تحميل رواية اخر نساء العالمين بقلم سهيلة عاشور pdf
بقلم سهيلة عاشور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى مدن الصعيد الجميلة، والتي تمتاز بطيبة شعبها وجمال خضرتها… كان هناك منزل كبير لأحد أعيان هذه البلد. يجلس مع زوجته وعلامات الغضب تظهر على وجهه. مهران بغضب: بقاله أربع سنين متجوز من غير خلفه… ابني الكبير وولي عهدي من بعدي ومش عارف يجبلي حتت عيل. أنوار (زوجته): صبرك بالله يا حج… وهو يونس كان بكيفه؟ ما يمكن مرته اللي فيها حاجة؟ ما هو محدش رايد يسمع مني ويخليهم يروحوا يكشفوا عند الدكتور. مهران بلهجة صعيدية صارمة: كأنك اتخبطي في عقلك… عاوزة ولدي يروح للحكيم يقله شفني أنا معيوب ولا لأ؟ أنوار بهد...
رواية اخر نساء العالمين الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سهيلة عاشور
في غرفة زهره
كانت ممده على السرير بإرهاق تتابع حديث والدتها الغاضب والثائر بشده. كانت هي ايضا غاضبه منه، ولكن ما إن نطقت والدتها بهذه الكلمات حتى أصبح وجهها شاحبًا للغاية. فمجرد التخيل فقط أن تبتعد عن يونس ألم قلبها بشدة. نعم، غاضبة منها وحزينة للغاية، ولكنه زوجها وحبيبها، وأول مرة دق قلبها كان له هو فقط. كيف ستبتعد عنه؟
وفاء بغضب: أنا هاخد بنتي وأمشي. أنا ما كسرتش كلام عمها لما قال زهره هتتجوز يونس. أنا سكت وقلت لنفسي دا عمها وكبير العيلة وهو أدرى بمصلحة بنتي. رضيت أن بنتي تتأخذ على ضرة وقلت دا يونس وكله يوم ويونس كوم تاني هيخلي بنتي عايشة ملكة بكرامتها وعمره ما يظلمها. لكن أجي ألاقي بنتي بتموت أعرف من المستشفى أن بنتي كانت هتموت بسبب شريط كامل من حبوب منع الحمل. بنتي كان هيجيلها جلطة!
ثم أكملت وهي مقوسة الحاجبين: وابنك يسيبها ويمشي. في واحد يسيب مراته ولحد دلوقتي ما يجييش حتى يطمن عليها. لي كان واخدها من الشارع؟ والله أعلم كمان هو مفكر...
نواره بحزن: يا وفاء أنا أم. وحاسة بيكي وحقك تعملي أكتر من كده كمان. بس والله يونس ما يقصدش. المشاكل كلها جت على دماغه مرة واحدة. حقك عليا يا أختي. بس استهدي بالله.
وفاء بضيق: لا إله إلا الله. بس برضه مش هسيب بنتي هنا. أنا هاخدها معايا وكل واحد يروح لحاله. يلا يا زهره.
زهره بتوهان: أنا...
ثم تذكرت أنه يشك بها والغضب عمى عينيها: حاضر يا ماما أنا هاجي معاك.
نواره بصدمة: تروحي فين وتسيبي بيتك يا زهره. ما كانش عشمي فيكي أبداً. الست لازم تبقى عاقلة يا حبيبتي كده غلط. بدل ما تقفي جمب جوزك في الظروف دي لا عاوزه تمشي.
زهره بنغزة في قلبها: وهو كان فين يا ماما؟ لي ما وقفش جنبي؟ لي سابني وأنا خايفة ومرعوبة؟ لي يا ماما ها؟ هو مفكر بجد إني عملت كده بمزاجي صح؟
نواره بتلعثم: يا بنتي مش كده. أهدي بس أنت تعبانة.
زهره بمقاطعة وغضب: لا يا ماما. أنا عارفة كويس أنا بقول إيه. محدش عارف يونس قدي وأنا متأكدة إنه بيفكر كده دلوقتي. وطالما هو مش واثق فيا. يبقى أمشي أحسن. هاتي لبسي يا ورده لميه في الشنطة.
نواره بحزن: أهون عليكي؟ هتسيبينا وتمشي في أول مشكلة كده.
زهره بألم: ربنا وحده عالم غلاوتكم كلكم عندي. أنتو أهلي فعلاً بس أنا مش هقدر أقعد مع واحد بيشك فيا. أنا آسفة يا ماما.
نواره بحزن: اللي تشوفيه يا بنتي. تعالي يا وفاء نسيبها تلبس براحتها.
وفاء بإيماء: هستناكي تحت. خلصي بسرعة.
أومأت زهره بحزن، وما إن خرجوا من الغرفة وأغلقوا الباب حتى انفجرت في نوبة من البكاء وبدأت شهقاتها تعلو بحزن دفين. اقتربت منها ورده بحزن على حالها وجلست بجوارها واحتضنتها بحب، تربت على كتفها بحنان تحاول مواساتها. ولكن ما الذي سوف يعوضها عن بعد الحبيب؟
ورده بحزن: كفايا يا زهره. الله لا يسيء قلبك. هيقف من كتر العياط. كفايا.
زهره بصوت متقطع: مش عاوزة أمشي يا ورده. مش عاوزة.
ورده بدموع على حالها: طب لي قلتي هتمشي؟ لي بس؟ خليكي والنبي.
هزت رأسها بنفي: ما بقاش ينفع خلاص. هو اللي بدأ وأنا اتحملت كتير.
ورده بسرعة: ما تتسرعيش يا زهره. يونس بيه بيحبك. بلاش تظلميه وتظلمي نفسك كده. حرام عليكي.
زهره بقهر: بقالي شهور متحملة صابرة وأقول يا بت اسكتي دا خلاص بقى جوزك. أي حاجة هتعمليها هتبقى لعب عيال. ثم أكملت ببكاء: كنت ببص عليه وهو رايح يبات عندها يا ورده. وهو ماشي ببقى بضحك علشان مخليهوش يشيل همي. بس قلبي كان بيبقى بيتعصر من الوجع وأنا عارفة إنه هيكون قريب منها إزاي. مجرد التخيل بس كنت بنام وأنا دموعي على وشي. وأقول لنفسي هو مش بيعمل حاجة حرام. دي مراته ومراته الأولى كمان. أنت اللي جاية دخيلة وسطتهم وأسكت. كل شوية تفضل تتلكك ليا وتضايقني بالكلام وأنا أعديها هزار وتريقه وأقول علشان خاطر يونس. بس خلاص تعبت أوي يا ورده. تعبت.
ورده ببكاء: مش عارفة أقولك إيه. اللي أنت فيه دا صعب أوي. بس علشان خاطري بلاش تمشي. البيت هيبقى وحش من غيرك أوي. ثم تحدثت بصدق وجدية: أنت عاوزة تسيبيه لناهد يا زهره؟ هتبقي مبسوطة وهما مع بعض كده. عاوزاها تستغل الفرصة. أنت بتحبيه مش هتتحملي ده.
زهره بابتسامة منكسرة: بقالي شهور متحملة وهي في حضنه يا ورده. مش فارقة بقى أكون بعيدة أو قريبة. كده كده أول ما ناهد تخلف أنا هتركن على الرف. وكمان الحبوب دي هتعملي مشكلة في الخلفة أكيد.
ورده بتساؤل: أكتر حاجة شاغلة بالي مين اللي بيديكي الحبوب دي؟
زهره بلا مبالاة: أكيد ناهد. هيكون مين غيرها أصلاً. ثم أكملت بسخرية: بس تفتكري يونس هيصدق إن الملاك البريء بتاعته تعمل كده؟
ورده بضيق: أنا مش عارفه هو طايقها إزاي. دا حتى الخلفة من أول ما اتجوزوا ما حملتش ولا مرة إلا المرة دي بس. ثم أكملت بتعجب: سبحان الله بقالهم زي أربع أو خمس سنين متجوزين. جايه بعد جوازكم تحمل؟
زهره بتعجب: ما حملتش ولا مرة إزاي؟ يعني في مشكلة عندها؟
ورده بنفي: محدش عارف. حتى عمرهم ما راحوا للدكتور عندنا. دي عيبة قال إيه لما راجل يروح يكشف عن تأخر الخلفه وطلع عنده عيب يبقى كده مش راجل وسيرته تبقى على كل لسان. علشان كده ما كانوش بيروحوا يكشفوا. بس صراحة يونس بيه ما كانش مستعجل على الخلفه. كان سايبها لله.
زهره بصدمة: هو أنت إزاي عارفة كل ده؟ أنت ما كملتيش حاجة شغالة هنا.
ورده بابتسامة: البيت هنا مفتوح لكل أهل البلد. وأنا بقا يا ستي يتيمة كنت في الملجأ. ولما طلعت منه مهران بيه الله يكرمه جاب لي أوضة قريبة من هنا. ومت وقت للتاني كنت باجي أساعد في البيت. بس من قبل جوازك بشوية كنت شغالة عند ست كبيرة في السن في إسكندرية. شغلانة كان جابها لي مصطفى بيه. بس بعدين عيالها جم فا جيت هنا تاني. طلبتني ناهد أشتغل مع الصفراء اللي اسمها صبا هنا.
زهره بضحك: حلوة الصفراء دي. ثم أكملت بعبوس: أنا شاكة في البت دي يا ورده. بعد ما شربت العصير اللي هي كانت عاملاه أنا تعبت كده. أكيد هي اللي حطت لي الحبوب.
ورده بتأييد: والله وأنا. ما فيش غيرها. دي كلبة فلوس من يومها. ثم أكملت بمكر: أنا هخليها تيجي هنا وأنت شوفي شغلك معاها ونعرف هي ولا لا ومين وراها.
زهره بعدم فهم: بس أنا ماشية. وبعدين لو هي أكيد هتخاف تيجي.
ورده بابتسامة: مش هتمشي. وهجيبها إزاي دي؟ سيبيها عليا أنا. يلا قومي.
زهره بتعجب: أقوم فين؟
ورده بغمزة: علشان تمشي يا ست زهره.
زهره برفعة حاجب: هو إيه اللي هتمشي ومش هتمشي. هس فاذورة ولا إيه؟
ورده بضحك: يلا بس خليني ألبسك. على مهلك براحة.
ساعدتها في الارتداء ومن ثم جمعت كل ملابسها سريعا في إحدى حقائب السفر الكبيرة. وهوا بالنزول للأسفل.
في صالة المنزل الكبير
كان يجلس كل من وفاء ونواره ومصطفى. والتي انضمت لهم سمية للتو. فلم تستطع الانتظار أو الاستماع لوالدتها بعد سماعها بالذي حصل معهم.
سمية بحزن: دي عين والله يا عين خالتي. إن شاء الله ربنا يعوض عليكم. أهم حاجة إنكم بخير.
نواره بحب: عشتي يا بنتي. أصيلة.
مصطفى بضيق: لسه برضه عاوزة تاخدي زهره يا مرات عمي.
وفاء بحزن: أيوه يا ابني.
مصطفى بزفر: وهو كان إيه اللي حصل يعني؟ دا إحنا لسه بنحاول نعرف. فكري تاني يا مرات عمي. ثم أكمل بمرح: أنا بقا بصراحة معرفش أقعد في البيت من غير زهره. يرضيكي أسيب ليهم البيت؟
وفاء بقلة حيلة: سيبها لله يا مصطفى. يلا يا زهره.
زهره من أعلى السلم: نازلة أهو.
كانت تنزل ببطء ولا زالت تشعر بألم كبير. فمفعول هذه الأدوية قوي للغاية. تنزل وهي مستندة على ورده. وما إن اقتربت من مكان جلوس والدتها حتى وقع بصرها على يونس ومعه مهران الذي قد دخلا للبيت للتو. نظروا نحو زهره والتي كانت ملابسها منظمة ومعها حقائب ويبدو عليها الرحيل.
مهران بتعجب: خير يا زهره يا بنتي. ثم نظر بابتسامة نحو وفاء: أهلاً بيكي يا مرات أخويا. نورتي بيتك. جايه تنورينا.
وفاء بثبات: لا يا حج. أنا جايه أخد بنتي. كفايا عليها وجع وبهدلة لغاية كده.
مهران وقد توقع هذا من الأساس: بنتك هنا تاج على راس الكل. وربنا شاهد ومن بعده بنتك واهي قدامك اسأليها. اللي حصل دا سوء تفاهم. وأنا بنفسي مش هسكت إلا لما يتحل.
نواره بسرعة: شفتي يا وفاء. أهو مهران قالك بنفسه. أنا عارفة غلاوته عندك.
سمية بحزن: الله يخليكي يا خالة. خليكوا معانا. زهره دي نوارة البيت كله. من غيرها البيت ضلمة.
وفاء بهدوء: دا مش قراري. دا قرار زهره واللي هي عاوزاه أنا هبقى معاها فيه.
زهره وهي تنظر نحو يونس: ساكت لي؟
يونس ببرود: عاوزاني أقول إيه؟ أخدك بالحضن بعد اللي عملتيه؟ ولا ناسيه خيانتك ليا؟ بتستغفليني وعاوزاني أعملك إيه؟
زهره وقد تجمعت الدموع في عينيها وخيبة الأمل على وجهها: معاك حق. يلا يا ماما.
كان الجميع يقف وعو في حالة من الصدمة مما تفوه به يونس منذ قليل. فما كان عليه قول هذا الحديث الجارح وخصوصاً في هذا الوقت. تلقى نظرات الحزن والغضب من الجميع. أما هو كان نظره عليها هي فقط. يُشبع عينيه منها. يعلم أنه كالذي ذبح نفسه بالسكين ببطء. فبعدها بالنسبة إليه يعني موته. وأثناء سيرها نحو الباب ومعها والدتها تساندها. جائت تلك الحية تركض وهي تضع يدها على معدتها وتعلقت برقبته تقبل وجهه وتتحسسه بلهفة كاذبة. وهو كان مستسلماً لها تماماً.
ناهد بتمثيل: يونس حبيبي. أنا كنت هموت من القلق عليك. الحمد لله إنك بخير.
اقتربت منه حتى التصقت به بالطبع قاصدة هذا واحتضنته. أما هو نظر تخو عيون زهره التي كانت تراقبهم بألم. واحتضنتها أيضاً وهي ينظر داخل عينيها بغموض.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سهيلة عاشور
في منزل العائله
كان الجميع ينظرون له بصدمه كبيره. يعلمون ان كلمة الحب لا توصف شعوره تجاهها، فكيف له ان يرضى بهذا الوضع؟ كيف له ان يجعلها تذهب هكذا؟
نواره بغضب: فيك إيه يا يونس؟ إيه اللي صابك؟ اتكلم، تسيب مراتك تمشي كده؟ انت اتجننت؟ دي مراتك وبنت عمك، إزاي تكسر قلبها كده بدل ما تمسك فيها؟
ثم أكملت بحزن: بكرة تطلب الطلاق، ويبقى وريني هتعرف تعوضها إزاي.
تركته واتجهت نحو غرفتها وهي غاضبة من تصرفه وتشعر بالحزن الشديد من أجله أيضًا، فهي تعلم ابنها جيدًا، عندما يتسلل الشك بداخله فلا أحد يمكنه إيقافه أبدًا.
نظر له والده نظرات غضب ولكنه لم يتحدث، وذهب خلف نواره.
مصطفى بضيق: ناهد، سيبيني مع أخويا لوحدي.
ناهد بسخرية: وماله يا مصطفى؟ أنا في أوضتي.
ذهبت وهي تتبختر بانتصار. وكانت سمية تتابع كل شيء بصمت، ولكنها متأكدة تمامًا أن هذه اللعينة هي السبب في كل شيء. نظرت سمية لورده نظرات ذات مغزى، فهبوا الاثنين واقفين متجهين نحو المطبخ، وبقي الأخويين معًا.
نظر مصطفى لأخيه ولأول مرة نظرات غضب، وكان يود لو يصفعه ألف صفعة حتى يفيق على حاله.
مصطفى بغضب: إيه اللي انت عملته ده يا يونس؟
يونس بضيق: إيه يا مصطفى؟ انت هتحاسبني ولا إيه؟
مصطفى بغيظ: آه هحاسبك! انت مفكر انت بس اللي بتعرف تحاسبنا على النفس ولا إيه؟ أنا طول عمري بقول عليك أبويا مش أخويا الكبير، بس بعد اللي شوفته منك دلوقتي ده، انت عيل.
نظر له يونس وقد اسودت عينيه من الغضب: انت اتجننت يلا ولا إيه؟ انت ناسي إني أخوك الكبير.
مصطفى بسخرية: وماله يا كبير؟ بكرة لما تطلق منك، ساعتها ابقى وريني هتعمل إيه.
يونس بضيق: هعمل إيه يعني؟ هطلقها ولا تفرق معايا، اللي يخون ثقتي ميلزمني.
مصطفى بضحك مفرط حتى ادمعت عيناه: أيوه مش فارقة معاك، أنا عارف.
يونس بغضب: انت زودتها أوي على فكرة، اهدى بقى.
مصطفى بابتسامة: بكرة تطلق منك يا يونس، وبعد شهور العدة شوف كان واحد هيجري وراها بس عشان ينول شرف إنها تبقى مراته، وساعتها ابقى بص لنفسك في المراية وشوف هتبقى عامل إزاي، دا إذا محصلش ليك حاجة لا قدر الله وقتها. انت غلطان يا يونس، انت متأكد إنها متعملش كده، بس غضبك عامي عينك يا أخويا. أنا أخوك، قلي لو في حاجة في دماغك وأنا هساعدك، بس مضيعهاش من إيدك، هتندم ندم عمرك، واديني قلت، وانت حر.
يونس بغضب: أنا ماشي. ناقص تقلي هتحط إيدك على خدك وتعيط زي العيال.
مصطفى بهدوء: دا اللي هيحصل فعلاً.
نظر له يونس بضيق، ولكنه الآن لا يستطيع المناقشة أو الغضب من أحد، فكان قلبه يعتصر على فراقها، فلأول مرة منذ زواجهم تغادر المنزل ما يقارب لخمسة أشهر، تنير حياته وقد جعلت لها معنى كما كان يشعر دائمًا، ولكن الآن أصبح حاله كما هو.
***
في المطبخ
كانت الفتاتان تجلسان معًا وعلى وجههم علامات الحزن الشديد، فالأثنان يحبون زهرة بشدة، فكانت رقيقة وحنونة معهم، وكانت مثال للصديقة الجيدة، ولم يروا منها أي أفعال سيئة.
سمية بقلق: تفتكري هيطلقوا؟
ورده بشهقة: يا شيخة لا، مش للدرجة دي إن شاء الله. ثم أكملت بثقة: يونس بيه مستحيل يتخلى عنها، دا يموت فيها.
سمية بضيق: كله من الحرباية اللي اسمها ناهد. والله ما طايقة أشوف وشها.
ورده بمكر: بس على مين؟ بكرة نقلب الميزان عليها، هي هتشوف.
سمية بانتباه: ودا إزاي؟
ورده: هقولك إزاي.
