تحميل رواية اخر نساء العالمين بقلم سهيلة عاشور pdf
بقلم سهيلة عاشور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى مدن الصعيد الجميلة، والتي تمتاز بطيبة شعبها وجمال خضرتها… كان هناك منزل كبير لأحد أعيان هذه البلد. يجلس مع زوجته وعلامات الغضب تظهر على وجهه. مهران بغضب: بقاله أربع سنين متجوز من غير خلفه… ابني الكبير وولي عهدي من بعدي ومش عارف يجبلي حتت عيل. أنوار (زوجته): صبرك بالله يا حج… وهو يونس كان بكيفه؟ ما يمكن مرته اللي فيها حاجة؟ ما هو محدش رايد يسمع مني ويخليهم يروحوا يكشفوا عند الدكتور. مهران بلهجة صعيدية صارمة: كأنك اتخبطي في عقلك… عاوزة ولدي يروح للحكيم يقله شفني أنا معيوب ولا لأ؟ أنوار بهد...
رواية اخر نساء العالمين الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهيلة عاشور
كانت نائمة بعمق تشعر بقلبها يعتصر جسدها بالكامل يؤلمها من الحزن فظنت أنها ستصبح زوجته حقا وتكون سعيدة معه واخيرا حتى على الاقل في غياب ناهد ولكنها لا تمزح مع طفلة فأنها ناهد يا سادة.
تململت بإنزعاج على صوتهم بالأسفل واصوات الزغاريد فمن الواضح ان الخبر أصبح أكيدا، قامت من مكانها بكسل وارتدت ملابسها المكونة من فستان أحمر وحجاب أبيض ووضعت بعض من أحمر الشفاه بلون القهوة واخفت آثار دموعها بمساحيق التجميل وعزمت أمرها أن هذه حياتها وعليها التأقلم لا مزيد من البكاء.
في الأسفل
كان الجميع يجلسون في صالة المنزل مهران ونوارة ومصطفى وناهد ويونس ومعهم أم ناهد أيضاً التي انضمت بحجة أنها سوف تعتني بإبنتها الحامل.
مهران بإبتسامة: ألف مبروك يا ولدي... يجعله خلف صالح إن شاء الله.
نوارة بسعادة حاولت إظهارها ولكنها لازالت تشعر بشيء غريب: مبروك يا يونس... مبروك يا ناهد، احنا لازم ند-بج حاجة لهم.
مصطفى بمرح: سيبوا الموضوع ده عليا أنا... تعالي يا زهرة.
وقف لها حتى تأخذ مكانه وتجلس، فابتسمت له بحب أخوي وألقت التحية عليهم ومن ثم توجهت نحو ناهد التي كانت تجلس بمتعة وكأنها أسرت العالم بين يديها.
زهرة بإبتسامة: ألف مبروك يا ناهد... يتربى في عزكوا يا رب.
ناهد بخبث: الله يبارك فيكي يا ضرتي... عقبالك.
زهرة ببرود: إن شاء الله.
ومن ثم اتجهت وجلست وكان مصطفى يجلس على مقدمة الأريكة بجوارها وكان يتحدث إليها بمرح ويغازلها وهي تضحك بشدة تحاول كتم ضحكاتها ولكن مصطفى مرح للغايه.
مهران بتلاعب: شايفك إنت ومصطفى فاهمين بعض يا زهرة مش كده؟
زهرة ببرائة: مصطفى د-مه خفيف أوي يا عمي... كان بيحكيلي حاجة.
مهران: ربنا يديم المعروف يا بنتي... ها بقا مش ناوين تأكلونا النهارده ولا إيه؟
نوارة بسرعة: يوه متأخذنيش يا حج... الفرحة لهتني.
زهرة بإبتسامة: خليكي إنت يا مرات عمي... أنا هعمل.
ناهد بتمثيل: وحياتك يا زهرة... نفسي هفاني على ممبار، اعمليلي معاكي.
ابتسمت لها ببرود ومن ثم توجهت نحو المطبخ وكل هذا ويونس يراقبها في هدوء... وهي حتى لم تنظر إليه.
في المطبخ
كانت تخرج مكونات الطعام وتجهزها بملل فكانت تطهو دون أي مشاعر... ولكن فاجأها وهو يحضنها من الخلف بحب.
يونس بهيام: أهون عليكي متتكلميش معايا ولا تبصيلي حتى؟
ابتعدت عنه وانحنت تجلب باقي الأشياء، فجذبها إليه بحدة حتى التصقت به: مالك يا زهرة... فيكي إيه؟ إيه اللي بدل حالك كده؟
زهرة بجمود: مفيش حاجة يا ابن عمي... أنا عاوزة أعمل الأكل فيها مشكلة دي؟ ثم أكملت بألم: روح اقعد جمب مراتك الست حامل وعاوزاك معاها.
يونس بغضب: هو إنت ليه محسساني إني اتجوزتها عليكي... ده انت الزوجة الثانية طبيعي إنها تحمل فيه إيه؟
زهرة بإبتسامة: وأنا معترضتش على حاجة... ربنا يهنيكوا وإن شاء الله المولود يجي سليم وبصحة كويسة ويتربى في حضنك وحضنها... مش أنا اللي أتمنى الوحش لحد بس كمان مقدرش أنافق وأرقص وأقول أنا فرحانة.
يونس بألم: أنا آسف إني اتعصبت عليكي... بس أنا والله محتاس ومش عارف أعمل إيه، عاوزك جنبي بلاش تبقي كده يا زهرة دلوقتي بالذات علشان خاطري.
أومأت له في هدوء: حاضر... ممكن توسع عاوزة أطبخ.
يونس بإبتسامة: هتعملي أكل إيه... أكلك امبارح كان تحفة بصراحة أنا مستني أدوق النهارده كمان.
زهرة بإبتسامة صادقة فكيف تخبي حبها عن هذا المعتوه: هعمل رز وقلقاس وفراخ... أصل أنا عارفة عمي مش هيحب جو المكرونات بتاعي قلت أعمله حاجة يحبها.
يونس بفخر: شاطرة يا زهرة... ربنا ما يحرمني منك، أنا هروح مشوار وهاجي بالليل عندك.
زهرة بألم: لا خليك عندها النهارده... احتفلوا مع بعض.
اقترب منها واحتضنها بحب: هاجي عندك... اياكي تنامي هاا لآني هاجي أتغدى وأنزل شغل في الأرض.
زهرة بخوف: بس كده هتتعب أوي.
يونس بحب: هيكون معايا متخافيش... ثم قبلها في خدها وتركها وذهب لأعماله.
في غرفة ناهد
كانت تتحدث مع والدتها بصوت منخفض للغاية، كانت سعيدة للغاية فخورة بفكرتها اللعينة.
ناهد بضحك: شفتي يما... مش قلت لك أهم شايلني من على الأرض شيل وبكرة لما الواد يجي يكتبولي كام حتة أرض وبيت وابني هيورث وساعتها أنا هبقى ست الدار هنا.
فادية بإمتعاض: يا خوفي من اللي جاي... متنسيش إن يونس واعر أوي وكمان ليكي ضرة يعني مش سهلة.
ناهد بسخرية: لو على الضرة فالبت دي هبلة ملهاش في حاجة عيلة صغيرة مش هتعرف تعمل معايا حاجة... ولو على يونس فاهو جه معايا وشاف العسل بنفسه في السونار الدكتور ده مظبط كل حاجة واقنعه بالكلام متخافيش إنت بس وعاوزاكي تهدي أعصابك.
فادية بمكر: بس البت زهرة دي شكلها مالية دماغه جامد... شفتيه قام وراها على المطبخ جري، ما البت حلوة وتملى العين برضه.
ناهد بخبث: سيبيه... بكرة لما ييجي الواد هينسى زهرة واللي جابو زهرة.
فادية بتفكير: طب افرضي البت حملت... أهو لازق فيها مش سايبها ثانية.
ناهد بمكر: ودي تفوتني برضه... أنا هتصرف في الموضوع ده.
أخرجت من جيبها بعض الشرائط وهي تلوح بهم وتضحك بمكر ومعها أمها.
في المطبخ
كانت تعد الطعام وقد شعرت بالتعب فهم عائلة كبيرة وتعد كمية كبيرة بالطبع... فدخلت عليها سمية.
سمية بمرح: صباح الفل يا ستهم... شوفي بقا بعد أكده متبدأيش في الوكل إلا لما أجي مش هسيبك لوحدك مع أم ديل دي.
زهرة بعدم فهم: إيه أم ديل دي؟
سمية بهمس مضحك: ودي فيها كلام... ناهد اللهم ما أحفظنا.
زهرة بضحك: إنت مش طبيعية بجد.
سمية بضحك: يلا روحي إنت غيري هدومك وأنا هحمر الظفر... كفايا عليكي النهارده تعبتي أوي.
أومأت لها زهرة وذهبت نحو غرفتها فمن الأساس تعبت كثيرا اليوم وعليها على الأقل الاستحمام.
في العمل
كان مصطفى ويونس مع بعضهم البعض في إحدى أراضي الزيتون والتي كان يعشقها مصطفى بشدة فكان يهتم بها بنفسه.
مصطفى بسعادة: نقيت أسمن عجلين عندنا وهندبحهم بكرة بأمر الله خلي الناس تدعيلك والعيل يجي زين إن شاء الله... يكون في علمك لو ولد هتسميه على اسمي.
يونس بمرح: ولو بنت أسميها سمية إيه رأيك؟
مصطفى بضيق: حتى إنت يا أخويا... خلاص سمية بقت معيرة ليا.
يونس بجدية: البت زينة وتربية إيدينا من زمان وجدعة وعاوزة تعيش إيه اللي مخليك رافض؟
مصطفى: مفيهاش حاجة تعيب يا أخويا... بس كان نفسي أختار أنا بنفسي بمزاجي إنما سمية وعيت على الدنيا وهي قدامي.
يونس بهدوء: على العموم فكر تاني.
مصطفى: سيبك مني... المهم إنت ناوي على إيه مع زهرة... شكلها مش هتصفالك بالساهل.
يونس بتأكيد: والله معاك حق... قلبها غضبانه عليا أوي... بس أنا هحاول معنديش استعداد أخسرها صراحة.
مصطفى بإبتسامة: الله يهنيك يا أخويا... خلينا نكمل شغل.
في غرفة زهرة
خرجت من المرحاض كانت تلف جسدها برداء الحمام فقط مما أظهر جمالها ونعومتها ولكنها شهقت بشدة عندما وجدت هذه تجلس هكذا أمامها مثل الصنم.
زهرة بشهقة: إنت إيه اللي جابك هنا... إزاي تدخلي من غير إذني أصلا؟
ناهد بغيرة من جمالها: يعني جاية أتأنس بجمالك... أنا جاية أقولك حاجة واحدة بس ابعدي عن جوزي خالص فاهمة اديكي شايفة أوي أنا حامل وهيجي لنا ولد بلاش تكوني سبب في خراب بيكي.
ثانية أو اثنتين وانفجرت زهرة في ضحك حتى أدمعت عينيها.
ناهد برفعة حاجب: إيه؟ كنت بقولك نكتة ولا إيه؟
زهرة بهدوء: أصلك ضحكتيني أوي... بتتكلمي كأني واحدة أعوذ بالله ماشية مع جوزك في الحرام، ده جوزي يا طنط لو مش ملاحظة وزي زيك في البيت ده وهو قالك قبل كده هيعدل بينا، إنت بقا عندك كلام محشور جواكي ممكن تروحي تتكلمي معاه فيه غير كده ملكيش عندي حاجة... اتفضلي بره وتاني مرة متدخليش من غير إذني.
نظرت لها ناهد بمرة فمن الواضح أنها لن تتخلى عنه أبداً وبهذه الطريقة أصبحت مهمتها في السيطرة عليه أصعب ولكنها ناهد يا سادة.
في صالة المنزل
تجمع جميع أفراد العائلة حول مائدة الطعام والتي اعتمدها زهرة لهم وبدأت زهرة وسمية في وضع الطعام واجتمع الكل لتناول الطعام ولكن قبل البدء به قاطعهم أحدهم.
مصطفى بإبتسامة: أبوي... أنا استخرت ربنا النهارده في الجامع لحاجة كده.
مهران بفضول: خير يا ولدي فرحني.
مصطفى: أنا قررت أتزوج يا أبوي.
ما إن أنهى تلك الجملة حتى سمع صوت ارتطام شديد بالأرض فإذا بسمية تقع مغشيا عليها.
الجميع بصراخ: سمية... سمية.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهيلة عاشور
في منزل عائلة يونس
كانت سمية تجلس في شرفة غرفتها، لم يزر عينيها النوم طوال الليل. بدأت معدتها تؤلمها بعدم اطمئنان. لقد آلمها قلبها كثيراً عندما علمت أن والدها راقداً في المستشفى، لا حول له ولا قوة بسببها.
"حقاً يا الله، أن أبي يصارع الموت بسببي؟ أم بسبب أخي العاق؟ أم بسبب ظلم أولاد آدم..."
زفرت بضيق عندما وجدت تلك الأفعى تدلف للغرفة وهي تتغندر، مرتدية ثوباً قصيراً كالعادة من اللون الأحمر القاتم، وتضع الكثير من مستحضرات التجميل. وبالطبع، لن تفوت أي فرصة في أن تثير غضبها.
دلفت ووقفت أمامها وهي تضع يدها على خصرها، وتبتسم بطريقة مثيرة للاشمئزاز. وسمية تناظرها ببرود وهدوء تام. فما بها إذا ظهر الآن؟ ستحرق وجهها وجسدها التي تتباهى به.
ناهد بخبث:
"إيه يا سمية... مالك زعلانة كده ليه؟ ولا هتعملي فيها البنت الصالحة؟ ما أنتِ بعتيهم كلهم علشان الفلوس، ولا ناسيه؟ مش ده كان اختيارك؟ وكنتي بتقولي عليا أنا رخيصة؟ بصي لنفسك، مفيش فرق بينا..."
ثم أكملت بنبرة غليظة يملؤها الحقد:
"إحنا الاتنين اتساوينا يا سمية، شفتي بقى."
لم يرف لها جفن واحد حتى. بل ظلت تنظر لها بنفس البرود. ومن ثم ابتسمت بهدوء:
"أنتِ غلطانة يا ناهد... أنا وأنتِ مش زي بعض. أنا مبعتش جسمي للرجالة علشان شوية فلوس مليش حق فيها، ولا خونت جوزي، ولا عمري حاولت أقتل حد..."
ثم أكملت بعيون قوية وتمثيل:
"عمرك ما سألتي نفسك لو ضاحي أخويا، بعد الشر، حصل له حاجة؟ أنتِ هيبقى مصيرك إيه؟ طب أنا وأخته، ليا حق في الورث أنا وأمي وأبويا، وهما مش هيقبلوا ياخدوا حاجة. فكل ده هيبقى باسمي أنا. عن إذنك، هاخد دش أغسل الزبالة اللي حلت عليَّ وعلى الأوضة..."
ثم أكملت بنبرة خبيثة:
"باي مؤقتاً يا رخيصة."
حديثها وقع على أذنيها وكأنه صاعقة من السماء. فعلى الرغم من دهائها وذكائها، إلا أنها لم تحسب حساب لهذا اليوم الذي يرحل فيه ضاحي عن الدنيا. فسمية لديها كل الحق. فهو حتى الآن يتهرب من فكرة زواجهم بكثير من الحجج.
غضبت كثيراً وغلت الدماء في عروقها، وهي توعد في سرها لسمية. التي أخذت بعض الملابس ودلفت للمرحاض دون أن تعطيها أي اهتمام.
