تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الواحد والخمسون
توقفت أمامه أخيرا بعدما قطعت المسافة الفاصلة بينهما بخطوات مترددة، كانت تخشى أن تقترب أكثر فتكتشف أن ما تراه ليس سوى حلم آخر من الأحلام التي كانت تطاردها كل ليلة.
ظلت تحدق فيه طويلا، تتأمل ملامحه التي حفظتها عن ظهر قلب، الملامح نفسها التي كانت تستحضرها كلما أغمضت عينيها في وحدتها، لكنها بدت الآن أكثر قسوة وأكثر بعدا مما كانت تتخيل كانت الدموع تلمع داخل عينيها بينما خرج اسمه من بين شفتيها مرتجفا، محملا بكل الشوق والألم والحنين الذي سكن قلبها طوال تلك الشهور:
"شاهين"
رفع عينيه إليها للحظة واحدة فقط.
لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لتشعرها بأن بينهما عمرًا كاملا من الجراح لم يندمل بعد. نظر إليها بنظرة جامدة يكسوها ذلك الكبرباء القاسي لرجل تلقى طعنة من أكثر شخص أحبه في حياته، ثم تجاوزها وكأنها لم تكن تقف أمامه أصلا، واتجه بخطوات هادئة نحو مقعده قبل أن
يجلس عليه دون أن يلتفت إليها مرة أخرى.
تجمدت رنيم في مكانها لم تستوعب ما حدث في البداية.
كانت تنتظر أي شيء إلا هذا.
كانت تتخيل عشرات السيناريوهات لذلك اللقاء، بعضها سعيد وبعضها مؤلم، لكنها لم تتخيل أبدا أن يعاملها وكأنها غير موجودة شعرت وكأن شيئا حادا انغرس في صدرها دفعة واحدة، وكانت
كل الأشهر التي قضتها تنتظر عودته انهارت فوق رأسها في تلك اللحظة.
انتفضت بخفة عندما شعرت بيد جواهر تربت على ذراعها، كانت جواهر تتابع المشهد كله بحزن واضح، ورأت الانكسار الذي ظهر في عيني رنيم بمجرد أن تجاهلها شاهين، لذلك قالت بصوت خافت
"أمشي يا رنيم "
استدارت إليها ببطء، ثم أعادت النظر نحو شاهين مرة أخرى. كان يجلس في مكانه وكأنه منشغل بما أمامه تماما، ووجودها أو غيابها لا يعني له شيئا، ارتجفت شفتاها وهي تحاول أن تستوعب ما حدث، ثم قالت بصوت مهتز اختلطت فيه الصدمة بالخذلان
شفني ومعبرنيش يا جواهر | أنا كنت متوقعه أنه لما يرجع تاني ليا هيخدني في حضنه
ويعوضني عن أيام الوجع والحرمان"
انقبض قلب جواهر وهي تسمعها كانت تعرف أن رنيم لم تعش يوما واحدا طبيعيا منذ رحيله وكانت تعرف أيضا أن هذا اللقاء كان بالنسبة لها طوق النجاة الذي انتظرته طويلا. لذلك اقتربت
منها أكثر وربتت على ظهرها بحنان قائلة:
مش وقته يا حبيبتي الكلام هنا تعالي نروح يلا."
ظلت رنيم واقفة لثوان أخرى، تنظر إليه نظرة أخيرة مليئة بكل ما عجزت عن قوله، كانت تتمنى أن يرفع رأسه، أن ينظر إليها مرة أخرى، أن يمنحها أي إشارة تخبرها أن كل شيء لم ينته بعد.
لكنه لم يفعل.
وفي النهاية استدارت بصعوبة وتحركت مع جواهر نحو الخارج.
راقب شاهین انعكاس صورتها على الزجاج أمامه وهي تبتعد خطوة بعد أخرى، وما إن تجاوزت باب القاعة حتى شعر بشيء داخله ينتزع بعنف. كان قلبه يصرخ فيه أن ينهض أن يركض
خلفها، أن يناديها باسمها ويضمها إلى صدره كما كان يفعل دائما، لكن شيئا آخر كان يقيده بقسوة.
لقد اشتاق إليها حد الجنون.
اشتاق إلى رائحتها التي كانت تسكن أنفاسه حتى في غيابها، وإلى صوتها الذي كان قادرا على تهدئة كل فوضاه، وإلى عينيها اللتين أسرتاه منذ اللحظة الأولى التي وقعنا فيها عليه، حتى خلال تلك الثواني القليلة التي وقفت فيها أمامه لم يستطع منع نفسه من اختلاس النظر إليهما،
وكأنه يحاول أن يعوض شهورا كاملة من الحرمان.
لكن خلف ذلك الشوق كله كانت هناك جراح لم تلدنم.
جراح ظل يحملها معه طوال تلك الأشهر يعيد تذكرها كل ليلة، ويقنع نفسه بسببها أن ما حدث
بينهما لم يكن أمرا يمكن تجاوزه بسهولة.
كان جزء منه يريد أن يمنحها فرصة أخرى، بل كان يتوق إلى ذلك أكثر مما يعترف لنفسه، لكن الجزء الآخر ما زال يتألم بصمت، وما زال عاجزا عن نسيان اللحظة التي شعر فيها أن المرأة التي
أحبها أكثر من نفسه كانت السبب في أكثر أوجاعه قسوة.
ولهذا بقي جالسا مكانه. ثابت الملامح أمام الجميع.
بينما كانت الفوضى تلتهم قلبه من الداخل دون رحمة.
بتركيا....
خرجت أروى من العيادة بعد انتهاء جلستها العلاجية، تسير بخطوات هادئة يغلب عليها الإرهاق. كانت تلك الجلسات تستنزفها نفسيا أكثر مما تستنزفها جسديا، ففي كل مرة تضطر إلى فتحأبواب حاولت طويلا إغلاقها، وإلى مواجهة ذكريات تتمنى لو تستطيع اقتلاعها من عقلها وقلبها معا. رفعت رأسها نحو السماء وأخذت نفسا عميقا وهي تتجه إلى سيارتها، تحاول أن تستجمع ما
تبقى لها من طاقة قبل العودة إلى المنزل، لكنها ما إن اقتربت من السيارة حتى توقفت خطواتها فجأة.
كان أحمد يقف أمامها.
تجمدت للحظة وهي تنظر إليه، لم تتوقع رؤيته هنا أبدا مرت عدة ثوان قبل أن تستوعب وجوده بالفعل، ثم قالت باستغراب:
"أحمدا بتعمل أيه هذا؟"
تعلقت عيناه بها كان يحفظ ملامحها عن ظهر قلب ويخشى أن ينساها طوال الأشهر الماضية لم تغب عن تفكيره يوما واحدا، وكان كل لقاء عابر معها يوقظ داخله ذلك الاشتياق المؤلم الذي لم يستطع التخلص منه مهما حاول ابتسم لها ابتسامة خافتة امتزج فيها الحنين بالحب وقال:
"وحشتيني أوي يا أروى"
ارتبكت أروى فوزا، وشعرت بأنفاسها تضطرب دون إرادة منها. ابتلعت ريقها بصعوبة وأبعدت خصلة من شعرها خلف أذنها محاولة إخفاء توترها، ثم قالت بصوت خافت
ط طيب أنا لازم أمشي عن أذنك."
حاولت أن تتجاوزه وتصعد إلى سيارتها قبل أن ينهار ذلك الحاجز الذي بنته حول نفسها طوال الشهور الماضية، لكنها لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى أمسك أحمد بذراعها على عجل وقال: "أروى أستني أرجوكي، أحنا لازم تتكلم "
هبط بصرها مباشرة إلى يده الممسكة بذراعها، فتجمد أحمد في مكانه للحظة، ثم تركها فورا
وقال بسرعة
"مش قصدي حاجه "
أغمضت أروى عينيها للحظة طويلة، وشعرت بوخزة موجعة تعبر قلبها، لم تكن المشكلة في أحمد نفسه، ولم يكن النفور منه، بل كانت المشكلة داخلها هي كانت تشعر أحيانًا وكأنها أصبحت غربية حتى عن نفسها، عاجزة عن تقبل أبسط الأمور التي كانت يوما طبيعية للغاية، فتحت
عينيها أخيرا ونظرت إليه بوجع واضح قبل أن تقول:
"أحمد أنا حتى لمسة أيدك مش متقبلاها، أزاي هقبل أتجوزك؟ أنا بقالي شهور بتعالج ولسه زي ما أنا، والدكتورة قالت قدامي سنين على ما أتعالج من اللي أنا فيه ده، هتقدر تستنى سنين لحد ما أتعالج ؟"
هز رأسه بسرعة وكأنه يرفض حتى فكرة التشكيك في ذلك، لكنه لم يجد فرصة للكلام، فقد
واصلت هي حديثها قبل أن ينطق بحرف واحد
قبل ما تتسرع في الرد وتندم بعد كده، خد وقتك وفكر براحتك ولو حسيت أنك مش هتقدر حقك طبقا وده الطبيعي تشوف واحده سليمه مش معتدي عليها مش مریضه نفسيه، تتجوزها وتجيب منها أطفال سوياً نفسيا، إنما لو هتختارني يبقى قدامك مهمه مش سهله، لأني مش هكون البنت المرحة أم دم خفيفه اللي كانت تضحك وتملى الدنيا كلها بهجه وسعادة، لا هتلاقي واحده كتييه طول الوقت دموعها على خدها، بتخاف من أقل صوت، بتزعل من أقل حاجة
جسم من غير روح، أمشي دلوقتي مش عايزه اسمع ردك حالاً."
كانت كلماتها تخرج بصعوبة شديدة، وكأن كل حرف منها ينتزع جزءا من قلبها، لم تكن تحاول إبعاده لأنها لا تريده، بل لأنها تخاف عليه تخاف أن يتعلق بها أكثر ثم يكتشف لاحقا أن الطريق معها أصعب بكثير مما يتخيل كانت تريد أن تمنحه فرصة حقيقية للاختيار، بعيدا عن تأثير
عاطفته الحالية أو شفقته أو رغبته في إنقاذها.
أنهت كلامها سريعا قبل أن تضعف أكثر من ذلك، ثم فتحت باب السيارة وصعدت إلى الداخل
وأغلقته خلفها.
جلست خلف المقود تحدق أمامها بصمت، بينما كانت عيناها تراقبان أحمد من خلف الزجاج دون أن يلاحظ، ورغم كل الكلمات القاسية التي قالتها منذ قليل، كانت تتمنى من أعماق قلبها أن يختارها. كانت تتمنى أن يتمسك بها رغم كل شيء، أن يمد يده إليها ويقودها خارج تلك العتمة
التي تعيش فيها، أن يقنعها بأن ما انكسر داخلها ما زال قابلا للشفاء.
لكنها لم تكن تملك الشجاعة لتطلب ذلك منه.
ولم تكن تملك الأنانية الكافية لتطالبه بالانتظار.
لذلك أبعدت نظرها عنه أخيرا، واعتدلت في جلستها، ثم أدارت السيارة وتحركت بها بسرعة
كبيرة، تحاول الهروب من المكان كله قبل أن تخونها دموعها.
ظل أحمد واقفا في مكانه يتابع السيارة بعينيه حتى اختفت تماما من أمام ناظريه بقي
للحظات طويلة يحدق في الطريق الذي سلكته، ثم أطلق زفرة عميقة وهز رأسه برفض تام
وكانه يرد على كل مخاوفها دفعة واحدة.
وقال بصوت خافت لكنه كان مليئا باليقين
"مستحيل أختار غيرك يا أروى، أنتي الضحكه الجميله، حتى لما فقدتي جزء منها، هتفضلي أجمل ما عيني شافت بحبك ومش هتكوني غير ليا أنا"
وبعد أن قالها شعر براحة غربية تسللت إلى قلبه، حسم الأمر مع نفسه للمرة الأخيرة. لم يعد
بحاجة إلى التفكير أو إعادة الحسابات، فقد كان يعرف جيدا ما يريده منذ زمن طويل.
استدار بعدها واتجه إلى سيارته، صعد إليها وأدار المحرك، ثم انطلق من المكان وهو أكثر تمسكا بها من أي وقت مضى.
عند جواهر.....
عادت جواهر إلى الفيلا بعد يوم طويل أثقل أعصابها أكثر مما أتعب جسدها. كانت ما تزال تفكر
في رنيم وما آلت إليه حالتها بعد لقائها بشاهين، ولم تستطع طوال الطريق أن تتخلص من
صورتها وهي تقف مكسورة أمام الرجل الذي انتظرته أشهرا كاملة. حاولت إقناعها بالعودة معها. أو على الأقل الا تبقى وحدها في تلك الحالة، لكن رقيم أصرت على الذهاب إلى منزلها، كانت تريد أن تعيش وجعها بعيدا عن أعين الجميع.
ما إن دخلت الفيلا حتى ألقت حقيبتها جانبًا وأخذت تبحث بعينيها عن جواد. كان أول شخص ترغب في الحديث معه عندما تنقلها الأفكار، وأول ملجأ تلجأ إليه كلما شعرت أن الدنيا تضيق من حولها. نظرت إلى الصالة فلم تجده، فتحركت بخطوات هادئة نحو غرفة المكتب، توقفت أمام الباب وطرقت عليه بخفة قبل أن تفتحه.
وجدته جالسا خلف مكتبه الخشبي مندمجا في بعض الأوراق أمامه، لكن ما إن رفع رأسه ورآها حتى ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة التي كانت كفيلة دائما بإذابة أي ضيق يسكن قلبها. اقتربت منه، ففتح ذراعيه على الفور وأشار إليها بعينيه أن تأتى إليه، لم تحتج إلى دعوة ثانية فقد اعتادت أن تجد مكانها الطبيعي بين ذراعيه اقتربت منه وجلست على ساقه، فحاوطها بذراعه وقربها منه أكثر وقال:
"وحشتيني يا جوهرتي "
ابتسمت رغم كل ما كان يثقل قلبها، واقتربت منه ووضعت قبلة صغيرة على خده قبل أن تبتعد
قليلا وهي تقول:
وانت وحشتني يا قلب جوهرتك، جيت أمتى؟"
أسند ظهرها إلى صدره براحة وقال:
لسه من شوية، وأنتي يا روحي أيه أخرك كده؟"
اختفت الابتسامة تدريجيا من وجهها، وتنهدت بحزن واضح قبل أن تقول بصوت مختنق "النهاردة كان عندنا شغل بره، اجتماع خاص بمناقصة في الهيئة العامة للمشروعات، وأول مرة يظهر شاهين بعد اللى حصل يوم فرحنا، بس للأسف قابل رنيم بطريقه مش حلوة تجاهلها خالص، وهي إنهارت بعد اللي حصل ده، أنا صعباته عليا أوي رنيم اتعذبت أوي الشهور اللي فاتت دي، ولما شافته فرحت أنه أخيراً ظهر بس فرحتها مكملتش وطلع أنه قاصد يبعد عنها الفترة دي علشان يعذبها."
ساد الصمت لثوان بينما كان جواد يستمع إليها باهتمام. كان يعلم جيدا مقدار حب رنيم لشاهين كما كان يدرك حجم الجرح الذي يحمله شاهين بداخله. لذلك مرر يده على شعر جواهر بحنو وقال:
"رغم أني مش يتفق معاه الشخص ده، ومن أول ما اتقابلنا وكل واحد فينا مش طايق الثاني بس هو معاه حق يزعل، يعني هو كان ناوي يسلم أمه الشرطة، وكمان ضربها رصاصه لما كانت ناويه تقتلها، وعرض نفسه للخطر كل ده علشان عايز يحميها من الدنيا كلها، وفي الآخر تفاجئه أنها اتجوزت أنا لو مكانه كنت فرغة سلاحي كله في راسها ، ده مش ليه يحق يبعد عنها، ده حقه يفرسها ويتجوز واحده غيرها."
اتسعت عينا جواهر بصدمة حقيقية، واستقامت قليلا في جلستها فوق ساقه وهي تنظر إليه وكأنه قال شيئا غير معقول، ثم قالت:
"أنت أتجننت يا جواد؟ انت مؤيد اللي شاهين عملوا واللي بيعملوا في رنيم ده؟" هز راسه مؤكدا وقال بهدوء
ام مؤيده، أنا راجل زيه، وحاسس باللي هو حاسس بي دلوقتي دي طحنت رجولته يا بنتي " ضغطت على أسنانها بغضب وهي تشعر أن كلماته تزيد من انحيازها لرنيم، فقالت بانفعال: "آه ما أنت ذكوري زيه لازم تنحاز ليه بس لعلمك بقى، هو كمان غلطان، علشان كان مداري عليها أنه متجوز قبل كده وكمان عنده بنتين، ورغم كده هي سامحته واديته فرصه علشان بتحبه يعني هو كده مطحنش قلبها ؟ المفروض تدافع عنها من تيجي عليها."
تنهد جواد بضيق وهو يدرك أن هذا النقاش لن ينتهي إذا استمر بالطريقة نفسها. كان يرى الأمر من زاوية مختلفة، وهي تراه من زاوية أخرى، وفي النهاية كلاهما يدافع عن الشخص الذي يحبه. لذلك ضمها إلى صدره بقوة أكبر وكأنه يريد أن يوقف اندفاعها قبل أن يتحول الأمر إلى
مشادة حقيقية، ثم قال بنيرة هادئة
"خلاص يا قلبي بقى مش عايزين تنكد على بعضنا علشانهم هما ربنا يصلح حالهم، ولو ليهم نصيب لبعض ربنا هيصلح أمورهم وهتتحل، يلا يا جوهرتي، قومي غيري هدومك، وبلغيهم يحضروا الغدا هموت من الجوع."
زفرت جواهر بضيق لكنها أدركت أنه محق في شيء واحد على الأقل، وهو أن الجدال لن يغير شيئا من واقع رنيم أو شاهين. لذلك أومأت برأسها قائلة:
"ماشي "
وما إن همت بالنهوض حتى مال برأسه نحوها ووضع قبلة سريعة على شفتيها وقال بحب صادق
" بعشقك يا مجنونه"
لم تستطع منع الابتسامة من الظهور على وجهها هذه المرة، فأومات له برأسها بابتسامة صغيرة
ونهضت من فوق ساقه، ثم اتجهت نحو الباب وخرجت من الغرفة وأغلقته خلفها. ظل جواد يراقب الباب للحظات بعد رحيلها، وعلى شفتيه ابتسامة دافئة لا إرادية. كانت قادرة دائما على إشعال الحياة داخل أي مكان تدخله، حتى عندما تكون غاضبة أو متذمرة. تنهد بحب وهو يفكر فيها، ثم عاد بجسده إلى الأمام وأعاد نظره إلى الأوراق أمامه، محاولا استكمال عمله. لكن ابتسامتها وصوتها بقيا يرافقانه طوال الوقت.
بتركيا....
عاد غريب إلى المنزل مع اقتراب المساء، وبعد يوم طويل من العمل والاجتماعات التي لم تتوقف منذ انتقاله إلى تركيا، ما إن أوقف سيارته أمام المنزل وترجل منها حتى لمح أروى تهبط من سيارتها في التوقيت نفسه تقريبا توقفت عيناه عليها لثوان طويلة، يراقب ملامحها التي تغيرت كثيرا خلال الشهور الأخيرة. كانت أفضل مما كانت عليه في البداية، لكنه كان يعرف جيدا أن الهدوء الظاهر على وجهها لا يعني أن الحرب انتهت داخلها، بل يعني فقط أنها أصبحت
أكثر قدرة على إخفائها.
اقترب منها وقبل رأسها بحنو أبوي خالص وقال:
"كنتي فين كده يا قلب بابي؟"
تنهدت بحزن خافت وقالت:
كنت في الجلسه يا بابي"
ابتسم لها بحب، محاولا أن يزرع داخلها بعض الأمل الذي بدأ يتسلل إليها ببطء خلال الفترة
الأخيرة، ثم قال بتساؤل:
وعاملة ايه دلوقتي يا حبيبتي؟"
أجابته بصوت مختنق
عادي يا بابي لسه كل حاجه زي ما هي بس اديني بسمع كلامكم وبروح الجلسات وخلاص " شعر بوخزة ألم وهو يسمع تلك النبرة المستسلمة التي لم يعتدها منها يوما. كانت أروى قديما تقاوم الدنيا كلها بعنادها وضحكتها، أما الآن فأصبحت تنفذ ما يطلب منها وكأنها تؤدي واجبا لا
أكثر أحاطها بذراعه وتحدث بنيرة أبوية دافئة:
لازم يكون عندنا دافع علشان تكمل علشانه يا حبيبتي، وأحنا لسه في أول الطريق، وعلى مهلنا خالص مش مستعجلين، أنتى لسه صغيرة، وقدامك وقت تتعالجي فيه، وبالمناسبه أحمد كلمني،
وعايز يجي يتقدم ويلبس دبل ايه رأيك؟"
زفرت بضيق وقالت بصوت مختنق
لسه مقابلتي دلوقتي وأنا أديته وقت يفكر."
