تحميل رواية اخر نساء العالمين بقلم سهيلة عاشور pdf
بقلم سهيلة عاشور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى مدن الصعيد الجميلة، والتي تمتاز بطيبة شعبها وجمال خضرتها… كان هناك منزل كبير لأحد أعيان هذه البلد. يجلس مع زوجته وعلامات الغضب تظهر على وجهه. مهران بغضب: بقاله أربع سنين متجوز من غير خلفه… ابني الكبير وولي عهدي من بعدي ومش عارف يجبلي حتت عيل. أنوار (زوجته): صبرك بالله يا حج… وهو يونس كان بكيفه؟ ما يمكن مرته اللي فيها حاجة؟ ما هو محدش رايد يسمع مني ويخليهم يروحوا يكشفوا عند الدكتور. مهران بلهجة صعيدية صارمة: كأنك اتخبطي في عقلك… عاوزة ولدي يروح للحكيم يقله شفني أنا معيوب ولا لأ؟ أنوار بهد...
رواية اخر نساء العالمين الفصل الحادي والستون 61 - بقلم سهيلة عاشور
عقد القران وبدأت ليلة العرس المنتظرة.
فوق المسرح الخشبي كان يرقص مصطفى مع حسن تلك الرقصات الشعبية وهو يبتسم ويحرك جسده يمينا ويسارا في محاولة منه لمجاراة باقي الشباب والرجال الملتفين حول حسن فرحين ومهنئين له.
حسام يقف جانبا ويصفق بيده وهو يضحك على أفعال مصطفى الذي وبالفعل يئس الجميع منه، ولكنه كان ولا يزال أخاهم الصغير والحبيب المرح لقلبهم.
أما عروسنا المصونة فكانت ترقص بفرحة كبيرة وتزغرد كل دقيقة تقريباً وتقفز وكأنها شابة صغيرة كانت تنتظر حبيبها الذي عشقته سنوات سرا، وأخيراً جمعهم القدر.
كانت تقف بجوارها الجارات، فمنهن من يبتسم فرحاً لأجلها ومنهن الحاقدة عليها، وذلك بسبب أموال حسن الكثيرة على الرغم من أنه رجل بسيط وشعبي بعض الشيء، ولكنه من أشهر وأغنى تجار اللحوم في منطقة القاهرة تقريباً.
وبجوارهم هبه التي كانت تضحك بفرحة لتلك الأجواء التي حرمت منها تقريباً طوال حياتها.
جذبتها حسنات على غفلة وهي تهز يدها تجعلها ترقص معها.
لتجاريها هبه وهي تضحك بشدة على أفعالها الغريبة.
وفي وسط تلك الشحنات من الأفعال والمشاعر يجلس بطلينا على في الصفوف الأولى من تلك الكراسي المرصوصة في أرضية الحارة أمام المسرح الخشبي.
تنظر زهرة نحو يونس وهي في قمة غضبها حتى كسا وجهها الحمرة.
كانت تحدق به وهي ترفع إحدى حاجبيها للأعلى وتزفر بقوة وصوت مسموع.
لف رأسه لها ببرود ومن ثم نظر أمامه وهو يبتسم لأخيه ويصفق بحرارة، مما زادها غضبها.
لتمسك إحدى خديه في يدها لتعدل من وجهة رأسه ليكون في مقابلها.
ومن ثم تحدثت بحده:
_ وبعدين معاك بقا... انت زهقتني في عيشتي.
نزع يدها ببرود ومن ثم ربت عليها وقرص وجنتها بلطف وهو يقول:
_ أي بس يا ورق العنب مين زعلك وأنا أمحيه من على وش الدنيا... جربيني دا أنا أعجبك أوي.
نظرت له بصدمة.
فهذا يونس حقاً يتفنن في جعلها غاضبة.
_ انت بتستعبط يا يونس صح... أي اللي انت عملته من شويه دا وإزاي تتعصب عليا كده أنا كنت عملت أي يعني كل دا عشان بتصور مع هبه فيها أي كل الناس بتتصور إحنا في فرح... وبعدين انت هتفضل مقعدني كده زي الستات العواجيز كده كلهم فوق على المسرح وأنا الوحيدة اللي قاعدة هنا هو في إيه بالظبط انت عاوز تزعلني وخلاص.
زفر بضيق وهو لا يستطيع تجميع ذاته وحديثه.
فعلى الرغم من ثقل هذا الشعور الذي بداخله إلا أنه لا يستطيع وصفه لها.
هي زوجته، حبيبته، فتاته وملجئه الحنون، ولكن لا تفهم ما يشعر به.
غيرته عليها قوية لدرجة أنه يخشى عليها إذا انفجرت تلك الغيرة بقى.
يغار عليها من صديقاتها ويغار عندما تجلس لوقت طويل مع هبه يتحدثون أو عندما تبادرها بالسلام والأحضان.
لا يعلم ما حدث به، ولكن عندما يلقي عليها مصطفى تحية الصباح يشعر وكأن قلبه يحترق.
فحقا كيف له أن يشرح هذا لها؟ بالطبع الكلام العابر لا يوصف تلك المشاعر القوية الصادقة.
انتظرت رده لوقت طويل ولكنه صامت وشارد.
فشعرت بالغضب والحزن وفرت دمعة من عينيها رغماً عنها.
فجذبت حقيبتها الصغيرة وهاتفها ولملمت ردائها واقفة تهم بالذهاب.
_ أي دا انت رايحة فين.
قال ذلك حيث أفاق من شروده عندما لاحظها تقف أمامه وهي تدير رأسها في اتجاه المنزل.
لم تعطه اهتمام بل خرجت من وسط الكراسي وهي تمشي بسرعة شبه راكضة نحو المنزل.
فوقف هو الآخر وذهب خلفها مسرعاً.
***
دَلفت للمنزل وهي تنزع عنها خمارها بغضب وبدأت في نوبة من البكاء والغضب التي كانت هي نفسها متعجبة منها.
وبدأ شيطانها يصور لها أن يونس بدأ أن يكرهها وينفر منها وأنه لا يحبها ويريد الزواج بأخرى والكثير والكثير من الأشياء المزعجة بدأت تأتي في تفكيرها وخاطرها.
انهارت أرضاً وهي تبكي بقوة وحتى أنها لا تستطيع تفسير سبب بكائها هذا.
فتح الباب وهو يبحث عنها بعينيه ليجدها تجلس أرضاً بهذا الوضع.
نظر لها بتعجب كبير وهو لا يعرف كيف أو ماذا يفعل لها.
أثنى ركبيته ونزل متكئاً عليهم بجوارها وهو ينظر لها بحزن شاعراً بالاختناق من أجلها.
وضع يده عليها وهو يربت على ظهرها بحنان ونبرة حب صادقة.
_ مالك يا حبيبتي... متوجعيش قلبي عليكي زهرة دموعك دي بتدبحتي لي كده بس يا حبيبتي أنا زعلتك في حاجة... طب حد عملك حاجة.
نظرت له بغضب وهي تنفض جسدها من بين يديه واقفة تضع يدها على خصرها وهي تقول بصوت عال وجدية:
_ نعم... انت هتعمل فيها مش عارف يا يونس انت خلاص من كتر قعدتك مع المعلم حسن عاوز تبقى زيه صح أنا قصرت معاك في أي.
اتسعت عيونه بشدة وفاهه من هول صدمة ما تقول تلك المعتوهة.
من الذي أريد أن أكون مثله أو ماذا فعلت من الأساس يا ابنتي؟
منذ دقائق فقط كنتي تجلسين بجواري ونحن مرتاحون تماماً، ماذا بك؟
أخذ نفساً عميقاً ومن ثم اقترب منها وهو يفتح ذراعيه الاثنين في محاولة منه لضمها إليه، ولكنها ابتعدت سريعاً منا جعله بدأ في الغضب.
أغمض عينيه وهو يستغفر ربه محاولة منه في تهدئة نفسه.
_ زهرة أي الكلام الخايب اللي بتقوليه دا... أنا عمري ما بصيت لواحدة مش حلالي أبداً وكمان أنا من وقت ما اتجوزتك عمري ما فكرت أتزوج بعدك، مين اللي ضحك عليكي بالكلام دا... ممكن تهدي وتقوليلي مالك... يا زهرة أنا بحبك أنا يونس حبيبك من إمتى وأنت بتعلي صوتك وأنت بتكلميني ولا من إمتى وأنت بتقولي أو بتفكري في الكلام دا أصلاً في أي.
مسحت عيونها من شلالات الدموع التي تهطل منها وهي تقول:
_ أمال مش طايقني لي... وعمال تدور على أي حاجة تزعلني علشان عاوزني أنا اللي أطفش صح.... عاوزني أنا اللي أمشي علشان تفضل انت اللي الحلو دايماً وبعدها طبعاً تتجوز.....
ثم أكملت وعروقها قد برزت من الغيرة:
_ بس يكون في علمك عمري ما هخليك تتهنى بيها يا يونس هموتها.
لم يستطع تمالك نفسه عند سماعه لتلك الجملة فدخل في نوبة من الضحك وجلس على إحدى الكراسي الذي كان خلفه وهو لا يزال يضحك.
_ هي مين دي يا بنتي... زهرة انت فيكي يا حبيبتي ادخلي كده اغسلي وشك وتعالي نتفرج على التليفزيون.
غضبت أكثر من ضحكاته وتعامله ببرود في هذا الموقف الذي بالنسبة إليها موقف جدي للغاية.
_ تليفزيون أي... بقلك أي يا يونس انت هتنام مع مصطفى النهارده.
أنهت حديثها ومن ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها ولفت وجهها في الجهة الأخرى مما جعله غاضب حقاً.
فإقترب منها وعلامات الغضب تظهر جلياً على وجهه مما جعلها تزدرق ريقها بخوف وتوتر.
_ أقسم بالله يا زهرة لو عيدتي الجملة دي تاني هسيبلك البيت خالص انت فاهمه.... وبعدين مش عشان مدعلك تنسي أني جوزك ولازم تحترميني وتبطلي بقا شغل العيال دا انت مش صغيرة انت فاهمه أنا عمال أقول دي هرمونات وهتروح لحالها وأقول كتر خيرها شالت عني كتير وزمانها تعبانة بس كده كتير يا زهرة انت غلطتي أوي المرة دي.
تركها ودلف للغرفة وبدأ في فتح خزانة الملابس بقوة حيث جعل بابها يرتطم بقوة مما جعلها تنتفض وهي تشعر أن لديه الحق.
فمنذ أن تزوجها من يونس لم تلاحظ لو لمرة واحدة أنه ينظر لمرأة أخرى فهو ليس من هذا النوع من الرجال كما أنه دائماً وفي كل الظروف يغمرها بحبه وحنانه البالغ وهي مقتنعة بهذا ولكنها لا تعلم ما الذي يدفعها لتقوم بهذا.
دَلفت للغرفة فوجدته قد بدل ملابسه وجلس على السرير يعبث في هاتفه دون اهتمام وهو يشرب لفافة من التبغ.
نظرت له بحزن ومن ثم أخذت بعض الملابس وأبدلت ثيابها سريعاً.
عندما وجدته كاد أن يغط في النوم فأقتربت منه وهي تمسكه بقوة ليفيق.
_ قوم يا يونس.... قوم انت واحشني اقعد معايا.
زفر بضيق وهو يفرك مقدمة رأسه دون أن ينظر لها.
_ نامي يا بت.
_ لا مش هنام... قوم انت واحشني بقلك اقعد معايا.
لم يعطها اهتمام وجذب الغطاء عليه وأغمض عينيه في استعداده للنوم.
جذبت الغطاء سريعًا وعبرت من فوقه وهي تضحك على تذمره، ومددت جسدها ملتصقة به داخل أحضانه. نظر لها بحدة مصطنعة.
"مش بعرف أنام غير في حضنك يا يونس."
اقتربت منه أكثر، تحاوط عنقه بيدها، مما جعله يزفر باستسلام وهو يضع يده على ظهرها يقربها منه. ناما سويًا.
***
كان يسير بعدما أنجز بعض المهام التي وُكّل بها. وقد تأخر الوقت، حيث قارب أذان الفجر، وكان الظلام والسكون يعمان أرجاء الحارة بأكملها. يسير وهو يضع يده على رأسه بإرهاق، ومع ذلك لديه شعور بالسعادة والراحة لما أنجزه. لفت نظره تلك الواقفة في شرفتها وهي تحتسي شايها وتضع قطعة كبيرة من القماش عليها. رفع سيد عينيه نحوها ليجدها تجلس في منتهى الراحة، وهي دائمًا ما تثير غيظه بمواقفها الغريبة معه. اقترب من مكانها وهو ينظر حوله بحذر من أن يكون أحد رجال المعلم حسن موجودين، ولكن لم يكن هناك أي أحد.