همت ناهد بالذهاب، ولكن لفت نظرها ذلك العقد الذهبي جميل المنظر وغالي الثمن بشدة. فابتسمت بخبث وأخذته وخرجت سريعاً قبل أن تلاحظها سمية.
داخل المرحاض
كانت المياه الساخنة تنهمر فوق جسدها بإنسيابية. وهي تضع يدها في خصلاتها الكثيفة وترجعها للخلف بإرهاق وألم. وتمسد باليد الأخرى على معدتها المنتفخة، تطمئن ولدها في نفسها.
سمية بثقة:
"قربت أوي يا حبيبي... جدو هيقوم بالسلامة وتيتا هتسامحنا."
ثم أكملت بصدق:
"وهنروح لبابا، وحشني أوي. وأنا عارفة إنه وحشك أنت كمان، بس خلاص فات كتير وباقي قليل."
في منزل الإخوة
قد استيقظ مصطفى بفزع بسبب أحد الكوابيس التي كانت تطارده في الوقت القليل الذي خلد فيه للنوم. استغفر ربه واستعاذ من الشيطان، ومن ثم توضأ وأدى فرضه. وقرر صنع كوباً من القهوة، وانتظر أخيه حتى يستيقظ.
كان يجلس على الأريكة في منتصف صالة المنزل الصغيرة، يحتسي قهوته وهو يفكر بزوجته وحبيبته. فحتى الآن لا يقدر على طلاقها. لا يقدر أبداً. على الرغم من طلبها بكل صراحة أنها تريد الطلاق. يحاول دائماً إقناع نفسه أنها لم تختر البعد، هي من تركته في أكثر الأوقات التي كان يحتاج لحبها. أحقاً نسيت حبهم؟ لا يعقل أن تكون هذه هي الفتاة التي عشقتني منذ الصغر.
قاطع شروده يونس، والذي خرج من غرفة الأطفال يحك عنقه بألم. ويبدو عليه الأرق.
قوس مصطفى حاجبيه بتعجب. يرى ماذا كان يفعل هذا هنا؟ في هذا الوقت المبكر.
أطلق صوت الصفير من فمه، فالتفت له يونس وزفر بإزعاج.
مصطفى بتلاعب:
"صباح الخير يا يويو... أنت إيه اللي منيمك في الأوضة دي؟ مش عيب عليك؟ ده السرير قد دراعك، نمت عليه إزاي؟"
يونس بغيظ:
"بقولك إيه، أنا مش ناقصك... وأنت إيه اللي مقعدك؟ هما من إمتى بتصحى بدري؟ ده أنت بعد موضوع إمبارح ده تنام يومين..."
ثم أكمل بضحك مفرط حتى أدمعت عيناه:
"بصراحة، المعلم حسن ده معلم صحيح. شفت كان معلقك إزاي؟ بجد كنت مسخرة."
مصطفى بغيظ:
"ده أنت رخـم بجد..."
ثم أكمل بمرح:
"ما خلاص بقى، وبعدين اتكاترتوا عليا."
يونس بضحك:
"أيوه أيوه."
قاطع حديثهم خروج زهرة، وهي تبتسم بتلاعب ليونس. فهي تعلم أنه غاضب منها كثيراً، ولكنها تقدمت نحوهم بتصنع. ومن ثم ألقت تحية الصباح عليهم. وكالعادة، ابتسامتها تزين وجهها.
مصطفى بتلاعب:
"صباح الزهر يا زهرة."
يونس بغيظ:
"شكلك عاوز تتعلق تاني، صح؟"
زهرة بضحك:
"أنا هروح أحضر الفطار علشان دوب إنزل امتحاني."
هربت من أمامه، فلم تستطع كتمان ضحكاتها أمامه. أما هو، فنظر نحو مصطفى بغيظ وغيره. فمصطفى يعلم مداخله ويعلم الطرق ليثير غيظه.
مصطفى بتلاعب:
"بس متتأخريش برضو. إيه اللي نيمك في أوضة الأطفال؟"
يونس بغيظ:
"صبرك عليا....."
تركه واتجه خلفها وهو يستمع لصوت ضحكاته. فأبتسم وهو يهز رأسه بيأس. فأنه يشعر به ويعلم حق العلم قدر الألم الذي يحمله بداخله. ومع ذلك، أنه لا يظهر هذا أبداً. أخيه الصغير وابنه الروحي يتألم وهو لا يستطيع أن يفعل أي شيء. فقط يجلس في دور المتفرج فقط.
في المطبخ
كانت تُعد طعام الإفطار بالحب كالعادة. وهي تستمع لإحدى التسجيلات الصوتية الخاصة بإحدى بمادة امتحان اليوم. فهذه عادتها، تستمع لتسجيل المحاضرات حتى تستذكر دروسها. ترفع يدها تضع الأطباق. فلفت نظرها خاتم فضي ذو القلب الأحمر. والذي ما إن رأته، ابتسمت وقبلته بحب. فهذا الهدية قريبة لقلبها بشكل لا يوصف. باتت طوال الليل تحتضن يدها بحب.
قاطعها ذلك الذي احتضنها من الخلف، مفاجئاً مما أصابها بالفزع.
زهرة بفزع:
"يونس... إيه اللي بتعمله ده؟ أنت ناسي إن مصطفى موجود معانا؟"
يونس بعبث:
"يعني أنتِ بس اللي تعملي اللي على كيفك ولا إيه؟"
ثم أكمل وهو يمثل طريقتها:
"والله بقا ده اللي عندي."
زهرة بخجل:
"يونس بجد، أوعى. والله هعيط لو دخل علينا وأنت مقرب مني كده."
قدر ذلك، فهو يعلم قدر خجلها، والتي لا تتحكم بها أبداً. ظل ينظر لها بحب، وهي كالعادة تبتسم بخجل.
زهرة بوجنتين محمرتين:
"أنت هتفضل باصص كده؟ يلا علشان متأخرش على الامتحان."
يونس بإيماء:
"ماشي...."
ومن ثم أكمل بغمزة:
"الحساب يجمع بعد الامتحان."
هرولت من أمامه بسرعة للخارج. وهو ظل ينظر في طيفها بهيام كبير، وعلى وجهه ابتسامة جذابة تظهر محاور وجهه.
تجمعوا سوياً على مائدة الإفطار. بعدها ساعدها يونس ومصطفى في وضع الأطباق تحت نظرات العبث والغزل من يونس. وظل مصطفى يشرح لهم ما حدث أمس بطريقته التي جعلت زهرة كادت أن تصرخ من فرط الضحك.
يونس بيأس:
"يا بني، أنا قلت الواد هيجي خايف ومش هيقدر ينزل الحارة تاني... أنت عمال تهزر."
مصطفى بضحك:
"كنت مرعوب والله، قلت لنفسي ده مجنون ويخلص عليا عادي. بس والله الموضوع يضحك، أصلك مشفتش الترلة اللي شغال عنده ده وهو شايلني زي اللي شايل عروسة لعبة."
زهرة بضحك مفرط:
"آه بطني، لا خلاص مش قادرة."
يونس بغيره:
"ضحكتك أوي."
زهرة بعبث:
"أوي يا يونس."
يونس بمرح:
"ماشي، هعديها علشان مبسوطة بس."
أمسكت ذراعه تحتضنه بحركة لا إرادية منها بحب. مما جعل مصطفى ينظر لهم بحب، داعياً في نفسه أن يرزقهم الله أضعاف حبهم لبعضهم، ويعطيهم كل ما هو أفضل.
هبوا واقفين بعدما دَق هاتف زهرة برقم إحدى بنات الحارة، والتي تعرفت عليها من وقت قريب. فهي طالبة معها في نفس الجامعة.
يونس:
"مش أنا قلت لك متصاحبيش حد يا زهرة؟ وأنا هوديكي وأجيبك."
زهرة بإلحاح:
"والله يا يونس، منى دي طيبة خالص. وكمان دي بنت المعلم حسن، وأنت عارفه وعارفهم كلهم. وهي بتحبني أوي والله."
مصطفى بنظرات ذات مغزى:
"خلاص يا يونس، وكده كده المعلم حسن حبيبنا من زمان، وكان أعز صاحب لأبونا الله يرحمه."
كان يحاول أن يثبت أخاه من حالة الخوف والغيرة التي بدأ أن تزيد على يونس كثيراً منذ وفاة والديهم حتى الآن. فهو يخشى أن تمل زهرة من هذه التحكمات المبالغ بها. حيث يريد أن تبقى علاقتهم قوية وسليمة.
أما يونس، بإستسلام لهم، مما جعل زهرة تبتسم بسعادة وهي تتمسك بيده حتى يهبطوا للأسفل سوياً.
في ورشة يونس
قد فتح بابها بمساعدة من مصطفى، وأدخل زهرة. وأنزل لها إحدى الكراسي، ينظفها بإستخدام يده من الأتربة التي كانت تغطيه. ومن ثم أشار لها أن تجلس عليه.
نظرت له بحب كبير، ومن ثم جلست. وأمسكت يده التي نظف بها الكرسي بيديها الاثنتين، وكأنها تضمها. دائماً ما تغمره بطريقتها اللطيفة والمحببة لقلبه.
مصطفى بعبث:
"يا عم الحبيب... هنروح نزور الواد أحمد ولا إيه؟"
نظر له دون أن يترك يدها:
"آه أكيد هنروح.... نخلص بس الشغل وناخد زيارة. نروح أمه، زمانها اتخضت عليه جامد. الله يصبرها."
مصطفى:
"خير إن شاء الله..... الحمد لله إنها عدت على كده. إلا صحيح، هو المعلم حسن كان عاوزك في إيه؟"
يونس:
"وعدني إنه في المناسبـة لو لقاه يستحق بنته، هيجوزهاله.... علشان أنت عارف، هما الاتنين صغيرين. أصل البنت اللي أحمد بيتكلم عنها دي، فاتن الصغيرة عندنا، 15 سنة. صغيرة أوي على الجواز. وأحمد كمان، هو صحيح بميت راجل وجدع، بس برضو صغير."
مصطفى بتأييد:
"معاك حق... إن شاء الله تكون من نصيبه. شكله رايدها في الخير."
قاطعهم فتاة في نفس سن زهرة، بملامح هادئة وبشرة خمرية وملابس محتشمة، مما جعل يونس يطمئن قليلاً. تلوح لزهرة بيدها. فابتسمت لها زهرة.
"دي منى يا يونس... أنا هروح بقا علشان هنتأخر."
يونس بإبتسامة:
"أول ما تخلصي تطمنيني عليكي... لا إله إلا الله."
زهرة:
"محمد رسول الله..."
ومن ثم نظرت لمصطفى بضحك، الذي كان يراقبهم وهو يقوس فمه بطريقة مضحكة:
"يارب مجيش ألاقيك متعلق من رجلك المرة دي."
نظر لها بغيظ ولأخيه، الذي كان يضحك عليهم بشدة.
في منزل عائلة يونس
حيث كان يجلس ضاحي في المكتب الكبير، ويدقق النظر في بعض الأوراق يدرسها بدقة. ولكن قاطع انشغاله دلوف هذه الشمطاء، وهي تحاول أن تُغريه بملابسها الفاضحة وخبرتها.
ناهد بصوت ناعم:
"بقولك إيه يا حبيبي."
ضاحي بعدم تأثير، فقد اعتاد عليها:
"نعم يا روحي."
ناهد بدلال:
"هو أنت هتكتب عليا إمتى؟"
ضاحي بتمثيل الغباء:
"يعني إيه..."
ناهد بدلال أكبر:
"يعني هنتجوز إمتى..."
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهيلة عاشور
استيقظ، تحرك جسدها بكسل، ليقع نظرها عليه وهو يجلس بجوارها ينظر لها نظرات لم تكن واضحة كثيرًا لها، فكان صامتًا شاردًا ويبتسم بخفوت.
أدركت ريقها بتوتر.
"في حاجة يا حسام؟"
"كنت مستنيكي تصحي... النهاردة أنا عازمك بره، عاوز نقضي اليوم كله مع بعضه."
بسعادة: "بجد يا حسام! .... بس إيه المناسبة؟"
"إني عاوز كده... وكمان أنا إجازة، ولا نسيتي؟ ودي مش بتحصل كتير."
بضحكة خافتة: "صح... هلبس بسرعة."
هرولت سريعا تأخذ ملابس من دولابها، ودلفت للمرحاض لكي ترتدي سريعا.
فمثل هذه الفتاة لم تلقَ الاهتمام أو الحب من أي شخص بعد وفاة والدتها، وهي لم تجد سوى بطش والدها وقسوته. فبالنسبة إليها، حسام مخزون الحب والأمان، حتى لو لم يعترف بهذا.
***
في ورشة الميكانيكا.
كان يونس يُصلح إحدى السيارات والتي طال تصليحها، فأستمر لساعات. وكان مصطفى يرتب بعض المعدات. طلب منه يونس صُنع كوبين من الشاي.
أما له بهدوء. وبعد غليان المياه وعند سكبها في الأكواب، بدلًا من سكب الماء في الأكواب، سكبها على يده. فصرخ من الألم، مما جعل يونس ينتفض من أسفل السيارة ويركض نحوه.
"في إيه يا مصطفى.... وريني إيدك."
بتمثيل القوة: "مفيش حاجة يا يونس... روح كمل الشغل."
جذب يونس يده بحِدة وفزع عندما وجد يده معظمها أصابها الاحمرار. نظر له بعتاب وزفر بضيق، ومن ثم جلب علبة الإسعافات الأولية وجلب منها إحدى المراهم الطبية المخصصة للحروق ودهنها على يده برفق. ومن ثم أجلسه وجذب إحدى الكراسي وجلس بحواره ونظر له بنفاد صبر وقد عزم أمره على إفاقته من هذه التيهة التي هو بها.
"وبعدين معاك يا مصطفى.... هتفضل نايم كده كتير؟"
"معلش، هبقى آخد بالي بعد كده."
"مقصديش إيدك، أقصدك إنت.... ثم أكمل بحزن: وحشتك؟"
بتوتر: "هي إيه دي اللي وحشتني؟"
"سمية."
بتصنع: "أنا شيلتها من حياتي خلاص... متفتحش الموضوع ده يا يونس."
بسخرية: "والله شيلتها من حياتك.... بتكذب يا مصطفى، إنت لو كذبت على الدنيا كلها، حتى لو كذبت نفسك، عمرك ما هتعرف تخبي أو تكذب على يونس. دا إنت ابني مش أخويا.... ثم أكمل بعقلانية: مش عيب إن الواحد يزعل على مراته وأم ابنه، مهما كان اللي حصل، وخصوصًا إنها حب حياتك. اللي عملته سمية دي مش حاجة بسيطة، بس على رأي زهرة، سمية دي تربيتنا وطول عمرها بتحبنا كلنا وواقفة معانا. أكيد الموضوع ده فيه حاجة، بس حتى لو كده، إنت لازم تجمد وتفوق لنفسك شوية. إحنا دلوقتي لازم نشتغل ونقوي بعض، ونقوى ببعض عشان نعرف نرجع حقنا ونريح أبونا وأمنا في تربيتهم، لكن اللي إنت بتعمله دا هيحل إيه؟"
بضيق وحزن: "مكنش في سبب يخليها تعمل كده يا يونس.... أنا عملت كل حاجة عشان أسعدها، وإنت شاهد على كده، ومكنتش مخليها محتاجة حاجة. صحيح مش زي المستوى اللي كنا عايشين فيه، ولكن كنا مرتاحين ومش ناقصنا حاجة. مكنتش مجوعها ولا مخليها بتشحت يعني عشان تسيبني في الظروف اللي إحنا فيها دي. ياريتها كانت راحت لأمها وأبوها، مكنتش هزعل كده، بس دي راحت للكلب اللي اسمه ضاحي، راحت اترمت في حضن عدونا يا يونس.... قفل على السيرة دي بقى، ولو خلصت خلينا نروح نزور الواد أحمد، وحشني وقلقان عليه، واهو بالمرة نفرحه بالكلام اللي قاله ليك المعلم حسن، هيفرح أوي."