ابتسم غريب ابتسامة خفيفة وقال:
بس هو كلمني بعد ما قابلك وعايزك وشاريكي يا أروى."
رفعت عينيها إليه بسرعة، ولمعت داخلهما سعادة حقيقية غابت طويلا عن وجهها، ثم قالت بعدم تصديق:
بجد يا بابي ؟ يعني هو كلمك بعد مقابلتنا مش قبلها ؟ "
اوما برأسه مؤكدا وقال:
"أيوه يا حبيبة بابي ها أيه رأيك؟"
ظلت تنظر إليه لثوان طويلة، وكأنها تفكر في شيء أبعد بكثير من أحمد ومن الزواج نفسه، ثم
قالت فجأة
بابي أنا عايزة أرجع مصر."
عقد حاجبيه بعدم فهم وقال:
ليه يا حبيبتي ؟ مال ده بده؟ أحنا خلاص نقلنا حياتنا وشغلنا هنا."
هزت رأسها بالرفض وقالت:
"لا يا بابي حياتنا متنفعش هنا حياتنا وكل اللي بنحبهم في مصر مش في تركيا، أخويا جواد و خالوا تامر، وخالتوا سميه و جواهر ورنيم كل دول لينا في مصر، إنما هنا لينا مين ؟" تأملها غريب بصمت كانت كلماتها بسيطة، لكنها أصابت شيئا داخله كان يحاول تجاهله منذ شهور هو أيضا كان يشعر بالغربة رغم كل محاولاته للتأقلم. حاول أن يقنع نفسه أن البـ البداية الجديدة هنا ستكون أفضل للجميع، لكن الحقيقة أن جزءا من قلبه ظل معلقا هناك . في الشوار التي عرفها، وفي الوجوه التي أحبها، وفي الذكريات التي هرب منها دون أن يستطيع التخلص منها. أخيرا . قال بهدوء:
"ربنا يسهل يا حبيبتي، يلا ادخلي غيري هدومك على ما أشوف مامي وصلت ولا لسه؟"
أومأت برأسها ودلفت إلى الداخل.
ظل غريب واقفا للحظات يتابعها حتى اختفت عن ناظريه، ثم تنهد بحزن قبل أن يدخل هو
الآخر إلى في المنزل. بحث عن ترنيم في الصالة فلم يجدها، فصعد إلى الطابق العلوي واتجه نحو غرفتهما، ما إن فتح الباب حتى وجدها جالسة على الأريكة تتحدث عبر الهاتف.
عندما رأته قالت بصوت مختنق
ماشي يا سميه هقفل أنا دلوقتي، علشان غريب وصل"
أغلقت الخط، ثم نظرت إليه نظرة لم تعجبه على الإطلاق. كان يعرفها جيدا كما تعرفه، ولذلك
النقط فوزا أن شيئا ما يضايقها، قالت بضيق:
"هنزل أحضر الغدل"
ثم تحركت نحو الباب كانت لا تريد البقاء معه دقيقة إضافية، لكن غريب أمسك ذراعها سريعا وأوقفها قبل أن تغادر، ثم نظر إليها باستغراب وقال:
"مالك يا ترنيم؟"
أبعدت عينيها عنه وقالت بصوت مختنق
"مافيش "
زفر بضيق وقال بنقاد صبر:
"ما تقولى فيه أيه؟"
هذه المرة سحبت ذراعها من يده والتفتت اليه بغضب لم تحاول اخفاءه
فيه أني زهقت خلاص وجبت أخري، أنت وعدتني أننا هنقعد شهر ولا اثنين وبعد كده هنرجع تاني مصر، بس اللي أنا شيفاه أن يقالنا شهور هنا، واستقريت في شغلك وشكلك ناوي تعيشنا هنا على طول."
أغلق عينيه للحظة، لم يكن مستعد لهذه المواجهة ولكن لابد منها، ثم قال بهدوء متعب:
"أيوه يا ترنيم، ناوي أننا نعيش هنا على طول، مش قادر أرجع البلد اللي بنتي أعتدى عليها فيها، مش قادر أرجع البلد اللي شوفت فيها كسرت بنتي مصر بالنسبالي ذكرى سودا هتفضل عايشه جوه قلبي"
اشتعلت عينا ترنيم فوزا، لم تكن غاضبة منه بقدر ما كانت غاضبة من الفكرة نفسها، الفكرة التي شعرت أنها تسليهم حياتهم القديمة وكل ما أحبوه يوما.
قالت بغضب شديد
مصر دلوقتي ذكرى سودا؟ نسبت كل الأيام اللي عشناها حلوه فيها، نسبت أنها البلد اللي أتعرفنا فيها، نسيت أنها البلد اللي هربت ليها لما كانت المافيا بتهدتك، نسيت أنك أترميت في حضنها كتير أوي لما كنت محتاج ليها دلوقتي مصر بقت وحشه، وتركيا هي الحلوة عندك ؟" جلس على الأربكة ونظر إليها بضيق وقال:
" يعني أنا بكلمك على وجع بنتي، وأنتي بتكلميني عن الولاء وحب الوطن؟"
ردت عليه بصوت مختنق وقد بدأت الدموع تلمع داخل عينيها:
طيب ما هي بنتي زي ما بنتك بس شايفه من مصلحتها أنها ترجع مصر تواجه خوفها، تواجه ذكرياتها حتى لو كانت مؤلمه بس لازم ترجع مصر جنب أخوها وخالها وأهلها."
نظر إليها طويلا. كان يعرف أنها لا تتحدث بدافع الحنين فقط، بل بدافع الأم التي ترى ابنتها تنطفئ شيئا فشيئا بعيدا عن كل من تحبهم. وظل صامتا لعدة ثوان قبل أن يطلق زفرة طويلة
ثم يومئ برأسه أخيرا:
ماشي يا ترنيم، هنرجع مصر بس لما أخلص الشغل الملتزم بي هنا. "
وكأن الدنيا كلها أشرقت داخل عينيها فجأة تبدلت ملامحها بالكامل، وارتسمت على وجهها
ابتسامة واسعة افتقدها منذ مدة طويلة. قالت بسعادة غامرة:
بجد يا غريب ؟ أيوه كده ينصر دينك، بحبك يا ابن ضرغام"
تم اقتربت منه سريعا وجلست بجواره على الأريكة واحتضنته بسعادة.
ابتسم غريب، لكن خلف تلك الابتسامة كان هناك حزن عميق يعرفه وحده. فقد وافق على العودة، لكنه لم يكن متأكدا إن كان مستعدا فعلا لمواجهة كل ما ينتظره هناك، ومع ذلك، كانت
سعادتها تستحق أن يحاول ريت على ذراعها وقال بحب:
" وأنا بحبك يا ترنيم، وسعادتك دي عندي بالدنيا."
نهضت من مكانها وكأنها استعادت سنوات من عمرها دفعة واحدة، وقالت بحماس كبير: "هنزل أحضرك الغدا يا عيوني "
ثم ركضت خارج الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
ظل غريب يتابع الباب المغلق بابتسامة حزينة، قبل أن يتنهد بوجع ويستند برأسه إلى ظه الأريكة. كان يعلم أن العودة إلى مصر ستفتح أبوابا كثيرة أغلقها بصعوبة، لكن يبدو أن بـ بعض الاقدار مهما حاول الإنسان الهروب منها تعود لتجده في النهاية. وبعد لحظات نهض ببطء واتجه نحو غرفة الملابس حتى يبدل ثيابه، بينما كانت أفكاره كلها معلقة بما ينتظره هناك بعد هذه العودة.
عند رنيم ....
وصلت رنيم إلى شقتها والدموع تتسابق فوق وجنتيها، غير قادرة على استيعاب ما حدث منذ قليل، طوال الطريق كانت تعيد المشهد أمام عينيها مرة بعد أخرى، وكأن عقلها يرفض تصديقه. هل وصل الأمر فعلا إلى هذه الدرجة؟ هل أصبح شاهين قاسيا عليها إلى هذا الحد؟ هل يمكن أن يكون الحب الذي كان يملأ عينيه يوما قد اختفى بهذه البساطة ؟ أخرجت مفتاحها بصعوبة وفتحت الباب، ثم دلفت إلى الداخل وأغلقته خلفها، بينما كانت
خطواتها بطيئة ومترنحة تحمل فوق كتفيها أعوامًا من التعب لا مجرد ساعات من الحزن. اتجهت نحو الأريكة وجلست عليها، وما إن وضعت يدها على وجهها حتى انفجرت بالبكاء، تبكي بكل ذلك الوجع الذي تراكم داخلها طوال الشهور الماضية، وكأن رؤيتها له اليوم أعادت فتح
الجرح الذي كانت تحاول عبدا التعايش معه.
ظلت على هذا الحال حتى انتبهت فجأة إلى صوت باب الشقة المقابلة يفتح.
انتفض قلبها قبل جسدها، ونهضت بسرعة واتجهت إلى الباب وفتحته على الفور. وما إن وقع بصرها عليه حتى ارتجف شيء عميق داخلها.
كان شاهين، ومعه ابنتاه.
ارتسمت ابتسامة مرتجفة فوق شفتيها رغم الدموع التي ما زالت تملأ عينيها، وقالت بصوت هامس خرج محملا بكل ما عاشته من شوق وحرمان "شاهين!"
لكن شاهين دلف إلى الداخل برفقة طفلتيه وأغلق الباب دون أن يلتفت إليها.
إلا أن الحقيقة لم تكن بهذه القسوة التي بدت لها.
فعندما أغلق الباب اختلس نظرة سريعة نحوها دون أن تشعر وكانت تلك النظرة كافية لأن تعصف بكل الثبات الذي حاول التمسك به طوال الأشهر الماضية رأى دموعها، ورأى الشوق
الواضح في عينيها، ورأى ذلك الانكسار الذي لم يعتد رؤيته فيها يوما، فشعر بقلبه ينقبض بعنف. لكنه أجبر نفسه على إكمال ما بدأه وأغلق الباب دون أن يمنح نفسه فرصة أخرى للنظر إليها.
أما رنيم فظلت تحدق في الباب المغلق بحزن، لكن رغم الألم الذي اجتاحها، شعرت هذه المرة بشيء مختلف، مجرد عودته إلى الشقة المقابلة أعاد إليها جزءا من الأمل الذي ظنت أنه مات منذ زمن وجوده على مقربة منها، حتى وإن كان بعيدا بقلبه، جعلها تنمسك بفكرة أن الأيام ربما تحمل فرصة جديدة تجمعهما من جديد.
عادت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت إلى غرفتها بدلت ملابسها ببطء شديد، قبل أن تقع عيناها على باب الشرفة، تحرکت نحوه دون تفكير.
فتحت الباب وخرجت ثم وقفت تنظر إلى الشرفة المقابلة. كانت تتذكر عشرات اللحظات التي جمعتهما هناك نظرات طويلة وصامتة، أحاديث قصيرة، وابتسامات كانت تكفي لتجعل يومها أجمل. لذلك بقيت واقفة تنتظر، تتعلق بأمل صغير أن يخرج كما كان يفعل سابقا، أو أن تلمحطيفه حتى من بعيد.
لكن الوقت مر بطيئا وتقيلا دون أن يظهر.
ومع كل دقيقة كانت تمر كانت تشعر بذلك الأمل الصغير يتراجع قليلا، حتى أدركت أخيرا أن انتظارها لن يغير شيئا.
عادت إلى الداخل يقلب مثقل أكثر مما كان عليه، واتجهت نحو السرير وتمددت فوقه. ظل بصرها معلقا بالسقف بينما كانت الدموع تنساب من عينيها بلا توقف لم تكن تفكر في شيء محدد، بل كانت تفرق في دوامة من الذكريات صوته ضحكاته طريقته في احتضانها، نظراته التي كانت تشعرها بالأمان مهما كانت خائفة أو متعبة.
ومع استمرار بكائها بدأت تشعر بنقل غريب فوق صدرها. حاولت أن تأخذ نفسا عميقا لكنها لم تستطع، وشعرت أن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيها كما ينبغي ازدادت ضربات قلبها اضطرابا وأخذت أنفاسها تصبح أقصر وأسرع، بينما امتد الذعر داخلها تدريجيا.
نهضت بسرعة من فوق السرير واتجهت إلى حقيبة يدها، وبدأت تبحث داخلها بيد مرتعشة عن دوانها. كانت تعرف جيدا ما يحدث لها، وتعرف أن عليها أن تتناول الدواء قبل أن تتفاقم حالتها أكثر.
أخرجت البخاخ أخيرا من حقيبة يدها، وتمسكت به وكأنه طوق النجاة الوحيد القادر على إنقاذها من تلك النوبة التي بدأت تلتهم أنفاسها. رفعت يدها المرتجفة بسرعة وضغطت عليه محاولة استنشاق الدواء، لكن الصدمة شلتها في مكانها عندما لم يخرج منه شيء. حدقت فيه بعدم تصديق، ثم هزته بعصبية وضغطت عليه مرة أخرى، لكن دون جدوى، كان فارغا.
شعرت الأرض انسحبت من تحت قدميها في تلك اللحظة، وأخذت تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة بينما يزداد الاختناق داخل صدرها راحت تضغط على البخاخ مرات متتالية بأصابع مرتعشة لعل قطرة واحدة متبقية تخرج منه، لكن محاولاتها كلها باءت بالفشل، ومع كل ثانية كانت أنفاسها تزداد اضطرابا، وصدرها يرتفع ويهبط بعنف وهي تحاول عبثا أن تستعيد هدوءها وتسيطر على الذعر الذي بدأ يلتهمها من الداخل.
تحركت بسرعة نحو هاتفها، وأجرت اتصالا مرتجفا.
وما إن سمعت صوت جواهر حتى قالت بصعوبة شديدة
الحقيني يا جواهر، العلاج خلص وحاسه أن روحي بتروح مني تعالي بسرعة."
" أنهت كلامها وألقت الهاتف من يدها، ثم حاولت أن تلتقط أنفاسها بصعوبة بينما كانت الغرفة تدور من حولها. أخذ الدوار يشتد تدريجيا، وشعرت أن جسدها يفقد قوته شيئا فشيئا، بينما
بدأت الرؤية أمام عينيها تصبح ضبابية.
حاولت أن تنمسك بأي شيء حولها، لكن أطرافها لم تعد تستجيب كما ينبغي، وفي اللحظة التي بدأت فيها عيناها تثقلان وتغلقان ببطء، لمحت أمامها وجها تعرفه جيدا. كان وجه شاهين.
رأته يقترب منها بعينين مذعورتين، بخشي فقدانها.
ارتسمت ابتسامة ضعيفة فوق شفتيها، ابتسامة خرجت رغم كل الألم الذي يعتصرها، مجرد رؤيته كانت كافية لتمنح قلبها بعض الطمأنينة.
ثم استسلمت أخيرا لذلك الظلام الذي ابتلع وعيها بالكامل.
بدأت رنيم تحرك رأسها ببطء شديد، كانت جفونها ثقيلة إلى حد مؤلم، احتاجت إلى عدة محاولات حتى تمكنت أخيرا من فتح عينيها، بينما كانت أنفاسها ما تزال غير مستقرة تماما. شعرت بشيء يغطي جزءا من وجهها، فرفعت يدها ببطء شديد ولمسته بأطراف أصابع مرتجفة. لتدرك أن قناع الأكسجين ما يزال موضوعا فوق أنفها وفمها.
نزعت الماسك ببطء ثم التفتت حولها بنظرات شاردة قبل أن تقع عيناها على جواهر الجالسة بجوارها، تراقبها بقلق واضح منذ اللحظة التي بدأت فيها تستعيد وعيها. كان التعب ظاهرا على ملامح جواهر تكلمت رنيم بصوت ضعيف متقطع "
هو أيه اللي حصل ؟ "
تنهدت جواهر بارتياح خافت بعدما سمعت صوتها أخيرا، ثم اقتربت منها أكثر وقالت بصوت مختلق
"مافيش، بعد ما أتصلتي بيا، جبنا الدكتور وجينا معاه أنا وجواد، وكشف عليكي وعملك جلست النفس "
ما إن أنهت كلماتها حتى اعتدلت رنيم قليلا فوق الفراش، وكأن ذكرى ما ارتطمت بعقلها فجأة.
"شاهين كان هنا، أنا هفته قبل ما يغمى عليا"
اتسعت عيناها وارتجف جسدها وهي تهز رأسها سريعا وتقول بدموع بدأت تتجمع داخل عينيها:
نظرت إليها جواهر بحزن شديد ثم حركت راسها بالنقي وقالت بهدوء:
مكانش فيه حد هنا يا رنيم أحنا كسرنا الباب علشان نعرف تدخلك "
لكن رنيم لم تبد مقتنعة بكلمة واحدة مما سمعته كانت متأكدة مما رأته، أو على الأقل متأكدة مما شعرت به في تلك اللحظة، لم يكن مجرد حلم أو خيال بالنسبة لها، كانت ترى وجهه بوضوحشدید، ترى الخوف المرتسم في عينيه، وترى ارتباكه وهو يقترب منها. لذلك هزت رأسها بقوة أكبر وقالت والدموع تنساب على وجنتيها:
"أنا متأكدة أن شاهين كان هنا، هو أصلاً رجع لشقته من تاني صدقيني يا جواهر، انا شفته وهو خايف عليه"
شعرت جواهر بوخزة مؤلمة داخل قلبها وهي تنظر إلى تلك الحالة التي وصلت إليها رنيم. كانت ترى أمامها امرأة ينهشها الشوق من الداخل يوما بعد يوم، حتى أصبحت تتعلق بأي أمل مهما كان صغيرا أو بعيد المنال. لذلك لم تجد ما تقوله، واكتفت بهزة رأس حزينة قبل أن تميل نحوها وتحتضنها بقوة.
اختبأت رنيم داخل ذلك الحضن كما يختبئ طفل صغير من قسوة العالم، بينما انهمرت دموع
جواهر هي الأخرى دون أن تشعر، تكلمت جواهر بدموع:
" والله العظيم ما يستاهل حبك ليه ده، شاهین ده غبي "
ما إن سمعت رنيم اسمه حتى ازدادت شهقاتها، وتمسكت بجواهر بقوة أكبر ثم قالت بصوت مكسور
شاهین رجع شفته یا جواهر وبرضه مبصش ليا محاولش يبص في عيوني اللي كان بيحبهم. أنا أموت بجد لو شاهين نساني ولا كرهني "
كانت الكلمات تخرج منها ممزقة، محملة بكم هائل من الألم الذي تراكم داخلها طوال الشهور الماضية، لم يكن غياب شاهين وحده ما يؤلمها، بل ذلك الخوف القاتل من أن يكون الحب الذي كانت تعيش عليه قد انتهى بالفعل، وأن الرجل الذي ملأ عالمها يوما لم يعد يشعر نحوها بما كانت تراه في عينيه سابقا.
ربتت جواهر على ظهرها بحنو شدید تحاول تهدئتها رغم أن قلبها كان ينزف معها، ثم قالت بوجع
طيب أهدي علشان خاطري، الدكتور قال بلاش عياط كثير علشان نفسك" لكن رنيم لم تستطع التوقف. كانت كل محاولة منها للتماسك تنهار بمجرد أن يمر طيف شاهين في عقلها، لذلك اكتفت بالاختباء أكثر داخل حضن جواهر، بينما استمرت دموعها في الانهمار بصمت موجع، في الوقت الذي ظلت فيه جواهر تضمها إلى صدرها وتربت على ظهرها دون أن تتفوه بكلمة أخرى، مدركة أن بعض الأوجاع لا تملك لها أي علاج سوى الوقت.
عند شاهين.....
كان يقف خلف زجاج شرفته منذ عودته إلى الشقة، غير قادر على الابتعاد عنها رغم كل ما يحاول إقناع نفسه به منذ اللحظة التي رأها فيها في قاعة الاجتماع، عاد ذلك الصراع الذي ظن أنه دفته داخل أعماقه، فعاد يراقبها من بعيد كما كان يفعل دائما، كان قلبه يرفض الانفصال عنها مهما حاول عقله ذلك.
وقف خلف الباب الزجاجي للشرفة يتابع حركتها داخل شقتها دون أن تشعر، رأها وهي تدخل منهارة، ورأى دموعها التي لم تتوقف، ورأى ذلك الانكسار الذي يزداد يوما بعد يوم. كان يسمع بكاءها رغم المسافة الفاصلة بينهما، وكان كل صوت يصدر منها يشق شيئا جديدا داخل صدره لكنه ظل واقفا مكانه، يجاهد نفسه بكل ما يملك من قوة حتى لا يركض إليها ويحتضنها كما كان يفعل دائما.
كان يخبر نفسه أن عليه أن يكون قويا. عليه ألا يضعف أن ما حدث بينهما أكبر من أن يمحوه الشوق وحده.
لكن قلبه كان يخونه في كل لحظة.
وحين خرجت إلى الشرفة وبقيت تنتظره طويلا، كان يراها بوضوح، يرى عينيها وهما تبحثان عنه بين الحين والآخر، ويرى الأمل الصغير الذي كانت تتشبث به، ثم رأى ذلك الأمل وهو ينطفئ تدريجيا عندما عادت إلى الداخل.
