تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الواحد والثلاثون
وصل جواد بالسيارة أخيرًا، وأوقفها أمام البوابة الحديدية للفيلا بعصبية مكتومة، بينما ظل الصمت الثقيل يسيطر على الأجواء بينه وبين رنيم طوال الطريق. كان الصمت بينهما خانقًا بصورة مؤلمة، وكأن كل واحد منهما يحمل بداخله كلمات لو خرجت لتحولت إلى شجار جديد. جلست رنيم بجواره بملامح متجهمة، تنظر أمامها بشرود وغضب دفين، بينما كان جواد يقبض على عجلة القيادة بضيق واضح بعدما استنزفت أعصابه تمامًا منذ أن خرج بها من شقتها بالقوة.
وأخيرًا، التفت إليها بنفاد صبر وقال:
"انزلي يلا!"
رمقته رنيم بنظرة ممتلئة بالضيق والاستفزاز، ثم ترجلت من السيارة بعنف، وأغلقت الباب بقوة جعلت صوته يتردد في المكان، قبل أن تقف أمام البوابة بصمت متعمد، وكأنها تتحداه أن يقوم بالباقي بنفسه.
رفع جواد عينيه إلى الأعلى بضيق، ثم زفر زفرة طويلة يحاول بها التحكم في أعصابه، وترجل من السيارة بدوره واتجه نحو البوابة، فتحها بعصبية ثم ابتعد عنها قليلًا حتى يسمح لها بالدخول، فتحركت رنيم إلى الداخل بتذمر واضح، بينما أغلق هو البوابة خلفها واتجه نحو الباب الداخلي، فتحه ثم رفع صوته قائلًا:
"بابا، أنا جيت ومعايا رنيم."
ثم التفت إليها وقال بلهجة آمرة: "أدخلي."
ما إن خطت رنيم إلى الداخل حتى تجمدت خطواتها فجأة، واتسعت عيناها بصدمة واضحة وهي ترى ترنيم تقف أمامها مباشرة، تنظر إليها وكأنها غير مصدقة أنها تراها بالفعل. رفعت ترنيم يدها إلى وجهها بذهول وسعادة خالصة، ثم قالت بصوت مرتجف من فرحتها:
"ا انتي هنا بجد؟"
لكن رنيم تراجعت للخلف فورًا وكأن قربها يؤلمها، وقالت بصوت مختنق يحمل وجعًا قديمًا وغضبًا متراكمًا:
"ابعدي عني متلمسنيش، وبعدين انا لو عليا مكنتش عايزة ادخل في مكان انتي فيه، بس أعمل أيه البيه جررني وراه من غير ما افهم فيه ايه."
تألم قلب ترنيم من طريقتها ونظرتها القاسية، لكنها حاولت ألا تُظهر ذلك، واكتفت بابتسامة صغيرة مليئة بالشوق وهي تقول:
"مش مهم قولي اللي انتي عايزاه، المهم انك قدام عيني دلوقتي."
وفي تلك اللحظة، جاء صوت غريب من الخلف، هادئًا لكنه يحمل حزمًا واضحًا:
"ادخلي يا رنيم."
التفتت إليه رنيم بنظرة ضيق وقالت:
"عايز مني ايه؟"
أجابها بهدوء متعمد:
"ادخلي طيب وانا هقولك عايزك ليه."
تحركت إلى الداخل على مضض، وكأن كل خطوة تخطوها تثقل روحها أكثر، حتى وقفت في منتصف الصالة وقالت بنفاد صبر واضح:
"اديني دخلت اهو، قولي بقى عايز ايه؟"
اقترب منها غريب بهدوء، ثم أمسك يدها برفق وأجلسها على الأريكة، وجلس بجوارها، قبل أن يلتفت إلى ترنيم قائلًا بحنان:
"ممكن يا حبيبتي تسبينا شويه لوحدنا، ولما أخلص كلام معاها، هسيبك تقعدي معاها براحتك."
ظلت ترنيم تنظر إلى رنيم نظرة طويلة موجوعة، وكأنها تحاول أن تجد بداخل عينيها ولو ذرة لين أو حنين، ثم أومأت برأسها بصمت واتجهت نحو غرفتها بخطوات بطيئة.
ظل غريب يتابعها بعينيه حتى اختفت تمامًا، ثم التفت إلى جواد وقال:
"اقعد يا جواد."
أومأ جواد برأسه وجلس على المقعد المقابل لهم، بينما عاد غريب ينظر إلى رنيم مطولًا، وكأنه يدرس ملامحها المرتبكة بعناية، قبل أن يتحدث أخيرًا بنبرة هادئة تخفي خلفها الكثير من القلق:
"رنيم، أنا عايز اسألك سؤال وتجاوبيني بصراحه، لأن اجابتك هيتوقف عليها حاجات كتير أوي."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وكأنها تهرب من نظراته، ثم قالت بصوت مختنق:
"اعتقد مش هفيدك بحاجة، علشان اللي ما بينا مش مشترك."
ابتسم غريب بهدوء محاولًا امتصاص توترها وقال:
"اسمعي السؤال الاول وبعد كده قرري."
التفتت إليه أخيرًا بضيق، ثم أومأت برأسها بالموافقة.
عندها سألها مباشرة:
"شاهين ليه صلة بمريم بنت خالة مامتك الله يرحمها؟"
في اللحظة نفسها، اهتز جفنها بتوتر واضح، وشعرت وكأن السؤال أصابها في نقطة ضعفها مباشرة، لكنها سرعان ما حاولت التماسك وقالت:
"ل لا طبعًا، مافيش أي صلة ما بينهم، ولا يعرفها اصلا."
أرجع غريب ظهره للخلف وهو يراقب ارتباكها بعين دقيقة، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل اختناقًا وغضبًا مكبوتًا:
"في التسجيل اللي كان في المحكمة، اخوكي ذكر اسم مريم كذا مرة، وقال لشاهين جمله أنا متأكد منها، قاله ما أنت عارف كل حاجه، ما انت معانا، يقصد ايه بكلامه ده؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن أنفاسها بدأت تضيق، لكنها قالت بتوتر واضح:
"م معرفش، م مكنتش مركزة وقتها في الكلام."
زفر غريب بضيق محاولًا التحكم في أعصابه، ثم قال بنبرة غاضبة اختلط فيها الخوف بالقلق:
"رنيم قبل ما تساعديه وتداري الحقيقه، عايزك تفتكري مين اللي خطفكم، مين اللي قتل ابوكي وامك؟ عايزك تعرفي أن الست دي معنى انها عايشه لحد دلوقتي ومختفيه، أنها بتدبر حاجة كبيره وخطر، ممكن تتأذى فيها عمتك أو جواهر، أو حتى انتي، قوليلي الحقيقه ساعديني اوصلها، واحميكم من شرها."
ساد الصمت للحظات، بينما أخذ عقلها يدور بعنف بين كلماته وبين خوفها على شاهين. كانت تعلم أن كلام غريب منطقي، بل مرعب، لكن فكرة أن يتورط شاهين أو يُحاسب على شيء لم يفعله كانت تخنقها. رغم غضبها منه، ورغم الجرح الذي سببه لها، ما زالت تخاف عليه بصورة تعجز عن إنكارها.
أخذت نفسًا عميقًا محاولة السيطرة على ارتجافها، ثم قالت:
"زي ما قلتلك أنا معرفش حاجة عنها، وشاهين ملهوش أي صلة بيها، عايز تدور عليها، دور عليها بعيد عننا."
ظل غريب ينظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول اختراق ما تخفيه داخلها، ثم قال بصوت مثقل بالألم:
"زمان، رغم العداوة اللي كانت بيني أنا وابوكي، لما طلبت منه يساعدني نوقع مريم واللي معاها مترددتش لحظة واحده، وافق على طول وساعدني وضحى بعمره قصاد إنقاذك انتي وترنيم، الست اللي بتحميها علشان خاطر خايفه على شاهين، دي ايديها كلها دم أهلك، انتي بتتستري على شيطانه يا رنيم."
اهتزت عيناها بعنف مع كل كلمة نطق بها، وشعرت للحظة أن الأرض تميد تحت قدميها، وكأن جدران المكان تضيق عليها تدريجيًا. الألم داخلها كان ينهشها بلا رحمة، لكن عنادها وخوفها على شاهين كانا أقوى من اعتراف قد يدمر كل شيء.
نهضت فجأة بغضب وقالت بانفعال واضح:
"قلتلك معرفش.. معرفش حاجه، وارجوك محدش منكم ليه دعوة بحياتي."
استقام غريب واقفًا أمامها، ونظر مباشرة داخل عينيها بنظرة قوية جعلت الرهبة تتسلل إلى داخلها رغم ثباته، ثم قال:
"هعتبرك صادقة مع أن قادر اشوف كدبك في عيونك، بس متفكريش أن هسيبك تواجهي مصيرك قصاد واحده زي دي لوحدك، ابوكي مات وهو بيساعدني، وانا من واجبي، أحمي بنته واحافظ عليها حتى من نفسها، حتى لو أنتي رفضي ده، وده فعلاً اللي انا بعمله معاكي من سنين، ياريت تسمعي الكلام وتخلي جواد يرجعك تاني شقتك."
نظرت إليه بتوتر شديد، ثم أومأت برأسها بالموافقة بصمت تام، وكأنها استنزفت تمامًا ولم يعد لديها طاقة للمواجهة.
أشار غريب إلى جواد بعينيه، فتحرك الأخير فورًا وخرج معها إلى الخارج، ثم صعدا إلى السيارة وتحرك بها عائدًا نحو منزلها.
ظل غريب واقفًا مكانه يتابع السيارة بعينين مثقلتين بالقلق حتى اختفت تمامًا من أمامه، ثم تنهد بضيق وتحرك نحو غرفته.
وما إن رأته ترنيم حتى نهضت سريعًا من مكانها وقالت بلهفة واضحة:
"خلصتوا؟ أروح أنا بقى اقعد معاها شويه؟"
اقترب منها غريب بهدوء، أمسك يدها وقبلها بحب، ثم قال:
"رنيم روحت، جواد راح يوصلها."
هبط الحزن فورًا على ملامحها، وقالت بصوت مختنق موجوع:
"ليه يا غريب؟ انت مش قلتلي هتسيبني اقعد معاها شويه لما تخلصوا كلامكم؟"
أجلسها على السرير برفق، ثم كوب وجهها بين يديه وقال بحنان:
"مكانش هينفع يا قلبي انا عايز كلامي يفضل فى راسها من غير تشويش، ولو كانت شافتك كانت هتتعصب و تعاند معايا."
زفرت ترنيم بضيق وأومأت برأسها بحزن صامت، بينما كان قلبها يتألم من المسافة التي أصبحت تفصلها عن رنيم.
اقترب غريب منها وقبل مقدمة رأسها بحنو، ثم قال ووجهه ما زال قريبًا منها:
"علشان خاطري متزعليش يا نور عيوني، بكره ربنا يهديها وتشوف الحقيقه كاملة وتجيلك برجليها."
اهتز صوتها بالألم وهي تقول:
"اللي وجعني يا غريب، الصورة اللي شيفاني بيها، أنا عمري ما حاولة اخده منهم، بالعكس أنا لما عرفت بوجودهم انسحبت وقربتهم لبعض."
بمجرد أن أنهت كلماتها، أغلق غريب عينيه بضيق شديد، واشتد فكه بقوة حتى برز صدغه من شدة الغضب والألم المختلطين داخله. كان الماضي ما زال قادرًا على تمزيقه مهما حاول تجاوزه.
لاحظت ترنيم حالته فورًا، فاقتربت منه سريعًا، ثم وضعت قبلة خفيفة على شفتيه وهمست بحنان:
"انسى يا غريب علشان خاطري، أنا دلوقتي معاك انت وام لاولادك."
شعر بأنفاسها الدافئة تلامس وجهه، ففتح عينيه ببطء، وكأن قربها وحده قادر على إطفاء كل النيران المشتعلة داخله. ابتسم لها بحب خالص، ثم اقترب منها وقبلها بعشق، لكنها أبعدته برفق وهي تبتسم قائلة:
"مش دلوقتي، لما جواد يرجع واعشيه."
ضحك بخفوت، ثم جذبها داخل أحضانه بقوة، وضمها إليه وكأنه يستمد منها طمأنينته الوحيدة، قبل أن يقبل رأسها ويقول بصوت ممتلئ بالعشق:
"بعشقك يا ترنيم، وكل يوم بيعدي حبك في قلبي بيكبر أكتر، ربنا يخليكي ليا يا أجمل حاجه في دنيتي."
لفت ذراعيها حول خصره، وتمسكت به وكأنها تجد أمانها الوحيد بين ذراعيه، ثم همست بحب خالص:
"وأنا بحبك أوي يا غريب."
****************************
في صباح يوم جديد، كان الصمت يلف الشقة بثقل خانق، وكأن الليل لم يغادر المكان بعد، بل ترك خلفه بقايا خوف ووجع عالقين في الجدران. كانت رنيم غارقة في نوم مضطرب، تتقلب بين كوابيس الماضي ووجع الحاضر، حتى انتفض جسدها بعنف على صوت الطرقات المتتالية فوق باب الشقة، طرقات قوية متلاحقة كأن صاحبها يوشك أن يقتلع الباب من مكانه.
فتحت عينيها بفزع، وأنفاسها تتسارع دون وعي، بينما ظل قلبها يخفق بعنف داخل صدرها. نهضت سريعًا من فوق الفراش، وتحركت بخطوات متعثرة نحو الخارج، وما إن وصلت إلى الباب وفتحته حتى اندفع شاهين إلى الداخل كالإعصار، بعينين تشتعلان غضبًا وغيرة بصورة مخيفة، حتى بدا وكأنه فقد السيطرة على نفسه بالكامل.
تقدم نحوها مباشرة، وصوته خرج خشنًا حادًا وهو يقول بنبرة غاضبة مغلفة بغيرة قاتلة:
"روحتي معاه فين امبارح؟"
ارتجف جسدها من اندفاعه العنيف، لكنها سرعان ما تماسكت، وضغطت على أسنانها بقوة محاولة أن تبدو أكثر ثباتًا مما تشعر به، بينما حاولت سحب ذراعها من قبضته القاسية وهي تقول بغضب:
"ملكش فيه، وسيب دراعي يا شاهين."
لكن قبضته اشتدت أكثر، حتى شعرت بالألم يخترق عظامها، واقترب منها بعينين سوداويتين بالغضب وهو يقول بصوت مخيف:
"رودي عليا، احسنلك يا رنيم."
ظهرت ملامح الألم بوضوح فوق وجهها، إلا أنها أصرت على التحدي، ورفعت رأسها نحوه بعناد رغم ارتجاف قلبها:
"انت عايز مني ايه؟ مش انت متجوز وعندك عيله وعايش حياتك، ابعد عني وسيبني فى حالي أنا بقى."
كلماتها كانت كمن يسكب الزيت فوق نار مشتعلة بالفعل. اقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسه الحارقة تضرب وجهها مباشرة، ونظر إليها بنظرة جعلت الرعشة تسري في أوصالها رغمًا عنها، ثم قال من بين أسنانه بنبرة مخيفة:
"بلاش تخرجيني عن شعوري يا رنيم، ردي على أمي، روحتي معاه فين أمبارح؟"
اختنق صوتها رغم محاولتها للثبات، وأجابت بصعوبة:
"روحت عندهم الفيلا، ايه عندك مانع؟"
وفجأة أفلت ذراعها بعنف وكأن لمسها صار يحرقه، ثم مرر يده داخل شعره بعصبية واضحة، يدور في المكان بخطوات متوترة، كأن حربًا كاملة تدور داخله. كان يحاول أن يهدأ، أن يسيطر على ذلك الوحش الذي يستيقظ بداخله كلما شعر أنها تبتعد عنه، لكن الأمر أصبح يفوق احتماله.
استدار إليها مجددًا، وعيناه تعصفان بمزيج مؤلم من الغضب والوجع والعجز، وقال بنفاذ صبر:
"ليه مصره تشوفي الوش التاني، ليه مش قادرة تتخيلي أن الوش ده مش هتستحملي، أنا بحاول امنع ده أن يحصل، بس افعالك كلها، فوق طاقة أحتمالي، عارف انك زعلانه ومن حقك، بس اديني فرصه واحده بس اقولك الحقيقه، اشرحلك الظروف اللي وصلتني لكده."
ثم اقترب منها خطوة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن نظراته غاضبة فقط، بل موجوعة بطريقة كسرت شيئًا بداخلها. كان يبدو وكأنه رجل يقف على حافة الانهيار، يتمسك بها كآخر شيءٍ يبقيه حيًا.
خرج صوته مختنقًا وهو يقول:
"أنا إنسان عاش الدنيا بيجازف فيها حتى بعمره، شاف حاجات تهد جبل، واتحملتها، ومستعد اتحمل كل حاجه، الا خسارتك انتي يا رنيم، انتي بالنسبالي النور اللي ظهر وسط عتمة حياتي، انتي الراحة بعد الشقى، أنتي الضحكه الحلوة بعد الدمعه، انتي قوتي وقت ضعفي، علشان كده مستعد أعمل أي حاجة مستحيل تتخيليها، لو فكرتي تحرميني منك وتبعدي عني، فاهمه يا رنيم."
تسمرت مكانها وهي تنظر إليه، ترى ذلك الضعف النادر بعينيه، ترى رجلاً يستجديها بصمته قبل كلماته، رجلاً يخاف خسارتها أكثر من خوفه من أي شيءٍ آخر. للحظة شعرت أن قلبها يلين رغماً عنها، وأن تلك الجدران التي بنتها حول نفسها بدأت تتشقق تحت وطأة احتياجه الواضح لها.
لكنها انتفضت داخليًا فور أن لمحت تلك النظرة المظلمة بعينيه، النظرة التي تتحول كلما تحدث عن فكرة ابتعادها عنه، نظرة رجلٍ قد يحرق العالم كله إذا شعر أنها ستتركه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت التمسك ببقايا قوتها، ثم قالت بصوتٍ مهتز قليلًا رغم محاولتها إخفاء ذلك:
"على فكرة بقى مش لوحدك اللي عاش حياة صعبه، أنا كمان أتعذبت وطفولتي أتدمرت والسبب امك، شوفت مشاهد بتجيلي كوابيس لحد دلوقتي وانا نايمه، ولما ظهرت انت فكرتك العوض اللي هيطبطب على قلبي، ويعوضني عن كل اللي شفته، بس اكتشفت انك انت قلم تاني اكتر قسوة من كل حاجة شفتها في حياتي، اكتشفت انك كداب ومخادع وحبك كان مجرد وهم قلبي نسجه علشان يتحامى فيه، انت اكبر غلطة في حياتي، وانا قررت اصلحها."
كانت كلماتها تخرج كالسكاكين، لكنها في الحقيقة كانت تمزقها هي أيضًا. شعرت وكأنها تنتزع قلبها بيديها وهي تدفعه بعيدًا عنها، لكنها كانت خائفة، خائفة أن تكرر حياة والدتها، أن تصبح نسخة أخرى من امرأة سلبت رجلًا من عائلته، خائفة من ذلك الحب الذي يبتلعها بالكامل حتى يفقدها نفسها.
أما شاهين، فقد ظل ينظر إليها للحظات طويلة بصمت موجوع، ثم ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة منكسرة، ابتسامة رجل يتلقى طعنة ممن يحب، لكنه لا يملك إلا أن يعشق الألم نفسه لأنه صادر عنها.
وقال بصوت خافت اختلط فيه العشق بالعذاب:
"وانتي عذابي الحلو، اللي ناره جنتي يا رنيم."
أنهى كلماته، ثم استدار وغادر سريعًا قبل أن تفضحه أكثر تلك الهزيمة التي تشتعل داخل عينيه.
بقيت رنيم واقفة مكانها تحدق في أثره، عاجزة حتى عن التنفس بصورة طبيعية. كان قلبها يضرب بعنف داخل صدرها، وكأنه يريد أن يتمرد عليها ويركض خلفه، يريد أن يحتضنه، أن يمنعه من الرحيل، أن يخبره أنها رغم كل شيء، ما زالت تحبه حد الوجع.
ولم تشعر إلا والدموع تهبط فوق خديها بصمت مرير.
هزت رأسها بعنف، ترفض هذا الضعف، ترفض ذلك القلب الذي يخونها كلما اقترب منها شاهين، وكأنها عادت طفلة صغيرة ترى ماضيها يعاد أمامها من جديد.
رأت بعيني خيالها نظرات والدها الحزينة بسبب فراق ترنيم عنه، تذكرت حديثه القديم الذي لم تكن تفهمه وقتها، خوفه المجنون من أن تتركه المرأة التي أحبها، ضعفه الذي كان ينهار أمام عشقها.
وفجأة شعرت أن كل شيء يطبق فوق صدرها دفعة واحدة.
لم تعد قادرة على الاحتمال.
انهارت على الأرض، تضم نفسها بذراعيها، ثم خرجت منها صرخة موجوعة مزقت سكون المكان، صرخة امرأة تحمل داخلها سنوات من الخوف والقهر والحب المستحيل، أشياء لم تستطع يومًا أن تتحدث عنها، لكنها الآن تحترق بها بالكامل.
****************************
تسللت أشعة الصباح بهدوء إلى الغرفة، تنعكس فوق الأثاث بلون دافئ، بينما كان جواد غارقًا في نوم عميق، ممددًا فوق الفراش بلا اكتراث، وكأن العالم بأكمله لا يعنيه في تلك اللحظة. لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا، إذ دوى صوت جواهر الغاضب داخل الغرفة وهي تقف أمامه عاقدة ذراعيها، تنظر إليه بغيظ واضح:
"انت لسه نايم كل ده؟ اصحى فؤق ورانا حاجات كتير لسه هنشتريها."
تحرك بتململ فوق الفراش، وأخفى وجهه أكثر داخل الوسادة كطفل يرفض الاستيقاظ، ثم قال بصوت ناعس متحشرج:
"بطلي صداع على الصبح يا جواهر وسبيني أنام شوية."
زفرت بضيق، ثم اقتربت وجلست بجواره على حافة السرير، تنظر إليه بنفاد صبر واضح وهي تقول:
"اومال ايه بقى مستعجل على الجواز وعايز تحدد الميعاد فى أقرب وقت؟ واحنا لسه محجزناش حتى القاعه ولا اشترينا الفرش، عايز تتجوز ليه بقى إن شاءالله طالما هتقضيها نوم؟"
فتح عينيه بصعوبة بالغة، ثم التفت إليها ببطء، وعيناه لا تزالان تحملان أثر النعاس، لكنه رغم ذلك قال بنبرة وقحة جعلت ملامحها تتجمد:
"تحبي اقولك عايز اتجوز ليه؟ ولا تحطي لسانك جوه بؤقك وتهدي شوية؟"
شهقت جواهر بصدمة، واتسعت عيناها سريعًا، بينما وضعت يدها فوق فمها بعدم تصديق.
أما هو فرفع أحد حاجبيه بسخرية، واستند بذراعه خلف رأسه وهو يقول ببرود مستفز:
"اتصدمتي ليه كده؟ هو أنا قلت حاجه لسه؟"
اقتربت منه قليلًا وهي تقول بقلق:
"ايه اللي في وشك ده؟ انت اتخانقت مع حد بعد ما سبتني امبارح؟"
اعتدل في جلسته أخيرًا، وتحولت ملامحه إلى الضيق وهو يتذكر ما حدث، ثم قال بنبرة مستاءة:
"اتخانقت أنا والزفت اللي أسمه شاهين، ولولا بنت خالك وقفت في النص كان زماني شارب من دمه."
عقدت ما بين حاجبيها بدهشة، وقد بدا الأمر غير منطقي تمامًا بالنسبة لها، ثم قالت باستغراب:
"انت وشاهين؟ وبنت خالي! انت روحت بليل عند رنيم؟"
أومأ برأسه بضيق، ثم قال موضحًا:
"أيوه امبارح لما كنت معاكي وبابا اتصل بيا، كان عايزني اروح اجيبها ليه، وطبعا انتي عارفه بنت خالك مستفزة ازاي، خرجتني عن شعوري، اخدها بالغصب وتدخل اللي اسمه شاهين ده ومسكنا فى بعض."
ظلت تنظر إليه للحظات تحاول استيعاب الأمر، قبل أن تقول بعدم فهم:
"أونكل غريب عايز رنيم! غريبه دي، وكان عايزها ليه؟"
لوح بيده بنفاد صبر، وكأنه لا يريد الخوض في ذلك الحديث أكثر، ثم قال:
"خليكي في حالك يا حشريه، انتي مالك، وبعدين شايف أن أثر البوسه راح من عندك خلاص، ما تيجي نعيد اللحظة بتاعة امبارح."
انتفضت جواهر من مكانها فورًا، وابتعدت عنه بسرعة وكأن كلماته أحرقتها، ثم أشارت إليه بتحذير وهي تقول:
"انت عارف لو مبطلتش قلة ادب هقول لخالتوا ترنيم تلمك وتعيد تربيتك من أول وجديد."
انفجر جواد ضاحكًا بصوتٍ عالٍ، ضحكة رجولية مليئة بالمشاكسة، ثم قال بوقاحة زادت احمرار وجهها:
"خالتك ترنيم زمانها مفكرة أن ابنها دلوقتي عامل معاكي الواجب، وفرحانه كمان."
اتسعت عيناها بصدمة، واحمر وجهها بالكامل حتى كادت تختنق من الخجل، ثم قالت بتلعثم:
"ا اقسم بالله انت واحد قليل الادب، ايه حصلك يا ابن ضرغام؟ مكنتش كده الاول اخلاقك بقت في ذمة الله، ده انا الاول كنت اجرئ منك يا راجل."
ابتسم ابتسامة واسعة، ثم نهض من فوق السرير واقترب منها بخطوات بطيئة متعمدة، حتى أحاط خصرها بذراعه وجذبها إليه برفق، بينما همس قرب أذنها بصوت منخفض أربك أنفاسها:
"علشان الاول كنتي حبيبتي بس، مكانش ينفع يحصل ما بينا اي تجاوزات، كنت بحافظ عليكي لحد ما تبقى مراتي حلالي، إنما دلوقتي، انتي مراتي واعمل معاكي اللي انا عايزة، كله بالحلال، وطبعا عارف حدودي كويس، لحد الفرح وتكمل العلاقة ونجيب ولاد وبنات يكونوا كلهم شبهك."
ارتجف قلبها بعنف من قربه وطريقته، وشعرت بحرارة أنفاسه تربكها بصورة واضحة، خاصة حين مال برأسه ببطء وكأنه ينوي تقبيلها، لكنها وضعت يدها سريعًا فوق شفتيه تمنعه، رغم ابتسامتها المرتبكة وهي تقول:
"طيب ممكن تجهز بقى علشان نجهز بيتنا اللي هنكون فيه براحتنا."
تأملها للحظة بعينين مليئتين بالعشق، ثم أمسك يدها وقبلها بحب حقيقي قبل أن يبتسم لها ابتسامة أذابت ما تبقى من مقاومتها:
"نجهز منجهزش ليه."
ثم اقترب منها أكثر ووضع قبلة خفيفة فوق خدها، قبل أن يبتعد عنها بغمزة مشاكسة جعلت قلبها ينتفض داخل صدرها بعنف، واتجه بعدها نحو المرحاض.
أما جواهر، فظلت واقفة مكانها لثوانٍ طويلة، تحاول استيعاب تأثيره الغريب عليها، قبل أن ترتسم فوق شفتيها ابتسامة صغيرة مليئة بالسعادة، ثم جلست فوق الأريكة تنتظر خروجه وقلبها لا يزال يرقص داخل صدرها كطفلة وقعت في الحب لأول مرة.
****************************
جلس غريب خلف مقود سيارته، يقودها في طريقه إلى الشركة بينما كانت ملامحه متجهمة على غير عادته، وعقله غارقًا في دوامة لا تنتهي من التفكير. منذ حديثه مع رنيم بالأمس وهو يشعر أن شيئًا ثقيلًا يقترب، شيئًا مظلمًا يحمل رائحة الماضي بكل ما فيه من دم وخيانة وخراب.
كان الطريق شبه خالي، وصوت المحرك وحده يملأ الصمت داخل السيارة، إلى أن ظهرت أمامه فجأة سيارة سوداء قطعت طريقه بعنف، مما اضطره للضغط بقوة على المكابح، فتوقفت السيارة بصوت احتكاكٍ حاد اخترق سكون المكان.
اشتعل الغضب داخل عينيه فورًا، وكاد يترجل من السيارة لينهي الأمر بعنف، لكن ما إن وقعت عيناه على المرأة التي بدأت تنزل من السيارة بالمقعد المتحرك حتى تجمد للحظة كاملة، واتسعت عيناه بصدمة ممزوجة باشمئزاز دفين.
كانت مريم. رجالها يحيطون بها كالحراس، يحملون مقعدها المتحرك بحذر وينزلونها من السيارة، بينما كانت تجلس فوقه بكامل هدوئها، كأنها جاءت لموعد عادي، لا لمواجهة رجل يحمل لها كراهية تكفي لإحراق العالم.
فتح غريب باب سيارته بعنف وترجل سريعًا، ثم اقترب منها بخطوات ثقيلة ونظراته مشتعلة بالغضب، حتى وقف أمامها مباشرة وقال بصوت مليء بالاحتقار:
"والله زمان يا مريم الكلب، اخيرا خرجتي من جحرك."
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة باردة مليئة بالشر، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة مستفزة:
"وحشتني يا غروبتي."
مجرد سماعه لذلك اللقب القديم جعل العروق تبرز بعنقه من شدة الغضب، وضغط على أسنانه بقوة حتى كادت تتحطم، ثم قال بتهديد واضح:
"أنا مش عارف أنتي إزاي عايشه لحد دلوقتي؟ بس اوعدك موتك على أيدي والمرادي هتأكد بنفسي انك موتي بجد."
لكنها لم تخف.. بل تعالت ضحكاتها بصورة مريبة، ضحكات امرأة فقدت كل ما يجعل البشر طبيعيين، ثم قالت باستفزاز أشد:
"أخص عليك يا غروبتي، عايز تخلص من مراتك، طيب ده انا عيشت العمر ده كله مافيش غيرك في قلبي."
تحرك نحوها ببطء خطير، بعينين سوداويتين جعلتا رجالها يتحركون فورًا ليقفوا أمامها ويحجبوا الطريق عنه. توقف غريب للحظة، ثم ابتسم بسخرية قاتلة وهو ينظر إليهم بازدراء:
"جايبه شوية خرفان تتحامي فيهم مني، ما انتي عارفه غريب ضرغام يا مريم، لو عايز اوصلك، محدش هيقدر يوقفني ويمنعني."
ظلت تنظر إليه بثبات، ثم رفعت يدها بإشارة هادئة، ليتنحى رجالها جانبًا فورًا. بعدها حركت مقعدها بنفسها مقتربة منه أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما لا تذكر، ثم قالت بصوت منخفض يشبه فحيح الأفاعي:
"وانت برضه عارف مريم يا غريب، عمري ما خوفت من حد، وعندي سلاح أقوى مليون مره من الرجاله دي، عندي دماغ تدمر العالم كله وأنا قاعده في مكاني."
ثم مالت بجسدها نحوه أكثر، وهمست قربه ببرود مرعب:
"وأولهم، ترنيم وولادك."
تراجعت بعدها للخلف وهي تنظر إليه بابتسامة مستفزة، لكن تلك الكلمات كانت كفيلة بإشعال الجحيم داخله.
في لحظة واحدة انقلب وجه غريب بالكامل، واختفت كل ذرة تعقل من عينيه، ثم انقض عليها كوحش انفلت من قيوده، وأطبق يده بقوة هائلة حول عنقها حتى شهقت مختنقة، بينما قال بصوت غاضب اهتز له المكان:
"أسم مراتي وولادي ميجيش على لسانك القذر ده، وأبقى فكري بس تقربي من حد يخصني، وهخليكي بدل ما تكوني قاعده مشلولة هدفنك في قبرك حيه فاااهمه."
بدأت مريم تسعل بعنف، ووجهها يميل إلى الاحمرار من شدة الاختناق، بينما اندفع رجالها سريعًا نحوه محاولين إبعاده عنها. أمسكوه بصعوبة، لكنه دفعهم بقوة هائلة جعلتهم يتراجعون للخلف مترنحين، فقد كان الغضب داخله أكبر من أن يسيطر عليه أحد.
أما مريم، فظلت تسعل لثوانٍ وهي تحاول استعادة أنفاسها، ثم رفعت عينيها إليه مجددًا، والغريب أنها رغم اختناقها، كانت تبتسم.
ابتسامة امرأة تستمتع بإشعال النار داخل قلبه.
ثم قالت بهدوء متعمد أرعبه أكثر من أي صراخ:
"انا فعلا قربت يا غريب وقلبك هيتحرق عليهم واحد وراه التاني."
تجمد للحظة وهو ينظر إليها، وشعور ثقيل بالخطر بدأ يضغط فوق صدره، لكنه لم يظهر ذلك، بل ظل يحدق بها بنظرات مليئة بالقتل.
أما هي، فتحركت بمقعدها نحو السيارة، وقام رجالها بإعادتها إليها، ثم أغلق الباب وتحركت السيارة مبتعدة ببطء، بينما كانت لا تزال تنظر إليه من خلف الزجاج الداكن بعينين تحملان وعيدًا مرعبًا.
ظل غريب واقفًا مكانه للحظات، وصدره يعلو ويهبط بعنف، قبل أن يركل سيارته بكل قوته، حتى دوى صوت الضربة في المكان، ثم رفع عينيه ناحية الطريق الذي اختفت فيه سيارتها، ونار الانتقام تشتعل داخله بصورة مخيفة.
**************************
جلست رنيم على المقعد القريب من النافذة، تضم كفيها فوق ساقيها في محاولة يائسة منها لتتماسك، بينما كانت الفوضى تعصف داخل صدرها بلا رحمة.
عيناها معلقتان في الفراغ، لكن عقلها لم يتوقف لحظة واحدة عن استعادة كلمات شاهين، نبرته المختنقة، نظرته التي كانت تحمل ذلك الألم القاسي الذي أصاب قلبها رغم عنها.
كانت تحاول بكل قوتها أن تقنع نفسها بأنها تكرهه، بأن ما بينهما انتهى، لكن قلبها اللعين كان يخونها في كل مرة، يرتجف خوفًا عليه بدلًا من أن يبتعد عنه.
تنهدت ببطء وأغلقت عينيها، لكن قبل أن تستسلم لدوامة أفكارها، دوى جرس الباب في أرجاء الشقة.
انتفض جسدها بخفة، ثم نهضت ببطء وكأن التعب يسكن عظامها، واتجهت نحو الباب بخطوات مثقلة.
فتحت الباب دون اهتمام حقيقي بمن الطارق، لكنها تجمدت مكانها فور أن وقعت عيناها على تلك الصغيرة الواقفة أمامها.
كانت ميا تنظر خلفها بتوتر واضح، وكأنها تخشى أن يراها أحد، ثم رفعت عينيها نحوها وقالت بصوت خافت لكنه مهذب:
"أنا ميا شاهين، وكنت حابه أتكلم معاكي شوية؟"
انعقد حاجبا رنيم بدهشة حقيقية، وظلت للحظات تحدق بها دون رد، غير مستوعبة أن ابنة شاهين نفسها تقف الآن على باب منزلها.
لكن شيئًا ما في ملامح الطفلة، في براءتها المرتبكة، جعل قسوة قلبها تلين رغماً عنها، فاومأت برأسها بهدوء وابتعدت جانبًا لتفسح لها الطريق.
دخلت ميا إلى الداخل بخطوات حذرة، وأغلقت الباب خلفها، ثم استدارت تنظر إليها بابتسامة صغيرة متوترة وقالت:
"أنا عارفه انك مستغربه من وجودي هنا، بس أنا جايه أتكلم معاكي شويه علشان بابي صعبان عليا اوي وهو حزين بسببك."
شعرت رنيم بانقباضة حادة داخل صدرها فور سماعها لكلمة "بابي".
تجهمت ملامحها قليلًا، وكأنها تحاول الهروب من ذلك الشعور المؤلم الذي ضرب قلبها، ثم قالت بصوت مختنق حاولت أن تجعله ثابتًا:
"طبعا تنوري يا حبيبتي في أي وقت بس ممكن بلاش نتكلم في موضوع بابي ده؟"
تحركت ميا نحو الأريكة وجلست فوقها بثقة هادئة لا تناسب عمرها، ثم رفعت عينيها إليها وقالت ببساطة صادقة:
"بس انا موجوده هنا علشان نتكلم في الموضوع ده اصلا."
تنهدت رنيم بعمق، ثم اقتربت منها وجلست بجوارها، محاولة التهرب من ذلك الحديث الذي تعلم جيدًا أنه سيضعفها أكثر، وقالت بلطف:
"احنا ممكن نكون اصحاب، نتكلم في أي حاجة عادي بس بلاش الموضوع ده بليز."
لكن ميا أمسكت يدها سريعًا، وكأنها تخشى أن تهرب منها الفرصة، ثم قالت بحزن واضح:
"بابي بيحبك بجد، بيتعذب بسببك، أنا طلبت منه أن اجي أتكلم معاكي، بس هو قالي لا، وقالي أنه هيحاول معاكي علشان تسامحيه، بس الصراحه مقدرتش اسمع الكلام، وجتلك برضه، بابي طيب اوي والله ويستاهل يكون مبسوط وسعيد."
ارتجفت أنفاس رنيم بعنف، وشعرت بحرارة الدموع تلسع عينيها بقوة.
أغمضت عينيها سريعًا حتى لا تنفضح أمام الطفلة، ثم قالت بصوت مبحوح بالكاد خرج:
"أنتي إزاي مش غيرانه مني على بابي؟ وجايه تكلميني اسامحه عادي جدا كده؟ أنا فاكرة وانا صغيره عنك بكتير بابا كان بيحب واحده تانيه، لحد دلوقتي مش قادره اتقبلها علشان شاركتني أنا وماما في قلبه."
ابتسمت ميا ابتسامة هادئة، تحمل نضجًا موجعًا أكبر من عمرها بكثير، ثم قالت بكل بساطة:
"علشان أنا اهم حاجه عندي سعادة بابي، ايًا كان مع مين، وعلشان شايفه بابي بيحبك قد ايه، جيت أتكلم معاكي تسامحيه."
وهنا.. شعرت رنيم وكأن الكلمات صفعتها بقوة.
توقفت أنفاسها للحظة، واتسعت عيناها بشرود مؤلم وهي تحدق بتلك الطفلة الصغيرة التي استطاعت بجملة واحدة فقط أن تفتح جرحًا قديمًا ظلت تهرب منه لسنوات.
سعادة والدها.. مع من كانت؟
هل فكرت يومًا في ذلك؟
هل سألت نفسها يومًا عما كان يشعر به والدها حين عاش ممزقًا بين قلبه وواجباته؟
هل كانت أنانية إلى هذا الحد؟
هل انشغلت بألمها وألم والدتها فقط، دون أن تحاول ولو مرة أن ترى ضعفه هو الآخر؟
بدأت صور الماضي تتزاحم داخل عقلها بعنف، نظرات والدها المنهكة، حزنه الصامت، ذلك الاشتياق الذي كانت تراه في عينيه كلما ذكرت ترنيم أمامه.
لأول مرة تشعر أنها ربما ظلمته.. ولأول مرة تفهمه.
ظلت غارقة في دوامة أفكارها حتى انتبهت على صوت ميا وهي تقول بقلق:
"ساكته ليه؟ زعلتي من كلامي؟"
انتبهت لها رنيم سريعًا، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة، وهزت رأسها نفيًا وقالت بحنان صادق:
"لا خالص مزعلتش منك، انتي جميله اوي، و ماشاءالله ناضجه جدا وسابقة سنك، أنا حبيتك اوي."
أشرقت ملامح ميا بسعادة طفولية، ثم قالت بلهفة بريئة:
"شكرا، ها قولتي ايه هتسامحي بابي وتديله فرصه تانيه؟"
نظرت إليها رنيم طويلًا، وكأنها ترى داخل عينيها نسخة صغيرة من شاهين، نفس الرجاء، نفس الخوف من الخسارة، ثم قالت بهدوء متعب:
"قرارات زي دي مينفعش تتاخد كده، بس اوعدك أني هفكر في كلامك."
ابتسمت ميا فورًا بسعادة حقيقية، ثم قالت بسرعة وكأنها تتذكر أمرًا مهمًا:
"اوك، بس بلاش تقولي لبابي أن انا جيت ليكي."
اومأت رنيم برأسها بخفة وقالت بابتسامة صغيرة:
"طبعا مش هقوله متقلقيش، قوليلي بقى، عندك كام سنه؟"
اجابتها ميا بحماس طفولي:
"عندي اتناشر سنه، وكمان كام شهر هقفل تلاتشر."
ضحكت رنيم بخفة لأول مرة منذ وقت طويل، ثم قالت بحب:
"العمر كله يا قمر."
استقامت ميا واقفة وهي ترتب ملابسها الصغيرة، ثم قالت بتوتر خفيف:
"أنا لازم امشي بقى قبل ما مامي ترجع البيت."
أومأت لها رنيم وهي تشعر بشيء دافئ يتحرك داخل قلبها، ثم قالت بلطف:
"ماشي يا حبيبتي، هستناكي تيجي تقعدي معايا."
استدارت ميا نحوها قبل أن تغادر، ثم سألتها بحيرة بريئة:
"تحبي انادي عليكي بأيه؟ اسمك ولا طنط ولا أبله؟"
ابتسمت رنيم رغم ألمها، ثم قالت بخفوت دافئ:
"بما انك بالعقليه دي وبقينا اصحاب، يبقى خليها بأسمي، رنيم."
اتسعت ابتسامة ميا فورًا وقالت بحماس:
"اوك يا رنيم، باي."
ثم فتحت الباب بحذر، وأخرجت رأسها أولًا تنظر يمينًا ويسارًا بخوف مضحك، قبل أن تلوح لها بيدها سريعًا وتغادر راكضة نحو شقتها.
ظلت رنيم واقفة مكانها تحدق في الباب المغلق، بينما ترتسم على شفتيها ابتسامة حزينة مثقلة بالمشاعر.
ثم أطلقت زفرة طويلة موجوعة، وعادت بخطوات بطيئة إلى الداخل، تغلق الباب خلفها، بينما كلمات تلك الطفلة ما تزال تتردد داخل قلبها بقسوة لم تستطع مقاومتها.
**************************
عند شاهين...
عندما خرج من عند رنيم، صعد إلى سيارته وكأنه يهرب من شيء يطارده داخل صدره، لا من حوله. ظل يقود لفترة طويلة دون أن يشعر بالطريق، حتى وصل إلى مكان خالٍ تمامًا، يلفه السكون من كل اتجاه. أوقف السيارة بعنف، ثم ترجل منها ببطء وأسند جسده على مقدمتها المعدنية الباردة، وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يحدق في الفراغ أمامه بعينين شاردتين.
لم يكن يرى شيئًا في الحقيقة، فكل ما كان يملأ رأسه هو كلمات رنيم، صوتها الغاضب، نظرتها المكسورة، والطريقة التي قالت بها إنها تعتبره أكبر غلطة في حياتها.
شعر وكأن الكلمات مازالت تقال الآن داخل أذنه، وكل مرة يعيدها عقله كان قلبه ينتفض بعنف أكبر، خاصة حين يتخيل فكرة ابتعادها عنه فعلًا.
وفي لحظة، انفجر صارخًا بكل ما يملك من ألم، صرخة خرجت من أعماقه كرجل يتمزق ببطء ويحاول للمرة الأولى في حياته أن يتمسك بشيء يخاف خسارته.
هبط بجسده تدريجيًا حتى جلس على الأرض، وأسند ظهره على السيارة خلفه، ثم ضم ساقيه إلى صدره بحركة لا تشبهه أبدًا، لكنها جعلته يبدو كطفل ضائع وسط غابة موحشة، لا يعرف أين يذهب ولا كيف ينجو.
حينها فقط بدأت الذكريات تتسلل إلى رأسه دون استئذان، تتلاحق أمام عينيه كأنها مشاهد قديمة تعرض من جديد...
فلاش باااك...
كان شاهين طفلًا في العاشرة من عمره، يجلس داخل إحدى دور الرعاية الاجتماعية وصدره يعلو ويهبط بعنف بعد شجار حاد مع أحد الأطفال. كانت نظراته حادة بشكل مخيف، ممتلئة بغضب لا يليق بطفل في مثل سنه.
انفتح الباب بعنف، ودخل أحد المسؤولين ممسكًا بعصاه الخشبية، ثم صاح فيه بغضب:
"انت هتبطل البلطجه اللي فيك دي امتى؟ كل شوية تضرب حد وتكسر حاجه فيه، انت لدرجاتي بقيت تحب التأديب."
رفع شاهين عينيه المحمرتين من شدة الغضب ونظر له بعناد واضح، ثم قال بصوت طفولي خشن:
"وانتوا مش تعرفوا اللي التاني عملوا الاول؟ ولا أنا الحيطه المايله هنا كل شوية تأديب حتى لو مظلوم."
اقترب الرجل منه بعصبية، وهبط بالعصا على جسده بقوة، ثم قال بازدراء:
"اهو لسانك ده اللي جايب ليك الكافيه، اومال لو مكنتش ابن حرام ومش معروف ليك أهل كنت عملت ايه؟"
في تلك اللحظة، اشتعل الغضب داخل شاهين أكثر، فنهض من مكانه بسرعة واقترب منه بعينين مشتعلة:
"لم لسان امك بدل ما اقطعهولك."
لم يحتمل الرجل رده، فانهال عليه بالضرب بلا رحمة.
حاول شاهين المقاومة في البداية، لكن جسده الصغير لم يعد قادرًا على التحمل، فسقط على الأرض بينما بدأت آثار الضربات تترك بقعًا زرقاء فوق جلده.
بكى وقتها بحرقة، بكاء طفل لا يفهم لماذا يعاقب طوال الوقت، ولا يعرف ما الذنب الذي ارتكبه ليعيش حياة كهذه.
مرت الأيام بعد ذلك ثقيلة وقاسية، ما بين عنف شاهين وعقابه المستمر. ومع الوقت، بدأ يفقد إحساسه الطبيعي بالحياة. لم يعد يشبه الأطفال من حوله، وكأن السنوات مرت فوق عمره الصغير وتركته أكبر بكثير مما ينبغي.
وفي أحد الأيام، كان يجلس أعلى سطح دار الرعاية، يراقب السماء بصمت بارد، حين سمع أحدهم يناديه من الأسفل. نظر إليه بضيق وقال:
"ها؟ تأديب النهاردة هيكون ايه؟ منع من الاكل ولا ضرب ولا حبس وتكتيف؟"
رد الرجل هذه المرة بحماس واضح:
"أنزل ياض شكلك اتفتح ليك طاقة القدر، فيه حد هنا بيقول يعرف اهلك مين، وبيقول انك ابن عيله كبيره أوي وغنيه."
ابتسم شاهين بسخرية باهتة وقال: "مبقاش يفرق معايا، هيفيد بأيه بعد اللي شفته في المكان ده؟"
تنهد الرجل بنفاذ صبر وقال:
"يالا انزل انت لسه في بدايه عمرك، فيه غيرك هنا يتمنى يظهر ليهم أهل حتى لو فقرا وانت ظهرك اهل وكمان غنيه ومعاها على قلبها قد كده."
زفر شاهين بضيق، ثم قفز من الأعلى وتحرك معه نحو مكتب الإدارة.
وحين دخل، وجد فتاة شابة لا يتجاوز عمرها الخامسة والعشرين تجلس هناك. كانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالتوتر واللهفة، بينما نظر لها هو بلا اهتمام وقال:
"خير؟ عايزين مني ايه؟"
اقتربت منه ببطء شديد، ومدت يدها نحو وجهه بحنان مرتعش، لكنه ابتعد فورًا وقال بغضب:
"ابعدي ايدك عني."
خرج الجميع من المكتب وتركوهما بمفردهما.
ظلت تنظر إليه بألم واضح، ثم قالت بصوت مرتجف:
"ش شاهين كبرت وبقيت نسخه من ابوك."
قطب حاجبيه بضيق وقال بسخرية:
"شاهين مين؟ انتي عبيطه ولا أيه؟ ومين ده اللي شبه ابوه هو أنا أعرفه هو مين اصلا؟"
ابتسمت وسط دموعها وقالت:
"انت شاهين أنا سميتك كده يوم ما ولدتك."
رفع حاجبيه بعدم اقتناع وقال بتهكم:
"مين دي اللي ولدتني، بقي انتي امي انا طيب ازاي؟"
أمسكت يده برفق وأجلسته على الأريكة، ثم جلست بجواره وقالت بصوت مكسور:
"أنا امك يا شاهين، بس لما حملت فيك كنت لسه طفله مقفلتش الخمستاشر سنه ابوك ضحك عليا ولما أهله عرفوا اني حامل منه رموني أنا واللي في بطني في الشارع، مكانش ليا مكان اروح فيه واحنا أفقر فرع في عيلتنا، ولو أهلي عرفوا كانوا قتلوني، هربت وبقيت من الشارع ده لشارع ده لحد ما ولدتك مبقتش عارفه اعمل ايه، كنت هتبهدل بيك وكنت هتموت مني من برد الشارع، قررت احطك قدام باب الملجأ ده قولت هنا هتكون في امان ولما أكبر وانت تكبر هرجعك تاني ليا، ناخد حقنا من اللي عمل فينا كده، ولما لاقيت نفسي قادرة أواجه عيلة الرواي جيت ارجعك تاني لحضني."
ظل يستمع إليها بوجه جامد خالٍ من أي تعبير، ثم قال بتهكم:
"قولتي هنا هكون في أمان؟ يا زين ما أختارتي الصراحه، وايه عرفك أن انا ابنك؟ ما فيه كتير هنا محدش يعرف ليهم أهل وفي نفس سني؟"
ابتسمت له بحنان مؤلم وقالت:
"قلبي قالي انك انت شاهين ابني، ده غير الشبه، انت نسخه من ابوك، وكمان التاريخ اللي حطيتك فيه قدام الباب هنا، مافيش غيرك اللي جه هنا في اليوم ده، يعني انا متأكدة انك ابني."
استقام بجسده وتحرك بعيدًا عنها، ثم نظر لها ببرود وقال:
"تمام أنا ابنك مع ان شكلك ميديش انك أم خالص، ايه المطلوب دلوقتي؟"
نهضت من مكانها واقتربت منه وقالت:
"هتيجي تعيش معايا لحد ما تقدر تواجه أهل ابوك وتجيب حقي وحقك، وتخليهم يعترفوا بيك، هو اصلا معندهوش ولاد ولا هيكون عنده، يعني انت هتكون الوريث الوحيد لعيلة الرواي."
ضيق عينيه بعدم فهم وقال:
"عيله الرواي؟ هما دول عيلة أبويا؟"
اومأت برأسها وقالت:
"أيوه هما."
ساد الصمت للحظات، قبل أن تتغير نظرات شاهين تمامًا.
اختفى الألم من عينيه، وحل مكانه شيء أكثر قسوة وظلامًا.
نظر أمامه بتوعد وقال:
"مبقاش أنا شاهين الرواي، لو مكنتش دفعتهم تمن كل ضربة عصايه نزلت على جسمي، هخليه يعيش عدد الليالي اللي عشتها من غير أكل، هكتفه وأحبسه في اوضه مفيهاش حتى لمبة واحده ومليانه حشرات مقرفه تعدي من عليه بالايام، كل لحظة وجع عشتها هعيشها ليه."
ارتسمت ابتسامة شر على وجه مريم، وأمسكت يده بقوة، بينما رد لها النظرة نفسها، نظرة طفل امتلأ قلبه بالحقد قبل أن يعرف معنى الحياة.
ثم غادرا المكان معًا، لتبدأ رحلة طويلة من الكراهية والانتقام، رحلة صنعت من ذلك الطفل رجلًا لا يعرف سوى القسوة.
باااك...
عاد شاهين إلى واقعه ببطء، بينما كانت دموعه تنهمر دون توقف.
لم تكن دموع ضعف، بل دموع رجل رأى طفولته الممزقة كاملة أمامه من جديد، وشعر أن جرحه القديم مازال ينزف بنفس القوة، وكأن السنوات لم تمر عليه أبدًا.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني والثلاثون
في صباح اليوم التالي...
استيقظت رنيم على صوت رنين هاتفها يقطع سكون الشقة، فتحت عينيها بتعب شديد وكأن النوم لم يزرها من الأساس، ثم زفرت بضيق وهي تتحسس الهاتف بجوارها حتى التقطته وأجابت بصوت ناعس متحشرج:
"ألو، مين معايا؟"
أتاها صوت أنثوي هادئ يقول باحترام:
"صباح الخير يا باشمهندسه رنيم، أنا اسفه أن صحيت حضرتك، بس حبيت ابلغ حضرتك أنه فيه عميل مهم جدا حابب يقابل حضرتك وهيجي النهاردة على الضهر، فكنت بسأل حضرتك لو حابه ألغي الميعاد أو أجله بلغيني."
اعتدلت ببطء فوق الفراش، ومررت يدها على وجهها بإرهاق واضح قبل أن تقول بصوت مازال مثقل بالنوم:
"لا خلي الميعاد زي ما هو أنا جايه."
أنهت المكالمة وألقت الهاتف بجوارها، ثم أسندت رأسها للحائط خلفها وأغمضت عينيها لثوانٍ طويلة. شعرت بثقل هائل جاثم فوق صدرها، وكأنها استيقظت لتكمل نفس المعركة التي نامت هربًا منها بالأمس. خرجت منها زفرة طويلة محاولة أن تفرغ بها ذلك الاختناق المستقر داخل قلبها، ثم أنزلت قدميها عن السرير وكأنها تجبر نفسها على النهوض ومواجهة يوم جديد لا تملك طاقة له.
اتجهت نحو المرحاض بخطوات بطيئة، وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أسفل المياه الدافئة تحاول أن تغسل بها إرهاق روحها قبل جسدها. لكنها رغم دفء المياه، لم تستطع إيقاف عقلها عن استحضار وجه شاهين، صوته، نظراته، وحتى ارتعاشة أنفاسه وهو يتحدث معها بالأمس.
