تحميل رواية اخر نساء العالمين بقلم سهيلة عاشور pdf
بقلم سهيلة عاشور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى مدن الصعيد الجميلة، والتي تمتاز بطيبة شعبها وجمال خضرتها… كان هناك منزل كبير لأحد أعيان هذه البلد. يجلس مع زوجته وعلامات الغضب تظهر على وجهه. مهران بغضب: بقاله أربع سنين متجوز من غير خلفه… ابني الكبير وولي عهدي من بعدي ومش عارف يجبلي حتت عيل. أنوار (زوجته): صبرك بالله يا حج… وهو يونس كان بكيفه؟ ما يمكن مرته اللي فيها حاجة؟ ما هو محدش رايد يسمع مني ويخليهم يروحوا يكشفوا عند الدكتور. مهران بلهجة صعيدية صارمة: كأنك اتخبطي في عقلك… عاوزة ولدي يروح للحكيم يقله شفني أنا معيوب ولا لأ؟ أنوار بهد...
رواية اخر نساء العالمين الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم سهيلة عاشور
نظرت له بعيون متسعة وقد تلجم لسانها من آخر كلماته. نفضت يدها عنه وهي تستمع حديثه، وهو يشرح لها أن المعلم حسن أصر عليه أن يتزوج ابنته كنوع من الحماية لها، مقابل أنه سوف يؤمن له الحماية والرجال، وأيضاً يساعده في استعادة ماله وحقه من هذا المدعو ضاحي. وقد تم الإشهار بهذه الزيجة مع القريب والبعيد، وكل هذا وهي متسعة العينين وتنظر له فقط.
ولكنها عبثت ما بين حاجبيها عند استيعابها لهذا الحديث، فهدرت به بغضب، تلزكه في صدره بقوة.
زهره بصراخ: حق إيه ده اللي يرجع بجوازك من واحدة غيري يا يونس؟
يونس بهدوء: أنا قلتلك إن ده هو الحل الوحيد. أنا مضطر لده يا زهره. ده غصب عني مش بمزاجي.
زهره بسخرية: والله مش بمزاجك يا يونس. والفرح الكبير والمصاريف دي كلها وعازم القريب والغريب. ده حتى في فرحنا معملتش كده يا يونس. وتقول لي غصب عنك يا شيخ؟ حرام عليك.
يونس بغضب: زهره... انتي عارفة إني مش بحب الطريقة دي. متعصبنيش.
زهره بسخرية: أعصبك! انت لسه شفت عصبية يا يونس. أنا معنديش حاجة أخسرها خلاص.
يونس بغيظ: زهره... متختبريش صبري.
زهره بثبات: احنا كده وصلنا لآخر الطريق يا يونس. يا أنا يا الجوازة دي.
يونس بخوف: يعني إيه يا زهره؟
زهره بقوة: يعني اليوم اللي تبقى فيه واحدة غيري على ذمتك يا يونس... ده هيبقى آخر يوم ما بينا.
يونس بثبات: تمام يا زهره. اللي تشوفيه.
زهره بصدمة: يعني إيه؟
يونس بهدوء: يعني انتي...
كانت تنتظر أن ينطق بتلك الكلمة السامة كما وصفتها هي. الكلمة التي وإن نطقها لسانه، تقسم أنها سوف يتوقف قلبها في الحال. فلم تتحمل يوماً في بعده أبداً. شعرت بهذا الشعور من قبل وتعلم أنها لن تتحمل أبداً. بدأت دقات قلبها في الارتفاع، ووجنتاها التي احمرت بشدة من الخوف والتوتر.
فإذا بالصدمة تعتلي وجهها عندما رأته يضحك بشدة حتى ادمعت عيناه ووقع أرضاً من فرط الضحك. عقدت حاجبيها بتعجب وهي تراقب أفعاله. أقسمت في داخلها أنه قد جن رسمياً. زاد غضبها من ضحكاته والتي لأول مرة تستفزها بهذه الطريقة. فهبت واقفة تنهره بغضب واضح.
زهره بغضب: انت بتضحك على إيه يا بارد انت؟ وبعدين مطلقتنيش ليه؟ هي كلمة "انت طالق" بتضحك أوي كده؟ مكنتش أعرف.
هب واقفاً أمامها ينظر لها بحب ونظرات لم تفهمها. ومن ثم جذبها إليه فجأة يحتضنها بحب واحتواء. تعجبت هي منه كثيراً. أغمضت عينيها تشتم أكبر قدر من عبيره داخل صدرها. ولكنها أفاقت على حالها ودفعته بعيداً بقوة وغضب، وقد احمر كامل وجهها وعينيها من الغضب.
ومن ثم توجهت نحو خزانة ملابسها تجذب ملابسها بإهمال تلقيها على السرير. وهمت بجذب حقيبة سفرها من فوق دولاب الملابس. فإذا بيده تجذبها مجدداً ويجلسها على السرير وهو يحاول أن يثبتها مكانها لكي يتحدث تحت مقاومتها وضيقها منه.
يونس بتوتر: اسمعي بس يا بت... اهدي واسمعيني. والله بهزر معاكي. أقسم بالله.
هدأت في مكانها فجأة عندما استمعت لحديثه. تنظر له وعينيها قد امتلأت سريعاً بالدموع وهي تنظر له بعدم تصديق وعتاب. نظرتها التي افتكت بقلبه حرفياً. فكاد أن يبكي هو الآخر. أمسك كفيها بحنان وهو يقربهم نحو شفتيه يقلبهما بخبث، وهو يشتم رائحتهم بحب.
يونس بصدق: والله ما أعرف أبص لواحدة غيرك حتى لو على موتي. أنا كنت بهزر بجد.
ثم أكمل بجدية: كنت فاكراكي مش هتصدقي وهتعرفي إني بهزر. مكنتش أعرف إنك هتزعلي بجد. قلت أنكشك شوية. يا ستي أنا آسف. بس عشان خاطري كفايا عياط. أنا مقدرش أشوف دموعك دي تنزل عشان أي حد حتى لو علشاني. أنا آسف يا حبيبتي. خلاص بقى يا ورق العنب مش كده؟ قلبي مش هيستحمل.
ابتسمت بخفة على آخر كلماته. ولكنه عبثت من جديد سريعاً مما جعله يبتسم بحب على طبيعتها والتي لا تتغير أبداً. ترك يدها ومد يده في جيبه أخرج منها علبة قطنية زرقاء راقية للغاية. ومن ثم مد يده إليها. فأخذتها منه بتعجب وهو ينظر لها ينتظر ردة فعلها بتوتر كمن ينتظر نتيجة الاختبار.
فتحت العلبة بفضول بعدما مسحت دموعها بأناملها الصغيرة. فإذا بخاتم باللون الفضي يبرق بطريقة جميلة للغاية. يتوسطه قلب صغير من الكريستال المقلد. ولكنه كان رقيق وجميل للغاية. فإذا بها تصرخ عندما قرأت الورقة الصغيرة المعلقة به. فإذا هي بماركة فضة معروفة وغالية الثمن نوعاً ما (pandora).
زهره بصدمة: هو ده بجد ولا تقليد؟
يونس بابتسامة جذابة وإحراج: كان نفسي أجبهولك ألماس بس انتي عارفة الظروف. سألت واحد صاحبي بيشتغل في الفضة قلي دي ماركة معروفة وحلوة جداً. فا جبته ليكي.
زهره بعتاب: بس دي غالية أوي يا يونس. لي بس تجيب حاجة غالية كده؟ احنا أولى بكل قرش دلوقتي. وبعدين أنا كنت عاوزة خاتم فضة عادي بـ 150 أو 250 جنيه بالكتير. مش 5 آلاف جنيه.
حك مؤخرة رأسه بطريقة فهمتها هي لتتسع عينيها بقلق وهي تسأله: انت أكيد مجبتش أغلى من 5 آلاف صح يا يونس؟ اوعى تكون صرفت الفلوس اللي حوشتها من شغل الورشة.
يونس بسرعة: لا مش لدرجادي أكيد. بصي هو طلع لي علبة وبصراحة ده عجبني أوي. متخيلتهوش على حد غيرك. فا جبته وخلاص بقى. المهم عجبك.
زهره بضيق وهي تضع يدها في خصرها وتعقد حاجبيها: بكام يا يونس؟
يونس: 7 آلاف بس.
زهره بصدمة وسرعة: لا لا. لازم نرجعه. حرام انت طالع عينك في الشغل وبتيجي كل يوم مش قادر تتحرك. أنا مش عاوزة حاجة خلاص. يلا خد روح رجعه وهات الفلوس.
يونس بحزن: أنا بس كان نفسي أحس إني أقدر أشتري ليكي حاجة قيمة وماركة زي زمان.
شعرت أنها أحزنته حقاً. فأخذت الخاتم مرة أخرى وهي تتفحصه بحب. فوجدت أنه حفر اسمه عليه باللغة الإنجليزية مما جعلها تبتسم بحب وهي تنظر له. ومن ثم رفعت رأسها وأشاحت بخصلاتها بعيداً بطريقة مرحة وهي تحتضن الخاتم بسعادة.
زهره بصدق: أنا عمري ما كنت بحب الحاجة عشان ماركتها أو سعرها. أنا كنت بحب الحاجة عشان منك انت يا يونس. كل يوم بستناك وأنت راجع وجايب لي شيبسي وأندومي وحلويات وببقى مبسوطة أوي عشان دايماً فاكرني وفاكر اللي بحبه وعاوز تفرحني. وبعدين انت إزاي تقول إنك مش قادر تجيب لي ده؟ انت كل شهر بتنزل تجيب لي لبس وميك أب وجزم وكل حاجة أكتر من الأول كمان. وما شاء الله الورشة شغالة زي الفل وبناكل أحسن أكل وعايشين في بيت كبير وجميل. وكفايا عليا دخلك عليا كل يوم بضحكتك دي. أنا هاخد الخاتم أصلاً ومش هديهولك. أنا كنت برخم عليك.
ثم أكملت بغضب وقد تذكرت ما فعله بها منذ قليل: ولا انت فاكر إنك بس اللي بتعرف تضحك وتزعل الناس التانية.
نظر لها بحب. يا الله كم هي جميلة ورقيقة في كل حالاته. غضبها وفرحها وحزنها. كأنها أجمل مخلوقة خلقها الله وصورها بأحسن صورها. وهذا القلب التي تملكه الذي يحمل حب ودفء الدنيا بأسرها.
أخذ منها العلبة وأخرج الخاتم. ومن ثم أمسك كف يدها وأدخله في إصبعها برقة وقبل يدها وهو يغمض عينيه يستمتع بقربها هذا.
يونس بصدق: مهما حصل عاوزك تتأكدي إني عمري ما أبص لغيرك. قلبي مش هيسمح لي بدا يا زهره. قلبي مش عايز ولا شايف غيرك. مش بقدر أميل لحد أصلاً. انتي مالية عليا حياتي ومالكة روحي بين إيدك. انتي بالنسبالي آخر واحدة في الدنيا. آخر بنات حواء.
ثم تنهد تنهيدة طويلة ونظر لها ببريق عينيه العاشق المعتاد: انتي بالنسبالي "آخر نساء العالمين".
نظرت له بعشق وقد احمر وجهها بخجل وانتفخت خديها بطريقة لطيفة للغاية. ولكنها صدمته عندما ضمت يدها أمام صدرها وهي تلف وجهها في الجهة الأخرى.
زهره بغضب مصطنع: بس ده مش معناه إنك صالحْتني. انت زعلتني ولازم آخد حقي منك.
تعجب كثيراً من رد فعلها ولكنه ابتسم بتسلية وقد وضع يده أسفل خده ينظر لها بتلاعب: طب هتاخدي حقك إزاي؟ هتحبسيني؟
نظرت له بتحدي. فهو يستخف بها ولكنه لا يعلم أن معشوقته أصبحت خبيرة به: لا يا حبيبي. انت هتروح زي الشاطر كده تاخد مصطفى في حضنك وتناموا سوا في أوضة الأطفال. (حيث أنه لا يصح أن ينام بغرفة الزوجية الخاصة بأخوه).
يونس بصدمة وغيظ: زهره متهزريش. أنا صدقت إنه حل عني من ساعة آخر مرة. متبقيش رخمة.
كتمت ضحكاتها بصعوبة وهي تمثل الغضب: والله بقى ده اللي عندي.
نظر لها بضيق ومن ثم أخذ ملابس النوم الخاصة به وتوجه بالفعل في اتجاه غرفة الأطفال وحاول جاهداً أن لا يراه مصطفى. أما هي بعدما أغلق الباب ظلت تقبل الخاتم بحب وسعادة كبيرة.
في منزل هبه وحسام.
قد حضرت لهم بعض الشطائر الخفيفة مع كوباً من الشاي وجلسوا على الأريكة الكبيرة أمام شاشة التلفاز. وكان حسام يجري بعض المكالمات الخاصة بالعمل. فحتى لو كان في إجازة هذا لا يمنع أنه محاط بالكثير من المسؤوليات. نظر نحو هبه التي كانت شاردة وتبتسم ابتسامة أذابت قلبه بشدة. أنهى مكالمته ونظر لها وهو يحرك حاجبيه بتلاعب.
حسام بمرح: اللي مفرحك كده؟ ولا تكوني فرحانة فينا؟ ده إحنا كنا هنتحط في التلاجة.
ضحكت بخفة على حديثه ومن ثم تحدثت بشعور صادق: أنا مكنتش أعرف إني هكون مرتاحة وسطهم كده يا حسام. طيبين وولاد حلال أوي. أنا حبيت زهره أوي. حبها هي ويونس غريب وجميل أوي. انت مش شفت كانت قلقانة عليه. مع إني كنت مرعوبة بس كنت بحاول أداري. بس كالعادة السكر فضحني. بس هي مكنتش عارفة تداري وعمالة تعيط وتقول يا رب رجعهم كويسين. استر يا رب. كانت بتقول الدعوة بالجمع بس أنا عارفة إنها كانت طالعة من قلبها ليه هو وبس. لهفتها عليه جميلة أوي.
نظر لها بحب. فهي رقيقة حتى في وصفها: هما فعلاً غراب جداً. اتحطوا في مواقف كتير وحشة. بس بصراحة زهره دايماً واقفة في ظهر يونس.
هبه بتعجب: لحد دلوقتي مش عارفة أستوعب إزاي كانت الزوجة الثانية ليه.
حسام باقتناع: ربنا لما بيبعت العوض مش لازم يكون بطريقة مباشرة. يعني يونس في الأول كان بيقول لعمي مهران الله يرحمه لي أنا أتزوجها وأنا متزوج ومصطفى مش متزوج. اهو هو أولى بيها. متخيلة؟
هبه بصدمة: بجد؟ ده طول ما إحنا قاعدين بيشد حجابها يعدله بس عشان شعرتين كانوا طالعين من الجنب. ده أنا حاسة إنه غار عليها لما أنا سلمت عليها.
حسام بضحك: شفتي بقى. سبحان مغير الأحوال.
هبه بتساؤل: مامتك وباباكي عاملين إيه؟ وحشوني أوي.
حسام بهدوء: اطمني كويسين ومبسوطين جداً وبيسلموا عليكي. ثم أكمل بغمزة: وبيوصوني عليكي يا ستي. قوليلي هو أنا محتاج توصية؟
أشاحت بوجهها بعيداً وهي تبتسم بخجل. ومن ثم ركضت من أمامه متوجهة نحو غرفة النوم مما جعله يصرخ ضاحكاً: مسيرك تجيلي يا قمر.
كان سيذهب خلفها ولكن أوقفه صوت الهاتف وهو يعلن عن وصول إحدى الرسائل. فقرأها باهتمام ومن ثم أجاب بجملة عابرة "هنفذ قريب أوي". ومن ثم اتجه خلفها وناموا سوياً.
في غرفة مصطفى.
كان يمدد جسده على السرير وهو ينظر لمجموعة من الصور عن طريق الهاتف والتي تجمعه بحبيبته سمية.
