تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الأول 1 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الاول
جلست الفتاة على مقعدها الجلدي العريض خلف مكتبها الخشبي الفخم، في هيئة توحي بالسيطرة والصرامة معًا، كانت ملامحها هادئة في ظاهرها، لكن خلف ذلك الهدوء كانت تختبئ عاصفة من الحزم والغضب المكبوت، انعكس الضوء الخافت على سطح المكتب اللامع، بينما كانت عيناها الحادتان، اللتان تشبهان عيني صقر يراقب فريسته، تتنقلان بين الملفات الموضوعة أمامها بدقة لا تعرف التساهل.
لم تكن تقرأ الأوراق فحسب، بل كانت تفحصها كما لو كانت تفتش عن خيط خفي من الإهمال أو التقصير، كل سطر يمر أمام عينيها كان يحمل وزنًا، وكل رقم يحمل احتمال خطأ لا يمكنها التغاضي عنه.
لحظة صمت ثقيلة خيمت على الغرفة، قبل أن تطلق زفرة غاضبة خرجت من صدرها ببطء، وكأنها تحاول كبح بركان يوشك على الانفجار، ثم هوت يدها بقوة على سطح المكتب، فصدر صوت ارتطام حاد كأنه صفعة كسرت هدوء المكان،
تكلمت بصوت يحمل غضبًا واضحًا:
"أنا مش هعدي اللي حصل ده بالساهل، مبقاش رنيم سلطان الدسوقي، لو مدفعتش كل واحد نتيجة غلطه، ابعتوا مدير الحسابات والمحامي دلوقتي حالا وأخرجوا كلكم بره."
لم يكن الأمر مجرد تهديد عابر؛ فقد كان اسمها وحده كافيًا ليزرع الرهبة في القلوب، ولهذا لم يتردد الموجودون لحظة واحدة، تحرك الموظفون سريعًا، وكأن كلماتها أطلقت صافرة إنذار داخل المكان، اختلطت خطواتهم المتسارعة بنظرات القلق التي تبادلوها في صمت، قبل أن يهرعوا جميعًا إلى الخارج بخوف واضح من تلك الفتاة التي لم تعرف يومًا معنى التهاون.
أُغلق الباب خلفهم، فعاد الصمت يملأ المكتب من جديد، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا، بل صمتًا مشحونًا بالتوتر،
مرت دقائق قليلة، قبل أن يفتح الباب مرة أخرى بهدوء، لتدخل سمية بخطوات مترددة، كانت ملامح القلق واضحة على وجهها، فقد وصلها صدى التوتر الذي عم المكان، ولم يكن من الصعب عليها أن تدرك أن العاصفة مصدرها رنيم.
تقدمت قليلًا داخل المكتب، ثم قالت بنبرة تجمع بين القلق والاستفهام:
"فيه أيه يا بنتي؟ عاملة رعب للموظفين كده ليه؟"
رفعت رنيم رأسها ببطء، وعيناها لا تزالان مشحونتين بضيق واضح، كانت نظرتها حادة، وكأنها لم تهدأ بعد من نار الغضب التي اشتعلت بداخلها، ثم قالت بصوت غاضب:
"انتي عارفة يا عمتو أنا مبحبش الاستهتار فى الشغل، ودي مش اول مرة تحصل غلطة زي دي، لازم اتعامل معاهم بحزم علشان يوقفوا المهزلة دي."
أومأت سمية برأسها بتفهم، فقد اعتادت منذ زمن طويل على رؤية ذلك العناد الصارم في عينيها، لكنها مع ذلك حاولت تهدئة الأجواء قليلًا، فقالت بنبرة هادئة:
"ماشي يا حبيبتي أنا مقولتش حاجه، بس براحه عليهم شوية، طريقتك دي هتكرهم فى الشغل اسأليني أنا مجرباها من زمان مع عمك حسام."
تنفست رنيم بعمق، وكأن كلمات عمتها لم تفعل سوى زيادة الضيق في صدرها، زفرت بضيق واضح، قبل أن تقول بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
"عمتو ارجوكي متدخليش فى شغلي، انا كده مبحبش الغلط والاستهتار."
حركت سمية رأسها بنفاذ صبر، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة تحمل مزيجًا من الاستسلام والحنين لذكريات قديمة، ثم قالت:
"هو بعينه عمك حسام، علمك طريقته بالظبط، هقول ايه الله يكون فى عونهم منك، هروح اشوف شغلي."
أنهت كلماتها واستدارت نحو الباب، ثم خرجت بخطوات هادئة، تاركة خلفها المكتب غارقًا في صمت ثقيل من جديد.
ظلت رنيم تنظر نحو الباب للحظة، وعلامات عدم الرضا واضحة على ملامحها من حديث عمتها، هزت رأسها قليلًا وكأنها تطرد تلك الأفكار المزعجة، ثم أعادت تركيزها إلى الأوراق أمامها،
عادت عيناها تتحركان فوق السطور بحدة أكبر هذه المرة، بينما كان الغضب لا يزال يتقد في داخلها، لم يكن الخطأ الذي حدث مجرد تفصيلة عابرة في العمل، بل كان بالنسبة لها خللًا في نظام اعتادت أن يكون صارمًا لا يقبل التهاون،
وفي تلك اللحظة، بدا واضحًا أن رنيم لم تكن مجرد مديرة صارمة تدير عملها،
بل امرأة اعتادت أن تخوض معاركها بنفسها، وأن تحرق كل خطأ يقترب من عالمها قبل أن يتحول إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها.
**************************
في الفيلا الواسعة الخاصة بعائلة غريب ضرغام، كان الصباح يمضي بهدوء ثقيل، كأن جدران المكان نفسها اعتادت على نظام صارم لا يقطعه إلا صوت الحياة اليومية، انعكست أشعة الشمس على النوافذ الكبيرة المطلة على الحديقة، فتسللت خيوطها إلى غرفة الطعام الواسعة حيث اجتمعت العائلة حول الطاولة الطويلة المصنوعة من الخشب الداكن.
جلس الأربعة في أماكنهم المعتادة؛ الأب غريب في صدر الطاولة بهيبته الهادئة، إلى جواره زوجته ترنيم التي بدت ملامحها رقيقة رغم التعب الخفيف المرتسم حول عينيها، بينما جلس جواد على أحد الجانبين بوقاره المعتاد، تقابله أخته أروى التي بدت على العكس تمامًا، روحًا مشاغبة لا تعرف الصمت طويلًا.
كان الصمت يخيم على الطاولة، صمت لا يشوبه سوى أصوات الملاعق وهي تلامس الأطباق، حتى قطعه فجأة صوت أروى وهي تميل قليلًا نحو أبيها بعينين لامعتين بالمشاكسة:
"بابتي، يا أحلى غروبه فى الدنيا."
رفع غريب عينيه إليها ببطء، وكأن ابتسامة خفيفة كانت تنتظر تلك اللحظة لتظهر على وجهه، نظر إليها نظرة يعرفها جيدًا، نظرة الأب الذي يعلم حيل ابنته منذ طفولتها، ثم قال بنبرة مزاح:
"امم، مدام فيها بابتي وفيها غروبه يبقى عايزة مصلحه."
اتسعت ابتسامة أروى، لكنها لم تستطع إخفاء التوتر الصغير الذي ارتسم في عينيها، فأجابت بمزاح:
"ايه ده؟ هو أنا مكشوفه اوي كده؟"
لم ترفع ترنيم رأسها عن طبقها وهي تتناول الطعام، لكنها قالت بهدوء وهي تبتسم بخفة:
"ده انتي مكشوفه زي عين الشمس."
ضحكت أروى بخفة، ثم التفتت إليها قائلة بمزاح:
"يا ترنيم، يا توته هو فيه حاجه اسمها عين الشمس، اه منك انتي يا وليه بتقولي كلام غريب."
ثم أضافت ببراءة مفتعلة وهي تلوح بيدها:
"يوه، مقصدكش يا حاج بكلام غريب، يا ابو عرق تركي انت يا عسل."
زفر جواد بضيق واضح، وقد بدا أن صبره بدأ ينفد، فنظر إليها بنفاذ صبر وقال:
"هو احنا مكتوب علينا كل يوم الصداع ده، ما تخلصي وقولي عايزة ايه."
رمقته أروى بنظرة ضيق، ثم قالت بتهكم:
"أنا صداع، لكن السنيورة بتاعتك وجنانها مش صداع، صح؟"
حرك غريب رأسه قليلًا وكأن المشهد كله مألوف لديه، ثم قال بنبرة تحمل مزيجًا من الصرامة والمرح:
"يا بنتي اخلصي وقولي عايزة ايه؟"
عادت الابتسامة إلى شفتي أروى بسرعة، وكأنها وجدت اللحظة المناسبة أخيرًا لتقول ما تريد، مالت بجسدها قليلًا للأمام وقالت بمزاح:
"نرجعلك انت يا واد يا تركي يا عسل، بص بقى أنا عايزة اسافر اسبوع مع اصحابي فى باريس، عايزة اشم نفسي شوية، بعيد عن الدراسه، تعبت وربنا، حسوا بيا يحس بيكم ربنا."
ما إن أنهت كلماتها حتى تبدلت ملامح غريب فجأة، اختفت ابتسامته، وحل محلها تعبير جاد قاطع، قبل أن يقول بصوت غاضب حاسم:
"أنا مليون مره قلتلك سفر بره من غيرنا لا، وبعدين احنا مش لسه راجعين من تركيا من شهر؟"
زفرت أروى بضيق واضح، وكأن الرد كان متوقعًا لكنها كانت تأمل غيره، ثم قالت بتذمر طفولي:
"تركيا ايه بس يا بابي! أنا حفظاها صم من كتر ما بروحها كل كام شهر، ده احنا بنقعد فيها اكتر ما بنقعد فى مصر، أنا زهقت وعايزة اغير شوية، وبعدين انا مش صغيره على فكرة، أنا عندي عشرين سنه يعني كبيره واقدر اعتمد على نفسي."
رفعت ترنيم عينيها إليها أخيرًا، وكان صوتها هادئًا لكنه يحمل حنان الأم الذي لا يخطئه أحد، فقالت بتوضيح:
"يا حبيبتي بابي خايف عليكي، وبعدين انتي مهما كبرتي فى نظرنا هتفضلي طفله صغيره، بلاش موضوع صحابك ده، واصبري شويه ونبقى نروح باريس سوا مع بعض، ماشي؟"
وقفت أروى فجأة، وكأن الكلمات ضاقت بها، وقالت بصوت مختنق:
"ماشي، أنا ماشيه."
ثم غادرت المكان بوجه عابس وخطوات سريعة، تاركة خلفها جوًا من التوتر الخفيف.
اعتدل جواد في جلسته قليلًا، ثم قال بنبرة عملية واضحة:
"حاولوا تشدوا عليها شويه اروي مبقتش صغيرة والدلع الزيادة في السن ده خطر."
نظر إليه غريب بنبرة جادة، لكنها لم تخلو من حنان الأب، وقال:
"طول ما انا عايش فى الدنيا اختك تدلع براحتها، أنا واثق فيها ومتأكد أنها رغم صغر سنها ناضجه وعاقلة."
هز جواد كتفيه بلا مبالاة وقال:
"انتوا حرين، أنا قولتلكم رأي وخلاص، هسبقك على الشركه."
ثم غادر المكان، تاركًا والديه وحدهما.
تنهدت ترنيم قليلًا وهي تنظر نحو الباب الذي خرج منه، ثم قالت بلوم خفيف:
"براحه على جواد شويه يا غريب، هو بيحب أخته وبيخاف عليها، وانت طريقتك جامده معاه، صاحبه وبلاش تخلي المسافه ما بينكم توسع."
ابتسم غريب لها بحنو، وكانت نبرته حين تحدث دافئة ومليئة بالمودة:
"دول ولادي يا ترنيم، مستحيل اكرههم، كفايه أنهم منك انتي، بس بحس أن جواد طريقته قاسيه مع أخته، عارف أنه بيحبها وبيخاف عليها، بس طريقة معاملته معاها غلط."
سكنت ملامح ترنيم قليلًا، وكأن كلمات زوجها أيقظت ذكرى قديمة بداخلها، مر شريط من الماضي في ذهنها، فاختنق صوتها قليلًا وهي تقول:
"سيبه يثبت وجوده فى حياتها، يحسسها بخوفه عليها، علشان تفهم أن ليها سند فى الدنيا وأنها وقت ما تحتاج حاجه اول شخص تجري عليه هو اخوها، لا هو عمره هيكرهها ولا هي هتقدر تستغنى عنه فى حياتها، احنا مهمتنا فى الحياة أننا نحببهم فى بعض ونحسسهم بأهمية كل واحد بالنسبه لتاني."
فهم غريب المغزى العميق من كلماتها. مد يده نحو يدها، أمسكها برفق ثم قبلها بحنان وقال:
"ماشي يا حبيبتي، انا مليش غيركم فى الدنيا، أنتوا أغلى ما عندي، واكيد عايز اشوف ولادي فى احسن حال، وأشوف اجمل ابتسامه من حبيبتي ام ولادي."
ابتسمت له بحب، ثم قبلت يده وقالت بنبرة عاشقة صادقة:
"ربنا يخليك ليا، انت العوض والسند اللي ربنا بعته ليا فى أصعب اوقاتي."
اعتدل غريب في جلسته ثم مال قليلًا وقبل رأسها بحنان وقال:
"هروح انا الشركه بقى علشان متأخرش، وانتي هتنزلي العيادة امتى؟"
ردت عليه بنبرة متعبة قليلًا:
"مش قادرة اروح العيادة النهاردة، وكمان هروح لسمية أسال عليها وحشتني وبقالي كتير مشوفتهاش."
أومأ برأسه متفهمًا، ثم ابتسم لها وغادر المكان.
ظلت ترنيم تنظر إلى أثره للحظة طويلة، وعلى شفتيها ابتسامة دافئة، لكن ما إن اختفى حتى تغيرت ملامحها قليلًا، وكأن هدوء البيت أعادها إلى عالم آخر من الذكريات.
نهضت ببطء واتجهت إلى غرفتها. فتحت خزانة ملابسها، وأخرجت منها صندوقًا صغيرًا قديمًا بعناية، وكأنها تحمل قطعة من قلبها. جلست على طرف السرير وفتحته ببطء، داخل الصندوق كانت صورة.
صورة لرجل لم يغب عن قلبها يومًا، سلطان.
رفعتها بيديها وظلت تحدق فيها طويلًا، حتى ترقرقت دمعة هاربة في عينيها وسقطت على الصورة، تنهدت بوجع وهمست بصوت اختلط فيه الحنين بالألم:
"وحشتني اوي يا سلطان، ياريتك كنت موجود دلوقتي، وشوفت الاولاد لما كبروا، كانوا اتعرفوا على اطيب واحن وأعظم راجل فى العالم، انت عارف جواد طالع نسخه منك فى طبعك غيور اوي على جواهر بنت سميه، وعصبي زيك، بشوفك فيه، وبنتك رنيم بقت شبهي اوي وانا صغيره، بس للاسف مأخدتش ضحكتي وانا معاك، لحد دلوقتي مش قادرة تنسى الماضي، اخدت مني موقف بسبب كلام امها الله يرحمها، حاولة كتير اخليها تسامحني ونبدأ مع بعض صفحه جديدة، بس للاسف كل مرة ترفض، بس متقلقش مش هييأس لاخر نفس فيا هفضل احاول معاها، بنتك هتفضل امانه فى رقبتي لحد ما اقابل وجه كريم، ربنا يرحمك يا حبيبي."
أعادت الصورة إلى مكانها برفق، وأغلقت الصندوق كما لو كانت تغلق بابًا على ذكريات موجعة، وضعت الصندوق داخل الخزانة مرة أخرى، ثم بدلت ملابسها بهدوء.
بعد دقائق، هبطت إلى الطابق السفلي، واتجهت نحو سيارتها، جلست خلف المقود، وأدارت المحرك ببطء، بينما كانت نظراتها ثابتة أمامها.
ثم انطلقت السيارة مبتعدة عن الفيلا، متجهة إلى وجهتها، شركة سلطان.
*****************************
توقفت السيارة فجأة في منتصف الطريق، بعدما اصطدمت بمؤخرة سيارة أخرى اصطدامًا خفيفًا، لكنه كان كافيًا ليجذب الانتباه ويوقظ سكون الشارع.
داخل السيارة، جلست الفتاة خلف المقود متجمدة للحظة، كأن الزمن توقف حولها، اتسعت عيناها قليلًا وهي تحدق في الأمام، ثم أطلقت زفرة متوترة، بينما راحت أصابعها تقبض على عجلة القيادة بقوة، لم يكن الموقف بسيطًا كما تمنت، فقد أدركت فورًا أن صاحب السيارة الأخرى لن يمرر الأمر بسهولة.
لم تمضي ثواني حتى ترجل شاب من سيارته، كان طويل القامة، عريض الكتفين، يخطو نحوها بخطوات سريعة يغلفها الغضب، وقف بجانب نافذتها وطرق عليها بقبضته بقوة.
ابتلعت الفتاة ريقها بصعوبة، وشعرت بقلبها يدق بعنف داخل صدرها، مدت يدها بتردد وفتحت النافذة قليلًا، ثم قالت بتلعثم واضح:
"أنا لو حلفتلك أن مقصدش اخبطلك عربيتك مش هتصدق صح؟"
رمقها الشاب بنظرة غاضبة، وقد بدت أعصابه مشدودة، وقال بحدة:
"ولما انتوا متعرفوش تسوقوا عربيات بتركبوها ليه؟ أعمل فى امك ايه دلوقتي؟"
كانت الكلمة الأخيرة كشرارة ألقيت في حقل جاف.
في لحظة، اشتعل الغضب داخلها كالنار. فتحت باب السيارة بعنف، وترجلت منها بسرعة، وقد تحولت ملامحها من توتر إلى تحدي واضح، وقفت أمامه رافعة رأسها وقالت بحدة:
"طيب ليه طولة اللسان دي طيب، مش عايزة امسح بكرامتك الأرض."
تجهم وجه الشاب أكثر، وتقدم خطوة نحوها قبل أن يمسكها من ملابسها بغضب وقال:
"يعني غلطانه وكمان بتبجحي."
لم تتردد لحظة، دفعت يده بعيدًا عنها بعنف، ثم انحنت قليلًا وعضته في يده بقوة جعلته يصرخ متفاجئًا، رفعت رأسها وقالت بتحذير صارم:
"لا فؤق يا حيلتها، انت متعرفش أنا مين وبنت مين؟ أنا بقى هوريك شغل الحواري."
بدأت أصوات المارة ترتفع حولهما، فقد تجمع الناس سريعًا حول المشهد المفاجئ، حاول البعض التدخل وإبعاد الفتاة، التي كانت جواهر، عن الشاب الغاضب، لكنها كانت تقف بثبات وعناد، وكأنها مستعدة لخوض معركة حقيقية،
لكن فجأة، تجمدت في مكانها كأن قوة خفية شلت حركتها.
فقد سمعت صوتًا تعرفه جيدًا، صوتًا لا يمكن أن تخطئه أبدًا.
همست بصوت خافت يكاد لا يسمع:
"يا صلاة النبي أحسن، هو حضر؟ ربنا يرحمك كنت زينة الشباب والله."
وفي اللحظة التالية، اندفع جواد كالإعصار، لم يتردد لحظة واحدة، فقد انقض على الشاب بقبضته القوية، وبدأ يضربه بعنف متفجر، كانت الضربات تتوالى بلا رحمة، حتى بدأ الدم يسيل من وجه الرجل الذي لم يستطع الدفاع عن نفسه، وسقط أرضًا فاقدًا الوعي،
تعالت صيحات الناس حولهما، بينما أسرعت جواهر نحوه تحاول الإمساك به، احتاجت جهدًا كبيرًا لتبعده عن الرجل الملقى أرضًا، ثم صرخت به:
"نهارك مش فايت، الراجل شكله مات، يا اختييي، روح بقى إدارى فى حته، هتتعدم قبل ما اتجوزك يا ابن ضرغام."
التفت إليها جواد بعينين مشتعلة بالغضب، وقبض على ذراعها بقوة وهو يقول من بين أسنانه:
"اتزفتي وامشي قدامي، أنا قولت ملكيش خروج من البيت."
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم حاولت التخفيف من الموقف بابتسامة متوترة وقالت:
"فيه ايه بس يا جوجو، أنا مالي العربيه اللي خبطت فى عربيته، وانا بطلع الفون من الشنطه علشان اكلمك، يعني انت السبب مش أنا."
رفع حاجبيه ببطء، ونظر إليها بسخرية وقال:
"والله، يعني بقيت أنا السبب فى الاخر؟"
ابتسمت ابتسامتها البلهاء المعهودة وقالت بخفة:
"انت سبب نقمتي يا جوجو، ما تتجوزني وستتني فى بيتك يا سيد الناس."
زفر جواد بنفاذ صبر، ثم أمسك ذراعها وأجبرها على السير معه نحو سيارته. فتح الباب الأمامي وأجلسها فيه بعنف خفيف، ثم أغلق الباب بقوة قبل أن يدور حول السيارة ويجلس خلف المقود ويبدأ القيادة.
لكن جواهر لم تستطع منع نفسها من الاستمرار في المشاكسة، أخرجت رأسها قليلًا من النافذة وقالت بسخرية:
"تعيش وتاخد غيرها يا جميل."
ضغط جواد على أسنانه بعصبية، ثم دفعها إلى الداخل بعنف وهو يصرخ:
"ارحمي امي من جنانك، كفايه بقى تعبت."
سكتت لحظة، ثم نظرت إليه بعينين امتلأتا بالحزن وقالت بصوت مختنق:
"خلاص مدام زهقت مني وشايفني مجننانك، بلاش منها دي علاقه، وكل واحد يروح لحالة."
فجأة، ضغط جواد على المكابح بقوة فتوقفت السيارة في منتصف الطريق.
التفت إليها بعينين تتطاير منهما الشرر، وأمسك ذراعها بقوة وهو يقول بحدة:
"سمعيني كده قولتي ايه."
صرخت جواهر متألمة:
"جواد سيب دراعي، جواد انت بتوجعني، جوووواد."
لكنه شد قبضته أكثر وقال بصوت تحذيري خطير:
"لو سمعتك بتقولي كده تاني، هقتلك يا جواهر، انتي بتاعتي أنا وبس، ويوم ما تفكري تبعدي عني، هدفنك بأيديا دول فاااهمه."
أغلقت عينيها وقد انهمرت دموعها، وقالت بصوت مختنق:
"سيب دراعي يا جواد."
تغيرت ملامحه فجأة، بدأت أصابعه ترتخي ببطء، وكأن الغضب انكسر فجأة أمام دموعها، مد يده نحو وجهها، ومسح دموعها برفق، ثم قال بصوت هامس:
"بلاش دموعك دي يا جواهر، انتي عارفه انتي بالنسبالي ايه؟ وعارفه أن ببقى واحد تاني لمجرد بس فكرة بعدك عني، أنا بحبك، بس انتي اللي بتخليني افقد اعصابي من عمايلك المجنونة دي."
أدارت وجهها بعيدًا ونظرت من النافذة في صمت.
مد يده مرة أخرى، وأمسك ذقنها برفق ليجبرها على النظر إليه، ثم قال بأسف واضح:
"أنا اسف متزعليش مني يا جوجو، انتي اجمل حاجه فى حياتي، وزعلك مني بيخلي الدنيا لونها اسود فى عيوني، خلاص بقى يا بت، بعشق امك."
ابتسمت جواهر وسط دموعها وقالت بصوت مختنق:
"هسامحك بس بشرط، اوعى تقسى عليا تاني يا جواد، خايفه اكرهك، لأن لو ده حصل هيكون اخر يوم فى عمري، أنا فتحت عيوني على حبك، وعمري ما هشوف راجل غيرك."
عض جواد شفتيه السفلى وهو يحدق فيها، ثم قال بمزاح يحمل شيئًا من الإثارة:
"أعمل فيكي ايه انا دلوقتي؟ احنا فى طريق عام، ولو نفذت اللي شيطاني بيقولوا ليا، هنلبس قضية فعل فاضح فى الطريق العام."
انفجرت جواهر بالضحك وقالت بمزاح:
"اهي كملت، تبقى كده لبست قضية قتل وقضية اداب، وقضية سرقة، اصلك سرقة قلبي مني بكلامك المعسول ده."
زفر جواد بنفاذ صبر وهو يهز رأسه وقال:
"يا مهوون، أنا بضيع يا وديع."
تعالت ضحكات جواهر مرة أخرى، تلك الضحكات التي كانت تشعل شيئًا لا يمكن السيطرة عليه داخل قلبه.
تنهد أخيرًا، ثم أعاد تشغيل السيارة وانطلق بها في الطريق، متجهًا نحو شركة سلطان، ليوصل تلك الفوضى الجميلة، وتلك المصيبة التي يعشقها قلبه، إلى مكان عملها قبل أن تتسبب في كارثة جديدة.
****************************
أمام شركة سلطان، توقفت سيارة ترنيم في اللحظة نفسها تقريبًا التي توقفت فيها سيارة جواد. بدا المشهد وكأن الصدفة قررت أن تجمع الطرق المتفرقة عند نقطة واحدة.
ترجلت ترنيم من سيارتها بخطوات هادئة، وملامحها ما زالت تحمل ذلك الهدوء الرقيق الذي يميزها دائمًا، ثم اتجهت نحوهما بابتسامة دافئة.
وقفت أمام السيارة وقالت بحب:
"عاملة ايه يا قلب خالتوا؟"
ما إن سمعت جواهر صوتها حتى انفرجت أساريرها فورًا. فتحت باب السيارة بسرعة، وترجلت منها، ثم ركضت نحوها كطفلة اشتاقت لحضن مألوف. أحاطتها بذراعيها بقوة وقالت بلهفة صادقة:
"وحشتيني اوي يا توته، مختفيه فين عننا بس؟"
ابتسمت ترنيم بحنان وهي تربت على ظهرها برفق، وكأنها تحتضن قطعة من قلبها، وقالت بلطف:
"اعمل ايه بس يا جوجو العيادة اخده كل وقتي."
ثم ابتعدت عنها قليلًا، والتفتت نحو السيارة حيث يجلس جواد، ونظرت إليه بنظرة تحمل شيئًا من اللوم المشاكس وقالت:
"انت يا ابني مش قولت لابوك انك هتسبقه على الشركة؟"
نظر إليها من خلف النافذة، وكانت نبرته تحمل ذلك الثقل الرجولي الذي يميزه حين قال:
"اممم، قولت، بس طبعا مع المصيبه دي مش هقدر اشوف حالي."
مدت جواهر شفتيها للأمام كالأطفال، والتفتت نحو ترنيم تشكو له بطريقتها المعتادة:
"شايفه يا خالتو ابنك بيعاملني إزاي؟"
لم تتمالك ترنيم نفسها، فانفجرت ضاحكة، ثم قالت بصعوبة بين ضحكاتها:
"الله يعينك عليها يا ابني، روح انت يلا شغلك زمان ابوك وصل وملاقكش هناك."
أومأ جواد برأسه موافقًا، ثم التفت إلى جواهر ونظر إليها نظرة طويلة مليئة بالاهتمام قبل أن يقول برجاء خافت:
"خلي بالك من نفسك وبلاش مشاكل، فاهمه."
ثم غمز لها بعين مشاكسة قبل أن يدير السيارة وينطلق بها مبتعدًا.
وقفت جواهر مكانها تتابع السيارة بعينيها حتى اختفت في الطريق، وكأن جزءًا من قلبها ذهب معها. تنهدت بعمق وهي تبتسم بحب واضح، ثم التفتت إلى ترنيم وقالت بحماس طفولي:
"حتة تشيز كيك غرقانه صوص شيكولاته، عسل ابن ضرغام، بحبه اوي يا توته."
تعالت ضحكات ترنيم مرة أخرى على كلماتها المجنونة، لكن خلف تلك الضحكات كانت دقات قلبها تخفق بسعادة غامرة. رؤية ابنها محبوبًا بتلك الطريقة الصادقة كانت كفيلة بأن تملأ قلبها بالطمأنينة.
قالت مازحة وهي تهز رأسها:
"الولا لحس مخك خلاص يا بنت سمية، وانتي هتمشي مجنون فى الشارع بسببك، ربنا يسعدكم يارب، يلا بسرعه ابوكي ورنيم مش هيعدوا تأخيرك ده بالساهل."
اتسعت عينا جواهر فجأة بصدمة حقيقية، ثم قالت بفزع:
"نهار مش فايت اتأخرت على الشغل."
وفي لحظة، انطلقت تركض نحو مدخل الشركة بسرعة، بينما تبعتها ترنيم بخطوات أهدأ.
دخلتا إلى الداخل، ثم صعدتا معًا بالمصعد الكهربائي. كان الصعود قصيرًا، لكنه حمل مع ترنيم شعورًا ثقيلًا في صدرها.
ما إن وصل المصعد إلى الطابق المقصود حتى خرجت جواهر متجهة بسرعة نحو مكتبها، بينما توقفت ترنيم للحظة، وعيناها تتجهان نحو باب المكتب الذي يحمل اسم رنيم.
تنهدت بحزن عميق، وكأن ذلك الباب لم يكن مجرد باب مكتب، بل جدارًا يفصل قلبين.
اقتربت منه ببطء، ثم طرقت عليه برفق.
لكنها سمعت صوت رنيم الغاضب من الداخل يقول:
"قولت مليون مرة محدش يخبط عليا طول ما انا فى أيدي شغل مهم."
أغمضت ترنيم عينيها للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا وكأنها تستجمع شجاعتها، ثم فتحت الباب ودخلت.
رفعت رنيم عينيها من فوق الأوراق، وما إن رأت من يقف أمامها حتى تغيرت ملامحها فورًا. تلونت عيناها بحمرة الغضب، وألقت بالقلم على سطح المكتب بحدة، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد وقالت بنبرة هادئة لكنها حذرة:
"نعم! خير؟"
ابتسمت ترنيم لها بحب، ابتسامة تحمل كل الشوق الذي خبأته السنوات، وقالت بلطف:
"وحشتيني يا رينو."
أغمضت رنيم عينيها لحظة، ثم فتحتها وهي تتكلم من بين أسنانها بغضب مكبوت:
"انتي ايه يا شيخه، مبتزهقيش، قلتلك مليون مرة، الشويتين دول مش هينفعوا معايا، الحركات دي اخرك كنتي تعمليهم زمان على بابا علشان تشغلي وتخدي مننا، فكك مني علشان أنا لحد دلوقتي محترماكي علشان سنك، بس اقسم بالله لو طولتي معايا اكتر من كده، هتشوفي مني وش تاني خالص."
ابتلعت ترنيم الغصة التي علقت في حلقها. كلماتها كانت كسكاكين صغيرة تغرس في قلبها، لكنها تذكرت العهد الذي قطعته على نفسها، أن تتحمل كل شيء مقابل فرصة واحدة للمسامحة.
قالت أخيرًا بصوت مختنق:
"انتي ليه بعد السنين دي كلها مش قادرة تشوفي الحقيقه كاملة؟ ليه اخده مني موقف رغم انك وقتها كنتي صغيرة، والرؤية عندك محدودة مكانتش واضحه، كام مرة حاولة اوضحلك الحقيقه وانتي رافضه تسمعيها، اديني فرصه واحدة بس يا رنيم، خليني اعوض معاكي كل اللي فاتني."
لكن رنيم ضربت يدها بقوة على المكتب ونهضت فجأة. تقدمت نحوها بعينين مشتعلة وقالت بصوت غاضب:
"أنا بسببك عيشت يتيمة الأب والام، بسببك كنت بشوف دموع امي كل يوم، بسببك، بابا كان بيبعد عننا بالاسابيع وساعات بالشهور، بسببك أنا عيشت متعقدة من الحب والجواز والخلفة، انتي سبب كل حاجة وحشه عشتها، ومش هرتاح غير لما ادفعك تمن كل دمعه وكل فراق أنا عيشتهم."
صرخت ترنيم فجأة، وقد غلبتها دموعها:
"أنا مليون مرة وضحتلك أنا مأخدش ابوكي منك، امك هي اللي جات وخطفته مني، ورغم كده انا اللي جبتكم الحارة علشان تعيشوا معاه ومع اهلك، أنا اللي كنت ببعد علشان يفضل هو معاكم رغم وجع قلبي وحرقته، علشانكم انا اتجوزت راجل مبحبهوش وعيشت معاه لحد دلوقتي، أنا عملت حاجات كتير اوي فى سبيل سعادتكم رغم أن انا جيت على نفسي وعلى قلبي كتير، بلاش تظلميني يا رنيم فكري بقلبك لو مرة واحده بس، مين وانتي صغيرة كان بيجي يخدك فى حضنه؟ أنا اعتبرتك بنتي أنا، من كتر ما كنتي شبهي فى كل حاجة، والحقيقه اللي انتي مش هتقدري تنكريها انك حتى فى الشكل شبهي، كفاية قسوة قلب يا رنيم وارجعي تاني لحضني."
لكن رنيم لم تتأثر، ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وقالت باستهزاء:
"ايه لدرجاتي وحشك حضن بابا عايزة تحسي فيا؟"
ثم اقتربت منها أكثر وهمست بصوت مخيف:
"بتحلمي، حضنك ده لو أخر حضن فى الدنيا وفيه حياتي، هيكون الموت اهون من اترمي فيه، اطلعي بره وياريت مشوفش وشك هنا تاني، علشان هيكون تصرفي معاكي المرة الجايه صعب انك تتحملي."
انخفض رأس ترنيم قليلًا، لكن صوتها خرج ثابتًا رغم الاختناق:
"مش هييأس يا رنيم ولاخر نفس فيا هفضل احاول معاكي علشان تسامحيني."
ثم استدارت ببطء وخرجت من المكتب.
ما إن أُغلق الباب خلفها حتى اشتعل الغضب داخل رنيم كالعاصفة.
أمسكت القطعة الرخامية الصغيرة المنقوش عليها اسمها، وألقتها بعنف نحو الباب، فاصطدمت به بصوت حاد.
ثم عادت إلى مقعدها، تحاول التقاط أنفاسها الغاضبة، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنف.
وبعد لحظات طويلة من الصمت، أجبرت نفسها على الهدوء، ثم أعادت نظرها إلى الأوراق أمامها، وعادت تتابع عملها وكأن شيئًا لم يحدث، بينما في داخلها كانت حرب كاملة ما تزال مشتعلة.
*****************************
في مكان آخر…
داخل مكتب فخم تكسوه الصرامة قبل الفخامة، جلس رجل في أوائل عقده الرابع خلف مكتبه العريض، يحيط به صمت ثقيل، ملامحه الصلبة كانت كفيلة بأن تعلن أن هذا الرجل لا يعتاد الخسارة، ولا يتقبل فكرة أن يسلب منه شيء اعتبره يومًا حقًا خالصًا له.
عينيه الداكنتين كانتا مثبتتين على الأوراق الملقاة أمامه، لكن النار التي تشتعل في أعماقه كانت أوضح من أن تخفى، وفجأة، ارتفعت يده بقوة وارتطمت بسطح المكتب ضربة جعلت الصمت يتشقق حوله، قبل أن يصدح صوته الغاضب في أرجاء المكان:
"يعني ايه شركة الدسوقي هي اللي اخدت المناقصة، مش المفروض انها كانت بتاعتنا؟"
وقف الموظف أمامه متوترًا، وقد بدا واضحًا أن الوقوف في مواجهة هذا الرجل ليس بالأمر الهين. بلع ريقه بصعوبة ثم أومأ برأسه مؤكدًا، محاولًا شرح الموقف دون أن يزيد من اشتعال الغضب الماثل أمامه.
"أيوة المفروض انها بتاعتنا، بس الباشمهندسه رنيم، دخلت واخدتها حاولنا معاها بس هي صممت انها تخدها وقالت، ملهاش دعوة بالاتفاقيات دي، هي ليها مصلحة شركتها وبس، المناقصة دي تلزمها."
ساد صمت ثقيل للحظة.
لكن تلك اللحظة كانت كافية ليتحول الصمت إلى عاصفة مكتومة، شد قبضته بقوة حتى برزت عروق يده، بينما ارتسمت على وجهه ملامح غضب بارد، ذلك النوع من الغضب الذي لا يصرخ كثيرًا، لكنه حين ينفجر يترك خلفه خرابًا لا يرمم بسهولة.
رفع نظره ببطء، وعيناه تلمعان بتحدي واضح، قبل أن يقول بنبرة مشدودة:
"هي الشغلانه هتعيل ولا أيه، أنا ليا كلام مع جوز عمتها يتصرف معاها."
مد يده نحو الهاتف فوق المكتب، والتقطه بحركة حاسمة، وكأن القرار قد اتخذ بالفعل، ضغط على الرقم الذي يحفظه عن ظهر قلب، وانتظر بضع ثواني فقط قبل أن يأتيه الرد من الطرف الآخر.
لم يمنح الطرف الآخر فرصة حتى للتحية، فقد اندفع صوته الغاضب مباشرة عبر الهاتف:
"ينفع شغل العيال ده يا باشمهندس حسام، يعني معروف أن المناقصة دي تخصنا تيجي الباشمهندسه رنيم تاخدها مننا."
على الجانب الآخر، جاء صوت حسام هادئًا، يحاول امتصاص حدة الغضب التي يعرفها جيدًا:
"أنا آسف يا استاذ شاهين، أكيد حصل ده بدون قصد من رنيم."
لكن تلك الجملة لم تفعل سوى أن أشعلت شيئًا آخر داخل صدره.
ابتسم ابتسامة باردة خالية من أي دفء، قبل أن يرد بصوت منخفض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا:
"لا بقصد يا باشمهندس، وبعتت كمان رسالة مع رجالتي، عايزك بس تعرفها أن اللعب مع شاهين الرواي، آخرته وحشه أوي، والمناقصه دي لو مرجعتش تاني لينا هيكون ليا كلام تاني معاكم."
لم ينتظر ردًا آخر.
أنهى الاتصال بحركة حادة وألقى الهاتف على المكتب أمامه، ثم أمال رأسه قليلًا إلى الخلف وهو يحدق في الفراغ أمامه، وكأن صورة تلك المرأة التي تجرأت على تحديه بدأت تتشكل في ذهنه، رنيم.
الاسم مر في رأسه كشرارة صغيرة، لكنها كانت كافية لتوقظ فضولًا لم يشعر به منذ زمن.
اقترب قليلًا من حافة المكتب، وأسند مرفقيه عليه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ابتسامة رجل اعتاد أن يحول الصراعات إلى ألعاب، لكنه دائمًا يحرص أن يكون هو الفائز في نهايتها.
ثم قال بصوت منخفض يحمل قدرًا واضحًا من التحدي:
"خلينا نلعب يا صغير، ووريني اخرك ايه."
رفع يده بعدها بإشارة مقتضبة نحو الرجال الواقفين في المكتب.
كانت إشارة صامتة لكنها مفهومة جيدًا.
فانسحب الجميع فورًا إلى الخارج، وأغلق الباب خلفهم بهدوء، تاركين شاهين الراوي وحده داخل المكتب، بينما عينيه لا تزالان تلمعان بذلك البريق الخطر.
بريق رجل لا ينسى من يتحداه، ولا يسمح لأحد أن ينتزع شيئًا من يده دون أن يدفع الثمن.
*************************
سمعت رنيم طرقات خفيفة على باب مكتبها، فرفعت رأسها عن الأوراق المتناثرة أمامها، وزفرت بضيق واضح. كان التوتر يملأ أعصابها منذ الصباح، وكأن اليوم قد قرر أن يختبر صبرها إلى آخر حدوده، مررت يدها فوق جبينها ثم قالت بنفاذ صبر:
"انتوا فيه ايه النهاردة، مش هعرف اشوف شغلي ولا أيه؟"
انفتح الباب ببطء، وظهرت رأس جواهر من خلفه، وعيناها تلمعان بمكر طفولي وهي تقول بمزاح:
"حتى انا يا رينو، ممنوع ادخل؟"
في لحظة تبدلت ملامح رنيم، اختفى ذلك الجمود الحاد الذي يكسو وجهها في العمل، وحل محله غضب مصطنع، بينما ضغطت على أسنانها وهي تقول بتهكم واضح:
"بنت عمتي النشيطه والشاطرة، اللي بتيجي قبل الكل، وتمشي اخر واحده تعالي ادخلي تعاليلي."
ابتسمت جواهر ابتسامة متوترة، وتحركت إلى الداخل بخطوات حذرة، وكأنها تسير فوق حقل ألغام، ثم قالت بصوت مرتعش:
"قبل ما تقولي حاجه، ولا تمدي ايدك عليا أسمعيني الأول، بليززز."
نهضت رنيم ببطء شديد من خلف مكتبها. حركتها الهادئة تلك كانت أخطر بكثير من أي غضب صريح، ثم أومأت برأسها وقالت ببرود:
"قولي قولي بسمعك."
لكنها قبل أن تقترب منها أكثر، تحركت نحو الباب وأغلقته بإحكام، بل وأدارت المفتاح في القفل وأخذت المفتاح بجيبها.
تجمدت جواهر للحظة، واتسعت عيناها وهي تراقب يد رنيم وهي تدير المفتاح، فابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تبدأ حديثها بسرعة متلعثمة:
"احم، هو أنا كنت جايه فى أمان الله، قوم أيه بقى أخبط وش فى عربية شاب حلو وقمور، قوم أيه بقى يغلط فى ست الوالدة، وكله إلا الأم يا رينو، الادرينالين وصل لأقصى مرتفعاته، روحت مشغلة شخصية، الكاتعه، وضربته، بس ايه بقى هيرو قلبي حضر وعجن أمه، قوم أيه أتعصب عليا، قوم أيه، زعلت وعيط، قوم أيه أبن اللذيذه ثبتني، وبقى شكلي وحش أوي، قوم أيه، ضعفت وقعد أسبله، قوم أيه."
لم تكمل جملتها، إذ اندفعت رنيم فجأة نحوها بسرعة خاطفة، وصرخت بغضب وهي تركض باتجاهها:
"قوم ايه بقى، هطلع روحك بأيديا دول."
صرخت جواهر وضحكت في الوقت نفسه، وقفزت سريعًا فوق المقعد ثم اعتلت سطح المكتب بخفة مدهشة، وقفت فوقه وهي ترفع ذقنها بتحدي وتقول بابتسامة واسعة:
"أهدي يا بت المجنونة، عارفه أنك بلطجيه وتعمليها، يا بنت سلطان الدسوقي."
تقدمت رنيم خطوة أخرى، وعيناها تشتعلان بضيق واضح وهي تقول بحدة:
"أنزلي يا مجنونة، ده مكان أكل عيش مش لعب وهزار."
لكن جواهر لم تتراجع، بل تعالت ضحكاتها أكثر وهي تقول بتحدي طفولي:
"مش نازلة ولو أنتي قدها أطلعيلي فوق."
ضغطت رنيم على أسنانها، ومررت يدها في شعرها بعصبية قبل أن تقول بنفاذ صبر:
"جوواهر بتكلم بجد، انزلي يلا خليني اشوف شغلي."
لكن جواهر قفزت فوق المكتب مثل طفلة عنيدة، وهزت رأسها بإصرار وقالت:
"لا مش نازلة وريني هتوصلي ليا ازاي."
أغمضت رنيم عينيها لحظة قصيرة، وكأنها تحاول السيطرة على أعصابها، لكن فجأة، وبدون أي تحذير، قفزت إلى الأعلى بحركة سريعة، وانقضت عليها فوق المكتب مثل صياد يطارد فريسته.
ثم قالت بتحدي وهي تمسك بذراعها:
"وريني بقى هتعرفي تهربي مني ازاي؟"
تعالت ضحكات جواهر أكثر، وقالت بمزاح وهي تحاول الإفلات منها:
"احنا اسفين يا صلاح، بهزر يخربيت عرق الحارة اللي بيجري فى دمك ده."
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انفتح الباب.
وقف حسام عند العتبة وهو ممسك المفتاح بيده، وقد تجمدت ملامحه من الصدمة وهو يرى المشهد أمامه.
رنيم فوق المكتب تمسك بجواهر، وجواهر واقفة فوق المكتب كأنها فوق مسرح للعرض.
ساد صمت ثقيل للحظات، تنحنحت رنيم بخجل واضح، ثم هبطت بسرعة من فوق المكتب، وأخفضت رأسها نحو الأرض بتوتر شديد.
أما جواهر، فظلت واقفة فوق المكتب، وحدقت في حسام بتوتر قبل أن تقول محاولة إنقاذ الموقف:
"طبعًا لو قلتلك أن ده مجرد هزار ولعب عيال عادي، هتنفخنا صح؟"
اشتدت ملامح حسام غضبًا، وضغط على أسنانه قبل أن يقول بحدة:
"انتوا هتفضلوا مستهترين كده لحد امتى؟ معندكمش ايه احساس بالمسؤولية، هتفضلوا شوية عيال تافهه."
تقدمت رنيم خطوة للأمام، ورفعت رأسها قليلًا وقالت بصوت خافت مليء بالاحترام:
"أنا اسفه حضرتك، عارفه أني غلطانة وبوعدك أن اللي حصل ده مش هيتكرر تاني."
رفع حسام نظره إلى الأعلى حيث تقف جواهر، وقال بنفاذ صبر:
"هتفضلي متعلقه فوق كده شبه القرود كتير؟"
كادت ضحكة تفلت من شفتي رنيم لكنها كتمتها بصعوبة.
قفزت جواهر أخيرًا إلى الأرض، واقتربت من والدها بسرعة، ثم وضعت قبلة سريعة على خده وقالت وهي تركض نحو الباب:
"أحبك يا أبيض أنت يا عرسي."
ثم خرجت مسرعة وأغلقت الباب خلفها.
هز حسام رأسه بضيق، ثم أعاد نظره إلى رنيم، واتجه ببطء نحو المقعد وجلس عليه قبل أن يقول بنبرة غاضبة:
"ايه اللي انتي عملتيه ده؟"
رفعت رنيم نظرها إليه، وقالت بأسف واضح:
"أنا اسفه حضرتك أول وآخر مرة، حضرتك عارف جواهر بتحب تقلب أي مكان هزار وضحك."
لكن حسام هز رأسه بالنفي وقال بجدية:
"أنا مش بقول على اللي حصل دلوقتي، أنا بقول على المناقصة بتاعة، شاهين الرواي."
تبدلت ملامح رنيم فورًا، اختفى الإحراج، وحل محله غضب واضح، فقالت بحدة:
"ده راجل بجح، مفكر نفسه حاجه، ويقدر يتحكم فى السوق، أنا اخد منه المناقصه دي قرصة ودن ليه علشان ميدخلش فى أي حاجه متخصهوش."
أغمض حسام عينيه بغضب، ثم صرخ فجأة:
"أنتي غبيه مش بتفهمي، الشغل ده ليه أصول، وكل واحد عارف دوره كويس، أنتي بحركتك دي هنخسر كتير، ومقدرش أفتح بؤقي، أمال كنت بعلم فيكي أيه طول السنين اللي فاتت دي؟"
ارتجف صوت رنيم قليلًا وهي تقول:
"يا أنكل حسام أفهمني، شاهين الرواي ده مش سهل، المناقصة اللي كان عايز يخدها دي، من أكبر المناقصات، والصراحه شركتنا أحنا أولى بيها، وهو يخبط راسه فى الحيط، ملوش حاجه عندنا."
لكن حسام ضرب المكتب بيده بقوة وهو يقول:
"يا بنتي أفهمي أنتي، أحنا كده هنخسر مناقصتين وراه بعض وهيخدها شاهين الرواي، ومنقدرش نفتح بؤقنا، لأن ده عقاب اللي ياخد مناقصة مش بتاعته ويكون دور غيره، وأحنا محتاجين معدات كتير الفترة الجايه، ومعنى أننا نخسر المناقصتين، هيقف خطوط الانتاج، شوفتي حركة طايشه منك هتخسرنا قد أيه؟"
لكن رنيم هزت رأسها بعناد وقالت:
"مش هيحصل، والمناقصات بتاعتنا هنخدها فى ميعادها غصب عن الكل."
أغمض حسام عينيه مرة أخرى، وكأنه يحاول كبح غضبه قبل أن ينفجر أكثر، ثم قال:
"يا رنيم افهمي، كده هنفتح علينا حرب أحنا مش قدها، بعد كده حسك عينك تتصرفي من دماغك فاهمه؟ وأنا هحاول أصلح اللي أنتي عملتيه."
نهض من مكانه وأتجه نحو الباب.
لكن صوتها أوقفه فجأة:
"أنكل حسام حضرتك ليك غلاوة خاصه فى قلبي، وأنت اللي ربتني وعلمتني كل حاجه، بس أنا أسفه، مش هسمح لحضرتك، تنزل من قيمتنا علشان واحد زي ده، المناقصات هنخدها فى وقتها غصب عن الكل، واللي مش عجبه يخبط راسه فى الحيط."
استدار إليها ببطء، نظر إليها طويلًا، نظرة رجل عنده خبره بالحياة أكثر مما ينبغي، ثم قال بصوت هادئ يحمل ثقل السنوات:
"أنتي لسه فى أول الطريق يا رنيم، وحماس الشباب ده هيضيع كل حاجه أنا تعبت فيها، وحافظت عليها طول السنين دي علشان المسؤوليه اللي أبوكي سابها ليا أمانة فى رقبتي، بلاش تدخلينا فى طريق آخره سد."
ثم فتح الباب وخرج، تركها وحدها في المكتب.
وقفت رنيم في مكانها للحظات، ثم رفعت رأسها بتحدي واضح وهمست بصوت غاضب:
"لا عاش ولا كان اللي يكسر رقبة رنيم سلطان الدسوقي، ويا أنا يا انت يا شاهين."
عادت بعدها إلى مكتبها ببطء، وجلست خلفه مرة أخرى، وبدأت تراجع الأوراق أمامها، لكن عقلها لم يكن مع العمل.
بل كان يدور حول اسم واحد فقط.
"شاهين الراوي".
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني 2 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني
كانت أروى تجلس على المقعد الجلدي المقابل لمكتب خالها تامر، لكنها لم تبدو مرتاحة أبدًا، كانت تتحرك في مكانها بقلق خفيف، تعبث بأصابعها أحيانًا، وأحيانًا أخرى تنفخ الهواء من صدرها في زفرات ضيق متلاحقة، بدا التذمر واضحًا على ملامحها، وكأن ضيقًا خفيًا يضغط على صدرها منذ فترة طويلة.
رفعت عينيها أخيرًا نحو خالها، وقالت بصوت اختلط فيه الضجر بالاختناق:
"انا زهقت يا خالو، حياتي ما بين مصر وتركيا، مافيش تغير خالص، والدراسه مطلعه عيني طلبت منهم اسافر مع البنات صحباتي وهما مش راضين، كلمهم انت يا خالو بليزز."
لم يتفاجأ تامر كثيرًا بانفعالها، بل تأملها لحظة بنظرة تحمل مزيجًا من الحنان والتسلية، ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة قبل أن يجيبها بروح ساخرة معتادة:
"يا اختي اتنيلي وتوكسي، ده تلت تربع بنات مصر هتموت وتروح تركيا، وانتي جايه تقولي زهقانه منها، احمدي ربنا انك عندك بلد تانيه بتروحي وتيجي عليها."
مدت أروى شفتيها للأمام في حركة طفولية، وكأنها تعلن احتجاجها الصامت على سخريته اللطيفة، ثم قالت بتذمر واضح:
"يا خالو أنا بتكلم بجد، أنا عايزة أسافر مع صحباتي بأي طريقة."
عندها ضيق تامر عينيه قليلًا وهو ينظر إليها بتفحص، لم يكن حديثها عاديًا في نظره، فقد التقط حدسه شيئًا خفيًا خلف إصرارها المفاجئ، مال بجسده قليلًا إلى الأمام، وسألها بنبرة يغلب عليها الشك:
"بت انتي، الموضوع ده فيه أن، تعالي معايا على الدوغري وقولي ايه موضوع السفر ده؟"
شعرت أروى للحظة أن نظرته اخترقت ما كانت تحاول إخفاءه، توترت ملامحها فورًا، وانعقد لسانها للحظة قصيرة قبل أن تبتلع ريقها بصعوبة وتقول محاولة إخفاء ارتباكها:
"م مافيش يا خالو، د ده سفر عادي ويك أند."
نهض تامر من خلف مكتبه ببطء، وكأن القرار قد اتخذ داخله بأن هذا الحديث لن ينتهي بسهولة، تقدم نحوها بخطوات هادئة، ثم جلس على المقعد المقابل لها مباشرة، كان قربه المفاجئ كافيًا ليزيد من توترها.
نظر إليها بعينين هادئتين تحملان دفئًا أبويًا واضحًا، ثم قال بصوت منخفض لكنه عميق:
"زمان واحنا شباب قدك، كنا اخدين الدنيا ببساطة، كل حاجة مباحة حتى الغلط كان حلو فى عيونا، لحد ما الدنيا فؤقتنا بقلم على وشنا، فتح عنينا، بس للاسف وقتها فضلت تخدنا من حتة ترمينا فى حتة تانيه، ومن قلم لقلم اشد ومن وجع لوجع اكبر، وقتها بس فؤقنا وعرفنا أن الدنيا عمرها ما بتيجي بلوي الدراع، الدنيا عايزة المسايسة، عايزة عقل صاحي وقلب نضيف، فؤقنا بس للاسف الوقت كان اتأخر اوي، أنا بقولك الكلام ده ليه؟ علشان تعرفي، أن لو اهالينا قالوا لا على حاجة، ده لأنهم اتعلموا كتير أوي من تجارب الحياة، وشايفين اللي أنتي مش شايفه، خوفهم ده ناتج عن مصاعب عدوا بيها، وخطر كبير خسرهم أعز ما يملكوا، علشان كده، مش عايزك تزعلي ولا تتذمري، على رفضهم ده، لانك انتي اكتر واحدة عارفه، أن السفر ده وراه حاجه غلط، لأنها لو صح كنتي قولتيها ومخبتهاش."
ساد صمت قصير بعد كلماته، كأنها تركت أثرًا ثقيلًا في الجو بينهما.
ابتلعت أروى ريقها مرة أخرى، وقد شعرت بأن الكلمات أصبحت أثقل في حلقها، كان واضحًا أن المقاومة لم تعد مجدية، خفضت عينيها قليلًا، ثم قالت بخجل متردد:
"ب بص يا خالو، أنا مش هكدب عليك، أنا بحب واحد زميلي فى الجامعه، وهو كمان بيحبني، وهيطلع الرحلة دي مع مجموعة من أصحابنا، وفيه بنت عينيها عليه، ودي هتطلع معاهم، وانا لو مروحتش معاهم، خايفه البنت دي تستغل الفرصه وتقرب منه."
لم يبد على تامر أي انزعاج من اعترافها، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل شيئًا من الرضا، بدا وكأنه كان يتوقع الأمر منذ البداية. قال لها بنبرة عاقلة هادئة:
"طيب انا مش هقولك انتوا لسه صغيرين، ولا انتبهوا الاول لدراستكم، ولا الكلام الممل ده، هسألك سؤال، وعايزك تجاوبيني بصراحه."
هزت أروى رأسها موافقة وهي تقول:
"اوك أسأل يا خالو."
اعتدل تامر في جلسته قليلًا، ثم نظر إليها نظرة طويلة فاحصة قبل أن يسألها:
"ايه اخرت الحب ده؟ يعني ايه الخطوة اللي انتوا رسمتوها مع بعض؟"
بدت الحيرة واضحة على ملامحها، وكأن السؤال جاء أبعد مما كانت تفكر فيه، قالت ببساطة صادقة:
"عادي يا خالو اكيد هنستنى لما نتخرج وبعد كده هيجي يتقدم ليا."
أومأ تامر برأسه بتفهم، لكنه لم يكتفي بذلك، بل عاد يسألها بنبرة أكثر عمقًا:
"طيب القرار ده اخدوا مع بعض ولا ده أستنتاج منك بس؟"
هزت كتفيها بلا مبالاة خفيفة وقالت:
"لا متكلمناش فى الخطوة دي بس اكيد ده اللي هيحصل."
ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، ابتسامة رجل وصل إلى ما كان يبحث عنه بالفعل، أرجع ظهره إلى المقعد قليلًا ثم قال:
"مش كل كلمة أنا معجب بتتقال، معناها عايز يجي يتقدم، لا خالص في كتير اوي من الشباب بتسخدمها علشان توصل للبنت اللي عجبته، علشان يقضي معاها يومين حلوين ويكون الواد الروش اللي عرف يثبت واحده حلوة شبهك، بس وقت الجد، تلاقيه طار وهرب، علشان كده أنا سألتك، الشاب الكويس مش هيروح لبنت من وراه أهلها ويقولها أنا معجب بيكي وبحبك، ولا يطلب منها تسافر معاه هنا ولا تروح تسهر معاه هنا، الكويس المحترم، هو اللي هيحافظ عليكي حتى من نفسه، علشان وقت ما تبقى ليه، تكوني أعظم انتصاراته ويعيش طول عمرة بيحترمك وبيحبك لانه بيبقى عارف، انك انتي مكافأة ربنا ليه."
استمعت إليه أروى باهتمام، بينما كان صوته يحمل حكمة رجل خبر الحياة طويلًا، وكان واضحًا أنه يحاول أن يفتح عينيها على أشياء لم تفكر بها من قبل.
وبعد أن انتهى، رفعت رأسها إليه وسألته بتردد صادق:
"طيب اعرف منين إذا كان بيحبني بجد، ولا بيقضي وقت وخلاص يا خالو؟"
ابتسم تامر بلطف، ثم مال قليلًا نحوها وأمسك يدها بحنان أبوي واضح قبل أن يقول بهدوء:
"اولا نستنى شوية لحد حتى ما نتخرج، ثانيا الشخص الكويس بيبان من نظراته، على طول لما يشوفك ينزل عينه فى الارض، وثالثا، نصاحب ماما ونقولها كل حاجه اول بأول، هي أقرب صديقه ليكي واكتر حد هيخاف عليكي، وهتلاقيها على طول عندها نظرة مستقبلية لأي شخص يقرب منك."