بعد وقت خرجت، ارتدت ملابسها ومشطت شعرها بشرود، ثم غادرت غرفتها متجهة إلى المطبخ حتى تعد لنفسها كوبًا من الشاي. وما إن وضعت الماء فوق النار حتى داهمتها ذكرى شاهين وهو يقف بنفس المكان يعد لها الشاي بيده، يثرثر بكلمات غزله التي كانت تغضبها وتضحكها بنفس الوقت، وطريقته وهو يقترب منها دون استئذان ليحتضنها وكأن العالم كله خلق ليضعها داخل ذراعيه.
ارتجف قلبها بعنف، وهبطت دمعة ساخنة فوق خدها دون إذن. أزالتها سريعًا بعنف وكأنها تعاقب نفسها على ضعفها، على اشتياقها له رغم كل شيء، وعلى تلك الدموع التي تخونها كلما حاولت أن تتماسك.
سكبت الشاي داخل الكوب وتحركت إلى الخارج، جلست فوق المقعد بصمت وبدأت ترتشف منه ببطء، بينما عيناها شاردتان في اللاشيء.
وبعد أن انتهت، تركت الكوب ونهضت متجهة نحو الباب. خرجت من شقتها وأغلقت الباب خلفها، ثم توقفت للحظة تنظر إلى باب شقة شاهين بحزن موجع، وكأن قلبها ينتظر أن يفتح الباب فجأة ويظهر هو أمامها.
ابتلعت غصتها وأجبرت نفسها على التحرك نحو المصعد، وقفت أمامه تنتظره بصمت، لكن في تلك اللحظة انفتح باب شقة شاهين وخرجت أماليا تغلق الباب خلفها ثم اقتربت منها ووقفت بجوارها تنتظر المصعد هي الأخرى.
شعرت رنيم بألم حاد يجتاح صدرها. للمرة الأولى تشعر بثقل الحقيقة بهذا الشكل، تقف الآن بجوار زوجة الرجل الذي أحبته، المرأة التي تشاركه حياته واسمه وأيامه، المرأة التي تنتمي إليه علنًا بينما هي لا تملك منه سوى وجعها.
أغمضت عينيها بألم، لكنها فتحتهما فور أن سمعت صوت أماليا يقول بسخرية لاذعة:
"معلش بقى يا حلوة، اخد جوزي منك، اصل الصراحه هو ده مكانه الطبيعي، إنما انتي مجرد وقت قضاه معاكي، نزوة زي ما بيقولوا، بس فى الاخر رجع لمراته ام بناته."
التفتت لها رنيم ببطء، ونظرت إليها بثبات رغم النار التي اشتعلت داخلها، ثم قالت بنبرة قوية:
"والله كان نفسي أقولك عندك حق، بس الحقيقه، أن شاهين بيحبني أنا، عايزني أنا، بس انا اللي مش عايزاه، متعودش اخد حاجة مش بتاعتي، حتى لو هيموت عليا، روحي بقي شوفي ايه نقصك، خلى جوزك يكرهك، ويحبني أنا."
اشتعلت ملامح أماليا غضبًا، وضغطت على أسنانها بقوة قبل أن تقول من بينهما:
"بقى جوزي هيسبني أنا ويجري وراكي انتي؟ شكلك موهومه يا عيني، ما هو لازم يظهرك كده، علشان ياخد منك اللي هو عايزة، واحده سهله، بتاعة رجالة."
في لحظة تبدلت ملامح رنيم بالكامل، وتحولت نظراتها إلى شيء مخيف. نظرت لها طويلًا، ثم اندفعت عليها فجأة وأمسكت شعرها بعنف وهي تقول بتحذير مرعب:
"أقسم بالله لو نطقتي بالكلام ده تاني، لاقطعلك لسانك، واعرفك مين رنيم الدسوقي، بلاش تجري شكلي، علشان مش هتصدي معايا، وانتي عاملة شبه صفار البيض كده."
صرخت أماليا بألم وهي تحاول إبعاد يدها:
"سيبي شعري يا همجيه أنتي أنا هوريكي يا خطافة الرجالة انتي."
لكن رنيم ضغطت على شعرها بقوة أكبر حتى كادت تقتلعه من جذوره وهي تقول بغضب مشتعل:
"لااا، انتي لسه مشوفتيش الهمجيه على أصولها."
تعالت صرخات أماليا بقوة، وفي نفس اللحظة انفتح باب الشقة وخرج شاهين ومعه ابنتاه، فتجمد مكانه بصدمة وهو يرى المشهد أمامه.
اقترب سريعًا وهو يقول بعدم استيعاب:
"فيه ايه؟ انتوا بتعملوا ايه؟"
صرخت أماليا بغضب وألم:
"انت لسه هتسأل؟ خليها تسيب شعري."
أمسك شاهين يد رنيم محاولًا إبعادها عنها، لكنها صرخت فيه بغضب هائج:
"ابعد ايدك عني، أنا هوريها تغلط فيا ازاي."
كانت أماليا تصرخ بألم وهي تتشبث بشعرها، بينما رنيم ترفض تركها وكأنها تخرج بها كل غضبها ووجعها دفعة واحدة.
شعر شاهين أن الوضع بدأ يخرج عن السيطرة، فحمل رنيم فجأة رغم مقاومتها العنيفة، ودخل بها المصعد بسرعة قبل أن يغلق الباب.
ظلت تتحرك بعنف بين ذراعيه وهي تصرخ بغضب:
"ابعد عني سيبني والله ما هسيبها غير لما اقطلعها شعرها."
ثبتها بين ذراعيه بقوة حتى يمنع اندفاعها، ثم قال محاولًا تهدئتها:
"اهدي يا رنيم وفهميني فيه أيه؟"
نظرت له بعينين مشتعلة وقالت بغضب حقيقي:
"الصفرا المعفنه، بتجيب في سيرتي، أنا هعرفها ازاي تقول الكلام ده عليا."
رغم توتره، شعر شاهين بدهشة من غيرتها وانفعالها، حتى طريقة كلامها كانت مليئة بامتلاك لم تعترف به يومًا. اقترب منها أكثر وقال بترجي:
"طيب اهدي علشان خاطري وانا هجبلك حقك منها."
دفعته بعيدًا عنها بعنف وهي تقول:
"ابعد عني ما أنت السبب فى كل حاجه، من ساعة ما شفتنا مع بعض وهي عماله تقول عليا كلام مش كويس، انت أكبر غلطه في حياتي."
أمسكها من ذراعيها حتى يجبرها على النظر إليه وقال بصوت مختنق:
"حقك عليا متزعليش، بس وقتها احنا الاتنين اللي اندفعنا بمشاعرنا لبعض، لحظة اعترافك بحبك ليا خلتني طاير من الفرحه، واللي حصل ده كان اندفاع لمشاعرنا مش اكتر."
نظرت إليه بوجع حقيقي وقالت بصوت مرتعش:
"يا ريتني ما اعترفت ليك بحبي، يا ريتني ما حبيتك، لو أعرف أنك متجوز ومعاك اولاد منها عمري ما كنت فكرت فيك، عمري ما كنت هسمحلك تقرب مني بأي شكل."
أسندها للحائط برفق، وظل ينظر إليها بعينين ممتلئتين بالعجز والحب، ثم قال بصوت مخنوق:
"وانا داريت عنك الحقيقة علشان كده، كنت خايف من كل اللي بيحصل دلوقتي يا رنيم، يعني مكنتش عايز اضحك عليك زي ما قولتي، انا كنت بحاول اقولك بس كنت بتراجع في اخر لحظة، خوفي من أني أفقدك هو اللي خلاني مقولش ليكي يا رنيم."
اهتز قلبها رغمًا عنها، لكنها قالت بوجع حاد:
"وانا مش مستعدة اخطف راجل من مراته وبناته، هما الاهم، هما اولى مني يا شاهين، أنا مش هستحمل نظرة اللوم اللي هتبقى في عيون بناتك ليا، مش هقدر اشوف كرهي في عيونهم، انت ليهم هما مش ليا أنا."
حرك رأسه بالرفض، ثم رفع يده ولمس خدها بحنان موجع وهو يقول:
"أنا ليكم انتوا الاتنين، حبي اللي في قلبي مختلف لكل حد فيكم، هما بناتي حته من قلبي وحبي ليهم ملوش حدود، وانتي عمري كله، ساكنه قلبي، وكل حته فيا بتطالب بيكي، عمري ما هقصر في حق حد فيكم، وبكره لما تعرفيهم هتحبيهم يا رنيم، بلاش تشوفي الصورة من بعيد قربي وانتي هتشوفي كل حاجه على حقيقتها."
صرخت فيه بغضب وهي تشعر أن كلماته تجرها نحوه رغمًا عنها:
"أنا اكتر واحده عايشه فى قلب الصورة، وعارفه هيكون وجع بناتك ازاي، صورة هتفضل مشوهه في عيوني بسبب واحده انانيه فكرت في نفسها، واخدته من بنته ومراته من غير ما يهمها إحساسهم ايه، أنا مش هي ولا عمري هكون انانيه زيها علشان نفسي، واوجع بناتك لمجرد أني حبيتك، بالنسبالي اللي خلقك، خلق كتير زيك، إنما هما انت بالنسبالهم العالم بتاعهم دنيا خاصه بيهم، راجل نادر ومش هيتكرر."
تبدلت ملامحه فجأة، واشتعل شيء مظلم داخل عينيه عند كلماتها الأخيرة. أغلق عينيه للحظة يحاول السيطرة على نفسه، ثم قال من بين أسنانه:
"يعني ايه بالنسبالك اللي خلقني خلق مني كتير؟ يعني ممكن تبصي لحد غيري؟ ممكن تحبي غيري وتبقى معاه؟"
ثم أمسك ذراعها بقوة ونظر داخل عينيها بنظرة أرعبتها فعلًا وهو يقول:
"زي ما انا بالنسبه ليهم، العالم كله، برضه بالنسبه ليكي الراجل الوحيد اللي في العالم كله، ولو يوم فكر حد يقرب منك، همحيه من على وش الأرض."
ثم أشار بإصبعه إلى عقلها وبعده قلبها وقال بصوت ممتلئ بالتملك:
"أنا بس اللي أعيش هنا وهنا، ومش هتقبل أي رأي تاني، أنتي بتاعتي أنا وبس فاهمه."
ارتجفت أنفاسها وابتلعت ريقها بصعوبة، ثم حاولت أن تتكلم رغم خوفها:
"ب بتحلم يا شاهين، ا أنا عمري ما هكون لي..."
لكنها لم تستطع إكمال كلماتها، لأنه انقض على شفتيها بعنف يقبلها بطريقة مشتعلة تحمل كل غضبه وخوفه وتملكه، غير آبه بمحاولاتها لإبعاده أو تأوهاتها المتألمة من قسوته.
ظل يقبلها بجنون حتى شعر فجأة بطعم مالح اختلط بريقها، فابتعد بسرعة وهو يلهث، لينصدم حين رأى دموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها.
تراجع خطوة للخلف، ومرر يده داخل شعره بتوتر شديد، ثم استدار إليها وهو يقول بندم واضح:
"أنا آسف يا رنيم، ا أنا مكنتش حابب اعمل كده، بس انتي اللي وصلتيني لكده، قلتلك مليون مره أني رافض فكرت بعدك عني ومجرد التفكير بس بتحولني لشخص تاني مخيف، حذرتك من الوش ده بس انتي اللي استهترتي بكلامي، ارجوكي يا رنيم اوعي تكرهيني، متزعليش مني."
ضمت ذراعيها حول نفسها وكأنها تحاول الاحتماء من قربه، وظلت تبكي بصمت موجع.
شعر قلبه يتمزق وهو يراها بهذه الحالة، فاقترب منها سريعًا محاولًا احتضانها، لكنها انتفضت فور اقترابه وتراجعت خطوة للخلف وكأنه أصبح مصدر خوفها.
توقف مكانه، وحدق بها بعجز قاتل، ثم حرك رأسه بيأس واستدار بعيدًا عنها.
ضغط على زر المصعد، وظل الصمت يطبق عليهما حتى هبط للأسفل. وما إن انفتح الباب حتى اندفعت رنيم إلى الخارج دون أن تعطيه فرصة للكلام، ركضت نحو سيارتها وصعدت إليها بسرعة، ثم أدارت المحرك وانطلقت بها بجنون مبتعدة عن المكان وكأنها تهرب منه، ومن نفسها.
أما شاهين فظل واقفًا مكانه يتابع اختفاء سيارتها بعينين ممتلئتين بالضياع، ثم زفر بضيق ومسح وجهه بيده بعنف قبل أن يصعد سيارته هو الآخر وينطلق بها بسرعة جنونية.
***************************
بغرفة جواد...
استيقظ جواد على صوت والده وهو يهزه بعنف نسبي حتى يستيقظ، فتح عينيه بصعوبة شديدة وقد بدا الانزعاج واضحًا فوق ملامحه، ثم نظر إليه بامتعاض وقال بسخرية ناعسة:
"شوف يا جدع فرق الراجل عن الست، الست كده تصحيك صوتها رقيق واخر دلع وحنيه، أما الراجل صوته خشن تحس ان فيه زلزال فوق راسك، ايه يا حاج فيه حد يصحي حد كده ويخضه؟"
لكن غريب لم يكن يملك أي استعداد لمزاحه المعتاد، فصفعه على رأسه بنفاذ صبر وهو يقول بغضب مكتوم:
"قوم يا بغل انت مش وقت هزارك ده."
اختفت ملامح المزاح من وجه جواد فورًا، فقد التقط من نبرة والده أن هناك أمرًا خطيرًا يحدث. اعتدل سريعًا في جلسته ونظر إليه بقلق واضح وقال:
"فيه ايه يا بابا قلقتني؟"
تحرك غريب ببطء وجلس فوق الأريكة المقابلة له، ثم مال بجسده للأمام وكأن الكلمات ثقيلة فوق صدره، قبل أن يقول بصوت مختنق:
"مريم تبقى أم شاهين."
تجمدت ملامح جواد بالكامل، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية وهو يردد بعدم استيعاب:
"شاهين مين ده اللي امه مريم؟ يعني احنا كنا شاكين فيه ليكون ما بينهم صلة قرابه بعيدة تطلع أمه؟!"
أومأ غريب برأسه ببطء، بينما بدت ملامحه مشدودة بغضب وقلق دفين، ثم قال:
"هي دي أمه اللي كانت فى التقارير ومكانش واضح هي مين جابته وهي عندها خمستاسر سنه ورمته عند باب ملجأ وبعد عشر سنين، رجعت أخدته تاني، يعني تقريبا لما بدأت تشتغل مع المافيا وبقت هي ورجب ابو خالك تامر مع بعض، وبقى معاها فلوس كتير، كده اللعبه كبرت اوي، حتى نظرت الشر اللي شفتها في عيونها امبارح بتقول انها راجعه علشان تدمرنا احنا وبس."
شعر جواد بانقباض حاد داخل صدره، ونهض واقفًا دون شعور وهو يقول بقلق حقيقي:
"طيب ورنيم يا بابا هنسيبها وسطهم يأذوها؟ صحيح هي لسانها طويل وعنادية، بس وحيده ومعهاش حد."
رفع غريب عينيه إليه، وظهرت داخله مرارة واضحة وهو يحرك رأسه بالرفض ثم يقول بصوت مثقل بالخذلان:
"للاسف هي حبيته وكانت عارفه الحقيقه كلها بس خبتها عني علشان خايفه عليه، واي محاولة مننا دلوقتي، مش هتجيب معاها أي نتيجه غير العند، بس هحاول احميها على قد ما اقدر لحد ما نخلص من اللي اسمه شاهين ده وأمه، الحرب ما بينا مش هتكون سهله، لأن مريم كانت قويه زمان ودلوقتي قوتها بقت الضعف بوجود ابنها شاهين."
ساد الصمت للحظات، بينما كان جواد يستوعب حجم الكارثة القادمة. لأول مرة يشعر أن الأمر تخطى مجرد عداوات قديمة أو تهديدات عابرة، وكأنهم يقفون بالفعل على أبواب حرب حقيقية.
مرر يده داخل شعره بتوتر وقال وهو ينظر أمامه بقلق:
"ربنا يستر بقى ونخلص منهم."
استقام غريب واقفًا، لكن ملامحه كانت ما تزال متجهمة وعيناه تحملان حذرًا واضحًا، ثم قال بنبرة صارمة:
"اهم حاجه خد بالك من نفسك اليومين دول ومراتك متغبش لحظة عن عينك، وانا هزود حراسه تاني على الفيلا هنا علشان امك واختك وهخلي ترنيم تحاول تقنع حماتك تيجي تقعد معانا هنا الفترة الجايه دي علشان تبقى جنب بنتها بعد الجواز ونبقي قادرين نحميها هي كمان."
أومأ جواد برأسه بطاعة وهو يقول:
"حاضر يا بابا."
تحرك غريب نحو الباب بخطوات ثقيلة، ثم خرج من الغرفة وأغلقه خلفه.
أما جواد فظل واقفًا مكانه للحظات طويلة، يحدق في الفراغ بقلق متزايد، يشعر أن الأيام القادمة تحمل لهم ما هو أسوأ بكثير مما يتخيلون.
تنهد بضيق، ثم تحرك أخيرًا نحو المرحاض محاولًا استيعاب كل ما سمعه.
*****************************
وصلت رنيم إلى الشركة وملامحها متجهمة بشدة، وكأن ما حدث داخل المصعد منذ قليل ما زال يطاردها حتى الآن. كانت تسير بخطوات سريعة متوترة، تحاول الهروب من أفكارها، لكن عبثًا، فكلما حاولت التماسك، عادت تلك اللحظة لتصفعها بقوة أكبر.
دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم جلست على مقعدها بإرهاق واضح. أسندت ذراعها فوق سطح المكتب وأغمضت عينيها للحظات، بينما ارتفعت أنفاسها باضطراب خفي. دون وعي منها، تحركت أصابعها نحو شفتيها تتحسس أثر قبلته، وكأنها ما زالت تشعر بحرارة أنفاسه العنيفة فوقهما.
تشنج فكها بضيق وهي تحاول فهم نفسها، هل كانت غاضبة منه فقط؟ أم أن هناك شيئًا آخر أخافها أكثر من غضبها؟ شيئًا جعل قلبها يرتجف رغم ألمها، وكأن جزءًا منها قد استسلم لتلك اللحظة رغم قسوتها.
فتحت عينيها بسرعة وكأنها تعاقب نفسها على تلك الفكرة، لكن قبل أن تسترسل أكثر، دوى طرق خفيف على الباب، فانتفضت قليلًا وابعدت يدها عن شفتيها سريعًا، ثم اعتدلت في جلستها وقالت بنبرة حاولت جعلها طبيعية:
"ادخلي."
دخلت السكرتيرة تحمل عدة ملفات، وضعتها أمامها باحترام ثم قالت بهدوء:
"الملفات دي محتاجه أمضت حضرتك، وكمان العميل اللي بلغت حضرتك بي، بره وعايز يدخلك."
أومأت لها رنيم دون أن ترفع عينيها، وبدأت توقع على الأوراق بسرعة وهي تقول:
"ماشي دخلي."
أنهت توقيع الملفات وأعطتها لها، فأخذتها السكرتيرة وغادرت المكتب. وبعد ثوانٍ قليلة عادت مجددًا، وخلفها شاب يبدو في نفس عمر رنيم تقريبًا، لكنه كان يمتلك حضورًا قويًا لافتًا. جسده العريض وملامحه الجذابة جعلا العيون تلتفت إليه أينما ذهب، حتى السكرتيرة نفسها كانت تنظر له بإعجاب واضح قبل أن تقول أخيرًا:
"حضرته أستاذ عمر، من أهم العملاء عندنا يا فندم."
وقفت رنيم من مكانها بابتسامة مجاملة رسمية، رغم شعورها بالإرهاق النفسي:
"اهلا وسهلا يا أستاذ عمر اتفضل."
أومأ لها برأسه وجلس بثقة واضحة، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الاعتداد بالنفس:
"اهلا بيكي يا باشمهندسه رنيم، اعتقد انك سمعتي عني قبل كده."
رفعت نظرها إليه بهدوء، لكنها شعرت بضيق خفي من طريقته، إلا أنها حافظت على رسميتها وجلست أمامه قائلة:
"للاسف لا والله مسمعتش عنك، بس احنا هنا بالنسبه لينا أي عميل عندنا في الشركه مميز."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة قبل أن يقول بتوضيح:
"أنا عندي أرض وعايز أستغلها كويس وابنيها شركة لصناعة المجمدات، وتكون تسلسل لباقي شركاتي، وطبعا ده مش أول تعامل ما بينا، أنا أتعاملت مع الباشمهندس حسام قبل كده كتير، ويعتبر شركاتي اكترهم شغلكم انتوا، علشان كده مترددتش ثانيه واحده ان اتعامل معاكم تاني في الجديد."
ابتسمت له بمجاملة مهنية وقالت بثقة هادئة:
"شكرا لثقة حضرتك في شركتنا، وإن شاءالله تستلم مننا الشغل زي ما حضرتك عايز بالظبط، بس هحتاج بس اشوف الأرض بنفسي واتأكد من التراخيص وتشرحلي الفكره اللي حضرتك راسمها في دماغك، وان شاءالله يتنفذ زي ما عايز واحسن كمان."
أومأ برأسه وقال بنبرة رسمية هذه المرة:
"طبعا كل التراخيص موجودة وكمان تقدري حضرتك تحددي الميعاد اللي حابه تشوفي فيها الأرض وبعدها نحدد ميعاد نتكلم على التفاصيل والعقود."
ردت عليه باحترافية:
"بكره إن شاءالله نتقابل عند الأرض واشوفها وبعد كده نتكلم في التفاصيل."
استقام عمر من جلسته، وعدل ملابسه بعناية قبل أن يقول بصوت رجولي هادئ:
"بأمر الله بكره هبعتلك السواق يجي يخدك، علشان مكان الأرض بعيد شويه وهيكون صعب عليكي تيجي المكان ده لوحدك."
شعرت رنيم بشيء من التوتر لا تعرف سببه، ربما طريقته، أو نظراته الثابتة التي جعلتها غير مرتاحة، لكنها أخفت ذلك خلف ابتسامة بسيطة وقالت:
"لا متتعبش حضرتك سيب العنوان عند السكرتيرة بره وانا بكره هاجي لوحدي."
حرك كتفيه بلا اهتمام وقال:
"اوك براحتك، عن اذنك."
ثم تحرك نحو الباب وغادر المكتب بهدوء.
ظلت رنيم تنظر إلى الباب المغلق لثوانٍ طويلة، بينما شعور غريب بعدم الارتياح تسلل إلى داخلها دون سبب واضح. حاولت إقناع نفسها أنه مجرد عميل جديد، وأن كل ما يحدث لا يتعدى حدود العمل، لكنها رغم ذلك لم تستطع التخلص من ذلك الانقباض الخفي الذي استقر داخل صدرها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أعادت تركيزها على الملفات أمامها، محاولة الهروب من فوضى مشاعرها إلى العمل.
***************************
في المساء...
جلست رنيم فوق فراشها تضم الهاتف بين يديها، بينما عينيها تتحركان فوق العنوان المدون أمامها بعدم ارتياح واضح. كلما دققت بالمكان أكثر، ازداد ذلك الشعور الثقيل داخل صدرها. كان الموقع بعيدًا بصورة مبالغ بها، منطقة شبه معزولة لا تصلح حتى لوجود شركة ضخمة كما أخبرها ذلك العميل.
ظلت تحدق بالشاشة بشرود وقلق خفي يتسلل إليها دون سبب مفهوم، حتى قطع أفكارها رنين هاتفها. التقطته سريعًا، وما إن رأت اسم جواهر حتى أجابت بصوت مرتبك قليلًا:
"عامله ايه يا جواهر؟"
ردت عليها سريعًا وكأنها كانت تنتظر أن تفتح الخط:
"طمنيني عملتي ايه مع اللي اسمه شاهين ده؟"
زفرت رنيم بضيق، وشعرت بثقل اسمه فوق قلبها قبل أن تقول بصوت مختنق:
"ولا حاجه يا جواهر أنا بحاول ابعد وهو كالعادة كل ما يشفني يقول نفس الكلام، علشان اسامحه."
تكلمت جواهر بتردد ممزوج بالفضول:
"وانتي ناوية تعملي ايه معاه؟"
ساد الصمت لثوانٍ قصيرة، وكأن رنيم تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنع غيرها، ثم قالت بضيق:
"هبعد طبعا يا جواهر مافيش خيار تاني."
شعرت جواهر بالحزن يتسلل إلى صوتها وهي تقول:
"انتي حتى صوتك بيقول انك بتحبي، طيب ما يمكن مش مرتاح مع مراته، ايه المشكله لو تدي فرصه تانيه؟"
أغمضت رنيم عينيها بألم، وكأن مجرد الحديث عنه يمزق شيئًا بداخلها، ثم قالت بهدوء موجوع:
"حتى لو مش مرتاح مع مراته من مصلحة البنات أنهم يفضلوا مع بعض ومحدش يدخل ما بينهم."
ردت جواهر بسرعة وكأنها تدافع عن شاهين دون وعي:
"بس هو بيحبك بجد يا رنيم، حرام حبكم انتوا الاتنين ينتهي بالطريقة دي، اقعدي طيب معاه واتكلموا مع بعض واديله فرصه يقولك حقيقة جوازه دي."
صمتت رنيم للحظة طويلة، قبل أن تضيق عينيها فجأة وكأنها التقطت شيئًا خفيًا، ثم قالت بهدوء حذر:
"جواهر هو شاهين كلمك؟"
ارتبكت جواهر فورًا، حتى أن أنفاسها خرجت متقطعة وهي تقول:
"ها.. ل لا طبعا، و وهو هيجيب رقمي منين علشان يكلمني؟ و وانتي عارفه جواد مش بيخرجني بره الفيلا لوحدي."
ضغطت رنيم على أسنانها بنفاذ صبر وقالت بتحذير واضح:
"جووواهر أنا عرفاكي لما تكدبي، شاهين كلمك؟"
ساد الصمت لثوانٍ، ثم خرج صوت جواهر متوترًا:
"ا الصراحه، اه كلمني، و وعايزك تديله فرصة كمان، جوازة من مراته دي مش زي ما انتي مفكرة، جوازهم صو..."
لكن رنيم قاطعتها بغضب حاد:
"ميخصنيش، مش عايزة اعرف حاجة عنهم، وبلغي يبعد عني وملهوش دعوة بيا."
حاولت جواهر تهدئتها سريعًا:
"اهدي يا رنيم بس، شاهين فعلا بيحبك، انتي عارفه اني مش هجامل حد على حسابك، بس صوته باين عليه اوي أنه تعبان من بعدك ونفسه تسامحيه."
ارتجف صوت رنيم رغم محاولتها التماسك:
"أنا عارفه ومتأكده أن شاهين بيحبني يا جواهر، بس مستحيل يحصل اللي هو عايزة، لازم انسحب أنا من حياته علشان خاطر بناته."
لم تجد جواهر ما تقوله، فبقي الصمت بينهما للحظات قبل أن تقول بحزن:
"مش عارفه اقولك ايه، صعبان عليا حبكم ينتهي كده، وفي نفس الوقت مش عايزة اضغط عليكي، وتتعبي بعد كده بسبب وجود البنات دي."
نظرت رنيم أمامها بشرود، بينما شعرت أن قلبها يُنتزع منها ببطء، ثم قالت بصوت مختنق:
"هو الموضوع انتهي قبل ما يبدأ يا جواهر خلاص."
أخذت نفسًا عميقًا تحاول به السيطرة على ضعفها، ثم قالت وهي تجبر نفسها على إنهاء الحديث:
"يلا بقى وقتك خلص، عندي شغل كتير مش فاضيه ليكي."
ابتسمت جواهر بحزن وأغلقت الخط.
ظلت رنيم تنظر أمامها لثوانٍ طويلة، بينما الألم يثقل صدرها بصورة مرهقة. ثم رفعت عينيها نحو الشرفة بتردد، وكأن قلبها هو من دفعها هذه المرة. نهضت سريعًا واتجهت إليها، وما إن خرجت حتى وجدته بالفعل يقف في شرفته المقابلة، يحتسي قهوته ويدخن سجائره كعادته، لكن ملامحه هذه الليلة بدت مرهقة بصورة غريبة.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه تمامًا، وكأن الحياة دبت فيه من جديد، فابتسم بسعادة حقيقية وقال:
"اخيرا حنيتي وطلعتي البلكونه."
أغلقت عينيها بقوة تحاول تهدئة اضطرابها، ثم فتحتها ونظرت له بغضب:
"بطل شغل المراهقين اللي انت بتعمله ده، متكلمش حد من أهلي تاني لو سمحت، وانسى أن اسامحك يا شاهين للمرة المليون اللي بقولها ليك، لما زهقت."
فهم مقصدها فورًا، فزفر بضيق وقال بإصرار:
"متحاوليش يا رنيم مش هتنازل عنك بسهولة كده، وبطلي تقولي كده تاني، علشان انتي جربتي الصبح وشي التاني ومش حابب أن ده يحصل تاني."
لكن فجأة، تغيرت ملامحه بصورة أربكتها. شعر شاهين بحرارة غريبة تجتاح جسده دفعة واحدة، حرارة غير طبيعية جعلت أنفاسه تثقل تدريجيًا. أغمض عينيه لثوانٍ، بينما قبض على سور الشرفة بقوة يحاول استيعاب ما يحدث له.
لاحظت رنيم حالته فورًا، فتلاشى غضبها للحظة وحل مكانه القلق وهي تقول بتوتر:
"ا انت كويس؟"
ابتلع ريقه بصعوبة، بينما بدأ العرق يتصبب من جبينه بصورة واضحة، ثم قال بصوت متقطع:
"لا… فيه حاجة بتحصلي."
وفي تلك اللحظة خرجت أماليا إلى الشرفة، ورمقت رنيم بنظرة حادة مليئة بالشماتة، قبل أن تقترب من شاهين وتضع يدها فوق صدره قائلة بنبرة ذات معنى:
"تعالى يا قلبي انا فاهمه مالك وعلاجك في أيدي."
ازدادت أنفاس شاهين اضطرابًا، بينما بدا وكأنه يحاول السيطرة على نفسه بصعوبة شديدة.
أما رنيم، فاشتعلت الغيرة داخلها رغمًا عنها، وشعرت بشيء يعتصر قلبها وهي تراه بتلك الحالة أمام امرأة أخرى.
حاول شاهين إبعاد أماليا عنه، لكنها تمسكت به أكثر وهمست بشيء في أذنه، ثم أمسكت يده وتحركت به إلى الداخل.
اتسعت عينا رنيم بقوة، وشعرت بالغضب يشتعل داخلها بصورة مؤلمة، فهزت رأسها بعنف ودخلت غرفتها سريعًا. أخذت تتحرك بانفعال، بينما أصابعها تشد خصلات شعرها بقوة وكأنها تحاول تفريغ تلك النار المشتعلة داخلها.
وفجأة دوى جرس الباب.
توقفت مكانها والتفتت نحوه باستغراب، ثم تحركت بسرعة وفتحت الباب، لكنها تجمدت تمامًا عندما اندفع شاهين إلى الداخل يحتضنها بقوة، بينما جسده بالكامل كان ملتهبًا وأنفاسه خارجة بعنف واضح.
قال بصوت متقطع مشتعل:
"حاطه ليا منشط فى العصير اللي شربته، مقدرتش ألمس واحده غيرك، أنا كل حته في جسمي ليكي انتي يا رنيم."
شعرت بحرارة جسده المرتفعة وأنفاسه الساخنة تضرب وجهها، بينما صدره كان يعلو ويهبط بصورة مخيفة. ارتبكت بشدة، ووسط توترها وحرجها حاولت تهدئته، فأبعدته عنها برفق وأجلسته على الأريكة.
أسرعت نحو المرحاض وأحضرت وعاءً صغيرًا به ماء بارد، ثم بدأت تمرر الماء فوق وجهه ورقبته محاولة تخفيف حالته، لكن تأثير ما تناوله كان أقوى من محاولاته للسيطرة على نفسه.
فجأة أمسك بها وأجلسها فوق ساقه بعفوية مضطربة، محاولًا الاقتراب منها، لكنها ابتعدت سريعًا ونظرت له بتوتر شديد وهي تقول:
"شاهين انت لازم تاخد حمام بارد ده هيساعدك تهدا شويه."
نهض من مكانه بصعوبة، بينما كانت نظراته مضطربة بصورة أخافتها، ثم قال بصوت مرتعش من شدة ما يشعر به:
"مافيش حاجه تهدي النار اللي جوايا غيرك أنتي يا رنيم."
تراجعت للخلف بسرعة وقالت بتوتر واضح:
"فوق يا شاهين، انت لازم تاخد أي حاجه تبطل مفعول المنشط ده."
بدأ يدور بالمكان بعصبية واضحة، يمرر يده داخل شعره بعنف، وكأنه يحارب نفسه بكل ما يملك. كان يشعر أن سيطرته على أعصابه تتفلت تدريجيًا، وأن بقاءه هنا قد يدفعه لشيء يندم عليه.
وفجأة اتجه نحو الباب وفتحه بسرعة، لكنه توقف عندما أمسكت رنيم يده بخوف حقيقي عليه وقالت:
"متنزلش وانت كده."
استدار لها ببطء، ثم اقترب ووضع قبلة طويلة فوق مقدمة رأسها، وكأنه يستمد منها آخر ذرة تعقل لديه، قبل أن يقول بصوت مختنق:
"لازم امشي، علشان مأذكيش."
ثم تحرك مبتعدًا عنها بسرعة، ودخل المصعد الكهربائي الذي هبط به إلى الأسفل. وبعد دقائق، دوى صوت انطلاق سيارته بسرعة جنونية مبتعدًا عن المكان كله.
أما رنيم، فظلت واقفة مكانها تنظر إلى الفراغ الذي تركه خلفه، بينما قلبها ينبض بقلق وخوف لم تستطع تفسيرهما. ثم تراجعت ببطء إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها، وهي تشعر أن شيئًا مظلمًا بدأ يقترب منهم دون أن تدري.
*****************************
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث والثلاثون
في صباح يوم جديد...
ظلت رنيم مستيقظة طوال الليل، تقف بشرفتها وعيناها معلقتان بالطريق أسفل البناية، تنتظر عودة شاهين بقلق ينهش قلبها بلا رحمة. منذ أن غادر وهو بتلك الحالة المضطربة، وعقلها يرفض أن يهدأ أو يتوقف عن تخيل الأسوأ. كانت تحاول إقناع نفسها أنه بخير، لكنه كلما تأخر أكثر، ازداد الاختناق داخل صدرها.
زفرت بضيق عندما بدأ ضوء النهار يفرض سيطرته على السماء تدريجيًا، وكأن الليل انسحب تاركًا خلفه إرهاقًا ثقيلاً فوق روحها. دلفت إلى الداخل بخطوات بطيئة، ثم نظرت إلى هاتفها بتوتر قبل أن تلتقطه سريعًا وتجري اتصالًا به.
انتظرت الرد بلهفة واضحة، لكن الهاتف ظل يرن دون إجابة.
قبضت على الهاتف بقوة حتى شحب لون أصابعها، بينما القلق بدأ يلتهمها من الداخل بصمت موجع، لكنها رغم كل شيء كانت مجبرة على الخروج لموعد ذلك العميل.
تحركت نحو خزانتها وبدأت تبدل ملابسها ببطء، بينما عقلها بالكامل كان عالقًا عند شاهين، تتساءل أين ذهب؟ وهل عاد أصلًا إلى منزله أم لا؟
وما إن انتهت حتى خرجت من غرفتها واتجهت نحو باب الشقة وغادرت المكان. دخلت المصعد الكهربائي وهبطت به إلى الأسفل، ثم تحركت خارج البناية بخطوات سريعة، لكنها توقفت فجأة عندما لمحته.
كان يجلس على أحد المقاعد الجانبية في الشارع، شاردًا تمامًا، ينظر أمامه بثبات غريب وكأن العالم من حوله لا يعنيه بشيء.
تسارعت دقات قلبها دون إرادة منها، وتحركت نحوه مباشرة وكأن قدميها قادتاها إليه وحدهما، ثم جلست بجواره وقالت:
"أنا اتصلت عليك ومردتش عليا."
تكلم وهو مازال ينظر أمامه بثبات وقال:
"محروج منك بعد ما شفتيني بالحالة دي."
حركت رأسها بأحراج وقالت:
"و وانت كان غصب عنك، مكنتش واخد الحاجه دي برضاك، علشان يكون فيه احراج."
أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها أزاحت عن صدره حملًا ثقيلًا، ثم تكلم بصوت مختنق يحمل قدرًا واضحًا من الخوف:
"النهارده اليوم كله مواقف مش ظريفه معاكي، يعني اللي حصل الصبح في الاسانسير، واللي حصل بليل، خايف تكرهيني، وتشفيني بنظره مش كويسه، تخدي فكره عني اني راجل شهواني، بس انا مش كده والله."
تنحنحت بإحراج واضح، وشعرت بحرارة تسري بوجهها كلما تذكرت حالته بالأمس، ثم قالت بخجل:
"ب بس ا أنا مش شيفاك كده ع على فكرة، ومتأكدة أن اللي حصل ده خارج عن إردتك."
رفع رأسه إليها سريعًا، وكأن روحًا جديدة دبت بداخله للتو، ثم نظر لها بعدم تصديق وقال بسعادة حقيقية:
"بجد يا رنيم، يعني نظرتك متغيرتش ليا بعد اللي حصل ده؟"
حركت رأسها بالرفض وقالت بتوتر:
"ل لا يا شاهين، ن نظرتي ليك زي ما هي."
ابتسم دون أن يشعر، ومد يده يمسك يدها بحنان وكأنه يتمسك بالأمان داخلها، ثم قال:
"ونظرتك ليا دي عامله ازاي؟"
شعرت بارتباكها يزداد، فسحبت يدها سريعًا وقالت:
"ا أنا اتأخرت ولازم امشي."
نظر لها باستغراب واضح وقال بتساءل:
"انتي رايحه فين في وقت زي ده؟"
اجابته وهي تقف وقالت بأقتضاب:
"شغل."
عقد حاجبيه بعدم فهم وقال:
"شغل! اللي هو ازاي؟ احنا لسه بدري اوي."
اومأت برأسها وقالت بتوضيح:
"شغل، بس بعيد شويه يدوب على ما أوصل هيكون الضهر قرب يآذن."
شعر بانقباض حاد في صدره فور سماعه لكلمة "بعيد"، فوقف أمامها مباشرة وقال بعدم ارتياح:
"يعني ايه بعيد شويه؟"
زفرت بضيق من نبرته التي بدت وكأنها تحقيق حقيقي معها، ثم قالت بنفاذ صبر:
"يعني المنطقه اللي فيها الشغل بعيد عن هنا بكتير، مش تحقيق هو يا شاهين، عن اذنك."
تحركت باتجاه سيارتها، لكنه أمسك ذراعها سريعًا يوقفها قبل أن تبتعد وقال:
"استني تعالي أنا هوصلك."
رفعت عينيها للأعلى بملل واضح وقالت:
"توصلني فين؟ شاهين متعملش عليا واصي، ملكش دعوة باللي بعمله ومتدخلش في اللي ملكش فيه."
تألم من كلماتها أكثر مما أظهر، لكنه ظل متمسكًا بها وبقلقه عليها، ثم قال بصوت مختنق:
"يعني ايه مليش دعوه بيكي؟ انا عايش في الدنيا علشانك وعلشان حمايتك يا رنيم، وانا مش مرتاح للمكان ده، ومش هقدر اسيبك تروحي لوحدك."
كلماته هزت شيئًا داخلها، لكنها أجبرت نفسها على التماسك، وضغطت على أسنانها بغضب ثم قالت بحدة:
"بناتك اولى انك تعيش ليهم، هما اولى بيك اكتر مني، أنا مش أول مرة اروح شغل فى أماكن بعيدة، ركز في حياتك، وملكش دعوة بيا وباللي بعمله ارجوك."
ثم فتحت باب سيارتها وجلست خلف المقود، قبل أن تنظر له بتحذير واضح: "حسك عينك تيجي ورايا يا شاهين."
وبدون أن تمنحه فرصة للرد، أدارت السيارة وتحركت بها سريعًا مبتعدة عن المكان.
أما شاهين فظل واقفًا مكانه يتابع اختفاء سيارتها بعينين ممتلئتين بالقلق. كان هناك شعور ثقيل يضغط فوق صدره، إحساس غامض بأن شيئًا سيئًا يقترب منها، لكنه يعرفها جيدًا.. عنادها قد يدفعها للمخاطرة بنفسها فقط حتى تثبت أنها لا تحتاج أحدًا.
زفر بضيق ومسح وجهه بإرهاق، ثم استدار وتحرك ببطء إلى داخل البناية، وصعد بالمصعد إلى شقته وعقله مازال عالقًا عندها.
*****************************
فتحت ترنيم عينيها بصعوبة بعدما شعرت بحركة غريب المستمرة بجوارها طوال الليل. رمشت عدة مرات بنعاس، ثم رفعت وجهها تنظر إليه، فوجدته جالسًا يستند إلى ظهر الفراش، ملامحه جامدة على غير عادته، وعينيه معلقتين أمامه بشرود ثقيل، بينما بدا الضيق واضحًا فوق وجهه بشكل أقلقها فورًا.
اعتدلت بجلستها ببطء، ثم اقتربت منه وأسندت رأسها على صدره بحب، محاولة أن تسحبه من دوامة أفكاره، وقالت بصوت ناعس مليء بالحنان:
"مالك يا غريب؟ فيه ايه شاغل بالك مخليك تتقلب طول الليل ومش عارف تنام؟"
تنهد بهدوء، ثم أحاطها بذراعه وكأنه وجد راحته أخيرًا داخل قربها، وانحنى يقبل رأسها بحب عميق وقال:
"مافيش يا قلب وعمر غريب، شوية أرق مش اكتر."
رفعت رأسها تنظر إليه بعدم اقتناع، كانت تعرفه أكثر من أي شخص آخر، وتدرك جيدًا أن الرجل الذي أمامها لا يسهر الليل كله بسبب "أرق" عابر. لذلك قالت باستغراب وقلق واضح:
"الموضوع مش موضوع أرق يا غريب، أنا أول مره اشوفك بالحالة دي، اتكلم يا غريب هسمعك ومش هقطعك والله، بس خرج كل اللي جواك علشان ترتاح."
نظر إليها للحظات طويلة، وكأن ملامحها وحدها قادرة على تهدئة كل الفوضى التي بداخله، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة عاشقة وقال بنبرة هامسة دافئة:
"حد يبقى معاه الجمال ده كله، ويشيل هم ويضايق؟ كفايه أن أول حاجه بفتح عيوني عليها هو أنتي، وريحتك اللي طول الليل اشمها وتريح قلبي، انا اسعد راجل في العالم، علشان انتي معايا يا توته."
ابتسمت بخجل وسعادة، وشعرت كعادتها أن كلماته تذيب أي توتر داخلها، ثم قالت وهي تهز رأسها بدلال:
"هتفضل زي ما انت مهما كبرت، كلامك الجميل اللي بيدوب قلبي ويسحرني، وينسيني كنا بنقول ايه اصلا."
انطلقت ضحكته الرجولية القوية داخل الغرفة، لتكسر جزءًا من ذلك الثقل الجاثم فوق صدره، ثم مال نحوها وقال بمزاح وقح مع غمزة خبيثة:
"أنا بقول شكلنا كده رايقين ومزاجنا عالي على الصبح، وابنك البغل زمانه لسه نايم، ما تيجي."
ضحكت رغماً عنها، ثم ابتعدت قليلًا عن حضنه وهي تضربه بخفة على صدره وقالت:
"تصدق أنا اللي غلطانه أن سألتك مالك، اتاريه كمين منك يا ابن ضرغام، مش سهل انت برضه."
لكن قبل أن تبتعد أكثر، أمسك ذراعها سريعًا وأسقطها داخل حضنه من جديد، ثم ضمها إليه بقوة وكأنه يخشى أن يتركها للحظة، وقال بعشق خالص:
"جننتي ابن ضرغام معاكي، بعشق كل حاجه فيكي."
أغمضت عينيها بسعادة وتمسكت به أكثر، ثم قالت بصوت مليء بالحب الصادق:
"وانا بحبك اوي، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش من طيبتك وحنيتك وحبك ليا."
قبل رأسها بحنان شديد، لكن عينيه عادت تنظر أمامه بشرود مؤلم، بينما قلبه ينتفض رعبًا كلما تذكر تهديد مريم، وفكرة أن يصل أذاها إلى ترنيم يومًا ما. رغم دفئها بين ذراعيه، كان الخوف ينهش روحه بصمت، خوف رجل يعلم أن الحرب القادمة لن تكون سهلة أبدًا.
****************************
عند أروى...
استيقظت أروى من نومها على صوت رنين هاتفها المتواصل. تحركت بتكاسل فوق الفراش ومدت يدها تبحث عن الهاتف بعينين نصف مغلقتين من أثر النوم، لكن ما إن وقعت عيناها على الاسم المضيء فوق الشاشة حتى انتفض قلبها قبل جسدها، واعتدلت سريعًا وهي تجيب بصوت مختنق بالشوق والعتاب:
"اخيرًا حنيت عليا وأتصلت بيا."
وصلها صوته الهادئ الدافئ، ذلك الصوت الذي كانت تشتاق له رغم مرور أيام قليلة فقط، وقال:
"معلش يا أروى كنت مسافر تبع شغل ولسه داخل البيت حتى مغيرتش هدومي وقولت أكلمك، علشان وحشتيني."
تبدلت ملامحها فورًا، وتحول شوقها إلى ضيق مكتوم. ظلت صامتة لثوانٍ وكأنها تحاول ترتيب غضبها، ثم قالت بنبرة متألمة:
"انت مقولتش ليا ليه انك مسافر قبلها يا أحمد؟ لدرجاتي شيفني صغيره؟ وماليش حق أعرف عنك حاجه؟ طيب طالما أنت شيفني طفله صغيره، ليه حبتني وحببتني فيك؟"
تنهد أحمد بهدوء، وكعادته لم يقابل غضبها بغضب، بل تحدث بصوت عقلاني يحمل احتواءً واضحًا:
"مش موضوع اني شايفك طفله يا أروى، كل الحكايه كنت شايف الظروف عندك عامله ازاي، وكنتي انتي متوترة بسبب الأحداث دي، لو كنت قلتلك اني مسافر هضغط على اعصابك اكتر، وهتزعلي، علشان كده سافرت، من غير ما انتي تعرفي، وبعدين يا حبيبتي، أنا السفريه دي مكنتش عامل حسابها اصلا ولاخر لحظة كان حد تاني هو اللي هيسافر، بس حصلت ليه ظروف، علشان كده روحت أنا مكانه."
استمعت إليه بصمت، ورغم أن جزءًا منها اقتنع بكلامه، إلا أن عنادها الأنثوي جعلها تتمسك بالصمت قليلًا وكأنها تعاقبه به.
زفر أحمد بضيق خفيف، ثم قال بصوت مختنق يحمل رجاءً حقيقيًا:
"اهو انتي بحركاتك دي بتثبتي ليا انك لسه طفله، يا أروى يا حبيبتي مش كل حاجه زعل وقمص، أنا مستعد اصالح فيكي العمر كله واراضيكي، حتى لو مش انا اللي مزعلك، بس خلي الحوار ما بينا دايم، يعني انا شرحتلك الظروف اللي خلتني أعمل كده، ردي عليا وقليلي لا لسه زعلانه أو متعملش كده تاني، قولي أي حاجه، بس متخلنيش افضل اتكلم، وفي الاخر متعبرنيش ولا تردي عليا."
اهتز قلبها مع كلماته، وضعف غضبها تدريجيًا أمام هدوئه واحتوائه المعتاد. تنفست ببطء ثم قالت بصوت مختنق قليلًا:
"ماشي، طيب انا دلوقتي عايزه اشوفك وهنا مانعين خروجي اعمل ايه بقي؟"
ابتسم أحمد على الطرف الآخر، ثم أجابها بنبرة هادئة:
"كمان ساعتين بالكتير خالك تامر هيجي يخدك، أنا اتفقت معاه أنه يجيبك الشركه معاه علشان اشوفك."
تسللت السعادة إلى ملامحها رغماً عنها، لكنها حاولت إخفاءها وقالت بضيق مصطنع:
"ماشي هقوم أنا بقى علشان اجهز."
وقبل أن تغلق الخط، سبقها أحمد بصوته الدافئ:
"أنا بحبك يا أروى ومش بحب ازعلك ولا اشوفك زعلانه، علشان كده بضايق لما الاقيكي زعلانه مني على حاجه متستهلش، حقك عليا يا روحي."
ابتسمت رغماً عنها، وشعرت أن قلبها ذاب تمامًا أمامه، ثم قالت بحب واضح:
"وانا كمان بحبك، ومش زعلانه منك خلاص، باي بقى علشان ألحق اجهز قبل ما خالو يجي يخدني."
أغلقت الخط وهي تبتسم بعشق حقيقي، ثم همست لنفسها بخجل وسعادة:
"يا لهوي على هدوءه ورزانته لما يتكلم بحبه اووي."
نهضت من فوق الفراش بحيوية اختفت معها كل ملامح الضيق السابقة، واتجهت نحو المرحاض بخطوات سريعة، وقلبها يسبقها شوقًا إلى لقائه.
***************************
دخل شاهين الشقة بخطوات سريعة وعنيفة، والغضب يشتعل بداخله بشكل مخيف منذ تذكر ما فعلته أماليا الليلة الماضية. كانت أعصابه مشدودة لأقصى درجة، وعقله يعيد كل ما حدث بتفاصيله، بداية من العصير الذي أصرّت ابنتها أن يشربه، وحتى تلك الحالة التي فقد فيها السيطرة على نفسه.
تحرك مباشرة نحو غرفتها دون تردد، ثم دفع الباب بقوة جعلته يرتطم بالحائط بعنف. كانت أماليا ما تزال نائمة، لكن انتفاضتها المفزوعة جاءت فور اقترابه منها. أمسك شعرها بقوة أجبرتها على فتح عينيها سريعًا، بينما قال بهدوء خطير أخافها أكثر من الصراخ:
"قومي يا حلوة اصحي ده انتي يومك مش هيعدي."
تأوهت بألم وهي تنظر إليه بخوف واضح، ثم قالت بتلعثم:
"ف فيه ايه يا شاهين؟"
اقترب منها أكثر، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت، ثم قال بتساؤل حاد:
"انتي كنتي حطه ايه في العصير اللي خليتي بنتك تصر عليا أن اخده واشربه؟"
تجمدت ملامحها للحظة، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بتوتر:
"م مش حاطه حاجه، ا أنا مش فاهمه حاجة."
ازدادت قبضته فوق شعرها بقوة حتى شهقت بألم، بينما خرج صوته هذه المرة غاضبًا بشكل مرعب:
"وحياة امك، هتصيعي عليا؟ أنا متأكد أن العصير كان فيه منشط، انا مش عبيط، أنا عارف كويس اوي اللي حصلي ده سببه ايه."
حركت رأسها بسرعة بالنفي وقالت بتلعثم أشد:
"م محصلش صدقني، ا أنا معرفش اللي حصلك ده من ايه."
ترك شعرها فجأة بعنف جعلها تسقط فوق الفراش، ثم نظر لها باشمئزاز وغضب وقال:
"وكلامك ليا في ودني؟ ومحاولاتك انك تقربي مني في الوقت ده بالذات؟ كل ده صدفه؟"
تنفست بتوتر، ثم نهضت من فوق الفراش واقتربت منه بخطوات بطيئة، وكأنها تحاول استعادة ثباتها، وقالت بصوت مختنق يحمل مرارة واضحة:
"وفيها ايه لما احاول اقرب منك؟ مش انت جوزي وليا حقوق عليك؟ ولازم تلبي مطلباتي ک أنثى ومراتك."
ما إن أنهت كلماتها حتى دفعها بعيدًا عنه بقوة، وكأن مجرد اقترابها منه يثير غضبه أكثر، ثم قال بتحذير قاسٍ:
"إياكي تقربي مني تاني؟ اللي ما بينا جواز صوري بس انتي اللي طلبتي، وكنتي مصممه أن ده يحصل علشان خاطر البنات ونفسيتهم، وأنا وافقت على أساس كده، متجيش دلوقتي تطلبي مني حقوق ليكي، شايفه نفسك محتاجة، اطلقك ودوري على راجل غيري يلبي ليكي رغباتك، إنما أنا لا، أنا ملك لواحده بس وهي رنيم، ويحرم عليا ألمس واحده غيرها."
كانت كلماته تنغرس داخلها بقسوة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل رفع يده مشيرًا إليها بتحذير حاسم وقال من بين أسنانه:
"أول واخر مرة تعملي كده، أنا هعديها المرادي علشان خاطر البنات، بس لو اتكررت تاني هرميكي في الشارع، فاهمة."
أنهى كلامه واستدار فورًا، ثم خرج من الغرفة بعصبية وترك الباب مفتوحًا خلفه.
أما أماليا فظلت تنظر إلى أثره وعيناها تشتعلان غضبًا وغيرة، بينما راحت أنفاسها تعلو وتهبط بعنف. عقدت ذراعيها أمام صدرها وكأنها تحاول كبت تلك النار المشتعلة داخلها، ثم قالت بتوعد واضح:
"بتحلم يا شاهين انت بتاعي أنا، من حقي انا، ومش هفرط فيك بسهولة كده."
ثم عادت إلى سريرها وجلست على حافته، وأرجعت شعرها إلى الخلف بعصبية، بينما ملامح وجهها امتلأت بالحقد والغضب، وكأنها بدأت تخطط لشيء أخطر مما سبق.
**************************
عند رنيم...
