبقى ريس بحق و حقيقي.
هتف رحيم يؤيده:
ـ راچل يا ياسر طول عمرك. وتيدي على أبوه.
ناظرهم عمر بضياع وهو يشعر بأن رأسه يكاد ينفجر من كثرة تزاحم الأفكار به. لا يعرف الصواب. من الخطأ! فكل هؤلاء الرجال هو يعتبرهم رموز للقوة و الجبروت، و جميعهم يعترفون بالحب ولا يتنصلون منه. وقد كان هذا الأمر مُحيرًا كثيرًا بالنسبة إليه. لينتشله من ضجيج افكاره صوت يزيد الذي هتف مُستفهمًا:
ـ طب انت يا وحش أيه رأيك في الحب هل انت مع رأي عبد الحليم حافظ دا " أشار إلى ياسر" ولا مع فريد الأطرش دا" كان يشير إلى رحيم" ولا مع الذئب البشري صلاح ذو الفقار دا؟!
كان يُشير إلى عمر ليبتسم خالد قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ كل واحد بيشوف الموضوع من منظوره و بيحكم عليه من خلال تجربته، لكن عمومًا الحب دا نعمة من نعم ربنا مش كل الناس محظوظة أنها تقابله، والإنسان اللي بيعتبر الحب ضعف دا معندوش ثقة في نفسه.
تدخل عمر مُستفهمًا بلهجة حادة بعض الشيء:
ـ طب ولو كان الحب دا مش مناسب بالنسبة ليه؟
يعلم أنه سيكون قاسيًا في إجابته ولكن القسوة أحيانًا تجعل الإنسان يستيقظ من غفوته لذا قال بلهجة جافة:
ـ المناسب دا بيختلف على حسب معايير كل واحد. لكن في المطلق إن الراجل اللي عنده ثقة في نفسه مش محتاج من مراته غير أنها تكون ست بجد تملى عينه وقلبه. لأنه مش محتاج إضافة منها ليه.
توسعت عيني عمر من حديث خالد الذي تابع بنبرة قوية:
ـ مش شرط بقى أني عشان دكتور فأروح اتجوز دكتورة وإلا متبقاش مناسبة ليا. ما أنت آخر الليل مش هتاخد البالطو بتاعها في حضنك وانت نايم. صح ولا أيه؟
عمر باستهجان:
ـ أيه يعني الدكاترة ميتحبوش!
خالد بجفاء:
ـ يتحبوا بس يتحبوا عشان شخصهم مش عشان مؤهل، ولا عشان عيلة ولا رصيد في البنك. الحب المشروط دا ميبقاش حب.
كانت الكلمات كأحجار ثقيلة تستقر في قلبه الذي كان يئن من فرط الألم و العجز أمام جبروت هذا العقل المُتحجر و الذي جعله يقول مُعاندًا:
ـ على فكرة الحب مش شرط عشان الانسان يعيش يعني. في ناس بتعيش عمرها كله من غير حب و عادي..
خالد مؤيدًا:
ـ صح. مفيش حد بيموت من غير الحب. بس مفيش حد سعيد من غير حب.
شعر بأنه لم يعُد يطيق هذا الحديث لذا قرر الانسحاب حتى يستطِع الاختلاء بنفسه ليصل إلى نقطة تفاهم بين قلبه المؤيد لهذا الحديث و بين عقله الناقم عليه، فاستأذن منهم باختصار دون النظر إلى أيًا منهما و خاصةً خالد، ولكن استوقفه يزيد الذي أخذ هاتفه و توجه إلى الناحية الآخرى
لينظر إليه عمر وهو يحاول تجاهل هذه الرغبة المُلحة التي تولدت بداخله ولكنه في النهاية رضخ لها و توجه إلى يزيد الذي أغلق الهاتف وهو ينظر إليه قائلًا باستفهام ساخر:
ـ قومت ليه؟ الوتايدة حطوا عليك ولا أي؟
عمر بحنق:
ـ حط عليك قطر ياله وريحني منك. أنت ايه لسانك دا مبرد!
يزيد بتهكم:
ـ أنا لساني مبرد و أنت إيدك مرزبة كدا متعادلين.
زفر عمر حانقًا، فهتف يزيد مُستفهمًا:
ـ مالك يا عمر!
عمر بنفاذ صبر:
ـ عايز منك خدمة من غير ما تتحفني بكلامك اللي شبه وشك.
ضيق يزيد عينيه قبل أن يقول ساخطًا:
ـ حتى حقي في التنمر عليكوا عايز تحرمني منه! اطلب يا سيدي.
عمر بتوتر بسيط:
ـ أنت بتتواصل مع جميلة؟!
يزيد بترقب:
ـ على حسب بتسأل ليه؟
عمر بغيظ:
ـ اتنيل رد..
يزيد بملل:
ـ أحيانًا..
عمر بلهفة غير مقصودة:
ـ يعني معاك رقمها!
ـ أيوا؟!
عمر بلهجة آمرة:
ـ طب اتصل عليها، واعرف منها شروق رجعت ولا لا؟
لمعت عيني يزيد بالخُبث الذي لاحظه عمر مما جعله يهتف مُحذرًا:
ـ لو سمعت حرف تريقة و لااستظراف هطرملك سنانك.
زفر يزيد بحنق قبل أن يقوم بالإتصال بجميلة التي كانت تدرس ليرن هاتفها فإذا بها تجد اسم يزيد مما جعلها تتحمحم قبل أن تُجيب بنبرة رقيقة:
ـ آلوو.
يزيد بغزل متناسيًا وجود عمر:
ـ أحلى آلوو في الدنيا كلها.
لكزه عمر في كتفه وهو يناظره بتحذير ليهتف يزيد مُغيرًا حديثه:
ـ أيه يا بت أنتِ آلو دي ما تنشفي شوية..
جميلة باستنكار:
ـ نعم! انت بتكلم مين؟!
يزيد بارتباك:
ـ بكلمك هكون بكلم خيالك!
جميلة بسخط:
ـ هو أنت عبيط ولا شكلك كدا! أنت متصل تتخانق معايا..
شعر يزيد بالغضب من هذا الضخم الذي سيتسبب بإفساد العلاقة التي لم تبدأ بعد لذا حاول جعل الأمر يبدو مُزاحًا حين قال:
ـ بهزر يا جميلة. أيه مبتهزريش؟!
جميلة بحدة:
ـ هزارك شبة وشك و دمك يلطش.
اغتاظ من حديثها ليضغط على كاتم الصوت ثم التفت إلى عمر قائلًا بحنق:
ـ الهي لا يكسبك ولا يربحك يا عمر يا ابن نبيلة. تفضل واقف في الأوف سايد كدا عمرك كله..
زجره عمر بعُنف ليقوم يزيد بإعادة الصوت وهو يقول بتلعثُم:
ـ و أنتِ عاملة أي! و شروق أختك ألا هي رجعت من السفر ولا لسه؟؟
برقت عيني عمر من غباء هذا المعتوه الذي طلب منه أن يستفهم بصورة غامضة وها هو يفسد الأمر، وفي هذه الأثناء سمعت شروق صوت سيارة في الأسفل لتهتف بلهفة:
ـ استنى كدا شكلها وصلت.
يزيد باستفهام:
ـ دا بجد وصلت!
فتحت جميلة باب الشرفة لتجد سيارة راجي التي توقفت أمام باب العمارة لتهتف بلهفة:
ـ أيوا وصلت عربية مستر راجي تحت اهي سلام أنت دلوقتي.
أغلقت الهاتف في وجهه ليلتفت إلى عمر قائلًا بتشفي:
ـ لسه جايه حالًا بعربية مستر راجي.
عض عمر على شفتيه بغيظ، وهو يتمنى زوال هذا المخلوق من الوجود، وقد استعرت نيران الغيرة في صدره مما جعله يتوجه الى سيارته يقودها غير عابيء بنداءات يزيد المتكررة...
اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك♥️
★★★★★★★★
ـ اللي سمعتيه يا سوزي. جيت اسمعه الفويس ملقتهوش على التليفون.
هكذا تحدثت أشجان على الهاتف وهي تروي لسوزي ما حدث لتقول الأخيرة بصدمة:
ـ أشجان أنتِ بتقولي ايه؟ ازاي يعني ملقتيهوش! أنتِ متأكدة أن الموبايل سجل أصلًا؟!
أشجان بتعب:
ـ متأكدة و سمعت التسجيل بنفسي وبعدين اتصلت على خالد قولتله أنا جيالك، وحطيت الموبايل على الشاحن ودخلت خدت شاور و طلعت لبست و روحتله بدور على التسجيل في التليفون ملقتهوش..
سوزان بريبة:
ـ طب خالد حس بحاجة ؟!
تذكرت أشجان ما حدث قبل عدة ساعات..
عودة إلى وقتٍ سابق:
ـ الحلو بتاعي اللي نور الشركة.
هكذا قال خالد وهو يفتح ذراعيه لاستقبالها فلبت ندائه على الفور واقتربت تعانقه بقوة وهو يبادلها العناق بأقوى منه و شفتيه تلثم جبينها بحنو قبل أن يقول بشوق:
ـ قاعد أعد في الدقايق مستنيكِ عشان تيجي تحلي اليوم الطويل اللي مش راضي يخلص دا..
ابتسامة متوترة ارتسمت على شفتيها، فقد كانت تشفق عليه كثيرًا مما تنوي إخباره به، ولكن ما باليد حيلة، فيجب أن يعلم حتى يحاول التصدي لأذى هذة المرأة.
شعر خالد بأنه هناك خطبٍ ما يحدُث معها، فقد كانت عينيها كمرآة شفافة تخبره بما يحدث داخلها ليمد يده يمرر أصابعه بحنو فوق خدها الناعم قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ في كلام كتير في عنيكي الحلوة عايز اسمعه..
أشجان بصدمة:
ـ هو أنا مكشوفة أوي كدا قدامك؟!
ابتسم على صدمتها ليقول بابتسامة عذبة:
ـ مش كدا. بس أنا عاشق لعيونك الحلوين و دا بيخليني أعرف أقراهم و اعرف لو مخبيين حاجة عني.
لون الخجل ملامحها لترفرف برموشها وهي تقول بنبرة خافتة:
ـ للدرجادي!
أعطاها خالد غمزة عابثة قبل أن يقول مُغازلًا:
ـ اومال. أنا مذاكرك كويس يا حلو..
ابتسمت بخجل ليقوم خالد بجذب يدها متوجهًا إلى الأريكة التي تتوسط غرفة مكتبه ليتربع الاثنين فوقها و يبدأ هو حديثه قائلًا:
ـ عايزة تقولي أيه؟ أنا سامعك.
توقفت نظراتها عليه لثوان لا تعلم كيف تبدأ بالحديث لتختار تشغيل ذلك التسجيل أولًا، فهتفت بارتباك:
ـ استنى لحظة.
أومأ برأسه لترتجف شفتيها وهي تُتمتم بخفوت:
ـ بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
جذبت هاتفها بأيدٍ مُرتعِشة وهي تبحث عن هذا التسجيل الذي كان دليلها الوحيد لكشف جبروت هذه المرأة، ولكن كانت المفاجأة عظيمة حين لم تجده!
تعرق جبينها من فرط التوتر و الحيرة حين لم تجده، و أخذت الاستفهامات تتقاذف في عقلها كيف اختفى و كأنه لم يكُن موجود من الأساس!
كاد عقلها أن يُجن ليلحظ خالد حالتها فمد يده يمسك ذقنها ناظرًا إلى عينيها وهو يقول بقلق:
ـ مالك يا حبيبي؟ في ايه؟
احتارت بماذا تُجيبه لتخرج الكلمات من فمها مُرتعشة رغمًا عنها:
ـ ن. نبيلة..
تبدلت نظراته الى آخرى افزعتها كما جاءت نبرته جافة حين قال:
ـ مالها! ضايقتك ؟؟
لم تعرف بماذا تُجيبه، و كيف تخبره بما حدث، لتتوتر أكثر قبل أن تهتف بلهفة:
ـ شوية. يعني . قالتلي. قالتلي أن عمر هيخطب.
تفهم الأمر و ارتباكها بهذا الشكل إذن من أجل صديقتها لذا قام بجذبها لتستقر بين ذراعيه وهو يقول بنبرة حانية:
ـ متضايقيش نفسك، و مفيش داعي انك تتوتري. أنا متفهم انك زعلانه عشان شروق، وأنا كمان زعلان عشانها و عشانه. بس هو لازم يعرف قيمتها، ولو معرفهاش يبقى هو الخسران مش هي صدقيني.
كانت في وادٍ آخر تفكر كيف حدث ذلك؟ أنه لكارثة فهذا التسجيل لو وقع في أيدي تلك المرأة الكريهة ولو علمت بأنها أقدمت على تسجيل اعترافها حتمًا ستؤذيها وعند هذا الحد اجتاحتها موجة رعب عاتية جعلتها تدفن نفسها بين حنايا صدره تبغي الشعور بالأمان..
عودة إلى الوقت الحالي
ـ أنا هتجنن يا سوزي. محدش يعرف بموضوع التسجيل دا غيرك. مين حذفه! حاسة عقلي هيشت.
هكذا هتفت أشجان بقهر لتهتف سوزي مؤنبة:
ـ كنتِ استغليتي الموضوع و قولتيله وخلاص!
أشجان باستياء:
ـ بتقولي ايه يا سوزي ؟ هو الموضوع بالبساطة دي؟ أروح أقوله أختك قالتلي انها قتلت مراتك و ابنك؟! من غير حتى دليل واحد يخليه يقتنع؟ دا غير أنه حتى لو صدقني أنا كدا ابقى قلبت البيت حريقة، و لا عمر ولا عز هيتحملوا اتهام زي دا عليها. و نبيلة عمرها ما هتسكت و وارد تأذي خالد نفسه. لازم يكون معايا دليل يخليها متقدرش تتكلم ولا تنفي التهمة عن نفسها. ولا يخلي حد منهم يقدر يدافع عنها.
سوزي بتفكير:
ـ طيب خلينا نفكر بالعقل. لو دي نبيلة اللي عرفت انك سجلتيلها مش معقول هتكتفي بأنها تحذف التسجيل! على الأقل هتهددك أنك متعمليش دا تاني. اللي حذف التسجيل دا حد عايز الحقيقة تموت أو تتأجل!
أشجان باستفهام:
ـ تتأجل!
سوزان بتوضيح:
ـ أيوا تتأجل. حد له مصلحة أن نبيلة متتكشفش دلوقتي.
أشجان بتعب:
ـ أنتِ لخبطيني أكتر.
قطع حديثهم صوت طرق على باب غرفة أشجان التي رغمًا عنها انتفضت مكانها لتهتف بلهفة:
ـ مين؟!
أطلت نجاة من باب الغرفة وهي تقول بمرح:
ـ أني يا خزان الأحزان..
ابتسمت أشجان باطمئنان قبل أن تنهي الحديث مع سوزان وهي تهتف بترحيب:
ـ تعالي يا نوجا.