لكن أروى لم تستطع الاحتفاظ بجديتها طويلًا، إذ زفرت بضيق طفولي وقالت:
"طيب وميرو كده خلاص بح؟"
انفجر تامر ضاحكًا، حتى كاد صوته يتقطع من الضحك وهو يقول:
"بذمتك فيه واحده تحب واحد اسمه ميرو؟ ده اسم مايع اوي يا بنتي، وبعدين يعني ده مش منظر واحده بتحب واحد، ده انتي شكلك ما صدقتي لاقيتي سبب علشان تبعدي عنه."
حركت أروى عينيها بطريقة كوميدية ثم قالت ببساطة:
"الصراحه اه."
استمر الضحك بينهما لحظات قصيرة، قبل أن يقطعه صوت طرقات خفيفة على الباب. اعتدل تامر فورًا في جلسته، وعادت الجدية إلى ملامحه وهو يقول:
"ادخل."
انفتح الباب ببطء، ودخل شاب في منتصف الثلاثينات، كانت خطواته واثقة، لكن ما إن وقعت عيناه على أروى حتى خفض بصره فورًا باحترام واضح، ثم قال بصوت رجولي هادئ:
"أنا ماشي يا تمور عايز حاجة؟"
ابتسم تامر وأشار إليه أن يقترب، ثم قال معرفًا:
"تعالى لما اعرفك على بنت اختي، وزي بنوتي بالظبط."
وأشار إلى أروى قائلاً:
"دي أروى، بنتي وصحبتي واجمل حاجه حصلتلي."
ثم أشار إلى الشاب:
"وده أحمد اخو المدام، لسه راجع من امريكا بقالة اسبوع وناوي يستقر هنا بقى، وهيشتغل معايا هنا فى الشركة."
ابتسمت أروى له ابتسامة ترحيب لطيفة وقالت:
"اهلا وسهلا يا استاذ احمد."
رفع أحمد نظره نحوها للحظة قصيرة، ثم أنزلها سريعًا وقال:
"اهلا يا انسه أروى، بس بلاش استاذ احمد دي، خليها احمد على طول."
ابتسمت أروى واستقامت في جلستها قليلًا وهي تقول بخفة:
"اوك يا احمد، اتفقنا أنا أقولك يا احمد وانت تقولي يا انسه أروى."
ابتسم أحمد على كلماتها وأومأ برأسه قائلاً:
"اوك، موافق."
ثم نظر إلى تامر وقال:
"هروح انا بقى يا تمور، سلام."
لكن تامر أوقفه سريعًا قبل أن يتحرك:
"استنى يا ابو حميد خد أروي وصلها معاك بالمرة."
اتسعت عينا أروى بصدمة واضحة وهي تقول:
"نعم!! طيب ما أنا معايا عربيتي."
لكن تامر كان قد حسم الأمر بالفعل.
استقام تامر في وقفته وعدل ملابسه قليلاً ثم قال:
"لا ما أنا هخدها اروح بيها مشوار."
رفعت أروى إحدى حاجبيها بدهشة وقالت:
"والله! ما انت معاك عربيتك."
هز رأسه نافياً وقال:
"العربيه عند الميكانيكي، ولسه هتوصل بليل."
زفرت أروى بتذمر طفولي وقالت:
"على فكرة انت خال أستغلالي، بس ماشي هعديها علشان بحبك."
ثم تحركت أمام أحمد بخطوات خفيفة وقالت:
"يلا يا ابو حميد."
اتسعت عينا أحمد بصدمة وقال:
"ابو حميد مرة واحدة!"
لكن ضحكاتها الشقية سبقت رده، فقد خرجت بالفعل من المكتب وهي تضحك.
تابع تامر المشهد مبتسمًا، ثم قال لأحمد قبل أن يغادر:
"خلي بالك منها يا أحمد معلش هتعبك معايا."
ابتسم أحمد بثقة هادئة وقال:
"متخافش عليها هوصلها لحد بيتها جوة واتأكد أنها دخلت كمان، احنا اخوات مافيش ما بينا الكلام ده، يلا سلام."
غادر بعدها وأغلق الباب خلفه.
ظل تامر لحظة ينظر نحو الباب الذي خرجا منه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة تفكير هادئة، ثم تمتم لنفسه:
"لايقين على بعض اوي، يا سلام لو حصل اللي فى دماغي، هطمن على البت دي للأبد."
تنهد بعدها ببطء، وعاد إلى مقعده خلف المكتب، مستأنفًا عمله، لكن ملامح وجهه ظلت تحمل أثر فكرة لم تغادر ذهنه بعد.
***************************
خرجت رنيم من مكتبها بخطوات سريعة متوترة، وفي اللحظة نفسها التي خرجت فيها ترنيم وسمية من الجهة المقابلة.
كان الغضب يشتعل داخل صدرها كجمر مخبىء تحت الرماد، أغمضت عينيها لثواني، تحاول أن تضبط أعصابها قبل أن تنفجر، ثم فتحتها مرة أخرى وهي تتجه مباشرة نحو المصعد الكهربائي، وكأنها تهرب من المكان كله، لكن قبل أن تصل إليه، جاءها صوت جواهر من خلفها.
توقفت رنيم فجأة، زفرت بضيق واضح، ثم استدارت ببطء وهي تقول بنفاذ صبر:
"عايزة ايه يا بلوة؟"
وضعت جواهر يدها على صدرها بتمثيل مبالغ فيه، وكأنها تلقت طعنة في قلبها، ثم قالت بمزاحها المعتاد:
"اخص عليكي يا رينو بقى أنا بلوة؟ طيب لعلمك بقى المكان اللي بكون فيه بيبقى كله بهجه."
لكن رنيم لم يكن لديها أدنى استعداد لتحمل مزاح أحد في تلك اللحظة.
زفرت مرة أخرى بضيق أشد، وقالت بحدة خفيفة:
"أخلصي عايزة ايه؟"
رمشت جواهر بعينيها باستغراب وقالت:
"رايحه فين يا بنتي مش هنروح سوا؟"
توقفت نظرات رنيم للحظة عند ترنيم الواقفة بجانب سمية، انقبض صدرها فجأة، وصعدت مرارة قديمة إلى حلقها.
ثم قالت بصوت مختنق حاولت إخفاء ما فيه من ألم:
"لا هروح اي مكان لحد ما البيت ينضف."
التقطت جواهر المعنى فورًا.
نظرت خلفها، رأت ترنيم واقفة بجوار سمية، وعيناها معلقتان برنيم بحزن واضح.
تنهدت جواهر، ثم عادت تنظر إلى رنيم قائلة بلوم هادئ:
"عيب يا رنيم، دي مهما كان ست كبيره فى مقام مامتك، وبعدين والله العظيم الست دي اطيب قلب قابلته فى حياتي، ومشحطفه قلبها على كلمة واحده منك، انسي يا رنيم، خالو سلطان لو كان عايش لحد دلوقتي مكانش هيقبل باللي انتي بتعملي فيها ده."
في لحظة، اشتعل الغضب داخل عيني رنيم كالنار.
ضغطت على أسنانها بقوة، وقالت بنبرة تحذيرية حادة:
"جواهر إياكي تقولي أن الست دي فى مقام امي، أنا ماما كانت أشرف منها مليون مرة واستحملت منها كتير، أنتي بتحامي عنها علشان ننوس عين امه، انتي حرة بس بعيد عني، علشان اقسم بالله هنسي حتى القرابه اللي ما بينا وهعتبرك عدوتي مش اختي، فاهمه؟"
أنهت كلماتها بحدة، ثم استدارت فورًا قبل أن تسمع أي رد.
دخلت المصعد، وضغطت الزر بعصبية.
وأبوابها انغلقت ببطء، بينما صدرها يعلو ويهبط من شدة الغضب.
وقفت جواهر مكانها لثواني وهي تهز رأسها بنفاذ صبر، ثم عادت إلى حيث تقف سمية وترنيم.
ابتسمت لهما ابتسامة متوترة وقالت محاولة تغيير الجو:
"الكلام على ايه؟ هنروح على الفيلا ولا هنستنى قرة عيني؟"
هزت سمية رأسها بعدم رضا، وقالت بنبرة فيها تعب واضح:
"من كتر ما أنا عيبت عليكي، بنتي طالعة نسخه منك زمان ترنيم برو ماكس، هتجبلي جالطة من بجاحتها."
ابتسمت ترنيم ابتسامة باهتة، لكن الألم كان واضحًا في عينيها.
ثم قالت بصوت خافت يحمل وجع السنين:
"ربنا يباركلك فيها، ويجعل أيامها احسن من ايامي وما تشوف اللي انا شوفته، ربنا ما يكتبها عليها ولا عليا."
فهمت سمية مقصد كلامها فورًا، اختنق قلبها بذكرى أخيها سلطان، ذلك الغياب الذي ما زال يترك فراغًا لا يملأ.
تجمعت الدموع في عينيها وقالت بصوت مرتعش:
"ربنا يرحمك يا حبيبي وحشني أوي."
انزلقت دمعة صامتة على خد ترنيم وهي تقول:
"سلطان وحشنا كلنا يا سمية، ربنا يصبر قلوبنا على فراقه."
وقبل أن يغرق المكان في الحزن أكثر، تدخلت جواهر بطريقتها المعتادة، وهي تقول بتأفف تمثيلي:
"تصدقوا؟ هتصدقوا إن شاءالله، انتوا عيلة نكد ومعندكمش اتيكيت الحزن ابدا، ربنا يبعد عننا امينه شلباية وما يشمتها فينا."
ابتسمت سمية رغم حزنها، وترنيم أيضًا ضحكت بخفة.
ثم قالت ترنيم بمزاح وهي تنظر لجواهر:
"انتي عارفه، أنا خايفه عليكي من ابني مرة تعصبي، يطلع روحك بأيديه."
وقفت جواهر بثقة مبالغ فيها، وعدلت ملابسها وكأنها تستعرض قوتها، ثم قالت:
"لا لا متقلقيش جواهر مسيطرة، ومماشيه مسطرة."
وفي اللحظة التالية مباشرة، شعرت بضربة خفيفة على مؤخرة رأسها.
وصوت رجولي مألوف يقول خلفها:
"والله!! بقى انتي مسيطرة وممشياني أنا مسطرة؟"
التفتت جواهر بسرعة، وابتسمت بتوتر وهي تقول:
"يا عم أنا لسه كنت هكمل بس انت اللي قطعتني، مسيطرة وممشياك مسطرة بس انت ممشيني برجل ومنقلة وماسح بوش امي الاسفلت، مرضي كده يا سيدي؟"
انفجرت الضحكات حولهم.
اقترب جواد منها وأحاط كتفها بذراعه، وقال بغرور رجولي واضح:
"ايوه كده أتعدلي."
نظرت ترنيم إليهما بابتسامة دافئة، ثم التفتت إلى سمية قائلة:
"بقولك ايه يا سمسمة تعالي معايا نروح مشوار، وسيبي جواهر جواد هيوصلها."
فهمت سمية المقصود فورًا.
ابتسمت بخفة وأومأت برأسها.
ثم دخلت مع ترنيم إلى المصعد، وبدأتا الهبوط إلى الأسفل.
وقفت جواهر تراقب باب المصعد المغلق، ثم قالت وهي ترفع حاجبها بمكر:
"شغل امي وامك ده مكشوف أوي على فكرة، محسسني أننا لسه هنتعرف على بعض."
هز جواد رأسه بنفاذ صبر وقال ساخرًا:
"انتي مستحيل تكوني حب طبيعي، لا انتي عقاب من ربنا، بيخلص بي مني القديم والجديد."
عقدت ذراعيها على صدرها ورفعت حاجبيها بصدمة تمثيلية وقالت:
"بيخلص بيا منك القديم والجديد! اللي هو ايه بقى، انت خنتني يا نهار اسوس يا جواد ما هو معنى كلامك كده، اه يا قلبي يا نايم على ودانك وانا اللي كنت فاكرة نفسي الاولى والأخيرة، مصدومة بجد ومش بنطق ولا عارفه ارد."
وضع جواد يده على وجهه بيأس، ثم أمسكها من ملابسها كما لو كان يقبض على مجرم هارب وقال وهو يجرها معه:
"امشي يا أخرت صبري، امشي."
تحركت معه وهي تتمتم بدلع مبالغ فيه، وتدندن كلمات أغنية:
"يا أبويا كنت منعتني…"
ثم بدأت تمثل البكاء بطريقة كوميدية جعلته يبتسم رغمًا عنه.
وصلا إلى السيارة، فتح الباب، ودفعها إلى الداخل برفق متعمد، أغلق الباب، ثم دار إلى الجهة الأخرى من السيارة.
وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة صغيرة لا يستطيع إخفاءها، وهو يفكر أن جنون جواهر ربما يكون أكثر شيء يحبه فيها.
*************************
تحركت رنيم بسيارتها في الشوارع بسرعة غير معتادة، وكأنها تحاول الهروب من شيء يطاردها داخل رأسها.
كانت أصابعها تضغط على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت مفاصلها، بينما قدمها تضغط على دواسة الوقود بعصبية واضحة.
كلما حاولت تهدئة نفسها، تعود كلمات ترنيم لتدوي داخل عقلها من جديد.
تشد أعصابها، وتوقظ جراحًا قديمة ظنت يومًا أنها دفنتها للأبد.
ازدادت سرعة السيارة، والمدينة تمر أمامها كصور متقطعة بلا معنى.
وفجأة، بدأ شريط حياتها يتحرك أمام عينيها بلا رحمة.
دموع والدتها، ذلك الحزن الذي لم يفارق وجهها لسنوات.
لحظة هجر والدها لهم، حين اختفى من حياتهم وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا منها.
ثم ذلك المشهد الذي لا يغيب عن ذاكرتها أبدًا، لحظة اندفاع والدتها أمام الرصاصة، وأخذتها بدلاً من ترنيم.
ارتجف صدرها بقوة، ظهر أمامها المشهد التالي، وصول والدها إلى المشفى، ملابسه ملطخة بالدماء، وجهه شاحب، وعيناه غارقتان في الذهول.
ثم صرخات عمتها الممزقة للقلب لحظة إعلان الوفاة، ازدادت أنفاس رنيم اضطرابًا.
وفجأة، لم تنتبه إلى أحد المارة الذي ظهر أمام السيارة.
ضغطت المكابح بكل قوتها في اللحظة الأخيرة.
توقفت السيارة بعنف، واندفع جسدها للأمام مع قوة التوقف.
تسارعت أنفاسها بشكل غير طبيعي، كأن الهواء لم يعد يكفي رئتيها.
ظلت لثواني ممسكة بعجلة القيادة، ثم فجأة دفعت باب السيارة بعصبية وترجلت منها.
ركضت بضع خطوات بلا هدف، حتى وصلت إلى أحد المقاعد العامة في الحديقة القريبة.
جلست عليه بسرعة. حدقت أمامها في الفراغ، الدمعة متحجرة داخل عينيها، تأبى النزول.
كأن كبرياءها يمنعها حتى من البكاء.
أغمضت عينيها بقوة، وحركت رأسها بطريقة شبه هستيرية، وكأنها ترفض الواقع الذي تعيشه.
وفي تلك اللحظة، سمعت صوتًا رجوليًا هادئًا يقول بجوارها:
"أحياناً الدموع مش ضعف، بالعكس بتكون قوة، لأنها بتثبت للإنسان أنه لسه على قيد الحياة، وساعات بتكون الدمعه بداية جديدة لمشوار اقوى."
فتحت عينيها بسرعة، والتفتت نحوه بحدة.
نظرت إلى الرجل الجالس بجوارها باستغراب واضح، ثم قالت بغضب:
"مين حضرتك؟ ومين سمح ليك تقعد جنبي وتدخل فى اللي ملكش فيه؟"
ظل صوته هادئًا على عكس غضبها تمامًا، وقال بتوضيح:
"أنا قعد على كرسي عمومي تبع الحكومة، ومن ممتلكات الشعب، يعني مقعدتش على ممتلكاتك الخاصة، وانا مدخلتش فى حاجة أنا بقولك نصيحه وانتي حرة تخدي بيها أو لا."
اتسعت عيناها من الغضب أكثر، وقالت بصراخ:
"انت مين؟ وازاي تتكلم معايا كده؟"
عندها فقط، اعتدل الرجل في جلسته.
وقف ببطء، ليظهر طوله الواضح وبنيته القوية، عدل سترته بهدوء شديد، ثم قال بنبرة متكبرة تحمل ثقة لا تخطئها الأذن:
"أنا شاهين الرواي، اللي انتي اخدي منه حاجة مش بتاعتك."
أغمضت رنيم عينيها بنفاذ صبر.
لكن حين فتحتهما مرة أخرى، لم يعد في ملامحها ذلك الضعف الذي كان قبل لحظات.
تحول وجهها المنهك إلى وجه أكثر صرامة، وقالت ببرود واضح:
"اه انت بتراقبني بقى، دي مش صدفه يعني، عموما أنا اه اخد المناقصة منك وأعلى ما في خيلك اركبه."
اقترب منها شاهين بخطوات هادئة، لكن حضوره كان ضاغطًا بشكل غريب.
ثم قال بنبرة حذرة:
"أنا كل ده بقول عيلة صغيرة وغلطت، وجوز عمتها هيعرف يعقلها، بس واضح كده انك طفلة عنيدة ومحتاجة قرصة ودن."
رفعت رنيم ذقنها بتحدي واضح، اقتربت منه خطوة أخرى، حتى أصبحت المسافة بينهما شبه معدومة.
وقالت بثبات:
"اخبط راسك فى الحيط، ولا تقدر تعمل حاجه."
وفجأة، مد شاهين ذراعه، وأحاطها به بقوة مفاجئة.
جذبها نحوه حتى التصق جسدها بجسده.
ثم قال بصوت منخفض خطير بجوار أذنها:
"أنا مش بخبط راسي فى الحيطة، أنا اخبط راس اللي يتحداني واللي يتشدد ليه كمان، ولو كنتي فاكرة نفسك ذكية وتقدري تحمي شركتك مني، تبقى عبيطة، ومتعرفيش مين هو شاهين الرواي."
لم تتراجع، لم ترتبك، بل اقتربت أكثر، وهمست هي الأخرى بجوار أذنه بتحدي أكبر:
"لا انا أعرف شاهين الرواي كويس اوي، وعارفه اخرك ايه، إنما بقى انت اللي متعرفش مين رنيم الدسوقي ولا تتوقع آخرها ايه، بلاش ثقتك الزيادة فى نفسك علشان هتسوحك."
أنهت كلماتها، ثم دفعته بعيدًا عنها.
وقفت أمامه بثبات،.وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيها.
وقالت بسخرية خفيفة:
"ابقى اقفل شبابيك مكتبك كويس اوي احسن ملفاتك تستهوى."
ثم أشارت له بيدها بإشارة ساخرة.
استدارت، وتحركت نحو سيارتها بخطوات واثقة.
صعدت إليها سريعًا، وأدارت المحرك.
وبعد لحظات، انطلقت السيارة مبتعدة عنه بسرعة.
ظل شاهين واقفًا مكانه يراقب السيارة وهي تبتعد
حتى اختفت تمامًا في نهاية الطريق.
عقد ذراعيه أمام صدره ببطء.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة إعجاب واضحة.
وقال لنفسه بصوت خافت:
"واضح إن اللعب هيبقى ممتع."
أخرج هاتفه من جيبه، وأجرى اتصالًا سريعًا.
انتظر لحظات حتى جاءه الرد.
ثم قال بنبرة حاسمة:
"اجمعلي كل المعلومات اللي تخص الباشمهندسة رنيم وتكون عندي خلال ساعه."
أنهى الاتصال، وأعاد الهاتف إلى جيبه.
ثم تحرك باتجاه سيارته بخطوات هادئة.
لكن عقله كان يعمل بسرعة.
يفكر، كيف سيدخل عالم تلك الفتاة.
الفتاة التي سمع اسمها طوال حياته، أكثر مما سمع أسماء أصدقائه.
دون أن يعلم، أن القدر بدأ بالفعل ينسج خيوط معركة لن يخرج منها أي منهما كما دخلها.
**********************
داخل سيارة أحمد…
كان الليل قد بدأ يمد ستاره فوق الطريق، والأنوار الصفراء المتناثرة على جانبي الشارع تنعكس على زجاج السيارة في خطوط متقطعة، بينما يسود داخلها صمت ثقيل، صمت لا يشبه الهدوء بقدر ما يشبه التوتر المكتوم.
جلست أروى في المقعد المجاور له، جسدها متصلب قليلًا، وكتفاها مرفوعان بتوتر واضح، كانت تزفر بين الحين والآخر بزفرة طويلة وكأنها تحاول إخراج شيء عالق داخل صدرها، شيء أكبر من مجرد ضيق عابر.
كانت قدماها تتحركان بقلق فوق أرضية السيارة، وأصابعها تعبث بحافة حقيبتها في حركة لا إرادية، كل شيء فيها كان يشي بأنها غاضبة، أو ربما مجروحة، أو ربما الاثنين معًا.
أما أحمد فكان يقود بهدوء، عيناه مثبتتان على الطريق أمامه، ويداه ثابتتان على المقود، كان يبدو هادئًا من الخارج، لكن في الحقيقة لم يكن غافلًا عما يحدث بجانبه.
منذ دقائق وهو يتابعها بطرف عينه، يلاحظ تلك الزفرات المتتالية، وحركاتها العصبية، وتعابير وجهها التي تتبدل بين الضيق والتذمر.
كاد يبتسم أكثر من مرة، لكنه كان يحاول كتم ضحكته حتى لا يثير غضبها أكثر.
وأخيرًا، لم يعد قادرًا على تجاهل الأمر.
تنحنح قليلًا، ثم قال بنبرة هادئة فيها شيء من الفضول:
"خير يا انسه أروى فيه حاجه مضايقاكي؟"
التفتت إليه ببطء، نظرة ضيقة، حادة قليلًا، وكأنها كانت تنتظر فرصة لتفرغ ضيقها في أحد.
ثم قالت بلا تردد:
"انت ممل."
تجمدت ملامح أحمد للحظة، واتسعت عيناه بدهشة حقيقية قبل أن يلتفت لها بسرعة.
وقال باستغراب واضح:
"نعم!"
هزت كتفيها بتذمر طفولي، وكأن الأمر بالنسبة لها بديهي جدًا، ثم قالت وهي تعقد شفتيها:
"ايوه ممل، ساكت على طول، عيونك مثبتها على الطريق بشكل مبالغ فيه، ده حتى مش مشغل كاست يطري الجو."
لم يتمالك أحمد نفسه، فضغط على الفرامل قليلًا وأوقف السيارة على جانب الطريق، ثم التفت إليها بالكامل، ينظر لها بوجه يحمل مزيجًا غريبًا من الحيرة والدهشة.
رمش بعينيه مرتين وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه، ثم قال:
"يطري الجو! يعني ايه مش فاهم؟"
تنهدت أروى بنفاذ صبر واضح، وكأنها تتعامل مع طفل بطيء الفهم، ثم قالت وهي تلوح بيدها في الهواء:
"اااه انت هتعيش دور الشاب اللي عايش حياته بأمريكا ومش بيفهم كلام المصريين ويشتغل وات مش وات والمرار الطافح ده، منك لله يا خالو."
رفع أحمد يده إلى وجهه وفرك جبينه قليلًا، ثم مرر كفه فوق ملامحه وكأنه يحاول ترتيب أفكاره قبل أن يتكلم.
هز رأسه ببطء وقال بصدق حقيقي:
"هو أنا مش فاهمك، بس ملوش علاقة إذا كنت عايش فى مصر ولا عايش فى أمريكا، انتي كلامك اصلا مش مفهوم ولا قادر اعرف المشكله عندك فين."
أطلقت زفرة طويلة أخرى، لكنها هذه المرة كانت أثقل.
ظلت تحرك قدميها بتوتر وكأن الطاقة داخلها تبحث عن منفذ، ثم قالت وهي تشيح بوجهها ناحية النافذة:
"امشي يا احمد روحني."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، ابتسامة تحمل قدرًا من التسلية بطفولتها الواضحة.
أدار السيارة من جديد وعاد للطريق، ثم قال بنبرة متعجبة قليلًا:
"يا بنتي انتي ليه محسساني أن فيه ما بينا حاجه ونعرف بعض من سنين؟ ده انا لسه عرفك من نص ساعة."
تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغم ضيقها، وكأن كلماته نجحت في كسر حدة التوتر قليلًا.
تنهدت ببطء ثم قالت بنبرة أكثر هدوءًا:
"سوري بجد، بس انا مضايقه اوي وحاسه أن محدش فاهم دماغي خالص، كله بيتعامل معايا على أني لسه طفلة صغيرة، مش قادرين يقتنعوا أن الطفلة دي كبرت، وبقى ليها شخصية مستقلة، عايزة اكتشف الحياة بطريقتي انا، اشوفها بعيوني مش بعيونهم، انت عارف المشكله انهم شايفين علشان أنا بنت، ممنوع اخرج وارجع فى وقت متأخر، ممنوع اسافر لوحدي، ممنوع اتكلم واهزر مع أي شاب، لازم صوتي يكون واطي، لازم اختار هدومي اللي الناس تشوفني بيها مؤدبة، مش اللي برتاح فيها وبحبها، كل حاجة بحساب لمجرد اني بنت، أما اخويا جواد، مسموح ليه كل حاجة مافيش اي اعتراض على افعالة على خروجه على لبسه، على كلامة على هزاره كل حاجه مباحه لمجرد أنه راجل، ليه التفرقه دي؟ احنا جنسين مختلفين بس عندنا قلب ومشاعر زي بعض، بالعكس أحنا أرق وأطيب من شباب كتير."
خرجت الكلمات من فمها دفعة واحدة، كأنها كانت تتكدس داخل صدرها منذ وقت طويل.
لم تكن مجرد شكوى، بل اعتراف كامل بما يختنق داخل روحها.
وكأنها أخيرًا وجدت شخصًا لا يعرفها جيدًا، ولا يحكم عليها، فسمحت لنفسها أن تتكلم دون قيود.
ظل أحمد صامتًا للحظات.
كان ينظر أمامه للطريق، لكن ذهنه كان معها.
مع ذلك الألم الصادق الذي خرج من كلماتها.
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه، ابتسامة تحمل تفهمًا أكثر مما تحمل سخرية.
وشعر بشيء خفيف يتحرك داخل قلبه، شيء يشبه التعاطف، وربما الإعجاب بصدقها.
اعتدل في جلسته قليلًا، ثم قال بنبرة هادئة:
"يمكن كلامك أكتره صح بس أنتي قولتي الاجابه لكل ده، وإنتي مش حاسه."
التفتت إليه بسرعة، حاجباها معقودان بارتباك، ثم قالت:
"مش فاهمه."
أجابها بهدوء وطريقه سلسة وقال:
"الإجابة هي، علشان انتوا طيبين، كائنات رقيقه، عندهم الرومانسيه شئ أساسي في حياتهم، مش عايزين حاجة غير كلمتين حلوين وشخص يرضي مشاعرها ويشبع رغباتها الرومانسية من كلام حب وغزل، فى المقابل الشباب: مش كلهم بس أكترهم بيتعاملوا ب الغريزة بتاعتهم تفكيرهم شهواني أكتر، وده بيبقى خطر عليكم، علشان كده بتلاقي الأهالي دايما بيخافوا على بناتهم وبيحاولوا يحافظوا عليهم بطريقه تحسوها خانقه شوية، ومش معنى كده أنهم ميربوش الولد ويسيبوه يمشي يأذي فى بنات الناس، بس على الاقل بيبقوا عارفين أن الضرر الناتج عن أفعال الولد أقل حدة من الضرر اللي بيجي من أفعال البنت الغلط، فهمتي كلامي؟"
كانت تنظر إليه بصمت.
لم يكن صوته مرتفعًا، ولا حادًا، بل كان هادئًا بشكل غريب، كأنه لا يحاضرها بل يشرح لها شيئًا من واقع الحياة.
ابتسمت له أخيرًا، وأومأت برأسها بتفهم.
تكلم بصوت رجولي هادئ قائلاً:
"انتي لسه صغيرة قدامك الحياة طويلة، كل يوم هيعلمك درس شكل، بس خدي بالك تتعلمي الدرس من غير خساير، لأن الدنيا مبتعوضش المغفل."
عقدت حاجبيها قليلًا وهي تحاول فهم قصده، ثم قالت:
"انت بتصعبها عليا ليه؟ يعني كل ما احاول افهم، تقول حاجة تتوهني منك تاني."
ابتسم أحمد على كلماتها، ابتسامة خفيفة تحمل صبرًا واضحًا، ثم قال موضحًا:
"ولا بتوهك ولا حاجة، قصدي يعني خلي الدروس اللي تتعلميها من الدنيا، ملهاش مقابل لأن تقريبا هيكون التمن غالي اوي عليكي."
ساد الصمت للحظة داخل السيارة.
لكن هذه المرة لم يكن صمتًا متوترًا، بل صمتًا مريحًا.
ابتسمت له أخيرًا وقالت بصدق:
"شكرا يا ابو حميد، أنا ارتحت جدا لما اتكلمت معاك."
ضحك بخفة ثم قال بنبرة مازحة:
"ابو حميد مرة واحدة، يا بنتي أنا فى مقام اخوكي الكبير أو كمان فى مقام خالك تامر، يعني المفروض تقوليلي يا أبيه."
رفعت أحد حاجبيها إلى الأعلى، ومالت برأسها قليلًا وهي تقول بتذمر طفولي واضح:
"ااايه يا عم الأڤورة دي؟ ده الفرق اللي ما بينا خمستاشر سنه حاجه بسيطه يعني."
ابتسم على شقاوتها، تلك الشقاوة التي بدأت تذكره بأنها رغم كلامها العاقل ما زالت فتاة صغيرة تحمل روحًا خفيفة.
وضع يده على المقود وقال بنبرة رجولية:
"الفرق ده وبسيط؟ ده انا لو كنت اتجوزت وانا في سنك، كان زمان عندي عيل طولك."
عقدت ذراعيها على صدرها وقالت بمزاح:
"طيب الحمدالله انك متجوزتش."
انفجر أحمد ضاحكًا.
ضحكة رجولية صافية خرجت من أعماقه دون تكلف.
وفي تلك اللحظة، شعرت أروى بشيء غريب يحدث داخل صدرها.
انتفض قلبها فجأة، كأنه استجاب لتلك الضحكة دون إذن منها.
ظلت تنظر إليه للحظة أطول مما ينبغي.
تأملت ملامحه وهو يضحك، الطريقة التي تلمع بها عيناه، والثقة الهادئة التي تحيط به، لم تره مجرد رجل أكبر منها.
بل رأت فيه شيئًا آخر لم تستطع تفسيره.
اتسعت عيناها قليلًا عندما أدركت نفسها.
فأدارت وجهها سريعًا نحو النافذة، تتظاهر بالانشغال بمراقبة الطريق.
لكن الحقيقة، أنها لم تكن ترى شيئًا مما بالخارج.
كانت تشعر فقط، بإحساس جديد يتسلل إلى قلبها بهدوء.
***************************
بالمساء…
كان الليل قد بدأ يفرض هدوءه على أرجاء الفيلا الكبيرة، والأنوار الدافئة المنبعثة من النوافذ تعطي المكان مظهرًا ساكنًا من الخارج، لكن خلف تلك الجدران كانت القلوب أبعد ما تكون عن السكون.
عادت رنيم إلى الفيلا بخطوات هادئة، بعد أن تأكدت من مغادرة ترنيم من خلال اتصالها بجواهر.
كانت تسير في الممر الطويل بعينين شاردتين، تلقي التحية على الموجودين بلباقة معتادة، لكن دون أن تتوقف كثيرًا، كأنها تخشى أن يسألها أحد عما يدور داخلها.
كانت ملامحها تبدو طبيعية للوهلة الأولى، إلا أن شيئًا ما في عينيها كان يكشف أن بداخلها عاصفة لم تهدأ بعد.
اتجهت مباشرة إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها ببطء، وكأنها أخيرًا وجدت المساحة التي تستطيع أن تتنفس فيها دون أن يراها أحد.
تقدمت بخطوات ثقيلة نحو السرير، ثم ألقت نفسها عليه بإرهاق واضح، وكأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
مدت يدها أسفل رأسها، وثبتت عينيها في السقف الأبيض فوقها، لكنها لم تكن تراه.
كان عقلها يعيد عرض ما حدث منذ قليل، لقطة تلو الأخرى، كلمة بعد كلمة، ونظرة بعد نظرة.
وفجأة، اشتعل بريق حاد في عينيها.
تصلبت ملامحها، وتحول الشرود إلى غضب خالص.
كلما تذكرت اقترابه منها، ذلك القرب الذي شعرت فيه بأنفاسه تكاد تلامسها، كانت معدتها تنقبض باشمئزاز.
شعور بالاشمئزاز، والغضب، والتحدي.
كأن مجرد استعادة تلك اللحظة يوقظ في داخلها كل شيء حاولت دفنه لسنوات.
وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة دون استئذان، كعادة شخص يعرف أنه مرحب به دائمًا.
دخلت جواهر بخطوات سريعة، ثم ألقت نفسها بجوار رنيم على السرير، حتى اهتز الفراش قليلًا من الحركة المفاجئة.
استدارت برأسها نحوها، ونظرت إلى ملامحها المتجهمة ثم قالت بمزاح خفيف:
"الجميل بيفكر فى أيه؟"
اعتدلت رنيم في جلستها ببطء، وكأنها خرجت لتوها من بحر عميق من الأفكار.
تنهدت بضيق واضح، ثم قالت وهي تمرر يدها في شعرها بتوتر:
"أنا بفكر اشوف شقه صغيره اعيش فيها لوحدي، أنا مبقتش صغيرة، ومن يوم تيته صباح ما ماتت، وعمته شايلة همي، وصممت أن أعيش معاكم هنا."
للحظة، ساد الصمت.
ثم اتسعت عينا جواهر فجأة وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
جلست معتدلة بسرعة وقالت بصدمة حقيقية امتزجت بغضب واضح:
"انتي بتستهبلي؟ شقة ايه دي اللي عايزة تشوفيها؟ اقسم بالله لو فكرتي تعملي كده، لا انتي بنت خالي ولا أعرفك."
زفرت رنيم بضيق، وكان في تلك الزفرة شيء من الإرهاق العاطفي أكثر من مجرد الانزعاج.
خفضت عينيها قليلًا وقالت بصوت مختنق:
"يا جواهر افهمي، أنا مش عايزة احس نفسي حمل تقيل على حد، عمته كتر خيرها ربتني وكبرتني لحد ما وصلت للي أنا فيه ده، بس خلاص كفايه عليها لحد كده."
وقفت جواهر أمامها بسرعة، كأن الكلمات أصابتها في نقطة حساسة داخلها.
ارتسم الغضب على ملامحها بوضوح وهي تقول بانفعال:
"محدش اشتكى على فكرة، رنيم، أنا بعتبرك اختي الكبيره وصحبتي الوحيدة، اتعود عليكي، مش هقدر استحمل اقعد على السفره في يوم وانتي مش موجودة، أنا فاهمة القرار ده اخديه ليه، علشان خالتو ترنيم صح؟"
بمجرد أن نطقت اسمها، تغير وجه رنيم بالكامل.
أغلقت عينيها بقوة، كأن الاسم وحده قادر على فتح جرح لم يلتئم أبدًا.
ثم قالت بغضب مكبوت:
"انتوا حرين مش هقولكم تعرفوا مين ومتعرفوش مين، بس انا، مش هقبل اكون فى مكان، مع واحده زي دي، أنا لما بشوفها، الذكريات كلها بتمر قصاد عيني كأنها بتحصل دلوقتي، قلبي بينزف من جوة، وجودها فى أي مكان بكون فيه، بيحسسني بالقرف، انا مهما قلتلك على اللي بحسه، مش هقدر اوصف ربع وجعي، الحل الوحيد هو أن انا اشوف شقة ليا بعيد عن أي مكان تكون هي فيه."
كانت كلماتها تخرج بحدة، لكنها لم تكن حدة غضب فقط.
بل حدة وجع قديم ما زال حيًا.
تنهدت جواهر بضيق، ثم جلست بجوارها مرة أخرى، ومدت يدها تمسك يد رنيم بلطف.
نظرت إليها بنظرة هادئة وقالت:
"رنيم انتي اللي مصعباها على نفسك وعليها، ادي نفسك فرصه تسمعيها، حاولي تبصي للماضي بطريقة تانيه غير المرسومة فى خيالك، علشان تقدري تسامحي وتعيشي حياتك طبيعيه زي اي بنت."
لكن رنيم لم ترد فورًا.
أغمضت عينيها للحظة طويلة، وكأنها تحاول منع الدموع من خيانتها.
ثم قالت بصوت يحمل ألمًا حقيقيًا:
"صعب يا جواهر احساس اليتم اللي عيشته بسببها عمره ما هيتنسي بسهولة، وجعي اول يوم مدرسة، بعد موت بابا وماما عمري ما هنساه، وجع قلبي كل عيد وانا لوحدي صعب يتنسى، لحظة نجاحي وانا لوحدي من غير بابا وماما سكينة كانت بتدبحني، وكل ده بسببها هي، وكل مرة بشوفها فيها، بيزيد كرهي ليها."
شعرت جواهر وكأن شيئًا ثقيلًا سقط فوق قلبها.
لم تكن تعرف أن الألم داخل رنيم بهذا العمق.
اعتدلت في جلستها بسرعة، ثم احتضنت رنيم بقوة، كأنها تحاول أن تحميها من ذلك الماضي الذي ما زال يطاردها.
وقالت بصوت حنون مليء بالأسف:
"حقك عليا يا قلبي، مقصدش اوجعك والله، بس علشان خاطري شيلي موضوع انك تمشي من هنا وتعيشي لوحدك، مقدرش استغنى عنك يا رينو."
تعلقت رنيم بها بقوة، كأنها وجدت أخيرًا شيئًا ثابتًا تمسك به وسط فوضى مشاعرها.
أومأت برأسها ببطء ثم قالت بصوت هامس مليء بالمحبة:
"بحبك يا جوجو."
ابتسمت جواهر، لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا.
فجأة ابتعدت عنها بسرعة، ونظرت إليها بمكر مصطنع وقالت بمزاح:
"يا فضحتشي، الناس تقول علينا ايه دلوقتي، لا يا بت خالي ماليش فى الالوان والله، أنا ليا فى القشطه اللي بالعسل اللي معايا."
ضغطت رنيم على شفتيها بغيظ واضح، ثم التقطت الوسادة بجانبها بسرعة وانهالت بها على جواهر.
تعالت صرخات جواهر وضحكاتها وهي تحاول الهروب، بينما كانت رنيم تضربها بالوسادة دون رحمة.
وبعد لحظات، امتلأت الغرفة بضحكاتهم الجميلة الصافية.
ضحكات خفيفة، لكنها كانت كافية لتخفف قليلًا من ذلك الثقل الذي كان يضغط على قلب رنيم منذ قليل.
لكن، خلف تلك الضحكات، كان هناك جرح قديم ما زال مفتوحًا.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثالث 3 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث
في صباح يوم جديد…
كان الضوء الخافت المتسلل من خلف الستائر يزحف ببطء داخل الغرفة، يعلن بداية يوم جديد دون أن يمنح صاحبة الغرفة أي رغبة في الاستيقاظ.
كانت رنيم غارقة في نوم متقطع، جسدها ساكن فوق الفراش بينما عقلها لم يهدأ طوال الليل، ظلت تتقلب بين الحين والآخر، وكأن شيئًا في داخلها يرفض أن يمنحها راحة حقيقية.
وفجأة، قطع ذلك الهدوء صوت رنين الهاتف الموضوع بجانبها.
رنة حادة اخترقت الصمت، تلتها أخرى، ثم ثالثة.
تململت رنيم بضيق، وتحركت يدها ببطء فوق الفراش تبحث عن الهاتف دون أن تفتح عينيها، التقطته أخيرًا وهي ما زالت غارقة بين النوم واليقظة، ثم ضغطت على زر الاستجابة وقالت بصوت ناعس متثاقل:
"أيوة مين معايا؟"
لم يأتي الرد مباشرة، بل سبقته لحظة صمت قصيرة، وكأن المتصل يتأمل صوتها أولًا.
ثم جاءها صوت رجولي عميق يقول بهدوء:
"صوتك حلو اوي وانتي لسه صاحية من النوم."
فتحت رنيم عينيها فورًا.
اختفى النعاس من ملامحها في لحظة، واعتدلت قليلًا في الفراش وهي تنظر إلى شاشة الهاتف بسرعة.
لم يكن اسمًا محفوظًا، مجرد رقم.
عادت تضع الهاتف على أذنها مرة أخرى وقالت بنبرة حذرة متسائلة:
"مين معايا؟"
جاءها الرد في هدوء ثابت:
"شاهين الراوي."
ما إن سمعت اسمه، حتى أغلقت عينيها بقوة، وكأن الاسم وحده قادر على إشعال غضب كامن داخلها.
اشتدت قبضتها على الهاتف، ثم قالت من بين أسنانها بنبرة محتقنة:
"انت جبت رقمي منيييين؟"
لم يتغير صوته، بل ظل هادئًا بشكل مخيف، وهو يجيبها:
"أنا أقدر اجيب رقمك وأجيبك انتي شخصيًا، يعني مش بعيد تلاقيني عندك دلوقتي فى الاوضة."
اتسعت عيناها بصدمة وغضب في آنٍ واحد.
شعرت وكأن كلماته تسللت إلى الغرفة حولها، وكأن وجوده أصبح أقرب مما ينبغي.
لكنها لم تسمح لذلك الشعور أن يظهر.
بل قالت بنبرة تحذيرية صارمة:
"أقسم بالله لو محترمتش نفسك وبعد عني وبطلت شغل المراهقين ده، ليكون ليا معاك تصرف مش هيعجبك، فاااهم."
لم تنتظر ردًا.
أنهت كلامها فورًا، وأغلقت الخط بعصبية.
ظلت تحدق في الهاتف للحظة، صدرها يعلو ويهبط مع أنفاس متسارعة.
أخرجت زفرة غاضبة، ثم اعتدلت في جلستها فوق الفراش، ومررت يدها داخل شعرها تدفعه إلى الخلف محاولة تهدئة نفسها.
لكنها كانت تعرف جيدًا، أن ذلك لن يحدث بسهولة، وفي تلك اللحظة، بدأ صوت طرقات مزعجة على الباب.
طرقات سريعة متتالية، كأن صاحبها لا يعرف معنى الصبر.
وقبل أن تنطق رنيم بأي كلمة، انفتح الباب ودخلت جواهر كالإعصار الصغير، بابتسامتها الواسعة المعتادة.
وقفت في منتصف الغرفة، ثم بدأت تدندن بصوت مرح وهي تدور حول نفسها:
"صبح الصباح فتاح يا عليم، و الجيـب مافهشى ولا مليــم، مين فى اليومين دول شاف تلطيم، زى الصنايعيه المظاليم، الصبر امره طال، و ايش بعد وقف الحال، ياللى معاك المال، برضه الفقير ليه رب كريم، ما تشد حيلك يا بوصلاح، اضربها صرمه تعيش مرتاح، خلي اتكالك على الفتاح، يلا بينا يلا الوقت اهو راح."
اقتربت منها فجأة، وأمسكت يدها بقوة وأجبرتها على الوقوف من الفراش، وهي تكمل تندنتها بحماس أكبر وتحاول أن تجعلها ترقص معها:
"الحلوه دى قامت تعجن فى البدريه، و الديك بيدن كوكو كوكو فى الفجريه، يلا بينا على باب الله يا صنايعيه، يجعل صباحك صباح الخير يا اسطا عطيه."
زفرت رنيم بنفاذ صبر واضح، ثم قالت بضيق:
"يا بنتي هتعقلي امتى؟ أنا تعبت."
لكن جواهر لم تتوقف.
بل ظلت تدور في الغرفة بسعادة، وشعرها يتطاير حولها وهي تقول بمرح:
"أعقل ليه وانا حبه حياتي كدة، بحب شخصيتي الفرفوشة النعنوشة، مش غم زيك يا بنت خالي."
وما إن أنهت كلماتها، حتى تعثرت قدمها فجأة في طرف السجادة.
سقطت على الأرض بقوة وهي تتألم.
تجمدت للحظة، ثم تأوهت بصوت مرتفع.
نظرت إليها رنيم، وعلى الرغم من ضيقها، إلا أن ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيها.
هزت رأسها يمينًا ويسارًا وهي تقول:
"ربنا يهديكي يا بنتي، والله العظيم انتي خسارة فى الزفت ده، ربنا يفتح عيونك وتبعدي عنه."
ما إن فهمت جواهر المقصود، حتى اتسعت عيناها بصدمة حقيقية.
نهضت قليلًا من مكانها وقالت بضيق واضح:
"بعد الشر، رنيم هزعل منك بجد، كله إلا جواد انتي عارفه هو بالنسبه ليا أيه."
نظرت لها رنيم بضيق دون أن ترد.
ثم استدارت ببساطة واتجهت نحو المرحاض.
وقفت جواهر مكانها للحظة، وشعور بالاختناق يضغط داخل صدرها من طريقة كلام رنيم عن جواد.
أخفضت عينيها قليلًا، ثم خرجت من الغرفة بهدوء وتركتها.
بعد وقت…
خرجت رنيم من المرحاض، وشعرها مبلل قليلًا، ووجهها أكثر هدوءًا.
نظرت حولها داخل الغرفة.
لم تجد جواهر.
تنهدت بصمت، ثم بدلت ملابسها بسرعة وخرجت من الغرفة.
اتجهت نحو طاولة الطعام حيث كان الجميع مجتمعين.
وقفت عند المدخل قليلًا ثم قالت:
"صباح الخير."
ابتسموا لها، وردت سمية بنبرة مليئة بالحنان:
"صباح النور يا حبيبتي."
جلست رنيم، ثم نظرت إلى حسام وقالت بأسف صادق:
"أنا اسفه يا اونكل مقصدش اعصى كلامك ولا أخسر الشركة، بس انا كنت بدور على مصلحتها وكنت شايفه أننا أحق بالمناقصة دي اكتر من شاهين."
رفع حسام عينيه إليها.
كانت نظرته تحمل حنوًا أبويًا واضحًا، ثم قال بهدوء:
"يا حبيبتي أنا مبسوط بيكي علشان شايف نفسي فيكي، بس الفرق بيني وبينك أني بحسبها مليون مرة قبل ما أخد أي خطوة زي دي، أنا عارف انك لسه هتتعلمي وكتير هتغلطي، بس انا عايز لما اقابل وجه كريم، اكون كملت مهمتي، وقدرت اخد بأيدك لاول الطريق الصح، علشان لما اقابل ابوكي اكون وافيت بوعدي ليه."
اتسعت عينا رنيم قليلًا وقالت بلهفة صادقة:
"بعد الشر عنك يا اونكل، ربنا يبارك فى عمرك ويخليك لينا."
ابتسم لها بحنو وقال:
"يا حبيبتي دي الحقيقه الوحيدة اللي فى حياتنا، وكلنا لينا ساعة، المهم ملكيش دعوة بموضوع شاهين ده، أنا هحاول أحله وانتي ركزي فى شغلك كويس."
أومأت برأسها وقالت بهدوء:
"حاضر يا اونكل."
ثم اعتدلت في جلستها فجأة وقالت:
"هروح انا بقى علشان متأخرش."
تكلمت سمية بسرعة:
"يا بنتي اقعدي كلي، انتي مأكلتيش حاجة."
لكن رنيم هزت رأسها رافضة وقالت:
"معلش يا عمتو مليش نفس."
ثم التفتت إلى جواهر وسألت:
"جوجو مش هتيجي معايا."
أجابت جواهر بصوت مختنق قليلًا:
"لا هستنى جواد هيجي يخدني."
اقتربت رنيم منها فورًا واحتضنتها بقوة، ثم قالت بصوت هامس مليء بالأسف:
"أنا اسفه متزعليش مني."
أغلقت جواهر عينيها للحظة، ثم تمسكت بها بقوة وقالت بمزاح خفيف:
"مشكلتي اني بحبك يا بنت خالي ومش بقدر ازعل منك."
ابتسمت رنيم، وقبلت خدها بخفة، ثم تحركت نحو الباب.
لكن صوت جواهر أوقفها:
"استني هروح معاكي."
استدارت رنيم لها، ورفعت أحد حاجبيها بدهشة وقالت:
"طيب وجواد؟"
رفعت جواهر كتفيها بلا مبالاة وقالت:
"جواد اصلا نايم وفى سابع نومه."
ثم أمسكت ذراعها بمكر وقالت:
"والنبي يا نسوان ما لينا الا بعضينا."
حركت رنيم رأسها بيأس من تلك البلوة التي لا تتغير أبدًا.
ثم خرجتا معًا من الفيلا.
صعدتا إلى السيارة، جلست رنيم خلف المقود، أدارت المحرك، ثم تحركت بهما في الطريق نحو الشركة، بينما يوم جديد مليء بالمفاجآت كان في انتظارهما.
****************************
تجمعت عائلة غريب حول طاولة الطعام في الصباح، لكن على غير العادة لم يكن هناك ضجيج أو مزاح، بل خيم صمت ثقيل على المكان، وكأن كل واحد منهم غارق في أفكاره الخاصة.
ظل غريب يتأمل الجالسين أمامه قليلًا، ثم استقرت نظراته على أروى، وقال بتساؤل هادئ لكنه واضح:
"مين اللي انتي كنتي جايه معاه بالعربية امبارح ده؟"
قبل أن تنطق أروى بأي كلمة، سارعت ترنيم بالإجابة وكأنها كانت تنتظر السؤال:
"ده أحمد أخو مرات تامر، لسه راجع من أمريكا، وهي راحت تزور خالها امبارح وتامر خلاه يوصلها بعربيته."
رفعت أروى حاجبها إلى الأعلى، ونظرت إلى والدتها بنظرة مليئة بالتهكم قبل أن تقول:
"هو خالو لحق يبلغك؟ مش بيتبل في بؤقه فوله."
لم تعجبه نبرتها الساخرة، لكن قبل أن يرد، تكلم جواد بنبرة غاضبة وهو ينظر إليها بحدة:
"وليه جيتي معاه؟ فين عربيتك؟"
زفرت أروى بضيق وقالت ببرود:
"خالو تامر أخدها علشان عربيته كانت عند الميكانيكي."
وفي تلك اللحظة، دوى جرس الباب في أرجاء المنزل.
تحركت الخادمة سريعًا لفتحه، وبعد لحظات دخل تامر إلى الداخل بخطواته الواثقة المعتادة، واقترب منهم بابتسامة واسعة وهو يقول بمزاح:
"أنا شكل حماتي بتحبني، ولا إيه؟"
ابتسمت ترنيم فور رؤيته وقالت بنبرة حنونة:
"ما لازم تحبك، فيه حد يكون عنده جوز بنت عسل كده وميحبوش؟"
اقترب منها تامر وقبل رأسها بحب وقال:
"والله انتي اللي عسل وقمر كمان."
تكلمت أروى بتذمر وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
"على طول قولتلها إن كنت عندك امبارح، خال فتان."
تعالت ضحكات تامر، ثم اقترب منها وعبث بشعرها كعادته وقال بمكر:
"يا بت ده أنا سرك، متقلقيش، أنا بس كنت بطمنها إنك كنتي عندي وأحمد بيوصلك علشان متقلقش عليكي."
ثم التفت إلى غريب الذي كان يجلس بهدوء وقال باحترام:
"منور يا أبو نسب."
استقام غريب قليلًا في جلسته وقال:
"بنورك، انت مش غريب، البيت بيتك."
ثم وقف من مكانه وأضاف:
"هروح أنا بقى الشركة."
انحنى قليلًا وقبل رأس ترنيم قبل أن يغادر المكان.
ظل تامر يتابعه بعينيه للحظة، ثم التفت إلى جواد وقال بنفاذ صبر مصطنع:
"نفس سحنة أبوك، مافيش مرة أشوفك بتضحك فيها."
ابتسم جواد ابتسامة خفيفة وقال بضيق:
"كفاية ضحكت حبيبة خالها، هنبقى إحنا الاتنين؟"
ابتسم تامر على كلماته الطفولية وقال بمزاح:
"إيه ده، انتي بتغيري يا بيضة؟"
رفع جواد حاجبيه للأعلى وقال بتهكم:
"بيضة؟! انت بدلع طفل في كي جي تو؟"
حركت ترنيم رأسها بعدم تصديق وقالت وهي تبتسم:
"يا ابني انت وهو، هتفضلوا ناقر ونقير مع بعض كده على طول؟"
تعالت ضحكات تامر، ثم قال بنبرة حب صادقة:
"نتناقر آه، بس هيفضلوا الاتنين حبايب قلبي وولادي اللي مجبتهمش."
اقترب جواد منه وقبل رأسه بحب وقال:
"ربنا يخليك لينا يا خال."
ثم نظر إلى والدته وقال:
"هروح أنا بقى، سلام."
تحرك جواد نحو الباب وغادر المكان.
وقفت أروى بدورها وقالت وهي تلوح بيدها:
"شخلل بالمفاتيح، انت هتضرب عليها ولا إيه؟"
ضحك تامر وأخرج المفاتيح من جيبه وأعطاها لها قائلاً:
"خدي يا أختي، ربنا ما يحوجني ليكي."
أخذتها منه سريعًا، ثم وضعت قبلة على خده وقالت بمزاح:
"عسل يا أخواتي."
ثم ركضت نحو الباب وغادرت المكان.
ظل تامر يتابعها بابتسامة حتى اختفت من أمامه، ثم التفت إلى ترنيم فجأة وقال بنبرة جادة:
"ترنيم، صاحبي بنتك. هي محتاجة ليكي دلوقتي، بدل ما يحصل حاجة وانتي نايمة على ودانك ومش حاسة."
نظرت إليه بقلق وقالت بتساؤل سريع:
"ليه؟ هو فيه حاجة حصلت من ورايا؟"
هز رأسه نافيًا وقال بهدوء:
"مش لازم تستني لما يحصل، سنها دلوقتي خطر، وعايزة عقل ناضج ياخد بإيديها لبر الأمان، وانتي أكتر واحدة تقدري تعملي كده، لأنك أمها، وعارفة بنتك أكتر من أي حد تاني."
أومأت ترنيم برأسها ببطء وقالت بتوتر:
"عندك حق، أنا أهملتها الفترة اللي فاتت دي، هبقى بليل أقعد أتكلم معاها شوية."
هز رأسه مؤكدًا وقال:
"بالظبط كده، النهاردة ضروري تقعدي تتكلمي معاها، أنا طبعًا بسمعها أول بأول وبنصحها على طول، بس مهما كان أنا خالها وراجل، مش هفهم أوي في أمور البنات دي."
ابتسمت له بامتنان وقالت:
"فهمت يا حبيبي، ربنا يخليك لينا على طول في ضهري أنا وأولادي، ربنا ما يحرمنا منك أبدًا يا رب."
استقام في وقفته، واقترب منها وأمسك يدها وقبلها بحنو وقال:
"إحنا ملناش إلا بعض يا ترنيم، وأنا عايش حياتي علشانكم أنتوا ومراتي. مش عايز حاجة من الدنيا."
تنهدت ترنيم بوجع خافت، ثم قالت بتساؤل:
"أخبار متابعتك إيه مع الدكتور؟"
تغيرت ملامح تامر قليلًا، ونظر إليها بحزن قبل أن يقول:
"قالي معنديش أي مانع إني أخلف، ومراتي برضه عملت تحاليل كتير أوي، وكلها بتثبت إنها سليمة ومستعدة للحمل في أي وقت."
توقف قليلًا، ثم أكمل بصوت منخفض:
"بس كل شهر بنفقد الأمل أكتر، أنا في الأول كنت فاكر إن سني ممكن يكون عائق، بس الدكتور قالي لو عندي مية سنة أخلف عادي، وزي ما انتي عارفة مراتي سنها صغير عني بكتير، ونفسها تكون أم، ومش بإيدي أي حاجة."
ربتت ترنيم على يده بحنو وقالت:
"إن شاء الله خير يا حبيبي، سيبها على ربنا. لسه العمر قدامكم، ومدام مافيش أي مانع يبقى هتيجي في أي وقت."
ربت هو الآخر على كتفها وقال:
"ونعم بالله، أنا صابر وراضي."
ثم نظر إليها وأضاف:
"هروح أنا بقى، محتاجة حاجة؟"
هزت رأسها قائلة:
"لا يا حبيبي، عايز سلامتك. خلي بالك على نفسك وانت سايق."
أومأ لها برأسه، ثم غادر المكان.
ظلت ترنيم واقفة مكانها للحظة تنظر إلى الباب الذي خرج منه، ثم تمتمت بدعاء صادق:
"ربنا يرزقك يا حبيبي بالذرية الصالحة، ويقر عينك بيها."
بعدها أخذت نفسًا عميقًا، واستقامت بجسدها، ثم صعدت ببطء إلى غرفتها.
****************************
بالشركة…
وصل حسام إلى الشركة بخطواته المعتادة، لكنه ما إن دخل إلى صالة الاستقبال حتى تفاجأ بوجود شاهين جالسًا أمام مكتب السكرتيرة، وكأنه كان ينتظره منذ وقت.
توقف حسام لحظة، ثم اقترب منه بابتسامة رسمية وصافحه قائلًا:
"نورت الشركة يا أستاذ شاهين، اتفضل معايا على مكتبي."
رد شاهين بنبرة رجولية هادئة:
"أنا جيت بنفسي علشان نوصل لحل نهائي لموضوع المناقصة ده."
ارتسم توتر خفيف على وجه حسام، لكنه قال:
"آه طبعًا، اللي حضرتك تشوفه. اتفضل ادخل."
تحركا معًا نحو المكتب.
دخل شاهين الغرفة، وأخذ يطالعها بعينيه ببطء، وكأنه يتفحص كل زاوية فيها. مرر نظره على التصميم والديكور بعناية، ثم قال بإعجاب واضح:
"ما شاء الله، تصميم المكتب جميل جدًا، وواجهة الشركة عجبتني."
جلس حسام خلف مكتبه وقال بنبرة فخر:
"كل ده شغل الباشمهندسة رنيم."
ارتسمت ابتسامة خفية على شفتي شاهين، وجلس على المقعد المقابل له واضعًا قدمًا فوق الأخرى، ثم قال بنبرة تحمل معنى آخر:
"واضح إن الباشمهندسة رنيم، شاطرة في شغلها، وشاطرة في حاجات تانية كتير."