وصلت رنيم أخيرًا إلى الموقع بعدما استغرقت الطريق وقتًا طويلًا أنهك أعصابها. ما إن ترجلت من السيارة حتى شعرت بانقباض غريب يجثم فوق صدرها، فالمكان بدا موحشًا بصورة غير مريحة، أرض واسعة خالية تمامًا، لا صوت بها سوى حركة الهواء الخفيفة، ولا أثر لأي مبانٍ أو أشخاص حولها.
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تجبر نفسها على التماسك، ثم أغلقت باب السيارة وتحركت ببطء نحو منتصف الأرض. أخذت تدور بعينيها في المكان محاولة استيعابه، بينما شعور ثقيل بعدم الارتياح بدأ يتسلل إليها دون سبب واضح.
أخرجت هاتفها سريعًا حتى تتصل بالعميل، لكن قبل أن تضغط على زر الاتصال انتفض جسدها بالكامل عندما سمعت صوتًا قريبًا جدًا من أذنها يقول: "أنا آسف جدا يا باشمهندسه رنيم، اتأخرت عليكي."
استدارت له بسرعة وقد انعكس التوتر فوق ملامحها بوضوح، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"ل لا متأخرتش ولا حاجه أنا اصلا لسه واصله دلوقتي."
ابتسم عمر بهدوء وكأنه لم يلاحظ ارتباكها وقال:
"تحبي نتكلم هنا ولا نروح نقعد في العربيه، علشان الشمس؟"
هزت رأسها سريعًا بالرفض وكأن فكرة الجلوس معه بمكان مغلق أزعجتها:
"لا نتكلم هنا احسن."
أومأ بتفهم وقال:
"اوك اللي يريحك بس ثواني هروح اجيب حاجه واجي."
تحرك مبتعدًا عنها بينما ظلت تتابعه بعينيها بحذر دون أن تشعر، وبعد لحظات عاد وهو يحمل مقعدًا صغيرًا، اقترب منها ووضعه أمامها بابتسامة هادئة وقال:
"اتفضلي اقعدي يا باشمهندسه رنيم."
ازدادت توترًا من اهتمامه المبالغ بها، فحركت رأسها برفض سريع وقالت:
"لا ش شكرا مش عايزه اقعد خلينا نتكلم في الشغل على طول."
أخذ عمر ينظر حوله وهو يشير بيده إلى المساحة الواسعة وقال:
"ده المكان اللي عايز ابني فيه الشركه."
عقدت حاجبيها بتفكير وهي تتأمل المكان مرة أخرى ثم قالت باستغراب: "مش شايف أن المكان بعيد شويه؟ وغير صالح لشركه كبيره زي اللي عايزها دي؟"
أجابها بهدوء:
"الأرض اصلا كانت ورث من بابا، بس كانت تحت ايد الدولة وبعد سنين من القضايا اخيرا كسبت القضيه، وقولت استفاد بيها، لأني محتاج افتح كذا فرع تاني غير دي."
أومأت بتفهم بينما عقلها بدأ ينشغل بالتفاصيل الهندسية الخاصة بالمشروع وقالت:
"اه تمام انا كده فهمت، طيب فيه تصميم معين فى راسك، ولا تحب أنا اصممها ليك على ذوقي؟ ولا تحب تشوف تصميمات لشركات تانيه خارج مصر، من شغلنا برضه؟"
نظر إليها بثقة واضحة وقال:
"خليها على ذوقك، أنا واثق انك هتعملي شغل فاخر."
استعادت رسميتها سريعًا وقالت بنبرة عملية:
"تمام تقدر حضرتك تتفضل في الشركه ومعاك كل التراخيص اطلع عليها واتأكد من أنها تمام، وبعد كده نمضي العقود، ونبدأ شغل على طول."
رد عليها بترحاب:
"تمام اتفقنا بكره إن شاءالله هجيب الاوراق المطلوبه كلها واكون عندك."
ابتسمت ابتسامة مجاملة وقالت:
"اوك وان شاءالله نكون عند حسن ظن حضرتك، ويعجبك شغلنا."
ابتسم لها بنظرة طويلة أربكتها قليلًا ثم قال بمزاح رجولي:
"ده اكيد هيعجبني، ده مش أول تعامل يا باشمهندسه رنيم، أنا أتعاملت مع باشمهندس حسام كتير اوي، وقلبي حاسس ان هيكون فيه شغل كتير اوي ما بينا مشترك."
تسلل التوتر إليها مجددًا، فابتسمت ابتسامة خفيفة متكلفة وقالت:
"إ إن شاءالله، أنا لازم امشي بقى يادوب ألحق اروح قبل الليل ما يليل."
أومأ لها بهدوء:
"اه طبعا تقدري تتفضلي، وانا هكون وراكي بالعربيه علشان المكان مقطوع شويه."
شعرت بشيء من الارتياح لكلماته رغم قلقها الداخلي وقالت:
"ش شكرا، عن اذنك."
تحركت سريعًا نحو سيارتها وكأنها ترغب بمغادرة المكان بأسرع وقت ممكن. صعدت خلف المقود وأدخلت المفتاح محاولة تشغيل السيارة، لكن المحرك لم يستجب.
أعادت المحاولة مرة تلو الأخرى، وكل مرة كانت النتيجة نفسها.
شعرت بالتوتر يتضاعف داخلها، وفي اللحظة التي اقترب فيها عمر من السيارة شهقت بفزع دون إرادة منها، لكنه نظر إليها باستغراب وقال:
"فيه أيه يا باشمهندسه رنيم؟ متحركتيش ليه؟"
زفرت بضيق وهي تحاول السيطرة على انفعالها:
"العربيه مش عايزة تدور مش عارفه فيه ايه؟ أنا لحد ما نزلت منها كانت شغاله."
نظر إليها باستغراب واضح وقال:
"طيب ناويه تعملي ايه؟"
رفعت كتفيها بعجز وقالت:
"مش عارفه والله."
ظلت تحاول تشغيل السيارة للحظات أخرى لكن دون فائدة، بينما شعورها بالاختناق داخل هذا المكان بدأ يزداد أكثر فأكثر.
تكلم عمر أخيرًا بنبرة هادئة:
"طبعا مش هتقعدي هنا لوحدك، مافيش حل تاني غير انك تيجي معايا في عربيتي."
ترددت لثوانٍ قبل أن تومئ برأسها بالموافقة، ثم نزلت من السيارة وأغلقتها بإحكام وكأنها تتمسك بأي شعور بالأمان.
اتجهت معه نحو سيارته وصعدت إلى المقعد الأمامي، بينما جلس هو بجوارها وأدار السيارة وانطلق بها عبر الطريق الطويل الخالي.
ساد الصمت بينهما لبعض الوقت قبل أن يقطعه عمر فجأة بسؤال أربكها:
"انتي مخطوبه يا انسه رنيم؟"
التفتت إليه بضيق واضح وقالت: "حضرتك دي حياتي الشخصيه، يخصك في ايه السؤال ده."
أسرع يبرر حديثه:
"لا والله مقصدش حاجه أنا بسأل عادي، علشان مش شايف دبله فى ايدك."
ردت عليه بنفاذ صبر وهي تشيح بوجهها نحو النافذة:
"مش مخطوبه، ولو سمحت الكلام ما بينا يكون عن الشغل وبس."
بعدها غرقت في صمتها تراقب الطريق من خلف زجاج النافذة، محاولة تجاهل شعورها بعدم الراحة.
وبعد وقت طويل أخيرًا توقفت السيارة أسفل البناية.
تنفست رنيم براحة واضحة والتفتت إليه قائلة بضيق حاولت إخفاءه:
"شكرا لحضرتك تعبتك معايا."
مدت يدها لتفك حزام الأمان لكنها تفاجأت بأنه عالق، حاولت عدة مرات دون جدوى، ثم نظرت إلى عمر وقالت: "الحزام مش عايز يتفتح هو بايظ؟"
أومأ بأسف وقال:
"أنا آسف فعلا فيه مشكله وكنت لسه رايح اصلحه."
عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت:
"طيب والعمل دلوقتي ايه؟"
مال عمر بجسده محاولًا تحرير الحزام، لكنه اقترب منها أكثر مما يجب، حتى أصبحت أنفاسه قريبة منها بشكل أربكها بشدة.
تراجعت برأسها للخلف تلقائيًا وغيرت اتجاه وجهها بعيدًا عنه بينما ظل يحاول فتحه.
لكن فجأة...
اتسعت عيناها بصدمة مرعبة عندما رأت شاهين يقف أمام السيارة.
كانت عيناه حمراوين بشكل مخيف، والغضب يشتعل داخله بصورة جعلت الدم يتجمد بعروقها.
فتح الباب بعنف شديد، ثم لكم عمر بقوة هائلة أسقطته للخلف، وبعدها جذب الحزام بعصبية حتى تمزق من مكانه.
صرخت رنيم بفزع عندما أمسك ذراعها بقوة وأنزلها من السيارة بعنف، ثم أرغمها على السير معه.
لكن قبل أن يتحرك أكثر شعر بيد تجذبه من الخلف، فاستدار سريعًا ليتلقى لكمة قوية بوجهه.
وضعت رنيم يدها فوق فمها بصدمة بينما جسدها يرتعش خوفًا.
أما شاهين فاندفع نحوه كالإعصار، أمسكه بعنف وانهال عليه بالضرب دون رحمة، حتى بدأت الدماء تسيل بغزارة من عمر قبل أن يفقد وعيه تمامًا.
استقام شاهين أخيرًا بجسده وأنفاسه تشتعل بعنف، ثم التفت نحو رنيم بنظرة مرعبة جعلتها تتراجع خطوة للخلف دون وعي.
اقترب منها سريعًا وأمسك ذراعها بقوة مؤلمة وتحرك بها نحو داخل البناية.
حاولت تخليص ذراعه لكنه كان يقبض عليها بعنف كاد يحطم عظامها، فتأوهت بألم وقالت:
"سيب دراعي يا حيوان انت، سبني يا شاااهين."
لم يرد عليها، فقط دفعها داخل المصعد بعنف ثم ضغط الزر وظل واقفًا بصمت مرعب، بينما صدره يعلو ويهبط بقوة من شدة غضبه.
وما إن توقف المصعد حتى جذبها معه مجددًا واتجه نحو باب شقتها، ثم قال بصوت جهوري مخيف:
"هاتي المفتاح."
تجمدت مكانها ولم تستطع الرد.
فصرخ بغضب أعنف:
"المفتاااااح."
انتفضت بخوف وفتحت حقيبتها المرتجفة وأخرجته بسرعة وأعطته له.
خطفه منها بعنف، فتح الباب ودفعها إلى الداخل ثم أغلقه خلفه بقوة.
استدار إليها بعدها ببطء، وكانت عيناه لا تزالان تقدحان شررًا، ثم قال بهدوء خطير:
"مين ده اللي كنتي معاه؟ وازاي سمحتي ليه يقرب منك بالشكل ده؟"
رفعت رأسها بعناد رغم خوفها وقالت بغضب:
"انت مالك، حاجه متخصكش، خليك في حالك، ومتدخلش في حياتي."
اقترب منها ببطء بينما الغضب يزداد داخل ملامحه وقال:
"أنا كذا مره حذرتك من غضبي، وجربتي مره فى الاسانسير بس شكلك كده حبيتي الموضوع، بتحاولي تعصبيني علشان أعمل نفس اللي عملته معاكي."
بدأت تتراجع للخلف خطوة بعد الأخرى وهي تقول بتحذير:
"انت عارف لو قربت مني، هقتلك يا شاهين، وانت عارف ان عملتها معاك قبل كده."
لكنه وكأنه لم يسمع حرفًا مما قالته.
اقترب حتى أصبح أمامها تمامًا، ثم أمسك يديها وكبلها خلف ظهرها بقوة مؤلمة وقال من بين أسنانه: "أنا هعرفك ازاي تيجي مع راجل في عربيته، وتسمحي ليه يقرب منك بالشكل ده."
صرخت به بغضب وهي تحاول الإفلات منه:
"ابعد عني يا حيوان، ابعد عني بقولك يا شاهين."
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة بنظرة أربكتها وأخافتها أكثر، ثم فجأة انحنى وحملها من فوق الأرض.
شهقت رنيم بصدمة وهي تضربه بيديها وتحاول مقاومته، لكنه لم يتوقف حتى دخل بها إلى الغرفة وألقاها فوق السرير بقوة.
نظرت إليه بخوف حقيقي بعدما رأت تلك النظرة المظلمة داخل عينيه وقالت بصوت مرتعش:
"ا انت هتعمل ايه؟"
بدأ يفك أزرار قميصه ببطء أثار الرعب داخلها أكثر وقال:
"هوريكي الوش التاني اللي حذرتك منه."
تراجعت بجسدها للخلف فوق السرير وهي تشعر بقلبها يرتجف داخل صدرها وقالت بصوت مهتز:
"شاهين بلاش جنان، صدقني هتندم على اللي عايز تعمله ده."
نزع قميصه وألقاه على الأرض بعصبية، ثم رفع عينيه إليها وقال بنبرة مخيفة:
"انتي بتاعتي أنا، واللي هيحصل ده، هثبت ملكيتي فيكي."
ثم اقترب منها أكثر و...
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الرابع والثلاثون
تراجعت رنيم بجسدها المرتجف إلى الخلف فوق الفراش، حتى التصق ظهرها برأس السرير، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بعنف وكأن الهواء لم يعد يكفي رئتيها. قلبها كان يرتطم داخل صدرها بجنون، كطائر مذعور يحاول الهرب من قفص مغلق، وعيناها معلقتان به بخوف حقيقي لم تستطع إخفاءه مهما حاولت التماسك. ارتعش صوتها بصعوبة وهي تقول:
"شاهين بلاش جنان، صدقني هتندم على اللي عايز تعمله ده."
لكن ملامحه لم تحمل أي ذرة هدوء. الغضب كان يشتعل داخله بصورة مخيفة، يلتهم ما تبقى من اتزانه. أنفاسه ثقيلة متقطعة، وعيناه مظلمتان بشرارة جنونية لم ترها فيه من قبل. نزع قميصه بعصبية حادة وألقاه أرضًا، ثم رفع بصره إليها بنظرة جعلت الدم يتجمد داخل عروقها، وقال بصوت منخفض لكنه مرعب:
"انتي بتاعتي أنا، واللي هيحصل ده، هثبت ملكيتي فيكي."
وفي لحظة اندفع نحوها بلا وعي، وكأنه فقد السيطرة على نفسه بالكامل. قبض على ساقيها بعنف وجذبها نحوه حتى تمددت فوق السرير تحت صرختها المرتعبة، ثم انقض عليها كإعصار هائج، بينما كانت الغيرة والغضب قد أطفآ آخر صوت للعقل داخله، فلم يعد يسمع بكاءها ولا توسلاتها المرتعشة بأن يبتعد عنها.
كانت تدفعه بيديها المرتجفتين بكل ما تملك من ضعف، وأنفاسها تتكسر داخل صدرها من شدة الرعب، حتى اقتربت من أذنه وهمست بصوت منكسر يحمل وجعًا حقيقيًا:
"بلاش تعمل كده، ارجوك يا شاهين مش عايزه اكرهك."
ومع كل كلمة كانت تشعر بأن الهواء يختفي تدريجيًا من حولها، صدرها يعلو ويهبط بسرعة مرعبة، وأنفاسها تختنق أكثر فأكثر.
وفجأة.. توقف.
ابتعد عنها مباشرة وكأن صوتها أعاده للحظة إلى وعيه. نظر إليها بصدمة، ليشعر بقلبه يتمزق وهو يراها بهذه الحالة المنهارة بسببه.
وضعت يدها فوق صدرها وهي تسعل بعنف، حتى شعرت وكأن روحها تُنتزع منها ببطء. رفعت عينيها إليه بضعف شديد، ثم بدأت تستسلم تدريجيًا لذلك الظلام الذي يبتلعها.
اتسعت عينا شاهين بصدمة حقيقية، وجلس بجوارها بسرعة، سحبها إلى أحضانه وهو يربت على وجهها بيد مرتعشة وقال بذعر واضح:
"رنيم يا رنيم ردي عليا ارجوكي أنا اسف والله العظيم اسف ردي عليا ارجوكي."
لكنها لم تستجب.. كانت ساكنة بصورة مرعبة بين ذراعيه.
نهض فجأة واتجه إلى التسريحة بخطوات مرتبكة، التقط زجاجة العطر وعاد إليها سريعًا، ثم بدأ يحركها أسفل أنفها، إلا أن أنفاسه انحبست عندما لمح لون بشرتها يميل تدريجيًا إلى الأزرق، وكأن شيئًا يخنقها ببطء ويسحق أنفاسها.
تراجع للخلف برعب، ثم أمسك هاتفه بسرعة وأجرى اتصالًا بجواهر، ينتظر الرد وكأن عمره متوقف على تلك الثواني. وما إن سمع صوتها حتى قال بتوتر مذعور:
"جواهر رنيم قاطعه النفس ومش بترد عليا ولون وشها بدأ يزرق، فيه علاج ولا حاجه بتخده؟"
اتسعت عينا جواهر بصدمة وقالت بسرعة:
"رنيم مريضة حساسية صدر، وبتحصل ليها الحالة دي لما تخاف ولا تعيط كتير أو تتعصب، دور في شنتطها هتلاقي البخاخه بتاعتها، حاول تديها ليها لحد ما ابعتلها خالتوا ترنيم هي الوحيدة اللي متابعه حالتها."
أغلق الخط فورًا، ثم نظر إلى رنيم بخوف حقيقي لم يعرفه من قبل. خرج من الغرفة مسرعًا، يبحث بعشوائية داخل حقيبتها حتى وجد ما أخبرته عنه، فألقى الحقيبة أرضًا بعنف وعاد إليها راكضًا.
جلس بجوارها، رفع رأسها إلى صدره محاولًا إعطاءها الدواء، لكن ارتباكه شل حركته تمامًا، لم يعرف كيف يستخدمه، وكأنه فقد القدرة على التفكير.
أجرى اتصالًا آخر بجواهر وهو يقول بصوت متوتر يكاد يختنق:
"البتاعة دي بتشتغل ازاي مش عارف؟"
ردت عليه بصوت مختنق:
"ربع ساعه بالكتير وخالتوا ترنيم هتكون عندكم وهتحط الجهاز ليها وانا بلبس اهو وجايه أنا وجواد."
أنهى المكالمة ونهض سريعًا، التقط قميصه وارتداه بعجلة ويداه لا تتوقفان عن الارتجاف، ثم عاد وجلس بجوارها مرة أخرى.
ضمها إلى صدره بقوة وكأنه يخشى أن تخطف منه، وقبل رأسها بأسف حقيقي، بينما هربت دمعة ساخنة من عينه وسقطت فوق وجهها، ثم قال بصوت مختنق موجوع:
"أنا آسف يا رنيم أنا بعشقك، وحبي ليكي وغيرتي عليكي هي اللي وصلتني أعمل كده، بس والله العظيم ما كنت هكمل، أنا مستحيل اذيكي أنا كنت بحاول اخوفك مش اكتر علشان متسمحيش لاي راجل غيري يقرب منك، حقك عليا، انتي عمري كله، انتي الوحيدة اللي خطفتي قلبي، وخلتيني اكون اسير لعيونك، بترجاكي فتحي عيونك، متحرمنيش منهم."
ظل يتحدث إليها بانهيار، بينما هي لا تشعر بشيء، ساكنة داخل أحضانه بصورة كانت تقتله رعبًا، فضمها أكثر إليه وكأنه يخشى أن تتبخر من بين يديه.
ومرت الدقائق عليه كأنها دهر كامل.. حتى دوى جرس الباب أخيرًا.
نهض شاهين بسرعة جنونية واتجه للخارج، وما إن فتح الباب حتى اندفعت ترنيم إلى الداخل بعينين مذعورتين تبحثان عن رنيم، بينما كان وجهها شاحبًا من شدة الخوف.
أشار شاهين سريعًا ناحية الغرفة وقال:
"الاوضه اللى قصادك على طول دي."
تحركت ترنيم فورًا نحو الغرفة، اقتربت من رنيم وجلست بجوارها بسرعة، أمسكت يدها تتحسس نبضها، ثم مررت يدها على وجهها بخوف حقيقي قبل أن تنهض وتتجه إلى خزانة الملابس.
فتحتها بسرعة وأخرجت جهاز التنفس، ثم عادت إلى السرير، وضعته بجوارها وفتحت حقيبة يدها، أخرجت زجاجة صغيرة وأفرغتها داخل الجهاز، ثم وضعت الماسك على فم رنيم وثبتته جيدًا.
بعدها أخرجت حقنة وبدأت تملؤها بالعقار الطبي، ثم أمسكت يد رنيم وغرزتها بها، قبل أن تعود لمراقبتها بعينين يقتلهما القلق.
أما شاهين...
فعندما دخلت ترنيم الغرفة، كاد يلحق بها، لكن يد غريب أوقفته فجأة وهو يقول بنبرة رجولية حادة:
"انت رايح فين؟ مينفعش تدخل معاها وهي بتكشف عليها."
أنزل شاهين يده بعنف ونظر له بغضب مشتعل، لكنه كان في حالة لا تسمح له بالشجار. ابتعد بخطوات متوترة، ثم وقف أمام باب الغرفة يتحرك بقلق وعجز.
تكلم غريب بتحذير واضح:
"لو اتضح أن اللي حصل لرنيم ده انت السبب فيه، مش هرحمك يا شاهين."
رفع شاهين عينيه إليه بنظرة قاتلة وقال بحدة:
"انت مش هتخاف عليها اكتر مني، اطلع انت منها وملكش فيه."
اقترب غريب منه، ثم حرك إصبعه أمام وجهه بتحذير وقال من بين أسنانه:
"لا ليا فيه، اوعى تكون مفكر أن البنت وحيده وملهاش أهل، وتقدر تستفرد بيها؟ لا فؤق احنا أهلها وفي ضهرها ويوم ما تفكر تيجي عليها ولا تأذيها هتلاقينا احنا اللي واقفين في وشك فاهم."
ارتسمت ابتسامة ساخرة غاضبة فوق شفتي شاهين وقال بتهكم:
"وانت بقى اهلها بصفتك ايه، جوز حبيبت ابوها؟ ولا بصفتك راجل مافيا سابقا؟"
قبض غريب على ياقة قميصه بعنف وقال:
"لا واضح اوي أن امك عرفتك كل حاجه عن الماضي، ويا ترى بقى امك قالتلك كل حاجه؟ ولا ظهرتلك نص الصورة بس مش الصورة كامله؟"
تجمد شاهين للحظة من الصدمة، لكنه تماسك سريعًا وقال بحدة:
"لا انا عارف كل حاجه وعارف قذارتك زمان، بس مش وقته الكلام ده اطمن الاول على رنيم وبعد كده لينا كلام مع بعض، يا غريب ضرغام."
ثم أبعد يده عنه بعنف.
نظر له غريب طويلًا بنظرة تحمل وعيدًا صامتًا، قبل أن يلتزم الصمت مؤقتًا حتى يطمئنوا على رنيم.
وفي تلك اللحظة دوى جرس الباب بعنف داخل أجواء الشقة المشحونة، فتحرك شاهين نحوه بخطوات سريعة متوترة، وما إن فتح الباب حتى اندفع جواد عليه كالاعصار، لتستقبله قبضته القوية مباشرة دون أي مقدمات، وهو يهتف بصوت جهوري مشتعل بالغضب:
"عملت فيها ايه؟ اقسم بالله ما هحلك يا شاهين."
ترنح شاهين للخلف قليلًا تحت قوة اللكمة، لكن غضبه انفجر فورًا، فانقض عليه يرد له الضربات بعنف مماثل، وتحولت اللحظة إلى اشتباك حاد امتلأ بالغضب والاحتقان.
ركض غريب نحوهما سريعًا، وتمكن بصعوبة من الإمساك بجواد الذي كان يحاول الفتك بشاهين، ثم صرخ بغضب حاد:
"اهدا يا جواد مش وقته، نطمن الاول عليها."
لكن جواد كان خارج السيطرة تمامًا، عينيه تقدحان شررًا وهو يحرك إصبعه بتحذير نحو شاهين:
"اقسم بالله لو حصل ليها حاجه هقتلك يا شاهين."
ورغم الفوضى التي تعصف داخله، ارتسمت فوق شفتي شاهين ابتسامة مستفزة باردة، ثم قال بسخرية لاذعة:
"بلاش تعمل نفسك راجل أوي بدل ما أقل منك قدام مراتك."
اشتعل وجه جواد أكثر، وحاول الإفلات من يد والده بعنف وهو يهتف:
"سبني عليه يا بابا، ده حلال فيه القتل."
تقدمت جواهر بخطوات غاضبة وهي تنظر إليهم بصدمة وعدم تصديق، ثم قالت بانفعال حاد:
"ده وقته بذمتكم؟ البت مرميه جوه قاطعه النفس وانتوا هنا ماسكين في خناق بعض."
ثم اتجهت سريعًا نحو غرفة رنيم، لكنها توقفت فجأة عندما وصلها صوت شاهين القلق من خلفها:
"جواهر طمنيني عليها عاملة ايه دلوقتي."
التفتت إليه للحظة، فرأت الرعب الحقيقي داخل عينيه، فاكتفت بإيماءة صغيرة قبل أن تدخل الغرفة وتغلق الباب خلفها.
داخل الغرفة...
كانت الأجواء هادئة بصورة ثقيلة، لا يقطعها سوى صوت جهاز التنفس المنتظم وأنفاس رنيم المتعبة.
اقتربت جواهر من السرير ونظرت إلى رنيم بقلق واضح، ثم سألت ترنيم بصوت منخفض:
"رنيم عامله ايه دلوقتي يا خالتو؟"
نظرت ترنيم إلى رنيم بعينين يغمرهما الحزن وقالت بهدوء مرهق:
"النفس بدأ يهدا الحمدالله، وشويه وهتفوق."
جلست جواهر بجوارها من الجهة الأخرى، ثم مررت يدها بحنان فوق شعر رنيم وقالت بصوت مليء باللهفة:
"فؤقي يا حبيبتي، طمني قلبنا عليكي."
مرت عدة دقائق بدت طويلة ومتوترة، قبل أن يتحرك جفن رنيم أخيرًا بحركة خفيفة، فتنفست ترنيم براحة واضحة وقالت بابتسامة مرتجفة:
"الحمدالله بدأت تفؤق."
أمسكت جواهر يدها وربتت عليها بحنو وهي تقول:
"ألف سلامه عليكي يا حبيبتي، كنا هنتجنن عليكي."
فتحت رنيم عينيها ببطء شديد، كان وعيها يعود إليها بتشوش مؤلم. شعرت بشيء يغطي وجهها، فرفعت يدها بضعف تتحسسه لتدرك أنه جهاز تنفس.
أدارت رأسها نحو جواهر تنظر لها باستغراب، ثم التفتت للجهة الأخرى.
وفور أن وقعت عيناها على ترنيم، تجمدت ملامحها وتغضن وجهها بضيق واضح.
عادت تنظر إلى جواهر، ثم أبعدت الماسك عن فمها وسألت بصوت متعب مشوش:
"هو ايه اللي حصل؟ وانتوا هنا بتعملوا ايه؟"
أجابتها جواهر بهدوء محاولة طمأنتها:
"معرفش ايه اللي حصل لاقيت شاهين بيتصل بيا وبيقولي أنك تعبانه ومش عارفه تخدي نفسك، وبعدها أنا اتصلت بخالتوا ترنيم، وجينا على طول عليكي."
وفور أن تذكرت ما حدث...
هبطت دمعة موجوعة من عينيها دون إرادة، لكنها مسحتها سريعًا قبل أن تلاحظها جواهر، إلا أن صوت ترنيم جاء هادئًا يحمل عتابًا خائفًا:
"أنا كذا مره اقولك اول ما تحسي بنفسك بدأ يتكتم خدي البخاخه على طول، متوصليش نفسك للحاله دي."
أغمضت رنيم عينيها بضيق، وكأن كلماتها زادت اختناقها، ثم قالت بحدة باردة:
"وانتي مالك، اخدها ولا مخدهاش، اموت ولا اروح في ستين داهيه، ابعدي عني ومالكيش دعوه بيا."
تنهدت جواهر بنفاذ صبر وقالت بلوم:
"يا بنتي اهدي شويه، ده بدل ما تشكريها على اللي عملته معاكي وانقذت حياتك."
اعتدلت رنيم في جلستها بعصبية، ثم نزعت الماسك من فوق وجهها بعنف وهي تقول بغضب مكبوت:
"محدش طلب منها تنقذ حياتي، كل اللي بطلبه منها تبعدي عني وتسيبني في حالي."
استقامت ترنيم بجسدها تنظر إليها بعينين تمتلئان بالحنان والألم معًا، ثم قالت بهدوء عميق:
"متحاوليش يا رنيم مش هبعد عنك حتى لو أنتي اللي طلبتي ده، انتي امانه في رقبتي، هحافظ عليكي واحميكي، لآخر يوم في عمري، عايزه لما اقابل وجه كريم، واقابل ابوكي، اقدر ابص في عينه اطمنه أن اديت رسالتي معاكي لاخر لحظه في عمري."
وكأن ذكر والدها أشعل شيئًا مؤلمًا داخلها.. صرخت رنيم فجأة بانفعال حاد:
"متجبيش سيرة بابا على لسانك، كفايه انانيه بقى، راعي أنه أبويا اللي أتحرمت منه بسببك."
اهتزت ملامح ترنيم بقوة، وانهمرت دموعها أخيرًا وهي تقول بصوت مختنق موجوع:
"أنا عمري ما كنت انانيه يا رنيم، أنا بعد عنه واتعذبت علشان خاطركم، علشان مبقاش اخد راجل من مراته وبنته، انا لو انانيه، كان زماني عايشه معاه هو الحياة اللي رسمناها مع بعض من ساعة ما واعية على الدنيا، أنا لو انانيه كنت انتي اول واحده هكرها علشان شاركتيني في قلبه وفي حبه، علشان اخدي الدلع اللي كان حقي، كنت أنا طفلته الوحيده اللي بيدللها، وجيتي شاركتي ده معايا، إنما لا، معملتش كده، حبيتك من قلبي كأنك حته مني، لهفتي عليكي وخوفي عليكي مش مجرد تمثيل يا رنيم، ده حب بجد انتي عندي زي أروى وجواد حتى عيالي عمرهم ما شافوكي غير انك اخت ليهم، رغم سوء معاملتك ليهم، علشان أنا ربيتهم أن ليهم اخت تالته اللي هو انتي، على طول بالي مشغول عليكي، أنا مش بقول كده، علشان منتظره منك تردي ليا الجميل ولا انك تضربي ليا تعظيم سلام، ولا احسسك بكرمي عليكي، لا يا رنيم، أنا بقولك كده علشان نفسي تشفيني امك بجد مش مجرد عدوة ولا ست كانت عايزه تاخد ابوكي منكم، وبرضه مش هييأس، وهفضل احميكي وفي ضهرك حتى لو رفضي ده."
ثم نظرت إليها طويلًا بعينين يغمرهما الأسى، وقالت بصوت خافت:
"أنا همشي واتمنى انك بلاش تهملي في نفسك تاني، ولو حسيتي بأي أعراض لضيق النفس خدي البخاخه وكلميني على طول."
ثم استدارت وغادرت الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها.
تابعتها جواهر بنظرة لوم، وقبل أن تتحدث، دوى صوت جواد الغاضب من الخارج وهو يهتف باسمها لتغادر معهم.
انتفضت واقفة بسرعة وقالت على عجل:
"أنا همشي وهبقى اكلمك فون اطمن عليكي، واعرف ايه اللي حصل وصلك للحالة دي."
ثم قبلت خدها سريعًا وغادرت هي الأخرى.
ساد الصمت داخل الغرفة...
نظرت رنيم إلى الباب بملامح مرهقة وحزينة، لكن عينيها اتسعتا قليلًا عندما انفتح الباب مجددًا وظهر شاهين من خلفه.
أغلقت عينيها فورًا وكأن مجرد رؤيته يؤلمها، ثم قالت بصوت مختنق:
"أنت بتعمل ايه هنا؟ اطلع بره مش عايزه اشوفك."
دخل إلى الداخل ببطء، وصوته هذه المرة كان مثقلًا بالاختناق:
"طمنيني عليكي، عامله ايه دلوقتي؟"
ضحكت بمرارة موجوعة قبل أن تقول بصوت مرتعش:
"أنا بكرهك يا شاهين، انت عايز تدبحني بأيدك، وترجع بعد كده وتسألني عامله ايه."
كلماتها سقطت عليه كصفعة قوية مزقت حالة الجنون التي كانت تسيطر عليه منذ قليل.
مرر يده داخل شعره بعنف، ثم نظر إليها بانفعال مشتعل وقال:
"انتي عايزه ايه بالظبط؟ مبقتش فاهمك، شويه تقوليلي بحبك وشويه تقوليلي بكرهك، شويه تكوني هاديه وشويه تتعصبي وتعاندي وتخرجيني عن شعوري، انتي اللي وصلتيني لكده."
انكمشت رنيم فوق السرير، تضم ساقيها إلى صدرها كأنها تحاول الاحتماء بنفسها منه، بينما جسدها يرتجف بعنف، ودموعها تنهمر بلا توقف.
حتى شهقاتها أصبحت مؤلمة لصدرها.
خرج صوتها متقطعًا من بين بكائها:
"اطلع بره يا شاهين، مش عايزه اشوفك ولا اسمع صوتك."
أغمض عينيه بقوة يحاول السيطرة على غضبه، لكن قلبه انقبض بعنف وهو يراها بهذه الحالة بسببه.
اقترب منها هذه المرة ببطء حذر، ثم جلس على حافة السرير وقد تبدلت ملامحه قليلًا بندم واضح، وقال بصوت منخفض مبحوح:
"أنا آسف."
هزت رأسها بعنف ودموعها تتساقط أكثر:
"وانا مش متقبله أسفك يا شاهين، اطلع بره قلتلك."
ابتلع الغصة العالقة بحلقه، ثم قال بصوت متعب وكأن الكلام يخرج منه بصعوبة:
"يا رنيم انتي اللي غلطانه، أنا اتصلت بيكي كتير ومردتيش عليا قلقت عليكي، وفي الاخر اتفاجاء انك جايه مع راجل في عربيته وقريب منك بالشكل ده، قوليلي أنه عقل هيستحمل يشوف حبيبته في المنظر ده؟ وبعد محاولات كتير وأنا بتصل بيكي ومش بتردي، اتعصبت غصب عني، غيرتي حرقت قلبي ولغت عقلي، عمت عيوني عن أي حاجة وداني اتسدت، كل اللي شايفه قصادي هو المشهد ده، عارف ان عصبيتي وحشه وكنت هعمل حاجه صعبه اندم عليها، بس حبك اقوى من أي شئ فؤقني في اللحظة الأخيرة، ارجوكي سامحيني يا رنيم."
كانت تستمع إليه ووجهها مخبأ بين ذراعيها، تبكي بصمت موجوع، بينما شعور الخذلان ينهش قلبها بعنف.
وبعد لحظات طويلة رفعت رأسها قليلًا وقالت بصوت بالكاد خرج من بين شهقاتها:
"بترجاك اطلع بره يا شاهين، أنا دلوقتي مش شايفه ولا سامعه، غير الوحش المخيف، نظرتك المرعبه، لمستك المقرفه، اطلع بره وكفايه لحد كده."
انعقد حاجباه بقوة، ونظر إليها بعدم استيعاب قبل أن يقول ببطء خطير:
"يعني ايه كفايه لحد كده؟ تقصدي أيه؟"
مسحت دموعها بعنف بكم ملابسها وقالت بنبرة مهزوزة:
"يعني كفايه لحد كده، لا عايزه اعرفك ولا ليك دعوة بيا."
في لحظة اشتعلت عيناه بصورة مخيفة، وضغط على أسنانه بقوة حتى برز فكه، ثم قال بتحذير مرعب:
"تاااني يا رنيم؟ السيرة دي بتجنني، بتخليني أفقد اعصابي."
ثم اقترب منها فجأة حتى أصبح أمامها مباشرة، وانحنى قليلًا نحوها، بينما كانت عيناه مثبتتين داخل عينيها بنظرة جعلت الرعشة تسري داخل أوصالها، وقال بصوت خافت يحمل تهديدًا صريحًا:
"انتي مش هتكوني لحد غيري، حتى لو حكمت اقتل أي حد يقرب منك، أنا هفضل زي ضلك بعد كده، وأي راجل هيبصلك بعينه هفقعهاله، هيمد أيده يسلم عليكي هقطعهاله، هيفكر فيكي مجرد تفكير، همحيه من على وش الأرض، انتي بتاعتي أنا، ملكيه خاصه بشاهين الرواي، ومش هحلك غير بموت حد فينا، فاهمه."
أنهى كلماته وهو يتنفس بعنف، ثم استدار فجأة وكأنه يهرب من نفسه قبل أن يفقد السيطرة مجددًا، وغادر الشقة بخطوات متوترة غاضبة.
ظلت رنيم تحدق نحو الباب للحظات طويلة، حتى دوى صوت إغلاقه القاسي داخل المكان.. وعندها فقط انهارت بالكامل.
رفعت يدها المرتجفة إلى وجهها، ثم أجهشت بالبكاء بألم خنق روحها كلها.
***************************
عند مريم...
كانت الصالة غارقة في هدوء ثقيل، لا يُسمع به سوى صوت عقارب الساعة وحركة المقعد المتحرك الخافتة. جلست مريم في منتصف المكان بهدوء مخيف، ملامحها جامدة لكن عينيها كانتا تلمعان بشر دفين، وكأن عقلها لا يتوقف عن نسج الخطط والمؤامرات.
رفعت هاتفها ببطء، ثم أجرت اتصالًا بأماليا وانتظرت الرد، وما إن وصلها صوتها المختنق حتى ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وتكلمت بتساؤل يحمل استهزاء واضح:
"مال صوتك يا اختي؟ شكلك موكوسه ومعرفتيش تعملي حاجة."
وصلها صوت أماليا مرتبكًا ومشحونًا بالاختناق، وكأنها على وشك البكاء، ثم قالت:
"عملت كل اللي انتي قلتيلي عليه، ولما المفعول اشتغل وحاولة أقرب منه بعدني عنه، وجرى عليها وسابني، وكمان لما رجع واجهني وعرف اني حاطه ليه حاجه في العصير."
اتسعت ابتسامة مريم أكثر، لكنها كانت ابتسامة باردة مرعبة، ثم قالت بنبرة مليئة بالخبث:
"علشان عبيطه وهبله، مافيش ولا مرة فشلت الخطة دي الا معاكي، عموماً خليكي وراه، متييأسيش، وكده كده اليومين الجاين هيجري على حضنك انتي، بس عالله تفلحي المرادي."
تغيرت نبرة أماليا فورًا، وكأن كلمات مريم أعادت إليها الأمل من جديد، فقالت بحماس وسعادة واضحة:
"تيجي ليا الفرصه بس وانا هخليه ينسى الدنيا كلها في حضني."
أسندت مريم ظهرها إلى المقعد، ثم نظرت أمامها بعينين مليئتين بالتوعد وكأنها ترى النهاية التي خططت لها منذ سنوات، وقالت بثقة مظلمة:
"الفرصة هتجيلك متقلقيش، أول خطوة تمت والباقي سهل، يلا هسيبك ورايا حاجات مهمة."
أغلقت الخط ببطء، ثم أنزلت الهاتف إلى حجرها وظلت تنظر أمامها لثوانٍ طويلة، قبل أن ترتسم على وجهها ابتسامة شر خالصة وقالت بصوت منخفض يحمل نشوة الانتصار:
"كده الخيوط كلها بقت تحت ايدي، وبحركهم زي ما انا عايزة، لحد ما تيجي اللحظة اللي صبرت عليها كتير."
لكنها لم تكن تعلم أن هناك من سمع كل شيء...
في الخلف، كان مروان يقف متجمداً مكانه خلف الجدار، وقد وصلته كلماتها كاملة دون أن تشعر بوجوده. انعقدت ملامحه تدريجيًا، بينما بدأ الخوف يتسلل إلى قلبه لأول مرة بهذه الصورة.
لم تكن مجرد شكوك بعد الآن، والدته بالفعل تخطط لشيء خطير يخص شاهين.
ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر ببرودة تسري في أطرافه وهو يستوعب ما سمعه للتو، ثم تراجع للخلف بحذر شديد قبل أن تراه، وتحرك سريعًا خارج المكان وقلبه ينبض بعنف، بينما عقله يغرق في ألف سؤال وخوف.
****************************
في صباح يوم جديد، كانت رنيم ما تزال جالسة فوق فراشها بعينين مرهقتين ووجه شاحب أنهكه البكاء والسهر. لم يزرها النوم طوال الليل، وكأن عقلها عاقبها بأن يعيد عليها كل ما حدث بالأمس مرة تلو الأخرى دون رحمة. كانت كلما أغمضت عينيها ترى نظرة شاهين المخيفة وهي تلتهمها بعنف، وتشعر بلمسته القاسية التي افتقدت تمامًا ذلك الحنان الذي كانت تذوب فيه دائمًا، وكأنه في تلك اللحظة لم يكن الرجل الذي أحبته، بل شخص آخر لا تعرفه، اندفع نحوها كصياد ينقض على فريسته بلا شفقة. أما نبرته الأخيرة فقد ظلت تتردد داخل أذنها طوال الليل، تزرع في قلبها خوفًا وقلقًا لم تستطع التخلص منه مهما حاولت.
ظلت غارقة في دوامة أفكارها المؤلمة حتى قطع صمت الغرفة صوت هاتفها معلنًا عن اتصال جديد. تحركت ببطء وكأن جسدها أثقلته الليلة الماضية، ثم انحنت تلتقط حقيبة يدها الملقاة أرضًا منذ الأمس، وأخرجت الهاتف منها لتجد اسم عمر يظهر على الشاشة. زفرت بضيق قبل أن تجيب، محاولة إخراج صوتها طبيعيًا رغم الاختناق الذي يملأها:
"السلام عليكم، خير يا استاذ عمر؟ متصل بيا بدري اوي كده ليه؟"
جاءها صوته غاضبًا ومشحونًا بانفعال واضح:
"طمنيني عليكي، الهمجي ده عملك حاجه؟ اذاكي ولا قرب منك؟"
أغمضت عينيها بضيق وهي تشعر بانقباض غريب داخل صدرها بسبب طريقته في الحديث عن شاهين، ثم قالت بصوت مختنق تحاول تبريره رغمًا عنها:
"أنا عارفه ان اللي حصلك امبارح انت ملكش ذنب فيه، بس شاهين مش همجي، هو عصبي شويه مش اكتر."
وما إن خرجت الكلمات من فمها حتى شعرت بالضيق من نفسها. حتى بعد كل ما فعله بها، ما تزال تدافع عنه دون وعي.
لكن عمر لم يهدأ، بل ازدادت نبرته غضبًا وهو يقول:
"لا همجي، وحقي أنا مش هسيبه، وزي ما اخدني على خوانه وضربني، انا هردها ليه بنفس طريقته."
ارتجف قلبها خوفًا من أن يشتعل الصدام بينهما أكثر، فقالت بسرعة محاولة إنهاء الأمر:
"استاذ عمر، هو كان سوء فهم، وانا فهمته خلاص."
صمت للحظات قبل أن يسألها مباشرة بنبرة أثقلتها:
"انتوا فيه ما بينكم حاجه؟"
توترت ملامحها فورًا، ثم ردت بضيق واضح:
"حضرتك مصمم، تسألني على حاجات شخصيه، بعد اذنك الكلام في حدود العمل بس، ولتاني مرة بعتذر لحضرتك على سوء الفهم اللي حصل امبارح."
زفر عمر بضيق محاولًا تهدئة نفسه، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
"تمام، عموما أنا شويه ورايح الشركه عندك علشان نمضي العقود."
انعقد حاجباها بدهشة حقيقية وقالت باستغراب:
"عقود!! أنا قولت بعد اللي حصل امبارح، هتصرف نظر عننا."
رد عليها سريعًا موضحًا:
"ده شغل ملهوش دعوة بأي حاجه شخصيه، وبعدين مشكلتي مش معاكي، مشكلتي معاه هو وانا هعرف اتصرف معاه كويس اوي."
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تلتقط التهديد الواضح المختبئ خلف كلماته، ثم قالت بسرعة:
"استاذ عمر أنا لازم اقفل علشان متأخرش على الشركة."
لكن صوته أوقفها قبل أن تغلق المكالمة:
"اجي اخدك بالعربيه، علشان عربيتك متعطله من امبارح؟"
انتفض قلبها فورًا، وردت برفض قاطع وهي تشعر أن الأمر سيزيد المشاكل أكثر:
"لا لا شكرا، أرجوك مش عايزه مشاكل، أنا هركب تاكسي."
ثم أغلقت معه الخط وهي تشعر بعدم ارتياح يضغط فوق صدرها.
نهضت بعدها ببطء واتجهت إلى المرحاض، أخذت حمامًا دافئًا طويلًا علّه يخفف عنها شيئًا من توترها، ثم ارتدت بورنس الاستحمام وخرجت إلى غرفتها وهي تجفف خصلات شعرها المبللة، لكنها توقفت فجأة مكانها وتجمدت أنفاسها عندما وقعت عيناها على شاهين الجالس فوق الأريكة بكل هدوء، يضع قدمًا فوق الأخرى وكأنه داخل منزله.
اتسعت عيناها بصدمة وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بتوتر واضح:
"ا انت دخلت هنا ازاي؟"
رفع عينيه إليها ببطء، تتنقل نظرته من أعلى جسدها إلى أسفله بطريقة أربكتها بشدة، ثم قال بهدوء مستفز:
"بالمفتاح!."
نهض بعدها وتحرك نحوها بخطوات ثابتة حتى وقف أمامها مباشرة، ثم أمسك خصلة من شعرها المبلل وأخذ يحركها بين أصابعه وهو يهمس بصوت منخفض أربك دقات قلبها:
"اتعودي على كده كتير علشان مفتاح الشقه هيفضل معايا على طول، وانا اللي هوصلك لاي مكان هتروحي، وهجيبك لحد بيتك لما تخلصي."
نظرت إليه بضيق واضح وقالت بصوت مختنق:
"ليه بقى إن شاءالله؟ وصي عليا؟ ولا تكونش جوزي وانا معرفش؟"
ما إن أنهت كلماتها حتى أحاط خصرها بذراعه وضغط عليه بقوة، ثم اقترب من وجهها لدرجة جعلتها تشعر بحرارة أنفاسه تلامس بشرتها، وقال بنبرة متحكمة لا تقبل النقاش:
"آه وصي عليكي، وقريب اوي هبقى جوزك، برضاكي أو غصب عنك."
حاولت دفعه بعيدًا عنها وهي تقول بحدة:
"بتحلم يا شاهين، أنا مش ليك وعمري ما هكون ملكك."
لكن ابتسامته ازدادت ثقة وهو يجيبها بهدوء مستفز:
"بكره نشوف يا صغنن."
ثم طبع قبلة سريعة فوق خدها وابتعد عنها قبل أن يقول ببساطة:
"هطلع أعمل اتنين شاي واستناكي بره لحد ما تلبسي هدومك."
وغادر الغرفة تاركًا إياها متسمرة مكانها تراقب الباب بعد خروجه.
أطلقت نفسًا عميقًا محاولة استعادة هدوئها، لكنها فشلت تمامًا. قربه منها، طريقته المسيطرة، أنفاسه الساخنة التي لامست وجهها.. كل ذلك أربكها بصورة أزعجتها بشدة. تحركت نحو المرآة تنظر إلى انعكاسها، لتشعر بالخجل فجأة عندما استوعبت أنها كانت تقف أمامه بذلك المظهر. احمرت وجنتاها دون إرادة منها، فزفرت بضيق محاولة طرد تأثيره عنها، ثم اتجهت إلى خزانة ملابسها وأخرجت ما سترتديه.
وبعد أن انتهت من تبديل ملابسها ومشطت شعرها بعناية، خرجت من الغرفة لتجده ما يزال جالسًا فوق الأريكة ينتظرها، وأمامه كوبان من الشاي.
وقفت أمامه مباشرة، وعقدت ذراعيها أمام صدرها قبل أن تقول بنبرة ممتلئة بالاختناق والغضب:
"ممكن لو سمحت بلاش طريقتك دي معايا؟ بلاش تبقى محاصرني بطريقة تخنق، يعني ايه مفتاح شقتي يفضل معاك، وليه توصلني وترجعني وكأني طفلة صغيره، انت واحد غيرك المفروض يختفي من حياتي خالص، يعني في الاول حاولة تدمرني في شغلي، أونكل حسام مات بسببك، كنت هكون مجرمة بسببك، وبعد كده اكتشفت أن امك تبقى مريم الست اللي قتلت بابا وماما، وبعد ده كله قلت اديك فرصه وحبيتك واعترفت بحبي ليك واتفاجئ فجأة انك متجوز وعندك بنتين، وبعدها حاولة تقرب مني بطريقة مقززة وبعدها جاي وانت محطوط ليك منشط على اساس أنا الصدر الحنين وهسمحلك تقرب مني وتريح نفسك، وآخرها امبارح بليل حاولة تعتدي عليا، ودلوقتي جاي بكل استفزاز تقولي مفتاح شقتي هيبقى معاك، وانك هتمشي ورايا زي ضلي، وتقولي هتبقى جوزي قريب برضايا أو غصب عني، أنت جايب البجاحه دي منين؟ لا بجد انت إزاي عندك كمية الاستفزاز دي؟"
كان يستمع إليها بهدوء غريب، يراقب انفعالها بعينين ممتلئتين بعشق مجنون، وكأن غضبها نفسه يعجبه. وما إن انتهت حتى اعتدل بجسده، ثم مال نحوها حتى أصبح بمستوى وجهها وقال بصوت هادئ أربكها أكثر:
"حاسبي نفسك انتي قبل ما تحاسبيني، محدش قالك اخطفي قلبي، لدرجة اني بقيت مجنون حبك واسير لعيونك، انا مقاتل في محراب عينيكي، ولو رموشك دبحتني بسيفها، هكون شهيد في حب عيونك."
ثم أمسك كوب الشاي ووضعه بين يديها قائلًا ببساطة:
"يلا اشربي الشاي بتاعك علشان ننزل."
وعاد يجلس فوق الأريكة وكأن شيئًا لم يحدث، بينما ابتسامته المستفزة لا تفارق وجهه.
ظلت تنظر إليه بعدم فهم، تشعر بمشاعر متناقضة تعبث داخلها بعنف، بين الغضب والعشق والاستفزاز وحتى تلك السعادة الصغيرة التي تكره الاعتراف بها. ثم قالت بنفاذ صبر:
"انت مستفز اوي يا شاهين، وبارد ودمك تقيل، بكرهك."
تعالت ضحكته الرجولية الهادئة، ثم قال بثقة مريحة لأعصابها ومستفزة لها في الوقت ذاته:
"بس انا بحبك، وده يكفيني علشان أتمسك بيكي، وأفضل اعشقك في الباقي من عمري."
تذمرت بغضب طفولي وهي تصرخ بصوت مكتوم:
"باااارد."
ثم تركت الكوب واتجهت نحو الباب وخرجت سريعًا.
ابتسم شاهين على طريقتها المحببة لقلبه، ثم نهض وتحرك خلفها مباشرة.
دلفا إلى المصعد وسط صمت ثقيل، حتى انفتح الباب في الأسفل، فخرجت رنيم بسرعة ولوحت بيدها لسيارة أجرة، لكن قبل أن تتوقف السيارة اقترب شاهين منها وأمسك ذراعها، ثم أجبرها على التحرك معه نحو سيارته.
فتح الباب ودفعها إلى الداخل، ثم أغلقه واتجه إلى الجهة الأخرى وصعد خلف المقود.
التفتت إليه بغضب مشتعل وقالت:
"انت ايه يا اخي؟ جبله معندكش دم، مش عايزاك مش عايزه يجمعنا مكان سوى."
أدار السيارة ثم نظر إليها قبل أن ينطلق بها وقال بنبرة هادئة تحمل تحذيرًا واضحًا:
"خدي بالك أنا مطول بالي عليكي على قد ما أقدر، بس خفي علشان مش واثق أني هفضل محافظ على هدوئي ده كتير."
عقدت ذراعيها أمام صدرها بغضب، ثم أدارت وجهها نحو نافذة السيارة بصمت متذمر.
أما هو، فاكتفى بابتسامة خافتة على حركاتها، ثم انطلق بالسيارة متجهًا نحو الشركة.
*************************
عند جواد...
كان مستلقيًا فوق الفراش وعيناه مغمضتان، لكنه لم يكن نائمًا بقدر ما كان غارقًا داخل غضبه. ملامحه كانت متجهمة بصورة غير معتادة، وفكه مشدود بقوة حتى بدت أعصابه على وشك الانفجار. منذ ليلة الأمس والنار مشتعلة داخله، تلتهم هدوءه وعقله بلا رحمة.
في تلك اللحظة، أعلن هاتفه عن وجود اتصال جديد.
فتح عينيه بضيق ومد يده يلتقط الهاتف بملامح متحفزة، وما إن رأى اسم جواهر حتى ازدادت تعبيراته قتامة، لكنه لم يرد عليها. تجاهل الاتصال تمامًا وألقى الهاتف بجواره بعصبية، إلا أنه تفاجأ بصوتها يخرج من خلفه مباشرة:
"ده انت قاصد بقى متردش عليا؟ نفسي أفهم انت زعلان ليه مني من امبارح؟"
أغمض عينيه بقوة وكأن صوتها زاد النار المشتعلة داخله، ثم قال بصوت مختنق بالغضب:
"جووواهر امشي احسنلك."
جلست بجواره فوق السرير وهي تنظر إليه بضيق وقلق في آنٍ واحد، ثم قالت بإصرار:
"لا مش همشي يا جواد غير لما تقولي فيه ايه مالك."
استدار إليها فجأة بعصبية حادة، ونظر لها بنظرة قاتمة أخافتها قبل أن يقول بحدة:
"بلاش تعصبيني اكتر ما انا، غوري من وشي دلوقتي، بدل ما امدي ايدك عليكي."
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وكأنها لم تصدق ما سمعته للتو، ثم قالت بصوت مهتز:
"اغور! وتمد ايدك عليا؟ انت اتجننت شكلك يا جواد، انت طول عمرك بتتعصب عليا بس عمرك ما غلط فيا ولا فكرت تمد ايدك عليا، ايه حصل لكل ده."
