تحميل رواية اخر نساء العالمين بقلم سهيلة عاشور pdf
بقلم سهيلة عاشور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى مدن الصعيد الجميلة، والتي تمتاز بطيبة شعبها وجمال خضرتها… كان هناك منزل كبير لأحد أعيان هذه البلد. يجلس مع زوجته وعلامات الغضب تظهر على وجهه. مهران بغضب: بقاله أربع سنين متجوز من غير خلفه… ابني الكبير وولي عهدي من بعدي ومش عارف يجبلي حتت عيل. أنوار (زوجته): صبرك بالله يا حج… وهو يونس كان بكيفه؟ ما يمكن مرته اللي فيها حاجة؟ ما هو محدش رايد يسمع مني ويخليهم يروحوا يكشفوا عند الدكتور. مهران بلهجة صعيدية صارمة: كأنك اتخبطي في عقلك… عاوزة ولدي يروح للحكيم يقله شفني أنا معيوب ولا لأ؟ أنوار بهد...
رواية اخر نساء العالمين الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سهيلة عاشور
في غرفة زهره ويونس
كانت تقف زهره أمام المرأه تتفحص ملابسها بدقه وشارده في مظهرها قليلا. كانت ترتدي فستان منزلي باللون الأحمر الداكن ويضيق على جسدها بالكامل. مع شعرها الكستنائي الناري والقليل من مساحيق التجميل، كانت تتلاعب في شعرها وهي تنظر نحو المرأه بشرود، وتتذكر كلام والدة زوجها.
Flash Back:
عندما انتهوا من تناول الطعام، طلبت نواره من زهره أن تتبعها نحو غرفتها. نظرت لها كالعادة بتلك الابتسامه الحنونه وبدأت حديثها بنبرة الحب الصادق.
نواره بتنهيده: "أنتِ عارفه إنكِ في غلاوة مصطفى ويونس، ويمكن انتِ أغلى كمان... كان نفسي يكون عندي بنت بس ربنا مأردش، يمكن علشان يرزقني بيكي انتِ وسميه."
زهره بإبتسامه: "ربنا عالم بغلاوتك عندي زي ماما بالظبط."
نواره بهدوء: "علشان كده أنا عاوزه أنصحك نصيحة يا بنتي... وأنا عارفه إنه يمكن تزعلي مني، بس أنا قصدي مصلحكم وبس."
زهره بترقب: "خير يا ماما؟"
نواره بإبتسامه: "أنا عارفه إنكِ زعلانه... ومعاكي حق بصراحة، وأنا لو مكانك مكنتش رجعت معانا كمان... " ثم أكملت بصدق: "بس انتِ أصيلة وبتحبي يونس يا زهره، صح؟"
احمر وجهها خجلاً، ولكنها طأطأت رأسها للأسفل من الخزلان، فلم تعد تتحمل حتى الرد على هذا السؤال.
نواره بهدوء: "مفيش حاجة تتكسفي منها... " ثم أكملت وهي ترفع وجهها بيدها برفق: "انتِ بنتي ومرات يونس مهران، اوعي توطي راسك أبداً، فاهمه... أنا عارفه إن حقك تزعلي، وكمان حقك تعاملي يونس أوحش من كده، وأنا مش عاوزاكي ترضي عليه بالساهل أبداً، بس كمان متتماديش فيها."
زهره بعدم فهم: "يعني إيه؟ حضرتك تقصدي إيه؟"
نواره بجدية: "يونس بيحبك يا زهره وبيحبك أوي كمان، وعنده استعداد يخسر الدنيا كلها عشانك... بس دلوقتي الوضع غير، يونس عنده مشاكل كبيرة في شغله، والمشاكل دي كل يوم بتزيد، يا بنتي، ومبقاش قادر عليها، وهو طول الوقت كاتم جواه ومبين لينا إنه كل حاجة بسيطة وسهلة... يونس من سنين وهو ظهر لينا كلنا، والحمل كل يوم بيزيد عليه الشغل ومشاكله، والديون اللي اتحطينا فيها من بعد ح-رق الأرض، وكمان مش ساكت عن موضوع مصطفى وبيدور ورا اللي كان السبب، ومن وسط كل ده انتِ يا زهره... يوم ولا اتنين غبتي فيهم يونس كان عامل زي العيل الصغير، مش قادر يتنفس من غيرك، محتاجك جنبه يا حبيبتي."
زهره بحزن: "أنا كنت في ظهره يا ماما، بس هو تقل عليا أوي، وانتِ عارفه."
نواره بتفهم: "عارفه والله، ومعاكي حق... بس أنا ابني في الأول والآخر راجل يا بنتي، وابن كبير البلد، والعين عليه."
زهره بتوهان: "تقصدي إيه؟"
نواره بإبتسامه: "إحنا هنا في البلد كله مركز مع كلو، وانتِ عارفه الناس هنا بتحب تدخل في أمور الناس، وطبعاً موضوع طلاق وناهد، وكمان غيابك عن البيت هيخلي الناس تطمع، وابني بيحبك وصاينك، وربنا وحده عالم، بس الشيطان شاطر يا زهره، ويونس في ظروفه دي محتاج دلع وحنية، وانتِ فاهمه قصدي."
زهره بقلق: "تفتكري ممكن يتجوز عليا يا ماما؟ أو يعرف واحدة؟"
نواره بسرعة: "أنا مقلتش كده... أنا بس قلت تحافظي على بيتك يا حبيبتي..."
Back:
فاقت من شرودها على صوت حركة بجانب الشرفة خاصتها، تسلل الخوف في قلبها بشدة من أن يكون فأر أو سارق، وخصوصاً أن يونس ليس بالغرفة، فقد أحكمت غلق الباب حتى تمنعه من الدخول.
ذهبت ببطء نحو الشرفة، وما أن أصبحت قريبة منها حتى دُفع باب الشرفة بقوة وظهر من خلفه يونس، والذي كان يتعلق على مواسير المياه الكبيرة ويستند على الشرفة بقوة.
من هول الصدمة، وضعت يدها على فمها وهي تنظر له وعينيها متسعة بشدة.
زهره بقلق ممزوج بالغضب: "انت مجنون! إيه اللي انت بتعمله ده؟"
يونس بلامبالاة، وقد قفز بخفة حتى أصبح داخل الغرفة وأغلق الشرفة ووقف مقابل لها: "أعمل إيه يعني؟ منتِ قافلة الباب ومش راضية تردي عليا، قلت بلاش أكسر الباب وأعمل فضايح في البيت."
زهره برفعة حاجب: "تقوم تطلع على المواسير؟ هو انت حرامي يا يونس؟"
يونس بإبتسامه جذابه: "أحلى يونس في الدنيا."
زهره بعيون متسعة: "يا بني انت مجنون! كان ممكن تقع وتروح فيها، انت إزاي عندك 28 سنة مش فاهم ده؟ انت مصطفى أعقل منك."
يونس بخبث: "خايفه عليا يا زوزو؟"
زهره بإرتباك ولكنها دارته: "لا، وأخاف عليك لي؟ منتِ زي القرد أهو... وبعدين انت مالك واخد راحتك كده لي؟ يلا يا بابا على مصطفى تحت تونسه ويونسك."
يونس بنظرة هائمة: "إيه الحلاوة دي... هو انتِ جايه تلبسي دا وأنا مش موجود؟ طب كنتِ خليتيه لما نتصالح."
زهره بخجل: "انزل يا يونس يلا، أنا عاوزه أنام."
يونس بزفر: "طب ما أنام وأنا مؤدب والله... " ثم أكمل بنبرة طفولية: "هيبقى شكلي وحش قدامهم، ومصطفى هيستلمني بقى لسنة قدام ومش هخلص من رخامته."
كتمت ضحكاتها على مظهره، ولكنها تظاهرت بالبرود: "انزل يا يونس، أنا محتاجة نبقى بعاد شوية."
زفر بضيق واقترب منها بشدة، مما أصابها بالخوف، فكانت نظراته غاضبة بشدة.
يونس بغموض: "أنا هنزل أهو وهسمع كلامك وهصبر، بس خلي بالك يا زهره، أنا صبري مش طويل، هاا... اهدي وبطلي شغل العيال دا، انتِ عارفه إنه مكنش قصدي، بس أنا بقول هرمونات وهتروح لحالها."
زهره بضيق وقد وضعت يديها أمام صدرها ونفخت خديها بغضب: "انزل يا يونس... انزل."
ألقى عليها نظرة متفحصة، ومن ثم توجه نحو باب الغرفة وخرج منه وأغلقه خلفه بقوة، حتى أنها انتفضت مكانها. نظرت نحو الباب بحزن وهي ترى حبيبها على وجهه الحزن، كانت تريد احتضانه وتخبره كم اشتاقت إليه، ولكن عليها أن تصبر قليلاً، يجب الصبر.
**********************************
في منزل حسام
عندما سمع الأبوين بحديثه، اعتلت الصدمة وجههم. هم لا يعارضون على تقديم يد المساعدة، ولكن لا يريدون زواج وحيدهم بهذه الطريقة.
كريمه بغضب: "انت اتجننت يا حسام؟ عاوز تتجوز واحدة ولا نعرف أصلها ولا فصلها؟ واحدة انت لقيتها مرمية في الشارع؟ لي يا بني كده؟ وأنا اللي كنت مستنيه جوازك دا بفارغ الصبر علشان أفرح بيك، ولا انت عاوز تجبلي ج-لطة؟"
محمود وهو يحاول تهدئتها: "اهدي يا كريمه، نفهم منه الأول هو عاوز يعمل إيه... براحة مش كده."
كريمه بغضب: "محمود متعصبنيش انت كمان، دا ابني الوحيد، يعني لازم يتنقاله واحدة تشرفه وسط الناس، هو بنفسه لسه قايل بنفسه، لقيها مرمية هدومها متبهدلة ومتق-طعة، وكمان أبوها راجل مش كويس، ودا واضح."
حسام بضيق: "يعني انتِ عاوزة إيه دلوقتي يا أمي؟ عاوزاني أرميها ليه؟ أموتها؟ ولا أعمل إيه؟"
كريمه بزفر: "أنا مقلتش كده، أنا أم برضه، بس ساعدها بطريقة تانية، وأي حاجة نقدر عليها هنعملها، وأنا هقف معاها قبلك، بس جواز لا يا حسام."
حسام بنفاذ صبر: "يعني إيه يا ماما؟ منتِ لسه سامعة بابا بيقول إيه، ممكن الحقير أبوها دا يجي في أي وقت ويقول إني خاطفها ولا يعملنا فضيحة في البلد كلها، وساعتها هياخدها برضه... بس لو بقت مراتي محدش هيبقى ليه عندي حاجة."
محمود بإقتناع: "ابنك معاه حق يا كريمه... وبعدين البنت فيها إيه؟ ابنك ظابط وراجل مش عيل صغير، وأكيد فاهم هو بيعمل إيه، وبعدين البنت مفيهاش حاجة، إيه يعني بنت ناس على قدها، وأهو ناخد فيها ثواب، وبعدين حلوة ما شاء الله."
كريمه بغيظ: "والسكر اللي عندها دا؟ افرض خلفت لينا عيل وارث مر-ضها ساعتها نعمل إيه؟ دا ابني الوحيد وعاوزة أطمن عليه."
محمود بهدوء: "دا مش عيب يا كريمه... عادي ممكن يتجوز واحدة سليمة وزي الفل ويجيلها السكر بعد الجواز عادي... ولا يتجوز بنت ناس وغنية وملكة جمال بس ميكنش سعيد معاها."
حسام بهدوء: "أنا بعمل كده علشان دي واحدة محتاجة ليا، أساعدها، وأنا مش هتأخر أبداً عن مساعدة أي حد... هقنعها ونكتب الكتاب دلوقتي لو قدرت، بعد إذنكم."
تركهم ينظرون نحو بعضهم البعض بحيرة، كريمه تخشى على ولدها من هذه الزيجة، ومحمود رجل قانوني وهو يعلم أن هذه هي الطريقة الوحيدة، كما أنه يشعر بالراحة التامة تجاه هذه الفتاة.
ذهب نحو الغرفة التي تقطن بها، فوجد الممرضة تخرج من الباب.
حسام بقلق: "انتِ إيه اللي طلعتك؟ هي كويسة؟"
الممرضة بهدوء: "كويسة الحمد لله... هي دلوقتي نايمة، أنا عملت كل حاجة، ممكن أمشي لأني اتأخرت جدا."
حسام بتفهم: "معاكي حق... معلش تعبناكي معانا أوي النهاردة..." ثم أخرج من جيبه بعض الورقات المالية وأعطاهم لها، فأخذتهم وذهبت. أما هو فظل واقفاً أمام الباب خاصتها ينظر إليه بشرود، ولكنه أيقن أنه لا فائدة من الانتظار، فاتجه نحو غرفته والتي كانت ملاصقة لغرفتها وقرر أن يرتاح قليلاً، فمنذ يومين تقريباً لم يذق طعم النوم.
**********************************
في صباح يوم جديد
استيقظت زهره من نومها وقررت أن تكمل خطتها اليوم. ارتدت فستان رقيق القصة من اللون الزهري ومعه حجاب بنفس اللون، ووضعت أحمر شفاه وبعض لمسات التجميل الخاصة، فقد أتت إليها ورده باكراً وهي تبتسم بسعادة وتقص عليها الكثير من الأشياء التي جعلت قلبها يفرح بشدة.
Flash Back:
ورده بسعاده: "النهاردة هيروحوا يخطبوا سميه لسي مصطفى يا زهره."
زهره بإبتسامه: "كويس إنهم عجلوا في الموضوع، وإلا مصطفى كان هيعملنا فض-يحة وسط الناس... " ثم أكملت بغمزة ماكرة: "بس كل الفرحة اللي انتِ فيها دي علشان سميه ومصطفى هيتجوزوا، ولا علشان حاجة تانية؟"
ورده بخجل: "سي يونس الله يبارك فيه واقف على حسين وقال إننا هنتجوز في نفس يوم مصطفى وسميه، وهيعمل لينا فرح كبير... " ثم أكملت بضحك: "بس أقولك إيه، دا طلع روحه لحد ما وافق."
زهره بتعجب: "إزاي دا؟"
ورده بضحك مفرط: "قاله إن في واحد خليجي وغني متقدم ليا وإنه موافق عليه علشان مستقبلي... راح حسين مزعق وقاله على ج-ثتي دا يحصل، أنا بقالي سنين بشتغل وبتعب علشان أتجوزها ومش هسمح إن حد ياخدها مني أبداً... بعد كده سي يونس قاله كنت بشوفك متمسك بيها بجد ولا أي كلام، والف مبروك، دا بعد ما خد رأيي في الخباثة كده."
زهره بسعاده من أجلهما: "الف مبروك يا ورده، وربنا يفرح قلبك يارب... انتِ جميلة أوي وتستاهلي كل خير يا حبيبتي."
ورده بمرح: "جميلة إيه بس... دا إحنا جنبك غفر."
زهره بضحك: "لا يا ستي، انتِ حلوة وزي القمر بجد."
ورده بصدق: "ربنا يجعلنا البيت دا الفرحة مزروعة فيه... " ثم أكملت بغمزة: "ويهديكي انتِ وسي يونس لبعض يارب، وتجيبوا لينا عيال أجانب زيك كده."
ضحكت زهره عليها بشدة، ولكنها تذكرت أمور الإنجاب، فهي تشك بشدة أن هذه الحبوب التي كانت تضعها ناهد لها قد أدت لضرر بها، وعليها التأكد.
