تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الحادي عشر 11 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الحادي عشر
بالمساء…
كانت رنيم في طريقها إلى الشركة وقلبها ينبض بإيقاع متسارع لا يخلو من التوتر، لكنه توتر ممزوج بأمل كبير.
طوال الطريق كانت تستعيد في ذهنها كل ما مرت به خلال الأيام الماضية، السهر الطويل، الإرهاق الذي كاد يكسر جسدها، التحديات التي واجهتها وحدها، والخطوات التي خططت لها بعناية حتى تنقذ شركتها من السقوط.
لم يكن الأمر مجرد صفقة عمل بالنسبة لها، بل كانت معركة كرامة.
معركة أرادت أن تثبت فيها أن اسم سلطان الدسوقي لم يمت برحيله، وأن ابنته قادرة على الوقوف في وجه أي عاصفة.
عندما وصلت إلى الشركة، توقفت للحظة قبل أن تدخل.
رفعت عينيها نحو المبنى الذي يحمل اسم عائلتها، وتنهدت ببطء.
ثم خطت إلى الداخل.
كان المكان يعج بالحركة، العمال يتحركون بسرعة، الشاحنات تقف في الساحة الخلفية استعدادًا لنقل البضائع، وصوت الآلات يملأ المكان بنغمة تشبه إعلان النصر.
توقفت رنيم في منتصف المكان، تنظر حولها بعينين لامعتين بالفخر.
هذه البضائع، هذه الصناديق المتراصة، هذه الحركة المنظمة، كلها كانت نتيجة تعبها هي.
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها، وشعرت للحظة أن كل شيء بدأ يعود إلى مكانه الصحيح.
لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا.
فجأة، دوى صوت إنذار حاد في أرجاء المكان.
صوت قوي ومفاجئ جعل الجميع يتوقف للحظة.
تجمدت رنيم في مكانها، ورفعت رأسها تنظر حولها بعدم فهم.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، انطلقت أنظمة الأمان فجأة.
اندفعت المياه من أعلى السقف بقوة، تتساقط كأمطار غزيرة داخل المصنع.
اتسعت عيناها بدهشة.
لم تفهم ما الذي يحدث، لكن ما حدث بعد ذلك كان أسوأ بكثير.
ففي اللحظة التالية، اشتعلت النيران.
كانت ألسنة اللهب ترتفع بسرعة مخيفة بين الصناديق والبضائع، وكأن شيئًا ما كان ينتظر لحظة الانفجار.
تراجعت رنيم خطوة إلى الخلف، تنظر حولها بذهول.
لم يعد المكان الذي كان قبل لحظات مليئًا بالحياة، بل أصبح ساحة فوضى.
صراخ العمال، صوت الماء، وهدير النار، كل ذلك امتزج في مشهد مرعب.
حاولت رنيم أن تتحرك بسرعة، تبحث عن مخرج.
لكن النار كانت تنتشر أسرع مما توقعت.
أصبحت محاصرة.
ألسنة اللهب تحيط بها من أكثر من اتجاه، والدخان الكثيف بدأ يملأ الهواء.
بدأت تشعر بالاختناق.
سعلت بقوة وهي تحاول أن تتنفس، لكن الهواء أصبح ثقيلاً، خانقًا، تراجعت بخطوات متعثرة، تحاول أن تجد طريقًا للهروب، لكنها لم تجد شيئًا سوى النار.
النار في كل مكان.
بدأ رأسها يدور، وشعرت بجسدها يترنح بسبب نقص الأكسجين.
رغم ذلك، حاولت أن تبقى متماسكة.
قاومت بشدة، رفعت يدها أمام وجهها لتحمي نفسها من الدخان، وحاولت أن تظل عيناها مفتوحتين.
لكن جسدها كان يضعف شيئًا فشيئًا.
نظرت حولها مرة أخيرة، إلى البضائع التي تعبت من أجلها.
إلى الصناديق التي كانت منذ دقائق مصدر فخرها.
والآن، أصبحت وقودًا للنار.
امتلأت عيناها بالدموع، لم تكن تبكي خوفًا، بل حزنًا.
حزنًا على كل ما ضاع في لحظة.
على تعبها الذي يحترق أمامها.
على المعركة التي ظنت أنها كسبتها.
بدأت جفونها تثقل ببطء، أصبحت رؤيتها مشوشة.
وقبل أن تغلق عينيها تمامًا، رأت وجهًا.
وجه شاهين، لم يكن واضحًا، كان مشوشًا وسط الدخان والنار، لكنها استطاعت أن تميزه، رأت في عينيه شيئًا غريبًا، شيئًا يشبه القلق، أو ربما الخوف عليها.
لكنها لم تستطع التأكد، كانت قواها تخونها، استسلم جسدها أخيرًا، وأغلقت عينيها.
لتسقط في ظلام كامل، فاقدة الوعي.
دون أن تشعر بشيء آخر.
****************************
في صباح يوم جديد لم يكن يشبه الصباحات العادية، بدأت رنيم تستعيد وعيها ببطء شديد، وكأنها تصعد من قاع عميق من الظلام نحو سطح يثقل صدرها بالضوء والألم معًا. كان رأسها ينبض بوجع قاسي، وكأن صداه ما زال محاصرًا بين جدران جمجمتها، بينما تسللت إلى أنفها رائحة الدخان الحادة، تلك الرائحة التي لا تخطئها الذاكرة، والتي تعيد إليها في لحظة واحدة صورًا مشوشة من اللهب المتصاعد والفوضى والصراخ المختنق. لم يكن ذلك مجرد أثر عابر لحريق انتهى، بل كان كابوسًا ما زال عالقًا داخل صدرها، يتردد صداه في أذنيها كأن ألسنة النار ما زالت تلتهم المكان من حولها.
اهتز جفنها ببطء، كأن رفعه يحتاج إلى جهد يفوق طاقتها، ثم بدأت تفتح عينيها بتثاقل شديد. في اللحظة الأولى لم ترى شيئًا سوى ومضات بيضاء قاسية ضربت عينيها بعنف، فاضطرت إلى إغلاقهما بسرعة وقد تسلل الألم إلى أعماقهما. حاولت مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وكل مرة كان الضوء يلسع بصرها كأنها خرجت لتوها من ظلام طويل، ومع محاولات متكررة بدأت عيناها تعتادان على ذلك السطوع تدريجيًا، حتى تمكنت أخيرًا من رؤية ما حولها بوضوح متردد.
كانت مستلقية على سرير أبيض تحيط به الأجهزة الطبية من كل جانب، أصواتها الخافتة تتردد بإيقاع بارد داخل الغرفة الهادئة، بينما كان العقار الطبي يتدفق عبر الأنبوب المغروس في يدها، ينساب ببطء داخل عروقها، للحظة بقيت تحدق في السقف دون حراك، ثم ارتجف قلبها فجأة عندما عادت الذكرى إليها كضربة خاطفة. الحريق، الدخان، الفوضى التي كادت تبتلعها.
هربت دمعة دافئة من زاوية عينها دون أن تشعر، لكنها سرعان ما رفعت يدها ومسحتها بسرعة، كأنها ترفض أن تمنح ضعفها فرصة للظهور، ثم أدارت رأسها ببطء لتتفحص المكان من حولها، فوقع بصرها على جواهر التي كانت نائمة على الأريكة داخل الغرفة، جسدها ملتف قليلًا وكأن الإرهاق قد غلبها بعد ساعاتٍ طويلة من السهر بجانبها. عند تلك اللحظة شعرت رنيم بثقل غريب في صدرها، واختلط الحزن بالتعب في صوتها حين نادتها بصوت حزين مختنق:
"جواهر! جواهر."
لم يكد صوتها ينتهي حتى فتحت جواهر عينيها بسرعة، كأنها كانت على حافة اليقظة طوال الوقت. انتفضت من مكانها في قلق واضح وركضت نحو السرير، ثم جلست بجوارها ومدت يدها تمررها على شعرها برفق مرتبك، بينما كانت عيناها تمتلئان بالخوف عليها وقالت:
"مالك يا رنيم تعبانه؟ حاسه بحاجة؟"
حركت رنيم رأسها ببطء شديد، وكان صوتها ما يزال متعبًا ومختنقًا حين أجابت:
"أنا كويسه، بس هو ايه اللي حصل؟"
تنهدت جواهر بعمق قبل أن تتكلم، وقد بدا الحزن واضحًا في نبرتها وهي تقول:
"مافيش يا رنيم خالتو ترنيم اتصلت بينا امبارح وقالت، أن حصل حريق فى الشركة وانتي كنتي فيها وأنك هتتحطي تحت الأجهزة بسبب الاختناق اللي حصلك من الدخان، وبس من وقتها وانتي مش حاسه بحاجة."
أغمضت رنيم عينيها بقوة، وكأن الكلمات أعادت إليها شيئًا من تلك اللحظات الثقيلة، ثم قالت بنبرة يغلفها الغضب المكتوم:
"ومين جبني هنا؟"
رفعت جواهر كتفيها في حيرة وقالت:
"معرفش والله انا من ساعة ما جيت امبارح وانا معاكي فى الاوضه معرفش أي تفاصيل."
أطلقت رنيم زفرة طويلة مثقلة بالضيق وقالت:
"ماشي."
وفي تلك اللحظة تحديدًا انفتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت ترنيم إلى الداخل. وما إن وقعت عيناها على رنيم حتى أشرقت ملامحها بابتسامة صادقة من الارتياح، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ ساعات، ثم اقتربت منها خطوة وقالت:
"حمدالله على السلامة يا رنيم، عاملة ايه دلوقتي؟"
لكن رنيم لم تنظر إليها، بل أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى بصمت بارد، وكأن وجودها في الغرفة لا يعنيها في شيء.
تنهدت ترنيم بحزن خافت، ثم اقتربت أكثر ومدت يدها محاولة فحصها، إلا أن يد رنيم كانت أسرع، إذ أمسكت معصمها بقوة مفاجئة وأوقفتها قبل أن تلمسها، وقالت بنبرة تحذير قاسية:
"حسك عينك ايدك تتمد عليا، أنا بقرف من لمستك."
أغلقت ترنيم عينيها للحظة، كأن الكلمات أصابتها بشيء من الألم، ثم أنزلت يد رنيم عنها بهدوء متعمد وقالت بنبرة مهنية حاولت أن تبقيها ثابتة:
"أنا هنا بصفتي الدكتورة بتاعتك يا رنيم، اركني أي خلافات شخصية على جنب."
ثم بدأت تفحصها بهدوء، بينما كانت تشعر بثقل نظرات رنيم الغاضبة فوقها طوال الوقت. وبعد أن انتهت واطمأنت إلى حالتها قالت:
"الحمدالله كل حاجه تمام."
ثم التفتت إلى جواهر قائلة:
"جواهر حبيبتي، نادي جواد من بره."
أومأت جواهر برأسها وتحركت إلى الخارج، ولم تمضي سوى ثواني قليلة حتى دخل جواد إلى الغرفة، وقد اتجهت عيناه فورًا نحو رنيم وقال:
"حمدالله على السلامة."
لكنها لم ترد عليه، بل اكتفت بإدارة وجهها إلى الاتجاه الآخر في تجاهل واضح.
نظرت ترنيم إليه وقالت:
"جواد روح هاتلها عصير من الكافيه بسرعة، وبالمرة خد جواهر معاك وهاتلها حاجة تاكلها."
أومأ برأسه وأمسك يد جواهر، لكنها أبعدتها عنه قليلًا قبل أن يخرجا معًا من الغرفة. وما إن أغلق الباب حتى التفتت رنيم نحو ترنيم بعينين مشتعلتين بالغضب وقالت:
"مش عايزة منك حاجة."
سحبت ترنيم المقعد القريب ووضعته أمام السرير مباشرة وجلست عليه بهدوء ثقيل، ثم نظرت إليها بعينين تحملان أكثر مما تقوله الكلمات وقالت:
"مين اللي عمل كده فى الشركة دي يا رنيم؟ الشركة دي بالذات كانت حاجه مهمة اوي عند ابوكي."
ضغطت رنيم على أسنانها بقوة، وكأن السؤال أشعل شيئًا داخلها، ثم قالت بنبرة نفاذ صبر واضحة:
"وانتي مالك حاجة متخصكيش كام مرة هقولك كده، خلي عندك كرامة لو لمرة واحدة، وملكيش دعوة بيا."
وفجأة نهضت ترنيم من مكانها، وأمسكت رنيم من ذراعيها بقوة وقد انفجر صوتها بالغضب وهي تقول:
"لا ليا يا رنيم، لما ألاقيكي بتعرضي نفسك للخطر يبقى ليا أن أدخل، وبرضاكي أو غصب عنك هفضل أحميكي لاخر يوم فى عمري، لحد ما اقوم بمهمتي كامله معاكي، فاااهمة."
رفعت رنيم عينيها ونظرت مباشرة داخل عينيها للحظةٍ طويلة، وفي تلك اللحظة رأت شيئًا لم تتوقعه، حبًا حقيقيًا وخوفًا صادقًا يلمعان في عمق نظرتها. لكن كبرياءها كان أسرع من الاعتراف بذلك، فأبعدت وجهها بسرعة وقالت ببرود متعمد:
"ابعدي عني وسيبي دراعي لو سمحتي."
أرخت ترنيم قبضتها ببطء، ثم عادت وجلست على المقعد مرة أخرى وقالت بنبرة أقل حدة:
"البضاعة اللي اتحرقت دي مهمه؟"
لكن رنيم لم تجب، بل بقيت صامتة كأن الصمت أصبح درعها الوحيد.
زفرت ترنيم بضيق واضح، وعندما تأكدت أنها لن تحصل على رد، استقامت من مكانها واتجهت نحو الباب. وقبل أن تفتحه سمعت صوت رنيم خلفها يقول:
"هو مين اللي جابني هنا؟"
استدارت إليها وقالت ببساطة:
"معرفش حد جابك وسابك ومشي."
ثم خرجت من الغرفة تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا يملأ المكان.
أغمضت رنيم عينيها تحاول أن تستعيد شيئًا مما حدث، أي صورة، أي صوت، أي لحظة مفقودة بين الدخان والفوضى. لكن فجأة انبثقت داخل ذاكرتها صورة حادة أربكتها تمامًا. ملامح شاهين، وجهه الشاحب المذعور، وعيناه المليئتان بالتوتر والخوف وكأنهما كانتا تبحثان عنها وسط النيران.
فتحت عينيها بسرعة وكأنها أفلتت من حلم مفزع، وهزت رأسها بقوة محاولة طرد تلك الصورة من عقلها، رافضة أن تسمح لها بالبقاء.
وبعد مرور بعض الوقت عادت جواهر إلى الغرفة ومعها العصير، وجلست بجوارها تحاول إقناعها بأن تشرب قليلًا، وبعد محاولات عديدة استطاعت أخيرًا وبصعوبة أن تجعلها ترتشف منه عدة رشفات.
***************************
في فيلا شاهين الرواي...
جلس زين مسترخياً على المقعد أمام طاولة الطعام الفاخرة، يمد جسده بثقة مفرطة وكأن المكان ملكه، بينما كانت ضحكاته ترتفع بلا حرج وهو يستعيد تفاصيل ما حدث في الليلة الماضية. كان واضحًا من ملامحه أنه يستمتع بسرد ما جرى، وكأن الحريق الذي التهم الشركة لم يكن مجرد حادث عابر، بل انتصار صغير يثير في داخله نشوة خبيثة.
رفع رأسه قليلًا وهو يلوح بيده في الهواء وكأنه يرسم صورة المشهد أمامه، ثم قال ضاحكًا:
"كل حاجه فى الشركة بقت كوم رماد مفيهاش حتة سليمة."
لم تتغير ملامح مريم كثيرًا وهي تستمع إليه، لكن بريقًا شريرًا لمع في عينيها للحظة، وكأن الكلمات أيقظت داخلها شعورًا قديمًا بالرضا والانتقام. نظرت إليه نظرة مليئة بالفخر القاسي قبل أن تقول:
"أنا قولت ميجبهاش إلا أنت يا أبن فريدة."
أومأ زين برأسه بثقة واضحة، وكأنه يسمع حقيقة يعرفها جيدًا ولا تحتاج إلى تأكيد، ثم قال بنبرة مليئة بالغرور:
"مش محتاجة كلام أنا رجل المهام الصعبه، المهم، ناوية تعملي ايه بعد كده؟"
تراجعت مريم قليلًا في مقعدها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة لكنها لم تكن بريئة على الإطلاق. كانت ابتسامة شخص ينتظر لحظة سقوط خصومه بصبر طويل، ثم قالت بهدوء مدروس:
"ولا أي حاجة، هقعد اتابع الادوار اللي انا وزعتها، وفي الوقت المناسب هظهر لكل بس وقتها هتكون نهايتهم كلهم."
أدخل زين قطعة الطعام في فمه ببطء، ثم نظر إليها بنظرة متفحصة وكأن فكرة ما بدأت تتشكل في رأسه، وقال متسائلًا:
"بس غريبه يا خالتي، يعني انتي زمان كان الشيطان يرفع ليكي القبعة، وقتلتي أمي وجوزها وكنتي قربتي تخلصي من ترنيم وجوزها، ايه حصل دلوقتي خلاكي عايزة تنتقمي منهم تاني؟"
تجمدت ملامح مريم للحظة قصيرة، ثم رفعت عينيها نحو الأعلى بحذر، وكأنها تتحسس المكان بعينيها لتتأكد من أن أحدًا لا يستمع إلى حديثهما. كان واضحًا أنها لا تريد أن تصل تلك الكلمات إلى آذان غير مرغوبة، خاصة إلى شاهين أو مروان. وعندما اطمأنت إلى الهدوء من حولها، مالت قليلًا نحو زين وتكلمت بصوت خافت يحمل خلفه ثقل سنوات طويلة من الألم والمرارة:
"اولا انا مقتلتش امك، رجب هو اللي قتلها، أنا قتلت جوزها سلطان، وبعدين بتسألني عايزة انتقم منهم ليه دلوقتي! أنا بسببهم قضيت عمري كله مشلولة على كرسي متحرك بعد ما الرصاصة جات فى العمود الفقري، بسببهم، عيشت مع راجل اعتدى عليا بدل المرة مليون مرة وحطيت الجزمة فى بؤقي علشان ميسلمنيش لشرطة، بسببهم حملت منه فى ابن غير شرعي وزورت شهادة ميلاد ليه علشان رفض يكتبه على أسمه، انا شوفت الذل والإهانة والمرمطة بسببهم، وهدفعهم التمن غالي اوي على كل اللي عيشته."
كانت الكلمات تخرج منها ببطء، لكنها كانت محملة بمرارة عميقة، مرارة امرأة عاشت سنوات طويلة تحت وطأة القهر والإذلال حتى تحول الألم داخلها إلى حقد لا يهدأ.
لكن زين لم يتأثر كثيرًا بتلك القصة، بل اكتفى بابتسامة شريرة ظهرت على شفتيه، وقال بنبرة ساخرة تحمل شيئًا من التهكم:
"ما انتي قتلتي اللي اعتدى عليكي وانا اللي دفنته بأيديا، بس مش خايفه لما تظهري الشرطة تقبض عليكي؟"
لم تنتظر مريم لحظة قبل أن ترد بسرعة، وكأن الفكرة نفسها تثير غضبها:
"فال الله ولا فالك، يخربيت لسانك السم ده، وبعدين انا لحد دلوقتي مرات غريب ضرغام، وانا ابني حبيبي عاملي شهادة ميلاد وبطاقة بأسم حد تاني خالص لأن أنا عند الحكومة ميته من زمان."
اقترب زين منها قليلًا، وخفض صوته أكثر وهو ينظر إليها بنظرة مليئة بالإعجاب الخبيث وقال:
"انتي كمية شر مركزة، وعجباني دماغك أوي يا خالتي، بس حرصي من اللي منك علشان الضربه متجيش غير من القريب."
قطبت مريم حاجبيها قليلًا ونظرت إليه باستغراب قبل أن تسأله:
"قصدك ايه؟"
وقبل أن يجيبها، قطع الصمت صوت خطوات قادمة من أعلى الدرج. كان الصوت واضحًا في هدوء الصباح، صوت خطوات ثابتة تنزل ببطء نحو الطابق السفلي.
اعتدل زين في جلسته فورًا، ورفع رأسه نحو الأعلى، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية عندما وقع بصره على شاهين وهو يترجل الدرج خطوة بعد أخرى بثقة هادئة. لم تكن تلك الابتسامة بريئة، بل كانت تحمل خلفها الكثير من المعاني التي لا تقال.
أدار زين رأسه نحو مريم ورفع إحدى حاجبيه في إشارة صامتة تطلب منها أن تأجل الحديث.
فهمت مريم الإشارة فورًا، فرفعت عينيها نحو شاهين الذي اقترب منها، ثم انحنى قليلًا وقبل رأسها قائلاً:
"صباح الخير يا أمي."
ثم تجاهل وجود زين تمامًا وكأنه غير موجود في المكان، واتجه إلى مقعده وجلس عليه بصمت بارد.
نظرت إليه مريم نظرة تحمل الكثير من المعاني، ثم قالت بنبرة دافئة:
"صباح الخير يا قلب امك."
لكن زين لم يفوت الفرصة ليكسر ذلك الهدوء، فتكلم بنبرة مازحة لكنها كانت تحمل قدرًا واضحًا من الاستفزاز:
"أيه يا ريس مافيش صباح الخير يا أبن خالتي؟"
رفع شاهين عينيه إليه ببطء، وكانت نظراته باردة حادة قبل أن يقول بنبرة جادة:
"اولا انت مش ابن خالتي انت ابن بنت خالة أمي، ثانيا مش هتقولي اقول ايه ولا لمين على الصبح."
ارتسمت ابتسامة غاضبة على ثغر زين، ابتسامة تحمل خلفها شيئًا مظلمًا، ثم قال بنبرة تحمل الكثير من التلميح:
"انت صح احنا مش ولاد خالة، بس قلبي عليك وهتحتاجني قريب اوووي."
ثم أنهى كلامه بغمزة لئيمة.
لكن شاهين لم يتراجع أمام تلك الكلمات، بل استقام بجسده وقال بثقة باردة:
"شاهين الرواي، عمره ما يحتاج لحد، وبالذات لو واحد زيك، انتبه انت بس لنفسك وملكش دعوة بيا."
ثم نظر إليه باحتقار واضح قبل أن يتحرك نحو الباب ويغادر المكان دون أن يلتفت خلفه.
ساد الصمت للحظة بعد خروجه، لكن زين لم يتأثر كثيرًا، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة بطيئة وهو يضع الطعام في فمه بلامبالاة، ثم رفع عينيه نحو مريم ونظر إليها بلؤم واضح، وكأن ما حدث للتو لم يكن سوى بداية لعبة أكبر بكثير مما يظنه الجميع.
************************
بالمساء...
وقفت ترنيم عند باب الغرفة تراقب رنيم وهي تستعد للمغادرة، وعيناها تحملان ذلك القلق الذي تحاول إخفاءه منذ ساعات. لم تكن رنيم في حالتها المعتادة؛ فقد بدت شاحبة الوجه، متعبة الملامح، كأن يومًا واحدًا فقط كان كافيًا ليسلب منها جزءًا كبيرًا من قوتها وصلابتها.
اقتربت جواهر منها بهدوء، وساعدتها في تبديل ملابسها ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تتسبب أي حركة خاطئة في إرهاقها أكثر. ثم رفعت شعرها الطويل وعقدته إلى الأعلى بعناية، بينما كانت رنيم تقف صامتة، مستسلمة لتلك المساعدة، لكنها في داخلها كانت تغلي بمشاعر متشابكة لا تعرف كيف تفرغها.
مدت جواهر ذراعها لتسندها، فمالت رنيم قليلًا عليها، ثم خرجتا معًا من الغرفة بخطوات بطيئة. كان وقع أقدامهما في الممر الطويل يتردد بصوت خافت، حتى وصلتا إلى المصعد الكهربائي. ضغطت جواهر الزر، ففتح الباب بعد لحظات، ودخلتا بصمت. هبط بهما المصعد إلى الأسفل بينما كانت رنيم تحدق في الأرقام المضيئة أمامها بوجه جامد، لكن خلف ذلك الجمود كان هناك اضطراب واضح في أنفاسها.
ما إن فتح باب المصعد حتى اندفع إليهما هواء المساء البارد، فخرجتا إلى الخارج. لم تمضي لحظات حتى وقعت عينا رنيم على جواد، الذي كان يقف بجوار السيارة منتظرًا، وملامحه توحي بنفاد صبر واضح.
تقدم بخطوتين إلى الأمام، ثم فتح الباب الخلفي للسيارة في صمت، متوقعًا أن تركب دون جدال. لكن رنيم توقفت فجأة في مكانها، وتصلبت ملامحها كأنها اصطدمت بجدار غير مرئي. اشتعل الغضب في عينيها، ثم قالت بحدة:
"أنا مستحيل اركب معاه."
زفرت جواهر بضيق وهي تنظر إليها، وقد أدركت أن عنادها بدأ يظهر من جديد، ثم قالت محاولة السيطرة على الموقف:
"مافيش غيره يا رنيم كلنا مجبناش العربيات بتاعتنا، وانتي عربيتك عند الشركه، ومش معقول يعني هنركب مواصلات."
لكن كلماتها لم تغير شيئًا في موقف رنيم. فقد عقدت ذراعيها على صدرها بقوة، وكأنها تبني جدارًا حول نفسها، ثم قالت بإصرار قاطع:
"مش هركب معاه يا جواهر حتى لو هخدها مشي."
تصلب فك جواد وهو يسمع كلماتها، وبدت في عينيه لمعة غضب لم يحاول حتى إخفاءها. زفر بعنف، ثم قال بنبرة نفد منها الصبر:
"معلش تعالي على نفسك واتكرمي واركبي عربيتي المتواضعه."
رمقته جواهر بنظرة ضيق واضحة، وقالت محاولة تهدئته قبل أن يشتعل الخلاف أكثر:
"جواد! بلاش طريقتك دي."
لكن جواد لم يكن مستعدًا للتراجع. فقد اشتعل غضبه أكثر، وقال وهو يلوح بيده بضيق:
"يا سلام يا اختي، يعني انا متكلمش بطريقتي دي، وهي تتكلم بأسلوبها ده عادي؟"
حركت جواهر رأسها بيأس، وكأنها عالقة بين طفلين يتشاجران بلا سبب، ثم قالت بنفاد صبر:
"لا انت ولا هي، وبلاش شغل العيال ده لو سمحتوا، ويلا بينا بدل وقفتنا دي، ماما وخالتوا زمنهم وصلوا الفيلا من بدري."
لم ترد رنيم عليها. بل أدارت وجهها إلى الاتجاه الآخر كأنها تحاول الهروب من هذا النقاش كله. لكن في اللحظة التالية تجمدت ملامحها فجأة عندما وقعت عيناها على سيارة تقف على مقربة منهم.
كانت سيارة شاهين.
لمعت عيناها بنظرة غريبة، نظرة تجمع بين التحدي والاندفاع، ثم التفتت ببطء نحو جواد، ونظرت إليه نظرة حادة، وكأنها تتحداه بصمت. وفي اللحظة التالية تحركت بخطوات غاضبة نحو السيارة الأخرى دون أن تنطق بكلمة.
اتسعت عينا جواهر بصدمة وهي تدرك ما تنوي فعله، فهتفت بسرعة:
"رنيم! انتي يا بنتي رايحه فين؟ يا مجنونه استني."
لكن رنيم لم تتوقف. فتحت باب السيارة مباشرة، وجلست على المقعد الأمامي بجوار شاهين دون أن تنطق بأي كلمة، وكأنها اتخذت قرارها بالفعل ولا مجال للتراجع.
كان شاهين يجلس خلف المقود، وقد بدا عليه الاندهاش الواضح مما حدث للتو. رفع أحد حاجبيه إلى الأعلى ونظر إليها بنظرة متعجبة، ثم قال:
"وده اسمه أيه أن شاءالله؟"
لم تنظر إليه حتى. كانت تحدق أمامها بوجه متوتر، وأنفاسها لا تزال مضطربة، ثم قالت بنبرة غاضبة قصيرة:
"امشي."
ظل ينظر إليها لحظة، غير قادر على فهم ما يحدث. كانت كلماتها مفاجئة، وتصرفها كله أكثر غرابة، لكنه لم يتحرك.
لكنها أعادت نفس الكلمة، هذه المرة بحدة أوضح:
"امشي بقولك."
عندها فقط اعتدل في جلسته قليلًا، ثم أدار المحرك دون كلمة أخرى، وتحرك بالسيارة سريعًا مبتعدًا عن المكان.
وقفت جواهر في مكانها تراقب السيارة وهي تبتعد، وقد ارتسمت على وجهها ملامح عدم تصديق حقيقي، ثم التفتت إلى جواد وقالت:
"المجنونة ركبت عربيه تانيه ومشيت وهي فى الحالة دي."
زفر جواد بضيق واضح، وكأن أعصابه أوشكت على الانفجار، ثم قال بنبرة غاضبة وهو يفتح باب السيارة:
"بنت خالك دي دماغها ناشفه وعايزة كسرها، اركبي يلا."
تنهدت جواهر وهي تهز رأسها بيأس، ثم صعدت إلى المقعد الأمامي. بعد لحظات التف جواد إلى الجانب الآخر، وجلس خلف المقود، وأدار المحرك بعصبية واضحة قبل أن تنطلق السيارة بسرعة في طريقها إلى المنزل، بينما ظل القلق يثقل صدر جواهر، وكأنها تشعر أن ما يحدث الآن ليس مجرد عناد عابر، بل بداية شيء أكبر بكثير مما يتخيلون.
***************************
انطلقت السيارة تشق الطريق في صمت ثقيل، صمت لم يكن هدوءًا بقدر ما كان احتقانًا مكتومًا يملأ الهواء بينهما. كانت رنيم تجلس إلى جواره متيبسة الجسد، تنظر أمامها بعينين مشدودتين، بينما تتصاعد أنفاسها ببطء غير منتظم، وكأن صدرها يضيق بما تحمله من غضب وارتباك معًا. أما شاهين فكان يقود دون أن ينطق بكلمة، لكن ملامحه المتجهمة ونظراته الجانبية السريعة كانت توحي بأنه يراقب كل حركة تصدر منها، وكل ارتعاشة خفية تمر على وجهها.
وفجأة، وبدون مقدمات، ضغط على المكابح بقوة.
توقفت السيارة توقفًا حادًا، فانجذب جسداهما إلى الأمام بعنف قبل أن يعاودا الاستقرار في مقعديهما. أطلقت رنيم شهقة قصيرة وهي تتمسك بطرف المقعد، بينما ساد للحظة صمت ثقيل كأن الزمن نفسه تعثر عند تلك اللحظة.
استدار شاهين ببطء نحوها. اعتدل بجسده قليلًا، ثم أسند ذراعه على عجلة القيادة وهو يتأملها بنظرة ثابتة طويلة، نظرة لم تكن صريحة تمامًا، لكنها كانت حادة بما يكفي لتشعرها كأنها مكشوفة أمامه.
ثم قال بهدوء حذر:
"ده اسميه ايه أن شاءالله؟"
اعتدلت رنيم هي الأخرى، وكأن ذلك السؤال أيقظ بداخلها موجة جديدة من التحدي. رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين مشتعلتين بالغضب، وكأن كل ما بداخلها يرفض أن يظهر ضعفًا أمامه، ثم قالت بحدة:
"سمي زي ما تسمي، انت بقى كنت بتعمل ايه عند العيادة؟"
لم يبد على شاهين أي ارتباك. بل مال قليلًا إلى الخلف، وحدق فيها بنظرة تحمل تهكمًا واضحًا قبل أن يقول ببرود ساخر:
"ملكيش فيه، حاجه متخصكيش."
كان رده كافيًا ليزيد احتقانها. شعرت وكأن الكلمات تضرب أعصابها مباشرة، فاقتربت منه قليلًا دون أن تشعر، وعيناها تضيقان بحدة بينما قالت بانفعال واضح:
"أيه كنت جاي تطمن وتشوفني موت ولا لسه عايشه؟"
رفع حاجبيه قليلًا وكأن السؤال أضحكه أكثر مما أغضبه، ثم اعتدل في جلسته وقال بلا مبالاة واضحة:
"يا بنتي انتي اخده قلم اوي فى نفسك كده ليه؟ ليه مفكرة نفسك شغلاني، انت ولا فى بالي اصلا، أنا افعصك برجلي متظهريش."
انقبض فكها بقوة حتى بدت أسنانها مشدودة خلف شفتيها. كان غضبها يتصاعد في صدرها مثل نار بطيئة، وقالت من بين أسنانها بصوت مكبوت:
"وانت عرفت ازاي اني موجودة فى العيادة دي اصلا؟"
لكن شاهين لم يجب.
ظل صامتًا، واكتفى بابتسامة هادئة غامضة ارتسمت على شفتيه وهو يعيد نظره إلى الطريق أمامه، كأن السؤال لم يكن موجهًا إليه من الأساس.
كان صمته أسوأ من أي إجابة.
شعرت رنيم بأن شيئًا في داخلها يضطرب. اعتدلت في جلستها بعصبية، وعقدت ذراعيها على صدرها كأنها تحاول احتواء ذلك الغليان الذي يشتعل بداخلها. أخذت تحرك قدمها بسرعة فوق أرضية السيارة في حركة لا إرادية، بينما كانت أفكارها تتزاحم في رأسها بلا ترتيب، مرت ثواني ثقيلة.
وفجأة، اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، كأن فكرة ما انفجرت في عقلها دفعة واحدة. التفتت إليه بسرعة، وصوتها يحمل يقينًا متوترًا وهي تقول:
"انت كنت موجود فى الشركة ساعة الحريق، ايوه أنا شوفتك قبل ما يغمى عليا، انت اللي عملت كده، صح؟"
لم تتغير ملامح شاهين.
بل التفت إليها ببطء شديد، وكأن الاتهام لا يعنيه بشيء. كانت الابتسامة نفسها لا تزال معلقة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لا تكشف شيئًا أبدًا. ثم قال بلا اكتراث:
"أنا كنت بقول عليكي ذكيه، بس واضح كده اني كنت غلطان، انا لما بضرب، بضرب فى الوش، مش بضرب فى الضهر، واللي حصل فى الشركه ده، لعب عيال، مليش فيه."
ازدادت أنفاسها حدة، واشتد لمعان الغضب في عينيها وهي تقول بإصرار:
"أنا متأكدة انك كنت موجود."
ظل محتفظًا بابتسامته، وكأن إصرارها يزيده هدوءًا بدل أن يربكه، ثم قال بصوت هادئ غامض:
"مش شرط كل حاجه نشوفها تبقى حقيقيه."
نظرت إليه بضيق، لكنها شعرت فجأة بشيء آخر يتسلل إلى داخلها، ارتباك خفي لم تستطع تفسيره. كان جزء منها مقتنعًا بأنه يكذب، بينما جزء آخر لم يستطع فهم ذلك الهدوء الغريب الذي يواجه به اتهامها.
قالت بصوت بدا وكأنه يحمل شيئًا من الضياع رغم غضبها:
"مافيش غيرك، اللي من مصلحته حرق الشركة دي، علشان تذلني زي ما انت عايز."
هز كتفيه بلامبالاة، وكأن الأمر لا يستحق أكثر من ذلك، ثم قال:
"وانا قلتلك اللي عمل كده مش انا، عايزة تصدقي صدقي مش عايزة انتي حرة، أعلى ما في خيلك اركبي."
في اللحظة التالية اندفعت يدها نحوه دون تفكير وضربته على كتفه بقوة، بينما صرخت بانفعال خرج دفعة واحدة من صدرها:
"أنا بكرهك يا شاهين بكرهك، ومتفتكرش، انك كده فوزت عليا، انت كسبت أول جولة بس، والشاطر اللي يضحك فى النهاية."
لكن قبل أن تسحب يدها، تحرك بسرعة خاطفة.
أمسك يدها بقوة، ثم شدها نحوه فجأة حتى ارتطم جسدها بصدره. التف ذراعاه حولها بإحكام، كأنه يمنعها من الهروب، بينما قال بنبرة هادئة على نحو يناقض تمامًا توتر اللحظة:
"شش، اهدي، انتي حالتك الصحيه متسمحش بالتحدي دلوقتي، شدي حيلك وارجعي احسن من الاول وبعدها نكمل."
في البداية حاولت المقاومة.
لكن جسدها سكن فجأة.
كأن قوة خفية سحبت منها كل قدرة على الابتعاد. شعرت وكأن مغناطيسًا غير مرئي يثبتها في مكانها كلما حاولت أن تتحرك بعيدًا عنه. تعالت دقات قلبها بعنف حتى شعرت بها تضرب صدرها من الداخل بقوة مؤلمة، وكأنها ستفر من بين ضلوعها في أي لحظة.
كان قربه مربكًا، أنفاسه الدافئة تلامس شعرها، وذراعاه تحيطان بها بثبات غريب لم تعرف كيف تفسره. لم تفهم ما الذي يحدث لها تحديدًا، ولماذا اختفى غضبها فجأة بهذه الطريقة.
لكنها أدركت شيئًا واحدًا فقط، أنها لم تكره تلك اللحظة.
بل على العكس، أحبت ذلك الإحساس الدافئ الذي اجتاحها فجأة رغم كل شيء.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه شاهين عندما شعر بسكونها بين ذراعيه، وكأنه كان يدرك تمامًا ما يحدث داخلها. لم يقل شيئًا، واكتفى بالبقاء هكذا، بينما امتد الصمت بينهما، صمت مختلف هذه المرة، صمت مليء بشيء غير مفهوم يتشكل ببطء بين قلبين يرفضان الاعتراف به.
وظلا على هذا الوضع لوقت ليس بالقصير، حتى انتفضت رنيم فجأة، وكأنها استفاقت من غفلة قصيرة. ابتعدت عنه بسرعة، وأدارت وجهها بعيدًا عنه حتى لا يرى ارتباكها، ثم قالت بتلعثم واضح:
"و وصلني البيت لو سمحت."
لم يعلق شاهين.
اعتدل في جلسته ببطء، وأعاد يديه إلى عجلة القيادة، ثم أدار المحرك مرة أخرى.
وانطلقت السيارة في الطريق من جديد، لكن الصمت الذي خيم بينهما هذه المرة لم يكن صمت غضب فقط، بل صمت يخفي تحته شيئًا بدأ يتغير دون أن يعترف أي منهما به.
*************************
لم تمضي دقائق طويلة حتى أوقف جواد السيارة أمام البوابة ببطء، ثم خيم الصمت داخلها مرة أخرى.
مدت جواهر يدها نحو مقبض الباب لتفتحه وتنزل بسرعة، كأنها تريد الهروب من تلك المسافة الصغيرة التي تفصلها عنه داخل السيارة، لكن يد جواد كانت الأسرع.
أمسك بيدها قبل أن تفتح الباب.
كانت قبضته دافئة وقوية في الوقت ذاته، وكأنه يخشى أن تفلت منه إذا تركها. التفت إليها ونظر في عينيها بنظرة امتزج فيها الحنين بشيء من الرجاء، ثم قال بصوت يحمل دفئًا واضحًا:
"مش ناوية تفكيها بقى، وحشني ضحكك وهزارك يا جوجو، يا بت انا قلت انك هتبقى مراتي وهشوف الدلع كله، غيري وش الكتعه ده علشان خاطري."
لكن كلماته لم تلامس قلبها كما كان يتوقع.
دفعت يده بعيدًا عنها فجأة وكأن لمسته آلمتها، ثم التفتت إليه بعينين ممتلئتين بالغضب وقالت بحدة:
"دلع! ما كفايه دلع الست هانم اللي كانت فى حضنك، هيبقى أنا وهي؟"
تجمدت ملامحه للحظة.
أغلق عينيه بضيق واضح وكأن كلماتها ضغطت على جرح لا يريد فتحه، ثم قال بصوت بدا مختنقًا قليلًا:
"جواهر، بلاش تشبهي نفسك بواحده زي دي، وهيجي اليوم اللي تعرفي فيه الحقيقه وتتأكدي من حبي ليكي."
لكن تلك الكلمات لم تكن كافية لتخفيف ما بداخلها.
تجمعت الدموع في عينيها بسرعة، وارتعش صوتها وهي تقول:
"الصدمة اللي عيشتها لحظة ما شفتك بمنظرك ده، موتت كل حاجه حلوة جوايا، أنا لحد دلوقتي، بحاول اتأقلم على الحياة الجديدة دي رغم أن عشت عمري كله بحلم بالحياة دي، كنت بستنى اليوم اللي هكون فيه مراتك وبتاعتك، لكن انت باللي عملته ده كسرت حاجات كتير اوي جوايا، اصبر بقى عليا لحد ما اقدر انسى اللي شفته بعيوني."
كانت كلماتها تخرج ببطء، كأن كل كلمة تحمل معها قطعة من قلبها.
لمعت عينا جواد للحظة وهو ينظر إليها، ثم اقترب قليلًا منها. رفع يده بحذر شديد، وكأنه يخشى أن تبتعد، ثم مرر أصابعه برفق على وجنتها وقال بصوت خافت حنون:
"جواهر يا قلبي مش كل شوية هعيد كلامي، أنا بحبك انتي وعيوني مش شايفه غيرك، كل البنات بالنسبالي هوا، أنتي حب عمري، ومراتي وان شاءالله هتبقى ام عيالي."
كان صوته صادقًا بطريقة أربكتها للحظة.
اقترب منها أكثر ببطء شديد، والمسافة بينهما بدأت تختفي تدريجيًا، حتى كادت أنفاسهما تختلط. كانت عيناها معلقتين بعينيه، وكأن جزءًا من قلبها يريد أن يصدق كلماته رغم كل شيء.
لكن قبل أن تكتمل تلك اللحظة، رن هاتفها فجأة معلنًا وصول رسالة.
كان الصوت حادًا في ذلك الصمت، كأنه كسر اللحظة إلى نصفين.
دفعت جواهر صدره بعيدًا عنها بسرعة، ثم أخرجت هاتفها من حقيبة يدها بتوتر واضح. فتحت الرسالة دون تفكير، لكن ما إن بدأ الفيديو يعمل حتى تجمدت ملامحها تمامًا.
ظهر جواد في الفيديو، وبجواره فتاة تقترب منه وتقبله على صدره العاري داخل غرفة نوم.
لم تستطع استيعاب المشهد في البداية.
اتسعت عيناها بصدمة، ثم بدأت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة وكأن سدًا كاملًا انهار داخلها. هزت رأسها بعنف وهي تنظر إليه، ثم صرخت بصوت اخترقه الألم:
"أنا بكرهك يا جواد، طلقني يا خاين طلقني."
نظر إليها جواد بذهول واضح، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
انتزع الهاتف من يدها بسرعة ونظر إلى الشاشة، وما إن رأى الفيديو حتى أغمض عينيه بعنف، كأن الغضب انفجر داخله دفعة واحدة. تنفس ببطء، ثم فتح عينيه مرة أخرى وأمسك يد جواهر محاولًا تهدئتها وقال بأسف:
"أنا آسف يا جواهر، أنا عارف انك مش هتصدقيني، بس والله العظيم ما حصل حاجه الموضوع مش زي ما انتي مفكرة."
لكن كلمات الاعتذار لم تعد تصل إليها.
سحبت يدها المرتعشة بعيدًا عنه، ودموعها لا تتوقف عن الانهمار، وقالت بصوت متكسر ممتلئ بالألم:
"كفايه بقى كذب، انت ااايه، أنا تعبت من اللي بتعملوا فيا ده، انت إزاي كده؟ يعني امبارح كنت عندها وبتتكلم معايا على انك فى الشغل، هي فعلا واضح انها كانت شقيه اوي، وتعبتك بوتاجاز خمسه شعلة، طلقني يا جواد مش عايزة اشوف وشك تاني فاهم."
لم تنتظر ردًا، فتحت باب السيارة بسرعة، ونزلت منها وهي تكاد تتعثر من شدة انفعالها، ثم ركضت نحو باب الفيلا وكأنها تهرب من كل شيء خلفها.
ظل جواد جالسًا مكانه للحظة، أغلق عينيه بقوة، وانقبض فكاه بعنف حتى برزت عضلات وجهه بوضوح. كان الغضب يتصاعد داخله كعاصفة حقيقية، لكن ليس غضبًا منها، بل من شيء آخر.
فتح عينيه ببطء، ثم اعتدل في مقعده.
أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا سريعًا. لم تمضي ثواني حتى سمع صوتها في الطرف الآخر، فقال بنبرة باردة مشدودة:
"أنا جايلك الشقه، استنيني."
ثم أنهى المكالمة دون كلمة أخرى.
ألقى الهاتف بعصبية على المقعد المجاور له، وأدار المحرك بعنف، ثم انطلقت السيارة من أمام الفيلا بسرعة جنونية، كأن الطريق كله لم يعد يتسع للغضب الذي يشتعل داخله.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني عشر
جلست رنيم على حافة السرير، وقد بدا على ملامحها اضطراب لم تستطع إخفاءه، كأن شيئًا خفيًا قد استقر في أعماقها منذ تلك اللحظة التي وجدت نفسها فيها ساكنة داخل أحضانه. كان المشهد يعود إلى ذاكرتها بإلحاح غريب، يفرض نفسه على أفكارها مهما حاولت تجاهله. لماذا سكنت بتلك الطريقة؟ ولماذا لم تشعر بالنفور كما توقعت؟ بل لماذا خفق قلبها بتلك الصورة التي أربكتها وأفقدتها القدرة على الفهم؟ ظلت تحدق في الفراغ أمامها، وكأنها تبحث داخله عن إجابة تطمئنها، لكن الأسئلة كانت تتكاثر داخل عقلها بدل أن تتلاشى. ما الشيء الذي شعرت به في تلك اللحظة؟ وما الذي حدث لقلبها حتى ارتبك بهذا الشكل؟ أكان مجرد ضعف عابر أم أن شيئًا أعمق قد بدأ يتسلل إلى داخلها دون أن تشعر؟
هزت رأسها برفضٍ واضح، وكأنها تعلن تمردها على تلك الأفكار التي بدأت تتسلل إليها دون إذن، محاولة أن تطردها من ذهنها قبل أن تتمكن منها أكثر. استقامت بجسدها ببطء، ثم نهضت من مكانها وقد شعرت بأن الغرفة أصبحت أضيق من أن تحتمل اضطرابها، فاتجهت نحو الشرفة وخرجت إليها لعل نسمة من الهواء الليلي البارد تخفف شيئًا من ذلك الاضطراب المشتعل داخل صدرها. وقفت هناك تستند إلى السور الحديدي، ورفعت وجهها قليلًا نحو السماء، تستنشق الهواء بعمق كأنها تحاول أن تملأ رئتيها بالهدوء. غير أن تلك النيران التي كانت تضطرم في داخلها لم تخمد بسهولة، فظلت تحرك يدها ببطء على ذراعها محاولة أن تبعث في جسدها شيئًا من الدفء الذي افتقدته فجأة.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، وقعت عيناها صدفة على حركة في الأسفل، فمالت قليلًا تنظر إلى مدخل المبنى، لتتفاجأ بزين يقف هناك، رافعًا يده يلوح لها بإشارة واضحة حتى تنزل إليه. قطبت حاجبيها بدهشة، وحدقت فيه لحظة، ثم تنهدت ببطء وتحركت إلى الداخل. لم تستغرق كثيرًا في التفكير، فقد ارتدت حذاءها سريعًا وغادرت الغرفة، ثم هبطت الدرج بخطوات متعجلة حتى وصلت إلى الأسفل، واتجهت نحوه مباشرة.
ما إن وقفت أمامه حتى نظرت إليه بضيق واضح، وقالت:
"انت كنت فين امبارح؟ مجتش ليه زي ما وعدني؟"
أجابها سريعا بكذب وقال:
"غصب عني صدقيني امبارح روحت البيت وكنت تعبان شوية قولت اغمض عيني شوية لحد الميعاد، راحت عليا نومة ومحستش بنفسي الا الصبح، طمنيني، عملتي ايه كل حاجه تمام الحمدالله؟"
اهتزت ملامحها فور سماع كلماته، وكأن الجرح الذي حاولت تجاهله عاد لينفتح مرة أخرى، فحركت رأسها والدموع تتجمع في عينيها، ثم قالت بصوت مختنق بالكاد خرج من بين شفتيها:
"لا يا زين مافيش اي حاجه تمام، الشركة ولعت وكل حاجه اتحرقت وبقت رماد، وكده الشركة التانيه خسرت كل حاجه، يعني خسرت كل حاجه فى غمضة عين، أنا مش قد المسؤوليه اللي بابا واونكل حسام سابوها ليا."
اتسعت عينه بصدمة مزيفه وقال:
"أيه الشركة اتحرقت! ومين عمل كده؟"
تعالت شقهاتها وقالت بصوت مختنق:
"ولا حاجة، التحقيقات اتحفظت على أنه ماس كهربائي، بس انا متأكدة أن شاهين الرواي هو اللي وراه اللي حصل ده."
وفي تلك اللحظة ارتسمت ابتسامة لئيمة خاطفة على وجهه، لم تدم إلا لحظة قبل أن يخفيها خلف ملامح بدت متعاطفة، ثم رفع يده وربت على خدها بحركة بدت حنونة وقال:
"ولا يهمك يا حبيبتي فداكي، أنتي قدها، بس قوليلي ناويه تعملي ايه في اللي جاي؟"
تنهدت بحزن عميق، وكأن أنفاسها أصبحت أثقل من أن تحمل بسهولة، ثم حركت رأسها بعدم معرفة وقالت:
"مش عارفه يا زين، أنا حاسه ان دماغي واقفه، أنا لحد دلوقتي مش عارفه هعرف عمته سمية وضع الشركة ازاي، أنا تايهه وحاسه نفسي لوحدي يا زين."
اقترب منها أكثر، ثم احتضنها بحنان بدا صادقًا في ظاهره، لكنه كان يخفي خلفه شيئًا مختلفًا تمامًا، وقال بنبرة هادئة:
"متقوليش كده يا قلب اخوكي، انا معاكي وجنبك ومش هسيبك الا لما ترجعي احسن من الاول."
تمسكت به بقوة وكأنها تتشبث بطوق نجاةٍ وسط بحرٍ من الخسائر والارتباك، ثم قالت بدموع صادقة:
"أنا بحبك اوي يا زين، انت عوض ربنا الجميل، اللي بعته ليا بعد موت ماما وبابا."
ثم ابتعدت قليلًا عن حضنه، ومسحت دموعها محاولة أن تستعيد شيئًا من قوتها، وقالت:
"أول حاجه هعملها هدفع شاهين التمن وهحاول أكلم الناس اللي ساعدتني أول مرة تقف جنبي تاني وان شاءالله هقدر اخرج من الورطة دي."
اومأ رأسه لها وقال:
"أن شاءالله يا حبيبتي، بصي اكتبي اسامي الناس اللي هتكلميها تساعدك، وانا هحاول اتواصل معاهم."
ابتسمت له بحب وامتنان وقالت:
"حاضر، ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
وبعد لحظات قليلة، استدار زين وغادر المكان بخطوات هادئة، بينما ظلت رنيم واقفة للحظة تراقب ابتعاده، ثم استدارت وصعدت الدرج ببطء، وعادت مرة أخرى إلى غرفتها، تحمل معها ذلك الثقل الذي لم يفارق قلبها منذ أن بدأت تلك العاصفة تضرب حياتها.
****************************
عند جواد…
وصل جواد إلى منزل رقية وهو يكاد يشتعل غضبًا، كانت خطواته سريعة وثقيلة في آنٍ واحد، وكأن الأرض نفسها تضيق تحت قدميه، لم يكن الغضب وحده ما يسيطر عليه، بل ذلك المشهد الذي ظل يطارده منذ أن ترك جواهر، دموعها المرتجفة، وانكسار نظرتها الذي لم يستطع أن يتجاهله مهما حاول، كلما تذكر تلك الدموع كان صدره يضيق أكثر، وكأن نارًا خفية تأكل أعصابه ببطء.
توقف أمام الباب للحظة قصيرة، يحاول أن يسيطر على ذلك الغليان الذي يجتاحه، لكن صور الرسائل والصور التي وصلت إلى زوجته عادت لتشتعل في رأسه من جديد، مد يده وضغط على جرس الباب بقوة، وكأنه يفرغ جزءًا من غضبه في تلك الحركة.
لم تمر سوى ثواني قليلة حتى فتح الباب.
ظهرت رقية أمامه وهي ترتدي ملابس مثيرة، وقد بدت على وجهها ابتسامة خفيفة كأنها لم تتوقع أن يأتي بهذه السرعة.
لكن تلك الهيئة لم تفعل شيئًا سوى أن تزيد من غضبه اشتعالًا.
أغمض جواد عينيه للحظة وهو يضغط على أسنانه بقوة، كأنما يحاول أن يمنع نفسه من الانفجار في وجهها فورًا. ثم فتح عينيه وقد انعقدت ملامحه بقسوة واضحة، فمد يده فجأة ودفعها إلى الداخل بعنف، ثم أغلق الباب خلفه بقوة.
لم يمنحها حتى فرصة للفهم أو الاعتراض، إذ أمسكها فجأة من عنقها بقبضة قاسية، ورفعها قليلًا وهو يثبتها أمامه، وعيناه تشتعلان بنظرة مخيفة، ثم تكلم بصوت هامس يحمل في طياته تهديدًا واضحًا:
"انتي بتعملي كده ليه؟ عايزة توصلي لايه بالظبط؟ انطقي."
حاولت أن تتحرك بين يديه لكنها شعرت بالاختناق يطبق على أنفاسها، فتكلمت بصعوبة وهي تحاول أن تلتقط الهواء:
"انت قصدك على ايه؟ مش فاهمه حاجه، صدقني يا جواد هموت."
لكن كلماته لم تخفف من غضبه، بل زادت من قسوته، فاشتدت قبضته أكثر حتى بدأ لون وجهها يشحب بوضوح، وقال من بين أسنانه بحدة:
"بت انتي هتستهبلي، الصور والفيديوهات اللي بتبعتيها لمراتي تقصدي بيها ايه ردي عليا؟"
اتسعت عيناها بخوف واضح، وبدأت أنفاسها تتقطع أكثر، فنظرت إليه برجاء واضح وتكلمت بصعوبة:
"جواد هموت، ابوس ايدك ابعد وانا هقولك كل حاجه."
ظل ينظر إليها للحظة طويلة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما وراء عينيها، ثم أرخى قبضته فجأة ودفعها بعيدًا عنه بقوة. سقطت على الأرض وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، بينما تحرك هو ببطء وجلس على أحد المقاعد القريبة، وقد ظل غضبه ظاهرًا في كل حركة من حركاته.
نظر إليها بعينين قاسيتين وقال بصوت غاضب مخيف:
"انطقي، بسمعك."
سعلت عدة مرات وهي تحاول استعادة أنفاسها، ثم رفعت وجهها إليه وتكلمت بصوت متقطع:
"ا أنا عملت كده، ع علشان بحبك، و وبغير عليك م منها."
لم تكد تنهي كلماتها حتى اندفع نحوها مرة أخرى، أمسك بشعرها بقوة ورفع رأسها نحوه بعنف، ثم صرخ في وجهها:
"كداابه، انطقي وقولي الحقيقه، انتي امبارح قولتي انك عملتي كده علشان مطلوب منك تبعدينا عن بعض، كنتي هتقولي الاسم امبارح بس نمتي انطقي."
ارتجف جسدها تحت قبضته، وابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول أن تجمع كلماتها، ثم قالت بصوت مرتعش:
"ها!! ا أنا قولت كده؟ م مش ف فاكرة حاجة، م ممكن كنت سكرانه ولا حاجه."
زفر جواد بضيق شديد، واشتدت قبضته على شعرها أكثر وهو يقول بصوت جهوري يحمل تهديدًا واضحًا:
"بلاااش تختبري صبري يا رقيه، قولي الحقيقه انطقي."
صرخت بألم، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تحاول أن تفلت من قبضته، ثم تكلمت من بين بكائها:
"خالتو مريم، والله العظيم هي اللي طلبت مني أعمل كل ده، صدقني يا جواد هي دي الحقيقه."
تجمدت ملامح جواد للحظة، وكأن الاسم الذي نطقته لم يكن متوقعًا بالنسبة له، أرخى يده عن شعرها ببطء، ثم نظر إليها بعدم فهم واضح وقال بتساؤل:
"مريم!! مين مريم دي؟ انا معرفش حد بالاسم ده، وليه عايزة تعمل معايا كده؟"
ابتلعت ريقها مرة أخرى، وكانت ملامح الخوف ما تزال واضحة على وجهها، ثم قالت بصوت مرتعش:
"انت مش هتعرفها، هي مشكلتها مع أهلك مش معاك انت."
ضيق عينيه وهو يحاول أن يستوعب كلماتها، وكأن عقله بدأ يبحث سريعًا بين ذكرياته عن أي خيط يمكن أن يفسر ما سمعه، ثم حرك رأسه قليلًا وقال بنبرة حازمة:
"أهلي أنا! عموماً الكلام اللي حصل ما بينا هنا مش عايز جنس مخلوق يعرفه، حتى خالتك مريم دي، خليها مفكرة أن خطتها ماشيه زي ما هي عايزة، لحد ما افهم قصتها ايه دي كمان."
نهض من مكانه واتجه نحو الباب بخطوات سريعة، وكأن قراره قد حسم في تلك اللحظة، لكنه توقف فجأة قبل أن يفتح الباب، ثم استدار إليها مرة أخرى بعينين حادتين وقال بصوت بارد يحمل تهديدًا واضحًا:
"لو شفت أي صورة ولا فيديو اتبعتوا لمراتي تاني هدفنك مكانك فاااهمه."
ثم أنهى كلماته وفتح الباب بقوة، وغادر المكان دون أن يلتفت خلفه، تاركًا رقية على الأرض، ما تزال أنفاسها مضطربة، وعيناها تلاحقان الباب الذي أغلق خلفه بعنف.
*************************
في فيلا شاهين الرواي…
جلس شاهين على سريره في هدوء ثقيل يلف المكان من حوله، وقد أرجع ظهره إلى الخلف مستندًا إلى الوسادة، بينما كانت عيناه تحدقان في سقف الغرفة وكأنهما تبحثان فيه عن شيء ضائع، كان الليل قد أرخى ستاره على الفيلا، لكن السكون الذي يحيط به لم يكن قادرًا على تهدئة العاصفة التي تضطرب داخل صدره.
تسللت إلى ذهنه تلك اللحظة التي كانت فيها رنيم بين ذراعيه، ساكنة داخل أحضانه كما لو أنها احتمت به من العالم كله، فجأة تعالت دقات قلبه دون أن يشعر، دقاتٍ قوية متلاحقة أربكته وأزعجته في آنٍ واحد. لم يعجبه هذا الشعور إطلاقًا، بل على العكس، جعله يشعر كأنه يقف على حافة خطيرة، كمن يقف فوق قمة شاهقة مهددًا بالسقوط منها إلى قاع سحيق في أي لحظة.
