تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الواحد والاربعون
داخل أروقة المشفى، كانت الفوضى تلتف حول المكان كدوامة لا تهدأ، اندفع شاهين إلى الداخل كالإعصار، يحمل رنيم بين ذراعيه، ووجهه شاحب من شدة الذعر، بينما كانت الدماء تنساب منها بغزارة وتلطخ ملابسه ويديه.
لم يكن يرى أمامه شيئًا سوى وجهها الغارق في الشحوب، ولم يكن يسمع سوى صوت دقات قلبه المضطربة التي تكاد تصم أذنيه من شدتها.
توقف في منتصف الممر تقريبًا وصاح بصوت مرتفع مفزع اهتزت له أرجاء المكان:
"دكتور بسرررعه."
هرع عدد من الأطباء والممرضين نحوه على الفور، فأشاروا له بالدخول إلى إحدى غرف الفحص السريع. تحرك بخطوات متعثرة وكأن الأرض تميد أسفل قدميه، ثم وضعها فوق السرير الطبي بحذر شديد وكأنها قطعة من روحه يخشى أن تنكسر بين يديه.
وخلال لحظات قد وصل عمر الذي لحق بهم إلى المشفى، لتغلق الأبواب بعدها ويطلب من شاهين الخروج إلى الخارج.
خرج وهو يشعر بعجز لم يختبره طوال حياته. عجز حقيقي.
عجز جعل صدره يضيق حتى كاد يختنق.
ظل يتحرك أمام الغرفة بخطوات متوترة لا تهدأ، يمرر يده داخل شعره بعنف مرة، ويشد على قبضتيه مرة أخرى، بينما عيناه معلقتان بباب الغرفة وكأنه ينتظر معجزة تخرج منه.
كان يشعر بأن كل ثانية تمر تقتطع جزءًا من روحه.
رفع رأسه فجأة نحو عمر الواقف أمامه، فاشتعل الغضب داخل صدره من جديد، لكنه لم ينطق بحرف واحد. استدار نحو الحائط القريب وانهال عليه بقبضته.
وكأن الألم الذي يمزق صدره يمكن أن يخرج عبر يديه.
ظل يلكم الحائط بعنف متواصل حتى احمرت مفاصل أصابعه وبدأت تؤلمه، لكنه لم يتوقف. كان خائفًا بشكل لم يعهده من قبل. خائفًا من أن يخسرها.
وخلال دقائق بدت له كأنها ظهر كامل، انفتح باب الغرفة أخيرًا وخرج الطبيب.
التفت شاهين إليه بسرعة حتى كاد يركض نحوه.
نظر الطبيب إلى شاهين وقال بجدية:
"لازم تدخل عمليات حالاً."
شعر شاهين بأن قلبه هوى إلى قدميه.
ازدرد ريقه بصعوبة شديدة قبل أن يتكلم بصوت متحشرج بالكاد خرج من بين شفتيه:
"ليه يا دكتور حالتها خطيرة اوي؟"
أومأ الطبيب برأسه مؤكدًا وقال:
"نزفت كتير والجرح اللي في كتفها غويض جدا وكمان فيه كسر في دراعها اليمين."
أغلق شاهين عينيه للحظة. لحظة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية ليشعر بكمية الألم التي اجتاحت صدره.
قبض على فكه بقوة حتى برزت عضلاته، ثم أومأ برأسه للطبيب موافقًا دون أن يملك القدرة على قول أي شيء آخر.
وبالفعل تم نقل رنيم سريعًا إلى غرفة العمليات. ومع مرور الوقت بدأت المشكلة الأكبر تظهر.
كانت بحاجة إلى نقل دم بشكل عاجل.
تحرك الأطباء والممرضون يبحثون عن الفصيلة المطلوبة، لكن الإجابات التي كانت تصل تباعًا لم تكن تحمل أي أمل.
الفصيلة غير متوفرة. الفصيلة نادرة.
لا يوجد متبرع مطابق في الوقت الحالي.
ومع كل جملة كان يسمعها، كان يشعر وكأن الأرض تنسحب من تحت قدميه شيئًا فشيئًا.
أخرج هاتف رنيم من جيبه بسرعة وهو يحاول التمسك بأي خيط قد ينقذها، ثم بحث عن اسم جواهر واتصل بها.
انتظر عدة ثوانٍ قبل أن يأتيه صوتها الغاضب من الطرف الآخر. فقال على الفور دون مقدمات:
"جواهر أنا محتاج فصيلة رنيم حالا."
جاءه صوتها مشحونًا بالغضب:
"انت! انت إزاي بالبجاحه دي بتكلمني ليه؟ والهانم فين مكلمتنيش بنفسها ليه؟ متكبره كعادتها."
أطبق شاهين على الهاتف بقوة أكبر، ثم قال بنفاذ صبر واضح:
"انتي حافظه مش فاهمه؟ بقولك محتاج فصيلة دم رنيم، لان وقع عليها الشوكه الحديد بتاعة الحفار وهي دلوقتي في العمليات وفقدت دم كتير ومحتاجين دم ليها ضروري وفصيلتها مش متوفرة في أي مكان علشان نادرة، قلت اكيد حد فيكم نفس فصيلتها."
وفي اللحظة نفسها تبدل كل شيء في صوت جواهر. اختفى الغضب.
واختفى التهكم. وحل محلهما الذهول والخوف.
اتسعت عيناها بصدمة وتكلمت بسرعة:
"واحده بس هي اللي نفس فصيلتها، خالتوا ترنيم، ابعتلي اللوكيشن بتاع المستشفي واحنا هنيجي ليها على طول."
أغلق شاهين الخط فورًا وأرسل الموقع.
ثم رفع رأسه ببطء. كانت قدماه تؤلمانه من كثرة الحركة، ويداه ترتجفان دون إرادة منه، بينما ما زالت بقع الدماء تغطي قميصه وذراعيه وكأنها تذكره في كل لحظة بأنها ترقد الآن خلف تلك الأبواب بين الحياة والموت.
رفع نظره نحو غرفة العمليات مرة أخرى.
ثم التفت إلى عمر الذي ما زال واقفًا في مكانه يتابع كل ما يحدث بصمت.
اشتدت قبضته حتى برزت عروق يده بوضوح، لكن هذه المرة لم يكن يملك طاقة للشجار أو الغضب. كل ما كان يملكه هو الخوف.
خوف حقيقي ينهش قلبه بلا رحمة.
تحرك نحو أحد المقاعد القريبة وجلس عليه أخيرًا، ثم انحنى بجسده إلى الأمام ووضع رأسه بين كفيه. كانت رائحتها لا تزال حوله.
أما قلبه، فكان معلقًا خلف باب غرفة العمليات، ينتظر أن تفتح تلك الأبواب ويخبره أحدهم أنها ما زالت بخير.
*****************************
وصلت جواهر إلى حيث تجلس ترنيم في الممر المقابل لغرفة أروى. كانت غارقة في دموعها، جالسة على المقعد وعيناها معلقتان بالأرض وكأنها لم تعد ترى شيئًا حولها. توقفت جواهر أمامها للحظات وهي تشعر بحيرة قاسية تعصف بها؛ هل تخبرها بما حدث لرنيم الآن؟ أم تتركها مع وجعها الحالي الذي يكاد يفتك بقلبها؟
تحركت ببطء نحوها، لكن قبل أن تنطق بكلمة واحدة لمحت جواد وتامر وأحمد يقتربون من الطرف الآخر من الممر. انقبض قلبها فورًا، فهي تعرف جيدًا رد فعل جواد إذا علم بالأمر.
وقف جواد بجوارها مباشرة، ولاحظ ارتباكها الواضح، فعقد حاجبيه وهو يرمقها بنظرة متفحصة قبل أن يقول بتساؤل:
"جواهر مالك واقفه كده؟ فيه حاجه حصلت ولا أيه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن الكلمات تتعثر داخل حلقها، ثم نظرت إليه بتوتر وقالت:
"ها.. اه، ل لا، ا اقصد اه اه."
رفعت ترنيم رأسها ببطء، وقد لفت انتباهها ذلك الارتباك الغريب، فنظرت إليها باستغراب وقالت:
"مالك يا جواهر امك فيها حاجه؟"
حركت رأسها بالرفض وقالت:
"ل لا يا خالتوا م ماما كويسه ومريحه شويه في الاوضه."
تكلم تامر بتساءل وقال:
"يا بنتي ما تنطقي فيه ايه؟ الواحد أعصابه مش مستحمله."
فركت جواهر كفيها ببعضهما بتوتر شديد، ثم ألقت نظرة سريعة على جواد قبل أن تعود بعينيها إلى ترنيم وتقول بصوت مرتعش:
"ح حصلت حادثه لرنيم و وهي دلوقتي في المستشفي ومحتاجين ليها دم ضروري."
وكأن صاعقة ضربت المكان.
انتفضت ترنيم من مقعدها برعب شديد واتسعت عيناها وهي تقول:
"رنيم هي فين قولي بسرعه يا جواهر؟"
لكن قبل أن تجيبها، دوى صوت جواد الغاضب في الممر كله:
"ما تعمل حادثه ولا تغور في ستين داهيه، مش هي اختارت مريم وابنها؟ يبقي خليها هما ينفعوها."
التفتت إليه ترنيم بصدمة، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تقول:
"دي مهما كان بنت ووحيده يا جواد، مينفعش نسيبها لوحدها في ظروف زي دي."
رفع حاجبيه إلى الأعلى وتكلم بغضب شديد وصوت مرتفع:
"واختي اللي مرميه جوه بسبب ام عشيقها، عادي؟ وتخليها عننا عادي؟ وكرهها ليكي ومعاملتها الزفت معاكي عادي؟ انسيها يا أمي البنت دي؟"
ساد الصمت للحظات قبل أن يتكلم تامر بصوت مختنق، وقد بدا عليه الإرهاق النفسي الذي يعيشه منذ أيام:
"للاسف منقدرش ننساها يا جواد، رنيم ابوها وامها ماتوا وسابوها وهي صغيرة، اخر حاجه ابوها طلبها مني، هو أني اخلي بالي منها، يعني هي أمانه في رقبتنا، أما بقى تصرفتها واختياراتها هي حره فيها إذا اتفقنا ولا اختلفنا في ده."
ضغط جواد على أسنانه بقوة حتى برز فكه، ثم قال بغضب:
"برضه احنا مش ملزومين بيها وبابا قالها لو اختارته هو وأمه تبقى عدوتنا وهي اختارتهم، يبقى بالنسبالي رنيم اكبر عدوة ليا زيها زي شاهين وامه بالظبط."
نظرت إليه ترنيم بعينين ممتلئتين بالدموع وقالت:
"بس انا مش هقدر اتخلى عنها يا جواد، الفصيله بتاعتها نادرة وانا بس اللي فصلتي زيها."
وفي تلك اللحظة جاء صوت غريب من خلفهم، حادًا وغاضبًا على غير عادته:
"مش هتروحي ليها يا ترنيم، هي اختارت طريق بعيد عننا، اختارت عداوتنا، ملناش أي علاقه بيها فاهمه."
استدارت إليه ترنيم فورًا، واقتربت منه تمسك يده بكلتا يديها وكأنها تتشبث بآخر أمل لديها، ثم قالت برجاء موجع:
"ابوس ايدك علشان خاطري سيبني اروح أنقذها، دي بنت غلبانه ويتيمه وحيده في الدنيا ملهاش غيرنا مهما اختارت."
نظر إليها بعينين مشتعلتين بالغضب وقال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
"مافيش مرواح ليها يا ترنيم وده اخر كلام عندي."
تكلم جواد بغضب وقال:
"انتي ازاي هيجيلك قلب تسيبي بنتك مرميه جوه بحالتها دي، وتروحي تنقذي واحده اختارت تكون عدوتنا؟"
تعالت شهقات ترنيم أكثر وهي تقول بصوت مرتعش ضعيف:
"الاتنين بناتي يا جواد، اختك انتوا كلكم جنبها ومعاها إنما هي دلوقتي لوحدها مافيش حد معاها."
رد غريب عليها بغضب شديد ولاول مره صوته يرتفع عليها بهذه الطريقه وقال:
"انتي معندكيش غير بنت واحده يا ترنيم، التانيه ملناش علاقة بيها، وقفلي على الموضوع ده خالص، بنتك أروى احق بيكي دلوقتي."
ساد الصمت فجأة داخل الممر.
صمت ثقيل جعل الجميع يلتفت نحو مصدر الصوت الضعيف الذي خرج من خلفهم.
كانت أروى تقف عند باب غرفتها مستندة إلى الحائط، وجهها شاحب وجسدها بالكاد يقوى على حملها، لكنها رغم ذلك قالت بصوت واهن:
"سيبها تروح ليها يا بابي علشان خاطري، خليها تنقذها، بلاش احنا الاتنين ندمر."
اتسعت عينا غريب بصدمة، وتحرك إليها بسرعة قبل أن تسقط، وأمسك بها بحزن شديد وقال بصوت مختنق:
"متستهلش يا أروى، دي اتخلت عنك وعننا كلنا وراحت حطت ايديها في ايد اللي عملوا فيكي كده."
أغلقت أروى عينيها والدموع تنساب من بين رموشها ثم قالت:
"محدش يعرف هي ليه عملت كده، اكيد ليها أسبابها ودوافعها، سيب مامي تروح ليها علشان خاطري."
تكلم جواد بغضب وهو ينظر إليها بحزن وقال:
"مستحيل ده يحصل يا أروى، ولو ماما راحت ليها، يبقى بتساعدها تمشي في الطريق الغلط اللي اختارته."
نظرت إليه بضعف وقالت:
"مش يمكن احنا كلنا اللي غلط وهي اللي صح؟"
اقتربت ترنيم من ابنتها، وانقبض قلبها وهي ترى حالتها، لكنها لم تجد فرصة للكلام حين سبقها غريب بصوته الغاضب:
"القرار في ايدك يا ترنيم، يا تختاري بنتك وتختاري لو لمرة واحده كرامتك، يا تختاري تروحي ليها وتنقذيها علشان لما ترجع صحتها ليها تاني، تهينك وتمسح بكرامتك الأرض زي ما بتعمل كل مرة."
كانت تلك الكلمات أشبه بطعنة مباشرة في قلب ترنيم.
لأول مرة منذ سنوات طويلة تسمع منه حديثًا بهذه القسوة.
رفعت عينيها إليه، والدموع تلمع داخلهما، ثم قالت بصوت اختلط فيه الوجع بالكبرياء:
"بنتي أنا عمري ما اتخلى عنها وهي عارفه كده، أما كرامتي، الحمدلله متصانه من وأنا لسه في بيت اهلي على ايد راجل صانها وحافظ على كبريائي، الراجل اللي هو أبو البنت اللي انت عايز تمنعني اروح أنقذها، أنا هروح لرنيم يا غريب، هنقذها وارجع تاني لبنتي، عن اذنك."
أنهت كلماتها واقتربت من أروى، ربتت على خدها بحنان أم موجوعة، ثم ابتسمت لها ابتسامة مرتجفة وقالت:
"مش هتأخر عليكي يا قلب امك من جوه."
ثم رفعت رأسها وألقت نظرة أخيرة على غريب، نظرة حملت عشرات الكلمات التي عجزت عن قولها، قبل أن تستدير وتتحرك بسرعة نحو الخارج.
ظل غريب يتابعها بعينيه حتى اختفت من أمامه، ثم ضغط على أسنانه بغضب ونظر إلى تامر قائلاً بصوت مختنق:
"روح معاها يا تامر متسبهاش لوحدها."
أومأ تامر برأسه وتحرك خلفها مباشرة، لكن جواهر هتفت سريعًا:
"استنى يا خالوا أنا جايه معاكم."
استدار جواد إليها فورًا، وكانت نظراته كافية لتجمد الدم في عروقها، قبل أن يقول بغضب:
"لو روحتي معاهم يا جواهر يبقى بتنهي كل حاجه ما بينا."
اهتز قلبها بقوة، لكنها رفعت عينيها إليه وقالت بحزن:
"رنيم اختي يا جواد ومقدرش اتخلى عنها في وقت زي ده."
ضغط على أسنانه وقال بحدة:
"تمام خليها تنفعك، ولما ترجعي، كل حاجه هتنتهي ما بينا."
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تناقشه أكثر.
اكتفت بهزة رأس صغيرة، ثم استدارت ولحقت بترنيم وتامر.
وبينما كانوا يغادرون المستشفى مسرعين في طريقهم إلى المستشفى الأخرى حيث ترقد رنيم بين الحياة والموت، ظل جواد واقفًا في مكانه وعيناه مشتعلتان بالغضب، بينما كان غريب يضم أروى إلى صدره بقوة وكأنه يخشى أن يفقدها إذا تركها للحظة واحدة. أما ترنيم، فكانت تسرع بخطواتها وقلبها يرتجف داخل صدرها، تدعو الله طوال الطريق أن تصل في الوقت المناسب قبل أن تخسر ابنة أخرى.
*****************************
عند شاهين...
كان الوقت يمر عليه كأنه عمر كامل، وكل دقيقة تتأخر فيها ترنيم كانت تزيد ذلك الانقباض المؤلم داخل صدره. لم يعد قادراً على السيطرة على خوفه، ففكرة فقدان رنيم كانت تفتك به ببطء، وكأن أحدهم ينتزع روحه من بين ضلوعه دون رحمة. ظل واقفاً أمام غرفة العمليات وعيناه معلقتان بالباب المغلق، ينتظر أي خبر يطمئنه، أي إشارة تخبره بأنها ما زالت تقاوم.
خرج الطبيب أخيراً من غرفة العمليات، وبدا التوتر واضحاً على ملامحه وهو يتقدم نحوه بخطوات سريعة ثم قال بقلق:
"المريضه بتفقد حياتها لازم ننقلها دم في اسرع وقت."
انتفض شاهين من مكانه وكأن الكلمات صفعته بقوة. مرر يده داخل شعره بعنف وتحرك جيئة وذهاباً في الممر كوحش حبس داخل قفص ضيق. لم يكن يعرف ماذا يفعل، ولم يكن يحتمل فكرة الوقوف عاجزاً بينما حياتها تنزلق من بين يديه. ركل الحائط بقدمه بغضب مكتوم ثم ابتعد عدة خطوات قبل أن يعود ويفعل الأمر ذاته مرة أخرى، وكأنه يحاول تفريغ ذلك الرعب الذي ينهش قلبه.
ثم توقف فجأة ونظر للطبيب بعينين امتلأتا بالعجز وقال بصوت مختنق:
"طيب مافيش اي طريقه نجيب الدم ده حتى لو هياخدوا عمري كله قصاده؟"
حرك الطبيب رأسه بالرفض وقال:
"للاسف الفصيله دي نادرة جدا وصعب تلاقيها في أماكن تبرعات الدم العاديه، لازم حد يتبرع ليها من نفس الفصيله النادرة دي."
اشتدت ملامحه غضباً ويأساً في آن واحد، وشعر لأول مرة أن المال والنفوذ وكل ما يملكه لا يساوي شيئاً أمام سرير عمليات ترقد فوقه المرأة التي يحبها. قبض على يده بقوة وقال بنفاد صبر:
"الشخص الوحيد اللي في العيله بتاعتها نفس الفصيله، صعب أنها تيجي، لازم نتصرف يا دكتور حتى لو الدم ده بملايين هجيبه ليها."
لم يجد الطبيب ما يقوله، فاكتفى بهزة خفيفة من رأسه قبل أن يستدير عائداً إلى غرفة العمليات محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
أما شاهين فبقي مكانه للحظات طويلة، يشعر بأن الهواء أصبح ثقيلاً داخل رئتيه. رفع يده إلى وجهه وضغط على عينيه بقوة محاولاً السيطرة على تلك النوبة العنيفة من الذعر التي اجتاحته. ثم استند إلى الحائط خلفه، لكن ساقيه خانتاه فجأة، فانزلق بجسده حتى جلس على الأرض. أسند مرفقيه فوق ركبتيه وأخفى وجهه بين كفيه، بينما كانت شفتاه تتحركان بصمت يدعو الله أن ينقذها، أن يمنحه فرصة أخرى معها، أن تفتح عينيها من جديد وتعود إليه.
مرت الدقائق بطيئة وقاسية، حتى اخترق أذنيه صوت مألوف يهتف باسمه من بعيد.
رفع رأسه بسرعة، واتسعت عيناه بعدم تصديق عندما لمح ترنيم تركض نحوه بأقصى ما تستطيع. نهض من مكانه فوراً وكأن الحياة عادت إلى جسده دفعة واحدة، وأسرع إليها دون تردد. أمسك يدها وركض بها نحو غرفة العمليات ثم طرق الباب بقوة وهو يهتف:
"اللي فصيلة دمها نفس فصيلة دم رنيم جات اهي يا دكتور، بسرعه ارجوك."
فتح الباب سريعاً وخرج الطبيب، وما إن وقعت عيناه على ترنيم حتى قال بقلق شديد:
"بسرعه المريضه قلبها وقف كذا مره وبتفقد حياتها."
هبطت الكلمات عليهم جميعاً كالصاعقة. تجمدت الدماء في عروقهم للحظة، وارتسم الذعر على الوجوه دون استثناء. أسرعت ترنيم مع الطبيب إلى الداخل لتبدأ عملية نقل الدم، بينما بقي شاهين في الخارج عاجزاً عن فعل أي شيء سوى الانتظار.
وقفت جواهر إلى جوار تامر، وكل منهما يراقب باب غرفة العمليات بقلق قاتل، أما شاهين فظل واقفاً أمامه كتمثال من الألم، عيناه لا تفارقان ذلك الباب المغلق، وقلبه معلق خلفه حيث ترقد رنيم بين الحياة والموت.
****************************
عند عمر...
ابتعد عمر عن الممر الرئيسي للمشفى متجهًا إلى زاوية شبه خالية لا يصل إليها ضجيج ولا حركة الأطباء. كانت عيناه تتحركان بحذر في المكان من حوله، يتأكد للمرة الأخيرة من عدم وجود أحد يراقبه أو يستمع إليه. أخرج هاتفه من جيبه بسرعة وأجرى اتصالًا كان ينتظره منذ وقوع الحادث.
ظل ينظر خلفه بين الحين والآخر بينما يرفع الهاتف إلى أذنه، وما إن جاءه الرد حتى شدد قبضته على الجهاز وقال بصوت مختنق:
"البنت دلوقتي ما بين الحياة والموت وشبه أنها بتودع خلاص."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه مريم في الجهة الأخرى، وكأنها تلقت الخبر الذي كانت تنتظره منذ زمن طويل، ثم قالت بسعادة:
"ايوه كده ما يجيبها الا رجالها، بس ايه حصل غير رأيك؟ مش البنت كانت عجباك؟"
أغمض عمر عينيه بضيق شديد، وشعر بانقباض مزعج داخل صدره. لم يكن هذا ما خطط له منذ البداية. حين وافق على تنفيذ الأمر كان هدفه شاهين وحده، أراد التخلص منه وإبعاده عن طريقه، أما رنيم فلم تكن جزءًا من الحسابات التي رسمها في رأسه.
لكن بعد وقوع الحادث لم يعد هناك مجال للتراجع.
أطلق زفرة طويلة مثقلة بالتوتر قبل أن يقول:
"أهو نصيبها كده بقى، ونقدر نقول انتهت الحكايه، والصبح تحولي ليا المبلغ اللي اتفقنا عليه على حسابي."
جاءه صوت مريم هذه المرة أكثر حذرًا وبرودًا:
"لا يا حلو لما اتأكد الاول أنها ماتت سعتها الفلوس اللي اتفقنا عليها هتلاقيها كلها في حسابك."
اشتدت ملامحه انزعاجًا، وضغط على الهاتف بقوة حتى برزت عروق يده من شدة الغضب. كان يعلم جيدًا أنها لا تثق بأحد، وأن المال بالنسبة لها أهم من أي شيء آخر.
أنهى المكالمة دون إضافة كلمة واحدة، ثم أنزل الهاتف ببطء وأعاد نظره إلى الممر المؤدي لغرفة العمليات.
وفي اللحظة التالية تحولت ملامحه إلى قسوة مخيفة، واشتعلت عيناه بحقد دفين وهو يحدق أمامه وكأنه يرى شاهين واقفًا أمامه الآن، ثم قال بتوعد:
"فلت منها انت المرة دي يا شاهين بس المرة الجايه مش هعتقك غير لما اشوفك مطلع الروح قصاد عيني."
بقي واقفًا لثوانٍ طويلة يحاول تهدئة غضبه، ثم أخفى هاتفه داخل جيبه واستعاد هدوءه المصطنع قبل أن يتحرك نحو الداخل مرة أخرى.
عاد إلى الممر الذي ينتظر فيه الجميع أمام غرفة العمليات، واتخذ مكانًا بعيدًا عن الأنظار، بينما كانت عيناه مثبتتين على الباب المغلق.
لم يكن ينتظر خروج الطبيب ليطمئن على رنيم كما يفعل الآخرون، بل كان ينتظر خبر وفاتها، حتى يتصل بمريم ويحصل على الأموال التي اتفقا عليها.
***************************
كان الوقت يمر داخل أروقة المشفى كأنه سنوات كاملة لا دقائق. منذ أن دخلت ترنيم إلى غرفة العمليات مع الطبيب، لم يعد أحد منهم قادراً على الجلوس أو حتى التفكير بشكل طبيعي.
وقف شاهين أمام باب غرفة العمليات مباشرة، وكأنه يخشى أن يبتعد خطوة واحدة فتفلت منه رنيم إلى الأبد. كانت بقع الدماء الجافة ما تزال تلطخ قميصه ويديه، شاهدة على اللحظة التي سقطت فيها بين ذراعيه لتحميه من الموت. كلما وقعت عيناه على تلك الدماء، عاد إليه المشهد من جديد بكل تفاصيله القاسية، صوت صرختها وهي تركض نحوه، ارتطام جسديهما بالأرض، ثم ذلك المشهد الذي لن ينساه ما دام حياً، جسدها الساكن داخل حضنه والدماء التي اندفعت منها بغزارة.
أغمض عينيه بقوة وهو يحاول طرد الصورة من رأسه، لكنها كانت تعود في كل مرة بصورة أشد قسوة.
أما تامر فكان يجلس على أحد المقاعد القريبة، يراقب شاهين بصمت. لم يكن بينهما ود أو تقارب يسمح بالكلمات، لكن القلق الذي يسكن قلب كل منهما كان واحداً. وبين الحين والآخر كان يرفع رأسه نحو باب غرفة العمليات ثم يعيد النظر إلى الأرض، وكأنه يخشى سماع أي خبر قد يخرج من خلف ذلك الباب.
وقفت جواهر بالقرب منهما، تشبك أصابعها ببعضها بقوة حتى ابيضت مفاصلها، بينما كانت تتمتم بالدعاء دون توقف. لم تستطع منع نفسها من التفكير في رنيم، في عنادها، في وحدتها، وفي تلك الحياة التي ظلت تقاومها منذ طفولتها. شعرت بغصة تخنقها وهي تتخيلها الآن راقدة هناك بين أجهزة العمليات، تصارع الموت وحدها.
مرت الدقائق ببطء مرهق، حتى انفتح باب غرفة العمليات أخيراً.
انتفض الثلاثة في اللحظة نفسها واتجهت أنظارهم نحو الطبيب الذي خرج من الداخل.
تقدم شاهين نحوه بسرعة حتى كاد يتعثر من لهفته، ثم نظر إليه بعينين امتلأتا بالخوف والرجاء في آن واحد، لكنه لم يستطع أن يسأل.
قرأ الطبيب السؤال في عينيه قبل أن ينطق به.
خلع الكمامة عن وجهه وقال بتعب واضح:
"الحمد لله قدرنا نسيطر على النزيف، ونقل الدم بدأ يستجيب مع جسم المريضة."
شعر شاهين وكأن حملاً جبلاً كاملاً أزيح عن صدره دفعة واحدة.
أغلق عينيه للحظة طويلة وزفر أنفاساً مرتجفة لم يشعر بها إلا الآن. كانت ركبتاه تكادان تخونانه من شدة التوتر الذي عاشه طوال الساعات الماضية.
لكن الطبيب أكمل قائلاً بجدية:
"بس لسه الحالة مش مستقرة بشكل كامل، الساعات الجاية مهمة جداً، ولازم نفضل متابعينها."
عادت ملامح القلق إلى الوجوه من جديد، إلا أن مجرد ابتعاد شبح الموت عنها ولو قليلاً كان كافياً ليمنحهم بعض الأمل.
رفع شاهين يده إلى وجهه ومسح عليه ببطء، ثم سأل بصوت خرج مبحوحاً من شدة الإرهاق:
"ممكن أشوفها؟"
حرك الطبيب رأسه بالرفض قائلاً:
"لسه بدري، أول ما حالتها تسمح هنبلغك."
اومأ شاهين برأسه بصمت، وعيناه ما زالتا معلقتين بباب غرفة العمليات.
وبعد دقائق أخرى خرجت ترنيم من الداخل وهي تبدو مرهقة بعض الشيء بعد التبرع بالدم.
ما إن وقعت عيناها على شاهين حتى تقدم نحوها بسرعة، قبل يدها دون تفكير وهو يقول بصوت مختنق:
"شكراً."
تفاجأت ترنيم من فعلته، لكنها رأت في عينيه خوفاً حقيقياً لم تستطع تجاهله.
أما هو فلم يكن يرى أمامه في تلك اللحظة سوى حقيقة واحدة.. أن المرأة الموجودة خلف ذلك الباب ما زالت تقاتل من أجل الحياة، وأنه للمرة الأولى منذ عرف نفسه يخشى خسارة شخص أكثر مما يخشى خسارة نفسه.
****************************
مساءً...
كان أول ما شعرت به رنيم هو الألم.
ألم حاد وعنيف اجتاح كتفها كأن أحدهم غرس فيه نارًا مشتعلة، بينما بدا ذراعها ثقيلاً على نحو غريب، حتى إنها احتاجت إلى عدة محاولات لتستوعب أنها ما زالت قادرة على تحريكه. حركت رأسها ببطء شديد، وكأن مجرد الالتفات أصبح مهمة شاقة، ثم رمشت بعينيها أكثر من مرة محاولة طرد الضباب الذي يغلف رؤيتها.
شيئًا فشيئًا بدأت ملامح الغرفة تتضح أمامها. سقف أبيض. رائحة مطهرات نفاذة. وصوت أجهزة طبية منتظم يخترق السكون من حولها.
أدركت فورًا أنها بالمستشفى.
أغمضت عينيها بقوة عندما عاد الألم ليضرب جسدها كله دفعة واحدة، ثم رفعت يدها السليمة نحو كتفها بحركة غريزية. تحسست الضمادة السميكة الملفوفة حوله، قبل أن تهبط أناملها نحو ذراعها الآخر فتشعر بالجبيرة التي تقيد حركتها. وفي لحظة واحدة انفتحت أبواب ذاكرتها بعنف.
الشوكة الحديدية، شاهين.. صرختها وهي تركض نحوه دون تفكير، ثم ذلك الألم الخاطف الذي مزق جسدها قبل أن يغرق كل شيء في الظلام.
شعرت بقشعريرة باردة تسري في أطرافها وهي تتذكر المشهد، وكأنها تعيشه من جديد. كانت الصور متقطعة ومشوشة، لكنها كانت كافية لتجعل قلبها ينقبض داخل صدرها.
على مقربة منها التقطت أذنها حركة خافتة، فالتفتت بصعوبة نحو مصدرها لتجد ممرضة تقف بجوارها تراجع بعض الملفات.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، وشعرت أن حلقها يحترق من شدة العطش قبل أن تتمكن أخيرًا من إخراج كلماتها بصوت ضعيف:
"لو سمحتي، أنا هنا من امتى؟"
التفتت إليها الممرضة فورًا، وارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة عندما أدركت أنها استعادت وعيها.
"من النهاردة من بدري كنتي في العمليات ولسه خارجه من شويه بقالك أقل من ساعه كده."
استمعت رنيم إليها وهي تحاول استيعاب الأمر. أقل من ساعة فقط منذ خروجها من العملية، ومع ذلك كانت تشعر وكأنها مرت بعمر كامل من الألم.
تنفست ببطء ثم قالت وهي تحاول تحريك كتفها دون جدوى:
"أنا تعبانه اوي، وكتفي وجعني."
هزت الممرضة رأسها بتفهم وهي تقترب منها قليلًا.
"معلش علشان لسه الجرح في اوله، هروح ابلغ الدكتور، واجبلك مسكن معايا."
استدارت متجهة نحو الباب، لكن صوت رنيم أوقفها قبل أن تخرج.
"لو سمحتي فيه حد بره اسمه شاهين؟"
لم تحتج الممرضة حتى للتفكير قبل أن تومئ برأسها.
"ايوه ده اللي جابك هنا وبره هيتجنن عليكي ومعاه كمان ناس تانيه ومنهم واحده اسمها ترنيم نفس فصيلتك نقلنا منها دم ليكي علشان كنتي نزفتي دم كتير اوي على ما جيتي المستشفى هنا."
ما إن سمعت الاسم حتى انعقد حاجباها بضيق.
حتى وهي بين الحياة والموت لم تتخيل أن تستيقظ لتسمع هذا الاسم أول شيء.
أغمضت عينيها للحظة ثم قالت بنبرة خافتة حملت قدرًا من التوسل لم تستطع إخفاءه:
"ممكن تخلي شاهين يدخل؟ عايزاه."
أومأت الممرضة وغادرت.
مرت الدقائق التالية بطيئة وثقيلة. جاء الطبيب ليفحصها ويطمئن على حالتها، ثم أعطتها الممرضة المسكن الذي بدأ يخفف حدة الألم تدريجيًا.
وما إن أغلق الباب خلفهم حتى فتح مرة أخرى. رفعت رنيم عينيها نحو الداخل.
كان شاهين. للحظة شعرت وكأنها تراه لأول مرة.
وجهه الشاحب كان كافيًا ليخبرها أنه لم يذق الراحة منذ دخولها غرفة العمليات. عيناه كانتا حمراوين من شدة القلق، وملامحه المتعبة فضحت كل الساعات التي قضاها خلف ذلك الباب ينتظر أي خبر عنها.
تحرك نحوها بسرعة وكأن قدميه تحملانه إليها دون إرادة منه، ثم جلس بجوارها وأمسك يدها بين يديه بقوة واضحة قبل أن يقول:
"كنت هموت من القلق عليكي يا رنيم، ألف سلامه عليكي يا عمري."
ظلت تنظر إليه لثوانٍ طويلة.
رأت الخوف الذي حاول إخفاءه.
ورأت الراحة التي اجتاحت ملامحه لمجرد أنها فتحت عينيها.
لكن شيئًا آخر كان يشغلها. شيء لم تستطع تجاهله. لذلك قالت مباشرة:
"مين قال ليهم على اللي حصلي؟"
رمش شاهين بعدم فهم للحظة قبل أن يسأل:
"قصدك على مين؟"
أجابت وهي تضيق عينيها أكثر:
"اللي الفصيله بتاعتها مطابقة للفاصيلة بتاعتي."
فهم فورًا عمن تتحدث.
تنهد بهدوء، ثم رفع يده يمررها بين خصلات شعرها بحنان شديد وكأنه يحاول تهدئتها قبل أن يجيب.
"أنا كنت مستعد أعمل أي حاجه علشان انقذك يا رنيم، والله لو كان لزم الأمر أني أروح واترجى كل واحد فيهم علشان تيجي معايا تتبرع بدمها ليكي كنت هعمل كده، بقولك كنت بموت وانتي جوه يا رنيم، روحي أنا اللي كانت مفرقاني وقتها، والست كتر خيرها سابت بنتها اللي مرميه في المستشفي وجاتلك اول ما عرفت وكانت هتموت من القلق عليكي، مترددش ثانيه واحده أنها تديكي دمها، سيبك من كل ده، المهم انك دلوقتي معايا ورجعت اشوف عيونك من تاني."
كانت تستمع إليه بصمت.
ولأول مرة لم تجد ردًا جاهزًا تقاطعه به.
لأنها كانت ترى الحقيقة أمامها.
ترى ارتجافة أصابعه وهي تمسك يدها.
وترى الخوف الذي لم يغادر عينيه حتى الآن. وترى ذلك الامتنان الصادق لأنه ما زال قادرًا على رؤيتها أمامه.
انحنى نحوها وقبل جبينها برفق شديد، ثم أبقى جبينه قريبًا منها وهمس:
"أنا مش قادر اتخيل انك ضحيتي بعمرك علشان تنقذيني أنا يا رنيم، أنا كنت متأكد من حبك ليا، إنما بعد اللي حصل ده، اتأكد أن حبي في قلبك ملوش حدود، بعشقك يا نور عيوني، انتي أجمل حاجه ربنا رزقني بيها، وأبقى حمار لو فرط فيكي في يوم من الايام."
ارتجف شيء عميق داخلها وهي تستمع إليه.
حاولت أن تخفي تأثير كلماته، فدفعت نفسها للنهوض قليلًا، لكن الألم كان أسرع منها.
شهقة مكتومة أفلتت من شفتيها وهي تشعر بالجرح يشتعل من جديد.
وفي لحظة كان شاهين يحيطها بذراعيه بحذر شديد، يساعدها على الجلوس دون أن يزيد من ألمها، ثم وضع الوسادة خلف ظهرها بعناية وكأنها قطعة زجاج يخشى أن تنكسر بين يديه.
"ممكن بلاش تعتمدي على نفسك اليومين دول؟ يعني لو محتاجه اي حاجة اطلبيها مني."
رفعت عينيها إليه. ورغم عنادها المعتاد، ورغم رغبتها الدائمة في الاعتماد على نفسها، لم تجد في تلك اللحظة سببًا للمجادلة. لذلك أومأت برأسها قائلة:
"حاضر."
ابتسم شاهين ابتسامة صغيرة بدت ممتنة أكثر مما هي سعيدة، ثم شدها إليه بحذر لتستند عليه قليلًا، وكأنه لا يزال بحاجة لأن يطمئن أنها موجودة فعلًا بين ذراعيه ولم تعد مجرد خوف يطارده خلف أبواب العمليات.
وبعد لحظات من الصمت، نظر إليها بعينين تلمعان بمكر خفيف وسط كل ذلك القلق وقال:
"ممكن بقى اطلب منك طلب، ومتكسفنيش؟"
عقدت حاجبيها باستغراب وهي تنظر إليه منتظرة ما سيقوله، ثم أومأت برأسها في هدوء.
ألقى شاهين نظرة سريعة نحو الباب قبل أن يعيد بصره إليها من جديد. كان يعرف جيدًا طبيعة رنيم، ويعرف أكثر حجم التوتر والضيق الذي تشعر به لمجرد وجود أولئك الأشخاص خارج الغرفة ينتظرون السماح لهم بالدخول. لذلك حاول أن يتحدث معها بهدوء، وكأنه يمهد الطريق قبل أن يفتح الباب على مواجهة لا يعلم كيف ستنتهي.
"جواهر وترنيم وتامر بره ممكن بلاش تحرجيهم بكلامك؟ كتر خيرهم أنهم اول ما عرفوا متأخروش عليكي."
لم تجبه. فقط أغمضت عينيها بقوة وكأنها تحاول الهروب من الحديث كله. كانت لا تزال منهكة، جسدها يؤلمها، ورأسها مثقل بأشياء أكبر بكثير من قدرتها على التحمل، وآخر ما كانت ترغب به هو رؤية أشخاص لم تستطع تجاوز ما حدث بينهم.
راقبها شاهين بصبر، ثم رفع يديه ليحتضن وجهها بين كفيه برفق بالغ، وأجبرها بلطف على النظر إليه. كانت عيناه مليئتين برجاء حقيقي جعل ملامحها القاسية تلين قليلًا رغمًا عنها.
"علشان خاطري يا حبيبتي."
ظل ينظر إليها منتظرًا ردها، بينما كانت هي تقاوم ذلك الإلحاح الصادق الذي يضعف مقاومتها في كل مرة. وفي النهاية اكتفت بإيماءة صغيرة من رأسها. لم تكن موافقة كاملة بقدر ما كانت استسلامًا لرغبته.
في اللحظة نفسها امتدت يدها نحو كتفها المصاب عندما عاد الألم يضربها بقوة، فارتسم الوجع على ملامح شاهين أكثر مما ارتسم على وجهها هي. انحنى نحو كتفها بحذر شديد وقبل موضع الجرح قبلة خفيفة، كأنها اعتذار صامت عن كل ما تعرضت له بسببه، ثم نهض واتجه نحو الباب.
فتح الباب ببطء، وما إن وقعت عيناه عليهم حتى أشار لهم بالدخول.
تحرك الثلاثة إلى الداخل بتردد واضح، بينما انعقدت ملامح رنيم فور أن رأتهم. لم تستطع إخفاء العبوس الذي ارتسم على وجهها تلقائيًا، وكأن جراح الماضي كانت أسرع من أي محاولة للمجاملة أو التسامح.
اقترب تامر أولًا، وكانت ملامحه تحمل قلقًا حقيقيًا عليها، ثم انحنى وقبل رأسها بحنان أبوي واضح وقال:
"ألف سلامه عليكي يا حبيبتي."
رفعت عينيها إليه للحظة قبل أن ترد بصوت خافت أنهكه التعب:
"الله يسلمك."
بعده مباشرة جلست جواهر بجوارها. كانت تبدو مختلفة عن كل مرة سابقة؛ أكثر هدوءًا، وأكثر انكسارًا أيضًا. مدت يدها تتحسس ظهرها بحنان افتقدته رنيم منها منذ وقت وقالت:
"ألف سلامه عليكي يا رنيم."
تأملتها رنيم طويلًا قبل أن تنطق. كان اللوم المتراكم داخلها أكبر من أن يختفي بسهولة، لذلك خرج سؤالها محملًا بكل ما اختزنته في قلبها خلال الأيام الماضية:
"ايه اللي حصل خلاكي تتنازلي وتيجي ليا؟ وعلى كده جوزك موافق ولا جايه من وراه؟"
اهتزت نظرات جواهر بالألم، لكنها لم تغضب. كانت تدرك أن لرنيم الحق في كل كلمة تقولها. لذلك أجابتها بصبر وحزن:
"مش وقته الكلام ده يا رنيم، انتي اختي الكبيره ومكانش ينفع اسيبك وانتي في الحاله دي."
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تتقدم ترنيم بخطوات بطيئة. كانت تراقب رنيم منذ دخولها، وكأنها تحاول الاطمئنان عليها بعينيها قبل كلماتها. بدت مرهقة هي الأخرى، لكن ذلك لم يمنعها من الابتسام ابتسامة صغيرة وهي تقول:
"ألف سلامه عليكي يا رنيم، أنا دلوقتي اقدر امشي وانا مطمنه عليكي."
وكالعادة، اختارت رنيم الهروب إلى الجهة الأخرى. أدارت وجهها بعيدًا عنها تمامًا ولم تمنحها حتى ردًا مقتضبًا.
شعرت ترنيم بوخزة قديمة في قلبها، لكنها ابتسمت رغم ذلك. اعتادت هذا الجدار الذي ترفعه رنيم بينهما كلما اقتربت منها. لذلك استدارت بهدوء واتجهت نحو الباب معتقدة أن الأمر انتهى كعادته.
لكنها لم تكد تخطو بضع خطوات حتى جاءها صوت رنيم من خلفها.
صوت متعب، متردد، وكأنه انتزع انتزاعًا من بين ضلوعها.
"شكرا."
تجمدت ترنيم مكانها. للحظة ظنت أنها توهمت.
استدارت ببطء شديد ونظرت إليها وكأنها تخشى أن تكون قد سمعت خطأ، ثم قالت بعدم تصديق حقيقي:
"انتي قلتي ايه؟"
لم تنظر إليها رنيم وهي تجيب. ظلت عيناها معلقتين بالجدار المقابل وكأن الاعتراف نفسه كان أصعب مما تحتمل.
"شكرا علشان انقذتي حياتي، بس للاسف هتقبل دمك اللي جوايا غصب عني."
اتسعت ابتسامة ترنيم تلقائيًا، وشعرت وكأنها ربحت معركة انتظرتها سنوات طويلة.
"أنا هعتبر اني سمعت الجزء الاول بس من كلامك، وده في حد ذاته إنجاز في علاقتنا أنا وانتي زي أول مره اتقابلنا مع بعض زمان."
ازدادت ابتسامتها اتساعًا بينما عادت رنيم للصمت وكأنها ندمت أصلًا على تلك الكلمة التي خرجت منها.
تدخل شاهين سريعًا قبل أن يعود التوتر من جديد وقال:
"خليكي معانا شويه، وانا هبقى اوصلك."
هزت ترنيم رأسها بالرفض فورًا وأجابت:
"يا دوب ألحق ارجع تاني المستشفى عند أروى علشان ابقى جنبها."
ثم التفتت نحوه للحظة، وأخذت تتأمله بنظرة بدت مختلفة هذه المرة؛ نظرة شخص أعاد تقييم إنسان كان يحمل عنه صورة مسبقة.
"أنا مش عارفه ليه مرتاحه ليك؟ يمكن علشان شفت خوفك عليها بجد، أو يمكن حبك لرنيم بالطريقه دي بيفكرني بالماضي، أنا مش مصدقه انك انت تبقى ابن الشيطانه مريم، عمومًا أنا بدعم علاقتكم، حافظ على حبكم لبعض، وإياك تمل من عنادها أو تمردها، علشان أنا خسرت كتير اوي زمان بسبب العناد والتمرد."
أنهت كلماتها وربتت على كتفه بحنان صادق، ثم وجهت لرنيم ابتسامة هادئة حملت أشياء كثيرة لم تقلها، وغادرت الغرفة.
تابعها تامر بعينيه قبل أن يقول:
"هروح انا معاها علشان متروحش لوحدها في وقت زي ده."
ثم التفت نحو جواهر وسألها:
"هتيجي معانا ولا قاعدة يا جواهر."
بدت جواهر شاردة للحظات، قبل أن تهز رأسها بالرفض وهي تنظر إلى رنيم.
"لا هقعد هنا مع رنيم."
لم يعجب ذلك رنيم، ليس لأنها لا تريدها بجوارها، بل لأنها كانت تعرف الثمن الذي قد تدفعه جواهر بسبب وجودها هنا. لذلك قالت:
"لا متشغليش بالك بيا، روحي انتي معاهم علشان ميحصلش مشكله بينك انتي وجوزك بسببي."
أخفضت جواهر رأسها للحظة، ثم تنهدت وكأنها تحمل فوق كتفيها عمرًا كاملًا من الخيبات.
"حصلت المشكله خلاص واللي كان كان."
ثم رفعت عينيها إليها وأضافت بإصرار واضح:
"أنا مش هتحرك من هنا يا رنيم متحاوليش."
أومأ تامر بتفهم، ثم اقترب مودعًا:
"هجيلك تاني يا حبيبتي."
وبعدها نظر إلى شاهين وقال:
"خلي بالك منها."
غادر المكان أخيرًا، وعادت الغرفة إلى هدوئها من جديد.
جلس شاهين بجوار رنيم على حافة السرير، وأمسك يدها بين يديه كأنها أغلى ما يملك في الدنيا. رفعها إلى شفتيه وقبلها بحب عميق، ثم رفع عينيه إليها.
كانت متعبة، شاحبة، وعنيدة كما عرفها دائمًا، ومع ذلك، لم يرَ في حياته كلها شيئًا أجمل منها.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني والاربعون
عند غريب…
كان يجلس إلى جوار ابنته على حافة السرير، يحتضنها بين ذراعيه وكأنه يخشى أن يبتعد عنه جزء من روحه إن تركها للحظة واحدة. كانت أصابعه تمر ببطء فوق خصلات شعرها، حركة هادئة اعتاد أن يفعلها معها منذ طفولتها كلما أراد أن يطمئنها أو يطمئن نفسه.
أما عيناه فكانتا معلقتين في نقطة بعيدة أمامه، بينما يدور عقله داخل دوامة لا تهدأ. منذ أن خرجت ترنيم من الغرفة وهو عاجز عن التخلص من ذلك الضيق الذي استقر فوق صدره كصخرة ثقيلة. كان يعلم جيدًا لماذا فعلت ما فعلته، ويعرف أن إنقاذ حياة إنسان واجب لا يقبل النقاش، لكنه رغم ذلك لم يستطع أن يتجاوز فكرة أنها ذهبت إلى شخص لا يبادلها سوى الجفاء والرفض.
انتشله من أفكاره صوت أروى الضعيف وهي ترفع وجهها نحوه قائلة:
“متزعلش من مامي علشان خاطري يا بابي، هي عملت الصح إنقاذها لرنيم، واجب عليها، احنا كلنا عارفين غلاوة رنيم عند مامي عاملة أزاي، لو كنت منعتها وحصلها حاجه، كانت هتشيلك ذنبها العمر كله.”
أغمض عينيه لثوانٍ طويلة قبل أن يزفر أنفاسًا مثقلة بالضيق. لم يكن غاضبًا من ترنيم بقدر ما كان موجوعًا لأجلها.
وقال بصوت خافت:
“المشكله يا حبيبتي إن التانيه بتكرهها، مهما مامتك عملت معها، عمرها ما هتقدر تحببها فيها، بتتعامل معاها بجفاء، وترنيم متقبله ده عادي علشان بتحبها، إنما أنا مش قادر اتقبل معاملتها ليها، انتي عارفه أنا بحب أمك قد ايه.”
رفعت أروى رأسها من فوق صدره ونظرت إليه بدهشة حقيقية. كانت تعرف موقفه طوال السنوات الماضية، تعرف كم مرة التمس الأعذار لرنيم ووقف في صفها رغم كل شيء.
لذلك قالت بعدم تصديق:
“بس مش ده السبب يا بابي، انت كنت بتحميها وهي بتعامل مامي نفس المعامله، كنت بتقول أبوها ساعدك زمان وانت بتحميها دلوقتي رد لجميله، ايه غير رأيك.”
سقط الصمت بينهما للحظات.
لحظات بدت أطول من اللازم.
شعر غريب وكأن السؤال أصاب أكثر نقطة يحاول الهروب منها. أطرق برأسه قليلًا، ثم أغلق عينيه وهو يستعيد كل ما حدث لأروى، كل ليلة قضاها بجوار سريرها وهي تتألم، وكل دمعة حاولت أن تخفيها عنه بينما كان قلبه يتمزق لرؤيتها بهذه الحالة.
وحين تكلم، خرج صوته مثقلًا بمرارة لم يحاول إخفاءها:
“لأنها اختارت البني آدم اللي هو وأمه عملوا فيكي كده، أنا مش مسامح ولا هرحم اللي كان ليهم يد في اللي حصلك ده، وحبيبهم عدوي، وعدوهم حبيبي.”
ما إن أنهى كلماته حتى شعرت أروى بوخزة حادة داخل صدرها.
عادت الذكريات التي حاولت دفنها مرارًا لتنهض أمام عينيها من جديد، فتسلل إليها ذلك الخوف الذي كانت تظن أنها تجاوزته، وشعرت بالعجز نفسه الذي خنقها يومها وجعلها غير قادرة حتى على فهم سبب كل ما تعرضت له.
أعادت رأسها فوق صدر والدها كطفلة صغيرة تبحث عن الأمان، لكن دموعها سبقتها وانهمرت بصمت وهي تهمس بصوت مرتجف:
“أنا لحد دلوقتي مش فاهمه هما عملوا فيا كده ليه؟ عملت ليهم ايه، علشان ياؤذوني بالشكل ده؟”
ارتجف قلب غريب مع كلماتها.
كان هذا السؤال تحديدًا هو أكثر ما يؤلمه، لأنه لا يملك له إجابة.
كيف يخبرها أن الشر أحيانًا لا يحتاج إلى سبب؟
كيف يقنعها أنها لم تخطئ في حق أحد؟
شدها إليه بقوة أكبر حتى كادت تختفي داخل صدره، وكأنه يحاول أن يحجب عنها العالم كله بذراعيه.
ثم قال وهو يمرر يده فوق شعرها بحنان أبوي موجوع:
“انتي معملتيش ليهم حاجه يا حبيبتي، انتي أطيب وأنقى من إنك تأذي حد، انتي دفعتي تمن ماضي مالكيش دعوة بي.”
أغلقت أروى عينيها، لكن الدموع استمرت في الانسياب فوق وجنتيها. ارتعش جسدها بعنف وهي تتشبث بقميص والدها وكأنها تخشى أن تعود تلك الكوابيس إذا تركته.
ما إن شعر بارتجاف جسدها بين ذراعيه حتى شدها إليه أكثر، وكأنه يحاول أن يبني حولها حصنًا يحجب عنها كل ما يؤلمها. أخذ يمرر كفه فوق ظهرها بحركات هادئة بينما كانت أنفاسها المضطربة تضرب صدره، وعندها فقط رفع عينيه إلى الأمام، لتتبدل ملامحه تدريجيًا من حزن أب عاجز إلى صلابة رجل لم ينسَ بعد، ولا ينوي أن يسامح.
***************************
خرج شاهين من غرفة رنيم بعد أن اطمأن إلى أنها لم تعد وحدها، تاركًا لها بعض الخصوصية مع ابنة عمتها. أغلق الباب خلفه بهدوء، لكن الهدوء الذي أظهره لم يكن يعكس شيئًا مما يدور داخله.
منذ أن استعاد وعيه الكامل على ما كاد أن يحدث، ومنذ أن رأى رنيم ممددة فوق سرير المستشفى بين الحياة والموت، وهو يشعر أن شيئًا بداخله قد انكسر. لم يكن قادرًا على نسيان المشهد، ولا على تجاوز فكرة أنه كاد يفقدها إلى الأبد.
هبط إلى الكافتيريا بخطوات سريعة ومتوترة، يحاول الهروب من تلك الصور التي تطارده، لكنه ما إن دخل حتى تجمد مكانه لثانية واحدة.
كان عمر يجلس في أحد الأركان وكأن شيئًا لم يحدث.
يجلس بهدوء ويحتسي مشروبًا دافئًا، بينما رنيم ترقد بالأعلى مصابة بسبب سلسلة من الأحداث كان هو جزءًا منها.
اشتعل الغضب داخل صدر شاهين دفعة واحدة. لم يفكر ولم يحاول التريث.
تحرك نحوه مباشرة وأمسكه من ياقة قميصه بعنف حتى اهتز المقعد أسفله، ثم قال من بين أسنانه المطبقة:
“أنا هتمشي من هنا حالاً وإياك اشوفك مقرب من رنيم تاني فاهم.”
رفع عمر عينيه إليه ببطء. لم يظهر عليه الخوف أو الارتباك الذي كان شاهين ينتظره، بل ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة هادئة زادت النار اشتعالًا داخل الآخر. أبعد يده عنه ببرود واضح وقال:
“مش هتحرك من هنا ووريني هتعمل ايه.”
كان ذلك آخر ما احتاجه شاهين.
انطلقت قبضته نحو وجهه بعنف وكانت تحمل كل الغضب الذي اختزنه منذ ساعات.
ارتد رأس عمر إلى الخلف بقوة بينما قال شاهين بغضب مشتعل:
“تمام يبقى انت اللي اختارت.”
سقط عمر عن المقعد واصطدم بالأرض، لكنه لم يبقى عليها طويلًا.
نهض بسرعة وقد تحول ما بداخله هو الآخر إلى غضب أعمى، واندفع نحو شاهين دون تردد.
وفي لحظة واحدة تحولت الكافتيريا إلى فوضى كاملة.
تطايرت المقاعد من أماكنها، وتعالت الصرخات حولهما، بينما تبادل الرجلان اللكمات بعنف شديد.
حاول الموجودون التدخل أكثر من مرة، لكن الغضب كان أقوى من كل المحاولات.
كان شاهين يقاتل بعقل غائب لا يرى أمامه سوى صورة رنيم وهي تنزف بين يديه.
وكان عمر يقاتل مدفوعًا بحقد قديم يزداد اشتعالًا كلما رأى ذلك الآخر متمسكًا بها أكثر.
وبعد جهد كبير، نجح أفراد الأمن أخيرًا في الفصل بينهما.
أحكم رجلان قبضتيهما على شاهين لمنعه من الاندفاع مجددًا، بينما كان صدره يعلو ويهبط بعنف من شدة انفعاله. رفع يده وأشار إلى عمر بإصبع مرتجف من الغضب ثم قال:
“لو لمحت طيفك في المكان هنا مش هرحمك، غور من وشي.”
ثم انتزع نفسه من أيدي الرجال الذين يمسكونه بعنف، ودفعهم بعيدًا عنه قبل أن يستدير ويغادر المكان بخطوات غاضبة.
ظل عمر واقفًا في مكانه يراقب أثره.
مسح الدم العالق عند زاوية فمه ببطء، ثم رفع عينيه نحو الاتجاه الذي غادر منه شاهين. كان الألم في جسده محتملًا.
أما ما يشتعل داخله فلم يكن كذلك.
انقبض فكه بقوة حتى برزت عروقه، ثم قال بصوت منخفض يحمل من الحقد ما يكفي لإشعال حرب كاملة:
“وحياة أمك ل أحرمك منها وأحرق قلبك عليها، وأبقى وريني هتعمل ايه.”
وبقي واقفًا لثوانٍ يحدق أمامه بنظرات قاتمة، قبل أن يستدير ويتحرك نحو الخارج، بينما كانت تلك الكلمات تتحول داخله إلى وعد حقيقي لا مجرد تهديد.