فرت دمعة هاربة من عينيه بحزن على فراقها. على الرغم من موقفها معه، إلا أنه لا يستطيع نسيانها أو كرهها. ظل يحارب ذاته حتى قارب النهار على الشروق، ومن ثم خلد للنوم بتعب من أحداث اليوم.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم سهيلة عاشور
في منزل عائلة يونس
كانت سميه تجلس في شرفة غرفتها، لم يزر عينيها النوم طوال الليل. بدأت معدتها تؤلمها بعدم اطمئنان، فقد ألمها قلبها كثيرًا عندما علمت أن والدها راقد في المستشفى، لا حول له ولا قوة بسببها. "حقًا يا الله، إن أبي يصارع الموت بسببي أم بسبب أخي العاق، أم بسبب ظلم أولاد آدم؟" زفرت بضيق عندما وجدت تلك الأفعى تدلف إلى الغرفة وهي تتغندر، مرتدية ثوبًا قصيرًا كالعادة من اللون الأحمر القاتم، وتضع الكثير من مستحضرات التجميل. وبالطبع لن تفوت أي فرصة في أن تثير غضبها.
دلفت ووقفت أمامها وهي تضع يدها على خصرها، وتبتسم بطريقة مثيرة للاشمئزاز. سميه تناظرها ببرود وهدوء تام، فما بها إذا ظهر الآن ستحرق وجهها وجسدها التي تتباهى به.
ناهد بخبث: "إيه يا سميه... مالك زعلانه كده ليه، ولا هتعملي فيها البنت الصالحة؟ ما أنتي بعتيهم كلهم عشان الفلوس، ولا ناسيه؟ مش ده كان اختيارك وكنتي بتقولي عليا أنا رخيصة؟ بصي لنفسك، مفيش فرق بينا."
ثم أكملت بنبرة غليظة يملؤها الحقد: "إحنا الاتنين اتساوينا يا سميه، شفتي بقى."
لم يرف لها جفن واحد حتى، بل ظلت تنظر لها بنفس البرود. ومن ثم ابتسمت بهدوء: "إنتِ غلطانة يا ناهد... أنا وإنتِ مش زي بعض. أنا مبعتش جسمي للرجالة عشان شوية فلوس مليش حق فيها، ولا خونت جوزي، ولا عمري حاولت أقتل حد."
ثم أكملت بعيون قوية وتمثيل: "عمرك ما سألتي نفسك لو ضاحي أخويا بعد الشر حصل له حاجة، إنتِ هيبقى مصيرك إيه؟ طب أنا وأخته ليا حق في الورث أنا وأمي وأبويا، وهما مش هيبخلوا ياخدوا حاجة، فكل ده هيبقى باسمي أنا. عن إذنك هاخد دش أغسل الزبالة اللي حلت عليا وعلى الأوضة."
ثم أكملت بنبرة خبيثة: "باي مؤقتًا يا رخيصة."
حديثها وقع على أذنيها وكأنه صاعقة من السماء. فعلى الرغم من دهائها وذكائها، إلا أنها لم تحسب حساب لهذا اليوم الذي يرحل فيه ضاحي عن الدنيا. فسميه لديها كل الحق، فهو حتى الآن يتهرب من فكرة زواجهم بكثير من الحجج. غضبت كثيرًا واحتدمت الدماء في عروقها وهي توعد في سرها لسميه، التي أخذت بعض الملابس ودلفت للمرحاض دون أن تعطيها أي اهتمام.
همت ناهد بالذهاب، ولكن لفت نظرها ذلك العقد الذهبي جميل المنظر وغالي الثمن بشدة. فابتسمت بخبث وأخذته وخرجت سريعًا قبل أن تلاحظها سميه.
داخل المرحاض
كانت المياه الساخنة تنهمر فوق جسدها بانسيابية، وهي تضع يدها في خصلاتها الكثيفة وترجعها للخلف بإرهاق وألم. وتمسد باليد الأخرى على معدتها المنتفخة، تطمئن ولدها في نفسها.
سميه بثقة: "قربت أوي يا حبيبي... جدو هيقوم بالسلامة وتيتا هتسامحنا."
ثم أكملت بصدق: "وهنروح لبابا، وحشني أوي وأنا عارفة إنه وحشك إنت كمان، بس خلاص فات كتير وباقي قليل."
في منزل الإخوة
قد استيقظ مصطفى بفزع بسبب أحد الكوابيس التي كانت تطارده في الوقت القليل الذي خلد فيه للنوم. استغفر ربه واستعاذ من الشيطان، ومن ثم توضأ وأدى فرضه، وقرر صنع كوب من القهوة وانتظار أخيه حتى يستيقظ. كان يجلس على الأريكة في منتصف صالة المنزل الصغيرة يحتسي قهوته وهو يفكر بزوجته وحبيبته. فحتى الآن لا يقدر على طلاقها، لا يقدر أبدًا. على الرغم من طلبها بكل صراحة أنها تريد الطلاق. يحاول دائمًا إقناع نفسه أنها هي من اختارت البعد، هي من تركته في أكثر الأوقات التي كان يحتاج لحبها. حقًا نسيت حبهم؟ لا يعقل أن تكون هذه هي الفتاة التي عشقتني منذ الصغر.
قاطع شروده يونس، والذي خرج من غرفة الأطفال يحك عنقه بألم ويبدو عليه الأرق. قوس مصطفى حاجبيه بتعجب، يرى ماذا كان يفعل هذا هنا في هذا الوقت المبكر. أطلق صوت الصفير من فمه، فالتفت له يونس وزفر بإزعاج.
مصطفى بتلاعب: "صباح الخير يا يويو... إنت إيه اللي منيمك في الأوضة دي؟ مش عيب عليك، ده السرير قد دراعك، نمت عليه إزاي؟"
يونس بغيظ: "بقولك إيه أنا مش ناقصك... وإنت إيه اللي مقعدك؟ هما من إمتى بتصحى بدري؟ ده إنت بعد موضوع امبارح ده تنام يومين."
ثم أكمل بضحك مفرط حتى أدمعت عيناه: "بصراحة المعلم حسن ده معلم صحيح، شفت كان معلقك إزاي؟ بجد كنت مسخرة."
مصطفى بغيظ: "ده إنت رخم بجد... ثم أكمل بمرح: ما خلاص بقى وبعدين اتكاتروا عليا."
يونس بضحك: "أيوة أيوة."
قاطع حديثهم خروج زهرة وهي تبتسم بتلاعب ليونس، فهي تعلم أنه غاضب منها كثيرًا، ولكنها تقدمت نحوهم بتصنع، ومن ثم ألقت تحية الصباح عليهم، وكالعادة ابتسامتها تزين وجهها.
مصطفى بتلاعب: "صباح الزهر يا زهرة."
يونس بغيظ: "شكلك عاوز تتعلق تاني صح."
زهرة بضحك: "أنا هروح أحضر الفطار عشان يدوب أنزل امتحاني."
هربت من أمامه فلم تستطع كتمان ضحكاتها أمامه. أما هو فنظر نحو مصطفى بغيظ وغيره. فمصطفى يعلم مداخله ويعلم الطرق ليثير غيظه.
مصطفى بتلاعب: "بس متقتليش برضه، إيه اللي نيمك في أوضة الأطفال؟"
يونس بغيظ: "صبرك عليا....."
تركه واتجه خلفها وهو يستمع بصوت ضحكاته، فأبتسم وهو يهز رأسه بيأس. فأنه يشعر به ويعلم حق العلم قدر الألم الذي يحمله بداخله، ومع ذلك أنه لا يظهر هذا أبدًا. أخيه الصغير وابنه الروحي يتألم وهو لا يستطيع أن يفعل أي شيء، فقط يجلس في دور المتفرج فقط.
في المطبخ
كانت تعد طعام الإفطار بالحب كالعادة، وهي تستمع لإحدى التسجيلات الصوتية الخاصة بإحدى بمادة امتحان اليوم. فهذه عادتها، تستمع لتسجيل المحاضرات حتى تستذكر دروسها. ترفع يدها تضع الأطباق، فلفت نظرها خاتم الفضي ذا القلب الأحمر، والذي ما إن رأته ابتسمت وقبلته بحب. فهذا الهدية قريبة لقلبها بشكل لا يوصف، باتت طوال الليل تحتضن يدها بحب.
قاطعها ذلك الذي احتضنها من الخلف، فاجأه مما أصابها بالفزع.
زهرة بفزع: "يونس... إيه اللي بتعمله ده؟ إنت ناسي إن مصطفى موجود معانا؟"
يونس بعبث: "يعني إنت بس اللي تعملي اللي على كيفك ولا إيه؟"
ثم أكمل وهو يمثل طريقتها: "والله بقا ده اللي عندي."
زهرة بخجل: "يونس بجد أوعى، والله هعيط لو دخل علينا وانت مقرب مني كده."
قدر ذلك، فهو يعلم قدر خجلها والتي لا تتحكم بها أبدًا. ظل ينظر لها بحب وهي كالعادة تبتسم بخجل.
زهرة بوجنتين محمرتين: "إنت هتفضل باصص كده؟ يلا عشان متأخرش على الامتحان."
يونس بإيماء: "ماشي.... ومن ثم أكمل بغمزة: الحساب يجمع بعد الامتحان."
هرولت من أمامه بسرعة للخارج، وهو ظل ينظر في طيفها بهيام كبير وعلى وجهه ابتسامة جذابة تظهر محاور وجهه. تجمعوا سويا على مائدة الإفطار، بعدها ساعدها يونس ومصطفى في وضع الأطباق تحت نظرات العبث والغزل من يونس. وظل مصطفى يشرح لهم ما حدث أمس بطريقته التي جعلت زهرة كادت أن تصرخ من فرط الضحك.
يونس بيأس: "يا بني أنا قلت الواد هيجي خايف ومش هيقدر ينزل الحارة تاني... إنت عمال تهزر."
مصطفى بضحك: "كنت مرعوب والله، قلت لنفسي ده مجنون ويخلص عليا عادي... بس والله الموضوع يضحك، أصلك مش شفت الترلة اللي شغال عنده ده وهو شايلني زي اللي شايل عروسة لعبة."
زهرة بضحك مفرط: "آه بطني، لا خلاص مش قادرة."
يونس بغيره: "ضحكتك أوي."
زهرة بعبث: "أوي يا يونس."
يونس بمرح: "ماشي هعديها عشان مبسوطة بس."
أمسكت ذراعه تحتضنه بحركة لاإرادية منها بحب، مما جعل مصطفى ينظر لهم بحب داعيًا في نفسه أن يرزقهم الله أضعاف حبهم لبعضهم ويعطيهم كل ما هو أفضل. هبوا واقفين بعدما دق هاتف زهرة برقم أحد بنات الحارة، والتي تعرفت عليها من وقت قريب، فهي طالبة معها في نفس الجامعة.
يونس: "مش أنا قلتلك متصاحبيش حد يا زهرة وأنا هوديكي وأجيبك."
زهرة بإلحاح: "والله يا يونس منى دي طيبة خالص وكمان دي بنت المعلم حسن، وإنت عارفه وعارفهم كلهم، وهي بتحبني أوي والله."
مصطفى بنظرات ذات مغزى: "خلاص يا يونس وكده كده المعلم حسن حبيبنا من زمان وكان أعز صاحب لأبونا الله يرحمه."
كان يحاول أن يثبت أخاه من حالة الخوف والغيرة التي بدأ أن تزيد على يونس كثيرًا منذ وفاة والديهم حتى الآن. فهو يخشى أن تمل زهرة من هذه التحكمات المبالغ بها، حيث يريد أن تبقى علاقتهم قوية وسليمة. أما يونس بإستسلام لهم، مما جعل زهرة تبتسم بسعادة وهي تتمسك بيده حتى يهبطوا للأسفل سويا.
في ورشة يونس
قد فتح بابها بمساعدة من مصطفى وأدخل زهرة وأنزل لها إحدى الكراسي، ينظفها باستخدام يده من الأتربة التي كانت تغطيه، ومن ثم أشار لها أن تجلس عليه. نظرت له بحب كبير، ومن ثم جلست وأمسكت يده التي نظف بها الكرسي بيديها الاثنين وكأنها تضمها. دائمًا ما تغمره بطريقتها اللطيفة والمحببة لقلبه.
مصطفى بعبث: "يا عم الحبيب... هنروح نزور الواد أحمد ولا إيه."
نظر له دون أن يترك يدها: "آه أكيد هنروح.... نخلص بس الشغل وناخد زيارة نروح أمه زمانها اتخضت عليه جامد الله يصبرها."
مصطفى: "خير إن شاء الله..... الحمد لله إنها عدت على كده. إلا قولي صحيح هو المعلم حسن كان عاوزك في إيه."
يونس: "وعدني إنه في المناسب لو لقاه يستحق بنته هيحوزهاله.... عشان إنت عارف هما الاتنين صغيرين. أصل البنت اللي أحمد بيتكلم عنها دي فاتن الصغيرة عندنا 15 سنة، صغيرة أوي على الجواز، وأحمد كمان هو صحيح بميت راجل وجدع بس برضه صغير."
مصطفى بتأييد: "معاك حق... إن شاء الله تكون من نصيبه، شكله رايدها في الخير."
قاطعهم فتاة في نفس سن زهرة بملامح هادئة وبشرة خمرية وملابس محتشمة، مما جعل يونس يطمئن قليلاً. تلوح لزهرة بيدها، فابتسمت لها.
زهرة: "دي منى يا يونس... أنا هروح بقى عشان هنتأخر."
يونس بإبتسامة: "أول ما تخلصي تطمنيني عليكي... لا اله الا الله."
زهرة: "محمد رسول الله... ومن ثم نظرت لمصطفى بضحك الذي كان يراقبهم وهو يقوس فمه بطريقة مضحكة: يارب مجيش ألاقيك متعلق من رجلك المرة دي."
نظر لها بغيظ ولأخيه الذي كان يضحك عليهم بشدة.
في منزل عائلة يونس
حيث كان يجلس ضاحي في المكتب الكبير ويدقق النظر في بعض الأوراق يدرسها بدقة. ولكن قاطع انشغاله دخول هذه الشمطاء وهي تحاول أن تغريه بملابسها الفاضحة وخبرتها.
ناهد بصوت ناعم: "بقولك إيه يا حبيبي."
ضاحي بعدم تأثير فقد اعتاد عليها: "نعم يا روحي."
ناهد بدلال: "هو إنت هتكتب عليا إمتى."
ضاحي بتمثيل الغباء: "يعني إيه..."
ناهد بدلال أكبر: "يعني هنتجوز إمتى...."
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم سهيلة عاشور
استيقظت، تحرك جسدها بكسل، ليقع نظرها عليه وهو يجلس بجوارها. ينظر لها نظرات لم تكن واضحة كثيرًا لها، كان صامتًا، شاردًا، ويبتسم بخفوت. أدركت ريقها بتوتر.
هبه: في حاجة يا حسام؟
حسام بابتسامة: كنت مستنيكي تصحي... النهاردة أنا عازمك بره، عاوز نقضي اليوم كله مع بعض.
هبه بسعادة: بجد يا حسام! بس إيه المناسبة؟
حسام بتفكير: إني عاوز كده... وكمان أنا إجازة، ولا نسيتي؟ ودي مش بتحصل كتير.
هبه بضحكة خافتة: صح... هلبس بسرعة.
هرولت سريعًا تأخذ ملابس من دولابها، ودلفت للحمام لكي ترتدي بسرعة. فمثل هذه الفتاة لم تلقَ الاهتمام أو الحب من أي شخص بعد وفاة والدتها، وهي لم تجد سوى بطش والدها وقسوته. فبالنسبة إليها، حسام مخزون الحب والأمان، حتى لو لم يعترف بهذا.
***
في ورشة الميكانيكا.
كان يونس يصلح إحدى السيارات والتي طال تصليحها، فاستمر لساعات. وكان مصطفى يرتب بعض المعدات، فطلب منه يونس صنع كوبين من الشاي. أمامه بهدوء. وبعد غليان الماء، وعند سكبها في الأكواب، بدلًا من سكب الماء في الأكواب، سكبها على يده، فصرخ من الألم، مما جعل يونس ينتفض من أسفل السيارة ويركض نحوه.
يونس بفزع: إيه اللي في إيدك يا مصطفى... وريني إيدك.
مصطفى بتمثيل القوة: مفيش حاجة يا يونس... روح كمل الشغل.
جذب يونس يده بحدة، وفزع عندما وجد يده معظمها أصابها الاحمرار. نظر له بعتاب وزفر بضيق، ومن ثم جلب علبة الإسعافات الأولية، وجلب منها إحدى المراهم الطبية المخصصة للحروق، ودهنها على يده برفق. ومن ثم أجلسه، وجذب إحدى الكراسي وجلس بحواره، ونظر له بنفاد صبر، وقد عزم أمره على إفاقته من هذه التيهة التي هو بها.