نهض من فوق الفراش بعنف وكأن غضبه لم يعد يحتمل البقاء داخله، ثم قال بصوت مرتفع مليء بالقهر:
"لما تستغفليني، وتعتبريني مش راجل، يبقى اكسرك رقبتك كمان."
نهضت بسرعة ووقفت أمامه تنظر إليه بعدم فهم حقيقي، وقالت بتوتر:
"استغفلك؟! ما تتكلم على طول وفهمني فيه ايه؟"
اقترب منها فجأة وأمسك ذراعها بقوة جعلتها تتألم، ثم قال من بين أسنانه بغضب مشتعل:
"شاهين جاب رقمك امبارح مني؟"
ارتبكت نظراتها فورًا، وشعرت بقلبها يهبط داخل صدرها، ثم قالت بتلعثم واضح:
"م معرفش، ه هو كلمني من يومين علشان رنيم زعلانه منه وعايزني اكلمها تسامحه، بس والله العظيم ما أعرف جاب رقمي منين."
ازدادت قبضته حول ذراعها حتى تأوهت بألم، بينما خرج صوته أكثر خشونة وحدة:
"يعني كلمك مره تاني قبل كده كمان، وانا المغفل اللي مستغفلاه ونايم على ودانه، ولما كلمك مجتيش قلتيلي ليه؟ ولا لاقيتي نفسك عملتيها قبل كده مع وحيد وفكرتي معرفش، قولتي، ده عبيط واهبل ومش حاسس بنفسه."
شهقت بصدمة واتسعت عيناها بقوة وهي تهمس بعدم استيعاب:
"ا انت عرفت؟"
ابتعد عنها بعنف وكأنه لم يعد يحتمل قربها، ثم قال بغضب ممزوج بوجع حقيقي:
"اه عرفت لما وراني محادثات ما بينك انتي وهو وكأن فيه ما بينكم حاجه، بس انا علشان بحبك وواثق فيكي مصدقتش كلامه وضربته، بس كلامه وجعني مش علشان شكيت فيكي، بس علشان انتي مش شيفاني راجل، بتداري عليا ومتاكده أن لما أعرف هسامحك علشان بحبك، وده اللي حصل فعلا لما خرجتي من السجن مردتش افتح في القديم وقولت اكيد عندها أسبابها اللي تخليها متقولش ليك، إنما ايه مبررك أن تداري عليا أن شاهين كلمك؟ مافيش سبب يقنعني انك تعملي كده من ورايا، أنا مصدوم فيكي بجد."
كانت دموعها تنهمر بغزارة وهي تستمع إليه، تشعر بأن كلماته تطعنها واحدة تلو الأخرى، ثم حركت رأسها بسرعة بالرفض وقالت بصوت مرتجف:
"اقسم بالله انا خفت اقولك على وحيد بس خوف عليك انت عارفه انك وقتها هتتهور وممكن ترتكب جريمه، إنما مكنتش اقصد اي حاجه تانيه صدقني، أما شاهين، أنا كنت مفكره أن الموضوع عادي بيحب اختي وبيكلمني علشان أصالحهم على بعض، شفت أن الموضوع ميستحقش أن أحكي ليك."
لكن كلماتها لم تهدئه، بل انفجر بها أكثر وهو يصرخ بغضب:
"هو ايه اللي ميستحقش؟ انتي بتكلمي راجل غريب في التليفون أيا كان عايز ايه، ترضيها انتي على نفسك؟"
اشتعل الغضب داخلها فورًا، وكأن اتهامه لها أعاد فتح جروح حاولت نسيانها بصعوبة، فنظرت إليه بوجع وغضب في الوقت ذاته وقالت بصوت مرتفع:
"اه يا جواد رضيت بيها قبل كده، بس خيانتك ليا، قبلت أن اشوف في حضنك واحده غيري، قبلت أن اشوفك في شقة واحده وعلى سريرها، وفي الاخر اتسجنت بسبب قرفك ده، وبعد كل ده سامحتك وبتعامل معاك عادي، وانت جاي تلومني على مكالمة بريئه المقصود منها قلبين تانين خالص، عموما أنت حر أعمل اللي عايزه وشوف قرارك ايه وبلغني بي."
وما إن أنهت كلماتها حتى استدارت سريعًا واتجهت نحو الباب، بينما دموعها تنهمر دون توقف، ثم خرجت من الغرفة وصفقت الباب خلفها بعنف.
ظل جواد واقفًا مكانه يحدق في أثرها بوجه مشتعل بالغضب والاختناق، ثم مرر يده داخل شعره بعنف وأطلق زفرة قوية محملة بكل النار التي تلتهم صدره.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس والثلاثون
وصل شاهين بسيارته أسفل الشركة، بينما ظل الصمت يطبق على الأجواء بينه وبين رنيم طوال الطريق، صمت ثقيل يحمل بقايا ليلة مشحونة بالخوف والغيرة والغضب. كانت رنيم تجلس بجواره تحدق عبر زجاج النافذة بشرود، تحاول الهروب من نظراته ومن تأثيره الذي ما زال يربك قلبها رغم كل ما حدث.
اعتدل شاهين في جلسته ثم التفت إليها بنظرة حادة وقال بصوت يحمل تحذيرًا واضحًا:
"إياكي تتحركي من هنا لوحدك يا رنيم، اوعي تستهتري بكلامي، علشان متعصبش وانتي جربتي عصبيتي عاملة ازاي يا رنيم."
مدت يدها نحو مقبض الباب وهي تزفر بضيق، لكن قبل أن تفتحه تفاجأت بيده تقبض على ذراعها بقوة خفيفة، يجبرها أن تنظر إليه. كانت عيناه مثبتتين داخل عينيها بنظرة جعلت التوتر يتسلل إلى قلبها رغم عنها، ثم قال ببطء:
"رنيم، سمعتي قلت ايه؟"
أغمضت عينيها للحظة تحاول السيطرة على أعصابها قبل أن ترد بنفاذ صبر: "سمعت، خلاص خلصنا."
تأملها لثوانٍ بصمت، وكأن غضبه يهدأ قليلًا لمجرد استسلامها، ثم اقترب ووضع قبلة هادئة على خدها وقال بنبرة أكثر لينًا:
"يلا يا حبيبتي انزلي."
رمقته بضيق واضح، ثم فتحت الباب وترجلت من السيارة وأغلقته بعنف متعمد قبل أن تتحرك نحو مدخل الشركة بخطوات سريعة، لكنها توقفت فجأة عندما لمحت عمر يقف أمامها.
شعرت بقلبها يهبط داخل صدرها، والتوتر يشتعل بأعصابها فورًا. ابتلعت ريقها بصعوبة ثم التفتت تنظر ناحية سيارة شاهين، لتتجمد ملامحها عندما رأت نظرته. قبل لحظات فقط كانت عيناه تفيض بالعشق، أما الآن فقد تحولت إلى نار مشتعلة تكاد تحرق كل شيء أمامها.
أعادت نظرها سريعًا إلى عمر وقالت بتوتر واضح:
"ممكن حضرتك تطلع على فوق دلوقتي وأنا جايه وراك."
لكن عمر كان قد لمح السيارة بالفعل، وتحولت نظراته إلي غضب شديد، فاقتربت منه أكثر وهمست برجاء حقيقي:
"أرجوك يا استاذ عمر، اطلع فوق دلوقتي."
ثم التفتت مرة أخرى ناحية شاهين، لتجده قد ترجل من السيارة بالفعل ويتحرك نحوهما بخطوات سريعة يغلفها الغضب. عادت تنظر إلى عمر وقالت بصوت مختنق:
"بترجاك، مش عايزه مشاكل عند الشركة."
ضغط عمر على أسنانه بعصبية قبل أن يومئ برأسه أخيرًا ويتجه نحو المصعد الكهربائي.
أما شاهين فتحرك خلفه مباشرة بنظرات قاتمة، لكن رنيم أسرعت تقف أمامه تعترض طريقه وقالت بحدة:
"على فكرة مينفعش اللي انت بتعمله ده، احنا عند الشركة، مش عايزة مشاكل."
وقف أمامها بجسده الضخم وعيناه تشتعلان بغضب واضح، ثم قال من بين أسنانه:
"البني آدم ده بيعمل ايه هنا؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها محاولة التماسك وقالت بنفاذ صبر:
"استاذ عمر عميل عندي، وفيه ما بينا شغل هيتنفذ، ممكن بقى تمشي علشان اطلع اشوف شغلي."
قبض على ذراعها فجأة وقال بصوت غليظ يحمل أوامر صريحة:
"البني آدم ده يمشي حالًا وتلغي الشغل معاه، فاهمه؟"
نزعت ذراعها من يده بعناد ونظرت له بثبات رغم خوفها من انفجاره:
"لا مش فاهمه يا شاهين، وانت ملكش تدخل في شغلي، أنا حره، زي ما أنا مش بتدخل في شغلك."
اشتعلت ملامحه أكثر، ثم ترك ذراعها وتحرك مباشرة نحو الداخل، وكأنه اتخذ قراره بالفعل. اتسعت عيناها بصدمة وركضت خلفه تمسك ذراعه وهي تقول بغضب:
"استنى هنا انت رايح فين؟ انت اتجننت؟"
أبعد يدها بعصبية وهو يهتف:
"اه اتجننت! وانا قلت مافيش شغل مع الزفت ده يعني مافيش شغل."
ثم اندفع نحو الدرج بسرعة جنونية متجاهلًا نداءها خلفه، بينما وقفت رنيم للحظة تلتقط أنفاسها وتحاول السيطرة على إحراجها بعد أن بدأت الأنظار تلتفت إليهما داخل الشركة.
أرجعت شعرها للخلف بعصبية ثم دخلت المصعد سريعًا وصعدت إلى الطابق العلوي. وما إن انفتح الباب حتى وجدته بالفعل يقف أمام مكتبها.
ركضت نحوه ووقفت أمام الباب تمنعه من الدخول وهي تحرك رأسها بالرفض:
"مش هيحصل يا شاهين، كفاية فضايح بقى، الموظفين كلها بتتفرج علينا."
أغمض عينيه بعنف وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه، ثم قال من بين أسنانه:
"اوعي من وشي يا رنيم، متعصبنيش أكتر من كده."
لكنها ظلت ثابتة أمامه وقالت بإصرار:
"لا، مش هتحرك غير لما تهدى وتمشي من هنا."
فجأة صرخ باسمها بصوت جهوري هز المكان:
"ررنيم!"
انتفض جسدها بالكامل، وتراجعت للخلف خطوة وهي تنظر له بخوف حقيقي قبل أن تقول بصوت مرتعش:
"أرجوك امشي يا شاهين، علشان خاطري، كفاية فضايح لحد كده."
تغيرت ملامحه تدريجيًا عندما لمح الخوف والانكسار داخل عينيها، وكأن شيئًا داخله هدأ رغم النار المشتعلة بعروقه. زفر بضيق ثم قال بنبرة أخف قليلًا:
"طيب، سبيني ادخل احضر المقابلة معاكي، وأنا مش هتكلم. أصل مستحيل هتحرك من هنا والتاني ده جوه."
نظرت له بإنهاك واضح وقالت بتذمر:
"يووه يا شاهين، مينفعش والله."
لكن ملامحه أغلقت تمامًا وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
"متحاوليش، مش هتحرك من هنا."
زفرت باستسلام أخير، ثم فتحت الباب ودخلت إلى مكتبها ليلحق بها شاهين مباشرة. كان عمر يجلس بالداخل، وما إن وقعت عيناه على شاهين حتى توتر الجو بالكامل، وكأن الغرفة ضاقت فجأة بالغضب المكتوم.
جلس شاهين على المقعد المقابل لعمر دون أن يبعد عينيه عنه، بينما جلست رنيم خلف مكتبها وقلبها يخفق بعنف وهي تحاول التصرف بشكل طبيعي.
نظرت إلى عمر بتوتر وقالت:
"أنا آسفه عطلت حضرتك، ممكن الأوراق اشوفها؟"
لكن عمر لم يكن يستمع إليها، بل كان يبادل شاهين نظرات حادة مشتعلة، وكأن حربًا صامتة تدور بينهما.
شعرت رنيم أن الوضع على وشك الانفجار، فأعادت كلامها مرة أخرى بنبرة أعلى قليلًا:
"استاذ عمر، حضرتك سمعتني؟"
انتبه لها أخيرًا ثم قال:
"حضرتك قلتي حاجه يا باشمهندسه رنيم؟"
أغمض شاهين عينيه بعنف للحظة فور سماعه اسمها يخرج من فم عمر بتلك الطريقة، بينما ابتلعت رنيم ريقها بتوتر وقالت:
"أيوه، الورق علشان أتأكد من التراخيص."
مد عمر يده بالمستندات إليها وقال:
"اتفضلي."
أخذتها منه وبدأت تراجعها باهتمام، بينما كان شاهين يراقبها بصمت. ولأول مرة يراها بهذا الشكل داخل عملها، بتلك الجدية والتركيز والثقة. كانت مختلفة تمامًا عما يراه دائمًا، وهذا الاختلاف سحره أكثر.
شعر فجأة برغبة مجنونة أن يخفيها داخل قلبه بعيدًا عن أعين الجميع.
قطع شروده صوت عمر وهو يقول بهدوء:
"أعتقد التراخيص كلها كاملة، بس لو فيه ورق ناقص تقدري تكملي بمعرفتك، انتي عارفه كل يوم قرارات شكل والإجراءات بتتغير باستمرار."
حركت رأسها وهي ما زالت تراجع الأوراق:
"فعلاً فيه حاجات بسيطة ناقصة، ودي قرارات جديدة مطلوبة قبل البناء، بس متقلقش، كل اللي ناقص هكمله لحضرتك وهيتثبت في العقود."
ظل شاهين يتابعها بإعجاب واضح، حتى أعاده صوت عمر مرة أخرى:
"تمام، نقدر نبدأ امتى؟"
رفعت نظرها إليه وأجابته بعملية:
"أول ما نمضي العقود وأخلص باقي الورق نبدأ على طول."
ثم التقطت سماعة الهاتف وقالت:
"تعالي خدي استاذ عمر عند استاذ تميم والمحامي يكملوا معاه الإجراءات."
أغلقت السماعة ثم نظرت إلى عمر:
"استاذ تميم والمحامي هيكملوا مع حضرتك باقي التفاصيل."
تغيرت ملامح عمر قليلًا وقال باستغراب:
"طيب والتصاميم وباقي الحاجات اللي مفروض نتفق عليها؟"
أجابته بهدوء:
"متقلقش، استاذ تميم هيتابع معاك كل حاجه."
ابتسم عمر ابتسامة باهتة وهو يقول:
"مع إن ده مكانش اتفاقنا من الأول، المفروض إن حضرتك اللي هتتابعي معايا بنفسك، بس واضح إن وجود الأخ ده غير كلامك."
شعرت رنيم بالتوتر فورًا، ونظرت بسرعة نحو شاهين الذي كان يحدق بعمر بنظرة قاتلة، فقالت بتلعثم:
"لا خالص، بس استاذ تميم هو المسؤول هنا، وهيتابع مع حضرتك كل التفاصيل."
أومأ عمر برأسه ثم تحرك نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يخرج ونظر إلى شاهين بتحذير واضح:
"أنا لسه محاسبتكش على اللي عملته معايا امبارح، بس مش هنا علشان خاطر الباشمهندسه رنيم."
جلس شاهين باسترخاء مستفز ووضع قدمًا فوق الأخرى ثم قال بابتسامة باردة:
"اختار المكان اللي يريحك، وأنا هاجي أكمل عليك."
تبادل معه عمر نظرة مشتعلة وقال بتوعد:
"لا، هجومي هييجي مفاجئ، بدون سابق إنذار."
ثم خرج وأغلق الباب خلفه بعنف.
ظلت رنيم تنظر ناحية الباب بقلق شديد، وقلبها ينقبض خوفًا من تهورهما، بينما استقام شاهين وتحرك ببطء حتى جلس فوق حافة مكتبها الخشبي، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال وهو يتأملها بإعجاب واضح:
"تعرفي إني دلوقتي عايز أكلك أكل؟ قمر أوي وانتي شغاله."
احمرت وجنتاها رغمًا عنها، وأخفضت عينيها وهي تقول بتلعثم:
"م، مش خلاص هو مشي؟ اتفضل بقى خليني اشوف شغلي."
مد يده ولمس خدها بحنان، ثم قال بصوت هادئ صادق:
"انتي كل حاجه فيكي كفيلة تخليني عاشق ولهان ليكي، كل يوم اكتشف فيكي حاجه تخليني أحبك أكتر. بحبك يا رنيم، ومتزعليش مني. أنا فعلًا مجنون بيكي، وغيرتي عليكي بتخليني شخص تاني خالص، واحد مفيهوش ذرة عقل. بس وقت ما تشوفيني كده، ارجوكي بلاش تعانديني، مجرد حضن منك أو لمسة أو حتى نظرة، كفيله ترجعني لعقلي."
رفعت عينيها إليه ببطء، وكانت ترى الصدق واضحًا داخل نظراته بشكل أوجع قلبها أكثر مما طمأنه. وبعد لحظات قصيرة أومأت برأسها بخفوت وقالت:
"ماشي، ممكن بقى تمشي وتسيبني اشوف شغلي؟"
مال للأمام وقبل رأسها بحب، ثم استقام واقفًا وقال:
"أنا همشي، وقبل ميعاد خروجك هتلاقيني عندك. اقعدي مكانك ومتتحركيش."
ثم غادر المكتب أخيرًا.
ظلت رنيم تحدق في أثره بعد خروجه، بينما تضاربت المشاعر داخلها بعنف. كانت تحبه بطريقة موجعة، عشقًا لا تستطيع مقاومته مهما حاولت، لكن كلما تذكرت أنه متزوج ولديه ابنتان، كانت تعود فجأة إلى الواقع وكأن أحدهم صفعها بقوة.
أغمضت عينيها وزفرت بضيق، ثم حاولت أن تدفن كل تلك الفوضى داخل قلبها وتعود إلى عملها من جديد.
*****************************
هبطت جواهر درجات السلم بخطوات مرتبكة، بينما كانت دموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها دون قدرة منها على إيقافها، وكأن كل ما حاولت حبسه داخل صدرها انفجر دفعة واحدة. كانت ملامحها شاحبة، وأنفاسها متقطعة بصورة مؤلمة، حتى إن ترنيم ما إن وقعت عيناها عليها بهذه الحالة حتى انتفضت من مكانها بفزع واقتربت منها سريعًا، وقد ارتسم القلق بوضوح فوق ملامحها.
"مالك يا جواهر؟ بتعيطي ليه يا حبيبتي؟"
حركت رأسها بنفي سريع، بينما خرج صوتها مهتزًا بين شهقاتها:
"مافيش يا خالتو، أنا لازم امشي."
تدخلت أروى على الفور وهي تنظر بينها وبين الدرج بقلق واضح:
"انتوا متخانقين مع بعض ولا ايه؟"
أشاحت جواهر وجهها للجهة الأخرى، كأنها تحاول الهروب من نظراتهم، ثم قالت بصوت موجوع:
"قلت مافيش حاجه يا جماعه، ارجوكم سبوني امشي."
وفي اللحظة التالية، شق صوت جواد الغاضب أرجاء المكان بقسوة جعلت الجميع يلتفت نحوه:
"سيبوها تغور في داهيه."
اتسعت عينا ترنيم بصدمة حقيقية، ثم نظرت إليه بغضب عارم وقالت بحدة:
"جواد اتكلم كويس على مراتك، وبعدين فيه ايه حصل ما بينكم؟"
أغلقت جواهر عينيها بقوة، وكأن كلماته صفعتها، ثم قالت بصوت مختنق بالدموع:
"علشان خاطري يا خالتوا سيبوني امشي."
هبط جواد الدرج بخطوات حادة، والغضب يشتعل في عينيه بصورة مخيفة، ثم أمسك ذراعها بقوة وتحرك بها نحو الباب بعنف واضح قبل أن يفتحه وهو يقول بصوت مرتفع:
"وصلوها لبيتها."
نزعت ذراعها من قبضته بعصبية، وقد ارتجف صوتها من شدة الانفعال:
"ايدك متتمدش عليا يا جواد."
دفعها بأصابعه من كتفها بعصبية وهو يقول بغضب محتدم:
"أنا حر امد ايدي عليكي وأكسرك كمان."
في لحظة واحدة، اندفعت ترنيم نحوه وأبعدته عنها بعنف، بينما انفجر صوتها بالصراخ:
"انت شكلك أتجننت يا جواد، فيه ايه مالك على الصبح؟ اقسم بالله لو محترمتش نفسك شويه لكون مكسره عضمك."
ثم أمسكت يد جواهر بحماية واضحة وقالت بحنان رغم غضبها:
"تعالي يا حبيبتي معايا جوه نتكلم بهدوء."
لكن جواهر هزت رأسها بعناد، والدموع لا تزال تغرق ملامحها، ثم قالت بصوت متكسر:
"علشان خاطري يا خالتو سبيني امشي، ولو ليا غلاوة عندك خليه يطلقني."
شهقت ترنيم بصدمة، واتسعت عيناها وهي تقول بسرعة:
"طلاق ايه يا بنتي؟ ربنا ما يكتبها عليكم، تعالي بس ادخلي."
ضغط جواد على أسنانه بعنف، وكاد يتحدث، إلا أن صوت والده الغاضب أوقفه:
"جواد تعالى ورايا على المكتب."
التفت جواد نحو جواهر بعينين مشتعلة بالغضب، ثم أومأ برأسه ببطء وقال بوعيد واضح:
"ماشي يا جواهر أنا هعرفك ازاي تطلبي الطلاق كل شوية كده."
أنهى كلماته ثم استدار مبتعدًا خلف والده، بينما ظلت جواهر تنظر إلى أثره بانكسار واضح قبل أن تنهار داخل أحضان ترنيم، متمسكة بها بقوة وكأنها تبحث عن الأمان بين ذراعيها، وانفجرت دموعها بصورة أقوى وهي تقول بوجع:
"عجبك يا خالتوا اللي جواد بيعملوا معايا ده؟"
ربتت ترنيم على ظهرها بحنان، محاولة تهدئتها رغم الضيق الظاهر داخل عينيها، ثم قالت بهدوء:
"لا يا حبيبتي مش عجبني، وأبوه دلوقتي هيبهدله على اللي عملوا معاكي ده، بس برضه انتي غلطانه يا جواهر مش كل ما يحصل ما بينكم حاجه تطلبي منه الطلاق، الكلمة دي مش سهله، ولازم تكوني اعقل من كده شوية، تعالي ادخلي معايا."
تحركت جواهر معها للداخل بخطوات بطيئة، بينما أغلقت ترنيم الباب خلفهما، واتجهتا نحو الأريكة وجلستا فوقها. التفتت ترنيم إلى ابنتها وقالت بهدوء:
"ادخلي هاتي ليها كوباية عصير."
أومأت أروى برأسها وتحركت إلى المطبخ، بينما أعادت ترنيم نظرها إلى جواهر، تراقب وجهها الباكي بحزن، ثم سألتها برفق:
"قوليلي بقى ايه اللي حصل ما بينكم؟"
أطلقت جواهر زفرة مرتجفة، ثم قالت بصوت مختنق بالألم:
"يا خالتو ابنك مش طبيعي، زعلان علشان شاهين معرفش جاب رقمي منين واتصل بيا بيطلب مني اقول كلمتين لرنيم اخليها تسامحه علشان هما كانوا زعلانين من بعض، بس كلمت رنيم، ومجاش في بالي أن أقول لجواد على اللي حصل ده، اصلا الموضوع عادي، راجل بيحب اختي وعلشان عارف احنا قريبين من بعض قد ايه طلب مني كده، بس لا أزاي ابنك يعدي الموضوع كده بالساهل؟ لازم يعمل حكايه ويكبر المواضيع، جواد طول عمره عصبي معايا، وكان طول الوقت بيتخانق معايا، بس اول مره يغلط فيا بالشكل ده، وشبه أنه مد أيده عليا، لما هو بيعمل كده قبل ما اجي بيته اومال لما نتجوز ويتقفل علينا باب واحد هيعمل معايا ايه؟"
أمسكت ترنيم يدها بين كفيها وربتت عليها بحنو، ثم قالت بنبرة هادئة تحمل الكثير من الحكمة:
"بصي يا حبيبتي هو انتي مش غلطانه، بس مكانش هيحصل حاجه لو كنتي بلغتي باللي حصل ده، الراجل بيحب يكون في الصورة حتى لو الموضوع ميخصهوش، وكمان اللي وصل جواد للحالة دي غيرته عليكي، هو غيران أن فيه راجل كلمك في التليفون وسمع صوتك، وبالذات شاهين ده اللي هو اصلا بيكرهوا وبيبقى عايز يقتله كل ما يشوفه، ده درس يعلمك انك بعد كده تعرفي جوزك أي حاجه بتحصل حتى لو صغيرة، هو غلطان برضه علشان طريقته معاكي فى الكلام دي بس ابوه هيعلمه الادب دلوقتي، انتوا لازم تعرفوا ان الجواز مسؤوليه واحترام متبادل، انتوا الاتنين لازم تكونوا مسؤولين أكتر من كده، لما انتوا بتعملوا كده وانتوا لسه على البر، اومال لما تبقوا في بيت واحد ومعاكم عيل ولا اتنين هتعملوا ايه؟"
أشاحت جواهر وجهها بعيدًا وهي تحاول كبح دموعها، ثم قالت بصوت متألم:
"يا خالتوا بقولك غلط فيا وكان هيمد أيده عليا، مهما كان اللي حصل مينفعش اللي عمله ده."
أومأت ترنيم برأسها بتفهم وقالت بجدية:
"ده اكيد طبعا وصدقيني ولا انا ولا ابوه هنعدي اللي عمله معاكي بالساهل كده، بس كل اللي عايزاه منك، لما نغسله ليكي ويجي يصالحك بلاش تعاندي معاه واقعدوا اتكلموا مع بعض بهدوء."
مسحت جواهر دموعها بكم ملابسها، ثم أومأت بصمت، بينما اقتربت منها ترنيم وقبلت رأسها بحنان، قبل أن تضمها إلى صدرها وتظل تربت على ظهرها بحب واحتواء.
بالمكتب...
جلس غريب خلف مكتبه الخشبي بهدوء مهيب، بينما كان يراقب جواد الجالس أمامه، والغضب يتصاعد من ملامحه بصورة واضحة. ظل الصمت يسيطر على المكان لثوانٍ ثقيلة، قبل أن يميل غريب بجسده إلى الأمام ويسند ذراعيه فوق سطح المكتب قائلًا بهدوء عكس تمامًا العاصفة المشتعلة أمامه:
"ها.. خلصت؟"
قبض جواد على يده بقوة حتى برزت عروقه وابيضت مفاصله، ثم قال بصوت مختنق بالغضب:
"ابوس ايدك مش وقته الكلام ده يا بابا، أنا جوايا نار من امبارح وهي جات وحطت عليها بنزين، الهانم مستغفلاني وبتكلم البيه في التليفون وعايشه دور المصلحه الاجتماعيه، يعني كنت بحاول انسى اللي عملته مع اللي اسمه وحيد وأنها دارت عليا أنه كلمها وهددتها، يطلع أنه اللي اسمه زفت شاهين بيكلمها علشان تصالحه على البرنسيسه رنيم، وانا اخر من يعلم، هموت يا بابا."
استمع إليه غريب بصمت كامل، لم يقاطعه أو يعترض، تركه يخرج كل ما يعتصر صدره، حتى هدأت نبرته قليلًا، عندها فقط تحدث قائلاً بصرامة هادئة:
"انت غبي وحمار، وهتفضل زي الجحش، دراعك ولسانك سابقين عقلك في غضبك، وعلى وضعك ده، استحالة حياتكم هتكمل مع بعض، مد الايد عمره ما كان حل للمشاكل يا جواد، بالعكس دي بتعقدها اكتر، الكلمة الطيبه احسن مليون مره من الصوت العالي ومد الايد واللسان الطويل، الست كائن صبور جدا، هتعدي مره واتنين وعشره، وكل مره بعدها هتتعامل معاك وكأن مافيش حاجه حصلت، بس هتيجي مره طاقتها في التحمل هتخلص، وهتكتشف أنها منستش كل اللي فات هي بس كانت ركناه على جنب لوقته، وهتاخد قرار البعد ولو عملت ايه مستحيل ترجعلك تاني، ساعتها بس هتدرج، أنها كانت كل مره بتديك فرصه فيها، على أمل أنك تتغير، وتحس بقيمتها، وقتها هتندم في وقت مينفعش فيه الرجوع خلاص، وهي، هتتعافى وتعيش حياتها عادي، من غير ذرة ندم، لأنها عملت اللي عليها وانت اللي استنفذت فرصك كلها، فوق وبلاش غبائك وتهورك يضيعها من بين ايديك، علشان انت مش هتقدر تعيش من غير جواهر يا جواد، علشان انت بتعشقها."
مرر جواد يده بعصبية فوق وجهه، ثم دعك مقدمة رأسه بأصابعه وكأنه يحاول السيطرة على أفكاره المشتعلة، قبل أن يقول بصوت متعب:
"انت تقدر تستحمل أن ماما تكلم اكتر راجل بتكرهه في حياتك، من وراه ضهرك؟"
تراجع غريب بظهره إلى المقعد، ثم أجابه بهدوء ثابت:
"رضيت وكنا بنقعد ناكل مع بعض على سفره واحده، ويوم ما حصل مشكله، كان هو اول راجل اطلب منه يروح ينقذها، لأني كنت متأكد، أنه اكتر راجل هيخاف عليها ويحميها بعمره، وده اللي حصل فعلا، عارف ليه علشان كنت بثق في امك اكتر ما بثق في نفسي."
خفض جواد عينيه قليلًا، ثم قال بنبرة مختنقة:
"أنا بثق في جواهر طبعا يا بابا، بس كل اللي مجنني انها عملتها قبل كده مع وحيد، وانا عدتها علشان الظروف اللي إحنا كنا فيها، ورجعت عملتها تاني مع شاهين، أنا كل اللي عايزه، أنها مداريش عني حاجه، عايز متخافش مني وتعرفني كل حاجه يا بابا."
هز غريب رأسه ببطء، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"وانت مفكر انك بعد اللي عملته ده كله، هي هتيجي وتقولك، انت كده بتخوفها منك اكتر يا غبي، هي عارفه عصبيتك المبالغ فيها دي، ولما بتداري عليك، ده لأنها خايفه عليك مش خايفه منك، عارفه انك هتخرب الدنيا من قبل ما تفهم حاجه اصلا."
ظل جواد صامتًا، غارقًا في كلمات والده التي أصابت جزءًا حساسًا داخله، فأكمل غريب حديثه وهو يشير له بيده:
"انت تخرج من عندي من هنا تخدها اوضك وتحاول تصالحها."
ثم أكمل بنبرة ساخرة خفيفة:
"ولا انت بتاع كلام وبس."
رغم ضيقه، ابتسم جواد على كلمات والده، ثم أومأ برأسه وهو ينهض واقفًا قائلاً:
"يا عم انا هموت وميكنش مجرد كلام، نفسي كله يتم دلوقتي، بس أعمل أيه؟ لازم الفرح يتم الاول."
ثم تحرك نحو الباب وغادر المكتب.
تابعه غريب بعينيه حتى اختفى، ثم تنهد بهدوء وتراجع بظهره إلى المقعد، بينما ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يرى نسخة شبابه القديمة في ابنه، نفس الجنون، نفس الغيرة، ونفس الحب المشتعل الذي عاشه يومًا مع ترنيم. تنهد براحة، متمنيًا أن ينتهي حب جواد وجواهر كما انتهى حبه هو بترنيم، بيت دافئ، وحياة هادئة، وأطفال يحملون ملامح العشق القديم.
****************************
خرج جواد من مكتب والده بخطوات سريعة، وما زالت كلمات غريب تتردد داخل رأسه بعنف، بين لومٍ أصابه في مكان حساس داخله، وبين خوف حقيقي من أن يخسر جواهر بسبب تهوره وغضبه. وما إن وقع بصره عليها حتى وجدها جالسة بجوار ترنيم بوجه متجهم وعينين متورمتين من كثرة البكاء، فشعر بانقباضة مؤلمة داخل صدره، لكنه أخفاها سريعًا خلف ملامحه الجامدة واقترب منهما ثم قال بصوت مختنق:
"قومي تعالي معايا."
رفعت جواهر ذقنها بعناد، وعقدت ذراعيها أمام صدرها كأنها تبني حاجزًا بينهما، ثم قالت بصوت ممتلئ بالضيق:
"لا مش هروح معاك في حته."
أغلق عينيه للحظة يحاول السيطرة على غضبه الذي بدأ يعود إليه مجددًا، ثم قال من بين أسنانه بحدة واضحة:
"قومي يا جواهر، بلاش عناد احسنلك."
زفرت ترنيم بنفاذ صبر وهي تنظر لهما بضيق، فقد بدا الاثنان وكأنهما طفلان لا يعرفان سوى العناد، ثم قالت بحدة خفيفة:
"ما تهدا بقى يا زفت انت، وانتي يا جواهر احنا مش اتفقنا، قومي مع جوزك يلا شوفيه عايز ايه."
أطلقت جواهر زفرة طويلة، ثم استقامت بجسدها ببطء وهي تقول بحدة متعمدة:
"اهو وقفت حضرتك عايز ايه؟"
لم يجبها، فقط أمسك يدها بقوة وتحرك بها نحو الدرج، بينما كانت هي تحاول مجاراة خطواته السريعة حتى صعد بها إلى الأعلى.
راقبتهما ترنيم وهما يبتعدان، ثم هزت رأسها بيأس وقالت بنفاذ صبر ممزوج بابتسامة خافتة:
"اتنين أجن من بعض، ربنا يهديهم ويصلح حالهم يارب."
فتح جواد باب غرفته بسرعة وأدخل جواهر إلى الداخل، ثم أغلق الباب خلفهما واستدار ينظر إليها بضيق واضح قبل أن يقول:
"عجبك الفضايح اللي حصلت دي؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها أكثر، وكأنها تتحدى غضبه، ثم قالت بعصبية:
"والله انت اللي عملت الفضايح دي مش انا."
اقترب منها خطوة، وكانت نظراته مشتعلة بضيق حقيقي وهو يقول:
"انا برضه اللي اتكلمت مع راجل غريب في التليفون و داريت عن جوزي حاجه زي دي؟"
ردت عليه بانفعال، وقد بدأت دموعها تتجمع مجددًا داخل عينيها:
"قلتلك، هو اللي جاب رقمي وكلمني، وبعدين والله العظيم كلامه كان مؤدب ومحترم وكل اللي طلبه مني أكلم رنيم تسامحه وتديله فرصه واحده بس، ومن وقتها متكلمش معايا تاني غير امبارح لما رنيم تعبت بيسألني إذا كانت بتاخد علاج ولا لا، وبعدين انت مش بتثق فيا ولا ايه؟ يعني المفروض انت اللي مربيني على ايدك وعارف أخلاقي ايه."
تغيرت ملامحه فور سماعه لكلماتها الأخيرة، وخفتت حدة غضبه قليلًا، ثم قال بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالقهر:
"بطلي هبل وعبط، أنا عمري ما شكيت فيكي، ولا عمري فكرت انك ممكن تعملي حاجه غلط، بس اللي قهرني انك بداري عليا يا جواهر."
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع وقالت بصوت موجوع:
"وانا اللي قاهرني، طريقتك وأسلوبك معايا النهاردة، هونت عليك تمد ايدك عليا وتغلط فيا يا جواد؟"
تبدلت نظراته فورًا، وكأن كلماتها أطفأت جزءًا كبيرًا من غضبه، اقترب منها ببطء ثم أحاط خصرها بذراعه وجذبها إليه برفق، قبل أن ينظر داخل عينيها مباشرة ويقول بنبرة أكثر هدوءًا:
"بطلي عياط، انتي عارفه دموعك غاليين عندي قد ايه."
هزت رأسها بالرفض، بينما ارتجف صوتها بألم حقيقي:
"أنا اتأكد انك بطلت تحبني يا جواد، لأن اللي بيحب حد، مستحيل يهون عليه يعمل فيه كده."
شعر وكأن كلماتها انغرست داخل صدره، فاقترب أكثر وقبل خدها بحنان واضح ثم قال بنبرة عاشقة صادقة:
"أنا عمري ما أبطل احبك يا جواهر، انتي بنت عمري، بس اللي حصل منك وكمان كلمة طلقني اللي في بؤقك على طول دي عصبتني، وخرجتني عن شعوري، وانتي عارفه، لما بتعصب مبشوفش قدامي."
أشاحت وجهها بعيدًا وهي تقول بصوت مختنق:
"يا سلام، معنى كده كل ما تحصل مشكله ما بينا بعد الجواز هتغلط فيا وتمد ايدك عليا، علشان عصبي ومش بتشوف قدامك."
شدد ذراعه حول خصرها أكثر، ثم اقترب منها هامسًا بنبرة حاول أن يجعلها أخف:
"خلاص يا بت بقى، بلاش تعيدي وتزيدي في اللي حصل، احنا الاتنين غلطانين، وده يخلينا نتعلم من غلطنا المره الجايه ومنعملش كده تاني."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقد بدأت أنفاسها تتوتر من قربه الشديد، ثم قالت بتلعثم واضح:
"ط طيب س سيبني بقى."
مال برأسه قليلًا حتى اقتربت شفتيه من شفتيها، ثم قال بصوت خافت يحمل الكثير من المشاكسة والرغبة:
"اسيبك ايه؟ أنا لازم اصالحك بطريقتي."
ولم يمنحها فرصة للرد، بل التقط شفتيها في قبلة عميقة ممتلئة بالشوق والغضب واللهفة معًا، وكأنه يحاول أن يعتذر لها بكل ما عجز عن قوله. حاولت في البداية أن تدفعه بعيدًا، لكن مقاومتها ذابت سريعًا، وتمسكت به أكثر وهي تبادله قبلته بتردد تحول شيئًا فشيئًا إلى استسلام كامل.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه وسط قبلاته، بينما أخذ يدفعها ببطء نحو السرير حتى أسقطها فوقه برفق، وبدأت يده تتحرك بجرأة أكبر، ومع كل ثانية كانت أنفاسه تصبح أثقل وسيطرته على نفسه تضعف أكثر.
لكن جواهر انتفضت فجأة عندما شعرت بالأمر يخرج عن حدودها، فدفعته بعيدًا عنها بسرعة ونهضت من فوق السرير، بينما كانت أنفاسها مضطربة ويداها ترتجفان بوضوح.
أغلق جواد عينيه بقوة، محاولًا استعادة هدوئه والسيطرة على اندفاعه، ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يعتدل في جلسته. مد يده إليها بهدوء هذه المرة، ثم أمسك يدها برفق وأجلسها فوق ساقه، وبدأ يمرر يده على وجهها بحنان شديد وهو يقول بصوت صادق:
"أنا آسف متزعليش مني، أنا بحبك واوعدك اني هحاول اتحكم في اعصابي ومش هتعصب عليكي بالمنظر بتاع النهاردة ده تاني."
احمر وجهها بخجل واضح، ثم أومأت برأسها وهي تقول بصوت منخفض:
"م ماشي."
ابتسم لها بحب، ثم قال بنبرة مزاح وقحة أشعلت توترها من جديد:
"مع انك قطعتي اللحظة الحلوة، بس هعديها علشان لسه الفرح، بس وحياة امك، لو عملتي كده معايا بعد الفرح وقطعتي اللحظة الحلوة دي، هضاعف عقابك عندي بطريقتي الخاصه."
وأنهى كلامه بغمزة مشاكسة من عينيه.
شهقت بخجل وضربته على صدره بخفة وهي تقول بتوتر:
"جواد بس بقى وبطل قلة ادب، وسيبني اقوم."
تعالت ضحكاته الرجولية داخل الغرفة، ثم اقترب من خدها ووضع قبلة سريعة عليه قبل أن يبعد يده عنها لتنهض.
استقامت سريعًا وهي تبتلع ريقها بصعوبة، ثم قالت بتوتر واضح:
"ا أنا لازم امشي بقى."
أومأ برأسه وهو يقول بهدوء:
"استني هدخل اخد شاور سريع واجي اوصلك."
أومأت له بالموافقة بخجل:
"م ماشي."
ثم تحركت نحو الأريكة وجلست فوقها تحاول تهدئة دقات قلبها المتسارعة.
أما جواد فاتجه نحو المرحاض وأغلق الباب خلفه، بينما بدأ صوت المياه يملأ المكان.
نظرت جواهر إلى الباب المغلق وابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيها دون إرادة منها، ثم أمسكت هاتفها تعبث به بخجل، بينما كانت تستعيد داخل رأسها كل ما حدث منذ قليل، وقلبها ينبض بعنف كلما تذكرت قربه منها ونظراته التي كانت تذيب غضبها رغم عنها.
***************************
انتهى وقت العمل دون أن تشعر رنيم بمرور الساعات، فقد كانت غارقة بالكامل وسط الأوراق والتصاميم، بعقل منشغل وتركيز سحبها بعيدًا عن العالم من حولها، حتى دوى صوت فتح الباب داخل المكتب فجأة، فرفعت رأسها على الفور تنظر باتجاهه، لتجده شاهين.
تراجعت بظهرها إلى الخلف وهي تزفر بضيق واضح، ثم تكلمت بنفاذ صبر:
"هو انت متعرفش حاجه اسمها استئذان الاول، هنا وفي الشقه بتدخل على طول كده."
تعالت ضحكاته الرجولية داخل المكان، بينما كانت عيناه تلمعان بمشاكسة واضحة، ثم تكلم بمزاح:
"هو أنا دخلت عليكي الحمام، انا دخلت مكتب وعارف انك شغاله وفي البيت الصبح دخلت الاوضه وعرفت انك بتخدي شاور مرضتش ادخلك."
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وشهقت وهي تنظر له بعدم تصديق، قبل أن تقول بغضب:
"اقسم بالله انت قليل الادب، أتلم ماشي."
اقترب أكثر وجلس على حافة المكتب أمامها، وكأن قربه منها حق مكتسب لا يستطيع مقاومته، ثم رفع يده يمررها برفق على وجهها، وتكلم بصوت خافت دافئ:
"انا بهزر معاكي يا قلبي، انتي جسمك امانه عندي لحد ما تبقي مراتي حلالي وبعد كده اعمل اللي أنا عايزه."
ارتبكت ملامحها للحظة، لكنها سرعان ما تراجعت بجسدها للخلف محاولة التمسك بعنادها، وقالت بتحدي واضح:
"مش لما ابقى مراتك، ده في احلامك يا شاهين."
مال بجسده أكثر نحوها حتى أصبحت أنفاسه الساخنة تلفح وجهها، وعيناه مثبتتان داخل عينيها بثقة أربكتها، ثم قال بنبرة منخفضة ممتلئة بالعشق:
"حتى لو بحلم يا رنيم، انا هفضل وراكي لحد ما احقق الحلم ده، علشان انتي أجمل حلم اتمنيته."
تسارعت أنفاسها بشكل واضح، وشعرت بقلبها يرتطم داخل صدرها بعنف كلما اقترب منها أكثر، حتى أصبحت عاجزة عن الثبات أمام تلك النظرة التي تربكها دائمًا، فتحدثت بتلعثم واضح:
"ش شاهين ا ابعد مينفعش كده حد يدخل علينا."
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه وكأن توترها يمنحه لذة خاصة، ثم قال بصوت هامس:
"هو عمومًا مافيش حد هيدخل علينا علشان أنا نبهت على السكرتيرة، لكن هبعد مؤقتًا، علشان دقات قلبك اللي عماله تدق زي أجراس الكنيسه دي وفضحاكي."
ثم تراجع بجسده للخلف أخيرًا، بينما ظل يضحك بخفة على ارتباكها الواضح وتوترها الذي لم تستطع إخفاءه مهما حاولت.
أما هي فاستقامت سريعًا بجسدها بغضب مصطنع تخفي به خجلها، وأمسكت حقيبة يدها بعصبية، ثم تحركت باتجاه الباب وفتحته وخرجت من المكتب بخطوات سريعة.
ظل شاهين محتفظًا بابتسامته العاشقة وهو يتابعها بعينيه، قبل أن ينهض ويتحرك خلفها بهدوء.
دلفا إلى المصعد الكهربائي، وسيطر الصمت بينهما، لكن التوتر الذي يحيط بهما كان كافيًا ليملأ المكان بالكامل. ظلت رنيم تنظر أمامها متعمدة تجاهله، بينما كان هو يراقب تفاصيل وجهها بصمت مستمتعًا بكل انفعال صغير يصدر منها.
هبط المصعد إلى الأسفل، فخرجت منه سريعًا وتحركت بغضب نحو سيارته، فتحت الباب وصعدت إلى المقعد الأمامي، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها بعناد طفولي جعله يبتسم دون إرادة.
تحرك شاهين خلفها وصعد إلى مقعده أمام المقود، وقبل أن يدير السيارة مال نحوها سريعًا ووضع قبلة خاطفة على خدها، ثم اعتدل في جلسته وأدار المحرك وتحرك بالسيارة.
حاولت رنيم إخفاء تلك الابتسامة الصغيرة التي خانتها رغمًا عنها، فأدارت وجهها سريعًا نحو نافذة السيارة تتابع الطريق المضاء بالخارج، بينما كانت دقات قلبها تتسارع بعنف داخل صدرها، بحب ذلك الرجل الذي استطاع أن يأسر قلبها بالكامل دون أن تشعر.
****************************
وصل شاهين ورنيم إلى البناية بعد طريق طويل سيطر عليه الصمت، صمت ثقيل يحمل بين طياته مشاعر متشابكة لا يعرف أي منهما كيف يهرب منها.
صعدا إلى الأعلى بخطوات متتابعة حتى توقفا أمام باب شقة رنيم، فاستدارت له وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بعناد واضح، ثم قالت بنبرة متحفزة:
"ممكن بقى تديني مفتاح شقتي."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة يعشق بها إثارة غضبها، ثم حرك رأسه بالرفض وقال بثبات:
"لا المفتاح هيفضل معايا أنا."
ثم أخرجه من جيب بنطاله ولوح به أمامها ببرود متعمد قبل أن يضعه مكانه، وبعدها فتح الباب وهو يقول بمزاح: "اتفضلي برنسس رنيم."
نظرت له بضيق شديد وكأنها على وشك الانفجار، ثم تكلمت بنفاذ صبر:
"والله العظيم انت بارد وغلس، يعني مفتاح شقتي ومستولي عليه، ده ايه البجاحه اللي في دمك دي؟"
رد عليها بلا مبالاة وكأنه يستمتع بعنادها:
"مهما تقولي مش هتخدي برضه المفتاح، متحاوليش واتفضلي يلا ادخلي."
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة، انفتح باب شقته فجأة.
خرجت مريم على مقعدها المتحرك، وخلفها أماليا وابنتا شاهين، واقتربوا منهم بنظرات مشتعلة، لتتكلم مريم بصوت مرتفع متعمد:
"ده يرضي مين ده يا ناس؟ بنت عايشه في شقه لوحدها ومقضياها مع راجل متجوز ومخلف، ده ايه البجاحه اللي في دمك دي يا بت، ربنا يسترها على ولايانا."
تجمدت ملامح رنيم للحظة من شدة الصدمة، قبل أن تشتعل عيناها بالغضب، وقالت بحدة:
"ايه الكلام العبيط اللي بتقوليه ده يا ست انتي؟ لمي لسانك واحترمي نفسك."
أما شاهين فاشتد فكه بعنف، وظهر الغضب بوضوح داخل عينيه، ثم قال بتحذير خطير:
"اقسم بالله لو مدخلتوش جوه دلوقتي لكون مكسر البيت كله فوق دماغكم."
لكن مريم لم تتراجع، بل رفعت صوتها أكثر وهي تتعمد جذب انتباه الجميع:
"اه ما هي خطافة الرجاله دي اكله عقلك، يا ناس يا خلق تعالوا شوفوا اللي مش محترمه عايشه مع راجل غريب في الشقه، اخده راجل من مراته وبناته."
بدأت أبواب الشقق تفتح واحدًا تلو الآخر، وتجمهرت النظرات حولهم بسرعة مؤذية، بينما شعرت رنيم بحرارة الدموع تتجمع داخل عينيها رغم محاولتها التماسك.
كان الموقف أقسى مما تتحمل.
وفجأة خرج صوت إيما، ابنته الكبرى، وهي تنظر إلى رنيم بغضب طفولي ممزوج بالغيرة:
"أيوه انتي اخده بابي مننا، عايشه حياتك معاه وحرمانه منه، انتي واحده مش محترمه."
ثم تكلمت أماليا بدورها بنبرة متقنة للضعف والانكسار:
"بقى أنا اسيب بلدي واجي أنا وبناتي علشان ابقى جنب جوزي، ألاقي واحده زي دي اكله عقله، وناسي مراته وبناته اللي ملهمش غيره في الدنيا."
وفي الجهة الأخرى، ارتسمت على شفتي مريم ابتسامة خبيثة وهي ترى خطتها تنجح أمام الجميع، فقد كانت تنتظر هذه اللحظة منذ البداية، اللحظة التي تحاصر فيها رنيم بنظرات الرفض والاتهام.
لكن شاهين لم يمنحهم فرصة أطول.
استدار نحو الجميع، وارتفع صوته الجهوري بقوة جعلت المكان يصمت بالكامل:
"قطع لسان اللي يجيب سيرة مراتي بكلمة، رنيم تبقي مرات شاهين الرواي، ومحدش ليه عندنا حاجه فاهمين؟"
اتسعت عينا رنيم بصدمة عنيفة، وكأن الأرض اهتزت أسفل قدميها.
شعرت للحظة أنها لا تسمع جيدًا، أو ربما تعيش كابوسًا عبثيًا لا تعرف كيف انتهت داخله.
أما مريم، فضغطت على أسنانها بغيظ واضح وقالت بتحدي:
"كداب، لو هي مراتك بجد فين عقد الجواز؟"
نظر لها شاهين بثبات قاتل، ثم أجابها بثقة أكبر:
"عند المأذون واول ما نستلمها هحطها في عيون الكل."
ثم التفت ينظر حوله إلى الجيران المتجمعين وقال بصوت حاد:
"خلاص خلصنا كل واحد يشوف رايح فين."
وبالفعل بدأ الجميع يتفرقون تدريجيًا، لكن التوتر بقي معلقًا في الأجواء الثقيلة.
اقترب شاهين من مريم وأماليا وابنتيه، وكانت نظراته كافية لبث الرعب داخلهم، ثم قال بتحذير منخفض لكنه مرعب:
"حسابكم معايا بعدين مش دلوقتي، اتفضلوا ادخلوا جوه دلوقتي."
لكن ميا، الصغيرة، نظرت له بعينين متعلقتين به وسألته بسعادة بريئة:
"بجد يا بابي اتجوزت رنيم؟"
لينت ملامحه للحظة رغم الغضب المسيطر عليه، ثم أومأ لها بحنو:
"ايوه يا حبيبة بابي، يلا ادخلي."
ثم التفت إلى إيما بنظرة عتاب واضحة وقال بلهجة آمرة:
"ادخلوا جوه قلتلكم."
تكلمت مريم بغضب مشتعل:
"مبقاش أنا لو مكشفتش كدبك لناس كلها يا شاهين."
ابتسم لها شاهين ابتسامة باردة تحمل تحديًا صريحًا وقال:
"مش لما تبقى كدبه، أنا ورنيم اتجوزنا، واللي قاعدتي تخططي ليه راح على الفاضي، يا مريم."
ثم تركهم دون انتظار رد آخر، واتجه مباشرة نحو رنيم.
وجدها ما تزال واقفة مكانها، شاحبة الوجه، ملامحها جامدة من شدة الصدمة وكأنها فقدت القدرة حتى على التفكير.
اقترب منها، أمسك يدها برفق هذه المرة، ثم أجبرها على التحرك معه إلى الداخل.
أغلق الباب خلفهما، واستدار ينظر إليها بتوتر حقيقي لأول مرة منذ بداية تلك الفوضى، بينما كانت عيناها ما تزالان معلقتين به بذهول كامل، وكأنها تنتظر منه تفسيرًا ينقذ عقلها من الجنون.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس والثلاثون
أغلق شاهين الباب خلفهما ببطء، ثم استدار ينظر إليها، ولأول مرة منذ بداية تلك الفوضى كانت ملامحه تحمل توترًا حقيقيًا، وكأنه هو الآخر بدأ يدرك حجم ما فعله للتو.
أما رنيم، فكانت واقفة مكانها كأن الصدمة سحبت منها القدرة حتى على التفكير، عيناها معلقتان به بذهول كامل، تنتظر تفسيرًا واحدًا ينقذ عقلها من هذا الجنون.
وفجأة انفجرت به صارخة بغضب شديد:
"ممكن افهم ايه الجنان اللي قلته بره ده؟ انت ازاي تقول انك جوزي؟"
اقترب منها بخطوات هادئة محاولًا احتواء غضبها قبل أن ينفلت الأمر أكثر، ثم تكلم بنبرة موضحة:
"رنيم اهدي وانا هفهمك، الناس مكانتش هتبطل تجيب في سيرتك، لو عرفوا أن وجودي هنا عندك من غير أي حاجه رسمي، كانوا هيصدقوا الكلام اللي سمعوا دلوقتي، علشان كده أنا كان لازم اتصرف واقول انك مراتي."
لكن كلماته لم تهدئ شيئًا بداخلها، بل زادت النار اشتعالًا، فردت عليه بغضب أشد:
"ما انت السبب، وجودك عندي خلاهم يقولوا كده عليا، انت عارف امك مكانتش هتعدي علاقتنا دي بالساهل، بس انت ولا همك كل ده عايش عادي تدخل وتخرج من عندي تنزل وتطلع معايا وكأنك فعلا جوزي مخفتش على سمعتي ولا حمتني من نظرة الاتهام اللي شفتها في عيون الناس كلها النهاردة، اخرج يا شاهين من حياتي وكفايه بقى لحد كده."