***************************
وصلت ترنيم إلى المشفى برفقة تامر، لكن خطواتها كانت أسرع من أن تواكبها الكلمات أو الأسئلة. منذ أن غادرت غرفة رنيم وقلبها معلق بأروى، تتساءل إن كانت استيقظت، إن كانت سألت عنها، أو احتاجتها ولم تجدها بجوارها.
توقفت أمام باب الغرفة للحظة قصيرة، ثم دفعت الباب بهدوء ودلفت إلى الداخل.
ساد المكان هدوء ثقيل لا يقطعه سوى صوت الأجهزة الطبية المنتظم.
وقعت عيناها فورًا على السرير.
كانت أروى نائمة بين ذراعي غريب، مستندة إلى صدره كطفلة صغيرة وجدت أخيرًا ملاذًا آمنًا تختبئ داخله من كل ما يؤلمها.
ارتخت ملامح ترنيم تلقائيًا.
شعرت براحة صغيرة تسللت إلى قلبها لمجرد رؤيتها بخير.
أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم اقتربت بخطوات حذرة حتى لا توقظها. جلست على الجانب الآخر من السرير، وأمالت جسدها قليلًا لتقبل رأس ابنتها بحنان امتلأ بالشوق والقلق معًا.
لكن ما إن شعرت أروى بحركتها حتى انتفضت من نومها بفزع.
ارتعش جسدها فجأة، ففتح غريب عينيه على الفور، وقد استيقظ بغريزة الأب الذي لا ينام نومًا كاملًا ما دامت ابنته تتألم.
رفع رأسه بسرعة، وما إن وقعت عيناه على ترنيم حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اختفت الراحة التي كانت تسكن وجهه، وحل محلها غضب مكتوم ظل يحترق داخله منذ ساعات. وقال بحدة:
“انتي ايه اللي جابك؟”
رمشت ترنيم عدة مرات بعدم استيعاب.
لم تتوقع أن يكون هذا أول ما تسمعه منه. نظرت إليه بدهشة ممزوجة بالألم وقالت:
“يعني ايه، ايه اللي جابني؟ أنا جايه لبنتي يا غريب.”
نهض من مكانه دفعة واحدة.
كانت كلماته التالية محملة بكل ما فشل في كتمانه منذ رحيلها. وقال بغضب:
“بنتك!! اللي سبتيها وروحتي ورا اللي اسمها رنيم؟ بنتك اللي اندبحت على ايد الراجل وأمه اللي مرميه في حضنهم دلوقتي؟ ملكيش دعوة بيها روحي اجري واتحايلي عليها يمكن تقلك كلمه حلوة تفرحك.”
شعرت ترنيم وكأن الكلمات صفعتها بقوة. لم يكن غضبه جديدًا عليها، لكنها لم تتوقع أن يشكك في حبها لابنتها.
نهضت من مكانها بسرعة، واستقامت واقفة أمامه. كانت عيناها تلمعان بوجع حقيقي وهي تقول:
“هو ايه اللي مليش دعوه بيها؟ دي بنتي، ومحدش يقدر يبعدني عن بنتي مهما كان مين، وبعدين انا معملتش حاجه غلط، عيله وانقذتها، ايه المشكله في كده؟ ده لو أي حد من الشارع عنده نفس الفصيله وطلبوا منه يتبرع ليها كان هيعمل كده من غير ما يعرفها، أنت أزاي بقيت كده؟ موجوع على بنتك؟ طيب ما أنا كمان موجوعه زيك واكتر، بس ده يخليني احس بوجع غيري اكتر، أنا مصدومة فيك بجد.”
كانت تتحدث بانفعال حقيقي، بينما كانت دموعها تقاوم بصعوبة حتى لا تسقط. لكن كلماتها لم تهدئه.
بل بدت وكأنها أشعلت شيئًا أخطر داخله. اقترب منها، حتى أصبح يقف أمامها مباشرة. وفجأة أمسك ذراعها بقوة جعلتها تنتفض من الألم.
مال نحوها قليلًا وقال بصوت منخفض خرج مخيفًا من شدة الغضب:
“اوعي تكوني فاكره أنا مش عارف أنتي بتعملي معاها كده ليه، مش حب فيها يا ترنيم، انتي بتعملي كده علشان لسه بتحبي ابوها.”
تجمدت للحظة. وامتلأت عيناها بالدموع فورًا، لكنها لم تتراجع. لم تهرب.
بل رفعت وجهها إليه وقالت بصوت مرتجف من شدة الوجع:
“اه بحب ابوها وعمري ما أنكرت ده يا غريب، بس سبق وقلتلك الفرق بين حبي لسلطان وحبي ليك، هتفضل كده طول عمرك، مهما حبيتك، مش هتشوف حبي ليك ده، مش هتشوف غير حبي لسلطان وبس، انا بحب رنيم على حبي لابوها اللي كبرني وكنت انا دنيته، بحب رنيم علشان حته منه ونسخه مني، وعمري ما هتخلى عنها، مهما عملت فيا.”
كانت الكلمات تخرج من قلبها مباشرة.
كلمات قالتها عشرات المرات من قبل بأشكال مختلفة.
لكن غريب كان يسمع الجزء الذي يؤلمه فقط. أما الباقي فكان يضيع وسط ضجيج غيرته وجرحه القديم.
اشتدت أصابعه حول ذراعها أكثر حتى شعرت بالألم يسري في كامل ذراعها.
وقال بغضب أعنف:
“بس اسكتي بس.”
أغمضت عينيها متألمة. ثم همست وهي تحاول تحرير ذراعها:
“غريب سيب دراعي، أروى بتبص علينا، غررريب.”
عندها فقط التفتت عيناه نحو ابنته.
كانت أروى تنظر إليهما بخوف واضح، وكأن المشهد كله يعيد إليها شعورًا لا تريد عودته. ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثوانٍ كانت كافية ليعود إليه شيء من وعيه. ظل يحدق في ترنيم لحظة أخرى، ثم أفلت ذراعها أخيرًا ودفعها بعيدًا عنه بانفعال.
وأشار إليها محذرًا وقال:
“لا ده وقته ولا ده مكانه، بس أروى تخرج من هنا الاول واطمن عليها، وبعد كده لينا كلام مع بعض بعدين.”
أنهى حديثه وعاد مباشرة إلى السرير.
جلس بجوار ابنته من جديد، ثم جذبها إلى صدره بحركة غريزية وكأنه يحاول أن يمحو من ذاكرتها ما حدث للتو.
أما ترنيم فبقيت واقفة مكانها لثوانٍ.
تنظر أمامها دون أن ترى شيئًا.
كانت الدموع محتجزة داخل عينيها بصعوبة، بينما كان الألم الذي تركته كلماته أكبر بكثير من أن تستطيع الرد عليه. ابتلعت غصتها بصمت.
ثم استدارت وتحركت نحو الباب بخطوات سريعة قبل أن يراها أحد وهي تنهار. أغلقت الباب خلفها وغادرت.
وبقي غريب داخل الغرفة يحتضن ابنته، يربت على ظهرها بحنان بالغ، بينما ظلت عيناه معلقتين بالباب الذي خرجت منه ترنيم.
كان الغضب ما يزال مشتعلاً داخله، لكنه رغم ذلك لم يستطع تجاهل ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في صدره بعد رحيلها. شعور يشبه الندم.. لكنه كان أكثر عنادًا من أن يعترف به حتى لنفسه.
****************************
تمددت رنيم فوق الفراش وهي تزفر ببطء بعدما ساعدتها جواهر على الاستلقاء، بينما استقرت الأخرى بجوارها في صمت ثقيل. كان ضوء الغرفة الخافت ينساب فوق السقف الأبيض، وكأن كل واحدة منهما غارقة داخل عالمها الخاص، تحمل همومًا أكبر من قدرتها على البوح بها.
التفتت رنيم نحو جواهر بعدما طال صمتها، ولاحظت الشرود العالق بعينيها والطريقة التي كانت تحدق بها في الفراغ وكأنها تبحث عن شيء ضاع منها.
تحدثت بتساؤل هادئ:
“مالك؟ شكل ابن المضايقه منكد عليكي.”
خرجت زفرة طويلة من صدر جواهر، زفرة محملة بوجع حاولت إخفاءه طويلًا قبل أن تستسلم له أخيرًا. امتلأت عيناها بالدموع، لكنها ظلت تحدق أمامها وكأنها تخشى مواجهة الحقيقة حتى بالكلمات.
وقالت بصوت خافت أثقله الإنهاك:
“أنا مش عارفه جواد ايه حصله الفترة الأخيرة دي أو تحديدا من ساعة ما بقيت مراته، الاول كان اه بيتعصب عليا يزعل مني كتير، بس عمره ما كان بيغلط فيا ولا يمد أيده عليا زي ما بيعمل دلوقتي، حاسه أنه بقى شخص تاني خالص غير اللي عرفته وحبيته واتربيت على أيده، انا طبعا مدياه عذره في اللي عمله النهاردة، بس اللي وجعني اني بقيت احس مش مهمه عنده مبقاش يحبني زي الاول، بقى يستغنى عني بسهوله، أنا بحبه ومقدرش اعيش من غيره، بس قلبي زعلان منه اوي وموجوعة بسبب افعاله دي، نبهته كذا مره أن اللي بيعمله ده بيزعلني، بس وقت عصبيته مش بيشوف قدامه ولا عارف هو بيعمل ايه، أنا خايفه أكرهه يا رنيم.”
مع نهاية كلماتها انكسرت نبرتها الأخيرة، مجرد اعترافها بهذا الخوف جعل الأمر أكثر واقعية. ففكرة أن يتحول الحب الذي بنت عليه عمرها كله إلى وجع كانت ترعبها أكثر من أي شيء آخر.
نظرت إليها رنيم طويلًا، وشعرت بشيء يضغط على قلبها. لأول مرة منذ فترة طويلة رأت جواهر بهذه الهشاشة، بلا عنادها المعتاد ولا ابتسامتها التي كانت تخفي خلفها كل شيء. قالت بهدوء صادق:
“اللي بيحب بجد مستحيل يجرح أو يزعل اللي بيحبه، وده اللي انا عرفته متأخر أوي، حاولي تعملي شخصيه معاه يا جواهر، علشان لو اتعود على اللي بيعمله معاكي ده عادي، هيفضل معاكي كده على طول مش هيراعي مشاعرك، وأي اعتراض هيكون بالنسبه ليه اهانه لكرامته، أنا مش بقولك كده، علشان عايزة اخرب عليكي، ولا العداوة اللي ما بينا استخدمها ضده، لا انا شايفه انك بتحبي بجد، وده هيخليكي تيجي على حساب كرامتك لو محطتيش حدود لكل ده من اولها.”
استدارت جواهر تنظر إليها بدهشة حقيقية. لم تكن الكلمات وحدها هي ما فاجأها، بل الشخص الذي خرجت منه هذه الكلمات.
وقالت بسخرية خفيفة امتزجت بالحزن:
“غريبه اول ما مره متطلبيش مني اسيبه، ولا تغلطي في الحب وتتريقي عليه زي ما كنتي بتعملي، بركاتك يا سي شاهين.”
ارتسمت ابتسامة باهتة فوق شفتي رنيم قبل أن تتلاشى سريعًا. تسللت عيناها نحو الفراغ، وكأنها ترى شخصًا لا يراه أحد سواها.
همست بصوت غلبه الشوق:
“أنا مش عارفه ايه حصلي، كل ما اخد قرار ابعد عنه واسيبه، كأن حاجه بتشدني تاني ليه وترميني في حضنه، انا بحب شاهين يا جواهر، بحبه فوق ما تتخيلي، بس مش قادره اتقبل فكرة أن أكون الست الشريره اللي بتخطف اب من بناته، بحبه لدرجة أن ممكن أضحي بعمري كله علشانه، بس مش هقدر اكون معاه، أنا بين نارين يا جواهر، أعمل ايه قوليلي؟”
كانت المرة الأولى التي تعترف فيها بهذا القدر من الصراحة. خرجت الكلمات من قلبها دفعة واحدة، بعدما ظلت حبيسة داخلها طويلًا. حتى هي نفسها شعرت بالعجز أمام ذلك الصراع الذي يمزقها كل يوم؛ قلبها يدفعها نحوه بكل قوتها، بينما عقلها يجرها بعيدًا عنه خشية أن تكرر أخطاء الماضي.
اعتدلت جواهر في جلستها ونظرت إليها بتركيز، وكأنها ترى نسخة مختلفة تمامًا من رنيم التي عرفتها طوال عمرها.
وقالت بهدوء:
“أنا لحد دلوقتي مش مصدقه أن اللي اسمه شاهين ده شيطان هو أمه بالشكل ده، بعد اللي عملوا في أروى، وبعد ما عرفت اللي أمه عملته زمان مع خالتوا ترنيم وخالوا سلطان، واللي مش قادره اصدقه اكتر، ازاي قادره تتقبليهم في حياتك وهي أمه اللي قاتله ابوكي والسبب في موت امك؟ كنتي دايما تقوليلي أن الحب كلام فارغ مجرد كدبه في الافلام والروايات، كنتي بتقولي، أن الحب اكبر خدعه بيستخدموها علشان يضعفوا بيها الضحيه، الاول كنت مش بصدقك علشان كنت شايفه كلامك عبيط وملوش اي اساس، بس بعد علاقتك دي ما شاهين، أنا اتأكد من كل كلمة كنتي بتقوليها بس على نفسك انتي.”
أغمضت رنيم عينيها للحظة. كانت تعلم أن كل ما تقوله جواهر منطقي، بل إنه نفس الكلام الذي تردده لنفسها كل ليلة، ومع ذلك لم ينجح يومًا في انتزاع شاهين من قلبها.
فتحت عينيها وقالت بإصرار صادق:
“شاهين والله العظيم ما وحش، ملوش علاقه باللي أمه عملته واللي بتعمله، يمكن الاول كان فعلا وحش وانا شفت الوش ده قبل ما يحبني ويتغير علشاني، شاهين واقف قصاد أمه علشاني وعلشانكم، واللي حصل مع أروى ده ملوش علاقه بين بالعكس ده حاول يلحقها وينقذها، بس ملحقش وكان بيأنب في نفسه علشان ملحقش ينقذها، أنا واثقه فيه ولو مكانش موضوع أنه متجوز وعنده بنتين ده، أنا كان زماني موافقه على جوازنا وعايشه معاه في امان وفي حضنه، أنا واثقه فيه لابعد الحدود، وانتي يا جواهر لازم تثقي فيه صدقيني شاهين شخص جميل اوي، من بره ومن جوه.”
حدقت بها جواهر لثوانٍ قبل أن تهز رأسها بيأس مبتسم.
وقالت بحزن مشوب بالدهشة:
“حاسه اني عايشه في احلام العصر، رنيم بتحب بجد وبتعمل نفس الأفعال اللي كانت بترفضها زمان معايا أنا وجواد، عمومًا احنا هنسيب الأمور دي لرجاله الكبيرة، هما يتصرفوا مع بعض، وانتي طالما بتحبي اوي كده، متشغليش بالك بحد، ووافقي عليه كفايه اللي راح من عمركم.”
سقطت الكلمات داخل قلب رنيم بقوة. وللحظة قصيرة جدًا شعرت وكأن جواهر محقة، وكأنها بالفعل أهدرت سنوات طويلة في الهروب من شيء تعرف جيدًا أنها لن تستطيع الإفلات منه.
لكن سرعان ما اندفعت الذكريات إلى عقلها؛ ذكريات ترنيم، ووجعها القديم، والأخطاء التي أقسمت يومًا ألا تكررها مهما كان الثمن.
لهذا هزت رأسها بعنف وكانت تطرد الفكرة من جذورها. وقالت بحسم:
“مستحيل ده يحصل مستحيل.”
تنهدت جواهر بنفاد صبر وهي تعود للاستلقاء مجددًا، بينما راحت تحدق في السقف بعينين مثقلتين بالشوق. كان قلبها يركض نحو جواد رغم كل ما فعله، ورغم كل ما قالته قبل دقائق.
أما رنيم فظلت مستيقظة، تنظر إلى الفراغ أمامها، تتصارع داخلها مشاعر متناقضة لا تعرف كيف تهزم أيًا منها. كانت تحاول إقناع نفسها أن الابتعاد عن شاهين هو القرار الصحيح، لكن قلبها كان يهمس في كل مرة بالحقيقة التي ترفض الاعتراف بها.. أنها لم تعد تملك القدرة على العيش بعيدًا عنه كما كانت تدعي.
****************************
مرت عدة أيام ثقيلة، بدت وكأنها أشهر كاملة على الجميع.
خرجت أروى من المشفى أخيرًا وعادت إلى الفيلا، لكن خروجها لم يكن يعني أنها تعافت. فما زالت آثار ما حدث تلاحقها في كل لحظة، ترتجف من أقل صوت مفاجئ، وتستيقظ أحيانًا من نومها على كوابيس تعيد إليها تفاصيل تلك الليلة المرعبة. كان الخوف قد ترك بصمته داخل روحها الصغيرة، بينما ظل الحزن ساكنًا في عينيها رغم كل محاولات من حولها لإعادتها كما كانت.
أما ترنيم وغريب، فقد وصلت علاقتهما إلى مرحلة مؤلمة من الجفاء. لم تقع بينهما مشاجرات جديدة، ولم ترتفع الأصوات، لكن الصمت الذي استقر بينهما كان أكثر قسوة من أي خلاف. تعمد غريب الابتعاد عنها طوال تلك الأيام، وكأن مجرد النظر إليها أصبح يؤلمه، بينما كانت هي تراقب المسافة التي تكبر بينهما يومًا بعد يوم دون أن تعرف كيف تعيد الأمور إلى ما كانت عليه.
وجواهر لم تكن أفضل حالًا. فمنذ اليوم الذي تركت فيه المشفى وذهبت إلى رنيم، وكأن جواد اختفى من حياتها تمامًا. لم يحاول الاتصال بها ولو لمرة واحدة، ولم يكن يجيب على اتصالاتها مهما كررتها. كانت تنتظر رنين هاتفها لساعات طويلة، ثم تنام وهي تحدث نفسها بأنه ربما سيتصل غدًا، لكن الغد كان يأتي فارغًا كاليوم الذي سبقه. ومع كل يوم يمر، كانت تشعر أن شيئًا بداخلها ينكسر ببطء، حتى أصبحت تحيا بجسدها فقط، بينما قلبها عالق في مكان آخر ينتظر شخصًا لم يعد يلتفت إليه.
أما شاهين، فلم يترك رنيم لحظة واحدة طوال فترة علاجها. كان حاضرًا في كل تفصيلة صغيرة، يسبق طلباتها قبل أن تنطق بها، ويحيطها برعاية جعلتها تشعر بالأمان رغم كل ما تمر به. لكن ذلك الأمان نفسه كان يزيد عذابها. فكلما ازداد قربه منها، ازداد تمسك قلبها به، وكلما شعرت بحبه الصادق، عاد الماضي ليقف بينهما كجدار لا تستطيع تجاوزه. كانت تعيش صراعًا مرهقًا بين قلب يعشقه بكل ما فيه، وعقل يرفض الاستسلام لهذا الحب مهما كان الثمن.
في المشفى…
خرجت جواهر من الغرفة بعدما أخبرتهما أنها ستذهب لإحضار مشروب دافئ، تاركة خلفها هدوءًا قصيرًا جمع شاهين ورنيم وحدهما.
لم ينتظر أكثر من لحظة. تحرك نحوها وجلس بجوارها على السرير، ثم جذبها برفق إلى أحضانه وكأنه كان ينتظر خروج جواهر منذ وقت طويل. استقرت رأسها على صدره رغماً عنها، فارتسمت على شفتيه ابتسامة راضية قبل أن يقول بنبرة مازحة:
“مش عارف اخدك في حضني من ساعة ما بنت عمتك جات، اخدتك مني على فكرة.”
ابتسمت بخجل وهي تشعر بحرارة أنفاسه القريبة منها، وحاولت التظاهر بالاعتراض رغم أن قلبها كان يخفق بعنف داخل صدرها.
“ع على فكره مينفعش اللي انت بتعمله ده خالص، م ممكن حد يدخل علينا دلوقتي.”
رفع وجهها إليه بأطراف أصابعه، وأجبرها برفق على النظر داخل عينيه. كانت نظرته تحمل ذلك الإصرار الذي أصبح يخيفها بقدر ما يربكها.
“في ايدك تخرسي لسان الكل وتوافقي أننا نتجوز، وتبقى مراتي على سنة الله ورسوله.”
تعثرت أنفاسها للحظة، وانخفضت عيناها بعيدًا عنه وهي تحاول التمسك بقناعاتها التي بدأت تنهار أمامه يومًا بعد يوم.
“و وانا قلتلك م مستحيل ده يحصل، بناتك أحق بيك.”
لم تعجبه إجابتها كالعادة، لكنه لم يغضب. مال نحوها ووضع قبلة سريعة على شفتيها قبل أن يقول بحب:
“مافيش حاجه اسمها مستحيل، انتي بتاعتي برضاكي أو غصب عنك، أنا سيبك تدلعي بمزاجي، بس في مره هتلاقيني اخدك عند المأذون غصب عنك وبتجوزك.”
اشتعل وجهها بحمرة قوية، وحاولت الابتعاد عن أحضانه وهي تشعر أن وجودها قريبًا منه بهذا الشكل أصبح يضعف مقاومتها أكثر مما ينبغي.
“ب بتحلم يا شاهين، وسيبني بقى علشان زمان جواهر جايه متشوفناش كده.”
لكن شاهين لم يكن مستعدًا للتخلي عنها بهذه السهولة. شدها إليه أكثر، ثم طبع قبلة حانية على خدها وهو يقول بثقة جعلت قلبها يرتجف:
“أنا مستعد احقق احلامي دلوقتي يا رنيم، وجنان بجنان هبعت اجيب المأذون وهتخرجي من هنا وانتي مراتي.”
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وهي تحدق به غير مصدقة إن كان يمزح أم يتحدث بجدية كاملة.
“ش شاهين بلاش جنان واوعى كده سيبني.”
اقترب منها أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس وجهها المرتبك، بينما كانت نظراته معلقة بعينيها ويحاول أن يحفظ ملامحها داخل قلبه قبل أن ينطق بما يشعر به. وقال بصوت هامس:
“أنا من يوم ما عرفتك وكل حاجه بعملها مجنونه، يا رنيم! حبك خلاني مستعد أعمل أي حاجه حتى لو مش منطقيه، وانا بقى طالبه معايا أننا نخرج من هنا وانتي مراتي.”
ارتجف قلبها داخل صدرها بعنف وهي تستمع إليه. كانت تعرف صدقه جيدًا، وتعرف أن هذا الرجل قادر على تنفيذ أي جنون يخطر بعقله إذا كان الأمر يتعلق بها.
مال نحوها أكثر، وكاد أن يختصر المسافة الفاصلة بينهما، لكن الباب انفتح فجأة.
انتفضت رنيم وكأنها أُمسكت متلبسة بجريمة، وابتعدت عنه بسرعة جعلت الألم يلسع كتفها المصاب، بينما ارتبكت أنفاسها واحمر وجهها بالكامل.
أما جواهر فتجمدت للحظة عند الباب، ثم أشاحت بنظرها سريعًا إلى الأرض وهي تدرك أنها دخلت في توقيت غير مناسب إطلاقًا. وقالت بخجل:
“سوري معرفش انكم بتتكلموا.”
أغلق شاهين عينيه بضيق وهو يلعن حظه في سره، ثم استقام واقفًا محاولًا استعادة هدوئه. وقال:
“ادخلي ادخلي.”
وضعت رنيم كفها على وجهها بخجل بالغ، بينما تنحنحت أكثر من مرة محاولة الهروب من الإحراج الذي ابتلعها بالكامل.
تحركت جواهر إلى الداخل، وضعت كوب المشروب على المنضدة القريبة، ثم جلست بجوار رنيم وهي تنظر بينهما بنظرة ذات مغزى لم تخفي على أي منهما. وقالت:
“أنا من رأي تتجوزوا ويتقفل عليكم باب واحد، وابقوا اعملوا اللي انتوا عايزينه براحتكم.”
التقط شاهين الجملة فورًا وكأنه كان ينتظر من يدعمه. وقال سريعًا:
“ما هو ده اللي كنا بنتكلم فيه دلوقتي.”
رمقته رنيم بنظرة متضايقة وهي تشعر أن الجميع اتفق عليها فجأة. وقالت:
“قلت مستحيل ده يحصل يعني مستحيل.”
تنهدت جواهر وهي تهز رأسها بيأس من عنادها المستمر. وقالت بنبرة هادئة:
“رنيم كفايه عناد لحد كده، انتي بتحبيه ومتقدريش تعيشي من غيره، وهو بيحبك وميقدرش يعيش من غيرك، يبقى اتلموا بقى واتجوزوا.”
تسللت الكلمات إلى قلبها رغم مقاومتها. ظلت صامتة، تحدق أمامها دون أن ترد، وكأنها تخوض حربًا كاملة داخل عقلها لا يراها أحد.
ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليعيد الأمل إلى شاهين من جديد.
التفت إلى جواهر مبتسمًا وقال:
“افهم من سكوتك ده انك موافقه؟”
لم تجبه. ظلت غارقة داخل أفكارها، بين ما تتمناه وما تخشاه.
وفي اللحظة التي أوشكت فيها على الكلام، قطع الصمت صوت هاتف شاهين.
أخرج الهاتف ونظر إلى الشاشة باستغراب بعدما وجد رقمًا مجهولًا.
رفع حاجبيه بحيرة قبل أن يجيب الاتصال. لكن ما إن استمع إلى الكلمات الأولى حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اختفت الابتسامة من وجهه دفعة واحدة، واتسعت عيناه بصورة أقلقت الموجودتين معه.
نظرت إليه رنيم وجواهر بقلق متزايد. وقالت:
“فيه ايه يا شاهين؟”
جاءه صوت رجولي بارد عبر الهاتف:
“افتح الاسبيكر.”
شعر شاهين أن الأمر أخطر مما توقع، فضغط على مكبر الصوت دون أن يرفع عينيه عن نقطة ثابتة أمامه.
وسرعان ما دوى الصوت داخل الغرفة:
“بنتك إيما معايا، ولو عايز تنقذها بجد تيجي انت ورنيم على العنوان اللي هبعته ليك، وإياك دماغك توزك انك تبلغ الشرطه، أو انك تيجي لوحدك من غير رنيم، علشان وقتها هتاخد بنتك جثه.”
تجمد الهواء داخل الغرفة. شعرت رنيم بأن الدم انسحب من وجهها بالكامل، بينما شهقت جواهر بصدمة وهي تنظر إلى شاهين.
أما هو فقد تحولت ملامحه في لحظة واحدة إلى شيء مخيف.
اشتعل الغضب داخل عينيه حتى بدا وكأنه على وشك تحطيم الهاتف بين أصابعه. وقال بصوت خرج من بين أسنانه:
“اقسم بالله لو قربت لبنتي هموتك، ابعت العنوان وانا هجيلك ومش محتاج ابلغ الشرطه علشان روحك أنا هطلعها بأيديا دول.”
تعالت ضحكات الرجل من الجهة الأخرى بصورة استفزازية. وقال:
“بلاش تقول كلام انت مش قده، وتيجي انت وهي وإياكي تفكر تستهتر بكلامي.”
نظرت رنيم إلى جواهر للحظة قصيرة قبل أن تعود بعينيها إلى شاهين. كان القلق ينهش قلبها بقوة. وقالت دون تردد:
“قوله موافق أنا جايه معاك يا شاهين.”
التفت إليها فورًا. كانت عيناه محمرتين من شدة الغضب، لدرجة جعلتها تتراجع خطوة صغيرة دون وعي. ثم قال من بين أسنانه:
“ابعت العنوان.”
أغلق الخط بعدها مباشرة.
وبمجرد أن انتهى الاتصال، التفت إليها بنظرة تحذيرية لا تحتمل النقاش. وقال:
“إياكي تتحركي من هنا فاهمه؟”
ثم نظر إلى جواهر:
“متخلهاش تتحرك من هنا يا جواهر وانتي كمان وانا هروح اجيب بنتي وجاي.”
نهضت رنيم من فوق السرير بسرعة رغم الألم الذي اجتاح كتفها فور وقوفها.
اقتربت منه بخطوات متعثرة وهي تحاول منعه من المغادرة بهذه الطريقة. وقالت بترجي:
“ارجوك يا شاهين مش وقت عنادك ده البنت في خطر ومعنى أنه طلبني أنا وأنت بالاسم، يبقى ناوي على شر بجد.”
أطبق على فكيه بقوة حتى برزت عضلات وجهه. كان ممزقًا بين خوفه على ابنته وخوفه عليها هي. وقال بتحذير واضح:
“بلاش جنان، أنا مستحيل اعرض حياتك للخطر يا رنيم، بنتي أنا هعرف ارجعها كويسه.”
ثم مال سريعًا وقبل رأسها وكأنه يعتذر لها دون كلمات.
وبعدها استدار وغادر الغرفة مسرعًا قبل أن تمنعه مرة أخرى.
ظلت رنيم تنظر إلى الباب المغلق بعد خروجه، بينما كان القلق يلتهمها لحظة بعد أخرى.
وفجأة أضاء هاتفها معلنًا وصول رسالة جديدة. التقطته باستغراب.
وما إن فتحت الرسالة حتى اتسعت عيناها بصورة واضحة.
شحب وجهها بالكامل وهي تحدق في الشاشة غير مصدقة ما تراه. وقالت:
“العنوان اللي بنت شاهين فيه، حد بعته ليا.”
انتفضت جواهر من مكانها والتفتت إليها بصدمة. وقالت بقلق:
“وانتي ناويه تعملي ايه؟ اوعي يكون اللي في دماغي صح يا رنيم؟”
ظلت رنيم تنظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ طويلة. كانت تعلم جيدًا أن بقاءها هنا هو القرار الصحيح.
لكنها كانت تعلم أيضًا أن إيما في خطر.
أغمضت عينيها للحظة، وأطلقت زفرة مثقلة بالخوف والقلق قبل أن تقول…
*************************
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث والاربعون
وصل شاهين إلى العنوان الذي أرسل إليه، وما إن ترجل من سيارته حتى جالت عيناه في المكان بحذر شديد. كان المكان مهجورًا بصورة تثير الريبة، تحيط به حالة من السكون المقلق.
أخرج سلاحه من جيبه وتحرك بخطوات متأنية، بينما كان قلبه يخفق بعنف داخل صدره. لم يكن يفكر إلا في إيما، وكل ثانية تمر كانت تزيد من توتره وخوفه عليها.
راح يبحث بعينيه في كل اتجاه، لكن المكان بدا خاليًا تمامًا.
ازدادت تجاعيد القلق بين حاجبيه، وفي تلك اللحظة دوى صوت هاتفه معلنًا عن اتصال جديد. التقط الهاتف سريعًا وأجاب بنفاد صبر وغضب واضح:
“أنا وصلت العنوان اللي بعته ليا والمكان فاضي مفهوش حد، انتوا فين؟”
أتاه الصوت المجهول ببرود مستفز:
“أخرج من المكان امشي عشر خطوات لقدام وسيب الباقي علينا.”
ثم أغلق الخط.
زفر شاهين بضيق وهو يضغط على الهاتف بين أصابعه، ثم استدار وتحرك نحو الخارج مرة أخرى. نفذ ما طلب منه بحذر، وعيناه لا تتوقفان عن البحث في محيطه. خطوة، خطوة حتى وصل إلى الخطوة العاشرة.
وفجأة شعر بضربة قوية ارتطمت بمؤخرة رأسه.
اهتز جسده بعنف وسقط على الأرض قبل أن تتلاشى الرؤية أمام عينيه تدريجيًا، ثم غرق في ظلام كامل.
لم يكن يعلم كم من الوقت مر. دقائق أم ساعات؟
كل ما كان يشعر به هو ذلك الألم العنيف الذي يكاد يشق رأسه نصفين.
بدأت جفونه تتحرك بصعوبة، ثم فتح عينيه ببطء وهو يتأوه من شدة الوجع.
اعتدل جالسًا بسرعة رغم الدوار الذي اجتاحه، وأخذ ينظر حوله محاولًا استيعاب المكان. لكن الظلام كان كثيفًا إلى درجة لم تسمح له برؤية أي شيء.
نهض متمايلًا واتجه نحو الحائط، يمرر كفه عليه باحثًا عن باب أو مخرج.
وما إن عثر عليه حتى انهالت ضرباته عليه بعنف. وقال بغضب:
“افتحوا الزفت ده حد يرد عليا.”
استمر في الطرق والركل حتى انفتح الباب فجأة.
تراجع خطوة إلى الخلف بصورة غريزية، لكن ما إن لمح الرجل الواقف أمامه حتى اندفع نحوه كالإعصار.
انطلقت قبضته بقوة واستقرت في وجهه. ترنح الرجل للخلف، ثم مسح الدماء التي سالت من زاوية فمه وابتسم ابتسامة باردة أثارت الاشمئزاز. وقال:
“اهدا كده يا شاهين باشا احنا لسه في أولها، بلاش تتهور علشان هتتعور.”
اشتعلت النار داخل عيني شاهين.
لم يكن في حالة تسمح له بالهدوء أصلًا.
اندفع نحوه مجددًا، لكن الرجل استقبل هجومه بضربة قوية جعلته يتراجع خطوة. وقال بغضب:
“قلتلك متتهورش، احنا لسه الليله في أولها، وفيه مفاجأت كتير عندي ليك.”
مسح شاهين الدماء عن شفتيه وهو يحدق به بنظرة قاتمة. وقال:
“أنت مين؟ وعايز ايه مني؟”
تعالت ضحكات الرجل بصورة مستفزة وقال:
“مش تصبر الاول تشوف حبايبك وتطمن عليهم، قبل ما تتعرف عليا.”
ثم تحرك جانبًا.
وفي اللحظة التالية تجمد شاهين مكانه.
ظهرت إيما. كانت تقف بين يدي أحد الرجال، وسلاحه مصوب مباشرة إلى رأسها.
وعلى الجانب الآخر كانت رنيم.
هي الأخرى محتجزة بالطريقة نفسها، بينما فوهة السلاح تلامس رأسها.
شعر شاهين الهواء انسحب من رئتيه دفعة واحدة.
اختلط الغضب بالخوف داخل صدره حتى أصبح من الصعب التمييز بينهما.
وتكلم من بين أسنانه:
“اقسم بالله لشرب من دمك، سيب بنتي ورنيم احسنلك، أنطق انت مين وعايز مننا أيه.”
أشار الرجل لرجاله بالتقدم أكثر نحو الضحيتين، ثم قال بابتسامة خبيثة:
“عندك اختيار واحد بس يا شوشو، يا تختار بنتك وتروح بيها في حضنك سليمه، يا تختار رنيم وتروح ببنتك جثه غرقانه في دمها.”
تحرك شاهين خطوة للأمام دون وعي.
لكن فوهة السلاح استدارت نحوه فورًا.
وقال الرجل بغضب:
“خليك عندك اوعى تتحرك.”
أغمضت رنيم عينيها وهي تشعر بألم ذراعها المصابة يزداد مع التوتر. ثم قالت:
“خد بنتك وامشي يا شاهين أرجوك متخافش عليا.”
التفت إليها شاهين وكأنها نطقت بكلام غير منطقي. وقال:
“وأنتي متخيله اني ممكن امشي وأسيبك هنا معاهم؟”
شعرت بغصة تخنقها. وقالت:
“أنا مش مهم دلوقتي يا شاهين، ارجوك خد بنتك وامشوا من هنا.”
ورغم الموقف كله، ورغم الخطر الذي يحيط بهم، لم يستطع منع نفسه من السؤال الذي ظل يشتعل داخل رأسه منذ أن رآها.
نظر إليها بغضب ممزوج بالخوف وقال:
“أنتي أيه اللي جابك هنا أصلا؟ أنا مش قلتلك متتحركيش من مكانك؟”
امتلأت عيناها بالدموع. وقالت:
“أنا خفت عليك يا شاهين، وحد بعتلي العنوان جيت عليه على طول، مش مهم أي حاجه دلوقتي، خد بنتك وأمشي أرجوك.”
صرخ بها بقوة:
“بتحلمي يا رنيم أنا مش هتحرك من هنا غير وانتوا الاتنين معايا.”
وفجأة انقلب كل شيء إلى فوضى.
دوى صوت إطلاق النار داخل المكان.
صرخت إيما بفزع شديد.
وفي اللحظة نفسها اندفع شاهين نحو الرجال كوحش فقد السيطرة على نفسه.
بدأ يوجه لهم الضربات بلا رحمة، مستندًا إلى غضبه وخوفه أكثر من أي شيء آخر. ثم التفت نحو رنيم صارخًا:
“خدي إيما واداري وراه الترابيزة دي بسرررعه.”
أومأت رأسها بسرعة. أمسكت إيما واحتضنتها بقوة ثم ركضت بها نحو الطاولة الكبيرة الموجودة بالمكان.
انخفضتا أسفلها بينما كانت الطلقات تتردد حولهما. كانت إيما ترتجف بالكامل.
ارتعاشات متواصلة لم تستطع السيطرة عليها. فضمتها رنيم إلى صدرها أكثر، وأخذت تمرر يدها على شعرها وظهرها محاولة بث الطمأنينة داخل قلبها الصغير رغم أنها هي نفسها كانت خائفة.
في تلك الأثناء رفع الرجل سكينًا حادة واتجه بها نحو شاهين.
وقبل أن يتمكن من طعنه، انطلقت رصاصة. استقرت مباشرة في صدره.
توقف الرجل في مكانه لثانية واحدة قبل أن يسقط أرضًا غارقًا في دمائه.
رفع شاهين رأسه بسرعة. واتسعت عيناه بدهشة عندما رأى القادم. كان جواد. وقال:
“انت! عرفت مكانا ازاي؟”
خرجت رنيم من أسفل الطاولة. ثم أشارت إلى القلادة حول عنقها وقالت:
“عن طريق دي يا شاهين، ده جهاز تتبع، كان مع جواهر أخده منها وهي راحت بلغته علشان يجي ينقذنا.”
نظر جواد إلى شاهين ببرود وغضب قديم لم يختفي بعد. وقال:
“أنا عملت كده رجوله مني، بس مش معناه أن نسيت اللي حصل، حسابك لسه معايا انت وهي.”
لكن قبل أن يكمل كلماته لمح شاهين رجلًا يقترب من خلفه رافعًا سلاحه.
ومن دون تفكير أطلق رصاصة أصابت الرجل مباشرة. سقط الأخير أرضًا في الحال. استدار جواد ونظر إلى الجثة ثم عاد ببصره إلى شاهين. وقال:
“شكرا.”
هز شاهين رأسه بهدوء. قائلاً:
“العفو، بس عايزك تعرف حاجه، أنا ماليش يد في اللي حصل لأختك، أنا حاولة أنقذها، بس ملحقتش.”
أغلق جواد عينيه للحظة. مر الألم داخل ملامحه سريعًا قبل أن يدفنه خلف غضبه المعتاد. وقال:
“مش وقته الكلام ده، خليه وقت الحساب.”
اقتربت رنيم من شاهين وهي ما تزال تحاول استيعاب ما حدث. وقالت:
“المهم دلوقتي، مين ده وكان عايز منك أيه وليه بعت العنوان ليا علشان اجي؟”
حرك شاهين رأسه بحيرة حقيقية. وقال:
“مش عارف، بس شكله حد عرفنا كويس.”
ضيقت عينيها بتفكير. وقالت:
“أنا خايفه يكون تبع امك يا شاهين.”
تنهد بضيق، قائلاً:
“مش لدرجاتي يا رنيم، مش لدرجة أنها تأذي ابنها وبنت ابنها.”
وضعت يدها فوق كتفها المصاب وهي تشعر بالألم يعود مجددًا.
“مش عارفه بقى حاجه تحير الصراحه.”
تدخل جواد بنفاد صبر:
“هنفضل واقفين هنا كتير، ما تمشوا يلا.”
اتجه شاهين مباشرة نحو ابنته تحت الطاولة. كانت ما تزال خائفة، وعيناها ممتلئتين بالدموع. انحنى أمامها وأمسك يدها برفق ثم حملها بين ذراعيه.
تشبثت به فورًا تخشى أن يختفي من جديد. اقترب بها من رنيم. وقال:
“أمشوا يلا.”
نظرت رنيم إلى المشهد أمامها.
إلى شاهين وهو يحتضن ابنته بكل ذلك الخوف والحب. وشعرت بشيء يعتصر قلبها من الداخل.
تنهدت بحزن صامت ثم تحركت نحو الخارج. تبعها شاهين حاملًا إيما، بينما سار جواد خلفهما. وبعد دقائق كانوا يغادرون المكان أخيرًا.
وقبل أن يصعد سيارته، توقف شاهين أمام جواد وربت على كتفه. وقال:
“شكرا.”
ثم استدار وغادر.
أما جواد فظل واقفًا يراقب السيارة وهي تبتعد.
أطلق زفرة طويلة مثقلة بالأفكار المتشابكة، ثم اتجه إلى سيارته وصعد إليها وانطلق في طريقه.
***************************
عند جواهر…
كانت جواهر ممددة فوق سريرها داخل غرفتها، لكن النوم كان أبعد ما يكون عنها. ظلت تحدق في السقف بعينين مثقلتين بالقلق، بينما تتزاحم الأفكار داخل رأسها بلا رحمة. كلما حاولت طرد مخاوفها عادت إليها صورة رنيم وهي تغادر المشفى مصرة على الذهاب خلف شاهين، غير عابئة بجرحها أو بالخطر الذي ينتظرها.
عاد بها عقلها إلى تلك اللحظات التي سبقت رحيل رنيم…
فلاش باك…
انتفضت جواهر من مكانها والتفتت إليها بصدمة. وقالت بقلق:
“وانتي ناويه تعملي ايه؟ اوعي يكون اللي في دماغي صح يا رنيم؟”
بقيت رنيم تحدق في شاشة الهاتف لعدة لحظات دون أن تجيب. كانت تدرك أن العقل والمنطق يفرضان عليها البقاء هنا، وأن حالتها الصحية لا تسمح لها حتى بمغادرة المشفى، لكن صورة إيما وهي بين أيدي مجهولين كانت تطاردها بلا توقف، تذكرها بالماضي، لحظات عاشتها بالصغر، كان قلبها يجرها نحو طريق تعرف جيدًا أنه قد ينتهي بكارثة.
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحاول اتخاذ قرار لم يعد يحتمل التأجيل، ثم أطلقت زفرة طويلة محملة بكل ما تشعر به من خوف وقلق قبل أن تقول:
“أنا هروح يا جواهر، ما دام مصر على أن أكون موجودة، يبقى أنا المقصودة مش شاهين.”
أمسكتها جواهر بغضب شديد وقالت:
“انتي اتجننتي؟ تروحي فين بجرحك ده يا رنيم؟ طيب هو راجل وهيقدر يحمي نفسه وبنته، إنما انتي هتحمي نفسك ازاي؟ انتي كده هتشتتيه معاكم، اسمعي كلامي بلاش عنادك وتهورك ده يا رنيم.”
كانت الكلمات تخرج من جواهر متلاحقة وقد بدأ القلق يتحول إلى ذعر حقيقي. لم تكن تخشى فقط على رنيم، بل كانت تشعر بأن شيئًا سيئًا ينتظرهم جميعًا.
حركت رنيم رأسها بالرفض وقالت:
“مش هينفع صدقيني، شاهين وبنته في خطر ولازم اروح، حتى لو هضحي بعمري علشانه.”
ثم بدأت تبدل ملابسها بخطوات سريعة، وكأنها تخشى أن تتراجع عن قرارها إذا توقفت للحظة واحدة.
راقبتها جواهر بعينين ممتلئتين بالعجز، قبل أن تقع أنظارها على القلادة المعلقة حول عنقها. مررت أصابعها عليها لثوانٍ وهي تفكر بسرعة، ثم نزعتها واقتربت من رنيم قائلة:
“خدي ألبسي دي.”
نظرت رنيم لها بأستغراب وقالت:
“سلسله! وده وقته يا جواهر؟ أنا رايحه لمكان الله أعلم ايه هيحصل فيه، وانتي بتديني سلسلة اتمنظر بيها.”
رفعت جواهر عينيها إليها بنفاد صبر وقالت:
“اديني فرصه افهمك، دي جهاز تتبع جواد جابها ليا بعد ما خرجت من السجن علشان يقدر يوصلي لو حصل أي حاجة، خدي ألبسيها في رقبتك، وانا هروح لجواد واخليه يتبعكم ويجي ينقذكم.”
أخذت رنيم القلادة منها وهي تهز رأسها بسخرية وقالت:
“جواد ينقذنا!؟ ده مش بعيد يدي كل واحد فينا رصاصه علشان يخلص مننا، هو مش طيقانا اصلاً.”
رغم سخريتها، إلا أن جواهر استطاعت أن ترى القلق المختبئ خلف كلماتها.
حركت جواهر رأسها وقالت بصوت مختنق:
“جواد بيعزك يا رنيم، وانتي عارفه كده، وطول عمره بيعتبرك زي أخته أروى، بس انتي اللي بتخرجي عن شعوره بطريقتك معاه، وكمان اللي حصل في المستشفى واللي سمعه ضايقه منك أكتر، بس اكيد لو شافك في خطر هينقذك.”
للحظة خفتت ملامح العناد على وجه رنيم، وحل محلها حزن صامت. كانت تعلم أن جواهر لا تكذب، لكنها لم تملك الوقت لمناقشة أي شيء الآن.
ارتدت القلادة حول عنقها ثم تحركت نحو الباب، إلا أن صوت جواهر أوقفها قبل أن تغادر.
“رنيم خلي بالك على نفسك، ومتجهديش نفسك علشان الجرح اللي في كتفك.”
استدارت إليها رنيم، وظهرت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها رغم كل ما يدور بداخلها من اضطراب، ثم أومأت برأسها وغادرت سريعًا.
بمجرد اختفائها من أمامها، شعرت جواهر بأن القلق بدأ ينهش قلبها بصورة أكبر، فأسرعت إلى الخارج دون تردد.
هبطت إلى الشارع واستوقفت سيارة أجرة، ثم جلست بداخلها وهي تراقب الطريق بعينين متوترتين طوال الرحلة إلى الفيلا.
وبعد وقت طويل، وصلت أخيرًا.
ما إن دخلت إلى الداخل حتى وجدت ترنيم جالسة في الصالة. اقتربت منها سريعًا وقالت بصوت مختنق:
“مساء الخير يا خالتوا، فين جواد؟”
ابتسمت لها ترنيم بحنو وقالت:
“مساء النور يا حبيبتي، رنيم عامله ايه دلوقتي؟”
اومأت برأسها وقالت:
“كويسه الحمد لله، جواد فين؟”
اشارت برأسها إلى الأعلى وقالت:
“في اوضته فوق.”
لم تضيع جواهر ثانية واحدة، بل اتجهت مباشرة نحو الدرج وصعدته بخطوات متعجلة.
توقفت أمام باب غرفته، وشعرت بقلبها ينبض بعنف داخل صدرها. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تطرق الباب وتفتحه.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اشتعل الغضب داخل جواد بمجرد أن رآها تقف أمامه. نهض من مكانه بعنف، وحدق بها بنظرات قاسية لم تعتدها منه من قبل، ثم قال بحدة:
“إيه اللي جابك هنا؟ امشي، مش عايز أشوف وشك.”
توقفت جواهر مكانها للحظة، تشعر بوخزة مؤلمة في صدرها من طريقته الجافة، لكنها ابتلعت وجعها وقالت بصوت مختنق:
“أنا مش جاية علشان سواد عيونك، أنا جاية أقولك الحق رنيم في خطر.”
أدار وجهه إلى الجهة الأخرى وكأن اسم رنيم وحده أصبح كافيًا لإشعال غضبه، ثم قال ببرود مستفز:
“ما تولع بجاز. أنا مالي إذا كانت في خطر ولا لأ؟ تخلي ننوس عين أمه اللي اختارته يروح ينقذها.”
شعرت جواهر أن الوقت يضيع بين يديها، فتقدمت خطوة نحوه وقالت بسرعة:
“مش هيقدر ينقذها لوحده. شاهين نفسه في خطر، وبنته مخطوفة. اللي خطفها طلب منه ياخد رنيم معاه مقابل يرجعله بنته، بس هو رفض وخد العنوان وراح لوحده، ورنيم وصلها العنوان وخرجت وراه.”
انعقد فك جواد للحظة، لكن عناده كان أكبر من أن يسمح له بإظهار أي رد فعل، فقال بلهجة متحجرة:
“برضه ماليش دعوة. يولعوا كلهم بجاز. ميخصنيش في حاجه، واتفضلي اطلعي برا، مش عايز أشوفك هنا تاني.”
تجمدت جواهر في مكانها. لم تكن تتوقع منه أن يصل به الأمر إلى هذه الدرجة من القسوة. شعرت أن الكلمات التي تسمعها الآن لا تخرج من الرجل الذي أحبته وعاشت عمرها كله متعلقة به.
امتلأت عيناها بالدموع، وسقطت أول دمعة رغماً عنها قبل أن تقول بين شهقاتها:
“وأنا مش هموت عليك يعني. وما دام مش طايقني بالشكل ده، طلقني يا جواد، وخلينا نخلص من أم دي العلاقة، تعبتني نفسياً.”
ارتجف شيء خفي داخل صدره عند سماع كلمة “طلقني”، لكنه أخفى ذلك خلف قناع قاسٍ وهو يهز رأسه رافضًا:
“مش بمزاجك يا جواهر. لما أحب أعمل كده هعمله بمزاجي أنا. خليكي كده، لا طايلة سما ولا طايلة أرض.”
حدقت به غير مصدقة. كانت تنظر إليه وكأنها تراه للمرة الأولى.
بصعوبة بالغة تماسكت حتى تستطيع الكلام، ثم قالت والدموع تنهمر على وجنتيها بلا توقف:
“أنا مصدومة فيك بجد، كل يوم بكتشف فيك حاجات، مكنتش شيفاها زمان، بتفاجئ بشخص تاني أنا معرفهوش.”
توقفت لحظة تلتقط أنفاسها المرتعشة، ثم أكملت بصوت مكسور:
“عموماً أنا مش فارق معايا، تطلق ولا متطلقش أنا كده كده، عمري ما هفكر احب تاني ولا ارتبط من تاني، لانك ببساطة عقدتني في الرجالة كلها.”
ظل صامتًا، بينما كانت كلماتها تتساقط فوقه كالحجارة.
مسحت دموعها بعنف، ثم قالت قبل أن تستدير نحو الباب:
“ولو حبيت تساعد رنيم، هي لابسه جهاز التتبع اللي كنت جايبه ليا، تقدر توصل ليها بسهوله.”
ثم أضافت بصوت خافت موجوع:
“عن إذنك.”
اندفعت خارج الغرفة قبل أن تنهار أمامه أكثر.
أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها إليه فورًا. كانت أنفاسها متلاحقة بشكل مؤلم، وصدرها يعلو ويهبط بعنف بينما تحاول عبثًا السيطرة على بكائها الذي انفجر دفعة واحدة.
في الداخل، ظل جواد واقفًا مكانه عدة ثوانٍ يحدق في الباب المغلق.
رغم الغضب الذي كان يملأه، بقي صوت بكائها عالقًا في أذنيه بشكل مزعج.
مرر يده بعنف بين خصلات شعره، ثم أطلق زفرة حادة وركل الأرض بقدمه بقوة وكأنه يحاول تفريغ ما يعتمل داخله من اضطراب.
حاول إقناع نفسه أن الأمر لا يعنيه، وأن ما يحدث لرنيم أو شاهين لا يخصه في شيء.
لكن صورة جواهر وهي تبكي أمامه، وصوتها المرتجف وهي تطلب الطلاق، لم يفارقاه للحظة.
أغمض عينيه بضيق، ثم استدار فجأة نحو خزانة ملابسه.
خلال دقائق معدودة كان قد بدل ملابسه على عجل، التقط مفاتيح سيارته وهاتفه، ثم غادر الغرفة بخطوات سريعة.
هبط الدرج وكأن شيئًا يطارده، وما إن وصل إلى سيارته حتى استقلها وفتح تطبيق التتبع على هاتفه.
ظهرت النقطة المتحركة أمامه بوضوح.
حدق بها لثانية واحدة فقط، ثم ضغط على دواسة الوقود بقوة وانطلقت السيارة تشق الطريق بسرعة كبيرة، بينما كانت عيناه معلقتين بالإشارة التي تقوده نحو المكان الذي ذهبت إليه رنيم.
باك…
عادت جواهر إلى واقعها على صوت رنين هاتفها المفاجئ.
اعتدلت فوق السرير بسرعة والتقطت الهاتف من فوق المنضدة المجاورة. وما إن رأت اسم رنيم يضيء الشاشة حتى شعرت بشيء من الارتياح يتسلل إلى قلبها. أجابت فورًا وقالت بلهفة:
“طمنيني عليكم، انتوا كويسين؟”
أتاها صوت رنيم المختنق قائلة:
“متقلقيش احنا بخير الحمد لله وراجعين على الشقه اهو، وجواد روح كويس هو كمان.”
انفرجت أساريرها قليلًا، وشعرت بحملًا ثقيلًا انزاح عن صدرها أخيرًا. قالت:
“طيب الحمد لله، معرفتوش مين ده؟ وعايز منكم ايه؟”
ردت عليها بعدم معرفه وقالت:
“لا معرفناش، بس شكله عرفنا وخطفه لبنت شاهين، المقصود منه أنا.”
زفرت جواهر بضيق وهي تمرر يدها فوق وجهها المرهق.
“ربنا يستر ويعديها على خير يارب، الحمد لله انكم بخير، هقفل دلوقتي ولما تروحي كلميني طمنيني عليكي.”
أنهت المكالمة وأعادت الهاتف إلى جوارها.
ورغم الجرح العميق الذي تركته كلمات جواد داخل قلبها، ورغم شعورها المستمر بالخذلان منه، إلا أن مجرد معرفتها بأنه عاد سالمًا دون أن يصيبه مكروه جعل شيئًا من الطمأنينة يتسلل إليها.
احتضنت الوسادة بين ذراعيها وأغمضت عينيها ببطء، محاولة أن تمنح عقلها المرهق فرصة قصيرة للهرب من كل ما حدث، عل النوم يرحم قلبًا أثقله الحب والوجع معًا.
*****************************
عند شاهين…
بعد ساعات طويلة من التوتر والمطاردة والخوف، وصلت سيارة شاهين أخيرًا إلى أسفل البناية. أوقف السيارة وألقى رأسه إلى الخلف للحظة قصيرة محاولًا استيعاب أن الكابوس انتهى أخيرًا، أو على الأقل هذا ما كان يتمناه.
أدار وجهه نحو المقعد المجاور له، فتوقفت عيناه على رنيم التي كانت غارقة في نوم ثقيل، أنهكها الألم واستنزفتها الأحداث حتى لم تعد تملك القدرة على مقاومة التعب. انتقل ببصره إلى المرآة الأمامية، فرأى إيما هي الأخرى نائمة في المقعد الخلفي، وقد هدأت ملامحها أخيرًا بعد ساعات من الرعب.
ترجل من السيارة بصمت، ثم فتح الباب الخلفي وانحنى يحمل ابنته بين ذراعيه بحرص شديد. أغلق الباب بقدمه وتحرك إلى الداخل، واستقل المصعد متجهًا إلى الأعلى.
عندما وصل، أسند إيما بإحدى ذراعيه بينما أخرج المفتاح من جيب بنطاله وفتح الباب. وما إن رأته أماليا حتى اندفعت نحوه بسرعة، وعيناها معلقتان بابنتها التي تحملها ذراعاه.
احتضنته وهي تقول بصوت مرتعش:
“أنا كنت هموت من القلق عليها يا شاهين.”
لكن شاهين لم يكن يملك رفاهية الحديث أو حتى الاستماع. أبعدها عنه وتحرك مباشرة نحو إحدى الغرف، دفع الباب بقدمه ودلف إلى الداخل.
اقترب من السرير وانحنى بجسده يضع إيما فوقه برفق بالغ، ثم جذب الغطاء عليها وأحكمه حولها، قبل أن يميل ويقبل رأسها قبلة طويلة حملت كل ما عاناه قلبه منذ اختفائها.
خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، ثم استدار إلى أماليا، وكانت ملامحه ما تزال متجهمة من الغضب الذي لم يخمد بعد. وقال بصوت غاضب:
“خدي بالك من بنتك وبلاش تسبيها تخرج لوحدها، انتبهي لبناتك بدل ما انتي عماله تخططي مع امي ازاي تبعدينا أنا ورنيم عن بعض.”
لم يمنحها فرصة للرد، بل استدار وغادر فورًا، وكأن بقاءه ثانية إضافية هناك سيزيد غضبه أكثر.
هبط إلى الأسفل مرة أخرى، ثم فتح الباب الأمامي للسيارة وانحنى نحو رنيم. حملها بين ذراعيه برفق، وأغلق الباب خلفه، قبل أن يتجه بها نحو المصعد.
بمجرد أن استقرت داخل حضنه، أراحت رأسها فوق صدره العريض دون وعي كامل منها، وأخيراً وجدت الملاذ الوحيد الذي تأمن داخله من العالم كله. تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها بينما ظلت عيناها مغمضتين، مستسلمة لذلك الدفء الذي طالما منحها الطمأنينة.
بعد دقائق خرج من المصعد واتجه إلى باب الشقة. فتحه ودلف إلى الداخل وأغلقه بقدمه، ثم سار مباشرة نحو غرفة رنيم.