"إنت إيه اللي مسهّرك لحد دلوقتي؟"
نظرت له منى وهي ترمش بعينيها بغيظ من الشخص الذي أقسمت أنه يجلب عدم راحة البال. فكلما رأته انتابها صداع نصفي من كثرة الغضب، فقالت بحدة واضحة:
"وإنت مالك؟ إنت هتصاحبني ولا إيه؟ روح شوف إنت رايح فين عشان متجبش لنفسك كلام. ثم أكملت بسخرية: يا سي السيد."
لا يعلم لماذا، ولكنه ابتسم على حديثها ابتسامة واسعة، ومن ثم أطلق ضحكة خافتة وهو ينظر لها بثقة.
"دي إنت متابعاه وعارفة اسمي كمان. تكوني معجبة وأنا مش عارف."
"إنت باين عليك مخدوع في نفسك. روح من هنا، وده تحذير عشان أنا صرخة واحدة بس مني ومش هتشوف نور الشمس تاني، وإنت عارف أنا بنت مين، مش محتاج أعرفك يعني."
"عارف يا ست الحسن والجمال. إنت قلت أواسيكي وآخد بإيدك، بس أقول إيه؟ خير تعمل شر تلقى."
"تاخد بإيدي! لي شايفني بشحت ولا إيه؟"
"لا أبدًا، إنت اللي زيك يشحت، لي ربنا يزيدكم من نعيمه. بس يعني واحدة اتجوز للمرة التالتة النهارده، أكيد زعلانة."
أخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول تدارك نفسها أمام ذلك المتطفل الذي يتدخل فيما لا يعنيه. "وأنا هزعل إيه؟ أبويا معملش حاجة غلط ولا حرام، ده اتجوز على سنة الله ورسوله، وكمان الحمد لله مش مخلينا عاوزين أي حاجة، وقبل ما نفكر في الحاجة نلاقيها قدامنا، وكمان بيعامل أمي باحترام وتقدير. وإذا كان فيه مشاكل بين زوجات أبويا وبعضهم، فدا طبيعي لأنهم ضراير مش أخوات، يعني. لكن أنا بنته ومليش علاقة بكل دا. ثم أكملت بسخرية واضحة: إنت بس اللي شكلك شاغل نفسك أكتر مني. تكون كان عينك منه وغيرانه عليه ولا إيه؟" أنهت آخر كلماتها بغمزة وضحكة ساخرة، ومن ثم أغلقت الشرفة سريعًا ودلفت للداخل، مما جعله ينتابه الصدمة والغضب في نفس الوقت.
"إيه البت دي... بس هتروح مني، أنا هرويها غتاته زي أبوها."
***
كانت تجلس في تلك الغرفة الصغيرة وكالعادة تشاهد هذا التلفاز الصغير بملل، فإذا بالباب يفتح سريعًا وتظهر منه تلك الفتاة الصغيرة، ولكن تلك المرة كانت تضحك بسعادة، مما جعل سمية تتعجب بشدة.
"ست سمية... الحقي اللي حصل. ربنا المنتقم الجبار مش هيسيب الظلم ينتصر أبدًا."
"لي؟ فيه إيه؟ ضاحي حصله إيه؟"
"مش البيه يا هانم. دي ناهد بيقولوا اتقبض عليها في كمين ولقوا في العربية اللي هي راكباها مخدرات."
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثاني والستون 62 - بقلم سهيلة عاشور
في صباح يوم جديد،
تلك الفتاة التي أصبحت الآن تشعر وكأنها تملك كنوز الدنيا بأسرها، فمن أسر قلبها ينام بجوارها بعدما تم زواجهم بعد كل هذه المدة. متيقنة تمامًا من داخلها أن الله من عليها بفضله بالرجل الصحيح. تتذكر كيف كان هادئًا، مراعيًا، حنونًا، ومقدرًا لكل ما مرت به. أخذها فقيرة، بالية، ومشوهة نفسيًا وجسديًا من كثرة ما تعرضت إليه في حياتها، ولكنه لم ينظر أو يفكر بما يظهر عليها، بل دقق في جوهرها الداخلي. كان مختلفًا، وحتى ما حدث بينهما ليلة أمس كان مختلفًا. تتذكر كلماته الحنونة لها حتى يزيل تلك الرهبة والتوتر الذي حل بها، عندما طالبها بأن يتمم زواجهم أمام الله سبحانه، وأنه يريد ذلك وبشدة.
نظرت له بتعمق وهي تأخذ نفسًا عميقًا، وتلك الابتسامة الهادئة على وجهها البشوش. تتأمل ملامحه الرجولية الهادئة الواثقة، تقسم بداخلها أنه لا بد أن يكون طبيبًا للأطفال من فرط الطبع الحنون الذي يملكه.
قاطع شرودها هذا رنين هاتف حسام، مما جعله يفتح عينيه ببطء فوجدها أمامه. ابتسم ثغره لا إراديًا وهو يُملي عليها تحية الصباح.
"صباح الخير يا هبة."
ثم مال في اتجاهها قليلاً، يطبع على جبينها قبلة هادئة مما جعلها تبتسم في سعادة وخجل.
"صباح النور. موبايلك بيرن من بدري، أكيد في حاجة مهمة."
"الحاجات المهمة كترت أوي اليومين دول."
مال بجزعه لجواره وجذب الهاتف ليرى الكثير من الرسائل، والتي بعثها سيد وبعض الرجال الذي يعمل معهم في الشرطة. قرأها بتركيز، ومن ثم ردد بعض الأدعية ليبث الله في قلبه الطمأنينة. ومن ثم نظر لتلك التي كانت تتابع ملامح وجهه باهتمام، وابتسم بهدوء وهو يداعب أرنبة أنفها بخاصته، قائلاً بنبرة هادئة ولكنها غريبة بعض الشيء.
"قومي غيري هدومك علشان هنروح لعم مدني."
"اشمعنى يعني؟ دا حتى امبارح تعبنا أوي في الفرح، خلينا نريح النهارده في البيت."
"معلش يا هبة. بس وحشني أوي، مش انت حبيتيهم ولا إيه؟"
"أيوه طبعًا. دول طيبين أوي، بس أنا كنت بقول نرتاح مش أكتر."
نظر لها بحب، وعيونه يملؤها الكثير من الهم. لاحظتها بقوة، ولكنها حاولت أن تكذب إحساسها هذا، وخصوصًا وأنهم كانوا يقضون سويًا أفضل الأوقات، ولم يمر الكثير حتى تحدث المصائب. قاطع تفكيرها عندما قال بهدوء.
"أنا هقوم أجهز، وياريت انت كمان تجهزي. صحيح، قليلي زهرة كويسة؟"
"آه كويسة. أنا رحت لها امبارح، هي هرموناتها متلخبطة شوية بس..."
ثم أكملت بابتسامة فرحة: "شكلها كده إن شاء الله هتكون حامل ونفرح شوية بقا."
نظر لها بابتسامة قائلاً بنبرة تمني: "يارب يا هبة."
ثم قال وتلك الغصة متشكّلة في حلقه: "نفسي نرتاح شوية ونفرح بقا."
تحدثت برضا وإيمان كبير: "أنا واثقة في ربنا يا حسام. ربنا عالم بنيتنا واللي مرينا بيه، وكمان مش هيرضى بالظلم، اطمن."
نظر بفخر لزوجته وارتاح قلبه قليلاً بعد هذا الحديث المعسول: "إن شاء الله. يلا اجهزي بسرعة."
تابعته وهو يرحل من الغرفة، وابتسامتها لن تفارقها لحظة واحدة. قلبها يشعر بالسعادة بشكل كبير. فلأول مرة في حياتها تشعر بهذا الشعور الذي يغمر قلبها ويملأ بدنها حتى أظافرها. تشعر بالراحة اليوم، فلعل هذا يدوم.
***
لم يزر النوم عينيها طوال الليل، فبعدما أخبرتها زينب بما سمعته، وظل عقلها يفكر ولم تغفل لحظة. لا تعلم من فعل هذا أو ماذا سيحدث بعد تلك الواقعة الشنيعة التي حتمًا ستقلب كل الموازين عليها. فكانت تخطط أن تجعل من ضاحي فأرًا لمصيدتها، وهو يأكل سم تلك المصيدة على مهل ومن دون أي شعور منه. ولكن مع ذلك الحادث الذي وقعت به ناهد، لا تعلم إلى أين سوف يأخذها ويأخذهم جميعًا. فناهد تعتبر أقوى شاهد لتلك القضية، وإن حاول قتلها أو إجبارها على أن تتحدث بغير حق، سوف يضيع أمل كبير لها. تذكرت كيف قصت زينب عليها ما حدث.
**Flash Back:**
عندما أخبرتها زينب بما حدث، تعجبت سمية كثيرًا. فناهد الآن تعيش تحت حماية أخيها، والذي له الكثير والكثير من علية القوم، والذين يعملون على حمايته هو ومن حوله من كل سوء.
"إيه اللي بتقوليه دا يا زينب؟ حصل إمتى وعرفتي إزاي؟"
تحدثت الفتاة وهي تحاول جاهدة في أخذ أنفاسها: "أصل يا هانم..." تحدثت بحرج وتقزز، واغرورقت عينيها بالدموع: "البيه ضاحي نداني علشان كان عاوزني، وقبل ما يحصل حاجة بينا موبايله رن، ولما رد كان صوت راجل من رجاله بيقوله إن الست ناهد وقفها ظابط في كمين، وكشف على البطاقة المزورة اللي معاها، وكمان فتش العربية ولقى فيها مخدرات بكمية كبيرة، وقبضوا عليها. وقاله كمان إنها في الغالب هتبقى قضية تجارة في المخدرات، مش مجرد تعاطي، لأن اللي معاها كانت كمية كبيرة. وقتها هو لبس بسرعة ومشى. معرفش راح فين. أنا من فرحتي جيت عليكي جري يا هانم أقولك، ربنا قادر على كل شيء."
**Back:**
فاقت من شرودها على يد زينب، والتي قد امتدت لها بالطعام. نظرت نحوها سمية بهدوء، عكس براكين التفكير والفضول التي بداخلها. أخذت منها قطعة الطعام، وربتت على يدها بامتنان، وهي تتحدث بخفوت.
"بتقرفي منه أوي كده يا زينب؟"
نظرت لها الفتاة بعدم فهم، فتحدثت سمية موضحة لها: "أقصد ضاحي. فرحة عينك امبارح وأنتِ بتقولي موبايله رن قبل ما يحصل حاجة بينا كانت باينة أوي. بتقرفي منه أوي كده؟"
اغرورقت عينيها بالدموع وهي تنظر لها، وعلى وجهها ابتسامة منكسرة: "لا يا هانم. أنا بس بقرف من نفسي، مع إن ربنا وحده عالم إني مليش ذنب أبدًا في اللي أنا فيه دا. أهلي هما السبب، منهم لله باعوني علشان شوية فلوس."
تحدثت بقهر واضح، مما جعل قلب سمية يحزن بشدة من أجلها: "والله يا هانم ساعات كتير وأنا بصلي، بتكسف من نفسي. اللي هو إزاي أركع لربنا، طالبة رضاه وستره عليا، وأنا عارفة إنه ضاحي هينادي عليا علشان أغضب ربنا معاه. والله يا هانم، أنا أول ما جابني كنت بدافع عن نفسي بس، ما كنتش بقدر. حاولت كتير أوي انتحر، بس برضه ما كنتش بقدر."
تحدثت وبدأت دموعها في الهطول بشكل غزير: "بشوف نظرات الحرس ليا وعيونهم اللي بتاكل في جسمي، وهما شايفني رخيصة. بتصعب عليا نفسي أوي، لأني مش كده. ليه أتحط في مكان مش مكاني."
نظرت لها سمية بحزن واشفاق كبير، فتلك الفتاة الصغيرة تحمل كل هذا الهم والغم في قلبها الرقيق، ولا أحد يعلم به. نهرت نفسها بشدة، فحتى هي عندما رأتها أول مرة، ظنتها إحدى فتيات الليل التي كان يجلبهم أخاها اللعين. فتحت ذراعيها لترتمي زينب بينهم، تبكي بقوة وقهر على حالها، وسمية تغمض عينيها بألم وإرهاق، وهي تربت على ظهرها محاولة بث الأمان بها.
"إن شاء الله يا زينب نخرج من السجن دا، إحنا الاتنين. ووقتها أوعدك هخليكي تدرسي، وربنا هيعوض عليكي براجل يخليكي أسعد واحدة في الدنيا، وأنا هكون أختك وأكتر. وعندي أهل مفيش أحن من قلبهم، هيعاملوكي أكتر من بنتهم."