Back:
فاقت من شرودها وهي تضع أحمر الشفاه الخاص بها، فهي تعلم كيف تثير غيظه وغيرته بالطريقة الصحيحة. انتهت وارتدت حذائها ذو الكعب العالي واتجهت نحو الأسفل.
**********************************
في غرفة مصطفى
كان يتقاسم يونس ومصطفى السرير، ومصطفى نائم بعمق وهو يلتصق بشدة بيونس حتى كاد يونس أن يسقط أرضاً، وكلما أبعد قليلاً التصق به مرة أخرى. زفر يونس بغضب وهو يحاول إيقاظ هذا المعتوه.
يونس بضيق: "ولا... مصطفى اصحى بقى زهقتني يخربيتك، معرفتش أغمد عيني، منك لله قوم بقى."
مصطفى بتثاؤب: "صباح الخير يا يونس... " ثم نظر له وانف-جر ضاحكاً: "طردك من الأوضة يا يونس؟ قالتلك روح يا يونس كش كش."
يونس بيأس: "أنا كنت عارف إني مش هخلص منك... " ثم وجه أنظاره نحو الكرسي المقابل للسرير ووجد عليه ملابسه الرسمية هو ومصطفى، وقد أدخلتها عليهم والدتهم في وقت مبكر: "قوم يا عريس علشان نجهز، ولو إني نفسي أخنق-ك بس يلا قوم."
تحرك مصطفى بسعادة وقد دفع يونس بشدة حتى وقع أرضاً، ومن ثم جلب عكازه وأخذ ملابسه واتجه نحو المرحاض، وكل هذا تحت أنظار يونس المصدومة. ضرب كفاً على كف وهو لازال ينظر في اتجاه أثره.
يونس: "صحيح أهبل... " ثم أكمل بحب أخوي: "بس كبرت ورايح أخطب لك يا مصطفى، الأيام جرت بسرعة أوي..."
**********************************
في صالة المنزل
وقد اقترب منتصف النهار. تجهز الأبوين بملابس تليق بمقامهم وسنهم، وكذلك زهره التي كانت تنزل الدرج، وفي نفس الوقت خروج الأخوين مغادرين من غرفة مصطفى. ولكن تصوب أنظار الجميع نحو صوت كعب حذائها ورائحتها العطرة الشهية التي غطت المكان بالكامل، بالنسبة له فقط بالطبع، فكانت رائحة هادئة للغاية، ولكن هو لا يستطيع سوى شمها من شدة تركيزه معها.
مصطفى بصفير: "إيه القمر دا يا مرات أخويا... " ثم أكمل بهمس: "دي معاها حصانة ممكن تطردك من البيت عادي."
نواره بإبتسامه وهي تحتضنها: "ما شاء الله يا حبيبتي، عيني عليكي باردة، الله أكبر... إيه الحلاوة دي."
مهران بحب: "بنت أخويا، إيه حد ولا إيه... يخليكي ليا يا بنت الغالي، أدب وجمال ما شاء الله، ولا إيه رأيك يا يونس؟"
أنهى آخر حديث له بغمزة ماكرة.
يونس بهدوء: "اطلعي غيري الهدوم اللي انتِ لابساها دي."
زهره بصدمة ولكنها دارتها تحت قناع البرود: "لا."
يونس بغضب: "نعم!.... هو إيه اللي لا؟"
**********************************
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سهيلة عاشور
نظر لها بغضب كبير، فقد تمردت عليه كثيرًا.
منذ متى وهي تضع مساحيق التجميل، حتى لو كانت بسيطة؟ فهو لم يكن يسمح أبدًا بأن تضعها خارج الغرفة.
وهذا الفستان ليس بالوسع المطلوب، من أين أتت به من الأساس؟ فلم يشتريه لها من قبل.
نظر لها وعيناه تتوعد لها، فهو لا يريد زيادة المسافة بينهم، ولا يريد أن ينزع فرحة أخيه.
ولكنها تتفنن في إثارة غيرته.
اقترب منها وجذبها من يديها بقوة خارجًا نحو الحديقة الخلفية.
وخلف إحدى الأشجار أوقفها ووقف أمامها وهو يتنفس بصوت لاهث ومسموع، مما أثار الخوف بداخلها وهي تراقبه بصمت وظهر عليها التوتر.
دقائق مرت وهو يحاول السيطرة على غضبه.
يونس بغضب مكتوم: أنتِ عايزة إيه يا زهرة؟ أنتِ عايزة توصلي لأي باللي بتعمليه دا؟ عايزاني أموتك ولا ناوية تجيب لي جلطة؟
زهرة بتوتر: أنت اللي بتكبر المواضيع. هو أنا كنت عملت إيه يعني؟ أنا لابسة فستان طويل ومحترم أهو ومش حاطة حاجة غير روج بس. أنت اللي أوفر يا يونس.
شدد على يدها بغضب وبدأت عروق يده وعنقه تظهر بشدة، مما أثار الرعب بداخلها.
حتى أنها بدأت في التحرك من أمامه ببطء تود الهرب قبل أن يتحول وينقض عليها.
ولكنه لاحظ هذا ونظر لها وقد اسودت عيناه.
يونس بغيظ: رايحة فين يا حلوة؟
زهرة بتأفف: اوف يا يونس، هنفضل واقفين نبص لبعض كتير؟ عايزين نروح عند سمية. ثم أكملت وهي تشير بيدها نحو بوابة المنزل الكبيرة: ولا أنت نسيت يا باشا؟
يونس بزفر وهو يخرج منديلًا ورقيًا من جيبه ويتجه نحو شفتيها وبدأ في إزالة أحمر الشفاه ببرود عكس البركان الغاضب الذي بداخله: الأول نمسح البتاع دا. ثم أكمل بتحذير: عايزة تغيظيني يبقى بيني وبينك يا صغيرة، ها؟ بلاش واحنا بره البيت أو أوضتنا بالأخص. أنتِ مش قدي. وبعدين لازم تبكيلي شغل العيال دا؟ عندك جامعة بكرة ولا نسيتيها؟
كما وكأنها قد نست كل ما دار بينهم وبدأت السعادة تظهر على وجهها.
وقفزت بشكل مفاجئ تحتضنه بسعادة وحب، وبالطبع هو أكثر من مرحب.
احتضنتها بإحتواء وحميمية كبيرة، يدفن وجهه في عنقها يشتم رائحتها والتي باتت تعلق في أنفه دائمًا.
إلا أن قاطعهم هذا المعتوه.
مصطفى بغضب طفولي: والله بقوا انتو هنا مقضينها حب وغراميات وسايبنا جوه بنقول دول زمانهم ضربوا بعض طلقتين خرطوش.
ابتعدت زهرة سريعًا عن يونس وقد اعتلى الخجل وجهها.
أما يونس فأمسكها من خصرها يقربها إليه من جديد وهو ينظر نحو مصطفى بضيق.
مصطفى بغيظ: إيه يا عم أنت وهي؟ يلا أنا عايز أتجوز. وبعدين يا بني هي مش كانت طاردراك امبارح؟ مالكوا كده؟
يونس بغضب: امشي يلا، خلي حسين يطلع العربية. إحنا جايين. امشي من وشي بدل ما أغير رأيي وما فيش جواز.
مصطفى بسرعة: لا وعلى إيه؟ طيارة!
ذهب وهو يتكئ على عصاه، فما بقى إلا القليل لكي يتعافى كليًا.
أخرج رأسها من أحضانه فوجدها قد احمر وجهها بشدة من الخجل.
فهي خجولة بشدة، يقسم أن وجهها سيظل على حمرته هذه حتى الغد على الأقل.
يونس بعتاب: عاجبك كده؟ اهو مصطفى مسكني لبّانة بقى ومش هخلص منه لأخر العمر.
زهرة بخجل ولكنها حاولت تمثيل القوة: أنت تستاهل على فكرة.
تركته واتجهت لتذهب وهو ينظر لها وعيناه تلمع بشدة من الحب.
أقسم داخله أن هذه هي من كان الله يختارها من أجلها، وهو لن يتركها مهما حدث.
**********************************
في منزل أهل حسام.
كان ينام بعمق بعد تعب هذا اليوم.
ولكنه تململ على لكزات متتالية من والدته والتي كانت تجلس بجواره وتنظر له وكأنه مثل الرأس المطبوخ.
تأفف بضيق وهو يقلب وجهه للجهة الأخرى من السرير.
كريمة بغيظ: قوم يا حسام. ثم أكملت بسخرية: قوم يا عريس، المأذون جه وأنت والسنيورة نايمين. دي جوازة إيه بس ياربي؟ بنصحى العرسان من النوم عشان نكتب الكتاب. ثم أكملت بصوت عالٍ: قوم لأحسن أنا مرارتي هتفرقع، قوم يا حسام.
هب من مكانه جالسًا سريعًا عند ذكرها عن قدوم المأذون وهز رأسه وكأنه يستعيد وعيه.
ونظر نحو والدته بابتسامة: صباح الخير يا ماما. صحيتي هبة؟
كريمة بصدمة: أنا فقدت الأمل فيك ابني الوحيد اتهبل. ثم أكملت بغيظ: هروح أصحيها تكون خلصت مني. اشتغلت مصححاتي؟ أقول إيه؟ ادينا بنعمل اللي علينا لحد ما نشوف آخرتها.
حسام بمرح وهو يتجه نحو خزانته: آخرتها فل يا كريمة بالفراولة أنت. يلا روحي صحي مرات ابنك اعملي لك همة.
نظرت له بيأس ومن ثم توجهت بضيق نحو غرفة هبة.
أما حسام هم يخرج ملابسه والتي تتكون من قميص كلاسيكي وبنطال ملائم وبدأ في التجهيز وعلى وجهه ابتسامة غريبة.
هو نفسه جاهل عن سببها، ولكن كل ما يعرفه أنه لم يكن سعيد هكذا منذ سنوات، وخصوصًا عندما تأكد من تحريات مساعده المخلص أنها فتاة نقية تمامًا وعانت كثيرًا في حياتها.
**********************************
في الغرفة التي تبقى بها هبة.
كانت لم تنم منذ آخر مرة أتى إليها حسام من الأساس.
Flash Back:
كان قد قرر أن يذهب ويتركها تنام، ولكنه يعلم أن الوقت يداهمهم.
فقرر الذهاب إليها وإخبارها.
دق الباب أكثر من مرة ولم يجد إجابة، فدلف للغرفة في هدوء.
ورآها تغط في النوم العميق.
أقترب منها يرى ملامحها، الألم على وجهها، تقطب جبينها بإنزعاج، يبدو أن أحدهم قد زار حلمها.
شرد في ملامح وجهها الهادئة تمامًا، بشرة داكنة وشعر أسود حالك، ملامح رقيقة ليست بالغليظة.
لا إراديًا وجد يده تمتد نحو بشرتها يريد أن يلمسها.
ولكن ما إن وضع يده عليها حتى فتحت عينيها وهبت من السرير بسرعة بإنتفاض.
فشعرت بالألام، تحتاج جسدها وألم في رسغ يدها بسبب هذا المحلول المغذي.
حسام بسرعة: إيه؟ أهدي. متخافيش والله ما كنت أقصد حاجة. أهدي.
هبة بخوف: أنا مش وحشة زي ما هو قال والله. ثم أكملت ببكاء: ابعد عني أنا مش كده بالله عليك، وحياة أغلى حاجة عندك.
أشفق عليها كثيرًا، تبكي وتنتفض بقوة، وحتى أنها لا تشعر بالأمان معه بعد كل ما فعله تجاهها.
يبدو أنها بالفعل عانت كثيرًا.
اقترب منها ونظر لها نظرات مطمئنة.
حسام بهدوء: هبة، أهدي لو سمحتي. أنا مش هاذيكي والله بوعدك. أنا عايز أساعدك وأنت لازم تثقي فيا وتسمعي كلامي عشان أقدر أعمل كده.
هبة بقلق: يعني هتعمل إيه؟ مش فاهمة.
أخبرها بتوتر عن نيته في الزواج وبدأ يشرح لهم الموقف بدقة، وأن هذا هو الحل الوحيد.
هي تعلم أن لديه الحق، ولكن لم يأتِ في بالها أبدًا أن يضحي هذه التضحية الكبيرة من أجلها.
حسام بإرتباك: ها؟ قلتي إيه يا هبة؟
هبة بتوهان: أنت ليه بتعمل كل دا؟ الجواز مش لعبة، ليه تظلم نفسك مع واحدة زيي؟
حسام بابتسامة: أنا مش شايف فيكي أي عيب.
هبة بسخرية: كل دا مش شايف فيا عيب؟ مستواي الاجتماعي، شكلي، أبويا، عندي مرض مزمن. كل دا مش شايف عيوب؟
حسام بهدوء: حقيقي مش شايف فيكي أي عيب. أنا مش بجاملك. وأه الجواز مش لعبة وأنا بساعدك بس الله أعلم مش جايز ربنا يكون كاتب لنا إننا نكمل مع بعض. سيبي الكلام دا كله على جنب وقلي لي إيه رأيك عشان أجهز نفسي قبل ما المجنون أبوكي يكتب الخبر في الصفحة الأولى.
هبة بابتسامة: موافقة. بس أنا مش معايا بطاقة ولا أي حاجة، كل حاجة في البيت.
حسام بغمزة بعدما هب من مكانه واقفًا: متخافيش، أنا هظبط كل حاجة. ارتاحي أنت بس.
أولاه ظهره واتجه نحو الباب.
ولكن قبل أن يذهب نطقت باسمه جعلته ينظر لها من جديد.
هبة بخجل: يا حضرة الظابط.
حسام بابتسامة: نعم يا هبة؟
هبة بصدق: شكراً بجد. أنت أول واحد قدم لي معروف في الدنيا.
نظر لها نظرات صادقة وهادئة ومن ثم خرج من الغرفة.
أما هي تجلس مصدومة تمامًا، يأتي في بالها مئات الأفكار.
Back:
قاطع شرودها دق الباب، فأعلت في جلستها تجذب حجابها تضعه عليها وأذنت بالدخول.
كريمة بهدوء: أنتِ صاحية أهو. فكرتك كنتي نايمة زي الأهبل التاني. تنهدت: يلا قومي البسي الفستان دا، المأذون وصل.
هبة بإحراج: ما كانش له لازمة. كده كده مش فرح بجد يعني.
كريمة بهدوء: لا فرح بجد. النهارده كتب كتاب ابني الوحيد وأنتِ من النهارده هتكوني بنتي وفي عيني الاثنين. بصراحة أنا ما كنتش موافقة، بس محمود وحسام فهموني وسألوا عنك وطلعتي بنت حلال. ما كذبش عليكي، كان نفسي ابني الوحيد يتجوز بطريقة أحسن من كده. ثم أكملت بابتسامة: بس دا قدر ربنا ولازم نرضى بيه. يلا يا عروسة.
نظرت لها هبة بصدمة، فكانت تظن أنها على وشك خوض معركة من الحديث معها، ولكنها كانت هادئة، صريحة بشكل لائق وقد ارتاحت لها كثيرًا.
بعد قليل من الوقت قد تجهزت بهذا الفستان البسيط ومعه حجابها ورفضت وضع مستحضرات التجميل.
فمن الأساس هي ليست في مزاج يسمح لها بهذا، كما أنها قليلة الخبرة كثيرًا بها، حيث كان والداها يمنعها حتى من الملابس الملونة.