دلفت نجاة إلى الداخل لتجلس على الأريكة بجانب أشجان التي قالت بحبور:
ـ مش مصدقة انك قاعدة قدامي. وحشتيني أوي..
نجاة بسعادة:
ـ ولا أنا والله يا شوشو. حاسة كني بجالي سنين مشوفتكيش. متوحشاكي جوي أنتِ و باجي البنات..
ـ أن شاء الله لازم نتجمع كلنا وحشتني لمتنا أوي..
هكذا تحدثت أشجان لتُجيبها نجاة بمرح:
ـ بإذن الله. ألا جوليلي هي مين الولية الملمعة المقمعة اللي جاعده تحت و فارشه و لا أكنه بيت أبوها!
برقت عيني أشجان التي ارتعبت أن تكون نبيلة هي التي تجلس بالاسفل، فقد كانت تخشى رؤيتها ظنًا منها أنها قد تكون من حذفت هذا التسجيل. ليدق باب الغرفة فانتفض جسد أشجان و خرجت منها شهقة قوية جعلت نجاة تهتف بلهفة:
ـ في أيه يا أشچان اتفزعتي أكده ليه ؟
أشجان بارتباك:
ـ لا . ولا حاجة. مين؟
جاءها صوت الخادمة التي هتفت باحترام:
ـ رحيم بيه كان بيسأل عن الست نجاة، وبيستعجلها..
هدأت دقات قلبها قليلًا لتربت نجاة على يدها وهي تقول بريبة:
ـ أنتِ مش عچباني. لكن ده مش وقته نتكلم. بس اعملي حسابك هتقري بكرة و تحكيلي ايه اللي لبشك أكده.
أشجان بقلة حيلة:
ـ لما ييجي بكرة أن شاء الله يبقى ربنا يحلها يا نجاة.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وقهر الرجال ♥️
★★★★★★★★★
كانت نائمة على مخدعها تحتضن نفسها وهي تنظر إلى البعيد بعينين يتلئلئ بهم الدمع ولكنه يأبى السقوط، فقد كانت تعلم بأنه مُحق ولكنها تتألم و لم تستطِع سماعه يتحدث بهذه الطريقة على المرأة التي تسببت في هدم حياتهم و التي تحايلت و خدعتها و بسببها عاشت الجحيم على الأرض.
لقد كان قاسيًا عليها اليوم كثيرًا وهذا ما لم تعهده منه لذا تألمت بقوة و رفض عقلها تصديق ما حدث لتلجأ للنوم الذي ترأف بحالها ليجرفها في غفوة طويلة استيقظت منها ولم تجده في البيت، وقد أغضبها هذا الأمر كثيرًا و لأجل ذلك قررت أن لا تُمرر الأمر على خير..
طرقة قوية على باب الغرفة أفزعتها ولكنها هدأت حين سمعت صوته في الخارج مما جعلها تهب من مكانها تمحو عبراتها بقوة، وقد قررت تلقينه درسًا لن ينساه لتقوم بالتوجه إلى طاولة الزينة و وضع بعضٍ من مساحيق التجميل البسيطة حتى تمحي هذا الصورة الباهتة التي رأتها في المرآة قبل أن تمشط خصلات شعرها بيدها لتُزيد من توهجهم. ثم اندفعت إلى الباب لتفتحه و تناظره بجمود لترى بعينيها كيف تبدلت ملامحه، فقد كان ينوي الثبات على موقفه حتى تعود إلى رشدها و تتفهم أن ما فعلته خطأ، ولكن مظهرها الرائع و فتنتها الواضحة كانا لهم تأثيرًا ضاريًا عليه، فالتمعت عينيه بوهج العشق و الأعجاب غير أن جمودها جعلوه يعود لارتداء قناة الجمود الذي شاب نبرته حين قال:
ـ عايز اتعشى.
لم تُجيبه انما توجهت إلى المطبخ لتبدأ في تحضير الطعام في صمتٍ أغضبه ليتقدم ويقوم بلكزها في كتفها قاصدًا استفزازها وهو يقول:
ـ اعمليلي بيض بالبسطرمة.
لم تُجيبه انما شرعت بجلب البيض من الثلاجة لتنفيذ طلبه ليحاول قمع ابتسامته على غضبها ثم هتف بجفاء:
ـ و عايز جبنة بقوطة.
غنى من بين أسنانها:
ـ اللهم طولك ياروح..
ياسر باستفزاز:
ـ و حطي عليها خيار..
بلغ الغضب منها ذروته لتلتفت هاتفة بحدة:
ـ مش عايز أدعكلك رجلك بالمرة!
اقترب منها يحاصرها بيديه اللذان وضعهما حول طاولة المطبخ وهو يقول بتخابُث:
ـ الصراحة عايز.
قربه بهذا الشكل أضرم الرجفة في سائر أوصالها ليقوم بمعانقة خصرها وهو يُديرها إليه قائلًا بنبرة عابثة:
ـ و بصراحة اكتر الخصام دا مش جاي معايا سكة. خلينا نتصالح.
غنى بجفاء:
ـ مبتصالحش.
ياسر باستنكار:
ـ نعم ! دا ازاي يعني؟!
غنى بتهكم غاضب:
ـ زي السكر في الشاي.
يعلم كم هي غاضبة منه وقلبه لا يرتضي حزنها أبدًا لذا قال يشاكسها:
ـ طب خليكِ جدعة و شيلي الوش الخشب دا وتعالي نقعد نتكلم كلمتين فيهم المفيد
تشدقت ساخرة:
ـ كان على عيني والله بس انا مصدعة و عايز أنام بدري..
بدأ الغضب يزحف إلى داخله ليهتف مُحذرًا:
ـ عدي ليلتك يا غنى وخلينا نقعد ونتفاهم.
عاندته قائلة بجفاء:
ـ لا معلش مصدعة. ماليش مزاج اتكلم..
ياسر بحدة:
ـ يعني عايزة تفضلي ملوية كدا!
أرادت القصاص منه فتغنجت قائلة:
ـ مين قال اني ملوية! مانا أهو زي الفل أنت اللي مش شايف..
ضيق عينيه وهو يناظر ملامحها التي يعشق قبل أن يقول بتحسّر:
ـ ورحمة أبويا شايف. بس للأسف ممنوع عليا اللمس أو الاقتراب.
هتفت بتشفي:
ـ أحسن. اتفضل العشاء.
ناولته الصينية المُستديرة ليأخذها منها و يضعها فوق طاولة المطبخ وهو يهتف بحدة:
ـ خلاص شبعت.
توسعت عينيها غضبًا لتهتف مستنكرة:
ـ والله! يعني أنت مصحيني من النوم وجاي تقولي شبعت!
تراجع ساخطًا ليخرج إلى الصالة وهو يقول مُحذرًا:
ـ اعمليلك قفلة وروحي نامي يالا..
تبعته وهي تصيح حانقة:
ـ تصدق انا غلطانه اني رديت عليك و قومت اعملك حاجة..
كانت جميلة حد الفتنة وهو يشتاقها حد الجنون لذا حاول عدم الالتفات إلى جمالها و رغبته بها، فهتف مُحذرًا:
ـ وهتبقي غلطانه اكتر لو فضلتي واقفة تعانديني كدا . عشان أنا على آخرى منك ومش ضامن نفسي.
لم تعي المعنى خلف حديثه، فقد كانت غاضبة مما حدث هذا الصباح لذا صاحت بتحدي:
ـ لا والله! طب انا واقفة بقى و عايزة اعرف يا ياسر هتعمل فيا أيه؟!
لم تكد تُكمل جملتها حتى وجدته يقترب ليُجهز على ما تبقى من حديثها يروي شوقه الجارف لها، دون أن تستطِع المقاومة ولا حتى التحرك خطوة واحدة فقد باغتتها فعلته، ليبتعد عنها وهو يهمس بنبرة مُتحشرجة تحكي مقدار لوعته:
ـ حبك دا عامل زي ما يكون ذنب و أنا طول الوقت بكفر عنه.
آلمتها جملته، فهي لم تكن تتخيل كم يعشقها و يشتاق لها ولكنه يخاف عليها بقدر الاثنين غير أنها لم تتفهم ذلك لذا هتفت غاضبة:
ـ أنا لو مكانك بقى اتخلص من الذنب دا و اريح دماغي.
تراجعت عنه تنوي الدلوف إلى الداخل ليجذبها من يديها وهو يهتف بمزاح:
ـ خدي يا بت هنا. اتخلص منه أيه؟ دا لو على موتي يا بت مرزوق مسبكيش.
عاندته قائلة:
ـ مش بمزاجك.
ضاق ذرعًا من خصامها و من كل ما يحدث بينهم لذا قال بجدية:
ـ طب تقول كلمتين يا غنى عشان ننهي الفيلم الهابط دا. أنا مبقدرش آجي على اللي مني. لو قطعنا بعض أنا وهيام مش هاجي عليها قدام حد. حطي دا في دماغك.
بالرغم من أنها تقر بصواب حديثه ولكنه يغضبها لذا قالت بجفاء:
ـ حطيته حاجة تانية؟
تابع حديثه بسخط من جفائها:
ـ و تحطي في دماغك اني مابحبش العند، ولا الاندفاع دا. يعني تقعدي تتكلمي زي الناس. انما تتلوي و تتفردي و تتني كدا دا ميعجبنيش.
كظمت غيظها من حديثه وهتفت بلهجة حادة:
ـ حاضر حاجة تاني؟
ياسر بحدة زائفة:
ـ و تحطي في دماغك اني بموت فيكِ و مقدرش تزعلي مني.
رغمًا عنها لانت ملامحها و ارتسمت ابتسامة جميلة على ثغرها، فحاولت الهرب من براثن عينيه التي تغازلها بطريقة تُشعِل النيران بداخلها لتجده يُعيد أنظارها اليه وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ تعرفي عن ياسر أنه ممكن يقل مع اللي منه يا غنى!
بدأ عقلها يعمل بعيدًا عن تأثير الغضب لتُجيبه بصدق:
ـ لا. بس الكلام حرق دمي يا ياسر.. انا بسببها شفت عذاب الدنيا والآخرة..
شدد من احتوائها وهو يقول بعتب:
ـ ولما اتكلم عن اختي وحش قدام جوزها العذاب دا هيتمحي؟!
ـ لا..
ـ طيب كنتي هتفرحي لو قولتله دي فيها وفيها وفيها! كانت صورتي هتفضل زي ما هي في عنيكِ!
هكذا تحدث لتُدرك أنه كان مُصيب في حديثه لتقول بخفوت:
ـ أنا مفكرتش في كدا..
مد يده يحتوي وجهها بين يديه وهو يقول بنبرة حانية:
ـ اسمعيني يا بنت الناس. اللي بيراعي ربنا في أهله بيراعي ربنا في مراته. واللي يقل من أهله اللي من دمه و يقطع فيهم مهما كانت وحاشتهم دا مالوش أمان.
كان مُصيبًا فلم تعترض انما قالت بخفوت:
ـ ماشي يا ياسر.
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ لسه زعلانه مني؟
تغنجت قائلة:
ـ شوية..
اقترب يُلثم جبينها بحنو قبل أن يقول:
ـ طب حقك عليا..
كان دلاله لها مُغريًا لذا تعمدت تصنع الحزن لتذم شفتيها مما جعله يقول بنبرة تقطر عشقًا:
ـ طب بحبك..
اخفضت رأسها بدلال وهي تقول بنبرة خافتة:
ـ خلاص بقى..
ياسر باستفهام:
ـ اتصافينا!
غنى بخجل:
ـ اتصافينا.
أطلق زفرة قوية من داخل جوفه وهو يقول بصدق:
ـ زعلك دا غالي عليا أوي، ومقدرش تباتي يوم زعلانه مني.
رفعت رأسها تعاتبه قائلة:
ـ أنا ليا عتب كبير عليك يا ياسر. ليه منعتني اني اروح أشوف بابا؟!
ياسر بتوضيح:
ـ لا ممنعتكيش. بس اتضايقت انك عايزة تروحي لوحدك، و أنتِ عارفة اني مابحبكيش تخرجي لوحدك أبدًا.
ـ ليه بقى ؟
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ بغير على الغريبة بتاعتي.
دغدغ حديثه حواسها لتهتف غنى بخفوت:
ـ عارف أنا مشكلتي معاك أيه؟
ـ ايه؟
ـ انك بتعرف تثبتني!
ابتسم ياسر على حديثها قبل أن يقول بتحسّر:
ـ اتقي الله هو انا لو بعرف أثبتك كان زمان دا حالي! يالا عشان نتعشى. شكلنا هتفضل مقضينها أكل وبس..
غنى بتشفي:
ـ احمد ربنا.
ياسر بسخط:
ـ حسبي الله ونعم الوكيل.
غنى بصدمة:
ـ فيا؟!
تجاهل استفهامها قبل أن يقول بجمود:
ـ عمر حجزلنا مع دكتورة زميلته و اعملي حسابك احنا بايتين في حضنها لحد ما تخفي أحسن وعهد الله هرتكب جناية هنا..
ابتسمت على حديثه بل و تعالت قهقهاتها ليطالعها بحُب قبل أن يقوم بجذب رأسها ليحتويه بين ضلوعه، فهاهي الحياة عادت لتبتسم له بعد أن رأى ابتسامتها العذبة..
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ♥️
****************
ـ أيه روحتي جعدتي مع صاحبتك و جولتي عدولي؟!
هكذا تحدث رحيم يشاكس نجاة التي كانت تنظر إلى المكان بريبة، وكل دقة من دقات قلبها ترتجف ترقبًا ورهبة، فقد كانت غرفة نوم كبيرة، ولكن بها سرير واحد، وقد شعرت بإنسحاب الدماء من أوردتها و عقلها يرفض الأمر رفضًا قاطعًا مما جعلها تقول بارتباك:
ـ ما اجعد وياها. عايز مني ايه اياك ؟!
رحيم باستنكار:
ـ عايز منك ايه! هو أني لاقيكي في الشارع ولا اي! اني مستغناش عنك يا نجاة..
تعاظم ارتباكها وجف حلقها من حديثه و عينيه التي تشملها بنظرات تبعث الرهبة بداخلها مما جعلها تتجاهل حديثه قائلة بتوتر:
ـ اني معيزاش انام. نام انت واني هجعد مع أشجان شوية نتحدتوا..
شعر برغبتها في التهرب منه لذا قال ساخطًا:
ـ على أساس أن خالد هيسيبها عادي أكده تسهر و تسيبه! وبعدين في موضوع مهم عايز اتكلم فيه وياكي.
رفعت رأسها تطالعه لتقول بريبة:
ـ موضوع ايه؟
لا يعلم لما استفزته ريبتها و طريقتها ليشبك يديه خلف ظهره وهو يتقدم منها بخطوات سُلحفية بثت الذُعر بداخلها لتتراجع هي إلى الوراء إلى أن اصطدمت بالحائط خلفها ليستغل الفرصة و يقترب واضعًا يديه على الجدار حولها مما جعلها تهتف بذُعر:
ـ في أيه؟
كانت تخفض رأسها مما جعلها يقول بنبرة عميقة:
ـ بصيلي.