عندها شعر وكأن شيئا ما انكسر بداخله.
ظل واقفا مكانه بعد دخولها، يحاول أن يقنع نفسه بأنه فعل الصواب، لكن ما إن بدأ يسمع اضطراب أنفاسها من الداخل حتى انتبه على الفور. تجمدت ملامحه وهو يصفى أكثر، ثم سمع صوتها المرتبك وهي تتحرك داخل الشقة، وبعدها سمع مكالمتها مع جواهر.
ما إن سمع صوتها المتعب حتى تلاشي كل ما كان يتمسك به. ذاب الغضب الذي حمله داخل صدره، وسقط العناد الذي احتمى به طويلا، وتراجع كبرياؤه أمام ذلك الرعب الذي اجتاح قلبه فجأة، لم يعد يرى أمامه امرأة جرحته، بل المرأة التي أحبها يوما وما زال قلبه يرتجف خوفا عليها رغم كل شيء.
شعر أن قلبه اقتلع من مكانه فاندفع نحو سور الشرفة الحديدي دون تفكير، لم يفكر في الباب ولم يفكر أن مفتاح الشقة ما زال معه، ولم يفكر حتى في المسافة بين الشرفتين. كل ما كان يراه أمامه هو رنيم.
قفز إلى شرفتها في لحظة واحدة، ثم اندفع إلى الداخل بسرعة جنونية.
وجدها تترنح أمامه بينما الحياة تنسحب من وجهها شيئا فشيئا.
اقترب منها بسرعة وأمسكها قبل أن تسقط أرضًا بالكامل، وحاول أن يبقيها مستيقظة، لكن
عينيها كانتا تغلقان ببطء.
وعندما وقعت نظراتها عليه ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة صغيرة موجوعة.
ابتسامة كانت كفيلة بأن تسحق ما تبقى من قوته. ثم فقدت وعيها بين ذراعيه.
شحب وجه شاهين تماما، وبدأ يربت على وجنتها بذعر حقيقي لم يحاول إخفاءه، بينما كان صوته يخرج مختنقا بالألم:
"رنيم فؤقي علشان خاطري ردي عليا، والله فراقنا صعب عليا أكثر منك، بس مش قادر أنسى اللي أنتي عملتيه مش قادر أنسى أني قتلت أمي علشان أحميكي، واتحملت الوجع وتأنيب
الضمير علشانك، وأنتي روحتي اتجوزتي راجل تاني غيري مش قادر أصدق أنك كنتي شيفاني ضعيف أوي كده في عينك لدرجة أنك تتجوزي راجل غيري، بحبك بس وجعي منك أكبر مليون مرة من حبنا ده، أنا هربت منك ومن نفسي روحت لأكثر مكان يرتاح فيه، كان نفسي أخدك فيه. مكان محدش يعرفه غيري سري اللي عمري ما فكرت أقوله لحد بس انتي اختصرتي كل ده أنا كنت بموت في الدقيقة في بعدك مليون مرة، ومن تأنيب ضميري مليون مرة، ومن وجعك مليار مرة، أنا كنت محتاجلك علشان أشتكى ليكى منك ليه يا رنيم ؟ أنا محبتش غيرك لا عارف أكرهك ولا قادر انسى اللي انتي عملتيه."
كانت الكلمات تخرج منه كأنها تنزف من جرح مفتوح ظل ينزف شهورًا كاملة دون أن يراه أحد. لأول مرة منذ زمن طويل سمح لنفسه بالانهيار. لأول مرة توقف عن التظاهر بالقوة.
ولأول مرة منذ رحيل والدته سقطت دموعه.
انهمرت فوق وجنتيه بغزارة وهو يضمها إلى صدره بقوة شديدة، كان يشعر برغبة مجنونة في أن يخفيها داخل ضلوعه، أن يمنع عنها الألم والخوف والحزن، أن يعيد الزمن إلى الوراء ويلغي كل ما حدث بينهما.
ظل محتضنا لها لدقائق طويلة، بينما دموعه تسقط فوق شعرها ووجهها، حتى سمع أخيرا
صوت طرقات عنيفة على باب الشقة.
انتقض على الفور، عرف أن جواهر وجواد قد وصلا.
رفع رأسه عنها بصعوبة، ثم نظر إليها طويلا.
كانت ملامحها شاحبة، وأنفاسها متعبة، لكن وجودها بين ذراعيه وحده كان كافيا ليجعله يشعر
بأن قلبه عاد ينبض من جديد.
مال نحوها وقبل رأسها بصمت، ثم نهض سريعا واتجه إلى الشرفة.
وقبل أن يغادر التفت إليها مرة أخيرة، بعدها قفز إلى شرفة غرفته وعاد إليها قبل لحظات من دخول الآخرين.
وقف خلف النافذة يتابع ما يحدث داخل شقتها دون أن يراه أحد. رأى جواهر وهي تركض
نحوها، ورأى الطبيب وهو يفحصها، وسمع كل كلمة قيلت داخل الغرفة.
ظل واقفا يراقب ما يحدث من خلف الزجاج وقلبه معلق بها، حتى سمع صوتها أخيرا، في تلك
اللحظة فقط شعر أن ذلك الثقل الجائم فوق صدره بدأ يخف قليلا.
لكن راحته لم تدم طويلا، فسرعان ما وصل إليه حديثها مع جواهر، ووصلته كلماتها وهي تصر على أنها رأته قبل أن تفقد وعيها. عندها أغمض عينيه بقوة وأمال رأسه إلى الخلف، بينما
اجتاحت صدره مشاعر متناقضة ومؤلمة.
لم تكن تتوهم، ولم يكن عقلها يخدعها كما ظنت جواهر، هو بالفعل كان هناك، يحتضنها بين
ذراعيه ويرجوها أن تفتح عينيها وتعود إليه. كان موجودا بكل ضعفه وانكساره ولهفته عليها. متخليا للحظات عن كل الحواجز التي أقامها بينه وبينها، قبل أن يعود ويختبئ خلفها من جديد.
استند بجبهته إلى الزجاج وتكلم بصوت مكسور موجوع
"لو بأيدي كنت دخلت مسحت دموعك وضميتك في حضني بس مش هقدر أعمل كده يا رنيم. دموعك بتقتلني بس نظرتي ليكي بتفكرني باللي حصل وتدبحني بسكينه باردة"
خرجت الكلمات منه بصعوبة ظل واقفا للحظات طويلة بعد ذلك، ثم ابتعد أخيرا عن النافذة وعاد إلى داخل غرفته.
جلس على حافة السرير وأحلى رأسه بين يديه، بينما كانت صورتها ودموعها وصوتها تدور داخل عقله بلا توقف.
حاول أن يهدئ النار المشتعلة داخل صدره، لكنه كان يعلم في أعماقه أن تلك النار لن تنطفئ بسهولة، لأنها لم تعد نار الغضب وحده، بل نار الحب أيضا، والحب حين يختلط بالخذلان يصبحأشد الأشياء قسوة على القلب.
في صباح اليوم التالي، استيقظت رنيم من نومها على صوت جرس الباب المتواصل، فتحت عينيها ببطء شديد، وما زالت آثار الإرهاق والانهيار الذي مرت به بالأمس تسيطر على جسدها بالكامل، اعتدلت في جلستها ونظرت حولها للحظات محاولة استيعاب المكان من حولها، قبل أن تتذكر أن جواهر وجواد غادرا في الليلة الماضية بعد أن اطمأنا عليها. زفرت بضيق وهي تمرر يدها فوق وجهها المتعب، ثم نهضت بصعوبة وتحركت نحو الخارج بخطوات بطيئة، فما زال
جسدها يشعر بالوهن روحها لم تستعد عافيتها بعد.
اتجهت إلى الباب وفتحته دون اهتمام حقيقي بمن يكون الطارق، لكنها ما إن رفعت عينيها حتى اتسعتا بصدمة حقيقية. كانت ميا تقف أمامها.
تجمدت للحظة، ثم اندفعت نحوها دون تفكير واحتضنتها بقوة، وهي تشعر انها تحتضن جزءا
من شاهين نفسه ارتجفت شفتيها وهي تقول بصوت ممتلئ بالشوق
وحشتيني اوي با میا كده برضه متسأليش عليا كل ده؟"
ضحكت ميا بسعادة وهي تتشبت بها هي الأخرى، ثم قالت بحب صادق:
" وأنتي وحشتيني أوي أوي يا رنيم بس والله غصب عني أنتي عارفه أنا بحبك قد ايه"
أبعدتها رنيم قليلا واحتضنت وجهها بين يديها، تتأمل ملامحها الصغيرة التي اشتاقت إليها كما
اشتاقت لكل شيء يخص شاهين، ثم قالت بابتسامة امتزجت بدموعها:
خلاص مش زعلانه منك المهم أنك رجعتي ثاني تعالي أدخلي "
دخلت ميا إلى الشقة بينما أغلقت رنيم الباب خلفها، ثم اتجهنا معا نحو الأريكة وجلسا عليها. لم تستطع رنيم أن ترفع عينيها عن الطفلة، ثم قالت باشتياق واضح
ياااه كنتي وحشاني أوي والله العظيم، طمنيني عليكي انتي كويسه ؟"
أومات ميا برأسها، لكن شيئا من الحزن تسلل إلى ملامحها الصغيرة وهي تقول بصوت مختنق
"الحمد لله كويسه بس هو الفترة اللي فاتت كان فيه مشاكل كثير أوي وبابي طلق مامي " شعرت رنيم وكأن الكلمات ارتطمت بقلبها مباشرة. اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وهي تردد
بعدم تصديق :
"بابا طلق مامتك ؟"
أومأت ميا برأسها مجددا وقالت بصوت حزين
"أيوه لما سافرنا، بابي كان متعصب جداً وحصلت مشاكل مع مامي، وطلقها واخدنا منها."
احتضنتها رنيم بقوة، لكن مشاعرها كانت متضاربة بصورة مرهقة جزء منها كان يتألم لأجل هذه الطفلة التي وجدت نفسها فجأة وسط انهيار أسرتها، وجزء آخر، رغم شعورها بالذنب، لم يستطع منع الأمل من التسلل إلى قلبها من جديد. أمل صغير حاولت قتله مرارا لكنه ظل حيا
داخلها رغم كل شيء.
أبعدت ميا قليلا ونظرت إليها بتوتر وهي تسأل:
" وكنتوا فين كل ده؟"
لكنها لم تحصل على إجابة.
ففي تلك اللحظة دوى جرس الباب مرة أخرى.
التفتت رنيم نحو الباب باستغراب، ثم نهضت وتحركت نحوه بخطوات سريعة. فتحت الباب وما إن وقعت عيناها على الواقف أمامها حتى شعرت بأن قلبها توقف عن النبض للحظة. كان شاهين.
وقف أمامها بكل هيبته التي لم تتغير بكل ذلك الحضور الذي كان كفيلا بأن يربك أنفاسها مهما حاولت التماسك حدقت فيه طويلا غير قادرة على استيعاب أنه يقف أمامها بهذه المسافة
القريبة، لكن شاهين لم يمنحها فرصة واحدة لتتحدث.
نظر إليها نظرة باردة وقال بصوت غاضب
"فين ميا؟"
ارتجفت أوصالها لمجرد سماع صوته، ذلك الصوت الذي كانت تتمنى سماعه طوال الشهور الماضية، ثم قالت بتلعثم واضح
ج جوه"
رفع صوته وهو ينادي عليها:
"ميال، تعالى هنا."
انتفضت ميا من مكانها وتحركت ببطء نحو الباب، لكنها ما إن رأت والدها حتى وقفت خلف رنیم بخوف واضح وقالت:
ن نعم !"
ضغط شاهين على أسنانه بغضب وقال:
" أنتي أيه خلاكي تخرجي من البيت من غير ما تقولي؟ أتفضلي أمشي قدامي."
ابتلعت ميا ريقها بخوف وتمسكت أكثر برنيم وكأنها تبحث عندها عن الأمان.
شعرت رنیم بخوف الطفلة فاندفعت تدافع عنها دون تفكير وقالت سريعا
س سيبها يا شاهين هي قاعدة معايا."
التفت إليها بنظرة حادة وقال من بين أسنانه
" هو أيه سيبها قاعده معايا؟ وأنتي تخصينا بأيه؟ ولا نعرفك منين؟ علشان أسيب بنتي معاكي
مالكيش دعوة ببناتي فاهمه"
كانت الكلمات كصفعة مباشرة على وجهها رأته غاضبا من قبل، ورأته حزينا ومنهارا.
لكنها لم تره يوما بهذا الجفاء.
"أمشي قدامي احسنلك"
ثم وجه نظره إلى ميا وقال بتحذير واضح
تحرکت ميا يخوف نحو شفته بينما بقيت رنيم واقفة مكانها عاجزة عن استيعاب ما سمعته. لكنها لم تستطع الاستسلام.
فاندفعت خلفه بسرعة وأمسكت ذراعه قبل أن يدخل، ثم قالت بصوت مرتجف
"أنت بأي حق تكلمني كده؟ البنت مأذنبتش أنها جات تقعد معايا شويه، هي ملهاش دعوة باللي
حصل ما بينا. "
توقف شاهين في مكانه للحظة، ثم استدار إليها ببطء شديد، وما إن التقت عيناه بعينيها حتى شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها كله. لم يكن غاضبا بالصورة التي اعتادت أن تراها
منه، ولم يرفع صوته أو يفقد أعصابه، لكن ذلك الهدوء الغريب الذي كان يحيط به جعل قلبها
ينقبض خوفا. كانت تعرف شاهين جيدا، وتدرك أن أخطر لحظاته هي تلك التي يكتم فيها غضبه خلف ملامح جامدة ونظرات قاسية، لذلك وجدت نفسها تتراجع خطوة إلى الخلف دون وعي
بينما شعور تقبل بالرهبة بدأ يتسلل إلى داخلها.
نظر إليها طويلا ثم قال بصوت منخفض أرعبها أكثر من الصراخ
"أيدك دي تبعديها عني، وإياكي تفكري تقربي مني ولا من بناتي علشان لو كتني نسيتي شاهين
الرواي مين، أنا ممكن أفكرك بي حالاً وأخليكي تكرهي حياتك"
شعرت ببرودة قاسية اجتاحت جسدها كله في لحظة واحدة، حتى خيل إليها أن الدم توقف عن الجريان في عروقها سحبت يدها عنه فوزا ونظرت إليه بعينين غارقتين في مشاعر متناقضة صدمة موجعة، وألم يعتصر قلبها، واشتياق هائل لم تستطع الأيام ولا الغياب أن يخففاه. كانت آلاف الكلمات تتزاحم داخل صدرها، أرادت أن تشرح له، أن تدافع عن نفسها، أن تخبره أنها ما زالت تحبه بالقدر نفسه وربما أكثر، وأنه رغم كل ما حدث لم يغادر قلبها يوما واحدا، لكن
الكلمات ظلت حبيسة حلقها.
أما شاهين فلم يبدو مستعدا لسماع أي شيء. لم يمنحها فرصة لتبرر أو حتى لتتكلم، بل أشاحبنظره عنها، ثم امسك بيد ابنته وتحرك إلى الداخل، وما هي إلا لحظات حتى أغلق باب شقته خلفه، تاركا إياها واقفة في مكانها تواجه وحدها صدى كلماته القاسية ووجعا جديدا انضاف إلى كل ما حمله قلبها خلال شهور الغياب.
تحركت ببطء شديد نحو شقتها، قدميها لم تعودا تحملانها دخلت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها، ثم أسندت ظهرها إليه.
وفي اللحظة التي شعرت فيها أنها أصبحت وحدها أخيرا، انهارت تماما.
انهمرت دموعها بغزارة وهي تنزلق ببطء حتى جلست على الأرض خلف الباب.
لم تكن تصدق أن الرجل الذي كانت ترى في عينيه العالم كله، أصبح ينظر إليها وكأنها غريبة.
فعل الغياب نفسه.
ولم تكن تصدق أن اشتياق شهور كاملة انتهى بهذه الكلمات القاسية التي مزقت قلبها أكثر مما
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني والخمسون
مرت عدة شهور أخرى، لكن الزمن لم يكن كريما بأي حال مع رنيم أو شاهين، كان كل منهما يعيش معركته الخاصة بصمت، دون أن يعلم الآخر حجم الخراب الذي يتركه الغياب داخله.
شاهين ظل متمسكا بموقفه، يراها أحيانًا من بعيد ويتجاهلها وكأنها لا تعني له شيئا، بينما كان قلبه في الحقيقة بين كلما وقعت عيناه عليها. حاول كثيرا أن يقنع نفسه أن ما يفعله هو الصواب، وأن جرحه أكبر من أن يسامح بسهولة، لكن الحقيقة التي كان يهرب منها دائما هي أنه لم يتوقف عن حبها يوما واحدا.
اما رنيم فكانت تعيش أيامها وكأنها تسير داخل نفق طويل لا نهاية له. صحيح أن وجود شاهين في الشقة المقابلة أعاد إليها شيئا من الطمأنينة بعدما عاشت شهورا كاملة لا تعرف عنه شيئا.
لكن رؤيته كل يوم دون أن تستطيع الوصول إليه كانت نوعا آخر من العذاب. كانت تشعر أن قلبها يفقد جزءا منه مع كل صباح يمر دون أن تسمع منه كلمة واحدة، ومع كل مرة يمر بجوارها وكانه لا يراها، ومع ذلك كانت تتمسك بالأمل بعناد غريب روحها ترفض الاعتراف بأن النهاية قد تكون اقتربت
وفي هذا اليوم، كان للبيت روح مختلفة تماما.
عاد الحماس يدب بين الجدران استعدادا لاستقبال غريب وترنيم بعد غياب طويل عن أرض الوطن. امثلات الفيلا بالحركة منذ الصباح الباكر، وانشغلت سمية ورنيم وجواهر في إعداد كل شيء كما يليق بعودة الأحبة، بينما ذهب جواد بنفسه إلى المطار ليستقبلهم.
كانت رائحة الطعام تنتشر في المكان كله، والحرارة المرتفعة جعلت الجميع يشعر بالإرهاق. خاصة بعد ساعات طويلة قضوها داخل المطبخ
وقفت جواهر أخيرا تستند بيدها إلى الرخامة والتقطت أنفاسها بتعب واضح، ثم قالت بنفاذ صبر:
هو مكانش ينفع نجيب أكل جاهز من بره؟ أنا تعبت من وقفت المطبخ دي والجو حر أوي " التفتت إليها سمية بنظرة تحمل مزيجا من اللوم والضحك وقالت:
تعبني من يوم واقفه فيه في المطبخ ؟ أمال خالتك ترنيم تعمل أيه ؟ اللي من ساعة ما جابت جواد و أروى مش بتسمح لحد يعملهم الأكل بأيديهم خالص ومن يومها وهي اللي بتحضر الأكل ليهم، صحيح بنات مدلعه "
رفعت رنيم رأسها من فوق الأطباق التي كانت ترتبها وقالت بضيق مصطنع:
" على فكرة بقى أنا كمان بحب أقف في المطبخ، وأعمل الأكل بأيدي، بنتك هي اللي خيخه "
رمقتهم جواهر بنظرة مستاءة وهي تمسح العرق عن جبينها وقالت:
خلاص سيبت ليكم أنتوا النشاط كله، وأنا هطلع أريح شوية في أوضى لحد ما يوصلوا."
ثم تركتهم بالفعل واتجهت نحو الدرج، بينما ظلت سمية تتابعها بعينيها حتى اختفت في الأعلى. عادت بنظرها بعد ذلك إلى رنيم.
كانت تراقبها منذ فترة تراقب الحزن الساكن في ملامحها رغم محاولاتها المستمرة لإخفائه. وتراقب ذلك الشرود الذي أصبح جزءا ثابتا منها اقتربت منها ببطء وربتت على ظهرها بحنان ام تعرف جيدا ما يدور داخل قلب ابنتها، ثم سألتها بهدوء:
عملتي ايه مع شاهين يا رنيم؟"
توقفت يد رنيم للحظة فوق الطبق الذي كانت ترتبه، ثم تنهدت تنهيدة طويلة خرجت محملة بكل ما عجزت عن قوله خلال الشهور الماضية، وقالت بصوت مختنق
ولا حاجه يا عمتو كل حاجه زي ما هي"
شعرت سمية بانقباض قلبها عليها، فأمسكت يدها ونظرت إليها بحب صادق وقالت: طيب كان فيه شاب طيب أوي وممتاز، كان عنده شركة صغيره من أيام عمك حسام، ودلوقتي بقى ما شاء الله شركته كبيره وليها أسمها، وهو كلمني وطلب أيدك أيه رأيك؟" رفعت رنيم عينيها إليها، وامتلأتا بالدموع فوزا، لم تغضب، ولم تنفعل، بل ابتسمت تلك
الابتسامة الموجوعة التي أصبحت ترافقها كثيرا، ثم قالت:
يا عمتو، أنا ما فيش راجل يملى عينيا إلا شاهين، أنا اتخلقت ليه هو وبس، حتى لو هو مش عايزني، أنا مستحيل أكون لغيره هظلم أي حد هيدخل حياتي."