يونس بحدة: وبعدين معاك يا مصطفى... هتفضل نايم كده كتير؟
مصطفى بهدوء: معلش، هبقى آخد بالي بعد كده.
يونس بزفر: مقصدش إيدك، أقصدك أنت... ثم أكمل بحزن: وحشتك؟
مصطفى بتوتر: إيه دي اللي وحشتني؟
يونس: سمية.
مصطفى بتصنع: أنا شلتها من حياتي خلاص... متفتحش الموضوع ده يا يونس.
يونس بسخرية: والله شلتها من حياتك؟ بتكذب يا مصطفى، أنت لو كذبت على الدنيا كلها، حتى لو كذبت نفسك، عمرك ما هتعرف تخبي أو تكذب على يونس. دا أنت ابني مش أخويا... ثم أكمل بعقلانية: مش عيب إن الواحد يزعل على مراته وأم ابنه، مهما كان اللي حصل. وخصوصًا إنها حب حياتك. اللي عملته سمية دي مش حاجة بسيطة، بس على رأي زهرة، سمية دي تربيتنا، وطول عمرها بتحبنا كلنا وواقفة معانا. أكيد الموضوع ده فيه حاجة، بس حتى لو كده، أنت لازم تجمد يا مصطفى وتفوق لنفسك شوية. إحنا دلوقتي لازم نشتغل ونقوي بعض ونقوى ببعض عشان نعرف نرجع حقنا ونريح أبونا وأمنا في تربيتهم. لكن اللي أنت بتعمله ده هيحل إيه؟
مصطفى بضيق وحزن: مكنش في سبب يخليها تعمل كده يا يونس... أنا عملت كل حاجة عشان أسعدها، وأنت شاهد على كده، ومكنتش مخليها محتاجة حاجة. صحيح مش زي المستوى اللي كنا عايشين فيه، ولكن كنا مرتاحين ومش ناقصنا حاجة. مكنتش مجوعاها ولا مخليها بتشحت يعني عشان تسيبني في الظروف اللي إحنا فيها دي. ياريتها كانت راحت لأمها وأبوها، مكنتش هزعل كده، بس دي راحت للكلب اللي اسمه ضاحي. راحت اترمت في حضن عدونا يا يونس... قفل على السيرة دي بقى، ولو خلصت خلينا نروح نزور الواد أحمد، وحشني وقلقان عليه، وأهو بالمرة نفرحه بالكلام اللي قاله ليك المعلم حسن، هيفرح أوي.
نظر له يونس بحزن، فلديه كل الحق. مجرد فكرة التخيل أن تتركه زهرة مثلما فعلت سمية تغلي الدماء في عروقه ويتوقف عقله عن التفكير وتتصلب روحه. آآه يا أخي، إن لديك قلب كبير ليكون بك كل هذا الهم والغم وتضحك وتمرح معنا، بل وأنك تحمل همنا وتركز على سعادتنا وفرحنا. نظر له بحب وابتسم بحنان وهو يربت على كتفه: حاضر، هخلص العربية دي وأغير ونروح... قوم أنت غير ودخل العدة لحد ما أخلص.
أومأ له في هدوء، وذهب ليفعل ما أمره عليه أخاه.
***
في قصر عائلة يونس.
عندما طلبت منه هذا الطلب، صوّر له أمامه أنه يسفك دماءها الرخيصة ويتخلص منها. ولكن ابتسم ابتسامة ماكرة وخبيرة وهو يحرك يديه الغليظتين على جسدها بخشونة يعلم أنها تحبها. وظل ينظر لها من أعلاها لأسفلها نظرات شهوانية. هذه المعتوهة تعتقد أنها نظرات حب وإعجاب وما شابه.
ضاحي بتلاعب: ليه بس يا حلوة؟ هو إحنا ناقصين جواز؟ ما إحنا متجوزين من زمان.
ناهد بدلال: منت عارف يا حبيبي إن الورقة العرفي اللي إحنا كاتبينها دي ملهاش لازمة ولا بتودي ولا بتجيب، دي مجرد ورقة بنحلل بيها علاقتنا مع بعض. أنا عاوزة أبقى مراتك قدام الناس كلها عشان يبقى ليا حق فيك، بدل ما أنا عاملة زي اللي ماسكة في حبال دايبة كده.
ضاحي بعبث: هو أنت مش واثقة فيا يا نونه ولا إيه؟ دا أنا ضاحي يا بت، ولا نسيتي؟ أنا الحب كله يا حب أنت.
ناهد بضحكة رقيقة ودلال: واثقة وفاكرة طبعًا كل حاجة... بس برضه عاوزة نفضل مع بعض على طول. وبعدين منت جربتني سنين وعارف إن لو الدنيا كلها اتخلت عنك، أنا أبيع الدنيا كلها عشانك. ولا ناسي منا اللي بعتهم زمان عشانك؟
ضاحي بهدوء ولا زالت ابتسامته الخبيثة على وجهه: خلاص يا حبيبتي، زي ما تحبي نتجوز... بس أنت دلوقتي هربانة من حكم، ولا نسيتي؟ نخلص مدة الحكم بتاعتك وأنا كمان أخلص كام عملية فاضلة ليا، وبعدها نتجوز... ثم أكمل بمكر: وأنت طبعًا هتساعديني، زي ما أنا ساعدتك، ولا إيه؟
ابتسمت بانتصار ظنًا منها أنها الآن حققت مرادها، وسوف تتبختر أمام أي أحد يشكك في قدرتها أو شرفها. لا تعلم أن الشرف يضيع مع أول قطرة مياه توضع عليه، ولا تعلم أيضًا ماذا ينتظرها.
قالت بسعادة وغمزة: إمتى عاوزني؟
ضاحي بمكر: اجهزي دلوقتي، هتروحي أول مشوار... وطبعًا أنت عارفة هتعملي إيه.
ضحكت بصخب، ومن ثم تحدثت بغنج ودلال: عارفة يا نن عيني.
ومن ثم انقضت على شفتيه دون حياء تقبله بنهم، ومن ثم هبت من على قدميه تسير بدلال نحو الخارج قائلة: هروح أجهز يا بيبي عشان متأخرش، هتوحشني لحد ما آجي.
ضاحي بتصنع: وأنت كمان يا نونه.
اختفت من أمامه، فزفر بضيق وهو يمسح شفتيه بتقزز، قائلاً بسخرية وصوت منخفض: قال اتجوزها قال... يعني اللي باعت جوزها وولي نعمها اللي لمها من الشوارع وعملها هانم، مش هتبيعني أنا.
***
كانوا يجلسون على إحدى الطاولات الصغيرة بجانب إحدى العربات المتنقلة لصنع المأكولات المصرية الشعبية، وهي الفول والفلافل. كانت تضحك وتأكل بسعادة، وهو يطالعها بتأمل. كانت ترتدي ملابس رياضية باللون الأسود وحجاب من نفس اللون، وهو يشاركها نفس الشيء.
هبه بابتسامة: إيه هتفضل باصصلي كده؟ من الصبح وأنت بتبصلي بصات غريبة. مش ملاحظ إنك من الصبح مركز معايا زيادة؟
حسام بغمزة: يعني ورايا إيه غيرك أركز معاه... حاول تغيير الحديث حتى لا يخجلها: بس مكنتش أعرف إنك هتبقي مبسوطة لما آكلك على عربية فول، بس خلي بالك، دا مش أي فول، دا فول عمك مدني، راجل من العصور الوسطى ما شاء الله، عمره سنة. أنا مخدتهاش في المدرسة ولا في الشرطة.
ضحكت بصخب حتى أدمعت عينيها، وهو يتابعها بشعور جديد نوعًا ما عليه، ولكن لم يهتم، فهو سعيد وهذا ما يهم. قاطع لحظتهم رجل كبير السن ونحيل كثيرًا يمشي محني الظهر، وابتسم لهم. فظهرت أسنانه الغير موجودة، حيث كان فاقدًا لمعظم أسنانه، وكان الكلام منه غير مفهوم بسبب هذا.
العم مدني بحديث لم تفهمه هبه، ولكن حسام بالطبع يعلمه: نورتنا يا باشا، كل دا تغيب عننا؟ موحشكش عم مدني؟
حسام بحب وهو يأخذ منه أكواب الشاي: والله وحشني وأكلك وحشني وضحكتك الحلوة دي وحشاني خالص... إيه أخبار الجماعة عندك؟
مدني بحب: عايشين من خيرك وعلى حسك يا بني، ربنا ما يحرمني منك... أنا لو حصلي حاجة هبقى مطمن إني سايب ليهم راجل. لو كان عندي ولد مكنتش هحبه وأمنه كده والله.
هب حسام واقفًا وأخذه بين أحضانه بحب صادق. وفرق الجسد والطول بينهم واضح جدًا. ظل يربت على ظهره بهدوء، والرجل مستكين بين أحضانه براحة وكأنه ولده حقًا، وكان غائبًا عنه ووجده.
حسام بمرح: إيه يا مدني، هتلقبها نكد ولا إيه؟ وبعدين أنا كنت بقول الجماعة عاملين إيه؟ أقصد عاملين غداء إيه؟ وحشني أكل الست أم سلوى، وحشني الشاي بتاع سلوى، وعرفته البت الصغيرة خديجة دي مشكلة.
مدني بضحك: بس كده، دا أنت تشرف وتؤنس. هيفرحوا بيك أوي، وخصوصًا لما يعرفوا إنك اتجوزت. دي الحاجة أم سلوى كانت لسه بتقولي ندورلك على عروسة.
حسام بمرح وهو ينظر نحو هبه: وهي الجوازة هتدوم طالما أنت دخلت فيها يا مدني، هتبوظ.
ضحك العجوز من قلبه وهو يربت على ظهر حسام بحب: ربنا يخليهم لبعض يا بني ويجعلها فتحة خير عليك يا رب... يلا اقعد مع مراتك، ولما تعوز حاجة ناديلي وأنا هكلم أم سلوى دلوقتي تعمل حسابها.
رجع حسام يجلس مكانه. وكل هذا وهبه تتابع ما يحدث بحب وتعجب من شخصيته التي تحمل الكثير هي لا تعلمه، ومن الأساس لا يظهر عليه.
حسام بابتسامة: إيه مالك؟
هبه: مستغرباك.
حسام وهو يحتسي الشاي: ليه مالي؟
هبه بصراحة: يعني الظباط بالعادة بيبقوا صعبين أوي... وكمان بصراحة مش بيبان عليك إنك ما شاء الله محبوب كده. أنت عرفت الناس دي كلها إزاي؟ طول ما إحنا ماشيين والناس تجري عليك تسلم، وباين عليهم الحب مش مصالح يعني.
حسام بابتسامة أذابت قلبها: بصي يا هبه... أنا كنت ظابط مجتهد، يعني زي ما تقولي كده، مكنتش محتاج ناس مش تمام عشان أعرف أكمل وآخد شهرة ورتب. يعني أنا طبعي كده، كنت بحب أخلص شغل وأنزل وسط الناس، نقعد ونتكلم، واللي محتاج حاجة جوه الشغل وبره الشغل، أنا رقبتي سدادة. طبعًا طول ما الحاجة دي حاجة في اليمين ولله ومش حاجة غلط أو حرام... بس من وقتها بقى وأنا لقيت نفسي بعدين عرفت ناس كتير ومحبوب منهم، ودي طبعًا نعمة من ربنا... بس عم مدني غالي عليا أنا بشكل خاص شوية، من أول ما شافني وهو مكنش يعرف إني في كلية الشرطة ولا أي حاجة... ثم أكمل بضحك: سألني أنت سبت أهلك وبتعمل إيه هنا وكده، فا كنت بهزر معاه، قلتله أنا في كلية فنون جميلة. أنت مش فاهمه كان فرحان إزاي؟ بيقولي أنا من زمان نفسي أشوف حد في الكلية دي عشان بنتي عاوزة تدخلها وعاوز أعرف بيطلعوا منها إيه ولا بيعملوا إيه. وقعدت أشرحله عن الكلية وكام مبسوط أوي، وكلم بنته وقالها إنه موافق إنها تدخلها.
انت مش متخيلة يا هبه، وهو بيقولها أبوكي في ضهرك يا سلوى. اللي انتي عايزاه يا حبيبتي، المهم تكوني مبسوطة. الراجل ده جميل وبسيط بشكل لدرجة إنه يدخل قلبك بجد من غير حاجة. وكنت كل ما آجي عنده، ميّرضاش ياخد مني فلوس. وبعدها قلتله إني في كلية الشرطة وإني كنت بهزر معاه، بس لما لقيته فرحان مرضتش أكسر فرحته. أتفهم جدا.
وأنا كنت ساكن في الشارع ده وقتها، وبقيت بساعده كتير لما الحي ييجي يشيل العربية، ومثلاً في تقديم كلية ولاده وكده. كنت بحسه طيب وفي حنية كده زي بابا، ومراته ست مفيش حد في طيبتها. هتحبيها أوي يا هبه.
أنا هقوم أساعده عشان نخلص ونروح، أكل أم سلوى وحشني.
هب من مكانه وهو يرتشف آخر محتويات كوب الشاي، وحمل باقي طعامهم وتوجه ليغسل الأطباق. ويقدم الطلبات مع العم مدني، وهو يقدمه للناس بفخر إن هذا الشاب الصالح مثل ولده. وحسام يقول بصدق وهو يقبل رأسه: إن هذا لشرف كبير له.
وهبه تتابع هذا بتعجب وحب كبير لهذا الحسام، فهي مع كل دقيقة معه تتيقن تمامًا أنها باتت تحبه. لطالما حاولت أن تتهرب من هذا الإحساس بسبب وسواسها، إنه فقط أشفق عليها وساعدها مثلها مثل هؤلاء الناس ولا تفرق عنهم شيء، ولكن قلبها يأبى هذا ويؤكد لها كم تحبه وتريده وترتاح تمامًا في وجوده.
يضع الإطباق أمام الناس وينظر لها ويبتسم ويغمز لها بتسلية، لتضحك من قلبها بسعادة.
***
وسط سوق الحارة.
كان مصطفى وكالعادة يتأفف من حمل المشتريات، ويونس يهز رأسه بملل منه وهم يسيرون في اتجاه منزل أحمد.
مصطفى بنبرة طفولية: أنا تعبت يا يونس. كفايا كده، انت جيت السوق كله. دي زيارة ولا معونة الشتاء؟
يونس بنظرة حادة: اتلم يا مصطفى، هو انت عيل صغير؟ وبعدين دا أقل واجب. الواد تعبان وهيفضل مدة في البيت، لازم نعمل الواجب.
مصطفى بتأييد: ماشي، معاك حق. بس أنا تعبت يا عم، كفايا بقا.
يونس بزفر: حاضر، امشي انجر قدامي.
ساروا سويا في اتجاه منزل أحمد، والذي كان منزل بسيط ويبدو عليه القدم. دلفوا لمدخل المنزل المتهالك، ومن ثم وقفوا أمام الباب الصغير يدفعون عليه بخفة. لتمر عليهم دقائق وتفتح لهم الباب سيدة ليست بالكبيرة كثيراً في العمر، ويبدو عليها ملامح الطيبة، فأبتسمت لهم بحب تأذن لهم بالدخول.
دخلوا وهم حانون رؤوسهم باحترام، ويسيرون خلفها نحو الغرفة التي بها أحمد. وضعوا المشتريات جانباً ونظروا له ليجدوه يغطي نفسه بغطاء سميك ويغلق عينيه بإرهاق ويبدو عليه الاعياء.
أم أحمد: لي كده يا بني تتعبوا نفسكم. خيركم سابق ومغرقنا.
يونس باحترام: دا خير أحمد يا حجة، من أول ما اشتغل معايا وهو راجل وسداد وأصيل. دا خيره وشغله.
مصطفى بصدق: الورشة من غيره وحشة. يريح كده ويرجع ينورها وسطنا.
أم أحمد بحب: يارب يا بني، ربنا يسمع منك لأحسن دا واجع قلبي عليه. كان لازمته الحب والبهدلة اللي جاتلنا من تحت راس الحب. قلتله ياما يا بني مسمعش كلامي.
قاطعها صوت السعال القوي من ابنها وهو يقول بملل: وبعدين معاكي يما بقا. روحي اعملي للمعلمين حاجة يشربوها.