أنزلها فوق السرير بحذر، لكنه ما إن ابتعد قليلًا حتى انتبه إلى البقعة الداكنة التي لطخت ثيابها. انعقد حاجباه بقلق عندما أدرك أن جرحها عاد للنزيف دون أن يشعر.
تحرك سريعًا نحو المرحاض وأحضر حقيبة الإسعافات، ثم عاد ووضعها على السرير. رفع جسدها برفق وبدأ يفك أزرار بلوزتها حتى يتمكن من الوصول إلى الجرح.
شعرت رنيم بما يفعله، ففتحت عينيها والتقطت يده بتوتر وهي تقول بألم:
“ا انت بتعمل ايه؟”
حرر يده من بين أصابعها بلطف وهمس مطمئنًا:
“شش متخافيش، هغيرك على الجرح.”
احمر وجهها بخجل، لكنها تركته يكمل ما يفعله، خاصة بعدما رأت القلق الحقيقي المرتسم على ملامحه.
تحرك خلفها وبدأ يضمد الجرح بعناية شديدة. كانت أصابعه حريصة إلى حد مؤلم، ومع ذلك كانت تنتفض كلما لامست بشرته جلدها، ليس بسبب الألم وحده، بل بسبب قربه الذي أصبح يربكها أكثر مما تعترف.
شعر برجفة جسدها، فتوقف للحظة، ثم مال برأسه ووضع قبلة خفيفة على عنقها قبل أن يهمس بجوار أذنها:
“أنا لو عليا هموت عليكي يا رنيم، نفسي اعمل معاكي كل حاجه، بس بالحلال، مش عايزك تخافي مني ولا تشكي في مره في خوفي عليكي، أنا هفضل محافظ عليكي لحد ما تبقي مراتي على سنة الله ورسوله.”
ارتجف قلبها لكلماته أكثر مما ارتجف جسدها.
أنهى تضميد الجرح، ثم تحرك وجلس بجوارها وأمسك يدها بين يديه قائلاً:
“هسيبك ترتاحي دلوقتي وهطلع اقعد بره لو احتاجتي حاجه نادي عليا هجيلك على طول.”
استقام بجسده استعدادًا للمغادرة، لكن أصابعها التفت حول يده قبل أن يبتعد.
رفعت عينيها إليه وقالت بحب:
“خليك.”
نظر إليها باستغراب وحرك رأسه بعدم فهم.
فأكملت هي بصوت أكثر هدوءًا:
“خليك جنبي لحد ما أنام.”
في تلك اللحظة شعر أن قلبه بأكمله يبتسم.
ابتسم لها بحب وأومأ برأسه موافقًا.
تراجعت للخلف واستلقت على السرير، بينما جلس هو بجوارها. أراحت رأسها فوق صدره، فأحاطها بذراعيه، ثم قبل رأسها بعشق خالص.
ظل يمرر يده على ذراعها بحنان حتى بدأت أنفاسها تنتظم تدريجيًا، معلنة استسلامها للنوم.
انتظر قليلًا، ثم تحرك ببطء شديد حتى لا يوقظها، ووضع رأسها فوق الوسادة برفق، قبل أن يميل ويطبع قبلة حانية على خدها.
اعتدل مرة أخرى استعدادًا للخروج، لكن قبل أن يبتعد تشبثت أصابعها بيده وهمست بصوت ناعس:
“بحبك.”
ثم غرقت في نوم عميق دون أن تنتظر ردًا.
أما هو فتجمد مكانه لثوانٍ، وكأن تلك الكلمتين سلبتاه القدرة على الحركة.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، وتسارعت دقات قلبه بصورة لم يحاول إخفاءها وهو يهمس بعشق خالص:
“وانا بعشقك يا صغنن.”
ظل ينظر إليها للحظات طويلة، يحاول أن يحفظ ملامحها داخل قلبه، ثم اتجه نحو الباب وخرج بهدوء وأغلقه خلفه.
استلقى فوق الأريكة في الخارج، وما تزال ابتسامته معلقة على شفتيه. أغمض عينيه أخيرًا، مستسلمًا لراحة قصيرة لم يعرفها منذ وقت طويل، بينما كانت كلماتها الأخيرة تتردد داخل قلبه كأجمل اعتراف سمعه في حياته.
**************************
عند غريب…
دلفت ترنيم إلى غرفتها بخطوات بطيئة، وما إن رفعت عينيها حتى وجدته جالسًا على السرير، يضع نظارته الطبية فوق عينيه، وبين يديه كتاب يتصفحه بتركيز بدا وكأنه متعمد. توقفت للحظة تنظر إليه بضيق مكتوم، فمنذ تلك المواجهة التي جمعت بينهما في المشفى وهو يتعامل معها وكأنها غير موجودة، يمر بجوارها دون أن يلتفت، ويتحدث معها فقط عند الضرورة.
نزعت الروب عن جسدها وألقته فوق المقعد القريب، ثم تمددت إلى جواره على السرير وأعطته ظهرها. انتظرت، دقيقة تلو الأخرى، لعله يبادر بكلمة أو نظرة أو حتى تنهيدة تكشف أن ما بينهما لم يمت بعد، لكنه ظل على حاله، غارقًا في كتابه وكأنها ليست هنا من الأساس.
ومع ازدياد الضيق داخل صدرها، اعتدلت فجأة بجسدها ونظرت إليه قائلة:
“هتفضل كده كتير؟”
لم يرفع عينيه عن صفحات الكتاب، واكتفى بأن يقول بنبرة هادئة زادت من استفزازها:
“نامي يا ترنيم.”
زفرت بضيق حاد وقالت بصوت غاضب:
“مش هتخمد يا غريب، وممكن تبصلي كده وانا بكلمك.”
أغلق عينيه لثانية وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه، ثم تنهد بضيق وأغلق الكتاب، نزع نظارته ونظر إليها أخيرًا، لكن النظرة التي وجدتها لم تكن ما تمنت رؤيته، تكلم بغضب:
“صوتك ميعلاش احسنلك، ونامي بقى وبلاش كلام كتير.”
هزت رأسها برفض عنيد وقالت:
“قلتلك مش هتخمد، انا زهقت من طريقتك معايا دي.”
تقلص فكه وهو يسأل من بين أسنانه:
“طريقتي اللي هي ازاي؟”
نهضت من فوق السرير دفعة واحدة، وقد طفح بها الكيل أخيرًا، وقالت بصوت اختنق بالوجع:
“التجاهل، انت من يوم اللي حصل في المستشفى وانت بتتجاهل وجودي في حياتك، أنا مأذنبتش لما أنقذت البنت يا غريب، أي حد مكاني كان هيعمل زي وأكتر.”
نهض هو الآخر في مواجهتها، ولم يعد يخفي الغضب المشتعل داخله.
“وانا أي راجل مكاني، كان هيعمل زي وأكتر، لما مراتي تسيب بنتها وتروح تساعد الناس اللي كانوا السبب في اذيتها، يبقي من حقي اتجاهل وجودك في حياتي، أنا مافيش عندي أغلى من بنتي أروى يا ترنيم، وكل واحد كان ليه يد في اللي حصلها هشرب من دمه ايا كان مين فاهمه.”
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تتراجع خطوة واحدة.
“أروى بنتي أنا كمان، واللي حصلها كسر قلبي، بس ده ملوش علاقه بمساعدتي لرنيم، هي ملهاش ذنب في كل ده بنت يتيمه وحيده في الدنيا، وانت بذات نفسك كانت بتصعب عليك وبتحميها، هي مش ذنبها أنها حبت ابن نفس الست اللي قتلت ابوها وكانت السبب في قتل امها، وانا الصراحه شايفه أن شاهين شاب كويس وغير أمه خالص، وبيحبها بجد انت لو شفت خوفه عليها وقت ما كانت في العمليات هتفهم معنى كلامي، يمكن بشوفك فيه، نفس حبك نفس خوفك عليا، نفس عصبيتك، نفس التملك بتاعك، علشان كده بقلك أن شاهين مختلف تماما عن أمه، ورنيم ذكية مش هتسلم قلبها لحد غير لما تكون متأكده وواثقه فيه.”
اشتدت ملامحه أكثر، وكأن كل كلمة تنطق بها كانت تزيد النار اشتعالًا داخله.
“أنا ليا اللي انا شايفه مش اللي انتي شيفاه.”
اقتربت منه أكثر، وقد سقطت كل محاولاتها للتظاهر بالقوة.
“طيب سيبك من موضوع رنيم دلوقتي، خلينا في موضوعنا احنا يا غريب، أنا مش قادره اتحمل تجاهلك ليا بالشكل ده.”
ثم رفعت ذراعيها وأحاطته بهما، وأراحت رأسها فوق صدره الذي افتقدته طوال الأيام الماضية، وهمست بصوت خافت يحمل شوقًا حقيقيًا:
“وحشني حضنك يا غريب، اول مره تحرمني منه كل ده.”
أغمض غريب عينيه بقوة.
كان يحاول التمسك بغضبه، التمسك بكل الأسباب التي دفعته للابتعاد عنها، لكن قربها منه كان دائمًا نقطة ضعفه الأكبر. لم تكن بحاجة إلى كلمات كثيرة، مجرد لمسة منها كانت قادرة على هدم الجدران التي يقضي أيامًا يبنيها. استسلم أخيرًا.
ارتفعت يده ببطء حتى استقرت حولها، ثم ضمها إليه بقوة، وكأنه يعوض نفسه عن كل لحظة ابتعد فيها عنها خلال الأيام الماضية.
ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها وهي تستشعر ذلك الاحتضان الذي اشتاقت إليه حد الوجع. أغمضت عينيها بسعادة وقبلت صدره بحب هامسة:
“أنا اسفه.”
لكن الاعتذار لم يطفئ ما بداخله بالكامل.
أبعدها عن حضنه ونظر مباشرة إلى عينيها، لحظات قصيرة مرت بينهما قبل أن يميل برأسه ويلتهم شفتيها بقبلة عاصفة، أفرغ فيها كل ما حبسه داخله؛ غضبه، اشتياقه، غيرته، ضعفه، ولهفته، كل شيء.
في البداية كانت القبلة تحمل شوق رجل حرم نفسه ممن يحب، ثم تحولت تدريجيًا إلى قسوة أربكتها وأوجعتها.
دفعته بعيدًا عنها وقالت بألم:
“غريب انت أتجننت؟”
نظر إليها بعينين مشتعلتين وقال بتحذير:
“في الاول كان اشتياق ليكي، وبعد كده اللي حصل ده عقاب ليكي، علشان تبقي تعرفي تكسري كلمتي كويس.”
اتسعت عيناها غضبًا، ثم استدارت بعنف واتجهت إلى فراشها، ألقت بنفسها فوقه وأغلقت عينيها بضيق دون أن تنطق بحرف آخر.
وقف غريب مكانه للحظات يراقبها.
كان يشعر باشتياق يكاد يمزقه من الداخل، لكنه أقنع نفسه أنه يجب أن يكون قاسيًا هذه المرة، يجب أن يترك أثرًا يجعلها تفكر ألف مرة قبل أن تعاند قراره مجددًا.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم مرر يده داخل شعره بتوتر.
وفي النهاية اتجه إلى سريره وتمدد فوقه، وأعطاها ظهره كما فعلت هي، محاولًا عبثًا تجاهل ذلك الصوت الذي يلح عليه بلا رحمة، أن يستدير نحوها، يضمها إلى صدره، وينهي تلك الحرب التي لا ينتصر فيها أي منهما.
***************************
بعد عدة أيام…
كانت مريم تجلس داخل غرفتها الغارقة في الصمت، تستند بجسدها إلى مقعدها المتحرك بينما تقبض على هاتفها بقوة، وعيناها لا تفارقان الشاشة منذ دقائق طويلة. كانت تنتظر الرد بفارغ الصبر، فاختفاء عمر طوال الأيام الماضية دون أي تواصل جعل الشكوك تنهش عقلها بلا رحمة.
وما إن أتاها صوته أخيرًا من الطرف الآخر حتى اندفعت الكلمات من فمها بغضب مكتوم:
“انت فين بقالك كذا يوم مش بترد عليا؟”
ساد صمت قصير قبل أن يأتيها صوته مختنقًا على غير عادته:
“مافيش كنت تعبان شويه.”
لم يخفف ذلك من غضبها شيئًا، بل زاد شعورها بأن هناك أمرًا يخفيه عنها.
فقالت من بين أسنانها:
“أنت كان ليك يد في خطف بنت ابني؟”
ساد الصمت مجددًا لعدة ثوانٍ، ثوانٍ كانت كافية لتزيد ارتيابها، قبل أن يجيب أخيرًا:
“مش انا طبعًا، وهو أنا هخطف بنت ابنك ليه؟ وهو الهدف الأساسي هو أن ابعد البنت دي عن ابنك.”
عقدت حاجبيها وهي تضرب بيدها على ذراع المقعد بضيق.
“امال مين اللي عمل كده؟”
ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة لم ترها، لكنها شعرت بها من نبرة صوته وهو يقول:
“حد حبيبك أوي، وأحب ابشرك أن الأيام الجايه هتكون سواد على الكل.”
تجمدت ملامحها، وشعور ثقيل بالقلق بدأ يتسلل إلى صدرها.
ضيقت عينيها وقالت بعدم فهم:
“تقصد مين؟”
جاءها صوته أكثر غموضًا هذه المرة:
“أنا مش مطلوب مني اعرفك هو مين، بس اسهلها عليكي، حد كان في اللعبه وابنك خرجه منها.”
شعرت أن الكلمات أصابت مكانًا ما داخل رأسها، لكنها لم تستطع الإمساك بالخيط الكامل.
ظلت تفكر لثوانٍ طويلة قبل أن تقول بنفاد صبر واضح:
“ما تنطق وقول هو مين؟”
لكن عمر لم يكن ينوي منحها أي إجابات.
فقال ببرود مستفز:
“أنا لازم اقفل دلوقتي، وربنا يعينكم على اللي جاي، اه هبقى ابعتلك دعوة فرحي على رنيم قريب اوي اوعي متجيش.”
وقبل أن تتمكن من طرح المزيد من الأسئلة، انقطع الاتصال.
أبعدت الهاتف عن أذنها ببطء وظلت تحدق أمامها في الفراغ.
لم تكن الكلمات التي قالها هي ما أخافها، بل الطريقة التي قالها بها.
كان هناك شيء يختبئ خلف حديثه، شيء أكبر من مجرد تهديد عابر.
شعور ثقيل بالقلق استقر داخل صدرها، تشعر بعاصفة تقترب من الجميع بخطوات بطيئة، بينما هي عاجزة عن معرفة مصدرها أو كيفية إيقافها.
**************************
عند شاهين…
خرجت رنيم من غرفتها في وقت مبكر على غير عادتها، لكن ما لفت انتباه شاهين فور أن وقعت عيناه عليها لم يكن استيقاظها المبكر، بل تلك الملامح المتجهمة التي غطت وجهها بالكامل، وكأنها استيقظت وهي تحمل فوق كتفيها هموم العالم كله.
كانت خطواتها سريعة ومتوترة، وحركاتها حادة على غير طبيعتها، حتى إنها لم تلتفت إليه أو تلقي عليه تحية الصباح التي اعتاد سماعها منها كل يوم.
راقبها وهي تتجه مباشرة نحو المطبخ، فنهض من فوق الأريكة واتبعها بعينيه قبل أن يلحق بها. توقف عند مدخل المطبخ وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يقول بنبرة حاول أن يجعلها مرحة:
“صباح الخير يا بابا مالك النهاردة؟”
ألقت عليه نظرة سريعة ثم أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى دون أن تجيب.. ارتفع أحد حاجبيه باستغراب.
في البداية ظن أنها مجرد حالة مزاجية عابرة أو ربما إرهاق من الأيام الماضية، لذلك اقترب منها أكثر وقال بابتسامة هادئة:
“طيب انا عملت حاجه ضايقتك؟ أو زعلانه مني في حاجه؟”
وضعت الكوب الذي كانت تمسكه فوق الرخامة بقوة جعلت الصوت يتردد داخل المطبخ، ثم قالت بغضب واضح:
“اصل ده مش وضع على فكرة، أنت عايش معايا هنا بناء على ايه؟ لو سمحت ياريت ترجع شقتك علشان خطيبي زمانه جاي.”
تجمدت الابتسامة فوق شفتيه.
ولثوانٍ كاملة ظل ينظر إليها وكأنه لم يسمع الكلمات بشكل صحيح.
ثم قال بهدوء خطير:
“قلتي ايه؟”
استدارت نحوه بالكامل ونظرت إليه بعناد وتحدٍ وهي تكرر:
“قلتلك خطيبي زمانه جاي.”
في اللحظة نفسها تبدلت ملامحه بالكامل.
اشتد فكه بعنف، وظهرت عروق رقبته بوضوح بينما كانت عيناه تضيقان تدريجيًا.
اقترب منها خطوة واحدة ثم أمسك ذراعها بقوة وقال:
“انتي هتتهبلي ولا ايه؟ خطيب مين ده إن شاءالله، طيب حد يفكر يقرب منك وانا هدفنه مكانه.”
تأوهت بألم وأغلقت عينيها للحظة قبل أن تقول بصوت مختنق:
“سيب دراعي يا شاهين، ارجوك أخرج من حياتي، أنا قلتلك قبل كده انا مش ليك ولا عمري هكون ليك، ارجوك امشي حالا.”
ازدادت قبضته حول ذراعها دون أن يشعر بنفسه.
واقترب منها أكثر وهو يخرج صوتًا غاضبًا من بين أنفاسه المحتقنة:
“انتي شكلك اتجننتي يا رنيم، اقسم بالله لو مبطلتيش كلامك الاهبل ده، لاخليكي مراتي غصب عنك، بلاش تستفزيني وترجعي تزعلي من ردت فعلي.”
تراجعت للخلف بخوف حقيقي.
لم تكن تخاف منه بقدر ما كانت تخاف من حجم الغضب الذي تراه في عينيه الآن.
كانت تعرف شاهين جيدًا، وتعرف أن غيرته عليها قادرة على تحويله إلى شخص آخر تمامًا.
وفي تلك اللحظة تحديدًا دوى صوت جرس الباب داخل الشقة.
ابتلعت ريقها بصعوبة، واتجهت أنظارها نحو الباب وكأنها كانت تنتظر هذا الصوت منذ البداية.
استغلت اللحظة التي تشتت فيها انتباهه قليلًا، ثم انحنت بجسدها واندفعت مسرعة من أسفل ذراعه قبل أن يتمكن من إيقافها.
ركضت نحو الباب وفتحته بسرعة.
وما إن وقعت عينا شاهين على الشخص الواقف بالخارج حتى شعر وكأن الدم اندفع إلى رأسه دفعة واحدة.
كان عمر يقف أمام الباب.
اقترب خطوة واحدة من رنيم وكأنه صاحب حق في الوقوف بجوارها.
وفي أقل من ثانية اندفع شاهين نحوه كالإعصار، وكانت عيناه تشتعلان بغضب مرعب، لكنه توقف فجأة عندما وقفت رنيم أمامه مانعة إياه من الوصول إليه.
ثم قالت بوضوح صدمه أكثر من وجود عمر نفسه:
“إياك تقرب منه، عمر خطبني وانا وافقت عليه.”
ساد الصمت. صمت ثقيل ومخيف.
اتسعت عينا شاهين ببطء، وتحولت نظراته إلى شيء أقرب إلى الجنون.
كان ينظر إليها وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه للتو.
أما عمر فوقف يراقب المشهد بصمت، بينما كانت أنفاس شاهين ترتفع وتهبط بعنف.
وفي لحظة واحدة تحولت تلك الصدمة إلى غضب هائج. واقترب من عمر و…
**************************
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الرابع والاربعون
هجم شاهين على عمر كالإعصار، وكأن كل ما تراكم داخله من غضب وخوف وغيرة انفجر دفعة واحدة. انهالت لكماته عليه بعنف أفقده القدرة حتى على الدفاع عن نفسه، بينما كان عمر يتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى تحت سطوة غضب رجل مستعد لتحطيم العالم بأسره إن شعر أن أحدًا يقترب مما يخصه.
تدخلت رنيم بينهما في محاولة يائسة لإبعادهما عن بعض، وصوتها المرتجف يعلو بالصراخ والخوف، لكن قبل أن تنجح في ذلك، دوى صوت رصاصة واحدة شق الهواء كالصاعقة.
تجمدت في مكانها للحظة.
لحظة قصيرة.. لكنها كانت كافية لتحطم قلبها بالكامل.
التفتت نحو شاهين، فرأت الدماء تتدفق منه بغزارة، تلطخ ملابسه وتسقط على الأرض بصورة مرعبة.
ارتفعت عيناها ببطء نحو مصدر الرصاصة، لتجد يدًا تمتد من الظلام ممسكة بسلاح موجه نحوه.
في تلك اللحظة انخلع قلبها من مكانه.
صرخت بكل ما تملك من رعب وألم:
“شاااهين.”
انتفضت من فوق الفراش دفعة واحدة، وأنفاسها تتلاحق بعنف، وصدرها يعلو ويهبط بصورة مؤلمة، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف.
كان الكابوس حقيقيًا أكثر مما ينبغي.
ما زالت ترى الدماء أمام عينيها.
ما زالت تسمع صوت الرصاصة يتردد داخل رأسها.
وما زالت تشعر بذلك الرعب الذي مزق روحها عندما رأته يسقط أمامها.
في الخارج، كان شاهين قد سمع صرختها، فاندفع نحو غرفتها دون تردد. فتح الباب بسرعة واتجه إليها فورًا، وجلس بجوارها على الفراش قبل أن يجذبها إلى أحضانه.
أخذ يربت على ظهرها بحنان وهو يقول بقلق:
“مالك يا قلبي؟ كنتي بتحلمي ولا ايه؟”
تشبثت به بقوة كانت تخشى أن يختفي من بين ذراعيها في أي لحظة، وأخفت وجهها داخل صدره، بينما استمرت شهقاتها المتقطعة تهز جسدها المرتعش.
شعر بقلبها الذي يكاد يقفز من مكانه من شدة الخوف، فضمها إليه بقوة أكبر، يحاول أن يطمئنها بأن وجوده حقيقي وأنه ما زال هنا، بخير، وبين يديها.
وقال بصوته الهادئ المطمئن:
“شش، أهدي يا بابا متخافيش أنتي في حضني دلوقتي، ده كان مجرد حلم.”
رفعت وجهها قليلًا، وعيناها تغرقان بالدموع، ثم قالت بين شهقاتها المرتجفة:
“متبعدش عني يا شاهين، خليك جنبي، أحضني.”
ذاب قلبه أمام رجائها. مال وقبل خدها ببطء، ثم أخذ يمرر يده على ظهرها بحنان وهو يقول:
“أنا مستعد افضل جنبك كده العمر كله، مش عايز حاجه غير أن اضمك في حضني وافضل اسير لعيونك، اللي بعشقهم دول.”
شيئًا فشيئًا بدأت أنفاسها تهدأ.
ابتعدت عن صدره قليلًا، لكنها ظلت تنظر إليه بتوتر واضح قبل أن تسأله:
“ه هو اللي اسمه عمر ده، راح فين من يوم اللي حصلي؟”
في اللحظة نفسها تبدلت ملامح شاهين.
اختفت الرقة وحل محلها ذلك الجمود الحذر الذي يظهر كلما ذكر اسم عمر أمامه. وقال بهدوء يخفي خلفه غضبًا واضحًا:
“انتي بتسألي عليه ليه؟”
ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تقول:
“ب بسأل عادي يا شاهين، ا اصل الشغل مش عارفه وصلوا لايه؟”
اشتدت ملامحه أكثر وهو يجيب من بين أسنانه:
“أنسي انك تروحي هناك تاني يا رنيم، أنا خليت ناس تتابع المشروع ده مكانك متقلقيش.”
أومأت سريعًا محاولة إنهاء الحديث:
“م ماشي، خ خلاص انا بقيت كويسه.”
واعتدلت في جلستها ونهضت واقفه وهي تفرك كفيها ببعضهما بتوتر واضح.
راقبها للحظات، ثم نهض من مكانه واقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة، ورفع يده ليمررها على وجنتها برفق قبل أن يسأل:
“طيب مش ناويه تقولي، شفتي ايه، فزعك كده؟”
هزت رأسها بسرعة وقالت:
“ل لا مش حابه احكي، ده كابوس مزعج.”
لم يجبرها على الحديث.
فقط مال نحوها ووضع قبلة حانية على خدها، ثم أبعد وجهه قليلًا ومرر أصابعه فوق مكان القبلة قائلًا:
“مش هضغط عليكي، هسيبك براحتك وقت ما تحبي تحكي هتلاقيني بسمعك.”
عضت شفتها السفلى بتوتر، فأطال النظر إليها للحظة، ثم مد يده وحررها من بين أسنانها بحركة تلقائية اعتادها منها.
مال برأسه ووضع قبلة سريعة فوق شفتيها وهو يقول:
“دول بتوعي أنا مش مسموح ليكي تجرحيهم فاهمه.”
احمر وجهها فورًا، وضربته بخفة على صدره قائلة بخجل:
“شاهين اتلم انت كده بتكسفني.”
انفجر ضاحكًا، وكانت ضحكاته الرجولية الدافئة كفيلة بأن تجعل قلبها يخفق بعنف من جديد.
ثم غمز لها بمشاكسة وقال:
“أنا هروح احضر الفطار واتنين شاي، بدل ما أعمل حاجه يرفضها المجتمع وانا هموت عليها.”
اتسعت عيناها بخجل أكبر بينما كان يضحك على ارتباكها، ثم استدار وغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه.
بمجرد أن اختفى، رفعت يدها إلى شعرها تمرره بتوتر شديد وهمست لنفسها:
“أيه اللي جاب عمر في احلامي، ولا كمان خطيبي، وأيد مين دي اللي كانت ماسكه المسدس ده، يا لهوي أنا هتجنن، ده لو شاهين عرف أنا حلمت بأيه، كان عمل مني شاورما.”
ثم اتجهت إلى المرحاض، وبعد قليل خرجت منه وقد بدلت ملابسها.
اتجهت إلى الخارج فوجدت شاهين قد سبقها كعادته، حضر الطعام ورتبه على الطاولة، وجلس في انتظارها وكأن تلك المهمة هي أهم ما يشغله في الدنيا.
تقدمت نحوه وجلست على المقعد، ثم أعادت خصلات شعرها إلى الخلف وقالت:
“ت تسلم ايدك.”
ابتسم لها بعشق واضح وقال:
“بألف هنا يا روحي، عقبال ما أكلك بأيديا وانتي مراتي.”
اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، وأشاحت وجهها بعيدًا وهي تتمتم:
“ش شاهين، ب بطل طريقتك دي.”
فرد فورًا بمشاكسة:
“مش لما تبطلي انتي تقولي شاهين بطريقتك دي.”
وضعت يدها على وجهها وهي تهمس بخجل:
“والله كتير عليا اللي انت بتعمله فيا ده.”
تعالت ضحكاته مرة أخرى قبل أن يقول:
“خلاص خلاص، كلي يلا.”
بدأت تتناول طعامها بهدوء، بينما كان هو يختلس النظر إليها بين الحين والآخر، يحاول إشباع ذلك الشوق الذي لا ينتهي دون أن يحرجها.
وفجأة.. دوى جرس الباب.
رفعت رنيم رأسها باستغراب، بينما نهض شاهين متجهًا إلى الباب.
ما إن فتحه حتى اندفعت ميا نحوه كالسهم، وألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تقول بسعادة:
“بابي وحشتني اووي، ورنيم وحشتني اوي اوي.”
اتسعت ابتسامته وهو يضمها بحنان ويقبلها قائلًا:
“وانتي وحشتيني اوي يا روح قلب بابي، تعالي ادخلي.”
دخلت الصغيرة بسرعة، وما إن رأت رنيم حتى ركضت إليها وارتمت في أحضانها قائلة:
“وحشتيني اوي يا رنيم.”
احتضنتها رنيم بحب وهي ترد:
“انتي اكتر يا قلب رنيم.”
جلست ميا بجوارها، بينما عاد شاهين إلى مقعده ونظر إلى ابنته متسائلًا:
“مبسوطه يا ميا هنا في مصر؟”
أومأت بحماس وقالت:
“مبسوطة اوي يا بابي، بس يعني.”
رفع حاجبيه باستغراب:
“بس ايه يا حبيبتي؟”
عبست الصغيرة قليلًا وقالت:
“بس تيته مريم يعني، بخاف منها، بحس انها ست شريرة.”
كادت الضحكة تفلت من رنيم، لكنها أخفتها بسرعة.
أما شاهين فقال بلوم:
“بس عيب كده يا ميا، تيته مريم تبقى مامت بابي، واللي انتي قلتي ده يزعلني.”
زفرت الصغيرة بضيق وقالت:
“سوري يا بابي، بس بجد انا مش برتاح ليها، بخاف من نظراتها، وطريقة كلامها حتى ضحكتها تخوف.”
هذه المرة لم تستطع رنيم منع نفسها تمامًا، فقالت وهي تكتم ضحكتها:
“خلاص بقى يا شاهين، سيب البنت تقول اللي حاسه بي، والصراحه يعني عندها حق.”
رفع إحدى حاجبيه محذرًا:
“بلاش انتي احسنلك، وانا على تكه وعندي مواضيع كتير اوي هموت واقلها ليكي.”
سعلت بتوتر وأشاحت بنظرها سريعًا إلى أي شيء آخر بعيدًا عنه.
راقب ارتباكها بابتسامة خفية، ثم التفت إلى ميا وقال:
“قفلي يا حبيبتي على الموضوع ده، وكلي يلا اكيد لسه مفطرتيش.”
أومأت الصغيرة بحماس:
“أنا جعانه اوي.”
وبدأت تتناول الطعام، بينما جلس شاهين يتأملهما معًا بنظرات ممتلئة بالحنان والسعادة، وكأن وجودهما حوله بهذه الصورة البسيطة كان كافيًا ليمنحه السلام الذي ظل يبحث عنه طويلًا.
**************************
عند غريب…
هبط غريب درجات السلم بخطوات هادئة وثابتة، قبل أن تقع عيناه على الضيف الجالس إلى جوار تامر في الصالة. توقف لثوانٍ يراقبه بنظرة فاحصة تحمل الكثير من الحذر، ثم أكمل طريقه نحوهما. مد يده يصافح أحمد مصافحة مقتضبة، قبل أن يجلس على المقعد المقابل واضعًا إحدى ساقيه فوق الأخرى، بينما بقيت عيناه معلقتين به وكأنه يحاول قراءة ما يدور خلف ملامحه.
سارع تامر بالكلام حتى يقطع ذلك الصمت الثقيل:
“ده احمد جاي معايا علشان عربيتي عطلانة وهو وصلني، وانا طلبت منه يدخل معايا.”
حول غريب نظره إلى أحمد مرة أخرى، ولم يبدو عليه الاقتناع التام بما قيل، لكنه قال بنبرة هادئة:
“اه طبعا اهلا وسهلا بي.”
ابتسم أحمد ابتسامة رجولية محترمة وقال:
“اهلا بحضرتك يا غريب باشا.”
تكلم تامر سريعًا وهو ينظر حوله:
“امال فين الباقي؟ جواد وترنيم وأروى؟”
أشار غريب بإصبعه نحو الطابق العلوي مجيبًا:
“فوق كل واحد منهم في اوضه.”
تبادل تامر وأحمد نظرة سريعة امتزج فيها التوتر بالترقب، قبل أن يقول تامر:
“طيب ما تخليهم ينزلوا يقعدوا معانا وبالمرة اطمن على حبيبت خالها.”
أومأ غريب برأسه وقال بهدوء مقصود:
“اطلع ليهم وسيب استاذ احمد معايا عايز اتكلم معاه كلمتين.”
نظر إليه تامر بعدم فهم، ثم التفت إلى أحمد الذي أومأ له مطمئنًا، فنهض وصعد إلى الأعلى تاركًا إياهما بمفردهما.
ساد الصمت للحظات، ثم مال غريب قليلًا للأمام وقال بنبرة رجولية هادئة لكنها مباشرة:
“انت عايز ايه من بنتي؟”
اعتدل أحمد في جلسته، ذلك السؤال كان ينتظره منذ دخوله البيت، ثم قال بثبات:
“بحبها وعايز اكمل حياتي معاها على سنة الله ورسوله.”
أنزل غريب قدمه إلى الأرض، وانحنى بجسده قليلًا مستندًا إلى ركبتيه وهو يحدق فيه بتمعن:
“مش شايف انها لسه صغيرة، والفرق ما بينكم كبير اوي؟”
أومأ أحمد برأسه وقال بهدوء صادق:
“عارف بس انا حبيتها بجد، وهي كمان حبتني، ويشهد عليا ربنا اني عمري ما فكرت اقرب منها ولا ألمسها كانت علاقتنا انقى علاقة كنت بحافظ عليها لحد ما تبقى في بيتي بالحلال.”
ظل غريب ينظر إليه طويلًا، يبحث عن أي كذبة مختبئة بين كلماته، قبل أن يقول بصوت اختنق قليلًا:
“ولسه عايزها، بعد اللي حص…”
لكن أحمد قاطعه بسرعة، خشى حتى أن تستكمل الجملة:
“ايوه عايزها طبعا، اللي حصلها ده كان مجرد حادثه وقدر من ربنا، وانا بحب أروى، علشان شخصيتها وادبها وكل حاجه حلوه فيها، مش علشان مجرد حاجه خسرتها في حادثه ملهاش يد فيها.”
عاد غريب ليستند إلى ظهر المقعد، بينما راقب وجهه بصمت قبل أن يقول:
“هتتعب معاها لحد ما تتعالج وتكون طبيعيه زي الاول.”
ابتسم أحمد ابتسامة دافئة وقال دون تردد:
“مش فارق معايا المهم انها تبقى بتاعتي وفي بيتي.”
ضاقت عينا غريب قليلًا وهو يرد بتحذير واضح:
“بس لو فكرت تيجي عليها في يوم ولا تستخدم اللي حصلها ده ضدها مش هرحمك.”
هز أحمد رأسه وقال بصدق:
“أنا هحسن معاملتي ليها مش خوف منك، أنا هعمل كده علشان بحبها، ووجودها جنبي أجمل حلم هحققه.”
بقي غريب صامتًا لعدة لحظات، يزن كل كلمة سمعها، ثم تنفس بعمق وقال أخيرًا:
“أنا هوافق على خطوبه دلوقتي بس، لحد ما بنتي تتعالج وتخلص تعليمها، وأكون اتأكد منك كويس وبعدها نحدد الفرح.”
اتسعت ابتسامة أحمد حتى أضاءت ملامحه كلها وقال بسعادة واضحة:
“وانا معنديش مشكله استناها العمر كله، أنا كده كده كنت ناوي اتقدم ليها واخلي الفرح بعد ما تخلص علشان الجواز ميشغلهاش عن مستقبلها.”
ولأول مرة منذ وقت طويل، شعر غريب بشيء من الارتياح تجاه ذلك الشاب.
لكن ذلك الهدوء لم يدم أكثر من ثوانٍ.
فجأة دوى صوت أروى الغاضب في أرجاء المكان، فالتفت الجميع نحوها.
كانت واقفة عند مدخل الصالة، وعيناها ممتلئتان بالدموع، بينما بدا الغضب والألم ممزوجين على وجهها.
اقتربت بخطوات متوترة وقالت:
“مين قال اني موافقه عليك؟ أنا مش عايزاك ولا عايزة اي راجل يدخل حياتي.”
نهض غريب من مكانه محاولًا تهدئتها وقال بلطف:
“اهدي يا حبيبتي بس، الراجل مش مستعجل على الجواز، هو هيعمل خطوبه بس.”
وفي تلك اللحظة، نزلت ترنيم وجواد مسرعين على وقع صراخها.
اقتربت ترنيم منها بقلق وقالت:
“فيه ايه يا حبيبتي مالك؟”
التفتت إليها أروى، وانفجرت صائحة وسط دموعها:
“مش عايزاه، مش عايز اتجوز مش عايزة شفقه من حد، اطلع بره يا احمد.”
تدخل تامر بهدوء محاولًا احتواء الموقف:
“يا أروى اهدي شويه، انتي عارفه احمد بيحبك قد ايه.”
لكنها صرخت بعناد وألم:
“وانا بكرهه، مش موافقه مش عايزه اتجوز سيبوني في حالي بقى.”
اقترب جواد منها فورًا، واحتضنها بحماية واضحة قبل أن يقول بغضب مكتوم:
“ما تسيبوها براحتها، هي مش عايزاه، الجواز مش بالعافيه.”
رمقه غريب بنظرة غاضبة، ثم عاد يلتفت إلى ابنته وقال بهدوء:
“يا حبيبتي دي مجرد خطوبه، ولو معجبكيش يبقى خلاص كل واحد يروح لحاله.”
لكن أروى هزت رأسها بعنف وهي تبكي:
“مش عايزاه، يطلع بره مش عايزه اشوفه.”
ساد الصمت للحظات قبل أن يتحدث أحمد أخيرًا بصوت هادئ:
“ممكن اقعد معاها شويه على انفراد؟”
نظر غريب إليه، ثم إلى ابنته، قبل أن يومئ بالموافقة.
غادر الجميع الصالة، تاركين أروى وأحمد وحدهما.
وقفت أروى بعيدًا عنه، تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالرفض والانكسار، ثم قالت من بين شهقاتها:
“متحاولش أنا مش عايزاك، روح اشفق على حد غيري، إنما أنا لا يا احمد.”
اقترب خطوة واحدة فقط، لكنها تراجعت فورًا إلى الخلف وكأنها تهرب من خطر يطاردها. وقالت بدموع:
“متقربش مني فاهم.”
توقف مكانه مباشرة، ورفع يده قليلًا في إشارة مطمئنة وقال:
“أنا اهو مش هتحرك من مكاني، بس ممكن تسمعيني؟”
هزت رأسها بالنفي وهي تبكي:
“لا مش ممكن، امشي بقى من هنا.”
تنهد أحمد وتحدث بطريقته الهادئة المعتادة:
“طيب هنفذلك اللي انتي عايزاه، بس اقول الكلمتين اللي عندي الاول، ماشي؟”
أشاحت بوجهها بعيدًا ولم ترد.
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
“انتي رافضه الجواز مني ليه؟ مش ده كان اتفقنا من الاول؟ وكنتي مستعجله على اليوم ده؟ ايه حصل دلوقتي خلاكي رافضه بالشكل ده؟”
التفتت إليه أخيرًا، وكانت عيناها تغرقان بالدموع:
“الأول، لكن دلوقتي لا، أنا منفعكش ولا أنفع حد غيرك.”
ابتسم بحب موجوع وقال:
“مين قالك متنفعنيش يا أروى، انتي متنفعيش حد غيري، انتي بتاعتي من اللحظة الأولى اللي شفتك فيها، أنا مقدرش استغنى عن جنانك وطريقتك اللي عشقتها فيكي.”
لكنها ظلت تهز رأسها رافضة:
“مافيش راجل هيرضى بواحده حصل فيها كدا، الا لو كان شفقه يا احمد، وانا عمري ما هقبل حد يشفق عليا، مهما كان مين.”
نظر إليها بعشق صادق وقال:
“بس دي مش شفقه، ده حب قوي بيتحدى أي ظروف، مشاعر مافيش حاجه تأثر فيها مهما حصل، قلبين اتخلقوا يحبوا بعض رغم كل الظروف ورغم كل التعقيدات، احنا من الاول حبنا لبعض كانت فكرة مجنونه علشان فرق السن وفرق التفكير اللي ما بينا، بس جنان لذيذ ومختلف، شخصين بيكملوا بعض، بطريقه غريبه، محصلتش قبل كده، علشان كده بقلك احنا اتخلقنا لبعض يا أروى ومستحيل نسمح لأي ظروف تبعدنا عن بعض.”
انهارت دموعها أكثر وقالت بصوت مكسور:
“مش هتقدر تنسى أن فيه غيرك لمسني قبل منك يا احمد.”
رد عليها بهدوء لم يهتز رغم الوجع الذي مر بعينيه:
“والست المطلقه لما بتتجوز راجل تاني، مش الراجل ده بيبقى عارف انها اتلمست قبل منه، ورغم كده اتجوزها وكمل حياته معاها، احنا برضه نفس الفكرة يا أروى، أنا بحبك، واللي حصل ده ميشغلنيش دي حادثه واي بنت زيك معرضه أن ده يحصلها.”
وضعت يدها على وجهها وأجهشت بالبكاء:
“بس انا كانوا اربعه يا احمد.”
أغمض عينيه للحظة وكانت الكلمة طعنه في صدره، لكنه اقترب ببطء حتى وقف أمامها وقال بصوت عاشق هامس:
“الفكره واحده يا قلبي، واحد زي اربعه، أنسي علشان خاطري ووافقي على الخطوبة وأيدي في ايدك هنعدي المحنه دي سوا.”
أنهى كلامه ومد يده ممسكًا بكفها ليبعده عن وجهها.
لكن ما إن لامسها حتى انتفض جسدها بعنف، واتسعت عيناها بالرعب، وتراجعت للخلف وهي تصرخ:
“ابعد عني متلمسنيش، خليك عندك متقربش مني.”
تجمد أحمد مكانه فورًا وقال بقلق حقيقي:
“خلاص والله مش هقرب منك بس اهدي علشان خاطري.”
لكنها لم تكن تسمعه.
كانت ترتجف بعنف، وعيناها ممتلئتان بالخوف، قبل أن تصرخ بصوت مرتعش:
“يا بابي! الحقني يا بابي.”
وفي أقل من لحظة كان غريب يندفع إلى الداخل.
احتضن ابنته بقوة بين ذراعيه، كان يريد حمايتها من العالم كله، ثم رفع عينيه إلى أحمد وسأله بغضب:
“هو ايه اللي حصل؟”
أجاب أحمد بحزن واضح:
“محصلش حاجه كنا بنتكلم وعيطت مسكت ايديها علشان أهديها عملت كده.”
تمسكت أروى بوالدها أكثر، وظلت ترتعش داخل حضنه كطفلة مذعورة.
انقبض قلب غريب وهو يراها بهذه الحالة، فانحنى وحملها بين ذراعيه ثم اتجه بها نحو الدرج وهو يقول:
“نبقى نتكلم مع بعض بعدين.”
ثم التفت بصوت اختنق بالألم:
“ترنيم هاتي الحقنه المهدأه وتعالي على اوضتها.”
تحركت ترنيم فورًا، وأحضرت الحقنة ثم صعدت إلى الأعلى مسرعة.
أما في الأسفل، فظل أحمد واقفًا مكانه، يشعر وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه.
ربت تامر على كتفه وقال بصوت مثقل بالوجع:
“اجمد يا أحمد انت لسه في أول المشوار، وطريق علاجها طويل.”
أومأ أحمد برأسه وقال بصوت خافت:
“أنا مستعد اتحملها العمر كله يا تامر، بس تتقبل فكرة وجودي في حياتها بعد اللي حصل ليها ده.”
تنهد تامر بوجع وقال:
“هتتقبلها إن شاءالله، لانك انت علاجها يا احمد.”
رفع أحمد عينيه نحو الدرج الذي اختفت خلفه أروى، وظل ينظر إليه بحزن وعجز، بينما كان قلبه يردد وعدًا صامتًا بأنه لن يتركها مهما طال الطريق أو اشتدت قسوته.
أما جواد، فكان يراقب المشهد كله بصمت متجهم، قبل أن يدير ظهره ويغادر المكان سريعًا.
****************************
عند جواهر…
استيقظت جواهر على صوت والدتها يناديها برفق. فتحت عينيها ببطء، وكانت جفونها مثقلة من كثرة البكاء، بينما بدت آثار السهر والحزن واضحة على ملامحها الشاحبة. التفتت نحو والدتها وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لا تحمل من الفرح شيئًا، ثم قالت بصوت خافت:
“صباح الخير يا ماما.”
اقتربت سمية منها وجلست إلى جوارها على السرير، تتأمل وجه ابنتها الذي لم يعد يشبه وجهها المشرق المعتاد، ثم قالت بحنان:
“صباح النور يا حبيبتي.”
اعتدلت جواهر في جلستها وهي تشعر بانقباض غريب في قلبها، وسألت بصوت مختنق:
“خير يا ماما فيه حاجه ولا ايه؟”
مدت سمية يدها وأمسكت بكف ابنتها بين يديها بحنان أم تخشى على فلذة كبدها، ثم نظرت إليها طويلًا قبل أن تقول بقلق:
“هو انتي وجواد زعلانين من بعض ولا ايه؟”
تجمدت ملامح جواهر للحظة.
مجرد سماع اسمه كان كافيًا ليوقظ كل الوجع النائم داخل صدرها. ذلك الوجع الذي كانت تحاول دفنه منذ أيام، لكنه كان يعود أقوى كلما تذكرت وجهه أو صوته أو حتى ذكرياتها معه.
ابتلعت غصتها بصعوبة وقالت:
“بتسألي ليه يا ماما؟”
تنهدت سمية بحزن وهي تربت على يدها قائلة:
“علشان بقيت شيفاكي حزينه على طول، الضحكه غابت عنك يا قلب امك، حتى هو مبقاش يجي ليكي زي الاول، ولا انتي بقيتي تروحي عنده زي ما متعوده، قوليلي يا بنتي حصل ايه ما بينكم يمكن نقدر نلحق حاجه من علاقتكم دي.”
أطرقت جواهر رأسها للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة موجوعة أشبه بالبكاء أكثر منها بالابتسام، وقالت:
“مافيش حاجه هترجع زي الاول يا ماما خلاص، جواد اختار طريقه وانا كمان بحاول اتعافى علشان اقدر اخد طريقي زيه.”
وما إن خرجت الكلمات من فمها حتى خانتها دموعها، فانسابت فوق وجنتيها بصمت مؤلم.
رفعت عينيها الممتلئتين بالخذلان وأكملت بصوت مرتجف:
“جواد اللي انا حبيته مبقاش موجود خلاص، اللي موجود دلوقتي ده واحد معرفهوش، شخصيه تانيه بكرهها، مستحيل اكمل حياتي مع حد بالشكل ده يا ماما.”
اتسعت عينا سمية بصدمة حقيقية، لم تتخيل يومًا أن تسمع مثل هذه الكلمات من ابنتها التي عاشت عمرها كله لا ترى رجلًا في الدنيا سوى جواد.
قالت بعدم تصديق:
“انتي بتقولي ايه يا جواهر، ربنا ما يكتبها عليكم، انتي مراته دلوقتي، يعني عيشتوا عمركم كله بتحبوا بعض والكل كان عارف بعلاقتكم ومرحب بيها، وبعد ما اتجوزتوا تقولي الكلام ده؟”
هزت جواهر رأسها ببطء، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، وقالت بصوت تقطعه الحسرة:
“ايوه بقول الكلام ده بعد ما اتجوزنا، لأن هو مظهرش على حقيقته غير بعد الجواز، شفته شخص تاني غير اللي عرفته وحبيته، شخص لسانه طويل وأيده اطول، وبياع بشكل يوجع القلب، انا مصدومه فيه، لدرجة نفسي اللي حصل ده يكون مجرد كابوس واصحى من نومي الاقينا لسه الاتنين عصافير الحب اللي مشاعرهم كانت بتحركهم وتخليهم يعملوا كل حاجه مجنونه في الدنيا.”
توقفت لحظة، وكانت الذكريات تهاجمها دفعة واحدة.
ذكريات طفلة صغيرة كانت تركض إليه كلما خافت، وتختبئ خلف ظهره كلما ضايقها أحد، مؤمنة أنه حصنها الذي لا يسقط. اختنق صوتها أكثر وهي تكمل:
“عايزه ارجع للبنت ام ضفرتين اللي كانت أول حضن تجري عليه هو حضن جواد، كانت بتتحامى فيه وكأنه هو العالم الآمن بتاعها، أنا مش عايزة جواد بتاع دلوقتي، أنا عايزة جواد بتاع زمان اللي حبني وحبيته.”
ومع آخر كلمة انهار كل ما كانت تحاول التماسك به.
ارتمت داخل أحضان والدتها كطفلة صغيرة أرهقها البكاء، وتمسكت بها بقوة تبحث عن الأمان الذي فقدته، بينما خرجت شهقاتها موجوعة وحارقة، تحمل سنوات من الحب وخيبة الأمل والاشتياق.
ضمتها سمية إلى صدرها بقوة، وأخذت تربت على ظهرها بحنان أم لا تملك إلا احتواء ألم ابنتها.
أما عيناها فقد امتلأتا بالغضب والحزن معًا.
كانت تستمع إلى بكاء ابنتها وتشعر أن قلبها يتمزق معها قطعة بعد أخرى.
رفعت رأسها ونظرت أمامها بشرود، بينما بدأ الغضب يتسلل إلى قلبها تجاه جواد، متوعدة له بصمت على كل دمعة رأتها تنزل من عيني ابنتها، وعلى كل وجع تركه داخل قلبها الذي لم يعرف يومًا أن يحب سواه.
*****************************
ما إن انتهت ترنيم من إعطاء أروى المهدئ، وظلت تراقبها حتى اطمأنت إلى انتظام أنفاسها واستسلامها للنوم، رفعت عينيها نحو غريب الجالس بجوار ابنته. كانت تشعر بضيق شديد يعتصر صدرها، ضيق تراكم من أيام طويلة من الخلافات والكلمات الجارحة والصمت القاسي بينهما.
نهضت من مكانها دون أن تنطق بحرف، ثم خرجت من الغرفة بخطوات سريعة واتجهت إلى غرفتها.
تابعها غريب بعينيه للحظات، ثم زفر بضيق وهو يدرك جيدًا سبب غضبها، لكنه لم يحاول إيقافها.
مال برأسه وقبل مقدمة رأس ابنته بحنان أب يخشى عليها من نسمة هواء، ثم نهض بهدوء وخرج من الغرفة. سار في الممر بخطوات ثقيلة حتى وصل إلى غرفته، وما إن دخل حتى أغلق الباب خلفه. وقعت عيناه عليها فورًا.
كانت تجلس فوق الأريكة في زاوية الغرفة، وجهها متجهم وعيناها ممتلئتان بالعتاب الصامت. تجاهل نظراتها واتجه نحو خزانة ملابسه، أخرج منها بعض الملابس وبدأ يبدل ثيابه وكأن وجودها من الأساس لا يعنيه.
أما هي فكانت تحاول أن تشغل نفسها بأي شيء حتى لا تنظر إليه، لكن وجوده وحده كان كافيًا ليجعل أعصابها مشدودة.
بعد أن انتهى من تبديل ملابسه وقف أمام المرآة يمشط شعره في هدوء، ثم قال فجأة، يخبرها بقرار نهائي لا يقبل النقاش:
“اعملي حسابك أننا اخر الشهر ده هنروح تركيا وهنعيش هناك على طول.”
تجمدت مكانها لثوانٍ، ثم رفعت رأسها إليه بصدمة واضحة وقالت بغضب:
“ومين سمح ليك تاخد قرار زي ده لوحدك.”
استدار إليها ببطء، ونظر لها بعينين امتلأتا بالحزم قبل أن يقول:
“أنا هنا اللي اقرر وكلمتي اللي تمشي فاهمه.”
استقامت واقفة في لحظة واحدة، كلماته أشعلت نارًا داخلها، ثم اقتربت منه وقالت بغضب:
“لا مش فاهمه يا غريب، لأن قرارك ده هيخسرنا حاجات كتير، أنا العيادة بتاعتي هنا، بنتك دراستها هنا ابنك شغله ومراته وحياته كلها هنا، وانت كمان شركتك هنا، أنا مش هعيش غير في مصر يا غريب.”
ظل ينظر إليها بهدوء مستفز، ثم قال:
“اقدر افتحلك بدل العيادة عشره في تركيا، وبنتك الافضل ليها أنها تكمل تعليمها وتعيش حياتها هناك بعيد عن ذكرياتها هنا اللي كل ما هتفتكرها هتتوجع، وابنك شغال في شركتي وانا كده كده ليا فرع هناك يعني هيمسك شغله عادي في تركيا ومراته هتيجي تعيش معاه عادي، وانا من الأفضل ليا اعيش في بلدي بأمان.”
اشتعل الغضب أكثر داخلها، وشعرت بأنه يقرر مصير الجميع وحده دون أن يستمع إلى أحد، فقالت بتحدي واضح:
“براحتك عايز ترجع بلدك أنت حر، إنما أنا وعيالي مش هنتحرك من هنا يا غريب.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه، ثم قال:
“انتوا هترجعوا معايا تركيا رجلكم فوق رقابتكم يا ترنيم، انتهى الكلام.”
أنهى حديثه وتحرك نحو الباب، وأغلق باب النقاش نهائيًا.
لكن ترنيم لم تحتمل. ركضت خلفه سريعًا، وأمسكت ذراعه بقوة وهي تصرخ من شدة القهر الذي يملأ قلبها:
“طلقني يا غريب!”
في لحظة واحدة تبدلت ملامحه بالكامل.
تحولت عيناه إلى لون أحمر قاتم من شدة الغضب، وتجمدت ملامحه بصورة أخافت ترنيم نفسها.
قبض على ذراعها بقوة جعلتها تتألم، بينما عادت إليه ذكريات دفنها منذ سنوات.
كم مرة سمع هذه الكلمة منها قديمًا؟
كم مرة طلبت الرحيل عنه لتبقى مع سلطان؟
كم ليلة عاشها وهو يحارب فكرة خسارتها؟
كم مرة شعر أنه على وشك فقدانها للأبد؟
كل ذلك عاد دفعة واحدة ليشعل بداخله وحشًا حاول طويلًا أن يدفنه.
اقترب منها قليلًا وتكلم من بين أسنانه بنبرة جعلت الرعب يتسلل إلى قلبها:
“أنا كام مره قلتلك الكلمه دي متنطقهاش على لسانك، فاكرة زمان قلتلك ايه؟ اليوم اللي تفكري تبعدي فيه عني، هقتلك يا ترنيم، ولو عايزة غريب ضرغام بتاع زمان يرجع تاني دلوقتي، فكري تقولي الكلمه تاني.”
ارتعش جسدها بالكامل.
لم تكن خائفة منه فقط، بل كانت خائفة من ذلك الألم الذي يسكنه ويخرجه دائمًا بهذه الصورة القاسية.
ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة، نظراته تحمل غضبًا ووجعًا وخوفًا من الفقد أكثر مما تحمل كراهية.
ثم دفعها بعيدًا بعنف.
سقطت على الأرض بقوة، بينما غادر هو الغرفة سريعًا وصفق الباب خلفه بعصبية شديدة.
ساد الصمت بعدها. صمت ثقيل ومؤلم.
أغلقت ترنيم عينيها وهي تشعر بألم السقطة وألم قلبها معًا، ثم انهمرت دموعها بغزارة فوق وجنتيها.
كانت تحبه.. تحبه أكثر مما ينبغي.
لكن كلما اقتربت منه أكثر، شعرت أن المسافة بين قلبيهما تزداد.
كانت تشتاق إلى غريب الذي أحبته، الرجل الذي كان يحتويها قبل أن يحاكمها، ويخاف عليها قبل أن يغضب منها.
أما الآن، فكل ما تراه أمامها رجل يطارد أشباح الماضي، ويعاقبها على أخطاء انتهى عمرها منذ سنوات.
ضمت ركبتيها إلى صدرها واستسلمت لبكائها بصمت.
****************************
بالمساء…
عاد شاهين إلى المنزل بعد يوم طويل أثقل كاهله بالتفكير والضغوط. صعد إلى الطابق الذي توجد فيه شقته بخطوات ثابتة، ثم أخرج المفتاح وفتح الباب ودلف إلى الداخل.
وما إن دخل حتى وجدها أمامه مباشرة.
كانت مريم تجلس على مقعدها المتحرك في منتصف الصالة كانت تنتظره منذ ساعات، تراقب الباب في ترقب حتى يعود.
ما إن وقعت عيناه عليها حتى أغلق عينيه للحظة بضيق واضح، وكأنه استقبل مصدر صداعه قبل أن يستريح حتى. ثم قال ببرود:
“اهلا منورة.”
دفعت مريم مقعدها نحوه عدة خطوات، وحدقت فيه بغضب قبل أن تقول:
“انت فيه أيه؟ شكلك نسيت أن انا ابقى امك؟”
أطلق زفرة طويلة مثقلة بالاختناق، ثم قال بصوت يحمل من المرارة أكثر مما يحمل من الغضب:
“للاسف دي الحقيقه الوحيده اللي مقدرش أنكرها، انك امي.”
ارتفع أحد حاجبيها بسخرية لاذعة، وقالت بتهكم:
“وللاسف ليه يا روح امك؟ علشان الهانم مش عجبها الحقيقه، البنت اللي بعتني علشانها، رميت كل حاجه وراك علشانها.”
اشتدت ملامح شاهين قسوة في تلك اللحظة.
فكلما حاول أن يمنح والدته فرصة جديدة، كانت تصر على إثبات أنها لا ترى في رنيم سوى عقبة يجب التخلص منها.
اقترب منها قليلًا، ثم مال بجسده مستندًا على ذراع المقعد المتحرك، ونظر مباشرة داخل عينيها قبل أن يقول بنبرة مختنقة بالغضب:
“دي اللي غسلت السواد اللي انتي طبعتي في قلبي، انسانه سالكه طيبه قلبها ابيض، مش شبهك، كل حاجه مصلحه وبس حتى حبك ليا، مصلحه، شيلي رنيم من دماغك يا مريم، علشان انا ممكن اقطع اخر خيط ما بيني أنا وانتي، وبأيدي أرميكي في السجن.”