أغمضت سمية عينيها لثوان ثم زفرت بضيق وهي تقول:
يعني هتفضلي كده حياتك كلها ؟ من غير جواز؟ يا بنتي دوري على مصلحتك، هو كده كده كان متجوز وعنده بنتين مالين عليه حياته، وفي الكبر هيسندوا، إنما أنتي وحيدة أنا أن عيشت ليكي دلوقتي مش هعيش ليكي العمر كله نفسي أطمن عليكي في بيت جوزك يا بنتي عايزة لما أقابل أبوكي، أقابله وأنا واثقه أني اتميت مهمتي معاكي "
شعرت رنيم بوخزة مؤلمة في قلبها وهي تسمع كلماتها كانت تعرف أن كل حرف تقوله نابع من خوفها عليها، لكنها في الوقت نفسه كانت تعرف أنها عاجزة عن تنفيذ ما تطلبه منها، اقتربت منها واحتضنتها بقوة وقالت بصوت مبحوح من شدة التأثر:
"ربنا يبارك في عمرك يا عمتو ويخليكي ليا يارب بس علشان خاطري بلاش تتكلم في الموضوع ده تاني، أنا مستحيل أكون لراجل تاني غير شاهين الموضوع منتهي بالنسبالي" تنهدت سمية بحزن وريتت على ظهرها بحنو شديد، ثم قالت:
"ربنا يهديه ليكي، ويسعدك يا حبيبتي، ويريح قلبك يارب"
ابتعدت رنيم قليلا عن حضتها وابتسمت ابتسامة حزينة وهي تحاول تغيير الحديث: يارب يا حبيبتي، يلا بقى نكمل اللي ورانا قبل ما يوصلوا كفايه اللي خلعت فوق دي. "
ضحكت سمية رغم حزنها، وعادت معها إلى تحضير الطعام. وبينما كانتا تتحركان داخل المطبخ بمحبة واشتياق انتظارا لوصول الأحبة، ظل قلب رئيم معلقا في مكان آخر تماما، خلف باب
الشقة المقابلة، حيث يسكن الرجل الوحيد الذي ما زالت تعتبره وطنها كله.
بالشركة عند شاهين....
كان شاهين يجلس خلف مكتبه العريض داخل مكتبه الفخم، لكن عقله لم يكن حاضرا بين الملفات المكدسة أمامه ولا بين العقود التي تنتظر توقيعه كانت عيناه معلقتين بنقطة مجهولة أمامه، بينما روحه تائهة في مكان آخر تماما، مكان لا يغادره مهما حاول الهروب منه. منذ شهور وهو يحاول إقناع نفسه بأنه تجاوز الأمر، وأن ما بينه وبين رنيم انتهى يوم اختارت أن تكتب اسمها على اسم رجل آخر، لكنه في كل مرة كان يكتشف أنه يكذب على نفسه أكثر مما يكذب
على أي شخص آخر.
اشتاق إليها بطريقة أرهقته.
اشتاق لصوتها الذي كان يملأ يومه، ولضحكتها التي كانت قادرة على انتزاعه من أسوأ حالاته. ولرائحتها التي كانت تسكن ذاكرته بعناد لا يرحل حتى تفاصيلها الصغيرة التي لم يكن ينتبه إليها سابقا أصبحت تطارده الآن في كل مكان، في مكتبه، وفي منزله، وفي وحدته الطويلة التي لم يستطع التأقلم معها رغم مرور الوقت.
كان مستغرقا تماما في أفكاره حتى إنه لم ينتبه إلى صوت الطرقات على الباب، ولم يشعر
بدخول مروان إلى المكتب من الأساس.
دلف مروان إلى الداخل بهدوء، ثم أغلق الباب خلفه وتقدم حتى جلس على المقعد المقابل للمكتب. ظل يراقب شاهين لثوان وهو غارق في شروده، قبل أن يطرق بأصابعه على سطح
المكتب عدة طرقات خفيفة حتى يعيده إلى الواقع.
انتقض شاهين قليلا وكأنه عاد من مكان بعيد، ثم رفع عينيه إليه وقال بحزن واضح
خير يا مروان فيه ايه؟"
نظر إليه مروان طويلا قبل أن يقول بنيرة هادئة:
" خبط وأنت مسمعتش كنت سرحان طالما لسه بتحبها كده، ما تسامحها واتجوزول"
ارتسم الضيق على ملامح شاهين فوزا كلماته أصابت جرحا مفتوحا لم يلتتم بعد، ثم قال
بصوت مختنق يحمل قدرا هائلا من المرارة
"أسامحها؟ أنت أكثر واحد عارف الحالة اللي مريت بيها بسببها، وعارف أن بسبب كنت بحميها قتلت أمي بأيدي، وبتعالج علشان اتخطى ده، وعارف أني محبيتش حد في حياتي قدها، وبعد ده كله جات ودبحتني بأيديها بسكينه بارده وكتبت اسمها على اسم راجل غيري، حتى لو بغرض حمايتي، كان فيه مليون طريقة غير أنها تتجوزه، وبعد ده كله جاي تطلب مني أسامحها، مبقاش
ينفع يا مروان، نهاية حكايتنا كتابتها هي بأيديها."
صمت مروان للحظات وهو يتأمل أخيه جيدا، كان يرى التعب الذي يسكن عينيه، ويرى ذلك الصراع الذي ينهشه من الداخل منذ شهور. لم يكن شاهين يتحدث الآن كرجل غاضب فقط، بل
كرجل مجروح فقد ثقته في أكثر شخص أحبه في حياته.
هر مروان رأسه رافضا وقال:
"لا مش ناسي، وعارف كل اللي أنت بتقوله ده، بس شايف برضه أنت بتتعذب إزاي في بعدها عنك، شايف أنك مهما حاولة تنكر الحقيقه أنك لسه بتحبها ومش قادر تعيش من غيرها، مش
هتقدر ابدأ یا شاهین
أشاح شاهين يوجهه إلى الجانب، كان لا يحتمل مواجهة الحقيقة التي يحاول الجميع دفعه إليها، ثم قال بصوت خافت خرج مثقلا بالألم :
"أن يحبها ومش قادر أعيش من غيرها، بس برضه مش قادر اسامحها."
كانت تلك هي المعضلة التي حاصرته طوال الشهور الماضية.
يمكن لو كان يكرهها فعلا لكان الأمر أسهل عليه بكثير، فالكراهية تمنح صاحبها قدرة على الجسم والابتعاد، أما الحب حين يختلط بالخذلان فيتحول إلى سجن لا يستطيع الإنسان الهروب منه مهما حاول.
كان شاهين عالقا بين قلب لا يعرف سوى رنيم ولا يريد غيرها، وبين جرح غائر كلما حاول أن يغفر أو يلين تذكره من جديد في كل مرة يضعف فيها ويقرر أن يقترب منها، كانت الذكريات تعود لتقف أمامه بكل قسوتها، فتوقظه على الألم الذي عاشه، وتعيده إلى نقطة البداية وكان
شيئا لم يتغير.
لهذا ظل يدور داخل الدائرة نفسها منذ شهور يشتاق إليها حد الاختناق، ثم يبتعد عنها خوفا من أن ينكسر مرة أخرى، فيعذب نفسه بها ويحرم نفسه منها في الوقت ذاته.
تنهد مروان بضيق وقلة حيلة، ثم قال:
"براحتك، أنت أدرى بمصلحتك، همتي أنا بقى علشان هروح أخد خطيبتي ونتمشى شوية ونتغدا برم"
رفع شاهين عينيه إليه، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة رغم كل ما بداخله، ثم قال بحتو ماشي يا حبيبي روح، ربنا يسعدكم."
ابتسم له مروان وغادر المكتب، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
ظل شاهين يتابع الباب بعينيه حتى اختفى مروان تماما من أمامه، ثم تنهد بوجع عميق وأرجع ظهره إلى المقعد. رفع رأسه إلى الأعلى وأغلق عينيه للحظات طويلة، محاولا تهدئة تلك الفوضى
التي لا تهدأ داخله أبدا.
كان يشعر أحيانا أن قلبه يخونه.
كلما حاول أن يقنع نفسه بأنه اتخذ القرار الصحيح، عادت صور رنيم لتطارده من جديد. وجهها وهي تبكي صوتها وهي تنادي اسمه نظرتها المنكسرة كلما قابلته وحاولت الاقتراب منه. كان
يرى وجعها جيدا، وربما لهذا السبب كان يتعذب أكثر منها.
فتح عينيه ببطء، ثم مال برأسه إلى الخلف وهو يضغط على أسنانه بقوة.
كانت كل دقة في قلبه تدفعه إليها.
وكان كل جزء بداخله يصرخ طالبا منه أن يذهب إليها الآن، أن يحتضنها ويخبرها أن غيابها كسر فيه أشياء كثيرة، وأنه لم يتوقف يوما عن حبها.
الخطوة التي يتوق إليها قلبه بكل هذا الجنون.
لكن جرحه كان يقف بينهما كحائط ضخم يذكره في كل مرة بما حدث، ويمنعه من أن يخطو
بعد شهور طويلة من الغياب، عاد غريب وترنيم وأروى أخيرا إلى أرض الوطن، كانت الرحلة كلها تمر على ترنيم حلم تخشى أن تستيقظ منه، فمنذ أن وطأت قدماها أرض المطار وهي تشعر بشوق جارف لكل شيء تركته خلفها الشوارع، الوجوه الذكريات، وحتى الهواء الذي كانت تتنفسه هناء استقبلهم جواد بلهفة واضحة لم يحاول إخفاءها، وبعد عناق طويل ومصافحات
امتزجت فيها الفرحة بالاشتياق، اصطحبهم بسيارته نحو الفيلا.
طوال الطريق كانت ترنيم تنظر من نافذة السيارة بصمت، تتأمل الطرقات التي افتقدتها، وتشعر أن شيئا داخلها يعود إلى مكانه الصحيح مع كل متر يقتربون فيه من المنزل، وما إن توقفت السيارة أمام الفيلا حتى فتحت الباب سريعا وترجلت منها قبل الجميع، قلبها قد سبقها إلى
الداخل منذ وقت طويل.
وقفت للحظات أمام المنزل تتأمله بعينين امتلانا بالدموع، ثم تحركت يبطء نحو الباب الرئيسي. بينما تبعها غريب و أروى وجواد.
في الداخل، وما إن وقعت عينا سمية عليها، حتى اندفعت نحوها دون تفكير، احتضنتها بقوة كانت تعوض شهور الفراق كلها في تلك اللحظة، وانهمرت دموعها وهي تقول باشتياق صادق
وحشتيني أوي يا بنت خالتي، أول مرة نبعد عن بعض كل ده."
تمسكت بها ترنيم بقوة لا تقل عن تمسك سمية بها، وشعرت للحظة أنها عادت فعلا إلى بينها، ثم قالت بصوت مختنق تأثرا:
آه يا سميه لو تعرفي أنتي وحشتيني قد أيه؟ أنتي نصي الثاني يا بنت خالتي، رفيقة عمري كله بحلوة وبمره."
كانت المشاعر الصادقة تملأ المكان لدرجة أن جواهر لم تستطع مقاومة رغبتها في المزاح، فقالت وهي ترفع حاجبيها:
طيب خلوا شويه لينا، أول مرة أشوف اثنين حموات يحبوا بعض "
انفجرت الضحكات في أرجاء المكان، وتبددت لحظات التأثر قليلا، فتقدمت ترنيم نحو جواهر واحتضنتها بقوة وقالت:
يا بت بطلي لماضة، أتجوزتي المفروض تعقلي مش تتجنني أكثر."
ضحكت جواهر وهي ترد بسرعة:
بنت الوز عوام، وأنا طالعه ليكي، يا توتم "
رفعت ترنيم يدها و ضربتها بخفة فوق رأسها، ثم وقعت عيناها على رنيم الواقفة قليلا بعيدا، لم تنتظر ترنيم ثانية واحدة.
تراقب المشهد بابتسامة خجولة تخفى خلفها الكثير من الحزن.
اقتربت منها سريعًا واحتضنتها بقوة قبل أن تنطق بأي كلمة، ثم قالت باشتياق حقيقي:
" وحشتيني اوي يا حبيبتي"
ابتسمت رنيم ابتسامة حزينة وريتت على ظهرها قائلة:
حمد الله على السلامة مصر نورت."
أبعدتها ترنيم قليلا وأمسكت وجهها بين كفيها، ثم نظرت طويلا إلى عينيها اللتين فقدنا الكثير
من بريقهما خلال الشهور الماضية، وقالت بهدوء:
"أنا رجعت، وربنا يقدرني وأرجع كل حاجة زي ما كانت"
فهمت رنیم مقصدها فورا.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة موجوعة وهي تقول:
"معتقدش أن فيه حاجه هترجع زي ما كانت للأسف اللي أنكسر صعب يتصلح."
داعبت ترتیم خصلات شعرها برفق وقالت بثقة :
مش على ترنيم الدسوقي سبيها عليا ومتقلقيش "
ثم أتبعت كلامها بغمزة صغيرة جعلت رنيم تبتسم رغما عنها، وشعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل أن الأمل ما زال قادرا على إيجاد طريقه إلى قلبها.
بعد ذلك التف الجميع حول أروى وغريب، وتوالت العناقات والترحيب والكلمات المليئة بالشوق قبل أن ينتقلوا جميعًا إلى غرفة الطعام حيث بدأت الأطباق توضع فوق المائدة وسط أجواء دافئة افتقدوها منذ زمن.
وقبل أن يبدأوا تناول الطعام بدقائق، دخل تامر ومعه أحمد، وما إن وقعت عيناه على المائدة حتى قال بمرح
"أقسم بالله أنا والولا ده حمواتنا بتحبنا زيطين نفسنا على الأكل على طول" ضحك الجميع، ثم جلسوا حول الطاولة، وتبادلوا الأحاديث والضحكات حتى انتهوا من تناول
الطعام.
بعدها انتقلوا جميعا إلى الصالة الواسعة، حيث جلسوا في أجواء عائلية هادئة. ولم ينتظر أحمد
كثيرا قبل أن يقرر اقتحام الموضوع الذي يشغل باله منذ شهور اعتدل في جلسته وقال
مباشرة:
"أنا يقول ما دام رجعتوا مصر، نعمل الخطوبة الأسبوع الجاي، علشان أنا تعبت."
شعرت أروى بالخجل فوزا، وانخفضت عيناها نحو الأرض، بينما ابتسم أحمد لها يحب واضح
قبل أن يلتفت إلى غريب ويسأله:
"ها أيه رأيك؟"
نظر غريب إلى ابنته طويلا. رأى التوتر داخل عينيها. ورأى الخوف.
ورأى أيضا السعادة التي تحاول إخفاءها.
ثم التفت إلى جواد، فوجد الأخير يومي برأسه موافقا، قبل أن ينظر إلى ترنيم التي أومات هي
الأخرى بابتسامة مشجعة. عندها عاد بنظره إلى أحمد وقال :
على خيرة الله، ربنا يسعدكم يارب"
وما أن نطق بتلك الكلمات حتى امتلات الصالة بالتهاني والفرحة.
أما أروى فكانت تنظر إلى الجميع وكأنها لا تصدق أن هذه اللحظة جاءت أخيرا.
وسط كل تلك السعادة، كانت رنيم تبتسم لهم وتشاركهم فرحتهم، لكنها في أعماقها كانت تشعر
كانت تحلم دائما.
لكن قبل أن يستمر أحد في الحديث، وقفت جواهر فجأة.
بفراغ مؤلم. تمنت لو كان شاهين موجودا بينهم في هذه اللحظة، لو كان يجلس بجوارها كما
التفتت إليها جميع الأنظار، حتى جواد نفسه بدا مستغربا.
بلعت ريقها بتوتر ثم قالت:
"يا جماعه أنا عندي خبر حلو ليكم "
ساد الصمت للحظات.
ثم نظرت إليهم جميعا قبل أن تضع يدها فوق بطنها وتقول:
"أنا حامل !"
اتسعت أعين الجميع بصدمة حقيقية.
بعدم تصديق، ثم قال:
اما جواد فبدا وكأنه لم يستوعب ما سمعه نهض ببطء من مكانه واقترب منها وهو يحدق فيها
"أنتي قلتي أنتي أيه ؟"
ابتسمت له بعشق وقالت:
"أنا حامل يا جواد هتبقى أحلى وأجمل بابي في الدنيا"
وفي اللحظة التالية كان قد جذبها إلى أحضانه ورفعها عن الأرض وهو يدور بها بسعادة طفل
حصل على أغلى هدية في حياته، ثم قال بصوت اختلطت فيه الضحكة بالدموع:
"مبروك يا أجمل مامي، مبروك يا جوهرتي "
وقفت ترنيم وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم اقتربت منها واحتضنتها بقوة وهي تقول بسعادة حقيقية:
الدنيا تاني "
"مبروك يا حبيبتي، شكراً أنكم خلتوني تيته أجمل هدية ربنا رزقني بيها، مش عايزة حاجه من
أما غريب، فظل واقفا للحظات يراقب المشهد كانت عيناه تقولان الكثير مما عجزت الكلمات عن التعبير عنه.
اقترب من جواد واحتضنه بقوة ثم قال بفخر أبوي واضح
"مبروك يا حبيبي، أيوه كده راجل من ضهر راجل"
بعدها التف الجميع حول جواهر وجواد.
تعالت الضحكات واختلطت التهاني بالدعوات.
وأخذ تامر وأحمد يمازحان جواد الذي لم يكن قادرا على التوقف عن الابتسام.
أما سمية فكانت تمسح دموع فرحتها بين الحين والآخر، بينما احتضنت أروى جواهر أكثر من
مرة وهي تبارك لها.
وفي وسط كل ذلك امتلأ البيت بالحياة والدفء من جديد.
وبدا وكأن هذه الليلة جمعت لكل فرد منهم سببا جديدا للفرح، حتى وإن كان هناك قلب واحد ما
زال ينتظر اكتمال سعادته بعودة صاحبه إليه من جديد.
في صباح يوم جديد....
استيقظت رنيم كعادتها بعد ليلة أخرى لم تنم فيها إلا ساعات متقطعة، أنهكها فيها التفكير
والاشتياق أكثر مما أرهقها السهر نفسه. وقفت أمام المرأة ترتدي ملابسها العملية ببطء شديد.
تؤدي كل حركة وكأنها مفروضة عليها لا تابعة من رغبة حقيقية لم تعد تلك الفتاة التي كانت
تستيقظ بحماس لتبدأ يوما جديدا في الشركة، ولم تعد تملك الشغف الذي كان يملأ عينيها كلما
تحدثت عن العمل أو خططت لمشروع جديد منذ رحيل شاهین تغيرت أشياء كثيرة داخلها.
حتى نفسها التي كانت تقاوم وتتشبث بالحياة بدأت تضعف شيئا فشيئا.
التقطت حقيبتها أخيرا وغادرت الشقة. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى استدارت تلقائيا نحو
الباب المقابل.
باب شقة شاهين.
ذلك الباب الذي أصبح جزءا من يومها، تنظر إليه كل صباح وكل مساء، تنتظر معجزة صغيرة
تحدث في أي لحظة.
وقفت تحدق فيه لثوان طويلة، ثم تنهدت بوجع مكتوم واتجهت نحو المصعد.
ضغطت الزر وانتظرته بصمت، وعندما وصل فتحت الباب ودلفت إلى الداخل، استندت بظهرها إلى الجدار المعدني وأغمضت عينيها للحظات تحاول أن تجمع ما تبقى لديها من قوة لتبدأ يوما جديدا يشبه كل الأيام السابقة.
وقبل أن ينغلق الباب تماما، امتدت يد سريعة تمنعه من الإغلاق.
رفعت رأسها تلقائيا. واتسعت عيناها فورا. كان شاهين.
دلف إلى الداخل بسرعة، لكنه ما إن رفع عينيه ورآها أمامه حتى تجمد في مكانه للحظة قصيرة. بدا يفكر بالاستدارة والخروج قبل أن يتحرك المصعد، إلا أن الأبواب أغلقت بالفعل، وبدأ المصعد
في الهبوط. ساد صمت تقيل بينهما.
نظرت إليه رنيم بحزن موجع، تم أغمضت عينيها ببطء، لم تعد تحتمل رؤيته بهذا القرب وعدم
القدرة على الوصول إليه، كانت دقات قلبها مرتفعة بصورة مؤلمة، حتى إنها ظنت للحظة أنه يستطيع سماعها، شعرت بأنفاسها تضيق داخل صدرها، لكنها رغم ذلك أخذت تستنشق الهواء بعمق، تحاول أن تملأ رئتيها برائحته التي اشتاقت إليها حد الجنون.
كم افتقدت تلك الرائحة افتقدت مجرد الوقوف بجواره. وافتقدت الإحساس بالأمان الذي كانت تشعر به لمجرد وجوده بالقرب منها.