أومأ حسام برأسه بثقة وقال:
"رنيم متفوقة جدًا في شغلها، وحاليًا بعتمد عليها في كل حاجة، علشان واثق إنها قد الثقة دي."
تأمل شاهين وجهه لحظات طويلة، ثم مال قليلًا إلى الأمام وقال:
"أنا جاي أقدم ليك عرض."
سكت لحظة، ثم أكمل بهدوء مخيف:
"وافقت عليه، يبقى تمام، وموضوع المناقصة ده هعتبره خلص، وهتنازل عن حقي، وهتاخدوا دوركم عادي."
ثم ابتسم ابتسامة باردة وأردف:
"ما وافقتش، يبقى حقي هاخده منكم وبالزيادة، وكمان اسم شركات الدسوقي هيتمحي نهائي بإشارة مني."
نظر حسام إليه بضيق واضح وقال:
"عرض إيه ده؟"
ظل شاهين ينظر إليه لثواني، ثم أخرج سيجارًا كوبيًا فاخرًا وأشعله بهدوء. أخذ نفسًا عميقًا منه، ثم زفر الدخان في الهواء قبل أن يقول:
"محتاج الباشمهندسة رنيم، تيجي تشتغل عندي في الشركة. أنا محتاج واحدة زيها عندي."
اتسعت عينا حسام بصدمة، وقال بتوتر واضح:
"إزاي بس حضرتك؟! رنيم صاحبة الشركة دي، إزاي عايزها تسيب شركتها وتروح تشتغل عندك؟!"
هز شاهين كتفيه بلا مبالاة وقال:
"معرفش إزاي، ده شرطي، وانتوا عندكم حرية الاختيار."
اشتد الغضب في عيني حسام، وقال بصوت حاد:
"حضرتك تعمل اللي عايزه، بس رنيم مش هتروح تشتغل في شركات حد."
ابتسم شاهين بهدوء مرة أخرى، وزفر دخان السيجار في الهواء، ثم قال:
"أممم، أوك."
ثم أضاف وهو يحدق فيه:
"بس اسمع الرفض ده منها هي."
ضرب حسام بيده على سطح المكتب بغضب وقال:
"وأنا في مقام أبوها، وبقولك مش موافق! واللي عندك اعمله."
وفي تلك اللحظة، اندفعت رنيم إلى المكتب بعدما سمعت صوت حسام المرتفع، وقد أخبرها أحد الموظفين بوجود شاهين.
دخلت بأنفاس لاهثة وقالت بقلق:
"خير يا أونكل حسام؟ فيه إيه؟"
تحرك شاهين ببطء من مقعده واقترب منها، ثم نظر إليها بنظرة ذات معنى وقال:
"أهلا أهلا، باشمهندسة رنيم."
نظرت له بضيق واضح وقالت بغضب:
"انت جاي هنا تعمل إيه؟ قلتلك أعلى ما في خيلك اركبه، اخبط راسك في الحيط يا شاهين يا رواي."
أومأ برأسه بهدوء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شريرة وهو يقول بنبرة مخيفة:
"ما أنا قلتلك، مش أنا اللي أخبط راسي في الحيط."
ثم اقترب خطوة أخرى وهمس ببطء:
"اللعب مع شاهين الراوي، بيخسر كتير يا قطة."
تدخل حسام بصوت غاضب:
"رنيم، روحي مكتبك."
التفتت إليه كأنها ستعترض، لكنه هدر بها بغضب أكبر:
"قلتلك روحي مكتبك، أخلصي!"
لكنها فجأة لاحظت أن لون وجهه قد تغير، وأن يده وضعت فوق صدره.
بدأ يتنفس بصعوبة واضحة.
اتسعت عيناها بصدمة، وركضت نحوه فورًا وأمسكت يده وهي تصرخ:
"أونكل حسام! رد عليا، أنكل حسااام!"
كل ذلك كان يحدث، تحت نظرات شاهين الباردة، وكأنه يشاهد عرضًا مسليًا.
التفتت إليه رنيم فجأة، وعيناها تشتعلان غضبًا، وصرخت فيه:
"اطلع بره!"
لكن شاهين ببساطة عاد وجلس على المقعد، ووضع قدمًا فوق الأخرى، وظل يراقب المشهد بلا مبالاة.
حركت رأسها بغضب شديد، ثم أمسكت الهاتف بسرعة وطلبت سيارة إسعاف، وبعدها اتصلت بسمية وجواهر.
أغلقت الهاتف، ثم عادت تمسك حسام وتدلك موضع قلبه وهي تقول بخوف شديد:
"أونكل حسام رد عليا بترجاك، أنا مش هقدر استحمل فراق حد تاني، أرجوك رد عليا!"
بعد دقائق، اندفعت سمية وجواهر إلى المكتب بدموع وانهيار.
سقطت جواهر على ركبتيها بجانب والدها، وأمسكت يده وهي تبكي:
"بابا رد عليا، أبوس إيدك افتح عيونك، بابا يا بابا رد عليا بقى!"
كانت سمية تربت على وجهه وهي تبكي بحرقة:
"حسام فوق يا عمري، وعشرتي الطيبة، رد عليا يا حسام، لو حصلك حاجة أنا أموت، حسااام!"
لكن شاهين، كان لا يزال جالسًا هناك.
بعينين باردتين، كأنه لا يرى دموعهم.
أخيرًا وصلت سيارة الإسعاف.
دخل المسعفون سريعًا، ووضعوا حسام على السرير النقال، ثم أسرعوا به إلى الخارج.
خرجت جواهر وسمية خلفه وهما يركضان باكيين.
كانت رنيم ستخرج خلفهم، لكن فجأة، أمسك شاهين بذراعها بقوة.
اقترب منها حتى أصبح صوته قرب أذنها مباشرة، وهمس بصوت بارد:
"دي البداية، ولسه اللي جاي دمار."
ثم أكمل ببطء:
"هسيبك تطمني عليه، ومن أول الأسبوع تنزلي تستلمي الشغل في شركتي."
تجمدت في مكانها وهو يضيف:
"متنسيش إنك انتي اللي بدأتي اللعبة يا صغنن."
نظرت إليه بكرهٍ شديد، ثم دفعته بقوة بعيدًا عنها، وركضت إلى الخارج بسرعة.
وقف شاهين مكانه لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة غاضبة.
استدار بعدها بهدوء، وخرج من الشركة، بعد أن أتم أول خطوة له في طريق، لا رجوع عنه.
*************************
بالمشفى...
كان الممر الطويل غارقًا في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت الأجهزة البعيد وخطوات متعجلة تمر ثم تختفي. الهواء بدا خانقًا رغم برودة المكان، وكأن القلق نفسه صار مادة تتنفس.
جلست سمية على المقعد المعدني البارد، وكتفاها يهتزان مع بكاء مكتوم لم تستطع السيطرة عليه. الدموع كانت تنهمر من عينيها بلا توقف، كأنها تحاول إغراق ذلك الخوف الذي ينهش صدرها. كانت تشبك يديها ببعضهما بقوة، وأصابعها ترتجف، بينما دقات قلبها تتسارع بشكل مؤلم، وكل فكرة في رأسها تدور حول احتمال واحد لا تريد حتى أن تفكر فيه، احتمال فقدان شريك عمرها.
أما جواهر، فكانت تقف بجوار باب غرفة الكشف، تسند رأسها إلى الحائط الأبيض خلفها كأنها تحاول الاحتماء به. عيناها محمرتان من كثرة البكاء، وأنفاسها متقطعة، وكل بضع ثواني يعلو صوت شهقة جديدة تهز جسدها. كانت تتخيل أسوأ الاحتمالات رغم محاولاتها اليائسة لإبعاد تلك الصور عن ذهنها، صورة والدها وهو يغيب عنها إلى الأبد.
اقتربت رنيم منها ببطء، وقلبها يضرب بعنف داخل صدرها. لم تكن تعرف إن كانت تحاول مواساة جواهر، أم أنها تبحث عن شيء تتشبث به هي نفسها حتى لا تنهار، مدت ذراعيها واحتضنتها بقوة، تضمها إليها كأنها تخشى أن تسقط أرضًا إن تركتها.
تكلمت بصوت مختنق وقالت:
"أهدي يا جواهر أن شاءالله خير، والدكتور يخرج يطمنا عليه دلوقتي."
تعلقت جواهر بها بقوة أكبر، وكأنها وجدت فيها آخر خيط أمان. ارتجف صوتها وهي تبكي بلا توقف، وكلماتها تخرج بين شهقات موجعة.
أمسكت بها بقوة وتكلمت من بين شهقاتها:
"بابا لو حصله حاجه أنا هموت يا رنيم، أنا بنام وانا مطمنة علشان ببقى حاسة بنفسه في البيت، هو ضهري وسندي فى الدنيا، مش هقدر اتخيل حياتي من غيره والله."
وقبل أن تجد رنيم ردًا يهدئها، انفتح باب غرفة الكشف ببطء.
خرج الطبيب.
توقفت الأنفاس في الممر للحظة.
كانت ملامحه كافية لتقول كل شيء دون أن ينطق بكلمة. ذلك التعب الصامت في عينيه، تلك النظرة التي يعرفها من مروا بهذه اللحظة من قبل.
اقتربت منه رنيم بخطوات بطيئة، كأن الأرض أصبحت ثقيلة تحت قدميها. في داخلها كانت تعلم الحقيقة، تعرف تلك النظرة جيدًا، شعرت بها من قبل، عاشت ألمها منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، بقي جزء صغير بداخلها يتشبث بأمل ضعيف.
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تستعد لتلقي ضربة جديدة من القدر.
تكلمت بصوت متقطع:
"خ خير يا دكتور طمنا؟"
نظر لها بأسف وقال:
"البقاء لله."
تجمدت ملامحها للحظة، ثم حركت رأسها بالرفض بعناد، وكأنها تحاول دفع تلك الكلمات بعيدًا عن الواقع.
انفجرت الدموع من عينيها بغزارة، وضعت يدها على فمها تحاول كتم شهقاتها التي أخذت تتصاعد رغماً عنها، لكن الألم كان أقوى من أي محاولة للصمت.
تكلمت بصررراخ وقالت:
"تاااني، هكون يتيمة تاني، هعيش نفس الاحساس تاني، طيب لما بابا مات انت عوضني عن موته، إنما دلوقتي مين هيعوضني مكانك، أنكل حسام ابوس ايدك قوم رد عليا متسبنيش لوحدي فى الدنيا أنا محتاجك."
الكلمات خرجت منها ممزقة، كأنها تنتزع من قلبها لا من لسانها.
سمية، التي كانت تراقب المشهد بعينين مذعورتين، لم تتحمل وقع الخبر. شعرت بالأرض تدور من حولها، ثم خارت قواها تمامًا وسقطت فاقدة الوعي.
أما جواهر، فقد اندفعت نحو الداخل بجنون، وكأن عقلها يرفض التصديق.
ركضت إلى السرير، وارتمت داخل أحضان أبيها البارد، تشبثت به بكل قوتها وكأنها تستطيع إعادته للحياة إن ضمته بقوة كافية. راحت تهزه بعنف وهي تبكي بهستيريا، كأنها تحاول إيقاظه من نوم عميق.
وقالت من بين شهقاتها:
"لا يا بابا اوعى تموت وتسيبني، مقدرش اعيش الدنيا من غيرك، فتح عيونك خدني فى حضنك ضمني، طبطب عليا زي ما متعوده منك، بابا رد عليا بقى."
في تلك اللحظة وصل جواد مسرعًا بعد أن وصله الخبر. وما إن اقترب من الغرفة حتى اخترق أذنيه صوت صراخ جواهر الممزق.
تسارع نبضه وركض إلى الداخل، وعندما رأى المشهد أمامه، شعر بقلبه يضيق.
اقترب منها بسرعة وأمسك ذراعها بلطف لكنه بحزم، وأجبرها على الوقوف رغم مقاومتها.
تكلم بنبرة هادئة:
"أهدي يا جواهر، ادعيله بالرحمه، هو دلوقتي بين ايادي الله، عارف ان الفراق صعب، بس ده عمره وانتهى ومحدش ليه فى نفسه حاجه."
التفتت إليه بعينين غارقتين في الدموع، وتشبثت به كأنها تغرق وتبحث عن طوق نجاة.
أمسكت به بقوة وتكلمت بصراخ:
"بابا مات يا جواد، مات وسابنا فى الدنيا لوحدينا، مش هقدر اعيش من غيره والله، الدنيا هتكون صعبه."
شدها إليه أكثر، يحتضنها بقوة محاولًا أن يمنحها شيئًا من الأمان وسط ذلك الانهيار.
"أنا موجود، ومعاكي يا جواهر فى ضهرك، وهكون امانك، ادعيله بالرحمة، وان ربنا يصبرك على فراقه."
لكن جسدها لم يحتمل أكثر، راحت تهز رأسها بهستيريا، وأنفاسها تتسارع حتى تلاشت قوتها فجأة، وانهارت فاقدة الوعي داخل أحضانه.
في الخارج…
اقتربت ترنيم من رنيم التي كانت جالسة على الأرض، منهارة كأن الحياة انسحبت منها دفعة واحدة.
انحنت بجوارها، ودموعها تلمع في عينيها.
تكلمت من بين دموعها وقالت:
"أهدي يا حبيبتي، ربنا يرحمه ويصبرنا على فراقه."
لكن رنيم انفجرت فجأة وكأن شيئًا بداخلها تحطم تمامًا.
تكلمت بصراخ وقالت:
"ابعدي عني ملكيش دعوة بيا، لتاني مرة اكون يتيمة، عيشتها اول مرة بسببك، ااااه يارب الصبر من عندك يارب."
تنهدت ترنيم بوجع، وكأن الكلمات أصابتها في قلبها، لكنها لم ترد. اكتفت بأن تربت على كتفها بحنان.
وقالت بهدوء:
"ربنا يهونها عليكي ويصبرك يا حبيبتي."
ثم تركتها واتجهت إلى غرفة سمية لتطمئن عليها.
وقفت أروى على بعد خطوات، تراقب المشهد بعينين مضطربتين. لم تكن بارعة في المواساة، لكنها لم تستطع المغادرة دون أن تقول شيئًا.
اقتربت منها ببطء وقالت:
"ربنا يرحمه، أنا حاسه بيكي وعارفة أنها صعبه عليكي، بس ده عمره، انا مش عارفه المفروض اية بيحصل فى المواقف دي، بس مش حابة اشوفك بالضعف ده، أنا طول عمري بشوفك قوية وحابة شخصيتك دي جدا، علشان كده ارجوكي اقوي وأرجعي احسن من الاول."
ثم ربتت على كتفها برفق، واستدارت وغادرت الممر.
بقيت رنيم جالسة للحظة، تحدق في الفراغ أمامها، والدموع لا تزال تنساب على وجهها.
لكن شيئًا ما تغير داخلها.
رفعت رأسها ببطء، وكأن كلمات أروى أشعلت شيئًا نائمًا في أعماقها.
نهضت فجأة من على الأرض، ومسحت دموعها بعنف بكم ملابسها، كأنها تمحو معها لحظة الضعف.
ارتسمت في عينيها نظرة حادة، ممتلئة بالغضب والوعيد.
ونظرت أمامها بتوعد وقالت:
"ورحمة الغاليين لادفعك التمن غالي اوي، يا شاهين."
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الرابع 4 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الرابع
تحول البيت في تلك الساعات إلى مساحة مكتظة بالحزن، كأن الجدران نفسها قد اكتست بالسواد، كان المكان يعج بفوضى ثقيلة؛ نساء بملابس سوداء يتحركن في صمت ثقيل، أصوات القرآن تتردد في الأرجاء لتهدئة الأرواح المكسورة، وأيادي تمتد للمصافحة، تتبعها كلمات عزاء تتكرر حتى فقدت معناها من كثرة ما قيلت.
وسط كل ذلك، كانت الدائرة الضيقة من الألم تدور حول رنيم وجواهر، وكأن المصيبة قد اختارت أن تستقر في قلبيهما تحديدًا.
أما سمية، فكانت بعيدة تمامًا عن هذا العالم، جسدها ممدد فوق فراشها كجسد منهك، وعيناها غارقتان في عالم آخر لا يمت للواقع بصلة. لم تكن ترى تلك الوجوه المتعزية، ولا تسمع التلاوات التي تملأ المكان، كل ما كان يملأ وعيها هو صورة حسام داخل أحلامها، يتكرر حضوره هناك كأنه لم يرحل قط. كانت ما تزال ترفض الاعتراف بالحقيقة، متشبثة بوهم يمنحها لحظات إضافية من الإنكار.
في الخارج، كان غريب وتامر وجواد يستقبلون عزاء الرجال. وجوههم متماسكة على السطح، لكن التعب بدا واضحًا في نظراتهم وحركاتهم البطيئة. كانوا يرددون كلمات الشكر والتعزية بآلية، بينما في الداخل كانت أرواحهم مثقلة بعبء الفقد.
جلست جواهر على الأريكة بعد أن خارت قواها تمامًا. لم تعد قدماها تتحملان الوقوف طويلًا، وكأن الحزن قد استنزف ما بقي في جسدها من طاقة. أمالت رأسها على كتف رنيم، وما إن وجدت ذلك السند الصامت حتى انفجرت شهقاتها من جديد، ترتفع وتختنق في صدرها كأنها تحاول إخراج الألم الذي يخنقها.
ربتت رنيم على قدمها برفق، محاولة أن تمنحها بعض القوة التي لم تكن هي نفسها تملكها، وقالت:
"أهدي شوية يا حبيبتي، خليكي أقوى من كده."
تكلمت بصعوبة وقالت:
"مش قادرة اصدق ان بابا خلاص مات، مش هيكون موجود على الكرسي بتاعه الصبح، مش هلاقيه فى الشركة فى مكتبه، مكنتش متخيله أن هيجي يوم وأخسره بالسرعة دي يا رنيم، ده وحشني من دلوقتي، هعمل ايه بعد كده؟"
شدتها رنيم إلى صدرها بقوة، كأنها تحاول أن تجمع شتات قلبها بين ذراعيها. خرجت منها تنهيدة حارة مثقلة بالذكريات، ثم تكلمت بحزن:
"ربنا أنعم علينا بنعمة النسيان، اه هيفضلوا عايشين جوه مننا، بس الدنيا هتشغلني بهمومها."
رفعت جواهر رأسها ببطء، وعيناها متورمتان من فرط البكاء، ونظرت إليها وكأنها تبحث في كلماتها عن عزاء حقيقي وقالت بصوت ضعيف:
"يعني انتي قدرتي تنسي خالو سلطان وطنط فريدة؟"
أغمضت رنيم عينيها للحظة، وكأن السؤال أعادها قسرًا إلى ذكرى مؤلمة لم تستطع يومًا دفنها. ثم تكلمت بصوت منكسر:
"منستش طبعا، بس طريقة موتهم وان شوفت ماما وهي بتتقتل قصادي وانا طفلة بالشكل ده هتفضل قصاد عيوني لاخر نفس فيا."
في تلك اللحظة خرجت ترنيم من غرفة سمية. وما إن خطت بضع خطوات حتى التقط سمعها كلمات رنيم الأخيرة. توقفت لثانية، وشعرت بوخزة حادة تخترق قلبها، كأن تلك الجملة أعادت إيقاظ جرح قديم لم يلتئم. لم تقل شيئًا، فقط ابتلعت ألمها بصمت، ثم تحركت نحو الخارج.
هتفت باسم جواد، فجاءها سريعًا. تكلمت بصوت مختنق وقالت:
"نادي على جواهر وخليها تاكل هي ورنيم لقمة من الصبح على لحم بطنهم."
أومأ برأسه فورًا، ثم اتجه إلى الداخل. اقترب من جواهر وأشار لها أن تأتي له. نهضت ببطء شديد، كأن كل خطوة تحتاج منها جهدًا مضاعفًا.
نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع وقالت:
"نعم يا جواد."
مد يده ومسح على خدها بحنو وقال:
"مش ناوية تبطلي عياط شويه؟ عيونك وجعتك يا جواهر ادعيله بالرحمة وخليكي قوية، علشان خاطري."
حركت رأسها بوجع وتكلمت من بين شهقاتها:
"مش قادرة يا جواد، موت بابا صعب اوي عليا، أنا حاسه ان ده كابوس وهصحى منه."
لم يحتمل رؤيتها على تلك الحالة، فاحتضنها بقوة وقبل رأسها وقال بنبرة حنونة:
"كفايه بقى يا جواهر مش قادر اشوفك كده، قلبي بيتقطع علشانك."
تشبثت به بقوة، وكأن حضنه هو الشيء الوحيد الذي يمنعها من الانهيار الكامل، وانطلقت صرخاتها بالبكاء الحارق.
أبعدها قليلًا ومسح دموعها بأصابعه، ثم تكلم بنبرة هامسة وهو يعيد خصلة من شعرها خلف أذنها:
"تعالي انتي ورنيم المطبخ اعملكم سندوتش تاكلوا، انتوا من الصبح مأكلتوش حاجه."
حركت رأسها بالرفض وقالت:
"لا ماليش نفس، علشان خاطري سيبني براحتي يا جواد."
قبل رأسها مرة أخرى وقال بهدوء: "علشان خاطري كلي لقمة صغيرة، يلا يا حبيبتي تعالي معايا."
نظرت إليه بحزن، ثم أومأت برأسها أخيرًا واتجهت نحو رنيم وقالت بصوت هامس:
"رنيم تعالي المطبخ، جواد هيعمل لينا سندوتشات ناكلها، علشان نقدر نصلب طولنا شوية."
أغلقت رنيم عينيها بضيق وقالت بصوت مختنق:
"مش عايزة منه حاجه، روحي انت."
زفرت جواهر بضيق وقالت بنفاذ صبر:
"ده وقته بذمتك يا رنيم."
تكلمت بغضب وقالت:
"اه وقته يا جواهر، اتفضلي انتي روحي معاه، أنا لا طايقه اشوف وشه ولا وش امه."
نظرت جواهر إليها بضيق، ثم تحركت نحو المطبخ وهي تكتم غضبها. جلست على المقعد، وما إن استقرت حتى عادت دموعها تنساب من جديد.
وضع جواد الطعام أمامها وقال متسائلًا:
"امال فين رنيم؟"
تكلمت بصوت مختنق:
"مرضتش تيجي."
أومأ برأسه، ثم أمسك السندوتش وأعطاه لها وقال:
"طيب خدي كلي."
أمسكته وأخذت منه قطعة صغيرة بالكاد تذوقتها، ثم حركت رأسها بالرفض وقالت:
"مش قادرة يا جواد علشان خاطري متغصبش عليا."
زفر بضيق وجلس بجوارها وقال بحزن:
"جواهر اهدي علشان خاطري أنا خايف عليكي، عارف ان غصب عنك، بس ده عمره وانتهى، والعياط مش هيرجعه."
أمالت رأسها على كتفه، والدموع تتسابق على خديها، ثم تكلمت بصعوبة:
"انت عارف انا حاسه بأية يا جواد؟ حاسه ان روحي بتنسحب مني، مخنوقة وباخد نفسي بالعافيه، وبردانه اوي."
ضمها أكثر إلى صدره، وراح يحرك يده على ذراعيها في محاولة لتدفئتها وقال بنبرة حنونة:
"تيجي اخدك لدكتور، علشان ماما مش هتقدر تكشف عليكي وهي فى الحالة دي؟"
حركت رأسها بالرفض وقالت:
"لا، بس ضمني جامد، دفيني يا جواد."
اعتدل جواد في جلسته، نزع الجاكيت عن كتفيه ثم جلس مرة أخرى ووضعه حولها، وأحاطها بذراعه بينما أخذ يحرك ذراعه الآخر على كتفيها في محاولة لبعث الدفء في جسدها المرتجف.
مر بعض الوقت ببطء، حتى شعر أن جسدها قد هدأ وسكنت حركتها بين ذراعيه، نظر إليها فوجدها قد غلبها النوم أخيرًا، والدموع ما تزال مرسومة على خديها.
مسح تلك الدموع برفق شديد، ثم حملها بين ذراعيه بحذر كأنها شيء ثمين يخشى كسره. اتجه بها إلى غرفتها، وضعها على السرير بهدوء، وسحب الغطاء فوق جسدها.
انحنى يقبل رأسها في صمت، ثم تحرك نحو الباب، أطفأ الضوء، وخرج من الغرفة بهدوء وأغلق الباب خلفه.
كان الممر هادئًا على نحو غريب، وكأن البيت بعد ضجيج العزاء الطويل قد بدأ يستسلم شيئًا فشيئًا لصمت ثقيل. تحرك جواد بخطوات بطيئة، وما زال ذهنه عالقًا بصورة جواهر وهي نائمة والدموع على خديها، لكن ذلك السكون لم يدم طويلًا.
فجأة، التقط سمعه صوت أنين خافت يتسلل من خلف باب غرفة رنيم.
توقف في مكانه، وتقلصت ملامحه بقلق واضح، اقترب من الباب وطرق عليه بخفة وهو يقول بصوت متوتر:
"رنيم انتي كويسه؟"
لم يصله أي رد.
ازداد القلق في صدره، فطرق الباب بقوة أكبر وقال:
"رنيم ردي عليا، انتي جوه؟"
لكن بدلاً من الإجابة، ازداد صوت الأنين من الداخل، صوتًا ضعيفًا متقطعًا كأن صاحبه يصارع من أجل التقاط أنفاسه. لم يحتمل الانتظار أكثر، فدفع الباب بسرعة.
اتسعت عيناه بصدمة.
كانت رنيم ملقاة على الأرض بجوار السرير، جسدها ساكن بشكل مخيف، وعلى مقربة منها سقط دواء التنفس. بدا المشهد كله كأنه حدث فجأة وبقسوة.
اندفع نحوها بسرعة، ركع بجانبها وحملها قليلًا وهو يربت على وجهها بلطف محاولًا إيقاظها وقال بقلق واضح:
"رنيم ردي عليا، رنيم."
لكنها لم تتحرك، لم ينتظر ثانية أخرى، نهض بسرعة وحملها بين ذراعيه ووضعها على السرير بحذر، ثم اندفع خارج الغرفة بخطوات متسارعة كأن الأرض تضيق به.
هبط الدرج سريعًا يبحث بعينيه عن والدته، وما إن رآها حتى اقترب منها وقال بصوت خافت لكنه مضطرب:
"ألحقي رنيم يا أمي لاقيتها مغمي عليها وجنبها العلاج ده."
انتفضت ترنيم من مكانها كأن الكلمات أصابتها بصاعقة، واتسعت عيناها بقلق حقيقي وقالت:
"الأزمة، رنيم عندها حساسية صدر ومع الحزن والعياط جاتلها الأزمة، روح بسرعه لأقرب صيدليه، وهاتلها البخاخه دي."
أومأ جواد برأسه دون أن يضيع لحظة، ثم اندفع خارج المنزل يركض.
أما ترنيم فصعدت الدرج بسرعة، خطواتها متلاحقة وقلبها يخفق بقوة داخل صدرها، دفعت باب غرفة رنيم ودخلت مسرعة، ثم جلست بجوارها وراحت تربت على وجهها بحنان، بينما انهمرت الدموع على خديها وقالت بصوت مرتجف:
"متخافيش يا قلب وروح ترنيم، أنا جنبك، وهتبقى كويسه."
نهضت بعدها بسرعة وفتحت خزانة الملابس تبحث بارتباك عن جهاز التنفس. كانت يداها تتحركان بعجلة بين الأشياء حتى وقعت عيناها على صورة موضوعة بين الملابس.
صورة تجمع سلطان وفريدة ورنيم.
تجمدت للحظة.
حملت الصورة ببطء، ونظرت إليها بعينين ممتلئتين بالألم. مرت الذكريات في ذهنها كوميض سريع، لكنها لم تسمح لنفسها بالاستسلام لها. أعادت الصورة إلى مكانها بسرعة، ثم واصلت البحث حتى وجدت الجهاز.
التقطته فورًا، واتجهت به نحو السرير وبدأت في تجهيزه بيدين مرتجفتين. رفعت رأس رنيم برفق، وضعت القناع على وجهها وضبطت موضعه جيدًا، ثم ضغطت على الزر.
جلست بجوارها بعدها تمسك يدها، تتحسس نبضها وتراقب حركة صدرها بقلق شديد. ومع مرور اللحظات بدأ صدرها يهدأ قليلًا، فتنفست ترنيم بارتياح خفيف.
انحنت تقبل يدها بحب، ثم همست بصوت دافئ:
"هفضل جنبك يا زهرتي، اخد بالي منك وارعاكي، انتي اصلا جميلة اوي ومهما كبرتي والزمن غيرك، هتفضل ملامحك بريئه زي ما هي، وحشتني ايامنا سوى يا رنيم."
وبينما كانت كلماتها تنساب بحنين قديم، بدأت رنيم تحرك رأسها قليلًا. رفرفت جفونها ببطء حتى فتحت عينيها.
وما إن وقعت نظراتها على ترنيم حتى انتفضت فجأة، محاولة نزع القناع عن وجهها.
تكلمت ترنيم بسرعة وهي تمسك بيدها:
"أهدي يا رنيم مينفعش تشيلي المسك دلوقتي لحد ما جواد يجيب البخاخة، انتي الأزمة جاتلك، ولولا ستر ربنا وجواد سمعك كان زمانك مرمية فى الاوضة محدش حاسس بيكي، حمدالله على السلامه يا بنتي."
أغلقت رنيم عينيها بحدة، ثم نزعت القناع بعصبية وقالت بغضب:
"اطلعي بره، مش عايزة اشوفك، وملكيش دعوة بيا اتعب ولا اموت دي حاجة متخصكيش."
تنهدت ترنيم بألم، وكأن الكلمات أصابتها في موضع حساس، ثم قالت بصوت مختنق:
"يا ابنتي أنا خفت عليكي، قمت بدوري گ دكتورة قبل أي حاجة، زمان لما جالك نفس الدور، كنت أنا أول واحده تكون جنبك وقتها، رغم كان قلبي لسه مجروح من ابوكي، بعدين، لا ده وقته ولا ده مكانه، اهم حاجه تبقى كويسه دلوقتي."
دفعتها رنيم بقوة بعيدًا عنها وقالت بغضب أشد:
"أنا عمري ما هكون كويسه طول ما انتي قصادي، اطلعي بررره."
هزت ترنيم رأسها بالرفض، وعيناها تلمعان بدموع حبيسة، ثم قالت بصوت مختنق:
"انتي مستحيل تكوني اخده قلب ابوكي الطيب، انتي اخده حقد وقلب امك الاسود، أنا وعد ابوكي أن هحافظ عليكي لاخر نفس فى عمري، وانا قد الوعد ده وهحميكي، حتى لو ده كلفني عمري كله يا رنيم، ربنا يهديكي ويصلح حالك يارب."
أنهت كلماتها بصعوبة، ثم غادرت الغرفة بخطوات بطيئة، وكأن كل خطوة تقتطع جزءًا من قلبها.
ظلت رنيم تنظر إلى الباب الذي خرجت منه للحظات، وعيناها تشتعلان ببريق قاتم، حتى بدا لونهما كأنهما تحولا إلى لون الدم.
ثم قالت بصوت مليء بالحقد والكراهية:
"اصبري عليا، وانا هوريكي سواد وحقد امي اللي بتقولي عليهم بجد."
جلست بعدها على السرير ببطء، وأرجعت شعرها إلى الخلف، بينما كان الغضب يغلي في صدرها كجمر لا ينطفئ.
**************************
مرت عدة أيام…
كان الحزن ما يزال مخيمًا على المكان كغيمة ثقيلة لا تريد أن تنقشع. الصمت أصبح ضيفًا دائمًا في البيت، حتى الجدران بدت وكأنها فقدت صوت الحياة الذي كان يملؤها. لم تعد جواهر تلك الزهرة المتفتحة التي كانت تملأ الأرجاء بعطر حضورها وضحكاتها الدافئة؛ صارت تتحرك ببطء، بنظرات شاردة وابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيها.
أما رنيم…
فكانت تحاول أن تبدو قوية كما اعتاد الجميع رؤيتها، لكن الحقيقة التي لا يعلمها أحد أن تلك القوة لم تعد سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها هشاشة موجعة. داخلها كان شيء ما يتكسر بصمت، بين الحزن والغضب والفراغ الذي تركه حسام خلفه.
علاقتها مع ترنيم ما زالت متوترة؛ نظرات باردة، كلمات مقتضبة، وصمت طويل مليء بأشياء غير قيلت.
وفي وسط كل ذلك، كان جواد يحاول أن يبقى صامدًا، يحاول أن يكون السند الذي تحتاجه جواهر، يعوض ولو جزءًا بسيطًا من الفراغ الذي تركه حسام. كان يفعل ذلك بصمت، بكلمة طيبة أحيانًا، وبوجوده الهادئ أحيانًا أخرى.
أما الشركة…
فقد بدأت عجلة العمل تعود للدوران ببطء، لكن شيئًا واضحًا كان مفقودًا، خبرة سنوات طويلة.
كان حسام هو العقل الذي أسس كل شيء، الرجل الذي يعرف كل تفصيلة صغيرة في هذا المكان، والآن، اختفى فجأة.
وأصبحت رنيم وحدها في المواجهة.
كانت هذه أول تجربة حقيقية لها لتدير شركة بهذا الحجم بمفردها.
جلست على مقعدها خلف المكتب في أول يوم عمل لها بعد وفاة حسام.
بدت وكأنها لم تنم منذ أيام؛ ملامح وجهها باهتة، والهالات الخفيفة تحت عينيها تكشف إرهاقها. حتى ذلك البريق المعتاد في عينيها، اختفى، وكأن الحزن سرقه منها.
مدت يدها ببطء وأمسكت سماعة الهاتف، ثم ضغطت الزر وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا رغم الاختناق الذي يسكنه:
"هات الملفات اللي محتاجه توقيع وجهز أجتماع بكل الاداريين كمان ساعة."
أنهت كلامها وأعادت السماعة إلى مكانها، ثم أسندت مرفقيها على المكتب ورفعت يدها إلى مقدمة رأسها تفركها بأصابعها ببطء، كأن الألم يتجمع هناك. أغمضت عينيها لثواني قصيرة محاولة أن تستجمع ما تبقى من قوتها.
بعد لحظات قليلة فتح الباب ودخل السكرتير، تقدم بخطوات هادئة ووضع مجموعة من الملفات على سطح المكتب بعناية، ثم تنحنح قليلًا قبل أن يقول بصوت مهذب يحمل شيئًا من التردد:
"باشمهندسة رنيم، استاذ شاهين الرواي بره وعايز يقابل حضرتك."
في اللحظة التي نطق فيها الاسم، تغيرت ملامح رنيم تمامًا.
اختفى الإرهاق من وجهها فجأة، وحل مكانه غضب حاد اشتعل في عينيها. رفعت رأسها ببطء شديد، ونظرت إليه من أسفل نظارتها الطبية بنظرة باردة كأنها شفرة حادة.
قالت بصوت منخفض لكنه قاطع:
"دخلوا."
أومأ السكرتير بسرعة وغادر المكتب.
لم تمر سوى ثواني معدودة حتى دوى طرق خفيف على الباب، ثم فتح ببطء، ومن خلفه ظهر شاهين.
وقف للحظة عند العتبة، بنظراته الباردة التي حملت شيئًا واضحًا من الشماتة. كانت عيناه تتجولان في المكتب ببطء، قبل أن تستقر على رنيم.
تقدم إلى الداخل بخطوات واثقة، بطيئة، وكأنه يتعمد أن يستفزها.
لم يلقي التحية، لم يبدي أي احترام، فقط سحب المقعد المقابل لها وجلس عليه بكل كبرياء، واضعًا قدمًا فوق الأخرى وكأنه صاحب المكان.
راقبته رنيم بصمت لثواني.
ثم نزعت نظارتها الطبية بعصبية خفيفة وألقتها على سطح المكتب، وأسندت ظهرها إلى المقعد خلفها محاولة أن تبدو هادئة رغم العاصفة التي بدأت تشتعل داخل صدرها.
وتكلمت بهدوء حذر:
"خير؟ ايه الطلة اللي مش مرحب بيها دي؟"
ارتسمت على وجه شاهين ابتسامة بطيئة، ابتسامة هادئة لكنها مليئة بالاستفزاز. أمال رأسه قليلًا وهو ينظر إليها كأنها مشهد ممتع أمامه، ثم أجابها بنبرة رجولية واثقة:
"أنا اديتك وقتك تزعلي على جوز عمتك بما فيه الكفاية، مش يلا بقى نبدأ شغلنا! ولا أيه رأيك يا صغنن؟"
في تلك اللحظة انقبض فك رنيم بقوة حتى كاد صوت أسنانها يسمع.
قبضت أصابعها على طرف المكتب محاولة أن تتحكم في نفسها، لكن الغضب كان يتصاعد داخلها كالنار.
تكلمت باستهزاء واضح:
"وانت متخيل أن بعد اللي حصل بسببك لأونكل حسام؟ هاجي واقولك أوامرك يا سيد الناس، انت أهبل؟ أنا وأنت بقى بينا عدواه نهايتها الدم يا شاهين."
رفع شاهين كتفيه بلا مبالاة، وكأن كلماتها لا تعنيه بشيء، وقال ببرود مستفز:
"والله العداوة دي انتي اللي بدأتيها مش أنا، وأنا باخد حقي منك بطريقتي، وموت حسام ده كان البداية، ولسه اللي جاي كتير."
اتسعت عينا رنيم للحظة، ثم نهضت فجأة من مقعدها.
تحركت نحوه ببطء، خطوة بعد الأخرى، نظراتها مثبتة عليه كأنها تتحداه. كانت المسافة بينهما تقل تدريجيًا حتى وقفت أمامه مباشرة.
قالت بصوت منخفض لكنه مليء بالتهديد:
"انت بدأت أول خطوة واللي جاي كله بتاعي."
ثم رفعت ذقنها قليلًا وأضافت بتحدي واضح:
"وهعرفك اللي يفكر يلعب مع بنت سلطان الدسوقي آخرته أيه؟"
لكن قبل أن تستوعب ما يحدث،
تحرك شاهين فجأة.
مد يده بسرعة وسحبها نحوه، لتجد نفسها في لحظة تسقط داخل أحضانه.
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، بينما أجلسها على قدمه وأحكم ذراعه حولها بقوة تمنعها من الحركة. اقترب من أذنها وهمس بصوت خافت دافئ لكنه يحمل خطورة واضحة:
"بيعجبني اوي اللعب اللي بيبقى كله تحدي، وبالذات لما يكون مع واحدة قويه وجميله زيك، بستمتع اوي، بس فى الآخر، المكسب بيكون على حجري زيك كده يا صغنن."
اشتعل الغضب داخل رنيم أكثر.
بدأت تتحرك بعنف محاولة الإفلات منه، تضرب بيديها وتدفعه بكل قوتها، لكنه كان ممسكًا بها بإحكام شديد.
وفجأة اقترب بوجهه منها أكثر، بدرجة جعلت أنفاسه الساخنة تلامس وجهها.
تحدث قرب شفتيها مباشرة دون أن يلمسهما:
"بس طبعا كل خساره ليها حكم، وانا حكمي هيكون صعب عليكي يا صغنن، بس متشوق ليه اوووي."
وفي اللحظة نفسها كانت يده تتحرك بطريقة مستفزة على جسدها.
انفجرت رنيم بصراخ حاد وهي تدفعه بكل ما لديها من قوة:
"أبعد عني يا حيوان، أنا قرفانه منك، أنا هوريك يا شاهين، هدفعك التمن غالي."
تركها أخيرًا، لكن ببطء شديد، كأن إطلاقها كان جزءًا من اللعبة. ظل يراقبها وهي تبتعد عنه وعيناها تشتعلان غضبًا.
ثم تعالت ضحكته.
نهض من مكانه واستقام بجسده وقال بتسلية واضحة:
"اللعب معاك مسلي، يا صغنن."
دفعت رنيم صدره بقوة وهي تصرخ:
"اطلع بره يا حيوان، اطلع بررره."
نظر إليها لحظة أخيرة، ثم استدار متجهًا نحو الباب، ضحكته الخافتة ما زالت تخرج منه وكأنه خرج منتصرًا من معركة ممتعة.
فتح الباب وغادر.
وبمجرد أن أُغلق الباب خلفه، انفجرت رنيم.
ضربت سطح المكتب بقبضتها بقوة حتى ارتجت الملفات فوقه، وصرخت بصوت مليء بالغضب والاحتقان:
"هقتلك يا شاهين هقتلك."
**************************
وصلت أروى إلى جامعتها الخاصة في وقت مبكر من الصباح، كانت الشمس قد بدأت تشرق بخجل فوق مباني الحرم الجامعي، بينما امتلأ المكان بحركة الطلاب وأصواتهم المتداخلة.
سارت أروى بخطوات هادئة عبر البوابة، حقيبتها على كتفها ونظراتها شاردة قليلًا. كانت تحاول أن تبدو طبيعية، أو ربما كانت تحاول فقط أن تتجاهل شيئًا بداخلها.
لكن خطواتها تباطأت فجأة، على بعد عدة أمتار منها، كان يقف ميرو، لم يكن وحده.
كان واقفًا بجوار تلك الفتاة، يتحدث معها ويضحك، وكأن العالم كله لا يعنيه. كانت الفتاة تقترب منه بطريقة واضحة، تميل نحوه وهي تتحدث، بينما هو لم يبد منزعجًا إطلاقًا.
توقعت أروى أن تشعر بشيء، غضب، غيرة، ألم، أي شيء.
لكن الغريب، أن قلبها ظل هادئًا.
لا نبضة تسارعت، ولا نار اشتعلت داخل صدرها.
فقط ابتسمت ابتسامة صغيرة مليئة بالتهكم، وكأن المشهد أمامها لم يكن أكثر من نكتة سيئة.
ثم أكملت طريقها وكأنها لم تر شيئًا.
لكن قبل أن تبتعد كثيرًا، سمعت صوته يهتف خلفها:
"أروى!"
توقفت في منتصف الطريق.
لم تلتفت.
وقفت ثابتة في مكانها، وكأنها تمنح نفسها ثانية واحدة فقط لتقرر، هل يستحق حتى أن تنظر إليه؟
اقترب منها بسرعة، حتى وقف خلفها مباشرة، ثم أمسك يدها فجأة وقال بصوت بدا فيه شيء من الحنين المصطنع:
"وحشتيني."
نظرت إلى يده التي تمسك بها لثواني، ثم سحبت يدها منه ببطء وكأنها تخلص نفسها من شيء مقرف، وقالت بتهكم واضح:
"وحشتك؟ امم، لا واضح فعلا أن وحشتك، اخبار الويك أند أيه؟ حلو؟"
ارتبك ميرو فورًا، تبدلت ملامحه للحظة، وكأن السؤال أصابه في نقطة لم يكن مستعدًا لها، نظر حوله بسرعة ثم عاد ينظر إليها وقال بتلعثم:
"ها، ا اه حلوه بس كانت نقصاكي."
ارتسمت على وجه أروى ابتسامة ساخرة، ابتسامة خفيفة لكنها مليئة بالاستهزاء.
أومأت برأسها ببطء وقالت:
"روح للعسل اللي كانت واقفه معاك ميصحش تسيبها لوحدها."
تغيرت ملامح ميرو بسرعة، وقال مستعجلًا وكأنه يحاول إنقاذ الموقف:
"ل لا والله مافيش ما بينا حاجه، حتى حاولة تقرب مني كتير بس كنت بصدها، انتي عارفه أن مافيش غيرك فى قلبي."
عقدت أروى ذراعيها على صدرها، وثبتت عينيها عليه بنظرة طويلة جعلته يتوتر أكثر.
ثم قالت بهدوء متعمد:
"ميرو، هو أيه اخرت علاقتنا دي؟ يعني ناوي تعمل ايه بعد كده؟"
تجمد للحظة.
تنحنح وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا، لكنه فشل تمامًا، وقال بعدم فهم مصطنع:
"م مش فاهم، لزمته ايه السؤال ده دلوقتي؟"
ابتسمت أروى ابتسامة هادئة، لكنها كانت ابتسامة شخص اتخذ قراره بالفعل، وقالت:
"هو ايه اللي لزمته السؤال ده دلوقتي؟ مش بسألك علشان اعرف ايه الخطوة الجايه فى حياتنا أنا وأنت؟"
مرر يده في شعره بتوتر واضح، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
"ا اكيد يعني هيكون ف في ارتباط."
أومأت أروى برأسها ببطء، وكأنها تحلل كل كلمة خرجت من فمه، ثم قالت بتساؤل هادئ لكنه مباشر:
"ايوه ما أنا عارفه أن هيكون فيه أرتباط، بس ارتباط من أنه نوع؟"
ازدادت ملامح التوتر على وجهه، وبدأ يشعر أن الحديث يسير في اتجاه لا يريده.
تنحنح مرة أخرى وقال:
"انتي فيه أيه؟ مالك النهارده غريبه كده؟ كل ده علشان مجتيش معايا؟"
في تلك اللحظة، اختفت الابتسامة من وجه أروى تمامًا.
زفرت بضيق، ونظرت إليه بنظرة مليئة بالاحتقار وقالت بغضب واضح:
"انت واطي وجبان، كل حاجه عملتها انت والقطة التانيه، وصلتلي صوت وصورة، بجد خالو تامر كان عنده حق فى كل كلمة قالها عليك، حسك عينك تشوفني فى مكان وتيجي تكلمني فاهم."
أنهت كلامها واستدارت لتغادر.
لكن قبل أن تخطو خطوتين، ركض خلفها وأمسكها بقوة من ذراعها.
استدارت إليه بعنف، بينما هو كان ينظر إليها بنظرة مختلفة تمامًا، نظرة رجل جرح غروره، وقال بغضب واضح:
"لا يا حلوة فؤقي لنفسك وأعرفي انتي بتتكلمي مع مين كده، أنا مافيش واحده تسيبني، أنا اللي اسيب لما مزاجي يعوز كده."
في اللحظة التالية، دفعت أروى يده بعيدًا عنها بقوة.
ثم رفعت يدها وصفعته على وجهه صفعة قوية دوى صوتها في المكان.
وقالت بحدة شديدة:
"أبعد عني يا حيوان، ولو فكرت تتعرض ليا تاني أنا اللي هعرفك أنا مين وبنت مين، فاهم."
لم تنتظر رده. استدارت بسرعة وتحركت بعيدًا عنه بخطوات سريعة، بينما كانت أنفاسها تتصاعد من شدة الغضب.
أما هو، فبقي واقفًا في مكانه لثواني، يضع يده على خده مكان الصفعة، وعيناه تشتعلان غضبًا وكرامة مجروحة.
نظر إلى أثرها وهي تبتعد، وقال بصوت منخفض مليء بالوعيد:
"ماشي يا حلوة مبقاش أنا، لو مكنتش ادفعك التمن غالي اوي."
ثم استدار ببطء وعاد إلى تلك الفتاة مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت عيناه تتجهان نحو الطريق الذي اختفت فيه أروى، نظرة تحمل وعدًا واضحًا بالانتقام.
**************************
عند جواهر…
كانت تجلس على مقعدها كتمثال فقد روحه.
عيناها لا تنظران إلى شيء محدد، فقط تحدقان في الفراغ أمامها وكأنها تبحث فيه عن شيء ضاع ولن يعود.
وجهها شاحب بشكل واضح، والهالات السوداء تحت عينيها بدت أعمق من المعتاد، كأن النوم هجرها منذ أيام طويلة.
كانت الدموع تنساب على خديها ببطء دون أن تحاول حتى أن تمسحها.
كلما مرت صورة من ذكرياتها مع والدها في عقلها، وهي طفلة تمسك يده، أو وهو يضحك معها، أو صوته وهو يناديها بحب، كان قلبها ينقبض أكثر.
الاشتياق له أصبح ألمًا حقيقيًا يسكن صدرها، ألم لا يهدأ مهما حاولت أن تتماسك.
في تلك اللحظة فتح باب الغرفة بهدوء.
دخل جواد بخطوات مترددة قليلًا.
بمجرد أن وقعت عيناه عليها، توقف مكانه للحظة.
كان المشهد أمامه يوجع القلب.
رآها جالسة بلا حركة تقريبًا، نظراتها شاردة والدموع تنساب على وجهها دون توقف، وكأنها لم تعد تملك القدرة حتى على مقاومة حزنها.
تنهد بحزن عميق، ثم اقترب منها ببطء.
جلس على حافة المكتب أمامها، ومد يده يمسك يدها برفق، وكأنه يخشى أن تنكسر بين يديه.
ثم تكلم بصوت رجولي دافئ، حاول أن يخفي فيه قلقه:
"طيب وآخرت اللي انتي فيه ده ايه؟ على طول سرحانه ودموعك مش بتوقف، ولا بتاكلي ولا بتشربي، ولا بتتكلمي، وحشتني ضحكتك يا جوجو."
بمجرد أن سمعت صوته، انهارت.
تعالت شهقاتها فجأة وكأن الكلمات كسرت السد الذي كانت تحاول أن تبنيه داخلها.
وقالت بصعوبة بين دموعها:
"بابا وحشني اوي يا جواد، الحياة وحشه اوي من غيره، أنا نفسي يرجع لو ثانيه واحده بس احضنه واشم ريحته، أنا حاسه ان حياتي وقفت من اللحظه اللي بابا سابني فيها."
انقبض قلب جواد بشدة وهو يسمع كلماتها.
مال بجسده للأمام ببطء، وقبل رأسها بحنان شديد، ثم أمسك وجهها بين يديه بلطف، وأجبرها أن تنظر إلى عينيه.
كانت عيناه مليئتين بالصدق والقلق عليها.
وقال بهدوء عميق:
"أنا حياتي واقفه عليكي يا عمري، نفسي اشوف ضحكتك من تاني، وحشتني جواهر الفرفوشة اللي مكانتش بتبطل ضحك وهزار، وحشتني المصايب بتاعتك، والمشاكل اللي كنتي بتعمليها ليا، ارجعيلي يا جوجو، وأيدي فى ايدك نعدي الصعب سوا، ونوصل لبر الآمان."
أغلقت جواهر عينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تحبس دموعها، لكنها فشلت.
وقالت بصوت متكسر بين شهقاتها:
"صدقني يا جواد نفسي ارجع زي زمان، بس كل ضحكه بتيجي قصادي صورة بابا، تسبقها دمعه، أنا حاسه نفسي مش كويسه خالص، ا أنا بيجيلي افكار وحشه اوي وانا لوحدي، كل ما افتكر ان بابا خلاص مات ومش هشوفه تاني، بلاقي دماغي تخدني أن أعمل حاجه فى نفسي علشان اروح ليه، انا بقيت اخاف اقعد لوحدي يا جواد."
تجمد جواد في مكانه للحظة.
شعر وكأن قلبه انقبض بقوة داخل صدره.
فكرة أنها قد تؤذي نفسها، كانت كفيلة بأن تبث الرعب داخله.
حرك رأسه بسرعة بالرفض، وازداد تمسكه بيديها وقال بترجي صادق:
"اوعي يا جواهر ارجوكي، انتي لو عملتي اللي بتقولي عليه ده، يبقى بتحكمي عليا بالموت أنا كمان، انا عايش علشانك انتي وبس."
ظل ينظر إليها لحظة طويلة، كأنه يفكر في شيء ما، شيء ظل يدور في رأسه منذ فترة.
ثم تنهد ببطء، وقال بصوت مليء بالمشاعر:
"تتجوزيني يا جواهر؟"
رفعت جواهر رأسها فجأة.
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وكأنها لم تستوعب ما قاله.
وقالت بدهشة واضحة:
"اتجوزك! دلوقتي يا جواد؟"
أومأ برأسه بهدوء، ثم قال موضحًا:
"ايوه يا جواهر، انا اصلا كنت ناوي اخد الخطوة دي واتقدملك، بس قولت استنى لما أروى تتخرج السنه دي، لكن خلاص مش قادر أستحمل بعدك عني اكتر من كده، أنا محتاجك وانتي محتاجاني، هكتب كتابك دلوقتي، والفرح بعد ست شهور علشان الوقت دلوقتي مش مناسب، ايه رأيك؟"
انخفضت نظرات جواهر مرة أخرى.
تنهدت بوجع عميق، وكأن قلبها عاد إلى نفس النقطة المؤلمة.
وقالت بصوت مختنق:
"كان نفسي بابا يكون موجود دلوقتي، كان هو اول حد هجري عليه واترمي فى حضنه من الفرحه، اااه يا بابا ليه سبتني دلوقتي وانا محتاجلك ليييه؟"
لم يحتمل جواد رؤيتها بهذا الشكل أكثر.
فتح ذراعيه وجذبها إلى صدره بقوة.
احتضنها وكأنه يحاول أن يحميها من العالم كله، وربت على ظهرها بحنان وهو يقول بصوت هادئ:
"علشان خاطري اهدي يا جواهر."
تمسكت به جواهر بقوة، كالغريق الذي يتمسك بطوق النجاة.
وظلت تبكي، تبكي بحرقة ووجع، وكأن كل ما بداخلها يخرج في تلك اللحظة.
****************************
بالمساء…
كان الهدوء يخيم على الغرفة، لا يسمع فيها سوى صوت أنفاس هادئة تتردد في المكان.
كانت الإضاءة الخافتة تنعكس على الجدران بلون دافئ، لكن ذلك الدفء لم يكن كافيًا ليبدد الحزن الذي يسكن قلب ترنيم.
تمددت على فراشها بجوار غريب، جسدها بدا مرهقًا كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
ملامحها كانت شاحبة قليلًا، وعيناها تحملان ذلك الحزن الصامت الذي لا يحتاج إلى كلمات ليفهم.
لاحظ غريب حالتها.
نظر إليها لحظة طويلة، ثم مد ذراعه نحوها بابتسامة حنونة، وكأنه يفتح لها ملاذًا آمنًا يهرب إليه قلبها المتعب.
وقال بلطف:
"تعالي يا قلبي."
نظرت إليه ترنيم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت ابتسامة حزينة، كأنها محاولة خجولة لإخفاء ما بداخلها.
اقتربت منه ببطء، ثم دخلت بين ذراعيه واستقرت في حضنه، وكأنها وجدت المكان الوحيد الذي تستطيع أن تضع فيه رأسها دون خوف.
قالت بصوت مختنق قليلًا:
"أنا زعلانه اوي على سمية، من يوم موت حسام وهي على طول نايمه بتهرب من الواقع، مش قادرة تصدق، أن حسام مات بجد وسابها، كتر خيرها، حسام بالنسبه ليها مش مجرد شخص عادي، حسام كان دنيتها كلها ابوها واخوها وابنها وحبيبها وجوزها وأبو بنتها، أنا اكتر واحده حاسه بيها، علشان حضرت معاها اول دقة قلب ليها، وقفتها ليه فى الشباك، فرحتها لما يسلم عليها، دخلت هندسه مخصوص علشان تبقى زيه، حبه عاش معاها جميع مراحل عمرها، مش سهل عليها تتقبل فكرة موته بالسهولة دي."
بينما كانت تتحدث، كانت عيناها تلمعان بدموع حاولت أن تخفيها، وكأن كلماتها تعيد أمامها شريط حياة كاملة عاشتها سمية مع حسام.
ربت غريب على ذراعها بحنان، حرك يده ببطء كأنه يحاول أن يهدئ ذلك الحزن المتدفق من صوتها.
وقال بنبرة هادئة:
"ربنا يصبرها ويقويها، الفراق مش سهل، وبالذات لما يكون حبيب عمرها."
أغمضت ترنيم عينيها ببطء.
كأن تلك الكلمات أعادت إلى ذاكرتها شيئًا حاولت أن تنساه.
خرجت منها تنهيدة طويلة ساخنة، وقالت بصوت مختنق:
"عندك حق، الفراق أكتر حاجه مؤلمة ميحسش بيه غير اللي مر بوجعه."
ساد صمت قصير بينهما.
كأن كل واحد منهما غرق في أفكاره الخاصة.
لكن ترنيم لم ترد أن تبقى في تلك الذكريات المؤلمة أكثر، فحاولت أن تغير الحديث سريعًا.
رفعت رأسها قليلًا وقالت:
"جواد عايز يتقدم لجواهر يا غريب."
رفع غريب حاجبيه بدهشة واضحة، ونظر إليها باستغراب قبل أن يقول:
"دلوقتي! انتوا شايفين أن الوقت مناسب لحاجة زي كده؟"
تحركت ترنيم قليلًا في حضنه، ثم قالت بهدوء محاولة أن تشرح له وجهة نظرها:
"أنا شايفه أن ده انسب وقت يا غريب البنت مدمرة خالص بسبب موت ابوها، محتاجه جواد جنبها يقويها، وكمان دلوقتي هما مش معاهم راجل، وميصحش ابنك يكون داخل خارج عندهم من غير حاجة رسمي، الناس هتتكلم، هو قالي هيلبس شبكة ويكتب الكتاب على الضيق كده، والفرح هيخليه بعد ست شهور، يكون الدنيا هديت شويه ويكون جهز الدور بتاعه."
ظل غريب صامتًا لثواني، يفكر في كلامها.
ثم تنهد بهدوء، وكأنه اقتنع بما قالته، ورد عليها بنبرة دافئة:
"تمام يا حبيبتي اللي انتوا شايفينه صح أنا معاكم فيه."
ارتسمت على وجه ترنيم ابتسامة حقيقية هذه المرة.
رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليه بحب وقالت:
"ربنا يخليك لينا يارب يا حبيبي."
ابتسم غريب بحنان، ثم انحنى قليلًا وقبل رأسها بحب وقال:
"ويخليكي ليا يا أجمل حاجه حلوة حصلت فى حياتي."
ضمها إلى صدره أكثر.
أحاطها بذراعيه بقوة وكأنه يريد أن يحتفظ بها داخل هذا الحضن إلى الأبد، وبدأ يملس على شعرها بحنان، بحركات هادئة مطمئنة، ومع ذلك الدفء، ومع ذلك الأمان، استسلمت ترنيم أخيرًا للنعاس، وبعد دقائق قليلة، كانا قد غرقا معًا في نوم عميق.
