تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الواحد والعشرون
عند رنيم...
استيقظت رنيم بصعوبة، وكأن النوم لم يمنحها راحة بقدر ما منحها استراحة قصيرة من وجع ظل يطاردها حتى داخل أحلامها. ليلة كاملة قضتها بين أفكار متشابكة أنهكت عقلها، وبين ألم ثقيل استقر في صدرها حتى صار جزءًا من أنفاسها. فتحت عينيها ببطء، وما إن استوعبت يقظتها حتى اندفعت الحقيقة إليها من جديد، حادة وقاسية، كأنها تعيش الصدمة ذاتها كل صباح من البداية.
تحرك بصرها تلقائيًا نحو الشرفة، فتوقفت عيناها عليها طويلًا، وكأنها تنظر إلى مكان لم يعد مجرد مساحة مفتوحة، بل صار يحمل ذاكرة كاملة. هناك كانت تبدأ أيامها معه، هناك اعتادت أن تستيقظ على صوته، على حضوره، على تلك التفاصيل الصغيرة التي تسللت إليها دون أن تشعر حتى أصبحت جزءًا من يومها، من مزاجها، من نبضها. كانت تخرج إليه بعفوية، فيقابلها بابتسامته، بكلماته العابثة، باهتمامه الذي كان ينساب إليها بهدوء حتى استقر داخلها دون استئذان.
زفرت بضيق، وشعرت بثقل مرير يهبط على قلبها حين أدركت أن أكثر ما يؤلمها الآن، ليس الحقيقة وحدها، بل أن الحقيقة الأكثر قسوة، أنها حاولت كرهه بكل ما فيها، وفشلت.
نهضت من فراشها ببطء، كأن جسدها يحمل عبء روحها المثقلة، واتجهت إلى المرحاض. تركت المياه الدافئة تنساب فوقها، تحاول أن تغسل عنها هذا التوتر الملتصق بها، ذلك الوجع الذي لا مكان له في الجسد، لكنه يرهقه كما لو كان جرحًا حقيقيًا. أغمضت عينيها تحت الماء، عله يطفئ اضطرابها، لكن صورته كانت أكثر ثباتًا من أن يمحوها شيء.
بعد وقت، خرجت، ارتدت ملابسها ومشطت شعرها أمام المرآة بشرود، لكن عينيها خانتاها مرة أخرى حين اتجهتا نحو الشرفة، وقفت مكانها. تحدق بها، تقاوم.
كان عقلها يذكرها بكل شيء؛ بالخداع، بالحقيقة، باسم أمه، بالماضي الذي يفصل بينهما كهاوية لا يمكن عبورها.
لكن قلبها، ذلك القلب الخائن، كان يسحبها إليه بصمت، يجرها نحو المكان الذي اعتاد وجوده فيه، وكأنه ما زال متعلقًا به رغم كل ما حدث.
اقتربت من الشرفة بخطوات مترددة، وتوقفت عند عتبتها، كأنها تقف على الحد الفاصل بين ما يجب أن تفعله وما تريد أن تفعله.
كانت تعرف جيدًا أنه ينتظرها.
وتعرف جيدًا أنها لا يجب أن تراه.
لكنها، وكما يحدث دائمًا حين يتعلق الأمر به، وجدت نفسها تنصاع لقلبها قبل عقلها.
تحركت إلى الداخل.
وما إن وقعت عيناها عليه حتى شعرت بشيء انقبض داخل صدرها.
كان يقف هناك، كما اعتاد، يحمل مشروبه الصباحي بين يديه، لكن هذه المرة لم يكن هو ذاته.
لحيته بدت أطول، وكأن الأيام الماضية مرت فوقه ثقيلة بلا رحمة، شعره مبعثر، وملامحه مرهقة ومنهكة، كأن النوم هجره، أو أن الحياة نفسها سحبت من وجهه راحته.
كان يبدو، مكسورًا.
ولوهلة، كرهت قلبها لأنه تألم لرؤيته هكذا.
لكن حين رآها، تبدل وجهه فورًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، ابتسامة رجل وجد أخيرًا ما كان ينتظره منذ أيام.
وقال بصوت امتزجت فيه الراحة بالشوق:
"رنيم! صباح الخير، اخيرا حنيتي وطلعتي البلكونه."
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه، محاولة أن تتشبث بغضبها حتى لا تخونها مشاعرها أمامه. لم تجبه فورًا، فقط ظلت تنظر إليه بصمت، كأنها تحاول أن تكره هذا الوجه الذي أحبته دون إرادة منها.
ثم قالت أخيرًا بصوت جامد، رغم الاختناق المختبئ داخله:
"أنا قلتلك اياك لو شفتني فى أي مكان حتى لو صدفه تكلمني، فاهم."
زفر بضيق، وكأن كلماتها أصابته في موضع موجع، ثم رفع عينيه إليها، وفي صوته كان هناك شيء منكسر، شيء صادق على نحو يربكها:
"رنيم! أنا مش هنكر أن قبل ما اقابلك كنت شخص تاني خالص، شخص أتربى على الكره والانتقام، بس بعد ما قابلتك وشفت عيونك، بقيت واحد تاني خالص، بقيت اهدا انقى الكره بقى مكانه محبه، الحقد والغل والانتقام اتغسلوا من جوايا، وكأني اتولد من جديد، انتي بنفسك تقدري تقارني ده بنفسك، يعني شاهين الرواي اللي انتي شفتيه اول مرة هو هو اللي واقف دلوقتي قصادك؟ ردي عليا يا رنيم."
كل كلمة قالها أصابت مكانًا حساسًا داخلها، ذلك المكان الذي حاولت دفنه منذ تلك الليلة.
لأنها كانت ترى صدقه، وهنا كانت المشكلة.
لو كان كاذبًا بالكامل، لكان كرهه سهلًا.
لكنها رأت التغيير بنفسها. عاشت تفاصيله. شعرت به.
وهذا ما جعل المواجهة معه مؤلمة إلى هذا الحد.
أغمضت عينيها بقوة، ليس رفضًا لكلامه، بل خوفًا من نفسها، من أن تلين، من أن تضعف، من أن تتذكر كيف كان وجوده يمنحها شعورًا بالأمان، قبل أن يتحول هو نفسه إلى سبب ضياع ذلك الأمان.
ثم قالت بصوت اختنق بالغضب والوجع معًا:
"بس ده مش هيغير الحقيقه يا شاهين، انك ابن مريم اللي كانت السبب فى موت اهلي، انت ابن اكبر عدوة ليا، وحتى لو أنت ملاك، عمري ما هفكر فيك."
شعرت بقلبها ينكمش وهي تقولها.
كانت الكلمات تخرج من فمها كسكاكين، لكنها كانت تشعر بحدها يمزقها هي أيضًا. لم تنتظر رده.
استدارت سريعًا، ودخلت إلى غرفتها بخطوات مضطربة، وكأنها تهرب منه، أو تهرب من نفسها أمامه.
أسندت ظهرها إلى الحائط، وأغمضت عينيها بقوة، وأنفاسها متلاحقة، كأن مجرد الوقوف أمامه أعاد فتح كل الجروح التي حاولت إغلاقها.
وضعت يدها فوق صدرها، تشعر بقلبها المضطرب، بذلك الألم العنيف الذي يعتصرها من الداخل، ألم لم تكن تعرف إن كان سببه الخذلان، أم الحب الذي جاء في التوقيت الخطأ، مع الشخص الخطأ.
حركت رأسها بعنف، ترفض ضعفها، ترفض حنينها، ترفض تلك الحقيقة القاسية التي تقول إنها رغم كل شيء، ما زالت تتأثر به.
مسحت وجهها بكفيها، وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها تحاول أن تجمع نفسها من جديد، أن تعيد بناء ذلك الحاجز الذي انهار للحظات أمام صوته.
وبعد دقائق، خرجت من غرفتها واتجهت نحو الباب. فتحته. لكنها توقفت.
وقفت لثواني تنظر إلى باب شقته المقابل.
ثواني صامتة، لكنها كانت ممتلئة بأشياء كثيرة؛ عتاب، حنين، غضب، وانكسار.
شعرت للحظة أن المسافة بين البابين قصيرة جدًا، لكن المسافة بين قلبيهما أصبحت أبعد مما تحتمله.
أغلقت الباب سريعًا، كأنها تخشى أن تتراجع، ودخلت المصعد الكهربائي، هبطت إلى الأسفل، ثم خرجت بخطوات متسارعة، صعدت إلى سيارتها وأدارتها سريعًا. انطلقت بعيدًا، لكنها كانت تعرف جيدًا، وبوجع مرير، أن الهروب من المكان أسهل بكثير من الهروب من الشعور.
***************************
عند غريب...
جلس على مقعده خلف مكتبه الخشبي، والأوراق مبعثرة أمامه كأنها انعكاس مباشر للفوضى التي تدور داخله. أسند ظهره للخلف وأطلق زفرة ثقيلة خرجت محملة بإرهاق لا يخص الجسد وحده، بل عقل مشغول طوال الوقت بأشياء تتشعب كلما ظن أنه اقترب من طرف الخيط. رغم كل الاحتياطات التي اتخذها، وتأمينه لترنيم وسمية وأروى، إلا أن شيئًا داخله كان يرفض الاطمئنان. حلقة ناقصة لا يراها لكنها تؤرقه، وكان اسمها رنيم.
حتى وهي ترفضهم وتبتعد، ظل يعتبر نفسه ذلك الظل الذي يتحرك خلفها بصمت، يحميها دون أن تدري، تنفيذًا لرغبة ترنيم القديمة التي لم تغب عنه يومًا. طرق بأصابعه على يد المقعد بإيقاع متوتر، ثم عاد بجسده للأمام وهو يقلب الأوراق مرة أخرى، كأن إعادة قراءتها قد تكشف له ما لم يره من قبل. المعلومات التي وصلته عن ظهور شخص يدعي أنه أخوها من والدتها، وعن رجل الأعمال شاهين الرواي الذي دخل حياتها في الآونة الأخيرة، لم تكن كافية لتكوين صورة واضحة، بل زادت الغموض عمقًا.
في تلك اللحظة انفتح الباب ودخل جواد، بملامح متعبة وحزن ثقيل يسبق خطواته. جلس بصمت على المقعد المقابل وأسند ظهره، ثم مرر يده على وجهه وكأنه يحاول أن يمسح أثر ما لا يمحى. كان الإرهاق في عينيه أكبر من أن يخفى، ليس إرهاق جسد فقط، بل انكسار رجل يرى من يحب يذوب أمامه ولا يملك إنقاذًا كاملًا.
نظر غريب إليه بنظرة حاول أن يخفي خلفها تعاطفًا واضحًا، ثم تكلم بتساءل:
"كنت فى الزيارة؟"
اومأ برأسه بالتأكيد وأخرج زفرة حزينه وقال:
"شعور صعب لما يتاخد من ايدك شخص بتعتبرة هو الحياة، شخص يحاول يزرع جواك زهرة جميله فواحه بعطرها اللي يسحر، على الرغم أن جواها ارض جوفاء، شخص تشوف دموعه محبوسه فى عيونه وبيضحك علشان محزنش واتوجع، جواهر جميله اوي يا بابا وحرام اللي بيحصل فيها ده كله، كانت لسه من كام شهر زهره جميله ضحكتها بتدي طاقة ولطافه لاي مكان تروحه، دلوقتي مكسورة وموجوعة، روحها منهكة بشكل مش طبيعي."
انكمش صدر غريب للحظة، كأن الكلمات أصابت شيئًا داخله مباشرة. لم يكن الأمر جديدًا عليه، لكنه كل مرة يسمعه يشعر وكأن العجز يتجدد بداخله. تنهد بضيق وقال بصوت مختنق:
"هي فترة وهتعدي صدقني، زمان شفنا ايام اصعب من دي بكتير وحبي لامك كان أكبر دافع علشان اقوى وأكمل، انت الراجل ولازم تكون قوي علشان تقوي جواهر مش العكس يا جواد."
زفر جواد بقوة كأنه يطرد ثقلًا يضغط على صدره منذ أيام، ثم قال بصوت مختنق:
"هحاول يا بابا، حاضر."
عاد الصمت يثقل الغرفة للحظات، قبل أن يعيد غريب تركيزه إلى الأوراق أمامه، وصوته هذه المرة كان أكثر جدية وحدة، كأنه ينتقل من الألم إلى العمل:
"المعلومات اللي هنا بتقول أن اخو رنيم ده ظهر فى حياتها من فترة كبيره اوي ورجع اختفى تاني، وبعدها من فترة قريبه رجع ظهر تاني فى حياتها، واللي واضح عندي أنه كان عايش مع ابوه وماسك الشركات بتاعته بس فى الاواخر خسر كل حاجة وشركاته أعلنت إفلاسها، وبالنسبه للشخص التاني اللي ظهر فى حياتها رجل الأعمال شاهين الرواي، ابوه من أشهر عيله فى مصر بس الغريب أن ابو شاهين ده اختفى من سنين وحتى أهله ميعرفوش عنه حاجه لحد دلوقتي."
تدخل جواد بالكلام وتسأل بعدم فهم:
"ازاي اختفى؟ اتقتل يعني؟ ولا هيكون راح فين؟"
حرك رأسه بالرفض وأكمل كلامه بتوضيح:
"لا، اللي مكتوب عندي هنا فى التقرير عن ابو شاهين، بيقول: زمان كان عنده علاقات كتيره متعددة وشاهين ده جه من علاقة غير مشروعه وأهله كانوا رافضين شاهين وعاش كام سنه فى ملجأ أمه سابته عنده وبعد فترة عاشها في الملجأ غاب شاهين ده فاجأة وبعدها بسنين ظهر وأبوه اعترف بي كأبن شرعي وكان الوريث الوحيد لعيلة الرواي لان ابوه بعد ما شاهين ده اتولد بكام سنه عمل حادثه والحادثه منعته من الخلفه ومكانش متجوز قبلها وأصبح ملهوش فى الجواز، لان الحادثة أثرت على كل حاجة ليها علاقه بالستات يعني لا بقى جواز ولا خلفة، وبعد كده شاهين سافر كام سنه بره مسك شركات الرواي كلها، اللي بره مصر وبعد كده رجع فى أواخر العشرينات مصر، وبعدها بفترة صغيره ابوه اختفى ومحدش عارف اختفى فين."
رفع جواد نظره قليلًا، وكأن الصورة بدأت تتشكل أمامه لكنها ما زالت غير مكتملة، ثم قال بتساءل:
"طيب السنين اللي اختفى فيها دي قبل الاعتراف بي كان فين؟ وفين أمه اصلا؟"
ارجع غريب ظهره للخلف، وظهرت على ملامحه قسوة الرجل الذي اعتاد مواجهة المجهول:
"محدش عارف اختفى فين، وقتها كأنه فص ملح وداب، ولما ظهر كان واضح أن شخصيته قاسيه وأنه غيابه ده كان بيخطط لحاجه، أما امه بيقولوا كانت طفله مش كبيره عندها اربعتاشر سنه كانت خدامه عندهم ابو شاهين ده ضحك عليها وفضل على علاقه معاها فترة لحد ما عرفوا أهله أنها حامل منه فى الشهر السادس، طردوها وهي حامل فيه ورفضوا الاعتراف بي، اللي يجنن أنه مكتوب هنا آن لآخر لحظة كانوا رافضين الاعتراف بي فى يوم وليلة اعترفوا بي كأنهم كانوا متهددين بحاجه واللي مذكور هنا أن العيلة دي كانت من اكبر العائلات المرموقة مكانش فيهم غير أبو شاهين ده الفاسد فيهم."
حرك جواد رأسه بعدم فهم، وكأن كل إجابة تولد سؤالًا أكبر منها:
"طيب وايه علاقته برنيم واتعرفوا على بعض ازاي؟"
اجابه غريب بتوضيح وقال:
"عن طريق مناقصة اخدتها رنيم منه كانت المفروض بتاعته، ومن وقتها وهو فى حياتها زارها كتير فى الشركة، وحصل مشده بينه هو وعمك حسام الله يرحمه قبل موته على طول، ولما رنيم اخدت الشقه اللي هي فيها دلوقتي بعدها بفترة صغيره راح هو أخد الشقه اللي قصادها."
تكلم جواد بتساءل وقال:
"تفتكر يكون ليه علاقه بمريم؟"
حرك رأسه بالرفض وقال:
"لا طبعا لا من قريب ولا من بعيد مافيش اي حاجه تثبت أنه يعرفها حتى."
اومأ برأسه وتكلم بعدم اهتمام:
"يبقى اكيد فيه علاقة حب ما بينهم جات بعد ما رنيم اخدت منه المناقصه، ومافيش خطورة عليها منه."
رفع غريب نظره أمامه، لكن في عينيه كان شيء آخر غير الاقتناع الكامل، شيء يشبه حدس رجل اعتاد أن يشك حتى في ما يبدو واضحًا:
"بس ده برضه ميمنعش اننا نفضل مراقبين المكان ومراقبينها علشان نحميها لو مريم فكرت تأذيها."
استقام جواد بجسده، كأن القرار أعطاه شيئًا من التوازن وسط هذا الاضطراب، ثم قال:
"حاضر يا بابا متشغلش بالك أنا حاطط عليها مراقبه اربعه وعشرين ساعه وحراسه تروح وراها منين ما تروح."
اومأ غريب برأسه وقال:
"روح انت ريح جسمك اليوم النهارده كان طويل وصعب عليك."
تحرك جواد نحو الباب، وقبل أن يغادر قال بصوت مختنق:
"ابقى كلم المحامين اللي زي قلتهم دول شوفهم وصلوا لايه."
أنهى كلامه وخرج من المكان، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من السابق.
وبمجرد أن أغلق الباب، عاد غريب إلى أوراقه مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن يقرأ فقط، بل كان يرسم داخل فوضى الصفحات خريطة صراع كاملة. أخذ القلم بين أصابعه، ووضع دائرة حول اسم شاهين، ثم دائرة أخرى حول اسم زين، وظل يحرك القلم بين أصابعه ببطء، وعيناه ثابتتان على الاسمين كأنه يرى خلفهما شيئًا لم يكشف بعد، شيء إذا ظهر، لن يترك أي طرف كما هو.
****************************
جلست جواهر على سريرها، والدموع ما زالت مرسومة على خدها كأنها رفضت أن تجف، بينما جسدها كله يرتجف من أثر البكاء المتواصل. كان الصمت حولها ثقيلًا، لا يقطعه إلا أنفاسها المتقطعة، وكأن المكان نفسه يشاركها هذا الانكسار.
جلست زينات بجوارها بهدوء، ثم مدت يدها وربتت على كفها بحنان صادق وهي تقول بنبرة هادئة:
"أهدي يا حبيبتي انتي من ساعة ما جيتي هنا مبطلتيش عياط، حرام عليكي نفسك."
ارتعشت شفتي جواهر أكثر، وكأن الكلمات فتحت جرحًا أعمق بداخلها، ثم تكلمت بصوت مختنق بالكاد خرج:
"جواد مكسور اوي، اكتر حاجه وجعاني احساسه بالضعف علشان مش قادر يخرجني من هنا، دموع جواد غاليه ونزولها منه مش بالساهل، أنا متأكده أنه بيجلد فى نفسه دلوقتي محمل نفسه الذنب، وانا مش قادره اشوفه كده، أي حاجه اتحملها، الا وجعه والله."
ابتسمت زينات بحزن وهي تتابعها بعينين يملؤهما التعاطف، ثم سألتها بنبرة خافتة:
"لدرجاتي بتحبي؟ لدرجة أنك مش همك نفسك، همك هو ووجعه؟"
ابتسامة ضعيفة تسللت من بين دموعها، لكنها كانت مليئة بصدق موجع، ثم قالت بصوت أقرب للهمس:
"حب!! أنا اتعديت المرحلة دي من زمان اوي، انا بعشق جواد، هو المعني الحقيقي للحياة، وجعه بحس بي قبل منه، بفرح لفرحته، احزن واتقهر لو شفته فى يوم زعلان أو مضايق، جواد ده الحب اللي فتحت عيوني عليه، مافيش راجل غيره دخل حياتي، ومن واحنا اطفال، وهو حبه كان واضح فى عينه ليا، غيرته المجنونة عليا اللي بعشقها، بعشق عصبيته وغضبه، بعشقه لما أزعل ويراضيني، بعشق ملامحه الجميله، هيبته اللي تخطف القلب، رومانسيته، هزارة ودمه الخفيف، كل حاجه فيه جميله اوي لوحه مكتملة مرسومة على ايد أعظم فنان."
كانت كلماتها تخرج وكأنها اعتراف طويل دفعة واحدة، كأنها تحاول أن تتمسك بصورته داخل قلبها حتى لا ينهار كل شيء من حولها.
نظرت زينات لها بابتسامة دافئة، ثم حاولت أن تخفف عنها الجو بمزاح خفيف:
"سيدي يا سيدي، يا وعدي على الحب وجمالة، انتي خليتي قلبي من جوه فيه فراشات، ياااه يا ليت الشباب يعود يوماً، قطيعه تقطع الحب وسنينه."
ضحكت جواهر رغم دموعها، ضحكة قصيرة لكنها صادقة، ثم قالت وهي تمسح دمعتها:
"شكلك دمك خفيف على فكرة."
تعالت ضحكة زينات وهي ترد بمزاح:
"فشر، انتي كده بضيعي هيبة زينات فى السجن، الناس كلها هنا بتعملي ألف حساب."
ابتسامة جواهر اتسعت قليلًا، كأن لحظة البكاء الطويل بدأت تخف حدتها، ثم قالت بامتنان حقيقي خرج من قلبها:
"شكرا ليكي بجد، وجودك معايا هنا، فرق معايا جدا."
ربتت زينات على يدها مرة أخرى بحنان وقالت:
"سبيها على ربنا، وان شاءالله هتظهر براءتك قريب وتخرجي من هنا وتبقى اجمل عروسه."
أغمضت جواهر عينيها للحظة، وكأنها تتعلق بالكلمة الأخيرة كطوق نجاة، ثم قالت بصوت خافت ممتلئ بالدعاء:
"يارب يا زينات يارب."
نهضت زينات بهدوء، واتجهت إلى سريرها تتمدد وهي تقول بنبرة مطمئنة:
"نامي شويه، النوم هنا بيعدي الوقت."
أومأت جواهر برأسها بصمت، ثم تمددت على السرير، وعيونها ظلت معلقة بالسقف للحظات طويلة، كأنها تبحث عن مخرج غير مرئي من هذا العالم الضيق. وفي داخلها دعاء لا يتوقف، تتوسل به أن يخفف عنها وعن جواد ما لا طاقة لهما به، قبل أن تغلق عينيها أخيرًا وتغرق في نوم ثقيل هارب من وجعها.
*************************
عند مريم...
كانت تجلس على مقعدها المتحرك، تحتسي مشروبًا ساخنًا ببطء، وعيناها معلقتان على شاشة التلفاز في هدوء مستفز، وكأن البيت بيتها، وكأن وجودها فيه أمر طبيعي، لا كأنها اقتحمت حياة ابنها من جديد ومزقت ما بدأ يلتئم داخله.
في الجهة الأخرى، تحرك شاهين نحو المطبخ بخطوات ثقيلة، منهكة، كأن جسده فقط هو الذي يتحرك بينما روحه عالقة في مكان آخر، عند باب أغلقته رنيم في وجهه منذ أيام، ولم يفتح بعدها.
وقف يعد القهوة للمرة التي لم يعد يتذكر عددها، حتى أن رائحة البن أصبحت جزءًا من اختناقه اليومي، والسجائر صارت الرفيق الوحيد لصمته.
وفي تلك اللحظة، خرج صوت مريم ببرود وهي لا تزال تنظر إلى التلفاز:
"ارحم نفسك شويه بدل ما انت عايش على القهوة والسجاير وبس وحتى الشركه مبقتش تنزلها."
لم ينظر لها، ولم يرد.
سكب القهوة في الفنجان، حمله بين يديه، وعاد إلى غرفته في صمت، صمت كان أبلغ من أي رد، وكأنه يعلن رفضه لها دون أن يضيع حرفًا واحدًا.
ضغطت مريم على أسنانها بغيظ، وشعرت أن تجاهله يلسع كرامتها، فتمتمت بنفاذ صبر:
"الولد ده مصر يخرجني عن شعوري ويعصبني."
ثم دفعت مقعدها نحو غرفته، بعصبية واضحة، وفتحت الباب دون استئذان.
وجدته جالسًا على سريره، منحنيًا قليلًا للأمام، يرتشف قهوته ببطء، وسيجارة بين أصابعه، يستهلكها كما تستهلكه أفكاره.
اقتربت منه سريعًا، نزعت السيجارة من يده وألقتها أرضًا بعنف، ثم قالت بنفاذ صبر:
"بقولك ايه انا جبت اخري منك، مالك يا اخويا عايش دور الحبيب المهجور كده ليه؟ ما مصيرها كانت هتعرف انت مين وابن مين، وبعدين انت اللي عملت كده فى نفسك، وصلتها للمرحلة دي، احنا مش بتوع حب ونحنحه يا ابني، احنا من الاول خالص هدفنا كان واضح، من اللحظة اللي رجعت فيها لحضني تاني من الملجأ وقتها اتفقنا أننا هنشيل قلبنا ده خالص، هندوس على البشر قبل ما هما يدوسوا علينا، واديك شفت بنفسك قسوة الدنيا على الضعيف، بدوس عليه وتهينه، وتحترم بس اللي معندهوش قلب ولا رحمة، شوف نفسك وصلت لايه لما لاغيت قلبك وشوف دلوقتي اللي حصلك لما استخدمته، ارجع يا شاهين لابني اللي ربيته على أن مافيش حاجه تكسره."
كانت كلماتها تنساب كسمّ قديم محفوظ، تعرف جيدًا كيف تزرعه داخله، وكيف تلامس أضعف نقاطه، كما فعلت معه سنوات طويلة.
لكن هذه المرة، الكلمات لم تدخل.
كانت ترتطم بشيء جديد تكون بداخله.
شيء اسمه رنيم.
كل كلمة منها كانت تقابل داخل صدره بصورة وجهها، بصوتها، بوجع عينيها وهي تنظر إليه وكأنه صار غريبًا عنها.
وكان ذلك وحده كافيًا ليجعله يرفض السم لأول مرة.
انتفض فجأة من مكانه، نهض بعنف حتى ارتجف الفنجان بين يديه، وضعه جانبًا وتحرك مبتعدًا عنها كأن قربها يخنقه، ثم قال بصوت خرج محملًا بسنوات كاملة من القهر والغضب:
"انتي لو ام بجد، كان يهمك مصلحة ابنك، راحته وراحت قلبه، إنما انتي واحده شيفاني مجرد وسيلة تحركيها لتنفيذ رغباتك المريضه الشيطانيه، بس ده طبيعي بالنسبالك، اللي يخلي ام ترمي ابنها وهو حتة لحمة حمرا فى ملجأ عشر سنين ومتسألش فيه طول السنين دي، ويوم ما تفتكريني، تفتكريني علشان تكبري الشر جوايا، ولما اكبر انتقملك من عيلة الرواي، خلصنا من انتقامي منهم، دخلنا فى انتقامك من ترنيم علشان خلت جوزها وسلطان انتقموا منك بسبب الغيره، وفي الاخر غريب كان هو السبب فى عجزك ده دلوقتي، افتكرتيني بقى فى كل ده؟ لا، عارفه ليه، علشان انتي انانيه كل اللي يهمك مصلحتك انتي وبس، حتى لو على حساب الكل ومنهم أنا ابنك."
تجمدت مريم مكانها.
لأول مرة ترى شاهين هكذا.
لأول مرة تشعر أن قبضتها عليه بدأت ترتخي.
أن هناك يدًا أخرى امتدت إلى روحه وسحبته بعيدًا عنها.
ورغم صدمتها، فهمت الحقيقة بسرعة.
رنيم، هذه الفتاة أصبحت خطرًا حقيقيًا.
ليست خطرًا على خطتها فقط، بل على سيطرتها الكاملة عليه.
اشتعل شيء مظلم داخلها، لكن ملامحها بقيت جامدة.
أومأت برأسها، وأخفت سمها خلف نبرة هادئة مزيفة وقالت:
"وانا علشان اثبتلك أن أهم حاجه عندي هي مصلحتك، أنا موافقه انك تتجوز البنت دي وانا كمان اللي هطلب منها أنها توافق عليك وهخلي اخوها زين يقنعها ايه رأيك بقى؟"
نظر لها شاهين طويلًا، نظرة رجل يعرف من أمامه جيدًا.
يحفظ كل التفافاتها، وكل سمومها.
ثم ابتسم بسخرية مريرة وقال:
"عيب عليكي أنا تربيتك وحافظ دماغك السم دي اكتر من نفسي، واوعي شيطانك يوزك، وتفكري تقربي من رنيم، علشان صدقيني وقتها السحر هيتقلب على الساحر وكل الشر اللي شربته منك هيطلع عليكي، واللي خلاني اقتل أبويا بأيديا، هقتلك انتي كمان ماشي؟"
ساد الصمت بعد كلماته.
صمت ثقيل، خانق، يحمل تهديدًا حقيقيًا هذه المرة.
ثم استدار عنها وتحرك إلى الشرفة.
أشعل سيجارة أخرى، أخذ منها نفسًا طويلًا، كأن النار التي بداخلها لا يكفيها احتراق التبغ، وزفر الدخان في الهواء وهو يرفع عينيه للسماء.
كانت عيناه شاردتين، موجوعتين، كأن كل ما حوله فقد معناه.
للمرة الأولى في حياته، لم يكن يخشى عدوه، بل كان يخشى خسارة الشخص الوحيد الذي جعله يشعر أنه إنسان.
****************************
عند رنيم...
جلست رنيم خلف مكتبها، ساكنة الجسد، مضطربة الروح، تحدق في الفراغ أمامها وكأنها تبحث داخله عن شيء ضاع منها ولم تعد تعرف كيف تسترده. في الأيام الأخيرة، صار الشرود رفيقها الدائم، وصار اسم واحد فقط يحتل زوايا عقلها وقلبها معًا، شاهين.
كانت تحاول، بكل ما أوتيت من عناد، أن تنتزعه من داخلها، أن تقنع نفسها أن ما كان بينهما لم يكن سوى وهم جميل انكسر على صخرة الحقيقة، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة؛ فكلما حاولت دفنه في أعماقها، عاد إليها أكثر حضورًا، أكثر التصاقًا بها، كأن ذكراه قد نبتت في روحها جذورًا يصعب اقتلاعها.
كانت عيناه تطاردانها في كل لحظة؛ تلك النظرات التي كانت تراها صادقة حد الوجع، وذلك الاهتمام الذي أغدقه عليها دون أن يطلب شيئًا في المقابل، وذلك الحضور الذي تسلل إلى حياتها بهدوء حتى صار جزءًا منها.
اشتاقت إليه، نعم، رغم كل شيء اشتاقت.
اشتاقت لصوته، لعناده، لوجوده الثقيل الجميل في أيامها، حتى صارت تشعر أن غيابه فراغ هائل يلتهم ما تبقى من تماسكها.
أطلقت زفرة طويلة، ساخنة، خرجت محملة بثقل ما يعتصر صدرها، وكأنها تحاول بها أن تطفئ الحريق المشتعل داخلها، لكن الحنين كان أقوى من كل محاولاتها.
في تلك اللحظة، قطع طرق خفيف على الباب خيط أفكارها المتشابكة.
أذنت بالدخول.
فتحت السكرتيرة الباب، وقالت بصوت هادئ:
"باشمهندسه رنيم فيه واحد بره عايز يقابل حضرتك."
رفعت رنيم رأسها باستغراب، وكأنها عادت للحاضر بعد رحلة طويلة داخل أفكارها، ثم قالت بتساؤل:
"واحد! مين ده واسمه ايه؟"
أجابتها السكرتيرة بتوضيح:
"بيقول أنه مستثمر كبير وعايز يقابل حضرتك علشان شغل."
في لحظة، تبدلت ملامحها، وانعكس الأمل على وجهها كوميض مفاجئ وسط عتمة طويلة.
اعتدلت في جلستها سريعًا وقالت:
"دخليه بسرعه وابعتي المحامي."
أومأت السكرتيرة برأسها وخرجت.
بعد دقائق، دخل الرجل بخطوات ثابتة وابتسامة هادئة، تحمل ثقة واضحة.
استقامت رنيم بجسدها، وأومأت له بترحاب قائلة:
"منور يا فندم، اتفضل."
جلس على المقعد بكل هدوء، ثم تكلم معرفًا بنفسه:
"أنا ياسر أسامة، رجل اعمال امارتي مصري ومستثمر كمان، وسمعت أن فى الفترة الأخيرة الشركه بتعاني من أزمة مالية وده حصل بعد وفاة باشمهندس حسام واللي كان خيره على الكل، وخبرته فى الشغل اللي الكل بيشهد بيها، فأنا كنت حابب استثمر فى شركتكم ومتأكد انك هتكوني زي باشمهندس حسام واحسن كمان، ايه رأي حضرتك."
نظرت له رنيم بسعادة حقيقية، تكاد لا تصدق أن بابًا كان مغلقًا في وجهها بدأ يفتح فجأة.
شعرت لأول مرة منذ فترة أن الأرض تعود ثابتة تحت قدميها.
أومأت سريعًا وقالت:
"موافقة طبعا، بس ليه شركتنا أحنا بالذات؟"
اعتدل في جلسته، ثم قال موضحًا:
"زي ما قولت لحضرتك باشمهندس حسام خيره عليا فى أول طريقي، واستفدت منه كتير فى إدارة الأعمال وطريقته معايا هي اللي قوة شخصيتي فى حياتي العملية دلوقتي، وأقل واجب أن أقف مع الشركة اللي كانت بدايتي فيها، وكمان حضرتك أنا راجل مستثمر واكيد مش هحط فلوسي فى مكان الا وانا متأكد أن هيرجع ليا أضعافه، علشان كده أنا مستعد نمضي العقود حالا والشيك هيكون مع حضرتك دلوقتي."
تنهدت براحة حقيقية، وكأن جزءًا من الحمل الذي كانت تحمله بدأ يخف أخيرًا.
وقالت بامتنان:
"شكرا لثقة حضرتك الغاليه، وان شاءالله نكون قد الثقه دي."
ابتسم لها بثقة وقال:
"وانا واثق فيكم جدا، بالتوفيق ليكم."
وفي ذلك الوقت حضر المحامي، ورحب بالرجل، وبدأت الإجراءات القانونية بهدوء، الأوراق توقع، العقود توثق، والمحاسب يسجل كل شيء بدقة.
كل شيء كان يسير بسرعة غير معتادة، وكأن القدر قرر فجأة أن يمنحها هدنة قصيرة بعد سلسلة طويلة من الضربات.
وما إن انتهى كل شيء، غادر الرجل على الفور.
ظلت رنيم تنظر إلى الأوراق أمامها للحظات، كأنها تحتاج وقتًا لتصدق أن الأزمة التي كادت تسحقها بدأت تتفكك.
ثم رفعت عينيها إلى المحامي والمحاسب وقالت:
"المبلغ ده هيسدد ديون الشركة كلها وكمان هنقدر نشغل خطوط الانتاج من تاني علشان نسلم الدفعات المتأخرة."
تكلم المحامي قائلاً:
"فيه حاجه غريبه حصلت النهاردة الصبح حضرتك."
رفعت حاجبيها باستغراب وقالت:
"حاجة ايه دي؟"
أجابها بتوضيح:
"المفروض أنهم كانوا هيقدموا شكوا بالشروط الجزائيه المتأخرة علينا، بس لما سألت، لاقيتهم فعلا قدموا لكن رجعوا سحبوا الشكوى كلهم مرة واحدة، اتواصلت معاهم لأن حسيت بحاجة مش طبيعيه بتحصل، اجابتهم كان رد واحد أن فيه شخص أتدخل واتفق معاهم أنهم يصبروا علينا ويسحبوا الدعوة، ووعدهم بتعويضهم بتسهيلات من عنده ليهم، بس رفضوا يقولوا اسمه."
انعقد حاجباها باستغراب. شيء غريب.
شيء أكبر من مجرد صدفة. قالت بحيرة:
"شخص!! مين ده اللي عمل كده وليه؟"
وفي تلك اللحظة، لمع اسم واحد في عقلها. زين.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها، وشعرت بدفء مفاجئ وهي تقول:
"خلاص عرفته، اكيد اخويا زين، مافيش غيره، ربنا يخليه ليا."
استقام المحامي والمحاسب وقالا:
"ربنا يخليكم لبعض، هنروح احنا بقى نبدأ شغلنا وان شاءالله الشركه ترجع احسن من الاول."
غادرا المكتب.
وبمجرد أن أصبحت وحدها، أمسكت هاتفها سريعًا واتصلت بزين.
ما إن سمعت صوته حتى قالت بامتنان صادق:
"انت اجمل اخ فى الدنيا، ربنا يخليك ليا."
جاءها صوته متعجبًا:
"ويخليكي ليا يا قلب اخوكي، بس ليه كل ده؟"
ابتسمت وهي تقول بمزاح:
"يا سلام يا ابني على التواضع، خلاص عرفت انت عملت ايه، وبتكلم الناس ومش عايزهم يقولوا اسمك ليه؟ اديني عرفت من غير ما هما يقولوا."
تنحنح بتوتر وقال:
"ها ا أنا مش فاهم حاجه."
زفرت بنفاذ صبر وقالت:
"خلاص بقى يا زين عرفت انك كلمت الناس، علشان يسحبوا الدعوة ضدي على الشرط الجزائي بتاعهم، بحبك اوي يا زين انت اجمل حاجه ربنا رزقني بيها."
تكلم سريعًا بتلعثم:
"ايه ده انتي عرفتي ازاي؟ ده انا مأكد عليهم محدش يقولك مين اللي عمل كده."
ابتسمت بحب وقالت بلوم لطيف:
"وليه تعمل كده؟ انت مش عايز تعرفني أن اخويا واقف فى ضهري وسندني؟"
ابتسم بتوتر وقال:
"ها، ل لا مش علشان كده، بس مبحبش أظهر فى الصورة كتير، المهم انك تكوني سعيدة، دي عندي بالدنيا."
شعرت رنيم بدفء غريب، ربما لأنها كانت في أمس الحاجة لشعور السند.
فقالت بسعادة واضحة:
"أنا فرحانه اوي، يعني اللي انت عملته، وكمان النهارده اتعاقدنا مع مستثمر جديد فى الشركة وكل حاجه خلصت وقتي، ومشاكل الشركة كلها اتحلت في يوم واحد."
ساد الصمت للحظات.
صمت لم تفهم سببه.
ثم جاءها صوته أخيرًا، لكن هذه المرة بنبرة مختلفة:
"مستثمر!! امم تمام يا حبيبتي ربنا يوفقك أنا لازم اقفل دلوقتي، سلام."
أغلقت الخط، وما زالت الابتسامة على وجهها.
وضعت الهاتف على المكتب، ونظرت أمامها. كانت الأمور تتحسن.
الشركة بدأت تنهض. الأزمات بدأت تحل.
المفترض أن تكون سعيدة. لكن الغريب، أن قلبها لم يذهب لكل ذلك.
ذهب لشخص واحد فقط. شاهين.
تمنت في تلك اللحظة، رغم كل شيء، لو كان موجودًا أمامها الآن، يضايقها كعادته، يتحداها بنظراته، يقترب منها بذلك الأسلوب الذي كان يربكها، ثم يهمس لها بكلماته التي كانت تحفظها رغمًا عنها. اشتاقت له.
واعترفت بذلك داخلها لأول مرة.
اشتاقت لصوته، لحضوره، لوجوده حولها.
أغمضت عينيها وأخرجت تنهيدة حزينة، ثم اعتدلت في جلستها، دفنت ضعفها داخل العمل، وبدأت تراجع الأوراق أمامها، لكن الحقيقة كانت واضحة.
جسدها عاد للعمل. أما قلبها، فما زال عالقًا هناك، في الشرفة المقابلة.
***************************
عند أروى...
جلست أروى في الغرفة التي كانت تخص رنيم سابقًا داخل فيلا حسام، وقد أحاط بها صمت ثقيل جعل المكان يبدو أكبر مما هو عليه، وأكثر برودة مما اعتادت. كانت الغرفة تحمل بقايا حضور قديم؛ تفاصيل صغيرة متناثرة هنا وهناك، صورًا وذكرياتٍ عالقة في الجدران والزوايا، وكأنها ما زالت تحتفظ بأنفاس من سكنها يومًا.
لكن أروى لم تكن ترى كل ذلك الآن.
كل ما كانت تشعر به هو الاختناق.
منذ أيام وهي تعيش داخل دائرة مغلقة؛ حماية مشددة، مراقبة دائمة، وخوف لا تفهم أسبابه بالكامل، حتى بدأ الأمر يتحول داخلها إلى سجن حقيقي.
كانت تتحرك داخل الغرفة ذهابًا وإيابًا، ثم تعود لتجلس، ثم تنهض مجددًا، كأن جسدها يرفض الاستسلام لهذا الجمود.
الملل كان ينهشها ببطء، لكن ما كان يؤلمها أكثر من الملل، هو الغياب.
غياب أحمد. ذلك الحضور الذي صار جزءًا ثابتًا من يومها، كأن رؤيته كل صباح كانت طقسًا من طقوس حياتها، شيئًا بسيطًا لكنه يمنح يومها معنى.
والآن، فجأة، انقطع كل شيء.
لا لقاءات، لا مصادفات، لا حتى نظرة عابرة تطمئن قلبها.
وفي خضم أفكارها، صدح هاتفها معلنًا عن اتصال.
التقطته بسرعة، وما إن وقع بصرها على الاسم حتى تبدلت ملامحها في لحظة، وخف شيء من الضيق الجاثم فوق صدرها. وكأن مجرد اسمه كان كفيلًا بأن يزرع شيئًا من الحياة في قلبها.
أجابت سريعًا، لكن بنبرة تحمل كل ضجرها المكتوم:
"ألو، ازيك يا احمد."
وصل إليه ضيقها من أول حرف، فعقد حاجبيه بقلق وقال بتساؤل:
"مالك يا أروى فيه حاجه مضايقاكي؟"
أغلقت عينيها للحظة، وشعرت أن مجرد سؤاله عنها أرخى جزءًا من توترها، لكنها لم تستطع إخفاء اختناقها وهي تقول:
"زهقت يا احمد، أنا محبوسه بين أربع حيطان ومش قادرة اشوفك زي الاول، أنا نفسي نخلص بقى من اللي احنا فيه ده."
كان يسمع الضيق المتراكم خلف كلماتها، ويدرك أن ما تعيشه ليس سهلًا؛ فتاة اعتادت الحرية والحركة، تجد نفسها فجأة محاصرة بالخوف والقيود.
رد عليها بصوت هادئ، محاولًا أن يحتوي غضبها وحنينها معًا:
"معلش يا أروى لازم يكون عندك طولة بال، وتقدري الظروف اللي انتوا فيها دي، هما خايفين عليكي علشان كده مش بيخرجوكي الفترة دي، أنا هتجنن عليكي وحشتيني اوي كمان، بس مستعد استحمل الاشتياق ده مدام امان ليكي."
ارتجف قلبها عند اعترافه باشتياقه، لكن ذلك لم يخفف وجع الحرمان.
زفرت بضيق وقالت بتساؤل:
"خايفين عليا من ايه؟ مش فاهمه حاجه، وبعدين يا احمد انت كنت شئ اساسي فى يومي لازم اشوفك كل يوم الصبح، دلوقتي مش عارفه اشوفك حتى ولو صدفة، ده عذاب ليا والله."
ابتسم أحمد رغم ألمه.
كان يعرف أن تعلقها به صار أعمق مما تظهره، وكان هذا وحده كافيًا ليشعره بشيء من السعادة وسط قلقه عليها.
تكلم بوعد رجولي صادق:
"هخلي خالك تامر يجي يوم يخدك تقعدي معانا شويه واهو نبقى شفنا بعض وخلاص."
ساد الصمت بينهما لثواني.
أروى لم تجب فورًا.
كانت فقط تستمع إلى صوته، كأنها تعوض بهذا الصوت غياب وجهه، غياب قربه، غياب تلك اللحظات الصغيرة التي كانت تجمعهما.
وأخيرًا تكلمت بصوت مختنق، يحمل شوقًا أكثر مما يحمل رضا:
"ماشي."
ابتسم على تذمرها الطفولي، وتخيل ملامحها العابسة الآن، فقال بحنان واضح:
"خلاص بقى يا قلبي بلاش تبقى شبه الاطفال كده، وحياتك عندي هتصرف وهنتقابل فى أقرب وقت."
تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغمًا عنها.
كان يملك قدرة غريبة على تهدئة فوضاها الداخلية، فقط بصوته، بكلماته، بحضوره حتى لو كان عبر الهاتف.
قالت بنبرة أكثر هدوءًا:
"ماشي خلاص، هستناك."
أنهت المكالمة، وبقي الهاتف بين يديها لثواني طويلة.
نظرت إلى شاشته المظلمة بعد انتهاء الاتصال، ثم ضمته إلى صدرها بقوة، وكأنها تحتضنه هو.
أغمضت عينيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عاشقة صافية، ثم همست بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد:
"بعشقك أووي، قمر يا ناس."
وكان هذا هو تأثير أحمد عليها، صوته وحده كان قادرًا على أن ينتشلها من أسوأ حالاتها، ويبدل مزاجها بالكامل، كأن وجوده صار مرادفًا للطمأنينة في قلبها.
***************************
عند رنيم...
عادت رنيم من عملها في ذلك المساء بخطوات أخف مما كانت عليه منذ أيام طويلة، وكأن حملًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق صدرها وبدأ أخيرًا يزول شيئًا فشيئًا. لأول مرة منذ وفاة حسام، شعرت أن الحياة لم تغلق أبوابها بالكامل في وجهها، وأن الشركة التي كادت تسقط بين يديها عادت تتشبث بالحياة من جديد.
كان اليوم، رغم كل شيء، رحيمًا بها.
المشكلات التي ظنتها ستطاردها طويلًا بدأت تنحل واحدة تلو الأخرى، والمستقبل الذي بدا مظلمًا منذ أيام، صار يحمل بصيص نور واضح.
وقفت داخل المصعد، تستند برأسها إلى الجدار المعدني، وعيناها شاردتان في فراغ بعيد، لكن وسط كل ما تحقق اليوم، لم يكن عقلها مشغولًا بالعمل.
بل به. شاهين.
ذلك الاسم الذي صار يقتحم أفكارها دون استئذان، ويعبث بتوازنها الداخلي كلما حاولت أن تستعيد صلابتها.
أغمضت عينيها للحظة وهي تتذكر ملامحه المنهكة صباحًا، لحيته غير المرتبة، نظراته المكسورة، وصوته المختنق وهو يحاول الدفاع عن نفسه أمامها.
كانت قد أقنعت نفسها أنها قوية بما يكفي لتبتعد.
لكن الحقيقة المؤلمة، أنها لم تبتعد.
جسدها فقط هو من ابتعد.
أما قلبها، فما زال هناك، عالقًا عنده.
صدر صوت المصعد معلنًا وصوله إلى الطابق. انفتح الباب.
خرجت منه بخطوات هادئة، وما إن اقتربت من شقتها حتى تسللت عيناها رغمًا عنها إلى باب شقته.
وقفت لثانية. ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية لتوقظ داخلها كل ما حاولت دفنه.
زفرت بقوة، وكأنها تعاتب نفسها على ضعفها، ثم أسرعت تتحرك نحو باب شقتها، وأخرجت مفاتيحها من حقيبتها بارتباك واضح.
وضعت المفتاح داخل الباب وأدارته سريعًا.
وما إن انفتح الباب، حتى شعرت فجأة بجسد صلب يلتصق بها من الخلف، يدفعها إلى الداخل بقوة أربكت أنفاسها.
شهقت بصدمة.
دخل خلفها مباشرة، وأغلق الباب بيده.
التفتت إليه بسرعة، لكن قبل أن تستوعب ما يحدث، كانت قد أصبحت محاصرة بين الحائط وجسده.
أسند ذراعيه على جانبيها، مانعًا عنها الهروب، بينما عيناه كانتا مثبتتين عليها بنظرة مشتعلة، نظرة رجل وصل به الاشتياق إلى حافة الانهيار.
وتكلم بصوت خافت، مبحوح، وكأنه يخرج الكلمات من قلبه لا من فمه:
"أنا مبقتش قادر اعيش يومي من غير ما أشوف عيونك، أنا بقيت شخص مدمن ليهم يا رنيم، اليوم اللي بيمر عليا من غير ما شوفهم ببقى عصبي، مش طايق نفسي محتاج جرعتي منهم، بترجاكي بلاش تحرميني منهم، علشان بموت من غيرهم."
تجمدت مكانها. لم تكن المشكلة في قربه، بل في تأثيره.
كلماته دخلت قلبها مباشرة، كأنها مفاتيح سحرية تفتح الأبواب التي أغلقتها بصعوبة.
هل أحد يسمع دقات قلبها الآن؟
لأنها كانت تصرخ داخل صدرها بعنف.
تتمرد عليها. تدفعها نحوه.
تطالبها بأن تلين، أن تتوقف عن المقاومة، أن تستسلم لهذا الرجل الذي أحبته رغمًا عنها.
كانت تشعر بعطش داخلي نحوه، حنين جارح، ورغبة في أن تختبئ بين ذراعيه وتصدق كل كلمة يقولها.
لكن عقلها، ذلك العدو القاسي.
تدخل في اللحظة المناسبة، وأيقظ فيها الحقيقة التي تحاول تجاهلها.
فدفعت صدره بعيدًا عنها بعنف، وقالت بغضب حاولت أن تستمده من كسرها الداخلي:
"انت اتجننت يا شاهين! اطلع من هنا احسنلك."
تراجع خطوة، لكن لم يكن ذلك الرجل الذي يعرف الاستسلام.
كان شاهين الرواي، الرجل الذي حين يريد شيئًا، يطارده حتى النهاية.
اقترب منها مرة أخرى، لكن هذه المرة ببطء، وكأنه يمنحها فرصة للهرب.
وهي لم تهرب.
مد ذراعه وأحاط خصرها بقوة جعلت أنفاسها تتعثر، وجذبها نحوه حتى لم يعد بينهما إلا مسافة أنفاس.
اقترب بوجهه منها، حتى شعرت بحرارة أنفاسه تلامس بشرتها، تربكها، تزلزل ثباتها.
ثم همس أمام شفتيها، بصوت منخفض يحمل وعدًا وخطرًا معًا:
"مشكلتك أن ضعفك بيظهر فى لحظة قصادي، أنا ممكن اخد منك اللي انا عايزة بكل سهوله، بس انا مش هعمل كده، لأن قلبي مستحيل يقبل يأذيكي حتى لو برضاكي، بلاش تسمعي كلام عقلك، واسمعي كلام قلبك ودقاته المتمردة اللي بتضرب فى صدرك دي."
ارتجفت. ارتجفت فعلًا.
ليس خوفًا منه، بل خوفًا من نفسها.
من ذلك الانهيار الذي تشعر أنه يقترب.
من حقيقة أنها تريده، رغم كل ما تعرفه عنه.
ثم رفع يده ببطء، ووضع أصابعه فوق موضع قلبها، حيث كانت ضرباته تعلن خيانتها لها.
وقال بصوت خافت، كأنه يقرأ أسرارها:
"قلبك ده بقى ملكي أنا وبس، برضاكي، أو غصب عنك، أنا سبق وقلتلك متحبنيش يا رنيم ولما سألتيني ليه، قلتلك علشان خايف عليكي مش علشان انا مش عايز ده، ومدام عرفتي الحقيقة، أنا اللي بطلب منك دلوقتي تحبيني يا رنيم، علشان أنا عايز ده."
حبست أنفاسها. شعرت وكأن جسدها كله فقد قدرته على الحركة.
كل ذرة عقل داخلها كانت تصرخ بالابتعاد، لكن قلبها كان يركض نحوه بلا رحمة.
شد ذراعه حول خصرها أكثر، وكأنه يشعر بانهيار مقاومتها، وقال بصوت هامس، واثق:
"أنا مش محتاج اقولك كده، لأن حبي واضح أوي في عيونك."
أغمضت عينيها بقوة. لأنه كان محقًا.
للأسف، كان يرى ما تخفيه.
ثم مال نحو أذنها، واقترب حتى صار صوته وحده كافيًا لإرباك روحها، وهمس بصوت جعل جسدها كله ينتفض تحت وطأة صدقه:
"بحبك يا رنيم."
وفي تلك اللحظة، شعرت رنيم أن كل الحروب التي كانت تخوضها داخلها، توقفت. وكأن قلبها، للمرة الأولى، لم يعد قادرًا على القتال.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني والعشرون
كادت رنيم أن تستسلم.
كادت أن تهدم كل الحصون التي بنتها داخل قلبها منذ أن عرفت الحقيقة، وأن تترك نفسها تسقط في ذلك الاعتراف الذي خرج منه صادقًا، ساخنًا، مليئًا بذلك الوجع الذي طالما شعرت به في عينيه قبل أن تسمعه على لسانه. للحظة قصيرة، قصيرة جدًا، شعرت أن مقاومتها تتآكل، وأن قلبها يخذلها أمامه، وأن كل المسافات التي حاولت صنعها بينهما تنهار واحدة تلو الأخرى.
لكن في اللحظة الأخيرة، وكأن عقلها انتزعها انتزاعًا من ضعفه، دفعت شاهين بعيدًا عنها بقوة جعلته يتراجع خطوة، ثم استدارت سريعًا وأعطته ظهرها، وكأنها تهرب من عينيه قبل أن تهرب منه. رفعت يدها المرتجفة إلى وجهها، تمررها عليه في ارتباك واضح، تحاول أن تلتقط أنفاسها التي اضطربت، وأن تخفي رجفة قلبها التي فضحتها، ثم قالت بصوت مختنق اختلط فيه الغضب بالألم:
"أطلع بره يا شاهين، ابعد عني وأنساني، علشان أنا عمري ما هكون لابن الست اللي ايديها كلها دم أهلي، أنت لو أخر راجل، عمري ما هحبك يا شاهين يا راوي."
تصلبت ملامح شاهين للحظة وهو يستمع إلى كلماتها، لا لأن كلماتها كانت جديدة عليه، بل لأنها كانت الحقيقة التي يحاول جاهدًا أن ينجو منها، الحقيقة التي تقف دائمًا بينهما كحاجز لا يستطيع كسره مهما امتلك من قوة. لكنه، رغم ذلك، لم يتراجع.
اقترب منها مرة أخرى بخطوات بطيئة ثابتة، وكأنه يرفض فكرة الابتعاد من الأصل، ثم أحاطها بذراعيه من الخلف بقوة، كأنما يخشى أن تفلت منه، وأسند ذقنه قرب رأسها وتكلم بنبرة صادقة عاشقة، خرجت محملة بكل ما عجز عن قوله من قبل:
"وانتي مش هتكوني غير ليا يا رنيم، أنا ماليش دعوة أمي عملت ايه زمان، أنا ليا قلبي اللي حبك دلوقتي ومستعد يبيع الدنيا كلها ويشتريكي."
أغلقت عينيها بقوة، وكأن صوته وحده صار عبئًا على ثباتها. كان حضوره قريبًا أكثر مما ينبغي، ودقات قلبه التي تكاد تشعر بها من شدة التصاقه بها جعلت مقاومتها أكثر صعوبة. لكنها كانت تعرف أن الحب وحده لا يمحو الدم، ولا يبدل الماضي، ولا يقتل الذاكرة.
خرج صوتها ضعيفًا، مهزوزًا، يحمل استسلامًا موجوعًا أكثر مما يحمل رفضًا:
"ارجوك يا شاهين، ابعد عني، أنا وأنت مش هينفع نكون مع بعض فكرت أن مريم تبقى امك هتقلب حياتنا، كل مرة هشوفها فيها هشوف دم ماما وبابا على ايديها، كرهي ليها هيكرهني فيك انت كمان."
شعر شاهين بكل كلمة وكأنها سكين تغرس في صدره ببطء، لكنه لم يبتعد. على العكس، مال برأسه ببطء وقبل عنقها قبلة طويلة هادئة، قبلة رجل يتمسك بآخر ما يملك، ثم قال بصوت خافت، عاشق، يحمل وعدًا يكاد يتوسل به إليها:
"اديني فرصة وانا اوعدك مش هتحسي بوجودها فى حياتنا."
ارتجف جسدها بين ذراعيه، وتحرك رأسها بالرفض، ليس لأنها لا تصدقه، بل لأنها تعرف أن الواقع أقسى من الوعود، وأن بعض الحقائق لا يمكن دفنها مهما حاول الإنسان.
كانت على وشك أن تتكلم، أن تقول شيئًا ينهي هذا الصراع المشتعل بين قلبها وعقلها، لكن صوت طرقات على الباب قطع اللحظة فجأة.
انتفضت قليلًا، وكأن الطرقات أعادتها دفعة واحدة إلى الواقع، فنظرت إلى شاهين باستغراب، ثم تحركت مبتعدة عنه بسرعة وكأنها تلتقط فرصة للنجاة من قربه، لكن قبل أن تصل إلى الباب، سمعت صوته الرجولي يقول لها بحزم:
"استني، أنا هفتح."
تحرك شاهين نحو الباب، وكان الضيق ظاهرًا على وجهه من ذلك الانقطاع المفاجئ، مد يده وفتح الباب، لكن ما إن رأى الطارق حتى انطفأت كل ملامحه دفعة واحدة، وحل محلها غضب بارد، وأغلق عينيه للحظة كأنه يحاول السيطرة على نفسه، ثم قال من بين أسنانه:
"جايه تعملي ايه هنا؟"
دفعت مريم مقعدها إلى الداخل بثقة مستفزة، وكأن المكان يخصها، ثم رفعت عينيها نحو رنيم، وابتسمت لها تلك الابتسامة التي كانت كفيلة بإشعال الدم في عروقها، وقالت ببرود:
"جايه اطمن على الغالية بنت الغالية."
اشتعلت عينا رنيم فورًا، وشعرت وكأن مجرد رؤيتها يعيد أمامها كل الذكريات السوداء، كل الوجع، كل الدماء التي لم تجف داخل روحها، فنظرت إلى شاهين بضيق وغضب وقالت:
"خد امك واطلع بره، مش عايزه اشوف وش حد فيكم."
التفت شاهين إلى مريم بعينين قاسيتين، وكأن وجودها صار عبئًا ثقيلًا عليه، وقال بغضب واضح:
"بعد كده ملكيش دعوة برنيم خالص، علشان رد فعلي مش هيعجبك."
لكن مريم، وكعادتها، لم تتراجع، بل اقتربت أكثر بمقعدها، ومالت بجسدها قليلًا للأمام وهي تقول بنبرة أشد استفزازًا:
"انتوا مالكم مضايقين من وجودي دلوقتي ليه؟ لكون جيت فى وقت مش مناسب ولا حاجة وقطعت عليكم اللحظة الحلوة."
اشتعل غضب رنيم أكثر، ولم تعد قادرة على احتمال وجودها أو كلماتها، فصرخت بها بصوت مرتفع:
"خدها وامشي من قصادي مش عايزة اشوفكم ولا اسمع صوتكم."
ساد توتر ثقيل بالمكان.
ظل شاهين واقفًا بينهما، ينظر لكل واحدة منهما بعين حذرة، يشعر أن الموقف ينفلت من يده، وأن كل كلمة تقال تزيد النار اشتعالًا داخله، حتى وصل إلى حافة احتماله.
وفجأة، رفع يده وضرب بها الطاولة بقوة هائلة.
تهشم الزجاج تحت قبضته، وتناثرت قطعه الصغيرة في كل اتجاه، وكان صوت الكسر حادًا بما يكفي ليجعل الاثنتين تنتفضان في مكانهما من شدة الفزع.
رفع شاهين رأسه، وصوته خرج خشنًا غاضبًا، يكاد يحمل إنذارًا واضحًا:
"مش عايز اسمع صوت حد فيكم."
ثم أدار وجهه إلى والدته، ونظر إليها نظرة جامدة خالية من أي لين، وقال بصوت منخفض لكنه مخيف في هدوئه:
"اتفضلي روحي على الشقه هناك واياكي تقربي من هنا تاني."
كادت رنيم أن تتكلم، لكنه رفع أصابعه بإشارة تحذير حاسمة وأوقفها قبل أن تبدأ:
"مش عايز اسمع كلمه واحدة دلوقتي يا رنيم."
ابتلعت ريقها بصعوبة، والتزمت الصمت رغم غضبها، لكن عينيها توقفتا فجأة على الدم الذي بدأ ينزف من يده بسبب الزجاج المهشم.
نظر شاهين إلى مريم، فوجدها ما زالت ثابتة مكانها، وكأنها تتحداه بصمت، فرفع صوته هذه المرة بشكل جهوري، جعل الجدران ترتجف من حدته:
"روحي الشقه يا امي دلوقتي اسمعي الكلام."
رمقته مريم بغضب مكبوت، ثم دفعت مقعدها بعنف واستدارت، وغادرت المكان أخيرًا، عائدة إلى الشقة الأخرى، تاركة خلفها توترًا خانقًا ملأ المكان كله.