حرك رأسه برفض واضح، وكأنما يحاول أن ينتزع تلك الذكرى من عقله قبل أن تتمكن منه أكثر. زفر بضيق واضح، ثم أغمض عينيه قليلًا وهو يستعيد ما حدث في الليلة الماضية داخل الشركة، وكأن الأحداث تعود أمامه بصورة حية لا يمكن تجاهلها.
"فلاش باااك"
في المساء توجه إلى الشركة البديلة، وقد كان الغضب يملأ صدره. كان ينوي أن يفاجئ رنيم هناك، أن يواجهها بالحقيقة كاملة، وأن يثبت لها أنه يعلم كل شيء تخطط له.
أوقف سيارته على مقربة من المكان، لكن قبل أن يترجل منها لفت انتباهه مشهد غير متوقع.
رأى زين يتحرك في الظلام بحذر واضح، يلتفت حوله بين الحين والآخر، ثم أشار إلى بعض الرجال الذين كانوا يقفون بالقرب منه. لم يفهم في البداية ما يحدث، لكنه ظل يراقبهم بصمت حذر.
بعد لحظات بدأ أحد الرجال يفرغ شيئًا سائلًا على الأرض، ثم تبعه الآخرون يفعلون الشيء نفسه.
اتسعت عينا شاهين فجأة عندما أدرك ما الذي ينوي زين فعله.
وفي تلك اللحظة تحديدًا تذكر أن رنيم ما تزال داخل الشركة.
سقط قلبه في صدره فجأة وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه، وداهمه خوف حاد لم يتوقعه. فكرة واحدة فقط اجتاحت عقله بقوة، ماذا لو أصابها مكروه؟
وقبل أن يتمكن من التفكير أكثر، أشعل زين النيران.
في لحظة واحدة اندلعت ألسنة اللهب، وانتشرت بسرعة مرعبة في أرجاء المكان، تلتهم كل ما يقف في طريقها.
لم يتردد شاهين ثانية واحدة.
فتح باب سيارته بسرعة وترجل منها، ثم اندفع نحو الداخل دون أن يفكر في الخطر الذي ينتظره. كانت النيران تنتشر بسرعة، والدخان بدأ يملأ المكان، لكن كل ذلك لم يكن يعني له شيئًا في تلك اللحظة.
بدأ يبحث داخل المكاتب واحدًا تلو الآخر، وعيناه تتحركان بجنون بين الأبواب والممرات. وكلما مرت لحظة كانت النيران تزداد شراسة، ومع كل ازدياد كانت أعصابه تشتعل أكثر.
كان خوفه عليها يزداد بجنون.
وأخيرًا، وجدها.
كانت رنيم تقف في الخلف بالمخازن لكنها بالكاد كانت قادرة على الثبات، بدا عليها الإعياء الشديد، وقد بدأت تفقد وعيها بسبب الدخان.
لم يفكر لحظة.
ركض نحوها بسرعة، متجاوزًا ألسنة اللهب التي كانت تحاصر المكان، ثم أمسكها بين ذراعيه بقوة. في تلك اللحظة شعر بقلبه يقفز في صدره بعنف، وكأنه يخشى أن يفقدها قبل أن يتمكن من إخراجها.
نظرت إليه رنيم بوهن شديد، كانت عيناها نصف مغلقتين، وكأنها تحاول أن تستوعب ما يحدث حولها. ثم أغمضت عينيها تمامًا وسقطت فاقدة الوعي داخل أحضانه.
ارتبك شاهين للحظة، وربت على وجهها بقلق واضح وهو يقول:
"رنيم يا رنيم رد عليا."
لكنها لم تجب عليه.
ازداد قلقه أكثر، فحملها بسرعة بين ذراعيه ونهض بها فورًا، ثم اندفع خارج المكان محاولًا أن يشق طريقه بين النيران التي كانت تزداد انتشارًا. كان الدخان يخنق أنفاسه، والحرارة تكاد تلسع جلده، لكنه لم يتوقف.
ركض بها حتى وصل إلى سيارته، فتح الباب ووضعها برفق على المقعد الأمامي، ثم تحرك سريعًا إلى مقعد القيادة.
نظر إليها بخوف واضح، كانت ملامحها شاحبة وسكونها يثير القلق في قلبه. لم يضيع ثانية واحدة، فأدار السيارة وانطلق بها بسرعة جنونية متجهًا إلى العيادة الخاصة بترنيم.
وفي الجهة الأخرى كان زين يقف يراقب كل ما يحدث من بعيد.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة شر خبيثة، وكأنه كان يتابع مشهدًا سار كما خطط له تمامًا، ثم استدار وغادر المكان بهدوء.
عندما وصل شاهين إلى العيادة، ترجل من السيارة بسرعة واندفع إلى الجهة الأخرى، فتح الباب وحمل رنيم مرة أخرى بين ذراعيه، ثم دخل إلى الداخل وهو ينادي بصوت غاضب وعالي على الممرضات.
حضرت الممرضات سريعًا ومعهن السرير النقال، فوضعها عليه على عجل، ثم اندفعن بها إلى الداخل.
أغمض شاهين عينيه للحظة وقد تملك القلق منه بشدة، لكنه فجأة توقف في مكانه، وكأن شيئًا ما جعله يدرك ما يفعله.
ظل واقفًا هناك يحدق في الممر الذي اختفت فيه رنيم، يتابع السرير بعينيه حتى اختفى تمامًا عن ناظريه.
ثم تحرك ببطء نحو الخارج.
صعد إلى سيارته وجلس خلف المقود صامتًا لعدة لحظات، وكأن عقله يحاول أن يستوعب ما حدث. لماذا اندفع إلى داخل النيران دون تردد؟ ولماذا شعر بذلك الخوف الجنوني عليها؟
لم يجد إجابة.
فجأة لكم عجلة القيادة بقبضة يده بقوة، وكأنه يحاول أن يفرغ فيها غضبه العارم، غضبًا موجهاً إلى نفسه قبل أي شيء آخر، كأنه يعاقبها على ما بدأ يشعر به تجاه رنيم.
ثم أدار السيارة بعصبية وتحرك بها سريعًا مغادرًا المكان.
"بااااك"
زفر شاهين بضيق واضح وهو يفتح عينيه من جديد، ثم استقام بجسده ونهض من فوق السرير. شعر بأن هواء الغرفة أصبح خانقًا، فخرج إلى الشرفة محاولًا أن يستنشق بعض الهواء.
وقف هناك للحظات، يحدق في الظلام الممتد أمامه، بينما كانت أفكاره ما تزال تدور في رأسه بعنف.
ثم تكلم بصوت هامس كأنه يخاطب نفسه قائلاً:
"اللي حاسس بي ده مش لازم يحصل، ركز على مهمتك يا شاهين، رنيم مجرد وسيلة علشان انتقم بيها مش اكتر."
لكن رغم كلماته الحاسمة، تبدلت نظراته فجأة، وأصبحت أكثر قتامة وسوادًا.
أما قلبه، فما زال يدق بتلك الدقة اللعينة التي تثير غضبه كلما شعر بها، دقة تذكره في كل لحظة أن ما يحاول إنكاره، قد بدأ بالفعل.
*************************
في صباح يوم جديد، لم يكن يحمل لجواهر أي شعور بالبداية أو التجدد، بل بدا كأنه امتداد ثقيل لليل طويل لم تعرف فيه طعم الراحة. استيقظت من نومها بصعوبة واضحة، وكأن جسدها يرفض أن ينهض بعدما أنهكه البكاء والسهر. كانت عيناها متورمتين بشدة، محمرتين بصورة مؤلمة، حتى أن انعكاسهما في المرآة الجانبية جعلها تشعر بثقل آخر في صدرها.
لم تكن تلك العلامات إلا أثر ليلة كاملة قضتها في صراع قاسي مع ذكرياتها، وكلما عادت بذاكرتها إلى ذلك الفيديو الذي رأته، كانت تشعر وكأن قلبها ينتزع من مكانه بعنف، كأن يدًا خفية تمزقه ببطء وتتركه ينزف حتى يصل الألم إلى حد يكاد يخنق أنفاسها.
اعتدلت في جلستها فوق السرير ببطء شديد، وكأن كل حركة منها تحتاج إلى جهد مضاعف. رفعت يدها المرتعشة قليلًا وأرجعت خصلات شعرها إلى الخلف، محاولة أن تستعيد بعض توازنها، لكن زفرة طويلة خرجت من صدرها دون أن تشعر، زفرة مثقلة بالحزن والإنهاك، وكأنها تحاول بها أن تمنع دموعًا أخرى من الانهمار.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، قطع سكون الغرفة صوت هاتفها وهو يعلن عن وجود اتصال.
التفتت نحوه ببطء، وكأنها لا ترغب حتى في التعامل مع العالم خارج غرفتها. مدت يدها وأمسكت الهاتف، ونظرت إلى الشاشة لتجد رقمًا غريبًا لا تعرفه. ترددت لثواني، ثم ضغطت زر الإجابة وهي تقول بصوت مختنق ما زالت بقايا البكاء عالقة فيه:
"السلام عليكم، مين معايا؟"
جاءها صوت رجولي هادئ من الطرف الآخر يقول:
"وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته، عاملة ايه يا انسه جواهر، يارب تكوني بخير، مع أن صوتك واضح اوي انك مش بخير خالص."
عقدت حاجبيها في استغراب واضح، وشعرت بنفور غامض من نبرته، ثم قالت بصوت ما زال مثقلًا:
"مين حضرتك؟"
أجابها بنبرة واثقة:
"أنا وحيد الاباصيري، والمرادي مرضتش ابعت رسايل علشان متعمليش بلوك زي ما عملتي فى الرقم التاني."
في اللحظة التي سمعت فيها اسمه، تغيرت ملامحها فورًا. اشتدت أصابعها حول الهاتف وضغطت عليه بقوة حتى كادت مفاصلها تبرز من شدة الغضب، ثم قالت بنفاذ صبر واضح:
"حضرتك عايز مني ايه، قلتلك امسح رقمي من عندك ومتكلمنيش تاني، علشان لو جوزي شم خبر بأنك بتكلمني هيجيبك وهيطلع روحك بأيده، وحضرتك شوفت عصبيته عاملة ازاي."
جاءها صوته هذه المرة هادئًا، وكأنه يحاول التودد إليها أو استمالتها:
"يا انسه جواهر، أنا نيتي شريفه، انا بطمن عليكي كصديق مش اكتر."
اشتعل الضيق في عينيها، وردت عليه بحدة واضحة:
"حضرتك احنا مش فى أمريكا احنا فى مصر موضوع صديق والكلام ده مش عندنا أنا جوزي بيغير عليا من النسمة، تخيل انت بقى لو عرف موضوع الصديق ده هيعمل ايه؟"
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، لحظات جعلتها تعتقد أنه ربما أغلق الخط، لكنه عاد ليتكلم بعد فترة بنبرة هادئة تحمل قدرًا من الاستفزاز:
"طيب طمنيني عليكي، وانا اوعدك مش هزعجك تاني."
أطلقت زفرة ضيق حادة وقالت بنفاذ صبر:
"كويسه حضرتك وزي الفل، ممكن بقى تقفل."
رد عليها أخيرًا بنبرة لئيمة:
"عمومًا أنا هقفل ومش هزعجك بس الرقم ده بتاعي لو حبيتي تتكلمي فى أي وقت، اتصلي عليه، مع السلامة."
ثم أغلق الخط مباشرة دون أن ينتظر ردها.
بقيت للحظة تحدق في الهاتف وكأنها تحاول استيعاب وقاحته، ثم ألقت به بجوارها على السرير بضيق واضح وقالت بصوت مختنق:
"هو أنا نقصاك انت كمان، مش كفايه اللي معايا ومطلع عيني ده."
ظلت للحظات جالسة مكانها تحاول أن تهدأ، لكن الأفكار كانت تتزاحم في رأسها بصورة مؤلمة. وأخيرًا نهضت من مكانها متجهة إلى الحمام، وكأنها تأمل أن يخفف الماء شيئًا من ثقل روحها.
بعد وقت ليس بقصير خرجت من الحمام، وقد ارتدت برنس الاستحمام، وخصلات شعرها المبللة تنسدل على كتفيها وظهرها. بدت أكثر هدوءًا ظاهريًا، لكنها في الداخل ما زالت تحمل ذات الفوضى.
اتجهت إلى التسريحة ووقفت أمام المرآة، تمشط شعرها ببطء شديد، تحدق في انعكاسها وكأنها تبحث في ملامحها عن بقايا تلك الفتاة التي كانتها قبل أن تتشقق ثقتها بكل شيء.
لكنها فجأة تجمدت في مكانها.
فقد شعرت بيدٍ تلتف حول خصرها من الأمام.
ارتجف جسدها قليلًا، ورفعت عينيها نحو المرآة لترى انعكاس جواد يقف خلفها، يحتضنها وينظر إلى صورتهما معًا. اقترب برأسه قليلًا وهمس بجوار أذنها بصوت خافت:
"أنا آسف، مش عارف قلتها ليكي للمرة الكام، بس صدقيني يا جواهر أنا بحبك ودموعك غاليه عليا أوي."
أغلقت عينيها بقوة وكأن كلماته تزيد غضبها بدلًا من أن تهدئها، ثم قالت بحدة واضحة:
"انت ايه دخلك اوضي من غير استئذان يا جواد؟"
انحنى قليلًا وقبل عنقها بحب وقال بنبرة عاشقة:
"اوضة مراتي، مش لازم استئذان علشان ادخلها."
شعرت بجسدها يتخدر للحظة تحت وطأة قبلاته، لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما ابتعدت عنه بسرعة وكأنها تهرب من لمساته، ثم قالت بنبرة حاولت إخراجها طبيعية رغم الارتجاف:
"ابعد عني متلمسنيش يا جواد، أنا بكرهك، طلقني ارجوك، مش هطيق يتقفل علينا باب واحد."
هز رأسه بالرفض القاطع وقال:
"الكلمة دي عمري ما هنطقها لو اتحطت السكينه على رقبتي، انتي بنتي وحبيبتي ومراتي وكل ما ليا، انتي روحي والنفس اللي بتنفسه، فكرك هفرط فيكي بسهولة كده؟"
أطلقت تنهيدة موجوعة خرجت من أعماق صدرها، ثم قالت بصعوبة:
"أنت بالفعل فرط فيا يا جواد، فرط فيا من اللحظة اللي قدرت تقرب لواحدة غيري، وبلاش ونبي بقى تقولي الكلمتين اللي حفظتهم من أول مرة اكتشفت خيانتك ليا، أن اللي شوفته بعيني مش زي ما أنا مفكرة ولا أن مصيري هعرف الحقيقه، علشان مافيش أي مبرر للخيانة، انت عارف عملت فيا ايه؟ انت جرحتني اول مرة وجيت والجرح لسه مفتوح وبحاول اتعالج منه حطيت جواه ملح متوقع الاحساس دلوقتي عامل ازاي، لو بتحبني بجد يا جواد طلقني وابعد عني، خليني اتعالج من العلاقة السامة دي."
ارتسمت الصدمة بوضوح على وجهه وقال بعدم تصديق:
"أنا علاقتي سامة يا جواهر؟! طيب مش هقولك أن اللي شوفتي بعينك مش هي دي الحقيقه لان فعلا مش الحقيقه، بس هقولك اللي بقوله ليكي من أول لحظة جيتي فيها الدنيا، أنا بحبك يا جواهر، انتي بتاعتي أنا، وانا بتاعك انتي، عايش علشان اشوف الضحكه فى عيونك وبس، بحبك وبخاف عليكي، ومستعد اعمل أي حاجة علشان احميكي حتى لو هضحي بعمري كله علشانك، بغير عليكي اه بغير عليكي، وببقى شخص تاني لو لمحت حد بيبصلك بطرف عينه، بس بثق فيكي اكتر ما بثق فى نفسي، وكان نفسي تبقى زي كده يا جواهر، غيري عليا براحتك، بس خلي عندك ثقه فيا، أن مستحيل ابص ولا ألمس غيرك، حتى لو شفتي ده بعينك، متصدقيش، بس تعرفي ايه اكتر حاجه صدمتني فيكي؟ انك شايفه أن علاقتنا سامة، لدرجاتي يا جواهر؟ نسيتي كل حاجه حلوة ما بينا، وافتكرتي حاجه واحدة بس ومش حقيقيه؟"
حولت وجهها إلى الجهة الأخرى، بينما أخذت دموعها تتساقط أكثر، وقالت بصوت مكسور:
"أنا مصدومة فيك يا جواد، مش قادرة اصدق انك انت الراجل اللي عشت عمري كله احبه وأحلم اكون ليه ويكون ليا، منظرك وانت معاها مش بيروح من قصاد عيني، ولما حاولت انسى وابدأ من جديد معاك روحت كملت خيانتك ليا وكملت العلاقة عادي، وكأنك واثق أن هزعل يومين تلاته وهرجع انسى زي العبيطة واترمي فى حضنك، بس لا يا جواد، ده مش هيحصل، وانت هطلقني برضاك أو غصب عنك فاهم."
أغلق عينيه لثواني محاولًا أن يهدئ نفسه، ثم اقترب منها ببطء.
لكن كل خطوة كان يخطوها نحوها كانت تقابلها خطوة أخرى منها إلى الخلف، حتى شعرت فجأة بحدود السرير خلفها. اتسعت عيناها بارتباك واضح وقالت بتلعثم:
"ابعد يا جواد، لو قربت مني هصرخ."
ارتسمت ابتسامة لئيمة على وجهه وقال وهو يدفعها على السرير:
"أصرخي عادي أنا جوزك مش حد غريب، وامك عارفه أن انا عندك فى الاوضة."
ثم مال بجسده فوقها ونظر في عينيها مباشرة وقال:
"اقسم بالله لو مبطلتيش كلامك الاهبل ده لكون داخل عليكي واتمم الجوازة، وتبقى ساعتها مراتي رسمي واخدك فى بيتي."
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بتلعثم:
"ابعد عني يا جواد، بلاش قلة أدب، أبعد عني أنا بقرف منك، جووواد."
مد يده وربت على خدها برفق، ثم نظر في عينيها بلوم وقال بصوت مختنق:
"حتى دي معندكيش ثقه فيا؟ يعني انتي فكرك هعمل كده بجد؟"
ثم ابتعد عنها فجأة، ومرر يده في شعره بتوتر واضح، وقال بصوت غاضب مكبوت:
"أنا مبقتش عارف اعمل ايه تاني معاكي الصراحه، بحاول بكل الطرق علشان عارف، أن معاكي حق تزعلي، بس بجد تعبت وزهقت يا جواهر، عمومًا أنا همشي، ومش هضيقك تاني، بس برضه هتفضلي مسؤولة مني، ک حبيبتي ومراتي، ووقت ما تحسي نفسك هديتي، ابقى قوليلي علشان احددت يوم الفرح."
أنهى كلماته واستدار وخرج من الغرفة تاركًا الباب خلفه.
بقيت جواهر تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه لثواني طويلة، وكأن عقلها يرفض استيعاب ما حدث. ثم رفعت يدها ببطء إلى وجهها، وكأنها تحاول أن تتمسك بشيء يثبتها.
لكنها لم تستطع.
فانهارت فجأة، ودفنت وجهها بين يديها، وأجهشت بالبكاء، بكاء مرير خرج من أعماق قلب لم يعد يحتمل المزيد.
************************
في الجامعة، عند أروى…
وصلها أحمد إلى بوابة الجامعة كعادته، وكأنه يحرص في كل مرة أن يكون هو أول ما تراه في يومها وآخر ما تراه قبل أن تنصرف إلى عالمها. أوقف سيارته بهدوء أمام البوابة الكبيرة التي تعج بحركة الطلاب، وكانت الأصوات المتداخلة وضحكات الفتيات وضجيج السيارات تصنع مشهدًا صاخبًا، لكن داخل السيارة كان الهدوء مختلفًا، هدوءًا مشحونًا بشيء من العاطفة والاهتمام.
التفت أحمد نحوها ونظر إليها بحب واضح، وكأن عينيه اعتادتا التوقف عند ملامحها طويلًا دون أن يمل، ثم قال بنبرة هادئة دافئة:
"انزلي يلا، ولما تخلصي، اتصلي بيا وانا هاجي اخدك."
أومأت أروى برأسها في هدوء، ومدت يدها نحو مقبض الباب لتفتحه، لكنها توقفت قبل أن تفعل. بقيت لحظة صامتة، وكأن هناك شيئًا يثقل صدرها وتفكر إن كانت تقوله أم لا. ثم استدارت نحوه مرة أخرى، وبدت على ملامحها علامات توتر خفيف قبل أن تقول:
"احمد، عايزة اقولك حاجه."
التفت إليها كاملًا، وأومأ برأسه في هدوء وهو يقول بنبرة مطمئنة:
"قولي يا قلبي."
تنحنحت أروى قليلًا، وكأن الكلمات لا تخرج بسهولة من حلقها، ثم قالت بتردد واضح:
"هو ينفع اخرج شويه النهاردة مع اصحابي؟ هما اتفقوا أنهم يخرجوا النهاردة بعد الجامعه."
اعتدل أحمد قليلًا في مقعده، وأسند إحدى يديه على عجلة القيادة بينما التفت إليها بنظرة متأملة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها تحمل سؤالًا حقيقيًا:
"طيب لو قلتلك لا، هتزعلي؟"
تجمدت نظرات أروى للحظة، ثم خفضت عينيها إلى الأسفل دون أن تجيب. كانت أصابعها تعبث بطرف حقيبتها في توتر واضح، وكأنها لا تريد أن تظهر اعتراضها، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع إخفاء شعورها تمامًا.
مد أحمد يده الأخرى برفق ورفع وجهها إليه، مجبرًا إياها على النظر في عينيه، ثم قال بابتسامة حنونة حاول أن يجعلها مطمئنة:
"أروى أنا مش عايز ازعلك مني، ولا انك تشوفيني شخص متحكم، بس انا فعلا مبحبش موضوع الخروج مع اصحابك ولا سفر يومين معاهم وكده، اصبري بس يكون فيه حاجه رسمي ما بينا وانا هزهقك خروجات، اعتبريني أنا العالم بتاعك اصحابك واهلك واخوكي وحبيبك، وهتلاقيني قايم بدور كل واحد فيهم على أتم وجه، بس لو بتحبيني بجد بلاش خروجات مع اصحابك، واصبري شويه صغيرين خالص، ومن غير أي زعل."
نظرت إليه أروى بضيق حاولت أن تخفيه، لكنها لم تستطع إخفاء تلك الغصة الصغيرة التي تشكلت في صدرها، ثم قالت بنبرة مختنقة قليلًا:
"بس مافيش حد بيعيش من غير أصحاب، انت كده عايز تمنعني من الناس كلها واكون معاك انت وبس."
ابتسم أحمد بهدوء، وكأنه لا يرى في الأمر مشكلة حقيقية، ثم قال بنبرة مازحة خفيفة:
"ودي حاجة وحشه يعني لما تكوني معايا انا وبس؟"
هزت رأسها بسرعة نافية، وقالت بتوتر وهي تحاول أن تشرح له دون أن يبدو كلامها اعتراضًا:
"ل لا طبعا مش حاجة وحشة، بس يعني بقولك كده علشان ميجيش وقت واتخنق، فاهم قصدي؟ يعني الحياة متكونش مملة."
أومأ أحمد برأسه بتفهم، وكأنه يريد أن يطمئنها بأي طريقة، ثم قال بصوت هادئ:
"فاهم يا حبيبتي قصدك، بس اوعدك مش هتحسي بالملل خالص، اصبري عليا بس وانا هعيشك أجمل ايام عمرك."
ابتسمت له أروى ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحب بشيء من الاستسلام، ثم أومأت برأسها بالموافقة وقالت:
"اوك، هروح انا بقى علشان متأخرش."
رد عليها بابتسامة هادئة وهو ينظر إليها بنظرة مطمئنة:
"ماشي، بس متتأخريش عليا تخلصي وتخرجي على طول."
أومأت برأسها مرة أخرى، ثم فتحت الباب وترجلت من السيارة. أغلقت الباب خلفها وسارت نحو بوابة الجامعة، بينما ظل أحمد جالسًا مكانه يتابعها بعينيه حتى ابتعدت قليلًا، ثم أكثر، حتى اختفت وسط الزحام ولم يعد يراها.
حينها فقط أدار محرك السيارة وتحرك بها مغادرًا المكان.
في الداخل، كانت أروى تسير بين الطلاب بخطوات هادئة حتى لمحت صديقتيها تقفان بالقرب من إحدى الأشجار في ساحة الجامعة. اقتربت منهما وألقت التحية، فبادرتها إحداهما بالسؤال مباشرة:
"ها يا رورو هتيجي معانا النهاردة بعد ما نخلص؟"
توقفت أروى لحظة، ثم هزت رأسها بالنفي وقالت بهدوء:
"لا، مش هينفع ورايا مشوار مهم النهاردة."
لم تستسلم الفتاة سريعًا، بل قالت بإلحاح واضح:
"بليز يا أروى حاولي تيجي النهاردة معانا."
تنهدت أروى قليلًا، ثم قالت بتوتر وهي تحاول إنهاء الموضوع:
"مش هينفع والله صدقيني، مرة تانيه بقى عن اذنكم."
ثم تحركت بسرعة من أمامهما قبل أن يزداد إلحاحهما أكثر، وكأنها كانت تخشى أن تضغطا عليها حتى تتراجع عن قرارها.
ما إن ابتعدت واختفت عن نظرهما، حتى تبدلت ملامح الفتاة التي كانت تلح عليها، وتحولت ابتسامتها إلى ضيق واضح وهي تقول:
"هنعمل ايه دلوقتي؟ ميرو هيزعل مننا كده لو معرفناش نجيبها معانا بليل."
ردت الصديقة الأخرى بحدة وغضب لم تستطع إخفاءه:
"انتوا ازاي كده؟ عايزين تسلموا صحبتكم لمروان علشان بس يرضا عليكم، أروى عمرها ما كانت وحشه مع حد فيكم، ووقت ما حد يحتاجها يلاقيها، أنا مصدومة فيكم بجد، ومش موافقة على اللي عايزين تعملوا فيها ده."
أنهت كلماتها وهي تنظر إليهما بصدمة حقيقية، ثم استدارت وغادرت المكان سريعًا دون أن تنتظر ردًا منهما.
تابعتها الفتاة الأخرى بنظرات ضيقة مليئة بالانزعاج، ثم تمتمت بضيق:
"هتعمل فيها الصديقه المخلصه."
ثم التفتت إلى رفيقتها وقالت بنبرة تفكير:
"ها خلينا نفكر فى طريقه نقنع بيها أروى تيجي، ميرو مستنيها بفارغ الصبر، شكلها علمت عليه جامد وعايز ينتقم منها بالطريقة دي."
وبقيتا واقفتين لبعض الوقت، تتبادلان الأفكار والهمسات، تخططان بهدوء لكيفية إقناع أروى بالحضور تلك الليلة، دون أن تدري أروى أن خلف تلك الدعوة البسيطة نية أخرى تحاك لها في الخفاء.
****************************
عند غريب…
كان المكتب يغرق في هدوء ثقيل لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط، وهي تتحرك ببطء كأنها تزيد من توتر الجو بدلًا من أن تخففه. جلس غريب خلف مكتبه العريض، متكئًا على ظهر المقعد الجلدي، لكن ملامحه لم تكن تحمل أي أثر للراحة. كانت عيناه مثبتتين على باب المكتب ينتظر لحظة دخوله بفارغ الصبر.
كان يعلم أن جواد سيأتي اليوم حتمًا، فالأمر لم يعد يحتمل التأجيل، وكل ما يتعلق برقية بات يثير في داخله شكوكًا ثقيلة، كأن خيوطًا خفية تتحرك في الظلام حول عائلته، وهو لا يعرف مصدرها.
مرت عدة دقائق بدت أطول مما هي عليه، قبل أن يفتح الباب أخيرًا ويدخل جواد.
لم يكن بحاجة إلى أن يتكلم ليفهم غريب أن شيئًا ليس على ما يرام. كان وجهه متجهمًا، وعيناه تحملان ضيقًا واضحًا. تقدم ببطء حتى جلس على المقعد المقابل للمكتب، ثم أطلق زفرة طويلة كأنه يحاول أن يفرغ شيئًا من الضيق الذي يثقل صدره. رفع نظره نحو والده وتكلم بتساؤل مباشر:
"مين مريم دي يا بابا؟"
انعقد حاجبا غريب فور سماعه الاسم، ونظر إليه باستغراب واضح قبل أن يقول بعدم فهم:
"مريم!! مين دي مش فاهم."
أجابه جواد بصوت مختنق قليلًا، وكأن ما عرفه أثار داخله الكثير من القلق، ثم قال موضحًا:
"رقيه اعترفت بكل حاجة، وقالتلي، أن خالتها اسمها مريم وهي اللي طلبت منها تعمل معانا كده، ولما سألتها ليه، قالتلي مشكلتها مع أهلك مش معاكم."
ساد الصمت للحظة داخل المكتب.
حرك غريب أصابعه ببطء على مقدمة رأسه، وكأن الاسم بدأ يحرك شيئًا قديمًا في ذاكرته، ذكرى بعيدة حاول دفنها منذ سنوات طويلة. لمع الاسم في ذهنه فجأة، صورة امرأة بعينين مليئتين بالشر، لكن سرعان ما هز رأسه رافضًا الفكرة قبل أن يقول بعدم فهم:
"معرفش حد بالاسم ده، غير واحدة بس وده كان زمان اوي وانا قتلتها بسلاحي، علشان أحمي أمك منها."
نظر إليه جواد للحظة، وكأن الكلمات لم تستقر في عقله بعد، ثم حرك كتفيه بعدم فهم وقال:
"طيب انت بتقول انك قتلتها، يعني ماتت، لكن دي بتقولي خالتها مريم هي اللي طلبت منها ده."
تعمقت الحيرة أكثر في ملامح غريب، ونظر إلى ابنه بنظرة طويلة قبل أن يقول ببطء:
"الموضوع ده فيه لغز كبير، اكيد يعني مش مريم اللي أعرفها، انا متأكد انها ماتت وطلعت شهادة وفاتها بأيدي دول بصفتي كنت جوزها."
اتسعت عينا جواد فجأة بصدمة واضحة، وحدق في والده وكأنه يسمع شيئًا لم يتوقعه أبدًا، ثم قال بعدم تصديق:
"جوزها!! انت كنت متجوز حد غير ماما؟"
نهض غريب من خلف مكتبه ببطء، وكأن الوقوف يمنحه قدرة أكبر على استعادة تلك الذكريات الثقيلة. تحرك حتى وصل إلى المقعد المقابل لابنه وجلس عليه قريبًا منه، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل ثقل الماضي:
"ايوه اتجوزتها بعد ما أتجوزت امك بس علشان أحمي ترنيم منها، دي كانت الشيطان نفسه ينحني ليها من كتر الشر اللي فيها، دي تبقى بنت خالة مامت رنيم، وهي السبب فى موت امها وأبوها، وكنت أنا كمان هموت على ايديها بس وقتها ربنا ستر، كانت هي وأبو خالك تامر عصابه خطيرة، لدرجة المافيا نفسها كانت طالبه تصفيتهم، يعني كانت حكاية كبيرة اوي وبفضل الله أنا خلصتها."
ظل جواد صامتًا للحظات وهو ينظر إلى والده نظرة طويلة، وكأنه يحاول أن يستوعب حجم ما يسمعه الآن. لم يكن يتخيل أن هناك فصلًا كاملًا من حياة والده لم يكن يعرف عنه شيئًا.
وأخيرًا قال بتساؤل عميق:
"بابا انت اتأكد وقتها انها ماتت بجد يعني شوفتها قبل ما تدفن؟"
عقد غريب حاجبيه باستغراب من السؤال وقال:
"لا طبعا مشوفتهاش بس انا متأكد انها ماتت أنا ضربتها رصاصتين فى مكان حساس صعب أنها تعيش بعدهم، اكيد هي تقصد حد تاني مستحيل تكون تقصد مريم دي."
لكن جواد لم يبد مقتنعًا تمامًا. تحركت عيناه بتفكير عميق، وكأن عقله يحاول جمع الخيوط المتناثرة، ثم قال ببطء:
"لو واحدة بالشر ده؟ يبقى سهل اوي أنها ترسم وتخططت التخطيط ده بسهوله، فيه حلقة مفقودة فى النص، لو هي اللي انت بتقول عليها دي يبقى الكل فى خطر وأولهم انت وماما لأنكم انتوا المستهدفين، إنما لو مش هي برضه هنفضل مهددين لحد ما نعرفها مين وليه مشكلتها معاكم انتوا."
استقام غريب في جلسته قليلًا، ثم مد يده وربت على كتف ابنه بقوة هادئة، وقال بصوت رزين:
"البنت اللي أسمها رقية دي هي اللي هتكون مفتاح اللغز ده، حاول تجيب منها صورة لست دي لازم نعرف هي مين."
أومأ جواد برأسه ببطء، ثم نهض من مكانه وقال:
"حاضر يا بابا، أنا عايز اخلص من الموضوع ده، جواهر طالبه الطلاق مني بسبب الصور والفيديوهات اللي بنت الكلب دي بعتتها ليها."
عاد غريب إلى مكتبه وجلس خلفه مرة أخرى، ثم قال بنبرة عملية:
"فى ايدك انت تعرف كل حاجه ونخلص منهم فى اسرع وقت، ووقتها بقى تقدر تقول لجواهر الحقيقه ونحدد ميعاد الفرح."
تنهد جواد بضيق واضح وقال بصوت مختنق:
"ربنا يسهل، هروح انا اشوف شغلي عن اذنك."
ثم استدار وخرج من المكتب سريعًا، وكأنه يحمل فوق كتفيه ثقلًا أكبر مما كان قبل أن يدخل.
بقي غريب وحده في الغرفة.
ظل جالسًا للحظات ينظر أمامه بشرود، لكن ملامحه لم تعد هادئة كما كانت. كان هناك غضب بارد يتشكل ببطء في عينيه، غضب رجل يشعر أن ماضي دفنه منذ سنوات ربما عاد ليطارده من جديد.
ثم تمتم بصوت منخفض لكنه يحمل وعيدًا واضحًا:
"لو هي مريم بجد، نهايتها المرادتي هتكون على ايدي أنا، قبل ما تقرب من ترنيم أو تمس شعرا منها."
وبعد لحظات، أعاد نظره إلى الأوراق أمامه، وحاول أن يعود إلى عمله، لكن ذهنه لم يغادر تلك الفكرة المقلقة التي بدأت تطرق أبواب الماضي من جديد.
***************************
بشركة شاهين الرواي…
جلس شاهين خلف مكتبه العريض، مستندًا بظهره إلى المقعد الجلدي الفخم، بينما كانت عيناه معلقتين بنقطة ما أمامه دون أن يراها حقًا، كانت ملامحه هادئة ظاهريًا، لكن شيئًا خفيًا كان يضطرب في أعماقه. أشعل سيجارة، ثم أخرى، ينفث دخانها ببطء وكأنه يحاول أن يفرغ معها ذلك الاضطراب الذي يطرق صدره بعناد.
كان يرفض هذا الشعور رفضًا قاطعًا، يقاومه بكل ما أوتي من برود اعتاده في حياته، لكنه رغم ذلك لم يستطع أن ينتزع صورتها من داخله. كانت ملامحها، نظرتها، عنادها، كل شيء فيها يلاحقه بعناد أشد من عناده.
مرر أصابعه على جبينه ببطء متوتر، محاولًا أن يستعيد سيطرته المعهودة، لكن قلبه كان يخونه، يدق بإيقاع مختلف كلما تسللت صورتها إلى ذهنه.
إلا أن ما لم يكن في حسبانه، هو اقتحام رنيم مكتبه فجأة.
انفتح الباب بعنف واضح، لتندفع رنيم إلى الداخل بوجه مشتعل بالغضب. حاولت السكرتيرة منعها عند الباب، لكن شاهين رفع يده بإشارة هادئة، دون أن ينطق بكلمة، فأدركت السكرتيرة الأمر وتراجعت فورًا، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
عاد شاهين يستند بظهره إلى المقعد، ناظرًا إليها بصمت كامل، وكأنه ينتظر العرض الذي جاء ليشاهده.
أما رنيم فكانت تقف أمامه كعاصفة مشتعلة. اقتربت بخطوات حادة، حتى بلغت المكتب، ثم طرقت سطحه بقبضتها بقوة، وملامحها تنطق بالغضب.
وقالت:
"انت اللي حرقت الشركة، يا شاهين، أنا متأكدة أن شفتك هناك وقتها، أنا مش هسكت هوديك فى ستين داهيه، مش هعدي اللي انت عملته ده بسهوله."
لم يتغير شيء في ملامح شاهين، بل ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، ابتسامة باردة تحمل قدرًا من التسلية، بينما ظل يتابعها بصمت تام، وكأنه يستمتع بكل ذرة غضب تتفجر منها.
ذلك الهدوء المستفز أشعل غضبها أكثر.
امتدت يدها فجأة إلى الأشياء الموضوعة فوق سطح المكتب، فأمسكت بها وألقتها نحوه بعنف، ثم أسقطتها أرضًا دون تردد، قبل أن تنظر إليه بنظرة متحدية ملأى بالغضب.
ظل صامتًا للحظة، ثم نهض ببطء من على مقعده.
تحرك نحوها بخطوات واثقة، حتى اقترب منها تمامًا، ثم أحاط خصرها بذراعه فجأة، جاذبًا إياها نحوه حتى التصق جسدها به دون أن يترك لها فرصة للاعتراض. مال قليلًا نحوها، وتكلم بصوت هامس هادئ، كأنه لا يرى في غضبها سوى لعبة ممتعة.
وقال:
"حمدالله على سلامتك يا صغنن، وحشني اللعب والتحدي معاك يا جميل."
اشتعلت عيناها بالغضب، وضغطت على أسنانها بقوة وهي تحاول أن تقاوم قربه المستفز.
وقالت:
"مش هعدي اللي انت عملته ده بالساهل يا شاهين، وهوريك الصغنن هيعمل فيك ايه يا شاهين يا راوي."
لم يجب فورًا.
بل ظل ينظر في عينيها طويلًا، نظرة غريبة، عميقة، كأنه ضل طريقه داخلهما. كان هناك شيء في تلك العينين يجرده من بروده المعتاد، شيء لا يستطيع السيطرة عليه.
أغمض عينيه للحظة قصيرة، وكأنه يحاول أن يهدئ تلك الحرب المشتعلة داخله، ثم تكلم بصوت هامس، لكن صدقه كان واضحًا إلى حد جعل جسدها يقشعر دون إرادة منها. وقال:
"عيونك كفيله توقع اتخن تخين، فيهم سحر غريب، سلاح قاتل لاي حد يبص فيهم، الحرب كده غير عادلة يا رنيم."
انتفضت رنيم فجأة عندما شعرت بسخونة أنفاسه قريبة إلى هذا الحد. دفعت صدره بعيدًا عنها بعنف، ثم رفعت يدها لتعيد شعرها إلى الخلف بعصبية واضحة. وقالت بحدة:
"ا انت قليل الادب ووقح."
ارتسمت ابتسامة جانبية على طرف فمه، بينما عقد ذراعيه على صدره بنوع من التحدي الواثق. وقال:
"والله دي طريقتي مع أي واحده جميلة تدخل مكتبي برجليها، ووجودك دلوقتي هنا، معناها دعوة ليا، أعمل معاكي اللي انا عايزة."
اشتعلت نظرتها بالغضب أكثر، لكنها لم تتراجع. وقالت:
"بتحلم يا شاهين، أنا ابعد من خيالك، أنا مش واحده رخيصه من اللي تعرفهم، أنا رنيم سلطان الدسوقي، واللي يقرب منها تنسفه من على وش الأرض."
تعالت ضحكات شاهين الرجولية في المكان، ضحكة عميقة بدت وكأنها تزيد من استفزازها أكثر. وقال:
"انتي بلمسه واحده مني بتبقى زي العجينه بين ايديا، بس النفس بقى."
ضغطت على أسنانها بقوة، ثم رفعت يدها محركة أصابعها أمام عينيه في تحذير واضح. وقالت:
"هدفعك التمن غالي يا شاهين، والشركة هترجع احسن من الاول وهتشوف."
ثم تحركت نحو الباب بعزم واضح، راغبة في مغادرة المكان قبل أن تنفجر غضبًا أكثر.
لكنها تفاجأت فجأة بشاهين يقف خلفها مباشرة، وقد وضع ذراعه على الباب ليغلقه قبل أن تتمكن من فتحه.
اقترب قليلًا، وصوته خرج هذه المرة أخفض، أخطر. وقال هامسًا:
"انتي عملتي اللي مافيش واحده عرفت تعمله يا رنيم، وده عقابه كبير اوي عندي، اخترقتي مكان مكانش ينفع تدخليه، وحركتي حاجات مينفعش تتحرك وبالذات ليكي، ومع كل دقة فى قلبي هيكون فيه عقاب ليكي يا صغنن."
ثم ابتعد عنها فجأة، وتراجع خطوة إلى الخلف وكأنه أنهى حديثه.
أما رنيم فظلت واقفة في مكانها لثواني طويلة دون أن تتحرك.
كانت تشعر بأشياء كثيرة تتصارع داخلها، غضبًا، خوفًا، توترًا، وشيئًا آخر غامضًا لا تستطيع أن تسميه، لكنه كان يزعجها بشدة.
أخيرًا استطاعت أن تستعيد قدرتها على الحركة.
مدت يدها إلى المقبض، فتحت الباب بسرعة، ثم غادرت المكان دون أن تلتفت إليه ولو لمرة واحدة.
ظل شاهين واقفًا مكانه، وعيناه تتبعانها حتى اختفت تمامًا من أمام ناظريه.
عندها فقط ضغط على أسنانه بغضب مكبوت، وهو يكره تلك الدقة اللعينة التي يشعر بها في قلبه كلما اقتربت منه.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثالث عشر 13 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث عشر
بعد عدة أيام…
ساد الصمت أرجاء المكان إلا من أصوات الملاعق وهي تصطدم بالأطباق فوق طاولة الطعام الطويلة. كان الجو مشحونًا بشيء خفي، توتر غير مرئي يطفو فوق الوجوه رغم محاولات الجميع الظهور بطبيعتهم. جلست مريم عند طرف الطاولة على مقعدها المتحرك، وظهرها مستقيم كعادتها، وعيناها الحادتان تتحركان بين الجالسين وكأنهما تفتشان عن شيء مفقود.
كانت ملامحها جامدة في الظاهر، لكنها في الحقيقة كانت تفكر في أمر ما يقلقها منذ أيام، أخيرًا استقرت نظرتها على وحيد، الذي كان منشغلًا بطعامه وكأنه لا يشعر بثقل تلك النظرات الموجهة نحوه.
قطبت حاجبيها قليلًا، ثم قالت بنبرة تحمل شيئًا من الاستغراب والريبة:
"اختك مختفيه فين اليومين دول يا وحيد؟"
رفع وحيد كتفيه بلا اهتمام واضح، بينما كان يضع لقمة في فمه، ثم ابتلعها قبل أن يجيبها بنبرة عادية:
"معرفش يا خالتي اليومين دول مالها، بتصل بيها مش بترد ولما روحتلها كانت متوترة وشكلها غريب مش طبيعي."
بقيت مريم تنظر أمامها لثواني، وقد انعقدت أفكار كثيرة في رأسها. كان القلق واضحًا في عينيها رغم محاولتها إخفاءه، فهي تعرف جيدًا طيش تلك الفتاة، وتعرف أكثر ماذا يمكن أن تفعل عندما تفقد سيطرتها.
تنهدت ببطء، ثم تمتمت بقلق مكتوم:
"البت دي خفيفه، ربنا يستر متكونش خربت الدنيا وهي سكرانه وقالت لابن غريب على كل حاجه."
سكتت لحظة، ثم حولت نظرها إلى شاهين الذي كان جالسًا بصمت واضح منذ بداية الجلسة، وكأنه منفصل تمامًا عما يدور حوله.
راقبته بعينين متفحصتين قبل أن تقول بنبرة تحمل فضولًا واضحًا:
"وانت ايه اخر الاخبار مع البنت دي يا شاهين؟"
رفع شاهين عينيه ببطء، وكانت نظراته قاسية قليلًا. مرر نظره أولًا على زين بنظرة ضيقة مليئة بالضيق، ثم عاد لينظر إلى مريم قبل أن يتكلم بنبرة باردة تخفي غضبًا واضحًا:
"اللي بعمله ميخصش حد، خصوصًا لو الحد ده شغال من ورايا."
انعقدت الدهشة على ملامح مريم فورًا، وحدقت به بعدم فهم حقيقي لما يقصده، ثم قالت مستفهمة:
"قصدك ايه بكلامك ده؟"
لكن شاهين لم يعد قادرًا على إخفاء غضبه أكثر من ذلك. ضغط على أسنانه بقوة، واشتدت عضلات فكه، ثم قال بنبرة تحذيرية حادة:
"يعني لما اتفقتي مع الحلو ده وراح حرق الشركة من ورايا محدش سألني ولا اخد رأي، يبقى محدش ليه دخل فى اللي بعمله ولا اللي هعمله، ولو حد قرب من رنيم تاني أنا هقتله."
ساد الصمت للحظة فوق الطاولة.
أما مريم فلم تتراجع، بل رفعت ذقنها قليلًا ونظرت إليه بنظرة تحدي واضحة، وكأنها لا تخشى غضبه.
ثم قالت بثبات:
"كان لازم أتدخل لما لاقيتك بدأت تميل للبنت دي، انت مبتشوفش نفسك وانت بتتكلم عنها، عيونك فضحاك يا شاهين."
فجأة طرق شاهين بيده بقوة على الطاولة، فاهتزت الأطباق قليلًا، واشتعلت نظراته بالغضب وهو يقول بصوت مرتفع:
"انتي متعرفيش حاجة، انا مش ساكت بلعب بطريقتي على أعصابها ومشاعرها بلعب واحده واحده مش مستعجل زيكم."
رفع زين حاجبيه ببطء، وكانت ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه، ثم قال بتهكم واضح:
"بس ده مكانش واضح وقت الحريق، كنت خايف عليها وانقذتها من الموت."
لم يستغرق الأمر ثانية.
في لحظة واحدة اندفع شاهين نحوه، وقبض على عنقه بيده بقوة جعلت الكرسي يتحرك خلفه، واشتعلت عيناه بنار حقيقية وهو يقول بغضب مكتوم:
"انقذتها علشان انتقم منها بطريقتي مش بطريقتكم، مبحبش حد يدخل فى شغلي اللي بعمله، ولو لمحت طيفك فى أي حاجه بعملها مع رنيم، هقتلك يا زين فاهم."
كانت قبضته قوية، ونبرته صادقة بما يكفي ليجعل التهديد حقيقيًا تمامًا.
ثم تركه فجأة.
نظر إلى الجميع حول الطاولة بنظرة غاضبة قاسية، وكأن وجودهم نفسه أصبح يضايقه، قبل أن يستدير ويغادر المكان بخطوات سريعة دون أن يلتفت خلفه.
ظلت مريم تنظر إلى الباب الذي خرج منه للحظات طويلة، وعيناها تضيقان شيئًا فشيئًا، وكأنها تحاول قراءة ما حدث للتو.
ثم تمتمت بصوت منخفض غاضب، لكنه مليء باليقين:
"أنا كده اتأكد أن شاهين حب البت دي، لانه مش من طبيعته العصبيه دي، ومعنى كده هو خايف عليها مننا، مش زي ما بيقول."
ثم التفتت ببطء إلى زين.
نظرة واحدة فقط، كانت كافية.
كانت نظرة ذات معنى واضح، نظرة مليئة بخطة جديدة بدأت تتشكل في رأسها. فهم زين المعنى فورًا، واتسعت ابتسامته بخبث واضح قبل أن يومئ برأسه لها موافقًا.
لكن مروان، الذي كان صامتًا طوال الوقت، نهض من مكانه بضيق واضح، وكأن ما يحدث حوله بدأ يثقل على أعصابه. وقال ببساطة:
"أنا ماشي."
التفتت إليه مريم فورًا، ونظرت إليه بغضب واضح قبل أن تقول بحدة:
"وانت عملت ايه؟ ولا هتخيب زي أخوك وتحب بنت ترنيم وغريب."
أطلق مروان زفرة ضيق طويلة، ثم مرر يده في شعره قبل أن يجيبها بنبرة متعبة:
"معملتش يا ماما لسه بحاول اجمعها فى مكان علشان انفذ المطلوب مني، ومتقلقيش أنا فى قلبي واحده بس، ومستحيل احب غيرها، عقبال ما نخلص من شغل المؤامرات ده علشان نرتاح لأن بجد الموضوع بوخ وبقت حاجه تقرف."
أنهى كلامه دون أن ينتظر ردًا، ثم استدار وغادر المكان بخطوات سريعة.
تراجعت مريم قليلًا في مقعدها المتحرك، وأعادت بصرها إلى الباب الذي خرج منه شاهين ثم مروان، وكأنها تفكر بعمق في شيء ما.
وببطء، بدأت ابتسامة شريرة تتسلل إلى شفتيها.
ابتسامة تحمل الكثير من الخبث.
وقالت بصوت خافت مليء بالوعيد:
"شكلكم عايزين قرصة ودن يا ولاد مريم."
*************************
عند جواهر…
منذ تلك اللحظة التي أخبرها فيها جواد أنه سيبتعد قليلًا، اختفى من حياتها كما لو أن المسافة بينهما تحولت فجأة إلى جدار صلب لا يمكن تجاوزه. لم تره منذ ذلك اليوم، ولم تسمع صوته إلا نادرًا، وكأن الغياب تعمد أن يختبر قدرتها على الصمود. كان الأمر جديدًا عليها تمامًا، فحتى في أشد لحظات الخلاف بينهما لم يكن جواد يبتعد عنها بهذا الشكل، ولم يكن يتركها وحيدة مع أفكارها القاسية.
أما الآن، فقد أصبحت وحدها تمامًا مع اشتياق يزداد يومًا بعد يوم، حتى صار ينهش قلبها ببطء.
جلست على طرف سريرها، تمسك الهاتف بين يديها بتوتر واضح، وعيناها معلقتان بالشاشة وكأنها تنتظر أن يحدث شيء ما دون أن تبادر هي، كان الصراع داخلها مرهقًا؛ قلبها يدفعها بقوة لتتصل به، أن تسمع صوته ولو للحظة، بينما عقلها يقف كجدار عنيد يذكرها بكل ما حدث بينهما، بكل الجروح التي لم تلتئم بعد.
مرت لحظات طويلة وهي على هذا الحال، تحرك أصابعها فوق الهاتف ثم تتراجع، تفتح سجل الاتصالات ثم تغلقه مرة أخرى. كانت تشعر وكأن مجرد الضغط على اسمه سيعيد إليها كل ما تحاول الهروب منه.
لكن الاشتياق كان أقوى.
أخيرًا، وبعد صراع طويل داخلها، حسمت أمرها. رفعت الهاتف ببطء، وتحركت أصابعها فوق الشاشة حتى وصلت إلى اسمه، توقفت للحظة قصيرة كأنها تستجمع شجاعتها، ثم ضغطت على زر الاتصال.
بدأ قلبها يخفق بسرعة وهي تنتظر الرد.
مرت ثواني بدت لها أطول من المعتاد، ثم أخيرًا سمعت صوته.
ذلك الصوت الذي اشتاقت إليه حد الجنون.
شعرت بأن الكلمات تعلق في حلقها للحظة، لكنها حاولت أن تخرج صوتها رغم صعوبته وقالت:
"انا زهقانه وهخرج اتمشى شويه، أنا قلتلك بس علشان تبقى عارف."
ساد صمت في الطرف الآخر لعدة ثواني، صمت جعل قلبها يضطرب أكثر، لكنها لم تتكلم.
ثم جاءها صوته أخيرًا، عميقًا، رجوليًا كما تعرفه:
"اجهزي وانا دقايق هكون عندك."
قفز قلبها بسعادة مفاجئة لم تستطع إخفاءها حتى عن نفسها، فكرة أنها ستراه بعد هذا الغياب جعلت شيئًا دافئًا ينتشر داخل صدرها، لكنها سرعان ما حاولت إخفاء ذلك الشعور.
وقالت بنبرة حادة متعمدة:
"لا متجيش أنا هتمشى لوحدي."
لكن رده جاء سريعًا هذه المرة، حادًا وغاضبًا إلى حد جعلها تنتفض في مكانها:
"جوواهر مش عايز كلام كتير، قلتلك اجهزي على ما اجيلك."
وفجأة، انقطع الخط.
أغلق الهاتف قبل أن يمنحها فرصة لتقول كلمة أخرى.
ظلت تحدق في الهاتف للحظات طويلة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة. كانت تدرك في تلك اللحظة حقيقة لا يمكنها إنكارها، أن حب جواد بالنسبة لها أصبح أشبه بإدمان يصعب الشفاء منه. مهما حاولت أن تقنع نفسها بأنها تكرهه، أو بأنها قادرة على الابتعاد عنه، كانت تعود في النهاية إلى نفس النقطة.
إليه.
تنهدت ببطء، ثم نهضت من على فراشها. توجهت إلى خزانتها، اختارت ملابس بسيطة وبدلت ثيابها بهدوء، ثم عقدت شعرها للأعلى بحركة اعتادتها. وقفت أمام المرآة قليلًا، وأخذت تضع بعض الأشياء البسيطة على وجهها محاولة أن تخفي آثار البكاء التي تركتها الأيام الماضية.
لم يمر وقت طويل حتى أعلن هاتفها عن وجود اتصال.
نظرت إلى الشاشة، كان جواد.
اقتربت من الشرفة، وعندما نظرت إلى الأسفل رأته يقف بسيارته هناك ينتظرها. وما إن لمحها حتى أشار بيده إليها كي تنزل.
عادت إلى الداخل، التقطت حقيبة يدها، ثم نزلت إلى الطابق السفلي.
وجدت سميه جالسة عند طاولة الطعام، تبدو شاردة بعض الشيء. اقتربت منها وقالت بهدوء:
"صباح الخير يا ماما."
رفعت سميه رأسها إليها ببطء، وكانت نبرتها مختنقة قليلًا عندما قالت:
"اخيرا نزلتي من اوضك."
نظرت إليها جواهر بحزن واضح، ثم قالت بأسف صادق:
"أنا اسفه يا ماما، بس غصب عني أنا بمر بفترة صعبه اوي، موت بابا خيانة جواد ليا، كتب كتابي اللي كان غصب عني، وخيانته ليا تاني، يعني كل حاجه جايه فوق راسي، ومش قادرة حتى أصلب طولي."
ابتسمت سميه ابتسامة حزينة، ومدت يدها تربت على يد ابنتها بحنان أمومي واضح، وقالت بلطف:
"معلش يا حبيبتي فترة صعبه وهتعدي، هو أختبار من ربنا لينا واحنا لازم نصبر على ابتلاءه."
أومأت جواهر برأسها قائلة بهدوء:
"ونعم بالله يا ماما، هروح انا علشان جواد مستني بره."
خرجت إلى الخارج، وعندما وصلت إلى البوابة رأت جواد ينتظرها داخل السيارة.
وقفت للحظة تنظر إليه باشتياق عميق حاولت إخفاءه، ثم تنهدت بوجع خفيف وتقدمت نحوه، فتحت الباب وصعدت إلى المقعد الأمامي دون أن تتلفظ بكلمة واحدة.
أما هو فالتزم الصمت أيضًا.
أدار السيارة وتحرك بها سريعًا، بينما جلست هي تنظر من خلف زجاج النافذة، تحدق في الشوارع المارة دون أن تراها حقًا، فقد كانت أفكارها غارقة في شيء آخر.
بعد دقائق التفتت إليه وسألته:
"احنا رايحين فين؟"
أجابها وهو يركز عينيه على الطريق قائلاً:
"هنفطر الاول فى أي مطعم."
هزت رأسها بالرفض وقالت:
"مش عايزه اكل."
فقال بنبرة حادة قليلًا:
"مافيش حاجه اسمها مش عايزة اكل، لا انتي ولا انا فطرنا، ناكل الاول وبعد كده اخدك مكان ما انتي عايزة."
عقدت ذراعيها على صدرها بتذمر واضح، وأعادت نظرها إلى النافذة مرة أخرى.
أما هو، فقد ارتسمت ابتسامة سريعة على شفتيه قبل أن يضغط أكثر على مكبح السيارة وينطلق مسرعًا نحو أحد المطاعم.
بعد دقائق توقف عند البوابة، ترجل من السيارة أولًا، ثم تحرك نحو الباب الآخر وفتحه، ومد يده لها في صمت.
نظرت إلى يده بتوتر خفيف، ثم مدت يدها ببطء ووضعتها في يده قبل أن تهبط من السيارة.
دخلا إلى الداخل، وجلسا على مقاعدهما وطلبا ما يريدان.
مرت لحظة صمت قصيرة بينهما، ثم نظر إليها جواد أخيرًا، وكانت عيناه تحملان مزيجًا واضحًا من الحب والاشتياق.
وقال بصوت مختنق:
"عجبك الحالة اللي انتي وصلتي ليها دي؟ فين جواهر المجنونة الطقه اللي كانت تدخل مكان تقلبه عليه واطيه، وحشتني ضحكتك اوي يا جواهر."
تجمعت الدموع في عينيها، وقالت بصوت مختنق:
"وانا كمان وحشتني جواهر دي اوي، بعد موت بابا الدنيا بقت وحشه اوي فى عيوني، الضحكه بتخرج بالعافيه مني، تحس قلبي مات معاه، وانت جيت كملت عليا بخيانتك ليا."
مد يده وأمسك يدها بحنان واضح، ثم قال بنبرة هادئة:
"ما انتي مش مدياني فرصة اخد بأيدك لبر الآمان، اطبطب على قلبك علشان يطيب، أنا عارف والله العظيم أن من حقك تزعلي، بس اديني فرصة اصلح اللي كسرته، أنا عايزك ترجعي زي الاول واحسن كمان، عايز يتقفل علينا باب واحد ونكون عيلة صغيرة ونجيب أطفال حتة مني ومنك، بترجاكي يا جواهر، رجعي ضحكتك ونوري حياتي بيها."
نظرت إليه نظرة طويلة قبل أن تقول بضيق:
"ممكن مهما حصل متغيبش عني؟ علشان انت غلس وبارد ودمك تقيل."
رفع حاجبيه باستغراب وقال بتهكم:
"وده اسمه ايه ده أن شاءالله؟"
نظرت إلى الاتجاه الآخر وقالت بضيق:
"سمي زي ما تسمي، بس أياك تغيب عني مهما حصل، زي ما عملت كده."