خرجت ومعها كريمة التي بدأت في إعلان الزغاريد، والتي كانت محط اهتمام جميع الجالسين: محمود وسيد وحسام وأحد الجيران المقربين.
وكان حسام يبتسم بهدوء، فكان جمالها مميز وراقت له كثيرًا.
بات الوضع بالنسبة لها غريب كثيرًا، فكان الوقت يمر ببطء، تسمع صوت دقات قلبها بوضوح وكانت وكأنها في عالم آخر، ولم تفق سوى على الجملة الشهيرة.
المأذون: بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
.....: خاطف بنتي يا حضرة الظابط، ولا أكمنا ناس غلابة وعلى قد حالنا وأنت إيدك طايلة.
**********************************
في منزل أهل سمية.
كان جميع أفراد العائلة يجلسون مع والدي سمية ويتحدثون بود كبير.
فمن الأساس لديهم معرفة قوية ببعضهم البعض منذ سنوات طويلة.
أبو سمية بضحك: بس مقلتليش يا مهران يا أخويا، إيه سر الزيارة الكريمة دي؟
مصطفى بغيظ: يوه عليك، أنت مش عارف يا حج؟ هتعمل نفسك مش واخد بالك؟ ده البلد كلها عارفة.
لكزه يونس بقوة وزهرة وسمية يكتمون ضحكتهم بصعوبة، وبالطبع تلقى نظرات الوعيد من مهران ونوارة.
والدة سمية باعتراض: بس أنا مش موافقة.
**********************************
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سهيلة عاشور
نظر لها نظرات نارية ما إن استمع لحديثها هذا وبدأ الجميع ينظرون لها بتعجب كبير وصدمة فالكل يعلم مدى حبهم لبعضهم والكل مؤيد لهذه الزيجة.
بدأ مصطفى يتحرك من مكانه وكان يود بالهجوم عليها إلا يد يونس التي قبضت على يده وثبته مكانه بقوة.
مصطفى بغضب: إيه الكلام اللي بتقوليه يا خالتي أم سمية؟ من إمتى يعني وأنتِ مش موافقة، دا أنتِ مستنية يوم جوازنا أكتر مني أنا شخصياً.
أم سمية بضحك: بهزر معاك يا مصطفى، ده أنت خلْقك ضيق أوي.
تنهد براحة وهو ينظر بتوعد: ده وقت هزار ده يعني... وبعدين يا عمي، ها قل لي كتب الكتاب إمتى؟
أبو سمية بتعجب: كتب كتاب إيه يا ابني، مش لما تخطبها الأول؟
مهران بغيظ: أقول إيه بس يا أبو سمية... الواد ده دماغه مفوّتة، أنا بأقول لك أهو، أنا لو منك ما أدّيش بنتي الوحيدة لواحد أهبل زيك.
مصطفى بصدمة: الإه! وبعدين معاك يا حج، ما تخلّيك محضر خير أمال... ثم لكز يونس بقوة: ما تتكلم أنت هتفضل ساكت؟
يونس بضحك: أعمل إيه يعني، سمعتك سبقاك في كل حاجة... ثم أكمل بجدية: معلش يا بابا، ابنك برضه وأهل سمية مش غرب وعارفين كل حاجة عنه وعننا، ولا إيه يا جماعة؟
أبو سمية: طبعاً يا بني... إحنا أهل ويشهد ربنا على سمعتكم وأخلاقكم.
أم سمية بابتسامة: مش هنلاقي أحسن منكم، بنتنا تعيش وسطيهم.
مهران: وإحنا تحت أمركم في أي طلبات.
أبو سمية بصدق: إحنا ملناش أي طلبات... طلبي الوحيد أمان بنتي وسطكم وبس، والباقي ده هسيبه لذوقكم.
نوارة بابتسامة: ده حقها وهتاخده تالت ومتلت زيها زي زهرة بالظبط.
مهران بتأييد: أم يونس معاها حق... هيتعمل لها مهر ومؤخر زي زهرة، والدهب كمان لازم تضمن حقها، الزمن مش مضمون وأنا ما أضمنش الواد الأهبل ده بصراحة.
تنهد مصطفى بضيق ومن ثم همس لوالده: خلّي بالك يا حج، أنت حسابك تقل معايا.
مهران بصدمة: أنت بتهددني يا واد أنت ولا إيه؟
نظر له من أعلى لأسفل بطفولة ومن ثم: أمال فين سمية يا عمي؟
أم سمية بضحك: سمية تعالي يا بنتي.
في تلك الأثناء دلفت سمية وكانت ترتدي فستان رقيق من الأزرق ومعه حجاب من نفس اللون، كانت رقيقة للغاية.
نظر لها مصطفى بأعين تلمع من كثرة العشق وظل نظره مثبت عليها يتفحصها بشدة، وبالطبع الكل يراقب هذا وزهرة التي كانت تبتسم بشدة وهي تشاهده هكذا.
يونس بضحك: يا بني فضحتنا، اتقل شوية.
مصطفى بزفر: سيبني في حالي يا يونس... قال إيه خطوبة؟
يونس بغيظ: إحنا كنا متفقين معاك على إيه أصلاً قبل ما نيجي، بطل شغل العيال ده يا مصطفى.
نظر لها بلامبالاة وبدأت المراسم التقليدية في الاتفاق والتدبر فيما بينهم حول شراء الذهب من أي مكان وأين ستتم الخطوبة والزواج وهكذا، وانقضى اليوم ومصطفى وسمية سعداء للغاية والكل بالطبع سعيد من أجلهم.
***
في منزل حسام
قد صوت والد هبه كثيراً وكان يتحدث بتهديد ووعيد كبير ووالد حسام يحاول تهدئته ووالدته أغلقت الأبواب حتى لا يصل صوته للجيران فيصبحون لقمة سهلة المضغ بالنسبة إليهم.
وكل هذا وحسام يجلس هادئ تماماً بجوار هبه التي كانت تبكي في صمت وجسدها يرجف بشدة.
حسام ببرود: أنت عاوز إيه... وإيه الدوشة اللي أنت عاملها دي، أنت مفكر نفسك داخل زريبة ولا إيه؟
رشوان بغيظ: عاوز بنتي يا بيه، ولا هي بقت سهلة ولا أنت مفكرها سايبة ومحدش هيقف في وشك تاخد بنتي من بيتي قدام عيني وأسكت ليك؟
حسام بهدوء: بنتك دلوقتي مراتي وبمزاجها وموافقتها وأنت ملكش أي حق فيها... والدور الحمضان اللي أنت بتعمله ياريت ما يتكررش تاني علشان أنت راجل كبير ومش هتتحمل اللي أنا هعمله فيك.
ثم اقترب منه ونظر له نظرة نارية حتى أصبح وجههم مقابل لبعض وتحدث إليه بهمس: أنت عارف إني ممكن أحاسبك على كل حرف قلته ليها وجرحها وعلى كل وجع هي اتوجعته من ضربك ليها... سبتها مريضة وبتـموت من التعب ومهنش عليك حتى تجيب لها حقنة الأنسولين، علشان كده اوعى تظهر في طريقي تاني، أنت فاهم... أنا هسيبك المرة دي لأمك في الأول وفي الآخر أبوها، لكن لو جيت على طريقي أو طريق تاني هفعصك، فاهم؟
ابتعد عنه ببطء ووقف ينظر له ببرود ومن ثم اتجه نحو هبه وأحكم تمسكه في يدها وهو يربت عليها بحنان وينظر لها نظرة تطمئنها.
أما رشوان نظر له والخوف يملأ قلبه ومن ثم اتجه سريعاً يخرج من المنزل، نظر محمود وكريمة لحال هذه الفتاة وقد تأكدوا تماماً أنها بالفعل بحاجة لكل ذرة من المعاونة وأن ابنهم قد أحسن فعلاً بما يفعله الآن، قرروا تركهم وحدهم وذهبوا لغرفتهم.
حسام بابتسامة: ممكن أعرف أنتِ بتعيطي لي دلوقتي؟
هبه ببكاء: أنت ملكش ذنب في كل ده... وهعمل لك مشاكل مع أهلك غير الفضايح اللي بابا عملها لكم، خليني أمشي بعيد عنك بلاش يجولك مشاكل بسببي.
حسام بهدوء: مفيش مشاكل ولا حاجة ومتفكريش إني ممكن أسيبك تمشي من هنا أبداً، فاهمة... أنتِ دلوقتي مراتي ومسؤولة مني وأنا مش مضايق من كده أبداً على فكرة، بالعكس مبسوط.
هبه بتعجب: مبسوط بالمشاكل إزاي يعني!
حسام بمرح: أنا ظابط وكده، ولا مش باين عليا؟
هبه بتهوان: أنا مبقتش فاهمة حاجة.
حسام بهدوء: مش لازم تفهمي، المهم تحسي... تحسي بالأمان وده أهدى حاجة عندي، ودلوقتي يلا خلينا ننام، أنا مش قادر وعاوز أنام.
لم تجب، فسحبها من يدها خلفه نحو غرفته وأحكم غلق الباب وبدأ في إخراج ملابس مريحة لكليهما.
حسام بابتسامة: دي بجامة من عندي مريحة أوي لحد ما أجيب لك... يارب تحبيها.
هبه بإحراج: هو إحنا هنعيش في نفس الأوضة؟
حسام بإيماء: آه، لأننا متجوزين، ده طبيعي يعني... ومتخافيش مني، أنا مش وحش كاسر يعني، هسيبك تغيري وأنا هغير في الحمام علشان تاخدي راحتك.
كاد أن يذهب ولكن استوقفه ندائها: نعم يا هبه.
هبه بتساؤل: هو أنت جبت منين البطاقة بتاعتي؟
حسام بابتسامة: اتصرفت... أنا ظابط بقا.
غمز بعينيه في آخر حديثه بمرح واتجه نحو المرحاض وتركها تنظر نحو المرحاض ونحو ملابسه التي بيدها بتوهان وحيرة كبيرة، ولكنها في النهاية أبدلت ملابسها وجلست على الفراش شاردة الذهن.
ولكنها سمعت صوت طرق خفيف على باب الغرفة.
هبه بتوتر: مين؟
كريمة بنبرة حنونة: أنا يا بنتي، افتحي.
فتحت هبه الباب تنظر لها بإحراج شديد بسبب ما فعله والدها منذ قليل، لاحظت كريمة ذلك واشفقت عليها بشدة.
كريمة بطيبة: إيه يا هبه يا حبيبتي، مش تاخدي مني الصيني؟
أخذتها منها سريعاً ووضعتها على الطاولة الصغيرة التي كانت بالغرفة ومن ثم نظرت لها من جديد ووضعت وجهها أرضاً.
اقتربت منها كريمة وهي تضع يدها على ظهرها تربت عليها بحنان.
كريمة بصدق: مفيش حاجة حصلت تتكسفي منها، محدش فينا بيختار أهله وده قدرك يا بنتي... بس أنت خلاص مش لوحدك، إحنا أهلك ومعاكي دايماً ومش عايزة تخافي أبداً من أي شيء، فاهمة؟
نظرت لها بامتنان وكأنها ترى حب وحنية والدتها المرحومة بها.
ربتت كريمة عليها من جديد من ثم تركتها وذهبت تغلق الباب خلفها.
حسام بهمس: سرحانة في إيه؟
قفزت من مكانه برعب تنظر له بأعين متسعة وقلبها يخفق بشدة.
أما هو فأنفجر ضاحكاً عليها.
هبه بغيظ: خوّضتني لي كده؟
حسام بضحك: مكنتش أقصد، أنتِ اللي طلعتي فرفورة خالص... يلا علشان ناكل.
هبه بتعب: لا، أنا هنام.
ثم توجهت نحو السرير تريح جسدها عليه، فاتجه نحو وأطفأ الضوء وتمدد بجواره مما أصابها بالتوتر والخجل.
حسام بنوم: بطلي حركة ونامي يا هبه، متخافيش... تصبحي على خير.
هبه بخجل وصوت منخفض: وأنت من أهل الخير.
ضحك بخفوت على نبرتها هذه واقترب منها يبثها الحنان حتى خفت كلاهما في أحضان بعضهما البعض.
لا يعلمون لما اختارهم القدر في هذه الظروف لكي يكونوا سوياً، ولكن من المؤكد أن الأسباب سوف تتضح قريباً.
***
في منزل يونس
كان الجميع يجلسون سوياً وسعداء للغاية وخاصة مصطفى والذي كانت لتسع الدنيا فرحته وضحكاته التي كانت تصدر رنينها في المنزل بالكامل.
نوارة بضحك: مالك يا مصطفى، عامل زي العيل الصغير اللي مستني ليلة العيد؟
مهران بيأس: ومين سمعك يا نوارة، بقيت حاسس إنه عيل في حضنهم.
مصطفى بابتسامة: قولوا اللي انتوا عايزينه، أنا خلاص ارتحت.
زهرة بابتسامة: ربنا يفرح قلبك يا رب... عن إذنكم هطلع أنام، تصبحوا على خير.
رد عليها الجميع ومن ثم بدأوا في الانسحاب نحو غرفهم ومصطفى الذي هب من مكانه يتكئ على عصاه ويهم بالتوجه نحو غرفتهم.
مصطفى ببرود: بقول لك إيه يا يونس، أنت نومك وحش ومعرفتش أنام منك طول الليل، شوف لك حتة تنام فيها لو لسه مطرود، بقلك أهو.
نظر نحوه بصدمة كبيرة فهو من الأساس لم يغفل جفنه لحظة بسبب الطريقة العجيبة الذي ينام بها، أقسم في داخله أن سمية المسكينة تلك لن تحظى بنوم مريح في حياتها مطلقاً.
ولكنه أتت إليه بعض الأفكار التي بدأت تتلاعب في رأسه وقام من مكانه متوجهاً نحو الأعلى حيث غرفته هو وزهرة وبدأ يفتح الباب بالمفتاح الخاص به والذي خبأه منها تلك المرة ودلف للغرفة بهدوء، وجدها قد خلدت للنوم في سريرها بعمق.
بدل ملابسه سريعاً واتجه نحوها فقد اشتاق إليها كثيراً، وضع يده على خصلة من شعرها يتحسسها برقة وجذبها نحو أنفه يستنشق رائحتها بشدة.
ومن ثم وضع يده على وجنتيها يتلمسها بحنان وابتسامتها على وجهه وعينيه التي تلمع بالعشق تتحدث عوضاً عن لسانه.
أفاقت من نومها تفتح عينيها بإنزعاج وقد تلاقت عينيهم معاً ينظرون لبعضهم نظرات لا يفهمها سواهم.
زهرة بعبوس: أوعى يا يونس، أنا عايزة أنام.
يونس بابتسامة: وحشتيني أوي... عرفت قيمتك أكتر، كفاية بعد كده.
نظرت له من جديد وقد ابتسمت شفتاها تلقائياً لمحبوبها والذي لا تستطيع الغضب الحقيقي منه، وكان ابتسامتها دعوة له لكي يقترب منها يبثها بحبه وغرامه واشتياقه لها.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سهيلة عاشور
بعد مرور شهرين على آخر الأحداث.
في صباح يوم جديد وعلى مائدة الإفطار، يلتف عليها جميع أفراد العائلة ومصطفى، والذي أخيراً قام بفك جبيرته وإنهاء علاجه تماماً. كان الجميع سعيداً في الآونة الأخيرة، فبعد الارتباط الرسمي لمصطفى وسمية، تحسنت حالة مصطفى كثيراً وعم المرح والسعادة داخل المنزل. وبالطبع قد تحسنت علاقة زهرة ويونس، فأصبحت أفضل من ذي قبل، فكان يونس يهتم بأدق تفاصيلها ويغرمها بالحب والحنان. كما أن المشاكل المادية قد تم شبه حلها، وهذا أراح عقولهم كثيراً.
