تحميل رواية اخر نساء العالمين بقلم سهيلة عاشور pdf
بقلم سهيلة عاشور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى مدن الصعيد الجميلة، والتي تمتاز بطيبة شعبها وجمال خضرتها… كان هناك منزل كبير لأحد أعيان هذه البلد. يجلس مع زوجته وعلامات الغضب تظهر على وجهه. مهران بغضب: بقاله أربع سنين متجوز من غير خلفه… ابني الكبير وولي عهدي من بعدي ومش عارف يجبلي حتت عيل. أنوار (زوجته): صبرك بالله يا حج… وهو يونس كان بكيفه؟ ما يمكن مرته اللي فيها حاجة؟ ما هو محدش رايد يسمع مني ويخليهم يروحوا يكشفوا عند الدكتور. مهران بلهجة صعيدية صارمة: كأنك اتخبطي في عقلك… عاوزة ولدي يروح للحكيم يقله شفني أنا معيوب ولا لأ؟ أنوار بهد...
رواية اخر نساء العالمين الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سهيلة عاشور
بعد مرور سبعة أشهر.
ساد الحزن في قلوبهم جميعًا، فمن رحل ليسوا مجرد أفراد من العائلة، فهم العمود والوتد القائم لهذه العائلة: أب وأم وأشقاء وأحباب على قلوبهم جميعًا. لطالما كانوا سندًا للجميع ومحبوبين، ومن كثرة الحب المتدفقة بينهم لم يتوقعوا أبدًا في يوم أن يرحلوا عنهم. ساد البكاء والعويل والحزن الدفين في قلوب كل الأحباب، وخاصة يونس ومصطفى، اللذان أصبحت حالتهم يرثى لها من شدة الحزن. فامتنعا عن الطعام والحياة تقريبًا. نسي مصطفى سعادته بزواجه الذي انتظره كل هذه المدة، ويونس الذي أصابته النحافة والعجز المبكر، فقد كُسرت شوكة ظهره الآن، فالأكبر يشب ويقوى بوجود الوالدين دائمًا.
***
في صباح يوم جديد.
في إحدى العمارات السكنية في حي السيدة زينب، استيقظت زهرة مبكرًا كعادتها حتى تحضر زوجها قبل نزوله لعمله. ارتدت عباءتها المنزلية الفضفاضة وحجابها وذهبت نحو المطبخ في هدوء لكي لا تزعج يونس، فهو أصبح مثل ضائع الطريق، لا تزوره عيناه النوم إلا قليلاً، ويعقبه نوم إغماء من كثرة التدخين وارتشاف الكافيين. ولكن ما إن تركت هي الفراش حتى استيقظ فورًا، ولكنه لم يشعرها حتى لا تحمل همًا أكثر من ذلك. أدى فرضه وارتدى ملابس العمل، والتي كانت يغطيها الزيوت والشحوم. ففتح يونس ورشة صغيرة في جراج أسفل العمارة السكنية وأصبح يعمل بها ميكانيكي.
***
في غرفة سمية ومصطفى.
لم يزر عينيها النوم طوال الليل، وهي تجلس بجواره على الفراش يملأ رأسها التفكير. تنظر له تارة ولحالهم تارة أخرى. تنظر لبطنها المنتفخة أثر حملها، فقد أراد الله أن يمن عليهم بطفل، وهي الآن في شهرها الرابع. استيقظ يتقلب في نومه بإرهاق من أثر العمل الشاق. صدم عندما رآها تجلس بتلك الهيئة وعيناها محمرة من أثر عدم النوم. تعجب كثيرًا وقلق أن يكون أصابها هي أو الطفل مكروه. اعتدل سريعًا وأخذ ينفحصها بحنان وهو يضع يده على بطنها المنتفخة.
مصطفى بنبرة حنونة: "كويسة يا سمية؟ في حاجة وجعاكي؟"
نظرت نحوه وشردت به لوهلة، ومن ثم تهجم وجهها بغضب: "دماغي وجعتني وزهقت يا مصطفى من القرف اللي إحنا بقينا فيه ده. ما قلتلك نعيش عند أمي وأبويا مش أحسن من إننا مزنوقين هنا ومش عارفين نتنفس، وياريت حتى شقة بتاعتك." ثم أكملت بسخرية: "لأ دي بتاعة يونس."
تأفف منها بملل، فمنذ أسابيع وهي تردد هذا الكلام، وهو يحاول السيطرة على نفسه وعدم إزعاجها. فهو يضع حجة حملها وهرموناتها المتقلبة، ولا يريد زيادة همها. نظر نحوها بعتاب، ومن ثم ارتدى ملابسه سريعًا وخرج من الغرفة، صافعها خلفه بغضب.
***
في المطبخ.
كانت تعد زهرة طعام الإفطار ومعه بعض العصائر، فهي تعطيها ليونس ومصطفى أثناء خروجهم من المنزل لكي تعطيهم بعض الطاقة. وفي أثناء انشغالها، دلف إليها مصطفى ووجهه محتقن من الغضب، يرتشف بعض المياه وصوت أنفاسه مرتفعة من كثرة الضيق.
زهرة بخوف عليه: "مالك يا مصطفى؟ أنت كويس؟ في إيه؟"
مصطفى بغضب وهو يصفع باب الثلاجة: "هيكون إيه يعني غيرها؟ أنا مش عارف مالها، أعمل إيه تاني عشان أرضيها؟ إيه اللي غيرها وفرقعها علينا كده؟ مش عارف على إنها ناقصاها يعني."
قال آخر كلماته وهو يخرج مسرعًا من المنزل. حزنت بشدة من أجله، ويونس الذي كان يراقب الحدث من بعيد.
زهرة بحزن: "يونس... مصطفى!"
يونس بحزن دفين: "متخافيش، أنا هروح وراه."
تركها وذهب خلف أخيه، أما هي فجلست على كرسي طاولة المطبخ الصغيرة، واضعة كف يدها على خديها بخيبة أمل، فرت من عينيها دمعة هاربة وهي تتذكر آخر أحداث الشهور الماضية.
**Flash Back:**
عندما زارهم هذا الخبر المدمر، امتلأ البيت ولأول مرة بعد وفاة والد زهرة بالحزن المرير على الجميع. حيث تجمع كل الأهالي والأقارب والجيران والأصدقاء، وأيضًا والدي سمية ووالدة زهرة التي فضلت البقاء معهم في هذا الوقت الصعب. مرت الليالي ويونس يرفض فتح وصية والده، حيث كان في عالم غير عالمنا، عالم من التوهان وعدم القدرة على التفكير أو الحركة أو حتى التعامل مع أي شخص. فكان هادئًا تمامًا، ينظر أمامه في فراغ من اللون الأسود القاتم الذي سحبه بداخله ولم يترك له مفرًا من مواجهته. حتى وإن كان مصطفى متأثرًا، فدائمًا العبء الأكبر بقدر كبره، وأكثر آلاف السيناريوهات تتدفق أمامه. قاطعته يد زهرة التي كانت تربت عليه بحنان، وعيناها لا تزال منتفخة من كثرة الدموع، وجسدها الذي هزُلت سريعًا بعد رحيلهم، فهم كانوا أكثر من أهل لها.
زهرة ببكاء: "يونس... واحد اسمه عم وهدان بيقول عاوزك أنت ومصطفى في حاجة ضرورية."
يونس بزفر: "طيب..."
تركها وذهب نحو مكان استقبال الضيوف، ورحب بالضيف وجلس أمامه. وعندها وجده يظهر بعض الأوراق، حتى زفر بضيق وشعر بالغضب يتسلل أمامه، ولكن هدأه مصطفى الذي انضم إليهم حديثًا.
يونس بضيق: "وبعدين معاك يا عم وهدان؟ ما قلتلك مش وقته الكلام ده."
وهدان بحزن: "معلش يا بني، بس ده لمصلحتكم، لأن الموضوع ميستناش."
في النهاية انصاع له، فهو ليس في حالة تسمح للمجادلة. جلسوا ينظرون إليه، وأذانهم تصغي بعدم اهتمام، تحول لصدمة جامحة عندما سمعوا حديثه الذي بات لهم وكأنه طرفة ليست في محلها.
يونس بانهيار: "يعني إيه اللي أنت بتقوله ده يا عم وهدان؟ يعني إيه أبويا كتب كل ما يملك لضاحي؟ إزاي يعني؟"
وهدان بحزن: "للأسف يا بني، دي الوصية وقدامك أهي. ربنا يسامحك يا مهران على العمل ده."
مصطفى بصراخ: "أنت كداب والناس دي كلها كدابة! أبويا مستحيل يعمل فينا كده."
زهرة ببكاء: "مستحيل عمي يعمل كده، أكيد في حاجة غلط."
سمية ببكاء: "هو اللي بيحصلنا ده بس يارب، ده إحنا ملحقناش نزعل عليهم."
يونس بعدم استيعاب: "عم وهدان... إحنا كده هنترمي في الشارع صح؟"
وهدان بألم: "للأسف يا بني... حتى البيت ده بقى باسم ضاحي."
يونس بغضب أعمى: "وتعبي وشقايا طول السنين دي هيترمي على الأرض؟ هنعيش فين وهنروح فين؟ هنشرد على آخر الزمن."
مصطفى وهو يحاول تمالك أعصابه: "طول ما إحنا مع بعض، أكيد هنلاقي ليها حل يا أخويا، هدي نفسك مش كده."
قطع حزنهم وصدمتهم دخول هذا البغيض عليهم، ومن خلفه رجاله أشبهين بالذئاب. يمشي يتبختر بتفاخر وانتصار: "مش قلتلك يا ابن مهران هجيب مناخيرك في الأرض."
**Back:**
فاقت من ذكرياتها وهي تتذكر خروجهم من المنزل وما حدث بزوجها وأخيه، فقد رفضوا تمامًا المساعدة من الجميع. حيث عرض عليهم أهل سمية العيش معهم، وأيضًا وفاء والدة زهرة، حيث إن لديها شقة كبيرة وتعيش بها وحدها، ولكن يونس رفض تمامًا. وحمد ربه وشكره أنه كان لديه شقة ذات مساحة ممتازة، فقد اشتراها لنفسه منذ فترة طويلة، حتى أنه كان ينسى أمره، وبدأ بفتح مشروع الورشة هذا حتى يكسب قوت يومه، وأيضًا مصطفى الذي كان يعمل في دكان للحدادة. عملهم أصبح شاقًا كثيرًا، ولكنهم يأكلون طعامهم من مجهودهم الشخصي والمال الحلال، وهذا يهدئ من روعهم قليلاً. فاقت من اضطراب عقلها على صوت سمية، والذي كان صاخبًا للغاية. ركضت نحو صالة المنزل الصغيرة، فوجدت سمية تقف وقد حزمت أمتعتها وتقف بثبات وبرود تام وهي تنظر نحو مصطفى.
مصطفى بصدمة: "يعني إيه يا سمية؟ هتسيبي البيت وتمشي؟ أنت اتجننتي؟"
سمية بقسوة: "لأ، أنا فوقت من الوهم اللي أنا فيه يا مصطفى. أنا إيه اللي يجبرني على العيشة المرار دي؟ شغالة في سوبر ماركت بتجيب ملاليم كل آخر شهر. أنا بيت أخويا أولى بيا، على الأقل هعيش فيه مستورة."
مصطفى بخزي وغضب: "وأنا هنا معرّكِ ولا مجوّعك يا سمية؟ أنا شغال ليل نهار عشانك وبعمل كل اللي أقدر عليه عشان أجيبلك كل حاجة نفسك فيها، إيه اللي أنت بتقوليه ده؟"
سمية بقوة: "والله بقا ده اللي عندي، ورقتي توصلني." ثم قالت بسخرية: "على قصر أخويا مش الحُق اللي أنت مقعدني فيه مع أخوك ومراته."
جرت حقيبتها خلفها وذهبت دون أن تلتفت إليه، قاسية باردة، تركته في وقت ضعفه وانهياره، شاب قد صدمته الدنيا آلاف الصدمات التي توالت خلف بعضها دون رحمة أو رأفة بقلبه اللين الضعيف. جلس أرضًا فلم تحمله قدماه أكثر من هذا، ينظر في ظلها بشرود، لا يزال عقله لا يستوعب ما حدث منذ قليل.
***
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سهيلة عاشور
نظرت زهره له تتابع أفعاله وقد بدأ وجهه تكسوه الحمرة... عروق وجهه التي قد برزت وعيناه مثبتة نحو باب المنزل وقد سادها السواد القاتم، يكور يديه بغضب ويضغط عليها بقوة. قلقت زهره عليه بشدة. من الأساس لم تكن تستوعب الذي يحدث حولها ولا تعرف كيف تتصرف وماذا عليها أن تفعل.
قام مصطفى من أمامها متجهًا نحو غرفته وأغلق الباب، مما زادها قلقًا. فأسرعت لتهاتف يونس وتخبره سريعا.
زهره بخوف: الو يا يونس.... الحقني والنبي.
يونس بخضة: في إيه يا زهره؟ انت كويسة؟ أي اللي حصل؟
قصت عليه كل ما حدث مما جعله يستعجب بشدة ويقلق من أجل أخيه، فترك ما بيده وصعد سريعا نحو المنزل.
وفي نفس الوقت استمعت زهره لصوت تكسير عالٍ، فقلقت بشدة. اتجهت نحو الغرفة وفتحتها سريعا، وجدت مصطفى قد حطم جميع الصور التي تجمعه مع سمية والتي كانت موجودة داخل الإطار الزجاجي. نظرت لحالته بصدمة وهو يتنفس بقوة وصوت مسموع، ووجهه يشع حرارة. اقتربت منه وحاولت أن تهدأه، ولكنه ثار بشدة لدرجة أنها خافت منه.
زهره بقلق: مصطفى متعملش في نفسك كده... هتلاقيها بس تعبانة من الحمل.
مصطفى بصوت عالٍ: معملش في نفسي كده!.... زهره دي سابتني ومشيت، مراتي وحبيبتي واللي بعت عشانها الدنيا كلها سابتني.... سابتني في وقت كان لازم تسيب الكل وتبيع أي حاجة علشاني..... ثم أكمل بغضب: راحت لأخوها... راحت للكلب اللي بتسميه أخوها... اللي بسببه إحنا مرميين هنا وبسببه أمي وأبويا ماتوا.
زهره ببكاء وقد ألمها قلبها على حالته: طب أهدى يا مصطفى كده هيحصلك حاجة.
مصطفى بسخرية: وهيحصل إيه أكتر من اللي حصل يا زهره.... دا أنا صحتي راحت ونفسي اتكسرت من كتر الشغل عند اللي يسوى واللي ميسواش عشان أعيشها مرتاحة، وبعد كل دا عملت إيه... دي خدت ابني ومشيت.
صرخ في آخر كلماته مما جعلها تبكي بحرقة وتنظر له بألم، فهو محق في كل كلماته. نظرت خلفها فوجدت يونس يقف والحزن يكسو وجهه، فأشار لها بالخروج وخطى داخل الغرفة وأحكم إغلاقها. وزع نظره بين أرجاء الغرفة، وقد وجدها مبعثرة والزجاج يملأ الأرض وأخيه يجلس على السرير والغضب يكسوه ويسيطر عليه. اقترب منه، فمد مصطفى يديه في جيب أخيه وأخرج علبة السجائر وأخذ منها واحدة، أشعلها وأخذ ينفثها بشراهة وخبرة واضحة.
يونس بتعجب: انت بقالك قد إيه بتشرب سجاير؟
مصطفى: ...
يونس بغيظ: هو أنا مش بكلمك؟ ما ترد.
مصطفى بغضب: انت عاوز إيه دلوقتي يا يونس؟ حل عني أنا مش ناقصك.
اقترب منه يونس وأخذ منه تلك السيجارة ورماها أرضًا ودعس عليها بقوة وغضب وهو ينظر داخل عيني أخيه بتحدي.
مصطفى بغضب: إيه يا عم بتاخدها ليه؟
يونس بغضب: أنا أخويا ميشربش سجاير... انت فاهم.
مصطفى بغضب جامح: لا مش فاهم... انت مش وصي عليا ولا أنا عيل صغير ومحتاج منك النصيحة... وبعدين إيه يا عم الشيخ؟ انت بتحلل وبتحرم على مزاجك... حلال ليك وحرام ليا.
