تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ماهي احمد
علي ساب ياسين ومشي هو ورعد.
ياسين طلع على الطريق عشان يطمن على بربروس. لقاه واقف بالعربية بعيد، ومارال وغدير بيركبوا معاه. ابتسم ابتسامة بسيطة.
ولسه بيديه ضهره، لقى شمس واقفة وبتعيط.
ياسين: شمس؟
استغرب إنه لقاها ماشية لوحدها في مكان زي ده منعزل وعلى الطريق لوحدها وبتعيط. ارتبك، مابقاش عارف يروحلها ولا لأ. بقى يقدم خطوة ويأخر التانية، وبقى يسأل نفسه ألف سؤال.
ياسين: ياترى هي عايزة حد جنبها؟ حد يحتويها في وقتها؟
لقى نفسه رجليه بتاخده وتروحلها. لقاها قاعدة بجانب الطريق متكومة ومنكمشة على نفسها ودافنة راسها مابين أيديها وجسمها.
قعد جنبها ورفع إيده. الارتباك كان سابقه. مش عايز يلمسها خايف، وفي نفس الوقت عايز يطبطب عليها ويعرف سبب حزنها، مع إنه عارفه كويس. بس كان حابب إنها تتكلم. كان لسانه تقيل، كل ما يحاول يقول كلمة يرجع فيها للمرة اللي مالهاش عدد.
وأخيراً استجمع شجاعته ونطق:
ياسين: انتي كويسة؟
فاقت من شرودها واتفزعت أول ما سمعت صوته. حاولت تبطل بكى، بس إزاي وقلبها هو اللي بيبكي مش عينيها؟ إزاي تقدر تجبر قلبها وتأمره؟ يا ريت القلب كان بيسمع كلام العقل، مكانتش دموعنا عرفت طريق عينينا في يوم.
بعد عناء، مسحت عيونها بسرعة عشان مايشوفش دموعها اللي اتجمعت واتكورت على هيئة دموع.
لاقته قريب منها، بعدت عنه وبقى في مسافة بينهم. ابتسم باستنكار، ابتسامة بسيطة ظهرت بجانب شفايفه وهو بيسألها:
ياسين: الشبر ونص اللي بعدتيهم دول هما اللي هيريحوكي؟
تنهدت بعمق، فصاحب صوت تنهيدتها نبرة تهكم في صوتها.
شمس: أريد البقاء بمفردي من فضلك.
بص لها نظرة ودودة، تابعها ابتسامة صاحبها الألم جوه صدره. هز كتفه بلا مبالاة وهو بيتكلم:
ياسين: مش عارف...
ضمت حواجبها باستغراب بعيون تملؤها التساؤل. فهمها من نظرة عيونها وجاوب على سؤالها اللي مقالتهوش، كان بيجاوبها وهو بيهز راسه ببساطة:
ياسين: أو تقدري تقولي مش قادر... مش قادر أسيبك وأمشي زي ما هو سابك ومشي.
لاقت عيونهم وامتزجت نظراتهم بالألم لثواني معدودة. قطعت نظراتهم وعيونهم اللي تلاقت.
وقامت وقفت في نص الطريق وكأنها ما صدقت لقت حد تفرغ فيه غضبها وصرختها اللي كانت شيلاها جواها. بقت بتتكلم وصوت أنفاسها وهي بتتكلم بيتسارع، وأكنها في سباق طويل بتجري، ومن كتر جريها مابقتش قادرة حتى تاخد نفسها.
شمس: هو لم يتركني، وإذا تركني بالفعل، فأعلم أنك السبب. أنت السبب بكل شيء يحدث لي الآن وفي الماضي، وأيضاً في المستقبل. ألا يكفيك كم المشاكل والمصائب التي فعلتها لتدميري؟ ألا يكفيك ما فعلته معي في الماضي؟ ألا تريد أن تتركني لكي أعيش بسلام؟
جزت بأسنانها على شفايفها وبلعت ريقها وهي بتحاول تمسك دموعها وماتنزلش قدامه عشان ماتحسش بإحساس الهزيمة وماتشوفش فرحة الانتصار في عيونه إنه قدر يفرق ما بينها هي وعمار.
فأنت المسؤول عن كل شيء سيء يحدث لي.. لم أرَ بحياتي أحدًا مؤذي مثلك هكذا، حتى الضبع.. حتى الضبع لم يؤذيني بمقدار أذيتك لي.
كمش حواجبه وقام وقف قدامها والاتنين بقوا في وسط الطريق. وهو مستغرب إزاي هو يكون أسوأ من الضبع. بس فضل السكوت على أنه يتكلم. كان بيسمعها، مكانش عايز يقاطعها، كان عايزها تقول كل اللي جواها وتفرغ كل الأسى اللي شافته منه بقالها سنين. فهمته من نظرة عينيه وتفاصيل وشه اللي مايعرفهاش غيرها. جاوبت على سؤاله اللي مسألهوش بلسانه بس قرأته في عينيه:
شمس: كيف لك أن تستغرب هكذا؟ نعم، فأنت السبب بكل ما حدث لي. أتعلم لماذا؟ لأنك وبكل بساطة أسوأ من الضبع بمراحل عديدة. أقل ما فيها أن الضبع وخليله لم يستهانوا بمشاعري قط كما فعلت أنت، فهم واضحين معي منذ البداية وضوح الشمس. ولكنك كنت تفعل العكس تماماً، تعطيني الأمل وترجع تأخذه مني في غضون دقائق قليلة. فكنت كالغريق الذي يتشبث بالقشة الضعيفة، هذه القشة التي لطالما دعوت ربي بأن تمسك بيدي يومًا ما وتنجدني مما كنت فيه، ولكنك كنت تقف مثل الصنم بنظرات عيونك الحادة. لقد طال انتظاري لسنوات عديدة من عمري، لقد كنت أنظر لك بنظرات استغاثة لكي تقف بجانبي، ولكن لم تفعل شيئًا طوال حياتك.
قطع كلامها بصرخته.. صرخة كانت جواه من فترة محتاجة تطلع. من كتر صرخته، صدا صرخته بقى حواليهم وهي سامعة كلامه بيتعاد.
ياسين: عشان مكنتش في وعيي...
اتنفس بعمق، اتنفس وحاول يهدي نفسه عشان ما ترجعش تخاف منه. حاول يتحكم في نفسه عشانها، ونبرة صوته ابتدت تهدى شوية وتلاقت نظراتهم.
عشان مكنتش في وعيي ياشمس...
شاور بإيديه الاتنين على نفسه.
أنا نفسي مستغرب هو إزاي أنا كنت بتعامل معاكي بالقسوة دي ومع غيرك ومع الكل. وبعد كده ابتديت أحس بغيري وباللي حواليا. مكنتش عارف الأول سبب التغيير المفاجئ اللي حصلي. وأخيرًا.. أخيرًا ياشمس عرفت. على الأقل وأنا كنت تحت تأثير الضبع كنت بحاول.. كنت بحاول أكون لطيف.. أكون رحيم.. بس ماقدرتش. كنتي بتبقي قدامي وعايز أساعدك ومش قادر. رجلي مكانتش بتطاوعني. عقلي كان متخدر. الضبع قدر يخدر عقلي بس ماقدرش يخدر قلبي. كنت بحس إن الأذية اللي اتأذيتيها دي لازم تقف.. كان قلبي بيقولي أتحرك، أعمل حاجة. كان قلبي بيترجم اللي جوايا لنظراتي ليكي، نظراتي اللي عمرها ما كذبت عليكي في يوم.
ظهرت ابتسامة ألم على شفايفه وملامحه اليائسة في يوم إنها تصدقه. صوته بقى أعلى وهو بيتكلم وكأنه بيستغيث بقلبها عشان تصدقه. وكمل كلامه:
بس غصبًا عني كنت برجع.. كنت ببقى واقف متكتف، ببقى عايز أساعدك بس حاجة كانت جوايا بتمنعني. حاولت أفهمك ألف مرة، مفهمتيش أو مش عايزة تفهمي. عايزة تلقي اللوم عليا بأي طريقة وبأي شكل.
كل كلمة قبل ما تنطقيها تقولي أنا السبب.. أنا السبب.. لأ، أنا مش السبب.
أنا كنت عايش كافي خيري شرّي، مكنتش عايز حاجة من حد. أنا مختارتش العيشة دي، يبقى مش أنا السببهااا.. مش أنا السبب.
رجع فكر وهز كتفيه بلا مبالاة ورجع ينطق من جديد وينفي كلامه. ورفع صباعه في وشها مستكملًا حديثه:
ولا أقولك أنا السبب.. أنا السبب في إن المهدي يبقى مستذئب؟ وأقولك كمان أنا السبب في إن الضبع والعرب يقتلوا الناس دي كلها؟
أخد نفس عميق كأنه كان محروم من الأكسجين وهو بيتكلم بحزن، أكاد أقسم إنه هيفتك قلبه من الوجع.
ياسين: وأنا كمان السبب في إن المهدي يخلي فك اللعنة تبقى بنته اللي من دمه عشان تعيشي العذاب ده كله.
أخد نفس ورجع يكمل كلامه:
ياسين: خلاص كده ارتحتي ياشمس؟
هز راسه شمال ويمين وهو بيكمل كلامه:
ياسين: في أي حاجة تاني عايزة ترميها عليا عشان أكون أنا السبب فيها؟ يمكن وقتها ترتاحي والنار اللي جوه قلبك تبرد من ناحيتي؟
اتسعت عينيها وفضلت بصاله وسكتت بدموع متلألئة في عينيها. أخد نفس عميق، حط إيده على جبينه وكأن ثقل الدنيا كله بقى شايله على ضهره. أداها ضهره وغمض عينيه ومابقاش حاسس بنفسه. كان كل تفكيره فيها. كل حواسه وقفت.
وفي لمح البصر، ظهرت من العدم عربية كبيرة محملة بأخشاب الشجر قدامه وقدامها. نور العربية وكشافاتها كان كفيل إنه يكون منور الطريق كله من كتر إضاءتها. السواق شافهم قدامه ضغط على مكابح العربية بكل طاقته ولف دريكسيون العربية عشان مايخبطهمش.
العربية لفت معاه وأخشاب الأشجار وقعت على الطريق عليهم. ياسين في أقل من رمشة عين، كان عند شمس وغطاها بضهره وأخدها في حضنه. كان هاين عليه يخبيها ما بين ضلوعه ويقفل عليها.
أخشاب الشجر بقت بتترمي في كل مكان ووقعت على ضهر ياسين وهو مخبي شمس جواه. وأصبح أخشاب الشجر التقيلة كلها على ضهره مغطياها ومغطياه، وأصبحوا تحتيها وياسين حاميها.
***
ركبت معاه العربية ومطلعة إيديها من الشباك اللي جنبها وهي مبتسمة ابتسامة رضا ومغمضة عينيها ونسمات الهوا البارد بتلامس ملامح وشها. بص جنبه ليها، حس إنها مستمتعة، مبسوطة من اللي بيحصلها. ابتسم ابتسامة لطيفة منه ورجع بص قدامه.
شاف غزالة على الطريق، ضغط بكل قوته على مكابح العربية. وفي اللحظة الأخيرة، وقف قدام الغزالة ومادسهاش. شهقت بعد ما الخوف اتملك من قلبها. وغدير اللي راكبة ورا وقعت في الأرض.
بص جنبه في لحظة وأول حاجة عملها اطمن عليها.
بربروس: أأنتي بخير؟ هل من أي إصابات؟
فكت حزام الأمان من عليها بنبرة مطمئنة وهي بتهز راسها وهي بتتكلم:
مارال: أنا كويسة.
نزلت بعد ما اتفحصها بعنيه واطمن إنها مافيهاش حاجة. اتغلغلت الراحة لقلبه وهو شايفها بتفتح الباب اللي ورا لغدير، بس هو كان أسرع منها ونزل وأخد الطفلة لحضنه وسألها باهتمام:
بربروس: طمنيني قلبي عليكي ياصغيرة.
رفعت دراعها وهي بتبص عليه ومكشرة عشان اتجرحت جرح بسيط لا يذكر في دراعها، واتكلمت وملامح وشها حزينة:
غدير: طالما مابتعرفش تسوق، ياعمو بربروس بتسوق ليه؟
مارال ابتسمت ابتسامة خجولة وحاولت تتفادى نظراتها لي عشان مايشوفهاش وهي بتبتسم. بص له بإحراج وانكمشت حواجبه. وكمل كلامه وطلب منها بعينيه إنها تبص لمارال.
بربروس: أترين هذه المرأة الواقفة أمامك؟
مارال انكمشت حواجبها وبصت له باهتمام.
غدير: أيوه شيفاه.
بربروس: فاليوم يوم ميلادها، فقد أتمت السابعة والعشرين من عمرها وأصبحت عانس. وكان يجب علي فعل شيء هي تحبه في هذا اليوم المميز بالنسبة لها حتى لا تشعر بالأسى بسبب عنوستها.
قالها والابتسامة كانت مرسومة على وشه.
انمحت الابتسامة من على وشها ببطء وضربت بإيديها على كبوت العربية بغيظ.
مارال: أنا عانس يابيدقوس.. أنا لسه صغيرة، أنا لسه في العشرينيات من عمري. يوح بص على نفسك ياللي من القرن الخامس عشر اللي زيك انقرضوا من زمان واتحللوا في التياب و...
ساب الطفلة وقطع كلامها في رمشة عين كان واقف عندها وقريب منها. زادت دقات قلبها وأصبحت سريعة. سكتت كل حاجة من حواليها ومابقيتش شايفه غيره.
بلعت ريقها من قربه منها وتلاقت عيونهم وتبادلوا نظرات. وصم العمق لثواني مابينهم. قطع الصمت ده وقال:
بربروس: كل عام وأنتي بخير.. كل عام والعالم محظوظ بوجود فتاة مثلك.. وهذا العام من عمرك محظوظ أنا بمعرفتك.
داسست على شفايفها بخجل وبانت في عيونها الدهشة إنه عرف إن النهارده يوم ميلادها. ابتسمت وكمل كلامه وهو بيقول:
وأعلمي شيئًا بسيطًا، فأنتي لست بعانس كما تخبركِ والدتكِ، ولم تكبري مهما مرت عليكي السنين. فروحك ما زالت طفلة في سنواتها الأولى من عمرها، وستظل روحك طفلة مهما حييتي من السنين. فقلبك لا يحمل الضغائن، وهذا سيجعلكِ شبابًا دائمًا. ليس شباب الجسد فالجسد فاني، ولكن شباب الروح فالروح باقية.
صمت تام خيم على الأجواء ما بينهم. هرب الكلام منها، مابقيتش عارفة ترد تقول إيه. حاولت تهرب من نظراته ليها وبصت في الأرض. ومشاعرها وإحساسها كان غير وهي بتسمع كلامه اللي حست إنه كل كلمة طلعت منه ما اجتهدش عشان يقولها، هي طلعت من قلبه واتترجمت لحروف على لسانه.
قطع الصمت المخيم عليهم كلام الطفلة وهي بتقول:
غدير: الله! بص ياعمو بربروس فراشة!
قالت كلامها وهي بتشاور بإصبعها عليها وفرحانة. ومشيت وراها ودخلت الغابة.
مارال: غديي! لاء استني ماتدخليش!
مشيت وراها هي وبربروس ودخلوا الغابة. كانت فرحانة أوي بالفراشة وبتجري وراها وبتحاول تمسكها وتنط عشان تلمسها. جه من وراها ورفع إيده بثبات. الفراشة وقفت على ضهر إيديه. نزل بإيده ببطء في مستوى الطفلة واتكلم بهمس في ودنها بابتسامة لطيفة:
بربروس: هيا ارفعي يدك.
رفعت إيدها بالراحة بثبات وانتقلت الفراشة على إيديها وهي مبهورة بيها وملامح وشها كانت تفاصيل السعادة باينة عليها. بص وراه لمارال، شاف ضحكتها على وشها. ونظراتها لي اتغيرت، نظرات مطمئنة بوجوده. ارتسمت الضحكة على شفايفها بلطف.
مارال: عرفت منين إن النهاردة عيد ميلادي؟
رد بتلقائية وباجابة سريعة خرجت من شفايفه:
بربروس: من الفاس وأبوهم.
مارال: مين؟
سألت سؤالها وهي بتحاول تستوعب.
مارال: مين دول؟
رفع كف إيديه وهو بيشاور عليه:
بربروس: تلك الحديدة الناطقة، يوجد بداخلها عوالم كثيرة. فأستطاع رعد معرفة ما تحبيه ويوم ميلادك منه.
ضحكت بصوت عالي بعد ما فهمت وخبطت بإيديها على جبينها وهي بتتكلم. كانت ضحكتها باينة في كلامها.
مارال: تقصد الفيسبوك؟
هز راسه وهو بيأكد على كلامه:
بربروس: نعم.. نعم، هذا هو الفيس بوك.
ابتسمت ابتسامة بلطف وهي ممتنة إنه اهتم بيها. وحاولت تعبر له بطريقتها ورفعت إصبعها وعملت له علامة اللايك.
مارال: لاء عجبتني بجد.. لايك كبييير أوي ليك يابيدقوس.
انكمشت حواجبه واستغرب من الحركة دي وهو مش فاهم.
بربروس: ما معنى هذه الحركة؟
قربت منه خطوة ومسكت كف إيديه. ضمت له صوابعه الأربعة وسابت صابع الإبهام ورفعته وخليته يعمل علامة اللايك. ورفعت إصبعها هي كمان وعملت نفس الحركة وصباعها لامس صباعه.
مارال: شايف الحركة دي.. دي معناها لما شخص يعجب بكلام التاني بيرفع صباعه بالطريقة دي، زي ما أنت رافع صباعك كده.
قالت جملتها ونظراتهم اتلاقت لثواني بعد ما سرح في لون عينيها وصوابعهم لسه متلامسة وابتسامته بانت على شفايفه من غير ما يشعر. حس إنه اللي بيعمله غلط. فاق من سرحانه ونزل إيديه من في لحظة واداها ضهره وهو بيردد بنبرة صوت خافتة:
بربروس: “ليتَ اللهَ يغفرُ لنا فقد أهلكنا أنفسنا”.
استغربت من اللي بيقولوا وهي مش قادرة تشعر بالذنب من إن رجل غريب ممكن يلمس صباعها اللي من وجهة نظرها إنه شيء عادي بيحصل بين أي اتنين مرتاحين لبعض.
مارال: في إيه يابيدقوس؟ حصل إيه لكل ده؟
بربروس: ما فعلناه حرام، فقد تلامست الأيدي وتبادلنا النظرات، وهذا ذنب لا أعلم كيف سيسمحني عليه الله عز وجل.
استغربت من اللي بيقولوا وفي نفس الوقت ابتسمت ابتسامة رضا إنه شخص صالح للدرجة دي وبيحط ربنا قدامه في أبسط الأمور. حاولت ماتوضحهاش قدامه وبينت إنها زعلانة واتكلمت بنبرة حزينة:
مارال: للدرجة دي عيوني مش حلوين وشايفه إنه حرام إن إيدينا تتلامس كمان؟
جاوبها بهدوء بعد ما استنتج إنها فهمته غلط. رد بسرعة وهو بيبص لعيونها غصب عنه للمرة التانية وسرح فيهم:
بربروس: عشقت عيوبك، وإن انقلبت الباء نون.
حاولت تستجمع جملته اللي قالها وفهمته وابتسمت بخجل من مغازلته ليها على طريقته واحمرت خدودها. ارتبك ورجع لوعيه من جديد.
بربروس: ويحك ويحك يافتاة، فقط انتظري فالنظر إليكِ يجعلني أخطأ من جديد.
قال كلامه ونبرة صوته مليانة بالتهكم والعصبية. رجعت بصت له من جديد وكمشت حواجبها ومابقيتش فاهماه.
مارال: حصل إيه طيب؟ اللمس وعايفين حرام؟ حتى النظر كمان حرام؟
بربروس: وكيف لا ترينه وأنتي من المحرمات؟ فأنا أجنبيآ عنكِ وأحل لكِ أيضًا.
ابتسمت بخجل وبصت قدامها. لاقت غدير بعدت عنهم شوية ولسه بتجري ورا الفراشة. ندهت عليه:
مارال: غديي!
بصت له وادتها وشها.
مارال: ما تبعديش أكتر من كده، خليكي قريبة.
هزت راسها بالموافقة وهي مبتسمة.
غدير: حاضر.
بعد عنها مش أقل من متر، بس فضل ماشي جنبها. كملت كلامها بنبرة لوم وقالت:
مارال: ولما كل حاجة بتعمل حسابها كده وبتشوف الحرام والحلال فيها؟ حد يقول لواحدة هلبسك خازوق.
بصت له جنبها بنظرة عتاب.
مارال: خازوق يابيدقوس.
ارتبك وحاول يبرر اللي حصل:
بربروس: حسنًا، فلديكي كل الحق. ولهذا السبب تحديدًا أردت أن أختلي بكِ حتى أراضيكِ وأخبركِ بأن اللعين الذي يدعو ياسين هو من أخبرني بأن الخمار يدعى في هذا الزمان بالخازوق. لم أكن أعلم بأنها كلمة بذيئة، فلهذا أخبرتكِ أن ترتديه.
ضحكت بصوت عالي وحطت إيدها على شفايفها. صوت ضحكتها كان له بريق خاص على قلبه. بص لها وهي بتضحك بهيام.
بربروس: ويحك يافتاة، فالقلب لم يعد يحتمل.
قالها وهو بيتكلم بصوت واطي يكاد يكون مسموع. ابتسمت بلطف قبل ما تقول:
مارال: بتقول حاجة يابيدقوس؟
ارتبك وجاوب بالنفي.
بربروس: لا، لم أقل.
بلع ريقه وهو بيحاول يهرب من سؤالها خايف لا تسأله مرة تانية وتصر إنها تعرف كان بيقول إيه من لحظات. بص قدامه لغدير ونده عليها:
بربروس: غدير.
بصت وراها بضجر.
غدير: كل شوية غدير.. غدير! زهقتوني! أنا مامشيتش في حتة، سيبوني بقى ألعب مع الفراشات شوية. أووف!
بص بارتباك لمارال من كلام الطفلة اللي حرجته. ابتسم ابتسامة بسيطة يداري بيها كسوفه ورجع بص لغدير مرة تانية وبلع ريقه.
بربروس: حسنًا، ولكن لا تذهبي بعيدًا أيتها الطفلة الشنقيطة.
قالها والابتسامة على وشه وفي نفس الوقت دايس على سنانه. ابتسمت ابتسامة بانت على شفايفها ورجعت تسأله بلطف:
مارال: قولي يابيدقوس، واحد زيك مش موجود منه اتنين في الزمن ده، ممكن يكون شايف المرأة من وجهة نظرك إزاي؟
استغرب من سؤالها بس قرر إنه يجاوب عليه. وقف عند شجرة ورفع إيده قطع غصن منها ومسكه في إيديه. وقفت قدامه وبصت له باهتمام، عايزة تعرف إجابة لسؤالها. جاوب عليها بكلمة واحدة بس:
بربروس: معطاءة.
كانت عايزة تعرف أكتر، أو ممكن كانت عايزة تفهمه أكتر. رفعت حاجبها الشمال وهي بتسأل:
مارال: بمعنى؟
أخد نفس وهو بيبص بعنيه على غدير ورجع بصلها مرة تانية:
بربروس: خلق الله الأنثى لتقوم بالاستقبال، وأيًا كان ما تستقبله فأنها تحضنه وتضاعفه وتعيده للذكر. لقد صُممت لتقوم بذلك، ولذلك أيًا كان ما تعطيه للمرأة فأنها تستقبله، ولن تعيد المرأة الأشياء كما أعطاها لها الرجل أول مرة. ستقوم بمضاعفته أولًا.
كمثال إذا أعطيتها نطفة لن تعيدها لك، ستضاعفها وتعطيك طفلًا.
إذا أعطيتها منزلًا ستضاعفه وتعطيك مسكنًا.
إذا أعطيتها خضروات ولحوم ستعطيك وجبة.
وإذا أعطيتها إحباط وحزن وعدم اهتمام ستضاعفه وتعطيك فوق دماغك وتضرب برأسك عرض الحائط، فهذه هي المرأة من وجهة نظري.
سمعت كلامه وهي بتضحك وصوت ضحكتها بقى أعلى. سمع صوت ضحكتها مرة تانية اللي بتطرب قلبه. بص لها وابتسم وهو بيقول:
بربروس: فليلعنني الله.
بص قدامه وهو بينادي عليها وبيتحرك من مكانه وبيمشي:
بربروس: هيا بنا أيتها الطفلة الصغيرة، فوالله وبعقد الهاء قلبي الصغير لم يعد يحتمل ذلك.
وقفت مكانها وهي شيفاه بيبعد عنها وماسك الطفلة الصغيرة في إيده. مكانش قدامه غير الهروب.. الهروب من قلبه. وكان لازم وقتها يفكر بعقله.
***
صوت أوراق الشجر وهي بتتمايل من الرياح كان مخيم على الأجواء. رفعت طرحتها وهي بتمدها لقدام على شعرها ومن شدة الهوا خصلات شعرها كانت بتطلع كل شوية منها. ضمت الشال على جسمها بإيديها الاتنين وابتسمت أول ما شافته جاي من بعيد ومعاه مجين في إيديه وبيبتسم لها. قرب منها وبيمدلها إيديه وبيقولها:
دكتور علي: أتأخرت عليكي.
طلعت إيدها الشمال من الشال وابتسمت. حاولت ما تبينش إنها بردانة قدامه عشان ما يدخلوش جوه البيت. واخدت المج منه وقالت له وهي مبتسمة:
زهره: لا أبدًا ما تأخرتش، بالعكس جيت على طول.
دكتور علي: الدنيا برد عليكي هنا، حاسس بجسمك البردان.
ضمت المج بإيديها الاتنين وهي بتشعر بحرارته وبتسأله:
زهره: حاسس!!
هز راسه بالموافقة.
دكتور علي: أيوه، زي ما عارف برضوا إنك بتحاولي تبيني إنك مش بردانه عشان ما ندخلش جوه.
قعد على الأرض وربع وضم رجليه.
دكتور علي: اطمني ياستي مش هندخل البيت. الخالة حكيمة جوه هي والغريب، مش سيباه بيعرف منه كل حاجة وكل تفصيلة العربي خلاه يعملهاله. ولو دخلنا هتسمع صوتنا واحنا بنتكلم وهتطلعنا بره بمعرفتها، فا على إيه؟ خلينا هنا بكرامتنا.
ابتسمت ابتسامة رضا ظهرت على شفايفها وهي بصاله بحب. بنظرة ممتنة إنه عايش. نظرة بينظرها طفل صغير لوالده اللي غاب عنه فترة وأخيرًا رجع.
زهره: أنا بحمد ربنا كل لحظة وكل يوم إني رجعت أتكلم معاك تاني.. حمدالله على سلامتك ياعلي. مكنتش عارفة كنت ممكن أعمل إيه لو كان جرالك حاجة.
تنهد بابتسامة لطيفة واخد رشفة من المج بتاعه وهو بيبصلها ومش شايل عينه من عليه.
دكتور علي: ما أنا لو مت هسيب العيون الحلوة دي لمين؟
خدت رشفة من المج بتاعها ودارت عيونها عنه وبصت جنبها وهي بتحاول تضم شفايفها، بس شفايفها كانت بتجبرها على الابتسام.
دكتور علي: هي الزهور بتتكسف؟
قالها علي وهو بيقرب منها ومسك إيدها. سحبت إيدها منه بسرعة ورجعت لورا وسندت ضهرها على الشجرة. ماتكلمتش. رفعت إيديها وبقت تحاول تدخل خصلات شعرها جوه الطرحة مرة تانية بإيد واحدة والهوا شديد، مكانتش عارفة تتحكم فيها.