*************************
في مكان آخر…
كان المكان غارقًا في سكون ثقيل، سكون لا يشبه الطمأنينة بقدر ما يشبه ترقب العاصفة قبل أن تنفجر، الهواء بدا راكدًا، مشبعًا بشيءٍ خفي من التوتر، وعلى أحد المقاعد جلس شاهين مستندًا بظهره إلى الخلف، يراقب الشاب الجالس أمامه بعينين ضيقتين، تتأملانه بفضول ممزوج بشيء من السخرية الخفية.
كان الشاب يبدو مثقلًا بضيق واضح، ملامحه مشدودة، وكتفاه منحنيتان قليلًا كما لو أنه يحمل فوقهما عبئًا لا يرى. كان الصمت بينهما ثقيلًا، يتسلل ببطء بين الأنفاس، قبل أن يقطعه شاهين أخيرًا بنبرة تحمل تساؤلًا واضحًا:
"خير يا أخرت صبري؟ قاعد شايل الهم ليه؟"
رفع الشاب عينيه نحوه بوجه متجهم، وفي نظرته ضيق مكتوم يكاد يفيض، لم يكن الأمر مجرد ضيق عابر، بل كان خليطًا من الغضب والإحراج معًا، كأن ما حدث له ترك داخله أثرًا لم يستطع تجاوزه بعد. أجاب بصوت مختنق، وكأنه ما زال يشعر بحرارة الصفعة التي تلقاها:
"البنت اياااها قفشت عليا النهاردة، وضربتني بالقلم، وامك لو عرفت مش بعيد تقتلني."
لم يتحرك شاهين كثيرًا، بل اكتفى بابتسامةٍ ساخرةٍ ارتسمت ببطء على شفتيه، ابتسامة تحمل استخفافًا واضحًا، كأنه وجد في الأمر مادة للسخرية أكثر من كونه مشكلة حقيقية. قال بنبرة خفيفة لكنها لاذعة:
"هو انت فاشل فى كل حاجه يا ابني؟ حتة بنت مش عارف توقعها."
أطلق زفرة حادة، حاول بها أن يفرغ شيئًا من ضيقه المتراكم، ثم قال بصوت ما زال يحمل اختناقًا واضحًا:
"أعمل ايه البت قعدت تسألني اخرت الحب ده ايه وهنرتبط ازاي والكلام ده، وحد صورنا فى الويك اند أنا ومرام وبعتلها فيديو صوت وصورة."
ساد صمت قصير بعد كلماته، صمت ثقيل كأن الهواء نفسه توقف لثواني. ثم استقام الشاب في جلسته قليلًا، كأنه يحاول أن يبرر موقفه أو يوضح ما كان يخطط له منذ البداية، وقال:
"كنت خلاص هنفذ اللي أمك طلبته مني فى الإجازة دي بس ابوها رفض أنها تسافر معانا."
أما شاهين، فقد بدت عليه ثقة باردة، تلك الثقة التي لا تهتز بسهولة. وضع قدمًا فوق الأخرى في هدوء تام، وكأن كل ما يسمعه لا يثير داخله أي توتر، ثم قال بنبرة واثقة، كمن يعطي درسًا يعرفه جيدًا:
"عبيط، البنات مش عايزه السرعه، على الهادي، واديها وقتها لحد ما تلين معاك وتسلمك نفسها برضاها، أتعلم من أخوك الكبير يا بأف."
ارتسمت على وجه الشاب ابتسامة ساخرة، لكنها لم تكن خالية من التحدي، وكأنه وجد الفرصة ليرد بسخرية مماثلة. مال قليلًا للأمام وقال بنبرة لاذعة:
"واخويا الكبير عمل ايه أن شاءالله، ما البت ماسحه بي الأرض ومش عارف ياخد معها، لا حق ولا باطل."
للحظة قصيرة خيم صمت ثقيل بينهما، لكن شاهين لم يظهر أي انفعال واضح. على العكس، بدا هادئًا بصورة مريبة. اقترب منه قليلًا وربت على كتفه بحركة بدت عادية في ظاهرها، لكنها حملت في طياتها شيئًا مخيفًا من البرود، ثم قال بنبرة منخفضة هادئة، لكنها تحمل خلفها قسوة واضحة:
"لااا، رنيم مش بنت عاديه زي البنات، البنت دي شخصيتها قويه ومش هتيجي بالعند، أنا شغال معاها على الهادي، شوية اقسى وشوية ألين، لحد ما تستوي على نار هادية، اللي خلانا نستنى السنين دي كلها مش هتيجي على كام شهر ولا حتى سنة، والكل هيحاسب على المشاريب."
كانت كلماته باردة، مدروسة، كأنها خرجت من عقل اعتاد التخطيط طويلًا قبل أن يتحرك. لم يكن في صوته تردد، بل يقين مخيف بأن ما يريده سيحدث، مهما طال الوقت.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انشق الصمت على صوت نسائي قادم من خلفهما، صوت يحمل نبرة فخر واضحة، كأن صاحبته كانت تستمع إلى حديثهما منذ البداية:
"خمسه عليك يا قلب امك، هو ده ابن مريم بجد."
استدار الاثنان معًا نحو مصدر الصوت، وقد تبدلت ملامحهما في لحظة واحدة. لم يكن ذلك الصوت غريبًا عليهما، بل كان صوتًا يعرفانه جيدًا ويحمل في داخله سلطة لا يمكن تجاهلها.
اقتربا منها بسرعة، وفي حركة تكاد تكون تلقائية، جلسا على ركبتيهما أمام المقعد المتحرك. كانت تلك الحركة تحمل مزيجًا غريبًا من الاحترام والطاعة، وكأنها طقس اعتادا عليه منذ زمن.
انحنى كل منهما يقبل يدها بسعادة واضحة، لكن تلك السعادة لم تكن بريئة كما قد تبدو، فعندما رفعا رأسيهما ونظرا إليها، كانت نظراتهما تحمل شيئًا آخر تمامًا، وعيدًا باردًا، وعزمًا مظلمًا، كأن خلف تلك اللحظة الهادئة، تختبئ نار لم تبدأ بعد، لكنها حين تشتعل، لن تنطفئ بسهولة.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس 5 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس
في صباح يوم جديد…
تسللت خيوط الصباح الأولى إلى الغرفة في هدوء خافت، كأنها تحاول أن توقظ المكان برفق دون أن تزعج ما يختبئ فيه من تعب ووجع، كان الضوء الشاحب ينساب عبر الستائر ليغمر أطراف الفراش بلون باهت، بينما كانت رنيم ما تزال غارقة في نوم متقطع، نوم لم يحمل لها الراحة بقدر ما حمل بقايا إرهاق ثقيل يسكن جسدها.
فتحت عينيها ببطء، وكأن جفونها أصبحت أثقل من أن ترفع بسهولة. كان الألم يسري في جسدها كتيار بارد، ومعه شعور غامض بالاختناق، شعور لم تستطع تفسيره للحظة، اعتدلت في جلستها ببطء، وأعادت شعرها إلى الخلف بحركة متعبة، بينما كانت ملامحها ما تزال عالقة بين النعاس والضيق.
لكن ما إن تسللت إلى ذهنها ذكرى الأمس، حتى تبدلت ملامحها فجأة.
تذكرت كلمات شاهين، ونبرته، والطريقة التي كانت تتحرك بها يداه على جسدها بصورة جعلت الاشمئزاز يتسلل إلى أعماقها كسمٍّ بارد، ارتسم الغضب على وجهها سريعًا، وانقبض فكها بقوة حتى بدت أسنانها كأنها تطبق على بعضها في حدة.
زفرت بضيق شديد، وكأنها تحاول أن تطرد تلك الذكرى من رأسها، لكن الشعور المقزز ظل يلاحقها، لم تحتمل البقاء في مكانها أكثر من ذلك، فنهضت من فوق الفراش بخطوات سريعة، كأن الحركة وحدها قادرة على إبعاد ما يثقل صدرها.
اتجهت إلى المرحاض مباشرة، وكأنها تبحث عن وسيلة تمحو بها أثر ما شعرت به، أدارت الماء البارد وتركت قطراته تنهمر فوق جسدها طويلًا، كان البرد يلسع بشرتها، لكن ذلك الإحساس القاسي كان أهون عليها من شعور القرف الذي ظل يلتصق بداخلها.
وقفت تحت الماء حتى شعرت أن جسدها بدأ يهدأ قليلًا، ثم أغلقت الصنبور وخرجت ببطء. ارتدت ملابسها بعناية هادئة، ومشطت شعرها في صمت، بينما كانت ملامحها قد استعادت شيئًا من صلابتها المعتادة.
بعد لحظات، هبطت إلى الأسفل بخطوات هادئة، كان المنزل ساكنًا بصورة غير معتادة، سكون ثقيل يحمل في طياته بقايا الحزن الذي خيم على المكان منذ رحيل حسام، ألقت نظرة سريعة حولها، فاكتشفت أن جواهر ما تزال داخل غرفتها، وأن سمية كذلك لم تخرج بعد.
تنهدت بخفة، ثم اتجهت نحو غرفة عمتها.
وقفت أمام الباب لحظة، وكأنها تجمع شتات صبرها قبل أن تطرق، ثم رفعت يدها وطرقت برفق قبل أن تفتح الباب ببطء.
دخلت لتجد سمية ما تزال نائمة فوق الفراش، ملامحها شاحبة، وجسدها ساكن بطريقة توحي بأنها لا تهرب إلى النوم طلبًا للراحة، بل هروبًا من الواقع.
اقتربت منها رنيم بهدوء، وجلست بجوارها، ثم مدت يدها تربت على ظهرها بحنو، محاولة أن توقظها بلطف دون أن تفزعها.
"عمتو، عمتو سمية، اصحي يلا يا حبيبتي علشان تاكلي لقمة."
حركت سمية رأسها بالرفض وقالت:
"لما عمك حسام يجي هاكل معاه."
تصلبت ملامح رنيم للحظة، وكأن تلك الكلمات سقطت فوق قلبها كحجر ثقيل، أغمضت عينيها بحزن عميق، وحاولت أن تتحكم في ارتجاف صوتها وهي تقول:
"يا عمتو فؤقي بقى، اونكل حسام ربنا يرحمه، هو دلوقتي فى مكان احسن من هنا."
لكن كلماتها كانت كافية لتفتح جرحًا لم يلتئم.
انهمرت الدموع من عيني سمية وهي ما تزال مغمضة الجفون، وبدأت تهز رأسها بهستيرية واضحة، كأنها ترفض الحقيقة بكل ما تبقى لديها من قوة.
"بس يا رنيم متقوليش كده، بس."
شعرت رنيم أن قلبها ينقبض بقسوة، لكنها لم تستطع التراجع. كان لابد أن تواجهها بالحقيقة، مهما كانت قاسية.
تكلمت بوجع وقالت:
"لا مش هسكت يا عمتو، لازم تفؤقي وتتقبلي الحقيقه، اونكل حسام خلاص مات، الشركه محتاجه وجودك فيها، أنا مش قادرة ادرها لوحدي، ارجوكي ارجعي زي الاول، وارضي بالحقيقه."
ما إن انتهت كلماتها حتى انفجرت سمية بالبكاء.
صرخت بهستيرية وهي تنادي اسم حسام مرارًا، ثم ارتمت فجأة داخل أحضان رنيم، كطفلة صغيرة فقدت ملاذها الوحيد.
تجمعت الدموع في عيني رنيم، لكنها قاومتها بقوة. لم تسمح لها بالسقوط. اكتفت بأن تربت على ظهر سمية بحنان عميق، محاولة أن تمنحها بعض السكينة.
"أدعيله يا عمتو، هو دلوقتي بين ايادي الله، ومش فى ايدينا حاجه، غير الدعاء."
تكلمت سميه بصراخ وقالت:
"اااه، يا حسام سبتني ليه ومشيت؟ انت وعدني انك هتفضل جنبي، الدنيا صعبه اوي من غيرك، اه يا عشرة عمري، يا حب فتحت عيوني عليه، يارب الصبر من عندك يارب."
ابتلعت رنيم مرارة كلماتها بصعوبة، ثم قالت بصوت مختنق:
"ربنا يرحمه ويصبرنا على فراقه يارب."
بعد لحظات نهضت من فوق الفراش، واتجهت إلى الطاولة الصغيرة القريبة. أخذت منها دواء سمية ثم عادت إليها، وأعطتها الحبوب مع كوب من الماء.
"خدي يا عمتو علاجك، الضغط عندك عالي جدا."
أمسكت سمية بالكوب بيد مرتعشة، وارتشفت منه بضعة قطرات فقط قبل أن تعيده إليها.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انفتح الباب ودخلت ترنيم.
رفعت رنيم عينيها نحوها بنظرة ضيقة، ثم وضعت الكأس بجوار سمية وقالت ببرود:
"أنا ماشيه يا عمتو محتاجه حاحة؟"
حركت سمية رأسها بالرفض.
تكلمت ترنيم سريعا وقالت:
"عاملة ايه دلوقتي يا رنيم؟"
أغلقت عينيها بغضب وتكلمت من بين أسنانها:
"وانتي مالك، قلتلك ملكيش دعوة بيا، ده انتي لزقة، ومعندكيش دم."
تكلمت سمية بصوت ضعيف لكنه غاضب وقالت:
"رنيم، عيب كده، مش هقبل بأهانة ترنيم بأي شكل."
نظرت رنيم لها بضيق ثم تكلمت بصوت مختنق:
"أنا ماشيه يا عمتو احسن، افقد اعصابي اكتر من كده."
ثم خرجت من الغرفة بخطوات سريعة، والغضب يكاد يتفجر من ملامحها.
تكلمت سميه بأسف وقالت:
"حقك عليا يا ترنيم، انا عارفه ان رنيم زودتها معاكي اوي، بس احنا كلنا بنمر بفترة صعبه واعصابنا تعبانه."
ابتسمت لها بحزن وقالت:
"مش زعلانه منها يا سميه ومهما تعمل هطول بالي عليها، اللي هي شافته وعاشته مش سهل على واحده فى سنها تستحمله، ربنا يهديها."
ثم نظرت إلى علاج سميه وقالت بتساءل:
"اخدي علاجك؟"
اومأت رأسها بحزن وقالت:
"اه رنيم اديتهولي."
اومأت ترنيم رأسها وقالت:
"طيب يلا قومي معايا، هساعدك تخدي حمام سخن تنزلي بي تعب الايام اللي فاتت."
حركت سميه رأسها بدموع وقالت:
"مش عايزة، ولا قادرة اصلب طولي، موت حسام كسرني، وهدني يا ترنيم."
أمسكت يدها وتكلمت بنبرة حنونه:
"ادعيلوا يا حبيبتي بالرحمه واطلبي من ربنا يصبرك، وانتبهي لنفسك ولبنتك ولرنيم، انتي دلوقتي ام واب ليهم، وهما لسه برضه صغيرين، مش هيقدروا على الدنيا لوحديهم، اقوي علشان تقدري تكوني فى ضهرهم."
ثم ساعدتها على الوقوف وقالت:
"يلا يا حبيبتي، تعالي خدي حمام دافي يريح جسمك واخرجي اقعدي مع بنتك أفطروا سوا."
اومأت رأسها ببطء، والدموع ما تزال عالقة في عينيها، ثم تحركت معها نحو الحمام، بينما كانت ترنيم تسندها بحذر شديد، كأنها تخشى أن ينكسر ما تبقى منها إن تركتها لحظة واحدة.
***************************
في صباح آخر من ذلك اليوم…
كان البيت قد بدأ يستعيد شيئًا من حركته المعتادة، لكن الهدوء الذي يلف أرجاءه لم يكن هدوءًا طبيعيًا؛ بل ذلك الهدوء الذي يأتي بعد أيام ثقيلة، حين تحاول الحياة أن تعود تدريجيًا إلى إيقاعها، رغم أن الحزن ما يزال عالقًا في الزوايا.
هبط جواد من أعلى الدرج بخطوات متزنة، وعيناه تجولان في المكان باحثتين عن شيءٍ ما، كان واضحًا من نظراته أنه يبحث عن شخص بعينه. ألقى نظرة سريعة حوله، قبل أن تقع عيناه على والده غريب الجالس على المقعد في الصالة، مستندًا بظهره في راحة، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، بينما يعبث بهاتفه في هدوء تام.
اقترب منه جواد بخطوات سريعة، وما تزال نظراته تحمل شيئًا من الحيرة، قبل أن يقول بتساؤل واضح:
"امال ماما فين دورت عليها مش لاقيها؟"
أنزل غريب الهاتف ببطء من أمام عينيه، ورفع نظره إلى ابنه بنظرة جادة، تلك النظرة التي يعرفها جواد جيدًا، قبل أن يقول بنبرة حازمة قليلًا:
"فيه حاجه اسمها صباح الخير على الصبح."
أغمض جواد عينيه بضيق واضح، وكأن تلك الملاحظة جاءت في غير وقتها بالنسبة له، ثم قال بسرعة محاولة منه لتدارك الأمر:
"صباح الخير يا بابا! ماما فين مش موجودة؟"
ظل غريب ينظر إليه للحظة بنظرة غير راضية عن طريقته، لكنه في النهاية أجابه بكلمات مختصرة كعادته:
"عند خالتك سمية، راحت تطمن عليها وتديها علاجها وزمانها جايه."
ما إن سمع جواد ذلك حتى اقترب بسرعة أكبر، وجلس بجواره على المقعد، وقد بدا الاهتمام واضحًا في صوته وهو يسأله:
"ماما قالتلك؟"
أومأ غريب برأسه بهدوء وقال:
"اه قالت ليا بس المهم تكون انت مستعد للخطوة دي مش مجرد مواساة وخلاص."
عقد جواد حاجبيه قليلًا بعدم فهم، وكأن الكلمات لم تصل إليه بالمعنى الذي قصده والده، ثم قال بتعجب:
"مجرد مواساة! بابا أنا بحب جواهر والكل عارف ده من اللحظة اللي كبرنا فيها حتى عم حسام الله يرحمه كان عارف وقابل بعلاقتنا، هو انا بس كنت مستني ومش عايز اخد الخطوة دي غير لما اكون قدها، وأقدر افتح بيت وأصرف عليه، مكنتش هخليك انت اللي تصرف علينا يا بابا."
كانت كلماته صادقة، تحمل نبرة رجولية واضحة، كأن كل حرف فيها خرج بعد تفكير طويل، لذلك نظر إليه غريب بهدوء، ثم سأله بنبرة متزنة:
"وانت دلوقتي هتقدر تعمل ده؟"
أومأ جواد برأسه بثقة، وقال بصوت ثابت:
"ايوه طبعا هقدر، الدخل اللي بيدخلي من الشركة والقرشين اللي معايا فى البنك هقدر اتجوز بيهم واقدر اصرف على بيتي."
تسللت ابتسامة هادئة إلى شفتي غريب، وامتلأت عيناه بنظرة فخر صامتة بابنه. مد يده وربت على قدمه بحنان أبوي وقال:
"ربنا يسعدك يارب، وانا مش هسيبك برضه، هفضل وراك وفى ضهرك، أنا بس كنت عايز اتأكد أن يعتمد عليك، مش فرحان بالجواز علشان تبوس وتحضن وبس، ومش بتفكر فى مسؤولياتك اللي بعد كده."
ابتسم جواد بشقاوة واضحة، وقد عاد إليه شيء من خفة روحه المعتادة، وقال بمزاح:
"ما أنا برضه عايز اتجوز علشان احضن وابوس، الواحد ريقه نشف وخايف على البت مني."
انفجر غريب ضاحكًا، ضحكة صافية قلما تظهر في الأيام الأخيرة، ثم قال ساخرًا:
"لما نشوف، ربنا يستر وتشرفنا."
اعتدل جواد في جلسته وقال بثقة مازحة:
"عيب عليك يا ريس، حط فى بطنك بطيخه صيفي."
وفي تلك اللحظة، سمعت خطوات خفيفة على الدرج، قبل أن تظهر أروى وهي تهبط بخفة كعادتها، وعيناها تدوران بينهما بدهشة واضحة. توقفت قليلًا قبل أن تقول بمزاح صريح:
"هو فيه أيه حصل فى الدنيا؟ غريب وجواد بيضحكوا ويهزروا عادي زينا! ربنا يستر ومتقمش الحرب العالميه التالته."
استدار غريب نحوها وقال بنبرة مازحة تحمل شيئًا من العتاب:
"غريب!! يا بنتي انتي طالعه مسحوبه من لسانك كده لمين؟"
اقتربت منه بسرعة وقبلت رأسه بحب وقالت بدلال:
"طالعه ليك يا بابتي يا شقي."
ثم جلست فوق قدمه وكأنها ما تزال تلك الطفلة الصغيرة التي اعتادت الاحتماء به، وقالت بنبرة مدللة محببة لقلبه:
"انت عارف يا بابتي، أنا بدعي ربنا كل يوم اتجوز واحد شبهك و شبه خالو تامر، ياااه ده انا مش هيكون حد قدي وقتها."
هز غريب رأسه ساخرًا وقال:
"يا زين ما اختارتي، احنا الاتنين مرة واحدة طيب انا طبع وخالك تامر طبع تاني خالص."
أومأت برأسها بسرعة وكأنها كانت تتوقع رده، ثم قالت:
"ايوه ما أنا عارفه، أنا عايزة واحد ميكس ما بينكم يعني كاريزما وقمر شبهك، ودمه خفيف وحنين شبه خالو تامر."
ثم التفتت نحو جواد وأضافت بمرح:
"مش عايزة كئيب شبه جواد."
ابتسم جواد باستخفاف وقال بثقة:
"هه خفه، وبعدين متقلقيش مش هتلاقي زي لأن جواد ضرغام واحد بس، مافيش منه اتنين."
ردت عليه أروى ضاحكة:
"احمدك يارب أن مافيش نسخه تانيه."
مد جواد يده يداعب شعرها وقال بابتسامة رجولية:
"علشان كده جوجو حبيبتي محظوظة بيا."
تعالت ضحكات أروى وقالت وهي تنظر إليه بتعجب:
"لا لا انت النهاردة مش طبيعي ضحك وهزار، أنا عايزة ابخرك بجد."
اعتدل غريب في جلسته وقال بنبرةٍ عملية:
"يلا يا ولاد كل واحد على عربيته."
ثم نهض متجهًا نحو الباب، خرج من المنزل وصعد إلى سيارته وتحرك بها.
بعد لحظات قصيرة، نظرت أروى إلى جواد بنوع من التوتر لم يخفي تمامًا رغم محاولتها إخفاءه، وقالت بتردد:
"جوجو اخويا حبيبي! ه هو أنا ممكن اسألك سؤال؟"
رفع جواد أحد حاجبيه وقال متعجبًا:
"خير!! مش اخد عليكي كده؟ أسألي؟"
تنحنحت أروى قليلًا، وكأنها تحاول جمع شجاعتها قبل أن تتكلم:
"ه هو ينفع واحده تفكر فى واحد أكبر منها بخمستاشر سنه."
نظر إليها جواد بنظرة فاحصة، وكأنه يحاول قراءة ما تخفيه خلف كلماتها، ثم قال:
"مين دي أن شاءالله؟"
هزت رأسها بسرعة نافيه وقالت بتوتر:
"لا لا مش انا د دي واحده صاحبتي، شافت صاحب اخوها مرة واحدة، واتكلموا مع بعض شوية، ومن وقتها على طول بتفكر فيه ونفسها تشوفه تاني، بس هو يعني سنه كبير شويه عليها."
رفع جواد حاجبه مرة أخرى، ثم قال بنبرة جادة:
"والله لو الشخص ده كويس وواثقه منه، ايه المانع أنه أكبر منها شوية، المهم هي شايفه أنها هتقدر تفهم دماغه، هتتقبل غيرته عليها فى المستقبل، هتقدر تقرب وجهات النظر ما بينها وما بينه، يبقى عادي، يعني فى الاخر متوقف على حسب قدرتها على التحمل، لأن الراجل كل ما يكبر ومراته لسه صغيرة بيتحول لسجان اكتر من زوج، فهمتي."
حركت أروى عينيها بتوتر واضح، لكنها ابتسمت محاولة إخفاء ما بداخلها وقالت:
"ا ايوه فهمت وهقولها كلامك ده بالظبط، شكرا يا جوجو، اخدمك يارب يوم ما تقع فى مشكله وما تلاقي ليها حل."
مد جواد يده وضربها بخفة على مؤخرة رأسها ثم ابتسم وغادر المنزل.
وقفت أروى مكانها تنظر إلى أثره للحظة طويلة، قبل أن تطلق زفرة عميقة وكأنها تحاول تهدئة نفسها، ثم همست لنفسها بتوتر واضح:
"أهدي يا رورو، انتي مشفتهوش غير مرة واحدة بس، ومن يومها حتى مفكرش يقابلك لو صدفة، يعني انتي مش فى دماغه اصلا."
أنهت كلماتها بزفرة ضيق، ثم خرجت من الباب، صعدت إلى سيارتها، وانطلقت بها في طريقها إلى الجامعة، بينما ظل ذلك الوجه الذي رأته مرة واحدة فقط، حاضرًا في ذهنها بشكل لم تستطع تجاهله.
**************************
داخل فيلا شاهين الرواي…
كان الصباح قد تمدد في أرجاء الفيلا الواسعة ببرود غريب، كأن الضوء الذي تسلل عبر النوافذ لم يحمل دفء النهار المعتاد، بل جاء باهتًا، ساكنًا، يعكس ما يسكن ذلك المكان من أسرار أكثر قتامة.
انفتح باب إحدى الغرف في الطابق العلوي، وخرج شاهين بخطوات واثقة، يعدل ياقة قميصه بعناية واضحة، كانت حركاته هادئة ومدروسة، تحمل في داخلها ذلك النوع من الثقة التي لا تأتي إلا من شخص اعتاد السيطرة على كل ما حوله.
توقف لحظة أمام باب غرفة أخيه، وطرق عليه بقوة مقصودة، ثم لم ينتظر ردًا، بل استدار وتابع طريقه نحو الدرج. أخذ يهبط الدرجات بخطوات ثابتة، وكان جسده العريض وهيئته الجذابة يفرضان حضوره بقوة، حتى بدا وكأن المكان كله ينصاع لوجوده دون أن يحاول.
ما إن وصل إلى الطابق السفلي حتى اتجه مباشرة نحو والدته الجالسة على مقعدها المتحرك في منتصف الصالة. كانت تجلس بهدوء ظاهري، لكن عينيها كانتا تحملان شيئًا آخر، شيئًا أقرب إلى نار لم تنطفئ رغم مرور السنين.
اقترب منها شاهين وربت على ظهرها برفق، وقال بنبرة حنونة:
"صباح الخير يا ست الكل."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، وقالت بنبرة هادئة:
"صباح النور يا حبيبي، أخوك مروان صحي ولا لسة؟"
جلس شاهين على المقعد القريب منها وقال:
"اكيد لسه نايم، بس انا خبط عليه وانا نازل."
لم تدم تلك اللحظة الهادئة طويلًا. تنهدت مريم ببطء، لكن ذلك الزفير لم يكن عاديًا، بل خرج محملًا بوجع قديم تحول مع الوقت إلى حقد متجذر في أعماقها، قالت بصوت مختنق، كأن الكلمات تخرج من قلب يغلي:
"دوس على عيلة الدسوقي وضرغام بجزمتك يا شاهين، عايزة أشوف دموعهم وكسرتهم، عايزة أهبط نار قلبي من جوة."
أومأ شاهين برأسه في هدوء، وكأن كلماتها لم تكن جديدة عليه، بل وعدًا اعتاد سماعه منذ سنوات، قال بنبرة تحمل توعدًا واضحًا:
"هيحصل، بس واحده واحده أنا كنت السبب فى موت حسام ودي كانت بداية الطرف، وكله هيقع وراه بعضه بعدين."
اشتعلت عينا مريم بشر واضح، وتطاير الشرر من نظراتها وهي تقول بغضب يكاد يختنق في صدرها:
"اوعى والحب يا شاهين، البت دي طالعه سهتانه شبه امها وابوها، اكسرها، ذلها أحرق قلبها، خسرها كل حاجه شركتها، شرفها، كرامتها، واخوك يعمل كده مع بنت ترنيم وغريب يحرق قلبهم عليها، وفى لحظة انهيار الكل واستحواذ ولادي حبايبي على كل حاجه تخصهم، هظهر ليهم وانا راسي مرفوعه لفوق هشمت فيهم واعرفهم أن اللعب مع مريم مش بالساهل وان نهاية اللعبة خيوطها بأيدي أنا."
ارتسمت على شفتي شاهين ابتسامة باردة، ابتسامة غرور خالص، قبل أن يقول بصوت منخفض يحمل قسوة واضحة:
"هيحصل كل ده واكتر، ومتقلقيش على ابنك قلبه مفهوش غير الكره والانتقام من عيلة الدسوقي وضرغام وبس، وغلاوتك عندي هجيب حقك لحد عندك، وهخليهم كلهم تحت رجلك يطلبوا منك السماح والرحمة."
وفي تلك اللحظة، صدرت خطوات من أعلى الدرج.
هبط مروان ببطء، يضع يديه في جيبي بنطاله، ومظهره يعكس لا مبالاة واضحة، اقترب منهما، وقبل رأس والدته بسرعة قبل أن يجلس على المقعد المقابل وهو يقول:
"صباح الخير."
نظر إليه شاهين من رأسه حتى قدميه بنظرة ناقدة مليئة بالضيق، ثم قال بحدة واضحة:
"بذمتك ده منظر يشغل البت، يا ابني شكلك مايع بهدومك دي، ما ترفع بنطلونك ده بدل ما انتي ظاهر لينا البوكسر بتاعك، وايه منظر شعرك ده ولونه، اقسم بالله أنا لو بنت هتف على وشك ومش هديك قلم واحد ده انا هقلع اللي فى رجلي واقطعه فوق راسك."
ابتسمت مريم ابتسامة خفيفة على كلمات شاهين، ثم التفتت إلى مروان قائلة:
"اخوك عنده حق يا مروان، شكلك ده مش هينفع مع بنت غريب، حاول تغير طريقتك دي، مش عايزة غلطة واحده يا مروان بنت ترنيم وغريب تخسر شرفها وتكسرها فاااهم."
زفر مروان بضيق واضح، وقال بتذمر طفولي:
"يا ماما البنت دي مدلعه وشايفه نفسها اوي، ده انا خليتها تعجب بيا بالعافيه، بس عجرفتها بتقفلني منها، وبعدين انا سكت البنت اللي بحبها بالعافيه، بتغير عليا منها وكذا مرة كانت عايزة تروح تخنقها."
نهض شاهين من مقعده ببطء، وقال بسخرية لاذعة:
"امال ايه موضوع انك مقطع السمكه وديلها، والواد الكول الروش، وانت مش عارف تنام مع بنت قد النملة، ولا انت اخرك كلام وبس؟"
هز مروان رأسه بسرعة وقال:
"لا حاسب أخوك راجل اوي، بس زي ما قلتلك البنت دي مدلعه ومتعجرفة اوي، وكمان أنا بحب مرام، ومش عايز اخسرها."
لكن كلمات مريم قطعت أي مجال للنقاش. ارتفع صوتها بنبرة حادة لا تقبل التراجع:
"مافيش حاجه اسمها معرفش ولا بحب ولا الكلام الاهبل ده، اللي طلبته منكم هيتنفذ بالحرف فاااهمين؟"
ساد صمت ثقيل للحظة.
أومأ شاهين برأسه تأكيدًا دون أن ينطق بكلمة أخرى، ثم استدار وغادر المكان. أما مروان ففعل الشيء نفسه، متبعًا أخاه بصمت واضح.
بقيت مريم وحدها في الصالة.
حدقت أمامها بعينين تشتعلان بشر مكشوف، ثم تمتمت بصوت يحمل وعدًا مخيفًا:
"ساعتكم قربت، وهعرفكم أن مريم نهايتها متكنش بالسهولة دي، واللي معرفتش اعمله زمان، حتة مني هيعملوا فى ولادكم."
وفجأة، انطلقت ضحكة هستيرية حادة من بين شفتيها، ضحكة ملأت أرجاء المكان ببرودة قاسية.
ثم حركت مقعدها المتحرك ببطء، واتجهت نحو غرفتها، بينما ظل صدى ضحكتها يتردد في أرجاء الفيلا كأنه نذير بما هو قادم.
**************************
توقفت سيارة جواد أمام فيلا حسام، واستقر هدير المحرك في سكون الصباح الهادئ، جلس جواد خلف عجلة القيادة بثبات هادئ، كعادته دائمًا، ملامحه تحمل تلك الصرامة الرجولية التي تعطيه حضورًا قويًا، لكن من يعرفه جيدًا يستطيع أن يلمح خلفها قلبًا أكثر لينًا مما يبدو عليه، وضع نظارته الشمسية على عينيه، وأراح ذراعه فوق باب السيارة منتظرًا.
كانت تلك الدقائق القليلة من الانتظار كافية ليغرق في أفكار صغيرة متفرقة، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه دون وعي، ابتسامة لم تكن سوى انعكاس لاسم واحد يدور في ذهنه: جواهر.
وقبل أن يظهر أثر ذلك الاسم أكثر على ملامحه، فتح باب الفيلا.
خرجت ترنيم بخطوات هادئة، ملامحها تحمل ذلك الصفاء الذي يميز الأمهات حين يرين أبناءهن بخير. وما إن وقع بصرها على جواد حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة مليئة بالحنان، وكأن قلبها يطمئن بمجرد رؤيته.
اقتربت من السيارة، وانحنت قليلًا نحو النافذة، وقالت بصوت دافئ:
"صباح الخير يا حبيبي."
رفع جواد رأسه فورًا، وكأن صوتها أعاده من شروده. تبدلت ملامحه في لحظة، وتسللت ابتسامة حقيقية إلى شفتيه وهو يقول بلطف:
"صباح النور يا امي."
كانت العلاقة بينهما تحمل دفئًا واضحًا، ذلك النوع من العلاقات التي لا تحتاج إلى الكثير من الكلمات لتثبت عمقها.
تأملته ترنيم لحظة، وكأنها تقيس بعينيها مدى راحته وهدوئه، ثم سألت بنبرة مطمئنة:
"ابوك واختك مشوا ولا لسه؟"
ابتسم جواد ابتسامة خفيفة، تحمل في طياتها دعابة مألوفة بينه وبين والده، وقال:
"كان قاعد مش طايق نفسه علشان القمر بتاعه مش موجود، بس متقلقيش عليه فرفشته ليكي."
ما إن أنهى عبارته حتى انفجرت ترنيم بالضحك، ضحكة خفيفة خرجت من قلبها قبل شفتيها، وقالت بمزاح:
"جواد وفرفشة! طيب دي تيجي أزاي؟"
رفع إحدى حاجبيه للأعلى في حركة تجمع بين الاستنكار والمزاح، وقال:
"هو فيه أيه انتي وبنتك، هو انا كئيب اوي كده؟"
مدت ترنيم يدها تلقائيًا ولمست وجنته بحركة أمومية رقيقة، وقالت بمحبة خالصة:
"لا طبعا يا قلب أمك، انت كاريزما وتقيل كده ودمك زي الشربات."
كان في كلماتها فخر واضح بابنها، فخر لا تخفيه الأم عادةً حين تتحدث عن أحد أبنائها.
وفي تلك اللحظة، وصل إليهما صوت آخر، صوت يحمل إرهاقًا خفيفًا، لكنه يحاول أن يبدو مرحًا رغم ذلك.
كان صوت جواهر.
كانت قد خرجت لتوها من باب الفيلا، وشعرها يتحرك بخفة مع خطواتها السريعة وهي تقترب منهما، بدت ملامح التعب واضحة قليلًا في وجهها، ربما من قلة النوم أو من ضغط الأيام الأخيرة، لكنها رغم ذلك حاولت أن تشاركهما المزاح.
قالت وهي تقترب:
"انتي هتقوليلي! على يدي يا توتا، ده انا من كتر ما بقعد معاه، بقى دمي زي الشربات شبه."
خفض جواد رأسه قليلًا، ثم رفع عينيه من أسفل نظارته الشمسية بطريقة ساخرة، وقال بتهكم:
"وحياة امك! انتي ناويه تفؤقي عليا ولا اية؟"
ارتسمت ابتسامة على شفتي ترنيم، ثم التفتت نحو جواهر بنظرة حنونة مليئة بالاحتواء، وقالت:
"براحتك يا بت، ولو فكر يجي جنبك ولا يدوس ليكي على طرف قوليلي وانا هطلعلك عينيه."
لم تكن كلماتها مجرد مزاح عابر، بل كانت تحمل بوضوح تلك الحماية التي تمنحها الأم لبنتها، حتى لو لم تكن ابنتها بالدم.
أما جواهر، فقد نظرت إلى جواد بنظرة مختلفة تمامًا.
نظرة طويلة، ممتلئة بإحساس عميق يصعب وصفه، كان في عينيها امتنان كبير، وكأن وجوده في حياتها لم يكن مجرد علاقة عاطفية، بل طوق نجاة حقيقي.
قالت بصوت يحمل صدقًا واضحًا: "جواد يدوس ليا على طرف!! ياريت الدنيا كلها زي جواد، اطيب واحن وارق قلب عرفته، ده هو السبب الوحيد اللي خلاني أكمل لحد دلوقتي."
لم يكن جواد معتادًا على سماع كلمات بهذا العمق أمام الآخرين، لكن شيئًا في صوته الداخلي هدأ فجأة حين سمعها. نظر إليها للحظة، نظرة طويلة لم يحاول إخفاء ما فيها.
ثم قال بصوت منخفض دافئ:
"ده انتي العشق كله يا جوجو."
وقفت ترنيم تنظر إليهما بصمت لبضع لحظات، في قلبها امتزجت السعادة بالطمأنينة، فمشهد كهذا كفيل بأن يمنح أي أم شعورًا بأن أبناءها بخير.
قالت وهي تبتسم:
"ربنا يسعدكم يارب يا ولاد."
انتبه جواد فجأة إلى الوقت، فقال سريعًا:
"استني يا ماما أوصلك الفيلا وبعد كده نروح أنا وجواهر الشغل."
لكن ترنيم هزت رأسها برفض هادئ:
"لا يا حبيبي روح انت وجواهر، أنا هركب عربيتي."
اقتربت من جواهر وربتت على ظهرها بحنان واضح، وكأنها تتركها في أمان بين يدي جواد، ثم تحركت نحو سيارتها.
تابعتها جواهر بعينيها للحظة، ثم التفتت إلى جواد بابتسامة ناعمة، ابتسامة لم تستطع أن تخفي ما بداخلها.
فتحت باب السيارة وجلست إلى جواره على المقعد المجاور، ثم نظرت إليه مباشرة وقالت ببساطة صادقة:
"بحبك."
ضغط جواد على شفتيه السفلى قليلًا، وكأن الكلمة أصابت قلبه في مكان حساس، مال قليلًا نحوها وهمس:
"وانا بعشقك، لسه بقول لبابا، هموت واتجوزك علشان احضن وابوس براحتي."
اتسعت عينا جواهر بصدمة حقيقية، وارتفع الاحمرار إلى وجنتيها وهي تقول:
"نهارك مش فايت، اتلم يا جواد وبلاش قلة ادب."
انفجر ضاحكًا ضحكة رجولية صافية، وقال:
"هو ده مفهومك عن قلة الأدب، اخرك بوسة، ده لسه فيه."
وقبل أن يكمل حديثه، وضعت جواهر يدها بسرعة فوق فمه وهي تقول بصدمة:
"انت فيه ايه يا ابني على الصبح؟ اخد حباية جراءة قبل ما تخرج من البيت ولا اية؟"
بدلًا من أن يتوقف، أمسك يدها برفق وقبلها بخفة.
ارتبكت جواهر بشدة وسحبت يدها بسرعة وهي تقول:
"لااا انت حالتك ميؤس منها خالص النهاردة."
تعالت ضحكاته مجددًا، ثم اعتدل في جلسته ووضع يده بثقة فوق عجلة القيادة وقال بعشق:
"تبقى مراتي بس، وهطلع عليكي القديم والجديد."
أدار السيارة بعد ذلك، وانطلقت ببطء مبتعدة عن الفيلا.
أما جواهر فاستندت إلى المقعد، ونظرت من خلف زجاج النافذة إلى الطريق الممتد أمامهما. كانت ابتسامتها ما تزال مرسومة على شفتيها، ابتسامة صغيرة لكنها مليئة بالرضا.
في داخلها كانت تردد دعاء صامت،
أن يبقى جواد في حياتها دائمًا.
فوجوده وحده كان كافيًا ليجعل العالم أقل قسوة، وأكثر احتمالًا.
****************************
جلس تامر خلف مكتبه العريض، متكئًا بظهره على المقعد الجلدي الفخم، بينما كانت أصابعه تتشابك فوق سطح المكتب في حركة لا إرادية تدل على أنه ما زال يستوعب ما سمعه للتو.
كانت الغرفة هادئة إلا من صوت جهاز التكييف الخافت، لكن ذلك الهدوء لم يكن كافيًا ليخفي تلك الدهشة التي ارتسمت بوضوح على ملامحه.
ظل ينظر إلى أحمد للحظات طويلة، نظرة تجمع بين الاستغراب والدهشة، وكأن الكلمات التي خرجت من فم صديقه قبل لحظات لم تكن مما يتوقع سماعه منه.
ثم ارتسمت ابتسامة بطيئة على شفتيه، ابتسامة تحمل شيئًا من المزاح وشيئًا آخر من الغضب الخفيف، قبل أن يقول بنبرة تجمع بين الاثنين:
"انت جاي تقولي انك مشدود لبنت اختي، اللي هي لسه عيلة، ومن مقابلة واحدة!"
كانت نبرته تحمل دهشة واضحة، لكن أحمد شعر رغم ذلك أن خلف المزاح شيئًا من الحذر، حذر الرجل الذي يعتبر تلك الفتاة قطعة من قلبه.
فكان جالسًا أمامه فوق المقعد المقابل للمكتب، لكنه لم يكن جالسًا براحة. كان ظهره مستقيمًا أكثر مما ينبغي، وكأن جسده كله في حالة استعداد للدفاع عن نفسه.
بلع ريقه بخفة، ثم تنحنح قليلًا محاولًا ترتيب كلماته، وقال بتوتر واضح:
"تامر أنا كان ممكن اقرب منها من وراك ومكنتش هتعرف حاجه، بس انا مش كده ومجرد ما حسيت نفسي بفكر فيها، ومشغول بيها، جيت اعرفك بما انك اقرب حد ليها وبتعتبرها زي بنتك، علشان مكونش بعمل حاجه غلط، ولو قلتلي ابعد عنها وملكش دعوه بيها، اوعدك هنفذ كلامك ومش هقرب منها خالص."
كانت كلماته صادقة إلى حد كبير، وربما كان ذلك الصدق هو ما جعله يشعر بكل هذا التوتر.
فهو لم يأتي ليأخذ إذنًا شكليًا، بل جاء لأنه يعرف جيدًا أن كلمة تامر في هذا الموضوع تعني الكثير.
صمت تامر للحظات.
كانت عيناه مثبتتين على أحمد، يدرسان كل تعبير يمر فوق ملامحه. لم يكن مجرد صديق يستمع الآن، بل كان رجلًا يزن الموقف بعقله وقلبه معًا.
ثم فجأة تحرك، نهض ببطء من خلف مكتبه، وهو لا يزال صامتًا، وبدأ يسير بخطوات هادئة نحو أحمد.
أما أحمد فقد تابعه بعينيه في توتر واضح.
كل خطوة كان يخطوها تامر كانت تزيد من توتره أكثر، حتى شعر أن دقات قلبه أصبحت أعلى من أن تخفى.
كان يخشى في تلك اللحظة أن يسمع كلمة واحدة فقط:
"ابعد عنها."
لكن تامر لم يتوقف أمامه فقط، بل جلس على المقعد المقابل له مباشرة، قريبًا بما يكفي ليجعله يشعر بثقل الموقف أكثر.
ظل أحمد ينظر إليه منتظرًا.
لحظة، ثانيتان، ثم فجأة اتسعت ابتسامة تامر، وربت على قدمه بخفة وقال بثقة:
"طبعا موافق جدا على العلاقه دي، أنا واثق فيك وعارف انك هتحميها وهتكون قد الثقه دي، وانا مش هلاقي لبنت اختي، احسن منك."
احتاج أحمد لثانية كاملة ليستوعب ما قاله.
ثم اتسعت عيناه قليلًا، وكأن حملاً ثقيلاً سقط فجأة عن صدره.
لكن التوتر لم يختفِ تمامًا.
تنحنح مرة أخرى، وقال بتردد خفيف:
"ط طيب وبالنسبه لفرق السن اللي ما بينا، أهلها هيوافقوا عليه؟"
ابتسم تامر ابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي تدل على أنه يفكر في الأمر بعقلانية تامة، ثم قال بثقة:
"ايه المشكله فى السن مش فاهم؟ طيب ما أنا اكبر من اختك بنفس الفرق اللي ما بينك انت وأروى، يا عم مدام انت راجل وهتقدر تحافظ على بنتنا يبقى خلاص، وبعدين اصبر، لما أعرف مشاعر البت ايه من ناحيتك."
أومأ أحمد برأسه ببطء، وما زال التوتر ظاهرًا على ملامحه، ثم قال:
"ماشي، بس متحاولش تضغط عليها، يعني لو مافيش مشاعر، مش هزعل والله."
ابتسم تامر بثقة أكبر هذه المرة، وكأن الأمر بالنسبة له واضح أكثر مما يتصور أحمد، وقال:
"أنا عارف رد حبيبة خالها ايه، بس عايز اسمعها منها."
تسللت أخيرًا ابتسامة حقيقية إلى شفتي أحمد.
تنهد بارتياح واضح، وكأن صدره أخيرًا استعاد القدرة على التنفس بشكل طبيعي.
جلس أمامه للحظات دون أن يتكلم، لكنه كان يشعر بشيء مختلف في داخله.
كانت أنفاسه ما تزال مرتفعة قليلًا، ودقات قلبه أسرع مما ينبغي، ليس خوفًا هذه المرة.
بل بسبب تلك الفتاة.
الفتاة التي لم يقابلها سوى مرة واحدة فقط، ومع ذلك، استطاعت بخفة روحها وضحكتها العفوية أن تترك أثرًا غريبًا داخله.
أثرًا جعله يجلس الآن أمام خالها، يتحدث عن مستقبل ربما لم يكن يتخيله قبل أيام قليلة فقط.
*************************
جلست رنيم خلف مكتبها في صمت ثقيل، تحدق في الأوراق المنتشرة أمامها بعينين متوترتين، بينما كانت أصابعها تضرب سطح المكتب بضربات خفيفة لكنها متلاحقة، وكأنها تحاول تفريغ ما يتصاعد في داخلها من غضب مكتوم.
لم تكن تلك المرة الأولى التي تكتشف فيها خللًا في الحسابات، لكنها هذه المرة شعرت أن الأمر تجاوز حدود الخطأ العابر، كان هناك تلاعب واضح، مقصود، ومهين أيضًا.
انحنت قليلًا فوق الأوراق، تقلب الصفحات بعناية متزايدة، وكلما تقدمت في القراءة ازداد انقباض ملامحها، حتى تحولت دهشتها إلى يقين قاسي يضغط على صدرها، الأرقام لا تكذب، والمبالغ التي ظهرت أمامها لا يمكن أن تمر مرور الكرام.
رفعت رأسها فجأة، وقد اشتعلت عيناها بنار حقيقية.
نهضت من مقعدها بعنف حتى تحرك الكرسي خلفها قليلًا، ثم قبضت على الأوراق بين يديها بقوة وكأنها تمسك بدليل إدانة لا يقبل النقاش.
خرجت من مكتبها كالإعصار، خطواتها سريعة حادة، تتردد أصداؤها في الممر الطويل للشركة، لم تكن تهتم بنظرات الموظفين التي تبعتها بقلق واستغراب؛ كان كل ما يدور في رأسها سؤال واحد يطرق بعنف: من تجرأ على العبث بأموال الشركة؟
توقفت أمام مكتب مدير الحسابات، ولم تمنح نفسها لحظة تفكير أو حتى مجاملة بسيطة.
دفعت الباب بقوة، فانفتح على مصراعيه، ودلفت إلى الداخل بخطوات مشحونة بالغضب.
اقتربت من المكتب وألقت الأوراق أمامه بعنف، فتبعثرت فوق سطح الطاولة، ثم تكلمت بصوت غاضب:
"ممكن افهم ايه ده؟"
ارتبك الموظف فورًا، وبدت الصدمة واضحة في عينيه. ابتلع ريقه بصعوبة، ونظر إلى الأوراق المبعثرة أمامه وكأنها قنبلة انفجرت فجأة بين يديه، ثم رفع بصره إليها بتوتر واضح وقال:
"خ خير حضرتك؟"
ازداد غضبها أكثر، فقبضت على حافة المكتب بيديها، وانحنت قليلًا نحوه، بينما خرج صوتها هذه المرة صارمًا، حادًا، يحمل تحذيرًا واضحًا:
"مش أول مره ألاقي الاوراق والحسابات دي ملعوب فيها، بس اقسم بالله ما هعديها المره دي بسهولة، رد عليا مين عنده الجرأة اللي يحط مبلغ زي ده؟"
ساد صمت قصير في الغرفة، صمت ثقيل كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
لكن قبل أن يجيب الموظف، وقبل أن يجد حتى الكلمات التي قد تنقذه من ذلك الموقف، جاء صوت رجولي من ناحية الباب، صوت واثق، بارد، يحمل قدرًا مزعجًا من الاستفزاز، قائلا:
"الفلوس تعمل كل حاجة، وانا بقرشين قليلين جدا شركتك كلها بقت تحت السفر."
استدارت رنيم بسرعة نحو مصدر الصوت، وكأن شرارة قد اشتعلت فجأة في أعصابها.
وقفت تنظر إليه بحدة، وعيناها تضيقان تدريجيًا عندما تعرفت على ملامحه.
شاهين.
الاسم وحده كان كفيلًا بأن يوقظ في داخلها غضبًا مضاعفًا.
اشتدت ملامحها، وارتسم على وجهها تعبير حاد وهي تقول بحدة واضحة:
"انت!! وأنت بقى مفكر أن البلد مفيهاش قانون، انت واللي ساعدك هتترموا فى السجن."
لكن شاهين لم يبدو منزعجًا، بل على العكس، تعالت ضحكاته بثقة مستفزة، تلك الضحكة التي تحمل يقينًا مزعجًا بأنه يمسك بخيوط اللعبة كلها.
اقترب منها ببطء، خطواته هادئة وكأنه يتجول في مكان يملكه، لا في شركة تقف صاحبتها أمامه مشتعلة بالغضب.
توقف بجوارها، ثم مال قليلًا نحوها، حتى أصبح صوته قريبًا من أذنها، هامسًا لكنه مشبع بالتهديد:
"هو بالنسبه للسجن، انتي اللي هتترمي فيه مش انا، علشان خطوط الانتاج بتاعتكم اللي هتقف، وعلشان مافيش سيولة للموظفين، وعلشان الشروط الجزائيه اللي مفروض تدفعوها على تأخير الاستلام، يعني داخله داخله."
تصلبت رنيم في مكانها، وشعرت بأسنانها تضغط على بعضها بقوة، محاولة كبح تلك الرغبة العنيفة في أن تصفعه على وجهه.
لكنها رفعت رأسها بعناد، وصوتها خرج مشحونًا بالغضب:
"شئ ميخصكش، وبرضه مش هسكت على السرقة دي وهحبسك واحبسه."
اقترب شاهين أكثر، حتى كادت المسافة بينهما تختفي، ثم مد ذراعه ليحيط بها في حركة امتزج فيها التحدي بالوقاحة، وقال بنبرة ملساء تحمل عرضًا خطيرًا:
"أنا في أيدي اخرجك من كل ده، بس بشرط واحد بس، تيجي تشتغلي عندي فى الشركة."
لكن رنيم لم تتراجع.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، ابتسامة مشحونة بالغضب والاحتقار في آنٍ واحد، ثم همست له بصوت خفيض لكنه حاد كالنصل:
"بعينك، لا عاش ولا كان اللي يكسر رنيم الدسوقي، وانت لو أخر راجل فى الدنيا مش هطلب مساعدتك، اطلع بره."
وللحظة بدت الأجواء مشتعلة بينهما،
لحظة قصيرة كان يمكن أن تنفجر فيها الأمور بأي شكل.
لكن ما حدث بعد ذلك جاء أسرع مما توقعت رنيم، وأشد وقاحة أيضًا.
فجأة اقترب شاهين منها على نحو مباغت، وقبل أن تتمكن من استيعاب ما يحدث، مال نحوها وقبلها عن غفلة.
اتسعت عيناها بصدمة قاسية، وكأن الزمن تجمد لثانية واحدة.
ثم انفجرت مقاومة شرسة في جسدها، راحت تدفعه بعيدًا عنها بكل قوتها، لكن ذراعيه كانتا تحيطان بها بإحكام، وكأنه يتعمد إذلالها أكثر من مجرد الاقتراب منها.
وأخيرًا تركها وابتعد خطوة إلى الخلف، بينما ارتسمت على ثغره ابتسامة واسعة، ابتسامة انتصار مستفزة.
توقفت رنيم لحظة تحاول استيعاب ما حدث، ثم بصقت على الأرض بتقزز شديد، وراحت تمسح شفتيها بكم ثوبها بعنف، وكأنها تحاول محو أثر تلك اللحظة المقرفة.
قالت بصوت مرتجف من شدة الغضب:
"هقتلك يا شاهين هقتلك."
لكن شاهين لم يتأثر بتهديدها، بل اتسعت ابتسامته أكثر، وهز رأسه بعدم رضا وهو يقول باستخفاف واضح:
"محبتهاش، مفيهاش حاجه مثيرة، بوستك مقرفه شبهك."
أنهى كلماته ببرود، ثم استدار متجهًا نحو الباب وغادر المكان وكأن شيئًا لم يحدث.
بقيت رنيم واقفة في مكانها للحظات، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وملامحها مشدودة بتقزز واضح.
ظلت تحرك رأسها بقرف وهي تمسح شفتيها مرة بعد أخرى، وكأنها تحاول التخلص من ذكرى تلك القبلة المقيتة.
ثم التفتت خلفها فجأة نحو الموظف الذي كان لا يزال جالسًا في مكانه مذهولًا مما حدث، لكن رنيم لم تقل شيئًا.
كل ما فعلته أنها اندفعت خارج الغرفة بسرعة، تكاد تركض نحو مكتبها، وكأنها تهرب من المكان كله، لا من الموقف فقط.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس 6 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس
عند أروى…
مع انتهاء المحاضرة الأخيرة، بدأت القاعة تفرغ تدريجيًا من الطلاب، بينما ظلت أروى جالسة لثواني قصيرة تجمع أغراضها ببطء، وكأنها تحاول استعادة هدوئها بعد يوم دراسي طويل. كان التعب يثقل كتفيها قليلًا، لكن ذلك لم يمنعها من الحفاظ على تلك الهيئة الواثقة التي اعتادت أن تظهر بها أمام الجميع.
نهضت من مقعدها أخيرًا، وخرجت من القاعة مع بقية الطلاب، تسير بخطوات هادئة عبر الممر الواسع للجامعة. الهواء في الخارج كان منعشًا قليلًا، لكن ما إن رفعت بصرها حتى تجمدت خطواتها للحظة قصيرة، هناك، على بعد خطوات منها، كان يقف مروان.
لم تتغير ملامحها كثيرًا، لكنها شعرت بانقباض حاد في صدرها، مجرد رؤيته أعاد إلى ذهنها كل ما حدث بينهما، وكل ما حاولت نسيانه خلال الأيام الماضية.
ضيقت عينيها بضيق واضح، ثم تجاهلته تمامًا، وأكملت طريقها وكأنه غير موجود.
لكن صوته لحق بها سريعًا، يحمل نبرة اعتذار حاول أن يجعلها صادقة:
"أروي، أنا اسف."
توقفت أروى عن السير ببطء، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تستدير نحوه. عقدت ذراعيها أمام صدرها في حركة تعكس تحديها الواضح، ثم نظرت إليه نظرة متعالية قليلًا وهي تقول:
"اسف على أيه بقى أن شاءالله؟"
اقترب منها مروان خطوة، وقد بدت عليه علامات التوتر، كأنه يحاول اختيار كلماته بعناية هذه المرة. وقف أمامها مباشرة وقال بصوت حاول أن يجعله هادئًا:
"اسف على الطريقه اللى كلمتك بيها المرة اللي فاتت، أنا عملت كده لما حسيت انك هتضعي مني، وانتي عارفه أنا بحبك قد ايه."
لكن كلمات الحب التي نطق بها لم تحدث التأثير الذي كان يتمناه.
بل على العكس، ارتسمت على وجه أروى ابتسامة ساخرة، ابتسامة خفيفة لكنها تحمل قدرًا واضحًا من الاستهزاء.
قالت بنبرة لا تخلو من السخرية:
"بتحبني! طيب ومرام، واللي حصل ما بينكم فى الويك اند؟ ده كان ايه أن شاءالله، بتتسلى؟"
ارتبك مروان للحظة، ثم هز رأسه سريعًا بالرفض، وكأنه يسارع إلى نفي كل شيء قبل أن يزداد الموقف سوءًا.
قال محاولًا التماسك:
"محصلش ما بينا حاجه صدقيني، الفيديوهات والصور اللي وصلت ليكي كلها Ai، أنا مافيش غيرك فى قلبي."
لكن أروى لم تكن بتلك السذاجة التي كان يراهن عليها.
اشتدت ملامحها، وضغطت على أسنانها بقوة، بينما اشتعلت في عينيها شرارة غضب واضحة.
قالت بحدة:
"مروان ابعد عن سكتي احسنلك، انت متعرفش أنا بنت مين، وبابي ممكن يعمل فيك ايه، اتقي شري وبلاش أنا."
لم تنتظر ردًا منه.
استدارت فورًا وبدأت تسير نحو خارج الجامعة، وكأنها تحاول إنهاء هذا اللقاء المزعج بأسرع وقت ممكن.
لكن مروان لم يستسلم بسهولة.
أسرع خلفها، ثم أمسك بذراعها فجأة محاولًا إيقافها وهو يقول:
"أروى استني."