اقترب منه يونس بغضب يجذبه من تلابيب ملابسه ويلكمه بشدة مما جعل أنفه تنزف الدماء. فغضب مصطفى أكثر ورد له تلك اللكمة بقوة أكبر مما جعل وجهه تصيبه الزرقة. وظلوا هكذا يتشاجرون بصوت عالٍ ويسددون لبعضهم اللكمات، مما جعل زهره تهرع نحو الباب وتحاول فتحه، ولكن قد أغلقه يونس من الداخل بإحكام. كانت تصرخ بأسمائهم ولكن دون جدوى، فالآن غضبهم هو المتحكم وليس هم.
مصطفى بغضب: انت عاوز مني إيه انت كمان هاا.... عاوز تخلص عليا عشان تعيش حياتك؟ مانت نسيت التار ونسيت حقنا... بقيت جبان وضعيف أوي يا يونس، أنا قرفان منك.
يونس بصراخ: طول عمري شايل ومش بنطق... طول عمري متحمل كل حاجة... انت فاكر إني بعرف أنام الليل؟ حتى أنا مبقتش بشوف حاجة حلوة في الدنيا من بعد أبوك وأمك غيرك... وانت بتعمل إيه دلوقتي؟ بص لنفسك في المراية يا مصطفى، انت خلاص انتهيت.
ابتعد مصطفى عنه وهو ينظر له وحوله بضياع، وذهب نحو الباب، فتحه وخرج من المنزل سريعا. نادت عليه زهره كثيرا وهي تبكي بحرقة، ولكن دون جدوى. نظرت نحو يونس بعتاب، ولكنها ركضت نحوه بخوف تحتضنه ولا زالت تبكي، فقلبها الرقيق لم يعد يستطيع التحمل.
زهره بصدق وبكاء: أول مرة أخاف بجد. طلع مش اليوم اللي عمي ومرات عمي ماتوا فيه، لا دا النهارده يا يونس. مكنتش أعرف إن قوتي فيكم يا يونس.... ثم ابتعدت عنه ونظرت في عينيه بضياع: رجع مصطفى يا يونس علشان خاطري، أوعى تسيب مصطفى دا وصية عمي ومرات عمي ليك.
نظر لها بحزن وقد تلمس العقلانية في حديثها، فتركها وركض كي يلحق بأخيه.
***
في منزل عائلة حسام.
كان يجلس وهو ينفث سيجارة بضيق، يشغله ما حدث مع صديقه وأخيه الروحي. ملامحه الحزينة المنكسرة لا تفارقه خياله، يتذكر صمته واصفرار وجهه، يتذكر نبرة صوته عندما هاتفه ليطمئن عليه، فأخبره بالجائحة التي حدثت. تراهبه هبة وقد أشفق عليه بشدة، وخصوصا أنها تعلقت به كثيرا. فبعد حادثة الوفاة قرر الوالدين أن يسافروا عند الأقارب في دولة الأردن الشقيقة، فبقوا في المنزل وحدهم. وشاهدت طبعه الحنون اللطيف، لم تكن تعرف أنها سوف تحبه بهذه الطريقة. أصبحت مدمنة على رؤيته صباحا وهو يستعد للذهاب للعمل، أو مساء عندما يتناولون الطعام سويا ويغمرها بنظراته وأفعاله الحنونة، فمن مثلها لم يذق طعم الحنان؟ بالنسبة إليها حسام هذا أفضل ما رأت عينيها حتى الآن.
رأته يجلس وحيدا مهموما، قررت أن تذهب إليه. جلست أمامه وهي تنظر له بملامحها التي تريحه عند النظر إليها، وابتسمت كعادتها منذ أسابيع.
هبه بنبرة هادئة: لسه بتفكر في يونس؟
حسام بضيق: أيوه لسه.... أنا زعلان أوي إني مش معاه يا هبه، اللي هو فيه صعب أوي وأنا مش عارف أساعده. دا حتى مرضيش يجي يقعد معانا ولا رضي ياخد مني فلوس. متبهدل هناك وشغال في ورشة ومصطفى اللي بيشتغل طول اليوم، اتبهدلوا أوي طول عمرهم. ولاد كبير البلد مش سهل عليهم أبدا.
هبه بثقة: بس كمان يونس ومصطفى رجالة وجدعان وربنا بيختبرهم يا حسام، أنا واثقة من دا. أنا عارفة إنه ظلم وإن زي ما انت بتقول أكيد في حاجة غلط حصلت، بس لحد ما دا يتحل هما لازم يعيشوا اليوم بيومه وإحنا معاهم. أي رأيك لو نروح ليهم ونرخم عليهم شوية؟ مش انت ليك شقة في نفس العمارة اللي عرضت عليهم ياخدوها؟
حسام بإيماء: أيوه ورفضوا ياخدوها... كنت أنا ويونس شارينها مع بعض.
هبه بابتسامة: خلاص نروح نقعد فيها، وانت كنت بتقول عاوز تاخد إجازة، وأهو تقف جنبهم. أي رأيك؟
نظر لها بفخر ومد يده يضعها على خدها بحنان يربت عليه بلطف، مما أصابها بالخجل: ربنا يخليكي يا هبه... انت هدية ربنا ليا بجد.
هبه بخجل: وانت كمان ربنا يخليك ليا.
حسام بضحك: ماشي يا ستي... أنا نازل وهاجي على الغداء مش هتأخر.
هبه بابتسامة: تروح وتيجي بالسلامة.
ودعته بحرارة ولم تخلُ من مغازلاته التي تفتك بها من الخجل. أغلقت الباب وذهبت متجهة نحو المطبخ، ولكن لم تكمل طريقها بسبب دق الباب، فرجعت سريعا ظنا منها أنه حسام وقد نسي شيئا، ولكنها صدمت وتلجم لسانها وبدأ سكرها في الانخفاض عندما فتحت الباب ورأت الطارق.
هبه بتلعثم: ان... انت...
***
أمام منزل أهل يونس، والذي أصبح مؤخرا ملكا لضاحي، فعلى الرغم من امتلاكه قصرا فخما إلا أنه صمم على البقاء في هذا المنزل الذي حلم به طوال تلك السنوات. تقف سمية وفي يدها حقيبتها تمشي نحو البوابة في هدوء، وما إن رآها الحرس حتى انحنوا نحوها يحملون الحقيبة ويرحبون بها بشدة وينحنون في احترام ويسيرون معها نحو الداخل. ففتح باب المنزل الكبير لتجد ضاحي يقف بانتظارها والابتسامة على وجهه وهو يفتح ذراعيه لها لترتمي في أحضانه.
ضاحي بثقة وابتسامة: قلتلك هترجعي ليا أنا في الآخر.
سمية بهدوء: أنا قلت أخويا أولى بيا.
ربت على ظهرها ولا تزال ابتسامته موجودة على وجهه، وأشار لها نحو إحدى الغرف، والتي فتحت وخرجت منها إحداهن، مما جعلت الصدمة والتعجب يعتلون وجه سمية بشدة.
ضاحي بثبات: أحب أقدم لك يا سمية.... مراتي.
سمية بصدمة: ناهد!
***
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سهيلة عاشور
جلس مصطفى على إحدى جوانب الشارع بعدما مل من السير. لا يعرف لماذا نزل من المنزل وهو بهذه الهيئة. لأول مرة في حياته يتشاجر مع يونس. يونس بالنسبة إليه ليس مجرد أخ، فهو الحامي والحمى والصديق والأب. لطالما كان هكذا منذ الصغر. لا يستطيع عقله تصديق كل ما يحدث حوله وكأنه في كابوس سيء لا يريد الانتهاء. فقد والده ووالدته كانت صدمة مثل الصاعق الذي هبط على قلبه وعقله وقام بتفتيت كل ذرة بهما. وذهاب سمية، والذي يظنها طرفه حتى الآن، صدمة أخرى. وما فعله مع يونس وحده، بالنسبة إليه، نهاية العالم.
زفر بضيق ووضع رأسه بين يديه وهو يهزها بضعف. يشعر وكأن العالم بأسره اجتمع على الخلاص منه. فرت دمعة من عينيه بأنكسار، ولكن كانت يد يونس الأسرع حيث امتدت وقامت بمسح دموعه وهو ينظر نحوه بحزن وعتاب.
مصطفى بصوت مختنق:
أنا آسف يا يونس. علشان خاطري متزعلش مني. أنا مقدرش أزعلك.
جلس يونس بجواره وحاوط كتفيه بذراعه وقربه نحو صدره يحتضنه بحب أخوي كبير.
يونس:
أزعل من مين يا أهبل أنت. أنت ابني يا مصطفى مش أخويا. أنا زعلان عليك. عمري مزعل منك. حتى لو عاوز مش هعرف.
مصطفى بابتسامة باهتة:
يعني مش زعلان؟
يونس بمرح وهو يلكزه في معدته:
ما قلنا مش زعلان. ولا هو تلزيق. أوعى كده. الدنيا حر.
ضحك مصطفى على مزاح أخيه، ولكن سرعان ما عاد وجهه للعبوس من جديد عندما تذكر حاله. شعر به يونس وحزن من أجله كثيراً، ولكنه أراد أن يطمئنه.
يونس بهدوء:
متزعلش نفسك يا مصطفى. محدش عارف بكرة فيه إيه.
مصطفى بسخرية:
هيكون إيه أكتر من كده يا يونس. دي سابتني وخدت ابني اللي في بطنها وراحت عند اللي قتل أمي وأبويا.
ثم أكمل بغضب:
وقفت قدامي وقالتلي أنا رايحة عند أخويا. مبقتش عارفة أعيش معاك.
يونس بهدوء:
قلتلك أبوك وأمك ماتوا في حادثة الأتوبيس زيهم زي باقي الأتوبيس اللي مات. ضاحي ملوش دعوة بالموضوع دا وحسام أكدلي.
مصطفى بضيق:
والأملاك اللي بقت باسمه إيه؟ أبوك كتبهاله بجد ولا إيه؟
يونس بزفر:
أكيد لا. دي فيها لعب بس للأسف اللعب دا قانوني. هياخد وقت لحد ما نعرف نثبتها.
ثم أكمل بحزن:
أوعى تكون مفكر علشان أنا هادي وساكت يبقى خلاص. رميت حقنا. أنا مش بنام الليل يا مصطفى وأنا بدور ورا اللي حصل. أنا عاوزك تهدى وتطمن.
ثم أكمل بتحذير:
أهم حاجة أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى. أوى.
أو تفكر إنك تروح تجيب سمية. أنت فاهم. مش عاوزك تروح عند الزفت اللي اسمه ضاحي دا.
مصطفى بقوة:
أروحلها. لا يا يونس. عي مبقتش تلزمني خلاص. أنا اللي عاوزه ابني اللي بطنها وبس. وهطمن عليه من بعيد.
يونس بعبث:
مش عاوزها. طب كويس. والله وفرت عليا كلام كتير كنت هقوله. يلا بينا نروح.
مصطفى بضيق:
لا. سبني. أنا عاوز أشم شوية هوا. ولما هزهق هاجي لوحدي.
ربت يونس على كتفيه بحنان.
يونس:
بس متتأخرش علشان بقلق عليك يا صغير.
قال آخر كلماته بمرح مما جعل مصطفى يبتسم بيأس. وبعدها اتجه يونس نحو منزله حتى يطمئن زهره التي جن عقلها من الخوف عليهم.
في منزل أهل يونس.
كانت تقف سمية مذبلة العينين تنظر نحو ناهد وكأنها برأسين. توزع نظراتها بين ضاحي تارة، وناهد التي كانت تقف بمنامة قصير وتضع يدها في خصرها تارة أخرى.
ضاحي بابتسامة:
إيه يا سمية مش هتسلمي على مرات أخوكي؟
اقتربت منها ناهد سريعاً وهمت لتقبلها، ولكن وضعت سمية يدها أمامها بثبات ونظرت نحو ضاحي بتعجب.
سمية بتعجب:
مش أنت المفروض محبوسة. بتعملي إيه هنا. خرجتي إزاي يعني؟
ضاحي بضحك:
تعالي بس أنت مصدومة كده ليه. تعالي ارتاحي الأول وأنا هفهمك كل حاجة. وأنت يا ناهد وصي الخدم. لقمه حلوة كده لأختي حامل وتعبانة ولازم تتغذى.
اقتربت منه بدلال ووقفت على أطراف أصابعها وقبلته في خده وهو يضحك وينظر لها بتفحص. وسمية تتابعهم وكادت أن تستفرغ.
أمسك يد سمية واتجه بها نحو إحدى الكراسي وأجلسها عليه، ومن ثم جلس بجوارها ونظر لها نظرات لم تفهمها.
ضاحي بهدوء:
أنا عارف إنك مستغربة ومخضوضة. بس أنت عرفاني. اللي عاوزاه باخده. وأنا عاوز أي حاجة كانت في إيد يونس زمان ودلوقتي. علشان كده خدت ناهد. وكمان فكرت فيها. لقيت إن ناهد دي شافت منهم كتير وتعرف عنهم كتير أوي أوي. وهي أكتر حد ممكن يساعدني. هربتها من السجن ودخلت واحدة مكانها بنفس الاسم. تزوير خفيف كده. بس أخوكي عرف يتصرف.
نظرت له سمية بتعمق ومن ثم ابتسمت بهدوء وهي تربت على قدمه.
سمية:
برافو عليك يا ضاحي. أيوه كده. انتقم من سنين العذاب اللي عشناها في عزهم. انتقم للسنين اللي كنت بجري فيها وراه وهو كان بيعاملني كأني كلبة تحت رجله. وقال إيه لما بعدت حس بقيمتي وجري عليا مفكرني لسه زي الأول. ولما افتقر وبقا مش لاقي ياكل عاوزني أفضل جمبه ومعاه. وأنا أعمل إيه وسط الجوع والقرف دا. واللي في بطني دا مش عاوز راحة.
ضاحي بمكر:
طبعاً يا حبيبتي. وأنت هنا في بيت أخوكي يعني بيتك. وكل اللي أنت عاوزاه رهن إشارتك يا سمية. انسي كل حاجة وافتكري إنك سمية هانم أخت ضاحي بيه. وأنا كمان داخل شغل جديد من بعده. هنتنقل نقلة تانية خالص هتخلي كل دول خدم وعبيد تحت رجلينا.
سمية بتعجب:
شغل إيه دا؟
ضاحي بهدوء:
هعرفك كل حاجة. بس دلوقتي أكلعي ارتاحي فوق. أنا خليتهم جهزوا ليكي أوضة كبيرة وحلوة و...
سمية بمقاطعة:
لا لا. أنا عاوزة أوضة مصطفى. مش لسه موجودة. أنا عاوزة أقعد فيها.
ضاحي بتمثيل الحب:
أنا مش عاوزك تقعدي فيها علشان متفضليش تفتكري الذكريات وتزعلي. أنا عاوزك قوية كده.
سمية بهدوء عكس ما في داخلها:
معاك حق. أنا لازم أنسى كل حاجة. وريني الأوضة اللي عاوزني أقع فيها.
قام معها وأوصلها للغرفة الذي أعدها إليه وظل يدللها وبحاول أضحاها وهو يذكرها بمواقف وطرائف وغيرها ممثلا دور الأخ الذي لم ولن يليق به أبداً. وفي النهاية تركها حتى ترتاح. وما أن تركها حتى أجهشت في بكاء مرير.
في منزل حسام.
ما إن فتحت هبة الباب حتى رأت أمامها والدها وكان بيده مسدس أسود وقام بتوجيهه نحوها وعيونه تطق من الغيظ. اتسعت عينيها من الصدمة وتواجد الخوف داخل قلبها لعدم وجود حسام في المنزل. فصلت تصرخ وهي ترجع للوراء حتى تعثرت بالمفرش ووقعت أرضاً وظلت تزحف حتى وصل ظهرها للحائط والتصقت به وبدأت عينيها في البكاء.
هبة بخوف:
أنت عاوز مني إيه. ابعد عني بقا. حرام عليك. أنا عملت ليك إيه. أنا بعدت عنك خالص أهو.
والد هبة بغضب:
بعد ما حبيتيلي العار. هقول إيه. منتش فاجرة زي أمك.
هبة بصراخ:
إياك تجيب سيرة أمي على لسانك. حرام عليك. دي ماتت من عمايلك.
والد هبة بوقاحة:
ليه يا بت. كنت أنا اللي كبست على نفسها وموتها ولا إيه. أمك كانت حزينة ومريضة وجايبالي المرض أنا التاني. وماتت من همها ومرضها.
هبة ببكاء:
من اكتئابها جالها المرض!