حط المج بتاعه جنبه ورفع إيده وبقى بيدخلها خصلات شعرها لجوه وهو بيقول:
دكتور علي: فاكرة لما كنتي زعلانة مني ومخصماني ومابتكلمنيش واحنا في المزرعة بتاعت العرب؟
قالها وهو بيقفلها الدبوس على طرحتها. هزت راسها من فوق لتحت وهي بتبص له.
زهره: أيوة فاكرة.
قفلها دبوس الطرحة بعد ما عدلها لها وبعد عنها خطوة.
دكتور علي: كانت الأيام بتمر عليا وكأنها سنين. كان كل خوفي أموت وانتي مش مسامحاني. كان نفسي أتكلم معاكي بروحك الحلوة وتبقي سامعاني.
بصت له وهي مش فاهمة أو مش مستوعبة اللي بيقوله.
زهره: يعني إيه؟ أنت لما حطيت نفسك مكاني مكنتش شايف المستقبل وعارف إنك هتعيش؟
علي: أكيد لاء يازهره. أولًا محدش فينا كان يقدر يستخدم موهبته واللعنة لسه ماتفكتش. بس اللي كنت متفق عليه مع الخالة هو إني لازم أخلي ياسين يفضل هنا بأي طريقة، وخصوصًا بعد ما رجعله شعور الإحساس باللي حواليه. مكانش ينفع نسيبه يمشي.
زهره: يعني الخالة حكيمة كانت عارفة إنك ممكن تموت وحطيتك في موضع خطر؟
ابتسم ابتسامة سخرية ظهرت بجانب شفايفه واخد رشفة من المج بتاعه مرة تانية واتكلم وهو بيشرب:
دكتور علي: الخالة هي اللي اقترحت عليا اللي حصل يازهره.
اتكلمت وهي خايفة عليه:
زهره: على كده الخالة ممكن تضحي بيك في أي وقت؟
علي: مش بيا أنا بس، وتضحي بروحها في سبيل أرواح مليارات عايشين على الكوكب يازهره. أنا راضي أضحي بنفسي عشان غيري يعيش. أنتِ ماتعرفيش ياسين مهم إنه يفضل معانا قد إيه.
بصيت له والخوف كان باين في عينيها.
زهره: أنا مش هتحمل شعور إني ممكن أفقدك مرة تانية ياعلي. قولي طمن قلبي، أنت مش بتقول إنك بتشوف المستقبل؟ قولي ياعلي إنك هتبقى بخير.
ابتسم ابتسامة بسيطة وقرب منها وباس كف إيديها.
دكتور علي: يكفيني أشوف نظرة الخوف في عينيكي بكل السنين اللي عيشتها.
قال جملته وشعر إن في خطوات جاية سريعة عليه من سرعتها. خاف على زهره قام وقف وخباها وراه.
الخالة حكيمة بصت له وربتت على كتفه بابتسامة.
الخالة حكيمة: ماتخافش ياعلي، ده أنا.. عايزة زهره منك في كلمتين ياولد.
بص وراه لزهره ورجع بص تاني للخالة.
دكتور علي: هي ماتقصدش ياخالة.
بصت له نظرة مطمئنة عشان يطمن وهزت راسها بالموافقة.
الخالة حكيمة: اطمن. عايزها في شيء تاني.
تنهد بعمق والخالة مدت إيديها لزهره. بعدت خطوة من ورا ضهره والحيرة واضحة في عيونها ومش فاهمة، بس بالرغم إنها مكانتش فاهمة إلا إنها مدت إيدها للخالة وهي مطمنة.
***
صوت مايه النهر كان طاغي على المكان ومن كتر شدة الليل وسواده القمر كان واضح في السما بضيه البسيط اللي كان منعكس على مايه النهر. كانوا قاعدين هما الاتنين وميرا في وسطهم. القلق كان محاوطهم وداخل جوه قلوبهم. كانوا بيبصوا لبعض بحذر.
رجع إيديه وراه وسند على الأرض وهو قاعد بيبص ورا ضهر ميرا. لقى سارة ساندة بإيديها على الأرض ومرجعاها ورا. قرب بإيديه منها، وإيديه لمست إيدها عشان حس بالقلق اللي جواه سارة وخوفها من إن ميرا ممكن في لحظة تتحول وما تعرفش اللي قدامها. حب يطمنها بلمستهم.
ميرا ابتسمت وظهرت ابتسامة بجانب شفايفها بسخرية:
ميرا: ماتخافش عليها مني، مش ده الوقت اللي هتحول فيه.
يزن: أنا عارف ده كويس.
بصت جنبها لسارة.
ميرا: بس هي مش عارفة، فحبيت أعرفها.
ساره: ميرا، أنا ماقصدش بس طالما هنبقى معاكي لازم نعرف كل تفصيلة عنك وإزاي نساعدك وإيه الوقت اللي مابتحسيش فيه بنفسك، فهماني ياميرا؟
ميرا: أكيد فاهمك.
رعد كان راجع لوحده على البيت من طريق النهر لقاهم قاعدين وميرا معاهم. وقف وراهم وهو متردد، عايز يقدم وفي نفس الوقت عايز يبعد. وبعد تفكير حسم قراره ومد خطوته. ولسه بيلف ضهره، ميرا حست بيه، لفت وشها وبصيت له ورفعت إيدها وشاورت له وهي مبتسمة:
ميرا: رعد!
وقف واتنهد. لف وشه ورجع بصلها.
ساره ويزن لفوا وبصوا له.
يزن: ما تيجي تقعد معانا.
هز راسه شمال ويمين وحط إيديه في جيوبه الخلفية واتنهد بالرفض.
رعد: لااا، مش هينفع. أنا لازم أرجع البيت. تعبان وجعان في نفس الوقت.
قالها وهو بيرجع شعره لورا بإيديه. لسه هيتحرك مرة تانية، وقفوا وهي بتحط إصبعها على شفايفها وابتسمت:
ميرا: هووووش! أنت قلت جعان؟
شاور براسه بالموافقة. ويزن وساره بيبصولها باستغراب وهما مش فاهمين.
يزن: نظرتك بتقول إن في دماغك حاجة.
قلعت الكوتشي اللي لبساه وشمرت رجلها وهي مبتسمة، بتشوفها وهي بتشمر رجل البنطلون بتاعها. هزت راسها بابتسامة عريضة.
ساره: أوعى تقولي إننا هناكل سمك؟
شاور براسها من فوق لتحت بالموافقة وغمزت لها بعنيها.
ميرا: حضري النار.
بصت ليزن بفرحة وهي بتفتش في جيوبه وبتشاور بعنيها ليزن.
ساره: اوعى تقول إنك مش معاك ولاعة.
هز كتفه بالنفي.
يزن: للأسف مش معايا.
حط إيده في جيبه وطلع ولاعة وحدفها لساره.
رعد: ساره امسكي.
مسكت الولاعة ما بين إيديها ومسكت إيد يزن وبتشده وراها.
ساره: بسرعة تعالى نجيب الخشب.
مشيت هي ويزن. ورعد واقف بره ومستني. ميرا اتكلمت وقالت:
رعد: على فكرة مكانش في داعي إنك تتعبي نفسك. أنا كنت هاروح آكل في البيت أي حاجة، أنا أصلًا مش جعان.
أوميرا: هووووش.
قطعته في الكلام وهي موكية ضهرها وباصة لتحت للميه. رجعت خصلات شعرها لورا وركزت في السمع كويس وهي بتسمع صوت السمك بيتحرك. حولت عينيها للأزرق وبقت تشوف كويس اللي تحت الميه لحد ما لاقت سمكة. طلعت ضوافرها في لحظة ومسكت السمكة وهي مابين إيديها الاتنين. السمكة بقت تحرك ديلها وراسها. حدفتها لرعد وطلعتها بره النهر.
ميرا: السمكة دي ليك انت بس. عايزين حاجة نحطها فيها.
كانت بتكلمه وهي واقفة في وسط النهر. بص شمال ويمين مالقاش حاجة يحط فيها. قلع الجاكيت بتاعه وحطه في الأرض وحط السمكة عليه. وميرا بقت تصطاد السمك وتحدفهاله وهو يحطها على الجاكيت لحد ما اتملى. بيكلمها وهو بيبص على الجاكيت وبيحط السمك:
رعد: كفاية كده ياميرا، ده كتير أوي.
لسه بيرفع عينيه عشان يبصلها مالقهاش في النهر. بيبص لقاها وراه. اتخض إنها بقت وراه مرة واحدة بلون عينيها الأزرق. اتلاقت نظراتهم وهو بيبصلها بلون عيونه.
ميرا: خوفت من لون عيني؟
شاور براسه بينفي اللي بتقوله.
رعد: بالعكس، أنا عمري ماخفت منك ولا هخاف في يوم. أنا دايما بخاف عليكي عشان اللي زيك يتخاف عليه ياميرا، مش منه.
تنهدت بعمق لما قال كلامه وارتاحت. بلعت ريقها وقعدت القرفصاء وبصت للسمك.
ميرا: تخيل إنهم كانوا ممكن يفضلوا عايشين لو أنت ماكنتش قولت إنك جعان.
قعد جنبها القرفصاء وابتسم وهو بيبصلها.
رعد: عايزة تقولي إني السبب في موتهم؟
ضمت شفايفها وهي بتفكر. هزت راسها بالموافقة.
ميرا: بصراحة أه.
بص لها وهو مبسوط إنه شايف ضحكتها رجعت تترسم على وشها من جديد.
ميرا: يهمك إن إني أكون مبسوطة؟
رعد: بتسألي سؤال وإنتي عارفة إجابته.
ميرا: أنا تعبتك معايا كتير أوي يارعد، وكل ما هتفضل معايا هتتعب أكتر. كفاية وجعك مني لحد كده.
رعد: راحتي الوحيدة في قربك. مش طالب منك إنك تحبيني عشان الحب مابيطلبش. طالب منك بس ماتبعدنيش عنك. خليني قريب منك، راحتي بتيجي في قربك مش في بعدك ياميرا.
ميرا: إزاي حد يقدر يحب حد كده مع إنك عمرك ما شوفت مني الحب في يوم؟
رعد: عشان حبي ليكي يساع الكون. ومتأكد إنك هتحبيني في يوم.
ابتسمت بخجل وبصت للسمك مرة تانية. لقت سمكة لسه فيها الروح ونطت من مكانها. اتخضت ورجعت لورا ووقعت. مسكت في رعد وخدته معاها وهي بتضحك وبصت للسما. ورعد كان نايم جنبها. اتنهدت بعمق.
ميرا: عايزاك تصبر عليا شوية يارعد.
رعد: وأصبر عليكي العمر كله ياميرا.
رواية الهجينة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ماهي احمد
شاورت بأيديها على قطعة خشب في الأرض.
ساره: في قطعة هناك.
هبص وراه وهو مش شايفها.
يزن: فينس.
ساره: إزاي مش شايفها؟ استنى أنا هجيبها.
اتقدمت خطوات وعدت من جنبه، لسه هتوطي عشان تجيبها، بص في الأرض لقى حبل خفيف مربوط بقطعة الخشب. القلق دخل قلبه، لسه هتمد إيدها وتاخد القطعة، نده عليها باسمها. في ثواني كان عندها وزقها بعيد. وقعوا في الأرض هما الاتنين سوا بعيد عن الخشبة.
رفعت راسها وبصتله وهي مش فاهمة.
ساره: في إيه يا يزن؟ حصل إيه؟
قام من جنبها ومدلها إيديه. مدت إيدها وقامت معاه. سابها ومشي بخطوات حذرة ناحية الخشبة. بص حواليه لقى عصاية طويلة، مسكها وحرك الخشبة من مكانها بيها. بيبص لقى فخ من حديد قبض على العصاية أول ما الخشبة اتحركت.
قامت وقفت وهي مستغربة. قبضت بأيديها على الجاكيت بتاعه واتنهدت.
ساره: ده ليه؟ ومين اللي حط الفخ ده هنا؟
بص وراه واتنهد بحيرة.
يزن: أكيد الصيادين عشان يصطادوا الذئاب أو الغزلان.
ساره: بس…
يزن: مافيش تفسير تاني غير كده.
ساره: بس… بس شوفتها إزاي؟
يزن: مش مهم شوفتها إزاي، الأهم إنك بخير.
بص للخشب اللي جمعوه.
يزن: أظن كفاية خشب كده.
وطى واخد الخشب اللي جمعوه.
يزن: دول هيكفوا وزيادة.
لسه هيمشوا، بص وراه وهو بيقولها.
يزن: خلي بالك، بصي على الأرض وإنتي ماشية.
هزت راسها بالموافقة وبقت تبص في الأرض.
رجعوا تاني لميرا ورعد، لاقوهم نايمين على الأرض وبيصوا لبعض.
ساره بصت ليزن وابتسمت وشاورتله بعنيها عليهم. ابتسم واتحمحم.
يزن: احم…
قاموا بسرعة واتعدلوا في قعدتهم. شافت التوتر والارتباك اللي كان على وشهم. حاولت تغير الكلام وقدمت خطوات ناحيتهم وهي بتشاور بأيديها على الخشب.
ساره: إحنا جبنا الخشب.
حط الخشب في الأرض وشاورلها بعنيه.
يزن: هاتي الولاعة اللي معاكي يا ساره.
حدفتله الولاعة وقعدوا الأربعة حوالين النار وشووا السمك، وضحكاتهم العالية كانت باينة في الأجواء.
وساره بتحكيلهم على اللي بيحصل من يزن وهو صغير، وكل واحد فيهم بيحكي موقف طريف وهما بياكلوا السمك سوا.
كانت بتكتم صوت ألمها ووجعها عشان ما يحسش إنها تعبانة. في الأوضة وهما واقفين حواليها.
غرام: قولت إيه يا داغر؟
بص لهدير وهو عارف إنها تعبانة، مش مرتاحة في وجودها هنا. ولو غرام مشيت كمان هتحس إنها وحيدة وهي في شهورها الأخيرة في الحمل. فكرت إنها تبعد عنه كانت مستحيلة. اتكلم بنبرة حادة.
داغر: في إيه يا غرام؟
غرام: في اللي قولتهولك، سيبها ترجع معايا على مصر. أنت شايف حالتها عاملة إزاي؟ مراتك في الشهور الأخيرة عايزة راحة نفسية ومكان هادي. ولو مش عايزها تقعد معايا، هوديها عند باباها وهبقى معاها. مش هسيبها إلا لما تولد. الخطر في المكان ده محاوطها في كل حتة وفي أي لحظة ميرا ممكن تتحول أو حسام أو العربي.
قطع كلامها وغمض عينيه.
داغر: فهمتك يا غرام.. فهمتك خلاص.
غرام: أنا عارفة إنك بتحبها، بس بص لمصلحتها الأول أرجوك. أنا هسيبكم ومستنية ردك عليا.
طلعت وقفلت الباب وراها. قعد على السرير في الجهة المقابلة لهدير.
داغر: عايزة تنزلي معاها مصر وتسبيني؟
هدير: ينفع أتكلم معاك بصراحة يا داغر؟
داغر: أكيد يا هدير.
هدير: أنا خايفة أوي من اللي بيحصل هنا.
اتعدلت في قعدتها وهي ماسكة بطنها.
هدير: وكمان تعبانة، عايزة أروح أقعد مع بابا، عايزة حد يعتني بيا. ماتبقاش غير حاجات بسيطة وأولد، محتاجة أرتاح فيهم.
داغر: أيوه بس…
قطعت كلامه وحطت صباعها على شفايفه.
هدير: أنا عارفة إنك مش هتقدر تتخلى عنهم أو تسيبهم وأنا فهماك وبقدرك، بس على الأقل خليني أبقى قاعدة في مكان وأنا مش خايفة من اللي هيحصل في الدقيقة اللي جاية.
داغر: إنتي عايزة كده يا هدير؟
بصت على بطنها ومسكت إيديه حطيتها على بطنها.
هدير: أنا عمري ما خفت على نفسي وأنا معاك، بس خايفة على اللي في بطني وخصوصاً بعد اللي حصل من ميرا.
ابتسم ابتسامة بسيطة عشان يرضيها.
داغر: موافق يا هدير.. سافري، وأول ما ميعاد ولادتك تقرب هاجيلك على طول.
دخلت أوضتها مرة تانية، لاقت الشباك مفتوح والأوضة فاضية. ولاء مكانتش فيها زي ما سابتها. بصت قدامها واتجهت للشباك عشان تقفله. طلع من الركن وحط إيده على إيديها وهي بتقفله. اتخضت وبصت وراها، لاقيته وراها. أخدت نفس وغمضت عينيها.
غرام: بتعمل إيه عندك؟
عز: المفروض أنا اللي أسألك، مش أنتِ اللي بتعملي فينا إيه يا غرام؟
قربت من الباب ووقفت جنبه وشاورت عليه بأيديها إنه يطلع بره.
غرام: افتكر إن كلامنا خلصان من زمان، مافيش كلام يتقال طول ما أنت مصمم على اللي في دماغك.
مسك طرف الباب وقفلها بعصبية.
عز: مش قادر.. إنتي ليه مش قادرة تفهمي إني مش قادر؟
سابته ومشيت ناحية الدولاب وهي بتطلع فستانها من الشماعة وبتحطه في الشنطة.
غرام: وعمرك ما هتقدر، صدقني، عشان كده لازم تسيبني أمشي.
قربت من الباب ولسه هتفتحه، قرب منها وزقها، وقعت على السرير عشان مش عايزها تخرج. حاولت تقوم، مسكها ورفع إيديها الاتنين على السرير بإيد واحدة وغضبه كان باين على ملامحه.
عز: يعني عايزة تمشي؟
وهي بتحاول تفك إيديها الاتنين من كف إيده.
غرام: أيوه عايزة أمشي.. سيبني، أنا بكرهك، مش بطيقك.
صرخ بأعلى صوته، والمرة دي الشر كان مالي عينيه.
عز: يعني مبقتيش تحبيني؟
بصت في عينيه بكل تحدي.
غرام: أيوه مبقتش أحبك.. كرهتك وكرهت العيشة معاك.. أنا لو عشت معاك لحظة واحدة بعد كده أبقى واحدة معنديش كرامة وأستاهل كل اللي بتعمله معايا.
ساب إيديها وقعد على طرف السرير جنبها بكل استسلام وقلة حيلة وهو بيبص في الأرض، ودمعة نزلت منه. اتكلم بنبرة صوت مكسورة.
عز: بس أنا بقي بحبك.. بحبك ومش قادر.. مش قادر أبعد عنك.
قامت من على السرير وهي مش مصدقة إنها بتشوفه بيبكي عشان هتبعد عنه. قعدت قدامه القرفصاء وشافت دموعه اللي نازلة منه وضعفه اللي بان قدامها وعشانها.
غرام: عز، أنت بتبكي؟
غرام: لأ، ما تبكيش يا عز.
رفعت إيديها ولمست خده بأيديها.
غرام: أرجوك ما تبكيش عز، أنا بحبك.. بحبك وسيبك من كل كلمة قولتها لك.
خدته في حضنها.
غرام: أنا والله ما أقدر أعيش من غيرك في يوم، أرجوك ما تبكيش.
رفع راسه من حضنها وبصلها ودموعه على خده.
عز: هنلاقي حل سوا، بس ماتسبنيش يا غرام.
هزت راسها بالموافقة ودموعها بتنزل من خدها وابتسمت.
غرام: هنرجع مصر وهنفكر سوا.. وهنبقى سوا، ماتقلقش.
ابتسم ودموعه مانشفتش من على خده واخدها في حضنه.
عز: أنا بحبك واللي قاهرني إني ظلمتك.
نزلت من على السلالم وصوت كعبها كان واضح أوي وهي بتنزل. لاقيته طالع على أول سلمة وهي نازلة من فوق. سألته وهي بتبصله.
ولاء: رايح فين؟
شريف: طالع لعز، أنا شوفته وهو بيطلع.
ولاء: طيب ينفع تسيبهم دلوقتي؟ واضح إنهم متخانقين وقاعدهم سوا لوحدهم ممكن يحل المشكلة.
ضغط بأيديه على الطرابزين وهو مضايق.
شريف: أنا كنت متأكد وعارف إن في حاجة بتحصل ما بينهم ومعاملة غرام اللي متغيرة معايا، بس للأسف عز مش عايز يحكيلي.
نزلت من على السلم ومرت من قدامه وطلعت بره البيت.
ولاء: غرام برضه مش راضية تقولي حاجة، فاكراني لسه صغيرة. حاكتلي عن كذا مشكلة حصلت، بس مش عارفة، حاسة إن مش دي المشكلة الأساسية.
طلع وراها وهو شايفها بتبعد.
شريف: وتفتكري إيه المشكلة اللي بينهم؟ مع إنّي عارفها.
ولاء: وطالما عارفها، ماتقول.
شريف: أنا مش عارفها بالظبط، بس اللي متأكد منه إن أنا السبب في المشكلة اللي ما بينهم.
ولاء: وليه بتقول كده؟
شريف: إحساس مش أكتر.
فركت بأيديها الاتنين على دراعتها وهي حاسة بالسقعة.
ولاء: الدنيا هنا ساقعة أوي.
قلع الجاكيت من عليه وحطه على كتفها.
شريف: خدي الجاكيت ده هيدفيكي.
ولاء: أيوه بس أنت…
شريف: مش حاسس بالسقعة.
قعدت على الرصيف اللي ورا البيت وهو حاطط إيده في جيبه، كان واقف قدامها ماتحركش. ضمت الجاكيت بتاعه عليها ورفعت عينيها وبصتله.
ولاء: أنت عمرك حبيتها؟
استغرب من كلمتها وكمش حواجبه باستغراب أكتر.
ولاء: أقصد يعني حب حقيقي… حب من قلبك بجد؟
شريف: عادي زي كل الناس.
سابها ومشي. قامت وقفت ومشيت وراه وهي بتتكلم.
ولاء: وبعدين حصل إيه؟
شريف: عايزة تعرفي ليه؟
ولاء: عادي، ادينا بندردش.
شريف: ماحصلش، مكانتش من نصيبي.
ولاء: ليه؟
شريف: عشان ببساطة ما حبيتش.
وقفت من مشيها وهو فضل مكمل. نبرة صوتها بقت عالية.
ولاء: عندها حق، أنت أصلًا ما تتحبش.
كلامها الأخير خلاه ينتبه لها، وقف وبصلها وابتسم.
شريف: وطالما أنا ما أتحبش، إنتي بتحبيني ليه؟
الابتسامة انمحت من على وشها ونظراتها اتبدلت لارتباك.
ولاء: إيه؟
كانوا قاعدين سوا والتلج حواليهم في كل مكان والنهر قدامهم والكلام أخذهم ومابقاش يخلص. قام من مكانه عشان يغسل إيده في النهر وسابهم. بعد عنهم حاجة بسيطة، وطى عشان يغسل إيديه. بيبص جنبه لقاه عمار. رفع وشه وبصله، شاف في عينيه كمية حزن ماشافهاش قبل كده جواه.
يزن: مالك يا عمار؟ فيك إيه؟ وواقف هنا من إمتى؟
عمار: من بدري.
يزن: وليه ما جيتش تقعد معانا؟
عمار: ما حبيتش أعكنن عليكم، وخصوصاً وانتوا مبسوطين.
يزن: ليه بتقول كده؟ فيك إيه؟ هي شمس كويسة؟
عمار: أيوه كويسة، بس أنا اللي مش كويس، أنا اللي حاسس إني مخنوق، ومن كتر خنقتي عايز أتكلم وفي نفس الوقت مش قادر.
قرب منه وطبطب عليه بحبي.
يزن: طيب اهدى.. اهدى واحكيلي حصل إيه بعد ما سبتني.
عمار بيبص قدامه. لاحظ ساره من بعيد بتبص عليهم. اداله ضهره ودخل الغابة، ويزن مشي وراه.
يزن: اقف بقى هنا واحكيلي.
عمار حكاله على اللي حصل كله وهو مخنوق جدًا.
يزن: يعني هي قدام ياسين اختارتك انت ومشيت معاك انت؟
عمار: أيوه.
وهو بيحاول يفهم ومش قادر يستوعب.
يزن: طيب إيه المشكلة هنا؟
اتكلم بعصبية والنرفزة كانت باينة في كلامه.
عمار: أنت ليه مش قادر تفهمني؟
يزن: عشان مش قادر تفهمني.
عمار: قولتلها ابعدي عنه، وإزاي تسمحله إنه يمسك إيدها؟ ليه مابتسمعش كلامي؟ ليه دايماً بتقرب منه؟
يزن: عشان إحنا كلنا هنا في بيت واحد ولازم تحتك بيه يا عمار، وخصوصاً إن زي ما بتقول إنه بيحبها.
أول ما سمع الكلمة دي من يزن، نبرة صوته اتغيرت وبقى عصبي زيادة.
عمار: وعشان كده عايزها تبعد عنه على قد ما تقدر. أنا ما طلبتش منها كتير، أنا ما طلبتش منها حاجة قبل كده يا يزن.
عمار: مش عارف ليه حاسس إن وجعي باين في كلامي وبقى ليا مواويل. اتكلم فيها، أنا مكنتش كده.
يزن: اهدى يا عمار، شمس بتحبك.
عمار: حبها ليا مش كفاية إنها تخسر الدنيا عشان تكسبني. أنا خسرت الدنيا كلها عشانها وهي خسرتني. مش عارف ليه ما اتكلمتش يا يزن؟ أنا كنت مستني منها تديني كلمة واحدة بس.
يزن: مش يمكن هي كمان مستنية تديها نفس الكلمة؟
عمار: من وقت بداية القصة دي وأنا بدي، يزن، كان نفسي آخد المرة دي ولو حتى كلمة. تفتكر أنا ما أستاهلش منها كلمة؟
يزن: إنت بتثق فيها يا عمار؟
قطعه في الكلام ورد بسرعة.
عمار: إنت بتقول إيه؟ أكيد طبعاً بثق فيها، أنا ما بثقش في اللي حواليها.
يزن: يبقى مابتثقش فيها.
عمار: يعني إيه؟
يزن: مافيش حاجة اسمها ما بثقش في اللي حواليها. لو بتثق فيها وحطيتها وسط ألف راجل بيحبوها، هتبقى عارف ومتأكد إنها عمر قلبها ما هيميل لغيرك وهيفضل قلبها معاك مهما حصل. أنت خايف يا يزن؟ خايف لا قلبها يميل لياسين عشان كده بتغير، غيرة زيادة عليها خليتها تتخنق منك وماتردش عليك بالكلمة اللي كنت مستنيها وسابتك ومشيت.
عمار: لو كانت حبتني بجد ما كنتش هتهون عليها تسيبني وتمشي.
يزن: اديها وقتها على الأقل يا صاحبي.
عمار: للأسف يا يزن، لأول مرة ماتفهمنيش.
يزن في لحظة ماشافش عمار قدامه ومابقاش موجود. بص حواليه وبقى بيدور عليه. ماشافهوش، اتنهد وضم شفايفه وهو زعلان عشانه.
كان ضاممها بحضنه وكل ما فيه وهو بيحاول يحميها من خشب الشجر. الخشب كله وقع على راسه وضهره وهي تحته. حاول يقوم، رفع الخشب بضهره وبكل قوته لحد ما قدر يبعد الخشب من فوقيه. كان قايم دايخ مش قادر. مد إيده لشمس وبرغم تعبه اطمن عليها الأول، والخوف كان واكل قلبه عليها.
ياسين: فيكي حاجة؟ إنتي كويسة؟
مدتله أيديها وقامت معاه. بصت وراها، لاقت العربية مقلوبة والسواق غرقان في دمه.
شمس: السائق، يجب علينا إخراجه من الشاحنة، فالوقود يتسرب من الخزان.
لسه هتقرب من العربية، ياسين وقفها.
ياسين: رايحة فين؟ مش راجل معاكي أنا ولا كيس جوافة؟ خليكي واقفة عندك هنا، ماتتحركيش.