لكن قبل أن تتمكن أروى حتى من الرد، حدث شيء غير متوقع.
يد قوية امتدت فجأة وأمسكت بذراع مروان بعنف، تبعده عنها بقوة واضحة، وصوت رجولي حاد قال بلهجة تحمل تهديدًا صريحًا:
"لو ايدك اتمدت تاني عليها هقطعهالك فاهم."
تجمد مروان في مكانه لثواني، ثم التفت بغضب نحو صاحب الصوت وقال:
"مين انت؟ سيب دراعي."
أما أروى…
فبمجرد أن وقعت عيناها على الرجل الذي يقف أمامها، تبدلت ملامحها تمامًا. اختفى الضيق الذي كان يملأ وجهها قبل لحظات، وحل مكانه شعور مفاجئ بالسعادة.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها وهي تقول بفرح واضح:
"أحمد!"
نظر إليها أحمد بابتسامة دافئة للحظة قصيرة، ثم عاد ببصره إلى مروان، وتبدلت نبرته إلى صرامة واضحة وهو يقول:
"ملكش فيه أنا مين، بس وحياة امك لو لمحتك بتقرب منها تاني هقتلك بأيديا دول فاهم."
أنهى كلماته بدفعة قوية أبعدت مروان إلى الخلف، ثم التفت إلى أروى وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
"تعالي معايا أنا هوصلك."
لم تتردد أروى لحظة.
أومأت برأسها بسعادة، ثم تحركت معه نحو سيارته، وقد شعرت بشيء من الأمان ينساب إلى داخلها وهي تسير بجانبه.
فتحت باب السيارة وصعدت إلى المقعد الأمامي، وأغلقت الباب خلفها، بينما دار أحمد حول السيارة وجلس خلف المقود.
ما إن استقرت في مكانها حتى التفتت إليه بعينين تلمعان بسعادة واضحة، وقالت بتساؤل:
"انت كنت جاي ليا أنا؟ ولا كنت معدي صدفه من هنا؟"
ابتسم أحمد تلك الابتسامة الرجولية الهادئة التي تحمل قدرًا من الثقة، ابتسامة خطفت قلبها دون أن تشعر، ثم قال:
"ايوه انا كنت جاي ليكي انتي."
قفز قلبها في صدرها فجأة، وكأن كلماته أشعلت داخله فرحًا لم تستطع إخفاءه.
قالت بفضول:
"ليه هو فيه حاجة؟"
هز رأسه بالنفي مجيبًا بهدوء:
"لا مافيش بس قولت اجي اطمن عليكي واشوفك لو محتاجة حاجه."
تنحنحت أروى قليلًا، وكأنها تحاول إخفاء ذلك الارتباك الذي تسلل إليها، ثم قالت مترددة:
"علشان كده بس؟"
لاحظ أحمد تلك المراوغة اللطيفة في نبرتها، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يقول بمكر:
"امم، علشان كده، ولا انتي قصدك حاجه تانيه؟"
ارتبكت أروى أكثر، وحركت رأسها بسرعة نافية وهي تقول بخجل واضح:
"لا لا، م مش قصدي حاجه ابدا ابدا."
تعالت ضحكات أحمد الرجولية على كلماتها المرتبكة، فضحكته كانت عميقة ودافئة، جعلت قلبها يخفق بقوة دون أن تستطيع السيطرة على نفسها.
نظرت إليه بعينين يملؤهما الإعجاب وقالت بصوت خافت:
"ضحكتك حلوة اوي."
رفع إحدى حاجبيه بتسلية وهو يقول مازحًا:
"امم، اعتبر كلامك ده معاكسه، ولا إعجاب؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقد ازداد توترها أكثر، وقالت بسرعة:
"ها!! م مش قصدي حاجه والله."
اعتدل أحمد في جلسته خلف المقود، ووضع يده على عجلة القيادة قبل أن يقول بنبرة مرحة:
"أنا همشي واوصلك بدل ما أكلك ببرأتك اللي تجنن دي."
ثم أدار السيارة، وتحرك بها خارج أسوار الجامعة، بينما بقيت تلك الابتسامة الهادئة مرسومة على وجهه، ابتسامة جعلت قلب أروى ينبض بطريقة مختلفة تمامًا.
كانت تنظر أحيانًا إلى الطريق الممتد أمام السيارة، وأحيانًا أخرى تسرق نظرات خفية نحوه، تحاول أن تبدو طبيعية بينما قلبها لم يكن هادئًا على الإطلاق.
ترددت قليلًا قبل أن تتكلم، وكأن سؤالًا يدور في رأسها منذ لحظات لكنها لم تجرؤ على إخراجه بصوت مسموع. أخيرًا استجمعت شجاعتها، والتفتت إليه بخجل واضح وهي تقول بتساؤل:
"ا انت مش هتسألني، اللي كان ماسك دراعي ده عايز مني ايه؟"
لم يبد أحمد مستعجلًا لمعرفة التفاصيل، بل بقي محتفظًا بتلك الابتسامة الهادئة التي ارتسمت على وجهه منذ قليل، أجابها بنبرة متفهمة:
"لو حابة تقولي من نفسك، بسمعك، لو مش حابه، طبعا انتي حرة مش هغصبك."
شعرت أروى بشيء من الارتياح في طريقته، لم يحاصرها بالأسئلة، ولم يحاول الضغط عليها، بل ترك لها المساحة لتتحدث كما تشاء، أخذت نفسًا خفيفًا، ثم بدأت تشرح ما حدث وهي تحاول ترتيب كلماتها رغم توترها الواضح:
"د ده كان فيه ما بينا إعجاب، أو يعني كنت وهمه نفسي اني معجبه بي، بس لما مسافرتش معاه اجازة الويك أند اللي فاتت، وصلتني فيديوهات وصور مش كويسه مع بنت معانا وبتحبه، فأنا لما جه يكلمني قلتله ابعد عني وملكش دعوة بيا تاني، وقلتله على الصور والفيديوهات دي، لاقيته بيهددني أن انا ليه وفضل يقول كلام عبيط، ساعتها ضربته بالقلم ومشيت وقطعت من وقتها الكلام معاه، والنهاردة لاقيته جاي يقولي اسف وانا بحبك والاسطوانه الكدابه بتاعته ولما رفض كلامه ده لتاني مرة، جري ورايا ومسكني بالشكل اللي انت شوفته ده."
استمع أحمد إلى كلماتها بهدوء، وعيناه ما زالتا تراقبان الطريق أمامه، لكن ملامحه لم تفقد تلك الابتسامة الخفيفة التي بدت وكأنها تحمل فهمًا أعمق لما تقوله.
ثم سألها بهدوء:
"طيب افرضي، لو موصلش ليكي الصور والفيديوهات دي، كنتي هتفضلي معاه وتحبي؟"
أسرعت أروى تهز رأسها بالرفض، وكأن الفكرة نفسها أصبحت مستحيلة الآن، وقالت بسرعة:
"لا طبعا، أنا قعدت اتكلمت مع خالو تامر، وحكيت ليه كل حاجه، وهو قالي كلام فتح عيوني، ووقتها اكتشفت أني ولا بحبه ولا حتى معجبه بي دول كانوا مجرد شوية انبهار وراحوا لحالهم، وكمان يعني اليوم ده حصل حاجه خلتني اعيد التفكير من أول وجديد."
رمقها أحمد بنظرة سريعة جانبية، ثم أعاد تركيزه إلى الطريق وهو يسألها بفضول هادئ:
"ممكن أعرف أيه هي الحاجه اللي حصلت، لأن تقريبا اليوم ده اللي اتقابلنا فيه أول مرة وكنتي زعلانه علشان اهلك رافضين انك تسافري لوحدك."
بمجرد أن ذكر ذلك اليوم، شعرت أروى بأن الكلمات علقت في حلقها فجأة.
ابتلعت ريقها بتوتر، وشعرت بحرارة خفيفة تتصاعد إلى وجهها بينما حاولت الرد بتلعثم:
"ها! ا اه فعلا أ اتقابلنا اليوم ده لاول مرة."
أومأ أحمد برأسه قليلًا، ثم أعاد السؤال بنبرة أكثر وضوحًا:
"ايوه، ايه هي الحاجه اللي حصلت خليتك تعيدي التفكير من أول وجديد؟"
ازداد احمرار وجنتيها أكثر، ولم تستطع رفع عينيها نحوه. كانت تنظر إلى يديها المتشابكتين فوق حجرها، بينما كان أحمد يتابع ارتباكها بابتسامة خفيفة.
قال مشجعًا إياها على الكلام:
"هااا، قولي يلا ساكته ليه؟"
أغمضت أروى عينيها للحظة قصيرة وكأنها تستجمع شجاعتها، ثم قالت بصوت خفيض يحمل خجلًا واضحًا:
"ل لما قابلتك."
لم يتكلم أحمد هذه المرة، بل اكتفى بالإيماء لها برأسه، وكأنه يشجعها على الاستمرار.
أنزلت أروى رأسها أكثر وهي تكمل بصوت خافت:
"ل لما عملت مقارنه ما بينكم لاقيت فيه فرق كبير جدا بينك وبينه."
اتسعت ابتسامة أحمد بسعادة حقيقية لم يحاول إخفاءها، ثم سألها بتسلية خفيفة:
"واشمعنا أنا اللي عملتي مقارنه معاه؟"
ازدادت أروى ارتباكًا، ورفعت يدها لتغطي جزءًا من وجهها وكأنها تحاول الاختباء من نظراته، ثم قالت بصعوبة:
"ع علشان اتشديت ليك، و ولاقيت فيه فرق كبير ما بينكم، فرق ما بين السما والأرض، لصالحك طبعا."
كانت كلماتها بسيطة، لكنها خرجت بصدق واضح جعل نظرة أحمد تتغير قليلًا.
نظر إليها بهدوء، ثم قال بنبرة أعمق قليلًا:
"يعني الاحساس اللي أنا حسيته ليكي، انتي كمان حسيتي بي ليا؟"
لم ترفع أروى عينيها نحوه، بل اكتفت بالنظر إلى الأسفل، ثم أومأت برأسها بخجل شديد تأكيدًا لكلماته.
عندها مد أحمد يده ببطء، ووضع أصابعه أسفل ذقنها بلطف، رافعًا وجهها قليلًا حتى تنظر إليه، ثم تكلم بنبرة دافئة مليئة بالعاطفة:
"أنا كمان اتشديت ليكي يا أروى، بس كنت خايف من فرق السن اللي ما بينا يكون عائق فى علاقتنا، بس خالك تامر طمني، وقالي هيقعد معاكي الاول يتأكد من مشاعرك ليا، وبعد كده همشي كل حاجه رسمي."
ارتسمت على وجه أروى ابتسامة خجولة، وأومأت برأسها بالموافقة، بينما كان قلبها يخفق بسرعة لم تستطع إخفاءها.
ابتسم أحمد ابتسامة هادئة ثم قال بجدية لطيفة:
"لحد ما يبقى كل حاجه رسمي ما بينا، علاقتنا هتكون فى حدود الصداقة، مافيش اي تجاوزات حتى بالكلام، بمعنى كلام حب ولا مسكت أيد ولا الكلام ده، وبعد ما تبقى حلالي، هعيشك كل لحظة فى عمرك فى رومانسيه، هعرفك يعني ايه عشق أحمد لأروى، مش هخليكي تندمي على حبك ليا، يعني مش عايزك تزهقي ولا تستعجلي على حاجه دلوقتي، أنا بحافظ عليكي، علشان انتي جوهرة غاليه، وبنت اخت اخويا وصاحبي، وأنتي اقرب حد ليه، وكمان علشان انا الأكبر سناً، يعني الاكتر نضج، والعقل الأكبر، فى العلاقه دي، فهمتي يا أروى؟"
كانت كلماته تحمل قدرًا كبيرًا من الاحترام والمسؤولية، جعل أروى تشعر بشيء مختلف، شعور بالأمان لم تختبره من قبل.
أومأت برأسها وهي تقول بتوتر خفيف:
"ف فهمت."
ابتعد أحمد بيده عنها بلطف، ثم ابتسم لها بهدوء قبل أن يواصل القيادة.
كانت السيارة تشق طريقها بهدوء عبر الشوارع الواسعة، حتى بدأت ملامح المنطقة التي تسكنها تقترب تدريجيًا.
وبعد دقائق قليلة، انعطف بالسيارة نحو الطريق المؤدي إلى فيلا غريب، بينما ظل الهدوء يملأ الأجواء، لكن هذه المرة كان هدوءًا دافئًا، يحمل بداية شعور جديد بينهما.
***************************
بمكتب رنيم…
كان المكتب غارقًا في صمت ثقيل، صمت بدا وكأنه يضغط على الجدران كما يضغط على صدرها.
جلست رنيم خلف مكتبها بلا حراك تقريبًا، وعيناها شاردتان في الفراغ أمامها، بينما عقلها كان يعيد نفس المشهد مرارًا وتكرارًا، ذلك المشهد الذي حدث منذ قليل، وكأنه يرفض أن يختفي من ذاكرتها.
شاهين.
مجرد التفكير في اسمه كان كفيلًا بأن يعيد إلى داخلها موجة جديدة من الغضب والارتباك معًا.
أسندت رأسها ببطء فوق سطح المكتب، وأغمضت عينيها قليلًا، محاولة أن تجمع أفكارها المتناثرة.
كانت تفكر في حل، أي حل يمكن أن يخرجها من هذا المأزق الذي وجدت نفسها فيه فجأة، الشركة على وشك الانهيار، والضغوط تتراكم فوقها من كل اتجاه، وكأن القدر قرر أن يختبر قدرتها على الصمود دفعة واحدة.
وفي وسط هذا كله، تسلل إلى ذهنها اسم آخر، اسم افتقدته فجأة بشدة.
حسام.
وجوده في الشركة كان دائمًا يمنحها شعورًا بالثبات، كان يعرف كيف يدير الأمور بعقل هادئ وخبرة واسعة. أما الآن، فقد شعرت بأنها تقف وحدها في مواجهة عاصفة لا تعرف كيف تهدأ.
بقيت على تلك الحال وقتًا طويلًا، غارقة في أفكارها لدرجة أنها لم تنتبه إلى الطرقات المتكررة على باب مكتبها. كانت الطرقات تزداد إلحاحًا، لكنها لم تصل إلى وعيها المنشغل.
وفجأة انفتح الباب.
دخلت جواهر بخطوات سريعة، وقد ارتسم القلق بوضوح على ملامحها. اقتربت منها، ثم وضعت يدها برفق على ظهرها تربت عليه قائلة بتساؤل:
"رنيم فيه أيه؟ عماله اخبط عليكي من بدري ومش بتردي وحتى لما دخلت محستيش بيا."
انتفضت رنيم من مكانها وكأنها عادت إلى الواقع فجأة. رفعت رأسها سريعًا، وعيناها ما زالتا تحملان أثر الشرود والحزن، نظرت إلى جواهر بصوت مختنق وقالت:
"جواهر!! فيه حاجه؟"
هزت جواهر رأسها بعدم فهم، وقطبت حاجبيها وهي تقول بجدية:
"انتي اللي فيه حاجه يا رنيم، أنا مش عبيطه عنك، اتكلمي، قوليلي ايه اللي وصلك للحالة دي؟"
اعتدلت رنيم في جلستها قليلًا، محاولة أن تستعيد مظهرها المتماسك، لكن صوتها خرج ضعيفًا بعض الشيء وهي تقول:
"مافيش يا جواهر متشغليش بالك انتي."
تنهدت جواهر بنفاذ صبر، ثم هزت رأسها بيأس وهي تقول:
"أنا عارفه هوجع قلبي معاكي على الفاضي، وفى الاخر مش هتتكلمي برضه."
ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتي رنيم وهي تراقبها تتحرك، ثم سألتها بهدوء:
"رايحه فين كده؟"
أجابتها جواهر بإرهاق واضح:
"هروح ما صدقت اليوم خلص، وانتي مش هتروحي يا بنتي؟"
هزت رنيم رأسها بالنفي وقالت:
"لا روحي انتي، أنا لسه ورايا شغل كتير."
أومأت جواهر برأسها بتفهم، ثم اقتربت منها قليلًا وقبلت وجنتها بحنان قبل أن تغادر المكتب مسرعة.
ظلت رنيم تتابعها بعينيها حتى اختفت من أمام ناظريها تمامًا، وعندما أُغلق الباب من جديد عاد الصمت ليغمر المكان.
تراجعت بظهرها إلى الخلف حتى استندت إلى المقعد، وبدأت تحركه قليلًا للأمام والخلف وهي غارقة في التفكير.
كانت تحاول أن تجد مخرجًا، خطة، أي فكرة تنقذ الشركة من هذا الفخ الذي نصب لها بإحكام.
لكن أفكارها لم تبقى عند تلك النقطة طويلًا.
فجأة، وبدون إرادة منها، عاد ذلك المشهد ليقتحم عقلها مرة أخرى.
قبلة شاهين.
تجمدت للحظة، وكأنها لم تكن تتوقع أن تستعيد ذاكرتها تلك اللحظة بهذه الوضوح.
رفعت يدها ببطء، وتحركت أصابعها نحو شفتيها دون وعي، ولمستها بخفة.
شعرت بإحساس غريب يجتاحها، إحساس لم تستطع تفسيره.
لم يكن مجرد غضب أو تقزز كما توقعت، بل شيء أكثر تعقيدًا أربكها بشدة.
انتبهت إلى نفسها فجأة، وكأنها استيقظت من غفلة.
سحبت يدها سريعًا، ثم انتفضت من مكانها وهي تهز رأسها بقوة رافضة ذلك الشعور الذي لم تفهمه.
كيف يمكن أن تتذكر تلك اللحظة بهذه الطريقة؟
وكيف سمحت لنفسها حتى بأن تستعيدها؟
وقفت بسرعة وكأنها تحتاج إلى الهروب من المكان كله.
خرجت من المكتب بخطوات سريعة، واتجهت إلى المصعد الكهربائي. ضغطت الزر بعصبية، وما إن وصل حتى دخلته فورًا، وكأنها لا تريد البقاء ثانية واحدة أخرى في ذلك الطابق.
هبط المصعد ببطء، لكن الدقائق بدت أطول مما ينبغي.
ما إن وصلت إلى الأسفل حتى خرجت مسرعة نحو موقف السيارات. ركضت تقريبًا حتى وصلت إلى سيارتها، فتحت الباب بسرعة وجلست خلف المقود، ثم أدارت المحرك وانطلقت بالسيارة.
كانت تقود بسرعة جنونية، دون أن تفكر في الطريق أو الوجهة.
كل ما شعرت به أنها تحتاج إلى الهواء، إلى مساحة أوسع تتنفس فيها بعيدًا عن ذلك الشعور الخانق الذي سيطر عليها منذ قليل.
كانت المدينة تمر أمامها كخطوط ضبابية، الأضواء تختلط ببعضها، والأصوات تتلاشى خلف ضجيج أفكارها.
وفجأة، ضغطت على المكابح بعنف.
توقفت السيارة بشكل مفاجئ، فانحنى جسدها قليلًا إلى الأمام قبل أن تعود إلى الخلف.
رفعت رأسها ونظرت أمامها، لكنها لم تكن ترى شيئًا حقًا.
كان بصرها موجهًا إلى الطريق، لكن عقلها كان في مكان آخر تمامًا.
ضربت عجلة القيادة بيدها بقوة، ثم خرجت منها صرخة عالية، صرخة تحمل كل ما كتمته داخلها طوال الوقت.
في تلك اللحظة فقط، انهارت.
مرت عليها لحظة ضعف قاسية، شعرت فيها وكأنها ليست تلك المرأة القوية التي يعرفها الجميع.
بل مجرد إنسانة هشة، دمية صغيرة تتقاذفها يد القدر بلا رحمة.
انهمرت دموعها بغزارة، واهتز صوتها وهي تقول:
"محتاجك اوي يا بابا، محتاجه حضنك ضمتك ليا، محتاجه ضحكتك الحلوة، صوتك وانت بتقولي يا زهرتي، وانت بتقولي يا قلب وعمر بابا، محتاجه أسند عليك، أنا ضعيفه اوي، ومهما حاولت أظهر اني قوية، الدنيا بتيجي عليا وتكسرني وتظهر ضعفي."
رفعت عينيها نحو الفراغ أمامها، وفجأة خيل إليها أنها ترى ابتسامة سلطان.
ابتسامته الدافئة التي كانت دائمًا تمنحها الطمأنينة.
رأته يفتح ذراعيه لها، كعادته، وكأنها ما زالت تلك الطفلة الصغيرة التي تركض نحوه لترتمي في حضنه.
سمعت صوته في خيالها، شعرت بمداعبته لها، بكلماته الحنونة، بكل التفاصيل التي حفظها قلبها ولم تنسها يومًا.
لكن تلك الصورة لم تدم طويلًا.
في لحظة واحدة، اختفى كل شيء.
بقيت وحدها مرة أخرى داخل السيارة، وسط الطريق، والدموع ما زالت تبلل وجهها.
ابتسمت ابتسامة حزينة بين دموعها وقالت بصوت مكسور:
"ربنا يرحمك يا حبيبي."
مسحت دموعها ببطء، ثم أعادت تشغيل السيارة من جديد.
هذه المرة كانت حركتها أهدأ قليلًا، وكأنها استنزفت جزءًا كبيرًا من ألمها في تلك اللحظات.
انطلقت بالسيارة في طريق العودة، متجهة إلى المنزل.
*************************
عند شاااهين…
عاد شاهين إلى مكتبه بخطوات هادئة ظاهريًا، لكنها في الداخل كانت محملة بتوتر خفي لا يظهر بسهولة على ملامحه. فتح الباب ودخل، ثم أغلقه خلفه ببطء وكأن العالم الخارجي لم يعد يعنيه في تلك اللحظة.
اتجه مباشرة نحو مكتبه، وجلس على مقعده الجلدي، مستندًا بظهره إلى الخلف قليلًا.
لكن رغم محاولته الظهور بمظهر الرجل المسيطر على كل شيء، كان هناك شيء ما يعبث في داخله.
أغمض عينيه للحظة قصيرة، وفجأة عاد المشهد إلى ذاكرته بوضوح مزعج.
رنيم.
وتلك اللحظة التي اقترب فيها منها.
شعر برغبة غريبة، ملحة، تجتاحه دون أن يفهمها تمامًا.
رغبة في العودة إليها مرة أخرى، في الاقتراب منها، في تذوق شفتيها من جديد.
فتح عينيه ببطء، وكأن الفكرة نفسها أربكته.
لم يكن معتادًا على هذا النوع من المشاعر.
لم يكن الرجل الذي يسمح للحظات عابرة أن تتسلل إلى داخله وتربك خططه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ابتسامة خفيفة لكنها حملت في طياتها شيئًا من التسلية وهو يتذكر لحظة قربه منها، تلك اللحظة التي رأى فيها الارتباك والغضب معًا في عينيها.
لكن سرعان ما تبدلت ملامحه.
انتبه إلى نفسه فجأة، وكأن عقلًا آخر داخله أيقظه من ذلك الشرود.
حرك رأسه بالرفض، ثم مرر يده على وجهه ببطء.
لا، لا يجب أن يسمح لنفسه بالانجراف خلف هذا الشعور.
ما حدث لم يكن سوى لحظة، لحظة يجب أن تبقى كما هي، لا أكثر.
لم يكن من المفترض أن تتحول إلى شيء يقيده أو يؤثر على قراراته.
بل العكس تمامًا.
كان يريد أن تكون تلك اللحظة قيدًا لها هي، أن تربكها، أن تضعفها، أن تجعلها تفقد توازنها.
أما هو، فلا يمكن أن يسمح بأن ينقلب السحر على الساحر.
عيناه أصبحتا أكثر قسوة وهو يستعيد تركيزه من جديد.
لديه خطة، خطة رسمها بعناية، ولن يسمح لأي شعور عابر أن يجعله يتراجع عنها، هدفه واضح، كسرها، إذلالها.
مد يده نحو الهاتف الموضوع على المكتب، والتقطه ببطء، ثم أجرى اتصالًا.
انتظر لبضع ثواني حتى جاءه الرد من الطرف الآخر.
وعندها تغيرت نبرته تمامًا، أصبحت حادة، باردة، ومليئة بالغضب وهو يقول:
"نفذ اللي قلتلك عليه، تروح لكل الشركات، وتنبه عليهم يسحبوا شغلهم من شركة الدسوقي، مش عايز ولا عميل عندهم فاهم."
لم ينتظر ردًا طويلًا.
أنهى المكالمة فورًا، وألقى الهاتف على المكتب أمامه، ثم أسند ظهره إلى المقعد مرة أخرى.
نظر أمامه بنظرة مظلمة تحمل وعدًا قاسيًا، وكأن صورة رنيم كانت تقف أمامه في تلك اللحظة.
وقال بصوت منخفض لكنه مليء بالتوعد:
"مبقاش أنا، لو مكنتش اجيبك تحت رجلي راكعه يا رنيم الدسوقي."
قبض على الهاتف بقوة بين يديه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة، ابتسامة شر واضحة، تعكس الرجل الذي اعتاد دائمًا أن يحصل على ما يريد، مهما كان الثمن.
**************************
خرجت جواهر من مبنى الشركة بخطوات متباطئة، وكأنها تمهل نفسها لحظات إضافية قبل أن تغادر هذا المكان الذي اعتادت أن ترى عند بوابته وجهًا مألوفًا ينتظرها كل يوم. عيناها أخذتا تجولان في محيط المكان بعفوية معتادة، تبحثان عن تلك السيارة التي طالما كانت علامة حضور جواد الدائمة. لكنها لم تجد شيئًا، لا سيارته، ولا ظله، ولا حتى ذلك الشعور المطمئن الذي كان يغمرها حين تراه ينتظرها.
توقفت للحظة، وقد انعقد حاجباها في دهشة خفيفة.
كان الأمر غريبًا عليها، بل شديد الغرابة.
فجواد، مهما كان انشغاله، لم يتأخر يومًا عن القدوم لأخذها، وكأن ذلك الموعد الصغير كان طقسًا يوميًا لا يسمح لنفسه بكسره.
تسللت إلى قلبها نغزة قلق خفية، لكنها حاولت أن تتجاهلها. تقدمت نحو سيارتها وصعدت إليها ببطء، وأغلقت الباب خلفها، بينما ظل عقلها منشغلًا بذلك الغياب المفاجئ.
مدت يدها إلى الهاتف، تبحث عن اسمه في قائمة الأسماء، وما إن وجدته حتى ضغطت عليه دون تردد. وضعت الهاتف إلى أذنها، تنتظر صوته الذي اعتادت أن يجيبها سريعًا، لكن الثواني مرت ببطء ثقيل، ولم يأتي الرد.
خفضت الهاتف قليلًا، وزفرت بضيق، كأنها تحاول أن تطرد تلك الغصة التي بدأت تتسلل إلى صدرها.
أعادت الاتصال مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، لكن الصمت كان الجواب الوحيد.
وضعت الهاتف أمامها، فوق المقعد المجاور، ثم أدارت محرك السيارة وتحركت بها نحو البيت. غير أن الطريق لم يكن هادئًا كما اعتادت؛ فقد كانت يدها تمتد بين لحظة وأخرى إلى الهاتف، تعيد الاتصال من جديد، وكأنها ترفض الاعتراف بأن هناك خطبًا ما.
مع كل مرة يرن فيها الهاتف دون أن يجاب، كان القلق يتضخم داخلها أكثر.
دقات قلبها أخذت تتسارع، وأفكار كثيرة بدأت تتزاحم داخل رأسها؛ ماذا لو حدث له مكروه؟ ماذا لو كان في مشكلة؟ لماذا لا يرد؟
لم تشعر بنفسها إلا حين وجدت السيارة تتوقف أمام الفيلا.
تنفست بعمق، محاولة أن تستعيد هدوءها قبل أن تترجل، لكن في تلك اللحظة تحديدًا، أضاء الهاتف فجأة بإشعار رسالة جديدة.
التقطته بسرعة، وقلبها يخفق بأمل مفاجئ.
لا بد أنها رسالة من جواد، ربما يعتذر، أو يفسر سبب تأخره.
لكن ما إن فتحت الرسالة حتى اتسعت عيناها بذهول صاعق، كأن الزمن تجمد فجأة حولها.
لم تكن كلمات، بل صورة.
صورة لمشهد لم يخطر ببالها يومًا أن تراه، ولم يتسلل حتى في أسوأ كوابيسها.
جواد، يحتضن فتاة أخرى، يقبلها في حميمية واضحة، وكأن العالم كله اختفى حولهما.
تجمدت أنفاسها في صدرها.
رفعت يدها إلى فمها بلا وعي، بينما راحت رأسها تتحرك ببطء في إنكار مرتبك، كأنها ترفض تصديق ما تراه عيناها.
لكن الصورة لم تختفي، ولم تتغير.
والدموع، التي حاولت مقاومتها للحظة، بدأت تتساقط تباعًا على وجنتيها.
في تلك اللحظة، وصل إشعار آخر.
هذه المرة كان عنوانًا لمكان ما.
قرأت العنوان، وقلبها يخفق بعنف.
لم تحتج إلى تفسير، فقد فهمت فورًا أن هذا هو المكان الذي يوجد فيه جواد الآن.
قبضت على عجلة القيادة بقوة، وكأن غضبًا مفاجئًا اشتعل داخل صدرها.
لم تفكر، لم تتردد، لم تسمح للعقل أن يتدخل.
أدارت السيارة بسرعة حادة، وانطلقت بها كأنها تهرب من شيء، أو ربما تركض نحوه.
الطريق بدا أطول من المعتاد، والمدينة من حولها تمر كضباب سريع، لكنها لم تكن ترى شيئًا بوضوح.
كل ما كان أمام عينيها هو تلك الصورة، وذلك الشعور الذي بدأ يمزق قلبها ببطء قاسي.
وأخيرًا توقفت السيارة أسفل البناية التي يشير إليها العنوان.
ظلت للحظة جالسة مكانها، أنفاسها تتصاعد باضطراب واضح.
أغمضت عينيها قليلًا، ثم أخذت نفسًا عميقًا طويلًا، وأخرجته ببطء، كأنها تحاول أن تجمع شتات نفسها قبل المواجهة.
مسحت دموعها بعنف سريع، كأنها غاضبة من ضعفها، ثم فتحت باب السيارة وترجلت.
خطواتها نحو المدخل كانت حادة، مشحونة بشيء بين الغضب والانكسار.
دفعت الباب بقوة، ودخلت إلى الداخل دون أن تتوقف.
اتجهت مباشرة نحو المصعد، وضغطت زر الطابق المذكور.
كانت الثواني داخل المصعد تمر ببطء خانق، وكأن الجدران تضيق حولها مع كل لحظة.
وحين وصل المصعد أخيرًا، خرجت منه بخطوات متسارعة حتى وصلت إلى الباب المقصود.
وقفت أمامه للحظة، ويدها ترتجف قليلًا.
رفعت يدها، وضغطت على جرس الباب.
مرت ثواني بدت لها كأنها دهر كامل.
وأخيرًا فتح الباب.
وجدت أمامها فتاة ترتدي ملابس فاضحة، تقف بارتباك عند المدخل.
لكن جواهر لم تمنحها حتى فرصة للكلام؛ دفعتها بقوة بعيدًا عن الباب، ودخلت إلى الداخل بعاصفة من الغضب.
كانت خطواتها سريعة، حادة، حتى وقعت عيناها على باب إحدى الغرف المفتوحة.
اقتربت، وما إن وقفت عند العتبة حتى تجمدت في مكانها.
المنظر أمامها كان كافيًا ليحطم ما تبقى من صمودها.
انهمرت دموعها بغزارة، وراحت رأسها تتحرك في رفض موجوع، بينما خرج صوتها بصعوبة ثقيلة:
"ليه يا جواد؟ ليه تعمل فيا كده؟ طيب لو محبتنيش ليه تكذب عليا، وتوهمني بحبك؟ أنا فتحت عيني على حبك يا جواد، ليه تنزلني لسابع أرض، بعد ما طلعتني لسابع سما، رد عليا ليه يا جوووواد؟"
كان جواد متمدت على السرير صدره عاري ومرتدي بنطال قطني فقط، انتفض من مكانه واقترب منها وتكلم بتوتر:
"جواهر! انتي جيتي هنا ازاي؟"
دفعته بقوة بصدرة وتكلمت بصراخ:
"هو ده كل اللي يهمك، أنا جيت هنا إزاي؟ انت إزاي بجح اوي كده، ده انت طلعت ممثل كبير اوي يا جواد، حسك عينك تفكر تقرب مني تاني فاهم."
أنهت كلامها وركضت سريعا نحو الباب.
لكن جواد لم يتركها تمر هكذا؛ ركض خلفها بسرعة، وأمسك بذراعها بقوة، والغضب يشتعل في صوته:
"اصبري انا جاي أوصلك."
دفعته بقوة بعيد عنها وتكلمت بغضب:
"أبعد عني انت ايه؟ مش بتفهم، ملكش دعوة بيااا."
ثم اندفعت خارج المكان مسرعة، كأنها تهرب من جرح مفتوح لا تستطيع احتماله.
هبطت الدرج بخطوات متعثرة، حتى وصلت إلى الخارج.
صعدت إلى سيارتها بسرعة وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تحتمي بداخله من العالم كله.
أسندت رأسها على عجلة القيادة، ولم تعد تقاوم أكثر.
انفجر بكاؤها أخيرًا، بكاء موجع، يخرج من أعماق قلب انكسر فجأة دون إنذار.
لكن طرقات خفيفة على زجاج السيارة جعلتها ترفع رأسها ببطء.
نظرت بعينين حمراوين، لتجده يقف هناك.
جواد.
تقلص وجهها بغضب ممزوج بالألم، وضغطت على أسنانها بقوة، ثم أدارت السيارة فجأة وانطلقت بها بسرعة جنونية، تاركة إياه خلفها.
وقف جواد مكانه للحظة، يمرر يده في شعره باضطراب واضح، ثم زفر بضيق شديد.
وبعد ثواني، اتجه إلى سيارته، وصعد إليها، وانطلق هو الآخر خلف الطريق، بسرعة لا تقل جنونًا عن سرعتها.
**************************
عادت رنيم إلى الفيلا بعد يوم طويل أثقل روحها بما لا يقال، كانت خطواتها على الدرج بطيئة، كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا غير مرئي، عبئًا من التفكير والقلق الذي لم يفارقها منذ لقائها الأخير بشاهين، وصلت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم تقدمت نحو السرير وكأنها تسير داخل ضباب كثيف من الأفكار.
ارتمت على الفراش بلا مقاومة، واستلقت على ظهرها، بينما بقيت عيناها معلقتين بالسقف في صمت عميق، لم تكن ترى شيئًا حقًا، كانت غارقة في بحر من الأفكار المتشابكة، تحاول أن تجمع أطرافها دون جدوى.
تسللت إلى صدرها مشاعر متضاربة؛ غضب مكتوم، قلق غامض، وإحساس خفي بأن شيئًا ما يحاك في الخفاء، شيئًا لم تتضح ملامحه بعد، لكنه يقترب بخطوات ثابتة.
ظل الصمت يلف الغرفة، حتى قطع سكونه فجأة صوت رنين الهاتف.
ارتجف تركيزها للحظة، فاعتدلت في جلستها سريعًا، ومدت يدها نحو الهاتف. ضغطت على زر الإجابة، محاولة أن تخرج صوتها طبيعيًا، لكن الكلمات تجمدت في حلقها عندما جاءها صوت الموظف من الطرف الآخر، محملًا بقلق واضح:
"العملاء كلها انسحبوا فى وقت واحد، وكلهم عايزين فلوسهم، هنعمل ايه يا باشمهندسة رنيم؟"
في تلك اللحظة، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
نهضت من مكانها بصدمة واضحة، واتسعت عيناها بعدم تصديق، أخذت تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا، كأن الحركة وحدها قادرة على استيعاب هول ما سمعت، رفعت يدها إلى شعرها تمرر أصابعها خلاله باضطراب، بينما خرج صوتها مهتزًا، يحمل مزيجًا من الذهول والغضب:
"ازاي ده حصل؟ دي مصيبه كبيره، اكيد فيه حد وراه..."
توقفت فجأة في منتصف الغرفة.
جملة لم تكملها، فكرة باغتتها فجأة، كوميض حاد في عقلها.
تقلصت ملامحها، واشتعل شيء ما داخل عينيها عندما ارتسم اسم واحد في ذهنها، شاهين.
شعرت بالغضب يتصاعد داخلها كالنار، حتى أصبح صوتها أكثر حدة وهي تقول:
"أنا عرفت مين اللي وراه اللي حصل ده."
أنهت المكالمة بسرعة، وكأنها لم تعد تحتمل ثانية إضافية من الانتظار. أمسكت الهاتف بإحكام، وبدأت تبحث بين الأرقام عن ذلك الرقم الذي اتصل منه قبل أيام. كانت أصابعها تتحرك بسرعة، بينما قلبها يخفق بعنف.
وأخيرًا وجدته.
ضغطت على زر الاتصال دون تردد، ورفعت الهاتف إلى أذنها، تنتظر.
ثواني قليلة مرت، لكنها بدت أطول مما يجب.
حتى جاءها صوته أخيرًا.
حينها لم تحاول حتى أن تخفي غضبها، بل قالت مباشرة:
"عايزه اقابلك."
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، صمت بدا مقصودًا، كأنه يستمتع بتوترها.
ثم تكلم أخيرًا بصوت هادئ:
"معنديش مانع، منتظرك فى شقتي."
اشتعلت عيناها غضبًا فور سماع كلماته، وقالت بحدة واضحة:
"بتحلم يا شاهين، أنا عايزة اقابلك فى مكان عام."
وصلها صوته مجددًا، هذه المرة مصحوبًا بضحكة خفيفة تحمل استفزازًا واضحًا، قبل أن يقول بهدوء:
"اوك، واحده واحده، النهاردة طلبتي نتقابل فى مكان عام، بكرة تطلبي نتقابل فى مكان خاص، وبعده تكوني فى حضني."
قبضت على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، وضغطت على أسنانها محاولة كبح غضبها، ثم قالت بحدة:
"لما تعرف تعض ودانك، سعتها هبقى فى حضنك يا شاهين."
جاءها صوته هذه المرة هادئًا، لكنه يحمل شيئًا مخيفًا في نبرته:
"مين عارف، مش يمكن انتي اللي تطلبي القرب ده يا قلب شاهين."
أغمضت عينيها لحظة، تحاول أن تمنع غضبها من الانفجار، ثم قالت بنفاد صبر واضح:
"أنا هستناك فى كافيه"..."
لم تمنحه حتى فرصة الرد، أغلقت الخط سريعًا، وكأنها لو استمعت لصوته ثانية واحدة أخرى قد تفقد أعصابها تمامًا.
التقطت حقيبة يدها بسرعة، وخرجت من الغرفة بخطوات سريعة متجهة نحو الدرج، كانت أفكارها تشتعل داخل رأسها؛ غضبها من شاهين، وصدمة ما حدث في الشركة، كلها تتزاحم في داخلها كعاصفة لا تهدأ.
هبطت إلى الأسفل، وفتحت باب الفيلا لتغادر.
لكنها توقفت فجأة.
إذ اندفعت جواهر إلى الداخل مسرعة، وكأنها تهرب من شيء ما.
اتسعت عينا رنيم بقلق، فأمسكت بذراعها سريعًا وقالت بتساؤل مشوب بالدهشة:
"جواهر! مالك فيه ايه؟"
لم تجبها جواهر بالكلمات فورًا.
بل ارتمت فجأة داخل حضنها، وأمسكت بها بقوة، وكأنها تبحث عن ملجأ يحميها من الألم الذي يفتك بها. كانت شهقاتها متقطعة، ودموعها تنهمر بلا توقف، قبل أن تقول بصوت مكسور بين البكاء:
"جواد طلع بيخوني يا رنيم، مطلعش بيحبني زي ما كنت مفكرة، شوفته بعيني فى حضنه واحده وبيبوسها، أنا مش قادرة اصدق هتجنن يا رنيم هتجنن."
تصلبت ملامح رنيم للحظة.
لم تبدو الدهشة على وجهها بقدر ما ظهر الغضب. ارتسمت على شفتيها ابتسامة مشدودة تخفي احتقانًا واضحًا، ثم قالت بصوت مختنق بالغضب:
"مش ده اللي كنتي بتزعلي مني لما بجيب سيرته، قلتلك، مش ده اللي يليق بيكي، ابن ترنيم واطي وندل زي أمه، اطلعي اوضك وانا هروح مشوار بسرعه، ولما ارجع نبقى نشوف هنعمل ايه."
اومأت جواهر برأسها ببطء، والدموع ما زالت تغمر وجهها، ثم تحركت بخطوات متثاقلة نحو الدرج وصعدت إلى غرفتها.
وقفت رنيم مكانها للحظة تراقب أثرها حتى اختفت.
ثم تشددت ملامحها، واشتعل الغضب داخل عينيها وهي تقول بمرارة:
"هو ده اللي بنخده من ترنيم وعيلتها، الدموع وبس."
تنفست بعمق، كأنها تحاول أن تستعيد تماسكها.
ثم استدارت وتحركت إلى الخارج، صعدت سيارتها وأدارت المحرك.
وبعد لحظات، انطلقت بها نحو إحدى الكافيهات، نحو لقاء لم تكن تنوي أن يكون مجرد حديث عابر، بل مواجهة تضع فيها حدًا لتلك المهزلة التي بدأت تلتف حول حياتها.
*************************
خرج شاهين من غرفته بخطوات هادئة لكنها حاسمة، وقد بدا وكأنه يستعد لمعركة يعرف تفاصيلها جيدًا. كان يضبط أزرار قميصه بعناية وهو يهبط الدرج ببطء، ملامحه هادئة ظاهريًا، لكن في عينيه بريق خفي لا يخطئه من يعرفه؛ بريق رجل يمضي نحو خطوة خطط لها منذ زمن.
ما إن وصل إلى الأسفل حتى لمح والدته جالسة في الصالة، تتأمل شيئًا ما بشرود، وكأنها تنتظر تلك اللحظة تحديدًا. اقترب منها، وانحنى قليلًا ليضع قبلة خفيفة على رأسها، ثم ابتسم لها بحنو وهو يقول:
"الجميل بيفكر فى ايه؟"
رفعت مريم رأسها إليه ببطء، وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة تحمل الكثير من الخبث والرضا، ابتسامة امرأة ترى خطتها تتحقق خطوة بعد أخرى. قالت بنبرة يغلفها الشر الواضح:
"الخطه ماشيه زي ما أنا عايزة واحسن كمان، تاني خطوة تمت بنت سمية وحسام، شافت خيانة ابن ترنيم وغريب بعينيها، وده هيفتح سكه للي جاي."
لم تتغير ملامح شاهين كثيرًا، لكنه ابتسم ابتسامة مشابهة، تلك الابتسامة التي تشبه ابتسامة الصياد حين يرى فريسته تقع داخل الشرك الذي نصبه. قال بنبرة هادئة:
"والخطوة التالته تمت، وبنت سلطان طلبت تقابلني علشان خسرت كل حاجه، وهتوافق على كل اللي هطلبه منها، مقابل أن اساعدها ترجع الشركه تاني زي الاول."
تعالت ضحكات مريم في المكان، ضحكات ممتلئة بنشوة الانتصار قبل أن تكتمل المعركة حتى، ثم قالت بارتياح واضح:
"ايوه كده فرحت قلبي، ولسه اللي جاي هيكون دمار عليهم كلهم."
ابتسم شاهين ابتسامة باردة، ثم انحنى مرة أخرى وقبل رأسها، قبل أن يستدير متجهًا نحو الباب. فتحه وخرج بخطوات ثابتة، وكأن كل شيء يسير كما خطط له تمامًا.
صعد إلى سيارته، وأدار المحرك، ثم انطلق بها نحو الكافيه حيث تنتظره رنيم.
وبعد وقت قصير، وصل أخيرًا.
أوقف سيارته، وترجل منها، ثم دلف إلى الكافيه بخطوات واثقة. كانت عيناه تبحثان بين الطاولات حتى وقعتا عليها.
كانت تجلس هناك، تنتظره.
في اللحظة التي رآها فيها، تسللت إلى ذهنه ذكرى تلك القبلة المفاجئة بينهما. للحظة قصيرة، أغمض عينيه وكأنه يحاول أن يهدئ تلك الدقات الغريبة التي بدأت تضرب صدره، دقات لم يعتد أن يشعر بها.
لكنها لم تدم طويلًا.
فتح عينيه من جديد، واستعاد هدوءه المعتاد، ثم تحرك نحوها ببطء. عندما وصل إلى الطاولة، جلس أمامها ووضع قدمًا فوق الأخرى، وابتسامة مستفزة ترتسم على شفتيه، قبل أن يقول بنبرة متعالية:
"خير!"
نظرت له بضيق واضح وقالت:
"انت عارف انا هنا ليه."
حرك رأسه بالرفض وقال بهدوء حذر:
"لا معرفش."
أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول أن تكبح غضبها، ثم قالت بصوت مختنق:
"ماشي هقولك انا هنا ليه، الشركه انت اللي وراه انسحاب العملاء منها صح؟"
اومأ رأسه بهدوء وقال:
"ايوه انا، ودي كانت البدايه، قلتلك أنا همحي شركة الدسوقي، وانتي مصدقتيش."
ارتجفت أنفاسها قليلًا، لكنها حاولت أن تحافظ على هدوئها، وقالت بصوت مختنق:
"طيب هتستفاد ايه لما تعمل كده؟ لو كل ده علشان المناقصة اللي اخدها منك، مستعدة ارجعها ليك، بس ارجوك بلاش موضوع العملاء ده، الشركه دي من ريحة بابا الله يرحمه، وغاليه عليا."
ظل ينظر إليها بصمت لعدة لحظات، وكأنه يزن كلماتها، أو ربما يستمتع بتلك اللحظة التي يرى فيها كبرياءها يلين قليلاً.
ثم حرك رأسه بالرفض وقال ببساطة:
"أنا مش عايز المناقصه."
تقلصت ملامحها بدهشة واضحة، وقالت بتساؤل:
"اومال عايز ايه؟"
اقترب منها قليلًا، وسحب المقعد الذي تجلس عليه نحوه، حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة جدًا. مال بجسده نحوها، وقال بصوت هامس:
"عايزك انتي!"
اتسعت عيناها بصدمة، وتراجعت بمقعدها إلى الخلف بسرعة وكأنها تحاول أن تضع مسافة بينها وبينه، وقالت بتوتر واضح:
"ح حضرتك انت شايفني ازاي؟ ايه اللي بتقوله ده؟ لو سمحت خلي كلامنا على الشغل وبس."
اعتدل في جلسته من جديد، وارتسمت على وجهه ملامح غرور واضحة وهو يقول:
"لا اوعي تفهمي غلط، أنا مش عايزك حبًا فيكي ولا لسواد عيونك، لا انا عايز أذلك، أكسرك، امسح بكرامتك الأرض، لو وافقتي، من بكره شركتك هترجع واحسن من الاول، موافقتيش يبقى، أستعدي للجاي."
أغمضت رنيم عينيها لثواني، تحاول أن تضبط انفاسها التي بدأت تتسارع، وكأنها تقاتل حتى لا تفقد سيطرتها أمامه.
ثم قالت بهدوء حذر:
"وأيه السبب وراه كل اللي انت عايز تعمله معايا ده؟"
مال بجسده قليلًا، ومد يده ببطء نحو ساقها، وبدأ يحركها بلمسة تحمل استفزازًا واضحًا، وقال بنبرة هادئة:
"بحب احتفظ بالاسباب لنفسي، بس متخافيش مع كل اللي قولته ده، هظبطك."
في اللحظة التالية، قبضت رنيم على يده بقوة، وأبعدتها عنها بعنف، ونظرت إليه بعينين تشتعلان غضبًا، وقالت من بين أسنانها:
"لا عاش ولا كان اللي يفكر يذلني ولا يكسرني، الشركه دي انا هقدر ارجعها احسن من الاول، ويا أنا يا انت يا شاهين."
استقامت في جلستها، ورفعت رأسها بكبرياء واضح، ثم نظرت إليه بتحدي وقالت:
"انت وقعت مع الشخص الغلط يا شاهين، علشان مش انا اللي بتسلم بسهولة، نفسي أطول من عمرك اصلا، والساحه ما بينا."
ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، لكن في عينيه لمع بريق إعجاب خفي، وقال:
"عجبني اوي عنادك، وده اللي محلي اللعبه ما بينا."
نظرت إليه بكره شديد، وأمسكت حقيبة يدها، ثم حركت أصابعها أمامه محذرة وقالت:
"بلاش تستقل بيا، علشان أنا بنت راجل الدنيا كلها كانت بتعمله ألف حساب، وبنت سلطان الدسوقي متتكسرش بسهولة كده."
في تلك اللحظة تغيرت ملامحه قليلاً.
استقام بجسده واقترب منها خطوة، ثم انحنى قليلًا ليهمس بجوار أذنها بكلمات باردة كالسكاكين:
"امم، ابوكي اللي كان رميكم وبيحب واحده تانيه ومش سأل فيكم، سلطان الدسوقي، اللي مكانش بيعمل حاجه غير أنه يستقوى على الستات ويأذيهم، سلطان وصمة عار فى حياتك، هو سبب عذابك فى اللي فات من عمرك وفى اللي جاي."
ثم ابتعد عنها فورًا، وكأنه ألقى قنبلة في قلب المكان.
استدار وغادر الكافيه دون أن يلتفت خلفه.
أما رنيم، فبقيت واقفة في مكانها، كأن الكلمات التي قالها أصابتها بالشلل.
كان وجهها شاحبًا، وعيناها معلقتين بالفراغ.
شيء ما داخلها بدأ يتحرك، إحساس غامض بأن وراء كل هذا العداء سرًا أكبر، وأن تلك الحرب التي أعلنها شاهين عليها ليست مجرد لعبة انتقام عابرة.
بل لعبة قديمة، بدأت قبل أن تدرك هي نفسها أنها جزء منها.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع 7 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع
جلست جواهر على حافة سريرها، وقد انحنى جسدها قليلًا للأمام، بينما كانت يداها تضمان طرف الوسادة بقوة وكأنها تحاول التمسك بشيء يمنع قلبها من الانهيار. كانت الدموع تنساب على خديها بلا توقف، ساخنة وثقيلة، كأنها تحمل معها كل ما تشعر به من خيبة وألم.
كلما عادت إلى ذاكرتها تلك الصورة القاسية، صورة جواد في ذلك الوضع الذي رأته، ازداد اختناق صدرها، وكأن شيئًا حادًا يغوص في قلبها مع كل تذكر. لم تستطع أن تمحو المشهد من ذهنها مهما حاولت، فكل تفصيلة فيه كانت تعود لتطاردها بإلحاح مؤلم.
فجأة دوى صوت هاتفها معلنًا عن اتصال وارد.
انتفض قلبها داخل صدرها، ونظرت إلى الهاتف للحظة وكأنها تخشى معرفة صاحب الاتصال. مدت يدها ببطء والتقطته، وما إن وقع بصرها على الاسم الظاهر على الشاشة حتى اشتعل الغضب في عينيها.
جواد.
قبضت على الهاتف بقوة، وضغطت على زر الرفض بعنف، وكأنها بذلك ترفضه هو نفسه، ثم ألقت الهاتف بجوارها على السرير في حركة حادة. بعد لحظات رفعت يدها إلى وجهها وغطته بها، لتنفجر في بكاء أشد قسوة.
لم يمر سوى وقت قصير حتى أضاء الهاتف مجددًا معلنًا وصول رسالة.
نظرت إليه من بعيد بعينين دامعتين، وكأنها تخوض صراعًا داخليًا بين فضولها وغضبها. لكنها سرعان ما هزت رأسها برفض، وكأنها تحاول إقناع نفسها ألا تضعف.
استقامت فجأة من مكانها، وكأنها تبحث عن مهرب من تلك الأفكار التي تحاصرها، ثم اتجهت بخطوات متثاقلة نحو المرحاض.
نزعت ملابسها سريعًا، ووقفت تحت الماء المنهمر من الدش. انساب الماء الدافئ فوق جسدها، لكنها لم تشعر بأي راحة حقيقية. كانت تحاول تهدئة نفسها، محاولة أن يغسل الماء ذلك الألم الذي يعتصر قلبها، لكن دموعها انهمرت أكثر، واختلطت بالماء المتساقط على وجهها.
وقفت هناك وقتًا طويلًا، لا تدري كم مر من الوقت، وكل ما تعرفه أن صدرها ما زال يضيق بنفس الألم.
وأخيرًا أغلقت الماء بعد أن شعرت ببعض الإرهاق، ثم ارتدت برنس الاستحمام وخرجت من المرحاض ببطء.
للحظة قصيرة شعرت بتحسن طفيف، كأن الماء قد خفف شيئًا بسيطًا من ثقل قلبها، لكن تلك اللحظة لم تدم.
فقد سمعت صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها.
توقفت مكانها، واعتقدت فورًا أن رنيم هي الطارقة، فتنفست بعمق واتجهت نحو الباب. لكنها ما إن فتحته حتى تجمدت في مكانها.
كان جواد يقف أمامها.
اشتعل الغضب في عينيها فور رؤيته، وضغطت على أسنانها بقوة وقالت:
"انت! جاي ليه؟ انا مش قولتلك ملكش دعوة بيا؟"
أغلق عينيه بضيق ثم تكلم بصوت مختنق:
"جواهر اسمعيني، بلاش غضبك ينهي كل حاجه من غير ما تسمعي الحقيقه."
لكن كلماته لم تهدئها، بل أشعلت غضبها أكثر. اندفعت نحوه تضرب صدره بيديها، بينما تنساب دموعها بغزارة على وجهها، وقالت بصراخ:
"انت أزاي كداب وبجح كده؟ حقيقية ايه دي اللي عايزني اسمعها؟ أنا شوفتك بعيني وانت واخد واحده فى حضنك وبتبوسها يا جواد، شوفتك بعيني وانت فى اوضة نومها وعريان، هتنكر الحقيقه دي ازاي وانا شيفاك بعيني؟ أنا بكرهك يا جواد ومش مسمحاك على وجع قلبي ده."
زفر بضيق، وقد بدت ملامح التوتر واضحة على وجهه، ثم اقترب منها محاولًا احتضانها ليهدئها وقال بصوت مختنق:
"طيب اهدي علشان خاطري."
لكنها دفعته بعيدًا عنها بعنف وكأن مجرد اقترابه منها يؤلمها، ثم صرخت:
"أبعد عني من اللحظه دي ملكش خاطر عندي يا جواد، ملكش دعوه بيا، مش عايزة اشوفك تاني."
اقترب منها مجددًا وكأنه يحاول السيطرة على الموقف قبل أن يزداد سوءًا، لكن في تلك اللحظة تدخلت رنيم.
وقفت أمام جواهر مباشرة وكأنها درع يحميها، ثم قالت بتحذير:
"عايز منها ايه تاني؟ مش كفايه الحالة اللي وصلتها ليها دي، أنا مش مستغربه اللي عملته، لأن ده الطبيعي فى عيلتكم حاجه مش جديدة عليك امك عملتها قبل كده كتير."
اشتدت ملامح الغضب على وجه جواد، وضغط على أسنانه وهو يقول بتحذير:
"رنيم، ملكيش دعوة باللي بيحصل ما بينا، كرهك لينا اركني على جنب، مش هتستفادي حاجه لما تولعيها ما بينا دلوقتي."
رفعت حاجبها باستهجان وقالت ببرود لاذع:
"انت لسه ليك عين تتكلم بعد اللي عملته؟ واحد غيرك يختشي على دمه، بعد ما كسر اكتر قلب حبه علشان شهواته، بني ادم ندل وواطي، دي كانت بتخسر الدنيا كلها علشانك، وانت بعتها مع أول لمسة بنت ليك، ابعد عن جواهر احسنلك، ولو فكرت تقرب ليها أنا اللي هقف ليك يا جواد."
نظر جواد إلى جواهر بعينين مشتعلتين بالغضب وقال:
"موافقه على كلامها ده يا جواهر؟ هتسمحي ليها تاخد فرصتها علشان تبعدنا عن بعض؟ ردي عليا هتبعدي من غير حتى ما تديني فرصه اقولك الحقيقه؟"
تمسكت جواهر بظهر رنيم وكأنها تستمد منها القوة، وأغلقت عينيها المبللتين بالدموع ثم قالت بصوت مكسور:
"اه يا جواد موافقة على كلامها، هي كان عندها حق، لما حذرتني منك وانا كنت بزعل من كلامها ومصدقهاش، مبقاش فيه كلام ما بينا تاني خلاص."
اقترب منها فجأة ودفع رنيم بقوة بعيدًا عنها، ثم قبض على ذراع جواهر بقسوة وقال من بين أسنانه:
"طيب أعملي حسابك، انتي مش هتكوني غير ليا يا جواهر، وكلمة بعد عني دي تمحيها من قاموسك، انا بحبك، وانتي بتاعتي، الحقيقه مش هقولها ليكي دلوقتي، عقابًا ليكي، لما تتعلمي الادب وتبطلي تسرعك ده، يبقى لينا كلام تاني."
ثم نظر إلى رنيم بنظرة غاضبة، ودفع جواهر بقوة فسقطت على الأريكة قبل أن يستدير ويغادر الغرفة.
ظلت جواهر تحدق في الباب الذي خرج منه، وكأنها لا تصدق ما حدث، ثم صرخت بمرارة:
"بكرهك يا جواد بكرهك، وبتحلم إن اكون ليك، يا كداب يا خاين."
وما إن أنهت كلماتها حتى ارتمت في أحضان رنيم، وتمسكت بها بقوة بينما كانت تبكي بحرقة.
ربتت رنيم على ظهرها بحنان وقالت محاولة تهدئتها:
"أهدي يا جواهر اهدي يا حبيبتي وغلاوتك عندي لاندمه على اللي عمله فيكي واخلي النار تولع فى قلبه، بس اصبري عليا بس."
قالت جواهر بين شهقاتها المؤلمة:
"أنا قلبي وجعني اوي يا رنيم، مش متخيله أن جواد قدر يعمل فيا كده، أنا فتحت عيوني على حبه، كنت واثقه فيه لابعد الحدود، أنا حاسه نفسي فى كابوس، أنا بحبه اوي وموجعه منه اوي."