كانوا يراقبون حديث مصطفى مع والده وهم يضحكون بشدة.
مصطفى بإلحاح: يا حج أنا بقيت كويس أهو، قلت لي بعد شهر الجواز وبعد كده أجّلت شهر كمان. أنا زهقت يا حج، والنبي جوّزني بقى.
مهران بلا مبالاة: مش وقته يا مصطفى، بعدين.
مصطفى بغضب طفولي: لا بعدين إيه، ما تقول حاجة يا يونس، أنا كده هخلّي.
يونس وهو يحاول كبت ضحكاته: ما نجوزُه يا حج، أخو نرتاح من زِنّه.
مهران بتلاعب: يعني أنت شايف كده يا يونس؟
يونس بخبث: والله يا حج مش عارف، أنت رأيك إيه.
وضع مصطفى يده في خصره بطريقة مسرحية وهو ينظر لكليهما نظرات غريبة: والله أنت وهو بتتفقوا عليا ولا إيه؟ بقول لكم إيه، أنا هتجوز آخر الأسبوع ده، وبراحتكم بقى.
مهران بابتسامة: ألف مبروك يا مقروض. الفرح الخميس الجاي.
يونس بضحك: مبروك يا صغير.
مصطفى بصدمة: أنتم بتتكلموا جد ولا بتضحكوا عليا؟
أنوار بضحك: لا جد، ألف مبروك يا نور عيني.
زهرة بضحك: وأخيراً يا عم، كنا زهقنا منكم.
مصطفى: طب إزاي طيب؟ ثم أكمل باستدراك: ولا أنتم كنتوا متفقين من غير ما تعرفوني بقى؟
يونس ببرود: أيوه بالظبط كده، وسمية كانت عارفة على فكرة، وكل حاجة جاهزة.
مصطفى بضيق: ويا ترى كنتم ناويين تعرفوني امتى؟ دا الخميس ده كمان تلات أيام.
مهران بهدوء: يوم الخميس الصبح.
مصطفى بصدمة: كنتم ناويين تعرفوني معاد فرحي يومها الصبح، ليغصبوني على الجواز؟
مهران بابتسامة: كنت هعلمك الصبر.
مصطفى بغيظ: صبر إيه يا بابا، هو إحنا بنصطاد سمك دا فرحين.
أنوار بفرحة: يلا قوم روح اشتري لك بدلة حلوة كده وخد يونس معاك.
يونس بتذمر: لا يونس إيه، النهارده إجازة وأنا هقعد في البيت.
مهران بضيق: هي زهرة هتطير ما هي قاعدة أهي، ولا إيه يا زهرة ما تشوفي جوزك بقى عامل زي عيل اللي شبطان في ديل أمه.
زهرة بخجل: أنا هروح أشوف المطبخ.
ذهبت وهي كادت تذوب من الخجل، ونظر يونس لأبيه بعتاب.
أنوار بعتاب: ينفع كده يا مهران؟ أهي اتكسفت وزمانها زعلت.
مهران بحيرة: أنا مبقتش عارف ألاقيها من الكبير ولا من الصغير ولا منك، وأنت يلا قوم صالح مراتك وروح مع أخوك يلا، مش عاوزين لكاعة. وأنا هروح أشوف الجزار وأعدي على بتاع الفراشة، عاوزين حاجة.
الجميع: سلامتك يا حج.
رحل من أمامهم. وذهبت أنوار لتؤدي فرضها وتحادث بعض الأقارب لتقوم بعزيمتهم على العُرس. وما إن رحلوا حتى نظر مصطفى ليونس بتلاعب.
يونس بعدم فهم: عايز إيه؟
مصطفى بتلاعب: قوم يا يونس صالح زهرة.
يونس بزفر: وفيها إيه يا بني؟ مش مراتي. أنا مش عارف أنت هتعقل إمتى، خلاص هتتجوز أهو وبكرة تبقى أب.
مصطفى ببرود: أنا أعقل واحد فيكم، أنا قايم ألبس لحد ما تصالحها يا يونس.
قال آخر كلماته بسخرية مرحة، مما جعل يونس يبتسم وهو يهز رأسه بيأس من هذا الطفل الذي لن يكبر أبداً. وقام من مكانه حيث مكان زهرة.
***
في المطبخ.
كانت زهرة تقوم بعمل قائمة بكل ما يحتاجونه من أجل طعام العُرس، وكانت في حالة من التركيز الشديد. عندما رآها في هذه الحالة، سار ببطء على أطراف أصابعه بحذر شديد، وقام بالصراخ في أذنها بشدة.
زهرة بفزع: آه، إيه شغل العيال دا يا يونس؟ قلبي كان هيقف.
يونس بضحك: شكلك مسخرة، كل مرة بتتخضي برضه مش بتتعلمي أبداً.
زهرة بغضب طفولي: حل عني يا يونس، أنا عندي ألف حاجة عاوزة أخلصها، ولسه عاوزة أروح لوردة.
يونس بغضب: هتطلعي من البيت لوحدك؟ وتروحي ليها إن شاء الله؟
زهرة بصدمة: لا إله إلا الله، مش أنت اللي كنت قايل لي تروحي ليها تساعديها علشان هي لوحدها، وإحنا أهلها لازم نبقى حواليها، وهي بنت وعاوزة تتجهز للفرح يا يونس، من قبلها لازم أبقى معاها وأساعدها.
يونس باستدراك: صح، معلش نسيت. بس برضه مش هتروحي لوحدك، يلا اطلعي البسي هاخدك أوديك.
زهرة بغيظ: توديني إيه يا يونس؟ دا بيتها في آخر الشارع.
يونس ببرود: ولو بيتها لازق فينا، أنا اللي هوصلك، يلا اتفضلي.
ذهبت من أمامه وهي تضرب الأرض بقدميها بغيظ، وبدأت تتمتم بكلمات بصوت تظنه هامس: كل شوية أنا اللي هوديكي، أنا اللي هجيبك، كليه أنا اللي أوديكي سوبر ماركت، أنا اللي أوديكي، أوف زهقت.
يونس بضحك: سمعتك على فكرة، بكلم برطمة، وقدامك عشر دقايق وإلا هسيبك وأمشي.
عندما سمعت آخر حديثه، ركضت سريعاً لأعلى تحت ضحكاته على أفعالها الطفولية.
***
في منزل حسام.
كانت تجلس كريمة ومحمود وهبة يشاهدون إحدى الأفلام الكوميدية ويضحكون بشدة، فقد توددت إليهم هبة كثيراً واعتادوا على وجودها معهم، فهي فتاة طيبة وحنونة وهادئة للغاية. على الرغم أنها تتهرب من الحديث عن والدها أو عائلتها بشكل عام، ولكنها كانت تتحدث معهم في مواضيع أخرى كثيرة وتضحك.
قاطعهم دخول حسام عليهم وهو يحمل الكثير من الأكياس كالعادة، ولكن هذه المرة كانت أكبر حجماً.
حسام بمرحه المعتاد: مساء الجمال يا أجمل عيلة في الدنيا.
كريمة بحب: حمد الله على السلامة يا حبيبي، جاي بدري يعني.
حسام بتعب: مقدرتش أتأخر عن كده، تعبت أوي، منمتش كويس، كان عندي كذا قضية امبارح، قلت أرتاح وكمان عشان فرح مصطفى أخو يونس عاوز أبقى رايق. جبت لكم دول عشان الفرح، شوفوا كده.
انتبه له الجميع وهو يخرج محتويات الأكياس باهتمام، فهذه هي عادته بكل المناسبات، يذهب ويحضر لهم كل المستلزمات من ملابس وغيرها، فدائماً يحمل المسؤولية ولا يريد إرهاقهم في أي شيء.
حسام بابتسامة: البدلة ليك يا بابا، جبتها كحلي المرة دي قلت أنوع. وأنت يا ماما العباية دي عجبتني أوي، هتبقى زي القمر فيها.
كريمة بابتسامة: متحرمش من دخلتك عليا أبداً يا نور عيني.
محمود بمرح: تسلم يا حُس. دايماً تاعبينك كده يا راجل معانا. ثم أكمل بغمزة: ويا ترى بقى دا من فلوس بتاعتي ولا بتاعتك؟
حسام بمرح وحمحمة: احم، بلاش إحراج قدامهم بقى، أنا وأنت واحد يا حودة.
كريمة بضحك: عمركم ما هتتغيروا أبداً.
ضحك الجميع على مراوغة الأب مع ابنه بشدة. وما إن انتهوا حتى نظر حسام لهبة بابتسامة سعيدة، وقد شعر بسعادة غريبة، بالإضافة إلى قليل من التوتر لم يعهده من قبل، وهو يمسك بأحد الأكياس ويمدها إليها، ينظر لها بترقب.
حسام بابتسامة: أنا جبت لك دا، يارب يعجبك.
نظرت له بعيون فرحة للغاية حتى قبل أن تنظر إليه، فلم تعهد أن يأتي لها من أحد شيء، فأبيها لم يكن يجلب لها حتى قطعة من البسكويت، والدتها هي الوحيدة التي كانت تجلب لها الملابس والحلويات خلسة من دون علم من رشوان. أمسكت الكيس بسعادة وهي تفتحه وتنظر له بانبهار شديد، فكان فستان رقيق وجميل للغاية من اللون الأحمر الداكن مطرز بدقة ويبدو عليه أنه باهظ الثمن للغاية.
هبة بانبهار: دا حلو أوي، بس شكله غالي، لي تكلف نفسك.
حسام بابتسامة: هو أنا عندي غيرك أكلف نفسي عليه.
هبة بخجل: شكراً أوي.
نظر لها بسعادة ولكنه عبس فجأة عند تذكره لشيء ما، فذهب خارج المنزل وبدأ يبحث في هاتفه قليلاً.
***
في سيارة يونس.
كان يجلس هو ومصطفى في الأمام، وزهرة معها بعض الأغراض تخص العروس في الخلف، وبالطبع لم يخلوا من مراوغات مصطفى التي لا تنتهي.
مصطفى بتلاعب: قلي يا صحيح يا يونس، هو إحنا هنشتري البدلة من المكان اللي كان شغال فيه البت حلوة أوي اللي كانت بتحبك دي؟
يونس بصدمة: بت مين دي يا متخلف؟
مصطفى بخبث: البت كان اسمها سمر باين، مش دي اللي كانت بتستناك كل يوم بعد ما تخلص شغل عن المحجر القديم وتقول لك بحبك يا يونس اتجوزني والنبي؟
زهرة بغضب: مصطفى.
مصطفى وهو يمثل البراءة: نعم يا مرات أخويا.
زهرة: بطل كلامك دا، أنا بثق في يونس حبيبي، وبعدين باين أوي إنك بتقول أي كلام، أنت ممثل فاشل أوي.
يونس بفخر: مراتي يا ناس، مراتي.
مصطفى بغضب طفولي: طبعاً، مهو من لقى أحبابه نسى أصحابه. ماشي يا زهرة، يلا اختي انزلي.
زهرة بضحك: شفت حرق لك دمها إزاي، يلا مع السلامة.
زهرة بملل: حاضر يا يونس، مش هتنفس إلا لما أقول لك مرضي كده.
يونس بمرح: مش أوي. ثم مال عليها يهمس لها: هتوحشيني يا بطتي.
ابتسمت بخجل، ثم ابتعد عنه تتقدم نحو باب المنزل. طرقت عليه بخفة، ففتحت لها وردة، ومن ثم التفتت لترسل له إشارة بيدها، فبادلها التلويح، ومن ثم قاد السيارة من جديد.
وردة بتلاعب: يا سيدي يا سيدي، أوعدنا يارب.
زهرة بخجل حاولت مداراته: ما أنت هتتجوزي حبيبك أهو، عاوزة إيه تاني؟
وردة بضحك: ما أنت حالتك صعبة خالص، اللي يشوفك كده مستحيل يصدق إنك داخلة في سنة جواز. تعالي ادخلي.
***
داخل سيارة يونس.
أثناء قيادة السيارة، دق هاتفه أكثر من مرة، فأجاب النداء ورد عليه.
يونس بابتسامة: إيه يا حُس؟ لحقت أوحشك؟ أنا كنت معاك الصبح.
حسام بتوتر: اسمعني كويس يا يونس، في حاجة مهمة أوي أنت لازم تعرفها.
يونس بقلق: خير يا بني، في إيه؟
حسام: أصل...
يونس بغضب: نعم، أنت بتقول إيه يا حسام؟ إزاي دا يحصل؟ هي كوسة ولا إيه؟
رواية اخر نساء العالمين الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سهيلة عاشور
استمع لما يقوله حسام وقد تسلل الضيق بداخله.
"كيف يحدث هذا؟ وهذا ما كان ينقصه."
قال حسام بضيق: "يعني إيه يا حسام؟ مش أنت بنفسك قايل لي إنه البراءة ليها عشر سنين؟"
رد حسام بضيق: "أيوه فعلًا… بس المحامي بتاعها شاطر أوي، وكمان البت صبا قالت إنها مالهاش ذنب. وده خفف عليها الحكم. أسباب كتير يا يونس. فبقول أربع سنين."
قال يونس بغضب: "طب وبعدين؟"
رد حسام بهدوء: "يا عم أربع سنين مش قليل… وبعدين هي لما تطلع أصلًا هتعرف تقرب منكم تاني؟ دي جبانة والسجن هيهدها، وأنت عارف السجون عندنا في مصر. ولو عاوز أوصي ناس عليها من جوه."
قال يونس بضيق: "لا مفيش داعي. هي كده كده مالهاش لازمة بالنسبالي… أنا بس كنت عاوزها تاخد جزائها. يلا مع السلامة. هستناك في الفرح وتيجي من بدري. طبعًا مش هتسيبني لوحدي."
قال حسام بحب أخوي: "بس كده… عنيا. أنا بايت عندكم أصلًا. يلا سلام."
أغلق الهاتف ورماه بإهمال في الجزء العلوي من السيارة. وزفر بضيق.
كان مصطفى يتابع كل ما يحدث، حيث إن هاتف يونس صوته مرتفع قليلًا.
قال مصطفى بهدوء: "مالك شيلت الهم دي؟"
قال يونس بضيق: "يعني مش سامع حسام قال إيه… أنا كنت ما صدقت خلصت منها، وقلت عشر سنين العمر هيجري بيها. هتطلع مش قادرة تفكر حتى. أنت عارفها شرانية ونابها أزرق ومش هتسيبنا في حالنا."
قال مصطفى بنظرات غريبة: "إيه يا يونس؟ أنت خايف منها ولا إيه؟ عيب عليك والله."
قال يونس بغضب: "أخاف منها إيه يا متخلف أنت… أنا خايف على زهره. مش كفايا اللي حصلها…" ثم تذكر آخر الأحداث مما جعله يقلق بشدة، وقد ظهر هذا عليه.
قال مصطفى بخوف: "إيه يا يونس؟ أنت مخبي علينا حاجة صح؟"
قال يونس بتردد: "لا مفيش حاجة."
قال مصطفى بإصرار: "يونس من إمتى بتخبي عليا حاجة؟ قول في إيه؟ متقلقنيش عليك."