سمية بابتسامة: دماغ ألماس. أيوه كده، خلي ست البيت ترجع وتنوره من تاني. بس مين هيساعدنا؟
ورده بعبوس: مفيش غيره حسين. هو اه مينطقش، بس هو الوحيد اللي هعرف أئتمنه.
سمية بضحك: لي هو عمل إيه تاني؟
ورده بضيق: هحكيلك.
Flash Back:
عندما غادر يونس المستشفى، هاتف ورده على هاتف المنزل وأخبرها أن تحضر إحدى رجال المنزل وتأتي سريعًا، وأخبرها بحالة زهرة، فركضت سريعًا للخارج، ملابسها غير منتظمة وتضع حجابها بإهمال، ولم تجد سوى حسين، فذهبت له سريعًا وأخبرته بما حصل.
ورده بقلق: يلا بسرعة، هات العربية، المفتاح أهو. انت واقف متنح كده ليه؟ اخلص.
كانت تتحدث إليه وهو لا ينتبه لها، فكان انتباهه منصب على شعرها، والذي كان يظهر أكثر من نصفه من تحت حجابها التي وضعته عليها بإهمال، ورقبتها التي ظهرت أيضًا، جذبه لونها الأبيض الناصع، عيونها التي تلمع بشدة من كثرة التوتر والقلق. ولكنه أفاق على نفسه بغضب وضيق.
حسين بغضب: انت هتروحي كده؟
ورده بتعجب: كده إزاي يعني؟
حسين بغيرة رجولية: شعرك اللي كله باين ده، وعباية حمرا، انت عاوزة الناس تتفرج ولا إيه؟
ورده بصدمة وقد تذكرت حجابها، فأحكمته عليها بدقة، ومن ثم نظرت له بغضب: وانت مالك؟ البس أحمر ولا أصفر، يخصك في إيه؟ هتيجي معايا ولا أشوف حد غيرك؟
حسين بضيق: امشي قدامي.
استقلوا السيارة وظلوا يتبادلون النظرات الغاضبة طوال الطريق، فهو معجب بها منذ وقت طويل، ولكنه يحشى كثيرًا من ردة فعلها، بالکبع بسبب طريقة المعاملة الذي ينالها منها.
Back:
سمية بضحك: أيوه بقا يا عم، مبروك.
ورده بتعجب وضيق: هو أنا بقولك رايحة أحج؟ دا انت مستفزة بجد، عشان كده انت ومصطفى بيه لايقين على بعض.
سمية بضحك مفرط: طب خلاص هسكت اهو. ثم أكملت بحماس: هننفذ الخطة إمتى؟
هزت ورده رأسها بيأس من تلك المجنونة: قريب أوي، يومين بالكتير وهتبقى زهرة منورة بيتها.
سمية بصدق: يارب.
***
في المنصورة
وفي منزل أسرة زهرة، كانت تجلس زهرة مع والدتها وخالتها وابن خالتها. كانت صامتة تمامًا ووجهها شاحب بشديد، فقط تنظر أمامها بشرود. عقلها لا يستوعب أنه تركها بهذه السهولة، قد تخلى عنها وكأنها قطعة من القماش البالي وليس له أي أهمية. قد أُهينت كرامتها فعلاً، انتصرت عليها هذه الحية في النهاية، لم يمر إلا قليل من الوقت على وصولها لمنزلها، ولكن سحقًا يا قلبي لقد اشتقت له سريعًا، لم نبدأ بعد، فلما هذا العذاب المبكر؟
قاطعها خالتها.
حنان (خالتها) بود: الجميل سرحان في إيه؟ بقولك إيه، أنا مش بحب النكد، منتي عرفاني، فكي كده يا بت وقومي غيري هدومك، وانت يا وائل انزل هات لنا أكلة سمك حلوة، زهرة بتحبه، يلا يا واد.
وائل بابتسامة وهو ينظر نحو زهرة: دا أنا عنيا لزهرة.
(وائل: شاب في سن السادسة والعشرين يحب زهرة بشدة، فهو ليس لديه إخوات وزهرة كذلك، فقد تم تربيتهم منذ الصغر أنهم إخوة وكبروا على هذا المنوال. كما أن وائل رقيق القلب بشدة وخفيف الظل).
ذهب وائل وبقوا وحدهم. ظلت الأم والخالة ينظرون لبعضهم بتردد وقلق.
زهرة بابتسامة: عاوزين تقولوا إيه من الآخر؟ بلاش شغل الأطفال ده، الكلام ده خلوه ليا أنا.
نواره بابتسامة: ناوية على إيه يا حبيبتي؟
حنان بصدق: اللي انت عاوزاه، إحنا معاكي فيه، أهم حاجة تكوني مرتاحة.
كيف تخبرهم أن راحتها في قربه فقط؟ كيف تخبرهم أن ألم قلبها الآن لا تتمناه لألد أعدائها؟ تشعر بأنها عارية بدونه، ترى العالم كله بلون واحد ولا يفرق معها أي شيء سواه. كيف يمكنها قول كل هذا؟ لا مفر من مواجهة الدنيا يا قلبي، اغفر لي هذا الألم، ليس بيدي شيء.
زهرة بغصة في قلبها: مش عارفة. سيبوها لله، عاوزة أشوفه هيعمل إيه الأول وبعدين أقرر.
وفاء بضيق: محنا كنا هناك وشفتيه، عاوزة تشوفي إيه تاني؟
حنان بنظرة ذات مغزى: اصبري يا وفاء، مش كده. خراب البيوت مش بالساهل، اصبري.
زهرة بنظرة باهته: ماما معاها حق يا خالتو، بس برضه هتستنى على الأقل كام يوم أفكر صح. أنا هدخل أرتاح شوية بعد إذنكم.
هبت واقفة متجهة نحو غرفتها تجر قدميها بضعف وهي تستند على جدران المنزل، حتى قدميها لا تقدر على حملها من ألمها الجسدي والنفسي، وما إن دلفت غرفتها حتى انهارت أرضًا تبكي بحرقة وبدأت شهقاتها تعلو بقهر. قد انقلبت حياتها في يوم واحد من زوجة تحب زوجها وتعيش معه إلى طير يريد الهروب من العالم بأسره، حتى العالم بأكمله لا يساع حزنها وقهرها وضعفها الآن.
***
في الخارج
كانت حنان تعاتب أختها على حديثها الفظ مع ابنتها وتحاول أن تهدأها حتى لا يصل الموضوع إلى النهاية بشكل سريع.
حنان بعتاب: مش كده يا وفاء، فين العقل؟ مكنش ينفع تقولي كده دلوقتي.
وفاء بغضب وحزن على ابنتها: انت مش شفتي حاجة يا حنان. دا الواد مفيه دم خالص، شايفها ماشية يا حبيبة قلبي دموعها مغرقة وشها وهو ماسك في التانية أحضان قلة أدب. بس أقول إيه، دي غلطتي أنا من الأول، مكنش ينفع أغصب البت عليه. سامحيني يا بنتي.
حنان بصدق: شوفي بقا. انت كده مكبرة الموضوع، هو برضه في موقف صعب، صعب على أي راجل إنه يتقبله كده عادي، حتى لو هو متأكد إنها مش غلطانة هيقول كده وأكتر من الغضب اللي جواه يا وفاء، وبعدين منتي عارفة طبعه صعيدي ودماغه ناشفة وكرامته عنده عزيزة، الشيطان ضاحك عليه يا حبيبتي.
وفاء بغضب: هو عنده كرامة وأنا بنتي إيه يعني؟ الموضوع ده انتهى، ولو زهرة قلبها حن أنا عارفة هخليه يقسى إزاي، وأنا بنتي مفيش فيها عيب ويتمناها ألف واحد غيره يقدروا قيمتها.
حنان بحدة: طب ابقي قولي كده قدام البنت، وتبقي ولا أختي ولا أعرفك، انت مش شايفة وش بنتك عامل إزاي؟ البنت مقهورة، حرام عليكي يا وفاء، مش وقته خالص كلامك ده، اهدى وسيبيها لله، مش كده.
وفاء بزفر: ونعم بالله. اديني سكت، لما نشوف آخرتها.
***
في إحدى البيوت الكبيرة والذي يبدو على أهلها الغنى الفاحش.
كبير العائلة: برافوا عليكم، رجالة صحيح، اهو دا قلم لأبن مهران مش هيفوق منه أبدا.
أحدهم: لا واي مراته كمان، سابته ومشيت، يعني اتهد على الأخر.
كبير العائلة بشهوة: سمعت إنها حلوة أوي.
الآخر بتلذذ: حلوة بس، دا هي الحلاوة نفسها، شوف كده.
مد يده بالهاتف الخاص به، وقد كانت به إحدى الصور لزهرة، وكانت بدون حجابها، مما أظهر جمالها ومفاتنها بشدة. من الأساس كانوا يراقبون جميع أفراد العائلة منذ سنوات.
كبير العائلة وقد سال لعابه: خسارة فيه. إيه الجمال ده؟ ثم أكمل بمكر: البت دي تلزمني.
أحدهم: دا انت تؤمر. عاوزها دلوقتي.
كبير العائلة بغموض: لا مش كده، خسارة. الجمال ده يتبهدل في الحرام اللي زي دي. لازم تتقدر، وأنا عارف هديها قيمتها إزاي.
***
عندما حل الليل
في منزل عائلة يونس، كان يجلس في حديقة المنزل ينظر أمامه بشرود وحزن، يمسك هاتفه في يده وهو ينظر لصورها بحزن. يريد سماع صوتها على الأقل، ولكن كبرياؤه يمنعه، ولكن في النهاية حسم أمره ودق عليها.
يونس بتوتر: الو، انت عاملة إيه دلوقتي؟
زهرة بضيق: تمام، خير.
كاد أن يتحدث معها، ولكن قاطعه صوت أحدهم، مما أثار غضبه وغيرته بشدة.
...: زهرة يلا يا حبيبتي عشان تاكلي.
يونس بغضب وصوت عالي: مين دا يا زهرة؟ انت فين؟ الو؟
أغلقت الهاتف من كثرة الفزع من صوته الغاضب، ورمته بإهمال بالقرب منها، وهي تضع يدها على قلبها من كثرة الخوف. أما يونس فقد وضع يده على رأسه يصرخ بغضب، قبل أن يستقل سيارة ويقودها بسرعة كبيرة.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سهيلة عاشور
كانت ناهد تراقبه من خلال الشرفة خاصتها.
وعندما رأته يركض هكذا، هرولت للأسفل سريعًا.
ولكنه كان قد رحل من المنزل وهو يقود السيارة بأقصى سرعة، فكانت تظهر وكأنها تطير ولا تسير على الأرض.
ناهد بصدمة: ماله دا؟ في إيه؟
قاطعها صوت أحدهم وهو يضحك بصوت عالٍ للغاية.
فنظرت خلفها لتجده مصطفى، والذي كان ينظر من شباك الغرفة الخاصة به، فكان سريره يعلوه الشباك مباشرًا.
فكان يجلس براحة وهو يضع يده عليه ويخرج رأسه بطريقة مضحكة بشدة، ويضحك بشكل صارخ.
ناهد بضيق: إيه يا مصطفى؟ واقف قدامك إسماعيل ياسر ولا إيه؟
مصطفى بتلاعب: يا شيخة متقوليش كده، لتزعلي الراجل في تربته حرام.
ثم أكمل بضحك: هو أحلى بكتير.
ناهد بغيظ: يونس راح فين؟
مصطفى بخبث: راح لمراته. مقدرش على بعدها يا مرات أخويا. تصبحي على خير.
ثم أكمل بضحك: يا كبيرة.
ناهد بغضب: انت بتقول إيه يا بارد انت؟
مصطفى ببرائة: الكبيرة اللي كانت في كتكوت أبو الليل. مش عارفاها ولا إيه؟
ناهد بغضب جامح: مش ده اللي أقصدُه. أقصد مراته مين اللي راح لها في ساعة زي دي؟ ده الفجر هيأذن.
مصطفى بإستفزاز: والله بقا القلب مش بيعرف في الساعات.
ثم أغلق الشباك بقوة واستمر في الضحك، مما أثار غضبها بشدة.
صعدت لغرفتها، وفي كل خطوة تخطيها وكأن أحدهم يشعل من خلفها النيران.
فكان جسدها بالكامل يشع الحرارة من كثرة الغضب والحقد.
وبدأ عقلها الشيطاني يفكر في ألف طريقة لكي تتخلص من زهرة للأبد.
في منزل أهل زهرة.
كانت تجلس في الشرفة بملابس الصلاة خاصتها، وكانت شارده في آخر حدث بينهم.
أصبحت لا تفهم أي شيء من الذي يحدث حولها.
يتخلى عنها ولا يرق قلبه عليها وهي ذاهبة من المنزل الآن، ومنذ ساعات يهاتفها يريد حسابها على صوت وائل بجوارها.
يا لسخرية القدر، فحتى زوجي لم أستطع فهمه.
يا الله.
ترى ماذا كان يريد وما الذي نوى عليه؟
كاد رأسها أن ينفجر من كثرة التفكير.
ولكن جاء صديق طفولتها وأخوها الروحي وهو يحمل أحد مشروباتها المفضلة، وعلى وجهه ابتسامة صافية تستمد منها القوة والهدوء.
وائل بابتسامة: كنت عارف إنك لسه صاحية. قلت أعملك hot chocolate. عارف إنك بتحبيه.
زهرة بابتسامة باهتة: ربنا يخليك ليا يا وائل. شكرًا أوي.
أنا مش عارفة من غيرك أنت وخالتو كان مين هيبقى معايا أنا وماما.
وائل بحدة مصطنعة: إيه يا بت انت؟ اتجننتي ولا إيه؟ هو أنا غريب؟ ده أنا أخوكي.
خلي بالك، لولا كده كنت اتجوزتك من زمان.
ثم أكمل بغمزة مرحة: جوزك ده شكله عنده حاجة في عقله. حد يزعل القمر ده؟
زهرة بضحك: انت مستحيل تتغير على فكرة.
وائل: ماشي يا ستي، سيبك مني دلوقتي. وقليلي انت ناوية على إيه؟ فكرتي في حاجة.
زهرة بحزن: عقلي مش مبطل تفكير أصلًا. تعبت من التفكير ومش لاقية حل.
ولا عارفة آخد قرار. الجوازة دي كانت غلط من الأول يا وائل.
يا ريتني فصلت معارضة ولا كنت طلبت الطلاق من أول يوم.
وائل بهدوء: كلمة ياريت دي مفيش منها فايدة.
أنا شايف إنك بتحبيه صح. عمرك ما خبّيتي عليا حاجة. قليلي متخافيش.
زهرة بابتسامة: بحبه أوي يا وائل. مكنتش مفكرة إني بحبه أوي كده.
أنا بعدت عنه ساعات بس حاسة قلبي هيقف.
ثم أكملت بحزن: مكنتش أعرف إنه هيجي اليوم اللي قلبي هيذلني كده يا وائل.
ثم أكملت ببكاء: أنا سمعت صوته. قلبي كان بيدق بطريقة غريبة كأنه كان غايب عني سنين.
أنا زعلانة أوي يا وائل بجد.
نظر نحوها وائل بحزن وغضب من هذا المدعو زوجها.
وظل يتسمع لحديثها ويؤلمه قلبه من أجلها.
فظل يطمئنها ويحاول أن يغير الحديث بمرحه المعتاد، وهي تضحك بشدة.
وائل بضحك: لا بس إيه؟ مشفتنيش وأنا بقولها بحبك يا سلوى.
زهرة بضحك حتى رن صوتها في العمارة بأكملها: انت مش طبيعي والله. حد يعمل كده.
وائل: أعمل إيه؟ مهم قالوليلي الحق الدكتورة سلوى هتتخطب.
وأنا أصلًا حقوق، واخده بالك؟ فالمستشار الصغير اللي جوايا قلي روح يااض طلع اللي جواك.
هي هتلاقي أحسن منك فين؟
زهرة بضحك حتى أدمعت عينيها: وهي قالت إيه بقا؟
وائل وقد اعتدل في جلسته وهو يمثل دورها: سوري يا اسمك إيه. أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي.
وقامت بصتلي من فوق لتحت كده.
زهرة بعبوس: متزعلش يا لولي. ربنا يعوض عليك.
وائل بمرح: لا منا من بعد الموضوع ده. قلت مبصش واحدة كانت علمي أبدًا.
مالهم بتوع أدبي ناس عسل وفرافيش كده.
زهرة بابتسامة: ربنا يفرح قلبك يا حبيب أختك يارب.
وائل بضحك: آه ادعيلي من قلبك كده. انت مش ناوية تنامي يا بت ولا إيه؟
دا خلاص النهار طلع.
زهرة بزفر: مش جايلي نوم. نام انت.
هب واقفًا وهو يقوم بفرد ذراعيه ويحرك جسده بطريقة غريبة وكأنه يرقص.
وائل: على رأيك ده أنا مش قادر. هريح حبة في الصالة.
ولما أمي تصحى من الغيبوبة اللي هي فيها أخدها وأمشي.
ضحكت زهرة عليه بشدة وهزت رأسها بيأس.
فمنذ الصغر تقريبًا لم يتغير هذا المعتوه.
خرج من الشرفة وما كاد أن يتسطح إلا سمع صوت طرق قوي على باب المنزل، حتى إنه أقسم أن الباب سوف يكسر الآن.
فذهب سريعًا، وما إن فتح الباب حتى تلقى ضربة قوية على وجهه مما جعله يرتطم بالأرض بقوة.
وائل بغضب: إيه يا عم الغباء ده؟ انت متخلف ولا إيه؟
يونس بغضب: هي فين؟ انطق. انت مين وإيه اللي جابك هنا؟
وائل بضيق: والله أنا اللي مفروض أسألك السؤال ده. انت بتعمل إيه هنا وتبقى مين؟
وإزاي أصلًا تدخل كده؟ هي تكية ولا إيه؟
في نفس اللحظة جاءت زهرة على هذا الصوت العالي.
وما إن رأت يونس حتى اعتلت الصدمة وجهها، وتلجم لسانها وكأنه فقدت النطق.
أفاق على نفسها بعد دقائق، اقتربت من وائل وأسندته ليقف.
وما إن رآها يونس تقترب منه إلى هذا الحد، تملك الغضب منه وجذبها من يدها ولكمه مرة أخرى بقوة، حتى سالت الد-ماء من أنفه بغزارة.
مما جعل زهرة تصرخ بصدمة.
زهرة بصدمة: انت مجنون! إيه اللي انت عملته ده؟ انت أكيد جرا لعقلك حاجة.
يونس بغضب: أنا اللي جرا لعقلي حاجة؟ قاعدة مع راجل غريب في البيت ولوحدكم وليكي عين تتكلمي؟
زهرة بقوة عكس ما في داخلها: انت شيطانك متمكن منك أوي يا ابن عمي.
ده وائل ابن خالتي وأخويا. وأمي وخالتي جوه في الأوضة نايمين وأنا قاعدة قدامه بإسدال الصلاة.
يا مؤمن! إيه مفيش نظر؟
ثم أكملت بغيظ: انت خنت كل ثقتي وتفكيري يا يونس.
نزلت من نظري أوي حقيقي.