نظرت له بيأس ومن ثم ضربت كفاً على كف وهي تسير نحو المطبخ، وهم يلاحظون هذا بحزن عليه.
مصطفى بمرح: إيه يا عم أحمد، انت ناوي تريح في البيت ولا إيه؟
أحمد بسعال وهو يبتسم: يومين بس الحكة تهدى وأنا هنزل على طول. ثم أكمل بعبوس: أنا مبحبش قعدة البيت دي أصلاً بزهق، وكمان أمي مستلماني بقا.
يونس بتفهم: أمك وخايفة عليك، وما حقها. ثم إني عندي ليك خبر هيفرحك.
نظر له أحمد بترقب، ومن ثم أخبره يونس بوعد المعلم حسن له، مما جعل أحمد يقفز من سريره وهو يصرخ فرحًا. وكان مصطفى ويونس ينظرون له بصدمة، أهذا ما كان يرقد نائماً أمامنا الآن؟
أحمد بسعادة وهو يحتضن يونس بحب: ربنا يخليك ليا يا معلم. ربنا يخليك، مش عارف أقولك إيه.
مصطفى بمرح: طب وأنا اللي اتعلقت علشان خاطرك، مفيش حاجة ليا ولا إيه؟
احتضنه هو الآخر بحب وجلسوا معه قليلاً يحتسون الشاي ويضحكون سوياً، ومن ثم استأذنوا بأدب بعدما وعدهم أحمد أن يصون تلك الفتاة ويعمل جاهداً من أجل أن يتمم زيجته بها.
يسيرون في الشارع في اتجاه الورشة من جديد، فقرر يونس أن يتصل بزهره، ولكن عندما ردت كان يبدو عليها التوتر الشديد.
يونس بقلق: زهره حبيبتي، في حاجة؟
زهره بتوتر: لا لا يا يونس، متقلقش. أنا خلصت وجايه أهو. يلا سلام.
ولكن قبل أن تغلق سمع صوت غليظ قريب منها يقول: فكرك أنا هسيبك؟ انت النهارده بتاعتي. غلبتيني معاكي بس تستاهلي. زي القمر، يخربيتك.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم سهيلة عاشور
عندما سمع كلمات هذا الصوت الخشن وقد غلت دماؤه، ولوهلة شعر بدوار في رأسه، وستارة سوداء غشت على عينيه فجعلته أعمى تمامًا، ولا ينطق. وقف صامتًا لبضعة دقائق، ومن ثم أفاق على حاله وركض سريعًا خارج هذا الشارع ليصل للسارع الرئيسي لهذا الحي، ومصطفى خلفه يحاول أن يفهم منه ماذا يحدث، ولكن بالطبع هو لا يعطيه فرصة.
مصطفى بقلق: يا بني قلي في أي... ما تنطق يا يونس علشان نتصرف.
يونس بخوف وغضب: سمعت صوت واحد... زهرة كانت خايفة، أنا حاسس بيها، زهرة خايفة يا مصطفى.
صرخ في آخر كلماته بطريقة مخيفة، مما جعل مصطفى يزدرق ريقه بتوتر وهو يهز رأسه بهدوء. ومن ثم ركض يونس نحو سيارة المعلم حسن، والذي كان يصفها أمام الورشة حيث انتهى من إصلاحها، وخلفه مصطفى، والذي أتى في باله سريعًا أن يهاتف حسام؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لن يستطيع السيطرة على يونس، وخصوصًا أنه غاضب بشدة وقد عمت عينيه، ولن يرى أي أحد سواها الآن. انطلق يونس بسرعة جنونية نحو جامعة زهرة، وحاول مصطفى أن يهدئه، ولكن لا فائدة بالطبع.
في منزل بسيط وصغير، كان يجلس هبه وحسام مع عائلة العم مدني وهم يحتسون الشاي بعد تناول الطعام ويضحكون بشدة. وقد لاحظت هبه الألفة معهم، وكم يحبونه ويريدونه وكأنه أحد أفراد هذه العائلة.
العم مدني بضحك: الله يحفظك يا بني... طول عمرك دمك خفيف.
حسام بمرح: قولها يا عم مدني... على الله ننول الرضا بس.
هبه بخجل: وأنا كنت قلت أي بس...
أم سلوى وقد وكزته بخفة: بس يا واد متكسفهاش أمك... بس بسم الله ما شاء الله يا حسام، عرفت تنقي يا حبيبي زي القمر، وشكلها طيبة وبنت حلال، ربنا يخلف عليكم بالصالح يا رب.
نظر لها بابتسامة حلوة وهو يتمنى من الله أن تكون خيرًا له، فلا ينكر أبدًا أنها مختلفة تمامًا عن كل ما عرفهم في الصعيد أو المدينة. هي دائمًا كانت مختلفة، هادئة ولطيفة، ذات قلب رقيق للغاية، وأيضًا راضية تمامًا، كما أنها جميلة بطريقة تجعل قلبه يرتاح عندما يراها أمامه، وهذا ما كان يبحث عنه. قاطع شروده سلوى، والتي كانت تتحدث بحماس عن مشروع التخرج خاصتها.
سلوى بحماس: ها أي رأيك يا أبيه... هيبقى كويس؟
حسام بحب أخوي: أي حاجة سلوى بتعملها حلوة... أنتِ عارفة أنا بثق في رأيك.
تدخلت خديجة تتحدث بمرح: يا سلام يا أبيه، طب وخديجة ملهاش من الحب جانب خالص؟
حسام بضحك: دا أنتِ الحب كله... طول عمرك لسانك عايز قطعه.
مدني بضحك: أنت بتقول فيها... غلبنا فيها يا بني والله، بس هنقول إيه، هي كده.
ابتسم بحب لمدني، ومن ثم مال برأسه على هبه التي كانت تجلس بجواره وقال بعبث: غيرانة يا بيبه.
هبه بتلعثم فقد لاحظ نظرات الغيرة في عينيها التي كانت تتابعه وهو يتحدث إليهم: لا هغير لي.
عدل من وضعه وهو يبتسم بتلاعب، ومن ثم أمسك بيدها ووقفا سويًا وقال بحب صادق: والله قعدتكم مش بعرف أشبع منها... بس لازم أروح، مفيش هنا شبكة، وزمان يونس قالب الدنيا علينا.
أم سلوى: بس هتيجي تاني... مش هتغيب علينا يا حسام.
حسام بابتسامة: مقدرش. توجه للفتيات وهو يتحدث بصدق: أي حاجة تعوزوها تتصلوا عليا، مش لازم أنا اللي أتصل وأسأل يعني، ولا إيه؟
أومئوا له براحة، فهذا الشاب دائمًا ما يشعرهم أن لديهم سند في هذه الحياة، لطالما كان حنونًا، متفهمًا، ومرحًا، ومحبًا لهذه العائلة البسيطة، ويقدم الكثير والكثير، وهم لا يستطيعون توفية هذا، ولكنهم سعداء. وبعد وداع طال قليلاً، أخيرًا يسيرون بجانب بعضهم في الشارع متجهين للمنزل. نظر لها بتلاعب وهو يعبث بيدها التي لازال يمسك بقوة.
حسام بغمزة: مش غيرانة ها.
هبه بإحراج: خلاص بقى... أنت ما بتصدق بجد.
حسام بضحك: بصراحة اه.
هبه بفضول: حسام... هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
انحنى نحوها وهو يضرب مقدم رأسه في مقدمة رأسها بطريقة لطيفة: ممكن أوي.
شعرت بالخجل من قربه، فهذا اليوم قد غير كثيرًا، وكسرت الكثير من الحواجز بينهم. ثم قالت بتوتر: هو أنت مكمل معايا ليه؟
حسام بصدمة فلم يتوقع أبدًا هذا السؤال: يعني إيه؟
هبه بتلعثم: يعني ليه إحنا لحد دلوقتي متجوزين... ثم أكملت بإحراج: مع إنه يعني محصلش بينا حاجة، ولا في سبب يخلينا نكمل... ليه مكمل؟
أخذ نفسًا عميقًا وهو ينظر بتدقيق: علشان...
قاطعه رنين الهاتف، فزفرت هي بضيق: أيوه يا مصطفى.
حسام بقلق: طب اهدى... انتوا فين دلوقتي؟ أنا جاي حالًا، أهم حاجة أوعى تخليه يأذي حد، أنا جاي.
هبه بقلق: في إيه يا حسام؟
أمسكها حسام وهو يركض في اتجاه المنزل: زهرة معاها مشكلة في الجامعة، وواضح إن يونس مش هيعديها على خير... اطلعي فوق يا هبه، ومتروحيش في حتة، ولا تفتحي لحد ما أجي، فاهمه.
هزت رأسها له وهي في صدمة وخوف أن يصيب أحد مكروه. أما حسام فأستقل سيارته وذهب سريعًا نحو مكانهم.
في الجامعة.
كانت زهرة تسير بجوار منى متجهين نحو الباب الرئيسي؛ حيث انتهوا من أداء الامتحان ويهمون بالرحيل، ولكن قاطعهم صوت أحد زملائهم وهو يسير خلفهم ويقصد زهرة بالحديث.
الشاب: أي القمر دا... استني، أنتِ مين؟ أنا أول مرة أشوفك، إزاي البطل دا معداش عليا قبل كده؟
تلعثمت زهرة في خطواتها، وخصوصًا أنه كان يحوم حولها ويحاول إيقافها. سحبتها منى وسارت من جهة أخرى، ولكنه ذهب أيضًا ووقف أمامهم وهو ينظر لزهرة نظرة شهوانية مريضة.
منى بقوة (فمن صفاتها أنها جريئة للغاية ولا تهاب أحد): غور يلا من هنا... وإلا هروح لمكتب العميد وهتزعل أوي.
الشاب بضحك: إيه بس يا شبح، براحة علينا، وبعدين أنا مجتش ناحيتك... أنا عاوز القمر التركي دي، تعالي بس نتعرف، اديني فرصة، دا أنا هعجبك أوي. قال آخر كلماته بغمزة بطريقة غير لائقة وهو لازال يمشط جسدها بعينيه.
منى بغضب وصوت عالٍ: أقسم بالله العلي العظيم... لو مغورتش في داهية دلوقتي لأخلي اليوم دا أسود يوم في عمرك، أنت متعرفنيش، ولا تعرف اللي ورايا، ممكن يعملوا فيك يا عم الطري أنت.
قالت آخر حديثها بسخرية وهي تقف بثبات تنظر له باشمئزاز وكره. أثارت غضبه، فإذا به يمسك زهرة من معصمها بقوة وهو يجذبها خلفه، ومنى تحاول جذبها، وزهرة بدأت تصرخ بضعف.
منى بصراخ: أنت مجنون... إزاي تمسكها كده... سيبها حالا، سيبها بقلك.
الشاب بتلذذ: لا بتاعتي النهارده... أوعي من وشي بقى، دا أنت صداع.
لم يمشي خطوة أخرى حيث وجد لكمة قوية تقابل وجهه، فإذا به ملقى على الأرض يتأوه بألم.
يونس بغضب: إيه... أنت من أولها وقعت على الأرض؟ لا اجمد كده، أنا لسه بسخن.
ارتمت زهرة بين أحضانه وهي تبكي بقوة وتتشبث به بضعف. أما هو فأغلق عينيه لثوانٍ معدودة يتشم رائحتها ويضمها إليه لكي يقنع نفسه أنها موجودة وأن الله حفظها له من جديد. ولكنه بعدها عنها برفق لتأخذه منى، والتي ابتعدت بها قليلاً وهي تربت على كتفها بحنان. أما يونس فتقدم بسرعة وأخذ الشاب من مصطفى، الذي كان يمسكه حتى لا يهرب، فحاول مصطفى أن يبعده عنه.
مصطفى بحديث ذات مغزى: مش هينفع هنا يا يونس... كده هتجبلنا مصيبة، بلاش علشان خاطري، علشان خاطر زهرة، أنت مش شايف حالتها عاملة إزاي.
زفر بضيق وهو يغلق عينيه بقوة ويكور يده بغضب. وابتعد عنه بعدما أقنع نفسه بصعوبة أنه لا يريد أن تهابه.
الشاب بغضب وهو بين يدي مصطفى: ما أنتي حلوة وبتتحضني أهو عادي، ولا هي جات عليا... وعملالي فيها ستنا الشيخة.
اسمع أحدكم بركان ينفجر الآن. في أقل من الثانية كان يونس يعتليه على الأرض وهو يلقنه اللكمات والضربات، ويقول له أبشع الألفاظ في أذنه، والشاب يصرخ بألم ويطالب بالنجدة، وقد اجتمع جميع من في الحرم الجامعي، منهم من يراقب بصدمة مما يحدث، ومنهم من اقترب ويحاول فك هذا الشجار، وبالطبع مصطفى الذي كان يحاول أن يجذبه، ولكن فارق القوة بينهم لم يساعد. ولكن مع قدوم حسام راكضًا وبكل قوته هو ومصطفى، حملوه للخلف من على الشاب، والذي وإن تركوه قليلاً لكان أصبح جثة هامدة.
حسام بحدة: يونس.... اهدى، حقك هيجيلك، بس اهدى أبوس إيدك.
يونس بغضب جامح: سيبني يا حسام... خليني أخلص عليه، سيبني.
مصطفى بقلق: أبوس إيدك خلاص بقى.
قاطعهم صوت جهوري ويسير خلفه الكثير من أمن الجامعة: إيه اللي بيحصل هما بالظبط، أنتو مفكرين نفسكوا في الشارع؟ دا حرم جامعي محترم.
يونس بغضب: محترم... محترم إيه يا راجل...
كان سيكمل، ولكن وضع مصطفى يده على فمه بقوة وهو متسع العينين: هوس هوس... رايح فين دا عميد الجامعة؟ يخربيتك.
نظر حسام في اتجاه يونس بحدة، ومن ثم تقدم بثبات في اتجاه المعيد وهو يعطيه الكارت الخاص به، ليزدرق الرجل ريقه بخوف: تحت أمرك يا حسام... اتفضلوا معايا في المكتب، إن شاء الله سوء تفاهم بسيط وهنحله يعني.
سار يونس بعد إلحاح من حسام، والذي لم يهدأ انشغال واحد منه، ومعه الباقي نحو مكتب عميد الجامعة.
في قصر عائلة يونس.
كانت سمية تفكر في آخر خطوات تحقيق هدفها، شارده بما تخطط له، وخطر ببالها: أبهذه الطريقة تظلم أخيها الوحيد؟ إنها تنفر ممن وصفه بهذه الكلمة، ولكنها الحقيقة والتي لا يمكن أن تهرب منها أبدًا. ولكنها عزمت أمرها وجلبت ملابس الصلاة خاصتها وأدت صلاتها تناجي ربها أن يعاونها حتى تعود لهم الحياة من جديد. انتهت وهي تجفف دموعها عندما تذكرت زوجها وحبيب روحها، فقد اشتاقت له كثيرًا. هبطت للأسفل تتحرك بثبات وهدوء، واتجهت نحو المكتب الذي يقنط به، والذي كان يجلس به بالساعات، فكان في الأساس خاصًا بيونس. ولكن قبل أن تدلف، جذب عينيها شيء ما أمامها يقوم بفردة على طبق معدني صغير ومعه قطعة من الزجاج. لا تستطيع التدقيق لمعرفة ما هذا الشيء، ولكنه كان تراب أبيض وكثيف. قرب أنفه منه يتشمه بنهم، وقد لاحظت ارتخائه بعدما انتهى منها، فأرجع جسدها لأهلها براحة وهو يخرج هاتفه على إحدى الصور الخاصة بزهرة، وقد رأتها سمية في انعكاس المرآة الصغيرة، فعرفت أنها زهرة على الفور، فطالما كانت زهرة مميزة شكليًا ويستطيع الإنسان أن يلاحظها من وسط الآلاف، فما أدراك إن كانت صديقتها وحبيبة قلبها. تصلب جسدها وتشنجت عندما سمعته يتحدث بلسان ثقيل.