نظر له يونس بحزن، فلديه كل الحق. مجرد فكرة أن التخيل أن تتركه زهره مثلما فعلت سمية، تغلي الد-ماء في عروقه ويتوقف عقله عن التفكير وتتصلب روحه.
"آه يا أخي، إن لديك قلب كبير ليكون بك كل هذا الهم والغم، وتضحك وتمرح معنا، بل وإنك تحمل همنا وتركز على سعادتنا وفرحنا...."
نظر له بحب وابتسم بحنان وهو يربت على كتفه: "حاضر، هخلص العربية دي وأغير ونروح... قوم إنت غير ودخل العدة لحد ما أخلص."
أومأ له في هدوء وذهب ليفعل ما أومأ عليه أخاه.
***
في قصر عائلة يونس.
عندما طلبت منه هذا الطلب، صُوّر له أمامه أنه يسفك د-ما-ء-ها الرخيصة ويتخلص منها، ولكن ابتسم ابتسامة ماكرة وخبيرة وهو يحرك يديه الغليظتين على جسدها بخشونة يعلم أنها تحبها. وظل ينظر لها من أعلاها لأسفلها نظرات شهوانية. هذه المعتوهة تعتقد أنها نظرات حب وإعجاب وما شابه.
بتلاعب: "لي بس يا حلوة... هو إحنا ناقصين جواز؟ ما إحنا متجوزين من زمان."
بدلال: "منتى عارف يا حبيبي إن الورقة العرفي اللي إحنا كاتبينها دي ملهاش لازمة ولا بتودي ولا بتجيب، دي مجرد ورقة بنحلل بيها علاقتنا مع بعض. أنا عاوزة أبقى مراتك قدام الناس كلها عشان يبقى ليا حق فيك، بدل ما أنا عاملة زي اللي ماسكة في حبال دايبة كده."
بعبث: "هو إنت مش واثقة فيا يا نونة ولا إيه... دا أنا ضاحي يا بت، ولا نسيتي؟ أنا الحب كله يا حب إنت."
بضحكة رقيقه ودلال: "واثقة وفاكرة طبعًا كل حاجة... بس برضه عاوزة نفضل مع بعض على طول، وبعدين منتى جربتيني سنين وعارف إن لو الدنيا كلها اتخلت عنك، أنا أبيع الدنيا كلها عشانك. ولا ناسي منا اللي بعتهم زمان عشانك؟"
بهدوء ولا زالت ابتسامته الخبيثة على وجهه: "خلاص يا حبيبتي، زي ما تحبي نتجوز... بس إنت دلوقتي هربانة من حكم، ولا نسيتي؟ نخلص مدة الحكم بتاعتك وأنا كمان أخلص كام عملية فاضلة ليا، وبعدها نتجوز.... ثم أكمل بمكر: وإنتي طبعًا هتساعديني زي ما أنا ساعدتك، ولا إيه؟"
ابتسمت بانتصار ظنًا منها أنها الآن حققت مرادها وسوف تتبختر أمام أي أحد يشكك في قدرتها أو شرفها. لا تعلم أن الشرف يضيع مع أول قطرة مياه توضع عليه، ولا تعلم أيضًا ماذا ينتظرها.
قالت بسعادة وغمزة: "إمتى عاوزني؟"
بمكر: "اجهزي دلوقتي، هتروحي أول مشوار... وطبعًا إنتي عارفة هتعملي إيه."
ضحكت بصخب ومن ثم تحدثت بغنج ودلال: "عارفة يا نن عيني."
ومن ثم انقضت على شفتيه دون حياء تقبله بنهم، ومن ثم هبت من على قدميه تسير بدلال نحو الخارج قائلة: "هروح أجهز يا بيبي عشان متأخرش، هتوحشني لحد ما أجي."
بتصنع: "وإنتي كمان يا نونة...."
اختفت من أمامه، فزفر بضيق وهو يمسح شفتيه بتقزز قائلًا بسخرية وصوت منخفض: "قال اتجوزها قال.... يعني اللي بعت جوزها وولي نعمها اللي لمها من الشوارع وعملها هانم، مش هتبيعني أنا؟"
***
كانوا يجلسون على إحدى الطاولات الصغيرة بجانب إحدى العربات المتنقلة لصنع المأكولات المصرية الشعبية، وهي الفول والفلافل. كانت تضحك وتأكل بسعادة وهو يطالعها بتأمل. كانت ترتدي ملابس رياضية باللون الأسود وحجاب من نفس اللون، وهو يشاركها نفس الشيء.
بابتسامة: "إيه هتفضل باصصلي كده؟ من الصبح وإنت بتبصلي بصات غريبة، مش ملاحظ إنك من الصبح مركز معايا زيادة؟"
بغمزة: "يعني ورايا إيه غيرك أركز معاه.... حاول تغيير الحديث حتى لا يخجلها: بس مكنتش أعرف إنك هتبقي مبسوطة لما آكلك على عربية فول، بس خلي بالك دا مش أي فول، دا فول عمك مدني، راجل من العصور الوسطى ما شاء الله، عمره سنة، أنا ما خدتهاش في المدرسة ولا في الشرطة."
ضحكت بصخب حتى أدمعت عينيها وهو يتابعها بشعور جديد نوعًا ما عليه، ولكن لم يهتم، فهو سعيد وهذا ما يهم.
قاطع لحظتهم رجل كبير السن ونحيل كثيرًا يمشي محني الظهر، وابتسم لهم فظهرت أسنانه الغير موجودة، حيث كان فاقدًا لمعظم أسنانه، وكان الكلام منه غير مفهوم بسبب هذا.
بحديث لم تفهمه هبة، ولكن حسام بالطبع يعلمه: "نورتنا يا باشا، كل دا تغيب عننا.... موحشكش عم مدني؟"
بحب وهو يأخذ منه أكواب الشاي: "والله وحشني وأكلك وحشني وضحكتك الحلوة دي وحشاني خالص..... إيه أخبار الجماعة عندك؟"
بحب: "عايشين من خيرك وعلى حسك يا بني، ربنا ما يحرمني منك..... أنا لو حصلي حاجة، هبقى مطمن إني سايب ليهم راجل. لو كان عندي ولد ما كنتش هحبه وأأمنه كده والله."
هب حسام واقفًا وأخذه بين أحضانه بحب صادق، وفرق الجسد والطول بينهم واضح جدًا. ظل يربت على ظهره بهدوء والرجل مستكين بين أحضانه براحة وكأنه ولده حقًا، وكان غائبًا عنه ووجده.
بمرح: "إيه يا مدني هتلقبها نكد ولا إيه... وبعدين أنا كنت بقول الجماعة عاملين إيه، أقصد عاملين غداء إيه، وحشني أكل الست أم سلوى، وحشني الشاي بتاع سلوى، وعرفته البت الصغيرة خديجة دي مشكلة."
بضحك: "بس كده، دا إنت تشرف وتأنس. هيفرحوا بيك أوي وخصوصًا لما يعرفوا إنك اتجوزت. دي الحاجة أم سلوى كانت لسه بتقلي ندورلك على عروسة."
بمرح وهو ينظر نحو هبة: "وهي الجوازة هتدوم طالما إنت دخلت فيها يا مدني، هتبوظ."
ضحك العجوز من قلبه وهو يربت على ظهر حسام بحب: "ربنا يخليهم لبعض يا بني... ويجعلها فتحة خير عليك يا رب.... يلا اقعد مع مراتك ولما تعوز حاجة ناديلي وأنا هكلم أم سلوى دلوقتي تعمل حسابها."
رجع حسام يجلس مكانه، وكل هذا وهبة تتابع ما يحدث بحب وتعجب من شخصيته التي تحمل الكثير هي لا تعلمه، ومن الأساس لا يظهر عليه.
بابتسامة: "إيه مالك؟"
"مستغرباك."
وهو يحتسي الشاي: "لي مالي؟"
بصراحة: "يعني الظباط بالعادي بيبقوا صعبين أوي.... وكمان بصراحة مش بيبان عليك إنك ما شاء الله محبوب كده. إنت عرفت الناس دي كلها إزاي؟ طول ما إحنا ماشيين والناس تجري عليك تسلم وباين عليهم الحب مش مصالح يعني."
بابتسامة أذابت قلبها: "بصي يا هبة.... أنا كنت ظابط مجتهد، يعني زي ما تقولي كده مكنتش محتاج ناس مش تمام عشان أعرف أكمل وأخد شهرة ورتب، يعني أنا طبعي كده. كنت بحب أخلص شغل وأنزل وسط الناس، نقعد ونتكلم، واللي محتاج حاجة جوه الشغل وبره الشغل، أنا رقبتي سدادة، طبعًا طول ما الحاجة دي حاجة في اليمين ولله ومش حاجة غلط أو حرام.... بس من وقتها بقى وأنا لقيت نفسي بعرف ناس كتير ومحبوب منهم، ودي طبعًا نعمة من ربنا. بس عم مدني غالي عليا أنا بشكل خاص شوية، من أول ما شافني وهو مكنش يعرف إني في كلية الشرطة ولا أي حاجة..... ثم أكمل بضحك: سألني إنت سبت أهلك وبتعمل إيه هنا وكده، فا كنت بهزر معاه، قلتله أنا في كلية فنون جميلة، إنت مش فاهمه كان فرحان إزاي؟ بيقولي أنا من زمان نفسي أشوف حد في الكلية دي عشان بنتي عاوزة تدخلها وعاوز أعرف بيطلعوا منها إيه ولا بيعملوا إيه، وقعدت أشرحله عن الكلية وكام مبسوط أوي وكلم بنته وقالها إنه موافق إنها تدخلها.... إنت مش متخيلة يا هبة وهو بيقولها أبوكي في ضهرك يا سلوى، اللي إنتي عاوزاه يا حبيبتي، المهم تكوني مبسوطة. الراجل دا جميل وبسيط بشكل لدرجة إنه يدخل قلبك بجد من غير حاجة، وكنت كل ما أجي عنده ميرضاش ياخد مني فلوس، وبعدها قلتله إني في كلية الشرطة وإني كنت بهزر معاه، بس لما لقيته فرحان مرضتش أكسر فرحته. اتفهم جدًا.... وأنا كنت ساكن في الشارع ده وقتها وبقيت بساعده كتير لما الحي ييجي يشيل العربية، ومثلاً في تقديم كلية ولاده وكده، كنت بحسه طيب وفيه حنية كده زي بابا، ومراته ست مفيش حد في طيبتها، هتحبيها أوي يا هبة..... أنا هقوم أساعده عشان نخلص ونروح. أكل أم سلوى وحشني."
هب من مكانه وهو يرتشف آخر محتويات كوب الشاي وحمل باقي طعامهم وتوجه ليغسل الأطباق ويقدم الطلبات مع العم مدني، وهو يقدمه للناس بفخر أن هذا الشاب الصالح مثل ولده، وحسام يقول بصدق وهو يقبل رأسه أن هذا لشرف كبير له.
وهبة تتابع هذا بتعجب وحب كبير لهذا الحسام، فهي مع كل دقيقة معه تتيقن تمامًا أنها باتت تحبه. لطالما حاولت أن تتهرب من هذا الإحساس بسبب وسواسها أنه فقط أشفق عليها وساعدها مثلها مثل هؤلاء الناس ولا تفرق عنهم شيء، ولكن قلبها يأبى هذا ويؤكد لها كم يحبه ويريده ويرتاح تمامًا في وجوده.
يضع الأطباق أمام الناس وينظر لها ويبتسم ويغمز لها بتسلية، لتضحك من قلبها بسعادة.
***
وسط سوق الحارة.
كان مصطفى وكالعادة يتأفف من حمل المشتريات ويونس يهز رأسه بملل منه، وهم يسيرون في اتجاه منزل أحمد.
بنبرة طفولية: "أنا تعبت يا يونس... كفايا كده، إنت جيت السوق كله؟ دي زيارة ولا معونة الشتاء؟"
بنظرة حادة: "اتلم يا مصطفى، هو إنت عيل صغير..... وبعدين دا أقل واجب، الواد تعبان وهيفضل مدة في البيت، لازم نعمل الواجب."
بتأييد: "ماشي، معاك حق... بس أنا تعبت يا عم، كفايا بقى."
بزفر: "حاضر، امشي انجر قدامي..."
ساروا سويًا في اتجاه منزل أحمد، والذي كان منزلًا بسيطًا ويبدو عليه القدم. دلفوا لمدخل المنزل المتهالك ومن ثم وقفوا أمام الباب الصغير يدفعون عليه بخفة، لتمر عليهم دقائق وتفتح لهم الباب سيدة ليست بالكبيرة كثيرًا في العمر، ويبدو عليها ملامح الطيبة، فابتسمت لهم بحب تأذن لهم بالدخول.
دخلوا وهم يحنون رؤوسهم باحترام ويسيرون خلفها نحو الغرفة التي بها أحمد. وضعوا المشتريات جانبًا ونظروا له ليجدوه يغطي نفسه بغطاء سميك ويغلق عينيه بإرهاق ويبدو عليه الاعياء.
"لي كده يا بني تتعبوا نفسكم.... خيركم سابق ومغرقنا."
باحترام: "دا خير أحمد يا حجة... من أول ما اشتغل معايا وهو راجل وسداد وأصيل، دا خيره وشغله."
بصدق: "الورشة من غيره وحشة... يريح كده ويرجع ينورها وسطنا."
بحب: "يارب يا بني... ربنا يسمع منك لأحسن دا واجع قلبي عليه، كان لازمته الحب والبهدلة اللي جاتلنا من تحت راس الحب. قلتله ياما يا بني مسمعش كلامي."
قاطعها صوت السعال القوي من ابنها وهو يقول بملل: "وبعدين معاكي يما بقى.... روحي اعملي للمعلمين حاجة يشربوها."
نظرت له بيأس ومن ثم ضربت كفًا على كف وهي تسير نحو المطبخ، وهم يلاحظون هذا بحزن عليه.
بمرح: "إيه يا عم أحمد.... إنت ناوي تريح في البيت ولا إيه؟"
بسعال وهو يبتسم: "يومين بس الحكة تهدى وأنا هنزل على طول.... ثم أكمل بعبوس: أنا مبحبش قعدة البيت دي أصلًا، بزهق وكمان أمي مستلماني بقى."
بتفهم: "أمك وخايفة عليك، وما حقها... ثم إني عندي ليك خبر هيفرحك."
نظر له أحمد بترقب، ومن ثم أخبره يونس بوعد المعلم حسن له، مما جعل أحمد يقفز من سريره وهو يصرخ فرحًا، وكان مصطفى ويونس ينظرون له بصدمة، أهذا ما كان راقدًا نائمًا أمامنا الآن؟
بسعادة وهو يحتضن يونس بحب: "ربنا يخليك ليا يا معلم.... ربنا يخليك، مش عارف أقولك إيه."
بمرح: "طب وأنا اللي اتعلقت عشان خاطرك، مفيش حاجة ليا ولا إيه؟"
احتضنه هو الآخر بحب وجلسوا معه قليلًا يحتسون الشاي ويضحكون سويًا، ومن ثم استأذنوا بأدب بعدما وعدهم أحمد أن يصون تلك الفتاة ويعمل جاهدًا من أجل أن يتمم زواجه بها.
يسيرون في الشارع في اتجاه الورشة من جديد، فقرر يونس أن يتصل بزهره، ولكن عندما ردت كان يبدو عليها التوتر الشديد.
بقلق: "زهره حبيبتي، في حاجة؟"
بتوتر: "لا لا يا يونس، متقلقش، أنا خلصت وجاية أهو... يلا سلام."