قال يونس بنبرة حزينة: "زهره مش هينفع تخلف يا مصطفى… أنا باين كده ربنا كتبلي مكنش أب أبدًا."
قال مصطفى بصدمة: "إيه؟!"
***
في منزل وردة.
كانت تجلس وردة أمام زهره، والتي كانت تضع إحدى التركيبات لها على وجهها… وتنظف أظافرها بعناية. ووردة تجلس سعيدة للغاية.
قالت زهره بابتسامة: "بقالي كتير مشفتش وشك منور كده."
قالت وردة بصدق: "مكنتش أعرف إني بحبه كده يا زهره. أنا فرحانة أوي بجد."
قالت زهره بسعادة من أجلها: "ربنا يفرح قلبك على طول… ويتممها ليكم على خير يا رب."
قالت وردة بغمزة: "وأنتِ إيه؟"
سألت زهره بعدم فهم: "إيه مالي؟"
قالت وردة بمرح: "بتحبي يونس بيه؟"
ضحكت زهره: "والله ما عارفة أقولك إيه يا وردة…. أنا لما ببعد عنه بحس روحي بتتسحب مني."
قالت وردة بتصفيق: "برافو يا فنانة… شاعرة يا أخواتي. شغل عالي دا على فكرة."
لكمتها زهره بغضب وهي تنظر لها بحدة مصطنعة. وبالطبع وردة تضحك بصوت مسموع.
إلا أن قاطعهم صوت دق الباب. ذهبت زهره لكي تفتح بعدما نظرت من الفتحة الصغيرة. ووجدتها سميه ومعها بعض الأكياس الكبيرة… فتحت لها والابتسامة تزين وجهها.
قالت زهره بابتسامة: "دا العرايس اتجمعوا بقا."
قالت سميه بضحك: "طب امسكي شيلي مني… إيدي وجعتني."
أخذت منها إحدى الحقائب والتي كانت ثقيلة للغاية ووضعتها على الكاونتر الصغير في منتصف صالة المنزل الصغير.
سألت زهره بتعجب: "إيه دا يا بنتي… أنتِ حاطة فيها إيه تقيل أوي كده؟ دولاب ولا إيه؟"
قالت سميه بابتسامة: "لا يا ستي دي صينية رز مدسوس باللبن والقشطة وبطايه. إنما إيه يستاهلوا بقك."
قالت وردة بتعجب وقد انضمت إليهم: "وأنتِ جايبة عشاء العروسة من دلوقتي؟"
قالت سميه بضحك: "عشاء عروسة إيه يا بنتي… دا علشان ناكل مع بعض… أمي قالتلي خدي دول معاكي كلوا واتغذوا. أنتو عرايس وأنا ما صدقت بقا بصراحة."
ضحكت الفتيات عليها بشدة، ومن ثم جلسوا سويا بالفعل يأكلون ويمرحون ويتحدثون في أمور كثيرة. هم ثلاثي مناسب ومتنوع بطريقة ملائمة ولطيفة للغاية، ويبدو أن علاقتهم ستكون مترابطة كثيرًا.
***
في إحدى القصور الفخمة بالقاهرة.
كان يجلس ضاحي ومعه رجاله، وهم يتجولون بعيونهم بانبهار للقصر الكبير وكل ركن به تدل على مدى فخامته وغلاء ثمنه. وبالطبع لم ينتهوا من الحديث أن هذا المخبأ يليق بهم. وها هو القائد المنيع الذي سيأخذ بيدهم بعد سنوات من الاضمحلال تحت الأنقاض. لا شك أبدًا أن ولاءهم له كبير وصبرهم كبير سنوات طوال لا يأكلون سوى فتات الطعام كما يسمونه. قوي برجاله وعقله فقط، كان لا يملك أي أموال حتى يمدهم بها. يعلم أنه منهم الوفي، ومن الخائف منهم القوي والضعيف. ولكن السؤال الذي يتشاركون به: من أين أتى بكل هذا المال؟
قال ضاحي بثقة: "شايف عينيكم بتقول إيه؟ خليها مفاجأة… بس اللي عاوزكم تعرفوه دلوقتي إن نهاية يونس مهران قربت، والحق هيرجع لأصحابه وأبويا هيرتاح في قبره أخيرًا…. القصر دا بتاعي ملكي وباسمي. وقدامه البيت الكبير أكيد شفتوه دا ليكم كبير وفي كل حاجة… وليكم من النهاردة كل حاجة نفسكوا فيها. مال وجاه وحريم وكيف وكل اللي تتمنوه….. صبرتوا كتير وجاء وقت المكافأة."
ما إن أنهى آخر كلماته حتى هلل جميع الرجال بفرحة عارمة تملأ وجوههم. من الواجب السعادة للغير، ولكن هل من سعادة بسعادة هؤلاء؟
***
في محل الملابس.
كان يقف مصطفى بعدما أخرج كل الحُلي التي في المكان تقريبًا، ينظر لها بحيرة ويقلب نظره بينهم تارة، وتارة ينظر ليونس الذي قد احمر وجهه من الغضب.
قال مصطفى بحيرة: "بس السودة هيبة صح يا يونس؟"
قال مصطفى وهو يضع يده على رأسه بتفكير: "بس سميه بتحب الأزرق أكتر."
قال يونس بملل: "خلاص هات أزرق."
قال مصطفى بتراجع: "بس لا الجملي حلو."
قال يونس بضيق: "طيب هات جملي."
قال مصطفى بضيق: "بقلك إيه الحاجات هنا مش حلوة. تعالى نروح مكان تاني."
نظر يونس نحوه بغضب جامح، ومن ثم اقترب منه يمسكه من ملابسه، يرفعه نحوه قليلًا وهو ينظر داخل عينيه ويضغط على أسنانه بغيظ.
قال يونس بغضب: "أنت قدامك خمس دقايق لو مجبتش بدلة منهم ومشّينا هجوزك بالكلسون فاهم؟"
ركض من أمامه بسرعة يحمل حلة كانت مغلفة داخل كيس كبير، ودفع ثمنها وأمسكها بسعادة وخرج من أمامه. وبالطبع يونس يراقبه وهو يخبط كفًا على كف بضيق من هذا الولد الصغير الذي لا يكبر أبدًا. استقلوا سيارتهم وبدأ يونس في القيادة.
قال يونس: "جبت أنهي واحدة؟"
قال مصطفى بسعادة: "فيزكوزي."
قال يونس بتعجب: "إيه؟ مين؟"
قال مصطفى ببرود: "فيزكوزي يا يويو."
رواية اخر نساء العالمين الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سهيلة عاشور
استمع لما يقوله حسام وقد تسلل الضيق بداخله فكيف يحدث هذا وهذا ما كان ينقصه.
يونس بضيق: يعني إيه يا حسام؟ مش أنت بنفسك قايل لي إن البراءة ليها عشر سنين؟
حسام بزفر: أيوه فعلًا... بس المحامي بتاعها شاطر أوي وكمان البت صبا قالت إنها ملهاش ذنب ودا خفف عليها الحكم. أسباب كتير يا يونس، فبقول أربع سنين.
يونس بغضب: طب وبعدين؟
حسام بهدوء: يا عم أربع سنين مش قليل... وبعدين هي لما تطلع أصلًا هتعرف تقرب منكم تاني؟ دي جبانة والسجن هيهدها وأنت عارف السجون عندنا في مصر. ولو عاوز أوصي ناس عليها من جوه.
يونس بزفر: لا مفيش داعي، هي كده كده ملهاش لازمة بالنسبة لي... أنا بس كنت عاوزها تاخد جزائها. يلا مع السلامة، هستناك في الفرح وتيجي من بدري طبعًا مش هتسيبني لوحدي.
حسام بحب أخوي: بس كده... عنيا. أنا بايت عندكم أصلًا، يلا سلام.
أغلق الهاتف ورماه بأهمال في الجزء العلوي من السيارة وزفر بضيق. كان مصطفى يتابع كل ما يحدث حيث إن هاتف يونس صوته مرتفع قليلًا.
مصطفى بهدوء: مالك شلت الهم دي؟
يونس بزفر: يعني مش سامع حسام قال إيه؟ أنا كنت ما صدقت خلصت منها وقلت عشر سنين العمر هيجري بيها هتطلع مش قادرة تفكر حتى. أنت عارفها شرانية ونابها أزرق ومش هتسيبنا في حالنا.
مصطفى بنظرات غريبة: إيه يا يونس؟ أنت خايف منها ولا إيه؟ عيب عليك والله.
يونس بغضب: أخاف منها إيه يا متخلف أنت؟ أنا خايف على زهرة مش كفاية اللي حصلها. ثم تذكر آخر الأحداث مما جعله يقلق بشدة وقد ظهر هذا عليه.
مصطفى بخوف: في إيه يا يونس؟ أنت مخبي علينا حاجة صح؟
يونس بتردد: لا مفيش حاجة.
مصطفى بإصرار: يونس من امتى بتخبي عليا حاجة؟ قول في إيه متقلقنيش عليك.
يونس بنبرة حزينة: زهرة مش هينفع تخلف يا مصطفى. أنا باين كده ربنا كتب لي مكنش أب أبدًا.
مصطفى بصدمة: إيه؟
في منزل وردة.
كانت تجلس وردة أمام زهرة والتي كانت تضع إحدى التركيبات لها على وجهها، وتنظف أظافرها بعناية، ووردة تجلس سعيدة للغاية.
زهرة بابتسامة: بقالي كتير مشفتش وشك منور كده.
وردة بصدق: مكنتش أعرف إني بحبه كده يا زهرة، أنا فرحانة أوي بجد.
زهرة بسعادة من أجلها: ربنا يفرح قلبك على طول، ويتممها لكم على خير يارب.
وردة بغمزة: وانت إيه؟
زهرة بعدم فهم: إيه مالي؟
وردة بمرح: بتحبي يونس بيه؟
زهرة بضحك: والله ما عارفة أقولك إيه يا وردة. أنا لما ببعد عنه بحس روحي بتتسحب مني.
وردة بتصفيق: برافو يا فنانة. شاعرة يا أخواتي شغل عالي دا على فكرة.
لزقتها زهره بغضب وهي تنظر لها بحدة مصطنعة وبالطبع وردة تضحك بصوت مسموع.
إلا أن قاطعهم صوت دق الباب. ذهبت زهره لكي تفتح بعدما نظرت من الفتحة الصغيرة، ووجدتها سمية ومعها بعض الأكياس الكبيرة. فتحت لها والابتسامة تزين وجهها.
زهره بابتسامة: دا العرايس اتجمعت بقا.
سمية بضحك: طب امسكي شيلي مني، إيدي وجعتني.
أخذت منها إحدى الحقائب والتي كانت ثقيلة للغاية ووضعتها على الكاونتر الصغير في منتصف صالة المنزل الصغير.
زهره بتعجب: إيه دا يا بنتي؟ أنت حاطة فيها إيه تقيل أوي كده؟ دولاب ولا إيه؟
سمية بابتسامة: لا يا ستي دي صينية رز مدسوس باللبن والقشطة وبطايه أنما إيه يستاهلوا بؤك.
وردة بتعجب وقد انضمت إليهم: وانت جايبة عشاء العروسة من دلوقتي ليه؟
سمية بضحك: عشاء عروسة إيه يا بنتي، دا علشان ناكل مع بعض. أمي قالت لي خدي دول معاكي كلوا واتغذوا أنتو عرايس وأنا ما صدقت بقا بصراحة.
ضحكت الفتيات عليها بشدة ومن ثم جلسوا سويا بالفعل يأكلون ويمرحون ويتحدثون في أمور كثيرة. هم ثلاثي مناسب ومتنوع بطريقة ملائمة ولطيفة للغاية، ويبدو أن علاقتهم ستكون مترابطة كثيرًا.
في إحدى القصور الفخمة بالقاهرة.
كان يجلس ضاحي ومعه رجاله وهم يتجولون بعيونهم بانبهار للقصر الكبير وكل ركن به تدل على مدى فخامته وغلاء ثمنه. وبالطبع لم ينتهوا من الحديث أن هذا المخبأ يليق بهم. وها هو القائد المنيع الذي سيأخذ بيدهم بعد سنوات من الاضمحلال تحت الأنقاض. لا شك أبدًا أن ولاءهم له كبير وصبرهم كبير سنوات طوال لا يأكلون سوى فتات الطعام كما يسمونه. قوي برجاله وعقله فقط كان لا يملك أي أموال حتى يمدهم بها. يعلم أنه منهم الوفي ومن الخائف منهم، القوي والضعيف، ولكن السؤال الذي يتشاركون به: من أين أتى بكل هذا المال؟
ضاحي بثقة: شايف عينيكم بتقول إيه؟ خليها مفاجأة. بس اللي عاوزكم تعرفوه دلوقتي إن نهاية يونس مهران قربت والحق هيرجع لأصحابه وأبويا هيرتاح في قبره أخيرًا. القصر دا بتاعي ملكي وباسمي وقدامه البيت الكبير أكيد شفتوه دا لكم كبير وفي كل حاجة. وليكم من النهاردة كل حاجة نفسكوا فيها مال وجاه وحريم وكيف وكل اللي تتمنوه. صبرتوا كتير وجه وقت المكافأة.
ما أن أنهى آخر كلماته حتى هلل جميع الرجال بفرحة عارمة تملأ وجوههم. من الواجب السعادة للغير، ولكن هل من سعادة بسعادة هؤلاء؟
في محل الملابس.
كان يقف مصطفى بعدما أخرج كل الحُلي التي في المكان تقريبًا ينظر لها بحيرة ويقلب نظره بينهم تارة وتارة ينظر ليونس الذي قد احمر وجهه من الغضب.
مصطفى بحيرة: بس السودة هيبة صح يا يونس؟
يونس وهو يلطم على وجهه: حلوة يا مصطفى.
مصطفى وهو يضع يده على رأسه بتفكير: بس سمية بتحب الأزرق أكتر.
يونس بملل: خلاص هات أزرق.
مصطفى بتراجع: بس لأ الجملي حلوة.
يونس بضيق: طيب هات الجملي.
مصطفى بزفر: بقلك إيه الحاجات هنا مش حلوة، تعالى نروح مكان تاني.
نظر يونس نحوه بغضب جامح ومن ثم اقترب منه يمسكه من ملابسه يرفعه نحوه قليلًا وهو ينظر داخل عينيه ويضغط على أسنانه بغيظ.
يونس بغضب: أنت قدامك خمس دقايق لو مجبتش بدلة منهم ومشّينا هجوزك بالكلسون فاهم.
ركض من أمامه بسرعة يحمل حلة كانت مغلفة داخل كيس كبير ودفع ثمنها وأمسكها بسعادة وخرج من أمامه. وبالطبع يونس يراقبه وهو يخبط كف على كف بضيق من هذا الولد الصغير الذي لا يكبر أبدًا.
استقلوا سيارتهم وبدأ يونس في القيادة.
يونس: جبت أنهي واحدة؟
مصطفى بسعادة: فيزكوزي.
يونس بتعجب: إيه؟ مين؟
مصطفى ببرود: فيزكوزي يا يويو.
رواية اخر نساء العالمين الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سهيلة عاشور
صعدت خلف زوجها وهي تشعر بشعور قوي أن هناك ما يزعجه بشدة. وجدته قد خرج من المرحاض بعدما أخذ حمامًا باردًا لعله يهدأ قليلًا. بدأ يخفف جسده المبتل بالمياه ويرتدي ملابسه. وكل هذا وهي تراقبه من بعيد، وهو شارد الذهن يفكر ويفكر حتى تملك التفكير منه لدرجة أنه لم يلاحظ وجودها حتى الآن.