تعالت ضحكات جواد الرجولية، وأرجع ظهره إلى الخلف وهو يهز رأسه بعدم تصديق، وقال:
"مجنونة والله العظيم، طيب دلوقتي انتي زعلانه مني؟ ولا سمحتيني خلاص؟"
نظرت إليه بضيق وقالت:
"أنا ولا سمحتك ولا نيلة وبكرهك اوي كمان."
ضرب بيده فوق بعض وقال:
"يخربيت الهرمونات المجنونة دي، بس أعمل ايه بعشق امك."
نظرت إليه بابتسامة خفيفة، ثم حولت نظرها إلى الاتجاه الآخر حتى لا يلاحظها.
وفي داخلها، كانت قد اتخذت قرارًا صامتًا.
أن تستعيد جواهر القديمة، تلك الفتاة التي كانت تملأ المكان بالحياة والضجيج، وأن تلقي بكل ما يعكر صفو حياتها خلف ظهرها، حتى وإن كان ذلك يعني أن تتظاهر بالقوة إلى أن تعود قوتها الحقيقية من جديد.
**************************
عند رنيم...
جلست رنيم خلف مكتبها الواسع في مكتبها بالشركة، ظهرها مستقيم وعيناها مثبتتان على الأوراق المبعثرة أمامها، تحاول أن تبدو قوية ومتماسكة كما اعتاد الجميع أن يروها دائمًا. كانت تتصفح الملفات بعناية، تقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، تراجع الأرقام والعقود والاتفاقيات، وكأنها تحارب معركة صامتة مع تلك المشكلة التي أصبحت تثقل كاهلها وحدها. فمنذ أن ابتعدت سمية وجواهر عن العمل، وجدت نفسها فجأة في مواجهة كل شيء؛ المسؤوليات الثقيلة، مطالب الموظفين، وضغط الشركاء الذين لم يتوقفوا عن المطالبة بدفع الشرط الجزائي.
أرجعت ظهرها إلى الخلف قليلًا، وأسندت رأسها على مسند المقعد الجلدي، ثم أطلقت زفرة طويلة محملة بالضيق والإرهاق. أخذت تضرب بطرف القلم على ذراع المقعد ببطء متوتر، بينما بدأت تدفع المقعد يمينًا ويسارًا في حركة لا إرادية، وكأنها تحاول أن تهرب من أفكارها المتزاحمة داخل رأسها.
لكن، دون سابق إنذار، تسلل إلى ذهنها وجه شاهين.
توقفت الحركة فجأة، كأن أحدهم ضغط زر التجميد داخلها. تسارعت دقات قلبها بشكل واضح، حتى شعرت بها تضرب صدرها بقوة، وكأن قلبها نفسه يعلن التمرد على كل مواقفها الصارمه تجاهه.
اتسعت عيناها قليلًا، وبدأت تهز رأسها بعصبية واضحة، تحاول أن تطرد صورته من تفكيرها، وكأنها تخوض حربًا شرسة مع شعور لم تسمح لنفسها حتى بالاعتراف بوجوده.
لكنها توقفت فجأة، وخرج صوتها خافتًا، بالكاد يسمع:
"لا مستحيل ده يحصل، ده لا، لااا."
وضعت يدها فوق وجهها، تضغط على جبهتها وعينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تسيطر على تلك المشاعر المتأججة داخلها، مشاعر لم تكن مستعدة للاعتراف بها، ولا حتى لمواجهتها.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، وصل إلى أذنها صوت تعرفه جيدًا، صوت محفور في أعماق روحها قبل ذاكرتها.
أبعدت يدها سريعًا عن وجهها، ورفعت رأسها.
كان يقف أمامها، سلطان.
تجمدت في مكانها للحظة، ثم بدأت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة، وكأن سدًا كاملاً انهار دفعة واحدة. نهضت من مقعدها ببطء، تتحرك نحوه بخطوات مترددة، وعيناها لا تفارقانه، وكأنها تخشى أن يختفي إن رمشت.
توقفت أمامه، وصوتها يرتجف:
"ب بابا! انت موجود بجد؟"
ابتسم لها ابتسامته الحنونة التي كانت دائمًا ملجأها، وقال بنبرة دافئة مليئة بالحب:
"اعتبريني موجود بجد، أنا جنبك على طول يا قلب بابا، مش عايزك تضعفي ولا تنكسري، افتكري دايما انتي بنت مين."
ارتفعت شهقاتها، وصارت كلماتها تخرج بصعوبة بين بكائها:
"أنا محتاجلك اوي يا بابا، الدنيا صعبه اوي من غيرك، أنا تايهه ومش عارفه اعمل ايه، خدني معاك يا بابا ارجوك."
ظل يبتسم لها بحنان الأب الذي لم يفارقها يومًا، ثم قال بهدوء:
"انتي لسه قدامك العمر طويل، لو محتاجاني بجد، خليكي مع ترنيم هي اكتر حد هيقف جنبك وهيخاف عليكي."
هزت رأسها بسرعة ورفض واضح يملأ ملامحها وقالت:
"لا، دي لا، انا عندي أروح اتذلل لشاهين، ولا أن اروح ليها واطلب مساعدتها."
تغيرت ملامح وجهه قليلًا، وكأن الحزن تسلل إليها، ثم قال بصوت مختنق:
"لو بتحبيني بجد حبي ترنيم، هي أنا، كانت قلب ابوكي من جوة وهي أمن واحده عليكي."
وضعت يدها فوق وجهها مرة أخرى، تهز رأسها بعناد واضح وهي تقول:
"لا كله الا الست دي، أنا بكرهها بكرهها."
كانت تكرر الكلمة بصوت مرتفع، حتى تحولت إلى صراخ يكاد يمزق صدرها.
"بكرهها!"
وفجأة شعرت بيد توضع على كتفها.
انتفضت في مكانها والتفتت بسرعة.
كانت جواهر.
وقبل أن تقول أي شيء، نهضت رنيم بسرعة وارتمت داخل أحضانها بقوة، تشبثت بها وكأنها تتمسك بشيء ينقذها من الغرق، وبدأت تبكي بحرقة.
ربتت جواهر على ظهرها بحنان واضح وقالت بقلق:
"مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟"
خرج صوت رنيم مختنقًا بالبكاء:
"بابا بيطلب مني احبها، طيب ازاي؟ دي اكتر حد كرهته فى حياتي."
ابتعدت جواهر عنها قليلًا، تنظر إليها بدهشة وعدم فهم وقالت:
"بابا! انتي بتقولي ايه يا رنيم؟ خالو سلطان الله يرحمه مات، ومين دي اللي عايزك تحبيها؟"
نظرت رنيم حولها بسرعة وكأنها تبحث عنه، ثم قالت بين شهقاتها:
"بابا كان هنا صدقيني، وطلب مني أحب اللي اسمها ترنيم دي، صدقيني يا جواهر."
شعرت جواهر بانقباض في قلبها وهي ترى حالتها، وقالت بحزن وقلق واضح:
"رنيم انتي حالتك دي ميتسكتش عليها، انتي لازم تروحي دكتور نفسي."
مررت رنيم يدها المرتعشة في شعرها، وقالت بصوت متقطع:
"أنا مش مجنونة يا جواهر، ممكن بس من ضغط الشغل واحتياجي لبابا، اتخيلتوا مش حكايه يعني."
ثم عادت وجلست على مقعدها مرة أخرى، وأخذت نفسًا عميقًا وكأنها تحاول استعادة تماسكها، قبل أن تقول بنبرة حادة تخفي بها ضعفها:
"غريبه يعني اتكرمتي النهارده علينا ونزلتي الشركه."
نظرت لها جواهر بضيق، ثم جلست على المقعد المقابل وقالت:
"انا قررت ارجع لشغل تاني، هرجع لحياتي القديمة، الضعف والحزن مش لايقين عليا."
رفعت رنيم حاجبيها وقالت بتهكم:
"هي بلوزه مش لايقه عليكي؟ وبعدين ايه اللي حصل، خلاص قررتي تنسي اللي عمله عم الحبيب وخيانته ليكي وتديله فرصه يخونك مرة واتنين وتلاته؟"
ابتسمت جواهر ابتسامة خفيفة مشوبة بالضيق وقالت:
"اه قررت اسامحه واديله فرصه تانيه، عارفة ليه؟ علشان اكتشفت أن حياتي كلها واقفه على نظرة واحده منه، أن حياتي كلها متلخصه عليه هو وبس، جواد هو الدوا بتاعي، هو النفس اللي بتنفسه، بعده معناه موتي، جربت ومقدرتش ولا هقدر، فهمتي بقى ليه قررت أسامحه واديله فرصه؟"
هزت رنيم رأسها بعدم اقتناع وقالت:
"لو كان حبك ربع الحب اللي بتحبي ليه، مكانش قدر يخونك ولا يعذبك بالشكل ده."
استقامت جواهر في جلستها، وابتسمت بهدوء وقالت:
"مهما قلتلك مش هتقدري تفهمي كلامي ولا تحسي بي، لما تحبي بس وقتها هتفهمي معني كلامي ده."
وفي تلك اللحظة تحديدًا، ظهرت صورة شاهين فجأة أمام عيني رنيم.
اهتزت ملامحها قليلًا، فهزت رأسها بسرعة وكأنها تطرد تلك الفكرة من رأسها وقالت:
"بعد الشر ربنا ما يكتبها عليا."
ابتسمت جواهر ابتسامة خفيفة على كلماتها وقالت بمكر لطيف:
"لما نشوف، عيونك بتقول كلام غير ده خالص."
ثم نهضت من مكانها وتركت المكتب بهدوء.
أما رنيم فظلت تنظر إلى الباب الذي خرجت منه جواهر بملامح متجهمة، ثم أعادت نظرها إلى الأوراق أمامها، تحاول أن تعود إلى العمل مرة أخرى، لكن داخلها كان يعج بأسئلة ومشاعر لم تعد قادرة على تجاهلها.
**************************
في الشركة...
وصل جواد إلى الشركة على غير عادته؛ خطواته كانت سريعة متلاحقة، وأنفاسه متقطعة وكأنه كان يركض طوال الطريق. كان القلق ينهش صدره، والفكرة التي سمعها عبر الهاتف ما زالت تضرب رأسه بقسوة، حتى كاد يشعر أن الجدران تضيق عليه. لم يتوقف ليسأل أحدًا أو يلقي التحية المعتادة، بل اندفع مباشرة نحو مكتب والده.
فتح الباب سريعًا ودخل.
كان غريب يجلس خلف مكتبه، غارقًا في بعض الملفات، عاقد الحاجبين في تركيز واضح. رفع رأسه فور إحساسه بدخول جواد، ليجده يقف أمامه بأنفاس لاهثة ووجه متوتر.
جلس جواد على المقعد المقابل بسرعة، وما زال صدره يعلو ويهبط بعنف، ثم قال وهو يحاول التقاط أنفاسه:
"رقيه اتقتلت يا بابا."
كأن الكلمات سقطت كالصاعقة داخل المكتب.
اتسعت عينا غريب بذهول شديد، واعتدل في جلسته فورًا، كأن جسده كله انتفض مع وقع الخبر، وقال بعدم تصديق واضح:
"اتقتلت!! ازاي وامتى؟"
ابتلع جواد ريقه بصعوبة، ثم قال وهو يحاول ترتيب أفكاره المتبعثرة:
"معرفش لسه، أنا كنت مع جواهر بخرجها شويه علشان مضايقه، وبعد ما خلصنا اكل جاتلي مكالمة بيقولي أن رقيه لاقوها مقتولة فى شقتها، والشرطه دلوقتي فى المكان بتعاين الجريمة."
ساد الصمت للحظة ثقيلة.
أطلق غريب زفرة طويلة محملة بالضيق والارتباك، ثم قال بصوت مختنق، وكأنه يحدث نفسه بقدر ما يحدث ابنه:
"مستحيل تكون خالتها هي اللي قتلتها، فيه حاجه مش مفهومه، واهو الخيط اللي كان هيوصلنا لمريم دي اتقتلت، وحتى صورتها معرفتش توصل ليها."
كان واضحًا أن عقله يعمل بسرعة، يحاول جمع الخيوط المبعثرة، لكن كل شيء كان يقوده إلى طريق مسدود.
أجاب جواد وهو يشرح ما وصل إليه حتى الآن:
"حاولت اوصل لصورتها بس مكانش معاها أي صورة ليها على الفون ولا فى الشقه، كأن مريم دي اخدا احتياطاتها كلها علشان محدش يعرف يوصلها."
انعقدت ملامح غريب أكثر، ومد يده ليدعك مقدمة رأسه بأصابعه في توتر واضح، ثم قال وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
"مستحيل تكون هي، مع أن كل حاجة بتأكد أنها هي، أفعالها الشيطانيه، جرايمها، تخطيطتها، كل ده بيقول أنها مريم."
كان صوته يحمل صراعًا حقيقيًا بين عقله وقلبه؛ بين ما تقوله الأدلة، وما يرفض أن يصدقه داخله.
وفجأة رفع رأسه، وكأن فكرة خطرت له للتو، ونظر إلى جواد مباشرة وقال:
"بس فى ايدينا فرصه نعرف منها مين هي."
انتبه جواد فورًا، وانعقدت ملامحه في اهتمام شديد وهو يقول:
"أيه هي يا بابا؟"
نهض غريب من مقعده ببطء، وتحرك خطوة أو خطوتين داخل المكتب، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم:
"معلومات رقيه كلها عندنا فى الملف بتاعها، نقدر نعرف من خلال اسم امها فى شهادة ميلادها، لو عرفنا اسم امها الرباعي، نقدر نتاكد إذا كانت هي مريم اللي اعرفها ولا مريم واحده تانيه."
ساد صمت قصير، قبل أن تلمع الفكرة في عيني جواد.
أومأ برأسه فورًا وقال بثقة:
"دي سهله جدا، حالا هروح اجيب الملف بتاعها وأشوف اسم امها ايه."
لم ينتظر ردًا، بل استقام بجسده فورًا، واتجه نحو الباب بخطوات سريعة، فتحه وخرج منه مسرعًا وكأن كل ثانية أصبحت ثمينة الآن.
بقي غريب وحده داخل المكتب.
ظل واقفًا للحظات، ينظر نحو الباب الذي خرج منه ابنه، وملامحه مشدودة بالقلق. كان داخله دعاء صامت يتكرر بلا توقف، دعاء بأن يكون كل هذا مجرد تشابه أسماء، وأن تكون تلك المرأة شخصًا آخر.
لأن إن كانت هي فعلًا، فهذا يعني أن الشيطان عاد من جديد.
****************************
عند شاهين…
جلس شاهين على مقعده في هدوء ظاهري يخفي خلفه اضطرابًا لا يهدأ، وقد استسلم لدوامة من الأفكار التي أخذت تهاجمه بلا رحمة. كان صدى كلمات مريم ما يزال يتردد في أعماقه بإلحاح مزعج، كأنها لم تلقها منذ قليل فحسب، بل كأنها انغرست في عقله واستقرت هناك، ترفض المغادرة مهما حاول تجاهلها. أغمض عينيه للحظة، وكأن في إطباق جفنيه محاولة يائسة لإسكات ذلك الصوت الداخلي الذي يلح عليه بالحقيقة.
كان يعلم جيدًا، في أعماقه التي يحاول جاهدًا دفنها، أن مريم كانت محقة فيما قالته، وأن كلماتها لم تكن سوى انعكاس صادق لواقع يحاول الهروب منه. غير أن الاعتراف بتلك الحقيقة بدا له أشبه بالاستسلام لهزيمة لم يكن مستعدًا لتقبلها بعد. لذلك تمسك بالفكرة التي ظل يكررها في داخله بإصرار، وكأنها درع يحتمي به من مواجهة نفسه، رنيم ليست سوى أداة للانتقام، لا أكثر ولا أقل.
هكذا ظل يردد في أعماقه، محاولًا إقناع نفسه بتلك الفكرة حتى تكاد تتحول إلى حقيقة مطلقة في عقله، رغم أن شيئًا خفيًا داخله كان يقاوم ذلك الادعاء بصمت مؤلم.
مد يده ببطء نحو هاتفه الموضوع أمامه، والتقطه بحركة حازمة، وكأنه يحاول من خلال الأفعال العملية أن يخنق ذلك التردد الذي بدأ يتسلل إلى قلبه. شرع يجري عدة اتصالات متتالية، صوته خلالها كان باردًا حاسمًا لا يترك مجالًا للنقاش، يطالبهم جميعًا بعدم الانصياع لكلمات رنيم مهما حدث، وأن يتقدموا بأوراقهم إلى الشرطة حتى يتم محاسبتها رسميًا، وكأنه يرسم لها طريقًا لا مفر منه يقودها في النهاية إليه، لتضطر إلى اللجوء له، حين تضيق بها كل السبل.
وحين انتهى من مكالماته، أنزل الهاتف ببطء على سطح المكتب، ثم أرخى جسده إلى الخلف مستندًا إلى ظهر المقعد، وزفر زفرة طويلة بدت كأنها تحمل في طياتها ثقلًا خفيًا. للحظة قصيرة سمح لنفسه أن يصغي إلى ذلك الألم الصامت الذي انبعث من أعماقه. كان قلبه يؤلمه بوضوح لما فعله بها، إحساس خفي بالذنب تسلل إلى داخله رغم كل محاولاته لإنكاره، كأن جزءًا منه يرفض الاعتراف بأن ما يفعله ليس سوى انتقام أعمى.
لكن عقله، بعناد قاسي، عاد ليحاصره بالحجج والتبريرات، يقنعه مرة أخرى بأنه محق تمامًا فيما فعل، وأن ما يجري ليس إلا عدلًا متأخرًا، وأن رنيم لم تكن يومًا سوى وسيلة لتحقيق غاية أكبر.
تنهد شاهين بصمت، ثم اعتدل قليلًا في جلسته وبدأ يتابع عمله، يقلب الأوراق أمامه ويغوص في تفاصيل الملفات وكأنه يحاول أن يدفن نفسه في العمل حتى لا يواجه تلك الفوضى التي تعصف داخله. ومع ذلك، لم يكن تركيزه كما ينبغي؛ فكل سطر يقرأه كان يتلاشى سريعًا أمام عينيه، وكل فكرة يحاول الإمساك بها تتبدد قبل أن تكتمل.
ففي أعماقه كانت تدور معركة خفية لا تهدأ، معركة بين قلب يرفض القسوة التي فرضها عليه، وعقل يصر على أن ما يفعله هو الطريق الوحيد الذي لا بد منه.
وكان شاهين، وسط تلك الحرب الصامتة، عاجزًا عن معرفة أيهما سينتصر في النهاية.
*************************
عند جواد…
في ذلك الوقت، كان جواد يقف داخل مكتبه محاطًا بصمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت الأوراق وهي تتحرك بين يديه. بدا عليه التركيز الشديد وهو ينقب بين الملفات بعينين متحفزتين، كأنما يبحث عن خيط خفي يقوده إلى حقيقة طال انتظارها. كانت ملامحه مشدودة، وجبينه معقودًا في صمت عميق، بينما عقله يعمل بلا توقف، يقلب الاحتمالات ويحاول الربط بين الأحداث التي بدأت تتشابك بصورة مقلقة.
بدأ عملية البحث عن ملف رقية، مستغرقًا في التفتيش بين السجلات والوثائق بدقة واضحة. مرت عدة دقائق وهو على هذا الحال، حتى لمح أخيرًا الملف الذي يبحث عنه. توقف لحظة قصيرة، ثم مد يده إليه ببطء، وكأن شعورًا غامضًا داخله يخبره أن ما يحتويه هذا الملف لن يكون عاديًا.
جلس على المقعد، ووضع الملف أمامه، ثم فتحه بعناية وبدأ يقرأ معلوماتها باهتمام شديد. كانت عيناه تنتقلان بين السطور بتركيز، يلتقط كل تفصيلة صغيرة وكأنها قد تحمل إجابة لسؤال لم يطرح بعد. ومع تقدمه في القراءة، ازداد توتره تدريجيًا، حتى وصل إلى اسم الأم الرباعي. عندها توقف للحظة، كأن الزمن قد تباطأ حوله. أعاد قراءة الاسم مرة أخرى، ثم حفظه جيدًا في ذاكرته قبل أن ينهض من مكانه على الفور.
أغلق الملف، وأخذه معه متجهًا نحو مكتب والده. كانت خطواته سريعة لكنها مدروسة، بينما عقله ما يزال مشغولًا بذلك الاسم الذي أثار داخله شكًا غريبًا.
دلف إلى المكتب حيث كان غريب يجلس، ثم وضع الملف أمامه وقال:
"ده ملف رقيه يا بابا، شوف كده نفس اسم مريم اللي تعرفها."
نظر غريب إلى الملف سريعًا، ثم فتحه على الفور. بدأت عيناه تتحركان بين الصفحات بقلق واضح، وكأنه يبحث عن شيء محدد يخشى أن يجده في الوقت ذاته. لم تمضي سوى لحظات حتى وقعت عيناه على اسم الوالدة.
في تلك اللحظة تحديدًا، تجمد مكانه تمامًا.
اتسعت عيناه بصدمة حقيقية، وتصلبت ملامحه كأن صاعقة أصابته فجأة. كان الاسم واضحًا أمامه، لا يقبل التأويل ولا الشك، ومع ذلك بدا عقله وكأنه يرفض تصديقه.
رفع رأسه ببطء شديد، وصوته خرج مثقلًا بالذهول وعدم التصديق وهو يقول:
"طيب ازاي؟ ده انا قتلها بسلاحي، ازاي عايشه؟ وكانت فين طول السنين دي؟"
كانت كلماته كفيلة بأن تثير عاصفة أخرى داخل جواد. اتسعت عيناه بصدمة واضحة عندما تأكد أن الشك الذي تسلل إليه لم يكن وهمًا. شعر بأن الأمور بدأت تتخذ منحنى أخطر مما توقع.
تكلم بغضب وقال:
"يعني طلعت هي يا بابا؟"
رفع غريب عينيه نحوه ببطء، وكانت ملامحه مشدودة بضيق واضح. أومأ برأسه في إقرار ثقيل وقال:
"هي يا جواد، ومعنى أنها لسه عايشه وبتخطط ليكم، يبقى الايام الجايه مش هتكون بخير، مريم ناوية تظهر لما تدمر الكل، والله أعلم هي ناويه على أيه وبتخطط لايه بالظبط."
ساد صمت قصير داخل المكتب، لكنه كان مشحونًا بقلق ثقيل. زفر جواد بضيق واضح، وكأن صدره امتلأ بغضب لم يجد له مخرجًا، ثم قال بنبرة حادة:
"يبقى لازم نحمي الحريم كويس يا بابا، ماما ورنيم وجواهر وخالتو سمية وأروى اختي، دول هيبقوا الهدف السهل ليهم، أما احنا نقدر نحمي نفسنا كويس."
حرك غريب رأسه بالموافقة وهو يستوعب كلامه، فقد بدت الفكرة منطقية في ظل الخطر الذي بدأ يتشكل حولهم. قال بجدية واضحة:
"عندك حق ده اللي لازم يحصل، الفترة الجايه هنعين عليهم حراسه مشددة، محدش فيهم هيخرج غير ومعاه حراسة."
لكن جواد لم يبد مطمئنًا تمامًا، بل رد عليه بنفاذ صبر واضح:
"تمام وكل حاجة، بس فيه مشكله! رنيم استحالة تقبل بالكلام ده لأنها عنيدة اوي وأي حاجة من طرافنا بترفضها."
عند ذكر اسم رنيم، ضاقت عينا غريب قليلًا، ثم تكلم بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
"تقبل غصب عنها، هي هتكون اول المستهدفين، لأنها عارفه انها لوحدها دلوقتي، احميها بالغصب يا جواد."
أومأ جواد برأسه في استسلام للأمر الواقع وقال:
"حاضر يا بابا، دي هتكون مهمة جواهر بقى، بس لازم نلاقي حجة نقولها ليهم، علشان انت عارف الستات مش بيهدوا غير لما يعرفوا الحقيقه."
لم يمضي وقت طويل بعد ذلك، حتى قطع الحديث فجأة بصوت طرقات على الباب. التفت الاثنان نحوه في آنٍ واحد، وقد انعقدت ملامحهما في تساؤل واضح. لحظات قليلة قبل أن يفتح الباب ويدخل السكرتير بخطوات مترددة.
بدا القلق جليًا في صوته وهو يقول:
"الشرطة بره وعايزة جواد باشا."
تبادل الأب والابن نظرة سريعة مليئة بعدم الفهم، ثم أمر غريب بدخولهم.
لم تمر سوى لحظات حتى دخل الضباط إلى المكتب بخطوات رسمية صارمة، واتجهوا مباشرة نحو الداخل. وقف أحدهم أمام غريب وقال بلهجة واضحة:
"غريب باشا، مطلوب القبض على جواد باشا بتهمة القتل."
نهض غريب من مكانه فورًا، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه، وتكلم بعدم فهم:
"قتل مين؟"
أجابه الضابط بتوضيح:
"قتل رقيه الاباصيري."
اتسعت عينا جواد بصدمة كبيرة، وشعر كأن الكلمات سقطت فوق رأسه فجأة دون مقدمات. التفت بسرعة نحو والده بتوتر واضح، محاولًا استيعاب ما سمعه للتو.
لكن قبل أن يتمكن من ترتيب أفكاره، كان أحد رجال الشرطة قد أمسك بيده بالفعل، واقترب ليضع الأصفاد الحديدية.
وفي تلك اللحظة، وقبل أن تكتمل الحركة، تكلم غريب بغضب…
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الرابع عشر
اتسعت عينا جواد بصدمة كبيرة، وشعر للحظة وكأن الكلمات التي نطق بها الضابط قد سقطت فوق رأسه فجأة دون أي مقدمات، كصاعقة مزقت سكون اللحظة وأربكت كل ما في داخله. لم يكن يتوقع هذا الاتهام، ولا حتى خطر بباله أن اسمه قد يذكر يومًا في جريمة كهذه. التفت بسرعة نحو والده، وعيناه تمتلئان بتوتر واضح، وكأنهما تبحثان في وجهه عن تفسير منطقي لما يحدث، أو عن أي إشارة تطمئنه أن ما يسمعه الآن ليس سوى سوء فهم عابر.
لكن الوقت لم يمهله ليلتقط أنفاسه أو يعيد ترتيب أفكاره.
ففي اللحظة التالية مباشرة، كان أحد رجال الشرطة قد أمسك بيده بالفعل، متقدمًا خطوة للأمام وهو يخرج الأصفاد الحديدية استعدادًا لوضعها في معصميه.
كانت الحركة سريعة وحاسمة، وكأنهم ينفذون إجراءً روتينيًا لا يحتمل النقاش. غير أن تلك اللحظة بالذات أشعلت في داخل غريب غضبًا عارمًا لم يستطع كبحه.
وقبل أن تكتمل حركة الشرطي، دوى صوت غريب في المكتب، حادًا غاضبًا يحمل في طياته هيبة رجل اعتاد أن تحسب له ألف حساب. قال بغضب:
"ابعدوا البتاع ده، مش ابن غريب ضرغام، اللي يتحط فى أيده الكلبشات دي، تقدروا ترحوا وانا هجيب ابني والمحامين وهجيبة."
ساد صمت ثقيل لثواني قليلة بعد كلماته، لكن الضابط لم يتراجع، بل ظل واقفًا بثبات واضح. كانت ملامحه رسمية صارمة، وكأنه اعتاد مواجهة مثل هذه المواقف. أجاب بنبرة لا تقبل المساومة:
"مش هينفع نمشي من هنا من غيره، بس هنخده كده من غير كلبشات."
كاد غريب أن يرد مرة أخرى، والغضب ما يزال يتقد في عينيه، لكن قبل أن يتكلم هذه المرة كان جواد هو من قطع اللحظة.
رفع رأسه قليلًا، وقد استعاد قدرًا من هدوئه رغم التوتر الذي يعتصر داخله، ثم تحدث بنبرة رجولية هادئة لكنها حازمة:
"اهدا يا بابا أنا هروح معاهم وانت هات المحامين وتعالى ورانا، متقلقش عليا."
كانت كلماته محاولة واضحة لاحتواء الموقف قبل أن يتفاقم أكثر. نظر إليه غريب لثواني، وكأن الصراع يدور داخله بين رغبته في منعهم من أخذ ابنه بأي شكل، وبين إدراكه أن التصعيد الآن قد يزيد الأمور سوءًا.
أما جواد، فقد تحرك بالفعل مع الضباط دون مقاومة، محافظًا على هدوئه الخارجي رغم الأسئلة الكثيرة التي كانت تعصف بعقله. خرج معهم من المكتب واتجه نحو المصعد، ثم هبط إلى الأسفل بخطوات ثابتة.
في الخارج، كان الهواء أكثر برودة، وكأن العالم في تلك اللحظة أصبح أكثر قسوة مما كان قبل دقائق فقط. فتح أحد الضباط باب السيارة، فصعد جواد إلى الداخل دون أن يتفوه بكلمة، ثم جلس في المقعد الخلفي بينما تحركت السيارة بعد لحظات متجهة نحو قسم الشرطة.
داخل السيارة، ظل صامتًا، وعيناه مثبتتان أمامه، بينما عقله يحاول استيعاب ما حدث.
اتهام بالقتل، قتل رقية الأباصيري.
كيف حدث ذلك؟ ومن الذي دفع باسمه إلى هذه الجريمة؟
كانت الأسئلة تتلاحق في ذهنه بلا إجابات.
أما في المكتب، فقد بقي غريب واقفًا للحظة بعد خروجهم، وكأن الغضب والصدمة قد تجمدا في جسده. ثم فجأة رفع قبضته وضرب بها سطح المكتب بقوة، فصدر صوت حاد ارتد في أرجاء الغرفة، معبرًا عن الغليان الذي يشتعل في صدره.
لم يضيع وقتًا بعد ذلك.
تحرك سريعًا خارج المكتب بخطوات متعجلة، وملامحه متجهمة بشدة. وأثناء سيره في الممر، أخرج هاتفه من جيبه وأجرى اتصالًا سريعًا بالمحامين الخاصين بهم، صوته كان مقتضبًا وحازمًا وهو يشرح لهم الوضع ويأمرهم بالتحرك فورًا.
لم تمضي دقائق حتى كان قد وصل إلى الأسفل. اتجه مباشرة نحو سيارته، فتح الباب وصعد إليها، ثم أدار المحرك بقوة.
وفي لحظات قليلة، انطلقت السيارة من مكانها بسرعة جنونية، تشق الطريق نحو قسم الشرطة، بينما كان عقل غريب يعمل بأقصى سرعة، مدركًا أن ما يحدث الآن ليس مجرد اتهام عابر، بل بداية معركة حقيقية لن تكون سهلة على الإطلاق.
****************************
أما عند رنيم، فكان المشهد هناك أشبه بعاصفة عاتية خرجت عن السيطرة، حتى بدا الوضع وكأنه يقترب من حافة كارثة حقيقية. فقد امتلأ المكان أمام باب مكتبها بعدد كبير من الأشخاص، جميعهم ممن كان لهم شرط جزائي في العقود المبرمة مع الشركة. وقفوا متجمعين في حالة من الغضب والتوتر، ترتفع أصواتهم بالمطالبة بحقوقهم، وتتشابك كلماتهم في فوضى خانقة تعكس حجم الاحتقان الذي وصلوا إليه.
كان كل واحد منهم يشعر أنه تعرض للظلم، وأن حقه سلب منه، لذلك لم يكن في وجوههم سوى الإصرار والحدة، داخل مكتبها، كانت رنيم تقف للحظات قبل أن تخرج إليهم. كانت تدرك جيدًا أن اللحظة التي ستواجههم فيها لن تكون سهلة، وأنها تقف الآن أمام اختبار قاسي قد يغير الكثير في حياتها. رغم ذلك، جمعت ما تبقى لديها من قوة، ثم خرجت أخيرًا من مكتبها.
وقفت أمامهم، تنظر إلى الوجوه الغاضبة المتراصة أمامها، بينما التوتر يتسلل إلى ملامحها رغم محاولتها السيطرة عليه. رفعت رأسها قليلًا، ثم تكلمت بصوت متماسك إلى حد ما، تحاول أن تظهر قدرًا من الثبات أمام ذلك الجمع الغاضب وقالت:
"أنا أهو يا جماعة مافيش داعي لتجمع ده ولا الخناق، أنا مستعدة لاي عقاب."
لم تمضي لحظة حتى رد أحد الموجودين عليها بحدة واضحة، وكأن كلماتها لم تهدئ شيئًا من غضبه:
"احنا عايزين حقنا، انتوا ملتزمتوش بالعقد اللي ما بينا، وكمان الشرط الجزائي حقنا مش راضين تدفعوا."
استمعت رنيم إليه دون أن تقاطعه، ثم أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تحاول أن تجمع كلماتها بعناية قبل أن تتحدث. كانت تعلم أن أي كلمة غير محسوبة قد تزيد الموقف اشتعالًا. قالت بتوضيح:
"يا جماعة والله غصب عننا، موت انكل حسام اثر جامد، وكمان أنا كنت مجهزة كل حاجة فى الشركة التانيه، بس فى اخر لحظة النار مسكت فيها وكله بقى رماد، بس انا مش ساكته وبحاول ارجع كل حاجه زي الاول، بس محتاجة شوية وقت مش اكتر."
لكن كلماتها لم تلقى التعاطف الذي كانت تأمله، إذ تكلم رجل آخر بغضب واضح:
"ده مش ذنبنا، احنا وثقنا فيكم وفى شركتكم وفى الاخر طلعتوا شوية فاشله."
عند تلك الكلمة، اشتعل الغضب في عينيها للحظة، وضغطت على أسنانها محاولة كبح انفعالها، ثم قالت بحدة مكبوتة:
"لو سمحت بلاش غلط، قلتلكم دي ظروف خارجه عن إرادتنا ووارد جدا لاي شركة يحصل ليها كدة وانا قصادكم اهو ومستعدة لأى إجراء قانوني."
لم تهدأ الأجواء رغم ذلك، بل نظر الرجل بغضب وقال بصرامة:
"محدش مننا هيتنازل على حقه، وحقنا هنخده بالقانون."
في تلك اللحظة، أغلقت رنيم عينيها لثواني قصيرة، وكأنها تحاول أن تستجمع ما تبقى لديها من صبر وقوة. ثم فتحت عينيها من جديد، وأومأت برأسها بالموافقة، وقد انعقد العزم داخلها، وقالت بثبات:
"وأنا مستعده."
تحرك الرجل نحوها بالفعل، محاولا الاعتداء عليها بالضرب، لكن قبل أن تصل يده إليها، دوى صوت غليظ قوي في المكان فجأة:
"أيدك تنزل أحسنلك."
التفت الجميع نحو مصدر الصوت، وعندما وقعت عين الرجل عليه، ارتسمت على وجهه ابتسامة ترحيب واضحة وقال:
"شاهين باشا الرواي منور."
اقترب شاهين بخطوات هادئة وواثقة، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، وقال:
"ممكن تهدوا شوية لحد ما اتكلم مع الانسه رنيم الاول قبل أي حاجة؟"
أومأ برأسه موافقًا وقال:
"طبعا يا شاهين باشا، براحتك."
لكن رنيم لم يعجبها ذلك التدخل المفاجئ، فعقدت ذراعيها على صدرها بنفور واضح، وتكلمت بتحدي:
"وانا مش عايزة اتكلم مع حد"
لم يبدو على شاهين أنه تأثر برفضها، بل تحرك بخطوات ثابتة نحوها. أمسكها من ذراعها بقوة، وأرغمها على التحرك معه رغم مقاومتها، ثم دفعها إلى داخل مكتبها وأغلق الباب خلفهما بإحكام.
وقف داخل المكتب لثواني، واضعًا يديه داخل جيبي بنطاله، ونظر إليها بنظرة عميقة قبل أن يتكلم بنبرة رجولية هادئة لكنها تحمل قدرًا من السيطرة:
"أنا ممكن بكلمة واحده مني انهي المهزلة دي كلها، واساعدك كمان تحلي مشاكل الشركة دي، مقابل شرط واحد بس."
عقدت رنيم ذراعيها على صدرها بتحدي واضح، وحركت رأسها بالرفض قبل أن تقول بصرامة:
"وانا مش عايزة حاجة منك، ريح نفسك يا شاهين، علشان أنا عمري ما هتذلل ليك مهما حاولت."
اقترب منها شاهين ببطء، كأنه يختبر حدود صبرها، ثم قال بهدوء حذر:
"أنا كل ده بلعب معاكي على الهادي، مجربتيش الصعب لسه."
ابتسمت له ابتسامة ضيقة تحمل الكثير من الغضب، وقالت بنبرة محتقنة:
"لعب هادي؟ امم، وبالنسبه لحرق الشركة لعب هادي برضة؟ انا بكرهك يا شاهين، ولو انت اخر راجل عمري ما هحتاجلك ابدا."
نظر إليها طويلًا، وكأن شيئًا في كلماتها أصابه في موضع خفي، ثم قال بهدوء غامض:
"تعرفي أن انا اللي أمرت الرجالة اللي بره دي كلها يجيوا ليكي ويطلبوا حقهم، يعني بأشارة واحدة مني تترمي فى السجن وبكلمة واحدة مني احل مشاكلك كلها، والقرار فى ايدك."
لم تتراجع رنيم أمام تهديده، بل نظرت إليه بتحدي أكبر، ثم اقتربت منه هذه المرة بنفسها، ونظرت مباشرة داخل عينيه قبل أن تقول بقوة:
"أنا عندي السجن احسن مليون مرة، من أن احتاج لواحد زيك، وأعلى ما فى خيلك أركبه يا شاهين."
تاه شاهين في عينيها للحظة، وكأن تلك النظرة القوية اختطفته بعيدًا عن كل ما حوله. دون أن يشعر بنفسه، اقترب منها أكثر، ومد ذراعيه ليحيطها بهما بقوة، ثم قال بصوت هامس:
"أنا سجنك وسجانك يا رنيم، انتي اسيره ليا، زي ما أنا أسير لسحر عيونك."
أنهى كلماته وهو يقبل عينيها واحدة تلو الأخرى، وكأنهما سحر لم يستطع مقاومته. ثم انخفض ببطء نحو شفتيها، لكن قبل أن يلامسهما، دفعته رنيم بقوة من صدره، وأبعدته عنها بعنف وهي تقول بغضب مشتعل:
"ابعد عني يا حيوان يا قذر، وحسك عينك تقرب مني تاني."
أغلق شاهين عينيه للحظة، محاولًا تهدئة العاصفة التي انفجرت داخله بسبب تلك العيون التي لم يستطع السيطرة على تأثيرها عليه. ثم فتحهما من جديد، ونظر إليها بنظرة مشتعلة بالغضب وقال بتوعد:
"ماشي يا رنيم خلي عنادك ينفعك، بس كل ما هتتأخري على اللي انا عايزة كل ما كان عقابي اكبر."
أنهى كلماته وغادر المكان سريعًا دون أن يلتفت خلفه.
بقيت رنيم واقفة للحظات تنظر إلى أثره، وقد اختلطت داخلها مشاعر الغضب والألم والتحدي. ثم أطلقت تنهيدة حارة، وكأنها تحاول إخراج ما يثقل صدرها، كانت تعلم في أعماقها أن ما ينتظرها قد يكون بداية طريق قاسي، لكنها، رغم كل شيء، كانت مستعدة لمواجهة مصيرها المحتوم.
****************************
ما إن وصل الخبر إلى ترنيم بما حدث لابنها جواد، حتى شعرت وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميها فجأة. لم تستطع أن تستوعب الفكرة كاملة، ولم تمنح نفسها حتى لحظة للتفكير؛ فقد اندفعت من مكانها كأن قوة خفية تدفعها إلى الأمام، وقلبها يرتجف داخل صدرها بقلق يمزق روحها.
خرجت تركض مسرعة، والدموع تنساب على وجنتيها بلا توقف، تتسابق فوق وجهها كأنها تحاول أن تسبقها إلى ابنها. كان الخوف قد استبد بها إلى حد جعل أنفاسها متقطعة، وصوت قلبها يدوي في أذنيها مع كل خطوة تخطوها.
وصلت إلى سيارتها بسرعة، ففتحت الباب وصعدت إليها بارتباك واضح، وجلست خلف المقود بينما كانت أروى قد لحقت بها وجلسـت بجوارها في صمت ثقيل. لم يكن هناك مجال للكلمات في تلك اللحظة؛ فكل شيء كان واضحًا في عيونهم المليئة بالقلق.
أدارت ترنيم المحرك بيد مرتجفة، ثم انطلقت بالسيارة بسرعة جنونية، وكأنها تحاول اختصار الطريق والزمن معًا. كانت الشوارع تمر أمامها كطيف سريع، بينما عقلها لم يكن يرى شيئًا سوى صورة ابنها، جواد، الذي لا يمكن أن تتخيل للحظة أنه قد يتهم في جريمة كهذه.
وفي وقت قياسي وصلت السيارة أمام قسم الشرطة. توقفت فجأة، وقبل أن تهدأ أنفاسها حتى، فتحت الباب وترجلت بسرعة، ثم اندفعت تركض نحو الداخل بخطوات متعجلة، يكاد قلبها يسبقها إلى هناك.
وعندما وقعت عيناها على غريب، اتجهت نحوه فورًا، كأنها وجدت أخيرًا الشخص الذي قد يمنحها إجابة تطمئن قلبها. توقفت أمامه، وعيناها غارقتان في الدموع، ثم تكلمت بصوت مرتجف:
"ابني فين يا غريب؟ جواد مستحيل يأذي حد."
نظر إليها غريب للحظة، وقد أدرك تمامًا حجم الألم الذي يعتصر قلبها. مد يديه وضم وجهها بين كفيه بلطف، محاولًا أن يمنحها بعض الطمأنينة، ثم تكلم بنبرة هادئة رغم القلق الذي يخفيه داخله:
"اهدي يا ترنيم، جواد مش هيحصله حاجه، بكرة بالكتير هيكون فى حضنك."
لكن كلمات الطمأنة لم تستطع أن تخمد النار المشتعلة داخل قلب الأم. هزت رأسها بالرفض، والدموع ما تزال تنهمر من عينيها، ثم قالت بين شهقاتها المتقطعة:
"جواد يا غريب، ابوس ايدك اتصرف وخرجه من هنا، ابني مينفعش يقعد فى المكان ده."
لم يستطع غريب أن يتحمل رؤية انهيارها أكثر من ذلك. أومأ برأسه مؤكدًا كلامها، ثم جذبها إلى داخل أحضانه في محاولة لاحتوائها وتهدئة ذلك الخوف الذي يكاد يفتك بها، وقال بصوت يحمل وعدًا صادقًا:
"وحياتك عندي مش هسكت غير لما اخرجة من هنا."
ظلت ترنيم متشبثة به للحظات، وكأنها تحاول أن تتمسك بأي خيط أمل قد يعيد إليها ابنها سالمًا. أما غريب، فكان يقف ثابتًا رغم العاصفة التي تدور داخله هو الآخر.
وبالقرب منهما، كانت أروى تقف بصمت يملؤه القلق. اقترب منها غريب ومد ذراعه الآخر ليحتضنها، يضمها إلى جانبه كما لو كان يحاول أن يطمئنها بدوره.
وهكذا وقفوا جميعًا داخل ذلك المكان البارد، ينتظرون بقلوب مثقلة اللحظة التي ينتهي فيها التحقيق مع جواد،
لحظة قد تعيد بعض الطمأنينة إلى تلك القلوب التي أنهكها الخوف.
**************************
جلست مريم في مكانها بهدوء مريب، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة تحمل في طياتها الكثير من الشر والرضا، كأنها تنظر إلى لوحة رسمتها بيديها وتستمتع بتأمل تفاصيلها. كانت عيناها تلمعان ببريق غامض، يدل على نشوة الانتصار التي بدأت تتسلل إلى داخلها مع أولى ثمار خطتها.
في داخلها شعور ثقيل بالرضا، فقد نجحت أولى خطوات اللعبة التي أعدتها بعناية طويلة. كانت تسترجع ما حدث قبل قليل في ذهنها، وكأنها تعيد مشاهدة مشهد انتصارها مرة أخرى. لقد سقط اثنان بالفعل في أول جولة، اثنان دفعة واحدة، ولم يكن الأمر مجرد سقوط عادي، بل كان سقوطًا يحمل في طياته ألمًا عميقًا سيضرب قلبين كانت تتمنى منذ سنوات أن تراهما يتوجعان.
لقد أصابت ضربتها هدفها بدقة.
ترنيم، وغريب.
تخيلت في ذهنها لحظة انهيار ترنيم، وصورتها وهي تبكي خوفًا على ابنها، وتذكرت أيضًا ملامح غريب وهو يقف عاجزًا أمام ما يحدث. عند تلك الفكرة تحديدًا، اتسعت ابتسامتها أكثر، وكأنها وجدت أخيرًا جزءًا من العدالة التي كانت تبحث عنها بطريقتها الخاصة.
رفعت رأسها قليلًا ونظرت إلى زين الجالس أمامها، ثم تكلمت بصوت يحمل قدرًا واضحًا من السعادة:
"البداية حلوة وعجبتني، بس نقول مجرد تسخين، لأن التقيل لسه مبتداش."
كان زين يجلس في المقعد المقابل لها بثقة واضحة، وقد وضع قدمًا فوق الأخرى في استرخاء يدل على أنه يشعر بالفخر بما حققاه معًا. بدا عليه الارتياح وهو يستمع إلى كلماتها، وكأنه ينتظر منها اعترافًا بنجاح خطتهما.
مال قليلًا إلى الخلف، ثم قال بثقة:
"ضربنا عصفورين بحجر واحد، خلصنا من الدليل اللي كان هيوصلهم ليكي، وفى نفس الوقت لبسنا ابن ترنيم وغريب التهمة، ده شغل فاخر من الاخر."
استمعت إليه مريم بعينين ضيقتين قليلًا، ثم رفعت يدها وحركت أصابعها أمامه بإشارة تحذيرية، وكأنها تريد أن تضع حدًا لحماسه قبل أن يتحول إلى تهور. قالت بلهجة حازمة:
"اوعى تقع بلسانك قصاد وحيد، احنا لسه محتاجين ليه، الولا هيكون مشغول عنها اليومين دول وده افضل وقت علشان يكون جنبها يواسيها."
أومأ زين برأسه سريعًا في إشارة تفهم، فقد كان يدرك جيدًا خطورة أن تنكشف الخيوط قبل أوانها. ابتسم ابتسامة خفيفة قبل أن يرد بنبرة ساخرة:
"فاهم طبعا يا خالتي، يعني هروح أقوله أنا قتلت اختك!! ده كان دفني مكاني."
تنهدت مريم بارتياح واضح، وكأنها اطمأنت أخيرًا إلى أن الأمور تسير وفق ما خططت له تمامًا. ثم قالت بنبرة آمرة هادئة:
"روح لأختك خليك جنبها علشان متشكش فيك."
اعتدل زين في جلسته، ثم استقام بجسده واقفًا، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة تحمل قدرًا من التمثيل المتقن الذي اعتاد عليه. قال وهو يتجه نحو الباب:
"طبعا لازم اكون جنب اختي واسندها، ما أحنا ملناش غير بعض."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه مريم عندما سمعت كلماته، وكأنها ترى في تصرفاته انعكاسًا لشيء تعرفه جيدًا. نظرت إليه بنظرة متفحصة وقالت:
"عارف يا ولا، بحس انك شبهي اوي وانا صغيرة."
رفع زين حاجبيه إلى الأعلى بشيء من الاعتزاز، ثم قال بثقة لا تخلو من التحدي:
"لا حاسبي يا خالتي، أنا اه شبهك زمان بس على اقوى."
ثم تحرك نحو الباب بخطوات هادئة، وقبل أن يخرج التفت قليلًا وقال بنبرة عابرة:
"أنا رايح بس ياريت ملاقيش عم الحبيب هناك، عندها."
حركت مريم رأسها بهدوء، ثم قالت مطمئنة:
"لا متقلقش مش هيكون هناك، هو دلوقتي بيحاول يثبت لينا أن كلامنا كله غلط، ومافيش مشاعر فى قلبه ليها."
فتح زين الباب وخرج، ثم أغلقه خلفه بهدوء.
بقيت مريم وحدها في الغرفة بعد رحيله، تنظر إلى الباب الذي اختفى خلفه للحظات، بينما لا تزال ابتسامة الانتصار معلقة على شفتيها. كانت تشعر وكأن أول خيط من خيوط خطتها قد بدأ يحكم حول أعناقهم جميعًا.
حركت المقعد إلى الخلف، ثم اتجهت نحو غرفتها، وعيناها تحملان بريق فضول مشتعل، فهي لم تكن ترى ما يحدث مجرد بداية فحسب، بل كانت تنتظر بشغف شديد اللحظة التي تتابع فيها سقوط بقية القطع في لعبتها الكبيرة.
****************************
بعد أن انتهى التحقيق مع جواد، سمح لأفراد عائلته بالدخول إليه لبضع دقائق. كانت تلك اللحظات بالنسبة لهم أثقل من أن توصف، فكل خطوة نحو ذلك المكتب كانت تحمل في طياتها خوفًا مكتومًا وقلقًا يعتصر القلوب.
دخلت ترنيم يتبعها غريب وأروى، وقد بدت ملامحهم جميعًا متعبة من التوتر الذي عاشوه منذ وصولهم إلى القسم. كانت ترنيم هي الأكثر اضطرابًا بينهم، فوجهها شاحب، وعيناها حمراوتين من كثرة البكاء، وكأن قلب الأم بداخلها يرفض أن يصدق أن ابنها يقف الآن في مكان كهذا، وتحت اتهام بهذه القسوة.
ما إن وقعت عيناها على جواد حتى شعرت بأن ساقيها بالكاد تحملانها. تحركت نحوه بخطوات مرتعشة، وكل خطوة كانت كأنها عبور فوق جمر مشتعل. توقفت أمامه أخيرًا، ونظرت إلى وجهه طويلًا، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة دون أن تستطيع إيقافها.
لم يتحمل جواد رؤية تلك الدموع أكثر من ذلك. فتح ذراعيه على الفور واحتضنها بقوة، كأنه يحاول أن يمنحها بعض الأمان الذي افتقدته منذ سماع الخبر. ثم قبل رأسها بحنان، وقال بنبرة هادئة على عكس العاصفة التي تدور داخله:
"وغلاوتي عندك اهدي يا ماما، متقلقيش والله هما بس بيحققوا معايا علشان الصور والفيديوهات اللي كانوا على تليفونها واحنا مع بعض."
لكن كلمات الطمأنة لم تكن كافية لتهدئة قلبها. تمسكت به بقوة أكبر، كأنها تخشى أن ينتزع منها في أي لحظة، وقالت من بين شهقاتها:
"أنا مش هقدر استحمل اشوف الماضي بيتعاد تاني فيك يا جواد، انا حياتي كلها اتغيرت بسبب لحظة زي دي، ليه تقرب لواحدة تانيه اهو شوفت اخرتها بقيت فين."
عند تلك الكلمات، أغمض غريب عينيه بضيق واضح. كان يعلم جيدًا ما الذي تشير إليه ترنيم بكلامها، وكان يدرك أيضًا أن الماضي الذي تحاول نسيانه ما زال يطاردهم جميعًا.
اقترب منها قليلًا، ومد يده يتحسس ظهرها بحركة هادئة في محاولة لتهدئتها، ثم قال بصوت منخفض:
"مش وقته الكلام ده يا ترنيم، خلينا نشوف هنعمل ايه فى اللي جاي."
ابتعدت ترنيم قليلًا عن حضن جواد، وعندما التقت عيناها بعيني غريب أدركت فورًا أنها قد أفصحت عن شيء لم يكن يجب قوله في هذه اللحظة. خفضت رأسها قليلًا وقالت بأسف واضح:
"أنا اسفه يا غريب."
لكن غريب لم يزد الأمر تعليقًا، بل اكتفى بهزة خفيفة من رأسه وقال بضيق مكتوم:
"مش وقته يا ترنيم."
في تلك الأثناء، كان جواد ينظر إلى أروى التي وقفت قليلًا بعيدًا عنه. كانت عيناها تمتلئان بالدموع، لكنها تحاول التماسك قدر استطاعتها. ابتسم لها ابتسامة خفيفة رغم كل ما يعتصره من توتر، ثم قال متسائلًا:
"انتي خايفه مني يا أروى؟"
هزت رأسها بسرعة بالنفي، وقالت بصوت مختنق:
"لا طبعا يا جواد، بس مش قادرة اشوفك كده."
فتح ذراعيه لها بحنان وقال:
"تعالي."
لم تتردد لحظة واحدة. ركضت نحوه وارتمت بين ذراعيه، وكأنها وجدت أخيرًا المكان الوحيد الذي يمنحها الطمأنينة. انهمرت دموعها بغزارة وهي تقول بصوت متقطع:
"مكنتش اعرف اني بحبك اوي كده، مش قادرة اشوفك فى المكان ده يا جواد قلبي وجعني اوي."
انحنى قليلًا وقبل رأسها بحنو، ثم قال محاولًا إدخال بعض الخفة على الجو الثقيل:
"لا مش واخد عليكي وانتي كده، فين أروى المجنونة الطقه، دلوعة العيلة؟"
لكن أروى لم تستطع التوقف عن البكاء، بل تمسكت به أكثر وكأنها تحاول أن تخفيه عن العالم بين ذراعيها.
تنهد غريب بضيق واضح، فقد كان يدرك أن الوقت يمر وأن عليهم التفكير في الخطوة التالية بدل الاستسلام للحزن. قال بصوت مختنق:
"ممكن بقى نهدا خلينا نعرف نتكلم فى اللي جاي؟"
رفع جواد عينيه إليه، وما زال يحتضن أروى، ثم قال بهدوء:
"مش هينفع نتكلم دلوقتي، روح ماما وأروى وأبقى تعالى نتكلم مع المحامي."
فهم غريب ما يقصده فورًا. كانت هناك أمور لا ينبغي أن تقال أمام النساء، خصوصًا في هذا التوقيت. لذلك أومأ برأسه بالموافقة.
لكن جواد فجأة نظر حوله باستغراب وقال:
"محدش بلغ جواهر؟"
هزت ترنيم رأسها وهي تقول:
"ملحقتش اقولها، اول ما عرفت الخبر جيت على هنا على طول."
تنهد جواد بضيق واضح وقال:
"كنت محتاجها اوي دلوقتي."
سارعت أروى بالكلام قائلة:
"هطلع بره اتصل بيها، ابلغها، وأبلغ خالو تامر بالمرة."
ثم تحركت بالفعل نحو الباب، وخرجت من الغرفة وأغلقته خلفها بهدوء.
بعد خروجها، جلس جواد على الأريكة وأجلس ترنيم بجواره، ثم أمسك يدها بين يديه وقال بنبرة ترجي:
"ماما علشان خاطري بلاش دموعك دي، متقلقيش عليا والله، أنا كويس ومجرد ما يخلص التحقيق هخرج على طول."
أنهى كلامه وهو يمسح دموعها بيده بحنان، ثم احتضنها بقوة محاولًا تهدئتها.
تمسكت به أكثر وهي تقول من بين شهقاتها:
"مش قادرة اصدق نفسي، ابني فى مكان زي ده ومتهم بقضية قتل."
رد عليها بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا رغم كل ما يشعر به:
"مش مهم أنا دلوقتي المهم انكم تبقوا بخير، وهي فترة وهتعدي."
ثم رفع رأسه قليلًا ونظر إلى والده بنظرة ذات معنى، وكأن بينهما حديثًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات.
فهم غريب ما أراد قوله فورًا، فاكتفى بهزة خفيفة من رأسه، مطمئنًا إياه أن الأمور لن تترك هكذا، وأنه لن يدخر جهدًا حتى يخرج ابنه من هذه المحنة.
***************************
عندما وصل الخبر إلى جواهر، خرجت من الشركة بخطوات هادئة على غير عادتها، كأن جسدها يتحرك وحده بينما روحها ما زالت عالقة في مكانها. لم تكن قادرة على تحديد ما الذي يجتاح صدرها في تلك اللحظة؛ أهو القلق عليه، أم الخوف مما قد يحدث له، أم ذلك الغضب العميق المختلط بوجع لا يحتمل؟ كانت مشاعرها متشابكة كخيوط معقدة يصعب فكها. صعدت إلى سيارتها بصمت، وأدارت المحرك، ثم انطلقت في طريقها نحو قسم الشرطة. وخلال الطريق، كانت عيناها مثبتتين على الطريق أمامها، لكن الدموع احتشدت فيهما كبحر متمرد يأبى الانسكاب، متحجرة في مقلتيها وكأنها ترفض أن تمنحها راحة البكاء.
عندما وصلت، أوقفت السيارة وترجلت منها ببطء، ثم اتجهت نحو الداخل بخطوات ثابتة تخفي تحتها عاصفة من المشاعر. وما إن وقعت عينا أروى عليها حتى ركضت نحوها مسرعة، ودموعها تسبق كلماتها، وقالت بصوت مرتجف:
"شوفتي اللي حصل لجواد يا جواهر؟"
أومأت جواهر برأسها بوجه عابس، ملامحه جامدة كأنها تحاول أن تحتمي خلف قناع من الصلابة، وقالت:
"ايوه، فيه حد عنده جوة؟"
أومأت أروى سريعًا وقالت:
"ايوه مامي وبابي جوه."
اتجهت جواهر نحو العسكري الواقف أمام الباب، وطلبت منه أن يسمح لها بالدخول لأنها زوجته. نظر إليها للحظة قبل أن يفتح الباب لها. وعندما دخلت إلى الداخل، كان جواد جالسًا هناك، وما إن وقعت عيناه عليها حتى نهض سريعًا وكأن الحياة عادت إلى جسده فجأة. اقترب منها بخطوات سريعة واحتضنها بقوة، وكأنه وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه وسط هذا الظلام.
لكنها، لم تبادله العناق.
ظلت يداها ساكنتين إلى جوار جسدها، كأنهما فقدتا القدرة على الحركة.
التقط غريب تلك اللحظة بصمت، وفهم ما فيها من توتر وألم، فنظر إلى ترنيم إشارة صامتة. وبالفعل، تحرك الاثنان بهدوء نحو الخارج، تاركين الباب يغلق خلفهما، حتى يبقى جواد وجواهر وحدهما داخل تلك الغرفة التي ضاقت فجأة بكل ما تحمله قلوبهما.
ابتعد جواد عنها قليلًا، ونظر إليها باستغراب واضح، وقال بتساؤل صادق: "جواهر، مالك؟ انتي مصدقة أني ممكن اعمل كده بجد؟"
تنهدت بوجع عميق، كأن هذا السؤال وحده مزق ما تبقى من صبرها، ثم حركت رأسها بالنفي وقالت:
"لا يا جواد مش مصدقة."