ولكن قبل أن تغلق سمع صوت غليظ قريب منها يقول: "فكرك أنا هسيبك.... إنت النهاردة بتاعتي. غلبتيني معاكي بس تستاهلي، زي القمر، يخربيتك."
رواية اخر نساء العالمين الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهيلة عاشور
عندما سمع كلمات هذا الصوت الخشن، غلت د-ماؤه. لوهلة شعر بدوار في رأسه وستارة سوداء غشت على عينيه فجعلته أعمى تمامًا ولا ينطق. وقف صامتًا لبضعة دقائق، ومن ثم أفاق على حاله وركض سريعًا خارج هذا الشارع ليصل للسارع الرئيسي لهذا الحي. مصطفى خلفه يحاول أن يفهم منه ماذا يحدث، ولكن بالطبع هو لا يعطيه فرصة.
مصطفى بقلق: يا بني قلي في إيه... ما تنطق يا يونس علشان نتصرف.
يونس بخوف وغضب: سمعت صوت واحد... زهرة كانت خايفة. أنا حاسس بيها، زهرة خايفة يا مصطفى.
صرخ في آخر كلماته بطريقة مخيفة، مما جعل مصطفى يزدرق ريقه بتوتر وهو يهز رأسه بهدوء. ومن ثم ركض يونس نحو سيارة المعلم حسن، والذي كان يصفها أمام الورشة حيث انتهى من إصلاحها. وخلفه مصطفى، والذي أتى في باله سريعا أن يهاتف حسام لأنه يعلم حق العلم أنه لن يستطيع السيطرة على يونس، وخصوصًا أنه غاضب بشدة وقد عمت عينيه ولن يرى أي أحد سواها الآن. انطلق يونس بسرعة جنونية نحو جامعة زهرة. حاول مصطفى أن يهدئه، ولكن لا فائدة بالطبع.
في منزل بسيط وصغير، كان يجلس هبة وحسام مع عائلة العم مدني وهم يحتسون الشاي بعد تناول الطعام ويضحكون بشدة. وقد لاحظت هبة الألفة معهم وكم يحبونه ويريدونه وكأنه أحد أفراد هذه العائلة.
العم مدنى بضحك: الله يحفظك يا بني... طول عمرك د-مك خفيف.
حسام بمرح: قولها يا عم مدني... على الله ننول الرضا بس.
هبه بخجل: وأنا كنت قلت إيه بس...
أم سلوى وقد وكزته بخفة: بس يا واد متكسفهاش يا أمي... بس بسم الله ما شاء الله يا حسام عرفت تنقي يا حبيبي زي القمر وشكلها طيبة وبنت حلال ربنا يخلف عليكم بالصالح يا رب.
نظر لها بابتسامة حلوة وهو يتمنى من الله أن تكون خيرا له، فلا ينكر أبدا أنها مختلفة تماما عن كل ما عرفهم في الصعيد أو المدينة. هي دائما كانت مختلفة، هادئة ولطيفة، ذات قلب رقيق للغاية، وأيضا راضية تماما. كما أنها جميلة بطريقة تجعل قلبه يرتاح عندما يراها أمامه، وهذا ما كان يبحث عنه.
قاطع شروده سلوى، والتي كانت تتحدث بحماس عن مشروع التخرج خاصتها.
سلوى بحماس: ها إيه رأيك يا أبيه... هيبقى كويس.
حسام بحب أخوي: أي حاجة سلوى بتعملها حلوة... إنت عارفة أنا بثق في رأيك.
تدخلت خديجة تتحدث بمرح: يا سلام يا أبيه طب وخديجة ملهاش من الحب جانب خالص.
حسام بضحك: دا إنت الحب كله... طول عمرك لسانك عايز قطعه.
مدنى بضحك: إنت بتقول فيها... غلبنا فيها يا بني والله بس هنقول إيه. هي كده.
ابتسم بحب لمدني، ومن ثم مال برأسه على هبه التي كانت تجلس بجواره وقال بعبث: غيرانة يا بيبه.
هبه بتلعثم فقد لاحظ نظرات الغيرة في عينيها التي كانت تتابعه وهو يتحدث إليهم: لا هغير ليه.
عدل من وضعه وهو يبتسم بتلاعب، ومن ثم أمسك يدها ووقفوا سويا وقال بحب صادق: والله قعدتكم مش بعرف أشبع منها... بس لازم أروح. مفيش هنا شبكة وزمان يونس قالب الدنيا علينا.
أم سلوى: بس هتيجي تاني... مش هتغيب علينا يا حسام.
حسام بابتسامة: مقدرش. توجه للفتيات وهو يتحدث بصدق: أي حاجة تعوزوها تتصلوا عليا، مش لازم أنا اللي أتصل وأسأل يعني ولا إيه.
أومأوا له براحة. فهذا الشاب دائما ما يشعرهم أن لديهم سند في هذه الحياة، لطالما كان حنونًا، متفهما، ومرحا، ومحبا لهذه العائلة البسيطة، ويقدم الكثير والكثير وهم لا يستطيعون توفية هذا، ولكنهم سعداء. وبعد وداع طال قليلا، وأخيرا يسيرون بجانب بعضهم في الشارع متجهين للمنزل. نظر لها بتلاعب وهو يعبث بيدها التي لا يزال يمسك بها بقوة.
حسام بغمزة: مش غيرانة ها.
هبه بإحراج: خلاص بقى... إنت ما بتصدق بجد.
حسام بضحك: بصراحة آه.
هبه بفضول: حسام... هو أنا ممكن أسألك سؤال.
انحنى نحوها وهو يضرب مقدم رأسه في مقدمة رأسها بطريقة لطيفة: ممكن أوي.
شعرت بالخجل من قربه، فهذا اليوم قد غير كثيرا وكُسرت الكثير من الحواجز بينهم. ثم قالت بتوتر: هو إنت مكمل معايا ليه.
حسام بصدمة لم يتوقع أبدا هذا السؤال: يعني إيه.
هبه بتلعثم: يعني ليه إحنا لحد دلوقتي متجوزين... ثم أكملت بإحراج: مع إنه يعني محصلش بينا حاجة ولا في سبب يخلينا نكمل... ليه مكمل.
أخذ نفسا عميقا وهو ينظر بتدقيق: علشان....
قاطعه رنين الهاتف. فزفرت هي بضيق: أيوه يا مصطفى.
حسام بقلق: طب اهدى... إنتو فين دلوقتي أنا جاي حالا. أهم حاجة أوعى تخليه يأذي حد أنا جايه.
بـه بقلق: في إيه يا حسام.
أمسكها حسام وهو يركض في اتجاه المنزل: زهرة معاها مشكلة في الجامعة وواضح إن يونس مش هيعديها على خير..... اطلعي فوق يا هبه ومتروحيش في حتة ولا تفتحي لحد ما أجي فاهمة.
هزت رأسها له وهي في صدمة وخوف أن يصيب أحد مكروه. أما حسام فأستقل سيارته وذهب سريعا نحو مكانهم.
في الجامعة.
كانت زهرة تسير بجوار منى متجهين نحو الباب الرئيسي حيث انتهوا من أداء الامتحان ويهمون بالرحيل. ولكن قاطعهم صوت أحد زملائهم وهو يسير خلفهم ويقصد زهرة بالحديث.
الشاب: إيه القمر دا... استني إنت مين أنا أول مرة أشوفك إزاي البطل دا معداش عليا قبل كده.
تلعثمت زهرة في خطواتها، وخصوصا أنه كان يحوم حولها ويحاول إيقافها. سحبتها منى وسارت من جهة أخرى، ولكنه ذهب أيضا ووقف أمامهم وهو ينظر لزهرة نظرة شهوانية مريضة.
منى بقوة (فمن صفاتها أنها جريئة للغاية ولا تهاب أحد): غور يلا من هنا... وإلا هروح لمكتب العميد وهتزعل أوي.
الشاب بضحك: إيه بس يا شبح براحه علينا وبعدين أنا مجتش ناحيتك.... أنا عاوز القمر التركي دي تعالي بس نتعرف اديني فرصة دا أنا هعجبك أوي... قال آخر كلماته بغمزة بطريقة غير لائقة وهو لازال يمشط جسدها بعينيه.
منى بغضب وصوت عالي: أقسم بالله العلي العظيم... لو مغورتش في داهية دلوقتي لأخلي اليوم دا أسود يوم في عمرك. إنت متعرفنيش ولا تعرف اللي ورايا ممكن يعملوا فيك، يا عم الطري. انتقلت آخر حديثها بسخرية وهي تقف بثبات تنظر له باشمئزاز وكره.
أثارت غضبه فإذا به يمسك زهرة من معصمها بقوة وهو يجذبها خلفه. ومنى تحاول جذبها وزهرة بدأت تصرخ بضعف.
منى بصراخ: إنت مجنون... إزاي تمسكها كده... سيبها حالا سيبها بقلك.
الشاب بتلذذ: لا بتاعتي النهارده.... أوعى من وشي بقى دا إنت صدا.
علم يمشي خطوة أخرى حيث وجد لكمة قوية تقابل وجهه، فإذا به ملقى على الأرض يتأوه بألم.
يونس بغضب: إيه... إنت من أولها وقعت على الأرض. لا اجمد كده أنا لسه بسخن.
ارتسمت زهرة بين أحضانه وهي تبكي بقوة وتتشبث به بضعف. أما هو فأغلق عينيه لثواني معدودة يتشم رائحتها ويضمها إليه ليقنع نفسه أنها موجودة، وأن الله حفظها له من جديد. ولكنه بعدها عنه برفق لتأخذه منى، والتي ابتعدت بها قليلا وهي تربت على كتفها بحنان. أما يونس فتقدم بسرعة وأخذ الشاب من مصطفى، الذي كان يمسكه حتى لا يهرب، فحاول مصطفى أن يبعده عنهم.
مصطفى بحديث ذي مغزى: مش هينفع هنا يا يونس... كده هتجيب لنا مصيبة. بلاش علشان خاطري علشان خاطر زهرة إنت مش شايف حالتها عاملة إزاي.
زفر بضيق وهو يغلق عينيه بقوة ويكور يده بغضب. وابتعد عنه بعدما أقنع نفسه بصعوبة أنه لا يريد أن تهابه.
الشاب بغضب وهو بين يدي مصطفى: منتي حلوة وبتتحضني أهو عادي ولا هي جات عليا... وعملالي فيها ستنا شيخ.
سمع أحدكم بركان ين-فجر الآن. في أقل من الثانية كان يونس يعتليه على الأرض وهو يلقنه اللكمات والضربات ويقول له أبشع الألفاظ في أذنه، والشاب يصرخ بألم ويطالب بالنجدة. وقد احتشد جميع من في الحرم الجامعي، منهم من يراقب بصدمة مما يحدث، ومنهم من اقترب ويحاول فكاك هذا الشجار، وبالطبع مصطفى الذي كان يحاول أن يجذبه، ولكن فارق القوة بينهم لم يساعد. ولكن مع قدوم حسام راكضا وبكل قوته هو ومصطفى حملوه للخلف من على الشاب، والذي وإن تركوه قليلا لكان أصبح جثة هامدة.
حسام بحدة: يونس.... اهدى حقك هيجيلك بس اهدي أبوس إيدك.
يونس بغضب جامح: سيبني يا حسام..... خليني أخلص عليه سيبني.
مصطفى بقلق: أبوس إيدك خلاص بقى.
قاطعهم صوت جهوري ويسير خلفه الكثير من أمن الجامعة: إيه اللي بيحصل هما بالظبط. إنتو مفكرين نفسكوا في الشارع. دا حرم جامعي محترم.
يونس بغضب: محترم... محترم إيه يا راجل...
كان سيكمل ولكن وضع مصطفى يده على فمه بقوة وهو متسع العينين: هوس هوس... رايح فين دا عميد الجامعة يخربيتك.
نظر حسام في اتجاه يونس بحدة، ومن ثم تقدم بثبات في اتجاه المعيد وهو يعطيه الكارت الخاص به ليزدرق الرجل ريقه بخوف: تحت أمرك يا حسام..... اتفضلوا معايا في المكتب إن شاء الله سوء تفاهم بسيط وهنحله يعني.
سار يونس بعد إلحاح من حسام، والذي لم يهدأ أنشٍ واحد منه، ومعه الباقي نحو مكتب عميد الجامعة.
في قصر عائلة يونس.
كانت سمية تفكر في آخر خطوات تحقيق هدفها شارده بما تخطط له. وخطر ببالها أبـهذه الطريقة تظلم أخيها الوحيد. إنها تنفر من من وصفه بهذه الكلمة، ولكنها الحقيقة والتي لا يمكن أن تهرب منها أبدا. ولكنها عزمت أمرها وجلبت ملابس الصلاة خاصتها وأدت صلاتها تناجي ربها أن يعاونها حتى تعود لهم الحياة من جديد. انتهت وهي تجفف دموعها عندما تذكرت زوجها وحبيب روحها، فقد اشتاقت له كثيرا. هبطت للأسفل تتحرك بثبات وهدوء واتجهت نحو المكتب الذي يقنط به، والذي كان يجلس به بالساعات، فكان في الأساس خاصا بيونس. ولكن قبل أن تدلف، جذب عينيها شيء ما أمامها يقوم بفرده على طبق معدني صغير ومعه قطعة من الزجاج. لا تستطيع التدقيق لمعرفة ما هذا الشيء، ولكنه كان تراب أبيض وكثيف. قرب أنفه منه يتشمه بنهم، وقد لاحظت ارتخائه بعدما انتهى منها، فأرجعت جسدها لأهل براحة وهو يخرج هاتفه على إحدى الصور الخاصة بزهره، وقد رأتها سمية في انعكاس المرآة الصغيرة. فعلمت أنها زهرة على الفور، فطالما كانت زهرة مميزة شكليا ويستطيع الإنسان أن يلاحظها من وسط الآلاف، فما أدراك إن كانت صديقتها وحبيبة قلبها. تصلب جسدها وتشنجت عندما سمعته يتحدث بلسان ثقيل.
ضاحي بحقد: أحسن مني في إيه... أنا بقا معايا كل حاجة وإنت برضه معاه. فيه إيه أحسن مني... هاخدك يا زهرة من جوه عينه. هتبقي بتاعتي لوحدي. ابن مهران مش هياخد مني حاجة تاني.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهيلة عاشور
في مكتب عميد الجامعة
كان يجلس العميد وهو يوزع أنظاره بتوتر بين حسام الذي يجلس بثبات، ومصطفى الذي يجلس قبالته وعيناه على يونس الذي أبى أن يجلس ويقف بجوار حسام. ووجهه يكاد أن يوصف بأنه يغلي من ضخ الدم به، وعروق وجهه ويديه بارزة، ونظره مسلط على هذا الشاب الذي يقف أمامهم ويظهر الألم وأنفه تنزف بشدة.
وعلى أريكة صغيرة تجلس زهره في أحضان منى التي ابت أن تتركها وتجلس معها تبث بها الاطمئنان.
العميد بتوتر: أنا تحت أمركم يا حسام باشا ويونس بيه، غني عن التعريف، والده المرحوم كان راجل محترم واسمه يونس بيه مسمع في كل مكان.... ثم أكمل حتى يخفف توتر الأجواء قليلاً: وأنتم الصعايدة معروفين في كل مكان، مش محتاجين حاجة يعني.
ابتلع ريقه بصعوبة وخوف عندما أطبق كف يونس بقوة على مكتبه حتى انتفض بفزع: هو أنت هتكتب موضوع تعبير؟ الواد ده يتفصل وإحنا مش محتاجين نحكي حاجة، الكاميرات عندك راجعها، وأنا هعمل فيه محضر كمان وهسجنه.