رفعت رأسها تطالعه بترقب لتشملها عينيه بنظرات عاشقة قبل أن يقول بنبرة تقطر ولهًا:
ـ لجل عنيكِ الحلوين دول اني وافجت انفذلك طلبك، وكلمت خالد يشوفلنا مهندس عشان نبدأ نبني المدرسة اللي أنتِ عيزاها.
برقت عينيها من فرط الصدمة التي تحولت إلى فرحة غامرة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ بجد يا عمدة!
رحيم بنبرة رخيمة:
ـ بجد يا ضي عنين العمدة.
جملته أصابت منتصف قلبها الذي تناحرت دقاته ما بين عشقٍ و خوف مما جعل نبرتها تخرج مرتبكة حين قالت:
ـ أنت عتجول ايه ؟!
اقترب رحيم حتى أوشك على ملامسه أذنيها ليقول بنبرة خشنة:
ـ أنتِ سمعيني زين. بس وماله نجول تاني. بجولك يا ضي عنين العمدة اني هبنيلك المدرسة اللي عيزاها، ومش بس أكده انا هچيبلها أحسن مدرسين عشان اللي تدخلها تتعلم صوح، و تطلع منيها تدعي لست البلد كلاتها.
اعتلت ثغرها ضحكة خجلة لكلماته العذبة لتخفض رأسها مما جعله يقول باعتراض:
ـ لاه. بقى اني هعمل كل دا و أنتِ عتبخلي عليا بالضحكة الحلوة دي!
همست بخجل:
ـ بزيداك تخچلني!
رحيم بنبرة متوعدة:
ـ لاه. احنا لازمن نطردوا الخچل ده من الدار خالص.
رفعت رأسها بلهفة وهي تهتف مذعورة:
ـ أنت عتجول ايه؟
لم تفلح في إكمال جملتها حتى وجدته يقوم بحملها لتشهق بصدمة وهي تراه يتوجه بها إلى مخدعهم وهو يقول بنبرة لا تقبل الجدال:
ـ من هنا ورايح ده مكانك اللي هتنامي فيه و تصحي فيه.
ضربت الرعشة سائر جسدها قبل أن تهمس بخفوت:
ـ رحيم..
تسطح بجانبها يضع رأسها فوق ذراعه وهو يقول بنبرة صادقة:
ـ وعد مني مش هجرب منيكِ غير برضاكي. لكن متحرمنيش اني ارتاح جارك.
كلماته الرائعة سرت كنهرٍ عذب بين أوردتها مما جعلها تبتسم بخجل انتزع قلب رحيم من موضعه ولكنه لم يخلف وعده معها أبدًا لذا قال بنبرة خشنة:
ـ تصبحي على خير يا ست البنته كلاتها...
اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك. شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ♥️
★★★★★★★★★★
كان كالتائه الذي لا يعرف بأي أرضٍ يقف، ولا يعلم أيًا من الديار ستحتويه يرغب بشيء بعيد كل البعد حتى عن أحلامه، ويحيا واقع يرفضه كل خلية به إلا من عقلًا متمرد لا ينفك عن المقاومة لأجل باطل يتنكر له القلب.
أخيرًا أوقف سيارته أمام المطعم الخاص بسوزان و عينيه تشملان المكان بنظرات ضائعة مُشتاقة و حديث أولاد عمومته يرن بأذنيه كالصواعِق.
ترجل من السيارة حالما رأى نورًا قوي يأتي من داخل المطعم لتقوده قدماه إلى الداخل، فإذا به يشُم رائحة شهية تأتي من المطبخ، فتحمحم قبل أن يدلف إلى الداخل ليجد سوزان تلتفت ناظره إليه وهي تقول باندهاش:
ـ عمر!
عمر بحرج:
ـ ازيك يا سوزي..
توجهت إليه بعكازها وعلى وجهها ابتسامة مُتحفظة وهي تُجيبه:
ـ أهلًا يا عمر اتفضل.
أشارت إليه ليتبعها إلى الخارج و يجلس على المقعد حول أحد الطاولات بعد أن ساعدها بالجلوس لتقول بنبرة هادئة:
ـ نورت المكان.
عمر بنبرة متعبة:
ـ الحقيقة المكان هنا منور دايمًا ويمكن دا اللي بيخلي الواحد ييجي عليه من غير ما يحس..
ابتسمت سوزان بهدوء قبل أن تقول:
ـ تعرف. أنا أول مرة أسهر هنا لدلوقتي. بس حسيت إن في حد هييجي.
رفع رأسه يطالعها بحيرة هل يشكو إليها تخبطه وحيرته و ألمه؟ هل يخبرها أنه ما أتى إلا مشتاق و بقلبه لوعة تحجب عنه الراحة! لا إراديًا التفت ناظرًا إلى الجهة الآخرى ينظر إلى هذه الشرفة، ويتمنى لو أنه يلمح طيفها، لتطالعه أعين سوزان بشفقة قبل أن تُقرر التطرق إلى منتصف الأمر قائلة:
ـ سمعت أن خطوبتك آخر الأسبوع مبروك. فرحتلك من قلبي.
نجحت كلماتها في إضرام الدهشة بداخله للحد الذي جعلها تلون ملامحه و تحتل نبرته حين قال:
ـ فرحتيلي من قلبك!
سوزان بهدوء وبساطة زادت من ادهاشه:
ـ أه طبعًا فرحتلك. الحقيقة أنا بفرح لأي شخص ياخد خطوة زي خطوة الارتباط دي، و خصوصًا في الزمن دا.
لا يعلم لما شعر بأن الأمر مؤلمًا! هل لأنها من الواضح أنها غير مبالية لأمر زواجه، وهو يعلم بأنها أصبحت بمثابة أم لها ومن المفترض أن تحزن لحزنها! ولكن هنا يخرج استفهام مرعب وهو أن أمر زواجه لا يُعد أمرًا مؤلمًا بالنسبة إليها، ولهذا فسوزان صادقة!
شعر بقبضة قوية تمسك بقلبه من خافته وهو يتخيل أنها لم تعُد تهتم لأمره، أو أنه أصبح شخصًا عاديًا بالنسبة إليها، وقد استنكر عقله هذا الشيء لذا وجد نفسه يقول بنبرة يغلب عليها التحدي:
ـ يعني لو عزمتك على خطوبتي هتيجي ؟!
صمتت سوزان للحظة تتذكر ما حدث قبل ساعة من الآن
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ راجي عايزني اروح معاه خطوبة عمر..
هكذا تحدثت شروق بنبرة لا روح فيها لتشهق آسيا بصدمة:
ـ هو المتخلف دا هيخطب!
تخطى الأمر بداخلها حدود الألم، فقد كان مُريعًا ولكنها لازالت تحافظ على رباطة جأشها لتقول سوزان بهدوء:
ـ ليه طلب منك الطلب دا؟
شروق بنبرة مُشجبة:
ـ واحنا مسافرين طلب إيدي في الطيارة، و أنا قولتله هفكر، و لما جتله دعوة الخطوبة سألني هو إذا كان لسه بيفرق معايا ولا لا؟ وأنا طبعًا قولتله له، ولما سألته بيسأل قالي أنه جاله دعوة خطوبة عمر آخر الأسبوع.
آسيا بلهفة:
ـ و بعدين ؟
شروق بنبرة تتضور ألمًا:
ـ مش هنكر اني حسيت و كأن في سكينة اتغرزت في قلبي بس كالعادة كان لازم مبينش، وقولتله أن أنا وعمر عمرنا ما كنا لبعض وان جوازنا كان غلطة، و اتصححت. بس هو معرفش مصدقنيش ولا حابب يتأكد لقيته بيقولي أنه عايزني اروح معاه.
سوزان باستفهام:
ـ بصفتك أيه؟
شروق بسخرية مريرة:
ـ مديرة مكتبة أو أقرب صديقة ليه؟! أو اريحه و أقبل عرضه و اروح معاه بصفتي خطيبته. دا بالظبط اللي قاله..
آسيا باندفاع:
ـ يخربيته دا مصطبح ولا اي؟ طب و رديتي عليه قولتي ايه؟
سقطت عبرة يتيمة من طرف عينيها وهي تُجيبها بنبرة مـلتاعة:
ـ قولتله اني مش حابة اتقابل بالعيلة دي تاني. بس وعدته اني هفكر.
اهتاجت آسيا وهتفت مغلولة:
ـ لا ركزي معايا كدا و اتعدليلي الواد دا عايز يتأدب. أنتِ بقى لو بنت جدعة تلبسي أشيك فستان عندك، و تعملي احلى ميكب و تروحي و أنتِ ايدك في ايد راجي تقهري ابن نبيلة وتيجي. و يبقى يفرح بالسلعوة اللي خطبها دي..
شروق بنبرة جريحة:
ـ ماهو مش لوحده اللي هيتقهر يا آسيا. أنا ببان قدام الناس جامدة بس التظاهر بأنك بخير و أنتِ من جواكي بتنزفي دا شيء صعب. صعب أوي.
اقتربت آسيا منها تعانقها بقوة لتبكي شروق بألم جعل سوزي تشعر بالتعب مما جعلها تتوجه إليها لتربت على خصلات شعرها وهي تنظر إلى آسيا نظرات ذات مغزى لتتراجع الأخيرة و تهتف سوزي قائلة بحنو:
ـ نامي يا حبيبتي و ارتاحي دلوقتي، و أن شاء الله على ما تصحي بكرة نكون فكرنا و شوفنا هنعمل أيه؟
عودة إلى الوقت الحالي
ـ طبعًا هاجي، ومش بس كدا. دانا هعملك حاجة حلوة بإيدي كمان.
اغتمت ملامحه وشعر بالألام تتفشى في سائر جسده، فمن الواضح بأنها قد محته من حياتها، ولم يعد يؤثر بها، فحديث سوزان يؤكد هذا الأمر كما جعله يحاول اغتصاب ابتسامة باهتة وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ هستناكي. عن اذنك.
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه ♥️
★★★★★★★★★
مر يومان وقد آتى اليوم الموعود لتهتف سوزان بنبرة آمرة:
ـ هتروحي يا شروق و هتثبتي للناس دي كلها أن الموضوع دا مأثرش فيكِ و هتخليه يشوف نفسه ولا حاجة في عنيكِ و يشوفك جنب واحد بيحبك و روحه فيكِ.
شروق بصدمة:
ـ سوزي. أنتِ اللي بتقولي كدا؟!
سوزان بجمود:
ـ أيوا. آسيا عيزاكي تطلعيها النهاردة عروسة..
هكذا قالت وهي توجه أنظارها إلى آسيا وقد كانت عينيها تلمع بالخُبث مما جعل شروق تهتف باستنكار:
ـ سوزي أنتِ بتقولي أيه؟
سوزان بغموض:
ـ بقول اللي سمعتيه، وأتأكدي يا شروق انك مش هتخرجي من المكان دا غير وأنتِ منتصره.
مر الوقت وقد كان خالد يقف بوجه جامد و ملامح مُغبرة يستقبل المدعوين وبجانبه عز الدين و كمال الذي خاطبه خالد قائلًا:
ـ بقولك ايه انا هروح أجيب سوزي، وانت خليك هنا مكاني!
لا يعرف من أين خرج هذا الشيطان بداخله والذي صرخ مُفصحًا عن شوقًا ضاريًا يجتاح سائر كيانه مما جعله يقول بلهفة:
ـ لا خليك أنت. مينفعش تسيب الناس وأنا هروح أجيبها وآجي.
لم يفت عليه ما يحدث مع كمال لذا لم يعترض انما اومأ برأسه بالموافقة لينطلق كمال الذي كان يدعس على دواسة البنزين بغضب وكأن عقله يُعنفه على اندفاعه، وهو يحاول خلق المبررات له، ولكن حالفه الحظ و وصل بسرعة إلى مطعم سوزان ليتوجه إلى الباب الرئيسي ليُصدم عندما شاهدها تجلس على أحد الطاولات وهي تهتف حانقة:
ـ رايح يخطب ابن نبيلة! فاكر نفسه مين! توم كروز ولا براد بيت! بكرة يضرب نفسه بالجزمة و يقول ياريتني.
كانت الغضب يمضغ تقاطيعها لتهتف بغل:
ـ شايفة نفسه الواد اللي مفيش منه قال ايه عشان وتيدي! كان يوم أسود يوم ما شوفنا الوتايدة دول! فاكرين نفسهم مفيش منهم، وهما أصلًا معقدين و توكسيك. قال وتيدي قال! حصلنا الرُعب يا سي وتيدي!
من شدة غضبها لم تكُن ترى نظرات سوزان التحذيرية، ولكنها سرعان ما صُدِمت حين سمعت ذلك الصوت الغاضب القادم من الخلف:
ـ حقك تترعبي فعلًا!
انتفضت تستدير بحدة حالما سمعت صوته لتفزع حين تأكدت من كونه خلفها و من الواضح أنه استمع الى كل ما قالته لتخرج منها شهقة فزع مما جعلها تهب من مكانها لتقف على قدمها المجروحة، فخرجت منها صرخة ألم قوية جعلته يهرول تجاهها هو وسوزان ولكنه كان اقرب، فحالت يديه دون وقوعها أرضًا لتصطدم عينيه الغاضبة بخاصتها المصدومة المتألمة ليقوم بإسنادها لتجلس على المقعد ثم اعتدل واقفًا وهو يقول بتقريع:
ـ دا عقاب من ربنا عشان تبطلي تجيبي في سيرة الناس.
اغتاظت من حديثه فتجاهلت ألمها لتتشدق ساخرة:
ـ اتعاقب لما أكون قولت حاجة غلط..
كمال بوعيد:
ـ والله! يعني احنا توكسيك!
لم يرعبها وعيده إنما أضافت بجرأة:
ـ و معقدين..
كمال بنبرة جافة:
ـ كمان!
آسيا بحنق:
ـ أيوا بالظبط.
ـ في أيه انتوا اللتنين! ولا عاملين لوجودي اعتبار!
هكذا هتفت سوزي بحدة مما جعل كمال يقول بوعيد:
ـ والله يا سوزي انا لو مش عامل لوجودك اعتبار كان هيبقى رد فعلي صادم.
اغتاظت منه، فقد جاء في وقتٍ كانت تغلي من شدة الغضب من ابن شقيقته وما فعله بصديقتها، و أيضًا أتى بكل هذه الأناقة و الوسامة المهلكة مما جعلها تستدير إلى الجهة الآخرى، تحمي عينيها من الوقوع في طغيان هيبته و رجولته المطعمة بالقسوة لتسمع صوت سوزان تقول:
ـ خالد مقاليش أن انت اللي هتيجي تاخدني!
كمال بجمود:
ـ خالد مشغول باستقبال الناس.
تمتمت آسيا بحنق:
ـ يارب القاعة تولع بيك يا عمر يا ابن نبيلة.