بعد عنها خطوات وبقت تشوفه وهو بيبعد عنها. أول ما قرب من العربية، وطى وقعد على ركبه وبص على السواق من الشباك. لسه هيطلعه، شم ريحة دمه. عينيه اتحولت للون الأسود والعروق السودا بانت تحت عينيه وأنيابه طلعت غصب عنه. بص وراه لشمس لقاها مستنياه وشايفه هو بيعمل إيه. اتنهد وبلع ريقه وغمض عينيه ورجعت بلونها الطبيعي.
ياسين: تعالي يا عم، لسه ليك في الدنيا نصيب.
قال الكلام ده للسواق اللي غرقان في دمه ومغمى عليه مش حاسس بنفسه. لسه بيسحبه، سمع صوت شمس وهي بتنادي عليه بأعلى صوتها.
شمس: احذر يا ياسين!
قالت كلامها والعربية انفجرت، ومن شدة الانفجار حدفت ياسين لبعيد، وقع على ضهره على الأرض والدّم كان نازل من على جبينه. جريت عليه بسرعة وقعدت على ركبها من كتر خوفها. كانت بتنهج ومش قادرة تتلم على أعصابها وكأن النار أكلتها هي. رفعت راسه على رجليها وبأيديها بقت تمسح الدّم اللي على جبينه ودموعها نازلة منها.
شمس: ياسين. افتح عيناك، لا تغلقهما.
طبطبت على خده بالراحة وهي بتحاول تفوقه.
شمس: لا يجب عليك الموت هكذا.. فقط افتح عيناك أيها اللعين.
ماقدرش يمسك نفسه أكتر من كده وابتسم وراسه على رجلها وهي بصاله.
ياسين: يبقى خايفة عليا يا شمس؟
بصتله في ذهول أول ما فتح عينيه وزقت راسه من على رجليها، وقع في الأرض وقامت وقفت ونبرة صوتها كلها عدوانية.
شمس: لا، لم أخف عليك قط يا ياسين.
ابتدت جروحه تلم وقام واقف.
ياسين: كدابة، بتكذبي على نفسك ولا عليا؟ إنتي بتخافي عليا زي ما بخاف عليكي وأكتر كمان. النظرة اللي شوفتها في عيونك من شوية قالت اللي جواكي.
حركت راسها شمال ويمين وانكمشت حواجبها وهي بتنفي كلامه.
شمس: إذا كنت خفت عليك فهذا شيء طبيعي، فكانت روحك تغادر جسدك منذ دقائق قليلة. استسلم ياسين، وأعلم جيداً أن مشاعري لن تكون لك في يوم قط.
كان بيبصلها وهو مش قادر يتقبل كلامها. عنده يقين إنها بتحبه، بس بتعاند. لقى نفسه طلع كلمة مكانش متوقع إنه يقولها.
ياسين: شمس تي تتجوزيني؟
قالها الكلمة دي وهي مدياله ضهره. هزت راسها شمال ويمين بعدم تصديق إنه لسه بيحاول.
شمس: لا.
ياسين: خلاص هتجوزك أنا.
دبدبت برجليها على الأرض ودمدمت بكلمات من كتر ما كان كلامها واطي وورا بعض ما فهمهاش. قرب منها ومسكها من دراعها بعنف.
ياسين: إنتي ليه محسساني إني متعلق بيكي وهموت عليكي؟ طيب أنا بقى هكلمك بلغتك اللي تفهميها، وده آخر كلام عندي يا شمس.
بصتله بتركيز وهي منتبهة لكلامه ومستنية تعرف هيقول إيه.
ياسين: لا تختبري تعلقي بك، فـ عند كرامتي سلاماً عليك، ورحمة الله وبركاته. عاملة إيه؟ وحشتيني أوي.
ابتسمت وضحكتها ملت المكان، كانت فكراه أخيرًا هيتكلم جد ويسيبها ويحس إنها فعلاً مش عايزاه.
ياسين: أول مرة أسمع صوت ضحكتك بالطريقة دي.
فضلت تضحك أكتر وحطت إيدها على بقها ووقفت ضحك مرة واحدة وبصتله بغيظ.
ياسين: إيه ده؟ إنتي هتتحولي ولا إيه؟
شمس: أتعلم إنك خطر على البشرية بأكملها.
ياسين: إنتي أصلاً اللي وجودك أكبر خطر على البشرية مش أنا يا شمس.
ضمت حواجبها باستغراب وهي مش فاهمة معنى كلامه.
شمس: أتقصدني أنا؟
شاور براسه بيأكد على كلامه.
ياسين: أيوه إنتي.
شمس: وكيف هذا؟
رفع حواجبه وقالها وهو بيغمزلها بطرف عينيه.
ياسين: العلماء قالوا ماينفعش يبقى في شمسين على كوكب واحد.
ابتسمت ابتسامة عريضة وحطت إيدها على جبينها بتخبي ابتسامتها.
شمس: حسناً كفي.. هذا يكفي، أريد العودة للمنزل في الحال.
مسكها من إيدها وشدها لي وبص في عيونها اللي بيحبهم.
ياسين: عشان خاطر عيونك اللي حبايبي دول، هاروح.
زقت إيديها منه وبعدته عنها وادته ضهرها ومشيت. ضغط على أسنانه.
ياسين: يابنت ال… المهديمسيرك ياملوخية تيجي تحت المخرطة.
وصل البيت بالعربية بعد ما الطفلة نامت. مارال نزلت وشالته. بصت وراها، لاقيته لسه قاعد مكانه ماتحركش.
مارال: مش هتنزل؟
حاول ما يبصلهاش وهو بيتكلم وبيتفادى نظراته.
بربروس: سأجلس هنا قليلاً، أنتظر رعد حتي أعطيه سيارته.
مارال: على ياحتك، أنا هطلع أنيم غدي.
قفل الباب وراها وأول ما طلعت لقى اللي بيفتح الباب وقعد جنبه.
دكتور علي: ها، عملت إيه؟
ابتسم ابتسامة بسيطة وهو سرحان ولسه هينطق، الباب اللي ورا اتفتح في لحظة وياسين قعد ورا.
ياسين: لاااا! طالما سرحت كده يا شيخ عجوة يبقى حصل حاجات.
اتنرفز واتكلم بغيظ وبص وراه.
بربروس: اترك السيارة أيها اللعين، من سمح لك بالركوب أيها السفيه؟
اتكلم بلا مبالاة.
ياسين: أراك تتحدث وكأن العربية عربية أمك يعني.
بربروس: أتسبني وتسب أمي؟
دخل ما بينهم وحاول يهدي الحوار شوية.
دكتور علي: خلاص يا ياسين، إنت وبربروس خلاص، إحنا صغيرين.
بص لياسين وهز راسه بالموافقة.
دكتور علي: حاسب على كلامك وتصرفاتك شوية يا ياسين.
ياسين: اللي عايز يحاسبني على تصرفاتي، يحاسبني بالدولار أو العملة الصعبة لو سمحت.
بص لعلي وبيشهدوا على كلامه.
بربروس: أترى.. أترى ما الذي يتفوه به هذا اللعين؟
تأفف وزهق منهم وقال وهو بيفتح باب العربية وطالع.
دكتور علي: يوووه أنا زهقت منكم، أنا هسيبكم وأمشي.
الاتنين مسكوا من دراعه ودخلوا العربية وكانوا بيتكلموا في نفس الوقت.
بربروس: حسناً، لن أتفوه، ولكن لا تتركني بمفردي معه.
علي بص لياسين هز راسه بالموافقة.
ياسين: وأنا نفس اللي قال.
رجع مكانه وقعد على الكرسي وقفل الباب.
دكتور علي: ها، احكيلنا حصل إيه؟
اتكلم وهو مبتسم واتنهد وسرح بخياله.
بربروس: اريد ان اتزوجها.
علي وياسين الاتنين في نفس واحد.
علي: إيه؟
ياسين: إنت أكيد اتجننت.
بربروس: ولماذا سأصاب بالجنون؟ فأنا أريد الزواج.
ياسين: ما عشان كده اتجننت.
علي: أيوه يا بربروس، بس إنت ما تعرفهاش غير من أيام قليلة، ما قعدتش معاها على الأقل غير المرة دي تقريباً.
بربروس: وماذا يريد المرء غير ذلك؟ فالمرء لا يريد سوى الراحة النفسية عند مشاهدة العروس في الرؤية الشرعية، وأنا جلست معها أكثر من مرة، ولا أريد فعل شيء يغضب الله، فأنا أريد الاختلاء بها.
ضحك ضحكة صفرا بانت جنب شفايفه.
ياسين: الاختلاء بها؟
غمزله بعينيه وضغط على شفايفه.
ياسين: وأنا اللي كنت فاكرك مؤدب يا شيخ عجوة.
علي ابتسم وحاول يكتم ضحكته عشان بربروس ما يضايقش.
بربروس: ومصيبتاه.. أنا لا أقصد هذا الاختلاء أيها اللعين، بل أقصد الخلوة بمعنى أن أستطيع أن أذهب معها بكل مكان دون الاحتياج لمحرم.
الابتسامة انمحت من على وشه وهو مش مصدق اللي بيقول.
ياسين: يعني إنت عايز تتجوزها يا شيخ عجوة عشان بس تعرفوا تمشوا مع بعض سوا؟ ياسيدي إنت راجل، امشي معاها عادي، محدش هيتكلم.
نظر له نظرة معاتبة.
بربروس: التفرقة في الذنوب بين الذكر والأنثى صنعها مجتمعك البشري اللعين، وعند الله لا تفرق إلا التقوى.
علي: سيبك منه يا بربروس وخليك معايا أنا. إنت بجد عايز تتجوزه؟
بنظرة كلها جدية وبيأكد على كلامه.
بربروس: بالطبع.
ياسين: وحسرتاه.
ابتسم ابتسامة لطيفة بانت على شفايفه وبيص لياسين بود وحب.
بربروس: أنا فقط أريد أن أطلب طلباً منكما.
ياسين: حد قالك إني مصباح علاء الدين بتاع اللي خلفوك؟
كم في كلامه.
بربروس: حسناً، لا أريد منك شيئاً أيها الشنقيط.
علي: استنى بس يا بربروس.
وجه كلامه لياسين بحدة.
علي: اسكت يا ياسين بقى.
رجع بص تاني لبربروس.
علي: طلب إيه يا بربروس؟
بربروس: تأتي أنت وهذا السفيه لكي نطلب يدها من أخيه.
رفع حاجبه وهو مش مصدق إنه طلب منه الطلب ده.
ياسين: نعم.
صوت الرياح بقى شديد أوي وكلهم اتجمعوا ووقفوا قدام البيت ودخلوا. رعد رجع وخبط على إزاز العربية وبربروس فتحله.
رعد: الخالة بتنادي علينا كلنا، لازم تدخلوا جوه البيت حالا.
كلهم اتجمعوا في البيت واللي فوق نزل واللي بره دخل واتجمعوا في الصالة.
الخالة حكيمة وقفت وجنبها الغريب، وكلهم كانوا عاملين دايرة حواليها.
الخالة حكيمة: أنا طول الساعات اللي فاتت دي كنت بتكلم مع الغريب وفهمت منه كل شيء من أول حاجة العربي عملها لحد دلوقتي. المزرعة بتاعت العربي فيها كل تجاربه، والأوضة اللي فيها آلة الزمن اللي هيجيب منها العبقري برضه في المزرعة، ده غير المئات من المستذئبين اللي محولهم. أول ما يديهم دمه هيبقوا عايشين معانا ياكلوا في لحم البشر وهيبدأوا ينتشروا في كل مكان ويتوسعوا أكتر وهييجي اللي نستخبى منهم. عشان كده إحنا لازم ننزل على مصر في أقرب وقت. واللي أنا متأكدة منه إنه هينزل قبلنا. مين فيكم هيحط إيده في إيدينا ونبقى كلنا عيلة؟
مدت إيدها وداغر مد إيده.
داغر: أنا ورعد وميرا معاكي.
شمس وقفت جنب عمار وبصتله ودا وشه الناحية التانية واتجاهلها، ورفع إيده.
عمار: أنا ويزن معاكي.
ياسين: وأنا وبربروس وعلي معاكي.
عز: وأنا لوحدي معاكي.
شريف أول ما شافه أخد القرار إنه يبقى معاها.
شريف: وأنا مش هقدر أسيبك يا أخويا، طالما قررت يبقى إحنا كمان معاكي يا خالة.
الخالة ابتسمت وبصت عليهم حواليها.
الخالة حكيمة: يبقى نحضر نفسنا كلنا ونرجع على مصر.
رواية الهجينة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ماهي احمد
الكون كان ساكن قبل الفجر والهواء البارد مصاحبه حبيبات التلج في الرياح. صوت الرياح العاصف بتسمعه في كل مكان حواليك. كانت واقفة هي وضامة الچاكيت بتاعه على جسمها اللي اداهولها عشان يحميها من البرد القارص بعد ما قال كلمته ومشي وسابها واقفة متجمدة مكانها مش مصدقة إذا كان اللي قاله ده حقيقة ولا بتتهيألها.
بص وراه لقاها لسه واقفة مكانها ماتحركتش، وواضح على ملامحها الذهول. ابتسم ابتسامة لطيفة ورجع شعره الكيرلي لورا بإيديه.
شريف: إيه؟ هتفضلي واقفة عندك كده كتير؟
استعادت تركيزها وفاق من شرودها. ونبرة صوتها بقت عالية وهي بتدافع بقوة عن نفسها.
ولاء: إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أنا بحبك. لاء طبعاً. أنت أكيد اتجننت.
كمل طريقه وسابها وهو واثق من اللي بيقوله. جت وراه وكان واضح عليه إنه غير مهتم. وقفته هي وكان واضح عليها الارتباك.
ولاء: اقف هنا. أنت قولت كلمتك ومشيت.
حط إيديه الاتنين في جيوبه الأمامية وأخد نفس بعمق.
شريف: الدنيا برد هنا، تعالي ندخل جوه أحسن.
ولاء: لاء طبعاً مش هندخل إلا لما تقولي ليه قولت كده. إيه أصلاً اللي عملته عشان تفتكر إني ممكن أحب واحد تافه زيك في يوم؟
رد على سؤالها بسؤال تاني.
شريف: إنتي عمرك قد إيه؟
استغربت من سؤاله بعد ما انكمشت حواجبها، بس قررت إنها تجاوب عليه.
ولاء: ١٨.
رد بتلقائية.
شريف: سنة.
ولاء: لاء، ثانية. استنى أقطعلك الحبل السري يا خفيف.
قالت جملتها بسخرية من كلامه. ابتسم بلطف وهو بيبص في عنيها ونظراتهم اتقابلت. كلمها بكل برود ووطى وقرب من ودنها واتكلم بهمس.
شريف: دفاعك عن نفسك وإنك توصفيني بالتفاهة عشان تبينيلي على الأقل إنك مش منجذبة ليا، ده أكبر دليل إنك بتحبيني.
بعد عنها وبص في عنيها اللي لونهم شبه لون السما وابتسم.
شريف: وبصراحة، عندك حق. أصل أنا أتحب.
فاقت من سرحانها وهي بتفتكر اللي حصل من دقايق. وكلهم كانوا واقفين في الدور الأرضي حوالين الخالة وشريف بيقول.
شريف: وأنا مش هقدر أسيبك يا خوي. طالما قررت يبقى إحنا كمان معاك يا خالة.
كان واقف جنبها وهو بيقول كلمته للخالة والخالة ردت عليه. بص جنبه لولاء اللي كانت بصاله ومركزة معاه. غرام لاحظت النظرات اللي مابينهم، اتعصبت. مسكت معصم ولاء وقربتها منها ووقفت بينها وبين شريف.
***
المجلس انفض مابينهم، بس لسه في مجلس تاني في مكان تاني وناس تانية بتعمل حساب كل خطوة بيعملوها.
حسام: وهنرجع إمتى على مصر؟
العربي: في أقرب وقت. المهم إننا أول ما نرجع لازم نتحرك خطوة قبلهم.
الجزار: إزاي؟ إنت ناسي إنهم أكتر مننا؟ إحنا تلاتة وهما بقوا كتير.
ربع إيديه الاتنين وسند ضهره على حرف المكتب وابتسم ابتسامة صفراء.
حسام: لاء، وكمان الخالة اللي أكيد انضمتلهم دلوقتي بعد ما أخو عز ده راح المزرعة واخد الدوا.
وقف وفكر لثواني وشاور بصباعه ووجه سؤاله للعربي.
حسام: استنى، إنت ليه خليتهم ياخدوا الدوا؟ إلا لو كنت عايز عز يعيش.
العربي: مش بالظبط.
قالها وهو بيميل راسه بعدم اهتمام.
العربي: بس في نفس الوقت قولت طيب، وليه أصنع آلة زمن لما ممكن آخد منه موهبته.
حسام: بتفكر يا حبيب أخوك.
الجزار: يعني المرة دي ناوي تخلص عليهم كلهم.
العربي: المرة دي، أنا يا هما. وهي خلاص قربت أوي.
قال جملته وهو ضاغط على أسنانه. الغل والحقد كانوا مالين قلبه اللي شبعان بيهم. ابتسم حسام وهو بيتوعد لداغر.
حسام: نهايتك قربت يا حبيب أخوك.
***
في وسط السما اللي بتنزل قطع من التلج، كان قاعد وماسك إزازته وبيشرب منها. قرب هو منه وفي لمح البصر أخدها وقعد جنبه. شرب منها شوية وبص جنبه لقاه بيبصله بنظرات سخيفة.
ياسين: مش قولتلي الإزازة اللي قبل كده معاك تبقى آخر إزازة. الإزازة دي بقى جت منين؟ إنت بتكذب عليا يا رعد. مش عايز تشربني معاك من الهباب اللي بتشربه ده.
رعد: أنا ماقولتش إنها آخر إزازة.
قالها وهو بيرفع إيده عشان يرجع إزازته في إيديه مرة تانية.
رفع إيديه لفوق وهو بيمنعه من إنه ياخدها.
ياسين: لاء كده أزعل وأزعلك وأجيب ناس تزعل عليكم.
ماتفكرش تاخدها تاني عشان كده.
خائ/ئس من إنه ياخد إزازته واستسلم ووجه وشه للناحية المقابلة وقال بصوت بيترعش وهو بيبلع ريقه.
رعد: أنا خايف.
رفع حاجبه الشمال وهو بيبص للأزازة بعد ما شرب منها شوية كمان.
ياسين: هي الإزازة دي فيها مشروب إيه؟ مش باينلها ملامح.
كمل كلامه وهو بيفرك في إيديه من كتر التوتر.
رعد: إحنا داخلين على حرب كبيرة. إحنا لوحدنا مش هنبقى قدها.
اهتمش بكلامه ورفع إيديه وبيشاور على الإزازة بكل حب.
ياسين: حبيتها.
رعد: خايف لا يحصل زي ما حصل أول مرة وخسرنا ميرا وبقت منكم. ياترى هنخسر مين تاني.
ياسين: أول مرة أشرب مشروب زي ده. بس اسمها إيه؟ نوع الخم/رة دي مع إنها مابتخليش الواحد ينسى اللي هو فيه.
تنهد باستسلام إن ياسين مش مهتم بكلامه.
رعد: أنا بطلت خم/را من زمان. دي مش خم/را أصلاً.
بصق المشروب اللي كان في بوقه مرة واحدة وهو بيستوعب.
ياسين: نعم. اومال دي إيه؟
رعد: شيري كولا.
ياسين: وإيه شيري كولا دي كمان؟ أوعى تكون منكر.
ابتسم ببساطة شديدة.
رعد: يعني لما كنت فاكرها خم/را ده مش منكر. وبعدين دي كولا بالكريز بس طعمه حلو.
ياسين: وليه بتحطه في الإزازة دي وتخليني أفتكر إني هنسى منه؟
رعد: أنا ماقولتلكش إنك هتنسى. إنت اللي افتكرت لوحدك بمجرد ما أخدت الإزازة مني بالغصب.
ياسين: وليه بتعمل كده وتشقلب الدنيا؟
رعد: عشان أبطل بالتدريج. بدي لنفسي إيحاء إني لسه بشرب وأنا مابشربش. زي اللي بيبطل سجاير وبياكل بدالها كراميل بيشغل بوقه بأي حاجة.
بص لها مرة تانية وابتسم ابتسامة رضا للإزازة.
ياسين: بس تعرف، حبيتها.
قام وقف وبص لرعد وهو بيشرب منها مرة تانية وسأله.
ياسين: قولتلي بقى اسمها إيه؟
رعد: شيري كولا.
قاله اسمها ببطء وهو بيحاول يخلي يحفظ الاسم. اداله ضهره ولسه هيمشي رجع في كلامه وبصله من جديد وابتسم له ابتسامة بسيطة.
ياسين: على فكرة، مش لوحدك. أنا كمان خايف.
في أقل من رمشة عين ياسين مكنش موجود. بص حواليه شمال ويمين يدور عليه. لقاه اختفى. اتنهد ولسه كان هيمشي لقى داغر قدامه. الرعب دخل قلبه من سرعته اللي مالهاش حدود. قرب منه وابتسم.
داغر: اتخضيت؟
اتخد نفسه وهو بيتنهد بعمق.
رعد: لاء، تقريباً اتعودت على كده.
وقف جنبه وشاورله براسه وهو بيقول.
داغر: أنا عارف إنك ما اخترتش تبقى معانا. وأنا اللي قولت للخالة حكيمة إني إحنا هنبقى معاه.
مشي قدام وداغر كان ماشي جنبه واتمشوا شوية سوا.
رعد: لو إنت قولت يبقى أنا كمان قولت. مش فارقة يا داغر، إنت أخويا وإحنا الاتنين مصيرنا واحد.
اعترض على كلمته اللي قالها وهو مضايق ووقف قصاده بكل حزم.
داغر: لاء، ماتقولش كده. إنت هتعيش ومصيرنا عمره ما هيبقى واحد أبداً.
استغرب من طريقة كلامه والرعب اتملك من قلبه.
رعد: يعني إيه؟ أنا هعيش ومصيرنا مش واحد؟ أنا مش فاهمك.
ارتبك وحاول يداري في كلامه اللي مابقاش مفهوم.
داغر: إنت مش صغير وأنا مش هكذب عليك. أنا مش زيهم. هما أقوى مني بكتير وبيشوفوا بسرعة. أنا لو اتصابت أو جرالي حاجة.
قطع كلامه بسرعة.
رعد: بعد الشر عليك يا خوي.
داغر: المو/ت عمره ما كان شر يارعد، صدقني. وأنا عارف ومتأكد إن حسام مش هيسيبني. يا يخلص عليا يا يخلص عليا. أنا عارف هو بيعمل كل ده ليه؟
رعد: عشان هدير.
داغر: بالظبط. عشان كده أنا هبعدك عن المعركة دي خالص. ولو حصلي حاجة وماقدرتش أقت/له وهو اللي قا/تلني مراتي وابني والطفلة أمانة في رقبتك يارعد. مش هوصيك عليهم. حسام مابقاش سهل. وبعد اللي حصله ممكن مابقاش قده. أنا مش عارف هواجه إيه، بس اللي عارفه كويس أوي إنه بيستعد المرة دي للقائنا ده كويس أوي.
استغرب من طريقة كلامه أكتر وعنيه بقت تتملى في ملامحه.
رعد: أول مرة أشوفك.
قطعه في الكلام.
داغر: ضعيف.
رعد: ما قصدتش يا خوي.
استنى للحظات وهو بيفكر. جه سؤال على باله بس اتردد إنه يسأله. اتكلم داغر وقطع تفكيره.
داغر: أنا فاهمك يارعد. وأكيد بتقول في بالك دلوقتي، وليه نبقى معاهم من أساسه لما ممكن نبعد عنهم.
بلع ريقه وهو مش فاهم. عرف إزاي هو بيفكر في إيه.
رعد: فعلاً، كنت عايز أسألك السؤال ده.
داغر: وأنا هجاوبك. حسام مش هيسيبنا مهما حصل ومهما هربنا هيفضل يدور علينا وينبش ورانا بحوافره لحد ما يلاقينا. لو هربنا ومابقيناش معاهم هيوصلنا وهنبقى لوحدنا. لو بقينا إيد واحدة ممكن نكسب المعركة. لو بقينا لوحدنا هنخسر كلنا. وأنا معنديش استعداد إني أعرض هدير وابني وغدير ولا أعرضك إنت كمان يارعد للخط/ر.
قال جملته الأخيرة وهو بيربت على كتفه.
ابتسم وهو بيبص على كف إيديه اللي على كتفه ورجع بصله تاني بعنيه.
تنهد بعمق وهو بيقول كلامه بصدق. كلام نابع من قلبه، كل حرف فيه هو صادق فيه.
داغر: أوعى تفتكر في يوم إني ناسيك أو مش خايف عليك. إنت عزوتي، العزوة اللي فضلت سنين أدور عليها. عايزك تسامحني. سامحني في يوم لو كنت حسستك إنك وحيد ومعندكش اللي يسمعك. بس ده كان طبعي من الأول ودي شخصيتي. بس يعلم ربي إنت غالي عندي قد إيه. واعمل حسابك اليوم اللي هنبدأ معركتنا فيه، لاء إنت ولا هدير ولا الطفلة هتبقوا موجودين فيه.
الدموع لمعت في عينيه من كلامه وارتسمت على وشه ابتسامة بلطف. ابتسامة معناها إنه ممتن لكل كلمة قالها. كان حابب ينطق ويقول إحساسه اللي حاسه في اللحظة دي، بس لسانه كان تقيل. أدرك وقتها إن مفيش كلام يقدر يوصف اللي عايز يقوله. اترمى في حضنه ودموعه نزلت منه. أخده في حضنه ورحب بيه. مش رعد بس اللي كان محتاج الحضن ده، داغر كمان كان في أكتر الاحتياج ليه.
***
بصتله بحذر وهي خايفة لاء يلمحها وهي بتبص عليه وهو واقف مع يزن وسارة ومركز في كلامه معاهم. قطع تركيزها صوت زهره اللي كان باين في نبرة صوتها الحزم والجدية.
زهره: شمس.
بصت وراها وهي بترجع خصلات شعرها لورا واتكلمت بارتباك.
شمس: نعم يا أمي.
زهره: تعالي، عايزاكي.
مشيت وراها واول ما سمع صوت خطواتها وهي بتبعد عنه لف وشه وبص وراه عشان يلمح طيفها ولو حتى من بعيد. قطع نظرته ليها وهو بيرجع وشه بإيديه.
يزن: ولما إنت مش عايزها وزعلان أوي منها، بتبص عليها ليه؟
نزل إيده من على دقنه ورد رد سريع.
عمار: مين قالك إني مش عايزها. أنا بس زعلان منها.
ربع إيدها واتنهدت وهي بتبصله واتكلمت بنرفزة.
ساره: هو أنتوا بجد ليه كده؟
الاتنين بصوا لها وانكمشت حواجبهم وبصوا لها باستغراب.
ساره: لاء، بجد ليه كده؟ ليه بتخلوا الواحدة مننا تبقى زعلانه ومقهورة وتعيط وتتهبب على دماغها عشان تحنوا عليها؟ يعني مش فاهمة، إنتوا فاكرين نفسكم محور الكون.
رفع إيده الاتنين وهو مستغرب إنها بتجمع وبتتكلم عنه هو كمان.
يزن: طيب أنا مالي دلوقتي؟ هو اللي زعلان منها على فكرة مش أنا.
ساره: إنت برضوا كنت زفت ووريتني أيام سودا وخلتني أعيش أسوأ أيام حياتي مع إن كنا ممكن نلخص كل ده لو قعدنا مع بعض واتكلمنا بهدوء وحلينا مشكلتنا سوا. بس إزاي؟ لازم تطلعوا الواحدة عن شعورها. إنتوا بجد أنانيين أوي.
قالت جملتها ونبرة صوتها كان مليان حزن عشان افتكرت اللي حصل بينها وبين يزن. سابتهم ومشيت والاتنين كانوا واقفين ومش فاهمين هي عملت كده ليه.