اقتربت منه بحذر وهي تنظر نحو عينيه التي سادها الظلام الدامس، ووقفت أمامه. وضعت يدها برقة على وجنتيه وهي تنظر نحوه بقلق.
"مالك يا يونس... أنت كويس؟"
"كويس يا زهرة... طفي النور علشان أنام."
أنزل يدها بهدوء واتجه نحو الفراش. تسطح عليه وأولاها ظهره، وقام بتمثيل النوم.
ذهبت نحوه، تجلس على ركبتيها أرضًا وتضع يدها تحت خديها، تنظر له بعينين تلمعان بحبي.
"إيه يا زهرة... بتحضري عفريت قاعدة على الأرض كده؟ قومي طفي النور ونامي يلا."
"يونس أنت فيك حاجة صح.. قلي في إيه، أنت كنت كويس... أنت زعلان مني علشان روحت مع عمي؟"
"أكيد لا يعني... هو أنت روحت مع حد غريب، دا أبويا."
"طب في إيه طيب... أنت قلقتني عليك يا يونس."
"مفيش حاجة يا زهرة نامي يلا."
"لا في... قلي في إيه، أنت لي مصمم دايما تشيل همك لوحدك يا يونس؟"
"مفيش يا زهرة.... مصطفى بس عصبني كالعادة يعني، نامي بقا."
"ياسلام وعاوزين أصدق بقا... ما مصطفى كده على طول، إمتى كشرت وزعلت أوي كده؟"
"الله في إيه يا زهرة، هو تحقيق ولا إيه... تصدقي متصدقيش، أنت حرة."
أنهى آخر كلماته وقد قام من نومته مسرعًا نحو باب الغرفة. فتحه وأغلقه بقوة لدرجة ارتجفت جسدها والصدمة التي اعتلت وجهها بشدة. فلأول مرة يكون يونس هكذا معها، على العكس تمامًا، فهو دائمًا حريص على سعادتها وراحتها.
جلست على السرير بأقدام مرتعشة وهي تنظر نحو الباب بشرود، وقد أيقنت أن هناك ما يشغل عقل يونس، ويبدو أن الأمر ليس بالهين أبدًا.
***
في غرفة مصطفى.
كان قد بدل ثيابه وتمدد على السرير يعبث في هاتفه، والابتسامة تزين وجهه وهو يرسل بعض الرسائل الغرامية لسمية. شرد قليلًا بأن أخيرًا ليلة زفافهم قد اقتربت، وطالما حلم بهذا اليوم الذي سيغلق عليهم باب واحد فقط. تم تجهيز غرفة كبيرة بنفس حجم غرفة يونس وزهرة منذ وقت طويل من أجل زواج مصطفى. كان شاردًا في عالم من الأحلام الوردية الجميلة.
ولكن فُتح باب الغرفة فجأة، حتى دون الاستئذان، ودلف منه يونس، والتي كانت عيناه تطلق النيران، مما جعل مصطفى ينتفض من مكانه والهاتف قد تطاير من يده.
"إيه يا يونس بتخانق دبان وشك لي... ومالك داخل كده هي وكالة من غير بواب؟"
"اسمع ياض أنت.... أنا مش طايق نفسي، اسكت ونام أحسن ليك بدل ما أكسـرك قبل فرحك، فاهم؟"
"لا وعلى إيه... الطيب أحسن، تصبح على خير."
مدد مصطفى جسده من جديد، وهو يعلم بالطبع أن أخاه أفرغ غضبه في زوجته، وهذا ما كان يخشاه من الأساس. فيونس مؤخرًا، ومع توالي الأحداث، أصبح حساسًا للغاية من جهة الإنجاب، وأصبح يخشى بشدة أن يمر العمر به دون أن يصبح أبًا ولديه من يُخلف من بعده. والأقراص التي كانت تضعها ناهد لزهرة أخبره الطبيب أنها قد تسببت لها في مشكلة في الرحم، وهذا سوف يؤخر الإنجاب ويجعله صعبًا للغاية. وبالطبع مع ظهور خبر ناهد اليوم التي تلقاه من حسام، تسلل الخوف في قلبه من أن تحاول أن تؤذي زهرة بمكروه. وفي نفس الوقت يحاول جاهدًا أن يحافظ على ثروة وتجارة أبيه، وكل يوم تظهر المشاكل أكثر وهو لا يخبر أحدًا ويتحمل كل تلك الهموم وحده.
ظل طوال الليل يفكر فيما فعله، فقد ألمه قلبه كثيرًا عندما تذكر مظهرها وهي خائفة ومصدومة منه. لا يستطيع النوم، فجسده خالي من الأمان وهي ليست بين أحضانه. يشعر بالغرابة وهي ليست من تنام بجواره، حبيبته وزوجته. تؤثر عليه بشدة. "حتى التنفس في بعدك أشبه بابتلاع سم أفعى الممب الأسود."
***
في منزل حسام.
كانت تجلس هبة في غرفتها، ولم يزورها النوم حتى وقت متأخر. وهي كل ثانية تنظر من خلف ستائر الشرفة تنتظر عودته. ها هي الساعة قد تعدت منتصف الليل وهو لم يأتي. بالطبع يقضي وقتًا جميلًا مع هذه الشمطاء التي كان يتحدث معها. بالتأكيد أنها فتاة جميلة، حسنة المظهر، ومعسولة الحديث والقوام، وأيضًا يبدو أنه سعيد بلقائها هذا. يتحدث إليها بتودد ورقة، يضحك ووجهه فرح. أم أنه يعشقها؟ أو أنه متزوج منها؟
أصبحت تأتي في رأسها آلاف الأفكار، ولكنها دائمًا ما كانت تنهره نفسها تحت مسمى: "هو ليس من حقك."
سمعت صوت سيارته يقترب، فذهبت للسرير سريعًا تتمدد عليه وتغلق عينيها تمثل النوم. دلف للغرفة وهو يحرك رقبته بإرهاق. وجد الأضواء مغلقة وهي نائمة كالملاك، ملامحها الهادئة، أو كما كان يظن. ولكن مع اقترابه منها استطاع أن يعرف بسهولة أنها مستيقظة، فأبتسم بتلاعب وهو يمد يده يحركها على وجهها ببطء، مما جعلها ترتخف رجفة خفيفة قد شعر بها. ومن ثم اقترب منها ووضع قبلة حانية على وجنتيها، مما جعل وجهها يتصبغ بحمرة قانية، وقد شعرت بأنفاسه متجهة نحو شفتيها. فهبت من مكانها سريعًا ترفع إصبعها في وجهه بحدة وخجل.
"إيه اللي بتعمله ده؟"
"هو إيه؟!"
"أنت عارف كويس قصدي إيه يا حسام، بلاش استعباط، أنا متفقة معاك متقربش ليا....." ثم أكملت بغيره أنثوية: "وبعدين أنت مشبعتش من اللي أنت كنت معاها، وراجل الساعة اتنين بالليل؟"
صدم كثيرًا من حديثها، ولكنها قد أرضت غروره: "امم يعني مش قوي، بس الجايات أكتر بقا.... أنا كنت عارف إنك صاحية قلت أرخم عليكي، بس أنا مش قـا-تل نفسي عليكي يعني..."
تركها واتجه نحو المرحاض. وهي كانت حالتها كمن ألقي بسهم في قلبه، لا تعلم لماذا، ولكن قد ألمها قلبها كثيرًا عندما سمعت تلك الكلمات المسمومة منه. ماذا تقصد؟ هل أنا سيئة وقبيحة لتلك الدرجة؟ خانتها عباراتها وبدأت تنزل متتالية، ولكنها مسحتهم سريعًا واتجهت نحو الفراش ودثرت نفسها بداخله، وأجبرت نفسها على النوم، فلا مزيد من الأحلام بعد الآن.
***
في صباح يوم جديد.
قد استيقظ مصطفى بحماس، فاليوم هو آخر أيام العزوبية بالنسبة إليه، وأيضًا أنه يوم (الحناء) كما نسميه نحن في مصر، وعليه أن يستعد. بالنسبة للعريس، فلديه الكثير من الضيوف عليه استقبالهم واكرامهم، وبالطبع اليوم سيكون هناك من يلقون المواليد الصعيدية الأصيلة، ويبدأ رقص الرجال والمبارزات، فكان متحمسًا للغاية كالطفل الذي ينتظر ليلة العيد. ولكن ما أن نظر بجواره حتى وجد يونس يجلس كما كان في الليل، لم يتحرك، وكان يدخن السجائر بشراهة. هو ليس مدخنًا من الأساس، ولكن عند غضبه الشديد يبدأ في إفراغ شحنات الغضب في هذا الدخان اللعين.
وجد مصطفى حالة أخيه تلك، وقد قلق من أجله كثيرًا.
"أنا عارف زعلان وشايل الهم، بس علشان خاطري يا يونس متسبهاش زعلانه منك، إحنا ما صدقنا هنتلم كلنا مع بعض ونبقى عيلة واحدة.... زهرة بتحبك يا يونس، فضفض وقول اللي في قلبك، بلاش كده يا أخويا علشان خاطري."
ذهب إليه وقبل رأسه في حب أخوي، وذهب نحو المرحاض يغتسل حتى يستعد ليومه.
"يلا يا يونس... قوم صالح زهرة، زمان مرات عمك محمد جات وخبزت الفطير وجابت عسل وجبنة، ريقي جري.. آه وعلى فكرة زهرة بتحب الفطير بالعسل الأسود يا عسل أنت...."
أنهى آخر حديثه بغمزة مرحة، مما جعل يونس يهز رأسه بيأس، وقام وخرج خلفه من الغرفة.
***
خارج الغرفة.
ما أن خرج من الغرفة حتى وجدها تقف أمامه، عيناها يبدو عليها الإرهاق وعدم النوم، تنظر له بلهفة. اقتربت منه دون وعي بعدما لاحظت هي الأخرى إرهاقه، وضعت يدها على خديه تتحسسهما بحنان.
"مالك يا يونس... عينك ورمة كده لي، وإيه الريحة دي، أنت كنت بتشرب سجاير؟"
كانت عيناه تتابع لهفتها عليه بشوق، فرد عليها بصوت رخيم: "أنا كويس يا زهرة... كويس يا حبيبتي."
ولم يكمل حديثه حتى وجدها تقع مغشيًا عليها بين يديه.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سهيلة عاشور
بدأت تفتح عينيها ببطء وهي تشعر بألم يحتل جسدها بالكامل.
أفاقت وهي تتقلب بتكاسل لترى يونس ينظر لها بقلق وعيونه تتحدث عن عشقه بدلًا من لسانه.
تلاقت عيونهم معًا وهو يتفحصها من أعلاها لأسفلها ويطلق زفرات نادمة.
لم يكن يعلم أنه من الممكن أن يتسبب في إيذائها، فقد أخبره الطبيب أن إغماءها نتيجة ضغط للأعصاب.
يبدو أن حدثًا ما قد أحزنها كثيرًا، فعلم أنه السبب بالطبع.
فما خطؤها هي في جريمة ناهد الشنعاء وتأخر الإنجاب، أو ما ذنبها في أن هذه اللعينة ذكية بشدة واستطاعت تخفيف الحكم عنها؟
يعلم من داخله أنه إذا كان هناك شخص قد ظُلم في هذه الحكاية فهي زهره فقط.
نظرت له بتوهان وهي تضع كف يدها الصغيرة على يده.
زهره بصوت متخشج: هو إيه اللي حصل يا يونس؟ أنا دايخة أوي.
يونس بابتسامة: كل يوم بتأكد إنك أغلى حاجة عندي في الدنيا. انت شكلك كده بتبقى قاصد تقلقيني عليكي. قاعدة كل ده من غير أكل، وطبعًا قضيتي الليل كله عياط وحرقة في أعصابك. لازم تت تعبي يعني.
زهره بزفر: أعمل إيه يعني، ما أنت اتخانقت معايا وأنا مكنش ليا نفس آكل حاجة.
يونس بهدوء وخوف يقرب يدها إليه بحب ويضع قبلة حانية عليها برفق: أنا آسف يا حبيبتي. بس أنا مضغوط شوية. اتحمليني عشان خاطري يا زهره. أنا عمري ما كان قصدي إني أزعلك والله.
زهره بابتسامة: المهم إنك معايا وبس.
نظر لها بحب وغضب من نفسه في نفس الوقت، حيث لام نفسه كثيرًا على حزنها، فهي الصغيرة الجميلة تعشقه بشدة. بات يشعر أنه لا يستحق هذا الحب الكبير.
زهره بهدوء: ممكن متفكرش كتير. مش أنت السبب، أنا اللي عيوطة وكل حاجة بعيط وأزعل أصلًا.
يونس بضحك: لا والله! طب يلا يا بت قومي غيري هدومك. أنت ناسيه النهارده الحنة وهتروحي للبنات ولا عايزة تسيبيهم لوحدهم؟
زهره بضحك: حاضر هقوم.
ثم أكملت بضحك مفرط: زمان مصطفى قال مرات أخويا ماتت وهنأجل الفرح.
يونس بسرعة: بعد الشر عليكي.
ثم أكمل بضحك: بس والله معاكي حق، ده أهبل وزمانه بيفكر كده. قومي يلا عشان ننزل على مهلك.
***
في الأسفل
كان يجلس نواره ومهران ومصطفى يقف حائرًا يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا ويظهر عليه التوتر والخوف كثيرًا.
مهران وهو يهز رأسه في تعجب: عمال رايح شمال ويمين شمال ويمين، فيك إيه؟ مهو الدكتور قال تاكل وترتاح هتبقى كويسة. إيه الحيرة اللي أنت فيها دي؟
يركض مصطفى بسرعة ويمسك فخذة أبيه ويجلس أرضًا يلتصق به قائلًا بجدية: أصل أنا عارف يونس أخويا بيخاف على مراته أكتر من نفسه. هيقول لا فرح إيه وزهرة تعبانة، إحنا نأجل الفرح.
نواره بصدمة: إحنا في إيه ولا في إيه يا واد أنت، بدل ما تحمد ربنا إن مرات أخوك وبنت عمك كويسة وبخير.
مصطفى بطفولة: اديكي قلتيها أهو كويسة، يبقى قوموا بقا نكمل شغل بره. الناس كلها كام ساعة وييجوا. ننقلهم إيه؟ مسينا نعمل نصبة الفرح، افرشوا واقعدوا على الأرض.
مهران بنفاذ صبر: أنا هطلع أشوف النصبه فعلًا بدل ما أرتكب جريمة. وأنت يا أم يونس شوفي الأكل مع البنات في المطبخ.
نواره بطاعة: عنيا يا أخويا اطمن.
ومن ثم نظرت نحو مصطفى: اتلم يا واد وبوّق شغل العيال ده. أنت خلاص هتتجوز وتفتح البيت.
مصطفى بزفر: مفيش غير مصطفى. ماشي يا يما ماشي.
ذهبت نواره وهي تضحك عليه بشدة، أما هو فجلس ينظر نحو غرفة أخيه وزوجته. فخيال هذا المعتوه كان يصور له يونس وهو يهبط من غرفته راكضًا ويقف في منتصف المنزل واضعًا يده حول خصره وباليد الأخرى يلوح بطريقة مسرحية وهو يقول: "إحنا هنأجل الفرح يا مصطفى، زهرة تعبانة".