أما شاهين فكان يقف وظهره إليها، متشبثا بكل ذرة قوة يملكها حتى لا يلتفت. لكنه رغم ذلك لم يكن غافلا عنها كما كانت تظن.
كان يراها كاملة من خلال انعكاسها على الجدار المعدني للمصعد
. كان يرى ارتجافة شفتيها. يرى الدموع التي تحاول حبسها. وذلك الاشتياق الذي لم تستطع
إخفاءه مهما حاولت.
رأى صدرها يرتفع ويهبط بقوة، الألم الذي ينهشها بصمت، وشعر بقلبه يتمزق وهو يدرك حجم المعاناة التي تعيشها وهي تقف على بعد خطوات منه فقط، ومع ذلك تبدو المسافة بينهما أبعد من أي وقت مضى، كانت لحظات قليلة.
لكنها مرت عليهما كعمر كامل.
وحين توقف المصعد أخيرا وفتحت الأبواب، خرج شاهين بسرعة واضحة، كان يهرب من نفسه قبل أن يهرب منها، لم يلتفت إليها، ولم يمنح قلبه الفرصة ليضعف أكثر مما ضعف بالفعل.
أما رنيم فظلت واقفة مكانها. لم تتحرك.
أبقت عينيها مغمضتين لثوان طويلة بعد خروجه ترفض الاعتراف بأن تلك اللحظة انتهت. بدأت تفتح عينيها ببطء شديد، رفعت نظرها إلى المكان الذي كان يقف فيه قبل لحظات، لكن لم يكن هناك أحد.
قد رحل بنفس السرعة التي يرحل بها دائما من حياتها كلما ظنت أنها اقتربت منه خطوة واحدة. حدقت في الفراغ أمامها لثوان طويلة، تحاول استيعاب أن تلك اللحظات القليلة التي جمعتهما انتهت بالفعل، وأنها عادت من جديد وحيدة كما كانت، وكأن وجوده معها منذ لحظات لم يكن سوى ومضة عابرة خطفت أنفاسها ثم اختفت تاركة خلفها وجعا أكبر واشتياقا أكثر قسوة. في تلك اللحظة انهارت اخر مقاومة كانت تتمسك بها.
انهمرت دموعها بغزارة، ووضعت يدها فوق فمها تحاول كنم شهقاتها التي خرجت رغماً عنها. شعرت بأن قلبها يعتصر داخل صدرها بقسوة لم تعد تحتملها، حتى إن قدميها لم تعودا قادرتين
على حملها.
انزلقت ببطء حتى جلست على أرضية المصعد.
ظلت تهز رأسها بالرفض مرارا كانت ترفض الواقع نفسه وترفض القسوة التي أصبحت بينهما.
وترفض فكرة أنه أصبح قريبا إلى هذا الحد، وبعيدا إلى هذا الحد في الوقت نفسه. اشتدت شهقاتها أكثر، وكادت أنفاسها تختنق من شدة البكاء، لكنها لم تكن تملك القدرة على التوقف.
وبعد وقت طويل لم تعد تعرف مقداره مسحت دموعها بصعوبة ونهضت من مكانها، كانت تشعر
بإرهاق شديد.
خرجت من المصعد بخطوات بطيئة، واتجهت نحو سيارتها.
صعدت إليها وأغلقت الباب خلفها، ثم وضعت رأسها للحظة فوق المقود وأغمضت عينيها محاولة استجماع نفسها.
وبعد دقائق أدارت المحرك وتحركت بالسيارة سريعا، متجهة نحو الشركة، بينما كان قلبها ما يزال عالقا داخل ذلك المصعد، في اللحظات القليلة التي وقفت فيها إلى جوار شاهين للمرة الأولى منذ شهور.
عند جواد وجواهر....
استيقظت جواهر فجأة من نومها، فتحت عينيها بسرعة ومدت يدها نحو الهاتف الموضوع فوق المنضدة الصغيرة المجاورة للفراش، وما إن وقعت عيناها على الساعة حتى انتفضت جالسة وقد اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، شعرت أن الوقت أفلت من بين يديها دون أن تشعر، وأنها تأخرت على موعد العمل بشكل لم تعتده أبدا.
تحركت بسرعة وهي تزيح الغطاء عنها، لكن حركتها المفاجئة أيقظت جواد الذي كان يغط في نوم عميق. فتح عينيه بصعوبة ورفع رأسه قليلا عن الوسادة، ثم نظر إليها بنعاس واضح وقال
بتساؤل:
فيه أيه يا بنتي على الصبح ؟"
كانت قد وقفت بالفعل إلى جوار السرير تبحث يعينيها عن ملابسها، فأجابته بسرعة وهي تتحرك
في أنحاء الغرفة بتوتر:
تأخرت على الشغل والنهاردة، فيه اجتماع مهم "
راقبها جواد للحظات، تم اعتدل في جلسته ومسح وجهه بيده قبل أن يقول بنبرة حاسمة لا
تقبل النقاش:
تعالي كملي نومك، مافيش نزول شغل يا روحي أنتي من هنا ورايح هترتاحي في البيت
وكويس أن ماما رجعت علشان تاخد بالها منك."
توقفت جواهر مكانها فوزا واستدارت نحوه، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيق واضح
"نعم يا أخويا؟ قاعدة بيت أيه دي اللي بتقول عليها ؟ هو أنت كل شوية تمنع نزولي لشركة يا جواد؟"
ابتسم رغما عنه على طريقتها الغاضبة، ثم نهض من فوق الفراش واتجه نحوها، وقف أمامها مباشرة وأحاطها بذراعه، ثم حرك يده برفق فوق بطنها الصغيرة وكأنها تحمل كنزا يخشى عليه
من نسمة هواء، وقال بحب صادق
"أنا خايف عليكي وعلى اللي في بطنك يا جوهرتي أنا الفرحه مش سبعاني من أمبارح مش مصدق نفسي أن هيكون عندي طفل منك، حبنا هيتجسد في حته مني ومنك يا جواهر، علشان
كده بطلب منك تريحي في البيت واللي أنتي عايزاه كله هنفذه ليكي، علشان خاطري"
تأثرت بكلامه رغم محاولتها التمسك بموقفها، فنظرت إليه بحزن وقالت بصوت أكثر هدوءا:
"يا حبيبي، وأنا والله فرحانه زيك وأكثر بس رنيم مبقتش زي الأول في الشغل، ومبقتش مركزة في حاجه، وأنا كنت باخد بالي من الشركة علشان متقعش تاني، ولو مروحتش يبقى الشركة
اللي بابا تعب فيها متقع وتعب بابا هيروح على الأرض"
كان يعرف جيدا أنها لا تتحدث عن الشركة فقط، بل عن شعورها بالمسؤولية تجاه كل شيء تركه والدها خلفه، وعن خوفها من أن يضيع مجهوده الذي أفنى عمره فيه، لذلك لم يغضب من
اعتراضها، بل رفع يده وربت على ذراعها بحنان وقال:
" متشغليش بالك انتي بحاجه وأنا هتصرف في موضوع الشركة ده.
عقدت حاجبيها باستغراب ونظرت إليه بعدم فهم قبل أن تقول:
هتتصرف ازاي مش فاهمة ؟"
اقترب منها أكثر وقبل خدها يحب ثم قال بابتسامة غامضة:
"أنتي مالك بقى مش أنتي خايفه على الشركة لتقع ؟ أنا هحلها."
زفرت بضيق وهي تعرف جيدا أن جواد عندما يتحدث بهذه الطريقة فمعنى ذلك أنه اتخذ قراره
بالفعل، ثم أومأت برأسها على مضض وقالت:
" ماشي، بس لو الشركة دي حصلها حاجه مش هسامحك يا جواد".
ضحك بخفة وهو ينظر إليها يعشق واضح، ثم مال بجسده وحملها بين ذراعيه فجأة، لتشهق هي وتتمسك بعنقه تلقائيا. تحرك بها نحو السرير ووضعها فوقه برفق شديد وكأنها قطعة من الزجاج بخشی آن تنكسر بين يديه، ثم انحنى وقبل رأسها يحب وجلس إلى جوارها وقال:
تقى فيا ومتقلقيش، يلا يا روحي كملي نومك وأنا هجهز وانزل الشغل "
نظرت إليه طويلا.
كانت ترى السعادة تملأ عينيه منذ علم يحملها، وترى ذلك اللمعان الذي لم يفارقه منذ الأمس وقد كان خبر الأبوة أعاد إليه جزءا جديدا من الحياة ابتسمت له بحب وأومأت برأسها أخيرا، ثم
تمددت فوق السرير وأغلقت عينيها محاولة الاستسلام للراحة.
اما جواد فظل يراقبها لتوان بابتسامة دافئة، ثم نهض واتجه نحو المرحاض وهو يشعر للمرة الأولى منذ سنوات أن الدنيا منحته سببًا جديدًا ليقاتل من أجله، وأن كل ما كان يفعله طوال عمره لم يعد يخصه وحده، بل أصبح هناك قلب صغير في الطريق ينتظره ليحمل اسمه ويشبهه ويشبه المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء آخر في هذه الحياة.
عند رنيم....
كانت الليالي الأخيرة تمر عليها ثقيلة بصورة لم تعد تحتملها. لم يعد النوم يزور عينيها إلا
الساعات قليلة متقطعة، وحتى حين تنام كانت تستيقظ مرهقة وكأنها لم تتم أصلا، البكاء
المستمر، والتفكير الذي لا يتوقف، والاشتياق الذي يأكل قلبها ببطء، كل ذلك بدأ يترك أثره
الواضح على جسدها قبل روحها. لهذا السبب شعرت في ذلك الصباح بألم حاد يضرب رأسها
بقوة حتى كانت تعجز عن التركيز في أي شيء.
أغلقت الملفات التي كانت أمامها على المكتب، ثم نهضت من مقعدها وأخذت حقيبة يدها، كانت بحاجة إلى الخروج قليلا من جو الشركة الخانق، وبحاجة إلى أي شيء يخفف ذلك الصداع الذي يكاد يشق رأسها إلى نصفين.
هبطت إلى الأسفل واتجهت إلى أقرب كافيه، تم دلفت إلى الداخل بخطوات بطيئة. لم تكن من محبي القهوة في الأساس، لكنها شعرت اليوم بحاجتها الماسة إلى فنجان منها عله يساعدها على استعادة بعض التركيز.
طلبت قهوتها ثم جلست إلى إحدى الطاولات القريبة من الواجهة الزجاجية، أسندت ظهرها إلى المقعد وأخذت تنظر أمامها بشرود عميق، بينما كانت أفكارها تجرها من جديد إلى شاهين رغم
محاولاتها المستمرة للهروب منه.
لكن شرودها انقطع فجأة عندما وقعت عيناها على وجه تعرفه جيدا.
اتسعت عيناها بصدمة، كانت إيما.
كانت تجلس مع أحد الشباب الذي بدا أكبر منها بقليل، وكان يقترب منها بطريقة لم تعجب رنيم على الإطلاق. لم يكن الأمر مجرد حديث عادي بل كان هناك شيء في تصرفاته جعلها تشعر
بالانزعاج فورا.
نهضت من مكانها دون تفكير.
اقتربت منهما بخطوات سريعة، ثم أبعدت يد الشاب عن إيما وقالت بغضب واضح
"أنت بتعمل أيه؟"
التفتت إليها إيما بعصبية شديدة، وضغطت على أسنانها وهي تقول:
" وأنتي مالك، بتدخلي في اللي مالكيش فيه ليه؟"
نظرت اليها رنيم بغضب مماثل وقالت:
"علشان أنا أكبر منك وشايفه اللي بيحصل ده غلط، أنتي لسه صغيرة، ومش فاهمه أنه بيستغلك
الغرض مش كويس "
وضعت إيما يدها على وجهها ثم أعادت شعرها إلى الخلف بحركة مستفزة وقالت:
" وأنني مالك، أنا حرة، وبعدين مش بابي رماكي زي الكلبه ؟ أيه عايزة تعملي نمرة علشان
يسامحك ويعبرك من ثاني ؟"
شعرت رنيم وكأن الكلمات أصابت قلبها مباشرة.
تجمعت الدموع داخل عينيها للحظة، لكنها ابتلعتها بصعوبة وأجبرت نفسها على الثبات. لم تكن إيما تعرف حجم الألم الذي تسببه كلماتها، ولم تكن تعرف أن كل كلمة منها تعيد فتح جروح لم
تلتم أصلا.
رفعت رأسها وقالت بغضب حاولت أن تخفي خلفه انكسارها
"كونك أنك تتكلمي في موضوع ثاني علشان تداري الموضوع الأساسي، يبقى أنتي متأكدة أن
معايا حق وأنك غلطانه، وأبوكي لو عرف اللي بيحصل هنا ده كان چه كسر المكان كله فوق
راس الحلو ده، أصله ميعرفش أبوكي كويس، وممكن يعمل فيه أيه، لو علم بس، أنه بص ليكي
مش كان بيعمل الحركات القذرة دي معاكي "
تبدلت ملامح الشاب فور سماعه اسم شاهين.
ظهر الارتباك بوضوح على وجهه، وابتلع ريقه بتوتر قبل أن يقول:
ط طيب أنا لازم أمشي عندي مشوار مهم عن أذنك "
ثم نهض من مكانه بسرعة وغادر الكافيه كله.
ظلت أيما تحدق في الاتجاه الذي غادر منه الشاب وعيناها متسعتان بذهول حقيقي. لم
تستوعب ما حدث للوهلة الأولى، فقد كانت تظن أنه سيبقى إلى جوارها مهما حدث، أو على
الأقل سيحاول تبرير موقفه والدفاع عن نفسه. كانت تنتظر منه كلمة واحدة، أي كلمة تثبت أن
وجوده معها لم يكن مجرد تسلية عابرة، لكنه اختار الطريق الأسهل هرب تاركا إياها تواجه
الموقف وحدها، في تلك اللحظة فقط بدأت ترى جانبا لم تكن ترغب في رؤيته، وشعرت بخيبة
صغيرة تتسلل إلى قلبها رغم محاولتها المستميتة لإنكارها.
أما رنيم فعقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت إليها قائلة:
عرفتي بقى أنه كان بيلعب بيكي وغرضه مش شريف؟ لو كان شاب كويس وعايزك بجد، كان
فضل واقف معاكي ودافع عنك بس هو مجرد ما سمع سيرة أبوكي خلع خاف على نفسه وسابك لوحدك"
"أنا بكرهك، بكرهك."
ضغطت إيما على أسنانها بقوة وقالت بعناد وغضب
ثم استدارت التغادر.
لكن رنيم أمسكت ذراعها برفق هذه المرة، لم تكن غاضبة منها.
بل كانت ترى نفسها القديمة فيها.
ترى فتاة صغيرة ترفض النصيحة فقط لأنها جاءت من الشخص الخطأ.
نظرت إليها وقالت بصوت مختنق يحمل الكثير من الصدق
"أنا مش هلومك على كرهك ليا، لأن احد وقت قريب كنت زيك كده كنت بقابل حبها وحنيتها
عليا، بكره وإهانه، رغم فرق السن اللى كان ما بينا بس كل اللى عايزة أقوله ليكي، حافظي على
نفسك كينت الشاب اللي بيحبك بجد مش هيعمل زي ما كان الشاب ده بيعمل معاكي، لا هيحافظ عليكي لحد ما تبقي مراته في الحلال، هيخاف عليكي ويحميكي من نفسه، هيحافظ على شكلك قصاد الناس، وقصاد نفسك علشان كده مش عايزاكي تستعجلي، اهتمي بمستقبلك
الأول وابني شخصيتك، وبعد كده دوري على الراجل اللي قلتلك على صفاته ده."
ظلت إيما تنظر إليها لثوان طويلة دون أن تنطق.
كانت ترى الصدق في عينيها رغم كل شيء، والألم الذي لم تعد رنيم قادرة على إخفائه.
لكن عنادها كان أكبر من أن يسمح لها بالاعتراف بذلك.
أبعدت يد رنيم عن ذراعها دون أن تقول كلمة واحدة، ثم استدارت وغادرت المكان.
كانت تتمنى لو استطاعت الوصول إليها كما وصلت ترنيم إليها يوما ما.
وقفت رنيم تتابعها بعينيها حتى اختفت من أمامها شعرت بحزن عميق وهي تنظر إلى أثرها.
لكن بعض القلوب تحتاج إلى وقت طويل حتى تفهم.
عادت ببطء إلى طاولتها وجدت فنجان القهوة قد وضع أمامها أثناء انشغالها بما حدث.
جلست على المقعد وأمسكته بين يديها.
كانت القهوة لا تزال ساخنة، لكن قلبها كان أكثر برودة ووحدة من أي وقت مضى، رفعت الفنجان إلى شفتيها وارتشفت منه ببطى، ثم أسندت رأسها إلى الخلف وأخذت تنظر عبر الزجاج إلى
الشارع المزدحم أمامها.
كان الناس يمرون من حولها منشغلين بحياتهم، بينما كانت هي تشعر أن الزمن توقف عند لحظة واحدة فقط.
عند رجل ما زالت تحبه بكل ما تملك، ويصر على أن يقف بعيدا عنها رغم أن قلبه ما زال يسكن قلبها كما كان دائما.
بعد مرور أسبوع .....
جلست أروى أمام المرأة تتأمل انعكاس صورتها بصمت طويل، بينما كانت أصابعها تعبت بطرف فستانها دون وعي. كان من المفترض أن يكون هذا اليوم من أسعد أيام حياتها، فقد طالما حلمت أن يأتي يوم يصبح بينها وبين أحمد رابط رسمي يعلنه الجميع، وأن تجلس مثل أي فتاة تستعد لاستقبال مستقبلها بقلب مفعم بالفرح والأحلام، لكن الواقع الذي تعيشه الآن لم يكن يشبه احلامها القديمة. كانت تنظر إلى نفسها وتشعر أن الفتاة التي كانت تعرفها اختفت في مكان ما، وأن ما بقي منها ليس سوى بقايا روح تحاول أن تتماسك بعد أن تعرضت لكل ذلك الانكسار. لم يكن الألم الذي يسكنها متعلقا بما حدث لجسدها فقط، بل بما حدث لقلبها ونفسها وتقتها بنفسها، كانت تشعر أحيانًا أن شيئا عميقا داخلها قد تحطم إلى الأبد، وأنها مهما حاولت النهوض فلن تعود كما كانت يوما.
امتلأت عيناها بالدموع شيئا فشيئا حتى لم تعد قادرة على مقاومتها، فانهمرت بغزارة على
خديها، أغلقت عينيها بألم بينما ارتفعت شهقاتها رغماً عنها، وشعرت أن كل المخاوف التي كانت
تخينها داخل قلبها خرجت دفعة واحدة في تلك اللحظة.
انتقض جسدها فجأة عندما شعرت بيد تربت عليها برفق.
استدارت بسرعة وهي تمسح دموعها بارتباك، لتجد رتيم تقف خلفها.
نظرت إليها وتكلمت بشفاه مرتجفة وقالت:
ر رنیم؟ خير فيه حاجه ؟"
جلست رنيم أمامها وأمسكت يدها بين كفيها بحنان حقيقي، ثم نظرت إليها بعينين امتلانا بالمحبة وقالت:
"أنا كنت حابه الأسفلك، على طريقتي معاكي الفترة اللي فاتت صدقيني أنتي بالذات ليكي
غلاوة في قلبي وعمري ما كرهتك."
نظرت إليها أروى مطولا، ثم أومات برأسها وقالت بصوت مختنق
عارفه يا رنيم أنك بتحبيني، وأنك عمرك ما كرهتي حد، أنتي شخصيه جميله أوي وطيبه وعلشان كده بحبك، وكنت شيفاكي مثلي الأعلى في كل حاجة، كنت بتمنى أبقى مهندسه
شبهك، وأكون شاطرة زيك في الشغل بس ده طبعاً قبل اللي حصلي "
ما إن أنهت كلماتها حتى انهارت دموعها من جديد.
شعرت رنيم بوخزة مؤلمة داخل قلبها وهي ترى ذلك القدر من الانكسار في عينيها، كانت ترى أمامها فتاة صغيرة تحاول التظاهر بالقوة بينما هي في الحقيقة تحمل فوق كتفيها حملا أكبر من
عمرها بكثير.
اقتربت منها واحتضنتها بقوة، ثم راحت تربت على ظهرها بحنان وهي تقول:
"أنا عارفه أن اللي حصلك صعب بس مش نهاية العالم، حادثة حصلت وخسرتي فيها حاجه من جسمك، بس ربنا يعتلك اللي يتقبلك وأنتي كده يبقى أنسي وافرحي وعيشي اللحظة، أوقات بتحصل لينا حاجات على قد ما يتكون صعبه في وقتها، على قد ما هو بيكون درس لينا ودافع قوي أننا نكمل، بيكون مجرد اختبار الناس الحقيقيه في حياتك بتعرفي بيها المزيف من اللي بيحبك بجد، أنتي عندك شك لو واحد في المية أن ربنا عمل كده علشان يأذيكي ؟"
رفعت أروى رأسها سريعا و حرکت رأسها بالرفض قائلة:
"لا طبعاً، استغفر الله العظيم ربنا مبيأذيش حد".