ضمتها رنيم أكثر، وظلت تمرر يدها على شعرها بحنان حتى هدأت تدريجيًا، وغلبها التعب والبكاء لتغفو أخيرًا وكأنها تهرب من الواقع إلى عالم أقل قسوة.
حين شعرت رنيم بانتظام أنفاسها، تحركت بحذر شديد حتى لا توقظها. نهضت ببطء من الأريكة، ثم عدلت وضع رأسها برفق، وأحضرت وسادة من فوق السرير ووضعتها أسفل رأسها، ثم غطتها بالغطاء وقبلت مقدمة رأسها بحنان.
بعد ذلك اتجهت نحو الباب، أطفأت الضوء وأغلقته بهدوء خلفها.
عادت إلى غرفتها وجلست على الأريكة، ثم أرجعت شعرها إلى الخلف بتعب واضح. شعرت وكأن كل شيء من حولها يتداعى، وكأن الأعباء قد ثقلت فوق كتفيها فجأة.
لكنها هزت رأسها رافضة الاستسلام لذلك الضعف، فهذا ليس الوقت المناسب له.
رفعت رأسها نحو الأعلى وقالت بدعاء صادق خرج من قلبها:
"يارب الشيله بقت تقيله اوي عليا، قويني على اللي جاي وريح قلبي يا الله."
أطلقت تنهيدة طويلة مثقلة بالألم، ثم نهضت ببطء لتبدل ملابسها.
****************************
في صباح يوم جديد، كانت أجواء المنزل تبدو هادئة على غير عادتها، وكأن السكون الذي يلف المكان يخفي خلفه شيئًا غير مريح. أشعة الشمس تسللت عبر النوافذ الواسعة، وانعكست على أرضية الصالة اللامعة، لكنها لم تستطع أن تبدد ذلك الإحساس الثقيل الذي كان يخيم على الأجواء.
في تلك اللحظة، هبط جواد من أعلى الدرج بخطوات متثاقلة. كان وجهه متجهمًا، وملامحه مشدودة كأنها تحمل بداخلها غضبًا مكتومًا أو صراعًا لا يريد الإفصاح عنه. عيناه بدتا مرهقتين، وكأن الليل لم يمنحه لحظة راحة حقيقية.
اتجه نحو المقعد وجلس عليه بصمت ثقيل، تبادل الثلاثة الجالسين نظرات متعجبة، فقد اعتادوا عليه فى الأوان الأخيرة رؤيته مرحًا، ساخرًا، سريع الابتسام، لكن تلك الملامح القاسية التي عادت، ارتسمت على وجهه هذا الصباح بدت الأمر غريباً تمامًا.
كسرت أروى ذلك الصمت بنبرة مازحة محاولة تخفيف الأجواء، وقالت:
"انت عندك انفصام في الشخصيه يا جوجو؟ يعني يوم تكون بتضحك وتهزر ويوم تكون مكشر ودمك تقيل."
لكن كلماتها لم تلقي الاستجابة التي توقعتها. رفع جواد عينيه إليها ببطء، وكان الغضب واضحًا في نظرته، ثم قال بتحذير:
"بلاش أنا علشان مصبحش عليكي بطريقتي."
تبدلت ملامح أروى قليلًا من حدة نبرته، بينما تدخلت ترنيم بنبرة يملؤها الاستغراب وقالت بتساؤل:
"فيه أيه يا جواد على الصبح؟ اختك بتهزر معاك مقالتش حاجه يعني."
ضغط جواد على أسنانه بضيق، وكأن الكلمات تختنق داخل صدره، ثم قال بصوت مختنق:
"ماما محدش ليه دعوة بيا خالص، ممكن؟"
ساد الصمت للحظة قصيرة، قبل أن يتدخل غريب أخيرًا، وقد بدا الغضب واضحًا في نبرته وهو يقول:
"انت أزاي تتكلم مع امك كده؟ مش عامل حتى احترام ليا."
أطلق جواد زفرة ضيق حادة، ثم استقام بجسده كأن المكان كله أصبح يضيق عليه، وقال بنبرة غاضبة:
"أنا آسف عن اذنكم."
تحرك بسرعة نحو الباب وكأنه يريد الهرب من ذلك الجو الخانق، لكن صوت غريب الغاضب أوقفه في مكانه قائلا:
"انت يا حيوان انت مش بتكلم معاك."
استدار جواد بضيق واضح، وقد بدا أن أعصابه أصبحت على وشك الانفجار، ثم قال بصوت غاضب:
"انتوا فيه ايه النهاردة؟ عايزين مني ايه؟ سبوني فى الحالي بقى."
ثم خرج من الباب وأغلقه خلفه بعنف، فاهتز الباب قليلًا من شدة إغلاقه.
ساد الصمت في الصالة لثواني طويلة، وكأن الجميع يحاول استيعاب ما حدث للتو. نظرت أروى إلى ترنيم بصدمة واضحة وقالت:
"ايه ده؟ جواد اول مرة يعلى صوته على بابي ويتكلم معاه بالاسلوب ده."
بدت ملامح القلق واضحة على وجه ترنيم، فقد كانت تعرف ابنها جيدًا، وتدرك أن تلك الحالة التي ظهر بها لم تكن طبيعية أبدًا. نظرت إلى أروى بنظرات متوترة، ثم نهضت من مقعدها واتجهت نحو غريب وقالت:
"غريب، جواد فيه حاجة، أول مرة اشوفه كده، هو فيه حاجه حصلت فى الشغل وانا معرفهاش؟"
هز غريب رأسه بالرفض، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا محاولًا تفسير الأمر:
"لا طبعا، هو شكله متخانق مع جواهر، لانه امبارح كان عادي وفرحان أني وافقت على ارتباطه بيها، انتي ابقى اعرفي من جواهر ايه اللي حصل."
أومأت ترنيم برأسها ببطء، بينما تسللت إليها مشاعر القلق أكثر، ثم قالت:
"ربنا يستر، جواد ميوصلش للحالة دي الا لو كان فيه حاجه كبيره."
أكد غريب كلامها بإيماءة خفيفة، ثم اقترب منها وقبل رأسها بحنان وقال:
"اسألي انتي جواهر، وانا لما أروح الشركه ابقى اقعد اتكلم معاه."
ابتسمت له ابتسامة يملؤها القلق وقالت:
"ماشي يا حبيبي أن شاءالله خير، ربنا يهديه ويصلح حاله، ابقى طمني فى التليفون."
أومأ برأسه بهدوء قبل أن يغادر المكان.
بعد خروجه، التفتت ترنيم إلى أروى التي ما زالت جالسة تتابع ما حدث بملامح متوترة، وقالت باستغراب:
"وانتي مش رايحه الجامعه؟"
ارتبكت أروى قليلًا، وحركت رأسها بالرفض ثم قالت بتوتر:
"لا مش رايحه معنديش حاجه مهمة، أنا هروح عند خالو تامر، عايزه اقعد معاه شوية."
تسلل الشك إلى ملامح ترنيم وهي تنظر إليها بتفحص، ثم قالت بتساؤل:
"خير فيه أيه؟ موضوع خالك تامر ده فيه ان، اه كنت بتروحي ليه، بس مش على طول كده."
تنحنحت أروى محاولة إخفاء توترها، ثم رسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها وقالت:
"فيه أيه يا ست الكل، أيه شغل المخابرات ده؟ وبعدين انتي عارفه أنا بحب خالو تامر قد ايه وهو حضرته كل فين وفين لما بيجي هنا، وبيوحشني اوي، ها يارب اكون رضيت فضولك، همشي انا بقى، باااي يا توتا."
أنهت كلماتها بسرعة، ثم غادرت المكان قبل أن تمطرها والدتها بمزيد من الأسئلة التي لم تكن مستعدة للإجابة عنها.
وقفت ترنيم تتابع أثرها بعينيها للحظات، ثم هزت رأسها ببطء وكأنها تشعر أن هناك شيئًا ما يحدث حولها دون أن تعرف حقيقته.
تنهدت بعمق وقالت بصوت خافت:
"ربنا يهديكي يا بنت بطني، ويريح قلبك يا جواد قادر يا كريم."
ثم تحركت بخطوات هادئة نحو غرفتها، بينما ظل القلق يثقل قلبها أكثر مع كل لحظة تمر.
***************************
جلست رنيم خلف مكتبها الخشبي العريض، وقد انحنى جسدها قليلًا إلى الأمام وهي تقلب الأوراق المكدسة أمامها بعناية شديدة. كانت عيناها تتحركان بين السطور بتركيز حاد، كأنها تحاول اقتناص تفصيلة صغيرة، أو ثغرة خفية يمكن أن تعيد من خلالها شركتها إلى مكانتها التي تراجعت مؤخرًا.
كان الصمت يلف المكتب إلا من صوت الأوراق وهي تقلب ببطء، وأنفاسها التي تثقل شيئًا فشيئًا من شدة الإرهاق. لم تعد تعلم كم من الوقت مضى وهي على هذا الحال، غارقة في العمل والتفكير، وكأنها تحارب وحدها معركة لا مجال فيها للخطأ.
مدت يدها إلى الهاتف، وبدأت تتصل بهذا العميل وذاك الشريك، تحاول بكل ما تملك من إقناع أن تثنيهم عن قرار الانسحاب من الشركة. كانت كلماتها هادئة في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها استعطافًا خفيًا، وإصرارًا عنيدًا على عدم الاستسلام.
لكن الردود جاءت متشابهة، باردة، حاسمة.
رفض.
واحد تلو الآخر، كانت المكالمات تنتهي بالطريقة ذاتها، وكأن بابًا يغلق في وجهها في كل مرة.
أخيرًا وضعت الهاتف جانبًا، وأسندت رأسها على سطح المكتب، بينما ارتفعت يدها لتستقر فوق شعرها، وضغطت أصابعها عليه بقوة وكأنها تحاول كبح ذلك الضغط الذي يكاد يفتك برأسها. أطلقت زفرة طويلة مثقلة بالضيق والتعب، وقد شعرت للحظة أن كل شيء ينهار من حولها.
فجأة أعلن الهاتف عن اتصال جديد.
انتفضت في مكانها بسرعة، وكأن الأمل عاد ليطرق بابها مجددًا. التقطت الهاتف على الفور، وارتسمت على وجهها لمحة رجاء قصيرة، لكنها سرعان ما انطفأت عندما رأت الاسم الظاهر على الشاشة.
شاهين.
زفرت بضيق واضح، ثم أجابت على الاتصال بصوت مختنق قائلة:
"امم افندم، متصل ليه؟"
جاءها صوته هادئًا، لكنه يحمل ذلك الاستفزاز الذي كانت تكرهه بشدة، وقال:
"صعبانه عليا اوي، وانتي عماله تطلبي من ده وده يرجع تاني لشركتك، ويقولوا لا، صعبه صح؟ طيب وعليكي بكل ده أيه، ما قلتلك اسمعي كلامي، وانا بكلمة واحده مني، كله هيرجع تاني ليكي."
ظلت صامتة لبضع ثواني، وكأنها تحاول السيطرة على غضبها قبل أن ترد. ثم قالت بنبرة متعالية واثقة:
"وانا قلتلك، لو انت اخر راجل فى الدنيا مش هجيلك اطلب مساعدتك يا شاهين."
تعالت ضحكاته عبر الهاتف، ضحكات باردة تحمل في طياتها تهديدًا واضحًا، ثم قال بتوعد:
"هتجيلي، وأذلك واكسرك، مش مستعجل خالص، على الهااادي معاكي يا قلب شاهين."
لم تمنحه فرصة لمواصلة حديثه، فأغلقت الخط في وجهه بغضب، وألقت الهاتف على سطح المكتب بعنف. أرجعت شعرها إلى الخلف بحركة متوترة، وأطلقت زفرة قوية محاولة أن تطرد بها ما يعتصر داخلها من ألم وغضب وتوتر.
وبينما كانت تحاول استعادة هدوئها، ومضت في ذهنها فجأة فكرة كأنها شرارة أضاءت عتمة تفكيرها.
تسمرت للحظة، ثم لمعت عيناها ببريق أمل حقيقي.
نهضت بسرعة من مكانها، وكأنها تذكرت طوق النجاة الذي كانت تبحث عنه طوال الوقت، واتجهت بخطوات سريعة نحو مكتب حسام. فتحت الباب ودلفت إلى الداخل، ثم أغلقته خلفها بإحكام وكأنها تخشى أن يراها أحد.
اقتربت من المكتب وجلست على المقعد، ثم فتحت أحد الأدراج وأخرجت مفتاحًا صغيرًا كان مخبأ بعناية. نهضت بعد ذلك واتجهت نحو الحائط، حيث كان يتدلى بروز كبير معلق عليه. أزاحته بحذر، فظهرت خلفه خزانة صغيرة مغلقة بإحكام.
وضعت المفتاح في مكانه، ثم أدخلت كلمة السر.
بصوت خافت فتح الباب.
وقفت تنظر إلى ما بداخل الخزانة، وارتسمت على وجهها ابتسامة انتصار واضحة. مدت يدها وأخرجت مجموعة من المستندات المهمة، ثم نظرت إليها بعينين لامعتين وكأنها عثرت أخيرًا على السلاح الذي كانت تحتاجه.
قبلت الأوراق بخفة وقد غمرها شعور بالارتياح لم تعرفه منذ وقت طويل.
بعد ذلك، أغلقت الخزانة، ثم أعادت كل شيء كما كان حتى لا يلاحظ أحد ما حدث.
خرجت من المكتب سريعًا، واتجهت نحو المصعد الكهربائي. هبطت إلى الأسفل بخطوات سريعة، ثم صعدت إلى سيارتها وانطلقت بها بسرعة جنونية في الطريق.
كانت تلك الابتسامة الواثقة ما تزال تزين وجهها، وكأنها استعادت جزءًا من قوتها التي كادت تفقدها.
وبعد وقت، توقفت السيارة أمام مبنى مهيب شاهق. وقفت رنيم تنظر إليه للحظات، وقد بدت ملامح الإعجاب واضحة على وجهها. كان كل شيء فيه يوحي بعظمة صامتة، وكأنه يخفي وراء جدرانه قصة لم ترو بعد.
عاد إلى ذهنها حديث قديم دار بينها وبين حسام، حين أخبرها عن تلك الشركة الأم التي احترقت منذ زمن طويل. يومها قال لها إنهم أعادوا تجهيزها سرًا، وتركوا لها اسمًا زائفًا، لتكون البديل في الوقت المناسب، الوقت الذي لم يأتي إلا الآن.
تنهدت براحة، ثم اتجهت إلى الداخل وصعدت إلى الأعلى.
كانت تنظر حولها بإعجاب واضح، وعيناها تتفحصان المكان بعناية. في داخلها رفعت دعاء صامتًا بالرحمة لحسام ووالدها، وشعرت بفخر كبير بتلك العقول التي فكرت للمستقبل حتى في أصعب الظروف.
تقدمت نحو السكرتيرة وألقت التحية قائلة:
"أنا رنيم سلطان الدسوقي."
ثم وضعت أمامها بطاقة هويتها.
انتفضت السكرتيرة من مكانها، وارتسمت على وجهها ابتسامة ترحيب واسعة وقالت:
"اهلا وسهلا يا فندم، اتفضلي فى مكتب باشمهندس حسام."
أومأت رنيم برأسها وقالت بنبرة حازمة:
"هاتيلي الملفات كلها اللي تخص الحسابات وتخص الصفقات والطلبيات اللي مفروض تتسلم خلال الفترة الجايه، وابعتيلي المحامي ومدير الحسابات حالا."
أومأت السكرتيرة بطاعة، بينما تحركت رنيم نحو المكتب بخطوات ثابتة. كانت تسير بعزيمة امرأة قررت أن تكمل الطريق الذي بدأه والدها سلطان الدسوقي، وزوج عمتها حسام، مهما كانت الصعوبات.
بعد وقت قصير، دخلت السكرتيرة وهي تحمل الملفات التي طلبتها. جلست رنيم تقلبها بعناية شديدة، تراجع الأرقام والصفقات والبيانات، وكأنها تحلل خريطة معركة.
لم تكن تفوت أي تفصيلة مهما بدت صغيرة.
ثم سمعت طرقات خفيفة على الباب.
أذنت بالدخول، فدخل المحامي ومدير الحسابات. ابتسمت لهما بهدوء وقالت:
"اتفضلوا واقفلوا الباب وراكم."
أومآ برأسيهما بالموافقة، وأغلقا الباب خلفهما. رفعت رنيم نظرها إليهما بجدية واضحة، ثم قالت بصوت امرأة قوية اعتادت القيادة:
"الكلام اللي هقوله هنا ميخرجش من ما بينا احنا التلاته، فاهمين."
أومآ بالطاعة، فبدأت تشرح لهما خطة دقيقة ومحكمة لإنقاذ الشركة الأخرى دون أن يشعر أحد بما يجري خلف الكواليس.
وبعد أن أنهت شرحها قالت بحزم:
"الشغل اللي هيتم هنا، مش عايزه حد يعرف حاجه بي وفى الوقت المناسب هنخرجه، أنا طبعا مش هقدر اجي هنا على طول علشان مينكشفش أمر الشركة دي، بس هنتواصل على طول على الفون، مش عايزه ولا غلطه، الشركة التانيه مستقبلها كله واقف على اللي هيحصل هنا، عايزه الدنيا كلها تشهد أن بنت سلطان الدسوقي مش بتتكسر بسهولة."
ارتسمت على وجهيهما ابتسامة إعجاب واضحة، ورحبا بكل ما قالته بحماس وثقة.
وبعد أن تم الاتفاق على كل شيء، غادرا المكتب تاركين رنيم وحدها.
جلست تنظر أمامها بصمت، لكن في عينيها كان يلمع توعد خفي، نظرة فريسة صبورة تراقب خصمها بهدوء، وتنتظر اللحظة المناسبة لتنقض عليه بلا رحمة.
****************************
الشركة الخاصة بغريب، كان الهدوء يخيم على الطابق بأكمله، كأن المكان كله ينتظر شيئًا على وشك الحدوث. داخل المكتب الفخم، جلس غريب خلف مكتبه العريض المصنوع من الخشب الداكن، بهيبته المعتادة التي تفرض حضورها في المكان حتى في لحظات الصمت.
كان يمسك قلمًا بين أصابعه، يطرق به على سطح المكتب بإيقاع بطيء ومتكرر، وكأن تلك الطرقات تعكس ما يدور داخل رأسه من أفكار متشابكة. عيناه كانتا مثبتتين على الباب أمامه، لا تتحركان عنه، كأنه ينتظر لحظة دخوله منذ وقت طويل.
لم يطل الانتظار كثيرًا.
انفتح الباب أخيرًا، وظهر من خلفه جواد.
ما إن وقعت عينا غريب عليه حتى عاد بظهره إلى الخلف قليلًا في مقعده، واتخذ وضعًا أكثر هدوءًا، ثم قال بنبرة أبوية هادئة تحمل في طياتها قدرًا من الجدية:
"ادخل واقفل الباب وراك."
أغلق جواد عينيه للحظة بضيق واضح، كأنه يستعد لسماع ما لا يرغب في سماعه، ثم تحرك إلى الداخل وأغلق الباب خلفه بهدوء. تقدم نحو المكتب بخطوات بطيئة، ووقف أمام والده صامتًا تمامًا، وملامحه متعبة كأن ليلة كاملة من الصراع مرت عليه دون أن تمنحه لحظة راحة.
أشار له غريب برأسه أن يجلس، وقال بهدوء:
"اقعد يا جواد."
جلس جواد على المقعد المقابل، وأطلق تنهيدة طويلة خرجت مثقلة بالوجع قبل أن يقول:
"نعم يا بابا خير؟"
نظر إليه غريب بعينين هادئتين، لكنهما كانتا تحملان قلقًا خفيًا، ثم قال بنبرة حنونة:
"ايه اللي حصل ما بينك انت وجواهر؟"
أغلق جواد عينيه مرة أخرى بضيق، وكأن مجرد ذكر اسمها يعيد إليه كل ما يحاول الهروب منه، ثم قال:
"المكان اللي كنت فيه امبارح، عرفته وجاتلي فيه وشافتني مع البنت دي."
عقد غريب حاجبيه باستغراب واضح، ونظر إليه متسائلًا:
"وهي عرفت مكانك ازاي؟"
زفر جواد بضيق، ومال بجسده قليلًا إلى الأمام وهو يوضح:
"يا بابا ده كان فخ لينا، قلتلك بلاش أنا، واي واحد تاني يروح ليها، صممت أن انا اللي أروح علشان نكشف امرها ونعرف عايزة مننا ايه، وهما اللي بعتوا العنوان لجواهر، ومعرفتش هي مين وعايزين مننا ايه، وخسرت جواهر للابد، ليها حق تعمل كل ده، هي متعرفش حاجه وشافتني فى وضع وحش مع البنت دي، اي حد مكانها كانت هتعمل زيها واكتر."
ظل غريب ينظر إليه لثواني صامتًا، يستوعب كل كلمة قالها، ثم أومأ برأسه ببطء وقال بنبرة هادئة:
"أنا كده اتأكدت أن البنت دي حد زقهها علينا، ولازم نعرف مين فى أسرع وقت، علشان محدش يتعرض للخطر."
لكن جواد لم يكن يفكر في شيء آخر سوى جواهر. مرر يده على وجهه بغضب واضح وقال:
"يا بابا بقولك جواهر شافتني معاها فى وضع مش تمام، أنا خايف اخسرها، مقدرش اعيش من غيرها، ومتأكد أنها دلوقتي مجروحه جامد وعماله تعيط."
رفع غريب نظره إليه فجأة، وقد اشتدت نبرته قليلًا وهو يقول بحدة:
"طيب ما احنا لازم نعرف مين البنت دي علشان نحمي جواهر وامك واختك كويس، احنا بنتعامل مع عدو مجهول الهوية، يعني لا عارفين هو مين، ولا عايز مننا ايه، فهمت يا جواد؟"
أغمض جواد عينيه بضيق، وكأن الكلمات تثقل على صدره، ثم قال بصوت مختنق:
"فهمت يا بابا فهمت."
لانت ملامح غريب قليلًا بعد أن رأى ذلك الصراع الواضح على وجه ابنه، وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
"متقلقش كل حاجه هتتصلح، وترجع زي الاول، بس نفهم الاول اللي وراه البنت دي، عايزك تستمر معاها تحاول تعرف منها أي معلومة توصلنا لقصتها."
هز جواد رأسه بضيق واضح، وقال متذمرًا:
"تاني يا بابا، انا كده بكتب نهاية علاقتي مع جواهر بأيديا."
ضرب غريب بيده على سطح المكتب بضيق وقال بحدة:
"هو اللي هنعيده هنزيدة، ولا ايه يا جواد؟ ما قلتلك اللي فيها وبعد كده ابقى روح حتى لو هتبوس رجليها علشان تسامحك."
أطلق جواد زفرة طويلة، ثم أومأ برأسه أخيرًا وقال:
"حاضر يا بابا، عن اذنك هروح اشوف شغلي."
لكن غريب قال سريعًا قبل أن يتحرك:
"استنى هنا، انت هتروح دلوقتي للبنت دي انت ناسي انك بقيت الحارس الشخصي ليها."
اشتدت ملامح الغضب على وجه جواد، وضغط على أسنانه بقوة، لكنه في النهاية اكتفى بإيماءة صامتة قبل أن يستدير ويغادر المكتب دون أن ينطق بكلمة أخرى.
ظل غريب ينظر إلى الباب بعد خروجه بنفاد صبر واضح، ثم مال بجسده إلى الأمام وفتح أحد الملفات الموضوعة أمامه.
كانت بداخله صورة تلك الفتاة.
رفعها قليلًا بين أصابعه، وأخذ يتفحص ملامحها بعينين حادتين، كأنهما تحاولان اختراق الصورة نفسها. ظل يحدق في عينيها المرسومتين داخل الصورة طويلًا، وكأنه يبحث خلفهما عن سر خفي، عن حقيقةٍ ما زالت تختبئ في الظلام.
****************************
بشركة تامر…
كانت خطوات أروى مترددة قليلًا وهي تعبر بوابة الشركة، كأن قلبها يسبقها إلى الداخل قبل قدميها. لم يكن مجيئها مخططًا له تمامًا، بل جاء بدافع خفي دفعها إلى الحضور فجأة، وكأن شيئًا بداخلها أراد أن يطمئن، أو ربما أن يرى وجهًا اشتاق إليه دون أن تعترف بذلك حتى لنفسها.
اتجهت نحو المصعد الكهربائي بخطوات هادئة، وما إن دخلت إليه حتى ضغطت على الزر المؤدي إلى الطابق الذي يقع فيه مكتب تامر. انغلق الباب المعدني بصوت خافت، وبدأ المصعد في الصعود ببطء ثابت، بينما كانت هي تقف في الداخل شاردة قليلًا، تتقلب داخل صدرها مشاعر متضاربة؛ مزيج من شوق خفي وقلق غامض لم تستطع تفسيره.
وحين توقف المصعد أخيرًا وفتح بابه، خرجت منه وهي تحاول أن تبدو طبيعية قدر الإمكان، لكنها ما إن رفعت عينيها حتى تجمدت خطواتها للحظة.
كان أحمد يقف هناك، بجوار السكرتيرة، يبتسم لها وهو يتحدث معها في شيء ما. لم يكن المشهد استثنائيًا في ذاته، ولا يحمل أي معنى واضح، لكن قلب أروى لم ينظر إليه بهذه البساطة.
شعرت بشيء ضيق ينقبض داخل صدرها فجأة، كأن غيمة ثقيلة مرت فوق قلبها دون استئذان. لم تستطع أن تمنع تلك الغيرة الصغيرة التي تسللت إلى روحها، رغم محاولتها الدائمة أن تبدو أكثر هدوءًا ونضجًا.
اقتربت منه بخطوات أسرع قليلًا، وفي داخلها رغبة لا واعية في أن تقطع تلك اللحظة التي رأت فيها ابتسامته موجهة لغيرها. وما إن وقفت أمامه حتى تكلمت بصوت حاولت أن تجعله عاديًا، لكنه خرج مختنقًا بشيء من الضيق الذي لم تستطع إخفاءه:
"صباح الخير، هو أنا جيت فى وقت مش مناسب ولا حاجة؟"
استدار أحمد نحوها على الفور، وقد بدت الدهشة واضحة في عينيه، فلم يكن يتوقع حضورها هنا فجأة. انعقد حاجباه قليلًا وهو ينظر إليها متسائلًا:
"أروى! انتي بتعملي أيه هنا؟ وليه مقولتيش انك جايه؟"
نظرت أروى إلى السكرتيرة نظرة سريعة لم تستطع أن تخفي ما فيها من ضيق، ثم أعادت بصرها إليه وهي تقول بنبرة حاولت أن تجعلها عابرة، لكنها كانت تحمل بين طياتها نغمة خفية من العتاب:
"معلش المرة الجايه هبقى اقولك، علشان تعمل حسابك، وتاخد حذرك."
تغيرت ملامح أحمد قليلًا عند سماع تلك النبرة. لم تعجبه الطريقة التي خرجت بها كلماتها، خاصة أمام السكرتيرة، فاستأذن بهدوء مقتضب من الفتاة الواقفة بجواره، ثم التفت إلى أروى بنظرة أكثر جدية وقال بصوت غاضب خافت:
"امشي."
لكن أروى لم تتحرك. ظلت واقفة في مكانها، وعيناها لا تزالان معلقتين بالسكرتيرة بنظرة غاضبة صامتة، كأنها تتحدى نفسها قبل أن تتحدى أي شخص آخر.
زفر أحمد بضيق واضح، ثم قال من بين أسنانه محاولًا ضبط أعصابه:
"أمشي يا أروى، امشي قلتلك."
اضطرت أخيرًا أن تتحرك، لكنها فعلت ذلك بخطوات متوترة، متجهة نحو مكتب خالها. كان الغضب الصغير الذي اشتعل داخلها لا يزال يشتعل، ولم تستطع أن تطفئه بسهولة.
وقبل أن تفتح باب المكتب، لحق بها أحمد سريعًا وأوقفها بصوت يحمل انزعاجًا واضحًا:
"أستني هنا، ايه الطريقه اللي اتكلمتي معايا بيها دي قدام السكرتيرة؟"
استدارت نحوه، وعقدت ذراعيها على صدرها في حركة دفاعية طفولية، ثم قالت بضيق واضح:
"ايه اضايقت علشان جيت وقطعت عليك اللحظة الحلوة مع الست هانم؟"
أغلق أحمد عينيه للحظة، كأنه يمنح نفسه فرصة قصيرة حتى يهدأ. كان يدرك جيدًا أن أروى تغار وهذا أفقدها جزءًا من هدوئها المعتاد، لكنه لم يكن يتوقع أن تظهر غيرتها بهذه الطريقة العلنية.
فتح عينيه أخيرًا وتكلم بهدوء حذر، كأنه يحاول أن يوازن بين غضبه ورغبته في احتواء الموقف:
"انتي فاهمه انتي بتقولي ايه يا أروى؟"
أومأت برأسها بعناد واضح وقالت:
"اه فاهمه، أنا مش طفلة ولا بمص فى صوابعي، ولو كنت فاكر يعني، علشان سني ده هتقدر تستغفلني تبقى بتحلم."
لم يستطع أحمد أن يمنع ابتسامة ساخرة خفيفة ارتسمت على شفتيه وهو يرد بتهكم:
"لا واضح فعلا بكلامك ده أنك مش طفلة، وعقلك كبير اووي."
رفعت أروى أصابعها أمام عينيه بحركة غاضبة، ورفعت رأسها قليلًا وهي تنظر إليه بحدة:
"متتريقش على كلامي لو سمحت."
لكن تلك الحركة الطفولية جعلته يبتسم رغمًا عنه. حاول أن يحافظ على هدوئه وهو يقول بنبرة مازحة تخفف التوتر بينهما:
"طيب هقولك ايه؟ يا ام عقل كبير، السكرتيرة دي قصادي من قبل ما أشوفك، ولو كانت عجباني، كنت اخترتها هي، ايه هيغصبني اجي اعترفلك بحبي، وانا عيني على واحدة تانيه، كبري مخك يا أروى، وبلاش غيره عبيطه ملهاش أي معنى."
ورغم منطقه الواضح، إلا أن أروى لم تستطع أن تتخلص من ذلك الشعور الصغير الذي ظل يعبث بقلبها، فقالت بتذمر طفولي:
"عايزني يعني اعمل ايه وانا شيفاك فرحان اوي وعمال تتكلم وتضحك معاها؟"
هز أحمد رأسه قليلًا، ثم قال بنبرة هادئة مليئة بالصبر:
"ولا تعملي أي حاجه، غير انك تيجي وتتكلمي معايا بهدوء، وتعرفيني أنه ضايقك، وبعد كده نتناقش مع بعض بهدوء واللي هيكون فى مصلحتنا احنا الاتنين نقتنع بي و نعمله."
لكن أروى، بعنادها المعروف، عقدت ذراعيها مجددًا ونظرت إلى الاتجاه الآخر دون أن تجيبه، وكأنها ترفض أن تمنحه بسهولة شعور الانتصار في هذا الجدال الصغير.
نظر إليها أحمد للحظة، ثم قال بنبرة حنونة حاول بها أن يكسر عنادها:
"أروى، بلاش بقى شغل العيال ده، وأثبتي ليا انك فعلا كبيره وعقلك كبير."
وفي تلك اللحظة تحديدًا، جاء صوت تامر الهادئ من خلفهما، وهو يقول بنبرة خافتة مازحة:
"خلصتوا ولا لسه؟"
انتفضت أروى في مكانها كأن أحدهم ضبطها متلبسة بشيء ما، ثم ركضت بسرعة خلف ظهر أحمد تختبئ كطفلة صغيرة، وهي تقول بتوتر واضح:
"خالو! ا انت هنا من امتى؟"
ابتسم أحمد على تلك الحركة الطفولية التي لم تستطع أروى التخلص منها مهما حاولت، وقال مازحًا:
"ايه يا عم انت، طبت الحكومه دي؟ خضتنا."
رد تامر ضاحكًا:
"أنا تعبتلك والله يا عم، تجيبها كده تجيلها كده، وهي دماغها جزمه قديمه، ما الراجل قالك، مافيش حاجه ما بينه هو السكرتيرة."
اتسعت عينا أروى بصدمة حقيقية عندما أدركت أن خالها سمع كل شيء تقريبًا. أما أحمد، فلم يتمالك نفسه وانفجر ضاحكًا ضحكته الرجولية الواضحة وهو يقول:
"اطلع منها يا عم الحلو، بلاش تلميع اوكر، أنا وهي حرين متدخلش ما بينا."
رفع تامر حاجبه بمكر وقال:
"وحياة امك، بقى كده."
ثم أمسك يد أروى وسحبها معه نحو المكتب وهو يقول:
"طيب، انا بقى عايز بنت اختي، ليك شوق فى حاجه؟"
وقبل أن يترك لأحمد فرصة الرد، أدخل أروى إلى المكتب وأغلق الباب في وجهه، بينما تعالت ضحكات أحمد في الخارج على تلك المزحة المعتادة بينه وبين تامر، قبل أن يبتعد قليلًا ليمنحهما بعض الخصوصية.
داخل المكتب، أجلس تامر أروى أمامه، ثم جلس هو مقابلها ينظر إليها بعينين مليئتين بالمرح، وقال بغمزة واضحة:
"ايه الموضوع؟ ها! الواد حليوة، طول بعرض، كاريزما ويتاكل أكل."
انفجرت أروى ضاحكة وهي تقول بمزاح:
"ايه يا خال أنا كده هشك فى الأمر."
فضربها بخفة على رأسها وقال:
"يا بت بلاش لماضه، ولسانك اللي عايز قطعه ده، ردي عليا ايه الموضوع؟"
تغيرت ملامحها قليلًا، وبدت عليها مسحة توتر خفيف وهي تقول:
"م ما انت عارف يا خالو، ما جه كلمك قبل ما يكلمني."
اعتدل بجلسته وتكلم بنبرة جادة وقال:
"أروى حبيبتي مش عايزك تتسرعي، فكري الاول بهدوء، سيبي موضوع الانبهار ده على جنب فكري فى العلاقه من جميع الاتجاهات ولو لاقيتي نفسك مرتاحه للعلاقه دي اتكلي على الله لو لاقيتي نفسك مش مرتاحه حتى لو شعور بسيط يبقى بلاش منها العلاقه دي، لأن بيبقى الشعور ده هو الاصدق لانه جاي من أبعد مكان فى قلبك، ها قوليلي، حاسه بأي دلوقتي؟"
تنهدت بحب وقالت بصوت هادئ:
"أنا حاسه اني مرتاحه اوي يا خالو، حاسه أنه هو الشخص الصح اللي ينفع اكمل حياتي معاه، أنا اصلا من أول مرة قابلته حسيت نفسي بفكر فيه على طول وعايزة اشوفه بأي طريقه، عارفه أنا اتعلقت بأحمد ليه اكتر، لأن أنا أمنية حياتي اتجوز واحد شبهك انت وبابي، وده فعلا لاقيته فيه، يعني دمه خفيف وحنين وهادي وبيسمعني وبيتكلم معايا بهدوء شبهك، وكمان حلو اوي وكاريزما شبه بابي، علشان كده اعجبت بي من أول ما شفتوا، حاسه معاه أنه أبويا وخالي واخويا وحبيبي فى نفس الوقت، وبكده أنا متأكدة من مشاعري مليون فى المية."
ارتسمت ابتسامه جميله على وجه تامر، فتح ذراعه لها حتى تأتي لحضنه، وهي نفذت ما يريد وتمسكت به بقوة، ربت على ظهرها بحنو وقال:
"وانتي تستاهلي كل خير يا روح وقلب خالك، واحمد راجل بجد واكتر شخص مناسب ليكي وهيقدر يحميكي وهيحبك بصدق وأخلاص، بس خفي غيره شويه يا مضروبه هطفشي منك يا بت."
ابتعدت عنه سريعا وقالت:
"لا لا يطفش ايه ده انا اروح فيها."
تعالت ضحكات تامر وحرك شفتاه بطريقه كوميديه وقال:
"عليه العوض ومنه العوض، فى بنت اختي، يخربيت الدلقه اللي انتي فيها دي."
ضحكت أروى على كلام وحركات خالها تامر وظلوا يتحدثوا مع بعض حتى انتهى وقت العمل وغادرت الشركه معه إلى المنزل.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن 8 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن
كانت الغرفة ساكنة على غير عادتها، لكن السكون هذه المرة لم يكن مريحًا، بل كان ثقيلاً يطبق على صدر جواهر كأنه جدار غير مرئي يمنعها حتى من التنفس. منذ الأمس والدموع لا تفارق عينيها، تتسلل بصمت على خديها كأنها ترفض أن تجف، وكأن قلبها وجد في البكاء لغته الوحيدة للتعبير عن ذلك الألم الذي يمزقه ببطء.
جلست على طرف سريرها للحظات طويلة، تحدق في الفراغ أمامها بعينين حمراوين من كثرة الدموع والسهر. كانت تشعر وكأن العالم كله انكمش فجأة داخل صدرها، وتحول إلى عقدة خانقة لا تستطيع فكها. لم تكن تفكر بوضوح، بل كانت ذكريات الأمس تتدفق في رأسها بلا رحمة، تعيد إليها نفس المشهد، نفس الصدمة، نفس الشعور المرير الذي حطم شيئًا عميقًا داخلها.
نهضت أخيرًا ببطء، وكأن جسدها أصبح أثقل مما يحتمل. بدلت ملابسها بحركات آلية خالية من الروح، ثم جمعت شعرها من الخلف بعقدة مهملة دون أن تكترث لشكلها، وكأنها لم تعد تهتم بأي شيء حولها.
خرجت من غرفتها واتجهت نحو الطابق السفلي، وخطواتها بطيئة مثقلة بالحزن. توقفت أمام باب غرفة والدتها، طرقت عليه طرقات خفيفة ثم قالت بصوت موجوع خرج بالكاد من بين شفتيها:
"ماما أنا هروح اتمشى شوية."
لكنها لم تنتظر ردًا. كانت تعرف جيدًا أن والدتها ما زالت غارقة في عالمها الخاص، تحاول الهروب من واقع فقدان زوجها بالنوم الطويل الذي أصبح ملاذها الوحيد من الحزن.
تنهدت جواهر بعمق، ثم اتجهت نحو باب المنزل وفتحته، لكنها توقفت فجأة عندما وجدت ترنيم تقف أمامها.
أغمضت عينيها بضيق واضح، وكأن حضورها الآن هو آخر ما كانت تحتمله، ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية:
"خالتو! اتفضلي، ماما فى اوضتها نايمه كعادتها."
لكن ترنيم هزت رأسها رافضة، وعيناها تراقبان ملامح جواهر بدقة. كانت ترى بوضوح آثار السهر والبكاء على وجهها، فقالت بنبرة جادة تخفي خلفها قلقًا كبيرًا:
"أنا مش جايه لمامتك يا جواهر، أنا جايه علشانك انتي، عايزه اعرف فيه ايه بينك انتي وجواد، اللي يشوف شكلك النهاردة ما يشوف شكلكم امبارح الصبح."
ما إن سمعت اسمه حتى اهتز شيء عميق داخلها. تجمعت الدموع سريعًا في عينيها، كأن مجرد ذكره يكفي ليعيد إليها كل الألم دفعة واحدة. حاولت أن تتمالك نفسها، لكنها قالت بصوت منكسر بالكاد يخرج من صدرها:
"خالتو ارجوكي، بلاش نتكلم فى الموضوع ده، أنا وجواد خلاص مافيش ما بينا حاجه كل شئ انتهى."
اتسعت عينا ترنيم بصدمة حقيقية، وكأنها لم تستوعب ما سمعته. هزت رأسها بعدم تصديق وقالت بانفعال واضح:
"ايه اللي انتي بتقوليه ده يا جواهر، انتي اتجننتي، هو علشان شوية زعل تفرطوا فى حبكم كده بسهولة؟ انتوا طول عمركم مع بعض حبكم كبر معاكم قصاد عيونا، وجايه بسهولة كده تقولي كل حاجة انتهت، بلاش هبل وعبط، ازعلوا من بعض براحتكم اتخصموا شوية، لكن فراق لاااا، اسأليني، الفكرة أصعب مما تتخيلي."
لكن كلماتها لم تهدئ شيئًا في قلب جواهر. على العكس، كأنها فتحت جرحًا جديدًا داخلها. هزت رأسها بعنف، والدموع تتساقط بلا توقف، ثم صرخت بألم حقيقي خرج من أعماقها:
"مش انا اللي فرط فى حبه يا خالتو، ابنك اللي باعني وبالرخيص كمان، أنا لآخر لحظة كنت بعشق التراب اللي بيمشي عليه، إنما هو كسرني وجرح قلبي، بأبشع طريقه ممكن حد يتصورها، أنا موضوع جواد ده، انتهى خلاص بالنسبالي، عن اذنك يا خالتو."
لم تمنحها فرصة للرد. استدارت سريعًا وغادرت المكان بخطوات متعجلة، وكأن البقاء ثانية أخرى سيجعلها تنهار تمامًا.
خرجت إلى الشارع وبدأت تركض دون وعي. تركت السيارة خلفها دون أن تفكر حتى في استخدامها، وكأنها تريد أن تهرب، تهرب من البيت، من الذكريات، من نفسها.
كانت تمشي في الشوارع بلا هدف، تنظر حولها دون أن ترى شيئًا حقيقيًا. الوجوه تمر أمامها بلا ملامح، والأصوات تختلط في أذنها دون معنى. كل شيء كان يبدو باهتًا ومشوهًا، كأن العالم فقد ألوانه فجأة.
استمرت في السير طويلًا، والدموع تتسابق على خديها بلا توقف، حتى شعرت بأن قدميها لم تعودا تقويان على حملها أكثر. وجدت مقعدًا عامًا قريبًا، فجلست عليه منهكة، وأخفت وجهها بين يديها.
وفجأة، انفجرت شهقاتها.
كان المشهد يعود إليها بقسوة؛ صورة جواد وهو يقبل تلك الفتاة، ذلك المشهد الذي حطم قلبها في لحظة واحدة. شعرت كأن شيئًا حادًا يغرس في صدرها كلما تذكرته.
ظلت تبكي وتصرخ بألم مكتوم، حتى سمعت فجأة صوتًا رجوليًا غير مألوف يقول بهدوء:
"مافيش حاجه تستاهل دموعك دي."
رفعت رأسها بسرعة، تنظر إلى مصدر الصوت بعينين ممتلئتين بالدهشة والدموع، وقالت باستغراب واضح:
"انت مين؟!"
نظر إليها الرجل لحظة، وكأن شيئًا في حزنها أعاده إلى ذكرى بعيدة، ثم قال بنبرة مختنقة قليلاً:
"انا كنت زيك كده فى يوم من الايام، كنت شايفها سودا، حاسس ان مافيش حاجه تستاهل أن أعيش علشانها، لدرجة أن فكرت اتخلص من حياتي، بس لاقيت نفسي بقول: وانا ليه أعمل فى نفسي كده وعلشان مين؟ هموت واخسر كل حاجه، واللي عملت علشانها كده، هتعيش حياتها عادي ولا كأن فيه راجل حبها بصدق قبل كده، ومن يومها عايش لنفسي وبس."
كانت تستمع إليه بصمت، والدموع لا تزال تنساب على وجهها. هزت رأسها برفض مؤلم وقالت بصوت متقطع:
"بس انا مش هقدر اعيش من غيره، جواد، ده الحب اللي عاش جوايا وكبر معايا فى مراحل عمري، اول دقة قلب كانت ليه، اول مشاعر اتولدت جوايا كانت لجواد، ازاي هقدر اعيش واتقبل فكرة أنه مش موجود فى حياتي بسهولة كده، وفى نفس الوقت مش هقدر انسى جرحه ليا، انا بين نارين وكل نار احمى من التانيه."
نظر إليها الرجل بابتسامة هادئة تحمل شيئًا من التعاطف، ثم قال بصوت مطمئن:
"مش كل لهب تبقى نار ممكن يكون ضوء امل جاي من بعيد، قربي للي تحسي فيه راحتك، ووقتها هتبصي وراه وتضحكي على اللي انت كنتي فيه."
نظرت إليه بدهشة حقيقية وقالت:
"انت غريب اوي، ممكن تقولي انت مين؟"
استقام بجسده قليلًا وقال بنبرة رجولية واضحة:
"وحيد الاباصيري، وليا نصيبي من أسمي، اتشرفت بمعرفتك يا أنسه جواهر."
اتسعت عيناها بصدمة وقالت:
"انت عرفت اسمي منين ؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"أنا اشتغلت فترة عندكم فى الشركه، بس محصلش نصيب ولا مرة أننا اتكلمنا مع بعض."
أومأت برأسها بتفهم ثم قالت بلطف:
"اهلا وسهلا يا استاذ وحيد، اتشرفت بحضرتك."
ابتسم وقال بمزاح خفيف:
"بلاش حضرتك دي، عندي حساسيه من الكلمة دي."
ابتسمت جواهر لأول مرة منذ ساعات طويلة، ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت على شفتيها، واكتفت بأن أومأت برأسها.
أشار بيده نحو سيارته القريبة وقال:
"تحبي اوصلك؟ لأن واضح انك اخديها مشي والجو حر جدا."
نظرت إليه للحظة ثم قالت بامتنان صادق:
"ياريت، لأن مافيش حيل أرجع تاني مشي."
تحركا معًا نحو السيارة، فتح لها الباب الأمامي بأدب فصعدت، ثم أغلق الباب خلفها واستدار إلى المقود. أدار المحرك وانطلقت السيارة بهدوء في الشارع، متجهة نحو فيلا حسام.
مر الوقت سريعًا داخل السيارة، حتى توقفت أخيرًا أمام الفيلا. ترجلت جواهر من السيارة، وترجل وحيد هو الآخر، ثم وقف أمامها بابتسامة هادئة وقال:
"شكرا علشان اول مره ألاقي حد اتكلم معاه واخرج اللي جوايا من غير قيود."
نظرت إليه بامتنان صادق وهزت رأسها قائلة:
"بالعكس أنا اللي لازم اشكرك، سمعتني وادتني مساحتي أن أتكلم وأصدعك."
وقبل أن يجيبها وحيد على كلماتها، انقلب المشهد في لحظة خاطفة إلى عاصفة عاتية.
فجأة، ومن حيث لا يحتسب أحد، اندفع جواد نحوه كالثور الهائج، وقد اشتعلت عيناه بنار الغضب والغيرة، كأن الدم يفور في عروقه. لم يمنح نفسه لحظة واحدة للتفكير، ولم يترك لوحيد فرصة ليفهم ما يحدث.
في طرفة عين، كانت قبضته تهوي عليه بعنف.
تلقى وحيد الضربة الأولى بذهول، لكنه لم يكن ضعيفًا كما بدا في اللحظة الأولى، فاندفعت فيه غريزة الدفاع عن النفس، ورد الضربة بأخرى، لتتحول اللحظة في ثواني معدودة إلى اشتباك عنيف بين رجلين لا يسمع أحدهما الآخر.
تلاحقت اللكمات، وتعالت الأنفاس، وارتطم الجسدان ببعضهما في صراع جسدي صاخب، بينما ظلت جواهر واقفة لثواني معدودة مشلولة الصدمة، لا تصدق ما يحدث أمامها.
لكنها سرعان ما استعادت وعيها.
اندفعت بينهما بسرعة، وبكل ما أوتيت من قوة دفعت جواد بعيدًا عن وحيد، وقد اشتعل الغضب في عينيها هي الأخرى، وصرخت في وجهه:
"أبعد عنه يا حيوان، بأي حق تمد ايدك عليه؟ احنا فين هنا"
تصلب فك جواد بشدة، وبرزت عروقه من شدة الغضب، ثم مد يده فجأة وأمسك بذراعها بعنف حتى كاد أن يكسره، وهو يقول بحدة:
"اخرسي انتي خالص، ده انتي يومك مش معدي، جايلي مع راجل فى عربيه وواقفه تتكلمي معاه، ده انا هصورك قتيل دلوقتي يا جواهر."
وفي تلك اللحظة، خرجت ترنيم وسمية من داخل الفيلا بعد أن وصل إليهما صوت الشجار المرتفع، وقد ارتسمت الدهشة على وجهيهما.
تقدمت ترنيم بخطوات سريعة وهي تنظر إلى المشهد المرتبك أمامها وقالت بعدم فهم:
"فيه أيه يا ولاد ومين ده؟"
لم يكن جواد يسمع شيئًا مما يقال حوله.
كانت غيرته قد أغلقت أذنيه تمامًا.
حاول أن يندفع نحو وحيد مرة أخرى، لكن جواهر أسرعت لتقف أمامه كحاجز بشري، تحدق فيه بعينين مشتعلة بالتحدي، وقالت بقوة:
"ملكش دعوة بي، اطلع بره يا جواد."
توقف جواد للحظة.
ابتسم ابتسامة باردة تحمل من الغضب أكثر مما تحمل من السخرية، ثم أومأ برأسه ببطء، وفجأة، وبدون أي إنذار، مد يده وقبض على شعرها بقوة شديدة حتى انتزعت منها شهقة ألم، وهو يقول بوحشية:
"وحياة امك لكسرك يا جواهر، وانتي عرفاني، مبهزرش فى ام المواضيع دي، انتي بتاعتي أنا، ممنوع تتكلمي مع أي راجل غيري، بسببك هبقى مجرم، حالا."
شهقت سمية بصدمة عندما رأت يد جواد وهي تشد شعر ابنتها بذلك العنف.
اندفعت نحوه بسرعة محاولة أن تحررها من قبضته، لكنها لم تستطع بسهولة، فقد كان ممسكًا بها كمن يتمسك بشيء يخصه وحده ولا يقبل أن ينتزعه أحد منه.
ورغم الألم الذي كان يمزق فروة رأسها، رفعت جواهر رأسها بتحدي واضح، وقالت بصوت قوي:
"ده فى خيالك يا جواد، انت ورقه قطعتها من حياتي خلاص، وملكش أي حكم عليا."
اشتعلت عيناه أكثر.
شد شعرها بقوة أكبر، ثم التفت بنظره إلى وحيد نظرة مليئة بالتهديد القاتل، وقال ببطء خطير:
"هطلعها اوضتها وأقسم بالله لو نزلت ولاقيتك واقف لكون دفنك مكانك هنا فاهم."
ثم أجبر جواهر على التحرك معه نحو داخل الفيلا، وهو ما يزال يقبض على شعرها، غير عابئ بصرخاتها أو بمحاولات والدتها.
أما وحيد، فقد وقف في مكانه يراقب المشهد بعينين مظلمتين، وقد بدا الغضب واضحًا في قسمات وجهه، لكنه في النهاية التزم الصمت.
تقدمت ترنيم نحوه بخطوات مترددة وقالت باستفهام:
"انت مين يا أبني. تعرف جواهر منين؟"
تنفس وحيد ببطء، محاولًا كبح غضبه، ثم أجاب بنبرة غاضبة لكنها متماسكة:
"أنا كنت بتمشى فى الشارع عادي لاقيت الانسه جواهر قاعدة وعماله تعيط اتكلمنا شويه مع بعض لأن اعرفها من ايام ما كنت لسه شغل فى الشركه، عرض عليها اوصلها من باب الادب والرجولة، وجبتها، هو ده كل اللي حصل."
تنهدت سمية بأسف شديد وقالت معتذرة:
"معلش يا ابني، اصل خطيبها بيغير عليها جدا، ولما شافك معاها اتجنن."
أومأ وحيد برأسه بتفهم، رغم أن عينيه كانت لا تزالان مشتعلة.
ثم استأذن منهما وغادر المكان بهدوء.
بعد رحيله، نظرت ترنيم إلى سمية بحيرة وقالت:
"وبعدين يا بنت خالتي هنعمل ايه مع جوز المجانين دول؟"
هزت سمية رأسها بنفاد صبر وقالت:
"أنا مش عارفه هيعقلوا امتى الاتنين دول؟"
أما في غرفة جواهر…
كان الجو داخل الغرفة مشحونًا كأنه برميل بارود ينتظر شرارة.
فتح جواد الباب بعنف، ثم دفعها إلى الداخل بقوة حتى كادت تسقط، قبل أن يندفع خلفها ويغلق الباب.
التفت إليها بعينين مشتعلتين وقال بغضب شديد:
"شيفاني ايه يا روح امك، مركب قرون، ده انا أقطع رقبتك، يوم ما تستخدمي الأسلوب ده علشان تغظيني ولا تخديها ند لند، علشان تردي الوجع، انا راجل أعمل اللي انا عايزة، إنما انتي، أ**."
اتسعت عينا جواهر بصدمة وغضب، وردت فورًا:
"انت قليل الادب، ووقح كمان، ملكش دعوة بيا قولتلك حكايتنا خلاص خلصت، اطلع بررره يا جواد."
اقترب منها ببطء شديد، خطوة بعد خطوة، حتى التصق بها تقريبًا، ثم أحاطها بذراعه، وكأنه يحاصرها داخل دائرة من حضوره الطاغي، وهمس قرب شفتيها:
"حكايتنا تنتهي بموت واحد فينا يا جواهر، وطول ما احنا الاتنين عايشين على نفس الأرض، يبقى انتي بتاعتي أنا وبس، واللي يفكر يقربلك امحي من على وش الأرض، وبلاش تستفزيني بالطريقه دي، علشان وشي التاني مش هتستحملي فاااهمه."
ارتفعت دقات قلبها بشكل جنوني.
قربه منها كان يربكها رغم غضبها.
أغمضت عينيها بقوة، ثم قالت بصوت خرج بصعوبة:
"ا ابعد عني يا حيوان، أنا بكرهك يا جواد، قرفانه منك بعد ما شفتك بمنظرك ده، سيبني فى حالي بقى، عايز مني ايه؟"
مال برأسه أكثر، حتى أصبحت أنفاسه قريبة جدًا من شفتيها، وقال بهدوء خطير:
"انتي عارفه أنا بحبك قد ايه يا جواهر، ومافيش غيرك فى قلبي، واكيد فيه قصه تانيه خالص غير اللي انتي شفتيها، انا مش هقدر اقولك حاجه دلوقتي، بس عايزك تثقي فيا وفى حبي."
لكنها دفعته بعيدًا عنها بقوة، وصرخت من بين دموعها:
"كداااب، مافيش اي مبرر للخيانه يا جواد، أنا شفتك وانت فى حضنك واحدة، شفت خيانتك بعيني، وجاي بكل بساطه تقولي، بحبك ومافيش غيرك فى قلبي، وان كل اللي شفته ده مش زي ما مفكرة، خلاص يا جواد اروح أنا كمان اترمي فى حضن اي راجل واقولك مش زي ما انت مفكر."
وفجأة، دوى صوت الصفعة في الغرفة.
صفعها جواد على وجهها بغضب وقال:
"أخرسي، قلتلك بلاش تستخدمي اسلوب ند لند يا جواهر، أنا اقتلك لمجرد حتى التفكير فى الكلام ده، أنا مستعد استحمل أي حاجه منك عصبيه غضب خصام، لكن تحاولي تستفزيني براجل تاني، علشان تغظيني، مش هقبله وهتشوفي مني وش تاني خالص، مافيش خروج من اوضك، لحد ما أخلص اللي بعمله وبعد كده لينا كلام تاني خالص."
وضعت يدها على خدها المشتعل من أثر الصفعة، ونظرت إليه بصدمة ودموع وهي تقول:
"انت بتمد ايدك عليا يا جواد، انا بكرهك، اطلع بره يا حيوان مش طايقه اشوف وشك اطلع برررره."
نظر إليها نظرة طويلة، نظرة مليئة بالغضب، والوجع، والعناد.
ثم استدار وخرج بعنف، وأغلق الباب من الخارج.
هبط جواد الدرج بخطوات سريعة متوترة، وكأن الأرض نفسها تضيق تحت قدميه من شدة الغضب الذي يشتعل في صدره. كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وملامحه مشدودة كقوس على وشك الانفلات. وما إن وصل إلى الأسفل حتى وقعت عيناه على ترنيم وسمية اللتين وقفتا تراقبان ما يحدث بقلق شديد.
توقف أمامهما لحظة، ثم نظر إليهما نظرة حادة، وكأن كل ما في داخله من توتر وانفعال قد تجمع في تلك النظرة الواحدة. كان لا يزال ممسكًا بالمفتاح بين أصابعه بقوة، حتى كادت عروقه تبرز من شدة الضغط.
وقال بتحذير صارم، وصوته يحمل نبرة لا تقبل النقاش:
"محدش يفتحلها الباب، المفتاح هيفضل معايا أكلها وشربها أنا اللي هجيبه ليها."
ساد صمت ثقيل للحظة، ثم تقدمت ترنيم خطوة نحوه، وقد بدا الاضطراب واضحًا في عينيها. لم تكن تخاف من غضبه، لكنها كانت تخشى ما قد يفعله هذا الغضب.
تكلمت بنبرة حاولت أن تكون هادئة رغم القلق الذي يملأها:
"اهدا بس يا ابني مش كده، براحه عليها، وفهمنا فيه ايه، بدل ما احنا عاملين شبه الاطرش فى الزفه."
لكن كلماتها لم تخفف من حدته، بل بدا وكأنها زادت اشتعال النار بداخله. شد فكيه بقوة حتى سمع صرير أسنانه، ثم قال بحدة قاطعة:
"اللي ما بينا محدش يدخل فيه، واللي قلته يتنفذ بالحرف."
لم ينتظر ردًا بعدها. استدار بعنف، واتجه نحو الباب بخطوات سريعة، ثم خرج من المنزل كله كالإعصار، تاركًا خلفه جوًا مشحونًا بالتوتر والغضب.
انغلق الباب خلفه بصوت قوي، فتبادلت ترنيم وسمية النظرات في صمت ثقيل.
اتسعت عينا ترنيم ببطء، وكأن شيئًا قد ارتسم فجأة أمام عينيها من الماضي البعيد. كانت تنظر إلى الباب الذي خرج منه ابنها، لكن ما تراه لم يكن جواد وحده، بل صورة أخرى تشبهه إلى حد مرعب.