هبت من مكانها واقفة تنظر له بكره وانكسار وأكملت بقوة:
من اكتئابها ولا من كتر الشغل اللي كانت بتستغله علشان تصرف عليك وعليا. كنت بتضربها كل يوم لحد ما كانت بتتلوى من كتر الوجع وأنت مكنتش بترحم. كنت زي الذئب الجعان عمال تنهش فيها من غير رحمة. منك لله. مش أنت أبويا أهو. بس أنا مش بكره حد في الدنيا غيرك. الناس الغريبة عليا خدوني وقعدوني في بيتهم. جوزوني ابنهم وعاملوني كأني بنتهم وأكتر. عمري ما حسيت إن ليا قيمة غير وأنا وسطهم. وأنت جاي بتقلي ركبتك العار. العار دا اللي ماشي ورايا من يوم ما اتولدت علشان أنت أبويا. غوور من هنا. اطلع بره.
والد هبة بحقد:
مش قبل ما أغسل عاري وأخلص منك. كل ما بشوفك بفتكر أمك بمرضها وفقرها.
وجه المسدس نحوها وسحب الزناد وأطلق منه طلقة. على إثرها رن صراخها في أنحاء المنزل بأكمله.
عند يونس.
ذهب مع أخيه وهم للمنزل لكي يطمئن زهره وأيضاً لأنه شعر وكأن هناك خير قادم. وأيضاً كان يفكر في طريقة لكي يعيد بها الحق لأصحابه. ابتسم لوهلة عندما تذكر زهره ووقوفها بجواره. فكانت رمزاً للزوجة والحبيبة الصالحة. فلم يكن يغمض لها جفن. تقنت بجواره وتصبر على قلة المال والطعام وضيق المعيشة. تحتضنه وتغرقه بحبها وفيض حنينها في كل ثانية يقضيها معها يتأكد كم يحبها وكم هي تحبه. فهذه هي العلاقة التي بات يحلم بها منذ سنوات وقد ظهرت في وقتها وهو وقت الشدة. يسير على السلم ولكن أوقفه صوت أحدهم والتي بات يكرهها بشدة.
حسنات:
يا سي يونس. يا سي يونس.
يونس في سره:
الصبر من عندك يارب.
ثم قال:
خير يا ست.
حسنات بدلال وقد اقتربت منه كثيراً ولم يجد فرار حيث كان يقف في زاوية ضيقة:
العربية بتاعتي عملتها تاني يا سي يونس.
يونس بضيق:
طيب ابقي عديها على الورشة وقولي للصبي على اللي فيها.
اقتربت منه أكثر وهي تحني ظهرها ليظهر مقدمة ثديها والتي أظهرتهم عمداً وهي تضع يدها على صدره وتداعب به بدلال ووقاحة.
حسنات بصوت ناعم:
أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه يا سي يونس.
امسك يدها وقرر أن ينهرها. فهذه السيدة حقاً تطارده وقد مل منها كثيراً. ولكن قبل أن يفعل هذا سمع ما لم يكن في الحسبان.
زهره بصراخ:
يونس! أنت بتعمل إيه!
**********************************
رأيكم؟
توقعاتكم؟
تفتكروا زهره هتعمل اي؟
•
رواية اخر نساء العالمين الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سهيلة عاشور
داخل غرفة زهره ويونس في المنزل الذي يقنطون به.. كانت زهره غاضبه ووجهها محتقن بالدماء فعندما رأت تلك المرأه قريبه من يونس إلى هذه الدرجه وهي تعلم حق العلم بنواياها تملكت منه الغيره ولم تتحمل أن تصمت أكثر من هذا.
Flash Back:
اعتلت الصدمه وجهها عندما رأتهم قريبين إلى هذا الحد فصرخت باسمه وقد غلى الدم في عروقها وأصبح وجهها أحمر ومبعثر من الغضب ونزلت في اتجاههم مما جعل يونس ينتفض وهو يتجه نحوها حتى يبرر لها.
يونس بقلق: زهره حبيبتي... مش زي ما انتي فاهمه والله تعالي معايا وأنا هفهمك.
زهره بغضب: يونس... ثم أكملت وهي تفرد ملامح وجهها بصعوبه: هو أنا كنت قلت لك حاجة يا حبيبي أنا بس هقول لطنط حسنات كلمتين مش أكتر اسبقني أنت فوق.
يونس بتردد: أعمل إيه!
زهره بغيظ: اسبقني فوق... هقول كلمتين أنا والست حسنات ستات مع بعضينا كده يلا يا حبيبي مش هتأخر.
أومأ لها وهو يشعر أنه بمجرد ذهابه سوف تنفجر إحدى القنابل.... صعد بضع درجات من السلم ووقف متخفي خوفًا أن توقع بنفسها في مشكلة. أما زهره فوضعت يدها في خصرها وبدأت في حركة رأسها يمينًا ويسارًا لعلها تهدأ قليلًا ونظرت لها بضيق وكره وهي تتحدث ببرود قاتل.
زهره ببرود: خير يا طنط.... كنتي عاوزة إيه من جوزي.
حسنات بغيظ: هو انتي موقفانا هنا وطلعتي الراجل علشان تسأليني كده... هكون عاوزة إيه منه يا أختي العربية بتاعتي عطلت تاني فكنت بقله.
اقتربت منها زهره بهدوء مخيف وأمسكتها من ملابسها بقوه وقربتها إليها ونظرت داخل عيونها بحدة مما أثار الرهبة بداخل حسنات.
زهره وهي تتحدث بنبرة مثل فحيح الأفعى بالقرب من أذنها: أنا عارفة انتي عاوزة.... ثم هزتها بقوة مما جعلها ترتطم بالحائط بقوة على أثرها صرخت صرخة خفيفة: بس أقسم بالله لو شفتك بتقربي من جوزي تاني انت مش عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه انت فاهمه... على الله ألمح طيفك قريب منه بس والعربية اللي انتي عملاها حجة دي تشوفي لك ميكانيكي تاني يصلحها وإلا هدلق عليها برميل بنزين وأولع فيها وأريحك منها خالص.... فاهمه.
صرخت في آخر كلمة لها وهي تدفعها بقوة نحو الحائط قائلة بصوت مسموع بعدما بصقت أرضًا: رخيصة.
ومن بعدها سارت متجهة نحو الأعلى والتي عندما رآها يونس ركض سريعًا داخل المنزل فكان وجهها لا يسمح لأي تصادم معه الآن.
Back:
دخل يونس لغرفتهم وهو يقدم خطوة ويؤخر الأخرى بتردد فكانت زهره تجلس على السرير وتنظر أمامها بشرود وقد عمّت الغيرة عينيها. جلس بجوارها وأنزل وجهه أمامها ينظر لها وعيناه تلمع من فيض حبه الصادق لها وقام بقرص خدها بخفة لكي تنتبه له. نظرت له ومن ثم زفرت بضيق وأدارت وجهها في الناحية المضادة له.
يونس بمرح: سلام مش طايقاني خالص كده... ده أنا وحش أوي عشان أزعل العسل ده.
زهره بغضب: يونس... أنا مش طايقة نفسي.
يونس بمرح: هو انت كل شوية يونس... يونس وتبرقيلي هخاف أنا كده صح.
زهره بزفرة قوية: طبعًا... عمال تضحك وتهزر تلاقيّك كنت مبسوط وهي لازقة فيك صح وعامل لي فيها زعلان ده أنا بقالي شهور مش عارفة أقرب منك زيها كده وواقف متصنم قدامها كأن عمرك ما شفت واحدة ست..... ثم أكملت بغيره أنثوية: وياريتها حلوة ده أنا أحلى منها..... ثم وجهت نظرها له: صح يا يونس مش أنا أحلى منها.
يونس بحزن من أجلها: طبعًا أحلى منها.... اقترب منها وأمسك كفيها بين كفيه ونظر في عيونه والابتسامة على وجهه: أنا مش بعرف أشوف غيرك يا زهره... وانت متأكدة إني ماليش ذنب في اللي شفتيه ده وربنا يعلم إني دايما بصدها هي أو غيرها.
زهره بصدمه وغيره: إيه ده ما شاء الله هو فيه غيرها كمان وأنا معرفش.
يونس بضحك: يا بنتي اهدي... انتي إيه بابور جاز اصبري وأنا هفهمك.
زهره بغضب: هديت اتفضل فهمني.
يونس بجدية: يا حبيبتي طبيعي إن يبقى فيه... هما مقتنعين إني يونس بيه الصعيدي الغني الحلو واللي واللي والكلام الفاضي ده.
زهره بتلقائية: معاهم حق... أصلك حلو أوي.
يونس بعبث: والله.
زهره بخجل ولكن دارته بالغضب: متوهش الموضوع كمل.
يونس وهو يأخذ نفس عميق: من قبلك لما كنت متجوز الزفتة اللي اسمها ناهد دي وكان كتير بيحاولوا يقربوا مني وأنا كنت بصدهم ودلوقتي واخدين بالمظاهر ميعرفوش الظروف اللي إحنا فيها ولو عرفوا أنا متأكد إن مفيش واحدة هتفكر تتكلم معايا أصلًا... اللي عاوز أوصله ليكي إني مش كده يا زهره مش أنا اللي واحدة تعرف تغريني بفلوسها أو جسمها أو غيره مش أنا اللي أغضب ربنا وخصوصًا إن عندي مراتي زي القمر وأصيلة ومالية عيني من كل حاجة لأبص بره فهمتي.
زهره وقد اقتنعت بحديثه: يعني انت مش بتحب حد غيري.
يونس بنبرة صادقة: والله مش بعرف أشوف غيرك... بحبك يا بنت عمي.
ارتمت في أحضانه وهي تتعلق به وقد أسكنها بين أحضانه وهو يملس على شعرها الكستنائي وظهرها بحنان.
يونس بخبث: بقولك إيه.. انتي مالك احلويتي كده.
زهره بخجل: أنا زي منا.
يونس بمرح: والله وريني كده.
وارتمى في أحضان حبيبته والذي اشتاق لها شهور لم يقدر على القرب منها من كثرة همومه فكاد يكون نسي نفسه وعقله وقد تذكرهم الآن.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سهيلة عاشور
تجلس في غرفتها وتضع يدها على معدتها والتي ظهر عليها الانتفاخ قليلاً، تملس عليها بحنان وتنظر نحوها بخوف وهي تفكر وعيونها شارده.
ومن ثم وجهت بصرها وهي تتحدث في نفسها، وهي توجه حديثها لطفلها:
سميه بهدوء: أنا عارفة إنك زعلان مني... كنت بتحب بابا أوي صح يا حبيبي؟ أنا آسفة، أوعى في يوم تزعل من ماما. أنا بعمل كل ده عشان بابا وعمو يونس وزهرة. خالك (تقصد ضاحي) صحيح واطي وحقير ومعدوم الضمير، بس أنا عارفة لعبه وهعرف أتصرف معاه.
أكملت وقد احتدت عينيها كثيرا: بكرة الحق هيرجع لأصحابه، ووقتها يا حبيبي بابا هيفهم أنا ليه عملت كده. هو وحشني أوي زي ما هو وحشك كده، وأكتر كمان. أنا مش عارفة أغمد عيني وهو مش جنبي، مش عارفة أتنفس في الأوضة ونفسه مش فيها. بس معلش، خلينا نستحمل شوية وبعدها نرتاح كلنا.
قطع شرودها دخول تلك الحية عليها، واضعة يدها في خصرها وهي تهز جسدها بحقد وغِل. فبعد حديثها مع ضاحي في الأسفل، نار الغيرة والحقد تجاه زهرة زادت أكثر وأكثر. ففي اعتقادها أن ضاحي يضحي من أجلها وأنه يحبها، حيث خاطر بالكثير لكي يخرجها من الورطة التي وضعت نفسها بها عندما حكم عليها بالسجن لأكثر من عشرة سنوات. ولكنها لا تعلم ما نيته، فهي وكالعادة في غفلة.
لاحظت سمية وجودها، فزفرت بضيق وهي تحادثها بحدة كعادتها. فالشيء الوحيد التي لا تستطيع سمية تفاديه هو كرهها لتلك المرأة.
سميه بحده: إيه يا ناهد قدامك مسرحية ولا فيلم في التلفزيون بتتفرجي وسرحانة في إيه؟ وإيه اللي مدخلك هنا من غير ما أسمحلك تدخلي؟ عاملين الباب ليه؟
تداركت ناهد موقفها وعقدت حاجبيها بغيظ: أنت بتتكلمي كده ليه؟ أنا هنا يا حبيبتي ست البيت وليا احترامي.
قهقهت سمية بفرط حتى أدمعت عينيها وهي تسير في اتجاهها، ومن ثم اختفت ابتسامتها وحل محلها الحِدة ووضعت ذراعيها أمام صدرها: سمعيني كده يا مسكرة قلتي إيه؟
ناهد ببرود: بقولك أنا ست البيت هنا، أنتِ مين عشان تحاسبيني؟
اقتربت سمية منها أكثر فأكثر، وفجأة أمسكت شعرها تسحبها منه بقوة وهي تنظر داخل عينيها بغضب: بصي يا بت أنتِ... عاوزة تقعدي هنا مرتاحة، تبعدي عني خالص وإلا هندمك على كل نفس بتاخديه في عمرك. أنتِ فاهمة يا بت أنتِ؟
ناهد بخوف وهي تنظر لها بعينين متسعتين من هول الموقف: .....
تركتها سمية بعنف حتى وقعت أرضاً وهي تقول بنبرة ثابتة: غوري من وشي... غوري.
وقفت ناهد سريعاً وهي تنظر لها بتعجب ونزلت للأسفل تهرول حتى كادت أن تقع، وسمية تتابعها بهدوء وهي تضع ذراعيها أمام صدرها، ومن ثم نزلت خلفها بهدوء.
**********************************
في الأسفل
كان يجلس ضاحي وأمامه بعض الأوراق للأملاك التي جمعها ويتابع عمله بدقة. فهو يتوق لكي يصبح ملكاً، في رأيه أن كلما ارتفع مالاً وجاهاً أكثر كلما حطم قلب يونس أكثر فأكثر. مسكين لا يعلم ما في القلوب البشر. فهذه الفصيلة اللعينة الخاصة بضاحي لا تفهم هذه التعبيرات.
قاطعه هرولة ناهد في اتجاهه وهي ترمي في أحضانه وتمثل الخوف والبكاء، مما جعله يتعجب بشدة.
ضاحي بتعجب: إيه يا ناهد... بتعيطي ليه؟ إيه اللي حصل؟
ناهد بصوت متقطع أثر دموع التماسيح خاصتها: سمية يا ضاحي... سمية هانتني أوي يا ضاحي. أنت جايبها تهيني في بيتي، بقا دي آخرتها؟
ضاحي ببرود: طب فهميني إيه اللي حصل.
سميه بمقاطعة: أنا أفهمك يا أخويا.
انتفضت ناهد سريعاً عندما استمعت لصوت سمية، ففي خاطرها أنها لا تزال في غرفتها ولم تشعر بها خلفها إلا الآن. فهي تخشاها كثيراً، حيث أنها على يقين تام لوفائها لمصطفى ويونس، وأيضاً تعلم أنها خصم قوي للغاية. نظرت لها سمية بسخرية ومن ثم نظرت نحو أخيها بهدوء.
ضاحي بإنصياغ: قولي يا سمية إيه؟ حد يفهمني.
سميه بهدوء: ولا أي حاجة تستاهل. الست هانم اللي متجوزها ولمتها من السجون وعملت ليها قيمة، داخلة على أوضتي زي المخبرين من غير استئذان. قلت لها مش في باب الناس تخبط عليه قبل ما تدخل، فتحت لي محاضرة بقا. دا بيتي وأنا ست البيت ومين أنت عشان تحاسبيني. شديت ودنها، أنتِ عارفة إني مش بعرف أعدي ولا أسكت، وهي كمان عارفة كده. بس هي ظاهر عليها من أول ما جت وهي عاوزة تمشيني بدري بدري.
ساد هدوء في المكان لبضعة دقائق، ومن ثم تحولت نظرات ضاحي بين سمية وناهد حتى استقرت على سمية وتحدث إليها بهدوء: طيب يا سمية، حقك عليا أنا يا قلب أخوكي. وأنتِ هنا صاحبة البيت ومفيش لي حد لسلطة عليكي أبداً. اطلعي أنتِ أوضتك دلوقتي وارتاحي على ما الغداء يجهز.