العميد بسرعة وتلجلج: حضرتك أكيد في حل... محمد ده يبقى ابن ناس محترمين، والده ووالدته دكاترة مشهورين جداً ومتدينين، وده طيش شباب، وأكيد حضرتك عارف يعني، وهو مش هيتعرض للهانم تاني، أكيد هو اتعلم الدرس.
يونس وقد عمى الغضب عينيه: هو إحنا في حضانة؟ ولا هو وقع كتبها وهو معدي؟ ده حاول يتحرش بمراتي، أنا فاهم دي يعني إيه؟ وبعدين أنا بضيع وقتي معاك ليه أساساً.
ذهب سرياً، مسك بتلابيب الشاب المدعو محمد والذي كان جسده بالكامل يرتجف بشدة من الخوف. فهرع سريعاً مصطفى وحسام يجذبونه بعيداً وحاولوا تهدئته بصعوبة.
حسام بنظرات ذات مغزى: خلاص يا يونس.... ثم نظر للعميد ببرود: إيه رأيك في اللي بيحصل ده؟ هتتصرف أنت ولا نتصرف إحنا.
العميد بسرعة: لا يا فندم... هيتحرم من دخول الامتحانات السنة دي وكمان هنعمل محضر حالا بالفيديو الموجود في كاميرات المراقبة.
حسام بهدوء: لا كفاية عليه يتفصل... ده عيل صغير وإحنا برضو مش عاوزين ليه البهدلة.
يونس بغضب: أنت بتقول إيه يا حسام؟ الكل-ب ده لازم يتحبس.
حسام بنظرات ذات مغزى: لا يا يونس... إحنا عندنا عيال برضو أهله محترمين ملهمش ذنب يجروا وراه في السجون.
ثم تقدم من الشاب ببرود وهو يصفعه على مؤخرة رأسه بحدة: مش عاوز أشوف وشك تاني... لأحسن المرة الجاية أنا اللي هحبسك بإيدي.
نظر يونس لحسام نظرات عتاب ولكنه رمش له بعينه بمعنى فيما بعد سوف تفهم.
مرت بضعة ساعات حتى صدر قرار موثق من الجامعة بحرمان هذا الطالب من الامتحانات لمدة سنة كاملة. وبعدما اطمئنوا بنفسهم من هذا، ذهبوا سوياً حيث استقل سيارة المعلم حسن. مصطفى والذي تولى القيادة وبجواره يونس، وفي الخلف الفتيات. وفي سيارة حسام كان يستقلها وحيداً.
***
سيارة المعلم حسن
كانت زهره لا تزال تخفي وجهها في أحضان منى والتي أشفقت عليها بشدة، فقد تعرفت عليها مؤخراً ولاحظت كم هي فتاة رقيقة ولطيفة للغاية، وقلبها لا يتحمل أبسط الأشياء، وتدرك تماماً أنها لن تمر من هذا الموقف سريعاً. ولكنها ابتسمت بفرحة من أجل صديقتها عندما لاحظت نظرات يونس لها كل ثانية تقريباً ينظر لها وعيونه تعبر عن مدى شوقه وخوفه عليها، وهذا جعلها تطمئن وتفرح من أجلها.
***
في منزل عائلة يونس
استغلت سميه عدم وجود ناهد وضاحي في المنزل. فناهد منذ أن خرجت من المنزل وهي ترتدي تلك الملابس الخليعة وتضع على وجهها رطل من مستحضرات التجميل، وانتظرتها سيارة فخمة أمام المنزل وهي لم تعُد. ومنذ قليل ذهب ضاحي وكان متعجل بشدة. دلفت للمكتب الخاص به وعبثت في بعض الأوراق وزفرت بضيق فلم تستطع إيجاد مرادها. فتحت الكمبيوتر المحمول الخاص به، فاحتلت الصدمة وجهها وبدأت الدموع تتجمع في عينيها، ولكنها تحاملت على نفسها وهي تخرج إحدى وحدات التخزين الخارجية وبدأت في نقل كل ما تستطيع عليها. وحاولت أن تقوي نفسها وهي تدق بأحد الأرقام وذهبت في اتجاه الحديقة الخلفية للمنزل، فإذا به ينتظرها وهو ينظر حوله بحرص أن يراه أحد.
سميه وهي تأخذ أنفاسها بقوة: خد الشريحة دي عليها بلاوي لقيتها على الاب توب بتاع ضاحي... أعتقد هتساعدنا أوي يا سيد.
سيد (ابن خالة يونس): تمام... أنت كويسة يا سميه.
سميه وكادت أن تنهار: لا يا سيد مش كويسة... قول لحسام سميه مبقتش قادرة تتنفس هنا، وده بدأ يأثر على الحمل، أنا خايفة ابني يحصله حاجة قبل ما أشوفه، وخصوصاً أنا عارفة إن الشيطان ضاحي ده مش مصدقني، وواثقة إنه عارف إني هنا عشان أحاول أساعدهم. خليه يستعجل يا سيد... ثم أكملت بمرح مصطنع وعيونها تزرف دمعة متمرده: مش عاوزة آخرتي تبقى على إيد أخويا.... ثم أكملت بمرارة: وكمان بقالي كتير مشفتش مصطفى وأمي وأبويا، لازم يسامحوني... راعي أبويا وأمي يا سيد أمانة عليك، ولو حصلي حاجة، فهم مصطفى إني بعمل كل ده عشان مشوفش الكسرة والحزن في عينه... امشي دلوقتي عشان محدش يشوفك.
نظر لها بحزن، فهو يعدها أختًا له، ولكنه طمأنها بأن خلاصها وخلاصهم قريب. واقترب من إحدى الأبواب الصغيرة الخفية في جدار سور الحديقة وخرج سريعاً دون أن يراه أحد.
لتجلس سميه أرضاً تبكي بقهر، وقدماها لم تعد تحملها. ففي هذا الوقت تحتاج المرأة للراحة ووجود من تحبهم حولها، وخصوصاً زوجها تكون مرتاحة ومرفهة. أما هذه تقنط في منزل رجل يتاجر في الممنوعات، وربما يكون سافك لدماء البشر. رجل دمر حياتها وحياة زوجها وسلب منهم السعادة، وهي لم تكن إلا عروس تريد أن تسعد بأيامها.
رفعت عينيها للسماء تناجي ربها بقلب مرتجف وعيناها محمرتان من أثر البكاء، وحجابها الذي انزلق من على رأسها حيث كانت تضعه بإهمال.
يارب ارجوك ساعدني وعني يارب... أنا تعبت يارب.
سميه... أنت بتعملي إيه هنا؟
***
أمام منزل الإخوة
توقفت السيارتان، فهرولت في اتجاههم هبه والتي كانت خائفة بشدة أن يكون أصاب زهره مكروه. تدلف زهره من السيارة ومنى تمسك يدها تعاونها. وهبه احتضنتها بقوة وهي تطمئن عليها.
مصطفى: طلعوها يا بنات وخلوها ترتاح.
أومأت له الفتيات في هدوء وهم يتجهون بها نحو السلم. وتسير ببطء ووجهها بالكامل تكسوه الحمرة وعيناها متورمتان من أثر البكاء الذي استمرت به لساعات. فإذا بحسنات تفتح باب شقتها بقوة وسرعة كالعادة وهي تنظر لزهره بزعر من مظهرها.
حسنات بشهقة: لا إله إلا الله. في إيه... مالك يا بت.
نظرت لها الفتيات بغضب مما جعلها تضع يدها في خصرها بغنج وهي تحرك شفتيها يميناً ويساراً: الحق عليا قلقت عليها... هو كده خير تعمل شرا تلقى.
ومن ثم دلفت لمنزلها من جديد وأغلقت الباب بقوة مثل عاداتها، مما جعل الرجال ينظرون لها بتعجب. تلك المرأة غريبة الأطوار كما يطلقون عليها.
ومن ثم سحبوا يونس ليذهبوا على مقهى الحارة بعد اعتراضه وأجلسوه على إحدى الكراسي إكراهاً. وسحبوا كرسيين وجلسوا قبالته ونظروا له بعتاب يعرفه. فزفر بضيق وملل ومد يده في جيب بنطاله يخرج علبة سجائره ويبدأ في إشعال إحداها ويدخنها بشراهة. ليأخذها حسام منه بغضب ويقوم بإخمادها في الطبق الدائري الصغير الرخامي الذي أمامهم على الطاولة الصغيرة.
يونس بضيق: حسام أنا مش ناقصك.... قوم أنت وهو شوفوا حالكم.
حسام بحدة طفيفة: يونس أنت غلطان... حرام عليك، ده أنت كنت هتموت الواد، من إمتى وأنت بتتصرف بقلة عقل كده.
يونس بغضب وغيره: وأنت كنت عاوزني أشوف واحد ماسك إيد مراتي وبيقربها منه وأعمل إيه؟ أقف أتفرج ولا أسقف... ولا أتحزم وأرقص.
ضحك مصطفى على آخر كلماته بشكل تلقائي، فكان يونس يفعل حركات بيده مثيرة للضحك. فنظروا له الاثنين بضيق مما جعله يسكت سريعاً.
مصطفى بهدوء: حسام معاه حق يا يونس... وكمان أنت كان ممكن تلبس نفسك تهمة، يعني يبقى هو اللي غلطان وأنت اللي تتحبس، دا أنت فعلاً كنت بتموته، ده أنا وحسام وشباب الجامعة مكنتش قادرين عليك، كنت عامل زي الثور الهائج محدش عارف يوقفك.
حسام بتنهيدة حارة: لو مكنش موجودين يا صاحبي كنت هترتكب جناية، ده أنت أكتر حد فينا براعي ربنا يا يونس.... يا سيدي بلاش عشانك مشفتش مراتك كانت عاملة إزاي، أنت خوفتها أوي، حرام عليك دي مبطلتش عياط، كانت هتموت من الخوف.
تنهد يونس بضيق وهو يضع رأسه بين كفيه ويهزها يميناً ويساراً بقلة حيلة: مش عارف أنا عملت كده إزاي... أنا عمري ما استقويت على حد أبداً وانتو عارفين، بس لما شفته قريب منها كده أنا مقدرتش أستحمل. محدش فيكم حاسس باللي جوايا... أنا جوايا نار بتغلي، مكنتش أعرف إني حبي صعب كده، مكنتش أعرف إن غيرتي قاسية كده... غضبي كان عاميني، مكنتش شايف أي حاجة غير إنه لمسها، حتى مشفتش دموعها، أنا مشفتش غير صورته قدامي وأنا بكسر إيده اللي لمسها بيها.
حسام بحزن من أجل صديقه: عارف يا صاحبي وحاسس بيك... بس لازم تحاول تتحكم في غضبك، على الأقل عشانها هي.
مصطفى بزفر وقد لاحظ منى وهي تسير في اتجاه منزلها: قوم منى نزلت أهي... أكيد سابوها ترتاح، قوم روح لها يا يونس، هي محتجاك أكتر من أي حد. أوعى تتعصب عليها، أنا عارفك.
أومأ له في هدوء، وهو لم يعد يقدر على الحديث من الأسى، واتجه بجسد متثاقل في اتجاه منزله.
***
في منزل الإخوة
كانت تجلس هبه بجوار زهره والتي أبدلت ملابسها لمنامة وردية اللون وفكت ربطة شعرها وبدأت تدلك باطن رأسها بحنان. وزهره تغلق عينيها بألم وهي تتخيل منظر الدماء التي تغطي وجه هذا الشاب، ومظهر يونس الذي وبالفعل بث في قلبها الرعب أن يصيبه مكروه وهو في هذه الحالة، أو أن يلقنها صفعة أو لكمة وهو لا يشعر، فكان مثل المصارع وهو في ذروة غضبه.
قاطعهم رنين جرس الباب، فهمت هبه بالفتح لتجده يونس، لينظر للأسفل بإحترام.
يونس بهدوء: زهره عاملة إيه.
هبه بابتسامة: أحسن دلوقتي... تعالي ادخل ليها، أنا كنت هطلع عشان أحضر الغداء لحسام بعد إذنك.
ابتعدت عن طريقها لتصعد لمنزلها، ودلف يونس ينظر نحو غرفتهم بحيرة، ومن ثم دلف إليها ينظر لنومها المتهالكة ووجهها المحتقن من شدة البكاء، شفتيها منتفختين وعينيها متورمتين بشدة. اقترب منها وهو حزين بشدة من أجلها وبدأ يؤنب نفسه أنه السبب بما هي فيه.
يونس بصوت متخشرج: زهره.... حبيبتي ردي عليا علشان خاطري بلاش تعملي فيا كده.
فتحت عينيها تنظر له بعتاب، ومن ثم أشاحت بنظرها بعيداً وعيناها تذرف الدموع. فأقترب منها يجلس بجوارها وهو يسلط نظره عليها بحب.
يهون عليكي يونس يا قلب يونس.
رواية اخر نساء العالمين الفصل السادس عشر 16 - بقلم سهيلة عاشور
سيارة المعلم حسن
كانت زهرة لا تزال تخفي وجهها في أحضان منى، والتي أشْفَقَت عليها بشدة. فقد تعرفت عليها مؤخرًا ولاحظت كم هي فتاة رقيقة ولطيفة للغاية، وقلبها لا يتحمل أبسط الأشياء، وتدرك تمامًا أنها لن تمر من هذا الموقف سريعًا.
ولكنها ابتسمت بفرحة من أجل صديقتها عندما لاحظت نظرات يونس لها كل ثانية تقريبًا. ينظر لها وعيونه تعبر عن مدى شوقه وخوفه عليها، وهذا جعلها تطمئن وتفرح من أجلها.
***
في منزل عائلة يونس
استغلت سمية عدم وجود ناهد وضاحي في المنزل. فـ ناهد منذ أن خرجت من المنزل وهي ترتدي تلك الملابس الخليعة وتضع على وجهها رطلًا من مستحضرات التجميل، وانتظرتها سيارة فخمة أمام المنزل وهي لم تعد. ومنذ قليل ذهب ضاحي وكان متعجلًا بشدة.
دلفت للمكتب الخاص به وعبثت في بعض الأوراق وزفرت بضيق، فلم تستطع إيجاد مرادها. فتحت الكمبيوتر المحمول الخاص به، فأحتلت الصدمة وجهها وبدأت الدموع تتجمع في عينيها. ولكنها تحاملت على نفسها وهي تخرج إحدى وحدات التخزين الخارجية وبدأت في نقل كل ما تستطيع عليها.
وحاولت أن تقوي نفسها وهي تدق بأحد الأرقام وذهبت في اتجاه الحديقة الخلفية للمنزل، فإذا به ينتظرها وهو ينظر حوله بحرص أن يراه أحد.
سمية وهي تأخذ أنفاسها بقوة:
خد الشريحة دي عليها بلاوي. لقيتها على الاب توب بتاع ضاحي. اعتقد هتساعدنا اوي يا سيد.
سيد (ابن خالة يونس):
تمام. انتي كويسة يا سمية؟
سمية وكادت أن تنهار:
لا يا سيد مش كويسة. قول لحسام سمية مبقتش قادرة تتنفس هنا ودا بدأ يأثر على الحمل. أنا خايفة ابني يحصله حاجة قبل ما أشوفه. وخصوصًا أنا عارفة إن الشيطان ضاحي دا مش مصدقني وواثقة إنه عارف إني هنا عشان أحاول أساعدهم. خليه يستعجل يا سيد.
ثم أكملت بمرح مصطنع وعيونها تزرف دمعة متمرّدة:
مش عاوزة آخرتي تبقى على إيد أخويا.