ضاحي بحقد: أحسن مني في إيه... أنا بقا معايا كل حاجة، وأنت برضو معاه، فيه إيه أحسن مني؟ هاخدك يا زهرة من جوه عينه، هتبقي بتاعتي لوحدي، ابن مهران مش هياخد مني حاجة تاني.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم سهيلة عاشور
في مكتب عميد الجامعة
كان يجلس العميد وهو يوزع أنظاره بتوتر بين حسام الذي يجلس بثبات، ومصطفى الذي يجلس قبالته وعيناه على يونس الذي أبى أن يجلس ويقف بجوار حسام. وجهه يكاد يوصف بأنه يغلي من ضخ الدم به، وعروق وجهه ويديه بارزة، ونظره مسلط على هذا الشاب الذي يقف أمامهم ويظهر الألم وأنفه تنزف بشدة. وعلى أريكة صغيرة تجلس زهرة في أحضان منى التي أبت أن تتركها وتجلس معها تبث بها الاطمئنان.
العميد بتوتر: أنا تحت أمركم يا حسام باشا ويونس بيه، غني عن التعريف. والده المرحوم كان رجل محترم واسمه يونس بيه مسمع في كل مكان. ثم أكمل حتى يخفف توتر الأجواء قليلاً: وأنتم الصعايدة معروفين في كل مكان، مش محتاجين حاجة يعني.
ابتلع ريقه بصعوبة وخوف عندما أطبق كف يونس بقوة على مكتبه حتى انتفض بفزع: هو أنت هتكتب موضوع تعبير؟ الواد ده يتفصل واحنا مش محتاجين نحكي حاجة، الكاميرات عندك راجعها. وأنا هعمل فيه محضر كمان وهسجنه.
العميد بسرعة وتلجلج: حضرتك أكيد في حل. محمد ده يبقى ابن ناس محترمين، والده ووالدته دكاترة مشهورين جداً ومتدينين. وده طيش شباب، وأكيد حضرتك عارف يعني، وهو مش هيتعرض للهانم تاني، أكيد هو اتعلم الدرس.
يونس وقد عمى الغضب عينيه: هو إحنا في حضانة؟ ولا هو وقع كتبها وهو معدي؟ ده حاول يتحرش بمراتي أنا، فاهم دي يعني إيه؟ وبعدين أنا بضيع وقتي معاك ليه أساساً.
وذهب سريعا، أمسك بتلابيب الشاب المدعو محمد والذي كان جسده بالكامل يرتجف بشدة من الخوف. فهرع سريعاً مصطفى وحسام يجذبونه بعيداً وحاولوا تهدئته بصعوبة.
حسام بنظرات ذات مغزى: خلاص يا يونس. ثم نظر للعميد ببرود: إيه رأيك في اللي بيحصل ده؟ هتتصرف أنت ولا نتصرف إحنا؟
العميد بسرعة: لا يا فندم، هيتحرم من دخول الامتحانات السنادي وكمان هنعمل محضر حالا بالفيديو الموجود في كاميرات المراقبة.
حسام بهدوء: لا كفاية عليه يتفصل. ده عيل صغير واحنا برضه مش عايزين له البهدلة.
يونس بغضب: أنت بتقول إيه يا حسام؟ الكل-ب ده لازم يتحبس.
حسام بنظرات ذات مغزى: لا يا يونس. إحنا عندنا عيال برضه، أهله محترمين، ملهمش ذنب يجروا وراه في السجون.
ثم تقدم من الشاب ببرود وهو يصفعه على مؤخرة رأسه بحدة: مش عايز أشوف وشك تاني، لأحسن المرة الجاية أنا اللي هحبسك بإيدي.
نظر يونس لحسام نظرات عتاب ولكنه رمش له بعينيه بمعنى فيما بعد سوف تفهم. مرت بضعة ساعات حتى صدر قرار موثق من الجامعة بحرمان هذا الطالب من الامتحانات لمدة سنة كاملة. وبعدما اطمأنوا بنفسهم من هذا، ذهبوا سوياً حيث استقل سيارة المعلم حسن، مصطفى الذي تولى القيادة وبجواره يونس، وفي الخلف الفتيات، وفي سيارة حسام كان يستقلها وحيداً.
سيارة المعلم حسن
كانت زهرة لا تزال تخفي وجهها في أحضان منى التي أشفق عليها بشدة. فقد تعرفت عليها مؤخراً ولاحظت كم هي فتاة رقيقة ولطيفة للغاية وقلبها لا يتحمل أبسط الأشياء وتدرك تماماً أنها لن تمر من هذا الموقف سريعاً. ولكنها ابتسمت بفرحة من أجل صديقتها عندما لاحظت نظرات يونس لها كل ثانية تقريباً ينظر لها وعيونه تعبر عن مدى شوقه وخوفه عليها، وهذا جعلها تطمئن وتفرح من أجلها.
في منزل عائلة يونس
استغلت سمية عدم وجود ناهد وضاحي في المنزل. فناهد منذ أن خرجت من المنزل وهي ترتدي تلك الملابس الخليعة وتضع على وجهها رطلاً من مستحضرات التجميل وانتظرتها سيارة فخمة أمام المنزل وهي لم تعد. ومنذ قليل ذهب ضاحي وكان متعجلاً بشدة. دلفت للمكتب الخاص به وعبثت في بعض الأوراق وزفرت بضيق فلم تستطع إيجاد مرادها. فتحت الكمبيوتر المحمول الخاص به فأحتلت الصدمة وجهها وبدأت الدموع تتجمع في عينيها. ولكنها تحاملت على نفسها وهي تخرج إحدى وحدات التخزين الخارجية وبدأت في نقل كل ما تستطيع عليها. وحاولت أن تقوي نفسها وهي تدق بإحدى الأرقام وذهبت في اتجاه الحديقة الخلفية للمنزل فإذا به ينتظرها وهو ينظر حوله بحرص أن يراه أحد.
سمية وهي تأخذ أنفاسها بقوة: خد الشريحة دي عليها بلاوي لقيتها على الاب توب بتاع ضاحي. اعتقد هتساعدنا أوي يا سيد.
سيد (ابن خالة يونس): تمام. أنت كويسة يا سمية؟
سمية وكادت أن تنهار: لا يا سيد مش كويسة. قول لحسام سمية مبقتش قادرة تتنفس هنا ودا بدأ يأثر على الحمل. أنا خايفة ابني يحصله حاجة قبل ما أشوفه، وخصوصاً أنا عارفة إن الشيطان ضاحي ده مش مصدقني وواثقة إنه عارف إني هنا علشان أحاول أساعدهم، خليه يستعجل يا سيد. ثم أكملت بمرح مصطنع وعيونها تزرف دمعة متمردة: مش عايزة آخرتي تبقى على إيد أخويا. ثم أكملت بمرارة: وكمان بقالي كتير مشفتش مصطفى وأمي وأبويا لازم يسامحوني. راع أبويا وامي سيد أمانة عليك ولو حصلي حاجة فهم مصطفى إني بعمل كل ده عشان مشوفش الكسرة والحزن في عينه. امشي دلوقتي عشان محدش يشوفك.
نظر لها بحزن فهو يعدها أخت له. ولكنه طمأنها بأن خلاصها وخلاصهم قريب واقترب من إحدى الأبواب الصغيرة المخفية في جدار سور الحديقة وخرج سريعاً دون أن يراه أحد. لـتجـلس سمية أرضاً تبكي بقهر وقدماها لم تعد تحملها. ففي هذا الوقت تحتاج المرأة للراحة ووجود من تحبهم حولها وخصوصاً زوجها تكون مرتاحة ومرفّهة. أما هذه تقنط في منزل رجل يتاجر في الممنوعات وربما يكون سافك لد-م البشر. رجل د-مر حياتها وحياة زوجها وسلب منهم السعادة وهي لم تكن إلا عروس تريد أن تسعد بأيامها. رفعت عينيها للسماء تناجي ربها بقلب مرتجف وعينيه محمرتين من أثر البكاء وحجابها الذي انزلق من على رأسها حيث كانت تضعه بإهمال.
يارب ارجوك ساعدني وعني يارب. أنا تعبت يارب.
سميه. أنت بتعملي إيه هنا؟
أمام منزل الإخوة
توقفت السيارتان، فهرولت في اتجاههما هبة والتي كانت خائفة بشدة أن يكون أصاب زهرة مكروه. تدلف زهرة من السيارة ومنى تمسك يدها تعاونها. وهبة احتضنتها بقوة وهي تطمئن عليها.
مصطفى: طلعوها يا بنات وخلوها ترتاح.
أومأت له الفتيات بهدوء وهم يتجهون بها نحو السلم وتسير ببطء ووجهها بالكامل تكسوه الحمرة وعيونها متورمتين من أثر البكاء الذي استمرت به لساعات. فإذا بحسنات تفتح باب شقتها بقوة وسرعة كالعادة وهي تنظر لزهرة بزعر من مظهرها.
حسنات بشهقة: لا إله إلا الله. إيه في. مالك يا بت.
نظرت لها الفتيات بغضب مما جعلها تضع يدها في خصرها بغنج وهي تحرك شفتيها يميناً ويساراً: الحق عليا قلقت عليها. هو كده خير تعمل شر تلقى.
ومن ثم دلفت لمنزلها من جديد وأغلقت الباب بقوة كعادتها مما جعل الرجال ينظرون لها بتعجب. تلك المرأة غريبة الأطوار كما يطلقون عليها. ومن ثم سحبوا يونس ليذهبوا على مقهى الحارة بعد اعتراضه وأجلسوه على إحدى الكراسي إكراهاً وسحبوا كرسيين وجلسوا قبالته ونظروا له بعتاب يعرفه. فزفر بضيق وملل ومد يده في جيب بنطاله يخرج علبة سجائره ويبدأ في إشعال إحداها ويدخنها بشراهة. ليأخذها حسام منه بغضب ويقوم بإخمادها في الطبق الدائري الصغير الرخامي الذي أمامهم على الطاولة الصغيرة.
يونس بضيق: حسام أنا مش ناقصك. قوم أنت وهو شوفوا حالكم.
حسام بحدة طفيفة: يونس أنت غلطان. حرام عليك، دا أنت كنت هتم-وت الواد. من امتى وأنت بتتصرف بقلة عقل كده؟
يونس بغضب وغيره: وأنت كنت عايزني أشوف واحد ماسك إيد مراتي وبيقربها منه وأعمل إيه؟ أقف أتفرج ولا أسقف؟ ولا أتحزم وأرقص؟
ضحك مصطفى على آخر كلماته بشكل تلقائي. فكان يونس يفعل حركات بيده مثيرة للضحك. فنظروا له الاثنين بضيق مما جعله يسكت سريعاً.
مصطفى بهدوء: حسام معاه حق يا يونس. وكمان أنت كان ممكن تلبس نفسك تهمة يعني يبقى هو اللي غلطان وأنت اللي تتحبس. دا أنت فعلاً كنت بتموته. دا أنا وحسام وشباب الجامعة مكناش قادرين عليك، كنت عامل زي الثور الهائج محدش عارف يوقفك.
حسام بتنهيدة حارة: لو مكناش موجودين يا صاحبي كنت هترتكب جناية. دا أنت أكتر حد فينا بيراعي ربنا يا يونس. يا سيدي بلاش عشانك. مشفتش مراتك كانت عاملة إزاي. أنت خوفتها أوي حرام عليك، دي مبطلتش عياط كادت هتم-وت من الخوف.
تنهد يونس بضيق وهو يضع رأسه بين كفيه ويهزها يميناً ويساراً بقلة حيلة: مش عارف أنا عملت كده إزاي. أنا عمري ما استقويت على حد أبداً وأنتم عارفين. بس لما شفته قريب منها كده أنا مقدرتش أستحمل. محدش فيكم حاسس باللي جوايا. أنا جوايا نا-ر بتغلي. مكنتش أعرف إني حبي صعب كده. مكنتش أعرف إن غيرتي قاسية كده. غضبي كان عاميني مكنتش شايف أي حاجة غير إنه لمسها. حتى مشفتش دموعها. أنا مشفتش غير صورته قدامي وأنا بك-سر إيده اللي لمسها بيها.
حسام بحزن من أجل صديقه: عارف يا صاحبي وحاسس بيك. بس لازم تحاول تتحكم في غضبك على الأقل عشانها هي.
مصطفى بزفر وقد لاحظ منى وهي تسير في اتجاه منزلها: قوم منى نزلت أهي. أكيد سابوها ترتاح. قوم روح لها يا يونس. هي محتاجاك أكتر من أي حد. أوعى تتعصب عليها، أنا عارفك.
أومأ له بهدوء وهو لم يعد يقدر على الحديث من الأسى واتجه بجسد متثاقل في اتجاه منزله.
في منزل الإخوة
كانت تجلس هبة بجوار زهرة والتي بدلت ملابسها لمنامة وردية اللون وفكت ربطة شعرها وبدأت تدلك باطن رأسها بحنان. وزهرة تغلق عينيها بألم وهي تتخيل منظر الدماء التي تغطي وجه هذا الشاب ومظهر يونس. وبالفعل بث في قلبها الرعب أن يصيبه مكروه وهو في هذه الحالة أو أن يلقنها صفعة أو لكمة وهو لا يشعر. فكان مثل المصارع وهو في ذروة غضبه. قاطعهم رنين جرس الباب. فهمت هبة بالفتح لتجده يونس لينظر للأسفل باحترام.
يونس بهدوء: زهرة عاملة إيه؟
هبة بابتسامة: أحسن دلوقتي. تعالي ادخل ليها. أنا كنت هطلع عشان أحضر الغداء لحسام بعد إذنك.
ابتعد عن طريقها لتصعد لمنزلها ودلف يونس ينظر نحو غرفتهم بحيرة. ومن ثم دلف إليها ينظر لنومها المتهالكة ووجهها المحتقن من شدة البكاء. شفتيها منتفختين وعينيها متورمة بشدة. اقترب منها وهو حزين بشدة من أجلها وبدأ يؤنب نفسه أنه السبب فيما هي فيه.
يونس بصوت متخشرج: زهرة. حبيبتي ردي عليا عشان خاطري بلاش تعملي فيا كده.
فتحت عينيها تنظر له بعتاب. ومن ثم أشاحت بنظرها بعيداً وعينها تذرف الدموع. فأقترب منها يجلس بجوارها وهو يسلط نظره عليها بحب.
يهون عليكي يونس يا قلب يونس.
رواية اخر نساء العالمين الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم سهيلة عاشور
سيارة المعلم حسن
كانت زهرة لا تزال تخفي وجهها في أحضان منى، والتي أشْفَقَت عليها بشدة. فقد تعرفت عليها مؤخرًا ولاحظت كم هي فتاة رقيقة ولطيفة للغاية، وقلبها لا يتحمل أبسط الأشياء، وتدرك تمامًا أنها لن تمر من هذا الموقف سريعًا. ولكنها ابتسمت بفرحة من أجل صديقتها عندما لاحظت نظرات يونس لها كل ثانية تقريبًا، ينظر لها وعيونه تعبر عن مدى شوقه وخوفه عليها، وهذا جعلها تطمئن وتفرح من أجلها.
في منزل عائلة يونس
استغلت سمية عدم وجود ناهد وضاحي في المنزل. فـ ناهد منذ أن خرجت من المنزل وهي ترتدي تلك الملابس الخليعة وتضع على وجهها رطلًا من مستحضرات التجميل، وانتظرتها سيارة فخمة أمام المنزل وهي لم تعد. ومنذ قليل ذهب ضاحي وكان متعجلًا بشدة. دلفت للمكتب الخاص به وعبثت في بعض الأوراق وزفرت بضيق، فلم تستطع إيجاد مرادها. فتحت الكمبيوتر المحمول الخاص به، فاحتلت الصدمة وجهها وبدأت الدموع تتجمع في عينيها، ولكنها تحاملت على نفسها وهي تخرج إحدى وحدات التخزين الخارجية وبدأت في نقل كل ما تستطيع عليها. وحاولت أن تقوي نفسها وهي تدق بإحدى الأرقام وذهبت في اتجاه الحديقة الخلفية للمنزل، فإذا به ينتظرها وهو ينظر حوله بحرص أن يراه أحد.
سمية وهي تأخذ أنفاسها بقوة:
خذ الشريحة دي عليها بلاوي، لقيتها على الاب توب بتاع ضاحي. أعتقد هتساعدنا أوي يا سيد.
سيد (ابن خالة يونس):
تمام. انت كويسة يا سمية؟
سمية وكادت أن تنهار:
لا يا سيد مش كويسة. قول لحسام سمية مبقتش قادرة تتنفس هنا، ودا بدأ يؤثر على الحمل. أنا خايفة ابني يحصله حاجة قبل ما أشوفه، وخصوصًا أنا عارفة إن الشيطان ضاحي دا مش مصدقني. وواثقة إنه عارف إني هنا علشان أحاول أساعدهم. خليه يستعجل يا سيد.