حرك كتفيه بعدم فهم، وقال بتساؤل:
"امال فيه ايه مالك؟ احنا مش كنا الصبح مع بعض وكنتي سامحتيني."
ابتعدت عنه خطوة، وكأن قربه منها يربكها أكثر مما يريحها، ثم تكلمت بصوت مختنق يتصارع فيه الغضب مع الحزن:
"أنا مقلتش أني سامحتك يا جواد، انا بس موجوعة منك اووي، يعني مش عارفه ازعل منك ولا ازعل عليك، يعني جوزي وحبيب عمري، متهم بقتل البنت اللي كان بيخوني معاها، انت متخيل كمية الوجع اللي جوايا دلوقتي بسببك؟ أنا دلوقتي واقفه بين نارين، احضنك واضمك فى حضني، ولا أمشي واسيبك تتحمل نتيجة غلطك، اعمل ايه دلوقتي يا جواد؟"
نظر إليها جواد طويلًا، وكانت عيناه تحملان ذلك الحب الصادق الذي لم تستطع كل هذه الفوضى أن تطفئه، ثم قال بنبرة عاشقة هادئة:
"اعملي اللي قلبك يقولك عليه يا جواهر."
ظلت تنظر إليه لحظات طويلة، وكأنها تبحث داخل عينيه عن إجابة لكل ما يؤلمها. ومع تلك النظرة، بدأت الدموع أخيرًا تنساب على وجهها، بعدما صمدت طويلًا. وفجأة اقتربت منه بسرعة، واحتضنته بقوة، كأنها تستسلم أخيرًا لذلك الصوت الذي كان يصرخ داخل قلبها منذ البداية.
تمسكت به وهي تضرب صدره بيديها بوجع وحزن، وكأنها تعاقبه وتتشبث به في الوقت نفسه، وقالت من بين شهقاتها:
"ليه دايما انت سبب دموعي يا جواد؟ ليه توجع قلبي بدل ما تكون انت الدوا ليه؟ ليه دايما انت سبب عذابي، لييييه؟"
أغلق جواد عينيه بحزن عميق، ثم قبل عنقها بحب، وقال بأسف صادق:
"أنا آسف يا قلب جواد من جوه، انتي اغلى حاجه عندي، ويشهد ربي أن مافيش غيرك اللي ساكن قلبي، ومافيش غيرك اللي ماليه عنيا، وبكره تفهمي الحقيقه كلها وسعتها بس هتعرفي انا بحبك قد ايه."
ابتعدت عنه قليلًا، ومسحت دموعها بيد مرتجفة، ثم قالت بصوت مختنق:
"ربنا يسهل، المهم دلوقتي عمو غريب جاب محامي ليك ولا لسه؟"
أومأ برأسه مؤكدًا وقال:
"جاب المحامين، بس لسه هيقروا المحضر وهيشوفوا هيعملوا ايه بعد كده."
ثم أمسك يدها برفق، وكأنه يخشى أن تفلت منه، وأجلسها على الأريكة، قبل أن يجلس إلى جانبها ويتكلم بنبرة حنونة جادة:
"اهم حاجه يا قلبي اسمعي الكلام اللي هقوله ليكي ده كويس اوي، هيكون فيه حراس معاكي منين ما تروحي لحد بس ما اخرج من هنا، ونفس الموضوع مع رنيم وأروى وماما وخالتوا سميه، إياكي تتحركي من غيرهم يا جواهر."
نظرت إليه باستغراب واضح وقالت بتساؤل:
"ليه؟ هو فيه حاجه حصلت أنا معرفهاش يا جواد؟"
زفر بضيق خفيف، وقال بنفاذ صبر:
"هو مينفعش تسمعي الكلام من غير اسأله يا جواهر؟ دي اجراءات امنيه منعرفش البنت دي ليها قرايب ولا لا؟ ممكن يأذوا حد فيكم بحجة أنهم بينتقموا مني، فهمتي كده؟"
أومأت برأسها بتفهم وقالت:
"ايوه فهمت، ويارب بس تتعظ وتعرف اخرت السكه الشمال دي ايه؟"
ابتسم جواد ابتسامة غلب على كلماتها، ثم قال بمزاح:
"ده على اساس انك كل يوم بتجبيني من شقه مشبوهه وفي أيدي الكاس؟ ربنا على المفتري، والظالم."
نظرت إلى الاتجاه الآخر وقالت بتهكم:
"لا بشوفك فى حضن واحده بس، واهي اتكلت على الله."
انفجر ضاحكًا على كلماتها رغم ثقل الموقف، ثم جذبها إليه وضمها داخل حضنه مرة أخرى، مقبلًا رأسها بأسف وعشق خالص، كأنه يحاول أن يعوضها بذلك العناق عن كل الألم الذي تسبب فيه لها.
***************************
جلس وحيد أمام مريم، وقد بدا وكأن الحزن قد سلب منه كل ما كان يملكه من تماسك. كان جسده منحنياً قليلاً إلى الأمام، ويداه متشابكتان بقوة حتى ابيضت مفاصله، بينما تجمعت الدموع في عينيه ترفض السقوط، كأنها هي الأخرى تقاتل كي لا تنكسر. كان صدره يعلو ويهبط بنفس ثقيل، وكأن كل ما في داخله يغلي من شدة الألم والغضب معًا. رفع رأسه ببطء، وعيناه تلمعان بنار متقدة، ثم تكلم بصوت غاضب خرج مشحونًا بكل ما يعتصر قلبه:
"هقتله هشرب من دمه، هحرق قلبه على أعز ما ليه."
كانت كلماته تخرج كوعيد مظلم، يحمل في طياته ألم الأخ الذي فقد أخته، والغضب الذي يعمي البصيرة ويحول الحزن إلى رغبة عمياء في الانتقام. أما مريم، فكانت تجلس أمامه بهدوء ظاهري يخفي خلفه ما لا يمكن رؤيته بسهولة. انحنت قليلًا نحوه، وجعلت ملامحها ترتسم بحزن مصطنع، وكأن قلبها يتمزق لما حدث، ثم قالت بنبرة مكسوة بالأسى الزائف:
"متقلقش أنا معاك يا قلب خالتك، وحياة حرقت قلبنا على بنت اختي ما هسيبه ولا هو ولا ابوه، ركز انت مع مراته هي دي اللي هتحرق قلبه، وانا هنتقم من ابوه واحرق قلبه على بنته، ده حرمنا من دلوعة العيلة الغاليه على قلبي."
كانت كلماتها تسقط في أذن وحيد كوقود يسكب على نار الغضب المتأججة داخله. لم يكن في تلك اللحظة قادرًا على التفكير أو التمييز بين الحقيقة وما يزرع في رأسه من أفكار. كل ما كان يراه أمامه هو صورة أخته التي رحلت، وصوت داخلي يصرخ مطالبًا بالثأر.
ضغط على أسنانه بقوة حتى برزت عضلات فكه، ثم قال بغضب متفجر، وكأن كل حرف يخرج من بين أنيابه بصعوبة:
"وغلاوتك عندي هوريهم، دم اختي مش هيروح هدر وهدفعهم حق دمها واحد واحد."
في تلك اللحظة، ارتسمت ابتسامة شريرة على وجه مريم، ابتسامة صغيرة لكنها كانت كافية لتكشف عن النصر الذي شعرت به في أعماقها. لقد نجحت مرة أخرى في دفع قطعة جديدة على رقعة لعبتها المظلمة. غير أنها سرعان ما أخفت تلك الابتسامة، ومسحتها عن ملامحها بسرعة، لتعود وتغلف وجهها بقناع الحزن المصطنع.
مدت يدها وربتت على ساقه برفق، محاولة أن تبدو كأنها تشاركه الألم، وكأنها تلك الخالة الحنون التي تحترق قلبًا على فقدان ابنة أختها، بينما في داخلها كانت تراقب بعين باردة كيف يشتعل قلبه غضبًا، الغضب ذاته الذي كانت تحتاجه تمامًا لتنفيذ انتقامها.
*************************
جلست رنيم في غرفتها بعد أن وصلها خبر ما حدث مع جواد. كان المكان من حولها ساكنًا بشكل يثير الاختناق، لم تذهب إلى قسم الشرطة مثلما فعل الجميع، ولم تحاول حتى أن تتحرك من مكانها. في أعماقها كانت تدرك السبب، لكنها لم تكن تملك الشجاعة للاعتراف به لنفسها.
للحظة قصيرة، تسلل إلى قلبها شعور غريب، شعور كأنه ارتياح خفي لما حدث له، ارتياح سرعان ما أخافها من نفسها. كيف يمكن لقلبها أن يشعر بشيء كهذا؟ هل وصل بها الأمر إلى هذا الحد؟ هل تحولت بالفعل إلى إنسانة بلا قلب؟ ظلت تحدق أمامها طويلًا، وكأنها تحاكم نفسها بصمت، بينما عقلها يرفض الاعتراف بما يختبئ في أعماقها.
وفي تلك اللحظة، قطع صمت الغرفة صوت هاتفها معلنًا عن اتصال وارد. نظرت إلى الشاشة، لتجد اسم زين يضيء أمامها. شعرت بشيء من الارتباك، لكنها أجابت سريعًا، وما إن فتحت الخط حتى اندفعت الكلمات من فمها قبل أن تتمكن من السيطرة على نفسها، وقالت بصوت مختنق يمتزج فيه الغضب بالألم:
"انت ايه يا أخي كل مره تختفي وتسيبني فى قلب المصيبه لوحدي، وترجع تاني بأعذار ملهاش معنى، انا كنت محتاجك اوي النهاردة، كنت لوحدي، كله استغل أني مجرد واحده ملهاش ضهر، انا معرفش انت ليه بتعمل كده معايا؟"
على الطرف الآخر، أدرك زين أن غضبها هذه المرة حقيقي، فسارع بالكلام محاولًا تهدئتها والسيطرة على انفعالها، وقال بسرعة:
"غصب عني والله انتي عارفه، أنا بحبك قد ايه احنا ملناش غير بعض يا بت، أنا كنت بحاول اتواصل مع الناس اللي اخد رقمهم منك علشان احل مشكلة الشركة دي بس للاسف كلهم رفضوا المساعدة."
اتسعت عينا رنيم بصدمة حقيقية، وكأن الكلمات التي سمعتها لا يمكن أن تكون صحيحة، وقالت بعدم تصديق واضح:
"مستحيل، دول حبايب بابا من زمان وكانوا مستعدين يساعدوني فى أي وقت، ولما كلمتهم اخر مرة مكانش حد فيهم عنده مانع، ايه غير رأيهم؟ معقول يكون شاهين عرف يأثر عليهم ويخليهم هما كمان ضدي."
لم يضيع زين لحظة، بل تلقف الفكرة بسرعة وألقى بها في رأسها كأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة، وقال مؤكداً:
"ايوه ايوه هو، مافيش غيره هو اللي عايز يوقع الشركه دي، ده فيه واحد منهم قالي، أن فيه حد مهم كلمه وطلب منه ميساعدكيش، اكيد يقصد شاهين."
تغيرت ملامح رنيم فورًا، وكأن الغضب وجد طريقه أخيرًا ليملأ الفراغ الذي تركه الحزن داخلها. ضغطت على أسنانها بقوة وقالت بصوت مختنق بالغضب:
"أنا بكرهه، بني آدم مستفز ومعندهوش دم."
ابتسم زين في الطرف الآخر ابتسامة خبيثة لم ترها، ثم قال بنبرة لئيمة تخفي خلفها نواياه:
"سيبي عليا شاهين وركزي انتي فى شغلك يا قلب اخوكي واياكي تشكي فى حبي ليكي مره تانيه، أنا مش ساكت، ومش هرتاح غير لما ارجعلك الشركه زي الاول واكتر."
هدأت نبرتها قليلًا عند سماع كلماته، وكأنها وجدت في حديثه سندًا تحتاج إليه، ثم قالت بحب خالص:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي وتفضل معايا وفى ضهري."
رد عليها بنبرة مليئة بانتصار خفي:
"ويخليكي ليا يا حبيبتي هقفل انا بقى يا حبيبتي، اه صح انا روحت ليكي الشركه لاقيتك روحتي قومت روحت أنا كمان."
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت ببساطة:
"ماشي يا حبيبي."
أغلقت الخط، وبقي الهاتف بين يديها لثواني، بينما عيناها معلقتان في الفراغ أمامها. ثم فجأة تغيرت ملامحها، واشتعل الغضب في عينيها من جديد. ضغطت على الهاتف بقوة بين أصابعها وقالت بصوت مليء بالتحدي:
"ماشي يا شاهين، أنا هوريك."
نهضت من على سريرها بخطوات حازمة، واتجهت نحو خزانة ملابسها. فتحتها ببطء، ووقفت لحظة تنظر إلى ما بداخلها، وكأنها تتخذ قرارًا لا رجعة فيه. ثم مدت يدها إلى الداخل، وأخرجت سلاحًا ناريًا كان زين قد أعطاه لها من قبل.
رفعته أمام عينيها، وظلت تحدق فيه للحظات طويلة. كان لمعان المعدن البارد ينعكس في عينيها، لكن ما كان يلمع داخل نظراتها لم يكن سوى الغضب، والتوعد.
وفي تلك اللحظة، بدت رنيم وكأنها لم تعد تلك الفتاة نفسها، بل امرأة تستعد لخوض حرب لم تعد تخشى عواقبها.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس عشر
في صباح يوم جديد، كان الضوء الشاحب يتسلل إلى غرفة رنيم ببطء، معلنًا بداية يوم ثقيل آخر، يوم يحمل في طياته امتدادًا للفوضى التي لم تهدأ منذ الليلة الماضية. كانت الغرفة ساكنة، والهدوء يلف المكان، حتى اخترقه فجأة صوت جواهر الغاضب، حادًا ومشحونًا باللوم والألم.
فتحت رنيم عينيها بصعوبة، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحها، كأن النوم لم يمنحها راحة حقيقية، بل كان مجرد هروب مؤقت من واقعها المضطرب. رفعت رأسها قليلًا ونظرت إلى جواهر بعينين نصف مفتوحتين، ثم قالت بصوت ناعس مثقل بالكسل:
"فيه ايه يا بنتي على الصبح؟"
لكن جواهر لم تكن في حالة تسمح لها بتجاوز الأمر أو تهدئة نفسها. كانت ملامحها مشدودة، وعيناها متورمتين من السهر والبكاء، والغضب يختلط في صوتها بالخذلان وهي تقول بلوم واضح وصوت مختنق:
"انت ايه يا شيخه معندكيش دم؟ الدنيا كلها مقلوبه علشان جواد، ومنمناش من امبارح، وانتي نايمة فى اوضك ولا على بالك ولا حتى هان عليكي تيجي تقفي جنبنا فى وقت صعب زي ده."
اعتدلت رنيم في جلستها، ونظرت إليها بملامح بدت باردة إلى حد كبير، كأنها تبني حول نفسها جدارًا يحميها من كل ما قد يهزها من الداخل. ثم قالت بعدم اهتمام ظاهر:
"ما يتسجن فى ستين داهيه، حد قاله يلعب بديلة ويروح ليها فى شقتها، حتى لو مش هو اللي قتلها، يستاهل اللي بيحصلة، علشان قرفة وخيانته ليكي."
كانت كلماتها قاسية، خرجت ببرود صادم، لكن ذلك البرود لم يكن سوى قناع يخفي ما يدور داخلها من تناقضات. أما جواهر، فقد شعرت وكأن تلك الكلمات صفعتها بقسوة. اشتد غضبها، وضغطت على أسنانها وهي تحاول أن تستوعب كيف يمكن لرنيم أن تكون بهذا الجمود، ثم قالت بصوت مختنق يحمل ألمًا حقيقيًا:
"بجد انا مصدومة فيكي يا رنيم، انتي واحده مريضه، موت امك وابوكي وانتي صغيرة خلاكي سودا من جوه معندكيش قلب، حتى لو بتكرهي خالتو ترنيم وابنها، المفروض تقفي جنبي أنا، أنا ماليش غيرك بعتبرك اختي الكبيرة، وكنت منتظرة منك حاجات كتير أوي، عمومًا براحتك يا رنيم، أنا خلاص هعتبرك مش موجودة فى حياتي، ربنا يهديكي لنفسك."
كانت كل كلمة تخرج من جواهر كطعنة مباشرة في قلب رنيم، حتى وإن حاولت ألا تظهر ذلك. وما إن أنهت كلامها، حتى استدارت وخرجت تركض من الغرفة، وكأن البقاء فيها للحظة أخرى أصبح فوق احتمالها.
بقيت رنيم جالسة في مكانها، تنظر إلى الباب الذي خرجت منه جواهر، وقد خيم الصمت فجأة على الغرفة، لكن هذا الصمت كان أثقل من أي صوت.
تنهدت بوجع عميق، وشعرت لأول مرة أن الكلمات التي قيلت لها قد اخترقت دفاعاتها كلها. لم تكن تتوقع أن تصل جواهر إلى هذا الحد من القسوة معها، أو ربما لم تكن تتوقع أن ترى نفسها في عينيها بهذه الصورة القاسية.
جرحها كلامها، جرحها أكثر مما أرادت الاعتراف به.
وفي أعماقها، كانت تعرف أن جواهر محقة في جزء كبير مما قالته. كانت تعلم أن كرهها لترنيم وابنها قد جعل قلبها أعمى، وجعلها ترى الأمور من زاوية واحدة فقط، زاوية الانتقام والرفض والوجع القديم.
لكن رغم ذلك، لم تستطع أن تنكر أن هذا الكره بات يسيطر عليها أكثر مما ينبغي.
في تلك اللحظة، اتخذت قرارًا داخليًا، قرارًا ربما يكون قاسيًا على عمتها، وربما يفتح بابًا جديدًا من الألم، لكنه بدا لها الطريق الوحيد الذي قد يمنحها بعض الراحة من كل هذا الصراع الذي يمزقها.
لكنها سرعان ما حركت رأسها بالنفي، وكأنها تحاول طرد كل تلك الأفكار من عقلها، أو تأجيلها على الأقل.
نهضت أخيرًا من مكانها، واتجهت نحو المرحاض بخطوات بطيئة. أخذت حمامًا دافئًا، محاولة أن تغسل عن روحها بعضًا من هذا الثقل الذي يسكنها، لكن الماء لم يكن قادرًا على محو شيء من الداخل.
خرجت بعد ذلك، ارتدت ملابسها في صمت، ثم وقفت للحظة أمام المكتب. وقع نظرها على الدرج، فتوقفت.
تحركت نحوه ببطء، وفتحته.
ظلت تنظر إلى السلاح الموضوع داخله للحظات طويلة، وكأنها تتأكد من وجوده، أو ربما تتأكد من وجود القرار الذي ربطته به. كان السلاح ساكنًا، لكن وجوده وحده كان كافيًا ليعكس ما يدور داخلها من أفكار خطيرة.
وعندما اطمأنت أنه ما زال في مكانه، أغلقت الدرج مرة أخرى.
هبطت إلى الأسفل، وهناك وجدت ترنيم تجلس مع سمية وجواهر، وكانت ترنيم في حالة انهيار واضحة، ملامحها شاحبة وعيناها متورمتان من البكاء.
وقفت رنيم للحظة تنظر إليهم، وشعور ثقيل من الضيق اجتاح صدرها.
لكنها لم تتوقف، ولم تقل شيئًا.
بل غادرت المكان سريعًا، وكأن البقاء بينهم بات يثقلها أكثر مما تحتمل.
أما جواهر، فقد رفعت عينيها ونظرت إلى أثرها وهي تغادر، وكان الحزن واضحًا في نظراتها.
حركت رأسها بضيق، وقلبها مثقل بخيبة لم تكن تتوقع أن تعيشها مع أقرب الناس إليها.
***************************
جلس غريب بجوار جواد وتامر على الأريكة، وكان التوتر يخيم على المكان كغيمة ثقيلة تكاد تخنق الأنفاس. أمامهم جلس المحامون، وقد انحنوا فوق الأوراق بتركيز شديد، يتصفحونها بعناية، وكأن كل سطر فيها قد يحمل خيط النجاة أو يزيد الأمور تعقيدًا. كانت الوجوه جامدة، والعيون حادة، والوقت يمر ببطء قاتل.
قطع غريب هذا الصمت بصوت رجولي غاضب، يحمل بين نبراته أمرًا لا يقبل النقاش:
"أنا عايزه ينام النهاردة فى البيت، ازاي؟ معرفش، المهم ابني ميقعدش ثانيه واحده هنا، فاهمين."
كان صوته حاسمًا، لا يحمل فقط قلق الأب، بل غضب رجل اعتاد السيطرة، ويرفض أن يرى ابنه في موضع ضعف أو اتهام.
رفع أحد المحامين رأسه، ونظر إليه بثقة مهنية، ثم قال بهدوء مدروس:
"اصلا الأدلة الجنائية فيها جزء كبير مفقود، فين أداة الجريمة؟ فين إثبات أنه كان موجود عندها وقت الجريمة؟ كمان احنا نقدر نثبت أنه كان موجود فى مكان تاني وقت الجريمة، وكمان البصمات نقدر نتأكد منها أنها مش بصماته فى المكان، متقلقش يا غريب باشا، مجرد شوية إجراءات وهيكون جواد باشا نايم على سريره."
كانت كلماته تحمل طمأنينة محسوبة، لكنها لم تكن كافية لتهدئة القلق الذي يشتعل في صدورهم.
ثم التفت إلى جواد، وحدق فيه قليلًا قبل أن يسأله بجدية:
"تقدر تقولنا كنت فين امبارح الساعة عشرة؟"
حرك جواد كتفيه قليلًا، وكأنه يسترجع تفاصيل الليلة الماضية، ثم قال بنبرة واضحة:
"كنت سهران مع خالي تامر فى كافية(...) وروحت على الساعة اتناشر."
أومأ المحامي برأسه، وارتسمت على وجهه ملامح ارتياح خفيفة، ثم قال بنبرةٍ واثقة:
"بس كده، احنا معانا دليل برأتك، هنجيب إثبات إنك كنت هناك فى وقت الجريمة، وهتخرج معانا."
لم ينتظر تامر كثيرًا، بل تدخل سريعًا مؤكدًا:
"معانا الفاتورة، فيها الوقت بالظبط، وكمان عندي كذا شاهد يثبتوا وجود جواد امبارح معانا، ممكن يجوا ويشهدوا بالكلام ده."
أومأ المحامي بحماس مهني وقال:
"أكيد هنحتاجهم، وهنفرغ الكاميرات كلها علشان نتتبع خط سيره من وقت ما خرج لحد ما وصل الفيلا."
لكن صبر غريب كان قد نفد، فزفر بضيق وقال بنفاذ صبر:
"طيب ما يلا شوفوا شغلكم وانجزوا."
لم يتأخر المحامون، فنهضوا سريعًا وغادروا المكان، وكل منهم يحمل على عاتقه مهمة إثبات براءة جواد في أسرع وقت ممكن.
بمجرد خروجهم، تراجع غريب بظهره إلى الخلف، ووضع قدمًا فوق الأخرى، محاولًا استعادة هدوئه الظاهري، بينما عاصفة الأفكار لا تهدأ داخله. التفت إلى تامر ونظر إليه نظرة ذات مغزى، ثم قال:
"عرفت اخر الاخبار؟"
حرك تامر رأسه بتساؤل، وقد بدأت ملامح القلق تظهر على وجهه:
"خير؟"
طال صمت غريب لثواني، ثم نظر إليه نظرة مطولة قبل أن يقول بصوت غاضب، يحمل صدمة لا تقل عما سيسببه خبره:
"مريم عايشه."
كأن الكلمات أصابت تامر بصاعقة. انتفض من مكانه فجأة، واتسعت عيناه بعدم تصديق، وقال بصوت مرتفع:
"انت بتقول ايه؟ مريم ماتت وانت بنفسك خرجت تصريح دفنها؟"
ابتسم غريب بسخرية مريرة، وكأن الحقيقة التي يحملها أثقل من أن تحتمل، ثم قال:
"خرجت تصريح دفنها بنفسي، بس مشوفتش دفنتها بعيوني. اصلا البنت اللي أتقتلت دي تبقى بنت اختها، وكانت مزقوقة على جواد، ومتأكد أنها هي اللي قتلتها لأنها كانت اعترفت لجواد بكل حاجة، ومعنى ظهور اتباع ليها دلوقتي أن الحرب بدأت، ومحدش عارف هي عايزة توصل لأية، وانت اكتر واحد عرفها."
مرر تامر يده في شعره بعصبية، وكأن عقله يرفض استيعاب ما يسمعه، ثم قال بصوت مضطرب:
"لو كلامك ده بجد، يبقى مصيبة سودا، مريم دي الشيطان نفسه ملاك جنبها، اسألني أنا، أنا حافظها اكتر من نفسي، وعارف دماغها دي بتفكر ازاي، طيب والعمل؟ ناوي تعمل ايه؟"
حرك غريب كتفيه بعدم معرفة، لكنه لم يخفي القلق الذي بدأ يتسلل إلى ملامحه، وقال:
"مش عارف لسه، اديك شايف اول ما ظهرت حصل ايه، بس اهم حاجة نحمي ترنيم وسمية والبنات كويس اوي."
أومأ تامر برأسه بتفهم، لكنه لم يبدو مقتنعًا تمامًا، وقال بجدية:
"طبعا اهم حاجة نحميهم، بس برضة ده مش كفاية، انت عارف ان دي مافيش حاجه صعبة عليها، يعني لو عايزة توصل ليهم، هتوصلهم لو مقفول عليهم مليون باب، احنا لازم نوصلها هي فى أسرع وقت، ونقضي عليها، لأن طول ما هي موجودة هنفضل كلنا فى خطر."
رد غريب عليه بنبرة جادة، تحمل وعدًا مخيفًا:
"ما هو ده اللي ناوي اعمله بالفعل، وفى اقرب وقت هوصل ليها وهقتلها بنفسي، وهتأكد أنها ماتت بجد المرة دي، بس اهم حاجه محدش يعرف بموضوع مريم ده غيرنا، احنا مش عايزين نتشتت بسبب خوفهم وتوترهم."
ظل جواد صامتًا طوال هذا الحديث، عيناه تنتقلان بينهما، لكنه لم ينطق بكلمة واحدة.
في داخله، لم يكن هناك صمت، بل كان هناك ضجيج مرعب، أسئلة تتزاحم، وقلق يتصاعد، وشعور ثقيل بأن القادم لن يكون سهلًا أبدًا، وأن ما بدأ الآن، ليس إلا بداية حرب لا يعلم أحد كيف ستنتهي.
*****************************
شعرت أروى بالاختناق وكأن جدران الفيلا بدأت تضيق عليها شيئًا فشيئًا. الجو المشحون بالحزن، ودموع والدتها التي لم تجف منذ الأمس، وغياب جواد عن البيت، كل ذلك جعل صدرها يضيق بطريقة مؤلمة. نهضت من على مقعدها بهدوء، محاولة الهروب من هذا الثقل الذي يطبق على روحها، وخرجت إلى الحديقة الملحقة بالفيلا.
كان الصباح هادئًا على غير ما يدور داخلها. جلست على المقعد الخشبي، وأسندت ظهرها إليه، ثم رفعت عينيها تنظر أمامها بشرودٍ طويل. كانت تشعر بحزن شديد، وباحتياج أكبر، احتياج لشخص واحد فقط تعلم أنه قادر على تهدئتها، على جمع شتاتها، وعلى منحها ذلك الإحساس بالأمان الذي فقدته منذ ليلة أمس، أحمد.
مجرد التفكير فيه جعل قلبها يلين قليلًا وسط كل هذا الألم.
وفي تلك اللحظة، وكأن قلبه قد شعر بندائها الصامت، أعلن هاتفها عن وجود اتصال.
التقطته بسرعة، ونظرت إلى الشاشة، لتجد اسمه.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، صغيرة لكنها حقيقية، كأن وجوده وحده كافي ليبدد شيئًا من هذا السواد. أجابت عليه بصوت حزين ومرهق:
"تعرف ان انا كنت لسه بفكر فيك علشان محتاجك اوي."
جاءها صوته الرجولي هادئًا، ممتلئًا بالحب والاحتواء:
"قلبي حس بيكي، تعرفي تطلعيلي."
عقدت ما بين حاجبيها باستغراب، وقالت بتساؤل:
"اطلعلك فين؟ أنا مش الفيلا بتاعتنا اصلا، أنا عند خالتو سمية، علشان مامي منهارة ومرضتش تسيبها لوحدها."
أجابها سريعًا، وكأنه كان مستعدًا لهذا السؤال:
"عارف يا أروى، خالك تامر قالي، وانا واقف بعربيتي قصاد الفيلا بتاعة خالتك سمية."
اعتدلت في جلستها سريعًا، واتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بفرحة صغيرة، وقالت:
"بجد! أنا جايه حالا."
أغلقت الخط سريعًا، ثم أسرعت إلى الداخل، وقالت بصوت مرتفع وعجل:
"مامي أنا خارجة شوية وجايه."
لم تنتظر ردًا، فقد كانت تحتاج إليه الآن أكثر من أي شيء.
ركضت إلى الخارج، وما إن رأته جالسًا داخل سيارته حتى هدأت ملامحها تلقائيًا. نظرت إليه بحب واضح، ثم اتجهت نحوه وصعدت إلى المقعد المجاور له.
جلست بجواره، وأول ما التقت عيناهما، شعرت أن كل ما كانت تخفيه انهار دفعة واحدة، فقالت بصوت مختنق:
"كنت حاسة أن محتاجة اشوفك اوي، مخنوقة ومضايقة، بسبب اللي حصل مع جواد، وحالة مامي الصعبة، حياتنا اتغيرت بطريقة غريبه اوي يا أحمد، لسه من كام يوم، كنا بنضحك وبنهزر والحياة جميلة، فجأة كل حاجة اسودت والدنيا ادتنا ضهرها، ليه الدنيا غدارة بالشكل ده؟ ليه متفضلش حلوة على طول؟"
نظر إليها أحمد طويلًا، وكان يرى في عينيها ذلك الانكسار الذي تحاول إخفاءه. أمسك يدها برفق وربت عليها بحنو، ثم تكلم بصوت هادئ، يحمل حكمة رجل خبر الحياة أكثر منها:
"لأن الدنيا دي دار اختبارات، عايشين فيها علشان نعدي فيها بمراحل وكل مرحلة نطلع منها بدرس مفيد نكمل بي اللي بعده، عمرها ما كانت وردي على طول ولا عمرها هتكون اسود على طول، فيها ده وفيها ده وعلشان نوصل للوردي لازم نمر بالاسود الاول، وفى تلك الحالتين، كل اللي يجيبه ربنا خير، حتى لو مش عجبك أو مش راضيه بي، علشان كده لازم كل مرة يحصلك ابتلاء تقولي، الحمدالله فى السراء و الضراء، وربك قال فإن مع العسر يسرا، كررها مرتين، يعني ربنا قالك كده فى كتابه الشريف وانتي جاية مش عجبك، احمدي ربنا يا أروى وهي محنة وهتخرجوا منها قريب إن شاءالله."
كانت تستمع إليه وكأن كلماته تنساب فوق قلبها المرهق كالماء البارد فوق نار مشتعلة.
نظرت إليه بحب شديد وقالت بصدق:
"اهو أنا كنت محتاجك علشان كده، كلامك جميل اوي وبيريحني، وجودك بيطمني يا احمد."
ابتسم لها بحب دافئ وقال:
"وانا موجود علشانك وفى أي وقت تحتاجيني فكري بس فيا وهتلاقيني عندك على طول من غير ما تقولي."
تأثرت بكلماته، وبذلك الأمان الذي يمنحه لها دائمًا، فاقتربت منه دون تفكير، وارتمت داخل أحضانه وتمسكت به، وكأنها وجدت الملاذ الذي كانت تبحث عنه، وقالت بصوت خافت صادق:
"أنا بحبك اوي يا احمد."
تفاجأ أحمد بما فعلته، وشعر للحظة باضطراب داخله، لكنه سرعان ما تمالك نفسه. أبعدها عنه بهدوء، وابتسم لها حتى لا تشعر بالإحراج، ثم قال بنبرة هادئة ثابتة:
"وانا كمان بحبك، وعلشان بحبك مينفعش اساعدك على الغلط، احنا لسه مافيش أي حاجة شرعي ما بينا، يعني انا راجل اجنبي بالنسبالك، اللمسة ما بينا حرام حتى مسكت الأيد اللي انا بمسكها ليكي حرام، بس دي الصراحه مش بقدر امنع نفسي منها، إنما أي حاجه تانيه مينفعش عايز افضل محافظ عليكي لحد ما تبقى فى بيتي، أنا بقولك كده علشان انتي لسه صغيرة مشاعرك مندفعة وده طبيعي فى سنك دلوقتي، وبما أنا دلوقتي العقل الكبير فى علاقتنا دي لازم اتحكم فى مشاعري ومشاعرك فى وقت واحد، فهمتي يا قلبي؟"
خفضت رأسها بخجل، وشعرت بحرارة الإحراج تصعد إلى وجهها، ثم قالت بتلعثم:
"ا أنا مقصدش حاجة وحشه والله ب بس انا كنت عايزة اوصلك أنا قد ايه محتاجلك."
ابتسم لها بحب، وقال بهدوء:
"عارف وفاهم انتي تقصدي ايه، وانا من غير أي فعل منك هكون جنبك وسندك يا حبيبتي."
ظلت تنظر إلى الأسفل بخجل، لكن صوته الحنون عاد يخطف انتباهها حين قال:
"أروى أنا بحبك فى كل حالاتك، ومش عايزك تتكسفي من أي حاجة بتحصل ما بينا، أنا اكبر منك وطبيعي اكون فاهم الحياة اكتر منك، علشان كده من وجبي أن اصحح ليكي الخطأ وقت ما يحصل علشان تبقى ناضجة وفاهمه كل حاجة كل ما تكبري اكتر."
رفعت عينيها إليه، ثم أومأت برأسها بتفهم وقالت:
"حاضر."
ابتسم لها بخفة وقال:
"اسمها حاضر يا حبيبي."
ابتسمت بخجل، وقالت بصوت خافت:
"حاضر يا حبيبي."
نظر إليها بحنان، ثم قال:
"يلا يا قلبي ادخلي جوة علشان أنا هروح قسم الشرطة علشان اكد أن اخوكي كان معانا فى الكافية وقت الجريمة اللي حصلت دي."
نظرت إليه بتذمر طفولي، وقالت:
"طيب خليك معايا شوية، أنا ملحقتش اشبع منك."
ربت على يدها بحنو وقال:
"معلش يا حبيبتي لازم ابقى جنب اخوكي دلوقتي، ولما يخرج بالسلامة هاجي اتقدملك ويبقى فيه حاجه ما بينا رسمي، واقعد معاكي براحتي."
أومأت برأسها على مضض، ثم فتحت باب السيارة وترجلت منها وعادت إلى الداخل بخطوات بطيئة، وقلبها أخف قليلًا مما كان.
أما أحمد، فظل يتابعها بعينيه حتى اختفت عن ناظريه، وبقيت ابتسامتها عالقة في ذاكرته.
تنهد بهدوء، ثم أدار السيارة وتحرك بها سريعًا نحو قسم الشرطة، حيث كانت معركة جواد لم تنتهي بعد.
****************************
جلست رنيم خلف مكتبها بكل ما عرف عنها من هيبة وثبات، وكأن ما مر بها في الأيام الماضية لم يترك أثرًا على ملامحها، لكن الحقيقة كانت غير ذلك تمامًا. كان داخلها يغلي، أفكارها تتصادم، وغضبها يتضخم مع كل ساعة تمر. ورغم هدوء جلستها، ورغم ذلك القناع الصلب الذي ترتديه أمام الجميع، إلا أن ما يسكن أعماقها كان أبعد ما يكون عن السكينة.
وضعت مرفقيها فوق سطح المكتب، وأمسكت هاتفها بين يديها، وظلت تعبث به بلا وعي، تمرر أصابعها فوق الشاشة مرارًا، كأنها تبحث عن شيء أو ربما عن قرار أخير يحسم هذا الصراع الذي ينهشها.
لكنها كانت تعرف جيدًا ما تريد.
وفجأة، توقف إصبعها، ظهر اسمه أمامها.
ثبتت عيناها عليه لعدة لحظات، نظرة طويلة مليئة بالتردد والغضب والتحدي، وكأن مجرد رؤية اسمه كفيلة بإشعال نار كامنة في صدرها. كانت تتذكر كل ما فعله بها، كل ما خسرته بسببه، كل مرة جعلها تشعر بالعجز والانكسار.
ضاقت عيناها قليلًا، ثم ضغطت على اسمه أخيرًا.
رفعت الهاتف إلى أذنها، وانتظرت.
مرت ثواني قليلة، لكنها بدت لها طويلة على غير العادة، حتى جاءها صوته الرجولي، يحمل نبرة دهشة واضحة ممزوجة بشيء من السخرية الخفيفة:
"مش مصدق نفسي الانسه رنيم الدسوقي بنفسها! خير؟ ياريت يكون اللي فى بالي صح."
بمجرد أن سمعت صوته، شعرت بشيء ثقيل يتحرك داخلها، لكن هذه المرة لم تسمح لنفسها بالتراجع. تماسكت، وأخرجت صوتها هادئًا، لكنه حذر ومدروس:
"عايزة اقابلك بليل ويكون فى مكان مقفول."
ساد الصمت على الطرف الآخر.
صمت ثقيل، وكأن ما قالته كان خارج كل توقعاته.
مرت لحظات طويلة، حتى عاد صوته أخيرًا، لكنه هذه المرة كان مشبعًا بالدهشة وعدم التصديق:
"هو اللي انا سمعته ده بجد؟ عايزة تقابليني بليل فى مكان مقفول؟"
أغلقت عينيها للحظة، ثم أجابته بإصرار واضح، ونبرة جادة لا تقبل التشكيك:
"ايوه اللي سمعته ده بجد، هينفع ولا لا؟"
جاءها رده سريعًا، وكأنه يخشى أن تغير رأيها في أي لحظة، وكان صوته يحمل شيئًا من الحماس الذي لم يستطع إخفاءه:
"ينفع طبعا، هبعتلك العنوان على الابلكيشن نتقابل بليل على الساعة تمانيه."
عندها، ارتسمت على وجه رنيم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن ابتسامة رضا، بل ابتسامة انتصار بارد، وكأنها وصلت أخيرًا إلى الخطوة التي كانت تنتظرها.
ضيقت عينيها، وقالت بنبرة تحمل توعدًا مبطنًا:
"تمام نتقابل بليل علشان هتكون بداية جديدة ما بينا."
ثم أغلقت الخط.
أنزلت الهاتف ببطء، وأسندت ظهرها إلى المقعد، وعيناها معلقتان أمامها بشرود غريب.
كانت ترى الأمر بوضوح في عقلها.
هذه الليلة ستكون فاصلة.
ليلة ستغير أشياء كثيرة.
لكن ما لم تكن تعلمه، أن تلك البداية الجديدة التي تحدثت عنها، ستكون بالفعل بداية جديدة.
بداية مختلفة تمامًا عن كل ما رسمته في خيالها.
بداية ستفتح أبوابًا لم تكن مستعدة لعبورها، وستقلب موازين كثيرة، ليس فقط بينها وبينه، بل داخل قلبها هي أيضًا.
**************************
جلست ترنيم على الأريكة بجوار سمية، بجسد منهك وروح أثقلها الوجع، وكأنها تحمل فوق كتفيها سنوات طويلة من الحزن لم تستطع الأيام أن تنتزعها من قلبها. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها غارقتين بالدموع التي لم تجد سبيلًا للتوقف، وكأن ما يحدث الآن أعاد فتح جراح قديمة ظنت يومًا أنها التأمت، لكنها كانت كامنة فقط، تنتظر لحظة انهيار لتنزف من جديد.
التفتت نحو سمية، وعيناها تسبحان في بحر من الانكسار، ثم حركت رأسها بالرفض، وكأنها ترفض الحياة نفسها، وخرج صوتها مختنقًا من شدة البكاء، يحمل ألم سنوات كاملة اختلطت بوجع اللحظة:
"مش كفاية اللي حصل فى حياتي زمان وانا صغيرة حتى لما كبرت الحزن والوجع ملزمني، زمان كانت أول خسارة ليا لحظة ما سلطان اتقبض عليه ظلم، ودلوقتي ابني فى نفس المكان نفس الوجع نفس المرارة اللي حاسه بيها، ليه مش مكتوب ليا ارتاح يا سمية ليه؟"
كانت كلماتها تخرج محملة بثقل الذكريات، وكأن الماضي لم يمت، بل عاد اليوم ليقف أمامها من جديد، ولكن هذه المرة في صورة ابنها.
نظرت إليها سمية بحزن عميق، ثم اقتربت منها واحتضنتها بقوة، محاولة أن تمنحها بعض السكينة وسط هذا الإعصار الذي يضرب روحها، وتكلمت بنبرة هادئة، حانية، لكنها حازمة في الوقت ذاته:
"يا حبيبتي اهدي، غريب مش هيسكت غير لما يخرج ابنه من المكان ده، جواد مش سلطان يا ترنيم بلاش تحطيهم فى مقارنة مع بعض، ظروف سلطان تختلف عن ظروف جواد، سلطان لا كان ليه أب يقف في ضهره ولا يحميه زي ما غريب بيعمل مع جواد دلوقتي، خدي بالك من كلامك وافعالك علشان انتي كده بتجرحي جوزك بكلامك ده من غير ما تحسي، سلطان دلوقتي ربنا يرحمة عند ربه، جوزك هو اللي باقي ليكي، وانا واثقه أنه هيقدر يحمي ابنه كويس اوي ويخرجه من الأزمة اللي هو فيها دي."
أغمضت ترنيم عينيها بقوة، وكأنها تحاول حبس هذا الوجع داخل صدرها، لكن قلبها كان أضعف من أن يتحمل كل هذا الثقل. حركت رأسها بالرفض مرة أخرى، وقالت بصوت موجوع، وكأن الكلمات تنتزع من روحها انتزاعًا:
"غصب عني يا سمية بشوف سلطان فى كل حاجة بتحصلي فى حياتي، حاسة أن شريط حياتي بيتاعد من أول وجديد، بس فى أبني، انا قلبي مبقاش حمل وجع تاني والله."
كانت ترتجف وهي تتحدث، وكأن مجرد الاعتراف بما تشعر به يجعل الألم أكثر واقعية.
ربتت سمية على ظهرها بحنان، تحاول تهدئتها وتثبيتها، وقالت بصوت مليء بالاحتواء:
"فاهمه والله وحاسة بيكي، بس مش عايزاكي تخسري كل حاجة، اهدي بس وان شاءالله ربنا هيطمنا على جواد دلوقتي."
وفي تلك اللحظة المشحونة بالحزن والقلق، أعلن هاتف جواهر عن وجود اتصال.
رفعت جواهر الهاتف، ونظرت إلى الشاشة باستغراب، وقد انعقد حاجباها وهي ترى الرقم. اعتدلت في جلستها ثم نهضت بهدوء، وتحركت بخطوات مترددة نحو الحديقة الداخلية للفيلا، مبتعدة قليلًا عن ترنيم وسمية حتى لا تضيف إليهما مزيدًا من القلق.
وقفت في زاوية بعيدة نسبيًا، ثم أجابت على الاتصال، وقالت باستغراب واضح:
"السلام عليكم مين معايا."
جاءها صوت رجولي من الطرف الآخر، هادئًا لكنه مألوف، يحمل نبرة جعلتها تنقبض من الداخل:
"وعليكم السلام، أنا وحيد يا انسه جواهر عاملة ايه؟"
أغلقت عينيها بضيق فور سماع صوته، وكأن حضوره وحده بات عبئًا ثقيلًا عليها، ثم تكلمت بنفاذ صبر واضح، وقد بدأ الغضب يتسلل إلى نبرتها:
"انت تاني! انت عايز مني ايه بالظبط كام مرة قلتلك متتصلش بيا."
لكن صوته جاء هادئًا، هدوءًا مريبًا، وكأنه يتعمد استفزازها بصبر بارد:
"مقدرش اسيبك فى ظرف زي ده، بعد ما عرفت اللي حصل لجوزك وهو موجود فين دلوقتي."
ما إن ذكر جواد حتى اشتعل الغضب داخلها، وضغطت على أسنانها بقوة، وكأن مجرد ذكر اسمه على لسانه أمر لا تحتمله، ثم قالت بتحذير واضح وصريح:
"سيرة جوزي متجيش على لسانك، هو مظلوم اصلا وهيخرج منها قريب اوي، ولو مبطلتش تتصل بيا كل شوية هبلغه وهخليه يجيلك يكسرك عضمك."
ساد الصمت للحظات.
صمت ثقيل، جعل قلبها ينقبض دون سبب واضح، وكأن هذا الهدوء يحمل خلفه شيئًا أخطر.
ثم عاد صوته إليها، لكنه هذه المرة كان مختلفًا، أكثر برودًا، وأكثر ظلامًا، كأن الشر تسلل إلى كل حرف خرج منه:
"تمام، كده بقى هتخليني استخدم معاكي طريقة مكنتش حابب أظهرها ليكي دلوقتي بصي على الواتس عندك يا حلوة وبعد كده لينا كلام تاني مع بعض."
ثم أغلق الخط فجأة، دون أن يمنحها فرصة للرد.
أنزلت الهاتف عن أذنها ببطء، وعقدت بين حاجبيها باستغراب شديد، بينما بدأ شعور غريب بالتوتر يتسلل إلى صدرها.
وفي نفس اللحظة، وصلتها رسالة.
نظرت إلى الشاشة للحظات، ثم فتحتها.
وما إن وقعت عيناها على محتواها حتى تجمد الدم في عروقها.
كانت رسائل سابقة لها بالفعل، رسائل تعرفها جيدًا.
لكنها لم تكن كما تتذكرها.
كانت محذوف منها بعض الكلمات بعناية، ومقتطعة بطريقة تجعل المعنى منحرفًا تمامًا، لتوحي وكأن هناك علاقة خفية تجمع بينها وبين وحيد، وكأنها تخفي الأمر عن جواد، وتخشى أن يعلم به.
شهقت بقوة، ووضعت يدها فوق فمها، وقد اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وبدأت تحرك رأسها بالرفض بعنف، وكأنها تحاول إنكار ما تراه أمامها، ثم خرج صوتها مرتجفًا، محملًا بالصدمة والرعب:
"كدب محصلش والله العظيم ما حصل."
ارتجفت يداها وهي تمسك الهاتف، وشعرت ببرودة غريبة تسري في أطرافها، لم يكن خوفها من الرسائل نفسها، بل من استخدامها ضدها، من أن تصل إلى جواد، من أن تفهم بطريقة خاطئة، ومن أن تهدم ما تبقى بينهما في وقت هش كهذا.
بسرعة ولهفة، أجرت اتصالًا به، تنتظر أن يجيب، أن يفسر، أن ينفي، أن يتراجع، لكن، لم يجب، حاولت مرة أخرى، ولا رد.
هنا بدأت دقات قلبها تتصاعد بعنف داخل صدرها، حتى شعرت أنها تسمعها بوضوح، وتسلل إليها خوف ثقيل، خوف لم يكن من وحيد فقط، بل من القادم كله، من الخطوة التالية التي يخطط لها.
ومن المصيبة التي قد تقع فوق رأسها في أي لحظة.
وقفت في مكانها، وعيناها معلقتان بالشاشة، وأنفاسها متسارعة، وقلبها يرتجف داخل صدرها، تشعر بوضوح أن ما حدث الآن، لم يكن سوى البداية.
*************************
عاد المحامون مرة أخرى إلى حيث يجلس غريب وجواد وتامر، لكن هذه المرة لم يكن دخولهم عاديًا، بل حملت وجوههم ما يكفي ليعلن أن هناك أمرًا جللًا قد وقع. كانت ملامحهم مشدودة، وأعينهم متوترة، وخطواتهم متثاقلة كأنهم يحملون فوق أكتافهم خبرًا ثقيلًا لا يعرفون كيف يلقونه.
رفع غريب بصره إليهم، وأطال النظر في وجوههم بخبرة رجل اعتاد قراءة ما يخفى قبل أن يقال، فأدرك من أول وهلة أن الأمر لا يبشر بخير.
اعتدل في جلسته، وتصلبت ملامحه، ثم قال بصوت جاد يحمل نبرة أمر واضحة:
"شكلكم فيه حاجه، اتكلموا."
تبادل المحامون النظرات فيما بينهم، وكأن كل واحد منهم يدفع الآخر ليتحمل عبء النطق بالحقيقة، ثم تقدم أحدهم خطوة إلى الأمام، لكن التوتر كان واضحًا في ارتجافة صوته حين قال بتلعثم:
"ه هو حضرتك، ا احنا الحمدالله قدرنا نثبت براءة جواد باشا ومعانا جميع ما يثبت أنه مش هو الجاني."
ساد الصمت للحظة.
نظر إليه غريب نظرة ثابتة، ثم أومأ له برأسه أن يكمل، وقد أدرك أن ما قيل ليس كل شيء، وأن الجزء الأخطر لم يذكر بعد.
قال بصوت منخفض، لكنه حاد:
"تمام، وايه كمان؟"
ابتلع المحامي ريقه بصعوبة، وشعر أن الكلمات تكاد تختنق في حلقه، ثم قال بصوت متقطع، متردد:
"ب بس الكاميرات كلها، ج جايبة الانسه جواهر وهي داخلة عندها وبعدها بشوية خرجت من عندها، وكان تقريبا نفس وقت الجريمة."
كانت الجملة كالقنبلة.
انتفض جواد من مكانه فجأة، وكأن تيارًا كهربائيًا صعقه في قلبه قبل جسده، واتسعت عيناه بصدمة ممزوجة بغضب مرعب، وصاح بصوت غاضب، اهتزت له جدران المكان:
"ايه الجنان ده؟ انت واعي للكلام اللي بتقوله ده؟"
أما غريب، فأغمض عينيه للحظة، محاولًا احتواء الغضب الذي بدأ يتصاعد في المكان، ثم قال بنفاذ صبر وهو يحاول فرض السيطرة:
"اهدا يا جواد لما يكمل كلامه."
لكن جواد لم يكن يسمع.
لم يكن عقله قادرًا على تجاوز تلك الفكرة، اسم جواهر، زوجته، في قضية قتل؟
التفت نحو والده بعينين مشتعلة، وقال بصوت يغلي غضبًا ورفضًا:
"كلام ايه يا بابا، أنا اسم مراتي ميجيش فى مكان زي ده، أنا مش عايز محامين، ولا عايز حد يتكلم فى خروجي أنا هفضل هنا، لحد ما يوصلوا للقاتل الحقيقي، إنما جواهر، مستحيل تدخل هنا لحظة واحده فاهمين."
كان صوته يحمل تصميمًا حقيقيًا.
لم يكن يفكر في نفسه أصلًا.
كل ما يشغله الآن أن تحمى جواهر، حتى لو كان الثمن بقاؤه هو خلف القضبان.
اقترب منه تامر سريعًا، واضعًا يده على كتفه، يحاول تهدئته قبل أن ينفجر أكثر، وقال بصوت مختنق من القلق:
"اهدا طيب يا جواد خلينا نعرف هنعمل ايه فى الخطوة الجايه دي."
لكن جواد كان على حافة الانفجار.
بينما رفع غريب نظره إلى المحامي، وقد أصبح صوته أكثر برودًا، ذلك البرود الذي يسبق العاصفة، وقال بتساؤل خطير:
"طيب احنا عايزين نثبت براءة جواد من غير ما نجيب اسم مراته فى الموضوع ده."
خفض المحامي عينيه للحظة، ثم حرك رأسه بالنفي، وكأنه يعلن عجزه أمام الأمر الواقع، وقال بصعوبة:
"للاسف مش هينفع خلاص يا غريب باشا، اصلا تفريغ الكاميرات ده تم بأمر من وكيل النيابة يعني كان تحت إشرافهم هما وشافوا كل حاجة ودلوقتي، احم جاري تحضير تصريح ألقاء القبض على انسه جواهر."
وكأن تلك الكلمات كانت الشرارة الأخيرة.
اشتعل شيء مظلم داخل جواد.
غضب عارم، مخيف، أفقده القدرة على التفكير.
اندفع نحو المحامي بسرعة عنيفة، وأمسك به من ملابسه بقوة حتى اختنق الرجل بين يديه، وصاح بصوت جهوري ملأ المكان:
"انت بتقول ايه يا مجنون انت؟ جواهر مين دي اللي يتقبض عليها ده انا هطلع روحك بأيديا دول، اتصرف وابعد مراتي عن كل المواضيع دي انت فااااهم."
كان غضبه حقيقيًا، وعيناه تحملان جنون رجل مستعد لهدم العالم كله لأجل امرأة يحبها.
اندفع غريب وتامر نحوه بسرعة، وحاولا جذبه بعيدًا عن المحامي الذي بدأ وجهه يحمر من شدة قبضته.
صرخ غريب بغضب شديد وهو يحاول سحبه:
"ابعد عنه يا ابن الكلب، هو ملهوش ذنب، يا ابني الراجل هيموت فى ايدك."
وتكلم تامر هو الآخر وهو يساعده في إبعاده، وصوته يحمل رجاء حقيقيًا:
"سيب الراجل يا جواد، و هنشوف صرفه نخرج بيها جواهر اسمع الكلام بقى يا ابني وسيب الراجل هيموت فى ايدك."
لكن جواد كان كالثور الهائج.
احتاج الأمر تدخل كل من كان في المكان، حتى تكاثروا عليه جميعًا وتمكنوا أخيرًا من إبعاده عن المحامي بصعوبة شديدة.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه مشتعلة بالغضب، وجسده كله يرتجف من شدة الانفعال.
ورغم أن الرجال كانوا يمسكون به بقوة، إلا أنه ظل يقاومهم، ويصرخ بصوت هادر:
"اقسم بالله لو مراتي مخرجتش من الموضوع ده ونامت فى البيت لأهد المكان فوق صاحبه فاااهمين."
كانت قسمًا حقيقيًا، قسم رجل يعرف الجميع أنه قادر على تنفيذه.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد العساكر بعدما أدركوا أن الوضع خرج عن السيطرة، وأخذوا جواد بالقوة إلى غرفة أخرى حتى يهدأ، بعدما أصبح بقاؤه في المكان خطرًا على الجميع.
ظل غريب واقفًا للحظات، يلهث من أثر محاولة السيطرة عليه، ثم جلس أخيرًا على الأريكة، وأسند ظهره إليها، محاولًا التقاط أنفاسه، لكن عقله كان يعمل بسرعة جنونية.
رفع رأسه ونظر إلى المحامين، وقد عادت ملامحه إلى صلابتها المعتادة، ثم قال بنبرة أمر لا تقبل التهاون:
"شوفوا صرفه أثبتوا بيها براءة جواهر قبل ما يبدأوا التحقيق معاها، مش لازم تقعد هنا لحظة واحدة."
أومأ المحامون برؤوسهم سريعًا، ثم غادروا المكان على الفور، وقد أصبح الأمر أكثر تعقيدًا مما توقعوا.
ساد الصمت لثواني.
صمت ثقيل، مشحون بالخوف والترقب.
نظر تامر إلى غريب، وكانت ملامحه شاحبة من هول ما يحدث، ثم قال بصوت مختنق:
"هنعمل أيه يا غريب؟ الموضوع بقى يتعقد اكتر من الأول شكل كده الحرب دي هتكون صعبه اوي علينا."
رفع غريب عينيه ببطء، وكانت النظرة التي فيهما تحمل غضبًا عتيقًا وخطرًا قادمًا، ثم تنهد بضيق واضح، وقال بصوت خافت لكنه مثقل بالتهديد:
"دي لسه البداية، واللي جاي ربنا يستر منه."
ثم رفع بصره أمامه في صمت ثقيل، وعقله يركض بين أسوأ الاحتمالات، يحاول أن يتوقع الضربة القادمة، لكنه كان يعلم في داخله، أن ما بدأ الآن، لن يتوقف بسهولة.
****************************
انتهى وقت العمل في الشركة، لكن رنيم لم تشعر بأن يومها انتهى، بل كانت تشعر وكأن شيئًا ثقيلًا ما زال ينتظرها في آخر هذا الليل. خرجت من مكتبها بملامح جامدة تخفي خلفها عاصفة من الأفكار المتشابكة، ثم اتجهت إلى سيارتها وصعدت إليها في صمت ثقيل، وأدارت المحرك وتحركت بها بسرعة، كأنها تهرب من شيء يطاردها في داخلها قبل أن يكون خارجها.
طوال الطريق، كانت قبضتاها مشدودتين فوق المقود، وعقلها مشوشًا بما حدث طوال اليوم؛ الشركة، شاهين، تهديداته، انهيار كل شيء من حولها، ثم خبر جواد، ذلك الخبر الذي حاولت أن تتظاهر أمام الجميع بأنه لا يعنيها، لكنها في أعماقها لم تستطع تجاهله بالكامل.
بعد وقت، وصلت إلى الفيلا.
أوقفت السيارة سريعًا، ثم ترجلت منها بخطوات متعجلة ودلفت إلى الداخل.
وما إن وقعت عيناها على ترنيم الجالسة هناك، حتى زفرت بضيق واضح، فقد كانت رؤيتها وحدها كفيلة بإشعال نار قديمة داخلها، نار الحقد والرفض وكل ما تراكم عبر السنين.
لم تتفوه بكلمة.
اكتفت بتجاوزهم وصعدت إلى غرفتها مباشرة.
أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه للحظات، وأغمضت عينيها كأنها تحاول جمع شتات نفسها.
ثم بدأت تبدل ملابسها بهدوء.
خلعت ملابس العمل وارتدت شيئًا مريحًا، كأنها تحاول إخفاء حقيقتها خلف مظهر عادي، ثم عقدت شعرها على هيئة كحكة، لكن رغم هذا الهدوء الظاهري، كانت عيناها تلمعان بشيء آخر، شيء يشبه القرار.
تحركت نحو المكتب، وقفت أمامه للحظات.
ثم فتحت الدرج ببطء.
مدت يدها إلى الداخل، وأخذت تتحسس ما فيه حتى التقطت السلاح.
تأملت السلاح بين يديها للحظة طويلة، وكأنها تستحضر في عقلها كل ما دفعها للوصول إلى هذه اللحظة، ثم وضعته داخل حقيبتها، وقفت أمام المرآة.
حدقت في انعكاسها طويلًا.
كانت تنظر إلى نفسها وكأنها ترى امرأة أخرى لا تعرفها.
امرأة أثقلتها الخيبات، وأحرقها الغضب، وأوصلها الألم إلى حافة لم تكن تتخيل يومًا أنها ستقف عليها.
أخذت نفسًا عميقًا، وأخرجته بهدوء.
ثم استدارت وخرجت من غرفتها.