أغلق شاهين عينيه لثواني قليلة، يحاول أن يلتقط ما تبقى له من هدوء بعد العاصفة التي مرت قبل لحظات. كانت أنفاسه تعلو وتهبط بعنف، وصدره يضيق كأن الهواء نفسه صار ثقيلًا عليه. غضبه لم يكن من مريم وحدها، ولا من رنيم، بل من نفسه أولًا؛ من عجزه عن إصلاح ما أفسده الماضي، ومن ذلك القدر الذي يصر على وضعه دائمًا في منتصف النار، لا يستطيع الانحياز الكامل لقلبه، ولا الهروب من الحقيقة التي تطارده.
كان الألم داخل صدره أشد من ذلك الجرح النازف في يده، حتى إنه لم يشعر أصلًا بالزجاج وهو يمزق جلده.
لكن وسط ذلك الاضطراب كله، شعر بلمسة خفيفة توقفت فوق يده.
فتح عينيه سريعًا، وكأن اللمسة وحدها كانت كفيلة بإعادته من دوامة غضبه، ليجدها أمامه. رنيم.
كانت تمسك يده بكلتا يديها، تنظر إلى الجرح بعينين مضطربتين، وقد اختلط فيهما الخوف بالغضب، وكأنها رغم كل ما قالته، لم تستطع أن ترى ألمه دون أن تهتز من الداخل.
رفعت عينيها إليه وقالت بصوت مختنق، حاولت أن تجعله ثابتًا لكنه خرج محملًا بقلق واضح:
"الازاز دخل فى ايدك وبتنزف."
نظر إلى يدها الملتفة حول يده، ثم إلى عينيها، وشعر أن قلبه يضعف أكثر أمام هذا التناقض العجيب فيها؛ ترفضه بلسانها، وتلهث روحها خوفًا عليه دون إرادة منها.
سحب يده قليلًا من بين يديها، وكأنه لا يحتمل حنانها أكثر مما يحتمل وجعه، ثم قال بصوت مثقل بالألم:
"نزيف أيدي ده ميجيش حاجة جنب اللي حاسس بي دلوقتي يا رنيم، أنا دلوقتي تايهه، مقدرش استغنى عنك يا رنيم، وفى نفس الوقت مش هقدر أنكر حقيقة أن مريم اللي قتلت اهلك تبقى امي."
وصلت كلماته إليها كأنها خرجت من قلب مفتوح، لا من فم رجل يحاول التماسك.
زفرت بضيق، وشدت على شفتيها بقوة.
كانت تكره هذا الضعف الذي يتسلل إليها كلما رأته منكسرًا، وتكره أكثر أنها، رغم كل ما تعرفه، لا تزال تخاف عليه وكأن قلبها لم يتعلم الكراهية كما ينبغي.
لم تجبه.
أمسكت يده من جديد، هذه المرة بإصرار أكبر، وكأنها لا تعطيه فرصة للاعتراض، ثم جذبته معها وأرغمته على الجلوس فوق الأريكة.
تحركت سريعًا نحو المرحاض، وكانت خطواتها متوترة، متسارعة، وكأنها تهرب من مشاعرها وهي تقوم بما يمليه عليها قلبها رغماً عنها.
وبعد ثواني، عادت تحمل حقيبة الإسعافات.
جلست أمامه على الأرض، في مستوى يده، وأمسكت كفه بحذر شديد، ثم بدأت تنظف الجرح ببطء بالغ، وكأنها تخشى أن تؤلمه أكثر.
كانت حركاتها دقيقة، مرتجفة قليلًا، لكنها حنونة على نحو لا يمكن إخفاؤه.
أما شاهين، فكان ينظر إليها بصمت.
لم يشعر بأي ألم.
كأن الوجع كله توقف عند أول لمسة منها.
كانت أصابعها تتحرك فوق جلده برقة، فتخدر كل شيء داخله، وكأن لمستها تحمل شيئًا يشبه السكينة التي افتقدها طويلًا.
ظل يتأملها، يتأمل انحناءة رأسها، ارتعاش رموشها، تركيزها الشديد وهي تضمد جرحه، وكأنه يحاول أن يحفظ تلك اللحظة داخله، لأنها ببساطة كانت تشبه حياة كاملة بالنسبة له.
انتهت من تضميد الجرح، ورفعت عينيها إليه بحذر، لكنها فوجئت بعينيه معلقتين بها، ممتلئتين بذلك الحب الصريح الذي لم يعد يخفيه.
ارتبكت تحت نظرته.
أخفضت عينيها سريعًا، وبدأت تعيد الأدوات إلى الحقيبة بيد مرتجفة، محاولة الهروب من وقع نظرته عليها.
نهضت من مكانها، واستدارت لتبتعد، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، فوجئت بذراعه تلتف حول خصرها وتسحبها إليه برفق.
تصلب جسدها بين ذراعيه، وتسارعت أنفاسها من جديد.
اقترب منها وهمس قرب أذنها بصوت منخفض، يحمل امتنانًا وولهًا واضحًا:
"لمستك فيها سحر غريب تداوي الجرح من غير ما أحس بألم."
ارتجف صدرها تحت وقع كلماته، وصارت أنفاسها مضطربة على نحو فضح ارتباكها كله.
حاولت أن تتكلم بثبات، لكن صوتها خرج ضعيفًا متقطعًا:
"شاهين سبني ارجوك، واتفضل روح شقتك، ميصحش وجودك هنا الناس هتتكلم."
أدارها إليه بهدوء، حتى صارت تواجهه، ثم رفع يده السليمة ووضعها على خدها بحنان، يمرر أنامله فوق بشرتها وكأنه يهدئها، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة عاشقة وقال:
"اللي يفكر يجيب سيرتك اقطعله لسانه، وهفضل أقولها ليكي العمر كله، انتي بتاعتي أنا يا رنيم، ومش هتنازل عنك بأي شكل من الأشكال، خدي وقتك، ازعلي براحتك، بس انك تختاري البعد مش هسمحلك بده ابدا، أنا راجل اناني اوي فى حبي ليكي، حتى انتي معندكيش حرية الاختيار، قصادك اختيار واحد بس، هو انك تحبيني."
بقيت تنظر إليه بصمت.
وفي عينيه رأت شيئًا لم تستطع إنكاره، شيئًا واضحًا، صريحًا، عاريًا من أي كذب. رأت رجلًا عاشقًا بحق.
رجلًا مستعدًا أن يحارب العالم كله من أجلها.
ابتلعت ريقها بخجل، وشعرت بحرارة غريبة تتسلل إلى وجهها، فأخفضت رأسها إلى الأسفل هربًا من عينيه، لأن الثبات أمام تلك النظرة صار أصعب مما توقعت.
ابتسم شاهين حين رأى خجلها، وكأن خجلها وحده كان اعترافًا صامتًا يكفيه.
مال برأسه، وقبل خدها بحنان بالغ، قبلة هادئة تركت أثرها المرتجف داخلها، ثم ابتعد قليلًا وقال بحب:
"هستناكي فى البلكونه اوعي تحرميني من طلتك عليا فاهمه."
اومأت رأسها بخجل شديد.
تحرك شاهين نحو الباب، وكان على وشك المغادرة، لكن عينيه وقعتا على الزجاج المهشم فوق الأرض والطاولة.
توقف مكانه.
نظر إلى الفوضى التي صنعها قبل قليل، فعاد مرة أخرى، وانحنى يجمع قطع الزجاج بيده بحذر، وكأنه يريد أن يمحو أثر غضبه حتى لا يصيبها أذى منه.
راقبته رنيم باستغراب.
رجل قبل دقائق كان أشبه بعاصفة، والآن يجمع الزجاج بيد مجروحة فقط حتى لا تتأذى هي.
هز ذلك شيئًا عميقًا داخلها.
قالت بتردد واضح:
"س سيبه ا أنا هعمله."
رفع رأسه إليها، ثم هز رأسه بالرفض وقال بهدوء:
"لا علشان ايدك متتأذيش، وبكرة هجيب الراجل يعملك واحد غيره."
أنهى جمع الزجاج، ونهض متجهًا نحو الباب.
لكن قبل أن يخرج، أوقفه صوتها.
كان صوتًا متعمدًا، يحمل تحديًا واضحًا، وكأنها تريد أن تستعيد توازنها أمامه بأي طريقة.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
"صح نسيت اقولك، الشركه هترجع واحسن من الاول كمان، الديون كلها هتتسدد بسبب المستثمر الجديد، واخويا ربنا يخليه ليا خلى الناس سحبت الشكوى اللي كانوا عاملينها ضدي، جيم أوڤر، الصغنن هو اللي فاز فى الاخر، وشاهين الرواي مقدرش عليه."
توقف شاهين مكانه. استدار إليها ببطء.
نظر إليها للحظات، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ابتسامة فهمت منها أنه فهم أكثر مما قالت، وأنه يعرف الحقيقة كاملة لكنه اختار الصمت.
وقال بهدوء:
"مبروك يا صغنن."
ثم خرج من الباب، وأغلقه خلفه محتفظًا بتلك الابتسامة فوق شفتيه.
ظلت رنيم تحدق في الباب المغلق لثواني طويلة، وكأن وجوده ما زال يملأ المكان رغم رحيله.
رفعت يدها إلى شعرها وأرجعته إلى الخلف بتوتر، تحاول أن تفهم ما الذي يحدث معها كلما اقترب منها.
لم تكن تفهم كيف يتحول ثباتها أمامه إلى ارتباك، وكيف تصبح كل قناعاتها هشة حين ينظر إليها بتلك الطريقة.
كان وجوده يربكها على نحو لا يشبهها، ويجعلها تشعر بأن قلبها يسير في طريق، وعقلها يسير في طريق آخر، وأنها عالقة بينهما، لا تعرف إلى أين تمضي.
زفرت بضيق، وهزت رأسها محاولة طرد أفكاره من داخلها، ثم اتجهت إلى غرفتها، لكنها كانت تعرف في قرارة نفسها أن الهروب منه خارج الباب أسهل كثيرًا من الهروب منه داخل قلبها.
*************************
بعد مرور عدة أيام...
ازدحمت قاعة المحكمة بالوجوه المتحفزة والأنفاس الثقيلة، وكان التوتر يخيم على المكان كغيمة سوداء لا تنقشع. جلس الجميع في أماكنهم بقلوب معلقة بما ستؤول إليه تلك الجلسة الأولى، وكأن مصيرهم جميعًا صار مربوطًا بمصير جواهر وحدها.
وقفت جواهر خلف القضبان الحديدية، تشعر بأن الحديد لا يحيط بجسدها فقط، بل يطبق على روحها أيضًا. كان قلبها يخفق بعنف داخل صدرها، حتى خيل إليها أن الجميع يسمع اضطرابه. نظرت أمامها بعينين مضطربتين، فوقعت عيناها أولًا على والدتها.
كانت سمية تقف هناك بوجه شاحب أنهكه المرض والحزن معًا، وكأن الأيام الماضية سرقت من عمرها سنوات دفعة واحدة. لم تكن تبدو كالأم التي تعرفها، بل كامرأة هزمها الخوف على ابنتها. ثم انتقلت نظراتها إلى ترنيم، التي كانت تجلس بجوارها وعلامات القلق واضحة فوق ملامحها، تحاول الثبات رغم ارتجاف قلبها، وإلى جوارها كانت أروى، بينما جلس غريب وتامر قريبين، وكل واحد منهم يحمل داخله خوفًا لا يقل عنها.
أما جواد، فكان الأقرب إليها، يقف بمحاذاة القفص الحديدي، كأنه يحاول أن يكون الحائط الذي تتكئ عليه وسط هذا الانهيار كله. مد يده من بين الفراغات الضيقة، يلامس أطراف أصابعها برفق، وكأنه يحاول أن يبعث لها شيئًا من الأمان الذي يفتقده هو نفسه.
كان يخفي اضطرابه بصعوبة، لكن عينيه كانت تفضحان خوفه.
تكلم بنبرة هادئة حنونة:
"اهدي يا حبيبتي متخافيش احنا كلنا جنبك، أن شاءالله خير."
نظرت إليه جواهر طويلًا، وكأنها تتشبث بصوته أكثر من كلماته. حاولت أن تبدو ثابتة، أن تخرج صوتها متماسكًا، لكن ارتجافته خانتها وقالت:
"انا واثقه فى ربنا ومتأكدة أنه هيظهر الحقيقه فى أي وقت، ربنا كبير ومش بيرضى بالظلم."
ابتسم لها بحب، تلك الابتسامة التي كانت دائمًا تطمئنها، رغم أن قلبه كان ينهار داخله، وقال:
"ونعم بالله يا حبيبتي، ربك كبير."
ظلت تحدق فيه لحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى بصورة مختلفة، بصورة رجل تخشى أن تفقده قبل أن تمنحه كل ما في قلبها. شعرت فجأة بثقل الاحتمالات، بثقل فكرة أن هذه اللحظة قد تكون الأخيرة بينهما بلا حواجز.
نظرت له بوجع وتكلمت بنبرة عاشقة:
"جواد أنا بحبك اوي، يمكن دي اول مرة اقولها ليك بجديه مش زي كل مره كنت بقولها فى قلب الهزار، بس المرادي حاسة، اني عايزة اقولها ليك اوي."
تجمد مكانه.
كانت كلماتها كسكين دافئ يشق قلبه، ليس لأنه لم يسمعها من قبل، بل لأنه شعر أنها تقولها الآن وكأنها تودعه.
ارتفعت أنفاسه، وشعر بوجع حاد يعصف بصدره، لكنه أخفى كل ذلك خلف هدوء صعب وقال:
"وانا بعشقك يا قلب وعمر وروح جواد، أنتي أجمل حاجة حصلتلي فى حياتي، أنا آسف على كل لحظة اتعصبت عليكي فيها، أسف على كل مره دموعك نزلت منك بسببي، آسف لو كنت فى يوم وجعتك يا جواهر."
اهتز قلبها لكلماته، وامتدت يدها من بين القضبان تتحسس وجهه بحنان مرتجف، وكأنها تريد حفظ ملامحه بيديها قبل أن يفرق بينهما شيء.
وتكلمت بصوت حزين مختنق:
"أنا لو اتحكم عليا بالاعدام دلوقتي مش هكون زعلانه علشان هموت وانا على ذمة اجمل وأعظم راجل فى الدنيا كلها."
كلماتها كسرت آخر ما تبقى من صموده.
أمسك يدها بين كفيه وقبلها بحب، بينما وقفت الدموع عند حافة عينيه، تقاوم السقوط بصعوبة، لأن سقوطها أمامها الآن يعني اعترافًا بخوفه، وهو لا يريد أن يزيد خوفها خوفًا.
وفي تلك اللحظة، دخلت هيئة المحكمة.
ساد الصمت فجأة، ثقيلًا، خانقًا، وكأن المكان كله توقف عن التنفس.
ترك يدها بصعوبة، وكأنه ينتزع جزءًا من روحه، ثم عاد إلى مقعده وجلس، لكنه لم يبعد عينيه عنها لحظة واحدة.
مر الوقت بطيئًا كالعذاب.
انتهت القضايا السابقة، ثم بدأ دور جواهر.
وقف المحامون يترافعون، تتردد كلمات الدفاع في القاعة، وتتوالى الأدلة والمرافعات، والجميع ينصت وكأن كل كلمة قد تكون طوق النجاة الأخير.
كانت الأنظار متعلقة بمنصة القضاء، والقلوب معلقة بحكم لم يصدر بعد.
حتى أن الهواء نفسه بدا ثقيلًا.
وأخيرًا، رفع القاضي نظره وقال بصوت حاد:
"قررت المحكمة تأجيل القضية لجلسة 24/4 لاستكمال المرافعات وتقديم باقي الأدلة وسماع الشهود، رفعت الجلسة."
ساد الصمت لثواني.
لم تكن براءة، لكنها لم تكن نهاية أيضًا.
تنفس الجميع وكأنهم كانوا محبوسين تحت الماء.
وقفوا جميعًا حتى غادرت هيئة المحكمة، ثم اندفع جواد إليها من جديد، توقف أمامها وعيناه تمتلئان برجاء موجوع وقال:
"إن شاءالله المرة الجاية تكون برأتك."
نظرت إليه وكأنها تتعلق بهذا الأمل بكل ما بقي فيها، وقالت:
"يارب يا جواد يارب."
اقتربت سمية ببطء، مستندة على ترنيم، وكأن جسدها لم يعد قادرًا على حمل هذا الكم من الألم.
وقفت أمام القضبان، ونظرت إلى ابنتها طويلًا، بعينين مليئتين بالوجع، ثم قالت:
"عاملة ايه يا قلب أمك؟"
ابتسمت جواهر ابتسامة حزينة، تحاول أن تخفف عنها رغم أنها هي من تحتاج التخفيف، وقالت:
"أنا كويسه يا حبيبتي متخافيش عليا، وبعدين مالك عملتي كده يا أم جواهر؟ شكلك عجزتي أوي يا سمسمه."
انهارت سمية باكية، كأن هذه الجملة وحدها أيقظت كل أوجاعها دفعة واحدة، وقالت بصوت محترق:
"وحشتيني اوي يا قلب امك من جوة وحشني ضحكك وهزارك ولمضك."
ابتسمت جواهر رغم الوجع، تحاول أن تبقيهم ثابتين، وقالت:
"اجمدي يا سمسمه هي مسألة وقت وهرجعلك تاني فى حضنك، وهزهقك مني كمان."
تكلمت ترنيم بصوت حزين:
"إن شاءالله يا حبيبتي، انا متأكدة أن دي مش النهاية، وان ده مجرد اختبار وهننجح فيه بإذن الله."
لكن الوقت لم يمهلهم أكثر.
اقترب الشرطي وأجبرها على التحرك.
تحركت جواهر معه ببطء، وكل خطوة كانت كأنها تنتزع من قلوبهم انتزاعًا.
ظلت تلتفت إليهم وهي تبتعد، تنظر إلى وجوههم المبللة بالوجع، تحفظهم بعينيها كأنها تخشى ألا تراهم قريبًا.
وما إن اختفت عن مرأى جواد خلف القضبان، حتى انفجر داخله كل ما كان يكتمه.
ركل القضبان الحديدية بعنف، حتى دوى صوت الاصطدام في المكان، ثم صرخ بغضب موجوع، صرخة رجل رأى من يحبها تسحب من بين يديه ولا يستطيع إنقاذها.
تحرك غريب وتامر بسرعة وأمسكاه بقوة، كان جسده ينتفض من شدة الغضب والانكسار، وهم يعلمون أن تركه الآن قد يدفعه لفعل أشياء يندم عليها لاحقًا.
خرجوا به إلى خارج القاعة بصعوبة، بينما لحقت بهم ترنيم وسمية وأروى، وسط الحراسة المشددة.
في الخارج، وقفت جواهر عند باب سيارة الترحيل.
التفتت إليهم للمرة الأخيرة.
رأت جواد بين أيديهم، يحاول الإفلات، يحاول الوصول إليها، وعيناه مشتعلة بوجع لا يوصف.
ابتسمت له ابتسامة موجوعة، ودموعها تنساب بصمت.
كانت ابتسامة تحاول أن تقول له: اصمد.
ثم صعدت إلى السيارة.
أُغلق الباب الحديدي خلفها بصوت قاسي، كأنه أغلق على قلوبهم معها.
تحركت السيارة مبتعدة عن المكان، بينما ظلت عيونهم معلقة بها، وقلوبهم تسبقها في الطريق، تركض خلفها، كأنها ترفض أن تتركها وحدها في هذا المصير المجهول.
***************************
عند شاهين...
كان واقفًا في الشرفة كعادته، بين أصابعه سيجارة تحترق ببطء، وإلى جواره فنجان القهوة الذي برد نصفه من فرط انتظاره، وعيناه معلقتان بشرفة رنيم المقابلة، يراقبها بصمت ثقيل، كأن ظهورهـا وحده قادر على أن يبدل حال يومه كله.
منذ دقائق وهو يحاول الاتصال بها، مرة تلو الأخرى، لكنها لم تجب، فحاول أن يقنع نفسه بأنها ربما بالداخل، تستحم أو منشغلة، وحين ترى اتصالاته ستخرج كعادتها إلى الشرفة، وستقف هناك، حتى وإن تجاهلته، يكفيه فقط أن يراها.
لكن الدقائق مرت ثقيلة، والقلق بدأ يتسلل إلى صدره شيئًا فشيئًا، حتى لمح من شرفته سيارتها تتوقف أسفل البناية.
انعقد حاجباه بدهشة، وتوقف عقله لحظة، إذ كيف تكون بالأسفل وهي لم تكن بالمنزل من الأساس؟
أطفأ سيجارته سريعًا، وترك فنجان القهوة مكانه دون اهتمام، ثم اندفع إلى الداخل بخطوات متعجلة، خرج من شقته ووقف أمام المصعد ينتظر صعوده، وقلبه ينبض بقلق لا يفهم سببه، لكنه كان يشعر أن هناك شيئًا ليس على ما يرام.
وما إن توقف المصعد وانفتح بابه، حتى خرجت رنيم منه، وحين وقعت عيناه عليها، شعر وكأن قلبه انتزع من مكانه.
وجهها كان شاحبًا، وعيناها محمرتين من كثرة البكاء، وآثار الدموع ما زالت واضحة فوق وجنتيها، وكأنها كانت تبكي طوال الطريق.
اقترب منها بسرعة، وقد انعقد القلق في ملامحه، وتكلم بتساءل:
"رنيم! مالك بتعيطي ليه؟ حد كلمك؟ حد ضايقك؟ قوليلي مين وانا هروح ادفنه مكانه."
حركت رأسها بالنفي، لكن دموعها التي كانت تحاول حبسها خانتها، وخرج صوتها مختنقًا، مثقلًا بالألم:
"النهاردة كانت أول جلسه لمحاكمة جواهر، كنت هناك شفتها، كانت موجوعه اوي ومكسورة، كان نفسي اجري عليها واخدها فى حضني، كنت عايزه اقلها أن انا مبعدش عنها كنت على طول ببقى جنبها من غير ما حد يحس، حتى لما رفضت تقابلني، كنت عايزه اعرفها قد ايه انا بحبها، وعمري ما كرهتها، أنها أقرب حد ليا."
كل كلمة خرجت منها كانت تحمل وجعًا خالصًا، وجعًا لم تستطع إخفاءه مهما حاولت، وكان شاهين يسمعها ويشعر أن هذا الألم ينساب إلى داخله هو أيضًا.
لم يحتمل رؤيتها بهذا الانكسار.
اقترب منها فجأة، وضمها إليه بقوة، وكأنه يحاول أن يحميها من حزنها نفسه.
وللمرة الأولى، لم ترفضه.
بل تشبثت به كما لو أنه الشيء الوحيد الثابت وسط كل ما يتهاوى من حولها، وكأن صدره صار ملاذًا مؤقتًا تهرب إليه من ثقل ما تحمله.
ارتفعت شهقاتها فوق كتفه، وخرج صوتها متقطعًا بين بكائها:
"أنا نفسي جواهر تطلع من المكان ده، نفسي ترجع ضحكتها ليها زي الاول، حتى لو رفضتني فى حياتها بس نفسي اشوفها سعيدة."
أغمض شاهين عينيه بقوة.
في تلك اللحظة كان يشعر بتمزق داخلي قاسي.
هو يعلم الحقيقة كاملة. يعلم من الفاعل.
يعلم من ألقى بجواهر إلى هذا المصير.
لكن الحقيقة كانت أثقل من أن تقال، لأن كشفها لن يحرر رنيم، بل سيحطمها.
فالفاعل ليس غريبًا عنها، بل أخوها، الأخ الذي تراه سندًا وأمانًا، والذي صدقت كل أفعاله معها.
كان ممزقًا بين واجب الحقيقة وخوفه من الوجع الذي ستعيشه إن عرفتها.
لكن، وسط هذا الصراع كله، كان هناك شيء واحد أناني يسعده، أنها الآن بين ذراعيه.
هادئة على غير عادتها، لا تقاوم قربه، ولا تبتعد عنه، وكأن ألمها أسقط عنها كل حواجزها معه للحظة.
مال برأسه وقبل مقدمة رأسها بحنو، ثم قال بصوت خافت:
"انتي مهم اوي عندك يعني خروج جواهر دي؟"
ابتعدت قليلًا عن حضنه، رفعت وجهها إليه، وأومأت برأسها، ثم قالت من بين شهقاتها:
"مهم اوي اوي يا شاهين."
تلك الطريقة التي نطقت بها اسمه، ممزوجة بالبكاء والصدق والعفوية، أصابت شيئًا داخله، شيء جعله ينسى للحظة كل شيء حوله.
نظر إليها وكأنه غرق فيها، ثم قال بصوت هامس:
"قوليها تاني كده."
رمشت بعينيها بعدم فهم، وحدقت به بتساؤل:
"هي ايه دي؟"
ابتسم لها، وعيناه ممتلئتان بهيام واضح، وقال:
"قولى يا شاهين طريقتك فيها عايزه تتاكلي أكل."
اتسعت عيناها قليلًا، ثم احمر وجهها بخجل واضح، وانخفض بصرها إلى الأرض، وقد باغتها انتقاله من ألمها إلى غزله بهذه السرعة، وقالت بتوتر:
"ش شاهين، أنا بقولك ايه و وانت دماغك فى ايه؟"
تعالت ضحكته، ضحكة صافية خرجت منه رغم كل شيء، ثم أمسك يدها بحنان، وكأن مجرد لمسها صار عادة لا يستطيع مقاومتها، وقال:
"انتي كل حاجه فيكي تجنن، طريقتك فى الكلام، خدودك لما تحمر من الكسوف، عصبيتك، حتى ضحكت عيونك تجنن."
شعرت رنيم بأن قلبها عاد يضطرب من جديد، لكن هذه المرة ليس من الحزن، بل منه هو.
رفعت عينيها حولها بتوتر، وكأنها تذكرت فجأة أين يقفان، ثم قالت بتلعثم:
"ش شاهين ا احنا على السلم على فكرة."
ابتسم ابتسامة واسعة، وكأن ارتباكها كان أحب شيء إلى قلبه، ثم شد يدها برفق، وأرغمها أن تتحرك معه نحو باب شقتها.
فتح الباب وأدخلها إلى الداخل، ثم دخل خلفها وأغلق الباب ببطء، قبل أن يسندها إلى الحائط، وعيناه لا تزالان معلقتين بها، وكأن كل ما فيه يرفض أن يتركها حتى للحظة واحدة. وتكلم بمزاح:
"اهو مبقناش على السلم، كده حلو؟"
اتسعت عينا رنيم بصدمة حقيقية، وكأن كلماته باغتتها أكثر مما توقعت، فتراجعت خطوة إلى الخلف ودفعته بكفيها بعيدًا عنها، بينما ارتبكت ملامحها واضطربت أنفاسها، وشعرت بحرارة تتسلل إلى وجهها من فرط الخجل، ثم قالت بتلعثم واضح:
"ا انت فهمت ايه؟ ا أنا أقصد يعني وقفتنا على السلم ك كده غلط."
نظر إليها شاهين طويلًا، وقد ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة المستفزة التي كانت تربكها دائمًا، ثم رفع كتفيه بمكر وكأنه بريء تمامًا مما يفعله، وقال بمزاح أشد:
"ماشي ما أنا صلحت الغلط اهو ودخلنا الشقه."
زفرت بضيق، وهي تشعر أنه يتعمد العبث بأعصابها، ويستمتع بتوترها وخجلها أكثر مما ينبغي، فزمت شفتيها بضجر طفولي وقالت بتذمر:
"ع على فكره بقى انت غلس ع علشان انت فاهم قصدي ايه، وعمال تستعبط."
رفع حاجبيه للأعلى، وصنع على وجهه ملامح الجدية المزيفة، وكأن كلماتها مست كرامته فعلًا، وقال:
"تستعبط؟! انتي اخدي عليا اوي."
عقدت ذراعيها أمام صدرها، محاولة أن تبدو متماسكة أمامه رغم الارتباك الذي يفتك بها من الداخل، ثم قالت بنبرة ثابتة حاولت أن تخفي بها اضطرابها:
"والله ده اللي عندي، مش عجبك الباب يفوت جمل، لا جمل ايه؟ انت ماشاءالله نخله."
انفجر شاهين ضاحكًا، ضحكة خرجت صافية وعميقة، حتى أنه أمال رأسه للخلف من شدتها، بينما كانت عيناه مثبتتين عليها بإعجاب لا يخفيه، ثم قال وهو يحاول تهدئة ضحكاته:
"ماشي يا صغنن مقبوله منك."
هدأت ضحكاته شيئًا فشيئًا، ثم اقترب منها ببطء، بخطوات ثابتة جعلت قلبها يبدأ بالخفقان من جديد، حتى وقف أمامها مباشرة، قريبًا منها إلى حد جعلها تشعر بحرارة أنفاسه. رفع يده ببطء شديد، وكأن لمس وجهها أصبح طقسًا خاصًا به وحده، ومرر أصابعه على خدها برفق بالغ، ثم قال بصوت هادئ دافئ:
"انا مبسوط أني قدرت اخرجك من الحالة اللي انتي كنتي فيها دي، رنيم أنا بعتبر حياتي اللي فاتت دي هوا عمر وراح مني من غير اي فايدة، أنما دلوقتي، حياتي بقى ليها معنى، وجودي دلوقتي علشانك انتي وعيونك، علشان سعادتك وراحتك، يعني دلوقتي بس حياتي بقى ليها أهمية وهعيشها علشانك انتي وبس."
شعرت رنيم بشيء ثقيل يهتز داخل صدرها مع كل كلمة قالها، كانت ترى الصدق في عينيه بوضوح مخيف، صدقًا لا يترك لها مساحة للهروب أو الإنكار. وللمرة الأولى شعرت أن وجودها في حياة أحد قد يكون بهذا الحجم، بهذا العمق، بهذا الاحتياج المؤلم.
ارتجفت شفتيها قليلًا، ثم رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت يحمل رجاءً صادقًا:
"طيب علشان خاطري ساعدني اخرج جواهر من المكان اللي هي فيه ده، أنا راحتي فى خروجها."
تجمد شاهين للحظة.
طلبها أصابه في أكثر نقطة موجعة داخله.
أغمض عينيه بقوة، وكأن العالم كله انقبض حول عنقه في تلك اللحظة.
الحقيقة كانت تقف بينهما كحائط من نار؛ هو يعرف من فعلها، يعرف من أوقع جواهر، ويعرف أن كشف الحقيقة سيهدم عالمًا كاملًا فوق رأس رنيم.
كان يشعر وكأنه يقف على حافة هاوية؛ خطوة واحدة فقط، وقد يخسرها إلى الأبد. لكنها طلبت منه، وخاطرها عنده أصبح أغلى من أي شيء.
فتح عينيه ببطء، وسحب نفسًا عميقًا، يحاول أن يثبت اضطرابه، ثم قال بصوت هادئ يحمل من الألم أكثر مما يحمل من الكلمات:
"رنيم انتي خاطرك غالي عليا اوي، فوق ما تتصوري وعلشانه أنا هعمل اي حاجه حتى لو هضحي بعمره كله، بس عايزك تعرفي حاجه، أن الدنيا عمرها ما بتدينا كل حاجة، بمعنى أنها علشان تديكي حاجه لازم تاخد حاجه تانيه فى المقابل وممكن وقتها، الاختيار يكون صعب ويكون عليكي الاختيار ما بين المشاعر وبين المنطق واللي مفروض يحصل."
عقدت حاجبيها وهي تنظر إليه بحيرة، فقد شعرت أن وراء كلماته شيئًا أعمق مما يقوله، شيئًا يخفيه عنها، شيئًا يثقله ويؤلمه، فقالت بتساؤل صريح:
"قصدك ايه بالكلام ده مش فاهمه."
ابتسم لها ابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي تخفي وراءها عاصفة كاملة، ثم حرك رأسه بالنفي وقال:
"مش قصدي حاجه يا صغنن، بس مدام انتي اللي طلبتي اساعدك فى خروج جواهر، يبقى هساعدك بس لازم تستحملي النتايج."
لم يمنحها فرصة أخرى للسؤال.
اقترب منها أكثر، حتى شعرت أن المسافة بينهما اختفت تمامًا، ثم مال برأسه وقبل خدها طويلًا، قبلة هادئة لكنها ممتلئة بمشاعر عميقة، وكأنه يحاول أن يترك شيئًا منه عليها قبل أن يدخل معركة يعرف أنها لن تكون سهلة.
ابتعد عنها ببطء، ونظر داخل عينيها طويلًا، ثم قال بثبات ووعد واضح:
"ارتاحي انتي دلوقتي، وانا اوعدك اسبوع بالكتير وانتي اللي هتثبتي برأة جواهر بنفسك."
اتسعت عيناها بدهشة.
لم تفهم كيف يتحدث بكل تلك الثقة، لكن شيئًا بداخلها جعلها تصدقه، وكأن كلماته تحمل يقينًا غريبًا لا يشك فيه.
تحرك شاهين نحو الباب، فتحه، ثم التفت إليها قبل أن يخرج، وأرسل لها غمزة مشاكسة مع ابتسامته الجميلة التي تربكها دائمًا، قبل أن يغادر ويتجه إلى شقته.
أغلقت رنيم الباب خلفه، ثم أسندت ظهرها عليه وبقيت واقفة مكانها للحظات طويلة، وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
أنفاسها كانت متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، فقربت يدها من قلبها تضغط عليه وكأنها تحاول تهدئته، لكنه كان يضرب بجنون لا يرحم.
أغمضت عينيها، وأخيرًا توقفت عن الكذب على نفسها.
كل محاولات الهروب، كل الإنكار، كل المقاومة التي عاشت بها مؤخرًا، انهارت أمام حقيقة واحدة لم يعد بإمكانها الفرار منها..لقد أحبته.
بل تجاوز الأمر الحب نفسه.
لقد أصبح شاهين يسكن داخلها بطريقة لم تكن تتخيلها، وأصبح غيابه يوجعها، وقربه يربكها، وصوته يبعثرها، ولمسته تربك كل ثباتها.
فتحت عينيها ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، خجولة، مرتبكة، لكنها صادقة، ابتسامة امرأة اعترفت أخيرًا لنفسها بالحقيقة التي كانت تخشاها أكثر من أي شيء:
هي لم تعد فقط تحب شاهين، بل أصبحت تعشقه بجنون.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث والعشرون
في صباح يوم جديد...
كان الصمت يملأ الشقة بالكامل، ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الفجر، حيث يبدو العالم وكأنه متوقف عن الحركة، لا صوت فيه سوى أنفاس الليل الأخيرة قبل أن يسلم مكانه للصباح.
داخل غرفتها، كانت رنيم غارقة في نوم متقطع، نوم لم يكن مريحًا بقدر ما كان هروبًا مؤقتًا من فوضى أفكارها ومشاعرها التي لم تهدأ منذ الليلة الماضية.
لكن ذلك السكون انكسر فجأة.
صوت جرس الباب اخترق هدوء المكان بقوة، فانتفض جسدها فوق الفراش، وفتحت عينيها بصعوبة، وهي تشعر بثقل شديد في رأسها وكأن النوم لم يلمسها أصلًا.
زفرت بضيق وهي تمد يدها نحو هاتفها لتتفقد الساعة، وما إن وقعت عيناها على الوقت حتى عقدت حاجبيها بدهشة. الفجر.
من الذي يمكن أن يأتي في مثل هذا الوقت؟
نهضت من فراشها ببطء، لا تزال آثار النوم واضحة على ملامحها، وتحركت بخطوات متثاقلة خارج غرفتها وهي تتثاءب، بينما عقلها يحاول أن يستوعب هذا الإزعاج المفاجئ.
وصلت إلى الباب، ووضعت يدها على المقبض، ثم فتحته.
وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناها على الطارق، زال عنها أثر النعاس دفعة واحدة. كان زين.
وقفت تنظر إليه باستغراب واضح، وقد انعقدت الحيرة فوق ملامحها، ثم قالت:
"زين! فيه حاجه ولا أيه؟"
لم يجبها مباشرة.
دلف إلى الداخل بسرعة، وكأن وجوده عند الباب خطر لا يريد أن يطول، ثم أغلق الباب خلفه بإحكام، واستدار إليها بوجه متوتر وعينين تحملان شيئًا جعل قلبها ينقبض.
اقترب منها قليلًا، ثم قال بصوت منخفض حاد:
"يلا أجهزي."
رمشت عدة مرات بعدم فهم، وكأن عقلها لم يستوعب كلماته بعد، ثم هزت رأسها وسألته باستفهام:
"أجهز ليه مش فاهمه؟"
تحرك زين نحو الأريكة وجلس عليها براحة بدت غريبة مقارنة بالتوتر الذي يملأ الجو، ثم رفع عينيه إليها وقال وكأنه يذكرها بشيء محسوم:
"انتي نسيتي الاتفاق اللي اتفقنا عليه؟"
شعرت رنيم بأن معدتها انقبضت فجأة.
ذلك الاتفاق، ذلك الحديث الذي كانت تحاول دفنه داخلها وكأنه لم يحدث.
اقتربت بخطوات بطيئة وجلسـت على المقعد المقابل له، بينما كانت أصابعها تتشابك ببعضها بعصبية واضحة، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بصوت متوتر:
"ب بس اللي انت طالبه مني صعب يا زين، ا انت عايزني اروح الفيلا عند عمتي و واقتل ترنيم؟"
رفع زين رأسه إليها سريعًا، وكأن اعتراضها لم يكن ضمن توقعاته، ثم مال بجسده للأمام محاولًا أن يغلف فكرته بالمنطق، وقال بإصرار:
"ولا صعبه ولا حاجه يا رنيم انتي سبق وعملتيها مع شاهين، وبعدين انتي الوحيدة اللي حافظة الفيلا لانك عيشتي فيها وعارفه هتدخلي وتخرجي منين، وحافظة اماكن الكاميرات، وبعدين محدش هيجي فى باله خالص انك انتي اللي عملتيها، يلا يا حبيبتي خلينا نخلص منها علشان ندخل على اللي بعده، علشان ماما تنام مرتاحه فى قبرها."
كانت كلماته تتساقط فوقها كالحجارة.
كل حرف منه كان يضغط على صدرها أكثر.
لم تكن خائفة فقط من الفعل نفسه، بل من الفكرة، من الطريق الذي تسير فيه، من الدم الذي يريدها أن تغرق يديها فيه مرة أخرى.
زاغت عيناها بعيدًا عنه، كأنها تبحث عن مخرج، عن مهرب، عن أي شيء ينقذها من هذا القرار، ثم قالت بصوت مرتعش يكاد ينكسر:
"ب بس انا خايفه يا زين."
نهض زين من مكانه فورًا، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة تحديدًا.
اقترب منها، وأمسك يدها بين يديه، وبدا حنونه في الظاهر، لكن خلف تلك النظرات كان شيء بارد ومخيف لا تراه هي. وقال بصوت ناعم مخادع:
"متخافيش يا قلب اخوكي، انتي مش بتعملي حاجه غلط، احنا بناخد حق امنا اللي اتعذبت بسببها."
رفعت عينيها إليه، وعيناها ممتلئتان بالاضطراب، ثم قالت برجاء صادق، كأنها تحاول التمسك بآخر خيط من إنسانيتها:
"بس مش لدرجة القتل يا زين، أنا كنت هموت لما عملت كده فى شاهين، والحمدالله محصلش ليه حاجه وربنا اداني فرصه تانيه، اروح أنا بقى واكرر نفس الغلطه."
ابتسم زين. لكن ابتسامته لم تحمل طمأنينة، بل حملت شيئًا أكثر قسوة.
حاول أن يحافظ على هدوء نبرته وهو يقول:
"حتة ان شاهين محصلوش حاجة دي، المفروض تتعلمي منها غلطك علشان المرة الجايه تعرفي تصيبي الهدف كويس."
تجمدت رنيم مكانها. شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
للمرة الأولى شعرت أن حديثه مخيف، مخيف بطريقة لا تعرف كيف تفسرها.
رفعت عينيها إليه بصمت، وكان الخوف واضحًا داخل نظراتها.
أما هو، فكان يبادلها بنظرة جامدة، نظرة حادة، مليئة بالإصرار والشر، وكأن الأمر انتهى ولا مجال للتراجع. ثم قال فجأة:
"فين السلاح اللي ضربتي بي شاهين؟"
ارتعشت أصابعها دون إرادة، ورفعتها بصعوبة تشير نحو غرفتها، ثم قالت بصوت متقطع من شدة توترها:
"ج جوه فى اوضي."
أومأ زين برأسه وكأنه حصل على ما يريد، ثم قال بثبات:
"حلو اجهزي يلا وهاتي السلاح، خلينا نخلص منها النهاردة."
شعرت رنيم أن أنفاسها تختنق.
الأمر لم يعد مجرد حديث. لقد أصبح حقيقيًا. وأصبح التنفيذ قريبًا.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم نظرت إليه بعينين ترجوان الرحمة وقالت:
"علشان خاطري بلاش يا زين، أنا مش هقدر أعمل كده."
لكن زين لم يمنحها فرصة للهرب.
أمسكها من ذراعها وأرغمها على الوقوف، ثم قال بصوت هادئ يحمل حسمًا مرعبًا:
"يا حبيبتي ده واجب علينا، ولازم نخلص منهم كلهم، أنا هخلص على الرجالة وانتي عليكي ترنيم."
ارتجف قلبها داخل صدرها.
كانت تشعر أنها تدفع نحو هاوية لا تريد السقوط فيها.
لكن خوفها منه، ومن إصراره، كان أكبر من قدرتها على الرفض.
رفعت عينيها إليه، ممتلئة بالخوف، ثم أومأت برأسها بالموافقة أخيرًا، موافقة خرجت منها مكسورة، بلا اقتناع، فقط تحت ضغط الرعب.
استدارت وتحركت نحو غرفتها بخطوات بطيئة وثقيلة، وكأنها تسير نحو حكمها بنفسها.
ظل زين يتابعها بعينيه حتى اختفت تمامًا خلف باب الغرفة.
وفي اللحظة التي غابت فيها عن ناظريه، تبدلت ملامحه بالكامل.
ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة شيطانية باردة، ابتسامة لا تحمل أي أخوة، ولا رحمة، ولا شفقة.
كانت ابتسامة رجل انتظر هذه اللحظة طويلًا.
لحظة الخلاص منها.
لحظة التخلص من وجودها نهائيًا.
جلس فوق المقعد براحة تامة، ووضع قدمًا فوق الأخرى، بينما بدأت ذاكرته تنفتح ببطء على جراح الماضي، جراح صنعت داخله ذلك الحقد الأسود الذي لم يمت يومًا.
************************
فلاش باك...
وقف الطفل ذو السبع أعوام أمام والدته، جسده الصغير يرتجف، وأصابعه الغضة متشبثة بثوبها وكأنها آخر ما يربطه بالأمان. كانت دموعه تنزل بلا توقف، وعيناه الصغيرتان تائهتان بين الخوف والرجاء، كأنه يحاول أن يتمسك بها قبل أن تفلت منه للأبد. لم يكن يفهم معنى الرحيل كاملًا، لكنه كان يشعر به، يشعر أن شيئًا كبيرًا على وشك أن ينتزع من حياته، شيئًا لا يمكن تعويضه.
رفع وجهه إليها، وعيناه ممتلئتان برجاء طفل لا يطلب من الدنيا كلها سوى حضن أمه، ثم تكلم بصوت طفولي يرتعش من البكاء:
"ارجوكي يا مامي متسبنيش خديني معاكي."
لكنها لم تنظر إليه بعين أم يوجعها بكاء طفلها، بل نظرت إليه ببرود قاسي، وكأن تشبثه بها صار عبئًا يثقلها.
نزعت يده عنها بعنف، ودفعته بعيدًا عنها بكل قسوة، ثم قالت بنبرة لا تعرف الرحمة:
"اخدك فين؟ انت عبيط! انت مش هتتحرك من هنا هتعيش مع ابوك وانا هرجع مصر مش عايزة اشوف وش حد فيكم."
تجمد للحظة، وكأن الكلمات لم تدخل عقله بعد، ثم هز رأسه بعنف وهو يرفض تصديق ما يسمعه، وازداد بكاؤه أكثر. اقترب منها من جديد وتمسك بها مرة أخرى، وكأن قربه منها قد يغير قرارها، وكأن دموعه قد توقظ داخلها شيئًا من الأمومة التي يبحث عنها.
رفع رأسه إليها وقال بصوت مكسور:
"لا لا يا مامي بليز مش عايز اعيش مع بابي أنا عايزك انتي، خديني اعيش معاكي فى مصر وانا اوعدك مش هعمل شقاوة خالص والله."
كانت كلماته خارجة من قلب طفل مستعد أن يغير نفسه كلها فقط ليبقى معها، مستعد أن يكون كما تريد، فقط حتى لا تتركه وحده. لكنها لم تتأثر.
ضغطت على أسنانها بغضب، وكأن توسله يزيد ضيقها، ثم قالت بنفاد صبر واضح:
"قلتلك انت هتعيش هنا مع بابي أنا مش طايقك لا انت ولا هو، مش كفايه الكام سنه اللي راحوا من عمري معاكم، وافقت على ابوك رغم أن كان قلبي فيه حد تاني، لكن خلاص هرجع مصر وهدور عليه وهتجوزة وابداء حياتي من جديد، وانت هتنسى أن كان ليك ام فاهم."
سقطت كلماتها فوقه بقسوة أكبر من قدرته على الاحتمال.
كان صغيرًا على فهم معنى أن تعترف له أمه بأنها لم تريده يومًا، لكنه فهم شيئًا واحدًا وقتها، أنها تريد حياة لا مكان له فيها.
أنهت كلماتها، ثم استدارت وغادرت، تاركة خلفها طفلًا صغيرًا واقفًا وحده، يبكي بانكسار لم يعرفه من قبل. في تلك اللحظة لم يكن قلبه مجرد قلب طفل موجوع، بل كان قلبًا بدأ يتشقق مبكرًا قبل أن يكبر، وكأن طفولته نفسها توقفت عند هذا الباب الذي خرجت منه أمه دون أن تلتفت خلفها.
مرت الأيام، ومرت معها السنوات.
كبر زين، لكن شيئًا بداخله لم يكبر كما ينبغي.
حين بلغ الثانية عشرة، لم يعد ذلك الطفل الذي يبكي خلف والدته، بل أصبح أكثر صمتًا، أكثر حدة، يحمل داخله قسوة صنعها الغياب، ومرارة صنعتها الخيبة.
ورغم كل ما فعلته به، ظل الحنين إليها يسكنه، كأن الطفل الذي بداخله لم يمت تمامًا.
وحين قرر والده زيارة مصر، كان أول ما خطر بقلبه أن يراها، أن يقف أمامها مرة أخرى، أن يمنح قلبه فرصة أخيرة.
دله أهلها على عنوانها، رغم أنهم كانوا قد تبرأوا منها حين اختارت طريقها بعيدًا عن الجميع. وقف أمام باب منزلها طويلًا.
كانت عيناه معلقتين به، وقلبه يضرب بعنف داخل صدره.
لم يكن يعرف ماذا سيقول حين يراها، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا، أنه اشتاق إليها رغم كل شيء.
رفع يده أخيرًا وضغط على الجرس.
مرت ثواني ثقيلة عليه، حتى انفتح الباب. ظهرت أمامه.
تجمد مكانه وهو يراها، كأنه عاد طفلًا في لحظة واحدة.
أما هي، فنظرت إليه بدهشة واضحة، سرعان ما تحولت إلى قلق ممزوج بالجحود. وتكلمت بنبرة متوترة:
"انت!! بتعمل ايه هنا؟ ومين اداك العنوان بتاعي؟"
نظر إليها، والدموع تتجمع داخل عينيه رغم محاولاته أن يبدو قويًا، ثم قال بصوت مختنق بالشوق:
"بابا نزلنا زيارة لمصر وعلشان انتي وحشتيني سألت تيته عن عنوانك وهي اللي ادتهوني."
تحركت عيناها سريعًا خلفها، وكأنها تخشى أن يراه أحد، ثم أعادت النظر إليه، لكن هذه المرة بعين أكثر قسوة، وكأن وجوده أمام بابها مشكلة يجب التخلص منها فورًا. وقالت بحدة جارحة:
"امشي من هنا مش عايزة اشوفك اعتبر امك ماتت، انساني بقى، أنا ما صدقت اتجوزت الراجل اللي بحبه، ولو عرف بوجودك ممكن تحصلي مشكله."
تلقى كلماتها كأنها صفعة جديدة فوق جرح قديم لم يلتئم.
نظر إليها بعدم تصديق، وكأن عقله يرفض استيعاب أن الأم نفسها يمكن أن تنطق بكل هذا البرود.
ثم قال بصوت خرج محملًا بوجع سنوات:
"انتي ازاي كده؟ ومدام مش عايزاني ليه جبتيني الدنيا، ليه اخدي خطوة انك تجيبي طفل لا حولا ليه ولا قوة وترمي فى الدنيا بقلب مكسور، جيلك قلب ازاي تعملي كده فى حتة منك."
كانت تلك أول مرة يخرج فيها وجعه كله دفعة واحدة.
لم يعد الطفل الذي يبكي فقط، بل صار طفلًا يسأل عن ذنبه.
لكنها أغلقت عينيها بضيق، وكأن كلماته لا تعنيها، ثم قالت بمنتهى البرود:
"غلطة، جيت الدنيا غلطة أنا لا كنت عايزاك، ولا عايزة حاجة تربطني بأبوك، وغور بقى من هنا قبل ما جوزي يجي ويشوفك."
في تلك اللحظة تحديدًا، جاءت طفلة صغيرة من الداخل، تنظر إلى زين ببراءة طفولية، ثم سألت بصوت ناعم:
"مين ده يا مامي؟"
انخفضت فريدة سريعًا، حملت الطفلة بين ذراعيها، وطبعت قبلة حانية فوق خدها، ذلك الحنان الذي ظل زين يطارده طوال عمره ولم ينله ولو مرة.
ثم قالت لها بابتسامة هادئة:
"ها، د ده طفل من بتوع الشوارع عايز فلوس صدقة."
وقفت الكلمات على لسانه وهو ينظر إليها، غير قادر على فهم كيف يمكن لأم أن تنظر إلى ابنها بكل هذا الجفاء، وكأنه غريب اقتحم حياتها دون حق. كان صغيرًا، لا يطلب منها سوى حضن واحد يطمئن به قلبه، لكنها بكلمة واحدة حطمت داخله أشياء كثيرة لم يكن عمره يسمح له بفهمها بعد. حين وصفته أمام الطفلة بأنه مجرد طفل من أطفال الشوارع، شعر وكأنها نزعت عنه اسمه، وذكرياته، وحتى حقه في أن يكون ابنها. رأى بعينيه كيف احتضنت الصغيرة بحنان، وقبلتها بحب، بينما هو وقف أمامها محرومًا من لمسة واحدة كان يتمناها منذ سنوات.
أغلق الباب في وجهه، لكنه لم يكن بابًا عاديًا؛ كان وكأنه أغلق آخر طريق كان يربطه بها. وقف مكانه جامدًا، عيناه معلقتان بالباب، وقلبه الصغير يغرق في وجع أكبر من سنه. في تلك اللحظة فهم الحقيقة كاملة؛ فهم أنه لم يكن يومًا جزءًا من حياتها، وأنها اختارت حياة أخرى، وابنة أخرى، ومنحتها كل الحب الذي كان يتمناه لنفسه.
ومن يومها تغير زين، لم يعد ذلك الطفل الذي يبكي شوقًا لأمه، بل تحول داخله شيء مظلم، شيء امتلأ بالقهر والحرمان. كبر وهو يحمل هذا الجرح بداخله، جرحًا لم يلتئم مع الأيام بل ازداد عمقًا، وتحول إلى نار صامتة تأكل روحه ببطء. وكان كلما تذكر وجه تلك الطفلة بين ذراعي أمه، يشتعل داخله غضب مرير، لأنه كان يرى فيها الحياة التي سرقت منه، والحنان الذي حرم منه، والمكان الذي كان من حقه يومًا أن يكون فيه.
ومن هنا بدأ كرهه لرنيم؛ لم يكرهها لأنها فعلت شيئًا له، بل لأنها كانت تملك كل ما تمناه يومًا ولم ينله. ومع مرور السنوات، لم يخفت هذا الحقد، بل وجد من يغذيه ويزيده سوادًا، خاصة مع وجود مريم التي لم تترك جرحه يهدأ، بل كانت تسقيه سمًا حتى صار قلبه قاسيًا كالحجر، لا يعرف الرحمة، ولا يرى في الانتقام إلا حقًا مؤجلًا ينتظر لحظة تنفيذه.
*************************
باااك...
عاد زين من شروده الطويل وعيناه محمرتان بالغضب، وكأن الذكرى التي اجتاحته منذ لحظات لم تكن مجرد ذكرى عابرة، بل جرحًا قديمًا ما زال ينزف داخله كلما مر عليه الزمن. كان كل مشهد من ماضيه يمر أمامه واضحًا، وكل كلمة قالتها أمه له تعود لتضرب قلبه من جديد، فتوقظ داخله ذلك الحقد الذي لم يعرف يومًا كيف يدفنه أو يتجاوزه. وكلما استعاد تلك اللحظات، كان غضبه يكبر أكثر، حتى صار يشعر أن صدره يضيق بما يحمله من نار.
وفي تلك اللحظة، خرجت رنيم من غرفتها.
كانت خطواتها بطيئة ومضطربة، وجسدها كله يرتجف بشكل واضح، وكأنها تسير نحو مصير تعرف جيدًا أنها لا تريده، لكنها عاجزة عن الهروب منه. رفع زين عينيه إليها، وتأملها للحظات طويلة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، ابتسامة مظلمة لم تنتبه لها هي، لأنها كانت غارقة في خوفها أكثر من أن تلاحظ ما يدور خلف ملامحه.
نهض من مكانه بهدوء، واقترب منها ببطء متعمد حتى توقف أمامها مباشرة، ونظر إلى وجهها عن قرب، يراقب ارتجافها ونظرة الخوف الواضحة في عينيها، ثم قال بصوته الهادئ الذي كان يخفي وراءه الكثير:
"ها جاهزة يا قلب اخوكي؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بجفاف حلقها حتى كادت تختنق، ثم حركت رأسها بالنفي، وكأن هذا الرفض الصامت قد يغير شيئًا مما ينتظرها.
لكن زين لم يتراجع، بل ابتسم ابتسامة أوسع، ومد يده يربت على خدها بحركة بدت حنونة من الخارج، لكنها حملت في داخلها قسوة مخيفة، ثم قال بنبرة أكثر ظلمة:
"معلش هي أول مرة كده بتكون صعبة وبعد كده هتتعودي."
امتلأت عيناها بالدموع وهي تهز رأسها برفض واضح، وشعرت أن الخوف يكاد يلتهمها بالكامل، ثم قالت بصوت مختنق خرج بصعوبة:
"بس انا مش عايزه اتعود ارجوك يا زين بلاش."
توقفت ملامحه للحظة، ليس تأثرًا بها، بل لأن رجاءها أيقظ داخله ذكرى أخرى؛ ذكرى صوته هو حين كان طفلًا، يتوسل لأمه ألا تتركه، نفس الرجاء، نفس الانكسار، نفس الخوف من الفقد. لكنه بدلًا من أن يلين، شعر بلذة غريبة وهو يرى هذا التوسل أمامه، وكأن القدر أعاد له المشهد ولكن هذه المرة جعله في موقع القوة لا الضعف. كان ينظر إليها ويرى فيها كل ما حرم منه، كل ما اعتقد يومًا أنه سرق منه، ولذلك لم ير دموعها كضعف، بل كتعويض متأخر عن وجعه القديم.
لكن كعادته، أخفى كل ما يدور داخله خلف ذلك القناع الهادئ الذي اعتادت رنيم أن تصدقه، وعاد يتحدث معها بنفس الصوت المخادع الذي كان يستخدمه دائمًا ليقودها حيث يريد:
"تاني يا رنيم، ما احنا اتفقنا خلاص مش كل شويه اللي نعيده نزيده يا حبيبتي، هي ضغطه واحده على الزناد وهتخرجي بسرعه قبل ما حد يشوفك، أنا لو كنت حافظ المكان ده كنت خلصت بنفسي."
ظلت تنظر إليه للحظات طويلة، وعقلها يحاول أن يتمسك بأي سبب يجعلها ترفض، لكن خوفها منه كان أكبر من قدرتها على المواجهة، لذلك ابتلعت ريقها بصعوبة، وأومأت له بالموافقة، رغم أن قلبها كله كان يصرخ بالرفض.
تحركت معه نحو الباب بخطوات مترددة، وكل خطوة كانت تثقل أكثر من التي قبلها، حتى دخلا المصعد الكهربائي. وما إن أغلق الباب عليهما وبدأ المصعد يهبط، حتى ثبتت رنيم عينيها على الأرقام المضيئة وهي تتناقص أمامها، وشعرت أن قلبها يهبط معها بنفس السرعة، ينبض بعنف شديد داخل صدرها حتى كادت تشعر به يخرج من مكانه.
كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها، لكن الهواء بدا ثقيلًا، وكأن الجدران تضيق حولها كلما اقتربت من الأسفل.
وحين توقف المصعد أخيرًا وانفتح الباب، أمسك زين يدها وتحرك بها إلى الخارج، ثم اتجها معًا نحو السيارة. صعد زين أولًا خلف المقود وكأنه يحسم كل شيء، بينما تحركت رنيم نحو الجهة الأخرى بقدمين مرتجفتين، ومدت يدها لتفتح الباب، لكن قبل أن تصعد شعرت بقبضة قوية تمسك بذراعها وتمنعها من الحركة.
تجمد جسدها بالكامل، واتسعت عيناها بصدمة كبيرة، ثم التفتت بسرعة لتنظر إلى صاحب تلك القبضة، وما إن رأته حتى خرج اسمه من بين شفتيها بصوت مرتجف:
"ش شاهين!"
كان شاهين يقف أمامها وعيناه تشتعلان بغضب مرعب، غضب جعلها تشعر أن شيئًا خطيرًا على وشك الحدوث.
نظر لها للحظة واحدة فقط، ثم جذبها بعيدًا عن السيارة بعنف، وأغلق الباب بقوة جعلت صوت ارتطامه يدوي في المكان، قبل أن يتركها ويتجه مباشرة إلى الجهة الأخرى.
فتح الباب بعنف، وأمسك زين من ملابسه، وسحبه إلى الخارج بقوة لم تمنحه حتى فرصة للفهم، ثم انهالت عليه أول لكمة بكل غضبه المكبوت، فاصطدمت بوجهه بقسوة جعلت الدماء تتدفق فورًا من أنفه. لم يمنحه فرصة ليستعيد أنفاسه، بل تبعتها لكمة أخرى، ثم أخرى، حتى بدأ زين يفقد توازنه أمام هذه الضربات المتلاحقة.
حاول المقاومة، لكن شاهين كان أسرع منه وأقوى بكثير مما توقع، ولم يترك له أي فرصة للدفاع عن نفسه، حتى سقط زين على الأرض تحت وطأة الضرب، لكن شاهين لم يتوقف، بل جلس فوقه وأكمل ضربه بعنف أكبر، وكأنه يفرغ فيه غضبًا تراكم داخله منذ وقت طويل.
وقفت رنيم مكانها مصدومة تمامًا، عاجزة عن استيعاب ما يحدث أمام عينيها، والدموع كانت تنهمر منها بلا توقف، بينما عقلها يرفض تصديق المشهد كله. كانت ترى أخاها يضرب بعنف، وترى شاهين بصورة لم تعهدها من قبل، وكل هذا جعلها تقف للحظات مشلولة الحركة.
لكن حين شعرت أن الأمر تجاوز قدرتها على الاحتمال، اندفعت نحوه بسرعة، وأمسكت ذراع شاهين محاولة أن تبعده عن زين، إلا أن جسده كان متصلبًا تحت الغضب، وقوته جعلت محاولتها تبدو ضعيفة أمامه.
صرخت بصوت منهار، والدموع تخنق كلماتها وهي تقول:
"سيبه يا شاهين علشان خاطري."
وما إن وصلت كلماتها إليه، وما إن سمع الانهيار الواضح في صوتها، حتى توقف فجأة، وكأن صوتها وحده كان قادرًا على سحبه من حالة الغضب التي كان غارقًا فيها.
رفع رأسه ونظر إليها، فرآها منهارة تمامًا أمامه، تبكي وترتجف وكأنها على وشك السقوط، فترك زين ونهض واقفًا، يحاول أن يسيطر على أنفاسه المتسارعة.
تحركت رنيم تلقائيًا وكأنها ستذهب نحو أخيها لتطمئن عليه، لكن شاهين كان أسرع منها، فأمسكها من ذراعها بقوة، ومنعها من الاقتراب، ثم أجبرها على التحرك معه رغم مقاومتها الضعيفة.
فتح باب سيارته ودفعها إلى الداخل، ثم أغلق الباب بعنف قبل أن يستدير بسرعة ويجلس خلف المقود، وما هي إلا لحظات حتى انطلقت السيارة بسرعة جنونية، وكأن الغضب ما زال يقوده حتى بعد أن غادر المكان.
أما زين، فقد ظل ممددًا على الأرض فاقدًا للوعي، والدماء تنهمر من وجهه بغزارة، بينما المكان من حوله عاد ساكنًا، وكأن ما حدث قبل لحظات لم يكن سوى انفجار عنيف ترك خلفه وجعًا جديدًا سيغير كل شيء.