لم يستمع إلى ما تقول جيداً ولكن من الواضح أنها غاضبة، وقد حاول رفع عينيه عنها، فقد كانت ترتدي بنطلونًا ضيقًا كاللعنة وبلوزة وردية تبرز لون بشرتها الرائع كما كانت ترفع خصلات شعرها في كعكة مهملة، ولكنها مكنته من رؤية رقبتها النحيلة بوضوح، كانت فاتنة بدرجة جعلته أقرب إلى الجنون لذا أراد الهرب حتى يُفلِت من بين براثن سحرها ليقول بجمود:
ـ جهزتي خلاص؟!
سوزان بهدوء:
ـ أه خلصت يالا بينا..
تحدثت آسيا التي كانت تُعطيهم ظهرها بحنق:
ـ متنسيش تاخديله التورتة، و ابقي لبسيهاله في وشه.
قالت جملتها الأخيرة نبرة خافتة ولكنها وصلته، و لسبب لا يعلمه شعر بأنه يريد الضحك على حديثها ولكنه لم يفعل ليجد سوزان تتقدم وهي مازالت جالسة بمكانها ليقول باستفهام:
ـ هو أنتِ مش هتقفلي المحل؟!
سوزان باختصار:
ـ آسيا هتبقى تقفله.
لم يُعجبه الأمر، فلن يجازف بأن يراها أحد بهذه الملابس كما أنه لا يريد أن يراها أحد من الأساس ليتقدم تجاه سوزان وهو يقول بجفاء:
ـ أنا هقفل المحل و هنمشي..
لم يجد منها أي حركة و كأنها كانت تعانده لتحاول سوزان تهدئة الموقف قائلة:
ـ طب يالا وانا هكلم جميلة تنزل تقفله و تسند آسيا لحد فوق..
لم تستمع لإجابته ولكنها سمعت صوت خطواتهم تغادر لتشعُر برغبة قوية في البُكاء وقد أطاعتها لتسقط عبراتها بغزارة لا تعلم أن كانت شوقًا أو ألمًا أم هي نداء صامت له كي يعود لأجلها، ولكنها لا تعلم بأنه يشاركها أعمق أحاسيسها. فقد اجلس سوزان بالسيارة و عاد إليها ليتفاجيء بأنها تبكي!
شعر برغبة مُلحة في احتضانها و اخبارها بأنه يعشقها رغم كل هذا الألم، و الشعور بالخذلان الذي ناله منها، ولكنه قمع رغبته خلف ستار الجمود الذي شاب لهجته حين قال:
ـ يالا عشان هقفل المحل.
انتفضت في جلستها، فلم تتوقع أن يعود مرة آخرى لتستدير ناظره إليه باندهاش تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنت أيه اللي رجعك؟!
كان مظهرها تحدي قاتل لثباته ولكنه خسر بسببها مرة و لن يُكررها لذا قال بجفاء:
ـ ما أنتِ سمعتي..قولتلك هقفل المحل.
اغضبتها لهجته لذا لم تُجيبه إنما تحاملت على نفسها و حاولت النهوض ليُفاجئها للمرة التي لا يعرف عددها حين مد يده يساعدها، ولكنها باغتته و نزعت يدها من بين يده وهي تقول بجفاء:
ـ متتعبش نفسك انا هعرف امشي لوحدي.
ضغط على أسنانه بقوة يحاول تهدئة غضبه الذي تُثيره ببراعة ليهتف بأنفاس مُلتهبة و كأنها لهب جهنم:
ـ اتسندي عليا خليني أوصلك. أنا مش فاضي للدلع دا..
اغتاظت من وقاحته وهتفت بحدة:
ـ دا اللي بقوله بالظبط. الحق مواعيدك أنا مش محتاجة مساعدتك أصلًا!
لا يعلم لما تذكر بداية علاقتهم و تلك المعارك الكلامية التي كانت تنشب بينهم حالما يتواجدون بمكان واحد وكأن الهواء من حولهم يحترق، ولكن اتضح أن الوحيد الذي احترق كان هو!
ضيق عينيه بغضب و هتف متوعدًا:
ـ تعرفي أن الأدب عمره ما جاب معاكِ نتيجة! عشان كدا هلغيه من قاموسي خالص.
جذب المقعد الذي يفصل بينهم ليقذفه إلى الجهة الأخرى بقوة وهو يقترب منها ينوي حملها لتتراجع بذُعر وهي تقول بلهفة:
ـ خلاص خلاص همشي معاك.
رفع أحد حاجبيه لتقوم هي بمد يدها إليه وعينيها أسيرة لعينيه فامتدت يده تلقائيًا تحتوي كفها و التفتت يده الآخرى تحيط ظهرها لتشعر بنفسها قريبة منه إلى درجة كبيرة جعلت الشوق يزحف إلى صدرها الذي يعبأه الألم مما جعلها تقول بتعب:
ـ أنت بتعمل كدا ليه يا كمال؟
وهل يجرؤ على الإجابة؟! يعشقها حد الجنون و يرفض قربها حد الهلاك، وهو حائر مُمزق لا العقل يصفح ولا القلب ينسى، ولا الألام تهدأ. يكفيه بعض اللحظات المسروقة من الزمن و التي تخلقها الصدف ليتنعم بقربها ولو ظاهرياً كان يرفضه.
طال صمته لترفع رأسها تناظره بألم تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنت كدا بتاخد حقك مني، و بتردلي اللي عملته بأنك تعذبني بالشكل دا؟!
كانت لحظة ضعف مسروقة من الزمن جعلته يستند بجبهته فوق خاصتها ليعبأ صدره بالهواء المُحمل برائحتها العذبة عل ذلك يُطفيء تلك الحرائق المُندلعة بداخله ليقول بنبرة مُلتاعة:
ـ عارفة يا آسيا أنا لو فكرت للحظة أني آخد حقي منك، و أدوقك الألم اللي دوقتيهولي. مكنتيش هتقدري تقفي على رجلك كدا.
أنين خافت خرج من أعماق قلبها يهتف باستنكار: أه لو تعلم! فقد نال منها التعب و أنهك جسدها الحزن. الذي تعاظم حين سمعته يُتابع بنبرة تئن وجعًا:
ـ النار اللي جوايا دي عمرك ما هتقدري تتحملي حتى ربعها.
عادت برأسها للخلف تناظره للحظات قبل أن يرتسم الأسف على ملامحها لتقول بيأس:
ـ تمام.. يالا عشان متتأخرش.
لازالت حروف بسيطة قادرة على سحق ثباته بين طياتها، فقد كان لكل حرف مذاق خاص بينهم، ولكنه لا يعلم بأن الذي أسعده سابقًا من شأنه أن تقتله ذكراه اليوم!
قادها بصمت إلى البناية ليُساعدها على صعود الدرج وقلبه يتوسل إليه بحملها حتى يستمتع بقربها ولو لدقائق ولكنه للآن يُعنف نفسه حين يتذكر حمله لها في الموقع، فلن يكرر هذا الخطأ مرة آخرى.
دقت آسيا الجرس لتفتح جميلة التي تفاجأت حين رأت كمال ولكن آسيا لم تُعطيها الفرصة لاستيعاب صدمتها بل هتفت بنبرة حادة:
ـ اسنديني عشان ادخل جوا.
بالفعل مدت جميلة يدها لتسندها و تدخلها إلى الداخل، وقد كان يتابعها إلى أن وصلت إلى باب غرفتها الذي ما أن انفتح على مصرعيه حتى تجمد بمكانه حين شاهد ذلك البرواز الكبير والذي تتوسطه أحد صوره الفوتوغرافية التي كانت بغرفته في قصرهم لتقوده قدماه إلى الداخل، فشعرت آسيا بالحرج حين رأته خلفها، وعينيه مثبته على صورته لتحاول شحذ بعضًا من ثباتها وهي تقول بجفاء:
ـ يالا عشان متتأخرش..
لم يُعيرها اهتمامًا بل تقدم الى الداخل ليقف أمام الصورة مبهوتًا من الصدمة، والتي تعاظمت حين لمح قنينة العطر الخاصة به على طاولة الزينة لتمتد يده و تمسكها ليتأكد من أنها هي. فالتفت ليجدها تنظر إلى الجهة الآخرى فقد غمرها الحرج حين شاهد أشياءه الخاصة في غرفتها ليقول بنبرة خشنة:
ـ أيه اللي جاب الحاجات دي هنا؟
حاولت تجاهل موجه الخجل التي غمرتها لتتحمحم قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنا خدتهم من القصر قبل ما امشي. و اطمن أنا مخدتش حاجة غيرهم. حتى خاتم جوازنا لسه هناك.
حاولت محاربة العبرات التي تلسع جفنيها وهي تُتابع بنبرة مُرتجفة:
ـ هي دي حقوقي اللي مقبلتش أتنازل عنها.
رفعت رأسها تناظره، وكما هي عادته كان الجمود يُسيطر عليه ظاهرياً بينما في الداخل هناك قلب ينتفض فرحًا و لوعة و يموت شوقًا لاحتضانها حتى تئن عظامها من فرط الألم، ولكن على الناحية الآخرى فسرت صمته غضب مما جعلها تقول بلهفة:
ـ تقدر تاخدهم لو عايز. ملهمش لازمة هنا.
يعلم لما قالت جملتها الأخيرة، فصمته جرحها، ولكنه كان في حالة من الألم واليأس والشوق مما جعله يضع الزجاجة فوق طاولة الزينة ثم استدار مُغادرًا دون أن يُضيف كلمة واحدة..
اللهم أجعل لنا نصيباً في سعة الأرزاق وتيسير الأحوال وقضاء الحاجات وإجابة الدعوات اللهم لطفك بقلوبنا وأحوالنا وأيامنا اللهُمَّ تولنا بسعتك وعظيم فضلك إنك على كل شيء قدير ♥️
★★★★★★★★
كان جالسًا بجانب عروسه و قلبه في وادٍ آخر ينظر إلى الوشوش حوله و يشعر بالغربة، تطوف عينيه في المكان بأكمله فلا يجد ركناً واحدًا يمكنه اللجوء إليه. الكثير من البهرجة و الترف، وابتسامات جميعها زائفة، وهذه المرأة بجانبه هل ستكون سكنه مثلما قال خالد! هل ستكون ونيسه و ملجأه الذي يهرب إليه من ضجيج العالم؟
الكثير من الاستفهامات تدور بعقله ذلك العقل الذي كان لعنته الأبدية، فهاهو الآن يستعرض ذكرياته معها و كم كانت أنثى رقيقة كالنسمة بين يديه يتذكر كم كان يشعر بأن للحياة معنى حين كان معها، و كم أن لكل شيء مذاق رائع فقط بجانبها.
أخذ يهز برأسه يحاول نفض هذه الذكريات اللعينة حتى أنه مد يده ليأخذ كوب مياة من النادل ليتجرعه دفعةٍ واحدة وهو يحاول استرداد أنفاسه الهاربة لتقع عينيه على سوزان الجالسة على طاولة خالد و عينيها تناظره بتحدٍ لم يُخطيء في فهمه. ليجذب عينيه من عينيها و يلتفت ناظرًا إلى شاهي وهو يحاول اغتصاب ابتسامة فوق شفتيه و كأنها اعلان مزيف بالسعادة، ليأتي الوقت حتى يقوم بإلباس خاتم الخطبة، وفي تلك اللحظة بالتحديد كانت تتقدم إلى داخل الحفل بأقدام مُثقلة بالألم الذي يتنافى مع جمالها الآخاذ في هذا الثوب الكريمي الذي كان يُحيط جسدها بنعومة، يبرز تقاسيمه دون ابتذال، يضيق عند الخصر و يتسع هبوطًا للأسفل، و كان يتخلله خيوطً ذهبية في مقدمة الصدر، فقد كان الفستان جريئًا على غير عادتها فقد كشف عن قوس الجمال خاصتها المُتمثل في عظمتي الترقواة و قد لائم لون الخيوط الذهبية لون بشرتها كثيرًا، و خاصةً حين جذبت جميع خصلات شعرها إلى الجانب الأيمن كاشفة بسخاء عن الجانب الأيسر، فبدت فاتنة، تتأبط ذراع رجل وسيم قوي يتقدمان إلى الحفل بثقة و ابتسامة هادئة لتتبدد هذه الابتسامة وهي تراه يقف ممسكًا بخاتم الخطبة بين يديه وبجانبه تلك المرأة التي من المفترض أنها تناسبه!
تألم قلبها حتى أن الألم كاد أن يقتله لتشعر بيد راجي تمسك بكفها، فالتفتت تناظره ليقرب كفها من شفتيه ينوي تقبيله، و لكن فجأة و بلمح البصر نال لكمة فولاذية من عمر الذي لم يكتفي بذلك إنما قام بجذبها من يدها مُغادرًا الحفل بأكمله..
يتبع....
متابعيني الكرام تقدروا دلوقتي تطلبوا رواياتي الورقية " ذاكرة الرماد " بعرض قمر أوي خلاص فاضله يومين و يخلص 😭😭 و مش هي بس لا دا كمان كل رواياتي عليهم عروض قمر
" ما خبأته السماء (تردى في العشق قتيلًا) ميثاق الحبِ و الياقوت - في قبضة الأقدار ج١ "
بخصومات كبيرة تصل إلى ٥٠٪ خلال فترة المعرض من على المتجر الإلكتروني الخاص بالدار
من على رقم الواتساب👇🏻
+201121530961
#للحصول_على_الروايات_من_خارج_مصر_تواصل_برسالة_على_رقم
00201121530961
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل السبعون 70 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
جماعة التفاعل سيء وانا بالشكل دا هضطر اكتفي بتتزيل الفصول على فيس بوك لأن بجد دا شيء ميرضيش ربنا و دا شكل جروبي ألف حكاية و حكاية لو حد حابب ينضم له و يتابع معايا الرواية♥️
كل اللي طلباه ٣٠٠٠ فوت و ذا عدد بسيط بالنسبة للمشاهدات كمان ١٠٠٠ كومنت على الفقرات اللي تحبوها و دا شيء بسيط بالنسبة ل ٩ ساعات كتابة في البارت🥺💔
السبيل الثالث عشر ❤️🔥
الندم: أن تعود بعد أن تُشبعك الحياة صفعًا، فتجد جميع الأبواب التي تركتها مفتوحة قد أُغلِقت، فلم يعُد يُسمح لك حتى بالنظر عبر نوافذها، أن تفقد الكلمات بريقها تلك التي بخلت بالبوح بها ذات يوم والآن ماعد أحد ينتظرها. فتغدو المواقف أشباح تطاردك، فلا أنت تعود للخلف لتصحيحها ولا تملك رفاهية التكفير عنها. فالندم عقوبة مؤجلة تبدأ بعد أن تنتهي المعركة و تتساقط الأقنعة، فيقف الإنسان عاريًا أمام نفسه لا أعذار تنصفه ولا دفاعًا يشفع له. و يبدأ تحدٍ من نوعٍ آخر هل الإنسان شجاع بما فيه الكفاية للإعلان عن ندمه؟ و الإنصات لصوت الضمير الذي يبدأ في محاكمته بالإضافة إلى ذاكرة تنهش في ثباته دون رحمة و تذكره بأنه خان قلبه ذات يوم باسم العقل.