تحدثت من بين دموعها بقهر ونبرة من السخرية على حالها: "أديكي قلتيها يا سمية هانم، راجل. هو في راجل هيقبل على نفسه ياخد واحدة زيي."
ابتسمت سمية بثقة: "هتشوفي بكرة هيحصل إيه. ربنا شايلك حاجة كبيرة أوي لبكرة، انت بس قولي يارب."
جففت دموعها وهي تنظر لها بامتنان: "يارب يا هانم، يارب."
قاطع حديثهم أصوات عالية في الخارج، مما جعل زينب تفزع من مكانها، واقفة تحاول أن تفهم ما يجري. ولكن قبل أن تعرف أي شيء، فُتح باب تلك الغرفة بقوة، وظهر منه تلك الهالة القوية، وهو يتحدث بنبرة فظة غليظة مثل الأفعى.
"إيه يا سمية هانم، مالك اتخضيتي كده؟ دا أنا النهارده عاملك مفاجأة جميلة أوي. تعالي يلا علشان وصلت وهتحتاج تشوفك."
***
صدحت أصوات المارة ووسائل المواصلات من حوله، وهو يرتب أدواته الخاصة بعمله، ويبتسم بمكر على غير العادة، مما جعل مصطفى يتعجب بشدة لأمر أخيه. ولكنه كان يصب تركيزه تجاه هذا العاشق الصغير المراهق، الذي يأتي وعلى وجهه ابتسامة واسعة بلهاء، يتقدم منهم وهو يحمل بعض الشطائر الذي أحضرها من أجل طعام الإفطار. قال بهيام وهو يضع الشطائر على تلك الطاولة الصغيرة.
"صباح الخير يا معلم مصطفى. يسعد صباحك يا يونس باشا، أحلى ميكانيكي في مصر كلها."
تعجبوا كثيرًا لتلك الحال التي هو بها، مما جعل مصطفى يجذبه سريعًا ليجلس بجواره، وهو ينظر في عينيه بطريقة غريبة: "انطق يلا، فيه إيه؟ أوعى تكون كلمت بنت المعلم حسن دي تاني، إحنا مش ناقصين، انطق."
ابتسم يونس وهو يحرك رأسه بيأس من ذلك الثنائي، فأخيرًا وجد مصطفى من يشبهه في ذلك المخ اللعين وطريقة التفكير. تحدث بضحكة طفيفة: "خلاص يا مصطفى، سيبه. أحمد راجل، وهو كان واعدنا مش هيقرب ليها إلا في الحلال، اطمن، أنا واثق فيه."
زفر أحمد بارتياح وهو يقول بسرعة: "آه والله يا معلم، أنا عند وعدي." ثم تحدث بحرج: "أنا بس شفتها من شوية، كانت وحشاني أوي يا معلم، زي القمر دايماً. إمتى بقا العمر يعدي بسرعة علشان أكون معاها."
أشفق مصطفى على حاله، وخصوصًا أنه يعتبره أخيه الصغير. ربت على كتفه بحنان: "طالما نيتك خير، إن شاء الله ربنا يجعلها من نصيبك."
قاطعهم يونس وهو يمثل الصرامة: "إيه يا أخويا أنت وهو، هنقضيها كلام؟ مش نقوم بقا نشوف شغلنا."
أومأوا له وهم يضحكون كالعادة، وبدأوا في تناول فطروهم، وهو يعملون بجد.
***
تململت بطلتنا في نومها بعدما شعرت بفراغ السرير من حولها، فعلمت عندما فتحت عينيها أن يوتس قد رحل للعمل. نعم، تعجبت من ذلك وغضبت أيضًا، فتلك تقريبًا أول مرة يرحل من المنزل دون أن يتناول طعام الإفطار معها أو يودعها على الأقل. فقد أيقنت الآن أنه بالفعل غاضب بشدة منها. بدأت تعيد ذاكرتها لكل ما فعلته معه في الآونة الأخيرة، واعترفت لنفسها أنها وبالفعل أخطأت كثيرًا، وأنه حقًا تحمل الكثير. وبدأت تتذكر حديث هبه لها، وأنه من المحتمل أن يكون كل هذا بفعل اضطرابات هرموناتها بفعل الحمل. فهبت سريعة تفتح إحدى الأدراج وتخرج منه هذا الجهاز الصغير، والمدعو باختبار الحمل، وبدأت تقرأ كيف يتم استعماله لجهلها التام بتلك الأمور، ولكنها في النهاية فهمت. ودلفت للمرحاض، وبدأت في عمل الاختبار، ولكنها لم تفهم نتيجته لعدم خبرتها، فقررت الاتصال على هبه.
"الو... أيوه يا هبه، بقلك أنا عملت اختبار الحمل دا، بس مش عارفة أنا كده حامل ولا لا."
تحدثت هبه عبر الهاتف: "طب قليلي، ظهر لك إيه؟ أو ابعتيلي صورة."
"حاضر... هبعتلك صورة دلوقتي."
أغلقت المكالمة، والتقطت صورة لنتيجة الجهاز وأرسلتها لهبه عبر تطبيق واتساب. وما إن أرسلتها حتى سمعت صوت رنين جرس الباب. فذهبت سريعًا وارتدت إسدال الصلاة الخاص بها، وهمت بفتح الباب، ولكن اعتلت الصدمة وكست الرهبة وجهها عندما رأت الطارق.
ولكن قبل ان تُظهر اي ردت فعل كانت تقع ارضا معشيا عليها............
**********************************
•
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثالث والستون 63 - بقلم سهيلة عاشور
كانوا يجلسون في ألفة واضحة بينهم وهم يحتسون أكواب الشاي الدافئة التي تشبه قلوب أفراد هذه العائلة. كانوا يتحدثون ويمرحون، وتغمرهم طيبة قلب العم مدني وزوجته. وأثناء هذه الجلسة، قفزت هبة فرحًا وهي تصرخ ضاحكة من قلبها، حيث تلقت رسالة عبر برنامج واتساب تحمل الصورة التي التقطتها زهرة لاختبار الحمل الخاص بها.
تعجب حسام كثيراً منها، وخصوصًا أن لديه بعض الخفايا التي جعلته متوتراً ومضغوطاً قليلاً. تحدث إليها وهو يحاول إخفاء توتره:
"خير يا هبة، في إيه؟"
نظرت له وهي ترفع الهاتف أمامه بابتسامة واسعة وصادقة:
"زهرة حامل يا حسام... ربنا بيحن علينا عشان نفرح شوية، عقبال لما الحق يرجع لأصحابه يا رب."
نظر لها وقد سعد بشدة من أجل صديقه وأخيه الروحي، ومن أجل زهرة أيضاً، فهو يعدها بمثابة أخته. تحدث مدني بحب صادق:
"مبروك يا بني، ربنا يكملها على خير وعقبالكم يا ولاد."
تحدثت زوجته بوجهها البشوش:
"دي أنا يومها هفرق شربات على الحارة كلها، ده يبقى يوم المنى لما يجيلنا حتة عيل يملى علينا حياتنا ويبقى ابنك يا حسام."
نظر لهم بحب كبير، فهم مثال للعائلة الطيبة. لو كان الأمر بيده لكان ظل معهم دائماً، فهم دائماً ما يشعروه بأنهم عائلته الثانية.
قاطع فرحتهم دق هاتف حسام، ليتعجب من رقم المتصل، وتمنى أن يكون ما يدور في رأسه ليس صحيحاً، فأجاب بتردد:
"أيوه يا بني، خير."
"الحق يا حسام باشا... ضاحي خد سمية هانم ومش عارفين رايح بيها فين."
"يعني إيه خدها مش فاهم... وإزاي مش عارف رايح بيها فين، وأنت لازمتك إيه بوقفتك عندك دي؟"
"والله يا باشا أنا بعمل اللي عليا، وأنت عارف رقبتي فداكوا... بس إحنا لقيناه فجأة شايلها وركب بيها عربيته، ومحدش أي حد منا معاه. أنا لحم كتافي من خيركم يا باشا، عمري ما أخون أبداً."
زفر حسام بضيق وهو يحاول تمالك أعصابه، حيث إنه يعلم حق العلم أن الرجال الذين زرعهم وسط رجال ضاحي على قدر عالٍ من الثقة، ودائماً ما كان يونس يقف بجوارهم وكانوا يعملون لديه، ودائماً ما كان يغمرهم بالعطايا والمال. تحدث إليه وهو يضغط على أسنانه من الغضب:
"طيب اقفل دلوقتي... ولو عرفت أي حاجة تعرفني على طول."
أثناء تحدثه في الهاتف، كانت هبة تحاول لأكثر من مرة الاتصال بزهرة ولكن لا رد، مما زرع القلق في قلبها، فهي منذ دقائق فقط كانت تهاتفها.
"حسام... زهرة مش بترد، ما تكلم يونس كده تشوفها معاه ولا إيه؟ بقالي كتير برن، قلقت عليها."
"أنا كده كده رايح دلوقتي."
"طب يلا... استنى هاخد حاجتي."
ازدرق ريقه بصعوبة وهو يقول لها بصوت متخشّرج:
"أنتِ هتفضلي هنا، مش هتيجي معايا يا هبة... المشوار اللي أنا رايحه مينفعش تكوني فيه معايا."
امتلك الرعب قلبها، فنبرته كانت لا توحي بالخير أبداً:
"يعني إيه يا حسام؟ مش أنت رايح ليونس؟ أنا كمان هاجي معاك أطمن على زهرة... هو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة."
أمسك يدها بلطف، يربت عليها بحنان، ومن ثم جذبها بين أحضانه يبث فيها الطمأنينة قائلاً:
"معنديش وقت أشرح لك، بس كل اللي عاوزه منك تدعي لنا يا هبة... وعشان خاطري لو بتحبيني، أوعي تسيبي بيت عم مدني، حتى لو غبت عنك شهور."
أظلمت عينيها بتيه وهي لا تفهم أي شيء مما يقوله. وضعت يدها على وجهه وبدأت عيناها تتجمع بها الدموع:
"أنت بتقول إيه يا حسام؟ يعني إيه هتغيب عني؟ وأدعي لمين؟ أنا مش فاهمة حاجة يا حسام، عشان خاطري فهمني في إيه؟"
أغمض عينيه بقوة، فبدأت الأمور تزداد سوءاً، ويجب عليه الرحيل قبل إيذاء سمية أو أي من البقية. قربها أكثر إليه يحتضنها بقوة وهو يأخذ أنفاسه بقوة:
"ثقي فيا يا هبة، أرجوكي ثقي فيا، وبس، تمام؟"
أومأت برأسها من بين دموعها الغزيرة وهي تقول:
"واثقة فيك يا حسام... أنت أول شخص يحسسني بالأمان في حياتي، ربنا يردك ليا بالسلامة يا حبيبي."
مد يده يمسح دموعها وقلبه يعتصر ألماً، فهو يعلم أن ذلك اليوم سيكون صعباً للغاية على الجميع. قبل مقدمة رأسها وهو يزفر أنفاسه بضيق، ومن ثم مد يده يخرج ورقة مطوية من جيبه ويعطيها لها:
"دي عشانك يا هبة... افتحيها بعدين، بلاش دلوقتي، فيها كلام مهم أوي، أكيد هيفرحك جداً."
أنهى حديثه وهو ينظر للعم مدني وزوجته بابتسامته المعتادة:
"مراتي أمانة عندك يا عم مدني، وزي ما وصيتك يا راجل يا طيب، أشوفكم بخير."
ودعه الجميع بحرارة وهم يدعون له ويرجون الله أن يعود لهم سالماً. أما هبة، فكانت تلوح بيدها له وعيناها تزرف الدمع. وما أن أُغلق الباب، حتى ارتمت بين أحضان زوجة مدني تبكي بحرقة من شدة الخوف على زوجها وهول الصدمة التي تعرضت إليها.
**********************************
في الحارة
كان يونس ومصطفى وأحمد يعملون بجد، فقد كان لديهم الكثير من الأعمال المتراكمة أثناء يوم عرس المعلم حسن. كان يونس شارد الذهن بما فعله وخطط له، وفي نفس الوقت يشعر بشعور عدم الراحة، لا يعلم ما سببه. وإذ فجأة، وجد هاتفه يصدح بالرنين، فأمسكه بتكاسل من ضغط الأفكار لديه، ووجده رقم غير مسجل بالهاتف. زفر بحنق وهو يجيب، فأتته صوت لم يود أبداً أن يستمع إليه، وكان صوت هذا البغيض ضاحي قائلاً بانتصار:
"إزيكم يا ابن مهران... وحشتني أوي، قلت أسمع صوتك كده وأطمن عليك. آخر أخبار سمعتها عنك إنك بقيت ميكانيكي مش لاقي تاكل."