يزن: شايف أهو، جبتلي مشكلة وأنا ماليش دخل فيها.
عمار: إنت دوست على ساره جامد يا يزن. لسه مانسيتش اللي حصل.
يزن: يبقى مادوسش إنت كمان على شمس عشان ماتفضلش فاكر لك إنها هانت عليك.
ربت على كتفه وابتسم.
يزن: أسيبك أنا بقى وأروح أشوفها.
اتنهد وهو بيهز راسه بالموافقة.
عمار: ماتسيبهاش زعلانة.
***
دخلت الأوضة وفضلت واقفة على الباب وهي مستنية والدتها.
وقفت قصادها وبصتلها.
زهره: اقفلي الباب وراكي يا شمس.
قفلت الباب وراها وهي بتبلع ريقها ومنتظرة تسمع كلام والدتها. نظرات عيونها كانت مريبة، مكانتش طبيعية. أول مرة تبص لشمس بالنظرة دي.
شمس: لماذا تنظرين أليا هكذا يا أمي؟
بصت لها بحدة أكتر وقربت منها.
زهره: إنتي عارفه يابت المهدي. أنا عايزة أقولك إيه.
مكانتش فاهمه اللي في دماغها. سألتها وهي بتهز راسها بالنفي.
شمس: لاء.. لاء أعلم في الحقيقة ماذا تريدين؟
زهره: اسمعي ياشمس، أنا اللي شايفاه قدام عيوني مايتسكتش عليه. إنتي شايفة الاتنين بيحبوكي وباين عليكي إنك مستمتعة بحبهم ليكي وكل واحد فيهم بيتخانق عليكي شوية.
نفت كلامها وهي بتهز راسها ومش مصدقة إن والدتها هي اللي بتقولها الكلام ده.
شمس: لاء، لم أكن أستمتع قط. على النقيض تماماً. فقد أتعبني قلبي من كثرت حبهما لي. فقد أصبحت مشتتة، فلا أعلم كيف أرضي الطرفين يا أماه.
سألت بحده وهي مش فاهمه إجابة بنتها عليها.
زهره: وترضيهم ليه؟ إيه اللي يخليكي ترضي ياسين وإنتي مش حباه؟ أوعى تكوني ميالة لياسين ياشمس.
اتنهدت وامتنعت عن الرد. حطت إيدها على كتفها وهي بتهزها بعنف.
زهره: ماتنطقي يابنت المهدي. ساكتة ليه؟ عايزة منه إيه؟ ياسين الضبع.
اتكلمت بنبرة صوت بان عليها الحدة.
شمس: اسمه ياسين بن يزيد الصاوي وليس ياسين الضبع. فياسين الضبع مختلف كل الاختلاف عن ياسين الصاوي.
شمس أدتها ضهرها ولسه هتفتح الباب منعها صوت زهره وهي بتنده عليها.
زهره: شمس.
وقفت وهي حاطة إيدها على أوكرة الباب ومدياها ضهرها.
شمس: طمنيني قلبك يا أماه. فمن الصعب أن أضع ياسين بقلبي يومآ.
سابتها وقفلت الباب وراها بعصبية شديدة ودموعها في عنيها. وهي فضلت واقفة مكانها مش مستوعبه اللي بنتها قالتهولها. سمعهم من ورا الشباك وابتسم وهو بيقول.
ياسين: يبقى بتخافي عليا ياشمس.
***
حط إيده في جيبه لقى المفاتيح بتاعت العربية لسه معاه. قرر إنه يطلع بره البيت عشان يدور على رعد ويدهاله. بص شمال ويمين بيدور عليه بعنيه.
بربروس: أين هو ذاك السفيه الصغير؟
نقرت بصوابعها على ضهره بخفة.
مارال: بدور على حد.
لف وشه وبصلها وابتسم بلطف.
بربروس: نعم.
ابتسمت وافتكرت إنه بيدور عليها.
مارال: بتدور على مين؟
كانت مستنياه إنه يقول اسمها والابتسامة على وشه.
بربروس: فقد كنت أبحث عن رعد، فنسى هذا الأبله الصغير مفاتيح سيارته معي.
انمحت الابتسامة من على وشها وهي بتضغط على سنانها.
مارال: وعد.
لاحظ بربروس ابتسامتها اللي اختفت فجأة.
بربروس: أقلت شيئاً خاطئاً جعل ابتسامتك تنمحي من على هذا الوجه البريء؟
حاولت تتصنع الابتسامة.
مارال: لاء، لاء أبداً. ماقولتش حاجة خالص.
بربروس: لاء والله. وبعقد الهاء فقد كنت سبب في محو ابتسامتك الجميلة. ولكن لا أعلم السبب. فأذا أوضحت لي ما هي غلطتي لن أعاود خطئي مرة أخرى.
داست على شفايفها وابتسمت من اهتمامه بيها وبتفاصيلها الصغيرة اللي بقى ياخد باله منها. ردت بكل تلقائية عليه.
مارال: لاء والله وبعقد الهاء ماقولتش شيء خاطئ أبداً.
ابتسم بلطف لأنها بتقلده وكمل مشي وهو بيبحث عن رعد. مشيت معاه وهي بتسأل.
مارال: إنت فعلاً من الدولة العثمانية؟
هز راسه وهو بيشاور بالموافقة.
بربروس: أينعم.
مارال: يعني بتعرف تتكلم تركي؟
بربروس: أكيد أستطيع التكلم باللغة التركية.
فرحت وضمت إيديها والابتسامة كانت مالية وشه.
مارال: بجد؟ أصل أنا بحب أتفرج على المسلسلات التركي أوي وكمان استفدت منهم اللغة.
انتبه لكلامها ووقف جنبه وبصله.
بربروس: وما الكلمات التي تستطيعين التحدث بها باللغة التركية؟
مارال: تشوك دم.
ابتسم ابتسامة عريضة ظهرت على وشه.
بربروس: أهذه كل معلوماتك عن اللغة التركية؟
مارال: لاء طبعاً، إنت بتقول إيه؟ طب بص امسك إيدي بالجامد كدة.
استغرب من اللي بتعمله وهو مش فاهم.
مارال: لوتفن.. لوتفن بيدقوس.
بيهمسك إيدها وضغط عليها حاجة بسيطة.
مارال: بوراك. بوراك. لوتفن. آلله آلله!
ابتسم ابتسامة عريضة بصوت مسموع.
مارال: إيه؟ عجبتك؟
بصلها بلطف وهو مبتسم وبييهز راسه بالموافقة.
بربروس: نعم، فلقد أعجبتني كثيراً.
***
دخل عليها لقاها واقفة ومش مصدقة نبرة صوت بنتها ودفاعها عن ياسين.
علي: مالك يازهره فيكي إيه؟
بص لأيديها لقاها بتترعش. مسك إيدها لقاها ساقعة، الد/م هربان منها. قلق عليها بخوف.
علي: ماتردي عليا يازهره في إيه، مالك، حصلك إيه؟
اتنهدت بعمق وكأنها أول مرة تستنشق الأكسجين. قعدها على الكرسي وقعد جنبها وهو ماسك إيدها، ماسابهاش.
علي: اتكلمي، ماتقلقنيش عليكي أكتر من كده.
بصت جنبها ودموعها بتلمع في عنيها.
زهره: خايفة عليها ياعلي.. خايفة لاء تحبه.
علي: هي مين وتحب مين؟
زهره: شمس. خايفة عليها لاء تحب ياسين.
اتنهد بيأس وساب إيديها وبص قدامه.
علي: مافتكرش يازهره. وبعدين شمس صغيرة ولسه مشاعرها مش مستقرة.
زهره: أنا لا يمكن أوافق بحاجة زي دي. أنا معنديش غيرها وياسين هيأذيها.
مسك إيديها مرة تانية وهو بيبص في عنيها بحب.
علي: إنتي بتثقي فيا؟
زهره: أكيد ياعلي.
علي: بالرغم إني متأكد إنها مابتحبهوش، بس مش هتلاقي حد في الدنيا لو حب هيحب من قلبه بجد زي ياسين. مش عايزك تقلقي على شمس من ياسين. ياسين بيضحي بروحه عشان اللي بيحبهم.
في لحظة علي غمض عينيه بشدة ومسك دماغه والألم كان مصاحبه. صر/خت زهره بأعلى صوتها.
زهره: علي مالك فيك إيه؟ إنت كويس؟
جت على صوتها بسرعة جدا.
الخالة حكيمه: في إيه؟
كانت بتتكلم بسرعة وهي متوترة ومش عارفه تقول إيه ولا تنطق من منظر علي اللي من الألم كان بيترعش في الأرض وجسمه كله بيتنفض.
زهره: مش عارفة يا خالة أي اللي جراله. كنا كويسين ومرة واحدة لاقيته كده. اعملي حاجة يا خالة.
فهمت اللي بيحصله أول ما بصتله وحاولت تهديها.
خالة حكيمه: اهدي يازهره، ماتقلقيش عليه. علي هيبقى كويس.
في لحظات معدودة الرعشة وقفت وزهره بصت لعلي باستغراب.
زهره: إيه اللي بيحصلك يا علي؟
بص للخالة وتبادلوا نظراتهم سوا. شاورت له زهره بعنيها إنها تطلع وتقفل الباب وراها.
زهره: أيوه بس.
علي: زهره ارجوك.
هزت راسها بالموافقة وطلعت وقفتلت الباب.
خالة حكيمه: شوفت إيه يا ولدي؟
علي: شوفت اللي إنتي عارفاه. ياسين لو عرف إن عمار ابنه، هيسيبنا ويمشي. عمار بيكرهه، مش هيتحمل إنه يشوف نظرات كره ابنه ليه.
خالة حكيمه: ماكانتش محتاجة يا ولدي لرؤية عشان تعرف إن ياسين لو افتكر كل شيء عن زمان وعن ابنه، هيرجع ياسين الصاوي ومش هيهتم بنفسه أكتر من اللي حواليه. وبالرغم من إنه هيبقى عارف قد إيه إحنا محتاجينه، هيسيبنا ويمشي عشان خاطر ابنه.
علي: وبعدين يا خالة، لو ذاكرته رجعتله وافتكر قبل مانخلص على العربي، إنتي عارفه كويس أوي إن ياسين وعمار لازم يبقوا إيد واحدة عشان يقضوا عليه. لو واحد فيهم نقص، التاني هيكمله إزاي؟ نخليهم الاتنين إيد واحدة وهما بيكرهوا بعض بسبب شمس؟ وأمتى ياسين هترجعله الذاكرة عشان الاتنين يرجعوا ويبقوا أقوى سوا؟
خالة حكيمه: اليوم اللي هيرجع يقولي فيه كلمة "ياما" من جديد، هعرف إن ذاكرته رجعتله وابني رجعلي من تاني.
***
الفرحة عرفت طريق لقلبه بعد ما سمع شمس وهي بتدافع عنه. وبالرغم إنها قالت إنها عمرها ما هتحبه، إلا إن إحساسه كان مصدق إنها ممكن في يوم تبقى له. شاف ضوء أبيض بيمر قدام عينيه وكأن باب بيتفتح جوه عقله. وهو قاعد في زمن غير زمانه والذئاب حواليه وكأنه كبيرهم. كان فاهم كل حركة منهم. بقى بيعوي وهما بيعوه وراه. ذئاب كتير مالهاش عدد.
فاق من شروده وهو بيفتكر اللحظة دي واللي حصل فيها. العرق كان بينزل من جبينه في عز التلج وهو مغمض عينيه.
لقى نفسه غصب عنه بيعوي بأعلى صوته. بيبص لقى الذئاب اتجمعت حواليه.
***
دخلت اوضتها وهي ماسكة معصم إيدها وبتضغط بكل قوتها على إيديها. اتكلمت بنبرة صوت حادة.
غرام: شيفاه، نظرات بينك وبين شريف مش حباها.
ولاء: سيبي إيدي، إنتي بتوجعيني يا غرام.
قالت جملتها وهي بتحاول تشد معصم إيدها منها.
غرام: مش قبل ما تقوليلي. أوعى يكون حصل ما بينك وبينه حاجة في غياب.
سحبت معصم إيدها منها أخيرآ وكملت كلامها.
ولاء: حاجة زي إيه؟
غرام: زي أي حاجة يابنت أبويا. أوعى يكون بيضحك عليكي ومفهمك إنه بيحبك.
ولاء: اااااه. قولتيلي.
قعدت على طرف السرير وربعت رجليها.
ولاء: لاء، اطمني من الحتة دي. هو عارفني أصلاً خالص.
غرام: يعني إيه؟
ولاء: يعني مابيحبنيش ولا حتى حاول يقرب مني. ارتاحي.
استغربت شريف اللي هي تعرفه مابيسيبش أي حاجة مؤنثة في حالها.
غرام: المهم، مالكيش دعوة بي تاني يا ولاء. إنتي فهماني؟ شريف ده أكتر بني آدم مؤذي ممكن تشوفيه في حياتك كله.
باب الأوضة كان مفتوح وهو واقف قدامها وسمع كل كلمة قالتها عنه. سمع كلامها وهو مش فاهم أي السبب لده كله. نطق أخيراً.
شريف: ليه بتقولي كده يا غرام؟
***
البيت كان ساكن سكون الليل والصمت خيم على الأجواء. كانت نايمة هي في الأرض وضامة إيديها الاتنين وساندة راسها بإيديها ونايمة على جنبها. نومها كان عميق. نامت زي الطفل الرضيع بعد بكى يوم طويل. شعرها الأحمر كان وراها. قرب هو بطراطيف صوابعه عشان ماتصحاش. حاول على قد ما يقدر ما يقلقهاش. نام جنبها على جنبه وهو بيتأمل ملامحها البريئة اللي وقعته في حبها. ابتسم ابتسامة لطيفة زيه وبصوت يكاد يكون مسموع وقالها.
عمار: حقك على قلبي ياشمس. باين على ملامحك الزعل. مش عارف الزعل ده بسببي أو لاء، بس لو بسببي، فا أنا ميهونش عليا زعلك في يوم. زي ما هونت عليكي ياشمس.
جه في لحظة وفي لمح البصر كان نايم جنبها من الجانب الآخر ونام بجنبه. وهي نايمة اتقلبت ووشها بقى في وشه. قال بصوت منخفض عشان ماتصحاش.
ياسين: افتحي عيونك ياشمس. أنا مشتق لها.
قام وقف ومابقاش همه إنها تصحى أو لاء. وقرب منه وفي لحظة كان عنده. مسكه وهو غضبان من كتر غضبه وكأن اشتعلت النيران والعالم كله اتفق على إخراج أسوأ ما فيه.
بنبرة غليظة وحادة.
عمار: ماتقربش منها. أبعد عنها.
حول عينيه للون الأسود وطلعه ضوافره وغرز ضوافره كلها فيه وشاله ورفعه ما بين إيديه. الد/م بقى ينزل من شفايفه وهو مش قادر يتنفس. عمار طلع ضوافره وبكل عزم وقوته حطها على رقبة ياسين. شقها نصين. حط إيده على رقبته والد/م بينزل منه. وقع على ركبته وهو بيطلع في الروح وبيبصلها وهي نايمة وبيتأمل في ملامحها وابتسم لها. وفجأة فاقت من حلمها وهي بتصرخ باسمه.
شمس: ياسين!
رواية الهجينة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ماهي احمد
تاني حاجة إني ابتديت أحول رواياتي من سرد وحوار بالعامي لسرد بس بالفصحى، وبدأت بتغيير سرد رواية الهجينة. طبعاً مش كلها، بس بدأت من الأول خالص. وكل ما بحول بارت بنزله فوراً. إعادة السرد متعبه جداً، أكتر من إنك تكتب بارت من الأول. بس بالرغم من كده، أخيراً اتخذت القرار واتوكلت على الله.
أنا عارفة إن في كتير منكم هيضايق من إن السرد اتحول للفصحى، بس حابة أقولكم إن حقيقي السرد بالفصحى ألطف بكتير من السرد بالعامية، وهقدر أكتب حاجات ما كنتش أقدر أكتبها بالعامية. أرجو إنكم تدوا للسرد الفصحى فرصة. هاخدكم معايا لعالم تاني بالسرد الفصحى. وكمان أنا بتعب في كتابة الرواية، أنا استحملت كمية كلام إن رواياتي بير سلم لأنها بالعامية، محدش يتحملها، وكله عشان احترمت رغبتكم، بس مش قادرة أتحمل أكتر من كده، وخصوصاً بعد ما اقتنعت إن فعلاً الروايات اللي السرد فيها بالعامية مش ألطف حاجة، والسرد بالفصحى ألطف بكتير. أتمنى السرد الجديد يعجبكم.
يلا نبدأ.
***
كان حلم مزعج، مزعجاً للغاية. تنفست الصعداء وهي تشعر بمزيج من الألم والمعاناة التي تحملها بداخلها. فما يحدث من حولها يؤثر عليها بشكل واضح، حتى في أحلامها. العداوة التي يكنها كل من "ياسين" و"عمار" لبعضهما البعض تؤثر عليها بالسلب. شعرت وأن ليس للحياة معنى في هذا التوقيت. شعرت بأنها السبب في عداوتهما معاً.
وقفت واستقامت متجهة إلى الطابق السفلي بعدما اتخذت قرارها. كان البيت يبدو خاوياً في حالة من السكون، الجميع نيام. لا يوجد أحد في الردهة. تابعت سيرها وهي تتذكر عداوة كل منهما للآخر. تلك المواقف والذكريات جعلت منها جسداً بلا روح. فتاة في عمر الزهور مثلها تعتقد الموت راحة لها مما يحدث، ظناً منها إن إنهاء حياتها نهاية لعداوتهما. فهي السبب الرئيسي لهذه العداوة. والآن حان الوقت لإيقاف هذا الشجار الدائم عليها.
وأخذت تلك الخطوة. كانت تتقدم بأقدام مرتجفة وأعين دامعة. تقف أمام النهر بتوتر ويزداد انهيار الدموع من عينيها بغزارة. وفي مخيلتها مشاهد العراك الدائمة بينهما، وكأنها لا ترى النهر بل تراهما أمامها بشكل دائم.
لفح الهواء البارد وجهها متسبباً في تطاير خصلات شعرها المجعد مع برودة جسدها كبرودة ليالي الشتاء القارصة. تقدمت خطوة للأمام وهي تعلم جيداً أنها لن تعود. ولكنها حسمت قرارها. فلا يجب على كل منهما الشجار الدائم عليها. يجب عليهما الوقوف بجانب بعضهما البعض لإنهاء هذه المعركة الصارمة. أخذت قرارها وأغمضت عينيها وبدأت في تنفيذ ما قررته بالفعل. وقبل أن تقدم على خطوة أخرى وجدت من أطاح بها ليمنعها عن قرارها المتهور.
***
كان مازال يقف بالمنتصف يلقي نظرة يميناً ويساراً عما يحدث. جميع الحيوانات آتية له. ليس فقط الذئاب، ولكن جميع الحيوانات بشكل عام تقف أمامه يشكلون دائرة وهو بمنتصفها. لم يكد أن يصدق ما يرى. شعر بأعين دامعة كدماء حيوان قد ذبح للتو. آلاف الأفكار تعصف بخلايا عقله ومئات الوخزات تصيب قلبه. الوهن تراوده هذه الذكريات بداخل عقله من جديد. صور على هيئة ذكريات متقطعة. لا يدرك ماذا يحدث له. يرى أمامه ذكرى مشوشة وهو يجلس بالمنتصف بمكان واسع وتجلس أمامه "الخالة" و"المهدي".
قائلاً بابتسامة وهو يهز رأسه يميناً ويساراً ببطء:
"أنا حولت كتير غيرك لمستذئبين يا ياسين، بس عمري ما شوفت مستذئب بقوتك. أنت خليفتي، خليفة المهدي. إياك تنسى دي في يوم."
أنهى العربي جملته والكبر يملؤه، ويربت على كتفه وينظر بجانبه إلى "الخالة حكيمة" مبتسماً.
فاق من انخراطه بداخل هذه الذكرى وهو ممسك برأسه الذي كاد أن ينفجر. حتى تعاوده ذكرى أخرى من جديد وهو يسمع صوت أخيه "دكتور علي"، ويبدو على ملامحه الرعب المطلق. هامساً في أذنيه بعدما طالعه وهو يقول:
"ياسين، أوعى تعرف حد بقوتك. العربي مش هيسيبك لو عرف. أنت مين؟ احنا لازم نبعد. بس اللي متأكد منه إننا هنتجمع من جديد مهما طال العمر بينا. هرجعلك تاني يا خوي مش هسيبك عشان انت تستاهل إني أرجعلك من جديد."
أنهى "علي" جملته الأخيرة و"ياسين" يطالعه يبتعد عنه بصمت. فكان الصمت حليفه في هذه الأوقات. حتى وجده الضبع وأخذه معه.
فاق من شروده مرة أخرى من هذه الذكرى، وكأن باب الذكريات أنغلق من جديد. حاول مراراً وتكراراً أن يتذكر أشياء أخرى مما حدث بالماضي، ولكن دون جدوى. فجلس القرفصاء يطالع الحيوانات بحاجب مرتفع. حتى وجدها تطالعه باهتمام شديد. ارتسمت الابتسامة بجانب شفتيه إلى الثعلب الأحمر الذي كان يطالعه بنظرات حادة. ينظر له وكأنه يتحداه بعينين واسعتين. رأى "ياسين" ما يفعله ذاك الثعلب المكار. ثم نظر إلى القط البري الذي يقف بجواره مشاوراً بيديه على الثعلب وهو يطالعه ويسأله بجدية:
"مين البقرة اللي جابت العجل ده؟"
قفز القط البري من مكانه وأصدر صوتاً كالصرير مما دل على فهمه لما قاله "ياسين" للتو. أخذ الثعلب الأحمر يطالع القط البري بنظرة حادة وكأنه يتوعد له مما قاله "ياسين". أما عنه هو، فكان يترقب لكل شيء يحدث ونظرات الحيوانات لبعضهم البعض. مما جعله يصيح وهو يقول مشاوراً بأصبعه:
"انتوا بتفهموني، انتوا فاهمني، يعني انتوا فهمتوا اللي أنا قولته؟"
ولم يجد رد فعل لأي منهما، فقد كانوا يطالعونه بنظرات مبهمة. حتى جاء كبير الذئاب، الذئب الذكر الأسود بعينين ثاقبتين. أفسحت جميع الحيوانات المجال له حتى يدخل منفرداً، مما جعل دخوله مميزاً بنظراته الثاقبة. ابتلع "ياسين" ريقه وكأنه غصة مريرة في حلقه عندما وجد سرب من الذئاب يتبعون ذلك الذئب الأسود من خلفه. استجمع شجاعته ووقف مستقيماً ونظر له بعينين ثاقبتين والثقة تملأ وجدانه. ودون أن يشعر فقد تحولت عيناه للون الأحمر لأول مرة منذ زمن بعيد، كلون الدماء، دون أن يشعر، بدلاً من اللون الأسود مثله مثل أي مستذئب. نظر للذئب الذكر يطالعه بعينين حادتين حتى أجبره على الركوع أمامه وكأنه يأمره بنظراته الحادة.
خر الذئب الذكر ينبح أمامه بعلو صوته، وكذلك الحيوانات الأخرى من بعده. كل حيوان على لغته، وكأنهم يقولون: "نحن جيشك الذي لا يهزم."
***
في تلك الأوقات كان يقف "داغر" بشرفة غرفته مستنداً بكتفه على الحائط يستمتع بلفحات الهواء الباردة على وجهه. يستنشق الهواء بعمق وكأن أحدهم كان يمنع عنه الأكسجين. حائراً بل خائفاً مما سيحدث عما قريب. لا يأتيه النوم في تلك الليلة الخاوية. حتى سمع نباح الذئاب. ابتسم ابتسامة رضا ظهرت على ثغره عند سماع أصواتهم وعلم أنهم وجدوا قائدهم الجديد. فلم ينبح أي من الذئاب معه قط مثلما نبحوا الآن.
أيقظها ذلك النباح من نومها. كشفت الغطاء عنها لتجده واقفاً بجانب الشرفة لا يتحرك، بل شاردًا في أفكاره. نزلت من على فراشها ممسكة ببطنها بروية. وقفت خلفه تنقر على ظهره بأصابعها بخفة وتنادبه باسمه.
"داغر."
منعه كثرة شروده من سماعها وكأنه جسد بلا روح. مما زاد من غرابتها. قبضت حاجبيها وهي تنظر له باستغراب بنبرة صوت عالية هذه المرة.
"داغر، روحت فين وليه الذئاب بتعوي بالشكل ده؟ أنا أول مرة أسمعهم بيعوا كده."
قالت كلماتها والرعب يتملكها، فكان نباحهم يرج المكان وكأن القيامة ستقام.
فاق من شروده ونظر خلفه لها يطمئنها بكلماته الحنونة.
"ما تخافيش، دول أخيراً لقوا القائد بتاعهم. أنا دلوقتي مابقيتش قلقان عليه."
نظرت له بعدم فهم وكانت في حيرة من أمرها. نظرت له بعينين حائرتين. أمسك بيديها وجدها كالجليد. هرب الدم من عروقها. احتضن يداها وقبلها من جبينها. التصق جسده بجسدها. أصبحت بداخل أحضانه حتى يشعرها بالدفء الذي تفتقده. ثم نظر الاثنان إلى الشرفة. تنظر هي إلى السماء لتجد القمر مضيئاً في تمامه. ليستكمل حديثه قائلاً:
"شايفة قدامك إيه يا هدير؟"
نظرت إلى السماء بتمعن.
"شايفة القمر منور في السما، ضيه بيسحر النهارده، والنجوم حواليه كتيرة وظاهرة كأنها بتزينه."
أردف قائلاً:
"والسما، السما لونها إيه؟"
أنكمشت حاجبيها وأخذت تطالعه باستغراب شديد فسألها هو:
"مالك بتبصيلي كده ليه يا هدير؟"
"غريبة، أول مرة تسأل السما لونها إيه؟ على أساس إنك مش عارف؟ أو حتى إني أوصفلك شيء. دي حاجة غريبة ما بتحصلش."
تنهد وهو يبتسم ابتسامة مصاحبة لكلماته.
"مش أول مرة أقولك إني عايز أشوف الدنيا بعينيك."
استدار بجانبها واضعة يديها على وجنتيه وأصبح وجهه بين كفيها.
"وليه يا داغر؟ ماتعملش العملية وتشوف بعينيك؟ أنت مش عايز تشوفني في يوم؟ مش يمكن أطلع مش حلوة زي ما أنت متخيلني؟ مش ممكن ماطلعش الصورة اللي في خيالك؟"
رد قائلاً بابتسامة لطيفة منه:
"عندك حق، أنتِ فعلاً عمرك ما هتبقي اللي في خيالي عشان أنا مهما اتخيلتك هتطلعي أجمل بكتير. جمال روحك مبين جمال ملامحك يا هدير."
ابتسمت ابتسامة رضا وهي تنظر له ثم أردفت لتسترسل حديثها.
"طيب سيبك مني أنا."
أمسكت بيداه ووضعتها على بطنها لكي يشعر بجنينها مستكملة حديثها.
"مش عايز تشوف ابنك أو بنتك؟ إيه المشكلة لما تسمع كلامي ونروح نعمل زيارة للدكتور يا داغر؟ إيه المشكلة لما نحاول؟ صدقني مش هنخسر حاجة."
ابتسم ابتسامة نابعة من قلبه ويشاور برأسه بالموافقة.
"موافق."
لم تكد أن تصدق ما سمعت للتو. أغمرتها الفرحة وأصبحت تنطق كلماتها مزيجًا من الفرحة على عدم استيعاب ما سمعته منذ ثوانٍ قليلة.
"داغر، أنت بتتكلم جد؟"
هز رأسه موافقًا يصاحبها ابتسامة بسيطة.
"آه بتكلم جد. ولو ربنا اداني عمر بعد المعركة وعشت، هعملها. ولو ماليش عمر ومت، اعرفي إني كنت بتمنى إني أشوفك وغلطت حياتي إني ماشبعتش من ملامحك ولا شوفتها في يوم."