ولكن. حين يصل المرء إلى حافة اليأس يطرح من عمق يأسه استفهام حتمي وهو : هل فات أوان الندم؟! و هل يمكن بناء جسر الثقة الذي هُدِم ؟! يمكن الإجابة بنعم حين يكُن الإنسان شجاعًا بما يكفي للاعتراف بخطئه، و أن يملك إرادة حقيقية لتصحيحه، و خاصةً أن تلك الأخطاء لم تكُن مجرد زلات! بل قرارات كانت عن وعي و إدراك كشفت عن جوهره، ولهذا فالندم لا يؤلم فحسب بل و يُعري الشخص الذي كنت عليه ذات يوم!
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁
شهقات متفاجئة، صيحات استنكار، همهمات قوية دوت في الأرجاء و أصوات أنفاس مترقبة لتلك الكارثة التي حلت، فالعريس ترك عروسه و اختطف آخرى، و ولى هاربًا!
ـ راجي. أنت كويس ؟!
هكذا هتف كمال وهو يساعد راجي على النهوض ليصيح الأخير بشراسة:
ـ الكلب دا والله ما هرحمه.
أنهى جملته و هرول في إثر عمر وشروق ليقترب ياسر و كمال ينويان اللحاق به ليهتف الأخير بانفعال:
ـ المجنون دا راح فين الله يخربيته؟!
ـ مكانك أنت وهو.
كان هذا صوت خالد الصارم الذي جعل الرجلان يوقفان وهم يناظرونه بذهول قطعه ياسر الذي قال بعدم فهم:
ـ أنت اللي بتقول كدا يا خالد؟!
خالد بنفاذ صبر:
ـ أيوا أنا اللي بقول كدا. رايحين فين! ماهو مشي خلاص!
كمال باستنكار:
ـ لا معلش فهمني. يعني ايه دا؟!
خالد بحدة:
ـ أنت كنت منتظر أيه؟! دا شكل واحد فرحان بخطوبته؟! ولا أنت مسنني أيه أصلًا من تربية نبيلة؟! شخص غير متزن و عنده بدل العقدة خمسين.
تدخل رحيم الذي كان غاضبًا و بشدة:
ـ بس دي فضيحة يا خالد!
خالد بغضب:
ـ الجوازة دي لو كانت كملت كانت هتخلص بفضيحة أكبر. خليه يمكن يعرف يلحق اللي باقيله معاها، ولو اني معنديش ثقة فيه، خلونا نلم الدنيا هنا على قد ما نقدر. و بعدين نفوقله.
علت الأصوات و على رأسهم صوت سراج واحد العروس ليهتف ياسر بانفعال:
ـ الدنيا اتقلبت الله يسامحه. معتقدش هنقدر نلمها!
خالد بنفاذ صبر و نبرة أشبه بالصراخ:
ـ مفيش قدامنا حل تاني. كمال. مشي الناس دي كلها. خلينا نشوف هنعمل ايه
أنهى جملته و توجه إلى سراج الذي كان يصرخ على عز الدين بملء فمه:
ـ بقى أنا ابنك يعمل في بنتي كدا؟! بنت سراج الشافعي يتعمل معاها كدا؟!
كان عز لا يدري ماذا يفعل أو بماذا يُجيبه ليتدخل خالد هاتفًا بجفاء:
ـ أهدى يا سراج، و حقك وحق بنتك انا هجيبهولك، و هعرف اتصرف مع عمر.
سراج بحدة:
ـ أهدى ازاي يا خالد؟! اتفضحت انا وبنتي قدام الناس كلها. و أنت تقولي هتصرف معاه! هيفيد بإيه تصرفك! هيمحي الفضيحة! تقبل كدا على بنتك؟!
خالد بفظاظة:
ـ لا مقبلش، و الفضيحة مش ليك لوحدك، و بدل ما تقف تزعق شوف بنتك الأول. و حاول تهديها وأنا هتصرف.
التفت سراج ليجد شاهي تنتفض بين أحضان والدتها التي تعنف نبيلة:
ـ بقى دا ابنك اللي قولتي أن روحه في بنتي؟! أنا بنتي تتساب بالشكل دا! بس أنا اللي غلطانه. واحدة زيك ابنها هيكون أيه غير واحد مُستهتر و ميعرفش يعني أيه أدب ولا تربية.
كانت إهانة بالغة لم تستطِع صدها ولا حتى الرد، فولدها هو من وضعها في هذا الموقف المُخزي مما جعلها تلتفت و خلفها هايدي و ميرهان للخارج ليقترب سراج الدين يعانق ابنته يسندها إلى الخارج ولكن قبل أن يُغادر التفت إلى خالد قائلًا بنبرة تنتفض غضبًا:
ـ أنا هستنى منك انت رد اعتبار يا خالد.
كان كالبركان الذي تغلي الحمم بداخله ولكنه اكتفى بالإيماءة برأسه وهو يقول باختصار:
ـ هيحصل.
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل♥️
★★★
ـ أنت مجنون صح! أيه اللي عملته في الحفلة دا؟ و واخدني و رايح على فين؟!
هكذا صرخت شروق الجالسة في السيارة بجانب عمر الذي كانت ملامحه مكفهرة بشكل مُريب و عروق رقبته نافرة ونظراته سوداوية تتسم بالشراسة كمن يواجه خصمًا قويًا لن يدعه يهزمه بسهولة، والحقيقة أن هذا الخصم هو عقله الذي يؤنبه على هذا الجنون الذي ارتكبه، لكنه لم يستطِع أن يراها برفقة رجل غيره!
كانت لحظة حاسمة إما أن ينتصر عقله و غروره و يُكمل هذه الخطوة التي هو غير متأكد منها و يخسرها للأبد، أو يُنحي هذا العقل العاصي جانبًا و يهرب بها بعيدًا عن كل هؤلاء البشر و هذه الحياة الكريهة التي يحياها و تحديدًا أراد الابتعاد عن ذلك النموذج الذي شوه كل معاني الحب بداخله.
ـ أنت يا بني آدم رد عليا.
هكذا صرخت شروق وهي تلكمه في كتفه بغيظ ولكنه استمر في صمته الذي أثار جنونها، و خاصةً حين وجدت الطريق أمامها ليس مألوفًا، فقد كان طريقًا صحراويًا غير معلوم بالنسبة إليها لتهبط عبراتها بغزارة وتتمنى لو بإمكانها إلقاء نفسها من هذه السيارة، و الابتعاد عن هذا المجنون الذي بالرغم من كل ما يجيش بداخله من غضب و ندم كان هناك شعور بالذة وهو يتخيل مظهر والديه بعد ما فعله.
بعد وقت غير محسوب بالنسبة إليها تفاجئت حين اوقف السيارة أمام مبنى مكون من طابقين و من الواضح أنه بجانب البحر، فقد وصلت رائحته إلى أنفها لتنتفض غضبًا و تقرر الوقوف أمامه مهما كلفها الأمر، فتح عمر باب السيارة وهي يقول:
ـ انزلي.
شروق بعناد:
ـ مش هنزل معاك في اي مكان!
عمر بجمود:
ـ انزلي يا شروق احسنلك.
شروق بانفعال:
ـ بقولك مش نازلة
عمر بتحذير:
ـ معنديش اي مشكلة أشيلك أدخلك جوا
شروق بصراخ:
ـ إياك تقرب مني. إيدك لو اتمدت عليا هكسرهالك
عمر بمهادنة:
ـ طيب انزلي خلينا نتكلم جوا. مش هتخافي تفضلي قاعدة لوحدك طول الليل هنا!
ـ لا مش هخاف
ـ انزلي يا شروق بقولك.
اطاعته مُكرهة لتدلف إلى داخل الشالية وما إن اغلق الباب حتى هتف بعيد مكتوم:
ـ ها قوليلي بقى الحيوان دا كان ماسك ايدك ليه؟
ـ ميخصكش.
أثارت حنقه ولكنه تحلى بفضيلة الصبر حين قال بقوة:
ـ يخصني.
شروق بجمود:
ـ لا ميخصكش.
عمر من بين أسنانه:
ـ لا يخصني. كل حاجة تخصك تخصني.
شروق بسخرية:
ـ تقريبا انت عايش في وهم و محتاج يا اما تصحي من النوم ياتروح تتعالج.
مد يده يجذبها من رسغها وهو يحذرها قائلًا:
ـ بطلي استفزاز بقى و جاوبيني..
ـ سيب إيدي، وإياك تقرب مني تاني، فاهم ولا لا؟
هكذا صرخت بكل ما يعتمل بداخلها من غضب وهي تنزع يدها من بين يديه، ليقابل غضبها بجبال الثلوج التي يُحيط نفسه بها منذ رحيلهم الكارثي عن الحفل.
ـ لا، مش فاهم.
لوهلة كادت أن تنفجر في وجهه كالبالون، غير أنها تراجعت عن هذا الفعل الذي لا يُشبهها، فقط لتسلبه لذة الانتصار، فلا تمنحه متعة الظن بأنه ما زال قادرًا على تحريك أي شيء بداخلها.
وهكذا خمدت العواصف في عينيها، واحتلهما الهدوء كمدينة هجرها سكانها منذ زمن بعيد، تاركين وراءهم الفراغ والصمت الذي دار في المكان لثوان قبل أن تقطعه شروق التي قالت بنبرة هادئة:
ـ الخسارة صعبة، أنا عارفة، وخصوصًا على الدكتور عمر الوتيدي. بس انت كمان لازم تفهم وتعرف كويس يا عمر إن مفيش جولات تانية. كانت واحدة، وانت خسرت فيها، فمالوش لازمة كل اللي بتعمله دا.
على عكس براكين الغضب التي تهيج بداخله، فقد تراجع إلى الخلف يستند على إحدى الطاولات، واضعًا يديه في جيوب بنطاله بتكاسل قبل أن يقول بنبرة تجيش بالكثير من العواطف:
ـ أنا معرفش يعني إيه خسارة، وعمري ما اعترفت بيها.
قالت شروق بجمود:
ـ يبقى آن الأوان إنك تعترف إنك خسرت.
تجاهل حديثها، وتابع بنبرة تفوح منها رائحة التملك:
ـ انتمائك ليا دا شيء مفروغ منه، واللي بيني وبينك مش مجرد جولة وانتهت، دي حياة نهايتها الموت. وأنا أهو، لسه عايش وبتنفس.
صمت لثوانٍ قبل أن يُطلق جأشه المكبوت داخل صدرٍ يحترق من لوعة الفراق:
ـ بتنفس وجودِك.
ارتج قلبها داخل ضلوعها، وعلَا أنينه، لكنها لا تزال تقاومه، وكأنه مُحتل غاشم لا تبغي سوى الخلاص منه، لتقول بنبرة جافة:
ـ بس دا مش ذنبي، ووجودك بالنسبالي بقى زي عدمه
تألم لكلماتها إلى الحد الذي لم يكن في مقدوره إخفاء الوجع الذي تجلى بوضوح فوق ملامحه، ليستفهم بنبرة يعج بها القهر:
ـ هو سهل عليكِ أوي كده إنك توجعيني؟
ـ زي ما التخلي عني كان سهل عليك أوي بردو.
باغتته جملتها التي كانت كحد السيف على قلبه، لتُتابع قاصدة إغراقه في بحر خطاياه أكثر:
ـ أنتِ طالق. عادةً الكلمة دي بتكون صعبة أو تقيلة على اللسان، في ناس بتعمل المستحيل عشان تتفادى الكلمة دي، بس سبحان الله، كانت سهلة أوي على لسانك.
خلت ملامح وجهها من التعابير، ولم يبق سوى هدوء ممزوج ببعض السخرية التي تجلت في نبرتها حين أكملت:
ـ وعلى الرغم من كده، أنا ما عاتبتكش. بالعكس، نفذت، وانتهينا، وبدأت حياتي من جديد، ويمكن دا اللي جننك... إن إزاي أنا أعيش حياتي وأنساك.
إلى هنا لم يعُد يحتمل هذا القناع الذي يرتديه، ليتصدع على الفور حين اقترب منها، يهزها بعنف وهو يصرخ في وجهها مُستنكرًا:
ـ بتضحكي على مين؟ على نفسك عشان تقنعيها إني مبقتش أُهمك؟ ولا عليا؟ وأنتِ شايفة الكارثة اللي عملتها عشان نكون مع بعض دلوقتي!
نزعت نفسها من بين يديه وهي تصيح محذرة:
ـ لآخر مرة هحذرك، متقربش مني! وكويس أوي إنك عارف إن اللي عملته كارثة، وياريت ننهيها حالًا، وترجعني.
قاطعها صارخًا:
ـ مش هيحصل! عايزة ترجعي للحيوان دا تاني؟
خطت إلى أكثر منطقة قد تؤذيه، لذا دللت نبرتها حين قالت متعجبة:
ـ أنا مفهمتش، انت مش طايقه ليه؟ ولا أي حد كويس وأنا بحبه يبقى وحش؟
تأجّجت عينيه اشتعالًا حين سمع كلمتها 'بحبه' وكأنها كانت المفتاح الذي أطلق سراح جميع شياطينه دفعة واحدة، فقام بحمل أحد المقاعد وإلقائه في الزاوية وهو يصرخ كالمجنون:
ـ كفاية بقى! كفاية! اخرسي، مش عايز أسمع صوتك!
كانت تدرك تمامًا أنها تدفعه شيئًا فشيئًا إلى حافة الجنون، ورغم ما اعتراها من خوف، بل رعب حقيقي من ملامحه المتوحشة إلا أنها آثرت ألا تُظهر شيئًا من ذلك، فتراجعت إلى أقصى نقطة تفصلها عنه، ووقفت أمام النافذة توليه ظهرها، تحاول عبثًا تهدئة أنفاسها المتلاحقة، وتستجدي عبراتها أن تتماسك وألا تخونها، حتى لا تُعري ضعفها أمامه، فقلبها لسوء الحظ، ما زال يحمل وسم عشقه كخطيئة أبت أن تُمحى.
كان صوته وأنفاسه المتوترة يمزقان سكون المكان من حولهما، كأنهما شكوى صامتة من وجع عميق ينهشه من الداخل، فتسلل إليها شعور خائن بالأسى لأجله، سرعان ما تلاشى لتحل محلّه رجفة الذعر حين شعرت بخطواته تقترب منها. لتتعالى دقات قلبها حتى خيل إليها أن ضلوعها توشك أن تتكسر من شدتها، ليفاجئها صوته القريب، حين همس بنبرة مُلتاعة لامست أعماقها
ـ بصي في عيني وقولي إنك فعلًا بتحبيه.
مواجهة صعبة كانت في طريقها إليها، وقد كانت مُنهكة ومتألمة، لذا سلكت أقصر الطرق للفرار منها حين أجابته بنبرة جامدة:
ـ بص لليل اللي قدّامك دا، وقولي ينفع يجتمع هو والنهار ولو للحظة؟
تسلط عليه مارد الإصرار ليقول بجفاء:
ـ جاوبيني!