ابتسمت رنيم لها ابتسامة هادئة مليئة بالحنان وقالت:
" بالظبط كده يا حبيبتي، ده مجرد ابتلاء من ربنا بيختبر بي صبرنا، وبعد كده يبعث لينا اللي يطبطب على قلبنا، واللي حصلك ده مجرد ابتلاء وربنا بعتلك أحمد علشان يطبطب على قلبك عيشي اللحظة وأفرحي يا أروى."
ظلت أروى تنظر إليها لعدة لحظات، وكأن كلماتها كانت تصل إلى مكان عميق داخلها حاولت هي نفسها الوصول إليه كثيرا ولم تستطع.
ثم اندفعت فجأة نحوها واحتضنتها بقوة وقالت:
"أنا يحبك أوى يا رنيم."
أغمضت رنيم عينيها وهي تضمها إليها بحنان وريتت على ظهرها قائلة:
" وأنا كمان بحبك يلا بقى يا عروسه العريس زمانه على وصول ولسه مجهزنيش" ضحكت اروی وسط دموعها، وكانت تلك أول ضحكة حقيقية تخرج . منها منذ فترة طويلة. اما خارج الغرفة، فكانت ترنيم تقف عند الباب الموارب تتابع المشر مشهد بصمت.
شعرت بقلبها يمثلى بسعادة لم تشعر بها منذ زمن طويل.
كانت ترى أمامها حلما انتظرته لسنوات طويلة يتحقق أخيرا.
لطالما تمنت أن تصبح رئيم جزءا حقيقيا من العائلة، لا مجرد فتاة قريبة منهم، بل أختا لأبنائها،
وسندا لهم، وشخصا يجدون فيه الأمان والمحبة.
والآن وهي ترى الطريقة التي تحتضن بها أروى، والكلمات التي تواسيها بها، والحنان الصادق
الذي يخرج منها دون تكلف، أدركت أن ذلك الحلم أصبح حقيقة.
تنهدت براحة وسعادة، ثم مسحت دموعها سريعا قبل أن يراها أحد.
استدارت بعدها وعادت إلى الطابق السفلي مرة أخرى، حيث كانت تجهيزات الخطبة مستمرة في كل أنحاء الفيلا، بينما كان قلبها أكثر خفة وطمأنينة من أي وقت مضى.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث والخمسون والاخير
بالمساء....
وصل أحمد برفقة أسرته وتامر إلى الفيلا، وكانت ملامح الحماس واضحة عليه بصورة لم
يستطع إخفاءها مهما حاول التظاهر بالهدوء. فمنذ أن فتح عينيه ذلك الصباح وهو يعد الساعات والدقائق انتظارا لهذه اللحظة التي طالما تمناها، اللحظة التي ستصبح فيها أروى جزءا رسميا
من حياته، لا مجرد فتاة يحبها ويحلم بها.
جلس الجميع أولاً داخل الصالون الكبير وتبادلوا الأحاديث المتعلقة بالخطوات المقبلة للزواج بينما كانت الأجواء هادئة ومليئة بالود وبعد أن انتهوا من الاتفاق على أغلب التفاصيل، نظر
غريب إلى جواد وقال:
أطلع هات أختك من الاوضه يا جواد"
لكن جواد رفع رأسه سريعا وقال:
بس كان فيه حاجه تاني أحمد عايزها."
التفتت الأنظار نحو أحمد الذي تنحنح محاولا الحفاظ على هدونه ثم قال بنبرة رجولية
واضحة:
"أنا كنت حابب أكتب الكتاب كمان علشان أكون براحتي وميحصلش أي تجاوزات، يعني أمسك
أيديها براحتي أو لو خرجت معاها تكون مراتي كده يعني "
نظر إليه غريب باستغراب واضح وقال:
مش لسه بدري شويه على الخطوة دي يا أحمد، يعني أنت عارف الظروف، ومش عايزين
يحصل حاجه ترجعها تاني لوراه
هز أحمد رأسه بسرعة وقال:
"لا متقلقش من الموضوع ده، طبقا أنا مش هقبل أعمل حاجه تأذي أروى، أنا سألت الدكتورة على الخطوة دي وقالتلي هيكون أفضل، وده هيساعدها على علاجها أكثر يعني لما أكون
جوزها "
ظل غريب صامتا لثوان طويلة يفكر في الأمر. كان أكثر شخص يعرف حجم المعركة التي تخوضها ابنته كل يوم مع نفسها، وكان أكثر شخص يخشى أن يتخذ قرارا يسبب لها ألقا جديدا. لكنه في الوقت ذاته كان يرى بوضوح مقدار الصدق في عيني أحمد، ويرى إصراره على البقاء
إلى جوارها مهما كانت الصعوبات. تنهد أخيرا وقال :
تمام معنديش مانع بس طبعا لازم توافق أروى على ده الأول "
ثم نظر إلى جواد وقال:
"أطلع بقى هاتها."
لكن تامر نهض سريعا وقال:
"خليك، أنا هطلع أجيب حبيبت خالها."
وصعد الدرج بخطوات سريعة حتى وصل إلى غرفتها طرق الباب ثم فتحه بهدوء، وما إن
وقعت عيناه عليها حتى تجمعت الدموع داخله دون إرادة.
كانت تجلس أمام المرآة بفستانها، تبدو جميلة بصورة تخطف القلب، لكنها ما زالت تحمل ذلك.
الحزن الساكن في أعماق عينيها. اقترب منها ببطء وقال:
بنوتي السكر كبرت وبقت عروسه قمر، أنا لسه فاكر لما شيلتك أول مرة على أيدي، وفاكر لما
كنتي بتمسكي فيا وعايزة تروحي معايا في كل مكان ربنا يبارك فيكي يا حبيبتي ويسعدك "
ارتمت داخل أحضانه فورا وقالت يحب
"أنت أحن واطيب وأعظم خال في الدنيا، ربنا يخليك ليا وتفضل دايما في ضهري "
ابتسم رغم دموعه وأبعدها قليلا ثم مسح دموعها وقال:
" يلا بينا العريس مستني على نار تحت وعملك أحلى مفاجأة"
نظرت إليه باستغراب وقالت:
"مفاجأة أيه ؟"
أمسك يدها وأجبرها على التحرك معه قائلا:
هبطا إلى الأسفل معا.
يا بت ربنا يديكي الصبر، تعالي انزلي وهتعرفي كل حاجة."
وما إن ظهرت أروى أمام الجميع حتى شعر أحمد أن الزمن توقف للحظة.
تجمد مكانه وهو ينظر إليها، كانت في قمة جمالها، لم يكن يرى الفستان أو الزينة أو أي شيء
آخر.
كان يرى الفتاة التي أحبها رغم كل ما مرت به والتي ازدادت جمالاً في عينيه كلما عرف وجعها اکثر.
طال نظره إليها حتى ضحك تامر وقال بمزاح
"أنت هتفضل مبلم كده كثير؟ ما تاخد عروستك يا عم أنت"
انتبه أحمد على صوته واقترب منهم بسرعة، ثم مد يده ليمسك يد أروى.
لكنها تراجعت للخلف فوزا وتمسكت بذراع خالها صاد الصمت للحظة.
لاحظ الجميع ما حدث.
أما أحمد قابتسم بهدوء واقترب منها قليلا ثم قال بجوار اذنها:
"أنا مش هلمسك، حطي أنتي أيدك على دراعي، ومجرد ما نروح الكوشه شليها على طول." ابتلعت ريقها بصعوبة. كانت تحاول أن تقنع نفسها أن الأمر طبيعي. أنها بأمان.
أن هذا الرجل لم يؤنها يوما ولن يؤذيها أبدا. حركت يدها ببطء شديد حتى لامست ذراعه.
انتفض جسدها للحظة دون أن يلاحظ أحد، وأغلقت عينيها لثوان قصيرة قبل أن تأخذ نفسا عميقا وتخرجه بهدوء.
تحركت معه نحو الحديقة حيث المكان المخصص لهم، وسط تصفيق الحضور وابتساماتهم.
ثم جلست أخيرا على المقعد وأبعدت يدها عنه، ثم تنهدت براحة واضحة وكأنها اجتازت اختبارا صعناء
ومع اقتراب لحظة تقديم الشبكة، شعرت أروى بأن التوتر الذي حاولت السيطرة عليه طوال الوقت بدأ يتسلل إليها من جديد كانت تتابع ما يحدث حولها بصمت بينما دقات قلبها تتسارع شيئا فشيئا.
التفت أحمد إليها بهدوء، منتظرا أن تمنحه يدها.
ظلت مترددة لثوان طويلة قبل أن تتحرك أصابعها ببطء شديد، كانت تجبر نفسها على القيام بتلك الخطوة، وما إن وضعت يدها أمامه حتى أمسكها أحمد بحذر بالغ.
شعر بالارتجافة الخفيفة التي تسري في أناملها، وشعر أيضا بحجم الصراع الذي تخوضه داخل نفسها في تلك اللحظة.
رفع عينيه اليها وقال يحب هادئ
"أروى بصيلي "
رفعت بصرها نحوه بصعوبة.
فوجد دموعها تلمع داخل عينيها رغم محاولاتها المستمينة لإخفائها.
انقبض قلبه فوزا، وتنهد يألم حقيقي وهو يقول:
لو مش مستعدة نأجلها شوية."
هزت رأسها سريعا، تخشى أن تسمح لنفسها بالتراجع، ثم قالت بصوت مختنق :
"لا يا أحمد لازم اتغلب على خوفي لازم أحاول أنت لو شايف أنك مش هتقدر تكمل أحنا لسه في أولها، تقدر تنسحبه "
نظر إليها طويلا، وكأنها قالت شيئا لا يستطيع حتى تخيل حدوثه.
كيف يمكنه الانسحاب وهي الشخص الوحيد الذي اختاره قلبه ؟
كيف يمكنه التراجع بعدما أصبح كل ما يتمناه هو أن يراها بخير؟
ابتسم لها ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحب بالألم، ثم أمسك الخاتم ووضعه برفق في إصبعها وقال:
"أنا مستعد أقضي عمري كله جنبك من غير لمسة أيد حتى المهم أنك تبقي بتاعتي أذل"
تم مد يده نحوها وقال بحنان
يلا حطي دبلتك في ايدي "
انتقلت نظراتها بين يده الممدودة ووجهه الهادئ.
ولأول مرة منذ زمن طويل شعرت أن وجود رجل بالقرب منها لا يثير داخلها الخوف وحده، بل
يمنحها شيئا افتقدته كثيرا، شعورا بالأمان.
أمسكت الدبلة ببطء، ثم وضعتها في إصبعه وسط نظرات الجميع.
ما إن استقرت الدبلة في مكانها حتى ارتسمت على وجه أحمد ابتسامة واسعة لم يستطع إخفاءها، وكأن الدنيا كلها منحته ما كان يتمناه في تلك اللحظة.
رفع يده أمام عينيه يتأمل الدبلة لثوان، ثم قربها من شفتيه وقبلها بسعادة واضحة وهو يقول: مبروك يا عمري، وعلشان تتأكدي أني متمسك بيكي لآخر يوم في عمري، أنا عاملك مفاجأة." نظرت إليه باستغراب وقالت:
"أيوه أيه هي بقى المفاجأة اللي خالو تامر قالي عليها ؟"
رفع عينيه إلى السماء بملل وقال:
خالك تامر ده مش بتتيل في بوقه فوله ابدا، عموما يا ستي، أنا قررت أكتب كتابك، وتبقي مراتي رسمي، عايز علاقتنا تفضل نضيفه ونقيه على طول."
اتسعت عيناها بصدمة وقالت :
"ها ؟ | أنت بتقول أيه ؟ | أنا يدوب بتقبل فكرة الخطوبة وراجل في حياتي أصلاً، وأنت تقولي
لكتب الكتاب؟"
تنهد بحب وقال بهدوء
"ما هو ده الغرض من كتب الكتاب علشان تتقبلي وجودي في حياتك، لازم يكون بطريقة مباشرة، وده مينفعش خالص في الخطوبه، لازم تكوني مراتي حلالي، ومتقلقيش الفرح هيتم
بعد ما تتعالجي خالص وتكوني مستعدة لده "
نظرت ناحية والدها بتردد وقالت:
ب بس بابي "
فتدخل أحمد سريفا:
"متقلقيش أحنا اتفقنا على كل حاجه، وهو موافق بس مستنى موافقتك يلا يا حبيبتي وافقى علشان خاطري "
ظلت أروى صامتة لعدة لحظات، بينما كانت عيناها تنتقلان بين الوجوه المحيطة بها. نظرت أولا إلى والدها الذي كان يراقبها بحنان ممزوج بالقلق، ثم إلى والدتها التي كانت تدعو لها بصمت من أعماق قلبها، وبعدها إلى جواد الذي منحها نظرة مطمئنة وكأنه يخبرها أن الجميع يقف خلفها مهما كان قرارها، ثم وقعت عيناها على رنيم التي كانت تبتسم لها بحب وتشجيع. واخيرا عادت بنظرها إلى أحمد.
كان ينتظر ردها بصير، لكن عينيه كانتا تفضحان حجم التوتر الذي يعيشه في تلك اللحظة. لم يحاول الضغط عليها أو استعجالها، بل اكتفى بالنظر إليها كان يترك لها كامل الحرية لتختار ما تريده
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أخذت نفسا عميقا قبل أن تحرك رأسها ببطء معلنة موافقتها.
في تلك اللحظة شعر أحمد وكأن حملا ثقيلا كان جائها فوق صدره وانزاح أخيرا، أغمض عينيه الثوان قصيرة وهو يحمد الله في داخله، ثم فتحهما من جديد ونظر إلى غريب وأومأ له برأسه مؤكدا موافقتها.
لم ينتظر تامر أكثر من ذلك، فتحرك بسرعة، كان يستعد لهذه اللحظة منذ البداية، واتجه لإحضار المأذون.
وبعد دقائق جلس الجميع في أماكنهم، بينما جلس أحمد إلى جوار المأذون، وجلس غريب في الجهة الأخرى بصفته ولى أمرها. كانت الأجواء مزيجا غريبا من الفرح والتأثر فالجميع يدرك أن تلك اللحظة ليست مجرد إجراء رسمي، بل خطوة كبيرة في حياة أروى بعد كل ما مرت به.
بدأ المأذون يتلو كلمات العقد بصوته الهادئ، وردد أحمد وغريب خلفه الكلمات المطلوبة، حتى اكتملت مراسم العقد وأصبحت أروى زوجة لأحمد أمام الله والناس.
وما إن انتهى المأذون من عقد القرآن حتى رفع يديه بالدعاء لهما، فتجاوب الجميع خلفه، وارتفعت الأصوات بالتأمين والدعوات الصادقة بأن يكتب الله لهما السعادة والراحة والسكينة. بينما امتزجت الابتسامات بالدموع في مشهد دافئ حمل الكثير من المحبة والفرح والأمل
بمستقبل أفضل ينتظرهما.
ما إن انتهت مراسم عقد القرآن حتى نهض أحمد من مكانه وقد غمرته سعادة حقيقية، وشعر برغبة عفوية في الاقتراب منها ومشاركتها فرحته بتلك اللحظة التي انتظرها طويلا. تحرك نحوها بخطوات سريعة، لكن أروى تراجعت إلى الخلف فورا دون وعي منها.
تجمد أحمد في مكانه للحظة، ولم يظهر على وجهه أي ضيق أو استياء، بل العكست في عينيه نظرة متفهمة ممزوجة بالألم لأجلها. كان يعلم أن الأمر لا يتعلق به، ولا يرفضها له، بل بالجراح
التي ما زالت تحاول التعافي منها يوما بعد يوم.
لذلك تراجع خطوة إلى الخلف ليمنحها المساحة التي تحتاجها، ثم مد يده إليها بهدوء وأمسك یدها برفق شديد، كان يخشى أن يفزعها أكثر، قبل أن ينحني ويطيع قبلة حانية فوقها وهو
يقول بحب
نورتي حياتي، يا أجمل ما في حياتي "
سحبت اروی پدها سريعا بتوتر، فهي ما زالت غير معتادة على كل ما يحدث حولها، ثم قالت بصوت خافت مرتبك:
ش شكرا"
لم يعلق أحمد على ارتباكها، بل اكتفى بابتسامة هادئة حملت الكثير من التفهم، بينما كان غريب قد اقترب منها بالفعل، وقف أمامها للحظة يتأمل وجهها وعينيه تمثلنان بمشاعر متناقضة بين الفرح والحزن، فرح لأنه يراها تبدأ خطوة جديدة في حياتها، وحزن لأنه يتذكر كل ما مرت به حتى وصلت إلى هذه اللحظة مال نحوها وقبل رأسها بحب أبوي صادق، ثم احتضنها بقوة، وقال:
"مبروك يا قلب بابي، ربنا يسعدك يا حبيبتي يارب أحمد شخصية محترمة وبيحبك." تشبثت أروى به كما لو أنها عادت طفلة صغيرة احتمت بحضن والدها من قسوة العالم كله، ثم قالت بصوت اختلطت فيه الدموع بالحب
"الله يبارك فيك يا بابي، وأنا بحبك أنت أكثر من الدنيا كلها."
ارتسمت ابتسامة مؤثرة على وجه غريب وهو يربت على ظهرها بحدان، قبل أن تقترب منها ترنيم، التي لم تستطع إخفاء دموعها وهي ترى ابنتها تقف أمامها في هذه اللحظة التي طالما دعت الله أن تراها فيها سعيدة وآمنة احتضنتها بقوة وقالت بصوت دافئ "ربنا يسعدك يا بنتي يارب، ويفرح قلبي بيكي "
بادلتها أروى العناق وهي تشعر بدفء كلماتها يحيط بها من كل جانب، ثم قالت بمحبة صادقة: "ربنا يخليكي ليا يا مامي"
وبعدها بدأت التهاني تتوالى من الجميع، واختلطت الدعوات الصادقة بالضحكات والابتسامات والدموع السعيدة. كان كل فرد من الحاضرين يحاول أن يشاركها فرحته بطريقته الخاصة، بينما جلست اروى وسطهم تشعر أنها ما زالت عاجزة عن استيعاب كل ما حدث خلال ساعات قليلة. ففي ليلة واحدة تبدلت أشياء كثيرة في حياتها. أصبحت مخطوبة، وأصبحت زوجة في الوقت نفسه، وانتقلت خطوة جديدة إلى الأمام رغم كل المخاوف التي كانت تسكن قلبها.
ورغم أن آثار الألم لم تختف بعد، ورغم أن الطريق أمامها ما زال طويلا ويحتاج إلى الكثير من القوة والصبر إلا أنها شعرت للمرة الأولى منذ زمن طويل أن الحياة لم تغلق أبوابها في وجهها كما كانت تظن. شعرت أن هناك من يتمسك بها بصدق، لا لأنه يشفق عليها، ولا لأنه يريد أن يغيرها بالقوة، بل لأنه اختار البقاء بجوارها بكل ما تحمله من ضعف وخوف وتدوب خفية. ولأول مرة منذ شهور تسلل إلى قلبها إحساس صغير بالأمان، إحساس خافت لكنه حقيقي. جعلها تؤمن أن العودة إلى الحياة ربما تكون ممكنة بعد كل شيء.
كانت رنيم تجلس على مقعدها تتابع مظاهر السعادة التي ملأت المكان من حولها، بينما كانت ابتسامتها الهادئة تخفي خلفها بحرًا كاملا من الحزن الجميع تقريبا وصل إلى نهايته السعيدة أروى وجدت من تمسك بها رغم جراحها، جواهر تعيش فرحتها بطفلها القادم، وغريب وترنيم عادا أخيرا إلى وطنهما وبين أحضان من يحبونه. أما هي فكانت تشعر وكأنها تقف وحدها على
الضفة الأخرى من الحياة، تشاهد السعادة تمر امامها دون أن تمد يدها إليها، وبرغم محاولاتها المستمرة لإقناع نفسها بأن القدر ربما لا يحمل لها ما تتمناه ظل قلبها يرفض الاستسلام، وظلت صورة شاهين تحتل كل زاوية داخلها مهما حاولت الهروب منها.
شردت للحظات وهي تتأمل الوجوه المبتسمة حولها، وشعرت بحرقة خفيفة تلسع صدرها. كانت تتمنى لو أنه يجلس بينهم الآن لو كانت تضحك بجواره كما كانت تفعل قديمًا، لو كانت يدها تستقر داخل يده دون خوف أو فراق أو وجع. هربت دمعة صغيرة من عينيها رغما عنها،
فسارعت إلى إزالتها قبل أن يلاحظها أحد.
وفي تلك اللحظة شعرت بيد حانية تستقر فوق كتفها.
رفعت رأسها فوجدت ترنيم تنظر إليها بابتسامة دافئة، ثم مالت نحوها قليلا وقالت بهدوء:
بصي على الباب كده. "
عقدت حاجبيها باستغراب، لكنها التفتت ببطء نحو المدخل.