انقبض قلبها بشدة عند سماع هذه الكلمات وأخذت نبضاته تعلو نبضة تلو الأخرى. وضعت يدها على شفتيه لتمنعه من استكمال حديثه الذي أثار غضبها.
"داغر، أنت بتقول إيه؟ أنت ممكن تسيبني في يوم؟"
هز كتفيه مستنكرًا ما يقول، ولكن ملامحه كانت توضح ما يريد قوله. مستكملاً حديثه:
"محدش عارف عمره في قد إيه يا هدير، عشان كده عايز أوصيكي على نفسك وعلى ابني. لو طلع ولد سميه غالب، ولو بنت مش هلاقي أجمل من اسمك عشان تتسمى بيا."
أصاب الرعب قلبها فلم تستطع تحمل كلماته المريرة. فكانت كل كلمة يخرجها من فمه تنزل عليها كالصاعقة ولا تقدر على استيعابها. تركت يداه وهي تحاول الوصول إلى الفراش. جلست على طرف الفراش وهي تطالعه بحزن.
" قصدك إيه يا داغر؟ كلامك مش مريحني. أنت حاسس إن ممكن يحصلك حاجة؟ أنت أصلاً فاكر إن لو جرالك حاجة أنا ممكن أعيش من بعدك؟"
ضربت يدها كفاً بكف وتهز رأسها نافية لما قاله منذ ثوانٍ.
"أنت مش عارف إني مش هعرف أعيش من غيرك. أنت هتحافظ على نفسك وهتعيش وهترجع لنا وهنكمل حياتنا سوا. احنا لسه قدامنا دنيا ما عشناهاش، لسه قدامنا أحلام هنبنيها سوا."
وقالت كلماتها بدموع تأبى النزول.
"أنت هتعيش وهترجع لنا وده مش بمزاجك، ده غصب عنك. في ناس هنا عايشة ومكملة حياتها عشان نفسك موجود في الدنيا."
قبل أن ترمش وجدته أمامها يجلس القرفصاء ممسك بكفيها بحنان ويقبل يداها بحب. فقالت هي باستماثة:
"أوعدني يا داغر، أوعدني إنك هتعيش وهترجع لي."
ابتسم ابتسامة عريضة تملأ وجهه وهو يتكلم بكل ثقة اكتسبها من كلامها.
"أوعدك.. أوعدك إني هعيش عشانك يا هدير."
***
كانت مستلقية على الأرضية بكامل جسدها بعدما أطاح بها هو. ونظرت بجانبها عندما رأته وجدته يطالعها بعينين ثاقبتين بشكله المتوحش وأنيابه البارزة من بين شفتيه. مسحت دموعها بيديها. حاولت جاهدة إلا يرى دموعها مرة أخرى. وقفت واستقامت. استدارت مسرعة حتى لا يراها وهي على هذه الحالة، فقررت الذهاب. حتى استوقفها بكلماته بعدما عاد وجهه إلى طبيعته.
"كنتي عايزة تموتي نفسك ليه يا شمس؟"
لم تجب على سؤاله تاركة إياه. جلست على ذلك السور المطل على مياه النهر. أجواء باردة تعصف بالمتواجد في المكان وأمواج تتلاحق بحماقة تذكرها بحماقة ما كانت تريد أن تفعله للتو. تسرب ضوء القمر إلى النهر المحيط من حولها، فالمكان هنا شبه خالٍ من الضوء، فانتصر على الظلام ضوء القمر البسيط. جلس بجوارها على ذلك السور وأصبح النهر أمامهما. ينظر كل منهما إليه. أضاف بعد أن جاهد ليسحب نفساً عميقاً.
"مجوبتيش على سؤالي، عايزة تموتي نفسك؟"
"للدرجة دي أنا مش مهم عندك؟"
استدارت بوجهها تطالعه بعيون يائسة.
"ماديتنيش أي حلول سوا ذلك، فقد ضاقت الدنيا بي. لم أعد أعلم ماذا أفعل حتى تتوقفا عما تفعلاه ببعضكما البعض يا عمار."
أنهت جملتها بعيون راجية وكأنها تطلب الاستغاثة مما يحدث لها. أردف قائلاً بعدم فهم.
"للدرجة دي هو مهم عندك؟"
نظرت له بعيون دامعة بمقلتيها تأبى النزول.
"أتريد الصدق أم الكذب؟"
بدأ قلبه بالانقباض. ابتلع ريقه وهو يطالعها باهتمام ينتظر كلماتها حتى تخرج من بين شفتيها. فأعادت سؤالها بصيغة أخرى من جديد.
"يبدو أن الصمت أصبح حليفك الآن ولم تجاوبني على سؤالي."
أصبح من الصعب عليه استنشاق الهواء إلى رئتيه وهو يخبرها باختياره.
"أكيد عايز الصدق، بس الصدق ده لو فيه وجعي يبقى اكذبي عليا يا شمس عشان مش هتحمل لو اللي في دماغي طلع صح."
لا أعلم إذا كان الصدق به وجعك أم لا، ولكني أريد إخبارك بالحقيقة التي تكمن بداخلي منذ ما علمت بما حدث لـ"ياسين". فرغمًا عني، ليس بإرادتي، بدأت أسامحه.
كان ينصت جيدًا لما تقوله له، كان كل حرف تخرجه من شفاها يخترق قلبه ولكنه التزم الهدوء وأخذ ينصت لها بإتقان.
نظرت هي أمامها لتستكمل حديثها بعدما أدخلت الهواء المنعش إلى رئتيها من جديد تسترسل حديثها.
"طالما ألمتني فكرة تعامل 'ياسين' معي بهذا الشكل، فقد أخبرتك بما حدث بالماضي وكيفية معاملته لي. ولكن عندما علمت الحقيقة بأنه كان يفعل ذلك رغماً عنه، أصبحت أمنحه ألف عذر لما كان يفعله. فبالرغم من سيطرة 'الضبع' على عقله، كان يحاول مجاهدًا بكل الطرق ألا يؤذيني."
ابتسمت ابتسامة تملأ وجهها وبدأت في تذكر اللحظات الجميلة التي كان يصنعها "ياسين" من أجلها وهي صغيرة، وبدأت تسرد له هذه الذكرى.
"فقد أتممت السادسة عشر من عمري منذ بضعة أشهر ووجدته هو يفتح باب القبو ببطء، وعندما سمعت خليل صرير مفصلات الباب أغلقت عينيها بشدة، فأمرها 'ياسين' بالخروج. انتظرت أنا وقلبي من كثرة نبضاته المتسارعة النبضة تلو الأخرى، كاد أن ينفجر. فبمجرد رؤيته، لا أعلم ما الذي ينوي على فعله ذاك المتهور الأحمق، هل سيعنفني مثلما يفعل طوال الوقت أم سيحن علي من جديد؟ إذا وجدته يخرج قطعة من الكعك يتوسطها شمعة مضيئة. لم أكن أعلم ما هذا. ابتلعت ريقي وعلا الابتسامة وجهه، يبتسم لي ابتسامة حنونة يطبطب بها على قلبي المتعطش للحنان منذ زمن بعيد، فأخبرني بما كنت لا أعرفه."
ابتلع ريقه وشعر بغصة تخترق قلبه من جديد. تلعثم بكلماته التي يخرجها من بين شفتيه.
"أعرفك إيه يا شمس؟"
سرحت بخيالها وهي تسترجع هذه الذكرى من جديد و"ياسين" يقول لها:
"أنتِ عارفة النهارده إيه، وعارفة إيه اللي أنا ماسكه في إيدي ده؟"
أخذت تطالعه باهتمام وهي تنظر إلى الكعكة وأشارت له برأسها نافية. ابتسم هو بحنان وطفولية.
"نهاره عيد ميلادك الـ 16، يعني من 16 سنة وزي اليوم ده بالظبط جيتي للدنيا عشان تقرفيني في حياتي."
تنهد ببطء والابتسامة تعلو وجهه وأشار لها بكفه.
"شفتك وأنتي لسه في اللفة كنتي قد كده..."
استدار لها يسترسل حديثه.
"وكنتي بتصدعيني من كتر عياطك، بس بالرغم من كده صداعك وزنك وقرفك ملأ علينا البيت يا 'شمس'."
أنكمش حاجبها الأيسر وهي تنظر له بحيرة. بانت الابتسامة على صغره قائلاً.
"أنتِ مستغربة إني بقولك يا 'شمس'؟ بس يكون لعلمك أنا من أول لحظة شوفتك قررت بيني وبين نفسي أسميكي 'شمس'."
"حسيت إن فيكِ تفاصيل كتير منها الشمس، أشعتها بتنور الكون، وأنتي نورتي ضلام قلوبنا بوجودك يا 'شمس'."
نظرت إليه وهي في حيرة من أمرها، فذلك المجنون في المرة الأخيرة كان يعنفها باستمرار، كاد يجن جنونها. تفهم هو نظراتها وحيرتها ثم واصل حديثه.
"تعرفي، أنا بعرف اللي جواكي من نظرات عنيكي، من تفاصيل ملامحك. يعني مثلاً أول ما تغمضي عينيكِ حاجة بسيطة وترفعي حاجبك الشمال أعرف إنك مش فاهمة الكلام اللي بيتقال. أما بقى لو كمشتي حواجبك أعرف إنك غضبانه ومخنوقة."
تلاقت أعينهم ونظر إليها بروية وحنان.
"أما بقى لو فردتي ملامح وشك وفتحتِ عينيكِ أعرف إنك مبسوطة زي ما أنتِ مبسوطة دلوقتي يا 'شمس'."
ابتسما سويًا هما الاثنان ومد لها هو كفه والكعكة مازالت بكفه يتوسطها الشمعة المضيئة قائلاً.
"غمضي عينيكِ وانفخي في الشمعة، خلي سنة جديدة من حياتك بذكرى جميلة زيك."
أغمضت عيناها وأخذت نفس عميق لكي تطفئ الشمعة، فأوقفها هو قبل أن تطفئها.
"استني، اتمني أمنية الأول قبل ما تطفيها. شوفي إيه اللي نفسك يتحقق السنة دي ولو اتمنتيها بصدق هتتحقق أكيد."
أغمضت عيناها متمنية ما تريد ثم أطفأت الشمعة المشتعلة. وعندما فتحت عيناها من جديد وجدته ممسك برأسه مغلق العينين من شدة الألم ولم يتعدى اللحظات حتى عاد يفتح عيناه من جديد المتغيرتين باللون الأسود ينظر لها نظرة خبيثة ممتزجة بالشر تظهر على ثغره ليقول لها بخبث.
"إيه رأيك صدقتيني لما كنت عامل فيها طيب؟"
عادت تحكي لـ"عمار" ما حدث من جديد بعدما تنهدت بعمق.
"عاد لطبيعته الشريرة بلحظة، يحطم كل شيء يجده أمامه وكأنه بصراع ما بين عقله وقلبه. أمسك بالكعكة وألقاها أرضاً حتى يذلني من جديد. كنت أكرهه لما فعله بي، كنت أتساءل لماذا يفعل بي ذلك فقد كاد يجن جنوني."
قاطعها "عمار" وأوقف حديثها وهو يشعر بالألم يختزل روحه ناطقاً كلماته بتقطيع.
"فهمتك يا 'شمس'. أنا كده فهمتك."
قبضت حاجبيها باستغراب سائلة.
"ماذا تعني بكلمتك هذه؟"
وقف واستقام من على السور وهبطت هي من بعده.
"اللي فهمته.. فهمته يا 'شمس'. الموضوع مش محتاج يتقال. أنتِ بتحبيه، بتحبي 'ياسين'. فتحتي عينك على الدنيا لاقيتيه كان كل اللي شاغلك إنه كان بيعاملك بحنية وبعد كده يعاملك بقسوة. كنتي هتموتي وتعرفي ليه بيعمل كده، ولما عرفتي إنه غصب عنه بقيتي تديله ألف عذر وعذر عشان تسامحيه وتقربي منه وبقيتي تفتكريله الحلو وبس، مش كده، مش دي الحقيقة؟"
كانت تطالعه بنظرة يائسة من عدم فهمه لها، فصرخت به بصوت عالٍ.
"لا، ليست هذه الحقيقة."
ضمت شفتاها والدموع تتلألأ بعيناها مسترسلة حديثها.
"ما كنت أريد إخباركَ به هو أنه شخص صالح لا يستحق ما تفعله معه، ولكن ما حدث له كان خارج إرادته. يجب أن تضع يدك بيده حتى نخرج من هذه المعركة منتصرين. فوضع يدك بيده هو أملنا الوحيد لكي نكسب المعركة."
بتّر حديثها واستدار لها وهو يصرخ بها بصوت عالٍ.
"هو ده كل اللي يهمك إنِ أحط إيدي في إيده عشان المعركة؟ هو ده اللي عايزة تفهميهولي؟ تمام، أنا فهمتك وهحط إيدي في إيده عشان هو شخص صالح أوي وغصب عنه اللي حصله ياحرام."
أنهى جملته الأخيرة وهو يسخر منها ومن حديثها، ثم أخذ يطالعها من جديد وينظر بعينيها بعمق. تكلم بكلمات صادقة نابعة من قلبه.
"أنا حبيتك، حبيتك أكتر من نفسي وكان عندي استعداد أعمل أي حاجة عشانك، بس معنديش استعداد أخسر نفسي عشان واحدة ممكن ولو احتمال واحد في المية تكون بتعز شخص تاني. 'ياسين'، لو كان فضل طيب معاكي كنتي حبتيه يا 'شمس'."
استدار وأعطاها ظهره وأخذ خطوة استعدادًا لرحيله، فأوقفته هي بكلماتها.
"أتعلم ما الشيء الذي تمنيته بيوم ميلادي السادس عشر عندما طلب مني 'ياسين' أن أتمنى أمنية وهو طيب معك؟"
أنكمش حاجبه واعتلا الفضول ملامحه. استدار لها وانتظر إجابة سؤالها.
"تمنيتك أنت، وياليتني ما تمنيتك يومها."
تنهدت الصعداء ثم استدارت وأخذ هو يتابعها بعينيه تبتعد عنه بصمت. ضرب بكفه على جبينه ولم يستوعب ما قالته له للتو.
***
كانت ليلة صعبة على الجميع، فالكل يتقلب على فراشه والنوم لا يأتيه. ومنهم مارال التي كانت تنظر إلى سقف الغرفة والتفكير ببربروس يملأ عقلها. ابتسمت وهي تفكر بهِ وبكلماته المعسولة، وفي لحظة عادت للواقع المرير. وضعت الوسادة على رأسها ضاغطة على شفتيها تبللها بريقها هامسة لنفسها قليلاً.
"أنا إيه اللي بفكر فيه ده؟ أنا إزاي أفكر في 'بيدقوس'؟ لأ لأ ماينفعش طبعاً أنا أبقى عبيطة. 'بيدقوس'. أنا أفكر في 'بيدقوس'."
استيقظت "ميرا" من نومها على صوتها. تقلبت على جانبها الأيمن تنظر لها بحاجب منكمش.
"وماله بربروس ده؟ حتى حتة سكره ده عليه واحدة ومصيبتاه تجيب اللي قدامه الأرض."
ضحك الاثنتان بصوت مرتفع لتدخل عليهما سارة ويتضح على ملامحها الحزن وجلست بجانبهما على الفراش دون أن تنطق بكلمة واحدة. نظر لهما وهما يطالعونها باهتمام حتى قطعت "مارال" صمتها قائلة.
"مالك يا سايه؟ فيكِ إيه؟"
ابتسمت سارة وميرا على مناداتها باسم "سايه"، علمت هي ذلك من ابتسامتهما الخفية. فنطقت.
"طبعاً انتوا بتضحكوا على لَدْغتي بتاعتي. والله ماحدش قالكم أسمايكم تبقى فيها حرف 'الر'."
هتفت بهتت إلى الغرفة محاولة انتزاع ملابسها العلوية. ثم جلست على الفراش بجوارهما دون نطق أي كلمة.
"بس أهي جت ملكة التراجيدي كلها."
أنهت سارة جملتها ثم ضحك الجميع عليها. حاولت إخفاء ألمها أمامهم لم ترد أن توقف ضحكاتهم جميعاً. فعادت ميرا لسؤال سارة.
" مالك؟ مش هتقولي بقى جاية مخنوقة بره من إيه؟"
قامت من مكانها وهي تزحزح بجسدها.
"ميرا، وسعي كده شوية وأنا أقولك."
جلس الجميع على الفراش متساويين بجانب بعضهما البعض مستلقين على ظهورهم لتمد "مارال" كفها.
"هاتي، هاتي اللحاف ده نتغطى بيه كلنا."
"أهو خدي كده كله متغطي."
وجهت "ميرا" سؤالها لهم فأجاب الجميع بالموافقة.
"ارغي بقى."
"مافيش ياميرا بس اتضايقت شوية من يزن واللي بيعملوه هو وعمار. يعني ليه أصلاً كل الفرهدة اللي بتحصل دي."
نطقت "سارة" اسم "عمار" فشعرت "شمس" بغصة داخل قلبها وتغيرت معالم وجهها. نظرت لها لتطالعها من جديد.
" أنا عارفة يا شمس إن 'عمار' حمار حبتين بس والله بيحبك. هو كده، كل راجل فيه عيب. عمار عنده حب التملك أوي ده. أنا متربية معاه وعارفة، حتى حبه ليزن ما بيسمحش حد يشاركه فيه. من الآخر كده، اختاريه هو وانسى الكل."
ردت هي مسرعة.
"أنا أخويا مش حماي يا سايه."
نظر لها الجميع وقد نسوا أنها شقيقته التي تجلس معهم. فاستكملت هي حديثها.
"هو أه جحش حبتين بس مش لدرجة حماي يعني. هو بيتوتي أوي. لما كنا صغيرين كان مش بيحب يصاحب حد كتير. هو واحد بس يفضل معاه وبيقول استكفيت بيه. هي شخصيته كده."
نطقت ميرا مستكملة لحديثهم.
"من الآخر كده، بيغير عليكي غيور، وبعدين مين ما يغيرش على العيون الحلوة دي؟ أنا لو منه كنت عملت كده وأكتر."
حاولت ميرا تغيير الأجواء بالقليل من المرح، فارتفعت ضحكاتهم هما الأربعة سويًا. فردت "شمس" قائلة.
"ألا تنوين أن تحني على رعد أنتِ الأخرى؟"
تنهدت بعمق وهي تنظر للأعلى.
"والله أنا خايفة عليه مني. أول مرة أخاف على حد كده."
هتفت سارة بصوت مرتفع.
"أخيراً، كفارة يا حاجة ميرا. أخيراً ابتديتي تحسي بالواد الغلبان."
ردت قائلة.
"كل مرة ببقى متسرعة في قراري وأول ما أعجب بحد، بجري عليه. إلا مع رعد. خايفة أبقى معاه وبعد ما يتأكد من حبي لي يسيبني في يوم."
"اتركي قلبك معه، فمن الواضح حبه لكِ."
نظر الجميع إلى تلك الصامتة بينهم، فتحدثت ميرا قائلة.
" وأنتِ بقى يا مارال، كنتي بتقولي ليه مش معقول بربروس؟"
"أصلاً ماينفعش أنا وهو نكون سوا في يوم. بيدقوس متزمت أوي وعمره ما هيتقبل إنه يغير ديانته عشان..."
نظرت لها الكل باهتمام بعدما نطقت جملتها الأخيرة. استطاعت جذب انتباههم بجداره. فنطقت "شمس" مستفسرة.
" ولماذا تريدين منه تغيير ديانته؟"
هزت كتفيها للأعلى ورفعت حاجبيها معاً.
"عشان أنا مسيحية."
نطق الجميع بصوت واحد.
"إيه؟"
***
أشرقت شمس الصباح وأشاح هو بوجهه تجاه الشرق ليشهد ولادة شمس جديدة. أخذ نفس عميقاً بعدما جاهد في سحبه وكأنه يريد ملء رئتيه بأشعة الشمس الذهبية. يستعد الجميع للرحيل ومنهم "ياسين" الواقف أمام المنزل ينتظر الجميع بالخارج ليتجمعوا أخيراً. كل منهم على حدة. تنظر لهم الخالة حكيمة لتجد داغر ممسكًا بهدير وقد أنهكها التعب. لتبتلع ريقها ثم تردف قائلة.
"كل واحد هنا عنده مشاكله وحياته الخاصة، كلنا عارفين كده كويس."
أخذت تطالع عمار ومن بعده ياسين وكأنها توجه حديثها لهما بالأخص.
"لكن من اللحظة دي لازم كلنا نسيب مشاكلنا على جنب. احنا هنرجع بالطيارة الخاصة اللي جبتها وكلها ساعات ونبقى في مصر. هنرجع على مزرعة داغر. لازم نحط إيدنا في إيد بعض. لازم نمنع العربي إنه يجيب العبقري في الزمم بتاعنا بأي طريقة حتى لو فيها موتنا."
قالت كلماتها بحزم فرد عليها هو قائلاً.
"وليه سيرة الموت يا كوكي؟ ما إحنا ممكن نمنعه بطريقة سهلة جداً، انتوا مش واخدين بالكم منه."
نظر له الجميع باهتمام بعدما نجح بجذب انتباههم. فردت الخالة قائلة.
"وإيه بقى الطريقة دي يا 'ياسين'؟"
نظر إلى الغريب وهو يوجه كلامه له.
"هو مش المفروض إن أنت تبقى جد العبقري اللي بيقولوا عليه ده؟"
ابتلع ريقه وهو يرفع النظارة الطبية على أنفه يقول بكلماته المتقطعة.
"آآ.. أيوه."
"وإنت خلفت دلوقتي يا غريب ولا لسه؟"
"معايا.. معايا ولد.. ولد وبنت."
رفع يده بمستوى صدره قائلاً.
"حلو الكلام ده. احنا بقى لو قتلنا العيال دي، العبقري مش هيتولد أصلاً، وبكده نكون خلصنا منه ومن عيال الغريب ومن الغريب شخصيًا."
نظر له الجميع بعدم تصديق مما قاله. حتى أردف بربروس قائلاً وهو يصك على أسنانه.
"فيلعنك الله."
رحل الجميع يتجهون إلى المكان المخصص للطائرة التي قامت الخالة بإرسالها. ينظر هو للجميع يبتعدون عنه. وقفت الخالة أمامه قائلة.
"جبت قلة الأصل دي منين يا ياسين؟"
"اتعلمتها منك يا كوكي، ما أنا تربيتك."
أنهى جملته الأخيرة وهو يغمز لها بطرف عينيه تاركًا إياها تنظر إليه مبتعدًا عنها.
***
ها هما وصلوا أخيرًا إلى المزرعة التي كانت تمتلكها جدة "داغر". يقفون أمامها يشعرون بحرارة الشمس الحارقة، فهناك فرق كبير بين الطقس هنا وهناك. ينظر كل من داغر ومارال والطفلة غدير إليها بقلبٍ مفطور. يشعر كل منهما برائحتها تحوم بالمكان، فكل غرفة وكل شبر بهذه المزرعة يوجد لها ذكرى فيه.
دخلو جميعًا وانفتحت الأبواب على مصرعيها لتمسك هدير ببطنها وهي تشعر بالألم. تنظر إلى داغر قائلة.
"ارجوك يا داغر، وديني على بيت بابا. أنا مش هقدر أتحمل أكتر من كده."
"عندها حق يا داغر، ياريت ما تدخلش المزرعة وتروح في مكان هادي وتابع مع دكتور كويس. أنا كده كده أنا وولاء مش هندخل وهنروح على بيتنا. سيبني أنا هوصلها للبيت بتاع والدها وأوعدك إن كل يوم هاروح لها أقعد معاها طول النهار ومش هسيبها إلا لما تولد."
أنهت غرام جملتها لتستكمل زهره حديثها.
"فعلاً باين عليها تعبانة أوي والجو ده مش هينفعها خالص."
أشار داغر برأسه بالموافقة وهو يقول.
"خلاص هوديها معاكم عشان أطمن عليها."
نطق عز مكملاً حديثه.
"خليك أنت يا داغر، أنا كده كده لازم أوصل غرام الأول وهأوصل هدير في السكة. هما أكيد محتاجينك هنا."
اقترب داغر من عز يربت على كتفه.
"عز، خلي بالك منها وصلها لحد والدها تسلمهاله في إيده. وأنا هظبط أموري وهجيلها."
ابتسمت هي لهم.
"ما تخافش عليا يا داغر، أنا رايحة عند بابا عشان أبقى في أمان. وأنا متأكدة إن غرام مش هتسيبني."
ودعها الجميع تاركة إياهم خلفها وصعدت إلى السيارة مع عائلة عز وغادروا المكان. شعر ياسين بالحر الشديد بعد تعود جسده على برودة الطقس. فمال بجانبه على شمس هامسًا في أذنها.
"لو سأل عليا هتلاقيني في التلاجة ورا ربطة البقدونس على طول."
غمز لها بطرف عينه وقبل أن يرمش لها جفن اختفى من أمامها. أما عنه هو، فأخذ "عمار" يطالعها باهتمام محاولاً التقرب منها بخطوات بطيئة. يظهر بنظراته الندم عما بدر منه. فتمنعه هي من محاولة التقرب منها وتتركه واقفًا بمكانه. لتأتي "ساره" وتقف أمامه سائلة إياه في حيرة.
"أنت إزاي ما قولتلهاش ولا قلت لنا يا 'عمار' إنك مسيحي؟"
سمع بربروس ما قالته سارة للتو، فنظر إلى مارال ولم يكن يصدق ما سمع للتو.
***
"أيوه هنا يا عز، دي عمارة بابا."
أوقف عز سائق الأجرة لتترجل هدير من السيارة بعدما ودعت كل منهما على حدة قائلة.
"هستناكي بكرة يا غرام زي ما اتفقنا."
"أكيد، قبل ما تصحي هتلاقيني عندك."
ترجل عز من السيارة لكي يسلمها إلى والدها كما وعد داغر.
"خليك أنت يا عز، أنا هنادي على عمو محمد البواب."
ابتسم عز ابتسامة بانت على ثغره ثم أردف.
"أنا وعدت داغر إني هسلمك لباباكي."
صعد كلاً منهما في المصعد حتى وصلوا إلى باب الشقة ليطرق الباب عدة مرات ولكن دون استجابة.
"الظاهر إن والدك مش جوه يا هدير، تعالي معانا لحد ما يرجع."
أخرجت المفتاح الخاص بشقة والدها من حقيبة اليد الخاصة بها قائلة.
"لأ، ما أنا معايا مفتاح احتياطي."
كانت على وشك أن تضع المفتاح بالباب حتى وجدت من يفتح الباب من الداخل لتجده والدها. لتنظر له قائلة بابتسامة عريضة.
"بابا وحشتني."
"أنتي أكتر يا هدير."
"بابا، أعرفك بعز صاحب داغر."
نظر له المنشاوي نظرة رجاء بأن يدخل معهم بالداخل، ولكن جاوب رجائه بالرفض.
"أنا كده سلمت الأمانة. لازم أنزل عشان مستنيني."
تحرك عز ودخلت هدير بداخل الشقة مغلقة الباب خلفها لتجد من يبتسم لها ابتسامة خبيثة يملؤها الشر واضعاً أظافره الحادة على رقبة والدها مبتسماً يقول كلماته ببطء شديد.
"حمد الله على السلامة."
نظرت له نظرات صادمة وهي تتلعثم بنطق اسمه.
"حسام."
أنهت نطق حروف اسمه لتجده يغرز أظافره برقبة والدها الحبيب لترى دمائه تتساقط منه أمام عينيها تفارق روحه الجسد ليتركه هو يخر أرضًا ناظرًا له نظرة رضا عما فعله. فما أصعب من أن ترى الروح تخرج من جسد من أحببت تقف عاجزًا أمامه لا حول لك ولا قوة.