***************************
بعد وقت ليس بقليل، أوقف شاهين السيارة على جانب الطريق بعنف واضح، حتى كادت العجلات تصرخ تحت قوة الفرامل. ظل ممسكًا بعجلة القيادة بكلتا يديه، أصابعه تضغط عليها بعنف، وعروق كفه بارزة من شدة التوتر، بينما صدره يعلو ويهبط بسرعة وهو يحاول السيطرة على غضبه الذي كان يشتعل داخله بلا رحمة. لم يكن غضبه منها، بقدر ما كان غضبًا من فكرة أنه وصل متأخرًا دقائق قليلة، دقائق كانت كفيلة بأن تدمر حياتها بالكامل لو لم يتدخل في الوقت المناسب.
أما رنيم، فكانت طوال الطريق أشبه بإعصار من الانفعال، تصرخ فيه بلا توقف، تطلب منه أن يعيدها، أن يتركها تعود إلى زين، كانت كلماتها تختلط ببكائها، وصوتها يرتجف بين الخوف والذنب، بينما هو ظل صامتًا طوال الطريق، وكأن صمته كان الطريقة الوحيدة التي تمنعه من الانفجار. كان يزيد من سرعة السيارة كلما ارتفع صوتها، ليس هروبًا من الحديث، بل هروبًا من غضبه الذي كان يوشك أن يخرج بطريقة قد تخيفها.
ظل الصمت الثقيل معلقًا بينهما لثواني طويلة بعد توقف السيارة، قبل أن يخرج صوته أخيرًا، منخفضًا لكنه محمل بحدة واضحة وهو يسألها:
"كنتوا رايحين فين فى وقت زي ده يا رنيم؟"
أدارت وجهها بعيدًا عنه، وكأنها ترفض حتى مواجهته، وشعرت بغصة تخنق صوتها وهي تجيب بعناد حاولت أن تتشبث به رغم ارتجافها:
"ملكش فيه، انت مالك بيا اصلا، اروح مكان ما أنا عايزة، انت ملكش حكم عليا اصلا."
بمجرد انتهاء كلماتها، هوى بقبضته على المقود بعنف جعل صوت الضربة يملأ السيارة، فانتفض جسدها كله من مكانه، ثم التفت لها بنظرة مشتعلة وصوته خرج هذه المرة عاليًا، حادًا، يحمل خوفًا أكثر مما يحمل غضبًا:
"ررنيم، متعصبنيش وردي عليا عدل، كنتي رايحه فين مع البني ادم ده الفجر كده؟"
شعرت بأن الكلمات علقت داخل حلقها، وأن نظراته كانت تخترقها وتنتزع منها الحقيقة بالقوة، وحين ارتفع صوته مرة أخرى داخل رأسها قبل أذنيها، خرجت الكلمات منها متعثرة تحت وطأة الخوف:
"ك كنت رايحه الفيلا عند عمتو سميه."
نظر لها شاهين بتركيز شديد، ولم يقاطعها، فقط أومأ برأسه ببطء، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة لتكمل بنفسها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا لكنه لا يقل خطورة:
"امم، كملي كنتوا رايحين تعملوا ايه فى وقت زي ده؟"
زاغت ببصرها بعيدًا عنه، وأطبقت شفتيها بقوة، لكن ارتباكها كان يفضحها بوضوح. شاهين لم يكن بحاجة لإجابة كاملة؛ كان يرى الحقيقة في رعشة يدها، في أنفاسها المضطربة، في نظراتها الهاربة. فهم كل شيء قبل أن تنطق به.
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما وهو يمد يده أمامها ويقول بصوت صارم:
"هاتي اللي فى شنطتك."
اتسعت عيناها بصدمة، ونظرت إليه وكأنها لا تستوعب كيف عرف، ثم قالت بتوتر واضح:
"ها، ه هو ايه ده؟"
مال بجسده قليلًا نحوها، ونظر لها نظرة جعلت الدم يتجمد بعروقها، قبل أن يكرر بصوت خرج من بين أسنانه:
"هاااتي اللي فى شنطتك يا ررنيم."
ارتجفت يدها وهي تتحرك نحو حقيبة يدها ببطء شديد، وكأن كل حركة كانت تثقل عليها أكثر من التي قبلها. فتحت الحقيبة، وأخرجت السلاح منها بيد مرتجفة، ثم ناولته له دون أن ترفع عينيها إليه.
اختطفه من يدها بعنف، ورفعه أمام عينيها وهو يهتف بغضب لم يعد قادرًا على إخفائه:
"تاااني يا رنيم، انتي ايه محرمتيش من أول مره، طيب انا وخرجتك منها بسهولة، إنما اللي كنت هتعملي دلوقتي، مكانش هيسموا عليكي، كان هيحصلك حاجه من الاتنين يا هيضربوا عليكي رصاص من قبل ما تعملي حاجه، يا كانوا هيسلموكي لشرطة، لأن غريب مشدد الحراسه على الفيلا اليومين دول، واكيد فيهم ناس جديدة متعرفش انك كنتي عايشه فى المكان ده قبل كده، فين عقلك يا رنيم؟ ده انا اكتر حاجه حبيتها فيكي هو عقلك."
بمجرد أن انتهى، انهارت دموعها بغزارة، كأن كلماته كسرت آخر مقاومة كانت تتمسك بها، وتكلمت بصوت مخنوق بالبكاء:
"أنا كنت رافضه أعمل كده والله، أنا مش مجرمة علشان اقتل كل شويه حد، ب بس هو كان مصمم اعمل كده علشان أنا كنت عايشه هناك وحافظة المكان كويس، رفض والله العظيم رفض، بس مكنتش حابه ازعل زين، هو بيحبني ووقف معايا كتير علشان يرجع الشركه ليا وعلى طول فى ضهري، و واكيد هو مش عايز يأذيني بس قلبه محروق على ماما زي واكتر."
أغلق شاهين عينيه بقوة، وأخرج زفرة طويلة حارقة. كان يعرف الحقيقة كاملة، يعرف من هو زين، ويعرف ماذا يحمل داخله تجاهها، وكان أكثر ما يؤلمه الآن أنها ترى فيه السند والأمان، بينما هو لا يرى فيها إلا وسيلة لشفاء جرحه القديم بدمارها.
فتح عينيه ونظر لها طويلًا، ثم حاول أن يجعل صوته أهدأ وهو يقول:
"رنيم ممكن متعمليش اي حاجه من ورايا، حتى لو اخوكي اللي طلب منك ده، أنا مش عايز اخسرك بعد ما صدقت لاقيتك، عايزة تنتقمي؟ قوليلي وانا اهد الدنيا كلها علشان خاطر عيونك، بس بلاش تعرضي نفسك للخطر علشان خاطري."
رفعت عينيها إليه، ونظرت داخلهما بتمعن، فرأت شيئًا صادقًا يهزها من الداخل، شيئًا جعل مقاومتها تضعف، فأومأت برأسها بهدوء وقالت:
"ح حاضر."
تنفس براحة خفيفة، ثم اعتدل في جلسته، واستدار بجسده نحوها، وأمسك يدها بين يديه وكأنه يحاول أن يثبتها في مكانها، أو يثبت نفسه بها، ثم قال بحب واضح:
"رنيم أنا عايزك تثقي فيا، مش عايزك تصدقي أي كلمه تتقال ليكي من اي حد غيري، الدنيا حواليكي مش زي ما انتي شيفاها، أنا هحميكي من الدنيا كلها حتى من نفسك، وهنوصل لبر الامان واحنا سوا."
ضيقت عينيها وهي تنظر له، وصوتها خرج مختلطًا بالحيرة والألم:
"وانا ايه يخليني اثق فيك يا شاهين؟ انت اكتر واحد دمرني فى شغلي، ابن اكتر واحده بكرهها وايديها عليها دم اهلي، ظهورك فى حياتي اصلا كانت خطة ما بينكم علشان تدمرني وتنتقم مني على حاجة أنا معرفش ايه هي، وبعد كل ده جاي تقولي اثق فيك ومسمعش كلام اي حد غيرك! طيب على اي اساس بتطلب مني حاجه زي دي؟ ده انت اكتر شخص المفروض احرص منه، يا شاهين"
ابتسم لها بهدوء، ولم يغضب من كلامها، لأنه يعرف أنها محقة، ثم قال بصوت مملوء باعتراف صريح:
"بطلب منك كده علشان أنا اكتر شخص بيحبك يا رنيم، اه منكرش كلامك، واني فعلا عملت كل ده فيكي، بس لسه مكنتش اعرفك يا رنيم، انتي خطفتي قلبي من أول مقابله ما بينا كنت كل ما أحس بحبك بيكبر فى قلبي، كنت اضغط عليكي اكتر، علشان اثبت لنفسي قبل ما أثبت ليهم، أن مافيش اي مشاعر جوايا ليكي، بس خلاص جه وقت ومقدرتش أنكر الحقيقه اللي فى قلبي، اني بحبك يا رنيم، ومقدرش استحمل اشوفك تتأذي، ومن وقت ما صرحت لنفسي بالحقيقه دي، وانا قررت اعيش حياتي كلها عدو لكل اعدائك واعيش لحمايتك وبس، حتى من اقرب الناس ليا، وبناء على كلامي ده طلبت منك متثقيش فى حد غيري."
ظلت تنظر إليه طويلًا، وكأنها تحاول أن تزن صدقه بعينيه، لكنها رأت هناك شيئًا لم تستطع إنكاره؛ رأت حبًا واضحًا، وأمانًا لم تجربه من قبل، فأخفضت دفاعاتها أخيرًا وابتسمت له بحب ثم قالت:
"وانا واثقه فيك يا شاهين، حياتي كلها ملك ايدك."
وصلت كلماتها إليه أعمق مما تتخيل، وشعر وكأن قلبه توقف للحظة ثم عاد ينبض بعنف. فكرة أنها وضعت نفسها بين يديه بهذا الشكل جعلته يشعر بمسؤولية ضخمة تجاهها، مسؤولية أكبر من الحب نفسه.
اقترب منها فجأة واحتضنها بقوة، كأنه يريد أن يخبئها داخل صدره بعيدًا عن العالم كله، ثم وضع قبلة رقيقة على عنقها تناقض تمامًا شدة عناقه، واقترب من أذنها هامسًا:
"حياتك معايا فى أمان، هحافظ عليكي بعمري كله يا رنيم، بحبك."
ارتجف جسدها بين ذراعيه، وشعرت بدقات قلبها تضرب بعنف داخل صدرها، لكن الغريب أنها لم تخف، بل شعرت براحة غريبة وهي تستند إليه. رفعت يديها ببطء واحتضنته هي الأخرى بقوة، وكأنها ترد عليه بلغة لا تحتاج كلمات.
ابتسم شاهين بسعادة حقيقية، وفهم من عناقها ما لم تقله، ووعد نفسه بصمت أنه سيكون ملاذها مهما حدث.
ابتعد عنها أخيرًا، لكنه أبقى وجهها بين كفيه، ينظر إليها بحب واضح، ثم قال بمكر ممزوج بعشق:
"أنا لو عليا عايز اقضي عمري كله وانتي في حضني كده، بس للاسف بالطريقه دي هنتمسك بقضية فعل فاضح فى الطريق العام، يتقفل علينا باب واحد وانا مش هخرجك من حضني ابدا."
اقترب بعدها ووضع قبلة على خدها، ثم ابتعد بغمزة شقية أعادت الدماء إلى وجنتيها، وعاد لمقعده وأدار السيارة.
أما هي، فظلت كما هي، تحاول استيعاب كل ما حدث، تشعر بحرارة الخجل تغمر وجهها، فعقدت ذراعيها على صدرها وأدارت وجهها ناحية النافذة تخفي ابتسامتها.
راقبها بطرف عينه، وابتسامتها الصغيرة كانت كافية لإرباكه، فقال بنبرة متذمرة عاشقة:
"بطل تحلو كده يا بطل، علشان قلبي مش حملك وبينهار."
انفجرت ضاحكة رغماً عنها، ثم قالت بصعوبة بين ضحكاتها:
"اللي يسمعك بتقول كده، ميصدقش انك انت ذاته شاهين الرواي اللي بيرعب اتخن تخين."
نظر لها بحب وقال بمزاح:
"لا ما هو انا ارعب اتخن تخين، وفى الاخر حتة اربعه وخمسين سنتي تيجي وتوقع شاهين الرواي بنفسه وترعبه كمان."
ابتسمت بخجل وأدارت رأسها وهي تقول:
"ربنا يعيني عليك بجد."
تعالت ضحكاته، وعاد ينظر للطريق أمامه، لكن هذه المرة كان قلبه أخف، رغم القلق الذي ما زال ينهش داخله عليها، إلا أن وجودها بجانبه، وثقتها التي وضعتها بين يديه، جعلته يشعر أن كل معاركه القادمة تستحق أن تخاض.
**************************
خرجت مريم بمقعدها من غرفتها فور ما سمعت صوت الباب يغلق في الخارج، وكأنها كانت تترقب تلك اللحظة منذ البداية، فقد فهمت على الفور ما الذي فعله شاهين، وفهمت أكثر ما الذي ينوي فعله بعد ذلك. كانت تدرك جيدًا أن كل مرة يتحرك فيها لحماية رنيم، يهدم حجرًا جديدًا من الخطة التي بنتها طوال سنوات، الخطة التي ظنت أنها محكمة لا يمكن أن يفسدها شيء، لكن وجود رنيم في حياة شاهين جعل كل شيء يختل، وجعل ابنها الذي ربته على القسوة والانتقام يقف الآن ضدها دون أن يشعر. نظرت إلى الباب الذي خرج منه بعينين ممتلئتين بالغضب، وشعرت أن الأمور بدأت تفلت من بين يديها بشكل لم تتوقعه، فمدت يدها سريعًا إلى الهاتف وأجرت اتصالًا، وظلت تنتظر الرد وهي تضغط على أسنانها بعصبية واضحة، وما إن سمعت الصوت على الطرف الآخر حتى قالت بصوت يحمل أمرًا لا يقبل النقاش:
"تيجي حالا متتأخرش."
أتاها صوت متذمر على الجانب الآخر. قال:
"يا ماما ده وقته أنا لسه نايم مبقاليش ساعتين."
اشتد غضبها أكثر، ليس فقط من تأخره أو اعتراضه، بل من شعورها أن كل شيء حولها بدأ يضعف، وأن عليها أن تتحرك بنفسها لتعيد السيطرة، فتحدثت بحدة واضحة وصوت غاضب:
"اسمع الكلام ميبقاش انت واخوك، يا خلفة سودا، اخلص بسرعه وانت جاي هتلاقي زين تحت هاته معاك."
أنهت المكالمة وأغلقت الخط دون أن تمنحه فرصة للرد، وكأنها لا ترى في أحد منهم حق الاعتراض أصلًا، ثم ظلت مكانها تنتظر، وعيناها مشغولتان بالتفكير، تحاول ترتيب الخطوة التالية بعدما شعرت أن شاهين بدأ يبتعد عن المسار الذي رسمته له بيديها.
مر بعض الوقت حتى فتح الباب من جديد، ودخل مروان وهو يسند زين الذي كان يبدو في حالة مزرية، وجهه مغطى بالدماء والتورمات، وأنفاسه ثقيلة متقطعة من شدة الضرب الذي تلقاه، حتى إن جسده كله بدا وكأنه بالكاد قادر على الثبات. ساعده مروان حتى أجلسه على المقعد، ثم ألقى بنفسه على الأريكة بضيق واضح، وهو لا يزال غير مستوعب كيف تم سحبه من نومه في ذلك الوقت المبكر، وقال بصوت مختنق يحمل انزعاجه:
"يعني يرضي مين ده يا ماما، الوقت لسه بدري اوي."
لكن مريم لم تهتم بكلامه، كانت تنظر إلى زين وحالته، والغضب بداخلها يتصاعد أكثر، ليس شفقة عليه، بل غضبًا من أن شاهين تدخل مرة أخرى وأفسد ما أرادوه، وتكلمت بصوت حاد ومظلم، وكأن القرار بداخلها قد حسم بالفعل:
"البت دي لازم نخلص منها، وجودها بقى خطر علينا كلنا، شاهين مبقاش شايف غيرها، وبسببها كل اللي خططنا ليه طول السنين اللي فاتت هيروح هدر."
رفع مروان رأسه إليها بضيق، وقد بدأ يشعر أن ما يحدث تجاوز كل الحدود، وأن أخاه الذي تحمل عن الجميع سنوات طويلة لا يستحق كل هذا الخراب الذي يفرض عليه، فتحدث بصوت مختنق يحمل اعتراضًا صريحًا:
"هو انتي مستكتره على ابنك يعيش سعيد فى حياته، هو حبها ايه المشكله؟ سيبوه فى حالة، شاهين طول عمره هو اللي شايل الكل، حتى متهناش فى جوازته الاولى وكنتي انتي السبب برضه كفايه بقى حرام عليكم."
اشتعلت عيناها غضبًا فور سماع كلماته، لأنها رأت في اعتراضه تمردًا، ورأت فيه وقوفًا في صف شاهين ضدها، فوجهت له نظرة حادة وقالت بحدة:
"اخرس انت متدخلش فى اللي ملكش فيه، مش كفايه انك مش عارف توقع حتة بنت وتنفذ اللي طلبته منك."
أدار مروان وجهه بعيدًا عنها، وكأن كلامها لم يعد يؤلمه بقدر ما صار يكشف له حقيقتها أكثر، ثم تكلم بصوت مختنق يحمل شيئًا من الحسرة:
"اتمنى ابقى زي اخويا شاهين، واقدر اختار البنت اللي بحبها وابعد عن القرف ده كله."
في تلك اللحظة فتح زين عينه المتورمة بصعوبة، كان الألم ينهش وجهه وجسده، لكن النار التي بداخله كانت أشد من أي ألم جسدي، فقد شعر بالإهانة أكثر مما شعر بالوجع، وشاهين لم يهزمه فقط بالضرب، بل كسر هيبته أمام رنيم، وهذا وحده كان كافيًا ليوقظ داخله كل الحقد دفعة واحدة، فقال بصوت ثقيل مختنق بالغضب:
"موت البنت دي على أيدي أنا، مبقاش أنا لو محرقتش قلبه عليها وبعدها هشرب من دمه هو كمان."
رفعت مريم عينيها إليه سريعًا، ونظرتها كانت حادة ومليئة بالتحذير، فهي لا تمانع موت رنيم، بل تتمنى ذلك، لكنها في الوقت نفسه تضع حدودًا واضحة حين يتعلق الأمر بأبنائها، فقالت بصوت صارم يحمل تهديدًا مباشرًا:
"عندك يا ابن يا فريدة اختك تقتلها ياريت ده اللي انا عايزاه، لكن دماغك توزك وتفكر تقرب من ابني، همحيك من على وش الأرض، متنساش ده يبقى ابن مين، واللي يفكر يقرب من عيال مريم انسفه نسف."
نظر إليها زين طويلًا، وعيناه ممتلئتان بوجع أعمق من جراح وجهه، وجع قديم عاد ينهشه من جديد، وجع طفل كان يتمنى يومًا أن تحميه أمه كما تحمي هي أبناءها الآن، لكنه لم يحصل منها إلا على الطرد والرفض، فتحدث بصوت مختنق يحمل مرارة السنين كلها:
"ياريتها كانت بتخاف عليا زي ما انتي خايفه على عيالك كده، اهو شوفي انتي وكل الشر اللي فى قلبك، بس عندك استعداد تهدي الدنيا كلها علشان ولادك."
ابتسمت مريم ابتسامة خبيثة، فهي تعرف جيدًا كيف تمسك جروحه وتحركه بها كما تشاء، وتعرف أن كلمتين في المكان الصحيح كفيلتان بإشعال ناره من جديد، فقالت بنبرة لئيمة هادئة:
"وانت فى ايدك تتنقم من الشخص اللي اخد منك الحب والاهتمام دول، وانت ابني التالت بس اجمد كده وشد حيلك."
ساد الصمت بعد كلماتها، لكن ذلك الصمت لم يكن هادئًا، بل كان ممتلئًا بخطط سوداء تتشكل في العقول والقلوب، بينما جلس مروان ينظر إليهم بعدم رضا، يشعر بثقل ما يسمعه وما يدبر أمامه. كان يحب شاهين أكثر من أي شيء، يراه أخًا وأبًا وسندًا، ويعرف أن كل خطوة يخططون لها الآن لن تؤذي رنيم وحدها، بل ستطعن شاهين في قلبه، وهذا وحده كان كافيًا ليجعله يشعر أن البيت كله يسير نحو كارثة لن ينجو منها أحد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الرابع والعشرون
مرت عدة أيام ثقيلة على الجميع، لكنها لم تكن متشابهة في وطأتها؛ فكل واحد منهم كان يحمل وجعه بطريقته الخاصة، وكأن الأيام لم تعد تمر بالزمن الطبيعي، بل صارت تمر محملة بثقل الفراق والخوف والترقب. وبين هذا كله، كانت هناك مشاعر أخرى تنمو بهدوء، مشاعر لم تزرع عمدًا، لكنها وجدت طريقها رغم الخراب، حتى بدأت بذور الحب تمتد بين قلبين لم يتوقعا يومًا أن يلتقيا بهذا الشكل.
عاشت رنيم خلال تلك الأيام حالة جديدة عليها تمامًا، حياة مختلفة عن كل ما عرفته سابقًا، كأنها تدخل عالمًا آخر لم تختبره من قبل؛ عالم فيه رجل جعل وجوده حولها يمنحها شعورًا غريبًا بالأمان، رغم أن كل المنطق كان يخبرها أن تخاف منه. كانت تحاول فهم نفسها، وتحاول فهم هذا التبدل الذي يحدث داخلها كلما اقترب منها شاهين، لكنها في كل مرة كانت تجد نفسها تستسلم لذلك الشعور دون مقاومة حقيقية.
أما شاهين، فقد تحول تمامًا. لم يعد ذلك الرجل الذي يتحرك وفق خطط مدروسة باردة، بل أصبح عاشقًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رجلًا كرس يومه كله لأجلها، يراقبها، يحميها، يمنع أي خطر من الاقتراب منها، ويعمل في الخفاء على إعادة شركتها إلى وضعها السابق، وكأن إصلاح ما كسره بيده يومًا أصبح الآن دينًا عليه سداده.
أما جواد وجواهر، فكانت حياتهما أشبه بمن يسير فوق جمر مشتعل؛ لا يستطيع أحدهما التراجع، ولا يقدر على الاحتمال. كانت جواهر تشتاق إليه حد الاختناق، تتمنى لو تختفي تلك القضبان الحديدية التي تفصلها عنه وتعود إليه، تعود إلى حضنه الذي كان دائمًا ملاذها الوحيد، بينما كان جواد يعيش كل يوم وهو يحترق بالعجز، يبحث بجنون عن الحقيقة، عن القاتل الحقيقي، عن أي خيط ينقذها من ذلك المكان الذي يسلب منها الحياة يومًا بعد يوم.
وفي صباح يوم جديد، استيقظت رنيم على صوت هاتفها يرن بجوارها. كانت لا تزال غارقة بين النوم واليقظة، لكن ما إن وقع نظرها على الاسم حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها دون إرادة، ابتسامة أصبحت تزورها كلما كان هو الطرف الآخر. مدت يدها والتقطت الهاتف، ثم أجابت وهي ما تزال مغمضة العينين وقالت:
"صباح الخير."
أتاها صوته، ذلك الصوت الذي بات مألوفًا لقلبها أكثر مما ينبغي، لكنه هذه المرة لم يحمل دفء عادته، بل كان جادًا بشكل جعل ابتسامتها تتلاشى قليلًا، وهو يقول:
"صباح النور، اطلعي البلكونه، بس ألبسي حاجة تقيلة علشان متبرديش."
فتحت عينيها فورًا، وقد التقطت ذلك التغير في نبرته، وعقدت حاجبيها بقلق واضح وهي تقول:
"شاهين! مال صوتك؟"
تنهد بضيق، وكأن الكلام يثقله، ثم قال بصوت مختنق:
"تعالي بس وهقولك."
أغلقت الخط سريعًا ونهضت من سريرها دون تردد، شعور القلق بدأ يتمدد داخلها بلا سبب واضح، وتحركت بخطوات سريعة نحو الشرفة، وما إن خرجت حتى وقع بصرها عليه في الشرفة المقابلة، لكنها توقفت فورًا عند ملامحه. كان وجهه متجهمًا على غير عادته، وعيناه تحملان شيئًا ثقيلًا، شيئًا لم تستطع تفسيره، فقالت بقلق واضح:
"خير يا شاهين قلقتني؟"
أغمض عينيه للحظة وكأن غضبه يضغط على صدره، وقبض على سور الشرفة بقوة قبل أن يقول بصوت مختنق:
"مستعده تعرفي القاتل الحقيقي يا رنيم؟"
تسمرت للحظة مكانها، واتسعت عيناها بدهشة، وكأن الكلمات احتاجت وقتًا حتى تستقر داخلها، ثم أومأت سريعًا وقالت:
"أيوه طبعا مستعدة يا شاهين، بس ليه وشك عامل كده؟ ه هو فيه حاجة؟"
أشار لها بيده أن تقترب أكثر، وما إن اقتربت حتى خلع سترته ووضعها على كتفيها بنفس العناية المعتادة، رغم كل ما بدا عليه من اضطراب، وقال:
"قلتلك ألبسي حاجة تقيله هتبردي."
شدت السترة حول جسدها، لكنها لم تكن قادرة على مجاراة هذا الهدوء منه وهي تشعر أن شيئًا خطيرًا على وشك أن يقال، فتحدثت بنفاد صبر:
"يا شاهين اتكلم بقى، قولي مين."
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة، نظرة حملت ترددًا واضحًا، وكأنه كان يزن ما سيحدث بعدها، ثم قال بنبرة هادئة ثقيلة:
"أنا قبل كده قلتلك هخليكي تثبتي براءة جواهر بنفسك، وهو ده اللي هعمله يا رنيم هديكي الخط اللي تمشي عليه، ومتخافيش هكون معاكي ومش هسيبك لوحدك."
ازدادت حيرتها، وشعرت أن كل كلمة منه تزيد الأمور غموضًا، فقالت بتوتر واضح:
"ط طيب ما تقول انت مدام عارفه، النهاردة الجلسة التانيه لجواهر، لازم نقدمه النهاردة."
هز رأسه بالرفض، وكان واضحًا أن الأمر بالنسبة له ليس بهذه السهولة، وقال:
"مش هينفع يا رنيم، مش هتصدقي، غير لما تشوفي وتسمعي بنفسك."
عقدت حاجبيها أكثر وهي تقول بحيرة حقيقية:
"ومش هصدق ليه يا شاهين؟"
زفر بضيق، وقد بدأ نفاد صبره يظهر، لكنه كان يعرف أن ما يمنعه من الكلام الآن هو خوفه عليها من وقع الحقيقة، فقال:
"هو انتي هيحصلك حاجة لو قولتي حاضر ونفذتي من غير أسأله كتير؟"
نظرت له بضيق واضح، وبرغم التوتر الذي يملأها خرجت منها نبرة طفولية متذمرة وهي تقول:
"وانت هيحصلك حاجة لو اتكلمت على طول من غير ألغاز أو من غير ما تعلقني كده؟"
ورغم ثقل اللحظة، تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيه، تلك الطريقة الخاصة بها دائمًا كانت قادرة على كسر حدة غضبه، فقال بصوت هامس يحمل شيئًا من العشق:
"انتي عارفه لو مكانش السور اللي ما بينا ده كنت عملت فيكي ايه دلوقتي؟ يا بنتي أرحمي امي المشلولة اللي جوه دي، أنا بنهار بسببك."
لكن ما إن خرجت منه تلك الجملة حتى رأى التغير الفوري على ملامحها؛ اختفت ليونتها فجأة، وكأن ذكر مريم أعادها للحقيقة التي تحاول تناسيها. شعر بندمه فورًا، وأدرك أنه لمس جرحًا مفتوحًا بداخلها، فسارع يقول:
"حقك عليا، متزعليش، أنا كان قصدي أهزر معاكي."
رفعت عينيها إليه، وكان الوجع واضحًا فيهما وهي تقول بصوت مختنق:
"للاسف دي الحقيقه يا شاهين، مريم امك، وهتفضل تعكر علينا حياتنا كل ما ندرك الحقيقه دي."
مد يده إليها دون تفكير، أمسك يدها برفق وكأنه يحاول احتواء هذا الوجع الذي تسبب فيه، ثم قبلها بحب وقال:
"طول ما انا عايش، هعيش علشان ضحكتك تفضل منورة وشك، وأي حاجه تعكر حياتك أنا همحيها من الدنيا."
نظرت إليه بوجع، كانت تصدقه، تعرف أنه صادق، لكن الحقيقة التي بينهما كانت أثقل من أي وعد، فسحبت يدها برفق وقالت بصوت مختنق:
"هروح اجهز، علشان نلحق نجيب المجرم الحقيقي ونسلمه."
رفعت يدها لتخلع سترته وتعيدها له، لكنه أوقفها سريعًا وقال:
"خليه اوعي تقعليه، هتبردي."
أومأت برأسها في صمت، ثم استدارت ودخلت إلى الداخل، بينما ظل هو واقفًا مكانه يتابع أثرها بعينين مثقلتين بكل ما يحمله صدره من اختناق. كانت الحقيقة التي ستعرفها بعد قليل كفيلة بإشعال كل شيء، ولم يكن خوفه من كشف القاتل بقدر خوفه من اللحظة التي ستعرف فيها أن هذا القاتل هو أخوها، وأن قلبها سيكون ممزقًا بين دم أخيها وبراءة جواهر التي تعتبرها روحًا منها. زفر بضيق، ثم استدار وتحرك إلى الداخل، وهو يشعر أن الساعات القادمة لن تمر بسهولة على أحد.
****************************
عند غريب...
استيقظ جواد من نومه بصعوبة، كعادته في الأيام الأخيرة، وكأن النوم لم يعد راحة له بل مجرد استراحة قصيرة من الوجع قبل أن يعود إليه من جديد. كان الألم يضرب رأسه بقوة، وعيناه ثقيلتان من السهر الطويل، فهو لم يعد يعرف معنى النوم الحقيقي منذ دخلت جواهر ذلك المكان. كل ليلة كان يقضيها مستيقظًا، يتقلب بين الذكريات والخوف والدعاء، حتى أصبح جسده مرهقًا وروحه أكثر إنهاكًا من جسده.
فتح عينيه بصعوبة، وحدق في سقف الغرفة لثوانٍ طويلة، كأن عقله يحتاج وقتًا ليستوعب أنه دخل صباحًا جديدًا من نفس المعاناة. اعتدل على فراشه ببطء، ثم مرر يده على وجهه محاولًا أن يطرد آثار الإرهاق عنه، لكنه كان يعلم أن الإرهاق الحقيقي ليس في جسده، بل في قلبه الذي لم يعرف الهدوء منذ غابت جواهر عن حضنه.
زفر بضيق ونهض من فراشه، واتجه إلى المرحاض بخطوات ثقيلة، ثم نزع ملابسه وفتح الماء البارد على جسده، كأنه يحاول أن يوقظ نفسه بالقوة، أن يطرد ذلك الخمول الذي فرضه عليه الحزن. انسابت المياه فوقه، لكنه لم يشعر بأنها تخفف شيئًا، فالوجع الذي بداخله لم يكن شيئًا يمكن للماء أن يطفئه.
بعد دقائق خرج، ارتدى ملابسه سريعًا، ثم غادر غرفته وهبط إلى الأسفل، ليجد والده ما زال جالسًا في مكانه كأن الليل لم يمر عليه هو الآخر. كان واضحًا أن غريب أيضًا لم ينم كما يجب، فالأزمة لم تكن تخص جواد وحده، بل أصابت البيت كله بثقلها.
جلس جواد على المقعد المقابل له، وصوته خرج مثقلًا بما يشعر به:
"صباح الخير."
رفع غريب نظره إليه، وتأمله للحظة، فرأى في ملامحه الإرهاق والوجع والحزن الذي يحاول إخفاءه، ثم قال بهدوء:
"صباح النور."
ظل جواد صامتًا للحظات، وكأن أول ما خطر على ذهنه لم يكن نفسه، بل المحكمة، والجلسة، وجواهر، ثم قال بصوت مختنق:
"ماما وخالتوا سميه جهزوا ولا لسه؟"
أجابه غريب بهدوء وهو يحاول أن يخفف عنه:
"جهزوا وشوية وهيرحوا مع الحرس على المحكمة."
أومأ جواد برأسه، ثم عاد للصمت، ذلك الصمت الذي أصبح رفيقه في الأيام الأخيرة. لم يكن يعرف ماذا يقول، ولا ماذا يفعل، سوى أنه يشعر بالعجز ينهش داخله كل يوم أكثر.
نظر إليه غريب طويلًا، كان يرى ذلك الانكسار الذي يحاول ابنه إخفاءه، فمد يده وربت على ساقه بحنان الأب الذي يعرف وجع ابنه دون أن يطلب تفسيرًا، ثم قال بصوت هادئ:
"سيبها على ربنا، المحامين بيقولوا هيحاولوا يأجلوا النهاردة كمان، على ما يقدروا يوصلوا لاثبتات قوية علشان يقوى موقف جواهر فى القضيه."
رفع جواد عينيه إليه، لكن نظراته كانت ممتلئة بوجع حقيقي، ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا تحمل فرحًا بقدر ما تحمل قهرًا وقال:
"أنا مش عايز يأجلوا يا بابا، أنا عايز يخرجوا جواهر من المكان ده، عايزهم يرجعوها تاني لحضني."
خرجت الجملة منه كاعتراف موجوع أكثر منها مجرد أمنية، وكأن كل ما يريده من الدنيا الآن هو أن تعود إليه، أن يطمئن بأنها بخير، أن يراها أمامه بعيدًا عن تلك القضبان التي تسرق روحه كلما رآها خلفها.
أومأ غريب برأسه، وحاول أن يزرع داخله شيئًا من الأمل وهو يقول:
"هتخرج صدقني وهترجع تاني لحضنك وهيتقفل عليكم باب واحد وتجيبوا لينا احفاد كتير اوي."
أغمض جواد عينيه للحظة، وكأن تلك الصورة وحدها كانت كفيلة بأن تهز قلبه؛ جواهر معه، في بيته، بين يديه، حياة طبيعية كان يحلم بها، لكنه الآن يشعر أنها بعيدة المنال، ثم قال بصوت خرج مثقلًا بالدعاء والرجاء:
"يارب يا بابا يارب."
اقترب غريب بجسده قليلًا، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الجدية:
"انت عرفت أن وحيد اخوها اختفى ومش قادرين يوصلوا ليه؟"
فتح جواد عينيه فورًا ونظر إليه بعدم فهم، وكأن الخبر وقع عليه فجأة، ثم قال باستغراب واضح:
"أختفى!؟ ازاي يعني مش فاهم؟"
أجابه غريب موضحًا الأمر:
"المحامين بيقولوا طلبوا شهادته بس لحد دلوقتي مش قادرين يوصلوا ليه."
عقد جواد حاجبيه، وبدأت الأفكار تتحرك داخل رأسه بسرعة، فاختفاء وحيد في هذا التوقيت لم يكن أمرًا عاديًا أبدًا، خاصة مع كل ما يحدث، ثم حرك كتفيه وقال بصوت يحمل الشك:
"غريبه، مش بعيد مريم دي وراه اختفائة ده."
ساد الصمت للحظة، لكن جواد لم يعد يحتمل الجلوس أكثر. كان يشعر أن كل دقيقة تمر وهو بعيد عن المحكمة تسرق منه شيئًا، وكأن وجوده هناك، حتى لو لم يفعل شيئًا، يخفف عنه جزءًا من عجزه.
اعتدل بجسده ونهض من مكانه، ثم قال بصوت مختنق لكنه حاسم:
"هروح انا على المحكمة علشان اكون جنبها اول ما توصل."
رفع غريب رأسه إليه وأومأ موافقًا، وهو يعلم أن لا شيء سيمنعه عن الذهاب، فقال:
"ماشي روح وانا شوية وجاي وراك."
أومأ جواد برأسه، ثم تحرك سريعًا إلى الخارج. كانت خطواته تحمل استعجالًا واضحًا، كأن قلبه يسبقه إلى هناك. ركب سيارته وأدار المحرك، ثم انطلق بها مسرعًا نحو المحكمة، وعقله وقلبه كلاهما هناك، عند جواهر، ينتظران لحظة قد تغير مصيرهما كله.
***************************
ما إن انتهت رنيم من تجهيز نفسها، وقفت للحظات أمام المرآة تحاول أن تثبت اضطرابها الداخلي. منذ أن أخبرها شاهين أنه سيجعلها تصل للحقيقة بنفسها، وقلبها لم يعرف الراحة. كانت تشعر أن شيئًا ثقيلًا ينتظرها، شيئًا سيغير كل ما تعرفه، أخذت نفسًا عميقًا، ثم اتجهت نحو الباب وخرجت من شقتها.
وقفت أمام باب شقة شاهين تنتظر خروجه، وعيناها تتعلقان بالباب وكأنها تريد أن تنتزع منه السر الذي يخبئه عنها. نظرت إلى ساعة يدها، فوجدت الوقت يمر ببطء شديد، حتى صار الانتظار يرهق أعصابها أكثر من الفكرة نفسها. زفرت بضيق، ثم تحركت نحوه وضغطت على زر الجرس، وهي تتوقع أن يفتح لها شاهين الباب في أي لحظة.
لكن ما إن انفتح الباب حتى تجمدت ملامحها، حين وجدت مريم أمامها جالسة على مقعدها.
مجرد رؤيتها كانت كافية لتفسد صفوها وتعيد داخلها كل ما تحمله من كره قديم ووجع لم يهدأ. أغلقت عينيها بغضب واضح، وأدارت وجهها للجهة الأخرى، وكأن النظر إليها وحده عبء ثقيل، ثم رفعت صوتها تهتف متعمدة تجاهل وجودها:
"شاهين، يا شاهين لو خلصت يلا بينا."
راقبتها مريم بعينين تضجان بالخبث، وابتسامة باردة بدأت ترتسم فوق شفتيها، ثم اقتربت منها بمقعدها قليلًا وكأنها تستمتع بإرباكها، وقالت بنبرة مستفزة:
"شايفه أن علاقتكم ببعض بتقوى كل يوم أكتر من اليوم اللي قبله، والصراحه مش مرتاحه للعلاقة دي، علشان كده مش عايزكي تفرحي اوي."
ثم مالت نحوها أكثر، حتى صار صوتها أقرب للهمس السام، وقالت:
"علشان شاهين ابن مريم، تربيتي أنا، شارب من شري، ومهما حاولتي تغيري فيه، اللي فى دمه عمره ما هيتغير."
ثم عادت إلى الخلف بمقعدها، وهي تراقب أثر كلماتها على وجه رنيم، وكأنها تنتظر أن ترى فيه انكسارًا أو خوفًا.
لكن رنيم لم تمنحها ما أرادت.
نظرت إليها باشمئزاز واضح، وفي داخلها اشتعل التحدي أكثر. كانت تعرف أن مريم تريد أن تهز ثقتها في شاهين، أن تزرع داخلها الشك، لكنها في تلك اللحظة شعرت بيقين غريب تجاهه، يقين لم تعرفه مع أحد من قبل. رفعت رأسها وردت عليها بثبات ونبرة متحدية:
"شرك في دمه أه، لكن أنا حبي في قلبه، والحب أقوى من الشر بمراحل، ومش محتاجة أعمل أي مجهود علشان اغيره."
ثم انحنت قليلًا نحوها، واقتربت من أذنها بنفس القدر من التحدي الذي بدأت به مريم حديثها، وهمست بثقة واضحة:
"علشان هو اتغير فعلا، وحبي اللي فى قلبه اهم مليون مره عنده، من شرك اللي فى دمه يا مريومه."
ثم اعتدلت مرة أخرى، وعقدت ذراعيها على صدرها، وابتسامة التحدي ترتسم فوق شفتيها وكأنها تعلن انتصارها في معركة صامتة.
في الداخل، كان شاهين يقف عند حافة باب غرفته، يراقب كل ما يحدث في صمت. لم يتدخل عمدًا، لأنه أراد أن يعرف كيف ستتصرف رنيم أمام والدته حين لا يكون واقفًا بينهما، وأراد أن يسمع الحقيقة من قلبها دون تأثير منه.
وحين وصلت كلماتها إلى أذنه، شعر بشيء يهتز داخله بعنف.
قلبه الذي اعتاد القسوة، وجد نفسه يلين أمام تلك الثقة التي منحته إياها، أمام يقينها بأنه اختارها هي، وأن حبها غلب كل ما زرعته فيه مريم طوال عمره. ارتسمت على شفتيه ابتسامة حقيقية، نادرة، دافئة، لكنه أخفاها سريعًا قبل أن يظهر أمامهما، ثم تنحنح متعمدًا ليعلن وجوده.
ما إن سمعت رنيم صوته حتى اعتدلت في وقفتها سريعًا، وكأنها لم تكن قبل لحظات تخوض حربًا كاملة مع والدته، وما إن رأته حتى قالت بتوتر تخفي به ارتباكها:
"هنتأخر يا شاهين يلا بسرعة."
ابتسم لها بحب، كانت عيناه ما تزالان تحملان أثر ما سمعه منها قبل قليل، ثم أومأ برأسه وقال:
"أنا خلاص جاهز يلا بينا."
ثم التفت إلى والدته، وتبدلت ملامحه قليلًا وهو يقول بصوت مختنق يحمل ضيقًا واضحًا:
"ادخلي يلا يا ماما جوه."
نظرت لهما مريم بعينين تمتلئان بالغضب، شعرت أن الأمور تنفلت من يدها أكثر كل يوم، وأن شاهين يبتعد عنها لصالحها هي، ثم قالت بصوت يحمل وعيدًا واضحًا:
"متفرحوش اوي كده، علشان جراب مريم لسه فيه كتير."
ثم استدارت بمقعدها إلى الداخل، ودفعت الباب بقوة خلفها وكأنها تفرغ غضبها فيه.
أغلق شاهين عينيه للحظة، وكأنه يحاول أن يتجاوز ثقل وجودها وكلماتها، ثم التفت إلى رنيم ومد يده إليها، أمسك يدها وقبلها بحب صادق، وقال بنبرة عاشقة خرجت من قلبه مباشرة:
"جاهزة يا قلب وعمر شاهين؟"
رفعت عينيها إليه، وشعرت أن مجرد وجوده بجوارها يمنحها طمأنينة رغم كل ما ينتظرها، ثم أومأت برأسها وقالت:
"جاهزة يلا بينا."
احتضن يدها داخل كفه، وكأنه يطمئنها بصمته قبل كلماته، ثم أنزلها معه إلى الأسفل وهو ما يزال محتفظًا بها، غير راغب في تركها ولو للحظة.
أنزلت رنيم بصرها إلى يده الممسكة بيدها، وتأملت ذلك التشابك البسيط الذي كان يحمل معنى أكبر من مجرد لمسة. شعرت بدفء غريب يتسلل إلى قلبها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة لم تستطع منعها.
دخل الاثنان إلى المصعد، وظلت يده تحيط بيدها طوال الطريق، وكأنها وعد صامت بأنه سيكون معها في كل ما هو قادم.
وما إن وصلا إلى الأسفل، خرجا معًا واتجها نحو السيارة، ففتح لها الباب بنفسه كعادته، فجلست في المقعد الأمامي. عندها فقط ترك يدها أخيرًا، ثم تحرك إلى الجهة الأخرى وصعد خلف المقود.
جلس مكانه، وأدار وجهه إليها للحظة، يتأملها بنظرة طويلة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما يدور داخلها قبل أن تبدأ المواجهة القادمة، ثم اعتدل في جلسته وأدار السيارة، وانطلق بها نحو وجهتهما، بينما كان الصمت بينهما ممتلئًا بما هو أكبر من الكلام؛ حقيقة ثقيلة تقترب، وقلوب لا تعرف كيف ستخرج منها بعد أن تنكشف.
**************************
وصل جواد إلى المحكمة قبل الجميع، وكأن قدميه ساقته إليها وحدهما دون وعي. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح وهو يشعر بثقل فوق صدره، ثقل لا يزول، وكأن قلبه يعرف أن رؤية جواهر في ذلك المكان ستقتله ألف مرة. وقف بالخارج ينتظر سيارة الترحيلات، وعيناه معلقتان ببوابة المحكمة، يراقب كل حركة، وكل سيارة تمر، وكل دقيقة كانت تمر عليه كأنها ساعة كاملة.
كان يتحرك ذهابًا وإيابًا بتوتر واضح، يحاول تهدئة ضربات قلبه التي كانت تتصاعد بعنف داخل صدره، لكنه فشل. اشتياقه لها كان ينهشه بلا رحمة، ووجعه عليها صار أكبر من احتماله، وكل ما كان يريده في تلك اللحظة أن يراها، فقط يراها، حتى لو من خلف ألف حاجز.
وبعد وقت مر عليه وكأنه دهر كامل، وصلت سيارة الترحيلات أخيرًا.
تجمد مكانه للحظة، وشعر أن أنفاسه اختنقت داخل صدره وهو يراقب باب السيارة يفتح، وبدأت المسجونات بالنزول واحدة تلو الأخرى، وعيناه تبحثان عنها بجنون، حتى وقعتا عليها.
وفي اللحظة التي رآها فيها، شعر وكأن شيئًا حادًا انغرس في قلبه.
لم تكن كما تركها.
كانت أضعف، أنحف، ملامحها منهكة، وكأن السجن لم يسجن جسدها فقط، بل التهم من روحها أيضًا. السواد تحت عينيها كان شاهداً على ليالي طويلة من القهر والبكاء، ووجهها الشاحب بدا مرعبًا بالنسبة له، كأن الحياة انسحبت منه جزءًا جزءًا.
أغمض عينيه بألم، وشعر بالعجز ينهشه من الداخل.
وحين رفعت جواهر عينيها والتقت به، توقفت للحظة، وابتسمت له ابتسامة حزينة، ابتسامة حاولت بها أن تطمئنه رغم أنها هي نفسها كانت غارقة في الألم، ثم أومأت له برأسها وتحركت مع الحراس إلى الداخل.
ما إن اختفت عن ناظريه حتى اندفع سريعًا نحو القاعة، كأن كل خطوة تقربه منها تعيد له بعض أنفاسه. دخل القاعة وظل واقفًا ينتظر دخولها بفارغ صبر، حتى لمحها تقترب من القفص الحديدي.
وفي اللحظة التي أصبحت أمامه، اندفع نحوها وأمسك بالقضبان بقوة، كأنه يحاول انتزاعها من مكانها بيديه، وعيناه امتلأتا بذلك الاشتياق الموجع وهو يقول:
"وحشتيني يا جواهر."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، دافئة رغم الحزن الذي يغمرها، وقالت بصوت يحمل نفس القدر من الاشتياق:
"وانت كمان وحشتني اوي يا جواد."
ظل ينظر داخل عينيها طويلًا، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحها من جديد، ثم قال بصوت مختنق من شدة الألم:
"اقوي يا قلب جواد من جوه إن شاءالله هتخرجي من المكان ده قريب أوي وهتبقى فى حضني."
ابتسمت بحزن، لكن هذه المرة كانت ابتسامتها أشبه باعتراف بالهزيمة، ثم قالت بنبرة فاقدة للأمل:
"معتقدش يا جواد اني هخرج من المكان ده خلاص، أنا عمري هيخلص فيه."
هز رأسه بسرعة وكأن مجرد سماعها تقول ذلك يخنقه، وقال بلهفة ورفض واضح:
"بعد الشر متقوليش كده تاني يا جواهر، خلي عندك ثقه فى ربنا كبيرة، أنا مش واخد عليكي كده، فين جواهر القوية اللي طول عمرها بتديني أمل وتفاؤل لبكرة؟"
تنهدت جواهر بوجع، وكأن الكلمات صارت ثقيلة حتى في خروجها، ثم قالت بصوت مختنق:
"علشان دي الحقيقه يا جواد، مافيش فايدة خلاص، كل الأدلة بتثبت الجريمة عليا، والقاضي يا النهاردة يا الجلسه الجايه بالكتير، هيحول ورقي لفضيلة المفتي وهاخد إعدام، بس عارف ايه اكتر حاجة وجعاني؟ ان كل اللي بيحصلي ده، ورنيم سيباني لوحدي، ومسألتش فيا ولا مرة، واللي تعبني اكتر أنها وحشاني اوي، ونفسي اشوفها قبل ما أموت."
اشتعل الغضب داخله فور سماعه اسم رنيم، ليس لأنه يكرهها، بل لأنه يرى كيف ما زالت جواهر تتعلق بها رغم هذا الغياب كله، ورغم الألم الذي تركته داخلها، فضغط على أسنانه وقال بصوت مختنق بالغضب:
"متقوليش كده تاني، انتي هتعيشي وهتخرجي من هنا وهنتجوز يا جواهر، وبالنسبه لرنيم، انسيها لانك مش فى دماغها اصلا، هي عايشه حياتها عادي جدا بتحب وتتحب وتخرج وتروح وتيجي، وناسيه أن ليها بنت عمه اتربت معاها وعاشت عمرها كله معاها مرميه فى السجن، شيليها من دماغك وانسيها زي ما هي شالتك ومبتفكرش فيكي."
أسندت جواهر رأسها على القضبان الحديدية، وكأنها تحاول أن تجد في برودتها بعض الثبات، ثم قالت بصوت موجوع:
"ياريت الفعل كان سهل كده زي الكلام يا جواد، إنما للاسف حبي لرنيم مش مجرد حب بنت خال وخلاص، حبي ليها حب أخوي حقيقي، عمري ما شفتها غير أنها اختي اللي جات من أبويا وأمي، علشان كده وجعي اكبر من أنها صلة قرابه كده وخلاص."
تنهد جواد بضيق، لأنه يعلم أن بعض العلاقات لا تموت بالخيانة أو الغياب، بل تبقى تؤلم صاحبها مهما حدث، ثم قال محاولًا أن يبعدها عن هذا الألم:
"اللي تهوني عليه متفكريش فيه يا جواهر، سيبك منها وخلينا دلوقتي فى نفسنا، أنا عايزك تخلي بالك من نفسك، عارف ان العيشه فى السجن صعبه، بس حاولي تاكلي كويس علشان لما تخرجي من هنا يكون فيكي صحة للجواز."
ورغم كل ما بداخلها، ابتسمت رغماً عنها، ابتسامة صغيرة صنعتها طريقته، ثم قالت بصوت خافت فاقد للحياة:
"عندك أمل برضه أني هخرج من هنا؟"
نظر إليها بثبات، ذلك النوع من الثبات الذي لا يهزه خوف ولا ألم، وقال بصوت عاشق مليء باليقين:
"أيوه عندي أمل وثقه فى الله، أنه هيجمع قلبين اتعذبوا من ألم الفراق وصبروا على قضائه."
ارتجف قلبها مع كلماته، وشعرت أن الأمل الذي فقدته يحاول أن يعود من خلاله، فابتسمت له بحب وقالت:
"ونعم بالله يا حبيبي، ماما وخالتوا ترنيم لسه مجوش؟"
هز رأسه بالنفي وقال:
"لا لسه زمانهم جايين."
ثم مد أصابعه من بين فتحات القفص ولمس يدها برفق، وكأنه يتشبث بها كي لا تضيع منه، ونظر إليها بعشق هامسًا:
"بحبك يا بنت عمري كله."
تجمعت الدموع داخل عينيها، لأن الحب في ذلك المكان كان أشد وجعًا من السجن نفسه، ثم قالت بصوت موجوع:
"وانا بعشقك يا حب عمري اللي راح واللي الجاي."
اقترب كل منهما من الآخر حتى استندت جباههما على القضبان الفاصلة بينهما، وكأن الحديد وحده هو ما يمنعهما من أن يصبحا واحدًا، ثم قال جواد بصوت مختنق من عمق الاشتياق:
"نفسي احضنك اوي، نفسي أخبيكي جوه قلبي واحميكي من العالم كله يا جواهر."
انزلقت دمعة من عينها ببطء، وقالت بصوت موجوع صادق:
"وانا اكتر وقت محتاجه فيه حضنك هو دلوقتي يا جواد."
في تلك اللحظة، لم يحتمل أكثر، فضرب رأسه بالقفص الحديدي بقوة، وكأنه يريد كسره، يريد تحطيم كل ما يقف بينه وبينها، يريد أن ينتزعها من هذا المكان ويخفيها داخل صدره بعيدًا عن العالم كله، لكن الحقيقة القاسية كانت أقوى من رغبته، والعجز كان يذبحه حيًا، حتى انهمرت دموعه وهو يقول بصوت مكسور:
"أنا بلعن عجزي وضعفي مليون مره يا جواهر، علشان مقدرتش احميكي، نفسي اكسر الحواجز دي كلها واخدك وأهرب بيكي لبعيد اووي، لمكان محدش يكون فيه غيري أنا وانتي وبس."
نظرت إليه بحب عميق، حب تجاوز الخوف والوجع والمكان، ثم قالت وهي تحاول أن تضمّد جرحه بكلماتها:
"متقولش على نفسك كده يا جواد، انت أجمل وأعظم واقوى راجل فى عينيا أنا، أنت الامان والسند بعد موت بابا، انا لو رجع بيا العمر من تاني، هختار احبك تاني وتالت ورابع، لأن من الآخر مافيش راجل غيرك يملى قلبي وعينيا."
ضغط على أصابعها بقوة من بين فتحات القفص، كأنه يثبت لنفسه أنها ما زالت هنا، ثم اقترب من يدها وقبلها بوجع وحزن وعشق خالص، ورفع عينيه إليها يستمد منها القوة، ويجدد داخله القسم الذي أخذه على نفسه، أنه لن يتركها هنا، وأنه سيقاتل حتى آخر نفس ليعيدها إلى حضنه من جديد.
وظلا على هذا الحال، رؤوسهما متقاربة، وأصابعهما متشابكة عبر القضبان، ينتظران دخول هيئة المحكمة، بينما كان الوقت يمر بطيئًا، محملًا بالخوف، والأمل، والحب الذي صار أقوى من كل شيء.
***************************
وقف شاهين بسيارته أسفل إحدى العقارات، لكن هذه المرة لم يكن الصمت الذي يملأ المكان صمتًا عاديًا، بل كان ثقيلًا إلى حدٍ يكاد يخنق الأنفاس. ظل ممسكًا بعجلة القيادة للحظات طويلة، أصابعه تضغط عليها بقوة، وعيناه معلقتان أمامه وكأنه يراجع داخله كل احتمال ممكن لما سيحدث بعد دقائق. كان يعلم أن اللحظة التي اقتربت ليست مجرد كشف حقيقة، بل لحظة قادرة على كسر روح كاملة أو إنقاذ روح أخرى، وربما الاثنتين معًا.
التفت برأسه أخيرًا نحو رنيم، وبدا عليه ذلك الصراع الصامت بين رغبته في حمايتها وبين إدراكه أن الحقيقة لا يمكن أن تبقى مدفونة أكثر من ذلك. أخذ نفسًا عميقًا، كأن صدره يرفض إخراج الكلمات، ثم تكلم بصوت ثابت رغم ما يشتعل داخله:
"رنيم، انتي هتستني هنا."
رفع يده وأشار إلى الشاشة المثبتة أمامها، وكانت عيناه ثابتتين عليها للحظة قبل أن تعودا إليها، وكأنه يحاول أن يهيئها دون أن يفضح لها شيئًا.
"هنا هتشوفي كل حاجة وهتسمعي الحقيقه كاملة، وبعدها القرار هيكون في ايدك انتي."
انعقد حاجباها فورًا، والتبست ملامحها بالحيرة والقلق معًا، فهي جاءت معه وهي تظن أن الأمر واضح، أن هناك مجرمًا سيكشف وينتهي كل شيء، لكنها لم تفهم لماذا هذا الغموض كله، ولماذا يصر على إبعادها عن المواجهة. التفتت إليه بسرعة وقالت:
"وليه مطلعش معاك ونمسكه ونسلمه على طول، الوقت بيعدي وخايفه الحكم يتنطق قبل ما تظهر الحقيقه، وبعدين قرار ايه ده اللي فى ايدي من غير تفكير طبعا نسلمه."
مد شاهين يده إليها وأمسك يدها، ليس فقط ليهدئها، بل وكأنه يستمد منها قوة ليكمل ما هو مقبل عليه. كانت يدها باردة، متوترة، نابضة بالخوف، بينما كفه كان أكثر دفئًا لكنه مثقل بثقل الحقيقة.
نظر داخل عينيها طويلًا، ثم قال بهدوء حاول أن يزرعه داخلها:
"اصبري بس متتسرعيش، شوفي كل حاجة بعينك واسمعي بودنك وانتي هتفهمي كل حاجة."
لم تكن تفهم شيئًا، لكن وسط هذا الغموض كله، كان الشيء الوحيد الثابت أمامها هو ثقتها فيه. تلك الثقة التي نبتت ببطء داخلهما، حتى صارت أقوى من كل شك. أومأت برأسها بصمت، ثم قالت:
"حاضر."
اقترب منها شاهين ببطء، وانحنى قليلًا حتى وضع قبلة خفيفة على خدها، قبلة لم تكن عاطفة فقط، بل كانت وعدًا صامتًا بأنه مهما حدث بعدها، لن يتركها وحدها وسط الحطام. ابتعد عنها، فتح الباب، وترجل من السيارة، لكنه قبل أن يتحرك، توقف للحظة ونظر إليها من خلف الزجاج، نظرة طويلة مليئة بالقلق، كأنه يحفظ ملامحها قبل أن يضعها أمام أكثر حقيقة قاسية في حياتها، ثم استدار وتحرك نحو داخل البناية.
ظلت رنيم تتابعه بعينيها حتى اختفى تمامًا عن ناظرها، وبمجرد أن غاب، شعرت بوحدة مفاجئة داخل السيارة، وكأن وجوده كان السند الوحيد الذي تستند إليه الآن. اعتدلت في جلستها ببطء، ثم حولت بصرها إلى الشاشة أمامها، وقلبها بدأ ينبض بطريقة جعلتها تشعر بثقله داخل صدرها.
في الأعلى، وقف شاهين أمام الباب المقصود، يحدق فيه بصمت. لم يكن خائفًا من المواجهة نفسها، فزين بالنسبة له مجرد خصم يعرفه جيدًا، لكن ما كان يخشاه حقًا هو اللحظة التي ستسمع فيها رنيم الحقيقة، اللحظة التي سيتحطم فيها آخر جدار أمان كانت تبنيه داخل نفسها حول أخيها.
أغلق عينيه لثواني، وزفر ببطء، ثم فتحهما وضغط على زر الجرس.
مرت لحظات قصيرة، لكنها بدت طويلة.
ثم انفتح الباب.
ظهر زين أمامه، نصفه العلوي عاري، ومن الأسفل يرتدي قطعة قطنية صغيرة، ومظهره وحده كان كافيًا ليكشف نوع الحياة التي يعيشها، ونوع الانحدار الذي غرق فيه. رفع شاهين عينيه عليه من أعلى لأسفل، وفهم فورًا ماذا كان يفعل قبل أن يفتح الباب، لكن ذلك لم يهمه.
أما زين، فعلى الرغم من المفاجأة الواضحة في عينيه، إلا أن ابتسامة باردة ارتسمت على شفتيه، ابتسامة تحمل سخرية واستفزازًا أكثر مما تحمل ترحيبًا.
وفي السيارة...
كانت رنيم تتابع الشاشة بتركيز شديد، عيناها معلقتان بالصورة، تنتظر أن يظهر الشخص الذي ستنتهي عنده كل هذه الفوضى، لكن ما إن ظهر الوجه أمامها، حتى تجمدت ملامحها. زين.
اتسعت عيناها بعدم تصديق، وانعقد حاجباها في حيرة كاملة، ثم خرج صوتها مرتبكًا، متلاحقًا، وكأن عقلها يرفض تفسير ما تراه:
"زين! بيعمل ايه هنا؟ معقول يكون عرف القاتل قبلنا وجه علشان يوقعه؟ بس هو ماله عريان كده؟ أنا مش فاهمة حاجة."
لكن رغم ارتباكها، لم تستطع أن تبعد عينيها عن الشاشة، وكأن شيئًا داخلها بدأ يخاف من الإجابة.
في الداخل، عقد زين ذراعيه على صدره، مستندًا إلى إطار الباب بثقة مستفزة، ثم قال بابتسامة ساخرة:
"شاهين الرواي بذات نفسه عندي فى بيتي! ده أيه الخطوة اللي مش عزيزة دي؟"
نظر شاهين إليه بعينين مشتعلة بالغضب، لكنه كان يضغط على نفسه بقوة حتى لا يفسد خطته بانفعال مبكر، ثم قال بصوت رجولي صارم:
"استرجل يالا في كلامك واستر نفسك عايز اتكلم معاك."
مال زين قليلًا، وكأن الأمر كله يسليه، ثم هز رأسه برفض وقال باستهزاء واضح:
"كان على عيني، بس زي ما انت شايف، أيدي مش فاضيه، ولا ايه رأيك تدخل تستنى دورك، البت جامدة، وتحل من على حبل المشنقة، اه صح انت عايش دور الحبيب المخلص لحبيبة القلب."