خرجت الكلمات حادة وقاسية، لكنها كانت صادقة تمامًا.
لأول مرة في حياته لم يعد يخشى خسارة أي شيء مقابل حماية رنيم.
حتى لو كان ذلك الشيء هو أمه نفسها.
اعتدل واقفًا مرة أخرى دون أن ينتظر ردًا منها، ثم استدار واتجه نحو باب الشقة.
فتح الباب بعصبية، وخرج منه، ثم دفعه خلفه بقوة اهتز لها المكان كله.
ساد الصمت للحظات. صمت بارد ومخيف.
ظلت مريم تحدق في الباب المغلق أمامها، بينما اختفت ابتسامتها للحظة قبل أن تعود مجددًا بصورة أكثر خبثًا.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة شريرة وهي تتمتم بصوت خافت:
“كان غيرك اشطر يا ابن بطني.”
ثم أبطأت حركة رأسها تدريجيًا حتى استقرت عيناها على باب غرفة شاهين.
نظرة طويلة، غامضة.. ومليئة بالمعاني التي لا تبشر بأي خير.
بينما كانت ابتسامتها تتسع شيئًا فشيئًا، كانت تخطط لشيء ما في الخفاء، شيء تعتقد أنه قادر على قلب كل الموازين التي يحاول شاهين فرضها عليها.
*************************
تحرك شاهين نحو شقة رنيم بخطوات سريعة وملامحه متجهمة على غير عادته. كان ما زال يحمل داخله بقايا غضبه من حديثه مع والدته، لكن مجرد التفكير في رؤية رنيم كان كفيلًا بأن يخفف شيئًا من ذلك الاحتقان.
فتح الباب ودلف إلى الداخل، لكن ما إن خطا أولى خطواته حتى انتابه شعور غريب. كان المكان غارقًا في الظلام، يلفه سكون ثقيل ومريب لا يشبه الأجواء المعتادة في وجودها.
أغلق الباب خلفه وضغط على مفتاح الإنارة، ثم ألقى نظرة سريعة حوله باحثًا عنها بعينيه، لكنه لم يجد لها أثرًا.
انعقد حاجباه باستغراب.
تحرك مباشرة نحو غرفتها، ومد يده إلى مقبض الباب محاولًا فتحه، لكنه فوجئ بأنه مغلق من الداخل.
ازداد استغرابه أكثر، فطرق الباب وقال:
“رنيم انتي قافله الباب عليكي ليه؟”
في الداخل، ارتجف قلبها بعنف.
كانت تقف في مكانها والدموع تغرق وجهها، بينما السكين تستقر عند عنقها، وحافة نصلها الباردة تلامس جلدها بصورة مرعبة.
حاولت جاهدًة أن تجعل صوتها طبيعيًا وهي تجيب بتلعثم واضح:
“ها ا اصل كنت باخد شاور و وهنام.”
وصل الارتباك إلى شاهين فورًا.
كانت نبرتها مختلفة، مهزوزة بطريقة لم يعهدها منها من قبل، لذلك قال بسرعة:
“طيب افتحي الباب عايزك.”
شعرت رنيم بأنفاسها تختنق داخل صدرها.
نظرت إلى السكين ثم إلى زين الذي يراقبها بعينين مليئتين بالحقد، قبل أن ترد بصوت مرتعش:
“ل لا مش هينفع، ا اصل لابسه هدوم مينفعش تشفني بيها.”
طرق الباب مرة أخرى وقد بدأ نفاد صبره يظهر بوضوح:
“البسي حاجه وافتحي الباب يا رنيم.”
ساد الصمت لثوانٍ طويلة بدت لها وكأنها دهر كامل، ثم قالت بصوت يحمل رجاءً حقيقيًا:
“علشان خاطري سيبني أنام يا شاهين.”
ظل شاهين واقفًا أمام الباب يحدق فيه بعدم ارتياح.. كان هناك شيء خاطئ.
شيء لم يستطع تحديده، لكنه شعر به بوضوح.
أما داخل الغرفة…
فكانت رنيم على وشك الانهيار.
رفعت عينيها المبللتين بالدموع نحو زين، بينما بقيت السكين موجهة إلى عنقها، وقالت برجاء يائس:
“امشي بقى ارجوك أنا متأكده شاهين مش هيسكت وهيحاول يفتح الباب بأي طريقه لانه هيشك أن فيه حاجه من صوتي.”
ضاقت عيناه بخبث، ثم ضغط بالسكين على عنقها بقوة أكبر، حتى انشق الجلد تحت حدها الحاد وبدأت خيوط الدم تنساب ببطء.
شهقت رنيم بألم، بينما قال ببرود مخيف:
“لو مسمعتيش الكلام اللي قلتلك عليه، هحرق قلبك عليه يا رنيم.”
ثم اقترب منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه القاسية تلامس وجهها، وهمس بصوت جعل الرعب يتسلل إلى أعماقها:
“أنا وصلت لبنته وليه بكل سهولة ولولا وصول اللي اسمه جواد ده كان زماني مخلص عليهم، بس سهله لو منفذتيش اللي قلتلك عليه بالحرف هقتله قدام عيونك وهحرق قلبك عليه، وحسك عينك يعرف اني كنت هنا، فاهمه؟”
أغمضت رنيم عينيها بقوة وهي تشعر بوخز السكين في عنقها.
لم يكن خوفها على نفسها.. بل على شاهين.
فكرة أن يمسه أذى بسببه كانت كفيلة بتحطيمها بالكامل.
لذلك أومأت برأسها وسط دموعها وقالت بصوت مخنوق:
“فاهمه يا زين، امشي بقى ارجوك.”
ظل يحدق فيها طويلًا.
كانت نظرته مشبعة بكم هائل من الكراهية والحقد، وكأنه يستمتع برؤية الخوف داخل عينيها.
ثم دفعها بقوة إلى الخلف.
اختل توازنها وسقطت فوق حافة السرير، بينما اتجه هو نحو الشرفة.
وقبل أن يغادر استدار إليها مرة أخيرة وقال:
“خليكي عارفه ان الحكومه نفسها مقدرتش عليا، وزي ما عرفت اهرب بسهوله من السجن، هعرف اوصل ليكي وليه في أي مكان، يعني بلاش تشغلي دماغك عليا، فاهمه؟”
ثم تحرك سريعًا وقفز من الشرفة إلى شرفة غرفة شاهين المجاورة، واختفى في لحظات.
بقيت رنيم تنظر إلى المكان الذي كان يقف فيه قبل ثوانٍ، وكأنها عاجزة عن استيعاب ما حدث. ثم انهارت تمامًا.
ارتمت فوق السرير ودفنت وجهها بين يديها، بينما انفجرت بالبكاء.
كانت تشعر بأن الخوف يلتف حول قلبها من كل اتجاه، وأنها عالقة داخل كابوس لا تعرف كيف تهرب منه. لم يكن يؤلمها جرح عنقها بقدر ما كان يؤلمها ذلك السر الذي فرض عليها حمله، وذلك التهديد الذي أصبح معلقًا فوق رأس شاهين كالسيف. ولأول مرة منذ دخل حياتها، وجدت نفسها مضطرة لإخفاء الحقيقة عنه، رغم أن كل ما كانت تتمناه في تلك اللحظة هو أن تركض نحوه وتختبئ داخل حضنه وتخبره بكل شيء. أما في الخارج، فظل شاهين واقفًا أمام الباب المغلق، يحدق فيه بصمت، بينما كان ذلك الشعور المزعج يزداد داخله، وكان قلبه يخبره أن رنيم تخفي عنه أمرًا خطيرًا للغاية.
**************************
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس والاربعون
في صباح يوم جديد كانت رنيم تجلس فوق فراشها في وضع منكسر لم تعهده على نفسها من قبل ضمت ساقيها إلى صدرها وأحاطتهما بذراعيها، بينما أسندت رأسها فوق ركبتيها، تاركة العنان لدموعها التي لم تجف منذ الليلة الماضية، كانت خائفة.. خائفة إلى حد جعل أنفاسها ثقيلة وقلبها عاجزا عن إيجاد أي مخرج. لم تكن تعرف ماذا تفعل، فتنفيذ ما طلبه منها زين أشبه بالمستحيل، لكن فكرة أن يصيب شاهين مكروه بسببها كانت أكثر رعبا من أي شيء آخر.
انتفض جسدها بقوة عندما اخترق سكون الغرفة صوت طرقات خفيفة على الباب، أعقبها صوت
شاهين الغاضب
مش ناوية تفتحي يا رنيم بقى ؟"
رفعت رأسها سريعا ونظرت نحو الباب بتوتر واضح نهضت ببطء واتجهت إليه، لكنها توقفت فجأة عندما تذكرت الجرح المختبئ عند عنقها، ذلك الأثر الذي تركته سكين زين الباردة. استدارت على الفور نحو خزانة ملابسها، وأخرجت إسكارها سريعا لفته حول عنقها بإحكام.
تحاول إخفاء خوفها قبل أن تخفي الجرح نفسه.
بعد لحظات فتحت الباب، ونظرت إليه بعيتين متعبتین و همست:
"ص صباح الخير."
و ارتباکها یکاد يرى بالعين المجردة. لذلك سألها بهدوء حذر:
تأملها شاهين طويلا، كانت ملامحها شاحبة أكثر من المعتاد، وعيناها منتفختان من البكاء،
"ممكن أفهم أنتي فيه أيه من إمبارح ؟ قافلة الباب عليكي ورافضه تفتحي، وواضح أنك كنتي بتعيطي طول الليل، مخبيه أيه عليا يا رنيم؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت أن نظراته تخترق دفاعاتها الهشة تحركت سريعا من أمامه حتى لا يلتقط المزيد من ارتباكها، ثم قالت:
م مافيش یا شاهین، لا كنت تعبانه شوية، و ومش حابه أتكلم مع حد، و وبعدين | أنا حرة، مش مجبرة أعرفك عني كل حاجة."
رفع إحدى حاجبيه للأعلى، ونظر إليها بنظرة ممتزجة بالشك والضيق قبل أن يقول بتهكم: "والله! وده أسمه أيه إن شاء الله ؟ ده أحنا لسه كنا حلوين امبارح الصبح مع بعض، متحاوليش تكدبي عليا يا رنيم وقوليلي حصل أيه وأنا مش هنا شقلب حالك بالشكل ده؟"
زفرت بضيق وهي تشعر أن الأرض تضيق بها أكثر فأكثر، ثم قالت بنفاد صبر:
یووه بقى يا شاهين متبقاش خنيق كده قلتلك مافيش حاجه حصلت، اعتبرهم شوية
هرمونات عادي يعني بتحصل "
أوما برأسه بعدم اقتناع، ثم اقترب منها بخطوات هادئة حتى أصبح خلفها مباشرة، أحاطها
بذراعيه من الخلف وهمس بالقرب من أذنها:
" وأنا تحت أمر هرمونات الملكة رنيم، أطلبي وأنا أنفذ علشان أعدل مزاج روح قلبي "
أغمضت عينيها فوزا، وشعرت بضعف يجتاح قدميها قربه منها كان دائما كفيلا بإرباكها، أما الآن
فكان يزيد من شعورها بالذنب والخوف.
خرج صوتها مرتعشا وهي تهمس:
ش شاهين | أبعد لو سمحت."
مال برأسه تلقائيا نحو عنقها، لكنه اصطدم بالقماش الملفوف حوله عقد حاجبيه باستغراب ومد
يده لينزع الإسكارف، لكنها أمسكت يده بسرعة وقالت بتوتر واضح
"... لا سيبة"
توقف مكانه للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال بهمس دافئ
"اللي تأمري بي يا من عيوني "
أبعد يده كما طلبت، ثم رفعها نحو وجهها وأدارها إليه برفق، لتلتقي عيناهما من جديد.
تكلم بصوت صادق يحمل كل ما يشعر به:
"مش عايزك تتعصبي ولا تكوني مضايقه طول ما أنا معاكي يا رنيم، اعتبريني، كل حاجه بالنسبه ليكي، صاحبك واخوكي وحبيبك وابنك وأبوكي، ووقت ما تحتاجي شخصيه من دول
هتلاقيني بقوم بدورهم على أكمل وجه"
ارتجف قلبها بقوة، وشعرت أن كلماته تمزق ما تبقى من مقاومتها لو كان بعلم فقط ماذا تخفي عنه ... نظرت إليه بحزن بالغ وقالت بصوت مختنق
بلاش تعمل كده أرجوك أنت بتزود عذابي بطريقتك دي."
مرر يده على خدها بحنان وابتسم ابتسامة عاشقة وقال:
بس أنا مش عايز أزود عذابك، أنا عايز أزود حبي في قلبك"
امتلات عيناها بالدموع من جديد، وقالت بصوت متكسر:
انت مش عارف حاجة يا شاهين، كفاية ارجوك "
قطب حاجبيه بحيرة وسألها:
"فاهم أيه ؟ أنا عايز أعرف أنتي مخبيه أيه عني يا رنيم؟"
هزت رأسها نفيا بسرعة وقالت:
مش مخبيه حاجة يا شاهين، أنت عارف أني مستحيل هوافق عليك، سبق وقلتلك بناتك أولى
بيك "
وكأن كلماتها ألقت الزيت فوق نار مشتعلة.
ابتعد عنها شاهين بضيق ومرر يده بين خصلات شعره بعصبية قبل أن يقول من بين أسنانه:
تااني يا رنيم؟ أنا تعبت وزهقت من الكلام في الموضوع ده أنتي كنتي خلاص في المستشفى
هتوافقي لولا اتصال التليفون، أيه غير رأيك تاني ؟ أنا بحبك يا رنيم، ومهما رفضي مش هتكوني
غير ليا."
استدارت عنه وهي تعصر أصابعها ببعضها من شدة التوتر، ثم قالت بصوت متردد:
ممكن اطلب منك طلب يا شاهين؟"
نظر إليها باستغراب، لكنه أوماً موافقا:
اه طبقا اؤمري."
أغمضت عينيها للحظة وكأنها تجمع شجاعتها المبعثرة، ثم قالت:
"ممكن تسيبني اليومين دول لوحدي ؟ ي يعني بلاش وجودك معايا في الشقه الفترة الجايه ؟ عايزة أكون براحتي وافكر بهدوء، واخد قرارتي من غير أي ضغوط "
انعقد حاجباه أكثر وهو يسألها بعدم فهم:
وانا وجودي معاكي هنا، ضغط عليكي في أيه؟"
أجابت بتلعثم حاولت إخفاءه:
ساد الصمت بينهما لعدة ثوان بدت أطول من عمر كامل.
في كثير يا شاهين، وجودك جنبي بيوترني وبيخليني مشوشة ومش قادرة أركز ولا أخد قرار."
وأخيرا قال بصوت مختنق يخفي خلفه الكثير من الغضب والألم:
ظل ينظر إليها طويلا، يحاول فهم ذلك التغيير المفاجئ الذي طرأ عليها، لكنه لم يجد إجابة.
ماشي يا رنيم هنفذلك اللي أنتي عايزاه لحد بس ما أعرف أيه حصل غيرك في يوم وليله وأعملي حسابك، فكري براحتك، زي ما انتي عايزة، بس قرارك النهائي الموافقة، علشان أنا مش هسمحلك بقرار تاني غيره، فاااهمه؟"
ارتفع صوته في كلمته الأخيرة حتى انتفض جسدها بالكامل واتسعت عيناها بخوف لم يستطع تفسيره.
اكتفت بهزة خافتة من رأسها دون أن تنطق بكلمة واحدة، بينما كانت أفكارها تدور في دوامة مرعبة حول الخطوة القادمة.. والقرار الذي ستضطر لإعلانه قريبا، القرار الذي تعلم جيدا أنه
سیدمر شاهين ويجعله يفقد صوابه تماما.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، دوى صوت الباب وهو يغلق بعنف.
لقد غادر شاهين الشقة أخيرا، دون أن يضيف كلمة أخرى، واتجه إلى شقته المقابلة وقلبه يغلي غضبا وحيرة، بينما بقيت رنيم وحدها وسط خوفها ودموعها تشعر أن كل شيء من حولها ينهار ببطء، وأن الأيام القادمة تحمل لها ما هو أصعب بكثير مما تستطيع احتماله.
وصلت سمية إلى فيلا غريب وملامح وجهها متجهمة على غير عادتها، بينما كانت تيران الغضب تشتعل داخل صدرها منذ أن رأت حال ابنتها. لم تعد تحتمل رؤية جواهر وهي تذبل يوما بعد
يوم السعادة انسحبت من روحها وتركت مكانها للحزن والانكسار.
استقبلتها ترنيم بابتسامتها الدافئة المعتادة، وتقدمت منها تعانقها بمحبة قائلة:
تعالي يا روح أختك أدخلي."
لكن سمية لم تبادلها العناق كما كانت تفعل دائما ظلت ذراعاها ساكنتين إلى جوار جسدها، ولم تنطق بحرف واحد. كان الجمود الذي ارتسم على ملامحها كافيا ليجعل ترنيم تشعر أن هناك أمرا
جللا يحدث.
ابتعدت عنها قليلا ونظرت إليها باستغراب وقلق وقالت:
"مالك يا سمية؟"
رفعت سمية عينيها إليها، وكان الغضب واضحًا فيهما بشكل لم تستطع إخفاءه، ثم قالت بصوت
محتقن :
"أبنك فين يا ترنيم ؟"
انعقد حاجبا ترنيم بدهشة وهي تجيب:
فوق في أوضه، هو حصل حاجه ولا أيه؟"
لكن سمية لم تمنحها فرصة لسماع الإجابة.
استدارت مباشرة واتجهت نحو الدرج بخطوات سريعة ومتوترة صعدت إلى الطابق العلوي
بينما كانت ترنيم تنظر إليها بحيرة قبل أن تلحق بها على الفور.
وصلت سمية إلى غرفة جواد، ودفعت الباب دون استئذان
انتقض جواد من مكانه فور رؤيتها، واتسعت عيناه بدهشة وهو يقترب منها قائلا:
خالتوا سميه ! جواهر فيها حاجه ؟"
كانت أول فكرة خطرت إلى عقله أن مكروها أصاب جواهر، وإلا لما جاءت والدتها بهذه الحالة. لكن سمية نظرت إليه بضيق شديد وقالت من بين أسنانها:
"أنت بتعمل كده ليه في جواهر يا جواد عايز توصل بنتي لايه بالظبط، أنا لو أعرف أن الجوازة دي هتعمل كده فيها ؟ كنت رفضك لما جيت طلبتها مني أنا بسببك بنتي بقت شبه الوردة
الدبلانه، بسببك دموعها على خدها ليل ونهار، أنطق يا جواد عملت فيها كده؟"
في تلك اللحظة وصلت ترنيم إلى الغرفة، وتوقفت عند الباب تستمع إلى كلمات سمية المليئة بوجع الأم وخوفها على ابنتها. ثم نظرت إلى جواد بلوم واضح، تنتظر منه تفسيرا لما يحدث.
أما جواد فظل صامنا.
استمع لكل كلمة خرجت من فم سمية دون أن يقاطعها، بينما كانت ملامحه تزداد قسوة شيئا فشيئا، وحين انتهت أخيرا، سحب نفسا عميقا وأخرجه ببطء محاولا السيطرة على انفعاله ثم قال:
يعني أنا بقيت وحش أوي كده؟ خلاص نسيتي حبي لبنتك ؟ وعلشان شوية زعل بقيت وحش وخليتها شبه الوردة الدبلانه ؟ طيب مسألتيش أنا ليه عملت معاها كده؟ محاولتيش تعرفي أنا ليه اتغيرت معاها دلوقتي ؟"
لم ينجح هدوؤه في تهدئة سمية، بل ازدادت غضبا وهي تقول بصوت مرتفع:
مهما كان ده ميوصلكش تعمل كده فيها، بنتي بتموت بالبطيئ بسببك، وأنت هنا ولا على بالك.
ما دام مش فارقة معاك طلقها."
شعر وكأن الكلمات أصابت قلبه مباشرة.
أغلق عينيه للحظة محاولاً احتواء ما يشعر به، ثم قال بصوت مكتوم
يا خالتوا أسمعي وأفهمي الأول وبعد كده أبقي أحكمي "
عقدت ذراعيها أمام صدرها وظلت تنظر إليه بصمت، تمنحه فرصة أخيرة للكلام.
زفر بضيق وأخذ نفسا عميقا قبل أن يبدأ الحديث:
"بنتك مبقتش بتسمع الكلام، شايفه أننا ما دام أنجوزنا، يبقى تعمل اللي هي عايزاه، نبتها بدل
المرة مليون مرة بس ولا كاني بقولها حاجة عديت موضوع تهديد اللي اسمه وحيد ليها، عديت
موضوع شاهين اللي خبته عليا، عديت حاجات كثير ومازالت بعدي بس هي عملت ايه؟ يتسوء
فيها، لما قلت ليها متروحيش عند رنيم المستشفى جات قصاد الكل وكسرت كلمتي وراحت خلت منظري هلهوله، ماليش كلمة عليها، الأول كنا بنتخانق كثير بس كنت براجع نفسي وأقول بلاش تضغط عليها هي دلوقتي ليها أمها وأبوها مسؤولة منهم، لكن دلوقتي هي مراتي لازم تحترمني، لازم تفهم اني راجل ليا كلمة عليها، ولما أقول لاء، يبقى لازم تنفذها، أنا بحب جواهر بعشقها كمان ومش حابب اللي علاقتنا وصلت لي بس برضه حابب تفهم الصح من الغلط قبل ما يتقفل علينا باب واحد"
كادت سمية ترد عليه، لكن ترنيم سبقتها هذه المرة.
تقدمت خطوة للأمام، وقد بدأ الغضب يظهر بوضوح على ملامحها، ثم قالت:
" وهي فين من ده كله؟ فين شخصيتها اللي أنت عايز تمحيها ؟ مش معنى أنك مش موافق على حاجه يبقى هي مجبرة ترفضها علشان تسمع كلامك الأول المفروض تتناقشوا في الموضوع وتسمع وجهة نظرها وتقول وجهة نظرك وتوصلوا لحل يرضيكم أنتوا الاتنين، مش يرضيك أنت بس يا جواد، أنت مش أخد بنات الناس علشان تعيش دور سي السيد عليها وتفرض سيطرتك عليها، أنا شايفه أنها مكانتش غلطانه في المستشفى ولا غلطانه اصلا قبل كده، انت اللي غلطان وعايز ضرب الجزمه كمان البنت بتحبك، وبتتمنالك الرضا ترضى بلاش نفسى عليها وتكرهها
فيك يا أبني علشان لو خسرتها هتفضل عمرك كله ندمان عليها."
هبطت كلمات ترنيم على سمية كالماء البارد، فهذا جزء من غضبها وهي تستمع إليها تنصف
جواهر وتدافع عنها.
أما جواد فقد اشتدت ملامحه قسوة، وضغط على أسنانه بقوة قبل أن يقول بغضب:
"آه ما أنتي لازم تنصفيها، علشان عملت زبك وكسرت كلمتي زبي ما أنتي كسرتي كلمة بابا في المستشفى، بس لا يا ماما أنا وهي غيرك أنتي وبابا، أنا اه يحب أكون سي السيد وده ولا عيب ولا حرام، كل واحد حر في حياته، وأشكل مراتي زي ما أنا عايز، مش زي ما انتوا عايزين لم تحتمل ترنيم كلماته.
ارتفعت يدها في لحظة غضب وصفعته بقوة على خده، فدوى صوت الصفعة داخل الغرفة قبل
أن تقول بحدة:
"اخرس قطع لسانك، إياك تتكلم بقلة أدب معايا یا جواد مش علشان شديت طولك شويه تنسى اني أمك وتبطل تحترمني، وبالنسبه لجواهر أنا اللي يقولك أنك متستحقهاش، وهخلصها منك
وهخليها تعيش حياتها مع الراجل اللي يستحقها ويحبها بجد"
الصفعة نفسها لم تؤلمه .. لكن الكلمات فعلت خصوصا الجزء الأخير.
مجرد تخيل جواهر مع رجل آخر كان كفيلا بإشعال كل ذرة غضب داخله.
فرفع رأسه فجأة وصاح بغضب هائل:
طيب خلي حد يقرب منها وأنا هقتله يا ماما، جواهر بتاعتي ومش هتكون غير ليا فاااهمين "
ما إن أنهى كلماته حتى استدار بعنف ولكم زجاج خزانة ملابسه بقبضته.
تحطم الزجاج تحت يده وتناثرت الشظايا على الأرض بينما اندفعت الدماء من كفه بغزارة.
ثم أطلق صرخة غاضبة جعلت ترنيم تنتفض في مكانها.
ركضت نحوه غریزیا کی تطمئن على يده، لكنه تراجع وهو يقول بغضب:
"متقرييش واطلعوا بره
شعرت ترنيم بالندم على ما قالته قبل قليل، فنظرت اليه يحزن وقالت:
جواد عصبيتك دي هي السبب في كل حاجه."
لكن رد فعله جاء أعنف مما توقعت.
إذ صرح بغضب أكبر:
"اطلعوا بررره.
نظرت ترنيم إلى سمية بعجز، ثم تحركنا نحو الباب.
لكن قبل أن تغادرا تماما، أوقفهما صوته الغاضب وهو يقول:
ثلاثه بالله العلي العظيم لو شفت راجل مقرب منها لكون قتله وداخل فيه السجن، جواهر
مراتي، ومش هطلقها فاهمين "
تبادلت المرأتان النظرات قبل أن تومنا برأسيهما بصمت.
ثم خرجتا سريقا قبل أن ينفجر غضبه أكثر فهما تعرفان جيدا أن جواد حين يصل إلى هذه الحالة يصبح قادرا على تحطيم كل شيء حوله.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفهما، نظر جواد إلى أثرهما بعينين مشتعلتين.
جلس على حافة السرير يلتقط أنفاسه بصعوبة، بينما كانت الدماء ما تزال تنساب من يده دون
توقف، لكنه لم يشعر بالمها. فالألم الحقيقي كان في مكان آخر تماما.
جلس شاهين داخل غرفته يشعر بغضب وحيرة تلتهمان رأسه بلا رحمة. لم يكن قادرا على فهم ما حدث لرنيم حتى تتبدل بهذه الصورة المفاجئة، فمنذ صباح الأمس كانت قريبة منه كما اعتادها، تدلله بطريقتها العفوية، وتنظر إليه بعينين تقيضان بعشق صادق لا تخطئه العين، أما الآن فقد أصبحت تتجنبه بصورة واضحة، تطلب منه أن يبتعد عنها ويتركها بمفردها، وتتهرب من وجوده، شيئا ما انقلب داخلها بين ليلة وضحاها.
زفر بضيق وهو يمرر يده بين خصلات شعره بعصبية، ثم نهض من فوق السرير واتجه نحو
الشرفة. أخرج سيجارة وأشعلها، قبل أن ينفت دخانها في الهواء ببطء، بينما ظلت عيناه معلقتين بالفراغ أمامه دون هدف حقيقي كان يتابع تصاعد الدخان إلى الأعلى حتى يتلاشى
شيئا فشيئا، وكأنه يرى حيرته تتبدد معه دون أن يجد لها تفسيرا.
وبعد لحظات التفت بنظره نحو شرفة رنيم منتظرا ظهورها، كان يأمل أن يراها ولو لثوان
معدودة، لعل عينيها تمنحانه إجابة أو إشارة تطمئنه إلى أن كل ما يحدث مجرد سوء فهم عابر لكنها لم تظهر. ظل يراقب المكان يصمت حتى هبط بصره إلى الأسفل مصادفة، لتستقر عيناه
على شيء ملقى بالقرب من سور الشرفة.
عقد حاجبيه باستغراب وتحرك نحوه يبطء، ثم انحنى والتقطه من الأرض كانت سكينا صغيرة يعلو نصلها أثر واضح لدماء جافة، اعتدل بجسده وأخذ يقلبها بين يديه أكثر من مرة، يحاول استيعاب وجودها في هذا المكان، لكن الأمر بدا غامضا ومثيرا للريبة بصورة جعلت عدم
الارتياح يتسلل إلى داخله.
سکین داخل شرفته و عليها آثار دماء؟
كيف وصلت إلى هنا؟ ولمن تعود؟
ظل يتأملها لثوان طويلة دون أن يصل إلى أي تفسير منطقي، ثم عاد إلى الداخل ووضعها داخل درج مكتبه الخشبي وأغلقه بإحكام، قبل أن يرمق الدرج بنظرة طويلة، عقله يسجل تلك
الملاحظة ليعود إليها لاحقا.
في تلك اللحظة سمع طرقات خفيفة على الباب، فالتفت نحوه وتحرك بخطوات هادئة، ثم فتحه ليجد ميا أمامه.
ارتسمت ابتسامة حانية على وجهه وأفسح لها الطريق قائلا:
"أدخلي يا حبيبتي "
دخلت الصغيرة إلى الغرفة، فأغلق شاهين الباب خلفها، ثم وضع يده فوق كتفها واتجه معها نحو السرير. جلسا معا قبل أن ينظر إليها بحب ويقول:
حبيبت بابي صاحبة بدري ليه ؟"
حرکت كتفيها بضيق وقالت :
مش عارفه انام، كل شوية إيما تصرخ وهي خايفه وترجع تمام ثاني "
اختفت ابتسامته تدريجيا، وعقد ما بين حاجبيه باستغراب وهو يسألها:
" وهي بتعمل كده على طول؟ ولا هو النهاردة بس؟"
تكلمت سريعا ووضحت له قائلة:
من يوم ما اتخطفت يا بابي وهي خايفه كده على طول، تفضل تصرخ وتعيط كثير وتقوم مفزوعه من نومها."
أغمض شاهين عينيه بضيق وهو يشعر بغضب مكتوم يشتعل داخله كلما تذكر ما مرت به طفلته ثم زفر ببطء وأوما برأسه قائلا:
معلش يا حبيبتي، أستحملي أختك شويه اللي هي شافته وهي مخطوفه مكانش قليل عليها." اومات برأسها بتفهم ثم قالت بحزن:
"أنا مش مضايقه منها خالص يا بابي، أنا بس زعلانه عليها ومن خوفها، المهم أنا روحت خبط
على باب رنيم مفتحتش ليا هي مش جوه ولا أيه؟"
رفع رأسه إليها سريعا ونظر لها باستغراب وقال:
"لا انا لسه سايبها كانت جوة هتكون راحت فين ؟"
حركت كتفيها بطفوليه وقالت:
مش عارفه انا فضلت أخبط على الباب، وارن الجرس عليها، مش بترد"
تلاشت بقايا هدوله عند سماع كلماتها. فعدم رد رنيم لم يعد أمرا عاديا بالنسبة له، خاصة بعد تصرفاتها الغريبة منذ الأمس. مد يده سريعا نحو هاتفه والتقطه، ثم نظر إلى ابنته وقال:
"ماشي يا حبيبتي روحي أوضك دلوقتي حاولي تنامي شوية لسه بدري "
أومأت برأسها ونهضت من مكانها، ثم اتجهت نحو الباب وخرجت منه وأغلقته خلفها بهدوء. ظل شاهين يتابع أثرها للحظات قبل أن يخفض بصره إلى شاشة الهاتف. أخذ يبحث بين
الأسماء حتى استقر نظره على اسم رنيم فضغط على زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه
منتظرا أن تجيب، لكنها لم ترد عليه.
اشتدت ملامحه قليلا، فأعاد الاتصال مرة أخرى وهو يحاول إقناع نفسه بأنها ربما لم تسمع الهاتف، إلا أن المحاولة الثانية لم تكن أفضل من الأولى، إذ استمر الصمت على الجانب الآخر
دون أي استجابة منها.
ضغط على أسنانه بعصبية، وشعر بأن القلق بدأ يتسلل إلى داخله رغما عنه. خفض الهاتف عن أذنه ونظر إلى الشاشة للحظات، ثم ألقاه فوق السرير بغضب واضح، قبل أن يرفع رأسه وينظر أمامه بنظرة متوعدة لرنيم، وقد ازداد يقينه بأن هناك شيئا تخفيه عنه مهما حاولت الإنكار أو الهروب.
كانت تجلس داخل احدى الكافيهات وهي تشعر بأنفاسها تضيق شيئا فشينا، بينما يداها الباردتان
تحتضنان حقيبة يدها بقوة. لم تستطع إبعاد عينيها عن الهاتف الذي ما زال يضيء داخل الحقيبة باسم شاهين شعرت بالدم يتدفق بعنف داخل عروقها من شدة التوتر، فقيضت على
الهاتف للحظة داخل الحقيبة ثم أعادته سريعا.
رفعت رأسها أخيرا ونظرت إلى عمر الجالس أمامها بضيق واضح، ثم قالت:
ممكن أفهم أنت صممت تتقابل في وقت زي ده ليه ؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة أثارت أعصابها أكثر، ثم قال بنبرته الرجولية الواثقة:
حابب تتعرف على بعض أكثر، وتتفق على الخطوة الجاية في حياتنا ونشوف هننزل نشتري الشبكة امتى ؟ "
أغمضت عينيها للحظة وهي تحاول السيطرة على غضبها المتصاعد، قبل أن تفتحهما من جديد وتقول بنفاد صبر:
نتعرف على بعض ليييه؟ ومافيش اتفاق على حاجة ولا فيه شبكة، أنا مش موافقة عليك أصلاً"
في مواجهة مع امرأة ترفضه بكل ما تملك، ثم قال:
تراجع بجسده إلى الخلف وأسند ظهره على المقعد براحة مستفزة، وكأنه يجلس في لقاء ودي لا
بس أخوكي بلغك بالكلام ده أمبارح ولازم توافقي وتنفذي اللي قالوا ليكي بالحرف الواحد، يا اما كده انتي عارفه هو هيعمل ايه ؟
اشتعل الغضب داخلها أكثر وضغطت على أسنانها بقوة وهي تقول:
انتوا عايزين مني أيه؟ أنا مش عايزاك، هو الجواز بالعافيه ؟"
في لحظة واحدة تبدلت ملامحه مال بجسده للأمام وأسند ذراعه على الطاولة، ثم أمسك يدها بقوة جعلتها تنتفض في مكانها. كانت نظراته حادة ومخيفة على نحو لم تتوقعه، وعندما تحدث
جاء صوته منخفضا لكنه كان أكثر رعبا من أي صراخ
"أه بالعافيه، لأن الذوق منفعش معاكي اتقدملك بدل المرة كذا مرة، وفي كل مرة رد حسام جوز عمتك عليا، برفضك من غير حتى ما تشوفيني ولا تعرفيني، كنت كل مره عندي أمل أننا حتى نتقابل وتديني فرصه واحده اعرفك بيا پس رده واحد أنك رافضه فكرت الجواز دلوقتي، ليه ؟ هو فيه ايه احسن مني ؟ ليه ادتيلوا هو فرصة وحبتيه، وانا لا؟، بس ما دام مجتيش بالذوق يبقى تيجي بالغصب، وبالعافيه، أنا اللي روحت لاخوكي السجن، وعرض عليه أني اهربه في مقابل أني أتجوزك يا أما يخلص على حبيب القلب شاهين، وانتي دلوقتي معندكيش حرية
الاختيار يا رنيم انا وانتي هنتجوز"
شعرت الأرض تميد تحت قدميها. كانت تنظر إليه بصدمة حقيقية، غير مصدقة ما تسمعه، الأول مرة تدرك حجم الجنون الذي تتعامل معه، ولأول مرة تشعر أن الكابوس الذي تعيشه أصبح أكثر ظلاما مما تخيلت.
حركت راسها بالرفض سريعا، بينما ارتجف صوتها وهي تقول:
انت اكيد مجنون مش طبيعي هو الحب بالعافيه؟ أنا معرفكش قبل كده، وزبك زي غيرك كنت برفضهم من غير حتى ما أشوفهم كنت مأجلة الخطوة دي لوقتها، ولما قابلته كنت رافضه برضه الفكرة، بس غصب عنى حبيته مش بايديا صدقني ارجوك أصرف نظر عن اللي طلبته مني ده. ودور على واحده غيري واحده تحبك وتسعدك، إنما أنا مش هقدر أعمل ده."
لكن كلماتها لم تجد أي أثر داخله، ظل ينظر إليها بهدوء بارد أثار الرعب في قلبها أكثر من غضبه. ثم قال:
تحبي بقى تعمل شبكة وكتب كتاب؟ ولا تعمل شبكة وكتب كتاب والفرح على طول ؟"
اتسعت عيناها بذهول حقيقي. لم تستوعب كيف تجاهل كل ما قالته بهذه البساطة. كانت تحاول إقناعه بالتراجع عن هذه المهزلة، بينما هو يتحدث عن الشبكة والفرح وكأن موافقتها أصبحت أمرا محسوما.
تنفست بحدة وقالت بنفاد صبر:
" يا أستاذ عمر شبكة ايه ؟ وفرح أيه؟ بقول لحضرتك، أنا مش موافقة عليك، مش هقدر أعمل كده والله "
لم يرد عليها هذه المرة، بل النقط هاتفه وأجرى اتصالا سريعا، ثم قال بعد أن جاءه الرد:
عامل ايه يا أبو نسب؟ يقولك ايه يا غالي ؟ أختك رافضه تتجوزني ايه رأيك؟"
وقبل أن تستوعب ما يفعل، فتح مكبر الصوت ووضع الهاتف فوق الطاولة.
تجمد الدم داخل عروقها فور سماع صوت زين
صوت تعرفه جيدا.. صوت أصبح مرتبطا بالخوف والتهديد والكوابيس.
قال زين بتهديد صريح
يبقى نحرق قلبها على حبيب القلب، أنا كده كده مش طايقة، وبكده مش هيبقى قدامها حد غيرك ومتوافق عليك ورجليها فوق رقبتها."
في تلك اللحظة انهارت آخر ذرة قوة كانت تتمسك بها انهمرت دموعها رغماً عنها وهي تقول بصوت مرتجف
"بترجاك متعملش کده یا زین شاهین ملوش ذنب باللي بيحصل ده أنا اللي رافضه الجواز حتى
من شاهين نفسه، يعني الفكرة نفسها مرفوضه صدقني "
لكنها لم تجد أي رحمة في صوته، بل جاءها محملا بكل ما يحمله قلبه من حقد وكراهية:
"أنا مش بخيرك يا روح أمك انتي هتتجوزي عمر وهتبعدي عن اللي اسمه شاهين، ورجلك فوق رقبتك، أنا مش يهدد على فكرة يعني متسهتريش بكلامي "
شعرت برعشة قوية تجتاح جسدها بالكامل، كانت تعرف أنه قادر على تنفيذ تهديداته، وتعرف أكثر أنه لن يتردد لحظة إذا قرر إيذاء شاهين.
في المقابل ارتسمت على وجه عمر ابتسامة انتصار واضحة، ثم قال: تمام يا غالي لو فيه أي حاجة هكلمك، سلام "
أغلق الخط ووضع الهاتف فوق الطاولة بهدوء، ثم عاد ينظر إليها، قبل أن يقول بنيرة مستفزة:
ها ؟ قولتي بقى هنعمل أيه الخطوة الجايه ؟"
رفعت عينيها إليه ببطء، كانت الدموع تملأهما، لكن ما كان يطفى عليهما أكثر هو الكره. كره حقيقي لم تشعر به تجاه أحد من قبل كره الرجل يحاول امتلاكها بالقوة، ولآخر يساومها على حياة من تحب.
حرکت رأسها بالرفض بصمت ولم تنطق بكلمة واحدة.
أما عمر، فقد تعالت ضحكاته وهو يرجع ظهره إلى الخلف في راحة تامة، وظل ينظر إليها وكأنه استمتع برؤية انكسارها أكثر من استمتاعه بأي انتصار آخر.
عند جواهر.....
استيقظت جواهر من نومها على صوت رنين هاتفها الذي شق سكون الصباح، تحركت يدها فوق الفراش بعشوائية وهي ما تزال مغمضة العينين، تتحسس مكان الهاتف إلى أن عثرت عليه
أخيرا التقطته سريعا وأجابت دون أن تنظر إلى الشاشة، وصوت النعاس ما زال يثقل كلماتها: "ألو عايزة ايه يا رنيم على الصبح كده؟"
لكن بدلا من صوت رنيم جاءها صوت جواد الغاضب كصفعة مفاجئة أيقظتها بالكامل. فانتفضت من مكانها وهي تسمعه يقول:
أجهزي حالاً أنا جاي اخدك "
فتحت فمها لترد عليه، إلا أنه أغلق الخط في وجهها دون أن يمنحها فرصة واحدة للكلام. أبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت إلى الشاشة باستغراب، وقد العقدت الحيرة داخلها، لم تفهم
سبب غضبه ولا ما الذي حدث ليستيقظ بهذا القدر من التوتر.
زفرت بضيق ونهضت من فراشها، ثم اتجهت إلى المرحاض. وقفت طويلا تحت المياه الدافئة تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إلى صدرها منذ سمعت صوته، لكن محاولاتها باءت بالفشل، خرجت بعد ذلك وارتدت ملابسها ومشطت شعرها بهدوء، وفي تلك اللحظة أعلن هاتفها
عن اتصال جديد.
نظرت إلى الشاشة فوجدت اسم جواد يتصدرها.
أطلقت زفرة أخرى أثقل من سابقتها، ثم اتجهت نحو النافذة، وما إن أبعدت الستار حتى رأته يقف بسيارته أسفل المنزل.
وضعت الهاتف داخل حقيبة يدها دون أن تجيب، ثم خرجت من غرفتها واتجهت نحو غرفة والدتها. طرقت الباب بخفة وفتحته، لكنها لم تجدها بالداخل أغلقت الباب مرة أخرى وهبطت
إلى الأسفل تبحث عنها، إلا أنها اكتشفت أنها خرجت من المنزل.
لم تجد أمامها سوى التوجه إلى الخارج.
وما إن وصلت إلى السيارة حتى التفت إليها جواد وقال بصوت غاضب
"أركبي العربيه أخلصي "
نظرت إليه بضيق قبل أن تفتح الباب وتصعد إلى المقعد المجاور له، ثم أغلقته بعنف يعكس غضبها المكبوت.
وبمجرد أن جلست انطلقت السيارة بسرعة جنونية.
انعقد حاجباها باستغراب، لكنها لم تعلق، كانت تعرف جواد جيدا، تحفظ تقلباته كما تحفظ تفاصيل وجهه. وكانت تدرك أن غضبه الآن بلغ مرحلة لا يصل إليها إلا نادرا، وأن سؤالا واحدا في الوقت الخطأ قد يشعل الموقف أكثر مما هو مشتعل بالفعل.
لهذا التزمت الصمت.
أدارت وجهها نحو النافذة تراقب الطريق المار أمامها بدت هادئة من الخارج، لكن داخلها كان عالقا كاملا من الفوضى، خوف، ووجع، وارتباك، وأسئلة لا تجد لها إجابة. خليط مرهق صنع ضجيجا هائلا داخل صدرها حتى كادت تختنق به.
وبعد عدة دقائق توقفت السيارة أمام أحد الفنادق.
ترجل جواد بسرعة، ثم دار حول السيارة وفتح بابها. أمسك ذراعها بقوة وأجبرها على النزول. شهقت متألمة وهي تقول:
" أنت بتعمل ايه يا جواد؟ وواخدني ورايح على فين؟"
لكنه لم يجبها.
وقف أمام الموظفة وقال بلهجة مباشرة:
ظل ممسكا بذراعها وهو يسحبها خلفه إلى الداخل حتى وصلا إلى مكتب الاستقبال.
"عايز غرفة أنا ومراتي "
تمام يا فندم ممكن البطاقة الشخصيه بتاعة حضرتك وعقد الجواز"
نظرت الموظفة إليه بهدوء مهني وقالت:
اوماً برأسه وأخرج الأوراق المطلوبة وسلمها لها، بينما كانت جواهر تقف بجواره تنظر إليه
بصدمة حقيقية، غير قادرة على استيعاب ما يحدث.
أنهى الإجراءات سريقا، ثم أخذ بطاقة الغرفة وأمسك ذراعها مجددا وصعد بها إلى الأعلى.
كان يسير بخطوات سريعة وحاسمة، وصل إلى الغرفة، وضع البطاقة في مكانها فانفتح الباب.
فدفع جواهر إلى الداخل ثم دخل خلفها وأغلق الباب بإحكام.
وقفت جواهر في مكانها تنظر إليه بتوتر واضح كان هناك شيء مخيف في عينيه، شيء لم تره
من قبل بهذا الشكل.
لكنها حاولت التمسك بما تبقى لها من قوة أمامه، وقالت:
"خلاص خلصت؟ عملت كل اللي انت عايزه؟ ممكن أفهم أنت جاييني هنا ليه؟"
اقترب منها ببطء شديد.
ومع كل خطوة كان الخوف يزداد داخلها أكثر حتى وصل إليها وتكلم من بين أسنانه:
"عايزة تطلقي علشان تتجوزي راجل ثاني يا جواهر؟
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وقالت بغضب:
"أيه الجنان اللي أنت بتقوله ده يا جواد، أنا أه عايزه أطلق منك بس مش علشان اتجوز ثاني أصلاً ما فيش راجل غيرك يملى عينيا، ولا عمرى اسمى هيتكتب على أسم راجل ثاني غيرك يا جواد"
بمجرد انتهاء كلماتها أحاط خصرها بذراعيه بقوة حتى التصقت به، ثم قال بصوت هامس "أنتي متقدريش تعملي كده أصلا علشان لو فكرتي تعملي كده مجرد تفكير بس، هشرب من
دمك يا جواهر."
دفعته بعيدا عنها بعصبية وقالت:
"لا يا جواد، أقدر أعمل كده عادي بس أنا اللي مش عايزه كده مش خوف منك، بس عيوني
مستحيل تبص لراجل غيرك قلبي مكتوب على أسمك أنت جسمي وكل حاجه فيا ملك ليك.
ويحرم عليا أي راجل غيرك يا جواد بس أننا نكمل مع بعض ده مستحيل"
مرزیده داخل شعره بعنف واضح وقال بنقاد صبر:
" أنتي عايزه تجنينني؟ يعني أيه بحبك ومش عايزة غيرك؟ وترجعي تقولي مستحيل تكمل مع بعض ؟ "
اتحركت نحو السرير وجلست عليه ببطء، ثم رفعت عينيها إليه.
كان الحزن يملأ ملامحها بالكامل.
حزن امرأة ما زالت تعشق الرجل نفسه، لكنها لم تعد تعرف كيف تعيش معه، ثم قالت:
"علشان أنا محبتش جواد اللي ظهر بعد كتب الكتاب، أنا حبيت جواد الثاني، اللي كبرنا سوا
وكان بيحبني بجد اللي كنت أجري على حضنه علشان اتحامى فيه من الدنيا كلها، أما دلوقتي
أنت مين ؟ انت بقيت واحد معرفهوش واحد غضبه هو اللي بيتحكم فيه في أي وقت واحد مبقاش يحبني زي الأول، أنت بقيت أكثر حد يخاف منه بعد ما كان حضنك هو اماني، عرفت
بقى ليه مستحيل تكمل مع بعض ؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة لا تحمل أي فرحة، وقال بصوت غاضب
"اللي بيعجبني فيكي، أنك عايشه على طول دور الضحيه، يعني شايفه الغلط كله على غييرك ومش قادرة تشوفي غلطك انتي طيب يا ستي أنا اللي وحش وأنا اللي اتغيرت وأنا إبن جزمه كمان بس وحياة أمك طلاق ما مطلق، ولو سمعت الكلمة دي منك ولا من أمك تاني لكون
مطريق الدنيا كلها فوق دماغكم فاهمة. "
نظرت إليه بعدم فهم وقالت:
"أمي وأيه دخل ماما في الموضوع يا جواد؟"
ضغط على أسنانه بقوة وقال:
"قال يعني البت مش عارفه؟ أنا متأكد مليون في الميه، أنك أنتي اللي بعتيها، علشان عارفه أني
مستحيل اغلط فيها."
وقفت فجأة وقالت بغضب شديد
"أنا مش فاهمه حاجه، ماما عملت أيه ؟ ولا قالتلك أيه؟ أقسم بالله أنا ما طلبت منها حاجة"
أغمض عينيه بضيق، ثم قال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
"أعملي حسابك، الفرح هيكون الاسبوع الجاي "
اتسعت عيناها بصدمة واقتربت منه قائلة:
"أنت أيه اللي بتقوله ده؟ أنت اتجننت ؟"
امسك ذراعها بعنف وضغط عليه بقوة وهو يقول:
اه اتجننت يا جواهر، واللي قلته هيتنفذ بدل ما أقسم بالله ادخل عليكي دلوقتي، ومن غير أي
فرح، أنتي مراتي واعمل فيكي اللي أنا عايزة محدش ليه عندي حاجة."
شعرت وكأن الكلمات طعنت قلبها مباشرة .. رفعت يديها إلى أذنيها تحاول الهروب من صوته ومن وجعها معا، ثم قالت من بين شهقاتها :
بس بقى كفايه، أنت ليه مصر تكرهني فيك؟ ما فيش فرح هيتم يا جواد و هطلقني غصب عنك "
في لحظة واحدة جذبها إليه وأحاطها بذراعه بقوة، ثم همس بجوار أذنها:
بلاش تستفزيني قلتلك، أنا ماسك أعصابي بالعافيه، وماسك نفسي عنك بصعوبه"
ارتجف جسدها من قربه، وضربته على صدره بقبضتيها وهي تبكي:
"أنا بكرهك يا جواد بكرهك."
لكن المفارقة المؤلمة أنها ما إن قالتها حتى انهارت تماما..
وضعت رأسها فوق صدره و تمسكت به بقوة، وظلت تبكي بحرقة.
وكأنها تكره الرجل الذي أصبح عليه، وتتشبث في الوقت نفسه بالرجل الذي أحبته يوما.
أغمض جواد عينيه بوجع لأول مرة بدا عاجزا بهذا الشكل.
كان قلبه يدفعه إلى احتضانها والاعتذار لها وإعادة كل شيء كما كان، بينما عقله يصرخ داخله
مذكرا إياه بما فعلته في المستشفى، وبكل مرة شعر فيها أنها وضعت غيره فوقه. ظل ممزقا بين
الاثنين، وفي النهاية انتصر غضبه.
ابعدها عنه بعنف وتركها واقفة مكانها، ثم اتجه إلى الشرفة وخرج إليها، وقف هناك يستنشق
الهواء بقوة ويحاول النقاط أنفاسه المتسارعة، كان يهرب من وجودها قبل أن يضعف أكثر.
أما جواهر فبقيت واقفة في مكانها تنظر إلى أثره بصدمة.
كانت تشعر أن المسافة بينهما أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
رجل تحبه بكل ما فيها .. ويكسر قلبها بكل ما فيه.
لم تعد تعرف كيف تجتمع هاتان الحقيقتان في شخص واحد.
وبمجرد أن اختفى داخل الشرفة، انهارت فوق السرير وأغرقت وجهها في الوسادة، بينما
استمرت دموعها في الانهمار بلا توقف تبكي حبا لم يمت وعلاقة تتهاوى أمام عينيها يوما بعد
يوم.
غادرت سمية الفيلا وهي ما تزال تحمل داخلها خليطا من الغضب والقلق على ابنتها، بينما ظلت
كلمات جواد تتردد في أذنها دون توقف.
أما ترنيم فصعدت إلى غرفتها بخطوات متثاقلة. كانت تشعر يضغط كبير فوق صدرها، فالأمور
التعقد يوما بعد يوم، وجواد بعناده وغضبه يسير بعلاقته مع جواهر إلى طريق لا تحب أن
تتخيله
دفعت باب الغرفة يهدوه ودلفت إلى الداخل، لتجد غريب ما يزال مستغرقا في النوم. وقفت
وهي تقول بصوت مختنق
للحظات تنظر إليه بضيق، ثم تقدمت وجلست على حافة السرير بجواره، وربتت على كتفه برفق
غريب اصحی یا غریب"
تحرك إلى الجهة الأخرى من الفراش دون أن يجيبها.
زفرت بضيق ونقد صبرها سريعا، فقالت بنيرة غاضبة:
ممكن ترد عليا علشان انا عايزه اتكلم معاك في موضوع ضروري "
أتاها صوته النعاس وهو يقول:
اشتعل الغضب داخلها أكثر قصفعته على كتفه العاري وهي تقول:
"مش وقته یا ترنيم."
"لا وقته یا غریب ده مستقبل ابننا ولازم تتكلم فيه."
في لحظة واحدة اعتدل جالسا ونظر إليها بنظرة حادة جعلت الرعشة تسري في جسدها، ثم قال
بغضب:
"انتي بتمدي ايدك عليا ؟"
ابتلعت ريقها سريعا وهزت رأسها نفيا وقالت:
"لا والله مقصدش | أنا كنت بصحيك بس "
ظل ينظر إليها لثوان طويلة قبل أن ينهض واقفا من مكانه، ثم قال بوجه متجهم:
"ماله البغل ده؟"
نهضت هي الأخرى بسرعة ووقفت أمامه مباشرة وقالت:
معذب البت معاه ومطلع عينيها من يوم ما كنا في المستشفى، وسميه زعلانه على حال بنتها.
ولما جات تتكلم معاه خفت احسن ابنك بغبائة يتعصب عليها ولا يقول كلمه تزعلها روحت أنا
مدخله قبلها و وعصبني بكلامه روحت ضربته بالقلم، ومن ساعتها خرج متعصب ومعرفش راحفين"
اتسعت عيناه قليلا قبل أن يقول بغضب:
"لا والله ! ضريتي إبنك اللي أطول منك بالقلم قصاد حماته؟ لا شاطره"
بدأت تدعك يديها ببعضهما بتوتر وقالت:
" اعمل ايه بس يا غريب، إبنك صعب أوي، وخايفه حياته تتخرب من قبل ما تبدأ ويخسر البت. هما الاتنين بيحبوا بعض ومن وهما أطفال صغيرين، ولما كبروا وخلاص بقوا لبعض يحصل کده؟"
تكلم من بين أسنانه بنفاد صبر:
تقومي تضربي بالقلم انتي اتجننتي على الآخر يا ترنيم المشكله ان ابنك دماغه مجنونه وطقه زيك بيتصرف بغبائك"
رفعت أحد حاجبيها وقالت بتهكم:
مش ملاحظ أنك بتغلط فيا؟"
تحرك من أمامها وهو يقول:
"أحمدي ربنا أني بغلط بس، واحد غيري كان زمانه قتلك، على اللي بتعملي فيا."
عقدت حاجبيها بعدم فهم، ثم أسرعت خلفه وأمسكت ذراعه قائلة بضيق:
تقصد أيه بكلامك ده ؟"
استدار إليها فجأة، ثم أحاط خصرها بذراعه وسحبها إليه، وقال من بين أسنانه:
شايف ايدك بقت تطول على الكل هنا !"
رفعت رأسها إليه، وظلت تنظر داخل عينيه للحظات، قبل أن تضع رأسها فوق صدره وتقول
بصوت اختنق بالمشاعر:
وحشتني اوي يا غريب أول مرة تقسى عليا الفترة دي كلها."
أغمض عينيه بضيق وهو يستنشق رائحتها التي اشتاق إليها حد الجنون، كان يحاول أن يتمسك
بغضبه منها، لكنه كان يضعف في كل مرة تقترب منه بهذا الشكل.
شدها إلى حضنه بقوة واكتفى بالصمت.
رفعت رأسها مرة أخرى ونظرت إليه بعينين امتلانا بالرجاء، ثم قالت بنيرة جعلت كل دفاعاته تنهار
" أنا أسفه يا غريب، بحبك والله."
هبطت عيناه إلى شفتيها، وتعالت أنفاسه بصورة واضحة شعر أن كل غضبه يتلاشى أمامها
شيئا فشيئا، فمال برأسه إليها وقبلها باشتياق كبير.
ابتسمت بسعادة حقيقية وتمسكت به بقوة، وقد عادت أخيرا إلى المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان.
واتجه بها نحو السرير. لكنها اتسعت عيناها بصدمة وقالت بسرعة
وبعد لحظات ابتعد عنها قليلا ليمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه
عليه علشان خاطری یا غریبه
مش هينفع دلوقتي يا غريب حياة أبنك بتخرب، وأنت عايز كده يعني، خلينا نطمن الأول
أغمض عينيه بقوة وقال بأنفاس لاهثة:
بطلي تنطقي أسمي بالطريقة دي علشان أنا على تكه."
ابتسمت رغم توترها وأحاطت عنقه بذراعيها، ثم وضعت رأسها فوق صدره وقالت يحب
"أنا فرحانه أوي أنك سامحتني يا غريب، بحبك أوي والله العظيم، المهم دلوقتي حاول توصل
لابنك جواد قبل ما يخرب الدنيا بجنانه ده"
تنهد وهو يقبل رأسها بحنان ثم أنزلها برفق على السرير وقال بنفاد صبر:
"أنا تعبت من أفعال ابنك البغل ده مش عارف هيبطل جنانه ده امتی؟"
ابتسمت له وقبلت يده بحب قائلة:
"ربنا يخليك لينا، أحدا من غيرك ولا حاجة"
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيه، وجلس بجوارها ممسكا بيدها بين كفيه وكأنها أثمن ما
يملك، ثم قال بصوت هادئ مليء بالمشاعر:
ترنيم انتي عارفه أنا بعشقك قد ايه، ومن اللحظة الأولى اللي دخلتي فيها حياتي وأنا مش شايف غيرك علشان كده مش عايز از علك علشان مش يكون مبسوط وأنا قاسي عليكي بالشكل ده، لأنك أنتي اللي بتجبريني أعمل كده أرجوكي بلاش توصليني، أعمل حاجه هتندم عليها أحنا الاثنين في الآخر."