رواية الهجينة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ماهي احمد
أنهت نطق حروف اسمه لتجده يغرز أظافره برقبة والدها الحبيب، لترى دمائه تتساقط منه أمام عينيها. تفارق روحه الجسد ليتركه هو يخر أرضاً، ناظراً له نظرة رضا عما فعله. فما أصعب من أن ترى الروح تخرج من جسد من أحببت، تقف عاجزاً أمامه لا حول لك ولا قوة.
كان الصمت حليفها في هذا التوقيت، تقف الكلمات كالحجارة من ثقلها على شفتيها. لم تستطع إخراج الكلمات من فمها، فقدت النطق والشعور بمن حولها. تلألأت الدموع في عينيها، شعرت برعشة في جسدها. لم تتحمل الوقوف، فجلست بجانب جثة والدها الحبيب، تلامس خصلات شعره ودماؤه تملأ كفها.
هبط "عز" الدرج مسرعاً ليجد "غرام" بانتظاره أمام السيارة الأجرة، ممسكة بهاتف "هدير" لتخبره قائلة:
"عز، هدير نسيت تليفونها، استناني أنا هطلع أدهولها."
رفع كف يده وأوقفها عما تريد فعله قائلاً:
"هاتي التليفون، خليكي انتي، أنا هطلعهولها."
أخرجت "ولاء" رأسها من نافذة السيارة وهي تتأفف، فقد تغلل العرق بجسدها وعلى وجهها، محاولة الحصول على بعضٍ من الهواء النقي.
"بسرعة ونبي ياعز عشان خلاص طلعت كتكوتين حمر وأنا قاعد."
نظر "شريف" خلفه، فقد كان يجلس بجانب السائق ليقول:
"من حلف بغير الله فقد أشرك."
"الله يفتح عليك ياشيخ شريف، ربنا يكتر من إيمانك."
أنهت "ولاء" جملتها وهو ينظر إليها من المرآة التي أمامه نظرة سخرية، ثم أردف:
"اسمها يكتر من أمثالك مش من إيمانك، وبعدين أنا مش شيخ بس دي حاجات الملحد يعرفها."
عادي.
نظرت لهما "غرام" متأففة:
"ممكن تسكتوا انتوا الاتنين."
ثم نظرت أمامها لـ"عز" ممسكة بالهاتف المحمول لتعطيه له:
"خد ياعز، بس بالله ما تتأخرش، بسرعة أنتَ شايف الحر هنا عامل ازاي."
أخذ منها الهاتف يسرع في خطوته قائلاً:
"ماتقلقيش هنزل على طول."
عاد "عز" أدراجه، يقوم بغلق باب المصعد خلفه، ليسمع "حسام" خطوات أقدامه متجهة إلى الباب. ليقبض بقوة بكف يده خصلات من شعر "هدير" ويجلس بجانبها هامساً بأذنها:
"لو عايزة 'عز' يعيش ومدبحوش قدامك، اوعي تنطقي بحرف واحد."
انهمرت الدموع منها بغير إرادتها، محاولة جاهدة مسح دموعها من على وجنتيها. لتسمع جرس الباب يرن. ينظر لها "حسام" يطالعها بجدية، ثم يقوم بتحويل لون عيونه إلى اللون الأسود. تشاهد أنيابه تخرج من شفتيه استعداداً لذبح "عز" هو الآخر. فتسمع صوت "عز" مرة أخرى قائلاً:
"هدير، أنا عز، نسيت تليفونك مع 'غرام' تحت، جيت أدهولك."
كذب القلق بقلب "عز" من عدم استجابتها، فقد استغرقت وقتًا أطول من المعتاد لفتح الباب. شعر بشيء خاطئ، نظر يميناً ويساراً ليرى إذا كان يوجد أحد بالجوار، ثم أخرج سلاحه الخاص به من الجيب الخلفي لسرواله قائلاً:
"هدير لو ما فتحتيش دلوقتي هكسر الباب."
لم يجد أي رد منها، استعد "عز" وعاد خطوات بظهره للخلف لكي يحطم الباب المصفح الذي أمامه. يرفع سلاحه يوجهه إلى القفل، وفي اللحظة الأخيرة تقوم "هدير" بفتح الباب، واضعة المنشفة الخاصة بالاستحمام أعلى رأسها، مرتدية روب أبيض.
تحاول تصنع الابتسامة:
"هاي ياعز، حصل حاجة؟"
تلعثم بكلماته عندما رآها بهذا المنظر مرتدية روب الاستحمام، مد كف يده ينظر بجانبه يتجنب النظر إليها:
"أنا افتكرت أن حصلك حاجة، قلقت عليكي."
ابتلعت ريقها تحاول باجتهاد أن تخرج كلماتها بتلقائية:
"أنا بس كنت بستحمى، أنتَ عارف الجو حر أوي هنا. جيت على طول أخدت دش."
مد لها كف يده وهو ينظر بجانبه يتفادى النظر إليها:
"تمام، ده تليفونك عشان أكيد داغر هيتصل بيكي."
نظرت بطرف عينيها بجانبها لـ"حسام" الواقف خلف الباب مباشرةً، شاور لها برأسه بالموافقة لكي تأخذ الهاتف من يده. مدت كف يدها لتأخذ الهاتف منه، فأزاح "حسام" يدها لينزلق منها الهاتف على الأرض بقوة ليتحطم نصفين. نظر "عز" إلى الهاتف الملقى أمامه:
"مش تخلي بالك ياهدير."
ابتلعت ريقها وكانت تعلو أنفاسها أكثر، فشعر "عز" بأنه أحرجها. أخذ نفس عميق يصاحبه ابتسامة وانحنى لكى يلتقط الهاتف من على الأرضية ليجده محطمًا، وضعه بجيبه قائلاً:
"الظاهر إنه جاب شاشة، هحاول أصلحهولك النهارده. خدي تليفوني دلوقتي عشان لو داغر حب يتصل بيكي."
ردت سريعاً:
"لا لاء، مالوش لزوم، أنا معايا تليفون بابا، بس لو داغر اتصل بيك قوله إن تليفوني بايظ عشان ما يقلقش عليا."
أشار برأسه موافقاً:
"تمام، اللي تشوفيه."
هبط "عز" مرة أخرى تاركاً "هدير" لمصيرها المحتوم. أغلقت الباب خلفه، وقبل أن يرمش لها طرف عين، وقف "حسام" أمامها. أخذ يطالعها بنظرات خبيثة وابتسامة صفراء تظهر بجانب شفتيه قائلاً:
"شاطرة، هدير بنت عمي طلعت شطورة وبتسمع الكلام."
وضع يده على بطنها وأغلق عينيه وهو ينصت لدقات قلب الجنين، مبتسماً ابتسامة تملأ وجهه:
"يــــــــاه، ابني أخيراً هشوف ابني."
انكمش حاجباها وتعالت نبضات قلبها نبضة تلو الأخرى وهي تنظر له باستغراب، ثم أكمل هو حديثه:
"إيه، مستغربة إني بقولك إنه ابني؟ بس هو ابني ياهدير، وانتي مراتي. انتي من وقت ما اتولدتي وكان دايماً عمي بيوعدني إنك هتبقي ليا، عشان كده انتي واللي في بطنك هتبقوا ملكي."
ضغط على أسنانه وأمسك بها من خصلات شعرها ليضرب رأسها بعرض الحائط، فاقدة لوعيها تماماً.
***
هما الآن في السيارة تسير نحو طريق الجيزة، حيث تقع الڤيلا الخاصة بـ"عز". كانت تجلس "ولاء" بجوار النافذة تخرج يدها منها كأنها تحاول أن تمسك الهواء، حيث كانت نسمات الهواء تداعب وجهها الصغير وتجعل خصلات شعرها تطاير وتغلق عينيها مستمتعة بنسمات الهواء البسيطة. ينظر "شريف" إليها عبر مرآة السيارة الخارجية، يبتسم على حركاتها الطفولية وكأنها عصفور صغير يحاول تعلم الطيران. يشرد "شريف" قليلاً وهو يطالعها ليفوق من انخراطه على صوت "غرام" قائلة:
"اطلع على امبابة لو سمحت."
توجهت جميع الأعين عليها باستغراب، كل منهم يريد سؤالها لماذا تريد التوجه إلى امبابة، حتى أردف "عز" سائلاً:
"عايزة تروحي امبابة ليه ياغرام؟"
لتنطق هي قائلة:
"معلش ياعز خليني أرجع شقتي القديمة لحد ما تجيب لنا شقة جديدة."
لترد "ولاء" مسرعة:
"بس الشقة اللي كنا قاعدين فيها أنا وانتي صاحبها أجرها، وأنا لا يمكن أرجع أعيش مع أبويا ومرات أبويا مرة تانية ياغرام."
نظرت بجانبها محاولة تهدئتها، تطبطب على كتفها برفق:
"ماتقلقيش ياروح غرام، أنا اتصلت بصاحب الشقة قبل ما نرجع وعرفت إنها ما اتأجرتش ومستنينا نستلمها منه."
وضع "عز" كف يده على جبينه، لم يستطع أن يستوعب ما تفعله "غرام" بهِ، وبالرغم من ذلك لم يتفوه بكلمة واحدة. نظر "شريف" له ليجد الحزن يظهر على ملامحه، فلم ينطق بكلمة واحدة ونظر أمامه وبداخله ألف سؤال يحتاج لأجابة.
***
ربما مرور الساعات سريع، فهذه الساعة هي ساعة الغروب. أتى الغروب وقدم معه لفحات الهواء الباردة الذي حرك الأشجار المحيطة بالمزرعة. كانت نسمات الهواء باردة على عكس صباح هذا اليوم، كانت الشمس حارقة. تجلس "شمس" على الأرجوحة تتمايل بها هنا وهناك، شارده بتفكيرها في صدمتها مما أخبرتها بهِ "مارال"، حتى التقطت ريحه تأتي من خلفها. هذه الرائحة تعلمها جيداً، تنهدت بعمق، ساحبة نفساً جاهدت في سحبه، ضاغطة على أسنانها، تبتلع ريقها قائلة:
"أرجوك يا 'ياسين'، فأنا بمزاج سيء اليوم."
وفي هذه اللحظة تحديداً، أتى من خلفها وجلس بجوارها، واضعاً بجانبه المشروب الخاص به. أخذ يتمايل بالأرجوحة هنا وهناك بقوة، دفع أكبر. نظر إليها بجانبه وهو يحرك الأرجوحة بشدة:
"مالك مكشرة لدرجة إن وشك بقى شبه مشط رجلك؟ ليه؟"
قبضت بيديها الاثنتين على الحديدة الخاصة بالأرجوحة خائفة من الوقوع منها قائلة بضجر:
"أوقف هذه الأرجوحة، فمن الممكن أن نقع أرضاً."
ابتسم "ياسين" من خوفها. لمجرد الوقوع، فأسند بقدمه على الأرض ليخفف من شدة حركتها:
"هــــا.. وقفتها. مش هتقوليلي بقى مالك؟"
وقفت واستقامت تستعد للرحيل والابتعاد عنه، فقبض بيده على كف يدها:
"اقعدي ياشمس."
تنهدت ونظرت لقبضة يده المحكمة على معصم يدها. ليعتلي الغضب ملامح وجهها. نظر "ياسين" لها وترك يدها على الفور، رافعاً يداه الاثنان على مستوى صدره:
"سيبتك، اقعدي بقى بدل ما أديكي كف يعدل لك سقف وشك ده."
نظرت له بتهكم. تنهد قائلاً بابتسامة بسيطة:
"آسف ياست البنات، اقعدي ووعد مش هسألك حتى إنتي زعلانة ليه، اتفقنا."
تنهدت "شمس" تنهيدة بسيطة وجلست بجواره، أرجعت برأسها للخلف واضعة شعرها على مسند الأرجوحة، مغلقة عينيها، تاركة أشعة الشمس البرتقالية في هذا التوقيت تنعكس على بشرتها الصافية. نظر لها "ياسين" بإعجاب شديد، حتى أردف:
"شايفة القمر ياشمس؟"
بدأت بفتح عينيها ببطء وارتسمت الابتسامة على وجهها قائلة:
"كيف لي أن أرى القمر، فالشمس مازالت بمنتصف السماء."
"في دي عندك حق، القمر والشمس ما بيجتمعوش سوا. وبعدين إزاي أسأل على القمر والشمس اللي بتنور الدنيا قاعدة جنبي."
أخذ تمرر أصابعها بين خصلاتها المموجه، مضجرة من حديثه. نظر بجانبه ليلتقط المشروب الذي أصبح حديثاً مقرباً لقلبه. يمد كف يده ممسكاً به "لشمس":
"خدي اشربي، طري على قلبك في الحر ده."
انكمش حاجباها باستغراب تنظر للمشروب بتعجب:
"ماهذا؟"
رد عليها قائلاً:
"ده الواد رعد بيقول إنه اسمه 'شيري كولا'، مشروب جامد جداً. من وقت ما جربته وأنا مش عارف أبطل."
مدت كف يدها لتأخذه منها مترددة، قامت بسؤاله للتأكد:
"أهو من المنكرات؟"
ابتسم "ياسين" ابتسامة بجانب شفايفه، رافعاً حاجبه:
"تؤ تؤ، مش المنكرات."
مدت هي يدها لتأخذ المشروب منه، رافعة إياه على فمها لتشرب منه القليل، ليردف "ياسين" قائلاً:
"بس من المحرمات."
لتبصق هي ما بفمها جرعة واحدة، ليضحك هو عليها قائلاً:
"إنتِ صدقتي والله، ما فيها حاجة دي مجرد كولا عادية عليها حاجة كده بالكريز، مش عارف الواد رعد قالي اسمها إيه، بس بتدي طعم مش أكتر."
تمسح بيدها على فمها ثم تطالعه من جديد:
"حسناً، هذا يكفي، فلا أريد أن أتذوقها من جديد."
يأخذ هو رشفة من الزجاجة قائلاً:
"تيجي نلعب لعبة."
نظرت له باهتمام سائلة:
"وما هذه اللعبة؟"
"هقولك، نفترض إن قدامنا جني ومعاكي إنك تطلبي أمنية واحدة بس، هتطلبي إيه؟"
نظرت أمامها بتمعن تفكر قليلاً ثم سألته:
"حسناً، فلتجب أنت أولاً."
ارتشف رشفة من الزجاجة الخاصة بهِ ووضعها بجانبه واعتدل بجلسته، ينظر لها وشرد بعيونها التي لطالما أحبها، ثم قال بحنان:
"هقوله إني أتمنى إنك تبقي مراتي ولو لمدة 24 ساعة بس."
نظرت أمامها تتجنب عيناه وهو ينظر لها باهتمام، وأعاد سؤاله من جديد:
"هــــا.. وانتي هتطلبي من الجني إيه؟"
"الطلاق."
أنهت كلمتها بعدما نطقتها سريعاً دون تردد.
ابتسم "ياسين" وارتفع صوت ضحكاته عالياً، لتنظر له هي بابتسامة لطف، فهذه هي المرة الأولى التي ترى فيها ابتسامته العريضة. سرحت قليلاً بابتسامته حتى توقف هو عن الضحك، ليخبرها:
"هي بقت كده.. هـــا، بس تعرفي إني لما بصتلك دلوقتي اكتشفت إني بحب كل تفاصيلك الصغيرة."
انمحت الابتسامة من على وجهها ببطء، شارده قليلاً قائلة:
"حتى غبائي!!"
"لا، بصراحة غبائك ده تفاصيل كبيرة."
ابتسمت ابتسامة تعلو وجهها، ليشرد قليلاً:
"ضحكتك حلوة أوي ياشمس، ما تسمحيش لحد إنه يمحي ضحكتك من على ملامحك في يوم، حتى لو الحد ده كان أنا."
كانت تنظر له بثبات وأنفاسها تعلو تدريجياً، ليتمعن بنظراته داخل عينيها التي كساها الخجل والتوتر، قائلاً:
"يخربيتك ياست الكل، ده أنا حبيتك."
تهز رأسها يميناً ويساراً لتقول:
"لا فائدة منك، لن تتغير أبداً، ستظل كما أنت."
"شمس، إنتي ليه مش قادرة تفهمي؟ أنا وانتي زي جوز الجزم، فرده واحدة، ما تمشيش. ده أنا من غيرك مش قادر أعيش."
ضربت بكف يدها على جبينها قائلة:
"أهذا مفهومك عن الحب؟ ماذا تقول أنت، ومن أين أتيت بهذه الجملة؟"
وقفت واستقامت لتعطيه ظهرها راحلة، فأوقفتها جملته قائلاً:
"طب بلاش جوز الجزم. جميلةً أنتِ كابتسامة راعي غنم وجد معزته الضالة منه منذ شهور."
استدارت لتنظر له بعدم فهم، تحدق بعينيها لهُ قائلة:
"اتهمتني بالمعزة؟ يعني سايبة ابتسامة راعي الغنم وماسكة في المعزة؟ بصي على المغزى من الجملة، ما تركزيش مع المعزة."
أنهى جملته وهو يغمز لها بطرف عينيه بابتسامته الجميلة. حاولت اخفاء ابتسامتها والتحدث بجدية:
"ياسين.. يكفي هذا."
"إنتِ ولا عاجبك جوز الجزم ولا المعزة، أنا احتترت معاكي بصراحة."
رفعت "شمس" يديها باستسلام:
"حسناً، لقد استسلمت."
أخذت تخطو للأمام، وكان هو يسير بجانبها قائلاً:
"شمس، تيجي نتكلم جد شوية."
نظرت له لتجد ملامحه تعتليها الجدية، أشارت بعينيها سائلة:
"ماذا بك يا 'ياسين'؟ أهناك خطب ما؟"
تنهد وهو يسترسل حديثه:
"في حاجات بتحصلي غريبة، والمشكلة إني مش عايز أحكي غير ليكي. هو عادي إني أحكيلك؟"
ردت مسرعة:
"بالطبع."
تنهد بعمق، ثم أغلق عينيه ببطء، ملامسة رموشه الكثيفة بعضهما البعض، ثم فتح عيناه مرة أخرى، لتجد عيناه تحولت إلى اللون الأحمر، ولكن ليس باللون الأحمر المعتاد، بل أحمر قاتم أشد احمراراً كلون الدماء. طالعته جيداً في بادئ الأمر، تتفحص لون عيناه، مبتسمة وكأنها تعلم بأن هذا ما سيحدث. استغرب "ياسين" كثيراً من فعلها هذا قائلاً:
"ـ غريبة!! وما هو الغريب في ذلك؟"
"أنا عيني اتغيرت، ما بقتش باللون الأسود ياشمس، أنتِ عارفة ده معناه إيه؟ والمشكلة إني حاسس إنك عارفه وما استغربتيش."
قبض كف يده، نظر بجانبه، ثم طالعها من جديد:
"ـ إنتي عارفة حاجة أنا مش عارفها صح؟"
نفت ما قاله للتو قائلة:
"لا، لم أكن أعلم شيئاً بالمرة، فقط كنت متوقعة حدوث ذلك من حديث 'خالة حكيمة'، فأصبح لدينا اثنان من الألفا."
أنهت حديثها قائلة:
"إنتِ بتقولي إيه؟ أنا لا يمكن أكون ألفا، إيه اللي يخلي واحد زيي يبقى ألفا؟ وليه واثقة إني ممكن أكون ألفا؟"
ترددت بحديثها والارتباك يعلو نبرة صوتها:
"لا أعلم، ولكن كل ما أعلمه أنك مستذئب قوي يا 'ياسين'، ولكن لا تعلم مدى قوتك بعد. وإذا كنت تريد الفوز بهذه المعركة فيجب عليك وضع يدك بيد عمار، يجب عليكما أن تكونا يداً واحدة حتى نتخلص من العربي نهائياً. هذه المرة هي الفرصة الأخيرة لنا."
وضعت يدها على كف يده تنظر له بعيون راجية. نظر هو للأسفل، ينظر ليدها المتشبثة بكف يده، ابتسم ابتسامة رضا، يطالعها من جديد، لتقول هي:
"أريد منك وعداً بأن تفعل كل ما بجهدك لكي تضع يدك بيد عمار."
نظر لها كأنه يرتوي من ملامحها، فبالرغم من كرهه لـ"عمار"، فقد وعدها بما تريد، لم يكن يستطيع الرفض أمام نظرات أعينها الراجية. ولكن اشترط شرطاً صغيراً. سألته هي إياه عن شرطه، ليخبرها:
"أنا عارف إنك ما بتحبنيش، مش قصدي بس كحبيب. أنا عارف إنك ما بتحبنيش من أساسه، ومش هلومك. اللي حصل مني طول السنين اللي فاتت حتى لو كان غصب عني ومش بإرادتي، فأكيد هيسبب أثر جوه قلبك المشروخ، مهما حاولت سنين أصلح فيه اللي اتكسر ما بيتصلحش. عشان كده عايزك تسامحيني، أوعديني إنك تسامحيني ياشمس. انسيلي كل اللي فات، بس المرة دي تبقى من قلبك بجد. ممكن دي آخر مرة نقعد فيها مع بعض ومانتكلمش تاني، المعركة فاضل عليها أقل من أيام والعربي مش سهل، والمرة دي أنا مش ناوي أسيبه. المرة دي المعركة هتبقى حاسمة بموتي أو بموته. بس عايز أعرفك شيء، لو فيها موتي يابنت المهدي، مش هخليه يمس شعرة منك. 'يدوس على قبري قبل ما يدوسلك على طرف'."
وضعت هي يدها على فمه مسرعة بلهفة حتى لا يستكمل حديثه، فعند سماعها سيرة موته لم تستطع التحمل، واضعة يدها على فمه. انكمش حاجبه باستغراب، ينظر ليدها المرتعشة التي ما زالت على شفتيه، يرى الخوف في أعينها. استغربت هي مما فعلته للتو، أنزلت يدها من على فمه سريعاً، استدارت لتعطيه ظهرها، تفرك بأصابعها، تضغط على شفتاها بأسنانها بقوة، تتمنى أن تنشق الأرض لكي تبتلعها. يقف هو خلفها هامساً في أذنها بحنان:
"خوفتي عليا ياشمس؟"
أخذت نفساً عميقاً وكأنها تستجمع شتات نفسها من خلال تنفسها، قائلة:
"بالطبع لا، ولكني أكره سيرة الموت، فالموت شيء بشع حتى لو كان موتك أنت الذي لطالما تمنيته طوال عمري."
انقبض حاجبه وكلماتها تنزل عليه كالصاعقة تخترق قلبه:
"أنا مش فاهمك، إنتي بتتمنيني الموت ولا خايفة عليا منه؟"
استدارت تنظر له لتجيب سؤاله:
"كنت أتمنى لك الموت يوماً، ولكن الآن لا أتمناه لك ولا لغيرك، وأرجوك دعنا ننهي هذا النقاش السخيف."
رحلت "شمس" وتركته خلفها، رحلت وكأنها تهرب من شيئاً ما، شيئاً لطالما ظنته مستحيلاً، فهذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها بالخوف على "ياسين"، فانقبض قلبها لذلك.
***
كان "داغر" يجلس هو وباقي أسرته في الغرفة الخاصة بها، يشتم رائحة فراشها يريد التقاط رائحة جدته مرة أخرى، يحاول جاهداً مراراً وتكراراً ولكن دون جدوى. ينظر كلاً من "ميرا" و"غدير" إلى براوز قديم مزخرف من الأطراف موجود أعلى الحائط، بداخله صورة لجدتهما. تبتلع "ميرا" ريقها ثم تنظر بجانبها لتجد دموع "غدير" تنهمر على وجنتيها، لتضمها داخل صدرها لتهون عليها، ولكن من يهون عليها هي. تترك "غدير" خلفها لتقترب من البراوز خطوة، تتمعن النظر، فقد افتقدت جدتها كثيراً، كاد اشتياقها لجدتها ينهش قلبها، لتجد من يشبك أصابعه ويتشبث بها، تنظر بجانبها لتجده "رعد" يحتضن كف يدها بيده، أشار لها بعينيه قائلاً:
"هي في مكان أحسن كتير دلوقتي ياميرا."
"وده اللي مهون عليا يارعد، أني متأكدة إنها في مكان أحسن."
"طبعاً مش مامتها، أكيد ماما هتطلع لتيته، إيه الذكاء ده."
ترك "رعد" يد "ميرا" حاملاً الطفلة بين ذراعيه:
"وانتي بقى طالعة شبههم أوي، تعرفي ده؟"
قالت والسعادة تغمرها:
"بجد؟"
قرص "رعد" بيديه على وجنتيها بحنية:
"أكيد."
نظر "داغر" بجانبه إلى "ميرا":
"ميرا اتصليلي بهدير، أكيد زمانها وصلت دلوقتي."
"حاضر ياداغر."
أمسكت "ميرا" الهاتف المحمول الخاص بها محاولة الاتصال بها لتجده مغلقاً:
"داغر، فونها مقفول."
انقبض قلبه عند سماع جملتها قائلاً:
"طيب اتصليلي بعز بسرعة."
هاتفته سريعاً وعند سماعه صوته، التقط الهاتف من يد "ميرا" مسرعاً:
"تليفون هدير مقفول ليه ياعز؟"
أخبره عز بما حدث وأن هاتفه معه الآن حتى يصلحه لها. أغلق الاتصال معه وشعر بالقلق، بالرغم مما قاله له عز، ولكن شعوره أجبره على عدم الارتياح. شرد قليلاً حتى أفاقه "رعد" من شروده:
"مالك ياداغر؟ ما قالك إن الفون اتكسر غصب عنها وهو هيصلحه."
ليرد عليه قائلاً:
"مش عارف، حاسس بحاجة غريبة. اتصليلي بعمي بسرعة ياميرا."
ردت "غدير" قائلة:
"أيوه اتصل بـ 'بابا'."
هزت رأسها بالنفي:
"بس أنا مش معايا رقم أنكل منشاوي ياداغر."
نظر له "رعد" وجد القلق ينحت ملامحه، حاول أن يبث الطمأنينة بقلبه قائلاً:
"أطمن، أكيد تعبانة من السفر ونايمة دلوقتي. ماتنساش إنها حامل. لو ما حاولت تتصل بيك على بالليل، هروح لها كلنا."
***
كان الليل قد حل بنسماته المنعشة والأجواء المعتدلة. يجلس هو وحيداً يبحث عنها بكل مكان بالمزرعة، حتى التقط رائحتها. رائحتها مميزة بالنسبة له، يستطيع تمييز رائحتها من بين نساء الأرض جميعاً. وقف أمامها مباشرةً، أخذ يطالعها من جديد، وجدها تحاول التهرب من عينيه، تتجنب النظر إليه بشتى الطرق. تتحرك خطوة يساراً يتحرك خطوة معها، تتحرك جهة اليمين يتحرك معها. تأففت هي ثم أردفت:
"ماذا تريد ياعمار؟"
"أريدك."
"ولكني لا أريدك."
"بتكذبين، إنتي عايزاني زي ما أنا عايزك بالظبط."
تأففت قائلة:
"من منا الكاذب هنا؟ إذا كان بيننا كاذب فهو أنت، لست أنا."
مرر أصابعه بين خصلات شعره بضجر:
"أنا فاهم تقصدي إيه ياشمس، بس أنا ما كذبتش عليكي. إنتِ ما صارحتنيش بديانتك، فأنتِ مسيحي وأنا مسلمة، كيف لك ذلك؟ لقد طلبت يدي للزواج وأنت مسيحي، أين عقلك ياعمار؟"
رد عليها مسرعاً دون تردد:
"مش موجود، عقلي ما كانش موجود، أو، أو كان موجود وإنتي جيتي طيرتيه."
أغمضت عينيها متأففة وتركته خلفها. ليأتي بلحظة يقف أمامها من جديد:
"ما تمشيش وأنا بكلمك ياشمس، اسمعيني على الأقل، اديني فرصة أشرح لك، خلينا نسوي أي خلافات ما بينا النهارده."