ثم أكملت بمرارة:
وكمان بقالي كتير مشفتش مصطفى وأمي وأبويا. لازم يسامحوني. راعِ أبويا وأمي يا سيد أمانة عليك، ولو حصلي حاجة فهم مصطفى إني بعمل كل دا عشان مش أشوف الكسرة والحزن في عينه. امشي دلوقتي عشان محدش يشوفك.
رواية اخر نساء العالمين الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهيلة عاشور
نظر لها بحزن، فهو يعدها أختًا له. ولكنه طمأنها بأن خلاصها وخلاصهم قريب.
اقترب من إحدى الأبواب الصغيرة الخفية في جدار سور الحديقة وخرج سريعا دون أن يراه أحد.
جلست سميه أرضًا تبكي بقهر، وقدماها لم تعد تحملها. ففي هذا الوقت تحتاج المرأة للراحة ووجود من تحبهم حولها، وخصوصًا زوجها، تكون مرتاحة ومرفهة. أما هذه، فتقنط في منزل رجل يتاجر في الممنوعات، وربما يكون سافك لد-م البشر. رجل د-مر حياتها وحياة زوجها وسلب منهم السعادة، وهي لم تكن إلا عروس تريد أن تسعد بأيامها.
رفعت عينيها للسماء تناجي ربها بقلب مرتجف وعينها محمرتين من أثر البكاء، وحجابها الذي انزلق من على رأسها حيث كانت تضعه بإهمال.
"يارب، أرجوك ساعدني وعني يارب. أنا تعبت يارب."
"سميه... إنت بتعملي إيه هنا؟!"
***
أمام منزل الأخوة.
توقفت السيارتان، فهرولت في اتجاههما هبه، والتي كانت خائفة بشدة أن يكون أصاب زهره مكروه.
تدلف زهره من السيارة ومنى تمسك يدها تعاونها. هبه احتضنتها بقوة وهي تطمئن عليها.
مصطفى: "طلعوها يا بنات وخلوها ترتاح."
أومأت له الفتيات في هدوء وهن يتجهن بها نحو السلم.
تسير ببطء ووجهها بالكامل تكسوه الحمرة وعيونها متورمتين من أثر البكاء الذي استمرت به لساعات.
فإذا بحسنات تفتح باب شقتها بقوة وسرعة كالعادة، وهي تنظر لزهره بزعر من مظهرها.
حسنات بشهقة: "لا إله إلا الله. في إيه... مالك يا بت؟!"
نظرت لها الفتيات بغضب، مما جعلها تضع يدها في خصرها بغنج وهي تحرك شفتيها يمينا ويسارا: "الحق عليا قلقت عليها... هو كده خير تعمل شرا تلقى."
ومن ثم دلفت لمنزلها من جديد وأغلقت الباب بقوة كعادتها، مما جعل الرجال ينظرون لها بتعجب. تلك المرأة غريبة الأطوار كما يطلقون عليها.
ومن ثم سحبوا يونس ليذهبوا على مقهى الحارة بعد اعتراضه، وأجلسوه على إحدى الكراسي إكراها.
وسحبوا كرسيين وجلسوا قبالته ونظروا له بعتاب يعرفه.
فزفر بضيق وملل، ومد يده في جيب بنطاله يخرج علبة سجائره ويبدأ في إشعال إحداها ويدخنها بشراهة.
ليأخذها حسام منه بغضب ويقوم بإخمادها في الطبق الدائري الصغير الرخامي الذي أمامهم على الطاولة الصغيرة.
يونس بضيق: "حسام، أنا مش ناقصك. قوم إنت وهو شوفوا حالكم."
حسام بحده طفيفة: "يونس، إنت غلطان. حرام عليك، دا إنت كنت هتم-وت الواد. من إمتى وانت بتتصرف بقلة عقل كده؟"
يونس بغضب وغيره: "وإنت كنت عاوزني أشوف واحد ماسك إيد مراتي وبيقربها منه وأعمل إيه؟ أقف أتفرج ولا أسقف؟ ولا أتحزم وأرقص؟"
ضحك مصطفى على آخر كلماته بشكل تلقائي، فكان يونس يفعل حركات بيده مثيرة للضحك.
فنظروا له الاثنين بضيق، مما جعله يسكت سريعا.
مصطفى بهدوء: "حسام معاه حق يا يونس. وكمان إنت كان ممكن تلبس نفسك تهمة، يعني يبقى هو اللي غلطان وانت اللي تتحبس. دا إنت فعلا كنت بتموته. دا أنا وحسام وشباب الجامعة مكناش قادرين عليك، كنت عامل زي الثور الهائج محدش عارف يوقف-ك."
حسام بتنهيدة حارة: "لو مكناش موجودين يا صاحبي، كنت هترتكب جناية. دا إنت أكتر حد فينا بيراعي ربنا يا يونس. يا سيدي بلاش عشانك، مش شفت مراتك كانت عاملة إزاي. إنت خوفتها أوي، حرام عليك، دي مبطلتش عياط، كانت هتم-وت من الخوف."
تنهد يونس بضيق وهو يضع رأسه بين كفيه ويهزها يمينا ويسارا بقلة حيلة: "مش عارف أنا عملت كده إزاي. أنا عمري ما استقويت على حد أبدا وانتو عارفين، بس لما شفته قريب منها كده أنا مقدرتش أستحمل. محدش فيكم حاسس باللي جوايا. أنا جوايا نا-ر بتغلي، مكنتش أعرف إن حبي صعب كده، مكنتش أعرف إن غيرتي قاسية كده. غضبي كان عاميني، مكنتش شايف أي حاجة غير إنه لمسها. حتى مشفتش دموعها، أنا مشفتش غير صورته قدامي وأنا بك-سر إيده اللي لمسها بيها."
حسام بحزن من أجل صديقه: "عارف يا صاحبي وحاسس بيك. بس لازم تحاول تتحكم في غضبك، على الأقل عشانها هي."
مصطفى بزفر وقد لاحظ منى وهي تسير في اتجاه منزلها: "قوم، منى نزلت اهي. أكيد سابوها ترتاح. قوم روح لها يا يونس، هي محتجاك أكتر من أي حد. أوعى تتعصب عليها، أنا عارفك."
أومأ له في هدوء، وهو لم يعد يقدر على الحديث من الأسى. واتجه بجسد متثاقل في اتجاه منزله.
***
في منزل الأخوة.
كانت تجلس هبه بجوار زهره، والتي أبدلت ملابسها لمنامة وردية اللون وفكت ربطة شعرها وبدأت تدلك باطن رأسها بحنان. وزهره تغلق عينيها بألم وهي تتخيل منظر الدماء التي تغطي وجه هذا الشاب، ومظهر يونس الذي وبالفعل بث في قلبها الرعب أن يصيبه مكروه وهو في هذه الحالة، أو أن يلقنها صفعة أو لكمة وهو لا يشعر. فكان مثل المصارع وهو في ذروة غضبه.
قاطعهم رنين جرس الباب. فهمت هبه لفتحه لتجده يونس. لينظر للأسفل بإحترام.
يونس بهدوء: "زهره عاملة إيه؟"
هبه بإبتسامة: "أحسن دلوقتي. تعالي ادخل ليها. أنا كنت هطلع عشان أحضر الغداء لحسام بعد إذنك."
ابتعد عن طريقها لتصعد لمنزلها. ودلف يونس ينظر نحو غرفتهم بحيرة، ومن ثم دلف إليها ينظر لنومها المتهالكة ووجهها المحتقن من شدة البكاء، شفتيها منتفختين وعينيها متورمة بشدة.
اقترب منها وهو حزين بشدة لأجلها وبدأ يؤنب نفسه أنه السبب فيما هي فيه.
يونس بصوت متخشرج: "زهره... حبيبتي ردي عليا علشان خاطري، بلاش تعملي فيا كده."
فتحت عينيها تنظر له بعتاب، ومن ثم أشاحت بنظرها بعيدا وعينها تذرف الدموع.
فأقترب منها يجلس بجوارها وهو يسلط نظره عليها بحب.
"يهون عليكي يا يونس يا قلب يونس."
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سهيلة عاشور
بعد غروب الشمس، كانوا يجلسون سويا يحتسون الشاي والمسليات ويشاهدون التلفاز في ألفة وحب.
كان مصطفى يأكل ويشرب بنهم كبير، وكانت زهره تشاهده وتضحك عليه بمرح كبير.
يونس بضحك: في إيه يااض؟ بتاكل في آخر زادك؟
إمهران بغيظ: براحة يا واد، حد بيجري وراك؟ مش هناكل منك، متخافش.
نوارة بابتسامة: مالكم بيه؟ كل يا قلب أمك على كيفك. الكيكة عجبتكم؟
مصطفى بتلذذ: حلوة أوي يا ما، تسلم إيدكم.
نوارة بضحك على أفعاله: مش أنا اللي عملاها يا أهبل، دي مرات أخوكم.
مصطفى بسعادة: كل يوم تعمليها يا زوزو، عسل.
يونس برفعة حاجب: زوزو ها؟
مصطفى بمرح: تبت إلى الله، إيه هتيجي عليا وأنا عيان؟ أنا عيان دلوقتي، مفيش ضرب، في شتيمة بس لو حابب.
زهرة بضحك: بجد زي ما تكون طفل في تانية ابتدائي.
نوارة بابتسامة حنونة: عقبال لما تفرحوني قريب بحتة عيل، هتبقى الفرحة الكبيرة لما يبقى منك يا زهرة.
زهرة بخجل: إن شاء الله يا ماما.
وفي نفسها كانت تفكر كيف مرت كل تلك الأشهر وهي حتى لم تظهر عليها أعراض حمل، حتى لو حمل كاذب. أيمكن أن يكون لديها مشكلة في الإنجاب؟ أو أيمكن أن يكون يونس لا يريد الأطفال منها؟ فعلى العكس تماماً، علاقتهم علاقة سليمة من جميع الجوانب. ولكنها نفضت تلك الأفكار من رأسها، فزوجها يحبها ويثق بها ويريد منها الأطفال، وهذا دائماً ما يقوله لها.
يونس بابتسامة: إيه أخبار الأرض يا حج؟ بقالي كتير مرحتش هنا.
مهران بفخر: أبوك اللي بيباشرها، عاوزها تكون إزاي؟ زي الحصان، اطمن، وهنجمع المحصول قريب. ابقى خد زهرة وريها شجر الفراولة.
زهرة بفرحة: فراولة بجد؟ كان نفسي أوي أشوف شكلها وهي مزروعة.
يونس بهيام: دا إنت تؤمري.
مصطفى بتلاعب وهو يطلع صوت الصفير: يا سيدي، أوعدنا يا رب.
ثم نظر لوالده قائلاً بمرح: إيه يا أبو المُهر يا عسل، مش ناوي تجوزني أنا والبت سمية؟ دا أنا ما صدقت رضيت عليا.
مهران بصدمة: أبو المُهر؟ أنت يا واد معندكش احترام لأي حد.
ثم أكمل بغضب مصطنع: أنا قايم أنام بدل ما أكمل عليك. يلا يا نوارة.
مصطفى بمرح: طبعاً يا أخويا، كل واحد فيكم معاه حبيبته وأنا يا عيني وحداني.
المت كلمة "حبيبته" هذه زهرة كثيراً، فتذكرت عندما طرحت سؤالها على يونس والذي تهرب منها وكأنها ليست زوجته ويجب عليه التعبير عن شعوره نحوها. لا تنكر أنها تحبه بشدة وتود الوجود معه بأي وضع، ولكن إن كان لا يحبها، كيف سيكون الوضع؟
هز مهران رأسه بإستسلام، أما نوارة وزهرة فأنفجروا في الضحك على هذا المعتوه الذي بالنسبة لهما سكر حياتهم الذي يعطي لها الطعم المميز، فهي والدته والثانية أخته.
ذهب مهران ونوارة لغرفتهم.
يونس بضحك: يا واد اتقل شوية، فضحتنا.
مصطفى بملل: تقلان بقالي كتير، ما تكلم أبوك يا يونس وخليه يشوف موضوع الجواز ده بقا.
يونس بتعجب: جواز إيه يا بني وأنت متجبس كده؟ لازم تفك الجبس على الأقل تلت شهور.
مصطفى بشهقة: أنا؟ أنا هستنى تلت شهور؟ دا أنت بتحلم.
زهرة بضحك: وإحنا مالنا؟ دا كلام الدكتور.
مصطفى بفضول طفولي: مليش دعوة، أنا عاوز أتجوز.
يونس ببرود: تعالي يا زهرة ننام. عندي مشاغل بدري، مش فاضي.
مصطفى بتلاعب: على رأيك، الحق أنام بدري عشان أصحى الصبح الحق آخد اليوم من أوله. كع زوزو حبيبتي.
يونس بغيظ: يلا يا زهرة، بدل ما أقطع لسانه الطويل ده.
ضحكت زهرة بشدة وهي تلوح لمصطفى بيديها قبل ذهابها مع يونس، مما أثار غيرته كثيراً.
***
في غرفة زهرة ويونس.
أخذت حماماً دافئاً ومن ثم بدلت ملابسها لمنامة مريحة وأراحت جسدها على السرير. وكان يونس يصلي لله تعالى أن يرشده لطريق الصواب، بسبب حيرته الشديدة.
كانت تراقبه بحزن: أحقا سؤالي يحيرك؟ قد أحببتك بصدق أيها الرجل، في ماذا تفكر؟
أنهى صلاته ونظر لها والابتسامة على وجهه كالعادة، ابتسامته التي تجعلها تشعر بالفرحة تلقائياً.
يونس بابتسامة: الجميلة سرحانة في إيه؟
زهرة بتدارك وقد عبست بوجهها: ولا سرحانة ولا حاجة.
ثم أكملت وهي تنظر نحو الجهة الأخرى: الكلية هتبدأ كمان شهر، أنا كنت مؤجلة سنة، عاوزة أكمل تعليم.
يونس بتفهم: مفيش مشكلة، دا حقك. بس مش أنت في سنة أولى؟
زهرة: لا، أنا سنة تانية، أصل أنا صغيرة السن، هكمل 19 كمان أسبوع.
يونس بسخرية: على كده كبرتي بقى؟
زهرة بغيظ: أنا كبيرة غصب عنك على فكرة، وظبطلي ورق الكلية، عاوزة أبدأ.
يونس بهدوء: كلية إيه؟
زهرة بسخرية: تجارة يا سكر، بكرة أشتغل في بنك ويبقى معايا فلوس قد كده.
ثم أكملت بمرح: وأخلعك وأهرب.
أنهت حديثها بضحكة غريبة وهي تنظر له بشر مصطنع، مما جعله يضحك على أفعالها بصخب.
يونس بضحك: أنت مجنونة يا بت؟ أنت في واحدة عاقلة تقول لجوزها كده؟
ثم أكمل بجدية: أنت لي وقفتي قدامي يا زهرة؟ كان زماني طلقتها. أي واحدة مكانك كانت تتمنى دا، لي عملتي كده؟
زهرة بنخزة في قلبها: أنا كبرت من غير بابا يا يونس، ابنك ملهوش أي ذنب في اللي بيحصل دا. أنا عاوزاه لما يجي بالسلامة يلاقي عنده أب وأم وعيلة بتحبه، حتى لو هتضطر أنا أمشي عشانه لما يكبر يكون سعيد في حياته، هعمل كده. بلاش نبوظ حياة طفل بريء.
نظر لها بفخر وكأن قلبه اختار أفضل نساء العالم. هادئة ولطيفة، وقلبها يحمل كل معالم الحب والحنان في هذه الدنيا، لا يمكن وجود الكثير منها في هذه الحياة.
يونس بحنان: تعرفي إنك جميلة أوي يا زهرة، اسم على مسمى. بحس وأنا معاكي براحة مش طبيعية، بحس إني مبسوط.