زفر وهو يسبه بأبشع الألفاظ، والآخر يقهقه على نفس حالة البرود التي يملكها:
"إيه يا بس يا عم يونس... أنت لي تعرف اللي ليك معايا دلوقتي؟ مش هتتكلم كده خالص، دا أنت هتقلي يا أبيه."
زاد غضبه بشدة وهو يكور قبضة يده، ضاغطاً عليها بقوة:
"عايز إيه... لخص."
أجابه الآخر بمكر ونبرة بغيضة يملؤها الشهوة:
"تعرف، طلعت تستحق كل اللي بتعمله عشانها دي... أنا طول عمري بقول عليك حظك حلو. إيه الجمال ده؟ حتى في الفقر والطحن اللي أنتو فيه زي القمر، سبحان اللي خلقها، ملكة جمال."
اصفر لون يونس، وهو فهم ما يرمي عليه ذلك اللعين، داعياً في نفسه أن يكون ظنه خاطئاً. أظهر البرود والتماسك أمامه قائلاً:
"أنت بتقول إيه يا جدع أنت، ما تتكلم زي الناس."
ضحك ضاحي بشر وهو يقول:
"طب بقولك إيه، هرن عليك فيديو كده أوريك حاجة هتعجبك أوي... افتح كده."
بالفعل، لم تمر إلا ثوانٍ قليلة، وصدح صوت الهاتف من جديد معلناً عن هذه المكالمة. فضغط يونس على زر الإجابة، فإذا بهذا المدعو ضاحي يجلس أرضاً وهو يرجع رأسه للخلف براحة كبيرة، ويبتسم بمكر وعينيه على ما بجانبه بلذة وشهوة ظاهرة على ملامح وجهه. ومن ثم نظر ليونس، والذي بدأ القلق الحقيقي يظهر جلياً على وجهه، قائلاً بابتسامة لزجة:
"ها يا يونس، جاهز... واحد... اتنين... ثلاثة."
ومع نطقه لآخر رقم، وجه كاميرا الهاتف المحمول على وجه زهرة، والتي كانت نائمة بملابس الصلاة الخاصة بها، لا حول لها ولا قوة، ولا تشعر بأي شيء من حولها. وما أن رأى يونس ذلك، حتى اسودت عيناه من القلق والغضب، وبدأت عروق وجهه ويديه أن تبرز بطريقة غريبة ومخيفة، وبدأ يصرخ باسمها لدقائق، ولكن دون جدوى. فأتته صوت الضاحك اللعين هذا:
"إيه يا يونس... يا راجل، الحب بهدله برضه، بس تصدق، أنا عندي استعداد أتهبدل عمري كله، بس أصحى على الوش ده كل يوم. أهدي كده ليطق لك عرق ولا حاجة... أنا قلت أطمنك عليها، اطمنوا خالص، زهرة معايا، وسمية معايا. آه صحيح، قول لمصطفى سمية كده شكلها هتموت ولا إيه؟ بقالها ساعة عمالة تقول بطني بطني دي، في السابع لسه مش شهر ولادة يعني... مع السلامة يا يويو."
ومن ثم أغلق المكالمة في وجه هذا الذي، وبالمعنى الحرفي، هربت الدماء من عروقه ثانية واثنتين وثلاث، ووقع الهاتف من يده التي شلت حركتها فجأة، ونظر أمامه بضياع. كان يتابع كل هذا مصطفى والصبي أحمد، اللذان كان حالهما لم يختلف كثيراً عنه، فهذه الصدمة عليهم ليست بالقليل أبداً. ولكنهم أفاقوا على صوت ذلك الكسر، فقد ركل يونس إحدى الآلات الحديدية على اللوح الزجاجي الكبير بقوة، فوقع أرضاً متحولاً لفتات صغير، أصبح مظهره حقاً يرعب أي حد.
أخذ مفاتيح سيارته والتقط هاتفه من الأرض، وذهب راكضاً نحو المنزل. فهم مصطفى سريعاً باللحاق به، والغضب يكسو وجهه هو الآخر. فعلى الرغم من موقفه من سمية، إلا أنها زوجته وحبيبته وأم طفله القادم، وزهرة ابنة عمه وزوجة أخيه وأخته الروحية، فكيف لذلك الدنيء ذا اليد الملوثة بأن يفعل ذلك بهم.
"اقفل الورشة يا أحمد، وخلي المفاتيح معاك."
نفذ أحمد ما طُلب منه بجسد مرتجف من الخوف على تلك العائلة التي أوته ومدت له يد العون والمسانده. ومن ثم قرر أن يعاونه الآخر، فخطر في باله الذهاب للمعلم حسن، فهو يعلم بأمر الصداقة القديمة بينه وبين والدهم المرحوم مهران.
**********************************
دلف للبيت بطريقة همجية وهو يدفع الباب بقوة، ومن ثم دلف لغرفته، ومصطفى يحاول تهدئته ولكن دون جدوى. فتح إحدى الأدراج وأخرج منها سلاحه الناري وبدأ في ملئه بالطلقات بهوجائية وغضب، وسار متوجهاً نحو الباب. فوقف مصطفى أمامه كحائل حتى لا يذهب.
"أنت رايح فين؟ ممكن تهدى بقا عشان نعرف نتصرف."
ضغط على أسنانه بغيظ وهو يزيح مصطفى من أمامه بقوة:
"ابعد من وشي يا مصطفى أحسن لك... سيبني في حالي وملكش دعوة خالص، أنت فاهم."
لم يهتم مصطفى لحديثه، فهو يعرف مدى جماحة غضب أخيه وأنه بالفعل ممكن أن يقتل أحدهم وهو بهذه الحال. زفر بحنق وهو يحاول المرور من جوار مصطفى ولكن دون جدوى، مما جعله يصرخ في وجهه بقوة ومعالم الوعي تظهر على وجهه:
"هو أنا بكلم نفسي؟ بقلك ابعد من وشي السعادي غور."
"مش هبعد... لازم تهدى، أنت كده هتضيع نفسك وتضيعهم معاك، أهدي يا يونس."
أمسكه يونس من تلابيب ملابسه بعينيه تكسوها الحمرة القانية، وبدأ في الضغط عليه، وكلما ضغط كلما زاد وجهه حمرة وبرزت عروقه أكثر وأكثر، حتى بدأ مصطفى في الاختناق. ومن كثرة غضب يونس لم يلاحظ، فكل ما يراه الآن هو أن زهرة بيد هذا المعتوه. ولكن مع إرادة الله، جاء حسام في آخر لحظة، وعندما وجد هذا المنظر أمامه حتى تدخل سريعاً وحاول جاهداً إبعاد يونس عن مصطفى، هادراً به بغضب:
"أنت اتجننت يا يونس؟ إيه اللي انت بتعمله دا؟"
طفح به الكيل، فهؤلاء يتساءلون ويتحاكون، وهو قلبه تغلي الدماء خوفاً على حبيبته روحه. فهم بالذهاب مرة، ولكن صده حسام بقوة ليرجع خطوات للوراء وهو ينظر له بغيظ، ليتحدث حسام موضحاً الموقف:
"أنا مستني مكالمة عشان أعرف مكان سمية وزهرة فين."
لان حتى سميه نفسها ضاحي نقلها من القصر النهارده من كام ساعه والعيون اللي ليا ميعرفوش حاجه.
تحدث مصطفي وقد ظهرت على وجهه علامات الضياع: العيون اللي ليك!.... هو في اي بالظبط؟
تنفس حسام بقوه: في كتير اوي... ولازم نتكلم علشان نعرف هنتصرف ازاي وكمان جه الوقت اللي تعرفوا تطورات القضيه الحقيقه علشان خلاص النهايه قربت.... نظر ليونس برجاء وهو يقول: يونس ارجوك اتوسل ليك لازم تقعد وتسمعني يا صاحبي ارجوك......
رواية اخر نساء العالمين الفصل الرابع والستون 64 - بقلم سهيلة عاشور
رواية اخر نساء العالمين الجزء الثاني 2 الفصل الرابع والعشرون 24
Part 24
حبيت اقول ربنا ما يحرمني منكم ابدا ودايما تزيدوا محدش فيكم ينقص او يزعل مني ومحبتي في قلوبكم تزيد💗
النجمه يا عيلتي💗
**********************************
بعد معناه من الع&;راك النفسي والعصبي الذي عانى منهم يونس ليحافظ على ثباته ويستطيع الجلوس معهم واشتغل احد لفافات التبغ اخذ يتنفس د&;خانها بشراهه.... مصطفي الذي كان يضع يده على مقدمة رأسه فكاد عقله ان يخرج من مكانه من كثرة التفكير واحساس العجز الذي يشعر به.. نظر لهم حسام بتوتر واخذ نفسا عميا وبدأ في سرد كل ما يعرفه بهدوء
_ قبل اي حاجه احنا مجبرين نهدى تماما علشان نعرف نرجع سميه وزهره وكمان نرجع حقنا....... من وقت ما الوصيه أ&;علنت وانا متأكد ان في حاجه غلط بتحصل ووقت لما سبتوا القصر وجيتوا هنا القاهره عرفت ان ضاحي اتفق مع شركة امن كبيره انهم يزودوه بحراسه للبيت والاراضي وكل املاك عمي المرحوم مهران طبعا احنا لينا كتير اوي من معارفنا هناك ولينا جمايل كتير علينا ووقتها الناس هي اللي كانت بتكلمنا بنفسها علشان تحاول تساعدنا بأي طريقه وانا استغليت دا وخليت تقريبا اكتى من 70% من الحرس دول من رجالتنا علشان اقدر اعرف كل تحركات ضاحي ولأني كنت دايما قاصد اننا نظهر قداموا قليليين الحيله وخصوصا انه طبعا وللأسف خلى كل حاجه تمشي قانوني تماما..... ووقتها كلمتني سميه وهي محمله نفسها زنب كل دا لانه طبعا اخوها وعرضت عليا انها تروحله وتمثل عليه انها سابت مصطفي وطالبه منه الطلاق علشان مش قادره على المستوى المعيشه اللي بقا فيه دلوقتي بعد طبعا ما كانت متجوزاه على اساس انها هتعيش في قصر ومال وجاه حاولت كتير وضحت كتير اوي يا مصطفى علشانكم وصبرت واتحملت وحملها كان صعب اوي عليها..... ثم اكمل بقلق عليها: ربنا يحميها ويقومها بالسلامه ان شاء الله ووقتها فعلا سميه وصلت لينا معلومات كتير اوي خطيره زي انها لقت نسخ لتسجيلات فيديو لرجال اعمال معروفين جدا في وضع مخل مع ناهد ومع بنات كتير تانيين وطبعا دا كانت بتوجيهات ضاحي علشان يمسك عليهم حاجه يبتزهم بيها علشان يمشي مصالحه... وكمان ورق صفقات مشبوهه كتير واغلبهم كان اتجار في السلاح وكمان والاهم انها سمعت ناهد وضاحي بيتكلموا عن ان ناهد هي السبب في الوصيه اللي اتقالت قدامنا يوم اعلان الورثه
تعجبوا كثيرا مما يقوله حسام وخصيصا اخر كلماته فقال يونس بنفاذ صبر: يعني اي هي السبب مش فاهم.... ما تلخص يا حسام
تنهد حسام بغضب قائلا: ناهد اتقبض عليها من يومين وهي في عربيه محملة شحنة مخدرات ووقتها كان معاها بطاقه مزوره بأسم واحد تاني بس التزوير دا مكنش حاجه متبركه عاديه اللي عامله واضح اوي انه حد متخصص جدا وخدنا وقت لحد ما اثبتنا انها مزوره بعد ما جبنا لجنه كامله خ&;بره للكشف على البطاقه دي واثناء التحقيق مع ناهد ولما قلت ليها عن اللي سميه سمعته اعترفت لينا ان الوصيه دي فعلا مزوره وانهم بدلوها بالحقيقه وخلوا اللي زور بطاقتها يقلد خط المرحوم مهران وطبعا لانه شخص متخصص ومتمكن تماما محدش فينا ولا حتى المحامي قدر يعرف انه مش خطه ووقتها قانونا كل حاجه بقت بأسم ضاحي ودا طبعا هيبقى مؤقتا من دلوقتي لحد اثبات الوصيه الحقيقه
سب ولعن يونس بأبشع الالفاظ وهو لا يستطيع تصديق ما تسمعه اذنه فكيف لأنسان ان يكون بهذه الدنائه والقدره... نعم بالطبع يعرف انه ليس ملاكا بل ويعرف ايضا انه لا يمتلك ذره واحده من رقة القلب ولكن لماذا كل هذا الكره والحقد من الاساس للأسباب غير مقنعه لقد دمرت حياتي واخذت كل من املك واحب ايها المعتوه وما السبب فقط اكرهك يا يونس....!