رفع معصم يده وأشار بعينيه لها أن تنظر إليه:
"بصي.. بصي على معصم أيدي، مش هتلاقي صليب. أنا اسمي عمار، ما فيش مسيحي اسمه عمار. أمي وأنا صغير ما كانتش بترضى تاخدني معاها الكنيسة على عكس أخويا واختي. مارال قالتلي إنها قبل ما تيجي كانت أمي أسلمت، وفي الآخر عرفت إنها مش أمي من أساسه، دول مش أهلي. أنا عمري ما روحت كنيسة في يوم وده مش بإرادتي، ده كان غصب عني، ما كانش حد من أهلي بيوافق. كل دي حاجات تدل على إني مسلم. عمري ما حسيت في يوم إني مسيحي، بس في نفس الوقت مش هكذب عليكي، عمري ما دخلت جامع ولا صليت ولا قرأت قرآن. كنت مشتت، أو كنت خايف، مش عارف. بس اللي أعرفه ومتأكد منه إن ديانتي عمرها ما كانت هتبقى عائق لحبي ليكي ياشمس، لأني كنت على أتم استعداد إني أضحي بأي حاجة في سبيل إني أكون معاكي."
انتبهت لحديثه باهتمام زائد:
"عايزك تعرفي إن غيرتي عليكي مش شك فيكي أو عدم ثقة. غيرتي عليكي تعرفك إنك تخصيني، إنتِ خط أحمر بالنسبالي ياشمس. أنا عايز أبدأ معاكي صفحة جديدة خالية من المشاكل، مش عايز المشاكل تعرف لنا طريق تاني، اديني فرصة وأوعدك هتغير عشانك المرة دي."
عم الصمت الأرجاء ينتظر ردها على ما قاله منذ قليل، فأردفت قائلة:
"حسناً، إذا كنت تريد لعلاقتنا فرصة ثانية، أصلح علاقتك بـ 'ياسين'."
ضغط على أسنانه وتمكن الغضب منه بثواني:
"تاني، تاني ياشمس؟ قوليلي ليه؟ ليه عايزاني أقرب منه؟"
أمسكت بكف يده بعيون دامعة تملؤها الرجاء:
"كنت تخبرني منذ لحظات إنك على أتم الاستعداد أن تفعل أي شيء لأجلي، فقط افعل ما أخبرتك به دون أسئلة. ثق بي مثلما وثقت بك. ارجوك يا عمار، فهذا ما أريده منك الآن. دعنا ننهي خلافاتنا جميعاً، ضع يدك بيده لكي نفوز بالمعركة. وأما عن إسلامك فدع هذه المسألة لي. القرار قرارك الآن."
ضغط بأسنه على شفته السفلية، أخذ يفكر وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره، يضع ياسين أمامه فهو يمقت، وبعد تفكير وافق لأجلها أن يتعاونوا معاً.
"موافق ياشمس، موافق عشان خاطرك."
وافق عمار أخيراً بعد معاناة طويلة أن يضع يده بيد ألد أعدائه، وبنفس اللحظة هو أقرب إليه من نفسه، ولكن لا يعلم بذلك.
ياترى إيه اللي هيحصل لما ياسين يحط إيده في إيد عمار ويبقوا إيد واحدة؟
رواية الهجينة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ماهي احمد
استطاعت «شمس» أخيراً إقناع كلٍ منهما بالتعاون مع الآخر، فكان هذا ما يشغل تفكيرها وبالها. أغلقت الباب لتجد من ينتظرها بغرفتها قائلاً:
_ نفذتي المطلوب منكِ يا شمس؟
أشارت برأسها بالموافقة، يصاحبها ابتسامة رضا:
_ نعم، فلقد نفذت ما أمرتِ بهِ يا «خالة حكيمة».
_ كنت عارفة وواثقة فيكي يا بتي، إنك الوحيدة اللي هتقدري تقربيهم من بعض. مش قولتلك يا علي؟
يظهر الطبيب «علي» على من خلف «شمس» مباشرةً قائلاً:
_ إزاي قدرتي تقنعيهم يا شمس؟ قولتي إيه لياسين عشان يوافق يبقى مع عمار؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر له، فأخذ يطالعها بنظرات تدل على الاتهام، فأجابته مسرعة:
_ أنا لم أخبره بشيءٍ سوى المطلوب لا أكثر.
_ إنتِ عارفة الاتنين وافقوا ليه؟ إنتِ عارفة الاتنين يقربوا لبعض إيه؟ إنتِ عارفة إنك هتبقي السبب في أنك تفرقي بين أب وابنه؟
شعرت «شمس» بالألم يختزل روحها، حاولت الهروب وتفادي النظر إلى عينيه قائلة بهدوء:
_ نعم أعلم.
ظهرت «ميرا» أمامها فجأة في أقل من ثانية:
_ طيب وبعدين هتعملي إيه لما كل واحد فيهم يعرف إنهم أب وابنه؟ موقفك هيبقى إيه؟
انكمش حاجبها باستغراب، تطالع «الخالة حكيمة» وتساءلت بغضب:
_ ما هذا؟ كيف لها أن تعلم شيئًا كهذا؟
_ سمعتنا بالغلط يا بتي لما كنتِ بكلم أنا وعلي سوا.
طالعتها «ميرا» بهدوء:
_ ما تخافيش يا شمس، أنا مش هقول لحد. أنا لو كنت عايزة أقول كنت قلت من وقت ما سمعتهم.
ضغطت «الخالة» على أسنانها بغضب:
_ ما ينفعش حد منهم يعرف قبل المعركة. ياسين هيسيبنا لو عرف. أنا بفضل أدعي المولى عز وجل إنه ما يفتكرش شيء دلوقتي.
بترت شمس حديثها ثم هتفت:
_ ولكنه بدأ بتذكر بعض الأشياء بالفعل.
انكمش حاجب الطبيب «علي» سائلاً:
_ افتكر إيه؟
_ بدأ بتذكر أنه الألفا الأصلي وبدأ لون عينيه يعود كما كان للون الطبيعي، اللون الأحمر الداكن. بدأ يسترجع قوته الحقيقية من الواضح أن تأثير الضبع بدأ يزول من عليه.
قاطعتها الخالة مستنكرة:
_ لااا.. لسه ما افتكرش. طول ما هو مش بيناديني بـ «يماا» يبقى لسه ما افتكرش. ده مكانش بيقولي غيرها.
_ مش مهم كلمة «يما» يا خالة. اللي كان بيناديكي بيها أنا عارف إن الكلمة دي وحشاكي منه، وإنك بتحسي مع ياسين إنه ابنك اللي ما خلفتوش. بس قوته بترجعله والظاهر إنه قريب أوي هيفتكر إن عمار ابنه. عشان كده إحنا لازم نواجه العربي في أسرع وقت وقبل ما نواجهه نسمع رد شمس الأول.
كرر الطبيب «علي» سؤاله من جديد:
_ تعملي إيه لما ياسين وعمار يعرفوا حقيقتهم وإنهم أب وابنه يا شمس؟
أنهى الطبيب «علي» جملته مع إصراره الزائد بمعرفة ما يجول بخاطر «شمس».
شعرت «شمس» بتوجيه الاتهام إليها من قبل الطبيب، فقد رأت نظرات الاتهام في عينيه، لتبوح لهُ بمشاعرها وهي في حالة من الضجر:
_ هل تعتقد ولو للحظة واحدة أنني سعيدة بما يحدث معي؟ لا أحد هنا يفكر بي وما الذي أشعر بهِ، لا أحد هنا يفهم ما الذي أعيشه، أني اختنق، لا أستطيع التنفس، روحي تتألم.
تحدثت ودموعها تأبى النزول، تضرب بيدها على فؤادها بقوة:
_ نظرات الحب التي أراها في أعين كل منهما لي تؤلمني. فأي فتاة تتمنى ولو ربع مقدار هذا الحب؟ وأنا مثلي مثل أي فتاة ولكني لست سعيدة فأنا أتألم. كنت أريد عيش هذه المشاعر ولكن ليس هكذا. فعندما أخبرتني الخالة بمدى قربهما من بعضهما ذهلت وعلمت أن ليس لي حق ولا مكان بينهما بعد الآن. ولهذا اتخذت قراراً.
نزلت دموعها على وجنتيها، فقامت بمسح دموعها سريعاً:
_ عند انتهاء هذه المعركة سأختفي من حياتهما للأبد.
قالت جملتها تاركةً إياهم خلفها دون أن تتردد ولو للحظة واحدة، فكان قرارها حاسماً في هذه اللحظة.
***
كانت تصعد الدرج للوصول إلى الطابق الثاني، فيأتي هو خلفها مسرعاً ينادي عليها، ولكن لم تستجب لهُ لتكمل صعودها. يسرع «يزن» بخطوته ليصبح أمامها ليوقفها عن التحرك، يضع يده على جدار الدرج ليمنعها من الصعود قائلاً:
_ أنا نفسي أعرف أنا مالي شمس وعمار متخانقين تدخلينا إحنا في حواراتهم ليه؟
تحني ظهرها لكي تعبر من تحت ذراعه، محاولة التملص منه، ينزل بذراعه إلى الأسفل حتى لا تستطيع العبور، لتشعر بالضجر من فعلته قائلة:
_ سيبني أمشي يا يزن.
طالعها بتحدي وهو يضغط على كلمته التالية:
_ لأ.
تنهدت بغضب وتأففت قائلة:
_ خلاص خلينا واقفين كده على السلم، مش عايزة أطلع. أقولك وادي قاعدة.
جلست «سارة» على الدرج ليجلس هو بجانبها مبتسماً، ينظر بجانبه ليزيحها قليلاً:
_ وسعي انتِ، واخدة السلم كله. انتي تخنتي كده إمتى؟
تنظر هي لجسدها بهلع:
_ أنا، أنا ما تخنتش أصلاً.
ابتسم هو ابتسامة زادت من حسنه:
_ مالك اتخضيتي كده ليه؟ حتى لو تخنتي وبقيتي بطاية محشية فريك هتفضلي في عيني أجمل شريك.
وضعت يدها على وجنتيها تحاول جاهدة ألا تبتسم، ليضرب هو كتفه بكتفها بحنية متبسماً، ضغطت على شفتاها بأسنانها قائلة:
_ بس برضوا مش هتصالح بسهولة كده. أنا عايزة أعرف انتوا بتعملوا كده ليه انت وعمار بجد.
ابتسم وهو يطالعها لتبادله النظرات قائلاً:
_ تعرفي إنك زي القمر النهارده.
احمرت وجنتيها خجلاً، فنظرت بجوارها ممسكة بخصلات شعرها وأخذت تطالعه من جديد.
_ المفروض بقى بكلامك ده أنسى ومانتبتر كلماتها قائلاً: بس تسريحة شعرك تحسي إنها مختلفة. غيرتي فيها إيه؟
اتسعت عيناها وملأت البسمة وجهها:
_ بجد عجبتك؟ أنا قولت مش هتاخد بالك أصلاً.
غمز لها بعينيه:
_ ما أقدرش ما آخدش بالي. ده أنا حافظ تفاصيلك.
_ ممممم تمام. يعني نكنسل النكد النهارده يا يزن؟
تنهد هو بفرحة:
_ يا ريت.
_ ماشي، كنسل النكد النهارده.
قالت جملتها وهي تنظر له بابتسامة جعلتها أجمل مما تبدو عليه. ليهتف هو:
_ إنتِ مش ملاحظة إن بقالنا 18 ساعة و 30 دقيقة و 15 ثانية ضاعوا من عمرنا وإنتي مابتكلمنيش وزعلانة مني؟
سألته ضاحكة بشقاوة:
_ ياسلام؟ وانت مش قادر على بعدي بقى وبتعد الساعات؟ ما انت سايبني أصلاً من وقتها وما جيتش تكلمني.
ابتلع ريقه وهو يفرك بجبينه بأصبعه يحاول ألا تلتقي نظراتهم:
_ لا ما انتِ مش فاهمة. أنا قولت أصالحك في مصر أحسن. يمكن الحر يسيحلك دماغك ويشيلك الأفكار الهبلة اللي في دماغك دي.
نظرت له بعينين جاحظتين:
_ أنا أفكاري هبلة يا يزن؟
نضيق عينيه هو يغمز لها بالأخرى:
_ جداً.
_ وطالما أنا هبلة قاعد مع واحدة هبلة ليه؟
_ عشان الهبلة مابيقعش في حبها إلا الأاهبل زيها.
ضحكت بصوت مرتفع قائلة:
_ هدف جميل. ولكن في مرمى.
_ طيب بمناسبة الهدف تيجي نحط الأكل هدف قدامنا؟ جعان جداً ومأكلتش بقالي كتير.
وضعت يدها على معدتها دليل على شدة جوعها:
_ أنا كمان جعانة أوي.
قال هو مسرعاً:
_ طيب نطلب إيه؟
_ أطلب إيدك.
قالت جملتها وهي تغمز له بطرف عينيها وتبتسم بشقاوة.
ابتسم هو واضعاً يده على رأسها يضمها إلى صدره بكل حنان قائلاً:
_ هيحصل وقريب أوي.
***
عاد «عز وشريف» إلى الڤيلا الخاصة بهما بعدما قاما بإيصال «غرام» وشقيقتها الصغيرة إلى المنزل وتأكدا أنهما الآن بأمان. دخل «عز» إلى غرفة مكتبه وجلس على مقعده المحبب لقلبه، ولكنه في هذه اللحظة شعر بعدم الارتياح، فقد نحتت ملامحه مزيجاً من القلق والعصبية على وجهُ. نعم هو لا يتحدث ويفضل عدم البوح عما بداخله، ولكن ما بداخله صدره يظهر على ملامح وجهُ رغماً عنه. كانت مشاعر عز ماهي إلا عبارة عن بحر ثائر تتلاحقه أمواج لتتحطم فوق الصخور. وعندما أعياه التفكير وانهكه التعب غفى فوق مقعده بضع لحظات مرت عليه كأنها سنين، مما جعل شقيقه الأصغر «شريف» سائلاً:
_ هتفضل مخبي عني اللي جواك كتير يا عز؟
فاق من شروده يطالعه يحاول جاهداً الهروب من سؤاله:
_ شريف، أنا تعبان ومحتاج أرتاح. خلينا نأجل أي كلام لبكرة.
قام من على مقعده واستقام بعدما ربت بروية على كتف «شريف» بهدوء قائلاً:
_ أنا عارف إن جواك ألف سؤال محتاج إجابة، بس سيبني أفكر الأول في هدوء عشان أعرف هتصرف إزاي. وخليك واثق فيا يا شريف، ينفع؟
أخذ يطالعه باهتمام زائد وعلم من نظراته التي بان عليها الجدية أنه مهما حاول لن يتحدث معه بشيء الآن. أشار برأسه بالموافقة:
_ تمام يا عز، أنا هسيبك على راحتك واللي تشوفه أكيد.
استدار عز تاركاً شريف خلفه ينظر له وهو يبتعد عنه ويصعد الدرج، وقف فجأة ليسأل:
_ هو فين عم حسين؟
_ أديته إجازة هو ومحمود ورجعوا البلد بما إننا كنا مسافرين. هيقعدوا يعملوا إيه هنا لوحدهم؟
هز «عز» رأسه بالموافقة وأكمل طريقه، دخل إلى غرفته الخاصة بهِ هو و«غرام»، ينظر إلى صورة عرسهما الموجودة أعلى الكومود، ينظر لها ويسرح بملامحها اللطيفة، يضم صورتهما التي تجمعهما معاً إلى صدره ليلقي بجسده على الفراش ليعطي عقله هدنة من التفكير المستمر.
***
في تلك الأثناء كان القمر يستعد للرحيل مودعاً اليوم بانتهاءه، تاركاً مكانه بالسماء ليشع النور مجدداً معلناً انتهاء دوره في هذا اليوم، لتأتي الشمس لتضيء محله وتعلن عن قدوم النهار.
في تلك اللحظة تحديداً، كانت الصدمة ما زالت تعتلي وجهُ عندما سمع من «سارة» وبالصدفة العابرة عن ديانة «مارال»، لم يكن يستوعب لماذا أخفت أمر ديانتها عنه. ابتلع ريقه وقد أنهكه التفكير، ليجدها تخرج من باب المزرعة بهدوء متوجهة إلى الخارج. أغلبه فضوله وخرج خلفها ليجدها تجلس على الساقية شارده الذهن. التقطت رائحته دون أن تراه، نعم فقد استطاعت تمييز رائحته، فلا يوجد شيء بالدنيا يجعل المرء يشعر بشخص آخر غير أن يُكن له مشاعر خاصة، أما كره أو أن يكون حب. نظرت خلفها مسرعة لتجده أمامها، ابتسمت بلطف شديد قائلة:
_ لحظة الشروق هنا تحفة يا بيدق.
وسلم يكن ينظر إلى الشروق ولكن كان يصب كل تركيزه عليها. حتى نطقت سائلة:
_ كنت فين؟ أنا كنت لسه بدوي عليك.
انكمش حاجبه باستغراب، نظرت أمامها لتطالع الماء قليلاً:
_ واقف عندك ليه؟ ما تيجي تقعد جنبي، القاعدة هنا حلوة أوي.
جلس بجوارها وهو ينظر أمامه دون كلام، فكان بداخله صراع بين السؤال وعدمه. قطعت هي شروده قائلة:
_ مابتتكلمش ليه؟ حساك متغيير النهاردة مش زي كل يوم. إنت كويس؟
هل تسأله حقاً؟…. سؤال ليس له إجابة.. فهو نفسه لا يعلم إذا كان بخير أم لا.. قرر وأخيراً سؤالها والبوح عما بداخله:
_ قيل بالأمس أن المواجهة باب للحقيقة، وأنا أريد معرفة الحقيقة منك.
استطاع أن يجذب انتباهها أكثر بكلماته، فنظرت له باهتمام زائد بالرغم من أنها شعرت بما يريد قوله، فقلبها أخبرها من نظرات عينيه صدق من قال أن النظرات تبوح بما بداخلنا. وعلى الرغم من معرفتها بالذي يدور بداخل رأسه، إلا أنها سألته عن قصد:
_ تقصد إيه يا بيدق؟
_ إنتِ حقاً نصرانية؟
كانت تشعر وكأن سؤاله اخترق قلبها قبل أن يخترق أذنها، أغلقت عينيها لثواني معدودة وحاولت التئام روحها قائلة:
_ هتفوق معاك؟
رد مسرعاً:
_ ويحكِ يا فتاة، فبدون شك ستفرق معي.
_ وأيه اللي هيفوق معاك بقى؟ إحنا أصحاب، ولا أنتَ ماتصاحبش مسيحيين؟
رد هاتفاً:
_ معاذ الله، لكم دينكم ولي دين، ولكن لماذا أخفيتي عني حقيقتك؟
_ أنا مخبيتهاش، إنت اللي مسألتش.
أد الضيق يظهر بنبرة صوته ولكنه حاول جاهداً ألا يتعصب عليها قائلاً:
_ أنا لم أسأل أيضاً على أشياء كثيرة، ولكنكِ أخبرتني بها، مثل أخيك المتعجرف، وأمك التي كانت تنعتك بالبايرة، مثل ما تحبين وما تكرهين، كل هذا أخبرتني بهِ بمفردك دون سؤالي لكِ. لقد تعمدتي عدم إخباري من بادئ الأمر، حتى الآن أنتِ لم تخبريني فقد علمت بمفردي. كنت أتمنى أن أعلم منكِ على الأقل. لقد أنهك التفكير عقلي. هو سؤال واحد أريد إجابته بحق.. لماذا لم تخبريني يا مارال؟
نظرت للأرضية وهي تحاول تجمع الكلمات لكي تكون جملة مفيدة:
_ كنت خايفة يا بيدق.
_ من ماذا؟ أن تكوني نصرانية ليس بذنب تخافين منه.
نطقت مسرعة دون تردد وكان بنبرتها شيء من العصبية:
_ أنا عمري ما افتكر أو ييجي على بالي إني أكون مسيحية. ده ذنب. بالعكس ده فخري ليا إني أكون مسيحية. أنا من الناس اللي متمسكة جداً بديني ومقتنعة تمام الاقتناع إن المسيحية هي اللي على حق. بتشوف ديني في كل حتة وعمري ماخفت أقول إن مسيحية لحد إلا معاك.
تنهد بربروس ليستعيد بعض من ذلك الثبات المفقود وهو يقول بنبرة ثابتة:
_ ولماذا أنا بالذات؟
استدارت وأعطته ظهرها محاولة الهروب من نظراته لها:
_ مابقاش مهم خلاص إنك تعرف.
رد بإصرار:
_ ولكنه مهم بالنسبة لي.
قالت كلماتها بنفاذ صبر:
_ يعني عايز تعرف؟
_ بالتأكيد.
قال كلمته وهو يصمم على المعرفة، أخذت تطالعه بعينيه وتبادلوا النظرات لثوانٍ، فقالت بهدوء وهي تنظر إليه مع ارتفاع نبضات قلبها نبضة تلو الأخرى ليسمعها هو قائلة:
_ “كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء”.
قالت كلماتها وهي لا تصدق ما قالته للتو، وضعت يدها على فمها لم تكن تستوعب بما اعترفت بهِ، أردفت بكلمات متقطعة:
_ أنا، أنا لازم أمشي.
نظر لها بحب يحاول تهدئتها قليلاً فقد أفزعها ما أخبرته بهِ منذ لحظات، اقترب منها خطوة فابتعدت عنه:
_ أنا ما قصدتش اللي قولته. أنا مش عارفة قولت كده إزاي.
ابتسم وهو يراها تبتعد عنه وأخذ يتردد في أذنه ما أخبرتهُ بهِ منذ قليل:
_ “كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء”.
لم يكن يصدق أنها تتكلم بطريقته، وتكن المشاعر لهُ.
***
كانت تتمنى ولو أن كل ما حدث يصبح حلماً، حلماً مزعجاً تدعي ربها وهي تحاول أن تفتح عينيها بأن يصبح كل هذا مجرد حلم لا أكثر. استيقظت ولم تجد سوى الظلام، تشعر بضوء الصباح من حولها ولكنها لا تراه، وهنا أدركت الحقيقة.
الحقيقة المرة التي جعلت جسدها ينتفض، لتجد «حسام» أمامها من جديد. نطق ببرود باسماً ابتسامة ظهرت بها نواياه الخبيثة، ضاغطاً على كلماته التالية:
_ صباح الخير يا مدام هدير، يا بنت عمي. أتمنى أن إقامتك معانا تكون مريحاكي. إيه كل ده نوم؟ هو داغر مكانش بيخليكي تنامي وانتي معاه ولا إيه؟
هرولت «هدير» سريعاً إلى الخلف وكأن الموت يأتي خلفها، ليقف هو أمامها في لمح البصر قائلاً:
_ إيه؟ شوفتي عفريت؟ ده أنا حتى وسيم حد الجحيم.
حاولت التظاهر أمامه بالقوة وبداخلها يملؤها الضعف:
_ عايز مني إيه يا حسام؟
استدار دون أن ينظر لها وتابع حديثه:
_ عايز مني إيه؟ قولي مش عايز إيه؟ عشان لو فضلت أقول اللي عايزه منك مش هخلص. بس تعالي نبدأ اللي عايزه منك واحدة واحدة.
نظر لها وجلس القرفصاء ليجلس بمستوى جلستها:
_ عايزك تشوفييني وأنا بـأقتل داغر قدامك. عايزك تتمني الموت ألف مرة وماتلاقيهوش. عايزك تشوفي ابنك وهو بيتولد على إيدي وأقطعه حتت قدامك. عايز أشوف الحسرة في عنيكي. مش عايزك تشوفي يوم حلو في حياتك. عايزك تكرهي قرب الناس منك عشان قربهم منك معناها موتهم حواليكي. عايزك تعيشي وحيدة وماتلاقيش حد جنبك. عايز حياتك تدمر زي ما دمرتيني. هـــا؟ عايزة تعرفي أنا عايز منك إيه تاني ولا كفاية كده؟
نظرت له وقد دب الرعب بقلبها مما قاله:
_ ليه ده كله؟ مش كفاية اللي عملته في أمي وأبويا؟ مش كفاية اللي حصل؟
نظر له صارخاً بكلماته:
_ مش كفاية! اللي عملته ولسه هعمله لسه ما طفاش النار اللي جوايا منك إنتِ. فضلتِ تعشميني بيكي سنين طويلة بنيت أحلام وحياة على عشمك لي.
بترت كلماته لتقاطعه هي:
_ محصلش، محصلش يا حسام أنا عمري ما حبيتك في يوم. إنتَ اللي كنت دايماً بتفرض نفسك عليا. أنا عمري ما أدّيتك ريق حلو، عمري ما وعدتك بحاجة.
بتر هو جملتها والصراخ يعتلي نبرة صوته:
_ بس عمي وعدني. وعدني بيكي هو وأمك طول عمرهم واحنا صغيرين يقولولي هدير ليك، هدير ملكك، هدير مراتك.
_ هما اللي قالوا يا حسام مش أنا. وانت صدقتهم، لكن أنا لأ. ما حبيتكش.
_ وليــــــــــه، ليه ما حبيتيش ياهدير؟ فيا إيه ما يتحبش؟ أنا بعت كل حاجة عشانك. أنا مكنتش شايف غيرك. أنا وصلت للي أنا فيه ده بسببك.
جلس أمامها يمرر أصابعه بين خصلات شعرها برفق ومزج نبرة صوته بالحنان:
_ كان نفسي تحبيني يا بنت عمي زي ما حبيتك. كان نفسي أسمع منك كلمة حلوة في يوم. في إيه داغر أحسن مني عشان تفضلي عليا؟ الأعمى ده ليه؟ عشان قوي؟
تحول عيناه إلى اللون الأسود لينظر لها بخبث:
_ شايفة، شايفة أنا.. أنا كمان بقيت قوي يا هدير. مابقيتش حسام الضعيف بتاع زمان. دلوقتي بقيت أقدر أحميكي من العالم كله. بس إنتِ تبقي معايا وجنبي. عارفة لو بقيتي جنبي وعارفة لو بقيتي معايا هنعيش إزاي؟
توقف البكاء في حلقها فلم تقدر على إخراجه:
_ مش عايزة أعرف يا حسام، مش عايزة. أنا ست دلوقتي متجوزة وحامل. أنا مش هدير بنت عمك بتاعت زمان، افهم بقى.
نظر لها وأخذ يطالعها بكل هدوء والابتسامة تملأ وجهُ:
_ بس إنتِ كلها النهارده أو بكرة بالكتير وتبقي أرملة وهتبقي ليا. مش هتلاقي حضن غيري يحتويكي. وما تقلقيش، هخليكي تاخدي وقتك في الحزن خالص على جوزك وابوكي وأمك. ما أنا برضوا راجل بعرف في الأصول. مش هتجوزك على طول.
نظرت له وهي تمقته فهي تكرهه من أعماق قلبها، وجدت لسانها ينطق ما بداخل فؤادها:
_ أنا بكرهك.
انمحت الابتسامة من ملامحه ببطء وارتفع صوت تنفسه والغضب ملأ عينيه، ليصفعها على وجنتيها بقوة. وضعت كف يديها على وجنتها بألم تحاول التماسك أمامه.
اخفض إصبعه ليزيح دمائها المنسدلة من فمها وهو يخبرها بحب:
_ بس أنا بقى بحبك. وما تقلقيش خالص، أنا هعرف إزاي أخليكي تحبيني.
أدار ظهره وفي أقل من لحظة اختفى. شعرت بالألم في أحشائها، تحس بشيء غريب يحدث لها، لا تعرف ما هو.
***
كان القلق ينهش بقلبه. سأل «رعد» للمرة التي لا يعلم عددها:
_ رعد، هدير اتصلت؟
_ الساعة لسه ما جتش سبعة الصبح يا داغر. أكيد نايمة. دي واحدة على وش ولادة وأكيد تعبانة ونامت.