يونس بضيق: لمي هدومك. هتيجي معايا حالا.
زهرة بسخرية: انت مصدق نفسك؟ مصدق الكلام اللي انت بتقوله ده أصلًا؟
ثم زفرت بقوة وأغمضت عينيها بألم: أنا عاوزة أطلق يا يونس. طلقني.
يونس بصدمة: عاوزة إيه؟
زهرة وقد فرت دمعة من عينيها: عاوزة أطلق يا يونس. من فضلك طلقني.
وقعت هذه الجملة صدمة على آذان الجميع.
وائل الذي من الصدمة لم يستطع الحديث حتى.
ووفاء وحنان، اللذين استيقظوا على صوتهم وفضلوا المكوث في الغرفة حتى يستمعوا إلى حديثهم.
وفُتح فاههم من الصدمة.
في منزل أهل يونس.
استيقظ الأب مبكرًا مع أذان الفجر، وكان الهدوء والراحة يظهران على وجهه.
توضأ وأدى فرضه في إحدى أركان الغرفة، وجلس يسبح لله تعالى ويقرأ ورده اليومي.
وكل هذا تحت أنظار نواره، التي كانت لا تستطيع تصديق هذا الهدوء الذي هو به.
مهران بابتسامة: صباح الخير يا أم يونس. أنا استخرت ربنا وقررت نطلع عمرة أنا وانت. إيه رأيك نطلع إمتى؟
نواره بصدمة: انت بتتكلم جد يا مهران؟
مهران بجدية: أكيد. هخلي العيال يجهزوا الورق. وأهو نزور الكعبة ونرتاح شوية.
نواره بعتاب: وهو ده وقته؟ انت مش شايف حال يونس عامل إزاي وزهرة؟
ولا تعب مصطفى؟ مش وقته يا حج. أنا ما أسيبش ولادي كده وأمشي.
مهران بابتسامة: متقلقيش على يونس يا أم يونس. يونس عارف كويس هو بيعمل إيه.
وقريب أوي والكل هيرتاح وشملنا هيتلم تاني.
نظرت له كأن له ثلاث رؤوس.
أما هو فضحك عليها بشدة، ومن ثم هم بالرحيل من المنزل.
في غرفة ناهد.
لم تذق عينيها النوم حتى الآن.
هاتفت يونس أكثر من مائة مرة ولا يوجد رد.
تفكر كيف تتخلص من زهرة، ولكن دق هاتفها.
فنظرت له بضيق قبل أن تجيب.
ناهد بضيق: مش وقتك خالص. الو يا صبا، خير.
صبا بضيق: هو أنا مش قلتلك تشوفيلي مكان بعيد أتخبى فيه فترة؟
قلبي مش مرتاح وشكلهم كده هيدوروا ورايا.
وأنا مش قدّهم.
ثم أكملت بوعيد: أنا لو وقعت مش هقع لوحدي. فاهمة؟
ناهد بغضب: انت بتهدديني يا بت انت ولا إيه؟ نسيتي نفسك يا معفنة؟
ده أنا اللي عملتك بني آدمة.
صبا بحدة: بقولك إيه، سيبك من الشويتين دول.
أنا بكلمة واحدة مني أخلّي يونس بيه يرميكي في الشارع ويساوي وشك بالأسفلت.
ولا انت ناسيه موضوع الحمل الكاذب إياه؟
ناهد بصدمة: حمل كاذب إيه؟
صبا بضحك: متعمليش نفسك مش واخده بالك.
أنا عارفة كل حاجة.
ده دكتور ناجي حبيبي.
الأحسن بيكي تنفذي اللي بقوله.
واوعي تفكري تبخي سمك عليا.
ورايا اللي هيوديني في ستين داهية لو حصلي حاجة.
سلام يا أم الواد.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سهيلة عاشور
بعد معاناة من العراك النفسي والعصبي الذي عانى منه يونس ليحافظ على ثباته ويستطيع الجلوس معهم، أخذ لفافة تبغ يتنفس دخانها بشراهة. مصطفى، الذي كان يضع يده على مقدمة رأسه، كاد عقله أن يخرج من مكانه من كثرة التفكير وإحساس العجز الذي يشعر به.
نظر لهم حسام بتوتر وأخذ نفسًا عميقًا وبدأ في سرد كل ما يعرفه بهدوء:
"قبل أي حاجة، إحنا مجبرين نهدي تمامًا علشان نعرف نرجع سمية وزهرة، وكمان نرجع حقنا. من وقت ما الوصية أُعلنت وأنا متأكد إن في حاجة غلط بتحصل. ووقت ما سبتوا القصر وجيتوا هنا القاهرة، عرفت إن ضاحي اتفق مع شركة أمن كبيرة إنهم يزودوه بحراسة للبيت والأراضي وكل أملاك عمي المرحوم مهران. طبعًا، لينا كتير أوي من معارفنا هناك ولينا جمايل كتير علينا. ووقتها الناس هي اللي كانت بتكلمنا بنفسها علشان تحاول تساعدنا بأي طريقة، وأنا استغليت ده وخليت تقريبًا أكتر من 70% من الحراس دول من رجالتنا علشان أقدر أعرف كل تحركات ضاحي. ولأني كنت دايما قاصد إننا نظهر قدامه قليلين الحيلة، وخصوصًا إنه طبعًا، وللأسف، خلى كل حاجة تمشي قانوني تمامًا.
ووقتها كلمتني سمية وهي محملة نفسها ذنب كل ده، لأنه طبعًا أخوها. وعرضت عليا إنها تروح له وتمثل عليه إنها سابت مصطفى وطالبة منه الطلاق، علشان مش قادرة على المستوى المعيشي اللي بقى فيه دلوقتي، بعد طبعًا ما كانت متجوزاه على أساس إنها هتعيش في قصر ومال وجاه. حاولت كتير ووضحت كتير أوي يا مصطفى علشانكم، وصبرت واتحملت، وحملها كان صعب أوي عليها."
ثم أكمل بقلق عليها:
"ربنا يحميها ويقومها بالسلامة إن شاء الله. ووقتها فعلًا سمية وصلت لينا معلومات كتير أوي خطيرة، زي إنها لقت نسخ لتسجيلات فيديو لرجال أعمال معروفين جدًا في وضع مخل مع ناهد ومع بنات كتير تانيين. وطبعًا ده كان بتوجيهات ضاحي علشان يمسك عليهم حاجة يبتزهم بيها علشان يمشي مصالحه. وكمان ورق صفقات مشبوهة كتير، وأغلبهم كان اتجار في السلاح. وكمان، والأهم، إنها سمعت ناهد وضاحي بيتكلموا عن إن ناهد هي السبب في الوصية اللي اتقالت قدامنا يوم إعلان الورثة."
تعجبوا كثيرًا مما يقوله حسام، وخصوصًا آخر كلماته، فقال يونس بنفاذ صبر:
"يعني إيه هي السبب؟ مش فاهم. ما تلخص يا حسام."
تنهد حسام بغضب قائلًا:
"ناهد اتقبض عليها من يومين وهي في عربية محملة شحنة مخدرات. ووقتها كان معاها بطاقة مزورة باسم واحد تاني. بس التزوير ده مكنش حاجة متبركة عادية، اللي عامله واضح أوي إنه حد متخصص جدًا. وخدنا وقت لحد ما أثبتنا إنها مزورة بعد ما جبنا لجنة كاملة خُبرة للكشف على البطاقة دي. وأثناء التحقيق مع ناهد، ولما قلت لها عن اللي سمية سمعته، اعترفت لينا إن الوصية دي فعلًا مزورة، وإنهم بدلوها بالحقيقة وخلوا اللي زور بطاقتها يقلد خط المرحوم مهران. وطبعًا، لأنه شخص متخصص ومتمكن تمامًا، محدش فينا ولا حتى المحامي قدر يعرف إنه مش خطه. ووقتها قانونًا كل حاجة بقت باسم ضاحي، ودا طبعًا هيبقى مؤقتًا من دلوقتي لحد إثبات الوصية الحقيقة."
سب ولعن يونس بأبشع الألفاظ وهو لا يستطيع تصديق ما تسمعه أذنه، فكيف لإنسان أن يكون بهذه الدناءة والقدرة. نعم، بالطبع يعرف أنه ليس ملاكًا، بل ويعرف أيضًا أنه لا يمتلك ذرة واحدة من رقة القلب، ولكن لماذا كل هذا الكره والحقد من الأساس؟ للأسباب غير المقنعة، لقد دمرت حياتي وأخذت كل ما أملك وأحب، أيها المعتوه! وما السبب؟ فقط أكرهك يا يونس!
زفر يونس وهو يضع كلتا يديه على رأسه ويجذب شعره بقوة قائلًا:
"دماغي هتنفجر، مش قادر أقعد كده وأسيبها. لو لمس شعرة منها مش هيكفيني فيه رقبته."
ثم بدأ يتحرك بجنون وهو يصرخ ويتنفس بقوة. وكل هذا ومصطفى يجلس مكانه شارداً تماماً، وقد فرت دمعة من عينيه. فوضع حسام يده على كتفه يربت عليه بحزن على ما أصابهم، فقائل مصطفى بنبرة مختنقة ونادمة:
"أنا كنت ظالمها يا حسام. قلبي كان رافض يصدق إنها بتعاني، بس أنا كنت بحاول أتخطى وأنسى وأقول إنها اتخلت عني. أنا سبتها شهور تتعذب معاه وأنا قاعد هنا. أنا إزاي سبتها هنا؟"
تحدث حسام بثقة:
"إن شاء الله هنرجعها ونرجع زهرة وحقكم كمان. طول ما إحنا مع بعض والحق معانا، صدقوني، أنا طول الشهور اللي فاتت مش راحم نفسي ولا بنام، وأكيد كل ده هيخلص ونرتاح. يونس، أنا مقدر اللي إنت فيه، بس لازم تهدى يا صاحبي، لازم تشغل عقلك معايا علشان نعرف نرجع زهرة."
تحدث بصراخ وقلب متمزق من الألم:
"أهدى إزاي يا حسام وهي معاه؟ ده... وأنت عارف، أنا مش قادر أبطل أتخيل ممكن يكون بيعمل فيها إيه دلوقتي. وأنت بتقولي أهدى؟ ههدى إزاي دلوقتي؟ أهدى إزاي يا حسام؟"
وقف حسام ووضع يديه على كتفه يهزه بعنف وحدة قائلًا:
"لازم تهدى، إنت مجبور. إنت فاكرني مش حاسس بيك؟ أنا كمان جوايا نار بتغلي. عرضك وشرفك هما عرضي وشرفي، ده إنت أخويا ومراتك دي أختي. بس لو فضلنا نزعق ونكسر زيك كده هنستفيد إيه؟ اللي إنت فيه ده هو اللي ضاحي عاوز يوصل ليه. بيعمل كل ده علشان يشوفك كده، عاوز يشوفك ضعيف وخايف وعاجز، مش قادر تعمل حاجة."
نظر له بضياع وهو يومئ برأسه سريعًا، وأخذ يتنفس ببطء محاولًا الهدوء. ومن ثم جلس وظل لدقائق قليلة يفكر، ومن ثم نظر إليهم قائلًا بهدوء مريب:
"أنا اللي حطيت المخدرات لناهد. وأنا اللي عارف مين هيساعدنا نجيب ضاحي ونعرف مكان سمية وزهرة."
تعجبوا كثيرًا مما استمعوا إليه، فيونس لم يقص عليهم هذا الحديث من قبل، ولم يظهر عليه مطلقًا أنه يهتم بنفسه بتلك القضية، فكلما سألوه أو افتُتح هذا الموضوع أغلقه يونس بتأكيده لهم أنه يترك ذلك الأمر لرجال الشرطة، خوفًا منه على ما تبقى من عائلته، وأنه بعد صدمة وفاة والده لم يعد يقدر على تحمل خسارة أحد منهم.
نظر له حسام وهو يهاب إجابة ذلك، ولكنه سأله على مضض:
"قصدك إيه يا يونس؟ مين ده وتعرفه إزاي؟"
تنهد يونس وهو يطلب من الله أن يلهمه الصبر، فقلبه يغلي، ولكن عليه التريث حتى يبلي حسناً ويحافظ على زوجته وزوجة أخيه:
"من بعد وفاة أبويا وأمي، وطبعًا بعد إعلان الوصية اللي انتشرت للكل بسرعة، ناس كتير أوي كلموني وعرضوا عليا المساعدة بأشكال مختلفة. منهم واحد أبويا كان دايما بيساعده وقال لي إن خير أبويا عليه كبير أوي، وإنه كان شايل أهل بيته لما كان هو مسجون. وعرفت إنه واحد من كبار مطاريد الجبل. وقتها شكرته وخلاص زي زي أي حد يعني."
تنهد بقوة ثم أكمل:
"بعدها بكام شهر لما جينا هنا وبدأنا نعيش، وأنا كنت بدعي ربنا كل يوم يدلني على طريق. في يوم لقيت رقم غريب بيرن عليا، لما رديت لقيته هو، ووقتها قال لي إنه حابب يرد خدمات أبويا الله يرحمه، وإنه مش هيرضى لينا بالأذية. وقال لي إنه ضاحي باع تقريبًا كل أملاكه والأملاك اللي ورثها من أبويا، وهو والناس اللي تبعه اللي اشتروها منه. وكمان قال لي إنه اتفق مع تاجر سلاح كبير ومعروف وعايش في الجبل هو ورجالته، وإنه حتى الحكومة نفسها بتخاف تقرب منه. قال لي إنه عرف من رجاله إنه عايز يشتري كمية كبيرة أوي من نوع سلاح معين ويخزنه، ولم ينقص في السوق هيبيعه بضعف الثمن. ووقتها هيبقى معاه مبلغ يخليه يشتري ويبيع البني آدم مش الأملاك والأطيان بس. وقال لي إنه ليه سكك كتير مع التاجر ده، وإن بينهم تعامل واتفاقات كتير، وإنه ممكن بخليه يساعدني أخلص من ضاحي خالص."
صدم حسام مما سمعه، ولكنه سعد بشدة، فهذا الحل مناسب وسيساعدهم بالفعل، ولكنه قال بفضول:
"طب وهو قال لك هيخلصنا منه إزاي؟"
تحدث يونس وقد اصفر وجهه من كثرة خوفه على زوجته:
"قال لي إنه تسليم الشحنة دي فجر النهارده، ووقت ما يكون بيستلم هتكون الحكومة موجودة، ودا طبعًا بمساعدتك يا حسام."
أما حسام وهو يهب من مكانه بعدم تصديق تلك الفرصة التي قُدمت لهم على طبق من ذهب. أمسك هاتفه وأجرى بعض المكالمات وهو يخبر قواته وقاداته في العمل بكل التفاصيل التي علمها، وأخذ منه التعليمات الصحيحة لذلك. ومن ثم جلس أمامهم بهدوء وهو يقول بثقة:
"اطمنوا خالص. سيادة اللواء هيتدخل بنفسه، وبدأ دلوقتي يبعت قوات ومرشدين، وإن شاء الله هنرتاح كلنا قريب أوي."
صدم يونس يده بقوة على الحافة الخشبية التي بجواره وهو يقول ثائرًا:
"وأنا هفضل قاعد كده لحد ما هما يحلوا الموضوع ولا إيه؟ مراتي معاه يا حسام، هقعد إزاي كده وهي معاه؟ تقدر تقولي؟"
"يا يونس اهدى، صدقني، إحنا دلوقتي مش هنعرف نعمل حاجة. رجالتي هناك، وأول ما يعرفوا أي حاجة هيكلموني، ووقتها هنقدر نتصرف. لكن دلوقتي هنعمل إيه؟ هننزل في الشارع نلف عليه؟ اهدي يا يونس. ده إنت العقل كله وعارف إن ده هو الصح. ارجوك يا صاحبي، مضيعناش."
زفر بضيق وهو يضع رأسه بين كفيه بقلة حيلة، فالغضب والكره لهذا اللعين سليل العقل والأفعال يسيطر على عقله، والخوف والقلق على زوجته وحبيبته، وخصوصًا أنه يعلم حق العلم أنها لن تستطيع التحمل. فإذا كان سمية تتحمل فهذا لأنها قوية العقل والعصب وتعلم كيف تتعامل مع هذا الشيطان، ولكن حبيبته لم تتعرض لذلك الموقف السخيف من قبل، فكيف لها أن تتعامل. ولكن مما قال حسام، فأي فعل الآن لن يسبب أي شيء سوى الضرر، فعليه التريث والصمود.
ظل حسام يفكر ويدعو الله من صميم قلبه أن يوفقهم هذه المرة. أما مصطفى، فحقا كان في عالم آخر، هو فقط ينظر لهم ويسمع ما يقولون بصعوبة بسبب صوت دقات قلبه التي كانت مرتفعة بشدة. فقلبه يؤلمه بشدة على زوجته وأم ولده التي تحملت كل هذا العناء وحدها، بل وإن ضميره يؤنبه بشدة حيث كان يحاول مرارًا أن ينساها مقنعًا نفسه أنها من باعتهم في ضيقتهم.
كانت تجلس أرضًا تبكي منكمشة على نفسها، جسدها يرتجف من كثرة الخوف. تنظر نحو الباب تنتظر دخول هذا المعتوه عليها ليخبرها بمصيرها، بعد الكثير من الانتظار مما أصابها بالإرهاق الشديد، وبدأت تشعر بالغثيان.
دلف إليها يسير نحوها ببطء وعينيه تمشطها من أعلاها لأسفلها بتلذذ. لطالما أرادها وأراد أن يكسر قلب يونس عليها. جذب كرسيًا ووضعه بالقرب منها وجلس عليه وحرك رأسه وهو يبتسم لها ابتسامة ماكرة:
"إيه يا زوزو؟ من الصبح مش راضية تاكلي حاجة. إنت عاوزاني أخاف عليكي؟"
"ابعد عننا بقا، أنت مش مكفيك كل اللي عملته فينا؟"
تحدث بهدوء وهو ينظر لها بسخرية مما تفعله:
"لا مش كفاية. لسه فاضل حاجة واحدة يا زهرة، لو حصلت هبعد عنكم."
ابتلعت ريقها بخوف وتوتر من نظراته ونبرته في الحديث:
"وأي هي بقا إن شاء الله؟"
ابتسم بمكر وهو يلعق شفتيه بشهوة:
"إنت يا زوزو. هاخدك إنت، ووقتها هبقى ارتحت."
كست الصفرة وجهها وهي تنظر له برعب، فجاء في بالها أنه يريد الاعتداء عليها وتلويث شرفها. بدأ جسدها بالارتجاف بطريقة ملحوظة وهي ترجع بجسدها للوراء، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها، وبدأت تتذكر كيف جاء بها في الصباح الباكر إلى هنا.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سهيلة عاشور
عندما فتحت باب المنزل فوجئت برجل ملثم يرتدي ملابس سوداء ولديه بعض الخدوش حول عينيه تظهر من خلف الوشاح الأسود الذي يضعه على وجهه. سرت الرهبة في جسدها، ولكن قبل أن يظهر صوتها أو تُحدث أي رد فعل، أخرج زجاجة صغيرة من جيبه وبحركة سريعة ضغط عليها لتُخرج منها هذه المادة المخدرة والتي جعلتها في ثوانٍ قليلة تسقط أرضًا مغشيًا عليها.