هبطت من أعلى الدرج بخطوات ثابتة، رغم العاصفة التي تضرب داخلها، واتجهت مباشرة نحو الباب.
لكن قبل أن تضع يدها على المقبض، أوقفها صوت سمية.
توقفت مكانها.
استدارت إليها، وحاولت أن تخفي اضطرابها، ثم تكلمت بصوت مختنق:
"نعم يا عمتو."
نظرت إليها سمية بتفحص، ثم قالت بتساؤل يحمل قلقًا واضحًا:
"رايحه فين كده فى الوقت ده يا رنيم؟"
رفعت رنيم عينيها إليها، ثم تكلمت بضيق ظاهر، بينما كانت نظراتها تمر سريعًا فوق ترنيم، ممتلئة بذلك الكره القديم الذي لم تستطع يومًا دفنه:
"هروح اشم شوية هوا بدل المكان بقى يخنق هنا."
زفرت جواهر بضيق، وأشاحت بوجهها إلى الاتجاه الآخر.
كانت أفعال رنيم في هذه الفترة تؤلمها أكثر مما تغضبها، وكأنها لم تعد تعرف تلك الفتاة التي كانت تعتبرها يومًا أقرب الناس إليها.
أما سمية، فقد شعرت بشيء ثقيل في قلبها، لكنها لم تضغط عليها، فقط قالت بصوت مختنق يحمل خوفًا واضحًا:
"حاولي متتأخريش بره الدنيا ليل ومافيش امان."
أومأت رنيم برأسها بطاعة ظاهرية، وقالت بهدوء:
"حاضر يا عمتو، عن اذنك."
ثم استدارت وغادرت المكان سريعًا، وكأنها تخشى أن يمنعها أحد أو يسألها أكثر.
ما إن خرجت، حتى نظرت جواهر إلى أثرها بحزن ثقيل، ثم قالت بصوت مختنق، يحمل خيبة واضحة:
"أنا مصدومة فى رنيم اوي يا ماما مكنتش اتخيل انها تسيبني فى وقت زي ده لوحدي."
رفعت ترنيم بصرها نحو الباب الذي خرجت منه رنيم، وتنهدت بحزن عميق، ثم قالت بصوت مكسور:
"ربنا يهديها لنفسها، متزعليش منها يا بنتي انتوا ملكمش غير بعض."
لكن قبل أن يكتمل الحديث، دوى جرس الباب.
رفعت جواهر رأسها باستغراب، ثم تحركت نحو الباب وفتحته.
لكن ما إن فتحته حتى تجمدت مكانها.
الشرطة.
وقفت تنظر إليهم بدهشة ممزوجة بالقلق، ثم قالت باستغراب:
"خير حضرتك؟"
نظر إليها الضابط بملامح جامدة، ثم قال بصوت غليظ:
"انتي الانسه جواهر حسام؟"
ارتجف قلبها للحظة.
وأومأت برأسها بتأكيد، وقالت بقلق واضح:
"ا ايوه انا جواهر."
في تلك اللحظة اقتربت سمية وترنيم بسرعة، وقد انتابهما القلق فور رؤيتهما رجال الشرطة، ثم قالت سمية بصوت مضطرب:
"خير يا باشا حضرتك بتسأل على جواهر ليه؟"
نظر إليهم الضابط، ثم قال بوضوح صادم:
"مطلوب القبض عليها بتهمة القتل."
وكأن الزمن توقف.
اتسعت أعينهم جميعًا بصدمة عنيفة.
شعرت جواهر وكأن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة.
أما سمية، فقد شهقت بصدمة، وامتلأت عيناها بالدموع فورًا، وقالت بصوت مرتجف:
"ق قتل مين يا باشا ب بنتي مستحيل تعمل حاجة زي كده."
لكن الضابط لم يبدو أي تأثر، بل أمسك جواهر من ذراعها بنبرة رسمية صارمة:
"تقدروا تعرفوا كل حاجة فى قسم الشرطه اتفضلي يا انسه معانا."
نظرت جواهر إلى والدتها، ثم إلى ترنيم، وعيناها امتلأتا بخوف حقيقي لم تستطع إخفاءه.
كان جسدها يرتجف.
وعقلها عاجزًا عن فهم ما يحدث.
كيف تحولت في لحظة من زوجة تنتظر خروج زوجها من محنته، إلى متهمة بالقتل؟
تحركت معهم ببطء، وكأن قدميها لم تعودا تحملانها.
وما إن ابتعدوا، حتى ركضت ترنيم إلى الداخل بسرعة، وأمسكت هاتفها بيد مرتجفة، وأجرت اتصالًا سريعًا.
انتظرت الرد، وما إن سمعت صوت غريب حتى انفجرت الكلمات من بين شهقاتها:
"الحق يا غريب الشرطه اخدت جواهر دلوقتي."
جاءها صوته هادئًا، لكنه كان مختنقًا بثقل الموقف:
"ايوه يا ترنيم عارف، ابنك اخد براءة بس للاسف جواهر كانت موجودة عندها وقت الجريمة والتهمة مثبوته عليها."
وضعت يدها فوق فمها بصدمة عنيفة، ونظرت إلى سمية التي كانت منهارة تمامًا، وقالت بصوت مبحوح:
"احنا جاين حالا."
ثم أغلقت الخط سريعًا.
اقتربت من سمية، التي كانت في حالة انهيار كامل، وأمسكت بها تحاول تثبيتها، ثم قالت بصوت مختنق:
"امشي معايا تعالي نروح وراها وهناك هنعرف كل حاجة."
ساعدتها على التحرك.
كانت سمية بالكاد تقوى على السير.
فتحت ترنيم باب السيارة، وأجلستها على المقعد بحرص، ثم أغلقت الباب واتجهت إلى الجهة الأخرى.
صعدت خلف المقود.
وضعت يديها المرتجفتين عليه.
وأدارت السيارة.
ثم انطلقت بها بسرعة جنونية، وقلبها يخفق بعنف، بين خوف على جواهر، وخوف أكبر مما هو قادم.
**************************
وقفت رنيم أسفل البناية التي أرسل إليها عنوانها، وقد شعرت في تلك اللحظة وكأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة كما كانت، وكأن الهواء من حولها صار أثقل من أن يستنشق بسهولة. ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما كانت أصابعها تنغرس في حقيبتها بقوة حتى كادت تمزقها من شدة التوتر الذي استولى على أعصابها. كانت دقات قلبها متسارعة، عنيفة، تضرب صدرها كأنها تريد الفرار منه، أما عقلها فكان في صراع مرير بين التراجع والمضي في الطريق الذي اختارته بنفسها.
أخذت نفسًا عميقًا، حاولت أن تهدئ به اضطرابها، ثم أخرجته ببطء وهي تغمض عينيها للحظة، كأنها تمنح نفسها دفعة أخيرة من الشجاعة، قبل أن تترجل أخيرًا من السيارة وتغلق الباب خلفها بهدوء متوتر، ثم اتجهت بخطوات ثقيلة نحو مدخل البناية.
دخلت إلى المصعد الكهربائي، وضغطت على زر الطابق المدون في الرسالة، ثم وقفت وحدها داخله، تراقب الأرقام التي تتصاعد أمامها ببطء شديد، وكل رقم كان يزيد ارتجاف قلبها أكثر، وكأن المصعد لا يصعد بها إلى طابق، بل يصعد بها إلى مصير مجهول لا تعرف نهايته.
وحين توقف المصعد أخيرًا وانفتح الباب، بقيت واقفة مكانها لعدة لحظات، عاجزة عن الحركة، غارقة في أفكارها، تتساءل إن كانت ستتمكن فعلًا من تنفيذ ما جاءت من أجله، أم أنها كانت تخدع نفسها منذ البداية.
لكنها في النهاية أغلقت عينيها للحظة، وأرغمت قدميها على الحركة، واتجهت نحو باب الشقة الذي يحمل الرقم الذي أرسله لها.
وقفت أمامه، تحدق في زر الجرس طويلًا، وكأن ضغطة واحدة عليه ستغير كل شيء بعدها.
رفعت يدها ببطء شديد، ولامست الزر بأطراف أصابع مرتجفة، ثم ضغطت عليه، وسرعان ما أنزلت يدها وقبضت بها على حقيبتها من جديد، تنتظر.
مرت ثواني قليلة، لكنها بدت لها وكأنها ساعات طويلة، حتى انفتح الباب أخيرًا.
ظهر أمامها شاهين، بطوله وهيبته ونظرته الرجولية الحادة، وعلى شفتيه تلك الابتسامة المستفزة التي كانت دائمًا قادرة على إرباكها، حتى الآن.
تجمدت مكانها للحظة، وشعرت بقلبها يرتجف بعنف، بينما هو اكتفى بالنظر إليها طويلًا، ثم أفسح لها الطريق بصمت، مشيرًا لها بالدخول.
ظلت تنظر إليه، ثم إلى الداخل، والتوتر يزداد داخلها بشكل مؤلم، لكنها تحركت أخيرًا إلى الداخل بخطوات مترددة.
وما إن دخلت، حتى انتفض جسدها كله حين سمعت صوت الباب يغلق خلفها.
ذلك الصوت وحده جعلها تشعر وكأنها حوصرت داخل قفص لا مفر منه.
تجاوزها شاهين إلى الداخل دون أن يتحدث معها بكلمة واحدة، واتجه نحو الأريكة، جلس عليها بكل هدوء، ووضع قدمًا فوق الأخرى، ثم رفع عينيه إليها بسخرية واضحة، ينتظر أن تقترب.
أما هي، فوقفت مكانها للحظات، رفعت رأسها للأعلى وأخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تستجمع ما تبقى من قوتها.
ثم تحركت نحوه أخيرًا، ووقفت في منتصف الصالة أمامه، تعبث بأصابعها ببعضها من شدة التوتر.
ساد الصمت بينهما لثواني طويلة، حتى قطعه شاهين بصوته الساخر وهو يقول:
"اخر توقعاتي أن رنيم سلطان الدسوقي هي اللي تيجي لحد عندي برجليها."
رفعت عينيها إليه، وكانت نظراتها ممتلئة بالقهر والغضب والخذلان، ثم تكلمت بصوت مرتعش يحمل وجعًا حقيقيًا:
"ا انت ليه بتعمل معايا كده؟ ليه مصمم تهدمني، كل ده علشان حتة مناقصة اخدتها منك، قلتلك ارجعلك وكأن مافيش حاجه حصلت، بس انت دمرتني، حرقت الشركة والشغل خليت الناس كلها تطلب بحقها وتقف ليا، حتى أصحاب بابا من زمان وكانوا مستعدين يساعدوني مليون مره كلمتهم وخليتهم يرفضوا مساعدتي، حذرتك مليون مرة من غضبي، أستهترت بيا ولا كأني بقول حاجة، انت اللي وصلتني لكدة يا شاهين."
كانت كلماتها تخرج منها كأنها انفجار طويل من الغضب المكتوم، كأن كل ما تحملته خلال الأيام الماضية خرج دفعة واحدة.
ثم، دون مقدمات، فتحت حقيبتها سريعًا وأخرجت السلاح منها، ورفعته نحوه بيد مرتعشة تكاد لا تقوى على حمله.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع، وتكلمت بصوت مرتعد يكاد ينكسر:
"أنا اخر حاجه كنت اتخيلها أن أفكر اقتل انسان، ليه خلتني أعمل كده؟ استفد ايه دلوقتي لما انت هتتقتل؟ وانا هتعدم؟"
لكن شاهين، لم يبدو عليه أي خوف.
لم يتحرك، لم يتراجع.
بل ظل محتفظًا بتلك الابتسامة المستفزة، وكأن الموت نفسه لا يعنيه.
ثم أنزل نظره إلى السلاح، قبل أن يميل بجسده للأمام قليلًا، ويرفع عينيه إليها من جديد، وقال ببرود قاتل:
"انتي أقل من انك تعملي كده، شوفي ايدك اللي بتترعش وهي ماسكه المسدس، شوفي شكل جسمك وهو بينتفض من الخوف، انتي جبانه يا رنيم."
كلماته اخترقت كبرياءها كالسهم.
اشتعل الغضب داخلها أكثر.
لكن الخوف كان ما يزال أقوى.
ثم نهض من مكانه، وتحرك نحوها بخطوات بطيئة وثابتة.
أما هي فتراجعت للخلف خطوة تلو الأخرى، والسلاح ما يزال موجهًا نحوه، وصوتها يرتجف وهي تقول:
"متقربش، هقتلك يا شاهين، بقولك هقتلك."
لكنه لم يتوقف، اقترب منها حتى صار ملاصقًا لها تمامًا، ينظر في عينيها مباشرة، ثم رفع يده وأمسك بيدها الممسكة بالسلاح، ووجهها نحو صدره، فوق قلبه مباشرة.
وانحنى قليلًا نحوها وهمس بصوت منخفض، عميق، جعل أوصالها ترتجف:
"أنا قصادك اهو اقتليني."
اختنقت أنفاسها، وامتلأت عيناها بالدموع، وبدأ جسدها يهتز بعنف وهي تحرك رأسها بالرفض وتقول من بين شهقاتها:
"مش بهدد هقتلك يا شاهين بجد."
لكن بدلًا من أن يبتعد، مال عليها فجأة، والتهم شفتيها في قبلة عنيفة، جائعة، وكأنه كان عطشانًا إليها منذ زمن طويل، وكأن تلك اللحظة كانت شيئًا انتظره طويلًا.
اتسعت عيناها بصدمة، وبدأت تدفعه بعيدًا عنها بكل قوتها، تضرب صدره وتحاول الإفلات منه.
لكنه كان ممسكًا بها بقوة، غير مستعد لتركها.
وفي لحظة ارتباك، لحظة اختلط فيها الخوف بالغضب والانفعال، ضغط إصبعها على الزناد.
ودوى صوت الرصاصة في المكان.
تجمد الزمن للحظة.
اتسعت عينا شاهين، وتصلب جسده، قبل أن تبدأ ذراعاه بالتراخي شيئًا فشيئًا.
ابتعد عنها ببطء، ثم سقط أرضًا.
والدماء بدأت تنساب منه بغزارة، كأنها بركان انفجر من جسده.
نظرت إليه رنيم بصدمة كاملة، وكأن عقلها رفض تصديق ما حدث.
ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها بغزارة، ثم صرخت بصوت ممزق، مليء بالوجع والذعر:
"ليه توصلني اعمل كده ليييييه؟"
فتح شاهين عينيه بصعوبة بالغة، ونظر إليها بوهن شديد، لكن تلك النظرة، لم تكن نظرة حقد، ولا تحدي.
بل كانت نظرة مغطاة بعشق خالص، موجع، صادق بطريقة أربكتها أكثر.
وتكلم بصعوبة، وصوته يكاد يختفي:
"هتصدقيني لو قلتلك أن مش فارق معايا الموت، يمكن علشان منك، أو يمكن علشان عيونك اخر حاجة هشوفها، امشي بسرعة يا رنيم وسيبي السلاح هحط عليه بصماتي، امشي قبل ما الجيران يجوا على صوت الرصاصة."
حركت رأسها بالرفض بعنف، وارتمت بجواره على الأرض، وضغطت على موضع الجرح محاولة إيقاف النزيف، ويداها ترتجفان بشدة.
لكن شاهين أمسك يدها، ورفعها إلى شفتيه، وقبلها قبلة ضعيفة مرتجفة، ثم قال بصوت متألم:
"متحاوليش، خلاص الرصاصة جوايا، امشي بسرعة ارجوكي."
أنهى كلماته الأخيرة، ثم أغمض عينيه.
وسقط في ظلام دامس.
أما رنيم، فوقفت ببطء، وجسدها كله يرتجف بعنف.
وضعت يدها فوق فمها تكتم شهقاتها، وعيناها معلقتان به، وكأنها عاجزة عن استيعاب أن ما حدث قد حدث فعلًا.
بدأت تتراجع للخلف بخطوات غير متزنة، حتى اصطدم ظهرها بالباب.
انتفضت بقوة.
استدارت سريعًا، فتحت الباب بعنف، وخرجت تركض كالهاربة من جريمة لا تعرف كيف وقعت فيها.
دخلت المصعد وهي ترتجف، وهبطت إلى الأسفل، ثم خرجت منه مسرعة، ركضت نحو سيارتها، صعدت إليها، وأدارت المحرك بيدين مرتجفتين.
ثم انطلقت بها بسرعة جنونية، تغادر المكان، لكنها لم تكن تهرب من المكان فقط.
كانت تهرب من نفسها، من دمائه التي علقت بيديها، ومن نظراته الأخيرة التي ستظل تطاردها طويلًا.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس عشر 16 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس عشر
وصلت جواهر إلى المخفر وقلبها يكاد يخرج من صدرها من شدة الخوف والاضطراب. كانت خطواتها متعثرة، غير ثابتة، وكأن الأرض لم تعد تحملها كما ينبغي، بينما عقلها كان غارقًا في دوامة من الرعب والصدمة، تحاول أن تستوعب كيف انقلبت حياتها في ساعات قليلة من زوجة تجلس في بيتها تنتظر خروج زوجها، إلى متهمة تقف على أبواب التحقيق في قضية قتل.
ما إن ترجلت من السيارة حتى رفعت عينيها المرتجفتين تبحث وسط الوجوه عن أي مأمن، عن أي وجه يمنحها بعض الطمأنينة، حتى وقعت عيناها على غريب وتامر اللذين كانا ينتظرانها بوجوه متجهمة لا تبشر بالراحة.
تحركا نحوها سريعًا، وكانت ملامحهما تحمل توترًا واضحًا، وكأن المصيبة تكبر أمامهم أكثر مما توقعوا.
اقترب منها تامر أولًا، وكانت عيناه مليئتين بالحيرة والقلق، ثم تكلم بتساؤل لم يخلي من العتاب:
"انتي ايه وداكي عندها يا جواهر؟"
بمجرد أن سمعت سؤاله، شعرت وكأن الحاجز الذي كانت تحاول التماسك خلفه قد انهار تمامًا، فانفجرت بالبكاء، وخرج صوتها مختنقًا بين شهقاتها المتلاحقة وهي تقول:
"والله يا خالو أنا ما قتلتها، ا أنا روحت اقولها تبعد عن جواد، حصل ما بينا مشددة في الكلام لكن أنا مشيت وهي كانت عايشه ومفيهاش حاجة."
كانت كلماتها تخرج متقطعة، مشوشة، ممزوجة بالدموع والخوف، وكأنها تحاول التشبث بالحقيقة حتى لا تضيع وسط ذلك الكابوس.
تنهد غريب بضيق شديد، وشعر بأن الأمور بدأت تتشابك بصورة أكثر تعقيدًا مما توقع، ثم نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يقول بصوت ثقيل، يحمل لومًا واضحًا:
"وليه تروحي ليها من اساسه يا جواهر؟ اهو بسبب اندفاعك وقعنا فى مشكلة كبيرة."
رفعت إليه عينيها الممتلئتين بالدموع، وكأنها تبحث فيه عن تفهم لما دفعها إلى ذلك، ثم تكلمت بصوت متكسر من شدة البكاء والوجع:
"كنت عايزني أعمل إيه يا أونكل غريب؟ وانا شايفه جوزي بيخوني مع واحده زي دي، كان قصادي حل من الاتنين يا أبعد عن جواد واسيبه يا أحافظ عليه وأروح ليها وعرفها أن بحبه ومش هسمح لحد يقربله، وأنا مقدرتش على الحل الأول فنفذت الحل التاني وروحت ليها."
كانت كلماتها صادقة، موجعة، تخرج من قلب امرأة تحترق بين الحب والخذلان، بين الغيرة والتمسك، بين الكرامة والخوف من الفقد.
نظر إليها غريب طويلًا، ورأى في دموعها صدقًا لا يمكن إنكاره، فرغم ضيقه من اندفاعها، كان يعلم جيدًا أن ما فعلته لم يكن إلا بدافع الحب، والحب وحده كثيرًا ما يدفع الإنسان إلى حافة الجنون.
أومأ لها برأسه، ثم تكلم بصوت أكثر هدوءًا، وإن ظل مختنقًا بالضغط الذي يعيشه:
"هتدخلي دلوقتي يتحقق معاكي، ومتقلقيش المحامين هيكونوا معاكي، قولي اللي حصل بالظبط ومتخافيش، احنا جنبك مش هنسيبك."
حاولت أن تتمسك بكلماته كطوق نجاة وسط بحر الرعب الذي تغرق فيه، لكنها فجأة رفعت عينيها تبحث حولها من جديد، وكأن شيئًا أهم من خوفها يسيطر عليها.
ثم تكلمت بتوتر واضح، وصوت منخفض مرتجف:
"ه هو جواد فين؟"
تنهد تامر بضيق، وهو يعلم أن ذكر جواد الآن لن يطمئنها، لكنه أجابها بصوت مختنق:
"حطينه فى اوضه وقافلين عليه، علشان لما عرف اتجنن على الاخر وبهدل الدنيا."
اتسعت عيناها بصدمة، وشعرت بوخزة قوية في قلبها وهي تتخيل حالته.
جواد، ذلك الرجل الذي مهما أخطأ بحقها، يبقى هو قلبها الذي لم تعرف الحياة دونه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت أن خوفها تضاعف، ليس على نفسها هذه المرة، بل عليه.
أومأت برأسها ببطء، تحاول التماسك، ثم تحركت مع العسكري إلى داخل غرفة التحقيق، وخطواتها أثقل من الجبال، وكأنها تساق إلى مصير مجهول.
ظل غريب واقفًا مكانه للحظات، ثم مرر يده في شعره بعنف، يحاول أن يهدئ ذلك الغضب الذي يتصاعد داخله من كل اتجاه.
زفر بنفاد صبر شديد، ثم قال وهو يهز رأسه بضيق واضح:
"اموت وافهم عقل الستات ده بيفكر ازاي؟ عندهم كمية اندفاع مش طبيعيه، لاغين دماغهم وبيفكروا بقلبهم وبس، وده اللي مضيعهم."
كان يتحدث بحدة، لكن داخله لم يكن غاضبًا من جواهر وحدها، بل من كل تلك الفوضى التي أحاطت بهم فجأة.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت طرقات عنيفة متتالية من الباب الذي أغلق فيه جواد.
ضربات قوية، غاضبة، تحمل داخلها ثورة رجل فقد السيطرة على نفسه.
التفت غريب نحو الباب، وحدق فيه بملامح متجهمة، ثم لوح بيده بغضب وأكمل كلامه بسخرية ممزوجة بالضيق:
"الستات، والبغل اللي جوه ده، اللي معندهوش عقل من اساسه."
رغم كلماته القاسية، إلا أن القلق على ابنه كان واضحًا في عينيه.
فهو يعرف جيدًا أن جواد الآن ليس غاضبًا فقط، بل محترق.
محترق خوفًا على زوجته، ومحترق عجزًا عن حمايتها وهو محبوس خلف باب مغلق.
تنهد غريب بعمق، ثم اتجه وجلس على المقعد القريب، وأسند ظهره إليه، واضعًا كفيه فوق وجهه للحظات.
كانت أعصابه مشدودة إلى أقصاها، وعقله يركض في كل اتجاه، يحاول أن يجد مخرجًا من هذا النفق المظلم.
أما تامر، فجلس بجواره بصمت ثقيل، والاثنان ينتظران انتهاء التحقيق مع جواهر، وكل منهما يعلم أن ما سيأتي بعد هذه الليلة لن يكون سهلًا أبدًا.
****************************
وصلت رنيم إلى الفيلا وجسدها يرتجف بعنف، كأن العاصفة التي كانت تعصف داخل صدرها قد انتقلت إلى أطرافها كلها، حتى أصبحت خطواتها غير ثابتة تكاد تخونها في أي لحظة. أخرجت المفتاح بصعوبة من حقيبتها، وكانت أصابعها ترتعش ارتعاشًا واضحًا جعلها تفشل أكثر من مرة في إدخاله في موضعه الصحيح، حتى تمكنت أخيرًا من فتح الباب. دفعت الباب سريعًا، ثم أغلقته خلفها بعنف، وكأنها تحاول أن تغلق معه كل ما حدث قبل دقائق، أن تغلق صوت الرصاصة، وصوت أنفاس شاهين الأخيرة، ونظرته التي ما زالت تطاردها كأنها محفورة داخل روحها.
أسندت ظهرها على الباب، وأخذ صدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها التي كانت تهدد بالانفجار، وعيناها تدوران في أرجاء المكان باضطراب شديد، وكأنها تبحث عن شيء لا تعرفه، ربما تبحث عن أمان، أو عن مخرج من ذلك الكابوس الذي ابتلعها فجأة. كانت الفيلا ساكنة على غير عادتها، خالية تمامًا، لا صوت فيها سوى صوت أنفاسها المرتجفة ونبضات قلبها التي كانت تصرخ داخل أذنيها بعنف حتى شعرت أنها ستفقد وعيها من شدتها.
رفعت يدها عن فمها للحظة تنظر إليها، وعندما وقعت عيناها على آثار الدماء العالقة بأصابعها، اتسعت حدقتاها بصدمة مرعبة، وكأنها تراها للمرة الأولى، فعاد المشهد كاملًا إلى رأسها دفعة واحدة؛ شاهين وهو يقترب منها، كلماته، لمساته، صوته، ثم تلك الرصاصة التي انطلقت من بين أصابعها وكأنها لم تكن هي من ضغطت الزناد، ثم سقوطه أمامها غارقًا في دمائه.
شهقت بقوة وهي تحرك رأسها بعنف، وكأنها تحاول طرد الصور من عقلها، لكنها كانت أقوى منها، تطاردها بلا رحمة، تخترق ذاكرتها وتعيد نفسها مرارًا وتكرارًا حتى شعرت أن صدرها يضيق أكثر، وأن الهواء لم يعد يكفيها.
تحركت فجأة كالهاربة من شبح يلاحقها، وركضت نحو الدرج بخطوات متعثرة، تكاد تسقط أكثر من مرة، وصعدت إلى غرفتها بسرعة جنونية، وما إن وصلت حتى دفعت الباب بعنف خلفها وأغلقته بإحكام، ثم أدارت المفتاح وكأنها تخشى أن يقتحم عليها أحد الحقيقة التي تهرب منها.
استندت للحظة على الباب، وأغمضت عينيها بقوة، لكن ذلك لم يساعدها، بل زاد الأمر سوءًا، لأن الظلام أعاد إليها وجه شاهين وهو ينظر إليها بتلك النظرة الأخيرة، نظرة لم تكن مملوءة بالغضب أو الكره كما توقعت، بل بشيء آخر لم تستطع فهمه، شيء جعل قلبها يختنق أكثر.
فتحت عينيها بسرعة وتحركت نحو السرير بخطوات بطيئة هذه المرة، وكأن جسدها فقد كل طاقته دفعة واحدة، ثم جلست عليه، ومدت يدها المرتجفة أمام عينيها، تحدق في الدماء الملطخة عليها وكأنها لا تصدق أنها حقيقية. راحت تمرر أصابعها فوقها ببطء، ثم همست بصوت مختنق، بالكاد خرج من بين شفتيها:
"أنا، أنا أزاي عملت كده؟"
وما إن خرج السؤال من فمها حتى انهارت تمامًا.
تعالت شهقاتها بقوة حتى تحولت إلى بكاء هستيري ممزوج برعب وصدمة وإنكار، وكأنها تحاول بالبكاء أن تغسل يديها من ذلك الدم، أو تمحو ما حدث، لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تمحى. راحت تستعيد كل لحظة، كل كلمة قالتها له، وكل كلمة قالها لها، وتحديدًا تلك اللحظة الأخيرة حين طلب منها أن تهرب، وكأنه كان يحميها حتى وهو ينزف.
ذلك وحده كان كافيًا ليحطم ما تبقى من تماسكها.
ارتمت على السرير بجسد منهك، ودفنت وجهها في الوسادة وهي تبكي بحرقة شديدة، حتى أصبحت أنفاسها متقطعة ومؤلمة، وكأن كل شهيق ينتزع جزءًا من روحها. لم تكن تبكي فقط خوفًا من القادم، ولا رعبًا مما فعلت، بل كانت تبكي لأن شيئًا داخلها انكسر في تلك الليلة، شيئًا لن يعود كما كان أبدًا.
كانت الأفكار تضرب رأسها بلا رحمة؛ هل مات فعلًا؟ هل ما زال حيًا؟ ماذا لو جاءت الشرطة؟ ماذا لو اكتشف الجميع أنها كانت هناك؟ ماذا لو عرفوا أنها أطلقت النار؟
كل سؤال كان كطعنة جديدة تمزقها من الداخل، حتى شعرت بأن عقلها لم يعد قادرًا على الاحتمال.
تعالت أنفاسها أكثر، واشتد اختناقها، ووضعت يدها على صدرها محاولة أن تلتقط أنفاسها، لكن الألم النفسي كان أقوى من قدرتها على الاحتمال، حتى بدأت رؤيتها تتشوش شيئًا فشيئًا، وأصبحت الأصوات من حولها بعيدة ومبهمة.
ظلت تبكي وتنتحب حتى تقطعت أنفاسها تمامًا، وحتى فقد جسدها القدرة على المقاومة أو الحركة، فأغلقت عينيها أخيرًا، لا هربًا من النوم، بل هربًا من الواقع نفسه، وكأن عقلها اختار أن يطفئ كل شيء مؤقتًا حتى يحميها من الانهيار الكامل، ولم تشعر بعد ذلك بأي شيء آخر، فقط ظلام ثقيل ابتلعها بالكامل.
****************************
عند ترنيم...
لم تستطع سمية أن تترك ابنتها داخل المخفر بمفردها، فالأم مهما بلغت قوتها تبقى معلقة الروح بابنتها، خاصة وهي تراها تساق إلى التحقيق بتهمة لم ترتكبها. لذلك طلبت من ترنيم أن تذهب إلى الفيلا وتحضر بعض المستلزمات الخاصة بجواهر، إلى جانب إثباتاتها الشخصية والأوراق التي قد تحتاجها أثناء التحقيق. لم تعترض ترنيم، رغم أن قلبها كان مثقلًا بما يكفيه من الوجع والخوف، لكنها أومأت بصمت وتحركت، وكأنها تؤدي واجبًا لا بد منه، بينما عقلها وروحها ما زالا عالقين هناك داخل جدران المخفر، مع ابنها وزوجة ابنها، ومع ذلك الكابوس الذي بدأ يلتف حول العائلة كلها.
وصلت إلى الفيلا، وترجلت من السيارة بخطوات متسارعة، ثم فتحت الباب ودلفت إلى الداخل وأغلقته خلفها. كان السكون يخيم على المكان بصورة ثقيلة، سكون موحش جعل قلبها ينقبض دون سبب واضح، كأن البيت كله يختنق بما يدور داخله من أسرار وآلام. صعدت إلى الأعلى مباشرة، واتجهت نحو غرفة جواهر، دخلتها وبدأت تجمع حاجاتها؛ بعض الملابس، حقيبة صغيرة، أوراقها الشخصية، وكل ما قد تحتاجه. كانت تتحرك بسرعة، لكن داخلها كان مشوشًا، منهكًا، عاجزًا عن التقاط أنفاسه من كثرة ما حدث خلال الساعات الماضية.
خرجت من غرفة جواهر متجهة نحو الدرج، لكن خطواتها توقفت فجأة عندما لمحت خيطًا من الضوء يتسلل من أسفل باب غرفة رنيم. عقدت حاجبيها بتعجب، تسلل القلق إلى قلبها دون استئذان، وشعرت برغبة في إخبارها بما حدث، لعلها تقف بجوار جواهر في محنتها، خاصة وأن جواهر كانت دائمًا تعتبرها أختًا لها، مهما حدث بينهما من خلافات.
تحركت نحو الباب وطرقت عليه عدة مرات، لكن لم يصلها أي رد. انتظرت لحظات، ثم طرقت مرة أخرى، وهذه المرة بقوة أكبر، وقالت بصوت اختلط فيه القلق بالتوتر:
"رنيم افتحي الباب، عايزة أقولك حاجة، رنيم ردي عليا."
مرت لحظات ثقيلة، لكن الصمت ظل سيد الموقف.
مدت يدها إلى المقبض وحاولت فتح الباب، لكنها تفاجأت بأنه مغلق من الداخل، وهنا ازداد قلقها أكثر. شعرت أن هناك شيئًا غير طبيعي، شيئًا ما حدث داخل تلك الغرفة، شيئًا جعل قلبها ينبض بعنف داخل صدرها.
استدارت سريعًا وعادت إلى غرفة جواهر، فتحت درج التسريحة وأخرجت المفتاح الاحتياطي لغرفة رنيم، ثم عادت مسرعة. في البداية أدخلت شيئًا رفيعًا من ثقب الباب حتى تسقط المفتاح الموجود من الداخل، ثم وضعت المفتاح الآخر وأدارته.
انفتح الباب أخيرًا.
وما إن دلفت إلى الداخل حتى تجمدت مكانها.
اتسعت عيناها بصدمة عنيفة عندما رأت رنيم ملقاة على السرير، جسدها ساكن بطريقة مرعبة، وملابسها ملطخة بالدماء.
شعرت ترنيم وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
ركضت نحوها بسرعة، وجلست بجوارها، وربتت على وجهها بخوف وهي تناديها، لكن رنيم لم تستجب. اقتربت أكثر، ولاحظت أن وجهها مبلل بالدموع، وكأنها بكت حتى استنزفت نفسها بالكامل، ثم أمسكت يدها، فتجمد الدم في عروقها عندما وجدت أصابعها أيضًا ملطخة بالدماء.
شعرت برعب حقيقي يجتاحها، وبدأ عقلها يركض في كل اتجاه محاولًا فهم ما حدث، لكن دون جدوى. لم تكن تعرف هل أصيبت رنيم؟ هل آذت نفسها؟ أم أن هذه الدماء تعود لشخص آخر؟ كل الاحتمالات كانت مرعبة، وكل فكرة كانت أشد قسوة من التي قبلها، لكن الوقت لم يكن يسمح لها بالوقوف والتفكير.
تحركت بسرعة نحو حقيبة يد رنيم، وفتحتها بارتباك حتى وجدت الدواء الخاص بها. أسرعت إليها، وفتحت فمها بصعوبة، وضعت الدواء داخله، ثم حاولت إفاقتها به، لكن دون نتيجة. شعرت بالخوف يزداد داخلها، فاتجهت إلى خزانة ملابسها وفتحتها بسرعة، وأخرجت جهاز التنفس الخاص بها، وبدأت تجهزه بيدين مرتجفتين، ثم وضعت القناع على فمها.
جلست بجوارها من جديد، وأمسكت يدها، وعيناها معلقتان بتلك الدماء العالقة على أصابعها، بينما عقلها يغرق في دوامة من الأسئلة والقلق.
مرت دقائق ثقيلة كأنها ساعات، حتى بدأت رنيم تحرك رأسها ببطء، وكأنها تعود من مكان بعيد جدًا، من ظلام عميق ابتلعها بالكامل. كانت أنفاسها متقطعة، وعيناها تتحركان باضطراب، وكأنها ما زالت عالقة داخل الكابوس.
وفجأة، تشكلت صورة شاهين أمامها من جديد، وهو غارق في دمائه، ينظر إليها بتلك النظرة الأخيرة.
انتفضت بعنف من مكانها، وكأن صاعقة أصابتها، وأخذ جسدها كله يرتجف بطريقة غريبة ومرعبة، حتى شعرت ترنيم بالخوف الحقيقي عليها. اقتربت منها بسرعة واحتضنتها بقوة محاولة تهدئتها، والغريب أن رنيم لم تدفعها بعيدًا، بل تمسكت بها بكل قوتها، وكأنها غريق وجد أخيرًا شيئًا يتشبث به، ثم انفجرت في بكاء هستيري ممزوج بألم ورعب وندم.
راحت ترنيم تربت على ظهرها بحنو، وقلبها يكاد يخرج من صدرها من شدة القلق، ثم قالت بصوت مرتجف:
"مالك يا رنيم؟ فيكي إيه يا حبيبتي؟"
رفعت رنيم رأسها قليلًا، وكانت شهقاتها تقطع كلماتها، ثم قالت بصوت متكسر:
"ق قتلته، ق قتلت شاهين، أنا مجرمة."
شعرت ترنيم وكأن الزمن توقف للحظة.
اتسعت عيناها بذهول وصدمة، وتراجعت قليلًا وهي تنظر إليها بعدم تصديق، ثم قالت بصوت مرتعش:
"قتلتيه؟ إزاي؟ ومين شاهين ده؟"
وفي اللحظة نفسها، وكأن رنيم أفاقت على ما قالته.
أدركت أنها أفشت سرًا لم تكن تريد لأحد أن يعرفه.
ابتعدت عن حضن ترنيم سريعًا، ونظرت إليها بعينين مضطربتين، ثم قالت بصوت ضعيف لكنه مشحون بالغضب والدفاع:
"إنتي بتعملي إيه في أوضي؟ ومين سمحلك تلمسيني؟ وإزاي تدخلي في حياتي كده؟ اطلعي بره لو سمحتي."
نهضت ترنيم من على السرير، والغضب اختلط بقلقها، ونظرت إليها بحدة وهي تقول:
"ردي عليا، مين ده اللي قتلتيه؟ ودمه على إيدك؟ ردي عليا يا رنيم."
أدارت رنيم وجهها إلى الجهة الأخرى، عاجزة عن مواجهتها، وقالت بصوت مختنق:
"ملكيش فيه، متدخليش في أي حاجة تخص حياتي، اطلعي من أوضي بقولك."
اقتربت منها ترنيم بنفاد صبر، وأمسكتها من ذراعها بقوة، وقالت بغضب واضح:
"انطقي يا رنيم، خليني أعرف أتصرف في المصيبة دي قبل ما تروحي في داهية. مين شاهين ده؟ وقتلتيه ليه؟"
لكن رنيم انفجرت فجأة، وصرخت بصوت مزق سكون الغرفة، وكأنها لم تعد تحتمل ضغطًا آخر فوق ما تحمله داخلها:
"ملكيش دعوة! أنا عايزة أروح في ستين داهية! اخرجي من حياتي بقى! أنا مش ناقصاكي! سبيني باللي أنا فيه."
رفعت ترنيم يدها وأمسكت يدها الملطخة بالدماء، ورفعتها أمام عينيها، وقالت بصوت حاد يحمل خوفًا أكبر من غضبها:
"إزاي مليش فيه وأنا شايفة على إيدك دم بني آدم؟ إزاي عايزاني أسيبك لوحدك في المصيبة دي؟ لا يا رنيم، مش هخرج من حياتك، وبرضاكي أو غصب عنك، هعرف كل حاجة."
ضغطت رنيم على أسنانها بقهر وغضب، وشعرت أن أنفاسها تختنق من جديد، فاندفعت نحو المرحاض بسرعة، دخلت إليه، ودفعت الباب بقوة حتى أغلقته خلفها، ثم أسندت ظهرها عليه.
وفي اللحظة التي ضمنت فيها أنها وحدها، انهارت تمامًا.
تركت العنان لدموعها تنهمر بغزارة، ووضعت يدها على فمها حتى تكتم شهقاتها، لكن بكاءها كان أقوى من أن يحبس، وكأنها تحاول أن تطرد من صدرها كل ما حدث، كل الدم، كل الرعب، كل تلك النظرة الأخيرة التي تركها شاهين داخل روحها.
أما ترنيم، فظلت واقفة مكانها تنظر إلى باب المرحاض بقلق شديد، وقلبها يشتعل بالحيرة والخوف. كانت تريد أن تكسر الباب وتنتزع منها الحقيقة، لكن فجأة تذكرت جواهر وما ينتظرها في المخفر.
زفرت بضيق شديد، وشعرت أن الدنيا كلها تنهار فوق رأسها دفعة واحدة.
استدارت وغادرت الغرفة، وهبطت إلى الأسفل بسرعة، ثم صعدت سيارتها وتحركت نحو المخفر، لكن عقلها لم يغادر تلك الغرفة، ولم يغادر تلك الدماء التي رأتها على يدي رنيم، ولم يغادر ذلك الاسم الذي سمعته لأول مرة، شاهين.
وكانت قد عقدت النية في داخلها، أنها ستعود إليها مرة أخرى، ولن تترك الأمر يمر، ستعرف الحقيقة كاملة، من يكون هذا الرجل؟ ولماذا قتلته؟ وما الذي أوصل رنيم إلى هذا الانهيار المرعب؟ لأنها أدركت أن ما رأته الليلة لم يكن مجرد خوف عابر، بل كارثة حقيقية بدأت، ولا أحد يعلم إلى أين ستنتهي.
*****************************
في صباح يوم جديد، وبعد ليلة طويلة ثقيلة مرت عليهم جميعًا كأنها عمر كامل، كان الصمت يخيم على المكان، لكنه لم يكن صمت راحة، بل صمت مشحون بالتوتر والخوف والترقب. وقف غريب أمام الباب الذي احتجز خلفه جواد طوال الليل، وقد حسم أمره أخيرًا أن يخرجه، لكنه كان يعرف طبيعة ابنه جيدًا، ويعلم أن الغضب حين يتمكن منه لا يترك له مساحة للعقل، لذلك قبل أن يسمح له بالخروج، فتح الباب ودلف إلى الداخل ثم أغلقه خلفه بإحكام، واستدار إليه بنظرة حادة تحمل تحذيرًا صريحًا، وقد ارتسم الغضب واضحًا على ملامحه وهو يقول بنبرة غاضبة:
"أنا هخرجك من هنا يا جواد بس أي حركت جنان ولا تهور منك هروحك الفيلا واحبسك فى اوضك، مراتك منهارة ومحتاجة موجودك جنبها، يبقى تهدا علشان تعرف تهديها، وانا مش ساكت وهخرجها من هنا متقلقش."
رفع جواد عينيه إليه ببطء، وكانت عيناه مشتعلة بحمرة مخيفة، حمرة غضب وألم وسهر طويل، فمنذ أن أُغلق عليه هذا الباب وهو يعيش داخل نار لا تهدأ، زوجته محتجزة في مكان كهذا، تبكي وتنهار وهو عاجز عن الوصول إليها، عاجز عن احتضانها أو حتى أن يخبرها أنه بجانبها، وهذا وحده كان كفيلًا بأن يحطم أعصابه تمامًا. نهض ببطء من مكانه، وكان جسده متصلبًا من شدة الغضب المكبوت، ثم اقترب من والده حتى وقف أمامه مباشرة، وتكلم من بين أسنانه بصوت مكتوم لكنه يحمل وعيدًا واضحًا:
"حساب الكل معايا، بس مش دلوقتي لما اطمن على مراتي الاول."
كان صوته وحده كافيًا ليكشف حجم النار المشتعلة داخله، فهو لم يعد يفكر إلا بها، لا يهمه شيء الآن سوى أن يراها، أن يطمئن عليها، أن يخرجها من هذا الكابوس مهما كلفه الأمر.
أمسكه غريب من ذراعه بقوة، وأجبره أن يتوقف للحظة، ثم نظر إليه نظرة أخيرة مليئة بالتحذير، وقال بصوت صارم:
"لآخر مرة بحذرك يا جواد أي حركة جنان منك هحبسك."
سحب جواد ذراعه من يد أبيه بحركة حادة، وكأن مجرد لمسة أخرى قد تفجر غضبه بالكامل، ثم استدار واتجه نحو الباب وخرج منه سريعًا، بخطوات ثقيلة ومتوترة، واتجه مباشرةً نحو الغرفة المحتجزة بها جواهر. كان يسير كمن يحمل جبالًا فوق صدره، أنفاسه متسارعة، وغضبه يسبق خطواته، حتى وقف أمام الباب أخيرًا.
توقف للحظات، أغمض عينيه يحاول أن يلتقط أنفاسه الغاضبة، يحاول أن يهدئ نفسه قبل أن يراها، لكنه كان يعلم أن رؤيتها بهذه الحالة ستكسر كل ما تبقى من ثباته.
مد يده أخيرًا وفتح الباب، وما إن وقعت عيناه عليها، حتى انقبض قلبه بعنف.
كانت جالسة هناك، منهارة، شاحبة الوجه، عيناها متورمتان من البكاء، وجسدها كله يرتجف من الخوف والوجع، وكأنها فقدت الأمان كله دفعةً واحدة.
لم يحتمل رؤيتها هكذا، اقترب منها سريعًا دون تردد، واحتضنها بقوة، وكأنه يحاول أن يعوضها عن كل لحظة خوف عاشتها وحدها.
وفور أن شعرت به، تمسكت به بقوة أكبر، كأنها كانت تتشبث بالشيء الوحيد الذي يمنحها الطمأنينة وسط هذا الجحيم، وانفجرت باكية بين ذراعيه وهي تقول من بين شهقاتها المتقطعة:
"مقتلتهاش والله العظيم ما عملت كده يا جواد."
أغمض عينيه للحظة، وشعر بألم حاد يخترق صدره، ألم لأنه يعلم أنها بريئة، وألم أكبر لأنه السبب في وجودها هنا من الأساس. مال برأسه وقبل رأسها بهدوء شديد، هدوء كان يخفي خلفه عاصفة عنيفة تدور داخله، ثم قال بصوت مختنق:
"عارف، اهدي يا جواهر علشان خاطري."
رفعت وجهها إليه بعينين غارقتين بالدموع، وكأنها تتوسل منه أن يصدقها، ثم بدأت تتحدث بسرعة وسط بكائها، وكأنها تريد أن تفرغ كل ما حدث دفعة واحدة قبل أن ينهار قلبها من شدة الخوف:
"والله العظيم أنا روحت قلتلها ابعدي عن جواد وملكيش دعوة بي، حاولة تستفزني وتقولي أنها بتحبك، ومش هتسيبك ليا بسهولة كدة، اه مسكت شعرها وضربتها، وبعد كده سيبتها كانت عايشه وبتقولي أنها هتنتقم مني وهتحرق قلبي عليك، وبعد كده نزلت من عندها ركبت عربيتي ومشيت، كان لازم اعمل كده علشان بحبك، كنت بحاول أحافظ على جوزي، وبعدها ناوية افتح صفحة جديدة معاك وقابلتك الصبح، اقسم بالله هو ده كل اللي حصل."
كانت كلماتها تخرج ممزقة، متشابكة مع شهقاتها، لكنها كانت صادقة إلى حد موجع، وكل كلمة منها كانت تغرس داخل قلبه شعورًا بالذنب لا يحتمل، لأنه أدرك بوضوح أن كل ما تعيشه الآن بدأ من أخطائه هو.
شعر بوخزة مؤلمة في قلبه، ثقيلة وعنيفة، لأنه في النهاية السبب في وجودها في هذا المكان، السبب في خوفها وانهيارها ودموعها. رفع يديه ببطء وكوب وجهها بين كفيه، يجبرها أن تنظر إليه، وكانت عيناه تحملان من الصدق والندم ما يكفي ليطمئن قلبها رغم كل شيء، ثم قال لها بهدوء عميق:
"مش عايزك تخافي، أنا جنبك يا جواهر ومش هسكت غير لما اخرجك من المكان ده، زي ما كنت السبب فى دخولك فيه، وعايزك تعرفي أنا بحبك انتي وعمري ما حبيت غيرك، انتي مالية عيني وقلبي، ماشي يا عمري."
ارتجف قلبها مع كلماته، وشعرت وكأن شيئًا من الطمأنينة عاد إليها رغم كل ما يحدث، فاكتفت بأن أومأت له برأسها، عاجزة عن الكلام من شدة ما يعتصر صدرها، ثم ارتمت داخل أحضانه مرة أخرى، وتمسكت به بقوة، وكأنها تستمد منه القوة التي فقدتها، وكأن حضنه وحده قادر على إعادة توازنها وسط كل هذا الانهيار.
ضمها جواد بقوة داخل أحضانه، وكأنه يحاول أن يخفيها عن العالم كله، وقبل رأسها بحنو بالغ، ثم أغلق عينيه، لكن خلف جفنيه كانت نار الغضب تشتعل بصورة مرعبة، غضب على نفسه، وعلى كل من تسبب في وصولها إلى هذه اللحظة.
وفي داخله، كان يتوعد بصمت، يتوعد كل يد امتدت لتدفع بجواهر إلى هذا المكان، وكل شخص كان سببًا في أن يرى زوجته بهذه الحالة المنكسرة، وكان يعلم أن ما حدث لن يمر دون حساب.
**************************
في مكان آخر...
بدأ يحرك رأسه ببطء شديد، وكأن روحه تعود إليه على مهل بعد رحلة طويلة بين الحياة والموت. كانت صورة رنيم تطارده بلا رحمة؛ صراخها، بكاؤها، انهيارها، ارتجاف يديها، ونظرتها المذعورة وهي ترى الدماء تنفجر من صدره، ثم أخيرًا ملمس شفتيها الذي التصق بذاكرته كأشد اللحظات حضورًا داخله. اهتز جفنه قليلًا، ثم بدأ يفتحه ببطء مؤلم، وكأن مجرد فتح عينيه يحتاج إلى قوة لم تعد في جسده. نظر حوله باستغراب واضح، فرأى بياضًا يحيط به من كل جانب، بياضًا باردًا خانقًا، وصوت أجهزة متتابعة يقطع الصمت بطريقة مزعجة تزيد اضطرابه، ونساء يرتدين زيًا موحدًا باللون الوردي، ورجالًا بزي أزرق يتحركون في المكان بهدوء منظم.
حاول أن يتحرك، لكن الألم الذي اخترق صدره جعله يتوقف فورًا، وكأن سكينًا انغرست في موضع الرصاصة من جديد. أنزل عينيه ببطء إلى صدره، فرأى الشاش الطبي يلف جسده بإحكام، فعاد إليه جزء من ذاكرته، وعاد معها وجع آخر أشد قسوة من ألم الرصاصة نفسها. حرك أصابعه ببطء، يشعر بثقل جسده كله، وبالألم يسري في كل عصب فيه، ثم مد يده بصعوبة وضغط على الزر الموجود بجواره. في اللحظة نفسها التفتت إليه الممرضة، وما إن رأته مستيقظًا حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة وقالت:
"حمدالله على السلامة حضرتك."
رفع عينيه إليها بصعوبة، وصوته خرج ضعيفًا متعبًا، كأن الكلمات تنتزع من بين أنفاسه بصعوبة:
"هو أنا جيت هنا ازاي؟"
أجابته بابتسامة هادئة، وهي تحاول أن تشرح له ما حدث بنبرة مطمئنة:
"البواب شاف بنت نازلة بتجري وكلها دم حس أن فيه حاجة مش طبيعيه بتحصل، طلع يأمن على الشقق لاقك مرمي على الأرض ومضروب بالرصاص اتصل بالاسعاف ولما جيت حالتك كانت خطر والرصاصة كانت قريبه جدا من قلبك بس الحمدالله الدكتور قدر يخرجها منك والعملية نجحت ومن وقتها وحضرتك نايم كده."
ما إن انتهت من كلماتها حتى أغمض شاهين عينيه بقوة، وشعر بقبضة باردة تعتصر قلبه. لم يكن خوفه على نفسه، بل على رنيم. فكرة أن البواب رآها وهي تهرب والدماء تغطيها كانت كفيلة بأن تدفع الشرطة إليها، وأن تقودها إلى مصير أسود. تحركت أنفاسه بسرعة، وابتلع ألمه بصعوبة، ثم قال بصوت مختنق ضعيف:
"ممكن تخلي البواب يجيلي بسرعه."
أومأت برأسها موافقة وقالت بهدوء:
"حاضر، هبلغ الدكتور أن حضرتك فؤقت علشان الشرطة عايزة تاخد اقوالك فى اللي حصل ده، وهخليهم يتواصلوا مع البواب ده ويجيبوا لحضرتك."
أنهت كلامها وغادرت الغرفة، بينما بقي شاهين ينظر أمامه بقلق شديد، وأفكاره تتصارع داخل رأسه. كان يشعر أن كل ثانية تمر الآن قد تكون كفيلة بفضح رنيم، وإلقائها في السجن، وهو أمر لم يكن مستعدًا أن يسمح به مهما كلفه الأمر. اعتدل بصعوبة على السرير، متحملًا الألم الذي مزق صدره، ثم التفت إلى ممرضة أخرى كانت تقف بالقرب منه وقال بصوت ضعيف:
"ممكن تليفون؟"
أومأت الممرضة برأسها، وأخرجت هاتفها وأعطته له. أخذه منها بأصابع مرتجفة، وبدأ يدون رقمًا يحفظه عن ظهر قلب، وانتظر الرد. وما إن سمع صوت مروان حتى قال بصوت ضعيف:
"مروان تعالى ليا فى مستشفى..."
رفع رأسه نحو الممرضة وسألها عن اسم المستشفى، فأجابته باسمها سريعًا، فعاد يكمل حديثه:
"تعالى بسرعة متتأخرش، وبلاش تقول لامك أنا فين فاهم."
جاءه صوت مروان مضطربًا ومشحونًا بالقلق:
"حاضر، بس انت بتعمل ايه فى المستشفى؟"
زفر شاهين بضيق، وشعر أن رأسه يكاد ينفجر من الإرهاق والألم، ثم قال بنفاد صبر:
"بلاش اسألة امك الكتير دي، تعالى ليا ولما تيجي هتعرف كل حاجة، وهاتلي تليفون معاك ضروري."
أغلق الخط معه وأعاد الهاتف للممرضة، شاكرًا إياها بإيماءة ممتنة، ثم عاد يستند برأسه إلى الوسادة، يحاول التقاط أنفاسه المتقطعة.
بعد دقائق، دخل الطبيب وبدأ يفحصه بدقة، يتابع مؤشراته الحيوية ويطمئنه أن العملية نجحت وأن حالته مستقرة، لكن شاهين لم يكن يسمع نصف ما يقال؛ كان عقله مشغولًا برنيم وحدها.
وما إن خرج الطبيب حتى دخل الضابط، يحمل بيده دفترًا رسميًا، وجلس أمامه ثم قال بنبرة جدية:
"اولًا حمدالله على سلامتك، ثانيا عايز اعرف ايه اللي حصل بالظبط."
رفع شاهين عينيه إليه، وثبت ملامحه رغم الإرهاق، ثم قال بنبرة جادة ثابتة:
"الله يسلمك، اللي حصل أن فيه حرامي دخل عليا وحصل ما بينا تشابك وبعد كده خرج سلاحه وضربني بي."
نظر إليه الضابط بعدم اقتناع، وقد انعقد حاجباه من غرابة الرواية، ثم قال:
"بس كان فيه سلاح تاني واقع جنبك على الارض؟"
أجابه شاهين بهدوء حذر، محاولًا أن يبقي كذبته متماسكة:
"ايوه ده سلاحي كنت بدافع بي على نفسي بس لما ضربني الرصاصة، وقع جنبي حتى هتلاقي عليه بصماتي."
ضيق الضابط عينيه أكثر وقال بشك واضح:
"بس البواب قال: كان فيه واحدة نازلة بتجري وكلها دم؟"
في تلك اللحظة، تغيرت ملامح شاهين فورًا، وتسلل القلق إلى عينيه بشكل لم يستطع إخفاءه، لكنه تدارك نفسه سريعًا وقال:
"م معرفش دي مين، زي ما قلتلك ده كان حرامي، راجل."
استمر الضابط في النظر إليه لحظات، كأنه يحاول قراءة ما وراء كلماته، ثم سأله:
"طيب تقدر توصفلي ملامح الحرامي ده."
حرك شاهين رأسه بالنفي وقال بثبات:
"كان للاسف مداري وشه بحاجة لابسها ومشوفتش ملامحه ايه."
أومأ الضابط برأسه وقال:
"تمام، احنا حاليا هنفرغ الكاميرات علشان نقدر نوصل للي عمل كده، ومرة تانيه ألف سلامة على حضرتك، اتفضل امضي على اقوالك."
أخذ شاهين القلم من يده ووقع على أقواله دون تردد، وعيناه ثابتتان على الورقة، وكأن توقيعه ذاك كان ختمًا على حماية رنيم مهما كان الثمن.
خرج الضابط من الغرفة، وبعد عدة دقائق دخل البواب، وعلى وجهه ملامح ارتياح ممزوجة بقلق حقيقي، ثم قال بابتسامة:
"حمدالله على السلامة يا شاهين باشا، أنا كنت هموت من القلق عليك."
رفع شاهين عينيه إليه بسرعة، ولم يضيع لحظة واحدة، بل قال بصوت حازم يحمل نبرة أمر صريحة:
"تغير اقوالك ومتجيبش سيرة البنت اللي شفتها نازلة من عندي والكاميرات تمسح من عليها الوقت اللي كانت نازلة فيه فاهم."
تجمد البواب في مكانه، وقد بدا عليه عدم الفهم، ثم قال متسائلًا:
"وحضرتك عايز تحمي البنت دي ليه؟ دي مجرمة ولازم تتعاقب."
ضغط شاهين على أسنانه بغضب واضح، وشعر بأن صدره يؤلمه أكثر مع اشتداد انفعاله، لكنه قال بحدة:
"ملكش فيه اسمع اللي بقولك عليه فااهم؟"
أومأ البواب برأسه مرتبكًا، وقال بطاعة واضحة:
"فاهم يا باشا بالإذن أنا بقى، اروح اعمل اللي حضرتك قلتلي عليه."
لكن قبل أن يغادر، رفع شاهين رأسه إليه ونظر له بنظرة مخيفة، تحمل تهديدًا حقيقيًا لا يحتمل المزاح، وقال بصوت منخفضٍ لكنه مرعب:
"لو لسانك نطق بكلمة ولا جبت سيرة البنت دي فى التحقيق همحيك من على وش الأرض فاهم."
ابتلع البواب ريقه بصعوبة، وأومأ سريعًا برأسه وقال بخوف شديد:
"فاهم يا باشا فاهم."
ثم غادر الغرفة مسرعًا، تاركًا شاهين وحده من جديد. ظل شاهين ينظر إلى أثره للحظات، ثم شعر بألم حاد يجتاح صدره، فأنزل عينيه إلى الشاش الملفوف حول جسده، وتحسس موضع الرصاصة بأطراف أصابعه، وكأن الألم الجسدي بات أهون عليه من ذلك الشعور الغريب الذي يلتهمه من الداخل.
عاد برأسه إلى الخلف وأسندها على الوسادة، وأغمض عينيه ببطء، لكن ذاكرته لم تمنحه راحة. عادت إليه تلك اللحظة كاملة؛ ارتجاف رنيم بين يديه، دموعها، خوفها، ثم قربها منه، ولمس شفتيها الذي لم يفارق إحساسه حتى الآن. وبرغم الألم، وبرغم الدم، وبرغم اقترابه من الموت، ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة غامضة، ابتسامة رجل نجا من الموت لكنه وقع في شيء أخطر منه بكثير، ثم أغلق عينيه، مستسلمًا لتلك الذكرى، وكأنه يعيشها من جديد، يحاول أن يتمسك بها، وأن يشعر بملمس شفتيها في تلك اللحظة مرة أخرى.