التفتت تُناظره بجمود قبل أن تقول باستفهام هادئ:
ـ النجوم اللي بتلمع في السما دي، هينفع تلمع بالنهار؟ بلاش... الشمس، هينفع تطلع بالليل؟
عبأت صدرها بالهواء قبل أن تقول بجفاء حاد:
ـ هنعتبر إن أنا الليل، وانت النهار. أنا منورتش زي النجوم دي غير لما انت اختفيت من حياتي، وانت كمان، شمسك مش هتنور، ومش هتتخلص من المأساة اللي عايش فيها دي غير لما تنساني.
تسلط على قلبها شيطان الكبرياء حين أضافت بنفس النبرة:
ـ أنا عارفة إنه صعب عليك، بس معلش، دا درس كويس هينفعك في حياتك قدام. أن مش كل الستات زي بعضها، ولا كلهم هيكونوا رهن إشارتك.
اقتربت منه خطوتين قبل أن تقول بنبرة يفوح منها رائحة الغرور:
ـ في ستات زي النجوم، لو طوّلتها تبقى أكتر إنسان محظوظ في الدنيا، أما لو خسرتها، فهتفضل تتحرق بنارها العمر كله.
ومن المؤسف أنها مُصيبة في حديثها، فمنذ ذلك اليوم الذي خسرها فيه، وهو يتلظى في قعر الجحيم الذي أدرك مؤخرًا أن نجاته منه ستكون على يديها.
ـ صح، عندك حق. بس أنا متأكد برضو إن النوع دا من الستات صعب يوهب قلبه غير لشخص واحد بس، وقلبك أنا ملكته من زمان.
سقطت في فخه المُحكم، لتهتف بجمود:
ـ لكل قاعدة شواذ.
أظلمت عينيه قبل أن يقول بصوت أجشّ:
ـ حلو أوي دا... اثبتي على كده بقى.
تراجعت إلى الخلف وهي تراه مُقبلًا عليها، لتصرخ بتحذير مرتجف:
ـ عمـرر!
ما أن رأته مُقبل عليها بأعيُن تلمع الجنون حتى قامت بجلب أحد أواني الزرع الزجاجية وقامت بإلقائها على الأرض تحديدًا في المسافة الفاصلة بينهم لتمنعه من الاقتراب أكتر لتتحطم متحولة إلى أشلاء كحال قلبه حين سمعها تُتابع بشراسة:
ـ اوعى تفكر تقرب مني ولا تفكر انك ممكن تفرض وجودك عليا.
همس باسمها بنبرة مُلتاعة:
ـ شروق..
قاطعته بنبرة صارخة:
ـ شروق اللي قدامك دي غير شروق بتاعت زمان. شروق دي داست على قلبها و أنت ساكن جواه و عدت. داست على فلوسكوا اللي مخلياكوا تفتروا على الناس كلها و عدت. وقعت بدل المرة ألف لحد ما وقفت على رجلها. و معنديش استعداد اني أهد حياتي اللي بنيتها عشان أي حد، و خصوصًا لو أنت.
كلماتها أثارت غضبه بشدة مما جعله يهتف بنبرة مغلولة:
ـ كذابة، و إلا مكنتيش جيتي النهاردة.
ابتسامة ساخرة لونت ملامحها قبل أن تقول بتهكم:
ـ غرورك دايمًا بيقف بينك وبين عقلك يا دكتور عمر. أنا جيت النهاردة مع خطيبي. اللي وصلته دعوة خطوبتك. جيت وأنا إيدي في إيده، و أنا ناوية اكمل حياتي معاه.
اسودت ملامحه و توسعت عينيه، فبدا كثورٍ غاضب أحدهم يتلاعب أمامه بقماشة حمراء، فبرزت عروق رقبته بشكل افزعها فتراجعت خطوة إلى الخلف كرد فعل تلقائي منها لتسمع صوته البارد كنصل سكين يتأهب لبتر الأعناق:
ـ حلو أوي دا. بس اعرفي أنه مش هيحصل. لو حياتك مش هتكون معايا يبقى مش هيكونلك حياة مع غيري. و يبقى راجل بقى لو عرف مكاننا وجه ياخدك مني، و علمي على كلامي.
أنهى جملته و هو يشيعها بنظرات قاتلة قبل أن يندفع إلى الداخل لتسقط هي جالسة على أخد المقاعد تبكي كما لم تبكي من قبل، فبداخلها أنين و لوعة، وعذاب دائمًا كان هو المتسبب به، والآن يأتي و يخبرها أنه لا حياة لها بدونه! و أين كان وهي تبكي وحدها من شدة الشوق و الألم و الوحدة معًا؟ تحتضن نفسها و تربت فوق جراحها لتهدأ.
وضعت رأسها بين يدها وهي تهتف بصراخ اهتز له قلبه:
ـ مش هرجعلك يا عمر. مش هرجعلك لو كنت بتموت قدامي. هفضل طول عمري النجمة اللي مش هتقدر تطولها يا عمر يا وتيدي. أنا بكرهككك...
حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة59♥️
★★★
ـ يا نهار مش فايت! بتقولي أيه يا سوزي؟!
هكذا هتفت آسيا بصدمة حالما قصت عليها سوزان ما حدث و التي قالت بنبرة لازالت الصدمة تُخيم عليها:
ـ مش هكذب عليكِ انا توقعت انه هيقدر يكمل في الخطوبة دي. أنا شوفت في عنيه أنه بيحب شروق.
آسيا باندفاع:
ـ أيوا صح أنتِ قولتيلها أنك هتخرجي من الخطوبة دي منتصرة في كل الأحوال. متقوليش انك كنتِ عارفة..
سوزان بتأنيب:
ـ أنتِ عبيطة يا بنتي! عارفة أيه؟! لو عارفة كنت هسيبه يعمل الجنان دا؟! أنا كنت اقصد أنه لو شافها وقدر يكمل في الجوازة دي يبقى ميستحقهاش، و وقتها هي كسبت نفسها وخسرت شخص ميستحقهاش و هتقدر أنها تكمل حياتها من غير أي أمل فيه، ولو مكملش، وطبعًا مكنش في بالي أنه يعمل كدا. أنا قولت هيمشي هيقولها مش هقدر اكمل، اي حاجه مش الهبل اللي عمله دا، و بردو هي منتصرة لأنه كدا هيثبت أنه بيحبها بدليل أنه مقدرش يحط دبلته في إيد واحدة غيرها. أنما دا فاق كل توقعاتي.
تشدقت آسيا بسخرية:
ـ دا وتيدي يا حبيبتي. يعني هو والغباء أصحاب أو قرايب، أيهما أقرب!
زجرتها سوزان بحدة:
ـ اتلمي متجبيش لنفسك الكلام. بدل ما تلاقيه طالع من أي حتة. احنا بنعالج مش بنهد.
آسيا بتبرُم:
ـ بنعالج أه! المهم هو ابن حلال و يستاهل اللي شروق هتعمله فيه. زمانها موقفاه وشه للحيط و رافع إيده لفوق ماهي من الوتايدة بردو يعني قادرة زيهم.
سوزي بحدة:
ـ بت أنتِ قومي اتخمدي. أنا قلبي واكلني على البنت. متاكليش دماغي أنتِ كمان. وقومي اتخمدي يالا.
آسيا بتذمر:
ـ طيب.
التفتت ناظره إلى أشجان التي كان التعب يلون ملامحها لتهتف بقلق:
ـ و أنتِ يا حبيبتي قومي ريحي. خالد قال إنه هييجي يبات معاكوا هنا. اطمني بقى وقومي نامي.
أشجان برفض:
ـ مش هقدر يا سوزي اقوم غير لما ييجي واطمن عليه. مش كفاية شروق وقلقي عليها.
ـ ياريت تبطلي قلق شوية..
هكذا تحدث خالد لتهب أشجان من مكانها و تندفع تجاهه ليقربها منه بقوة، فقد كان يعلم مقدار خوفها وقلقها مما جعله يقول بلوم:
ـ قولتلك نامي و مش تستنيني، و جيبتك مخصوص هنا عشان اطمن انك ترتاحي، وأنتِ بردو مقيش فايدة فيكِ.
أشجان بتعب:
ـ هنام ازاي بعد اللي حصل، وكمان أنا كنت قلقانه عليك أوي لما جبتني انا والولاد هنا و مشيت.
ضمها إليه أكثر قبل أن يجذبها ليجلسوا حول الطاولة بجانب سوزان التي قالت باستفهام:
ـ مفيش أخبار؟
خالد باختصار:
ـ لا.
سوزان بتعب:
ـ ربنا يسامحك يا عمر. في حد عاقل بردو يعمل كدا!
أشجان باندفاع:
ـ دا انسان مُستهتر، و أنا لو من شروق اديله على دماغه!
اندفاعها بهذا الشكل أثار رغبته في الضحك، ولكنه لم يفعل إنما قبل يتصنع الغضب:
ـ و أيه كمان يا هانم!
توترت من استفهامه بهذه الطريقة لتقول بنبرة خافتة:
ـ ماهو بردو ياما زعلها ينفع كدا!
خالد بنبرة عابثة:
ـ والله ما ينفع أبدًا. اي حاجة تزعلك متنفعش طبعًا.
ابتسمت بخجل، فشعر بالراحة ولو قليلًا، فهي بمثابة الضوء في عالمه القاحل والذي يعج بالمصاعب و التحديات
ـ أنا مقدرش ازعل منك أصلًا لو عملت أي.
هكذا هتفت بخجل ليبتسم بعذوبة قبل أن يغازلها قائلاً:
ـ دانا ابقى عايز ضرب النار لو زعلتك.
أشجان بلهفة:
ـ بعد الشر.
تدخلت سوزان قائلة بحب:
ـ والله احلى حاجة نختم بيها اليوم الصعب دا هو انتوا. ربنا بس يبعد عنكوا عين نبيلة.
التفت خالد يناظرها بشك قائلًا باستفهام:
ـ مالها نبيلة؟؟
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (سورة غافر، الآية 44)♥️
★★★
ـ عاجبك الفضايح دي يا هانم؟! عاجبك اللي ابنك عمله فينا! هو دا اللي قد المسئولية! صغرتيني أنتِ وابنك و حليتوا واحد زي سراج يتنطط عليا و يهزقني وسط الناس!
هكذا كان عز الدين يصرخ في نبيلة التي كانت ترتجف من فرط الصدمة و الغضب و القهر من هذا الموقف المُخزي الذي وضعهم به عمر لتخرج كلماتها مُرتجفة حين قالت:
ـ أنت بتقولي أنا الكلام دا ليه ؟ هو انا اللي خليته يعمل كدا! أنا اتهانت و اتبهدلت انا كمان.
عز بانفعال:
ـ تستاهلي، وانا كمان استاهل عشان سمعت ليكِ أنتِ و ابنك، واعملي حسابك أن دي آخر مرة هتحصل..
إلى هنا ولم تعُد تحتمل ارتداء قناع الضعف أمامه، فهذا الموقف فاق احتمالها لتهُب من مكانها وهي تصرخ قائلة:
ـ كفاية بقى. أنت بتتخانق معايا ليه؟ هو عمر دا مش ابنك أنت كمان، وبعدين الهروب دا حاجة جديدة علينا. بس مش جديدة عليكوا. الست هانم أختك هربت زمان مع واحد و ابن أخوها عمل زيها، ولولا خالد أخويا وقف لسراج كان زمانك تحت رحمته دلوقتي!
بهتت ملامحه من حديثها و نبرتها الجديدة كُليًا عليها، فقد اعتاد منها الضعف و الحنو و الخضوع أو هكذا ظن! ليراها الآن بهيئة مختلفة تمامًا كما جعله يقول باستنكار:
ـ أنتِ بتعايريني يا نبيلة! و واقفة تزعقي قدامي!
اقترب منها خطوة وهو يتابع بهسيس خشن:
ـ و أخوكي هو اللي وقف لسراج و إلا كان زماني تحت رحمته صح! ماشي يا نبيلة. خليكِ فاكرة كل كلمة قولتيها دلوقتي. عشان أنا مش هنساها.
أنهى جملته و اندفع إلى الخارج في الطريق إلى الملحق، و هو يتذكر ما حدث قبل يومان من الآن
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ احكيلي بقى ايه اللي حصل معاكِ الفترة اللي فاتت ؟ طبعًا البقاء لله قبل أي حاجة..
هكذا تحدث عز الدين إلى زينة التي ابتسمت قبل أن تُجيب بهدوء:
ـ الدوام لله. سامح توفى بقاله زيادة عن أربع شهور، والحقيقة موته كان صدمة كبيرة انا حتى لسه بحاول استوعب الصدمة. يمكن علاقتنا مكنتش أحسن حاجة بس هو بردو جوزي.
عز باستفهام:
ـ ليه كدا؟ أنا أعرف انكوا متجوزين عن حب! طبعًا مقصدش ادخل في اللي ماليش فيه. بس استغربت من كلامك.
زينة بنبرة مُشجبة:
ـ لا عادي الموضوع مش سر يعني. عمومًا انا و سامح علاقتنا كانت زي أي زوجين بينهم المشاكل العادية، و طبعًا موضوع الخلفة كان أحيانًا بيكون سبب غير مباشر للمشاكل دي. يعني أهله كانوا بيضغطوا عليه عشان يتجوز و يخلف، و هو بصراحة كان بيرفض دايمًا و كان في ضهري في كل محاولة عملناها، و كل مرة بعد ما تفشل كان بيقف جنبي و يواسيني و يقولي بكرة تنجح.
عز بنبرة فضولية:
ـ طب دا كويس معنى كدا أنه كان بيحبك.
زينة بتفكير:
ـ الفكرة مش في كدا. يعني دي حاجة كانت بتخليني أتأكد أنه بيحبني. لكن في نفس الوقت كان في حاجات بتحصل بتخليني اتجنن واقول دا عمره ما حبني. بس بعد ما مات ابتديت افهم حاجات كتير.
عز بانتباه:
ـ زي أيه؟
زينة بتوضيح:
ـ سامح كان الكبير في أخواته، و كان بيحب والدته جدًا وهي كمان كانت بتحبه. كتير كانت بتغير مني عليه و بتحاول تضايقني و وصلت لدرجة أنها توقع بيننا، وهو كان بيبقى شايف دا. لكن عمره ما وقفها عند حدها. عمره ما قالها أنتِ غلط.
عز باستنكار:
ـ بس دا غلط طبعًا.
زينة بجمود:
ـ الغلط دا شيء نسبي عند بعض الناس. يعني اللي أنت شايفه غلط. غيرك شايفه شيء بسيط. و سامح كان كدا. كان دايمًا يقولي عمري ما هزعل أمي عشانك. مش هقدر اغضبها. افرض جرالها حاجة في أي وقت أنا مزعلها فيه لو ماتت غضبانة عليا مش هتحمل.