في اللحظة التي انتهى فيها من كلماته، شعر شاهين بأن صبره بدأ ينفد، ليس بسبب الإهانة، بل بسبب القذارة التي يتحدث بها عن النساء وكأنهن أشياء. ضغط على أسنانه بقوة، ثم دفعه بعنف إلى الداخل، فترنح زين للخلف، قبل أن يدخل شاهين ويغلق الباب خلفه بنفسه.
تحرك بخطوات ثابتة نحو الأريكة، وجلس عليها بثقة، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، وكأنه هو صاحب المكان، ثم رفع عينيه إلى زين وقال بصوت رجولي حازم:
"هتقعد تتكلم راجل للراجل؟ ولا اقعدك أنا بطريقتي زي الستات؟"
ارتسمت على وجه زين ابتسامة غاضبة، فيها شيء من التحدي، ثم تحرك وجلس أمامه، مائلًا للأمام، وقال بتوعد واضح:
"وماله نقعد ونتكلم."
رفع شاهين عينيه إليه، وثبتها عليه طويلًا، كأنه يختبر رد فعله، ثم ألقى الكلمة الوحيدة التي يعرف أنها ستضربه في عمق أعصابه:
"رنيم!"
كان وقع الاسم فوريًا.
تبدلت ملامح زين في لحظة، وتصلبت عضلات وجهه، وتحولت عيناه إلى كره عاري لا محاولة لإخفائه، ثم قال بغضب مكتوم:
"مالها؟"
مال شاهين بجسده للأمام، وثبت عينيه داخل عينيه مباشرة، ولم يرمش وهو يسأله، كأنه ينتزع الحقيقة انتزاعًا:
"بتعمل فيها كده ليه؟"
وفي السيارة، كانت رنيم تتابع كل شيء وقد بدأ قلبها ينقبض بطريقة لم تختبرها من قبل. هناك شيء في نظرات زين، في نبرة صوته، في الطريقة التي تغير بها بمجرد ذكر اسمها، شيء جعلها تشعر بأنها أمام رجل لا تعرفه، وكأن أخاها الذي عاش معها عمرًا كاملًا لم يكن سوى صورة ناقصة، وأن الحقيقة الكاملة تقف الآن خلف هذا الباب، تستعد لأن تسقط فوقها بكل ثقلها.
وحين سمعت شاهين يسأله عنها، شعرت بأن كل حواسها استنفرت دفعة واحدة، وكأن جسدها كله أصبح أذنًا واحدة تنتظر الإجابة، بينما قلبها، في أعماقه، بدأ يرتجف خوفًا من شيء لم تسمه بعد، لكنه كان يقترب.
استقام زين بجسده ببطء، وكأن اسم رنيم وحده كان كافيًا ليوقظ كل ذلك السواد الراكد داخله، وتحولت ملامحه في لحظة من فتور مستفز إلى قسوة خالصة، بينما اشتعلت عيناه بشر دفين طالما أخفاه تحت قناع الأخ الحنون. كان شاهين يراقبه بصمت متعمد، يدفعه خطوة وراء خطوة نحو الاعتراف، يعرف أن كل كلمة ستخرج من فمه الآن ستصل إلى رنيم كطعنة مباشرة في قلبها، لكنه كان يعلم أيضًا أن الحقيقة، مهما كانت موجعة، تظل أرحم من الكذب الذي يبنى عليه العمر كله.
نظر زين إليه نظرة حادة، كأن مجرد ذكر اسمها أيقظ حقدًا قديمًا يسكن عروقه، ثم قال بصوت تقطر منه الكراهية:
"بنت عبيطه وساذجة بضحك عليها بأقل مجهود مني، عطشانه حنان، وانا بدهولها بس بالسم، لحد ما أدمرها وأمحيها من على وش الأرض، ومتفكرش حمايتك ليها هتنقذها مني، علشان أنا بكلمتين، أقدر اخليها تكرهك وتختارني أنا."
داخل السيارة، تجمد جسد رنيم كله، شعرت وكأن الدم انسحب من عروقها دفعة واحدة، وعيناها اتسعتا وهي تحدق في الشاشة بعدم استيعاب، تحاول أن تقنع نفسها أن هذا ليس زين، ليس أخاها الذي احتمت به، ليس اليد التي ظنتها سندًا لها حين انكسر العالم فوق رأسها. لكن الصوت صوته، والنظرة نظرته، والكلمات خرجت منه بلا تردد، بلا ذرة ندم.
أما شاهين، فقد ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، ليست سخرية، بل ابتسامة رجل نجح في أن يجرده من قناعه، ثم قال بثبات محسوب:
"وانت لو راجل أوي كده، وتقدر عليا، ايه يخليك تعمل كده مع اختك من وراها ليه مروحتش واجهتها بكرهك ليها ده؟ بتضرب وانت مستخبي زي النسوان ليه؟"
اشتدت ملامح زين، وبرزت عروقه من شدة الغضب، وكأن الكلمات أصابت موضعًا حساسًا في غروره، فخرج صوته أكثر عداءً وهو يقول:
"لا، ما أنا ليا وقت وهظهر ده كلها ليها، بعد ما أدمرها واشرب من دمها، بعد ما اوجعها، واخسرها كل حاجه واخد منها كل حاجه بتحبها."
ظل شاهين ينظر إليه طويلًا، يقرأ ذلك الخراب النفسي الذي صنع هذا الحقد، ثم سأله بهدوء بدا غريبًا وسط كل هذا الاحتقان:
"ليه، ليه كل الكره ده؟"
ضحك زين ضحكة قصيرة، لكنها خرجت مختنقة بمرارة السنين، ثم نظر أمامه كأنه يرى ماضيه كله متجسدًا أمامه، وقال من بين أسنانه:
"علشان هي اللي اخدت مني امي، كانت عايشه سعيده في حضن ابوها وامها، أما أنا كنت ناكرة، غلطة جات فى حياتها، هي اخدت الحنان اللي المفروض كنت أنا اللى اخده، هي مش احسن مني، أنا احسن منها مليون مرة، طيب عارف لما عرفت أن امي و أبوها اتقتلوا، فرحت علشان هي كمان أتحرمت منها، زي ما هي سبتني وراحت اتجوزت ابوها وجابتها، ومش هرتاح غير لما أدمرها هي كمان، ونهايتها تكون زي امها وابوها، ويبقى التلاته استحقوا النهاية دي."
ما إن وصلت الكلمات إلى أذن رنيم حتى انطلقت منها شهقة مكتومة، ارتفعت يدها إلى فمها في محاولة غريزية لمنع انهيارها، لكن الدموع سبقتها، انهمرت بعنف وهي تهز رأسها برفض، كأنها تريد أن ترفض الحقيقة نفسها. لم تكن المشكلة في أنه يكرهها، بل في أنها كانت تعيش عمرها كله على وهم حبه، ووهم السند، ووهم الأمان.
اقترب شاهين خطوة أخرى، وملامحه ازدادت صلابة، لكنه حافظ على هدوء صوته وهو يسأله:
"وهي اختك رنيم برضه هي اللي قالتلك روح اقتل رقيه بنت خالتي؟ وتثبت التهمة على جواهر؟"
رفع زين رأسه، وانفجر ضاحكًا ضحكة باردة، خالية من أي شعور إنساني، ثم قال:
"والله المقصود في الموضوع ده كله، ابن غريب وترنيم، كنا عايزين نلبسها ليه، بس مراته لبستها هي، مش فارقه كتير كلهم كده كده، ليهم يوم هيوقعوا فيه، والبنت دي حظها هو اللي جه الاول."
شعرت رنيم بأن أنفاسها تضيق، وبأن الأرض تسحبها للأسفل، كانت تسمع اعترافًا بجريمة، باعتراف دم، باعتراف ظلم سحقت تحته جواهر وهي بريئة.
تقدم شاهين أكثر وسأله بنبرة أشد تركيزًا:
"ولما انت بتكره امك واختك بتنتقم من ترنيم وغريب ليه؟"
جلس زين باسترخاء مستفز، ووضع قدمًا فوق الأخرى وكأن ما يقال مجرد حديث عابر، ثم قال:
"امم، مش هينفع اقولك دي اسرار الشغلانة، بس اكيد انت عارف، ما انت مشترك معانا كمان ولا ناسي."
ابتسم شاهين ابتسامة باردة، لكنه رد بثبات واضح:
"لا، حاسب أنا متفقتش على دم، أنا اتفاقي معاكم، كان على رنيم، ونفذت اتفاقي، ودمرتها."
ضاقت عينا زين بسخرية، ثم قال باستفزاز:
"قصدك تقول البت بلفتك، وانا اللي كملت انتقام منها، أنا اللي حرقت شركتها، أنا اللي كلمت الناس كلها علشان تتخلى عنها، أما انت عيشت دور الحبيب، روحت بعتلها راجل على أساس أنه مستثمر علشان تساعدها ترجع شركتها تاني زي الاول، روحت كلمت الناس تسحب الشكوى بتاعت الشرط الجزائي، انت بتصلح اللي احنا بنعمله، بس مهما حاولة مش هتقدر تكسب قلبها، علشان كل اللي انت بتعمله مفكره أنا اللي عملته ليها."
أغمض شاهين عينيه للحظة، وشعر بانقباض داخله، لم يكن يريد أن تعرف رنيم هذه الحقيقة بهذه الطريقة، لم يكن يريدها أن تكتشف أنه كان يتحرك في الظل ليعيد لها ما خسرته، لكنه لم يعد يملك رفاهية ترتيب الحقائق.
فتح عينيه من جديد ونظر إليه بحسم وقال:
"انت هتيجي معايا وتعترف بالحقيقه دي كلها، وهتخرج البنت اللي مكانك دلوقتي."
رفع زين رأسه وضحك بصوت عالي، ضحكة رجل يظن نفسه فوق السقوط، ثم قال:
"انت شكلك أتجننت، دور العاشق اللي انت عيشه، مفوت دماغك حبتين، وانت مفكر أن انا يوم ما اقع هقع لوحدي؟ لا يا حبيبي كلكم هتقعوا معايا."
وفي تلك اللحظة دوى جرس الباب.
تصلب فك شاهين فورًا، فقد عرف تمامًا من الطارق، وعرف أن رنيم لم تستطع البقاء مكانها بعد كل ما سمعته.
اتجه زين نحو الباب، وما إن فتحه حتى تجمد مكانه.
كانت رنيم واقفة أمامه، وجهها غارق بالدموع، وعيناها تحملان من الوجع ما لم يره منها يومًا، وجع خيانة، وجع سقوط صورة كاملة كانت تعيش عليها.
وقبل أن ينطق، ارتفعت يدها وصفعته بقوة، ارتج وجهه تحت يدها، ثم خرج صوتها مكسورًا ومحملًا بكل الانهيار الذي يسكنها:
"ليييه، ليه انت بالذات اللي تعمل فيا كده؟ ده انا عمري ما شكيت في حبك ليا، د ده انا كنت شايفه فيك الاخ والسند وعوض ربنا ليا، ليه يا زين تغرس فى قلبي سكينه باردة بالشكل ده، طيب انت ازاي كده، ممثل شاطر اوي، ولا غلطه فى الاداء، خلتني اصدق، انك السند الاخ اللي بيحب أخته ومستعد يحميها من الدنيا بحالها، اتاريك انت اللي عايز تكسرني، طيب قولي انا دلوقتي أعمل ايه؟"
نظر إليها زين للحظة، ثم عاد سريعًا إلى قناعه القديم، وقال وكأنه ما زال قادرًا على خداعها:
"رنيم! مالك يا قلب أخوكي؟ ايه الكلام اللي بتقوليه ده؟"
وضعت يدها على أذنها، كأن صوته أصبح يؤذيها، ثم صرخت بكل ما بقي فيها من قوة:
"بس، اسكت، مش عايزه اسمع صوتك، أنا مصدومة فيك بجد، انا سمعت كل حاجه وشفتها، انت هتيجي تسلم نفسك معايا وهتخرج البنت الغلبانه اللي فى السجن ظلم."
في تلك اللحظة فقط، سقط القناع تمامًا.
تبدلت ملامحه إلى وجهه الحقيقي، الوجه الذي أخفاه عنها عمرًا، وقال بغضب مكشوف:
"انتي اتهبلتي يا بت، مين ده اللي يسلم نفسه، وبعدين كويس انك عرفتي الحقيقه، واللعب دلوقتي بقى على المكشوف، وانتي وعم الحساس ده، مش هتقدروا عليا أنا ومريم، لأن كفتنا أقوى منكم بكتير، ومصيركم، نفس مصير رقيه ووحيد، وعلى أيدي، هقتلكم زي ما قتلتهم، وبسكينه باردة علشان اشوف عذابكم بأيدي."
تراجعت رنيم خطوة للخلف، والدموع تنساب بلا توقف، تشعر وكأن شيئًا باردًا يمر على روحها ويذبحها ببطء، لم يعد الألم ألم خيانة فقط، بل ألم إدراك أن أقرب الناس إليها كان عدوها منذ البداية.
كان شاهين يراقب بصمت، يمنحها حق المواجهة، حق السقوط الأول أمام الحقيقة، لكنه حين رأى زين يتمادى في جرحها، لم يحتمل أكثر.
تحرك نحوه بسرعة، قبض على عنقه بعنف حتى اختنق تحت يده، ثم قال من بين أسنانه:
"كلمه واحده تاني معاها وانا هدفنك مكانك، فاهم."
وفي اللحظة التالية، جذب رأسه ووجه له ضربة قوية بأنفه، جعلته يترنح بعنف قبل أن يسقط أرضًا فاقد الوعي، بينما الدماء سالت من وجهه بغزارة.
ساد الصمت.
صمت ثقيل، موجع، لا يقطعه إلا صوت بكاء رنيم.
التفت إليها شاهين، واقترب منها ببطء، ثم ضمها إلى صدره بقوة، يحاول أن يحتوي انهيارها، يحاول أن يمنعها من السقوط الكامل، ثم همس قرب أذنها:
"قررتي ايه يا قلبي؟ اخوكي ولا بنت عمتك؟"
رفعت وجهها إليه، وجهًا غارقًا بالدموع، وقالت بصوت متكسر:
"ده اخويا يا شاهين، مهما عمل فيا هفضل أحبه."
انعقد حاجباه، وسألها بذهول ممزوج بالضغط:
"يعني قررتي تسيبي جواهر تواجه مصيرها ده؟"
هزت رأسها بسرعة وهي تبكي أكثر، وقالت بين شهقاتها:
"وجواهر برضه اختي الصغيرة وجودها فى المكان ده مش قادره اتحمله."
أخرج شاهين زفرة ثقيلة، وشعر أن الوقت يضيق عليهم جميعًا، ثم قال بنفاذ صبر ممزوج بالخوف:
"يعني قررتي ايه يا رنيم؟ مافيش وقت."
رفعت رنيم عينيها نحوه، ثم التفتت إلى زين الملقى على الأرض غارقًا في دمائه، وبداخلها حرب ممزقة بين الدم والعدل، بين الأخوة والحقيقة، بين القلب والضمير، وظلت تنظر بينهما بصمت ثقيل، بينما دموعها كانت تهبط بلا توقف، وكأن القرار الذي يطلب منها الآن أثقل من أن يحتمله قلب واحد.
***************************
داخل قاعة المحكمة خيم الصمت على الأجواء منذ اللحظة الأولى، صمت ثقيل لا يشبه السكون العادي، بل كان أقرب إلى احتباس أنفاس جماعي، كأن القاعة بأكملها توقفت عن الحياة في انتظار كلمة واحدة قد تقلب مصائر الجميع.
كانت جواهر تقف داخل القفص الحديدي، ويديها تلتفان حول القضبان بلا وعي، وكأنها تتشبث بما تبقى لها من أمل. عيناها تتحركان باضطراب بين وجوه الحاضرين، وقلبها لا يتوقف عن الرجاء، كأنها تنتظر معجزة تنقذها من لحظة تقف فيها الحقيقة على حافة الموت. كل دقيقة تمر كانت تبدو وكأنها تسحب من روحها ببطء مؤلم.
بدأت جلسة المحكمة بإجراءاتها المعتادة، حيث تقدم الدفاع بسلسلة من المستندات، محاولًا أن ينسج من بينها خيطًا يثبت البراءة، ثم جاءت مرافعة النيابة التي بدت أكثر ثباتًا، مدعومة بما قدم من أدلة وأقوال. تلا ذلك استماع الشهود واحدًا تلو الآخر، وكانت النيابة تعيد عليهم الأسئلة نفسها بحدة محسوبة، وكأنها تحاول تثبيت كل تفصيلة في أرض الاتهام، حتى بدا المشهد وكأنه معركة هادئة المظهر، لكنها مشتعلة في العمق.
ومع توالي الجلسات داخل الجلسة نفسها، بدأت هيئة المحكمة تظهر استعدادها للنطق بالحكم، فانتبه الجميع دفعة واحدة، وتحولت القاعة إلى حالة ترقب خانقة، وكأن كل قلب فيها على وشك أن ينتزع من مكانه.
اعتدل القاضي في مقعده، وساد الصمت التام، ثم بدأ يتلو بصوت رسمي مهيب، يملأ القاعة هيبة وثِقلاً:
"بسم الله الرحمن الرحيم.
باسم الشعب.
بعد الاطلاع على أوراق الدعوى، وما تم فيها من تحقيقات، وما قدم من أدلة ومستندات، وما استمعت إليه المحكمة من أقوال الشهود ومرافعة النيابة العامة والدفاع، وبعد المداولة قانونًا."
توقف لثواني قصيرة، كأنها تحمل وزن الحكم كله، ثم تابع بنبرة أكثر رسوخًا:
"وحيث إن المحكمة قد أحاطت بظروف الدعوى عن بصر وبصيرة، ووازنت بين أدلتها وقرائنها، واستقر في يقينها ما ورد بأوراق القضية من وقائع وما ثبت بها من أدلة نسبت إلى المتهمة."
كانت جواهر في تلك اللحظة تكاد لا تشعر بجسدها، فقط دقات قلبها كانت تعلن وجودها، متسارعة، متكسرة، كأنها تنتظر لحظة سقوط لا مفر منها.
"وحيث إن الأصل في الأحكام الجنائية أن تبنى على الجزم واليقين المستخلص من أوراق الدعوى، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى ما قدم إليها من أدلة اتهام، ورأت فيها ما يكفي لتكوين عقيدتها."
توقفت أنفاس جواهر تقريبًا عند هذه الجملة، وارتجفت عيناها وهي تنظر بلا وعي نحو الباب المغلق خلفها، كأنها تبحث عن مخرج مستحيل.
"وحيث إنه وقد خلت الأوراق، حتى هذه اللحظة، مما ينال من تلك الأدلة."
لكن الكلمات لم تكتمل.
فجأة، انفتح باب القاعة بعنف، ودخلت رنيم مسرعة، وملامحها غارقة في الذهول والدموع، وصوتها يسبق خطواتها وهي تصرخ بانفعال ممزق:
"استنى حضرتك، جواهر بريئة، معايا القاتل الحقيقي، ومعايا الدليل."
تجمد كل شيء في القاعة، وتحولت كل العيون إلى الباب، حيث ظهر شاهين وهو يقود زين مكبلًا، يدفعه للأمام بعنف محسوب، كأنه يجبر الحقيقة نفسها على الدخول إلى النور.
انتفض محامي الدفاع واقفًا، وملامحه تغيرت تمامًا إلى جدية صارمة، ثم تقدم خطوة وقال بصوت واضح يملؤه الإصرار:
"سيادة المستشار، يلتمس الدفاع من عدالة المحكمة وقف النطق بالحكم مؤقتًا، والسماح بتقديم دليل جديد جوهري، لم يسبق عرضه، وهو دليل من شأنه أن يغير وجه الحقيقة في الدعوى، ويكشف الفاعل الحقيقي للجريمة، ويثبت براءة موكلتي براءة يقينية لا يشوبها شك."
ثم رفع المستندات بين يديه الذي أعطاه له شاهين وأضاف بثبات:
"ويلتمس الدفاع إثبات هذا الدليل بمحضر الجلسة، وضمه رسميًا إلى أوراق الدعوى، وسماعه أمام عدالة المحكمة لما له من أثر مباشر على عقيدتها."
ساد الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان مشحونًا بالتوتر والترقب.
نهض وكيل النيابة بعد لحظة، وقد بدت عليه الجدية، وقال بصوت رسمي محسوب:
"تلتمس النيابة العامة من عدالة المحكمة الاطلاع على الدليل الجديد المقدم، وسماعه داخل الجلسة، للوقوف على مدى جديته وأثره القانوني في الواقعة محل الدعوى."
ثم أضاف بنبرة أكثر حسمًا:
"وفي حال ثبوت ارتباطه المباشر بموضوع الدعوى، تلتمس النيابة اتخاذ ما تراه المحكمة من إجراءات قانونية مناسبة، وإعادة فتح باب المرافعة والتحقيق."
رفع القاضي رأسه ببطء، وتبادل النظرات مع هيئة المحكمة، ثم نظر إلى الجميع في صمت ثقيل، كأن القرار يعاد صياغته داخل عقله من جديد. وبعد لحظات من التأمل، ضرب بمطرقته وقال بصوت حاسم:
"حيث إن ما قدم من طلب يتعلق بدليل جديد جوهري، من شأنه، إن صح، أن يؤثر في عقيدة المحكمة، ولما كانت العدالة الجنائية غايتها الوصول إلى الحقيقة كاملة."
توقف لحظة، ثم أكمل:
"فإن المحكمة تقرر قبول طلب الدفاع، وإثبات الدليل الجديد بمحضر الجلسة، والتصريح بعرضه وسماعه أمام الخصوم، وتمكين النيابة والدفاع من مناقشته."
ثم ضرب بمطرقته مجددًا:
"تتفضل هيئة الدفاع بعرض الدليل."
بدأ عرض التسجيل، وانقلبت القاعة إلى حالة صمت أكثر عمقًا، وكأن الهواء نفسه توقف ليستمع.
جواهر كانت تتابع بعينين دامعتين رنيم، وكأنها لأول مرة ترى أن هناك من لم يتركها وحدها، وأن خيطًا من النجاة كان ممتدًا نحوها دون أن تدري. دموعها لم تكن ألمًا فقط، بل كانت امتزاجًا بين الصدمة والامتنان والخوف.
أما جواد فكان يقف وكأن الدم يغلي في عروقه، يراقب الحقيقة وهي تولد أمامه، ويكبح نفسه بصعوبة عن الانفجار، لأنه يدرك أن هذه اللحظة ليست للانتقام، بل للعدالة.
سمية وترنيم كانوا سعداء بظهور هذا الدليل ووقوف رنيم فى هذا الموقف رغم أنهم ظنوا السوء بها.
لكن غريب كان لديه إحساس اخر، كان ينظر إلى شاهين نظرات ذات معنى شئ داخله يشعر بعدم الارتياح له لكنه أجل هذه المعتقدات لوقت اخر أما الآن سيتابع ماذا سيحدث فى هذه القضيه وما ستأول عليه حكم هيئة المحكمة.
ومع اكتمال الدليل، خيم الصمت على القاعة مرة أخرى، لكن هذه المرة كان صمتًا مختلفًا، صمت ما قبل الانهيار.
اعتدل القاضي في جلسته، ونظر إلى زين بنظرة حادة، ثم قال بصوت رسمي صارم:
"بعد الاطلاع على ما تم تقديمه من دليل جديد، وما تبعه من أقوال واعترافات، ترى المحكمة أن هناك شبهة جدية تستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية."
ثم رفع يده وأضاف:
"فإن المحكمة تقرر التحفظ على المتهم زين، وإحالته إلى النيابة العامة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات التحقيق."
تحرك الحاجب فورًا، وأمسك به، وفي لحظة واحدة تبدل وجه زين بين الصدمة والغضب، لكنه كان قد فقد السيطرة على المشهد بالكامل.
ثم أعاد القاضي بصره إلى أوراق القضية، وقال بصوت أكثر هدوءًا:
"ولما كانت المحكمة قد اطمأنت إلى أن ما تم تقديمه من دليل جديد قد يؤثر في مركز المتهمة جواهر، وكانت الأوراق لم تستقر بعد على يقين نهائي في شأن الاتهام."
توقف قليلًا، ثم أكمل:
"فإن المحكمة تقرر إخلاء سبيل المتهمة جواهر مؤقتًا على ذمة القضية، ما لم تكن محبوسة على ذمة قضايا أخرى."
وفي النهاية، ضرب بمطرقته وقال بحسم نهائي:
"كما تقرر المحكمة تأجيل نظر الدعوى لجلسة قادمة، للاطلاع على الدليل الجديد واستكمال التحقيقات، وتمكين النيابة والدفاع من تقديم ما يستجد لديهم."
ثم ختم بصوت واضح:
"ترفع الجلسة."
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس والعشرون
وقف جواد خارج قاعة المحكمة، كأن الأرض تضيق تحت قدميه مع كل ثانية تمر، لا يعرف كيف يثبت في مكانه، فظل يتحرك ذهابًا وإيابًا بعينين معلقتين على الباب الذي يفصل بينه وبينها، وبين قلبه وبين الطمأنينة. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وكأن أنفاسه نفسها صارت عاجزة عن الاحتمال، وتحت نظرات الجميع لم يكن يرى أحدًا، ولم يكن يسمع شيئًا، كان كل وعيه محصورًا في لحظة واحدة فقط، لحظة خروج جواهر.
وما إن لمحها أخيرًا تخطو خارج القاعة، حتى شعر أن العالم كله توقف، وأن كل ذلك الثقل الذي كان جاثمًا على صدره انزاح دفعة واحدة. لم يمهل نفسه لحظة، اندفع إليها كمن وجد روحه بعد ضياع طويل، واحتضنها بقوة ساحقة، قوة رجل كاد يفقد كل شيء ثم عاد إليه في اللحظة الأخيرة، رفعها بين ذراعيه وأدار بها كأنها فراشة عاد إليها جناحها المكسور، وكأن دورانها بين ذراعيه يثبت له أنها ليست حلمًا، ليست سرابًا، بل حقيقة نابضة بين يديه.
ظل يقبل وجهها بجنون ولهفة، قبلة فوق الأخرى، وكأنه مع كل قبلة يطمئن قلبه أنها ما زالت هنا، لم يأخذها منه القدر، ولم تسلبها منه قسوة الدنيا.
أما جواهر، فكانت متشبثة به بكل ما فيها، وكأنها تخشى أن يبتعد عنها ولو خطوة واحدة. أغمضت عينيها بقوة، تغمر نفسها برائحته التي اشتاقت إليها حد الألم، تلك الرائحة التي كانت طوال أيام حبسها وطنًا غائبًا تتوق للعودة إليه، حتى شعرت الآن أن كل ذلك الوجع بدأ يذوب بين ذراعيه.
وأخيرًا أنزلها برفق على الأرض، لكنه لم يتركها، بل كوب وجهها بين كفيه، يتأملها بلهفة عاشق استعاد عمره كله دفعة واحدة، ثم قال بسعادة اختلطت برجفة صوته:
"أنا مش مصدق نفسي، اخيرا يا جواهر، أنتي بقيتي بين ايديا."
أومأت برأسها، والدموع تملأ عينيها، وكأنها لم تستوعب النجاة بعد، ثم قالت بصوت مرتجف:
"أنا خايفه اكون بحلم يا جواد، انا كنت خلاص فقد الأمل والقاضي كان هينطق الحكم، ربنا بعت رنيم فى أخر لحظة، علشان ينقذني، من الظلم."
ثم تحرك بصرها وسط الوجوه من حولها، تبحث بقلق عن صاحبة الفضل في تلك اللحظة، وقالت باستغراب:
"هي رنيم راحت فين؟"
حرك كتفيه بعدم معرفة وقال:
"معرفش، بس شكلها روحت هي والراجل اللي كان معاها، سيبك انتي خليكي معايا احنا لازم نحدد الفرح فى أسرع وقت."
عقدت حاجبيها بعدم فهم، ونظرت إليه وكأنها تحاول إعادته للواقع، ثم قالت:
"نحدد الفرح ازاي يا جواد، أنا اخد إفراج مؤقت يعني مش إفراج نهائي، بعد الحكم النهائي إن شاءالله نبقى نحدد الفرح."
ثم تحركت مبتعدة عنه بخفة، وقلبها يشتاق لدفء آخر افتقدته طويلًا، واتجهت نحو والدتها وهي تقول:
"سيبني بقى اروح احضن ماما وخالتوا علشان وحشني حضنهم اوي."
نظر إليها بتذمر طفولي، وكأن غيرته من الجميع لا تعرف حدودًا، وقال:
"يا سلام يا اختي يعني هما وحشك حضنهم وانا لا؟"
ضحكت جواهر من قلبها، ضحكة افتقدتها طويلًا، وقالت وهي تنظر إليه بحب:
"يا راجل يا ضلالي ده انا من ساعة ما خرجت وانا فى حضنك انت."
اقترب من أذنها، وقد لمعت عيناه بمكر واضح، وهمس بصوت خافت:
"موضوع الاحضان ده مش جايب حقه، عايزين ندخل على المرحلة اللي بعده."
فهمت مقصده فورًا، فاتسعت عيناها بخجل، وضربته على كتفه وهي تقول:
"اتلم يا جواد وبطل قلة ادب."
تركته أخيرًا واتجهت إلى سمية، وما إن وصلت إليها حتى ارتمت داخل أحضانها بقوة، وكأنها تعوض غياب الأيام كلها، وقالت بصوت مختنق بالشوق:
"وحشتيني اوي يا سمسمه."
شدتها سمية إليها بقوة، وكأنها تخشى أن تضيع منها مجددًا، وانهمرت دموعها وهي تقول:
"وانتي وحشتيني اوي، يا قلب وعمر امك، الدنيا رجعت نورت من تاني يا حبيبتي."
ابتعدت عنها ببطء، ثم تحركت نحو ترنيم واحتضنتها بحب صادق، وقالت:
"وحشتيني يا خالتوا."
ربتت ترنيم على ظهرها بحنان أمومي وقالت:
"مبروك يا قلبي على البراءه، بس متنسيش بنت خالك رنيم، ابقى اشكريها علشان هي كانت السبب اللي ربنا سخره ليكي علشان تخرجي من هنا."
أومأت جواهر برأسها سريعًا وقالت بامتنان حقيقي:
"اكيد طبعا يا خالتوا هعمل كده بس لما تخلص الإجراءات وأروح."
اقترب غريب منها وربت على ظهرها بنبرة رجولية دافئة وقال:
"مبروك يا حبيبتي الأفراج، يلا اتجدعنوا بقى، علشان يتقفل عليكم باب واحد."
ابتسمت بخجل، وقد احمر وجهها رغم كل ما مرت به، ثم قالت:
"الله يبارك فيك يا أونكل غريب، إن شاءالله، اخد بس افراج نهائي، وبعد كده نحدد الفرح على طول."
ثم اقتربت منها أروى واحتضنتها بقوة، وقالت بابتسامة واسعة:
"كفارة يا جوجو، عقبال ما يتفك حبسي أنا كمان."
مد تامر يده وداعب شعر أروى بمزاح وقال:
"يا بت ملافظ السعد، ايه كفارة دي."
ضحكت جواهر رغم تعبها، ونظرت إلى تامر بمحبة وقالت:
"سيبها يا خالو انا اخده على لسانها اللي عايز قطعه ده."
ابتسم لها تامر بحنو حقيقي وقال:
"مبروك يا حبيبتي البراءة، نهدا بقى ومنرحش اماكن لوحدينا تاني فاهمة."
ابتسمت له جواهر، وأومأت برأسها في طاعة صادقة وقالت:
"فاهمه يا خالو حاضر."
لكن فرحتهم لم تكتمل بعد، إذ اقترب المحامي بخطوات عملية وملامح جادة، وقال بصوت رسمي:
"غريب باشا، انسه جواهر لازم ترجع تاني لحد ما نخلص الإجراءات والنيابه تشوف اذا كان عليها أحكام تانيه ولا لا، هما شوية إجراءات وهتخلص بسرعة."
أومأ غريب برأسه بتفهم وقال:
"أيوه عارف، هي وجواد هيرحوا معاكم، وانا هضطر امشي ورايا شغل مهم."
أنهى حديثه وربت على كتف جواد، ثم اتجه إلى سيارته وغادر، لكن جواد ظل يراقب ظهره للحظات، فقد لمح شيئًا غريبًا في ملامحه، شيئًا لم يفهمه، إلا أنه طرد الفكرة سريعًا، فالآن لم يعد في العالم كله شيء أهم من جواهر.
تحركت سمية وترنيم وأروى نحو السيارة وعادوا إلى المنزل ينتظرون عودة جواهر، بينما غادر تامر إلى شركته.
أما جواد، فبقي معها، أمسك يدها بين كفيه، يضغط عليها بحب وامتنان، وكأنه يخشى أن تنفلت منه من جديد، ثم نظر إليها بعشق صريح وقال:
"يلا يا قلبي خلينا نروح نكمل الإجراءات علشان تروحي معايا."
ابتسمت له تلك الابتسامة التي أعادت الحياة إلى قلبه، وأومأت برأسها بهدوء، ثم تحركت معه، وخطواتها هذه المرة لم تكن مثقلة بالخوف، بل محملة على أمل العودة للحياة من جديد.
****************************
وقف شاهين بسيارته أسفل العقار، لكن هذه المرة لم يطفئ المحرك فورًا، ظل جالسًا خلف المقود وعيناه معلقتان أمامه بصمت طويل، صمت رجل يشعر أن الليلة بدلت أشياء كثيرة داخلهما معًا. كانت أضواء الشارع الخافتة تنعكس على زجاج السيارة، بينما الجو داخلها ممتلئ بثقل المشاعر التي لم يعد أي منهما قادرًا على الهروب منها.
أما رنيم، فكانت تجلس بجواره منهارة تمامًا، الدموع لا تتوقف عن الانحدار فوق وجنتيها، وكأن قلبها يفرغ كل ما احتمله دفعة واحدة. أحيانًا ترتفع شهقاتها بقوة حتى تكاد تختنق، ثم تهدأ قليلًا فقط لتعود من جديد، كلما تذكرت كلمات زين، وكلما استوعبت أن أقرب شخص ظنته يومًا أمانها، كان يخفي داخل قلبه كل هذا الكره والرغبة في تدميرها.
كانت تشعر أن شيئًا بداخلها قد انكسر للأبد، وأنها لم تعد تعرف كيف يمكن للإنسان أن يصدق بعد الآن.
زفر شاهين ببطء، ثم اعتدل في جلسته وأدار وجهه نحوها. ظل يتأمل دموعها للحظات، وقلبه يتألم بصمت، قبل أن يقول بصوت مختنق حاول أن يجعله هادئًا:
"أنا طبعا عارف هي قد ايه صعبه عليكي، بس برضه متأكد انك قوية وهتتخطى ده بسرعه."
لكنها لم تنظر إليه، ظلت تحدق أمامها بعينين غارقتين بالخذلان، ثم قالت بصوت مكسور:
"انت ليه مقولتلش انك مش انت اللي حرقت الشركة؟ ليه مأنكرتش لما اتهمتك بأنك أنت اللي كلمت الناس علشان محدش فيهم يساعدني؟ ليه خبيت عني الحقيقه يا شاهين؟"
أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يرتب الكلمات داخل صدره قبل أن يخرجها، ثم قال بهدوء:
"علشان وقتها مكنتيش هتصدقيني، وكان هو هيعرف يقنعك، أن انا اللي كداب وهو الصادق، علشان مكنتش مستعد اشوف حالتك دي وقتها لما تعرفي حقيقة اخوكي."
التفتت إليه أخيرًا، وعيناها ممتلئتان بالدموع والوجع، وقالت:
"بس كنت قادر تتظلم عادي؟ كنت قادر تشوف كرهي ليك فى عيوني؟ كنت قابل انك تتقتل على أيدي ظلم؟"
ابتسم لها ابتسامة هادئة موجوعة، تلك الابتسامة التي تحمل حبًا أكبر من احتماله، ثم أومأ برأسه ببطء، وأمسك يدها بين يديه وقال بنبرة عاشقة خرجت صادقة تمامًا:
"اه كنت قابل بكل ده، فى مقابل أني مشوفكيش موجوعة يا رنيم، أنا أتوجع لكن انتي لا."
ارتجفت شفتيها بقوة، وكأن كلماته أصابت قلبها مباشرة، ثم قالت بصوت متقطع من أثر البكاء:
"طيب وليه خبيت عليا ومقولتش انك انت وراه المستثمر ده؟ ليه سكت عن الحقيقه فى انك انت اللي خليت الناس تسحب الشكوى اللي كانت ضدي مش هو؟"
زفر بضيق، ثم مرر يده فوق شعره بتوتر خفيف وقال:
"علشان مكنتش عايزك تعرفي حاجة دلوقتي، علشان كنت متأكد انك هترفضي أي مساعده مني، لانك عنيدة."
ظلت تنظر إليه طويلًا، نظرة مختلفة هذه المرة، نظرة امرأة بدأت ترى كل شيء بوضوح متأخر، ترى كم تحمل وحده، وكم تألم بصمت دون أن يطلب منها شيئًا.
وفجأة، ودون أي مقدمات، اندفعت نحوه واحتضنته بقوة.
تشبثت به وكأنها تهرب من العالم كله إليه، وكأنها أخيرًا وجدت المكان الوحيد الذي لا يؤذيها، ثم قالت بصوت مختنق من شدة بكائها:
"أنا لو ندمانه على حاجه؟ هكون ندمانه على كل لحظة شفتك فيها بطريقه وحشه، على كل كلمة قاسيه قولتها ليك، على أن فكرت فى يوم أن أذيك، أنا مش ندمانه أن وثقت فيك، وسلمتك حياتي كلها بين ايديك."
تجمد شاهين للحظة من شدة المفاجأة، لم يكن يتوقع أن تكون هي من تبادر إليه بهذا العناق، بهذه الكلمات، بهذا الاعتراف الذي أعاد الحياة إلى قلبه دفعة واحدة.
شعر أن نبضات قلبه تتسارع بجنون، وكأنها تريد أن تخترق صدره من شدة الفرح، ثم ضمها إليه بقوة، قوة رجل وجد أخيرًا ما كان يحارب الدنيا كلها لأجله.
تمنى لو استطاع أن يخفيها داخل قلبه، أن يغلق عليها بين ضلوعه ويحميها من كل هذا العالم القاسي، لكنه فجأة سمع أنينًا خافتًا منها بسبب شدة احتضانه، فأرخى ذراعيه عنها سريعًا، ثم كوب وجهها بين يديه ونظر إليها بعشق حقيقي وقال بسعادة غمرت ملامحه كلها:
"أنتي لو تعرفي كلامك ده عمل فيا ايه يا رنيم؟ وجودك فى حياتي خلاني شخص جديد، حابب الحياة علشان شايفها بعيونك، كل دقه في قلبي، بقى ليها مذاق خاص، بحبك يا رنيم."
ارتجفت عيناها بالدموع من جديد، لكنها هذه المرة كانت دموعًا مختلفة، دموع امرأة بدأت تشعر بالأمان بعد خوف طويل.
وضعت رأسها فوق صدره ببطء، وكأنها تستمع إلى دقات قلبه لتطمئن، ثم هربت دمعة ساخنة من عينيها سقطت فوق قميصه، شعر بحرارتها على جلده قبل أن يسمع صوتها الهامس المرتجف:
"اوعى يا شاهين، اوعى توجعني وتسبني زيهم؟"
أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها مست شيئًا عميقًا داخله، ثم قبل رأسها بحنان شديد وقال بصوت هامس:
"أنا عمري كله علشانك يا رنيم، أنا الموت عندي اهون من أن أوجعك، ده أنا ما صدقت لاقيتك."
ثم اعتدل في مقعده وهو ما زال يحتفظ بها فوق صدره، وظل يحرك يده برفق فوق ذراعها في صمت دافئ، بينما أغلقت هي عينيها أخيرًا، مستسلمة لدفء هذه اللحظة، وكأن قلبها المتعب وجد لأول مرة مكانًا يهدأ فيه.
****************************
عند مريم...
كانت تجلس فوق مقعدها في صمت ثقيل، لكن ذلك الصمت لم يكن هدوءًا أبدًا، بل كان أشبه ببركان يغلي تحت سطح جامد. أصابعها ترتعش بعنف فوق ذراع المقعد، وأنفاسها تخرج متقطعة من شدة الغضب، بينما عيناها تلمعان بشر مخيف كلما تذكرت ما فعلة شاهين، مجرد التفكير باسمه الآن كان كافيًا ليشعل النار داخل صدرها أكثر، كيف تجرأ ووقف ضدها؟ كيف سمح لنفسه أن يفسد خططًا رتبتها لسنوات طويلة؟ والأسوأ من كل ذلك، أنه فعل كل هذا من أجل امرأة.
قبضت على يدها بقوة حتى ابيضت مفاصلها، وشعرت للحظة وكأن الأرض تميد أسفلها، ليس خوفًا من سقوط زين وحده، بل خوفًا من الشيء الأخطر، رنيم.
تلك الفتاة التي دخلت حياة شاهين ببطء، ثم أصبحت قادرة على سحبه بعيدًا عنها، بعيدًا عن سيطرتها، بعيدًا عن كل ما بنته داخله منذ سنوات.
رفعت عينيها أمامها بشرود، تحاول ترتيب أفكارها، لكنها كانت ترى الحقيقة بوضوح قاسي؛ كل الأشخاص الذين كانت تحركهم كقطع شطرنج اختفوا واحدًا تلو الآخر، منهم من مات، ومنهم من انتهى خلف القضبان، ومنهم من انقلب عليها أخيرًا حين اختار امرأة أحبها. وهنا، لمعت فكرة خبيثة داخل عقلها فجأة.
ابتسامة باردة ارتسمت فوق شفتيها ببطء، ابتسامة امرأة لم تنتهي بعد، بل بدأت للتو تفكر بطريقة أكثر قسوة.
مدت يدها نحو الهاتف، وأخذت تعبث به للحظات طويلة حتى توقفت أمام اسم جعل نظرتها تتغير تمامًا، اسم يحمل لها مفتاحًا جديدًا للعبة لم تنتهي بعد.
ضغطت على الاتصال، ثم انتظرت.
مرت ثواني قصيرة، قبل أن يأتيها صوت أنثوي من الطرف الآخر، يتحدث العربية بلكنة مكسرة واضحة:
"ألو."
ردت عليها مريم بنبرة خبيثه:
"أماليا، عاملة ايه؟"
أتاها الرد ممزوجًا بالدهشة والسخرية الخفيفة:
"مريم! أيه فكرك بيا بعد السنين دي كلها؟"
مالت مريم برأسها للخلف قليلًا، بينما ازدادت ابتسامتها مكرًا، ثم قالت بنبرة ناعمة تخفي خلفها الكثير:
"هو أنا مش جدة بناتك ولا أيه؟"
خرج صوت أماليا هذه المرة حادًا يحمل عتاب سنوات كاملة:
"جدة البنات؟! ومسألتيش عنهم ليه قبل كده؟ وباباهم، اللي دخل فى شهور مجاش سأل عليهم؟"
تبدلت ملامح مريم للحظة، لكنها استعادت هدوءها سريعًا وردت بنبرة عملية:
"طيب أيه رأيك تيجي وتجبيهم معاكي؟ بنات ابني وحشوني اوي، ونفسي اشوفهم."
ساد الصمت لثواني طويلة من الجهة الأخرى، وكأن أماليا تفكر في الأمر، بينما كانت مريم تنتظر الرد وعيناها تلمعان بشيء غامض لا يبشر أبدًا بالخير.
ثم أخيرًا أتاها الصوت:
"ماشي، أسبوع بالكتير وهجيبهم وأجي."
اتسعت ابتسامة مريم ببطء، ابتسامة انتصار خفي، ثم قالت بنبرة مليئة بالترحيب الزائف:
"هتنوري مصر يا حبيبتي، انتي وبنات ابني."
أغلقت الهاتف ببطء شديد، ثم أنزلته من يدها ونظرت أمامها طويلًا، بينما ملامحها أصبحت أكثر ظلمة وقسوة.
كانت تعرف جيدًا أن النار حين تخمد من جهة، يمكن إشعالها من جهة أخرى.
وربما هذه المرة، لن تحرق شاهين وحده، بل ستحرق قلب رنيم أيضًا.
***************************
عند شاهين...
ظل الصمت يحيط بهما داخل السيارة لساعات، صمت دافئ هذه المرة، لا يشبه ذلك الصمت الثقيل الذي كان يطارد رنيم منذ الصباح. كانت مستسلمة بالكامل داخل حضنه، رأسها فوق صدره، وأنفاسها الهادئة ترتطم بقلبه فتزيده اضطرابًا، بينما هو يجلس دون أن يتحرك تقريبًا، كأنه يخشى أن يهتز ولو قليلًا فتستيقظ وتبتعد عنه.
مرت عيناه على ساعة يده، ليكتشف أن النهار انسحب بهدوء، وأن خيوط الظلام بدأت تزحف بالخارج، والبرد بدأ يشتد شيئًا فشيئًا. أطلق زفرة طويلة، ثم أنزل بصره إليها، يتأمل ملامحها المرهقة التي هدأها النوم أخيرًا بعد يوم حطم روحها بالكامل.
رفع يده ببطء وربت على ظهرها بحنان شديد، ثم مال قليلًا وهمس بصوت دافئ:
"رنيم، حبيبتي أصحي يلا."
تحركت بين ذراعيه بتعب، ثم فتحت عينيها بصعوبة، تنظر حولها بعدم استيعاب للحظات، قبل أن تتسع عيناها فجأة حين أدركت وضعها، فانتفضت من حضنه سريعًا واعتدلت بمقعدها، بينما ارتبكت أنفاسها بشدة.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم تكلمت بتلعثم واضح:
"ه هو، أيه اللي حصل؟"
ابتسم لها بهدوء، وكان واضحًا عليه أنه مستمتع بكل هذا الارتباك الذي يراه منها لأول مرة بتلك الطريقة، ثم قال بنبرة ناعمة:
"ولا حاجة، من التعب نمتي فى حضني، ومن وقتها واحنا فى العربية."
رفعت يدها سريعًا ترجع خصلات شعرها للخلف بتوتر شديد، بينما حرارة الخجل بدأت تزحف إلى وجنتيها بوضوح، ثم قالت بصوت مرتبك:
"م مش عارفه نمت أزاي؟ ا انا مكسوفه منك أوي."
هز رأسه نافيًا، وعيناه لا تفارقان ملامحها التي خطفت قلبه أكثر وهي خجولة هكذا، ثم قال بابتسامة عاشقة:
"بالعكس أنا كنت مرتاح وانتي فى حضني، وكان نفسي اللحظة دي تطول اكتر من كده، بس للاسف الدنيا بدأت تضلم والجو بدأ يسقع، خوفت عليكي تبردي، علشان كده صحيتك."
ازدادت حمرة وجنتيها أكثر، حتى شعرت أنها لن تستطيع البقاء أمام نظرته ثانية واحدة إضافية، ففتحت باب السيارة سريعًا وترجلت منها هاربة، وكأنها تحاول النجاة من تأثيره عليها.
ضحك شاهين بخفوت وهو يتابع ارتباكها بعينين ممتلئتين بالعشق، ثم هبط خلفها وتحرك معها إلى داخل البناية.
كان التوتر يزداد داخلها كلما اقترب منها، حتى عندما فتح باب المصعد الكهربائي، دخلت بسرعة دون أن تنظر إليه، بينما تبعها هو بهدوء، مستمتعًا بذلك الاضطراب الذي يراه منها.
وما إن أُغلق باب المصعد عليهما، حتى شعرت رنيم أن المسافة الضيقة بينهما تكاد تخنقها من شدة خفقان قلبها، فأخذت تفرك أصابعها ببعضها بتوتر واضح، وعيناها معلقتان بالأرض طوال الوقت.
أما شاهين فكان يتأملها بصمت، وكأن كل حركة صغيرة منها أصبحت قادرة على إسعاده بطريقة لا يفهمها حتى هو.
توقف المصعد أخيرًا عند الطابق المقصود، فخرجت رنيم سريعًا، ثم توقفت أمام باب شقتها دون أن ترفع عينيها نحوه، وقالت بصوت خافت مرتبك:
"ت تصبح على خير."
اقترب منها شاهين ببطء، حتى شعرت بأنفاسه قريبة منها، ثم وضع قبلة طويلة على خدها، جعلت قلبها يرتجف بعنف، قبل أن يبتعد قليلًا ويتكلم بنبرة عاشقة دافئة:
"وانتي من أهلي ومعايا."
ارتعشت يدها وهي تخرج المفتاح من حقيبتها، وحاولت إدخاله في الباب، لكن أصابعها كانت ترتجف بشدة لدرجة أن المفتاح سقط منها على الأرض.
تعالت ضحكاته الرجولية الدافئة، فانحنى والتقط المفتاح، ثم فتح الباب بنفسه وأعاده إليها قائلًا بإعجاب واضح:
"شكلك يجنن بكسوفك ده، أنا بقول تدخلي حالًا وتقفلي بابك بسرعه، علشان لو نفذت اللي فى دماغي دلوقتي، هفترسك."
اتسعت عيناها بخجل وصدمة في آنٍ واحد، ثم ركضت سريعًا إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها فورًا.
أسندت ظهرها على الباب، بينما أنفاسها تتصاعد بعنف، وابتسامة خجولة مرتجفة ترتسم فوق شفتيها دون إرادة منها.
أما بالخارج...
فوقف شاهين للحظات طويلة أمام بابها، عاقدًا ذراعيه على صدره، يبتسم بعشق خالص، وكأن قلبه أخيرًا بدأ يتذوق الراحة بعد سنوات طويلة من القسوة.
أخرج تنهيدة طويلة يحاول بها تهدئة تلك النار المشتعلة داخله بسببها، ثم تحرك أخيرًا نحو شقته.
لكن ما إن فتح الباب، حتى توقفت خطواته فجأة.
كانت مريم تجلس فوق المقعد تنتظره، وعيناها مشتعلة بغضب واضح.
اختفت ابتسامته فورًا، وتبدلت ملامحه إلى الجمود، قبل أن يزفر بضيق ويتحرك إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه، ثم قال ببرود:
"مساء الخير."
رفعت مريم عينيها إليه، وقالت بغضب مكبوت يكاد ينفجر:
"ارتحت انت كده لما حبسته، فاكر انك كده بتعجزني، تبقى عبيط ومش فاهم دماغ امك صح."
اقترب منها شاهين بخطوات ثابتة، ثم قال بغضب واضح:
"أنا مستعد أعمل أي حاجة، علشان خاطرها، حتى لو هرمي نفسي فى النار علشانها هعمل كده من غير تفكير."
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة باردة مخيفة، ثم قالت بنبرة تحمل تهديدًا واضحًا:
"انت كده بترميها فى النار بأيدك يا شاهين، وخليك عارف، اللي بيلعب مع التعابين يستحمل لدغتهم."
اقترب منها أكثر، حتى مال بجسده وأصبح بمستواها تمامًا، ثم نظر مباشرة داخل عينيها وقال بصوت رجولي منخفض لكنه مخيف:
"والتعبان اللي يفكر يلدغها، هعمل جلده جزمة وأخليها تلبسها في رجليها، وخليكي انتي اللي عارفه، اللي شاهين الرواي يعشقها، يبقى يا ويله اللي يفكر يقرب منها ويأذيها."
أنهى كلماته ثم اعتدل مبتعدًا عنها، وتحرك نحو غرفته، لكن خطواته توقفت فجأة حين سمع صوتها خلفه يقول ببرود متعمد:
"أماليا بتسلم عليك، وبتقولك ابقى اسأل على بناتك."
تصلب جسده بالكامل.
واشتدت ملامحه بعنف وهو يدرك فورًا ما الذي تحاول والدته فعله الآن.
استدار ينظر إليها بغضب مشتعل، بينما كانت هي تراقبه بابتسامة انتصار خبيثة، وكأنها أخيرًا وجدت السلاح الذي تستطيع الضغط به عليه.
أما هو، فلم ينطق بحرف واحد.
اكتفى بنظرة حادة مليئة بالتحذير، ثم دخل غرفته بعنف وأغلق الباب خلفه، بينما صدره يعلو ويهبط بغضب لم يشعر به منذ سنوات.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس والعشرون
في صباح يوم جديد...
كانت أشعة الشمس تتسلل بهدوء عبر نوافذ المنزل الواسعة، تنشر دفئًا خفيفًا داخل المكان بعد أيام طويلة من التوتر والخوف، لكن رغم هذا الهدوء الظاهري، كانت الأرواح ما زالت تحمل بداخلها آثار كل ما حدث.
هبطت ترنيم من أعلى الدرج بخطوات بطيئة، وعيناها تبحثان تلقائيًا عن غريب، وكأن قلبها منذ شجارهما الأخير لم يعد يطمئن إلا بوجوده أمامها. لكنها لم تجده في الردهة، فالتفتت نحو أروى التي كانت تجلس على الأريكة تعبث بهاتفها، ثم سألتها بقلق خفيف:
"بابي فين يا أروى؟"
رفعت أروى عينيها إليها وأشارت ناحية المكتب قائلة ببساطة:
"بابي فى المكتب يا مامي."
أومأت ترنيم برأسها، ثم تحركت ببطء نحو المكتب، وكل خطوة كانت تشعرها بثقل غريب داخل صدرها. منذ تلك الليلة وهي تشعر أن المسافة بينهما أصبحت موجعة، حتى صمته معها كان يقتلها أكثر من أي عتاب.
وقفت أمام الباب لحظات مترددة، قبل أن تطرقه بخفة.
جاءها صوته من الداخل هادئًا:
"ادخل."
فتحت الباب ببطء، ثم أطلت برأسها تنظر إليه بتوتر واضح وقالت:
"ف فاضي نتكلم شوية؟"
كان يجلس خلف مكتبه يرتدي نظارته الطبية، يتابع بعض الأوراق أمامه، لكنه ما إن رآها حتى خلع النظارة بهدوء، ثم تراجع بظهره للخلف وأومأ لها قائلًا:
"تعالي يا ترنيم."
دخلت بخطوات مترددة وتحركت نحو المقعد المقابل له، جلست وهي تشبك أصابعها ببعضها بتوتر، ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا وقالت بصوت يحمل رجاءً حقيقيًا:
"جواهر والحمدالله خرجت والدنيا بقت احسن من الاول ممكن بقى تسامحني، وبلاش التجاهل اللي انت من يومها بتعمله معايا."
تنهد غريب ببطء، وكأن كلماتها لمست شيئًا موجوعًا داخله، ثم نهض من خلف مكتبه وتحرك نحوها، توقف أمامها مباشرة ونظر داخل عينيها بوجع صامت قبل أن يقول بلوم عميق:
"انتي عارفه كلام ده عمل فيا أيه يا ترنيم؟ كسرني من جوه، معنى كده انتي مش نسياها ليا بقى إن كنت السبب فى حبسه، للاسف اكتشفت أن بعد السنين دي كلها، مش بتحبيني، ولسه بتحبي هو."
اتسعت عيناها فورًا بصدمة، ونهضت بسرعة تمسك يده بكلتا يديها وكأنها تخشى أن يبتعد عنها أكثر، ثم قالت بأسف حقيقي ودموع بدأت تتجمع بعينيها:
"أنا آسفه والله، قلتلك مليون مرة انا مكنتش عارفه بقول ايه قلبي كان محروق على ابني، الموقف غصب عني فكرني بيوم سلطان، لاقتني دون وعي مني بقارن الموقفين ببعض، لكن مش معنى كده، أني بقول كده علشان مش نسياها ليك، خالص والله، غريب بلاش الشك يدخل ما بينا بعد العمر ده كله، سلطان مات، بس مستحيل أنساه، وانت ربنا يخليك ليا، حبيبي وأبو ولادي، انت سندي، لما أنا ولا حد العيلة بنقع في أي مشكله أنت أول حد بنجري عليه، علشان عارفين وواثقين انك هتحلها، وده لوحده بالنسبالي الامان كله، علشان خاطري سامحني وبلاش تتجاهل وجودي في حياتك زي ما بتعمل دلوقتي."
أغلق عينيه بضيق واستدار بظهره لها، ثم عقد ذراعيه أمام صدره محاولًا التماسك. من الخارج بدا صامتًا جامدًا، لكن داخله كان ينهار بالكامل أمام ضعفها، وأمام خوفه من فكرة واحدة فقط، أن تكون ما زالت تحمل لرجل آخر مكانًا بقلبها مهما مر العمر.
كان يريد أن يعاقبها قليلًا، أن يجعلها تشعر بوجعه كما شعر هو، لكن المشكلة الحقيقية أن ترنيم كانت دائمًا نقطة ضعفه الأكبر.
تحركت سريعًا حتى وقفت أمامه مرة أخرى، ثم رفعت وجهها إليه بنظرة جعلت ملامحه تلين رغمًا عنه، وقالت بصوت ناعم دافئ:
"يرضيك تسيب حبيبتك قلبها واجعها كده؟ أنا متأكده اني مش ههون عليك."
ثم اقتربت أكثر، وأحاطته بذراعيها بدلال يعرف جيدًا أنه لا يملك مقاومته، وهمست قربه بصوت محبب لقلبه:
"طيب بذمتك مش وحشتك؟"
أغمض عينيه للحظة مستسلمًا بالكامل.
انتهت مقاومته فورًا.
رفع ذراعيه وأحاط خصرها بقوة، ثم جذبها إليه حتى التصقت بصدره، وكأنه أخيرًا استعاد شيئًا كان ناقصًا منه طوال الأيام الماضية، قبل أن يطبع قبلة رقيقة فوق شفتيها وقال بصوت هامس ممتلئ بالعشق:
"مشكلتي، انك عارفه أن قلبي ضعيف قصادك، بحبك بجنون، ومش بقدر اشوفك زعلانه، وبضعف بكلمة واحده منك."
أغمضت عينيها براحة، ثم أسندت رأسها على صدره وقالت بسعادة صادقة:
"أنا اسفه والله، أنا بحبك اوي يا غريب، ومقدرش على زعلك مني."
ابتسم بحب وقبل أعلى رأسها، ثم قال بنبرة دافئة:
"وانا بعشقك يا قلب وعمر غريب كله."
وفي تلك اللحظة...
انفتح باب المكتب فجأة.
دخل جواد بخطوات سريعة، لكنه توقف مكانه فورًا حين رأى والديه بهذا القرب، فاتسعت عيناه بصدمة درامية قبل أن يهتف بمزاح:
"يادي الفضيحه اللي بجلاجل يادي الجرسه ام حناجل، امي وابويا في المكتب! قلبي الصغير لا يحتمل."
ابتعدت ترنيم عن غريب بسرعة بخجل واضح، بينما نظر غريب إلى ابنه بغضب وقال:
"مش تخبط الأول يا بغل انت."
غمز جواد بعينه بمكر وقال ضاحكًا:
"حب بقى ما بين الكتب والمراهقه المتأخرة دي أنا عارفها."
رمقته ترنيم بضيق وقالت وهي تتحرك للخارج:
"تصدق بأيه؟ أنا معرفتش اربيك وربنا."
غادرت المكتب سريعًا هربًا من الإحراج، بينما ظل غريب يتابعها بعينيه حتى اختفت من أمامه، قبل أن يعيد نظره إلى جواد بنفاذ صبر وقال:
"ربنا يوعدك باللي يُقفلك زي اللقمة فى الزور كده كل ما تقرب لجواهر، علشان تحس باللي بتعمله فيا كل مرة."
انفجر جواد ضاحكًا وقال بمزاح:
"فال الله ولا فالك يا حاج، طيب انا لسه شباب وعندي حماس يهد جبل، إنما حضرتك يعني."
وقبل أن يكمل جملته، شعر بضربة قوية على مؤخرة رأسه جعلته يتأوه، بينما قال غريب بتهديد:
"هتتلم؟ ولا أقل منك قدام جواهر واخليك متسواش بصله فى عنيها؟"
وضع جواد يده فوق رأسه بألم مصطنع وقال متذمرًا:
"ايدك ناشفه اوي يا حاج، بهزر معاك يا وحش ايه مبتهزرش؟"
عاد غريب إلى مقعده خلف المكتب أخيرًا، ثم نظر إلى ابنه بابتسامة اشتياق خفيفة وقال:
"وحشني هزارك يا ابن الكلب."
جلس جواد أمامه وقال ضاحكًا:
"طيب ده اسميه ايه؟ مدح ولا تهزيق؟"
لكن ملامح غريب بدأت تتحول تدريجيًا للجدية، فتراجع بظهره للخلف وقال بنبرة مختلفة تمامًا:
"خلينا في المهم دلوقتي، مراتك عينك متغفلش عنها ثانيه واحده، وعرفها أنها ممنوع تخرج لوحدها نهائي يا معاك يا مع الحرس، فاهم."
اختفت ابتسامة جواد تدريجيًا وأومأ برأسه قائلًا:
"فاهم يا بابا، بس انت دماغك فيها ايه؟ من أمبارح حاسس أن فيه حاجه شغلاك."