*************************
وقف وحيد أمام مريم بضيق ظاهر، كأن الجدران من حوله تضيق عليه وتخنقه، لا يعرف كيف يحتوي تلك النيران التي اشتعلت داخله منذ أن علم الحقيقة. كان يتحرك ذهابًا وإيابًا في الغرفة بخطوات مضطربة وعنيفة، يمرر يده بين خصلات شعره بعصبية تكاد تقتلعها، وصدره يعلو ويهبط بأنفاس ثقيلة مشتعلة بالغضب. كان يشعر أن الدم يغلي في عروقه، وأن صورة أخته رقية وهي غارقة في دمائها لا تفارق عقله، وكأن الحقيقة التي اكتشفها الآن قد مزقت ما تبقى من اتزانه، فرفع رأسه ونظر إلى مريم بعينين تشتعلان حقدًا وتكلم بغضب شديد، وصوته يخرج متقطعًا من شدة احتقانه:
"يعني اللي قتلت اختي هي بنت الكلب دي؟ وانا زي المغفل بتكلم معاها وهي دم اختي على ايديها، اااه لو كنت اعرف انها هي، كنت شربت من دمها قبل ما الشرطة توصل ليها."
كانت الكلمات تخرج منه محملة بمرارة جارحة، وكأنه يعيد جلد نفسه قبل أن يجلدها هي. إحساسه بالعجز كان يقتله، ليس فقط لأن أخته ماتت، بل لأنه كان قريبًا من القاتلة ولم يعلم، وكان يتعامل معها وكأنها شخص عادي، بينما دم أخته ما زال عالقًا في يديها.
نظرت مريم إليه أولًا، ثم حولت بصرها إلى زين، وعيناها تضيقان في محاولة فهم ما يحدث، لكنها سرعان ما تماسكت، ومالت بجسدها قليلًا للأمام وهي تتحدث بهدوء بارد، ذلك الهدوء الذي كان دائمًا يخفي وراءه شرًا عميقًا:
"اهدا يا ابني، إذا كان هي ولا جوزها كده كده هنجيب حق رقيه منهم كلهم، وده دافع ليك علشان تنفذ اللي قولت عليه، وتحرق قلب جوزها على شرفه."
كانت كلماتها محسوبة، كأنها تلقي الزيت على النار لكنها بذكاء مدروس، تعرف كيف تستغل غضبه وتوجهه حيث تريد. لم يكن همها رقية، بل انتقامها الأكبر الذي تنتظره منذ سنوات، وكل ما يحدث الآن لم يكن سوى قطع جديدة توضع على رقعة لعبتها الكبيرة.
رفع وحيد عينيه نحو الفراغ أمامه، وعقله يرسم عشرات السيناريوهات للانتقام، وملامحه ازدادت قسوة، حتى بدا وكأن الرحمة انسحبت من وجهه تمامًا. أومأ برأسه ببطء، لكن ذلك الإيماء كان يحمل داخله وعدًا مرعبًا، ثم قال بصوت تقطر منه الكراهية والتوعد:
"يا حظها الاسود لو خرجت من المكان ده، هعملها احلى زفة على ذمة شرفها الغالي."
كان يقصد كل حرف قاله، بل كان يتمنى أن تخرج فقط ليبدأ معها حسابًا أسود لا نهاية له.
ثم شعر بالاختناق يزداد داخله، وكأن الهواء في المكان لم يعد يكفيه، فنظر إلى مريم بعينين متعبتين من فرط الغضب، وقال بصوت مختنق:
"أنا مخنوق هنزل اتمشى شوية."
لم ينتظر ردًا، بل استدار بسرعة واتجه نحو الباب، فتحه بعنف، ثم خرج منه وأغلقه خلفه بقوة جعلت صدى الصوت يتردد في أرجاء المكان.
ظلت مريم تتابعه بعينيها حتى اختفى، ثم التفتت ببطء إلى زين، وعلى وجهها علامات استغراب حقيقي هذه المرة، فقد كانت تشعر أن هناك شيئًا أكبر مما تعرفه، شيئًا لم يخبرها به بعد. نظرت إليه مليًا، ثم قالت بتساؤل واضح:
"هو ايه الموضوع؟ ايه دخل البنت دي؟"
أعتدل زين في مكانه بهدوء مستفز، وكأنه يشاهد انهيار الأحداث دون أن يتأثر بها، ثم حرك كتفيه بلا اكتراث وقال:
"معرفش اللي عرفته أنها كانت عندها قبل ما أقتلها على طول، وده ظهر فى كل الكاميرات."
أومأت مريم برأسها ببطء، لكن عقلها بدأ يعيد ترتيب الخطة من جديد. كانت تفكر بسرعة، وتزن كل خطوة، ثم قالت بضيق وهي تحاول استيعاب التغيير المفاجئ:
"بس كده هيغير شوية فى خطتنا، احنا كنا عايزين يلبسها ابن غريب وترنيم والبنت وحيد يقوم معاها بالواجب."
كانت خطتها تسير وفق مسار محدد، والآن الأمور بدأت تنحرف، وهذا ما كانت تكرهه أكثر من أي شيء؛ أن تفقد السيطرة على اللعبة.
نظر إليها زين ببرود قاتل، وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا، ثم قال بلا مبالاة:
"مش هتفرق يا خالتي، فى الاخر كل واحد فيهم هياخد اللي يستاهله وأكتر."
لكن مريم لم يعجبها ذلك البرود. كانت تعرف زين جيدًا، وتعرف أن تغير نبرته أو هدوءه غير المعتاد يعني أن هناك شيئًا يخفيه عنها. ضيقت عينيها أكثر، ثم قالت وهي تراقب ملامحه بعناية:
"انت فيه حاجة مداريها عليا؟"
رفع زين عينيه إليها، وثبت نظره عليها لثواني طويلة، وكأنه يتعمد أن يجعل وقع كلماته القادمة أشد قسوة، ثم قال بهدوء ثقيل:
"رنيم امبارح كانت مع ابنك شاهين فى الشقة."
ساد الصمت للحظة، لكن ذلك الصمت كان أشبه بصدمة مكتومة. رفعت مريم إحدى حاجبيها للأعلى، وعيناها اتسعتا بعدم تصديق، وكأنها لم تستوعب ما سمعته بعد، ثم قالت بدهشة ممزوجة بذهول:
"بسهولة كده!! أنا قولت اللي هيخلص كل حاجة بسرعة شاهين ابن بطني، اتصلوا بي بسرعة خليه يجي، ويجيب معاه الفلاشة اللي صورها ليها."
كانت لا تزال تتحدث وكأن الأمور ما زالت تحت سيطرتها، وكأن شاهين سيظهر الآن وينهي لها كل شيء كما اعتادت منه.
لكن زين ابتسم بسخرية مريرة، واقترب منها ببطء محسوب، وعيناه تراقبان ملامحها لحظة بلحظة، ثم قال بتهكم واضح:
"بنت سلطان الدسوقي، ضربت ابنك بالرصاص وهربت."
نزل الخبر عليها كالصاعقة القاتلة. شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، وتجمد جسدها بالكامل. اتسعت عيناها بصدمة مرعبة، وانحبس الهواء في صدرها، وبدا وجهها شاحبًا كأن الدم هجره دفعة واحدة. نظرت إليه بعدم تصديق، وصوتها خرج مرتجفًا ومختنقًا وهي تقول:
"انت بتقول ايه؟ انت اتجننت؟ مين ده اللي ضربته بالرصاص؟ رد عليااا وقولي أن ده كدب محصلش."
كانت عيناها تبحثان في وجهه عن تكذيب، عن إشارة واحدة تقول إن ما سمعته كذب، لكن ملامحه الباردة كانت كفيلة بتحطيم آخر خيط أمل لديها.
حرك زين رأسه بالنفي، ثم أرجع ظهره إلى الخلف بتراخي مستفز، وكأن الخبر لا يستحق كل هذا الانهيار، وقال بنبرة قاطعة:
"ابنك حبيب أمه، حتة بنت لا راحت ولا جات اقتلتة."
تراجعت مريم إلى الخلف، وبدأت تحرك رأسها برفض هستيري، وكأن عقلها يرفض استقبال الحقيقة، وشفتيها ترتجفان وهي تردد بصوت متقطع:
"كدب مستحيل يكون ده حصل مستحيل."
كانت ترى خطتها كلها تنهار أمامها، لكن ما كان يوجعها أكثر من الخطة هو ابنها، شاهين، ابنها الذي كانت تراهن عليه دائمًا، والذي لم تتخيل يومًا أن يسقط بتلك الطريقة.
أما زين، فاستقام بجسده، ولم يظهر على وجهه أي تأثر حقيقي، وكأن ما قاله مجرد معلومة عابرة، ثم قال بهدوء بارد:
"هحاول اعرفلك إذا كان مات ولا لسه عايش."
ثم استدار واتجه نحو الباب وغادر، تاركًا مريم وحدها في منتصف الغرفة، غارقة في صدمة ثقيلة، عاجزة عن التصديق، تشعر للمرة الأولى أن اللعبة التي كانت تحرك خيوطها بيديها بدأت تنقلب عليها، وأن النار التي أشعلتها في حياة الآخرين بدأت تقترب من بيتها هي.
هبطت رنيم من أعلى الدرج بخطوات مرتجفة، وكأن ساقيها بالكاد تحملانها، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بصورة مضطربة، ثقيلة ومختنقة، والخوف ينهش صدرها نهشًا منذ أن فتحت عينيها على حقيقة ما فعلته. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها تائهتين، كأن عقلها ما زال عالقًا في تلك اللحظة التي سقط فيها شاهين أمامها غارقًا في دمائه. نظرت حولها بتوتر واضح، فوجدت الفيلا ساكنة على غير عادتها، الصمت يطبق على المكان. أدركت أنهم ما زالوا مع جواد في المخفر، وأنها وحدها هنا مع فزعها وارتباكها وذنبها الذي يكاد يمزقها من الداخل. لم تمنح نفسها وقتًا للتفكير، بل تحركت سريعًا إلى الخارج، تركض كأنها تهرب من شيء يلاحقها داخلها قبل أن يكون خارجها، حتى وصلت إلى سيارتها وصعدت إليها، وقد انعقد بداخلها قرار واحد لا رجعة فيه؛ أن تعود إلى المكان نفسه، أن تعرف ماذا حدث، أن تطمئن إن كان قد أصابه مكروه أم أن القدر منحه النجاة، وكانت تتشبث بذلك الأمل بجنون، وكأنه طوق النجاة الوحيد لها.
أدارت السيارة وتحركت بها بسرعة جنونية، والطريق بدا طويلًا على نحو خانق، وكل دقيقة تمر عليها كانت كأنها دهر كامل من العذاب والترقب. كانت يدها على المقود ترتجف، وعيناها شاردتان بين الطريق وبين الصور التي تقتحم ذاكرتها بلا رحمة. وعندما وصلت بالقرب من البناية، أوقفت السيارة وترجلت منها، وقفت بعيدًا عن المكان، وعيناها تتحركان بقلق بالغ، تراقبان كل حركة، كل نافذة، كل باب، تبحثان عن أي علامة قد تمنحها إجابة تطفئ نار الخوف المشتعلة بداخلها.
وفجأة، وقبل أن تلتقط أنفاسها، شعرت بيد قوية تكمم فمها وتسحبها إلى بعيد. تجمد الدم في عروقها، وارتجف جسدها بعنف، وحاولت الفرار والصراخ، لكن الخوف شلها، والمفاجأة سلبتها القدرة على المقاومة، حتى سمعت صوتًا هامسًا بجوار أذنها يقول لها:
"اهدي يا رنيم أنا زين اخوكي."
ما إن استمعت إلى تلك الكلمات حتى هدأت قليلًا، وإن بقي جسدها يرتجف من أثر الرعب. بدأ ينزل يده عنها ببطء، ثم تحرك حتى وقف أمامها، يرمقها بنظرة فاحصة، وكأن ملامحها وحدها تكفي لتخبره أن كارثة قد وقعت، ثم تكلم بتساؤل:
"بتعملي أيه هنا يا رنيم؟"
رفعت إليه عينيها، لكن نظرتها كانت شاردة، ضائعة، كأنها لا تزال غارقة فيما حدث، ثم ردت عليه بصوت مرتعش يكاد يختنق من ثقل الاعتراف:
"ا أنا قتلت شاهين."
أظهر لها صدمة مزيفة بإتقان، واتسعت عيناه، وتكلم بعدم تصديق:
"انتي بتقولي ايه يا رنيم؟ انتي اتجننتي ازاي تعملي كده؟"
ارتجف جسدها أكثر، وانعقد لسانها للحظات قبل أن تتكلم، وصوتها يخرج مكسورًا من شدة الخوف:
"م مش عارفه يا زين عملت كده ازاي، ا أنا كنت متعصبه منه جامد بسبب اللي بيعمله معايا، ا اخد المسدس اللي انت ادتهولي، و وضربته بي، بس مش عارفه مات ولا لسه عايش."
ربت على يدها وكأنه يهدئها، بينما كانت أصابعها باردة كالجليد من شدة الرعب، ثم تكلم بهدوء:
"طيب اهدي اصبري انا هعرف إذا كان عايش ولا مات."
أومأت له برأسها بطاعة شبه غائبة، وظلت تفرك يديها ببعضهما بعصبية، تحاول أن تهدئ ارتجافهما، بينما كانت عيناها معلقتين به وهو يعبث بهاتفه، وكأن مصيرها كله متعلق بما سيسمعه الآن. وضع الهاتف على أذنه، وبعد لحظات تكلم بتساؤل وقال:
"عامل ايه يا سيد؟ بقولك كنت عايز اعرف حصل حاجه عندكم امبارح فى العمارة ولا ايه علشان سمعت كلام غريب كده."
جاءه صوت الرجل موضحًا:
"اه انت عارف رجل الأعمال شاهين الرواي؟"
أجابه سريعًا وقال:
"ايوه عارفه اكيد."
أكمل الرجل كلامه قائلًا:
"لاقوه مضروب بالرصاص امبارح فى شقته، البواب كلم الإسعاف وجات أخدته، وهو دلوقتي عمل العمليه خرجوا الرصاصه منه وبقى احسن."
نظر زين إلى رنيم، وحرك رأسه لها في محاولة لطمأنتها، وكانت هي تتابع ملامحه وكأن حياتها معلقة بها، ثم قال بتساؤل:
"طيب متعرفش مين عمل فيه كده؟"
أجابه الرجل بتوضيح:
"والله هو قال فى أقواله أن حرامي دخل عليه عمل فيه كده وهرب ومشافش وشه، بس البواب بيقول أن شاف واحده نازلة من عنده كلها دم وجريت، بس منعرفش هو قال كده ليه."
رد عليه بتساؤل:
"اسم المستشفى ايه بقى؟"
أجابه باسم المشفى، ثم رد عليه زين بشكر وقال:
"تشكر يا غالي أنا قولت مافيش غيرك هيطمني، اصل سمعت كلام كتير واشاعات كتير مافيش غيرك اللي بثق فى كلامه سلام يا سيد."
أغلق الخط معه، ثم نظر إلى رنيم التي كانت تقف أمامه كأنها تنتظر حكمًا على روحها، وقال:
"اهدي متخافيش لسه عايش وخرجوا منه الرصاصة وفاق كمان، وكمان رفض يعترف عليكي وقال إن حرامي هو اللي عمل فيه كدة."
خرجت زفرة طويلة من صدرها، كأنها كانت تحبس أنفاسها منذ الليلة الماضية، وانهمرت دموعها بغزارة، لكن هذه المرة كانت دموع نجاة مؤقتة، وارتباك ممزوج براحة مؤلمة، ثم تكلمت بصوت متقطع:
"الحمدالله يارب، أنا حاسه اني كنت فى كابوس وصحيت منه، أنا مش عارفه من غيرك كنت هعمل ايه، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك يارب."
ابتسم لها ابتسامة ذات مغزى، ثم قال:
"احنا ملناش غير بعض يا بت، عموما هو فى المستشفى وبقى كويس."
دعكت يدها ببعض بتوتر، وكأنها تحاول طرد بقايا الارتجاف منهما، ثم تكلمت بصوت مرتعش:
"م ممكن اعرف هو فى أنه مستشفى؟"
أومأ برأسه لها وقال لها الاسم، ثم تكلم باستعجال:
"هروح انا بقى ورايا مشوار مهم."
نظرت له باستغراب، وقد بدأت بعض الأسئلة تتحرك داخل رأسها، وقالت بتساؤل:
"انت عرفت منين مكاني؟"
أجابها بتوضيح ونبرة هادئة:
"مافيش انا وصلت فى نفس الوقت اللي انتي خرجتي فيه من البيت ناديت عليكي مردتيش عليا، مشيت وراكي بالعربيه لحد هنا علشان افهم فيه ايه."
أومأت برأسها وقالت:
"ماشي، روح انت يا حبيبي مشوارك وانا كمان همشي."
تحرك زين إلى السيارة وغادر بها، وظلت رنيم تتابعه بعينيها حتى ابتعد تمامًا، ثم تنهدت براحة ثقيلة، وصعدت إلى سيارتها وتحركت بها مسرعة إلى المشفى، وقد تملكتها رغبة عارمة في رؤيته بعينيها، لتتأكد أن كل ما سمعته حقيقي، وأنه نجا فعلًا.
وبعد وقت وصلت إلى المشفى، وقفت أمام البوابة للحظات، تتأملها بصمت، وكأنها تستجمع ما تبقى من شجاعتها قبل المواجهة. ترجلت وتحركت إلى الداخل، سألت عن غرفته، ثم صعدت إليها، وعندما وقفت أمام الباب شعرت بقلبها يخفق بعنف داخل صدرها، أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته ببطء محاولة أن تثبت نفسها، ثم طرقت الباب وفتحته ببطء.
وجدت شخصًا آخر يجلس معه، وما إن وقعت عينا شاهين عليها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، نظرة ممتلئة بمعنى لم تستطع تفسيره، ثم التفت إلى أخيه وقال:
"امشي انت دلوقتي يا مروان."
استقام مروان بجسده وتحرك باتجاه الباب، لكن قبل خروجه نظر إلى رنيم بغضب واضح، نظرة حادة حملت اتهامًا صامتًا، ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
انتفضت رنيم مكانها، وابتلعت ريقها بصعوبة، وظلت تضغط على حقيبة يدها بقوة حتى شعرت أن أصابعها توجعها، وكأنها تتشبث بها حتى لا تسقط. كان الصمت بينهما ثقيلًا ومربكًا، حتى تكلم شاهين أخيرًا وكسر الصمت قائلًا:
"ادخلي وقفه عندك ليه؟"
تحركت إلى الداخل ببطء، وكل خطوة كانت أثقل من سابقتها، حتى وقفت أمام السرير وتكلمت بشكر:
"ش شكرا، انك مجبتش سيرتي فى اقوالك."
حرك رأسه بالرفض وتكلم بنبرة مستفزة:
"بس انا مقلتش اسمك، علشان أنا اللي انتقم منك بطريقتي."
رفعت رأسها إليه بضيق، والغضب اخترق ارتباكها للحظة، وتكلمت بصوت غاضب:
"على فكرة بقى أنت لو مكنتش قربت مني وقتها، م مكنتش هعرف ادوس على الزناد، بس انت اللي قليل الادب ووقح."
رفع حاجبيه إلى الأعلى وتكلم بتهكم:
"يعني انتي جاية شقتي لحد عندي ومش عايزاني اقرب منك، وتقوليلي مكنتيش هتعرفي تقتليني، اومال كنت جايه ليه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"ك كنت جايه اقتلك ع على فكرة، بس اللحظة ليها هيبتها م مكنتش اعرف أنها صعبه كده."
تعالت ضحكات شاهين على طريقة كلامها، لكنها سرعان ما انعكست عليه ألمًا حادًا في جرحه، فوضع يده عليه وئن بصوت منخفض، فتبدلت ملامحها فورًا من الغضب إلى القلق، ونظرت له بتوتر، ثم اقتربت منه ببطء ومالت بجسدها عليه وتكلمت بتساؤل:
"ا انت كويس؟"
حرك يده سريعًا وأمسك يدها، ثم جذبها ليجلسها بجواره على السرير، ونظر في عينيها مباشرة، وقال بصوت هامس:
"كده بقيت كويس، عيونك علاجي يا رنيم."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وظلت تحدق به بتوتر شديد، تشعر بأنفاسها تتصاعد ودقات قلبها تكاد تخرج من موضعها، وتكلمت بصوت هامس:
"انت إزاي كده؟"
ابتسم لها بهدوء وتكلم بتساؤل:
"كده ازاي؟"
حركت رأسها ببطء وقالت بصوت هامس:
"قاسي وطيب فى نفس الوقت، صوتك فيه جمود غريب وفى نفس الوقت فيه حنيه عجيبه، كلامك مره يكون هادي وحلو ومرة يكون مؤلم ومخيف، انت ايه بالظبط؟"
حرك يده على وجينتها بحنية، ونظر بعينيها وقال:
"الإجابة كلها تتلخص في عيونك انتي يا رنيم، هما العالم بتاعي، هما مفتاحي."
ارتجف شيء عميق بداخلها تحت وقع كلماته، وشعرت أن قربه أخطر عليها من رصاصتها نفسها، فابتلعت ريقها بتوتر شديد، ثم انتفضت سريعًا من مكانها وتكلمت بتلعثم:
"ا أنا لازم امشي."
تحركت سريعًا إلى الباب، لكنها قبل أن تخرج استدارت له بنظرة مداعبة، اختلط فيها الارتباك بشيء جديد يتشكل بينهما، وقالت:
"شد حيلك بقى وارجع علشان، نبدأ التحدي من جديد."
ابتسم على كلماتها، وقال بمزاح:
"اجهز انت بس يا صغنن، وانا هكون جاهز على طول."
ابتسمت على كلماته، وكانت تلك أول مرة ترتسم فيها ابتسامتها بهذا الصفاء أمامه، ثم نظرت له نظرة مطولة، وكأنها تحفظ ملامحه في ذاكرتها، وخرجت من عنده وتركته.
أما هو، فظل بعينيه معلقتين على الباب الذي خرجت منه، وابتسامة هادئة تستقر على شفتيه، وتلك الدقة التي كان يكرهها ويحاول الهروب منها، أصبحت الآن أقرب شيء إلى قلبه، وصار يشعر براحة غريبة كلما حضرت، وكأن تمردها الذي كان يثير غضبه صار الآن الشيء الوحيد الذي يمنحه حياة جديدة.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع عشر
مرت عدة أيام...
كانت الأيام تمر ثقيلة، بطيئة، وكأن الزمن قد فقد قدرته على الحركة، تاركًا الجميع عالقين داخل دوامة من القلق والانتظار. وما زال التحقيق مستمرًا مع جواهر، وكل دليل يظهر، وكل شهادة تقال، كانت تشير إليها وتضيق الخناق حول عنقها أكثر، حتى بدا الأمر وكأن الحقيقة تحاك ضدها بخيوط محكمة لا منفذ منها. المحامون لم يتوقفوا عن البحث، يقلبون الأوراق، يراجعون التفاصيل، وينقبون عن أي ثغرة صغيرة قد تكون بابًا للنجاة، لكن الوضع كان يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، وكأن الأبواب تغلق واحدا تلو الآخر أمامهم.
جواد لم يتركها لحظة واحدة، كان كظلها، يرافقها في كل خطوة، يجلس بالقرب منها، يحاول أن يمنحها من حضوره شيئًا من الأمان الذي تآكل داخلها، بينما كان غريب وتامر يلازمان المكان أيضًا، يتابعان كل جديد بوجوه متجهمة وأعصاب مشدودة، يحمل كل منهما غضبه وقلقه بطريقته الخاصة. أما سمية وترنيم وأروى، فقد انقسمت أيامهن بين البيت والمخفر، يتحركن وفق ما أمرهم به غريب، وكأن الجميع صار يعيش داخل معركة صامتة، لا أحد يعرف متى تنتهي.
وعند رنيم...
حين علمت بما حدث لجواهر، شعرت بوخزة حادة داخل صدرها، خليطًا من الذنب والاختناق، فذهبت إليها أكثر من مرة، تحاول أن تراها، أن تقف بجوارها، أن تقول لها شيئًا يخفف عنها، لكن جواهر رفضت مقابلتها في كل مرة، وأغلقت الباب في وجهها، ليس باب الغرفة فقط، بل باب العلاقة بينهما أيضًا. ذلك الرفض ترك أثرًا مؤلمًا داخلها، شعرت معه بأنها أصبحت غريبة داخل مكان كان يومًا بيتها، ولهذا اتخذت القرار الذي كان يدور في رأسها منذ فترة، وهو أن تترك الفيلا وتعيش وحدها في مكان آخر، بعيدًا عن كل شيء. ورغم اعتراض ترنيم وسمية ومحاولاتهما المستمرة لإثنائها عن ذلك القرار، إلا أنها تمسكت به بعناد شديد، وكأنها تبحث عن مساحة تهرب فيها من نفسها قبل أن تهرب من الآخرين.
أما شاهين، فما زال داخل المشفى، يتعافى من أثر تلك الرصاصة التي كادت أن تنهي كل شيء، لكنها بدلًا من ذلك فتحت بداخله أبوابًا جديدة لم يكن مستعدًا لها.
وترنيم...
ابتعدت عنه بإرادتها، بعدما شعرت بشيء غريب يتسلل إلى قلبها نحوه، شعور لم تستطع تفسيره، لكنه كان يكبر كلما فكرت به، فاختارت الهروب، وقررت ألا تذهب إليه مرة أخرى منذ آخر لقاء جمعهما.
أما مروان، فقد ظل إلى جوار أخيه طوال الوقت، يطمئن عليه، ويتولى أمره، بينما كانت مريم تنتظر صوته كل يوم عبر الهاتف، وما إن تسمعه حتى تشعر بشيء من الراحة يعود إلى قلبها، ولو مؤقتًا.
وزين...
ما زال مستمرًا في لعبته مع رنيم، يرسم لها صورة الأخ الحنون، يخفي نواياه خلف كلمات دافئة واهتمام مصطنع، حتى تستمر في الوثوق به، وتمنحه ما يريد من معلومات بإرادتها الكاملة، دون أن تشعر أنها تسير بنفسها نحو الفخ.
وفي صباح يوم جديد...
استيقظت رنيم داخل شقتها الجديدة على صوت رنين هاتفها، كان الصوت حادًا وسط ذلك الصمت الثقيل الذي صار يملأ المكان. تحركت ببطء، وما زالت آثار النوم تثقل جفونها، مدت يدها نحو الهاتف فوق الطاولة المجاورة، التقطته بعشوائية، وأجابته دون أن تنظر إلى الشاشة، وصوتها ما زال مغمورًا بالنعاس والتعب:
"آلو السلام عليكم."
أتاها صوت رجولي من الطرف الآخر، صوت تعرفه جيدًا، يحمل تلك النبرة الساخرة التي باتت تميزه، وهو يقول لها:
"يا بختك انتي نايمة على سريرك فى اوضك، وانا نايم على سرير فى المستشفى."
اتسعت عيناها فورًا، وكأن النوم تبخر من جسدها دفعة واحدة، واعتدلت جالسة فوق السرير بسرعة، وقلبها خفق بعنف داخل صدرها، ثم نظرت إلى شاشة الهاتف بتوتر، وما إن رأت اسمه حتى شعرت بأنفاسها تتعثر داخلها. أغمضت عينيها للحظات، تحاول تهدئة اضطرابها، ثم أجابت بصوت مرتبك:
"ش شاهين! خ خير؟"
جاءها صوته هذه المرة أكثر هدوءًا، لكن سخريته كانت واضحة خلف كلماته، وهو يقول:
"مش المفروض تيجي تطمني على بصمتك اللي فى جسمي؟"
ارتجف شيء داخلها عند كلماته، وابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول أن تستوعب طريقته الغريبة في الحديث، ثم قالت بارتباك:
"ها!! ق قصدك ايه؟"
خفض صوته أكثر، حتى بدا لها وكأنه يقف بجوارها، يهمس داخل أذنها مباشرة، وقال:
"يعني انا قلتلك علاجي عيونك، وانتي تبخلي عليا بالعلاج ده ومتجيش تزوريني غير مرة واحدة بس."
زفرت بضيق، وشعرت بارتباك يختلط بانزعاج حقيقي من طريقته، ثم قالت بنفاد صبر واضح:
"انت عايز مني ايه يا شاهين؟ أنا مبقتش فهماك، يعني لو ده جزء من لعبتك، فبلاش ارجوك."
ساد الصمت بينهما لعدة ثواني، ثقيلًا ومربكًا، حتى شعرت أنه يفكر في شيءٍ ما، ثم أتاها صوته هادئًا، لكن يحمل شيئًا من الجدية هذه المرة:
"هستناكي تيجي النهارده فى المستشفى متتأخريش."
عقدت حاجبيها بضيق، وشعرت بالغضب يتسلل إليها من طريقته في تجاهل سؤالها، فقالت بسرعة وبحدة:
"ده ردك يعني؟ أنا مفهمتش حاجة؟"
أجابها باقتضاب بارد، وكأنه أنهى الحديث من جانبه:
"لما تيجي هرد عليكي."
وما إن أنهى كلماته، حتى أغلق الخط في وجهها دون أن يمنحها فرصة لإضافة حرف واحد.
ظلت تحدق في الهاتف لثواني طويلة، والغضب يشتعل داخلها، بينما كانت أنفاسها تتصاعد بحدة، وشعور غريب يضغط على صدرها، مزيج من الحيرة والارتباك والانجذاب الذي ترفض الاعتراف به. قبضت على الهاتف بقوة، ثم ألقت به بجوارها على السرير، وتمتمت بغيظ واضح:
"بني آدم مستفز، طيب مش رايحه واللي عنده يعمله، ها."
نهضت من فوق السرير بعصبية، وتحركت بخطوات سريعة نحو الحمام لتبدأ استعدادها للعمل، تحاول إقناع نفسها أنها لن تذهب، لكن في أعماقها كانت تعرف أن كلماته ما زالت تدور في رأسها، تزعجها، وتستفز قلبها قبل عقلها، وكأنه ترك حضوره داخلها رغم المسافة.
**************************
جلست جواهر على الأريكة بجوار جواد، بجسد منهك وروح مثقلة، ويداها ترتجفان ارتجافًا واضحًا لا تستطيع السيطرة عليه، وكأن الخوف تسلل إلى عظامها واستقر فيها. كانت نظراتها شاردة ومذعورة، تتنقل في الفراغ أمامها بلا تركيز، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، حارة وثقيلة، تحمل معها كل ما عجز صدرها عن احتماله. كانت شهقاتها متقطعة، أنفاسها مضطربة، وكأنها تغرق في بحر من العجز والظلم، ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا، وقد امتلأتا بانكسار موجع، وتكلمت من بين شهقاتها بصوت مرتعش يكاد يختنق من شدة الألم:
"مافيش فايدة يا جواد التهمة خلاص ثبتت عليا، مع أن والله العظيم مظلومة ومقتلتهاش، كل الأدلة عليا، مافيش ولا مخرج، أنا خايفة أوي."
ما إن سمع كلماتها ورأى ذلك الانهيار الواضح في ملامحها، حتى شعر وكأن شيئًا يمزق صدره من الداخل. لم يحتمل رؤية خوفها بهذا الشكل، فمد ذراعيه إليها سريعًا وأخذها داخل حضنه، ضمها بقوة وكأنه يحاول أن يحميها من العالم كله، أو ينتزع عنها ذلك الرعب الذي يلتهمها. أغمض عينيه للحظة وأخرج تنهيدة حارة مثقلة بالغضب والعجز، ثم تكلم بصوت مختنق، يحمل وجعًا أكبر مما أظهره:
"لا هيكون فيه مخرج أن شاءالله يا قلبي، أنا خلاص مش هعتمد على المحامين، أنا هنزل ادور على دليل برأتك بنفسي، ولو حكم الأمر هحاول اثبت التهمه عليا أنا وهدخل مكانك."
انتفضت بين ذراعيه ورفعت رأسها إليه بسرعة، وكأن كلماته أصابتها بصدمة جديدة، ثم أخذت تحرك رأسها بالرفض بعنف، والدموع ما زالت تنهمر فوق وجنتيها، وتكلمت من بين شهقاتها بصوت موجوع:
"ولا كده برضه هرتاح يا جواد، راحتي فى خروجنا احنا الاتنين من المكان ده."
تأمل وجهها طويلًا، ذلك الوجه الذي أنهكه البكاء والخوف، وشعر بوخزة حادة في قلبه وهو يرى كيف أصبحت مكسورة بهذا الشكل، فمال إليها وقبل رأسها بحنان عميق، كأنه يحاول أن يزرع فيها شيئًا من الطمأنينة، ثم تكلم بصوت يحمل غضبًا مكبوتًا يتصاعد داخله كالنار:
"اللي كان السبب فى دخولك المكان ده وحياتك عندي ما هرحمه وهدفعه تمن كل دمعه نزلت منك."
رفعت جواهر عينيها إليه، وتوقفت شهقاتها للحظة، وكأن شيئًا في نبرته جعل الشك يتسلل إليها. كانت تعرفه جيدًا، وتعرف متى يخفي شيئًا خلف هدوئه، لذلك نظرت إليه باستغراب واضح، وتكلمت بتساؤل متردد:
"أنت فيه حاجه مخبيها عليا يا جواد؟"
توترت ملامحه لجزء من الثانية، لكنه تمالك نفسه سريعًا، وحرك رأسه بالنفي على الفور، محاولًا أن يبدو طبيعيًا، ثم قال بصوت سريع وكأنه يريد إنهاء هذا السؤال قبل أن يتعمق:
"لا طبعا يا حبيبتي هخبي عليكي ايه بس، اهم حاجه متخافيش واجمدي كده انا احتمال اغيب يوم ولا اتنين بس هرجع بدليل برأتك."
ما إن سمعت كلمة "أغيب" حتى اتسعت عيناها بذعر، وكأن خوفًا جديدًا أشد قسوة هجم عليها، فابتعدت عن حضنه سريعًا ونظرت إليه برفض قاطع، وكأن فكرة ابتعاده وحدها كافية لتحطم ما تبقى من تماسكها، ثم قالت بصوت مرتجف ممتلئ برجاء موجع:
"لا لا اوعى تسيبني لوحدي يا جواد، أنا بستمد قوتي منك، علشان خاطري خليك جنبي فى وقت زي ده."
تأثر بكلماتها بشدة، وشعر بثقل المسؤولية فوق كتفيه أكثر من أي وقت مضى. مد يده وأمسك يدها المرتجفة بين يديه، ثم رفعها إلى شفتيه وقبلها بحب وطمأنينة، محاولًا أن ينقل لها من خلال لمسته وعدًا بالأمان، وتكلم بنبرة هادئة، لكنها ثابتة:
"مش هسيبك والله يا حبيبتي، أنا بس هغيب يوم او يومين بالكتير اوي، وان شاءالله أرجع بالمتهم الحقيقي."
تشبثت به بقوة، وكأنها تخشى أن يفلت من بين يديها بالفعل، وكانت نظراتها مليئة بالخوف عليه أكثر من خوفها على نفسها، ثم قالت بصوت مختنق بالدموع:
"أنا خايفه عليك يا جواد."
رغم النار المشتعلة داخله، ورغم الغضب الذي يكاد يفقده صوابه، إلا أن كلماتها لامست شيئًا دافئًا في قلبه، فارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، مليئة بالحب والاحتواء، ثم قال وهو ينظر إليها بعينين صادقتين:
"متخافيش عليا يا قلب جواد، حبك فى قلبي مقويني."
ثم جذبها إليه مرة أخرى وضمها داخل أحضانه بقوة، وكأنه يريد أن يثبت لها أنّه ما زال هنا، أنه لن يسمح لها بالانكسار، وقبل رأسها بحنو بالغ، بينما كانت عيناه تنظران إلى الفراغ أمامه، لكن داخلهما كان يشتعل وعيدًا وانتقامًا. في تلك اللحظة، لم يكن يرى أمامه سوى وجه مريم، وكانت نار الغضب تتأجج داخله وهو يحملها مسؤولية كل ما حدث، ويتوعد لها بصمت مرعب أنها ستدفع الثمن، مهما طال الوقت.
****************************
عند ترنيم...
كانت ترنيم تشعر بشيء غريب يتسلل إلى داخلها منذ ساعات، شعور ثقيل ومبهم، وكأن هناك مسافة خفية بدأت تنمو بينها وبين غريب، مسافة لم تعتد وجودها بينهما من قبل. كانت تراقبه بصمت، تتابع ملامحه المتعبة، ذلك الصمت الطويل الذي التف حوله كجدار صلب، ونظراته الشاردة التي لم تعد تصل إليها كما كانت دائمًا. شعرت باضطراب داخلي وهي تدرك أن هناك شيئًا تغير، شيئًا انكسر أو اهتز بينهما، لكنها لم تعرف كيف تصل إليه أو كيف تصلح ما حدث.
اقتربت منه ببطء، كانت خطواتها حذرة وكأنها تخشى أن تقترب أكثر فتكتشف حجم الشرخ الذي صنعته كلماتها السابقة. جلست بجواره على المقعد، وقلبها مثقل بالتوتر والندم، ثم التفتت إليه قليلًا وتكلمت بصوت منخفض، يكاد يحمل رجاءً خفيًا:
"غريب!"
لم ينظر إليها، ظل كما هو، مغمض العينين، مسندًا رأسه إلى الخلف فوق الحائط، وكأنه يحاول أن يهرب من كل ما يدور حوله، أو ربما من كل ما يدور داخله. لكنه أجابها بصوت هادئ، خافت، يحمل إرهاقًا واضحًا:
"امم، نعم يا ترنيم؟"
ترددت للحظة، وشعرت بأن السؤال الذي تريد طرحه صار أثقل من قدرتها على قوله، لكنها أجبرت نفسها أخيرًا، ونظرت إليه بتوتر واضح وقالت بصوت متردد:
"انت زعلان مني فى حاجة؟"
عقد ذراعيه على صدره بإحكام، وكأنه يغلق على نفسه أكثر، وما زالت عيناه مغلقتين، ثم قال بنبرة هادئة، لكنها باردة على غير عادته:
"مش وقته يا ترنيم، نخلص من موضوع جواهر ده، وبعد كده هيكون لينا كلام مع بعض."
شعرت بوخزة حادة في قلبها، لأنها فهمت فورًا ما يقصده. كانت تعرف جيدًا أن الجرح لم يمر عليه مرورًا عابرًا، وأن كلماتها تركت أثرًا أعمق مما توقعت. مدت يدها ببطء وأمسكت يده، كأنها تحاول أن تستعيد قربه من خلال تلك اللمسة، ثم قالت بصوت مثقل بالأسف والندم:
"أنا اسفه يا غريب، مكنتش اقصد اجرحك وقتها، ا أنا بس كنت منهارة علشان ابني، واللحظة دي غصب عني فكرتني بالماضي."
فتح عينيه أخيرًا، لكن ما رأته فيهما جعل قلبها ينقبض؛ كان الغضب واضحًا داخلهما، غضب مختلط بوجع قديم وحديث، وكأن كلماتها أعادت فتح جرح ظن أنه التأم منذ زمن. نظر إليها وتكلم بصوت مختنق، يحمل مرارة السنين:
"انتي اثبتي ليا أن مهما العمر اتقدم بينا، عمرك ما حبتيني ولا هتحبيني، وجودك جنبي دلوقتي علشان خاطر عيالك وبس، مع أن زمان خيرتك وقلتلك لو مش حابه نكمل مع بعض ابعد واسيبك، انتي اللي رفضي وقتها، وقررتي تكملي معايا بكامل إرداتك."
كانت كلماته كصفعة موجعة على قلبها، لأنها أدركت للمرة الأولى حجم ما يشعر به، وحجم الشك الذي حمله داخله كل تلك السنوات دون أن ينطق به. أسرعت بالكلام، وكأنها تخشى أن يبتعد أكثر، أو أن يصدق ذلك الظن:
"بحبك والله العظيم بحبك يا غريب، انت حاجة اساسيه فى حياتي مقدرش استغنى عنك، انت طول عمرك اكبر داعم ليا، وقفت جنبي كتير وسندني فى أصعب أوقاتي، أنت اماني فى الدنيا يا غريب."
كانت عيناها صادقتين، وصوتها يرتجف بصدق واضح وهي تنظر إليه مباشرة، ثم أكملت بنبرة أكثر ضعفًا وألمًا:
"صدقني أنا مكنتش اقصد اوجعك، أنا اسفه ليك بجد سامحني."
ظل ينظر إليها طويلًا، يبحث داخل عينيها عن الحقيقة، عن ذلك الشعور الذي انتظره منها طويلًا، وكان يشعر بصدق كلماتها، لكن الألم داخله كان أقوى من أن يلين بسهولة. ظل صامتًا للحظات، ثم تكلم بصوت مختنق، وكأن السؤال يخرج منه بصعوبة كبيرة:
"انتي لسه بتحبي سلطان يا ترنيم؟"
اهتزت مقلتاها فورًا، وكأن السؤال أصاب مكانًا حساسًا داخلها، وتوقفت أنفاسها للحظة. لم تهرب من السؤال، ولم تبحث عن كذبة مريحة، بل اختارت الحقيقة، لأنها تعلم أنه يستحقها. رفعت عينيها إليه وتكلمت بصوت صادق، هادئ، يحمل وجع الذكرى:
"هكدب عليك لو قلتلك لا، لأن سلطان مكانش مجرد إنسان عادي، ده كان عالم مكتمل بالنسبالي، كان بالنسبالي الاب والاخ والعم والخال وكل حاجه ليا، ولحد دلوقتي مش متقبلة فكرت موته، بس هو حاليا بالنسبالي، البنت اللي فقدت ابوها، إنما انت الامان والحب والاحتواء اللي ربنا بعته ليا فى عز احتياجي علشان تكون البلسم الشافي لجروحي، كفايه انك خلتني ام لاجمل وردتين، هو كان الحب اللي اتولد معايا من أول لحظة جيت فيها الدنيا، أما انت الحب اللي اخترت اكمل معاه بكامل إرادتي، ولو رجع بينا الزمن من تاني هختار أن أكمل معاك حياتي تاني وتالت."
استمع إليها بصمت، وكل كلمة كانت تصل إليه بوضوح، وكان يشعر أنها لا تكذب، أنها تضع أمامه قلبها كما هو، بكل ما فيه من ماضي وحاضر. شعر بصدقها، وشعر أنه مهم في حياتها كما قالت، لكن الجرح كان لا يزال حيًا، ولم يكن مستعدًا لمنح الغفران بهذه السرعة، أرادها أن تشعر بوجعه كما شعر هو بوجع كلماتها.
لذلك أجبر قلبه على القسوة، رغم أنه كان يلين لها من الداخل، وتكلم بنبرة حادة، فاصلة:
"عمومًا لا ده مكانه ولا ده وقته، لما نخلص من اللي احنا فيه نبقى نتكلم."
أنهى كلماته، ثم استقام بجسده وتحرك مبتعدًا عنها دون أن يمنحها فرصة أخرى للكلام، وكأنه يهرب قبل أن تخونه مشاعره ويسامحها.
ظلت ترنيم جالسة مكانها، تتابع ابتعاده بعينين مثقلتين بالحزن، وشعرت بثقل كبير يجثم فوق صدرها. زفرت بضيق وهي تدرك تمامًا أنها جرحته، وأن هذه المرة لم يكن الأمر ككل مرةٍ سابقة. كانت معتادة على غفرانه السريع، على احتوائه الدائم، على أنه يعود إليها مهما حدث، لكن هذه المرة بدا مختلفًا، أكثر وجعًا، وأكثر بعدًا.
اعتدلت في جلستها ببطء، وأسندت ظهرها إلى المقعد، وظلت تحدق أمامها بشرودٍ طويل، تستعيد كلماته واحدة تلو الأخرى، وتتساءل داخلها إن كانت قد دفعت اليوم ثمن كلمات قالتها في لحظة ضعف، لكنها أصابت قلبًا أحبها بصمت طويل.
**************************
بالشركة...
كانت رنيم تجلس على مقعدها داخل مكتبها، لكن جسدها وحده هو الموجود هناك، أما عقلها وقلبها فكانا في مكان آخر تمامًا؛ في تلك الغرفة البيضاء داخل المشفى، عند ذلك الرجل الذي أصبح يقتحم أفكارها دون إذن، ويبعثر ثباتها كلما حاولت أن تجمعه. كانت تشعر بتوتر حاد يضغط على صدرها، وكأن أنفاسها لم تعد تسير بانتظام منذ أن سمعت صوته صباحًا. قلبها كان يلح عليها بإصرار مؤلم أن تذهب إليه، أن تراه، أن تطمئن عليه بعينيها، بينما عقلها كان يقف في الجهة الأخرى، يقنعها بأن البقاء بعيدًا هو القرار الصحيح، وأن اقترابها منه لن يجلب لها سوى مزيد من الفوضى التي لم تعد تحتملها.
نهضت فجأة من مكانها بغضب، وكأنها تحاول أن تهرب من نفسها، وبدأت تتحرك في أرجاء المكان بخطوات مضطربة، تمرر يدها بين خصلات شعرها بعنف واضح، بينما كانت ملامحها مشدودة، وعيناها تعكسان حالة التمزق التي تعيشها. شعرت وكأن رأسها على وشك الانفجار من كثرة التفكير، وكأن كل فكرة بداخلها تصرخ أعلى من الأخرى، حتى فقدت قدرتها على التمييز بين ما تريده وما يجب عليها فعله. حركت رأسها برفض واضح، محاولة إسكات كل هذا الضجيج الداخلي، لكن التشتت كان أقوى منها، فأخذت حقيبة يدها بسرعة وخرجت تركض وكأنها تهرب من معركة خاسرة.
هبطت إلى الأسفل بسرعة، وصعدت إلى سيارتها، أدارت المحرك بعجلة وانطلقت بها، بينما الطريق أمامها كان ضبابيًا رغم وضوحه. كانت أصابعها تقبض على المقود بقوة، وعقلها يغلي كمرجل مشتعل، تتقاذفه الأفكار بين أن تذهب إليه، وبين أن تقاوم هذا الاندفاع الذي أصبح يسيطر عليها بشكل مخيف. كانت تحاول إقناع نفسها أن ذهابها إليه ضعف، وأن بقاءها بعيدة هو النجاة الوحيدة، لكن قلبها كان يسحبها إليه بلا رحمة، حتى شعرت وكأنها تفقد السيطرة على نفسها شيئًا فشيئًا.
وأخيرًا وصلت إلى أسفل البناية الخاصة بها، وكأن قرار الهروب إلى بيتها كان آخر محاولة للنجاة من ذلك الصراع الداخلي. ركضت إلى الداخل، وصعدت بالمصعد الكهربائي بسرعة، وما إن توقف عند طابق شقتها حتى خرجت منه مسرعة، فتحت الباب ودلفت إلى الداخل، ثم أسندت ظهرها عليه بقوة، وأغمضت عينيها وهي تحرك رأسها برفض، وكأنها تقنع نفسها أنها انتصرت هذه المرة ولم تذهب إليه.
لكن انتصارها لم يدم سوى لحظات.
انتفض جسدها كله عندما سمعت صوت طرقات على الباب.
استدارت ببطء شديد، وقلبها بدأ ينبض بعنف، شعور غريب تسلل إليها قبل أن تفتح الباب، كأن حدسها كان يخبرها بمن يقف خلفه. مدت يدها المرتجفة وفتحت الباب، وما إن وقعت عيناها عليه حتى اتسعتا بصدمة شديدة، كان يقف أمامها.
بهيئته الرجولية الطاغية، بحضوره الذي يخطف الأنفاس حتى الاختناق، وبنظراته التي كانت دائمًا تترك أثرًا غريبًا داخلها لا تستطيع تفسيره. تجمدت في مكانها تمامًا، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، وعيناها بقيتا معلقتين به دون أن تتحرك، بينما قلبها أخذ يضرب بعنف داخل صدرها.
لكن صوته الهادئ أعادها إلى الواقع وهو يقول:
"طيب ايه هتخليني واقف كده كتير؟ ده حتى لما جيتي عندي دخلتك من غير أي اعتراض."
فتحت فمها بعدم فهم، وقد خانها عقلها تمامًا وقالت:
"ها..."
حرك رأسه على طريقتها، وكأن ارتباكها بات شيئًا مألوفًا بالنسبة له، ثم أبعدها من أمامه وتحرك إلى الداخل وهو يقول لها:
"كنت متأكد انك مش هتيجي، جيت أنا بنفسي."
ظلت واقفة مكانها لا تتحرك، لا تتكلم، عيناها ثابتتان أمامها، وكأن وجوده المفاجئ داخل عالمها الخاص أصابها بحالة من الشلل الكامل، لم تستوعب حتى كيف دخل، ولا كيف سمحت له بذلك.
لكنها انتفضت بعنف عندما شعرت بصلابة ظهره يلتصق بها من الخلف وهو يغلق الباب، واقترابه المفاجئ منها جعل جسدها يتجمد، ثم سمعت صوته الهادئ الهامس بجوارها، ذلك الصوت الذي تسلل مباشرة إلى قلبها وأربكه:
"هو لدرجاتي ليا تأثير قوي عليكي؟"
ابتعدت عنه سريعًا، وكأنها تحاول استعادة مساحتها الضائعة، وتكلمت بصوت متقطع، يكشف ارتباكها رغم محاولتها إخفاءه:
"ا انت جاي ع عندي ليه؟"
تحرك إلى الداخل بثقة كاملة، وكأنه في بيته، وجلس على الأريكة واضعًا قدمًا فوق الأخرى، بينما كانت عيناه تراقبانها ببرود مستفز، ثم قال بسخرية:
"ليا زيارة عندك، مش انتي جيتي ليا فى بيتي؟ والصراحه كان فيه موضوع مكملتهوش."
أنهى كلامه بغمزة لئيمة.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقد فهمت مقصده فورًا، وشعرت بحرارة الدم تصعد إلى وجهها، وتكلمت بتلعثم واضح:
"ا انت قليل الادب ووقح على فكرة، م ممكن تمشي بقى مينفعش وجودك هنا."
تعالت ضحكاته، وكانت ضحكاته تزيد ارتباكها أكثر، ثم قال بصعوبة:
"انتي اللي دماغك شمال."
ثم أخرج السلاح من جيبه ووجهه إليها مباشرة وقال:
"أنا أقصد على ده."
اتسعت عيناها بصدمة، وتجمد الدم في عروقها للحظة، ونظرت إلى السلاح ثم إليه بعدم فهم وهي تقول:
"ا انت هتعمل ايه يا مجنون؟"
اقترب منها ببطء شديد، خطوة بعد خطوة، وعيناه مثبتتان عليها، بينما السلاح ما زال موجهًا إليها، حتى وقف أمامها تمامًا، قريبًا منها بشكل أربك أنفاسها، ثم مرر السلاح على شفتيها بحركة جعلت جسدها يرتجف رغمًا عنها، واقترب من أذنها وقال بصوت منخفض اخترقها بالكامل:
"متخافيش، انتي بقيتي إدمان ليا، ومقدرش استغنى عن الشفايف دول ولا عيونك اللي اسراني، انا رجعتلك سلاحك وبالطلقة اللي خرجت منه فى قلبي كمان."
أغلقت عينيها فورًا، وتعالت أنفاسها بشكل واضح، وشعرت أن الأرض تميد بها، وأن قدميها لم تعودا تحملانها، لكن ذراعه التف حول خصرها بسرعة وأسندها إليه قبل أن تسقط، وتكلم بثقة أربكتها أكثر:
"اوعي تحبيني يا رنيم، علشان هيكون وقتها الحب المستحيل."
انعقد حاجباها بعدم فهم، ورفعت عينيها إليه تبحث عن تفسير وسط هذا الجنون الذي يصنعه بكلماته، لكن قبل أن تتكلم، تفاجأت به يقترب منها ويطبع قبلة سريعة على شفتيها، خاطفة، لكنها كانت كافية لتربك عالمها بالكامل، ثم قال:
"للاسف ادمنتهم، وعلاجي منهم أصبح مستحيل."
ثم اقترب أكثر، وقبل عينيها برقة، وقال بصوت هامس جعل قلبها يرتجف:
"وعيونك اسرتني بطريقة خلتني أبقى سجينهم والغريب أني مش كاره ده، بالعكس حبيت دور الأسير، ومش عايز اتحرر منهم لحد اخر يوم فى عمري."
نظرت إليه بعينين غائمتين من شدة اضطراب مشاعرها، وكأنها فقدت قدرتها على فهم أي شيء، وتكلمت بصعوبة، وأنفاسها ما زالت غير مستقرة:
"أنا مبقتش فاهماك، تقولي متحبنيش، وبعدين تقولي كلام يوحي انك انت اللي كده."
ابتسم لها بهدوء، لكن خلف ابتسامته كان هناك شيء موجع، شيء ثقيل، ثم تكلم بنبرة منخفضة مثيرة:
"علشان مش هستحمل اشوفك بتتعذبي يا رنيم."
أنهى كلماته وابتعد عنها، وكأن اقترابه منها كان خطرًا عليه قبل أن يكون عليها. أمسك يدها، وقبلها بحب صامت، ثم وضع السلاح بيدها، وكأنه يعيد إليها شيئًا أخذته منه دون أن تدرك، ثم اتجه نحو الباب، واستدار إليها قبل أن يغادر وقال:
"أنا بقيت جارك فى الشقه اللي قصادك لو احتاجتي حاجة أنا موجود."
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
ظلت واقفة مكانها كأنها فقدت الإحساس بكل شيء حولها، لا تستوعب ما قاله، ولا تفهم ما يحدث معها، كان عقلها يدور في دوامة لا نهاية لها، وقلبها يصرخ بشيء لا تريد الاعتراف به. شعرت وكأنها تائهة وسط صحراء شاسعة، تحت شمس حارقة تذيب روحها ببطء، تنتظر انهيارها في أي لحظة.
نظرت إلى السلاح بين يديها، ثم رفعت أصابعها ببطء إلى شفتيها وكأنها ما زالت تشعر بأثر قبلته هناك، فتسارعت أنفاسها أكثر.
انتبهت أخيرًا إلى حالها، وتحركت سريعًا نحو غرفتها، جلست على سريرها، وأرجعت شعرها إلى الخلف بعصبية، ثم أخرجت زفرة طويلة وقوية، محاولة أن تفرغ بها تلك الحرب الصامتة التي اشتعلت داخلها، لكنها كانت تعلم في أعماقها أن هذه الحرب لم تبدأ اليوم، وأن نهايتها لن تكون سهلة أبدًا.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن عشر
في صباح يوم جديد...
استيقظت رنيم من نومها على صوت رنين هاتفها، وكان صوت الرنين يتسلل إلى وعيها ببطء، ينتزعها من دفء النوم الثقيل الذي كانت غارقة فيه. تحركت على الفراش بتكاسل، ومدت يدها تبحث عن الهاتف بعينين نصف مغلقتين، حتى التقطته وأجابت عليه بصوت ناعس، تختلط فيه بقايا النوم بالهدوء:
"السلام عليكم."
أتاها ذلك الصوت الذي بات مألوفًا لها في الآونة الأخيرة، الصوت ذاته الذي أصبح قادرًا على إرباك نبضها بمجرد سماعه، وقال لها بنبرة تحمل شيئًا من العبث المحبب:
"صباح الخير يا كسولة."
انتفضت من مكانها فورًا، وكأن صوته وحده كفيل بأن يطرد النوم من عينيها، واعتدلت في جلستها بسرعة، واتسعت عيناها وهي تحاول استيعاب أنه هو، ثم تكلمت بتلعثم واضح فضح اضطرابها:
"ص صباح النور، ا انت متصل ليه؟"
على الطرف الآخر، ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتيه، وقد تخيل ملامح ارتباكها دون أن يراها، ثم قال بصوت ثابت يحمل أمرًا لطيفًا:
"اطلعي البلكونه."
أومأت برأسها تلقائيًا، وكأنها نسيت للحظة أنه لا يراها، لكن صوته المازح جاء سريعًا ليكشف لها أنه حفظ ردود أفعالها حتى دون أن يراها:
"أنا متأكد انك بتهزي راسك دلوقتي ليا صح؟"
شعرت بالحرج من نفسها، وتوترت أكثر، وردت بسرعة محاولة الهروب من ارتباكها:
"ها...ا أنا طالعه اهو."
أغلقت الخط معه، وبقي الهاتف بين يديها للحظات بينما أنفاسها بدأت تتسارع بشكل غريب، وكأن مجرد فكرة أنه قريب منها الآن كانت كافية لإرباكها بالكامل. نهضت من على فراشها واتجهت نحو الشرفة، لكنها توقفت فجأة أمام المرآة، وكأنها تذكرت في اللحظة الأخيرة حالتها وهيئة استيقاظها.
نظرت إلى انعكاسها سريعًا، رفعت يدها ومشطت شعرها المبعثر بأصابعها، محاولة ترتيب خصلاته التي عبث بها النوم، وعدلت من مظهرها على عجل، رغم أنها لم تكن تريد الاعتراف لنفسها بسبب هذا الاهتمام المفاجئ. وبعد أن اطمأنت قليلًا، خرجت إلى الشرفة بخطوات مترددة.
وما إن رفعت عينيها حتى وجدته هناك.
يقف في شرفته المقابلة بهيبته المعتادة، حضوره الطاغي الذي كان دائمًا يربكها بطريقة لم تعتدها مع أحد. كان واقفًا بثقة كاملة، وكأن وجوده وحده يملأ المكان، وعيناه مثبتتان عليها منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها.
اقتربت منه قليلًا، تحاول أن تبدو طبيعية رغم التوتر الذي تسلل إليها فور رؤيته، وقالت بصوت مرتبك:
"خ خير."
رفع يده يحمل كوبًا به مشروب قهوة سريعة الذوبان، ومده نحوها عبر المسافة الفاصلة بين الشرفتين، ثم قال بهدوء:
"خدي اشربي ده علشان تفؤقي"
نظرت إليه بتوتر، تتأمل الكوب للحظة وكأنها لا تعرف كيف تتصرف، لكنه سبق خوفها بمزاحه المعتاد وقال:
"متخافيش مفهوش حاجة."
رغم توترها، كادت تبتسم على طريقته، ومدت يدها أخذت الكوب منه بحذر، ثم ارتشفت منه رشفة صغيرة، وما إن شعرت بدفء المشروب حتى ارتخت ملامحها قليلًا، وابتسمت له ابتسامة بسيطة وهي تقول:
"تسلم ايدك، شكرا."