زفر يونس وهو يضع كلتا يديه على رأسه ويجذب شعره بقوه قائلا: دماغي هت-نفجر مش قادر اقعد كده واسيبها... لو لمس شعره منها مش هيكفيني فيه رقبته... ثم بدأ يتحرك بجنون وهو يصرخ ويتنفس بقوه وكل هذا ومصطفى يجلس مكانه شاردا تماما وقد فرت دمعه من عنينه فوضع حسام يده على كتفه يربت عليه بحزن على ما اصابهم فقائل مصطفي بنبره مختنقه ونادمه
_انا كنت ظالمها يا حسام.... قلبي كان رافض يصدق انها بيعاني بس انا كنت بحاول اتخطى وانساها واقول انها اتخلت عني انا سبتها شهور تتعذ-ب معاه وانا قاعد هنا انا ازاي سبتها هناك
تحدث حسام بثقه: ان شاء الله هنرجعها ونرجع زهره وحقكم كمان.... طول محنا مع بعض والحق معانا صدقوني انا طول الشهور اللي فاتت مش راحم نفسي ولا بنام واكيد كل دا هيخلص ونرتاح.... يونس انا مقدر اللي انت فيه بس لازم تهدى يا صاحبي لازم تشغل عقلك معايا علشان نعرف نرجع زهره
تحدث بصراخ وقلب متمزق من الالم: اهدى ازاي يا حسام وهي معاه.... دا*** وانت عارف انا مش قادر ابطل اتخيل ممكن يكون بيعمل فيها اي دلوقتي وانت بنقلي اهدى ههدى ازاي دلوقتي اهدى ازاي يا حسام
وقف حسام ووضع يديه على كتفه يهزه بعنف وحده قائلا: لازم تهدى انت مجبور... انت فاكرني مش حاسس بيك انا كمان جوايا نا-ر بتغلي عرضك وشرفك هما عرضي وشرفي دا انت اخويا ومراتك دي اختي بس لو فضلنا نزعق ونك-سر زيك كده هنستفاد اي اللي انت فيه دا هو اللي ضاحي عاوز يوصل ليه... بيعمل كل دا علشان يشوفك كده عاوز يشوفك ضغيف وخايف وعاجز مش قادر تعمل حاجه
نظر له بضياع وهو يؤمئ برأسه سريعا واحذ يتنفس ببطئ محاولا الهدوء ومن ثم جلس وظل لدقائق قليله يفكر ومن ثم نظر اليهم قائلا بهدوء مريب: انا اللي حطيت المخدرات لناهد..... وانا اللي عارف مين هيساعدنا نجيب ضاحي ونعرف مكان سميه وزهره
تعجبوا كثيرا مما استمعوا اليه فيونس لم يقص عليهم هذا الحديث من قبل ولم يظهر عليه مطلقا انه يهتم بنفسه بتلك القضيه فكلما سألوه او افت&;تح هذا الموضوع اغلقه يونس بتأكيده لهم انه يترك ذلك الامر لرجال الشرطه خيفتا منه على ما تبقى من عائله وانه بعد صدمة وفاة والده لم يعد يقدر على تحمل حساره احدا منهم.... نظر له حسام وهو يهاب اجابة ذلك ولكنه سأله على مضض
_قصدك اي يا يونس... مين دا وتعرفه ازاي
تنهد يونس وهو يطلب من الله ان يلهمه الصبر فقلبه يغلي ولكن عليه التريث حتى يبلي حسنا ويحافظ على زوجته وزوجة اخيه: من بعد وفاة ابويا وامي وطبعا بعد اعلان الوصيه اللي انتشرت للكل بسرعه ناس كتير اوي كلموني وعرضوا عليا المساعده بأشكال مختلفه.... منهم واحد ابويا كان دايما بيساعده وقلي ان خير ابويا عليه كبير اوي وانه كان شايل اهل بيته لما كان هو مسجون وعرفت انه واحد من كباير مطاريد الجبل وقتها شكرته وخلاص زي زي اي حد يعني..... تنهد بقوه ثم اكمل: بعدها بكام شهر لما جينا هنا وبدأنا نعيش وانا كنت بدعي ربنا كل يوم يدلني على طريق في يوم لقيت رقم غريب بيرن عليا لما رديت لقيته هو ووقتها قلي انه حابب يرد خدمات ابويا الله يرحمه وانه مش هيرضى لينا بلأذيه وقلي انه ضاحي باع تقريبا كل املاكه والاملاك اللي ورثها من ابويا وهو والناس اللي تبعه اللي اشتروها منه وكمان قلي انه اتفق مع تاجر سلاح كبير ومعروف وعايش في الجبل هو ورجالته وانه حتى الحكومه نفسها بتخاف تقرب منه قلي انه عرف من رجالته انه عايز يشتري كميه كبيره اوي من نوع سلاح معين ويخزنه ولم ينقص في السوق هيبيعه بضعف الثمن ووقتها هيبقى معاه مبلغ يخليه يشتري ويبيع البني ادم مش الاملاك والاطيان بس وقلي انه ليه سكك كتير مع التاجر دا وان بينهم تعامل واتفاقات كتير وانه ممكن بخليه يساعدني اخلص من ضاحي خالص
صدم حسام مما سمعه ولكنه سعد بشده فهذا الحل مناسب وسيساعدهم بالفعل ولكنه قال بفضول: طب وهو قلك هيخلصنا منه ازاي
تحدث يونس وقد اصفر وجهه من كثرة خوفه على زوجته: قلي انه تسليم الشحنه دي فجر النهارده ووقت ما يكون بيستلم هتكون الحكومه موجوده ودا طبعا بمساعدتك يا حسام
امأ حسام وهو يهب من مكانه بعدم تصديق تلك الفرصه التي ق&;دمت لهم على طبق من ذهب... امسك هاتفه واجري بعض المكالمات وهو يخبر قواته وقاداته في العمل بكل التفاصيل التي علمها واخذ منه التعليمات الصحيحه لذلك ومن ثم جلس امامهم بهدوء وهو يقول بثقه
_اطمنوا خالص... سيادة اللواء هيتدخل بنفسه وبدأ دلوقتى يبعت قوات ومرشدين وان شاء الله هنرتاح كلنا قريب اوي
صدم يونس يده بقوه على الحافه الخشبيه التي بجواره وهو يقول ثائرا: وانا هفضل قاعد كده لحد ما هما يحلوا الموضوع ولا اي.... مراتي معاه يا حسام هقعد ازاي كده وهي معاه تقدر تقلي
_يا يونس اهدى صدقني احنا دلوقتي مش هنعرف نعمل حاجه رجالتي هناك واول ما يعرفوا اي حاجه هيكلموني ووقتها هنقدر نتصرف لكن دلوقتي هنعمل اي هننزل في الشارع نلف عليه اهدي يا يونس.... دا انت العقل كلو وعارف ان دا هو الصح ارجوك يا صاحبي مضيعناش
زفر بضيق وهو يضع رأسه بين كفيه بقلة حيله فالغضب والكره لهذا اللعين سليط العقل والافعال يسيطر على عقله والخوف والقلق على زوجته وحبيبته وخصيصا انه يعلم حق العلم انها لن تستطيع التحمل فإذا كان سميه تتحمل فهذا لأنها قويه العقل والعصب وتعلم كيف تتعامل مع هذا الشيطان ولكن حبيبته لم تتعرض لذلك الموقف السخيف من قبل فكيف لها ان تتعامل.... ولكن مما قال حسام فأي فعل الان لن يسبب اي شيء سوى الضرر فعليه التريث والصمود..... ظل حسام يفكر ويدعو الله من صميم قلبه ان يوفقهم هذه المره... اما مصطفي فحقا كان في عالم اخر هو فقط ينظر لهم ويسمع ما يقولون بصعوبه بسبب صوت دقات قلبه التي كانت مرتفعه بشده فقلبه يؤلمه بشده على زوجته وام ولده التي تحملت كل هذا العناء وحدها بل وان ضميره يؤنبه بشده حيث كان يحاول مرارا ان ينساها مقنعا نفسه انها من باعتهم في ضيقتهم.....
**********************************
كانت تجلس ارضا تبكي منكمشه على نفسها جسدها يرتجف من كثرة الخوف... تنظر نحو الباب تنتظر دلوف هذا المعتوه عليها ليخبرها بمصيرها بعد الكثير من الانتظار مما أصابها بالإرهاق الشديد وبدأت تشعر بالغثيان.... دلف اليها يسير نحوها ببطيء وعينيه تمشطها من اعلاها لأسفلها بتلذذ لطالما ارادها واراد ان يك-سر قلب يونس عليها... جذب كرسي ووضعه بالقرب منها وجلس عليه وحرك رأسه وهو يبتسم لها ابتسامه ماكره
_ اي يا زوزو من الصبح مش راضيه تاكلي حاجه انت عاوزني تخوفيني عليكي
طالعته بكره وهي تجذب ملابس الصلاه بعدما اعتدلت في جلستها لتتأكد انها تغطيها تماما:... ابعد عننا بقا انت مش مكفيك كل اللي عملتوا فينا
تحدث بهدوء وهو ينظر لها بسخريه مما تفعله: لا مش كفايا... لسه فاضل حاجه واحده يا زهره لو حصلت هبعد عنكم
ابتلعت ريقها بخوف وتوتر من نظراته ونبرته في الحدث: واي هي بقا ان شاء الله
ابتسم بمكر وهو يلعق شفتيه بشهوه: انت يا زوزو.... اخدك انت ووقتها هبقى ارتحت
كست الص&;فره وجهها وهي تنظر له برعب فجاء في بالها انه يريد الاعتداء عليها وتلويث شرفها... بدأ جسدها بالارتجاف بطريقه ملوحظه وهي ترجع بجسدها للوراء وبدأت الدموع تتجمع في عينيها وبدأت تتذكر كيف جاء بها في الصباح الباكر الى هنا.....
**********************************
&;
رواية اخر نساء العالمين الفصل الخامس والستون 65 - بقلم سهيلة عاشور
Flash Back:
عندما فتحت باب المنزل فوجئت برجل ملثم يرتدي ملابس سوداء ولديه بعض الحروق حول عينيه تظهر من خلف الوشاح الأسود الذي يضعه على وجهه. سرت الرهبة في جسدها، ولكن قبل أن يظهر صوتها أو تحدث أي رد فعل، أخرج زجاجة صغيرة من جيبه وبحركة سريعة ضغط عليها لتخرج منها هذه المادة المخدرة، والتي جعلتها في ثوانٍ قليلة تسقط أرضًا مغشية عليها.
ومن ثم انحنى لمستواها، يحملها سريعًا ونزل بها بحرص لمدخل المبنى، والذي كان يقف رجل آخر به يفتح باب السيارة الخلفي في انتظاره. فإذا به في لمح البصر ودون أن يلاحظ أحد، يدخلها في المقعد الخلفي ويركب بجوار الرجل الآخر وينطلقوا سريعًا.
ولم يمضِ إلا القليل ليهاتف ضاحي وقال متحدثًا بصوت غليظ خشن:
_ أيوه يا ريس.. أيوه جبناها، اطمن محدش شاف حاجة.
_ هاتها وتعالي في المكان اللي قلتلك عليه، وخلي بالك حد ياخد باله.. وممنوع حد فيكم يقرب عليها، فاهمين.
_ اطمن يا باشا.. أنت عارفني في الشغل مش بهزر.
أغلق المكالمة واتجه أمامه ينظر صامتًا وهو يوجه الرجل الآخر للمكان الذي سيذهبون إليه. وكل هذا وزهرة تنام خلفهم، لا حول لها ولا قوة، غير واعية على أي شيء يحدث من حولها.
بعد مرور القليل من الوقت، كان قد وصل إلى منطقة شبه خالية من السكان، فهي منطقة عشوائية جاء لها أمر بالإزالة ليبنى بدلاً منها قرية سياحية لعائلة القوم. وحقًا هذا اللعين ذكي للغاية، فقد اختار هذا المكان حيث أنه لا يخطر على بال أي أحد.
أبطأوا سرعة السيارة عندما وصلوا أمام أحد المخازن، وإذا بها تفتح بواسطة أحد الرجال ويدلفوا للمخزن بالسيارة ويغلق من جديد. ومن ثم هبط هذا الرجل وفتح السيارة وحمل زهرة ووضعها بإحدى الغرف كما أمره ضاحي، ووقف أمام الغرفة كحارس لها حتى إصدار أي أمر آخر.
****************
وعلى الجانب الآخر.
عندما جاء لضاحي خبر وجود زهرة مع رجاله، فرّج ثغره بابتسامة عريضة منتصرة وهو يشعر في داخله أنه أخيرًا قد حصل على كل شيء. شعر بداخله بالألم الذي سيشعره يونس الآن، فهو موقن تمامًا مقدار حب يونس لزهرة، وواثق من داخله أن الشيء الحقيقي الذي سيكسر أضلاع يونس ويجعله غير قادر على المقاومة مرة أخرى هي زهرة فقط.