ومن ثم انحنى لمستواها يحملها سريعًا ونزل بها بحرص لمدخل المبنى، والذي كان يقف رجل آخر به يفتح باب السيارة الخلفي في انتظاره. فإذا به في لمح البصر ودون أن يلاحظ أحد يُدخلها في المقعد الخلفي ويركب بجوار الرجل الآخر وينطلقوا سريعًا.
ولم يمضِ إلا القليل ليهاتف ضاحي وقال متحدثًا بصوت غليظ خشن:
"أيوه يا ريس… أيوه جبناها اطمن محدش شاف حاجة."
"هاتها وتعالى في المكان اللي قلتلك عليه وخلي بالك حد ياخد باله… وممنوع حد فيكم يقرب عليها فاهمين."
"اطمن يا باشا… انت عارفني في الشغل مش بهزر."
أغلق المكالمة واتجه أمامه ينظر صامتًا وهو يوجه الرجل الآخر للمكان الذي سيذهبون إليه. وكل هذا وزهرة تنام خلفهم لا حول لها ولا قوة، غير واعية على أي شيء يحدث من حولها.
بعد مرور القليل من الوقت، كان قد وصل إلى منطقة شبه خالية من السكان، فهي منطقة عشوائية جاء لها أمر بالإزالة ليُبنى بدلاً منها قرية سياحية لعائلة القوم. وحقًا هذا اللعين ذكي للغاية، فقد اختار هذا المكان حيث أنه لا يخطر على بال أي أحد. أبطأوا سرعة السيارة عندما وصلوا أمام أحد المخازن، وإذا بها تُفتح بواسطة أحد الرجال ويدلفوا للمخزن بالسيارة ويُغلق من جديد.
ومن ثم هبط هذا الرجل وفتح السيارة وحمل زهرة ووضعها بإحدى الغرف كما أمره ضاحي، ووقف أمام الغرفة كحارس لها حتى إصدار أي أمر آخر.
***
وعلى الجانب الآخر، عندما جاء لضاحي خبر وجود زهرة مع رجاله، فُرج ثغره بابتسامة عريضة منتصرة وهو يشعر في داخله أنه أخيرًا قد حصل على كل شيء. شعر بداخله بالألم الذي سوف يشعره يونس الآن، فهو موقن تمامًا مقدار حب يونس لزهرة وواثق من داخله أن الشيء الحقيقي الذي سيكسر أضلاع يونس ويجعله غير قادر على المقاومة مرة أخرى هي زهرة فقط.
هب من مكانه وعلى وجهه ابتسامته الماكرة المعتادة وهو متجه صوب الغرفة التي تقبع بها سمية. فتح الباب دون أن يعطي انتباه لأي شيء، فإذا بزينب تجلس بجوارها وهي تربت عليها بحنان، فكانت حالة سمية الصحية بدأت في التدهور لقلة الغذاء والصحة النفسية. وعندما رأت وجهه، وكالعادة تشعر بالامتعاض والتقزز. فقهقه بجنون وهو يتحدث بنبرته المعتادة:
"جبتلك هدية حلوة أوي يا سمية… يلا معايا علشان عايزة أشوفك."
اصفر وجه سمية وقُلقت بشدة، فبالتأكيد ما يُسعد هذا المعتوه لن يُسعدها، فقالت بخوف:
"هي مين دي اللي عايزة تشوفني؟… أمي حصلها حاجة؟"
"لا اطمني دي كويسة خالص… بس دي هدية من نوع تاني خالص، يلا قدام."
نظرت له بكره وكانت علامات الإرهاق والألم تكسو وجهها، وقالت وهي تعاني من الألم:
"أجي فين… هو أنا قادرة أتحرك؟ انت مش شايف أنا عاملة إزاي؟ اتقي الله وغور من وشي بقى."
لم يكترث لما تقوله، بل انحنى لمستواها يحملها بين يديه وسط كلماتها المعترضة وهم ذاهبون بها نحو الخارج ووضعها داخل السيارة. وقبل أن يستقلها، أوقفته كلمات زينب التي كانت تتحدث وهي تشعر بالخوف والقلق الشديدين على سمية:
"يا ضاحي بيه… الله يخليك سيبها أو خدني معاها أخلي بالي منها وأراعيها، الله يخليك."
نظر لها نظرات باردة وهو يطالعها من أعلاها لأسفلها باحتقار قائلاً:
"إنتِ هتعملي فيها أختها ولا إيه… أوعي تنسي نفسك يا بت انت.. إنتِ هنا خدامة لمزاجي وبس، أنا دافع فيكي فلوس علشاني أنا مش علشان أختي، اتلحقي مكانك."
أنهى حديثه راكبًا السيارة يقودها بأقصى سرعة وهو يبتسم بفضول وحماس لرؤية زهرة ويتشوق لتميز غيظه والانتصار على يونس. وسمية كانت تجلس بجواره تضع كف يدها على معدتها المنتفخة بشدة وهي تضغط على أسنانها وشفتيها وتفر منها الدموع من كثرة الألم.
وبعد مدة من الوقت وصل لنفس المكان التي تقبع به زهرة وأمر الحرس بأخذ سمية للغرفة المجاورة لها، ومن ثم دلف هو مباشرة لغرفة زهرة.
***
نظر لها بسخرية من خوفها الذي يظهر جليًا على وجهها، ومن ثم مد يده فك جزء من حجابها. فابتعدت يده سريعًا عنها لتحكم حجابها من جديد وهي تنظر له بكره وخوف.
"يا زهره مالك…. هو حلال ليونس وحرام ليا؟ وبعدين أنا كده كده هتجوزك متخافيش، أنا مش واطي أوي كده، وكمان أنا شفت شعرك كتير قبل كده في الصور مش هتفاجئ أوي."
فتحت فاهها من هول صدمة حديث هذا المعتوه، اتسمع أذنيه ما يخرج من فمه. لا يعقل أن يكون هذا شخصًا طبيعيًا، تملك الغضب منها وهي تطالعها بوجه عابر غاضب:
"آه طبعًا حلال ليونس وحلالي، يونس جوزي وحلالي والراجل الوحيد اللي عيني شايفاه في الدنيا دي وربنا هينجيني منك وأرجعله تاني… ثم أكملت وقد فرت دمعة هاربة من عينيها: حتى لو حاولت تاخدني منه غصب عني وعنه ولو عملت أي حاجة قذرة ممكن تيجي في دماغك… ممكن تعرف تاخد جسمي يا ضاحي بس قلبي وعقلي وتفكيرك وكل ذرة ليا ليونس وبس، وما فيش راجل في الدنيا كلها ممكن يملى عيني غيره، إنت فاهم؟"
نظر لها بحقد وغل، فقد نجحت تلك الفتاة في إثارة غيظه بشدة. اقترب منها ونظر لها بقوة وهو يقول بنبرة حادة مسموعة:
"يونس مبقاش حيلته حاجة زهره… وإنتِ لسه صغيرة وحلوة وخسارة في البهدلة معايا، كل حاجة هتبقى تحت رجليكي، أنا عاوزك برضاكي صدقيني كل حاجة تتمنيها هتبقى عندك، فلوس وسلطة ومكانة وكل كنوز الدنيا هتبقى ليكي وإنتِ معايا."
ابتسمت له بسخرية لما يتفوه به قائلة بثقة:
"وتسوى إيه الدنيا والفلوس والجاه والمكانة ويونس مش معايا…. هفرح إزاي بالحاجات دي وحبيبي مش فيها؟ أنا فرحتي في يونس وسعادة قلبي مع يونس وبس، ولو هينمني على الرصيف طالما معاه أنا راضية إن شاء الله، بس أشوفه من بعيد كده كل يوم طالما شفت وشه أنا مرتاحة……. أنا معرفش إيه اللي حصلك خلاك كاره يونس أوي كده، هما قالولي أسباب كتير بس أنا مقدرتش أقتنع بولا سبب فيهم، بس كل اللي أقدر أقوله ليك ربنا يهديك وتبعد عننا بقى، إحنا مش عاوزين منك أي حاجة غير إنك تسيبنا في حالنا."
أظلمت عينيه عندما سمع كلمات الحب الصادقة التي تنبع من قلبها قبل لسانها ونظراتها وهي تتحدث عنه، ابتسامتها الصافية عندما تنطق اسمه. غلت دماء الحقد في عروقه أكثر فأكثر تجاه يونس، فقال بنبرة يملؤها حقد ووسوسة الشيطان:
"هجيبلك رقبته قدامك يا زهره… ووقتها مش هتلاقي غيري قدامك، هتشوف."
دق قلبها بعنف عندما سمعت تلك الكلمات المسمومة منه، ولكن قاطعها صوت صرخات عالية ومتتالية. فجذب ضاحي سلاحه الناري من جانب طالعه وخرج من الغرفة بحذر يلتف حوله. فوجد الحرس ينظرون له بتوتر، فهدر بهم بغضب:
"إيه صوت الصويت دا انت وهو… مش أنا قلت محدش فيكم يقرب منهم؟ عملتوا فيها إيه؟"
قال أحدهم بخوف من غضبه:
"والله يا ريس محدش قرب منها، إحنا لاقيناها بتصوت كده لوحدها… ثم أكمل بتوتر: ودخلت عليها لقيت في مياه في الأرض، كنت لسه جاي أخبط عليك."
نظر له بتعجب ولكنه اتجه صوب غرفة سمية فتحها بعنف ليجدها تنازع روحها ووجهها تكسوه الحمرة وجسدها بالكامل يتصبب عرقًا، تفتح قدميها بشدة والكثير من المياه منتشرة من تحتها وتصرخ. فقال بنبرة مصدومة ولكنها بادرة قاسية كالعادة:
"دا انت شكلك بتولدي يا حزينة… يخربيت حظك فقر زي اللي جابوكي، أعملك إيه أنا دلوقتي؟"
ردت عليه بألم ودموعها تنهمر بشدة:
"اتصرف يا ضاحي…. اعمل حاجة كويسة في حياتك مرة، بموت يا بني آدم الحقني."
نظر لها ببرود ومن ثم أغلق الباب واتجه صوب باب زهرة فتحه قائلاً لها بنبرة هادئة وهو يضع يديه في جيب بنطاله:
"قومي تعالي سمية بتولد."
انتفضت من مكانها برعب وهي تقول بتلعثم:
"هي اللي كانت بتصوت دي… طب هي فين؟ إنت جايبها هنا لي؟"
فجذبها من يدها وفتح غرفة سمية وأدخلها بعنف داخلها هادرًا بها بحدة:
"شوفيلي صرفة… أنا مش بفهم في شغل الحريم ده."
نظرت زهرة تجاه سمية والتي ما إن رأتها بتلك الحالة حتى شهقت بقوة من الصدمة، فقد تغيرت سمية تغير جذري في تلك الأشهر التي غابت فيها عنهم، فعلى الرغم من حملها إلا أنها خسرت الكثير من الوزن فأصبحت نحيلة للغاية ووجهها يملؤه الإرهاق والتعب. ومن نظرت لضاحي بكره:
"شغل حريم إيه… دا مش شهر ولادة دي في السابع تقريبًا أو السادس… إنت كده بتحكم عليها بالموت، مش من حقك تعمل كده، هاتلها دكتور يولدها، حرام عليك ذنبه إيه الطفل اللي في بطنها ده…. أنا مش دكتورة ومش هقدر أفيدها بحاجة."
"آهو إنتوا الاتنين مع بعض ودا كرم مني… ولا هي ولا اللي في بطنها يفرقوا معايا في حاجة أصلًا، اللي تقدري عليه اعمليه……"
أنهى حديثه وخرج من الغرفة مغلقها من خلفه. فوقفت زهرة وعيناها بدأت تغورق بالدموع وهي تناجي ربها وتلعن ذلك الضاحي من صميم قلبها:
"منك لله يا ضاحي… ربنا ينتقم منك، حسبي الله ونعم الوكيل."
وركت في اتجاه سمية وهي تبكي ومن ثم أمسكت أحد أكمام ملابسها ومدتها قليلاً تمسح حبات العرق وهي تبكي على حال صديقتها الحبيبة والتي دائمًا ما كانت تعدها أختًا لها. ابتسمت سمية من بين أوجاعها وهي تقول بصدق:
"كنت خايفة أموت قبل ما أشوف حد فيكم الأول…. مكنتش أعرف إني بحبكم كده."
بكت زهرة على حالها ومدت يدها تمسح دموع سمية بأكمامها قائلة بأمل:
"متخافيش إن شاء الله مش هيحصل حاجة وحشة ليكي ولا للي في بطنك…. امسكي نفسك إنتِ بس شوية وأنا هحاول أهو…."
***
كانوا يجلسون في حالة من الرعب وحسام ويونس يحاولون إجراء الكثير من المكالمات لعلهم يعرفون طريق الفتيات، ومصطفى كان يصلي لله في غرفته وهو شاعر بالضعف يحاول أن يستمد قوته من الله سبحانه يرجوه بالصبر والعون على ما هو به. فإذا بهاتف حسام يصدح برنين، فيرد حسام بلهفة وأمل:
"أيوه يا سيد طمني."
"أنا عرفت هو واخد البنات فين…. مسافة ساعتين من عندك، أنا قدام المكان وبراقب أهو، هبعتلك العنوان…."
رواية اخر نساء العالمين الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سهيلة عاشور
كانت تجلس على سجادة الصلاة في غرفه بسيطة خاصة ببنات العم مدني، تدعي الله راجية أن يحمي زوجها وأصدقائه الذين أصبحوا عائلتها التي تحبها وتعلقت بها بشدة. ظلت تبكي بحرقة، خائفة من أن يصيب أحد منهم مكروه.
ولكن لفت نظرها تلك الورقة المطوية فوق الفراش الصغير، والتي أعطاها لها حسام قبل رحيله. اعتدلت في جلستها وجذبت الورقة فاتحة إياها لتجد مكتوباً بها بخط يد زوجها الحبيب:
"متخافيش يا هبة... متخافيش يا حبيبتي، ربنا عادل وهيرجعني ليكي. ووقتها هقدملك في الجامعة المفتوحة زي ما وعدتك وهتبقى حياتنا هادية وجميلة زي ما كنتي عايزة. أنا كمان عاملالك مفاجأة هتعجبك أوي، هتلاقي فلاشة جوه الظرف، شغليها على اللابتوب. بحبك."
امسكت الورقة تحتضنها بحب. زوجها الحبيب، حتى في هذا المأزق الذي هو به، فكر بها ووضع لها ما يطمئنها عليه في غيابه. هبت من مكانها بسرعة باحثة بعينيها عن جهاز الكمبيوتر المحمول، فوجدته بجانب الفراش على المكتب الصغير. فأخذته وجلست أعلى السرير وهو أمامها، وبدأت في تشغيله.
إذا بوجه أبيها أمامها، مما جعلها تتعجب بشدة. ولكنها لم تره مثل العادة، بل كان يرتدي الملابس الخاصة بالحرم المكي. فإذا بها تقوم بتشغيل هذا الفيديو ليقابلها أبوها بابتسامة صافية، تقسم بداخلها أن تلك هي المرة الوحيدة التي ترى فيها تلك الابتسامة. فإذا به يتحدث بصدق:
"إزيك يا هبة يا بنتي... أنا عارف إنك زعلانة مني، وجايز تكوني بتكرهيني كمان. بس أنا يا بنتي ربنا نور بصيرتي. صحيح جات متأخر، بس الحمد لله إنها جات. وأنا مطمئن عليكي مع جوزك، راجل وباين عليه بيحبك أوي. لما خدوني آخر مرة، أنا قلت هيرميني في السجن لحد ما أعفن. بس جالي وقال لي إنك إنتي اللي طلبتي منه يخرجني. ووقتها قال لي: 'أنا اخترت فيك'. بس أنا عارف أنا هعمل إيه يريح الكل. وقتها قال لي إنه هيسافرني أعمل عمرة، مكنتش مصدقة."
أدمعت عيناه بحزن على حالة ابنته:
"مكنتش متخيل إنه ممكن يعمل فيا كده. وهو شافني، وأنا كنت هقتلك. أنا أوحش من إنك تسامحيني يا هبة. أنا كنت في غفلة يا بنتي. أنا دعيت كتير لأمك المرحومة، على فكرة أنا كنت بحبها أوي. بس منه لله الهباب اللي كنت بشربه. أنا بطلت يا بنتي، والبركة في حسام باشا جوزك، هو اللي حطني على أول طريق التوبة والخير. وأنا اللي طلبت منه إنه يساعدني أبعتلك الفيديو ده. خلى واحد معرفة ليه معايا هنا دايماً وبيعمل ليا كل حاجة. الناس هنا جميلة أوي يا هبة، ولما عرفوا إني ابقى حمى حسام باشا، زادوا المعاملة احترام وود. جوزك شخص محترم وابن ناس، أوعي تفرطي فيه. وربنا ينصركم ويفرحكم دايماً زي ما طهرتوا قلبي وفرحتوه. سامحيني يا هبة."
أغلقت الجهاز وأجهشت في البكاء وهي تدعو لله من قلبها على حفظ زوجها، وأقسمت بداخلها أنه يملك قلب غير كل قلوب أناس هذه الدنيا.
***
يقفون أسفل العمارة السكنية الخاصة بهم، وقد تجهزوا وارتدوا -رغماً عنهم- تحت إصرار حسام، ذلك اللباس الحامي من الرصاص، فهو يريد الحفاظ عليهم بقدر الإمكان. زفر يونس بضيق وهو ينظر إلى سلالم العمارة الذي يهبط من عليها حسام برفق وهو يتحدث إلى أحد ويعطيه أوامر بمراقبة إحدى المناطق القريبة من هذا المكان الذي يقيم به ضاحي مع الفتيات. نظر نحوهم الإخوة بضيق، وخاصة مصطفى الذي كان قلبه يلغي ولا يستطيع الهدوء أكثر من هذا. فهدر به بحدة:
"انت ماشي تتمختر يا حسام؟ ما تخلص يا أخي حس بينا شوية."
تحدث حسام بعقلانية قائلاً:
"اهدأ يا مصطفى، إنت بالذات اهدأ خالص. خلينا نعرف نتصرف بعقل."
هدره مصطفى بغضب وقلب يتأكل من الخوف:
"انت خليت فيا عقل؟ دا إنت حسابك تقيل معايا أوي، بس بعد ما نطمن عليهم خلصنا بقى."
تحدث يونس بضيق منهم:
"مش وقته شغل العيال بتاعكم ده، اهدأ يا مصطفى. وإنت يا حسام راعي شعورنا يا أخي، ويلا بقى."