شعرت بوخزة ألم داخل قلبها، فأومات برأسها وهي تقول بصوت خافت:
"أنا أسفه "
تنهد بحب وقبل رأسها مرة أخرى ثم قال:
هقوم أنا بقى أجهز وأشوف البغل ده راح فين ولا بيعمل مصبية أيه"
ابتسمت له برقة وقالت:
ماشي وأبقى طمني متنساش "
أوماً برأسه لها، ثم نهض من مكانه واتجه نحو المرحاض وأغلق الباب خلفه.
أما ترنيم فظلت تنظر إلى الباب المغلق الثوان طويلة، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها رغم
كل ما يحيط بها من قلق تنهدت بحب وهي تشعر أن قلبها هذا قليلا بعد ذلك الصلح الذي طال انتظاره، ثم نهضت من فوق السرير وغادرت الغرفة، قبل أن تهبط إلى الأسفل وهي تفكر فيما
سيفعله غريب عندما يعثر على جواد، وفي أي مصيبة جديدة أوقع نفسه هذه المرة.
عند شاهين.....
عادت رنيم إلى المنزل وقلبها مثقل بالخوف والتوتر. كانت خطواتها بطيئة على غير عادتها، تحاول تأجيل اللحظة . التي تعلم أنها قادمة لا محالة. أخرجت المفتاح من حقيبتها بصعوبة، ثم فتحت الباب ودلفت إلى الداخل.
مدت يدها وضغطت على زر الإضاءة.
وفي اللحظة التي أضاء فيها المكان، تجمدت في موضعها.
انتفض جسدها بالكامل عندما وقع بصرها على شاهين الجالس فوق الأريكة في صمت قاتل.
كان ينتظرها.
ملامحه المتجهمة ووجهه العابس أخبراها أنه لم يكن يجلس هناك منذ دقائق، بل منذ وقت
طويل ينتظر عودتها ويغلى من الداخل.
شعرت بأن الدم هرب من وجهها دفعة واحدة، وبدأت تدعك يديها ببعضهما بتوتر واضح قبل أن
تقول بتلعثم:
ش شاهين! أنت بتعمل أ أيه هنا ؟ م مش أحنا أتفقنا أنك ، هتبعدا الفترة دي؟"
لم يجبها. نهض ببطء شديد من مكانه.
ذلك البطء وحده كان كافيا ليزيد خوفها أضعافا.
ظل يقترب منها خطوة تلو الأخرى، وعيناه مثبتتان عليها بطريقة جعلت قلبها يرتجف داخل
صدرها. أما هي فتراجعت خطوة إلى الخلف دون وعي، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
" أيه ؟ ب بتقرب ليه ؟"
وصل إليها أخيرا وأمسك ذراعها، ثم قال من بين أسنانه بهدوء أرعبها أكثر من أي صراخ
"كنتي فين؟"
خرج صوتها ضعيفا ومضطربا وهي تقول:
"م مالكش دعوة."
ارتفع أحد حاجبيه ببطء وقال:
"ها! قولتي ايه ؟ مش سامع ؟"
اغمضت عينيها للحظة كانت تجمع ما تبقى من شجاعتها، ثم قالت بصوت مرتعش
ق قلتلك م مالكش دعوة"
اشتدت أصابعه حول ذراعها دون أن يشعر، وقال بصوت غاضب
انطقي كنت فين يا رنيم؟ احسنلك "
شعرت أن أنفاسها بدأت تتعثر داخل صدرها، كانت تخشى أن يقرأ الحقيقة في عينيها قبل أن
تنطقها، لذلك قالت بسرعة:
"لا كنت مخنوقة ن نزلت أشم شوية هول"
حدق فيها طويلا، كان يعرفها أكثر مما تعرف هي نفسها أحيانا.
ويعرف أن هذه ليست إجابة حقيقية.
لكنه قرر أن يمنحها فرصة أخيرة.
فرصة أن تتحدث بإرادتها.
فقال وهو يراقب اضطراب ملامحها:
"أنتي هتقوليلي أيه اللي بيحصل من وراه ضهري، ولا لا يا رنيم ؟"
تحركت عيناها بتوتر واضح، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول:
م مافيش حاجه قلتلك، وياريت بقى تروح على شقتك، وتلتزم بأتفقنا وبلاش كل شويه تنط ليا
هنا خليني أعرف أفكر براحتي."
هز راسه ببطء وقال:
لا یا رنیم ده مکانش اتفقنا، اسبيك في الشقه تبقي براحتك تمام، إنما رجلك تخطي بره الباب
من غيري، ده اللي مش هسمحلك بي فاهمه ؟ "
حاولت أن تخفى ارتباكها خلف غضب مصطنع فقالت:
"أنا مش مجبرة أن اتقبل وجودك في حياتي غصب عني أنا أروح وأجي لوحدي وقت ما أحب
مش همشي بيك زي طلي كده"
اقترب منها خطوة أخرى.
اما هي فتراجعت للخلف حتى اصطدم ظهرها بالحائط.
وفي ثانية واحدة أصبح أمامها مباشرة.
قريبا إلى درجة أربكت أنفاسها وأضعفت مقاومتها.
مال نحوها وقال بصوت هامس:
"أنتي بطريقتك دي يتأكدي ليا أن فيه حاجه مداريها عليا يا رنيم أنا يقيت افهمك أكثر من
نفسي اتكلمي يا قلبي مهما كان أيه متخافيش أنا جنبك مش هسيبك."
كانت كلماته كالسكاكين.
كل كلمة تزيد شعورها بالذنب.
كل نظرة منه تجعل المهمة التي فرضها عليها زين أكثر استحالة.
ظلت تنظر إليه بعينين دامعتين للحظات، ثم انهارت فجأة.
ارتمت داخل أحضانه بقوة وتمسكت به وكأنها تنشبت بآخر ما تبقى لها من أمان في هذا العالم.
دفنت وجهها في صدره وقالت بصوت مختلق موجوع
"أنا بحبك أوي يا شاهين، أنا أسفه على كل حاجة مهما حصل أوعى تكرهني أرجوك "
تجمد للحظة من وقع كلماتها.
ثم شدها إليه بقوة أكبر، يخشى أن تضيع منه.
قبل رأسها بحنان بالغ، وأغمض عينيه وهو يحتضنها.
كانت ترتجف بين ذراعيه، وكان يشعر بذلك جيدا، شعر بخوفها، بالمها.
وبأن هناك شيئا يكسرها من الداخل.
لكنها ما زالت ترفض أن تمنحه الحقيقة.
رفع وجهها إليه يرفق بعدما وضع أصابعه أسفل ذقتها، ثم مال وقبلها بحب خالص، حب رجل لم
بعد برى حياته إلا من خلالها.
ابتعد عنها قليلا ونظر داخل عينيها وقال:
" وأنا بعشقك يا رنيم وعمري ما أزعل منك، ولا أكرهك أنتي أجمل حاجه في دنيتي، اتكلمي يا عمري قوليلي مالك وأيه اللي مخبياه عني ؟"
نظرت إليه إلى عينيه الممتلئتين بالحب والثقة.
إلى الرجل الذي يحارب الدنيا كلها لأجلها، فشعرت بقلبها يتمزق داخل صدرها.
ارتجفت شفتيها بعنف وامتلأت عيناها بالدموع أكثر كانت الكلمات عالقة في حلقها.
والحقيقة تحرقها بينما ظل شاهين ينظر إليها منتظرا.
منتظرا أن تنطق، غير مدرك أن الكلمة القادمة منها قد تكون أكثر كلمة ستدمر قلبه في حياته كلها.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس والاربعون
عند جواد....
تحرك من الشرفة إلى الداخل بخطوات غاضبة، وما إن وقعت عيناه على جواهر حتى شعر بشيء يعتصر صدره بعنف، كانت ممددة فوق السرير، تحدق في السقف بعينين زائفتين، بينما تنساب الدموع على وجنتيها دون انقطاع. أغلق عينيه بضيق وأخذ نفسا عميقا حاول به تهدئة تلك الفوضى المشتعلة داخله، ثم أخرجه ببطء قبل أن يتجه نحو المقعد ويجلس عليه واضعا ساقا فوق الأخرى.
التقط هاتفه وبدأ يتصفح شاشته دون تركيز حقيقي، فبينما كانت أصابعه تتحرك بسرعة فوق الشاشة، كان عقله عالقا بها وقلبه ينزف بصمت كلما وقعت عيناه على دموعها. لم يكن يرى ما يمر أمامه من صور أو رسائل، بل كان يرى وجهها فقط، ووجعها الذي أصبح يطارده رغم عناده. في تلك اللحظة ظهر اسم والده على الشاشة، فزفر بضيق لأنه كان يعلم جيدا سبب الاتصال. رفع عينيه نحو جواهر وألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن ينهض ويتجه إلى الشرفة مرة أخرى، ثم أجاب بصوت مختنق وقال:
"أيوه يا بابا؟"
تكلم غريب بصوت غاضب وقال:
"فينك يا بقل أنت؟"
زفر بضيق وتكلم بغضب:
مع جواهر يا بابا بتكلم معاها خير؟"
تكلم بشك وقال بتساءل:
بتتكلم معاها بهدوء؟ ولا بتتخانق معاها ؟ "
ظل صامتا لعدة ثواني ثم قال بصوت مختلق
"الاثنين يا بابا."
رد غريب عليه بنفاد صبر وقال:
أزاي؟ هتفضل متهور وعصبي كده لأمتى يا جواد؟"
"أقولك أيه بس دماغك عايزة كسرها، كام مرة أنا كلمتك وفهمتك المفروض تتعامل معاها
زفر بضيق وتكلم بصوت مختنق
یا بابا دي حياتي، وأنا حر فيها محدش يدخل، أنا عارف أتعامل مع مراتي أزاي"
تكلم غريب بنفاد صبر وقال:
"أنت ولا عارف حاجه، ولا نيله بغل ماشي ترازي في الناس، لما تروح مراتك أبقى تعالى على
البيت، مستنيك علشان نشوف آخرت اللي أنت بتعمله ده أيه "
رد جواد عليه بضيق وقال:
" احتمال النهاردة مرجعش البيت، أنا حاجز اوضه في فندق أنا ومراتي، وبكره لما أرجع هنتكلم
علشان ابلغك بقراري اللي اخده"
زفر غريب وتكلم بصوت غاضب وقال:
"ربنا يصبرني عليك معاملتك غير آدميه مع بني ادمين ربنا ابداً"
أنهى كلامه وأغلق الخط دون أن يمنحه فرصة للرد فظل جواد ينظر إلى الشاشة لثوان طويلة
قبل أن يحرك رأسه بضيق ويعيد الهاتف إلى جيبه.
عاد إلى داخل الغرفة، ليجد جواهر قد اعتدلت في جلستها فوق السرير وضمت ساقيها إلى صدرها. رفعت عينيها إليه بحزن بالغ، وكانت شهقاتها المتقطعة تفضح كم البكاء الذي استنزفها، ثم قالت:
"أنا عايزة أروح "
اتجه إلى المقعد وجلس عليه واضعا قدما فوق الأخرى وقال:
"مافيش مرواح، أحنا هنام هنا."
نظرت له بصدمة وقالت:
"أنت بتقول أيه ؟ لا طبقا مش هينفع، ماما متعرفش أنا فين وهتقلق عليا"
أمسك جواد هاتفه وعبث بالشاشة قليلا، ثم رفعه إلى أذنه وهو ينظر إليها مباشرة، وبعد لحظات
قصيرة قال بنبرة رجولية ثابتة:
خالتوا سمية جواهر معايا النهاردة، متقلقيش عليها بكره هر جعها ليكي "
تكلمت سميه سريعا وقالت بعدم فهم:
" بنتي معاك فين؟ وهترجعها منين؟"
تنهد بضيق وقال بتوضيح
حجزت اوضه في فندق هنقضي اليوم فيها تتكلم براحتنا، وبكرة الصبح هتكون عندك "
ردت عليه بقلق وقالت:
" اوعى يحصل ما بينكم حاجة يا جواد هي أه مراتك، بس لسه الفرح."
رغم توتره وضغط أعصابه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة وقال بمزاح:
وده وش يتعمل معاه حاجه يا خالتوا ؟ بنتك بومة يا حاجة متقلقيش هنتكلم بس " القت جواهر عليه نظرة ممثلثة بالضيق والغيظ قبل أن تدير وجهها إلى الجهة الأخرى.
أغلق جواد الخط وألقى الهاتف جانبا ثم نظر إليها وقال:
ارتحتي كده؟ يارب نهدا بقى "
نهضت من مكانها دفعة واحدة وقالت بصوت غاضب
"ولما أنت شايفني بومة ومش طايقني ؟ جايبني هنا ليه؟ وعايز تعمل الفرح الأسبوع الجاي ليه ؟ "
نهض من على المقعد وتكلم بتهكم:
کده مزاجی کده."
ضغطت على أسنانها بقوة حتى كادت تؤلمها وقالت:
" وأنا مش تحت مزاجك يا جواد، ممكن بعد أذنك تروحني؟ وكمان ياريت تلغي موضوع الفرح
ده وتطلقني أفضل "
اقترب منها ببطء شديد، وكانت نظراته مثبتة عليها بطريقة أربكتها رغم مقاومتها، ثم أحاط
خصرها بذراعه وتكلم بصوت هامس:
"لا متطمنيش أوي علشان وعد أمك أني مش هقرب منك، أنا ممكن أتمم جوازنا دلوقتي، بلاش تستفزيني احسنلك"
شعرت بالتوتر يتسلل إلى أوصالها وقالت بصوت مرتبك:
"ج جواد أبعد عنى "
لكنه اقترب أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما شيء تقريبا، تم تكلم بصوت هامس مغر:
"بلاش تعملي نفسك القوية البنت القادرة على التحدي، علشان بلمسه مني بخليكي زي العجينه في أيدي، ولو عايز أعمل حاجه معاكي وأخليكي مراتي هعملها وبرضاكي كمان، لمي الدور
أحسن ليا وليكي "
فضحت تأثير قربه عليها، ثم قالت يتلعثم:
أغمضت عينيها بقوة محاولة التشبت بما تبقى من تماسكها، بينما ارتبكت أنفاسها بصورة
" أنا يكرهك يا جواد ب بكرهك."
ابتسم بثقة يعرف جيدا مصدرها، ثم مال نحو أذنها وقال بهمس:
وانا بحبك، ومطلع كل اللي بتعملي فيا ده عليكي، بس بعد الفرح "
ثم انحنى برأسه وكأنه ينوي تقبيلها، فشعرت بأنفاسه الساخنة تلامس بشرتها، وتعالت أنفاسها
بشدة بينما تشيئت بذراعه بتوتر واضح.
راقب ارتباكها للحظات، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة منتصرة قبل أن يبتعد عنها فجأة دون أن يفعل شيئا، عاد إلى مقعده وجلس بكل هدوء وكأن شيئا لم يحدث، وكأنه لم يترك قلبها يخفق بتلك القوة قبل لحظات.
فتحت جواهر عينيها ببطء، وما إن رأته يجلس أمامها بتلك الابتسامة المستفزة حتى اشتعل
غضبها من جديد، واتسعت عيناها وهي تقول بتوتر:
" أنت حیوان با جواد متکبر و مغرور ونرجسي كمان، وبكره تندم على أفعالك دي معايل"
ثم استدارت سريعا واتجهت إلى الشرفة، محاولة الهروب من تأثيره عليها قبل أي شيء آخر،
بينما بقي هو مكانه يتابعها بعينيه.
أغلق جواد عينيه للحظة محاولا السيطرة على اضطرابه. كان يعلم جيدا أنه اقترب من فقدان
سيطرته على نفسه أكثر من مرة، ويعلم أيضا أنها تحبه رغم كل ما تقوله، وأنها لن ترفضه لو أراد
المضي أبعد من ذلك. لكن رغم غضبه وعناده وتمسكه بها، كان هناك جزء داخله يرفض أن يأخذ منها شيئا قبل اليوم الذي ترتدي فيه فستانها الأبيض وتصبح زوجته أمام الجميع رسميا، لذلك تشبث بما تبقى لديه من صبر، وجلس في مكانه محاولا تهدئة النيران المشتعلة داخله قبل أن
تدفعه إلى فعل قد يندم عليه لاحقا.
عند رنيم....
ارتجفت شفتي رنيم بعنف، وازدادت الدموع المتجمعة داخل عينيها حتى أصبحت الرؤية أمامها ضبابية، كانت الكلمات عالقة في حلقها ككتلة مؤلمة ترفض الخروج، بينما كانت الحقيقة تشتعل
داخل صدرها وتحرقها ببطء. كلمة واحدة فقط كفيلة بأن تدفع كل شيء إلى السقوط. ظل شاهين ينظر إليها بعينيه المليئتين بالقلق واللهفة، ينتظر منها أن تتكلم، غير مدرك أن ما تخفيه عنه قد يكون أكثر شيء قادر على تحطيم قلبه وكسر روحه كان يظن أنها تمر بأزمة أو تخفي أمرًا عابرا، ولم يكن يعلم أن الصراع داخلها أكبر بكثير مما يتخيل.
أوماً برأسه برفق يحثها على الحديث، وقال بصوت عاشق هادئ
يلا يا حبيبتي اتكلمي وأحكي "
شعرت بأن قلبها يعتصر داخل صدرها كادت تستسلم للحظة وتخبره بكل شيء، كادت ترتمي بين ذراعيه وتعترف له بما يفعله زين وبالورطة التي أجبرت عليها، لكنها تذكرت التهديدات التي
تحيط به، فتراجع كل ذلك في اللحظة الأخيرة
حركت راسها بالرفض سريعا، ثم ابتعدت عنه وأعطته ظهرها حتى لا يرى ضعفها وانهيارها.
وقالت بصوت مختنق
"قلتلك مافيش يا شاهين، ممكن بقى تسيبني لوحدي ارجوك كفايه كده."
اشتد غضبه وهو يرى إصرارها على الصمت، فزفر بضيق وقال بصوت غاضب
ماشي يا رنيم هسيبك براحتك بس أقسم بالله لو عرفت انك مخبيه عليا حاجة مش هرحمك فاهمه ؟"
أنهى كلماته واتجه نحو الباب، ثم فتحه وخرج منه قبل أن يغلقه خلفه بقوة جعلت جسدها ينتقض مكانه لا إراديا.
ساد الصمت داخل الشقة بعد رحيله، لكنه لم يكن صمنا مريحًا، بل كان خائفا وتقبلا بصورة
موجعة، وقفت رنيم مكانها لثوان تحدق في الباب المغلق، وكأنها ما زالت ترى أثره أمامها.
وفي اللحظة التي تأكدت فيها أنه رجل، انهارت مقاومتها بالكامل. انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، وأخذت شهقاتها تتصاعد واحدة تلو الأخرى، كانت تريد أن تخبره بكل شيء، كانت تريد أن تتشبث به وتطلب منه أن ينقذها من هذا الكابوس، لكنها في النهاية تراجعت خوفا عليه أكثر من خوفها على نفسها.
تحركت بخطوات بطيئة مثقلة بالوجع نحو الداخل، ثم جلست على المقعد وقد كانت قوتها استنزفت بالكامل، رفعت يديها المرتجفتين إلى وجهها وأخفته بين كفيها، بينما استمرت دموعها في الانهمار دون توقف، وظلت تبكي بحرقة وقهر تشعر بأنها تخسر الرجل الذي تحبه بيديها.
وفي الوقت نفسه لا تملك الشجاعة لتعريضه للخطر من أجل إنقاذ حبها.
بالفيلا عند غريب .....
جلست أروى في الحديقة الملحقة بالفيلا تحدق أمامها بشرود مؤلم. كان الحزن مرسوما بوضوح على ملامحها الشاحبة، بينما بدت الدموع متحجرة داخل عينيها، كانت تشعر بأن قلبها يبذل جهدا شاقا فقط ليستمر في النبض، أما روحها فيدت مستنزفة إلى حد موجع.
من يراها الآن يصعب عليه تصديق أنها الفتاة نفسها التي كانت قبل أيام قليلة تملأ المكان ضحكا وحيوية ومشاكسة، وكأن السنوات مرت فوقها دفعة واحدة، فسرقت من وجهها بريقه ومن
روحها خفتها.
تنهدت بألم وهمت بالنهوض، لكنها سمعت صوت خالها تامر يقول:
حبيبت خالها قاعده هنا يتعمل ايه ؟"
رفعت عينيها إليه ونظرت له بحزن وقالت:
قاعده یا خالوا يعني هعمل ايه؟"
اقترب منها وجلس إلى جوارها، ثم ابتسم لها بحب وقال:
"وحشتني قاعدتك معايا في مكتبي ايه رأيك تيجي معايا ؟ واهو تخرجي بره المكان هنا شوية ؟"
"لا مش عايزة."
حرکت رأسها بالرفض وقالت:
تأملها بحزن وهو يرى الانطفاء الذي يسيطر عليها، ثم قال:
ليه يا بنتي ؟ ده انتي الأول كنتي بتتحايلي عليا أكلم باباكي علشان يوافق أنك تيجي عندي الشركة."
امتلأت عيناها بالدموع وقالت:
هتفرق بقى أشوفها هنا ولا عندك في الشركم"
الأول يا خالوا، إنما دلوقتي مبقاش ليا نفس لحاجة الدنيا بالنسبالي كلها لون واحد، أسود، مش
تنهد تامر بوجع وشعر بأن كلماتها تخترق قلبه، ثم تكلم بصوت مختنق
طيب وأحمد يا أروى؟ ده بيحبك وهيتجنن عليكي "
ارتسمت على شفتيها ابتسامة موجوعة لا تحمل أي فرح، وقالت:
مبقاش ينفع خلاص، أرجوك يا خالوا خليه يبعد عني، ويشوف حاله يدور على واحده غيري
تستاهلوا بجد، تنفعه ويكون هو أول راجل في حياتها."
وفي تلك اللحظة دوى صوت مألوف خلفها يقول :
"أنا مش عايز غيرك أنتي يا أروى، ومافيش غيرك اللي تستاهلني وأستاهلها، وأنا واثق ومتأكد
أني أول وآخر راجل في حياتك"
انتقضت من مكانها ووقفت سريعا، ثم التفتت إليه وقالت بغضب:
انت طيب دخلت أزاي ؟ ومن سمحلك أنك تدخل هنا أصلا؟"
وقف أحمد أمامها بهدوء، وعلى وجهه إصرار واضح رغم ما يراه من رفضها المستمر، ثم أجاب: "أبوكي اللي سمح ليا ادخل هنا هو لو مكانش واثق في حبي ليكي، مكانش سمح ليا، انقرب منك يا أروى علشان كده بترجاكي، بلاش تبعدي عني، أنا مقدرش أعيش من غيرك "
تراجعت خطوة إلى الخلف مبتعدة عنه، وظهر الخوف جليا في عينيها وهي تقول:
مينفعش، صدقني والله ما هينفع هتقدر تستحمل تعيش مع واحده جسمها بقى يرفض لمسة أي راجل ؟ يعني هيكون جواز مع إيقاف التنفيذ، مافيش راجل عاقل هيقدر يستحمل حاجه زي
كده، وأنا مش مجنونه علشان أصدق أنك هتتقبل ده."
أسرع أحمد بالرد، لأنه كان ينتظر تلك الكلمات تحديدا:
"بس تقدري تتعالجي عادي يا أروى، فيه دكاترة متتخصصين علشان يساعدوكي " ابتسمت بمرارة مؤلمة وقالت بصوت مختنق :
"هيرجعوا اللي أتاخد مني غصب ولا هيشيلوا من دماغي لحظات الرعب اللي عيشتها في
الوقت ده؟"
حرك رأسه بالنفي وقال موضحا:
"اللي خسرتي ميهمنيش في حاجة يا أروى، واللي عيشتي أنا هقدر أمحي كل لحظة عشتيها وخفتي فيها، سيبي نفسك ليا ومش هتندمي، مش هقرب منك مش هلمسك، مش هضايقك ابداً صدقيني، تعالى بس نروح لدكتورة كويسه أنا واثق فيها هتعالجك وهترجعك أحسن من الأول." امتلات عيناها بالدموع أكثر وقالت:
مافيش حاجه هترجع أحسن من الأول يا أحمد، اللي خسرته عمره ما هيرجع خلاص"
ابتسم لها بحب صادق لم يتغير رغم كل شيء وقال:
قلتلك اللي راح ميفرقش معايا في حاجه انا المهم عندي هو أنتي يا أروى، تبقي معايا مش
عايز حاجه من الدنيا غيرك "
صمتت اروى ولم ترد. اكتفت بالنظر أمامها بشرود وحزن، بينما كان الصراع داخلها يزداد قسوة.
جزء منها يريد تصديقه، والجزء الآخر يخشى أن يمنحه فرصة ثم يخذله الواقع فيما بعد.
تبادل أحمد وتامر نظرة سريعة، ثم اقترب أحمد خطوة واحدة منها وقال بنبرة يغلفها الأمل:
" أنا حجز تلك عندها ميعاد بكرة، أيه رأيك ؟"
رفعت أروى عينيها نحو تامر أولا، تبحث في وجهه عن إجابة، ثم نظرت إلى أحمد بتردد واضح
قبل أن تومى برأسها موافقة.
تنفس أحمد الصعداء وشعر وكأنه انتصر في معركة طويلة، فابتسم بسعادة حقيقية وقال: "أنا بجد مبسوط أوي أنك وافقتي يا أروى بكره هاجي أخدك ونروح ليها."
لكنها سارعت بالاعتراض وقالت:
"لا متجيش | أنا هروح مع مامي "
نظر تامر إلى أحمد وأوما له برأسه في محاولة لطمأنته، ثم التفت إلى أروى وقال:
"طيب أجي أنا ومامي معاكي ؟"
أومأت برأسها بالموافقة وقالت:
"ماشي، عن اذنكم "
استدارت بعدها وغادرت المكان بخطوات بطيئة، ثم دخلت إلى الفيلا وصعدت نحو غرفتها، تاركة خلفها صمنا تقيلا.
ظل أحمد يتابع أثرها بعينيه حتى اختفت تماما عن ناظريه، ثم تنهد بحزن وقال:
لسه برضه رافضه وجودي في حياتها."
ريت تامر على كتفه وقال بهدوء:
واحده واحده با احمد، حتة أنها توافق على خطوة العلاج دي اصلاً تقدم حلو ليها، ومع العلاج هتتقبل وجودك من تاني في حياتها. "
أوما أحمد برأسه، ورغم الحزن الذي يملأ قلبه كان هناك بصيص أمل بدأ يتسلل إليه من جديد. ثم قال بصوت مختنق
"ماشي، أنا همشي بقى مروح معايا ولا قاعد شويه؟"
اقترب منه تامر وقال بنبرة رجولية
"لا همشي معاك يا صاحبي، يلا بينا."
وغادر الاثنان الفيلا مقا، بينما حمل كل واحد منهما داخله أمنية واحدة فقط. أن تعود أروى يوما
إلى تلك الفتاة المشرقة التي كانتها قبل أن تنكسر بهذا الشكل المؤلم.
بالمساء.....
كانت جواهر جالسة فوق السرير وقد استولى عليها الضيق والملل، تزفر بين الحين والآخر بنفاد صبر واضح، بينما جلس جواد على مقعد قريب منها، يمسك هاتفه ويتصفح شاشته بملامح
جامدة، يحاول يظهر انشغاله بما يراه، رغم أن عقله لم يكن حاضرًا مع أي شيء سوى معها.
مررت جواهر يدها فوق بطنها بألم خافت، فقد بدأ الجوع ينهش أحشاءها بعدما مر اليوم بأكمله تقريبا دون أن تتناول شيئا منذ الصباح.
النقط جواد تلك الحركة بعينيه، فتجمد الثوان قبل أن يدرك فجأة أنها لم تأكل منذ أن جاءت إلى هنا. أغلق عينيه بضيق وهو يلوم نفسه، ثم نهض على الفور وغادر الغرفة دون أن ينيس بكلمة. تابعته جواهر بنظرات مستغربة، لكنها لم تسأله أو تحاول إيقافه، واكتفت بالزفير بضيق وهي التمتم بصوت خافت:
"أنا جعانه أووي، ومش عايزة أقوله أعمل أيه دلوقتي بس ياربي ؟"
ثم تمددت فوق السرير محاولة الهروب من ذلك الشعور المزعج.
"أحسن حاجه أنام، وبكده مش هحس بجوع.
الغمضت عينيها محاولة الاستسلام للنوم، لكن الجوع كان أقوى من أي محاولة للراحة، تقلبت في مكانها عدة مرات قبل أن تستسلم وتعتدل جالسة من جديد، تمرر يدها فوق بطنها بألم وهي تتمتم بامتعاض :
مش عارفه أنام من الجوع، منك لله يا جواد يا أبن ضرغام"
مرت عدة دقائق تقيلة عليها، قبل أن يفتح الباب ويدخل جواد وهو يحمل عدة أكياس بيده.
"قومي كلي."
اتجه مباشرة نحو الطاولة ووضعها أمامها دون مقدمات، ثم قال بلهجة عملية قصيرة
ابتلعت ريقها بصعوبة فور أن وصلت رائحة الطعام إلى أنفها، وشعرت أن معدتها تكاد تصرخ من شدة الجوع، لكن عنادها المعتاد دفعها للتمسك بموقفها، فقالت وهي تشيح بوجهها: مش عايزة، مش جعانه اصلا"
رفع جواد عينيه إليها بملل واضح وقال:
"قومي كلي بلاش تعملي نفسك جامدة، وانتي هتموتي من الجوع."
رمقته بنظرة ضيقة قبل أن تستسلم أخيرا. نهضت من فوق السرير واتجهت نحو الطاولة، ثم جلست على المقعد وبدأت تخرج الطعام من الأكياس وتفتح الأطباق أمامها.
وقبل أن تمد يدها إلى الطعام، رفعت رأسها نحوه بتردد وسألته:
"م مش هتاكل ؟ "
هز راسه بالنفي وقال:
"لا، كلي أنتي "
تنهدت بضيق وقالت:
ممكن تقعد تأكل لو سمحت وخلي الخلافات دي على جنب ؟"
ظل ينظر إليها لثوان طويلة قبل أن يسحب المقعد المقابل ويجلس دون تعليق، ثم بدأ يتناول
الطعام بصمت.
أما هي، فبدأت تأكل هي الأخرى، لكن نظراتها كانت تنزلق نحوه بين الحين والآخر بحزن موجع.
والمزاح والكلمات الدافئة.
لأول مرة تشعر أن المسافة بينهما أصبحت بهذا الاتساع، بعدما كانا يملأن أي جلسة بالضحكات
تنهدت بوجع و همست
"أحنا أيه وصلنا لكده يا جواد؟"
رفع رأسه إليها، وكان الحزن ظاهرا في عينيه رغم محاولته إخفاءه، ثم قال:
"اسألي نفسك يا جواهر أنتي اللي بقيتي شخصيه تانيه خالص ، بقيتي تمحي وجودي في
حياتك بقيت زي قلتي "
هزت رأسها بقوة وهي تقول بصوت مختنق
"أنا عمري ما محيتك من حياتي يا جواد بالعكس، أنا طول عمري حياتي كلها مبنيه عليك أنت ويس لو هتنفس نفس كنت لازم استئذن منك قبلها مكنتش بتحرك من مكان من غيرك، حتى بابا الله يرحمه لما كان يروح من الشركه ويجي يقولي تعالي روحي معايا، كنت برفض واقوله أني مستنياك أنت كنت ومازالت محور حياتي با جواد إزاي جاي دلوقتي تتهمني بتهمه زي دي ؟"
ابتسم بسخرية مريرة وقال:
كنتي كده يا جواهر الأول، إنما بعد ما بقيت جوزك اتغيرت كل حاجه، بقيتي تتصرفي من دماغك، أقولك الكلمه تكسريها وتكسري رجولتي معاكي، وحيد وشاهين ورنيم، كل دي مواقف
حصلت بعد جوازنا يا جواهر
ردت عليه بالفعال واضح
"أنا كل دول قلتلك أسبابي يا جواد، إذا كان وحيد ده علشان كنت خايفه عليك لما تعرف. وشاهين أنا كنت فاكرة أن الموضوع عادي مشكله ما بين بنت خالي وحبيبها وكنت بحاول احلها، كنت شايفه أنه ملوش داعي تعرف حاجه زي كده مفكرتش آن ده هيزعلك، ومع ذلك اتأسفت ليك والموضوع انتهى، أما بقى موضوع رنيم، فأنت ملكش حق ترفضه يا جواد، دي بنت خالي وأختى في نفس الوقت وكانت في العمليات مكانش ينفع اسيبها لوحدها، ايا كان مشاكلكم مع بعض أيه فده ميخصنيش طول عمري بتعامل مع مشاكلكم دي بعيد عني، هي اختي وانت حبيبي، لا عمري خد صفك ولا عمري خد صفها، كنت برفض أن أي حد فيكم يتكلم عن الثاني بحاجه وحشه، أمك ذات نفسها المشكلة الاساسيه راحت ليها وقفت جنبها وانقذتها، و عملت الصح معاها، ده لان احنا اکثر ناس عارفين رنيم ايه من جوه مهما ظهرت وبينت أنها قويه وقاسيه بس من جواها طيبه وهشه، إنما انت ايه يا جواد؟ انت اللي بقيت قاسي زيادة عن اللزوم، حاولة كثير انبهك واديك العذر علشان الظروف اللي بتمر بيها، بس انت فكرت ده ضعف مني استهترت بيا وبمشاعري سوقت فيها بقيت تغلط وتمد ايدك قلت دي بتحبني وهتستحمل مهما أعمل فيها، بس لا يا جواد كل بني آدم وليه طاقة تحمل، وانا خلاص مبقتش عارفه اتحمل طريقتك واسلوبك معايا، في كل مره بتقسى عليا وتهين كرامتي، بياخد من رصيد محبتك في قلبي، وانا الصراحه عايزة احافظ اللي متبقي في قلبي ليك، علشان كده طلبت الطلاق منك قبل ما يخلص رصيدك اللي متبقي في قلبي، وانا مش عايزة اكرهك "
استمع إليها يصمت كامل. لم يقاطعها ولو مرة واحدة، لكن كلماتها أصابت مواضع كثيرة كان يحاول تجاهلها داخل نفسه شعر بوخز مؤلم في صدره، إلا أنه أخفى كل ذلك خلف ملامحه
الجامدة وقال:
" يعني افهم من كلامك ده انك عايزة تطلقي وتسبيني؟"
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وهي تقول:
يعني هو ده اللي فهمته من كل كلامي يا جواد؟"
أغلق عينيه بإرهاق واضح، وكان الدنيا كلها تنقل فوق كتفيه، ثم قال بصوت مبحوح"أنا مبقتش فاهم ولا عارف حاجه الدنيا عماله تطريق فوق دماغي واحده وراه الثانيه، لحد ما
استنفذت كل قوتی یا جواهر
رغم كل ما فعله بها، ورغم كل الألم الذي تسبب فيه، إلا أن رؤية ضعفه بهذه الصورة مزقت قلبها. نهضت من مكانها واقتربت . ببطء، ثم ضمت رأسه إلى صدرها بحنان و همست
"بلاش تضعف وتستسلم بسهوله كده ربنا بيدي القوة على قد الابتلاء، علشان تقدر تتحمل وتصبر وفي الآخر كله هيعدي، وعمرنا كمان هيعدي لحد ما يخلص بحلوه ومره."
ارتجفت أنفاسه، ثم أحاط خصرها بذراعيه وضمها إليه بقوة كالغريق الذي وجد أخيرا ما يتعلق به وقال بصوت خافت
"أنا محتاجلك اوي يا جواهر، اوعي تتخلي عني مهما حصل "
طبعت قبلة حانية فوق رأسه وقالت:
"أنا عمري ما اقدر اتخلى عنك يا جواد انت عمري كله، ومهما عملت فيا هفضل أعشقك برضه " رفع رأسه إليها ببطء، وكانت عيناه تمتلكان بعشق لم يستطع إخفاءه. أمسك يدها برفق وأجلسها
فوق ساقيه، ثم مرر أصابعه على خدها بحنان وقال:
وانا بعشقك يا جواهر، حقك عليا متزعليش مني أنا مقدرش استغنى عنك انت دنيتي كلها."
في البداية تجاوبت معه بمشاعرها الصادقة التي لم تستطع إنكارها يوما، وشعرت للحظات أن كل الخلافات اختفت بينهما. لكن ما إن أحست بأن الأمور بدأت تتجاوز ذلك الحد، حتى انتفضت مبتعدة عنه بسرعة، وأخذت تدعك يديها بخجل وتوتر وهي تقول:
ج جواد و متنساش انت قولت ايه لماما."
أغمض عينيه محاولا السيطرة على مشاعره المضطربة، وأخذ عدة أنفاس عميقة قبل أن يهدأ
قليلا، بعدها نهض وجذبها إلى حضنه وقبل رأسها بحنان وقال:
"حقك عليا، غصب على اندفعت بمشاعري واوعدك أنه هيحصل تاني بس الاسبوع الجاي بعد فرحنا."
أحاطت عنقه بذراعيها، وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة صغيرة خجولة، ثم أومأت له برأسها
دون أن تنطق.
ابتسم لها بحب، وضمها إلى صدره للحظات قبل أن يقول :
يلا تعالي نكمل اكلنا."
هزت رأسها بالموافقة، فعادا معا إلى الطاولة وجلس كل منهما في مكانه، استأنفا تناول الطعام وسط هدوء مختلف هذه المرة، هدوء دافئ بعدما تراجعت العاصفة قليلا، وعادت بعض السعادة
التطرق باب قلبيهما من جديد، ولو للحظات قصيرة.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع والاربعون
في صباح يوم جديد....
استيقظت رنيم على صوت هاتفها برن بالحاج مدت يدها تتحسسه بجوارها ثم التقطته
وأجابت بصوت يثقل عليه النعاس:
"ألو، مين؟"
آتاها صوت رجولي يقول لها:
"صباح الخير يا عمري، أصحى يلا ورانا مشاوير كثير."
انقبض وجهها بضيق فور أن تعرفت على صاحب الصوت، وضغطت على أسنانها وهي تقول
بغضب:
أجابها بنبرة هادئة استفزتها:
" هو أنت؟ عايز مني إيه على الصبح ؟ ومشاوير إيه دي اللي هنروحها؟"
"هنروح نجيب الشبكه، وبعد كده تروح تحجز القاعه اللي هتعمل فيها الخطوبة، ولسه هنشتري
البدله بتاعتي والدريس بتاعك، وهنشتري حاجات و هدايا لوازم الفرح"
اعتدلت في جلستها، ومررت يدها على وجهها بتنفاد صبر قبل أن تقول:
"أنت مش طبيعي على فكرة، أنا مش موافقة عليك أصلاً، ولا عايزة أشوف وشك تاني، ارحمني
بقى وكفايه."
أنهت المكالمة وأغلقت الخط في وجهه دون انتظار رد، ثم ألقت الهاتف بجوارها ونهضت من
فراشها متجهة إلى الحمام.
خلعت ملابسها ووقفت تحت الماء، تحاول أن تغسل عن روحها ذلك النقل الذي يلازمها منذ أيام. لكن ما أن أغمضت عينيها حتى اندفعت الذكريات إلى رأسها بعنف، اختلط الخوف بالعجز
والوجع، حتى شعرت بأن الهواء لم يعد يكفيها.
انسابت الدموع على وجهها بغزارة، وجلست داخل حوض الاستحمام تضم ساقيها إلى صدرها،
وتدفن رأسها فوقهما بينما تعالت شهقاتها المكتومة. كانت تبحث عن مخرج، عن يد تنتشلها من
كل ما يحيط بها احتاجت والدها في تلك اللحظة أكثر من أي وقت مضى احتاجت حضنه
وكلماته وطمانته التي كانت تجعل كل شيء يبدو أقل قسوة.
لكن الحقيقة كانت أكثر مرارة من أن تهرب منها، كانت وحدها.
حتى الشخص الذي ظنت يوما أنه السند الذي عوضها عن كل خساراتها، أصبح الآن أحد أسباب
أوجاعها وخوفها.
ظلت حبيسة تلك الدوامة من الذكريات والواقع حتى شعرت بالاختناق، فنهضت سريعا وأغلقت
فجأة في مكانها.
المياه ارتدت برنس الاستحمام وأحكمت لفه حول جسدها، ثم خرجت من الحمام، لكنها توقفت
تسارعت أنفاسها عندما رأت شاهين جالسا على المقعد ينتظرها.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
ش شاهين! 1 أنت بتعمل أيه هنا؟"
نهض من مكانه واقترب منها ببطء حتى توقف أمامها مباشرة. ثبت عينيه عليها للحظات، ثم
رفع يده وأزال بأصابعه آثار الدموع العالقة على وجهها قبل أن يسألها بهدوء:
"كنتي بتعيطي ليه ؟"
أشاحت بنظرها بعيدا وقالت بتوتر :
ب بعيط !! ل لا طبعا مكنتش بعيط ولا حاجة"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة يعرفها جيدا، ابتسامة شخص تأكد من كذب الإجابة قبل
أن يسمعها. وقال:
" أنتي كل مره بتأكدي كلامي من غير ما تحسي، مالك يا رنيم؟ مخبيه علي ايه؟"
زفرت بضيق، وشعرت أن الكلمات تتزاحم داخلها دون أن تملك الشجاعة لإخرا. خراجها كانت . كانت على
وشك أن تتكلم.
لكن نظرة شاهين تغيرت فجأة.
"ايه اللي في رقبتك ده؟"
اتسعت عيناه وهو يرفع يده نحو عنقها، ثم لمس الجرح الموجود هناك وسأل بـ بقلق:
تراجعت خطوة إلى الخلف وقالت بتلعثم:
"ها! د دي السلسلة لفت على رقبتي وانا تابمه و عملت كده.
اشتد توتره فوزا واقترب منها مجددا يمرر أصابعه فوق الجرح : وهو يقول بغضب مكتوم
پس ده مش جرح سلسله یا رنیم ده جرح سکینه
وفي اللحظة نفسها عاد إلى ذهنه مشهد السكين التي وجدها في : شرفته، والدماء العالقة على فصلها.
شعر بشيء مشتعل ينهش صدره.
أمسك ذراعها فجأة وقال بحدة:
"أنتي كان فيه حد في أوضك أول أمبارح بليل؟"
ارتبكت نظراتها و هزت رأسها بسرعة نافية:
"ل. لا طبعا يا شاهين"
لكن إنكارها لم يهدئه، بل زاد شكوكه أكثر.
فقال بصوت جهوري فقد معه ما تبقى من صبره:
"أنا متأكد أنك بتكدبي يا رنيم، وكان عندك حد ماسك سكينه، وهو اللي عمل فيكي كده، وهرب
من بلكونة أوضي اتكلمي يا رنيم وقولي هو مين؟"
ابتعدت عنه وهي تصرخ:
"قلتلك مافيش حد كفايه بقى وأطلع بره اوضي وأمشي من الشقه كلها، أطلع بره يا شاهين
مش عايزة أشوفك "
ثم جلست على السرير وهي تحاول السيطرة على أنفاسها التي بدأت تتسارع بصورة مخيفة..
تغير وجه شاهين فوزا أدرك حالتها قبل أن تتفاقم.
تحرك بسرعة يبحث عن حقيبة يدها، وعندما لم يجدها عاد إليها قائلا بقلق:
فين شنطتك علشان اديكي الدواء"
أشارت بيد مرتجفة إلى الخارج.
خرج من الغرفة مسرغا، وعثر على الحقيبة فوق الأريكة فتحها بعجلة وأخرج الدواء ثم عاد
اليها.
وضعه في يدها وساعدها على استخدامه.
استنشقت رنيم الدواء عدة مرات، ومع كل نفس كانت تشعر بأن الاختناق يتراجع قليلا حتى بدأ
تنفسها ينتظم تدريجيا.
جلس شاهين إلى جوارها فور أن اطمأن على حالتها، وأحاطها بذراعه يضمها إلى صدره بقوة.
كان الخوف الذي شعر به عليها لا يقل عن خوفها هي نفسها.
راح يربت على ظهرها بحنان وهو يسأل:
لسه تعبانه ؟ اجبلك الدكتور؟"
هزت رأسها بالنفي وقالت بصوت مختنق:
"لا مش مستاهلة الحمد لله بقيت كويسه
أبعدها عنه قليلا، ثم أمسك وجهها بين يديه ونظر إليها بعينين امتلانا بالقلق والحب معا، وقال: "علشان خاطري فهميني يا رنيم، فيه حاجه أنتي مخبياها عني خايفه تقوليها ليا، أنا لاقيت سكينه في البلكونه عندي وعليها دم والنهاردة لاقيت الجرح ده في رقبتك، وأمبارح رفضي أشيل البتاعه اللي كنتي خطاها على رقبتك، وأول أمبارح كنتي قافله باب أوضك عليكي ورفضي تفتحي ليا، صوتك كان بيقول أنك خايفه من حاجه طول الليل كنتي بتعيطي والنهاردة خارجه من الحمام معيطه، وخرجتي امبارح من غير ما تقولي ليا، الغيرتي معايا في يوم وليله، وطلبتي أني اسيبك في الشقه لوحدك علشان تكوني براحتك وتحدي قرارك من غير أي ضغط، كل دي أسباب تأكد ليا، أن فيه حاجه كبيره بتحصل من وراه ضهري، وأنتي مخبياها
عليا، أيه السبب؟ الله أعلم، ريحيني علشان خاطري"
استقامت في جلستها وابتعدت عنه قليلا وهي تقول بتوتر:
م معرفش أنت بتتكلم عن أيه يا شاهين كلهم صدف متشابهه ملهاش علاقة ببعض."
نهض من مكانه وأطلق زفرة طويلة محملة بالضيق، تم تحرك نحوها حتى وقف خلفها.
أحاط خصرها بذراعيه وأسند ذقته على كتفها قبل أن يقول بصوت خافت:
خلاص يا رنيم، أنا هعرف بطريقتي المهم خلي بالك من نفسك واياكي تعرضي نفسك للخطر."
أغمضت عينيها بألم وأومأت برأسها بصمت.
بينما كانت الكلمات تتردد داخلها وحدها:
" أنا خوفي عليك أنت يا شاهين مش عليا.
الجرح بيوجعك ؟"
شعر يسكونها بين ذراعيه، فمال نحو عنقها يقبله برقة، ثم مرر أصابعه على الجرح بحزن وسأل: "
ابتعدت عنه سريعا وقالت بتوتر:
ل لا، د ده جرح بسيط"
أوماً برأسه بعد لحظة صمت وقال:
تمام أنا هروح أحضرك القطار، على ما تجهزي "
لكنها قالت بسرعة:
"... لا، مش عايزة، و وبعد أذنك نفذ اللي أتفقنا عليه وسيبني أكون براحتي ياريت تروح على شقتك لو سمحت "
وقال بضيق:
ثبت نظره عليها طويلا، كان واضحًا أنه لا يقتنع بشيء مما تقوله لكنه في النهاية أوماً برأسه
تمام، أنا كده كده رايح الشركه عندي، وبعد كده هروح أطمن على الشغل عندك في الشركة." شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها حتى الآن، وبرغم كل محاولاتها لإبعاده، ما زال يحمل عنها
مسؤولياتها ويهتم بكل ما يخصها. لم تستطع الرد.
وظلت صامتة حتى سمعت صوت الباب يغلق خلفه بقوة.
انتفضت في مكانها ورفعت رأسها بسرعة. كان قد رحل بالفعل.
جلست على حافة السرير، ورفعت يدها تتحسس الجرح الموجود في عنقها، ظلت تنظر إلى
الفراغ أمامها للحظات، قبل أن تنهمر دموعها من جديد بغزارة.
كانت تشعر أنها تخسر شيئا ثمينا في كل مرة تدفعه بعيدا عنها، لكنها لم تعد تعرف أيهما أكثر
قسوة، أن تخبره الحقيقة، أم أن تواصل إخفاءها عنه.
عند جواد وجواهر.....
بدأت جواهر تستعيد وعيها ببطء، تتحرك بين النوم واليقظة في حالة من الخمول اللطيف.
رفرفت أهدابها عدة مرات قبل أن تفتح عينيها تدريجيا، وما إن اتضحت الرؤية أمامها حتى وقع
بصرها على وجه جواد.
كان جالسا إلى جوارها يراقبها بصمت و عيناه معلقتان بها منذ وقت طويل، لم يكن يشعر بالملل أو الإرهاق رغم الساعات التي قضاها مستيقظا، بل كان يكتفي بالنظر إليها، مستمتعا بسكون ملامحها بعد ليلة طويلة من التوتر والمشاعر المتضاربة.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تقول بصوت ناعس:
"صباح الخير."
مال برأسه وقبل رأسها بحب وقال:
"صباح النور يا عمري "
اعتدلت بجلستها ووضعت رأسها على صدره وقالت بتساءل:
قاعد هنا بتعمل ايه؟"
اعتدل بجلسته واحاطها بذراعه وظل يملس على ذراعها وقال:
" الكتبه كسرت ضهرى و معرفتش أنام، قلت قلة نوم بقلة نوم، جيت قعد جنبك ابصلك وانتي نايمه "
يعني انت منفتش طول الليل؟"
اتسعت عيناها بصدمة وقالت :
حرك رأسه بالرفض وقال:
لا منمتش، وبعدين حد يبقى معاه القمر ده ويغمض عينه ويسيبه؟ انتي جميله أوي وأنتي
نايمه، طبقا جميله في كل الأوقات، بس وأنتي نايمة عايزة تتاكلي أكل "
ضربته على صدره بخجل وقالت:
"جواد بس بقى "
ضحك بخفوت وهو يتأمل احمرار وجنتيها، بينما حاولت هي إخفاء ارتباكها بالابتعاد قليلا عنه
قبل أن تستقيم في جلستها تماما وتقول بتساؤل:
صح أنت أزاي ناوي تعمل الفرح الأسبوع الجاي ؟ واحنا معملناش لسه أي حاجه؟"
اعتدل بجلسته على السرير وقال بتوضيح:
هتعمل الفرح في الفيلا عندنا أو عندكم حسب ما تحبي، ودي مش محتاجة غير يوم، فستان الفرح شاوري على أحسن مصمم وأنا أخليه ينفذه في يومين بس، أما بقى لو قصدك على الدور
بتاعي، متقلقيش أحنا كده كده هيخلص الفرح وهنقضي الليله في فندق والصبح هنركب الطيارة ونروح نقضي الهاني مون في باريس، وأثناء وأحنا هناك بابا وماما هيجهزوا كل حاجه" تجمدت جواهر في مكانها للحظات، وحدقت به غير مصدقة ما سمعته، كانت باريس بالنسبة لها حلفا قديما احتفظت به في أعماق قلبها منذ سنوات طويلة حلم صغير كانت تظنه مجرد أمنية
عابرة لن تتحقق يوما، خاصة بعد كل ما مر بينهما مؤخرا.
خرج صوتها ممثلنا بالدهشة والسعادة وهي تقول:
"لا أحلف، هنقضي الهاني مون في باريس، أنا مش مصدقه نفسي حاسه اني يحلم، أنا كان نفسي اعمل كده فعلاً."
ثم اقتربت منه واحتضنته بسعادة وقالت:
شكرا بجد يا جواد، بحبك أوي."
شعر بدف، ذراعيها حوله، فضمها بقوة أكبر، واستقرت ذقنه فوق رأسها للحظات قبل أن يقول
بصوت هامس
"أنا عارف أنك كان نفسك تروحي باريس في الهاني مون زمان وأحنا في ثانوي، سمعتك مرة بتقولي لواحدة صحبتك، لما تكبر وتتجوز أنا وانتي هنرحوا نقضي الهاني مون في باريس، ومن وقتها وانا عهد نفسى أن هنفذلك حلمك ده مهما حصل."
ابتعدت عن حضنه ببطء، ونظرت إليه بعينين امتلانا بالمشاعر. لم تكن الدموع التي تجمعت فيهما تابعة من الحزن هذه المرة، بل من إحساس عميق بأنها ما زالت تسكن قلبه كما كانت دائما.
وقالت بصوت مرتجف
بجد يا جواد؟ يعني أنت لسه بتحبني زي الأول؟"
رفع يده إلى خدها، ومرر أصابعه برفق فوق بشرتها، ثم نظر إليها طويلا قبل أن يقول بنبرة عاشقة:
"أنا بعشقك أكثر من الأول يا جواهر، أنتي حب الطفوله اللي عاش في قلبي وكبر معايا كل
سنين عمري، أنتي عشقي الاول والاخير يا جواهر.
انكسرت المقاومة داخلها تماما. انهمرت دموعها دون أن تستطيع منعها وهي تقول بوجع: طيب ليه كنت قاصد توجعنى بالشكل ده الفترة اللي فاتت؟ لدرجة أنك حسستني، أنك كرهتني
ومبقتش تحبني زي الأول "
شعر بوخزة مؤلمة في صدره وهو يرى أثر تلك الفترة عليها. أدرك للمرة الأولى حجم الجرح الذي
تر که داخلها دون أن ينتبه.
ازال دموعها بأصابعه وقال بنبرة عاشقة:
"لا والله مش بقصد يا جواهر بس أنتي أكثر واحده شايفه المشاكل والظروف اللي بنمر بيها الفترة دي ممكن كنت بطلع عصبيتي عليكي بس مش قصد والله، أنا بحبك ومقدرش استغنى
عنك ولا أعيش من غيرك يا جواهر."
لم تجد ما تقوله بعد ذلك كل ما شعرت به في تلك اللحظة هو رغبة عارمة في الاقتراب منه أكثر.
اقتربت منه واحتضنته بقوة وضعت قبله على عنقه وتكلمت بحب:
"أنا بعشقك بجنون يا جواد، أنت الدوا لكل جروحي اللي أنت كنت السبب فيها، ومهما حصل.
هتفضل مالك قلبي وعقلي وعمري كله "
اغمض عينيه متأثرا بكلماتها. كان يسمع اعترافها فيشعر بنقل الأيام الماضية ينسحب تدريجيا من فوق صدره.
رأسه على رأسها وقال:
أبعد رأسها قليلا عنه وكوبها بين يديه ومال برأسه مقبلا إياها بعشق خالص ثم ابتعد عنها وأسند
"أحلى حاجه في الدنيا، هو عشقك يا جوهرتي الغالية"
رفعت رأسها إليه ونظرت له باستغراب ممزوج بالإعجاب وقالت:
"جوهرتك الغالية؟"
اوماً برأسه بحب وقال :
"أيوه جوهرتي الماس الغالية اللي عايز أقفل عليها مية ترياس وأعين عليها اتنين حراس، زي ما
قال هشام الجخ في القصيدة بتاعته وكأنه بيوصفني في حبي وغيرتي عليكي."
ضحكت بخفوت، بينما كانت نظراته إليها تفيض بحنان جعله قلبها يخفق بعنف.
وفي لحظة اندفاع صادقة، اقتربت من شفتيه وأعطته قبله قويه بنت من خلالها عشقها
المجنون به وهو كان يقابل شغف قبلتها بشغف اكبر ثم ابتعدت عنه وتكلمت بدموع:
بحبك أوي يا جواد بعشقك فوق ما تتصور، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك ابدا يارب"
ابتسم لها بشقاوة وقال بمزاح
"حلوة البوسه اللي رزعتيها ليا دي كتري منها يوم الدخلم"
احمرت وجينتها بخجل وضربته على صدره وقالت:
"جواد اتلم وبطل قلة أدب."
ضغط بأسنانه على شفته السفلى وقال بطريقة شقيه:
"لا أنتي لسه مشوفتيش قلة أدب مني يا روحي، ولو فضلنا ثانيه واحده هنا مع بعض، هنفذ الأفكار اللي جات في دماغي دلوقتي، وهخليكي مراتي رسمي نظمي."
اتسعت عيناها بصدمة، وشعرت بحرارة الخجل تتصاعد إلى وجهها بالكامل. لم تجد ردا مناسبا
على كلماته، فاختارت الهروب كعادتها.
امسكت حقيبة يدها وركضت سريعا إلى الخارج.
تابعها جواد بعينيه، ثم انفجر ضاحكا وهو يرى ارتباكها الواضح، كانت تلك النسخة من جواهر هي الأقرب إلى قلبه الفتاة التي يخجلها حرف واحد منه، رغم كل ما بينهما من حب وارتباط. تحرك خلفها بخطوات هادئة، وما زالت ابتسامته معلقة على شفتيه.
غادرا الغرفة مقا، ثم غادرا الفندق بأكمله، عائدين إلى المنزل.
وللمرة الأولى منذ فترة طويلة، لم يكن بينهما صمت ثقيل أو جرح مفتوح أو سوء فهم يفسد اللحظة.
كانت القلوب أكثر هدوء، والأرواح أكثر قربا بينما بدأت مشاعرهما تستعيد دفتها القديم شيئا
فشيئا، وكأن الحب الذي جمعهما منذ الطفولة وجد طريقه إليهما من جديد.
عند ترنيم....