اهتز قلبه بقوة عند جملتها الأخيرة، لكنه حرك رأسه بالرفض سريعًا وقال بإصرار:
"لا يا رنيم كلامك مش صح، أنا بخاف عليكي وانتي عارفه كده، بس انا طلبت منك بدل المره مليون مره أننا نتجوز بس انتي اللي بترفضي، مكانش حد هيقدر يفتح بقه وقتها علشان جوازنا هيكون بإشهار والناس كلها كانت هتشوفك بالفستان الابيض."
ضغطت على أسنانها بقهر، وكأن شيئًا بداخلها يتمزق مع كل كلمة يقولها، ثم قالت بنفاذ صبر:
"قلتلك مستحيل ده يحصل يا شاهين، مراتك وبناتك اولى بيك، أنا النهارده اتأكد من قراري ده، لما شفت نظرت بنتك إيما ليا عرفت أن الزمن بيعيد نفسه نفس نظرتي زمان، بس انا مستحيل أعيد الفعل واعيش حد تاني نفس اللي انا عشته، امشي يا شاهين ارجوك وإنساني."
اقترب منها غريزيًا يريد فقط أن يضمها إليه ويسكت كل هذا الألم، لكنها تراجعت للخلف سريعًا وكأن قربه أصبح يؤذيها، ثم قالت بدموع مختنقة:
"خليك عندك متقربش مني يا شاهين."
توقف مكانه فورًا، وزفر بضيق حارق قبل أن يتكلم بصوت مختنق:
"رنيم للاسف مش هينفع، القرار مبقاش بأيدك، احنا لازم نتجوز، الناس مش هتسكت غير لما يشوفوا عقد الجواز بجد."
ضحكت بمرارة وغضب في آنٍ واحد، ثم قالت:
"انت بتحلم يا شاهين، مافيش جواز واللي يتكلم يتكلم محدش ليه عندي حاجه."
بدأ صبره ينفد، فمرر يده بعصبية داخل شعره وقال بنفاد صبر:
"انتي مجنونه، لا طبعا مستحيل هسمح لحد يجيب سيرتك، بس صدقيني الحل الوحيد هو الجواز."
صرخت به بانهيار وغضب دفين:
"لااا يا شاهين، قلت جواز لا اطلع بره ارجوك أنا تعبانه وعايزه انام."
ثم تركته واتجهت مباشرة نحو غرفتها، دفعت الباب بعنف خلفها وكأنها تحاول إغلاق العالم كله خارجها.
نزعت ملابسها بعصبية وألقتها بإهمال على الأرض، ثم ارتدت شيئًا قطنيًا مريحًا وارتمت فوق السرير.
ظلت تحدق بالسقف لثوانٍ طويلة، بعينين فارغتين، قبل أن تنهار أخيرًا.
انسابت دموعها بغزارة على وجنتيها، وبدأت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا حتى شعرت أن صدرها يضيق بصورة مؤلمة، وكأن الهواء نفسه يرفض الدخول إلى رئتيها.
نهضت بسرعة مرتبكة تبحث داخل حقيبة يدها بيدين مرتعشتين، حتى عثرت على العقار الطبي الخاص بها.
أخرجت البخاخ بسرعة، ووضعته داخل فمها وبدأت تستنشقه بأنفاس متقطعة، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنف، إلى أن بدأ الاختناق يهدأ تدريجيًا.
ألقت الأشياء فوق الطاولة بإهمال، ثم عادت إلى السرير من جديد.
جلست فوقه تضم ساقيها إلى صدرها، وأسندت رأسها فوقهما، بينما ظلت تبكي بصمت موجع، كأن كل ما حاولت دفنه داخل قلبها انفجر دفعة واحدة الليلة.
مر الوقت دون أن تشعر.
رفعت رأسها أخيرًا تنظر إلى الساعة، لتجد أن الوقت تجاوز منتصف الليل.
زفرت بضيق شديد ونهضت ببطء، ثم اتجهت نحو الباب وخرجت من غرفتها.
لكنها توقفت مكانها فورًا بصدمة.
كان شاهين نائمًا فوق الأريكة في الصالة، مستلقيًا بهدوء وكأنه لم يشعر بشيء مما يدور حوله.
اقتربت منه بخطوات بطيئة حذرة، وظلت تحدق بملامحه قليلًا حتى تتأكد أنه نائم فعلًا.
وما إن اطمأنت، حتى هبطت بجسدها ووقفت على ركبتيها أمامه، تراقب وجهه عن قرب.
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة حزينة موجوعة، بينما أخذت تحفظ تفاصيله بعينيها كأنها تخشى فقدانه.
كم كان جميلًا، رجوليًا بشكل يربك القلب، ملامحه تجمع بين القسوة والهدوء، بين الهيبة والنعومة، وكأن الله صنعه بعناية ليكون نقطة ضعفها الأكبر.
رفعت يدها ببطء شديد، وأخذت تمرر أطراف أصابعها فوق تفاصيل وجهه بحنان مرتجف، بينما قلبها يرتعش بعنف داخل صدرها.
ظلت تلمسه لوقت طويل دون أن تشعر، وكأنها تحاول سرقة لحظة أخيرة قبل أن تبتعد عنه للأبد.
ثم انتفضت فجأة كأنها عادت إلى وعيها، فنهضت سريعًا واتجهت إلى غرفتها.
عادت بعد دقائق تحمل وسادة وغطاء.
اقتربت منه مجددًا، ورفعت رأسه بحذر شديد حتى لا توقظه، ثم وضعت الوسادة أسفل رأسه برفق، وبعدها فردت الغطاء فوقه بعناية.
وقفت تتأمله مرة أخرى بصمت طويل، قبل أن تلاحظ حركة خفيفة منه.
انتفض قلبها داخل صدرها، فتراجعت بسرعة وعادت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بسرعة وكأنها تخشى أن يكتشف ما فعلته.
وما إن اختفت داخل الغرفة، حتى ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتي شاهين.
لقد كان مستيقظًا طوال الوقت.
يشعر بلمساتها فوق وجهه، باهتمامها الذي تحاول إنكاره، بذلك الحنان الذي يفضح عشقها له رغم كل عنادها.
رفع رأسه قليلًا يتأمل الوسادة أسفله والغطاء الموضوع فوقه، فامتلأ قلبه بدفء جعل ابتسامته تتسع أكثر.
ثم عاد يستلقي من جديد وأغلق عينيه ببطء، محاولًا استدعاء النوم، بينما لهيب الحب داخل قلبه كان يزداد اشتعالًا بها أكثر من أي وقت مضى.
****************************
في صباح يوم جديد، استيقظت رنيم على رنين هاتفها المتواصل، فتحت عينيها بإرهاق واضح ومدت يدها تتحسس الهاتف فوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير، وما إن وقع بصرها على اسم عمر حتى زفرت بضيق ثقيل.
انعكس القلق داخل عينيها تلقائيًا وهي تنظر نحو باب غرفتها المغلق، وكأنها تخشى أن يصل صوتها إلى شاهين الموجود بالخارج، ثم اعتدلت ببطء فوق الفراش وأجابت بصوت خافت تحاول السيطرة على نبرته:
"أيوه، السلام عليكم ورحمه الله وبركاته."
أتاها صوته الرجولي وهو يقول لها:
"وعليكم السلام، عاملة ايه يا باشمهندسه رنيم؟"
أغمضت عينيها لثوانٍ قصيرة قبل أن ترد بنبرة رسمية متحفظة تخفي بها اختناقها:
"الحمدالله يا استاذ عمر، خير حضرتك متصل بيا ليه؟"
تكلم بنبرة هادئه وقال:
"حبيت اطمن على حضرتك وأسألك عملتي ايه، في الورق المتبقي؟"
شددت قبضتها حول الهاتف وكأنها تحاول وضع حدود واضحة بينهما، ثم أجابته بهدوء جاف:
"أنا تمام حضرتك، بس اعتقد مافيش ما بينا أي علاقه علشان تطمن عليا، ثانيا مش عايزه حضرتك تقلق بالنسبه للورق، الفريق كله شغال على التصاميم وعلى التصاريح وفي اقرب وقت هنبدأ الشغل في الموقع."
ساد صمت قصير قبل أن يعود صوته إليها أكثر هدوءًا:
"مش لازم يكون فيه ما بينا حاجه علشان اطمن عليكي، وبعدين انا شايف انك أخده مني موقف من غير سبب، واعتقد الاخ اللي معاكي ده هو السبب."
اشتعل الضيق داخلها فور سماعها لتلك الجملة، وزفرت بحدة وهي ترد بنفاذ صبر واضح:
"استاذ عمر، احنا اللي ما بينا شغل وبس، يعني ياريت بلاش كلام بعيد عن كده، ورجاء شخصي، بلاش طريقتك دي علشان أنا ممكن ألغي العقد اللي ما بينا وعندك بدل شركتنا فيه شراكات تانيه كتير."
أنهت المكالمة سريعًا قبل أن تمنحه فرصة للرد، ثم ألقت الهاتف جانبًا ونهضت من فوق الفراش بخطوات متوترة.
اتجهت نحو الباب وفتحته بهدوء، لكنها توقفت مكانها فورًا عندما وجدت ميا تجلس بجوار والدها فوق الأريكة، وما إن رأتها الصغيرة حتى أضاء وجهها بسعادة حقيقية ونهضت راكضة نحوها تحتضنها بحماس طفولي:
"أنا فرحانه اوي انك انتي وبابي اتجوزتوا."
تجمدت رنيم للحظة، وبقيت يدها معلقة بالهواء وهي تنظر نحو شاهين بضيق مكتوم، بينما قابلها هو بنظرة طويلة حملت رجاءً صامتًا وكأنه يطلب منها ألا تحطم فرحة ابنته.
أبعدت عينيها عنه أخيرًا، ثم رفعت يدها ببطء واحتضنت ميا بحنان، تمرر كفها على ظهرها برفق وقالت بصوت دافئ:
"ربنا يفرح قلبك يا حبيبتي."
ابتعدت ميا عنها بسرعة ثم أمسكت يدها الصغيرة وسحبتها بحماس نحو الأريكة، وأجلستها بجوار شاهين وهي تتأملهما بانبهار طفولي:
"واووو شكلكم تحفه اوي، لايقين على بعض موت."
اشتعلت وجنتا رنيم بحمرة خجلة، وحاولت النهوض فورًا هربًا من ذلك القرب الذي يربك قلبها، لكن ذراع شاهين التف حولها بقوة مانعًا إياها، ثم مال برأسه وهمس بجوار أذنها بصوت خافت دافئ:
"علشان خاطري خليكي، البنت فرحانه، بلاش تكسري فرحتها، وبعدين انتي مش مشكلتك البنات اهي موافقه وفرحانه كمان."
أغلقت عينيها بضيق وهي تحاول تجاهل قربه المربك، لكن صوت ميا المرح سرق انتباههما وهي تقول بمزاح:
"نحنُ هنا يا سي بابي."
تعالت ضحكات شاهين بخفة، ثم جذب رنيم إليه أكثر وأشار لميا كي تقترب، فأجلسها بجواره من الجهة الأخرى واحتضنهما بذراعيه معًا، وكأنه يحتضن عالمه بالكامل بين يديه.
مال يقبل رأس ابنته أولًا، ثم طبع قبلة حانية فوق رأس رنيم وهو يقول بسعادة صادقة:
"انتوا اجمل حاجه في دنيتي، ربنا يخليكم ليا."
الغريب أن رنيم لم تبتعد هذه المرة.. بل تحركت يدها ببطء لتتمسك به من الخلف دون وعي، وكأنها احتمت بذلك الحضن الذي منح قلبها راحة افتقدتها طويلًا.
شعر شاهين بسكونها داخل ذراعيه، فتسارعت دقات قلبه بعنف من فرط سعادته.
حبيبته العنيدة، التي طالما قاومته، كانت الآن ساكنة بين أحضانه دون تمرد، متقبلة قربه بطريقة جعلته يضمها إليه أكثر، وكأنه يخشى أن يفيق من هذا الحلم.
لكن اللحظة لم تدم طويلًا، إذ قطعتها ميا بصوتها المرح:
"طيب سوري يعني أني هقطع عليكم اللحظة الرومانسيه دي، بس انا جعانه ومفطرتش ممكن نفطر احنا التلاته مع بعض؟"
ابتعدت رنيم عنه بسرعة وكأنها استفاقت فجأة على الواقع، ثم أعادت خصلات شعرها خلف أذنها بتوتر واضح وقالت بتلعثم:
"ا ايوه طبعًا حالاً هقوم احضر الفطار."
نهضت مسرعة واتجهت نحو المطبخ بخطوات مضطربة، بينما بقي شاهين يتابعها بعينين ممتلئتين بالعشق قبل أن ينحني يقبل رأس ابنته ويقول لها:
"خليكي انتي هنا اتسلي في الفون شوية، على ما أروح اساعد رنيم في تحضير الفطار."
غمزت له الصغيرة بشقاوة وقالت بمزاح:
"أيوه يا عم الله يسهله."
انفجر ضاحكًا بعدم تصديق وهو يهز رأسه:
"انا غلطان أن علمتكم الكلام المصري على أصولة، ده اللي يشوفك بتتكلمي كده يقول انكم متربين هنا في مصر."
ثم تحرك باتجاه المطبخ، وهناك وجد رنيم تقف أمام الطاولة تحضر الطعام بتوتر واضح، أصابعها تتحرك بسرعة غير منتظمة بينما عقلها وقلبها في معركة لا تهدأ.
اقترب منها ببطء حتى التصق ظهرها بصدره، ثم أحاط خصرها بذراعه وهمس بجوار أذنها بصوت منخفض دافئ:
"أنا آسف، حقك عليا متزعليش مني، علشان اللي حصل امبارح، مكانش قصدي كل ده يحصل، أنا بحبك، وعمري ما هرضى حد يجيب سيرتك بكلمه واحده."
ثبتت نظرها أمامها محاولة السيطرة على ارتجاف أنفاسها وقالت بصوت مختنق:
"شايفه انك استوليت على الشقه، المفتاح معاك، ونمت هنا طول الليل، وكمان ناوي تفطر انت وبنتك هنا، وكأن المكان بقى يخصك انت."
ابتسم بخفة، ثم مال يقبل عنقها ببطء وقال بنبرة هامسة أربكتها:
"اذا كان انتي ذات نفسك تخصيني يا رنيم."
دفعته بعيدًا عنها بقوة والتفتت إليه بانفعال:
"أنا مخصكش يا شاهين ولا عمري هخصك، فاهم."
لكن قبل أن يرتفع صوتها أكثر، كان قد اقترب منها سريعًا حتى التصق بها من جديد، ووضع يده فوق شفتيها يمنعها من إكمال حديثها، ثم همس وهو ينظر نحو الخارج حيث تجلس ميا:
"شش البنت بره يا رنيم، علشان خاطري بلاش تحسسيها بحاجه."
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بحرارة كفه فوق شفتيها، ودفء جسده الملتصق بها، وأنفاسه الساخنة التي تلفح وجهها فتربكها أكثر.
تعالت أنفاسها دون سيطرة حتى شعر بها شاهين بوضوح، فانخفضت عيناه نحو صدرها الذي يعلو ويهبط بسرعة مجنونة، ثم عاد ينظر داخل عينيها اللتين فضحتا كل ما تحاول إنكاره.
أبعد يده ببطء شديد، لتبقى شفتيها مرتعشتين بصمت.
اقترب أكثر حتى تلامست أنفاسهما، وكاد أن يطبع قبلته فوق شفتيها المرتجفتين، لكن رنيم انتفضت فجأة عندما سمعت صوت ميا خلفهما تقول ببراءة:
"بتعملوا ايه؟"
ابتعدت عن شاهين بسرعة وكأن الصغيرة أعادتها إلى أرض الواقع بعد لحظة كادت تضيع فيها بالكامل، ثم التفتت إليها بتوتر واضح وقالت:
"ب بحضرك الفطار يا حبيبتي."
أغلق شاهين عينيه للحظات يحاول تهدئة أنفاسه المشتعلة، ثم استدار نحو ابنته بابتسامة هادئة وقال:
"مش قلتلك تستني بره لحد ما نحضر الفطار؟"
أومأت الصغيرة برأسها وهي تجيب ببساطة:
"أيوه قلت، بس سمعت صوت رنيم عالي جيت اشوف فيه ايه."
التفت بعينيه نحو رنيم فوجد التوتر يسيطر على ملامحها بالكامل، ثم عاد ينظر لابنته وقال بهدوء:
"مافيش حاجه يا حبيبتي، روحي يلا اقعدي بره واحنا هنجيب الفطار ونيجي."
اومأت بالموافقة وعادت إلى الخارج، بينما استدار شاهين نحو رنيم من جديد، وابتسامة خافتة ترتسم فوق شفتيه وهو يراقب ارتباكها الواضح، ثم قال بمكر هادئ:
"يلا يا قلبي نحضر الفطار."
اومأت برأسها دون أن تنظر إليه، وبدأ الاثنان بتحضير الطعام معًا بصمت ثقيل مليء بالمشاعر المرتبكة.
بعد دقائق حمل شاهين الأطباق إلى الطاولة، وتابعته رنيم بخطوات هادئة قبل أن يجلسوا الثلاثة حول المائدة.
ساد الصمت بينهم، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا بالكامل، كان ممتلئًا بأشياء كثيرة غير منطوقة.
أما شاهين، فكان يشعر بسعادة حقيقية وهو يرى تلك الصورة أمامه؛ هو ورنيم وميا حول طاولة واحدة كعائلة صغيرة طالما تمناها.
حتى أنه سرح للحظة يتخيل وجود إيما معهم أيضًا، وكان بداخله يقين أنه سيحقق هذا الحلم يومًا ما.
أما رنيم، فرغم الغضب والارتباك المسيطرين عليها بسبب ما فعله بالأمس، إلا أن قلبها شعر لأول مرة منذ زمن طويل بدفء عائلي هادئ، دفء كانت تتمنى أن تعيشه يومًا، دون خوف أو ألم.
وظل ذلك الهدوء يحيط بهم حتى انتهوا من الطعام، ثم بدأوا يساعدون بعضهم في تنظيف الطاولة وترتيب المكان، وكأنهم يمارسون حياة طبيعية لم تبدأ بعد، لكنها تقترب شيئًا فشيئًا.
*****************************
عند ترنيم...
تسللت خيوط الصباح بهدوء إلى الغرفة، بينما كانت ترنيم تتحرك ببطء فوق الفراش، تفتح عينيها بنعاس خفيف، ومدت يدها تبحث بعفوية عن غريب بجوارها، لكن الفراغ البارد الذي قابل أناملها جعلها تعقد حاجبيها باستغراب. اعتدلت في جلستها تنظر حولها للحظات، ثم زفرت بهدوء ونهضت من فوق السرير.
التقطت روبها سريعًا وارتدته فوق قميصها، تضم طرفيه حول جسدها وكأنها تبحث عن دفء مفقود، ثم خرجت من الغرفة بخطوات هادئة. هبطت الدرج تتلفت حولها، بحثت عنه في الصالة فلم تجده، لتتجه بعدها نحو غرفة المكتب.
رفعت يدها لتطرق الباب، لكن أصابعها توقفت قبل أن تلامسه حين وصلها صوت غريب من الداخل، صوته كان مشحونًا بالغضب المكتوم:
"مريم مش ناويه تجيبها لبر، شايفه أن رنيم لوحدها هي وابنها بيستغلوها، احنا لازم نقنعها أنها تيجي تعيش معانا هنا، مريم وشاهين هيأذوها."
تجمدت ملامحها بالكامل، بينما تسارعت دقات قلبها بعنف داخل صدرها، وشعرت وكأن الأرض انسحبت من أسفل قدميها.
ثم جاء صوت جواد وهو يزفر بضيق قائلاً:
"يا بابا رنيم دماغها ناشفه ومستحيل هتوافق أنها تيجي تعيش معانا هنا، حتى رفضت تسمع كلام جواهر وترجع تعيش معاهم في الفيلا، والمشكله أنها بتحبه بجد لدرجة أنها دارت علينا أن شاهين يبقى ابن مريم."
لم تشعر بنفسها إلا وهي تدفع الباب بقوة.
انفتح الباب على مصراعيه، ووقفت ترنيم أمامهما بوجه شاحب ودموع تنهمر بغزارة فوق وجنتيها، بينما ارتجف صوتها بشكل موجع وهي تقول:
"م مريم مين دي اللي لسه عايشه؟"
انتفض جواد من مكانه فورًا، ونظر إلى والده بتوتر واضح قبل أن يقترب من والدته سريعًا وقال:
"ماما اهدي بس واحنا هنفهمك كل حاجه."
لكنها لم تكن تسمع شيئًا.
كانت عيناها معلقتين بغريب فقط، وكأن العالم كله اختفى من حولها، بينما اقتربت منه بخطوات مرتبكة وصرخت بانهيار:
"رد عليا يا غريب مريم مين دي اللي لسه عايشه؟ وشاهين ابنها ازاي؟ رد عليااا فهمني يا غريب."
أغمض غريب عينيه لثوانٍ طويلة، وكأنه يستجمع الكلمات التي يعلم جيدًا أنها ستطعن قلبها، ثم زفر ببطء وقال بصوت مثقل:
"مريم يا ترنيم، اللي احنا نعرفها من زمان طلعت أنها لسه عايشه، بس عاجزة قاعده على كرسي متحرك شكل الرصاصه اللي ضربتها بيها هي السبب، وشاهين ابنها."
سقطت فوق المقعد خلفها وكأن ساقيها فقدتا القدرة على حملها.
ظلت تحدق أمامها بعدم استيعاب، أنفاسها متقطعة، وعقلها يرفض تصديق ما تسمعه، ثم همست بين شهقاتها:
"عايشه طيب ازاي؟ ومين اللي اندفنت زمان؟ وشاهين ازاي ابنها ده فرق السن ما بينهم مش كبير، رد عليا يا غريب وفهمني، أنا حاسه اني تايهه."
جلس غريب ببطء على مقعده، بينما بدت ملامحه مثقلة بثقل الماضي كله، ثم أجابها بصوت مختنق:
"مريم جابت شاهين وهي عندها خمستاشر سنه من علاقة غير مشروعه، وكانت سيباه في ملجأ، وبعد السنين دي كلها رجعت علشان تنتقم مننا كلنا، وعلشان كده زودنا الحراسه على البيت ومنعت خروج أروى، وهي اللي كانت السبب في اللي حصل لجواهر وكان المقصود منها جواد ابننا، ودلوقتي هي وشاهين ابنها محاصرين رنيم، واحنا بنحاول نحميها بس هي للاسف بتحبه وعيونها مش شايفه غيره."
ارتعشت شفتاها بقوة، وشعرت بأن صدرها يختنق أكثر مع كل كلمة، ثم رفعت عينيها إليه بوجع موجع وسألته:
"وليه مقولتش ليا الحقيقه من الاول يا غريب؟"
نهض غريب من مكانه واقترب منها ببطء، ثم جلس أمامها مباشرة، أمسك يدها بين يديه بحنان وكأنه يحاول أن يحتوي انهيارها قبل أن يكتمل، وقال بصوت دافئ:
"علشان خايف عليكي يا ترنيم، علشان مكنتش عايز اشوف الدموع اللي في عيونك دي يا قلبي، بس مش عايزك تخافي وحياتك عندي ما هسمح ليها تقرب لاي حد يخصني، أنا كلمت المحامين علشان يوصلوا لاي ورق يثبت هوايتها الحقيقه لأنها عايشه بهواية مزورة وكمان يحاولوا يوصلوا لاي حاجه تثبت أنها هي المتورطه في قتل سلطان زمان."
ما إن ذكر اسم سلطان حتى انقبض قلبها بعنف.
تجمدت ملامحها، وشعرت بوخزة حادة تمزق صدرها، كأن الماضي عاد دفعة واحدة يطعنها من جديد. رفعت عينيها نحوه برجاء مرتعش وقالت:
"احمي رنيم منهم يا غريب ابوس ايدك، كفايه اللي هي عملته في امها وابوها، بلاش تأذيها هي كمان، البنت غلبانه."
مال غريب يقبل يدها بحب عميق، ثم قال بوعد صادق خرج من قلبه:
"وغلاوة حبك في قلبي، هحميها وبرضاها أو غصب عنها هبعدها عن اللي اسمه شاهين ده."
أومأت برأسها ببطء، ثم تراجعت بجسدها للخلف محاولة استيعاب كل ما سمعته، لكن فجأة اتسعت عيناها وكأن فكرة صادمة ضربتها دفعة واحدة، فنظرت إليه بحدة وقالت:
"غريب، مريم لسه على ذمتك صح؟"
مرر يده داخل شعره بتوتر خفيف، ثم أومأ برأسه بالإيجاب.
وفي لحظة واحدة تبدلت ملامح ترنيم بالكامل.
اختفى ضعفها، وحلت مكانه غيرة مشتعلة جعلت عينيها تقدحان شررًا وهي تقول بغضب:
"أنا قبلت بوجودها زمان وقسمتني فيك، ده علشان المهمة، شفت بعيني اللي حصل ما بينكم وعدتها علشان كانت حاطه ليك حاجه في العصير، إنما بعد السنين دي كلها ترجع وتقسمني فيك من تاني، اهو ده اللي مش هقبل بي يا غريب."
رغم توتر الموقف، لم يستطع منع الابتسامة التي ارتسمت فوق شفتيه وهو يرى غيرتها المجنونة التي يعشقها، ثم قال بنبرة رجولية هادئة:
"يعني احنا بنتكلم في ايه؟ وانتي بتتكلمي في ايه؟ يا وليه انا مقدرش اقرب من حد غيرك وانتي اكتر واحده عارفه كده."
صدح صوت جواد فجأة بنفاذ صبر وهو يعقد ذراعيه:
"اقسم بالله أنا لسه موجود، مش شفاف قدامكم أنا، راعوا مشاعر السناجل اللي زي، الواحد بينهار لوحده."
رفعت ترنيم رأسها نحوه فورًا ونظرت له بغيظ حقيقي وقالت:
"وانت واقف ليه اصلا؟ غوري من وشي مش طيقاك، يعني يا ابن الجزمه تبقى عارف كل حاجه ومداري عليا."
رفع حاجبه للأعلى بصدمة مصطنعة وقال متذمرًا:
"نعم يا اختي، يعني بقالكم ساعه بتسبلوا لبعض وهو اصلا اللي دارى عليكي، وجايه تشتميني أنا، هو أنا الحيطه المايله في البيت ده!"
أرجع غريب ظهره للخلف ونظر له طويلًا قبل أن يقول بنبرة آمرة:
"اطلع بره."
رمش جواد بعدم تصديق وقال:
"نعم!"
أعاد غريب كلمته بنبرة أعلى قليلًا:
"اطلع بره."
ضرب جواد كفًا بالأخرى وقال بذهول ساخر:
"اه يا زمن، يعني تصحيني من النوم وتفضل تتكلم لما تنفخ دماغي، واول ما ماما تيجي تطردتني بره، اقول ايه صدق اللي قال إذا حضرت الست يغور مية راجل."
رد عليه غريب بمزاح هادئ:
"وهو فين الراجل ده؟"
وضع جواد يده فوق عينه بطريقة كوميدية وقال:
"اه، رشقت في عيني، ماشي يا غريبوا ليك يوم، أما اروح أطلعه على بنت الورمه مراتي."
ثم خرج من المكتب وهو يتمتم بضيق، لتتعالى ضحكاتهم رغم ثقل الأجواء.
لكن الضحكة لم تدم طويلًا، عادت ملامح القلق تسيطر على ترنيم من جديد، فنظرت إلى غريب بخوف حقيقي وقالت بصوت مرتجف:
"غريب انا خايفه اوي، وجود مريم معناه فيه خطر كبير علينا، أنا اكتر واحده حفظاها و شفت الغدر في عيونها قبل كده مليون مره، أنا مش خايفه على نفسي والله أنا خايفه على ولادي خايفه عليك وخايفه على رنيم وجواهر مش هقدر استحمل مكروه فيكم."
أمسك يدها بحنان وقبلها ببطء، ثم رفع عينيه إليها وقال بهدوء مطمئن:
"انتي بتثقي فيا ولا لا يا ترنيم؟"
أومأت فورًا دون تردد:
"طبعا بثق فيك يا غريب مش محتاجه سؤال."
ابتسم لها بحب عميق، ثم قال بثقة رجولية:
"يبقى مش عايزك تقلقي، انتوا كلكم تحت حمايتي، ولا مريم ولا شاهين هيقدروا يقربوا منكم."
استقامت بجسدها واقفه ثم نظرت له بتوتر مفاجئ وسألته:
"طيب مش ناوي تطلقها."
انفجر غريب ضاحكًا، ثم نهض واقترب منها بسرعة، احتضنها بقوة وقبل رأسها بحب وقال:
"مجنونه والله العظيم، اكيد هطلقها بس لما اثبت أنها عايشه اصلا، هطلقها بناء عن ايه وهي عند الحكومه ميته؟"
تمسكت به بقوة وأسندت رأسها فوق صدره، بينما خرج صوتها مختنقًا بالغيرة والخوف معًا:
"فكرة أن فيه حد يشاركني فيك بتجنني يا غريب."
ضمها أكثر بين ذراعيه، وقبل رأسها مرة أخرى، ثم مرر يده فوق ظهرها بحنان وهو يهمس:
"محدش يقدر يشاركك فيا يا توته، انا ليكي انتي وبس، وقلبي مكتوب عليه اسمك يا عمر غريب كله."
ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها أخيرًا، وتمسكت به أكثر، وكأنها تخشى أن يفلت منها وسط كل هذا الخراب، بينما كان حضنه وحده الشيء الوحيد القادر على تهدئة خوفها.
****************************
عند أروى...
كان الملل ينهشها ببطء، يلتف حولها كجدار خانق لا تستطيع الهروب منه، بينما قلبها كان في مكان آخر تمامًا، عند أحمد.
اشتاقت إليه حد الوجع، اشتاقت لصوته، لوجوده، حتى لخناقاتهما الصغيرة، شعرت أن الأيام الأخيرة تمر عليها ثقيلة بشكل لا يحتمل، وكأن الفيلا تحولت إلى سجن كبير مغلق عليها من كل الاتجاهات.
زفرت بضيق ونهضت من فوق فراشها بعصبية، ثم اتجهت نحو الشرفة بخطوات بطيئة. وقفت تستند بكفيها على السور المعدني، وعيناها تهبطان للأسفل تراقبان الحرس المنتشرين حول الفيلا بحذر شديد، يتحركون بين الحين والآخر، يلتفتون في كل اتجاه وكأنهم ينتظرون خطرًا سيخرج لهم من الظلام.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بضيق، بينما ازدادت رغبتها في رؤيته أكثر.
وفجأة، لمعت الفكرة داخل رأسها.
فكرة متهورة، خطيرة، لكنها بدت لها في تلك اللحظة الحل الوحيد.
استدارت بسرعة وعادت إلى الداخل، وبدأت تبدل ملابسها على عجل، وقلبها يخفق بعنف من التوتر والحماس معًا. وبعد دقائق قليلة، فتحت باب غرفتها وخرجت بخطوات حذرة، تهبط الدرج بحذر شديد حتى لا يلاحظها أحد.
وصلت إلى الحديقة المرفقة بالفيلا، وتحركت ببطء بين الأشجار وكأنها فقط خرجت لتستنشق بعض الهواء، بينما عيناها تتحركان بتوتر في كل الاتجاهات تتأكد ألا أحد يراقبها.
وحين اطمأنت، ركضت سريعًا نحو السور.
تسلقت عليه بصعوبة، أنفاسها تتسارع، وقلبها يكاد يقفز من صدرها، ثم قفزت إلى الخارج في لحظة واحدة.
هبطت على الأرض بارتباك، والتفتت خلفها بخوف شديد، وكأنها تنتظر أن يقبض عليها في أي ثانية.
ابتلعت ريقها بتوتر، كانت تعرف جيدًا أنها ترتكب حماقة قد تدفع ثمنها غاليًا، لكن اشتياقها لأحمد كان أقوى من خوفها، أقوى من عقلها كله.
رفعت يدها تشير للسيارات المارة علّ إحداها تتوقف، لكن دون جدوى.
مرت الدقائق بطيئة، والسيارات تتجاوزها دون اهتمام، لتزفر أروى بضيق وتبدأ بالابتعاد عن المكان وهي تلوح بيدها مجددًا.
لكن فجأة، توقفت سيارة سوداء أمامها بعنف.
اتسعت عيناها بصدمة، وقبل أن تستوعب ما يحدث انفتح الباب بسرعة وتحركت عدة أيدي نحوها تحاول سحبها بالقوة.
صرخت أروى بذعر حقيقي، بينما بدأت تقاومهم بكل ما تملك:
"ابعدوا عندي سيبوني حد يلحقني."
لكن أحدهم وضع قطعة قماش فوق أنفها بقوة.
تأرجحت خطواتها فورًا، وبدأت الرؤية تتشوش أمام عينيها، بينما ضعف جسدها تدريجيًا رغم مقاومتها.
حاولت أن تدفعهم بعيدًا، أن تصرخ مرة أخرى، لكن صوتها اختنق، وجسدها استسلم رغماً عنها حتى سقطت فاقدة الوعي داخل السيارة.
أغلق الباب سريعًا، وفي اللحظة التالية انطلقت السيارة بسرعة جنونية، تشق الطريق مبتعدة عن الفيلا، وعن الأمان تمامًا.
**************************
عند تامر وأحمد...
كان الهدوء يسيطر على أجواء المكتب إلا من صوت الأوراق التي تتقلب بين أيديهم، بينما انشغل الاثنان بمراجعة العمل والنقاش حول بعض التفاصيل المهمة. جلس أحمد مركزًا بعينيه على الملف أمامه، يشرح شيئًا لتامر، لكن كلماته توقفت فجأة في منتصف الجملة.
تجمد مكانه للحظة، وكأن شيئًا غرس نفسه داخل صدره دفعة واحدة.
رفع يده ببطء نحو قلبه، وأنفاسه اضطربت دون سبب واضح، بينما شحب وجهه بشكل ملحوظ.
نظر إليه تامر باستغراب واضح، ثم عقد حاجبيه وقال بعدم فهم:
"فيه ايه يا ابني مالك؟ ووشك ماله اصفر فجأة كده؟"
حرك أحمد رأسه ببطء وكأنه يحاول استيعاب ما يشعر به، ثم قال بصوت مختنق:
"مش عارف فيه نغزة جامدة في قلبي، وكأن فيه حاجه حصلت مش كويسه."
تراجع تامر بظهره للخلف، ورفع إحدى حاجبيه للأعلى وهو ينظر له بتهكم خفيف يحاول به كسر هذا التوتر المفاجئ:
"نعم يا اخويا! وده اسمه ايه ده؟"
لكن أحمد لم يبتسم حتى.
كان الشعور الذي يعتصر صدره حقيقيًا بشكل أخافه، وكأن قلبه يصرخ داخله بأن مكروهًا أصاب شخصًا عزيزًا عليه.
رد عليه بصوت مثقل بالقلق:
"أنا بتكلم بجد يا تامر، قلبي حاسس ان فيه حاجه حصلت."
وفور أن خطرت أروى داخل عقله، انتفض سريعًا وأمسك هاتفه بعجلة، يضغط على رقمها دون تفكير.
تابعه تامر بنظرات متعجبة وقال:
"بتعمل ايه يا ابني؟"
أجابه أحمد وهو يضع الهاتف فوق أذنه، ينتظر الرد بقلق متزايد:
"بتصل بأروى شكلها تعبانه او فيها حاجه."
ظل تامر يراقبه بصمت، لكن القلق بدأ يتسلل إليه هو الآخر، خاصة مع التوتر الواضح المرتسم فوق ملامح أحمد.
مرت ثوانٍ ثقيلة، ثم أبعد أحمد الهاتف عن أذنه ببطء، وملامحه ازدادت توترًا وهو يقول بصوت مختنق:
"مش بترد، اتصل انت بجواد أو بأختك يطمنونا عليها."
أومأ تامر برأسه سريعًا، ثم أمسك هاتفه وأجرى اتصالًا بجواد، لكنه وجده مشغولًا، فأغلق الخط واتصل بترنيم بدلًا منه.
انتظر للحظات حتى جاءه صوتها من الطرف الآخر، ليقول فورًا بنبرة حاول إخفاء قلقه داخلها:
"عامله ايه يا حبيبة اخوكي؟"
ابتسمت ترنيم دون أن تشعر بما يدور خلف سؤاله، وردت بهدوء:
"بخير يا حبيبي، انت عامل ايه؟"
تنهد بخفة قبل أن يسأل سريعًا:
"الحمدالله بخير يا حبيبتي، والأولاد عاملين ايه؟"
ابتسمت وهي تهز رأسها بيأس مرح وقالت بمزاح:
"اهو مطلعين عيني، واحد عمال يتكلم في تليفونه في اوضه، والتانيه في اوضتها مش طايقه نفسها علشان زهقانه من الحبسه في الفيلا."
ما إن سمع كلماتها حتى تسلل بعض الارتياح إلى صدره، فسألها بنبرة أهدأ:
"يعني أروى في اوضتها كويسه؟"
أجابته بسرعة وعفوية:
"أيوه زي القردة اهي، ابقى تعالى اقعد معاها شويه وكلمها تهدا شويه، احسن بوزها شبرين علشان عايزه تخرج."
انطلقت ضحكة خفيفة من تامر، بينما زال جزء من توتره وهو يقول:
"حبيبة خالها تعمل اللي هي عايزاه، أنا هخلص شغل واجي اقعد معاها شويه."
ثم أغلق الهاتف، والتفت نحو أحمد الذي كان يراقبه بترقب واضح.
ابتسم تامر مطمئنًا وقال:
"زي الفل مفيهاش حاجه، بس مضايقه من حبستها في البيت مش اكتر، وطبعا انا وانت عارفين هي ليه عايزه تخرج، جننت البت الله يحرقك."
ارتخت ملامح أحمد قليلًا، وظهرت ابتسامة خافتة فوق شفتيه رغم أن ذلك القلق الغامض ما زال يضغط على قلبه، ثم قال بنبرة عاشقة امتزجت بمزاح خفيف:
"لا حاسب بقى أنا مستلمها مجنونه لوحدها، بس بعشقها برضه، دي هي اللي جننتني بحركاتها الطفوليه والله."
ابتسم تامر وهو يهز رأسه بمشاكسة وقال:
"حبيبة خالها حره، تجننك تجنن الدنيا كلها تعمل اللي هي عايزاه."
تراجع أحمد بظهره للخلف وهو ينظر له بتحذير ساخر:
"هي حبيبة احمد يا روح امك، مش حبيبة خالها واتلم بدل ما اكسرك صف سنانك."
تعالت ضحكات تامر بقوة داخل المكتب، بينما ابتسم أحمد أخيرًا، لكن خلف تلك الابتسامة ظل قلبه منقبضًا بشكل غريب، وكأن شيئًا بداخله ما زال يرفض الاطمئنان.
وبعد مرور بعض الوقت، عاد الاثنان لمتابعة العمل من جديد، بينما كان القدر في مكان آخر يكتب كارثة لم يعلموا عنها شيئًا بعد.
*************************
عند شاهين...
كان يجلس خلف مكتبه، عينيه مثبتتان على الأوراق أمامه بتركيز ظاهري، بينما عقله بالكامل كان عالقًا عند رنيم، عند ملامحها المرتبكة، نظراتها المترددة، وصوتها الذي ما زال يطارده منذ الصباح.
مرر يده فوق جبينه بإرهاق خفيف، محاولًا إجبار نفسه على العودة للعمل، لكن قلبه كان أبعد ما يكون عن تلك الملفات.
وفجأة، اهتز هاتفه معلنًا عن اتصال.
التقطه بلا اهتمام في البداية، لكن ما إن لمح اسم مروان على الشاشة حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة رجولية خافتة، وضغط زر الإجابة قائلاً بنبرة هادئة:
"ابو الرجوله كلها، فينك يا ابني؟ مختفي فين اليومين دول؟"
لكن الصوت الذي وصله في المقابل كان مرتبكًا بصورة جعلت الابتسامة تختفي من وجهه تدريجيًا.
قال مروان بسرعة متوترة:
"ألحق أروى يا شاهين، لسه جاي تليفون لامك بيقولوا ليها أنها بقت تحت أيديهم، وقالت ليهم يعتدوا عليها ويصوروها وهي كده."
تجمدت ملامحه بالكامل لثانية واحدة فقط، قبل أن ينتفض من فوق مقعده بعنف حتى تحرك الكرسي خلفه بقوة.
اشتعلت عيناه بغضب مرعب، وخرج صوته حادًا متوترًا:
"طيب قولي العنوان فين بسرعه."
زفر مروان بعجز واضح وقال بصوت مختنق:
"معرفش يا شاهين هو ده اللي سمعته من المكالمة، قلت اقولك اكيد هيكون عندك فكرة الاماكن اللي امك بتسخدمها في الخطف."
أطبق شاهين على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل يده، بينما كانت أنفاسه تعلو بعنف، وغضب أسود بدأ يتمدد داخل صدره كالنار.
قال من بين أسنانه بصوت مخيف:
"امك محدش يتوقعها يا مروان، عندها اماكن كتير اوي بتستخدمها."
وصله صوت مروان المرتبك مرة أخرى:
"مش عارف بقى، أنا أول ما سمعت المكالمة اتصلت بيك على طول علشان تتصرف وتنقذها، قبل ما يعملوا فيها حاجه."
أغلق شاهين الخط دون كلمة إضافية.
ظل واقفًا مكانه لثوانٍ، صدره يعلو ويهبط بسرعة، وعقله يدور بجنون بين الاحتمالات، كل ثانية تمر كانت كفيلة بتحويل الأمر إلى كارثة.
مرر يده بعصبية داخل شعره، ثم بدأ يتحرك في المكتب ذهابًا وإيابًا بخطوات سريعة متوترة، يحاول إجبار عقله على التفكير بهدوء، لكن صورة أروى وهي بين أيدي رجال مريم كانت تدفعه للاختناق.
هو يعرف والدته جيدًا، يعرف قسوتها حين تقرر الانتقام.
ويعرف أن تهديدها لا يكون عبثًا أبدًا.
التقط هاتفه ومفاتيحه بعنف، ثم اندفع خارج المكتب بسرعة جنونية، حتى أن السكرتيرة انتفضت فور رؤيته يمر أمامها بتلك الهيئة المشتعلة.
ضغط زر المصعد بعصبية، وما إن انفتح الباب حتى دخله فورًا، عينيه تقدحان شررًا، وفكه مشدود بقوة مؤلمة.
كانت الأفكار تضرب رأسه بعنف، أروى مخطوفة، ومريم خلف الأمر.
وإذا وصلت لمرحلة تصويرها وإذلالها، فهذا يعني أنها لا تريد مجرد تهديد، بل تدمير كامل، لعلاقته برنيم ظنًا منها أنه مشترك معها في هذه الأفعال.
انفتح باب المصعد أخيرًا، فخرج منه بخطوات سريعة متلاحقة واتجه مباشرة إلى سيارته، فتح الباب بعنف واستقلها، ثم أدار المحرك وانطلقت السيارة كالسهم تشق الطريق بسرعة جنونية.
قبض على المقود بقوة، بينما كانت عيناه تتحركان بحدة بين الطريق وهاتفه، يحاول تذكر كل مكان قد تستخدمه مريم، لكن المشكلة الأكبر، أن مريم لم تكن يومًا متوقعة.
***************************
عند ترنيم...
منذ أن أنهت مكالمتها مع تامر، والقلق بدأ ينهش قلبها ببطء مؤلم، شعور ثقيل استقر داخل صدرها دون سبب واضح، وكأن روحها تنذرها بأن هناك شيئًا ليس على ما يرام.
ظلت جالسة لثوانٍ تحدق أمامها بشرود، قبل أن تنهض فجأة من مكانها وكأن فكرة مرعبة ضربت عقلها دفعة واحدة.
اتجهت نحو الدرج وصعدت بخطوات سريعة متوترة، حتى توقفت أمام غرفة أروى، ثم طرقت الباب عدة مرات متتالية وهي تقول بقلق:
"أروى انتي نايمه؟ أروى يا أروى، هفتح الباب."
لم يصلها أي رد.
ازدادت ضربات قلبها بعنف، فدفعت الباب سريعًا ودلفت إلى الداخل، لكن السرير كان فارغًا.
عقدت حاجبيها بقلق وتحركت بخطوات أسرع نحو الشرفة، ألقت نظرة سريعة بها، لا أحد.
استدارت فورًا نحو المرحاض وطرقت عليه بتوتر:
"أروى انتي جوه؟"
ساد الصمت.
طرقت مرة أخرى بقوة أكبر، ثم فتحت الباب بنفسها وبدأت تنظر في كل زاوية بعينين مرتجفتين، لكن الفراغ وحده كان يجيبها.
هنا فقط، تسلل الخوف الحقيقي إلى قلبها.
خرجت من الغرفة بسرعة، تكاد أنفاسها تنقطع، وهبطت الدرج بخطوات مضطربة وهي تبحث عنها في كل أنحاء الفيلا، تنادي اسمها بصوت يرتجف، تنتقل من غرفة لأخرى بعشوائية مرعبة، لكن دون أي أثر.
شعرت بقلبها ينتفض داخل صدرها بقوة مؤلمة.
أخرجت هاتفها بيد مرتعشة وأجرت اتصالًا بغريب، وما إن سمعت صوته حتى خرجت كلماتها ممزوجة بالبكاء:
"غريب الحق أروى ملهاش أثر في البيت."
جاءها صوته سريعًا، خشنًا ومشحونًا بالقلق:
"هو ايه اللي ملهاش أثر، هتخرج ازاي يعني، دوري عليها هتلاقيها هنا ولا هنا، أو روحي شفيها عند اخوها جواد راحت تغلس عليه زي ما متعوده، وانا جاي حالا."
أغلقت الخط فورًا دون إضافة كلمة أخرى، ثم صعدت مرة ثانية للأعلى بخطوات متعثرة من شدة خوفها.
دفعت باب غرفة جواد دون استئذان، فانتفض الأخير من مكانه ونظر لها باستغراب:
"فيه ايه يا ماما حد يدخل على حد كده؟"
نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع وقالت بصوت مرتجف:
"اختك أروى مجاتش عندك؟"
قطب حاجبيه بعدم فهم وأجاب سريعًا:
"لا مجاتش، هتلاقيها في اوضتها."
حركت رأسها بالنفي بعنف، وخرج صوتها مختنقًا بين شهقاتها:
"لا مش في اوضتها، ولا ليها اثر في الفيلا."
تبدلت ملامحه بالكامل، وانتفض واقفًا وهو يقول بصدمة:
"نعم! ده ازاي؟ هتكون راحت فين يعني؟"
كانت دموعها تنهمر بلا توقف وهي ترد بصوت مرتعش:
"مش عارفه والله يا جواد، انا خالك تامر اتصل بيا وصوته كان واضح أنه قلقان من حاجه وسألني عنها وانا قلتله أنها في اوضتها، علشان كده طلعت اطمن عليها وملاقتهاش دورت عليها مش موجودة في أي مكان."
لم ينتظر أكثر.
اندفع من أمامها كالمجنون، يهبط الدرج بسرعة عنيفة، ثم بدأ يفتش أرجاء الفيلا بالكامل، يفتح الأبواب بعصبية، ينظر في كل زاوية، في الحديقة، بالممرات، حتى أنه خرج للخارج يبحث حول الفيلا بعينين مشتعلة بالذعر.
وفي تلك اللحظة وصل غريب.
ما إن رأى حالة ترنيم المنهارة حتى شعر بقلبه يهبط داخله، استمع لكلماتها بسرعة بينما كانت تبكي بانهيار حقيقي، ثم بدأ هو الآخر يحاول التفكير بعقلانية رغم التوتر الذي بدأ يسيطر عليه.
لكن قبل أن ينطق بكلمة أخرى، صدر صوت إشعار من هاتفه.
أخرج الهاتف من جيب بنطاله بنفاد صبر، وعيناه تضيقان بترقب غامض.
اقترب منه جواد سريعًا، وكذلك ترنيم التي كانت ترتجف بالكامل.
فتح الرسالة، وفي اللحظة التالية، شهقت ترنيم شهقة ممزقة وهي تحدق في الشاشة بصدمة مرعبة، قبل أن ترتخي ساقاها وتسقط أرضًا فاقدة الوعي.
أما جواد وغريب، فتجمدت ملامحهما بالكامل، بينما انعكست الصدمة وعدم التصديق بوضوح فوق وجهيهما وهم ينظرون إلى الصورة المرسلة أمامهم.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع والثلاثون
عند أروى...
كانت تجلس في أحد أركان المكان البارد، ملتصقة بالحائط كأنها تحاول الاختباء داخله. ضمت ساقيها إلى صدرها بقوة، بينما التف ذراعاها حول جسدها المرتجف في محاولة يائسة للتماسك.
ملابسها كانت ممزقة ومبعثرة، ووجهها الشاحب مغطى بطبقة من الأتربة امتزجت بآثار الدموع التي لم تتوقف عن الانهمار. عيناها الزائغتان كانتا تحملان رعبًا يفوق قدرتها على التعبير، حتى الكلمات نفسها بدت وكأنها هجرتها تمامًا.
كانت عاجزة عن النطق، عاجزة حتى عن استيعاب ما حدث لها.
على بعد خطوات منها، وقف أحد الرجال ممسكًا بالكاميرا، يوجه عدستها نحوها بينما يتحدث عبر الهاتف بصوت خشن:
"كله تمام يا ريسه، والصور وصلت لأهلها زي ما قلتي، نعمل فيها ايه دلوقتي نقتلها ونبعتها جثه ليهم؟ ولا نعمل فيها ايه تاني؟"
جاءه صوت مريم سريعًا، مشبعًا بذلك الشر البارد الذي لا يعرف الرحمة:
"لا ارموها قدام الفيلا بتاعتهم بمنظرها ده، هما دلوقتي حرقت قلبهم عليها وهي كده اكتر من قتلها."
تبادل الرجل نظرة سريعة مع من حوله قبل أن يقول بتردد:
"بس يا ريسه، البت شافتنا وعارفه شكلنا ايه، احنا كده بنسلم نفسنا للحكومة بأيدينا."
أجابته بنبرة حاسمة أنهت أي مجال للنقاش:
"هددتها وهي هتخاف والصور ابعتوها ليا عايزاها."
انتهت المكالمة.
خفض الرجل الهاتف وأرسل الصور كما طلبت، ثم تحرك نحو أروى بخطوات بطيئة جعلت الرعب يتضاعف داخلها.
توقفت أنفاسها تقريبًا عندما انحنى أمامها وأمسك خصلات شعرها المبعثرة بعنف، مجبرًا إياها على رفع وجهها نحوه.
نظر إليها بعينين قاسيتين وتكلم بصوت غليظ بث الرعب في أوصالها:
"انتي عارفه لو لسانك نطق بأي حرف علينا، المرة الجايه هيكون فيها قتلك فاهمه؟"
اهتز جسدها بقوة. لم تستطع الكلام.
اكتفت بتحريك رأسها بالموافقة عدة مرات متتالية، بينما كانت الدموع تنساب فوق وجنتيها بلا توقف.
رمقها الرجل بنظرة أخيرة قبل أن يدفعها بقسوة.
سقط جسدها على الأرض بقوة، وارتطمت بكفيها تحاول منع نفسها من الانهيار الكامل، لكن الارتجاف الذي سيطر عليها كان أقوى من أي محاولة للتماسك.
استدار الرجل وغادر المكان، ولحق به الباقون، تاركين خلفهم بابًا يغلق وصوت خطوات يبتعد تدريجيًا.
أما هي.. فبقيت على الأرض كما هي.
أنفاسها متلاحقة، ودموعها لا تتوقف، وجسدها يرتعش بعنف تحت وطأة الخوف والصدمة، بينما شعرت للمرة الأولى أنها وحيدة تمامًا، في مواجهة كابوس لا تعرف كيف تنجو منه.
***************************
عند ترنيم...
تحركت جفونها ببطء شديد قبل أن تفتح عينيها بصعوبة، وكأنها تخرج من كابوس لم ينتهي بعد. للحظات ظلت تحدق في السقف دون استيعاب، ثم عادت إليها الذكرى دفعة واحدة، كطعنة غادرة مزقت قلبها من جديد.
الصورة التي رأتها لم تغادر عقلها ولو لثانية واحدة.
وجه أروى الشاحب، دموعها المنهمرة.
هيئتها الممزقة وهي ملقاة على الأرض في حالة يرثى لها.
كل تفصيلة كانت تنغرس داخل صدرها كسكين حاد.
انتفض جسدها فجأة، واتسعت عيناها برعب حقيقي، قبل أن تعتدل في جلستها وهي تصرخ بصوت ممزق من شدة الألم:
"بنتي أروى، أنا عايزه بنتي، هاتولي أروى."
أسرعت سمية إليها واحتضنتها بقوة، بينما كانت دموعها هي الأخرى تنحدر فوق وجنتيها دون قدرة على إخفائها، وقالت بصوت مختنق:
"اهدي يا ترنيم، غريب وجواد راحوا يدواروا عليها وإن شاءالله مش هيرجعوا غير بيها."
لكن كلماتها لم تكن تصل إليها.
كانت ترى أروى فقط، تراها خائفة، مكسورة، تستغيث ولا تجد من ينقذها.
شعرت وكأن قلبها ينتزع من بين ضلوعها وهي تتذكر ابنتها بتلك الحالة، فانفجرت باكية وهي تقول بصوت متحشرج:
"مريم انتقمت مننا في بنتي يا سميه، أذت بنتي وحرقت قلبي عليها، زي ما عملت زمان وحرقت قلبي على سلطان."
رفعت سمية رأسها إليها بصدمة حقيقية، وحدقت فيها بعدم فهم قبل أن تسألها بصوت مرتجف:
"مريم! مريم مين يا ترنيم؟"
ابتعدت ترنيم قليلًا عن حضنها، بينما كانت شهقاتها تخنق كلماتها، وقالت بصعوبة:
"مريم يا سميه اللي قتلت اخوكي، اللي قلبت حياتنا لجحيم زمان، وراجعه تاني دلوقتي علشان تعمل زي ما عملت في الماضي."