وفور أن وقعت عيناها عليه، توقف العالم من حولها للحظة.
كان شاهين. يدخل إلى الفيلا بطول قامته وهيبته المعتادة بنفس الحضور الذي كان دائما يربك قلبها ويجعله ينسى كيف يؤدي وظيفته الطبيعية. شعرت بأن أنفاسها تعلقت داخل صدرها وهي تراقيه
أعادت نظرها إلى ترنيم التي كانت تبتسم لها بمكر محبب، ثم أومأت برأسها قائلة:
ها! أيه رأيك في المفاجأة دي ؟ خليت غريب عزمه النهاردة."
تنهدت رنيم بوجع وهي تعود بعينيها إليه وقالت بصوت خافت:
بس هو رافض يتكلم معايا، يعنى وجوده مش هيفيدني بحاجه أصلاً."
ابتسمت ترنيم بتلك الطريقة التي كانت تبتسم بها عندما تكون واثقة من شيء لا يراه غيرها. وقالت:
"أصلا"
ردت عليها رنيم بابتسامة حزينة:
"أصلا أصلا"
انحنت ترنيم وقبلت رأسها بحنان وقالت:
"خدي أنتي الخطوة، وأنا متأكده أنه لسه بيحبك، وفضله تكه صغيره وينهار الشخص القاسي اللي هو لابس شخصيته ده. "
التفتت رنيم إليه من جديد.
كان يجلس إلى إحدى الطاولات القريبة، يبدو هادئا كعادته، لكن معرفتها الطويلة به كانت
نفسه عندما يعجز عن مواجهة مشاعره.
تخبرها أن هذا الهدوء ليس حقيقيا. كانت تعرف جيدا كيف يختبئ خلف صمته، وكيف يحارب
أغلقت عينيها لثوان محاولة جمع ما تبقى لديها من شجاعة، ثم أومأت برأسها لترنيم. ابتعدت الأخيرة تاركة إياها وحدها.
اما رنيم فنهضت ببطء شديد وشعرت بأن خطواتها أثقل من المعتاد وهي تتجه نحوه. كانت كل خطوة تقطعها نحوه تعني لها حربًا كاملة تخوضها ضد خوفها ووجعها واحتمال أن يرفضها من جديد.
توقفت أمامه أخيرا. وحين لم يرفع رأسه إليها، قالت بصوت مرتعش
"م ممكن أتكلم معاك ؟"
ظل نظره مثبتا أمامه، ثم حرك رأسه بالنفي وقال باقتضاب:
""
ارتجف قلبها بقوة، لكنها أجبرت نفسها على الاستمرار وقالت بصوت متحشرج من الألم:
"شاهين أرجوك كفايه كده أنا عارفه أني غلط، بس كنت بحميك، كنت خايفه عليك، ممكن أكون
اتصرفت غلط بس ده لأني بحبك، ومحسبتهاش صح"
أدار وجهه إلى الجهة الأخرى وقال ببرود حاول أن يصطنعه:
قلتلك لا مش عايز اسمع صوتك "
بقيت تنظر إليه لثوان طويلة، ثم تراجعت ببطء. عادت إلى مقعدها وقلبها ينزف بصمت.
اما شاهين فظل جالسا مكانه.
كان يشعر وكأن كل كلمة قالتها مزقت جزءا جديدا من روحه أراد أن ينهض خلفها، أن يمسك يدها، أن يضمها إلى صدره ويخبرها أن عذابه لم يكن أقل من عذابها يوما واحدا.
لكنه بقي جالسا مكانه بينما كانت تبتعد عنه خطوة بعد أخرى، يشعر وكأن كل خطوة تخطوها تسحب معها جزءا من روحه، كان يرى الانكسار في عينيها بوضوح، ويسمع صدى الألم في نبرة. صوتها، ومع ذلك لم يتحرك نحوها. تركها تعود إلى مقعدها يقلب مثقل بالخذلان، بينما كان هو يغرق أكثر في صراعه الداخلي؛ فلا هو استطاع أن يغفر لها ويطوي صفحة الماضي، ولا استطاع أن يحتمل رؤيتها تتألم بسببه، كان وجعه منها يقف في مواجهة حبه لها، وكل منهما يمزقه في اتجاه مختلف، حتى بات عاجزا عن انقاذها من حزنها أو انقاذ نفسه من عذابه. وفي تلك الأثناء ارتفعت أصوات الحاضرين وهم يطلبون من العروسين أداء رقصة السلو
التقليدية، لتعود الأجواء المليئة بالفرح والاحتفال إلى الواجهة من جديد.
توترت أروى فور سماع الفكرة، وبدت علامات الارتباك واضحة على ملامحها، فاحترم الجميع رغبتها دون أي ضغط عندها تقدم جواد نحو جواهر بابتسامة واسعة ومد يده إليها، فوضعت يدها في يده وسط تصفيق الحاضرين وتشجيعهم، ثم بدأ الأزواج الموجودون ينضمون إليهما واحدا تلو الآخر، لتتحول الأجواء إلى لوحة دافئة ممتلئة بالفرح، ارتفعت الموسيقى، وتعالت
الضحكات، واختلطت النظرات المليئة بالحب بالهمسات الخافتة، بينما كان كل شخص يعيش الحظته الخاصة مع من اختاره قليه.
أما رنيم فظلت جالسة في مكانها تراقب المشهد بصمت. كانت تبتسم للآخرين، لكن تلك الابتسامة لم تصل إلى عينيها. شعرت بأنها تقف خلف حاجز زجاجي يفصلها عن كل هذه السعادة، ترى الجميع يلتفون حول من يحبون يعيشون لحظات طالما حلمت هي بها، بينما بقيت هي وحدها تحمل شوقها ووجعها بين ضلوعها. وكلما وقعت عيناها على زوجين يتبادلان نظرة حب أو لمسة حالية، ازداد شعورها بالفقد واتسعت الهوة داخل قلبها.
حاولت أن تتمالك نفسها، وأن تقنع ذاتها بأنها تستطيع الصمود كما فعلت طوال الأشهر الماضية. لكن مشهد السعادة الذي يحيط بها من كل جانب كان أقوى من قدرتها على الاحتمال، امتلات عيناها بالدموع شيئا فشيئا، حتى شعرت أن بقاءها دقيقة إضافية وسط هذا المشهد سيكشف هشاشتها أمام الجميع، لذلك نهضت على عجل وغادرت المكان متجهة إلى داخل الفيلا، محاولة
الهروب من نظرات الناس قبل أن تهرب دموعها بالكامل.
ومن مكانه، تابعها شاهين بعينيه دون أن يشعر. ظل ينظر إلى ظهرها المبتعد حتى اختفت عن ناظریه، وشعر بانقباضة مؤلمة تعتصر قلبه، كان يدرك جيدا سبب رحيلها، ويدرك أكثر أنه السبب في كل هذا الحزن الذي تحمله داخلها. ومع كل خطوة كانت تخطوها بعيدا، كان يشعر أن شيئا داخله يتهاوى بصمت، وكأن وجعها يعيد إليه وجعه هو أضعافا مضاعفة.
داقت رنيم إلى الصالة الخالية وجلست على الأريكة، ثم أخفت وجهها بين كفيها وأطلقت العنان
الدموعها التي كانت تحبسها طوال الليلة.
ظلت جالسة على الأريكة تحتضن وجعها بين ضلوعها، بينما كانت الدموع تنساب على وجنتيها بلا توقف. لم تعد تحاول إخفاء ضعفها أو التظاهر بالقوة كما اعتادت طوال الأشهر الماضية، كل ما كتمته داخل قلبها من حزن واشتياق وخذلان وجد أخيرًا طريقه إلى الخارج، كانت تبكي بحرقة صامتة تبكي الأيام التي مرت عليها وهي تراه قريبا منها بجسده وبعيدا عنها بروحه. تبكي الليالي التي قضتها تتمنى كلمة واحدة منه، أو نظرة تحمل بعضا من الحب الذي عرفته
يوما في عينيه.
ومع استسلامها الكامل لتلك المشاعر انعزلت عن كل ما يدور حولها حتى فقدت إحساسها بالوقت وبالأصوات القادمة من الخارج، لذلك انتفض قليها عندما شعرت بكف تستقر برفق فوق كنفها. رفعت رأسها ببطء، وما إن وقعت عيناها على صاحب تلك اليد حتى اتسعنا بذهول حقيقي، وتجمدت في مكانها وكأنها فقدت القدرة على الحركة أو حتى التنفس.
كان شاهين يقف أمامها.
للحظة قصيرة ظنت أن عقلها يخدعها من جديد، وأن اشتياقها له رسم صورته أمامها كما فعل مرازا في السابق، لكنها هذه المرة كانت تراه بوضوح شديد لا يقبل الشك كان حاضرا أمامها بكل تفاصيله، بعينيه اللتين طالما حفظت ملامحهما عن ظهر قلب، وبذلك التعب الثقيل المرتسم على وجهه، وبذلك الوجع الذي حاول طويلا أن يخفيه خلف قسوته وبروده. نظرت إليه وكأنها تراه لأول مرة بعد عمر كامل من الغياب، بينما كانت تقرأ في عينيه أشياء كثيرة عجزت الكلمات عن قولها، ورأت بوضوح أن المعاناة لم تكن حكرًا عليها وحدها، بل كانت تترك آثارها عليه هو الآخر يوما بعد يوم.
نهضت ببطء شديد، وظلت تنظر إليه بعدم تصديق. ثم ارتمت داخل أحضانه. تمسکت به بقوة وهي تبكي.
أما هو فضمها إلى صدره بعنف مشتاق، وأحاطها بذراعيه كمن وجد أخيرا الجزء المفقود من روحه.
ربت على ظهرها بحنو وهو يشعر أن كل جدار بناه بينهما ينهار في تلك اللحظة.
تعلقت به أكثر وهي تقول بين شهقاتها:
"أنا أسفه، بجد أسفه. أنا بحبك أوى يا شاهين، ومش قادره أعيش من غيرك " اغمض عينيه وقبل رأسها ثم قال بصوت مبحوح من شدة الألم:
حاولت ومقدرتش، لا قادر أسامحك، ولا قادر أشوف دموعك، وأشوف وجعك يا رنيم " حركت رأسها بعنف وهي متشبئة به، كانت تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها إذا تركته للحظة واحدة، ثم قالت بصوت مبحوح تقطعه شهقات البكاء:
"لا أوعى تبعد عني ثاني يا شاهين أرجوك "
أغمض عينيه للحظة وهو يستمع إلى رجائها الذي اخترق قلبه بسهولة مؤلمة، ثم رفع يديه ببطء وأبعدها عنه مسافة صغيرة تكفى فقط ليرى وجهها احتضن وجنتيها بين كفيه ونظر إليها طويلا، نظرة اختلط فيها الحب بالوجع والاشتياق والندم كانت دموعها لا تزال تلمع فوق وجنتيها، وكانت عيناها متعلقتين به بخوف طفلة تخشى أن ينتزع منها الشيء الوحيد الذي تحبه.
ظل صامتا لثوان بدت لهما كأنها عمر كامل، قبل أن يزفر أنفاسا مثقلة بكل ما عاشه خلال تلك الفترة، ثم قال أخيرا بصوت خرج من أعماق قلبه لا من شفتيه "بحبك يا رنيم "
ارتجف جسدها كله عند سماع تلك الكلمات الكلمات التي انتظرتها طويلا، وحلمت بها في يقظتها ومنامها، وخشيت في قرارة نفسها ألا تسمعها منه مرة أخرى أبدا، اتسعت عيناها بذهول وتوقفت أنفاسها للحظة وهي تحدق به غير مصدقة أن الحاجز الذي فصل بينهما كل هذه الشهور قد انهار أخيرا.
لكنه لم يترك لها فرصة لتستوعب ما قاله أو لترد عليه، جذبها إليه فجأة، تم استولى على شفتيها
بقبلة حملت كل ما عجز عن قوله بالكلمات اشتياقه الذي أنهكه، وحنينه الذي حاربه عبدا.
ووجعه الذي ظل ينزف بصمت بعيدا عنها، كانت قبلة رجل حاول أن يبتعد فلم يستطع، وحاول أن ينسى فقشل، وحاول أن يكره فوجد نفسه يزداد تعلقا.
تمسكت به بقوة وكأنها تعود إلى موطنها بعد رحلة طويلة من الضياع، بينما شعر هو بملوحة دموعها تختلط بتلك القبلة، فأدرك أن كل واحد منهما كان يعيش العذاب نفسه بعيدا عن الآخر، وأن الحب الذي جمعهما يوما لم يمت رغم كل ما مر بينهما، بل ظل حيا ينتظر لحظة واحدة فقط ليعود إلى الحياة من جديد.
ابتعد عنها أخيرا وأسند جبهته إلى جبهتها وقال بأنفاس لاهثة:
لازم تحاول تداوي بعض يا رنيم، لا أنا قادر أعيش من غيرك ولا أنتي قادرة تشوفي حياتك ولا
تعيشي من غيري، أحنا الاتنين أتخلقنا لبعض مهما حاولنا تتنكر ده"
أومات برأسها وهي تبكي وقالت:
ايوه والله مش قادرة أعيش حياتي من غيرك أنت النفس اللي بتنفسه يا شاهين، أنا بحبك
أوي، بحبك فوق ما تتصور."
عادت إلى أحضانه مرة أخرى، لقد وجدت أخيرا المكان الذي كانت تبحث عنه طوال الوقت. فضمها إليه بقوة، يحاول يعوضها عن كل لحظة ابتعد فيها عنها، ثم انحنى وقبل رأسها بحنان ويقي للحظات صامتا يستشعر قربها قبل أن يهمس بالكلمة التي غيرت كل شيء:
" تتجوزيني !"
تجمدت بین ذراعيه للحظة ثم ابتعدت عنه قليلا لم تستوعب ما سمعته اتسعت عيناها بدهشة. وظلت تنظر إليه من بين دموعها غير مصدقة، قبل أن تخرج كلماتها بصوت مرتعش "أنت قلت أيه؟"
ابتسم لها بحب، تلك الابتسامة التي افتقدتها طويلا، ثم أمسك يدها بين يديه ونظر مباشرة إلى عينيها، كان يريد أن يطمئنها أن هذه المرة لن يكون هناك فراق
"تتجوزيني ؟ "
لم تحتج إلى التفكير، فقد كان قلبها قد أجاب قبله منذ اللحظة التي عاد فيها إليها. حركت رأسها سريعا بالموافقة، بينما اختلطت دموعها بضحكتها من شدة الفرح، وقالت بصوت مرتعش يغلبه الحب:
"موافقة طبقا "
وما إن أنهت كلماتها حتى عادت ترتمي داخل أحضانه، تمسكت به بقوة كانت تخشى أن يكون هذا الحلم الجميل مجرد لحظة عابرة، ثم همست بین شهقاتها
بعشقك يا شاهين."
اغلق ذراعيه حولها بحب، وقبل رأسها وهو يشعر للمرة الأولى منذ وقت طويل أن قليه عاد إلى مكانه الصحيح، ثم قال بصوت دافئ
" وأنا بحبك يا قلب وعمر شاهين"
وفي تلك اللحظة اخترق صمت المكان صوت صرخة مليئة بالفرح جعلتهما يلتفتان في نفس اللحظة.
ليجدا جواهر نقف أمامهما عيناها تلمعان بالسعادة وملامحها تحمل دهشة وفرحة لم تستطع إخفاءها، ثم قالت بحماس وهي تكاد لا تصدق ما تراه:
"أحلفوا أنكم اتصالحتول"
ضحكت رنيم من بين دموعها التي لم تتوقف، وللمرة الأولى تسمح لنفسها أن تفرح دون خوف ثم أسرعت نحوها واحتضنتها بقوة وقالت بصوت ممتلئ بالسعادة:
"شاهين سامحني، وطلب الجواز مني يا جواهر
لم تتمالك جواهر نفسها، فأطلقت صرخة أخرى من شدة الفرح واحتضنتها بقوة، ثم بدأت تدور بها في المكان وهما تضحكان وتبكيان في الوقت نفسه، وأصبح كل الألم الذي عاشته رنيم طوال الشهور الماضية تحول في لحظة واحدة إلى فرحة تعجز الكلمات عن وصفها.
أما شاهين فظل واقفا يراقبهما يصمت، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لم يعرفها منذ زمن طويل. لم تكن مجرد ابتسامة فرح، بل كانت ابتسامة رجل عاد إليه الجزء الذي فقده، واستعاد أخيرا
المرأة التي ظل قلبه متعلقا بها رغم كل محاولاته للابتعاد عنها.
بعد دقائق قليلة عاد الجميع إلى الخارج، وما زالت علامات السعادة والدهشة تملأ وجوههم، لا يصدقون أن القلوب التي عانت طويلا وجدت طريقها للصلح من جديد. أسرع جواد بإحضار المأذون، بينما جلس تامر بجوار رنيم وكيلا عنها، وجلس شاهين أمام المأذون وهو يشعر بتوتر لم يختبره من قبل، رغم أنه عاش الكثير من المواقف الصعبة في حياته، كان قلبه يخفق بقوة. كأنه يقف للمرة الأولى أمام لحظة مصيرية، لحظة سيعلن فيها أمام الجميع أن هذه المرأة أصبحت له إلى الأبد.
مرت الكلمات سريعا، وترددت صيغة العقد بين الحاضرين، حتى انتهى كل شيء في لحظات قليلة.
وأصبحت رتيم أخيرا زوجة شاهين الرواي.
وقفت أمامه بعد انتهاء العقد، تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالدموع والسعادة، كان عقلها ما زال يحاول استيعاب أن الحلم الذي ظلت تتمسك به رغم كل شيء أصبح حقيقة بين يديها، ابتسمت له بعدم تصديق وقالت بصوت مرتعش
هو اللي حصل ده بجد؟ يعني أنا دلوقتي مراتك؟ حرم شاهين الرواي؟" اكتفى بأن ينظر إليها بابتسامة عاشق وجد أخيرًا طريق العودة، ثم أوما برأسه مؤكدا، واقترب
منها وقبل خدها برفق وهو يقول:
"أنتي دلوقتي مراتي وحياتي وعمري كله."
ثم ضمها إلى صدره بقوة، وكأنه يعاهدها أمام نفسه قبل الجميع ألا يسمح للفراق أن يأخذها منه مرة أخرى، وقال بصوت يحمل كل الندم والحب
حقك عليا يا رنيم، لو كنت في يوم سبب في وجعك ولا سبب دموعك، بحبك يا حرم شاهين
الرواي"
تشبعت به أكثر، وابتسمت من بين دموعها وهي تقول:
"أنا عمري ما زعلت منك يا شاهين، لأن أنت الدوا لكل جروحي، بعشقك أوي يا شاهين" تعالت أصوات التهاني من الجميع، واختلطت الضحكات بالدعوات الصادقة، بينما كانت رنيم تقف بجواره غير قادرة على تصديق أن كل هذا حدث بالفعل، وأن الرجل الذي ظنت يوما أنها فقدته عاد إليها من جديد ليس فقط بحبه، بل بوعد أن يبقى معها.
وانتهت تلك الليلة وسط فرحة الجميع، ليلة حملت معها نهاية مرحلة طويلة من الألم والبعد وبداية جديدة لشاهين ورنيم بداية أدركا فيها أن بعض القلوب، مهما ابتعدت ومهما أثقلتها الجراح، تجد طريق العودة دائما إلى المكان الذي تنتمي إليه، قلب من تحب.
وقفت رنيم أعلى الدرج بفستانها الأبيض الذي زادها جمالاً ورقة، وفي عينيها لمعة سعادة لم تعرفها منذ وقت طويل، كانت تضع يديها داخل ذراعي غريب و تامر يسيران بها ببطء حتى يسلموها إلى الرجل الذي اختاره قلبها منذ البداية. أما شاهين فكان يقف في الأسفل ينتظرها. وعيناه لا تفارقاتها لحظة واحدة، ينظر إليها بحب وفخر وكأنها أعظم انتصارات حياته، وأن كل
ما مر به من ألم كان يستحق فقط ليصل إلى هذه اللحظة.
كان شاهين في كامل أناقته، بطالته الرجولية التي اعتادت أن تخطف قلبها قبل عينيها، بجسده العريض وملامحه القوية التي تحمل هيبة الرجل الذي لا يشبه أحدا، لكن رغم ذلك لم ترى رنيم في تلك اللحظة سوى زوجها وحبيبها، الرجل الذي اختارته روحها قبل قلبها.
بدأت تتحرك نحوه بخطوات بطيئة، ورغم سعادتها الكبيرة كان هناك ارتعاش خفيف في جسدها، وكأنها ما زالت غير مصدقة أن النهاية التي حلمت بها طويلا أصبحت حقيقة أمامها. وما إن وصلت إليه ووقفت أمامه حتى صافح غريب وتامر يحب واحترام، ثم مد يده إليها وأمسك يدها برفق، وقبلها أمام الجميع، قبل أن يقترب منها ويطبع قبلة حانية فوق رأسها، ثم نظر إلى عينيها وقال بعشق
"أنتي جميلة أوي يا رنيم، بعشقك."