بدأت تتململ فوق فراشها بكسل محبب بينما كانت خيوط الصباح الأولى تتسلل بهدوء إلى الغرفة. فتحت عينيها ببطء، وما إن استعاد بصرها وضوحه حتى وقعت عيناها على غريب
النائم إلى جوارها.
توقفت لحظة تتأمله.
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها، وعادت بها الذكريات إلى الليلة الماضية. كانت ليلة مختلفة أعادت إلى قلبيهما شيئا افتقداه طويلا وسط الضغوط والمشكلات ليلة شعرت خلالها أنها عادت سنوات إلى الوراء، إلى البدايات الأولى، حين كان الحب وحده يملاً أيامهما دون خوف أو أعباء. رفعت يدها برفق ومررتها على ملامحه، تنأمل التجاعيد الخفيفة التي أضافها العمر والتعب إلى
وجهه، ثم اقتربت منه وطبعت قبلة حانية على خده.
شعر بها غريب، ففتح عينيه ببطء، وما إن رأها أمامه حتى ارتسمت ابتسامة عاشقة على شفتيه. مال نحوها ووضع قبلة سريعة على شفتيها وقال:
"صباح الشقاوة"
ثم غمز لها بشقاوة وعشق خالص.
ضحكت بخجل وهي تشعر بحرارة تتسلل إلى وجنتيها رغم كل هذه السنوات التي جمعتهما.
وقالت بدلع:
غريب بس بقى متكسفنيش "
تعالت ضحكاته الصادقة، تلك الضحكات التي افتقدتها كثيرا خلال الأيام الماضية، اقترب منها أكثر، ووضع ذراعه أسفل رأسها وجذبها إلى صدره، ثم قبل رأسها بحنان وقال:
هتفضلي زي ما انتي مهما مر عليكي العمر بعشق كل حاجه فيكي، بحبك يا ترنيم"
اغمضت عينيها وهي تستند إلى صدره، تستمع إلى نبضات قلبه التي لطالما كانت مصدر طمأنينتها، ثم قالت بحب:
وانا بحبك اوي يا غريب، ولما يتكون زعلان مني ومخاصمني يبقى هتجنن و حزينه، ممكن
مهما حصل متبقاش قاسى عليا وتقعد كل ده مخاصمنی؟"
تلاشت الابتسامة قليلا عن وجهه، وحل محلها إرهاق تقبل تنهد بعمق قبل أن يقول بصوت
اختلط فيه التعب بالألم:
" اللي انا فيه يهد بلد يا ترنيم مستحمل حاجات محدش يعرفها غيري، علشان كده الفترة دي
عصبي ومعنديش أي مخرج غيرك يا ترنيم، معلش استحمليني بس الفترة دي لحد ما تعدي
انتي ضهري وسندي، وماليش غيرك في وقت ضعفي "
أنهى كلماته وضمها بقوة إلى صدره، وكأنه يستمد منها بعض القوة التي بدأت تنفد منه شيئا فشيئا.
شعرت بثقل ما يحمله فوق كتفيه، وشعرت أيضًا بمدى احتياجه لها في هذه المرحلة، فتمسكت به أكثر ووضعت قبلة على صدره وقالت:
"أنا أستحملك عمري كله يا غريب، ما انت كتير اوي سندني واستحملت عصبيتي وحزني، انت
عشرت عمري كله وحبيب ايامي، ومهما حصل، هفضل بحبك اكثر واكثر يا غريب "
ساد بينهما صمت دافئ لثوان، قبل أن ترفع رأسها وتنظر إليه بتردد خفيف وهي تقول:
بس هو موضوع سفرنا لتركيا ده كان بجد يا غريب؟"
اوماً برأسه مؤكدا وقال:
"أيوه يا قلب غريب انا حالياً شغال على إجراءات نقل كل حاجه لهناك "
اعتدلت في جلستها فوزا، وتبدلت ملامحها. لم يكن الأمر مجرد سفر بالنسبة لها، بل كان اقتلاعا
من حياة عاشت تفاصيلها سنوات طويلة.
قالت بصوت مختنق
طيب ليه يا غريب ؟ صدقني مش هينفع."
جلس هو الآخر باعتدال، وأمسك يدها بين كفيه وقبلها بحب قبل أن يقول بهدوء:
علشان خاطري اهدي يا ترنيم وافهميني احنا هنا كلنا معرضين للخطر من مريم، وكفايه اللي
عملته في بنتنا أروى، لازم احدكم لمكان آمن بعيد عن هذا علشان اقدر أركز في اللي جاي انتوا نقطة ضعفي، وهي عارفه كده وبتضربني بيكم، وطول ما أنا قلقان عليكم مش هعرف أركز "
انقبض قلبها فور ذكر اروى كانت جراح ابنتها ما تزال نازفة داخلها، وكلما تذكرت ما مرت به
شعرت بالعجز يمزقها من الداخل، تكلمت بصوت متأثر:
طيب بلاش تعيش هناك على طول علشان خاطري احنا ممكن نقضي فترة هناك زي ما احنا
متعودين، وترجع تانى مصر لحياتنا الطبيعيه بلاش تنقل كل حاجة هناك ارجوك يا غريب"
أغمض عينيه للحظات وهو يفكر في طلبها، كان يعلم مدى تعلقها بمصر، ببيتها، بذكرياتها، وبكل تفاصيل حياتها هنا.
فتح عينيه أخيرا وجذبها إلى حضنه مرة أخرى، وقبل رأسها بحنان وقال:
"ماشي يا حبيبتي، خليها في وقتها، يلا بقى قومي خدي حمامك لحد ما أعمل مكالمة تليفون
بأبنك البغل ده اشوفه عمل أيه في البت"
ضحكت رغما عنها، فابتسامتها كانت دائما تظهر كلما بدأ يتحدث عن أولاده بهذه الطريقة
الساخرة المحببة.
اقتربت منه وقبلت خده سريغا، ثم نهضت من الفراش واتجهت نحو المرحاض.
ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب، وظلت ابتسامة خفيفة معلقة على شفتيه. رغم كل
ما يمر به، كانت ترنيم ما تزال الملاذ الوحيد الذي يخفف عنه وطأة الأيام.
مد يده إلى الهاتف، وعبث بالشاشة قليلا قبل أن يضعه على أذنه.
لم تمض سوى توان حتى جاءه صوت جواد المرح:
باشا مصر، عم المجال كله "
ضحك غريب و هز رأسه بيأس من طريقة ابنه، ثم قال بمزاح:
"امم، افهم أنا كده أن الأمور تمام معاك ؟ "
في الجهة الأخرى، كان جواد يجلس خلف مقود السيارة، بينما يمسك يد جواهر ويقبلها بين
الحين والآخر دون أن يتركها.
ابتسم بثقة وقال:
تمام التمام، عيب عليك يا باشا انا جواد ضرغام
تنهد غريب أخيرا براحة حقيقية شعر بها منذ وقت طويل، وقال:
"ربنا يسعدكم يا ولاد يارب، ناوي تيجي امتى ؟"
أجابه جواد بنبرة رجولية هادئة:
"احنا في الطريق اهو هروحها وأجيلك على طول."
أنهى غريب المكالمة ووضع الهاتف إلى جواره.
أسند رأسه إلى ظهر السرير وأطلق زفرة طويلة، ثم رفع بصره إلى السقف.
للمرة الأولى منذ أيام شعر ببعض الطمأنينة. جواد وجواهر تصالحا، وترتيم عادت تبتسم، وأروى وافقت على العلاج.
لكن رغم ذلك كله، لم يغادره ذلك الشعور التقيل القابع في صدره.
كان يعلم أن المعركة لم تنته بعد.
وأن ما ينتظره في الأيام القادمة قد يكون أصعب بكثير مما مر به حتى الآن.
بالمساء....
توقفت سيارة تامر أمام فيلا غريب، فخيم الصمت لثوان داخل السيارة، كان أحمد جالسا إلى
جواره، يراقب بوابة الفيلا بعينين يختلط فيهما القلق بالأمل منذ أن وافقت أروى على الذهاب إلى الطبيبة، وهو يشعر بشيء من الارتياح، لكنه لم يجرؤ على الاطمئنان الكامل، كانت حالتها النفسية هشة إلى حد يجعله يخشى أن تتراجع في أي لحظة.
اعتدل في جلسته والتفت إلى تامر قائلاً بصوت خافت اختنقت فيه مشاعره
"انزل أنت وادخلها، ولما تخرجوا أنا همشي وراكم بالعربية، بس أوعى تقولها أني موجود معاكم
في المكان "
أوما تامر برأسه متفهما. كان يدرك جيدا أن وجود أحمد أصبح يربك أروى أكثر مما يريحها
. ورغم ذلك لم يكن يخفى عليه مقدار الحب الذي يحمله لها ذلك الشاب، ولا حجم المعركة التي
يخوضها بصبر حتى لا يزيد أوجاعها.
ترجل من السيارة وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه إلى الداخل بخطوات هادئة.
في الصالة كانت ترنيم تجلس على الأريكة تبدو عليها آثار إرهاق الأيام الماضية، ورغم
محاولتها التماسك، بقي الحزن ساكنا في عينيها لا يغادرهما.
اقترب منها تامر وانحنى يقبل رأسها بحنان أخوي، ثم قال مبتسما :
"مساء النور يا توته "
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة سرعان ما شابها الأسى، وقالت:
"مساء الفل يا قلب أختك، أقعد "
"أروى جهزت ولا لسه؟"
جلس إلى جوارها وقال وهو ينظر حوله :
تنهدت ترنيم ببطء، وشردت للحظة قبل أن تجيبه
" في اوضتها بتجهز كانت الصبح رافضه أنها تروح، أبوها أقنعها بالعافيه."
هبطت ملامح تامر قليلا، كان يعرف أن ما تمر به أروى ليس مجرد أزمة عابرة، بل جرح عميق
ترك أثره في روحها قبل قلبها، وقال بصوت مثقل بالحزن
كثر خيرها، اللي هي فيه مش سهل، ربنا يجعل شفاها على أيد الدكتورة دي، أحمد بيقول أنها ممتازة جدا."
صوتها وهي تقول:
لم تستطع ترنيم منع دمعة تسللت إلى عينيها، مسحتها سريقا، لكنها لم تستطع إخفاء مرارة
منها لله، اللي كانت السبب، في اللي حصلها."
ساد الصمت بينهما للحظات صمت يحمل من الوجع ما تعجز الكلمات عن وصفه.
وفي تلك اللحظة ظهر صوت خطوات خافتة على الدرج.
التفت الاثنان في الوقت نفسه، فرأيا أروى تهبط ببطء. كانت ترتدي ملابس بسيطة، لكن
الشحوب الذي استقر على وجهها جعلها تبدو أكبر من عمرها بكثير، لم تعد تلك الفتاة المليئة
بالحياة التي كانت تملأ المكان ضحكا ومشاكسة. أصبح الحزن جزءا من ملامحها، وصارت
الابتسامة ضيفا نادرًا على وجهها.
وقفت أمامهما وقالت بهدوء:
"أنا جاهزة"
نهض تامر فوزا، وكعادته حاول أن ينتزع منها ولو ابتسامة واحدة، فقال وهو يفتح ذراعيه بمبالغة مرحة:
يا لهوى يا ناس على القمر ده حبيبة خالها بتاكل الجو في أي مكان تروح فيه"
لكن كلماته اصطدمت بجدار الألم الذي تسكن خلفه أروى.
نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت:
"كان يا خالوا، إنما دلوقتي اللي قصادك دي، بقايا حطام لواحدة خسرت حاجات كتير أوي وهي لسه بتقول يا هادي لدنيا."
شعر تامر بانقباض مؤلم في صدره. لم يكن هناك ما يوجعه أكثر من رؤيتها بهذه الصورة.
اقترب منها وأمسك يدها بين كفيه، وربت عليها بحنان أبوي وهو يقول:
" انتي لسه صغيره يا بنتي ولسه الدنيا فاتحه دراعتها ليكي، سبيها على ربنا، وهو قادر يطبطب
على قلبك ويريحك، وأنا واثق في أحمد هيقدر ينسي قلبك اللي حصله"
ترددت نظرات أروى للحظة، لكنها لم تعلق.
حول تامر الحديث سريعا حتى لا يغرق
الجميع في الحزن، ثم نظر إلى ترنيم وأعاد بصره إلى أروى قائلاً بابتسامة مشجعة:
يلا يا قمرات علشان منتأخرش على ميعادنا."
ترددت أروى قليلا قبل أن تسأله بصوت متوتر:
"خالوا، أحمد جاي معانا؟"
شعر تامر بارتباك مفاجئ، لكنه أخفاه سريعا خلف ابتسامة هادئة وقال:
ل لا طبقا يا حبيبتي ما فيش غيرنا أحنا الثلاثه اللي رايحين "
ظلت تنظر إليه لنوان طويلة، تحاول التأكد من صدقه، ثم أومات برأسها بصمت.
بعد دقائق قليلة خرج الثلاثة من الفيلا.
كانت أروى تسير بخطوات بطيئة، بينما بقيت ترنيم إلى جوارها تراقبها بعينين لا تفارقهما الأمومة والخوف. أما تامر فكان يحاول أن يبدو طبيعيا رغم القلق الذي ينقل قلبه.
استقلوا السيارة، وأدار المحرك ثم انطلق بها خارج الفيلا.
وفي الجهة المقابلة من الشارع، كان أحمد يراقب المشهد من خلف زجاج سيارته.
تابع خروج أروى بعينين امتلأتا بالشوق والوجع مفا. اكتفى برؤيتها للحظات، لكنه شعر أن تلك
اللحظات تساوي الدنيا كلها.
انتظر حتى ابتعدت سيارة تامر مسافة مناسبة، ثم أدار محرك سيارته وتحرك خلفهم بهدوء.
لم يكن يريد الضغط عليها، ولم يكن ينوي الظهور أمامها، لكنه أيضا لم يستطع البقاء بعيدا. ظل يقود خلفهم بصمت يحمل في قلبه دعاء واحدا لا يتوقف، أن تكون هذه الخطوة بداية
الطريق لعودة أروى إلى الحياة من جديد.
عند رنيم ....
كانت تقود سيارتها في الشوارع دون وجهة محددة، تركت المقود لذاك الألم المتراكم داخلها ليقودها حيث يشاء. كانت الأضواء تمر أمام عينيها باهتة ومشوشة خلف ستار الدموع الذي لم ينقطع منذ ساعات، بينما ظل صدرها متقلا بهموم متشابكة لم تعد تعرف من أين تبدأ أو كيف تنتهي.
شعرت بأن الحياة تضيق حولها شيئا فشيئا، حتى باتت أنفاسها نفسها عبنا عليها، كانت تتمنى أن تستيقظ فتكتشف أن كل ما تعيشه مجرد كابوس طويل، وأن الأيام القاسية التي مرت بها لم تكن سوى وهم عابر لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة من أن تنكر، وأكثر ثباتا من أن تهرب منها.
وفجأة توقفت السيارة.
رفعت رأسها ببطء شديد، وكأنها تعود إلى وعيها بعد رحلة طويلة من الشرود، لتجد نفسها أمام
بوابة المقابر.
ظلت تحدق فيها لنوان طويلة دون أن تتحرك، بينما تسربت إلى قلبها تلك الرهبة الحزينة التي كانت تصيبها كلما جاءت إلى هنا. لم تتساءل كيف وصلت لأن جزءا منها كان يعرف الإجابة جيدا. ففي كل مرة تضيق بها الدنيا كانت قدماها تقودانها إلى المكان الوحيد الذي تشعر فيه
بأنها ما زالت ابنة صغيرة تبحث عن الأمان.
ترجلت من السيارة وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت نحو البوابة بخطوات بطيئة مثقلة بالحزن. وما إن دلفت إلى الداخل حتى أحاط بها الصمت من كل جانب، ذلك الصمت الثقيل الذي يملأ المقابر، فيجبر الإنسان على مواجهة نفسه دون مهرب
توجهت مباشرة إلى قير والدها، وبجواره قبر والدتها، كان قلبها يعرف الطريق حتى لو أغمضت عينيها.
وقفت أمام المدفن طويلا.
حدقت في الاسم المحفور على الرخام، وشعرت بأن سنوات عمرها كلها تعود إليها دفعة واحدة. كم مرة وقفت هنا؟ وكم مرة حاولت أن تكون قوية ؟ ومع ذلك كانت تنهار في كل مرة كما لو أنها
تزور هذا المكان للمرة الأولى.
تعالت أنفاسها وهي تنطق الاسم ببطء:
مدفن سلطان سلیمان محمد الدسوقي"
مرت أصابعها فوق الحروف المحفورة بحنان موجع، وفي اللحظة التي نطقت فيها باسم والدها.
سقطت آخر الحواجز التي كانت تمنع دموعها، فخرجت شهقاتها متلاحقة وهي تقول: "وحشتني اوي يا بابا، أنا محتاجلك أوي الدنيا وحشه أوي من غيرك نفسي أترمى في حضنك. نفسي تطمني أن الدنيا لسه بخير تسند ضهري وتحميني من الدنيا بحالها، أنت عارف، أنا حبيت واحد نسخه منك، نفس خوفك عليا، نفس نظرتك ليا اللي كلها حب، حضنه نفس الأمان اللي كنت بحسه في حضنك بس عنده بنات مش قادرة أعيش بناته نفس اللي أنا عيشته معاك مش عايزة اخده منهم زي ما أنت سمحت لواحده تخدك مننا، ليه يا بابا تعمل كده فينا؟ أنا وماما مكناش عايزين حاجة غير أنك تبقى معانا بقلبك وعقلك مش بجسمك بس ( أنا أنا فاكرة لما جيت مره وقلتلي، أنك عمرك ما عرفت الخوف، بس دلوقتي عرفته، كنت خايف تعرف بوجودنا وتبعد عنك، ده أنت حتى قلتها ليا، بحبك وشايفها فيكي، يعني حتى حبك ليا، علشان شبهها، ليه يا بابا تجبتي الدنيا، ما دام مش هتقدر تحبني قدها، أهو أنا دلوقتي عايشه نفس الحياة اللي أجبرتني أنا وماما نعيشها زمان، ليه مكتوب عليا أعيش وأتعذب في كل مراحل عمري ؟ ليه مكتوب عليا أن اللي بحبهم كلهم يروحوا ويسيبوني ؟ ليه يا بابا رد عليا؟"
كانت الكلمات تخرج من أعماقها لا من شفتيها. لم تكن تشكو حاضرها فقط، بل كانت تفرغ سنوات كاملة من الوجع المخزون داخل قلبها. وجع الطفلة التي كانت تنتظر أباها، ووجع المرأة
التي تخشى أن تعيد أخطاء الماضي دون أن تشعر.
وفي وسط انهيارها سمعت صوتا رجوليا خلفها يقول :
ومين قالك أني مبعد وسيبك يا قلب شاهين؟"
استدارت بسرعة، واتسعت عيناها بدهشة لم تستطع إخفاءها.
"شاهين! أنت بتعمل ايه هنا ؟ "
اقترب منها ببطء وقال:
كنت لسه بركن العربيه لاقيتك خارجه مشيت وراكي لحد هنا."
"أنت بتراقبني يا شاهين؟"
نظرت له بضيق وقالت:
لم يجبها مباشرة، بل اقترب أكثر ووضع ذراعه على كتفها. كانت عيناه معلقتين بقبر سلطان بينما بدا وكأنه يحادث رجلا يعرفه منذ سنوات.
هاي يا عم سلطان، أنا شاهين الرواي، بعشق بنتك وبنتك مجنناني ومطلعه عيني وعين اللي خلفوني، وبما أننا هنا دلوقتي، فأنا حابب أطلب أيد بنتك القمر دي، وأتمنى أنك توافق، علشان حتى لو مش هتوافق، فأنا هتجوزها، يعني هتجوزها."
رغم دموعها وحزنها، شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى قلبها. هذا الرجل كان يملك قدرة غريبة على اقتحام أكثر لحظاتها ظلمة وإشعال بصيص ضوء فيها حتى الآن، وهي تقف أمام قبر
والدها منهارة، ما زال يحاول أن ينتزع منها ابتسامة.
أغلقت عينيها بحزن وتكلمت بصوت مختنق وقالت:
شاهين بلاش جنان أرجوك، واتفضل أمشي بقى عايزه شوية خصوصية لو سمحت."
لكن شاهين لم يكن مستعدا للتراجع.
كان يعرف أنها لا تهرب منه، بل تهرب من خوفها.
لا مش همشي غير لما تخرج من هنا أنا وأنتي على المأذون، وأنا طلبت أيدك أهو من السيد
الوالد ووافق كمان."
رفعت إحدى حاجبيها إلى الأعلى وتكلمت بتهكم:
"والله وأنت عرفت إزاي أنه موافق ؟"
بحث بعينه على قبر والدها ثم قال:
"جذع الشجرة أتحرك وده معناه أنه موافق "
ورغم كل شيء، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة لم تستطع منعها.
شاهين بجد مينفعش كده أتفضل أمشي بقى "
أمسك يدها هذه المرة بكل ما يملكه من رجاء، ولم يكن ذلك الرجاء مفتعلا أو عابرا، بل خرج من
قلب رجل تعب من الانتظار وخاف كثيرا من خسارتها.
علشان خاطری وافقی يا رنيم أنا مش قادر اعيش من غيرك، واوعدك أني مش هقصر مع بناتي
ابدا، ولو يوم حسيتي أني مقصر هنفذلك أي حاجه تطلبيها مني "
ظلت صامته ولم تجيب عليه.
لكن داخلها كانت معركة كاملة تدور.
كانت تسمع كلماته، وتستعيد في الوقت نفسه صورا قديمة من حياتها، وصوت أمها، ودموعها.
أكمل كلامه وقال بعشق خالص:
ووحدتها، وخوفها القديم من أن تصبح يوما سببًا في ألم امرأة أخرى أو طفل آخر.
" وأنا قصاد أبوكي وأمك أهو، بوعدك أني لا هقصر في يوم في حق بناتي، ولا هقصر في حقك، وأنتوا الثلاثه هتكونوا أهم حاجه في حياتي "
هذه المرة لم تستطع الهرب.
ظلت تنظر إليه طويلا، تحاول أن تفتش في أعماقه عن أي كذبة أو تردد أو أنانية، لكنها لم تجد سوى رجل يقف أمامها بقلبه كله، دون أقنعة أو مراوغة.
ثم انتقل بصرها ببطء نحو قبر والدها وقبر والدتها، وشعرت أن السنوات التي ظلت تركض فيها
من خوفها بدأت تفقد قبضتها عليها شيئا فشيئا.
ولأول مرة منذ زمن طويل، لم تستمع إلى مخاوفها، بل استمعت إلى قلبها.
ولهذا .. اومأت برأسها بالموافقه.
لم يصدق شاهين نفسه.
يقي للحظات طويلة يحدق فيها، يخشى أن تكون قد تراجعت عن موافقتها في اللحظة التالية. أو أن يكون ما سمعه مجرد أمنية طال انتظارها حتى اختلطت عليه الأحلام بالواقع، كانت
السعادة تندفع إلى قلبه يعنف حتى بدا عاجزا عن استيعابها، فقد حارب طويلا من أجل هذه
اللحظة، وانتظرها أكثر مما اعترف به يوما.
تكلم بعدم تصديق وقال:
"أنتي قلتي أيه؟ أنطقيها يا رنيم عايزة أسمعها منك."
كانت رئيم تنظر إليه والدموع تملأ عينيها، لم تكن دموع حزن هذه المرة، بل دموع امرأة أنهكتها الحروب الداخلية، ثم وجدت أخيرًا الشجاعة لتلقي سلاحها. شعرت بأن شيئا ثقيلا كان جائفا فوق صدرها لسنوات قد انزاح أخيرا، وأنها للمرة الأولى لا تتخذ قرارها بدافع الخوف، بل بدافع ما تريده هي حقا.
انهمرت دموعها بغزارة وقالت:
"موافقة يا شاهين"
وفي اللحظة التي سمع فيها الكلمة للمرة الثانية، اتسعت ابتسامته حتى أضاءت ملامحه كلها.
التفت نحو قبر سلطان بعفوية صادقة، وكأنه يخاطب رجلا يقف أمامه بالفعل لا مجرد اسم
محفور على شاهد قبر ثم تكلم بسعادة:
" شكراً يا أبو السلاطين، لو أعرف أنك كلمة السر كنت جبتها وجتلك من زمان."
ضحكته المختلطة بالفرحة جعلت قلب رنيم يرتجف بشعور لم تختبره منذ سنوات. كانت ترى أمامها رجلا سعيدا بها، سعيدًا لأنه ربحها، لا لأنه امتلكها، رجلا يتعامل مع موافقتها كما لو أنها أعظم انتصار حققه في حياته.
ثم أمسك يدها وأرغمها برفق على التحرك معه إلى الخارج، قبل أن يجذبها إلى أحضانه بقوة وسعادة غامرة، شعرت بذراعيه تلتفان حولها، وبقلبه الذي يكاد يقفز من بين ضلوعه من فرط الفرح، فابتسمت وسط دموعها وهي تستسلم لذلك الاحتضان الذي حمل معها وعدا بحياة
جديدة كانت تخشى الاقتراب منها منذ زمن.
لكن القدر كان يختبئ لهما في تلك اللحظة بالذات.
في لحظة واحدة فقط .. انقلب كل شيء.
انتفض شاهين بعنف داخل حضنها، وتشنج جسده فجأة بطريقة مرعبة، قبل أن تشعر بنقله يزداد فوقها بصورة غير طبيعية. لم تفهم ما حدث.
لم تسمع سوى صوت مكتوم مزق سكون المكان.
ولم تستوعب الأمر إلا عندما شعرت بالحرارة الغريبة التي بدأت تنتشر فوق يديها.
تراجعت قليلا تنظر إليه بعدم فهم، بينما كانت ملامح وجهه تتبدل أمامها، ورأت الألم يقتحم
عينيه بقسوة لم ترها من قبل.
عندها فقط انتبهت إلى الدماء.
الدماء التي أخذت تتدفق من ظهره بغزارة.
اتسعت عيناها بصدمة هائلة، وبدا المشهد أمامها غير قابل للتصديق تحركت يدها خلف ظهره
بارتباك شديد، ثم رفعتها أمام عينيها.
كانت يدها مغطاة بالدم، دم شاهين.
تجمدت للحظة كاملة.
شعرت أن عقلها توقف عن العمل، وأن العالم من حولها أصبح صامتا بصورة مخيفة. لم تعد
تسمع شيئا، لا صوت أنفاسها ولا نبضات قلبها، فقط كانت تحدق في الدماء التي تغطي أصابعها
وكانت عاجزة عن استيعاب معناها.
ثم بدأ جسد شاهين يتراخي.
و تهاوي من بين ذراعيها.
تراجعت إلى الخلف بعنف وهي تشعر أن الأرض تميد تحت قدميها، بينما سقط هو على الأرض متألقا.
عندها فقط انفجرت صرختها.
لم تكن صرخة خوف فحسب، بل صرخة إنسان يرى حلمه يتحطم أمام عينيه في اللحظة التي ظن فيها أنه أصبح حقيقة.
ينظر إلى نفسه.
أما شاهين، فرغم الألم الذي كان يمزق جسده، ورغم الدماء التي كانت تغادره بلا رحمة، لم يكن
كان ينظر إليها هي. يرى الرعب يلتهم ملامحها.
ويرى الانهيار يتسلل إلى عينيها.
ولهذا حاول أن يجمع ما تبقى لديه من قوة، محاولا تهدئتها بدلا من الاستسلام لألمه، ثم تكلم
بصوت ضعيف وقال:
أهدي يا رنيم، متخافيش عليا، خدي تليفوني وأتصلي بالإسعاف، يلا يا حبيبتي "
كانت تبكي بصورة هستيرية، بينما ارتجفت يداها بعنف وهي تحاول تنفيذ ما طلبه منها، انحنت نحوه ببطء شديد حركتها نفسها أصبحت تحتاج منها إلى مجهود هائل، ثم مدت يدها نحو
الهاتف.
لكن يدها توقفت فجأة في منتصف الطريق.
وشحب وجهها بصورة مرعبة.
رفعت عينيها نحو نقطة بعيدة أمامها، ثم تجمد الدم في عروقها.
كان زين يقف على مسافة ليست بعيدة، والسلاح ما زال بين يديه.
وكان يوجهه مباشرة نحو شاهين.
في تلك اللحظة شعرت رنيم بأن قلبها يهوي إلى قاع سحيق بلا نهاية الموت ما زال يقف
أمامهما .
حركت رأسها بالرفض بعجز كامل، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، وشعرت الأول
مرة في حياتها بأنها عاجزة تماما عن حماية شخص تحبه.
أما نظراتها المرتعبة فكانت معلقة بين شاهين الملقى على الأرض ينزف أمامها... وبين زين الذي
كان يستعد لإطلاق الرصاصة التالية.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن والاربعون
وقفت رنيم في مكانها وقد تجمدت أطرافها تماما، عاجزة عن استيعاب المشهد الذي انقلب في لحظة من حلم كانت تظنه بداية حياة جديدة إلى كابوس يفوق قدرتها على الاحتمال، كانت عيناها تتنقلان بین جسد شاهين الملقى على الأرض وسط بركة الدماء التي أخذت تتسع من حوله شيئا فشيئا، وبين المسدس المستقر في يد زين والموجه نحوه ببرود مخيف، مستعدا الإطلاق رصاصته الثانية في أي لحظة.
اهتز جسدها كله وهي تحرك رأسها بالنفي مرازا، تحاول إنكار الواقع أمامها. كانت أنفاسها متقطعة ومؤلمة، وقلبها يخفق بعنف حتى شعرت أن صوت نبضاته بملأ المكان، التقنت نحو شاهين مرة أخرى، فوجدت رأسه قد استقرت على الأرض بلا حراك، وعيناه مغمضتين تماما، وجسده الذي كان منذ لحظات يحتضنها بكل تلك السعادة بدأ يفقد مقاومته للحياة شيئا فشيئا. في تلك اللحظة شعرت أن شيئا بداخلها ينهار.
اندفعت نحوه بخطوات متعثرة، ركضت حتى وصلت إلى زين، وانهالت عليه تضرب صدره بكل ما تملك من قوة، بينما يخرج صوتها ممزقا من بين شهقاتها ودموعها.
ليه تعمل كده ليبيه ؟"
لم يظهر على وجهه أي أثر للندم أو التردد، بل نظر إليها بعينين جامدتين أثارتا الرعب في
أعماقها، ثم تكلم بنبرة باردة مخيفة وقال:
علشان انتي فكرتي أني يهددت كلام كده وخلاص، قلتلك هتتجوزي عمر، رحتي رفضي ووافقتي تتجوزي حيلة أمه بلاش تيجي وتلوميني دلوقتي يا بيبي"
ارتجف جسدها بالكامل، وشعرت أن الخوف والاختناق واليأس يتجمعون داخل صدرها دفعة واحدة. كانت متعبة .. متعبة إلى حد لم تعد تملك معه القدرة على القتال أو المقاومة. كل ما كانت تريده في تلك اللحظة أن يتوقف هذا الجنون، أن يتوقف نزيف الدم، أن يفتح شاهين عينيه فقط.
حرکت رأسها بالنفي بعنف ودموعها تنساب بغزارة فوق وجنتيها، ثم صرخت بصوت خرج
محملا بكل ما مرت به من ألم:
كفايه بقى حرام عليك سبيني في حالي، أبوس ايديك كفايه."
لكن توسلاتها لم تحرك فيه شيئا.
رفع زین سلاحه من جديد، ووجهه نحو شاهين الراقد على الأرض وسط دمائه، ثم قال بيرود جعل الدم يتجمد في عروقها:
ها ؟ هتتجوزي عمر زي ما قلتلك ؟ ولا أضرب الرصاصه الثانيه، وأخلص عليه خالص ؟"
شعرت رئيم بأن العالم كله توقف عند تلك اللحظة.
التفتت نحو شاهين، فتسللت نظرتها المرتعشة إلى وجهه الشاحب قبل دقائق فقط كان يضحك ويطلب منها أن تعيد كلمة موافقتها مرة أخرى، وكان يتحدث عن مستقبلهما وعن بناته وعن
حياتهما القادمة. أما الآن فقد أصبح معلقا بين الحياة والموت بسببها.
تلك الفكرة مزقت قلبها بعنف.
رفعت عينيها نحو زين، ولم يبقى في داخلها سوى الخوف على الرجل الذي تحبه، ثم قالت
بصوت مختنق بالكاد خرج من بين شهقاتها:
"بلاش أرجوك خليني أنقذه الأول واللي انت عايزه هعمله."
ظل ينظر إليها طويلا، يراقب انكسارها وعجزها، قبل أن يرفع يده ويحرك أصابعه أمام عينيها بتحذير واضح وقال:
"أنا همشي وأسيبك تنقذي زي ما أنتي عايزة، بس عارفه لو خلال الأسبوع ده متجوزنيش عمر المرة الجايه مخلص عليه على طول "
شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها كله.
كانت تعرف من نظراته أنه لا يمزح.
وأن تهديده لبس مجرد كلمات.
أنهى كلامه واستدار مبتعدا ، ثم أسرع بالركض حتى اختفى من المكان.
ركضت إليه بسرعة، وسقطت على ركبتيها بجواره.
ظلت تنظر إلى أثره لثوان طويلة بعينين امتلانا بالكراهية والعجز، ثم التفتت فجأة نحو شاهين
أن تتمكن أخيرا من طلب سيارة الإسعاف.
ارتعشت يداها وهي تلتقط هاتفه من الأرض، وكادت تسقطه أكثر من مرة من شدة ارتباكها، قبل
وما إن أنهت المكالمة حتى أمسكت بيده.
كانت يده باردة على نحو أخافها.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة شعرت بهذا القدر من الخوف. ليس على نفسها.
بل على شخص آخر أصبح وجوده جزءا من وجودها.
ضغطت على يده بكل قوتها، ثم انحنت نحوه وهي تبكي بحرقة، وكلماتها تخرج متعثرة بين شهقاتها:
"أبوس أيدك متسبنيش، أتمسك بالحياة علشان خاطري، أنا مستعدة أعمل أي حاجة علشان انت تبقى بخير، أنا بحبك أوي يا شاهين بترجاك فتح عيونك، يصلي نفس البصه اللي بتخطف قلبي اللي يتحسسني بالأمان، قوم علشان خاطر قلبي الصغين مش هيتقبل فكرة فقدانك، رد عليا يا
شاهين يقي."
لكن شاهين لم يجب لم يفتح عينيه.
ولم يضغط على يدها. فازداد هلعها أكثر.
أسندت جبينها إلى كتفه، وانهارت نبكي بحرقة، بينما كانت تحاول أن تسمع أي إشارة تطمئنها
بأنه ما زال يقاوم، أي حركة، أي نفس، أي دليل على أنه لم يرحل منها بعد.
مرت الدقائق عليها ثقيلة بصورة لا تطاق، حتى دوى أخيرا صوت سيارة الإسعاف في المكان.
رفعت رأسها بسرعة، وشعرت بشيء من الأمل يتسلل إلى قلبها المنهك.
أسرع المسعفون نحوه، وبدأوا في التعامل معه بسرعة، بينما كانت هي تقف بجوارهم عاجزة
عن فعل أي شيء سوى البكاء والدعاء.
وحين حملوه على السرير النقال، شعرت بأن قلبها ينتزع من صدرها معهم.
تحركت خلفهم دون وعي، وصعدت إلى سيارة الإسعاف، ثم جلست أمامه مباشرة.
مدت يدها والتقطت يده من جديد، كانت تخشى أن تفلت منها إذا تركتها للحظة واحدة.
ظلت تحدق في وجهه الشاحب، بينما كانت الدموع تنهمر بصمت هذه المرة.
لم تعد تملك كلمات، ولم تعد تملك قوة للبكاء أو الصراخ.
كل ما كانت تملكه في تلك اللحظة هو رجاء صامت يملأ قلبها بالكامل.. فقط ينجو.
أما هي، فستتحمل بعد ذلك أي شيء.
وقفت رنيم أمام غرفة العمليات وكان الزمن قد توقف عند تلك اللحظة القاسية. كانت تتحرك ذهابا وإيابا في الممر الضيق بخطوات مضطربة، بينما لم تتوقف دموعها عن الانهمار. كلما وقعت عيناها على الباب المغلق شعرت بأن قلبها يسحب من بين ضلوعها ببطء. لم تكن تسمع أصوات الممرضات أو حركة الأطباء من حولها، ولم تعد ترى شيئا سوى ذلك الباب الذي يفصلها عن
الرجل الذي أصبح جزءا من روحها.
كانت تسترجع المشهد مرازا دون رحمة ابتسامته قبل ثوان من إطلاق النار، فرحته الطفولية بموافقتها، دفء حضنه الذي لم يكتمل، ثم الدماء التي غمرت ملابسه بين ذراعيها، كلما تذكرت تلك اللحظة ازداد ارتجاف جسدها، وشعرت أن الهواء يضيق حولها أكثر.
وفي خضم ذلك الانهيار، لمحت أماليا تقترب بسرعة تتبعها إيما وميا. كانت ملامح أماليا شاحبة من القلق، لكن الغضب كان أوضح من أي شيء آخر في عينيها، وما أن وصلت إليها حتى
أمسكت ذراعها بعنف وتكلمت بصراخ:
حصل ايه الشاهين؟ أنطقي عملتي ايه في جوزي ؟"
شعرت رنيم بالألم من قوة قبضتها، لكنها لم تحاول الإفلات كانت منهارة أكثر من أن تدافع عن نفسها. رفعت عينيها المغرفتين بالدموع إليها وقالت من بين شهقاتها:
م معملتش ليه حاجه والله د ده بلطجيه ط طلعوا علينا في الشارع و وضربوا "
لكن أماليا لم تكن في حالة تسمح لها بالتصديق أو التفكير المنطقي، كان الخوف على شاهين قد
تحول داخلها إلى غضب أعمى، فزادت ضغطها على ذراع رنيم وهي تقول:
كدابه أطمن على شاهين بس، وبعد كده أعرف الحقيقه منك كلها."
وقبل أن تتمكن رقيم من الرد، تقدمت إيما بخطوات سريعة. كانت عيناها حمراويتين من البكاء، لكنهما كانتا تحملان أيضا غضبا كبيرا. وقفت أمام رنيم مباشرة ونظرت إليها بكره شديد وقالت: "أنا بكرهك، لو بابي حصل ليه حاجه مش هر حمك يا رنيم بكرهك."
تلقت الكلمات كطعنة جديدة.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها. لم تكن ترى أمامها فتاة صغيرة الآن، بل كانت ترى نفسها قبل سنوات طويلة. كانت ترى تلك الطفلة التي وقفت يوما تحمل في قلبها الغضب نفسه، والوجع نفسه، والشعور نفسه بأن شخصا ما سرق منها أباها.
وكادت تسقط بالفعل لولا أن يدا صغيرة أمسكت بها.
التفتت لتجد ميا تقف بجوارها كانت الصغيرة تبكي هي الأخرى، لكن قلبها كان ما يزال نقيا بما يكفي ليبحث عن الألم في عيون الآخرين، ريتت على ذراع رنيم برفق وقالت بنبرة حزينة: متقلقيش بابي هيكون كويس بابي قوي، ومستحيل يتخلى عننا بسهولة كده."
نظرت إليها رنيم طويلا. كم كان الأمر مؤلفا... في الماضي كانت هي الطفلة التي ينظر إليها
الجميع بالشفقة.
أما الآن فهي المرأة التي تتلقى نظرات الاتهام.
التاريخ يعيد نفسه، لكن بصورة أكثر قسوة.
وقبل أن ينهار ما تبقى من تماسكها، انفتح باب غرفة العمليات أخيرا.
تجمد الجميع في أماكنهم.
خرج الطبيب وهو يخلع قفازيه، فتعلقت به أربع قلوب مرتجفة في اللحظة نفسها. لم تجرؤ رنيم حتى على التنفس وهي تنتظر كلماته.
ثم قال بنبرته العملية:
المجهزة، حمد الله على سلامته"
"الحمد لله، خرجنا الرصاصه من غير أي تلف لحاجه في جسمه، وكمان شوية هيدخل اوضه
ما إن أنهى جملته حتى شعرت رنيم بأن جبلا كاملا أزيح عن صدرها.
انفجرت بالبكاء من جديد، لكن هذه المرة كانت دموع نجاة لا دموع فزع.
تنهدت بارتياح عميق، ثم اندفعت نحو ميا واحتضنتها بقوة وهي تقول بين شهقاتها:
"الحمد لله بابي بقى بخير يا ميا، أحمدك وأشكر فضلك يارب، الحمد لله."
تعلقت مبا بها بدورها وقالت بسعادة صادقة
مش قلتلك بابي قوي، ومستحيل يتخلى عننا بالسهولة دي"
للحظة قصيرة شعرت رنيم بدفء غريب يملأ قلبها.
لكن تلك اللحظة لم تدم.
اقتربت أماليا سريعا وأمسكت ذراع ميا بغضب، ثم أبعدتها عنها قائلة:
"أبعدي عن بنتي مالكيش دعوة بيها."
حاولت ميا الإفلات من يدها، لكن أماليا شدتها إليها بقوة.
اما رنيم فاكتفت بالابتعاد.
لم تعد تملك طاقة للدخول في أي صراع. شاهين بخير.
وهذا وحده كان كافيا بالنسبة لها الآن.
بعد مرور بعض الوقت، سمح لهم بالدخول إلى غرفته.
كان شاهين مستلقيا فوق السرير الأبيض، وعيناه مغمضتان، بينما احاط الشاش الأبيض جزءا
من صدره وكتفه.
رؤية وجهه وحدها جعلت قلب رنيم ينقبض.
اقتربت منه ببطء ووقفت بجواره، ثم أمسكت يده بين يديها و همست بصوت مرتجف
"شاهين، رد عليا لو سمعني "
تحركت رأسه ببطء شديد، ثم بدأ يحاول فتح عينيه.
وفي اللحظة نفسها تقريبا، اندفعت أماليا نحوه وأمسكت يده الأخرى وقالت بحزن:
شاهين يا حبيبي يرد على مراتك اللي هتموت من القلق عليك "
وأخيرا فتح شاهين عينيه.
كانت أول صورة استقبلتها عيناه هي رئيم.
ظل ينظر إليها للحظة طويلة، وجودها وحده كان كافيا ليطمئنه أنه ما زال حيا.
ثم انتقلت عيناه إلى إيما وميا، قبل أن يلتفت نحو أماليا.
وحين انتبه إلى يدها الممسكة بيده، سحبها بهدوء وأبعدها.
ثم عاد ينظر إلى رقيم، وربت على يدها مطمئنا وقال :
متقلقيش عليا يا بابا انا كويس، الرصاصة أصلاً كانت في كنفي "
عندها فقط شعرت رنيم أن الدموع التي كانت تحبسها منذ ساعات قد انتصرت عليها.
جلست بجواره أكثر وقالت:
" أنا أسفه "
رفع يده بصعوبة ومسح دموعها برفق، ثم قال بصوته الضعيف:
يا بابا متتأسفيش، أنتي ملكيش ذنب، أنا لما أطلع من هنا هعرف مين السبب ومش هرحمه"
نظرت رنيم إلى الإتجاه الآخر بتوتر، كانت تخشى أن تلتقى عيناها يعيني أحد فيقرأ ما تحاول
إخفاءه داخلها، كانت الكلمات عالقة في حلقها، والخوف يضغط على صدرها بقسوة حتى كادت
تشعر بأنها عاجزة عن النقاط أنفاسها بشكل طبيعي، لذلك اكتفت بالصمت.
ضغطت أمانيا على اسنانها وقالت:
" على فكرة أحنا كمان كنا قلقانين عليك مش هي بس."
أغلق شاهين عينيه يضيق للحظة قصيرة، فقد كان الألم الجسدي ينهش كتفه مع كل حركة، لكن
ما أزعجه أكثر هو ذلك التوتر الخانق الذي يملأ الغرفة. فتح عينيه مجددا ونظر إلى ابنتيه، ثم
أشار لهما حتى تقتربا منه.
نهضت رنيم من على السرير بهدوء، تاركة لهما المكان جلست كل واحدة منهما بجواره، فمد
مين بلغكم باللي حصلي ده؟"
تکلمت ميا سريعا وقالت:
يديه بصعوبة وأمسك أيديهما، ثم قبلهما بحنان أبوى صادق وهو يقول:
عمو مروان، أتصل بمامي وقالها."
انعقد حاجبا شاهين باستغراب، ثم التفت إلى رئيم قائلا:
"أنتي قلتي لحد ؟ "
حرکت رأسها بالنفي وقالت بتوتر:
"لا، مقلتش لحد يا شاهين، أنا أتصلت بالإسعاف بس "
ظل ينظر إليها لثوان، وكأنه يحاول فهم شيء لا يكتمل أمامه، ثم نظر أمامه بتفكير وأوما برأسه قائلا:
"ماشي، أنا هبقى أفهم كل حاجة من مروان"
وضعت ميا رأسها على كتف شاهين السليم وقالت:
"أنا كنت هموت من القلق عليك يا بابي بيوجعك مكان الرصاصة؟"
ابتسم لها بحب، تلك الابتسامة التي لم تكن تظهر إلا حين يتعلق الأمر بابنتيه، ثم حرك رأسه
بالنفي وقال:
لا يا قلب بابي من جوه أنا بقيت كويس أول ما شفتكم "
راقبت رنيم المشهد يصمت، وفي اللحظة التي رأت فيها ذلك الحنان المتدفق منه تجاه ابنتيه تحرك شيء قديم داخلها. لم تكن غيرة المرأة من ابنتي الرجل الذي تحبه، بل كانت غيرة طفلة حرمت يوما من أب أرادته لها وحدها شعور مباغت أربكها وأوجعها في الوقت نفسه، وكأنها لم تعد ترى أيما وميا، بل رأت نفسها الصغيرة وهي تقف بعيدا تراقب والدها يمنح دفته واهتمامه
لشخص آخر.
ضغطت إيما على يد والدها بحنو وقالت:
يا بابي أبعد عن الناس اللي كانت السبب في أذيتك دول الست دي هي اللي وراه كل حاجه
بتحصلك "
وأشارت بيدها إلى رئيم.
ارتفعت عينا رنيم إليها ببطء. لم تغضب منها، ولم تشعر حتى بالرغبة في الرد. كانت تنظر إليها.
ترى فيها انعكاس قديم لنفسها. رأت في عينيها الكره نفسه الذي كانت تحمله يوما، والغيرة نفسها، والخوف نفسه من فقدان الأب أو مشاركته مع أحد، لذلك لم تجد داخلها قدرة على لومها.
تكلم شاهين بصوت ضعيف لكنه حازم وقال:
"إيما، متتكلميش كده على رنيم هي ملهاش ذنب، ولا تعرف مين اللي عمل كده قيا، واحترامها من احترامي فاهمه"
استقامت إيما بجسدها بغضب، وعقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم وجهت إلى رئيم نظرة ممتلئة
بالرفض والعداء.
أما رنيم فحركت رأسها إلى الاتجاه الآخر. لم تستطع تحمل تلك النظرات أكثر، لأنها كانت ترى
ماضيها كله يقف أمامها في هيئة فتاة صغيرة.
نظرت أماليا إليهم بغضب، ثم تحركت نحو الأريكة وكادت أن تجلس عليها.
لكن شاهين تكلم سريعا وقال:
توقفت أماليا مكانها مصدومة لعدة لحظات لم تتوقع أن يطلب منها المغادرة بهذه البساطة.
"اتفضلوا بره أنا تعبان وعايز انام"
نظرت إليه بضيق واضح، ثم استدارت وتحركت إلى الخارج، وتبعتها ابنتاها.
شعرت رنيم أنها يجب أن تخرج معهم هي الأخرى، فتحركت نحو الباب، لكنه تكلم سريعا وقال:
رايح فين يا صغنن؟ ما أنتي عارفه، أنك علاجي، تعالي جنبي "
توردت وجنتاها رغم كل ما تعيشه من خوف وقلق، واقتربت منه مرة أخرى وجلست بجواره على السرير.
حاول شاهين أن يعتدل في جلسته، لكن الألم الغرس في كنفه بعنف فظهرت ملامح الوجع على وجهه.
تخشى أن تؤذيه حتى بلمسة عابرة.
انتفضت رنيم فوزا، ثم ساعدته على الجلوس ووضعت الوسادة خلف ظهره بحرص شديد، كانت
حرك شاهين ذراعه السليم وأحاطها به، ثم قبل رأسها بحب وقال:
طول ما أنتي جنبي مش بحس بأي ألم، خليكي معايا على طول. "
أغلقت عينيها بدموع، وأسندت رأسها إلى كتفه وقالت بحزن:
"أنا كنت هموت من الخوف عليك يا شاهين، أنا مش مستعدة أخسرك ولا أتوجع فيك"
قبل رأسها بحب وقال:
الوجع الحقيقي هو بعدك عني يا رنيم، أنا مستحيل اتقبل فكرت بعدك عني، أنتي النفس اللي
بتنفسه واللي عايش علشان أسعدها وبس"
ارتجف قلبها بعنف. كل كلمة كان يقولها كانت تزيد عذابها، لأنه لا يعلم.
لا يعلم أنها تقف على حافة قرار قد يسلبه منها رغما عنها.
ولا يعلم أن الخوف الذي ينهشها الآن لم يعد خوفا عليه فقط، بل خوفا من اليوم الذي سيعرف
فيه الحقيقة كاملة.
سقطت دمعة ساخنة على كتف شاهين وقالت بأسف :
" أنا أسفه يا شاهين مضطرة أعمل كده، بحبك أنت أجمل حاجه حصلتلي، مهما حصل أوعى
تكرهني "
انعقد حاجباه باستغراب، وأبعدها قليلا عن حضنه، ثم نظر إليها بعدم فهم وقال بتساؤل:
معنى أيه كلامك ده؟ قوليلي يا رنيم أيه مخبياه عليا؟ ويمكن اللي حصل ده، سببه الحاجه اللي
أنتي مش عايزة تقوليها ليا."
شعرت بأن قلبها ينهار داخل صدرها.
كاد كل شيء يخرج من بين شفتيها في تلك اللحظة.
كادت تخبره بكل شيء بزين وبتهديده.
وبالخوف الذي يطاردها منذ أيام.
لكنها كانت تعرف أن اعترافا واحدا قد يشعل حربا لن تنتهي.
لذلك نظرت إليه بحب موجع، ثم اقتربت من شفتيه والتهمتهما بقبلة بدت لوهله محاولة يائسة
الإسكات كل الأسئلة.
في البداية صدم شاهين مما فعلته، لكنه سرعان ما استجاب لها وضمها بذراعه، متبادلا معها القبلة.
لكن بعد لحظات شعر بطعم مالح اختلط بها. ابتعد عنها فورا. نظر إليها.
فوجد دموعها تنهمر بغزارة.
دموع لم تكن دموع امرأة عاشقة فقط.
بل دموع امرأة تشعر أنها تودع شيئا لا تريد فقدانه.
ضمها بقوة داخل صدره، ورغم الألم الذي اشتعل في جرحه من الحركة، إلا أن رؤيته لها بهذه
الحالة كانت أكثر إيلاما من الرصاصة نفسها.
ريت على ظهرها بحنو وقال :
شش، اهدى يا حبيبي أنا كويس والله متخافيش"
ارتعش جسدها بين ذراعيه، وتمسكت به بقوة أكبر تخشى أن يختفي من بين يديها إذا تركته
للحظة واحدة.
وظلت تبكي تبكي خوفا عليه.
وتبكي من ذنبها الذي يثقل روحها.
ويبكي عجزها عن إخباره بالحقيقة.
وبعد لحظات طويلة هدأت قليلا، ثم اعتدلت في جلستها.
نظر إليها بقلق وقال:
"بقيتي احسن دلوقتي؟"
اومات برأسها، وأرجعت شعرها خلف أذنها وقالت بتلعثم:
ك كويسه | أعصابي تعبانه شويه من ساعة اللي حصلك "
نظر إليها نظرة طويلة. كان يشعر أن هناك شيئا تخفيه.
شيئا كبيراً يجعل عينيها ممثليتين بهذا القدر من الخوف.
لكنه لم يشأ أن يضغط عليها أكثر وهي في هذه الحالة.
فاكتفى بأن ضمها إلى حضنه مرة أخرى، وظل يربت على شعرها برفق حتى تهدأ.
أغلقت رنيم عينيها داخل حضنه.
تنشبت بدفته برائحته
بنبضات قلبه القريبة من أذنها.
وكأنها تحاول أن تحفظ كل تفصيلة فيه داخل ذاكرتها.
فهي لا تتخيل حياتها بعيدا عن هذا الحضن الذي أصبح ملاذها الوحيد، ولا تستطيع أن تتصور
يوما تستيقظ فيه ولا تجده بقريها.
ولهذا السبب تمسكت به أكثر، كانت تحارب القدر نفسه، وتحاول أن تسرق من هذه اللحظة أكبر
قدر ممكن من الأمان قبل أن يفرض عليها الواقع تملا لا تريد دفعه.
بعد مرور أسبوع .....
خرج شاهين من المشفى بعدما تحسنت حالته بصورة كبيرة، وخلال الأيام الماضية أخذت
الشرطة أقواله وأقوال رنيم بشأن حادث إطلاق النار، لكن التحقيقات لم تصل إلى شيء حاسم
بعد بقيت رنيم إلى جواره طوال تلك الفترة، تتحمل بصمت نظرات الكراهية الواضحة التي
كانت ترمقها بها إيما، ونظرات العداء الصامتة من أماليا، بينما كانت ميا وحدها تمد إليها يدا
صغيرة مفعمة بالدفء، تغمرها بمحبتها البريئة بالطريقة نفسها التي كان يفعلها شاهين.
أما اليوم فكان مختلفا.
اليوم هو يوم زفاف جواد وجواهر، ذلك الزفاف الذي تقرر أن يقام وسط حراسة مشددة من
رجال الشرطة ورجال غريب بعد كل ما حدث مؤخرا.
في صباح ذلك اليوم.....
استيقظت رنيم وهي تشعر بثقل جائم فوق صدرها، كأن أحدهم وضع صخرة فوق قلبها أثناء
نومها. فتحت عينيها ببطء، وحدقت طويلا في السقف، بينما كانت الدموع عالقة داخل مقلتيها
ترفض السقوط. كان هناك شيء في نظراتها تغير شيء يشبه استسلاما مؤلفا لا يراه أحد سواها.
نهضت من فراشها بهدوء واتجهت نحو الباب فتحته وخرجت بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الأريكة التي كان شاهين ممددا فوقها.
توقفت أمامه للحظات.
تأملته وكأنها تراه للمرة الأخيرة.
ملامحه الهادئة أثناء النوم، أنفاسه المنتظمة، ذلك الأمان الذي كانت تشعر به كلما اقتربت منه. جنت على ركبتيها أمامه ومدت يدها تتحسس وجهه بحنان فارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة يملؤها الحزن أكثر مما يملؤها الفرح، ثم مالت نحوه وطبعت قبلة خفيفة على خده.
شعر بها شاهين.
فتح عينيه تدريجيا، وما إن وقعت عيناه عليها حتى اقترب منها بعفوية، والتهم شفتيها بقبلة
ساحقة.
وبعد لحظات، ابتعدت رنيم قليلا وهي تشعر أن قلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها، فأسند شاهين
جبهته إلى جبهتها وقال:
"أنا خلاص مبقتش قادر استحمل أبعد عنك أكثر من كده يا رتيم، أرجوكي تعالي نتجوز
النهاردة"
نظرت إليه طويلا.
كانت تسمع كلماته فتشعر وكأن أحدهم يمزق قلبها ببطء.
هو يتحدث عن المستقبل، بينما هي تشعر أن المستقبل ينهار أمام عينيها.
نظرت بعينيه والدموع متجمعه داخل مقلتها وقالت بأنفاس لاهثة:
بحبك يا شاهين، وأنا محتاجه ليك أكثر منك، ومبقتش قادرة أبعد عنك أكثر من كده"
حركت يدها على صدره وتكلمت بصوت هامس مغري
" أنا ... أنا مستعده "
عقد ما بين حاجبيه بعدم فهم أو ربما فهم ما تريد قوله لكنه حاول أن يكذب نفسه:
"مستعدة لأيه ؟ "
اقتربت من شفتيه وتكلمت بصوت هامس
"أكون ليك "
واقتحمت شفتيه وقبلتهما بطريقة جعلت شاهين يفقد سيطرته عن رغبته بها، اعتدل بجلسته
وأرغمها تجلس بجواره وألتهم شفتيها بطريقة توحي أنه قد سقط آخر حصونه لدفعاته، بدأت يده تتحرك بحرية أكبر، لكنه ابتعد سريعا عنها بأنفاس لاهثه وحرك رأسه بالرفض وقال:
وأنتي مراتي على سنة الله ورسوله "
"لا يا رتيم، أنتي أجمل وأشرف من أن ده يحصل ما بينا دلوقتي، أنا مشتاق ليكي أكثر منك، بس
وقفت سريعا وحركت يدها على شعرها وتكلمت بصراخ:
"أنا عايزة ده يحصل دلوقتي يا شاهين، أرجوك نفذ اللي طلبته منك، أنا حقك أنت وكل حته فيا
تخصك، ومش هسمح لحد ياخد منك ده مهما حصل "
استقام بجسده سریعا اقترب منها وأمسك وجهها بحنان محاولاً إعادتها إلى رشدها، بينما كان الخوف عليها يزداد داخله لحظة بعد أخرى.