شحب وجه سمية فجأة، واتسعت عيناها بعدم تصديق وهي تقول:
"مش غريب قتلها وماتت؟ ازاي رجعت تاني؟"
هزت ترنيم رأسها بعنف، وكأنها ترفض الواقع نفسه، ثم أجهشت بالبكاء وهي تلطم وجهها من شدة القهر:
"معرفش يا سميه معرفش، أنا عايزة بنتي ترجع تاني لحضني، قلبي والله العظيم مش حمل وجع ولا حرقة قلب، أنا تعبت."
عادت سمية تحتضنها مرة أخرى، وضمتها إليها بقوة وكأنها تحاول أن تمنعها من الانهيار تمامًا، ثم همست بصوت متألم:
"اهدي يا ترنيم علشان خاطري، غريب مش هيسكت غير لما يرجع بنته تاني لحضنكم."
تشبثت بها ترنيم وكأنها تتعلق بآخر خيط يمنعها من السقوط، بينما كانت دموعها تغرق وجهها بلا توقف، وقالت من بين شهقاتها المتلاحقة:
"اااه يا حرقة قلبي عليكي يا بنتي، يارب ألطف بينا يارب."
ثم انهارت باكية بين ذراعيها، بينما كان الخوف ينهش قلبها بلا رحمة، وكل دقيقة تمر دون عودة أروى كانت تشعرها وكأن عمرًا كاملًا ينتزع من روحها.
**************************
وصل شاهين إلى الفيلا بعدما قطع الطريق بسرعة جنونية، وكانت نيران الغضب تشتعل داخله بلا رحمة. ما إن أوقف سيارته حتى ترجل منها بخطوات حادة وعنيفة، ثم اندفع إلى الداخل كإعصار هائج لا يرى أمامه شيئًا سوى هدف واحد.
دفع الباب بقوة اهتزت لها أرجاء المكان، واتجه مباشرة نحو مريم الجالسة على مقعدها المتحرك. توقفت خطواته أمامها، ثم أسند يده بقوة على ذراع المقعد حتى برزت عروق كفه من شدة التوتر، وحدق بها بعينين مشتعـلتين بالغضب قبل أن يتكلم بصوت غليظ:
"أروى فين انطقي؟"
رفعت مريم عينيها إليه بهدوء مستفز، وكأن ثورته لم تعنِ لها شيئًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة وهي تقول:
"زمان الرجالة رموها قدام بيت اهلها."
اشتد فك شاهين حتى كاد يحطمه من شدة الضغط عليه، بينما ازدادت نظراته قسوة وهو يسألها بحدة:
"عملتي في البت ايه يا مريم؟"
أجابته بنفس الهدوء البارد الذي كان يزيد اشتعال غضبه:
"اخد منها حاجه صغننه خالص، اصل البنت صغنونه خالص ومفيهاش حاجه تانيه تنفع غير شرفها."
في لحظة واحدة تجمدت ملامحه بالكامل، واتسعت عيناه بصدمة قاسية لم يستطع إخفاءها، ثم خرج صوته متقطعًا من فرط عدم التصديق:
"انتي.. انتي نفذتي خلاص؟"
أومأت برأسها ببطء، وكأنها تتباهى بما فعلته، ثم قالت بنبرة هامسة:
"امم.. نفذت، من امتى مريم مش بتنفذ كلامها يا شاهين، نسيت طبع امك ولا ايه؟ ولا تكونش البنت نسيتك انت مين وابن مين؟"
اشتعلت عيناه أكثر، وابتعد عنها خطوة وكأنه لم يعد يحتمل البقاء أمامها ثانية واحدة، ثم صاح بصوت مرتفع يهتز من شدة الغضب:
"انتي ايه شيطانه؟ البنت ذنبها ايه تعملي فيها كده؟"
ولأول مرة فقدت مريم هدوءها، فارتفع صوتها بانفعال واضح وهي تقول:
"اااه أنا شيطانه، وانت ابن الشيطانه دي، وكنت زي في يوم من الايام، ودي الحقيقه اللي عمرك ما هتقدر تنكرها يا شاهين مهما عملت."
مرر شاهين يده داخل شعره بعنف محاولًا السيطرة على ثورته، لكن الغضب كان ينهش أعصابه بلا رحمة. ألقى عليها نظرة أخيرة ممتلئة بالاشمئزاز، ثم استدار وغادر المكان سريعًا دون أن ينطق بحرف آخر.
خرج من الفيلا بخطوات متسارعة، وصعد إلى سيارته، ثم انطلق بها نحو فيلا غريب بأقصى سرعة ممكنة.
وعندما وصل إلى هناك، لمح سيارة سوداء تقف أمام الفيلا لثوانٍ معدودة قبل أن تلقى منها أروى على الأرض كأنها شيء بلا قيمة، ثم انطلقت مبتعدة بسرعة.
توقف قلبه للحظة.
ترجل من السيارة مسرعًا واتجه نحوها بخطوات واسعة، ثم انحنى بجوارها وربت على وجهها محاولًا إفاقتها، لكنها كانت فاقدة الوعي تمامًا.
نظر إلى حالتها، فاشتدت ملامحه قسوة وألمًا في آن واحد.
نزع سترته سريعًا ووضعها فوقها ليستر جسدها، ثم مال بجسده وحملها بين ذراعيه بحذر، واتجه بها نحو سيارته حتى ينقلها إلى المستشفى في أسرع وقت.
لكن قبل أن يصل إليها.. شعر بقبضة قوية تمسكه من الخلف.
وفي اللحظة التالية تلقى لكمة عنيفة ارتطمت برأسه بقوة، جعلته يترنح ويسقط على سيارته، وكادت أروى أن تنزلق من بين ذراعيه وتسقط أرضًا.
اعتدل شاهين بسرعة واستدار بغضب، ليجد جواد أمامه.
أغمض عينيه للحظة محاولًا كبح ثورته، ثم صرخ بانفعال:
"مش وقته يا غبي، اختك لازم تروح المستشفى."
لكن جواد لم يكن يسمع شيئًا.
اقترب منه وانتزع أروى من بين ذراعيه بعنف، ثم قال من بين أسنانه المطبقة:
"وعزة جلال الله ما هعدي اللي انتوا عملتوا فيها ده بالساهل، هدفعكم التمن غالي اوي انت وامك."
ثم استدار بها سريعًا واتجه إلى داخل الفيلا دون أن يمنحه فرصة أخرى للكلام.
وقف شاهين مكانه لثوانٍ معدودة، ثم أغلق عينيه بنفاد صبر وهو يشعر أن الجميع يحمله ذنبًا لم يرتكبه، قبل أن يتمتم بصوت غاضب:
"غبي وحمار."
وفي نوبة غضب جديدة، ركل إطار سيارته بقوة، ثم رفع عينيه نحو الفيلا وألقى عليها نظرة أخيرة طويلة، قبل أن يصعد إلى سيارته من جديد ويغادر المكان متجهًا إلى منزله.
****************************
عند ترنيم...
ما إن وقعت عينا ترنيم على ابنتها بين ذراعي جواد حتى شعرت وكأن قلبها توقف عن النبض لثوانٍ طويلة. اندفعت نحوهما بسرعة، ودموعها تنهمر بلا توقف، بينما ارتجفت يداها وهي تمسك بكف أروى البارد وتربت عليه في محاولة يائسة لاستشعار أي استجابة منها.
تحرك جواد سريعًا نحو إحدى الغرف ووضع شقيقته فوق السرير بحذر، بينما جلست ترنيم بجوارها على الفور. كانت أنفاسها متقطعة، وجسدها يرتجف بعنف وهي تتحسس نبض ابنتها بأصابع مرتعشة. ظلت لثوانٍ تراقب موضع النبض بترقب مرعب، حتى شحب وجهها أكثر عندما شعرت بضعفه الشديد.
عندها خرج صوتها ممزقًا من شدة الفزع وهي تصرخ:
"نبضها ضعيف جدا، يا ولاد الكلب!"
ثم رفعت رأسها نحو جواد وسألته بلهفة:
"ابوك فين؟"
رد عليها بصوت مختنق:
"بيعمل بلاغ في القسم وجاي."
شعرت وكأن الأرض تميد بها، فنظرت إلى ابنتها مرة أخرى وقالت بصوت مرتعش يكاد يختنق بالبكاء:
"لازم اخدها المستشفى حالا، اختك بضيع مننا يا جواد."
لم ينتظر جواد ثانية إضافية.
انحنى بسرعة وحمل أروى بين ذراعيه، ثم اندفع بها إلى الخارج كالمجنون. ركضت ترنيم خلفه، وتبعتها سمية وجواهر، بينما كان الخوف يطاردهم جميعًا في كل خطوة.
وضعها جواد داخل السيارة بعناية، ثم صعد الجميع على عجل، وأدار المحرك وانطلق بأقصى سرعة نحو المستشفى.
داخل السيارة، كانت ترنيم تحتضن يد ابنتها بين كفيها وكأنها تخشى أن تفلت منها. أخذت تقبلها مرارًا وهي تبكي بحرقة لم تعرفها من قبل، ثم قالت بصوت مكسور:
"حقك عليا يا بنتي، حقك على قلبي يا بنت قلبي، انتي اللي دفعتي تمن الماضي، انتي ضحية نفوس مريضه، اااه يارب، أنا راضيه بحكمك وامرك، راضيه بأبتبلاءك اللي كل مره بيكون اصعب من اللي قلبه، ألطف بيا يا الله، ومتحرقش قلبي على بنتي هي كمان، هي صغيره وبريئه، ملهاش ذنب في كل اللي حصلها ده، ياريت كنت أنا اللي مكانك يا بنت عمري، ياريت كنت موت، قبل ما اشوف اليوم ده."
كان صوتها يخرج محملًا بوجع أم ترى فلذة كبدها بين الحياة والموت، عاجزة عن فعل أي شيء سوى الدعاء والبكاء.
لم تستطع سمية تحمل رؤيتها بهذه الحالة، فاقتربت منها أكثر وقالت والدموع تلمع في عينيها:
"بعد الشر عليكي يا ترنيم، متقوليش كده يا حبيبتي واقوي علشان خاطر بنتك، هي محتاجه وجودك جنبها دلوقتي اكتر من أي وقت تاني."
لكن ترنيم كانت غارقة في ألمها، لا ترى سوى صورة ابنتها وهي تواجه ذلك المصير وحدها، فقالت بين شهقاتها:
"مش قادرة يا سميه منظر بنتي وهي كده كسر قلبي، تلاقيها كانت خايفه وهي معاهم، صرخت ونادت علينا ننقذها ومحدش مننا لبى نداءها ده، اتوجعت جامد يا قلب امها."
في المقعد الأمامي، كان الغضب يلتهم جواد التهامًا.
قبض على عجلة القيادة بقوة حتى برزت عروق يديه، ثم لكمها بعنف، وخرجت منه صرخة غاضبة هزت أرجاء السيارة:
"هقتلهم كلهم، مش هرحمهم اقسم بالله."
ارتجفت جواهر من حدة صوته، فمدت يدها وأمسكت بذراعه في محاولة لتهدئته، ثم قالت بصوت مختنق:
"اهدا يا جواد علشان خاطري، وان شاءالله يطلع خير ومحصلش حاجه وحشه ليها."
التفت إليها للحظة، وكانت عيناه ممتلئتين بألم لم تستطع الكلمات وصفه.
ثم وقعت عيناه على ملابس شقيقته الممزقة.
تجمدت ملامحه.
واشتعلت نيران الانتقام داخله أكثر.
ضغط على عجلة القيادة بقوة حتى كادت أصابعه تنغرس فيها، ثم أعاد نظره إلى الطريق أمامه وقال من بين أسنانه:
"وغلاوة اختي عندي لحرق قلبهم على اعز ما ليهم واشربهم من نفس الكاس."
انقبض قلب جواهر بقوة وهي تستمع إلى ذلك الوعيد المظلم.
كانت تعرف جيدًا تلك النبرة.
تعرف أن الألم حين يمتزج بالغضب قد يدفع الإنسان إلى أماكن لا عودة منها.
ولأول مرة، لم تخف فقط على أروى، بل خافت على جواد أيضًا.
***************************
عادت رنيم إلى المنزل وقد سيطر عليها قدر كبير من الاستغراب. طوال اليوم كانت تنتظر أن يأتي شاهين إلى الشركة ليأخذها كما اعتاد منذ دخوله حياتها، لكنه لم يظهر، ولم يتصل حتى ليخبرها بسبب غيابه.
أخرجت النسخة الأخرى من المفتاح التي أعطاها لها صباحًا، وفتحت الباب ثم دلفت إلى الداخل وأغلقته خلفها بهدوء. مدت يدها إلى مفتاح الإضاءة، وما إن غمرت الأنوار المكان حتى تجمدت خطواتها في موضعها.
كان شاهين جالسًا على الأريكة، منكفئًا على نفسه بصورة لم تعهدها منه من قبل، رأسه بين كفيه، وملامحه غارقة في حزن ثقيل بدا وكأنه يسحقه من الداخل.
تقدمت نحوه ببطء وحذر، وعيناها تتفحصان هيئته المضطربة، ثم قالت بتوتر:
"ا انت بتعمل ايه هنا؟"
رفع رأسه إليها للحظة، ثم أمسك يدها وأجلسها بجواره دون أن يمنحها فرصة للاعتراض. وفي حركة مفاجئة، أسند رأسه إلى صدرها وأحاطها بذراعيه بقوة، وكأنه يبحث عن ملاذ أخير يختبئ فيه من العالم كله.
خرج صوته ضعيفًا على غير عادته وهو يقول:
"أنا اسف، مقدرتش أنقذها من شرها، دفعت تمن هي ملهاش ذنب فيه، أنا مش مسامح نفسي، ولا قادر أذيها اعمل ايه يا رنيم؟"
انعقد حاجباها بحيرة كاملة.
لم تستوعب كلماته، ولم تعرف عمن يتحدث. كانت تشعر وكأنها تتوه بين حروفه المتكسرة. ورغم ارتباكها من قربه الشديد، إلا أن حالته كانت كافية لتجعل قلبها ينقبض عليه دون إرادة.
رفعت يدها ببطء وربتت على ظهره محاولة تهدئته، ثم قالت بعدم فهم:
"أنا مش فاهمه حاجه يا شاهين، مين دي اللي مقدرتش تنقذها؟ ومن شر مين؟ ومين دي اللي مش هتقدر تأذيها؟"
تشبث بها أكثر، وكأنه طفل صغير احتمى بأمه بعد أن خذله العالم كله، ثم قال بصوت مثقل بالألم:
"أروى بنت غريب، امي خطفتها، وخلت رجالتها يخدوا منها..."
توقف لثوانٍ، وكأن الكلمات ترفض الخروج من حلقه، قبل أن يكمل بصعوبة:
"اعتدوا عليها، والبنت بين الحياة والموت، مقدرتش أنقذها وألحقها قبل ما يعملوا فيها كده، ومش هقدر اذي امي، دي مهما كان امي يا رنيم، الكل فاكر اني شريكها في اللي بتعملوا ده، بس يشهد عليا ربنا اني من يوم ما عرفتك وانا اتغيرت علشانك، بقيت شخص تاني خالص، حامي ليكي ولكل حد يخصك بدل ما كنت هكون جلاد ليكم، اعمل ايه يا رنيم لا قادر اذي امي ولا قادر اوقف شرها؟"
شعرت رنيم وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
انتفض جسدها بالكامل عندما استوعبت معنى كلماته.
أروى؟
تلك الفتاة الصغيرة المفعمة بالحياة؟
تلك التي كانت دائمًا لطيفة معها رغم كل شيء؟
ربما كانت تكره ترنيم وغريب وجواد بسبب الماضي، لكنها لم تستطع يومًا أن تحمل أي مشاعر سيئة تجاه أروى. كانت ترى فيها روحًا نقية وقلبًا بريئًا لا علاقة له بكل تلك الحروب القديمة.
أبعدته عنها فجأة ونظرت إليه بعينين ممتلئتين بالصدمة والألم، ثم قالت بصوت حزين:
"ليه تعمل فيها كده؟ حرام عليها البنت طيبه ورقيقه وملهاش ذنب، امك دي ايه شيطانه، عايشه علشان تأذي الناس وبس، وكلهم يخصوني يا شاهين، أنا بكرهها وبكرهك وبكره اليوم اللي قابلتكم تاني فيه."
أسرع يهز رأسه رافضًا كلماتها وقال:
"انا مليش دعوه باللي حصل ده يا رنيم، وحياتك عندي، انا لما عرفت حاولة اوصلها وانقذها قبل ما يؤذوها، بس امي محدش يتوقعها حتى انا ابنها، معرفش اللي في دماغها ايه."
نهضت من مكانها بعصبية، واحتدت ملامحها وهي تقول:
"للاسف يا شاهين انتوا الاتنين نفس الدماغ ونفس التفكير، يعني انت قبل كده حاولة تعتدي عليا، وهي خلت رجالتها تعتدي على أروى نفس الشر اللي بيجري في دمكم، يعني انت نسخه منها مهما حاولة تنكر ده."
ما إن أنهت كلماتها حتى وقف أمامها دفعة واحدة، وأمسك ذراعها بقوة، وقد اشتعل الغضب داخل عينيه بصورة مخيفة. قال بصوت غليظ:
"أنا مش زيها يا رنيم ولا عمري هكون زيها، اه زمان كنت كده، بس معاكي بقيت شخص تاني خالص، أنا وقتها كنت بهددتك مش اكتر لأن مستحيل أقدر اذيكي يا رنيم، إنما هي نفذت على طول، أنا بحاول احميكي حتى من نفسي، إنما هي مش وراها حاجه غير اذيتكم انتوا وبس، هي بتحاول دلوقتي تخليني اتغير تاني علشان اكون شبهها، إنما حبك في قلبي اقوى من أي شيء، ومهما حاولة أنا هفضل قوي بيكي علشانك يا رنيم."
ثم اقترب أكثر واحتضنها بقوة، وكأنه يتمسك بآخر خيط يربطه بإنسانيته، وقال بصوت خرج من أعماق روحه:
"إياكي تبعدي عني يا رنيم، علشان وقتها بجد هكون أقذر منها، وممكن اهد العالم كله، وأكون طوفان اخد في سكتي أي حد أقابله في حياتي بعدك."
ابتلعت ريقها بصعوبة.
حاولت الابتعاد، لكنها شعرت بمدى التوتر والاحتراق الذي ينهش داخله. كان عناقه قاسيًا في البداية، حتى تألمت بين ذراعيه، لكنها أدركت أنه لا يعانقها حبًا فقط، بل يتمسك بها وكأنه يغرق.
وبدافع لا تفهمه، رفعت ذراعيها وأحاطته بهما برفق.
وكأن تلك اللمسة وحدها كانت كافية.
بدأ جسده يهدأ تدريجيًا، وخفت قسوة ذراعيه، وتحولت لمساته إلى شيء أكثر لينًا واحتياجًا.
أغمض عينيه للحظة، ثم مال برأسه يقبل عنقها بعشق صادق وهمس بجوار أذنها:
"بحبك اوي يا رنيم، انتي البلسم لكل جروحي، انتي قادره انك تحوليني من بركان مشتعل، لبحر هادي مفهوش حتى موج، خليكي جنبي دايما."
ارتجف جسدها بخفة تحت تأثير قربه وأنفاسه الساخنة.
أغلقت عينيها للحظة قبل أن تبتعد عنه قليلًا وهي تقول بتلعثم واضح:
"ش شاهين، ا ابعد بقى م مينفعش ك كده."
رفع عينيه إليها بنظرة ممتلئة بالعشق، ثم مال برأسه ووضع قبلة خفيفة على خدها قبل أن يبتعد أخيرًا ويجلس على الأريكة.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال بهدوء:
"ناويه تعملي ايه؟ هتروحي تطمني على أروى؟ ولا هتكتفي انك تطمني عليها من جواهر في التليفون وخلاص؟"
جلست بجواره وأخذت تفرك كفيها بتوتر.
كانت ممزقة بين مشاعر كثيرة لا تعرف كيف ترتبها.. ثم قالت بصوت خافت:
"مش عارفه، البنت دي انا بحبها، وزعلانه اوي علشان اللي حصلها ده، بس في نفس الوقت مش عايزة اروح علشان مشوفش أمها ولا ابوها ولا اخوها."
أمسك يدها برفق هذه المرة، وقال بنبرة هادئة خالية من أي ضغط:
"من رأي تروحي ليها احسن، حالتها صعبه، ووجودك جنبها هيفرق كتير."
تراجعت بجسدها إلى الخلف وأسندت ظهرها إلى الأريكة.
ظلت تنظر أمامها بصمت طويل، بينما كانت الحيرة تعصف بها من كل اتجاه.
جزء منها كان يريد الذهاب فورًا واحتضان أروى والتأكد أنها بخير.
وجزء آخر كان يخشى مواجهة الماضي كله دفعة واحدة.
أما شاهين، فظل يراقب ملامحها بصمت، منتظرًا القرار الذي سيخرج من قلبها قبل عقلها.
*************************
وصل غريب إلى المشفى بعد أن أخبره جواد بمكانهم، وما إن عبر أبواب الطوارئ بخطوات سريعة حتى وقعت عينا ترنيم عليه.
في اللحظة التي رأته فيها، اندفعت نحوه وكأنها كانت تتشبث بآخر خيط من الأمان، وارتمت داخل أحضانه بقوة. تشبثت بقميصه بأصابع مرتجفة، بينما كانت شهقاتها تمزق صدرها، وقالت من بين دموعها المنهمرة:
"شفت اللي عملوا في بنتنا يا غريب، لتاني مره مريم تحرق قلبي."
أحاطها بذراعيه بقوة أكبر، وأغمض عينيه للحظة طويلة. كان يشعر أن كلماتها تتحول إلى سكاكين تغرز في صدره بلا رحمة. خرج صوته بصعوبة بالغة وهو يسأل:
"هما...؟"
رفعت رأسها نحوه، وعيناها ممتلئتان بوجع لا يحتمل، ثم أومأت برأسها قبل أن تصرخ بانهيار:
"أيوه يا غريب ولاد الكلب اعتدوا عليها."
في تلك اللحظة بالتحديد، كان تامر وأحمد قد وصلا إلى المشفى بعدما علما بما حدث لأروى.
توقفت خطوات أحمد فجأة وكأن الأرض تجمدت تحت قدميه.
أما تامر، فبدا وكأنه لم يستوعب ما سمعه.
نظر إلى ترنيم بصدمة، ثم إلى غريب، ثم عاد بعينيه إليها مرة أخرى، وكأنه ينتظر أن يخبره أحد أن ما سمعه مجرد كابوس.
لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تنكر.
انحدرت الدموع على خديه بغزارة، واستند بظهره إلى الحائط قبل أن ينزلق ببطء إلى الأرض جالسًا. وضع رأسه بين كفيه وكأنه يحاول الهروب من تلك الكلمات التي ما زالت تتردد داخل عقله، ثم قال بصوت متحشرج يملؤه الإنكار:
"مستحيل ده حصل مستحيل، أروى كويسه، هي بس بتحب تهزر معايا كتير وتعمل ف فيا مقالب، حد يدخل يقولها خالك هيكسر عضمك على المقلب ابو دم تقيل ده، بس خلاص لا انا مسامحها، بس ترسم ضحكتها على وشها من تاني زي ما متعود منها، دي بنتي أنا تربيتي انا، هي بتحبني، وهتيجي دلوقتي تدلع عليا وتهزر معايا، يا أروى يلا بقى بلاش توجعي قلبي عليكي."
كان صوته ينكسر مع كل كلمة، وكأن قلبه ينهار قطعة تلو الأخرى.
أما أحمد، فرغم احتشاد الدموع داخل عينيه، إلا أنه أصر على دفنها في أعماقه. جلس بجوار تامر على الأرض وربت على كتفه في محاولة يائسة لاحتوائه، ثم قال بصوت خافت:
"اهدا يا تامر، قدر الله وماشاء فعل."
التفت إليه تامر بعينين غارقتين بالدموع، وقال برجاء موجع:
"اوعى تتخلى عنها يا احمد اللي حصلها ده غصب عنها، أروى بتحبك."
لم يجد أحمد أي كلمات يجيب بها.
كل ما استطاع فعله هو أن يضغط على كتفه بصمت، بينما ظل نظره معلقًا أمامه، وكأن روحه غادرت جسده منذ لحظة سماعه الخبر.
مرت دقائق ثقيلة كأنها سنوات، قبل أن ينفتح باب غرفة الطوارئ أخيرًا.
خرج الطبيب بخطوات هادئة، لكن ملامحه الحزينة كانت كافية لتزرع الرعب في قلوب الجميع قبل أن ينطق بحرف واحد.
تجمعوا حوله بسرعة، بينما قال هو بصوت متحفظ:
"للاسف دخلت في غيبوبه ورافضه تستجيب لينا، والله اعلم هترجع لوعيها تاني امتى."
ساد الصمت لثانية واحدة فقط.
ثم انفجر كل شيء.
ركل جواد الحائط بقدمه بعنف شديد حتى دوى صوت الضربة في الممر.
أسرعت جواهر تمسك ذراعه بكلتا يديها، والدموع تنهمر على خديها بلا توقف، تخشى أن يدفعه غضبه إلى ما لا عودة منه.
أما ترنيم، فصرخت صرخة موجوعة مزقت قلوب الجميع، ثم أخذت تضرب صدر غريب بكفيها وهي تبكي بانهيار كامل:
"بنتي يا غريب، ألحق بنتنا ابوس رجلك، حرام والله العظيم اللي بيحصلها ده."
شعر غريب وكأن الهواء انسحب من رئتيه.
لأول مرة منذ سنوات طويلة، تجمعت الدموع داخل عينيه بهذه الصورة.
غريب الذي اعتاد أن يكون الجبل الذي يستند إليه الجميع، وجد نفسه عاجزًا أمام ألم ابنته.
لكنه ابتلع وجعه بصعوبة، وأغلق عينيه حتى لا تسقط دموعه أمامهم. ضم ترنيم إلى صدره وربت على ظهرها بحنان، بينما كانت نيران الانتقام تشتعل داخله أكثر مع كل ثانية تمر.
في تلك الأثناء، انهار تامر تمامًا.
راح يضرب رأسه بكفيه بعجز وقهر، وكأنه يعاقب نفسه لأنه لم يكن هناك حين احتاجته أروى.
اقترب أحمد أكثر وربت على ساقه محاولًا التماسك من أجله، وقال بصعوبة واضحة:
"اهدا يا تامر، أروى قويه وهترجع احسن من الاول."
رفع تامر رأسه إليه، وكانت ملامحه محطمة بالكامل، ثم قال بين شهقاته:
"بنتي وحته مني في غيبوبه يا أحمد، طيب هعيش زي من غير مشاغبتها وهزارها معايا، هموت ولو حصلها حاجه والله، يارب."
أغمض أحمد عينيه للحظة محاولًا السيطرة على اختناقه، ثم قال بصوت مبحوح:
"اجمد يا تامر اختك منهارة على بنتها ومحتاجك جنبها بلاش تظهر ضعفك ليها انت سندها دلوقتي."
هز تامر رأسه بعجز كامل وقال:
"مش قادر والله العظيم ما قادر."
وبين دموع ترنيم، وغضب جواد، وانكسار تامر، وصمت أحمد، ووجع غريب الذي كان يلتهمه من الداخل، ظل الممر غارقًا في حالة من الفوضى والحزن، وكأن الألم قرر أن يجتمع كله في مكان واحد ويصب ثقله فوق رؤوسهم دفعة واحدة.
****************************
في صباح اليوم التالي...
تسلل رنين الهاتف إلى أذن رنيم وهي ما تزال غارقة في بقايا النوم. تحركت بتثاقل فوق فراشها، ومدت يدها تتحسس الهاتف فوق المنضدة المجاورة قبل أن تلتقطه وتجيب بصوت يغلب عليه النعاس:
"أيوه يا جواهر!"
وصلها صوت جواهر مختنقًا على نحو أقلقها على الفور، وهي تقول:
"انتي متعرفيش ايه حصل لأروى؟"
اعتدلت رنيم في جلستها بسرعة، وزال جزء كبير من أثر النوم عن ملامحها، ثم قالت:
"ايوه عرفت، شاهين قالي امبارح."
جاءها رد جواهر مشحونًا بالغضب والانفعال:
"انتي ازاي لسه بتتعاملي مع البني ادم ده بعد ما عرفنا حقيقته؟ ده هو وأمه السبب في اللي حصل لأروى."
أسرعت رنيم تدافع عنه دون تردد، وكأنها تدافع عن حقيقة تؤمن بها بكل ما تملك:
"لا يا جواهر شاهين مظلوم، ملوش دعوة باللي أمه عملته ده، شاهين حاول يوصل ليها وينقذها بعد ما عرف بس ملحقش، هو مش وحش زي ما انتوا مفكرين، هو غير أمه خالص، صدقيني يا جواهر."
لكن جواهر لم تكن مستعدة للاستماع أو الاقتناع، فهتفت بغضب أشد:
"بلاش هبل وعبط، فؤقي يا رنيم مراية الحب عاميه، وانتي علشان بتحبيه، مش شايفه حقيقته، شاهين مجرم زي أمه بالظبط."
اشتعلت أعصاب رنيم على الفور، وارتفع صوتها دون أن تشعر، حتى وصل صداه إلى خارج الغرفة:
"لا يا جواهر شاهين غير أمه، شاهين طيب وحنين، كل ذنبه أن مريم أمه بس، إنما هو اتغير علشاني، حبه ليا غيره، والله العظيم شاهين ملوش دعوة باللي حصل لأروى، ده هو حتى اللي طلب مني ابقى جنبها في الوقت ده، ده حالته امبارح كانت صعبه ومحمل نفسه الذنب علشان ملحقهاش."
ورغم كل ما قالته، لم يبدُ على جواهر أي اقتناع، بل قالت بإصرار واضح:
"وانا مش مصدقه ولا كلمه من كلامك، ومهما حاولتي هفضل شايفه أن شاهين زي أمه بالظبط، وجواد ناوي يدفعهم التمن، عموما أنا قلت اقولك أن أروى دخلت في غيبوبه والله اعلم هترجع منها امتى، ياريت تركني خلافاتك على جنب وتيجي ليها المستشفى، أروى كانت بتحبك بجد وعمرها ما كرهتك لا هي ولا امها."
وما إن أنهت كلماتها حتى أغلقت الخط.
ظلت رنيم ممسكة بالهاتف لعدة لحظات، تنظر إلى الشاشة المظلمة بشرود. كان خبر دخول أروى في غيبوبة يضغط فوق قلبها بقسوة، ويزيد من شعورها بالعجز والاختناق.
في تلك الأثناء، انفتح باب الغرفة بهدوء.
رفعت رأسها لتجده واقفًا عند المدخل.
كان شاهين قد استيقظ على صوت شجارها الهاتفي، وبدا واضحًا من نظراته أنه سمع الحديث بأكمله.
رمقته بضيق وقالت بنفاد صبر:
"يعني مينفعش كده، مش كفايه لازق ليا في الشقه؟ وكمان تدخل عليا اوضي كده من غير استئذان."
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم جلس على حافة السرير إلى جوارها، وقال بصوت أثقلته المشاعر:
"أنا صحيت من نومي على صوتك مع جواهر في التليفون، وسمعت كل كلمه قلتيها، وعلى قد ما أنا فرحت بكلامك وثقتك فيا، على قد ما أنا زعلت على صورتي اللي هما اخدنها عني بسبب أن امي مريم."
للحظة، شعرت بوخزة حزن وهي ترى ذلك الوجع الصادق في عينيه.
تنهدت بهدوء، ثم أمسكت يده وقالت:
"للاسف امك وصمة عار ليك يا شاهين، وعلشان تثبت حسن نيتك، وانك مش زيها، لازم تسلم امك للشرطه، لازم تاخد جزائها ونحمي الناس من شرها."
ارتخت ملامحه أكثر، وكأن كلماتها أصابت جرحًا لم يلتئم بعد، ثم قال بصوت مختنق:
"دي مهما كان امي يا رنيم، انتي فاهمه بتطلبي مني ايه؟ انتي عايزاني ارمي امي في السجن بأيدي؟ طيب ازاي؟ دي مهما عملت لازم احميها، اه بتعصبني بتخليني أفقد اعصابي بس مش لدرجة اسجنها."
سحبت يدها من بين يديه بغضب، ونظرت إليه بحدة وهي تقول:
"وعلشان امك تسيبها تأذي في الناس عادي، تقتل وتغتصب وتخطف عادي ما هي امك وتحت حمايتك، وترجع تزعل لما اقولك انت زيها مفرقتش عنها حاجه، لو بتحبني بجد، يبقى سلم امك وخليها تاخد جزائها وانا ساعتها هوافق عليك، اعتبر ده مهري."
تجمد مكانه للحظة.
بدا وكأن الكلمات سقطت فوقه كالصاعقة.
اتسعت عيناه بصدمة، ثم نهض واقفًا وهو يقول بعدم تصديق:
"انتي بتقولي ايه يا رنيم؟ ازاي تحطي حبنا وموافقتك على جوازي قصاد أن أسلم امي واسجنها؟ انتي كده بتعقدي الامور، بترميني بأيدك في وسط النار، بلاش تربطي ده بده يا رنيم."
نهضت هي الأخرى من فوق السرير، وعقدت ذراعيها أمام صدرها محاولة التمسك بموقفها رغم اضطرابها الداخلي، ثم قالت بصوت متحشرج:
"وده اخر كلام عندي يا شاهين، يا انا يا امك، لو بتحبني يبقى لازم تضحي بأمك، وفي ايدك القرار، ممكن تطلع بره؟ عايزه اغير هدومي."
ظل يحدق بها لثوانٍ طويلة.
نظرة ممتلئة بالألم والعجز والخذلان.
ثم هز رأسه ببطء وقال بصوت موجوع:
"أنا بحبك يا رنيم ومش هتنازل عنك مهما حاولتي، بس دي امي ومستحيل أعمل اللي انتي بتطلبيه مني ده."
ألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يستدير ويغادر الغرفة سريعًا.
بقيت رنيم واقفة في مكانها تتابع أثره حتى اختفى من أمامها.
كان الغضب يشتعل داخلها، لكنها كانت تشعر كذلك بصراع مرير بين عقلها وقلبها.
ضغطت على أسنانها وقالت من بينهما:
"ماشي يا شاهين براحتك، بس انا بقى هفضل وراها لحد ما ارميها في المكان اللي تستحقه، وهجيب حق كل روح وكل شخص أذيته بأيديها."
اتجهت إلى خزانتها بعصبية، وبدأت تبدل ملابسها على عجل.
وبعد دقائق خرجت من غرفتها.
وجدته يقف في الصالة، فمرت بجواره دون أن تنظر إليه حتى، ثم دفعت الباب بقوة خلفها وغادرت الشقة.
هبطت إلى الأسفل بخطوات سريعة مشحونة بالغضب والتوتر، واستقلت سيارتها.
وبينما كانت تدير المحرك وتتجه نحو المشفى، لم يكن يشغل عقلها سوى وجه أروى الراقدة بين الحياة والموت، ووجه مريم التي أقسمت في داخلها ألا تتركها تفلت هذه المرة مهما كان الثمن.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن والثلاثون
بالمشفى...
كانت رائحة المعقمات تملأ الأجواء، بينما خيم التوتر والحزن على الممر المؤدي إلى غرفة أروى. وصلت رنيم بخطوات مترددة، وما إن وقعت عينا جواهر عليها حتى أسرعت نحوها وكأنها وجدت طوق نجاة وسط كل ما يحيط بهم من انهيار. أمسكت يدها وتحركت بها نحو ترنيم، إلا أن رنيم أوقفتها بعنف واضح، وسحبت يدها منها قبل أن تقول بغضب:
"انتي بتعملي أيه يا جواهر؟ أنا مش جايه ليها ولا علشان اطبطب عليها، أنا جايه علشان البنت الغلبانه اللي جوه دي، هدخلها واطمن عليها لكن الست دي ماليش دعوه بيها."
أغمضت جواهر عينيها للحظة تحاول السيطرة على أعصابها التي أوشكت على الانفجار، ثم قالت بنفاذ صبر:
"مش وقته اللي انتي بتعملي ده يا رنيم، الست مدمرة علشان اللي حصل لبنتها، ويمكن وجودك جنبها في وقت زي ده يفرق معاها، ويقويها شويه على اللي هي فيه ده."
لكن كلماتها لم تلقى أي صدى داخل قلب رنيم، بل ازدادت ملامحها قسوة وهي ترد بغضب واضح:
"وانا تهمني في ايه إذا كان تقوى ولا لا انا لو مكانتش البنت اللي جوه دي صعبانه عليا كنت قلت أنا فرحانه فيها وعلى حرقة قلبها."
تجمدت جواهر في مكانها من هول ما سمعته، واتسعت عيناها بصدمة حقيقية قبل أن تنظر إليها وكأنها لا تعرفها، ثم قالت بعدم تصديق:
"انتي ازاي بالسواد ده كله يا رنيم؟ الست في مصيبه وانتي تقولي فرحانه فيها؟ هي عملتلك ايه علشان كل السواد والكره اللي في قلبك ليها ده؟ الست طول عمرها مش بتقدملك غير كل خير، متحمله طريقتك معاها وكلامك القاسي ليها، وراضيه علشان خاطر بتحبك زي اولادها، هي متستحقش منك كده يا رنيم، فؤقي قبل فوات الاوان."
رمقتها رنيم بنظرة طويلة باردة، خالية من أي تردد، قبل أن تقول بلهجة حادة:
"أنا مش صغيره يا جواهر، واقدر افرق ما بين الصح وما بين الغلط، والست دي لو روحي بأيديها عمري ما حبها ولا هتقبلها في حياتي، واعتقد أنا حره في قراراتي الشخصيه."
وقبل أن تتمكن جواهر من الرد، دوى صوت غاضب في المكان كله، صوت يحمل من الاحتقان ما يكفي لإشعال حرب كاملة..كان جواد.
تقدم بخطوات حادة وعيناه تقدحان شررًا، ثم قال:
"واحنا مش محتاجين محبتك في حاجه، روحي اترمي في حضن الراجل اللي امه كانت السبب في قتل امك، وهي اللي قتلت ابوكي بأيديها، روحي أحمي قاتل وابن قاتله علشان بتحبيه، انتي حلال فيكي، اللي ناوين يعملوا معاكي، ومتستاهليش حبنا ليكي ولا يشرفنا يكون لينا اخت زيك، وياريت تخدي نفسك وتغوري من هنا مش عايزين نشوف وشك."
انتفضت جواهر فورًا، واتجهت نحوه محاولة تهدئته قبل أن يندفع أكثر خلف غضبه، وأمسكت بذراعه قائلة برجاء:
"علشان خاطري أهدى يا جواد، مينفعش اللي انت بتقوله ده."
لكن جواد كان أبعد ما يكون عن الهدوء، فالتفت إليها بعينين مشتعلتين وهدر بها:
"انتي تخرسي خالص، ولو زعلانه علشانها غوري معاها في داهيه."
ارتعشت ملامح جواهر من قسوة كلماته، إلا أنها تماسكت بصعوبة وقالت بصوت مختنق:
"أنا مش هعتبك على كلامك ده دلوقتي علشان الظروف اللي احنا فيها دي يا جواد، بس تعدي الازمه دي على خير وبعد كده يحلها ربنا في طريقتك معايا دي."
ثم ابتعدت عنهم ببطء، تاركة خلفها مساحة أكبر للاحتقان المشتعل بينهم.
تابعها جواد بنظرات غاضبة قبل أن يعود ببصره إلى رنيم ويقول من بين أسنانه:
"امشي مش هنا واياكي اشوفك تقربي مننا تاني، وبلغي ابن أمه أني هرد ليهم القلم قلمين، والعين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم."
في تلك اللحظة تدخل غريب أخيرًا، وقد بدا أن صبره أوشك على النفاد، فقال بصوت غاضب:
"جواد خلصنا بقى اخرس."
ساد صمت ثقيل للحظات، قبل أن تتجه أنظار غريب نحو رنيم مباشرة.
لم يكن الغضب هو المسيطر على ملامحه بقدر ما كانت الخيبة.
خيبة رجل يشعر أنه خذل في أكثر وقت كان يحتاج فيه للصدق. ثم قال بلوم واضح:
"سألتك قبل كده وقلتلك قولي الحقيقه متخافيش، وانتي كذبتي علينا وقتها، يمكن لو كنتي قولتي الحقيقه بدري كنت قدرت اوصل ليها اسرع قبل ما تعمل في بنتي كده، انا لا هلومك ولا هعتبك، هعتبرك عيله صغيره وغلطت، بس في ايدك القرار يا رنيم، يا تنضمي لينا وتبعدي عن اللي اسمه شاهين ده خالص، يا تخليكي معاه وساعتها هتبقى عدوتنا بجد، وملكيش حمايه عندنا."
تعلقت جميع الأنظار بها في تلك اللحظة.
ترنيم كانت تنظر إليها بدموع متحجرة في عينيها.
سمية تنتظر منها أن تعود إلى رشدها.
تامر يراقب بصمت مثقل بالوجع.
وجواد يقف متحفزًا كمن ينتظر كلمة واحدة فقط ليشعل المكان.
أما جواهر، فكانت تنظر إليها برجاء صامت.
وسط ذلك كله قالت سمية بتوسل:
"ابعدي عن سكته يا بنتي هو وأمه الشر بعينه، وطول عمرنا مأذين منهم، كفايه أنها هي السبب في حرقة قلبنا على ابوكي، وحرمتنا منه في غمضة عين."
ثم جاءت كلمات ترنيم، محملة بكل وجع أم احترق قلبها على ابنتها:
"أنا مش هقولك سامحيني ولا اديني فرصه زي ما بقولك كل مره، بس هقولك انتي بنت واكيد هتحسي بوجع بنت زيك، خسرت كل حاجه في سنها ده، ازاي هتقبلي تعيشي مع ناس عملوا في بنت زيك كده، هتأمني على نفسك معاهم ازاي؟ أروى اللي كانت بتحبك ادبحت على أيديهم دم امك وأبوكي وشرف بنتي ملوث أيديهم، هتقدري تبصي في وشهم ازاي؟"
كانت كلماتها تسقط فوق رنيم كالمطارق، لكنها ظلت واقفة مكانها.
ثم تكلم تامر بصوت أثقله الندم:
"ابعدي يا رنيم عن سكتهم، انا في يوم من الايام كنت ماشي وراه مريم وخلتني شيطان زيهم، بلاش السكينه تسرقك زي ما سرقتني زمان، الست دي شيطانه وهي وابنها هيجروكي لسكتهم من غير ما تحسي."
واقتربت جواهر منها مجددًا، وكأنها ترفض الاستسلام، وقالت برجاء:
"علشان خاطري اسمعي كلامهم يا رنيم، أنا مش عايزه اخسرك صدقيني، انتي اكتر واحده كنتي بتنتقدي حبي لجواد، وكنتي شايفه أننا مش مناسبين لبعض وأنه ميستهلش حبي، ايه حصلك دلوقتي؟ ليه مش شايفه ده في نفسك؟ عايشه ومغمي عيونك عن الحقيقه ليه؟"
ساد الصمت.
صمت طويل ومتوتر.
نظرت رنيم إلى الوجوه المحيطة بها في صمت طويل، وكأنها تحاول أن تستوعب سيل الاتهامات والضغوط التي انهالت عليها من كل اتجاه. كانت تشعر بأن الجميع يحاصرها داخل دائرة ضيقة لا تسمح لها بالتنفس أو حتى بالتفكير، لكن رغم ذلك ظلت متمسكة بموقفها. ارتجفت شفتاها قليلًا وامتلأت عيناها بالدموع، قبل أن تحرك رأسها بالرفض وتقول:
"خلاص خلصتوا كلامكم؟ انتوا كلكم حكمتوا على شاهين بناءً عن ايه؟ لمجرد أنه ابن الست دي؟ طيب ليه مفكرتوش لو لثانيه واحده أنه ممكن يكون مختلف عنها؟ ليه مش شايفين أني ممكن اكون غيرته للأحسن، شفته ايه منه يأكد ليكم أنه إنسان وحش؟ قبل ما تحكموا على الإنسان اتأكدوا الأول، شاهين مش شرير ولا يشبه أمه، شاهين نضيف من جوه، اول ما لاقى ايد اتمدت ليه والفرصه جات ليه اتغير بجد، نسيتوا أنه هو اللي ساعدكم في ظهور براءة جواهر؟ لو هو وحش بجد مكانش تدخل ووقف قصاد امه وساعدكم، لو هو وحش كان سمح لامه تأذيني زي ما هي عايزه، كان آذاني ومحامنيش من نفسه، انا ضربته بالرصاص وكنت هموته في مره، بس هو قصاد ده عمل ايه؟ حماني ومرضاش يعترف عليا، أنا مش عيله ولا صغيره علشان يضحك عليا بسهوله، أنا كبيره وناضجه كفايه، علشان اعرف اميز بين الكويس والوحش، وبقلها قصاد الكل اهو، أنا واثقه في شاهين، اكتر ما بثق فيكم كلكم، وإذا كان على حمايتكم ليا، أنا مستغنيه عنها، علشان شاهين في ضهري."
ما إن انتهت من كلماتها حتى خيم الصمت على المكان لثوانٍ ثقيلة. لم يكن أحد منهم يتوقع أن تدافع عنه بهذه القوة أو أن تضع ثقتها فيه بهذا الشكل الصريح أمام الجميع. وبينما كانت الأنظار معلقة بها، انساب صوت مألوف من خلفهم، صوت حمل داخله قدرًا واضحًا من التأثر والامتنان. التفتت الرؤوس نحوه في اللحظة نفسها، ليظهر شاهين وهو يقترب بخطوات هادئة بعدما استمع إلى حديثها بالكامل.
كانت نظراته مستقرة عليها وحدها، وكأن بقية الموجودين اختفوا من المشهد. وعندما وصل إليها أمسك يدها دون تردد، ثم قال بصوت عميق خرج من قلبه قبل أن يخرج من شفتيه:
"أنا منكرش اني في يوم من الايام كنت بكرهكم، بخطط ازاي انتقم منكم واحد واحد، كان بيكبر جوايا الكره والشر ليكم، بس من اللحظه اللي شفت عيون رنيم فيها أنا اتغيرت، عيونها كانت طوق نجاة بالنسبالي، نظرتها اخدتني من الضلمه لنور، حبها نضف قلبي من السواد اللي امي كبرته جوايا، أنا مش جاي علشان ادافع عن نفسي ولا علشان اطلب منكم الرضا والسماح."
رفع يده الممسكة بيدها قليلًا وكأنه يعلن موقفه أمام الجميع دون خوف أو تراجع، ثم أكمل بثبات:
"أنا جاي علشان اقلكم اني عمري ما هتنازل عن حب رنيم، واللي هيفكر يبعدها عني همحيه من على وش الأرض."
اشتعلت ملامح جواد فورًا وتحرك نحوه بغضب واضح، إلا أن غريب اعترض طريقه بسرعة ووضع يده أمام صدره ليمنعه من التقدم أكثر. كانت نظراته مثبتة على شاهين بنظرة حادة لا تخطئها العين، قبل أن يقول بنبرة حملت تهديدًا صريحًا:
"متفكرش انك كده بتهددنا، أنا غريب ضرغام واسأل امك مين هو غريب ضرغام، وكنت شغال أيه زمان، يعني اخرك عندي طلقه في دماغك وملكش عندي ديه، والقرار في ايديها دلوقتي، يا تكون معانا ونحميها، يا تفضل معاك، وتكون عدوتنا."
عادت الأنظار كلها لتتجه نحو رنيم من جديد. كانت اللحظة أشبه بمحاكمة صامتة ينتظر الجميع فيها الحكم الأخير. وقفت في المنتصف تمامًا بين الطرفين، وشعرت وكأن الأرض تنسحب من تحت قدميها. تحرك بصرها بين غريب وشاهين في حيرة واضحة، بينما راقبها الأول بعينين ضيقتين مترقبًا قرارها، في حين انقبض قلب الآخر عندما أفلتت يدها من بين أصابعه وابتعدت خطوة عنه.
مرت لحظات طويلة قبل أن تتمكن من انتزاع الكلمات من بين ضلوعها، ثم قالت بصوت مختنق:
"رغم أني مستحيل اكون مع شاهين في يوم من الايام، بس انا هختاره علشان واثقه في برأته ومتأكده أنه مستحيل يكون زي امه."
لم يستطع شاهين إخفاء الابتسامة التي ارتسمت على وجهه. صحيح أن جزءًا من حديثها لم يكن كما يتمنى، لكن ذلك لم يكن مهمًا الآن، فكل ما رآه أنها اختارته أمام الجميع. اقترب منها مجددًا وأمسك يدها ثم قبلها بحب واضح وهو يقول:
"وانا اوعدك انك مش هتندمي على ثقتك فيا دي."
سحبت يدها منه فورًا ونظرت إليه بضيق قبل أن ترد:
"دماغك متروحش لبعيد أنا قلت مستحيل نكون مع بعض، بس ده ميمنعش أني بثق فيك، ومتأكده انك نضيف من جوه."
اشتدت ملامح غريب أكثر وهو يستمع إلى كلماتها، ثم قال بنبرة غاضبة حاسمة:
"تمام تبقى انتي اللي أختارتي، من النهاردة انتي بره العيله ملناش دعوه بيكي يعملوا اللي يعملوا معاكي، بس متبقيش تيجي وتستنجدي بينا وتطلبي حمايتنا، اتفضلي امشي من هنا ومش عايز اشوف وشك تاني."
شعرت ترنيم بصدمة من قسوة كلماته، فرفعت يدها نحو ذراعه محاولة التدخل، إلا أنه قاطعها فورًا وهو يهدر بغضب:
"مش عايز اسمع حرف واحد يا ترنيم، هي اللي اختارت تتحمل نتيجة اختيارها بقى."
اشتعلت عينا رنيم بالكره والتمرد، ونظرت إليهم جميعًا وكأنها تريد أن تحرق الجسور الأخيرة بينها وبينهم، ثم قالت بغضب:
"وانت مفكر اني هتقهر بقي علشان خرجتوني من الجنه، أنا اصلا ولا مرة اتقبلت وجودكم في حياتي، أنا بكرهكم كلكم بكرهكم."
واستدارت بعدها مباشرة متجهة إلى الخارج بخطوات سريعة، بينما بقي التوتر يملأ الأجواء من خلفها. عندها وجه شاهين نظرة تحذيرية للجميع وقال:
"لو حد فيكم فكر يقرب من رنيم ولا يأذيها مش هرحمكم فاهمين."
ثم تحرك خلفها على الفور، ولحق بها قبل أن تبتعد أكثر، وأمسك ذراعها قائلًا:
"استني يا قلبي."
نزعت يدها من قبضته سريعًا وكأن لمسته أزعجتها، ثم قالت بلهجة تحذيرية صارمة:
"أنا بحذرك يا شاهين تستخدم كلامي اللي قلته جوه ده لأغراض شخصية، أنا اختارتك بس علشان استفزهم لاني بكرههم، مش لاي سبب تاني فاهم."
ابتسم بهدوء وكأنه لا يصدق حرفًا مما تقوله، ثم أجابها:
"رغم أنا متأكد انك مش بتقولي الحقيقه، وسمعت كلامك اللي قلتيه عليا من شويه وكان خارج من قلبك وحسيته، بس هنفذ كلامك زي ما انتي عايزة ومش هضايقك خالص، وهسيبك لحد ما يجي الوقت اللي انتي تطلبي فيه قربي ليكي."
ضغطت على أسنانها بضيق وتحركت نحو سيارتها، لكنها توقفت للحظة قبل أن تصعد إليها، والتفتت نحوه قائلة بحدة:
"أن اجي اطلب قربك مني دي مش هيحصل ابدا غير في احلامك يا شاهين، ووفر وقتك وروح لمراتك وبناتك."
بعدها جلست خلف المقود وأدارت السيارة بسرعة، ثم انطلقت مبتعدة عن المشفى تاركة خلفها سحابة كثيفة من الغضب والتوتر. أما شاهين فظل يتابعها بعينيه حتى اختفت عن ناظريه، لترتسم على وجهه ابتسامة هادئة واثقة، قبل أن يتجه إلى سيارته هو الآخر وينطلق بعيدًا عن المكان.
****************************
جلس عمر خلف مكتبه الخشبي الفخم، مستندًا بجسده إلى ظهر المقعد الجلدي، بينما كان يحركه ببطء إلى الأمام ثم إلى الخلف في حركة رتيبة تعكس انشغاله العميق. استقرت عيناه على نقطة مجهولة أمامه، وكأن عقله كان يغوص في دوامة من الحسابات والخطط التي لا تنتهي.
قطع الصمت رنين هاتفه، فالتقطه ونظر إلى الشاشة قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة ذات مغزى. ضغط زر الإجابة وألقى بجسده أكثر داخل المقعد قائلاً بنبرة رجولية مرحة:
"البوص بذات نفسه! عامله ايه يا ريسه؟"
جاءه صوتها من الطرف الآخر ناعمًا، لكنه يحمل بين حروفه سمًا خفيًا لا يخطئه أحد:
"شايفه ان مافيش تقدم خالص في خطتنا."
تنهد عمر بهدوء، ثم مرر يده على ذقنه وهو يجيبها محاولًا تبرير الأمر:
"احنا لسه في أول الطريق يا ريسه، ومتنسيش وجود ابنك شاهين معطل كل حاجه مش مديني فرصه اقرب منها."
أطلقت مريم زفرة ضيق مسموعة، ثم قالت بنفاذ صبر واضح:
"نعم يا اخويا؟ أنت اصلا وجودك جنبها في الوقت ده علشان تبعدها عنه وتخدها منه، ولا الموضوع صعب عليك، وأشوف حد تاني؟"
اعتدل عمر في جلسته فورًا، وكأن كلماتها مست كبرياءه، فأجابها بسرعة:
"لا طبعًا حد تاني ايه؟ البنت دي عناديه وعجباني شخصيتها اوي، وقريب اوي دبلتي هتكون في ايديها."