ارتشف هو الآخر من كوبه الخاص، وعيناه لم تفارقا وجهها لحظة، ثم قال بنبرة هادئة كأنه يبدأ حديثًا عاديًا بينما يخفي خلفه اهتمامًا أكبر:
"المهم أنه عجبك، اتأخرتي ليه النهاردة على الشركة؟"
زفرت بضيق، وأسندت ظهرها على سور الشرفة، وكأن سؤاله أعاد إليها همومها الثقيلة، ثم قالت بصوت يحمل إرهاقًا واضحًا:
"بروح كل يوم قبل الموظفين وبحاول اشوف حل لشركة بس مافيش فايدة، برجع زي ما روحت، شكلها كده هفشل وهتتقفل قريب."
تغيرت ملامحه قليلًا، وشعر بوخزة حقيقية في قلبه وهو يرى ذلك الإحباط واضحًا في عينيها. لم يكن يحب رؤيتها منكسرة أو مهزوزة، فصوتها وحده وهي تتحدث عن فشل محتمل كان كافيًا ليترك أثرًا داخله. نظر لها بحب حاول إخفاءه، ثم تكلم بصوت هادئ:
"شكلك كده نفسك قصير أوي، مع ان كنت شايفك غير كده خالص."
رفعت عينيها إليه بضيق، وتكلمت بتهكم واضح وهي تلقي عليه جزءًا من المسؤولية:
"يعني ومين كان السبب فى اللي انا فيه ده؟ مش انت؟"
ابتسم لها، وحرك كتفيه بعدم اكتراث، وكأن اتهامها له يسليه أكثر مما يزعجه، ثم قال:
"لا، انتي اللي حضرتي العفريت، بس للاسف مش هتعرفي تصرفي."
ثم اقترب من سور الشرفة أكثر، وصوته انخفض حتى أصبح أقرب للهمس، لكن تأثيره عليها كان أشد من أي صراخ:
"علشان العفريت اتسحر بعيونك، وناوي يعيش عمره كله تحت تأثير سحرهم."
حركت رأسها بنفاد صبر، وقد بدأت تشعر أن كلماته تعبث بتوازنها في كل مرة، ثم قالت وهي تحاول التماسك:
"انت ناوي تجنني بجد، حاسه ان انا بتعامل مع بني ادم عنده انفصام فى الشخصية."
تعالت ضحكاته على كلماتها، وكانت ضحكته صافية، حقيقية، جعلت ملامحه أكثر دفئًا، وأكثر قربًا منها بشكل أربكها دون أن تشعر. وجدت نفسها تسرح فيه للحظات، تراقب ضحكته، نظراته، طريقته، وكأنها تنسى العالم كله وهي تنظر إليه.
بقيت على هذا الوضع حتى غمز لها بعينه وقال بمكر واضح:
"أيه؟ لدرجاتي عجبك؟"
انتبهت إلى نفسها فجأة، وكأن أحدهم أعادها إلى الواقع بعد شرود خطير، واتسعت عيناها بصدمة وارتباك، وشعرت بحرارة الخجل تصعد إلى وجهها، فاستدارت سريعًا وركضت إلى الداخل هاربة من الموقف كله.
لكنها توقفت فجأة بعدما انتبهت إلى الكوب الذي ما زال بيدها.
عادت إليه مرة أخرى بسرعة، ومدت يدها تعطيه الكوب وهي تتكلم بتلعثم ووجهها ما زال محتفظًا بحمرة خفيفة:
"ش شكراً!"
ثم عادت مسرعة إلى الداخل، لكن هذه المرة كانت ابتسامة مشرقة ترتسم على وجهها دون أن تشعر، ابتسامة خرجت منها بعفوية وكأن قلبها سبقها إليها.
أما هو، فظل واقفًا مكانه يتابعها بعينيه وابتسامة هادئة تعلو شفتيه حتى اختفت من أمامه، وكأن مجرد رؤيتها في الصباح كان كافيًا ليبدل مزاج يومه بالكامل. ثم أنزل نظره إلى الكوب الذي أعادته له، وتأمله للحظات، وكأن فيه شيئًا منها ما زال عالقًا به.
رفع الكوب ببطء إلى شفتيه، وارتشف منه متعمدًا، مستمتعًا بفكرة أن أنفاسها لامسته قبل أن يلامس شفتيه، وكأن قربها أصبح شيئًا يبحث عنه حتى في أبسط التفاصيل.
ثم تحرك إلى الداخل ليستعد للنزول، لكن ابتسامته لم تختفي، لأن صباحه بدأ بها، وهذا وحده كان كافيًا ليجعله أخف من المعتاد.
****************************
داخل المخفر...
خرجت جواهر من غرفة التحقيق وهي في حالة انهيار كامل، كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها دفعة واحدة بعدما سقط الحكم فوق رأسها كالصاعقة. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها غارقتين في بحر من الدموع، وأنفاسها متقطعة من شدة الاختناق الذي يعتصر صدرها. لم تكن تستوعب كيف تحولت في لحظة من امرأة تدافع عن نفسها إلى متهمة ثبتت عليها جريمة لم ترتكبها، وكيف أصبحت على بعد خطوات من السجن، ومن مصير مجهول يبتلعها ظلمًا.
كان العسكري يسير بجوارها، يدفعها بخطوات ثابتة نحو الإجراءات التالية، بينما كانت هي تلتفت بعينيها المرتجفتين في كل اتجاه، تبحث عن وجه واحد فقط، عن الشخص الذي كانت تنتظر وجوده في تلك اللحظة أكثر من أي شيء آخر، جواد.
كانت عيناها تتحركان بين الوجوه بلهفة ممزوجة بالخذلان، لكن غيابه كان أقسى من كل شيء.
وما إن وقعت عيناها على سمية حتى اندفعت نحوها كطفلة فقدت أمانها، وارتمت داخل أحضانها بقوة، وكأنها تتشبث بآخر ما تبقى لها من طمأنينة، وانفجرت بصراخ ممزوج بالدموع والقهر:
"خلاص يا ماما أثبتوا عليا الجريمة هتعدم يا ماما ظلم."
اهتز قلب سمية على صرخة ابنتها، وضمتها إليها بقوة أكبر، وكأنها تريد أن تحميها من العالم كله، لكن يديها المرتعشتين ودموعها المنهمرة كانت تقول إنها عاجزة عن فعل أي شيء. صرخت هي الأخرى بحرقة، وبكاؤها خرج من أعماق قلب أم ترى ابنتها تسحب منها نحو مصير لا تستحقه.
كان المشهد يمزق الأرواح؛ أم وابنتها تتعانقان وسط القهر، وكلتاهما عاجزتان عن تغيير شيء.
اقترب غريب منهما، وكانت ملامحه متجهمة بشدة، لكن الألم كان واضحًا في عينيه رغم محاولته الثبات. مد يده وربت على ظهر جواهر بحنان أبوي، وتكلم بصوت مختنق يحاول أن يبث فيها بعض الأمل رغم اختناقه هو نفسه:
"اهدي يا حبيبتي، متخافيش بس، والمحامين مش ساكتين."
رفعت جواهر وجهها إليه، ودموعها تغرق ملامحها، وعيناها تحملان خوفًا لم تعرفه من قبل، ثم تكلمت بين شهقاتها التي كانت تمزق كلماتها:
"يا أونكل أنا هترحل خلاص لسجن، هدخل مع المجرمين فى قضية ظلم معملتهاش."
كانت الكلمات تخرج منها كأنها اعتراف بالعجز، كأنها أخيرًا بدأت تدرك حقيقة ما يحدث، وأنها بالفعل على وشك أن تلقى في مكان لا يشبهها، بين مجرمين حقيقيين، وهي البريئة التي وقعت ضحية لعبة أكبر منها.
ثم بدأت تبحث بعينيها من جديد وسط المكان، وكأنها ما زالت تتمسك بأمل حضوره، وتكلمت بصوت مكسور يحمل عتابًا واحتياجًا في آنٍ واحد:
"جواد فين؟ من الصبح مشفتهوش."
نظر غريب حوله هو الآخر، وكأن السؤال أعاد إليه قلقه، ثم حرك رأسه بعدم فهم وقال بصوت متوتر:
"مش عارف من الصبح قال إنه مخنوق، وخرج هو وخاله تامر ومرجعش من وقتها."
ما إن سمعت كلماته حتى ازداد انهيارها، وتعالت شهقاتها بشكل مؤلم، وكأن غياب جواد في تلك اللحظة كسر آخر شيء كانت تتشبث به. تكلمت بصوت مبحوح من شدة البكاء:
"كنت محتاجة ليه اوي، كنت عايزه اشوفه للمرة الاخيره قبل ما اترحل."
كانت كلماتها كسكين غرزت في قلوب الواقفين، لأن الجميع فهم معنى "للمرة الأخيرة"، وفهم حجم الألم الذي تعيشه وهي تظن أن تلك قد تكون آخر لحظة قبل أن تنتزع من حياتهم.
لكن الشرطي لم يمنحها وقتًا أطول.
أرغمها على التحرك معه، وسحبها برتابة باردة لا تعرف الرحمة، بينما كانت قدماها تتحركان بصعوبة، وكأن كل خطوة تسحب معها جزءًا من روحها.
وفي تلك اللحظة، أمسكت ترنيم سمية بقوة قبل أن تنهار أرضًا، بعدما انفجرت الأخيرة بالصراخ والبكاء قهرًا على ابنتها، وكان صوتها يملأ المكان بوجع أم عاجزة، ترى ابنتها تساق إلى السجن ولا تستطيع انتشالها.
رفعت ترنيم عينيها إلى غريب، وكان نظرها يحمل رجاءً صامتًا، وكأنها تطلب منه أن يفعل شيئًا، أي شيء، لينقذ الموقف قبل فوات الأوان.
أخرج غريب هاتفه بسرعة، وأجرى اتصالًا بجواد، وقلبه ينبض بعنف مع كل ثانية تمر، لكن الهاتف كان مغلقًا.
اشتدت ملامحه غضبًا وقلقًا.
أعاد المحاولة مرة أخرى، لا شيء.
انتقل إلى رقم تامر، وانتظر الرد، لكن لا إجابة.
بدأ الغضب يمتزج بالعجز داخله، وضغط على الهاتف بقوة حتى كادت أصابعه تحطمه، ثم أخرج زفرة حادة محملة بضيق شديد.
رفع رأسه إلى المحامين الواقفين أمامه، وعيناه تقدحان غضبًا، وصوته خرج صارمًا يحمل أمرًا لا يقبل النقاش:
"تتصرفوا، وتوقفوا قرار ترحيلها ده بأي طريقه فاهمين."
أومأوا له سريعًا بطاعة، وقد فهموا أن الوقت لم يعد يحتمل أي تأخير، ثم خرجوا مسرعين يحاولون البحث عن أي ثغرة، أي دليل، أي شيء يمكن أن يعيد فتح التحقيق أو يؤخر الترحيل.
ظل غريب واقفًا مكانه يراقب أثرهم وهم يغادرون، بينما كان صدره يعلو ويهبط بعنف من شدة الضغط والغضب، ثم رفع يده إلى شعره وحركها بعصبية واضحة، وكأن كل شيء بدأ يفلت من بين يديه.
نظر مرة أخرى إلى شاشة هاتفه، وأعاد الاتصال بجواد، ثم بتامر، مرة بعد مرة، لكن الصمت كان هو الجواب الوحيد.
وذلك الصمت، كان يثير بداخله خوفًا أكبر من أي شيء آخر.
*************************
عند تامر وجواد...
وصلوا إلى المكان منذ ساعات طويلة، والوقت يمر عليهم ببطء قاتل، وكأن عقارب الساعة تتعمد تعذيبهم وهي تتحرك أمام أعينهم دون رحمة. جلس جواد داخل السيارة وعيناه معلقتان بمدخل البناية بلا انقطاع، يراقب كل حركة، كل وجه، كل ظل يمر أمامه، وكأن روحه معلقة بأي خيط قد يقوده إلى الحقيقة وينتشل جواهر من المصير الأسود الذي سحبت إليه ظلمًا. كان التوتر ينهش أعصابه نهشًا، والغضب يشتعل داخله بصمت، بينما الألم الذي يعتصر قلبه من صورة جواهر المنهارة أمامه لا يهدأ لحظة.
أما تامر، فكان يراقبه بصمت بين الحين والآخر، يرى ذلك الاحتراق الواضح في عينيه، ويدرك أن جواد لم يعد يتحرك بدافع العقل، بل بدافع رجل يحارب الزمن لينقذ زوجته من هاوية تبتلعها أمامه.
تكلم تامر بتساءل وقال:
"يا ابني احنا واقفين هنا من صباحية ربنا وكل ما نسأل عن اللي خرج واللي دخل يكونوا ساكنين فى العمارة عادي."
ظل جواد مثبتًا عينيه على مدخل البناية، وكأن صوته يخرج من عمق احتراقه الداخلي، وتكلم بتركيز شديد وقال:
"اكيد هيظهر حد من قرايبها فى الشقه، ما هو مش هيسيبوها مقفولة كده."
نظر له تامر بعدم فهم، وقد بدت الحيرة واضحة فوق ملامحه، وتكلم بتساءل:
"طيب وافرض أن ظهر حد من قرايبها؟ ده هيفدنا بأيه؟"
أجابه جواد بتوضيح، وعيناه لم تتحركا عن هدفه لحظة، وكأن داخله يقاتل بكل ما يملك:
"ما هو لو ظهر حد هيوصلنا لمريم دي، مش تبقى خالتها، وبابا أكد أنها هي اللي وراه الجريمة دي لو وصلنا ليها، يبقى نسلمها لشرطة وتخرج جواهر."
حرك تامر رأسه بعدم اقتناع، وأطلق زفرة ثقيلة وهو يشعر أن الطريق الذي يسلكونه أشبه بالمشي داخل متاهة مظلمة، ثم قال:
"مريم دي شيطانه، متتوقعش أنها تقع بسهولة كده، احنا علشان نوصلها محتاجين شهور، أو ربما كمان سنين، أنا مش بقول كده علشان احبطك، بس انا اكتر واحد عارف مريم وحفظها."
أغمض جواد عينيه للحظة وكأن الكلمات زادت حمله ثقلاً فوق صدره، ثم زفر بضيق شديد وتكلم بصوت مختنق بالألم:
"أنا لازم اوصل للقاتل الحقيقي يا خالي، جواهر اتبهدلت خالص فى المكان ده، وانا مش قادر استحمل اشوفها بتتوجع كده."
ربت تامر على ساقه بحنو، محاولًا تهدئته رغم اضطرابه هو الآخر، وقال بنبرة هادئة تحمل يقينًا:
"معلش يا جواد هي مسألة وقت مش أكتر، ربنا ميرضاش بالظلم ابدا."
نظر له جواد بعينين مثقلتين بالحزن والقهر، ثم اعتدل في جلسته وأدار السيارة، وكأنه استسلم لفكرة الانسحاب مؤقتًا، لكن فجأة تجمدت يده فوق المقود، وانقبض جسده بالكامل حين لمح وجهًا مألوفًا يدخل البناية.
ثبت بصره عليه للحظات، ثم اشتعلت عيناه بشيء يشبه اليقين.
نظر له تامر بعدم فهم وقال:
"فيه ايه يا ابني وقفت تاني ليه؟"
فتح جواد الباب بسرعة، ونزل من السيارة وكأن شيئًا داخله انفجر، ثم قال بصوت متوتر حاد:
"الشخص ده انا اعرفه، شفته مرة مع جواهر، اكيد ليه صلة بيهم."
أنهى كلماته وركض نحو البناية بخطوات غاضبة متسارعة، بينما ترجل تامر خلفه بسرعة وهو يحاول اللحاق به قبل أن يفعل شيئًا متهورًا.
دخلا البناية، ووقفا أمام المصعد يراقبان الأرقام التي تتحرك للأعلى، حتى توقف الرقم عند الطابق الذي توجد به الشقة، وهنا التفت جواد إلى تامر وعيناه تلمعان بانفعال وقال:
"مش قلتلك يا خالي، اهو وقف فى نفس الدور اللي فيه الشقه يبقى هو تبعهم."
دخلا المصعد الآخر، والهواء داخل المكان كان مشحونًا بتوتر يكاد يلمس، حتى وصلا إلى الطابق نفسه. خرج جواد مسرعًا بخطوات واسعة متحفزة، واتجه مباشرة إلى الباب وضغط الجرس بعنف، وما إن فتح الباب حتى اندفع كالإعصار.
لم يمنحه فرصة للنطق، انهال عليه بالضرب بكل ما اختزن داخله من غضب وقهر وألم، وكأن وحيد تحول أمامه إلى وجه كل من ظلم جواهر. كانت لكماته عنيفة، متتالية، محملة بحقد رجل يرى زوجته تسحق ظلمًا وهو عاجز.
اتسعت عينا تامر بصدمة، وركض نحوهما يحاول سحب جواد بعيدًا، لكنه لم يستطع، فقد كان جواد ممسكًا به كوحش جريح لا يرى أمامه سوى الانتقام.
تكلم تامر بغضب وهو يحاول ابعاد جواد عنه:
"يا ابني انت ابعد عنه الراجل هيموت فى ايدك، جوااااد، كفايه بجد."
وبعد مجهود شاق، استطاع أخيرًا إبعاده، وأمسكه بقوة بين ذراعيه يمنعه من العودة إليه.
كان صدر جواد يعلو ويهبط بعنف من فرط انفعاله، ويداه ملطختان بالدماء، وعيناه تشتعلان بجنون، وهو يحاول الإفلات من قبضة تامر، ثم صرخ بغضب:
"بقى طلعت معاهم يا خ** ده انا هطلع روحك بأيديا دول لو منطقتش، مريم فين؟"
كان وحيد ملقى على الأرض، أنفاسه متقطعة، والدماء تسيل من وجهه بغزارة، لكنه رغم الألم رفع رأسه ونظر إليه بنظرة مشتعلة بالحقد، ثم قال وهو يلهث:
"أنا معرفش حد اسمه مريم، بس وحياة اختي الغاليه لدفعكم التمن غالي اوي، وكل نقطة دم سالت من اختي هاخد بتارها منكم كلكم."
تجمد جواد لثواني، وكأن الكلمات أصابته بصدمة مفاجئة، ثم نظر له بعدم تصديق وتكلم:
"اختك!! هي رقيه اختك؟ ده انتوا عصابه بقى يا ولاد الكلب."
لكن ما إن استوعب المعنى الحقيقي خلف كلامه حتى اشتعل غضبه أكثر، وتكلم بصوت غاضب:
"تار أيه اللي بتقول عليه؟ انتوا تقتلوا القتيل وتمشوا فى جنازته، انتوا اللي قاتلنها، تكدبوا الكدبه وتصدقوها."
مسح وحيد الدم عن فمه بكم ملابسه، ورفع رأسه إليه بنظرة مشتعلة بالكره، ثم قال بغضب:
"مراتك الخاينه هي اللي قتلتها، بعد ما اختي شافتها معايا وكانت عايزة تقولك على الحقيقة."
كانت الكلمات كشرارة ألقيت فوق برميل بارود مشتعل. اشتعل جواد بالكامل، وتحولت ملامحه إلى كتلة غضب مرعبة، وبدأ يحاول الإفلات من قبضة تامر بجنون.
صرخ بصوت غليظ غاضب:
"اسم مراتي ميجيش على لسانك يا ابن الكلب، مراتي اشرف من عيلتك كلها، سيبني يا خالي اشرب من دم الع** ده."
لكن وحيد، وكأنه وجد ضالته، ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة شريرة، ثم نهض بصعوبة وأمسك هاتفه، وبدأ يعبث به حتى أخرج المحادثات القديمة، ومد الهاتف أمام جواد وقال:
"مراتك خاينه، ولما شفتنا مع بعض مكانش اول مرة نتقابل احنا اتقابلنا كتير اوي قبلها، وكانت على طول تحذرني بالرسايل اهي أن بلاش ابعتلها علشان انت متشوفش الرسايل وتعرف اللي ما بينا، قصادك اهو كل حاجة."
نظر جواد إلى الهاتف، وعيناه تتسعان شيئًا فشيئًا، بينما داخله يرفض التصديق تمامًا، لكنه شعر بطعنة موجعة، ليس شكًا بها، بل ألمًا لأنها أخفت عنه شيئًا كهذا.
أخرج صوتًا غاضبًا من أعماقه، وبدأ يسبه ببذاءة، ثم صرخ فيه:
"ليه هي اختك اللي كانت بتترمي فى حضني كل يوم؟ مراتي خط احمر ولو نطقت بحرف واحد عليها اقسم بالله هدفنك مكانك."
أغلق تامر عينيه لثواني، بعدما فهم اللعبة بالكامل، وشعر بقذارة الخطة التي حيكت لإسقاط جواهر.
ضغط على أسنانه بغضب، ثم قال بحسم:
"اهدا يا جواد أنا دلوقتي فهمت اللعبة القذرة اللي مريم بتلعبها."
ثم التفت إلى وحيد، وثبت عينيه فيه بقوة، وقال بصوت يحمل تهديدًا واضحًا:
"بص بقى يا ابني، احنا مقتلناش اختك، والموضوع ده مش هيطلع من تحت ايد خالتك مريم، هي اللي قتلت اختك، ومتستغربش علشان خالتك ألعن من الشيطان نفسه، وممكن تقتل أي حد علشان مصلحتها هي وبس، قولها تامر وغريب عرفوا انك لسه عايشه، وزي ما قدرنا نوقعها زمان هنقدر نخلص عليها دلوقتي، وانها لو فكرت تقرب من البنات ولا حد يخصنا هنمحيها من على وش الأرض."
أمسك جواد بقوة وأرغمه على التحرك رغم مقاومته وغضبه، ثم هبطا إلى الأسفل وسط أنفاس متوترة ومشاعر مشتعلة.
صعدا إلى السيارة، وجلس تامر خلف المقود، بينما جلس جواد بجواره كقنبلة موقوتة، ويده ترتجف من شدة الغضب.
وفجأة لكم لوحة القيادة أمامه بعنف حتى اهتزت السيارة، ثم صرخ بغضب:
"مخلتنيش اقتله ليه يا خالي؟ ده جاب سيرة مراتي على لسانه النجس ده."
تكلم تامر بنبرة هادئة رغم النار التي بداخله، محاولًا احتواء الموقف:
"اه اسيبك تقتله وبدل ما نحاول نخرج واحده نحاول نخرجكم انتوا الاتنين!"
مرر جواد يده في شعره بعنف، وكانت أنفاسه متقطعة، والغضب ممزوجًا بوجع داخلي، ثم قال:
"اااه يا ابن الكلب، هموت دماغي هتنفجر، أنا واثق فى جواهر جدا، بس كلامه وجعني اوي، حتى لو مجرد ابتذال منه بس رقم جواهر ده، معنى كده أنه حاول يبتذها، طيب ليه مجاتش تقولي، ليه خبت عليا؟"
نظر له تامر بعدم تصديق، وكاد يغضب من توقيت تفكيره هذا، ثم قال بحدة:
"لا بجد مش مصدقك! ده وقته بذمتك، خلينا دلوقتي فى الاهم أننا نثبت برأتها، وبعدين نبقى نشوف موضوع خبت عليك ليه."
ساد الصمت بعدها داخل السيارة، لكنه لم يكن صمت راحة، بل صمت مليء بالعواصف والأسئلة والوجع، ثم أدار تامر السيارة وانطلق بها سريعًا بعيدًا عن المكان، بينما جواد ينظر أمامه بعينين مشتعلتين، وقلبه عالق بين غضبه، وخوفه، وإيمانه بأن جواهر بريئة مهما حاولوا تلويث صورتها.
**************************
عند رنيم...
خرجت من الباب وهي تشعر بنشاط غريب لم تعهده في نفسها منذ وقت طويل، وكأن شيئًا خفيًا قد تسلل إلى روحها ومنحها خفة لم تعرفها منذ سنوات. أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم استدارت بعينيها نحو باب الشقة المقابل، وتوقفت نظراتها عليه للحظات طويلة، تتمنى في سرها، رغم عنادها وإنكارها، أن يخرج منه شاهين فجأة، أن تراه ولو صدفة عابرة قبل أن تبدأ يومها. كانت رغبتها تلك تربكها وتغضبها من نفسها، لذلك هزت رأسها سريعًا وكأنها تطرد فكرة محرمة من عقلها، ثم تحركت بخطوات سريعة تحاول الهرب من نفسها قبل أي شيء آخر.
مرت من أمام باب شاهين وقلبها يخفق بطريقة غير مريحة، وكأن الباب ذاته صار يحمل حضوره وهيبته. دخلت المصعد الكهربائي، وظلت طوال هبوطه شاردة، تتساءل في صمتٍ مرهق: متى صار وجوده مؤثرًا بهذا الشكل؟ ومتى أصبحت تبحث عنه بعينيها رغم كل ما بينهما من تعقيد وغموض؟
ما إن وصلت إلى الأسفل واتجهت نحو سيارتها حتى توقفت فجأة عندما اخترق سكون الصباح صوت مألوف جعلها تستدير على الفور. وما إن وقعت عيناها على زين حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة صادقة، ابتسامة من اعتادت وجوده سندًا وأمانًا، ولم تكن تعلم أن خلف ذلك الوجه ألف قناع.
"عامل ايه؟ وحشتني بقالك يومين مش ظاهر ولا بتتصل."
ابتسم لها بلؤم وقال:
"كنت بجهزلك مفاجأة يا قلب اخوكي."
شعرت بفضول طفولي يتسلل إليها، ونظرت له بعينين لامعتين وقالت بتساؤل:
"بجد يا زين؟ طيب ايه هي المفاجأة؟"
مد يده يداعب شعرها بابتسامة بدت دافئة في ظاهرها، لكنها كانت تحمل في عمقها سمًا خفيًا، وقال:
"وانا لو قلتها ليكي هتبقى مفاجأة، اصبري عليا وانتي هتعرفيها قريب."
انعقد حاجباها بحيرة، فقد كان في صوته شيء غريب، شيء جعل قلبها ينقبض دون سبب واضح، وقالت:
"أنا ليه حاسه انها مفاجأة غريبة؟!"
وفي تلك اللحظة، وكأن القدر كان ينتظر توقيته المثالي، انفتح باب البناية وخرج شاهين.
ظهر أمامهما بهيبته المعتادة، بحضوره الذي يسبق خطواته، بعينيه الحادتين اللتين ما إن وقعتا على زين حتى اشتعل داخلهما غضب واضح. كان جسده لا يزال يحمل آثار الإصابة، لكن حضوره لم يفقد شيئًا من قوته، بل ربما ازدادت صلابته.
ابتسم زين له ابتسامة ذات معنى، ابتسامة رجل يعرف جيدًا كيف يضغط على الجراح، وقال بنبرة لئيمة:
"حمدالله على السلامة يا شاهين باشا."
رد عليه بصوت غاضب:
"شكرا."
ثم حول نظره مباشرة إلى رنيم، وكأن وجود زين لم يعد يعنيه، وقال بتساؤل:
"لسه قدامك كتير على ما تمشي؟"
توترت رنيم من طريقته ونظراته، ثم قالت محاولة التوضيح:
"د ده اخويا زين."
اومأ برأسه وقال:
"عارف!"
ارتبكت ونظرت له باستغراب حقيقي، فمعرفته بتفاصيل حياتها أربكها، وقالت:
"عارف! ازاي؟"
ثبت نظره على زين أولًا بنظرة ضيق واضحة، وكأن بينهما حربًا صامتة لا تراها، ثم عاد بعينيه إليها وقال:
"أنا أعرف كل حاجة عنك من يوم ما اتولدي."
توقفت أنفاسها للحظة عند تلك الكلمات. لم تكن تعرف لماذا ارتجف قلبها هكذا، هل لأن كلماته حملت معنى الاهتمام؟ أم لأن طريقته في قولها جعلتها تشعر وكأنه يراقب تفاصيلها منذ زمن بعيد؟
انخفض بصرها بخجل، وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها، وابتلعت ريقها بتوتر، ثم أومأت برأسها وقالت:
"م ماشي، أنا همشي بقى."
ثم التفتت إلى زين وقالت:
"منتظرة اعرف ايه هي المفاجأة."
ابتسم بلؤم، لكن هذه المرة كانت عيناه معلقتين بشاهين وكأن حديثه موجه إليه أكثر منها، وقال:
"قريب اوي يا قلب اخوكي."
نظرت إليه، ثم نظرت إلى شاهين بخجل لم تستطع إخفاءه، وكأن وجوده صار يربكها أكثر مما ينبغي، ثم أسرعت إلى سيارتها وصعدت إليها وغادرت.
ظل شاهين واقفًا يتابع سيارتها بعينيه حتى اختفت تمامًا من أمامه. لم يتحرك، وكأنه كان يطمئن بعينيه أنها ابتعدت عن هذا المكان وعن هذا الحديث، لكن ما إن اختفت حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اختفت تلك النظرة الهادئة، وحل محلها غضب شرس.
استدار نحو زين بخطوات سريعة ومتوترة، ثم قبض على ياقة ملابسه بعنف حتى اختنقت أنفاسه، وجذبه إليه بعينين تقدحان نارًا، وقال من بين أسنانه بتحذير قاتل:
"اقسم بالله لو قربت منها ولا اذيتها همحيك من على وش الأرض."
لكن زين، رغم قبضة شاهين العنيفة، لم يتراجع. بل ابتسم باستفزاز، وكأنه استمتع برؤية غضبه، وقال:
"طيب ابقى قول الكلام ده لامك يا عم الحنين."
اشتعلت النار أكثر داخل صدر شاهين عند ذكر أمه، وشد قبضته حول عنقه بقوة أكبر حتى بدأت علامات الاختناق تظهر على وجه زين، وقال بصوت غاضب متحشرج من شدة القهر:
"أي حد هيفكر يقرب منها إذا كان انت ولا أيًا كان مين همحيه من على وش الأرض فاااهم."
ورغم الاختناق، ابتسم زين بصعوبة، ابتسامة متحدية تحمل يقينًا خبيثًا، وقال:
"هنشوف هتقدر تحميها ازاي من امك."
تجمد شاهين للحظة عند تلك الكلمات، لا خوفًا، بل لأن الحقيقة التي يحاول دفنها دائمًا عادت تضربه بقوة. كان يعلم أن الخطر الحقيقي ليس زين، بل تلك المرأة التي أنجبته.
دفعه بعنف شديد فسقط أرضًا بقوة، وأخذ يسعل بشدة يحاول التقاط أنفاسه، بينما وقف شاهين فوقه كإعصار على وشك الانفجار، وقال بغضب مشتعل، وصوت يحمل وعدًا لا تهديدًا:
"لو الدنيا كلها اجتمعت على أذية رنيم، أنا هحميها بعمري كله، ومحدش هيلمس شعرة واحده منها."
كانت الكلمات تخرج من أعماقه، صادقة، حارقة، تحمل من الخوف عليها أكثر مما تحمل من الغضب. وكأنه لأول مرة يعترف لنفسه قبل غيره أن رنيم لم تعد مجرد فتاة دخلت حياته صدفة، بل أصبحت نقطة ضعفه الوحيدة.
أنهى كلماته، واستدار سريعًا قبل أن يرى أحد ذلك الضعف المتخفي خلف غضبه، ثم صعد سيارته وأدار المحرك بعنف، وانطلق بها بسرعة جنونية، بينما داخله كان أكثر جنونًا من الطريق نفسه.
وفي الخلف، ظل زين جالسًا على الأرض، يمسح عنقه ببطء، وعيناه تتابعان السيارة المبتعدة، وعلى شفتيه ابتسامة شيطانية باردة، وكأن ما حدث لم يكن سوى بداية اللعبة، لا نهايتها.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل التاسع عشر 19 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع عشر
عند جواد...
ما إن وصل الخبر إلى جواد بأن جواهر قد تم ترحيلها إلى السجن، حتى شعر وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه دفعة واحدة، وكأن شيئًا داخله قد انهار بلا رجعة. لم يكن الخبر مجرد كلمات تقال أو إجراء قانوني ينفذ، بل كان صفعة قاسية ارتطمت بروحه، مزقت ما تبقى فيها من ثبات، وأطفأت آخر شعاع كان يتمسك به في داخله.
تراجع إلى الخلف بخطوات متعثرة، كأن جسده لم يعد قادرًا على حمل ذلك الثقل الجاثم فوق صدره، ثم سقط جالسًا على الأرض، عاجزًا عن الوقوف، عاجزًا حتى عن التفكير. ولأول مرة، أمام الجميع، انكسرت تلك الصورة الصلبة التي طالما عرفوه بها، ولأول مرة انهمرت دموعه دون مقاومة، دموع رجل لم يبكي يومًا إلا حين بلغ به العجز حد الاختناق.
كان يشعر أن شيئًا في داخله يسحق تحت وطأة الإحساس بالفشل، إحساس قاتل بالعجز، وكأن رجولته كلها تسلب منه في هذه اللحظة، لأنه لم يستطع أن يحمي المرأة التي أحبها، ولم يستطع أن يكون لها الحصن الذي وعدها به.
تكلم بصوت موجوع منكسر قائلا:
"أنا لاول مره احس اني ضعيف متكتف مش قادر أحمي حبيبتي، أنا مستحقش تحبني، مستحقش اعيش وهي محطوطة فى مكان زي ده."
كانت كلماته تخرج ممزقة، مشبعة بالألم، كأن كل حرف منها ينتزع جزءًا من قلبه. لم يكن يبكي فقط على جواهر، بل كان يبكي على نفسه، على عجزه، على انهياره أمام أول معركة حقيقية شعر فيها أن قوته لا تساوي شيئًا.
انكسر قلب غريب حين رأى ابنه بهذا الشكل، ذلك الابن الذي طالما عرفه قويًا، صلبًا، لا تهزه العواصف، يجلس الآن محطمًا كطفل فقد كل شيء دفعة واحدة. شعر غريب بوخزة حادة في صدره، وكأن ألم جواد انتقل إليه، لكنه أدرك أن لحظة كهذه لا تحتمل الضعف من الاثنين معًا.
انحنى بجسده نحوه، وربت على كتف ابنه بثبات، يحاول أن يبعث فيه بعض القوة التي تتسرب منه سريعًا، ثم تكلم بنبرة هادئة لكنها حازمة:
"مش جواد ضرغام اللي ينكسر بالشكل ده ودموعه تنزل على خده، انت ابن غريب ضرغام، وعلشان تستحق اللقب ده لازم تقوى، لازم تخلي عقلك يسبق عضلاتك، انت لو فكرت بالعقل شوية هتقدر تحمي مراتك وتخرجها من المكان ده، إنما انت كل حاجه عندك بالضرب والعنف، خالك تامر قالي على اللي انت عملته، انتوا بغبائكم ده بوظتوا الدنيا، مريم عرفت أننا عارفين بوجودها وده هيخليها تلعب على المكشوف، وللاسف المكشوف بتاعها اصعب مليون مرة من اللي بتعمله معانا دلوقتي، عموما خلينا دلوقتي نفكر بالعقل، ونشوف طريقه نثبت براءة جواهر بيها، وبعد كده نبقى نشوف مريم ناوية على ايه، واللعب معاها هيوصلنا لفين؟"
رفع جواد عينيه إليه بوجع خالص، نظرة رجل يتشبث بأي أمل يلقى إليه، لكن الألم كان أثقل من أن يحتمل، والخوف على جواهر كان ينهش صدره بلا رحمة.
نظر له بوجع وتكلم بنبرة مختنقة:
"يا بابا أنا مش هممني أي حاجه دلوقتي غير خروج جواهر، حتى لو هضحي بعمري كله."
كانت تلك الحقيقة الوحيدة داخله الآن. لم يعد العالم يعنيه، لم تعد المعارك الأخرى تعنيه، كل ما يريده أن يراها خارج ذلك المكان، بعيدة عن القضبان، بعيدة عن الظلم، بعيدة عن القهر الذي يلتهمها الآن.
زفر غريب بضيق، ثم استقام بجسده، وأجبر نفسه على الثبات رغم كل ما يعتصره من الداخل، وقال بصوت مختنق:
"قوم أصلب طولك الأول، وبعد كده تعالى نقعد بهدوء ونفكر فى طريقه نثبت بيها براءتها."
ظل جواد لحظات في مكانه، يحدق في الفراغ وكأن عقله يحاول استيعاب كل ما حدث، ثم استقام ببطء، وملامحه مشدودة بالغضب، وعيناه تمتلئان بشرر الانتقام، كأن الحزن تحول داخله إلى نار تأكل كل شيء.
"اقسم بالله لو شفت مريم دي هطلع روحها بأيديا، هو فيه شر بالشكل ده؟!"
تحركت ملامح غريب بمرارة ثقيلة، مرارة رجل يعرف جيدًا حجم الشر الذي يتحدث عنه ابنه، شر قديم لم ينتهي يومًا، بل عاد الآن بصورة أكثر ظلامًا.
اومأ برأسه وتكلم بصوت مختنق:
"انت مشوفتش حاجه منها لسه، مريم زمان كانت هتبقى السبب فى موتي وكانت هتموت جدتك، وليها بلاوي سودا، ده حتى المافيا مقدرتش عليها."
ارتجف شيء داخل جواد عند سماعه لتلك الكلمات. لأول مرة يدرك أن مريم ليست مجرد امرأة شريرة، بل إعصار خراب يسير على قدمين، وأن ما يواجهونه الآن ليس إلا البداية.
زفر بضيق ونظر إلى والده وقال بتساءل:
"طيب والعمل يا بابا، هنعمل ايه؟"
عقد غريب يديه خلف ظهره وشبكهما داخل بعضهما البعض، وبدأ يتحرك بخطوات بطيئة، وعقله يعمل بأقصى طاقته، يحاول جمع الخيوط المتناثرة قبل أن تضيع منهم جميعًا.
"مدام اخوها كان بيلعب على جواهر وهي كانت بتلعب عليك ومريم تبقى خالتهم، يبقى كده اكيد حد هيلعب على رنيم أو أخ..."
وتوقف فجأة.
تجمدت الكلمات في حلقه عندما مرت في عقله صورة أروى. صورة ابنته، ابنته التي قد تكون الهدف القادم. شعر بقلبه ينقبض بعنف، وكأن فكرة اقتراب الخطر منها وحدها تكفي لخنقه.
ابتلع ريقه بصعوبة، وأكمل بصوت أثقل من قبل:
"او اختك، احنا لازم نحميهم بسرعه، ومن خلالهم، ممكن نوصل لمريم، ونثبت براءة جواهر."
اتسعت عينا جواد وهو يستوعب خطورة الأمر، وشعر فجأة أن الوقت يركض ضدهم، وأن كل لحظة تأخير قد تكلفهم الكثير.
اومأ برأسه وتكلم سريعا:
"عندك حق يا بابا دلوقتي مافيش غيرهم هما الاتنين، واكيد حد تبعها هيلعب عليهم، خلينا منضيعش وقت، أروى فين؟"
اجابه بقلق واضح وقال:
"روحت مع امك عند سمية، علشان منهارة بسبب بنتها وأغمى عليها."
تنفس جواد بارتياح بسيط، مجرد معرفة أن أروى ليست وحدها خففت عنه قليلًا، لكنه لم يمنحه الطمأنينة الكاملة.
أومأ برأسه بأطمئنان وقال:
"تمام أروى متروحش الكليه خالص الفترة دي، وانا هحاول اعرف مكان رنيم، واحميها من بعيد وفى نفس الوقت اراقبها وأشوف إذا كان حد قرب منها الفترة دي يبقى اكيد تبع مريم."
رفع غريب عينيه إليه بنظرة صارمة، يعرف جيدًا طبيعة ابنه المتهورة، ويعرف أن أي خطوة خاطئة الآن قد تكلفهم الحرب كلها.
"اياك والتهور يا جواد، علشان منخسرش أي خطوة بنخدها."
أخفض جواد رأسه قليلًا، يحاول ابتلاع غضبه ووجعه معًا، لكن النار داخله لم تهدأ، ولن تهدأ قبل أن يخرج جواهر بيديه.
زفر بضيق وتكلم بصوت مختنق:
"حاضر يا بابا، أنا هروح اقعد فى الشارع علشان اكون جنب جواهر."
حرك غريب رأسه بالرفض وقال:
"مينفعش، ابقى روح فى الزيارة اطمن عليها، انما دلوقتي وجودك هناك هيكون زي قلته."
أغلق جواد عينيه بقهر، وكأن كل الأبواب تغلق في وجهه واحدًا تلو الآخر. كان يريد أن يراها، أن يطمئن عليها، أن يخبرها أنه لن يتركها، لكنه كان يعلم أن والده على حق.
اكتفى بأمأة خفيفة، ثقيلة، موجوعة، ثم استدار وغادر دون أن ينطق بحرف آخر، وكأن الكلمات كلها ماتت داخله.
ظل غريب ينظر إلى أثره طويلًا، ثم أطلق زفرة مثقلة بالحزن، وشعر لأول مرة أن الحمل الذي يحمله فوق كتفيه صار أثقل من أن يحتمل؛ ابنه المنكسر، زوجة ابنه المسجونة ظلمًا، وابنة قد تكون الهدف القادم، وعدو قديم عاد أكثر شراسة من ذي قبل.
وفي داخله كان يعلم جيدًا، أن القادم لن يكون سهلًا أبدًا.
**************************
عند رنيم...
جلست رنيم على مقعدها خلف مكتبها، تحدق أمامها بشرود عميق، بينما بدت ملامحها هادئة من الخارج، هدوءًا خادعًا لا يشبه أبدًا ما كان يضج به داخلها من اضطراب. كان السكون يلف المكان من حولها، إلا أن داخلها كان يعج بضجيج لا يهدأ، ضجيج أفكار متشابكة ومشاعر متزاحمة لا تعرف كيف تفك عقدتها. وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة صغيرة، خافتة، كأنها خرجت منها دون إذن، كلما تسللت إلى ذاكرتها تفاصيل ذلك الصباح؛ نظرات شاهين، طريقته في التحديق بها، ذلك الثبات الغريب في عينيه وكأنه كان يراها وحدها وسط العالم كله.
كانت تتذكره كما لو أن اللحظة لم تمر، وكأن الزمن توقف عند حضوره. كلماته لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت تستقر بداخلها كأنها وجدت لتوقظ شيئًا نائمًا في قلبها. نبرته الهادئة، ابتسامته الواثقة، حضوره الرجولي الذي كان يربكها حد العجز، كل ذلك كان يعود إليها الآن بصورة أوضح، بصورة جعلت أنفاسها تثقل شيئًا فشيئًا.
رفعت يدها ببطء نحو شفتيها، تتحسس موضع تلك القبلة التي باغتها بها، وكأنها تحاول التأكد إن كان أثرها قد زال أم لا، لكن الحقيقة أنها لم تكن على شفتيها فقط، بل كانت مطبوعة في أعماقها. وما إن استحضرت تلك اللحظة حتى اضطربت دقات قلبها بعنف، حتى خيل إليها أن صدرها لم يعد يتسع لها، وأن قلبها يكاد يفضحها بصوته المرتفع.
ارتجفت أناملها قليلًا، ثم أبعدت يدها سريعًا، وحدقت أمامها بعينين مضطربتين، تحاول أن تفهم ما يحدث معها، لكنها كانت تغرق أكثر كلما حاولت الفهم.
لماذا أصبح حاضرًا في كل تفصيل داخلها؟ لماذا صار تفكيرها يدور حوله بلا إرادة؟ ولماذا، كلما تذكرت نظرة منه أو كلمة قالها، شعرت بأن شيئًا بداخلها يهتز بعنف، وكأن قلبها لم يعد يطيعها كما كان؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تدرك، للمرة الأولى بوضوح موجع، أن هناك حقيقة تقف أمامها، حقيقة حاولت الهرب منها طويلًا، لكنها لم تعد قادرة على تجاهلها. كانت تعرفها، تشعر بها، لكنها كانت تخشى الاعتراف بها، لأن الاعتراف بها يعني أن كل الحواجز التي بنتها داخل نفسها ستنهار دفعة واحدة.
وقبل أن تغرق أكثر في دوامة هذا الإدراك المؤلم، دوى صوت هاتفها معلنًا عن اتصال جديد، فقطع ذلك الحبل المشدود بين عقلها وقلبها.
التقطت الهاتف ونظرت إلى الشاشة، وما إن وقع بصرها على اسمه حتى تبدلت ملامحها تلقائيًا، وعادت تلك الابتسامة ذاتها لترتسم فوق شفتيها، ابتسامة لم تستطع منعها مهما حاولت.
شعرت بتوتر خفي يسري في أوصالها، ثم أجابت بصوت متردد:
"ا ألو، السلام عليكم."
أتاها صوته الرجولي الذي هز قلبها من الداخل وهو يقول بأهتمام واضح: "اكلتي ولا لسه؟"
اتسعت عيناها قليلًا، ونظرت إلى ساعة يدها بدهشة، وكأنها بالفعل لم تشعر بمرور الوقت من شدة انشغالها به، به وحده، وكأن وجوده في رأسها سرق منها الإحساس بكل شيء آخر. وقالت بأستغراب:
"تصدق مأخدش بالي أن ده وقت الغدا."
جاءها صوته سريعًا، وكأنه كان ينتظر هذه الإجابة تحديدًا:
"طيب انزلي أنا مستني تحت."
انعقد حاجباها بدهشة، واعتدلت في جلستها دفعة واحدة، وكأن الكلمات أيقظتها من شرودها.
"تحت! بتعمل ايه؟"
تعالت ضحكاته على كلماتها، وكانت ضحكته تحمل تلك الخفة القادرة دائمًا على بعثرة اتزانها، ثم قال بمزاح:
"بتشمس."
ثم تكلم بنبره هادئة حنونه وقال:
"اكيد جاي علشان نتغدا سوا."
شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى قلبها مع كلماته، دفء غريب لم تعتده من قبل، دفء يجعلها تشعر بأنها مهمة، وأن هناك من يفكر بها حتى في تفاصيلها الصغيرة.
اتسعت ابتسامتها رغمًا عنها، وأومأت برأسها بالموافقة تلقائيًا، وكأنه أمامها فعلًا، يراها ويراقب أدق حركاتها.
وكأن بينهما رابطًا خفيًا يتجاوز المسافات، جاءها صوته سريعًا بمزاح:
"تمام، أنا شفتك وانتي بتهزي راسك بالموافقه، انزلي يلا متتأخريش."
أغلقت عينيها بخجل، وشعرت بحرارة تتسلل إلى وجهها، وزفرت بضيق خفيف من قدرته العجيبة على قراءة ما تفعله وكأنه يعيش داخلها.
نهضت من مكانها بسرعة، التقطت هاتفها، وعدلت ملابسها بيدين مرتجفتين قليلًا، ثم خرجت من المكتب واتجهت نحو المصعد.
كانت خطواتها هادئة من الخارج، لكن داخلها كان في سباق كامل؛ قلبها يسبقها إليه، وأنفاسها تتسارع مع كل ثانية تقربها منه.
هبطت إلى الأسفل، وما إن خرجت من المبنى ورأته حتى توقفت للحظة.
كان واقفًا بجوار سيارته، بهيبته المعتادة، بثباته، بحضوره الطاغي الذي يفرض نفسه على المكان دون جهد، وكأن مجرد رؤيته كافي ليقلب اتزانها كله.
ابتسمت له بخجل واضح، ثم اقتربت وقالت بتوتر:
"مكانش ليه لزوم تتعب نفسك، انا كده كده اكتر الوقت مش بتغدا."
عقد ذراعيه على صدره ونظر لها باهتمام حقيقي، اهتمام صادق لا يحمل تصنعًا، ثم قال:
"من هنا ورايح هتفطري وتتغدي وتتعشي، ومش مسموح ليكي بأي أهمال فى نفسك."
تسللت كلماته إلى قلبها بطريقة أربكتها، ليس لأنها جديدة عليها، بل لأن اهتمامه بها كان حقيقيًا لدرجة جعلتها تشعر بثقل تأثيره عليها.
ابتسمت بتوتر وتكلمت بتلعثم:
"و وايه سبب ا الاهتمام ده يعني؟"
أقترب ببطء إليها، ونظر إليها بنظرة جعلت أنفاسها تختنق داخل صدرها، ثم قال بصوت هامس:
"لانك الاول كنتي ملك نفسك، إنما دلوقتي انتي ملكيه خاصه ليا، ومش مسموح ليكي بالاهمال فى نفسك ابدا."
تجمدت للحظة كاملة.
شعرت وكأن الكلمات لم تمر عبر أذنيها فقط، بل اخترقت قلبها مباشرة، واستقرت هناك، تعبث بثباتها وتوقظ ما كانت تخشاه.
ابتلعت ريقها بصعوبه وتعالت دقات قلبها بشدة وكادت أن تخرج من صدرها وقالت:
"ب بس انا مش ملكيه خاصه لحد."
اقترب منها أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس وجهها، وصوته أصبح أكثر انخفاضًا، أكثر خطرًا على قلبها المرتبك. وقال:
"أنا ختمت بصمتي على شفايفك، وشاهين الراوي مادام حط ختمه على مكان بيكون صاحبه ملكية خاصة."
اتسعت عيناها على آخرهما، وشعرت بأن جسدها كله فقد قدرته على المقاومة، وكأن قربه كان يسلبها قدرتها على التفكير، ويجردها من كل دفاعاتها.
ثم بحركة مفاجأة أحاطها بذراعه قربها إليه وقال بنبرة حارة:
"عيونك صك ملكية خاصه بيا يا رنيم، وممنوع أي حد يقرب منهم، علشان وقتها أنا همحيه من على وش الأرض."
ارتجفت أنفاسها بعنف، وشعرت بحرارة تجتاح وجهها وعنقها، حتى خيل إليها أن العالم كله يسمع صوت قلبها الآن من شدة اضطرابه.
أرادت أن تتكلم، أن تعترض، أن تقول أي شيء يعيد إليها بعض اتزانها، لكن الكلمات خانتها تمامًا، وظلت شفتيها تتحركان بلا صوت، عاجزة عن ترتيب حرف واحد.
وكان ارتباكها الواضح، وخجلها المفضوح، ونظرتها الضائعة، كافيين ليزرعوا على شفتيه ابتسامة هادئة؛ ابتسامة رجل يعرف جيدًا ما يفعله بها، ويعرف جيدًا أنه بات يسكنها أكثر مما تتصور.
ابتعد عنها وصعد على مقعده امام المقود ووضع يده إلى عجلة القيادة، وكأن شيئًا لم يحدث، ثم قال بهدوء:
"أركبي يلا."
ظلت واقفه مكانها، أسيرة تلك اللحظة، أسيرة همساته وأنفاسه وقربه، وكأنها لم تستطع التحرر منه بعد.
حرك رأسه بأبتسامة وتكلم مرة اخرى:
"امم، شكلك عايزة ختم من بتوعي علشان أنعش قلبك اللي مسموع دقاته دي."
وما إن سمعت كلماته وفهمت مغزاها حتى انتفضت مكانها، وكأن نارًا اشتعلت تحت قدميها، ثم ركضت سريعًا إلى الباب وصعدت على المقعد المجاور له وأغلقت الباب بتوتر واضح.
تكلم بنبرة هادئة وقال بتساءل:
"تحبي تروحي تاكلي فى مكان معين؟ ولا اخدك أنا فى مكان على مزاجي؟"
احتاجت لثواني طويلة حتى تستعيد أنفاسها المبعثرة، ثم ردت بصعوبة:
"ا أي مكان م مش فارقه."
ظل محتفظًا بابتسامته الهادئة، تلك الابتسامة التي كانت تربكها أكثر من كلماته، ثم أدار السيارة وتحرك بها نحو أحد المطاعم.
جلست رنيم بجواره صامتة، لكن داخلها لم يكن يعرف الصمت أبدًا.
كان كل شيء بداخلها مضطربًا، متشابكًا، مشتعلًا بصورة لم تعهدها من قبل. كانت تحاول أن تهدئ نفسها، أن تعيد ترتيب أفكارها، لكن حضوره بجوارها كان كافيًا لإفساد كل محاولة.
كانت تائهة بين كلماته التي اخترقت قلبها بلا مقاومة، وبين خوفها الحقيقي من الاعتراف بما يحدث لها، لأن الاعتراف يعني السقوط الكامل.
أما هو، فكان يراقبها بطرف عينه طوال الطريق، يقرأ ارتباكها كما لو كان كتابًا مفتوحًا أمامه، يرى خجلها، ويرى ذلك التوتر الجميل الذي يفضح ما تخفيه، وكان يشعر بلذةٍ غريبة وهو يراها تسقط فيه شيئًا فشيئًا، دون أن تدري.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل، شعر شاهين أن الطريق مهما طال، لن يكون كافيًا، وأن هذه اللحظات القليلة بجوارها صارت أثمن مما كان يتوقع، حتى إنه وجد نفسه يتمنى، بصمت لم يعترف به لأحد، ألا تنتهي هذه الرحلة سريعًا.
**************************
عند جواهر...
جلست جواهر على الأرض الباردة، تضم ساقيها إلى صدرها وكأنها تحاول الاحتماء بنفسها من ذلك العالم الجديد الذي أُلقيت فيه قسرًا، وكانت عيناها تدوران في أرجاء المكان بارتعاد واضح، كأنها تبحث عن مخرج، عن نافذة، عن شيء يمنحها شعورًا بالأمان وسط هذا الاختناق الثقيل. كان جسدها يرتجف بطريقة غير طبيعية، ارتجافًا لم يكن من برد المكان، بل من ذلك الرعب الذي استقر في أعماقها منذ اللحظة التي أُغلقت فيها الأبواب خلفها وأدركت أن هذا الواقع صار واقعها.
كانت الجدران من حولها تضيق عليها شيئًا فشيئًا، حتى شعرت أن الهواء نفسه صار ثقيلًا، بالكاد يدخل إلى رئتيها. كل شيء هنا كان غريبًا، قاسيًا، موحشًا، وكل زاوية فيه تصرخ بالحقيقة التي كانت ترفض تصديقها؛ أنها أصبحت سجينة.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعرت بالعجز كاملًا.
لم تكن تخاف من السجن بقدر ما كانت تخاف من الظلم، من أن تدفن حياتها هنا وهي بريئة، من أن تضيع منها الأيام وهي تنتظر عدلًا قد يتأخر.
وفي وسط ذلك الخوف الكاسح، لم يخطر ببالها إلا جواد، احتاجته بجنون.
احتاجت حضنه، صوته، يديه حين يحتويها، نظرته التي كانت دائمًا تطمئنها أن كل شيء سيكون بخير. شعرت أن وجوده وحده كان قادرًا على انتشالها من هذا الرعب الذي يغرقها الآن.
لكن الحقيقة المؤلمة كانت أنه ليس هنا.
ولن يكون، اختنق صدرها بهذه الفكرة، وانهمرت دموعها بغزارة، وكأن كل ما كانت تحاول التماسك به انهار دفعة واحدة. تعالت شهقاتها بصورة مؤلمة، حتى صار بكاؤها يملأ المكان بصوت مكسور يشبه قلبها تمامًا.
كانت تبكي خوفًا، وجعًا، حنينًا، وقهرًا.
تبكي على حلم كان على بعد أيام من أن يصبح حقيقة، فإذا به يتحول إلى كابوس.
وفي وسط انهيارها، شعرت بيد تربت على ظهرها بحنو غريب لم تتوقعه في مكان كهذا.
رفعت رأسها بسرعة، لتجد امرأة تقترب منها بعينين تحملان مزيجًا من الشفقة والخبرة، وكأنها تحفظ هذا المشهد عن ظهر قلب.
تكلمت بأستغراب وربت على ظهرها بحنو وقالت:
"متخافيش يا حبيبتي، احنا هنا مش بناكل البني أدمين، تعالي اقعدي على السرير."
انتفضت جواهر مكانها بعنف، وكأن مجرد الاقتراب منها أخافها أكثر، وحركت رأسها بالرفض وتكلمت بصوت مرتعش:
"ل لا انا عايزه اقعد هنا."
كانت نبرتها تحمل خوفًا طفوليًا موجعًا، خوف إنسانة سحبت من حياتها الطبيعية وأُلقيت فجأة في عالم لا تعرفه.
ابتسمت لها المرأة بهدوء، تلك الابتسامة التي تحمل صبر السنين، ثم جلست بجوارها على الأرض، وكأنها أرادت أن تطمئنها بأنها لا تنوي إجبارها على شيء، وتكلمت بنبرة حنونة:
"أنا زينات كل اللي هنا بيعتبروني زي امهم، حتى العساكر هنا، بيعملوا ليا مليون اعتبار، اصل عمري كله مقضياه هنا."
رفعت جواهر عينيها إليها، وكانت الدموع لا تزال معلقة بأهدابها، لكنها شعرت بشيء من الارتياح يتسلل إليها، ربما بسبب دفء صوتها، أو بسبب تلك الطمأنينة الغريبة التي تحملها ملامحها.
نظرت لها بدموع وقالت:
"ا ازاي قادرة تعيشي كل ده فى مكان زي ده؟ ده انا حاسه ان المكان ضيق اوي ويخنق."
خرجت كلماتها مثقلة بالاختناق الحقيقي، لأنها لم تكن تتحدث عن المكان فقط، بل عن شعورها الداخلي، عن روحها التي بدأت تضيق هي الأخرى.
اومأت زينات برأسها، وكأنها تعرف هذا الشعور جيدًا، أكثر مما تتصور جواهر، ثم تكلمت بنبرة هادئة:
"حاسه بيكي وبتفكريني بنفسي أول يوم دخلت هنا، كنت خايفه زيك كده واخد وقت كبير على ما اتأقلمت على المكان ده، ولاقيت أن مافيش فايدة من دموعي كده كده حكم المؤبد واجب النفاذ ومافيش خروج منه وبقيت زي ما انتي شايفه كده."
استمعت جواهر إليها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، مؤبد.
كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تمزق ما تبقى من ثباتها، لا، هي لا تستطيع.
لا تستطيع تخيل أن تتحول حياتها كلها إلى هذا المكان، إلى هذه الجدران، إلى هذا السرير، إلى هذا الانتظار القاتل.
حركت رأسها بالرفض سريعًا، وكأنها ترفض الفكرة نفسها، وتكلمت بدموع:
"لا لا انا مش عايزه اقضي عمري كله فى مكان زي ده، ا أنا كنت خلاص هيتحدد ميعاد فرحي وهتجوز الشخص اللي بيحبني وانا بعشقه، امي ملهاش حد غيري دلوقتي، وجودي هنا صعب عليا وعليهم."
خرجت كلماتها مكسورة، متعثرة، تحمل حجم الفقد الذي تشعر به.
كانت ترى حياتها أمامها كأنها فيلم ينتزع منها بالقوة.
فستانها الأبيض الذي كانت تحلم به.
بيت صغير يجمعها بجواد.
أمها التي كانت تنتظر فرحتها.
كل شيء صار معلقًا خلف هذه القضبان.
ابتسمت زينات لها بحنو، وكأنها ترى في عينيها صورة قديمة من نفسها، ثم قالت بتساءل:
"انتي مخطوبة؟"
نظرت جواهر إلى إصبعها تلقائيًا، إلى المكان الذي كان يحتضن خاتمها قبل أن ينتزع منها عند دخولها، وشعرت بألم غريب وهي تدرك أن حتى رموز حياتها القديمة سلبت منها، وقالت بدموع:
"مكتوب كتابي، وكنا خلاص هنحدد الفرح."