سميه بهدوء وهي تربت على كتفيه أثناء مرورها: عشت يا أخويا.
تركتهم وهي تنظر لناهد بتشفي، ومن ثم صعدت الدرج حتى غرفتها تختبئ بعدما تأكدت أنهم ظنوا أنها دلفت لداخلها. نظر ضاحي لناهد بغضب جامح، ومن ثم هوى كفه على وجهها بقوة جعلتها تصرخ من الألم.
ناهد بتألم: ليه كده... بعد كل اللي عملته عشانك تعمل فيا كده؟ تعليها عليا ليا؟
جذبها من ملابسها بقوة حتى تمزقت وأنزلها على ركبتيها أمامه وهو ينظر لها بغضب وحدة: أنا ممكن أدنك حية لو وقفتي في طريق اللي أنا عاوز أعمله. أنتِ فاهمة؟ أنا بقالي سنين بخطط للي بيحصل حوالينا دا. لو مش هتبطلي شغل الحريم الفاشل ده هتشوفي الوش التاني.
ناهد بخوف وتوتر: بس أنت عارف كويس إنها مش بتحبك ولا عاوزة مصلحتك، يعني...
ضاحي بزفرة قوية وهمس: عارف... هي مش عاوزاني ولا طايقاني أصلاً وعارف إنها هنا عشانهم. بس أنا اللي عاوز دا. أنا عاوزها قدام عيني، عاوز ألم كل ضحكة وذكرى حلوة ليهم من قدامهم. هاخطف منهم النفس اللي بياخدوه. الفلوس مش مهمة عندهم، لكن سمية وزهرة هما كل حاجة عندهم. فهمتي؟
ناهد بإبتسامة: فهمت. ومن ثم وضعت يدها على صدره بحركة مدروسة منها وهي تردد: فهمت... فهمت يا سيد الرجالة. الحمد لله إني معاك مش ضدك. لما ببص ليك مش بصدق إني بقيت مراتك، حتى لو عرفي، فـ أنا برضه مراتك. مين قدي أنا وأنا مرات المعلم ضاحي كبير البلد وسيد الكل.
نظر لها بخبث وتاهت هي عينيها وشرد وهو يتخيل أمامه زهرة، والتي ما إن رآها للمرة الأولى واحتاجته الرغبة بها بشدة. فهجم على ناهد يقبلها بنهم، وهي بالطبع سعيدة بذلك.
**********************************
في منزل أبطالنا
قد حل الليل عليهم. كانوا يجلسون على إحدى الأرائك في صالة المنزل الصغيرة وهم يتحدثون حول العمل. فقد اقتنع مصطفى أخيراً أن يعمل في ورشة الميكانيكية، حيث أقنعه يونس بأن الورشة ملكهم ولن يعمل لدى أحد ولا يشعر بالقلة، وأيضاً يعملون سوياً ويكونوا بجانب بعضهم البعض فهم سند وقوة لبعضهم. وقد اقتنع مصطفى بحديثه، وخصوصاً أنها تعمل في أكثر من مكان ولا تجني ثمن تعبها أبداً.
قاطعتهم زهرة وهي تضع آخر أطباق الطعام على الطاولة الدائرية الصغيرة وتنظر لهم بابتسامتها الصافية الجميلة التي تبث فيهم الطمأنينة.
زهره بنبرة هادئة: إيه مش كفاية كلام بقا ويلا قبل ما الأكل يبرد؟
مصطفي بمرح: الريحة مش قادر... صنية بطاطس باللحمة دي يا زوزر، آه يا بطني.
يونس بغيظ: جرى إيه يلا، أنت ما تتلم؟ إيه زوزو دي؟
مصطفى بعبث: غيران مني يا يويو... دا أنا حتى مؤدب، مش بقف تحت مع أم أربعة وأربعين.
ضحكت زهرة بخفة على حديث مصطفى الذي سيؤدي به للقبر قريباً، أما يونس فوزع نظراته بينهم بتعجب.
يونس بعدم فهم: مين أم أربعة وأربعين دي ياض أنت؟
مصطفى بغمزة: الست حسنات اللي تحت... بس بقولك إيه، عينيها هتطلع عليك من زمان وأنا ملاحظ.
زهره بضيق: كل يا مصطفى... كل وأنت ساكت.
يونس بغضب: ماشي يا مصطفى، لما ننزل الورشة ليك رووقة.
بدأت زهرة تسكب لهم الطعام وهم يتحدثون ويضحكون أثر حديث مصطفى المرح الذي لا ينتهي أبداً. ولكن لاحظت زهرة أنه يعبث في طعامه ولم يأكل سوى بعض اللقيمات فقط، مع أنها صنعت هذا الطعام من أجلهم لأنهم يحبوه بشدة.
زهره بنبرة حنونة: مصطفى أنت كويس؟
مصطفى بابتسامة: آه يا مرات أخويا الحمد لله... ليه في حاجة؟
زهره بابتسامة أخوية: أنا عارفة إنك زعلان عشان سمية. عبس وجهه فجأة مما دعاها لتسرع في الحديث وهي ترفع يدها أمامه: قبل ما تتعصب أنا مش قصدي أزعلك والله، أنا خايفة عليك. مع إني برضه متأكدة إن في حاجة غلط في موضوع سمية ده، لأنها مستحيل تعمل كده من نفسها.
أخذ نفساً عميقاً ومن ثم هدأ وتحدث بهدوء عكس نيران قلبه التي كادت أن تحرقه: أنا عارف يا زهرة إنك طيبة وبنت حلال وعايزة لينا الصالح والفرحة. وعارف إنك متقصدش تزعليني، بس أنا مش عاوز نتكلم في الموضوع ده تاني، ممكن؟
زهره حتى لا تضغط عليه: حاضر يا مصطفى، اللي تشوفه.
يونس بمرح لكي يزيل التوتر: والله أنا شايف إني كيس جوافة في وسطكوا... ما تتلموا أنتوا الاتنين.
مصطفى وهو يتلاعب بحاجبيه أمامه بعبث: بنت عمي وأنا حر، عندك مانع يا سي يونس؟
ضحكت زهرة عليهم بشدة، فمهما مر عليهم من الأحداث والسنوات سيظلون أطفالاً في تصرفاتهم سوياً. نظر يونس لزهرة بحب وهو يسألها باهتمام.
يونس بتساؤل: إيه يا زهرتي الامتحانات قربت، جاهزة ليها؟
زهره بتوتر: بصراحة مش أوي...
زهره متوترة أوي وخايفة.
يونس بنبرة حنونة: لا أنا عاوزك تركزي في مذاكرتك كويس أوي اليومين دول. السنة دي كانت صعبة يا حبيبتي أنا عارف، بس إحنا أقوى منها ولازم نكمل للآخر، ولا إيه؟
زهره بحب وارتياح: صح يا حبيبي. ربنا يقويك ويقويني يارب.
ظلوا يتبادلون سوياً نظرات الحب والغرام، وكل منهم شارداً في الآخر. أما مصطفى كان يستند بيديه الاثنين على الطاولة، وهو يتابعهم مثل الطفل الذي يتابع فيلمه الكرتوني المفضل، قائلاً بمرح: ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أنا بقيت عزول وسط العشاق على آخر الزمن.
كاد يونس أن يرد عليه، ولكن قاطعهم رنين جرس الباب. فتعجبوا قليلاً، ولكن ذهب مصطفى ليفتح. وعندما فتح الباب، هنا كانت الصدمة. فلم يكن على توقعه هذه الزيارة.
مصطفى بتعجب: أنت!
رواية اخر نساء العالمين الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سهيلة عاشور
عندما فتح الباب، صدم مصطفى بشدة. إذا بتلك المرأة التي تسمى حسنات تقف أمامه، ترتدي إحدى عباءاتها التي كادت أن تتمزق من ضيقها، وشعرها مفرود بفعل أداة المكواة. وضعت حجابها كزينة وليس حجاباً بالطبع. وليس بوسعي الحديث عن مستحضرات التجميل التي تملأ وجهها، ولكن للحق، كانت دائمة الاهتمام بجسدها لتظهر أصغر سناً وأكثر أنوثة. وكانت الرجال تأكل جسدها بأعينهم.
نظر لها مصطفى بتعجب من مظهرها، والذي من الواضح أنها قضت الكثير من الوقت في ترتيبه، وأيضاً لزيارتها لهم، وخصوصاً أنه يعلم ما حدث معها هي وزهرة بالأسفل.
حسنات بابتسامة لزجة:
أي يا أخويا، هتفضل موقفني على الباب وعمال تبص فيها كده؟
مصطفى بإدراك:
خير يا ست حسنات.
وعندما نطق مصطفى باسمها، هرولت زهرة سريعاً تجاه الباب، ووراءها يونس. نظروا لها بتعجب، وبالطبع زهرة كادت أن تنفجر من الغضب والغيرة وهي ترى نظرات تلك الشمطاء لزوجها.
زهرة بغيظ:
خير يا طنط، أي السر الزيارة الغير مرغوب فيها دي؟
حسنات بمكر:
الكلام مش هينفع على الواقف كده، دا عايزة قاعدة. جاي لسي يونس في خير إن شاء الله.
زهرة بغيظ:
وهو اللي زيك هيجي من وراه خير؟
كادت أن تهم بطردها، ولكن قبض يونس على يدها وهو ينظر لها نظرات ذات مغزى:
دي في بيتنا برضه يا زهرة. اتفضلي يا ست.
دَلفت بجوار زهرة وهي تسير بميوعة، مما أثار غضب زهرة أكثر، ولكنها تحاملت من أجل زوجها. أما مصطفى، فكان يتابع الموقف وهو يحارب كي يكبح ضحكاته. اتجه نحو أقرب كرسي وجلست عليه، ومن ثم جلسوا حولها على إحدى الأرائك، زهرة بالقرب منها، ومن بعدها يونس، وقبالتهم مصطفى، والذي كاد أن يختنق من كثرة كبح الضحك. ساد الصمت قليلاً، مما أثار مللهم.
يونس:
تشربي إيه يا ست؟
حسنات بنبرة أنثوية:
ولا حاجة يا سيد الرجالة. لو أمكن بس كوباية ميه.
زهرة بغيره:
الميه مقطوعة. ما تخلصي يا ست انتي وتقولي عايزة إيه، عندنا مصالح عايزين نخلصها.
حسنات ببرود:
على رأيك، أنا برضه عايزة أدخل في الموضوع على طول. شوف يا سي يونس، أنت عارف أنا كنت متجوزة راجل كبير أوي في التجارة، بس ربنا مكنش مديله قدرة يخلف، وكمان كان أكبر مني في السن كتير. كنت عيلة وقتها ومات وسابلي العمارة دي وكم عمارة تانية بسكنهم وبآكل منهم عيش.
يونس بحنق من مقدماتها المملة:
عارف يا ست حسنات، الله يرحمه ويحسن إليه. ياريت تدخلي في الموضوع على طول.
حسنات بنظرات ثاقبة تتفحصه من أعلاه لأسفله بوقاحة، مما جعل مصطفى يدمع من كثرة الضحك، وما زاد حنق زهرة منها:
قُمت أنا يا أخويا من يومها وأنا قافلة بابي لكل اللي يجي يطلب قرب، وأنا لسه صغيرة وزي ما أنت شايف كده. أعقبت بمد يدها تتحسس جسدها وكأنها ترسم منحنياتها بيديها: حلوة وزي القمر وصحتي زي الفل. قلت لنفسي يا بت، الجواز ولا هو ولا هو حرام، صح ولا إيه سي يونس؟
يونس في سره:
يارب تتجوزي، أهي تحل عني. ثم قال لها بهدوء: أيوه طبعاً.
حسنات بابتسامة:
وأنا طول عمري جد، ولا بعرف اللف ولا الدوران. ثم أكملت بنبرة تملأها الحس الأنثوي وهي تنظر داخل عينيه: من أول ما شفتك يا سي يونس وأنا مش عارفة أتلم على نفسي، شيفاك قدامي على طول، وريداك راجل ليا. بالمختصر كده، عايزة أتوزجك يا يونس.
عم الصمت والصدمة على وجه جميع الجالسين. فيونس كان يجلس كمن سُكب عليه ماء مثلج، لا يعرف ماذا يقول أو ماذا يفعل. فمن الأساس لم يعبر الكثير من الوقت في محاولته ليرضي زهرة ويطفئ نيران غيرتها عليه. أما مصطفى، فقد اتسعت عيناه من الصدمة، فلم يكن يتوقع أبداً أنها جريئة لتلك الدرجة، ولكنه صمت وظل يوزع بصره بين الجالسين. أما زهرة، فكفى لهذا الحد. هبت من مكانها وقد احمر وجهها الحليبي سريعاً، وبدأت عروق وجهها في البروز، وشعرت بنيران قد دقت بداخل جوفها. ولم ترَ أمامها سوى تلك اللعينة وهي تجلس تناظر زوجها بنظرات شهوانية راغبة، فإذ بها تنقض عليها، تجذبها من شعرها وتضربها على وجهها تارة، وتقضم كتفها بأسنانها الصغيرة تارة أخرى، وحسنات تصرخ أسفلها لكي ينجدها أحد.
زهرة بغيرة قد أعماتها:
جاية لي بتقولي... عايزة تتجوزي جوزي... دا أنا هموتك في إيدي... دا أنا مش طايقاكي من وقت ما جينا، أي البجاحة اللي فيكي دي، دا انتي قد أمّه!
اقترب منها يونس سريعاً في محاولة منه ليحملها عنها، ولكن زهرة كانت تتمسك بها بقوة وهي تجذب شعرها بقوة. ومع حمل يونس لزهرة، فقد جذبها بقوة وسرعة في نفس الوقت، فإذا بشعر حسنات كاملاً في يد زهرة، وتجلس أمامهم رأسها أقرع، مما جعل مصطفى ينام أرضاً وهو يضحك بصوت عالٍ، ودموع غزيرة. حقاً إنه يضحك.
يونس بصدمة:
يا نهارك أسود، انت خلعتي راسها يا زهرة!
زهرة بغيظ:
خلعت راسها إزاي يعني يا يونس؟ نزلني أوعى... دي باروكة، وقال إيه ماشية تتغندر بيه يمين وشمال، وطلعت في الآخر باروكة. الله أعلم مخبية إيه تاني. يلا يا ولية من هنا، غوري من وشي، لو شفتك في وشي تاني هولع فيكي وأخلص منك.
قامت حسنات وقد جذبت من يد زهرة شعرها المستعار، وهي تنظر لها بكره وألم في جسدها من صفعاتها وعضاتها، قائلة لها بثقة:
مفكرة باللي عملتيه ده خدتيه منه؟ هتجوزه... وهشوف أنا يا حتة عيلة زيك.
قالت آخر كلماتها وقد هربت سريعاً على السلم، وكادت زهرة أن تذهب ورائها، ولكن أمسكها يونس وأحكم يده فوق كتفها لكي يثبتها في مكانه، وكانت تتحرك بعشوائية وغضب وهي تصرخ به أن يتركها.
زهرة بغضب:
أوعى يا يونس... سيبني أطلع روحها في إيدي... سيبني عليها بقولك.
يونس وهو يمثل الحدة:
خلاص بقى... في إيه يا بت؟ مفيش حد قادر عليكي ولا مالي عينك، ولا إيه؟ اتهدي بقى، هديتي حيلي.
زهرة بصدمة:
أنا يا يونس! دي واحدة جايه تقول قدامي صورتك مش بتفارق عيني وعايزة تتجوزك. انت شفتها كانت بتبص عليك إزاي يا يونس؟ دي كلكت بعنيها... دا أنا لو طلعت أجيب حاجة من البلكونة وخصلة من شعري باينة بتعملي جنازة. دي جايه بتقولك عايزة تتجوزك، كنت عايزني أعمل إيه يعني ها؟ أتحزم وأرقص؟
قال مصطفى وهو يحاول أن يقول من رقدته ولا زال يضحك:
لأ، كنتي تقومي تبلي الشربات.
يونس بغيظ:
مش وقتك يا مصطفى، أي شغل عيال ده، مش عارف تمسك نفسك شوية؟
مصطفى بضحك:
يا عم اديني ماشي أهو... هسيبكوا تصطفلوا سوا.
يونس بتساؤل:
ليه، انت رايح فين؟
قال وهو يخرج سريعاً من باب المنزل:
رايح أجيب المأذون.