زهرة بتساؤل: بتحس كده مع ناهد؟
يونس بابتسامة: مع إني مش بحب المقارنة، بس لا، عمري ما حسيت كده. جوازي من ناهد كان جواز أقل من العادي، عروسة أمي شافتها مناسبة ليا، فا اتجوزتها عشان المفروض أتجوز بس. حتى مشفتهاش قبل الفرح إلا كام مرة، وأما بودي ليهم زيارات.
زهرة بتعجب: مكنش عندك أحلام في مراتك خالص؟ يعني حتى شكلها وتفكيرها، الحاجات الأساسية يعني.
يونس بابتسامة: أنا طول عمري راضي، أمي وأبويا ربوني على كده، فا لما كبرت لقيت نفسي كده. وطالما مكنش قلبي مايل لحد وقتها، فا مكنش عندي مشكلة.
زهرة بترقب: طب ودلوقتي؟
يونس بتلاعب: دلوقتي إيه؟
زهرة بغيظ: دلوقتي قلبك مايل لحد؟
يونس بخبث: مش عارف بصراحة.
زهرة بغضب: والله؟ طب لما تعرف بقا ابقي تقولي. تصبح على خير.
حاول كتم ضحكاته بصعوبة، ومن ثم تسطح بجوارها يجذبها إليه، ولكنها تبتعد عنه، مما جعله يقيدها وينام وهي داخل أحضانه، مستمتع بشدة بقربها.
***
في غرفة مصطفى.
كان يمدد جسده على سريره، تزين وجهه ابتسامة عريضة وهائمة للغاية، وكان يحدثها في الهاتف بسعادة.
مصطفى بابتسامة: قريب هتبقي في بيتي يا غالية.
سمية بخجل: يا سي مصطفى.
مصطفى بضحك: والله ما مصدق إنك مكسوفة، دا أنت الكسوف يلف وشك لما يشوفك.
سمية بحدة طفيفة: والله يا مصطفى، ماشي، أنا هوريك.
مصطفى بسرعة: لا وعلى إيه بس؟ بسحب كلامي يا كبيرة.
سمية بضحك: ربنا ما يحرمني منك أبداً.
مصطفى بمرح: لا دا أنا أبعت أجيب المأذون.
سمية بخجل: تقوم بالسلامة إن شاء الله وكل حاجة تتحل. تصبح على خير يا ولد الكبير.
مصطفى بسعادة: وأنت من أهل الجنة.
***
في منزل أهل ناهد.
كانت تجلس وأفكارها الشيطانية ترقص أمامها بكل الطرق والألوان، تفكر وتخطط في المزيد. تريد كل شيء لها فقط، لا تريد شريك. تريد رد اعتبارها.
كمالية بنويح: أهو كان هيرميكي يا فالحة علشانها، وبكرة هي تحمل وتجيب الواد وتكش على كل حاجة. طبعاً هي واخده مصطفى في عبها (في صفها).
ناهد بغيظ: متفكرينيش يا ما. أنا النار اللي جوايا بتحرق بلد. على مين؟ وحياتي لأخليها تندم على اليوم اللي اتولدت فيه.
التقت هاتفها قاصدة إحدى أرقام الهاتف.
ناهد بعجرفة: أيوه يا بت، مختفية لي؟ مش قلتلك لما أرن عليكي تردي عليا على طول.
صبا بلامبالاة: مسمعتش التليفون يا ستي، خير؟
ناهد بغل: عاوزاكي تتقلي العيار المرة دي، عاوزة أسمع خبرها بكرة، بكرة يا صبا، فاهمة؟
صبا بإيماء: وهاخد اللي أنا عاوزاه.
ناهد بمكر: وفوقيه بوسة كمان.
أغلقا الهاتف وهي تريح ظهرها بانتصار. تنظر أمامها والشر يتطاير من عينيها: وريني بقا هتنفعك إزاي يا ابن مهران.
***
في المنصورة، وفي منزل أخت وفاء (أم زهرة).
كانت وفاء تساعد أختها في طهو الطعام، ولكن وقع منها إحدى الأطباق الزجاجية أرضاً حتى تهشم تماماً.
الأخت بخوف: على مهلك يا وفاء، فيكي إيه؟
الأخت بقلق: اهدي يا وفاء، خدي يا أختي، هي يعني عند حد غريب؟ دا بيت عمها، إن شاء الله تكون كويسة واحنا الصبح نكلمها ونتطمن، ولو عاوزة نروح ليها يا حبيبتي بس اهدي.
مأت لها وهي تستغفر ربها، تحاول أن تهدأ من وضعها حتى تطمئن عليها.
***
في أحدى الأماكن المشبوهة.
يجلس مجموعة من الرجال، وواحد منهم يملي إليهم الأوامر بدقة، وهم يستمعون إليه باهتمام.
الرجل: زي ما قلت لكم، متسيبوش قشاية واحدة. أنا عاوز المرة دي الضربة متخليهوش يقوم منها تاني.
الرجال: أوامرك يا بيه.
رواية اخر نساء العالمين الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سهيلة عاشور
في صباح يوم جديد، تجمعت أفراد الأسرة على مائدة الإفطار، والتي أعدتها زهرة بكل حب لأفراد عائلتها.
يجلسون سوياً يتحدثون بود.
يونس بجدية: إيه رأيك في أرض عم إسماعيل يا حج؟ بفكر نضمها لأرضنا ونشتريها. عارضها بسعر مقبول.
مهران بثقة: اللي أنت شايفه صح يا يونس اعمله. أنت وأخوك اتفقوا سوا، أنا خلاص راحت عليا.
مصطفى بمرح: متقولش كده يا مهور، دا أنت لسه شباب. طب دا اللي بيشوفك معايا بيقول عليك ابني.
نواره بضحك: بطل تنكش في أبوك يا واد، أنتم.
مهران بغيظ: والله ما حد هيجيب أجلي غيرك. أنا قايم أشوف حالي بلا كلام.
يونس بضحك: مع السلامة يا أبوي.
ثم نظر لأخيه: ابقى خف على أبوك شوية، أنت عارف مش بيجيب هزارك ده.
مصطفى ببرود: براحتي، أنا حر. مش أنتم اللي مش عاوزين تجوزوني البت ومقعدني جنبكم كده.
يونس بضحك: يا بني هتتجوز إزاي وأنت متخرم كده؟ على الأقل فك الجبس، افهم بقى.
نواره بإنزعاج: سيبك منه يا يونس وكمل أكلك. مهما كبر هيفضل عيل برضه.
زهرة بضحك: طب والله عامل للبيت حس وجو كده.
مصطفى بغمزة: حبيبي اللي في صفي.
يونس بغيظ: اتلم يلا، بدل ما أكسر الرجل التانية كمان.
مصطفى بخوف: قاسي وتعملها. أنا هاكل من سكاتي.
يونس: أنا رايح شغلي. عاوزة حاجة يا أمي أجيبها معايا؟
نواره بحب: سلامتك بالدنيا يا حبيبي.
يونس بابتسامة وهو يقبل يدها: ربنا يخليكي ليا يا أمي.
ثم نظر لزهرة بهدوء: تعالي عاوزك.
أومأت له وهبت من مكانها ذاهبة ورائه.
وقفوا أمام باب المنزل، ينظر لها بتمعن وهي لا تفهم سبب ذلك. فقط ينظر لها يتفحصها كمن كان غائب عن حبيبته عمرًا كاملاً.
وضع يده على خديها يتلمسهما برقة وحب، وعيونه تركز في عينها وهي تلمع ببريق الحب.
يونس بهيام: يا بختي بصراحة. أنا أتحسد عليك.
زهرة بخجل: في إيه يا يونس. أنت بتتحول ولا إيه؟
يونس بضحك: أنا غلطان اللي عاوز أرفع من معنوياتك يا ستي. على العموم، أنا كلمت حد أعرفه بيظبط لك ورق الجامعة.
زهرة بسعادة: بجد يا يونس.
ثم فاجئته باحتضانها له: ربنا يخليك ليا، أنا فرحانة أوي، شكراً.
يونس بابتسامة: مفيش بينا شكر يا هبلة. أنا جوزك ولا ناسيه. أنا لازم أمشي عشان عندي شغل كتير. لما أرجع هقول لك كلام مهم أوي.
زهرة بابتسامة: هستناك يا يونس.
يونس بمرح: أنا لازم أمشي عشان يونس دي بتضعفني والعمال هياكلوا وشي. مع السلامة يا وزة.
ضحكت بخجل وهي تلوح له بطريقة طفولية، وابتسامتها تزين وجهها ذو الملامح الرقيقة.
ظلت تراقبه حتى اختفت سيارته بعيداً. كانت شارده به وهائمة للغاية.
ولكن قاطعها صوت تلك الشمطاء.
صبا باستفزاز: ست زهرة، صباح الخير يا ستي.
زهرة بغيظ: صباح الخير لأهل الخير يا اختي. إيه الخطوة اللي مش عزيزة دي؟
صبا بمكر: قلت أجي أساعد في البيت.
زهرة بحنق: لا مش محتاجين خلاص. اللي كانت مشغلاكي راحت بيت أبوها. عاوزه تخدمي روحي ليها هناك، أنا موجودة هنا.
صبا بتمثيل البراءة: ودي تيجي يا ستي أسيبك لوحدك. دا وردة قالت لا متروحيش قلت لها أبداً أسيب ستي زهرة كده تتعب، حرام.
زهرة برفعة حاجب: والله البت عندها ذوق مش زي ناس.
صبا بعدم اكتراث: يلا نفسك في إيه قولي لي. أعمله على طول.
نظرت لها زهرة وهي تضرب كفاً على كف من كثرة الحنق من هذه الفتاة التي باتت تكرهها بشدة من كثرة أفعالها الخاطئة. وتركتها ودلفت للداخل. فدلفت ورائها صبا بسرعة.
***
داخل المنزل.
كان يجلس مصطفى أمام التلفاز ومعه والدته، والذي كان يلح عليها أن تجد له حل في موضوع زواجه من سمية، وهي تنظر له بحدة طفيفة تارة وتضحك تارة أخرى.
ولكن قاطعهم رؤيتهم لزهرة، وجهها محتقن من الغضب.
نواره بتعجب: في إيه يا بنتي؟ يونس زعلك في حاجة؟
زهرة بهمس: ست ناهد مشت. بس يابت زيلها هنا.
نظرت نواره خلفها فوجدت صبا تقف بملابسها التي لا تليق أبداً، فكانت ترتدي جلباب بيتي ضيق للغاية وتقف بطريقة غريبة وهي تمضغ اللبانة الخاصة بها.
نواره بنفور: ملكيش دعوة بيها يا بنتي. لما يجي يونس يمشيها هو. متحرقيش دمك يا حبيبتي.
زهرة بضيق بصوت عالي: لما بشوفها كأني شفت عفريت، مش طايقاها.
مصطفى بضحك: متخافيش. لو يونس هيتجوز تاني مش هتبقى دي، اطمني.
زهرة بشهقة: هو ممكن يتجوز عليا يا ماما. صح، ما اللي يتجوز التانية يتجوز تالت ورابع كمان.
ثم أكملت بغضب: يومك مش فايت معايا يا يونس.
نواره بضحك: بقا الأبله دا يضحك عليكي. أنت مالية عين ابني بزيادة، متفكريش.
ثم أكملت بمرح: وبعدين معاكي بقا عمك الحج واخد على أكلك أنت وهيجي جعان. مفيش غداء النهارده.
زهرة بابتسامة: عنيا ليكوا.
ثم نظرت لمصطفى وهي تمثل الغضب: وأنت حسابك معايا بعدين، يا عانس.
ضحكت نواره عليهم بشدة، فمزاحهم يفرح قلبها. حيث أنها ترى أن زوجات الأخين، بفرض سمية الزوجة المستقبلية لمصطفى بالطبع، هم الأفضل وسوف يحمون بعضهم بحبهم وودهم لأزواجهم ولهذه العائلة.
أما مصطفى قد نظر لوالدته بطريقة غريبة وهو يمثل البكاء.
نواره بتعجب: فيك إيه يا واد؟ حاجة بتوجعك؟
مصطفى باندماج: عجبك كده يما؟ حتى زهرة بتقول عليا عانس. مين هيبص في وشي دلوقتي.
أطلقت نواره ضحكة صاخبة من أعماق قلبها، فلا أحد يستطيع إسعادها بتلك الطريقة سوى مصطفى فقط.
***
في منزل أهل سمية.
كانت سمية تصنع الغداء مع والدتها بتناغم، وهي تلح عليها في زيارة مصطفى.
سمية بإلحاح: يما فيها إيه، نفسي أعرف. منا طول عمري بروح عندهم البيت.
أم سمية بحزم: بتروحي تساعدي الناس اللي خيرهم مغرقنا من أول ما جينا البلد. ولو إني كنت عاملة نفسي مش عارفة إنك رايحة عشانه، بس أنا عارفة إن بنتي راجل ومحدش يعرف يضحك عليها.
سمية بملل: وإيه اللي جد يا ماما دلوقتي يعني؟ إيه الفرق؟
أم سمية: لا فرقت دلوقتي. بقت علني عاوز يتجوزك وأنت عاوزة تتجوزيه. يبقى متدخليش بيته إلا وأنت على ذمته، أو للضرورة.
سمية بإلحاح: ما هي دي ضرورة أهي. عاوزة أطمن عليه والنبي.
زفرت أم سمية بحنق: بت انت، اسمعي الكلام وإلا بلاها جوازة خالص، سامعة؟
سمية بتأفف: يوه.
***
في منزل أهل ناهد.
كانت تتحدث عبر الهاتف بغضب وهي تمسك بعض رزم المال، حيث كانت تقوم بعده.
ناهد بغضب: يعني إيه مش لاقي واحدة حامل في ولد؟ كلهم بنات، مفيش ولا واحدة حامل في ولد. اتصرف، مليش دعوة. إن شاء الله تجيبه من دار أيتام، أي حاجة. أنت فاهم؟ أهم حاجة يكون ولد وصحته عافية.
ومن ثم أغلقت الهاتف ورمته بإهمال، وأخذت تعد باقي المال ببرود.
فادية بتعجب: يا جبروتك يا شيخة. إيه البرود ده؟ ولا كأن جوزك طاردك من بيته وكان هيرمي عليكي اليمين.
ناهد بسخرية: عاوزاني أقعد جنبك وأعيط؟ هو أنا لو قعدت جنبك اندب حظي وألطم مين هيأكلنا يا ماما؟
فادية بغضب: أنت اتجننتي يا بت ولا إيه؟ بتكلمي أمك كده.
ناهد بضحكة سخرية: منا تربيتك. عاوزاني أطلع مش بقوم من على سجادة الصلاة ولا إيه؟
نظرت لها أمها بغضب، ومن ثم تركتها ودلفت لغرفة نومها.
أما ناهد كانت تبتسم بخبث وهي تكمل عد المال الخاصتها.
***
في المطبخ.
كانت تطهو الطعام بجد، وهي تقلب بالملعقة هنا وتضع المنكهات هناك، وتكشف غطاء لوعاء وتغطي آخر. وكل هذا وصبا تقف تقطع بعض الفواكه ببرود، وهي لازالت تمضغ علكتها بطريقة أثارت استفزاز زهرة كثيراً.
زهرة بغيظ: ولما أنت واقفة عمالة تاكلي لبن وتتلكعي هنا وهناك، كان إيه اللي جابك؟ ولا هي غتاته وخلاص؟
صبا ببرود: يوه، مش بعمل العصير يا ستي. طب دا أنا عملت لك كوباية عصير هتحلفي بيها.
زهرة بغيظ: لي؟ كنتي اخترعتيها ولا إيه؟ مش خلصتيها؟ يلا امشي ومتجيش تاني يلا، وإلا هنده الغفير.