همست بصوت يكاد يكون غير مسموع، وكأنها تخاطب نفسها:
"سلطان بعينه، كأنه ابن سلطان مش ابن غريب."
ثم ارتجف صوتها قليلًا، وانهمرت الدموع في عينيها دون أن تشعر، وقالت بصوت مختنق بالألم والذكريات:
"نفس عصبيته، نفس غيرته عليا، سلطان مات، بس جالي ابني على هيئة سلطان."
كانت سمية تراقبها بصمت، وقد فهمت فورًا ما يدور في رأسها. فهذه المقارنة لم تكن مجرد تشابه عابر، بل كانت ذكرى لقصة قديمة، قصة لم تنتهي يومًا كما ينبغي.
أومأت سمية برأسها ببطء، ثم قالت بنبرة تفكير عميق:
"أنا شايفه قصة سلطان وترنيم بتتعاد تاني قصادي فى بنتي وابنك، بس مش لازم نسمح ليهم تكون نهاية قصتهم نفس نهاية قصتكم لازم نتصرف يا ترنيم، لازم ندخل حتى لو غصب عنهم."
رفعت ترنيم عينيها نحو الأعلى قليلًا، وكأنها تبحث عن إجابة في الفراغ، ثم أعادت نظرها نحو الباب الذي خرج منه جواد، وكأنها ترى أثر خطواته لا يزال على الأرض.
وقالت بحزم خافت، لكنه يحمل إصرارًا واضحًا:
"جواهر مش هتكون غير لجواد وجواد لجواهر حتى لو هنجوزهم بالعافيه."
ابتسمت سمية ابتسامة باهتة يملؤها الحزن، ثم قالت وهي تربت على كتفها بلطف:
"أيدي على كتفك يا ترنيم، أنا متأكده أن سعادة بنتي مع جواد، ومافيش حد هيحبها قده."
تنفست ترنيم بعمق، ثم قالت بنبرة أكثر جدية وكأنها تكشف سرًا كان مخفيًا:
"جواد كان ناوي يجي ويتقدم لجواهر، قبل ما تحصل المشكلة دي ما بينهم، احنا جايين يوم الجمعه نخطبها."
تجمدت سمية مكانها للحظة، واتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وقالت بسرعة:
"طيب وهنقنعهم يعملوا كده ازاي؟"
أجابت ترنيم وهي تحاول أن تبدو واثقة رغم القلق الذي يسكنها:
"سيبي جواد عليا، وانتي حاولي مع جواهر، وخليها توافق بأي طريقة."
تنهدت سمية بعمق، وقد بدا التوتر واضحًا على ملامحها. فهي تعرف عناد ابنتها جيدًا، وتعرف أن الأمر لن يكون سهلًا أبدًا.
حركت رأسها بالموافقة وقالت:
"هحاول وربنا يستر."
ابتسمت ترنيم ابتسامة صغيرة تحمل شيئًا من التحدي، ثم اتجهت نحو الباب استعدادًا للمغادرة.
لكنها ما إن وصلت إلى المدخل حتى توقفت فجأة.
كانت رنيم تقف هناك.
وقفت أمامها بثبات، وعيناها تشتعلان بكره واضح لا تحاول حتى إخفاءه. كان الجو بينهما مشحونًا بصمت ثقيل، وكأن الماضي كله يقف بينهما في تلك اللحظة.
اقتربت رنيم منها ببطء، خطوة بعد خطوة، حتى أصبحت قريبة منها للغاية.
ثم انحنت قليلًا نحوها، وقالت بصوت هامس، لكنه يحمل قسوة جارحة:
"جواهر عمرها ما هتكون لابنك يا ترنيم، علشان ابنك طالع شبهك خاين وواطي."
رفعت رأسها بعدها ونظرت إليها نظرة احتقار صريحة، ثم استدارت ببساطة وكأنها لم تقل شيئًا يذكر، واتجهت إلى الداخل.
بقيت ترنيم واقفة في مكانها كأن الأرض قد ثبتتها.
كانت كلمات رنيم كالسهم الذي انغرس في صدرها مباشرة.
لم ترد، لم تتحرك، فقط ظلت تحدق في الفراغ للحظات طويلة.
ثم أخذت نفسًا عميقًا ببطء، وأخرجته بهدوء محاولة أن تستعيد تماسكها.
حركت رأسها قليلًا بضيق، وكأنها ترفض أن تسمح لتلك الكلمات بأن تهزمها، ثم استدارت أخيرًا وخرجت من المنزل.
توجهت إلى سيارتها، صعدت إليها في صمت، وأدارت المحرك.
وبعد لحظات قليلة، كانت السيارة تشق الطريق مبتعدة عن الفيلا، متجهة نحو العيادة الخاصة بها، بينما عقلها لا يزال غارقًا في دوامة من الذكريات والقرارات التي يبدو أنها ستغير الكثير مما هو قادم.
**************************
مرت عدة أيام، لكن تلك الأيام لم تكن عادية على الإطلاق.
كانت الأيام تمر ظاهريًا بهدوء مخادع، بينما في الخفاء كانت خيوط كثيرة تنسج بصمت. علاقات تتشكل ببطء، وأخرى تقف على حافة الانهيار، وثالثة تتحفز كوحش يستعد للانقضاض في اللحظة المناسبة.
المشاعر نفسها لم تعد ثابتة كما كانت من قبل.
قلوب كانت ممتلئة باليقين أصبحت الآن تضطرب بالشكوك، وأخرى كانت مطمئنة صارت تتأهب للألم. وكأن الجميع يسير فوق أرض رخوة لا يعرف أحدهم متى ستنهار تحت قدميه.
أما على الصعيد المهني، فقد كانت الأمور أكثر خطورة مما تبدو عليه.
في مكتبها الفخم داخل الشركة، جلست رنيم خلف مكتبها الكبير بثبات يليق بمكانتها. كانت ملامحها هادئة، لكن تلك السكينة لم تكن بريئة، بل كانت تشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
لقد كانت تستعد لانفجار تلك القنبلة التي ظلت تعدها بصبر طوال الفترة الماضية، قنبلة إن انفجرت فلن تغير مجرى العمل فقط، بل قد تقلب موازين كثيرة في حياة أشخاص عدة.
جلست على مقعدها بكل هيبة وكبرياء، ظهرها مستقيم، ونظرتها ثابتة تحمل ذلك الغموض الذي لم ينجح شاهين يومًا في تفسيره بالكامل.
كانت تحرك المقعد يمينًا ويسارًا ببطء متعمد، بينما يدها تعبث بالقلم بين أصابعها في حركة توحي بالهدوء، لكنها في الحقيقة كانت مليئة بالترقب.
رفعت عينيها إليه أخيرًا وقالت بهدوء بارد:
"خير! شيفاك متعصب على غير عادتك، يا ترى بقى ايه معصب شاهين الرواي مرة واحده؟"
كان شاهين يقف أمام المكتب كبركان يغلي. ضرب بقبضته على سطح المكتب بقوة حتى اهتز قليلًا، ثم قال من بين أسنانه المطبقة بغضب:
"بتعملي أيه من ورايا، ايه اللي بتخططي ليه يا بنت سلطان الدسوقي؟"
لم تتغير ملامح رنيم، بل على العكس، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، ابتسامة تحمل ثقة امرأة تعرف جيدًا من تكون، وقالت بثبات:
"بعمل اللي يليق ببنت سلطان الدسوقي، لانه حتى وهو ميت هيفضل خيره وفضله على الكل."
تصلب وجه شاهين أكثر عند ذكر الاسم.
تحرك خطوة للأمام، ثم استقام بجسده واقترب منها ببطء شديد، وكأن كل خطوة منه كانت محسوبة بعناية.
انحنى قليلًا، وأسند يده على ذراع المقعد الذي تجلس عليه، حتى أصبح وجهه قريبًا جدًا من وجهها. كانت المسافة بينهما تكاد تختفي.
ثم قال بصوت منخفض يحمل تحذيرًا واضحًا:
"وانا لسه متخلقتش اللي تتحداني، يا رنيم."
لكنها لم تتراجع، لم يظهر على وجهها خوف، ولا حتى ارتباك بسيط.
بل على العكس، اقتربت أكثر قليلًا، وثبتت نظرها مباشرة في عينيه، وقالت بتحدي صريح:
"لا، أتخلقت وقصادك اهي يا شاهين."
هبطت عينا شاهين لحظة نحو شفتيها بنظرة تحمل شيئًا من الإغواء، ثم عاد ينظر إليها وقال بأنفاس ساخنة:
"لسه بدري عليك يا صغنن."
وفجأة، ودون أن يمنحها فرصة للرد، انحنى قليلًا ووضع قبلة صغيرة مباغتة، ثم قال بنبرة مليئة بالتحدي:
"بس هكبرك على أيدي، وهوريكي اللعب مع الكبار آخرته أيه."
تصلب جسد رنيم للحظة، ثم اشتعلت عيناها بالغضب.
دفعت شاهين بعيدًا عنها بقوة، حتى تراجع خطوة للخلف، ثم مسحت شفتيها بسرعة بكم ثيابها وقالت بحدة:
"بني ادم قليل الادب ووقح."
لكن رد فعله كان عكس ما توقعت.
تعالت ضحكات شاهين في المكتب بصوت واضح، وكأن غضبها لم يكن سوى أمر مسلي بالنسبة له.
تحرك مرة أخرى نحو المقعد المقابل، وجلس عليه براحة تامة، ثم وضع قدمًا فوق الأخرى وقال بنبرة ساخرة:
"طيب بما انك مستعجله تشوفي لعب الكبار، وشغاله من تحت لتحت، نعلي الليڤل شوية ونزود العيار عليكي حبتين."
ابتسمت له رنيم ابتسامة امرأة عنيدة لا تعرف التراجع، وقالت بثقة واضحة:
"علي زي ما أنت عايز، وهتلاقيني سد قوي مبيتهزمش بسهولة."
وقف شاهين ببطء، ثم عدل ملابسه وكأن الحوار كله لم يكن أكثر من لعبة بدأها للتو.
وقال وهو يتجه نحو الباب:
"امم، لما نشوف يا عصام يا حضري، اخرك ايه ومعاك على الهادي يا صغنن."
فتح الباب وكاد يخرج، لكن قبل أن يغادر سمع صوتها خلفه، حادًا ومتحديًا:
"مستعجله اوي، اشوف هزمتك يا شاهين وعلى أيدي."
توقف لحظة.
ثم استدار ببطء، ونظر إليها نظرة طويلة، واكتفى بابتسامة هادئة تخفي خلفها الكثير من النوايا والأفكار.
بعدها فتح الباب وغادر المكتب.
لكن خطواته في الممر كانت تحمل وعدًا واضحًا، وعدًا بأن المعركة بينهما لم تبدأ بعد، وأن القادم قد يكون أكثر خطورة مما يتخيل كلاهما.
***************************
جلست جواهر في غرفتها، وقد بدا التوتر واضحًا في كل حركة من حركاتها. كانت جالسة على طرف السرير تحرك قدميها بلا توقف، وكأنها تحاول الهروب من أفكار تطاردها منذ أيام.
منذ تلك المواجهة الأخيرة بينها وبين والدتها، لم يهدأ عقلها لحظة واحدة.
فحين أخبرتها سمية أن جواد قد تقدم لخطبتها رسميًا، اشتعل النقاش بينهما بعنف. رفضت جواهر الأمر رفضًا قاطعًا، وأصرت على موقفها مهما حاولت والدتها إقناعها. لكن الأمور لم تبقى مجرد جدال، فقد انتهت بسقوط سمية فجأة أرضًا فاقدة الوعي.
ذلك المشهد كان كفيلًا بأن يربك قلبها.
حتى وإن كان جزء منها يشعر أن والدتها تعمدت المبالغة لتضغط عليها، إلا أن خوفها عليها كان أقوى من أي شك.
وفي النهاية، رضخت.
لكن تلك الموافقة لم تكن عن اقتناع، بل كانت استسلامًا مؤقتًا.
فقد أقسمت في داخلها أنها ستجعل أيام جواد معها مريرة كـ قرن الخروب، حتى يصل بنفسه إلى النقطة التي يقرر فيها الابتعاد عنها.
وبينما كانت غارقة في تلك الأفكار، فتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت سمية وهي تحمل فستانًا أنيقًا بيديها.
اقتربت منها ومدت الفستان إليها قائلة:
"خدي الفستان ده علشان تلبسي بكره فى الخطوبه."
نظرت جواهر إلى الجهة الأخرى رافضة حتى النظر إلى الفستان، ثم هزت رأسها قائلة ببرود:
"مش هلبس فساتين يا ماما أنا هلبس أي حاجه من الدولاب عندي."
اقتربت سمية أكثر، ووضعت يدها على مرفقها وقالت بنبرة تحمل شيئًا من التلاعب بمشاعرها:
"يا بنتي حرام عليكي هتخليني احصل ابوكي ليه؟"
انتفضت جواهر فورًا، واتسعت عيناها بقلق. نظرت إلى والدتها بدموع متجمعة وقالت بسرعة:
"بعد الشر عليكي يا ماما، متقوليش كده تاني."
أطلقت بعدها زفرة طويلة مثقلة بالضيق، ثم نظرت إلى الفستان للحظة وكأنه حمل ثقيل.
مدت يدها ببطء وأخذته منها وقالت بحزن واضح:
"حاضر يا ماما، هنفذ اللي انتي عايزاه لحد ما اشوف اخرتها ايه."
ابتسمت سمية لها بحنو وقالت:
"ربنا يهديكي ويصلح حالك يا حبيبتي."
ثم خرجت من الغرفة بهدوء.
ما إن أُغلق الباب حتى نظرت جواهر إلى الفستان في يدها نظرة طويلة موجوعة، ثم فجأة ألقت به أرضًا بعنف.
جلست على حافة السرير، وأسندت وجهها إلى يديها، ثم انفجرت بالبكاء.
بكاء مرير خرج من أعماق قلبها، حتى تقطعت أنفاسها من شدته.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب مرة أخرى.
دخل جواد إلى الغرفة، وتوقفت عيناه أولًا عند الفستان الملقى على الأرض، ثم انتقلت إلى جواهر التي كانت تبكي بحرقة.
اقترب منها بهدوء وجلس بجوارها، ثم وضع يده على ظهرها برفق وقال بصوت هادئ:
"جواهر، اهدي علشان خاطري، مش ده اللي كنا بنحلم بي من زمان؟ أخيراً هنتخطب رسمي."
لكنها أبعدت يده عنها بسرعة وكأن لمسته تؤلمها، وقالت بدموع:
"أبعد عني ملكش دعوة بيا يا جواد، أنا موافقه المهزلة دي تحصل علشان خاطر ماما وبس، إنما لو عليا أنا لا طايقك ولا عايزه اشوف وشك."
أغمض جواد عينيه للحظة ليهدئ نفسه، ثم اقترب منها مرة أخرى وقال بهدوء:
"جواهر علشان خاطري اهدي، أنا عارف انك بتعملي كل ده من وراه قلبك، لأن اللي ما بينا مش بسهوله كده نقدر ننساه."
لكن كلماته فجرت ما بداخلها.
صرخت فجأة وتعالت شهقاتها وهي تقول:
"واشمعنا انت قدرت تنساه بسهوله، قدرت تلمس واحده غيري، انا عمري ما هسامحك على وجعك ليا يا جواد."
نظر إليها جواد بحزن عميق.
مد يده برفق ومسح دموعها، ثم أمسك وجهها بين كفيه وقال بنبرة مليئة بالحنان:
"أقسم بالله بحبك، واللي حصل ده مش زي ما انت مفكره، عايزك تثقي فيا وفى حبي ليكي يا جواهر، خلينا نفرح أن اخيرا هنبقى لبعض، نعيش اللحظة اللي عشنا عمرنا كله مستنينها، طيب بذمتك انتي مش فرحانه من جوه قلبك؟"
نظرت إليه بعينين مكسورتين وقالت بصوت موجوع:
"ليه تعمل فيا كده يا جواد، ازاي هونت عليك توجعني بالشكل ده؟"
اقترب منها أكثر وهمس:
"حقك على قلبي، يا بنت قلبي."
وفي تلك اللحظة…
كانت ترنيم تقف عند الباب.
تجمدت في مكانها وكأن دوارًا ضرب جسدها فجأة. ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف.
حركت رأسها بعدم تصديق.
شعر جواد بحركتها، فالتفت بسرعة نحو الباب، ليجدها واقفة هناك.
نهض فورًا واقترب منها بقلق وقال:
"ماما! مالك؟"
لكنها رفعت يدها قليلًا وقالت بصوت مرتجف متوسل:
"اياك تقول الكلمه دي تاني، بترجاك يا ابني، الكلمه دي سكينه بتدبحني بيها."
عقد جواد حاجبيه وقال باستغراب:
"أنا مش فاهم حاجه يا ماما، كلمة ايه دي؟"
ارتعشت شفتاها وهي تقول بصعوبة:
"الكلمه اللي قولتها لجواهر، حقك على قلبي يا بنت قلبي، الكلمه دي سكينه باردة بتدبحني بيها."
هز رأسه بعدم فهم وقال:
"ليه يا ماما مالها الكلمة دي؟"
خفضت ترنيم نظرها إلى الأرض وقالت بتوتر:
"د دي كلمة غاليه عليا وخلاص، ولما بسمعها، بفتكر حاجات فات عليها زمن طويل، ارجوك يا ابني اسمع كلامي من غير ما تسأل كتير."
ظل ينظر إليها لحظة، ثم أومأ برأسه وقال بهدوء:
"حاضر يا ماما."
لكن في تلك اللحظة، وصل إليهما صوت شهقات عالية.
التفتا بسرعة نحو جواهر.
كانت تمسك هاتفها بيد مرتجفة، وتنظر إلى شاشته بينما الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف.
اقترب جواد بسرعة وأخذ الهاتف من يدها، لكن ما إن رأى ما عليه حتى أغمض عينيه بغضب وألم.
ثم نظر إليها بأسف وقال:
"أنا آسف."
تكلمت بين شهقاتها:
"اطلع بره يا جواد، مش طايقه اشوفك."
زفر بضيق، ووضع الهاتف بجوارها، ثم خرج من الغرفة سريعًا.
اقتربت ترنيم من جواهر ببطء.
نظرت إلى الهاتف، فرأت الصورة.
صورة جواد وهو يحتضن تلك الفتاة مرة أخرى.
شعرت بوخزة شفقة حقيقية في قلبها.
جلست بجوار جواهر واحتضنتها بحنان، وبدأت تربت على ظهرها برفق.
تمسكت جواهر بها بقوة وكأنها تتشبث بطوق نجاة، ثم صرخت بألم:
"اااه يا قلبي اللي ابنك داس عليه بجزمته يا خالتو، أنا بكرهوا، ليه يعمل فيا كده ليييه."
ظلت ترنيم صامتة.
لم تكن تعرف ماذا تقول، لأن جواهر معها الحق تمامًا.
لكن في داخلها كانت فكرة واحدة تتكرر بإصرار.
لن تسمح لهذه العلاقة أن تنتهي بهذه السهولة.
لن تسمح لهم أن يعيشوا نفس الألم الذي عاشته هي يومًا.
لن تسمح أن تتكرر القصة، بنفس النهاية الموجعة.
**************************
حين وصل شاهين إلى الفيلا، كان الليل قد بدأ يمد عباءته الداكنة فوق المكان، فبدت الفيلا الضخمة أكثر هيبة وغموضًا في آنٍ واحد. دفع شاهين الباب ودخل بخطوات واثقة، كعادته دائمًا. كان يسير وكأن المكان بأكمله يتحرك وفق إيقاعه الخاص. وما إن وقعت عيناه على الصالون حتى لمح ثلاثة أشخاص يجلسون بالقرب من والدته.
فتاة أنيقة تجلس باسترخاء واضح، وإلى جوارها شاب يحمل ملامح ثقة لا تقل عن ثقة شاهين نفسه، بينما كان مروان يجلس بصمت كعادته، وكأنه جزء من الظلام لا من المكان.
ابتسامة واسعة ارتسمت على وجه شاهين فور رؤيتهم، تلك الابتسامة التي تجمع بين المزاح والغرور في آنٍ واحد. اقترب منهم بخطوات مريحة، وكأنه يدخل مجلسًا يعرف تمامًا أنه سيده.
وقال بمزاح:
"منورين يا عصابه توتو."
رفعت الفتاة عينيها نحوه فور سماع صوته، ولمعت في نظرتها لمعة مرح ممزوجة بمكر خفيف. بدا واضحًا أنها معتادة على هذا الجو العائلي المليء بالثقة الزائدة، وربما المؤامرات الصغيرة أيضًا.
ابتسمت له وقالت:
"وحشتيني يا أبن خالتي، سمعت انك عامل شغل جبار، اكتر واحد فينا اخد الموضوع بجديه جامده."
جلس شاهين بجوارها دون تردد، وكأن المسافة بينهما غير موجودة أصلًا. مد يده يداعب شعرها بخفة، تلك الحركة التي تحمل شيئًا من العفوية، لكنها في الوقت نفسه تعكس إحساسه الدائم بالسيطرة.
وقال بثقة لا تخلو من استعراض:
"عيب عليكي، أنا مش أي حد انا شاهين الرواي."
لم يكن هذا النوع من التفاخر غريبًا عليه، فشاهين كان دائمًا يرى نفسه مختلفًا عن الآخرين، وربما كان محقًا إلى حدٍ ما.
عندها تدخل الشاب الآخر، وقد مال قليلًا إلى الأمام وكأنه لا يريد أن يترك المسرح لشاهين وحده. كانت نظراته ثابتة، وصوته يحمل نفس القدر من الثقة التي تملأ المكان.
وقال:
"إذا كان انت شاهين الرواي، أنا وحيد الاباصيري، وبأقل مجهود مني بلفت جواهر، بس الولا اللي اسمه جواد ده رخم وملزق زي أبوه."
رفعت الفتاة قدمًا فوق الأخرى في حركة هادئة توحي بالاسترخاء، لكنها في الحقيقة كانت تنطق بثقة امرأة تعتقد أنها تمسك الخيوط بيدها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم قالت:
"اهو جواد ده بجلالة قادرة بقى زي الخاتم في صباعي، اه صحيح البت دي كل شويه تتسهوك عليه علشان يرجع ليها بس انا مش ساكته كل شويه ابعتلها صورة اصعب من اللي قبلها."
ارتفعت حاجبا شاهين قليلًا وهو يستمع، وكأن الأمر بالنسبة له مجرد لعبة ممتعة يتابعها بفضول.
لكن عينيه تحركتا بعد لحظة نحو الشخص الوحيد الذي لم يشارك في الحديث حتى الآن، مروان.
كان يجلس بصمت واضح، كتفيه متصلبتان قليلًا، وعيناه تحملان ضيقًا لم يحاول حتى إخفاءه. وكأن كل ما يقال حوله لا يزيده إلا توترًا.
مال شاهين قليلًا في جلسته، وحرك رأسه متسائلًا قبل أن يقول:
"وانت عملت ايه يا عم السايلنت؟ البت صعبه عليك ولا ايه النظام؟"
تنهد مروان بضيق واضح، وكأن السؤال أصاب موضعًا حساسًا بداخله. كانت نبرته عندما تكلم مشوبة بشيء من الاختناق، كأن الاعتراف نفسه يثقل صدره.
وقال:
"البت دي صعبه اوي حاولة معاها كتير بس شكلها كده بتحب واحد تاني."
في تلك اللحظة تحديدًا، كانت مريم تراقب كل ما يحدث بصمت تام.
جلست على مقعدها المتحرك بثبات، عيناها تتحركان بين وجوههم جميعًا، وكأنها تقرأ ما يدور في عقولهم لا ما يخرج من أفواههم.
كانت امرأة اعتادت السيطرة، اعتادت أن يكون الجميع قطعًا في لعبة أكبر تديرها هي وحدها.
وأخيرًا، كسرت الصمت.
خرج صوتها باردًا، لكنه يحمل نبرة شرانية كفيلة بأن تجعل الجو كله يتغير في لحظة.
"كل اللي فات ده كان لعب عيال، ومن دلوقتي هنبدأ الشغل الحقيقي."
ساد الصمت للحظة بعد كلماتها، وكأن الجميع يعرف أن ما ستقوله الآن ليس مجرد اقتراح، بل أوامر.
حولت نظرها إلى الفتاة أولًا وقالت:
"انتي يا رقيه حاولي تزودي العيار على الولا ده شويه ولو عرفتي تحملي منه يكون افضل."
ثم انتقلت بعينيها إلى وحيد، ونظرتها هذه المرة كانت أكثر حسابًا وبرودًا.
"وانت ده وقتك البت هتكون مجروحه من اللي عمله الولا ده يعني هتجيلك خلصانه مجروحه هتكون ضعيفه، تقدر تاخد منها اللي انت عايزه براحتك."
أما حين نظرت إلى مروان، فقد كانت نظرتها مختلفة تمامًا، قاسية، غاضبة، وكأنها لا ترى فيه إلا أداة يجب أن تنفذ ما يطلب منها.
وقالت بحدة:
"وانت يا خلفه سودا، حاول تاخد من البنت دي شرفها بأي طريقه حتى لو هتخطفها، المهم انك تخلص اللي قلتلك عليه."
وأخيرًا، توقفت عيناها عند شاهين.
في تلك اللحظة تغيرت ملامحها قليلًا، وتحولت القسوة إلى شيء يشبه الفخر.
وقالت:
"أما انت مش هقولك تعمل ايه علشان واثقه فى ابني حبيبي شاهين الرواي، هو اللي هينهي اللعبه دي كلها زي ما انا عايزة واكتر."
ارتسمت على شفتي شاهين ابتسامة متعالية، تلك الابتسامة التي تظهر عندما يشعر أنه يقف على قمة اللعبة.
وقال بثقة واضحة:
"وحياتك عندي النهاية قربت خلاص والكل هيعرف مين هي مريم، واولادها يقدروا يعملوا ايه."
عندها ابتسمت مريم ابتسامة غريبة، مزيج بين الشر والثقة المطلقة.
ثم جلست في مكانها، وبدأت تلقي تعليماتها على الجميع، وكأنها قائدة جيش يجهز جنوده لمعركة لا تعرف الرحمة.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل التاسع 9 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع
في اليوم التالي، بدت الفيلا وكأنها تعيش حالة غريبة من التناقض.
فمن ناحية، كان هناك حدث مهم يفترض أن يستعد له، ومن ناحية أخرى كان الحزن لا يزال مخيمًا فوق المكان بسبب وفاة حسام. لذلك جاءت الاستعدادات باهتة، مقتصدة، وكأن الجميع يحاول إنجاز الأمر بأقل قدر ممكن من الضجيج أو المظاهر.
الخدم يتحركون في أرجاء المكان بهدوء ملحوظ، يضعون بعض اللمسات البسيطة هنا وهناك، يجهزون القاعة، ويرتبون الزهور القليلة التي سمح بها في مثل هذا الظرف.
لم تكن هناك زينة صاخبة، ولا أضواء لافتة، فقط تجهيزات متواضعة تؤدي الغرض، وكأن الفيلا نفسها تحاول احترام الحداد دون أن تعطل سير الحياة.
أما في الطابق العلوي، داخل إحدى الغرف الواسعة، كانت جواهر تعيش عالمًا مختلفًا تمامًا.
جلست على طرف السرير، كتفاها منحنيتان قليلًا، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء. منذ تلك اللحظة التي انكسر فيها قلبها، لم تفارقها الدموع إلا نادرًا.
كانت تشعر وكأن شيئًا بداخلها قد تهشم فجأة، شيء كانت تظنه ثابتًا، قويًا، لا يمكن أن ينهار بهذه السهولة.
كانت تحاول أن تستوعب ما حدث، لكن عقلها كان يدور في دائرة مغلقة؛
ذكريات جواد، ضحكاته، كلماته، اللحظات التي ظنت فيها أنه عالمها الآمن، ثم الخيانة التي سقطت فوق قلبها كالصاعقة.
في تلك اللحظة، جلست رنيم بجوارها بهدوء.
لم تقل شيئًا في البداية، بل مدت ذراعيها واحتضنتها بقوة، كأنها تحاول أن تمنحها بعض الثبات الذي فقدته.
راحت تربت على ظهرها ببطء، لكن الغضب كان واضحًا في نبرتها حين تكلمت أخيرًا:
"تستاهلي اللي انتي فيه ده، كام مرة حاولت افتح عيونك علشان تبعدي عنه، كل مرة كنتي بتزعلي مني وبتخدي مني موقف، ده أقل واجب ممكن يعمله معاكي ابن ترنيم، متعلمتيش حاجه من اللي حصل زمان مع امي وابويا من أمه، اكيد يعني هيكون شبهها."
ارتجف صدر جواهر قليلًا وهي تستمع لكلماتها.
لم تكن الكلمات قاسية فقط، بل كانت تضرب مباشرة في أضعف نقطة داخلها.
زفرت بضيق، ثم رفعت رأسها قليلًا وتكلمت بصوت مختنق يكاد يفضح مقدار الألم الذي تعيشه:
"مش وقته الكلام ده يا رنيم، أنا عارفه انك بتكرهي خالتو ترنيم قد ايه، يعني بلاش تحطي ده قصاد ده، انا اه زعلانه اوي من جواد وقلبي وجعني من خيانته ليا، بس منكرش أنه هو حبني بجد، كان حنين معايا طول الوقت، وقف جنبي فى أصعب أوقاتي، أنا معرفش عمل كده ليه، معرفش إذا كانت لحظة ضعف منه، ولا أهمال مني، أني مقدرتش أشغله بيا أكتر من كده، بس فى النهاية، جواد حب عمري، وبعدين مش معنى انك بتكرهي خالتو ترنيم، يبقى لازم أنا كمان اكرهها، علشان كده مش عايزاكي تخلطي الأمور كلها فى بعض."
كانت كلماتها خارجة من قلب مجروح يحاول الدفاع عن شخص كسره، ربما لأنها ما زالت تحبه، أو لأنها ببساطة لا تستطيع أن تمحو كل تلك الذكريات دفعة واحدة.
لكن رنيم لم تحتمل ذلك الدفاع.
نهضت فجأة من مكانها، والغضب يشتعل في عينيها، وتكلمت من بين أسنانها بحدة واضحة:
"كده يا جواهر؟ طيب تستاهلي اللي بيحصلك منه، وانا غلطانه أن سبت اللي ورايا وجتلك علشان أكون جنبك فى وقت زي ده، أنا رايحه شغلي سلام."
تحركت نحو الباب بخطوات سريعة، وكأنها تحاول الهروب من هذا الحوار قبل أن تقول ما هو أقسى.
لكن جواهر لم تتركها تذهب.
نهضت بسرعة، وكادت تتعثر من استعجالها، ثم ركضت خلفها قبل أن تخرج من الغرفة.
أمسكت بذراعها بسرعة وأوقفتها، وعيناها تمتلئان بالندم وهي تقول بصوت مليء بالأسف:
"أنا اسفه يا رنيم، حقك عليا متزعليش، أنا اعصابي تعبانه، وبعيش تحت ضغط كبير، علشان كده أنا مش عايزاكي تزعلي مني، خليكي جنبي أنا محتاجه ليكي اوي."
توقفت رنيم مكانها.
استدارت إليها ببطء، وعيناها تحملان لومًا واضحًا، لكنها في الوقت نفسه لم تستطع أن تقاوم ذلك الضعف الظاهر على وجه جواهر.
نظرت إليها للحظات بصمت، ثم جذبتها فجأة إلى حضنها بقوة، كأنها تريد أن تطمئنها رغم غضبها.
ربتت على ظهرها برفق وقالت:
"مقدرش ازعل منك يا جوجو، انتي اختي الصغيرة، ومهما تعملي هفضل احبك."
ابتعدت جواهر قليلًا، وعيناها تلمعان بامتنان واضح وهي تنظر إليها وقالت:
"ربنا يخليكي ليا يا رنيم يارب، يلا بقى تعالي ساعديني اجهز، عايزه اطلع مزه واغيظ ابن ضرغام واخليه يندم ندم عمره أنه عمل فيا كده."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه رنيم، ثم انفجرت ضاحكة، تلك الضحكة التي بددت شيئًا من ثقل الجو داخل الغرفة.
أومأت برأسها بالموافقة، بينما بدأت الاثنتان التحرك داخل الغرفة، تفتحان الخزانة وتبحثان بين الفساتين، في محاولة لتحويل هذا اليوم من يوم حزن وانكسار، إلى بداية معركة جديدة.
معركة ستخوضها جواهر وهي تخفي خلف أناقتها قلبًا ما زال ينزف.
وبدأتا معًا الاستعداد، لحفل الخطبة.
***************************
في الجهة الأخرى من المدينة، داخل فيلا غريب، كان الجو مختلفًا تمامًا.
لا صخب، لا استعدادات احتفالية، ولا حتى تلك الحركة الخفيفة التي تسبق المناسبات الكبيرة.
كان المكان يغرق في هدوء ثقيل، هدوء يشبه هدوء العاصفة قبل أن تنفجر.
داخل المكتب الواسع، جلس غريب خلف مكتبه الخشبي العريض، ذلك المكتب الذي شهد الكثير من القرارات الصعبة، والملفات المعقدة، والأسرار التي لم يكن مسموحًا لها أن تخرج إلى النور.
كان جالسًا بثبات، لكن ملامحه كانت تحمل قدرًا واضحًا من الجدية والتركيز.
أصابعه متشابكة فوق سطح المكتب، وعيناه ثابتتان على جواد الذي كان يقف أمامه.
أما جواد، فكان يبدو مختلفًا عن صورته المعتادة.
الهدوء الذي يحيط به لم يكن هدوء ثقة، بل هدوء رجل يثقل صدره شيء أكبر من مجرد موقف عابر.
مرت لحظة صمت قصيرة، قبل أن يتكلم غريب أخيرًا بنبرة جادة، نبرة الأب الذي يحاول أن يوازن بين قلبه وعقله:
"انت عارف أن أنا مكنتش موافق يحصل اي كلام دلوقتي فى موضوع جواهر، لأن ده هيعرضها للخطر اكتر، بس انت اللي صممت وقولت انك هتقدر تحميها كويس، بس خد بالك، احنا لحد دلوقتي منعرفش مين اللي وراه البنت دي، وانت بنفسك اتأكد أنها مزقوقه عليك، اتشطر بقى واخلص من خطوبتك النهاردة علشان من بكره، هنكثف شغل علشان نوصل للحقيقه فى اسرع وقت."
كانت كلماته واضحة، مباشرة، تحمل ثقل المسؤولية التي يعيشها.
فالموضوع لم يعد مجرد علاقة أو خطوبة، بل أصبح لعبة خطيرة، أطرافها مجهولون، ونتائجها قد تكون قاسية.
تنهد جواد بضيق واضح، وكأنه يحاول أن يفرغ بعضًا من التوتر الذي يضغط على صدره.
مرر يده في شعره بعصبية خفيفة، ثم قال بصوت متوتر:
"يا بابا البت دي مش تمام، ومصممه أن يحصل علاقه ما بينا، وانا مش هقدر أعمل كده، أنا كتيري اخدها فى حضني ابوسها، غير كده استحالة مش هقدر ألمس واحده غير جواهر يا بابا."
حين نطق اسم جواهر، تغير شيء في ملامحه للحظة، شيء يشبه الإخلاص الصادق الذي لا يستطيع أن يخفيه مهما حاول أن يبدو قويًا.
أومأ غريب برأسه ببطء، وكأنه يتفهم ما يدور داخل ابنه، لكنه في الوقت نفسه كان يعلم أن الواقع لا يرحم العواطف كثيرًا.
قال بنبرة عملية حاسمة:
"اوهمها أن ده هيحصل، واديها أي حاجه فى المشروب، ولما تصحى هتكون مش فاكرة حاجه."
ساد صمت قصير بعد تلك الكلمات، صمت ثقيل يعكس طبيعة الخطة التي يتحدثان عنها.
لكن جواد لم يتردد طويلًا.
استقام بجسده قليلًا، وكأن داخله امتلأ بشعور دفاعي قوي، وقال بنبرة رجولية صادقة:
"والله العظيم كتر خير جواهر أنها قادرة تستحمل منظر الصور اللي بتبعتها ليها، البت دي يتعمل ليها تمثال، علشان كده مستحمل طريقتها معايا فى الكلام، لحد ما يجي الوقت اللي افهمها فيه الحقيقه."
في تلك اللحظة، ظهرت في عينيه لمعة مختلفة، لمعة رجل يعرف أنه يجرح الشخص الذي يحبه، لكنه يفعل ذلك مضطرًا من أجل شيء أكبر.
أما غريب، فقد نهض من خلف مكتبه ببطء، كأنه أراد أن ينهي هذا الحديث قبل أن يفتح أبوابًا أخرى من النقاش.
وقف أمام ابنه ونظر إليه نظرة تحذيرية واضحة، ثم قال:
"اوعى بس تقولها على حاجه دلوقتي، خلينا نعرف نركز، روح اجهز علشان منتأخرش."
هز جواد رأسه موافقًا، لكن هذه المرة ظهرت على وجهه ملامح مختلفة، مزيج من الحماس والقلق في آنٍ واحد.
كانت هذه الليلة مهمة، ليلة ينتظرها منذ سنوات طويلة، منذ أيام الطفولة التي كان يرى فيها جواهر مجرد فتاة صغيرة تكبر معه.
والآن، أصبحت تلك الفتاة نفسها محور كل ما يحدث.
اتجه إلى غرفته بخطوات سريعة، وبدأ يستعد لتلك الليلة التي طال انتظارها، ليلة قد تكون بداية كل شيء، أو ربما بداية انهيار كل شيء.
**************************
مع حلول المساء، بدت الفيلا مختلفة تمامًا عن هدوئها المعتاد.
الأضواء الدافئة انعكست على جدران الصالون الواسع، بينما انتشرت رائحة القهوة والعطور في المكان، في محاولة خفية لخلق جو من الألفة، رغم أن التوتر كان حاضرًا بوضوح بين الجميع.
بعد دقائق، توقفت سيارة جواد أمام الفيلا.
ترجل منها برفقة غريب وترنيم وأروى، واتجهوا نحو الداخل بخطوات ثابتة.
كان جواد يبدو هادئًا من الخارج، لكن عينيه كانتا تبحثان عن وجه واحد فقط منذ اللحظة الأولى، جواهر.
استقبلتهم سمية عند الباب بابتسامة رحبة، بينما وقف إلى جوارها تامر وزوجته وأحمد.
رحبوا بهم جميعًا بحرارة، ثم دخلوا إلى الصالون وجلسوا في أماكنهم.
جلس غريب بجوار تامر يتبادلان الأحاديث الهادئة، بينما جلست ترنيم بجوار سمية، أما جواد فجلس وهو يحاول أن يبدو منشغلًا بالحديث، لكنه في الحقيقة كان ينتظر لحظة ظهورها.
أرسلت سمية أروى إلى الأعلى حتى تخبر رنيم وجواهر أن الوقت قد حان للنزول.
مرت الدقائق ببطء ثقيل، حتى بدأ صوت خطوات خفيفة يتردد على الدرج.
التفتت الأنظار جميعها إلى الأعلى، حيث ظهرت جواهر تهبط الدرج برفقة رنيم.
كانت جواهر تبدو هادئة ظاهريًا، لكن عينيها كانتا مليئتين بمزيج واضح من الغضب والحزن.
أما جواد، فما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه تمامًا، وكأن العالم كله اختفى من حوله.
جلست جواهر بجوار تامر، بينما بدأت الأحاديث الرسمية بين الكبار حول التفاصيل والاتفاقات.
لكن رغم تلك الأحاديث، كانت هناك حكايات أخرى تروى بالصمت والنظرات.
كانت نظرات جواد معلقة بجواهر طوال الوقت، نظرات عاشقة صريحة لا يستطيع إخفاءها.
أما جواهر فكانت كلما التقت عيناها بعينيه، ترد عليه بنظرات قاسية تحمل غضبًا ووجعًا واضحين.
في الجهة الأخرى، كانت رنيم تجلس متصلبة في مكانها.
وجودها في نفس المكان مع ترنيم وعائلتها كان يشعرها بالاختناق.
كانت تنظر إليها بنظرات حادة مليئة بالكره القديم الذي لم يهدأ بعد.
بعد وقت من النقاشات، بدا أن الجميع قد اتفقوا أخيرًا على كل شيء.
عندها مال تامر قليلًا إلى الخلف وقال بنبرة مرحة محاولًا كسر الأجواء الرسمية:
"بصفتي خال العروسه وخال العريس، فأنا موافق على الجوازه دي وربنا يسامحني على اللي عملتوا فى المجتمع ده."
انفجرت الضحكات في المكان، بينما رفع جواد حاجبه بمكر وقال بمزاح:
"انت عارف يا خال؟ انت اكبر غلطه فى المجتمع أساساً."
ردت ترنيم بمعاتبه حنونه وقالت:
"يا أبني عيب اختشي ده خالك مش واحد صاحبك."
ضحك تامر وقال:
"دي اخرت اللي يصاحب عيال أخته."
تدخلت أروى بدلع طفولي وقالت:
"والكلام ده يشملني أنا يا تمورتي؟"
غمز لها تامر وهو ينظر إليها بمزاح وقال:
"لا انتي بره الموضوع يا قلب تمورتك."
لكن وسط هذه الضحكات، لم يكن الجميع بنفس المزاج.
كانت جواهر تجلس بملامح متجهمة، وكأنها تحاول إنهاء هذا اللقاء بأسرع وقت ممكن.
أطلقت زفرة ضيق واضحة وقالت فجأة:
"طيب ايه؟ مش هنخلص من ام الليله دي ولا ايه؟"
ساد الصمت للحظة، بينما التفتت العيون إليها باستغراب.
مالت سمية نحوها سريعًا وهمست بحدة خفيفة:
"يا بنتي اتلمي، عيب اللي انتي بتعمليه ده."
في تلك اللحظة، نهض جواد من مكانه بهدوء، واتجه نحوها بخطوات واثقة.
وقف أمام تامر ونظر إليه بابتسامة خفيفة وقال:
"ممكن تقعدني جنب خطيبتي؟ ولا عجبتك القاعده هنا."
رفع تامر حاجبه ونظر إليه بتوعد مصطنع، ثم اقترب قليلًا وقال بجوار أذنه بمزاح:
"ده انا هنفخك بس اصبر عليا يا ابن ضرغام."
ثم تحرك من مكانه وجلس على مقعد آخر.
جلس جواد بجوار جواهر، لكنها أغلقت عينيها بضيق وأدارت وجهها بعيدًا عنه.
اقترب منها قليلًا وقال بصوت منخفض:
"ايدك يا عروسه علشان ألبسك الشبكه."
ضغطت على أسنانها بغضب، ثم التفتت إليه بنظرة ضيق واضحة قبل أن تمد يدها ببطء شديد وتعطيها له.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي جواد، تلك الحركات الغاضبة منها كانت دائمًا أقرب الأشياء إلى قلبه.
أمسك يدها بحنو شديد، كأنه يخشى أن يؤذيها حتى بلمسة، وبدأ يلبسها خاتم الخطبة وسط تهاني وتصفيق الجميع.
بعد أن انتهى، رفع يدها نحو شفتيه ووضع قبلة رقيقة عليها وقال بعشق صادق:
"مبروك يا أجمل حاجه فى حياتي."
لكن جواهر لم ترد، نظرت إليه فقط بنظرة ممتلئة باللوم والغضب والوجع.
رفع جواد صوته قليلًا وقال بحماس واضح:
"وبما أن الكل متجمع، أنا عامل مفاجئة، لحبيبتي."
نظرت إليه جواهر باستغراب، لكن عينيها اتسعتا بصدمة كبيرة عندما رأت المأذون يقترب من باب الصالون.
حركت رأسها بعدم فهم وقالت:
"ايه ده؟!"
ابتسم جواد لها بعشق وقال:
"المأذون، هكتب كتابك يا قلبي، وتبقى مراتي على سنة الله ورسوله."
لكن رد فعلها جاء صادمًا للجميع.
هزت رأسها بعنف وقالت بغضب شديد:
"مستحيل ده يحصل على جثتي."
تحركت ترنيم بسرعة محاولة إنقاذ الموقف وقالت:
"أهدي يا جواهر، كتب الكتاب لازم يتم، مينفعش جواد يدخل ويطلع من عندكم من غير جواز الناس هتتكلم عليكم."
لكن جواهر كانت في قمة غضبها.
قالت بحدة:
"ماليش دعوة بكلام الناس، مافيش كتب كتاب اقولكم على حاجة مافيش خطوبه من اساسه."
نهضت فجأة من مكانها، مستعدة للصعود إلى غرفتها.
لكن سمية وقفت أمامها مباشرة وقالت بغضب واضح:
"جواهر اقعدي عيب اللي انتي بتعمليه ده."
هزت جواهر رأسها بعناد وقالت:
"مش هقعد يا ماما، أنا وافقت على الخطوبه علشان خاطر صحتك، إنما مستحيل اقبل بكتب الكتاب ده، مش مستعده اكمل حياتي مع واحد زي ده."
في تلك اللحظة كان جواد جالسًا بهدوء غير معتاد منه، هدوء جعل الجميع يظن أنه واثق أن النهاية ستكون كما يريد.
لكن فجأة، دوى صوت صفعة قوية في الصالون.
تجمد الجميع في أماكنهم.
انتفض جواد من مكانه فورًا عندما رأى يد سمية ترتطم بوجه جواهر.
وقف بسرعة، واشتعل الغضب في عينيه وهو ينظر إلى سمية وقال بصوت مختنق:
"ليه تعملي كده؟ مش مسموح ليكي ولا أي شخص كان، يمد أيده عليها طول ما انا موجود."
كانت جواهر واقفة في مكانها مصدومة تمامًا مما فعلته والدتها.
رفعت يدها ببطء إلى خدها الذي احمر من أثر الصفعة، وانهمرت الدموع من عينيها بغزارة دون أن تستطيع منعها.
اقتربت ترنيم منها بسرعة واحتضنتها بقوة وقالت بلوم:
"ليه يا سميه تعملي كده انتي اتجننتي؟"
تكلمت سمية بدموع وقالت:
"لو حسام كان عايش كان هيعمل كده واكتر كمان، لما تصغر بينا وتحرجنا بالمنظر ده يبقى عايزه كسر رقبتها."
أغلق جواد عينيه لحظة يحاول السيطرة على غضبه، ثم قال من بين أسنانه:
"اول وآخر مره تعمليها، انك تمدي ايدك عليها، وحياتنا واللي بيحصل فيها متخصش أي حد فيكم، ولا مسموح لاي حد أن يدخل فيها فاهمين؟"
بمجرد أن أنهى جواد كلماته الغاضبة أمام الجميع، أمسك يد جواهر بقوة خفيفة لكنها حاسمة، وكأنه يخشى أن تهرب منه مرة أخرى. لم يمنحها فرصة للاعتراض أو التراجع، بل أخذها معه خارج الصالون مباشرة متجهًا إلى الحديقة.
توقف جواد أخيرًا عندما ابتعدا بما يكفي عن أعين الجميع.
استدار نحوها ببطء، وعيناه مليئتان بالقلق والندم.
رفع يده بحذر، وكوب وجهها بين كفيه برفق شديد، وكأنها شيء هش قد ينكسر من أقل لمسة.
نظر إلى عينيها الغارقتين بالدموع وتكلم بأسف:
"متزعليش مني يا جواهر، أنا عارف ان كل اللي بيحصل ده بسببي أنا، بس مكنتش اقصد كل ده، أنا بحبك وكنت عايز اعملك مفاجئة، عايزك تبقى مراتي وبتاعتي أنا رسمي، عارف انك لسه زعلانه مني، بس وحياة اغلى حاجه عندي واللي هو انتي، أنا مبحبش حد غيرك ولا عمري افكر ألمس واحده غيرك، صدقيني والله العظيم."
كانت جواهر تبكي بصمت للحظات، كتفاها يرتجفان من أثر البكاء، ثم خرج صوتها أخيرًا بين شهقاتها المتقطعة:
"انت كداب يا جواد، انا شفتك بعيوني، ازاي عايزني اصدقك، واكدب عيوني؟"
اقترب منها أكثر حتى كادت المسافة بينهما تختفي تمامًا، وانخفض صوته ليصبح هامسًا دافئًا يحمل إصرارًا عميقًا:
"صدقي قلبك ومتصدقيش عيونك يا جواهر، أنا متأكد أن قلبك بيصرخ بحبي ومتأكد من حبي ليكي، انسي يا عمري اللي راح وعمري اللي جاي تعالي نكتب كتابنا، واسمك يتكتب على اسمي، ونعلن للعالم كله، أن جواهر لجواد مهما حصل."
أغمضت جواهر عينيها بقوة، وكأنها تحاول الهروب من كل تلك المشاعر التي تضغط على قلبها.
تنهدت بوجع واضح وقالت بصوت مكسور:
"ما هي دي مشكلتي يا جواد قلبي مش قادر يكرهك، بس برضه مش قادر ينسى منظرك وانت مع واحده غيري."
شعر جواد وكأن كلماتها سكين غرس في صدره.
اقترب أكثر، ثم مال قليلًا وقبل عينيها المبللتين بالدموع ببطء شديد، وكأنه يحاول أن يمحو وجعها بتلك القبلة.
ثم قال بصوت ممتلئ بالأسف والحب:
"أنا اسف، دموعك غاليين اوي عليا، سامحيني، وحياة حبنا لتسامحيني، يا قدر قلبي الحلو."
فتحت جواهر عينيها أخيرًا.
كانت عيناهما متقابلتين، وعيناها محمرتان من كثرة البكاء.
تكلمت بصعوبة واضحة:
"أنا مش هقدر اسامحك بسهولة كده يا جواد، بس ماشي هوافق على كتب الكتاب، وده اخرك معايا ماشي؟"
ابتسم جواد ابتسامة عاشقة صادقة، تلك الابتسامة التي تظهر كلما رأى عنادها الطفولي الذي يحبه.
وقال بهدوء:
"ماشي."
رمقته جواهر بنظرة ضيق أخيرة، ثم استدارت بسرعة متجهة نحو الفيلا، تاركة إياه خلفها في الحديقة.
وقف جواد مكانه للحظة يراقبها وهي تبتعد.
ثم هز رأسه بابتسامة خفيفة، وكأن قلبه أخيرًا هدأ بعد تلك العاصفة.
تحرك بعدها بسرعة نحو الداخل.
بمجرد أن دخل الصالون، التقت عيناه بعيني غريب.
أومأ له برأسه إشارة مطمئنة أنه لم يخبر جواهر بأي شيء، وأن الأمور تحت السيطرة.
فهم غريب الرسالة فورًا، فاكتفى بإيماءة صغيرة.
جلس جواد بجوار المأذون، بينما جلس تامر في الجهة الأخرى.
مد كل منهما يده نحو الآخر، ووضعا أيديهما معًا وفق ما طلبه المأذون، وبدأ الاثنان يرددان الكلمات التي يمليها عليهم.
كان الجو في الصالون مشحونًا بالتوتر والترقب، لكن بعد دقائق قليلة انتهى كل شيء.
اقتربت جواهر ببطء.
كانت خطواتها ثقيلة وكأنها تجبر نفسها على السير.
وعندما وصلت إلى الأوراق، أمسكت القلم بيد مرتعشة ووقعت اسمها.
بمجرد أن انتهت، تعالت التهاني في المكان، وبدأ الجميع يباركون لهما بسعادة.
تقدمت سمية نحو جواهر ببطء.
كانت ملامح الندم واضحة جدًا على وجهها، وعيناها ممتلئتان بالدموع.
وقفت أمامها لحظة، ثم احتضنتها بقوة وقالت:
"متزعليش مني يا نور عيوني، تتقطع أيدي اللي مدتها عليكي."
هزت جواهر رأسها بسرعة وهي تبكي وقالت:
"بعد الشر عليكي يا ماما متقوليش كده تاني، أنا عمري ما أزعل منك مهما عملتي فيا."
ابتعدت سمية قليلًا، ومسحت دموع ابنتها بيدها بحنان وقالت بسعادة:
"مبروك يا قلب امك ربنا يسعدك يارب يا حبيبتي."
ابتسمت جواهر ابتسامة صغيرة بين دموعها وقالت:
"الله يبارك فيكي يا أمي."
بعد لحظات، اقتربت رنيم منها بملامح متجهمة قليلًا وقالت:
"مبروك."
ابتسمت جواهر رغمًا عنها وقالت:
"الله يبارك فيكي يا بنت خالي."
لكن رنيم لم ترد الابتسامة.
بل ألقت نظرة مليئة بالكره نحو ترنيم وجواد، ثم استدارت وغادرت المكان سريعًا متجهة نحو الحديقة الداخلية للفيلا.
بعد قليل، اقترب جواد من جواهر.
كان ينظر إليها بعينين مليئتين بالحب وعدم التصديق، وكأنه ما زال غير قادر على استيعاب ما حدث.
قال بصوت دافئ:
"انتي بجد بقيتي مراتي، اسمك بقى على اسمي؟ أنا مش مصدق نفسي، حاسس اني بحلم، مبروك يا أجمل زوجه فى الدنيا."
اقترب منها أكثر، ثم احتضنها بقوة شديدة.
احتضان بدا وكأنه إعلان صامت للعالم كله أن هذه المرأة أصبحت زوجته.
لكن جواهر لم تتحرك.
ظل ذراعاها ساكنين بجانبها، لم تبادله العناق، لم تقترب، ولم ترد عليه، فقط دموعها كانت تسقط بصمت.
بعد لحظة، شعر جواد بذلك، فابتعد قليلًا.
رفع يديه واحتضن وجهها بين كفيه، ونظر إليها بأسف شديد وقال:
"أنا آسف، ارجوكي يا جواهر بلاش دموعك دي."
أغلقت جواهر عينيها بألم واضح وقالت بصوت مختنق:
"ارجوك يا جواد ابعد عني اديني وقتي اللي أعالج فيه جرحك ليا، بلاش تضغط عليا أن أرجع معاك زي زمان، سيبها لزمن وهو كفيل يداوي جرحي."
هز جواد رأسه رافضًا وقال بإصرار هادئ:
"مش الزمن اللي هيداوي جرحك يا جواهر، أنا اللي هداويه زي ما كنت السبب فيه."
ثم مال بجسده قليلًا، وقبل رأسها بحب واعتذار صادق.
وبعدها تراجع خطوتين إلى الخلف، تاركًا لها المساحة التي طلبتها، رغم أن قلبه كان يتمنى أن يضمها إليه مرة أخرى.
**************************
بينما كان الجميع في الداخل منشغلين بالتهاني والحديث، كانت أروى تقف بالقرب من باب الفيلا الزجاجي.
نظرت إلى الداخل لحظة، ثم خرجت بخطوات هادئة إلى الحديقة الأمامية.
كان الهواء المسائي لطيفًا، يحمل معه برودة خفيفة جعلتها تضم ذراعيها حول نفسها قليلًا.
لكن البرودة لم تكن سبب ارتجافها الحقيقي، بل قلبها.
وقفت بالقرب من إحدى الأشجار المزينة بالأضواء الصغيرة، تحاول أن تبدو هادئة، لكنها في الحقيقة كانت تنتظر.
كانت دقات قلبها تتسارع كلما تخيلت تلك اللحظة، تخيلت ملامحه الرجولية، طريقته الواثقة في المشي، نظرته الهادئة التي دائمًا تربكها.
أغمضت عينيها للحظة وهي تتخيل ظهوره أمامها، ولم تمضي سوى ثواني قليلة.
حتى سمعت صوت خطوات خلفها.
فتحت عينيها بسرعة، واستدارت.
ليكون أحمد بالفعل واقفًا أمامها تمامًا كما تخيلته.
تجمدت لثانية من المفاجأة، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة وهي تقول:
"ا احمد! فيه حاجه ولا ايه؟"
ابتسم أحمد ابتسامة جانبية خفيفة، تلك الابتسامة التي تكشف أنه فهم كل شيء منذ البداية.
كان قد لاحظ نظرتها له في الداخل، تلك النظرة التي لم تكن مجرد صدفة، بل دعوة صامتة أن يتبعها.
وهو لم يتردد لحظة.
وضع يده داخل جيب بنطاله وقال بمزاح خفيف:
"ولا حاجه، بس فيه عيون شقيه بصت ليا بتندهني اجي وراها وانا نفذت ندأها وجيت ليها."
احمر وجه أروى قليلًا، وارتبكت وهي تحاول التهرب من كلامه.
ابتسمت بتوتر وقالت:
"ها، ا انا مكنتش اقصد حاجه على فكرة."
هز أحمد رأسه بالنفي وهو يكمل مزاحه:
"بس انا مقولتش انتي اللي عملتي كده."
اتسعت عينا أروى فورًا، وتحولت ملامحها في لحظة من خجل إلى شيء أقرب إلى قطة صغيرة مستفزة.
عقدت حاجبيها وقالت بغيرة واضحة:
"نعم!! ومين دي اللي تقصدها أن شاءالله."
انفجر أحمد بالضحك على رد فعلها السريع.
ثم نظر حوله قليلًا حتى لا يسمعهم أحد وقال بسرعة:
"أهدي يا مجنونه صوتك عالي، أنا بهزر معاكي، هو فيه غيرك اصلا اللي ندت عليا بعيونها الشقه دي؟"
هدأت ملامحها فورًا، وكأن كلمة واحدة منه أعادت قلبها لمكانه.
ابتسمت له بخجل لطيف وقالت:
"ايوه كده أتعدل."
ظل أحمد يضحك قليلًا على كلماتها وطريقتها الطفولية، ثم هدأت ضحكته تدريجيًا.
نظر إليها بنظرة مختلفة هذه المرة، نظرة أعمق وأكثر جدية.
ثم قال بنبرة هادئة:
"عايز عقلك ده يكبر شويه يا أروى، لأن أنا براعي ربنا قبل أي حاجه، ومدام اخترتك انتي علشان تبقى مراتي وام عيالي، مستحيل عيوني تشوف غيرك، حتى لو فى يوم شوفتي ده بعينك مش عايزك تصدقي وتثقي فيا، ثقه عمياء، فهمتي يا حبيبتي."
تجمدت أروى مكانها.
كلمة واحدة فقط هي التي علقت في أذنها من كل كلامه.