تنهد غريب ببطء، ثم نظر أمامه بشرود وقال بنبرة حائرة:
"اللي أسمه شاهين ده، حاسس ان وراه لغز، هو أزاي عرف القاتل الحقيقي؟ ومنين يعرف زين ده؟ ومعنى أنه يعرف القتيله، يبقى اكيد يعرف اخوها ومريم، حاسس ان فيه صله ما بينهم، وبعدين انا سمعت التسجيل اللي أشتغل كله فى المحكمة، وكذا حاجة اتقالت تأكد أنه يعرفها، واكتر حاجه خلتني اشك فيه لما قاله ما انت معانا وعارف كل حاجة، معنى كده أن لسه فيه حاجات تانيه كتير مظهرتش."
عقد جواد حاجبيه بعدم فهم وقال:
"أنا الصراحه مركزتش خالص في اللي اتقال فى التسجيل لأن وقتها كل اللي شاغلني هو خروج جواهر، بس حضرتك فى التقرير اللي جبته عنه، قولت مافيش اي صله ما بينهم."
أومأ غريب برأسه ببطء وقال وهو غارق في أفكاره:
"أيوه المعلومات كلها بتأكد أنه ملهمش صله ببعض، بس احساسي بيقول غير كده، وانا مش هسكت غير لما أعرف ايه اللي بيدور فى الكواليس."
هز جواد كتفيه بعدم معرفة ثم نهض من مكانه قائلًا:
"يمكن كده، ويمكن ده مجرد شك عندك يا بابا بسبب الظروف اللي عشناها."
ثم ابتسم بخفة وأضاف بحماس واضح:
"هروح انا بقى، امبارح على ما خلصت الإجراءات روحنا متأخر اوي، هروح اطمن على جواهر واشبع منها علشان كانت وحشاني اوي ومشبعتش منها."
أومأ غريب برأسه بصمت، وظل يتابع ابنه حتى غادر المكتب.
لكن بعد خروجه، عاد الصمت يسيطر على المكان من جديد.
أما عقل غريب، فكان يغرق أكثر وأكثر داخل دوامة الشكوك، بينما اسم شاهين الرواي بدأ يتحول أمامه إلى لغز حقيقي يشعر أن خلفه أسرارًا أخطر بكثير مما ظهر حتى الآن.
****************************
عند رنيم...
استيقظت رنيم من نومها على صوت جرس الباب، فانتفض جسدها بعنف فوق الفراش، وكأن ذلك الصوت أعادها دفعة واحدة إلى كل ما حاولت الهروب منه طوال الليل. ارتفعت أنفاسها بصورة مضطربة، وشعرت بقلبها يخبط داخل صدرها بعنف مؤلم، فما حدث بالأمس لم يكن أمرًا عابرًا تستطيع تجاوزه بالنوم أو الصمت، بل صدمة مزقت شيئًا عميقًا داخلها، وجعلتها تخشى حتى الأصوات المفاجئة.
ظلت لثواني جالسة مكانها تحدق أمامها بتيه، بينما كانت كلمات زين تتردد داخل رأسها بصورة قاسية، وكأنها تقال الآن من جديد. حاولت أن تهدأ قليلًا، ثم أنزلت قدميها على الأرض وتحركت ببطء نحو الخارج، وما زال الخوف يسكن ملامحها.
توقفت أمام الباب وابتلعت ريقها بصعوبة، قبل أن تقول بصوت خرج مرتجفًا دون إرادة منها:
"م مين؟"
وما إن وصلها صوته حتى شعرت بشيء من الطمأنينة ينساب داخل قلبها المرهق.
"أنا يا رنيم افتحي."
أغمضت عينيها للحظة وكأنها تتمسك بذلك الإحساس الآمن الذي لا تشعر به إلا معه، ثم فتحت الباب سريعًا، وما إن رأته أمامها حتى خرج صوتها مختنقًا رغم محاولتها التماسك:
"صباح الخير."
وقف شاهين يتأملها بصمت لثواني، وعيناه تتحركان فوق ملامحها بقلق واضح. كان وجهها شاحبًا بصورة أوجعته، وعيناها متورمتين من أثر البكاء الطويل، حتى ابتسامتها الباهتة بدت وكأنها تحاول الوقوف فوق قلب محطم.
انعقد حاجباه بتوتر وهو يقول بقلق صادق:
"انتي كويسه يا رنيم؟"
أومأت برأسها سريعًا، لكنها لم تستطع حتى أن تنظر إليه وهي تقول بصوت متعب:
"كويسه."
لكن شاهين كان يعرف جيدًا أنها ليست بخير، وأن هذه الكلمة مجرد محاولة ضعيفة منها للتماسك.
ابتعدت قليلًا تفسح له الطريق، فتحرك إلى الداخل بهدوء ووضع الطعام فوق الطاولة، ثم استدار إليها من جديد. ظل ينظر لعينيها للحظات طويلة وكأنه يحاول قراءة كل ما تخفيه خلف ذلك الصمت، قبل أن يقول بضيق واضح:
"انتي كنتي بتعيطي طول الليل صح؟"
انخفضت عيناها فورًا نحو الأرض، وشعرت بغصة مؤلمة تخنقها، ثم أومأت برأسها ببطء وهي تقول بصوت محمل بالحزن:
"غصب عني يا شاهين، زين اخويا، مهما عمل فيا هفضل احبه، عمري ما هقدر اكرهوا، انت عارف يعني أيه حتة منك من دمك المفروض يكون السند، هو أكتر واحد عايز يهدك ويكسرك لسبب مالكش أي ذنب فيه؟ بس رغم كل ده مكرهتوش حاسه أنه اتظلم، يمكن لو ماما مكانتش سابته واتربى فى حضنها مكانش بقى كده، أنا فاكره مرة زمان وانا صغيرة، كانت واقفه معاه، ولما سألتها قالتلي ده واحد من بتوع الشوارع قالت كده قصاده، انت عارف طفل سمع امه بتقول كده لاخته ايه شعوره واحساسه وقتها، أنا مكنتش اعرف وقتها ده مين، بس لما كبرت وشفت صورته وهو صغير افتكرته، زين ضحية أنانية ماما الله يرحمها، يمكن علشان السبب ده، بحبه وصعبان عليا."
كانت تتكلم وهي تشعر بثقل هائل فوق قلبها، وكأنها تحاول أن تبرر لنفسها قبل أي أحد لماذا ما زالت عاجزة عن كرهه، رغم كل ما فعله بها. كانت ترى داخله الطفل المكسور قبل أن ترى الرجل المؤذي، ولهذا كان ألمها مضاعفًا، لأنها لا تعرف كيف تكره من تشفق عليه.
اقترب شاهين منها ببطء، وكأن كل خطوة يخطوها نحوها تحمل رغبة حقيقية في احتواء ذلك الوجع. رفع يده بحنان ووضعها فوق خدها، ثم مرر أصابعه برفق على بشرتها وهو يقول بصوت هامس دافئ:
"علشان انتي طيبه وقلبك ابيض، و بتشوفي الناس بعيونك الحلوين دول."
ثم مال برأسه وقبل عينيها ببطء شديد، وكأنه يحاول أن يمحو أثر الدموع العالقة بهما، قبل أن يهمس بعشق صادق:
"دول اتخلقوا علشان يضحكوا ويسحروني بجمالهم، مش علشان يحزنوا وينزلوا دموع."
ارتبكت ملامحها فورًا أمام قربه وكلامه، وشعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجنتيها رغم حزنها، فحاولت الهروب من تأثيره عليها وتغيير الحديث بسرعة وقالت بتلعثم:
"ا انت جايب فطار ايه؟"
ابتسم شاهين بخفة على محاولتها الواضحة للهرب من مشاعرها، ثم تحرك نحو الطاولة وأشار بيده قائلًا:
"بيض ولانشون وجبنه وزيتون."
ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها وقالت بتوتر لطيف:
"ابن حلال، أنا صحيت جعانه اوي."
وما إن خرجت الكلمة من فمها حتى شعر شاهين بوخزة حادة داخل قلبه.
"ابن حلال..."
كلمتان بسيطتان قالتهم بعفوية كاملة، لكنها بالنسبة له كانت تلامس أكثر جروحه عمقًا. أغمض عينيه للحظة بألم خافت، فالحقيقة التي يحملها داخله كانت تطارده دائمًا، مهما حاول أن يهرب منها، ومهما منحته رنيم من شعور بأنه إنسان يستحق الحب.
انتبه على صوتها وهي تقول باستغراب بعدما لاحظت شروده:
"ااايه روحت فين؟"
فتح عينيه سريعًا، ثم رسم فوق شفتيه ابتسامة هادئة أخفى خلفها كل ما شعر به، قبل أن يبعد لها المقعد بحنان قائلاً:
"اقعدي يا قلبي."
جلست على المقعد بسعادة، بينما مال شاهين برأسه مقبلًا رأسها بحنان عميق، ثم تحرك نحو المقعد المجاور لها وجلس عليه، وبدأ الاثنان يتناولان الطعام سويًا وسط أجواء دافئة لم تعش رنيم مثلها من قبل.
لكن شاهين سرعان ما توقف عن تناول طعامه، واكتفى بالتحديق بها فقط، يتأمل ملامحها الصغيرة وهي تأكل بعفوية، وكأن عينيه وجدتا أخيرًا موطنهما الحقيقي. كانت كل حركة منها تسلب أنفاسه أكثر، حتى شعر أن مجرد وجودها أمامه نعمة يخشى أن تنتزع منه فجأة.
وما إن شعرت رنيم بنظراته الطويلة المعلقة بها، حتى احمرت وجنتاها بخجل، وتكلمت بتوتر:
"ا انت م مش بتاكل ليه؟"
امسك يدها وقبلها بعشق وقال بنبرة هامسه:
"مش قادر ابعد عيوني عنك، خايف حتى ارمشهم لو ثانيه واحده، تختفي من قصادي، أنا بقيت مهوس بيكي يا رنيم، بشوفك حتى فى احلامي، انا مش لاقي وصف لحالتي دي معاكي، لأن ده مش حب، ده حاجة اكبر من كده بكتير، حالة عمري ما اتخيلت أن اوصلها ولا احس بيها، أنا بقيت مجنون بيكي يا رنيم."
تجمعت الدموع بعينيها، فذلك الحب الذي يمنحه لها بهذه الطريقة كان أكبر من قدرتها على الاحتمال. شعرت بقلبها يذوب بين كلماته، يريد أن يهرب من صدرها ويذهب إليه، يعانقه بقوة ويتمسك به إلى الأبد حتى لا يتركه يومًا. كانت تسمع نبضاتها تتسارع بعنف، بينما روحها كلها ترتجف تحت تأثير عشقه الصادق لها.
حركت رأسه بقلة حيله وتكلمت بصعوبه من فرط المشاعر وقالت:
"مش قادره ألاقي رد مناسب لكل كلامك ده، انت تخطيت مراحل كتير اوي فى وقت صغير، معاك بحس بحالة غريبه، شعور عمري ما عيشته ولا حسيته، كل حاجه معاك غريبه عليا بعيشها لاول مره، بس مش مضايقه من ده، بالعكس أنا مرتاحه ليها وحابة الحالة اللي عايشها دي."
كانت كلماتها تخرج بصعوبة، وكأن مشاعرها المتزاحمة تخنقها، بينما عيناها كانتا تلمعان بذلك الوهج الذي يظهر لأول مرة على امرأة وقعت في الحب الحقيقي دون مقاومة.
حرك يده على خدها بهدوء وتكلم وهو ينظر بعينيها:
"بعشقك يا رنيم، وربنا يقدرني، واقدر اعيشك معايا كل الاحاسيس والمشاعر الجديدة عليكي اللي عمرك ما عشتيها، وأخليكي سعيده ومبسوطة."
ابتسمت له من بين دموعها، وأومأت برأسها بسعادة حقيقية لم تعرفها منذ زمن طويل، ثم قالت:
"أنا واثقه فيك، ومتأكده أن كل لحظة معاك، هتكون جديدة ومختلفة."
شعر شاهين أن قلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه من شدة فرحته بثقتها، فاقترب منها أكثر، وقبل رأسها بحب بالغ وكأنها أغلى ما يملك، ثم قال بنبرة هادئة:
"تشربي قهوة، ولا شاي؟"
ابتسمت له وقالت:
"الصراحه أنا بحب الشاي اكتر."
اومأ برأسه وقال بحب:
"وانا من النهاردة هحب الشاي اكتر زيك."
تحرك نحو المطبخ، بينما ظلت رنيم تتابعه بعينيها دون وعي منها، تشعر بدفء غريب كلما رأته يتحرك داخل بيتها بهذه الألفة، وكأنه أصبح جزءًا من تفاصيلها اليومية التي لا تستطيع الاستغناء عنها.
وبعد عدة ثواني وجد رنيم تقف على الباب تنظر له بأبتسامه جميله على وجهها، غمز لها وقال بمزاح:
"ايه معجبه."
ارتبكت فورًا، واعتدلت في وقفتها سريعًا وهي تحاول إخفاء خجلها الواضح، ثم تنحنحت بتوتر وقالت:
"ا انا لاقيتك اتأخرت جيت اشوفك لو محتاج حاجة."
ابتسم لها بمكر وقال:
"امم، جيتي فى وقتك، مش لاقي السكر."
تحركت سريعا لداخل واقتربت منه واستدارت حتى تمسك السكر، لكنها تفاجئت بذراع شاهين تلتف من الأمام على خصرها، فشهقت بخفة عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس عنقها، بينما قلبها بدأ يدق بعنف أربكها بالكامل.
قبل عنقها بعشق وتكلم بصوت هامس:
"انا قصدي على السكر انتي، فيه حد يبقى معاه الحلاوة دي كلها ويدور على سكر عادي."
ابتلعت ريقها بخجل وتكلمت بصعوبه:
"ش شاهين ا ايه اللي انت بتعمله ده؟ ا ابعد شوية."
ألتصق بها من الخلف أكثر، وكأنه لا يكتفي أبدًا من قربها، بينما أغمض عينيه للحظة يستمتع برائحتها التي أصبحت تفتك بعقله كلما اقتربت منه.
وتكلم بنبرة هامسه مغوية:
"عمري ما ابعد عنك يا رنيم حتى لو أنتي اللي طلبتي ده، أنا ما صدقت لاقيتك."
أغلقت عينيها وابتلعت ريقها بصعوبه، وشعرت بأن أنفاسها تختل تمامًا من تأثير قربه، بينما حرارة جسده خلفها جعلتها ترتجف دون إرادة منها.
وتكلمت بأنفاس لاهثه:
"ش شاهين، ارجوك سبني."
وعندما شعر بتوترها وفرط مشاعرها التي ظهرت بصوتها، ابتعد ببطء عنها، رغم أن داخله كان يصرخ رافضًا الابتعاد، ثم جعلها تستدير له ونظر بعينيها وقال بصدق عميق:
"أنا عايزك تثقي فيا مهما حصل يا رنيم، أنا عمري ما هعمل حاجة تأذيكي، اه هموت عليكي، بس انا كبير كفايه علشان اقدر اتحكم فى نفسي وفى مشاعري، وهفضل محافظ عليكي لحد ما يتكتب اسمك على اسمي، ووقتها بس هعمل معاكي كل اللي نفسي فيه."
مجرد ذكر أنها بيوم ستكون على اسمه، جعل جسدها ينتفض مكانه بعنف، وكأن تلك الكلمات لامست أعمق نقطة داخل قلبها، فنظرت له بتوتر وقالت:
"هو ممكن يجي يوم وابقى على اسمك؟"
نظر لها بعدم فهم وتكلم بأستغراب:
"اكيد طبعًا إن شاءالله، هيجي اليوم اللي تبقي فيه مراتي، وتنوري حياتي كلها، انتي عندك شك فى ده؟"
لكن ملامحها تبدلت سريعًا، وحل الحزن محل خجلها، ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالوجع وتكلمت بصوت مختنق:
"لا طبعا معنديش شك فيك، بس موضوع امك ده، مصعب الفكره عليا، مش متخيله أن هيجي يوم، واللي قتلت أهلي تبقى أم جوزي وحماتي، صعب اوي عليا."
شعر شاهين وكأن شيئًا حادًا انغرس داخل قلبه، فهذه الحقيقة ستظل تطارده مهما حاول الهرب منها. تنفس بصعوبة، ثم جذبها إليه برفق، ووضع رأسها فوق صدره حتى تسمع دقات قلبه التي تخفق بعشقها وحدها.
وتكلم بنبرة مختنقة:
"للاسف أنا عمري ما هقدر اغير الحقيقه المره دي يا رنيم، بس اللي اقدر اوعدك بي أن حياتنا هتكون بعيده عنها خالص."
احاطته بذراعيها وأغلقت عينيها تستنشق رائحته التي تعشقها، وكأنها تبحث داخل حضنه عن السكينة التي افتقدتها طوال حياتها.
وتكلمت بصوت هامس:
"ريحتك بقت بالنسبه ليا مصدر الامان، مجرد ما اشمها، بحس نفسي مطمنه."
أغمض عينيه متأثرًا بكلماتها، ثم ابتسم
وقبل رأسها قائلا:
"وانا موجود بس، علشان راحتك يا قلب وعمر شاهين."
ابتعدت عنه سريعا وكأنها تذكرت شيئًا فجأة، وتكلمت بتوتر:
"ا الشاي ا انت نسيته."
ابتسم لها وتكلم بحب:
"أنا بنسى الدنيا كلها وانتي معايا."
ثم تحرك الجنب الآخر وحضر الشاي، بينما كانت رنيم تراقبه بصمت وقلبها يزداد تعلقًا به لحظة بعد الأخرى.
امسك بكل يد كوب واقترب منها وقال:
"خدي يا قلبي الشاي بتاعك."
أخذته منه وابتسمت له بأمتنان وقالت:
"ش شكراً."
ثم أرتشفت منه رشفه وابتسمت له وقالت:
"انت حاطط سكر كتير، أنا بشربه بنص معلقة بس."
رد عليها بمزاح:
"حقك عليا يا صغنن المرة الجايه هنفذ أوامرك بالحرف."
أبتسمت بخجل، بينما ظل هو يتأملها بصمت، بعينين ممتلئتين بعشق جعل العالم كله يتلاشى من حوله، ولم يبقى أمامه سوى هي.
****************************
عند جواهر...
لأول مرة منذ أيام طويلة، لم تستيقظ مذعورة على كابوس، ولا على صوت باب حديدي يغلق بعنف، ولا على ذلك الشعور القاسي بالاختناق الذي كان يلازمها منذ دخلت تلك التجربة المريرة. كانت نائمة بعمق، غارقة داخل دفء غريب افتقدته كثيرًا، حتى أن أنفاسها خرجت هادئة ومستقرة وكأن روحها أخيرًا عادت إلى مكانها الطبيعي.
تململت فوق الفراش بتكاسل، وامتلأت رئتاها برائحة تحفظها جيدًا، رائحة كانت دائمًا قادرة على تهدئة كل الفوضى داخلها.
فتحت عينيها ببطء، وما إن وقع بصرها عليه حتى ارتخت ملامحها تلقائيًا.
كان جواد يجلس بجوارها فوق السرير، يتأملها بصمت طويل، وكأنه يعوض بعينيه كل لحظة حرم منها وهي بعيدة عنه. كانت نظرته مليئة بشوق موجع، شوق رجل عاش أيامه الأخيرة بقلب معلق بين الخوف والفقد.
ابتسمت له بنعومة، ثم اقتربت منه دون تردد، وضعت رأسها فوق صدره ولفت ذراعها حول خصره وكأنها تبحث داخله عن الأمان الذي سرق منها، ثم همست بصوت يغلب عليه النعاس:
"صباح الخير."
أغمض عينيه للحظة فور اقترابها منه، وكأن مجرد لمستها أعادت الحياة إلى قلبه، ثم انحنى يقبل رأسها بحب بالغ وقال:
"صباح الورد والفل والياسمين على عيونك يا قلبي."
رفعت وجهها قليلًا تنظر له، كانت ملامحه مرهقة رغم ابتسامته، وكأن النوم لم يزر عينيه منذ فترة، فقالت بتساؤل ناعم:
"انت هنا من بدري؟"
حرك رأسه بالنفي وهو يمرر يده بحنان فوق شعرها:
"لا لسه جاي من شوية، لاقيتك نايمة مرضتش اصحيكي، وفضلت قاعد جنبك لحد ما تصحي لوحدك."
تنهدت براحة، ثم أغلقت عينيها للحظة وكأنها تستمتع بإحساس السرير وغرفتها ووجوده بجوارها، قبل أن تقول باشتياق صادق:
"كانت وحشاني اوضي وسريري اوي، من يوم اللي حصل ده، مكنتش بعرف انام ساعتين على بعض، يلا أيام ربنا ما يرجعها تاني."
بمجرد أن لمح الوجع العابر داخل صوتها، شدها إليه بقوة أكبر، كأنه يريد أن يمحي بضمته كل ما مرت به، وربت على ظهرها بحنو بالغ وهو يقول:
"خلاص بقى متفكريش فى اللي حصل ده وانسي خالص، وربنا يقدرني وأعوضك عن الايام دي وأعيشك اسعد ايام عمرك."
أغمضت عينيها داخل حضنه، وشعرت أن قلبها لأول مرة منذ فترة طويلة يهدأ فعلًا. كان وجوده حولها يشبه النجاة، يشبه البيت بعد تيه طويل، لذلك تمسكت به أكثر وهمست بصوت دافئ:
"انا فعلا طول ما انا جنبك عايشه اسعد ايامي، انت الفرحه الوحيده اللي فى حياتي ووجودك جنبي هي السعادة الحقيقه بالنسبالي."
تبدلت نظراته فور كلماتها، ذابت ملامحه بعشق واضح، ثم رفع وجهها إليه بأطراف أصابعه ببطء شديد وكأنه يخشى أن يؤذيها حتى بلمسته، قبل أن يميل نحوها ويلتقط شفتيها بقبلة عميقة حملت كل لهفته وخوفه واشتياقه.
قبلة طويلة جعلت أنفاسها تتعثر داخل صدرها، بينما هو كان يغرق بها وكأنه يعوض كل لحظة كان عاجزًا فيها عن الوصول إليها.
ومع احتياجها للهواء، ضغطت بخفة على ذراعه، فابتعد عنها بصعوبة واضحة، وأسند جبينه فوق جبينها بينما أنفاسه الساخنة تلامس وجهها، ثم قال بصوت أجش مختنق بالشعور:
"القرب منهم حياة، مكنتش قادر ابعد عنهم، انتي حاطه فيهم ايه؟"
اشتعل وجهها بحمرة خجل واضحة، وتسارعت أنفاسها وهي تحاول استيعاب تأثيره عليها، ثم تمتمت بصعوبة:
"ا انت قليل الادب على فكرة."
ضحك بخفة، وكانت عيناه لا تزالان معلقتين بها بعشق واضح:
"وانا عملت ايه؟ ببوس مراتي ايه الغلط في كده؟"
ضربته بخفة على صدره وهي تهرب بعينيها بعيدًا عنه:
"وقح وقليل الادب، وخالتوا ترنيم معرفتش تربيك."
انفجر ضاحكًا فور تذكره حديث والدته صباحًا وقال:
"تصدقي أنها لسه قايله ليا كده برضه."
ضحكت رغماً عنها، ثم قالت بمشاكسة:
"طيب كويس مجبتش حاجه من عندي."
ابتعدت عن حضنه أخيرًا ونهضت من فوق السرير وهي ترتب شعرها، لكن ملامحها عادت للجدية قليلًا عندما قالت:
"يا دوب ألحق اجهز علشان اروح الشركة، عايزة اقابل رنيم ضروري."
اختفت ابتسامته فورًا، واستقام بجسده ينظر إليها بتركيز حاد، ثم قال بجدية واضحة:
"تروحي الشركة!؟ اعملي حسابك يا قلبي، مافيش خروج لوحدك الفترة دي، الخروج هيكون يا معايا يا مع الحرس اللي تحت دول لو أنا مش موجود."
التفتت له باستغراب واضح، وقد ضايقها أسلوب الحماية المفاجئ، فقالت بعدم فهم:
"ليه بقى إن شاءالله انت ناوي تحبسني ولا ايه؟"
اقترب منها فورًا، وكوب وجهها بين كفيه بحنان ممتزج بقلق حقيقي، ثم قال بنبرة منخفضة:
"مش حكايه حبس يا قلبي، بس انتي شايفه الدنيا متلبشه ازاي، ومش عارفين ايه ممكن يحصل خلال اليومين الجايين، علشان كده خروجك الفترة دي لازم يكون بحساب، ومش لازم نزول الشركة دلوقتي، لازم تتأمني كويس اوي، معايا أو مع الحرس."
هبط الضيق على ملامحها، فهي بالكاد خرجت من سجن لتشعر الآن وكأن الخوف يطاردها خارجه أيضًا، ثم قالت بصوت مختنق:
"طيب انا لازم اقابل رنيم دلوقتى، أعمل ايه؟"
هدأت نبرته قليلًا وهو يحاول طمأنتها:
"اصبري بليل لما اخلص شغل، اخدك عندها الشقه."
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، واستدارت له بسرعة:
"انت عارف هي ساكنه فين؟"
أومأ برأسه بهدوء وقال:
"أيوه يا قلبي وبالليل هخدك عندها."
ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتيها، ثم عقدت ذراعيها على صدرها وهي تنظر له بترقب وقالت:
"طيب أيه؟"
رمش بعدم فهم:
"ايه ايه مش فاهم؟"
نفخت بضيق وقالت:
"عايزة أخد شاور وأغير هدومي."
ارتسمت على وجهه ابتسامة مشاكسه فورًا، ثم عاد يستند فوق السرير بأريحية وقال بمكر:
"طيب ما تدخلي خدي شاور براحتك وغيري وانا هستناكي هنا، ولو محتاجة أي مساعدة أنا موجود وتحت الخدمة، ما أنا زي جوزك برضه."
شهقت بغيظ، ثم التقطت الوسادة سريعًا وانهالت بها عليه وهي تقول بانفعال:
"والله العظيم غلس وقليل الادب، بكرهك يا جواد، بكرهك."
تعالت ضحكاته بقوة داخل الغرفة، وبدأ يتحرك هاربًا من ضرباتها وهو يقول بين ضحكاته:
"خلاص يا مجنونة اهدي، انا غلطان أن عايز اساعدتك."
ثم نهض أخيرًا واتجه نحو الباب، لكنه توقف قبل الخروج مباشرة، عاد إليها بخطوة سريعة ووضع قبلة خاطفة على خدها المرتبك، ثم قال بعشق صريح: "بعشق امك يا مجنونة."
وخرج بعدها مباشرة وأغلق الباب خلفه.
أما هي فظلت واقفة مكانها للحظات، تلمس خدها بخجل بينما ابتسامة عاشقة ارتسمت فوق شفتيها دون إرادة منها، قبل أن تتنهد أخيرًا وتتجه نحو المرحاض وقلبها أخف بكثير مما كان عليه منذ أيام.
**************************
بالمساء...
كانت رنيم تقف داخل المطبخ، تتحرك بخفة لم تشعر بها منذ وقت طويل، وكأن روحها استعادت جزءًا من الحياة بعد أيام ثقيلة أنهكت قلبها وأعصابها. كانت أصابعها تتنقل بين الأطباق بعناية، تقطع هذا، وتقلب ذاك، ثم تعود لترتب الطعام بصورة جميلة تخطف النظر قبل الشهية.
وعلى شفتيها استقرت ابتسامة حالمة، كلما تخيلت شاهين وهو يتناول الطعام الذي أعدته له بنفسها، ينظر إليها بعينيه الممتلئتين بذلك العشق الذي أصبح يربكها ويذيب شيئًا داخلها في كل مرة.
كانت للمرة الأولى تفعل شيئًا كهذا وهي تشعر بالسعادة لا بالواجب.
حتى التفاصيل الصغيرة باتت تحمل مذاقًا مختلفًا معه، انتظار قدومه، اختيار ما يحب، التفكير فيما قد يعجبه أو يضحكه، كل ذلك جعل قلبها يخفق بطريقة لم تعهدها من قبل.
وفجأة دوى صوت جرس الباب.
انتفض قلبها داخل صدرها سريعًا، واتسعت ابتسامتها بعفوية، فقد أيقنت أنه هو.
أسرعت تطفئ النار أسفل أحد الأواني حتى لا يحترق الطعام، ثم ركضت نحو الباب بخطوات متعجلة، لكنها توقفت قبله بثواني، أخذت نفسًا سريعًا، وعدلت خصلات شعرها المرتبكة، ثم نظرت إلى انعكاسها على الزجاج المجاور بابتسامة خجولة قبل أن تمد يدها وتفتح الباب.
لكن ابتسامتها تجمدت تمامًا.
اتسعت عيناها بصدمة وهي ترى جواهر تقف أمامها، وبجوارها جواد.
ساد الصمت للحظات...
صمت ثقيل، ممتلئ بمشاعر متشابكة؛ اشتياق، عتاب، حنين، ووجع قديم لم يمحى بالكامل.
ظلت الفتاتان تنظران إلى بعضهما وكأن بينهما ألف كلمة عاجزة عن الخروج، وكأن كل واحدة منهما تبحث في ملامح الأخرى عن ما ضاع بينهما خلال الفترة الماضية.
وأخيرًا تكلمت جواهر بصوت هادئ، لكنه كان يحمل ارتجافة خفية:
"وحشتيني."
في اللحظة نفسها شعرت رنيم بأن شيئًا داخل صدرها انكسر.
تجمعت الدموع سريعًا بعينيها، ثم اندفعت نحوها دون تفكير واحتضنتها بقوة، وكأنها تخشى أن تختفي من بين يديها مرة أخرى، وتكلمت بلوم وصوت مختنق:
"وحشتيني يا جزمة."
أغمضت جواهر عينيها وهي تتشبث بها أكثر، وكأن حضنها أعاد إليها شعور الأمان الذي افتقدته طويلًا، ثم قالت من بين دموعها:
"أنا عمري ما اتخيلت أن كل ده يحصل ما بينا."
ابتعدت رنيم عنها قليلًا، ونظرت إليها بعينين ممتلئتين بالألم والعتاب، ثم قالت بوجع صادق:
"ومين اللي عمل كده؟ مش انتي لما رفضي تقابليني لما جيت ليكي كذا مره."
اهتزت ملامح جواهر بأسف، وحركت رأسها نفيًا وهي تقول بصوت مختنق:
"خلاص بقى انسي اللي حصل، خلينا فى دلوقتي، شكرا علشان كنتي السبب فى إظهار الحقيقه."
رغم الألم الذي ما زال عالقًا داخلها، ابتسمت رنيم بحنان وهي تنظر إليها، ثم قالت بهدوء:
"مافيش ما بينا شكر يا جواهر، انتي اختي واللي عملته ده واجب عليا، ومتأكدة لو كنت انا مكانك، كنتي هتعملي زي وأكتر."
كان جواد يتابع المشهد بصمت، يراقب الدموع والاشتياق الذي يفيض من نظراتهما، لكنه شعر أن وقوفهم الطويل على الباب بدأ يثقل الأجواء أكثر، فتدخل بنفاذ صبر متعمد:
"طيب هنفضل نتكلم على الباب كتير كده؟"
حولت رنيم نظرها إليه بضيق خفيف، وكأنه قطع لحظة كانت تحتاجها بشدة، ثم تنحت جانبًا بصمت وأفسحت لهما الطريق للدخول.
دخل جواد أولًا تتبعه جواهر، وأخذت أعينهما تتجول داخل الشقة بفضول وإعجاب واضح.
كانت الشقة بسيطة، لكنها تحمل روح رنيم في كل زاوية؛ الهدوء، الترتيب، والدفء الذي يملأ المكان بصورة مريحة.
توقفت جواهر تتأمل التفاصيل حولها قبل أن تقول بإعجاب صادق:
"واو الشقه بتاعتك حلوه اوي."
ابتسمت رنيم بخجل خفيف وقالت: "ميرسي، أتفضلوا اقعدوا."
جلسا على المقاعد، بينما بقيت هي واقفة للحظات تحاول السيطرة على ذلك التوتر الذي بدأ يتسلل إليها تدريجيًا.
وفجأة رفعت جواهر رأسها تستنشق الهواء حولها، ثم قالت بإعجاب:
"فيه ريحة اكل حلوة اوي، دي عندك؟"
شعرت رنيم بالتوتر فورًا، وتنحنحت بخفة وهي تقول:
"ا ايوه انا اللي عملاه."
جلست جواهر بأريحية أكبر، وكأنها عادت أخيرًا لتلك العلاقة القديمة بينهما، ثم قالت بحماس:
"حلو اوي يبقى العشا عندك."
لكن كلماتها جعلت قلب رنيم يضطرب بعنف.
زاغ بصرها بعيدًا، وتحركت أصابعها بتوتر واضح وهي تقول بتلعثم:
"ا اه طبعا ده اكيد."
كانت تعرف جيدًا أن وجود شاهين هنا بعد قليل سيقلب كل شيء.
مجرد تخيل لحظة دخوله ورؤيته لجواهر وجواد جعل التوتر يشتعل داخل أعصابها بصورة مرهقة.
وكأن أفكارها استدعت اللحظة بنفسها، دوى جرس الباب مرة أخرى.
تجمد جسدها بالكامل، واتجهت عيناها نحو الباب بسرعة، بينما تسارعت دقات قلبها بشكل مخيف.
هي تعلم جيدًا من الطارق هذه المرة.
وقبل أن تتحرك من مكانها، استقام جواد بجسده وقال بهدوء:
"خليكي هروح انا افتح."
اومأت برأسها بتوتر، بينما شعرت أن أنفاسها أصبحت أثقل، وكأن اللحظة القادمة تحمل معها ما لا تستطيع توقعه أبدًا.
ظلت جواهر تراقب رنيم بعينين ضيقتين، تتابع ارتباكها الواضح منذ لحظة سماع جرس الباب، وكيف شحب وجهها فجأة وكأن قلبها عرف الطارق قبل أن تفتح الأبواب.
لاحظت اضطراب أنفاسها، وحركة أصابعها المتوترة، ونظراتها المعلقة نحو الباب، فتسلل إليها الفضول سريعًا، ثم قالت بعدم فهم:
"مالك يا رنيم، هو انتي مستنيه حد؟"
انتبهت رنيم إلى نظراتها، فارتبكت أكثر، وكأنها ضبطت متلبسة بمشاعرها، ثم قالت بسرعة وهي تحاول التظاهر بالهدوء:
"ها، ل لا خالص."
لكن نبرتها المرتبكة فضحتها أكثر مما أخفتها.
وفي تلك اللحظة كان جواد قد وصل بالفعل إلى الباب وفتحه دون تردد، لتتجمد ملامحه فور رؤيته لذلك الشاب نفسه، شاهين.
وقف الاثنان يتأملان بعضهما لثواني قصيرة، لكنها كانت كافية لإشعال التوتر بينهما بصورة واضحة.
نظر جواد إليه باستغراب حذر وقال:
"أيوه اتفضل."
لكن شاهين لم يتحرك من مكانه، بل انعقد حاجباه بغضب واضح وهو ينظر إليه مباشرة، ثم قال بصوت خشن:
"انت! بتعمل ايه عند رنيم؟"
اشتعلت نظرات جواد فورًا، ورد عليه بنفس الحدة:
"وانت مالك، رنيم بنت خالتي، لكن انت اللي جاي تعمل ايه عندها؟"
تشنج فك شاهين بعنف، وضغط على أسنانه وهو يحاول التحكم بأعصابه بصعوبة، ثم قال بهدوء يحمل تحذيرًا واضحًا:
"وانت مالك، كنت ولي أمرها وانا معرفش؟"
اقترب جواد منه خطوة كاملة، حتى كادت المسافة بينهما تختفي، ونظر إليه بعينين يشتعل داخلهما الغضب، ثم قال من بين أسنانه:
"اه ولي أمرها، عندك اعتراض؟"
في الداخل، وصل صوت التوتر المرتفع إلى رنيم وجواهر، فتبادلتا النظرات سريعًا قبل أن تنهضا معًا وتتجها نحو الباب.
اقتربت رنيم بخطوات سريعة، وقلبها ينبض بعنف وهي ترى الشرارة المتطايرة بينهما، ثم قالت بتوتر:
"ف فيه ايه؟"
لم يرفع شاهين عينيه عن جواد، بل ظل ينظر إليه بغضب وهو يقول:
"ده بيعمل ايه هنا؟"
ابتعدت رنيم قليلًا حتى ظهرت جواهر خلفها، ثم قالت بتلعثم وهي تحاول تهدئة الوضع:
"ج جاي هو ومراته يسألوا عليا."
في اللحظة التي وقعت فيها عينا شاهين على جواهر، خفت حدة غضبه قليلًا، وفهم جزءًا من الصورة، فتراجع نصف خطوة وقال بهدوء متحفظ:
"اه ماشي تعالي عايزك."
لكن جواد لم يسمح بمرور الأمر ببساطة، بل قال بنفاذ صبر واضح:
"هو ايه اللي تعالي عايزك، انت شايفني قصادك كيس جوافه؟ ولا مركب قرون؟"
التقطت جواهر التوتر فورًا، وفهمت طبيعة العلاقة بين رنيم وشاهين من نظراتهما وحدها، رأت ذلك اللهيب الصامت بينهما، والغيرة التي تكاد تحرق المكان.
اقتربت سريعًا من جواد وأمسكت ذراعه وهي تقول:
"تعالى يا جواد عايزاك."
كاد يعترض، لكنها قاطعته بسرعة: "سيبهم يا جواد وتعالى بس."
ظل ينظر إلى شاهين طويلًا، نظرة مليئة بالتحدي والرفض، قبل أن يتحرك أخيرًا نحو الداخل برفقة جواهر.
وبمجرد ابتعادهما قليلًا، اقترب شاهين من رنيم أكثر، وكانت ملامحه ما تزال مشدودة بالغضب، ثم قال بصوت منخفض محتقن:
"أنا مسكت نفسي عليه بالعافيه، لكن لو طول فيها مش مسؤول عن اللي هيحصل."
نظرت إليه رنيم برجاء واضح، وقالت بتوتر:
"ع علشان خاطري يا شاهين، جواهر جايه معاه علشان تشكرني أن ساعدها تخرج من المكان ده، وانا ما صدقت ان علاقتنا بدأت ترجع زي الأول."
أغمض عينيه للحظة يحاول ابتلاع غضبه، ثم زفر بضيق وقال بصوت هامس:
"علشان خاطرك بس هستحمله، وبعدين بقى هما كده هيخدوكي مني."
ارتجف شيء داخل قلبها عند كلماته، فابتسمت له بحب خجول وحركت رأسها نفيًا وهي تقول:
"م محدش يقدر يخدني منك."
وكأن تلك الكلمات وحدها كانت كافية لتطفئ جزءًا من غضبه، اقترب منها أكثر، وأحاطها بذراعه، ثم قال بعشق صريح:
"بجد يا رنيم؟"
ابتلعت ريقها بخجل، واكتفت بإيماءة صغيرة برأسها، بينما قلبها يكاد يقفز من صدرها.
لكن اللحظة لم تدم طويلًا، إذ دوى صوت جواهر المازح خلفهما:
"هو أنا جيت فى وقت مش مناسب ولا حاجه؟"
انتفضت رنيم مبتعدة بسرعة، واتسعت عيناها بصدمة وارتباك، ثم قالت:
"ها، ت تعالي يا جواهر."
اقتربت جواهر منهما وهي تكتم ضحكتها بصعوبة، ثم وضعت يدها على كتف رنيم وقالت بمكر:
"أنا مش عايزه اكون عزول ولا حاجة، بس جيت اقولكم، احنا ممكن نتعشا احنا الاربعه سوا عادي جواد مش ممانع."
ابتسم شاهين ابتسامة خفيفة وهو ينظر إلى رنيم، ثم قال:
"لما نشوف رأي صاحبة الشقه ايه."
لكن جواهر لم تمنحها فرصة للهرب، فقالت سريعًا بمرح:
"هتقول ايه بس ما هو واضح أهو أنها موافقة وأوي كمان."
ضربتها رنيم بخفة في بطنها بذراعها بعيدًا عن الأنظار، وهمست من بين أسنانها:
"هنفخك، اصبري عليا بس."
تعالت ضحكات جواهر بقوة، ثم اقتربت من أذنها وهمست بمشاكسة:
"والله ووقعت يا جميل، وجه اليوم اللي أفرح فيكي وأشوفك واقعه على بوزك زي ما كنتي بتتريقي عليا."
ثم رفعت صوتها قائلة:
"ادخل ادخل احنا شكلنا هنكون تيم تحفه."
ودفعت رنيم جانبًا حتى تفسح الطريق أمام شاهين.
دخل شاهين إلى الداخل وهو يضحك بخفة على كلمات جواهر، وعلى ملامح رنيم المرتبكة التي بات يعشقها بجنون.
أما جواهر فأخرجت لسانها لها بغيظ طفولي وتحركت خلفه للداخل.
وقفت رنيم مكانها للحظة تنظر إلى أثرهما، ثم تنهدت بتوتر وهمست:
"اه يا جواهر الكلب، وربنا ما هسيبك."
ثم أغلقت الباب وتحركت للداخل.
لكن ما إن دخلت حتى شعرت بالأجواء المشحونة تضربها بقوة، كان شاهين يجلس مقابل جواد مباشرة، وبينهما حرب صامتة من النظرات الحادة، وكأن كل واحد منهما يتحدى الآخر دون كلمة واحدة.
أخذت رنيم نفسًا عميقًا محاولة تهدئة الوضع، ثم اقتربت وجلست بجوار جواهر وهمست:
"عجبك حرب النظرات اللي ما بينهم دي؟"
ردت جواهر بمزاح مستمتع:
"شش اسكتي، دي حاجه ممتعه، وبعدين شويه كده والجو يفك ما بينهم، والدنيا هتحلو، بس سيبك انتي ايه المز القمر ده، يخربيت الكاريزما بتاعته تجنن."
التفتت لها رنيم فورًا بغيرة واضحة وقالت بضيق:
"وحياة امك! ما تتلمي بدل ما أقول لجوزك واخليه يعلقك."
انفجرت جواهر ضاحكة وهي تقول:
"الله أكبر، وكمان بنغير، بركاتك يا عم شاهين."
كان شاهين يسمع حديثهما، فابتسم بخفة دون أن يرفع عينيه عنها، بينما استمر جواد يراقبه بصمت مستفز.
وبين الشد والجذب والمزاح، بدأت الفتاتان تحضران الطعام حتى اجتمع الأربعة حول الطاولة.
نظرت جواهر إلى رنيم بمكر ثم قالت:
"بجد انا حاسه ان رنيم اتغيرت لواحده تانيه خالص، بتطبخ وبتتكسف والتكشيرة راحت من وشها وشكلها بقى حاجة هيييح خالص."
رفع شاهين عينيه نحو رنيم، ونظر إليها بنظرة دافئة أربكتها، ثم قال بنبرة عاشقة:
"بيقولوا الحب بيغير شكل صحبه، وبنت خالك شكلها كده بتحب جديد."
اختنقت رنيم فجأة بالماء، وسعلت بعنف فور سماعها كلماته، بينما انفجرت جواهر ضاحكة وأعطتها كوب الماء وهي تقول:
"اسم الله يا حبيبتي، شكل حد جايب سيرتك والله أعلم."
رمقتها رنيم بنظرة متوعدة، ثم همست لها:
"اقسم بالله لو مسكتيش هلبسك طبق الشوربه ده في وشك وأسلخك."
لكن الأجواء المرحة لم تستمر طويلًا، إذ تكلم جواد أخيرًا بصوت رجولي حاسم:
"أعملي حسابك انك هترجعي تعيشي تاني فى الفيلا عند عمتك."
ساد الصمت فجأة.
نظر شاهين إلى جواد بغضب واضح، لكن قبل أن يتدخل، تكلمت رنيم نفسها بحدة:
"وانت مين سمح ليك، تدخل فى حياتي، أنا حرة على فكره ارجع ولا اعيش لوحدي حاجه متخصكش."
اشتدت ملامح جواد وقال بغضب:
"لا، ليا فيه، لما الاقيكي عايشه حياتك غلط ليا أن أدخل واحكم عليكي انتي بنت خال جواهر وكل افعالك محسوبه علينا احنا كمان."
وقفت رنيم بغضب مشتعل، وقالت بصوت مرتفع:
"انت ملكش حكم عليا، انت ابن اكتر واحده بكرهها في حياتي، وإذا كنت قابلة بوجودك دلوقتي هنا، ده علشان خاطر جواهر، مش علشان سواد عيونك."
وقف جواد هو الآخر بعصبية، وأمسك ذراعها بقوة:
"برضاكي أو غصب عنك، هترجعي تعيشي فى الفيلا يا رنيم."
هنا تحركت جواهر بسرعة وأمسكت ذراعه:
"جواد اهدا علشان خاطري."
لكن رنيم نظرت إليه بتحدي وقالت:
"طيب مش رايحه فى أي مكان يا جواد ووريني هترجعني الفيلا أزاي."
وفي لحظة واحدة، نهض شاهين أخيرًا.
أمسك يد جواد الممسكة بذراع رنيم، وأبعدها عنها بعنف، ثم قال بتحذير مرعب:
"ابعد ايدك عنها علشان مكسرهاش ليك."
ضغط جواد على أسنانه بعنف وقال:
"مش شايلها، واطلع انت منها، بدل ما أقل منك."
وفي الثانية التالية انطلقت لكمة شاهين بقوة نحو وجهه، وهو يقول بغضب:
"طيب وريني هتقل مني ازاي؟"
تراجع جواد للخلف أثر الضربة، ثم اشتعلت عيناه بالغضب واقترب منه ليسدد له لكمة أخرى ارتد شاهين بسببها للخلف.
شهقت رنيم وجواهر معًا، وركضتا نحوهما بسرعة.
وقفت رنيم أمام شاهين تحاول منعه وهي تقول برجاء:
"بلاش علشان خاطري يا شاهين روح انت دلوقتي وأنا هبقى اكلمك."
بينما تمسكت جواهر بجواد وهي تقول بخوف:
"اهدا يا جواد شويه علشان خاطري."
لكن شاهين قال من بين أسنانه:
"مش هتحرك من هنا طول ما ده موجود عندك."
حاول جواد الاقتراب منه مجددًا، إلا أن جواهر صرخت فجأة:
"اقسم بالله يا جواد لو قربت منه همشي ومش هكلمك تاني."
توقف مكانه فورًا، لكنه ظل ينظر إلى شاهين بنظرات مشتعلة:
"امشي دلوقتي حالا من هنا احسنلك."
ابتسم شاهين باستفزاز قاتل وقال:
"مش ماشي ووريني هتقدر تعملي ايه."
وقفت رنيم بينهما أخيرًا وصرخت بغضب:
"كفايه بقى بس، أيه شغل العيال ده، المفروض انكم رجاله كبيره وناضجه، اتفضلوا اقعدوا ونتكلم بهدوء."
جلس شاهين أولًا وهو يضع قدمًا فوق الأخرى وقال بحدة:
"اديني اهو قعد."
ثم جلس جواد هو الآخر وقال بغيظ:
"اديني اهو اتزفت."
جلست جواهر بجواره بضيق، بينما جلست رنيم قرب شاهين وقالت بصوت مختنق:
"رجوع فيلا مش راجعه انا مرتاحه هنا فى الشقه وانا عايشه لوحدي، ومحدش ليه أي حكم عليا، عايز تيجي مع مراتك اهلا وسهلا مش عايز براحتك، أما علاقتي بشاهين دي حاجه متخصش حد، واعتقد أنا كبيره وناضجه كفايه علشان اخد بالي من تصرفاتي، يعني من الاخر ملكش أي كلمة عليا ماشي."
نظر جواد إلى شاهين طويلًا قبل أن يقول:
"انتي عارفه هو مين الاول، ناوي ليكي على ايه، بيخطط مع مين عليكي؟"
للحظة قصيرة، اهتز قلب رنيم بخوف مبهم، لكن ثقتها به كانت أقوى، فقالت بثبات:
"شاهين مش مخبي عليا حاجة وانا واثقه فيه، ولاخر مره هقولها ليك، أنا مش صغيرة وعارفه أنا بعمل ايه كويس اوي."
اشتعل الغضب داخل جواد مجددًا، فنهض بعنف، وأجبر جواهر على الوقوف، ثم أمسك حقيبتها وتحرك بها نحو الباب قبل أن يغادرا الشقة وسط أجواء متوترة للغاية.
ساد الصمت بعدها، زفرت رنيم بضيق وأعادت شعرها للخلف، ثم نظرت إلى شاهين بأسف وقالت:
"متزعلش يا شاهين، بعتذرك عن اللي عمله جواد معاك."
اقترب منها بهدوء هذه المرة، وأمسك يدها يقبلها بحب، ثم قال:
"انتي اللي متزعليش مني علشان اللي عملته، بس صدقيني أنا حاولة امسك اعصابي بالعافيه بس مقدرتش استحمل اشوف أيده وهي ماسكه دراعك."
هزت رأسها نفيًا وقالت:
"مقدرش ازعل منك يا شاهين، أنا اصلا مستغربه اللي جواد عمله ده، أول مره يعمل معايا كده."
احتضنها برفق وقال بعشق هادئ:
"طيب اهدي بقى خلاص، بس ايه الحلاوة دي، الاكل طعمه تحفه تسلم ايدك الحلوين دول اللي عملتي بيهم الاكل."
ابتسمت له بخجل وقالت:
"بألف هنا، اقعد طيب كمل أكلك."
لكنه هز رأسه نفيًا وقال:
"الحمدالله يا حبيبتي، أنا شبعت، هروح بقى الشقه عايز اخد حمام دافي وانام."
أومأت له بهدوء:
"ماشي تصبح على خير."
مال يقبل رأسها بحنان:
"وانتي من أهلي."
ثم غادر الشقة متجهًا إلى شقته، بينما ظلت رنيم واقفة تنظر إلى الباب بعد خروجه، وشعور ثقيل يجثم فوق قلبها، كانت تعلم أن ما حدث الليلة لن يمر بسهولة أبدًا.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع والعشرون
بعد مرور عدة أيام…
كان الصباح لا يزال غارقًا في هدوئه الثقيل، والسكون يلف أرجاء الغرفة كستار باهت لا تقطعه سوى خيوط الشمس الخافتة المتسللة من بين الستائر. كانت مريم تغط في نوم متقطع، ملامحها ساكنة ظاهريًا، بينما عقلها لم يعرف الراحة منذ أيام، وكأن شيئًا ما في داخلها كان يترقب لحظة بعينها.
وفجأة…
شق صوت رنين الهاتف ذلك الصمت، حادًا ومتكررًا، حتى انتفضت قليلًا وهي تتحسس الفراش بجانبها بعينين مغمضتين. التقطت الهاتف ببطء، ثم أجابت بصوت يغلب عليه النعاس والضيق:
“ألو مين معايا؟”
وصلها صوت نسائي يحمل نبرة متحفزة ومشحونة بالكثير من التوتر، وكأن صاحبته كانت تكبت غضبها منذ ساعات طويلة:
“انا والبنات وصلنا مصر يا مريم، عايزة العنوان.”
في تلك اللحظة تحديدًا، تبدلت ملامح مريم تمامًا.
اختفت آثار النوم عن وجهها كأنها لم تكن، وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة خبيثة بطيئة، ابتسامة امرأة شعرت أخيرًا أن الخيوط بدأت تتجمع بين يديها كما أرادت تمامًا. اعتدلت في جلستها فوق الفراش، بينما لمعت عيناها بمكر واضح، ثم قالت سريعًا بنبرة بدت هادئة ظاهريًا، لكنها كانت تخفي خلفها الكثير:
“لااا، خليكي عندك، وانا هبعتلك مروان ابني، يخدكم الفيلا ترتاحوا من السفر، وبعد كده هقولك تعملي ايه.”
لكن الطرف الآخر لم يكن في حالة تسمح له بالهدوء أو المجاملة.
خرج صوت أماليا حادًا وغاضبًا، كأنها تقف فوق حافة انفجار حقيقي:
“احنا مش جاين نضايف ولا نرتاح يا مريم، أنا عايزة اقابل شاهين.”
ضيقت مريم عينيها قليلًا وهي تستمع إليها، ثم أخذت نفسًا بطيئًا، محاولة السيطرة على اندفاعها. كانت تعرف جيدًا أن أماليا ما زالت تحمل داخلها نارًا لم تنطفئ، وأن أي خطوة متهورة قد تفسد كل شيء قبل أن يبدأ.
لذلك تحدثت بهدوء مدروس، بنبرة امرأة تعرف كيف تحرك الآخرين دون أن يشعروا:
“اهدي بس واسمعي كلامي، ظهورك دلوقتي لشاهين وبطريقه مفاجأة، هيعصبه وهيعاند معاكي، إنما لما نهدى وناخد الموضوع خطوة خطوة الود هيرجع تاني.”
ساد الصمت للحظات قصيرة، لكن أنفاس أماليا الغاضبة كانت تسمع بوضوح عبر الهاتف، وكأن الكلمات لم تقنعها تمامًا.
ثم قالت بضيق مرير، يحمل وجع سنوات كاملة:
“بس انا مش عايزة ارجع تاني، أنا عايزة حق بناتي، وحق إهماله فيهم.”
توقفت مريم لحظة، ومالت برأسها للخلف فوق الوسادة، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة ماكرة أخرى، ابتسامة امرأة ترى ما لا يريد الآخرون الاعتراف به.
قالت بنبرة خبيثة ناعمة:
“أنا عارفه انك لسه بتحبي شاهين يا أماليا، وانا هساعدك انكم ترجعوا لبعض من تاني.”
وفي الجهة الأخرى، ضحكت أماليا بسخرية قصيرة، ضحكة خرجت ممتلئة بالخذلان والمرارة، ثم قالت بتهكم واضح:
“وده من أمتى؟ الا لو مكنتيش أنتي السبب فى كل حاجه حصلت ما بينا.”
للحظة، اشتدت ملامح مريم قليلًا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها المعتاد، ذلك الهدوء الذي طالما أخفى خلفه أنانية قاسية ورغبة دائمة في التحكم بكل شيء.
أغمضت عينيها لثواني قبل أن تقول بصوت منخفض وثابت:
“أنا وقتها كنت عايزة ابني يرجع تاني لحضني فى مصر، وانتي كنتي مصممة يعيش معاكي في بلدك، كان لازم اعمل كده، علشان انفذ اللي انا عايزاه.”
كانت تتحدث بلا ندم حقيقي، وكأن ما فعلته لم يكن سوى خطوة طبيعية للحصول على ما تريده، حتى لو احترقت قلوب الآخرين في الطريق.
أما أماليا، فقد ساد صمتها لثواني، ثم قالت بتساؤل مشوب بالحذر:
“وايه اللي جد دلوقتي وخلاكي غيرتي رأيك؟”
هنا، اتسعت ابتسامة مريم أكثر، وظهر ذلك البريق اللئيم داخل عينيها مجددًا، كأنها تستمتع بما تخطط له في الخفاء.
أجابتها بنبرة تحمل الكثير من الخبث:
“هقولك كل حاجه بس مش دلوقتي، لما نتقابل، دلوقتي بس هبعتلك مروان وروحي معاه على الفيلا.”
زفرت أماليا بضيق واضح، وكأنها تحاول كبح نفاد صبرها، ثم قالت أخيرًا:
“ماشي، بس بسرعه ميتأخرش.”
أُغلق الخط.
لكن مريم لم تبعد الهاتف عن يدها مباشرة.
ظلت تحدق أمامها لثواني طويلة، وعيناها تلمعان بشر خفي، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة ماكرة باردة، ابتسامة امرأة بدأت ترى النار تشتعل ببطء، تمامًا كما أرادت.
ثم، أجرت اتصالًا سريعًا بابنها مروان، حتى يذهب إلى أماليا ويأخذها مع ابنتيها إلى الفيلا، بينما داخل عقلها كانت الخطط تتشابك كخيوط عنكبوت، تنتظر اللحظة المناسبة لتطبق على الجميع.
*****************************
عند جواد…
كان الصباح يشع ضوءه على المكان، والغرفة غارقة في هدوء دافئ لا يقطعه سوى صوت أنفاس جواد المنتظمة وهو نائم بعمق فوق فراشه، مستسلمًا لراحة نادرة بعد أيام طويلة من الإرهاق والتوتر.
لكن تلك الراحة لم تدم طويلًا…
إذ شعر فجأة بضربة خفيفة فوق ظهره، أعقبتها أخرى أكثر ضيقًا، ثم وصل إلى أذنه صوت جواهر الغاضب والمختنق بالتوتر:
“وليك نفس تنام وانا خايفه ومتوترة؟!”
تململ جواد بضيق بسيط، بينما ظلت عيناه مغمضتين، ثم تمتم بصوت ناعس متحشرج:
“سبيني أنام يا أخرة صبري.”
زفرت جواهر بقوة، وقد كانت تجلس جواره بعينين ممتلئتين بالقلق، أصابعها متشابكة بتوتر، وقلبها يخفق بعنف كلما تذكرت جلسة الغد.
تكلمت بصوت مختنق، كأن الخوف يضغط فوق صدرها بقسوة:
“لا مش هسيبك تنام، قوم بقى يا جواد أنا خايفه بجد.”
لكن قبل أن تستوعب ما يحدث…
تفاجأت بذراعه تمتد فجأة وتسحبها نحوه بقوة، حتى ارتطم ظهرها بصدره مباشرة، ثم التف حولها محتضنًا إياها من الخلف وكأنه يرفض أن يسمح لها بالابتعاد.
اتسعت عيناها بصدمة، بينما اقترب وجهه من أذنها وهمس بصوت خافت ناعس، يحمل دفئًا غريبًا جعل قلبها يرتجف رغم توترها:
“خليكي فى حضني وكل التوتر والخوف هيروح.”
ارتبكت أنفاسها فورًا، وشعرت بحرارة جسده تلتف حولها بطريقة أربكتها أكثر مما طمأنتها.
تلعثمت وهي تحاول التحرر من بين ذراعيه:
“ج جواد ا ايه اللي انت عملته ده؟ سيبني اقوم يا مجنون.”
لكن جواد، الذي كان نصف غارق في النوم ونصف مستمتع بقربها، شدد ذراعيه حولها أكثر، ثم قال بنفاذ صبر طفولي:
“شش، بس بقى مش عايز ازعاج، سبيني أنام شوية.”
حاولت النهوض مجددًا، لكن تمسكه بها كان أقوى مما توقعت، وكأنه وجد راحته أخيرًا بين يديه، فزفرت بضيق واستسلمت في النهاية، لتخف حركتها تدريجيًا.
وما إن شعر بهدوئها، حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خافتة، قبل أن يسألها بصوت هادئ مليء بالحب:
“مالك ايه مضايقك؟”
عندها فقط، انكسرت نبرتها قليلًا، وخرج صوتها مختنقًا بالخوف الحقيقي الذي كانت تحاول إخفاءه طوال الوقت:
“خايفه من جلسة بكرة، أنا مش عايزة ارجع المكان ده تاني.”
فتح جواد عينيه أخيرًا، واختفت آثار النعاس تدريجيًا من ملامحه، لتحل محلها نظرة حانية مليئة بالاحتواء.
كان يشعر بارتجافها الخفيف بين ذراعيه، ويعرف جيدًا أن خوفها لم يكن مجرد قلق عابر، بل بقايا ألم قاسي ما زال يطاردها حتى الآن.
لذلك تحدث بهدوء متعمد، وكأنه يحاول بث الطمأنينة داخل روحها:
“مش المحامين طمنونا، وقالوا إن جلست بكره دي مجرد إجراء عادي، وان الجريمة ثبتت خلاص على اللي اسمه زين ده بعد ما اتأكدوا أنه القاتل الحقيقي، خايفه ليه بقى؟”
أومأت برأسها ببطء، لكن القلق ظل واضحًا داخل عينيها، ثم قالت بخوف شديد:
“أيوه قالوا، بس مش هرتاح غير لما القاضي يحكم بالبراءة، والاقي نفسي حرة طليقه.”
شعر جواد بانقباض قلبه وهو يسمعها، كم مرة حاولت التظاهر بالقوة بينما كانت من الداخل ترتجف خوفًا؟
اقترب منها أكثر، ثم طبع قبلة دافئة فوق رأسها وقال بحنان صادق:
“إن شاءالله يا حبيبتي، نخرج من المحكمة مجبورين الخاطر، علشان بقى نحددت الفرح، هموت عليكي يا بت.”
وفور سماعها كلماته الأخيرة، اشتعل وجهها بخجل واضح، وانخفضت عيناها تلقائيًا، بينما قالت بتوتر مرتبك:
“م ما تصبر شوية، ا انت مستعجل على الفرح ليه بس؟”
رفع جواد حاجبيه للأعلى وكأنها قالت شيئًا غير منطقي تمامًا، ثم رد بتهكم مضحك:
“وحياة امك! مستعجل ليه؟ أنا بنهار يا جبله، نفسي يتقفل علينا باب واحد.”
ضحكت بخفة رغم خجلها، ثم قالت بعفوية بريئة زادت الأمر سوءًا بالنسبة له:
“طيب ما احنا مقفول علينا باب واحد اهو يا جواد، ايه المشكله يعني؟”
في تلك اللحظة…
أغمض جواد عينيه للحظة وهو يضغط على أسنانه بنفاذ صبر، وكأنه يقاوم رغبة حقيقية في هزها حتى تفهم ما يقصده.