ساد بينهما صمت قصير، لكنه كان محملًا بالكثير من المعاني. على الطرف الآخر، ضيقت مريم عينيها بعدم اقتناع، وكأنها تحاول استكشاف ما إذا كان يتحدث بدافع المصلحة أم أن الأمر بدأ يتحول إلى شيء آخر.
وأخيرًا قالت بنبرة يشوبها الشك:
"لما نشوف، وريني همتك، عايزة العلاقه دي تنتهي ما بينهم في اقرب وقت، شاهين هيرجع زي الاول وأقسى لما هي تبعد عنه وتسيبه، مستنيه البركان اللي هيوصل ليه علشان استخدمه زي ما أنا عايزه."
ما إن أنهت كلماتها حتى ارتسمت على وجه عمر ابتسامة باردة، ابتسامة رجل يرى أمامه فرصة للانتقام طال انتظارها.
تعالت ضحكاتهما الشريرة عبر الهاتف لثوانٍ معدودة، قبل أن ينهي عمر المكالمة.
أنزل الهاتف ببطء فوق سطح المكتب، ثم أراح ظهره على المقعد مجددًا. ظلت عيناه معلقتين بالفراغ أمامه، لكن داخله كان يغلي بمشاعر أكثر ظلمة.
قبض على ذراع المقعد بقوة حتى برزت عروق يده، واشتعلت نظراته بحقد دفين وهو يستعيد في ذهنه كل ما فعله شاهين به.
خرج صوته هذه المرة هامسًا، لكنه كان يحمل من الوعيد ما يكفي لإشعال حرب كاملة:
"هشوف هتحافظ عليها ازاي يا شاهين، وهدفعك التمن غالي اوي."
واستقرت على شفتيه ابتسامة قاتمة، بينما كان يفكر في رنيم، لا كفتاة يريدها فقط، بل كورقة الانتقام الأثمن التي ينوي انتزاعها من بين يدي شاهين مهما كان الثمن.
************************
عند أروى...
دخل غريب إلى غرفتها بخطوات بطيئة أثقلها الوجع، ثم سحب المقعد المجاور للسرير وجلس عليه بصمت. ظلت عيناه معلقتين بجسدها الممدد أمامه بلا حراك، وكأنه يرفض تصديق أن تلك الفتاة المليئة بالحياة والمشاغبة أصبحت ساكنة إلى هذا الحد.
مد يده وأمسك بكفها برفق، فاجتاحته الذكريات دفعة واحدة. تذكر وجهها البريء وابتسامتها التي كانت تنجح دائمًا في انتزاع البهجة من قلبه مهما كان مثقلًا بالهموم، وتذكر مشاغباتها التي كانت تملأ المنزل حياة، ومزاحها الدائم، وحتى تذمرها من أبسط الأشياء. كل تفصيلة صغيرة فيها مرت أمام عينيه كأنها تحدث الآن.
ارتجفت ملامحه وسقطت دمعة من عينه لأول مرة منذ سنوات طويلة، دمعة لم يحاول إخفاءها أو مقاومتها. فهي ابنته، قطعة من قلبه وروحه، والإنسان الوحيد الذي كان يظن أن الزمن كله سيعجز عن كسر ابتسامته أمامها.
تكلم بصوت مختنق أثقله الألم:
"حقك عليا يا نن عيوني، يا حتة من قلبي، لاول مره في حياتي دموعي تنزل مني، ومش مكسوف منها، لأن مريم عرفت تكسرني بجد، عرفت تضربني في مقتل، وصلت لنقطة ضعفي ووجعتني بجد، انتي الشمس اللي بتنور حياتي، انتي نجمه عاليا وغاليه عليا اوي يا اروى، أنا زمان كنت رافض اكون اب كنت خايف يجي اليوم وأتحرم منكم زي ما حصل معايا وانا صغير، بس لما جيتوا وزينتوا حياتي ندمت على تفكيري ده، حياتي بقى ليها معنى ولون بقى ليها قيمة، وكنت كل ما بشوفكم تكبروا قصاد عيني، قلبي كان بيتضخم بحبكم كنت بحس بسعادة وفي نفس الوقت كنت بخاف، لانكم بقيتوا نقطة ضعفي، بقيت فريسه سهله لاعدائي لاي حد يهددني بيكم، الخوف معرفتش معناه غير لما انتوا جيتوا حياتي، علشان كده اللي حصلك ده كسر قلبي، اتوجعت وحسيت بسكينه غرزت في قلبي، اللي حصلك حسسني قد ايه انا ضعيف، مقدرتش احميكي من شر مريم، حقك عليا يا بنتي، أنا مستحقش اكون اب ليكي."
ومع انتهاء كلماته انحنى برأسه إلى الأسفل، وكأن الحمل الجاثم فوق صدره أصبح أكبر من أن يحتمله. انهمرت دموعه بغزارة فوق كفه التي ما زالت تحتضن يد أروى، بينما كانت شهقاته تتصاعد رغماً عنه. لأول مرة ينهار غريب بهذا الشكل، هو الذي اعتاد الجميع رؤيته صلبًا لا تهزه العواصف مهما اشتدت.
وصل صوت بكائه إلى الخارج، فالتقطته ترنيم التي كانت تقف في الممر. تجمدت لوهلة قبل أن تندفع إلى الداخل بقلق، لكنها ما إن وقعت عيناها عليه حتى توقفت مكانها وكأنها صدمت بما ترى. طوال سنوات عمرها لم ترَ غريب يبكي، ولم تتخيل يومًا أن ترى ذلك الرجل الذي احتمى به الجميع منكسرًا إلى هذا الحد.
اقتربت منه ببطء، ثم وضعت يدها على كتفه وضغطت عليه برفق، محاولة أن تمنحه بعض السند الذي طالما منحه للجميع.
شعر بوجودها فرفع رأسه نحوها، وكانت عيناه ممتلئتين بعجز لم تعرفه فيه من قبل. نهض فجأة وتمسك بها بقوة، ثم ارتمى داخل أحضانها وكأنه يبحث عن شيء يقيه من الانهيار الكامل، وقال بين شهقاته:
"أنا مستحقش اكون اب، أنا ضعيف ومقدرتش احمي بنتي يا ترنيم."
هزت رأسها سريعًا وهي تبكي، ثم احتضنت وجهه بين كفيها وقالت بصوت مرتجف:
"متقولش كده انت أعظم اب في الدنيا دي كلها، احنا عشنا عمرنا كله تحت حمايتك يا غريب، وواثقين فيك، وعارفين انك هتجيب حقنا من مريم في اقرب وقت، انت اطيب قلب وأعظم أب وأجمل زوج، انا مش قادره اشوفك كده يا غريب اقوى علشان خاطري، اقوى علشان احنا كلنا ساندين عليك."
تشبث بها أكثر، وكأنه يستمد من وجودها القوة التي خذلته للحظات. وبقيا على تلك الحال وقتًا طويلًا، لا يشعران بمرور الدقائق، بينما كان الحزن يحيط بهما من كل اتجاه.
وفي الجهة الأخرى، داخل ذلك العالم المظلم الذي غرقت فيه أروى، حيث لا أصوات تصل ولا وجوه ترى، انزلقت دمعة صغيرة من زاوية عينها المغلقة. كانت تائهة في مكان لا يشبهها، مكان أجبرت على الوصول إليه دون إرادة منها، لكن تلك الدمعة بدت وكأنها رسالة صامتة تؤكد أن روحها ما زالت تسمعهم، وما زالت تحاول أن تجد طريق العودة.
***************************
عادت رنيم إلى المنزل وهي تشعر أن رأسها يكاد ينفجر من كثرة الأفكار المتصارعة داخله. منذ خروجها من المشفى وحتى وصولها لم تتوقف الكلمات التي قيلت هناك عن الدوران في عقلها، وكأنها تسمعها للمرة الأولى في كل ثانية.
ما إن دخلت غرفتها حتى ألقت حقيبة يدها فوق السرير بعصبية، ثم بدأت تدور في المكان ذهابًا وإيابًا بخطوات متوترة. كانت تمرر أصابعها بين خصلات شعرها وتجذبه أحيانًا في حركة لا إرادية تعكس حجم اضطرابها، بينما عيناها تلمعان بعدم تصديق لما فعلته قبل ساعات.
توقفت فجأة في منتصف الغرفة وهتفت بغضب:
"أنا أزاي عملت كده؟ ازاي اخترت شاهين؟ وانا كنت ناويه لا اختار دول ولا اختاره، لساني ازاي نطق اسمه، أنا غبيه حماره، هو كده هيفتكر أني علشان اختارته، يبقى هوافق على طلب جوازه مني."
ألقت بجسدها فوق حافة السرير وأراحت رأسها على كفها، بينما راحت أفكارها تتشابك أكثر فأكثر.
كان الأمر يربكها. يربكها بشدة.
لأول مرة تشعر أنها عاجزة عن فهم نفسها.
تنهدت باضطراب وهمست وكأنها تحدث شخصًا آخر غيرها:
"أنا ليه مبقتش فهماني؟ ليه اوقات بحس أني حبه قربه مني اوي، حبه تمسكه بيا، كلامه المتملك، واوقات ببقى مضايقه، وحاسه أن حبه ليا مجرد تملك مش اكتر."
ساد الصمت للحظات، ثم هزت رأسها بعنف وكأنها تحاول طرد تلك الأفكار من عقلها قبل أن تتجذر داخله.
رفعت رأسها وقالت بحدة محاولة إقناع نفسها:
"انتي ايه الهبل اللي بتفكري فيه ده؟ مستحيل ده يحصل، انتي ناسيه أنه متجوز وعنده بنتين، ناسيه اللي عشتيه زمان وعايزه تكرري دلوقتي معاهم، فؤقي يا رنيم، شاهين مش من حقك ولا عمره هيكون ليكي."
خرجت كلماتها الأخيرة بصوت مرتفع دون أن تشعر، حتى إنها لم تنتبه إلى الرجل الذي دخل بهدوء ووقف يستمع لكل ما تقوله.
انتفضت من مكانها عندما اخترق صوته الرجولي أجواء الغرفة قائلاً:
"أنا مش هكون غير ليكي، وانتي مش هتكوني غير ليا يا رنيم، دي الحقيقه اللي مهما حاولتي تنكريها مش هتتغير."
استدارت نحوه بسرعة، واتسعت عيناها بصدمة قبل أن تتحول ملامحها إلى الغضب. نهضت واقفة وقالت بحدة:
"مش هتبطل تدخل عليا اوضي من غير استئذان يا بني آدم انت؟"
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، ثم اقترب منها بخطوات واثقة وقال:
"أنا لاقيت الباب مفتوح على فكرة علشان كده دخلت، وبعدين انتي اللي صوتك كان عالي وانتي بتتكلمي، وانا سمعته كله."
توقفت أنفاسها للحظة. سمع كل شيء؟
كل ما كانت تحاول إنكاره حتى على نفسها؟
أما هو فبدا وكأنه وجد فيما سمعه ما كان ينتظره منذ زمن.
اقترب أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، ثم أحاطها بذراعه وتكلم بصوت منخفض حمل قدرًا كبيرًا من اليقين:
"الحقيقه اللي عمرك ما هتقدري تنكريها مهما حاولتي يا رنيم، انك انتي بتحبيني."
ثم رفع يده وأشار إلى قلبها قائلاً:
"واللي ساكن هنا هو أنا وبس، وأنه هيختار قربي مهما حاولتي تعملي عكس ده."
ارتبكت رنيم رغمًا عنها. كانت تكره تأثيره عليها.
وتكره أكثر أنها لا تستطيع تجاهله.
شعرت بقلبها يتسارع بطريقة أربكتها، بينما تعالت أنفاسها دون إرادة منها.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"ل لو سمحت ا ابعد عني، واياك ت تدخل اوضي تاني."
لكن كلماتها خرجت أضعف بكثير مما أرادت.
أما هو فلم يبتعد. بل اقترب أكثر وعانقها بعاطفة صادقة وقال بصوت اختلط فيه الشوق بالتعب:
"مقدرش ابعد عنك، علشان انتي بقيتي النفس اللي بتنفسه يا رنيم، تعالي نتجوز ارجوكي، كفايه عذاب لقلوبنا بقى."
لثانية واحدة فقط.. ثانية قصيرة لكنها كانت كافية لتخونها مشاعرها.
استكانت بين ذراعيه وأراحت رأسها فوق صدره دون مقاومة، وكأنها وجدت مكانًا كانت تبحث عنه منذ زمن طويل.
استمعت إلى دقات قلبه القوية، وشعرت براحة غريبة تسللت إليها رغم كل محاولاتها للهرب منها.
لكن ما إن أدركت ما تفعله حتى انتفضت وكأنها استيقظت من غفلة مفاجئة.
دفعت صدره بكلتا يديها وأبعدته عنها بعنف، ثم قالت بغضب شديد:
"اطلع بره لو سمحت كفايه بقى تطفل على حياتي يا شاهين."
نظر إليها طويلًا، ولم يغضب كما توقعت.
بل بدا وكأنه يراها أوضح من أي وقت مضى. ثم قال بهدوء:
"ده مش تطفل يا رنيم ده حب وتمسك بيكي، ولو مكنتش متأكد من حبك ليا مكنتش هفضل احاول معاكي علشان تديني فرصه ونتجوز، عموما أنا هفضل معاكي ومستني اللحظه اللي هتوافقي فيها على جوازنا."
وقبل أن تتمكن من الرد، اقترب منها ووضع قبلة خفيفة فوق رأسها، ثم استدار وغادر الغرفة بهدوء تاركًا خلفه عاصفة كاملة داخل قلبها.
ظلت واقفة مكانها تتابع خروجه بعينين مرتبكتين، ثم رفعت يدها وأعادت خصلات شعرها إلى الخلف في محاولة لاستعادة هدوئها. لكن محاولتها فشلت.
فما إن أغلق الباب خلفه حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها رغمًا عنها.
ابتسامة قاومتها كثيرًا لكنها ظهرت في النهاية، بينما كان قلبها في الداخل يرقص بسعادة خجولة لم تعد قادرة على إنكار وجودها بالكامل.
**************************
عند أروى... بعد عدة أيام
تسلل أحمد إلى الغرفة بهدوء شديد، مستغلًا اللحظة التي خلا فيها الممر من المارة. أغلق الباب خلفه بحذر ثم تقدم نحو السرير بخطوات متثاقلة، وكأن قدميه تحملان فوقهما جبالًا من الألم. لم يكن أحد يعلم بوجوده هناك سوى تامر الذي تكفل بإبعاده عن الأنظار ومنحه فرصة لرؤيتها.
جلس على المقعد المجاور لها، وألقى نظرة طويلة على وجهها الشاحب الساكن. كانت ملامحها هادئة بشكل موجع، هدوء لا يشبه أروى التي اعتاد ضحكاتها ومشاكساتها الدائمة. مد يده ببطء وأمسك بكفها البارد بين يديه، بينما ظل صامتًا لدقائق طويلة، عاجزًا عن ترتيب الكلمات التي تتزاحم داخله.
ابتلع غصته وأخذ نفسًا عميقًا، ثم خرج صوته أخيرًا مثقلًا بالحزن:
"مش عارف ازعل عليكي ولا أزعل منك، متأكد أن اللي حصلك ده بسبب تهورك وجنانك اللي متعود عليهم، علشان أنا طلبت منك بدل المره مليون مره متتحركيش بره باب الفيلا من غيري أو مع حد من أهلك، استفدي ايه دلوقتي يا أروى؟ وجعتينا كلنا عليكي، عارف ان وجعك اكبر مننا بكتير، بس اللي حصلك كسر قلبي وقسم ضهر أهلك، انا مش قادر اخد أي قرار دلوقتي عاجز عن التفكير، بس كل اللي عارفه هو أني بحبك ومستحيل هقدر اعيش من غيرك."
استقرت كلماته داخل الغرفة كأنها اعتراف أخير من قلب أنهكه الخوف. وفي تلك اللحظة لمح حركة خافتة للغاية بين أصابعها.
تجمد في مكانه وحدق بكفها بعدم تصديق.
لثوانٍ ظن أن عقله يخدعه، وأن شوقه إليها يصنع له أوهامًا يتشبث بها، لكن أصابعها تحركت مرة أخرى ببطء أشد وضوحًا هذه المرة.
اتسعت عيناه فجأة، ومال نحوها بسرعة وهو يهمس بلهفة امتزجت بالخوف:
"أروى انتي سمعاني؟"
انسابت دمعة وحيدة من زاوية عينها المغلقة، بينما تحركت أصابعها مرة أخرى بضعف شديد، وكأنها تبذل كل ما تبقى لديها من قوة لتؤكد له أنها تسمعه.
ارتجف قلبه داخل صدره، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة غارقة بالدموع وهو يقول:
"فتحي عيونك يا أروى بصيلي."
بدأ جفناها يرتعشان بخفة، ثم راحت تحاول فتح عينيها بصعوبة بالغة، كمن يصارع ظلامًا كثيفًا يرفض أن يتركه. وما إن تمكنت من رؤية ما حولها حتى عادت الذكريات تهاجمها دفعة واحدة.
رأت كل شيء.
رأت الرعب. سمعت الصرخات.
شعرت بالعجز ذاته يعود ليطبق على أنفاسها.
انتفض جسدها بعنف، واعتدلت فجأة فوق السرير وهي تضم نفسها بكلتا ذراعيها، بينما خرجت منها صرخة مرتجفة مزقت سكون المكان.
قفز أحمد من مكانه واقترب منها سريعًا محاولًا تهدئتها:
"اهدي يا أروى أنا احمد متخافيش."
لكنها لم تكن تسمعه.
وضعت يديها فوق أذنيها بقوة، وأخذت تصرخ بجزع شديد بينما يرتجف جسدها بالكامل كطائر مذعور وقع في قبضة صياد.
في تلك الأثناء اندفع الجميع إلى الداخل بعد أن سمعوا صرخاتها.
توقفت أنفاسهم للحظة عندما وجدوها بهذه الحالة، بينما كان أحمد يقف بجوارها يحاول السيطرة على الموقف.
نظر غريب إليه باستغراب ممزوج بالتوتر وسأله:
"انت بتعمل ايه هنا؟"
وقبل أن يتصاعد الموقف تدخل تامر سريعًا قائلاً:
"اهدا يا غريب هفهمك كل حاجه بعدين، المهم دلوقتي نطمن على أروى الحمدالله أنها فاقت."
اغرورقت عينا ترنيم بالدموع فور رؤيتها لابنتها وقد استعادت وعيها أخيرًا. تقدمت خطوة نحوها بدافع أمومتها الجارفة، راغبة فقط في احتضانها، لكن أروى أطلقت صرخة أخرى أكثر رعبًا بمجرد اقترابها.
عقد الطبيب حاجبيه بتوتر وهو يتابع المشهد ثم قال بجدية:
"يا جماعه مينفعش كده وجودكم كلكم غلط عليها هي لسه فايقه من غيبوبه وأثر اللي حصل ليها لسه فكراه كأنه دلوقتي."
اشتعل غضب جواد فورًا ورد بعصبية:
"انت مش هتعرفنا نتعامل مع بنتنا ازاي، احنا كلنا قلقانين عليها."
أغمض غريب عينيه للحظة وهو يحاول السيطرة على أعصابه، ثم قال بصوت حازم:
"جوواد اهدا مش وقته."
رغم محاولات الجميع الاقتراب منها، إلا أنها كانت تتراجع أكثر داخل نفسها، تنكمش فوق السرير كطفلة خائفة تحاول الاحتماء من العالم كله. حتى الأطباء والممرضات لم يتمكنوا من الاقتراب منها أو إعطائها المهدئ، بعدما أصبحت تنظر إلى كل من يقترب منها وكأنه تهديد جديد.
وسط ذلك الاضطراب كله، تقدم غريب ببطء. لم يتعجل. لم يرفع صوته.
اقترب منها كما كان يفعل وهي صغيرة حين كانت تستيقظ فزعة من كابوس في منتصف الليل.
كانت عيناه ممتلئتين بالحزن، لكن صوته خرج دافئًا مطمئنًا وهو يقول:
"أروى حبيبتي اهدي يا روحي متخافيش أنا جنبك."
تعلقت نظراتها المرتبكة بوجهه.
شيئًا فشيئًا بدأت أنفاسها تنتظم، وخفت ارتجافات جسدها تدريجيًا. كان صوته وحده يشق طريقه وسط فوضى الخوف التي تسيطر عليها.
جلس غريب بجوارها على السرير، ثم جذبها إليه برفق حتى استقرت داخل أحضانه. أخذ يربت على ظهرها بحنان أب يحاول أن يجمع شظايا قلب ابنته بين ذراعيه، بينما ظلت متشبثة به بقوة وكأنها تخشى أن يختفي إذا تركته للحظة واحدة. وقال بهدوء...
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع والثلاثون
جلس غريب إلى جوار أروى فوق السرير، ثم جذبها نحوه برفق شديد حتى استقرت بين ذراعيه. أخذ يربت على ظهرها بحنان أب يحاول أن يجمع بيديه ما تبقى من روح ابنته المكسورة، بينما كانت هي متشبثة به بقوة يائسة، وكأنها تخشى أن يبتعد عنها فتجد نفسها وحيدة مرة أخرى داخل ذلك الجحيم الذي خرجت منه للتو.
مال برأسه نحوها وهمس بصوت دافئ رغم الاختناق الذي يعتصر حنجرته:
"شش، أهدي يا قلب بابا من جوه، أنا جنبك ومش هسيبك ثانيه واحده."
ارتجف جسدها أكثر داخل أحضانه، وازدادت قبضتها على قميصه حتى كادت أصابعها تنغرس فيه، ثم قالت بصوت متقطع خرج بين شهقاتها وأنفاسها المضطربة:
"خليهم يبعدوا عني، متخليش حد فيهم يقرب مني."
أغمض عينيه للحظة وهو يشعر بحجم الرعب المزروع داخلها، ثم أومأ برأسه مطمئنًا إياها، وأخذ يمرر يده فوق شعرها بحركات هادئة ومتكررة، قبل أن يرفع عينيه نحو الواقفين داخل الغرفة.
لم يتكلم.. اكتفى بإشارة بسيطة من رأسه. فهم الجميع ما يريده.
خرجوا واحدًا تلو الآخر بصمت ثقيل، حتى الأطباء والممرضات غادروا المكان، تاركين الأب وابنته وحدهما داخل الغرفة التي خفت ضجيجها فجأة بعد أن كانت ممتلئة بالتوتر والخوف.
انحنى غريب وقبل رأسها بحنان موجوع، ثم واصل التربيت على ظهرها وهو يقول بصوت مبحوح:
"نامي يا حبيبتي على السرير، متخافيش."
لكنها حركت رأسها بالرفض فورًا، وازداد تشبثها به بصورة جعلت قلبه ينقبض بعنف. كانت تتمسك به وكأنه طوق النجاة الأخير في عالم غرق بالكامل من حولها، وكأن مجرد ابتعادها عنه لخطوة واحدة سيعيد إليها كل ما تحاول الهروب منه.
تنهد بألم، ثم ضمها إلى صدره أكثر، حتى كادت تختفي بين ذراعيه، وقال بصوت اختلطت فيه الأبوة بالعجز:
"خلاص يا حبيبتي، متخافيش، خليكي في حضني."
استكانت قليلًا بعد كلماته، بينما ظل هو يملس على شعرها بهدوء، يكرر الحركة نفسها مرارًا وكأنه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها. شيئًا فشيئًا بدأت أنفاسها تنتظم، وخفت ارتجافات جسدها تدريجيًا، حتى شعر بثقل رأسها فوق صدره وعرف أنها استسلمت للنوم أخيرًا.
أنزل بصره إليها، فتأمل ملامحها المنهكة وقلبه يتمزق من أجلها.
بحذر شديد حاول أن يبعدها عنه قليلًا ليضعها على الوسادة، لكن أصابعها بقيت متشبثة بقميصه بقوة حتى وهي غارقة في النوم، وكأن عقلها الباطن يرفض السماح له بالابتعاد.
تجمد مكانه للحظة وهو ينظر إلى قبضتها الصغيرة المتمسكة به، ثم ابتسم ابتسامة حزينة امتلأت بالألم.
استسلم في النهاية.
تمدد بجوارها فوق السرير دون أن يفلت يديها من قميصه، وبقي إلى جانبها كما أرادت، يراقب وجهها بصمت، بينما كانت يده تتحرك بين الحين والآخر فوق شعرها بحنان.
لم يكن يخشى التعب أو الإرهاق.
كل ما كان يخشاه حقًا أن تستيقظ، فلا تجده بجوارها، فتعود تلك النظرة المذعورة إلى عينيها من جديد.
***************************
عند رنيم...
وصلت رنيم إلى مقر الشركة برفقة شاهين كعادته في الأيام الأخيرة، ذلك الروتين الذي فرضه على حياتها دون أن يمنحها فرصة حقيقية للاعتراض. أوقف السيارة أسفل المبنى ثم التفت إليها، وعيناه تحملان ذلك الدفء الذي أصبح يخصها وحدها، وقال بحب:
"يلا يا قلبي اطلعي وانا هخلص شغل وقبل ميعاد خروجك هتلاقيني عندك."
هزت رأسها بالنفي فورًا، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتخبره، ثم قالت:
"لا متجيش علشان مش هكون في الشركه."
انعقد حاجباه باستغراب واضح، والتفت إليها بالكامل قبل أن يسأل:
"ليه هتكوني فين؟"
أجابت وهي تحاول أن تبدو طبيعية رغم ضيقها من رد فعله المتوقع:
"النهاردة هكون في الموقع اللي الشركه هتتبني عليها علشان هنبدأ شغل فيها، وأحتمال اشوف فندق قريب منه واحجز اوضه هناك علشان اكون جنب الموقع لانه بعيد جدا عن هنا."
ما إن انتهت من حديثها حتى تبدلت ملامحه، وانعكس الضيق بوضوح على وجهه، ثم قال بنبرة مشدودة:
"شركة اللي اسمه عمر ده؟"
أومأت برأسها مؤكدة كلامه وقالت:
"ايوه، أنا بس هطلع اخلص شوية شغل في مكتبي وبعد كده همشي."
زفر ببطء وهو ينظر أمامه للحظات، وكأنه يحاول السيطرة على انزعاجه، قبل أن يلتفت إليها مجددًا قائلاً بحسم:
"يلا بينا هطلع معاكي تخلصي شغلك وبعد كده هروح معاكي الموقع ده."
رفعت أحد حاجبيها بدهشة ممزوجة بالاستياء وقالت:
"تروح معايا فين؟ هو أنا رايحه ترفيه، ده شغل، ووجودك معايا ملوش لازمه، لو سمحت كفايه لحد كده، أنت بتدخل في كل حاجه تخصني حتى شغلي وانا زهقت من طريقتك دي."
اشتدت نظراته قليلًا وهو يجيبها بصرامة:
"وانا مش هسيبك مع اللي اسمه عمر ده لوحدك، طلبت منك تلغي الشغل معاه رفضي، يبقى رجلي على رجلك يا رنيم، ومافيش اعتراض فاهمه."
حدقت فيه طويلًا، بينما كانت أعصابها توشك على الانفجار، ثم ضغطت على أسنانها بغضب وترجلت من السيارة دون أن تضيف كلمة واحدة.
راقبها وهي تبتعد بخطوات سريعة غاضبة، ثم قبض على عجلة القيادة بقوة للحظات قبل أن يهبط هو الآخر ويتبعها إلى الداخل.
استقلّا المصعد في صمت متوتر. كانت رنيم تنظر أمامها بملامح متجهمة، بينما كان شاهين يراقب انعكاس صورتها على الجدار المعدني للمصعد دون أن يبعد عينيه عنها.
وما إن انفتح الباب حتى اندفعت خارجه مباشرة واتجهت نحو مكتبها. فتحت الباب بقوة ودخلت إلى الداخل، ثم ألقت بنفسها فوق المقعد خلف المكتب وأمسكت سماعة الهاتف قائلة بسرعة:
"هاتي الملفات كلها اللي محتاجه توقيع وهاتي ملف الشركه اللي هنستلم موقعها النهاردة."
أعادت السماعة إلى مكانها، ثم رفعت نظرها نحو شاهين الجالس أمامها، لتقول بضيق واضح:
"بص بقى لو ناوي تيجي معايا الموقع، يبقى بلاش مشاكل هناك مع أستاذ عمر، وياريت يعني لو ترجع في كلامك، علشان أنا مش متقبله وجودك معايا في كل مكان زي ضلي كده، يعني ده وضع ممل بجد."
استرخى في جلسته وأرجع ظهره إلى المقعد دون أن يبدو عليه أي تأثر بكلماتها، ثم قال بهدوء حازم:
"أنا مش معنى اني هادي معاكي تتكلمي بأسلوبك ده معايا، أنا كل ده شاري خاطرك ومش عايز ازعلك، بس كلمتين عايزك تحطيهم حلقه في ودنك؛ انتي بتاعتي أنا ومن حقي احميكي بالطريقة اللي انا شايفها صح، واللي اسمه عمر ده انا مش مرتاح ليه، ومستحيل اسيبك معاه لوحدك في أي مكان، مش قلة ثقه فيكي، بس حمايه ليكي، علشان كده متحرقيش جاز كتير معايا، علشان مش هتراجع عن قراري مهما عملتي."
زفرت بقوة وهي تدرك أن الجدال معه أصبح بلا فائدة، وفي تلك اللحظة دخلت السكرتيرة حاملة مجموعة من الملفات.
وضعتها فوق المكتب وقالت باحترام:
"دي كل الملفات اللي محتاجه توقيع حضرتك يا فندم، وده الملف بتاع شركة استاذ عمر، والعمال جهزت وسبقتك على الموقع هناك."
أومأت رنيم برأسها وبدأت تقلب الأوراق بسرعة واحترافية، توقع مستندًا تلو الآخر دون تردد، حتى انتهت منها جميعًا ثم أعادت الملفات للسكرتيرة قائلة:
"أنا احتمال كبير مقدرش اجي الفترة الجايه علشان هكون في الموقع هناك، لو فيه اي ورق محتاج توقيع ولا فيه اي حاجه مهمه في الشغل كلميني على طول."
ابتسمت السكرتيرة وقالت:
"تمام يا فندم، ربنا معاكي."
غادرت الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها، بينما فتحت رنيم ملف المشروع وبدأت تراجعه باهتمام كامل.
أما شاهين فكان منشغلًا بشيء آخر تمامًا.
كانت عيناه معلقتين بها منذ دقائق، يتابع تركيزها، وطريقتها المنظمة في العمل، وحركاتها السريعة الواثقة. كان يراها في تلك اللحظة مختلفة عن الجميع؛ امرأة قوية تعرف ما تريد وتسعى إليه بكل إصرار، وهو الأمر الذي زاد تعلقه بها أكثر مما كان.
شعرت بنظراته المستمرة عليها، فرفعت رأسها نحوه للحظة، وما إن التقت أعينهما حتى تسلل إليها توتر خفيف لم تستطع منعه. أغمضت عينيها لثوانٍ محاولة استعادة تركيزها، لكنها فشلت تمامًا.
أغلقت الملف بضيق ثم اعتدلت في جلستها قائلة:
"أنا همشي يدوب ألحق اوصل الموقع قبل ما الليل يليل."
نهض شاهين فورًا وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وهو يقول:
"يلا بينا."
هبطت قدماها على الأرض بتذمر طفولي جعلها تبدو أصغر من عمرها للحظة، ثم تحركت سريعًا نحو الباب دون أن تنظر إليه.
انفجرت ضحكة خافتة من شاهين وهو يتابع تصرفاتها، ثم لحق بها إلى الخارج.
هبطا معًا إلى الأسفل، وما إن وصلا إلى السيارة حتى جلست رنيم في المقعد الأمامي بوجه عابس وملامح غاضبة، بينما استقر شاهين خلف المقود بابتسامة مستمتعة، ثم أدار المحرك وانطلقت السيارة تشق طريقها نحو موقع العمل الجديد، بينما كان كل منهما يحمل بداخله أفكارًا مختلفة تمامًا عما ينتظرهم هناك.
*****************************
عند أروى...
دفعت ترنيم باب الغرفة برفق شديد، ثم دلفت إلى الداخل وأغلقته خلفها بهدوء، وكأنها تخشى أن يوقظ أي صوت صغير الألم الراقد فوق ذلك السرير. تقدمت بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى ابنتها، فتوقفت تتأملها بصمت موجع. كانت أروى نائمة، لكن يدها ما زالت متشبثة بملابس والدها بقوة، كأنها تخشى أن تفتح عينيها فلا تجده بجوارها.
جلست ترنيم على حافة السرير، وامتدت أصابعها ترتب خصلات شعر ابنتها بحنان أم يعتصرها العجز. انحنت قليلًا وقبلت رأسها قبلة مرتجفة، وما إن لامستها حتى فاضت الدموع من عينيها دون قدرة على إيقافها.
لكن ما حدث بعدها جعل الدم يتجمد في عروقها.
فبمجرد أن شعرت أروى بوجودها، انتفض جسدها بعنف وكأنها استيقظت داخل كابوس مرعب. تشبثت بوالدها بيد مرتعشة، وارتفعت صرخاتها المذعورة وهي تحاول الابتعاد عن ترنيم بكل ما تملك من قوة.
استفاق غريب على الفور، وفتح عينيه بصدمة قبل أن يعتدل سريعًا ويضم ابنته إلى صدره محاولًا تهدئتها.
وقال بقلق وعدم فهم:
"فيه ايه مالك يا حبيبتي؟"
ثم التفت نحو ترنيم التي كانت قد تراجعت للخلف بوجه شاحب وعينين غارقتين في الذهول، وقال:
"فيه ايه يا ترنيم عملتي ليها أيه؟"
هزت رأسها بعنف والدموع تنهمر فوق وجنتيها وهي تقول بصوت مختنق:
"معملتش حاجه ليها والله العظيم، أنا دخلت اطمن عليها، واول ما حست بيا عملت كده، دي بنتي يا غريب، مش معقول هأذيها يعني."
أعاد نظره إلى أروى التي كانت ترتجف داخل أحضانه كطائر مذعور، وربت على ظهرها بحنان بالغ وهو يحاول بث الأمان داخل قلبها المنهك.
"اهدي يا حبيبتي علشان خاطري، دي ماما كانت بتطمن عليكي، متخافيش منها."
لكن أروى لم تستجب لكلماته، بل ازدادت التصاقًا به، وأخفت وجهها داخل صدره وهي تحرك رأسها بالرفض مرارًا، بينما استمر جسدها في الارتعاش بصورة مزقت قلبه.
أغمض غريب عينيه للحظة وهو يشعر بالعجز يطبق على صدره، ثم قال بصوت خافت لترنيم:
"هاتي الدكتور يديها حقنه مهدأه."
أومأت برأسها وغادرت الغرفة سريعًا.
وبعد لحظات قليلة عادت برفقة الطبيب، لكن ما إن وقعت عينا أروى عليه حتى تجدد الرعب داخلها من جديد، فصرخت بفزع وتمسكت بوالدها وكأنها تستنجد به من خطر يحيط بها من كل اتجاه.
شدها غريب إلى صدره أكثر وهو يهمس لها بكلمات مطمئنة، بينما اقترب الطبيب بحذر وأعطاها الحقنة المهدئة.
شيئًا فشيئًا بدأت مقاومتها تخفت، وهدأت أنفاسها المضطربة تدريجيًا حتى استرخى جسدها المنهك داخل أحضان والدها.
ساعدها غريب على الاستلقاء فوق الوسادة بحذر شديد، وكأنها قطعة زجاج يخشى أن تنكسر بين يديه.
تنهد الطبيب قبل أن يقول بنبرة عملية جادة:
"هي محتاجه تتابع مع دكتور نفسي، لان حالتها كده هتسوء اكتر، وممكن تأذي نفسها، لو حد فكر يقرب منها، هي شايفه أن الناس كلها عايزة تأذيها زي ما حصلها، انت الوحيد اللي حست معاك بالأمان لأن واضح انك كنت اقرب حد ليها، ومعنى كده هي هتتقبل معاملتك معاها انت وبس، غير كده أي حد هتشوفه هتخاف منه."
ظل غريب ينظر إلى ابنته النائمة للحظات قبل أن يومئ برأسه قائلًا بصوت خافت:
"تمام هخدها عند احسن دكتور، بس طمني عليها معندهاش أي مشاكل جسديه، الحمدالله؟"
تنهد الطبيب ببطء قبل أن يجيبه:
"الاشاعات طبعا أظهرت أن حصلها شويه مشاكل جسديه في الجهاز التناسلي عندها بسبب الاعتداء عليها، وللاسف مش واحد بس اللي عمل كده فيها التحاليل بتقول أن اربعه اللي عملوا فيها كده، وطبعا حصلها نزيف، احنا الحمدالله سيطرنا على النزيف ده، بس محتاجه أنها تتابع مع دكتورة نسا، علشان تعالج المشاكل اللي حصلت ليها نتيجة الاعتداء ده بس انا ارجح الاول تتعالج نفسيا علشان هيكون صعب عليها علاج النسا وهي في الحاله دي."
مع كل كلمة كان الطبيب ينطق بها، كان غريب يشعر وكأن سكينًا جديدة تنغرس داخل صدره. تشنج فكه بقوة، واشتعلت عيناه بغضب مكتوم، لكنه لم ينطق بحرف واحد، واكتفى بإيماءة صامتة.
غادر الطبيب الغرفة تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، لم يقطعه سوى صوت بكاء ترنيم وهي تنظر إلى ابنتها بحسرة.
وقالت بوجع مزق كلماتها:
"بنتي أتعذبت اوي يا غريب، ازاي جسمها الضعيف ده استحمل اربع وحوش يعملوا فيها كل ده؟ اااه يا قلبي، منك لله يا مريم، ربنا ينتقم منك يارب."
مرر غريب يده على وجهه بعنف، وكأنه يحاول السيطرة على النار المشتعلة داخله، ثم قال بصوت يحمل من الوعيد ما يكفي لإرعاب أي شخص:
"وغلاوتكم عندي لادفعها التمن غالي، عموما هي نهايتها خلاص قربت، قربت اوي كمان."
لم تتمالك ترنيم نفسها أكثر، فتقدمت نحوه وارتمت داخل أحضانه تبكي بحرقة.
"اللي حصل لبنتي هيفضل محفور في قلبها طول حياتها، وجع هيلازمها عمرها كله."
أطبق ذراعيه حولها وربت على ظهرها بحزن عميق قبل أن يقول:
"ربنا يرزقها بالراجل اللي يطبطب على قلبها، ويقدر ينسيها اللي شافته وعاشته."
أغمضت ترنيم عينيها وهمست بأمنية خرجت من أعماق قلب أم مكسور:
"يارب يا غريب.. يارب."
ثم ساد الصمت من جديد، بينما اتجهت أنظارهما معًا نحو أروى.
كانت نائمة بهدوء ظاهري، لكن ملامحها الشاحبة والحزن العالق فوق وجهها الصغير كانا يرويان قصة كاملة من الألم، قصة لم تكن بحاجة إلى كلمات حتى تفهم.
**************************
جلس الاثنان في ركن هادئ من كافيه المشفى، وبين أيديهما أكواب القهوة التي بردت دون أن ينتبها لها. كان الصمت يسيطر على المكان بين الحين والآخر، صمت ثقيل فرضته حالة أروى وما تمر به من ألم جعل الجميع عاجزين عن إيجاد الكلمات المناسبة.
رفع تامر عينيه نحو أحمد، وظل يراقب ملامحه المتعبة للحظات قبل أن يتحدث أخيرًا بصوت اختلط فيه القلق بالتردد:
"احمد انت قررت هتعمل ايه مع أروى؟ بس عايزك قبل ما تاخد قرار، متنساش أنها بتحبك، واللي حصلها ده حادثه غصب عنها، مش بإرادتها."
أغمض أحمد عينيه لثوانٍ طويلة وكأن السؤال أعاد إليه كل ما يحاول كتمانه داخله منذ أيام. أخرج زفرة حارة من أعماق صدره، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق قبل أن يجيبه بصوت مبحوح من شدة الألم:
"متقلقش يا تامر انا مش شاب طايش علشان ابص للي حصل، واخد قراري بناءً عليه، أنا راجل ناضج وانت عارف اني باخد الأمور بهدوء وبفكر بعقلي قبل قلبي، أنا بحب أروى ومستحيل اتخلى عنها علشان حادثه زي دي، أنا حبيتها علشان شخصيتها مش علشان جسمها، هفضل جنبها لحد ما تم علاجها كله وهقف جنبها لحد ما نعدي الازمه دي سوا."
شعر تامر وكأن حملًا ثقيلًا أزيح عن صدره دفعة واحدة. ارتخت ملامحه المتوترة، وظهرت على وجهه ابتسامة امتنان صادقة وهو ينظر إلى أحمد بفخر حقيقي. وقال بسعادة ممزوجة بالراحة:
"انت كل يوم بتأكدلي اني مغلطتش واخترت صح لبنت اختي، أنا محظوظ بيك يا صاحبي."
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي أحمد، لكنها كانت محاطة بكم هائل من الحزن. هز رأسه بخفة ثم نظر إلى فنجان القهوة أمامه وكأنه يبحث داخله عن إجابة تريحه. وقال بصوت منخفض أثقلته المشاعر:
"أنا كل وجعي عليها هي، حزنها ودموعها بيوجعوا قلبي يا تامر، ومش قادر اقرب منها ولا حتى اطبطب عليها."
توقف قليلًا، ثم أكمل بنبرة أكثر انكسارًا:
"عارف أصعب إحساس ايه؟ إن الإنسان يشوف اللي بيحبها بتتوجع بالشكل ده ويبقى عاجز يعملها أي حاجه. كل اللي نفسي فيه دلوقتي إني أطمنها، أقولها إني موجود ومش هسيبها، بس حتى ده مش قادر أعمله."
تأثر تامر بكلماته، فمد يده وربت على ساقه بحركة رجولية تحمل الكثير من الدعم والمؤازرة. وقال بابتسامة مطمئنة:
"بكره تبقوا مع بعض على طول وداوي جرحها براحتك."
أومأ أحمد برأسه في صمت، لكن عينيه ظلتا معلقتين في الفراغ أمامه. حمل فنجان القهوة وأخذ منه رشفة صغيرة، بينما كان عقله بعيدًا تمامًا عن ذلك المكان.
كان يفكر في أروى، في دموعها، في خوفها، في ارتجافة جسدها كلما اقترب منها أحد. كان يتخيلها الآن وحيدة داخل غرفتها، تحارب ذكريات لا ترحم، وتصارع وجعًا لا يراه أحد سواها.
وعلى الرغم من أنه وعد نفسه أن يبقى قويًا لأجلها، إلا أن قلبه كان ينزف بصمت، لأنه يعلم أن أكثر شخص يحتاج أن يحتضنها الآن، هو أكثر شخص لا تستطيع الاقتراب منه.
**************************
بعد وقت طويل، وصلت سيارة شاهين إلى الموقع أخيرًا. كان الطريق مرهقًا وممتدًا على غير عادته، حتى بدا وكأن الساعات قد انسابت ببطء شديد بينهما. اعتدل شاهين في جلسته وأدار رأسه نحو رنيم، وتأمل ملامحها للحظات قبل أن يتكلم بنبرة رجولية هادئة تخفي خلفها الكثير من القلق:
"اتفضلي انزلي شوفي شغلك وانا هروح اشوف فندق قريب من هنا احجز فيه لينا."
أطلقت زفرة طويلة مثقلة بالضيق، وكأنها تحاول إخراج كل ما تراكم داخل صدرها منذ بداية اليوم، ثم فتحت الباب وترجلت من السيارة بسرعة واضحة. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى دفعته بقوة عكست مقدار انزعاجها منه ومن إصراره الدائم على مرافقتها.
راقبها شاهين بصمت وهي تبتعد عنه، وشعر بشيء من الاختناق وهو يرى تلك المسافة تتسع بينهما يومًا بعد يوم رغم قربهما. حرك رأسه بنفاد صبر، ثم ظل يتابع خطواتها حتى اختفت عن ناظريه تمامًا، عندها أدار السيارة وتحرك مبتعدًا عن المكان، لكنه لم يستطع أن يطرد من رأسه فكرة وجود عمر معها.
أما رنيم فاتجهت نحو عمر بخطوات ثابتة حاولت أن تبدو طبيعية، رغم التوتر الذي كان يسري داخلها. وما إن اقتربت منه حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة وقالت:
"مساء الخير يا استاذ عمر، متأسفه على التأخير بس الطريق زحمه جدا."
حرك رأسه نافيًا بابتسامة هادئة وهو يجيبها:
"مساء النور يا بشمهندسه رنيم، لا عادي ولا يهمك، العمال اصلا وصلوا من بدري."
أومأت برأسها ثم تحركت إلى داخل الموقع مباشرة، فقد كانت من الأشخاص الذين يجدون راحتهم وسط العمل أكثر من أي مكان آخر. بدأت تتفقد المواد التي ستستخدم في البناء بعناية شديدة، فانحنت تلتقط بعضًا من الإسمنت بين أصابعها، تفحصه بدقة وخبرة، ثم انتقلت إلى الحديد واختبرت جودته بنفس الاهتمام.
كانت تتحرك بثقة واضحة، وكأنها تنتمي إلى هذا المكان بكل تفاصيله. أما عمر فكان يقف بعيد عنها، يتابعها بصمت. لم يكن ينظر إلى مهندسة تؤدي عملها فحسب، بل كان مأخوذًا بذلك الشغف الذي ينعكس على ملامحها وهي تعمل، وبذلك التركيز الذي يجعلها تنسى كل ما حولها.
وأخيرًا توقفت أمامه بعد أن انتهت من جولتها، ثم قالت بنبرة مهنية جادة:
"تمام يا أستاذ عمر، بإذن الله هنبدأ من بكرة التأسيس وان شاءالله شغلنا يعجبك في النهاية."
ابتسم وهو ينظر إليها بثقة حقيقية وقال:
"أنا واثق فيكي يا بشمهندسه رنيم، أنا بقول بدل ما تروحي وتيجي كل يوم الطريق الطويل ده ويكون تعب عليكي، أنا عندي مكان قريب من هنا، ممكن تقعدي فيه براحتك، لحد ما تخلصي."
شعرت رنيم بشيء من الحرج، فتنحنحت بخفة قبل أن تجيب بابتسامة مهذبة:
"ميرسي جدا لحضرتك، بس شاهين راح يحجز لينا في أي فندق قريب من هنا."
وكأن اسم شاهين وحده كان كافيًا ليبدل ملامح عمر بالكامل.
اتسعت عيناه بصدمة لم يستطع إخفاءها، وشعر بشيء حارق يشتعل داخله، ثم خرج صوته من بين أسنانه المشدودة:
"شاهين!! هو جه معاكي؟"
أومأت برأسها ببساطة وقالت:
"ايوه مرضاش يسيبني اقعد في مكان زي ده لوحدي."
في تلك اللحظة انقبضت يد عمر تلقائيًا حتى برزت عروقها بوضوح. كان يحاول جاهدًا أن يحافظ على هدوئه، وأن يخفي استياءه خلف ابتسامة متزنة، لكنه لم ينجح إلا جزئيًا.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
"تمام يا بشمهندسه رنيم، اللي يريحك."
ورغم هدوء كلماته، إلا أن شيئًا في عينيه كان يفضح ضيقه.
وفي تلك اللحظة بالتحديد، أعلن هاتف رنيم عن اتصال وارد.
استأذنت من عمر بابتسامة صغيرة وابتعدت عدة خطوات قبل أن تجيب:
"ايوه يا شاهين؟"
جاءها صوته هادئًا هذه المرة:
"تعالي عايزك، محتاج بطاقتك علشان الحجز."
أغلقت الخط سريعًا، ثم عادت إلى عمر مرة أخرى وقالت:
"طيب انا همشي دلوقتي علشان حجز الفندق، والصبح بأمر الله هنبدأ شغل."
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة، وكأنه كان يريد أن يقول شيئًا آخر، شيئًا أكبر من مجرد كلمات العمل والمجاملات الرسمية، لكنه ابتلع كل ما بداخله في النهاية واكتفى بأن يومئ برأسه قائلًا:
"ماشي اتفضلي."
ابتسمت له ابتسامة خفيفة ثم استدارت مبتعدة.
أما هو فظل واقفًا في مكانه يتابعها بعينيه، بينما كان شعور ثقيل بالاختناق يهبط فوق صدره كلما تذكر أن شاهين ينتظرها في الخارج، وأنه سيبقى الأقرب إليها مهما حاول هو أن يقترب.
تحركت رنيم نحو سيارة شاهين بخطوات ثابتة ظاهريًا، لكنها كانت تشعر بثقل نظرات عمر المعلقة بها منذ أن استدارت مغادرة الموقع. كان واقفًا مكانه يراقب ابتعادها بعينين تشتعلان غضبًا واستياءً، بينما كانت عيناه لا تفارقانها لحظة واحدة.
وقبل أن تصل إلى السيارة، ارتفعت نظراته تلقائيًا نحو شاهين الجالس خلف المقود. في تلك اللحظة التقت عيناهما مباشرة، فتجمد كل شيء بين الرجلين لثوانٍ معدودة. لم ينطق أي منهما بحرف، لكن ذلك الصمت كان أكثر ضجيجًا من أي شجار. كان الغضب ظاهرًا بوضوح في عيني شاهين اللتين احمرتا بشدة، بينما وقف عمر يبادله النظرات نفسها، وكأن كليهما يبعث للآخر رسالة واضحة مفادها أن هذه المعركة لم تنتهِ بعد.
فتحت رنيم باب السيارة وصعدت إلى جواره، وعندها فقط انتزع شاهين نظره عن عمر بصعوبة، ثم التفت إليها وقال بصوت مختنق:
"روحت احجز في فندق هنا طلب مني بطاقتك علشان الحجز."
أومأت برأسها بهدوء وهي تفتح حقيبة يدها، ثم أخرجت بطاقة هويتها ومدتها إليه قائلة:
"اتفضل اهي، وانا جايه معاك."
تناول البطاقة من يدها، ثم ألقى نظرة أخيرة عبر زجاج السيارة نحو عمر قبل أن يعتدل في جلسته ويدير المحرك. انطلقت السيارة مبتعدة عن الموقع، بينما ظل عمر واقفًا مكانه يراقبها حتى اختفت عن ناظريه.
طوال الطريق لم تتبادل رنيم مع شاهين سوى كلمات قليلة، لكن التوتر كان حاضرًا بينهما. كانت تشعر أن وجوده معها طوال الوقت يربكها أكثر مما ينبغي، بينما كان هو يشعر براحة غريبة لمجرد أنها تجلس إلى جواره.
وعندما وصلا إلى الفندق، ترجل شاهين أولًا واتجه إلى الجهة الأخرى من السيارة. فتح الباب ومد يده لها بحركة تلقائية اعتاد عليها كلما كان معها.
تعلقت عينا رنيم بكفه الممدودة للحظة قصيرة، وشعرت بذلك الدفء الذي يغلف تصرفاته معها دائمًا، لكنها سرعان ما تجاهلت إحساسها. هبطت من السيارة بمفردها دون أن تستند إليه، ثم تجاوزته وتحركت نحو الداخل وكأن الأمر لا يعنيها.
تنهد شاهين بضيق وهو يتابعها، ثم أغلق الباب وتحرك خلفها.
دلفا معًا إلى بهو الفندق الهادئ، واتجه شاهين مباشرة إلى موظفة الاستقبال وقال بابتسامة هادئة:
"جبتلك البطاقة وصاحبة البطاقه نفسها."
رفعت الموظفة رأسها نحوه، وما إن وقع بصرها عليه حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة حملت قدرًا واضحًا من الإعجاب، ثم قالت:
"والله انا اسفه حضرتك اني رجعتك تاني بس ده سستم واحد هنا."
حرك رأسه بتفهم وقال:
"حصل خير مافيش مشكله اتفضلي اهي البطاقه."
تناولت البطاقة منه وما زالت تلك الابتسامة معلقة على شفتيها، ثم بدأت تدون البيانات على الحاسوب.
أما رنيم فكانت تقف على مقربة منهما تراقب المشهد بصمت. في البداية حاولت إقناع نفسها بأنها لا تهتم، لكن كلما طالت نظرات الفتاة نحو شاهين وكلما ازداد لطفها معه، كانت تشعر بشيء ساخن يتمدد داخل صدرها ببطء.
لم تفهم ما الذي يزعجها تحديدًا.
هل هي طريقة الفتاة؟ أم ابتسامتها؟
أم أنها لم تعجبها حقيقة أن امرأة أخرى تنظر إليه بهذه الصورة؟
كانت تحاول تجاهل الأمر، لكن أصابعها التي أخذت تضرب فوق الرخام بإيقاع متوتر فضحت ما يدور داخلها أكثر مما أرادت.
رفع شاهين عينيه نحوها للحظة، فوجد ملامحها مشدودة بطريقة غريبة، لكنه لم يفهم السبب، لذلك عاد يتابع إجراءات الحجز دون تعليق.
وما إن انتهت الموظفة حتى اقتربت منه أكثر وقالت بنبرة حملت قدرًا واضحًا من الدلال:
"تقدر حضرتك تمضي هنا."
ثم مالت نحوه أكثر وهي تشير إلى مكان التوقيع.
في تلك اللحظة أغلقت رنيم عينيها بقوة، وكأنها تحاول السيطرة على شيء يوشك على الانفجار داخلها، لكنها فشلت.
تحركت بخطوات سريعة نحوهما، وأبعدت الفتاة عنه قائلة بصوت غاضب:
"ممكن تخلصيني انا الاول."
تفاجأت الموظفة بحركتها واختل توازنها حتى كادت تسقط أرضًا، لكن شاهين أمسكها بسرعة بدافع الشهامة.
وذلك كان آخر ما احتاجته رنيم لتفقد ما تبقى من هدوئها.
اشتعل وجهها غضبًا وقالت:
"ايه الدلع المقرف ده؟ لو سمحتي احترمي نفسك."