أومأ له وأزال غطاء السيارة وبدأ في تشغيلها. ولكن قبل أن يستقلوا، وجدوا المعلم حسن وبعض رجال الحارة قادمين نحوه بهرولة، وبجانبهم الشاب أحمد (حمص). تعجب يونس كثيراً، وخصوصاً مع صياحهم باسمه. توقف ينظر تجاههم بتساؤل. فوقفوا على بعد مسافة صغيرة وتقدم إليه حسن بقلق، ولكنه قال بصدق وقلب يهاب عليهم، تحدث بهدوء:
"متخافش يا يونس. أحمد سمع إن عندك مشكلة وقالي: 'خير يا بني، رقبتي سدادة ليك'. أنا مفهمتش منه أوي، بس أنا ورجالتي وأهل الحارة كلهم رهن إشارتك يا حبيبي. إنت مش لوحدك يا يونس، أنا في مقام أبوك. دا إنت ابن الغالي."
نظر لذلك الرجل الذي كلما مر الوقت أيقن أن كنوز الناس ليسوا فقط من عاشرتهم لسنوات، بل يأتي أحدهم ويثبت لك خير هذه الدنيا، ومنهم هذا حسن ونعم الصديق والجار والأب الروحي لهم. تنهد يونس بحب ممزوج مع قلة صبره بسبب خوفه على حبيبته وزوجة أخيه:
"اطمن يا معلم، لما أحتاجك أكيد هكلمك. وأنا عارف إنك عمرك ما تتأخر عليا أبداً. ادعيلنا بس."
ربت حسن على كتفيه وهو يعلم أنه في حال لا تسمح بالجدال. استقلوا السيارة وقاد حسام بسرعة في اتجاه ذلك المكان، وهو بعد كل عدد دقائق بسيطة يقوم بمهاتفة سيد للتأكد منه من هدوء الأوضاع وبقائهم في نفس المكان.
***
كانت زهره تحاول جاهدة في معاونة سميه على هذه الولادة المتعسرة للغاية. فكانت سميه تصرخ بقوة وهي تشعر بكمية كبيرة من الألم، وزهره تحاول جاهدة في معاونتها بخبرتها القليلة في تلك المواضيع.
"لا مش قادرة يا زهره..." بكت بقوة قائلة: "مش عايزة ابني يموت يا زهره، اتصرفي."
كانت زهره حالها لا يقل رهبة من سميه، فهي تجلس أمامها وهي تنتظر فقط خروج رأس الطفل لتكمل هي العملية، كما كانت تشاهد جارتهم وهي تلد ابنها. فلظروف قاسية اضطرت هذه الجارة أن تلد في المنزل. كانت متوترة للغاية، ولكن الله بث في قلبها القوة لكي تكون سبب في إبقاء هذه المسكينة وطفلها على قيد الحياة.
"اكتمي الصرخة على راس الطفل تنزل يا سميه. اجمدي يا حبيبتي عشان خاطر ابنك. أرجوكي يا سميه، أنا مقدرش أعيش من غيركم. عشاننا وعشان مصطفى يا حبيبتي، إنت قوية وتتحملي، حاولي تاني أرجوكي."
بالفعل حاولت مرة أخرى في كتم صرخاتها، وقد زاد ألمها أكثر وتشعر وكأن قطعة من جسدها قد انفصلت عنها، مزامناً مع صوت بكاء طفلها الذي ملأ الأرجاء، ومعه صرخات زهره الفرحة. وقد رفعت رأسها للسماء تشكر الله بصدق وهي تنظر للطفل الذي بيدها، غير مستوعبة أي شيء، قائلة بتوتر من هول الصدمة:
"سميه سميه... إنت عايشة؟"
ابتسمت سميه بألم على تلك البلهاء:
"أيوه عايشة... اطمني."
نظرت زهره حولها بخوف عندما فُتح الباب فتحة صغيرة، وقد قذف أحدهم حقيبة سوداء بهدوء في اتجاه سميه. ففتحتها بألم، حيث كانت زهره تحمل الطفل ولا تستطيع فعل شيء. فإذا بتلك الحقيبة بها بعض المطهرات وأدوات تعاونهم على إتمام عملية الولادة، ومعها ملابس وسائل استحمام للطفل الصغير. زُهلت عيونهم بشدة، فمن المعقول أن يكون ذلك الصخر - سـافـك الـدمـاء - حن على أخته وابنها، قالت سميه بصدمة. فأتطلقت منها زهره سريعاً هذا المقص الذي ظهر بوضوح في أول الحقيبة وقطعت الرابط بين الأم ووليدها.
"إيه دا بجد؟ خديهم بسرعة يا زهره ونضفي الولد ولبسيه، عايزة أخده في حضني. الله أعلم هيحصل إيه كمان شوية."
أومأت لها زهره بسرعة، وقد فردت لها سميه إحدى الأقمشة النظيفة التي كانت بتلك الحقيبة وأراحت عليها جسد الطفل برفق وبدأت في تنظيفه، وألبسته تلك الملابس التي جعلت منه ملاكاً بريئاً في كومة القمامة الخردة التي يقيمون بها. وبعدها أعطته لسميه، التي أخذته بلهفة تشم رائحته الذكية وتقبله بحب. وما أن لامسته بيدها، حتى استكان تماماً وكأنه علم أن تلك هي والدته. نظرت لهم زهره بحب وفرحة على نجاة حياتهم، وبدأت تعبث في محتويات الحقيبة باهتمام لتجد ملابس أخرى للطفل وملابس لسميه وزهره أيضاً. تعجبت كثيراً وأقسمت أن هناك شيئاً ما يحدث دون علمهم. اقتربت من الباب بحذر وهي تطرق عليه بخفة ليظهر أحد الرجال، والذي من الواضح عليه أنه كان يتحاشى النظر إليها وينظر في الأرض بأدب. تعجبت أكثر وقالت بفضول:
"هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ ومين اللي جاب الحاجات دي؟"
تحدث الحارس بهدوء وأدب:
"اطمني يا زهره هانم. إحنا رجالة حسام ويونس باشا، وصلنا حالا، بس الواضح إنكم محستوش بينا بسبب صراخ الهانم. أتمنى تكون الهانم كويسة هي والطفل."
أومأت له في صدمة وهي تنظر حولها لتجد في الغرفة المقابلة لهم رجال ضاحي مكبلين، ويظهر على وجههم آثار الضرب والكدمات تملأ وجوههم.
"طب وضاحي موجود؟"
"لا يا هانم اطمني. هو راح مكان مقدرش أعرف فين. الأوامر اللي عندي آخد حضرتك والهانم وأوديكي المستشفى اللي في الحارة، وأفضل معاكم أنا والرجالة. يا ريت تجهزوا بسرعة، المكان هنا مش أمان."
نظرت له بخوف، فهي لا تعرفه حتى تصدق حديثه، ومن الممكن أن يكون مكيدة أخرى قد أُعدت لهم. ففهم على الفور من نظراتها، فقال لها بابتسامة هادئة:
"اهدي يا هانم، أنا بقول لحضرتك الحقيقة. وعشان تتأكدي، سيد ابن خالة يونس بيه جوزك هو واحد مننا، وواقف بره بيأمن المكان ومستني مصطفى بيه يوصل، وهو هيكون معاكم. اطمني خالص."
أومأت له وبدأ قلبها يرتاح قليلاً، ودلفت للداخل سريعاً بوجه متبسم شاكر لله. وقد أخبرت سميه بما عرفته، ليشرق وجهها مع بعض الألم الذي وبالطبع لا تزال تشعر به. ولكن زهره تقدمت منها سريعاً تعاونها في الارتداء، ومن بعدها ارتدت هي الأخرى وبدأوا في التحرك سوياً. فقد دلف سيد إليهم كما طلبت زهره لكي يكون قلبها مرتاح. فحمل منها الطفل برفق وهو يحمد الله على سلامتهم، فقد أتى بالرجال بعد خروج ضاحي قاصداً تنفيذ خطته في صفقة السلاح تلك قبل وصول الشرطة إليه. ووقتها استغل سيد الفرصة بعد توجيهات حسام له، ودلف هو ورجاله وقضوا على كل رجال ضاحي. وكان سيد يحمل معه تلك الحقيبة الذي أعطاها الحارس لهم كاحتياط لأي شيء سيحدث. وقفوا قليلاً أمام السيارة يستنشقوا الهواء الذي قد سلب منهم في تلك الساعات القليلة التي قضوها مع ذلك المغتل كما أسموه. نظرت سميه حولها وهي تقول بأمل:
"سيد... فين مصطفى؟ مش قلتوا هيجي؟"
"متخافيش يا سميه، هو كويس. هو بس هيسبقنا على المستشفى لأنها أقرب ليه من إنه يجيلنا هنا. إحنا عايزين نطلع من هنا بأسرع وقت، ووقتها كل حاجة تتحل."
أومأت له باقتناع، فهي تعلم وتثق أن أي شيء سيفعلونه هو الصواب. استقلوا السيارة، وسميه تحتضن ولدها بحب، وزهره بجوارها تتمسك بها وهي تحتضن ذراعها بحب أخوي. وسعادة قلبها لا توصف. وسيد يقود السيارة وهي ينظر خلفه يراقب الطريق بحذر، ومن خلفهم الحرس متجهين نحو المستشفى، وقد بدأ ظهور الإعياء على سميه من جديد.
***
يقفون في إحدى الأماكن شبه الصحراوية، يصفون السيارة ويغلقون أضوائها في انتظار قدوم ذلك الشخص الذي سوف يساعدهم في التخلص من هذا الضاحي للأبد. طال الوقت حتى حل الليل عليهم، وبدأ صوت أنفاس اثنتيهم يعلو، بالطبع من دون مصطفى، فقد أصر يونس عليه أن يذهب هو ويراعي النساء، فعلى واحد منهم أن يدبر أمرهم حتى تتطمئن قلوبهم. تقدم أحدهم منهم، فسحب يونس سلاحه وجعله متخفياً بجانبه حتى يكشف هوية ذلك القادم. فإذا به هو رجله المنتظر، فتح باب السيارة ونزل منها يلقي عليه السلام، ومن خلفهم حسام، وبدأ "الشيخ عامر" كما يطلقون عليه يشرح لهم ما دار:
"متقلقش يا يونس يا بني. الـ*ـكلب ضاحي موجود دلوقتي مع التاجر اياه، ورجالتكم محاوطين المكان وعاملين نفسهم رجالة الشيخ. ووقت الاستلام هيتقبض عليه. متزعلش مني يا يونس، بس أنا مش عايزك إنت تتدخل يا بني في الموضوع ده. أنا عارفك شايل منه ياما أوي، وأخاف تأذي نفسك."
زفر يونس بضيق وهو يقسم إذا رآه سوف يمزقه أرباً. فهناك ألف سبب لا حاجة للتوضيح، فقد تمادى هذا الضاحي معه كثيراً منذ سنوات. ولكنه أراد تحكيم عقله لآخر لحظة، فأما للشيخ بهدوء وقال:
"اطمن يا شيخ عامر. أنا كل اللي عايزه، أطمن إنه أخد جزاؤه وبعد عني وعن أهلي خالص، وكفاية عليه اللي عمله. أنا عندي عيلة مسؤولة مني."
ناظره الرجل بفخر وقال:
"عفارم عليك يونس، راجل وعاقل زي أبوك الله يرحمه. يلا دلوقتي، الوقت. هنطلع هنا والرجالة هينزلوا لحد عندك بالتصوير وكل الأدلة علشان كل حاجة تبقى في السليم زي ما الحكومة بتحب وتاخد حقك كامل إن شاء الله."
أومأ له بهدوء، وبدأوا في الصعود خلف الرجل، ومن ثم أشار لهم بالوقوف بجانب إحدى الفتحات الكبيرة في ذلك المكان. وبدأ في الاستماع لما يحدث بداخلها، ويونس ينظر بطرف عينيه حتى يفهم ما يحدث حوله، وحسام كذلك وهو ممسك سلاحه الناري وقد قام بتجهيزه لطلب أي أمر. بدأ التاجر في عرض الكثير من الصناديق المحملة بالسلاح، وبدأ على ملامح ضاحي السعادة والانتصار، وبدأ يحسب ما سوف يجنيه من مال من كل تلك العدد المهول من الأسلحة. فوضع أمامه تلك الحقائب الكبيرة المليئة بالمال الذي أخذه من كل الأملاك الخاصة بيونس ومصطفى عندما ابتاعهم. وفي هذه اللحظة، التم جميع الرجال عليه فجأة من ظهره، وقبل أن يطلق أي رد فعل، كانوا يكبلونه بقوة، ويدلف يونس وحسام ومعهم الشيخ عامر يقفون أمامه. عندما أيقن ما حدث به، تسلل الغضب إليه وعمى عينه أكثر، وبدأ يتفوه بكلمات غير مفهومة:
"مش هسيبك يا يونس، هخلص عليك. هخليك تتمنى الموت. ضحك بطريقة غريبة ثم قال: خدتها منك يا يونس، حبيبة القلب. بس تعرف، عندك حق. البت قمر، بس خلاص بقت بتاعتي وخدت منها كل حاجة كنت عايزها."
سمعتم صوت صفير القطار يخرج من أذن يونس الآن. لم يتحمل هذا الهراء الذي يخرج من فمه، فإذا به ينقض عليه يلكمه بعنف حتى جعل أنفه ينـزف الـدمـاء. وكاد أن يكمل، ولكن أمسكه حسام بسرعة يكبل يديه ويبثه بكلمات تجعل منه هادئاً. وأخذ الرجال ضاحي تحت الحراسة المشددة، وتحفظوا على الأموال، وأخذوا أيضاً الأسلحة النارية، حيث كانت من جلبها هم رجال الشرطة حتى لا يضر التاجر الذي امتثل الشرف بالطبع ونفى كل علاقاته لتلك التجارات وغيرها. احتضن حسام يونس بسعادة وهو يهتف بفرحة كبيرة:
"وأخيراً يا عم، دا كان زي الهم على قلبي. شهور قليلة يا صاحبي من المحاكمة وحقك هيرجع ليك. واطمن، ضاحي وناهد خلاص مفيش ليهم أثر في حياتنا."
زفر براحة وقال:
"الحمد لله، أخيراً العذاب ده انتهى. يلا بينا بقى، أنا مش قادر أستنى أكتر من كده، عايز أطمن عليهم."
اقترب منه حسام هامساً في أذنه بتلاعب:
"عليهم ولا عليها؟"
نظر له بغيظ وقال:
"دا إنت يا أخي بارد برود. يلا يا بني قدامي."
ضحك الجميع على مزاحهم، ومن ثم شكرهم يونس بصدق على مجهودهم معه، واستقلوا سيارتهم متجهين بسرعة للمشفى التي تقيم بها الفتيات.
***
كانت تجلس زهره تضع يدها على معدتها وهي متسعة الأعين، لا تستطيع تصديق ما قالته لها الطبيبة منذ قليل. فعند سميه والطفل، أصر سيد بشدة على أن تُفحص زهره أيضاً ليطمئن قلب ابن خالته على زوجته. فبدأوا بالفحوصات، ومن ثم عرضوها على طبيبة نسائية متخصصة، ووقتها أخبرتها بأنها حامل في شهرها الثالث. وكيف أنها لم تكتشف هذا من قبل. فرحت بشدة، لا تنكر هذا، ولكنها غير مستوعبة قليلاً، حيث أن تلك الحبوب المدمرة التي كانت تعطيها لها ناهد، أخبرهم الطبيب أن نسبة حدوث الحمل قليلة للغاية وشبه معدومة. ولكن من الواضح أن الله سبحانه أراد أن يعطف عليهم بحنانه بعد كل هذا العناء. نظر لها سيد ضاحكاً على حالها قائلاً بتلاعب:
"يا بختك يا ابن خالتي، البت مش مبطلة سرحان فيك. الحب بهدله والله."
نظرت له بغيظ قائلة بغضب طفيف:
"إنت رخـم أوي يا سيد. ولما يجي يونس هخليه يشوف شغله معاك."
امتثل الخوف قائلاً:
"لا لا، وعلى إيه أنا صم وبكم أصلاً."
ضحكت عليه بخفة، ولكن قاطعها ركض مصطفى نحوها ويبدو عليه القلق الشديد. فوقفت بسرعة قائلة:
"اهدي يا مصطفى. كل حاجة زي الفل والله. اهدي، سميه كويسة الحمد لله، الدكاترة اهتموا بيها كويس. وجالك ولد زي القمر ما شاء الله وصحته كويسة على الرغم من إنه مولود في السابع."
قائل بإرباك وعدم استيعاب:
"هي فين دلوقتي؟"
ابتسمت زهره بحنو على حاله، وأشارت له في اتجاه الغرفة التي بجوارهم:
"جوه هنا، سبتها ترتاح شوية. ادخلها عادي. ادخل يا مصطفى، متتخشش ليا."
أفاق من حالته ودلف للغرفة بالفعل، فوجدها ممتدة على السرير تنظر له بابتسامة واسعة ودموع فرحة. فبوجود حبيبها ردت روحها إليها وارتاح قلبها. حاولت أن تعتدل لتجلس، ولكن ألم جسدها كان كبيراً. هرول ناحيتها يساعدها، ومن ثم أخذها بين أحضانه وهو يضغط عليها، غير مصدق وجودها معه بعد كل تلك المدة. قد اشتاق لها بشدة. أبعد قليل، كـوب وجهها بين يديه يمسح دموعها التي تساقطت من عينيها بحب قائلاً بنبرة تقطر عشقاً:
"حسام، قلنا على كل حاجة. أنا أكيد زعلان إنك وجعتي قلبي عليكي طول المدة دي، بس أنا مش عارف أشكر ربنا إزاي إنه رزقني بزوجه زيك. أنا بحبك أوي يا سميه، أوعي تعمليها تاني."
ضحكت بشدة وعيونها لا تزال تذرف الدموع، قائلة بحب:
"مقدرش يا مصطفى. إنت روحي، حد يعرف يبعد عن روحه؟ حبيبتي، بص ابننا."
حقاً لقد تناسى أمر الطفل بسبب شوقه لها. نظر لهذا الكائن الصغير النائم براحة، غير مصدق، انحنى نحوه ماداً إصبعه يداعب وجنته وابتسامته على وجهه قائلاً:
"دا ابني. دا جميل أوي، ولد صح؟"
ضحكت بقوة قائلة:
"أيوه ولد. هتمسيه إيه؟"
"لا أنا هسيب الاسم ليكي أنتِ. بعتي أوي وأنتِ حامل فيه. قولي أي اسم، أنا موافق."
فكرت قليلاً، ومن ثم لمعت عينيها قائلة:
"طاهر. إيه رأيك؟"
اقترب منها جالساً بجوارها مقبلاً يديها قائلاً:
"أجمل اسم. ربنا يجعله طاهر من كل ذنوب الدنيا وحافظ لكتاب الله وبار بينا وبيونس وزهره."
ضحكت من قلبها وأغرقت نفسها بين أحضانه التي قد اشتاقت لها كثيراً، قائلة:
"ربنا يخليك ليا يا مصطفى. إنت أحسن واحد في الدنيا."
***
انتظرت كثيراً وبدأت في القلق على يونس، حيث قارب منتصف الليل ولم يأتِ بعد. وكلما سألت سيد لا يرد بأي جملة سوى كلمة واحدة فقط: "جايين". زفرت بحنق منه، ولكن لفت نظرها زوجها القادم من بعيد، فسرعت خطواتها نحوه، ترمي بين أحضانه في منتصف الطريق في هذا الدور من المشفى.