أغلق الباب سريعاً ولا زال يقهقه بشدة. أما زهرة، فكادت أن تبكي من فرط غضبها وغيرتها عليه، فكيف لتلك المرأة العجوز العجرية أن تجلس أمامي وهي تستعرض جسدها لزوجي وتطلب منه الزواج؟ كيف لها أن تنظر له بتلك الطريقة؟ فلا زلت أنا لهذه اللحظة أخجل من النظر إليه بتلك الطريقة. فرت دمعة هاربة من عينيها، ويونس يتابعها وقد ألمه قلبه كثيراً من أجلها، فهو يعلم تمام العلم هذا الشعور. تخيل وقت ما جاء اللعين ضاحي وحاول أن يتقدم لزواجها، يتذكر شعوره حينها، فكاد أن يتوقف قلبه عن دقاته لمجرد تخيلها معه. يا الله، حبيبتي عانت كثيراً. نظر لها بحب وقد أمسك يديها وجلس وأجلسها بجواره، ولا زال يتألها بتفحص وحب.
يونس بنبرة حنونة:
زهرة... يا زهرتي.
زهرة بعبوس وقد أدارت وجهها للناحية الأخرى: ....
يونس بابتسامة:
يهون عليكي يونس مترديش عليه؟ دا انت الهوا اللي بتنفسه يا زهرة، أنا عايش في الدنيا عشانك انت ومصطفى، معدش ليا غيركم في الدنيا يا حبيبتي.
زهرة بحزن:
أنا مش عارفة هما مستكترينك عليا ليه.
يونس بحب:
وحتى لو، انت مالك بيهم؟ اللي تقول تقول، واللي تفكر تفكر. المهم أنا عايز إيه، وأنا مش عايز حاجة في الدنيا غيرك يا حبيبتي.
نظرت له بعينيها التي باتت تلمع تلقائياً عندما تنظر له:
هو انت ممكن تتجوز عليا يا يونس؟
يونس بابتسامة هادئة:
يا بت بقولك بحبك يا زهرة، مقدرش أشوف نفسي مع غيرك. أوعي في يوم تفكري إني ممكن أكون لغيرك. انتي عمري كله يا زهرة، ربنا عالم بحبك إزاي.
قربها إليه لتكن في داخل أحضانه، فاستسلمت له على الفور، وهو يملس على ظهرها بحنان، وقد فك وساق حجابها وشد ربطة شعرها لينسدل أمامه بلونه الطبيعي الذي يعشقه بشدة، وظل يبثها بكلمات الحب ويدللها ويضحكها، وهذا جعلها تهدأ قليلاً.
في منزل حسنات
دَلفت للمنزل وهي تدب الأرض من كثرة غضبها وثورتها، تشلح عنها حجابها الذي لا وجود له من الأساس، وتنظر لنفسها بقهر في المرآة، فأصبح مكياجها وشعرها المستعار مبعثرين للغاية. ظل نظرها زائغاً بتحسر على نفسها، ومن ثم جاءت صورة يونس أمامها، فتملك منها الجبروت، وظلت توعد بداخلها.
حسنات بغل:
بقى عاملي فيها الشحات مبروك؟ أنا بقى هحسرك عليه، أما خليته يسيبك ويجيلي زاحف، دا أنا حسنات اللي بيتهزلي شنابات، حتة بت معصعصة زيك تعمل فيها كده.
في سيارة حسام
كان يقود السيارة ووجهه عابس للغاية، وتجلس بجواره هبة، وفي الكرسي الخلفي زيارة لأصدقائه، منا تشتهي الأنفس من ملابس وطعام شهي وغيره، فهذه عاداتهم. وقد قرر أن يعاونهم بشكل غير مباشر بتلك الطريقة. كانت هبة تنظر له بحزن، فهو غاضب بشدة بسببها، تعلم أنه لم يكن في حسبانه أن يؤذي أباها، هو فقط يشعر بالخوف عليها، وبالطبع لديه كل الحق، ولكنها للأسف ابنة صالحة لأب لا يعرف للرحمة طريق. ترددت كثيراً، ولكن في النهاية تغلبت على خوفها. اقتربت منه ووضعت كف يدها على ذراعه وهي تنظر له بتوتر.
هبة:
حسام...
انت زعلان مني؟
حسام بزفر: لا عادي... مشتغليش بالك.
هبه بحزن: بس انا والله مش قصدي ازعلك يا حسام.... بس دا برضو ابويا غصب عني بجد.
اوقف السياره فاجأه مما جعلها تتعجب وتنظر له بترقب. قرب يده لوجنتيها وملس عليهم برفق.
حسام بزفر: متزعليش مني يا هبه... غصب عني لمجرد اني تخيلت انه كان ممكن تروحي مني مقدرتش اتحكم في اعصابي متزعليش مني.
هبه بإبتسامه: مش زعلانه منك.
حسام بإبتسامه: ربنا يخليكي ليا يارب.... ثم اكمل بجديه: بس برضو موضوع ابوكي دا ملكيش دعوه بيه خالص ومتخافيش مش هأذيه.
رواية اخر نساء العالمين الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سهيلة عاشور
في المنزل
يجلس يونس في صالة المنزل بعدما أرغمته زهرة على ذلك. ودلفت غرفتها وظلت بها قرابة النصف ساعة. شرد عقله بهذا الأبغض، ضاحي. يكرهه وينفر منه بشدة ويريد الإيقاع به بأي طريقة، ولكن كل الخيوط متباعدة تمامًا. ويونس الآن ضعيف بالنسبة لضاحي، فليس لديه قوة ولا رجال ولا مال لكي يصنع القوة والرجال. ضاق صدره كثيرًا من التفكير. يشتاق لوالديه كثيرًا. فكان أبوه نعم الصديق الذي بنظرته فقط يشعر وكأن لديه أقوى شعور في هذه الدنيا، يشعر بقوة وثقة كبيرة. ووالدته التي كانت نعم الأخلاق والحب، فكانت تبثه الحنان وتعاملها معه لم يتغير أبدًا حتى بعدما تزوج وأصبح رجلاً يفوقها طولاً، إلا أنها كانت تعامله دائمًا على أنه طفلها.
زفر بضيق وهو يثني ظهره ويضع رأسه بين كفيه، ولكنه ابتسم عندما تذكر زهرة. زهرته كما دائمًا يقول عنها، لا يستطيع التصديق حتى الآن أنه الله سبحانه أنعم عليه بهذه الفتاة لتكون زوجة له. فعلى الرغم من كل ما مر به، هي صامدة دائمًا بجواره، تثبته القوة ولا تشعره أبدًا بالعجز. فكان في أول شهور الوفاة وعندما طُردوا من منزلهم لم يكن لديه ما يجعله أن يطعمها حتى. فاجأته عندما باعت كل مصوغاتها (الذهب) ولم تترك أي شيء سوى خاتم زواجهم. حتى أنها بدلت حجرة القيم بآخر مزيف وجاءت له بمبلغ لا بأس به من المال حتى استطاع أن يجهز الورشة ويجددوا بعض أثاث المنزل. فقد اشتراهم يونس منذ سنوات ولم يكن يهتم بهم أبدًا، فقط اشتراهم وأغلقهم. وهكذا.
قطع شروده عندما سمع صوتها تنادي باسمه، ويبدو من صوتها أنها غاضبة جدًا.
"أنا أحلى ولا حسنات يا يونس؟"
رفعت وجهه لمصدر الصوت فوجد حبيبته تقف أمامه وهي تضع يدها على خصرها وترتدي فستانًا قصيرًا من اللون الأحمر يفصل جسدها. ووضعت بعض مستحضرات التجميل التي أبرزت ملامحها الجميلة وشعرها الكستنائي الذي أطلقت عنانه خلف ظهرها وقد ازداد طوله كثيرًا. ظلت تتحدث وهو لم يكن منتبهًا لنفسه حتى، فقط ينظر لها من أعلاها لأسفلها بتفحص ويضع يده داخل جيبه ويبتلع لعابه بصعوبة.
"إيه يا يونس... متنحة كده لي؟ بقولك مين أحلى أنا ولا حسنات."
"حسـنات مين؟"
خجلت كثيرًا وقد فهمت حالته هذه، فهمت بالهروب منه للغرفة، ولكنه أمسكها سريعًا وقربها منه وهو ينظر لها بحب. فأكثر ما يحبه بها خجلها الدائم، على الرغم من أنهم متزوجين منذ فترة لا بأس بها، ولكنها لا تزال تخجل منه وبشدة.
"استني بس يا هبلة، انت رايحة فين؟"
"أنا مش هبلة يا يونس... واوعى كده، أنت قاعد لي. أنزل الورشة يلا، أنا عاوزة أذاكر عندي امتحانات."
"الـ... مش انت يا بت اللي قلتيلي استناني يا يونس هاخد رأيك في حاجة؟ وبقالك قرن جوه الأوضة..." نظر لها بطريقة أربكتها أكثر: "بس تستاهل استنى والله... إيه القمر ده حلو عليكي أوي."
"بجد يا يونس شكلي حلو... يعني أنا أحلى من حسنات؟"
ضر-بها على رأسها بخفة: "حسـنات مين يا بت يا هبلة، انت اللي تقارني نفسك بيها... وبعدين انت تعرفي عني إني أبص لواحدة غيرك؟"
هزت رأسها تدل على النفي: "لا."
"طالما لا... إيه مفيش حاجة علينا؟"
"لا مفيش، يلا انزل..." ثم أكملت بضحك: "زمان مصطفى ولّع في الورشة."
"صح معاك حق... راح عن بالي المجنون ده."
جذب هاتفه وركض للأسفل، وما إن وصل عند باب المنزل رجع لزهرة بسرعة، قبلها على خدها بحب.
"هجيلك، هتروحي مني فين... بحبك يا ورق العنب."
"وأنا كمان... لا إله إلا الله."
"محمد عبده ورسوله."
نظرت في طيفه بحب، ومن ثم اتجهت نحو غرفتها لتدرس قليلاً حتى تستطيع اجتياز الامتحانات.
**********************************
في الورشة
ينام مصطفى تحت السيارة منذ أكثر من ساعتين، ويطلب كل المعدات تقريبًا من حمص (الولد المساعد ليونس)، وحمص ينفذ أوامره بخوف. فقد كرر عليه أكثر من مرة أن هذا النوم من السيارات يجب معاملته بخاصة لأنه غالي الثمن وقطع الغيار خاصته نادرة الوجود.
"الله يخليك يا معلم مصطفى... المعلم يونس هينفخني بسببك."
"يعم انت بس هات مفك الصليبة واسكت."
"ودا هتعمل بيه إيه دا... أنا مفكرها شباك ألومنيوم دي عربية يا معلم مصطفى، الله لا يسيئك قوم وأنا هروح أنده المعلم يونس، الله يخليك."
"انت صدعتني يا واد انت... ألا قلي انت عندك كام سنة؟"
"عندي 17 سنة... هو انت هتحكي معايا وانت تحت العربية؟ ما تقوم والنبي... يلهوي يلهوي المعلم يونس جه، قوم والنبي يا معلم."
انحنى حمص نحوه وشده بقوة وسرعة وأوقفه، وهو ينظر نحو يونس الذي كان يرمقهم بغضب من بعيد.
"يارب استر يارب... عديها على خير."
"أنا مش عارف انت خايف كده لي؟ هو أنا أخويا بلطجي وأنا معرفش؟ عادي يعني كنت بتعلم."
"بتتعلم في عربية بنت المعلم حسن الحجش... انت ناوي على مو-تنا... أنا صغير لسه وعاوز أعيش."
"حجش! حد يسمي نفسه حجش؟ طب لما يكبر ويبقى حمار أبقى قلي."
قاطعه دخول يونس عليهم، وبالطبع قد رأى حمص وهو يجذب مصطفى من تحت السيارة. نظر لهم بغضب، ومن ثم ارتدى ملابس العمل سريعًا ونزل تحت السيارة. وما إن رأى ما حل بها، هب سريعًا وهو يصرخ في وجهه بغضب.
"مصطفى..."
"إيه يا عم قلبك أبيض... انت شاطر وهتعرف تصلحها، يلا همتك بدل ما عمك الحجش يجي."
"لو كان عندي ربع برودك كان زماني بقيت قد الفيل."
"لي هو أنا تخنت أوي كده؟"
"غور... اقعد على الكرسي اللي بره دا لحد ما أفغالك... وانت يا حمص ايدك معايا."
"حاضر يا معلم... عيني."
بدأ يونس يحاول جاهداً في إصلاحها حتى تأخر الوقت عن وقت غلق الورشة المعتاد، وهو لا يزال يحاول بها. فقد خربها مصطفى تمامًا، ولكن في النهاية وبعد ساعات طويلة أصلحها وأخيرًا. خرج من تحتها وهو يزفر براحة، وأخذ قنينة المياه يشرب منها، ولكن لفت نظره الجالسين أمام الورشة وهم يولون ظهورهم له، يأكلون البذور (اللب) ويتحدثون وهم مندمجين للغاية. فأقترب منهم ليسمعهم براحة.
"وبس بقا يا سيدي... بعدها طلق مراته واتجوز بت أنعم أي قشطة يا معلم."
"قلتلي... بس صغيرة ولا إيه؟"
صوّب حمص عينيه نحو إحدى النساء المارات: "هي دي يا معلم... يعني في العشرينات كده... بس مخلفش منها."
"حلوة أوي... إيه اللي يجبرها تتجوز واحد قد أبوها؟ مش حرام؟ حلوة وصغيرة."
"الحاجة وقلة الحيلة يا معلم... هتعمل إيه؟ تمو-ت من الجوع."
"على رأيك يا واد... شد حيلك بقا ونجبلك عروسة."
"الله يخليك يا معلم."
ضجر يونس منهم بشدة، فهو يعمل وحده منذ ساعات وهم يجلسون ويستثمرون ويتحدثون بتلك الطريقة البغضاء. فصوت قنينة المياه نحوهم ورشهم بها، فهبوا واقفين وهم ينظرون نحوه بضيق.
"لي كده يا أخي... بليت الهدوم."
"أنا طالع أغير وأرتاح... قفلوا وروحوا، وانت يا حمص هتاخد مصروف الأسبوع بتاعك بكرة لحد ما أسلم العربيات وأخد الفلوس من الناس. على الله حد فيكم يلمس حاجة، تدخلوا الحاجة وتقفلوا الورشة وتروحوا فاهم."
"حاضر يا معلم."
نظر نحوهم بيأس، ومن ثم توجه نحو المنزل لحبيبته، فقد اشتاق لها كثيرًا، وخصوصًا بعدما رآها بتلك الهيئة المهلكة بالنسبة إليه، ولكنه دائمًا يعمل على تقديرها وعدم الضغط عليها، فهي حبيبته الصغيرة ويعلم مدى خجلها ورقتها ولا يريد إخافتها منه.
**********************************
في قصر عائلة يونس
كانت سمية تجلس في حديقة المنزل وهي غاضبة كثيرًا، فهي تحاول جاهدة أن تتلمس أي دليل لكي تتخلص من هذا الذئب البشري وتعيد حياتها كما كانت وتعيد حق زوجها وأخيه إليهم. زفرت بضيق، ومن ثم ظلت تمشي حول المنزل وهي تتذكر ذكرياتها به، وكم كانت تحب الدفء والحب داخله، فنعم من قال إن الأماكن ليست بمقدورها من المال أو الأثاث، بل بمقدور البشر والحب والألفة بينهم.
قطع شرودها بعض الكلمات التي استمعت إليها عندما وصلت أمام مكتب ضاحي، وقد لاحظت أنه يحاول خفض صوته. قربت أذنها بحذر وحاولت أن تستمع لما يقوله.
"شحنة السلاح دي... لازم تعدي، انت فاهم؟ الشحنة دي بالذات... انت مجنون؟ بوليس إيه وزفت إيه؟ أنا ميهمنيش حاجة، انت عارف أنا هاخد منها كام... هتعدي يعني هتعدي."
"كده احلوت أوي يا ضاحي..."
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سهيلة عاشور
في المنزل
كانت زهره تجلس على السرير بعدما ابدلت ملابسها بأخرى بيتيه مريحه من اللون الزهري وكانت تحاول ان تستذكر دروسها من اجل ادائها امتحاناتها.
قاطعها رنين هاتفها يعلن عن اتصال والدتها.
زهره بإبتسامه: ماما.. ازيك يا حبيبتي وحشتيني اوي.
وفاء بحب: وانت كمان يا قلب امك وحشاني.. ثم اكملت بقلق: انت كويسه يا حبيبتي.