صدقيني أنا مش هقدر أعمل كده مش هقدر أخد منك حاجة دلوقتي، تعالي نتجوز ووقتها
هعمل كل حاجه أنتى وانا محتاجينها."
كانت تنظر إليه وكأن الوقت ينفد من بين أصابعها. لم تعد تفكر فيما هو صواب أو خطأ، ولا فيما سيقوله العالم إن عرف ما يدور داخلها، كل ما كانت تراه أمامها هو الرجل الذي تحبه، والرجل الذي قد تجبر بعد ساعات أو أيام على الابتعاد عنه، لذلك كانت تنشبت به بذلك الإصرار الذي لم يفهمه، وتحاول بكل الطرق أن تهدم المسافة التي يصر على إبقائها بينهما، بينما كانت هي ترى
في تلك المسافة حكما بالموت لا أكثر.
حركت راسها بالرفض والدموع تتسابق على خدها وقالت بترجي
انت مش فاهم حاجه یا شاهین علشان خاطري، لو بتحبني أعمل كده"
أمسك وجهها يحب وحرك رأسه بالرفض وقال:
"لا يا حبيبتي، أنا عمري ما اتعامل معاكي على أنك واحده رخيصه، هاخد ده وانتي بتاعتي مراتي "
كان كل رفض يخرج منه يمزق شيئا جديدًا داخلها، لم يكن يدرك أنه كلما تحدث عن الزواج القريب والحياة التي يحلمان بها مغاء كان يغرس السكين أعمق في قلبها، لأنها الوحيدة التي
تعرف أن تلك الأحلام ربما لن ترى النور أبدا.
اقتربت منه وظلت تقبل بوجه بدموع وتتكلم بترجي، أن يفعل ذلك معها.
عندها ارتفعت يد شاهين وصفعتها، لم يكن الألم في خدها هو ما صدمها، بل اللحظة نفسها.
للحظة واحدة تجمد كل شيء حولها، وانطفأت حالة الهلع التي كانت تسيطر عليها، بينما كان
شاهين ينظر إليها بعينين يملؤهما الوجع أكثر مما يملؤهما الغضب. كان يرى أمامه امرأة تنهار ولا يعرف لماذا، ويرى رعبا حقيقيا داخل عينيها، رعبا أكبر بكثير من مجرد الخوف عليه أو
الحزن من إصابته.
جذيها إلى صدره بقوة وقال بأسف:
"أنا آسف يا رنيم، كان لازم أعمل كده علشان أفوقك قلتلك هموت عليكي أكثر منك، بس مش
هقدر أعمل ده دلوقتي"
عندها فقط انفجرت باكية.
تشبثت به بكل ما أوتيت من قوة. وتكلمت بصراخ:
انت مش فاهم حاجه یا شاهین، مش فاهم حاجة."
ارتجف قلبه أبعدها قليلا ونظر إليها بقلق حقيقي، وقال:
فهميني يا رنيم، أنا هموت وأفهم أيه اللي بيحصل من ورايا"
نظرت له وارتعشت شفتيها، واوماً شاهين برأسه حتى يحثها تتكلم، لكنها في النهاية هزت رأسها
بالرفض.
تم استدارت فجأة وركضت نحو غرفتها.
أغلقت الباب خلفها. واستندت إليه.
ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض.
دفنت وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء.
ظلت تبكي وهي تضم ركبتيها إلى صدرها، ليس لأنها فشلت فيما كانت تحاول فعله، بل لأنها أدركت أن الوقت ينفد فعلا. كانت تعرف أن شاهين بدأ يشك، وتعرف أنها لم تعد قادرة على مواصلة الكذب طويلا، لكن الحقيقة كانت أكثر رعبا من أن تنطق بها. في الخارج ظل شاهين واقفا مكانه للحظات طويلة حدق في الباب المغلق بشرود.
للمرة الأولى شعر أن هناك جزءا كاملا من الحكاية يجهله. لم تعد دموعها طبيعية، ولم يعد تصرفها طبيعيا، ولم يعد قادرا على إقناع نفسه بأن كل ما يراه سببه الخوف عليه فقط. كان هناك شيء آخر شيء تحاول إخفاءه بكل قوتها، وشيء جعلها تبدو وكأنها تودعه. تنهد ببطء ثم جلس على الأريكة من جديد.
تخلص الليلة دي بس يا رنيم، وأنا أوعدك أسمك هيتكتب على أسمي قريب أوي، وهعمل معاكي كل حاجة حلمنا بيها."
لكن حتى وهو يقولها، ظل عقله معلقا بنظراتها، وبدموعها.
وبذلك الخوف الغريب الذي لم يستطع تفسيره.
ولم يكن يعلم أن إجابة كل أسئلته كانت تقترب منه أسرع مما يتخيل.
بالفيلا...
كان غريب يجلس خلف مكتبه الواسع، واضعا الهاتف على أذنه بينما تتراقص أصابعه فوق سطحالمكتب في حركة لا إرادية كشفت عن توتره رغم محاولاته المستمرة لإخفائه، كانت الليلة المنتظرة قد وصلت أخيرا، الليلة التي استعد لها منذ أسابيع طويلة، فأحاط المكان برجاله وراجع كل تفصيلة عشرات المرات، ومع ذلك ظل ذلك القلق الخفي جائمًا فوق صدره. لم يكن يخشى التقصير، بل كان يعرف جيدا أن خصمه ليس بالشخص السهل الذي يمكن الاطمئنان أمامه مهما بلغت درجة الحذر.
ظل صامتا لثوان حتى وصله أخيرا الصوت المنتظر من الجهة الأخرى، صوت رجولي بدا مختنقا بعض الشيء، غريب قال له:
"النهاردة هتنفذ وعدك، وتثبت ليا حسن نيتك "
استند غريب بظهره إلى المقعد وسمع الشخص الآخر يقول بثقة هادئة:
"أنا لو مش قد كلمتي مكنتش وعد بيها، متقلقش انت كله هيتم حسب الاتفاق "
أغمض غريب عينيه للحظة وهو ينتظر الرد، ثم تنهد براحة بعدما سمع ما يطمئنه، وقال: "تمام بس متتأخرش "
أنهى المكالمة وأغلق الهاتف، ثم وضعه فوق المكتب أمامه وظل ينظر إليه الثوان طويلة، عقله
كان ما زال منشغلاً بكل ما ينتظره خلال الساعات القادمة.
في تلك اللحظة دوى طرق خفيف على الباب، قبل أن يفتح ببطء وتطل منه ترنيم.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تبددت التجاعيد التي علت وجهه طوال المكالمة، وحل مكانها
دف مألوف لم يكن يظهر إلا معها.
ابتسم ابتسامة واسعة وفتح ذراعيه لها دون أن ينطق بكلمة.
أغلقت الباب خلفها واتجهت نحوه بخطوات هادئة، ثم ارتمت داخل أحضانه وكأنها عادت إلى مكانها الطبيعي، والتفت ذراعاها حول خصره وهي تقول بمشاكسة محببة:
بتعمل ايه هنا يا قلبي؟ برضه شغال حتى يوم فرح ابننا؟"
ضحك يخفوت وهو يربت على ظهرها بحنان اعتادت عليه طوال سنوات عمرهما معا، ثم قال:
غصب عني يا عمري أنا، كان فيه شغل مهم بخلصه، وخلصته خلاص "
أبعدها عنه قليلا، فقط بالقدر الذي يسمح له بأن يتأمل وجهها، ثم أمسكه بين كفيه، وقال بنبرة
يغلبها الإعجاب
فيه أم عريس قمر كده ؟ اللي يشوفك يقول عليكي أنتي العروسه مش جواهر."
اتسعت ابتسامتها فوزا، تلك الابتسامة التي كانت قادرة دائما على انتزاع التعب من روحه
وقالت وهي تنظر إليه بعشق صريح لا تخطئه العين:
"أنا حلوة علشان عيونك القمر دول اللي شيفيني وبعدين يا غروبتي، أنا شايله هم بليل لما
البنات تشوفك، هتتجنن عليك وأنت قمر أوي كده.
انفجر ضاحكا من قلبه، ضحكة صافية نادرة لا يمنحها إلا لها، ثم جذبها إليه مجددا وقبل رأسها بحب عميق وقال:
"أنا حاسس نفسي في حلم جميل أوي، يعني النهاردة فرح أبني اللي جاي من حبيبتي وعشقي الأول والأخير؟"
رفعت رأسها إليه وأومأت برفق، بينما لمعت عيناها بسعادة امتزجت بسنوات طويلة من الصبر والوجع والانتظار، ثم قالت:
ايوه يا غريب النهاردة فرح ابننا ثمار حينا، وعوض ربنا لينا."
شرد للحظة وهو ينظر إليها.
مرت أمام عينيه سنوات كاملة، سنوات من المعارك والخسارات والانتصارات، سنوات ظن خلالها أحيانًا أن الحياة انتهت، ثم جاءت هي لتعيد إليه المعنى كله من جديد.
لهذا لم يكن جواد بالنسبة له مجرد ابن.
بل كان الدليل الحي على أن الله يعوض القلوب المنكسرة حين تصبر..
تنهد بعمق، ثم قال بصوت غلب عليه الامتنان:
"ربنا يخليكم ليا ويريح قلب أروى ويسعدها هي كمان يارب
تغيرت ملامح ترنیم فور سماع اسم ابنتها، فتمسكت به أكثر الدعاء خرج من قلبها هي الأخرى
قبل أن يخرج من قلبه، ثم قالت برجاء صادق:
"يارب يا حبيبي يارب"
وبقيا هكذا للحظات طويلة، يحتضن كل منهما الآخر وسط هدوء المكتب، بينما كانت أصوات الاستعدادات للفرح تتصاعد في أرجاء الفيلا، معلنة اقتراب ليلة ينتظرها الجميع .. دون أن يدرك
أغلبهم أنها تحمل بين طياتها ما هو أكبر بكثير من مجرد حفل زفاف.
وقف جواد أسفل الدرج وقد انعقدت أنظاره على الأعلى، غير قادر على الالتفات يمينا أو يسارا كان العالم كله انحصر عنده في تلك اللحظة التي ينتظرها منذ سنوات. كانت أصوات الحضور تدور من حوله، والضحكات تتعالى هنا وهناك، لكنه لم يكن يسمع شيئا منها، كل ما كان يراه هو
الدرج الطويل الذي ستظهر منه جواهر بعد لحظات.
وما إن أطلت من أعلى الدرج ممسكة بذراع تامر حتى شعر أن شيئا داخله توقف للحظة قبل أن يعود للحياة بصورة أعنف بدت أمامه كما لو أنها خرجت من إحدى الحكايات التي كان ينسجها خياله كلما فكر بها فستانها الأبيض ينسدل حولها برقة، وملامحها المتوترة تزيدها جمالا لا ينتمي إلى الواقع. أما هي فكانت تهبط الدرج ببطء درجة تلو الأخرى، بينما قلبها يخفق بعنف
داخل صدرها حتى خيل إليها أن الجميع قادر على سماعه.
وحين توقفت أمامه أخيرا، صافح تامر سريعا قبل أن تمتد يده نحوها تلقائيا، احتضنها بقوة ورفعها عن الأرض، ثم أخذ يدور بها وسط ضحكات الحضور وتصفيقهم، غير مصدق أنها
أصبحت بين ذراعيه بهذا الشكل، ترتدي لأجله فستان الزفاف الذي حلم طويلا أن يراها به.
أنزلها أخيرا على الأرض، لكنه لم يستطع إبعاد عينيه عنها، واقترب هامشا بالقرب منها :
" من الليله هتئوري حياتي يا جوهرة حياتي "
اشتعل وجهها بحمرة خجولة، بينما اكتفى هو بقبلة سريعة قبل أن يقف إلى جوارها، فتسللت
يدها داخل ذراعه وتحركا مقا وسط تصفيق الجميع ونظرات الإعجاب التي لاحقتهما من كل اتجاه، بينما تعالت الصافرات والمزاح الموجه إلى العريس وسط أجواء احتفالية صاحبة. خرج الجميع إلى الحديقة المضيئة، واستقر العروسان في المكان المخصص لهما، لتبدأ مراسم
الاحتفال رسميا.
أما في الأعلى....
فكانت رئيم تعيش عالما مختلفا تماما عن عالم الفرح الدائر بالأسفل.
كانت تتحرك داخل غرفة جواهر بخطوات مضطربة، غير قادرة على الجلوس أو الثبات في
مكان واحد شعرت وكأن شيئا ثقيلا يجثم فوق صدرها ويمنع عنها الهواء، بينما كانت الأفكار تتزاحم داخل راسها بصورة مرهقة لم تعد تخشي ما سيحدث لنفسها بقدر ما كانت تخشى أثره
على الآخرين حين تنكشف الحقيقة.
وعندما سمعت طرقات خفيفة على الباب، تجمدت للحظة قبل أن تتحرك نحوه.
فتحت الباب لتجده أمامها.
ارتبكت فور رؤيته واتسعت عيناها قليلا وهي تقول:
ش شاهين ؟ خ خير؟"
لكن شاهين لم يجب مباشرة.
ظل يتأملها لثوان طويلة، مأخوذا بجمالها على نحو جعله يبتسم دون وعي، ثم اقترب منها برفق وحرك يده على خدها قائلا:
طالعه جميله أوي، أنتي أه جميله على طول بس النهاردة فيكي حاجه مختلفة."
أغمضت عينيها للحظة محاولة أن تخفي الدموع التي بدأت تتجمع داخلهما : ثم تراجعت ت خطوة إلى الخلف وقالت بصوت خافت
"ش شكرا "
ابتسم على ارتباكها المعتاد، ثم قال:
"يلا تعالى معايا علشان كمان شوية عامل ليك مفاجأة."
انعقد حاجباها فوزا وقالت باستغراب
"مفاجأة! مفاجأة أيه دي؟"
لكن شاهين اكتفى بإمساك يدها وهو يجيب:
هبطا معا إلى الأسفل.
أصبري شوية وأنتي هتعرفي"
جلست رنيم بين الحضور، لكن عقلها كان بعيدا عن كل ما يحيط بها كانت عيناها تتحركان بين الوجوه والأضواء بلا تركيز حقيقي، لم تعد تسمع الموسيقى ولا ضحكات الناس، ولم تعد تفاصيل الحفل كما يراها الآخرون، فقد كانت غارقة بالكامل في ما ينتظرها بعد قليل. تری
ومع مرور الوقت أخذ التوتر يزداد داخلها حتى كاد يخنقها.
ثم فجأة.. انطلق صوت رجولي عبر مكبرات الصوت.
صوت تعرفه جيدا. رفعت رأسها بسرعة.
فوجدت شاهين واقفا في منتصف الحديقة ممسكا بالميكروفون.
في اللحظة نفسها التفتت الأنظار نحوه حتى جواد الذي لم يخفي ضيقه من وجوده، وإن كان
قد التزم الصمت احتراما لرغبة والده.
أما شاهين فلم يكن يرى أحدا.
كانت عيناه معلقتين بها وحدها.
ثم قال بنبرة خرجت من قلبه مباشرة
أنا عارف أن اللي يعمله ده چنان حاجه جديدة عليا، بس من يوم ما حبيت رنيم فكل حاجة بعملها جديده ومجنونه عليا علشان كده عايز أقولك أنا بعشقك يا رنيم، أنتي أجمل هدية ربنا بعتها ليا، عوض ربنا ليا عن حاجات كثير شفتها زمان يحبك لدرجة أني خلاص مش قادر أعيش من غيرك لحظة واحدة، وقصاد الكل أهو بقولك بحبك يا رنيم، ممكن تتجوزيني؟"
شعرت رئيم بأن العالم كله اختفى من حولها.
ارتفعت يدها إلى فمها بصورة تلقائية، بينما انفجرت الدموع من عينيها دون أن تستطيع السيطرة عليها. لم تتوقع هذا أبدا، ولم تكن مستعدة له. كانت تعرف مقدار حبه لها، لكنها لم
تتخيل أن يضع قلبه كاملا أمام الجميع بهذا الشكل.
نظرت حولها فوجدت العيون كلها تتجه إليها، فوقفت ببطء.
ثم بدأت تتحرك نحوه بخطوات مترددة، حتى توقفت أمامه مباشرة.
ابتسم شاهين وهو يمسك يدها بحب، ثم أعاد سؤاله بصوت أكثر هدوءا وصدقا
" تتجوزيني يا رنيم؟"
نظرت إليه طويلا، تحاول أن تحفظ ملامحه داخل قلبها قبل أن تهدم كل شيء.
كانت الدموع تنساب فوق خديها بلا توقف بينما الكلمات تختنق داخل حلقها وترفض الخروج.
وفي تلك اللحظة ظهر تامر إلى جواره ومعه المأذون، وقال ضاحكا:
"أنت لسه هتسبل، أخلص أنت طلبت أيديها وأنا موافق وجبت المأذون كمان "
تجمدت رنيم تماما واتسعت عيناها بصدمة وهي تحدق بالمأذون وكأنها تراه لأول مرة.
أما تامر فلم ينتبه إلى اضطرابها، فبادر بإجلاس المأذون ثم أمسك بيد شاهين وأجلسه، قبل أن
يتجه إليها ويجبرها بلطف على الجلوس بجواره قائلا:
خلوا الصدمات دي بعدين، أحنا عندنا فرح وعايزين نكمله "
ثم جلس بجوار المأذون وأضاف بحماس:
توكل على الله يا شيخنا انا وكيلها."
امتدت يد تامر نحو يد شاهين، وبدأ المأذون في ترديد كلماته الأولى.
لكن قبل أن يكمل، وقفت رنيم فجأة.
وقف قلب شاهين معها، وسقط الصمت على المكان كله.
ثم خرج صوتها مرتجفا، لكنه كان مرتفعا بما يكفي ليسمعه الجميع
"م مش هينفع."
انعقد حاجبا شاهين في حيرة كاملة، ونهض من مكانه وهو ينظر إليها بعدم فهم. لم يستوعب ما يحدث.
قبل أيام فقط كانت توافق عليه.
وقبل ساعات كانت تبكي بين ذراعيه خوفا من فقدانه.
فكيف تقف الآن أمام الجميع لتقول ذلك؟
نظر إليها وقال باستغراب واضح
"مش هينفع ليه يا رنيم ؟ أنتي مش كنتي موافقة ؟"
كانت أصابعها ترتجف وهي تدعك يديها ببعضهما بعصبية شديدة، بينما اختلطت دموعها
بأنفاسها المتقطعة.
حاولت التحدث أكثر من مرة، لكن الكلمات كانت أنقل من أن تخرج بسهولة.
وأخيرا رفعت عينيها إليه.
نظرت إلى الرجل الذي أحبته بكل ما تملك، ثم قالت بصوت مكسور
ع علشان.... علشان، أنا متجوزة أصلاً"
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع والاربعون
كانت أصابع رنيم ترتجف بعنف وهي تشبك يديها ببعضهما وتحاول عبثًا أن تسيطر على ارتعاش جسدها، بينما اختلطت أنفاسها المتقطعة بدموع لم تتوقف عن الانحدار فوق وجنتيها. شعرت أن الكلمات تحولت إلى أحجار ثقيلة عالقة في حلقها، وأن مجرد النطق بالحقيقة سيهدم كل شيء دفعة واحدة. رفعت عينيها أخيرًا إليه، إلى الرجل الذي أحبته بكل ما فيها، الرجل الذي كان ينظر إليها الآن بثقة كاملة، منتظرًا منها كلمة واحدة فقط لتمنحه العالم كله، بينما كانت هي على وشك أن تنتزع ذلك العالم من بين يديه بيديها.
ارتجفت شفتيها قبل أن تقول بصوت مكسور:
“ع علشان… علشان، أنا متجوزة أصلاً.”
في البداية لم يستوعب شاهين ما سمعه. ظل ينظر إليها لثوانٍ، كان ينتظر أن تخبره أنها تمزح أو أن هناك خطأ ما في الكلمات التي خرجت منها. حتى ملامحه بدت عاجزة عن تكوين رد فعل واضح، قبل أن يهز رأسه ببطء وقد انعقدت الصدمة فوق قسماته وهو يقول بتساؤل:
“أيه؟ أنتي قلتي أيه؟ يعني أيه متجوزة أصلاً؟”
وقبل أن تجيب، وقبل أن تجد الشجاعة لتواجه عينيه مرة أخرى، ظهر عمر من بين الحضور واقترب منها مباشرة، ثم أحاط خصرها بذراع تحمل من التملك أكثر مما تحمل من الحماية، والتفت إلى شاهين بنظرة متحدية وهو يقول:
“رنيم مراتي عندك أعتراض؟”
ساد الصمت للحظة بدت وكأنها امتدت لسنوات.
الصدمة ضربت الجميع بلا استثناء، لكن أكثر من اهتزت كانت ترنيم. شعرت للحظة أن الزمن التف حول عنقها وأعادها إلى سنوات بعيدة ظنت أنها دفنتها إلى الأبد. المشهد أمامها لم يكن مجرد موقف عابر، بل صورة مشوهة من ماضيها تعود للحياة من جديد. فتاة تبكي، ورجل تحبه يقف عاجزًا أمام حقيقة قاسية، وقلوب تذبح باسم الخوف والتضحية.
أما شاهين، فكان يحدق في ذراع عمر الملتف حول خصر رنيم كانت سكين تغوص في صدره ببطء. لم يكن يستوعب شيئًا، لكن كل ما رآه بعد ذلك جعل الدم يغلي في عروقه أكثر؛ حين مال عمر نحوها ووضع قبلة على خدها أمام عينيه.
عند تلك اللحظة سقط آخر خيط من خيوط اتزانه.
لم يمنحه عقله فرصة للتفكير، ولم يترك له قلبه مساحة للفهم. اندفع نحوه في لمح البصر كإعصار خرج عن السيطرة، حتى إن رنيم نفسها تراجعت للخلف مذعورة وكادت أن تسقط لولا يد ترنيم التي أمسكتها في اللحظة الأخيرة.
حاول غريب وتامر وجواد التدخل سريعًا، لكن الغضب الذي سيطر على شاهين كان أكبر من أن يحتوى بسهولة. كان يمسك بعمر بعنف مرعب، كل الضربات التي يوجهها إليه تحمل سؤالًا وخيانة ووجعًا دفعة واحدة. ولم يتوقف إلا بعدما تناثرت الدماء من وجه عمر وجسده وفقد الأخير وعيه تمامًا.
وقف شاهين أخيرًا وهو يلهث بقوة، ثم استدار ببطء نحو رنيم.
كانت عيناه مخيفتين إلى درجة جعلت الدم يتجمد في عروقها.
لأول مرة منذ عرفته، شعرت بالخوف منه.
اختبأت خلف ترنيم بصورة غريزية، وتمسكت بها بكل ما تملك من قوة بينما كان جسدها يرتجف بعنف والدموع تغرق وجهها.
تقدم شاهين خطوة أخرى.
وفي اللحظة نفسها وقف غريب أمامه حاجبًا عنه الرؤية، وقال بصوت رجولي ثابت يخفي وراءه الكثير:
“مش وقته يا شاهين، خلينا دلوقتي في اللي أنت عرفه.”
لكن الكلمات لم تصل إليه حقًا. كان ينظر إلى رنيم فقط.
إلى المرأة التي كانت قبل ساعات قليلة بين ذراعيه تبكي خوفًا عليه، وإلى المرأة نفسها التي تقف الآن زوجة لرجل آخر.
وقبل أن يقترب أكثر، فوجئ بترنيم تتحرك أمام رنيم بالكامل، تخفيها خلف ظهرها كما لو كانت تحمي ابنتها، ثم قالت بصوت مختنق:
“إياك تقرب ليها، أفهم الأول هي ليه عملت كده.”
توقفت خطواته أخيرًا، لكنه ظل يحدق نحو رنيم من خلفها قبل أن يقول من بين أسنانه:
“أنا عايز أفهم ده حصل أزاي؟ وامتى؟”
تشبثت رنيم بترنيم أكثر وكأنها طوق نجاتها الوحيد، ثم قالت بصوت مرتعش من خلف ظهرها:
“ا النهاردة من ش شوية حصل كده.”
أطبق شاهين قبضته بقوة حتى برزت عروق يده، بينما احمرت عيناه بصورة مخيفة وهو يقول:
“وليييه عملتي كده؟”
انتفضت رنيم مكانها، الصرخة أصابتها جسديًا، ثم انفجرت هي الأخرى صارخة وسط دموعها:
“خفت عليك، هددني بيك يا شاهين، اللي حصلك كانوا هما السبب فيه، وكانوا هيعملوا أكتر لو مكنتش اتجوزتوا.”
تجمدت ترنيم في مكانها.
شعرت لوهلة أن الأرض تميد تحت قدميها.
كم مرة يمكن للقدر أن يعيد المأساة نفسها بوجوه مختلفة؟
نفس الخوف.. نفس التهديد.
نفس الفتاة التي تقرر ذبح قلبها بيديها حتى تنقذ الرجل الذي تحبه.
امتلأت عيناها بالدموع قبل أن تصرخ بها بغضب ممزوج بالوجع:
“غبيه ليه عملتي كده؟ غلطه هتدفعي عمرك كله تمنها.”
ابتعدت رنيم قليلًا وهي تنظر إليهم بعينين محمرتين من البكاء، ثم قالت بشفاه مرتعشة:
“انتوا متعرفوش حاجة، كان لازم أعمل كده، كان لازم أضحي بقلبي في سبيل حيات شاهين.”
ردت ترنيم بحدة أكبر، وكأنها لا تتحدث إلى رنيم وحدها بل إلى نفسها القديمة أيضًا:
“وأنتي مفكره نفسك كده انقذتي؟ أنتي ضحيتي بقلبك وبعمره يا رنيم، أنتي كده مكنتيهم منه يا غبيه.”
وضعت رنيم يدها على وجهها وانفجرت بالبكاء وهي تقول:
“أنا مش هقدر أستحمل أشوفه بيتأذي واقف أتفرج عليه، أنا بحب شاهين، ومستعدة أعمل أي حاجه لو ده في مصلحته.”
ساد الصمت للحظات. نظر شاهين إليها طويلًا.
يحاول أن يتعرف على المرأة الواقفة أمامه من جديد، ويحاول أن يفهم إن كان يجب أن يغضب منها أم يشفق عليها أم يضمها إلى صدره ويغفر لها كل شيء.
لكن الوجع كان أكبر من كل ذلك.
أكبر من الحب نفسه.
لذلك لم يقل سوى جملة واحدة خرجت محملة بمرارة هائلة:
“يا خسارة يا رنيم، أنتي خسرتيني، وخسرتي حبي ليكي للأبد.”
شحب وجهها بالكامل.
شعرت الكلمات اخترقت قلبها مباشرة.
ورغم أنها كانت تتوقع غضبه ورفضه، فإن سماعها منه كان أشد قسوة مما تخيلت.
استدار شاهين وغادر من أمامها دون أن ينظر إليها مرة أخرى.
أغمضت ترنيم عينيها بألم، ثم التفتت نحو رنيم، لكنها لم تجد الفرصة لتقول شيئًا، إذ اندفعت الأخيرة فجأة نحوها وارتمت داخل أحضانها بكل ما تملك من انهيار، وتمسكت بها بقوة وهي تبكي وتصرخ كطفلة ضائعة فقدت كل شيء دفعة واحدة.
ضمتها ترنيم إلى صدرها بقوة وربتت على ظهرها بحنان أمومي خالص وهي تقول:
“أهدي يا رنيم، كل حاجة هتتصلح، مش هسمح للماضي يعيد نفسه تاني فيكي.”
لكن كلماتها لم تكد تنتهي حتى دوى صوت طلقات نارية في أرجاء المكان.
تبدلت الأجواء في ثانية واحدة.
تحول الفرح إلى فوضى. وتحولت الصرخات إلى ذعر.
ركض غريب نحوهن فورًا، وأمسك بترنيم ورنيم ثم اقترب من جواهر وأروى وسمية وأجبرهن على التحرك معه بسرعة.
صرخت ترنيم وهي تحاول مجاراته:
“فيه أيه بيحصل يا غريب؟ رد عليا فهمني؟”
واصل دفعهن نحو الداخل وهو يقول بلهجة حاسمة:
“لازم كل حاجه تنتهي النهاردة يا ترنيم، ادخلوا جوه وخلي بالك من البنات وأوعي تخرجوا بره فاهمه.”
وبمجرد أن أدخلهن إلى الداخل أغلق الباب بإحكام من الخارج، يحاول أن يعزل عالم النساء والخوف عن المعركة التي بدأت في الخارج.
ثم استدار وعاد بخطوات سريعة إلى ساحة المواجهة، حيث كان شاهين وتامر وجواد ورجالهم يشتبكون مع أفراد العصابة في الخطة التي أعدها مسبقًا مع شاهين. ورغم الثمن الذي قد يدفعه، ورغم أن الحقيقة التي تنتظره في نهاية هذه الليلة قد تكون أكثر إيلامًا من أي رصاصة، فإنه كان قد حسم أمره منذ البداية. الليلة لن يهرب أحد.
والليلة فقط ستغلق كل الحسابات القديمة، مهما كان الثمن، وحتى لو اضطر أن يدفع من قلبه قبل أن يدفع من دمه.
*****************************
فلاش باك…
بعد خروجه من المشفى بأيام قليلة، لم يستطع شاهين أن يتجاهل ذلك السؤال الذي ظل يطرق رأسه بلا توقف. كيف عرف مروان بما حدث؟ ومن أخبر أماليا بمكانه في هذا الوقت القصير؟ كانت التفاصيل كلها صغيرة في ظاهرها، لكنها بالنسبة له بدت كخيوط متفرقة تقوده نحو حقيقة أكبر. لذلك طلب مقابلته.
جلس الاثنان داخل إحدى الكافيهات الهادئة، بعيدًا عن العيون والآذان.
منذ اللحظة الأولى لاحظ شاهين شحوب وجه مروان. كان الشاب يجلس أمامه متيبسًا بصورة غير طبيعية، يحرك أصابعه فوق الطاولة بلا وعي ويتهرب من النظر مباشرة إلى عينيه.
وأخيرًا قال مروان بتردد:
“خ خير يا شاهين؟”
لم يجبه شاهين فورًا.
ظل يراقبه لثوانٍ طويلة بنظرات متفحصة، قبل أن يسأله بهدوء:
“أنت عرفت إزاي اللي حصلي؟ وعرفت مكاني فين إزاي؟”
ارتبك مروان فورًا.
ظهرت الحيرة فوق وجهه بصورة فاضحة، وتحركت عيناه بعيدًا عنه وهو يقول بسرعة:
“ها! ا المستشفى هي اللي بلغتنا.”
زفر شاهين ببطء وأرجع ظهره إلى المقعد. لم يكن محتاجًا إلى دليل أكبر.
كان يعرف مروان جيدًا. يعرف متى يكذب.. ويعرف متى يخاف.
ويعرف متى يحاول الهروب من الحقيقة.
رفع عينيه إليه مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن في نظرته غضب، بل شيء أشد قسوة. خيبة أمل.
ثم قال بصوت مختنق:
“أنت عارف، أني بعتبرك أبني أنا يا مروان، من يوم ما جيت الدنيا من واحد ندل أستغل جسم أمك علشان ساعدها أنها تهرب، وعلشان ساعدها يحط حد مكانها على أساس أنها هي الجثه، ولما حاول يهددها بده يا ياخد منها اللي هو عايزة سلمته نفسها رغم الشلل، أستغل أنها مش هتقدر تتحرك مش هتقدر تبعده، ولما عرف أنها حامل فيك رفض يعترف بيك، عشت كام سنه من عمرك مالكش أسم، لحد ما أنا جيت وسميتك على أسم عيلتي، ومن وقتها وأنا بعتبرك أبني شبهي في كل حاجه، رفض أنك تعيش طفولتك متعذب زي ما أنا عيشتها، وفرت ليك كل حاجه تعيشك سعيد، كبرتك وشفتك أطول مني، والفرحه في قلبي كانت ملهاش حدود، كنت واثق فيك لدرجة أن لو حد قالي أخوك السبب في أذيتك ممكن أقتله، ليه تعمل كده في أخوك يا مروان؟”
ما إن انتهى من كلامه حتى انهارت المقاومة الأخيرة داخل مروان.
امتلأت عيناه بالدموع دفعة واحدة، وانخفض رأسه إلى الأرض لم يعد قادرًا على تحمل النظر إليه.
كانت كلمات شاهين أشد عليه من أي عقاب. أشد من أي تهديد.
وأشد من أي مواجهة. خرج صوته مختنقًا وهو يقول:
“أنا مكنتش موافق على اللي أمك عايزة تعمله، كنت ناوي أبلغك، بس للأسف خطفت البنت اللي بحبها وهددتني بيها، أنا سمعت كل حاجة وكنت عارف إيه اللي هيحصل، بس في آخر لحظه لاقيتها بتمسكني من أيدي اللي بتوجعني، أنا آسف يا شاهين.”
ظل شاهين صامتًا. لم يقاطعه.
اكتفى بالنظر إليه طويلًا قبل أن يسأله بهدوء جعل مروان يشعر بالخوف أكثر من الصراخ:
“أنت هتقولي كل حاجه دلوقتي، وأمك ناويه على أيه؟ ومين اللي بيساعدها؟ ومين اللي عمل فيا كده؟”
ابتلع مروان ريقه بصعوبة. ثم قال:
“زين هرب يا شاهين، وهو اللي بيساعد أمك دلوقتي، وكمان فيه واحد أسمه عمر إنضم ليهم، واللي ضربك بالرصاص، زين، مع الإتفاق مع أمك أنه يعمل كده فيك بس من غير يأذيك مجرد تهديد علشان رنيم تخاف وتنفذ المطلوب منها.”
انعقد حاجبا شاهين فورًا.
وبرغم الغضب الذي بدأ يشتعل داخله، إلا أن شيئًا واحدًا استوقفه.
نظر إليه بعدم فهم وقال:
“تنفذ المطلوب منها؟ اللي هو أيه؟”
هز مروان رأسه بعجز وقال:
“معرفش الصراحه ده الكلام اللي فهمته.”
احمرت عينا شاهين تدريجيًا.
وأطبق على قبضته بقوة حتى برزت عروق يده. لكنه أجبر نفسه على الهدوء وقال:
“امم.. كمل.”
تنفس مروان بعمق ثم أكمل:
“وقبلها أمك ساعدت زين ينط على شقة رنيم من عندك علشان يهددتها ويخليها تنفذ كلامه، وكمان عرفوا أن فرح إبن غريب وترنيم اليومين الجاين، وقرروا أنهم يهجموا على الفرح ويخلصوا عليهم كلهم.”
امتد الصمت لثوانٍ قليلة، لكنها كانت كافية لأن تقلب عالم شاهين رأسًا على عقب. أخذ يحدق أمامه دون أن يرى شيئًا بعينه، بينما كانت ذاكرته تنبش كل ما مر به خلال الأيام الماضية. خوف رنيم الذي لم يفهمه، دموعها التي ظهرت في غير أوانها، ارتجاف صوتها كلما حاول الاقتراب من الحقيقة، وحتى ذلك الإصرار الغريب الذي سيطر عليها في صباح اليوم نفسه. شيئًا فشيئًا بدأت الخيوط المتشابكة تتجمع أمامه، وبدأت الصورة التي بدت مشوشة طويلًا تكتسب ملامحها الحقيقية. عندها فقط أدرك أن ما كان يراه تصرفات غير مفهومة لم يكن سوى صرخات استغاثة خرساء حاولت رنيم إطلاقها بكل الطرق، بينما كان هو عاجزًا عن قراءتها.
رفع رأسه أخيرًا وأومأ ببطء، لكن النظرة التي ظهرت في عينيه جعلت مروان يدرك أن شخصًا ما سيدفع الثمن قريبًا. وقال:
“تمام أوي كده، أنا بقى هقولك تعمل أيه، هي أكيد عارفه أنك معايا دلوقتي، هتبلغها أن انا هتجوز رنيم في اليوم ده، وهتقول ليها أن أنا قلتلك، عرفت مين سبب اللي حصلي وناوي انتقم منه.”
نظر إليه مروان باستغراب وقال:
“طيب ليه هتعمل كده؟”
استند شاهين إلى المقعد وأجاب بهدوء محسوب:
“لانها وقتها هتتصرف بعشوائية علشان تمنع الجوازة دي، وهتشوش عليها في أفكارها وهيخليها تغلط اليوم ده، واليوم ده انا هتفق مع غريب والشرطه أننا نوقع زين واللي أسمه عمر ونسلمهم لشرطة، أما رنيم فأنا همنع خروجها الفترة دي علشان متتصرفش غلط وتنفذ ليهم كلامهم، هي كده ممكن توافق تعمل أي حاجة علشان تحميني، بس أنا مش هسمح ليها تعمل كده، هكون زي طلها.”
ولأول مرة منذ بداية الحديث ظهر شيء يشبه الارتياح على وجه مروان.
فمهما حدث، كان يعرف أن شاهين وحده القادر على إيقاف الكارثة.
لذلك أومأ برأسه وقال:
“تمام بس أفرض أمك مدخلش عليها الكلام ده ونبهتهم ومافيش حاجة حصلت اليوم ده؟”
ابتسم شاهين ابتسامة خالية تمامًا من الفرح.
ابتسامة رجل يعرف خصومه جيدًا. ثم قال:
“هي آه مش بالسذاجه دي، بس زين واللي أسمه عمر متهورين، واليوم ده بالنسبه ليهم ساعة الصفر.”
ظل مروان صامتًا للحظة قبل أن يسأله بصوت خافت:
“طيب وأمك ن ناوي تعمل معاها أيه؟”
في تلك اللحظة تحديدًا تبدل شيء عميق داخل شاهين. انطفأت الحيرة التي كانت تسيطر عليه، وتراجعت كل المشاعر المتضاربة التي ظلت تمزقه طوال الأيام الماضية. استقرت ملامحه تدريجيًا حتى أصبحت جامدة على نحو أثار القلق، بينما انعكس داخل عينيه بريق بارد لم يكن موجودًا من قبل. بدا وكأنه اتخذ قرارًا نهائيًا لا رجعة فيه، قرار صاغته الخيبات المتراكمة والغضب المكبوت والوجع الذي ظل يحمله لسنوات. ولم يعد في ملامحه ما يدل على الرجل الذي كان يتردد أو يمنح الفرص، بل ظهر شخص آخر أكثر قسوة وحسمًا، شخص أدرك أخيرًا ما يجب عليه فعله. نظر أمامه طويلًا ثم قال:
“هتروح المكان اللي تستحقه.”
شعر مروان بقشعريرة باردة تسري في جسده دون إرادة منه، وهو يتأمل ملامح شاهين الصلبة. لم يكن الخوف نابعًا من الكلمات نفسها، بل من الطريقة التي قيلت بها. لأول مرة منذ أن عرفه، لم ير أمامه الأخ الذي يحمل في قلبه متسعًا للتسامح، ولا الابن الذي ظل متمسكًا ببقايا مشاعره تجاه والدته رغم كل شيء، ولا حتى الرجل الذي يتصرف بدافع غضبه أو ألمه. كان يرى شخصًا آخر تمامًا؛ رجلًا عبر مرحلة التردد كلها، وأغلق خلفه أبواب الرحمة والاحتمالات، بعدما حسم أمره أخيرًا واتخذ القرار الذي ظل يؤجله طويلًا.
استقام شاهين بعدها من مكانه وقال:
“روح أنت يلا أعمل اللي قلتلك عليه وأنا عندي مشوار مهم لازم اروحوا.”
أومأ مروان بصمت، ثم غادر المكان بخطوات متثاقلة.
أما شاهين فظل واقفًا لثوانٍ إضافية يحدق أمامه.
كانت كل الخيوط تتجمع أخيرًا.
وكان يظن أنه يسبق الجميع بخطوة.
لكن ما لم يكن يعلمه، أن رنيم كانت قد سبقت الجميع إلى التضحية، وأن اللعبة خرجت عن السيطرة منذ اللحظة التي قررت فيها أن تنقذه على حساب قلبها.
أخيراً خرج شاهين من الكافيه بخطوات ثقيلة، بينما كان عقله يعيد كلمات مروان مرة تلو الأخرى. لم يكن ما سمعه مجرد معلومات جديدة، بل كان تأكيدًا لكل الشكوك التي حاول تجاهلها طوال الفترة الماضية. أصبح يعرف الآن حجم الخطر الذي يحيط برنيم، ويعرف أيضًا أن الوقت لم يعد يسمح بالتردد أو الانتظار.
وصل إلى سيارته، صعد إليها وأغلق الباب خلفه، ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا سريعًا. ظل ممسكًا بالهاتف قرب أذنه حتى جاءه الرد بعد ثوانٍ معدودة، فقال مباشرة دون مقدمات:
“عايز أقابلك ضروري.”
رد غريب عليه بنبرة رجولية وقال:
“تمام تعالى الشركه عندي منتظرك.”
أغلق شاهين الهاتف وتحرك بسيارته سريعًا نحو شركة غريب. كان الطريق يمر أمامه كشريط ضبابي لا يراه بالكامل، فكل تركيزه كان منصبًا على الخطوة التالية. كان يعلم أن ما سيقوم به قد يغير أشياء كثيرة، لكنه في المقابل لم يعد يملك رفاهية الوقوف متفرجًا بينما يقترب الخطر أكثر فأكثر ممن يحبهم.
وفي وقت قصير كان يقف أسفل البناية. ترجل من سيارته واتجه إلى الداخل، ثم صعد إلى مكتب غريب. وما إن دلف إلى المكان حتى رفع غريب رأسه نحوه ونظر إليه بضيق واضح قبل أن يقول:
“خير؟”
تقدم شاهين وجلس على المقعد المقابل له، وظل للحظات ينظر إليه بصمت قبل أن يقول:
“أنا جاي أساعدك تجيب حق بنتك من أمي، وكل واحد هياخد جزائه.”
لم يبدو على غريب أنه تفاجأ تمامًا، لكنه ظل يراقبه بنظرة متفحصة طويلة، يحاول قراءة ما وراء الكلمات قبل أن يرد:
“وهتعمل كده ليه؟”
أدار شاهين بصره للحظة ثم عاد ينظر إليه، وكانت نبرة الغضب المختنقة واضحة في صوته وهو يقول:
“لأنها بقت خطر على الكل وعلينا أحنا شخصيًا، وبحمي رنيم منها.”
ساد الصمت بينهما لثوانٍ قصيرة، قبل أن يومئ غريب برأسه بتفهم ويقول:
“طيب وأنت ناوي على أيه؟”
أجابه شاهين بصوت منخفض لكنه حاسم:
“يوم فرح جواد كل حاجه هتنتهي.”
انعقد حاجبا غريب فورًا وقال بعدم فهم:
“أزاي مش فاهم؟”
مال شاهين بجسده إلى الأمام وأسند ذراعيه على سطح المكتب، ثم قال:
“زين أخو رنيم هرب من السجن ومعاه واحد أسمه عمر، هو اللي ساعده وناوين يهجموا عليكم يوم الفرح.”
حين انتهى، أطلق غريب ضحكة ساخرة قصيرة وقال:
“وده طبعا أوامر من الست الوالدة؟”
أومأ شاهين برأسه مؤكدًا وقال:
“بالظبط كده، أنا دلوقتي وصلت ليها كلام هيخليها تتصرف بشكل عشوائي وده هيخليها تغلط وتقع بسهولة.”
ظل غريب يفكر فيما سمعه، ثم قال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
“طيب أحنا هنخلص من اللي أسمه عمر وزين ده في الفرح، أمك هنخلص منها أزاي؟”
هنا فقط تبدلت ملامح شاهين قليلًا. مر ظل حزن سريع فوق وجهه قبل أن يجيب:
“لا دي سيبها عليا، أنا هعرف أوقعها بطريقتي.”
ظل غريب ينظر إليه مطولًا، يحاول التأكد من أنه يعرف جيدًا ما الذي يضع نفسه فيه، ثم قال بجدية:
“تمام، بس لو عرفت أنك بتلعب بيا، ولا دي مجرد خطة من بتوع أمك، هدفنك مكانك يا شاهين.”
استقام شاهين في جلسته ونظر إليه مباشرة وهو يقول:
“أنا مش هخاف منك، أنا كان ممكن أنهي كل حاجه بعيد عنك، بس الفرح يخصك، وممكن كمان حد منك يتأذي وتتوجع. وأنت أكتر حد ليك تار عندها، ووجودك في الصورة هيريح قلبك، وهتجيب حق بنتك في اللي عملته فيها.”
بقي غريب صامتًا للحظات، ثم نهض من مكانه ببطء ومد يده نحوه. وصافحه بقوة، بينما قال غريب:
“اتفقنا.”
أومأ شاهين برأسه وقال:
“أنا دلوقتي هروح على الشرطه نتفق على كل حاجه لو حابب تكون موجود هيكون أفضل.”
فأجابه غريب فورًا دون تردد:
“طبعا لازم اكون موجود.”
تحرك من مكانه في الحال، وغادر الاثنان الشركة معًا. وخلال الطريق لم يكن بينهما حديث كثير، فكل واحد منهما كان غارقًا في أفكاره الخاصة. شاهين يفكر في رنيم وفي المعركة التي اقترب موعدها، وغريب يفكر في ابنته وكل ما دفعته من عمرها ثمنًا لأخطاء الآخرين.
وعندما وصلا إلى قسم الشرطة، بدأت الاجتماعات الطويلة. جلسوا لساعات يراجعون التفاصيل، ويرسمون خطوط التحرك، ويضعون الاحتمالات كافة أمامهم. لم يكن هناك مجال للخطأ، فليلة الفرح لم تعد مجرد حفل زفاف، بل أصبحت ساحة ستحسم فيها حسابات قديمة امتدت لسنوات طويلة، وسينال فيها كل طرف جزاء ما صنعته يداه.
مر يومان آخران ثقيلان، يحمل كل منهما في طياته توترًا صامتًا يسبق العاصفة، حتى جاء اليوم الذي يسبق حفل الزفاف.
وصل شاهين إلى الفيلا التي تقيم بها والدته، وقد بدا على ملامحه إرهاق لم يكن سببه الجسد بقدر ما كان سببه الروح. كان يعلم أن هذه الزيارة قد تكون الأخيرة بينهما قبل أن تنكشف كل الأوراق وتسقط جميع الأقنعة، لذلك دخل بخطوات ثابتة رغم الصراع العنيف الذي يدور بداخله.
وجدها جالسة على مقعدها المتحرك كعادتها، تراقبه بعينين يصعب قراءة ما يدور خلفهما. اتجه نحو الأريكة المقابلة وجلس عليها، ثم رفع إحدى ساقيه فوق الأخرى وأطال النظر إليها لحظات قبل أن يقول:
“وحشتيني يا مريم، ينفع كده أكون في المستشفى ومتجيش تطمني عليا؟”
لم تبدو عليها أي ملامح تأثر، بل نظرت إليه بنوع من الحذر وعدم الارتياح. ثم قالت بتهكم:
“وراك ايه يا ابن بطني؟ أصل الزيارة العزيزة دي مش هتكون بالساهل.”
مال بجسده إلى الأمام قليلًا، واشتعل الغضب داخل عينيه وهو ينظر إليها مباشرة قبل أن يقول:
“أنتي أزاي يهون عليكي تعملي كده في أبنك؟ أزاي هان عليكي أذيته؟”
رفعت إحدى حاجبيها للأعلى، وبدا عليها التعجب المصطنع وهي تقول:
“وأنا عملت أيه يا قلب أمك؟”
خرجت من بين شفتيه ضحكة قصيرة ممتلئة بالمرارة، ضحكة رجل اكتشف متأخرًا أن أكثر شخص وثق به كان السبب في أغلب جراحه، ثم قال بصوت مثقل بالألم:
“قلب أمي؟ كنت أتمنى أكون قلبك وتحبيني بجد، كان نفسي تكوني أم عاديه زي أي أم، أهم حاجه عندها مصلحة ولادها، مش مصلحتها، من اللحظة اللي هونت عليكي فيها أنك ترميني وأنا وحتة لحمة حمرا قدام ملجأ، شفت العذاب ألوان كنت بتحاسب على حاجة ماليش ذنب فيها، أني إبن حرام علشان كده اترميت في ملجأ، ويوم ما جيتي تخديني، جيتي أخديني، علشان مصلحتك، جيتي اخديني علشان أكون في ضهرك وأكمل معاكي طريقك الإجرامي، علشان أنتقم ليكي من عيلة الرواي وعيلة ضرغام، أنا عمري ما كنت مهم في حياتك يا مريم.”
كان يتحدث بينما تتدفق داخله سنوات كاملة من القهر والخذلان، سنوات حاول خلالها أن يجد لها الأعذار وأن يقنع نفسه بأنها ضحية ظروف قاسية، لكن كل حقيقة جديدة كانت تهدم جزءًا آخر من تلك الصورة التي تمسك بها طويلًا.
حركت مريم مقعدها نحوه بعصبية واضحة، ثم قالت بنبرة غاضبة:
“حمار وغبي، علشان أنا معنديش أغلى منكم أنتوا الاتنين، كل حاجة عملتها وكل حاجه هعملها ده علشان أحميكم، لو مسبقتش أنا كانوا هما هيبدأوا ويحرقوا قلبي عليكم، أنا سبق وقلتلك أنا ليه سيبتك في الملجأ، كنت صغيرة وأبوك رفض يعترف بيك، كنت هتتبهدل معايا في الشوارع سيبتك لحد ما أكون قادره أتحمل مسؤوليتك، وبعد كده روحت جبتك، والإنتقام ده نفعك أكتر من ما ضرك، أملاك أبوك كلها بقت ليك، بقيت رجل أعمال مشهور وليك كلمه، الكل بيعملك ألف حساب، وكنت كمان هتبقى أحسن من كده بكتير، لولا دخول البت دي في حياتك، كنت كمان استحوذت على كل حاجه تخص سلطان الدسوقي وغريب ضرغام، أنا مش مستفادة حاجه، أنا واحده مشلولة على كرسي كل ده علشانكم أنتوا.”
لم يزد كلامها داخله إلا غضبًا. كان يسمعها جيدًا، لكنه لم يعد قادرًا على رؤية تلك التضحيات المزعومة التي تتحدث عنها. كل ما كان يراه هو الدماء والخراب والقلوب التي تحطمت في طريقها. لذلك قال بغضب مكتوم:
“ومين قالك أن أحنا عايزين كل ده، كل اللي كنا عايزينه هو أننا نعيش حياة عاديه مع أم تحبنا وتخاف علينا بجد، أم ساويه ومتصلحه مع الغير، مش أم حتى النفس اللي بتتنفسه شر.”
اشتعلت نظراتها وهي تحدق به، ثم قالت بحدة:
“دلوقتي مبقتش عجباك يا روح أمك؟ بقيت الأم الوحشه الشريرة؟ نسيت خلاص اللي عملته علشانكم؟ نسيت اللي ضحيت بي علشان خاطركم؟”
ابتسم ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه، ثم قال:
“وانتي عملتي أيه؟”
كانت تلك الجملة كفيلة بأن تفجر ما بداخلها دفعة واحدة.
انتصبت في جلستها، وبدأت تتحدث بكل ما تحمله من غضب ومرارة دفنتها لسنوات طويلة، وكأنها أخيرًا قررت أن تفتح دفاتر الماضي كاملة أمامه. قالت:
“كل ده وبتسأل عملت أيه؟ أقولك عملت أيه، في الأول روحت لده ولده علشان يرضوا يشغلوني وانا صغيرة حتى لو خدامة في البيوت، فضلت أترمي من هنا لهنا، فيه اللي طمع في جسمي وفيه اللي أستغلني لمصالح شخصية وفيه اللي كان بيهني ويكسرني، بعدها أشتغلت عند رجب، وده اللي كان السبب في كل اللي أنا وصلت ليه، الأول كان ظاهر أنه طيب وزي أبويا وبعد كده نواياه ظهرت، بقى يخليني أوزع مخدرات هنا وهنا، ولما كبرت شوية بقى يخليني أقرب من رجالة مهمه في البلد علشان يخلصوا مصالح ليه، وفي الآخر سافرنا بره وده كان أول طريق ليا مع المافيا بدأت معاهم أنا ورجب وبطريقتي بقيت مهمه عندهم والأدوار اتبدلت وبدل ما كان رجب هو اللي بيستغلني بقيت أنا اللي بستغله، ولما إبراهبم قتل ابو ترنيم وأتقرب رجب ليهم وأتجوز أمها، رجعنا تاني مصر وبدأنا شغل التهريب عن طريق شركة سلطان لحد ما الزفته ترنيم دي مدت أيديها عليا، وعلشان غلط فيها سلطان نهى الشغل معايا، ودي كانت أكبر لعنه في حياتي، كل شئ بقى يرجع زي الأول والمافيا استغنت عني، وبعدها أنت عارف الباقي لأنك كنت موجود فيه، كل اللي عملته ده ليه؟ مش علشان أنت وأخوك تعيشوا حياة أنضف من اللي أنا عيشتها، كل ده وجاي تسألني.”
ظل شاهين صامتًا للحظات وهو يستمع إليها. كان يعرف أجزاء كثيرة من تلك الحكاية، لكنه للمرة الأولى يسمعها كاملة بهذه الصورة. ومع ذلك، لم يكن الماضي قادرًا على تبرير الجرائم التي ارتكبتها.
لذلك رفع إحدى حاجبيه وقال ببرود:
“وقتل رقيه ده برضه علشانه وقتل وحيد وقتل سلطان وفريدة زمان وقتل رجب وقتل ابو مروان كل ده كان علشانه برضه؟”
انفجرت مريم صائحة، وتحولت ملامحها إلى صورة مخيفة من الغضب والشر وهي تقول:
“رقيه ووحيد أقتلتهم علشان هما كانوا السكينه اللي على رقبتنا وكانت هتسلمنا كلنا للحكومة، وأبو مروان قتلناه أنا وزين علشان اللي كان بيعملوا فيا وجسمي اللي أتهرى من أعتدائه عليا، رجب وفريدة وسلطان قتلتهم علشان لو مكنتش عملت كده فيهم كانوا هما اللي هيعملوا فيا كده، كنت بحاول أنضف حواليك يا شاهين.”
هز رأسه ببطء، وكأن آخر ذرة أمل كانت بداخله قد انطفأت أخيرًا.
ثم نهض من مكانه، ونظر إليها بعينين امتلأتا بوجع عميق قبل أن يقول:
“أنتي عارفه أيه أكتر حاجه بتوجع في الدنيا؟ إن البني آدم يتولد من أم قذرة زيك، أنه يعيش تحت ضل أسود حاجب عنه الضوء الحقيقي، يعيش مع واحده كل مهمتها هي أنها تأذي الناس وتقتل فيهم، أنا مش ندمان على اللي عملته، قد ما ندمان أني في يوم من الأيام كنت شايفك مظلومة وبتعملي كده علشان خاطرنا أحنا.”
اقترب منها أكثر، وانحنى قليلًا حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة للغاية، ثم أسند يده على ذراع المقعد وقال بصوت منخفض لكنه قاسٍ:
“أنا اتمسكت بيكي لآخر لحظة علشان أنتي أمي، بس لما تفكري تأذي أبنك أو تأذي قلبه، يبقى هسيب أيدك وهعمل نفس اللي أنتي عملتي معايا زمان، سلام يا مريم.”
استدار متجهًا نحو الباب.
كان قد وصل إليه بالفعل، وكاد يغادر، قبل أن يوقفه صوتها.
صوت مختلف تمامًا عن كل ما سمعه منها من قبل. صوت أم.
أو ربما بقايا أم. قالت بنبرة مرتجفة لأول مرة:
“أنا آه معنديش قلب، وعمري ما كان عندي عزيز ولا غالي، بس أنت وأخوك نور عيوني وأغلى ما أملكه من الدنيا، وحبكم ده كان بالفطرة مش مجرد عطف مني ولا بمن عليكم بي.”
توقف مكانه. وأدار رأسه ببطء نحوها.
للحظة قصيرة فقط، رأى المرأة التي كان يتمنى دائمًا أن تكون أمه، لا المرأة التي أصبحتها الحياة والأحقاد والدماء.
اختلطت المشاعر داخله بصورة مؤلمة، تنهد بعمق، ثم خرج دون أن ينطق بكلمة أخرى، وأغلق الباب خلفه.
بقيت مريم تحدق في الباب المغلق لثوانٍ طويلة، قبل أن تزفر بضيق وتشيح بوجهها بعيدًا، ثم حركت مقعدها متجهة نحو غرفتها بينما كانت مشاعر القلق وعدم الارتياح تزداد داخلها شيئًا فشيئًا.
أما شاهين…
فبمجرد أن خرج من الفيلا، اتجه مباشرة إلى سيارته. فتح الباب وصعد إلى الداخل، ثم أغلقه خلفه وبقي للحظات جالسًا في صمت تام.
مد يده إلى جيبه وأخرج جهاز تسجيل صغيرًا. ظل ينظر إليه طويلًا.
كان ذلك التسجيل كافيًا ليدفن والدته خلف القضبان ويضع حدًا لكل شيء.
لكن يده تشددت حوله بتردد.
تردد ابن ما زال يحمل داخل قلبه بقايا حب لأمه مهما فعلت.