ثم أكملت بمرح مصطنع وعيونها تزرف دمعة متمردة:
مش عاوزة آخرتي تبقى على إيد أخويا.
ثم أكملت بمرارة:
وكمان بقالي كتير مشفتش مصطفى وأمي وأبويا. لازم يسامحوني. راعوا أبويا وأمي يا سيد أمانة عليك. ولو حصلي حاجة، فهم مصطفى إني بعمل كل دا علشان مشفش الكسرة والحزن في عينه. امشي دلوقتي علشان محدش يشوفك.
رواية اخر نساء العالمين الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم سهيلة عاشور
نظر لها بحزن، فهو يعدها أخته. ولكنه طمأنها بأن خلاصها وخلاصهم قريب. واقترب من إحدى الأبواب الصغيرة الخفية في جدار سور الحديقة وخرج سريعًا دون أن يراه أحد.
لتجلس سمية أرضًا تبكي بقهر، وقدماها لم تعد تحملها. ففي هذا الوقت تحتاج المرأة للراحة ووجود من تحبهم حولها، وخصوصًا زوجها، تكون مرتاحة ومرفّهة. أما هذه فتقنط في منزل رجل يتاجر في الممنوعات، وربما يكون سفّاكًا للدماء البشر. رجل دمر حياتها وحياة زوجها وسلب منهم السعادة، وهي لم تكن إلا عروسًا تريد أن تسعد بأيامها. رفعت عينيها للسماء تناجي ربها بقلب مرتجف وعيناها محمرتان من أثر البكاء، وحجابها الذي انزلق من على رأسها حيث كانت تضعه بإهمال.
"يارب ارجوك ساعدني وعني يارب... أنا تعبت يارب."
"سمية... انت بتعملي إيه هنا؟"
***
أمام منزل الإخوة.
توقفت السيارتان، فهرولت في اتجاههما هبة، والتي كانت خائفة بشدة أن يكون أصاب زهرة مكروه. تدلف زهرة من السيارة ومنى تمسك بيدها تعاونها. وهبة احتضنتها بقوة وهي تطمئن عليها.
مصطفى: "طلعوها يا بنات وخلوها ترتاح."
أومأت له الفتيات في هدوء وهن يتجهن بها نحو السلم. وتسير ببطء ووجهها بالكامل تكسوه الحمرة وعيناها متورمتان من أثر البكاء الذي استمرت به لساعات. فإذا بحسنات تفتح باب شقتها بقوة وسرعة كالعادة، وهي تنظر لزهرة بزعر من مظهرها.
حسنات بشهقة: "لا إله إلا الله. في إيه... مالك يا بت؟"
نظرت لها الفتيات بغضب مما جعلها تضع يدها في خصرها بغنج وهي تحرك شفتيها يمينًا ويسارًا: "الحق عليا قلقت عليها... هو كده خير تعمل شر تلقى."
ومن ثم دلفت لمنزلها من جديد وأغلقت الباب بقوة كعادتها، مما جعل الرجال ينظرون لها بتعجب. تلك المرأة غريبة الأطوار كما يطلقون عليها. ومن ثم سحبوا يونس ليذهبوا على مقهى الحارة بعد اعتراضه. وأجلسوه على إحدى الكراسي إكراهًا، وسحبوا كرسيين وجلسوا قبالته. ونظروا له بعتاب يعرفه. فزفر بضيق وملل، ومد يده في جيب بنطاله ليخرج علبة سجائره ويبدأ في إشعال إحداها ويدخنها بشراهة. ليأخذها حسام منه بغضب ويقوم بإخمادها في الطبق الدائري الصغير الرخامي الذي أمامهم على الطاولة الصغيرة.
يونس بضيق: "حسام أنا مش ناقصك... قوم انت وهو شوفوا حالكم."
حسام بحدة طفيفة: "يونس انت غلطان... حرام عليك ده انت كنت هتموت الواد. من امتى وانت بتتصرف بقلة عقل كده؟"
يونس بغضب وغيره: "وانت كنت عاوزني أشوف واحد ماسك إيد مراتي وبيقربها منه وأعمل إيه؟ أقف أتفرج ولا أسقف... ولا أتحزم وأرقص؟"
ضحك مصطفى على آخر كلماته بشكل تلقائي، فكان يونس يفعل حركات بيده مثيرة للضحك. فنظروا له الاثنان بضيق مما جعله يسكت سريعًا.
مصطفى بهدوء: "حسام معاه حق يا يونس... وكمان انت كان ممكن تلبس نفسك تهمة. يعني يبقى هو اللي غلطان وانت اللي تتحبس. ده انت فعلًا كنت بتموته. ده أنا وحسام وشباب الجامعة مكناش قادرين عليك. كنت عامل زي الثور الهائج محدش عارف يوقفك..."
حسام بتنهيدة حارة: "لو مكناش موجودين يا صاحبي كنت هترتكب جناية. ده انت أكتر حد فينا بيراعي ربنا يا يونس... يا سيدي بلاش عشانك، مشفتش مراتك كانت عاملة إزاي. انت خوفتها أوي، حرام عليك. دي مبطلتش عياط، كانت هتموت من الخوف."
تنهد يونس بضيق وهو يضع رأسه بين كفيه ويهزها يمينًا ويسارًا بقلة حيلة: "مش عارف أنا عملت كده إزاي... أنا عمري ما استقويت على حد أبدًا وانتو عارفين. بس لما شفته قريب منها كده أنا مقدرتش أستحمل. محدش فيكم حاسس باللي جوايا... أنا جوايا نار بتغلي. مكنتش أعرف إن حبي صعب كده، مكنتش أعرف إن غيرتي قاسية كده... غضبي كان عاميني، مكنتش شايف أي حاجة غير إنه لمسها. حتى مشفتش دموعها. أنا مشفتش غير صورته قدامي وأنا بكسر إيده اللي لمسها بيها..."
حسام بحزن من أجل صديقه: "عارف يا صاحبي وحاسس بيك... بس لازم تحاول تتحكم في غضبك، على الأقل عشانها هي."
مصطفى بزفر وقد لاحظ منى وهي تسير في اتجاه منزلها: "قوم منى نزلت أهي... أكيد سابوها ترتاح. قوم روح لها يا يونس، هي محتاجاك أكتر من أي حد. أوعى تتعصب عليها، أنا عارفك..."
أومأ له في هدوء، وهو لم يعد يقدر على الحديث من الأسى. واتجه بجسد متثاقل في اتجاه منزله.
***
في منزل الإخوة.
كانت تجلس هبة بجوار زهرة، والتي أبدلت ملابسها لمنامة وردية اللون وفكت ربطة شعرها. وبدأت تدلك باطن رأسها بحنان، وزهرة تغلق عينيها بألم وهي تتخيل منظر الدماء التي تغطي وجه هذا الشاب. ومظهر يونس الذي وبالفعل بث في قلبها الرعب أن يصيبه مكروه وهو في هذه الحالة، أو أن يلقنها صفعة أو لكمة وهو لا يشعر. فكان مثل المصارع وهو في ذروة غضبه.
قاطعهم رنين جرس الباب. فهمت هبة بالفتح لتجده يونس. لينظر للأسفل باحترام.
يونس بهدوء: "زهرة عاملة إيه؟"
هبة بابتسامة: "أحسن دلوقتي... تعالي ادخل ليها. أنا كنت هطلع عشان أحضر الغداء لحسام بعد إذنك."
ابتعد عن طريقها لتصعد لمنزلها. ودلف يونس ينظر نحو غرفتهم بحيرة. ومن ثم دلف إليها ينظر لمنامها المتهالكة ووجهها المحتقن من شدة البكاء. شفتيها منتفختين وعينيها متورمة بشدة. اقترب منها وهو حزين بشدة من أجلها، وبدأ يؤنب نفسه أنه السبب فيما هي فيه.
يونس بصوت متخشرج: "زهرة.... حبيبتي ردي عليا علشان خاطري، بلاش تعملي فيا كده."
فتحت عينيها تنظر له بعتاب، ومن ثم أشاحت بنظرها بعيدًا وعيناها تذرف الدموع. فأقترب منها يجلس بجوارها وهو يسلط نظره عليها بحب.
"يهون عليكي يونس يا قلب يونس."
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم سهيلة عاشور
عندما سمع هذا الصوت الذي ينادي باسمه انتابه الهلع وازدَرَق ريقه وهو يلف وجه في اتجاهه ويحاول جاهداً أن يرسم الابتسامة.
مصطفى بتوتر: خير يا معلم...
حسن بابتسامة هادئة وهو يسحب الكرسي ليجلس عليه براحة: اقعد يا معلم مصطفى، عايزك في موضوع خاص.
اتسعت حدقة عينيه وهو يقول في نفسه: يبقى عرف أعمل إيه دلوقتي يا رب، وكلهم سابوني ومشوا.
نظر له حسن بتعجب من حالته وتوتره، ليلكزه في قدمه بخفة: فيك إيه يا مصطفى؟ ما تقعد خلينا نتكلم، ولا أنت مش عايز تتكلم معايا؟
مصطفى بسرعة: استغفر الله يا معلم... دا أنت فوق راسي.
سحب إحدى الكراسي ومن ثم جلس بجواره، ومن ثم نظر له باهتمام وهو يدعو في داخله ألا يكون هذا الموضوع هو نفسه ما حدث منذ قليل مع سيد ومنى. ظهر التردد على حسن مما جعل مصطفى يتعجب بشدة.
مصطفى بفضول: إيه يا معلم، شوقتني... خير؟
حسن: شوف يا مصطفى، أنا زي ابني وأنا هاجيلك دوغري.
مصطفى بتوتر: يا ريت... اتفضل.
حسن بسرعة: بصراحة كده... أنا طالب القرب منك أنت والمعلم يونس، وكنت جاي ليكم بس لقيتك أنت بس اللي موجود، قلت أكلمك أنت الأول وبعدين نقول ليونس ونتوكل على الله.
نظر له مصطفى وكأن لديه ثلاثة رؤوس وتحدث بعدم فهم: معلش يا معلم مش فاهم قصدك يعني... أصل إحنا معندناش عروسة عندك عريس لبنتي، يعني أنا أصلاً معرفش اللي هيجي ده ولد ولا بنت، ولا أنت ناوي تحجز من دلوقتي ولا إيه؟ ثم مين ده اللي عايز يناسبنا ومجاش اتكلم هو ليه؟
حسن بابتسامته المخيفة المعتادة: حيلك بس يا مصطفى... يا سيدي أنا العريس.
اعتلت الصدمة وجه مصطفى وهو ينظر، وبدأ العته يظهر على وجهه وهو يقول بنبرة مرتعشة: عايز تتجوز بنتي يا معلم؟ طب مش عامل حساب إن ممكن ربنا يفتكرك قبل ما هي تيجي أساساً.
ضرب حسن كفاً على كف وهو يستغفر ربه حتى لا يفتك بهذا الذي أمامه: يا بني ما تسكت وتسمعني بقى... أنا مالي ومال بنتك اللي لسه مجتش الدنيا دي، أنا عايز أتجوز حسنات.
مصطفى وهو يضع يده على خده في ملل من حديثه وهو يومئ له بعدم فهم، ولكنه اعتدل في جلسته وينظر له بتعجب: حسنات مين يا معلم؟
حسن بضحك: إيه يا بني سلامة الذاكرة... حسنات مرات المقاول المرحوم اللي كنتوا شاريين منها الشقة اللي ساكنة معاكم في الدور الأول. أنا عارف إنها مقطوعة من شجرة وملهاش حد، بس برضه ميصحش يبقى فيه رجالة في البيت وأروح أكلمها هي الأول. قلت لازم أفتّحكم أنتم الأول ولو في نصيب، اللي هي عايزاه من جنيه لمليون رقبتي سداده.
مصطفى وقد استدرك أخيراً: أنت بتتكلم جد يا معلم؟ بس أنت متجوز اتنين.
أجابه وهو يعدل من شاربه ولحيته بطريقة غريبة: وماله يا واد، الشرع محلل أربعة وأنا الحمد لله ربنا مقدرني صحة ومال، فيها إيه لما أتجوز؟
مصطفى بمرح: الله يزيدك يا معلم.... أنا هشوف الموضوع ده، عايز مني حاجة تانية؟
حسن بابتسامة: سلامتك يا ابن الغالي.
مصطفى بضحك: سلام يا عريس.
وبدأ في خطواته متجهاً نحو المنزل، وتقريباً لم يكف عن الضحك ثانية واحدة، كان يضحك بضخب كبير وهو يتخيل حسنات وبجوارها حسن وهم يرتدون ملابس الزواج ويرقصون سوياً على إحدى الأغاني الرومانسية، الرقصة المعروفة سلو.
في إحدى العمارات الشاهقة والتي كانت تقطن بها ناهد منذ يومين كما أمرها ضاحي، وبالطبع تنفذ كل أوامره طمعاً فيه وفي المال. استيقظت تنظر بجوارها فإذا برجل في الخمسينات من عمره ينام عارياً بجواره. تذكرت ما دار بينهم، لتنظر له بتقزز لما كان يفعله بها بعنف وعدم مراعاة لأي شيء، فقط وحش ثائر يريد الفتك بفريسته. تذكرت لوهلة يونس وكم كان حنوناً رقيقاً ومراعياً، واحتل الحقد على وجهها لتزأر وتبدأ تتوعد في نفسها لهم. ومن ثم هبت من مكانها، ارتدت ملابسها، مدت يدها بجوار إحدى الانتيكات تأخذ تلك الكاميرا الصغيرة التي وضعتها عمداً، وأخذت المال من إحدى الأدراج كما أخبرها ذلك النائم قبل فعلتهم، ومن ثم اتجهت نحو قصر ضاحي.
كانت تجلس بألم، فبدأ طفلها بالتذمر من جديد، فهذه الغرفة الصغيرة شديدة البرودة ولا تستطيع التحمل، كما أن الطعام الذي يقدمه لها ذلك المعتوه كان طعاماً بارداً أيضاً، فلم يكن هناك أي سبيل للتدفئة. بدأت بعض الدموع تنزل من عينيها بقهر، فكل ما يشغلها الآن هو وصول ذلك الطفل بأمان، تخشى أن يصيبه مكروه. بدأت تمسد على بطنها بحنان وهي تقول بعض الكلمات الحنونة كنوع من بث الطمأنينة لطفلها. ومن شردت في ملامح زوجها وحبيبها مصطفى، تذكرت ملامحه الجذابة ومرحه وضحكاته التي كانت تجلب البهجة لهم جميعاً ولها هي بشكل خاص.
سمية بابتسامة: وحشتني أوي يا مصطفى... يا ترى هشوفك تاني؟ كان نفسي تكون موجود معايا وأنا حامل وتساعدني وتشيل معايا الهم... بس إن شاء الله كل ده هيتحل يا حبيبي وهرجع أنا وابنك سالمين. أنا مشفتش هو ولد ولا بنت عشان عايزة أتفاجئ، بس أنا حاسة إنه ولد إن شاء الله وهيبقى شبهك في كل حاجة، حتى دمك الخفيف.
قطع شرودها دَق خفيف على باب الغرفة، ومن ثم فتح الباب بهدوء لتدلف منه تلك الفتاة الجميلة الصغيرة، ولكن يظهر عليها التعب بشدة، حتى أنها كانت تسير بصعوبة كبيرة، تحمل صينية صغيرة عليها إناء صغير مغطى وطبق بجواره مغطى أيضاً. وضعت الطعام أمامها بهدوء، ومن ثم مدت يدها في جيبها لتخرج علبتين من الدواء.
زينب بابتسامة جاهدت لتخرجها: أنا عملت لك شوربة عدس يا ستي، أنا عارفة زمانك بردانة... ودي قرص أنا خليت الحارس يشتريها لكِ، ودي مقويات لكِ أنتِ تعبتي أوي وزمانك ضعفتي... أنتِ حامل ولازم تتغذي.
سمية بهدوء: أنتِ بتعملي إيه هنا؟ أنتِ مش شكل ضاحي ولا شكل الأشكال الزبالة اللي بيجيبهم.
زينب وقد فرت دمعة من عينيها: النصيب يا هانم... المهم دلوقتي تاكلي وتدفي نفسك... ثانية واحدة.