"اتأخرت لي كده يا يونس. أنا قلبي كان هيقف عليك."
نظر لها بعشق وعيناه تلمع كالعادة، ولكن هذه المرة كانت تلمع براحة أكثر من ذي قبل:
"سلامة قلبك يا قلب يونس. ثم أكمل بغيظ: أعمل إيه يا عم الرخم! حسام وقف العربية قدام بيت عم مدني عشان هبه هناك، مرضيش يوصلني. جيت مشي اتأخرت شوية."
ابتسمت بحب وهي تمحي آثار الأتربة من على وجنتيه بأطراف أكمامها بحب قائلة:
"المهم إنك رجعت بالسلامة. وأنا شايفة إنك مبسوط، إن شاء الله كل حاجة تمام وخلصنا من الزفت ضاحي."
أومأ لها بنعم بصفقة بسعادة شاكرة ربنا، ولكنها تذكرت أمراً مهماً، فقالت بنبرة دلال:
"يونس عاملالك مفاجأة كبيرة أوي."
رفع إحدى حاجبيه قائلاً:
"خير يارب."
ضحكت بسعادة وهي تشير نحو معدتها:
"أنا حامل في الثالث يا يونس. هتبقى أب يا حبيبي. ربنا استجاب لدعاي."
نظر لها ثانية واثنتين، ومن ثم احتضنها بسعادة حاملاً إياها وسط ضحكاتها قائلاً:
"بجد يا زهره، متأكدة؟"
"متأكدة جداً كمان."
"هتجيبيلي عسليه صغيرة يعني؟"
"آه، صحيح، عايزة عسليه يا يونس."
نظر لها بغيظ قائلاً بحدة مصطنعة:
"تعرفي يا بت انت... إنت حلال فيكي أروح أتزوج عليكِ."
شهقت بصدمة وهي تلزقه في معدته بقوة، مما جعله يتأوه وهو يضحك قائلاً:
"يعني عايز تتجوز عليا يا يونس، بقا كده؟"
"منا قلتلك قبل كده يا زهره... إنتِ بالنسبالي الست الوحيدة اللي فاضلة في الدنيا دي. مش هقدر أسيبك ولا هعرف أبقى مع غيرك. ... إنتِ بالسبالي 'آخر نساء العالمين'."
✨(تمت بحمد الله تعالى وتوفيقه)✨
رواية اخر نساء العالمين الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سهيلة عاشور
كان يسير كالثور الهائج، يقلب جيبه يبحث عن مفتاح السيارة. ومن كثرة الغضب، استغرق بعض الوقت حتى يخرجه من جيبه. فتح السيارة بيديه، وقبل أن يركب، كانت يد حسام على يده يمنعه من الركوب.
حسام بزفر: كنت عارف أنك متسرع وهتطلع تجري عليها. تعالي خلينا نتكلم.
يونس بغضب: ابعد من وشي يا حسام. سبني، أنا مش طايق نفسي. ابعد أحسن لك.
حسام بإصرار: مش هسيبك تدمر حياتك. أنت مفكر لو رحت كده هترجع لك؟ بعد كده تبقى بتحلم.
كان في قمة غضبه ولم يتحمل مجادلة من أحد. وما كان أمامه سوى تفريغ غضبه في حسام، فهجم عليه يلكمه بشدة. ارتد حسام على أثرها للوراء، ونظر له بصدمة، فلم ير صديقه في هذه الحالة من قبل.
يونس بغضب: ابن الـ***… عاوز يتجوز مراتي يا حسام. أنا هشرب من د-مه. سنين وأنا ساكت وصابر، بس خلاص جاب آخره معايا. كله إلا دي.
حسام بهدوء: معاك حق. بس لازم تهدى. أنا قدامك أهو، طلع اللي جواك فيا. بس مينفعش تحقق له اللي هو عاوزه. هو عاوزك أنت وزهرة تبعدوا عن بعض. لو رحت لها في حالتك دي، مش بعيد ترمي عليها اليمين. اهدى يا صاحبي.
عقل كلام صديقه، فمعه كل الحق بالطبع، ويجب عليه استعمال عقله الآن. ظل لدقائق طوال يتنفس بغضب وصوت مسموع، وحسام ينظر له بترقب، وجهه المُحمر وعروقه البارزة. كان يخشى أن يصيبه مكروه من كثرة غضبه.
اقترب منه بحذر وجذبه من ذراعه بهدوء، وجلسوا سويا على حشائش الأرض في حديقة المنزل.
يونس بحنق: اديني هديت. تقدر تقلي هعمل إيه دلوقت؟
حسام بابتسامة: هو مفكر أنه ممكن يأثر عليها ويضمها لصفه. أنا صحيح متعاملتش معاها قبل كده، بس معتقدش أبداً أن دا ممكن يحصل. وخصوصاً أن رجالتى قالوا لي أنه كان نازل شكلة مش مبسوط. أكيد وقفته عند حده. وبيني وبينك، لما تيجي منها هي أحسن.
يونس بغضب: يعني إيه؟ أنا أقعد حاطط إيدي على خدي ومستني مراتي هي اللي توقفه عند كده؟ أنت اتجننت يا حسام؟ ما توزن كلامك شوية.
حسام بسرعة: والله ما قصدي يا يونس. أنا أقصد أنه كده هيلاقي أنه الموضوع أصعب أكتر عليه وهيخاف ويعمل ألف حساب. متأخذنيش يا صاحبي، يمكن يكون كان مفكرها زي ناهد ويعرف يأثر عليها.
زفر يونس بحنق وظل صامتاً لفترة يحاول السيطرة على شيطانه ويكف عن التفكير. فكلما تذكر أنه ذهب بيت زوجته وطلب منها الزواج، تغلي الد-ماء في عروقه. وكلما تخيل أنه جلس معها ورآها وتحدث معها، يود لو يذهب ويفتك به.
أخرج تنهيدة حارة.
حسام وهو يربت على ظهره: اهدى يا يونس. أوعى تغلط المرة دي. حكم عقلك يا صاحبي، أنت عارف التهور مش هيعمل أي حاجة غير أنه هيأذيك بس.
يونس بغضب: مش قادر يا حسام. مش عارف أسيطر على نفسي. عاوز أروح أخنقه بإيدي. من امتى بندخل الحريم في مواضيعنا؟ اتخطى كل الحدود ومبقاش همه حاجة.
حسام بهدوء: بالذكاء مش بالدراع، وأنت عارف كده كويس. اللي زي دا عاوز دماغك مش عضلاتك. أنا هسيبك تهدى، بس أبوس إيدك بلاش تحقق له اللي هو عاوزه، فاهم؟
يونس وهو يضغط على يده: طيب يا حسام. طيب.
حسام بابتسامة: ومتقلقش، حبايبك أقل حاجة عشر سنين لكل واحد.
يونس بارتياح: واثق فيك يا صاحبي. طول عمرك شاطر في شغلك.
حسام بمرح: منتنى كمان طول عمرك شاطر يا باشمهندس، بس أنت اللي سبت الكار.
يونس وهو يهز رأسه بيأس: أنت ظابط ولا حرامي ولا تاجر مخدرات ولا إيه حكايتك؟
حسام بضحك: أنا أي حاجة في كل حاجة يا بيبي، أنت تؤمر.
يونس بابتسامة: امشي يلا من هنا.
حسام بمرح: طب ما تذوقش كده. سلا يا صاحبي.
يونس: سلام يا صاحبي.
رحل حسام وترك يونس يفكر ويفكر، حتى شعر بألم كبير في رأسه. فظهور هذا العدو بشكل صريح وبدون أي خوف هكذا يشعره بعدم الأمان والارتياح، وعليه التخلص منه في أسرع وقت حتى لا يشكل تهديد لأي فرد من أفراد العائلة. ولكنه وجد أحد الطرق لإعادة زهرة للمنزل، مما جعله يرتاح قليلاً لفكرته هذه. فقد اشتاق لحبيبته كثيراً ولن يستطيع العيش ساعة أخرى بعيداً عنها.
***
عند حسام.
كان يقود سيارته وهو يسير نحو اتجاه المنزل الذي يقيم به هو وعائلته. كان منشغل بالتفكير في يونس، فهو يشعر بالقلق عليه كثيراً، فصديقه تتوالى عليه الهموم واحدة تلو الأخرى.
أوقف السيارة فجأة عندما رأى أحدهم مرمياً أرضاً، لا حول له ولا قوة. نزل من السيارة، وسارها ليقلب وجه المرمي أمامه، فإذا بفتاة شابة تتحدث بصوت متقطع وشفاه مرتجفة ووجه يبدو عليه الإرهاق الشديد.
حسام بقلة حيلة: مش سامع حاجة. مالك في إيه؟ حاسة بإيه؟
الفتاة بصوت ضعيف: حاسة مسكرة. بسرعة لو سمحت.
استطاع سماعها بصعوبة، ولكنه ركض مسرعاً نحو سيارته. تذكر أنه قد اشترى شوكولاتة سوداء اليوم ولم يأكلها. لحسن الحظ، قطع قطعة منها وقربها من فمها. أخذتها سريعاً وبدأت تمتصها بضعف. وبعد بعض الوقت، بدأت تفتح عينيها بضعف.
لم يجد حل سوى أنه اقترب منها، يحملها بين يديه وأجلسها في الكرسي الخلفي من السيارة. وانطلق سريعاً حيث المشفى. فمن الواضح من ملابسها وشكلها الخارجي أنها عانت كثيراً، ويجب عليه مساعدتها بالتأكيد.
***
في منزل وردة.
قد أدت فرضها وأعدت طعاماً خفيفاً من أجل العشاء ومعه كوب من الشاي. وأشغلت التلفاز وبدأت تتذكر حياتها، مما جعل دمعة تفر من عينيها. تتذكر أنها لم تكن سوى فتاة يتيمة عندما بدأت تعي على دنيانا، وجدت نفسها وسط العشرات من الأطفال في دار الأيتام. تتذكر عندما أتمت السن القانوني للخروج من الدار، كانت أول مرة ترى الحياة على حق، ظالمة وغريبة. لم تكن كما كانوا يتحدثون عنها في الدار أبداً.
تتذكر أنها كانت تعمل في كل شيء وأي شيء حتى توفر قوت يومها. كانت تسكن في غرفة وهي والكثير من الفتيات، تكاد تكون آيلة للسقوط. وعندما وضع الله أمامها مهران، عندما ذهبت لجمع حبات الفاكهة من أرضه وعلم بحالها، بدأ في مساعدتها حتى اشترى لها بيت صغير ولكنه جميل للغاية ووفر لها عمل في منزله. وكان قاصداً أن يكون مجرد مساعدات في المنزل حتى لا يتعبها. كان مثالاً حقيقياً للأب والرجل الصالح. كم تمنت أن يكون والدها الحقيقي.
ونوارة التي طالما أغمرتها بالحنان والحب وكل ما تحتاجه. ومصطفى ويونس يعاملونها باحترام، ودائماً ما يطمئنوها أن لها إخوة وحمى في هذه الدنيا وليست وحيدة أبداً.
ابتسمت بصدق عندما تذكرتهم، ولكن قاطع شرودها دَق خفيف على الباب. ذهبت وردت من وراء الباب، فهي تخاف من فتح الباب في الليل لأحد، وأيضاً ليس من العادة أن يزورها أحد في هذا الوقت.
وردة بتوتر: مين؟
حسين بتلاعب: أنا حسين يا وردة.
وردة بتعجب: إيه اللي جابك هنا؟
حسين بخبث: وحشتيني.
فتحت عينيها بصدمة، ومن ثم تحدثت بغضب: أنت جرى لعقلك إيه؟ امشي من هنا وإلا هصوت وألم عليك الجيران وأهلي. اللي ميشتري يتفرج عليك.
حسين بضحك: طب اعملها كده وأنا أقول لهم إنك اللي كنتي بتغرري بيا لهنا. وبعدين متنسيش دا أنا الدراع اليمين ليونس بيه. الكل هيصدقني. ولا إيه رأيك؟
وردة بضيق: يعني عايز إيه؟
حسين بضحك: سلامتك يا روحي. تصبحي على خير.
فتحت فمها بصدمة وغضب من هذا المعتوه، فكأنه احتسى أحد المشروبات المسكرة ولم يكن يعي ما يقوله. مشت بهدوء نحو إحدى الفتحات بجانب الشرفة، وجدته قد ذهب. ضربت كفاً على كف بحيرة من فعلته هذه. ولكنها ابتسمت بخجل عندما تذكرت آخر كلماته.
وردة بحيرة: يا ترى ناوي لي على إيه؟
***
في المنزل.
كان مصطفى لازال على الأريكة، ولكنه اعتدل في النوم عليها. حيث كان ينام على بطنه ويرفع قدميه عالياً ويهزها بطريقة غريبة وهو يتحدث في الهاتف.
مصطفى بفخر: برافو عليكي يا زهرة. شاطرة. بنت عمي بصحيح. أيوه كده، وقفيه عند حده.
زهرة بحيرة: هي إيه حكاية الراجل ده؟ أنا مش مرتاحة. ما تقلي يا مصطفى.
مصطفى بهدوء: هقولك بس مش دلوقتي. موضوع طويل أوي هحكيلك عليه بعدين. ثم أكمل بابتسامة: بس أنا سعيد سعادة لا توصف. أخيراً خلصنا من ناهد للأبد.
زهرة بتعجب: ودا إزاي يعني؟
مصطفى بسعادة: هحكيلك.
اعتلت الصدمة وجهها بشدة، وبدأت الشهقات تتوالى واحدة تلو الأخرى ومصطفى يقص عليها.
زهرة بصدمة كبيرة: إزاي قدرت تعمل كده؟ ثم أكملت بحزن: أكيد يونس زعلان أوي؟
مصطفى بزفر: هو زعلان بحق. دا متبهدل على الآخر. كل ما يطلع من حفرة يقع في غيرها. أنا بقيت خايف يحصله حاجة يا زهرة بجد.
زهرة بحزن: إن شاء الله هيعدي من كل ده ويرجع أحسن من الأول.
مصطفى بخبث: مش هيرجع زي الأول إلا بيكي أنت. وأنتِ عارفة ده.
زهرة بكبرياء: أنا كرامتي اتهانت يا مصطفى. وبصراحة مش هسمح لنفسي إني أتهان تاني.
مصطفى بتلاعب: وأهي كانت غمة وانزاحت من قدامك، وطريقك ليه بقى مفتوح. متضيعيش الفرصة دي من إيدك. أنتِ بتحبيه يا زهرة، متظلميش نفسك. استهدي بالله كده.
زهرة بهدوء: لا إله إلا الله. بس.
كانت ستكمل حديثها إلا الصوت الذي جعلها تصمت تماماً. حيث دلف يونس للمنزل يجر قدمه بضعف. ورأى مصطفى نائم بهذا الوضع الغريب، مما جعله يهز رأسه بيأس من أخيه الذي لن يكبر أبداً.
يونس بمقاطعة: أنت إيه اللي مصحيك دلوقتي ومالك نايم زي اللي بيشمس ظهره كده ليه؟ وبتكلم مين في ساعة زي دي؟
مصطفى بسرعة: إيه كل ده؟ لوك لوك هتحقق معايا. ثم أكمل بغمزة: بكلم زهرة. عندك مانع يا يونس؟
قال آخر كلامه بطريقة مستفزة كثيراً، مما جعل يونس يزفر بحنق ويهم مسرعاً نحو غرفته هو وزهرة. أما مصطفى، فكان يضحك بشدة على غضب وغيره أخيه.
ذهب يونس للغرفة وما إن دلف إليها ووجدها فارغة. حزن بشدة، فطالما كانت تملؤها زهرة حب وحنان وجنون بعض الشيء. ينظر لكل ركن بها وهو يتذكرها ويبتسم بألم من أن يكون قد خسرها.
جلب إحدى بيجاماتها والتي قد نسيها، قربها منه، يشم راحتها بنهم، ومن ثم احتضنها وخلد للنوم سريعاً بسبب الإرهاق والتعب.
***
عند ضاحي.
أحدهم: البت شكلها صعبة يا ضاحي. أنت ليه مصمم عليها أوي كده؟ ما تشوف طريقة تانية، إشمعنى الطريقة دي؟
ضاحي بهدوء: البت دي الشوكة اللي هت-كسر ظهر يونس للأبد. ض-ربة مش هيعرف يقوم منها أبداً. أنا عارف يونس دا أكتر من أبوه وأمه، وبكرة هثبت لكم صحة كلامي.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سهيلة عاشور
في صباح يوم جديد.
وما إن أشرقت شمس يوم جديد، تململت زهرة من مكانها بتكاسل. باتت تكره أن تفيق من نومها، حيث أنها لا تراه بجوارها ومعها كما اعتادت، فتتذكر ما هي به ويعتلي الحزن وجهها.
قامت من مكانها وتوضأت وأدت فرضها، وبعدها استمعت لضجة كبيرة في المنزل، فخرجت ولا تزال ترتدي ملابس الصلاة التي كانت تعطيها منظرًا بريئًا وساحرًا للغاية.
عندما خرجت، وجدت جميع أفراد العائلة موجودين ومعهم يونس، والذي ما إن رآها حتى ظل محدقًا بها وكأنه لم يرها منذ سنوات، فكل دقيقة في غيابها كأنها سنوات طوال، لو يستطيع تخطيها أبدًا.
ما إن رأت نظراته هذه حتى توترت كثيرًا وأصابها الخجل، ونظرت لوالدتها التي كانت تنظر لها بابتسامة مطمئنة.
مهران بابتسامة: تعالي يا بنت أخويا. نهون عليكي تسيبينا كده؟
نوارة بحب: لقيناكي هتتأخري في زعلك، قلنا نجيلك إحنا.
زهرة بخجل: نورتوا البيت.
وذهبت وجلست بجوار والدتها في صمت، وهي تشيح بعينيها بعيدًا عن يونس.
مهران بصدق: إيه يا زهرة يا بنتي؟ البيت وحش من غيرك. هتفضلي سايبانا كده كتير؟ ولا انتي كارهة العيشة معانا؟
زهرة بتوتر: والله يا عمي مش قصدي بس...
نوارة بعتاب: بس إيه يا زهرة؟ يصح برضه تسيبي أهلك وناسك في ظروف صعبة زي دي؟ دا أنا قلبي كان بيتقطع عليكي، مفكرتيش فيا ولا في زعلي، سيبتيني لوحدي ومشيتِ؟
زهرة بحزن: انتي عارفة يا ماما أنا مشيت ليه و...
مهران بمقاطعة: أنا مفهمش الكلام دا. اللي تزعل تزعل في بيتها. عندك البيت طويل عريض، ازعلي في المكان اللي يريحك، بس متسيبيش بيت أبوكي وعمك وبيتك وتمشي. إحنا نمشيه لو عاوزة، بس انتي...
بالطبع كان يقصد يونس بآخر حديثه. حقًا قد حاصروها في الحديث ولم تعرف بماذا ترد القول عليهم، ولكن لمعت نظرات والدتها التي كانت تحذرها من قول أي شيء خاطئ. ظلت صامتة وتنكس رأسها أرضًا.