كان في صوتها حنين موجع، وكأنها تتحدث عن حياة لم تعد تخصها.
ربتت زينات على يدها بحنو، وكأنها تمنحها بعض القوة، وقالت:
"سبيبها على ربنا اللي لا بيغفل ولا بينام، وما بين الليل والنهار قادر ربك يغير الحال ويقلب الموازين."
تعلقت جواهر بهذه الكلمات كما يتعلق الغريق بأي شيء يطفو أمامه.
رفعت عينيها إلى الأعلى، وقد اختلطت دموعها برجائها، وتعالت شهقاتها وتكلمت بصعوبه:
"يارب انت بس اللي تعرف اني مظلومة ومعملتش كده، أظهر براءتي وخرجني من هنا فى أقرب وقت."
خرج دعاؤها من قلب مكسور، من روح أنهكها الخوف، وكأنها تلقي بثقلها كله إلى السماء لأنها لم تعد تملك شيئًا آخر.
مسحت زينات دموعها وتكلمت بنبرة حنونة:
"ايوه كده طول ما انتي قاعدة، ادعي ربنا كتير، قومي يلا يا حبيبتي تعالي على السرير اللي جنبي، كان بتاع واحده لسه خارجه امبارح عقبالك يارب."
نظرت جواهر إليها بامتنان حقيقي، امتنان لإنسانة غريبة منحتها بعض الطمأنينة في أكثر لحظاتها ضعفًا.
أومأت برأسها ونهضت ببطء من على الأرض، وكانت ساقاها ترتجفان من أثر الانهيار والخوف، ثم تحركت معها نحو السرير وجلست عليه.
ضمت قدميها إلى صدرها مرة أخرى، بنفس تلك الحركة التي تحتمي بها من العالم، وأسندت رأسها إلى الحائط خلفها.
وظلت صامتة، صامتة تمامًا.
لكن عقلها لم يعرف الصمت.
كانت تنظر أمامها بأعين شاردة، تفكر فيما هو آت، تفكر في أمها، في جواد، في حياتها التي توقفت فجأة، وفي الغد الذي صار مجهولًا بصورة مرعبة.
وكان الشيء الوحيد الذي تتمسك به الآن، وسط هذا الظلام كله، هو إيمانها بأن الحقيقة لا بد أن تظهر يومًا، حتى لو تأخر ذلك اليوم.
***************************
عند مريم...
كانت مريم في حالة من الانفعال لم تبلغها منذ سنوات طويلة، حالة نادرة عليها، حتى وهي التي اعتادت ضبط غضبها وتطويعه لخدمة خططها، لكنها هذه المرة شعرت بأن شيئًا ما ينفلت من بين يديها، شيئًا كانت تظنه ملكًا خالصًا لها، فإذا به يتمرد عليها لأول مرة.
شاهين، ذلك الذي صنعته بيديها، وغرست داخله بذور الكراهية كما يغرس السم في الجسد قطرة قطرة، حتى يفسد الروح كلها. ربته على الحقد، غذته بالغضب، وسقته رواياتها المشوهة حتى جعلت الانتقام غايته الوحيدة، لكنه الآن، ينحرف عن الطريق الذي رسمته له.
وما زاد اشتعالها هو كلمات زين، حين نقل لها ما قاله شاهين، ونبرته، وغضبه، وحمايته العنيفة لرنيم، ونظراته التي لم تعد تخطئها عين، نظرات رجل وقع في الحب حد الهلاك.
وهنا شعرت مريم بشيء لم تعهده كثيرًا، الخوف.
الخوف من أن تخسر سيطرتها عليه.
الخوف من أن يهدم الحب ما بنته هي بالكراهية طوال سنوات.
كانت جالسة على مقعدها المتحرك، لكن داخلها كان يغلي كبركان على وشك الانفجار، أصابعها تضرب بعنف على ذراع المقعد، وعيناها تقدحان بشرر حاد، وكأنها ترى أمامها انهيار مخطط كامل بسبب فتاة واحدة.
كانت أنفاسها متلاحقة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وداخل رأسها تدور الأفكار كدوامة سوداء، وكل فكرة منها أكثر قسوة من الأخرى.
كيف استطاع أن يضعف؟
كيف سمح لقلبه أن يتورط؟
كيف أحب ابنة من تريد تحطيمهم؟
بالنسبة لها، الحب لم يكن إلا نقطة ضعف، ثغرة قاتلة، وسقوطًا مذلًا.
ولهذا، حين أدركت أن شاهين قد وقع في هذا الفخ، شعرت برغبة وحشية في سحق مصدر هذا الضعف قبل أن يستفحل أكثر.
طرقت بيدها على يد المقعد المتحرك بعنف، حتى كادت عروق يدها تبرز من شدة الضغط، ثم تكلمت بصوت غاضب:
"ما هو لو متراجعش عن اللي بيعمله ده هحرق قلبه على السنيورة بتاعته، بس قبل ما احرقه هعذبها وهخليه يشوف كرهها ليه في عنيها ولو هو شاهين الرواي فأنا مريم أمه اللي لو عاش عمرة كله مش هيفهم ايه اللي فى دماغها."
خرجت الكلمات منها محملة بسم خالص، لا يشبه مجرد الغضب، بل يشبه وعيدًا حقيقيًا، وعهدًا بالخراب.
أما زين، فكان على النقيض منها تمامًا.
هادئًا، ثابتًا، يراقب ثورتها بعين باردة، وكأن غضبها هذا مجرد خطوة متوقعة في معركة أكبر.
كان يعرف جيدًا أن المواجهة المباشرة مع شاهين الآن لن تجلب لهم إلا الخسارة، فالحب حين يصل إلى هذه المرحلة، يجعل صاحبه أكثر شراسة، وأكثر استعدادًا للقتل من أجل من يحب.
ابتسم بهدوء، تلك الابتسامة التي تحمل خبثًا مدروسًا، ثم قال:
"معتقدش يا خالتي انتي مشوفتيش نظرة الحب اللي فى عيونه، نظرة بتقول انه مستعد يهد الدنيا كلها لو اتلمس شعرة منها، كلامه مكانش مجرد تهديد، دي حقيقه هتحصل، وانا من رأي العصبيه مش هتجيب نتيجه معاه، احنا ممكن نبوظ كل حاجه، بس بتخطيط وتكنيك هادي هنقدر نرجع كل حاجه فى مكانها الصح."
ضيقت مريم عينيها وهي تنظر إليه، تحاول التقاط ما بين سطور حديثه.
كانت تعرف زين جيدًا، وحين يتحدث بهذا الهدوء، فهذا يعني أنه يخفي وراءه شيئًا أكبر، شيئًا أخطر.
توقفت يدها عن الطرق على المقعد، ومالت بجسدها قليلًا نحوه، وكأنها تمنحه كامل انتباهها، بينما عقلها بدأ يعمل بسرعة، يحلل، ويربط، ويتوقع.
لكن زين لم يترك لها مساحة طويلة للتفكير.
بل قطع الطريق على تساؤلاتها، وهو يطلق قنبلته التالية بصوت ثابت:
"أنا عندي فكرة هتقلب الموازين كلها لصالحك، ومدام كده كده غريب عرف أنك لسه عايشه فده وقت الظهور وتحريك اول قطعة شطرنج على اللوحة علشان اللعبه تكون فى مصلحتنا احنا."
سكنت ملامحها للحظة، لحظة قصيرة جدًا.
لكنها كانت كافية لتتغير نظرتها بالكامل.
وكأن قطعة ناقصة في عقلها اكتملت فجأة، فهمت.
فهمت تمامًا ما يقصده، وفور أن استوعبت الفكرة، بدأت ملامح الغضب تتبدل ببطء إلى شيء أكثر رعبًا، الرضا.
ذلك الرضا المخيف الذي لا يظهر على وجهها إلا حين تولد داخل رأسها خطة جديدة للدمار.
ارتسمت ابتسامة شر بطيئة على ثغرها، ابتسامة جعلت ملامحها تبدو أكثر قسوة، وأكثر ظلامًا، ثم أومأت برأسها بالموافقة وقالت:
"امم، فهمت اللي انت عايز تقوله، جدع يا ولا هو ده ابن فريدة."
اعتدل زين في جلسته بكبرياء واضح، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة غرور واثقة، كأنه كان يعلم مسبقًا أن فكرته ستنال إعجابها، فهو يعرف جيدًا أي نوع من الخطط يرضي امرأة مثل مريم.
ثم قال بثقة واضحة:
"أنا كنت متأكد انها هتعجبك علشان كده مهد الطريق ليكي ما عليكي غير تنفيذ الخطوة الأخيرة ونبدأ اللعب على المكشوف."
أومأت برأسها ببطء، لكن عينيها كانتا قد دخلتا بالفعل إلى ساحة الحرب.
لم تعد هناك أقنعة، لم يعد هناك اختباء.
الآن سيبدأ اللعب الحقيقي، لعبة لا مكان فيها للرحمة.
ولا نجاة فيها للضعفاء.
ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان صمتًا مشبعًا بالنوايا السوداء، والخطط المؤجلة، والشر الذي يستعد للخروج إلى النور.
كانت نظراتهما تتحدث بدلًا من الكلمات.
نظرات تحمل اتفاقًا خفيًا، وتحالفًا قذرًا، ووعدًا ضمنيًا بأن القادم لن يكون مجرد مواجهة، بل كارثة كاملة.
وفي مكان آخر، كان الجميع يظنون أن المعركة لم تبدأ بعد، لكن الحقيقة، أن أول خطوة فيها قد تحركت بالفعل.
***************************
بالمساء...
حل المساء بهدوئه الثقيل، لكن داخل رنيم لم يكن هناك أي هدوء. كانت جالسة فوق سريرها، تنظر إلى الشرفة للمرة العاشرة، وربما أكثر، بعينين متوترتين وقلب لا يعرف الاستقرار. كانت تتمنى، ولو من باب الجنون، أن يخرج الآن إلى شرفته، أن تراه واقفًا هناك ينتظرها، أو أن يهاتفها فجأة ويطلب منها الخروج، أو حتى أن يرسل لها كلمة واحدة فقط، أي شيء يشعرها أن ما تشعر به وحدها ليس وهمًا.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
مر الوقت بطيئًا ومزعجًا، وكل دقيقة تمر كانت تزيد من ضجرها وارتباكها، حتى بدأت تشعر بالاختناق من هذا الانتظار الذي لم تعتده يومًا. لم تكن معتادة على الاشتياق بهذه الصورة، ولا على أن يسيطر أحد على أفكارها إلى هذا الحد. لكن شاهين فعلها، تسلل إليها دون استئذان، واستقر بداخلها بطريقة لم تعد تستطيع إنكارها.
زفرت بضيق وهي تحاول طرد صورته من رأسها، لكن محاولتها كانت عبثية، فكلما حاولت نسيانه عاد أقوى، بصوته، بنظرته، بابتسامته، وبطريقته التي تربكها وكأنه يعرف تمامًا كيف يبعثرها.
وحين أدركت أن لا فائدة من الانتظار، نهضت ببطء واتجهت إلى المرحاض، عل الماء الدافئ يهدئ هذا الاضطراب الذي ينهشها من الداخل. نزعت ملابسها ووقفت تحت الماء، لكن الغريب أن حرارة الماء لم تكن أقوى من حرارة أفكارها، ولم يكن قادراً على غسل أثره من قلبها.
خرجت بعد دقائق، ارتدت ملابسها، وكانت خصلات شعرها المبللة تتساقط على كتفيها وعنقها، تمنحها مظهرًا هادئًا من الخارج، بينما الداخل كان عاصفة حقيقية.
وقبل أن تمسك المشط، رن جرس الباب.
رفعت رأسها باستغراب، وتجمدت للحظة، وكأن قلبها سبق عقلها في معرفة من يكون.
تحركت بخطوات مترددة نحو الباب، وما إن فتحته ورأته واقفًا أمامها حتى شعرت أن قلبها ارتطم بقوة في صدرها، حتى كاد يسمع.
كان يقف أمامها بهدوئه المعتاد، حضوره الطاغي، ونظرته التي دائمًا تجعلها تشعر أنها مكشوفة أمامه.
ابتسم لها وقال بنبرة رجولية:
"بتعملي أيه؟"
ارتبكت فورًا، وحركت كتفيها بتوتر وقالت:
"و ولا حاجه ك كنت قاعدة عادي."
ابتسم بلؤم، ثم مد يده وأمسك خصلة من شعرها المبلل، يمررها بين أصابعه ببطء أربك أنفاسها كلها، وتكلم بصوت هامس مغري:
"انتي كنتي بتاخدي شاور؟ علشان كده مردتيش على تليفوني."
تجمدت للحظة، اتصل بها؟ وكان يبحث عنها؟
شعور غريب بالدفء اجتاحها، دفء لا يأتي إلا من الاهتمام، من شعور أن أحدهم قلق عليها.
تراجعت إلى الخلف بتوتر وتكلمت بتلعثم:
"م مسمعتهوش والله."
أومأ رأسه بتفهم وقال:
"أنا قلقت عليكي، لما اتصلت وملاقتكيش رديتي كنت عاملك مشروبك المفضل وعايز ادهولك."
ارتجف قلبها بقوة.
كيف لرجل أن يهزها بهذه البساطة؟
كيف يستطيع أن يجعلها تشعر بأنها مهمة بهذا الشكل؟
ابتسمت له بتوتر وقالت:
"ش شكرًا روح و وانا هطلعلك البلكونه."
لكن ملامحه تغيرت فورًا، وظهر قلقه الحقيقي وهو يحرك رأسه بالرفض وقال:
"لا طبعًا متطلعيش البلكونه وانتي لسه اخده شاور تبردي."
أغمضت عينيها لثواني، وكأنها تحاول جمع شتات نفسها، لأن هذا الاهتمام لم يعد شيئًا يمكنها تجاهله. كان واضحًا. واضحًا إلى حد مؤلم.
رفعت عينيها إليه، وقد غلبها ارتباكها وصراعها الداخلي، وقالت بتلعثم:
"شاهين أنا مبقتش فاهمه حاجة، أنا تايهه، مبقتش عارفه نفسي، بقيت شخص تاني، مبقتش فهماك، افعالك اهتمامك حركاتك نظراتك كل حاجة بتعملها بتدل على حاجه واحده بس، بس فى نفس الوقت انت رافضها مني وطلبتها أني محبكش، أنا فيه حرب جوايا، ما بين ينفع وما بين مينفعش."
خرجت كلماتها محملة بوجع حقيقي، كأنها كانت تحتفظ بها منذ زمن، ولم تعد قادرة على احتمالها.
تنهد شاهين بوجع، ولأول مرة بدا عليه الضياع، وكأنه هو الآخر لم يعد قادرًا على حمل هذا الصراع وحده. أسند ظهره على الحائط وعقد ذراعيه على صدره، ثم قال بصوت موجوع حزين:
"أنا طلبتها منك علشان انتي اللي متتوجعيش، مش علشان انا مش عايز ده."
توقفت أنفاسها للحظة.
كانت تلك الكلمات كافية لتربك قلبها أكثر، حركت رأسها بعدم فهم وقالت:
"مش فاهمه حاجة يا شاهين، معناه ايه كلامك ده؟ وايه اللي هيوجعني لو حبيتك؟"
أنزل عينيه إلى الأسفل، وصمت، صمت رجل يعرف أن الحقيقة قد تكون نهاية كل شيء جميل بدأ بينهما.
لكن صوتها أعاده إليه وهي تتساءل:
"انتي مين يا شاهين؟ الغموض اللي فى عيونك ده، وراه ايه؟"
رفع يده ببطء، ووضعها على خدها، ولمستها وحدها كانت كافية لتربك جسدها كله.
اقترب منها حتى أصبح الفاصل بينهما مجرد أنفاس، ثم تكلم بنبرة أقرب إلى الهمس، لكنها كانت موجعة وصادقة حد الاختراق:
"أنا واحد عاش عمره كله على كلمة واحده "الكره"، بس جيتي انتي وبكل بساطة بنظرة واحده من عيونك قلبتي كل الموازين، سحروني لدرجة أنهم غسلوا روحي من كل حاجه وحشه، خلوني بنى أدم جديد، حتى أنا مبقتش عارف نفسي، كل اللي اعرفه هو أني اتولد من أول وجديد، من اللحظة اللي اسرتني فيها عيونك، وحابب التغير ده."
شعرت أن قلبها توقف، هذه ليست كلمات عابرة، هذا اعتراف.
اعتراف رجل يسلم لها روحه دون أن يطلب شيئًا.
توقفت الكلمات في حلقها، وتعالت دقات قلبها حتى شعرت أن الأرض تهتز تحتها، ولم تعد قادرة على الثبات، فأمسكت بذراعه بقوة.
أما هو، فأحكم ذراعه حولها حتى لا تسقط، وتكلم بصوت مغري:
"انتي كل حاجه فيكي تجنن حتى كسوفك يا رنيم."
كانت تنظر إليه بعينين ضائعتين، غارقتين فيه، وكأنها لأول مرة ترى الرجل الحقيقي خلف كل هذا الغموض.
اقترب منها أكثر، وقبل عينيها اللتين أسرته منذ البداية، ثم وضع قبلة سريعة على شفتيها.
قبلة قصيرة، لكنها كانت كفيلة بإشعال كل شيء داخلها.
ابتعد عنها، وحرك يده على خدها المحمر من الخجل وقال:
"ادخلي يلا وبلاش تطلعي البلكونه دلوقتي علشان متبرديش، ومتقفليش الباب علشان أنا ربع ساعه بالكتير هدخلك حاجة وهخرج على طول."
أومأت برأسها بخجل، وتحركت إلى الداخل، لكنها لم تستطع رفع عينيها عنه، كانت نظراتها معلقة به، وكأنها تخشى أن يختفي.
ابتسم لها بحب، وغمز لها بشقاوة، ثم وارب الباب قليلاً واتجه إلى شقته.
جلست رنيم على الأريكة، ووضعت يدها على وجهها، تشعر بحرارة خجلها تحرقها، بينما كانت تستعيد كل كلمة قالها، وكل لمسة، وكل نظرة.
شيئًا فشيئًا، بدأت تدرك الحقيقة.
هي لم تعد تهرب من حب شاهين، بل وقعت فيه بالفعل.
وبعد عدة دقائق، سمعت صوت خطوات تقترب.
فارتسمت ابتسامة هادئة على وجهها، ونهضت سريعًا، وظنت أنه عاد كما وعدها.
استدارت بحماس واضح، لكن ابتسامتها اختفت فورًا حين رأته.
تجمدت مكانها وقالت باستغراب:
"زين!!"
اقترب منها وهو محتفظ بتلك الابتسامة، وأمسك يدها وقال:
"مش انا قلتلك أن بحضرك مفاجأة؟ اهي المفاجأة جاهزة اهي تعالي معايا."
وقبل أن تفهم شيئًا، أرغمها على التحرك معه إلى الخارج.
عند شاهين...
كان يقف في المطبخ، يعد لها بيديه سندوتشات وكوب عصير، وكأنه يفعل شيئًا بسيطًا، لكنه بالنسبة له لم يكن بسيطًا أبدًا.
كان يشعر بسعادة غريبة، هادئة، لم يعرفها منذ سنوات.
كان يتخيلها وهي تأكل، تخجل، تبتسم، تنظر إليه بذلك الارتباك الجميل.
ولأول مرة منذ زمن، شعر أن الحياة قد تمنحه شيئًا يستحق التمسك به.
وحين سمع صوت خطوات تقترب، ظن أنها لم تصبر عليه.
ابتسم بسعادة وتكلم بمزاح:
"أيه معندكيش صبر تستنى اجيلك ولا ايه؟"
استدار سريعًا، لكن الابتسامة ماتت فورًا.
تجمدت ملامحه، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية.
كانت مريم، جالسة على مقعدها المتحرك.
تنظر إليه بابتسامة هادئة، لكنها كانت تحمل خلفها خرابًا كاملًا.
تكلم بعدم تصديق:
"انتي! أنتي أزاي جيتي هنا؟ ممكن حد يشوفك؟"
حركت كتفيها بعدم اهتمام وقالت:
"مبقتش تفرق، كل حاجه على المكشوف دلوقتي، وانا لما لاقيت اللعبه عجبتك، قولت اجيلك بنفسي، وأهو نبدأ الخطوة التانيه سوا."
أغلق عينيه بضيق، وكأن الكلمات تخنقه، ثم قال بصوت مختنق:
"ماما خرجي رنيم من الموضوع ده، اصلا البنت ملهاش اي ذنب فى اللي ابوها عمله فيكي، يمكن هي كمان اتظلمت زيك، احنا انتقامنا من غريب وترنيم وعيالهم وتامر وبس."
وفي تلك اللحظة، كان القدر أسرع من أي محاولة للهروب.
وقفت رنيم أمامه، الدموع تتجمع في عينيها، وجهها شاحب، وصدمتها كانت أكبر من أن تخفى، كانت تنظر إليه، وكأن الأرض انشقت تحت قدميها.
وكأن كل لحظة دافئة جمعتهما منذ قليل تحولت في ثانية إلى خنجر غرس في قلبها.
وكان شاهين يعلم، من نظرتها وحدها، أن اللحظة التي خاف منها طويلًا، قد جاءت أخيرًا.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل العشرون 20 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل العشرون
وقفت رنيم مكانها كأن الأرض قد انشقت تحت قدميها، وكأن العالم كله توقف في لحظة واحدة، لحظة ثقيلة، قاسية، سقطت فوق قلبها كالصاعقة. تجمعت الدموع داخل عينيها حتى صارت تحجب عنها الرؤية، لكنها أبت النزول، كأن كبرياءها كان آخر ما تبقى لها وسط هذا الانهيار المفاجئ. كانت تنظر أمامها بعينين متسعتين، غير قادرتين على استيعاب ما تراه، ولا على تصديق أن الحقيقة التي كانت تقف أمامها الآن أكثر قسوة مما تخيلت يومًا.
شعرت وكأن شيئًا حادًا قد انغرس داخل صدرها، يمزقها ببطء، بلا رحمة. كل لحظة مرت بينها وبين شاهين، كل نظرة، كل كلمة، كل لمسة، مرت أمام عينيها في ومضة خاطفة، لكنها الآن بدت لها وكأنها مشاهد من خدعة محكمة، كأنها كانت تعيش داخل وهم جميل انهار فجأة فوق رأسها.
أما شاهين، فما إن وقعت عيناه عليها حتى شعر وكأن الدم تجمد في عروقه. انقبض قلبه بعنف، وأغلق عينيه للحظة طويلة، يحاول كبح تلك العاصفة التي انفجرت داخله. أدرك فورًا أن ما حدث لم يكن صدفة، بل كان فخًا مدبرًا بإحكام، نسجته مريم وزين بعناية، ليكشفا الحقيقة أمام رنيم في أكثر اللحظات قسوة، وفي أكثر توقيت قادر على تمزيق كل ما بناه معها.
كان يعلم أن الحقيقة مؤلمة، لكنه لم يكن يريدها أن تعرفها بهذه الطريقة، لا وهو يرى الحب بدأ يتسلل إليها، ولا وهو بدأ يسمح لنفسه أن يشعر بها بصدق.
اقترب منها بخطوات بطيئة، مترددة، وكأنه يخشى أن تنهار أكثر بمجرد اقترابه، لكنه توقف فورًا حين رفعت يدها نحوه، إشارة حادة، قاطعة، وكأنها تبني بينهما حاجزًا لا يكسر.
وتكلمت بغضب:
"خليك عندك متقربش! انت أزاي ممثل شاطر اوي كده؟ بس الصراحه محتاج تدرب اكتر علشان كانت فيه نظرة فى عيونك مقدرتش تداريها غموض كان واضح زي عين الشمس، لا بقى وعايش دور الحبيب الرومانسي اللي بيهتم بكل تفاصيلي وانت شيطان ابن شيطانه، بس ازاي ابنها ازاي؟"
خرجت كلماتها كسكاكين حادة، لا تصيبه وحده، بل تصيبها هي أيضًا. كانت تتكلم بغضب، لكن خلف الغضب كان هناك وجع أعمق من أن يحتمل، وجع الخديعة، وجع السقوط المفاجئ من قمة الأمان إلى قاع الشك.
ثم التفتت نحو مريم، ونظراتها مشتعلة بحقد قديم لم يمت يومًا، وكأن الماضي نهض من قبره دفعة واحدة.
وقالت بغضب وكره شديد:
"انتي ازاي عايشه لحد دلوقتي؟ انتي مش المفروض موتي واندفنتي؟ وايه رجعك بعد السنين دي كلها؟ ظهورك دلوقتي بيدل انك مش ناويه على خير، علشان عمرك ما جه من وراكي خير."
كانت كلماتها ترتجف، ليس خوفًا، بل من شدة الغليان الذي انفجر داخلها. صورة والديها، صرخاتهما، الألم، الدم، كل شيء عاد إليها دفعة واحدة وكأن السنوات لم تمر.
ثم التفتت إلى زين، وعيناها ممتلئتان بذهول ممزوج بالقهر، وكأنها لم تعد تعرف من يقف معها ومن يقف ضدها.
وتكلمت بغضب:
"وانت ازاي متقبل واحده زي دي؟ كانت خاطفه امك وهي السبب فى موتها، انا مش هنسى نظرت الكره والشر يومها، دي ست مجرمة دم امي وابويا ملطخ فى ايديها، رد عليا يا زين بتعمل ايه الوليه دي هنا؟"
أما مريم، فقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، ابتسامة امرأة ترى الفوضى التي صنعتها بعينيها وتتلذذ بها. كانت تنظر إلى انهيار رنيم وكأنها ترى انتصارًا صغيرًا في بداية معركة طويلة.
اقتربت منها بمقعدها المتحرك، ببطء متعمد، وكأنها تستمتع بكل ذرة ألم تراها في عينيها.
وتكلمت بنبرة مخيفة:
"مالك يا بنت فريدة؟ ايه مزعلك اني لسه عايشه؟ ما طبيعي لازم اكون عايشه مريم مش هتموت بسهولة كده، وبعدين دي مقابله تقابلي بيها خالتك؟ بالحضن يا بنت بنت خالتي."
تراجعت رنيم خطوة إلى الخلف، كأن قربها منها كان يلوث الهواء نفسه، وشعرت بالغثيان من مجرد سماع صوتها، ذلك الصوت الذي حمل في ذاكرتها كل الخراب.
ونظرت لها باشمئزاز وقالت:
"اسكتي بس، مش عايزة اسمع صوتك، نفس الصوت نفس النبرة وقتها نفس النظرة اللي غدرتي بيها بماما وبابا، انتي اللي زيك المفروض مكانها تحت التراب، مينفعش تعيشي وسط البشر، لانك خطر عليهم."
كانت ترتجف، ليس ضعفًا، بل من شدة الألم الذي عاد ينبض حيًا داخلها، كأن الجرح القديم لم يلتئم يومًا، بل كان ينتظر هذه اللحظة ليفتح من جديد.
أما شاهين، فقد كان يقف هناك يشعر وكأن كل شيء ينهار أمام عينيه، عاجزًا للمرة الأولى عن إصلاح شيء.
أغلق عينيه للحظة، ثم اقترب منها، وصوته خرج مثقلًا بالعجز والاختناق:
"رنيم اهدي ارجوكي."
لكن مجرد سماع اسمها على لسانه كان كافيًا ليشعل غضبها أكثر، كأن صوته نفسه أصبح خيانة. وتكلمت بصراخ:
"متجبش اسمي على لسانك، فاااهم، من هنا ورايح لو شفتني حتى لو صدفه اياك تقرب مني ولا تفكر تنطق معايا بحرف واحد، وبجد براڤوا عليك نفذت مهمتك على أتم وجه، دمرت حياتي، خسرتني شغلي، ادتني اهم درس فى حياتي، اني مأمنش لناس ولا عمري اثق فى حد مهما كان مين، شكرا على الدرس بس مش مجاني، لأن دفعت تمنه حاجه غاليه اوي عليا."
كل كلمة قالتها كانت تخرج من قلب ينزف، من روح بدأت للتو تدرك أنها سلمت نفسها لمن لم يكن من المفترض أن تثق به.
استدارت متجهة إلى الباب، كأنها تريد الهرب من المكان، من الوجوه، من الحقيقة كلها.
لكن شاهين ركض خلفها، أمسك ذراعها بسرعة، وكأن تركها الآن يعني خسارتها للأبد. وتكلم بنبرة مختنقة:
"رنيم أنا مقدر الحالة اللي انتي فيها، بس اديني فرصه واحده بس افهمك كل حاجة."
نزعت يدها من يده بعنف، وكأن لمسته باتت تحرقها.
وتكلمت بغضب شديد محذرة إياه: "قلتلك متجيبش اسمي على لسانك، وملكش دعوة بيا خالص."
شعر شاهين أن قلبه ينتزع من مكانه، لكنه تمسك بآخر خيط.
أمسك ذراعها مرة أخرى، وهذه المرة بصوت يحمل رجاءً حقيقيًا، رجل يرى حياته كلها تنزلق من بين يديه. وقال:
"اديني فرصه واحده بس وبعد كده اعملي اللي انتي عايزاه."
وقبل أن ينطق بحرف آخر، اقترب زين، وانتزع يده عنها ببرود مستفز، وكأنه يعلن انتصاره بصمت.
ثم ابتسم له بشر وتكلم بصوت استفز شاهين من الداخل وقال:
"امشي يا قلب اخوكي ملناش مكان هنا."
نظرت رنيم إلى مريم، وعيناها مشبعتان بالكراهية، ثم حولت نظرها إلى شاهين.
وهنا كانت الطعنة الأشد، لم تكن نظرة غضب فقط، بل نظرة انكسار.
نظرة قلب أحب رغمًا عنه، ثم اكتشف أن حبه قد يكون أكبر خطأ ارتكبه.
نظرة قالت كل شيء دون أن تنطق.
وجع. خذلان. حب مكسور.
ثم تحركت سريعًا مع زين نحو الخارج، وكأنها تهرب قبل أن تنهار أمامهم.
ظل شاهين واقفًا مكانه يتابعها حتى اختفت عن ناظريه، وكانت تلك الثواني كافية ليشعر بأن شيئًا داخله قد انكسر بالفعل.
استدار ببطء نحو مريم، وعيناه لمعتا بشر لم تره فيه من قبل. لم يعد ذلك الابن الذي تظنه ما زال يسير وفق خطتها، بل رجل بدأ يتمرد على كل شيء.
كان الغضب يتصاعد داخله كالنار، لكنه خرج هادئًا، ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة. وتكلم بهدوء حذر:
"ارتحتي انتي كده؟ مفكرة أنك حطتيني قصاد الأمر الواقع؟ يبقى متعرفيش ابنك كويس، وان انا دراعي مبيتلويش، وبعد ما كنت عضو معاكم ضدها، هحميها منكم واللي أمه داعيه عليه يفكر يقرب منها، ويا ويلكم من غضب شاهين الرواي، اللي انتوا لسه متعرفهوش."
كانت كلماته إعلان حرب صريح، وتمردًا كاملًا على الماضي الذي صنعته له.
أنهى كلماته وخرج سريعًا، لكن حين مر أمام باب شقة رنيم توقف للحظة.
نظر إليه طويلًا، كأن خلف ذلك الباب توجد روحه التي خرجت منه.
شعر بوجع قاسي يخنق صدره، وجع لم يعرفه حتى في أقسى أيام حياته.
للمرة الأولى، فهم معنى أن تخسر شخصًا قبل أن يصبح لك.
هبط إلى الأسفل بخطوات ثقيلة، كأن كل خطوة كانت تسحق جزءًا منه، ثم صعد إلى سيارته وغادر بسرعة، هاربًا من المكان، من الذكرى، ومن نفسه.
أما مريم، فقد أسندت ظهرها إلى المقعد، وعيناها تلمعان بذلك الرضا المرعب.
كانت تحتفظ بابتسامتها الشيطانية، ابتسامة امرأة نجحت في تحريك أول قطعة في لعبتها الكبيرة.
أما زين، فكان يبتسم هو الآخر بصمت.
فقد بدأت الحرب فعلًا، لكن أحدًا منهم لم يكن يعلم أن هذه الخطوة، بدلًا من أن تعيد شاهين إليهم، قد تدفعه ليحرق العالم بأكمله لأجل عيونها وأصبح أعلان واضح بالحرب ضدهم بالكامل.
**************************
وقفت رنيم في منتصف الغرفة كأنها فقدت القدرة على الثبات، والغضب يشتعل داخلها كالنار، يلتهم ما تبقى من هدوئها واتزانها. رفعت يدها إلى شعرها تدفعه إلى الخلف بعنف مضطرب، وكأنها تحاول إبعاد الفوضى التي اجتاحت رأسها، أو ربما تحاول أن تمنع نفسها من الانهيار. كانت أنفاسها متقطعة، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها ممتلئتان بدموع ثقيلة تقف عند الحافة، تقاوم السقوط كما تقاوم هي الاعتراف بحجم الألم الذي يمزقها.
كانت تشعر وكأن الأرض قد سحبت من تحتها دفعة واحدة، وكأن كل شيء كانت تتكئ عليه في حياتها قد انهار في ليلة واحدة. لم تكن صدمة شاهين وحدها هي ما يحطمها، بل فكرة أن الخديعة كانت أقرب إليها مما ظنت، وأن الناس الذين ظنتهم ملاذًا، كانوا جزءًا من العاصفة نفسها.
رفعت عينيها إلى زين، ونظرت إليه طويلًا، نظرة ثقيلة محملة بكل ما لم تستطع احتماله؛ لوم، عتاب، خيبة، ووجع لا يحتمل.
ثم تكلمت بصوت مختنق مليء باللوم والعتاب:
"ليه يا زين؟ ده انا قولت أن ماليش غيرك، كنت مفكراك السند والعوض، ليه تروح تحط ايدك فى ايد الست اللي كانت سبب قتل امك وقتل بابا؟ انت عارف انا دلوقتي حاسه بأي؟ حاسه بخذلان من الناس كلها وأولهم انت."
خرجت كلماتها مهزوزة، مكسورة، كأنها تنتزع من صدرها انتزاعًا. لم تكن تعاتبه فقط، بل كانت تعاتب الحياة كلها، تعاتب الأقدار التي لا تكف عن انتزاع الأمان منها كلما ظنت أنها وجدته.
اقترب منها زين سريعًا، وفي ملامحه ذلك القلق المصطنع الذي أتقنه جيدًا، بينما داخله كان يراقب انهيارها خطوة بخطوة، مستمتعًا بثمار خطته التي بدأت تؤتي أُكلها.
حاول أن يتكلم بكذب:
"وحياتك عندي ما حصل، أنا لما شفت شاهين ده مرتحتش ليه، شفت الغدر فى عيونه ليكي، حسيت أنه وراه حاجه سألت عليه وعرفت أنه ابن بنت خالة ماما ولما روحت وجهتها قالتلي ايوه أنه ابنها ومتفقين مع بعض أنه يوقعك في حبه وبعد كده تسلمي ليه ويضحك عليكي و يخسرك كل حاجه الشركة واهلك ويدمرك، وانا خفت عليكي واترجتها أنها تبعده عنك، وكنت هبوس ايديها، لحد ما وافقت وجات معايا علشان تخليه يبعد عنك، وهي دي المفاجأة اللي كنت قايلك عليها، علشان اثبتلك حبي ليكي، احنا اخوات يا بت ملناش غير بعض."
كانت كلماته تنساب إلى عقلها المنهك كسمّ بطيء، يجد أرضًا خصبة داخل روح مرتبكة، عاجزة عن التمييز بين الحقيقة والكذب. في تلك اللحظة، كانت ضعيفة بما يكفي لتصدق أي شيء يبرر لها هذا الخراب.
وقفت مكانها تنظر إليه بعينين زائغتين، وكأنها تحاول التقاط الحقيقة من بين هذا الركام كله. لكن الحقيقة كانت أثقل من أن تمسك.
وفجأة انهارت الدموع.
انهمرت بلا مقاومة، حارة، موجعة، كأنها تحمل معها كل ما احتبسته داخلها منذ البداية.
وتكلمت من بين شهقاتها:
"أنا مش مصدقه نفسي يا زين أن شاهين يطلع كده، يعني كل ده كان تمثيل؟ ليه طيب انا، انا عملت ايه علشان يوجعني بالشكل ده؟ وهي عايزه تنتقم مني ليييه؟ المفروض العكس هي اللي قتلت بابا وماما يعني انا اللي انتقم منها مش هما."
كان صوتها ممزقًا، يحمل دهشة موجعة أكثر من الغضب. كانت لا تزال تبحث عن تفسير منطقي، عن سبب، عن أي شيء يخفف وطأة الخذلان.
داخلها، كانت صورة شاهين تتصارع مع الحقيقة التي رأتها بعينيها. قلبها كان يصرخ رافضًا تصديقه، وعقلها يجلدها بالحقيقة التي لا مهرب منها.
اقترب منها زين واحتضنها بقوة، يضمها إليه بحنان زائف، بينما كانت عيناه تلمعان بانتصار خفي.
وتكلم بحنية مزيفة وقال:
"اهدي يا قلب اخوكي، دموعك غاليين عليا اوي، بس انا ليا رأي تاني ايه رأيك أقولها ليكي؟"
ابتعدت عن حضنه ببطء، ومسحت دموعها المرتبكة، ونظرت إليه باستغراب، كأنها تتشبث بأي حل، بأي طريق يشعرها أنها ليست الضحية الوحيدة في هذه اللعبة.
وأومأت برأسها له وقالت:
"قول!"
أمسك يدها وأجلسها بجواره على الأريكة، وكأنه يهيئها لزرع الفكرة الأخيرة داخل عقلها. وقال:
"السبب الرئيسي فى عذاب ماما كانت مين؟ مش ترنيم؟ الست دي بقى اكتر حد بتكرهه فى حياتها هي ترنيم وجوزها وعايزة تنتقم منهم بأي شكل وبما انك انتي الوحيدة اللي مسموح ليكي تدخلي عندهم ممكن تساعديها على انتقامها ده وبكده تبقي جبتي حق امنا وبعد كده اساعدك تنتقمي من مريم وابنها ونبقى كده ضربنا عصفورين بحجر واحد، وانتقامنا لامنا ولابوكي."
سقطت كلماته عليها كعبء جديد.
انتقام؟ مساعدة مريم؟ المرأة التي كانت سببًا في دمار حياتها؟
ارتجف قلبها بقوة.
نظرت أمامها بتوتر، تشعر أن الأمور تتشابك حولها أكثر فأكثر، وأنها تسحب إلى طريق مظلم لا تعرف نهايته.
وحركت رأسها بالرفض وقالت بتوتر:
"ل لا طبعا، أنا اه بكرههم بس مش هقدر أعمل كده، صدقني صعب عليا."
خرج رفضها فوريًا، كأنه آخر ما تبقى من نقاء روحها، آخر خيط يربطها بإنسانيتها.
لكن زين لم يتراجع. بل اقترب أكثر، يضغط على نقاط ضعفها، يغذي ألمها، يضخم غضبها، ويعيد تشكيل أفكارها بما يخدمه. وتكلم سريعًا محاولًا إقناعها قائلاً:
"يا بنتي افهمي، الطيب فى الزمن ده ملوش مكان، وإذا كان مريم ولا ترنيم ولا غريب ولا حتى شاهين، دول أهم حاجه عندهم مصلحتهم ولو جاتلهم الفرصه أنهم يدوسوا عليكي بجزمتهم، هيعملوا كده، ومش هيسموا عليكي، اسمعي كلامي نستفيد منهم ونضربهم فى بعض واحنا نخرج منها بسلام."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت للحظة أن منطقه يبدو مقنعًا، أو ربما لأنها كانت متعبة جدًا لتقاومه.
لكن ما إن ذكر اسم شاهين بين هؤلاء، حتى توقف شيء داخلها.
شيء رفض.
رفض أن يضعه في الصف نفسه.
ورغم كل ما رأته، رغم كل ما سمعته، كان قلبها يقف ضدها، يدافع عنه، يبرره، يتمسك به بطريقة أثارت غضبها من نفسها.
لماذا؟ لماذا ما زال قلبها يرفض كرهه؟
لماذا، رغم كل شيء، ما زالت تتذكر نظرته الأخيرة وكأنها كانت صادقة؟
كانت هذه الفكرة تؤلمها أكثر من الخديعة نفسها، لأنها تعني شيئًا واحدًا، أنها وقعت فيه بالفعل.
أعادها من شرودها صوت زين المتسائل قائلًا:
"ها قولتي أيه؟"
رفعت عينيها إليه ببطء، ونظرت له نظرة طويلة، ثقيلة، نظرة إنسانة تقف على حافة قرار سيغير كل شيء.
داخلها كانت الحرب دائرة.
بين وجعها، وغضبها، وحنين قلبها، ورغبتها في الانتقام.
وفي النهاية، غلبها الوجع. وحركت رأسها بالموافقة.
وفي اللحظة التي فعلتها، شعرت بشيء بداخلها ينكسر أكثر، كأنها خطت خطوة في طريق لا عودة منه.
احتضنها زين بسعادة، يخفي انتصاره خلف قناع الأخ الحنون.
وتكلم بنبرة منتصرة:
"قلب اخوكي من جوه."
وظل يربت على ظهرها بهدوء، بينما كانت دموعها الساخنة تنهمر فوق صدره بلا توقف، تبكي حبًا خذل، وأمانًا ضاع، وقلبًا لم يعد يعرف أين يقف.
أما هو، فارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية باردة، وهو يشعر بلذة النجاح بعدما حصل أخيرًا على ما أراده.
لقد سقطت رنيم في الفخ، ولم تكن تعلم بعد أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.
***************************
عند شاهين...
جلس داخل سيارته وكأن العالم كله قد انطبق فوق صدره دفعة واحدة، وكأن الهواء من حوله صار أثقل من أن يدخل إلى رئتيه. أسند رأسه فوق عجلة القيادة، وأغمض عينيه بقوة، بينما الغضب كان يتضاعف داخله بصورة مرعبة، يتكاثر كالنار كلما استعاد ما حدث منذ دقائق، وكلما ارتسمت أمام عينيه صورة رنيم وهي تنظر إليه بتلك الصدمة الموجعة، بتلك النظرة التي حملت داخلها خذلانًا لم يستطع احتماله. كانت أنفاسه مرتفعة بشكل واضح، حادة ومتلاحقة، وصدره يعلو ويهبط بسرعة كبيرة، كأن قلبه يخوض حربًا عنيفة داخل ضلوعه، حربًا بين ماضيه الذي يطارده، وحاضره الذي بدأ يتشكل معها، وبين الحقيقة التي انكشفت لها بأبشع صورة ممكنة.
كان يشعر أن كل شيء انهار في لحظة واحدة، وكأن الحياة التي بدأ يلمسها بيديه سحبت منه فجأة قبل أن يطمئن إليها. منذ متى وهو يشعر بهذا؟ منذ متى أصبح مجرد التفكير في خسارتها كافيًا لخنقه بهذا الشكل؟ لم يكن يعلم، لكنه الآن يعرف جيدًا. يعرف أن رنيم لم تعد مجرد فتاة اقتحمت أيامه، بل أصبحت الجزء الهادئ من روحه، الشيء الوحيد الجميل الذي تسلل إلى عالمه المظلم دون أن يستأذن.
وفجأة اعتدل في جلسته بعنف، وكأن النار التي تشتعل داخله لم تعد تحتمل الاحتباس، ورفع قبضته يلكم المقود بقوة، ضربة تلتها أخرى، ثم أخرى، حتى احمرت قبضته من شدة الضغط، وكأنه يعاقب نفسه، يعاقب ضعفه، يعاقب اللحظة التي سمح فيها لقلبه أن يتورط بهذا الشكل. كان يزأر مثل أسد جريح، صوته خرج من أعماقه، مليئًا بالقهر والغضب والألم، حتى بدا وكأنه زلزل المكان من حوله، ثم تكلم بصراخ غاضب:
"لييييه يا أمي لييييه، ليه في الوقت ده بالذات، كنت خلاص ما صدقت حياتي تتغير، ما صدقت روحي بدأت تطهر، قلبي ما صدق يلاقي الراحه، رنيم مبقتش مجرد شخص عادي بالنسبالي، رنيم بقت هي حياتي، الضحكه اللي نورت دنيتي بعد سنين عذاب."
خرجت الكلمات منه كاعتراف موجع، اعتراف لم يقله لأحد من قبل، حتى لنفسه. وللمرة الأولى شعر أن الحقيقة التي كان يهرب منها وقفت أمامه واضحة بلا مفر. نعم، رنيم أصبحت حياته فعلًا، أصبحت الشيء الوحيد الذي أعاد إليه إحساسه بأنه إنسان، لا مجرد أداة للكره والانتقام. معها فقط شعر أن قلبه ما زال حيًا، وأن داخله شيء يستحق النجاة.
تذكر ابتسامتها، ارتباكها، نظرتها الخجولة حين كان يقترب منها، والطريقة التي كانت تتلعثم بها أمامه، فتتسلل إلى قلبه دون مقاومة. تذكر كيف كان ينتظر صوتها، كيف أصبح يومه يبدأ وينتهي بها، وكيف صار يخاف عليها أكثر مما يخاف على نفسه. والحقيقة التي كانت تقتله الآن، أنه لم يعد قادرًا على تخيل حياته بدونها.
شعر براحة غريبة تتسلل إلى صدره بعدما أخرج ما كان مختبئًا داخله، وكأن هذا الاعتراف، حتى لو كان بينه وبين نفسه فقط، حرره من حمل ثقيل ظل يكتمه طويلًا. يكفي أنه اعترف أخيرًا بما يسكن قلبه، بما صار حقيقة لا يمكن إنكارها.
ثم عاد مرة أخرى وأسند رأسه فوق عجلة القيادة، أنفاسه لا تزال لاهثة، لكنها هذه المرة كانت مثقلة بالحزن أكثر من الغضب. أغمض عينيه بقوة، بينما داخله يتوعد بشيء واحد فقط، حماية رنيم. مهما حدث، مهما كرهته بعد اليوم، مهما ابتعدت عنه أو رفضت سماع تفسيره، سيظل يحميها، سيقف بينها وبين أي أذى، حتى لو كان الثمن عمره كله. لأنه أدرك أخيرًا أن خسارتها ليست مجرد ألم، بل نهاية الجزء الوحيد النقي الذي ولد داخله من جديد.
***************************
مرت عدة أيام...
لكنها لم تمر كما تمر الأيام العادية، بل مرت ثقيلة، متخمة بالاختناق، كأن الزمن نفسه أصبح عالقًا فوق رؤوس الجميع، لا يتحرك إلا ليزيد الجراح اتساعًا. ظل الوضع معلقًا فوق صفيح ساخن، وكل طرف في هذه الدائرة المشتعلة يعيش حربه الخاصة بصمت ينهش روحه ببطء.
رنيم كانت تغلق كل الأبواب أمام شاهين، ترفض كل محاولاته للتبرير، لا تمنحه فرصة واحدة للكلام، وكأنها تخشى أن تسمع منه شيئًا قد يضعف غضبها أو يهز قرارها. كانت تحاول أن تتمسك بخذلانها حتى لا تعترف بأن جزءًا منها ما زال متعلقًا به رغم كل شيء. أما شاهين، فكان يعيش أيامه كمن فقد شيئًا من روحه، يراقبها من بعيد، يحترق بصمت، عاجزًا عن الاقتراب، وعاجزًا أكثر عن الابتعاد.
زين كان يتحرك بخطوات محسوبة، يعمل بكل ما لديه ليصل إلى غايته الشريرة، يستغل ضعف رنيم، وجراحها المفتوحة، ويغذي داخلها نار الانتقام شيئًا فشيئًا، حتى يجعلها قطعة أساسية في لعبتهم القذرة.
أما مريم، فقد استقرت مع شاهين تحت سقف واحد، وجودها وحده كان كافيًا ليحول المكان إلى ساحة صامتة من التوتر والعداء. لم يتحدث معها شاهين منذ ذلك اليوم، وكأن بينهما جدارًا من غضب وكراهية لم يعد بالإمكان تجاوزه.
وفي مكان آخر، كانت جواهر تجلس فوق سريرها البارد داخل السجن، ترفض الحديث مع الجميع، ترفض حتى النظر في وجوه من حولها، كأن روحها انسحبت منها وتركت جسدها فقط. ورغم محاولات زينات المستمرة للوقوف بجانبها وانتشالها من تلك الهوة المظلمة، إلا أن جواهر كانت غارقة في ألمها، في صدمتها، وفي خوفها من مستقبل مجهول.
أما جواد، فلم يتوقف لحظة عن البحث. كان يجوب الطرقات، يفتش في كل زاوية، يبحث عن دليل واحد فقط، دليل يعيد لها حقها، ويعيدها إليه. كان قلبه مجروحًا، منكسرًا، وكل لحظة تمر عليه دونها كانت تمزقه أكثر.
غريب وتامر لم يتركا أروى وحدها لحظة، شددا الحراسة حولها ومنعا خروجها تمامًا في تلك الفترة، خوفًا من أن تمتد إليها الأيدي نفسها التي تعبث بالجميع. حتى أحمد، الذي اعتادت رؤيته في الأيام الأخيرة، صار غيابه فرضًا ثقيلًا عليها.
وترنيم كانت بجانب سمية، تساندها بكل ما تملك، بعدما تدهورت حالتها الصحية بسبب الحزن على ابنتها، ذلك الحزن الذي أكل من جسدها وروحها معًا.
أما وحيد، فقد اختفى تمامًا، وكأنه تبخر من الوجود. لا أحد يعلم أين هو، ولا ماذا حدث له، لا أحد سوى مريم وزين، منذ تلك المواجهة الأخيرة التي اشتعلت بينهما، بعدما واجهها باتهامه الصريح بقتل أخته.
وفي صباح يوم جديد...
جلس جواد على المقعد داخل غرفة الزيارة، جسده حاضر، لكن روحه كانت معلقة خلف ذلك الباب الذي ينتظر أن تفتح منه الحياة أو يخرج منه المزيد من الوجع. كان قلبه يخفق باضطراب، ولهفة موجعة تأكل صدره، وكأن كل دقيقة انتظار تمر فوقه كانت سنة كاملة.
عيناه كانتا معلقتين بالباب، لا ترى شيئًا غيره، ولا تنتظر أحدًا سواها.
وحين انفتح الباب أخيرًا بصوته المعدني القاسي، انتفض جواد واقفًا في اللحظة نفسها، كأن جسده تحرك قبل عقله.
ظهرت هي، لكنها لم تكن جواهر التي يعرفها.
كانت نسخة باهتة منها.
وجهها شاحب بصورة موجعة، وكأن الحياة انسحبت من ملامحها، والهالات السوداء تحت عينيها احتلت مساحة واسعة، شاهدة على ليالي طويلة من البكاء والأرق والخوف. يداها كانتا متشابكتين ببعضهما بقوة، لكن ارتعاشهما كان واضحًا، كأن جسدها كله يرتجف تحت وطأة ما تعيشه.
وعيناها، كانتا ممتلئتين بالدموع التي توقفت على الحافة، وكأنها عاجزة حتى عن السقوط.
تحركت نحوه ببطء شديد، بخطوات مترددة، منهكة، كأن الطريق بينهما صار أطول من أن يقطع بسهولة.
لكنه لم ينتظر.
ركض إليها وكأن روحه كانت تسبقه، وما إن وصل إليها حتى عانقها بقوة، عناقًا عنيفًا، موجوعًا، عناق رجل وجد نفسه بعد ضياع.
ضمها إليه حتى كاد يسحق عظامها من شدة احتياجه لها، من شدة خوفه عليها، من شدة شوقه الذي كاد يمزقه في غيابها.
وحين سمع أنينها الخافت من قوة عناقه، لم يبتعد، بل دفن رأسه في عنقها، وكأنها الملاذ الوحيد الذي ينجو به من كل هذا الخراب.
وفي تلك اللحظة، هبطت دمعة ساخنة من عينه، سقطت فوق عنقها.
شعرت بها، ابتعدت عنه ببطء، ورفعت عينيها إليه، وما إن رأت تلك الدمعة حتى اهتز شيء بداخلها.
حركت رأسها بالرفض، ورفعت أصابعها المرتجفة تمسح أثر الدمع عن خده، وكأن دموعه كانت أشد وجعًا عليها من كل ما تعيشه، ثم تكلمت بصوت ضعيف مختنق، وقالت:
"لا عاش ولا كان اللي ينزل دموع جواد ضرغام، دول غاليين عندي ولو انت ضعفت، مين هيقويني؟"
انكسر قلبه أكثر عند كلماتها.
كيف لها، وهي المسجونة المظلومة، أن تفكر فيه هو أولًا؟
اقترب منها ووضع قبلة طويلة مرتجفة فوق خدها، وكأنه يعتذر عن عجزه، ثم ابتعد عنها وقال بصوت مختنق:
"وحشتيني أوي يا جواهر، وجودك هنا صعب اوي عليا، انا حاسس اني متكتف واني مستحقش حبك ليا ده."
وضعت أصابعها المرتعشة فوق شفتيه، تمنعه من إكمال هذا الجلد القاسي لنفسه، ثم تكلمت بصوت موجوع:
"متقولش كده يا جواد، مافيش غيرك اللي يستحق قلبي وحبي، انت اجمل حاجه فى حياتي، حبك اللي مقويني ومصبرني على اللي انا فيه ده."
جلس على المقعد وأجلسها أمامه، وكأنه يريد أن يحتفظ بها بين يديه لأطول وقت ممكن، وأمسك يدها بين كفيه، يتمسك بها كأنها آخر ما يملكه، وقال:
"انتي جميله اوي يا جواهر، يعني بدل ما أنا اللي اقويكي، انتي اللي بتحاولي تقويني، الحياة صعبه اوي من غيرك والله."
ابتسمت له ابتسامة حزينة، مكسورة، لكن فيها بقايا روحها المرحة، ثم تكلمت بمزاح حزين:
"اهو علشان تعرف قيمتي ومتتعصبش عليا على الفاضي والمليان، ده انا مشوفتش الشخصيه الهاديه الكيوت دي غير بعد المصايب السودا دي."
ابتسم رغم الألم الذي يمزق صدره، وكأنها ما زالت قادرة على انتشاله من حزنه حتى وهي غارقة في حزنها، وقال:
"لسه لمضة زي ما انتي وشقيه، يا جواهر، اخرجي بس من هنا وانا اوعدك، مش هتعصب عليكي تاني مهما حصل منك."
تنهدت بوجع، وكأن سؤالًا كان يخنقها منذ أيام، ثم قالت بتساؤل:
"امي عاملة ايه يا جواد؟ اكيد منهارة صح؟"
زاغ بصره بعيدًا عنها للحظة، لأنه يعلم أن الحقيقة مؤلمة، لكنه لا يريد أن يزيدها وجعًا، ثم قال:
"متقلقيش عليها يا عمري أمي معاها ومش بتسيبها."
شعرت بالقلق يزداد داخلها، وسألته بسرعة:
"ماما كويسه يا جواد؟"
زفر بضيق وقال بصوت مختنق:
"كويسه بس السكر والضغط مش مظبوطين عندها من زعلها عليكي، بس ماما قاعدة معاها ومتابعه صحتها وبتديها علاجها فى وقته."
توقفت الغصة في حلقها، وأغمضت عينيها تمنع دموعها من الهبوط، لأن مجرد تخيل أمها وحدها كان يمزقها، ثم قالت:
"خلي بالكم منها يا جواد هي دلوقتي ملهاش غيركم."
ثم تذكرت رنيم.
تلك التي كانت تعتبرها روحًا أخرى لها.
رفعت عينيها وسألته بصوت مختنق:
"ورنيم! متعرفش حاجه عنها؟"
حرك رأسه بالنفي، والغضب ظهر في صوته وهو يقول:
"لا معرفتش، من ساعة ما سابت الفيلا واخدت شقه لوحدها محدش يعرف حاجة عنها."
شردت للحظة، ثم نظرت أمامها بوجع عميق، وقالت:
"عارف انا صدقت دلوقتي مقولة تسلم الشدة اللي تبين عدوك من حبيبك، أنا اكتر حد مصدومه فيه هي رنيم، ده انا كنت بعتبرها اختي أقرب حد ليا، ازاي جالها قلب تتخلى عني فى وقت زي ده؟ ازاي؟"
ربت على يدها بحنو وقال:
"متفكريش فى حد دلوقتي ولما تخرجي من هنا بالسلامه، ابقى اقعدي معاها وافهمي منها ليه عملت معاكي كده."
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة موجوعة، فاقدة للأمل، وقالت بصوت مختنق:
"تفتكر هخرج من هنا؟ أنا حاسه ان عمري كله هقضيه هنا، وان الدنيا بره مش هشوفها تاني."
مجرد الفكرة جعلت قلبه ينتفض بعنف، كأن أحدهم طعنه بها.
هز رأسه بعنف، ثم احتضنها بقوة، وكأنه يرفض حتى احتمال هذا المصير، وقال بصوت مختنق:
"لا متقوليش كده، انتي هتخرجي من هنا وهنعمل فرحنا وهيتقفل علينا باب واحد وهيكون عندنا عيال كتير اوي مني ومنك."
اهتز قلبها عند تلك الصورة التي رسمها لها، بيت، حياة، أطفال، مستقبل كانت تخشاه أن يضيع منها.
هبطت دمعة من عينيها، لكنها مسحتها سريعًا قبل أن يراها، ثم قالت:
"أن شاءالله يا حبيبي."
وفي تلك اللحظة، جاء الصوت القاسي من الخارج، معلنًا نهاية الزيارة:
"الزيارة انتهت."
كان وقعها كالحكم على قلبين لم يشبعا من بعضهما.
استقامت جواهر بجسدها بصعوبة، بينما وقف جواد أمامها، أمسك يدها ورفعها إلى شفتيه يقبلها بحب وألم، ثم قال بصوت مختنق:
"خلي بالك من نفسك وانا جبتلك اكل وهدوم وهكون عندك الزيارة الجايه، ومتقلقيش أنا مش هسكت غير لما اجيب دليل برأتك واخرجك من هنا."
أومأت له برأسها، عاجزة عن الكلام.
اقترب منها وقبل رأسها بوجع، قبلة رجل يودع جزءًا من قلبه.
ثم تحركت إلى الخارج، وما إن ابتعدت عنه، وما إن خرجت من دائرة أمانه، حتى انهارت كل القوة التي كانت تتماسك بها.
سمحت لدموعها بالسقوط أخيرًا.
انهارت شهقاتها بقوة، موجعة، ممزقة، حتى انتشرت في المكان كله، وسمعها كل من داخل السجن، شهقات امرأة لا تبكي فقط على ظلمها، بل تبكي على حياة كاملة تسحب منها ببطء.