أخرجت نصف جسدها من الباب تجذب شيئاً من الأرض، ومن ثم دلفت إليها وأغلقت الباب من جديد: دي بطانية تقيلة أنا جبتها... اطمني، البيه هو اللي أمرني أهتم بيكي. هو والله مكنش في البيت غير دول، أصل البيه أكله ضعيف، ما أنتِ عارفة عشان كده مش بيجيبوا أكل كتير، بس أنا هقول لهم يتشروا فاكهة وخضار عشانك، اطمني.
سمية بابتسامة: مش خايفة منه؟ أصل أنتِ كده تقريباً بتساعديني.
زينب بابتسامة باهتة: معنديش حاجة أخسرها... ثم أكملت بغصة: خد كل حاجة خلاص بعد إذنك عشان لو لقاني اتأخرت ممكن ميجيبنيش عندك تاني.
أومأت لها سمية بهدوء، ومن ثم رحلت الفتاة تجر جسدها بضعف، فنظرت نحوها سمية بأسى من أجلها، فعلمت أن أخيها يبث حقده في المخدرات والفتيات الصغيرات اللواتي مثلها.
رواية اخر نساء العالمين الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم سهيلة عاشور
بعد مرور شهرين.
مرت الكثير من الأحداث عليهم، حيث أصبحت سمية في شهرها السابع، مما زاد من صعوبة مهمتها عليها. فمع قلة الطعام والتغذية والراحة، أصبحت وجهها شاحبًا، وبدلًا من أن يزداد وزنها، أصبح يقل بشدة. فهذا الضاحي اللعين أصبح يعاملها بقسوة وقوة واضحين جدًا، ولم يعد يبالي بأنها أخته أو أنها امرأة تحمل طفلًا في أحشائها. أصبح يعذبها كل يوم بالضرب والحديث السام، ورفع دعوة قضائية ضدها للطلاق من مصطفى. وكلما حاولت الوقوف أمامه أو الاعتراض، لم تلقَ منه سوى الصفعات التي كانت تهوي على وجهها، ومنعها من الغذاء والأدوية التي تحتاجها لإكمال فترة حملها.
وكانت زينب تحاول جاهدة أن تساعدها بإعطائها الطعام أو الأدوية، ولكن عندما كان يعلم بهذا، كان يعاقب زينب بطريقة وحشية لا تمس الإنسانية بأي طرف، حيث كان يُدمي جسدها من كثرة الضرب، وكان يغتصبها بوحشية حتى كانت تقع مغشيًا عليها ودمائها تغطي فراش السرير. وما كان من سمية سوى أن تصلي لله وترجوه أن يرحمها ويعجل بجمعها مع زوجها وحبيبها، وأن يشفي أباها الذي لا يزال يقبع في غيبوبته.
أما مصطفى، فكان يعيش حزنه وألمه في غرفته الخاصة، يبكي بحرقة وهو لا يستطيع حتى الآن استيعاب أو تصديق أن سمية، ومن كانت تعشقه بشدة، تريد الطلاق منه عن طريق القوة، تريد أن تجعل القاضي بينهم ليحكم لها بالطلاق رغماً عنه. ابتسم بسخرية عندما تذكر عينيها التي كانت تقطر عشقًا له، يقسم قلبه أن هناك ألف عذر لها، ولكن عقله ينهره بقوة قائلًا: "إن هذه المرأة لم تكترث لحزنك ولقلة حيلتك، هي فقط اكتراث لقلة حسابك البنكي". ولكن هذا فقط بداخل غرفته وحده أمام الله فقط، وعندما يخرج ابتسامته ومرحه المعتاد لا يفارق وجهه، والذي تهالك حزنًا.
أما حسام، فقد كثف عمله على قضية ضاحي وأصبح لا ينام لحظة واحدة في انتظار اللحظة التي ستحقق عدل الله ويعود كل شيء كما كان. فكلما نظر في وجه يونس حامل الهم، أو مصطفى الذي كاد أن يموت قهراً على زوجته وطفله التي تحمله في أحشائها، يؤنبه ضميره ويجعله لا يريد أي شيء سوى إنهاء هذا الهراء فوراً. ولكن مع ذلك، فقد زادت علاقته قوة بهبة كثيراً، فكانت حنونة، مراعية له ولعمله، ووقفت ساندة له عندما قرر الانتقال لهذا القسم القريب من المنزل. أصبحت زوجة مثالية وصديقة وفية لزهره ونعم فرد في هذه العائلة. وأيضًا أطلق حسام أباها من سجنه بعدما حذره بعدم اقترابه منهم لأي سبب، وهذا بالطبع كان عن طلبها اللحوح له، والذي في النهاية انصاع إليه.
أما يونس وزهره، والتي كلما زاد الوقت بينهم زادت قوة وترابط، وأيضًا عبث. فهذه الزهرة أصبحت كل يوم بحال مختلفة عن التي قبلها، في يوم تحبه، ويوم تنهره، ويوم تعشق رائحته وتشتمها مثل الكلب البوليسي المدرب، ويوم آخر تنفر منه. واحتار يونس معها كثيراً، ولم يعد يعرف كيف يرضيها، ولكنه يكفيه لها أنها بجانبه. فقد أقسم أنه أصبح طفلًا في حبها، يغار عليها بشدة ويحاول أن يتحكم في هذا، فهو يعلم أنها ليست دمية، بل إنها بشرية ولديها حياة من حقها أن تعيشها. ولكن قلبه يرفض هذا بالطبع، ولطالما كانت "معركة القلب والعقل محسومة في أمور الغرام بالطبع".
في يوم زفاف حسن وحسنات.
كانت زهره تقف أمام مرآة غرفتها تعدل من ربطة خمارها الفرنسي وردي اللون، ومعه فستان فضفاض رقيق من نفس اللون، كان يليق بشدة مع بشرتها البيضاء وعيونها الواسعة الجميلة. كانت تدور حول نفسها وهي تبتسم بسعادة على ملابسها التي أحبتها بشدة، فقد اشتراها لها يونس خصيصًا لكي تحضر تلك المناسبة. كان يونس يقف على باب المرحاض الملحق للغرفة، بعدما أخذ حمامًا باردًا ينعش جسده بعد تعبه مع الرجال في مراسم الزفاف التي أقيمت في الحارة. ينظر لها ويرسم ابتسامة حانية على ثغره وهو يدقق في تفاصيلها الهادئة الرقيقة التي طالما تجعل قلبه يذوب بها. لاحظت خياله في المرآة أمامها، فابتسمت كالعادة وعيونها تلمع حبًا صادقًا يافعًا لحبيبها.
زهره بخجل: أنت لسه ملبستش... كده هنتأخر.
يونس بابتسامة: أنا هلبس في دقيقة يا ورق العنب يا دايب أنت.
زهره بضحك: ارحمني بقى... بكرة هعملك ورق عنب طالما بتحبه أوي كده.
اقترب منها واحتضنها من الخلف وهو يستنشق رائحة عبيرها الآخاذ: أنا بحب ورق العنب أكيد... بس أنت ورق عنب مختلف طعم كده.
ضحكت بخفة وهي تضع يدها على فمها وتحرك وجهها يمينًا ويسارًا بيأس من هذا الرجل الذي لا يتغير: مش بقولك قعدتنا في الحارة هنا خلتك بيئة أوي يا يونس.
يونس بعبث: عاجبك ولا مش عاجبك يا بت.
زهره بمرح: لأ إزاي... ده إحنا أوامر ماشية على الأرض.
كاد أن يكمل غزله وعبثه معها، إلا أن قاطعهم دق أحدهم على الباب، ولم يكن سوى مصطفى: ما تخلص يا عم يونس خلينا نروح نجيب العروسة من الكوافير... أنا عارف إيه الفضيحة اللي إحنا فيها دي، رايحين نزف تيتا وجدو.
قهقه يونس وزهره بشدة، فلديه كل الحق، فمن الأساس منذ بداية هذه الزيجة ولم تفارق الابتسامة والضحكة وجوههم. يقسمون أن هذه الخطوة إن لم تكن حلالًا من الله، لم يكونوا ليخطوها أبدًا.
يونس بضحك: خلاص يا عم هنيجي اهو.
هم يونس بارتداء بنطال كلاسيكي أسود وقميص من نفس اللون، واكتفى بهذا القدر، فكان لطيفًا للغاية وجذابًا لقلبها ولقلوب الكثيرين.
زهره بمرح: إيه الحلاوة دي يا يونس... ده إحنا مش هنلاحق على المعجبين.
يونس بابتسامة: وأنتِ هتسيبي يونس كده ليهم عادي؟
تغيرت ملامح وجهها هجأه للغضب: طب بس واحدة تفكر وأنا كنت أوريها وأوريك.
يونس بضحك: طب وأنا مالي دلوقتي؟
زهره بابتسامة على ضحكته: اهو كده وخلاص.
مد يده لها لتمسك يده، ويظهر خاتم زواجهم سوياً بطريقة منمقة جميلة، ويخرجوا لهذا مصطفى، والذي كان قد انتهى من ارتداء ملابسه المكونة من حلة بنية اللون، والتي لاقت بوجهه البريء والحزين في نفس الوقت. نظر لهم بحب وسعادة من أجل أخيه وأخته الروحية، ولكن ما بداخله لا يستطيع مداراته أكثر من ذلك، فأصبحت عيناه تتحدث عن كل شيء.
مصطفى بمرح: إيه الحلاوة دي... عصافير كنارية يا ولاد، بصراحة كده كده هتغطوا على العرسان.
يونس بضحك: يا بني ارحمنا بقى... أوعى تنزل تحت تفضل تضحك زي الأبل كده، خلي بالك المعلم حسن مش مرتحلك أساسًا من ساعة ما كان بيتقدملها وأنت كنت شغال ضحك زي اللي بيتفرج على مدرسة المشاغبين.
مصطفى بقهقه: أعمل إيه بس والله ما كنت عارف أمَسك نفسي.
زهره بضحك: بصراحة معاه حق... ده أنا ما كنتش عارفة أمَسك نفسي من الضحك.
Flash Back:
طلب يونس من زهره أن تصطحب هبه لمنزل حسنات ليطرحوا عليها فكرة مبدئية عن موضوع الزواج. بالفعل في اليوم الآخر اجتمعت زهره وهبه معًا، وفي طريقهما لشقتها، وما إن اقتربوا حتى استمعوا لكلمات إحدى الأغاني الرومانسية للفنان عمرو دياب، مما جعلهم يتعجبون قليلاً، وخصوصًا مع صوت الحسنات الذي كان يعلو على صوت كلمات الأغنية نفسها.
هبه بتعجب: إيه ده هي عاملة حفلة ولا إيه؟
زهره بعدم فهم: أنا عارفة بقى... دي ست بحالات، خبطي خلينا نخلص من الموضوع ده يارب توافق عشان تحل عننا شوية.
هبه بضحك: بتغيري عليها أوي.
زهره بابتسامة: طبعًا مش جوزي... يلا خبطي.
كادت أن تضع هبه يدها على الباب، فإذا به مفتوح وتظهر لهم حسنات من خلفه، وهي مرتدية إحدى الفساتين القصيرة نوعًا ما، وبها الكثير من الورود الحمراء والصفراء، وتاركة لشعرها المستعار العنان، وتضع الكثير من مستحضرات التجميل، قائلة لهم بنبرة دلال غريبة: إيه يا بنات خير... كنتوا عاوزين حاجة؟
وضعت زهره يدها على خصرها وهي مرفوعة الحاجب بسخرية: شكلك كده عارفة إحنا جايين ليه... ورأيك واضح.
حسنات بغيظ: يوه يا بت إنت هو إنت مش سيبالي فرصة أفرح خالص.
هبه بضحك: معلش يا ست حسنات امسحيها فيا، نقول مبروك.
حسنات بدلال: ادوني وقت أفكر.
نظرت لها زهره بغضب وأمسكت بيد هبه همت بالذهاب: يلا يا هبه دي لسه هتفكر.
كادت أن تذهب، ولكن أمْسَكَتْها حسنات بسرعة: حيلك حيلك يا ست زهره مالك يا أختي شايطة فينا لي... أيوه موافقة.
زهره بضحكة ولكنها كبحتها سريعًا: نقول للرجالة يجوا إمتى؟
حسنات بسرعة: النهارده بالليل. ثم أكملت بدلال مع حركة جسدها بطريقة غريبة: إذا المعلم يحب يعني.
زهره بضحك بإستسلام: ماشي يا حسنات.
هبه بابتسامة: ألف مبروك مقدمًا يا عروسة.
أخبرت زهره الرجال بما حدث، وبالفعل في الليل حضر الجميع للذهاب لتقديم الزواج من حسنات، زهره ويونس ومصطفى وهبه وحسام والمعلم حسن، وإحدى رجاله وابنته منى، والتي كانت لا ترضى بالطبع، ففي النهاية تلك الحسنات سوف تكون زوجة أبيها وضرة لوالدتها، فكيف لها أن تتقبل، ولكنها في النهاية فتاة مؤمنة بالله وتعلم أن هذا حقه الشرعي، وخصوصًا أنه لم يكن في يوم مقصر معهم أبدًا. جلسوا سوياً في صالة منزل حسنات، والتي كانت متسعة ونظيفة ومرتبة وبها أثاث فاخر.
مصطفى بمرح: والله هتاخد حتة مننا كده يا معلم حسن... دي الغالية ومياخدهاش إلا الغالي.
المعلم حسن بامتنان: ربنا يخليك يا مصطفى يا بني... ده العشم برضه.
نظر له مصطفى بتعجب وهو يميل على أذن حسام قائلاً: الحق يا عم ده صدقني.
لزقه حسام بقوة ليعتدل سريعاً ناظراً نحوهم بابتسامة بلهاء، لتضحك الفتيات عليه بشدة، ولكن يصمت الجميع للحظات عندما وجدوا حسنات تطل عليهم بتلك الطلة الغريبة.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الستون 60 - بقلم سهيلة عاشور
قاطعهم صوت اصطدام نعل حذائها ذي الكعب العالي بالأرض.
فنظرت إليهم وجوههم جميعًا في اتجاه هذا الصوت، فاعتلت الصدمة والتعجب على وجوههم.
كانت ترتدي فستانًا أحمر اللون يضيق على جسدها بالكامل، كما أنه كان متحررًا كثيرًا، بها فتحة ظهر كبيرة وقصير للغاية.
قامت بتغيير شعرها المستعار بآخر أطول وبلون أسود قاتم.
بالطبع، وضعت الكثير من مستحضرات التجميل، ولكنها زادت عليها لون أحمر الشفاه، فكان يطابق فستانها تمامًا.
نعم، كانت جميلة ومليئة بالأنوثة، ولكن السن يحكم بالكثير من الأشياء، وعلينا الاعتراف بهذه التحكمات والتغيرات، وليس الوقوف أمامها.
مصطفى، وهو متسع العينين:
الحق يا عم... اديها قلبت سعاد حسني.
حسام، بغيظ:
وبعدين معاك يا مصطفى... انت مش هتسكت إلا لما نبات كلنا في التلاجة النهارده.
زهره، بغيظ مما ترتديه، وهذا بالطبع بدافع الغيرة على زوجها:
تعالي يا حسنات... انت هتتكسفي ولا إيه؟ دا إحنا اللي في بيتك يا أختي.
كتم الجميع ضحكاتهم بصعوبة على ردود أفعال زهره، فغيرتها تظهر جلية على وجهها سريعًا.
وخصوصًا يونس، الذي كان ينظر أرضًا غاضًا بصره، وقد ابتسم بسعادة لحبها الظاهر له.
اقتربت منهم حسنات تقدم لهم المشروبات واحدًا تلو الآخر.
عندما وصلت إلى مكان المعلم حسن، والذي كان يتابعها بنظرات غريبة، لا تعلم أهي نظرات غزل أم شهوة رجل أم إعاقة، فهذا الرجل دائمًا غير مفهوم.
أما مصطفى، كان حقًا سيُغشى عليه من الضحك عندما رأى حسنات تعطيه العصير وهي تلف وجهها في الجهة الأخرى، وهي تمثل الخجل.
مصطفى، بضحك مفرط:
لا أنا كده هيحصلي حاجة النهارده... مش قادر بجد.
هبه، بنظرات ذات مغزى:
حسام... ما تشوف مصطفى هيفضحني.
حسام، بحدة:
واد أنت... ما تتلم بقى، هو أنت عيل صغير مش كده؟ يا أخي وشك أحمر وعينك بتدمع، مش عارف تمسك نفسك.