مهران بهدوء: يلا قومي جهزي نفسك، هتروحي معانا.
زهرة بسرعة: بس يا عمي...
وفاء بمقاطعة: قومي يا زهرة، اسمعي كلام عمك يا بنتي. يلا جهزي نفسك.
نظرت لوالدتها بصدمة. ألم تكن أنتِ التي وعدتني بأنها سوف تنفذ رغبتي؟ لقد أقنعك ببساطة يا أماه.
وقفت تنظر للأم بعتاب، ومن ثم ذهبت نحو غرفتها تجمع أشياءها، وبداخلها الكثير من المشاعر المختلطة والغريبة.
نظرت وفاء نحو يونس بتفحص، كانت تنظر له من أعلاه لأسفله بدقة، مما أصابه بالتوتر من غرابة نظراتها.
وفاء بهدوء: بعد إذنك يا حج مهران، أنا عاوزة يونس في كلمتين.
مهران بهدوء: حقك يا مرات أخويا. قوم يا يونس مع مرات عمك.
وقفت وفاء واستأذنت منهم، ومن ثم نظرت ليونس نظرات ذات مغزى واتجهت نحو الشرفة. ذهب ورائها.
وقفت تنظر أمامها بثبات، وهو يقف بجوارها ينظر لها بترقب لكي تتحدث، ولكن مرت بعض الدقائق دون أن تتفوه بأي كلمة منها، أصابه بالتوتر أكثر.
وفاء بهدوء: أنا جوزتك بنتي عشان خاطر عضم التربة يا يونس، وأنت عارف دا صح.
أومأ لها باحترام، ثم أكملت: لما أبوك الحج مهران كلمني وطلبها ليك، أنا خفت. قلت بنتي الوحيدة هجوزها على ضرة وهبهدلها، واشمعنى أنت؟ لي مش مصطفى؟ مهو عازب وأصغر في السن. كان عندي ألف سبب يخليني أقف قدام الحج مهران وأقول لأ. عارف أنا وافقت ليه يا يونس؟
يونس بترقب: ليه؟
وفاء بابتسامة: عشان قلبي قالي كده. قالي راحة بنتك معاه هو وبس. ولما اتجوزتوا وكنت شايفة حبك مالي عينيها ووشها، قلبي كانت هيرقص من الفرحة. كانت بتحكيلي إنك بتجبيلها كل حاجة وبتدافع عنها وصاين كرامتها.
ثم أكملت بتنهيدة ضيق: بس لما جيت آخدها وشفت ردة فعلك بعيني، قلت لنفسي أنا مش هسيبه يشم ريحتها تاني أبدًا. أنا بنتي غالية أوي يا يونس، أنا فنيت عمري عليها. كان ممكن أتزوج بعد عمك الله يرحمه، منا كنت صغيرة وقتها وكان بيتقدم لي ناس كتير ومحترمين وولاد ناس، بس قلت لأ، كفايا عليا إن في يوم كنت مراته وربنا سبحانه وتعالى هيجمعني بيه في الجنة وهيعوضني عن سنين عمري اللي راحت. وكفايا عليا أشوف بنتي بتكبر قدامي وناجحة وسعيدة في حياتها، دا لوحده بيخليني أسعد شخص في الدنيا. بس أنت يا يونس هدمت السعادة دي. لأول مرة أشوف بنتي بتسهر تعيط ومقهورة على نفسها كده.
يونس بحزن: أنا والله ما كنت أقصد إن كل دا يحصل، دا أنا روحي فيها، مقدرش أبدًا أشوفها زعلانة كده و...
وفاء بمقاطعة: كلامك مش مهم يا يونس. مفيش حاجة ليها لازمة بعد حزن بنتي أبدًا. أنا هخليها تروح معاك المرة دي، ودا مش عشانك لا، دا عشان الراجل اللي شايلني أنا وبنتي سنين وعمري ما شفت منه إلا كل احترام وصدق. بس لو اتكرر تاني، أو لو حسيت إن بنتي زعلانة حتى زعل عادي، هطلقها منك يا يونس. ودا مش تهديد، أنا بس بعرفك.
تركته وذهبت، وهو ينظر في طيفها بصدمة وخوف من حديثها، ولكنه يعلم أن لديها كل الحق، فهي وحيدتها والذي تلقته منه لم يكن قليلًا أبدًا.
***
في غرفة زهرة.
كانت تجمع باقي ثيابها بعدما ارتدت ملابسها المكونة من فستان رقيق باللون النيلي ومعه حجاب أبيض مزين ببعض الورود من نفس لون الفستان. كانت لا تستطيع تحديد شعورها أبدًا. بالطبع كانت تشتاق إليه كثيرًا وتريد قربه من جديد بكل الطرق، ولكن قد أُهينت كرامتها بشدة، ووالدتها وضعتها في موقف لا تُحسد عليه، حتى أنها لم تترك لها فرصة لتبدي رأيها بما يحدث.
أخرجت تنهيدة تعبر عن حيرتها، قبل أن تدلف والدتها للغرفة وتنظر لها بابتسامة صافية.
وفاء بهدوء: أنا عارفة إنك زعلانة مني، وإن مش دا اللي كنتي عاوزاه يحصل. بس دي الأصول يا حبيبتي.
زهرة بحزن: كنتي خدتي رأيي حتى يا ماما؟ أنت كسفتيني قدامهم.
وفاء بنبرة حنونة: بالعكس، أنا غليتك أكتر ما انتي غالية كمان. احترام عمك ومراته ملوش دعوة باللي بينك انت وجوزك. قعدتي عندهم شهور أهو، حد فيهم زعلك في حاجة؟
زهرة: لا طبعًا، دول مفيش في حنيتهم عليا.
وفاء بهدوء: عشان كده أنا وافقت تروحي معاهم. احتراما ليهم بس، مش عشان أي حاجة تانية. حتى لو هروح أجيبك بكرة، بس هما جم لحد بيتنا وشارينك، يبقى لازم تروحي معاهم. فهمتي يا حبيبتي؟
زهرة بإيماء: فهمت يا ماما. معاكي حق.
وفاء بابتسامة: فكري براحتك النهاردة. وقليلي ناوية على إيه، وأنا معاكي في أي قرار. يلا يا زهرة عشان منتأخرش عليهم.
جذبتها من يدها بحنان واتجهت نحو الخارج، ومن ثم ودعوا بعضهم البعض، وذهبت زهرة معهم.
***
أسفل منزل زهرة.
كان يونس يفتح لها الباب الذي بجواره. لم تنظر له حتى، واتجهت نحو الباب الخلفي وفتحته وركبت به. نظر لها بغيظ وهو يزفر بغضب.
مهران بضحكة مكتومة: يلا يا أم يونس، اركبي ورا مع زهرة، وأنا هركب مع يونس نتكلم شوية.
أومأت له نوارة وهي تبتسم بتلاعب، فمن الواضح أن زهرة لن تهدأ أو تسامح بسهولة. ظلوا يتحدثون في أمور العمل وأمور أخرى، وحاول يونس كثيرًا أن يوجه لها الحديث ويمزح معها، إلا أنها لم تعطيه الاهتمام، تنظر أمامها في الطريق فقط.
***
في المستشفى.
كان حسام يقف أمام باب الغرفة التي تقبع بها هذه الفتاة، ومعها أحد الأطباء، وقد قام بوضع بعض المحاليل الطبية وحقنها ببعض الإبر العلاجية. وكل هذا وهو يراقبها من الخارج. ظل واقفًا يتأمل وجهها الشاحب الخالي من الحياة، يبدو أن هذه الفتاة تخبئ الكثير من الألم بداخلها.
بعد الكثير من الوقت، خرج الطبيب.
حسام بهمة: خير يا دكتور؟
الطبيب: الحمد لله إنك لحقتها. كانت ممكن تدخل في غيبوبة، بس عدت على خير. لازم تاخد بالك منها ومن أكلها كويس يا حضرة الظابط، صحتها في النازل، ودا غلط جدًا على مريض السكر.
حسام بصدمة: هي عندها السكر؟ بس دي صغيرة أوي.
الطبيب بتعجب: حضرتك مكنتش تعرف إزاي؟
حسام بهدوء: لأني معرفهاش أصلًا الحقيقة، أنا بس بساعدها.
الطبيب بجدية: كده لازم حد من أهلها يكون موجود عشان...
حسام بمقاطعة: مفيش داعي يا دكتور. أقدر أدخلها؟
الطبيب بإيماء: أكيد اتفضل، هي شوية وتفوق.
تركه وتقدم نحو الغرفة، وفتح بابها واتجه نحو سريرها. كانت تنام لا حول لها ولا قوة. ظل يتأمل ملامحها. كيف لفتاة يبدو عليها صغر السن أن تكون صاحبة مرض مزمن؟ يرى كيف كانت تعاني من الحياة حتى تصل لهذه الحالة. ثيابها يغطيها الأتربة، وجهها مليء بالحكايات. شعر بفضول ليستمع لها كثيرًا.
قاطع شروده رنين هاتفه.
حسام بإرهاق: أيوه يا أمي.
الأم بقلق: برن عليك بقالي ساعات يا حسام، ووجعت قلبي عليك. لي كده؟
حسام: آسف يا حبيبتي، بس غصب عني حصل معايا حاجة. لما أجي هحكيلك. يلا مع السلامة.
الأم بقلة حيلة: ماشي يا حسام، لما تيجي.
أغلق الهاتف ووجه نظره إليها، ووجدها بدأت في فتح عينيها البنية، والتي كانت تتميز باتساعها، فكانت تعطيها منظرًا خاطفًا للأنفاس.
حسام بابتسامة: صباح الخير. صحيتي من صوتي؟
الفتاة بهدوء وهي تتحدث بضعف: لا أبدًا. شكرًا ليك أوي.
حسام بهدوء: ولا يهمك يا ستي. تعالي يلا عشان أوصلك.
الفتاة بخوف: لا مفيش داعي يا باشا، أنا هروح لوحدي.
حسام بتعجب: لوحدك إزاي؟ هو انتي قادرة تقفي أصلًا؟ يلا يا بنتي وهنجيب معانا ممرضة تسندك، متخافيش.
كانت ستعترض، ولكنه ذهب من أمامها يطلب أحد الممرضات ويخبرها بطلبه، وبالطبع وافقته بعدما استأذنت من أحد الأطباء، والذي كان يعرف حسام ووافق، حيث أنه حامي هذه المنطقة ولديه الكثير من الاستثناءات.
ساعدتها الممرضة في الوقوف، وبدأت في إسنادها وركبوا السيارة سويًا، وكل ثانية تقريبًا كان يتابعها حسام عن طريق المرآة أمامه، أما هي فكانت تستند برأسها على كرسي السيارة وتنظر أمامها بسرحان، بعدما أخبرت حسام بعنوان منزلها.
بعد القليل من الوقت، وصل أمام منزلها، والذي كان منزلًا بسيطًا للغاية، حتى أنه كان من الطراز القديم ويبدو عليه متهالكًا بشدة.
فتح لهم باب السيارة وساعدها الممرضة مجددًا، ومن ثم اتجهوا نحو باب المنزل. فتح لهم رجل يبدو أنه في الخمسينات من عمره، وجهه بغيض للغاية ويبدو عليه الغضب، ولكن عندما رأى حسام هدأ قليلًا، فهيأة حسام تعطي له هيبة كبيرة.
الرجل (رشوان): كنتي فين يا بت يا هبة؟ وانت مين يا بيه؟
حسام بهدوء: أنا الظابط حسام يا حج، وبنتك تعبت وأنا خدتها المستشفى ولسه جاية دلوقتي. معرفتش أتواصل معاك لأنها مش معاها موبايل.
رشوان بملل: كتر خيرك يا بيه. يلا يا بت خشي.
جذبها من يدها وهو يرسم ابتسامة صفراء أمام حسام والممرضة، ثم تفوه بسخرية:
رشوان: لامؤاخذة يا بيه، البيت مش من مقامك، مش هعرف أقولك اتفضل.
حسام بعدم راحة: ولا يهمك. المهم اطمنا عليها. بعد إذنك.
ذهب حسام، وهبة تنظر له، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها، فلأول مرة تشعر بأن أحدًا يحن عليها كل هذا الحنان، شعرت وكأنه طوق للنجاة، ولمن ها هو ذاهب الآن.
ما إن أعطى حسام ظهره لهم وأغلق رشوان الباب، لم يخطُ حسام بضع خطوات إلا وسمع صوت صراخ أحدهم ينادي باسمه بضعف.
هبة بصراخ: الحقي يا حسام بيه. الحقني.
***
في منزل عائلة يونس.
كانت وردة تطهو الطعام وهي منشغلة كثيرًا، ولكنها سعيدة، فقد علمت بالطبع أن صديقتها وأختها الروحية سوف تأتي اليوم.
قاطعها سقوط حجر صغير على قدمها.
وردة بألم: آه. جه منين ده؟
اتجهت نحو باب المطبخ لم تجد أحدًا، فدَلفت للداخل من جديد، ولكن جاءها حجر آخر مما أصابها بالغضب. اتجهت مرة أخرى نحو الباب وظلت تنادي بصوت عالٍ.
وردة بغضب: مين اللي بيرمي الطوب ده؟ اطلع من مكانك. اطلع.
قاطعها أحدهم وهو يضع كف يده على فمها يكتمه تمامًا، وهو ينظر لها والابتسامة على وجهه، ودلف بها داخل المطبخ من جديد وألصقها بالحائط، وكان قريبًا منها كثيرًا، مما جعلها تشعر بالنفور منه.
نزع يده من على فمها، وكانت تنظر له بغضب كبير: أنت باين عليك عقلك ضرب على الآخر. إيه شغل العيال ده؟ أنا مش هسكت لك على فكرة وهقول ليونس بيه لما يرجع.
اقترب منها أكثر وهو ينظر داخل عينيها بتلاعب: طب منا عاوزك تقولي لي. هستناه لما يجي.
وردة بتوتر: ابعد عني. أنت مالك مقرب كده ليه؟ ابعد وإلا...
اقترب أكثر وهو ينظر لها بخبث: وإلا إيه؟
كانت ستهُم بالرد عليه، ولكن قاطعها صوت أحدهم وهو يتحدث غاضبًا: والله عال، قلبتوا البيت كباريه.
رواية اخر نساء العالمين الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سهيلة عاشور
شكرا من قلبي على سؤالكم عني في غيابي وعلشان الناس اللي بتسأل أنا مقدرتش أعمل أي حاجة أنا عاوزاها بسبب ظلمهم اللي بجد ملهوش تبرير بس الحمد لله
كانت تقف متسعة العينين تنظر أمامها وتفكر بهذه الفضيحة التي سوف تتسبب في إبدائها تمامًا دون أي ذنب لها.
عم محمد (رئيس الغفر): أي قلة الأدب دي... مفيش احترام للراجل اللي حاميكم في بيته، أي البجاحة دي.
وردة بخوف: والله يا عم محمد مفيش حاجة، أنت فاهم غلط والله.
حسين بقلق عليها: هي ملهاش ذنب يا عمي، أنا اللي كنت بضايقها بس.
عم محمد بحدة: يلا قدامي على شغلك... ولما يجي صاحب الشأن هو اللي يحكم.
نظر لها نظرات معتذرة نادمة وهو يرى الخوف في عينيها، فهو على يقين تام أنها تحب هذا المنزل وأهله كثيرًا ولا تستطيع العيش بعيدًا عنهم، ويعلم أن رجال هذا المنزل لا يغفرون هذه الأخطاء حتى لو لم يحدث بينهم شيء، ولكن يكفي أن هذا الموقف سوف يصحب معه الحديث الفظ والسمعة السيئة.
***
أمام منزل هبة كان حسام يقف متشنجًا من صوت الصراخ، ولكنه فاق من صدمته سريعًا راكضًا نحو المنزل وحاول فتحه ولكن دون جدوى، ولم يجد طريقة سوى كسره. وقع الباب أثر أنه كان بابًا من الخشب القديم وتأثر بسهولة من الدفعة القوية الخاصة بحسام. نظر أمامه ليجد هبة تجلس أرضًا وهي تتكور حول نفسها في أركان صالة المنزل الصغيرة، وآثار الضرب تظهر على جسدها والذي ظهر من خلف ملابسها. شعرها متساقط أرضًا ويظهر بالكامل حيث أن حجابها يوجد على الأرض بدلًا من رأسها، تبكي في صمت وجسدها يرتجف بضعف. نظر إلى والدها والذي كان يقف ووجهه تكسوه الحمرة من كثرة المجهود الانفعالي ويحمل بيده حزام بنطاله الجلدي السميك.
رشوان بسخرية: خير يا حضرة الظابط، مفيش وراك غيرنا النهارده ولا إيه.
حسام بغضب وقد أمسكه من تلابيب ملابسه بقوة: أنت مجنون... أنت إزاي تعمل فيها كده، أنت أبوها إزاي دي بتموت، أنت إيه.
رشوان بحدة: وأنت مالك، بنتي وبربيها، أنت تدخل بصفتك إيه... ثم أكمل بغضب: ولا تكون أنت وهي ملبسني العمة ومظبطنها مع بعض.
اتسعت عيناه من هول حديث هذا اللعين، كيف لأب أن يتهم بنته بهذا الاتهام الشنيع. ساد الصمت والنظرات الحادة بينهم، ولم يسمع أي شيء سوى صوت نحيبها الذي بدأ في العلو بعد آخر كلمات لوالدها، فقد كُسر قلبها وكبرياؤها أمام الغريب أيضًا.
حسام بغضب جامح: أنت باين عليك عبيط ولا سايق الهبلة... إيه يا راجل يا خرفان الكلام اللي أنت بتقوله دا.
رشوان بحدة: إيه مش هي دي الحقيقة... طول الليل وهي غايبة وجاية وش الصبح متهبدلة ومع راجل غريب، هتكون معاه بتعمل إيه يعني غير الغيظ. ثم أكمل وهو يحاول الاقتراب منها: حطت شرفي في الطين بنت ال** هي وأمها صنف واحد.
كاد أن يصفعها من جديد لولا حسام الذي وقف أمامها ليحميها، مما جعلها تطمئن وتغمض عينيها بألم.
حسام: إياك تفكر فيها حتى وإلا مش هتعرف ترفعها تاني أصلًا.
رشوان بسخرية: وأنت بقا إيه اللي مقوي قلبك كده، دي بنتي، أنت ملكش حق فيها ولا أنا غلطان، منا خايف بقا يمكن مش واخد بالي من حاجة.
حسام بهدوء وهو يوجه نظره نحو الممرضة التي كانت لا تزال تقف على باب المنزل ونظرات الدهشة تعتلي وجهها: تعالي يا بنتي ساعديها تعدل لبسها وقوميها يلا.
أفاقت الممرضة سريعا وبدأت في تنفيذ الأوامر، وما أن وقفت هبة وهي تتمسك بها حتى أشار لها حسام نحو الباب لكي تخرج منه، ولكن كان لرشوان رأي آخر.