وأثناء شروده وتفاعله مع تخيلاته الغريبة تلك، هبط يونس وزهرة من الأعلى وكانوا ينظرون له بغرابة للأفعال التي كان يفعلها من قفز فوق الأريكة بتوتر وفرك يده ورأسه وهو يحاول التركيز والتفكير. من يراه يظن وكأنه مدين لنصف العالم بالمال ولا يستطيع التسديد.
اقترب يلكزه يونس بملل منه: مصطفى… في إيه يلا؟ أنت اتجننت؟
مصطفى بسرعة وقف ونظر لزهره بتفحص: مرات أخويا؟ أنت تمام؟ زوزو حبيبتي زي الفل ومفيش فرح هيتأجل صح؟
صرخت زهره ضاحكة وظلت تضحك حتى أدمعت عينيها: مش قلتلك يا يونس.
يونس بيأس: طب ما أموتك وأبقى قتلت أخويا ولا أعمل فيك إيه يا بني؟ إحنا تعبنا منك واللهم.
مصطفى بفضول: الفرح في معاده أهم حاجة، وبعدين نشوف اللي أنت عايز تعمله.
زهره بضحك: في معاده يا مجنون. أنا رايحة أساعد ماما في المطبخ قبل ما يغمى عليا من الضحك.
ذهبت زهره، وما إن اطمأن أن زهره داخل المطبخ حتى أمسك بتلابيب مصطفى الذي كان يتراقص فرحًا مما أصابه بالذعر ونظر نحو يونس برعب.
مصطفى بخوف: في إيه يا عم؟ أنت ماسك حرامي والله. هنادي لزهره.
يونس بغيظ: ولا أنت هتزيط فيها ولا إيه؟ إيه حبيبتي اللي أنت قلتها لزهره دي؟
مصطفى بتوتر: يا عم دي بنت عمي، فيها إيه؟ بهزر معاك.
يونس بحدة طفيفة: مراتي…. هاا مراتي. محدش يقلها حبيبتي غيري، حتى لو كنت أنت يا واد.
مصطفى بحنق طفولي: خلاص يا عم حل عني. بكرة حبيبتي هتيجي لي وساعتها هعمل فيك زي ما بتعمل فيا.
يونس بتعجب: أنا!… وأنا بعمل فيك إيه؟ اللهم.
مصطفى باستفزاز: بتتلكك لي بزهره؟ غيران مني ومن جمالي؟ ابقى حلو زيي.
ضرب يونس كفًا على كف من الغضب من هذا الغبي وجذبها ورائه بغضب واتجهوا نحو الخارج ليساعدوا الرجال.
حتى حل الليل.
***
في المطبخ
كانت تجلس زهره على كرسي الطاولة الدائرية الصغيرة وتجلس أمامها نواره والتي أطعمتها كم هائل من الطعام حتى بدت ستنفجر من كثرة الطعام.
زهره وفمها مليء بالطعام: خلاص يا ماما، كفايا كده بجد. هفرقع كده.
نواره بإصرار: لازم تاكلي وتتغذي. أنت مش شايفة الدكتور قال إيه؟ وبعدين النهاردة وبكرة عندنا فرح يا خايبة والستات والبنات الحلوين طالعين داخلين علينا، عاوزاهم يبهدلوا منك يونس.
زهره بخوف: بجد يا ماما؟ تفتكري؟
نواره بحديث أمومي: طبعًا أمال إيه؟ هيقولوا مراته تعبت؟ الكورة في ملعبي بقا.
زهره وقد اعتدلت في جلستها: لا إذا كان كده غذيني كمان.
ضحكت جميع الفتيات عليها بشدة، فحديثها الطفولي ظاهر عليها ويجعلها محبوبة بشدة. ظلت تأكل ومن بعدها ذهبت وارتدت فستانًا زهري اللون وتجهزت حتى تذهب للفتيات.
***
في منزل ورده
وقد صممت سميه أن تكون (الحنة) في منزلها حتى لا تشعر بأي نقص، فمن الأساس منزلها جميل ويكفي كل الفتيات التي سوف يأتين، وأيضًا منزلها مريح ويجعل الكل يحبه بشدة، فهو دافئ ونقي وتشعر ببهجة تبث الحب.
تجمعت جميع فتيات المدينة ومعهم سميه وورده بالطبع، والتي وقفوا في المنتصف يرقصون ويغنون مع الأغاني والفرحة تملأ وجوههم، فساعات قليلة وكل منهم سوف تحظى بحبيبها للأبد. وياله من إحساس يتمناه الجميع.
وبعد قليل دق الباب يعلن عن وصول زهره، والتي ما إن دلفت للمنزل حتى انضمت إليهم ترقص وتغني وملأت الفرحة المكان، وكذلك عند الرجال حتى بدأوا بالرقص والمرح سويًا والسعادة تملأ المكان.
***
في مكان من يراه يقسم أن صاحبه مالك لكنوز الدنيا من كثرة ثرائه.
كان يجلس هذا وهو يدخن سيجارة وينفثه بشرود والابتسامة على وجهه.
: آخرتكم قربت أوي، هرجعكم شحاتين زي ما كنتوا. وهعرفكم يعني إيه اللعب مع الكبار.
رواية اخر نساء العالمين الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سهيلة عاشور
فاق مصطفى باكراً جداً على الرغم من قلة ساعات النوم التي حظي بها، ولكنه كان سعيداً ومتحمساً بشدة، يود لو يعاد هذا الإحساس الذي احتاج قلبه كل يوم حتى يشبع رغبته في الارتياح والهدوء والسعادة ويأخذ كفايته منه.
بدّل ملابسه سريعاً وذهب خارج غرفته يبحث عن باقي أفراد عائلته، فلم يجد أحداً سوى نوّارة تجلس تقرأ القرآن وهي ترتله حق تلاوته، فدائماً وتلك السيدة تمثل منبع الإيمان والحنان والحب أما لهم جميعاً، تمثل الأصالة وكل ما هو جميل، شعور الدفء يحتاج قلبك عندما تراها فقط.
اقترب منها مصطفى وعلى وجهه ابتسامة مُحبة.
مصطفى بهدوء على غير العادة وهو يقبّل رأسها:
صباح الخير يا نوري.
أنهت وردها بصدق "الله العظيم" ومن ثم وضعت كتاب الله الطاهر جانباً ونظرت لابنها بحب وأشارت له بأن يجلس بجوارها.
نوّارة بابتسامة:
تعالي يا مصطفى... عاوزاك.
مصطفى بمرح:
أيوه بقا... قولي إنك عاوزة تستفردي بيا وتقتليني وتعبّيني في أكياس.
نوّارة بيأس:
هتكبر امتى؟ نفسي أعرف. دا انت خلاص فرحك الليلة، أكبر واعقل شوية يا مصطفى، مش كده.
تنهدت براحة وهي تنظر له بحب:
أنا عارفة إن الدنيا مش سايعة فرحتك النهارده يا حبيبي. واللي أنا مستغرباه إنك أنت يا مجنون عرفت تنقي بجد سمية أصيلة وبنت حلال وصبرت عليك سنين وزي القمر. ربنا يا حبيبي يهنيكوا ويفتح عليكم أبواب الرزق.
قبّل يدها بحب وعيناه تلمع من السعادة:
يارب يا أمي. أنا كده اطمنت أكتر بعد الدعوة والكلام الحلو دا. أنا مش عارف من غيرك هعمل إيه.
نوّارة بصدق:
بس أنا عاوزة أوصيك وزي ما وصيت يونس من قبلك. أنا عارفة إنك طيب وراجل يا مصطفى، بس لازم أعمل اللي عليا. أوعى في يوم تزعلها يا بني، إحنا بناخد بنات الناس نصونهم ونشيلهم جوه عينينا، فاهم يا مصطفى؟
مصطفى بإيماء:
انتِ تأمري يا نوارة بيتنا انتِ.
نوّارة بضحك:
والله انت واد بكاش.
في هذه اللحظة كان قد استيقظ مهران وذهب نحو مكان نوّارة كما اعتاد كل صباح، ولكنه تعجب عندما وجد مصطفى يجلس على مقربة منها ويمسك يدها وينظر في عينيها ويبدو حالته غريبة. ذهب لهم وهو ينظر له بتعجب.
مهران بزفر:
انت يا واد انت قاعد جنب أمك كده ليه؟ قوم فز من مكانك شوف ورانا إيه.
مصطفى بإستفزاز وقد عدّل من نفسه وأراح رأسه على قدم والدته:
لا أنا عاوز أنام شوية.
مهران بغيظ وهو يلكزه بعصاه:
قوم يلا بطل البرود ده.
مصطفى بمرح:
غيران مني يا مهران؟ كلهم كده يا نؤنؤ يا حبيبتي بيغيروا مني عشان أنا زي القمر.
مهران بنفاذ صبر:
قوم يلا نشوف الرجالة جات ولا لا. قوم بدل ما أدقك في الأرض وأعمل عليك خيمة للرجالة. قوم.
زفر مصطفى بطفولة وذهب في اتجاه باب المنزل وهو يدب قدمه في الأرض كما الأطفال، ونوّارة تضحك عليه كالعادة من قلبها ومهران ينظر نحوه بقلة حيلة ويأس.
مهران بشرود:
والله يا أم يونس محدش هيجيب لنا الفضيحة اللي الواد أبو نص عقل دا.
نوّارة بضحك:
انت بس اللي مش فاهمه يا مهران. دا مصطفى دل سكرة البيت. يلا اتوكل على الله، مع إنّي مكنتش موافقة على فرح الشارع ده، بس عشان خاطرك. زمان الرجالة على وصول.
مهران بابتسامة:
منتحرمش من ضحكتك يا أم يونس.
كاد أن يكمل حديثه معها كما اعتاد، ولكن قاطعهما هذا الصوت وكان مصطفى بالطبع.
مصطفى:
يلا يا عم الحبيب الرجالة جات.
مهران بغيظ:
خلي بالك همّوته واخلص منه.
نوّارة بضحك:
معلش ابننا برضه. أنا هقوم أشوف المطبخ لحد ما البنات يجوا.
في غرفة زهراء ويونس.
قد فاقت زهراء من وقت مبكر وأخذت حماماً دافئاً لتستعد لليوم الذي انتظره الجميع وليس العروسين فقط.
انتقت عباءة منزلية متسعة ومريحة وجلست أمام المرآة تحاول تمشيط شعرها والذي تواجه دائماً صعوبة في تمشيطه بسبب طوله وكثافته.
في هذه الأثناء كان قد استيقظ يونس وظل يراقبها بحب، فهو يعشق غضبها الطفولي عندما تحاول فعل الشيء ولا تستطيع.
هبّ من مكانه وعلى وجهه الابتسامة التي باتت تسحرها وتأسر قلبها، اقترب منها وهي تناظره عن طريق المرآة.
أخذ منها المشط وأخذ يمشط شعرها بلطف بيده وبالأخرى يربت عليه ويتلمسه بحنان.
يونس بنبرة هائمة:
تعرفي إني بحب شعرك أوي.
زهراء بحب:
وتعرف إني بحبك أوي.
يونس بعبث:
دا إحنا بطلنا نتكسف ووشنا يقلب زي الطماطم بقا. نصايح نوّارة دي مش كده؟
زهراء بخجل:
يونس.
يونس بضحك وقد انحنى عليها يقبّل وجنتيها بحب:
ربنا ما يحرمني من بداية يومي بوشك يا قلب يونس.
وضع المشط على المرآة بعدما انتهى من تمشيط شعرها ودلف للمرحاض لكي يستعد ليومه، أما زهراء فأردت حجابها وأحكمته عليها ومن ثم دلفت للأسفل لكي تساعد نوّارة والفتيات في إعداد الطعام.
في منزل سميّة.
كانت تجلس سميّة ووردة ووالدتها سميّة معاً يتناولون طعام الإفطار، وكما تم الاتفاق بينهم أن يوم الحناء يكون في منزل وردة ويوم العُرس تكون وردة معهم، فهم يعتبرونها من ضمن العائلة ويودون أن يكونوا سوياً في هذه الأيام الجميلة السعيدة بالنسبة إليهم.
يأكلون ويمرحون وتنظر لهم والدة سميّة بحب.
سميّة بمرح:
فيكي إيه يما؟ مالك مبحلقة لينا كده ليه؟
وردة بضحك:
انتِ فظيعة بجد يا بنتي.
والدة سميّة:
أقول إيه بس يا وردة.
بنتي عرفاها. فرحانة ليكم يا سميّة، وعلى قد فرحتي على قد إنكم هتقطعوا فيا أوي، بالذات انتِ يا وردة هتسكنين بعيد عننا بعد كل سنين العشرة الحلوة بينا دي.
وردة بحزن:
والله هتوحشوني أوي، بس هخلي حسين يجبني ليكم كل شوية وهقرفكم.
سميّة بمرح:
وهو سي حسين بتاعك ده هيخليكي تطلعي بره البيت ده؟ مجنون.
وردة بحدة مصطنعة:
احترمي نفسك يختي. ثم أكملت بضحك: وبعدين انتِ آخر واحدة تتكلمي عن الجنان ده، مصطفى أبراج مخه طايرة كلها.
والدة سميّة بضحك:
والله معاكي يا بنتي. أنا خايفة عليهم هما الاتنين. مجانين إلا ما في حد فيهم عاقل يعقل التاني.
سميّة بغيظ:
ما خلاص بقا انتو اتفقتوا عليا انتوا الاتنين ولا إيه؟
كانت ستكمل وردة في مضايقتها ولكن دق هاتفها يعلن عن اسم حبيبها والذي سيصبح زوجها في خلال الساعات القليلة القادمة.
ابتهج وجهها تلقائياً وهمت بالرد سريعاً.
وردة بحب:
صباح الخير يا حسين.
سميّة بسخرية:
الحق يما ملحقش يتكلم، شوفي وشها.
قامت من مكانها وهي تنظر لها بغيظ وذهبت بعيداً لكي تحادثه على انفراد.
حسين بهيام:
يسعد صباحك يا وردتي. أخيراً هتبقى ليا الليلة. الفرحة مش سايعاني. هنبعت ليكم المزينة.
وردة بضحك:
انت لسه برضه مسميها المزينة؟
حسين بضحك:
مانتي عارفة أنا على قديموا. يلا هسيبك بقا عشان تلحقي تخلصي اللي وراكي. بعد الدقايق والله عشان نبقى مع بعض يا حبيبتي. بحبك.
وردة بخجل:
وأنا كمان. مع السلامة.
حسين بغزل:
مع السلامة مؤقتاً يا حبيبتي.
أغلقت الهاتف وهي تحتضنه بحب وتشرد في هذا اليوم الذي سوف ينتهي في أحضان حبيبها. دارت برأسها عندما شعرت بأنفاس أحدهم تصدم عنقها، ولكنها فُزعت عندما رأت سميّة تقف خلفها وتمد رأسها للأمام بحركة غريبة وتفتح عينيها تنظر لها بدقة.
وردة بصراخ:
يخربيتك! وقعتي قلبي. إيه اللي موقفك كده؟
سميّة بضحك:
بتصنت عليكي. يلا يا هبلة عشان الميكب ارتست قربت تيجي.
بدأت الفتيات في أولى خطوات التجهز من أجل العُرس، وقد انضمت فتيات المدينة من الأصدقاء والأقارب والمعارف، ومن بعدها على منزل العريس لكي تقوم الاحتفالات.
في منزل عائلة مهران.