ارتبكت الموظفة بشدة وابتعدت عن شاهين وهي تقول بتوتر:
"خير يا فندم أنا عملت ايه بس؟"
رمقتها رنيم بنظرة حادة قبل أن ترد بغضب:
"عماله تتمايصي عليه بطريقه مستفزة، وهو مساعدتك على القرف ده."
اتسعت عينا شاهين بصدمة حقيقية وقال:
"أنا!! والله ما حصل."
لكن ما إن استوعب معنى كلماتها حتى تبدلت الصدمة إلى فرحة هائلة. شعر وكأن أحدهم أهداه العالم كله دفعة واحدة. إنها تغار عليه.
للمرة الأولى رآها تعلن ذلك بهذا الوضوح، حتى وإن كانت لا تدرك ما تفعله.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه وقال:
"وبعدين الانسه في قمة الادب والاحترام."
ثم اقترب من أذنها وهمس:
"وجميله اوي الصراحه."
استدارت إليه بعينين مشتعـلتين، ثم ضربته بكوعها في بطنه وهي تقول:
"خلصي لو سمحتي عايزة اطلع اوضي."
أسرعت الموظفة بإنهاء البيانات، وكانت أصابعها ترتجف من التوتر وهي تسجل آخر المعلومات، ثم أعادت البطاقة لرنيم وسلمت شاهين بطاقته مع كارت الغرف الخاصة بهما.
أخذت رنيم البطاقة ونظرت إليها نظرة تحذيرية وقالت:
"طريقتك المايصه دي هتقطع عيشك قريب إن شاءالله."
ثم استدارت وتحركت نحو المصعد.
لكنها ما إن ابتعدت عدة خطوات حتى شعرت بانقباض غريب في صدرها. فكرة ترك شاهين واقفًا مع تلك الفتاة لم تعجبها إطلاقًا.
استدارت فجأة وعادت أدراجها، ثم أمسكت يده دون تفكير وأجبرته على التحرك معها.
تجمد مكانه لثانية من شدة المفاجأة، قبل أن تنفجر ضحكاته العالية داخل البهو.
كان سعيدًا بطريقة لم يختبرها منذ وقت طويل. سعيدًا لأنها تغار.
سعيدًا لأنها تشعر به.
سعيدًا لأنها، دون أن تدري، تمنحه أملًا جديدًا في كل مرة.
دلفا إلى المصعد معًا، وما إن أغلق الباب حتى تركت يده وعقدت ذراعيها أمام صدرها محاولة استعادة وقارها الضائع.
أما هو فاقترب منها وأحاط خصرها بذراعيه وقال بنبرة هامسة:
"حبيت غيرتك اوي عليا، مش قادر اوصفلك فرحت قلبي باللي حصل تحت ده."
ارتجفت نظراتها وظهر الارتباك واضحًا على وجهها قبل أن تقول بتلعثم:
"و ومين قالك اني كنت غيرانه عليك؟ ا أنا بس مبحبش الحال المايل، والبت دي قليلة ادب مش متربيه."
شدد ذراعه حول خصرها أكثر وقال بحب:
"يا بت! يعني مكنتيش غيرانه عليا؟ تمام طمنتيني علشان اكون براحتي معاها."
اشتعلت ملامحها فورًا وقالت بتحذير:
"اقسم بالله لو محترمتش نفسك يا شاهين، لكون مقطعه شعرها اللي هي فرحانه بي ده."
عندها لم يعد قادرًا على إخفاء سعادته.
ضمها إليه بقوة وكأن قلبه يحتفل داخل صدره، ثم قبل رأسها وقال:
"يا سعادة قلبي وانا شايف غيرتك عليا، أنا بستفزك علشان اشوف غيرتك دي، أنا عيوني مش شايفه غيرك يا رنيم، أنا بحبك انتي بعشق عيونك انتي يا رنيم."
تسللت ابتسامة خجولة إلى شفتيها رغم محاولاتها المستميتة لإخفائها، ثم أحاطته بذراعيها دون وعي وأغمضت عينيها وهي تستنشق رائحته التي أصبحت قادرة على بث الطمأنينة في قلبها مهما حاولت الهرب منها.
وللحظة قصيرة نسيت كل شيء حولها.
نسيت المكان. ونسيت المصعد.
ونسيت أنها ما زالت تقاوم الاعتراف بما تشعر به.
لكن باب المصعد انفتح فجأة.
انتفضت مبتعدة عنه بسرعة البرق عندما رأت الأشخاص المنتظرين بالخارج يرمقونهما بابتسامات واضحة.
احمر وجهها بشدة، وأعادت شعرها إلى الخلف في ارتباك ثم خرجت مسرعة من أمامه وكأنها تهرب من نفسها قبل أن تهرب من نظرات الآخرين.
اتجهت مباشرة إلى غرفتها، أدخلت البطاقة في مكانها، وما إن انفتح الباب حتى اندفعت إلى الداخل وأغلقته خلفها بسرعة.
أسندت ظهرها إلى الباب وأطلقت زفرة طويلة، ثم رفعت يدها إلى وجهها الذي اشتعل خجلًا.
وبالرغم من كل محاولاتها للتماسك، ارتسمت على شفتيها ابتسامة جميلة لم تستطع إخفاءها.
أما شاهين فظل واقفًا مكانه للحظات يتابع الباب المغلق الذي اختفت خلفه، وكأن مجرد رؤيتها سعيدة كان كافيًا ليملأ قلبه بالسكينة.
ثم تحرك أخيرًا نحو غرفته المجاورة لغرفتها، ودلف إلى الداخل وهو يشعر بسعادة غامرة لم يعرف مثلها منذ زمن طويل.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الأربعون 40 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الاربعون
مساءً...
خرجت رنيم إلى الشرفة بعدما عجزت عن البقاء داخل الغرفة أكثر من ذلك. كانت تشعر بأن الجدران تضيق عليها شيئًا فشيئًا، وأن الأفكار التي تدور داخل رأسها أصبحت أثقل من أن تتحملها وحدها. اقتربت من السور الحديدي وأسندت كفيها عليه، ثم رفعت وجهها نحو السماء وأخذت تستنشق الهواء البارد بعمق، علّه يخفف من تلك النار الغريبة التي كانت تشتعل داخل صدرها منذ عودتها.
لم تكن معتادة على هذا الشعور.
الغيرة لم تكن يومًا جزءًا من شخصيتها، أو هكذا كانت تظن.
لكن صورة موظفة الاستقبال وهي تبتسم لشاهين بتلك الطريقة المستفزة كانت تتكرر أمام عينيها بلا رحمة، فتشعر بانقباض حاد في قلبها، وكأن أحدهم يضغط عليه بيده بقوة.
أطلقت زفرة طويلة محاولة التخلص من ذلك الضيق، وظلت تحدق في الظلام الممتد أمامها دون أن تنتبه إلى وجود شاهين في الشرفة المجاورة.
كان يقف هناك منذ دقائق. يتابعها بصمت.
يراقب ملامحها الشاردة ونظراتها المضطربة، ويشعر بأن هناك شيئًا يثقل قلبها.
ابتسم بخفة عندما أدرك أنها لم تنتبه له، ثم تنحنح بخشونة متعمدة حتى يلفت انتباهها.
انتفضت قليلًا وحركت رأسها باتجاه الصوت، وما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتسمت فوق ملامحها علامات الدهشة وقالت:
"أنت لسه صاحي؟"
ابتسم وهو يبادلها النظر، ثم أومأ برأسه وقال:
"اكيد صاحي مدام واقف قصادك اهو، وانتي منمتيش ليه؟"
تجنبت النظر إليه للحظة، ثم حركت عينيها بتوتر وقالت:
"مش جايلي نوم، والجو هنا خنقه اوي."
لم يصدق السبب الذي أعطته له، فقد كانت ملامحها تقول أكثر من ذلك بكثير، لكنه لم يشأ أن يضغط عليها.
لذلك قال سريعًا وكأنه وجد حلًا مناسبًا:
"تحبي تنزلي تتمشي شوية؟"
التفتت إليه مجددًا، ثم هزت رأسها بالرفض وقالت:
"لا مش هينفع الوقت اتأخر وهحاول ادخل أنام علشان عندي شغل الصبح بدري."
لم يستسلم بسهولة.
فمنذ أن رآها تقف بهذه الطريقة، أدرك أنها لا تحتاج إلى النوم بقدر ما تحتاج إلى الهروب من أفكارها لبعض الوقت.
لذلك قال بإصرار لطيف:
"لسه بدري تعالي ننزل ناكل أي حاجه تحت ونتمشى شويه."
صمتت لثوانٍ.. كانت تعلم أنها لا تشعر بالجوع، لكنها أيضًا لم تكن ترغب في العودة إلى الغرفة والاختلاء بأفكارها مجددًا.
رفعت عينيها إليه وأطالت النظر قليلًا، وكأنها تزن الأمر داخل عقلها، قبل أن تستسلم في النهاية وتومئ برأسها بالموافقة قائلة:
"اوك، هدخل اغير هدومي وهستناك قدام باب الأوضه."
اتسعت ابتسامته دون أن يشعر، وأومأ برأسه قائلًا:
"ماشي يلا بينا."
دلف كل منهما إلى غرفته.
أغلقت رنيم الباب خلفها، ثم أسندت ظهرها إليه للحظة.
كانت تشعر بارتباك غريب لا تعرف سببه.
ربما لأن وجود شاهين أصبح يؤثر عليها أكثر مما ينبغي.
وربما لأنها بدأت تعتاد عليه بطريقة أخافتها هي نفسها.
تنهدت بهدوء ثم تحركت لتبدل ملابسها.
أما شاهين، فما إن دخل غرفته حتى ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
لم يكن غبيًا. كان يعلم أن سبب سهرها ليس الجو ولا الأرق.
وكان يعلم أيضًا أن ما حدث في الفندق أسعده بطريقة لا يستطيع وصفها.
لأول مرة رأى غيرتها عليه بهذا الوضوح.
ولأول مرة شعر أن قلبها بدأ يعترف بما تحاول هي إنكاره.
وبعد عدة دقائق، خرجت رنيم من غرفتها.
أغلقت الباب خلفها، ثم رفعت رأسها لتجده واقفًا أمام باب غرفته ينتظرها بالفعل.
كانت عيناه معلقتين بها منذ اللحظة التي خرجت فيها.
فابتسمت له بتوتر خفيف وقالت:
"سوري اتأخرت عليك!"
حرك رأسه بالرفض فورًا وقال:
"لا متأخرتيش ولا حاجه، يلا بينا."
سارا جنبًا إلى جنب عبر الممر الطويل.
كان المكان هادئًا بشكل لافت، ولم يكن يسمع سوى صوت خطواتهما فوق الأرضية اللامعة.
أما الصمت بينهما فكان يحمل من المشاعر ما تعجز عنه الكلمات.
وصلا إلى المصعد، فضغط شاهين على الزر وانتظرا معًا.
وبمجرد أن انفتح الباب، دخلا إلى الداخل، لتغلق الأبواب عليهما ببطء، ويبدأ المصعد في الهبوط نحو الأسفل، بينما كان كل منهما غارقًا في أفكاره الخاصة.
اتجها معًا إلى مطعم قريب من الفندق، وكانت أجواء الليل قد فرضت سكونها على المكان، فلم يعد يسمع سوى أصوات السيارات المتباعدة وهمسات المارة القلائل. سارت رنيم إلى جوار شاهين بصمت ثقيل، بينما كانت أفكارها تتصارع داخل رأسها بعنف. فمنذ أن علمت بحقيقة زواجه وهي تحاول إقناع نفسها بأنها تجاوزت الأمر، لكنها كانت تدرك جيدًا أن قلبها لم يفعل.
دلفا إلى المطعم واختارا طاولة هادئة في أحد الأركان البعيدة. وما إن جلسا حتى طلبا بعض الطعام، ثم خيم الصمت بينهما من جديد. كانت رنيم شاردة الذهن، تعبث بأطراف أصابعها فوق الطاولة دون وعي، بينما كان شاهين يراقبها بصمت طويل، وعيناه تفيضان بمشاعر لم يعد يحاول إخفاءها.
ظل يتأمل ملامحها المتوترة، والانكسار الذي كانت تحاول إخفاءه خلف برودها المعتاد، بينما كانت هي تشعر بنظراته تحاصرها من كل اتجاه وتزيد اضطرابها أكثر.
رفعت عينيها إليه أخيرًا، وظلت تنظر إليه للحظات طويلة، وكأنها تجمع شتات شجاعتها لتسأل السؤال الذي ظل يحرق قلبها منذ معرفتها بالحقيقة. ثم قالت بصوت مختنق:
"كنت بتحبها؟"
انعقد حاجباه باستغراب، وبدا عليه عدم الفهم للحظة قبل أن يسأل:
"هي مين دي؟"
شعرت بوخزة مؤلمة تخترق صدرها، وابتلعت الغصة التي تجمعت في حلقها بصعوبة وهي تقول بصوت مختنق:
"مراتك!"
ساد الصمت بينهما لثوانٍ قليلة، ثم مال بجسده إلى الأمام وأسند ذراعيه فوق الطاولة، وكأن المسافة بينهما أصبحت فجأة أبعد مما يحتمل، وثبت عينيه داخل عينيها مباشرة وقال بحب صادق:
"أنا عمري ما حبيت حد غيرك أنتي يا رنيم، انتي اول واخر حب في حياتي."
ارتجف قلبها رغمًا عنها، لكنها لم تسمح لمشاعرها بالسيطرة عليها. كانت بحاجة إلى فهم كل شيء، إلى معرفة الحقيقة كاملة دون رتوش أو أوهام.
حركت رأسها بحزن وقالت:
"بس انت متجوز يا شاهين، أب لبنتين ازاي مش بتحبها؟"
مد يده نحوها وأمسك يدها برفق، وكأنه يحاول أن يمنحها شيئًا من الأمان الذي فقدته، ثم قال بنبرة عاشقة امتزجت بالندم:
"مش شرط علشان متجوز ابقى حبيتها، اصلا هي كانت شغاله سكرتيره لمكتبي في الشركه اللي بره مصر، وانا كنت شاب لسه ورغم كده طول عمري ماليش في الشمال ولا عمري فكرت اقرب من أي واحده، في علاقة غير شرعية، وهي حاولة تقرب مني كتير زيها زي غيرها من البنات بس عمري ما اديتها ريق، بالعكس كنت دايما احذرها علشان تظبط معايا في المعامله، بس في يوم كنت متخانق مع ابويا، والدنيا كلها كانت سودا في وشي وكنت أول مره ادخل بار واشرب خمرة وقتها سكرت ومعرفش ايه خلاني اروح عندها البيت المهم يعني انا مش فاكر ايه حصل ما بينا بالظبط، صحيت تاني يوم لاقيت نفسي نايم جنبها على السرير، وواضح من المنظر أن فيه حاجه حصلت ما بينا، ندمت وقتها أني شربت وندمت اكتر على اللي حصل ما بينا اللي انا مش فاكره، حاولت هي تستخدم اللي حصل ما بينا ده علشان افضل معاها، بس انا رفض وكنت ناوي اعتبرها علاقه وعدت لأن هناك الحاجه دي طبيعي تحصل ما بين أي اتنين عادي، بس اللي معملتش حسابه انها تطلع حامل مني من الليله دي، وهنا كان لازم اعيد حساباتي، مكنتش هقبل أن أجيب طفل من علاقة غير مشروعه وانا اكتر واحد عارف احساس اللي بيجي من السكه دي بيبقى عامل ازاي، المهم اتجوزتها حاولة اهتم بيها علشان الطفل اللي هيجي، يجي في دنيا هادية ونضيفه، عشنا تلت سنين بعد ولادت بنتي الاولى حياة هاديه تقليديه اب وأم وطفله ماليه عليا دنيتي بضحكتها، وبعد كده حصل حمل في بنتي التانيه، بس كانت امي بدأت تزن عليا ارجع مصر وانا رفض جات عاشت معانا وكل حاجه اتغيرت مشاكل كتير اوي كانت بتحصل ما بينا لحد ما طلبت هي الطلاق وانا نفذت رغبتها وطلقتها، البنات فضلوا معاها وانا رجعت مصر مع امي بس كنت بزورهم على طول وأي حاجه بيطلبوها كنت بسافر ليهم اجيبها وارجع تاني مصر، وفي يوم طلبت مني اننا لازم نرجع حتى لو مجرد جواز صوري علشان البنات بدأت تسأل عليا على طول وكمان لأن أنا اوقات كنت بروح انام معاهم في الفيلا، رجعتها وقصاد البنات بنتعامل بحب وكاننا اسعد عيله، لكن ما بينا وبين بعض كل واحد في حاله حياة منفصلة تماما عن بعض، وفضلنا كده لحد وقتنا دلوقتي، بس يا رنيم هي دي الحكايه كلها، أنا وأماليا مجرد زوجين صوري قصاد البنات مش اكتر."
كانت تستمع إليه دون أن تقاطعه. ومع كل كلمة كان ينطقها كانت صورة مختلفة تتشكل داخل عقلها. الصورة التي رسمتها طوال الأيام الماضية بدأت تتهاوى شيئًا فشيئًا.
والحقيقة التي كانت تسمعها الآن لم تكن تشبه مخاوفها أبدًا.
لأول مرة منذ فترة طويلة شعرت بأن شيئًا ثقيلًا كان يجثم فوق صدرها بدأ ينزاح ببطء. فهو لم يحبها.
لم تكن هناك قصة حب أخرى تنافسها داخل قلبه.
وكانت تلك الحقيقة وحدها كافية لتبعث في داخلها سعادة أربكتها هي نفسها.
أبعدت يدها عن يده ببطء وتكلمت بتوتر:
"ط طيب ما بناتك كبروا ليه لحد دلوقتي سايبها على ذمتك؟"
حرك كتفيه بعدم اهتمام وقال:
"موضوع أننا متجوزين مش في بالي اصلا، مشغلنيش غير بعد ما حبيتك وكنت خايف اقولك الحقيقه تفهميني غلط وتبعدي عني، زي ما كنتي ناويه تعملي."
تنهدت ببطء وهي تشيح بنظرها بعيدًا عنه للحظات، ثم أعادته إليه مجددًا وقالت بضيق:
"على فكرة لو كنت جيت وقولت ليا الحقيقه زي ما عملت دلوقتي، كان ممكن اتقبل الوضع، لكن اللي كبر الموضوع انك طلبت مني الجواز وكنت مستعجل اوي، من غير ما تعرفني، وحطتني قصاد الأمر الواقع وفجأتني يا شاهين بوجودهم في حياتك."
أومأ برأسه باقتناع كامل، ولم يحاول الدفاع عن نفسه أو تبرير خطئه أكثر مما فعل، ثم قال:
"عندك حق في كل كلمه قولتيها، بس زي ما قلتلك كنت خايف انك تبعدي عني وتسبيني بعد ما تعرفي الحقيقه، وانا عندي الموت اهون من انك تسبيني يا رنيم."
أرجعت رنيم جسدها إلى الخلف ببطء، وكأنها تحاول أن تضع مسافة بينها وبين كلماته التي كانت تتسلل إلى قلبها رغمًا عنها. أسندت ظهرها إلى المقعد، بينما تشابكت داخل صدرها مشاعر متناقضة أنهكتها؛ جزء منها أراد تصديقه، وجزء آخر ظل متمسكًا بجرحه، رافضًا أن يغفر بسهولة. حدقت فيه طويلًا بعينين امتلأتا بالعتاب والخذلان، ثم قالت:
"طيب ما أنا سيبتك ولسه عايش اهو يا شاهين! انت فاكر لما تقولي الكلام ده هاجي واترمي في حضنك واقلك أنا اسفه يا حبيبي طلعت ظلماك؟ لا يا شاهين كل اللي قلته ده مش مبرر انك تضحك عليا وتداري جوازك عني وانك أب لبنتين، اه ميا متقبله علاقتنا، إنما إيما لا، بالعكس دي بتكرهني، وشايفه أن خطفتك منهم، شاهين، مش معنى أن متقبله وجودك في حياتي اني موافقه على جوازك مني، لا، أنا متقبله وجودك، كأمان ليا، أو لانك بتهتم بيا بطريقه عجبتني، أو يمكن علشان انت الشخص الوحيد اللي فهمني من غير حتى ما أتكلم، أنا ذات نفسي مش عارفه سبب تقبلي لوجودك معايا ايه، بس اللي متأكده منه أني مستحيل هقبل اتجوزك واخدك من بناتك، علشان كده مش عايزاك تعشم نفسك بحاجة مش هتحصل، وانتبه لبناتك اهتم بيهم حسسهم بوجودك معاهم، عوضهم الفترة اللي بعد عنهم بسببي، انت بالنسبه ليهم الامان، العالم بتاعهم، مينفعش اجي أنا واقتحم عالمهم، واكون انانيه، ياريت تكون فهمت كلامي اللي عايزة أوصله ليك، انت كده بتعذبني يا شاهين بتضعفني مش بتقويني، وجودك جنبي بيخليني شبه الطفله المتمسكه بأبوها، بس فيه غيرها أحق بي، احساس عيشته وانا صغيره وبعيشه معاك وانا كبيرة، وجع عمري ما هعرف اوصفه ليك ولا عمرك هتحس انت بي."
خرجت كلماتها دفعة واحدة، محملة بسنوات من الألم والخوف والحرمان. لم تكن تتحدث عن إيما فقط، ولا عن ميا، بل كانت تتحدث عن طفلة قديمة ما زالت تعيش داخلها، طفلة عانت من الشعور بالفقد وهي ترى قلب أبيها موزعًا بين عالمين. لذلك كانت ترتجف من فكرة أن تصبح يومًا سببًا في تكرار الوجع ذاته داخل قلوب طفلتين بريئتين.
أما شاهين، فقد ظل يستمع إليها بصمت كامل. لم يقاطعها، ولم يحاول الدفاع عن نفسه أو تبرير أفعاله. كان ينظر إليها بعينين ممتلئتين بالفهم، وكأنه يرى خلف كلماتها كل الجروح التي لم تنطق بها. تركها تفرغ ما يثقل روحها حتى النهاية، وعندما ساد الصمت بينهما للحظات، ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وقال:
"وفيها ايه لما يكون عندي تلت بنات مش اتنين؟ انتي عرفتي طبيعة علاقتي بأماليا ايه، بالنسبه لبناتي زي ما قلتلك هيحصل ايه لو اعتبرتك بنتي التالته؟ زيك زيهم حبي ليكم انتوا التلاته زي بعض لا عمري هقصر معاهم ولا هقصر معاكي، ومتأكد انك هتقدري تخليهم يحبوكي زي ما قدرتي توقعي قلبي في حبك."
أوجعتها كلماته أكثر مما أسعدتها. كانت تعلم أنه صادق، وتشعر بصدق مشاعره في كل حرف ينطقه، لكن الحياة لم تكن دائمًا بهذه البساطة. ليست كل القلوب قادرة على تقبل الواقع كما يتمنى أصحابه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحزن بالحنين، ثم قالت:
"مش هتقدر تعمل كده، عارف ليه؟ لأن بنتك إيما هتفضل شيفاني خطفتك منهم ومن امها، وانت علشان ترضيها هتحاول تثبت ليها عن طريق تقربك لامها، وساعتها كرهها ليا هيزيد اكتر، زمان، بابا كان بيعتبر التانيه برضه بنته، بس بنت قلبه، كان لما يكون معانا، بيكون بجسمه بس إنما قلبه وعقله كانوا بيبقوا عندها هي، مش هقولك شاركتنا فيه، لا خالص هي كانت اخداه مننا من أساسه، وانا مش هسمح لده يحصل معايا أنا وبناتك، بتحبني اه عارفه ومتأكده كمان من حبك ليا، بس دي المشكله الاساسيه يا شاهين، عمرك هتقدر تعدل في حبك لينا."
لمعت عيناها وهي تتحدث عن الماضي، وكأن الذكريات عادت لتجلس معهما إلى الطاولة. ذكريات لم تندمل رغم مرور السنوات، وظلت تنزف كلما اقتربت من موقف يشبهها ولو قليلًا.
هز شاهين رأسه رافضًا كلامها، وكأن مجرد تخيل ابتعادها عنه أمر لا يستطيع احتماله، ثم قال بإصرار واضح:
"مش صح يا رنيم، علشان حبي ليكم هيكون مختلف، كل واحد هحبه بطريقة مختلفه، هما بناتي حبهم في قلبي بالفطره حب اب لبناته، إنما حبي ليكي مختلف تماما انتي اللي دخلتي قلبي من غير استئذان، الإنسانه اللي غيرت فيا كل حاجه وحشه اللي بتمنى اكمل معاها الباقي من عمري، ومهما حاولتي مش هتنازل عنك يا رنيم، يعني من الاخر متحاوليش علشان انا متمسك بيكي لدرجة الجنون."
ظلت تنظر إليه طويلًا دون أن تنطق. كانت عيناه تحملان ذلك الإصرار الذي تعرفه جيدًا، الإصرار الذي لطالما أخافها وأراحها في الوقت ذاته. أرادت أن ترد عليه، أن تقنعه باستحالة ما يتمناه، لكن الكلمات خانتها هذه المرة.
وفي اللحظة التي كادت تفتح فيها فمها للحديث، وصل النادل حاملاً الطعام ووضع الأطباق أمامهما، لتنقطع تلك المواجهة العاطفية الثقيلة فجأة.
ابتسم شاهين ابتسامة هادئة وكأنه قرر تأجيل المعركة إلى وقت آخر، ثم قال:
"كفايه كلام بقى ويلا ناكل هموت من الجوع."
بدأ يتناول الطعام بهدوء، بينما بقيت رنيم تحدق فيه بشرود. كانت عيناها تتأملان ملامحه دون وعي منها، وكأنها تحاول أن تجد داخل وجهه إجابة لكل الأسئلة التي تعذبها.
التقط نظراتها المعلقة به، فارتسمت على شفتيه ابتسامة مشاكسة، ثم قال وهو يغمز لها بخفة:
"ركزي في طبقك علشان هسيب الاكل اللي قدامي وهاكلك انتي، بخدوك الحمر دول."
اتسعت عيناها بخجل، فخفضت بصرها فورًا نحو طبقها، وشعرت بحرارة وجهها تزداد بشكل واضح. أسرعت تتناول الطعام هربًا من نظراته التي كانت تربكها أكثر مما ينبغي.
أما شاهين، فظل يراقب ارتباكها بابتسامة راضية، قبل أن يعود إلى طعامه وهو يشعر بشيء من السكينة لأول مرة منذ فترة طويلة. وبينما كان يتناول طعامه، كان هناك عهد صامت يتشكل داخل قلبه، عهد لا يحتاج إلى كلمات؛ أنه مهما ابتعدت، ومهما قاومت، فلن يتخلى عنها أبدًا، وسيظل متمسكًا بها حتى آخر نفس في عمره.
****************************
في صباح يومٍ جديد...
تسللت خيوط الشمس الأولى إلى الغرفة بهدوء، بينما كان السكون ما يزال يلف المكان كغطاء ثقيل. حرك غريب رأسه ببطء، وكأن النوم لم يغادره بالكامل بعد، ثم فتح عينيه على مهل. كانت أروى لا تزال غارقة في نوم مضطرب بين ذراعيه، أصابعها الصغيرة متشبثة بقميصه بقوة وكأنها تخشى أن يختفي من جوارها إذا تركته.
انقبض قلبه وهو يتأملها. لم يعتد أن يراها بهذا الضعف، ولا أن يرى الخوف مستقرًا حتى في ملامحها وهي نائمة. مال برأسه نحوها وطبع قبلة حانية على مقدمة رأسها، ثم بدأ يحرر قميصه من قبضتها بحذر شديد حتى لا يوقظها. ظل يتحرك ببطء وكأنه يتعامل مع شيء هش قابل للانكسار، حتى نجح أخيرًا في النهوض من جوارها.
اتجه إلى المرحاض وقلبه معلق بها، وعندما انتهى شعر بحاجة ملحة إلى فنجان قهوة يعيد إليه بعض التركيز بعد ليلة طويلة من القلق والسهر. ألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يغادر الغرفة، ثم خرج بهدوء تاركًا إياها نائمة.
وما إن لمح أحمد غريب يغادر من عندها، حتى انتفض من مكانه دون تردد. كان ينتظر تلك اللحظة منذ ساعات طويلة. تحرك سريعًا نحو الغرفة، ودلف إلى الداخل ثم أغلق الباب خلفه برفق. ساد الصمت للحظات.
اقترب من السرير بخطوات مترددة، وكأن كل خطوة تكلفه جزءًا من روحه. جلس على المقعد المجاور لها وظل يحدق في وجهها بصمت طويل. كان يحاول دائمًا إخفاء ألمه أمام تامر، لكن الآن لم يكن هناك أحد يراقبه، ولم يعد قادرًا على التظاهر بالقوة.
تجولت عيناه فوق ملامحها الشاحبة، فوق جسدها الذي بدا أضعف بكثير مما يتذكره، فوق الإرهاق المرسوم على وجهها. شعر وكأن شيئًا حادًا يغرس نفسه داخل صدره.
مد يده ببطء وأمسك يدها بين كفيه، ثم انحنى مقبلًا إياها برقة قبل أن يقول بصوت خافت يكاد يختنق من شدة الألم:
"مش متعود اشوفك كده يا أروى، وحشني صوتك كلامك وضحكتك، أرجعي لاحمد اللي بيحبك، اللي بيعتبرك بنته المجنونه الطقه، مستعد أعمل أي حاجه علشان اشوف ضحكتك من تاني."
لم يكن ينتظر ردًا، لكنه فوجئ بحركة خفيفة تصدر منها.
بدأت أروى تحرك رأسها ببطء، وما إن شعر أحمد بأنها تستعيد وعيها حتى أفلت يدها فورًا، خوفًا من أن تفزع إذا وجدته قريبًا منها.
فتحت عينيها بتشوش، وحاولت استيعاب ما تراه أمامها.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها بعيني أحمد، تبدل كل شيء.
شهقت بقوة، وانتفض جسدها فجأة، ثم تراجعت إلى الخلف وجلست فوق السرير بسرعة وهي تضم ساقيها إلى صدرها، وكأنها تحاول الاختباء داخل نفسها. بدأت دموعها تنهمر بعنف، واهتز جسدها كله بنوبات بكاء متتالية.
تجمد أحمد في مكانه.
لم يكن يتوقع أن تكون رؤيته سببًا في كل هذا الرعب. تحدث سريعًا محاولًا تهدئتها:
"اهدي يا أروى متخافيش مني، أنا احمد حبيبك، وعمري ما أذيكي، معقوله خايفه مني؟"
لكنها لم تكن تسمعه. وضعت يديها فوق وجهها وظلت تبكي بانهيار، بينما كانت أنفاسها تتقطع بصورة مؤلمة.
شعر أحمد بأن قلبه يعتصر داخل صدره.
اقترب خطوة صغيرة للأمام ثم قال برجاء حقيقي:
"شش، خلاص اهدي علشان خاطري أنا هطلع من الاوضه، بس كفايه عياط ارجوكي."
استدار متجهًا نحو الباب، وفي اللحظة التي أوشك فيها على فتحه، سمع صوتها المرتجف خلفه. توقف مكانه فورًا.
أبعدت أروى يديها عن وجهها، وظهرت عيناها الحمراوان المليئتان بالرعب والدموع، ثم قالت بصوت متكسر:
"ا أنا ك كنت جايلك علشان وحشني، ه هما ا اللي خطفوني، هجموا عليا بطريقه وحشيه، ا أنا م معملتش حاجه والله."
أغلق أحمد عينيه بقوة. مجرد تخيل ما مرت به كان كافيًا ليحطم ما تبقى من ثباته.
استدار نحوها واقترب غريزيًا، راغبًا فقط في احتضانها وإخبارها أن كل شيء انتهى، لكنها صرخت فورًا:
"متقربش خليك عندك."
توقف مكانه وكأن قدميه التصقتا بالأرض. خرج صوته مختنقًا بالألم وهو يقول:
"لو كنتي طلبتي مني أجيلك كنت جتلك لو هرمي نفسي في النار، يا أروى."
اهتزت شفتاها وهي تبكي، ثم قالت بصوت مزق قلبه:
"أنا اللي اترميت في النار يا أحمد، ا انا مبقتش انفعك ولا أنفع غيرك خلاص."
هز رأسه بعنف رافضًا كلماتها وكأنها إهانة لا يحتمل سماعها:
"متقوليش كده يا أروى انتي متنفعيش حد غيري، انتي بتاعتي أنا مهما حصل."
لكن كلماته لم تصل إليها بالطريقة التي أرادها.
اشتعل الغضب واليأس داخلها دفعة واحدة، فصرخت من بين دموعها:
"أنا مش عايزه شفقه من حد، اطلع بره وإنساني، ارجوك مش عايزه اشوفك تاني."
حاول أن يقترب خطوة أخرى، لكن انهيارها ازداد حدة، فصرخت بأعلى صوتها:
"متقربش قلتلك، اطلع بررره."
في الخارج كان غريب قد عاد بالفعل.
رفع يده نحو المقبض، لكنه تجمد عندما سمع الأصوات القادمة من الداخل.
بقي واقفًا خلف الباب يستمع بصمت.
كان قلبه يرتجف مع كل كلمة يسمعها، لكنه شعر بشيء من الراحة وهو يستمع إلى حديث أحمد، ويرى من خلاله مقدار حبه لابنته وحرصه عليها.
لذلك لم يقتحم الغرفة. تركهما يتحدثان.
ترك لكل منهما فرصة ليخرج ما بداخله.
لكن عندما سمع صراخ أروى وانهيارها الكامل، لم يعد قادرًا على الانتظار أكثر.
فتح الباب أخيرًا ودخل بسرعة.
وما إن رأته أروى حتى اندفعت نحوه بعينيها قبل جسدها.
جلس بجوارها فورًا وضمها إلى صدره بحنان بالغ، ثم أخذ يربت على ظهرها بحركات هادئة مطمئنة وهو يقول:
"أهدي يا حبيبتي متخافيش أنا جنبك."
تمسكت به بقوة شديدة، وكأنها تتشبث بآخر شيء يمنحها الأمان في هذا العالم، ثم صرخت من بين دموعها:
"خليه يطلع من هنا، ارجوك يا بابي طلعه بره."
أومأ غريب برأسه في هدوء، ثم رفع عينيه نحو أحمد.
كانت نظراته تحمل الكثير من المعاني، لكن صوته ظل هادئًا عندما قال:
"ممكن تطلع بره، ولينا كلام مع بعض بعدين."
نظر أحمد إلى أروى طويلًا.
نظر إلى انهيارها، إلى خوفها، إلى الدموع التي لم تتوقف عن الانهمار من عينيها. ثم التفت إلى غريب وأومأ برأسه بصمت. لم يجد ما يقوله.
استدار وغادر الغرفة بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة كانت تنتزع جزءًا من قلبه.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفه، شد غريب ابنته إلى صدره أكثر، وظل يربت على ظهرها بحنان أب يحاول أن يجمع شتات روح ابنته بين ذراعيه.
"اهدي خلاص يا حبيبتي خرجته."
لكن أروى لم تستطع التوقف.
ظلت متشبثة به بقوة، تبكي وتصرخ داخل أحضانه، بينما كانت سنوات عمرها كلها تبدو وكأنها تنهار فوق كتفيها دفعة واحدة.
***************************
كانت رنيم لا تزال غارقة في نوم عميق بعد ليلة طويلة أثقلتها بالأفكار والمشاعر المتضاربة. تمددت فوق الفراش بكسل واضح، ووجهها غارق في الوسادة، حتى اخترق سكون الغرفة صوت رنين هاتفها.
تحركت يدها بتثاقل فوق الغطاء تبحث عن الهاتف بعينين مغمضتين، وما إن عثرت عليه حتى ضغطت زر الإجابة وهمست بصوت ناعس متحشرج من أثر النوم:
"السلام عليكم."
جاءها صوت رجولي هادئ من الطرف الآخر قائلاً:
"صباح النور يا بشمهندسة رنيم، شكلك لسه نايمة."
فتحت عينيها فجأة، ثم رفعت الهاتف أمام وجهها تنظر إلى الشاشة، وما إن قرأت الاسم حتى زفرت بضيق واضح. أغمضت عينيها للحظة محاولة السيطرة على انزعاجها قبل أن تجيب بنبرة نافدة الصبر:
"أكيد هكون لسه نايمة يا أستاذ عمر، لسه بدري أوي على ميعاد الشغل."
ساد صمت قصير قبل أن يجيبها عمر بنبرة اعتذارية:
"أنا متأسف لو أزعجتك، أنا فكرت إنك بتصحي بدري."
اعتدلت في جلستها فوق السرير وهي تمرر يدها بين خصلات شعرها المبعثرة وقالت بفتور:
"لا حضرتك مبصحاش بدري، ومتقلقش، الشغل كله هتستلمه في ميعاده، زمان العمال شغالة دلوقتي في الموقع."
تنحنح عمر بإحراج قبل أن يقول:
"تمام يا بشمهندسة، أنا آسف على الإزعاج."
أنهت المكالمة دون أن تضيف كلمة أخرى، ثم ألقت الهاتف بجوارها فوق الفراش وهي تتمتم بضيق.
لكن ما إن رفعت رأسها حتى اتسعت عيناها بصدمة.
كان هناك إشعار لمكالمة أخرى.. شاهين.
شعرت بقلبها يهبط إلى قدميها.
ضغطت بسرعة على اسمه وأعادت الاتصال به، ولم تكد تسمع الرنة الأولى حتى أتاها صوته الغاضب كعاصفة مكتومة:
"البني آدم ده كان عايز منك إيه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وشعرت بتوتر مفاجئ يجتاحها.
"ه هو مين ده؟"
جاءها صوته هذه المرة أكثر غلظة:
"اللي اسمه عمر، سامعك وانتي بتكلميه."
أغمضت عينيها بقوة. كانت تعرف هذا الصوت جيدًا.
الصوت الذي يظهر عندما تشتعل غيرته.
تنحنحت بتوتر وقالت:
"ها، م مافيش، ده مفكرني صاحية علشان متأخرش على الشغل."
صدر منه صوت غاضب من أنفه قبل أن يقول بحدة واضحة:
"ليه؟ كان منبه وأنا معرفش؟ أقسم بالله لو سمعتك بتكلميه في التليفون تاني يا رنيم لأكون رايح مكسر الشغل فوق دماغه، وانتي عرفاني، مش بهدد يا رنيم، بنفذ على طول."
رغم انزعاجها من طريقته، إلا أن شيئًا دافئًا ومربكًا تحرك داخل قلبها.
ذلك الإحساس الغريب الذي كانت تحاول تجاهله كل مرة.
أومأت برأسها دون وعي وكأنه يقف أمامها بالفعل ويراقبها، ثم قالت:
"ح حاضر يا شاهين، فيه حاجة تاني؟"
وصلها زفيره الثقيل عبر الهاتف قبل أن يقول بصوت مختنق:
"أيوه.. اطلعي البلكونة، عايزك."
أغلقت الخط وهي تنظر للهاتف باستغراب.
ثم نهضت من فوق السرير واتجهت نحو الشرفة بخطوات بطيئة.
دفعت الباب الزجاجي وخرجت إلى الخارج، وما إن وقعت عيناها عليه حتى وجدته واقفًا في شرفة غرفته المقابلة، مستندًا إلى السور الحديدي وكأنه كان ينتظر ظهورها منذ دقائق طويلة.
رفعت حاجبها وقالت باستفهام:
"أمم.. خير؟ اديني أهو خرجت ليك، عايز إيه؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يرفع كوبًا بيده ويمده نحوها بين الشرفتين قائلاً:
"خدي، اشربي الشاي بتاعك."
نظرت إلى الكوب بدهشة حقيقية قبل أن تتناوله منه بحذر.
"ش شكرًا."
ارتشفت منه عدة رشفات صغيرة، وشعرت بحرارته تسري داخل جسدها، لكن تذكرها لطريقته قبل قليل أعاد العبوس إلى وجهها. نظرت إليه وقالت بجدية:
"على فكرة بقى، طريقتك معجبتنيش من شوية، عيب أوي الصوت اللي عملته ده."
راقب ملامحها للحظات، ثم ابتسم بأسف حقيقي وقال:
"أنا آسف، متزعليش، بس اتغظت من ابن المضايقة ده لما كلمك على الصبح."
حاولت التمسك بملامحها الجادة، لكن طريقته جعلت زاوية فمها ترتفع رغمًا عنها.
أدارت وجهها للجهة الأخرى حتى لا يلاحظ ابتسامتها، ثم ارتشفت من الشاي مرة أخرى.
راقبها شاهين بعينين ممتلئتين بالرضا، وكأنه حقق انتصارًا صغيرًا بمجرد أنه نجح في إخفاء غضبها.
وبعد لحظات سألته وهي تنظر إليه:
"وأنت ناوي تعمل إيه هنا الفترة دي؟ هتقضيها نوم وأكل وشرب شاي وقلة أدب وتسبيل كتير؟"
انفجر ضاحكًا على الفور.
ضحكة رجولية عميقة ملأت المكان وجعلت عينيه تدمعان من شدتها. ثم قال بمزاح:
"لا.. هنزل أتسلى شوية مع موظفة الاستقبال في الفندق."
في أقل من ثانية تبدلت ملامحها بالكامل. اختفت الابتسامة. واشتعلت عيناها. وانعقد حاجباها بغضب واضح.
ثم قالت من بين أسنانها:
"شااااهين!"
ازداد ضحكه أكثر وهو يكاد يختنق من الضحك، ثم رفع يديه مستسلمًا:
"خلاص خلاص."
ثم أضاف وهو يحاول التقاط أنفاسه:
"هروح معاكي الشغل، أصل مستحيل أسيبك لوحدك مع الولا الملزق ده."
أغلقت عينيها بنفاد صبر وكأنها تحاول استيعاب الكارثة القادمة. ثم قالت بغيظ:
"لا والله؟ يعني إيه هتيجي معايا؟ وأنا هشوف شغلي إزاي بقى؟"
أجابها بهدوء مستفز زاد من ضيقها:
"وهو حد منعك تشتغلي؟ ما تشتغلي براحتك، وأنا هقعد هادي خالص ومش هعملك أي إزعاج."
تمتمت بصوت خافت وهي تنظر إليه شزرًا:
"ده أنت الإزعاج بعينه، أنا متأكدة هشتغل في حضانة معاه هو واللي اسمه عمر."
سمع كلماتها بوضوح، لكنه اختار أن يتظاهر بعدم السماع.
فمال برأسه قليلًا وسأل ببراءة مصطنعة:
"بتقولي حاجة يا قلبي؟"
نظرت إليه بغيظ أكبر وقالت:
"لا، مبقولش."
ثم استدارت متجهة نحو باب الشرفة.
لكنها توقفت فجأة واستدارت نحوه مرة أخرى وهي تضيق عينيها بشك:
"هو أنت عملت الشاي ده إزاي؟"
ظهرت ابتسامة مشاكسة فوق شفتيه وقال:
"لا سوري، ده سر المهنة."
ثم أضاف بخبث واضح:
"بس فيه واحدة ساعدتني فيه."
احتاجت ثانية واحدة فقط لتفهم قصده.
اتسعت عيناها. ثم رمقته بنظرة نارية جعلته يضحك أكثر.
هبطت بقدمها على الأرض بضجر طفولي وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، قبل أن تستدير وتدخل إلى الغرفة تاركة إياه خلفها.
أما شاهين، فقد استند إلى السور الحديدي للحظة وهو يضحك بقوة حتى أدمعت عيناه.
ثم هز رأسه مستمتعًا بردة فعلها الغيورة التي لم تعد تستطيع إخفاءها مهما حاولت.
وبعد دقائق، تحرك إلى الداخل هو الآخر، وبدأ يستعد ليوم جديد، يوم سيقضيه بجوارها، سواء أعجبها ذلك أم لم يعجبها.
*****************************
بالمشفى...
كان الهدوء الثقيل يخيّم على أروقة المشفى، ذلك الهدوء الذي لا يحمل راحة بقدر ما يحمل قلقًا مكبوتًا وأنفاسًا متعبة تختبئ خلف الأبواب المغلقة. خرجت جواهر تبحث عن جواد بعدما لاحظت اختفاءه منذ فترة، فقد كانت تعلم جيدًا أنه كلما ضاقت به الدنيا لجأ إلى العزلة، يختبئ من الجميع حتى لا يرى أحد انكساره.
جالت بعينيها في الممرات عدة مرات قبل أن تتجه نحو الكافتيريا الخاصة بالمشفى، وهناك وجدته.
كان يجلس وحيدًا على إحدى الطاولات في الركن البعيد، ممسكًا بقدح من القهوة بين يديه، يرتشف منه ببطء وكأنه يحاول أن يبتلع معه شيئًا من وجعه. عيناه كانتا معلقتين بنقطة مجهولة أمامه، بينما ارتسمت على وجهه ملامح إرهاق وحزن عميق جعلاه يبدو أكبر من عمره بسنوات.
تأملته جواهر لثوانٍ طويلة، فانقبض قلبها عليه. لم يكن هذا هو جواد الذي تعرفه.
لم يكن ذلك الشاب القوي الذي اعتاد أن يكون سندًا للجميع.
كان يبدو الآن كأخ مكسور عاجز، يلتهمه الشعور بالذنب لأنه لم يستطع حماية شقيقته.
اقتربت منه بهدوء، ثم وضعت يدها فوق كتفه بحنان وهي تقول بنبرة مختنقة بالحزن:
"مش كفاية شرب قهوة يا جواد؟ كده غلط عليك يا حبيبي."
لم يلتفت إليها. ظل على حاله، يحدق أمامه بشرود قاتل، ثم رفع القدح وارتشف منه مرة أخرى قبل أن يقول بصوت مثقل بالألم:
"ودي تيجي إيه جنب قهرة قلبي وحرقته على أختي يا جواهر؟"
اهتز قلبها مع كلماته. جلست بجواره فورًا وأمسكت يده بين كفيها، محاولة أن تمنحه بعضًا من القوة التي يفقدها يومًا بعد يوم. وقالت بحزن صادق:
"يا حبيبي، الحمد لله إنها رجعت تاني لينا سليمة."
استدار إليها أخيرًا. نظرة واحدة من عينيه كانت كافية لتخبرها بحجم العذاب الذي يعيشه. نظر إليها بقهر موجع وقال بصوت مكسور:
"سليمة؟!"
فهمت ما يقصده دون أن يشرح.
فهمت الجرح الذي ينزف داخله.
وفهمت تلك الفكرة التي تفتك به منذ أن عادت أروى.
أومأت برأسها بإصرار وهي تشدد على يده قائلة:
"أيوه، سليمة يا جواد."
ثم أكملت بصوت ثابت رغم دموعها:
"اللي حصل ليها مجرد حادثة، وربنا هيبعت ليها الراجل اللي يقدر ده ويحبها علشانها هي، مش علشان حاجة خسرتها غصب عنها. وإحنا كلنا بنثق في أروى وعارفين أخلاقها وتربيتها عاملة إزاي، يبقى كلام الناس ميهمناش في حاجة."
ابتلعت غصتها وأكملت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:
"اقوى يا حبيبي، أختك محتاجاك جنبها. بلاش تحسسها بوجعها أو إن فعلًا حاجة منها ضاعت. الفترة الجاية هتكون صعبة عليها جدًا، ومحتاجة تلاقي كل اللي بتحبهم حواليها."
أغلق جواد عينيه بقوة. وكأن كلماتها لامست جرحًا مفتوحًا في قلبه.
خرج صوته هذه المرة أكثر انكسارًا:
"مش قادر أبص في عيونها يا جواهر."
توقف قليلًا وهو يحاول السيطرة على اختناق صوته قبل أن يكمل:
"مش قادر أواجه ضعفها قصاد عيوني، اللي حصلها صعب، صعب أوي."
ضغط على عينيه بقوة ثم قال بألم:
"مش سهل عليا أنا وبابا نستحمله، أختي اتاخدت مننا، واعتدوا عليها أربع وحوش."
ارتجف صوته أكثر وهو يهمس:
"أنا صغير أوي في عيون نفسي."
اتسعت عينا جواهر بالدموع.
فهي تعرف جيدًا أن أكثر ما يؤلم الرجال أحيانًا ليس الخسارة نفسها، بل شعورهم بالعجز أمام من يحبون.
استقامت في جلستها، ثم جذبت رأسه نحوها بحنان وضمتها إلى صدرها كما لو كانت تحاول أن تحتوي كل ذلك الألم المتراكم داخله.
أخذت تربت على ظهره برفق وهي تقول:
"متقولش على نفسك كده يا جواد."
ثم أضافت بصوت دافئ مليء بالاحتواء:
"ده قدر ومكتوب، وربنا ليه حكمة في كل حاجة بتحصل. أنت معملتش ذنب علشان تعاقب نفسك بالشكل ده."
تنهدت بحزن وأكملت:
"اجمد كده، وخليك جنب أختك. احتويها وحسسها إنك موجود، وإنها لسه نفس أروى اللي بتحبوها. صدقني، ده هيفرق معاها أكتر من أي علاج في الدنيا."
ظل صامتًا للحظات طويلة.
كانت كلماتها تتسلل ببطء إلى قلبه المنهك.
رفع رأسه أخيرًا ونظر إليها، ثم أومأ برأسه في صمت.
ورغم أن الوجع لم يختفي من عينيه، إلا أن شيئًا من السكون بدأ يعود إليهما.
ابتعد قليلًا عن حضنها، ثم أمسك يدها بين يديه وقبلها بحب وامتنان وقال:
"ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبدًا يا حبيبتي."
ابتسمت له ابتسامة دافئة امتزجت بدموعها وهي تقول:
"ويخليك ليا يا حبيبي يا رب."
ثم مدت يدها إلى قدح القهوة الذي أوشك أن يفرغ للمرة التي لا تعرف عددها، وسحبته من أمامه ووضعته على الطاولة بعيدًا عنه.
نظر إليها باستسلام فابتسمت وهي تشبك أصابعها بأصابعه قائلة بحزم لطيف:
"يلا، كفاية قهوة النهارده."
حاول الاعتراض، لكنها لم تمنحه الفرصة.
سحبته معها من مقعده رغم مقاومته الخفيفة، وبدأت تسير بجواره خارج الكافتيريا.
ولأول مرة منذ ساعات طويلة، سمح جواد لأحد أن يشاركه حمل ذلك الوجع الثقيل الذي كان يسحق صدره بصمت.
**************************
وصل كل من شاهين ورنيم إلى موقع العمل، وما إن دلفا إلى الداخل حتى تبدلت ملامح عمر فور أن وقعت عيناه على شاهين يقف إلى جوارها. انعقد فكه بقوة وضغط على أسنانه في محاولة لكبح انزعاجه، ثم اتجه نحوهما بخطوات سريعة وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستياء الواضحة، قبل أن يقف أمام رنيم مباشرة ويتحدث قائلًا بتساؤل:
"خير يا بشمهندسه رنيم؟ هو حضرتك جايه شغل ولا نزهه؟"
عقدة ذراعيها أمام صدرها وقالت بغضب:
"ياريت حضرتك تتكلم كويس، أنا حرة اجيب اللي انا عايزه اجيبه طالما ده مش هيأثر على الشغل، وشاهين شاريك معايا في الشغل ووجودة شئ مهم هنا."
رفع إحدى حاجبيه إلى الأعلى وتكلم بتهكم:
"شريكك! ده اللي هو ازاي حضرتك؟"
تكلم شاهين بنبرة مستفزة وقال:
"شريك ليها في كل حاجه عندك اعتراض؟"
نظر له بغضب وابتسم له بتوعد وقال:
"لا طبعا معنديش براحتكم."
ثم تركهما وابتعد عنهما، بينما كان الغضب يشتعل داخل صدره ويأكل ما تبقى من هدوئه.
تابعته رنيم بعينيها حتى اختفى من أمامها، ثم التفتت نحو شاهين ونظرت إليه بنفاد صبر واضح وقالت:
"ارتحت كده، اتفضل بقى وخليني اشوف شغلي."
وتركته وابتعدت عنه حتى تتابع العمل.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه شاهين وهو يراقبها تبتعد، ثم بدأ يتحرك بين أرجاء الموقع يتابع العمال أثناء قيامهم بأعمالهم المختلفة. كان يتجول بهدوء بين المعدات والآلات الضخمة، يراقب سير العمل بين الحين والآخر، بينما كانت عيناه تبحثان تلقائيًا عن رنيم كلما غابت عن مجال رؤيته.
مر وقت طويل نسبيًا وهو على هذه الحال، ولم يكن يتوقع أن تنقلب الأمور في لحظة واحدة.
فجأة شق صوت رنيم أرجاء المكان وهي تصرخ باسمه بكل ما تملك من قوة، الأمر الذي جعله يستدير بسرعة نحو مصدر الصوت. لمحها تركض نحوه بشكل هستيري لم يفهم سببه في البداية، لكن الرعب الذي كان يكسو ملامحها أخبره أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث.
لم تمنحه الفرصة ليستوعب الموقف أو حتى يلتفت خلفه ليرى ما أرعبها إلى هذا الحد، إذ اندفعت نحوه بكل قوتها حتى اصطدم جسدها به، فسقط أرضًا من شدة الدفع، وسقطت هي فوقه مباشرة.
وفي اللحظة التالية وقع فوق ظهرها الشوكة الحديدية الخاصة بسيارة الحفر.
دوى صوت الاصطدام في المكان بصورة مرعبة، وتناثرت الدماء حولهما في مشهد صادم جعل كل من بالموقع يتجمد في مكانه. أما شاهين فقد اتسعت عيناه بذهول ورعب وهو يشعر بجسدها الساكن فوقه، بينما كانت الدماء تنساب بغزارة فوق ملابسها وتغطيه هو الآخر.
ظل للحظات عاجزًا عن استيعاب ما حدث، ينظر إليها وهي بين ذراعيه بلا حركة، بينما أخذت الدماء تسيل على جسده وتلطخ يديه وملابسه، وشعور مرعب بالاختناق بدأ يطبق على صدره شيئًا فشيئًا وهو يحدق في وجهها الشاحب غير قادر على تقبل الحقيقة التي حدثت أمام عينيه في ثوانٍ معدودة...