رشوان بغضب وصوت عالي: جرا إيه يا بيه، هي وكالة من غير بواب، واخد بنتي على فين.
حسام ببرود: ماليش فيه... وأنت عارف إنك مش هتاخد مني ولا حق ولا باطل، فا ابعد من طريقي أحسن ليك يلا.
أشار للممرضة أن تتحرك بهبة ونفذت الأمر سريعا، فذهبت الفتيات وهو يسير من خلفهم ومن خلفه صوت رشوان الثائر وحديثه الذي كان مليء بالتهديد والوعيد.
رشوان بصراخ: أنت مفكر إنك مش هقدر عليك... ماشي معاها في الباطل وجاي تاخدها قدام عيني، علشان بيه وابن ناس والفلوس متلتلة عندك، مفكر إنها هتعدي بالساهل.
انطلق بالسيارة وهو يسمع ثرثرته اللعينة ويراقبه وهو يحاول اللحاق بالسيارة مع الاستمرار في حديثه السام. وقعت عيناه على التي كانت تستند برأسها على كتف الممرضة وهي تنظر للفراغ أمامها وعيونها تزرف الدمع فقط. إن كانت هي أو غيرها كان سيساعد بالطبع، ولكن لا يعلم لما قلبه تألم بهذه الطريقة، يشعر بشعور غريب وفريد من نوعه، كما أن شعوره بالفضول نحوها كبير، يريد أن يعرف الحقيقة كاملة.
***
في منزل العائلة مع دخولهم للمنزل ملأت زغاريد نواره المنزل بأكمله، فالكل سعيد، ولكن هي سعادتها مختلفة قليلًا، فهي تعد هذه الفتاة كابنتها التي لم تلدها، وفي غيابها يكون لديها نقص كبير. كان يتابعها مهران وهو يبتسم بحب على فرحتها الطفولية هذه.
زهرة بابتسامة: لي دا كله يا ماما، هو في فرح.
نواره بحب: أنا فرحتي إني ألم ولادي حواليا، مش ناقص منهم حد... وأهو بنتي رجعت لحضني تاني.
زهرة بصدق: ربنا يخليكي ليا.
احتضنتها نواره بحب تحت أنظار يونس الذي ارتاح قلبه قليلًا، فهو يعلم أن والدته ذات تأثير كبير على زهرة وأنها ستكون دافعًا لكي تسامحه (مسكينة الرجال وخصوصًا يونس).
مهران بابتسامة: يلا يا زهرة... اطلعي غيري هدومك وانزلي علشان ناكل، يونس وصى وردة تعملك كل الأكل اللي بتحبيه.
زهرة: بس أنا مش جعانة يا عمي و....
مهران بمقاطعة: مفيش حاجة اسمها كده، هتنزلي وتقعدي وسطنا وتاكلي، ولا عاوزة تزعليني أنا وأمك ووردة اللي واقفة من الصبح بتطبخ.
زهرة بابتسامة: حاضر يا عمي.
مهران بهدوء: طلع لمراتك الشنط يا يونس ومتتأخروش علشان ناكل... أمال فين الغبي التاني.
مصطفى بمرح: أنا هنا يا حج.
وجهوا نظرهم نحو مصدر الصوت، فإذا بمصطفى قادم نحوهم وهو يرتدي جلبابًا فضفاضًا كثيرًا عليه، ولكنه به قطع كبير من مكان القدم التي بها الجبيرة، كما أنه يربط حجابًا كبيرًا على معدته بشكل غريب مما أثار التعجب في عيون الجميع.
مهران بغيظ: إيه اللي أنت عامله دا يا بني بس.
مصطفى بزفر: زهقت يا حج، بعيد عنك الجلاليب السليمة بتعكعكني وأنا بتحرك. قلت أبحبّحها على نفسي شوية.
مهران بغضب: وأشمعنى تبوظ الجلابية بتاعتي أنا، ما أنت عندك كتير.
مصطفى بسماجة: يعني أبوظ حجتي، يرضيك الناس تقول الحقوا مصطفى ابن الحج مهران ماشي هدومه مقطعة.
مهران بغضب: أنا رايح أغير هدومي... بدل ما أرتكب جريمة.
ذهب مهران وهو يضرب كفًا على كف من الغضب من هذا الابن الذي لن يكبر ويعقل أبدًا. أما الباقي فكانوا يضحكون بشدة على مظهره المضحك بشدة.
نواره بضحك: ورابط بطنك لي يا حبيبي.
أجابها وهو يتكئ على عصاه يجلس نحو الأريكة، مما جعل زهرة تصرخ ضاحكة، فكان مظهره يفتك من الضحك: أبدا يا نؤنؤ يا حبيبتي، عندي حبة برد في معدتي.
نواره بضحك: الله يهديك يا مصطفى.... أنا استعوضتك عند ربنا.
ذهبت متجهة نحو غرفتها ولا تزال زهرة تضحك بشدة. نظر لها يونس بهيام، كم اشتاق لتلك الضحكات الجميلة التي كانت تملأ حياته نورًا.
مصطفى بتلاعب: والله ليكي وحشة يا زهرة... ثم أكمل بخبث: ضحكتك كانت وحشاني خالص.
يونس بغيرة: يلا اطلعي قدامي علشان تغيري وننزل، مش سمعتي أبويا كان بيقول إيه.
نظرت له بصدمة من طريقة حديثه، فهذا الأبله بدلًا من أن يحاول تصحيح الأمور يخربها أكثر، ولكن مهلًا يا يونس فأنا امرأة ولا تتهين أبدًا، بكيدي لك فكيدي عظيم. ما أن ذهبت حتى اتجه يونس نحو الحقائب يحملها، وما أن أعطى ظهره لمصطفى حتى ثنى قدمه للخلف ولكزه بقوة في معدته.
مصطفى بألم: آآآه لي كده يا عم.
يونس بحدة: كن بقا يا مصطفى، كن.
***
في غرفة يونس وزهرة كان قد وضع الحقائب أرضًا وبدأت هي تنتقي فستانًا فضفاضًا ومريحًا لكي ترتديه، وهمت بالذهاب نحو المرحاض لولا لمس اليد الخشنة التي أمسكت بها تقربها منه وهو ينظر داخل عينيها بعشق صافي. يتأمل ملامحها بعيون هائمة وأنفاس تلهث شوقًا لها. نظرت في عينيه وكادت أن تستسلم له، ولكنها قاومت هذا بعد صعوبة كبيرة.
زهرة بزفر وهي تتململ بين يديه: لو سمحت يا يونس شيل إيدك عني... ومتقربش مني تاني.
يونس بهيام: ما خلاص بقا يا زهرة، دا أنت زعلك وحش أوي.
زهرة بحدة: أنا قلت ليك ابعد لو سمحت.
زفر بحنق ولكنه نفذ طلبها، فهو يريد إبقاء علاقتهم صامدة وليس تخريبها، لذا عليه الصبر قليلًا. ابتعد عنها ينظر لها بحزن ممزوج بالغضب.
زهرة وهي تمثل القوة: أنا جيت معاكم إكرامًا لأبوك وأمك اللي هما أهلي وعزوتي، ومهما حصل بينا هيفضلوا أهلي، ودا مش معناه إن علاقتنا هترجع زي الأول أبدًا... ثم أكملت بتوتر وهي تبتلع تلك الغصة الموجودة في حلقها: علشان كده الأحسن تنزل تنام مع مصطفى.
يونس بصدمة وغضب: نعم يا أختي... أنا مع مين.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثلاثون 30 - بقلم سهيلة عاشور
في صالة المنزل الكبيرة، كان جميع أفراد العائلة يلتفون حول طاولة الطعام. كان يونس ينظر نحو زهرة بغضب، فمنذ متى وهي تتجرأ بهذه الطريقة عليه؟ لطالما كانت هادئة وبريئة. يبدو أن حديثها قد تمرد كثيراً، ولكن تمهل يا يونس قليلاً، سوف تسمح لها بإخراج غضبها قليلاً، ومن ثم سوف تفعل الأفاعيل.
لاحظ باقي العائلة نظراته لها، والتي كانت زهرة تجلس في هدوء تام وهي تأكل في صمت.
جاءت وردة وهي تضع باقي الطعام، ولكنها كانت ستقع لولا زهرة التي هبت من مكانها سريعاً وأمسكتها.
مصطفى بتعجب: مالك يا وردة النهارده؟ انت تعبانة ولا إيه؟
وردة بتوتر: لا يا سي مصطفى، أنا كويسة الحمد لله.
نوارة بنبرة حنونة: روحي يا حبيبتي ارتاحي شوية، انتِ واقفة لوحدك من الصبح.
أومأت لها بهدوء وانسحبت نحو المطبخ من جديد. لاحظ يونس ومهران توترها ونظروا لبعضهما نظرات ذات مغزى، وشرعوا في إكمال طعامهم.
وجه مهران نظرة نحو مصطفى الذي كان يملأ فمه بالطعام بشدة.
مهران بزفر: أنا فكرت كتير وخلصت، أخدت القرار في موضوع مصطفى.
مصطفى بخضة: إيه يا حج؟ هتوديني الميتم؟ ثم أكمل بوعي: مبقتش قادر تتحملني يا مهران.
مل من تصرفاته الطفولية، فمد عصاه التي يتكأ عليها ولكنه في كتفه بقوة: كُف بقى يا واد انت خليني أعرف أقول كلمتين، جتك البلاء.
زفر بقوة، ثم أكمل وهو ينظر نحو مصطفى بترقب: أنا قررت، هنقرأ فاتحة مصطفى على سمية ونجيب دهب، وبعد ما الجبس يتفك نعمل الفرح إن شاء الله.
وما هي إلا ثوانٍ ورن صوت صراخه بسعادة في كل المنزل. ومن كثرة السعادة رجع بقوة للوراء، وكان يجلس على كرسي الطاولة، فإذا به واقع أرضاً وخلف ظهره الكرسي. نظر الجميع له بصدمة، أما زهرة فانفجرت في نوبة من الضحك حتى أدمعت عينيها.
لم يبالِ يونس بأي شيء سوى أنه يراقبها فقط، وقد لمست ضحكاتها قلبه بشدة.
مصطفى بصراخ: قومني يا عم انت! انت يا عم العاشق قومني!
انتبه يونس لحاله وتنحنح بحرج من والديه، ثم اتجه نحو مصطفى وسحبه من يديه وعدل جلسته من جديد. وما أن اعتدل المعتوه حتى نظر لوالده بعينين يلمعان من السعادة.
مصطفى بابتسامة: هنروح إمتى يا حج؟ بكرة حلو؟ ولا دلوقتي؟
مهران بغيظ: اهدا بقى يا واد انت شويه، أنا غلطان إني بقولك حاجة اصلا، دا انت عيل.
نوارة بضحك: معلش يا مهران من فرحته يا أخويا.
مهران وهو يهز رأسه بيأس: نفسي أعرف دا هيشيل مسؤولية بيت وعيال إزاي.
مصطفى بمرح وقد ملأ فمه بالطعام من جديد: اتوكل انت على الله بس وملكش دعوة، وبكرة تتفرج عليا.
مهران بسخرية: وهو في فرجة أكتر من كده؟
يونس بضحك: على رأيك يا بابا، أكتر من كده نجيب الصحافة تصور.
نوارة بمرح: وبعدين معاكم كلكم عليه ولا إيه؟ ما تتكلمي يا زهرة.
كانت زهرة لازالت تضحك وهي تحاول السيطرة على نفسها قدر المستطاع: والله مصطفى ده سُكّر البيت.
يونس بغيرة: إيه يا عنيا؟ مصطفى ماله؟
زهرة بتحدي: سُكّر يا سُكّر.
كّور يديه بغضب منها، وكان سيهم بالرد عليها لولا صوت أحدهم الذي قطع عليه هذا.
عم محمد بجدية: يونس يا بني عاوزك في موضوع ضروري.
***
أمام منزل حسام، كان والداه يجلسان في شرفة المنزل الصغير، والذي يكمن في قرية صغيرة قريبة من المدينة التي يسكن بها يونس.
أوقف السيارة أمام المنزل، فابتسمت الوالدة تلقائياً، فها هو وحيدها قد جاء. أما هو فظل ينظر لوالديه تارة ولهبة تارة أخرى، لا يعرف ماذا يفعل، ولكنه عزم أمره أن يحمي تلك الفتاة من بطش والدها، وبالطبع يريد إرضاء فضوله ومعرفة حقيقة أمرها.
نظر لها مرة أخرى وقد حزن بشدة على حالتها هذه. دلف من السيارة وقام بفتح الباب الخلفي ونظر نحوها نظرات متعمقة قليلاً.
حسام بزفر: ساعديها تنزل يلا، براحة.
انصاعت الممرضة لأمره بالفعل وأعانتها على النزول، وبدأوا في السير في داخل المنزل. وما إن اقتربوا حتى هب الوالدان واقفين من هول منظر تلك الفتاة المسكينة. أشار لهم بعينيه نظرات ذات مغزى، فلم يعلقوا.
الوالدة (كريمة): حمد الله على السلامة يا حبيبي. ثم اقتربت منه تحتضنه بلهفة: لازم عشان أشوف ابني آخد إذن من أمن الدولة.
حسام بابتسامة: ما انتي عارفة يا حبيبتي الشغل. ثم ذهب نحو أبيه يقبل يده باحترام: بابا وحشتني يا راجل.
الأب (محمود) بحب: من غيرك البيت ضلمة يا حبيبي.
بعد ترحيبهم الحار، وزعوا نظراتهم بين حسام الواقف وهبة التي كانت تستند بكامل على الممرضة الواقفة بجوارها، وكانت قدمها لا تستطيع حملها، فكان حالها يرثى له.
حسام بهدوء: بعد إذنكم خمس دقايق وجاي. ثم نظر نحو الفتيات: هاتيها وتعالي ورايا.
دلف داخل المنزل، والذي كان مكوناً من طابق واحد فقط، ولكن به غرف متعددة. اتجه نحو إحدى الغرف وقام بفتحها، كانت متوسطة الحجم وبها سريرين صغيرين. دلف خلفه الفتيات بهدوء.
حسام: ساعديها تاخد دش، الحمام عندك جوه اهو، وأنا هجيب لها أي حاجة تلبسها وجاي.
خرج بالفعل، وبدأت الفتاة تنصاع لأوامره، وبالفعل بدأت تساعدها في الاستحمام بعدما جلب حسام إحدى الجلاليب المنزلية لوالدته ومعها حجاب قطني. حيث أن هبة كانت جامدة تماماً لا تنطق بحرف واحد، وجهها شاحب لدرجة أنها تظهر وكأنها إحدى الجثث، ليس بها ذرة تدل على الحياة.
انتهت من كل شيء بعد وقت ليس بالقليل، ومن ثم جعلتها تمدد جسدها على السرير وأحكمت عليها الغطاء، وما أن وضعت رأسها على الوسادة حتى غطت في نوم عميق وهي لا تشعر بأي شيء حولها.
***
في الخارج، بعدما جلب حسام الملابس، ذهب نحو والديه، حيث أنه بالطبع يجب عليه تبرير ما يحدث. فقد جاء منذ قليل ومعه فتاة غريبة الأطوار، مما أصاب الوالدين بالقلق.
كريمة بقلق: إيه يا حسام يا ابني؟
محمود بتساؤل: مين البت دي؟ وانت عرفتها إزاي؟
جلس على أقرب كرسي وأخذ نفسًا عميقًا: هحكيلكم على كل حاجة.
قص عليهم كل ما حدث تحت نظرات الصدمة والحزن في عينيهم.
كريمة بحزن: يا عيني عليكي يا بنتي، باين عليها صغيرة.
محمود بهدوء: طب انت ناوي تعمل إيه؟ على كلامك أبوها راجل شراني ومش هيسكت.
حسام بضيق: مش عارف أفكر يا بابا، كل اللي أعرفه إني مش هسيبها لي مهما حصل، ده كان هيموتها بجد.
كريمة بخضة: لا لا، نسيبها إيه؟ إن شاء الله ليها حل، افرض عمل فيها حاجة نعيش وذنبها في رقبتنا ولا إيه؟
محمود بعقلانية: قعادها معانا هنا من غير سبب قوي يخلي أبوها ده ياخدها بالقانون وقدامنا كده عادي، ولا نقدر نعمل حاجة. أنا محامي وابنك ضابط وهو فاهم اللي أنا بقوله.
حسام بابتسامة: الحل في السبب يا بابا، وماله نخلي ليها سبب.
كريمة بتعجب: وإزاي يعني؟
حسام بهدوء: اتجوزها.
الوالدان في نفس الوقت: إيي؟!
***
في مقر ضاحي، أحد الرجال: أهي رجعت له يا ضاحي، هتعمل إيه بقى؟ هتسيب له الدنيا كده؟
ضاحي بمكر: أكيد لا، الضربة الجاية هتبقى شديدة أوي، شوكة في ظهره مش هيعرف يتعالج منها لسنين قدام. وزهرة هاخدها يعني هاخدها. ثم أكمل بتلذذ: تستاهل الحرب بصراحة.
***
في منزل العائلة، ظل يونس يتحدث مع العم محمد ما يقارب لنصف ساعة متواصلة، مما أصاب حسين الذي كان يراقبهم من بعيد بالتوتر الكبير. كان يونس يتحدث مع العم محمد وهو ينظر لحسين نظرات غير مفهومة، ولكنها ليست مبشرة بالمرة. وما إن أنهى حديثه وكان متوجهاً داخل المنزل، أوقفه صوت حسين اللهث باسمه.
حسين بلهث: هي ملهاش ذنب يا يونس بيه، أنا اللي كنت بضايقها، ويشهد ربنا إنها محترمة وما فيش زيها في الدنيا.
يونس بغموض: طب وانت كنت بتضايقها ليه؟
حسين بتوتر: أصل… أصلي عاوز أتجوزها يا يونس بيه، وكنت هاجي أطلبها منك، بس أنا كنت شايف الظروف مش سامحة يعني.
يونس ببرود: قلت لنفسك أسلي نفسي بيها بقى، أصلها حتة عيلة يتيمة وغلبانة وملهاش ضهر، مش كده؟
حسين بسرعة: لا والله أبداً… والله ما كان قصدي أنا… زفر بضيق: أنا بحبها يا يونس بيه من سنين، وأنا مستني الوقت اللي أكون فيه جاهز عشان أقدر أتجوزها، والله ربنا عالم باللي في قلبي. أنا عاوزها في الحلال، وما فيش أي حاجة حصلت بينا، أنا عمري ما قربت منها، بس كنت بخوفها شوية. في الوقت اللي شافنا فيه عم محمد، دي الحقيقة، لو مش مصدقني اسألها.
يونس بهدوء: أنا لو شاكك فيك أو فيها، مكنتش هسيبك هنا دقيقة واحدة. أنا عارف إنه سوء تفاهم وواثق فيكم كويس.
حسين بفرحة: الله يخليك يا يونس بيه، ده العشم برضه. طب قلت إيه في موضوع الجواز؟
يونس بابتسامة سخرية: وردة جايلها عريس كويس وشغال في الخليج ومرتبه عالي، وانت عارف دي في مقام أختي، وأنا عاوز لها الصالح.