رفعت عينيها نحوه بصدمة واضحة وقالت بخجل:
"حبيبتي!"
أومأ أحمد برأسه بثقة، وابتسم تلك الابتسامة الرجولية التي جعلت قلبها يقفز في صدرها.
وقال بهدوء:
"ايوه حبيبتي، عندك شك فى كده؟"
ابتسمت له أروى بحب واضح، ثم هزت رأسها بسرعة بالنفي وقالت بتلعثم خفيف:
"ل لا معنديش شك، بس اتفاجأت بيها لانك قلتيلي مش هتقولها ليا دلوقتي."
نظر إليها أحمد بنظرة دافئة مليئة بالمودة وقال:
"أنا قلت أننا هنبقى أصحاب لحد ما يكون فيه ما بينا حاجه رسمي بس مقولتش اني مش هحبك، لانك شقاوتك وجنانك يطيروا عقل اتخن تخين."
شعرت أروى أن قلبها بدأ يدق بسرعة أكبر من اللازم.
ارتبكت، وازداد احمرار وجهها.
لم تجد أي رد تقوله، فاكتفت بابتسامة خجولة صغيرة.
ثم فجأة، استدارت وركضت بسرعة نحو داخل الفيلا دون أن تنطق بكلمة واحدة.
وقف أحمد مكانه للحظة يراقبها وهي تهرب منه بتلك الطريقة الطفولية.
ابتسم ابتسامة عاشقة حقيقية، ثم هز رأسه قليلًا بسبب شقاوتها التي أصبحت بالفعل شيئًا يحبه في شخصيتها.
تنهد بهدوء، ثم استدار وعاد مرة أخرى إلى داخل الفيلا.
*************************
كانت رنيم قد خرجت إلى الحديقة منذ دقائق قليلة.
لم تستطع البقاء داخل الصالون أكثر من ذلك، فكل ما حدث في الداخل كان يضغط على أعصابها بشدة.
الضحكات، التهاني، نظرات الرضا على وجوه الجميع، كل ذلك كان يشعل داخلها غضبًا مكتومًا.
وقفت في زاوية بعيدة من الحديقة، تحاول أن تستنشق بعض الهواء البارد عله يخفف من احتقان صدرها.
ضمت ذراعيها حول نفسها قليلًا، ورفعت رأسها نحو السماء وهي تزفر بضيق.
لكن سكون الحديقة لم يدم طويلًا.
فجأة وصل إلى أذنها صوت خافت، صوت حديث قادم من الجهة الأخرى.
عقدت حاجبيها قليلًا، ثم تحركت بخطوات حذرة حتى لا يلاحظها أحد.
اختبأت خلف إحدى الأشجار الكبيرة، وأمالت رأسها قليلًا حتى ترى من يقف هناك.
لتتفاجأ بـ أروى وأحمد.
توقفت لحظة تستمع لما يدور بينهما،
كانت نبرات صوتهما هادئة، مليئة بالمزاح والاهتمام.
تابعت الحوار بينهما حتى نهايته، وعندما رأت أروى تهرب بخجل وتعود إلى الداخل، ارتسمت على شفتي رنيم ابتسامة ساخرة باردة.
أخرجت زفرة ساخطة من صدرها، ثم تمتمت بتهكم واضح:
"كل اتنين عايشين دور الحبيبه لحد ما يفؤقوا على كابوس، حتى العيله ام شخه اللي لسه مطلعتش من البيضه، بتحب وبتتحب."
هزت رأسها بازدراء وهي تستعد للخروج من خلف الشجرة، لكنها لم تتحرك سوى خطوة واحدة فقط.
وفجأة، شعرت بيد قوية تطبق على فمها من الخلف.
اتسعت عيناها بصدمة حادة قبل أن تتمكن حتى من الصراخ.
في اللحظة التالية، كانت تلك اليد تسحبها بعيدًا بسرعة بين الأشجار، إلى مكان أكثر ظلامًا وبعيدًا عن أضواء الفيلا وضجيجها.
بدأ قلبها يدق بجنون.
حاولت أن تقاوم، أن تبعد تلك اليد عن فمها، أن تضرب صاحبها بمرفقيها، لكنها لم تستطع.
كانت اليد التي تمسك بها قوية جدًا، وتتحكم بحركتها بإحكام.
ظلت تتلوى وتحاول الإفلات، حتى أخيرًا.
أبعد تلك اليد عن فمها.
وقبل أن تتمكن من الالتفات إليه أو الصراخ، وصل إلى أذنها صوته.
صوت خافت، لكنه مألوف بشكل غريب.
قال بهمس قريب من أذنها:
"وحشتيني."
تجمدت رنيم مكانها للحظة.
ثم استدارت بسرعة حادة، وعيناها متسعتان من الصدمة.
نظرت إلى صاحب الصوت وقالت بذهول:
"انت!"
ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة التي تعرفها جيدًا، الابتسامة نفسها التي لم تتغير رغم مرور الوقت.
وقال بهدوء ساخر:
"وحشتي أخوكي يا بت."
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل العاشر 10 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل العاشر
وقفت رنيم أمامه للحظات دون أن تنطق بكلمة.
كانت تنظر إليه بنظرة تجمع بين الغضب والضيق والدهشة في آنٍ واحد.
لم يكن مجرد ظهور مفاجئ، بل عودة ذكرى كاملة كانت قد دفنتها بداخلها منذ سنوات.
عاد بها الزمن للحظة الأولى التي رأته فيها.
يومها كان قد جاء إليها بعد أعوام طويلة من فقدان والديها.
لم تتعرف عليه في البداية، كان غريبًا عنها تمامًا، رجل يقف أمامها ويخبرها أنه شقيقها.
أخوها من والدتها، ومن زواجها السابق.
تذكرت جيدًا تلك اللحظة.
كيف شعرت وقتها بسعادة غريبة، كأن قطعة مفقودة من حياتها عادت فجأة.
حينها احتضنته بقوة دون تفكير، لأنها شعرت أن رائحة أمها ما زالت عالقة فيه، كأن وجوده يعيد لها شيئًا من حضن أمها الذي فقدته.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح جزءًا من أيامها.
ظلا معًا عدة شهور، يتقابلان سرًا دون أن يعرف أحد بوجوده، بناءً على طلبه هو.
لم تسأله كثيرًا وقتها، كانت فقط سعيدة لأنها لم تعد وحيدة.
لكن تلك السعادة لم تدم.
في يوم ما، جاء إليها وأخبرها أنه سيغادر البلاد، وسيعود من حيث أتى.
تذكرت جيدًا كيف ترجته وقتها أن يبقى، كيف تمسكت به وكأنها تخشى أن تفقده كما فقدت أمها، لكنه رفض.
وعدها فقط أنه سيعود قريبًا، وأن هذا الغياب لن يطول، لكن الأيام مرت، ثم الشهور، ثم السنوات، ولم يعد.
عاد الآن فقط، بعد كل ذلك.
هزت رنيم رأسها بغضب، ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالوجع وقالت بصوت مختنق:
"ايه رجعك تاني يا زين؟ مش انت اخترت البعد، اخترت تسيبني لوحدي وتمشي؟ بعد ما صدقت لاقيت حد من ريحة ماما، ليه ظهرت فى حياتي، لما كنت ناوي تمشي تاني؟ كنت محتاجك اوي فى أصعب أوقاتي، امشي وانسى أن ليك اخت من اساسه."
هز زين رأسه نافيًا، وكأن كلماتها أصابته بشيء من الذنب، ثم قال محاولًا التوضيح:
"يا رنيم افهميني، أنا لما جيت هنا علشان كان نفسي اشوف اختي واتعرف عليها، بس كان لازم ارجع تاني شركاتي كلها بره، ومكانش هينفع فى يوم وليلة انقل كل حاجه لمصر، ولما سافرت كانت الحالة الصحيه لبابا خطر فضلت جنبه كل حاجه كانت فوق كتافي أنا، ولما مات كنت ناوي ارجع، بس تدهورت حال الشركات بتاعتنا ووقعت فى مأزق مالي، وطول السنين دي كنت بحاول ارجع اقف على رجلي من تاني."
نظرت إليه رنيم بحزن واضح وسألته بهدوء:
"ووقفت؟"
أومأ زين برأسه وقال:
"يعني أحسن من الاول."
ابتسمت رنيم ابتسامة موجوعة، وقالت بنبرة يختلط فيها العتاب بالخذلان:
"للاسف يا زين الشركه والفلوس عندك اهم من اختك، لأنك لو كنت حبتني بجد، كنت حتى سألت عليا بمكالمة تليفون."
مرر زين يده في شعره بتوتر خفيف، ثم قال بإحراج:
"ما أنا الصراحه خفت اتصل بيكي تكوني مع حد هنا ويعرف بوجودي."
عقدت رنيم حاجبيها باستغراب وسألته:
"انت ليه مش عايز يحد يعرف بوجودك؟ زين انت فيه حاجة مداريها عليا؟"
ابتسم زين ابتسامة متوترة قليلًا وقال:
"لا طبعا يا حبيبتي هخبي عليكي ايه؟ كل الحكايه مش عايز حد يعرف أن ليكي اخ من امك، ويخدوا موقف منك، لأن دول أهل أبوكي، وهتيقى تقيله عليهم ظهوري دلوقتي."
لكن رنيم لم تبد مقتنعة، هزت رأسها ببطء وقالت:
"مش مقتنعه، بكلامك ده يا زين."
حاول زين الحفاظ على ابتسامته وقال:
"وانا هكدب عليكي ليه بس يا حبيبتي؟"
نظرت إليه بضيق وقالت:
"مش عارفه يا زين، مش عارفه، المهم ناوي خلاص تستقر فى مصر ولا هتسافر تاني؟"
اقترب منها زين خطوة، ثم أحاط كتفيها بذراعه وكأنه يحاول إنهاء الحديث، وقال بابتسامة تخفي خلفها الكثير:
"سيبك من كل الكلام ده دلوقتي، طمنيني عرفتي تنتقمي من الوليه اللي كانت سبب في موت ماما؟"
تنهدت رنيم بضيق وقالت بصوت مختنق:
"انتقم!! أنا مش مجرمة يا زين، أنا اه بكرهه وبتمنى اشوفها بتولع قصادي، بس مش لدرجة اعمل ده بأيدي."
لكن ملامح زين تغيرت فجأة.
ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة تحمل شيئًا من الشر وهو يقول:
"مش هي دي السبب فى عذاب امك؟ هي السبب في موتها؟ ودلوقتي عايشه حياتها عادي بتاكل وبتشرب وبتنام وبتفرح عادي، ولا هاممها اللي حصل فى امك، الوليه دي لازم تدفع التمن وبعد كده تموت."
اتسعت عينا رنيم بصدمة وهي تهز رأسها برفض وقالت:
"ايه اللي انت بتقوله ده يا زين؟ مستحيل اعمل كده، أنا مش مجرمة."
تنهد زين بحزن بدا مصطنعًا وقال:
"كنت مفكر أن موت امي مأثر فيكي زي ما مأثر فيا، بس شكلك العيشه معاها فى نفس المكان، نستك عذاب امك وفراقها بالطريقة الموجعه دي."
ارتجفت ملامح رنيم.
تجمعت الدموع في عينيها لكنها رفضت أن تنزل، وقالت بصوت مليء بالألم:
"أنا عمري ما نسيت ماما يا زين، لحظة موتها شريط مستمر داخل راسي بشوفه فى اليوم مليون مرة، وفى كل مرة قلبي بينزف من الوجع عليها، دموعها كل ما افتكرها قلبي بيتقسم نصين، ولما بشوف اللي اسمها ترنيم دي شريط حياتي كلها بيمر قصاد عينيا، أنا فى قلبي مافيش غير الكره والحقد لست دي، بس موضوع الدم ده مش سكتي يا زين أنا مقدرش أذي انسان زي زيه، مقدرش."
في تلك اللحظة، أدخل زين يده داخل جيب سترته، وأخرج شيئًا معدنيًا لامعًا.
رفعه قليلًا أمامها وقال بنبرة توعد باردة:
"شايفه ده؟ كل رصاصه فيه عارفه طريقها فى جسم اللي اسمها ترنيم، بس فى الوقت المناسب، وانتي خليكي بس تقولي كلام واشعار لكن ساعة الجد جبانه."
ثم أنهى كلامه، ألقى عليها نظرة طويلة، نظرة غامضة يصعب تفسيرها، ثم استدار وغادر المكان دون كلمة أخرى.
بقيت رنيم واقفة مكانها.
عيناها معلقتان بالمكان الذي اختفى فيه زين.
كانت الصدمة واضحة على وجهها، وقلبها يدق بعنف من أثر ما قاله.
هزت رأسها ببطء رافضة كلماته، كأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها.
ثم أخذت نفسًا عميقًا، واستدارت أخيرًا عائدة إلى داخل الفيلا.
***************************
في صباح يوم جديد…
استيقظت جواهر من نومها ببطء، وكأنها تخرج من حلم طويل، إحساس غريب بالهدوء يلف قلبها، هدوء غير معتاد، كأن هذا الصباح يحمل شيئًا مختلفًا.
ظلت للحظات مستلقية على ظهرها، تحدق في السقف بعينين نصف ناعستين، ثم تنهدت ببطء وهي ترفع يدها أمام عينيها.
توقفت أنفاسها قليلًا، الخاتم كان يلمع في إصبعها تحت ضوء الشمس، يرسل بريقًا صغيرًا لكنه كافي ليوقظ في داخلها ألف إحساس دفعة واحدة.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، ابتسامة دافئة لم تستطع منعها.
نعم، ما زالت غاضبة منه.
غاضبة جدًا، لكن رغم ذلك، ما زالت غير مصدقة.
لقد أصبحت زوجته.
زوجة جواد.
الفكرة نفسها كانت تجعل قلبها يخفق بطريقة مختلفة، كأن حلمًا قديمًا جدًا، حلمًا خبأته في قلبها منذ نعومة أظافرها، قد خرج أخيرًا إلى النور.
مرت أصابعها برفق فوق الخاتم، وكأنها تتحسس الحقيقة بيديها.
ثم بحركة تلقائية خرجت من قلبها دون تفكير، رفعت يدها قليلًا وقربتها من شفتيها.
وضعت قبلة خفيفة على الخاتم.
قبلة رقيقة، خجولة، كأنها ترسلها إلى جواد نفسه.
تنهدت بسعادة صغيرة، أغمضت عينيها لحظة وهي تشعر بدفء غريب يسري في صدرها، لكن تلك اللحظة الهادئة لم تدم طويلًا.
فجأة أعلن هاتفها الموضوع بجانبها عن وجود اتصال.
فتحت عينيها ببطء، ومدت يدها تلتقط الهاتف، وقبل أن تنظر إلى الشاشة كانت تعلم جيدًا من صاحب هذا الاتصال.
وبالفعل، جواد.
اختفت الابتسامة من على شفتيها فورًا، وتبدلت إلى ملامح ضيق مصطنع.
كأنها تذكر نفسها عمدًا بأنها ما زالت غاضبة منه.
أجابت على الاتصال بصوت مختنق قليلًا وقالت ببرود:
"نعم؟"
لم يمر سوى ثانية حتى أتاها صوته، ذلك الصوت الذي يحمل دائمًا نبرة خاصة تلامس قلبها رغمًا عنها.
قال بخفة واضحة:
"صباح الورد والفل والياسمين على أجمل زوجه فى الدنيا."
تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغم إرادتها، لكنها سرعان ما أخفتها وهي تعتدل قليلًا في جلستها على السرير.
تكلمت بصوت غاضب متعمد:
"عايز ايه يا جواد، بلاش تعيش جو الزوج والزوجه والكلام الرومانسي الاڤور علشان ده مش لايق عليك، وبيضيقني منك اكتر."
وصلها عبر الهاتف صوت زفرة واضحة خرجت منه، وكأن كلماتها أصابته فعلًا.
فابتسمت ابتسامة صغيرة مليئة بالانتصار.
نجحت في تضييقه منذ الصباح.
لكن بعد لحظة جاءها صوته مرة أخرى، هذه المرة كان يحاول أن يبدو هادئًا، وكأنه يبتلع غضبه بصعوبة.
قال:
"أنا عارف انك بتحاولي تضايقني على الصبح يا جواهر، ومتأكد أن فيه ضحكه شريرة دلوقتي على وشك بس انا برضه مش هفرط فيكي مهما عملتي، انتي تربيتي أنا يا جواهر، وحفظك اكتر من نفسك، علشان كده متحاوليش علشان انا بحبك ومستعد اعمل أي حاجه فى سبيل انك ترجعي معايا زي الاول وتنسي اللي فات."
صمتت جواهر، لم ترد فورًا.
كلماته لامست قلبها من الداخل رغمًا عنها، فهو، رغم عصبيته وغضبه الدائم، كان دائمًا حنونًا معها بطريقة لا يستطيع أحد إنكارها.
كانت متأكدة من حبه، متأكدة جدًا.
لكن، غريزتها كأنثى، وجرحها الذي لم يلتئم بعد، جعلاها ترفض الاستسلام بسهولة.
ابتلعت تلك المشاعر وردت بصوت غاضب:
"وانت برضه الشويتين دول مش هيأثروا فيا يا جواد، علشان كل مرة بسمع فيها الكلام ده بفتكر شكلك وانت مع البنت دي وبقرف منك، واللي انت عملته ده هيفضل نقطة سودا فى حياتك."
وبالفعل، أخيرًا استطاعت أن تصل لما تريده.
فقد سمعت عبر الهاتف تنهيدة غاضبة، ثم جاءها صوته هذه المرة مرتفعًا قليلًا:
"جواهرررر بلاش تعصبيني، قلتلك أن اللي شوفتيه ده مش زي ما انتي مفكرة، اصبري عليا وهقولك الحقيقه كلها فى وقتها."
ثم سكت لحظة، كأنه يحاول أن يهدئ نفسه، قبل أن يتكلم مرة أخرى بنبرة أهدأ، لكن اللوم فيها كان واضحًا:
"أنتي كده فرحانه علشان قدرتي تعصبيني فى الاخر صح؟ ماشي يا جواهر اجهزي يلا علشان شوية وهاجي اخدك اوصلك الشركة."
عقدت جواهر حاجبيها قليلًا، وردت بسرعة:
"لا شكرا أنا معايا عربيتي، هروح لوحدي."
لكنها فجأة انتفضت في مكانها عندما جاءها صوته الجهوري عبر الهاتف، حادًا وقاطعًا:
"جووواهر، اهدي بقى كفايه كده، انتي مراتي والكلمة اللي اقولها تتسمع فاهمه."
ثم، أغلق الخط.
قبل أن يمنحها حتى فرصة للرد.
ظلت جواهر تحدق في الهاتف للحظات، وقلبها ينبض بقوة داخل صدرها.
الكلمة التي قالها قبل أن يغلق،
"انتي مراتي."
ترددت داخل رأسها، ثم داخل قلبها.
وفجأة، دون أن تشعر، ارتسمت ابتسامة جميلة على وجهها.
ابتسامة ناعمة صادقة هذه المرة.
تنهدت بسعادة، وهي تعيد الكلمة في داخلها، "مراته."
اعتدلت في جلستها على السرير، وأنزلت قدميها على الأرض، لكنها قبل أن تتحرك، وصلتها رسالة على الهاتف.
أمسكته سريعًا، وهي تظن أن جواد هو من أرسلها.
لكن، ما إن نظرت إلى الشاشة حتى اتسعت عيناها بصدمة.
الرسالة كانت تقول:
"صباح الخير يا انسه جواهر، اتمنى انك بخير، كنت حابب اطمن عليكي، بس محبتش اتصل بيكي علشان الازعاج ولا أن اسبب ليكي مشكلة مع خطيبك زي المرة اللي فاتت، اعتقد كده عرفتي أنا مين أنا وحيد الاباصيري."
تجمدت للحظة.
وحيد الأباصيري، اسم لم تكن تتوقع أن تراه على هاتفها.
تحركت أصابعها على الشاشة بسرعة وهي تكتب باستغراب واضح:
"انت جبت رقمي منين؟"
انتظرت ثواني قليلة، وكانت ترى على الشاشة أنه يكتب.
ثم ظهرت رسالته:
"جبته بطريقتي بقى، واسف على الازعاج بس صدقيني أنا عملت كده من قلقي عليكي."
زفرت جواهر بضيق.
بدأ التوتر يتسلل إلى صدرها ببطء.
فهي تعرف جواد جيدًا، تعرف غيرته التي قد تتحول في لحظة إلى عاصفة.
لو علم أن رجلًا آخر يتحدث معها على هاتفها الخاص، لن يهدأ.
قد يحرق العالم كله، وقد يدمرها هي أيضًا في غضبه.
ظهرت أمامها علامة أنه يكتب مرة أخرى، ثم وصلت رسالة جديدة:
"انسه جواهر حضرتك لسه موجودة؟ انتي شفتي رسالتي ومردتيش عليا ليه، زعلتي مني علشان جبت رقمك وكلمتك؟"
أغلقت عينيها لحظة، وكأنها تحاول أن تجمع أفكارها.
ثم فتحتها، وتحركت أصابعها بسرعة على الشاشة وهي تكتب:
"مزعلتش ولا حاجه، بس ارجوك بلاش تكلمني تاني، جواد جوزي لو عرف أننا اتكلمنا على التليفون مش بعيد يقتلني ويقتلك، امسح رقمي ومتكلمنيش تاني بليز."
ظهرت علامة أنه يكتب.
ثم جاءت رسالته:
"جوزك! هو مش كان خطيبك؟"
ردت عليه بسرعة، وكأنها تريد إنهاء الأمر فورًا:
"امبارح كان كتب كتابنا، بترجاك كفايه لحد كده وامسح رقمي من عندك، وانا همسح المحادثه دي علشان جواد ميشفهاش."
ضغطت على إرسال.
ثم دون تردد ضغطت على خيار حظر الرقم.
وبعدها حذفت المحادثة بالكامل.
ألقت الهاتف على السرير بضيق، ونهضت سريعًا، كأنها تريد أن تنهي هذا التوتر قبل أن يكبر أكثر.
ثم اتجهت نحو المرحاض، لتستعد ليوم جديد.
**************************
بالفيلا الخاصة بغريب…
على السرير الواسع، كانت ترنيم مستلقية بعمق نومها، ملامحها هادئة وناعمة، وكأنها لم تحمل يومًا همًا أو تعبًا.
لكنها لم تكن وحدها.
كان غريب يجلس بجوارها منذ وقت، متكئًا قليلًا على الوسادة، ينظر إليها بنظرة طويلة، نظرة مليئة بشيء لا يمكن إخفاؤه، عشق خالص.
لم يكن ينظر فقط، بل كأنه يتأمل كل تفصيلة فيها، خطوط وجهها، خصلات شعرها المتناثرة حول الوسادة، هدوء أنفاسها المنتظمة.
مرت سنوات طويلة منذ أن دخلت حياته، سنوات مليئة بالمواقف والذكريات، لكن رغم ذلك، ما زال قلبه يخفق لها بنفس الطريقة، ربما أكثر.
تنهد بهدوء، وكأنه لا يصدق أن كل ذلك حقيقي، أنها ما زالت هنا، بجانبه.
في تلك اللحظة بدأت ترنيم تتحرك قليلًا، ثم فتحت عينيها ببطء، وكأنها تحاول أن تستوعب ضوء الصباح.
وقعت عيناها عليه مباشرة.
كان ينظر لها، بنفس تلك النظرة.
اعتدلت قليلًا وهي تنظر له باستغراب وقالت:
"غريب! صحيت امتى؟ ومالك بتبصلي كده ليه؟"
ابتسم ابتسامة هادئة، ثم مد يده يمررها برفق على وجهها، كأنه يخشى أن يوقظها تمامًا من ذلك الهدوء.
ثم انحنى قليلًا وقبل رأسها بحب وهو يقول بصوت دافئ:
"أنا لحد دلوقتي مش قادر اصدق انك معايا وجنبي، ام ولادي، كبرنا مع بعض وهنجوزهم واحنا مع بعض، شاركتيني حياتي، وجملتيها بضحكتك الحلوة."
تسللت ابتسامة دافئة إلى شفتي ترنيم، ابتسامة مليئة بالحب الصادق.
مدت يدها تمسك بيده، ثم رفعتها إلى شفتيها وقبلتها بحنو وهي تقول:
"انت جميل اوي يا غريب، طيبتك خطفت قلبي، حنيتك احتويتني، أنا محظوظة فعلا، أن ربنا بعتك ليا، ورزقني منك بأجمل ولاد فى الدنيا."
لينت ملامح غريب أكثر، واقترب منها قليلًا قبل أن يميل برأسه ويضع قبلة قصيرة على شفتيها.
ثم نظر لها بنظرة مشاكسة وقال:
"تعرفي انك كل ما تكبري بتزيدي حلاوة، محدش يصدق ابدا انك أم الشحط اللي فى اوضه ده، انتي اخرك يقولوا انك أخته الصغيرة."
انفجرت ترنيم بالضحك، ضحكة صافية ملأت الغرفة دفئًا.
وقالت وهي تهز رأسها:
"يا راجل يا بكاش، وبالنسبه أن كلها شهور واكون جده دي ايه؟ بس عارف، أنا جميله علشان عيونك الحلوين دول هما اللي شيفني كده، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك ابدا يارب."
اقترب منها غريب أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما تكاد تختفي، ثم قال بصوت هامس مليء بالشوق:
"وحشتيني يا توتا."
فهمت مقصده فورًا.
وضعت يدها على صدره وأبعدته عنها برفق وهي تبتسم وتقول:
"اهدا يا غروبتي، مش كده يا حبيبي، الولاد زمانهم صحوا وعايزين يفطروا."
عبس قليلًا بتذمر طفولي وقال:
"يا سلام يعني هما اهم مني عندك؟"
ضحكت مرة أخرى وقالت بمزاح وهي تنهض قليلًا:
"ازاي بس، ده انا عندي تلت اطفال مش اتنين، وبعدين يا روح قلبي، لما ابنك بطوله ده يخبط علينا ولا يسألنا اتأخرتوا ليه أقوله ايه؟"
اقترب منها أكثر بعناد، وقال بجرأة واضحة:
"قوليلوا ابوك كان بيعمل معايا الواجب."
أنهى كلمته وقبلها مرة أخرى بحب.
لكن قبل أن ترد، سمع الاثنان صوت طرقات على الباب.
ثم جاء صوت جواد من الخارج وهو يقول بمزاح بصوت مرتفع:
"الفطار يا حااااجة هنتأخر، وزوقي الحاج اللي جنبك وقوليلوا بلاش شقاوة على الصبح فيه مصالح ورانا."
ثم ابتعد صوته وهو يهبط إلى الأسفل.
اتسعت عينا ترنيم بصدمة، ووضعت يدها على جبينها بضيق وهي تقول:
"عجبك كده، قلتلك بلاش، ابص فى وشه ازاي دلوقتي؟"
رفع غريب أحد حاجبيه للأعلى ونظر لها بتهكم واضح:
"نعم يا اختي! أنا جوزك علشان لو ناسيه ولا حاجه."
نهضت من السرير بضيق وهي تقول بتذمر:
"اللي يشوف افعالك دي يقول أنك بتصغر مش بتكبر."
ثم اتجهت نحو المرحاض بخطوات سريعة.
ظل غريب ينظر إلى أثرها للحظات، قبل أن يزفر بضيق ويتمتم من بين أسنانه:
"يا ابن الكلب يا جواد، ليك يوم، وهردها ليك فى وقتها."
ثم نهض من على الفراش وبدأ يبدل ملابسه استعدادًا للنزول.
وبعد وقت…
هبط الاثنان سويًا إلى الأسفل.
وما إن رآهما جواد حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة مليئة بالمزاح، وقال بنبرة مرحة:
"صباحيه مباركه يا عريس، بس مش المفروض أنا العريس مش أنت، والليله كانت ليلتي أنا؟"
رفع غريب يده وضربه بخفة على رأسه وهو يقول بتوعد:
"وغلاوة امك هطلعه عليك، اصبر عليا بس."
مال جواد برأسه قليلًا واقترب منه، ثم قال بهمس بجوار أذنه وهو يبتسم بمكر:
"انت المفروض تشكرني، أنقذت الموقف كان شكلنا هيبقى وحش، السن وليه حكمه برضه."
لكمه غريب في صدره بخفة وهو يقول بنفس النبرة الهادئة:
"خاف على نفسك انت، وشكلك فى الاخر هتطلع سوسن."
انفجر جواد بالضحك، ثم اعتدل في جلسته وقال بثقة وهو يشير بإصبعه إلى والده:
"عيب عليك يا حاج، هذا الشبل من ذاك الاسد."
ارتسمت ابتسامة على وجه غريب وهو يعتدل على مقعده وقال بنبرة مليئة بالمزاح:
"دلوقتي بقيت اسد، ناس متجيش غير بالعين الحمرا."
فهمت ترنيم فورًا ما يقصدانه، فنظرت إليهما بضيق واضح وقالت:
"بطلوا بقى كلام كتير وكلوا من سكات."
قال جواد وهو يضع الطعام في فمه ويحاول كتم ضحكته:
"شكل الحاجه هتحطك فى البلاك لست."
نظر له غريب بضيق وقال بصوت هامس:
"ما هو من النق."
تعالت ضحكات جواد مرة أخرى، لكنه عندما رفع عينيه ورأى ترنيم تنظر إليه بضيق شديد، أسرع يضع الطعام في فمه ويحاول كتم ضحكته بصعوبة.
ظل على هذه الحال حتى انتهى من الطعام، ثم نهض سريعًا وغادر المكان، قبل أن تتحول نظرات ترنيم الغاضبة إلى شيء أكثر خطورة.
**************************
وصلت رنيم إلى الشركة بخطوات سريعة لكنها ثابتة، ملامحها هادئة من الخارج، لكنها في الداخل كانت تعيش حالة من التركيز الشديد.
المبنى كان يعج بالحركة المعتادة، أصوات الموظفين، وقع الأقدام في الممرات، وأصوات الهواتف التي لا تتوقف.
لكن رغم كل ذلك، كانت رنيم تسير وكأنها في عالمها الخاص.
دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت مباشرة إلى مقعدها خلف المكتب الكبير. جلست عليه وهي تضع حقيبتها جانبًا، ثم سحبت بعض الملفات أمامها وبدأت تتصفحها بعينين يقظتين.
كانت تتابع العمل بجدية واضحة، كل رقم، كل ورقة، كل توقيع.
فهذا اليوم ليس يومًا عاديًا.
إنه يوم الحسم.
لم تمض دقائق كثيرة حتى أعلن هاتفها عن وجود اتصال.
رفعت رأسها قليلًا ونظرت إلى الشاشة، ثم التقطت الهاتف سريعًا وأجابت فورًا.
وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى سمعت صوت الرجل من الطرف الآخر يقول بنبرة عملية:
"كل حاجه تمام وعلى التسليم، شوفي حضرتك ناويه نسلم امتى، وانا هبلغهم فى خط الانتاج."
استمعت إليه رنيم جيدًا، ثم مالت قليلًا للخلف في مقعدها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة تحدي واضحة، ابتسامة تحمل الكثير من المعاني، قالت بثقة:
"النهاردة بليل، بلغهم يجهزوا كل حاجة وانا هكون موجودة ساعه التسليم."
كانت نبرتها حاسمة، وكأنها تعلن بداية معركة ستنتهي الليلة.
لكن قبل أن تضيف شيئًا آخر، فتح باب المكتب فجأة.
رفعت رنيم رأسها بسرعة، وما إن وقعت عيناها حتى اتسعت بصدمة، كان زين.
أغلقت الخط سريعًا، ثم نظرت إليه بدهشة واضحة وقالت:
"زين! ايه اللي حصل؟ خلاك تيجي لحد هنا عادي من غير ما تخاف؟"
دخل زين بهدوء وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه نحو المقعد المقابل لمكتبها وجلس عليه.
حرك كتفيه بلا مبالاة وكأنه لا يرى الأمر بتلك الخطورة، ثم قال بنبرة عادية:
"خلاص مبقاش فيه اللي اخاف عليه، وبعدين انا فكرت فى كلامك ولاقيت عندك حق، وقد ايه انتي محتجاني."
تغيرت ملامح رنيم فورًا، اختفى الاستغراب، وحل مكانه شيء أقرب إلى السعادة الصادقة.
ابتسمت وهي تقول بفرح واضح:
"بجد يا زين؟!"
أومأ برأسه مؤكدًا وهو يبتسم لها ابتسامة خفيفة:
"بجد يا قلب اخوكي."
ثم أشار برأسه نحو الهاتف الموضوع أمامها على المكتب وقال بفضول:
"طمنيني ايه سبب الفرحه دي؟"
نهضت رنيم من مقعدها بحماس واضح، ثم دارت حول المكتب واقتربت منه. جلست على المقعد المقابل له مباشرة، كأنها تريد أن تشاركه الخبر عن قرب.
قالت بسعادة واضحة في صوتها:
"بص من فترة كده كان فيه مناقصة لشركة شاهين الرواي، وانا اخدها منه وهو علشان اتغاظ مني سحب اكتر العملاء من شركتي ولعب فى الحسابات بتاعة الشركه دي، وده خسرنا كتير وأصبحت الشركه فى مأزق مالي، انا بقى مقبلتش الهزيمه وافتكرت أن كان فيه شركة بديله لبابا من زمان اوي واونكل حسام كان مشغلها تحت اسم تاني مزيف، أنا بقى شغلت خطين الإنتاج لشركتين وضاعفت المهندسين عندي، شغلتهم ليل ونهار لحد ما خلصوا كل الشغل المطلوب مننا وبكده مافيش أي شروط جزئيه هتتاخد مننا وكمان فيه ناس كتير وافقوا يساعدوني علشان خاطر بابا الله يرحمه و الحمدالله الشغل كله هيطلع النهاردة بليل وبكده اكون عديت الازمه دي من غير أي خساير والشركتين هيشتغلوا تحت مسمى واحد سلطان الدسوقي."
كانت تتكلم بحماس، وعيناها تلمعان بالفخر.
لم تكن مجرد خطة عمل، بل كانت معركة خاضتها وحدها.
نظر إليها زين قليلًا، ثم حرك رأسه بعدم فهم وقال متسائلًا:
"طيب واللي أسمه شاهين هتعملي معاه ايه؟"
ارتسمت على وجه رنيم ابتسامة أخرى، لكنها هذه المرة كانت ابتسامة تحدي واضحة، قالت بثقة:
"هو لحد دلوقتي مستني هزمتي علشان اروح لحد عنده مذلولة وأطلب مساعدته ليا، انا بقى مستنيه اخلص من التسليم بليل، وهضرب تحت الحزام، وزي ما خلى الناس تنسحب من شركتي، هخليه يقفل شركته فى أقرب وقت، وهلعبه بأسلوبه وبطريقته."
نظر إليها زين لثواني، ثم ابتسم ابتسامة لئيمة مليئة بالإعجاب، وقال بمكر:
"قلب اخوها، شرير على صغنن، ايه يا بت الجبروت ده؟"
تراجعت رنيم بظهرها قليلًا إلى الخلف، وأسندت ظهرها إلى المقعد وهي ترفع رأسها بثقة واضحة، ثم قالت بفخر:
"ده أقل حاجه عندي، بنت سلطان الدسوقي، مش أي حد يقدر يكسرها بسهوله كده."
وقف زين من مكانه وهو ينظر إليها بإعجاب، ثم قال:
"قلب اخوها الواد الواثق من نفسه، رايح مشوار بسرعه كده واقابلك بليل علشان اكون موجود معاكي ساعة التسليم."
أومأت رنيم برأسها وابتسمت له بحنو وهي تقول:
"ماشي يا حبيبي متتأخرش عليا."
اتجه زين نحو الباب وفتحه، ثم غادر المكتب بهدوء.
أما رنيم…
فعادت إلى مقعدها خلف مكتبها مرة أخرى.
جلست وهي تأخذ نفسًا عميقًا، ثم فتحت الملفات أمامها وبدأت تتابع عملها من جديد.
لكن هذه المرة، كانت الابتسامة التي ترتسم على شفتيها تخبر أن الليلة، ستكون ليلة مختلفة تمامًا.
***************************
جلس جواد داخل سيارته أمام المنزل، مستندًا بظهره إلى المقعد، بينما كانت أصابعه تضرب بخفة على عجلة القيادة في إيقاع بطيء يكشف عن حالة من الترقب والانتظار.
كانت عيناه معلقتين بباب المنزل، وكأن كل ما حوله قد تلاشى من انتباهه، فلم يعد يرى المارة ولا السيارات العابرة، كل ما كان يشغله تلك اللحظة التي ستخرج فيها جواهر.
وما إن تحرك الباب أخيرًا وظهرت جواهر خارجة بخطوات هادئة حتى استقام في جلسته تلقائيًا، كأن جسده استجاب قبل عقله.
كانت ملامحها متجهمة قليلًا، وكأنها خرجت وهي عازمة على ألا تمنحه فرصة للمزاح أو الاقتراب.
ابتسم رغم ذلك، بل اتسعت ابتسامته أكثر.
فتح باب السيارة سريعًا ونزل منها، متجهًا نحوها بخطوات واثقة.
أما جواهر، فما إن اقتربت منه حتى تجاهلته تمامًا، وكأنه غير موجود.
تجاوزته متعمدة، واتجهت مباشرة نحو الباب الخلفي للسيارة، فتحته بسرعة كأنها تريد أن تنهي هذا اللقاء قبل أن يبدأ، واستعدت للصعود.
لكن يد جواد كانت أسرع.
أغلق الباب قبل أن تتمكن من الجلوس، وفي لحظة واحدة جذبها نحوه وأحاط خصرها بذراعه، حتى التصق جسدها به رغمًا عنها.
اتسعت عيناها بدهشة وغضب في آنٍ واحد، بينما هو مال قليلًا نحوها، وهمس بصوت خافت يحمل نبرة مداعبة خطيرة:
"فيه واحده تقابل جوزها بالبوز ده؟ فين الحضن الحلال؟"
ارتجف قلب جواهر للحظة رغمًا عنها، لكن غضبها كان أسرع في الظهور.
بدأت تدفعه بيديها محاولة إبعاده، وكأن قربه يشعل داخلها فوضى لا تريد الاعتراف بها.
وتكلمت بغضب واضح:
"أبعد عني يا جواد، بلاش استهبال، ابعد بقولك وبلاش تعيش الدور."
لكن جواد لم يتحرك، بل على العكس، أسند ظهرها برفق على باب السيارة، مانعًا إياها من الهروب، ثم انحنى قليلًا نحوها.
كانت المسافة بين وجهيهما ضئيلة جدًا،
قريبة لدرجة جعلت أنفاسها تختلط بأنفاسه.
وتكلم بصوت منخفض مغوي:
"لا ده مش استهبال ولا بعيش الدور، انتي مراتي على سنة الله ورسوله، وانا مش هتنازل عن حقي حضن كل يوم الصبح وحضن بليل."
اتسعت عيناها للحظة، وشعرت بحرارة غريبة تسري في وجنتيها، لكنها رفضت أن تظهر تأثرها.
رفعت حاجبها بتحدي، وردت عليه بتهكم رغم الارتباك الذي بدأ يتسلل إلى مشاعرها من قربه المهلك:
"ليه أن شاءالله، ده كان دوا حموضة وانا معرفش."
انفجر جواد ضاحكًا، ضحكة صادقة خرجت من أعماقه، ثم مال أكثر حتى أصبح وجهه قريبًا جدًا من شفتيها، وقال بصوت خافت دافئ:
"لا ده دوا قلبي اللي مشتاق ليكي، ولضحكة عيونك اللي وحشتني اوي."
توقفت جواهر عن الحركة للحظة.
كلماته، ونبرة صوته، وقربه الشديد، كل ذلك أربكها بطريقة لم تستطع السيطرة عليها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما أنفاسها أصبحت أسرع دون أن تشعر، ثم قالت بصوت خرج متقطعًا قليلًا:
"ج جواد ابعد شويه م مينفعش اللي انت بتعمله ده."
لكن جواد لم يرد، بدلًا من ذلك، مال برأسه قليلًا ووضع قبلة صغيرة خاطفة على شفتيها.
لحظة قصيرة جدًا، لكنه ابتعد بعدها مباشرة.
أما جواهر فقد أغمضت عينيها تلقائيًا دون وعي، كأن جسدها توقف عن التفكير لثانية كاملة.
ابتسم جواد وهو يراها هكذا، ابتسامة دافئة تحمل قدرًا كبيرًا من التسلية والإعجاب في الوقت نفسه.
ظل يتابع ملامحها بصمت، مستمتعًا بذلك الارتباك الذي يظهر عليها بوضوح.
وببطء شديد، فتحت جواهر عينيها.
كانت نظرتها ناعسة قليلًا من شدة خجلها، وكأنها خرجت لتوها من لحظة لم تستوعبها بعد.
لكن ما إن رأت جواد يقف أمامها يراقبها بتلك النظرة المليئة بالاستمتاع حتى اشتعل وجهها أكثر.
نظرت له بضيق، محاولة استعادة كبريائها بسرعة، ثم تحركت فجأة مبتعدة عنه.
فتحت الباب الأمامي هذه المرة، وجلست في المقعد بسرعة، وهي تسب ضعفها أمامه داخلها.
لكن، رغم غضبها من نفسها، لم تستطع منع يدها من أن ترتفع ببطء إلى شفتيها.
لمستها بأطراف أصابعها كأنها تتحسس أثر تلك القبلة.
وفجأة، ارتسمت ابتسامة عذبة صغيرة على شفتيها دون أن تشعر.
أما جواد فظل واقفًا مكانه للحظات.
ينظر إليها من خلال زجاج السيارة، ويبتسم.
ابتسامة رجل أدرك أنه بدأ يكسر جدارها الصلب، قطعة بعد أخرى.
وكان أكثر ما أعجبه في الأمر، ذلك الضعف الواضح الذي ظهر منها للحظة.
ضعف لا يراه أحد غيره.
تنهد بخفة وهو يفكر في شيء واحد فقط، أنه يتمنى أن يأتي اليوم الذي سيغلق فيه بابًا واحدًا عليهما، يصبحان فيه وحدهما، بلا حواجز ولا مسافات.
عندها فقط، سيترك لنفسه الحرية ليفعل معها ما يشاء.
وأخيرًا تحرك من مكانه، واتجه إلى باب السيارة.
صعد خلف المقود، وأدار رأسه نحوها.
كانت جالسة تنظر أمامها، لكنها لم تستطع إخفاء حمرة وجنتيها.
ابتسم بخبث لطيف، ثم غمز لها بعينه.
وأدار السيارة، لينطلق بها في الطريق.
***************************
بفيلا شاهين الرواي…
كان الهدوء يسيطر على أرجاء الفيلا الكبيرة، ذلك الهدوء الذي يخفي خلفه دائمًا الكثير من الخيوط الخفية والمؤامرات.
جلس زين في الصالة الواسعة براحة مبالغ فيها، مستندًا بظهره إلى المقعد الفاخر، بينما وضع قدمًا فوق الأخرى في حركة تحمل ثقة زائدة ووقاحة خفيفة في الوقت نفسه.
كانت عيناه تتجولان في المكان بنظرة خبيرة، كأنه يحفظ تفاصيل هذا البيت جيدًا، أو ربما لأنه اعتاد الدخول إليه في أوقات لا يعلم بها أحد.
ثم التفت نحو مريم الجالسة أمامه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شريرة كسولة، وقال بنبرة مازحة تحمل في طياتها الكثير من الخبث:
"بنت خالة امي يا غاليه وحشتيني، اول ما بعتيلي جتلك على طول."
كانت مريم تراقبه بهدوء، ذلك الهدوء الذي يخفي عقلًا لا يتوقف عن الحساب والتخطيط.
رفعت حاجبها قليلًا وهي تبتسم له تلك الابتسامة التي يعرفها جيدًا، ابتسامة لا تحمل أي دفء، بل تحمل اتفاقًا صامتًا بين شخصين يعرفان تمامًا ما الذي يريدانه من الآخر.
وقالت بنبرة هادئة ماكرة:
"رجل المهام الصعبه، مافيش غيرك اللي هيعرف يتواصل مع اختك وينقل لينا اخبارها اول بأول."
لم تتغير ملامح زين، بل اتسعت ابتسامته أكثر.
حرك قدمه الموضوعة فوق الأخرى قليلًا، وكأنه يستمتع بالدور الذي يلعبه، ثم أكمل عنها الجملة وكأنه يقرأ أفكارها:
"واللي هيخليها تقتل حبيبة قلبك ترنيم."
انطلقت ضحكات مريم الشريرة في المكان، ضحكة خرجت خفيفة لكنها تحمل الكثير من الحقد المكتوم، ثم قالت بنبرة إعجاب خبيثة:
"حبيب قلب خالتو اللي فاهم دماغها بأقل مجهود منها."
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انفتح باب الفيلا.
دخل شاهين بخطوات ثابتة، وعيناه تمسحان المكان بحدة قبل أن تتوقفا عند زين الجالس براحة وكأنه صاحب البيت.
تجهمت ملامحه قليلًا.
لم يرحب به سوى بحركة رأس مقتضبة، تحمل قدرًا واضحًا من الضيق وعدم الارتياح، لكن زين لم يهتم.
بل على العكس، ابتسم له ابتسامة لئيمة وقال ساخرًا:
"كده برضه يا شوشو مطلع عين اختي، البت ناويه ليك على نيه إنما ايه هتطلع من نفوخك."
جلس شاهين على المقعد المقابل له، ووضع قدمًا فوق الأخرى في حركة لا تقل تحديًا، ثم قال بنبرة باردة مليئة بالثقة:
"أعلى ما في خيلها تركبه، مش هخاف من حتة بنت مطلعتش من البيضه."
لكن زين مال بجسده قليلًا للأمام، وعيناه تلمعان بدهاء واضح، وقال بنبرة منخفضة تحمل تحذيرًا خفيًا:
"حتى لو البنت دي ناوية، تضربك تحت الحزام؟"
تجهم وجه شاهين قليلًا وهو ينظر إليه، ثم قال بثقة واضحة:
"قصدك يعني على الشركه التانيه البديله؟ لا ده شغل أهبل ميشغلنيش بحاجه، أنا سايبها تكمله بمزاجي."
رفعت مريم حاجبيها بدهشة حقيقية هذه المرة، ونظرت إليه بتساؤل واضح:
"وده من أمتى أن شاءالله؟ مش كانت الشركه اول هدف ليك."
أومأ شاهين برأسه بهدوء، وكأنه يشرح خطة مدروسة بعناية، وقال:
"ايوه، بس هي لو خلصت الدفعه الاولى، مش هتقدر تخلص الدفعه التانيه، لأن المناقصتين اللي وراه بعض هيكونوا بتوعي وكده هيوقف خطوط الإنتاج لشركتين، وهيكون وقتها الشروط الجزائية مضاعفه، ووقتها هتجيلي مذلولة علشان اساعدها وانقذها."
سادت لحظة صمت قصيرة.
لكن زين لم يبدو مقتنعًا تمامًا.
ضيق عينيه قليلًا وقال بنبرة تحذير حقيقية هذه المرة:
"خد بالك بس، علشان رنيم مش من النوع اللي بيتهزم بسهولة، انت لو شوفت نظرت عيونها والتحدي اللي فيهم ساعة ما كانت بتتكلم عنك، كنت خوفت وفهمت قصدي ايه."
توقفت ملامح شاهين للحظة.
لم يرد فورًا، بل نظر أمامه قليلًا، وكأن كلمات زين أعادت إلى ذهنه ذكرى معينة.
ذكرى قريبة جدًا، ذكرى تلك اللحظة التي اقترب فيها من رنيم، ورأى عينيها عن قرب.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة دون أن يشعر، وقال بصوت منخفض كأنه يحدث نفسه:
"عليها جوز عيون تشبه عيون الصقر وهو بيركز على فريسته، عيون حادة مخيفه وجميله فى نفس الوقت."
لم يعجب مريم ذلك الوصف إطلاقًا.
تغيرت نظرتها فورًا، وأصبح صوتها أكثر صرامة وخطورة عندما قالت:
"ركز على مهمتك يا شاهين، بلاش تكون الفريسه، لانك اتولد صياد يا ابن بطني."
انتبه شاهين إلى نفسه فورًا، وكأن كلماتها أعادته إلى أرض الواقع.
تبدلت ملامحه بسرعة، اختفت تلك النظرة الغريبة من عينيه، وحل محلها بريق أكثر قسوة، ثم قال بثقة حادة:
"أنا عمري ما كنت فريسه يا أمي، وانتي عارفه كده، رنيم فريسه بس مش سهله، وده اللي خلى اللعبه مسليه اوي ليا، بس متقلقيش فى أيدي خيوط اللعبه كلها ووقت ما أحب أنهى هدمر الكل وهي منهم."
أنهى كلامه ببرود، ثم استقام بجسده، واتجه نحو الدرج دون أن يضيف كلمة أخرى.
صعد إلى غرفته بخطوات ثابتة.
ظل زين يراقب أثره للحظات، ثم التفت ببطء نحو مريم، وابتسامة لئيمة ترتسم على وجهه، وقال بنبرة ماكرة:
"ايه الموضوع، السنارة غمزت ولا أيه يا خالتي؟"
لم تبتسم مريم هذه المرة.
بل ظلت تنظر أمامها بقلق خفي، وكأنها بدأت تشعر بأن اللعبة قد تنقلب بطريقة لم تكن تتوقعها.
ثم قالت بصوت منخفض متوتر قليلًا:
"شكلها كده يا ابن فريدة ولازم ادخل بسرعه وافوقه."
ثم التفتت إليه فجأة، وأصبحت نبرتها حادة آمرة:
"اللي هقولك عليه تنفذه دلوقتي حالا، فاهم."
لم يتردد زين، بل اتسعت ابتسامته الشريرة، وأومأ برأسه بطاعة واضحة.
ثم مال نحوها قليلًا، يستمع باهتمام لما تمليه عليه من أوامر.
****************************
بالمساء…
كان جواد جالسًا على الأريكة داخل تلك الشقة الهادئة، لكن الهدوء المحيط به لم يكن يشبه الهدوء الذي بداخله.
جسده مسترخي ظاهريًا، لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا، بعيدًا عن هذه الشقة، بعيدًا عن هذه الليلة، بعيدًا عن المرأة الجالسة بجانبه.
كانت نظرته حادة، ثابتة في نقطة ما أمامه، كأنه يجبر نفسه على التفكير في أي شيء، أي شيء يبعده عما يحدث الآن.
كان يحاول أن يشغل عقله بعمله، بالمشاكل التي تنتظره، بأي خطة يمكن أن يضعها، لكنه لم يستطع.
انتفض جسده فجأة عندما شعر بيدها تتحرك على صدره ببطء وبطريقة مقصودة، لمسة تحمل جرأة واضحة.
أغلق عينيه بقوة للحظة، وكأن أعصابه صرخت داخله.
وقال في نفسه بغيظ مكتوم:
"أهدي الله يحرقك، ده لو جواهر طالتك هتقتلك."
فتح عينيه مرة أخرى سريعًا، وأجبر نفسه على رسم ابتسامة حاول أن تبدو طبيعية رغم التوتر الذي يسري في أعصابه.
ثم قال بنبرة خفيفة متصنعة المرح:
"انتي مستعجله ليه بس يا مدام رقيه، الليل لسه فى أوله."
اقتربت منه رقيه أكثر، وكأنها لا ترى شيئًا سوى الهدف الذي جاءت من أجله.
مالت نحوه ووضعت قبلة على خده، ثم همست بصوت منخفض:
"ما أنا عايزة ابدأ الليله من أولها علشان اشبع منك يا روحي، انت متعرفش انا مستنيه اللحظه دي من امتى، من أول مرة شفتك فيها، كنت بتخيل نفسي وانا فى حضنك."
لكن الحقيقة التي لم تكن تعرفها، أن جسد جواد كله كان يرفضها.
كل لمسة منها كانت تجعله يشعر بنفور حقيقي، كأن شيئًا داخله يصرخ بالابتعاد عنها.
نهض فجأة من مكانه كأن الجلوس أصبح مستحيلًا، وقال بتلعثم خفيف وهو يحاول الهروب من هذا الموقف:
"هروح احط حاجه نشربها خلي الليله تسخن اكتر."
لم ينتظر ردها، بل تحرك بسرعة نحو المطبخ.
وقف هناك للحظة، مستندًا بيديه على الرخامة، يلتقط أنفاسه ببطء.
ثم بدأ يجهز المشروب في الكأسين.
لكن حركته توقفت للحظة عندما أخرج عبوة صغيرة من جيبه.
نظر إليها سريعًا، ثم وضع عدة نقاط في أحد الكأسين، وأعاد العبوة مكانها مرة أخرى.
حمل الكأسين وتحرك عائدًا.
لكن قبل أن يصل، سمع صوت رقيه يناديه من داخل غرفة النوم.
زفر بضيق واضح، وتمتم بصوت خافت ساخر:
"الله يحرقك، حفيدة إبليس بعينيها، مدد يارب مدد."
ثم دخل الغرفة.
كانت جالسة على السرير تنتظره.
وضع أحد الكأسين بجوارها، وأخذ الآخر في يده وحركه قليلًا، ثم قال بنبرة هامسة مثيرة:
"خدي اشربي عايزك النهاردة تكوني فرسه."
لكنها أخذت الكأس منه ووضعته بجوارها دون أن تشرب.
اقتربت منه مباشرة، وقبلته بإغراء واضح وقالت بثقة:
"أنا هخليك بعد الليله دي، تكره الستات كلها ألا انا."
رفع حاجبه قليلًا وهو يهمس بسخرية خفية لم تدركها:
"ده انا هحب كل الستات الا انتي."
ثم نظر إليها وابتسم ابتسامة متوترة وهو يقول بكذب واضح:
"طبعا يا روكا، مافيش منك اتنين."
مد يده وأخذ الكأس مرة أخرى، وقربه من شفتيها قائلًا بإلحاح:
"اشربي يا روحي علشان خاطري."
أخذت أول رشفة.
ثم اقتربت منه مرة أخرى وقبلته، لكنه ابتعد عنها بسرعة ملحوظة وهو يحاول إخفاء اشمئزازه.
بدأ يدفعها بلطف لتكمل المشروب، حتى شربته بالكامل دون أن تعترض.
بعد لحظات، اقتربت منه مرة أخرى، وبدأت تفتح أزرار قميصه وهي تقول بنبرة جريئة:
"يلا بقى يا قلبي."
ابتعد عنها قليلًا وهو يتمتم بضيق خافت:
"يخربيت اللي جابوكي حرمة سعرانه كده ليه."
ثم ابتسم لها بتوتر مصطنع وقال:
"اهدا يا جميل مش كده، انا اللي هاخد الخطوة الجامدة دي مش انتي."
وبينما كان يتظاهر بخلع قميصه، بدأ يفك أزراره ببطء، ثم قال وكأنه يسأل سؤالًا عابرًا:
"صح يا روكا اشمعنا شركتنا بالذات اللي جيتي ليها علشان تطلبي منها طقم حراسه؟"
بدأ تأثير الحبوب يظهر عليها.
ثقل في حركتها، بطء في الكلام، ثم قالت وهي تبتسم بتراخي:
"علشان اوصلك انت يا جميل."
نظر إليها بتركيز أكبر وسألها:
"وليه بقى كنتي عايزة توصلي ليا؟"
نهضت من السرير وهي تتمايل قليلًا، واقتربت منه ثم قبلت صدره العاري وقالت بصوت متداخل:
"علشان اشغلك بيا يا جوجو، مطلوب مني اخليك تقع فى حبي وتنام معايا علشان احمل منك، وخطيبتك تبعد عنك وتسيبك، بس اللعبه قلبت عليا أنا وحبيتك بجد يا جواد."
تجمد جواد في مكانه، انتبه فورًا، وقال بقلق حقيقي:
"ومين اللي طلب منك الكلام ده؟"
بدأ وعيها يضعف أكثر، كلماتها أصبحت متقطعة وغير واضحة، قالت بصعوبة:
"خ ا ل ت و… م ر ي م."
ثم فقدت توازنها فجأة.
وسقطت داخل أحضانه فاقدة الوعي.
أغمض جواد عينيه بضيق شديد.
لم يستطع توقع الاسم.
لم يكن يتوقع أن يكون هناك عدو خفي يخطط بهذه الطريقة.
تنهد بغضب واضح، ثم حمل رقيه ووضعها على السرير بحذر، وخرج من الغرفة.
جلس على الأريكة مرة أخرى، وأخذ هاتفه.
أجرى اتصالًا بـ جواهر، انتظر بضع ثواني، حتى جاء صوتها الغاضب عبر الهاتف:
"افندم؟"
ابتسم دون أن تشعر به، وقال بصوت دافئ:
"وحشتيني اوي يا جوجو، بتعملي أيه؟"
ردت عليه بنبرة أهدأ قليلًا:
"ولا حاجه قاعده فى اوضي زهقانه، وانت؟"
ابتلع ريقه قليلًا وقال بتوتر خفيف:
"ها، ولا أي حاجه قاعد فى شغلي مع عميل مهم، ادعيلي بس احسن الشغل مطلع عيني، وشقي اوي."
جاء صوتها هذه المرة مشككًا:
"هو ايه ده اللي شقي؟"
انتبه لنفسه بسرعة وقال:
"ابن العميل شقي اوي، مبيهداش، بوتاجاز خمسه شعلة بعيد عنك."
لم تبدو مقتنعة، وقالت بتهكم:
"والله! طيب ربنا يقويك عليه."
ضحك بخفة وقال:
"ياااارب يسمع من بوق ربنا، هروح انا بقى اطفي البوتاجاز، اقصد احرس العميل وابنه الله يحرقه."
ابتسمت قليلًا رغمًا عنها، لكنها سرعان ما قالت ببرود:
"ماشي سلام."
أغلق الخط، نظر نحو باب الغرفة حيث تنام رقيه فاقدة الوعي.
ثم تراجع بجسده على الأريكة وقال بمزاح مرهق:
"أقسم بالله لو جواهر تعرف أنا فين دلوقتي كانت جات ولعت فيا وفي الشعله اللي نايمه فى الاوضة دي."
ثم أغمض عينيه قليلًا، ليأخذ قسطًا من الراحة، قبل أن يعود إلى منزله.