ثم تمتم بصوت هامس ساخر:
“طيب اقولها ايه دي دلوقتي؟ ولا اشرح ليها عملي واخلص؟”
وقبل أن تستوعب مقصده، أرغمها بلطف أن تستدير نحوه، لتصبح مواجهة له مباشرة، ثم نظر داخل عينيها وقال بنبرة مثيرة مليئة بالمشاكسة:
“قفلت باب بتفرق عن قفلت باب تانيه، انتي دلوقتي مراتي مع إيقاف التنفيذ، إنما بعد الفرح هيتقفل علينا باب واحد وتبقى مراتي مع قيد التنفيذ.”
اتسعت عيناها بصدمة فور أن فهمت معنى كلماته، ثم شهقت بخجل وضربته فوق صدره بضيق:
“تصدق انك قليل الادب والله.”
عض جواد على شفته السفلية وهو يرمقها بنظرة جعلت قلبها يتوتر أكثر، ثم قال بصوت منخفض مغري:
“وانتي لسه شوفتي قلة ادب.”
وببطء، اقترب منها أكثر، وعيناه معلقتان بشفتيها، بينما أنفاسه الدافئة بدأت تربكها بصورة أكبر.
لكن فجأة، صدح صوت طرقات فوق الباب.
انتفضت جواهر من مكانها وكأن أحدهم أنقذها من كارثة محققة، ثم نهضت بسرعة وابتعدت عنه، بينما تنفست بتوتر شديد.
أما جواد، فأغلق عينيه بنفاذ صبر قاتل، ثم تمتم بصوت هامس ساخر:
“بركاتك يا عم غريب، الدعوة بتاعتك استجابة.”
بعدها رفع صوته مرددًا بنبرة رجولية:
“مين؟”
جاءه صوت أروى سريعًا من خلف الباب:
“مامي بتقولك هات جواهر وانزلوا يلا علشان تفطروا.”
زفر جواد بضيق شديد، ثم قال على مضض:
“طيب انزلي واحنا جاين وراكي.”
وما إن ابتعد صوت أروى، حتى التفت نحو جواهر، ليجدها واقفة بعيدًا تنظر إلى الأرض بخجل شديد، بينما لا تزال حمرة وجهها تزداد أكثر وأكثر.
ابتسم رغمًا عنه، ثم نهض من فوق الفراش واتجه نحوها ببطء.
وقف أمامها مباشرة، ومد يده يداعب وجنتها بحنان مشاكس، ثم قال بشقاوة:
“نجدتك من تحت ايدي، بس وحياة امك، يوم الفرح ما هنيجي على هنا، اصل أبويا دعى عليا من قلبه، وانا الليله دي عندي مهمه اوي.”
رفعت عينيها إليه باستغراب واضح، غير مستوعبة ما يقصده بالكامل، لكنه لم يمنحها فرصة للسؤال، إذ غمز لها بعين مشاكسة، ثم تركها واتجه نحو المرحاض وهو يبتسم بخبث.
أما جواهر، فظلت واقفة مكانها للحظات، تشعر بأنفاسها متسارعة بصورة محرجة، بينما خداها يشتعلان بحمرة قوية من شدة الخجل، وقلبها ينبض بعنف كلما تذكرت قربه وهمسه ونظراته.
ثم تحركت بصعوبة نحو الأريكة وجلست فوقها تحاول تهدئة نفسها، منتظرة خروجه حتى يهبطا معًا إلى الأسفل، بينما داخلها كان مزيج غريب من التوتر والخجل والسعادة يعبث بها بلا رحمة.
****************************
عند رنيم…
تسلل صوت المنبه إلى أذنها بهدوء متكرر، ممزقًا ذلك السكون الناعم الذي كان يحيط بالغرفة. تحركت رنيم ببطء فوق فراشها، وكأن النوم ما زال متشبثًا بأطرافها، ثم اعتدلت في جلستها أخيرًا وهي تزيح خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها بتعب خفيف.
مدت يدها نحو الهاتف وأغلقت صوت التنبيه، قبل أن تبقى جالسة لثواني طويلة تحدق أمامها بشرود.
كان الصباح هادئًا بصورة غريبه، لكن داخلها لم يكن هادئًا أبدًا.
منذ دخل شاهين حياتها، وأصبحت تستيقظ كل يوم بقلب مختلف، بمشاعر لا تفهمها تمامًا، وكأن روحها التي عاشت طويلًا خلف الأسوار بدأت تتغير رغمًا عنها.
أطلقت زفرة بطيئة، ثم أنزلت قدميها إلى الأرض وتحركت بتكاسل نحو المرحاض.
نزعت ملابسها وألقتها بإهمال فوق الأرض، قبل أن تقف أسفل المياه الدافئة التي انسابت فوق جسدها ببطء، محاولة أن توقظها من حالة التشتت التي تعيشها.
أغمضت عينيها، وتركت المياه تمر فوق وجهها وعنقها بصمت، بينما عقلها لم يتوقف عن استحضار ملامحه، صوته، طريقته معها، ذلك الأمان الغريب الذي تشعر به بقربه رغم كل شيء.
ظلت واقفة لعدة دقائق طويلة، وكأنها تحاول غسل خوفها وحيرتها معًا، ثم أغلقت المياه أخيرًا وارتدت برنس الاستحمام، قبل أن تعود إلى غرفتها بخطوات هادئة.
لكن ما إن اقتربت من الفراش، حتى انتبهت إلى هاتفها الذي كان يعلن عن وجود اتصال.
تناولته بهدوء، وما إن وقع نظرها على الاسم الظاهر فوق الشاشة حتى ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة دافئة لا إرادية، شاهين.
مجرد رؤيتها لاسمه كان كفيلًا بأن يبدل مزاجها بالكامل.
أجابت عليه بسرعة وهي تبتسم بحب:
“صباح الخير.”
وصلها صوته فورًا، دافئًا، عميقًا، يحمل ذلك العشق الذي أصبح يحيطها به دون خوف:
“صباحك بلون عيونك.”
اتسعت ابتسامتها بخجل، وشعرت بحرارة خفيفة تزحف إلى وجنتيها، ثم قالت وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
“انت بتجيب الكلام ده منين؟”
أغمض شاهين عينيه للحظة على الطرف الآخر، وكأنه يتخيلها أمامه الآن، بشعرها المبلل وخجلها الذي يعشقه، ثم قال بنبرة عاشقة خرجت من أعماقه دون تصنع:
“عيونك هي اللي بتخليني شاعر ولهان بقول فيهم أجمل الابيات، أنتي متعرفيش عيونك دول، عملوا فيا أيه؟ النظره فيهم بتقلب كياني كله، لو سألوا شاهين الرواي، أيه هي نقطة ضعفك، الرد يتلخص فى كلمة واحده، “عيونك”.”
ارتجف قلبها بعنف فور سماع كلماته، وضعت يدها فوق صدرها وكأنها تحاول تهدئة دقاته المتسارعة، بينما تسللت إلى داخلها سعادة حقيقية لم تختبرها من قبل. لكن خلف تلك السعادة، كان هناك خوف.
خوف كبير من أن تفقد كل هذا فجأة.
لهذا خرج صوتها أهدأ، أصدق، وأكثر هشاشة:
“اوقات كتير بخاف أوي يا شاهين، بخاف يجي يوم وأتحرم من كلامك الحلو ده، بخاف اتحرم من صوتك وضحكتك، بخاف ليكون كل ده مجرد حلم وهصحى منه وأرجع لحياتي وشخصيتي القديمة، بلاش تعلقني بيك اوي كده يا شاهين، علشان متبقاش صعبه عليا في يوم من الايام.”
في تلك اللحظة، شعر شاهين برجفة صوتها بوضوح، شعر بذلك الرجاء المختبئ خلف كلماتها، وكأنها تخشى أن تمنحه قلبها كاملًا فيكسره القدر كما فعل دائمًا.
أغمض عينيه للحظة، ثم قال بنبرة ممتلئة بالعشق والاحتياج:
“افتحي الباب أنا جايلك.”
اتسعت عيناها فورًا بصدمة وهي تنظر إلى نفسها بارتباك، ثم قالت متلعثمة:
“لا لا اصبر شوية، متجيش دلوقتي.”
قطب حاجبيه باستغراب وسألها:
“ليه؟”
شعرت بالحرج يلتهمها بالكامل، فنظرت حولها بتوتر ثم تنحنحت بخجل شديد وقالت:
“ك كده، ا اصبر شوية و وانا اللي هرن عليك.”
ساد الصمت لثانية، ثم ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتي شاهين عندما فهم أخيرًا ما تقصده.
خفض رأسه ضاحكًا بخفة، قبل أن يقول بنبرة هادئة مليئة بالحنان:
“ماشي يا قلبي، بس ابقى تقلي على نفسك علشان متبرديش.”
ثم أغلق الخط.
أما رنيم…
فظلت تنظر إلى الهاتف لثواني، قبل أن تبتسم بخجل وهي تدرك تمامًا أنه فهم سبب رفضها لمجيئه الآن.
حركت رأسها بنفاذ صبر من نفسها، ثم أسرعت ترتدي ملابسها وتمشط شعرها بعناية، بينما قلبها ما زال ينبض بتلك الكلمات التي أغرقها بها منذ دقائق.
وما إن انتهت، حتى خرجت من غرفتها وبدأت تجهز الطعام فوق الطاولة بهدوء، تتحرك بخفة وسعادة واضحة، وكأن مجرد معرفتها بأنه سيأتي جعل الصباح أكثر دفئًا.
بعد أن انتهت، عادت إلى غرفتها سريعًا، التقطت هاتفها وأجرت اتصالًا قصيرًا بشاهين، تخبره أن يأتي الآن.
ثم خرجت مرة أخرى، ولم تمر سوى ثواني قليلة حتى دوى صوت جرس الباب.
ابتسم قلبها قبل شفتيها، واتجهت نحوه بسرعة هادئة، ثم فتحت الباب.
كان يقف أمامها بعينيه الممتلئتين بها وحدها.
ابتسمت له تلقائيًا وابتعدت قليلًا تفسح له الطريق حتى يدخل، بينما هو اقترب منها مباشرة وطبع قبلة حانية فوق رأسها قبل أن يتحرك إلى الداخل.
أغلقت الباب خلفه، ثم أشارت بيدها نحو الطاولة قائلة:
“يلا أنا حضرت الفطار.”
نظر إليها بعشق واضح، ثم أمسك يدها وقبلها بحب وقال:
“تسلم ايدك يا عمري.”
دق قلبها بعنف من طريقته.
بينما أبعد لها المقعد لتجلس، ثم جلس بجوارها وبدأا يتناولان الطعام وسط صمت هادئ ومريح، صمت لا يحتاج إلى كلمات، لأن وجود كل منهما بجوار الآخر كان كافيًا.
لكن فجأة، كسر شاهين ذلك الهدوء بصوته العميق وهو يقول بكل بساطة:
“تتجوزيني يا رنيم؟”
تجمدت تمامًا، اتسعت عيناها بصدمة هائلة، بينما شعرت بالطعام يقف في حلقها فجأة، لتبدأ بالسعال بقوة.
أما شاهين، فابتسم على ردة فعلها بعشق واضح، ثم تناول كوب الماء سريعًا ومده إليها.
أخذته منه بيد مرتجفة، وارتشفت القليل بصعوبة قبل أن تعيده إلى الطاولة، ثم نظرت إليه بتوتر شديد وهمست:
“ا انت قولت ايه؟”
أمسك يدها بين يديه بحنان، وأعاد كلماته مرة أخرى بثبات أكبر:
“تتجوزيني؟”
وفي تلك اللحظة، شعرت وكأن العالم توقف حولها.
اختلطت المشاعر داخلها بصورة مرعبة، فرح، خوف، ارتباك، أمل، ووجع قديم لم يختفي بعد.
امتلأت عيناها بالدموع وهي تهز رأسها بعدم فهم، ثم قالت بصوت مهتز:
“مش عارفه ارد عليك واقولك ايه؟ يعني جوايا مشاعر كتير اوي جوايا، فرحانه على متوترة على رفض على قبول على خوف، حاسه ان الخطوة دي بدري أوي، خايفه اتسرع واوافق اندم على الخطوة دي بعدين، أنا اصلا لسه كل ده فى مرحلة التعرف على نفسي، لسه لحد دلوقتي بحاول اتقبل فكرة انك ابن الست اللي قتلت أهلي، واثقه فيك وبرتاح وبحس بالأمان فى وجودك، بس ده مش كافي علشان اوافق على طلب زي ده.”
ثم استقامت بجسدها قليلًا، وكأنها تحاول ترتيب فوضى قلبها، وأكملت بصراحة مؤلمة:
“أنا واحده لحد من كام شهر كنت شايفه أن مشاعر الحب والكلام ده فارغ ملوش قيمة، كنت شايفه أن المشاعر والحب بيضعفوا صاحبه، كنت قافله على قلبي وبنيه قصاده ألف جدار علشان محدش يقدر يدخل فيه ويخترقه، وفي يوم وليلة ظهرت انت فى حياتي قلبتها عاليها واطيها، اتسللت بشكل غريب ومخيف، كنت عدو وبعد كده بقيت حاجه تانيه أنا مش عارفها ولا فاهمها، عيشت معاك كل حاجه لاول مره، احساس جديد ومختلف، بس مش معنى كده ان اوافق على قرار مهم زي ده، ا انا لحد دلوقتي معرفش اي حاجه عنك غير انك ابن الست دي، معرفش حياتك كانت ازاي معرفش عشت فين ولا كنت ايه قبل كده، يعني صورتك لسه مش كاملة فى عيوني يا شاهين، انت ممكن تأجل الطلب ده شوية، لحد ما اتعرف عليك اكتر، واقدر افهمك كويس.”
استمع إليها شاهين بصمت كامل، لم يغضب، ولم ينزعج.
بل كان ينظر إليها بعينين ممتلئتين بالفهم، وكأنه يدرك تمامًا حجم المعركة التي تخوضها داخل قلبها.
استقام بجسده واقفاً، ثم اقترب منها قليلًا وقال بهدوء عميق:
“شوفي عايزة تعرفي عني ايه وانا اقولهالك يا رنيم، بس عايزك تعرفي حاجه واحده بس، أنا حياتي قبل منك مكانتش وردي، شخصيه تانيه خالص غير اللي انتي شيفاها دلوقتي، أنا ليا ماضي مش مشرف لو عرفتي ممكن تبطلي تحبيني، أنا عايزك تشوفيني شاهين الرواي اللي اتولد على ايدك مش شاهين الرواي بتاع زمان، أنا لو كنت قابلتك من زمان، كان فيه حاجات كتير أوي اتغيرت في حياتي، من الاخر أنا عايزك محتفظة بصورتي بتاعة دلوقتي مش بتاعة زمان.”
شعرت بخوف خفي يتسلل إلى قلبها من كلماته، لكن ذلك الخوف تلاشى قليلًا عندما سمعته يقول بصوت ممتلئ بالعشق الصادق:
“أنا بحبك يا رنيم، ومستعد استناكي العمر كله، بس توعديني انك مهما حصل مش هتبعدي عني.”
نظرت إليه طويلًا، ثم أومأت برأسها بتوتر، لكن بثقة حقيقية هذه المرة:
“اوعدك يا شاهين.”
تنفس براحة وكأنها أنقذته من شيء كان يخشاه، ثم مال برأسه وقبل خدها بحنان قائلًا:
“هستناكي لحد ما تثقي فيا، بس بلاش تطولي اوي علشان أنا نفسي تبقى فى حضني على طول ومتبعديش عني لحظة واحدة.”
ابتسمت له بحب، بينما اكتفت بإيماءة صغيرة دون أن تجد كلمات تصف ما تشعر به.
وبعد لحظات،.نظر شاهين إلى ساعة يده، ثم أعاد نظره إليها وقال:
“تعالي يلا اوصلك الشركه على سكتي.”
أومأت برأسها سريعًا وقالت:
“ثواني طيب اجيب شنطتي.”
تحركت نحو غرفتها، أمسكت حقيبة يدها وهاتفها، ثم خرجت بسرعة قائلة:
“أنا جاهزة.”
اقترب منها شاهين، أمسك يدها وقبلها بحب قبل أن يحتفظ بها بين أصابعه، ثم تحركا معًا نحو الباب.
خرجا من الشقة، ودخلا المصعد الذي هبط بهما إلى الأسفل وسط صمت هادئ، لكنه كان مليئًا بالمشاعر التي لا تقال.
اتجه شاهين إلى سيارته، فتح لها الباب بنفسه، فجلست بالمقعد الأمامي، ثم أغلق الباب واتجه إلى الجهة الأخرى.
جلس خلف المقود، ثم التفت ينظر إليها بعشق واضح وقال:
“هوصلك وعلى ما تخلصي شغل هتلاقيني مستني تحت علشان نروح سوا.”
لكن رنيم حركت رأسها بالرفض، ثم تنحنحت بتوتر وقالت:
“لا مش هينفع، ع علشان جواهر هتيجي ليا وهنروح الفيلا عندها علشان هفضل معاها لحد بكرة نروح المحكمة سوا.”
وفور سماعه ذلك، زفر شاهين بضيق واضح، ثم قال بصوت مختنق بالاعتراض:
“يعني مش هشوفك لحد بكرة؟”
أومأت برأسها وقالت بهدوء:
“امم، مش عايزة اسيب جواهر في يوم زي ده، علشان خايفه ومتوترة.”
أسند ظهره إلى المقعد، ثم مرر يده فوق شعره وهو يقول باستسلام متعب:
“ربنا يصبرني بقى لحد بكرة.”
ابتسمت له بحب، ثم أدارت رأسها نحو النافذة، تتابع الطريق بشرود، بينما داخل عقلها لم تتوقف كلمته عن التردد:
“تتجوزيني.”
اتسعت ابتسامتها ببطء، وظلت معلقة بين وجع الأمس، وأمل الغد، وبين خوف قديم وحب جديد يتسلل إلى قلبها دون استئذان.
***************************
عند غريب وترنيم…
كان المطبخ يغرق في دفء الصباح، ورائحة الطعام تنتشر في الأجواء بهدوء مريح، بينما كانت ترنيم تتحرك بخفة بين الأواني، تعد الطعام بكل حب، وابتسامة هادئة لا تفارق شفتيها.
كانت دائمًا تجد سعادتها في تلك التفاصيل الصغيرة، في بيتها، وعائلتها، والرجل الذي ما زال يجعل قلبها يخفق رغم مرور كل تلك السنوات.
انشغلت بتقليب الطعام، قبل أن تشعر فجأة بذراعين قويتين تلتفان حول خصرها من الخلف، أعقبهما دفء قبلة حانية استقرت فوق عنقها.
أغمضت عينيها تلقائيًا، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة عاشقة اعتادت أن تظهر كلما اقترب منها.
ثم قالت بنبرة هادئة ممتلئة بالدلال:
“صباح الخير يا قلبي.”
اقترب غريب أكثر، حتى لامست أنفاسه أذنها، ثم همس بصوت عميق يحمل عشق سنوات طويلة لم يبهت أبدًا:
“صباح النور يا قلب وعمر غريب، انتي رجعتيني امبارح عشرين سنه وراه.”
اشتعلت وجنتاها بحمرة خفيفة رغم كل تلك السنين التي مرت بينهما، وتلعثمت بخجل حقيقي وكأنها ما زالت تلك الفتاة الصغيرة التي تقع في حبه للمرة الأولى:
“غ غريب بس بقى متكسفنيش.”
تعالت ضحكاته الرجولية الدافئة داخل المطبخ، ضحكات خرجت بصعوبة من فرط سعادته بها، ثم قال وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
“لسه بعد العمر ده كله بتتكسفي يا توته؟”
استدارت إليه أخيرًا، ورفعت ذراعيها تحيط عنقه بحب، بينما كانت تنظر داخل عينيه بنفس النظرة التي أحبته بها منذ سنوات بعيدة.
ثم قالت بصوت ممتلئ بالمشاعر الصادقة:
“أنا على طول بحس نفسي معاك بنت عشرين، كلامك ليا نظرة عيونك اللي عمرها ما اتغيرت من أول مقابله كانت ما بينا، ضمتك ليا، كل حاجة منك بترجعلي شبابي، كأني لسه البنت المجنونة الطقه اللي اتجوزتها.”
تغيرت نظرة غريب فورًا، امتلأت عيناه بعشق خالص نادر، ذلك النوع من الحب الذي لا تقتله الأيام ولا تهزمه الحياة مهما مر العمر.
شدها بقوة داخل صدره، وكأنه يريد أن يحتفظ بها بين ضلوعه للأبد، ثم قبل رأسها بحنان عميق وقال:
“انتي فعلا لسه شباب يا ترنيم، فى عيوني اجمل وأحلى ست شافتها عينيا، مهما كبرتي هتفضلي الدكتورة ترنيم اللي عالجت قلبي، قبل ما تعالج جسمي، هتفضلي الست اللي خطفت قلبي بدمها الخفيف وضحكتها الحلوة.”
ارتجف قلبها بسعادة غامرة، تمسكت به أكثر، وكأنها تخشى أن يبتعد عنها ولو للحظة، ثم قالت بصوت ممتلئ بالامتنان والحب:
“بحبك اوي يا غريب، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك ابدا يارب.”
ارتسمت ابتسامة عشق واسعة فوق وجه غريب، قبل أن يبتعد عنها قليلًا، بينما لمع داخل عينيه بريق مشاكس مألوف، ثم قال بمزاح:
“كفايه كده بقى احسن ما أخدك الاوضة ونكمل موضوع امبارح، والبغل ابنك يدخل علينا.”
وفور انتهاء كلماته، وصل إليهما صوت جواد المازح من خلفهما:
“البغل والله سامع كل حاجه، بس محبتش ادخل وأقطع عليكم اللحظة الحلوة.”
شهقت ترنيم بخفة والتفتت بسرعة، بينما انفجر غريب ضاحكًا، أما جواد فاقترب منهما بابتسامته العابثة المعتادة، ثم قال وهو يضع يده فوق قلبه بطريقة درامية:
“حسيت بيك يا كبير، أنا اتثبت النهاردة، فى اللحظة الأخيرة.”
ابتعدت ترنيم عن غريب فورًا وهي تزفر بضيق مصطنع، ثم قالت بنفاذ صبر أمومي:
“يا ابني انت طالعلي في البخت؟ انا مني لله والله اني معرفتش اربيك.”
تعالت ضحكات جواد وغريب بقوة على كلماتها، بينما كانت ترنيم تنظر إليهما بغيظ خفيف لا يخلو من الحب.
لكن غريب لم يمهل ابنه فرصة ليستمر، إذ أمسكه من ملابسه فجأة وهو يقول بتحذير ساخر:
“أمشي يا اخويا قصادي واطلع بره، بلاش نلخمها بوقفتنا هنا.”
رفع جواد إحدى حاجبيه للأعلى، ثم قال بمزاح وهو ينظر بينه وبين والدته:
“يا سلااام، يعني وقفتي انا هتلخمها ووقفتك انت، تنظيم مرور.”
ضيق غريب عينيه بتهديد مرح، ثم قبض على ملابسه أكثر وأجبره على التحرك معه نحو الخارج وهو يقول:
“امشي يا بغل اخلص.”
تعالت ضحكات جواد مجددًا وهو ينسحب معه خارج المطبخ، بينما ظل غريب يدفعه أمامه وكأنه طفل مشاغب اعتاد على أفعاله منذ سنوات.
أما ترنيم…
فوقفت مكانها تتابع أثرهما بعينين ممتلئتين بالحب والسعادة.
كانت تنظر إليهما وكأن قلبها يحتضن المشهد بالكامل، زوجها الذي ما زال يعشقها كأول يوم، وابنها الذي يملأ البيت بالحياة والضحك.
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة دافئة، بينما رفعت عينيها للأعلى تدعو داخل قلبها بصمت أن يديمهم الله في حياتها دائمًا، وألا ترى يومًا يخلو منهم.
ثم أطلقت زفرة هادئة مليئة بالرضا، وعادت مرة أخرى تكمل تحضير الطعام، بينما قلبها غارق في دفء عائلتها الصغيرة.
****************************
بالمساء…
كانت السماء قد بدأت تكتسي بزرقة داكنة، بينما أضواء المدينة انعكست فوق زجاج السيارات الممتدة أمام الشركة، في وقت بدا فيه كل شيء هادئًا ظاهريًا، إلا ما يدور داخل صدر جواد.
كان يقف بسيارته أسفل المبنى، مستندًا بظهره إلى المقعد، وأصابعه تضرب المقود بعصبية خفيفة، بينما ملامحه متجهمة بصورة واضحة.
أما جواهر، فكانت تراقبه بصمت منذ عدة دقائق، تدرك جيدًا أن مزاجه المتعكر ليس إلا بسبب شخص واحد، شاهين.
تنفس جواد بحدة، ثم التفت إليها فجأة بنظرة تحذيرية حادة وقال بصوت رجولي صارم:
“عارفه لما تنزل رنيم، لو جيبتي سيرة اللي اسمه شاهين ده، هكسرك راسك دي.”
رمشت جواهر ببطء وهي تنظر إليه بضيق واضح، ثم زفرت بنفاذ صبر وكأنها ملت من عناده، وقالت:
“أنا مش عارفه انت اخد موقف منه ليه؟ مع أن واضح اوي أنه بيحبها بجد، وهي كمان شكلها بتحبه، ودي معجزة أن رنيم تسلم قلبها لحد وتحبه كده.”
ما إن خرج اسم رنيم مقرونًا بالحب، حتى تبدلت ملامح جواد أكثر.
شد فكه بقوة، وكأن شيئًا داخله يرفض الفكرة بالكامل، ليس خوفًا من الحب ذاته، بل خوفًا ممن تحب.
قال بصوت غاضب يحمل رفضًا قاطعًا:
“انا معنديش مشكله أنها تحب أي حد، إنما ده بالذات لا.”
رفعت جواهر إحدى حاجبيها للأعلى، ثم استدارت نحوه بالكامل، وقد بدأ عدم الفهم يتحول داخلها إلى استياء حقيقي.
قالت وهي تنظر إليه بإصرار:
“يا سلام، واشمعنا ده بالذات، وبعدين، القلب معلهوش سلطان، وقلبها اختاروا هو، يبقى بلاش نقف ضدها، وخلينا نقف جنبها، وندعمها، حتى لو هو وحش ولا حتى شيطان، كفايه أنه حبها، وواقف جنبها، وساعدها أنها توصل للقاتل الحقيقي، ويقدموا للمحكمه.”
ساد الصمت للحظات، لكن ذلك الصمت لم يكن هادئًا.
كان ممتلئًا بتوتر خفي، وكأن كلمات جواهر لامست نقطة حساسة داخله.
اعتدل جواد في جلسته، وأبعد نظره نحو الأمام، بينما بدت ملامحه أكثر قسوة، ثم قال بعدم اقتناع واضح:
“ده فى حد ذاته اتهام ليه يخلينا منثقش فيه، واسكتي بقى علشان هي جايه اهي.”
التفتت جواهر تلقائيًا نحو باب الشركة.
وفي اللحظة التالية، فتح الباب الخلفي للسيارة بعنف نسبي، قبل أن تجلس رنيم في المقعد الخلفي بوجه متجهم ونظرات ممتلئة بالضيق، حتى سلامها لم تقله.
بل التفتت فورًا نحو جواهر وقالت بعبوس واضح:
“لو اعرف انك هتيجي في عربيته، كنت روحت أنا لوحدي على الفيلا.”
انعقد حاجبا جواد فورًا، ثم نظر إليها عبر المرآة الأمامية وقال بتهكم بارد:
“معلش تعالي على نفسك واعتبريني الشوفير بتاع جنابكم.”
عقدت رنيم ذراعيها أمام صدرها بعناد طفولي، ثم أدارت وجهها ناحية النافذة وهي تقول بصمت كل ما لم ترغب في قوله بصوت مرتفع.
أما جواهر…
فلم تستطع منع الابتسامة التي تسللت إلى شفتيها وهي تنظر إلى طريقتهما.
كانا يتشاجران كطفلين صغيرين رغم كل شيء، بطريقة مضحكة ومستفزة في الوقت نفسه.
هزت رأسها بيأس لطيف وقالت:
“اقسم بالله انتوا الاتنين عاملين شبه الأطفال، ربنا يصبرني عليكم.”
ردت رنيم فورًا بتهكم حاد:
“ده طفل بارد ورخم.”
ضحك جواد بسخرية قصيرة، ثم رد بنفس النبرة المستفزة:
“وانتي طفلة ثقيله ودمك يلطش.”
أطلقت جواهر زفرة طويلة وهي تنظر بينهما بعدم تصديق، ثم قالت بنفاذ صبر:
“بس بقى كفايه، ده ايه الجنان اللي احنا فيه ده؟”
لكن رنيم لم ترد، اكتفت بزفرة ضيق، بينما شد جواد قبضته فوق المقود، ثم اعتدل في جلسته وأدار السيارة بعصبية خفيفة، قبل أن ينطلق بها بسرعة نحو الفيلا.
وخلال الطريق، ظل التوتر يملأ الأجواء رغم الصمت.
رنيم كانت تنظر من خلف النافذة بعناد، بينما جواد يرمقها بين الحين والآخر عبر المرآة بنظرات مستفزة تزيدها غيظًا، وكأنه يتعمد ذلك فقط ليخرجها عن صمتها.
أما جواهر…
فكانت تراقبهما بصمت غير مصدق، ثم أخذت تحرك رأسها بخفة وهي تبتسم رغماً عنها. رغم كل ما مروا به، ما زالت هناك طفولة عالقة داخلهم، تظهر في خناقاتهم الصغيرة ونظراتهم الغاضبة التي لا تخلو من الألفة.
استندت جواهر برأسها إلى المقعد، ثم بدأت تتابع الطريق من خلف زجاج النافذة، تاركة لهما معركتهما المعتادة.
وبعد وقت طويل، توقفت السيارة أخيرًا أمام الفيلا.
وفور أن هدأت السيارة، فتحت رنيم الباب بعصبية وترجلت سريعًا، ثم دفعت الباب بقوة كادت تخلعه، وتحركت نحو الداخل بخطوات متسارعة دون أن تلتفت خلفها.
ظل جواد يتابع أثرها بعينيه للحظات، قبل أن يلتفت إلى جواهر بغضب مكتوم وقال:
“شايفه بنت خالك بتعمل ايه؟ أنا ماسك نفسي عنها بالعافيه.”
لكن جواهر انفجرت ضاحكة بخفة، ثم قالت وهي تنظر إليه بمكر لطيف:
“خليها عليك بقى يا جوجو، أنا تعبت من شغل العيال ده.”
وقبل أن يمنح نفسه فرصة للرد، اقتربت منه سريعًا، ووضعت قبلة خفيفة فوق خده. تجمد تمامًا. وكأن غضبه كله تبخر في لحظة واحدة.
ابتعدت عنه سريعًا وترجلت من السيارة وهي تبتسم بخبث، بينما بقي هو لثواني ينظر أمامه غير قادر على منع الابتسامة التي ارتسمت فوق شفتيه رغماً عنه.
تنهد أخيرًا، ثم أطفأ السيارة وهبط منها متجهًا إلى الداخل.
أما رنيم…
فما إن دخلت الفيلا حتى توقفت خطواتها فجأة. وجدت ترنيم وسمية تجلسان فوق الأريكة في الصالة، والأجواء بينهما هادئة بصورة أربكتها أكثر.
أغلقت عينيها بضيق خفي، وكأن رؤيتها لسمية أعادت إليها شعور الذنب الذي كانت تحاول الهروب منه منذ تركت الفيلا.
ورغم ذلك، تحركت نحوها في النهاية، ثم انحنت تحتضنها قائلة بصوت خافت صادق:
“وحشتيني اوي يا عمته.”
لكن سمية لم تبادلها نفس الدفء، بل نظرت إليها بعتاب موجع، وقالت بصوت مكسور:
“وحشتك ايه بقى؟ ما انا هونت عليكي، وبعدي عني.”
شعرت رنيم بوخزة حادة داخل قلبها، فهي تعرف جيدًا مكانتها عند سمية، وتعرف أيضًا أنها جرحتها أكثر مما توقعت.
لهذا حركت رأسها سريعًا بالرفض، ثم قالت بنبرة هادئة ممتلئة بالصدق:
“أنتي عمرك ما تهوني عليا يا عمته، انتي أمي التانيه، وليها فضل كبير اوي عليا، بس كان لازم اعمل كده، الخطوة دي كنت عايزه اخدها من زمان أوي، بس كل مره كنت بأجلها علشان خايفه على زعلك، بس خلاص مكانش ينفع أجلها اكتر من كده.”
امتلأت عينا سمية بالدموع فور سماعها كلماتها، ثم نظرت إليها بوجع حقيقي وقالت:
“أنا بحس فيكي بريحة اخويا سلطان يا رنيم، وانتي حرمتيني منها.”
وفور ذكر اسم سلطان، أغمضت ترنيم عينيها بحزن عميق، وكأن الاسم وحده قادر على إعادة كل الأوجاع القديمة دفعة واحدة.
لكنها تماسكت سريعًا وقالت بصوت هادئ تحاول تهدئة الأجواء:
“خلاص يا سميه، اللي حصل حصل خلاص المهم انها رجعت تاني لحضنك.”
لكن كلماتها سقطت فوق رنيم كشرارة فوق نار مشتعلة أصلًا.
التفتت إليها بعينين ممتلئتين بالغضب والرفض، ثم قالت بحدة واضحة:
“ومين قالك اني راجعه تاني؟ انا مش هسيب شقتي ولا ناويه ارجع تاني، وبعدين انتي مالك؟ بتدخلي فى اللي ملكيش فيه ليه؟”
اتسعت عينا سمية بصدمة، ثم قالت بسرعة وهي تنظر إليها بعتاب:
“رنيم! عيب يا بنتي اتكلمي بأدب معاها.”
لكن رنيم كانت في حالة لا تسمح لها بالهدوء، كانت مشاعرها متشابكة بصورة مرهقة، غضب، خوف، رفض، ووجع قديم لا تعرف كيف تتعامل معه.
أدارت وجهها بعيدًا وقالت بصوت غاضب مختنق:
“أنا لا عايزة اكلمها ولا تكلمني خليها في حالها بعيد عني.”
ورغم قسوة كلماتها، ظلت ترنيم تنظر إليها بهدوء غريب.
هدوء امرأة ترى خلف غضبها روحًا متألمة أكثر مما تبدو.
ثم قالت بنبرة ثابتة عميقة:
“مهما حاولتي، مش هسيبك في حالك، لانك مسؤوله مني برضاكي أو غصب عنك، ولسه فيه ما بينا كلام كتير اوي مخلصش، بس ليه وقته.”
اشتعلت عينا رنيم أكثر، وكأن كلمات ترنيم أصابت شيئًا حساسًا داخلها، شيئًا تحاول الهرب منه بكل قوتها.
لهذا لم ترد. تحركت بسرعة مبتعدة عنهما، وصعدت الدرج بخطوات متسارعة، بينما أنفاسها تعلو وتهبط بعنف.
وصلت إلى غرفتها القديمة، دفعت الباب بقوة ودخلت، ثم جلست فوق السرير بضيق شديد، بينما راحت تنظر حولها بصمت.
كل شيء في تلك الغرفة كان يحمل ذكرى، وكل ذكرى كانت تضغط فوق قلبها أكثر.
***************************
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن والعشرون
وصلت سيارات غريب والأسرة والحرس المرافق لهم أمام المحكمة، ذلك المبنى الضخم الذي يحمل بين جدرانه رهبة قادرة على سحق أكثر القلوب ثباتًا.
كانت الأجواء مشحونة بصورة خانقة، ترجل غريب أولًا من السيارة بملامحه الصارمة المعتادة، ثم مد يده إلى ترنيم بحركة تلقائية اعتاد عليها منذ سنوات طويلة.
أمسكت يده وهبطت من السيارة، بينما كانت ملامحها متوترة رغم محاولتها إخفاء ذلك، ثم تبعتها سمية وأروى، وتحركوا جميعًا نحو الداخل بخطوات متسارعة.
أما عند سيارة جواد، فكان الوضع مختلفًا تمامًا.
جلس جواد خلف المقود، بينما جواهر بجواره تبدو وكأن الحياة انسحبت من وجهها بالكامل.
كانت شاحبة بصورة مؤلمة، وعيناها تتحركان نحو مبنى المحكمة برعب واضح، وكأن ذلك المكان أصبح بالنسبة لها كابوسًا حيًا لا تستطيع الهروب منه.
ظل جواد يتأملها لثواني طويلة بصمت، شعر خلالها بمدى ارتجافها الداخلي رغم محاولاتها التماسك.
ثم مد يده أخيرًا وأمسك يدها المرتجفة، وربت عليها بحنان هادئ وقال بنبرة دافئة:
"اهدي يا قلبي، علشان خاطري متخافيش والله."
ما إن سمعت صوته، حتى تجمعت الدموع داخل عينيها سريعًا، وكأنها كانت فقط تحتاج كلمة أمان واحدة حتى تنهار.
نظرت إليه بعينين مرتعشتين وقالت بصوت متكسر:
"أنا خايفه اوي يا جواد، اصلا مجرد ما شوفت منظر المحكمة مر قصاد عيني شريط الايام اللي فاتت دي، قلبي وجعني، يارب بقى تكون اخر جلسه وارتاح من التوتر ده خالص."
شعر بانقباض حاد داخل صدره وهو يراها بهذا الضعف، تلك الفتاة التي حاولت التماسك طويلًا، بدت الآن وكأنها على حافة الانهيار الكامل.
ضغط على يدها أكثر، وكأنه يحاول نقل طمأنينته إليها بالقوة، لكن قبل أن يتحدث، كانت رنيم قد ترجلت بالفعل من السيارة بصمت، تاركة لهما مساحتهما الخاصة. وما إن لامست قدماها الأرض الإسفلتية، حتى تحركت عيناها تلقائيًا تبحث عنه بين الوجوه.
كان الاشتياق يمزق قلبها بصورة موجعة، اشتياق جعلها تدرك أنها أصبحت تبحث عنه غريزيًا في أي مكان تذهب إليه. لكنها لم تجده.
تسلل الضيق إلى قلبها فورًا، وظنت للحظة أنه لم يأتي.
خفضت عينيها بخيبة صغيرة، ثم تحركت نحو الداخل بخطوات هادئة.
لكن، ما إن دخلت إلى قاعة المحكمة، حتى تجمدت خطواتها فجأة.
رأت زين. كان يقف داخل القفص الحديدي بملامح قاتمة، بينما عيناه تستقران عليها مباشرة وكأنه كان ينتظر دخولها منذ البداية.
انتفض قلبها بعنف داخل صدرها.
أما هو، فقابلها بابتسامة مستفزة باردة، ثم حرك رأسه بإشارة خفيفة حتى تقترب منه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن قدميها أصبحتا أثقل من أن تتحركا، لكنها رغم ذلك تقدمت نحوه ببطء، حتى توقفت أمام القفص الحديدي مباشرة.
رفعت عينيها إليه، وكان الوجع واضحًا بصورة مؤلمة داخل نظراتها.
ثم قالت بصوت مختنق يرتجف من الحزن:
"استفدت ايه دلوقتي يا زين؟ لو كنت جيت وقولتلي على كل اللي فى قلبك ليا، كنت هحضنك هطبطب على وجعك، كنت هحس بكسرت قلبك وقهرتك، كنت هاخد بأيدك لبر الامان، إنما دلوقتي انت ضيعت نفسك وخسرت كل حاجه."
ظل يستمع إليها بابتسامته المظلمة نفسها، تلك الابتسامة التي لم تعد تبشر إلا بالخوف.
كانت عيناه تحملان نظرة مرعبة، نظرة شخص لم يعد يرى شيئًا يخسره.
وأخيرًا تحدث، لكن بصوت هادئ إلى حد الاختناق، هدوء أكثر رعبًا من الصراخ نفسه:
"متفرحيش بوجودي هنا، واللي كنت عايز انفذه هنفذه لو مقفول عليا مليون باب حديد."
ارتجف قلبها فورًا من طريقته، لكنها رغم ذلك حركت رأسها بدموع وقالت بصوت موجوع:
"بس انا مش فرحانه بوجودك في المكان ده يا زين، انت اخويا حتة مني، ومهما عملت فيا، عمري ما أكرهك."
ابتسم لها بتهكم ساخر، ثم قال بازدراء:
"يا بت الشغل ده مش هيجي معايا، كنت مستحملهم منك بالعافيه، ومدام بقى كل حاجه على المكشوف، يبقى شيلي جو المحلسه بتاعتك دي."
هربت دمعة من عينيها رغماً عنها، وانزلقت فوق خدها ببطء، بينما كانت تنظر إليه بوجعٍ حقيقي.
وفي تلك اللحظة، شعرت بيد تربت فوق ظهرها بهدوء.
التفتت بجوارها سريعًا، وما إن رأته حتى أمسكت يده بقوة، وكأنها تستمد منه القدرة على الوقوف.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين باللوم والاشتياق معًا، ثم قالت بصوت مختنق:
"ايه اخرك كده؟"
نظر شاهين نحو زين أولًا بنظرة مشتعلة بالغضب، قبل أن يجيبها بنبرة غليظة حاول تلطيفها لأجلها:
"معلش يا حبيبتي غصب عني، كان فيه حاجه مهمه بعملها وجيت ليكي على طول."
نظرت إليه باستغراب واضح وقالت:
"حاجة ايه دي اللي تخليك تتأخر كده."
وللحظة، ظهر التوتر فوق ملامحه بصورة ملحوظة، ثم قال:
"أمي كانت عايزه ترجع الفيلا، اخدها وصلتها لحد البوابه واخويا اخدها مني وانا جيت على طول على هنا."
وفور سماعها اسم مريم، تغيرت ملامح وجه رنيم بالكامل.
شحب وجهها قليلًا، وأبعدت عينيها عنه تلقائيًا، وكأن الاسم وحده يعيدها إلى كل أوجاعها القديمة.
لكن قبل أن تتحدث، وصلها صوت زين المستفز من خلف القضبان:
"مهما حاولتي تنكري الحقيقه مش هتقدري تستحمليها."
ثم اقترب أكثر من القفص، وقال بصوت هامس يحمل سمًا متعمدًا:
"أن شاهين ابن مريم، اللي قتلت ابوكي وامك."
ثم تراجع للخلف وهو يبتسم ابتسامة خبيثة ممتلئة بالشماتة، وكأنه استمتع برؤية الألم يعبر داخل عينيها.
أما شاهين، فأغلق عينيه للحظة بعنف، بينما اشتعل الغضب داخل ملامحه بصورة مخيفة، ثم قال من بين أسنانه:
"احمد ربنا انك وراه الحديد ده دلوقتي، علشان لو كنت قصادي كان زماني شارب من دمك."
ثم أمسك يد رنيم سريعًا، وأرغمها أن تبتعد معه عن القفص الحديدي قبل أن ينهار أعصابه أكثر.
أجلسها فوق أحد المقاعد، ثم جلس بجوارها مباشرة وقال بصوت هادئ محاولًا احتواءها:
"رنيم حبيبتي، متخلهوش يلعب بأعصابك زي ما هو عايز، سيبك منه ومن كلامه."
نظرت إليه، وكانت الدموع متحجرة داخل عينيها بصورة موجعة، ثم قالت بصوت مرتجف:
"بس هي دي الحقيقه يا شاهين، أن مهما أنكرت الحقيقه هتفضل موجودة قصاد عيني وبتفكرني بيها، انك ابن مريم."
تألم قلبه من كلماتها، لكنه اقترب منها أكثر، ثم حرك يده فوق شعرها بحنان شديد وقال بصوت ممتلئ بالعشق:
"بس الحقيقه دي مش كامله يا رنيم، دي نصها بس. إنما النص التاني هو اني بحبك واتغيرت علشانك وبعت الدنيا كلها علشان خاطر عيونك، وده كفيل يخليكي تبصي لنص المليان مش الفاضي."
وفي الجهة الأخرى، كان غريب يراقب كل ما يحدث بعينين حادتين.
يتابع انفعالاتهما، نظراتهما، وطريقة تعلق رنيم بشاهين رغم كل ذلك الصراع الذي يمزقها من الداخل.
أما جواهر، فدخلت القاعة أخيرًا برفقة الحراسة البسيطة المفروضة عليها.
كانت خطواتها بطيئة مترددة، بينما أنظار الجميع تلاحقها.
جلست في المقعد المخصص للدفاع، وجلس جواد بجوارها وجلس تامر الذي وصل لتوه بجوار غريب، بينما بقي التوتر مسيطرًا على الأجواء بالكامل.
وفجأة، دوى صوت الحاجب داخل القاعة بصوت جهوري:
"محكمة!"
في لحظة واحدة وقف الجميع، وتحولت القاعة إلى صمت مهيب.
ثم دخلت هيئة المحكمة بوقارها المعتاد، يتقدمهم القاضي بملامحه الصارمة وهيبته الثقيلة التي فرضت نفسها على المكان بالكامل.
تحرك بخطوات ثابتة حتى جلس فوق منصته، ثم بدأ يقلب أوراق القضية ببطء وسط ترقب الجميع وأنفاسهم المحتبسة.
بينما كانت دقات قلب جواهر تتصاعد بعنف داخل صدرها، حتى شعرت أن صوتها أصبح أعلى من صوت العالم كله.
ثم رفع القاضي رأسه أخيرًا، وقال بصوت رسمي صارم:
"تبدأ الجلسة الخاصة بالقضية رقم (....) لسنة (....)، والمتهمة فيها الآنسة جواهر."
ساد الصمت داخل القاعة بصورة مخيفة، صمت ثقيل حتى أن صوت تقليب القاضي للأوراق بدا واضحًا داخل آذان الجميع، كانت الأنفاس محتبسة، والأعين متعلقة بمنصة القضاء في انتظار الكلمة التي قد تغير مصير أشخاص بالكامل. ثم قال بصوت رسمي صارم:
"بعد الاطلاع على أوراق القضية، وسماع أقوال النيابة العامة، والدفاع، والشهود، وما ورد بتقرير الأدلة الجنائية وتحريات الجهات المختصة…"
ثم رفع نظره نحو الحضور قبل أن يكمل بوقار:
"تستأنف المحكمة اليوم نظر القضية الخاصة بمقتل المجني عليها رقيه الأباصيري، والمتهمة فيها سابقًا الآنسة جواهر حسام، وذلك بعد ظهور أدلة ومستجدات جديدة بالقضية."
تحرك ممثل النيابة من مكانه، بينما أشار القاضي إليه قائلًا:
"تتفضل النيابة بعرض ما لديها."
وقف وكيل النيابة بثبات، ثم بدأ يتحدث بصوت واضح داخل القاعة:
"سيادة المستشار، بعد استكمال التحقيقات، ثبت للمحكمة وجود أدلة قاطعة تثبت تورط المتهم زين، في ارتكاب الجريمة محل القضية، كما ثبت انتفاء صلة المتهمة جواهر، بالفعل الجنائي المنسوب إليها."
ساد الهمس داخل القاعة للحظات، لكن صوت القاضي الحاد جاء سريعًا:
"هدوء من فضلكم."
ثم دون بعض الملاحظات أمامه، قبل أن يقول بنبرة رسمية:
"تأمر المحكمة بإثبات حضور المتهم زين، داخل القفص، وحضور دفاع الطرفين."
رفع القاضي رأسه قليلًا، ونظر إلى هيئة المحكمة نظرة طويلة ثقيلة، ثم أضاف:
"وتبدأ المحكمة في مناقشة المستجدات المقدمة في القضية، واستجواب المتهم، ومواجهة الأدلة الجديدة المقدمة ضده."
عم الصمت أرجاء القاعة مجددًا، لكن هذا الصمت لم يكن هادئًا، بل كان مشحونًا، خانقًا، كأن الجميع يترقب لحظة سقوط شيء ثقيل لا مفر منه.
ارتفعت أنظار الحضور نحو القفص الحديدي.
وقف زين داخله بثبات غريب، ذراعتاه خلف ظهره، وملامحه هادئة على نحو غير طبيعي، وكأن ما يدور حوله لا يعنيه. لكن عينيه، كانت تحمل شيئًا مختلفًا تمامًا. شيئًا أقرب إلى التحدي.
أشار القاضي مجددًا إلى وكيل النيابة، فبدأ الأخير في مراجعة أوراقه بصوت واضح:
"سيادة المستشار، لدينا مستجدات جوهرية في القضية، تتضمن اعترافات وتحريات إضافية تؤكد أن المتهم زين، كان على صلة مباشرة بمسرح الجريمة قبل وبعد وقوعها، وأنه كان طرفًا فاعلًا في التخطيط لها."
تبدلت ملامح القاعة فجأة، وبدأت الهمسات تعلو تدريجيًا، لكن القاضي ضرب بمطرقته بعنف:
"السكوت داخل القاعة."
توقفت الأصوات فورًا.
وفي الصفوف الأمامية، كانت جواهر ممسكة بذراع جواد، لكن قبضتها كانت ترتجف رغم براءتها التي أُعلنت منذ لحظات.
لم تكن تستوعب الانتقال السريع من الألم إلى الراحة، إلى هذا التوتر الجديد.
أما جواد، فكان يراقب زين بنظرة لا تقل خطورة عن نظراته، وكأنه يحاول قراءة ما يدور داخل رأسه.
في المقابل، كان غريب يجلس بثبات، لكن ملامحه بدأت تزداد قسوة، بينما ترنيم وسمية تتبادلان نظرات قلقة دون فهم كامل لما يقال.
تابع وكيل النيابة حديثه:
"كما ثبت من خلال التحريات أن المتهم كان على دراية بتفاصيل دقيقة تتعلق بالمجني عليها، وبمسرح الجريمة، مما يدعم فرضية تورطه الكامل في الواقعة."
توقف لثواني، ثم أضاف بنبرة أكثر حسمًا:
"ونلتمس من عدالتكم استجواب المتهم زين، بشكل مباشر داخل الجلسة."
ساد الصمت من جديد. لكن هذه المرة كان مختلفًا.
صمت ثقيل كأن القاعة بأكملها تحبس أنفاسها قبل مواجهة الحقيقة.
رفع القاضي نظره إلى القفص الحديدي، ثم قال بصوت رسمي صارم:
"المتهم زين هل لديك ما تقوله قبل بدء الاستجواب؟"
في تلك اللحظة، تحركت عينا زين ببطء شديد داخل القاعة، مرت على الوجوه واحدًا تلو الآخر. توقفت عند غريب، ثم جواد، ثم شاهين، وأخيرًا، استقرت على رنيم.
ابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه.
ابتسامة لم تكن راحة، بل كانت إنذارًا.
ثم قال بهدوء غريب، هدوء لا يشبه الموقف:
"أنا جاهز، ومستعد."
أومأ القاضي برأسه، ثم قال بصوت حازم:
"ابدأوا الاستجواب."
تحرك وكيل النيابة خطوة للأمام، ثم فتح ملفه ببطء، قبل أن يرفع عينيه نحو زين ويقول بنبرة رسمية صارمة:
"المتهم زين، هل تقر بوجودك في محيط مسرح الجريمة ليلة وقوع الحادث؟"
ابتسم زين ابتسامة جانبية خفيفة، وكأنه كان ينتظر السؤال تحديدًا، ثم قال بهدوء مربك:
"أيوه، كنت موجود."
تعالت همهمة خافتة داخل القاعة، لكن القاضي ضرب بمطرقته فورًا:
"سكوت."
ثم أشار للنيابة بالاستمرار.
أخذ وكيل النيابة نفسًا قصيرًا، ثم قال:
"هل تنكر أن لديك معرفة مسبقة بالمجني عليها؟"
رفع زين نظره ببطء، واستقرت عيناه للحظة على الفراغ، قبل أن يقول ببرود:
"لا منكرش."
في الصفوف الأمامية، انقبض قلب جواهر أكثر، وارتعشت أصابعها وهي تمسك بذراع جواد، الذي مال عليها فورًا وهمس:
"متبصيش ليه، ركزي معايا بس."
لكن عينيها لم تستطع الانفصال.
في تلك اللحظة، التفت زين قليلًا داخل القفص، ومرت عيناه مجددًا على شاهين، ثم قال بصوت أهدأ من السابق، لكنه أكثر خبثًا:
"بس مش لوحدي اللي ليا صلة بيها."
ارتجف جسد رنيم دون إرادة، بينما شد شاهين قبضته فجأة، وكأن الكلمة أصابته مباشرة. لكن زين لم يتوقف.
عاد وكيل النيابة يسأله بحدة:
"هل تنكر أنك كنت على علم بخطة الاستدراج التي تمت قبل الجريمة؟"
هنا، تغيرت ملامح زين لأول مرة بشكل طفيف.
اختفت الابتسامة تدريجيًا، وتحول وجهه إلى شيء أكثر صلابة، قبل أن يقول ببطء:
"أنا مستدرجتش حد، احنا كان فيه ما بينا صلة قرابه وزيارتي ليها فى بيتها شئ عادي"
توقف لثانية، ثم أضاف:
"بس فيه حاجات كتير تانيه وراه الكواليس، وحقايق غير اللي ظاهرة امام عدالتكم."
في تلك اللحظة، انقسمت أنفاس القاعة.
غريب ضيق عينيه بشدة، وكأن شيئًا قد بدأ يتشكل في رأسه.
سمية همست لترنيم بصوت مرتجف:
"هو بيقول إيه؟"
لكن ترنيم لم ترد، كانت تنظر لزين بوجه شاحب، وكأنها بدأت تفهم أن ما تسمعه ليس مجرد دفاع، بل طريق يقود لشيء أكبر بكثير مما تخيلته.
أما زين، فرفع رأسه ببطء، ونظر إلى القاضي مباشرة، ثم قال بجملة هادئة جدًا، لكنها كانت كفيلة بتجميد الهواء في القاعة:
"والحقيقة، لسه ما اتقالتش كلها."
وفي اللحظة دي، عم الصمت بشكل مخيف، كأن القاعة كلها توقفت عن التنفس.
رفع القاضي إحدى الأوراق أمامه، ثم بدأ يتحدث بصوت رسمي صارم:
"ترى المحكمة أن ما يصدر عن المتهم من أقوال يخرج عن نطاق الإجابة المباشرة، ويتضمن مراوغة واضحة وتطويلاً غير مبرر، وعليه تأمر المحكمة بوقف الاستجواب مؤقتًا، مع التنبيه على المتهم بالالتزام بالإجابة على الأسئلة الموجهة إليه بشكل مباشر ودون إسهاب أو خروج عن موضوع الدعوى."
وقف محامي الدفاع يستأذن بالكلام، فأذن له القاضي.
اعتدل الرجل في وقفته، ثم نظر إلى هيئة المحكمة بثبات قبل أن يقول بصوت قوي:
"سيادة المستشار، موكلتي الآن لم يعد ضدها أي دليل يدينها، بل على العكس، جميع الأدلة أثبتت أن المتهم الحقيقي هو المذكور أمام عدالتكم."
وأشار بيده نحو زين داخل القفص.
شعرت جواهر أن صدرها بدأ يعلو ويهبط بعنف، كانت تسمع الكلمات وكأنها تأتي من مكان بعيد.
أكمل المحامي حديثه بثقة أكبر:
"المتهم اعترف ضمنيًا بعدة وقائع أثناء التحقيقات، كما أن تسجيلات المراقبة، وتحليل الأدلة الجنائية، وشهادة الشهود، جميعها تؤكد تورطه الكامل، بينما ثبت للمحكمة أن الآنسة جواهر كانت ضحية لخطة مدبرة بعناية للإيقاع بها."
"ضحية!" لأول مرة منذ شهور تسمع جواهر أحدهم يصفها بذلك بدلًا من "قاتلة".
هربت دمعة ساخنة من عينيها دون أن تشعر.
أما جواد، فكان يراقبها بقلب موجوع، يتمنى فقط أن تنتهي تلك اللحظات سريعًا ويأخذها بعيدًا عن كل ذلك.
ثم أكمل الدفاع بطلبه المهني:
"ولهذه الأسباب، وبعد ما ثبت للمحكمة الموقرة من انتفاء أية أدلة مادية أو جنائية تدين موكلتي، وثبوت عدم صلتها بالفعل الإجرامي محل الدعوى، يلتمس الدفاع من عدالتكم الحكم ببراءة المتهمة جواهر، براءةً كاملة مما نسب إليها، والإفراج عنها فورًا لعدم وجود ثمة دليل قاطع يربطها بالقضية محل النظر."
طرق القاضي بالمطرقة بخفه، ثم تحدث مجددًا بعد دقائق طويلة من استعراض الأوراق والتحقيقات:
"بعد الاطلاع على أوراق القضية (...)، والاستماع إلى أقوال الشهود، وتقرير الأدلة الجنائية، وما ثبت للمحكمة من أدلة وتحريات…"
ازدادت أنفاس جواهر اضطرابًا، شعرت ببرودة أطرافها بصورة مخيفة، حتى أنها لم تنتبه إلى يد جواد التي تشابكت مع يدها أسفل المقعد بقوة، وكأنه يحاول تثبيتها حتى لا تنهار.
وأكمل القاضي بصوت قوي:
"وبعد مراجعة كافة الأدلة المقدمة للمحكمة، ثبت بشكل قاطع عدم تورط المتهمة جواهر، وعليه، تقرر المحكمة الحكم ببراءة الآنسة جواهر من كافة التهم المنسوبة إليها."
ثم طرق بالمطرقة مرة أخرى وقال بصوت قاطع صارم:
"ترفع الجلسه."
للحظة، توقف الزمن داخل القاعة.
ثم انفجرت المشاعر دفعة واحدة.
بكت جواهر بقوة، وكأن روحها كلها انهارت أخيرًا بعد شهور طويلة من الرعب والظلم.
أمسك جواد وجهها سريعًا بين يديه وهو يضحك ويبكي في الوقت نفسه، ثم قال بصوت مختنق من شدة فرحته:
"براءة يا جواهر، سمعتي؟! انتي بقيتي حره!"
وكأن كلمات جواد كانت المفتاح الذي حطم آخر جدار تمسكت خلفه جواهر طوال الأشهر الماضية.
انفجرت باكية بصورة مؤلمة، شهقاتها خرجت متقطعة وعنيفة، وكأن روحها بأكملها كانت تختنق طوال تلك الفترة والآن فقط سمح لها بالتنفس.
"براءة."
الكلمة التي كانت تحلم بسماعها كل ليلة.
الكلمة التي تعلقت بها حتى لا تنهار، ها هي أخيرًا تقال أمام الجميع.
حرك يده على وجهها بحنان مرتجف، ثم اقترب منها وهو يقول بصوت مختنق من شدة تأثره:
"خلاص يا جواهر مافيش باب حديدي هيكون حاجز بيني وبينك تاني، بقيتي معايا وفى حضني من غير خوف حد يخدك منه."
نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع، وكأنها لا تصدق أن الكابوس انتهى فعلًا.
ثم فجأة، ارتمت داخل صدره بقوة، تتشبث به وكأنها تخشى أن تستيقظ من ذلك الحلم في أي لحظة.
ضمها جواد إليه بعنف، وأغلق عينيه للحظة طويلة، بينما راحة جارفة اجتاحت قلبه أخيرًا.
لقد انتهى الأمر، انتهى خوفه عليها.
انتهت ليالي القلق والعجز.
دفن وجهه داخل شعرها وهو يهمس بصوت مرتعش:
"مافيش دموع ولا خوف تاني يا قلب جواد وعمره."
وفي الخلف، كانت سمية تبكي هي الأخرى بحرارة، بينما احتضنتها ترنيم بقوة، وقد لمعت الدموع داخل عينيها تأثرًا.
حتى غريب، ذلك الرجل المعروف بصلابته، شعر بانقباض داخل قلبه وهو يرى انهيار جواهر بعد كل ما عاشته.
أما تامر، فتنفس بارتياح شديد وهو يمسح وجهه بيده وكأنه كان يحمل جبلًا فوق صدره.
لكن وسط كل تلك المشاعر، كان هناك شخص واحد فقط لا يبدو مهزومًا.
زين. وقف داخل القفص الحديدي يراقب المشهد بصمت غريب، بينما ابتسامة باردة ارتسمت فوق شفتيه بصورة أرعبت رنيم.
لم يكن غاضبًا، ولا محطمًا، بل بدا وكأنه ينتظر شيئًا آخر.
شيئًا أخطر.
تضيق عينا شاهين وهو يراقب المشهد من حوله، بينما بدأ ذلك الشعور السيئ الذي يتسلل داخله منذ بداية الجلسة في التمدد ببطء، كأن شيئًا خفيًا يزحف تحت جلده دون أن يراه أحد.
ثم فجأة، اعتدل في وقفته، وحول نظره إلى رنيم، وابتسم لها ابتسامة دافئة محملة بالحب، وكأنه يحاول أن يسحبها من دوامة التوتر التي بدأت تبتلعها، وقال بصوت هادئ مطمئن:
"مبروك براءة بنت عمتك يا رنيم."
لكن رنيم لم تكن هناك، كانت عيناها ما زالتا عالقتين باتجاه زين، تنظر إليه بخوف ممزوج بحزن ثقيل، كأنها عاجزة عن فك ارتباطها بالمشهد الذي خلفها.