هب من مكانه وعلى وجهه ابتسامته الماكرة المعتادة وهو متجه صوب الغرفة التي تقبع بها سمية. فتح الباب دون أن يعطي انتباه لأي شيء، فإذا بزينب تجلس بجوارها وهي تربت عليها بحنان، فكانت حالة سمية الصحية بدأت في التدهور لقلة الغذاء والصحة النفسية. وعندما رأت وجهه، وكالعادة تشعر بالامتعاض والتقزز.
فقهقه بجنون وهو يتحدث بنبرته المعتادة:
_ جبتلك هدية حلوة أوي يا سمية.. يلا معايا علشان عايزة تشوفك.
اصفر وجه سمية وقلقلت بشدة، فبالتأكيد ما يسعد هذا المعتوه لن يسعدها. فقالت بخوف:
_ هي مين دي اللي عايزة تشوفني؟ أمي حصلها حاجة؟
_ لا اطمني، دي كويسة خالص.. بس دي هدية من نوع تاني خالص، يلا قدامي.
نظرت له بكره وكانت علامات الإرهاق والألم تكسو وجهها، وقالت وهي تعاني من الألم:
_ أجي فين؟ هو أنا قادرة أتحرك؟ أنت مش شايف أنا عاملة إزاي؟ اتقي الله وغور من وشي بقى.
لم يكترث لما تقوله، بل انحنى لمستواها يحملها بين يديه وسط كلماتها المعترضة وهم ذاهبون بها نحو الخارج ووضعها داخل السيارة. وقبل أن يستقلها، أوقفته كلمات زينب التي كانت تتحدث وهي تشعر بالخوف والقلق الشديدين على سمية:
_ يا ضاحي بيه.. الله يخليك سيبها، أو خدني معاها أخلي بالي منها وأراعيها، الله يخليك.
نظر لها نظرات باردة وهو يطالعها من أعلاها لأسفلها باحتقار قائلاً:
_ أنت هتعملي فيها أختها ولا إيه.. أوعي تنسي نفسك يا بت أنت.. أنت هنا خدامة لمزاجي وبس، أنا دافع فيكي فلوس علشاني أنا مش علشان أختي، اتلمي في مكانك.
أنهى حديثه راكبًا السيارة يقودها بأقصى سرعة وهو يبتسم بفضول وحماس لرؤية زهرة ويتشوق لغيظه وانتصاره على يونس. وسمية كانت تجلس بجواره تضع كف يدها على معدتها المنتفخة بشدة وهي تضغط على أسنانها وشفتيها وتفر منها الدموع من كثرة الألم.
وبعد مدة من الوقت وصل لنفس المكان التي تقبع به زهرة، وأمر الحرس بأخذ سمية للغرفة المجاورة لها، ومن ثم دلف هو مباشرة لغرفة زهرة.
Back:
نظر لها بسخرية من خوفها الذي يظهر جليًا على وجهها، ومن ثم مد يده فك جزء من حجابها. فابتعدت يده سريعًا عنها لتحكم حجابها من جديد وهي تنظر له بكره وخوف.
بضحك بسخرية قائلاً بنبرة شهوانية ماكرة:
_ إيه يا زهرة مالك.. هو حلال ليونس وحرام ليا؟ وبعدين أنا كده كده هتجوزك، متخافيش أنا مش واطي أوي كده، وكمان أنا شفت شعرك كتير قبل كده في الصور، مش هتفاجئ أوي.
فتحت فاهها من هول صدمة حديث هذا المعتوه، أتسمع أذنه ما يخرج من فمه. لا يعقل أن يكون هذا شخصًا طبيعيًا. تملك الغضب منها وهي تطالعها بوجه عابس غاضب.
_ آه طبعًا حلال ليونس وحرام ليك.. يونس جوزي وحلالي والراجل الوحيد اللي عيني شيفاه في الدنيا دي، وربنا هينجيني منك ويرجعني له تاني. ثم أكملت وقد فرت دمعة هاربة من عينيها: حتى لو حاولت تاخدني منه غصب عني وعنه، ولو عملت أي حاجة قذرة ممكن تيجي في دماغك.. ممكن تعرف تاخد جسمي يا ضاحي، بس قلبي وعقلي وتفكيرك وكل ذرة ليا ليونس وبس، ومفيش راجل في الدنيا كلها ممكن يملى عيني غيره، أنت فاهم.
نظر لها بحقد وغل، فقد نجحت تلك الفتاة في إثارة غيظه بشدة. اقترب منها ونظر لها بقوة وهو يقول بنبرة حادة مسموعة:
_ يونس مبقاش حيلته حاجة يا زهرة.. وأنت لسه صغيرة وحلوة وخسارة في البهدلة معايا. كل حاجة هتبقى تحت رجليكي، أنا عايزك برضاكي، صدقيني كل حاجة تتمنيها هتبقى عندك، فلوس وسلطة ومكانة وكل كنوز الدنيا هتبقى ليكي وأنت معايا.
ابتسمت له بسخرية لما يتفوه به قائلة بثقة:
_ وتسوى إيه الدنيا والفلوس والجاه والمكانة ويونس مش معايا.. هفرح إزاي بالحاجات دي وحبيبي مش فيهم. أنا فرحتي في يونس وسعادة قلبي مع يونس وبس، ولو هينمني على الرصيف طالما معاه أنا راضية إن شاء الله، بس أشوفه من بعيد كده كل يوم، طالما شفت وشه أنا مرتاحة. أنا معرفش إيه اللي حصلك خلاك كاره يونس أوي كده، هما قالولي أسباب كتير بس أنا مقدرتش أقتنع بأي سبب فيهم، بس كل اللي أقدر أقوله ليك ربنا يهديك وتبعد عننا بقى، إحنا مش عايزين منك أي حاجة غير إنك تسيبنا في حالنا.
أظلمت عيناه عندما سمع كلمات الحب الصادقة التي تنبع من قلبها قبل لسانها، ونظراتها وهي تتحدث عنه، ابتسامتها الصافية عندما تنطق اسمه. غلت دماء الحقد في عروقه أكثر فأكثر تجاه يونس، فقال بنبرة يملؤها حقد ووسوسة الشيطان:
_ هجيبلك رقبته قدامك يا زهرة.. ووقتها مش هتلاقي غيري قدامك، هتشوفي.
دق قلبها بعنف عندما سمعت تلك الكلمات المسمومة منه، ولكن قاطعها صوت صرخات عالية ومتتالية. فجذب ضاحي سلاحه الناري من جانب بنطاله وخرج من الغرفة بحذر يلتف حوله، فوجد الحرس ينظرون له بتوتر، فهدر بهم بغضب:
_ إيه صوت الصويت ده أنت وهو.. مش أنا قلت محدش فيكم يقرب منهم، عملتوا فيها إيه؟
قائل أحدهم بخوف من غضبه:
_ والله يا ريس محدش قرب منها، إحنا لقيناها بتصوت كده لوحدها.. ثم أكمل بتوتر: ودخلت عليها لقيت في مياه في الأرض، كنت لسه جاي أخبط عليك.
نظر له بتعجب، ولكنه اتجه صوب غرفة سمية، فتحها بعنف ليجدها تنازع روحها ووجهها تكسوه الحمرة وجسدها بالكامل يتصبب عرقًا، تفتح قدميها بشدة والكثير من المياه منتشرة من تحتها وتصرخ.
فقال بنبرة مصدومة ولكنها بادرة قاسية كالعادة:
_ ده أنت شكلك بتولدي يا حزينة.. يخربيت حظك فقر زي اللي جابوكي، أعملك إيه أنا دلوقتي.
ردت عليه بألم ودموعها تنهمر بشدة:
_ اتصرف يا ضاحي.. اعمل حاجة كويسة في حياتك مرة، بموت يا بني آدم الحقني.
نظر لها ببرود ومن ثم أغلق الباب واتجه صوب باب زهرة، فتحه قائلاً لها بنبرة هادئة وهو يضع يديه في جيب بنطاله:
_ قومي تعالي، سمية بتولد.
انتفضت من مكانها برعب وهي تقول بتلعثم:
_ هي اللي كانت بتصوت دي.. طب هي فين؟ أنت جايبها هنا ليه؟
جذبها من يدها وفتح غرفة سمية وأدخلها بعنف داخلها هادرًا بها بحدة:
_ شوفيلي صرفة.. أنا مش بفهم في شغل الحريم ده.
نظرت زهرة تجاه سمية، والتي ما إن رأتها بتلك الحالة حتى شهقت بقوة من الصدمة، فقد تغيرت سمية تغيرًا جذريًا في تلك الأشهر التي غابت فيها عنهم، فعلى الرغم من حملها إلا أنها خسرت الكثير من الوزن فأصبحت نحيلة للغاية ووجهها يملؤه الإرهاق والتعب. ومن نظرت لضاحي بكره:
_ شغل حريم إيه.. ده مش شهر ولادة، دي في السابع تقريبًا أو السادس.. أنت كده بتحكم عليها بالموت، مش من حقك تعمل كده، هاتها دكتور يولدها، حرام عليك، ذنبه إيه الطفل اللي في بطنها ده.. أنا مش دكتورة ومش هقدر أفيدها بحاجة.
_ آهو أنتوا الاتنين مع بعض، وده كرم مني.. ولا هي ولا اللي في بطنها يفرقوا معايا في حاجة أصلًا، اللي تقدري عليه اعمليه.
أنهى حديثه وخرج من الغرفة مغلقها من خلفه. فوقفت زهرة وعيونها بدأت تغورق بالدموع وهي تناجي ربها وتلعن ذلك الضاحي من صميم قلبها.
_ منك لله يا ضاحي.. ربنا ينتقم منك، حسبي الله ونعم الوكيل.
وركضت في اتجاه سمية وهي تبكي، ومن ثم أمسكت أحد أكمام ملابسها ومدتها قليلًا تمسح حبات العرق وهي تبكي على حال صديقتها الحبيبة، والتي دائمًا ما كانت تعدها أختًا لها. ابتسمت سمية من بين أوجاعها وهي تقول بصدق:
_ كنت خايفة أموت قبل ما أشوف حد فيكم الأول.. مكنتش أعرف إني بحبكن أوي كده.
بكت زهرة على حالها ومدت يدها تمسح دموع سمية بأكمامها قائلة بأمل:
_ متخافيش، إن شاء الله مش هيحصل حاجة وحشة ليكي ولا للي في بطنك.. امسكي نفسك أنت بس شوية وأنا هحاول أهو.
**********************************
كانوا يجلسون في حالة من الرعب، وحسام ويونس يحاولون إجراء الكثير من المكالمات لعلهم يعرفون طريق الفتيات. ومصطفى كان يصلي لله في غرفته وهو شاعر بالضعف، يحاول أن يستمد قوته من الله سبحانه، يرجوه بالصبر والعون على ما هو به. فإذا بهاتف حسام يصدح برنين، فيرد حسام بلهفة وأمل:
_ أيوه يا سيد طمني.
_ أنا عرفت هو واخد البنات فين.. مسافة ساعتين من عندكم، أنا قدام المكان وبراقب أهو، هبعتلك العنوان.
رواية اخر نساء العالمين الفصل السادس والستون 66 - بقلم سهيلة عاشور
كانت تجلس على سجادة الصلاة في هذه الغرفة البسيطة الخاصة ببنات العم مدني تدعي الله راجية أن يحمي زوجها وأصدقائه الذين أصبحوا عائلتها التي تحبها وتعلقت بها بشدة. ظلت تبكي بحرقة خوفًا من أن يصيب أحد منهم مكروه، ولكن لفت نظرها تلك الورقة المطوية فوق الفراش الصغير والتي قد أعطاها لها حسام قبل رحيله.
اعتدلت في جلستها وجذبت الورقة فاتحة إياها لتجد مكتوبًا بها بخط يد زوجها الحبيب: "متخافيش يا هبة... متخافيش يا حبيبتي ربنا عادل وهيرجعني ليكي ووقتها هقدملك في الجامعة المفتوحة زي ما وعدتك وهتبقى حياتنا هادية وجميلة زي ما أنتِ كنتي عاوزة... أنا كمان عاملك مفاجأة هتعجبك أوي هتلاقي فلاشة جوه الظرف شغليها على اللابتوب.. بحبك".