زهره بتعجب: اه يا ماما كويسه.. مال صوتك انت تعبانه ولا اي.
وفاء بإبتسامه: لا يا زهره.. انا بس قلقانه عليكي دا انا حتى عند خالتك ومبسوطه الحمد لله.
زهره بإطمئنان: اطمني يا حبيبتي انا كويسه خالص والحمد لله يونس مش مخليني محتاجه اي حاجه كفايه حنيته عليا.. ثم اكملت بمرح: ومصطفي زيه منتى عارفه.
وفاء بضحك: انت هتقوليلي على الاهبل دا.. ثم اكملت بحزن: والله قلبي وجعني عليه من يوم ما سميه سابته.. ازاي تعمل كده اخص عليها مكنش عشمي فيها ابدا.
زهره بحزن: والله يا ماما مش قادره اصدق لحد دلوقتي.. انا متأكده ان في حاجه غلط سميه مش كده دي من اول ما عرفتها وهي جدعه اوي وطيبه وبتحبنا كلنا وخصوصا مصطفي انت مش متخيله تعبت ازاي علشان يتجوزوا دول بيحبوا بعض اوي وكمان حامل.. ثم اكملت بتنهيده حاره: كل ما افكر في الموضوع دا عقلي بيشت.
وفاء بهدوء: معاكي حق يا حبيبتي في كل حاجه لعله خير.. محدش عارف ربنا مخبي اي.. المهم يا زهره انا عوزاكي يا بنتي تبقى عاقله وحكيمه كده اوعي تزعلي يونس منك يا بنتي اللي هو بيمر بيه صعب خليكي دايما الحضن الحنين اللي بيلجأ ليه واصبري على كل حاجه ومهما كانت ظروفكم احمدي ربنا يا زهره وقولي لنفسك دا جوزي وحبيبي صبري نفسك يا بنتي حتى انا امك اوعي تشتكيلي من حالكم عودي نفسك سرك في بيتك ميطلعش لحد يا حبيبتي.
زهره بإبتسامه: انا مش محتاجه يا امي انك تقوليلي كده كل شويه.. ثم اكملت بصدق وعشق كبير: يونس دا عمري كله.. انا كفايه عليا اني اصحى كل يوم الاقيه جمبي وبخير من غير ضرر هتفكريتي ببالغ يا ماما بس هو لما بيبصلي ويضحك في وشي بحس اني مالكه الدنيا كلها بين ايدي.. بحس اني اغنى حد في الدنيا مش ببقى عاوزه حاجه تاني في كل صلاه بدعيله من قلبي واشكر ربنا ودموع الفرحه نازله مني واقول يارب انت حرمتني من ابويا بس كرمتني بأبن عمي وجوزي وحبيبي انا بحبه اوي يمكن دي الكلمه الوحيده اللي مش بتكسف اني اقولها للدنيا كلها.
وفاء بسعاده من اجل ابنتها: ما شاء الله عليكي يا زهره.. اخاف احسدكم يا بنتي ربنا يديمكم لبعض نعمه وسكن حلال ويخلف عليكم بالخلف الصالح يا حبيبتي.. خدي يا زهره خالتك عاوزه تسلم عليكي.
حنان بمرح: اي يا بت انت.. هو من لقى احبابه نسى اصحابه ولا اي مفيش مره ترني عليا وتقولي وحشتيني يا خالتي.
زهره بضحك: طب والله وحشتيني يا خالتي اوي اوي.
كانت ستهم بفتح الاحاديث معها الى انها قاطعها صوت هذا المعتوه عندما سحب الهاتف بشكل سريع من والدته وهو يبتسم بتسليه.
وائل (ابن خالتها): اي يا زوزو هو كله وحشتيني يا ماما وحشتيني يا خالتي.. مفيش وحشتني يا وائل.
قبل ان تجيبه زهره كانت يد احدهم ولسانه الاسبق لها عندما سحب منها الهاتف بغضب وغيره.
يونس بغضب: لا في وحشتني يا وائل بس مني انا.. ولا مني مش هتبقى حلوه يا وائل بيه.
وائل بتوتر: يونس.. اي المفاجأه الفظيعه دي.. طيب انا مش سامعك يا يونس.. الو الو الشبكه وحشه معلش.
كان بالطبع يكذب عليه ومن ثم اغلق الهاتف سريعا وبالطبع الجميع يضحك عليه بشده.. نظر يونس نحو الهاتف بصدمه ومن ثم القاه على السرير بأهمال والغيره واضحه عليه بشده مما جعل زهره تضحك ولكنها وضعت يدها على فاهها في محاوله منها ان تكبت ضحكاتها ولكن دون جدوى فيثير ضحكاتها بشده مظهره وهو يشعر بالغيره عليها فعلى صوت ضحكاتها بشده وهو ينظر نحوها بتعجب وغضب ومن ثم شاركها الضحك رويدا رويدا.. سحب كرسي وجلس قبالتها وكان لازال يضحك ومن ثم اختفت ضحكته فجأه ونظر لها نظره جعلتها تبلع ريقها ببطئ وتوتر.
زهره وهي تنفخ خديها بضيق: يوه وانا مالي ما هو اللي شد منهم الموبايل انا كنت بكلم ماما وخالتو.
جذبها اليه واعدل جلستها ونظر داخل عينيها وهو ممسك يديها ظل يفرك يدها بحنان وهو ينظر داخل عينيها وعينيه تلمع ببريق باتت تحبه بشده فعندما ينظر لها هذه النظره تشعر وكأنها اخر امرأه في العالم او انها حجر ثمين للغايه ويجب عليه التمسك به.
زهره بخجل: يونس.. انت هتفضل باصص عليا كده كتير.
يونس بحب: انا مرتاح كده.
زهره بصدق: ربنا يريح قلبك يارب.. انا يهمني راحتك.
يونس بغيظ: لو شفتك بتتكلمي مع الواد ابن خالتك دا تاني انت حره.. انت اخرك تكلمي مصطفي اخويا ومتطوليش معاه كمان.
زهره بضيق: مش شايف انك زودتها شويه اليومين دول.. انت مكنتش عصبي كده بقيت بتدق معايا اوي.
نظر لها يونس بثقه وعبث وهو يرفع يده التي فيها خاتم زواجهم وظل يلوح الخاتم قبالتها يمينا ويسارا مما جعلها تضحك بشده.
زهره بضحك: خلاص يا باشا حقك.
يونس بثقه: ايوه كده اتلمي.. نسيتيني كنت جايبلك البتاع اللي بتحبيه دا.
اعتدل في وقفه وجلب من الخارج بعض الاكياس واعطاهم لها.. هبت من مكانها سريعا وبدأت تفتش الاكياس واخرجت كل مكوناتها.
زهره بفرحه: يا حبيبي يا يونس.. جبت اندومي وبالخضار كمان.. ثم اكملت بمرح: لقيته فين يا لئيم دا الناس كلها دايخه عليه مش سهل انت برضو.
يونس بضحك: كل دا علشان جبتلك اندومي.. دا انت هبله امال لو جبتلك خاتم الماظ.
زهره وهي تأكل شوكولاته بنهم: مش بحب الالماظ.. ومن ثم نظرت له وعينيه اتسعت وهذا معناه ان جائتها احدى الافكار: بحب الفضه اوي.. يونس انا عاوزه خاتم فضه دلوقتي.
اتسعت عينيه بصدمه وهو ينظر لها فكانت تقف وفمها مليء بالشوكولاته والحلوى وعيونها متسعه وشعرها غير مرتب وتضع يدها في خصرها مما جعله يضحك بشده حتى ادمعت عينيه وهي تتابعه بتعجب.
زهره لنفسها: ماله دا هو اتجنن ولا اي.. ثم نظرت له بعبوس: قوم يا يونس.. بتضحك على اي انت قوم هنا يلا ننزل نجيب خاتم.
هدأ من نوبة الضحك خاصته ومن ثم جلس واجلسها معه ومسح بإبهامه اثر الحلوى من جانب شفتيها مما أصابها بالخجل.
يونس بهيام: حاضر يا عيون يونس.. بس ممكن تسيبيني انا اللي اجيبه ليكي على ذوقي وممكن بلاش النهارده علشان انت وحشاني وعاوز نسهر مع بعض.
قفزت بفرحه: بجد يا يونس هتسهر معايا.
يونس بإيماء: بجد يا نن عين يونس.. يلا يا حبيبي اعملي البتاع اللي بيجيب سر-طان دا ومعاه كوباية شاي هاخد دش واجيلك.
زهره بفرحه: مش هتخانق معاك النهارده سر-طان سر-طان المهم انك هتسهر معايا وهتسمع معايا المسلسل.
كانت سعيده للغايه وهي تصنع هذه الشعريه المقليه التي تدعى (اندومي) ومعها كاسة الشاي الخاصه بحبيبها وبعض المقرمشات ومن ثم جائت بالكمبيوتر المحمول (لاب توب) الخاص بها وجهزت احدى المسلسلات التركيه المفضله اليها بشده مسلسل العهد. انضم اليها سريعا بعدما ابدل ثيابه بأخرى مريحه وكانوا سعداء للغايه فظلوا يشاهدون ويأكلون ويضحكون وبالطبع لم تخلوا زهره من عبث يونس وعزله بها.
عند حسام وهبه
وصلوا اخيرا بعد عدة ساعات من السفر.. صف حسام السياره تحت العماره السكنيه والتي يسكن بها يونس وحسام لديه شقه خاصه به بنفس العماره فقد اشتروها سويا ترجل من السياره وفتح الباب للهبه وساعدها في النزول ومن ثم اخذ يحمل حقائبهم وهو يشير لهبه نحو العماره والورشه المغلقه.
حسام بإبتسامه: دي العماره يا هبه شقتنا فوق شقة يونس ومصطفى انا عاوزك تصحابي زهره بقا تخففي عنها اتفقنا يا قمر.
بادلته الابستامه بأخرى وخجل: حاضر انا اصلا بحبها اوي متقلقش..
حسام برضا: برافو عليكي.. اصيله يا هبه.. ودي ورشه يونس فتحها ميكانيكا.. احنا هنطلع نرتاح وننزل ليهم بكره الوقت اتأخر وزمانهم ناموا.
هبه بتأييد: معاك حق.. انا كنت لسه هقلك كده.
حمل الحقائب وما ان همت هبه لتساعده رفض وطلب منها ان تصعد امامه ولكن ما ان مروا من امام شقة حسنات فكانت تقطن بالدور الارضي ففتح الباب بسرعه حتى ان هبه شهقت من المفاجأه.
حسام بغيظ في نفسه: هو احنا لحقنا نيجي بخربيتك فزعتي البت.. ثم اكمل بإبتسامه مصطنعه: دي حسنات يا هبه تبقى صاحبة العماره.
هبه بإبتسامه: اهلا ازيك يا طنط.
حسنات بإزدراء: طنط.. اهلا يا اختي.. ثم وجهت نظرها لحسام بإبتسامه: اهلا يا باشا نورت بيتك دي اختك.
نظر لها حسام بغضب مكبوت: لا يا ست.. دي هبه مراتي اصلنا عرسان جداد.
حسنات بغل ولكن دارته: اه اه.. الف مبروك نورتم.. اي حاجه تعوزها انا تحت امرك يا حسام بيه.
شكرها حسام ونظر لهبه حتى تصعد.. تعجب كثيرا من نظرات تلك السيده لها ولكنها لم تهتم فمن الاساس هي جائت لتخفف هم اصدقائه وهمه وليس لتزيده بالتساؤلات وغيرها.. اعجبت كثيرا بالشقه وذوقها واحبها كثيرا ابدلوا ملابسهم وناموا سريعا فكانوا مرهقين بشده من طول الطريق..
في حديقة المنزل الكبير
كانت تجلس سميه بشرود وهي تضع يدها على معدتها المنتفخه من اثر الحمل ترتب عليها بحنان وكأنها تخفف عن طفلها فكانت هكذا دائما تجلس في الحديقه وتتمشى بها ولا تصعد لغرفتها الا وان ق-ت-لها النوم فمن الاساس لم يزر عيونها النوم منذ ان جائت لهذا المكان الذي بات ملعون بالنسبه اليها بسبب من يجلسون فيه ولكنها عزمت امرها ويجب ان تلبي هذا العزم تحت اي ظرف.. قاطعها احد الاصوات والذي لم تود ان تسمعه في هذه الظروف ابدا.
.. : هو دا اللي انا كنت مستنياه منك يا سميه..
مكناش نستحق منك كده
في منزل الأخوة
كان ينظر لها بتعجب عندما رآها تبكي على أحد المشاهد في المسلسل الخاص بها.
يونس بصدمة: بتعيطي على إيه يا زهرة؟ حبيبتي دا تمثيل مش حقيقة.
زهره ببكاء: لا يا يونس، بهار ماتت. دا أنا كنت بحبها أوي.
يونس: لا حول ولا قوة إلا بالله. انتي هبلة يا بت، خلاص متعيطيش بقا وإلا مش هخليكي تسمعي البتاع دا تاني.
مسحت دموعها سريعًا وهي تنظر له: لا لا، خلاص مش هعيط تاني. ثم نظرت له بتردد وظهر عليها التوتر.
يونس بزفر: قولي في إيه على طول. قلتلك قبل كده اوعي تخافي أو تترددي إنك تقولي ليا حاجة أبدًا.
زهره بحزن: أنا مكنتش راضية أتكلم في الموضوع دا علشان عارفة إنكم زعلانين، بس صراحة مش قادرة. يونس، هو إحنا مش هنعمل أي حاجة في موضوع سمية ومصطفى؟
يونس بزفر: أنا عارف إنك زعلانة عليهم، بس يا زهرة. إحنا مفيش في إيدينا حاجة. وكمان مصطفى مزعلهاش في حاجة، وكله كان تحت عينك. كان بيتمنى ليها الرضى، هي اللي باعته في أصعب ظروفه. هيعمل ليها إيه يعني؟ انتي مفكرة إن إني عادي كده؟ أنا قلبي بيتقطع عليه كل يوم وأنا عارف إنه عمال يداري وجعه في الضحك والهزار ويدخل أوضته يعيط زي العيل الصغير. بس أنا مفيش في إيدي حاجة ولا هو في إيده حاجة للأسف.
زهره بثقة وصدق: بس أنا واثقة يا يونس إن في حاجة خلت سمية تعمل كده. سمية طول عمرها جدعة وبتحب مصطفى، أكيد في حاجة.
يونس بهدوء: والله دا كمان رأيي، بس ادينا مستنيين. ثم أكمل بغموض: بكرة مش بعيد وكل حاجة هتبان والحق هيرجع لأصحابه.
زهره بعدم فهم: انت بتقول إيه يا يونس؟ أنا مش فاهمة حاجة.
يونس بإبتسامة: متشغليش بالك يا ورق العنب. هاتي الموبايل من جنبك خلينا أشوف الواد دا مرجعش لي لحد دلوقتي.
جلبت الهاتف ومن ثم نظرت له بتساؤل: إشمعنا بتقلي يا ورق العنب؟ إيه الدلع الغريب دا؟ يعني الناس بيتقلها يا وردتي يا فلة يا قمري وأنا يا ورق العنب.
يونس بإبتسامة: ما انتي عارفة إني بحب ورق العنب. دايب كده وطعم.
زهره بضحك: انت مجنون بجد. خد شوف أخوك فين.
التقط منها الهاتف ودق رقمه وانتظر الرد.
عند مصطفى
كان يمشي في الشوارع شارد في حبيبته وحامل ولده. يحاول إقناع نفسه أنه قوي ولكن لا يستطيع. اشتاق لها بكل حواسه، لا ينفعه إذا أشغل نفسه بالعمل أو الصحبة، فهي في قلبه مالكة له وعاملة عليه. يمشي بجواره أحمد (حمص) ويتحدث إليه ولكن لم يكن منتبه له بالمرة.
أحمد بملل: وبعدين معاك يا معلم مصطفى؟ يا معلم.
مصطفى بإنتباه: إيه يا أحمد، في إيه؟
أحمد بحزن من أجله: متزعلش نفسك يا معلم. أنا مش عارف إيه اللي مضيقك، بس فكها. ربنا كريم وهتفرج إن شاء الله.
مصطفى بإبتسامة: جدع يا أحمد، راجل.
قاطعه رنين هاتفه بأبتسم بحب لهذا الأخ الذي دائما يعامله كأنه ابنه البكري ووحيده: أيوه يا يونس.