حملت أغراضها وذهبت وهي تمثل الحزن، تحت أنظار زهرة التي كانت تقف فاتحة فمها من هول الصدمة.
ولكنها أكملت صنع الطعام بعدم اكتراث، حتى أنهته بعد وقت طويل. فقد أرهقت للغاية.
جلبت إحدى كراسي المطبخ وجلست عليها، ونظرت نحو العصير التي صنعته صبا.
زهرة بسخرية: أهو الواحد يستفيد منها بحاجة.
وتناولت كأس العصير في يدها وبدأت تتجرع منه حتى أنهته، وهي تتنهد بتعب. فقد أروى عطشها تماماً.
***
في أراضي العائلة.
كان يونس يعمل بجد في بعض الأوراق الذي جهزها من أجل بيع بعض الأراضي وشراء الأخرى، وسجل المحصول. فهناك الكثير من العمل الذي عليه إنجازه.
ولكن قاطعه صوت عويل عال للغاية وحركة سريعة. فهب من مكانه يركض خلف الصوت.
وما إن فتح باب مكتبه حتى وجد النيران تأكل أرضه ومحصوله.
تسللت الصدمة إلى وجهه، ولكنه أفاق سريعاً وأخذ يساعد العمال في تطفئة هذه النيران.
وبعد مدة طويلة أخمدوها أخيراً.
ولكن قد فات الأوان، فقد تأكل المحصول كله تقريباً، وأصبحت أرضه الخضراء اليافعة رماداً مظلماً.
أحد العمال بعويل: يا خرب بيتنا. بيوتنا هتتقفل من بعد الأرض دي.
الآخر: هنعمل إيه يا يونس بيه؟ دا المحصول راح كله، مفيش حباية سليمة.
كان في حالة لا يرثى لها. لا يستطيع التفكير ولا يستطيع التصديق من الأساس. هو فقط ينظر أمامه وعيونه مليئة بالحزن والصدمة.
وما كان ينقصه سوى هذا الاتصال.
دق هاتفه برقم والدته، فأغلق الاتصال. ولكنها كررته كثيراً مما جعله يرد عليها.
يونس: ....
نواره ببكاء: الحقنا يا يونس. زهرة مرمية في الأرض وقاطعة النفس. الحقنا يا بني.
***
يتبع.....
رواية اخر نساء العالمين الفصل العشرون 20 - بقلم سهيلة عاشور
في المستشفى
كان يركض باحثًا عن مكان تواجدها، كان كالجسد بلا روح، لا يستطيع سماع أي صوت غير دقات قلبه الذي وكأنه سيخرج من مكانه هارباً نحوها.
بعد مدة من البحث وصل أمام غرفة يراها من خلال الدائرة الزجاجية الصغيرة، تنام لا حول لها ولا قوة، مغمضة العين، شاحبة الوجه.
جهاز التنفس على أنفها وفمها، وحولها الطاقم الطبي. يبدو للبعض مشهد غير مؤثر، ولكن بالنسبة له قد سمع صوت قلبه وكأنه قد تحطم بكتلة حديدية، فلم يبق منه إلا الفتات فقط.
بدأ يمر أمامه ذكرياتهم معاً منذ أول يوم رأى وجهها الملائكي كما كان يوصفه دائماً، صبره وحبه الواضح لها.
ترقد أمامه دون حتى أن يعترف لها بحبها، أغمض عينيه بألم. وبجواره والده ووالدته التي تبكي بصمت خوفاً على "الفا" التي تعتبرها من أعماق قلبها ابنتها الروحية.
قاطعهم فتح الباب وخروج الطبيب منه، ويبدو عليه الإرهاق الشديد.
الطبيب: خير يا جماعة إن شاء الله. هي بس زودت جرعة الدواء المرة دي، الحمد لله نفدت بأعجوبة.
يونس بإستدراك: دواء إيه؟ يا ريت توضح معلش.
الطبيب بعملية: دواء منع الحمل. المفروض المدام تتابع مع دكتور بيساعدها إزاي تاخده بشكل صحيح، لأن الإفراط منه بيعمل تهتك في الرحم وكمان ممكن ندخل في أزمة قلبية أو جلطة. وللأسف ده اللي كان هيحصل لو كنتوا اتأخرتوا. كويس جداً إنكم جبتوها المستشفى على طول.
يونس بتوهان: يعني مراتي هنا بسبب جرعة من حبوب منع الحمل!
الطبيب بإيماء: بالظبط كده يا فندم. أنا هكتب لها محاليل وأدوية لازم تنتظم عليها. حمد الله على السلامة بعد إذنكم.
رحل الطبيب وترك يونس الذي وكأن الدنيا لا تقدر على حمله، فكانت قدماه لا تقدر على حمله. جلس على أقرب كرسي أمام باب الغرفة ووضع يديه على رأسه بألم لا يستطيع التصديق، وخصوصاً أنه في كثير من المتاعب الآن، فبدأ شيطانه يصور له أنها تكرهه وتنفر منه ولا تريد إنجاب الأطفال منه لدرجة تعاطي هذه الكمية الكبيرة في مرة واحدة.
اقتربت منه والديه ينظرون نحوه بحزن على حاله.
نواره بدموع: متزعلش نفسك يا يونس. أكيد في حاجة غلط يا ابني.
زهرة: متعملش كده أبداً، دي بتحبك.
مهران بهدوء: المهم إنها قامت بالسلامة. وأي حاجة تانية نبقى نتكلم فيها بعدين. ثم أكمل بثقة: بنت أخويا زينة البنات يا يونس، أوعى تشك فيها. اللي بيكرهونا كتير يا ابني، بلاش تشمتهم فينا.
يونس بجمود: أنا رايح الأرض وهبعد لكم حد من الرجالة ووردة علشان تروحوا بيها لما الدكتور يدي إذن الخروج.
نواره بسرعة: وتسيبها في وقت زي ده يا ابني.
يونس بضيق: الأرض اتحرقت يما. هروح أشوف حالنا اللي اتدهور ولا أقعد جنبها أقول لها زي الحرامي.
نواره بشهقة: انت بتقول إيه!
مهران بصدمة: استنى أنا جاي معاك. خليكي انتي هنا يا أم يونس.
رحل يونس ولديه الكثير من المشاعر المختلطة: الخوف على زهرة والغضب منها. حمل هم الأراضي والأموال والتساؤل من لديه الجرأة ليفعل هذا وهم في منتصف النهار. ورائه أبيه الذي لا يعلم ما الذي عليه فعله وسط كل تلك المصائب.
في المنزل
كان يجلس مصطفى وهو على أحرم من الجمر، بالطبع لم يستطع الذهاب معهم بسبب عجز قدميه. كان شارد الذهن حتى جاءه الاتصال أخيراً.
مصطفى بسرعة: طمنيني يما. خير.
نواره بحزن: اسكت يا مصطفى، اللي حصل لنا ما حصلش لحد.
وبدأت تقص عليه كل ما حصل مع زهرة، وبالطبع ما قاله يونس عن حرق الأرض.
مصطفى بغضب: مين اللي اتجرأ وعمل كده؟ كل ده يحصل وأنا قاعد في البيت زي الولاية ومش عارف حتى أعاون أخويا.
نواره بطيبة: أهم حاجة إنكم بخير يا ابني. الباقي مش مهم. وانت بإيدك إيه يا حبيبتي، متحملش نفسك فوق طاقتك. الدكتور قال شوية ومرات أخوك تفوق وهجيبها وأجي. حسين جاي هو ووردة.
مصطفى بضيق: طيب يما ترجعوا بالسلامة. سلام.
ما إن أنهى المكالمة حتى رمى الهاتف بإهمال وغضب وظل يفكر حتى ألمه رأسه. فهو يحب أخيه كثيراً ويعلم ما به من ضيق الآن وهو لا يستطيع حتى معاونته بالحديث أو أن يكون بجواره، وهذا جعله غاضباً بشدة.
في منزل أهل ناهد
كانت تجلس وابتسامة الانتصار على وجهها وتضحك بسعادة حتى أدمعت عينيها من كثرة الفرحة لديها. سمعت والدتها صوت ضحكاتها العالية فأتت إليها ونظرت لها بتعجب، منذ متى وهي تضحك من قلبها هكذا.
فادية بتعجب: خير يا رب. مين مات!
ناهد بضحك: خلصت منها أخيراً. البت دي كانت هم على قلبي كده.
فادية بعدم فهم: مين زهرة؟
ناهد بتأكيد: هي ست زفتة. طارت في الهوا.
فادية بسخرية: وفاكراكي يونس هيسيبها كده بالساهل؟ ده دايب فيها وغير كده دي بنت عمه ولا ناسيه.
ناهد بغل: لا مش ناسيه. بس اللي عملته ده حتى لو مش هيطلقها زمانه مش طايق يسمع اسمها حتى. ده يونس وأنا حافظاه، كله عنده إلا إنك تعملي حاجة من وراه وخصوصاً لو حاجة كبيرة زي دي. لو مش هيطلقها دلوقتي يبقى هيطلقها بعدين.
فادية بفرحة: والطريق يبقى ليكي لوحدك زي زمان؟ لأحسن من ساعة ما المحروسة دي شرفت وعليكي قل قوي.
ناهد بكره: على رأيك يما. أنا كنت أول مرة أحس إنه هيطير من إيدي. ده حتى منع الخلفة طول السنين دي مكنش بيتكلم معايا فيها أبداً ولا عمره قلي نكشغ ولا عايز أتجوز علشان أخلف. تيجي في الآخر حتة بت مفعوصة زي دي تاخده من إيدي و...
قاطع حديثها مع والدتها رنين الهاتف فردت والابتسامة على وجهها: أيوه يا صبا. مش ناسيه حلاوتك متقلقيش وهزودها أوي كمان.
صبا: عندي ليكي خبر مش عارفه يفرحك ولا يزعلك.
ناهد بتساؤل: خبر إيه ده؟
صبا: الأرض الكبيرة اللي نص البلد بتاعة يونس بيه اتحرقت النهارده كلها. مش باقي فيها حباية محصول واحدة سليمة.
ناهد بصدمة: إزاي ده حصل؟ ومين اللي عمل كده؟
صبا: محدش عارف. بس واضح إنها مقصودة ومن ناس واصلة. اللي يحرق أرض كبيرة زي دي وفي نص البلد في النهار ده حد قلبه ميت.
أغلقت الهاتف وهي تحركه في يدها بتفكير، ومن ثم هبت من مكانها وجلبت عبائتها وحجابها وارتدتهم سريعاً وهمت بالذهاب.
فادية بتعجب: على فين العزم إن شاء الله.
ناهد بسخرية: هروح أواسي جوزي يما. واجب برضه، مهو أبو ابني في الآخر. سلام.
في المستشفى
وأخيراً وبعد الكثير من الوقت وقد اقترب مغيب الشمس، أفاقت زهرة وهي تمسك رأسها بألم وجسدها بالكامل يؤلمها بشدة، تشعر وكأن أحدهم كان يبرحها ضرباً.
زهرة بألم: آآآه أنا فين.
نواره بسرعة: حمد الله على السلامة يا بنتي. وقعتي قلبي عليكي.
زهرة بعدم فهم: هو إيه اللي حصل يماما؟ في إيه؟
نواره بتوتر: هقولك. وحكت لها كل ما حدث وزهرة تفتح عينيها بصدمة لا تستطيع تذكر أو تصديق هذا الكلام.
زهرة بصدمة: أنا معملتش حاجة والله. أنا عمري ما خدت حاجة، أنا كنت لسه بفكر إزاي محصلش حمل.
نواره بحزن: عارفة يا بنتي، انت متعمليش كده. أكيد في حاجة غلط.
زهرة ببكاء: ويونس صدق يا ماما. سابني ومشى وأنا كنت بموت.
نواره وهي تحضنها بحب: معلش يا بنتي، اللي هو فيه مش سهل. الله يكون في عونه، دي بضاعة بآلاف وفاتحة بيوت ناس.
زهرة بغضب: أنا مراته يا ماما وكنت بموت. أكيد الفلوس اللي راحت مش أهم مني. الفلوس تتعوض. ثم أكملت بحزن: وواضح إن أنا كمان أتعوض عادي.
نواره بسرعة: متقوليش كده يا حبيبتي. انت مشفتيهوش كان عامل إزاي. اهدي بس وكل حاجة ليها حل. يلا خلينا نساعدك تلبسي. بت يا وردة تعالي يلا.
دَلفت للغرفة وردة والتي كان بوجهها الحزن والقلق والغضب أيضاً. ولكنها احتضنت زهرة بحنان فهي تحبها بشدة وبالطبع حزينة من أجلها وقلقة عليها. ساعدوها في ارتداء ملابسها كاملة واستندت على وردة وكانت تشعر بالألم الشديد في جميع أنحاء جسدها. بدأت في السير ببطء بجوار وردة ومن خلفهم نواره التي كانت تنظر لحالها بحزن. وما إن وصلوا للسيارة تبادلت نظرات الغضب بين وردة وحسين والتي كانت واضحة بشدة. ساعدت وردة زهرة في الجلوس وجلست بجواره تحضنها بصدق وبجوارهم نواره التي كانت تربت عليها بحنان.
في أراضي يونس
كان يقف وأمامه الكثير من العمال الذي بعضهم الغاضب والفرح والحزين وحامل الهم. ينظر لهم بترقب، بالطبع أحدهم من فعل هذا وهو سوف يجده بالتأكيد.
يونس ببرود عكس ما في داخله: اللي حصل ده محدش فيكم له ذنب فيه ومحدش فيكم هيقدر يتحمل يوم من غير ما ياكل هو وولاده وانتو أكيد عارفين الخساير كتير. فـ اللي عايز يفضل معايا نعمر الأرض من جديد ويصبر عليا في اليومية بتاعته أهلاً بيه وأشيله فوق رأسي العمر كله. واللي عايز ياخد فلوسه ويمشي يا مرحب برضه بس مشوفش وشه تاني. علشان اللي ميشيلنيش في وقت الأزمة ميبقاش معايا في وقت العز والفرح، ولا أنا غلطان يا رجالة. اللي عايز يمشي يقول.
ساد الصمت بين الرجال وهم ينظرون لبعضهم البعض بثبات، ولكنه لاحظ أحدهم يهم بالذهاب فنظر له ببرود يحفر ملامح وجهه جيداً في رأسه.
الرجال في صوت واحد: إحنا معاك يا يونس بيه.
يونس بإبتسامة: اصرف اليومية للرجالة من فلوسي يا عم محمد وخليهم يروحوا ويروحوا بكرة كمان.
مهران بهمس: شايفك شاكك في حد.
يونس بثبات: معلوم. هيبقى تحت رجلك النهارده بس سيبه ياخد الأمان الأول.
مهران بفخر: ابن أبوك صحيح وهنعدي الأزمة دي زي ما كتير عديناها سوا. ثم سأله بترقب: انت هتعمل إيه مع زهرة.
يونس ببرود: الخاين ملهوش عيش معايا.
في منزل عائلة يونس
كانت زهرة تمدد جسدها في غرفتها وعيونها لم تكف عن البكاء أبداً وبجوارها نواره ووردة.
وردة بحزن: كفايا يا ست زهرة. عيونك تعبوا من العياط، الله يرضى عنك كفايا.
نواره بود: يا بنتي صبري نفسك. هو حد كان لامك على حاجة فيكي إيه بس.
زهرة بغضب: ولما ابنك يسيبني كده ويمشي ده معناه إيه يا ماما هااا.
نواره بحزن: يا بنتي اللي هو فيه و....
كانت ستحاول تهدئتها ولكن قاطعهم هذا الصوت الذي صدم البعض من وجوده.
وفاء بثبات: أنا هاخد بنتي وهمشي. بنتي ملهاش عيش في البيت ده تاني.