قد حل الليل وجميع التجهيزات قد حُضرت، فالمنزل زُين ومعظم المدينة زُينت أيضاً، فأُضيئت الأنوار وأقيمت الذبائح وأشهى الطعام منذ الصباح رائحته تفوح من المنزل، صوت الضحكات والسعادة يملئ المكان.
تجهز حسين ومصطفى وقد قرروا الالتزام بالجلباب والملابس الصعيدية، وحسام الذي قلدّهم بالطبع ويونس الذي انضم إليهم أيضاً، على الرغم من أنه ليس كثير الارتداء لهذه الملابس ولكنه أراد تشجيعهم، فهو بمثابة الأخ الأكبر لهم.
وزهراء التي ارتدت فستاناً قصيراً ومتحرراً من اللون الذهبي وشعرها الكستنائي الناري تركت له العنان خلف ظهرها، فالعرس ليس مختلطاً ولن يراها أحد سوى النساء، وكذلك العرائس واللواتي كانوا في أبهى صورهن، الفساتين البيضاء الملائكية والتي لاقت بهن ومعها تحررها أظهرت ملامحهم الأنثوية الجميلة، مستحضرات التجميل التي أضافت لهن لمسة خاصة.
وهبة التي انضمت إليهم بفستانها المحتشم الذي انتقاه لها حسام والذي لاق بها كثيراً، تعرفت على الفتيات وتوددت لهن كثيراً.
كان الجميع سعيداً، عند النساء تعالت أصوات الأغاني التقليدية والضحك عليها والتصفيق معها تارة، والأغاني الشعبية والرومانسية تارة أخرى.
وعند الرجال اشتعلت المواويل الصعيدية ومارسوا بينهم التحطيب، وكان الجميع سعيداً للغاية.
ومع اقتراب الانتهاء من هذه الليلة حدث ما لم يكن على بال أي أحد منهم، فكان الأغلبية قد رحلوا وقد احتشمّت الفتيات بشيء فوق ملابسهن، ولكن قبل إغلاق الباب للانتهاء جاء أحد لم يود أي أحد برؤيته أو وجوده أبداً، وذاتاً في مثل هذا اليوم.
نظر الجميع إليه والصدمة تعتلي وجوههم، كيف تجرأ لهذه الدرجة يقف هذا الضليل الوغد بينهم دون أي حياء أو خوف. ينظر في أعينهم بقوة وكأنه يخبرهم أنه أنا وهذا مقامي، ومن منكم يظن نفسه قادراً على مواجهتي فليوريني نفسه.
مصطفى بغضب:
إيه البجاحة اللي انت فيها دي؟ انت إزاي تيجي هنا؟ انت مفكر نفسك مين؟
يونس وقد أمسكه من تلابيب ملابسه وعيناه تطق من الشرار:
انت جيت لموتك. مش هتطلع من هنا حي، انت فاهم؟ انت جيت لنهايتك معايا.
قال ببرود:
إيه يا يونس بيه؟ انت هتمنعني آجي فرح أختي؟ دا حتى عيب يعني.
سميّة بحزن ودموع:
ابعد عننا بقا. أنا بكرهك، انت مش أخويا. أنا مليش إخوات، اطلع بره.
يونس بغضب:
سمعت قالتلك إيه؟ بره!
لكمه يونس في وجهه بقوة مما جعل أنفه يسيل منها الدم. نظر له بمكر وبابتسامة غامضة وهو ينظر نحو زهراء التي ارتجف جسدها بشدة واقتربت من يونس تحتضنه بخوف.
قال بثقة:
مش بعيد يا يونس بيه. قريب أوي وهتشوف الذل اللي أنا شفته السنين اللي فاتت. وانت يا سميّة من دلوقتي بخيرك يا تبقي مع أخوكي أو جوزك وأهله.
سميّة بكره:
قلتلك مليش إخوات، اطلع بره حياتي. منك لله.
...: يبقى انتوا اللي اخترتوا. مش هتلحق توحشني. عشان هنتقابل قريب وانت راسك المرفوعة دي في الأرض.
رواية اخر نساء العالمين الفصل الأربعون 40 - بقلم سهيلة عاشور
في صباح اليوم التالي، استيقظت زهرة وهي تتقلب بإرهاق، فأمس كان يومًا شاقًا عليهم جميعًا، وخصوصًا نهايته. نظرت أمامها لتجد يونس يجلس على إحدى الكراسي يدخن سيجاره بشراهة. راقبته بحزن، وهي تعلم خوفه عليهم وتعلم قلقه وانشغال باله بكل ما يحدث، فعلى كتفيه كل الهموم، ولا أحد يستطيع التخفيف عنه.
اقتربت منه وجثَت على ركبتيها أمامه، تمسك يده، تضعها على خديها الناعمتين، وهي تنظر له بحزن وعينيها ترغرغ بالدموع.
زهرة بحزن من أجله: يونس... أنا عارفة إنك زعلان، وأنا بجد نفسي أشيل عنك شوية، على الأقل احكيلي مالك. أنا معرفش حاجة عن ضاحي ده غير إن بينكم مشاكل، إزاي يطلع أخو سمية؟ أنا مش فاهمة حاجة، فهمني يا يونس... أنا مش قادرة أفضل قاعدة وأنا سايباك كده.
يونس بغصة في حلقه، وهو يربت على رأسها بحنان وينفث آخر دخان من سيجاره: بلاش تعرفي أحسن يا زهرة... أنتِ رقيقة أوي، متتحمليش كل ده.
زهرة بدموع: لا، أنا عايزة أعرف. مش أنت جوزي؟ أنا وانت واحد يا يونس، لو أنا مشلتش همك مين يشيله؟ لو ليا غلاوة عندك اتكلم بقى.
أراح جسده للخلف وهو ينظر لها بتفحص، ومن ثم أمسك يدها وجلس أرضًا بجوارها، ينظر لها بتردد، ولكنه في النهاية تحدث وأخيرًا: شوفي يا زهرة، إحنا مكنش عندنا فلوس أوي ولا حالنا متيسر أوي كده... آه، كنا الحمد لله عايشين كويس وعندنا أرض وكل حاجة، بس مش كل ده. أبويا لما أنا كنت لسه عيل صغير، كان بيشتغل هو وأبو ضاحي وناس كتير عند واحد خواجة يوناني. الراجل ده كان ذكي وغني جدًا، عنده فلوس ملهاش أول من آخر، بيشتغل في كل حاجة، حلال وحرام كمان. لما جه عندنا هنا مصر، أبويا وأبو ضاحي كانوا صحاب أوي، كأنهم إخوات. كانت معزة أبو ضاحي من معزة عمي (والد زهرة) الله يرحمه، ويمكن أكتر كمان. راحوا اشتغلوا عند الخواجة ده، وقتها كان عندنا بيت صغير وأرض صغيرة هنا في البلد. أبويا اشتغل مع الخواجة ده سنين وكسب ثقته جدًا وبقى دراعه اليمين. وزي ما بيقولوا، النفوس بتتغير. لما أبو ضاحي لقى إن أبويا بقى ياخد فلوس ومكانة أكتر منه بكتير، غار منه وبدأ يدبر له مشاكل كبيرة علشان الخواجة يطرده. بس وقتها الخواجة عرف وطرد أبو ضاحي من الشغل. وطبعًا وقتها كنا إحنا بقينا من أغنى الناس في البلد. بعدها بسنين، أبو ضاحي مات من القهرة اللي كان فيها والغل اللي جواه، ومن وقتها ضاحي اختفى. وقتها كان عندنا حوالي 18 سنة، وبعدها سمعنا من ناس كتير إنه راح لمطاريد الجبل وإنه بيسرق وبيبهدل معاهم. وقتها أم ضاحي اتجوزت، كانت لسه صغيرة أوي وقتها اتجوزت وخلفت سمية، ومن وقتها وضاحي لما عرف إن ليه أخت، وهو كان بيحوم حواليها في كل مكان علشان يضمها في صفه، علشان من زمان وهو ناوي ينتقم.
زهرة بتعجب: ينتقم من إيه؟
يونس بسخرية: مقتنع إننا السبب في موت أبوه، وإن الفلوس والأراضي اللي عندنا دي من حقه، بما إن أبوه وأبويا كانوا متشاركين زمان.
زهرة بصدمة: إيه الجنان ده...
يونس بزفر: للأسف الجنان ده حقيقة، وبعاني منها بقالي سنين. حاولت كذا مرة أفهمه، وحتى بعت له ناس كانت شاهدة على الفلوس والشغل اللي أبويا تعب فيهم وجمعهم علشان نقدر نعيش زي ما إحنا عايشين دلوقتي، بس زي ما تقول، الشيطان عامي قلبه.
زهرة بتوهان: طب وهو ممكن يعمل إيه يا يونس؟
يونس بقلة حيلة: مش عارف... بس اللي بيتربى وسط المطاريد ويرجع بكل الرجالة والقوة دي، ممكن يعمل أي حاجة للأسف. ثم أكمل بزفر: لو كان ليه أي حق كنت هديهوله أكيد، بس أنا متأكد إنه ملهوش أي حاجة.
تمسكت بيده وهي تنظر له، والدموع بدأت تتساقط من عينيها بضعف، مما جعله يقربها إليه يحتضنها بحنان، فهو يحتاجها أكثر مما هي تحتاجه من الأساس، ولكن هذه الرقيقة لا تستطيع تحمل كل تلك الهموم.
يونس بتعجب: بتعيطي لي دلوقتي طيب؟
زهرة ببكاء: علشان أنت زعلان وأنا مش عارفة أعمل حاجة.
يونس بزفر: خليكي جنبي وبس. المهم يلا قومي البسي، أنتِ نسيتي الجامعة خالص يا هانم، ها؟
زهرة بابتسامة: حاضر.
***
في غرفة سمية ومصطفى، ظلت تبكي طوال الليل على حالها هذا. طالما لم تكتمل لها أي لحظة سعيدة أو شيء قد تمنته، فهي فتاة عادية، أحلامها عادية وبسيطة جدًا، وهي أن تحظى بحياة هادئة بعيدة عن المشاكل، ولكن ها هي سخرية القدر، فصاحب هموم ووصمة العار في حياتها هو شقيقها الوحيد. تتذكر اللحظة التي علمت فيها من والدتها أن لديها أخًا، كانت تشعر بالسعادة، فهي فتاة وحيدة وبالطبع تريد السند والحب وشعور الأخوة. ولكن خاب أملها تمامًا عندما علمت بما يفعله وما يعيش فيه. حاولت جاهدة هي ووالدتها إيضاح الفكرة السيئة التي تتركز في رأسه، ولمن بالطبع دون جدوى، فأصبح الطفل الصغير وحشًا قد غُسل عقله بالأفكار الشنيعة. خُربت الليلة التي حلموا بها طويلاً.
استيقظ مصطفى بعد محاربته للنوم، ولكنه في النهاية غفى من كثرة الإرهاق. نظر لها بحزن وغضب من هذا الضاحي. اقترب منها واحتضنها بحب وهو يربت على ظهرها بحنان.
مصطفى بضيق: دموعك غالية عليا أوي يا سمية، بلاش تعملي كده. أنا عارف إنه حقك تزعلي وتضايقي، ومفيش حد يتحمل اللي أنتِ فيه دلوقتي، بس أنتِ عندي أهم من كل حاجة يا سمية. أنتِ دلوقتي مراتي وحبيبتي وفي حمايتي، لي الزعل والعياط ده كله؟ هو يعني ضاحي اللي عمله جديد عليه؟ ما سنين طويلة وهو كل شوية يعملنا مشكلة جديدة لحد ما اتعودنا.
سمية ببكاء: في الآخر ده أخويا. أنا خايفة تكرهوني والناس تكرهني بسببه. وبعدين كفايا إنه بيعمل كده وهو أخويا يا مصطفى، دي حاجة تضايق أوي بجد.
قربها إليه أكثر وهو يبثها بكلمات مطمئنة محاولًا التخفيف عنها، فهي مسكينة في النهاية ومن حقها الحزن.
***
في صالة المنزل، دلف للأسفل زهرة ويونس وقد تجهزت زهرة للذهاب للجامعة، وسمية ومصطفى يجلسون يشاهدون التلفاز ويضحكون بصوت صاخب.
زهرة بضحك: والله مجانين! عرسان النهارده الصباحية بتاعتهم إيه اللي مقعدهم في نص الصالة قدام التلفزيون؟
يونس بضحك: مش هعلق عليهم كتير بجد. طول عمري بقول محدش هيجيب لنا الفضيحة إلا مصطفى.
مصطفى بمرح: بتجيب في سيرتي لي على الصبح؟ ما تصبح كده، إحنا خلاص بقينا فرقتين قدام بعض، أنا مش لوحدي، أنا قلت أهو.
يونس بضحك مفرط: ده بيتحامى في مراته، قلت لك هيفضحني.
في تلك الأثناء، قطع حديثهم خروج نواره ومهران من غرفتهم وهم يحملون حقائب السفر، مما جعل الجميع ينظرون إليهم في تعجب.
مهران بابتسامة: كنا عاملينها مفاجأة السفر بتاعنا دلوقتي مش بعد أسبوع. خبينا عليكم علشان لو كنتوا عرفتوا كنتوا هتعترضوا.
مصطفى بتعجب: طيب وليه الاستعجال؟ ده أنا لسه متجوز إمبارح.
نواره بفرحة: خلاص بقى علقوا كتير وسيبونا براحتنا، إحنا خلاص اطمنا عليكم، ودلوقتي بقى جه وقت إننا نرتاح شوية.
سمية بحب: هتوحشوني لحد ما تيجوا.
يونس بهدوء: طالما أنتوا مبسوطين أنا مش عايز حاجة تانية. يلا عشان أوصلكم.
مهران باعتراض: لا، إحنا هنروح بالأتوبيس اللي هيوصل الناس. أنت عارف بنحب اللمة يا يونس، خلينا مع الناس أحسن.
يونس بحب: اللي يريحكم يا حج.
زهرة بسعادة: تروحوا وتيجوا بالسلامة إن شاء الله.
بدأ تبادل الوداع بينهم بالأحضان الدافئة والدموع الصادقة من الفتيات، فهذان الاثنان بمثابة الأب والأم الحقيقيين لهم، يغمرونهم بالحب والحنان والعطاء، فنعم الأهل. ولكن كان في وداع مهران ليونس جملة تعجب منها قليلاً ولكنه لم يبالي كثيرًا.
مهران بغموض: أنت الكبير في غيابي يا يونس. أوعى تتفرقوا أبدًا، أنتوا مع بعض في بعض يا يونس، وجودكم مع بعض يخوف أي حد.
يونس بعدم فهم: عنيا يا حج، متقلقش.
ذهبوا في وسيلة المواصلات المخصصة لنقل من سيذهبون للعمرة من هذه المنطقة وانطلقوا سريعًا، ومن بعدها استقل يونس وزهرة السيارة لتوصيلها للجامعة.
***
بعد مرور سبع ساعات، وقد أنهت زهرة يومها الدراسي واستقلت السيارة بجوار يونس لكي يذهبوا للمنزل سويًا، ولكن ما إن أغلق يونس باب السيارة استعدادًا للذهاب، وجد أنه متلقي مكالمة هاتفية من حسام.
يونس: أيوه يا حسام... لحقت أوحشك.
حسام بتردد: يونس... في حاجة حصلت، أنت لازم تعرفها.
يونس بقلق: خير، في إيه؟
حسام بحزن: عمي مهران وعمتي نواره... تعيش أنت.
يونس بصدمة: إيه؟...