يونس بقلق: انت فين يا مصطفى؟ بقينا نص الليل. إيه اللي آخرك كده؟
مصطفى: أنا كويس متقلقش. كنت بتمشى مع حمص شوية. هاجي دلوقتي. سلام.
رواية اخر نساء العالمين الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سهيلة عاشور
في المنزل
كانت زهره تجلس على السرير بعدما ابدلت ملابسها بأخرى بيتيه مريحه من اللون الزهري. كانت تحاول أن تستذكر دروسها من أجل أدائها امتحاناتها. قاطعها رنين هاتفها يعلن عن اتصال والدتها.
زهره بإبتسامه: ماما.. ازيك يا حبيبتي وحشتيني اوي.
وفاء بحب: وانت كمان يا قلب امك وحشاني. ثم أكملت بقلق: انت كويسه يا حبيبتي.
زهره بتعجب: اه يا ماما كويسه. مال صوتك انت تعبانه ولا أي.
وفاء بإبتسامه: لا يا زهره. انا بس قلقانه عليكي. دا انا حتى عند خالتك ومبسوطه الحمد لله.
زهره بإطمئنان: اطمني يا حبيبتي. انا كويسه خالص والحمد لله. يونس مش مخليني محتاجه أي حاجه. كفايه حنيته عليا. ثم أكملت بمرح: ومصطفي زيه منتى عارفه.
وفاء بضحك: انت هتقليلي على الاهبل دا. ثم أكملت بحزن: والله قلبي وجعني عليه من يوم ما سميه سابته. ازاي تعمل كده اخص عليها مكنش عشمي فيها ابدا.
زهره بحزن: والله يا ماما مش قادره اصدق لحد دلوقتي. انا متأكده ان في حاجه غلط. سميه مش كده. دي من اول ما عرفتها وهي جدعه اوي وطيبه وبتحبنا كلنا وخصوصا مصطفي. انت مش متخيله تعبت ازاي علشان يتجوزوا. دول بيحبوا بعض اوي وكمان حامل. ثم أكملت بتنهيده حاره: كل ما افكر في الموضوع دا عقلي بيشت.
وفاء بهدوء: معاكي حق يا حبيبتي في كل حاجه. لعله خير. محدش عارف ربنا مخبي أي. المهم يا زهره انا عوزاكي يا بنتي تبقى عاقله وحكيمه كده. اوعي تزعلي يونس منك يا بنتي. اللي هو بيمر بيه صعب. خليكي دايما الحضن الحنين اللي بيلجأ ليه. واصبري على كل حاجه ومهما كانت ظروفكم احمدي ربنا يا زهره وقولي لنفسك دا جوزي وحبيبي. صبري نفسك يا بنتي. حتى انا امك اوعي تشتكيلي من حالكم. عودي نفسك سرك في بيتك ميطلعش لحد يا حبيبتي.
زهره بإبتسامه: انا مش محتاجه يا امي انك تقليلي كده كل شويه. ثم أكملت بصدق وعشق كبير: يونس دا عمري كله. انا كفايه عليا اني اصحى كل يوم الاقيه جمبي وبخير من غير ضرر. هتفكريتي ببالغ يا ماما بس هو لما بيبصلي ويضحك في وشي بحس اني مالكه الدنيا كلها بين ايدي. بحس اني اغنى حد في الدنيا مش ببقى عاوزه حاجه تاني. في كل صلاه بدعيله من قلبي واشكر ربنا ودموع الفرحه نازله مني واقول يارب انت حرمتني من ابويا بس كرمتني بأبن عمي وجوزي وحبيبي. انا بحبه اوي يمكن دي الكلمه الوحيده اللي مش بتكسف اني اقولها للدنيا كلها.
وفاء بسعاده من اجل ابنتها: ما شاء الله عليكي يا زهره. اخاف احسدكم يا بنتي. ربنا يديمكم لبعض نعمه وسكن حلال. ويخلف عليكم بالخلف الصالح يا حبيبتي. خدي يا زهره خالتك عاوزه تسلم عليكي.
حنان بمرح: اي يا بت انت. هو من لقى احبابه نسى اصحابه ولا اي. مفيش مره ترني عليا وتقولي وحشتيني يا خالتي.
زهره بضحك: طب والله وحشتيني يا خالتي اوي اوي.
كانت ستهم بفتح الاحاديث معها الى انها قاطعها صوت هذا المعتوه عندما سحب الهاتف بشكل سريع من والدته وهو يبتسم بتسليه.
وائل (ابن خالتها): اي يا زوزو. هو كله وحشتيني يا ماما وحشتيني يا خالتي. مفيش وحشتني يا وائل.
قبل ان تجيبه زهره كانت يد احدهم ولسانه الاسبق لها عندما سحب منها الهاتف بغضب وغيره.
يونس بغضب: لا في وحشتني يا وائل. بس مني انا. ولا مني مش هتبقى حلوه يا وائل بيه.
وائل بتوتر: يونس. اي المفاجأه الفظيعه دي. طيب انا مش سامعك يا يونس. الو الو الشبكه وحشه معلش.
كان بالطبع يكذب عليه ومن ثم اغلق الهاتف سريعا. وبالطبع الجميع يضحك عليه بشده. نظر يونس نحو الهاتف بصدمه ومن ثم القاه على السرير بأهمال والغيره واضحه عليه بشده مما جعل زهره تضحك ولكنها وضعت يدها على فاهها في محاوله منها ان تكبت ضحكاتها ولكن دون جدوى. أثار ضحكاتها بشده مظهره وهو يشعر بالغيره عليها. فعلى صوت ضحكاتها بشده وهو ينظر نحوها بتعجب وغضب ومن ثم شاركها الضحك رويدا رويدا. سحب كرسي وجلس قبالتها وكان لازال يضحك. ومن ثم اختفت ضحكته فجأه ونظر لها نظره جعلتها تبلع ريقها ببطء وتوتر.
زهره وهي تنفخ خديها بضيق: يوه. وانا مالي ما هو اللي شد منهم الموبايل. انا كنت بكلم ماما وخالتو.
جذبها اليه واعدل جلستها ونظر داخل عينيها وهو ممسك يديها. ظل يفرك يدها بحنان وهو ينظر داخل عينيها وعينيه تلمع ببريق باتت تحبه بشده. فعندما ينظر لها هذه النظره تشعر وكأنها اخر امرأه في العالم او انها حجر ثمين للغايه ويجب عليه التمسك به.
زهره بخجل: يونس. انت هتفضل باصص عليا كده كتير.
يونس بحب: انا مرتاح كده.
زهره بصدق: ربنا يريح قلبك يارب. انا يهمني راحتك.
يونس بغيظ: لو شفتك بتتكلمي مع الواد ابن خالتك دا تاني انت حره. انت اخرك تكلمي مصطفي اخويا ومتطوليش معاه كمان.
زهره بضيق: مش شايف انك زودتها شويه اليومين دول. انت مكنتش عصبي كده بقيت بتتدق معايا اوي.
نظر لها يونس بثقه وعبث وهو يرفع يده التي فيها خاتم زواجهم وظل يلوح الخاتم قبالتها يمينا ويسارا مما جعلها تضحك بشده.
زهره بضحك: خلاص يا باشا حقك.
يونس بثقه: ايوه كده اتلمي. نسيتيني كنت جايبلك البتاع اللي بتحبيه دا.
اعتدل في وقفه وجلب من الخارج بعض الاكياس واعطاهم لها. هبت من مكانها سريعا وبدأت تفتش الاكياس واخرجت كل مكوناتها.
زهره بفرحه: يا حبيبي يا يونس. جبت اندومي وبالخضار كمان. ثم أكملت بمرح: لقيته فين يا لئيم دا الناس كلها دايخه عليه مش سهل انت برضو.
يونس بضحك: كل دا علشان جبتلك اندومي. دا انت هبله امال لو جبتلك خاتم الماظ.
زهره وهي تأكل شوكولاته بنهم: مش بحب الالماظ. ومن ثم نظرت له وعينيه اتسعت وهذا معناه ان جائتها احدى الافكار: بحب الفضه اوي. يونس انا عاوزه خاتم فضه دلوقتي.
اتسعت عينيه بصدمه وهو ينظر لها. كانت تقف وفمها مليء بالشوكولاته والحلوى وعيونها متسعه وشعرها غير مرتب وتضع يدها في خصرها مما جعله يضحك بشده حتى ادمعت عينيه. وهي تتابعه بتعجب.
زهره لنفسها: ماله دا. هو اتجنن ولا اي. ثم نظرت له بعبوس: قوم يا يونس. بتضحك على اي انت قوم هنا يلا ننزل نجيب خاتم.
هدأ من نوبة الضحك خاصته ومن ثم جلس واجلسها معه ومسح بإبهامه اثر الحلوى من جانب شفتيها مما أصابها بالخجل.
يونس بهيام: حاضر يا عيون يونس. بس ممكن تسيبيني انا اللي اجيبه ليكي على ذوقي. وممكن بلاش النهارده علشان انت وحشاني وعاوز نسهر مع بعض.
قفزت بفرحه: بجد يا يونس هتسهر معايا.
يونس بإيماء: بجد يا نن عين يونس. يلا يا حبيبي اعملي البتاع اللي بيجيب سرطان دا ومعاه كوباية شاي. هاخد دش واجيلك.
زهره بفرحه: مش هتخانق معاك النهارده. سرطان سرطان. المهم انك هتسهر معايا وهتسمع معايا المسلسل.
كانت سعيده للغايه وهي تصنع هذه الشعريه المقليه التي تدعى (اندومي) ومعها كاسة الشاي الخاصه بحبيبها وبعض المقرمشات. ومن ثم جائت بالكمبيوتر المحمول (لاب توب) الخاص بها وجهزت احدى المسلسلات التركيه المفضله اليها بشده مسلسل العهد. انضم اليها سريعا بعدما ابدل ثيابه بأخرى مريحه. وكانوا سعداء للغايه فظلوا يشاهدون ويأكلون ويضحكون. وبالطبع لم تخلوا زهره من عبث يونس وعزله بها.
عند حسام وهبه
وصلوا اخيرا بعد عدة ساعات من السفر. صف حسام السياره تحت العماره السكنيه والتي يسكن بها يونس. وحسام لديه شقه خاصه به بنفس العماره فقد اشتروها سويا. ترجل من السياره وفتح الباب للهبه وساعدها في النزول. ومن ثم اخذ يحمل حقائبهم وهو يشير لهبه نحو العماره والورشه المغلقه.
حسام بإبتسامه: دي العماره يا هبه. شقتنا فوق شقة يونس ومصطفي. انا عاوزك تصحابي زهره بقا تخففي عنها. اتفقنا يا قمر.
بادلته الابستامه بأخرى وخجل: حاضر. انا اصلا بحبها اوي متقلقش.
حسام برضا: برافو عليكي. اصيله يا هبه. ودي ورشه يونس فتحها ميكانيكا. احنا هنطلع نرتاح وننزل ليهم بكره. الوقت اتأخر وزمانهم ناموا.
هبه بتأييد: معاك حق. انا كنت لسه هقلك كده.
حمل الحقائب وما ان همت هبه لتساعده رفض وطلب منها ان تصعد امامه. ولكن ما ان مروا من امام شقة حسنات فكانت تسكن بالدور الارضي. ففتح الباب بسرعه حتى ان هبه شهقت من المفاجأه.
حسام بغيظ في نفسه: هو احنا لحقنا نيجي بخربيتك. فزعتي البت. ثم أكمل بإبتسامه مصطنعه: دي حسنات يا هبه تبقى صاحبة العماره.
هبه بإبتسامه: اهلا ازيك يا طنط.
حسنات بإزدراء: طنط. اهلا يا اختي. ثم وجهت نظرها لحسام بإبتسامه: اهلا يا باشا نورت بيتك. دي اختك.
نظر لها حسام بغضب مكبوت: لا يا ست.
دي هبه مراتي، أصلنا عرسان جداد.
"اه اه... ألف مبروك، نورتوا... أي حاجة تعوزوها أنا تحت أمرك يا حسام بيه."
شكرها حسام ونظر لهبه حتى تصعد. تعجب كثيرًا من نظرات تلك السيدة لها، ولكنها لم تهتم. فمن الأساس هي جاءت لتخفف هم أصدقائه وهمه، وليس لتزيده بالتساؤلات وغيرها. أعجبت كثيرًا بالشقة وذوقها وأحبها كثيرًا. أبدلوا ملابسهم وناموا سريعًا، فكانوا مرهقين بشدة من طول الطريق.
***
في حديقة المنزل الكبير.
كانت تجلس سميه بشرود، وهي تضع يدها على معدتها المنتفخة من أثر الحمل. ترتب عليها بحنان وكأنها تخفف عن طفلها. فكانت هكذا دائمًا، تجلس في الحديقة وتتمشى بها، ولا تصعد لغرفتها إلا إن غلبها النوم. فمن الأساس لم يزر عيونها النوم منذ أن جاءت لهذا المكان الذي بات ملعونًا بالنسبة إليها بسبب من يجلسون فيه. ولكنها عزمت أمرها ويجب أن تلبي هذا العزم تحت أي ظرف. قاطعها أحد الأصوات، والذي لم تود أن تسمعه في هذه الظروف أبدًا.
"هو دا اللي أنا كنت مستنياه منك يا سميه... مكناش نستحق منك كده."
***
في منزل الأخوة.
كان ينظر لها بتعجب عندما رآها تبكي على إحدى المشاهد في المسلسل الخاص بها.
"بتعيطي على أي يا زهره... حبيبتي دا تمثيل مش حقيقة."
"لا يا يونس، بهار مات. دا أنا كنت بحبها أوي."
"لا حول ولا قوة إلا بالله... انتي هبلة يا بت، خلاص متعيطيش بقى وإلا مش هخليكي تسمعي البتاع دا تاني."
مسحت دموعها سريعًا وهي تنظر له. "لا لا، خلاص مش هعيط تاني." ثم نظرت له بتردد وظهر عليها التوتر.
"قولي في أي على طول... قلت لك قبل كده، أوعي تخافي أو تترددي إنك تقولي لي حاجة أبدًا."
"أنا مكنتش راضية أتكلم في الموضوع دا عشان عارفة إنكم زعلانين، بس صراحة مش قادرة... يونس، هو إحنا مش هنعمل أي حاجة في موضوع سميه ومصطفى؟"
"أنا عارف إنك زعلانة عليهم، بس يا زهره... إحنا مفيش في إيدينا حاجة. وكمان مصطفى مزعلهاش في حاجة، وكله كان تحت عينك. كان بيتمنى ليها الرضا، هي اللي باعته في أصعب ظروفه، هيعمل لها أي يعني؟... انتي مفكرة إني عادي كده؟ أنا قلبي بيتقطع عليه كل يوم، وأنا عارف إنه عمال يداري وجعه في الضحك والهزار ويدخل أوضته يعيط زي العيل الصغير، بس أنا مفيش في إيدي حاجة ولا هو في إيده حاجة للأسف."
"بس أنا واثقة يا يونس إن في حاجة خلت سميه تعمل كده... سميه طول عمرها جدعة وبتحب مصطفى، أكيد في حاجة."
"والله دا كمان رأيي، بس ادينا مستنين." ثم أكمل بغموض: "بكره مش بعيد وكل حاجة هتبان والحق هيرجع لأصحابه."
"انت بتقول أي يا يونس... أنا مش فاهمه حاجة."
"متشغليش بالك يا ورق العنب... هاتي الموبايل من جنبك خلينا أشوف الواد دا مرجعش لي لحد دلوقتي."
جلبت الهاتف ومن ثم نظرت له بتساؤل: "اشمعنا بتقلي يا ورق العنب؟ أي الدلع الغريب دا؟ يعني الناس بيتقال لها يا وردتي يا فله يا قمري، وأنا يا ورق العنب؟"
"منتي عارفة إني بحب ورق العنب... دايب كده وطعم."
"انت مجنون بجد.... خد شوف أخوك فين."
التقط منها الهاتف ودق رقمه وانتظر الرد.
***
عند مصطفى.
كان يمشي في الشوارع شارد في حبيته وحاملة ولده. يحاول إقناع نفسه أنه قوي، ولكن لا يستطيع. اشتاق لها بكل حواسه، لا ينفعه إذا أشغل نفسه بالعمل أو الصحبة، فهي في قلبه مالكه له وعاملة عليه. يمشي بجواره أحمد (حمص) ويتحدث إليه، ولكن لم يكن منتبهًا إليه بالمرة.