أمسكت الورقة تحتضنها بحب، فزوجها الحبيب حتى في هذا المأزق الذي هو به فكر بها ووضع لها ما يطمئنها عليه في غيابه. هبت من مكانها بسرعة باحثة بعينيها عن جهاز الكمبيوتر المحمول فوجدته بجانب الفراش على هذا المكتب الصغير، فأخذته وجلست أعلى السرير وهو أمامها وأخرجت ذلك الجهاز الصغير وبدأت في تشغيله، فإذا بوجه أبيها أمامها مما جعلها تتعجب بشدة، ولكنها لم تره مثل العادة بل كان يرتدي الملابس الخاصة بالحرم المكي. فإذا بها تقوم بتشغيل هذا الفيديو ليقابلها أبوها بابتسامة صافية تقسم بداخلها أن تلك هي المرة الوحيدة التي ترى فيها تلك الابتسامة، فإذا به يتحدث بصدق.
"إزيك يا هبة يا بنتي.... أنا عارف إنك زعلانة مني وجايز تكوني بتكرهيني كمان بس أنا يا بنتي ربنا نور بصيرتي... صحيح جات متأخر بس الحمد لله إنها جات وأنا مطمن عليكي مع جوزك راجل وباين عليه بيحبك أوي.... لما خدوني آخر مرة أنا قلت هيرميني في السجن لحد ما أعفن بس جالي وقالي إنك انتي اللي طلبتي منه يخرجني ووقتها قالي أنا اخترت فيك بس أنا عارف أنا هعمل إيه يريح الكل. وقتها قالي إنه هيسافرني أعمل عمرة مكنتش مصدقة.... "
أدمعت عيناه بحزن على حالة ابنته: "مكنتش متخيل إنه ممكن يعمل فيا كده وهو شافني وأنا كنت هقتلك أنا أوحش من إنك تسامحيني يا هبة... أنا كنت في غفلة يا بنتي أنا دعيت كتير لأمك المرحومة على فكرة أنا كنت بحبها أوي بس منه لله الهباب اللي كنت بشربه أنا بطلت يا بنتي والبركة في حسام باشا جوزك هو اللي حطني على أول طريق التوبة والخير... وأنا اللي طلبت منه إنه يساعدني أبعتلك الفيديو ده خلى واحد معرفة ليه معايا هنا دايما وبيعمل ليا كل حاجة... الناس هنا جميلة أوي يا هبة ولما عرفوا إني أبقى حمى حسام باشا زادوا المعاملة احترام وود... جوزك شخص محترم وابن ناس أوعي تفرطي فيه وربنا ينصركم ويفرحكم دايما زي ما طهرتوا قلبي وفرحتوه..... سامحيني يا هبة".
أغلقت الجهاز وأجهشت في البكاء وهي تدعو لله من قلبها على حفظ زوجها وأقسمت بداخلها أنه يملك قلب غير كل قلوب الناس هذه الدنيا.
**********************************
يقفون أسفل العمارة السكنية الخاصة بهم وقد تجهزوا وارتدوا رغمًا عنهم تحت إصرار حسام ذلك اللباس الحامي من الرصاص فهو يريد الحفاظ عليهم بقدر الإمكان. زفر يونس بضيق وهو ينظر إلى سلالم العمارة الذي يهبط من عليها حسام برفق وهو يتحدث إلى أحد ويعطيه أوامر بمراقبة إحدى المناطق القريبة من هذا المكان الذي يقنط به ضاحي مع الفتيات. نظر نحوهم الإخوة بضيق وخاصة مصطفى الذي كان قلبه يلتهب ولا يستطيع الهدوء أكثر من هذا، فهدر به بحدة.
"انت ماشي تتمختر يا حسام.... ما تخلص يا أخي حس بينا شوية".
تحدث حسام بعقلانية قائلاً: "اهدأ يا مصطفى انت بالذات تهدى خالص.... خلينا نعرف نتصرف بعقل".
هدره مصطفى بغضب وقلب يتأكل من الخوف: "انت خليت فيا عقل..... دا انت حسابك تقيل معايا أوي بس بعد ما نطمن عليهم خلصنا بقى".
تحدث يونس بضيق منهم: "مش وقته شغل العيال بتاعكم ده اهدأ يا مصطفى.... وانت يا حسام راعي شعورنا يا أخي ويلا بقى".
أومأ له وأزال غطاء السيارة وبدأ في تشغيلها، ولكن قبل أن يستقلوها وجدوا المعلم حسن وبعض رجال الحارة قادمين نحوه بـ هرولة وبجانبهم الشاب أحمد (حمص). تعجب يونس كثيرًا وخصوصًا مع صياحهم باسمه. توقف ينظر تجاههم بتساؤل فوقفوا على بعد مسافة صغيرة وتقدم إليه حسن بقلق ولكنه قال بصدق وقلب يهاب عليهم تحدث بهدوء.
"متخافش يا يونس.... أحمد سمع إن عندك مشكلة وقالي خير يا بني رقبتي سدادة ليك أنا مفهمتش منه أوي بس أنا ورجالتي وأهل الحارة كلهم رهن إشارتك يا حبيبي انت مش لوحدك يا يونس أنا في مقام أبوك ده انت ابن الغالي".
نظر لذلك الرجل الذي كلما مر الوقت أيقن أن كنوز الناس ليسوا فقط من عاشرتهم لسنوات بل يأتي أحدهم ويثبت لك خير هذه الدنيا ومنهم هذا الحسن ونعم الصديق والجار والأب الروحي لهم. تنهد يونس بحب ممزوج مع قلة صبره بسبب خوفه على حبيبته وزوجة أخيه.
"اطمن يا معلم لما أحتاجك أكيد هكلمك وأنا عارف انت عمرك ما تتأخر عليا أبدًا.... ادعيلنا بس".
ربت حسن على كتفيه وهو يعلم أنه في حال لا تسمح بالجدال. استقلوا السيارة وقاد حسام بسرعة في اتجاه ذلك المكان وهو بعد كل عدد دقائق بسيطة يقوم بمهاتفة سيد للتأكد منه من هدوء الأوضاع وبقائهم في نفس المكان.
**********************************
كانت زهرة تحاول جاهدة في معاونة سمية على هذه الولادة المتعسرة للغاية، فكانت سمية تصرخ بقوة وهي تشعر بكمية كبيرة من الألم وزهرة تحاول جاهدة في معاونتها بخبرتها القليلة في تلك المواضيع.
"لا مش قادرة يا زهرة.... " بكت بقوة قائلة: "مش عاوزة ابني يموت يا زهرة اتصرفي".
كانت زهرة حالها لا يقل رهبة من سمية، فهي تجلس أمامها وهي تنتظر فقط خروج رأس الطفل لتكمل هي العملية كما كانت تشاهد جارتهم وهي تلد ابنها فلظروف قاسية اضطرت هذه الجارة أن تلد في المنزل. كانت متوترة للغاية ولكن الله بث في قلبها القوة لكي تكون سبب في إبقاء هذه المسكينة وطفلها على قيد الحياة.
"اكتمي الصرخة على راس الطفل تنزل يا سمية..... اجمدي يا حبيبتي علشان خاطر ابنك أرجوكي يا سمية أنا مقدرش أعيش من غيركم عشاننا وعشان مصطفى يا حبيبتي انت قوية وتتحملي حاولي تاني أرجوكي".
بالفعل حاولت مرة أخرى في كتم صرخاتها وقد زاد ألمها أكثر وتشعر وكأن قطعة من جسدها قد انفصلت عنها متزامنة مع صوت بكاء طفلها الذي ملأ الأرجاء ومعه صرخات زهرة الفرحة. وقد رفعت رأسها للسماء تشكر الله بصدق وهي تنظر للطفل الذي بيدها غير مستوعبة أي شيء قائلة بتوتر من هول الصدمة.
"سمية سمية... انت عايشة".
ابتسمت سمية بألم على تلك البلهاء: "أيوه عايشة... اطمني".
نظرت زهرة حولها بخوف عندما فتح الباب فتحة صغيرة وقد قذف أحدهم حقيبة سوداء بهدوء في اتجاه سمية ففتحتها بألم حيث كانت زهرة تحمل الطفل ولا تستطيع فعل شيء. فإذا بتلك الحقيبة بها بعض المطهرات وأدوات تعاونهم على إتمام عملية الولادة ومعها ملابس وسائل استحمام للطفل الصغير. زهلت عينيهم بشدة فمن المعقول أن يكون ذلك الصخر سافك الدماء حن على أخته وابنها قالت سمية بصدمة. فألقت منها زهرة سريعا هذا المقص الذي ظهر بوضوح في أول الحقيبة وقطعت الرابط بين الأم ووليدها.
"إيه ده بجد.... خديهم بسرعة يا زهرة ونضفي الولد ولبسيه عاوزة آخده في حضني الله أعلم هيحصل إيه كمان شوية".
أومأت لها زهرة بسرعة وقد فردت لها سمية إحدى الأقمشة النظيفة التي كانت بتلك الحقيبة وأراحت عليها جسد الطفل برفق وبدأت في تنظيفه وألبسته تلك الملابس التي جعلت منه ملاك بريء في كومة القمامة والخرده التي يقنطون بها. وبعدها أعطته لسمية التي أخذته بلهفة تشم رائحته الذكية وتقبله بحب. وما أن لامسته بيدها حتى استكان تمامًا وكأنه علم أن تلك هي والدته. نظرت لهم زهرة بحب وفرحة على نجاة حياتهم وبدأت تعبث في محتويات الحقيبة باهتمام لتجد ملابس أخرى للطفل وملابس لسمية وزهرة أيضًا. تعجبت كثيرًا وأقسمت أن هناك شيئًا ما يحدث دون علمهم. اقتربت من الباب بحذر وهي تطرق عليه بخفة ليظهر أحد الرجال والذي من الواضح عليه أنه كان يتحاشى النظر إليها وينظر في الأرض بأدب. تعجبت أكثر وقالت بفضول.
"هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط... ومين اللي جاب الحاجات دي".
تحدث الحارس بهدوء وأدب: "اطمني يا زهرة هانم... إحنا رجالة حسام ويونس باشا وصلنا حالا بس الواضح إنكم محستوش بينا بسبب صراخ الهانم أتمنى تكون الهانم كويسة هي والطفل".
أومأت له في صدمة وهي تنظر حولها لتجد في الغرفة المقابلة لهم رجال ضاحي مكبلين ويظهر على وجوههم آثار الضرب والكدمات تملئ وجوههم.
"طب وضاحي موجود؟"
"لا يا هانم اطمني... هو راح مكان مقدرش أعرف فين. الأوامر اللي عندي أخد حضرتك والهانم وأوديكي المستشفى اللي في الحارة وأفضل معاكم أنا والرجالة. يا ريت تجهزوا بسرعة المكان هنا مش أمان".
نظرت له بخوف فهي لا تعرفه حتى تصدق حديثه ومن الممكن أن يكون مكيدة أخرى قد أعدت لهم. ففهم على الفور من نظراتها فقال لها بابتسامة هادئة.
"اهدي يا هانم أنا بقول لحضرتك الحقيقة... وعشان تتأكدي سيد ابن خالة يونس بيه جوزك هو واحد مننا وواقف بره بيأمن المكان ومستني مصطفى بيه يوصل وهو هيكون معاكم اطمني خالص".
أومأت له وبدأ قلبها يرتاح قليلاً ودلفت للداخل سريعا بوجه متبسم شاكرًا لله وقد أخبرت سمية بما عرفته ليشرق وجهها مع بعض الألم الذي وبالطبع لا زالت تشعر به. ولكن زهرة تقدمت منها سريعا تعاونها في الارتداء ومن بعدها ارتدت هي الأخرى وبدأوا في التحرك سويا. فقد دلف سيد إليهم كما طلبت زهرة لكي يكون قلبها مرتاح. فحمل منها الطفل برفق وهو يحمد الله على سلامتهم. فقد أتى بالرجال بعد خروج ضاحي قاصدًا تنفيذ خطته في صفقة السلاح تلك قبل وصول الشرطة إليه. ووقتها استغل سيد الفرصة بعد توجيهات حسام له ودلف هو ورجاله وقضوا على كل رجال ضاحي. وكان سيد يحمل معه تلك الحقيبة الذي أعطاها الحارس لهم كاحتياط لأي شيء سيحدث. وقفوا قليلاً أمام السيارة يستنشقوا الهواء الذي قد سلب منهم في تلك الساعات القليلة التي قضوها مع ذلك المغتل كما أسموه. نظرت سمية حولها وهي تقول بأمل.
"سيد... فين مصطفى مش قلتوا هيجي".
"متخافيش يا سمية هو كويس... هو بس هيسبقنا على المستشفى لأنها أقرب ليه من إنه يجيلنا هنا. إحنا عاوزين نطلع من هنا بأسرع وقت ووقتها كل حاجة تتحل".
أومأت له باقتناع فهي تعلم وتثق أن أي شيء سيفعلونه هو الصواب. استقلوا السيارة وسمية تحتضن ولدها بحب وزهرة بجوارها تتمسك بها وهي تحتضن ذراعها بحب أخوي وسعادة قلبها لا توصف. وسيد يقود السيارة وهي ينظر خلفه يراقب الطريق بحذر ومن خلفهم الحرس متجهين نحو المستشفى وقد بدأ ظهور الإعياء على سمية من جديد.