ضغط عليه بقوة محاولًا السيطرة على المشاعر التي اجتاحته بعد كلماتها الأخيرة، وكاد يتراجع للحظة، لكن صورة رنيم ظهرت أمام عينيه بوضوح مؤلم؛ رنيم وهي تبكي، ورنيم وهي تهدد، ورنيم وهي تدفع ثمن جرائم لم ترتكبها.
عندها فقط اختفى التردد.
أعاد جهاز التسجيل إلى مكانه، وأدار محرك السيارة، ثم انطلق بها في الطريق المؤدي إلى قسم الشرطة.
كان يعلم أن الخطوة القادمة ستؤلمه أكثر مما ستؤلمها.
لكنه كان يعلم أيضًا أن العدالة تأخرت كثيرًا، وحان وقتها أخيرًا.
***************************
باااك…
كانت ساحة الفيلا قد تحولت إلى فوضى عارمة، تختلط فيها أصوات الطلقات بالصراخ والحركة المتوترة لرجال الأمن، بينما استمرت المواجهة محتدمة من جميع الجهات. سقط عدد من أفراد العصابة أرضًا، كما أُصيب بعض رجال غريب خلال الاشتباك، إلا أن أحدًا لم يكن يفكر في التراجع أو الاستسلام، فكل طرف كان يعلم أن هذه الليلة ستكون النهاية الحاسمة لمعركة امتدت لسنوات طويلة.
وسط ذلك الجنون، اهتز هاتف غريب داخل جيبه.
أخرجه سريعًا وأجاب دون أن يرفع عينيه عن ساحة القتال، بينما كان إصبعه ما يزال مشدودًا حول زناد سلاحه.
“قبضوا عليها ولا لسه؟”
جاءه الصوت من الجهة الأخرى متوترًا ولاهثًا:
“دي بتهرب يا غريب باشا.”
تبدلت ملامح غريب في لحظة، وانعقد فكه بقوة حتى برزت عروق عنقه، بينما اشتعلت عيناه بغضب مكتوم ظل يحمله في صدره سنوات طويلة.
أغلق الخط دون كلمة إضافية، ثم التفت نحو شاهين وجواد اللذين كانا ما يزالان منشغلين بالسيطرة على ما تبقى من أفراد العصابة.
وقال بنبرة حاسمة لا تحتمل النقاش:
“خليكم انتوا هنا وانا هروح مشوار بسرعه.”
لم ينتظر ردًا من أحد.
أعاد تثبيت سلاحه خلف ظهره، ثم اندفع راكضًا خارج الفيلا بخطوات سريعة ومتوترة، وكأن شيئًا ما يسحبه بقوة نحو وجهته الأخيرة.
بعد لحظات كان يجلس خلف مقود سيارته، يضغط على دواسة الوقود بعنف حتى انطلقت السيارة كالسهم تشق الطريق أمامها.
لم يكن يرى شيئًا من حوله. كل ما كان يراه أمام عينيه هو وجه واحد فقط.
وجه مريم. المرأة التي حولت حياة الجميع إلى جحيم.
المرأة التي سرقت أرواحًا ودمرت عائلات وأشعلت نارًا لم تنطفئ لسنوات.
أما الليلة.. فكان يشعر أن الحساب قد حان أخيرًا.
قاد سيارته بسرعة جنونية، متجاهلًا إشارات الطريق وكل ما يحيط به، حتى وصل إلى المنطقة التي أبلغه رجاله بوجودها فيها.
توقفت السيارة بعنف، وترجل منها في اللحظة نفسها تقريبًا.
كان الغضب يسيطر على كل ذرة داخله، لكنه رغم ذلك أجبر نفسه على التماسك.
لا يريد أن يخطئ.
لا يريد أن يمنحها فرصة أخيرة للهرب.
اقترب منه أحد رجاله سريعًا وأشار إلى مبنى مهجور يقع في طرف المكان.
تحرك غريب في الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، بينما كانت خطواته تزداد بطئًا كلما اقترب.
كان المبنى غارقًا في الظلام والصمت.
دلف إلى الداخل بحذر، وعيناه تجوبان المكان حتى استقرتا عليها.
كانت هناك. مختبئة في أحد الأركان.
فوق كرسيها المتحرك.
ترفع رأسها نحوه بثبات أثار اشمئزازه أكثر مما أثار غضبه.
توقف أمامها مباشرة، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال بابتسامة غاضبة لم تصل إلى عينيه:
“مش عيب لما مريم بجلالة قدرها تستخبى في مكان زي ده؟”
ارتسمت على شفتيها ابتسامة شريرة هادئة، ثم قالت بنبرة مستفزة:
“غروبتي، وحشتني يا روحي.”
اشتد احتقان وجهه، وخرج صوته من بين أسنانه كأنه ينتزع الكلمات انتزاعًا:
“اخيرا وقعتي تحت ايدي، ونهايتك أنا اللي هكتبها.”
أخرج سلاحه ببطء، ثم وجهه نحوها مباشرة دون أن تهتز يده للحظة واحدة.
كانت هذه اللحظة التي انتظرها طويلًا.
اللحظة التي تخيلها عشرات المرات. وقال بصوت يحمل من الكراهية ما يكفي لسنوات كاملة:
“كنتي فاكرة انك هتقدري تهربي تاني زي زمان بسهوله، بس لا ده مش هيحصل، انتي عاجزة مشلولة، متقدريش تتحركي خطوة لوحدك، يعني هقتلك وانا مرتاح وعلى أقل من مهلي.”
لكن المفاجأة أنها لم تبدو خائفة.
ولا حتى منزعجة. بل ظلت تنظر إليه بنفس الابتسامة المستفزة التي طالما أثارت جنونه.
ثم مالت بجسدها إلى الأمام قليلًا. وفجأة.. استقامت على قدميها.
وقفت أمامه كاملة. بكل ثبات. وسخرية.
ثم حركت قدميها خطوة تلو الأخرى وهي تنظر إلى الصدمة التي انفجرت داخل عينيه، قبل أن تقول بتهكم:
“تصدق بأيه، قعدت الكرسي دي ممله اوي، ربنا يكتبها عليك إن شاءالله، اه ولا صح مش هينفع علشان انت كلها دقايق وهتروح عند سلطان حبيبك، وأبقى كده حرقت قلب ترنيم مرتين، لا تلاته، مرة حبيب القلب ومرة شرف بنتها ومره على جوزها، بس استنى هو أنا كده هكون ارمله برضه؟ ما انت جوزي أنا كمان، امم مش مشكله، عمرك بقى وانتهى.”
ظل غريب يحدق فيها لثوانٍ طويلة، غير قادر على استيعاب ما يراه أمامه.
كل سنوات الشلل والعجز التي كانت تتحدث عنها. كلها كانت كذبة.
كذبة أخرى تضاف إلى جبل الأكاذيب الذي بنته حول نفسها.
ثم هز رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة ممتلئة بالاحتقار، بينما كانت فوهة السلاح ما تزال مصوبة نحو صدرها. وقال:
“آه، يا بنت الكلب، حتى دي طلعتي كدابه فيها؟ انتي ايه يا شيخه؟ ده الشيطان جنبك غلبان.”
تعالت ضحكات مريم في المكان بصوت حمل قدراً هائلاً من الاستفزاز والثقة، ثم قالت بنبرة ساخرة:
“نزل يا حلو اللعبه اللي في إيدك دي.”
رفعت سلاحها في مواجهته بثبات كامل، وأردفت بابتسامة لاذعة:
“كان على عيني يا غروبتي، بس أعمل ايه؟”
ثم رفعت صوتها وهي تلتفت خلفه:
“هات الحلوين اللي عندك.”
انعقدت ملامح غريب فوراً، وتحركت عيناه مع اتجاه نظراتها، قبل أن تتسع بصدمة حقيقية عندما رأى ترنيم وسمية والفتيات الثلاث واقفات تحت تهديد السلاح، بينما استقرت فوهات البنادق فوق رؤوسهن.
اندفع غريزياً للأمام، لكن صوت مريم أوقفه في مكانه قبل أن يخطو خطوة واحدة.
“لو أتحركت خطوة واحده من هنا، أول رصاصه هتكون في راس حبيبة القلب.”
اقتربت منه بهدوء مستفز وانتزعت سلاحه من يده بسهولة، بينما شد غريب فكيه بقوة حتى برزت عروقه من شدة الغضب.
“هقتلك يا مريم هقتلك.”
أما ترنيم فكانت تنظر إليها وكأنها ترى شبحاً خرج من أسوأ ذكرياتها. نفس المرأة، نفس النظرات، ونفس السلاح الذي حطم حياتها يوماً وأغرق قلبها في الحداد. عادت تلك المشاهد كلها دفعة واحدة حتى شعرت بأنفاسها تضيق داخل صدرها، ثم قالت بصوت اختلط فيه الوجع بالاختناق:
“أنتي أيه يا شيخه؟ مش بتتهدي ابداً، حتى وأنتي في سنك ده، ليه بتعملي كده؟ ليه مصره تحرقي قلبي، وتوجعيني؟”
اقتربت مريم منها ببطء شديد، وعيناها تمتلئان بكراهية عميقة قبل أن ترد:
“علشان أنتي بداية اللعنة، أنتي اللي بدأتي، وتستحقي كل اللي بيحصلك واللي هيحصلك.”
ثم استدارت نحو أروى، ومدت يدها إلى شعرها تتحسسه للحظة قبل أن تشده بعنف.
“على فكرة رجالتي مش مبسوطه منك خالص.”
انتفض جسد أروى من الرعب، واحتمت بوالدتها فوراً، بينما ارتفع صوت غريب غاضباً وهو يندفع نحو مريم، لكن رصاصة خاطفة استقرت في قدمه وأسقطته أرضاً قبل أن يصل إليها.
“غررريب.”
خرجت الصرخة من ترنيم مذعورة، بينما انفجرت مريم بالضحك من جديد واتجهت نحو جواهر.
“وأنتي بقى يا حلوة اللي كنتي عاملة فيها بطله وروحتي ضربتي رقيه بنت اختي؟”
ضمتها سمية إلى صدرها فوراً وقالت بحدة:
“أبعدي عن بنتي.”
توقفت مريم أمامها لحظة تنظر إليها بصمت طويل، ثم تحركت فجأة نحو رنيم وأمسكت شعرها بقسوة، جاذبة رأسها للخلف وهي تقول بحقد واضح:
“أما انتي بقى يا بنت الكلب، فعقابك عندي مضاعف، كل حاجة اتغيرت لما انتي دخلتي حياة ابني، كانت كل حاجه ماشيه زي ما أنا عايزة، لحد ما جيتي انتي خلتيه شخص تاني، مبقاش أنا مريم لو مكنتش حرقت قلبه عليكي.”
ورغم الألم الذي مزق فروة رأسها، رفعت رنيم رأسها بعناد وبصقت في وجهها مباشرة قبل أن تقول بغضب:
“أنتي واحده مريضه، مجنونه، مفكرة أن الدنيا كلها بتمشي بمزاجك أنتي، أبنك اتغير لما حبني، علشان أنا نضفت قلبه من السواد اللي أنتي كنتي ملياه بي.”
ازداد غضب غريب حتى بدا أنه على وشك الانفجار.
“أبعدي عنهم يا مريم، هقتلك والله العظيم لقتلك.”
دفعت مريم رنيم بعنف فسقطت أرضاً، ثم اتجهت نحو غريب بخطوات بطيئة، وانحنت فوقه تمرر أصابعها على صدره وكأنها تستمتع بإهانته.
“أهون عليك يا غروبتي، ده أنا حتى كنت بفكر اعيد لحظاتنا زمان، فاكر؟.”
أزاح يدها عنه بعنف وقال من بين أسنانه:
“أنتي كنتي أكبر غلطه في حياتي يا مريم، ونهايتك هتكون على أيدي أنا.”
عادت إلى مقعدها وجلست فوقه كملكة تتحكم في مصائر الجميع، ثم قالت وهي تتأمل وجوه النساء المرتعبة أمامها:
“امم، نبدأ بمين؟ ترنيم لا دي عجوزة، ولا بنتك؟ بس معجبتش الرجالة، اه نعمل دخلة الحلوة ام ابيض دي، ونبقى ساعدنا ابو الرجولة في الموضوع، ومش هنساكي يا عروسه انتي كمان، ما انتي برضه كان كتب كتابك النهاردة على عمر، هخلي الرجالة تتسلى فيكي شوية لحد ما يجي، ويكمل هو.”
تشبثت جواهر بوالدتها بقوة حتى كادت تختبئ داخلها، بينما انهمرت دموعها بلا توقف.
نهضت رنيم بسرعة رغم سقوطها، ووقفت أمام الجميع كدرع أخير وهي تقول بتحذير:
“أنتي فاكرة أنك هتعدي منها بسهوله كده؟ بتحلمي يا مريم، أبنك هيكون هنا كمان ثواني ونهايتك على أيد أبنك.”
ردت مريم بضحكات أعلى وأكثر جنوناً، ثم أشارت إلى رجالها بالتقدم نحو الفتيات.
في تلك اللحظة فقط تحرك غريب.
تحامل على إصابته ونهض بصعوبة، والألم ينهش ساقه، لكنه لم يمنحه فرصة للتوقف. انقض على أقرب رجل إليه، وجه له ضربة عنيفة أسقطته أرضاً، وانتزع سلاحه في حركة خاطفة قبل أن يبدأ بإطلاق النار. تحولت اللحظات التالية إلى فوضى دامية، وسقط رجال مريم الواحد تلو الآخر تحت وابل الرصاص.
لكن مريم كانت أسرع.
قفزت نحو ترنيم وأحاطتها بذراعها، ثم وضعت فوهة السلاح عند رأسها مباشرة وهي تصرخ:
“نزل سلاحك، بقولك نزل سلاحك احسن والله هقتلها.”
تجمد غريب مكانه.
وببطء شديد بدأ يخفض سلاحه، بينما كانت عيناه مثبتتين على ترنيم دون أن يرمش.
وفجأة دوى صوت خطوات كثيرة تقترب من المكان.
التقط غريب الصوت فوراً.
وفي اللحظة التي تشتت فيها انتباه مريم لجزء من الثانية، رفع سلاحه وأطلق رصاصة واحدة.
اخترقت الرصاصة صدرها مباشرة.
تراجعت للخلف بعنف، وسقط جسدها على الأرض.
وفي نفس اللحظة اندفع شاهين وجواد وتامر ورجال الشرطة إلى الداخل.
ركضت ترنيم نحو غريب فوراً، ووضعت يدها على موضع إصابته وهي تبكي.
“أنت كويس؟ حصلك حاجه؟”
هز رأسه نافياً، ثم ضمها إلى صدره بقوة.
“شش أهدي يا ترنيم، أنا كويس متقلقيش.”
اجتمعت العائلة حول بعضها أخيراً بعد لحظات الرعب، وأسندت ترنيم وأروى غريب حتى تمكن من الوقوف.
أما جواهر فقد اندفعت نحو جواد وارتمت داخل أحضانه، ترتجف من شدة الخوف.
“ا أنا خايفه أوي يا جواد.”
طبع قبلة طويلة على رأسها وقال بحنان:
“أهدي يا حبيبتي خلاص مافيش حاجه تخوف.”
وقف شاهين بعيداً عن الجميع.
نظر إلى والدته الساقطة على الأرض بنظرة ثقيلة اختلط فيها الحزن بالقهر، ثم نقل بصره إلى رنيم.
شيء ما انكسر داخله من جديد.
استدار بصمت، وبدأ يبتعد.
لكن رنيم ركضت خلفه بسرعة وهي تهتف باسمه:
“شاهين، استنى أرجوك.”
توقف مكانه. أغلق عينيه للحظة، ثم تنهد بألم واستدار نحوها.
وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، تجمد الدم في عروقه.
كانت يد مريم ترتفع من جديد.
السلاح مصوب نحو رنيم. لم يفكر.
رفع سلاحه وأطلق النار في اللحظة نفسها. استقرت الرصاصة في رأس مريم. وسقطت يدها أخيراً.
هذه المرة بلا عودة.
انتفضت رنيم والتفتت خلفها، لترى الجسد المستسلم ساكناً تماماً، بينما انزلقت اليد التي حملت الموت لسنوات طويلة إلى جوارها في صمت أبدي.
أما شاهين فوقف مكانه والدموع تتجمع في عينيه رغماً عنه. لقد أنقذ المرأة التي يحبها. لكنه في المقابل أنهى حياة والدته بيده. كان الثمن أفدح مما يحتمل أي قلب.
نظر إلى رنيم طويلاً، نظرة امتلأت بالحزن والوجع والإنهاك، ثم حرك رأسه ببطء وكأنه يعتذر عن شيء لا يملك تفسيره. وبدون أن ينطق بكلمة واحدة، استدار وغادر المكان.
****************************
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخمسون 50 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخمسون
في صباح يوم جديد....
كان غريب مستلقيا على السرير يتلقى العلاج اللازم لقدمه بعد إصابتها برصاصة خرجت من
سلاح مريم، بينما تجمع الجميع حوله بدا الإرهاق واضحًا على الوجوه، ليس فقط بسبب ما عاشوه من رعب ومواجهة مع الموت، بل لأنهم خرجوا من تلك الليلة وقد تغير شيء ما داخل كل
واحد منهم.
الوحيد الغائب كان شاهين.
منذ اللحظة التي غادر فيها ذلك المكان بعد سقوط مريم، لم يظهر مرة أخرى، وكأنه تبخر مع
أوجاعه وترك خلفه فراغا ثقيلا لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
جلست ترنیم بجوار غريب، وكانت أصابعها ملتفة حول يده بقوة تخشى أن يختفي هو الآخر إذا تركتها، لم تستطع إخفاء القلق الذي كان ينهشها رغم محاولاتها المتكررة للتماسك، فربتت على
يده برفق وقالت:
"حاسس بوجع يا غريب ؟ رجلك بتوجعك ؟ "
التفت إليها بابتسامة دافئة امتلأت بحب لم يتغير رغم كل ما مر بهما، وقال بنبرة عاشقة:
"لا يا قلبي، طول ما أنتي جنبي مش حاسس بتعب"
هزت رأسها وهي تبتسم رغم الدموع التي لم تكن بعيدة عن عينيها، بينما زفر تامر بضيق وجلس
على المقعد المقابل لهم، ثم قال باستغراب حقيقي:
"أموت وأعرف الحرباية دي إزاي وصلت للحريم ؟"
التفتت إليه سمية التي كانت لا تزال تحيط ابنتها بذراعها وكأنها تخشى أن تنتزع منها مجددا.
ثم قالت موضحة:
منعرفش بعد ما غريب قفل علينا الباب من بره سمعنا صوت جاي من الدور اللي فوق، وفاجأة
لاقينا رجالة نازله علينا تجري واحدونا وخرجونا من باب المطبخ وراه"
اشتدت ملامح جواد غضبا فور سماعه للكلام، وانعقد فكه بقوة وهو يتخيل ما كان يمكن أن
يحدث لو تأخروا أكثر من ذلك، ثم قال بصوت ممتلئ بالغيظ:
"أقسم بالله لو كنت شفتهم، كنت شربت من دمهم "
في زاوية الغرفة كانت أروى تجلس بصمت، تضم يديها إلى صدرها وتحاول عبثا أن تبدو هادئة. لكن عينيها كانتا تفضحان كل شيء؛ الخوف الذكريات والرجفة القديمة التي عادت فجأة
التسكن روحها.
انتبه لها غريب، فمد يده نحوها وقال بحنان
تعالي يا حبيبة بابي خلاص جبتلك حقك منها وقتلتها."
رفعت رأسها نحوه ببطء، ثم نهضت واتجهت إليه بخطوات مترددة قبل أن تجلس إلى جواره
وتضع رأسها فوق صدره، وما إن شعرت بأمانه حتى انهارت دموعها من جديد.
تشبثت بقميصه و همست بصوت مرتعش
اللي حصل ده فكرني بنفس اليوم اللي خطفوني فيه، أنا خايفه أوي يا بابي"
" انقبض قلب غريب وهو يسمع كلماتها مرر يده على شعرها بحنو أبوي خالص، يحاول أن يمحو
تلك الذكرى بلمسته، ثم قال:
من النهاردة ما فيش خوف ثاني يا حبيبة بابي الخطر خلصنا منه والحمد لله، وأنا حجزت
الطيارة هتخرج من هذا على تركيا على طول " كان يريد أن يأخذهم جميعا بعيدا عن كل شيء، بعيدا عن هذه المدينة، عن الذكريات، وعن الدم
الذي سال أكثر مما ينبغي.
تم رفع رأسه ونظر إلى تامر متسائلا:
صح حصل أيه في الفيلا قبضوا على زين وعمر ولا لا؟"
أجابه جواد هذه المرة وهو يفرك وجهه بإرهاق واضح
زين قبضوا عليه، واللي اسمه عمر ده، لما فاق حاول يهرب بس الشرطة جات تقبض عليه
قاومهم وضرب عليهم نار، راحوا ضربوا هما كمان عليه ورصاصه جات فيه ومات"
ما إن وصلت الكلمات إلى أذن رنيم حتى شعرت وكأن تقلا هائلا أزيح عن صدرها فجأة. اتسعت عيناها بعدم تصديق، وحدقت فيه الثوان طويلة قبل أن تسأله بسرعة تخشى أن تكون قد سمعت خطاء
يعني هو مات خلاص؟ متأكد ؟"
أوما جواد برأسه مؤكدا:
"أيوه متأكد شايلين جنته قصاد عيني "
أغمضت رنيم عينيها للحظة طويلة وأطلقت زفرة مرتجفة خرجت من أعماقها للمرة الأولى منذ أيام شعرت أن الخطر الذي كان يطاردها قد انتهى بالفعل. لكن الراحة لم تدم سوى ثوان.
فما إن غاب شبح عمر عن ذهنها حتى حضر شاهين
حضر بوجهه الموجوع، ونظرته الأخيرة، والطريقة التي غادر بها دون أن يلتفت إليها.
تبدلت ملامحها فورا، وانطفأت الراحة التي لم تكتمل.
لاحظت ترنيم ذلك بسهولة، فهي كانت ترى نفسها القديمة داخل رئيم كلما نظرت إليها.
تنهدت بحزن، ثم قالت بحنو
"يهدا شوية، وبعد كده غريب يكلمه اللي مر عليه مش سهل خسر أمه مهما كانت ايه هتفضل
أمه، واللي حصل منك محتاج يفضل مع نفسه شويه."
خفضت رنيم عينيها ولم تستطع الرد.
كانت تعرف أن كلام ترنيم صحيح، لكنها كانت تشعر المسافة بينها وبين شاهين تكبر كل دقيقة.
نهضت من مكانها بصمت وغادرت الغرفة.
تابعتها ترنيم بعينيها حتى اختفت خلف الباب، ثم تنهدت بألم وأعادت نظرها إلى غريب، وربنت
على يده بابتسامة هادئة تحاول بها أن تعيد بعض الدفء إلى الأجواء.
لكن جواد كعادته، لم يحتمل استمرار الحزن طويلا.
فمد يده ووضعها فوق كتف جواهر وقال بمزاح
"أنا قلت أنها بومه محدش صدقني، يعني شوية أكشن ينيموني شهر على السرير هبقى زي زيها "
انفجرت الضحكات داخل الغرفة رغم التعب بينما التفتت إليه جواهر و ضربته بضيق على
صدره قائلة:
"أنتم يا جواد متعملش حجة علشان منسافرش الهاني مون"
اقترب منها أكثر، ثم مال نحو أذنها وهمس بصوت لم يصل إلا إليها:
"وحياة أمك لاقطعك بس يتقفل علينا باب الاوضه المنحوسه دي أسنديني يا اختي وأمشي
قدامي بفستانك الأبيض اللي المسح بي الشارع كله."
شهقت جواهر بصدمة واحمر وجهها فوزا بينما تعالت ضحكات من سمعوا جزءا من حديثه.
أما هو فاكتفى بغمزة مشاكسة قبل أن يلتقط يدها ويتحرك بها نحو الخارج، لتغادر معه الغرفة وسط أجواء أخف قليلا من ذلك الحزن الثقيل الذي خيم عليهم منذ الصباح.
عند رنيم ....
وصلت إلى الشقة بعدما أنهكها ذلك اليوم الطويل بكل ما حمله من صدمات وخوف ودموع. وتوقفت أمام الباب الدوان طويلة وهي تحدق فيه بصمت. كانت تعلم في قرارة نفسها أنه لن يكون هناك، وأنها لن تجد ما تتمناه خلف هذا الباب، لكن قلبها كان أضعف من أن يتقبل الحقيقة بسهولة، ظل جزء صغير بداخلها متعلقا بأمل عنيد، يتمنى أن تفتحه فتجده جالسا فوق الأريكة ينتظرها كما كان يفعل دائما، يرفع عينيه إليها بمجرد دخولها، فتشعر أن كل ما مرت به كان
مجرد كابوس وانتهى.
أخرجت المفتاح من حقيبتها وأدخلته في القفل بأصابع مرتجفة، ثم أغمضت عينيها وأخذت
نفسا عميقا حاولت من خلاله أن تجمع شتات نفسها قبل أن تواجه ذلك الفراغ الذي كانت تخشاه، دفعت الباب ببطء إلى الداخل، وما إن فتحت عينيها ونظرت أمامها حتى شعرت بشيء
ينغرس في قلبها بقسوة.
كان المكان خاليا هادلا بصورة موجعة.
بدا كل شيء كما تركه، إلا أنه لم يكن هناك.
ذلك الحضور الذي اعتادت أن يملأ الشقة كلها اختفى نظرت إلى الأريكة التي كان يجلس عليها الساعات طويلة، وإلى الزاوية التي كان يقف عندها كلما انتظرها، فازدادت غصتها أكثر. عندها فقط أدركت أن غيابه حقيقي، وأنه لم يختف لساعات أو ليوم واحد فقط، بل ابتعد عنها وهو
يحمل داخله من الوجع ما قد يجعله لا يريد رؤيتها أصلا.
أغلقت الباب خلفها وتحركت إلى الداخل بخطوات بطيئة، لم تكن تملك طاقة للتفكير أو المقاومة أو حتى التظاهر بالقوة. اتجهت مباشرة إلى غرفتها، وما إن وصلت حتى ألقت بجسدها
فوق السرير وارتمت عليه منهارة.
انفجرت بالبكاء دون أن تحاول التماسك هذه المرة، كانت تحتاجه.
تحتاجه بصورة مؤلمة. تمنت لو يفتح الباب الآن ويدخل إليها دون مقدمات، فتندفع نحوه
وترتمي داخل أحضانه، تشعر بالأمان الذي كانت تجده معه وحده، وتستمع إلى صوته وهو يطمئنها كعادته بينما تربت يده الحانية على رأسها حتى تهدأ. لكنها كانت وحدها، وكل ثانية تمر
كانت تؤكد لها أكثر أنه ليس هنا.
رفعت رأسها بعد وقت لا تعلم مقداره، ومسحت دموعها بيد مرتجفة، ثم التقطت هاتفها بسرعة. ضغطت على رقمه وأخذت تنتظر الرد يقلب يخفق يعنف متعلقة بأمل صغير أن تسمع صوته ولو للحظة واحدة.
وفي كل مرة كانت تسمع نفس الرسالة التي تزيد خوفها وتكسر قلبها أكثر.
اغلقت الهاتف ببطء وألقته بجوارها، ثم وضعت يدها على وجهها وأجهشت بالبكاء من جديد. لم تكن تبكي على نفسها فقط، بل عليه هو أيضا. كانت تتخيل حجم الألم الذي يعيشه الآن، وتتذكر نظرته الأخيرة قبل أن يغادر، ذلك الحزن العميق الذي كان يسكن عينيه بعدما خسر أمه بيده. وبعدما تحطمت أشياء كثيرة داخله في وقت قصير.
ضمت ركبتيها إلى صدرها واستندت برأسها عليهما، بينما استمرت الدموع في الانهمار بصمت. لم تجد ما تفعله سوى أن ترفع قلبها إلى الله بالدعاء، تترجاه أن يحفظه أينما كان، وأن يطمئنها عليه، وأن يمنحها فرصة واحدة فقط لتصل إليه قبل أن يبتعد عنها أكثر مما فعل.
كانت تشعر أن العالم كله يمكنه الانتظار.. إلا قلبها.
فقلبها كان هناك معه، تانها في مكان لا تعرفه، يبحث عنه وسط كل ذلك الألم، ويتمنى فقط أن يعود.
مر يومان....
في باريس، المدينة التي كانت تتلألأ بالأضواء والحياة وكأنها خلقت خصيصا للعشاق، كانت جواهر تجلس فوق السرير بوجه متجهم وذراعين معقودتين أمام صدرها، تنظر إلى جواد النائم
بجوارها بنظرات ممتلئة بالاستياء، منذ وصولهما إلى هنا وهي ترسم في خيالها عشرات الصور الشهر عسل مثالي، تتجول فيه بين الشوارع القديمة والمقاهي المطلة على النهر والمعالم التي طالما شاهدتها في الصور، لكن الواقع كان مختلفا تماما. فزوجها العزيز قرر أن يجعل من السرير أعظم معالم باريس السياحية، يقضي معظم وقته نائها أو مستلقيا عليه، جاء إلى هنا خصيصا اليعوض سنوات الحرمان من النوم.
مررت يدها على وجهها يضيق واضح، ثم التفتت إليه وتكلمت بصوت مختنق
جواد، اصحی بقی با حبيبي، الإسم اننا جاين نقضي الهائي مون في باريس، ومن يوم ما جينا هنا وأنت مقضيها نوم "
"أفصلي شويه، أيه راديو واتفتح ؟"
زفر بضيق دون أن يفتح عينيه، ثم تكلم بصوت ناعس:
ضربته على كتفه بضيق وقالت:
"راديو في عينك، أنا زهقانه يا جواد بقى "
مد يده إليها وأمسك كلها، ثم قبلها بحب وهو ما يزال غارقا بين النوم واليقظة وقال بصوت ناعس:
نامی یا حبيبتي شوية، ربنا يهديكي، لسه بدرى والله "
سحبت يدها منه بعناد و عقدت ذراعيها امام صدرها، ثم أسندت ظهرها إلى السرير ونظرت أمامها بضيق طفولي واضح.
فتح جواد عينيه أخيرا، وزفر بنفاد صبر قبل أن يعتدل في جلسته ويضع ذراعه خلف رأسه قائلاً:
هو أنتي يا حبيبتي مينفعش تخدي يوم أجازة من غير نكد؟ ده أحنا حتى مفروض عرسان
وفي شهر العسل، فكي وشك يا بومة، فقرتي اللي جابونا"
ضربته يكوعها في بطنه وقالت بضيق:
" والله العظيم أنت غلس ودمك تقيل "
تعالت ضحكاته فوزا، ونظر إليها بغمزة مشاكسة وقال:
"أحلفي كده أن دمي تقيل "
أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى رافضة منحه متعة الرد، لكنها كانت تعرف جيدا أنه يستمتع بإغاظتها أكثر من أي شيء آخر. اقترب منها أكثر وقال بمزاح:
امم... شكلك زعلانه مني خالص خالص، أنا بقول أسم الله وأصالح. "
اتسعت عيناها بصدمة وقالت:
"لااا وربنا ما يحصل الا به كفايه أرحم نفسك مش على الصبح كده"
انفجر جواد ضاحكا حتى اضطر لأخذ نفس عميق من شدة الضحك، ثم قال:
يخربيت عينيكي صلي على النبي في قلبك، وبعدين يا روح قلبي ده نشاط صباحي "
فشلت جواهر في مقاومة ابتسامتها، لكنها تماسكت بسرعة وقالت:
"لا نشاط صباحي ولا نشاط مسائي، وقوم بقى خد شاور وأجهز علشان ننزل نقطر بره شبه الناس عايزة أشوف باريس شكلها أيه، مش أشوف شكل الاوضه ليل ونهار."
نظر إليها بتجهم مصطنع وقال:
فقريه ومش وش نعمه "
أنهى كلامه ونهض أخيرا من فوق السرير متجها إلى المرحاض، بينما تابعت جواهر خطواته وهي تبتسم رغما عنها. كانت تدرك أن نصف سعادتها معه يكمن في هذه المشاحنات الصغيرة
التي لا تفسد شيئا، بل تمنح أيامهما لونا مختلفا.
نهضت هي الأخرى وبدأت تخرج له الملابس التي سيرتديها، ثم اختارت لنفسها ما يناسب الخروج، وبعد دقائق خرج جواد من المرحاض وهو يجفف شعره واقترب منها ووضع قبلة.
سريعة على خدها قبل أن يتجه إلى السرير ويلتقط ملابسه ويبدأ في ارتدائها.
ابتسمت له يحب ثم دخلت هي إلى المرحاض، وحين انتهت من حمامها وخرجت كانت تشعر بخفة لم تشعر بها منذ أيام طويلة ارتدت ملابسها ووقفت أمام المرأة تمشط شعرها بهدوء، بينما كانت أشعة الشمس المتسللة من النافذة تنعكس على ملامحها فتكسبها إشراقا خاصا. وقف جواد خلفها، وأحاطها بذراعيه قبل أن يطبع قبلة دافئة على عنقها، ثم نظر إلى انعكاسهما في المرأة وقال:
"بحبك يا جوهرتي "
ارتسمت ابتسامة عاشقة على شفتيها وقالت:
وانا بعشقك يا قلب جوهرتك "
أخرج من جيب بنطاله قلادة رقيقة، وبدأ يضعها حول عنقها بعناية، وما إن أغلق قفلها حتى رفع عينيه نحو المرأة وسألها:
" ايه رأيك ؟"
لمعت عيناها بسعادة وهى تتأملها، ثم مررت أصابعها فوقها بإعجاب واضح قبل أن تستدير نحوه وتحتضنه بقوة قائلة:
الله حلوه أوي يا جواد، بحبك بعشقك بموت فيك يا أبن ضرغام"
ضمها إلى صدره بقوة، ثم قبل رأسها بعشق وقال:
"أنتي أجمل حاجه في حياتي، حب عمري كله، ربنا يقدرني وأقدر أسعدك، بعشقك يا جوهرتي " ابتعدت قليلا عن حضنه، لكنها ظلت تنظر إليه بعينين ممثلتين بالحب، ثم قالت بصوت صادق خرج من أعماق قلبها:
انت عارف يا جواد، لما شفتك قبل كده مع البنت دي كنت هتجنن مكنتش متخيله ازاي قدرت تعمل كده مع غيري، لدرجة كنت يهرب من الحقيقه دي بالنوم، كنت كل مره يشوف صورة ليكم كده مع بعض، بحس بسكينه بارده بتدبحني، ولحد دلوقتي مش متخيله أزاي أنت قدرت تعمل کده
اختفت ابتسامته العابثة، وحل محلها دفء هادئ وهو يضم وجهها بين كفيه وقال:
بس أنا عمري ما عملت كده، ولا أقدر ألمس واحده غيرك أنا قلتلك أن هقولك الحقيقه في وقتها و ده وقته یا جواهر البنت دي كانت أول خيط للست اللي اسمها مريم، بابا شك فيها. وطلب مني أن أتقرب منها علشان أعرف عنها كل حاجه، وكنت بعمل كده كشغل، وهي اتاري كانت خطتها أنها تدمر علاقتنا علشان أخوها يضحك عليك، وطبقا كل ده كان مخطط خالتهم مريم، والصور دي مكانتش الحقيقة خالص، يشهد ربنا أني عمري ما لامست واحده غيرك، والله العظيم يا جواهر دي الحقيقه أني عمري ما خنتك ولا عيوني شافت غيرك "
شعرت جواهر وكأن حملا ثقيلا كان جائها فوق قلبها لسنوات قد أزيح أخيرا، انهمرت دموعها
دون أن تشعر، لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة، بل دموع راحة وسعادة وطمأنينة. كانت تلك
الصور تطاردها كلما أغلقت عينيها، وتسرق منها النوم والسكينة، أما الآن فقد انطفأت كل تلك
الأشباح دفعة واحدة ارتمت بين ذراعيه بقوة وقالت بعدم تصديق "أنا مش مصدقة نفسي يا جواد، أنت متعرفش الموضوع ده كان مأثر عليا أزاي؟ تخيلات كثير أوي كانت بتيجي في دماغي، متخلنيش أعرف أنام بليل، أنت أجمل وأعظم راجل في الدنيا كلها. "
ضمها جواد أكثر إلى صدره، وقبل عنقها بحنان وقال :
وانتي نصي الحلو في الدنيا يا جوهرتي " ثم ابتعد عنها قليلا وأمسك يدها وقال بمزاح وهو يحاول كسر الجو العاطفي الذي بدأ يسيطر عليهما:
"يلا بقى أمشي بدل ما أتجنن وألفي الخروجه دي، ونقضيها هنا في مواضيع مهمه " أنهى كلامه بغمزة شقية جعلت جواهر تنتفض من مكانها فوزا وتتحرك نحو الباب وهي تقول بسرعة
وربنا ما يحصل، أنا عايزة اشووف باريس يا ناااس
تعالت ضحكات جواد وهو يتبعها إلى الخارج، ثم غادرا الفندق مقا، يتجولان بين شوارع باريس المزدحمة بالحياة، يتناولان طعامهما ويصنعان ذكريات جديدة، بينما كانت المدينة من حولهما تبدو أقل جمالا من السعادة التي تملأ قلبيهما في تلك اللحظة.
عند رنيم ....
استيقظت من نومها بعد ساعات طويلة من الإرهاق والبكاء، لكن النوم لم يمنحها الراحة التي كانت تحتاجها. فتحت عينيها ببطء وهي تشعر بنقل هائل فوق رأسها، اعتدلت في جلستها بصعوبة، ثم رفعت يدها إلى رأسها تفركه بأصابع مرتجفة محاولة تخفيف ذلك الألم الذي كان يضغط على أعصابها بقسوة.
ظلت جالسة لثوان تحاول استيعاب المكان من حولها، لكن الحقيقة عادت لتصفعها من جديد. شاهين ليس هنا.
لم يكن الأمر مجرد فكرة عابرة، بل حقيقة مؤلمة كانت تلازمها مع كل نفس تأخذه، أنزلت قدميها إلى الأرض وتحركت ببطء نحو باب الغرفة، وما إن خرجت حتى توقفت مكانها تلقائيا. سقطت عيناها على الأريكة.
الأريكة نفسها التي اعتادت أن تراه نائما فوقها أحيانا حين يسهر حتى الفجر، أو يجلس عليها ينتظرها بينما يتظاهر بالانشغال بشيء آخر. للحظة خيل إليها أنها ستراه هناك، بنفس جلسته المعتادة، بنفس نظرته التي كانت تبعث الطمانينة في قلبها، لكن المكان كان خاليا. كما كان دائما خلال اليومين الماضيين.
شعرت بغصة مؤلمة تخلقها، وانهمرت الدموع على خديها دون مقاومة، لكنها أجبرت نفسها على التحرك نحو المطبخ. وقفت أمام الموقد تعد كوبا من الشاي، وحين ارتفع البخار أمام عينيها
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة موجوعة سرعان ما انكسرت
كم مرة استيقظت التجده سبقها إلى هنا؟
كم مرة وجدته يعد لها الشاي والإفطار قبل أن تفتح عينيها أصلا؟
كم مرة تشاجرت معه على شيء تافه بينما كان يحاول فقط أن يراها سعيدة؟
وضعت يدها على وجهها وأجهشت بالبكاء من جديد.
لقد اشتاقت إليه حد الجنون.
اشتاقت إلى صوته. إلى حضوره.
إلى تفاصيله الصغيرة التي كانت تراها عادية في الماضي وأصبحت الآن أثمن من أي شيء آخر. وفجأة لم تعد قادرة على البقاء داخل الشقة أكثر.
تحركت إلى الخارج دون تفكير، فتحت الباب وغادرت شقتها، ثم اتجهت مباشرة إلى شقة شاهين، وقفت أمام الباب.
رفعت يدها وطرقت بقوة.
ثم بدأت تضغط على الجرس بإلحاح.
كانت تدق يعنف وكأنها تحاول انتزاعه من خلف الباب بالقوة تحاول تقنع نفسها بأنه موجود بالداخل لكنه يرفض الفتح فقط. لكن لا أحد أجاب.
استمرت عدة دقائق على هذا الحال حتى خارت قواها تماما..
جلست أمام الباب وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم انفجرت بالبكاء وهي تقول بين شهقاتها:
وحشتني اوي يا شاهين ارجوك ارجع ليا، مش قادرة أعيش من غيرك والله، الموت اهون من
أن أعيش لحظة بعيد عن حضنك"
كانت الكلمات تخرج من قلب ممزق فعلا، قلب لم يعد يعرف كيف يستمر وهو محروم ممن
أصبح عالمه كله.
وفي تلك اللحظة شعرت بيد تربت برفق على كتفها.
انتقض قلبها داخل صدرها.
رفعت رأسها بسرعة وقد اشتعلت عيناها بالأمل، ظنت أنه عاد.
ظنت أن دعاءها استجيب أخيرا.
لكن ما أن وقعت عيناها على الوجه الواقف أمامها حتى انطفأ ذلك الأمل في لحظة. كانت ترنيم.
انخفض رأسها مرة أخرى وقالت بصوت مختنق
"فكرتك شاهين "
شعرت ترنيم وكان سكينا مر فوق قلبها.
كانت ترى الألم في عيني رنيم بصورة واضحة، ألفا تعرفه جيدا أكثر مما تتمنى، مالت نحوها
وأمسكت يدها برفق وقالت:
"قومي معايا يا حبيبتي "
حرکت رنيم رأسها بالرفض سريعا وقالت بين دموعها:
لا مش هتحرك من هنا، غير لما شاهين يرجع تاني ليا، أنا مش قادرة أعيش من غيره"
اجبرتها ترنيم على الوقوف يرفق ثم احتضنتها بقوة.
احتضان أم تعرف تماما حجم الجرح الذي ينزف داخل ابنتها.
وتكلمت بصوت مرتعش اختلطت فيه الذكريات بالألم:
حاسه بيكي يا رنيم وجع قلبك وحرقته، نفسك اللي بيروح وروحك اللي بتتسحب منك
الدموع اللي مش قادره توقفيها وإنكار الواقع، كل ده حاصه بي. "
تمسكت بها رنيم بقوة أكبر تتشبث بشخص يفهم أخيرا ما تمر به، وقالت بین شهقاتها
أغلقت ترنيم عينيها. وسالت دموعها بصمت.
"أنا يحب شاهين أوى، ومش قادره أعيش ثانيه واحده من غيره، يااارب أنا بموت"
كانت ترى نفسها قبل سنوات طويلة.
ترى تلك الفتاة التي كانت تتنفس باسم سلطان، والتي شعرت يوما أن الحياة انتهت حين ابتعد
عنها.
كانت تعرف هذا الألم. تعرفه حد الرعب.
لذلك ربتت على ظهرها بحنان وقالت:
أهدي يا حبيبتي، شاهين كمان بيحبك، وميقدرش يعيش بعيد عنك كتير هياخد وقته علشان يهدا وهير جعلك على طول "
ابتعدت رنيم قليلا عن حضتها ونظرت إليها بعينين غارقتين في الدموع قبل أن تسأل بصوت
موجوع
انتي ازاي قدرتي تستحملي تعيشي بعيد عن بابا؟"
ابتسمت ترنيم ابتسامة باهتة رغم الدموع التي تملأ عينيها وقالت:
علشان هو عايش في قلبي يا رنيم مش كل فراق نهاية، فيه فراق بيعيش جوه القلب آه بيكون مؤلم جدا، بس أثره في القلب أقوى مليون مرة من حب أعيش فيه انانيه على حساب حد غيري "
سالتها رئيم بصوت مختنق
قصدك عليا أنا وماما ؟"
أومات ترنيم برأسها وقالت بهدوء:
"أيوه يا رئيم، أنا أخترت أحتفظ بحب أبوكي في قلبي، وأبعد علشان مخدهوش منكم مش
هنكر أن أوقات كثير كنت بضعف، كان يبقى نفسي أجري واترمي في حضنه، أقوله أنت ليا أنا
ويس، لكن كنت بشوف عيونك وقد أيه أنتي متعلقه بي، كنت أرجع انسحب أكثر منكرش أن
غريب ساعدني كثير على ده، وأستحمل مني كتير وعلشان كده أنا حبيته"
وضعت رنيم يدها على وجهها وهي تبكي وقالت:
بس انا مش هقدر أكون زيك مش هقدر أعيش من غيره مش هقدر أكون لغيره، والله العظيم ما هقدر."
احتضنتها ترنيم من جديد وريتت على ظهرها بحنان أمومي خالص وقالت:
عارفه يا حبيبتي، وأنا متمناش ليكي انك تعيشي نفس اللي عيشته، أهدي بس وأنا مش
هسكت غير لما ارجعكم تاني لبعض "
تم ابتعدت عنها قليلا ونظرت إليها وقالت:
" أحنا مسافرين بكرة تركيا، ياريت تيجي معانا، وأهو تغيري جو، ايه رأيك"
حرکت رنیم رأسها بالرفض فوزا وقالت بصوت مختلق
"لا مش هتحرك من هنا، علشان لما شاهين يرجع يلاقيني مستنيه"
تأملتها ترنيم بحزن.
كانت تعرف أن الإصرار الذي تسمعه الآن يشبه إصرارها هي في الماضي.
لذلك لم تحاول الضغط عليها أكثر.
اكتفت بالإيماء برأسها وقالت:
عموما لو حبيتي في أي وقت تيجي، أتصلي بيا وأنا هبعت حد يخدك "
أومأت رنيم برأسها ثم أعادت خصلات شعرها خلف أذنها وقالت بتوتر:
"ش شكرا"
ابتسمت ترنيم بحنان وقالت:
"مافيش بنوته بتشكر مامتها على حاجه عملتها ليها."
تجمدت رنيم للحظة. ثم سالت دموع جديدة من عينيها.
كانت تلك أول مرة تشعر فعلا بمعنى هذه الكلمة.
رفعت عينيها نحو ترنيم وقالت بندم حقيقي:
أسفه على كل لحظة جرحتك فيها، أسفه أني محستش بوجعك في يوم من الأيام، أسفه على أن كنت شيفاكي واحده أنانيه، وكنتي خاطفه بابا مننا، أنا فعلاً حاسه بيكي دلوقتي، وعرفت قد
أيه اتعذبتي وأنتي بعيده عن بابا."
لم تستطع ترنيم الرد فورا.
فقد كانت تلك الكلمات هي الشيء الذي انتظرته لسنوات طويلة.
سنوات كاملة كانت تحلم خلالها فقط أن تفهمها رنيم. أن تراها كما هي.
أن تعرف أنها لم تكن عدوة يوما.
انفجرت دموعها بغزارة، واقتربت من رنيم تحتضنها بقوة وقالت:
"أنا كنت مستنيه اللحظة دي من زمان أوي يا رنيم، أنا بحبك أوى يا بنتي "
تمسكت رنيم بها بقوة أكبر.
وظلت الاثنتان تبكيان داخل أحضان بعضهما البعض.
بعد مرور عدة شهور....
مرت الأيام ثقيلة على الجميع، لكن وقعها على رنيم كان مختلفا تماما، لم تكن تعيش بالمعنى الحقيقي للحياة، بل كانت تتحرك داخلها كجسد يؤدي واجباته اليومية بينما بقيت روحها عالقة في مكان آخر، في ذلك اليوم الذي اختفى فيه شاهين دون أن يترك خلفه سوى الفراغ، حاولت أن تلهى نفسها بالعمل، أغرقت ساعاتها بين الملفات والاجتماعات والمشروعات، بحثت عنه بكل الطرق الممكنة، استعانت بكل من تستطيع الوصول إليه، فتشت خلف أي خيط قد يقودها إليه أو يمنحها مجرد خير عنه، لكنها كانت تعود في كل مرة خالية الوفاض، ومع كل محاولة فاشلة كانت تشعر أن جزءا جديدًا من قلبها ينهار، أصبحت الدموع رفيقتها الدائمة، تزورها في الصباحقبل أن تغادر منزلها، وتنتظرها في المساء حين تعود إلى وحدتها القاسية.
أما جواهر فقد عادت إلى عملها بالشركة بكل طاقتها، وعادت معها ابتسامتها وحيويتها. كانت تعيش واحدة من أسعد فترات حياتها برفقة جواد، الذي رفض بإصرار أن يترك مصر ويسافر مع والده إلى تركيا. فضل البقاء لإدارة الشركة بنفسه، خاصة بعدما تمسكت جواهر بالبقاء بجوار
والدتها ورنيم. ولم يشأ أن يبعدها عن الأشخاص الذين يحتاجون إليها.
وأروى كانت ما تزال تخوض معركتها الخاصة مع العلاج النفسي خطوة صغيرة تليها خطوة أصغر بينما ظل أحمد يحاول الاقتراب منها بين الحين والآخر، لكنها كانت ترفض جميع
محاولاته بإصرار لا يتغير.
أما غريب وترنيم فقد استقرا في تركيا طوال تلك الفترة، رغم أن ترنيم لم تتوقف عن محاولاتها للعودة إلى أرض الوطن، كانت تشتاق إلى كل شيء تركته خلقها، لكن الظروف كانت أقوى من رغبتها.
أما زين، فقد انتهت محاكمته بالحكم الذي انتظره الجميع الإعدام شنقا على جميع جرائمه.
أما شاهين.....
فكان الغائب الحاضر في حياة الجميع.
منذ ذلك اليوم انقطعت أخباره تماما، وقد قرر أن يطوي صفحته مع العالم كله ويرحل بعيدا عن
كل من عرفوه، لم يترك خلفه أثرا يقود إليه، ولا خيطا واحدا يمكن تتبعه، حاول الكثيرون الوصول إليه أو معرفة مكان وجوده، لكن جميع المحاولات انتهت إلى الفراغ نفسه. لم يكن أحد يعلم أين يعيش الآن ولا كيف يقضى أيامه، ولا إن كان بخير أم لا. بدا وكأنه انسحب من الحياة التي عرفها الجميع واختار أن يختفي في مكان لا تصل إليه الأعين ولا الأسئلة، تاركا خلفه قلوبا معلقة بعودته، تنتظر خيرا واحدا يطمئنها عليه.
واختفت معه إيما وميا وأماليا.
كانت رنيم تجلس خلف مكتبها الخشبي داخل الشركة، شاردة كعادتها خلال الأشهر الأخيرة.
كانت تحدق في نقطة ثابتة أمامها دون أن تراها حقا، غارقة داخل دوامة أفكار لا تنتهي، دخلت جواهر الغرفة وجلست أمامها، وظلت تنظر إليها عدة لحظات قبل أن تزفر بضيق واضح وتقول:
لا بقى ده مش وضع نفسي أدخل عليكي مرة واحده ومتكونيش سرحانه"
رفعت رنيم عينيها إليها ببطء، وكانت الدموع تلمع داخلهما بصورة مؤلمة وقالت: شاهين وحشني أوي يا جواهر، روحي رافضه ترد فيا غير لما تشوفه."
انقبض قلب جواهر وهى تسمعها. كانت تعرف جيدا حجم الحب الذي جمع بينهما منذ البداية وتعرف أن غياب شاهين لم يترك فراغا عاديا، بل اقتلع شيئا أساسيا من داخل رنيم، لذلك قالت بصوت هادئ مليء بالحنان
"أنسي يا رنيم بقى تلاقيه هو كمان نساكي وعايش حياته مع مراته وبناته، ما هو اختفى
واخدهم معاه شوفي حياتك أنتي كمان هو لا أول ولا آخر راجل في الدنيا."
هزت رنيم رأسها بسرعة، وقالت والدموع تنحدر على خديها:
"لا يا جواهر شاهين اول وآخر راجل بالنسبالي، وعمري ما هكون لغيره حتى لو هو عاش حياته ونساني "
شعرت جواهر بعجز كامل امام ذلك القدر من الحب نهضت من مكانها واقتربت منها ثم جديت
رأسها إلى صدرها تحتضنها بحنان وهي تقول:
ربنا يريح قلبك يا حبيبتي "
تمسكت بها رنيم بقوة، بينما استسلمت للبكاء الذي لم يعد يفارقها. ظلت جواهر تربت على ظهرها وتحرك يدها وسط شعرها بصمت تاركة لها مساحة لتفرغ بعضا من ذلك الألم المتراكم داخلها.
في تلك اللحظة قطع الصمت صوت طرقات على الباب.
اعتدلت جواهر في جلستها سريعا وأذنت للطارق بالدخول.
فتحت السكرتيرة الباب وقالت بنبرتها العملية المعتادة:
باشمهندسه رنیم هتحضري اجتماع الشركات علشان المناقصة بتاعة النهاردة؟ ولا هتعتذري ؟"
اجابت رنیم فوزا دون تفكير
"لا لا مش قادره، اعتذري "
لكن جواهر قاطعتها بسرعة:
"متعتذريش أحنا رايحين"
أومات السكرتيرة برأسها وغادرت الغرفة بعد أن أغلقت الباب خلفها.
التفتت رقيم إليها بضيق وقالت:
"أنا مش هقدر أروح، روحي أنتي بقى "
زفرت جواهر بنفاد صبر وقالت :
کفایه بقی یا رنيم الشركه مبقتش زي الأول، تمام مقدرة اللي أنتي فيه، بس الشغل ملهوش
دعوة بكل ده مصلحة الشركه أهم دلوقتي يا رنيم "
ظلت تنظر إليها عدة لحظات قبل أن تزفر هي الأخرى باستسلام، ثم أومأت برأسها قائلة:
"اوك. يلا بينا."
بعد فترة قصيرة كانتا قد وصلنا إلى مقر الاجتماع.
هبطنا من السيارة ودلفنا إلى المبنى الإداري الضخم حيث كانت تعقد المناقصة، وما إن دخلتا القاعة الواسعة حتى بدت الأجواء مشحونة بالتوتر والترقب ممثلو الشركات المختلفة جلسوا حول الطاولة الطويلة، وأمام كل منهم ملفات ومستندات وعروض مالية وفنية، بينما كانت لجنة
المناقصات تتولى مراجعة الأوراق وفتح المظاريف وسط ترکیز شدید.
جلست رنیم بجوار جواهر بلا اهتمام حقيقي بما يحدث من حولها.
كانت حاضرة بجسدها فقط.
أما عقلها وقلبها فكانا في مكان آخر تماما.
بدأ ممثلو الشركات في تقديم عروضهم تباغا، بينما ظلت هي شاردة لا تنتبه إلا قليلا، وعندما جاء دور شركتهم، دفعتها جواهر بلكزة خفيفة وقدمت الملف أمامها.
استجمعت رئیم نفسها بصعوبة وبدأت تشرح العرض المطلوب، لكن كلماتها خرجت بلا روح، بلا شغف، بلا ذلك الحماس الذي كان يميزها دائما كانت تؤدي واجبا لا أكثر، لذلك لم يترك العرض
الأثر المطلوب لدى اللجنة.
ما إن انتهت حتى زفرت جواهر بضيق و همست لها:
"لا شاطره، ضيعتيها مننا، اتفضلي يا اختي امشي "
ابتسمت رنيم بحزن خافت و نهضت معها استعدادًا للمغادرة.
لكن في اللحظة التالية حدث شيء لم يكن في الحسبان.
سمعت اسما جعل الدم يتجمد داخل عروقها.
"شركة الرواي."
توقفت مكانها فجأة، وكأن الزمن كله توقف معها.
شعرت بقلبها يقفز بعنف داخل صدرها حتى كاد يحطم ضلوعها.
بدأت تستدير ببطء وخوف شديد.
الخوف من أن يكون ما سمعته مجرد وهم جديد من أوهام قلبها المرهق. لكنها ما إن استدارت حتى رأت الرجل الذي كانت تبحث عنه منذ شهور.
كان يقف بالقرب من النافذة الزجاجية الضخمة، منتصب القامة بكل تلك الهيبة التي لم تستطع الأيام أن تنتزعها منه يداه معقودتان خلف ظهره، ونظراته متجهة إلى الخارج كان منفصلا عن كل ما يدور داخل القاعة.
ثم نطق أحدهم باسمه. فاستدار ببطء.
وبهدوء قاتل، ورفع عينيه نحو اللجنة.
في تلك اللحظة تجمد كل شيء من حول رنيم تلاشت أصوات الحاضرين التي كانت تملأ القاعة قبل توان، ويهتت الوجوه من حولها حتى لم تعد تميز أحدا منها. لم تعد ترى الطاولة الطويلة ولا أعضاء اللجنة ولا ممثلى الشركات، فقد انحصرت رؤيتها كلها في شخص واحد فقط، ظل قلبها يخفق بعنف وهي تحدق فيه غير مصدقة أن المسافة الطويلة من الفقد والانتظار انتهت فجأة أمام عينيها. كان هو نفسه الوجه الذي رافق أحلامها كل ليلة، والملامح التي حفظتها روحها أكثر مما حفظتها ذاكرتها، والرجل الذي أرهقها الشوق إليه حتى أصبحت الدموع جزءا من أيامها، الآن فقط، بعدما رأته أمامها من جديد، أدركت حجم الفراغ الذي تركه خلفه، وحجم الجنين الذي
كانت تحمله له طوال تلك الشهور.
اتسعت عيناها بعدم تصديق، وتحركت نحوه، بينما كانت الدموع تتجمع داخل عينيها بسرعة مذهلة.
توقفت أمامه أخيرا، وحدقت فيه طويلاً، ثم خرج اسمه من بين شفتيها مرتجفا، محملا بكل
الشوق والألم والحنين الذي عاشته طوال تلك الشهور:
"شاهين"