"وبعدين معاك يا معلم مصطفى.... يا معلم."
"أي يا أحمد، في أي."
"متزعلش نفسك يا معلم... أنا مش عارف أي اللي مضايقك، بس فكها، ربنا كريم وهتفرج إن شاء الله."
"جدع يا أحمد، راجل."
قاطعه رنين هاتفه، فابتسم بحب لهذا الأخ الذي دائمًا يعامله وكأنه ابنه البكري ووحيده: "أيوه يا يونس."
"انت فين يا مصطفى؟ بقينا نص الليل، أي اللي آخرك كده؟"
"أنا كويس، متقلقش... كنت بتمشى مع حمص شوية، هاجي دلوقتي... سلام."
رواية اخر نساء العالمين الفصل الخمسون 50 - بقلم سهيلة عاشور
لم يتوقف ثانية ليشرح له، بل هبط للأسفل راكضاً وقد انقطعت أنفاسه داخل صدره لمجرد أن أخاه وابنه الروحي قد يصيبه أي مكروه. ركض خلفه حسام وهو ينادي باسمه ليتأثر قليلاً ولا يتهور، ولكن عقله ليس بمكانه الآن، فكل ما يراه أمامه هو أخيه وفقط.
كان الجميع في ريبة مما سمعوه، فذهبوا سريعاً للشرفة المطلة على الشارع، فإذا بعيون الفتيات تتسع بصدمة وقلق عندما رأوا مصطفى معلقاً من ملابسه على إحدى العلاقات الحديدية في مكان بيع اللحوم (الجزّارة) الخاص بأشهر اسم في هذا الحي وهو المعلم حسن الجحش.
دق قلب زهراء بخوف وبدأت دموعها في الهبوط عندما رأت يونس ومعه حسام يتوجهون نحو المكان، وعيون يونس لا تبشر بالخير بالطبع. ظلت تناجي ربها بأن يحفظ حبيبها وأخيه وصديقهم.
في الأسفل
تعجب كثيراً عندما وجد أخاه في هذه الحالة، فكان معلقاً وكأنه إحدى الذبائح، وهذا المدعو بالمعلم حسن يجلس بجواره على إحدى الكراسي الخشبية، مرتدياً جلبابه البني اللون ويتنفس دخان هذه الأرجيلة وهو يضع قدم فوق الأخرى.
زفر يونس بضيق، ولكنه هدأ قليلاً، فهو يعلم أن حسن يحبه ويقدره، ومن الواضح أن أخاه المعتوه أخطأ في إحدى الأمور. تقدم منهم ويبدو عليه القلق.
يونس بضيق: في إيه يا معلم حسن؟ أي الشوشرة دي ومالك معلق الواد كده؟ لي دا يصح برضو أخويا أما يتعلق في وسط الحارة كده؟ دا العشم اللي بينا برضو يا معلم.
نفخ بعض الدخان الملوث غضباً، ووضع الأرجيلة جانباً، ومن ثم هب واقفاً في مستوى يونس، ولكنه كان أقصر قامة منه. تحدث بطريقة غجرية كالعادة: مهو لو تعرف اللي عمله هتعرف إنّي مَجيتش يمّه عشانّك. أنا بس عاملك احترام، طول عمرك راجل ومجدع يا ابن الأصول.
زفر يونس بضيق وحسام يربت على كتفه ليهدأ: طب قلي يا معلم، نورني ولو ليك حق، انت عارفني، حقك هيجيلك لحد عندك.
تحدث مصطفى بضيق وهو معلق من فوقهم: هو انتو هتتكلموا وأنا متعلق فوق كده وسط الدبايح؟ متنزلوني الأول.
كبت حسام ضحكاته بصعوبة، فالموقف لا يتحمل أي سخرية: قلنا يا معلم، في إيه؟
أمر حسن إحدى رجاله بجلب كراسي من أجلهم، مما أضاق بيونس، فكل هذا يمر وأخوه معلق هكذا. ولكنه انصاع له حتى لا يعطي للموقف أكثر من حجمه. ومن ثم بدأ حسن بأخذ نفس عميق وتحدث بحدة واضحة: شوف يا ابن الأكابر، من وقت ما حطيت رجلك في المنطقة دي وانت فوق راسنا كلنا، انت والجماعة بتوعك، صح يا بني ولا أنا غلطان؟
يونس بضيق: صح يا معلم.
حسن: ولا عمري فكرت أجى عليك ولا أأذيك، والشهادة لله من وقت ما اشتريت شقتك هنا وانت ابن حلال وفي حالك. بس انت صعيدي ودمك حامي وعارف إن كله كوم وحرمة البيت دي كوم تاني خالص، صح يا ابن الأصول.
يونس بإيماء: صح يا معلم. بس معلش، أنا مش فاهم إيه دخل حرمة البيت دلوقتي في موضوع أخويا، وضّح لي.
حسن بغضب: لما تبقى البت بنتي معدية والاقي أخوك والصبي بتاعك بيبصوا عليها وبيتمهمزوا، دا بقا خط أحمر عند المعلم حسن الجحش. وأول ما جيت قلت لك انت ابني وفوق راسي وأكدت عليك، كله إلا حريم بيتي.
يونس بصدمة مما سمعه: يا معلم، أكيد فيه حاجة غلط. أنا أخويا من مش نوع الشباب دول، وكمان متجوز يا معلم، انت تعرف عننا كده؟
المعلم حسن بنبرة صادقة: الشهادة لله لأ. طول عمركم عيلة سمعتها النضيفة مسمعة في كل حتة، بس أنا مش هكذب عيني يا معلم يونس، وأخوك والصبي بتاعك غلطوا، وحقي أنا باخده بإيدي.
حسام بضيق: يا معلم، طب مش ليه أهل تعرفهم؟ وبعدين أكيد فيه حاجة غلط، ميصحش اللي بيحصل دا. ثم أكمل بنبرة خبيرة: دا إحنا هنا عايشين بحسك وفي حمايتك، هنبص لبنتك إزاي بس؟ وبعدين دا إحنا اللي نتصدر ليها لو حاجة مستها تقوم تقول بنبص عليها ونتكلم، دا كلام المعلمين برضو.
مرر يده في شعره الكثيف وهو يزفر بضيق: يا معلم، نزله بس وليك عندي، مش هنزله الحارة تاني لو دا يرضيك، ولو عاوز آخد الجماعة بتوعي ونمشي من هنا، بس أنا أحلفك على مصحف دلوقتي إن أخويا مستحيل يكون عمل كده. واللي يرضيك أنا تحت أمرك، أنا مقدر شعورك، من حقك تخاف على أهل بيتك من عيون الناس.
تلمس الصدق في حديثه، وبالأخص أنه يعرف يونس وعائلته حق المعرفة، كما كان مهران والد يونس صديق عزيز للغاية عليه، ويعلم بأخلاقهم وما حل بهم. زفر بحيرة وهو ينظر نحو مصطفى تارة، ويونس وحسام الجالسين أمامه تارة أخرى: أنا هسيبه عشان خاطرك يا يونس يا بني، ومفيش حاجة اسمها تبيع وتمشي دي، انت خلاص واحد من ولادي، وانت وأخوك وحريمكم في عنيا الاتنين.
يونس بإطمئنان: ربنا يخليك يا معلم. دا العشم برضو.
حسن بمقاطعة: بس بشرط واحد.
حسام بعدم راحة: خير يا معلم.
حسن بحدة: يقولي أخوك والصبي بتاعه كانوا بيبصوا عليها لي. ثم أكمل بصدق: أنا واثق فيكم وفي حسن نيتكم، وعشان كده أنا بديهم فرصة أهو، واللي هيقولوه مهما كان أنا هصدقه إكراماً ليك يا معلم يونس.
يونس بتوتر: طيب يا معلم، اللي تشوفه. ثم أكمل بتساؤل: أما فين أحمد يا معلم؟ الصبي بتاعي.
مصطفى بصراخ غاضب ومضحك: حابسه جوه في التلاجة بقاله ساعة. الواد زمان دمه نشف.
حسام بفزع: في التلاجة؟ إزاي دا؟
حسن بلامبالاة من صدمتهم: طلعوه يا واد من تحتيه وهاتوه هنا.
أومأ له رجاله، ومن ثم اتجهوا نحو المبرد الكبير والذي يحتفظ به بلحم البقر والماعز من التلف، فإذا بأحمد يجلس أرضاً منكمشاً على نفسه وجسده يرتجف بشدة، وجهه تكسوه الحمرة الشديدة من شدة البرودة. انحنى نحوه الرجال وجذبوه بقوة، ومن ثم اتجهوا نحو رب عملهم وأسندوه واقفاً، ومن ثم أشار له أن ينزلوا مصطفى، فاتجه نحوه إحدى الرجال والذي كانت بنيته ضخمة للغاية، فهو طويل القامة وملامح ضخمة غليظة وكثير العضلات والملامح الذكورية، فأمسكه بكف يده العريض وأنّزله أرضاً بذراع واحدة. نظر له مصطفى وهو يزدرق ريقه بتوتر.
مصطفى بلسان فلت وكالعادة: انت حقيقي ولا روبوت؟ ما شاء الله جثة. جبته منين دا يا معلم؟
نظر له جميع الموجودين بغضب، فانكس رأسه أرضاً والتزم الصمت. من ثم وجهوا نظرهم نحو أحمد الذي كان يقف بين هؤلاء الرجال يرتجف بدرجة كبيرة، حتى أشفق عليه حسن وأمر الرجال بإحضار غطاء له وكوباً من الشاي، وأجلسه على إحدى الكراسي القطنية، فبدأ في استعادة وعيه قليلاً.
حسن بخشونة: أنا بس إكراماً للرجالة دي، قال هذا وهو يشير على يونس وحسام الجالسين باحترام، وخصوصاً يونس لأنه راجل من ظهر راجل. غير كده كنت سيبتك في التلاجة لما روحك تطلع. اتفقت معاهم إني هسيبكم، بس تقولولي لي كنتوا بتبصوا على بنتي ومركزين معاها كده وكنتوا بتقولوا إيه. أنا عارف إنكم مش من شباب اليومين دول، وأكيد فيه سبب وأنا هصدقه. فا قولوا.
نظر مصطفى نحو أحمد بتوتر وازدرق ريقه بخوف مما سوف يحدث إذا أخبره بالحقيقة، فالكل يعرف همجية وقوة هذا المدعو حسن، فهو كبير تلك المنطقة ولديه حاشية من الرجال الوحوش كما يطلقون عليهم.
حسن بحدة: إلاّه! جرا إيه منك ليه؟ انت هتقعدوا باصين لبعض كده؟ ما تخلصوا وتتكلموا زي الرجالة بدل ما أرجعكم التلاجة تاني.
أحمد بسرعة وتوتر: خلاص يا معلم، أنا هقولك على الحقيقة وربنا عالم بنيتي.
عندما انقضوا من تناول فطورهم على إحدى السيارات المتنقلة الخاصة بصنع طعام الإفطار المصري الشعبي، ذهبوا في اتجاه الورشة الخاصة بهم وبدأوا في أداء روتينهم اليومي من إجراء كشف بالمطلوب منهم والتنظيف وغيره. فشرد أحمد أمامه وبدأ يبتسم بحب رويداً رويداً وعينيه مسلطة أمامه بترقب. لاحظه مصطفى فتقدم منه ولزقه في معدته بقوة لكي يتأكد منه.
مصطفى بتعجب: في إيه يا بني مالك؟ بقالي ساعة بنادي عليك.
أحمد باستدراك: معلش يا معلم، محدش بالي. كنت عايز مني إيه؟
مصطفى بقلق: مالك يا بني في إيه؟ متقلقنيش عليك، إيه اللي شاغل بالك؟
أشار بعينيه في اتجاه إحدى الفتيات الصغيرات والذي عمرها لا يتجاوز الخمسة عشر عاماً، وقد لاحظ مصطفى أنها تنظر لهم خلسة في خجل. قوس مصطفى حاجبيه دلالة على عدم فهمه لما يحدث، فابتسم أحمد وتنهد بحب.
أحمد بصدق: بحبها أوي يا معلم. من أول ما عيني جات عليها من سنة وأنا كل يوم بفكر فيها طول الوقت. لما بشوفها قلبي بيدق جامد أوي، ببقى فرحان بس في نفس الوقت خايف أوي.
مصطفى باستماع: لي؟ إيه اللي مخوفك؟
أحمد بضيق: دي تبقى فاتن بنت المعلم حسن الجحش، يعني عمره ما هيرضى بيا. وكمان أنا لسه صغير، أخاف لما يجي وقت جوازي تكون اتجوزت. والله يا معلم بشتغل هنا في الورشة وبعد كده دليفري في مطعم، بس عشان لما أتقدم أكون جهزت شقتي ومعايا فلوس أجيب لها دهب يليق بيها. بس تفتكر أبوها هيصدقني؟ وكمان مليش أهل يقفوا جنبي.
مصطفى بحب: إحنا أهلك. شوية بس كده تكبر شوية وتعقل تظبط حالك، وأنا هكلم يونس ونيجي معاك نخطبهالك.
وما أن أنهى تلك الجملة وجد قبضة رجال حسن تمسكهم في تلابيب ملابسهم بقوة.
أحمد بخوف: بس يا معلم، دا اللي حصل. ولو عاوزني أحلفلك على مصحف، ولو عاوز تجازي حد وتاخد حقك منه، أنا موجود. المعلم مصطفى راجل محترم وعمره ما بص بره بيته، والكل يشهد بكده. ناس محترمين وما ينفعش يتبهدلوا علشاني.
ساد الصمت قليلاً، ومن ثم هب حسن واقفاً في هدوء مريب واتجه نحو أحمد، والذي ما إن رآه فوقف هو الآخر، وظل حسن يمشطه بعينيه من أعلاه لأسفله في غموض.
حسن بهدوء: اتفضلوا امشوا. وانتوا على راسي وأنا آسف ليكم، بس دول ولادي يا يونس، وأنا عاوز أقرب ودنه شوية.
يونس بهدوء واحترام: ولا يهمك يا معلم. انت ابونا وتعمل فينا اللي انت عايزه. يلا بعد إذنك.
ذهب الجميع إلى منازلهم، وأخرج يونس من جيبه بعض ورقات المال وأعطاهم لأحمد وطلب منه أن يرتاح. ولكن قبل أن يرحلوا، طلب حسن من يونس الحديث معه، فأومأ له بهدوء وانصرف الباقون وهم يأخذون أنفاسهم بسرعة من روعة الموقف.
في المنزل
ما إن لاحظوا وقوفهم حتى هرولوا سريعاً نحو الباب وفتحوه في انتظارهم، وهبه التي اصفر وجهها بشدة وبدأت تشعر بالدوار وهذا بسبب مرضها المزمن، فهذه المواقف ترعبها كثيراً. وزهرة التي احمرت عينيها بشدة من شدة الخوف والبكاء. فدلفوا جميعاً دون يونس، وهذا ما أقلقها كثيراً.
زهراء بتساؤل: أما يونس فين؟ مجاش لي؟
حسام بهدوء: اطمني، الموضوع اتحل. هو تحت المعلم حسن، قال عاوزه في كلمتين. يلا إحنا يا هبه نطلع نرتاح وتاخدي علاجك قبل ما تتعبي.
بالفعل أخذ زوجته الحبيبة وصعدوا لمنزلهم الذي في الطابق العلوي، ودلف مصطفى بإرهاق من أحداث اليوم لغرفته لكي ينعم ببعض الراحة.
انتظرته ساعة واثنتين، ونظرت من الشرفة أكثر من مرة. ظلت تسير في غرفتها ذهاباً وإياباً من شدة توترها، ولكن لم يأتِ. كادت أن تنفجر من شدة القلق عليه. وما كادت أن تخرج من غرفتها قاصدة النزول لمكانه، إلا أنه دلف أمامه بوجه مكفهر ويبدو عليه الحزن. ركضت نحوه تحتضنه وكأنه غاب عنها سنوات وليست ساعات.
"في إيه يا يونس؟ كنت فين يا حبيبي؟ دا قلبي كان هيقف من القلق. عمل فيك حاجة؟ رد عليا."
نظر إليها نظرات غريبة حزينة وهي تحاوط وجهه بيديها الصغيرتين الرقيقتين وتهز رأسها بهستيرية.
"إيه يا حبيبي؟ قول."
ساد الصمت لدقائق، ومن ثم تحدث بكلمة واحدة فقط: "هتجوز."