شعر شاهين بذلك فورًا.
تحرك خطوة ليقف أمامها، فحجب عنها رؤيته تمامًا، ثم أمسك وجهها بين كفيه برفق، وأجبرها أن ترفع عينيها إليه، وقال بنبرة هادئة، ثابتة رغم كل شيء:
"سبيه ياخد جزائه، ده المكان اللي يستحقه، لانه لو كان فضل بره كان هيأذي ناس كتير ملهاش ذنب ومنهم انتي يا رنيم."
ارتجف صوتها وهي ترد بصعوبة، وكأن الكلمات تخرج من صدر مثقل:
"مش بأيدي يا شاهين، ده اخويا، غصب عني هتوجع علشانه."
أومأ برأسه ببطء، وملامحه تلين أكثر، ثم رسم ابتسامة حنونة صغيرة وهو يقول:
"عارف والله وحاسس بيكي، بس زي ما قلتلك، اخوكي لو فضل بره السجن هيأذي كتير اوي."
ثم أمسك يدها برفق، وكأنه يثبتها في أرض الواقع بعيدًا عن دوامة مشاعرها، وأضاف بصوت أكثر هدوءًا:
"يلا بينا اروحك، المكان وحش اوي من غيرك."
أومأت برأسها بصمت، وتحركت معه ببطء نحو الخارج، لكن خطواتهما لم تكتمل، إذ جاء صوت غريب الرجولي، حاسمًا، يوقفهما في مكانهما:
"شاهين، عايزك ثواني؟"
أغمض شاهين عينيه لثواني قصيرة، وزفر بضيق مكبوت، كأنه يحاول أن يبتلع توترًا متراكمًا، ثم استدار إليه بهدوء مصطنع، وقال بنبرة جادة:
"أيوه!؟"
اقترب غريب بخطوات ثابتة وواثقة، لا تخلو من ثقل رجل يقرأ ما لا يقال، ثم نظر إليه مباشرة في عينيه وقال:
"المرة اللي فاتت، ملحقتش اشكرك على مساعدتك لينا للوصول للقاتل الحقيقي، لو تسمح أنا عزمكم النهاردة على العشا في الفيلا عندي، علشان نحتفل ببراءة جواهر، واشكرك على مساعدتك لينا."
نظرت رنيم إليه بضيق، وكادت أن تفتح فمها بالرفض، لكن شاهين سبقها، وأمسك يدها برفق ليوقف اندفاعها، ثم قال بهدوء محسوب:
"معنديش مانع، بليل إن شاءالله هنكون موجودين أنا ورنيم."
ضغطت رنيم على أسنانها بغضب مكتوم، وسحبت يدها من يده فجأة، ثم تحركت للخارج دون أن تنطق بكلمة.
تابعها شاهين بعينيه للحظة، ثم نظر إلى غريب مجددًا وقال بلباقة هادئة:
"نتقابل بليل، عن اذنك."
ثم تحرك سريعًا خلفها.
ظل غريب واقفًا يتابع أثرهما بصمت طويل، نظرة عميقة لا يمكن تفسيرها بسهولة، كأنها تجمع بين الشك والتحليل واليقظة.
اقترب تامر منه، ثم قال بتساءل وعدم فهم:
"ليه عزمته وانت شاكك فيه؟"
رفع غريب نظره إليه ببطء، ثم أطال النظر قبل أن يقول بنبرة منخفضة محسوبة:
"عيونه بتقول انه مش سهل، ومأمن نفسه كويس علشان محدش يعرف حاجه عنه، أنا لازم اقربه مننا، علشان اوصل للحقيقه."
ربت تامر على كتفه بابتسامة خفيفة وقال:
"الله ينور عليك يا جوز اختي، يلا بينا بقى من المكان الخانقة ده."
أومأ غريب برأسه، ثم عاد نحو ترنيم، أمسك يدها بلطف وأشار لها أن تتحرك معه.
تحركت سمية وترنيم وأروى نحو الخارج، يتبعهم تامر وجواد وجواهر، بينما بدأ المكان يفرغ تدريجيًا من ثقل الجلسة.
أما في الخارج…
فكان شاهين قد لحق برنيم بسرعة، وأمسك يدها ليوقفها، قائلاً بنبرة هادئة:
"استنى يا رنيم، فيه ايه مالك؟"
نظرت إليه بضيق واضح، وصوتها خرج مختنقًا من الداخل:
"انت وافقت على العزومة ليه؟ أنا مش حابه ادخل عندهم ولا اتعامل مع العيله دي كلها."
ربت على يدها بحكمة، ثم قال بصوت هادئ متزن:
"مكانش ينفع ارفض يا رنيم، العزومة دي مش علشان سواد عيوني، هو عمل كده علشان شاكك فيا، عايز يقربني منه علشان يقدر يعرف ايه اللي ورايا، ولو كنت رفض العزومة دي، كنت هأكد شكة فيا ده."
رفعت حاجبيها بعدم فهم، وقالت بتوتر:
"شاكك فيك! طيب ليه؟ وايه السبب اللي خلاه يشك فيك كده؟"
تنفس شاهين ببطء، ثم قال موضحًا:
"غريب مش سهل هو اتأكد أن مريم عايشه، وعرف أن رقيه تبقى بنت اختها وبيشك فى أي حد يظهر فى حياة اي حد قريب منه، وعلشان ظهوري ده فى حياتك شاكك فيا، وعايز يتأكد إذا كان ليا صلة بمريم ولا لا، علشان كده أنا لازم اسايره وأخليه يقربني ليهم، علشان اوصله المعلومات اللي أنا عايزه يوصلها، فهمتي."
ارتجف صوتها وهي تسأله بخوف:
"ه هو انت ل لسه ناوي تساعد امك فى الانتقام منهم؟"
ابتسم لها بحب، ابتسامة مختلفة تمامًا عن أي قسوة، ثم قال بنبرة عاشقة صادقة:
"حبك غسلني من جوه يا رنيم، مبقاش فيه جوايا كراهيه لحد، حتى عدوي بقيت مسامحه، بس هكون بركان غضب لو الأمر اتعلق بيكي وحد داس ليكي على طرف."
ابتسمت له بحب، وأومأت برأسها بصمت، وكأنها حاولت أن تصدق ذلك السلام الذي سكن كلماته.
لكن فجأة، تجمدت ملامحها.
رفعت يدها بسرعة وهي تشير إلى جهة بعيدة، وقالت بصوت مرتجف:
"امك هنا يا شاهين."
استدار شاهين فورًا نحو الاتجاه الذي أشارت إليه، وفي اللحظة نفسها، تصلب جسده بالكامل.
اغرورقت عيناه بالغضب، واحمرت ملامحه، ثم قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الانفجار.
وفي نفس اللحظة، كان غريب قد لمحها أيضًا.
تجلس داخل السيارة، تنظر إليهم من خلف الزجاج بابتسامة باردة مملوءة بالتوعد، وكأنها لم تغب يومًا.
اقترب غريب من تامر سريعًا وهمس له بكلمات قصيرة، جعلت ملامح تامر تنقلب في لحظة، ثم اتجه بعينيه نحو السيارة، فتجمد مكانه.
اتسعت عيناه بصدمة حادة.
وما إن شعرت مريم أنها حققت ما أرادت، حتى أشارت للسائق بهدوء، وانطلقت السيارة مبتعدة عن المكان.
قبض غريب على يده بعنف، ثم قال بصوت منخفض غاضب:
"يا بنت الكلب، لسه نظرة الشر فى عيونك زي زمان متغيرتش مع مرور الزمن."
ثم رفع عينيه ببطء نحو شاهين، وكأن الخيوط بدأت أخيرًا تسحب داخل رأسه، قطعة بعد قطعة.
****************************
بالمساء...
انتهت رنيم من تجهيز حالها بعد وقت طويل أمضته أمام المرآة، تبدل ثيابها أكثر من مرة، ثم تعود فتنزعها بضيق وكأن شيئًا بداخلها يرفض الذهاب، لا بسبب الدعوة نفسها، بل بسبب ذلك الرجل الذي أصبح وجوده وحده قادرًا على بعثرة كل أفكارها واتزانها.
وقفت أخيرًا أمام انعكاسها تتأمله بصمت، وعيناها تحملان ذلك التوتر الذي بات يلازمها كلما تعلق الأمر بشاهين. كانت تشعر بأنها تتغير بطريقة مخيفة منذ دخوله حياتها، وكأن الجدران الصلبة التي بنتها حول قلبها لسنوات بدأت تتهاوى حجرًا تلو الآخر أمامه دون مقاومة حقيقية منها.
زفرت أنفاسها ببطء وهي تمرر يدها المرتجفة على خصلات شعرها، تحاول تهدئة اضطراب قلبها، لكن ما إن دوى صوت جرس الباب حتى انتفضت دقاتها بعنف، وكأن قلبها أصبح يعرف حضوره قبل أن تراه عيناها.
ألقت نظرة أخيرة على نفسها، ثم تحركت نحو الخارج بخطوات بطيئة مترددة، وما إن فتحت الباب حتى وجدته واقفًا أمامها ينظر إليها بطريقة جعلت أنفاسها تختنق داخل صدرها.
كانت عيناه معلقتين بها بذهول وعشق واضح، وكأنه نسي العالم كله للحظة بمجرد أن رآها.
تأمل ملامحها بصمت طويل أربكها أكثر، ثم اقترب منها دون أن يرفع عينيه عنها، وأحاط خصرها بذراعه يجذبها إليه بحركة تلقائية تحمل كل اشتياقه، قبل أن يميل ويقبل خدها قبلة طويلة جعلت الحرارة تتصاعد إلى وجهها فورًا، ثم همس قرب أذنها بصوت ممتلئ بالافتتان:
"انتي حلوه اوي كده أزاي؟"
ارتبكت رنيم بشدة، وشعرت بأن قلبها يوشك أن يقفز من بين ضلوعها تحت نظراته المشتعلة بها. خفضت عينيها عنه بخجل وهي تقول بتوتر واضح:
"ش شاهين، متكسفنيش."
لكن كلماتها لم تهدئه، بل بدا وكأنها زادته تعلقًا بها أكثر.
ألصقها به بقوة حتى شعرت بحرارة أنفاسه تلفح بشرتها، ثم قال بأنفاس متقطعة خرجت مثقلة بمشاعره ولهفته:
"احنا لازم نتجوز في اسرع وقت، انا كل مره بشوفك فيها، بنهار."
ارتجف جسدها بالكامل مع نبرة صوته، وشعرت بأن قربه منها يسلبها القدرة على التفكير الطبيعي. كان يتحدث معها وكأنها الشيء الوحيد الذي يريده من الدنيا، وكأن وجودها أصبح ضرورة لا يستطيع العيش بدونها.
تعالت أنفاسها بشدة، وأصبح صدرها يعلو ويهبط بسرعة واضحة، بينما حاولت التمسك بأي قدر من التوازن وهي تقول بصوت متقطع:
"ش شاهين احنا اتكلمنا في الموضوع ده وقولنا ن نصبر شويه على الخطوة دي."
أغمض عينيه لثواني طويلة وكأنه يحاول السيطرة على نفسه بصعوبة، ثم ابتعد عنها خطوة واحدة فقط، رغم أن ملامحه كانت تقول بوضوح إنه لا يريد الابتعاد أصلًا، وقال بصوت متحشرج من شدة تأثره:
"مش عايز اضغط عليكي ولا افضل ألح عليكي لحد ما تزهقي، بس انا فعلا مشتاق لكل حته فيكي، عايزك فى حضني بالحلال، عايزك تبقى مراتي واسمك على أسمي ونكون عيله جميله وصغيره، ونكبرها واحنا سوا."
كلماته تسللت إلى قلبها بصورة موجعة، فهي لأول مرة تشعر أن هناك رجلًا ينظر إليها بهذا القدر من الاحتياج والحب، رجل يتحدث عن المستقبل معها وكأنه لا يرى حياته مكتملة بدونها.
خفضت رأسها بخجل، بينما ابتسامة صغيرة مرتبكة ظهرت على شفتيها رغمًا عنها، وقالت بتلعثم:
"ا اصبر عليا شويه يا شاهين، عايزه اخد الخطوة دي بأقتناع، مش تحت ضغط."
تبدلت ملامحه فورًا إلى ذلك اللين الغريب الذي لا يظهره إلا معها، ثم ابتسم لها بحب عميق وقال بنبرة هادئة تحمل استسلامًا كاملًا لها:
"حاضر يا عمري، بس ارأفي بحالي شوية، وبطلي تحلوي بالشكل ده."
ازدادت حمرة وجنتيها أكثر، وضحكت بخجل وهي تحاول الهروب بعينيها بعيدًا عنه:
"يا شاهين بس بقى، بتكسفني."
تعالت ضحكاته الرجولية الدافئة، تلك الضحكة التي كانت تذيب شيئًا داخلها كل مرة تسمعها، ثم قال بعشق خالص:
"بعشقك في كل حالاتك."
رفع يده ببطء وأعاد خصلات شعرها خلف أذنها بحنان شديد، ثم مرر أطراف أصابعه على خدها وكأنه يحفظ ملمسه داخل روحه، وقال بصوت انخفض بصورة جعلت قلبها يرتجف:
"مستعد استناكي عمري كله يا رنيم، وأكون اسير لعيونك طول الوقت، بس إياكي تفكري تبعدي عني، علشان وقتها هتشوفي شاهين تاني خالص، فاهمة يا أجمل حاجه فى دنيتي؟"
تجمدت أنفاسها للحظة وهي تنظر داخل عينيه.
كانت ترى الحب بوضوح صادق ومخيف في الوقت نفسه، لكن خلف هذا الحب كان هناك شيء آخر، شيء مظلم، حاد، متملك بصورة مرعبة، وكأن خسارتها قد تدفعه فعلًا لتحطيم العالم بأكمله.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مهتز:
"ف فاهمه، ب بس انت ليه بتخوفني منك يا شاهين؟"
هز رأسه نافيًا، ثم اقترب منها أكثر حتى أصبحت تشعر بحرارة أنفاسه على وجهها، وقال بابتسامة عاشقة تحمل داخلها الكثير من الجنون:
"أنا مش بخوفك يا رنيم، أنا متمسك بيكي لدرجة الجنون، لدرجة أني ممكن اهد الدنيا كلها، لو فكرتي مجرد فكرة في دماغك بس انك تبعدي عني، أنا سلاح ذو حدين يا رنيم، عشقي ملهوش حدود، بس غضبي وحش اوي لو فكرتي تسبيني."
كلماته جعلت قلبها يرتجف بعنف، فهي ترى الحب داخل عينيه بوضوح، لكنها ترى شيئًا آخر أيضًا، شيئًا مظلمًا يخيفها كلما ظهر. لكن عشقها له كان أقوى من خوفها، وشعرت أنه لم يعد هناك فائدة من الهروب أو إخفاء تلك الكلمة داخل قلبها أكثر من ذلك.
رفعت عينيها إليه مباشرة، ونظرت له بنظرة ممتلئة بمشاعر لم تعترف بها لأحد يومًا، ثم قالت بصوت هامس عاشق:
"بحبك يا شاهين، مقدرش ابعد عنك لانك بقيت مصدر الامان ليا، وجودك جنبي هي السعادة الحقيقيه ليا."
في تلك اللحظة شعر شاهين وكأن العالم توقف حوله.
انعكست الصدمة والسعادة على ملامحه بوضوح، وكأن قلبه لم يكن مستعدًا لسماع اعترافها رغم انتظاره له كل هذا الوقت. لأول مرة يسمعها تقولها بهذه الصراحة، بهذه الرغبة الحقيقية، دون خوف أو تردد.
اشتعلت عيناه بعشق وجنون أكبر، وفجأة مال برأسه نحوها وسحق شفتيها بقبلة قوية وعنيفة، قبلة حملت كل اشتياقه ولهفته واحتياجه المجنون لها.
تقطعت أنفاسهما داخل تلك القبلة الطويلة، وفي البداية حاولت رنيم الابتعاد عنه مرتبكة وخجل من عنفه في التعبير عن مشاعره، لكنه كان يحتضنها وكأنه يخشى أن تضيع منه، ومع كل ثانية كانت مقاومتها تضعف أكثر حتى استسلمت له تمامًا، وتجاوبت معه بضعف وعشق جعل شاهين يفقد ما تبقى من اتزانه.
ظل يحتضنها بتملك واضح، وكأنه يحاول أن يخبئها داخل صدره بعيدًا عن العالم كله، حتى دوى فجأة صوت أنثوي غاضب مزق اللحظة بالكامل:
"ما انت حلو اهو، وبتعرف تحب وتبوس، اومال فيه ايه؟ ناسي مراتك وبناتك ليه يا شاهين؟"
وكأن صاعقة ضربت المكان.
انتفضت رنيم بعنف وابتعدت عن شاهين فورًا، بينما اتسعت عيناها بصدمة مرعبة وهي تنظر إلى المرأة الواقفة أمام الباب.
شعرت للحظة بأن الأرض تميد أسفل قدميها، ثم التفتت ببطء نحو شاهين، لتجده واقفًا مكانه مغمض العينين، وفكاه مشدودان بقوة حتى برزت عروقه بصورة مخيفة، بينما كانت ملامحه غارقة في غضب مكتوم واختناق واضح.
ارتجف صوتها وهي تقول بعدم استيعاب:
"الست دي بتقول ايه يا شاهين؟ مرات مين وبنات ايه؟"
لكنه لم يجب. ظل واقفًا مكانه كأن الكلمات اختنقت داخل حلقه، وكأن اللحظة التي كان يهرب منها منذ زمن طويل وقفت أخيرًا أمامه بلا مفر.
وفجأة ارتفع صوت رنيم بصورة أكثر حدة وغضبًا وهي تصرخ بصدمة:
"رد عليا يا شاهين ايه الكلام اللي بتقوله الست دي؟"
فتح عينيه ببطء، وكانت حمرة قاتمة مخيفة تكسوهما من شدة الغضب والاختناق، ثم نظر إليها وكأن قلبه ينتزع من بين ضلوعه، وقال بصوت مختنق...
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع والعشرون
ظل شاهين واقفًا مكانه كأن الكلمات قد اختنقت داخل حلقه، وكأن اللحظة التي ظل يهرب منها طويلًا وقفت أخيرًا أمامه بكل قسوتها، تمنعه من الفرار للمرة الأولى. شعر للحظة أن الهواء أصبح أثقل من أن يتنفسه، وأن نظرات رنيم المرتجفة المصدومة تخترق صدره مباشرة وتنتزع منه كل قدرة على التماسك.
كانت عيناه معلقتين بها، يراها تقف أمامه بتلك الهيئة المرتبكة، وكأن عالمها بأكمله بدأ يتداعى دون أن تفهم السبب بعد، بينما هو يعرف جيدًا أن الحقيقة التي أخفاها عنها ستدمر كل شيء بينهما في لحظة واحدة.
وفجأة ارتفع صوت رنيم بصورة أكثر حدة وغضبًا وهي تصرخ بصدمة:
"رد عليا يا شاهين ايه الكلام اللي بتقوله الست دي؟"
كانت حمرة قاتمة مخيفة تغطي عينيه من شدة الغضب والاختناق، بينما بدا وكأنه يحاول بصعوبة أن يجبر نفسه على النطق. نظر إليها للحظات طويلة وكأن قلبه ينتزع من بين ضلوعه حرفيًا، ثم خرج صوته أخيرًا مختنقًا ومثقلًا بشيء يشبه الهزيمة:
"دي أماليا مراتي، ودول بناتي."
في تلك اللحظة شعرت رنيم وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها دفعة واحدة.
اتسعت عيناها بذهول مرعب، وتراجعت للخلف بخطوات غير متزنة، ثم رفعت يدها المرتجفة تمررها داخل شعرها بعشوائية، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة صادمة مشوهة، ابتسامة إنسان يحاول استيعاب كارثة أكبر من قدرته على الفهم.
كانت تنظر إليه وكأنها لا تعرفه، وكأن الرجل الذي وقف منذ دقائق يحتضنها ويغرقها بكلمات الحب لم يعد نفس الشخص الواقف أمامها الآن.
وتكلمت بعدم فهم وصوتها يرتجف بصورة موجعة:
"مراتك! وبناتك! طيب ازاي؟ انت لسه كنت بتطلب مني الجواز، لسه كنت بتقولي بحبك."
ثم ارتفع صوتها بصورة هستيرية وهي تنظر إليه بعينين امتلأتا بالخذلان:
"فهمني يا شاهين، يعني ايه كلامك ده؟"
شعر شاهين بأنفاسه تضيق بعنف، وكان على وشك الاقتراب منها ومحاولة شرح أي شيء، لكن أماليا سبقته حين اقتربت منه وأمسكت ذراعه بتملك واضح، ثم نظرت إلى رنيم بابتسامة باردة مستفزة وهي تقول:
"يعني هو متجوز وعنده بنتين زي القمر عرايس اهم قصادك، أما انتي بقى، مجرد نزوة، واحده سهله قال يقضي معاها يومين وخلاص."
ما إن أنهت كلماتها حتى أغمض شاهين عينيه بعنف، واشتدت عضلات فكه بصورة مخيفة حتى برزت عروقه من شدة الضغط، ثم قال بصوت يحمل تحذيرًا مرعبًا:
"اماااليا، مسمعش صوتك نهائي، فاهمه؟"
لكن كلمات أماليا كانت قد وصلت بالفعل إلى قلب رنيم كالسكاكين.
حركت رأسها بعدم تصديق، بينما كانت دموعها تتجمع داخل عينيها رغم محاولاتها المستميتة للتماسك، ثم نظرت إليه بوجع حقيقي وقالت:
"بتسكتها ليه يا شاهين؟ ما هي فعلا بتقول الحقيقه، انت واطي وندل وجبان، حسك عينك تقرب مني تاني يا شاهين، أنا بكرهك."
شعر شاهين وكأن شيئًا ما انكسر داخله لحظة سماعه لتلك الكلمة الأخيرة.
اقترب منها سريعًا، وكأنه يريد الإمساك بها قبل أن تضيع منه تمامًا، وكاد أن يتكلم، لكن رنيم صرخت بوجهه بعنف جعل خطواته تتجمد مكانها:
"قلتلك متقربش، اطلع بره، مش عايزه اشوف وشك تاني."
كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، ودموعها تنهمر دون توقف، بينما كانت تنظر إليه بنظرات مختلطة بين الكراهية والانكسار، وكأنها لا تصدق أن الرجل الذي سلمته قلبها بهذه الثقة هو نفسه من أخفى عنها حياة كاملة.
أما شاهين، فقد بدا لأول مرة عاجزًا بالكامل.
نظر إليها بعينين ممتلئتين بالرجاء والاختناق، ثم تكلم بصوت مبحوح متوسل:
"رنيم، اهدي علشان خاطري، اديني فرصه، افهمك الحقيقه."
لكنها حركت رأسها بعنف وهي تبكي وقالت:
"مش عايزة اسمع صوتك يا شاهين، اطلع بره."
ارتسمت ابتسامة انتصار واضحة فوق شفتي أماليا، وكأنها حققت ما جاءت من أجله تمامًا، ثم اقتربت من شاهين وأمسكت يده بنبرة مستفزة متعمدة: "يلا يا حبيبي على البيت، أنا وبناتك مشتاقين ليك."
اشتدت قبضة شاهين بعنف حتى كادت عظام يده تتحطم، وكان الغضب يشتعل داخله بصورة مرعبة، لكنه رغم ذلك رفع عينيه نحو رنيم ونظر إليها نظرة طويلة موجوعة، وكأنه يحاول حفظ ملامحها قبل أن يفقدها، ثم قال بتساؤل غريب وسط كل ذلك الخراب:
"طيب والعشا، مش هتروحي؟"
نظرت إليه رنيم بصدمة حقيقية، وكأنها غير مصدقة أنه ما زال قادرًا على الحديث بصورة طبيعية بعد كل ما حدث، ثم قالت بانفعال حاد:
"انت بجد مستفز، اطلع برره يا شاهين، مش عايزه اشوف وشك ولا اسمع صوتك."
زفر شاهين بضيق شديد، ثم أمسك أماليا من ذراعها بعنف واضح وأجبرها على التحرك معه نحو الخارج، بينما كانت هي تنظر إلى رنيم بنظرات مليئة بالشماتة.
وقبل أن يغادر، التفت شاهين نحو ابنتيه، فنظر إليهما بحزن عميق موجع، ثم ترك ذراع والدتهما بصمت وكأن التعب أصبح أثقل من احتماله.
وما إن خرج من عندها حتى دفعت رنيم الباب بقوة هائلة، ثم أسندت ظهرها عليه، لكنها لم تستطع الصمود أكثر من ذلك.
بدأ جسدها ينهار ببطء، وانزلقت بظهرها حتى جلست على الأرض، ثم رفعت يدها إلى وجهها وانفجرت بالبكاء بصورة مؤلمة، بينما كانت شهقاتها تخرج ممزقة وكأن قلبها يتمزق بالفعل داخل صدرها.
أما بالخارج…
فقد وقف شاهين للحظات أمام الباب بعدما سمع صوت بكائها المنهار.
أغمض عينيه بقوة، وشعر بقلبه يسحق تحت وطأة عجزه. لم يكن هناك شيء أصعب عليه من سماع انهيارها بسببه، لكنه كان يعلم أيضًا أن أي محاولة للبقاء الآن ستجعل الأمور أسوأ.
تحرك أخيرًا نحو باب شقته، فتحه بعنف خافت، ثم تكلم بصوت مختنق ما زالت آثار ألمها واضحة فيه:
"اتفضلي خدي البنات وادخلي وانا عندي مشوار مهم، هخلصه وارجعلك وأشوف سبب وجودك في مصر ايه."
تحركت أماليا إلى الداخل برفقة ابنتيها، بينما أغلق شاهين الباب بقوة خلفهم، ثم استدار ببطء ونظر نحو باب شقة رنيم.
ظل ينظر إليه لثواني طويلة بصمت قاتل، وكأن روحه ما زالت واقفة خلف ذلك الباب معها.
ثم زفر بضيق شديد وتحرك أخيرًا نحو المصعد، دخله وهبط به إلى الأسفل، وبعدها خرج بخطوات سريعة متوترة واتجه مباشرة إلى سيارته.
صعد إليها بعنف، أدار المحرك، ثم انطلق بها بسرعة جنونية، وكأن الهروب هو الشيء الوحيد الذي ما زال قادرًا عليه بعدما انهار كل شيء بين يديه.
***************************
بالمساء، كانت أجواء الفيلا تبدو هادئة من الخارج، لكن داخل الجدران كانت الأرواح تضج بمشاعر متناقضة، بين فرحة النجاة، وقلق خفي يتسلل إلى القلوب دون رحمة.
جلس جواد على الأريكة واضعًا ساقًا فوق الأخرى بعصبية واضحة، بينما كانت أصابعه تضرب على ذراع المقعد بحدة متقطعة تكشف عن غضبه المكتوم. كان يشعر بضيق خانق كلما تذكر أن شاهين سيجلس بينهم الليلة، في منزلهم، وعلى مائدتهم، وكأنه فرد من العائلة، بينما داخله يرفض وجوده رفضًا قاطعًا لا يستطيع تفسيره بالكامل حتى لنفسه. كانت نظراته مشتعلة طوال الوقت، يرمق الباب بين الحين والآخر وكأنه ينتظر دخوله ليبدأ القتال فورًا.
أما غريب، فكان يتابع ابنه بصمت عميق، يدرك جيدًا ما يدور داخله، ويلاحظ ذلك الاحتقان الواضح الذي يحاول جواد إخفاءه عبثًا. لكنه لم يتدخل، فقط ظل يراقبه بعين رجل لديه من الخبرة ما يكفي، ويعلم أن بعض المشاعر لا تُناقش، بل تُكشف وحدها مع الوقت.
جلست ترنيم إلى جوار غريب وقلبها يكاد يقفز من شدة التوتر والسعادة معًا. لأول مرة منذ سنوات طويلة ستدخل رنيم هذا المنزل بإرادتها، لأول مرة ربما يلين ذلك الحاجز القاسي الذي بُني بينهما عبر العمر. كانت تحاول أن تبدو هادئة، لكن عينيها المعلقتين بساعة يدها فضحتا اضطرابها الواضح، ثم التفتت إلى غريب وسألته بقلق حاولت إخفاءه:
"هما مالهم اتأخروا كده ليه يا غريب."
حرك غريب كتفيه بهدوء وقال بعدم معرفة:
"معرفش يا ترنيم، زمانهم جايين."
تحدثت أروى وهي ما تزال غير مصدقة لما يحدث، وكأنها تخشى أن تستيقظ من حلم جميل:
"أنا لحد دلوقتي مش مصدقه نفسي، أن رنيم هتيجي عندنا."
تنهدت سمية بحنين موجع، ثم قالت بنبرة يغلبها الدفء رغم الحزن المختبئ خلف كلماتها:
"رنيم طيبه على فكرة، بس منها لله بقى أمها عرفت تكرهها فى امك حتى بعد موتها."
أومأت جواهر برأسها سريعًا وكأنها تؤكد على كل حرف قيل، ثم تحدثت بصوت هادئ يحمل تعاطفًا واضحًا:
"طيبه وغلبانه اوي، رغم أنها بتحاول تظهر أنها قاسيه وقويه، بس من جواها هشه وضعيفه."
ارتجف قلب ترنيم مع الكلمات، وشعرت بوخزة ألم حقيقية داخل صدرها. كانت تعرف ذلك، تعرف أن تلك القسوة ليست سوى درع تخفي خلفه كل انكساراتها، لكنها رغم ذلك كانت عاجزة عن الاقتراب منها كما تتمنى. زفرت ببطء وقالت بتوتر واضح:
"أنا متحمسه اوي، وحاسه أن قلبي طاير من الفرحه."
لكن جواد، الذي كان يغلي من الداخل، لم يستطع كتمان ضيقه أكثر، فقال بنفاذ صبر واضح:
"أنا اصلا مش عارف اللي اسمه شاهين ده جاي معاها ليه؟ احنا عيله فى بعض، هو ماله بقى."
نظر إليه تامر محاولًا تهدئة الأجواء قبل أن تنفجر، وقال بنبرة عقلانية:
"متنساش أن هو اللي ظهر براءة مراتك، وابوك عزمه علشان يشكره على اللي عمله ده."
لكن جواد لم يقتنع، بل ازداد تذمره، وأدار وجهه للجهة الأخرى وهو يتمتم بغضب:
"محسسني أنه عمل اللي ميتعملش، على فكرة بقى ربنا هو اللي ظهر براءتها مش اللي اسمه شاهين ده."
رفع غريب عينيه إليه بملل واضح، ثم قال بنبرة حازمة تحمل نفاد صبره:
"جواد اهدا بقى متبقاش شبه الاطفال كده، قولنا بنشكره على حاجة عملها وخلاص."
وفي اللحظة نفسها دوى جرس الباب داخل الفيلا، فانتفض جواد من مكانه واتجه نحوه بخطوات سريعة، بينما شعور ثقيل كان يضغط فوق صدره بقوة.
فتح الباب، وما إن وقعت عيناه على شاهين حتى اشتعل الغضب داخله بصورة أعنف، وكأن مجرد رؤيته تستفز كل خلية فيه. وقف أمامه حاجبًا الطريق، ينظر إليه بنظرات حادة تكاد تشتعل شررًا.
أما شاهين، فكان يبدو متوترًا من الداخل رغم محاولته الثبات. عيناه كانتا مرهقتين بصورة واضحة، ووجهه يحمل آثار يوم قاسي، لكنه حين لمح تلك النظرة العدائية من جواد، ضاق صدره أكثر وقال بصوت غاضب:
"روح نادي حد كبير يا شاطر."
قبض جواد على يده بقوة حتى برزت عروقه، ثم قال من بين أسنانه بتهديد واضح:
"بلاش تستفزني علشان مقلش منك."
لكن شاهين ابتسم بسخرية باردة، ثم قال باستفزاز متعمد:
"طيب انا قصادك اهو وريني هتقل مني ازاي؟"
كانت الشرارة على وشك الاشتعال فعلًا، ولولا أن غريب أدرك من تأخرهما أن كارثة صغيرة توشك أن تقع، لما مر الأمر بسلام. التفت سريعًا إلى تامر وقال بحزم:
"روح استقبلهم يا تامر وهات التاني المجنون ده."
أومأ تامر برأسه ونهض فورًا، وحين وصل وجد جواد بالفعل على وشك الاندفاع نحو شاهين، فأمسك ذراعه سريعًا يمنعه، ثم التفت إلى شاهين بابتسامة ترحيب متكلفة وقال:
"منور يا شاهين باشا، اومال فين رنيم؟"
تبدلت ملامح شاهين للحظة، وعبرت غمامة ألم سريعة داخل عينيه، لكنه أخفاها سريعًا وقال بابتسامة متوترة:
"بنورك، رنيم تعبت شوية ومقدرتش تيجي معايا."
تكلم تامر وهو يفسح الطريق:
"اتفضل الكل منتظرك جوه."
نهض غريب وقال بترحاب محسوب:
"اهلا وسهلا يا شاهين، منور الفيلا."
وصل خبر عدم مجئ رنيم إلى الجميع كصفعة باردة، خاصة لترنيم التي كانت عيناها متعلقتين بالباب منذ دقائق بلهفة أم تنتظر ابنتها. وما إن سمعت أنه جاء وحده حتى خبت السعادة داخلها فجأة، وانطفأ وجهها بصورة موجعة، وجلست ببطء فوق الأريكة وهي تشعر بخيبة أمل حادة.
نظرت إلى سمية وهمست بصوت مختنق يكاد ينكسر:
"أنا متأكده أنها هى اللي مرضتش تيجي عندي."
ربتت سمية على يدها بحنان، محاولة تخفيف ذلك الوجع القديم الذي عاد ينهش قلبها، ثم قالت بهدوء:
"معلش يا حبيبتي متزعليش، اللي خلاكي تصبري كل السنين دي عليها طولي بالك عليها شويه كمان."
في الجهة الأخرى، جلس جواد بجوار جواهر وهو ما يزال يرمق شاهين بنظرات مشتعلة، حتى شعرت جواهر بذلك الغضب الصامت المشع من ملامحه، فأمسكت يده برفق وهمست:
"اهدا شويه يا جواد وشك باين عليه اوي، انك مش طايق الراجل."
ضغط على أسنانه بعنف وقال بصوت منخفض محتقن:
"أنا كنت ناوي اكسر عضمه، بس خالو تامر اتدخل فى اخر لحظة."
هزت جواهر رأسها بنفاد صبر وقالت بعدم فهم حقيقي:
"أنا مش عارفه ايه سر الكراهيه اللي ما بينكم دي؟"
لكن قبل أن يجيبها، تدخل غريب بصوته الرجولي الحازم قائلًا:
"حضروا الاكل يلا."
نهضت ترنيم بحزن واضح، وتبعتها سمية وأروى وجواهر نحو المطبخ، بينما بقي الرجال وحدهم داخل الصالة، والأجواء بينهم مشحونة بتوتر خفي يكاد يُلمس.
جلس غريب بثبات، ووضع قدمًا فوق الأخرى، ثم نظر إلى شاهين نظرة طويلة متفحصة قبل أن يقول:
"أنا كنت حابب اشكرك على مساعدتك لينا فى إظهار براءة جواهر مرات ابني، بس اللي مستغربه انت عرفت الحقيقه إزاي؟"
استرخى شاهين إلى الخلف محاولًا الحفاظ على هدوئه، وفعل مثله بوضع ساق فوق الأخرى، ثم قال بنبرة محسوبة وواثقة:
"كله عن طريق الصدفه، أنا كنت اتعرفت عليه عن طريق رنيم، وحسيت أنه مخبي حاجه وراه، ولما حصل كده وطلبت رنيم مني اساعدها نوصل للقاتل الحقيقي علشان تخرج بنت عمتها من السجن، احساس جالي وشكيت في اللي اسمه زين ده، ودورت أنا ورجالتي وراه لحد ما عرفت الحقيقه وروحت ليه وسجلت كل اللي قاله وقدمته للمحكمه."
ظل غريب يتأمله بصمت طويل، وكأن عينيه تحاولان اختراقه والوصول لما يخفيه خلف ذلك الهدوء المريب، ثم قال بتساؤل بدا عابرًا لكنه لم يكن كذلك أبدًا:
"بس انا سمعت التسجيل كله فى المحكمه وسمعت اسم اترددت كتير منه، اسم مريم، انت تعرف حد اسمه مريم؟"
للحظة قصيرة جدًا، تجمد شيء ما داخل شاهين، لكنه سرعان ما أخفى ارتباكه بابتسامة هادئة وقال بثقة:
"كلنا فى حياتنا حد اسمه مريم، بس ايه مشكلة الاسم معاك؟"
أجابه غريب بنفس النبرة الهادئة، لكن نظراته كانت أشد حدة:
"اصل الاسم ده بالذات وراه غموض كبير اوي، وانا بحاول أحل اللغز ده."
ابتسم شاهين ابتسامة صغيرة مدروسة، ثم قال:
"ربنا معاك وتقدر تحل اللغز ده فى أقرب وقت."
شعر تامر أن الجو بدأ يزداد توترًا، فتدخل سريعًا وهو يحاول تغيير مسار الحديث:
"قولي بقى ايه طبيعة العلاقة اللي بينك انت ورنيم؟"
وبمجرد سماع اسمها، تبدلت ملامح شاهين للحظة، وعبرت أمام عينيه صورة وجهها الباكي، صوتها وهي تصرخ فيه، نظرتها المنكسرة، فشعر بوخزة حادة داخل صدره كادت تخنقه. تنفس ببطء، ثم أجاب بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا:
"أنا ورنيم بنحب بعض وقريب إن شاءالله هنتجوز."
رفع جواد حاجبيه بسخرية وقال بتهكم لاذع:
"تتجوزها من نفسها كده؟ ده على اساس ان مافيش رجاله عندها تطلب ايديها منهم."
نظر شاهين إليه بضيق واضح، لكنه تمالك نفسه وقال بنفاد صبر:
"انا مقولتش هتجوزها من نفسها، أنا بقول بنحب بعض وقريب هنتجوز، بعد ما اجي اطلب ايديها منكم، بس لما نكون مستعدين للخطوة دي."
لكن جواد لم يتوقف، بل قال بنبرة لئيمة متعمدة:
"طيب مش المفروض نعرفك كويس قبل ما نديك بنتنا."
أومأ شاهين برأسه بثبات وقال بثقة واضحة:
"ده اكيد طبعا وتقدر تسأل عن شاهين الرواي، وهتلاقي كتير اوي يقولوا ليك أنا ابقى مين."
ابتسم تامر بمزاح يحمل معنى خفيًا وقال:
"واضح انك غامض ومش سهل يا شاهين."
فرد شاهين بهدوء مماثل:
"لا انا مش غامض، أنا واثق من نفسي ومعنديش اللي اخاف منه واداريه."
ظل غريب يراقبه بعينين ثاقبتين، ثم قال ببطء وكأنه يزن كل كلمة:
"لا واضح فعلا انك واثق من كل حاجة وحاسبها بالمسطرة."
وفي تلك اللحظة جاءت أروى وقالت بابتسامة خفيفة:
"مامي بتقولكم السفرة جاهزة."
أومأ غريب برأسه ثم نظر إلى شاهين قائلًا:
"يلا اتفضل معانا."
نهض الجميع من أماكنهم واتجهوا نحو طاولة الطعام، لكن رغم هدوء المشهد ظاهريًا، كانت العيون كلها تراقب شاهين بصمت، وكأن كل شخص على الطاولة يحاول اكتشاف الحقيقة المختبئة خلف ذلك الرجل الغامض.
***************************
بعدما غادر شاهين المنزل، خيم صمت ثقيل على المكان، كأن الجدران نفسها فقدت قدرتها على التنفس. بقيت أماليا واقفة في موضعها لثوانٍ طويلة، تحدق في الفراغ الذي تركه خلفه، وعيناها تتقدان بغضب مكتوم يختلط فيه الألم بالخذلان. كانت الصورة لا تفارق ذهنها؛ تلك اللحظة التي رأته فيها يحتضن فتاة أخرى ويقبلها بتلك الحميمية التي لم تعرفها معه منذ سنوات، وكأن قلبها أعاد عيش جرح قديم انفتح دفعة واحدة دون رحمة.
تحركت بخطوات بطيئة نحو إحدى الغرف داخل المنزل، وأغلقت الباب خلفها بإحكام، وكأنها تحاول أن تحبس داخلها كل ما ينهش روحها في الخارج. جلست على المقعد، وأسندت ظهرها إلى الخلف، وعيناها شاخصتان إلى سقف الغرفة، بينما بدأت ذاكرتها تنسحب بها قسرًا إلى البداية.. إلى حيث كل شيء بدأ قبل أن يتحول الحب إلى خيبة، والوعود إلى فراغ.
فلاش باااك…
كان شاب في منتصف العشرينات يتحرك داخل شركة والده خارج مصر بثبات وهيبة لافتة، خطواته واثقة. كانت الأنظار تتبعه أينما ذهب؛ الموظفون يتهامسون بإعجاب، والفتيات يتابعنه بنظرات مملوءة بالانبهار والارتباك، فهو لم يكن مجرد شاب وسيم، بل كان يحمل حضورًا طاغيًا وجسدًا عريضًا يفرض احترامه دون أن يتكلم.
لكن بالنسبة له، كل ذلك لم يكن جديدًا. اعتاد تلك النظرات منذ سنوات، حتى بات يتعامل معها وكأنها جزء من ديكور يومه المعتاد.
دخل مكتبه الفخم بخطوات هادئة، ثم جلس خلف مكتبه الخشبي الكبير، وأراح ظهره للحظات وكأنه يطرد إرهاقًا لا يراه أحد. وقفت أمامه فتاة تراقبه بإعجاب واضح ممزوج بالتوتر، وكأنها تخشى الاقتراب منه وفي الوقت ذاته لا تستطيع إخفاء انجذابها إليه. رفع شاهين عينيه القاسيتين ببطء، ثم قال بنبرة عملية صارمة:
"أماليا هاتي الملفات اللي محتاجة أمضى، ولو فيه اجتماعات النهارده ألغيها، تعبان مش قادر."
ردت عليه بلهفة خفيفة ولهجة عربية مكسرة، وصوتها يحمل حرصًا واضحًا:
"سلامتك مستر شاهين، تحب اتصل بالدكتور؟"
حرك رأسه بالنفي دون تردد، ثم قال ببرود عملي:
"لا مش محتاج، اتفضلي يلا على مكتبك."
توقفت لحظة قبل أن تتحرك، نظرة طويلة منها نحوه كأنها تحاول أن تحفظ ملامحه، ثم خرجت من المكتب. وبعد دقائق عادت تحمل الملفات المطلوبة، وضعتها أمامه على سطح المكتب، واقتربت منه قليلًا بانحناءة محسوبة، وأشارت إلى الأوراق وهي تقول:
"البند ده حضرتك محتاج يتراجع كويس."
رفع نظره نحوها، فلاحظ محاولة متعمدة لإبراز أنوثتها بطريقة لم تخفي عليه. لم يحتج سوى لحظة واحدة ليبعد عينيه عنها ببرود واضح، ثم قال بنبرة اشمئزاز حادة:
"مش بيجي معايا الأسلوب الرخيص ده، اتعدلي، وأول واخر مره تحاولي تعملي كده تاني فاهمه؟"
ارتبكت فورًا، وعدلت وقفتها بسرعة، وقالت بتوتر واضح:
"ها.. لـ لا والله مقصدش حاجه."
لم يعطها اهتمامًا، وبدأ يوقع على الأوراق وكأنه لم يحدث شيء، ثم عاد بظهره إلى الخلف وقال بنبرة رجولية صارمة:
"اتفضلي خدي الملفات وروحي على مكتبك."
خرجت مسرعة، جلست على مكتبها وقلبها يخفق بعنف، بين الخوف منه والرغبة فيه، بين الرفض والإصرار على الاقتراب أكثر.
ومرت الأيام، وظل هو على حاله، يصد كل محاولة منها للاقتراب، يضع حدودًا واضحة لا تسمح بالتجاوز، بينما هي كانت تزداد تعلقًا كلما ابتعد.
حتى جاء ذلك اليوم.. يوم تغير فيه كل شيء.
كان شاهين قد غادر الشركة في حالة غضب شديدة، كأن شيئًا داخله قد انكسر. وفي منتصف الليل، سمعت أماليا طرقًا على الباب. فتحت بسرعة، لتجده أمامها، مترنحًا، تفوح منه رائحة الكحول، وعيناه غارقتان في اضطراب ثقيل.
دون أن يتكلم، دخل إلى الداخل وسقط على الأريكة، بينما أسرعت هي تساعده بقلق واضح، وقالت:
"حضرتك كنت فين من الصبح اتصلت بيك كتير مش بترد؟"
فتح عينيه بصعوبة، ونظر إليها، كانت أمامه بصورة لم يرها من قبل، أقرب، أكثر جرأة، وأكثر إغراءً تحت تأثير السكر، فاقترب منها دون وعي كامل بما يفعل، بينما هي لم تقاوم، بل كانت تستقبل قربه وكأنه فرصة انتظرتها طويلًا.
وفي الصباح.. استيقظ شاهين ببطء، وعيناه تبحثان عن تفسير لما حوله. ما إن استوعب المشهد حتى اتسعت عيناه بصدمة، وارتبك جسده وهو يدرك الحقيقة كاملة.
التفت ببطء، فوجدها بجواره، ثم نظر إلى نفسه، وإلى الفوضى التي خلفها الليل، وكأن الواقع يصفعه بلا رحمة.
تحركت أماليا ببطء، ثم ابتسمت بخجل وقالت:
"ص صباح الخير."
أغمض عينيه بضيق شديد، ثم قال بحدة ممزوجة بالارتباك:
"هو ايه اللي حصل وانا جيت هنا ازاي؟"
جلست على السرير، وصوتها منخفض:
"ح حضرتك مشيت امبارح من الشركه متعصب، حاولت اتصل بيك علشان اوصلك بس مكنتش بترد عليا، وبليل لاقيتك جاي وكنت سكران، و و حصل ما بينا كده يعني."
مرر يده على وجهه بضيق شديد، ثم نهض وبدأ يرتدي ملابسه، وقال بنبرة قاسية محملة بالندم:
"بصي أنا معرفش ده حصل مني ازاي؟ بس انا كنت سكران ودي اول مره تحصل مني، شوفي ايه اللي يعوضك عن اللي حصل ده وانا مستعد اعمله ليكي."
اقتربت منه بسرعة، وقد ارتدت شيئًا خفيفًا حول جسدها، وقالت بصوت مكسور لكنه ممتلئ برجاء:
"اللي يعوضني عن اللي حصل هو انت يا شاهين، ا أنا كنت فيرچن و واول راجل يلمسني هو انت، أنا مرفضتش أن ده يحصل ما بينا، علشان أنا من أول مره شفتك فيها، كنت بحلم أنك تكون اول راجل في حياتي، ارجوك يا شاهين، خليك معايا، وصدقني مش هتندم."
ابتعد عنها بحدة، وارتسمت على وجهه قسوة واضحة، وقال:
"بس انا مش بفكر في الارتباط دلوقتي، معنديش وقت للكلام ده، أنا عندي حاجات اهم من الحب والجواز بكتير."
اقتربت منه مجددًا، تحاول التمسك بما تبقى من اللحظة، وقالت برجاء:
"صدقني مش هعطلك عن أي حاجه فى حياتك خالص، هاقف جنبك وادعمك فى أي حاجه بتعملها."
أغمض عينيه للحظة، وكأنه يحارب نفسه، ثم قال بصوت مختنق:
"سبيني دلوقتي افكر، وأبقى ارد عليكي."
ثم غادر المكان وتركها خلفه، وقلبها ممتلئ بتناقض غريب بين السعادة والخوف.
ومرت الأيام، وظل شاهين يتعامل معها ببرود رسمي، يقترب حينًا ويبتعد حينًا آخر، وكلما حاولت هي كسر المسافة، أعاد بناءها من جديد بتحذير لا يحتمل التأويل.
حتى جاء ذلك اليوم الذي قالت فيه، بصوت شاحب يكاد لا يسمع:
"شاهين، أنا حامل."
في تلك اللحظة، توقف الزمن داخله. لم يكن الأمر مجرد خبر، بل كان صدى حياة كاملة تعاد أمامه؛ طفولة مشوهة، غياب أب، وجراح قديمة لم تلتئم. أدرك أن دائرة الماضي تعود لتلتف حوله من جديد، وأن طفلًا آخر سيأتي إلى عالم لا يرحم.
ومن هنا، اتخذ قراره.. أن يتزوجها، لا حبًا، بل خوفًا من أن يعاد إنتاج مأساته القديمة في جسد طفل لم يولد بعد.
تغيرت حياتهم بعد الزواج، أصبح يهتم بها ظاهريًا، يحيطها برعاية واهتمام، لكنه كان قلبًا بعيدًا، وعقلًا غارقًا في أهداف أخرى لا علاقة لها بالحب. ومع مرور الوقت، جاء الطفل الأول، ثم تتابعت السنوات، وبدأت ملامح الاستقرار تتشكل ظاهريًا فقط.
لكن هذا الهدوء لم يدم.
فقد دخلت مريم إلى حياتهم كعاصفة باردة، تتسلل بين الشقوق لتوسعها. كانت تحرك الخلافات بدقة، تزرع الشكوك، وتحول البيت شيئًا فشيئًا من مكان دافئ إلى ساحة صراع لا تهدأ. لم يكن حضورها عابرًا، بل كان مؤثرًا كسم بطيء الانتشار، حتى انهارت العلاقة بين شاهين وأماليا تحت ضغط متواصل من المشاكل المفتعلة.
وانتهى الأمر بالانفصال.. لكنه أمام الأبناء، ظل الود بينهما، بينما الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا.
عاد شاهين إلى مصر برفقة مريم، بينما بقيت البنات مع أماليا. ورغم الانفصال، ظل يزور ابنتيه، يحمل لهما الحب والاهتمام، ويحاول أن يمنحهما ما يمكن أن يعوض غيابه.
ثم جاء يوم تغير فيه كل شيء مرة أخرى.
زيارة عادية، وطلب غريب من أماليا بأن يظل الأمر بينهم أمام الأطفال كما لو كانوا عائلة واحدة، حفاظًا على استقرارهم النفسي. وافق شاهين، وترك الباب مفتوحًا على وضع لم يكن زواجًا حقيقيًا ولا انفصالًا كاملًا، بل منطقة معقدة، زواج صوري، لكن أمام بناته يظهران حبهما لبعض.
ثم فجأة، انقطع.. وعندما تُسأل الفتايات عنه، كانت اجابتها لهم، أنها مجرد خلافات بينهما، وسوف تعود مع الوقت. حتى جاءها اتصال من مريم.
باااك…
عادت أماليا من شرودها، وكأن الماضي الذي أغرقها فيه وميض الذاكرة قد قطع فجأة بصوت شاهين الغاضب الذي اخترق سكون الغرفة كالسيف:
"أنا جتلك بقى، وعايز افهم ايه نزلك مصر؟"
ارتبكت لحظة، ثم نهضت ببطء، واقتربت منه بخطوات محسوبة، وكأنها تختبر حدود صبره الذي تعرف جيدًا أنه لم يعد كما كان. رفعت يدها، ومررتها على صدره في حركة مقصودة، مفعمة بالاستفزاز أكثر من الحنين، ثم قالت بصوت منخفض مائل للهمس:
"جيت لجوزي ابو بناتي، اللي بقالوا شهور مسألش فينا، وعايش حياته هنا ولا همه."
في لحظة واحدة تبدل الهواء بينهما، كأن الغرفة فقدت دفئها. دفع يدها بعيدًا عنه بقسوة، وكأن لمستها أحرقت جلده، ثم ضغط على أسنانه حتى برزت ملامح الغضب على وجهه بوضوح، وقال بحدة مكتومة:
"أماليا! بلاش طريقتك المستفزة دي، أنا وانتي عارفين أن الجواز ده صوري قصاد البنات، إنما انا وانتي انتهت علاقتنا من زمان أوي، عشر سنين، علاقتنا منتهيه."
لكن كلماته لم تطفئ ما بداخلها، بل زادته اشتعالًا. هزت رأسها بإنكار، وكأنها ترفض الاعتراف بحقيقة حاولت الهروب منها لسنوات، ثم قالت بصوت مختنق، يختلط فيه الألم بالتمسك:
"منتهيه عندك انت يا شاهين، إنما أنا لا، مافيش غيرك فى قلبي، مش قادره اشوف راجل غيرك، راضيه بحياة مفيهاش روح، في سبيل انك في يوم من الايام تحن وترجع تاني ليا، واتفاجأت لما شفتك مقرب من واحدة تانيه، عايش حياتك هنا، وانا هناك مستنياك زي العبيطه، بس لاا يا شاهين، محدش يقدر يخدك مني بسهوله كده، اللي تفكر تبص لجوزي افقع ليها عنيها."
كانت كلماتها تخرج محملة بسنوات من التعلق المرضي، من الانتظار، من الوهم الذي غذته وحدها. وفي المقابل، كان غضبه يتصاعد ببطء خطير، ليس فقط من كلماتها، بل من تلك الفكرة التي تحاول فرضها عليه كواقع.
اندفع نحوها في لحظة واحدة، وأمسك ذراعها بقوة مؤلمة، وقال من بين أسنانه، وصوته منخفض لكنه أشد فتكًا من الصراخ:
"أنا مش جوزك، انتي صفحه قديمه قطعتها من زمان، الرابط الوحيد اللي ما بينا هو بناتي، حياتي انا حر فيها احب اتجوز دي حاجه تخصني انا، ولو ابوكي راجل بجد، فكري تقربي ليها، علشان أنا وقتها هقتلك وادفنك ومحدش هيعرفلك طريق، فاهمه؟ وياريت تخدي نفسك وترجعي بلدك، وبناتي سبيهم ليا، ومالكيش دعوة بيهم."
ساد الصمت لثواني، لكنه كان صمتًا مشحونًا بالتهديد، وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. نظرت إليه أماليا بعينين تتقدان بالتحدي، رغم ارتجاف داخلي خفي، ثم قالت بإصرار:
"بتحلم يا شاهين، أنا مش هتحرك من هنا، والبنت دي انت هتبعد عنها برضاك أو غصب عنك، علشان أنا ببقى صعبه اوي، مع اللي يفكر ياخد مني حاجة تخصني."
ثبت نظره عليها طويلًا، وكأن عينيه تحفران قرارًا لا رجعة فيه، ثم قال بنبرة حادة، باردة بشكل مخيف:
"يبقى انتي اللي بدأتي الحرب، أستحملي بقى اللي جاي."
أنهى كلماته، وترك يدها فجأة، كأن وجودها لم يعد يعني له شيئًا سوى بداية صراع جديد. ثم استدار بغضب، وخرج من الغرفة بخطوات ثقيلة، متجهًا إلى غرفته، بينما بقيت هي وحدها، واقفة في مواجهة صمت أكثر قسوة من كلماته، وقد بدأ كل شيء بالفعل يتجه نحو نقطة لا عودة بعدها.
**************************
بعد ليالي طويلة قضتها رنيم داخل جدران منزلها، تتآكل ببطء تحت وطأة الوجع، شعرت وكأنها فقدت شيئًا من نفسها لا تعرف كيف تسترده. كانت الأيام تمر عليها ثقيلة خانقة، والليل يتحول إلى ساحة حرب بين عقل يحاول التماسك وقلب ينهار كلما تذكره. لم تكن تلك الفتاة التي اعتادت أن تواجه العالم بعينيها القاسيتين وكبريائها الصلب، لم تكن تلك المرأة التي كانت تسخر من الحب وتراه ضعفًا يسلب الإنسان قوته. قبل أن يدخل شاهين حياتها، كانت تعرف كيف تحكم قلبها جيدًا، كيف تغلق أبوابه بإحكام، وكيف تنام دون أن يوقظها الشوق أو يؤلمها الغياب.
أما الآن، فقد أصبحت هشة على نحو يخيفها.
أصبحت تستيقظ وهي تبحث عنه داخل تفاصيل يومها رغمًا عنها، تسمع صوته في صمت البيت، وتشعر بوجوده حتى في الفراغ. وذلك ما كانت تكرهه أكثر من أي شيء آخر، أنها لم تعد قادرة على التحكم بنفسها كما كانت.
لكن بعد كل تلك الليالي، وبعد ذلك الانكسار الذي سحق كبرياءها، اتخذت قرارها أخيرًا. لن تبقى تلك النسخة الضعيفة التي تنتظر حضوره لتتنفس، ولن تسمح لنفسها أن تنهار مرة أخرى بسبب رجل، مهما بلغ حبها له.
نهضت من فوق سريرها ببطء، كانت ملامحها شاحبة وعيناها متعبتين من كثرة البكاء والسهر. وقفت للحظات تنظر إلى الشرفة بغضب حاد، وكأنها تلوم المكان لأنه شهد ضعفها وانهيارها في غيابه. ثم تحركت بخطوات ثابتة نحو المرحاض، نزعت ملابسها بعصبية، ووقفت أسفل المياه الدافئة وقتًا طويلًا، تحاول أن تغسل عنها وجع الأيام الماضية، تحاول أن تطفئ ذلك الحريق المشتعل داخل صدرها منذ رحيله عن حياتها.
لكن بعض الأوجاع لا تزيلها المياه، بل تتركها أكثر وضوحًا.
أغلقت المياه أخيرًا، وارتدت برنس الاستحمام ثم خرجت إلى غرفتها بخطوات هادئة. اتجهت نحو خزانة ملابسها، أخرجت ثيابها وارتدتها ببرود مصطنع، ثم وقفت أمام المرآة تمشط شعرها بشرود.
وفجأة، داهمتها ذكرى قديمة دون رحمة.
تذكرت ذلك اليوم حين خرجت من الحمام، وكان يريد أن يأتي إليها، وكيف رفضته بخجل وهي تضحك بتوتر، بينما كان يطاردها بعينيه وكأنه لا يرى امرأة سواها في العالم كله.
ارتسمت ابتسامة موجوعة فوق شفتيها دون إرادة منها، ابتسامة باهتة مليئة بالحنين، لكنها سرعان ما اختفت، وحلت محلها نظرة قاسية متحجرة، وكأنها تعاقب نفسها على لحظة ضعف صغيرة تسللت إليها.
تنفست بعمق، ثم أمسكت حقيبة يدها وخرجت من الغرفة متجهة نحو باب الشقة.
لكن ما إن فتحته حتى سقط بصرها تلقائيًا على باب شقة شاهين المقابل.
تجمدت خطواتها للحظة.
شعرت بقلبها يختنق داخل صدرها، وكأن مجرد رؤية الباب أعادت إليها كل شيء دفعة واحدة، صوته، ضحكاته، لمسته، نظراته، وحتى وجعها بسببه.
أغلقت عينيها بقوة، تقاوم تلك الدموع التي حاولت الهروب من عينيها رغماً عنها، ورفضت أن تسمح لنفسها بالانهيار مرة أخرى. تحركت سريعًا نحو المصعد الكهربائي ووقفت أمامه بصمت قاتل تنتظر وصوله.
لكن قبل أن يفتح باب المصعد، انفتح باب شقة شاهين.
خرج هو، وبرفقته ابنتاه، كل واحدة منهما تتشبث بذراعه بحب.
وما إن وقع بصرها عليه حتى شعرت بقلبها ينقبض بعنف مؤلم.
كان يبدو وكأنه شخص آخر تمامًا.
شعره مبعثر بلا اهتمام، لحيته ازدادت طولًا، والهالات السوداء أسفل عينيه كانت شاهدة على ليالي لم يذق فيها النوم. حتى وجهه، كان يحمل ذلك الإرهاق القاسي الذي يصيب إنسانًا خسر شيئًا عزيزًا عليه ولم يعرف كيف يسترده.
أما هو…
فقد توقف الزمن حوله بمجرد أن رآها.
شعر وكأن روحه عادت إلى جسده بعد غياب طويل. كل شيء داخله اندفع نحوها بعنف، كان يريد أن يركض إليها، أن يحتضنها بكل قوته، أن يخبرها كم اشتاق إليها، وكم كانت الأيام بدونها جحيمًا لا يطاق.
اقترب منها برفقة ابنتيه حتى وقف خلفها مباشرة أمام المصعد.
أغمض عينيه للحظة قصيرة واستنشق رائحتها التي اشتاق إليها حد الجنون، وكأنه يحاول أن يملأ صدره بها بعدما حرم منها طويلًا.
أما رنيم، فقد كانت تقف متجمدة، بينما قلبها يضرب بعنف داخل صدرها. رؤيتها لابنتيه وهما متعلقتان بذراعه كانت كسكين بارد يغوص ببطء داخل قلبها. الألم كان حادًا إلى درجة جعلتها بالكاد تستطيع الوقوف بثبات.
ورغم غضبها منه، ورغم كل ما اكتشفته، إلا أن قربه وحده كان كافيًا ليبعثرها.
أخيرًا انفتح باب المصعد.
تحركت رنيم أولًا إلى الداخل، وتبعها شاهين وابنتاه. وقفت الفتاتان بجانب بعضهما، بينما وقف هو بجوار رنيم مباشرة.
ساد الصمت لثواني ثقيلة.