كانت الكلمات كضوء ذو وهج قوي سُلِط على أعيُن كانت غارقة في الظلام مما جعل عز يشعر وكأن هناك مشاعر قوية تنغز بداخله وقد زاد الأمر حين تابعت زينة قائلة:
ـ مكنش بيقدر يزعلها أبدًا لدرجة أن الموضوع كان بيضايقني و. يخليني انفعل و ازعل منه و أخد موقف كمان. بس هو كان بييجي يراضيني، و بيكون عنده استعداد يجيب لي نجمة من السما بس إلا أنه يزعل والدته عشاني، تقريبًا كان قلبه حاسس انه هيموت قبلها ولا ايه معرفش. بس بعد ما مات وشفتها و شفت حالتها عرفت هو كان ليه بيعمل كدا.
كانت يتنبه لحديثها بكامل حواسه يشعر و كأن السماء أرسلت صوتًا يُخاطبه، و يوقظ ضميره الغائب تجاه والدته مما جعل يستفهم بنبرة مُتحشرجة:
ـ ازاي!
زينة بنبرة حزينة:
ـ الست تقريبًا بتموت بالمعنى الحرفي للكلمة. طول الوقت مبتبطلش تقوله أنها راضية عنه. كلنا بدأنا نتخطى إلا هي. تقريبًا حياتها واقفة من اللحظة اللي عرفت فيها بموته. منكرش اني اتوجعت و كنت بموت. بس هي كانت حالتها مختلفة. قعدت افتكر كلامه، و حبه ليها، و احترامه ليها، و خوفه على زعلها. تخيل أنه كان بيراضيني بس عمره ما قالي أنها غلطانه. كان بيحافظ على كرامتها حتى بيني وبينه.
تحمحم عز الذي ضاقت أنفاسه وهو يقول:
ـ بس دا في ظلم ليكِ. مفروض كان يقولها أنتِ بتيجي على مراتي ليه، و يمنعها أنها تهينك أو تقلل منك.
زينة بتوضيح:
ـ بصراحة أنا مكنتش بسمح أن الموضوع يتطور للإهانة. كنت بشتري نفسي وبنسحب من أي نقاش أو مشكلة ممكن تكبر. بس كنت بيني وبين نفسي بزعل، وهو كان بيراضيني أوي. أكيد كان بيتكلم معاها بينه وبينها. بس الحقيقة هو كان مقتنع أن عمره ربنا ما هيباركله في حاجة وهي زعلانه منه أو مش راضية عنه.
انتهى اللقاء بينهم ليشعر بأنه ضائع، يتذكر كم الأخطاء التي ارتكبها بحق والدته و كم المشاجرات التي حدثت بينهم، فمنذ زواجه لم لم يكونوا يومًا على وفاق على الرغم من أنه يذكر كم كان قريبًا منها.
زفر بقوة وعاد إلى البيت و بداخله مشاجرات عنيفة بين ضمير يؤنب و عقل يتمرد ليقرر أخيرًا زيارتها، فتوجه إلى الملحق الذي اعتبرته بيتها بعد رحيل شروق ليتفاجيء بها جالسة على الأريكة و بجانبها عدة صورة فوتوغرافية قديمة تناظرها بشجن و ألم ليتحمحم قبل أن يقول:
ـ ازيك يا ماما.
ارتفع رأسها بتثاقل تناظره بهدوء لم يستمر طويلًا إنما قطعه صوتها الساخر حين قالت:
ـ ماما! هو أنت لسه فاكر ان ليك أم؟!
غضب من حديثها، و من نفسه ليقرر تجاهله وهو يقترب جالسًا على المقعد أمامها قبل أن يقول:
ـ كنت جاي أبشرك أن عمر هيخطب كمان يومين، و عايزك تيجي عشان تحضري خطوبته.
تشكلت غصة قوية في حلقها مما جعل نبرتها تتهدج حين قالت:
ـ عملتوها أنت و مراتك! خلتوه يطلق بنت نسمة، و طفشتوها زي ما طفشتوا أمها؟! كل دي ذنوب هتشيلوها على كتافكوا!
هب من مكانه وهو يهتف باستنكار:
ـ بلاش كلامك دا. أنا مخلتوش يطلق حد، ومعرفش اطلقوا ازاي ولا عايز أعرف، و نسمة اللي هربت و فضحتنا و بناتها بيشيلوا ذنب عمايلها احنا ملناش ذنب.
سعاد بحدة:
ـ الشيطانة مراتك هي السبب في كل حاجة. بس عارف أنا مش زعلانه. خلاص الدنيا قلبت قلبتها، و الحق قرب يرجع.
عز باستنكار:
ـ أنتِ بتقولي ايه! حق ايه اللي يرجع؟!
سعاد بانفعال يشوبه القهر:
ـ حقي من اللي خدت ابني مني و قلبته عليا و خلته يقهرني أنا وبنتي. أنت فاكرني زعلانه عشان عمر هيخطب! لا. والله دانا فرحانه. ماهي اللي جايه دي نقاوة نبيلة، و أكيد شبهها و هي دي اللي هتاخدلي حقي منها. دي اللي هتبرد ناري. سواء عشت وشوفت اليوم دا ولا موت قبل ما اشوفه.
صمت لثوان يناظرها وكلمات زينة تعاد على ذاكرته وهو يتخيل أن تذهب من هذا العالم وهي تحمل بداخلها كل هذه المشاعر تجاهه ليبتلع غصة قوية تشكلت داخل حلقه و هو يناظرها و يرى ارتجافة يديها و شفتيها و ترقرق العبرات في مقلتيها مما جعله يقف حائرًا ممزقًا لا يعرف ماذا عليه أن يفعل فقط مجرد كلمات واهية افلتت من بين شفتيه حين قال:
ـ أنتِ مشكلتك معايا أنا ونبيلة بس عمر حفيدك و أنتِ بتحبيه. تعالي افرحي بيه، خلينا نفرح كلنا و أجلي كل الكلام دا لبعدين.
سعاد بسخرية مريرة:
ـ تفرح! هو أنت متخيل انك ممكن تفرح يا عز وأنا قلبي غضبان عليك؟! امشي يا ابني و خلي بالك أن الدنيا دوارة.
عودة إلى الوقت الحالي
ـ أنتِ السبب صح؟! أنتِ السبب في كل اللي حصل دا! دا بسبب دعاكي عليا.
هكذا صرخ عز الذي كان يقف أمام والدته المذعورة من مظهره لتهتف بصدمة:
ـ في أيه يا عز؟
عز بانفعال:
ـ الهانم بنت بنتك. هربت مع البيه ابني و فضحونا قدام الناس كلها. الحيوان ساب عروسته و خدها و مشي.
شهقت سعاد بذهول من حديث عز الذي تابع بنبرة يشوبها الانكسار:
ـ فرحانه فيا صح! شمتانه طبعًا. أنا عرفت ليه مفيش حاجة حلوة بتكمل في حياتي. بسببك. بسبب دعاكي عليا. أنا فنيت عمري في شركة الوتيدي وفي الآخر راح خلى ابنه رئيس مجلس الإدارة. و الست هانم بنتك خلتني مش قادر ارفع عيني في عين الناس. و من بعدها ابني اللي عمري ما حسيت انه قريب مني. زي ما يكون بيشوف اللي بكرهه وبيعمله. كل دا بسببك.
قال جملته الأخيرة بصوت أشبه بالصُراخ ليأتيه صوت زينة المفزوع خلفه وهي تقول بلهفة:
ـ في أيه يا عز ؟ صوتك واصل لآخر الدنيا.
ناظرها عز بغضب و سعاد باندهاش لتدور النظرات بين الثلاثة قبل أن يندفع عز إلى الخارج، لتهتف سعاد بلهفة غارقة في التوسل:
ـ الحقيه يا بنتي دا ممكن يجراله حاجة.
رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}♥️
★★★
كان يدور حول نفسه كالمجنون يود لو يحطم المكان حتى يهدأ هذا الغضب المقيت الذي ينهش بداخله بدون رحمة ليجد باب مكتبه يُفتح و كمال يدلف إلى الداخل ليزأر راجي بوعيد:
ـ هقتله يا كمال. ورحمة أمي لهقتله. و مش هيهمني لا أنت ولا الوتايدة كلهم.
يعرف حالته جيداً ولهذا لم ينفعل أو يوجه إليه أي لوم بل اقترب وهو يقول بهدوء:
ـ أهدى يا ياراجي. أنا مقدر حالتك كويس. و مش هلومك على اي حاجة هتقولها.
ضرب راجي المكتب بكلتا يديه وهو يصرخ بانفعال يشوبه القهر:
ـ أنا هتجنن. هيجرالي حاجة. مش هيهديني غير اني اطلع روحه في أيدي. دا خدها من بين إيديا. عارف يعني ايه خدها من بين إيديا؟!
لأول مرة يجد نفسه في هذا الموقف المُحرج ليحاول البحث عن كلمات تهدأ من جنون هذا الوحش:
ـ أنا عارف و حاسس باللي جواك.
قاطعه راجي بنبرة أشبه بالصُراخ:
ـ لا مش عارف. جرب كدا حد يغفلك و ياخدك على خوانه ويخطف آسيا من بين إيديك!
للوهلة الأولى بدا الأمر غير قابل للطرح من جانبه، فلو حدث ذلك معه لهدم المكان فوق رأس الجميع على أن يمس أحدهم ظلها، و لكنه سرعان ما تغلب على هذا الشعور نافيًا حدوث ذلك الأمر ليهتف بحدة:
ـ قولتلك فاهمك و عارف انت حاسس بأيه، و بعدين مش يمكن شروق موافقة على اللي حصل دا؟!
لم يتثنى لراجي أن يُجيبه، فقد استرعى انتباههم صوت طرق على باب المكتب ليأمر راجي الطارق بالدخول لتدلف آسيا بخطوات سرعان ما تجمدت حين رأت كمال الذي تفاجيء من قدومها هو الآخر، ولكن راجي لم يسمح لكلاهما بالاستيعاب ليقترب من آسيا قائلًا بلهفة:
ـ عرفتي أي أخبار عنها؟
احتارت بماذا تخبره ولكنها قررت أن تقول الحقيقة لتُجيبه بنبرة مُتحشرجة:
ـ للأسف لا.
التفت إلى الجهة الآخرى وهو يزمجر بوحشية، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الجنون لتنتقل نظرات آسيا إلى كمال الذي كان يريد معرفة سبب قدومها إلى مكتب راجي فقد شعر بأنها أرادت التحدث في أمرًا هام وقد تجلى التردد على ملامحها، ولكنها قررت التحدث بالرغم من كل شيء لذا قالت بنبرة حاولت جعلها ثابتة رغم ارتباكها أمام عيني كمال:
ـ مستر راجي. أنا محتاجة انك تهدى شوية عشان أعرف اتكلم معاك.
استدار راجي يناظرها بترقب و كل ما بداخله يرفض أي شيء يمكن أن يجعله يتألم أكثر مما يتألم الآن، ولكنه بالرغم من ذلك استكان ليستمع إلى حديثها مما شجعها على الشروع به لتقول بنبرة ثابتة:
ـ اللي حصل دا طبعًا مرفوض شكلًا و موضوعًا بس في حاجات لازم تعرفها. أنا عارفة أن كلامي ممكن يبان قاسي. بس شروق بتحب عمر و عمر بالرغم من كل اللي عمله بس هو بيحبها. و وارد أنهم لما يقعدوا ويتعاتبوا يرجعوا لبعض تاني.
برقت عينيه استهجانًا لحديثها الذي جعل الجنون يتملك منة مرة آخرى ليقترب منها هاتفًا بحدة أفزعتها:
ـ أنتِ مجنونة ولا ايه؟ اللي بتقوليه دا لايمكن يحصل..
كان يتقدم نحوها دون أن يدري ليوقفه كف كمال الذي وضعه على صدره يجذبه بحدة للخلف وهو يصرخ بغضب اهوج:
ـ راجي. فوق لنفسك. أنت اللي باين عليك اتجننت.
ناظرته بصدمة، فقد اندفع يقف أمام راجي لأجلها وقد وعى الأخير على ما يحدث معه ليدفع يد كمال للخلف وهو يصيح بانفعال:
ـ أنت مش سامع الكلام! شروق مأكدالي أن الموضوع دا انتهى، والحيوان دا مبقاش له مكان في حياتها.
أوشك كمال على الرد ولكن آندفاع آسيا أوقفه:
ـ للأسف محدش فينا لة سلطة على قلبه.
اخترقت جملتها دفاعاته ليستدير ناظرًا اليها ليجد الألم يتبلور بوضوح في عينيها و يحتل نبرتها حين قالت:
ـ أنا حاسة بشروق جدًا، و أنا أكتر واحدة شوفت هي اتوجعت قد أيه. بس اللي عمر عمله دا مالوش غير معنى واحد. أنه فاق وعرف قيمتها. و ناوي يرجعها من تاني حتى لو كان الموضوع صعب. و حتى لو شروق رفضت دا مرة واتنين و عشرة. ي مش سهل أن الإنسان يعاند قلبه.
حاولت الإبقاء على عبراتها قيد الاعتقال لكي لا تفصح عن مدى الألم بداخلها وهي تقف أمامه و كل حرف يصدر عنها يحكي عن وجعها و معاناتها أمام عشقه الجارف، لتنجح في ذلك فقالت بنبرة ثابتة:
ـ لو مكنتش تهمني، و فعلاً مش عيزاك تتجرح مكنتش جيت قولتلك الكلام دا.
لم يكُن يتألم فحسب بل كان يموت من فرط الألم، و قلبه يرفض هذا الحديث ولو شعر بأنه الصواب، والحقيقة أنه لم يكُن وحده الذي يتألم، فقد كان لكمال نصيب الأسد من العذاب واللوعة و خاصةً وهو يرتدي قناع الجمود الذي يمنعه حتى من التعبير عن هذا الألم بداخله
ـ يعني أنتِ شايفة أن شروق ممكن ترجع لعمر من تاني!
آسيا بتعاطف:
ـ مقدرش أأكد دا دلوقتي. بس أنا متوقعة أن مليون في المية دا هيحصل سواء بعد يوم أو بعد سنة.
تدخل كمال هو الآخر في الحديث قائلًا بجمود:
ـ هي بتتكلم صح. هما اللتنين بيحبوا بعض، وعمر عمره ما كان طايش دا أكتر واحد كان بيحسب حساب الخطوة قبل ما يخطيها عشان شكله قدام الناس كون أنه يعمل كدا، فالموضوع مفيش في رجعة.
رن هاتف آسيا لتجد أن المتصل سوزان فتراجعت عنهم لتُجيب، و إذا بها تهتف بذُعر:
ـ بتقولي ايه يا سوزي؟
ـ بقولك جميلة سمعتني وانا بتكلم مع أشجان عن اللي حصل، و انهارت و خرجت جري وهي بتقول انا هجيب حق أختي و أمي منهم. الحقيها يا آسيا.
هكذا تحدثت سوزان بذُعر قابلته آسيا بأشد منه لتقول بلهفة:
ـ طب اقفلي، وأنا هحاول ألحقها.