**********************************
يقفون في إحدى الأماكن شبه الصحراوية يصفون السيارة ويغلقون أضوائها في انتظار قدوم ذلك الشخص الذي سوف يساعدهم في التخلص من هذا الضاحي للأبد.
طال الوقت حتى حل الليل عليهم، وبدأ صوت أنفاسهما يعلو. بالطبع، من دون مصطفى، فقد أصر يونس عليه أن يذهب هو ويراعي النساء. فعلى واحد منهم أن يدبر أمرهن حتى تتطمئن قلوبهن.
تقدم أحدهم منهم، فسحب يونس سلاحه وجعله متخفيًا بجانبه حتى يكشف هوية القادم. فإذا به هو رجله المنتظر. فتح باب السيارة ونزل منها يلقي عليه السلام، ومن خلفه حسام. بدأ "الشيخ عامر"، كما يطلقون عليه، يشرح لهم ما دار.
"متقلقش يا يونس يا بني... الكلب ضاحي موجود دلوقتي مع التاجر إياه، ورجالتكم محاوطين المكان وعاملين نفسهم رجالة الشيخ. ووقت الاستلام هيتقبض عليه... متزعلش مني يا يونس، بس أنا مش عاوزك أنت تتدخل يا بني في الموضوع ده. أنا عارفك شايل منه ياما أوي، وأخاف تأذي نفسك."
زفر يونس بضيق وهو يقسم إذا رآه سوف يمزقه إربًا. فهناك ألف سبب لا حاجة للتوضيح، فقد تمادى هذا الضاحي معه كثيرًا منذ سنوات. ولكنه أراد تحكيم عقله لآخر لحظة. أما للشيخ في هدوء وقال:
"اطمن يا شيخ عامر... أنا كل اللي عاوزه اطمن إنه أخد جزاؤه، وبعد عني وعن أهلي خالص. وكفايا عليه اللي عمله، أنا عندي عيلة مسؤولة مني."
ناظره الرجل بفخر وقال: "عفارم عليك يونس... راجل وعاقل زي أبوك الله يرحمه. يلا دلوقتي الوقت هنطلع هنا، والرجالة هينزلوا لك بالتصوير وكل الأدلة علشان كل حاجة تبقى في السليم زي ما الحكومة بتحب، وتاخد حقك كامل إن شاء الله."
أومأ له في هدوء، وبدأوا في الصعود خلف الرجل. ومن ثم أشار لهم بالوقوف بجانب إحدى الفتحات الكبيرة في ذلك المكان. وبدأ في الاستماع لما يحدث بداخلها. ويونس ينظر بطرف عينيه حتى يفهم ما يحدث حوله، وحسام كذلك وهو ممسك سلاحه الناري وقد قام بتجهيزه لرد أي أمر.
بدأ التاجر في عرض الكثير من الصناديق المحملة بالسلاح، وبدا على ملامح ضاحي السعادة والانتصار. وبدأ يحسب ما سوف يجنيه من مال من كل تلك العدد المهول من الأسلحة. فوضع أمامه تلك الحقائب الكبيرة المليئة بالمال الذي أخذه من كل الأملاك الخاصة بيونس ومصطفى عندما ابتاعهم. وفي هذه اللحظة، التم جميع الرجال عليه فجأة من ظهره. وقبل أن يطلق أي ردة فعل، كانوا يكبلونه بقوة.
ودلف يونس وحسام ومعهما الشيخ عامر يقفون أمامه. عندما أيقن ما حدث به، تسلل الغضب إليه وعمى عينه أكثر، وبدأ يتفوه بكلمات غير مفهومة.
"مش هسيبك يا يونس، هخلص عليك... هخليك تتمنى الموت. ضحك بطريقة غريبة ثم قال: خدتها منك يا يونس، حبيبة القلب... بس تعرف عندك حق، البت قمر. بس خلاص بقت بتاعتي وخدت منها كل حاجة كنت عاوزها."
أسلم صوت صفير القطار يخرج من أذن يونس الآن. لم يتحمل هذا الهراء الذي يخرج من فمه، فإذا به ينقض عليه، يلكمه بعنف حتى جعل أنفه ينزف الدم. وكاد أن يكمل، ولكن أمسكه حسام بسرعة يكبل يديه ويبثه بكلمات تجعله هادئًا. وأخذ الرجال ضاحي تحت الحراسة المشددة، وتحفظوا على الأموال، وأخذوا أيضًا الأسلحة النارية. حيث كانت من جلبها هم رجال الشرطة حتى لا يضر التاجر الذي امتثل الشرف بالطبع ونفى كل علاقاته لتلك التجارات وغيرها.
احتضن حسام يونس بسعادة وهو يهتف بفرحة كبيرة:
"وأخيرًا يا عم، ده كان زي الهم على قلبي... شهور قليلة يا صاحبي من المحاكمة وحقك هيرجع ليك. واطمن، ضاحي وناهد خلاص مفيش ليهم أثر في حياتنا."
زفر براحة وقال: "الحمد لله، أخيرًا العذاب ده انتهى... يلا بينا بقى، أنا مش قادر أستنى أكتر من كده، عاوز أطمن عليهم."
اقترب منه حسام هامسًا في أذنه بتلاعب: "عليهم ولا عليها..."
نظر له بغيظ وقال: "ده أنت يا أخي بارد برود... يلا يا بني قدامي."
ضحك الجميع على مزاحهم، ومن ثم شكرهم يونس بصدق على مجهودهم معه. واستقلوا سيارتهم متجهين بسرعة للمشفى التي تقطن بها الفتيات.
***
كانت تجلس زهرة تضع يدها على معدتها وهي متسعة الأعين، لا تستطيع تصديق ما قالته لها الطبيبة منذ قليل. فعند سمية والطفل، أصر سيد بشدة على أن تفحص زهره أيضًا ليطمئن قلب ابن خالته على زوجته. فبدأوا بالفحوصات، ومن ثم عرضوها على طبيبة نسائية متخصصة. ووقتها أخبرتها بأنها حامل في شهرها الثالث، وكيف أنها لم تكتشف هذا من قبل. فرحت بشدة، لا تنكر هذا، ولكنها غير مستوعبة قليلاً. حيث أن تلك الحبوب المدمرة التي كانت تعطيها لها ناهد، أخبرهم الطبيب أن نسبة حدوث الحمل قليلة للغاية وشبه معدومة. ولكن من الواضح أن الله سبحانه أراد أن يعطف عليهم بحنانه بعد كل هذا العناء.
نظر لها سيد ضاحكًا على حالها قائلًا بتلاعب:
"يا بختك يا ابن خالتي، البت مش مبطلة سرحان فيك... الحب بهدله والله."
نظرت له بغيظ قائلة بغضب طفيف: "انت رخيم أوي يا سيد... ولما يجي يونس هخليه يشوف شغله معاك."
امتثل الخوف قائلًا: "لا لا، وعلى أي أنا صم وبكم أصلاً."
ضحكت عليه بخفة، ولكن قاطعها ركض مصطفى نحوها ويبدو عليه القلق الشديد. فوقفت بسرعة قائلة: "اهدي يا مصطفى... كل حاجة زي الفل والله، اهدي. سمية كويسة الحمد لله، الدكاترة اهتموا بيها كويس... وجالك ولد زي القمر ما شاء الله وصحته كويسة على الرغم من إنه مولود في السابع."
قائلًا بارتباك وعدم استيعاب: "هي فين دلوقتي؟"
ابتسمت زهره بحنو على حاله وأشارت له في اتجاه الغرفة التي بجوارهم: "جوه هنا، سبتها ترتاح شوية، ادخلها عادي... ادخل يا مصطفى، متتخشبش لي."
أفاق من حالته ودلف للغرفة بالفعل، فوجدها ممددة على السرير تنظر له بابتسامة واسعة ودموع فرحة. فبوجود حبيبها ردت روحها إليها وارتاح قلبها. حاولت أن تعتدل لتجلس، ولكن ألم جسدها كان كبيرًا. هرول ناحيتها يساعدها، ومن ثم أخذها بين أحضانه وهو يضغط عليها، غير مصدق وجودها معه بعد كل هذه المدة. قد اشتاق لها بشدة. أبعد قليلاً كوب وجهها بين يديه، يمسح دموعها التي تساقطت من عينيها بحب، قائلًا بنبرة تقطر عشقًا:
"حسام، قلنا على كل حاجة... أنا أكيد زعلان إنك وجعتي قلبي عليكي طول المدة دي، بس أنا مش عارف أشكر ربنا إزاي إنه رزقني بزوجه زيك... أنا بحبك أوي يا سمية، أوعي تعمليها تاني."
ضحكت بشدة وعيونها لا تزال تذرف الدموع قائلة بحب: "مقدرش يا مصطفى... أنت روحي، حد يعرف يبعد عن روحه. بص ابننا."
حقا، لقد تناسى أمر الطفل بسبب شوقه لها. نظر لهذا الكائن الصغير النائم براحة، غير مصدق. انحنى نحوه مادًا إصبعه يداعب وجنته وابتسامته على وجهه قائلًا:
"ده ابني... ده جميل أوي، ولد صح؟"
ضحكت بقوة قائلة: "أيوه ولد... هتمسيه إيه؟"
"لا، أنا هسيب الاسم ليكي أنتِ، بعتيه أوي وأنتِ حامل فيه... قولي أي اسم، أنا موافق."
فكرت قليلاً، ومن ثم لمعت عينيها قائلة: "طاهر... أي رأيك؟"
اقترب منها جالسًا بجوارها، مقبلًا يديها قائلًا: "أجمل اسم... ربنا يجعله طاهر من كل ذنوب الدنيا، وحافظ لكتاب الله، وبار بينا وبيونس وزهرة."
ضحكت من قلبها وأغرقت نفسها بين أحضانه التي قد اشتاقت لها كثيرًا قائلة: "ربنا يخليك ليا يا مصطفى... أنت أحسن واحد في الدنيا."
***
انتظرت كثيرًا وبدأت في القلق على يونس، حيث قارب منتصف الليل ولم يأتِ بعد. وكلما سألت سيد، لا يرد بأي جملة سوى كلمة واحدة فقط: "جايين."
زفرت بحنق منه، ولكن لفت نظرها زوجها القادم من بعيد. فسرعت خطواتها نحوه، ترمي بين أحضانه في منتصف الطريق في هذا الدور من المشفى.
"اتأخرت لي كده يا يونس... أنا قلبي كان هيقف عليك."
نظر لها بعشق وعينيه تلمع كالعادة، ولكن هذه المرة كانت تلمع براحة أكثر من ذي قبل: "سلامة قلبك يا قلب يونس... ثم أكمل بغيظ: أعمل إيه يا عمي الرخم، حسام وقف العربية قدام بيت عم مدني علشان هبة هناك. مرضيش يوصلني، جيت مشي اتأخرت شوية."
ابتسمت بحب وهي تمحي آثار الأتربة من على وجنتيه بأطراف أكمامها بحب قائلة: "المهم إنك رجعت بالسلامة... وأنا شيفاك مبسوط. إن شاء الله كل حاجة تمام وخلصنا من الزفت ضاحي."
أومأ لها بنعم، وصفقت بسعادة شاكرةً ربها. ولكنها تذكرت أمرًا مهمًا، فقالت بنبرة دلال: "يونس، عملالك مفاجأة كبيرة أوي أوي."
رفع إحدى حاجبيه قائلًا: "خير يا رب."
ضحكت بسعادة وهي تشير نحو معدتها: "أنا حامل في الثالث يا يونس، هتبقى أب يا حبيبي... ربنا استجاب لدعائي."
نظر لها ثانية واثنين، ومن ثم احتضنها بسعادة حاملاً إياها وسط ضحكاتها قائلًا: "بجد يا زهرة، متأكدة؟"
"متأكدة جداً كمان."
"هتجيبيلي عسلية صغيرة يعني؟"
"أه، صحيح، عاوزة عسلية يا يونس!"
نظر لها بغيظ قائلًا بحدة مصطنعة: "تعرفي يا بت أنت... أنت حلال فيكي أروح أتجوّز عليكي."
شهقت بصدمة وهي تلزقه في معدته بقوة، مما جعله يتأوه وهو يضحك قائلة: "يعني عاوز تتجوز عليا يا يونس، بقا كده؟"
"منا قلتلك قبل كده يا زهرة... أنتِ بالنسبالي الست الوحيدة اللي فاضلة في الدنيا دي، مش هقدر أسيبك ولا هعرف أبقى مع غيرك... أنتِ بالسبالي."
"آخر نساء العالمين"