ثم حرك يده ببطء شديد، ولمس يدها بحذر، وكأنه يخشى أن تسحبها قبل أن يشعر بها.
ونظر إليها بعينين امتلأتا برجاء موجع.
لكنها انتفضت فورًا، وسحبت يدها بعنف، ثم التفتت إليه بنظرة مشتعلة بالغضب والخذلان.
أما هو، فلم يعد قادرًا على الصمت أكثر من ذلك.
اعتدل نحوها قليلًا وتكلم بصوت مختنق يحمل كل تعبه وانكساره:
"رنيم، وحشتيني، مش قادر اعيش من غيرك، ولا بتردي على مكالماتي ولا حتى بتطلعي البلكونه ولما خبط عليكي الباب كنت متأكد انك جوه بس مرضتيش تفتحي الباب، أنا عارف اني غلط لما مقولتش ليك، بس صدقيني انا كنت خايف تبعدي عني، أنا عمري ما عرفت الخوف فى حياتي الا لما عرفتك، انتي بقيتي نقطة ضعفي، سامحيني يا رنيم."
كانت تستمع إليه وقلبها يتمزق حرفيًا.
كل كلمة منه كانت تضرب جرحًا مفتوحًا داخلها. جزء منها كان يصدق ألمه، يشعر بصدقه، ويتمنى أن ينهار داخل حضنه وينتهي كل شيء، لكن الجزء الآخر كان يصرخ داخلها بغضب، يذكرها بالحقيقة التي أخفاها عنها، بالخيانة التي جعلتها تشعر وكأنها كانت تعيش وهمًا جميلًا.
وفجأة انفجر غضبها دفعة واحدة، ونظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع والصراخ:
"بس بقى، مش عايزه اسمع صوتك وكدبك اكتر من كده، انت واحد ندل وجبان رميت مراتك وبناتك ومسألتش فيهم، وكنت عايش حياتك عادي، تحب وتقول كلام حلو، لا وكمان ببجاحتك جاي تطلب الجواز مني ومستعجل كمان علشان تحطني قصاد الأمر الواقع، اتجوزك وبعد كده ألبس الحقيقه، وأكون مجبرة اتقبلها، طيب مفكرتش لو لحظة واحده، احساس بناتك ومراتك ايه، وانت رايح تتجوز، وتجيب ليهم ضره ومرات اب؟ طيب مفكرتش احساسي أنا ايه وقتها؟ أنا لو ندمانه على حاجة عملتها في حياتي، هو حبي ليك يا شاهين."
كانت كلماتها تخرج ممزقة، مختنقة بكمية هائلة من القهر، حتى إن عيني شاهين امتلأتا بألم واضح وهو يراها تنهار أمامه بهذا الشكل بسببه.
ثم التفتت بعينيها نحو ابنتيه.
كانت الصغيرة تنظر إليها بحزن وأسف، بينما الكبرى كانت تراقبها ببرود ورفض واضح.
وفي اللحظة التي توقف فيها المصعد وانفتح الباب، خرجت رنيم مسرعة وكأنها تهرب من المكان كله، منه، ومن نفسها، ومن قلبها الذي ما زال يحبه رغم كل شيء.
ظل شاهين يراقب أثرها بعينين غارقتين بالوجع، ثم نظر إلى ابنتيه وقال بحزن عميق:
"شكلها مش ناويه تسامحني بسهولة."
ردت ابنته الأصغر عمرًا، ذات الاثني عشر عامًا، بصوت هادئ يحمل نضجًا أكبر من عمرها:
"بابي هي ليها حق تزعل وأنت لازم تتعب علشان تسامحك."
أما ابنته الكبرى، ذات السادسة عشر عامًا، فقد عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيق واضح:
"لا طبعا بابي مش غلطان، هي اللي مأفورة أوي فى ردت فعلها، ايه المشكله أنه متجوز وعنده بنات، هو مش مجبر أنه يقولها، دي حاجه تخصنا احنا مش هي، ومن الاخر انا رافضه العلاقه دي يا بابي، مامي بتحبك وهي ندمانه واعترفت بغلطها، وجاتلك لحد عندك، المفروض تختار ام بناتك، مش عيله زي دي."
أغمض شاهين عينيه بضيق، فقد كان يعلم جيدًا أن تلك الكلمات لم تكن كلها من ابنة غاضبة، بل كانت صدى لما زرعته والدتها داخل رأسها.
فتح عينيه مرة أخرى، ثم نظر إليها بهدوء متعب وقال:
"إيما، أنا عمري ما فرط فيكم، انتوا الحاجه الحلوة اللي طلعت بيها من الدنيا، إنما مامتك مستحيل اسامحها ولا نرجع زي الأول."
ثم التفت نحو الصغيرة وسألها بابتسامة حزينة:
"ولا انتي أيه رأيك يا ميا؟"
ابتسمت الصغيرة برقة وأومأت برأسها قائلة:
"أنا أي حاجه تخليك سعيد، موافقه عليها يا بابي، وكمان مستعدة اساعدك."
ابتسم لها شاهين بحزن عميق، ثم انحنى يقبل رأسها بحنان، قبل أن يرفع عينيه نحو ابنته الكبرى، فوجدها ما تزال تنظر إليه بضيق وتذمر، تعقد ذراعيها أمام صدرها وتحرك ساقيها بعصبية واضحة، بينما كان هو يشعر أن حياته كلها بدأت تتفكك أمام عينيه، وأن المرأة الوحيدة التي أحبها بصدق أصبحت أبعد ما تكون عنه.
**************************
جلست مريم داخل غرفتها الواسعة في الفيلا، تستقر فوق مقعدها المتحرك بهدوء مخيف، بينما انعكست الإضاءة الخافتة على ملامح وجهها التي بدت ساكنة ظاهريًا، لكنها كانت تخفي خلفها عاصفة من الشر والعداء القديم. كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسها المنتظمة، بينما أصابعها تعبث بالهاتف ببطء وكأنها ترتب خيوط لعبة تعرف جيدًا كيف تُحكم إغلاقها حول الجميع.
ظلت تحدق بالشاشة للحظات، ثم ضغطت زر الاتصال، وأسندت رأسها للخلف تنتظر الرد بعينين باردتين لا تحملان أي رحمة.
وبعد عدة ثواني، وصلها صوت أماليا، فتكلمت مريم بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل خلفها حذرًا شديدًا:
"ها عملتي ايه طمنيني؟"
خرج صوت أماليا مختنقًا بالغضب والاختناق، وكأنها بالكاد تسيطر على أعصابها:
"معملتش حاجه، شاهين من وقتها وهو بينام فى اوضه تانيه ومجتنبني خالص، حتى الكلام مش بيتكلموا معايا، وقال ايه زعلان علشانها وبيهددتني لو قربت ليها."
تبدلت ملامح مريم فورًا، واشتعل شيء مظلم داخل عينيها، ثم قالت بنبرة غاضبة تحمل احتقارًا واضحًا:
"عرفتي بقى أنا جبتك ليه؟ مصلحة ابني يبقى معاكي انتي ام بناته، والبنت دي تخرج من حياته نهائي."
نظرت أماليا أمامها بشر واضح، وكأن مجرد ذكر رنيم يشعل داخلها نارًا يصعب إخمادها، ثم قالت بتوعد حاد:
"البنت دي انا هعرف اخليها تبعد عن شاهين ازاي!"
لكن مريم لم تكن تريد اندفاعًا أعمى، بل كانت تخطط لكل خطوة بدقة شيطانية، لذلك تكلمت سريعًا وهي تضيق عينيها بخبث:
"لا سبيها عليا، اهم حاجة الفترة الجايه خليكي انتي مع شاهين وحاولي تشغليه بيكي، لأن هيكون شبه التور الهايج لما يتم اللي انا بخططله."
ساد الصمت للحظة في الطرف الآخر، قبل أن تقول أماليا بعدم فهم وتوتر:
"ليه ناوية على ايه؟"
ارتسمت ابتسامة بطيئة فوق شفتي مريم، ابتسامة مرعبة تحمل داخلها نوايا سوداء، ثم قالت بصوت منخفض ممتلئ بالشر:
"ناوية اخليها تعيش تفاصيل حياة اكتر ست بتكرهها في الحياة."
اتسعت عينا أماليا قليلًا، بينما أكملت مريم حديثها بنبرة تحذيرية صارمة:
"بس إياكي تديها فرصه تقرب من شاهين، عايزاكي تظهري ليها قد ايه انتوا عايشين مبسوطين مع بعض، استخدمي بناتك سلاح ليها، علشان هي هشه اوي من حتة الاولاد دي."
كانت كلماتها تخرج بثقة امرأة تعرف جيدًا أين تضرب، وكيف تزرع الوجع داخل أضعف نقطة في قلب خصمها.
أومأت أماليا برأسها ببطء، وكأنها تتلقى أوامر معركة حقيقية، ثم قالت:
"ماشي يا مريم، همشي وراه كلامك لما اشوف اخرتها ايه."
أغلقت مريم الخط ببطء، ثم أبعدت الهاتف قليلًا وحدقت أمامها في صمت طويل، بينما الأفكار السوداء تدور داخل عقلها بلا توقف. لم يكن ما تخطط له مجرد انتقام عابر، بل كان تدميرًا مدروسًا لكل من حاول الوقوف في طريقها.
وبعد لحظات، أعادت النظر إلى الهاتف مرة أخرى، وبدأت أصابعها تعبث به حتى ضغطت على اتصال جديد.
وما إن وصلها صوت رجولي من الطرف الآخر، حتى قالت باقتضاب حاد:
"استعد يلا البنت رجعت الشغل."
ثم أغلقت الهاتف مباشرة دون أن تنتظر ردًا، وأسندت رأسها إلى الخلف، بينما ازدادت ابتسامتها اتساعًا بصورة بثت القشعريرة في المكان، وقالت بصوت منخفض ممتلئ بالتحدي والشر:
"تمام يا شاهين.. وريني بقى هتعمل ايه؟ وهتعرف ترجعها تاني ليك ازاي؟"
***************************
جلست رنيم خلف مكتبها كجسد حاضر وروح غائبة، تحدق أمامها بشرودٍ قاسٍ، بينما كانت كلمات شاهين الأخيرة لا تزال تتردد داخل رأسها كطعنة تُعاد مرارًا دون رحمة. شعرت وكأن كل شيءٍ بداخلها قد تهشم دفعةً واحدة؛ ثقته، صوته، نظراته، ودفء حضنه الذي كانت تظنه ملاذها الوحيد في هذا العالم، اتضح فجأة أنه مجرد وهمٍ كبير بُني فوق حقيقةٍ مؤلمة لم تكن تعرف عنها شيئًا.
تجمعت الدموع داخل عينيها الثقيلة بالإرهاق، لكنها أغلقت جفنيها بقوة، وكأنها تحارب ضعفها الأخير بكل ما تبقى لديها من كرامة. لم تعد تريد البكاء، سئمت من هذا الشعور الذي ينهش قلبها ببطء، سئمت من كونها الطرف الذي يُخذل دائمًا رغم صدقه.
أطلقت زفرة طويلة مرتجفة، وأسندت رأسها إلى ظهر المقعد للحظات محاولةً استعادة توازنها، إلا أن ذلك الثقل الجاثم فوق صدرها كان أكبر من قدرتها على الاحتمال، وكأن روحها تُسحق تحت وطأة الخيبة.
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت طرقات خفيفة على الباب، فانتفضت قليلًا من شرودها، واعتدلت في جلستها سريعًا، تحاول عبثًا أن تخفي آثار انهيارها قبل أن تسمح للطارق بالدخول.
انفتح الباب ببطء، ودلفت جواهر إلى الداخل بخطواتٍ متعجلة، وما إن وقعت عيناها على رنيم حتى انعقد حاجباها بقلقٍ واضح. أغلقت الباب خلفها وتحركت نحوها وهي تقول بغضب ممزوج بالخوف:
"فينك يا بنتي؟ لا بتردي على التليفون ولا كنتي موجودة في البيت لما جتلك، حتى العزومة مجتيش مع شاهين، ولما سألنا عليكي قال انك تعبتي شوية ومقدرتيش تيجي."
رفعت رنيم عينيها إليها ببطء، وكانت نظراتها ممتلئة بوجع عميق وانكسار حاولت كثيرًا أن تخفيه، ثم قالت بصوت خافت متعب:
"مافيش يا جواهر كنت حابه اكون مع نفسي شوية، علشان كده كنت قافله على نفسي الشقه."
تأملتها جواهر بتمعن طويل، فرأت ذلك الشحوب الذي غزا ملامحها، والهالات السوداء أسفل عينيها، والحزن المتراكم داخلهما بصورة مؤلمة، حتى بدا وكأن رنيم كبرت سنوات كاملة خلال أيام قليلة فقط.
اقتربت منها أكثر وقالت بقلق حقيقي:
"مالك يا رنيم؟ انتي فيكي حاجه؟"
هزت رنيم رأسها سريعًا بالنفي، ثم حاولت إخراج صوتها بصورة طبيعية رغم اختناقه:
"مافيش يا جواهر أنا كويسه."
لكن جواهر لم تقتنع، كانت تحفظ ملامحها جيدًا، تعرف متى تضحك بصدق، ومتى تتألم وهي تتظاهر بالقوة. لذلك اقتربت أكثر وجلست أمامها مباشرة فوق سطح المكتب، ثم نظرت داخل عينيها وقالت بإصرار ناعم:
"لا فيه يا رنيم، أنا مش عبيطه عنك، أنا حفظاكي وفاهماكي اكتر من نفسك، عيونك فيهم حزن ووجع بطريقه مش طبيعيه، أنا اصلا مكنتش مقتنعه بالسبب اللي قالوا شاهين يوم العزومة، وكنت حاسه انك فيكي حاجة."
بمجرد أن سمعت اسمه، شعرت رنيم وكأن شيئًا حادًا انغرس داخل قلبها. أغمضت عينيها سريعًا حتى لا تنهار أمامها، ثم قالت بصوت موجوع:
"ارجوكي متجبيش اسمه قصادي، شاهين دلوقتي مبقاش يعني ليا حاجة."
ضيقت جواهر عينيها بدهشة، ثم مالت برأسها قليلًا وهي تراقبها بتركيز:
"ااه.. انتوا زعلانين مع بعض، يا ستي عاادي، انتي لسه شفتي حاجة؟ هو الحب ايه غير شوية نكد يطلعوا من النفوخ، وبعده صلح يدوب الحديد، هيييح، دي اجمل حاجه فى الحب بهاراته المشطشطه دي، اسأليني أنا معاكي عاشقه قديمه."
لكن رنيم لم تبتسم، بل ازداد وجهها قسوة وألمًا، وكأن المزاح صار أثقل من أن تتحمله، ثم رفعت عينيها إليها وقالت بصوت مختنق:
"طلع متجوز وعنده بنتين."
ساد الصمت لثواني، وكأن الكلمات احتاجت وقتًا حتى تستوعبها جواهر.
اتسعت عيناها بصدمة حادة، وحدقت بها بعدم تصديق قبل أن تقول بذهول:
"نعم! مين ده اللي متجوز وعنده بنتين؟ انتي بتهزري صح؟"
ارتجفت شفتا رنيم، وظهر الألم جليًا فوق ملامحها وهي تهمس بصوت متكسر:
"ياريت كان هزار يا جواهر، إنما دي الحقيقه للاسف."
شهقت جواهر بقوة، ووضعت يدها فوق فمها تلقائيًا، بينما شعرت بقلبها ينقبض لأجلها. لأول مرة ترى رنيم بهذا القدر من الانكسار، وكأن الماضي الذي هربت منه طويلًا عاد ليصفعها من جديد بصورة أكثر قسوة.
كانت تدرك جيدًا لماذا يؤلمها الأمر إلى هذا الحد، فالأمر لم يكن مجرد خيانة حب، بل إعادة بعثٍ لكل الجروح القديمة التي عاشتها طفلة حين رأت والدها يبتعد عنها وعن والدتها لأجل امرأةٍ أخرى.
اقتربت منها أكثر وربتت على يدها بحنان صادق ثم قالت بحزن:
"طيب ناويه تعملي ايه؟"
جاء رد رنيم سريعًا، حاسمًا، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أي شخص آخر:
"هبعد طبعا، أنا مش مستعدة اعيش بناته نفس اللي انا عيشته، مش هقدر اوجع حد بنفس وجعي، أنا مش ترنيم يا جواهر ولا عمري هعمل زيها، واخد راجل من مراته وبناته."
نظرت إليها جواهر طويلًا، ثم قالت بهدوء يحمل الكثير من الشفقة:
"بس انتي اول مره تحبي يا رنيم، وواضح انك حبيتي شاهين بجد، هتقدري فعلا تبعدي عنه؟"
أومأت رنيم برأسها بعناد، لكن صوتها خرج مختنقًا بالألم:
"اه هقدر.. وكل ما احس نفسي بشتاق ليه، هفتكر وجعي زمان لما بابا اهمالنا بسبب واحده تانيه، وهقسي قلبي عليه علشان خاطر بناته.. أنا مستحيل اعيش بناته حياتي زمان."
شعرت جواهر بمدى الصراع الممزق داخلها، كانت ترى بوضوح كيف تحاول رنيم قتل قلبها بيديها حتى لا تؤذي أطفالًا لا ذنب لهم.
أمسكت يدها بحنان وربتت عليها قائلة:
"طيب مش ناويه ترجعي الفيلا تاني؟ وحشني السهر مع بعض طول الليل وكلامنا اللي كان مش بيخلص، واهو تبعدي عن المكان اللي فيه ذكريات هتوجعك كل ما تشوفيه."
هزت رنيم رأسها بالنفي، ثم قالت بصوت خافت متعب:
"معلش يا جواهر سبيني اكون براحتي، أنا مرتاحه في الشقه دي، ومش هرجع الفيلا تاني وارجع اشوف اللي اسمها ترنيم دي تاني في وشي كل شوية."
تنهدت جواهر بنفاد صبر خفيف وهي تتمتم:
"ربنا يهديكي بجد."
ثم نهضت من مكانها وأضافت:
"أنا همشي بقى جواد مستني تحت."
رفعت رنيم رأسها إليها وقالت بسرعة:
"مش ناويه ترجعي الشركه بقى؟"
ابتسمت جواهر ابتسامة صغيرة وهزت رأسها بالنفي:
"مش دلوقتي، جواد بيقول مش هينفع علشان خلاص هنحضر للفرح."
أومأت رنيم بتفهم، ثم حاولت رسم ابتسامة باهتة وهي تقول:
"ربنا يسعدك يا حبيبتي يارب."
ابتسمت جواهر لها بحب، ثم انحنت وقبلت رأسها برفق قائلة:
"حاولي تفكري في موضوع رجوعك للفيلا."
بعدها تحركت نحو الباب وغادرت الغرفة بهدوء.
أما رنيم، فظلت تحدق في أثرها للحظات طويلة، قبل أن تعود بعينيها إلى الأوراق أمامها. حاولت أن تشغل نفسها بالعمل، لكن عقلها كان أبعد ما يكون عنه، وقلبها لا يزال عالقًا هناك، عند رجل أحبته بصدق، ثم اكتشفت فجأة أنه يحمل حياة كاملة لم يخبرها عنها.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثلاثون 30 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثلاثون
أسفل البناية التي تقطن بها رنيم، كانت سيارة شاهين تقف في زاوية شبه مظلمة، بينما جلس هو خلف عجلة القيادة كأنما يحمل فوق كتفيه جبالًا من الغضب والاختناق والعجز. كانت أصابعه تقبض بقوة على المقود حتى برزت عروقه بوضوح، وعيناه لا تفارقان بوابة العمارة لحظة واحدة، كأن روحه معلقة بظهورها أمامه.
لم يكن يدرك منذ متى وهو جالس هنا، لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا فقط.. أنه لم يعد يحتمل هذا البعد.
منذ أن صرخت بوجهه وطلبت منه أن يخرج من حياتها، وهو يشعر وكأن شيئًا بداخله يُنتزع بعنف. كان يحاول إقناع نفسه أن يمنحها وقتًا لتهدأ، أن يترك لها مساحة تستوعب الحقيقة، لكن فكرة ابتعادها عنه كانت كفيلة بتحويله إلى رجل آخر لا يعرفه حتى هو نفسه.
وفجأة، دوى صوت هاتفه داخل السيارة، فانتبه من شروده بعصبية، ثم التقط الهاتف ونظر إلى الشاشة قبل أن يجيب بصوت مختنق متعب:
"أيوه يا ياسر خير؟"
جاءه صوت ياسر هادئًا لكنه يحمل توترًا واضحًا:
"فيه خبر مش حلو."
أغمض شاهين عينيه للحظة وزفر بضيق شديد، ثم قال بنفاد صبر:
"هي ناقصة؟ خير قول."
تنحنح ياسر قليلًا قبل أن يتحدث بنبرة رجولية حذرة:
"آنسة رنيم كلمتني النهاردة، وبعتتلك رسالة معايا، قالت: إنها عايزة تلغي العقد اللي ما بينكم، وبتقول لحضرتك إنها مش محتاجة ليك في حاجة."
ساد الصمت لثوانٍ داخل السيارة، لكن ذلك الصمت كان مرعبًا. شعر ياسر من خلال الهاتف أن أنفاس شاهين أصبحت أثقل، وكأن بركانًا كاملًا يحاول أن يبقى ساكنًا بالقوة.
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا ومختنقًا:
"ماشي يا ياسر، أنا هتكلم معاها في الموضوع ده."
أغلق الهاتف ببطء، ثم ضغط على المقود بعنف حتى ابيضت مفاصل يده، بينما اشتعلت عيناه بغضب مكتوم. كانت فكرة أنها تريد قطع آخر شيء يربطها به كفيلة بأن تدفعه إلى حافة الجنون.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، توقفت سيارة رنيم أمام البناية.
ما إن لمحها حتى فتح باب سيارته بعنف وترجل منها سريعًا، ثم اتجه نحوها بخطوات واسعة متوترة، حتى وقف أمامها مباشرة وقال بصوت خرج محملًا بكل ما بداخله من اختناق:
"رنيم!"
تجمدت للحظة عندما سمعت صوته، ذلك الصوت الذي كان يومًا يربك قلبها كله، لكنها سرعان ما أغلقت عينيها بغضب، وكأنها تحاول طرد تأثيره عنها، ثم قالت من بين أسنانها بحدة:
"اسمي ميجيش على لسانك تاني، فاهم."
حاولت أن تتجاوزه، لكنه أمسك بذراعها بحنو رغم الارتجاف الواضح في أنفاسه، وقال بصوت مختنق متوسل:
"رنيم، أرجوكي اديني فرصة أقولك الحقيقة، وافهمك أنا ليه مقولتش ليكي. تعالي نقعد في أي مكان ونتكلم بهدوء."
نظرت إلى يده الممسكة بها وكأنها تحرق جلدها، ثم دفعتها بعيدًا بعنف، بينما اشتعلت عيناها غضبًا ورفعت أصابعها أمام وجهه بتحذير واضح:
"إياك تلمسني تاني. مافيش كلام ما بينا، انت خسارة فيك حتى النظرة. مبقاش يخصني انت مين ولا إيه وراك، ابعد عن سكتي، ومالكش دعوة بيا."
كان الغضب يتحرك داخل شاهين كوحشٍ يريد الانفجار، لكنه كان يقاومه بكل ما يملك، يقاوم ذلك الجانب المظلم داخله الذي يظهر كلما شعر أنها ستفلت من بين يديه.
تنفس ببطء، ثم قال بهدوء حذر يخفي تحته عاصفة كاملة:
"رنيم.. أنا سبق وقلتلك إني ببقى واحد تاني لمجرد التفكير إنك تبعدي عني. أنا كل ده بحاول أتحكم في غضبي علشان متخافيش مني، وعلشان مديكي الحق إنك تزعلي مني.. بس بلاش تطولي فيها، وبلاش كلمة فراق."
ثم اقترب منها خطوة أخرى، حتى شعرت بحرارة أنفاسه، وقال بنبرة أكثر حدة، وأكثر خطورة:
"علشان وقتها مش هكون مسؤول عن رد فعلي.. انتي بتاعتي أنا يا رنيم، برضاكي أو غصب عنك، هتفضلي معايا وفي حضني."
ارتجف شيء بداخلها رغماً عنها. للحظة واحدة فقط، شعرت بضعفها كله ينهار أمامه، لكن كبرياءها استفاق في اللحظة الأخيرة، فدفعته بقوة بعيدًا عنها وصرخت بغضب:
"أنا مش بتاعتك يا شاهين! أنا أبعد من خيالك إنك تملكني. لا عاش ولا كان اللي يملك رنيم الدسوقي، ولو كنت نسيت رنيم القديمة.. أنا مستعدة أفكرك بيها. ومن هنا ورايح بلاش تيجي على سكتي، أحسنلك."
ثم تحركت سريعًا مبتعدة عنه قبل أن يخونها قلبها أكثر، واتجهت إلى داخل البناية بخطوات متسارعة، ودخلت المصعد الكهربائي وأغلقته بسرعة قبل أن يلحق بها.
وما إن تحرك المصعد حتى أطلقت نفسًا مرتجفًا طويلًا، ثم وضعت يدها فوق قلبها الذي كان يخفق بعنف يكاد يمزق صدرها. كانت تكره ضعفها أمامه.
تكره ذلك العشق الذي يجعلها تنهار بمجرد اقترابه منها.
أغمضت عينيها بقوة وهي تلعن قلبها، تلعن اشتياقها، وتلعن ذلك الرجل الذي يستطيع أن يهدم كل مقاومتها بنظرة واحدة فقط.
وما إن توقف المصعد حتى اندفعت خارجه بسرعة، واتجهت نحو باب شقتها، فتحت حقيبتها بيد مرتجفة، وبدأت تبحث عن المفتاح بعجلة واضحة، حتى وجدته أخيرًا، فأدخلته في الباب وفتحته بسرعة، ثم دخلت إلى الداخل محاولة إغلاق الباب خلفها.
لكن الباب توقف فجأة.
عقدت حاجبيها باستغراب، ثم نظرت إلى الأسفل، لتجد حذاء شاهين يمنع إغلاق الباب.
رفعت عينيها إليه بصدمة، فوجدته يقف أمامها بوجه محتقن بطريقة مخيفة، وعينين يشتعل داخلهما غضب مرعب.
وقبل أن تنطق بحرف واحد، دفع الباب بقوة، فأجبرها على التراجع إلى الداخل، ثم أغلق الباب خلفه بعنف.
تراجعت خطوة للخلف وهي تنظر إليه بتوتر واضح، ثم قالت بصوت حاولت إخفاء ارتجافته:
"ا اطلع بره أحسنلك يا شاهين، بدل ما أصرخ وأقول إنك بتتهجم عليا."
لكنه لم يرد. ظل يقترب منها ببطء شديد، خطوة تلو الأخرى، بينما كانت هي تتراجع أمامه حتى اصطدم ظهرها بالجدار.
حينها اقترب منها حد الالتصاق، حتى أصبحت أنفاسه تختلط بأنفاسها، ثم نظر داخل عينيها بنظرات مشتعلة وقال بصوت هامس مخيف:
"سمعيني بقى، قولتي إيه تحت؟"
حاولت دفعه بعيدًا عنها، لكنه أحاط خصرها بذراعه بقوة، ثم انحنى بجوار أذنها وهمس بصوت جعل جسدها كله يرتجف:
"متحاوليش تختبري صبري عليكي يا رنيم. أنا سبق وقلتلك إني متمسك بيكي لدرجة الجنون، لدرجة إني ممكن أهد الدنيا كلها لو فكرتي مجرد تفكير إنك تبعدي عني."
ثم ابتعد قليلًا لينظر إلى شفتيها المرتجفتين، وقال بصوت منخفض مغري أربك أنفاسها أكثر:
"وقلتلك أنا سلاح ذو حدين.. عشقي ملهوش حدود، بس غضبي وحش أوي لو فكرتي تسبيني. عايزك تحطي الكلمتين دول حلقة في ودانك، علشان مش عايز أعمل حاجة تخوفك مني، وفي الآخر مش هتبقي غير ليا."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأغمضت عينيها بعجز، بينما تعالت أنفاسها بصورة فضحت اضطرابها بالكامل. كانت حرارة أنفاسه على وجهها تذيب كل قوتها، وتدفعها إلى حافة الانهيار.
وعندما لمح تأثيره الواضح عليها، ارتسمت ابتسامة صغيرة منتصرة فوق شفتيه.
ابتعد عنها أخيرًا، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال بنبرة رجولية هادئة:
"أنا لو عليا مش عايز أبعد، بس متعودتش أستغل حد وقت ضعفه واحتياجه ليا."
فتحت عينيها ببطء، فوجدته ينظر إليها بثقة مستفزة، فاشتعل غضبها من نفسها قبله، وضربته على صدره العريض وهي تقول بصوت مختنق:
"أنا بكرهك يا شاهين.. بكرهك."
لكن إجابته جاءت هادئة بصورة أحرقت أعصابها:
"وأنا بحبك، وبلاش تستفزيني وتختبري صبري عليكي. علشان المرة دي قدرت أبعد عنك، بس المرة الجاية لو اتعصبت منك تاني، مش عارف وقتها هقدر أتحكم في نفسي وأبعد، ولا هكمل، ويبقى ختمي عليكي رسمي، وتبقي غصب عنك ملك شاهين الرواي."
ثم اقترب منها مرة أخرى، وانحنى مقبلًا خدها ببطء، قبلة ممتلئة بعشق موجع، قبل أن يهمس بالقرب منها:
"أنا آسف.. انتي أجمل حاجة في دنيتي، ومكنتش أقصد أوجعك يا رنيم."
أنهى كلماته، ثم ابتعد عنها واتجه نحو الباب، فتحه، ثم استدار إليها وقال بنبرة حاسمة:
"شيلي من دماغك إنك تلغي العقد اللي ما بينا، الشغل ملهوش دعوة بحياتنا الشخصية، فاهمة."
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
أما هي، فظلت واقفة مكانها كأنها فقدت القدرة على الحركة.
كانت مصدومة من نفسها أكثر منه.
مصدومة من تأثيره عليها، من قربه الذي يهدم كل دفاعاتها، ومن قلبها الذي يصر على خيانتها كل مرة.
جلست على الأريكة ببطء، ثم أعادت شعرها إلى الخلف بعصبية شديدة، بينما كانت تلعن ذلك القلب الأحمق الذي ما زال يضعف أمام شاهين بهذه الطريقة المهلكة.
***************************
جلست أروى داخل الحديقة الملحقة بالفيلا، فوق ذلك المقعد الحجري القابع أسفل شجرة ضخمة، بينما كان الليل ينسدل بهدوئه الثقيل فوق المكان، والهواء البارد يحرك خصلات شعرها بخفة لم تشعر بها أصلًا. كانت غارقة في شرود عميق، تنظر أمامها بعينين ممتلئتين بالضيق والاشتياق، وكأن روحها عالقة في مكان بعيد لا تستطيع الوصول إليه.
منذ تلك الأزمة وهي لم ترى أحمد، حتى صوته أصبح نادرًا، يختفي لأيام ثم يعود لدقائق قليلة لا تكفي شوقها ولا تهدئ خوفها. حاولت كثيرًا أن تجد أي وسيلة للخروج لرؤيته، أي حجة، أي فرصة، لكن غريب وجواد شددا الرقابة عليها بصورة جعلتها تشعر وكأنها سجينة داخل أسوار الفيلا، وحتى هاتفها الذي كان نافذتها الوحيدة إليه، أصبح هو الآخر يخونها، ينشغل عنها كثيرًا، ويتأخر في الاتصال حتى بات القلق يأكل قلبها ببطء.
زفرت بحزن وهي تضم ذراعيها إلى صدرها، تشعر بوخزة مؤلمة تعتصر قلبها كلما تذكرت آخر مرة رأت فيها أحمد، آخر نظرة، آخر احتواء، آخر مرة شعرت فيها بالأمان.
وفي تلك اللحظة، شعرت بيد توضع فوق كتفها برفق.
انتفضت بخفة والتفتت سريعًا إلى الأعلى، لتجد تامر يقف خلفها بابتسامته المعتادة التي تبث الطمأنينة داخل قلبها رغم كل شيء.
ابتسمت تلقائيًا فور رؤيته، بينما جلس هو فوق المقعد المقابل لها، ثم نظر إليها بتفحص قبل أن يقول بنبرة مرحة حاول بها انتشالها من حالتها:
"الجميل قاعد لوحده وسرحان في إيه؟"
تنهدت أروى بعمق، ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالشوق وقالت بصوت مختنق:
"أنا أحمد وحشني أوي يا خالو."
رفع حاجبه بمبالغة مصطنعة، ثم قال بلهجة مازحة:
"ولزمتها إيه يا خالو بعد جملة أحمد وحشني دي؟ يا بنتي هو انتي وأخوكي مش معترفين بيا ليه إني خالكم، والمفروض تخافوا مني وتحترموني؟"
ضحكت بخفة رغمًا عنها، تلك الضحكة الصغيرة التي خرجت متعبة لكنها صادقة، ثم قالت بحب حقيقي:
"علشان إنت عمرك ما حسستنا بده، على طول بتتعامل معانا كأخ كبير وصديق لينا، علشان كده أنا مش برتاح في الكلام غير معاك."
تبدلت نظراته فورًا إلى حنان خالص، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة وهو يقول:
"ده إنتوا نور عيوني اللي بشوف بيه.. إنتوا عندي أغلى من أختي أصلًا. بحس إنكم ولادي ومسؤولين مني أنا. يمكن علشان معملتش ده مع أمكم، وكان نفسي أعيشه زمان، فأنا بعمله معاكم إنتوا دلوقتي، بعوضه فيكم."
تأثرت أروى بكلماته، وشعرت بدفء حقيقي يتسلل إلى قلبها، لكنها سرعان ما عادت لعبوسها الطفولي وهي تقول بتذمر:
"يا خالو متغيرش الموضوع بقى، أنا بقالي كتير أوي مشوفتش أحمد، وحتى المكالمات الفترة الأخيرة مش بيكلمني كتير، يعني كل كام يوم مرة أو مرتين بالكتير."
أومأ تامر برأسه ببطء، ثم قال بنبرة هادئة:
"لأنه مش هنا، أحمد بقاله أسبوع مسافر، بيخلص شغل هناك، وعلشان عارف إن عقلك صغير وطفلة، مرضاش يقولك، علشان هتفضلي تعيطي لحد ما يرجع."
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وكأن الكلمات هبطت فوق رأسها فجأة، ثم قالت بعدم تصديق:
"أحمد مسافر؟! أنا مش مصدقة بجد، إزاي ميقوليش حاجة زي كده؟ لدرجاتي هو شايفني طفلة ماليش أي اعتبار عنده؟"
حرك تامر رأسه بنفاد صبر خفيف، ثم قال بوضوح مباشر:
"ليه حق، ما أنتي اللي محسساه بكده. بتتعاملي معاه بطفولية، غضبك وطريقتك وكل حاجة فيكي بتأكدله إن عقلك لسه طفلة."
نظرت إليه بحزن واضح، ثم سألته بصوت خافت:
"هو اللي قالك كده؟"
أجابها سريعًا وكأنه يرفض مجرد الفكرة:
"لا طبعًا، أحمد مستحيل يشتكي منك أو يفكر يدخل حد بينكم. ولو شاف فيكي حاجة مضايقاه، هيفضل وراكي بطريقته العقلانية الهادية لحد ما يغيرها فيكي. أحمد راجل ناضج، بيتعامل بهدوء، مش بيتعصب على طول، وعنده طول بال، علشان كده أنا بدعم العلاقة بتاعتكم دي."
ثم أشار إليها بإصبعه وأكمل بابتسامة خفيفة:
"أنتي طايشة ومجنونة، وهو عاقل وهادي، وهيعرف يمشي العلاقة دي صح وبطريقة متوازنة."
ابتسمت أروى بحب فور سماعها الحديث عن أحمد، وشعرت بقلبها ينتفض شوقًا إليه أكثر، لكنها سرعان ما عقدت حاجبيها وقالت بضيق طفولي:
"طيب برضه مقولتش عرفت منين إني بتعامل معاه بطفولية؟"
ضحك تامر بخفة، ثم قال:
"أنا سمعتكم كذا مرة، وأنتي منكدة عليه، ومشاكلك كلها تافهة وسطحية، وهو يا عين أمه بيحاول يهدي الأمور ويحتوي غضبك الغير مبرر الصراحة."
شعرت أروى بالإحراج فورًا، لأنها تعلم جيدًا أن كلامه صحيح. ربما كانت تفتعل غضبها أحيانًا فقط لتراه يحتويها بذلك الهدوء الذي تعشقه فيه، وربما لأنها تغار عليه حد الجنون، أو لأنها ببساطة أحبت ذلك الشعور، أن تكون طفلته المدللة، بينما يكون هو الرجل الهادئ الذي يحتمل جنونها كله دون أن يمل.
تنحنحت بخجل، ثم قالت باعتراف صادق:
"هو الصراحة الصراحة، أنا مطلعة عينه معايا، بس هو ولا مرة حسسني إنه مضايق، ولا زعلني بكلمة واحدة."
نهض تامر من مكانه وهو يهز رأسه باستسلام، ثم قال بنبرة ساخرة:
"ده أنا خالك ومش مستحملك خمس دقايق على بعض، أمال هو يعمل إيه وهو هيلبسك العمر كله؟ ربنا معاه، ويسامحني علشان كنت سبب معرفتكم ببعض."
ضحكت أروى بقوة هذه المرة، ثم قالت بمزاح:
"على فكرة بقى يا خالو، إنت ظالم ومنحاز لصاحبك."
اقترب منها وداعب شعرها بحنان وهو يقول:
"ده أنا اللي ظلمت الراجل وبلّيته بيكي."
ثم تركها وتحرك عائدًا إلى داخل الفيلا، بينما ظلت أروى تتابع أثره بعينين ممتلئتين بالحب والامتنان.
ولأول مرة منذ أيام، شعرت أن ذلك الثقل الجاثم فوق صدرها خف قليلًا، وكأن حديثه أعاد إليها شيئًا من الطمأنينة التي فقدتها.
****************************
توقفت سيارة جواد أمام البوابة الحديدية الضخمة الخاصة بالفيلا بعد يوم طويل قضياه معًا بالخارج، يوم امتلأ بالضحكات والمشاحنات الصغيرة والنظرات التي كانت كفيلة بإشعال قلبه كلما وقعت عيناه عليها. أطفأ المحرك، ثم أراح ظهره فوق المقعد واستدار بجسده نحو جواهر التي كانت تجلس جواره تعبث بحقيبتها الصغيرة، بينما ما زالت ابتسامتها الهادئة تزين ملامحها.
تأملها جواد للحظات بعشق واضح، ثم قال بنبرة متذمرة متعمدة وهو يضع يده فوق صدره:
"طيب إحنا طول النهار بنلف، وريقي نشف، مافيش أي حاجة أبل ريقي بيها؟"
رفعت جواهر عينيها إليه ببراءة مصطنعة تخفي خلفها لؤمًا واضحًا، ثم قالت وهي تكبح ضحكاتها بصعوبة:
"عايز تشرب يا حبيبي؟ تعالى طيب ادخل معايا أديك مية."
ضيق عينيه وهو يحدق بها بعدم تصديق، ثم رفع أحد حاجبيه وقال بمزاح غاضب:
"وحياة أمك هتستعبطي!؟"
ازدادت ابتسامتها اتساعًا، ثم قالت ببلاهة متعمدة:
"فيه إيه بس يا حبيبي؟ مش إنت بتقول ريقك ناشف؟"
اقترب منها فجأة حتى شعرت بأنفاسه تلفح وجهها، ثم نظر داخل عينيها مباشرة وهمس بصوت رجولي جعل قلبها يقفز داخل صدرها:
"عايز أدوق الكريز.. ده أنا حتى زي جوزك."
اتسعت عيناها بارتباك، وأرجعت رأسها للخلف تحاول خلق مسافة بينهما وهي تقول بتوتر واضح:
"ااهدى يا ابن ضرغام، إحنا في الشارع."
اقترب أكثر وكأنه يستمتع بإرباكها، ثم همس بالقرب من شفتيها:
"أي حاجة في السريع، محدش هياخد باله."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بحرارة وجهها تزداد بشكل فاضح، ثم قالت وهي تنظر حولها بخوف:
"اابعد يا جواد بلاش جنان، حد يشوفنا وإحنا كده."
لكن جواد لم يكن في حالة تسمح له بالتراجع، خاصة وهي بهذه الصورة المرتبكة التي تفقده اتزانه تمامًا. لف ذراعه حول خصرها وجذبها نحوه حتى التصقت به بالكامل، ثم قال بصوت خافت يحمل تملكًا واضحًا:
"محدش ليه عندي حاجة، انتي مراتي."
ومال برأسه ببطء حتى يلتقط شفتيها، لكن في اللحظة نفسها دوى صوت هاتفه معلنًا عن اتصال وارد.
انتفضت جواهر سريعًا وكأنها أفلتت من كارثة، ثم دفعته بعيدًا عنها بعنف جعل رأسه يرتد للخلف.
أغلق جواد عينيه بنفاد صبر، ثم قال من بين أسنانه بغضب ساخر:
"هو أنا مكتوب عليا مكملش البوسة أبدًا؟"
تراجع إلى الخلف بضيق، ثم أمسك هاتفه ونظر إلى اسم المتصل، وما إن رأى اسم والده حتى ضغط على زر الإجابة وقال بنبرة ممتلئة بالاعتراض:
"إيه يا غريبوا؟ ده وقته؟ ده إنت لو قاصدها مكنتش هتجيبها كده."
فهم غريب ما يرمي إليه ابنه فورًا، فاتسعت ابتسامته الرجولية وقال بمرح:
"شوية من اللي بتعملوه فينا، خلص اللي بتعمله وكلمني، عايزك."
رد جواد بسرعة وهو ينظر إلى جواهر التي كانت تخفي وجهها خجلًا:
"أخلص إيه بقى؟ ما خلاص قطعت مية ونور، قول بسمعك."
تعالت ضحكات غريب الرجولية عبر الهاتف، ثم قال:
"دخل البت بيتها، وأبقى بعد كده كلمني يا بغل."
ثم أغلق الخط في وجهه مباشرة.
نظر جواد إلى جواهر فوجد وجنتيها قد اكتستا بحمرة الخجل، بينما تحاول التظاهر بالانشغال بأي شيء بعيدًا عن عينيه. زفر بضيق مصطنع ثم قال بمزاح:
"غريب ضرغام بيموت فيا، بيختار الأوقات الصح اللي يكلمني فيها."
ثم مال نحوها مجددًا وهمس بمكر:
"ما تيجي أقولك الموضوع اللي كنت هقوله ليكي؟"
شهقت جواهر فورًا ووضعت اصبعها أمام وجه بتحذير وهي تقول بتلعثم:
"ااياك تقرب، أأنا نازلة باي."
لكن قبل أن تتمكن من الهروب، أمسك يدها بسرعة وجذبها نحوه، ثم التهم شفتيها بقبلة قوية خاطفة جعلت أنفاسها تضطرب بالكامل.
مرت لحظات قصيرة لكنها كانت كفيلة بإذابة كل مقاومة داخلها، قبل أن يبتعد عنها أخيرًا وهو يلهث، ثم قال بصوت أجش مليء بالإعجاب:
"أول مرة أدوق طعمهم، وشكلي كده هحدد الفرح ويكون بكرة، علشان مش هقدر أستغنى عنهم بعد ما دوقتهم."
ضربته على صدره بخجل شديد وهي تقول:
"اانت غلس وقليل الأدب."
ثم فتحت الباب بسرعة وترجلت من السيارة وركضت نحو الداخل، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة واسعة لم تستطع إخفاءها مهما حاولت.
أما جواد، فانفجر ضاحكًا على كلماتها، وظلت عيناه معلقتين بها حتى اختفت تمامًا خلف البوابة.
أدار السيارة وتحرك بها مبتعدًا، وبينما كان يقود، أمسك هاتفه واتصل بوالده، وما إن أجابه حتى قال بمزاح:
"تمت المهمة بنجاح، كلي آذان صاغية، قول واشجيني."
ابتسم غريب على طريقته، ثم قال بصوت رجولي هادئ:
"عايزك تروح عند رنيم وتجيبها ليا بأي طريقة."
عقد جواد حاجبيه باستغراب شديد، ثم قال بعدم فهم:
"رنيم مين دي اللي أجيبها؟ دي البت تطيق العمى ولا تطيقنيش، هقنعها إزاي دي تيجي معايا؟"
زفر غريب بضيق وقال بنفاد صبر:
"اتصرف يا جواد وتجيبها معاك دلوقتي."
تنهد جواد باستسلام وهو يهز رأسه، ثم قال:
"حاضر يا بابا، يا قتلتني يا قتلتها، سلام."
أغلق الهاتف، ثم ضغط بقوة فوق دواسة البنزين، لتنطلق السيارة بسرعة في طريقها نحو بناية رنيم، بينما داخله شعور سيئ يخبره أن تلك المهمة لن تمر بسهولة أبدًا.
**************************
دخل شاهين إلى الشقة بخطوات ثقيلة، وملامحه متجهمة على نحو واضح، كأن غضبه يسبق حضوره إلى المكان. وما إن وقعت عيناه على أماليا الجالسة إلى جوار مريم، حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ساخرة باهتة، لا تحمل ذرة مرح، بل كانت ممتلئة بالاستنكار والضيق. توقف أمامهما للحظات، يرمقهما بنظرة طويلة حادة، ثم قال بصوت رجولي خشن:
"أنا قولت برضه إن وجودها هنا اتحاد ما بينكم انتوا الاتنين، بس ايه اللي حصل؟ مش دي أماليا اللي حاولتي كتير تدخلي ما بينا علشان أسيبها، لحد ما قدرتي تعملي كده فعلًا؟ وأماليا اللي كانت مش بتكره حد في حياتها قد ما بتكرهك، دلوقتي بقيتوا حبايب؟"
ضحك بسخرية مريرة، ثم أكمل وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
"تمام.. اتحدوا زي ما انتوا عايزين."
اقترب منهما أكثر، حتى أصبحت هيبته الطاغية تخنق الأجواء حوله، ثم تحدث بنبرة حاسمة صارمة لا تقبل أي جدال:
"بس برضه، مش هتقدروا تبعدوا رنيم عني، ولا أنا هعرف أعيش من غيرها، يعني كل اللي بتعملوا دلوقتي على الفاضي."
كانت مريم تستمع إليه بهدوء غريب، وكأن كلماته لا تثير بها شيئًا، بل على العكس، بدت واثقة بصورة مستفزة. ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة باردة، ثم قالت وهي ترفع حاجبها بثقة:
"تفتكر دي هتكون حاجة صعبة عليا يا شاهين؟ ما انت لسه قايل.. قدرت أخليك أنت ومراتك تبعدوا عن بعض، رغم تمسككم ببعض وقتها، وكان نفس الشيء، يبقى مش هقدر أبعدك أنت والبنت دي؟"
مالت برأسها قليلًا، وعيناها تلمعان بذلك البريق المخيف المعتاد منها، ثم أضافت بنبرة هادئة تحمل سمًا خفيًا:
"أنا مافيش حاجة برسم ليها وبخططلها إلا لما تتم زي ما أنا عايزة بالظبط."
اشتدت ملامح شاهين، وتحولت نظراته إلى شيء أكثر قسوة وحدة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة غاضبة، وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
"قدرتي تبعدينا أنا وأماليا عن بعض، علشان اللي ما بينا مكانش حب."
ساد الصمت للحظة، بينما اتسعت عينا أماليا ببطء، وكأن تلك الكلمات اخترقت قلبها دون رحمة، أما هو فأكمل ببرود قاسٍ:
"كانت حياة تقليدية، احنا رسمناها علشان البنات وبس."
ثم رفع عينيه مباشرة نحو مريم، وتحدث بثبات أرعبهما معًا:
"إنما حبي أنا ورنيم، أقوى من أي خطط، وأقوى من أي تدخلات. ومش محتاجة أقولك أنا أقدر أعمل ايه في اللي يقرب ليها، وانتي عارفة ابنك كويس أوي."
شعرت أماليا وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها. اقتربت منه بسرعة، ووقفت أمامه مباشرة، وعيناها ممتلئتان بالصدمة والخذلان، ثم قالت بصوت مرتجف مختنق:
"اللي ما بينا مكانش حب؟ إزاي ده؟ انت مكنتش بتحبني يا شاهين؟"
أغمض عينيه بضيق واضح، وكأن الحديث عن الماضي يثقل روحه، ثم قال بنبرة غاضبة حاول أن يجعلها متماسكة:
"بلاش نتكلم في القديم يا أماليا، حفاظًا على مشاعرك. انتي مهما كان، أم بناتي."
أنهى كلماته ببرود، ثم استدار متجهًا نحو غرفته. كانت خطواته عنيفة متوترة، وما إن دخل حتى أغلق الباب خلفه بقوة اهتزت لها أرجاء الشقة بأكملها.
ظلت أماليا تنظر إلى الباب المغلق بصدمة، وكأنها لا تستوعب بعد ما سمعته للتو. شعرت أن شيئًا بداخلها قد تهشم بالكامل. كانت دائمًا تخدع نفسها بأنه أحبها يومًا، حتى لو انتهى كل شيء بينهما، لكن كلماته الأخيرة كانت أشبه بسكين مزقت آخر أوهامها.
التفتت ببطء نحو مريم، وعيناها تلمعان بالدموع المكبوتة، ثم قالت بصوت مبحوح مختنق:
"سمعتي قال ايه؟"
أومأت مريم برأسها بهدوء شديد، وكأن الأمر لا يعنيها، ثم قالت بنبرة عملية باردة:
"سمعت، بس حتى لو هنا ما بينكم مش طايقك، قدامها اظهري إنكم مبسوطين مع بعض."
اقتربت منها قليلًا، ثم أضافت بخبث واضح:
"وكمان، هديكي الطريقة اللي تخلي شاهين يضعف معاكي ويتم المراد."
شيئًا فشيئًا، بدأت ملامح أماليا تتغير، وتحولت صدمتها إلى نظرات حادة ممتلئة بالحقد والغيرة، بينما ارتسمت ابتسامة شيطانية فوق وجه كل منهما، ثم جلست على الأريكة، وكأنهما تعقدان تحالفًا جديدًا لا يحمل سوى الخراب.
أما داخل الغرفة...
فكان شاهين يجلس على حافة السرير، منحني الظهر قليلًا، وكأن العالم بأكمله استقر فوق كتفيه. أطلق زفرة طويلة مثقلة بالغضب والتعب، ثم مرر يده فوق وجهه بعنف وهو يشعر أن كل شيء ينهار من حوله.
ظل يفكر في كل ما يحدث معه الآن، في رنيم، في أماليا، في مريم، في حياته التي تحولت إلى ساحة حرب لا تنتهي.
وكان أكثر ما يقتله من الداخل، أنه ابن لتلك المرأة.
امرأة لم ترى فيه يومًا ابنًا يحتاج الحب، بل مجرد أداة تستخدمها لتنفيذ انتقامها.
أغمض عينيه للحظات، يشعر بالاختناق، وكأن جدران الغرفة تضيق حوله شيئًا فشيئًا.
وفجأة، انفتح الباب بهدوء، ثم دخلت ميا بخطواتها الرقيقة البريئة. اقتربت منه دون خوف، وجلست بجواره مباشرة، ثم وضعت رأسها فوق صدره بحنان طفولي دافئ، وقالت بصوت هادئ ناعم:
"متزعلش يا بابي، أنا معاك، وموافقة على أي قرار تاخده."
رفعت رأسها إليه قليلًا، ثم أضافت بجدية جعلت قلبه يلين رغماً عنه:
"حتى لو عايزني أروح لطنط اللي بتحبها وأكلمها تسامحك، هروح."
تبدلت ملامحه بالكامل فور سماعه كلماتها. ابتسم بحب حقيقي، ثم ضمها داخل حضنه بذراع قوية وكأنها الملجأ الوحيد الآمن له في هذا العالم، وقبل رأسها بحنان شديد وقال:
"مقدرش أزعل وأنا عندي أجمل بنتين في الدنيا كلها."
ثم أبعدها قليلًا لينظر داخل عينيها مباشرة، وقال بنبرة هادئة مليئة بالمشاكسة رغم الألم المختبئ داخله:
"وبعدين أنا شايلك للتقيلة، لو رنيم فضلت زعلانة مني، هعملك دخول طارئ، وندخل دور أم شحته الغلبانة."
نظرت إليه ميا بتذمر طفولي لطيف، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
"على فكرة يا بابي أنا مش صغيرة، أنا عندي اتناشر سنة، يعني كبيرة، وأقدر أتكلم معاها بنت لبنت وأقنعها تسامحك."
وفجأة، انفجر شاهين ضاحكًا.
ضحكة حقيقية خرجت من أعماق قلبه للمرة الأولى منذ وقت طويل، حتى لمع الدفء داخل عينيه أخيرًا. ضم ابنته بقوة أكبر داخل أحضانه، ثم قبل رأسها مرة أخرى بحنان أب وجد نجاته الوحيدة في طفلته، وقال بصوت ممتلئ بالمحبة:
"ربنا يخليكي ليا انتي وأختك يا رب."
وفي تلك اللحظة تحديدًا.. أدرك شاهين أن يد ابنته الصغيرة، وكلماتها البسيطة، كانت الدواء الوحيد القادر على تضميد كل ذلك الألم المختبئ داخله.
***************************
كانت رنيم تجلس فوق سريرها في ظلام غرفتها شبه المعتم، تضم ساقيها إلى صدرها بقوة، وكأنها تحاول الاحتماء من شيءٍ غير مرئي يطاردها من الداخل. كانت تشعر أن روحها بأكملها ترتجف، لا جسدها فقط. عيناها ممتلئتان بالدموع، لكنها كانت ترفض أن تسقط، ترفض أن تمنح ضعفها فرصة الظهور، رغم أن قلبها كان ينهار ببطء مؤلم داخل صدرها.
منذ مواجهتها الأخيرة مع شاهين، وهي تشعر بأنها لم تعد تعرف نفسها. غضبها منه يشتعل داخلها، لكن الأصعب من الغضب، ذلك الاشتياق القاتل الذي يرفض الرحيل.
أغمضت عينيها بقوة، محاولة إبعاد صورته عن عقلها، لكن صوت أنفاسه، قربه، كلماته، كلها كانت تطاردها بلا رحمة.
وفجأة، دوى جرس الباب في أرجاء الشقة.
انتفض جسدها بالكامل بفزع، وتسارعت دقات قلبها بعنف. أول اسم قفز إلى عقلها كان شاهين.
زفرت بغضب وهي تنهض من فوق السرير بعصبية واضحة، ثم خرجت من غرفتها بخطوات سريعة متوترة، واتجهت نحو الباب. فتحت الباب بعنف وهي على وشك الانفجار، لكنها تجمدت مكانها فور أن رأت الطارق.
اتسعت عيناها بدهشة، ثم قالت باستغراب واضح:
"انت!"
كان جواد يقف أمامها بملامح متجهمة، وكأن أعصابه أوشكت على الانفجار بالفعل. رفع عينيه إليها بملل واضح، ثم قال بنبرة حاسمة مباشرة:
"بصي بقى من الآخر، علشان أنا متأكد إن هيحصل حوارات دلوقتي، فأنتي هتيجي معايا زي الشاطرة، من غير لت وعجن كتير، علشان أنا دماغي وارمة من بنت عمتك طول النهار، ومش حمل كلام كتير."
عقدت رنيم ذراعيها أمام صدرها، ثم رفعت أحد حاجبيها بسخرية وهي تنظر إليه بتهكم واضح وقالت:
"انت عبيط يا لا؟ أجي معاك فين؟"
اشتدت ملامح جواد فورًا، وضغط على أسنانه بغضب قبل أن يقول بحدة:
"لمي لسانك أحسنلك، وأجهزي يلا علشان تيجي معايا."
مررت يدها داخل شعرها بعصبية، ثم قالت بنفاد صبر واضح:
"يا ابني انت فيه حاجة في دماغك؟ يعني عارف إني بكرهك، ومجرد ما بشوفك بتعصب، وجاي لحد عندي وتقولي تيجي معايا؟ انت شارب حاجة؟"
أطلق زفرة طويلة يحاول بها التحكم في أعصابه، ثم قال بصوت هادئ على غير عادته، لكنه يحمل تحذيرًا واضحًا:
"بكلمك وبكل هدوء بقولك، لمي لسانك وبلاش تغلطي، واجهزي علشان بابا بعتني ليكي علشان عايزك ضروري."
ابتسمت بسخرية مستفزة، ثم قالت وهي تهز رأسها:
"بابا؟ يا ننوس عين أمك، وسيادة الوالد عايزني ليه؟"
في تلك اللحظة تحديدًا، شعر جواد أن آخر ذرة صبر لديه قد انتهت. مرر يده فوق وجهه بعنف، ثم قال بغضب مكتوم:
"ررنيم، أنا جبت آخري، وبحاول معاكي بأقصى ثبات انفعالي عندي، بس لا، لازم تخرجيني عن شعوري! اتزفتي يلا معايا."
اشتعلت عيناها غضبًا، ثم قالت بعناد حاد:
"زفت في عينك، مش رايحة في مكان، ولا عايزة أشوفك، ولا أشوف أمك، ولا أشوف أبوك."
أغمض جواد عينيه بعنف، وقد انفلتت أعصابه أخيرًا. أمسك ذراعها بقوة وأجبرها على التحرك معه رغم مقاومتها، ثم أغلق باب الشقة خلفهما واتجه بها نحو المصعد، بينما كانت كلمات رنيم الغاضبة تنهال فوق رأسه بلا توقف.
وما إن انفتح باب المصعد، حتى شعر جواد بقبضة قوية ارتطمت بوجهه بعنف مفاجئ.
ترنح للخلف للحظة، بينما شهقت رنيم بصدمة واتسعت عيناها وهي تلتفت سريعًا خلفها.
شاهين، كان يقف أمامهما بوجه محتقن بصورة مخيفة، وعينين مشتعلة بالغضب بطريقة جعلت رنيم تشعر بالاختناق.
لكن قبل أن تنطق بأي كلمة، اندفع جواد نحوه ولكمه بقوة أكبر، وكأن الشرارة التي كانت تنتظر الاشتعال منذ البداية قد انطلقت أخيرًا.
وخلال ثوانٍ، تحولت الأجواء إلى معركة حقيقية.
لكمات عنيفة، غضب مكبوت، وكره واضح يخرج للمرة الأولى بهذا الشكل الصريح.
اتسعت عينا رنيم بصدمة وهي تنظر إليهما غير مستوعبة ما يحدث أمامها، ثم اندفعت نحوهما بصعوبة محاولة إبعادهما عن بعضهما وهي تصرخ بغضب وانهيار:
"انتوا ايه اللي بتعملوه ده؟! انتوا اتجننتوا؟!"
كان شاهين يتنفس بعنف، وعيناه لا تفارقان جواد، ثم قال بصوت غاضب يحمل تحذيرًا مرعبًا:
"لو إيدك اتمدت عليها تاني، هقطعهالك."
حاول جواد الاندفاع نحوه مجددًا وهو يهتف بغضب مشتعل:
"انت مال أمك؟! احنا عيلة في بعض، بتدخل ليه؟!"
وضعت رنيم يدها فوق صدر جواد تدفعه للخلف وهي تصرخ بانفعال شديد:
"بس بقى! كفاية! كفاااية!"
لكن شاهين كان قد وصل إلى مرحلة لم يعد يرى فيها شيئًا أمامه سوى خوفه عليها وغضبه من مجرد تخيل أن أحدًا أمسكها بتلك الطريقة.
نظر مباشرة نحو جواد وقال بصوت غاضب حاد:
"بدخل علشان دي حبيبتي، واللي يفكر يلمس حاجة تخص شاهين الرواي، أمسحه من على وش الأرض."
ثم أشار نحو رنيم بعينين تشتعلان بامتلاك مرعب وأكمل:
"ورنيم خط أحمر.. لا، مليون خط أحمر لأي حد."
أغمضت رنيم عينيها بألم، وكأن كلماته مزقت شيئًا داخلها، ثم فتحت عينيها ونظرت إليه بغضب موجوع وقالت:
"أنا مش حبيبتك يا شاهين، ومتدخلش في أي حاجة تخصني، فاهم؟"
ثم التفتت نحو جواد وهي تقول بعصبية مرهقة:
"وانت اتفضل امشي يلا، خلينا نخلص من القرف ده."
أنهت كلماتها ودخلت إلى المصعد بسرعة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها محاولة إخفاء ارتجافها الداخلي.
ظل شاهين وجواد يتبادلان النظرات المشتعلة بالغضب والتوعد لثوانٍ طويلة، قبل أن يدخل جواد المصعد ويغلق الباب.
هبط المصعد إلى الأسفل، بينما بقي شاهين واقفًا في مكانه يتابع الأرقام المضيئة على الشاشة بعينين مشتعلة، وصدر يعلو ويهبط بعنف.
وفجأة، ركل باب المصعد بقوة هائلة اهتز لها المكان، ثم أطلق صرخة غاضبة خرجت محملة بكل ذلك الجنون والعجز والغيرة التي تلتهمه من الداخل بلا رحمة.