أغلقت الهاتف لتجد كمال يستفهم بقلق:
ـ في أي؟
آسيا بخوف يتجلى على ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ جميلة عرفت اللي حصل و رايحة على الفيلا تدور على شروق. معرفش بتقول هاخد حق أمي و أختي منهم..
كمال بلهفة:
ـ طب اهدي، وتعالي معايا نلحقهم.
اومأت برأسها و تركت نفسها ليديه التي جذبتها برفق نظرًا للجرح في قدمها، ليلتفت راجي ممسكًا بهاتفه يقوم بإجراء مكالمة هاتفية و حين أتاه الرد تحدث بلهجة صعيدية مُتقنة:
ـ أيه يا واد عمي. عِندينا طلعة، في حدانا تار و لازمن ناخدوه الليلادي..
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ♥️
★★★
ـ هي فين؟ هي فين اللي دمرت حياة أمي و حياة أختي؟!
هكذا صرخت جميلة بقهر وهي تقف بمنتصف الحديقة تحديدًا أمام قصر عز الدين لتخرج نبيلة و خلفها هايدي ابنتها التي هتفت باحتقار:
ـ الزبالة دي دخلت هنا ازاي؟
جميلة بصراخ اهتز له أرجاء القصر:
ـ الزبالة دي أنضف منك مليون مرة. أخوكي ودى أختي فين يا حقيرة؟
اقتربت نبيلة منها بخطوات سريعة و أعيُن تحمل الشر و كأنها موطنه الدائم لتصرخ باحتقار وهي ترفع يدها تنوي أن تصفع جميلة:
ـ اخرسي يا قليلة الأدب.
أغمضت جميلة عينيها خوفًا من صفعتها، ولكن كانت الصدمة حين وقفت آسيا بينهم لتُمسِك بيد نبيلة لكي لا تنال من خد جميلة، فقد وصلوا في نفس توقيت وصول جميلة، وحين أتاها صوتها لم تنتظر أن يصف كمال سيارته بل اندفعت تجاه مصدر الصوت وهي تعدو دون النظر إلى جرحها فقط أرادت أن تكن بجانب جميلة في مواجهة أولئك الأفاعي، وقد كان توقيتًا مثاليًا لمنع نبيلة من صفع جميلة وهي تصيح بصوت جهوري:
ـ إيدك لا اقطعهالك.
أنهت جملتها و قامت بدفع يد نبيلة التي كانت على وشك السقوط لولا يد هايدي التي حالت دون ذلك لتهتف بانفعال:
ـ أنتِ اتجننتي يا حقيرة أنتِ.
آسيا بتهكم ساخر:
ـ شوف مين اللي بتتكلم عن الحقارة! المادة الخام ليها!
اعتدلت نبيلة وهي تقول بحدة:
ـ اكتمي يا بنت الخدامة..
اقتربت آسيا لتدفعها أكثر وهي تقول بشراسة:
ـ بنت الخدامة دي جزمتها برقابتك يا حية. أنتِ مفكراني هخاف منك! دانا ادفنك هنا و ملكيش دية. اصل الكلاب اللي زيك ملهمش تمن ولا سعر.
لسوء حظها كان كمال وصل للتو، فاخترقت جملتها مسامعه لتنال منه الصدمة التي سرعان ما تحولت لغضب عارم جعله يتقدم منها يجذبها بعُنف من رسغها وهو يقول بعُنف:
ـ آسيا!
جذبت يدها من يده بقوة وهي تصرخ باستنكار:
ـ بلا آسيا بلا زفت. اخواتك دول كفرة. معندهمش دين. دول سبب كل البلاوي اللي حصلتلنا في حياتنا.
خيمت الصدمة على ملامحه وهو يرى حالتها التي تتفرق ما بين الغضب الوحشي و الضعف المُزري الذي تجلى في تلك العبرات التي تدحرجت من مُقلتيها ولكنها لم تلتفت إلى صدمته إنما التفتت ناظره إلى نبيلة وهي تقول بوعيد:
ـ عارفة! أنتِ مش هيكسرك غير بنتك دي. حق كل واحدة سممتي حياتها و قهرتيها هيقعدلك فيها. دي الشوكة اللي هتقطم ضهرك و ابقى قولي انت الخدامة قالت.
اخترقت الجملة الأخيرة مسامعه ليستنكرها بشدة، ولكن صوت خالد الجهوري أفزع الجميع وهو يصيح قائلًا:
ـ أيه اللي بيحصل هنا؟
ـ الحقوني..
كان هذا صوت سعاد الضعيف المتألم الآتي من خلفهم، فقد استمعت لهذا الشجار الذي يحدث في الآخر لتحاول الخروج بمقعدها ولكنها اصطدمت بالباب وسقطت على الأرض بقوة ليُهرول الجميع إليها و يقوم خالد بحملها إلى الداخل و خلفه الجميع ومن بينهم أشجان ما عداها، فقد أخذتها قدماها إلى ذلك المكان الذي قتلت به روحها ذات يوم، فبالرغم من كل شيء فهي لم تتخطى تأثيره بها، ولم تنمحي ذكرياته الأليمة من داخلها، فقد رأت بجميلة اليوم نفسها تلك الليلة، ولم تستطيع تركهم ليجردوها من كرامتها و كبريائها. لم تريد لها أن تصبح مثلها بيوم من الأيام.
ـ جاية تستعيدي لحظة انتصارك ولا أيه!
هكذا تحدث كمال بنبرة ساخرة لا تخلو من القسوة لتحاول السيطرة على نوبات الألم التي عصفت بها و استجماع المتبقي من ثباتها قبل أن تهمس بنبرة تئن وجعًا:
ـ قصدك لحظة انكساري!
اخذ حديثها على محمل السخرية ولكن كانت المرارة ترتسم على ملامحه حين قال:
ـ لحظة انكسارك! افتكر ان في نفس المكان دا طلبت منك تتجوزيني.
لم تفلح في ردع هجمات الذكريات التي غزت عقلها بضراوة و ما يصاحبها من ألم مرير ضجت به نبرتها حين قالت:
ـ لا يا كمال بيه. الموضوع كان قبل طلبك للجواز مني بكتير. تحديدًا يوم احتفالك الغالي انك بقيت المدير التنفيذي للشركة.
كان مظهرها مروعًا حين التفتت له، فقد كانت ملامحها لوحة حية عن الألم، و عينيها تمطران بغزارة بالإضافة إلى نبرتها التي يفوح منها رائحة القهر حين قالت:
ـ الشجرة دي شهدت على موتي في الليلة دي. المكان دا اتقتلت فيه انسانة بريئة كان كل حلمها تعيش و تفرح. اتشوهت فيه روح عمرها ما كانت تعرف يعني إيه أذى. هنا بالظبط اتقتل الخير جوايا واتزرع مكانه ألف بذرة انتقام.
تمام كمال مذهولًا:
ـ أنتِ بتقولي ايه؟
صرخت بنبرة تتقطع لها نياط القلوب:
ـ الليلة دي أنا اتكسرت هنا. اتعريت هنا. اتهانت و ادبحت برائتي هنا.
ضربت يدها بقوة على الشجرة خلفها وهي تتابع بكل ما يعتمل بداخلها من قهر:
ـ الشجرة دي هي اللي سترتني عن عيون الناس، لما ناديت على اختك و بنت اختك الحلوين كنت أنا مرمية تحتها برتعش من الخوف و البرد و الوجع، الدم اللي كان في أيديهم و انت فكرته لقطة في الشارع دا كان دمي.
كان الألم بصدرها لا يُطاق، و السبيل الوحيد للنجاة منها هي الصراخ حتى يهدأ ضجيج الذكرى بداخلها ولو قليلًا لتُتابع بنبرة مُلتاعة:
ـ هنا عروني يا كمال. هنا هانوني و ضربوني و عايروني بفقري، و أنت . أنت نادتلهم و طبطبت عليهم، و أنا. أنا ملقتش حد يطبطب عليا.. عارف؟
حاولت تهدئة أنفاسها الهادرة قبل أن تقول بنبرة تحترق قهرًا:
ـ أنا كنت بشوفهم في الحلم بيعملوا كدا فيا، و أقوم اصرخ. مكنش في حد بيطبطب عليا، و كل ما افتكر كلامك و حنيتك عليهم اكرهك معاهم.
خرجت الكلمات ترتجف ألمًا من فوق شفتيها حين تابعت:
ـ أنا هنا اتعلمت أكره، هنا حلفت لازم انتقم. هنا اتدمرت، و هنا بردو انت طلبت ايدي للجواز.
وضعت يدها فوق قلبها وكأنها تربت على وجعه قبل أن تقول بحزن:
ـ زي ما يكون الدنيا بتعايرني، و بتفكرني بوجعي في عز فرحتي. أنا ماخترتش أكون وحشة، ولا كنت اتمنى اكون شخص مؤذي. بس أنا كان جوايا بدل الجرح ألف.
رفعت رأسها تناظره بأسى تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ جرح قلبي، و جرح كرامتي، يمكن جروح جسمي مخدتش وقت، بس سابت أثر زيها زي كل الجروح اللي جوايا.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة متحشرجة فكان مصعوقًا مما يسمعه، و مما يراه أمامه، فمن يراها الآن إمرأة تبدو و كأنها عادت لتوها من الجحيم بعد أن ظلت الشياطين تلاحقها لسنوات، ولكن ما أفزعه حقًا حين شاهدها تخر على ركبتيها وهي تحتضن معدتها من فرط الألم ليسقط بجانبها بلهفة وشفتيه تهمس باسمها دون وعيًا منه:
ـ آسيا.
أسندت رأسها فوق كتفه وهي تشهق بعُنف و كلماتها تخرج غير مفهومة لتلتفت ناظره إليه بألم كان يُذيبها كالشمعة وهي تصرخ بنبرة مُلتاعة مقهورة:
ـ أنا ليه حبيتك أنت دونًا عن كل الناس؟! اشمعني أنت! أنا كان نفسي أفضل اكرهك طول عمري زيهم. كان نفسي أفضل كرهاك و محبكش أبدًا. أبعد عني. أبعد..
قالت كلمتها الأخيرة وهي تدفعه لتتحامل على نفسها و تهب من مكانها مهرولة إلى الخارج لتتركه خلفها مصعوقًا مما رآه و سمعه.
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي♥️
★★★
ـ أهلًا بالواطي الخسيس. يا راچل دانا جولت أن فيك شوية نخوة هيخلوك تدبح بت خالد الوتيدي تجوم تهروب زي النسوان!
هكذا تحدث رماح إلى أمين المُقيد و الملقى أرضًا في أحد المخازن ليهتف بحدة:
ـ ادبح بنته وهو ييجي يدبحني انا بعد كدا! بتلبسني معاه و بعدين تهرب!
قهقه رماح بشر قبل أن يقول بتقريع:
ـ ياخي استرچل دا خد منيك مرتك و ولادك. بدل ما تنتجم منيه بتلوم عليا!
أمين بغضب:
ـ انتقم منه لما أكون في قوي وقتها مش هكتفي اني ادبحه، لكن اروح انتقم منه وانا أضعف منه بمراحل! دا كدا اسمه انتحار، و أنا مش هضحي بنفسي عشان واحدة باعتني ولا حتى عشان عيالي.
رماح باندهاش من موقفه:
ـ ياختي داني فكرتك عاشجها!
أمين بخسة:
ـ بحبها اه مش هنكر لكن لو هعشق يبقى هعشق نفسي و مصلحتي. ولا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة!
قهقه رماح بشر قبل أن يقول ساخرًا:
ـ لا تقي يا راچل! صدجتك أنا! المهم. أنت راچل واضح، وده يشفعلك عِندي. و عشان أكده هساعدك. لو كان الموضوع بالقوة و الفلوس يبقى سهلة. شوف محتاچ أيه واني معاك.
لمعت عيني أمين بالشر وهو يقول بخُبث:
ـ أيوا كدا. اقدر احارب وانتقم، و ارجع مراتي وولادي بمزاج.
رماح بتحذير:
ـ خلي بالك. مفيش حاچة هتعملها جبل ما ترچعلي.أني معنديش تهاون في الغلط. و مش هسمح لحد يلخبطلي خططي..
أمين بلهفة:
ـ لا من الناحية دي اطمن. أنت خطط وأنا انفذ. بس قولي بما أنك هتحطني في وش المدفع و تفضل في المداري. لما أنت عندك القوة و الفلوس والنفوذ مبتخلصش من خالد دا ليه؟
شرد رماح إلى البعيد وخيم الحقد على نظراته و احتل نبرته حين قال:
ـ مشكلتي مش مع خالد بس. أني مشكلتي مع كل واحد شايل اسم الوتايدة، و عشان اخلص منيهم لازمن اسقطهم واحد واحد. عشان اللي يقع فيهم مبلاقيش حد يسنده.
أمين باستفهام:
ـ طيب وهتعمل دا ازاي ؟!
رماح بمكر:
ـ كل حاچة متخططلها زين، و بدأنا التنفيذ كمان.
جذب انتباهه صوت رسالة نصية على هاتفه ليفتحها ثم ابتسم بشر فاستدار إلى الخارج ليقول بإجراء مكالمة هاتفية، وما أن أتاه الرد حتى أجاب بنبرة زائفة الحزن:
ـ جولت يا رماح بدل بتك مسألتش عنيك. أسأل أنت. يمكِن متعرِفش انك بتدور عليها. وحشتي أبوكي يا نچاة!
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ♥️
★★★
ـ أيوا يا ياسر. ماما نامت خلاص و أنا طلعت أهو انت فين بقى؟
كان هذا صوت غنى التي تتحدث على الهاتف ليُجيبها صوت ياسر الحاد حين قال:
ـ ما تترزعي في البيت لحد ما آجي. طالعة تعملي أيه؟
غنى باستفزاز:
ـ أشم هوى يا ريس. بلاش؟!
ياسر بوعيد:
ـ والله! تشمي هوا؟! طب فكريني أطبق على زمارة رقبتك لما أشوفك.
غنى بدلال:
ـ أهو انا بقى واثقة و متأكدة أنك عمرك ما تعمل كدا. اعملك قفلة يا ريس و بلاها تهديدات انا قاعدة على قلبك ومربعة.
ياسر بابتسامة عذبة:
ـ بصراحة أنت واخدة القلب والروح والعقل وكل حاجة في الريس لحسابك، دا كفاية انك الوحيدة اللي مسموحلك تعمليله قفلة.
ابتسمت بدلال على حديثه، و سرعان ما انمحت بسمتها حين سمعت هذا الصوت الكريه خلفها:
ـ دا أنتِ طلعتي بتعرفي تضحكي و تدلعي اهو!
سقط الهاتف من يدها وهي ترى رأفت الذي كان يطالعها بأعيُن تطلقان الشرر بدلًا من النظرات..
يتبع....
حبايب قلبي الناس اللي مقدرتش تروح المعرض و تقتني ذاكرة الرماد و باقي رواياتي اطلبوها من المتجر
او من على رسايل الواتساب 👇
01121530961