مصطفي، بضحك:
لا بصراحة.
زفر حسام بضيق، ومن ثم غمز بعينيه ليونس لكي ينهي هذه الجلسة سريعًا، فأومأ له الآخر بهدوء.
ووجه نظره نحوهم وهو يتحاشى النظر لحسنات، حيث كانت تقف منحنية مما أظهر مفاتنها أكثر.
استغفر ربه، ومن ثم نظر إلى المعلم حسن بابتسامة هادئة كعادته.
يونس:
إيه يا معلم مش نتفق بقى أحسن نأخرك؟
حسن، وهو يرتشف كوبه بصوت مسموع ومزعج للغاية، قائلاً بغزل غريب:
وهو في أحلى من كده تأخيره؟ طب تصدق بإيه يا باش مهندس؟
يونس، بتعجب من طريقته الهادئة عكس العادة:
لا إله إلا الله يا معلم.
حسن، بغمزة غريبة لحسنات، والتي أطلقت من بعدها ضحكة أنوثية عالية وهي تضع يدها على فمها:
دي أول مرة أحب قاعدة كده... يا جمال يا حلاوة القاعدة.
زهره، بضيق:
صبرني يا رب.
هبه، وهي تحاول تهدئتها:
اهدي يا زهره... صبري نفسك.
زهره، بغيظ وهمس:
انت مش شايفة بتعمل إيه؟ وإحنا مالنا أصلًا بكل ده؟ اهو عطلة وخلاص.
يونس، بهدوء:
الله يعزك يا معلم.
ثم أكمل بمرح:
والله أنا شايف القبول والاتفاق من الطرفين موجود، يبقى نتوكل على الله ونحدد معاد الفرح، ولا إيه؟
قاطعتهم حسنات، وهي تتحدث بدلال قاصدة حسن به:
متأخذنيش يا يونس يا أخويا، بس أنا ليا شروط.
حسن، بضحكة رجولية صاخبة:
ومالو يا جميل... إذا مكنش أنت تتشرط، أمال مين يتشرط؟ أؤمري.
حسنات، بدلال:
ميؤمرش عليك ظالم يا معلم... أنت عارف يا أخويا إن جوزي المرحوم لما اتجوزني، خدني كده سكوتي من غير ولا فرح ولا زفة ولا أي حاجة، وأنا بقى نفسي أفرح ويتعملي فرح زي الناس.
حسن، بهدوء:
ومالو... أحلى فرح وأحلى فراشة من أول الحارة لآخرها.
حسنات، بابتسامة:
تعيش لي يا أخويا.
وكمان أنا عاوزة أسكن في بيت لوحدي، متأخذنيش بس أنت متجوزش اتنين، وأنا دلوقتي اللي هبقى جاية عليهم، والعيشة كده هتبقى صعبة معاهم.
حسن، بتأييد:
معاكي حق... أنا كمان كنت هعمل كده، وليكي عندي البيت هكتبه باسمك، وكمان الدهب اللي نفسك فيه، ومهرك ومؤخرك هيتحطوا باسمك في البنك.
تهللت أساريرها لرؤيتها أنه يريد رضاها بكل الطرق، وبالطبع هذا أرضى غريزتها الأنثوية المدفونة منذ سنوات طوال.
حسام، بابتسامة:
يعني كده متفقين، ولا إيه؟
قاطعهم صوت تلك الزغرودة القوية التي أطلقتها حسنات بصوت عالٍ للغاية، والكل لم يتحملوا كتم ضحكاتهم أكثر من هذا، فإذا بهم يدخلون في نوبة من الضحك، والتي ظلوا بها لدقائق طويلة.
يونس، بعملية:
طب يلا ولا إيه؟ حسام وهبه فين؟ اتأخروا ليه؟
مصطفى:
تعالي نطلع، لو لسه منزلوش، هطلع أجيبهم... يلا بس بسرعة.
أمسك يونس يدها مجددًا بحب، وابتسامته المعتادة التي تجعله جذابًا للغاية، وسبقهم في الخطوات مصطفى، وهو يفتح لهم الباب بطريقة مسرحية، مما جعلهم يضحكون عليه بشدة.
وعندما خرجوا من باب المنزل، فإذا بحسام وهبه يظهرون أمامهم، حيث كانت ترتدي هبه فستانًا أزرق داكن اللون وحجابًا من نفس اللون، وحسام يرتدي حلة زرقاء من نفس اللون أيضًا، ويبدو عليهم السعادة.
دعت لهم زهره بينها وبين نفسها أن يعمر الله ما بين يديهم دائمًا.
مصطفي، بمرح:
طبعًا يا أخويا أنت وهو... كل واحد في إيده حبيبته، وأنا إيدي فاضية. بس أنا مش هكسل، هنزل أجيب واحدة من تحت، لأحسن دول كتير أوي.
يونس، بنبرة محذرة مرحة:
أوعى يا مصطفى... خلي الليلة دي تعدي على خير، علشان خاطري.
مصطفي، بتمثيل الحزن:
عيب عليك تقولي كده يا يونس... من امتى وأنا بعمل مشاكل، يعني؟
زهره، بضحك:
ابن عمي ملاك يا جماعة... ملاك دنيء.
مصطفي، وهو يحني رأسه بطريقة درامية:
حبيبتي يا زهره والله...
ولكنه استوعب آخر كلماتها، مما جعله ينظر لها بضيق:
بقى كده، حتى أنت.
حسام، بضحك:
يلا يا جماعة هنتأخر كده.
نزلوا سويا، فاستقل حسام وهبه سيارة حسام، والباقي استقلوا سيارة يونس الجديدة، حيث اشتراها قطعة من الخردة وحولها بيديه وبمساعدة مصطفى وأحمد لتحفة فنية وذات تقنيات عالية.
ومن ثم اتجهوا لمكان حسنات، حيث كانت في إحدى الصالات النسائية حتى تتجهز وتتزين لعرسها.
وفي طريقهم، ملأت الأغاني المرحة والمبهجة سيارتهم وباقي سيارات الحارة، وسيارة العريس خصوصًا، والذي كان يظهر عليه صغر السن، حيث قام بصبغ شعره والكثير من الأشياء التي أحدثت فارقًا كبيرًا.
قررت منى عدم الانضمام للعرس خوفًا على مشاعر والدتها.
وصلوا أخيرًا، وخرجت لهم وهي ترتدي رداء الزواج الأبيض، وكان فستانها كبيرًا للغاية وفخمًا، ويظهر عليه أنه غالي الثمن بشدة.
وأيضًا، بدا مظهرها أصغر سنًا هي الأخرى بكل تلك المجهودات التي فعلها فتيات هذه الصالة لجعلها جميلة بشدة.
نظرت لها الجميع بصدمة، وخصوصًا حسن، الذي انبهر من جمالها في رداء الزفاف.
وساعدها في دخول السيارة خاصتهم، وعلت صوت الأغاني من جديد، وكانت صوت زغاريد حسنات يصل للجميع، مما جعلهم يضحكون بشدة على أفعالها الغريبة.
زهره، بضحك وهي تخرج رأسها في اتجاه مصطفى ويونس، حيث كانوا يجلسون في الأمام وهي في الخلف:
صعبة بصراحة... مكنتش أعرف إنها كده.
مصطفي، بضحك:
أنا بجد هيحصلي حاجة النهارده، همسك نفسي إزاي من الضحك.
يونس، بابتسامة:
وكمان مصمم أشهد أنا على عقد الجواز.
مصطفي، بضحك مفرط:
تعرف إيه اللي شاغلني دلوقتي.
يونس، بفضول:
خير يارب؟
مصطفي:
لو خلفوا عيل، هيطلع شبههم، يبقى خطر على البشرية.
ضحكت زهره بشدة وهي تضع يدها على معدتها:
بجد مش قادرة... تخيل حسنات حامل في السن ده.
اختفت ضحكات مصطفى، ونظر لهم بشكل مفاجئ، مما جعلهم يقلقون بشأنه:
تخيل لو محملتش، يحطني في التلاجة يا يونس.
يونس، بقهقه:
طب وأنت مالك دلوقتي.
مصطفي، بضيق مصطنع:
وهو ده حد بيعرف يتعامل معاه؟
قاطعتهم زهره مجددًا، وهي تخرج رأسها من نصفهم:
يونس... يا يونس.
يونس، بابتسامة:
قلب يونس.
زهره، بخجل:
في سوبر ماركت على أول الشارع أهو، وقفنا عنده قبل ما نروح الفرح.
يونس، بتعجب:
لي؟ محتاجة حاجة؟
أومأت له، وعيناها تنظر له بطريقة لطيفة:
أه... عسلية.
يونس، بغيظ:
تاني يا زهره... عسلية تاني؟ أنت كده سنانك هتبوظ.
زهره، بضيق:
أوف... أنت مالك؟ أنت مصطفى هيجيب لي.
مصطفي، بهدوء:
خلاص يا عم يونس... وقف دقيقة، هجيب لها وأجي.
زفر بملل، فهي طوال الشهرين الماضيين أكلت ما يقارب مصنع من تلك الحلوى.
هو لا يبخل عليها، بل يخشى أن يصيبها مكروه، وبالطبع هو لم يعد على قدر من تحمل تقلباتها المزاجية الغريبة.
وقف أمام ذلك المحل الصغير، فدلف مصطفى من السيارة لكل يشتري لها ما تريد، وهي تنظر نحو المحل بسعادة لوجود النوع الذي تحبه.
نظر لها يونس بتعجب من تصرفاتها، ومن ثم ابتسم بحب على وجهها وردود أفعالها التي تظهر عليه جلية.
يونس، بابتسامة وهو يضع يده على وجنتيها بتسلية:
ينفع حبيبتي تكلمني بالطريقة دي؟
زهره، بضيق وهي تضع يديها الاثنين أمام صدرها:
ما أنت كل شوية تقولي عسليه، لا يا زهره... هو أنا عيلة صغيرة يعني.
يونس، بهدوء:
يا زهره، أنا خايف عليكي، السكريات الكتير غلط، وأنتِ عارفة، وبعدين أنتِ بقيتي بتدوخي كتير ومش بتاكلي كويس... هو أنا عاوز إيه غير مصلحتك.
ابتسمت بطريقة لطيفة، وهو تعبث في لحيته بمرح:
عاوزني أحبك أكتر يا يونس.
يونس، بمرح:
ياريت والله... قول لي إزاي يا زهره هانم.
زهره، بضحك:
هات لي كشك عسلية.
يونس، بغيظ:
دا أنت رخمة بجد... يلا يا أختي اقعدي عدل، قلة أدب.
ضحكت بشدة على أفعاله، ومن ثم اعتدلت في جلستها عندما رأت مصطفى مقبل عليهم.
دلف للسيارة وأعطاها كيسًا كبيرًا مليئًا بالكثير والكثير من الحلوى والشوكولاتة.
احتضنتهم بحب، مما أثار الغيرة في يونس، ولكنه حاول جاهدًا في تهدئة نفسه حتى لا يسيء مصطفى فهمه.
يونس، بغيظ:
مالك يا أختي فرحانة وماسكاهم كده ليه؟ حارمك أنا مثلًا؟ منا بجيب لك كل حاجة.
زهره، وهي تعلم ما يرمي عليه:
أنا حباهم من مصطفى، أنت مالك... واحد وبنت عمه. إنسان غريب والله.
يونس، بضيق:
ماشي يا زهره...
نظر له مصطفى بنظرات ذات مغزى فهدأ وبدأ في القيادة من جديد لمكان العرس.
كانت الحارة بالكامل مليئة بالأنوار والزينة وصوت الأغاني الشعبية الصاخبة يملأ المكان بأكمله. توقفت السيارات عند معين من الحارة، ومع دلوف العروسين من السيارة انطلقت أصوات الأعيرة النارية. هرولوا من السيارات بحماس، تنظر زهره لهبه وهما يضحكان كالأطفال في ليلة العيد.
زهره بسعادة وهي تصفق بيدها: يونس... انزل يلا بسرعة خلينا نروح يلا بقى.
لم يرد عليها حيث كان منشغلًا بالهاتف، ومن الواضح أنه يحادث أحدهم. تعجب مصطفى منه، ولكنه أدخل رأسه من شرفة السيارة ولزقه بخفة في كتفه: بتعمل إيه يا يونس ما تخلصنا وتنزل.
انتبه لمصطفى فأغلق الهاتف ودلف من السيارة وأحكم غلقها. هم بالذهاب فأقترب منه مصطفى، وقد استغل الفرصة عندما رأى اندماج زهره وهبه سويًا وحسام يقوم بالتقاط الصور لهما سويًا. جذب يده بعيدًا عنهم قليلًا، وبالأحرى هو لم يلاحظهم من الأساس، فعقله انشل فجأة ببعض الأشياء.
مصطفى بصوت منخفض: بقولك إيه خلي بالك من تعاملك مع زهره شوية وطول بالك عليها شوية بلاش خلقك الضيق ده.
يونس بصدمة: كل اللي بعمله ده وخلقي ضيق يا أخي حرام عليك دي مطلعة عيني... بس اشمعنى بتقولي كده دلوقتي.
مصطفى بإحراج: أصل سمية كانت زيها كده قبل ما نعرف إنها حامل يعني... فبقول ممكن تكون حامل فبلاش تزعلها يعني.
يونس بفرحة: بجد يا مصطفى... يارب يطلع إحساسك صح. ثم نظر تجاه أخيه بحزن: وانت مالك مكسوف كده وانت بتتكلم عن سمية دي مراتك.
مصطفى بمرارة: كلها أيام والمحكمة تحكم ليها بالطلاق وتبقى طليقتي..... يلا يا يونس إحنا اتأخرنا.
ربت يونس بهدوء على كتفه وبثه ببعض الكلمات المطمئنة والمرحة، فقلبه يقول له إن سمية مظلومة. لف رأسه ليجد هبه تحتضن زهره ويضحكان وحسام يلتقط لهما الصور. تملكت من الغيرة وبدأ الغضب يظهر على وجهه.
يونس بحدة: زهره.... تعالي.
كانت تمدد جسدها على هذا السرير الصغير، وجهها مصفر وحبات العرق تترقق على وجهها وشفتيها تكسوها الزرقة ويبدو عليها التعب الشديد. فإذا بالباب يفتح ويدلف منه ذلك والذي أصبحت تنفر حتى من رائحته. نظر له بتشفي وتلك الابتسامة الخبيثة يرسمها على وجهه كالعادة.
ضاحي بسماجة: إيه يا سمية يا حبيبتي... عاملة إيه النهاردة انت في نص السابع صح التعب باين عليكي هتولدي ولا إيه.... تعرفي أنا اتفرجت على فيلم من يومين كده واحدة ولدت نفسها اه والله متخيلة تفتكري هتعرفي تعملي زيها.
نظرت له برعب، فهذا المعتوه معنى كلامه أن طفلها لن يأتي لهذه الدنيا حي. فهم نظراتها فإذا به يقهقه بطريقة غريبة: بس في حل تاني... عاملك مفاجأة حلوة أوي بس لسه مش عارف هتيجي امتى بالظبط.
سميه بكره: أنا مش عاوزة منك حاجة.... كل اللي أما عاوزاه تغور من وشي لما بشوفك بقرف.
ضاحي ببرود: حتى لو كانت زهره.
نظرت له برعب حقًا فأكمل بابتسامة لزجة: اه زهره... ثم أكمل بنبرة جنونية وهو يحرك يده وملامح وجهه تتغير: هجيبها هنا تقعد معاكي علشان أنا عارف إنك بتحبيها.... أنا كمان بحبها يا سمية هتجوزها ونربي ابنك مع ولادنا إيه رأيك بقى في عروسة أخوكي.
سميه بكره وغضب: انت مريض يا ضاحي... أقسم بالله مريض انت مجنون ولازم تتعالج انت عاوز مننا إيه تاني ابعد عننا بقى كنتي خدت كل حاجة.
اقترب منها، أمسك شعرها بقوة مما جعلها تئن من الألم: مش كل حاجة يا سمية.... لسه فاضل زهره وفاضل إني أعاقبك عشان فكرتي تلعبي من ورايا لصالحهم هندمك على اليوم اللي فكرتي فيه تبقي بطلة على حسابي. أنهى حديثه وهو يدفعها بقوة في اتجاه الحائط لتصرخ من الألم.