خفضت عينيها بخجل وارتسمت على شفتيها ابتسامة مليئة بالحب، ثم قالت بصوت هادئ
"وانت أجمل حاجه في حياتي، أنا حاسه نفسي بحلم يا شاهین معقولة النهاردة فرحنا أنا وأنت؟"
ابتسم لها بحب وأوماً برأسه، ثم اقترب منها قليلا وقال بغمزة شقية أعادت لها روح شاهين التي تحبها:
امم، وكلها كام ساعه وتبقي نايمه في حضني "
اتسعت عيناها بخجل وضربته بخفة على صدره وهي تقول :
"أنتم يا شاهين."
تعالت ضحكاته الرجولية التي اشتاقت إليها، فضحكت هي الأخرى من قلبها، ثم وقف بجوارها وأمسك يدها بحب، وبدأ يتحركان معا نحو المكان المخصص لهما، وما إن وصلا حتى ساعدها شاهين على الجلوس برفق، ثم ابتعد عنها قليلا واتجه نحو مكبر الصوت.
نظرت له باستغراب وهي تتابعه، ولم تكن تعلم ما الذي يخطط له، بينما أمسك هو الميكروفون ونظر إليها للحظات طويلة، ثم قال بصوت واضح وصل إلى الجميع
أولاً بالرحب بالجميع وأتمنى ليكم ليله سعيدة، ثانيا، عايزة اتأسف لرنيم لو كنت في يوم وجعتها أو كنت سبب دموعها، من أول لحظة شفتك فيها، وأنا اسرتني عيونك بقيت مهوس بيهم لدرجة أن حياتي كلها كانت يتقف لو غابوا عني لو لحظة، أنا عمري ما اتخيلت أن أحب ولا أقع في الحب بالشكل ده بس أنتي جيتي بكل بساطه خطفتي قلبي من غير أي مجهود منك غيرتي فيا حاجات كثير قلبي لما سكنتي أتغير وبقى طيب ومسامح بقى أبيض بدل السواد اللي كان فيه، ووعد مني قدام كل الموجودين أني هعيشك أسعد أيام عمرك، مراعي ربنا فيكي وهحبك بكل طاقتي، هبعد عنك الحزن بقدر الإمكان بحبك يا رنيم، وعايزك أنتي كمان متمسكه
بحبي في قلبك الآخر يوم في عمري "
كانت تستمع إليه والدموع تملأ عينيها، لا تعرف هل تبكي من شدة السعادة أم من ثقل كل ما مر بهما حتى وصلا إلى هذه اللحظة، حركت رأسها له وهي تبتسم وسط دموعها، ثم صرخت بأعلى صوتها امام الجميع
بحبك يا شاااهين، بعشقك "
تم أرسلت له قبلة في الهواء وسط ضحكات وتصفيق الجميع.
ابتسم لها بحب، لكنه بعد لحظات تغيرت ملامحه قليلا، وظهر عليه شيء من التوتر وكأنه يستعد للحديث عن أمر ظل يخفيه طويلا. رفع الميكروفون مرة أخرى وقال:
"طبعا من ساعة ما رجعنا تاني لبعض وأنتي بتحاولي تعرفي أنا كنت فين الفترة اللي بعدت عنك فيها، وأنا كثير اتهربت من سؤالك ده بس قررت أجاوبك قصاد الناس كلها وكمان أظهر السر اللي فضلت مداريه عن الناس كلها."
عقدت رنيم حاجبيها باستغراب، ونظرت إليه بعدم فهم. لم تكن تتوقع أن تلك الليلة التي بدأت
باعترافه بحيه ستكون أيضًا الليلة التي سيكشف فيها السر الذي أخفاه عنها طوال فترة ابتعاده.
تحرك شاهين بخطوات هادئة نحو أحد الأبواب الجانبية، بينما ظلت جميع الأنظار معلقة به في فضول شدید، فطريقته ونبرة صوته جعلت الجميع يشعر بأن ما سيظهره الآن ليس مجرد سر عادي، بل جزء من حياته أخفاه عن الجميع لسنوات طويلة.
مديده وفتح الباب، ثم ظهر شخص أمسك يده، كانت ملامحه تحمل أثر السنين الطويلة، وبدا واضحًا أنه رجل تقدم به العمر حتى بلغ أرذله، لكنه رغم ضعفه كان يحمل شبها كبيرا بشاهين شبها لم يكن يحتاج إلى تفسير.
أمسك شاهين يده بحرص، وأسنده حتى مر به إلى مكان وقوف الجميع، ثم عاد به ببطء إلى جواره، وسط نظرات الدهشة التي لم تفارقهما لحظة واحدة.
وقف شاهين بجوار الرجل، ثم نظر إليه للحظات قبل أن يرفع عينيه إلى الجميع وقال بصوت هادئ يحمل الكثير من المشاعر
الشخص ده يبقى أبويا، لما أمي طلبت مني أقتله، كان لسه فيا ذرة إنسانيه في قلبي اتكلمت معاه وطلع عكس الصورة اللي هي رسمتها ليا في خيالي، كان فرحان بيا شافني العوض ليه لأنه
فقد القدرة في الإنجاب، كنت أنا الوريت الوحيد ليه كرامته سفرته بره وعاش الباقي من حياته في ألمانيا، وكذبت عليها وقلتلها أن أنا قتلته، علشان لو عرفت أنه عايش كانت هتخلي غيري يقتله، وطول السنين دي احتفظت بالسر ده جوايا محدش غيري يعرف كنت بزوره على طول على أني مسافر شغل، ولما اختفيت كنت عايش معاه في ألمانيا، احتضني، طيب خاطري
سندني رغم سنه، وعلشان كده أنا بقلها قصاد الناس كلها، ده أبويا ويشرفني أنه أبويا ويتأسف ليه على المعاملة اللي اتعاملت معاه بيها أول ما قابلته لأنها كانت موصله ليا صورته بطريقه وحشم"
ساد الصمت للحظات صمت امتلأ بالدهشة والتأثر بينما كانت رنيم تنظر إلى شاهين بعينين مختلفتين، وكأنها تكتشف جانبا جديدا من الرجل الذي أحبته، جانبا يحمل بداخله رحمة وقوة لا براهما الكثيرون.
أما الرجل العجوز فنظر إلى ابنه بعينين ممتلئتين بالفخر، ثم رفع يده ببطء وأمسك يد شاهين وقربها من شفتيه وقبلها بحنان، وقال بصوت ضعيف بحكم عمره لكنه مليء بالصدق: "أنا اللي فخور بيك يا ابني فخور أن أبني شاهين الرواي راجل الدنيا كلها بتعمل ليه ألف
حساب، لكن رغم كده بيكون شبه الطفل الصغير في حضني باربيا، ومن وقت ما قابلني وهو بيعاملني بإحسان، قلبي وربي راضين عنك يا ابني "
تأثر الجميع بكلماته، بينما ظل شاهين ينظر إلى أبيه بصمت، وكأن تلك الكلمات عوضته عن سنوات طويلة عاشها وهو يظن أنه وحيد في هذه الدنيا.
ثم رفع الرجل عينيه نحو رنيم وتحرك باتجاهها بخطوات بطيئة، حتى وصل إليها وأمسك يدها برفق، وقال بابتسامة حانية:
وانني يا بنتي حافظي على شاهين، علشان عمرك ما هتلاقي حد بيحبك قده، أبني بيعشقك يا رنيم، أبني دموعه نزلت علشانك، وما إدراكي أن شاهين الرواي دموعه تنزل علشان خاطر واحده، معناه أنه بيعشقك بجنون."
لم تستطع رنيم منع دموعها من السقوط، كانت تنظر إلى شاهين وكأنها تراه للمرة الأولى، ترى الرجل القوي الذي أخفى خلف قسوته قلبا ملينا بالحب والوفاء الرجل الذي تحمل وحده أكثر مما ينبغي.
حركت راسها له بعشق، ثم اقتربت منه بخطوات سريعة، وظلت للحظات تنظر إلى عينيه تحاول أن تخبره بكل ما تعجز الكلمات عن حمله، قبل أن ترتمي داخل أحضانه وتنمسك به بقوة وهي
تقول بصوت مرتجف من شدة المشاعر:
"مافيش كلام يوصف حبي ليك أنت حاجه نادرة مافيش منها، أنت جميل أوي يا شاهين، جميل بقلبك، جميل بروحك جميل بطيبتك، وجميل بحبك ليا، يعشقك ولو فيه كلمه تانيه كنت قلتها " أنهت كلماتها ولم تجد وسيلة أخرى تعبر بها عن كل ما بداخلها، فاقتربت منه وقبلت شفتيه بقوة، قبلة حملت امتنائها وحبها وفخرها به بينما احاطها شاهين بذراعه وضمها إليه ليؤكد أمام الجميع أن مكانها الوحيد بجواره.
لكن صوت التصفيق والهمهمات العالية، وصافرات الفرح التي انطلقت من الحاضرين، أعادتهم إلى الواقع من جديد.
ابتعد عنها شاهين بهدوء، وقبل رأسها بعشق، ثم ابتسم لها ابتسامة ممتلئة بالحب، بينما كانت رنيم تنظر إليه بقلب ممتلئ باليقين أنها اختارت الرجل الذي كان يستحق أن تنمسك به حتى النهاية.
نظرت جواهر إلى جواد وهي تحمل طفلها بين ذراعيها، تتابع رقص رنيم وشاهين بابتسامة واسعة، ثم قالت له بنيرة مازحة تحمل شيئا من الغيرة:
شايف الرومانسيه مش يوم فرحنا اللي قلب الساحة حرب"
نظر لها جواد بضيق مصطنع وهو يرفع حاجبه، ثم قال بسخرية:
"أعملك أيه ؟ ما أنتي اللي فقربه وبومة، وبعدين متنكريش أني عوضها ليكي في باريس " أدارت وجهها إلى الجانب الآخر، وقالت بتلقائية ساخرة: "امم عوضها نوم "
كنم ضحكته وهو يهز رأسه عليها، وفي تلك اللحظة بدأت الموسيقى تعلو من جديد، فالتفت جواد إليها سريعا، ثم نهض وحمل طفله من بين ذراعيها، واتجه نحو ترنيم وأعطاه لها بحب قبل أن يعود إليها مرة أخرى.
وقف أمامها ومد يده بابتسامة عاشقة وقال:
برنسيس جواهر ممكن تتكرمي وتقبلي تشاركيني الرقصة دي؟"
نظرت إلى يده للحظات، ثم رفعت عينيها إليه بابتسامة مليئة بالحب، ومدت يدها له دون تردد.
فساعدها على النهوض وتحركا معا نحو ساحة الرقص لينضما إلى رنيم وشاهين وسط سعادة
الجميع.
أما أحمد فكان يراقب المشهد للحظات، ثم التفت إلى أروى الجالسة بجواره، وقال بهدوء:
تحبي نقوم ترقص معاهم ؟ "
حركت رأسها بالرفض وقالت:
"لا مش عايزه"
لم يظهر عليه الغضب أو الضيق، فقد اعتاد خلال العام الماضي على رفضها الدائم، اعتاد أن تتراجع عن أي خطوة تقربه منها، حتى أبسط الأشياء كلمسة يده، لكنه كان يعرف أن الأمر ليس
رفضا له، بل خوفا تحاول التغلب عليه يوما بعد يوم.
كان يستمع دائما إلى نصائح الطبيبة بالصبر، وكان صبره معها نابغا من حبه لها، لا من شعوره
بالواجب فقط. لذلك اكتفى بأن أوماً برأسه بهدوء، وعاد ينظر أمامه دون أن يضغط عليها.
أغلقت أروى عينيها للحظات، وشعرت بوخزة ألم داخل قلبها. كانت تعرف جيدا أنها تحرمه من
ابسط حقوقه كزوج، ومع ذلك لم يجعلها يوما تشعر بأنها عبء عليه، كان دائم الاحتواء، يطمئنها
بكلماته الحانية وابتسامته الهادئة، وكانه لا يرى خوفها ضعفا، بل يرى معركتها التي يحاول أن
يكون بجوارها فيها.
فتحت عينيها يبطء ونظرت إليه، ثم قالت بتوتر واضح
"أنا موافقة."
التفت إليها باستغراب وحرك رأسه قليلا وقال:
"موافقة ايه ؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، تم قالت بصوت منخفض
"م موافقة ترقص "
رفع إحدى حاجبيه ونظر إليها متأكدا من أنها تعرف ما تقوله، ثم قال:
"هنرقص سلو، يعني لازم المسك "
شعرت بتوتر يسري في جسدها، لكنها هذه المرة لم تهرب اكتفت بابتلاع ربقها وحركت رأسها
بالموافقة.
ظهرت السعادة على ملامح أحمد، ونهض سريعا ومد يده إليها.
نظرت إلى يده للحظات، ثم حركت يدها ببطء حتى وضعتها داخل يده فساعدها على النهوض.
وتحركا معا إلى منتصف ساحة الرقص.
توقفت الأحاديث للحظات، والتفت الجميع إليهما بدهشة ممزوجة بالسعادة، فقد كان هذا
المشهد بالنسبة لهم أكثر من مجرد رقصة، كان خطوة جديدة في طريق أروى للشفاء.
اقترب أحمد منها يحذر، ثم أحاط خصرها بذراعه، وما إن شعرت بيده حتى انتفض جسدها تلقائيا من التوتر لكنه شعر بارتجافها فوزا، فثبت مكانه ولم يضغط عليها، فقط ظل قريبا منها
يمنحها الأمان الذي تحتاجه.
أمسك يدها بيده الأخرى، وبدأ يتحركان ببطء على أنغام الموسيقى.
في البداية كانت أروى مشدودة أنفاسها متوترة، وجسدها يحاول مقاومة القرب، لكنها مع مرور اللحظات بدأت تهدأ تدريجيا، بدأت تشعر أنها ليست في خطر، وأن هذا الرجل لا يريد منها شيئا
سوى أن تطمئن.
وببطء، بدأت تتحرك معه دون خوف حتى استكانت تماما ووضعت رأسها على صدره.
شعر أحمد بسعادة غامرة اجتاحت قلبه، وكأن تلك اللحظة كانت مكافأة عن كل صبره وانتظاره
ضمها إليه بحنان وقبل رأسها بحب، وظل يحتضنها دون أن يشعر بالوقت، أو بنظرات الجميع
التي كانت تتابعهما بسعادة وتأثر.
حتى رنيم و شاهين توقفا بجانب الجميع ينظران إليهما بابتسامة فرحين بأن أروى بدأت أخيرا
تستعيد نفسها.
لكن بعد لحظات انتبهت أروى إلى وضعهما، فابتعدت سريعا عنه، ونظرت حولها بتوتر ثم أخذت
تدعك يدها بخجل، وتحركت بعيدا عن ساحة الرقص.
وأثناء تحركها اصطدمت بأحد الأشخاص.
رفعت عينيها سريقا، واتسعت عيناها بصدمة عندما وجدته أمامها.
"أنت"
ابتسم مروان بهدوء وقال:
"أيوه أنا يا أروى، أنا أبقى أخو شاهين"
نظرت إليه بعدم تصديق، وقالت بتردد:
"أخو شاهين ! ي يعني ا أنت تبقى أين مر."
لم يدعها تكمل حديثها، فقال سريغا
"أيوه أبنها بس صدقيني ماليش علاقة باللي حصل ده خالص، وبتأسفلك لو في يوم ضايقتك " وفي تلك اللحظة وصل أحمد إليهما، وقد لاحظ توتر أروى، فنظر إلى مروان بضيق وقال:
فيه حاجة يا أروى؟"
نظرت أروى إلى مروان بحزن للحظات، ثم حركت رأسها بالنفي وقالت:
"
"مافيش يا أحمد ده مروان كان معايا في الجامعة، خبط فيه بالصدقة، وطلع أخوه شاهين "
نظر أحمد إلى مروان بتدقيق، ثم قال:
مش انت اللي ضريتك قبل كده؟"
أوما مروان برأسه مؤكدا وقال :
"أيوه أنا، بس ده كان طيش شباب أنا دلوقتي خاطب وقريب هنتجوز، يعني مش في نيتي
حاجه وحشه خالص ليها، هي دلوقتي زي أختي "
ظلت أروى تنظر إليه للحظات تحاول استيعاب الأمر، ثم أومات برأسها وقالت بهدوء:
تمام حصل خير عن أذنك"
وتركتهم وعادت إلى مقعدها.
أما أحمد فظل ينظر إلى مروان بضيق للحظات، ثم تحرك سريعا خلف أروى وجلس بجوارها وكأنه أراد أن يتأكد أنها بخير وأنها لن تحمل وحدها أي ذكرى مؤلمة من الماضي.
جلست رنيم على مقعدها بعد انتهاء الرقص، تلتقط أنفاسها بهدوء وهي تشعر بكم السعادة الذي يغمر قلبها، فما حدث في تلك الليلة لم يكن مجرد احتفال بزواجها من شاهين، بل كان أشبه ببداية جديدة حملت معها نهاية سنوات طويلة من الألم والبعد.
في الجهة الأخرى كان شاهين يقف مع بعض أصدقائه، يمازحونه ويضحكون معه بسعادة، وقد بدا عليه الاختلاف الواضح، وكأن الرجل الذي حمل فوق كتفيه سنوات من الوجع استطاع أخيرا أن يتركها خلفه ويعيش اللحظة التي حرم منها طويلا.
اقتربت ميا من رنيم بخطوات سريعة، ثم جلست بجوارها وأمسكت بذراعها بسعادة، وقالت
بعفوية وهي تنظر إليها بإعجاب:
"أنا فرحانه أوي، أنك بقيتي مرات بابي رسمي أنتي النهاردة طالعه زي القمر."
"أهو أنتي اللي سكر وستين قمر كمان"
ابتسمت رنيم لها يحب، ثم داعبت أنفها بخفة وقالت:
ضحكت ميا بخجل، وفي تلك اللحظة اقتربت إيما منهما بخطوات مترددة، كان واضحًا عليها التوتر، وكأنها تحاول جمع شجاعتها حتى تنطق بالكلمات التي ظلت تخفيها بداخلها.
وقفت أمام رتيم ونظرت إليها للحظات، ثم قالت بصوت منخفض :
"م مبروك "
نهضت رنيم من مكانها فوزا، ولم تترك لها فرصة للشعور بالغربة أو الحرج، فتحت ذراعيها لها بابتسامة حانية.
فهمت إيما الرسالة التي تحملها تلك الابتسامة، وتحركت نحوها سريعا، ثم ارتمت داخل أحضانها وقالت بصوت ممتلئ بالندم
" أنا أسفه على الكلام اللي قلته ليكي قبل كده، أنتي كان عندك حق، وضحك على واحده صحبتي، يعني لو مكنتيش عملتي كده كان زماني أنا مكانها دلوقتي "
ضمتها رنيم بقوة، وشعرت في تلك اللحظة أن كل الألم الذي مر بينهما لم يعد له مكان، فهذه الطفلة لم تكن عدوة لها يوما، بل كانت فقط تحتاج إلى من يوجهها ويحميها. قالت لها بسعادة: " وأنا عمري ما زعلت منك وعملت كده علشان كنت خايفه عليكي بجد، بس خلاص خلينا ننسى اللي فات ونبقى أصحاب أيه رأيك؟"
ابتعدت أيما قليلا ونظرت إليها بابتسامة صادقة، ثم أومأت برأسها وقالت:
"موافقة طبقا "
اقتربت ميا منهما، واحتضنتهما معا، لتصبح الفتيات الثلاث في حضن واحد، بينما قالت رنيم بسعادة وهي تنظر إليهما:
"بحبكم يا بنات شاهين "
وفي تلك اللحظة، استدار شاهين ناحية صوتهم، فتوقفت عيناه عند ذلك المشهد الذي لم يكن يتخيل يوما أنه سيراه زوجته التي أحبها تقف وسط ابنتيه، لا كغريبة عنهما، بل كجزء من عائلته التي طالما حلم بأن يجمعها.
شعر بسعادة عميقة تغمر قلبه، واقترب منهم دون تردد، ثم أحاط الثلاثة بذراعيه واحتضنهم
جميعا وهو يقول بابتسامة ممثلثة بالحب:
"أنتوا أجمل حاجه في دنيتي، ربنا يخليكم ليا"
تعالت ضحكاتهم وهم يلتفون حوله، وفى النهاية التقطوا صورة جماعية جمعتهم جميعا، صورة تحمل أكثر من مجرد ابتسامات كانت تحمل بداية حياة جديدة، وعائلة اجتمعت بعد أن فرقتها الجراح.
وانتهت تلك الليلة محملة بالحقائق التي ظهرت والاعترافات التي حررت القلوب، والشفاء الذي جاء بعد سنوات من الألم، وبسعادة لم تكن مجرد نهاية الحكاية، بل بداية لعمر جديد اختار فيه الجميع الحب بدلا من الوجع.