أخذ يتحرك بالغرفة هنا وهناك:
_ لا لا لاء، أنا قلبي مش مطمن. أكيد حصل حاجة. هدير مش هتنام إلا على الأقل تتصل بيا من عند باباها. أنا مش عارف فضلت مستني إزاي. مكانش ينفع أسمع كلامك إنت وميرا. اتصلي بـ «عز» حالاً.
تنهد بعمق يحاول إقناعه:
_ أكيد نايم دلوقتي يا داغر، الساعة لسه ما جتش سبعة.
صرخ بهِ وأصبحت حالته لا تطاق:
_ اسمع اللي بقولك عليه، إن شاء الله حتى لو الفجر. كلمة بقولك.
هز «رعد» رأسه بالموافقة فقد علم من نبرة صوته أنه لن يرجع عن قراره. حاول الاتصال بهِ مراراً وجد الهاتف مغلق:
_ تليفونه مقفول يا داغر.
_ مش قولتلك في حاجة؟ توديني حالاً عند هدير بسرعة.
_ طيب استناني هحاول أطلع عربية من جراج المزرعة وجايلك حالاً.
_ وأنا هستناك هناك.
أنهى جملته واختفى من أمامه بلمح البصر.
هبط «رعد» الدرج ليجد «ميرا» أمامه وتجده مسرعاً بخطوته لتقوم بسؤاله قائلة:
_ رايح فين بسرعة كده؟
تحدث بانفعال غاضب:
_ هدير لسه ما اتصلتش بداغر من امبارح بالليل وبنتصل بـ عز فونه مقفول، وإنتي عارفة داغر مش قادر يتحمل وخايف عليها جداً.
_ هي بصراحة حاجة تقلق. استنى أنا هاجي معاك.
_ لا لا خليكي انتي، مالوش لزوم. أنا أول ما أروح هناك هطمنك.
قبضت بكف يدها على معصم يده:
_ متأكد؟ أوعى تنسى تطمني.
_ لا لا ما تقلقيش.
هبط «رعد» الدرج مكملاً لطريقه ليأتي بالسيارة ليجدها فارغة من البنزين ليتأفف بزهق:
_ يادي النيلة. وبعدين بقى.
يسمع هاتفه المحمول وهو يرن، أخرج الهاتف من جيبه الخلفي ليرى من المتصل فيجده عز يقوم بالرد عليه مسرعاً:
_ الو؟ أيوه يا عز.
أخبره رعد بما حدث الآن، أمسك داغر الهاتف من يده مسرعاً:
_ هدير مش بخير يا عز، أنا متأكد. أنا قلبي واجعني عليها. تعالالي حالا عشان نروحلا سوا. ما تروحش لوحدك، أنا مش هفضل مستني تليفونك. بسرعة يا عز، ما تتأخرش. أنا هستناك على الطريق.
كانت هذه كلماته بعد أن أنهى داغر الاتصال، ثم أردف:
_ عز في الطريق. أنا هستناه على الشارع. خليك انت هنا طالما العربية مافيهاش بنزين.
_ وأيه المشكلة لما أجي معاك؟
_ أنا عز معايا. خليك انت هنا عشان غدير. ولو حصل حاجة ابقى كلمني على تليفون عز.
***
أسرع «عز» بالنزول من على الدرج وهو يرتدي السترة السوداء الخاصة به منادياً على شريف:
_ شريف، شريف.
لم يتلق رداً ولم يستطع إيجاده بالڤيلا. قام بالاتصال بهِ ولكن دون جدوى. صعد إلى سيارته بعدما أغلق الباب خلفه متجهاً إلى داغر بأسرع ما يمكن.
***
هبطت «غرام» من المبنى الخاص بها متجهة إلى عملها لتأخذ إجازة مفتوحة لتجد «شريف» بانتظارها. ترجل من سيارته مسرعاً فور رؤيته لها، أسرعت «غرام» بخطاها فور رؤيته. قبض بكفه على معصم يدها يأمرها بالوقوف:
_ اقفي يا غرام، أنا مستنيكي من الصبح.
_ عايز إيه يا شريف؟
_ عايز أتكلم معاكي. عايز أعرف إيه اللي بيحصل.
_ وده بقي على أساس إنك مش عارف؟
_ وهعرف منين وإنتي مابتقوليش؟ ولا إنتي ولا عز بتقولولي على حاجة.
جذبت يدها من يده بقوة ونظرت له نظرة مليئة بالاحتقار. أخذ يطالعها من جديد ينظر إلى نظرتها له بتمعن حتى أردف:
_ نظرتك دي وكلامك معايا، كل حاجة متغيرة. مش إنتي غرام خالص اللي سبتها يوم فرحها وكانت مبسوطة. إيه اللي اتغير يا غرام؟ قوليلي. أنا عارف إن أنا السبب في خلافك إنتي وعز بس مش عارف ليه محتاج حد ينطق منكم حد يحكيلي اللي بيحصل.
أجبرها على التطلع له وهو يسترسل بدموع لامعة بعينيه:
_ إيه اللي مخبيينه إيه عني إنتي وعز مخلي حياتكم جحيم بالشكل ده؟
أخبرته وعينيها لا تفارق الأرض:
_ إنت السبب في كل اللي بيحصلنا. إنت كذاب وغشاش، وأنانى. كذبت عليا لما قولتلي إنك مالمستنيش. قولتلي إنّي عذراء وإن كل ده كان لعبة من جابر المنفلوطي وإنك ياحرام مالكش أي ذنب.
أخذت تطالعه وانسدلت إحدى دمعاتها على خديها:
_ المشكلة إنّي صدقتك، وروحت زي الهبلة أكشف عند الدكتورة بتاعة المستشفى اللي بشتغل فيها. وطبعاً إنت كنت متفق معاها إنها تقولي إنّي عذراء ومحدش لمسني عشان الدنيا تمشي وأحط جزمة في بوقي وأسكت وأتجوز أخوك والدنيا تمشي، مش صح يا شريف؟ عملت كل ده ليه؟ إنت حتى ما أدّيتنيش الحق إني أرفضّ أو أوافق إني أفضل معاكم. للمرة التانية بتخدعني، وأنا بقيت زي العبيطة مصدقاك. أنا كل اللي قاهر قلبي إني وثقت فيك وكنت عايزة أعمل مفاجأة لعز إنه هو أول واحد في حياتي واكتشف إني مش عذراء يوم فرحي.
المشكلة إنك عارف كل ده وعامل فيها عبيط ياحرام مش فاهم.
بتر حديثها قائلاً:
_ عشان فعلاً مكنتش فاهم. أنا معرفش، معرفش أي حاجة من اللي إنتي بتقوليها. ورحمة أمي تاني وغلاوة عز عندي ما كنت أعرف أي حاجة من اللي قولتيها لي دلوقتي.
بترت كلماته صارخة برعشة في صوتها:
_ أنا مش هصدقك تاني لو حلفتلي على الماية تجمد ما هصدقك. مرة تانية خلاص. خلصت يا شريف، كل حاجة خلصت خلاص.
استدارت لكي تستعد للرحيل، فـأوقفها هو قائلاً:
_ غرام استنى.
أعطته ظهرها دون النظر إليه:
_ مش عايزة أشوف وشك تاني. إنت فاهم؟
أخذت تخطو لترحل عنه، فتنهد هو بعمق ضاغطاً على أسنانه، ثم أمسك بها من معصم يدها يجذبها بداخل السيارة قائلاً:
_ اركبي.
حاولت فك قبضه يده قائلة وهي تنظر له باستغراب:
_ إنت اتجننت يا شريف؟ إنت بتعمل إيه؟
_ اركبي وانتي تعرفي أنا هعمل إيه؟
أنهى جملته بعدما أغلق الباب الأمامي يأخذها بالقوة معه، ثم قاد السيارة مسرعاً متجهاً بطريقه.
كانت «ولاء» تقف بالنافذة الخاصة بها تنظر لما حدث بينهما وترى السيارة مبتعدة عنها.
***
الآن هو وقت الصباح وقد خيم الصمت على الأجواء، وارتفع صوت تضارب الشجر. أمرت «الخالة حكيمة» بإحضار طاولة الإفطار من «زهرة» قائلة:
_ حضري لنا الفطار يا زُهرة إنتِ والبنات.
يدخل «يزن وسارة» إلى الردهة ممسكين بأكياس ممتلئة بالخضروات والفول وبعضاً من الجبن، يضعهم على الطاولة التي أمامه وهو يردف:
_ إحنا فتحنا التلاجة لقيناها متشفّرة، روحت أنا وسارة اشترينا فطار.
ركضت غدير مسرعة إلى الطاولة تفتح الأكياس لتضربها ميرا على ظهر يديها بخفة:
_ استني لما نغسل الأكل الأول.
_ أيوه بس أنا جعانة أوي.
قالت «غدير» جملتها وهي تضع يدها على معدتها دليل على جوعها.
تنطق ميرا بحنق:
_ برضوا مافيش أكل إلا لما يتغسل الأول.
أخذت زُهرة الأكياس من على الطاولة قائلة:
_ أنا هحضر الفطار.
دخلت إلى المطبخ تخرج ما بالأكياس لتبدأ بتحضير الفطار، لتجده هو خلفها بلمح البصر:
_ مش عايزة مساعدة؟
انتفض جسدها مفزوعة من سرعته، أخذت نفساً بعمق وهي تنظر له بحنق:
_ علي، خضتني بجد. مرة واحدة لقيتك هنا. مكانش في حد ورايا.
_ أنا آسف، ماكنتش أقصد أخضك. لاقيتك دخلتي لوحدك قولت أحضر معاكي الفطار عشان ماتتعبيش.
ابتسمت له ابتسامة بسيطة وهي تضع الزيت بطبق الفول:
_ أتعب من تحضير شوية فول على شوية جبن؟ ما إنت معذور، ماشوفتش في البلد كنت بعمل إيه.
أخرج الخيار والجرجير من الأكياس ووضعهم بطبق، سائلاً بلطف:
_ لا معرفش. قوليلي كنتي بتعملي إيه؟
ردت قائلة:
_ يـــــوه، ده أنا كنت بصحى قبل ما الفجر يأذن أحلب الجاموسة وأنضف من تحتها وأعلف في البهايم وأنضف بقيت الزريبة وأخد لبن الجاموسة وأحطه في المنشة.
استغرب «علي» من ذلك الاسم «المنشة»، فقال مستفسراً وهو يمد يده بقطعة من الخيار في فمها:
_ منشة!!
تبتلع هي قطعة الخيار مسترسلة حديثها:
_ آه، منشة. إنت مش صعيدي ولا إيه؟ منشة دي عبارة عن خوص متربط ببعضه نحط عليه اللبن ونفضل نبث فيها لحد ما تعمل جبنة قريش. ده كان بياخد مجهود كبير غير شغل الدار كلها.
استدارت لكي تلتقط الطبق بكف يدها لتجده بمكان ما عالٍ، لتقف على أطراف قدميها ولكن دون جدوى. يقف هو خلفها ويمد يده ممسكاً بالطبق ويعطيها إياه. تستدير هي لتجده خلفها ليلتصق جسدها بجسده، تعالت نبضات قلبها وهي تطالعه وتأخد منه الطبق قائلة:
_ متشكره أوي.
_ أنا اللي بشكر ربنا إنه خلقك.
قال جملته وما زال ينظر لها، فكانت هذه اللحظات بينهما لا تقدر بثمن، ليأتي «ياسين» ويقطع تلك اللحظة بينهما قائلاً:
_ طيب نجيب اتنين لمون متلج في الحر ده عشان يطري ولا نعمل إيه؟
ابتعدت «زهرة» على الفور ممسكة بالأطباق قائلة:
_ أنا خلاص خلصت أهو. أنا هاروح أحط الأكل على السفرة.
ينظر «ياسين» إلى الأطباق الممسكة بها ليجد بها فول وبعض الجبن ليهتف قائلاً:
_ أي ده؟ فول؟ أنا عايز واحد تشيكن فراخ.
ذهبت «زهرة» ويراها الطبيب علي تبتعد عنه، ينظر لـ«ياسين» وهو يضغط على أسنانه:
_ كده كسفتها.
_ اللاه.. وأنا أعملك إيه؟ وبعدين حد يحب حد الساعة تسعة الصبح؟ طب خليها عشرة كنا قولنا ماشية.
اشتعل الغضب بعينيه وهو يقول:
_ هو الحب بالمواعيد؟ إنتَ كمان.
_ أنا مش عارف بتحب إيه في الولية دي.
ينظر له «علي» نظرة توعد:
_ ياسين، كله إلا زهرة. ما بحبش حد يتكلم عنها وحش.
ابتسم ابتسامة رضا وهو يطالعه:
_ بتحبها قد إيه؟
_ قد ما إنت بتحب بنتها.
_ يبقى بتعشقها يا خويا مش بتحبها.
أشار برأسه بالموافقة:
_ أيوه، حاجة زي كده. مستني لما المعركة تخلص وهتقدملها. مش هسيبها غير على قبرها.
أشار له بعينيه وهو ينظر إلى شمس الواقفة أمامهم تحضر السفره مع والدتها:
_ علي، كنت عايز أطلب منك طلب.
_ أؤمرني يا خوي.
_ لو جرالي حاجة، شمس أمانة في رقبتك. زفها على عمار. أنا عارف إنها بتحبه ومش هتحب غيره في يوم.
رفع حاجبه الأيسر يضم شفتيه:
_ أنا خلاص استسلمت يا علي. الحب مش بالعافية.
قبض حاجبه باستغراب:
_ مين بيقول كده؟ ياسين الضبع؟
هز رأسه يساراً ويميناً بالرفض:
_ لاء، ياسين الصاوي.
تغير نبرة صوته على الفور:
_ بس مش معنى كده إنّي هوافق ياخدها مني وأنا حي. ياخدها وأنا ميت.
أهتر «علي» كلمته قائلاً:
_ بعد الشر عنك يا خوي.
_ الموت عمره ما كان شر. أنا الشر يا علي مش الموت.
_ إنت اتغيرت أوي يا ياسين.
أشار له بعينيه على تلك الواقفة من بعيد:
_ شمس غيرتني يا علي. مافيش غيرها غيرني.
_ مش هتيجوا تاكلوا بقى ولا هتفضلوا واقفين كده بعيد؟
بترت كلامهما «الخالة حكيمة» قائلة جملتها ليرد «علي» هاتفاً:
_ جايين أهو يا خالة.
جلست الخالة حكيمة تتوسط السفره وبجوارها غدير، جلس رعد وميرا وامامهم سارة ويزن، ليأتي بربروس يجلس بجانب ياسين ويجلس أمامهم شمس وعمار، ليفتح دكتور علي المقعد لزهره لتجلس عليه ويجلس هو بجوارها. تنظر له بامتنان على ما فعله.
يجلس الجميع باستثناء مارال على الطاولة. نظر بربروس لعمار سائلاً إياه:
_ أين شقيقتك؟
يميل برأسه ليخبره هامساً بأذنه:
_ حاولت أنزلها عشان تفطر معانا بس مارضيتش.
سمعت سارة ما قاله عمار لتقف معترضة:
_ إزاي يعني مارضيتش؟ كلنا متجمعين لازم تبقي معانا. دي ما أكلتش حاجة من الصبح. أنا هطلع أجيبها.
وقفت ميرا قائلة:
_ استني يا سارة، هطلع أجيبها معاكي.
نطق علي قائلاً:
_ كده ناقص الغريب. هو فين؟
_ سيب الغريب يا علي. هو مشغول دلوقتي.
_ مشغول بإيه يا خالة؟
قالها عمار بقلق، فأجابته الخالة بتشدد:
_ هتعرف بعدين يا عمار.
أتت مارال مع سارة وميرا وجلست أمام بربروس، لتهتف الخالة قائلة:
_ مش عايزة تاكلي ليه يا بتي؟
_ أبداً يا خالة، ماليش نفس.
_ طيب اقعدي عشان نتجمع على الأقل كلنا على سفرة واحدة. كله يسمي الله الأول قبل ما ياكل.
سمع الجميع الله ما عدا عمار ومارال، لتميل شمس برأسها على أذنه قائلة:
_ قل بسم الله يا عمار.
هز رأسه بالموافقة يصاحبها ابتسامة بسيطة:
_ “بسم الله الرحمن الرحيم”.
لتصلب مارال على الطعام وتنطق قائلة:
_ “بسم الأب والأبن والروح القدس إله واحد أمين”.
هتفت بجملتها وهي تطالع بربروس وتبادلوا النظرات قليلاً، ليبدأ الجميع بتناول طعامه.
عم الصمت على الأجواء لتأتي رسالة على الهاتف الخاص بـ«رعد» على الواتساب. يقرأها ويبتسم ثم يعود لاستكمال طعامه، لتسأله ميرا قائلة:
_ الرسالة دي من داغر؟
يهز رأسه بالنفي:
_ لاء، دي من واحد صاحبي بيسألني فيها عايز حاجة حلوة تكون من خمس حروف بيلعبوا لعبة على الجروب.
_ ياسين طبعاً. حلو ومن خمس حروف.
رد «ياسين» بجملته هذه مسرعاً دون تردد، لينظر له «عمار» قائلاً:
_ ومين من الناس اللي قال لك إنك حاجة حلوة؟
نظر له بكل برود وعدم مبالاة:
_ ما بستناش الناس تقولهالي، أصل أنا الناس.
قاطعت الخالة حديثهم وهي تضرب بيديها على الطاولة بغضب:
_ ياسين، عمار. عايزاكم جوه بعد ما تاكلوا.
وقفت واستقامت وأعطتهم ظهرها دون النظر إليهم:
_ وإنت يايزن إنت ورعد وعلي وطبعاً بربروس مستنياك معاهم.
دخلت الخالة إلى غرفتها لينظر كل منهم للآخر، لتنطق الطفلة بسخرية:
_ ما تعرفوش تقعدوا ساكتين أبداً على الأكل زي مخاليق ربنا.
_ اسكتي إنتي يازبلة.
كانت هذه كلمة ياسين لها «زبلة»، فكان يناديها بهذا الاسم باستمرار. نظرت شمس بجوارها لبربروس قائلة:
_ أريد استشارتك بشيء ما يا بربروس.
وضع قطع من الجبن بفمه وهو يقول:
_ بالتأكيد، تفضل.
_ إذا كان هناك شخص يعيش على أنه مسيحي ولكنه بالأصل مسلم ولكن لا يعلم، فما هي ديانته الأصلية؟
_ مسلم بالطبع.
كانت إجابته سريعة، لم يتخذ حتى وقت للتفكير.
_ تنهدت شمس قائلة: متأكد؟
_ نعم متأكد. ولكنه مسلم مع إيقاف التنفيذ. معنى أنه لا يعلم بديانته الحقيقية إذن فهو لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يؤدي فرائضه، فبالتالي مسلم اسماً وليس فعلاً.
استغرب يزن من هذا الحديث، انقبض حاجبه قائلاً:
_ أنا مش فاهم حاجة. إنت ناوي تسلم يا عمار؟
ردت مارال مسرعة:
_ هو مش مسيحي عشان يسلم من الأول يا يزن. أنا دلوقتي بس فهمت ليه أمي سمتك عماي وليه مش بتاخدك معانا الكنيسة وليه أمي أسلمت.. دلوقتي بس فهمت إنها أسلمت عشانك يا عمار.
رفع بربروس يده بمرح:
_ حسناً، فلننطق كلنا الشهادة ولتبدأ حياتك من جديد يا عمار.
يبتسم كل من عمار وشمس لبعضهما البعض، لتنادي عليهما الخالة من الداخل ليقفوا مسرعين جميعاً:
_ يقف الجميع أمامها تطلب منهم الجلوس وتخبر زهره لتحضر لهم كاسات من الشاي، ينظر لها الجميع بانتباه.
_ طبعاً كلكم بتسألوا أنا جمعتكم هنا ليه؟
رد ياسين بثقة:
_ لا، أنا عارف.
أخذ عمار يطالعه بتحدي:
_ وطالما عارف ما تقول.
_ لاء، ماليش نفس. بحب أوفر صوتي.
أخذت الخالة حكيمة تطالعهما بزهق:
_ خلاص خلصتوا؟
أشار الاثنان برأسهما بالموافقة، فاسترسلت حديثها:
_ في اللحظة اللي انتوا بتتناقروا فيها وواقفين لبعض على الواحدة، العربي بيجهز جيش قوي بيسقيه بدمه.
***
خرج حسام من غرفة هدير لينتظره العربي بالخارج قائلاً:
_ كل حاجة جهزت. مش ناقص غير شمس والسلسلة وبس. موتها هينهي كل شيء.
ابتسم ابتسامة خبيثة:
_ ما تقلقش، هتيجي. طول ما هدير هنا داغر هيعمل أي حاجة عشان ينقذها وهيقدملنا شمس على طبق من فضة.
جذب العربي حسام من يده إلى المعمل:
_ شايف الجيش ده؟ شايف المستذئبين دول كلهم؟ أنا رويتهم بدمي.
أخذ حسام يطالع كم المستذئبين، فهناك عدد لا حصر له منهم.
***
استغرب بربروس وانقبض حاجبه:
_ ولكننا قليلون على هذا العدد.
ردت الخالة مسرعاً:
_ إحنا أه قليلين بس بيهم كلهم. هما قش ورق مش أكتر. إحنا أقوى منهم وبوجود ناس معينة معانا هنكسبهم. بس بشرط.
سأل عمار الخالة:
_ إيه هو الشرط ده يا خالة؟
رد ياسين مسرعاً:
_ إن شمس ما تموتش.
التفتت الأنظار إليه، فاستغرب هو مما قاله للتو، فقال بكلمات متقطعة:
_ أنا، أنا مش عارف أنا عرفت إزاي بس حسيت إن حد بيقول الجملة دي في دماغي.
_ صح، ياسين بيتكلم صح. عشان العربي يبقى أقوى شخص على الأرض وتكمل فك اللعنة لازم شمس تموت. وده اللي لا يمكن نسمح بيه كلنا.
أنهت الخالة جملتها وهي تنظر لهم، لينطق يزن قائلاً:
_ أيوه بس تعالوا نفكر سوا. لما نيجي نروح للعربي هو أكيد مش هيبقى لوحده. هو وحسام واكيد هيستخدم الجيش اللي عمله لخدمته حتى لو كانوا المستذئبين دول ضعاف. عشان نوصل للعربي لازم نحارب كل دول. وكمان ما تنسوش إنه عايز يجيب العبقري اللي بتقولوا عليه ده. إذا مكانش قدر يجيبها؟
_ لاء، ماتقلقش مش هيقدر يجيبه من غير السلسلة. والسلسلة مع الخالة في رقبتها.
أنهى على جملته وهو متأكد مما يقوله.
***
الخالة أكيد عارفة إن بموتي كل شيء هيموت معايا. مع إنّي أنا لو مت كل شيء هيرجع زي ما كان وهترجع هي عجوز بتموت على سريرها، وكل واحد منهم معاه موهبة هاتروح منه. وأي حد اتحول بعد اللعنة هيموت. عشان كده يا حسام أنا ماينفعش أموت مهما حصل. أنا لازم أبقى أقوى وبعد كده هموتهم واحد واحد براحتي.
***
دب الرعب بقلب «رعد» عند سماع ما قيل للتو:
_ تقصدي إيه يعني لو العربي مات ميرا كمان هتموت؟
_ مش عايزك تقلق يا رعد. أنا عاملة حسابي لميرا. مش هخليها تموت عشان هخليها تلبس السلسلة. وطول ما هي لابسة السلسلة هتبقى في أمان.
تنهد «رعد» بعدما تغلغلت الطمأنينة إلى قلبه.
شرد يزن بتفكيره قليلاً:
_ برضوا إحنا ناسيين الرصاص ما بيأثرش فيكم وبتقدروا تقوموا منه وجرحكم يلم. وبكده أنا ورعد وعز مش هيبقى لينا لازمة وهنعرض حياتنا للخطر بدون أي داعي. لكن لو قدرنا نوفر السم اللي اخترعه الغريب اللي اتحقن بي علي ونملى مسدساتنا بيه على هيئة حقن كده هنقدر نموت كم كبير من المستذئبين.
ارتفعت الخالة حاجبها الأيسر:
_ ودي برضوا حاجة تفوتني؟ نادي على الغريب يا علي.
جاء الغريب ومعه كمية من السم بيده يتكلم كعادته بكلماته المتقطعة:
_ أنا.. أنا جه.. جهزت.. كل.. كل شيء.
رفع «ياسين» كف يده وأشار للغريب:
_ كفاية إنت كده يا غريب. عرفنا إنت تقصد إيه.
عادت الخالة تسترسل حديثها من جديد:
_ السم موجود وكل شيء جاهز. ومن بكرة الصبح هاخد شمس لمكان ما يعرفوش بني آدم عشان تبقى في أمان ونخلص من العربي.
_ سيبولي أنا حسام.
استغرب الجميع مما يقوله داغر، لتطلب منهم الخالة بهدوء الخروج جميعاً ليتركوهما بمفردهما قليلاً.
***
يخرج الجميع بالفعل ويبدأ الغريب بالانسحاب، فيسمع ياسين صوت شيئاً ما يهتز بجيبه، يضع يده على جيبه ليطفئه مسرعاً ويظهر الارتباك على ملامحه. يشعر عمار بشيء ما غير طبيعي ليتحرك خلفه دون أن يراه، ليذهب خلفه بهدوء ليجد ياسين يقف أمام نافذة الغرفة الخاصة بالغريب يضع إصبعه على فمه حتى لا يصدر أي صوت، ليسمع كل منهما الآخر الغريب وهو يتحدث بالهاتف قائلاً:
_ أيوه.. أيوه يا عربي بيه. كل.. كل شيء ماشي تمام. أنا هحطلهم السم في الأكل كلهم. ما.. ما عدا شمس زي.. زي ما اتفقنا. ولو.. لو ما قدرتش خطة هدير شغالة. داغر قال إنه.. إنه هيسلمك شمس.
ينظر كلاً من عمار وياسين بعضهما البعض والصدمة تعتلي ملامحهم، فيضغط ياسين على شفتيه بحده قائلاً:
_ ده أنا هخرب بيته.
رواية الهجينة الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ماهي احمد
حينما تعجز عن التقاط أنفاسك، حينما تعجز عن شعورك بالأمان من المقربين إِليك، حينما تشعر بضيق العالم من حولك، عندما يهرب منگ دفء جسدك، حينها فقط أعلم أن روحك قد ماتت بداخلك ولم تعد تستطيع إن تشعر بشى ولم تعد ترغب فى شىء غير أن يمر يومك فقط بسلام
_ده انا هخرب بيته
كانت هذه كلمات «ياسين» الأخيره وهو يتبادل النظرات مع «عمار» ينصتون الى ما قاله «الغريب» منذُ قليل عبر الهاتف «للعربي» اندفع «ياسين» للتحرك لكي ينقض على «الغريب»ولكن هناك من وقف أمامه يمنعه عن فعلته المتهوره أنهُ «عمار» وقف أمام «ياسين» تعتليه نظره تحدي على ملامح وجهُ الصغير ملامح بريئه توضح مدى صغر سنه نظر «ياسين» الى ملامحهُ بتمعن فهذه هي المره الأولى التي ينظر الى ملامحه من قرب وجد تلك الوحمه الصغيره بداخل خصلات شعره كاد يفقد صوابه بل كاد يجزم انه ُ رأي هذه الوحمه من قبل فهذه الوحمه مميزه ولكن قد خانته ذاكرته فلم يستطع معرفه أين رأها شرد قليلاً في ملامحه حتى افاقه صوت «عمار» يطالعه باستغراب:
_سيبهولي انا، انا هعرف اتصرف معاه
انكمش حاجب« ياسين» بعدم فهم بعدما فاق من شروده:
هو مين ده اللي اسيبهولك؟
الغريب، سيبلي الغريب بلاش تتهور اكيد في سبب للي عمله
انهى «عمار» جملته وهو يراقب «ياسين» بعينيه يراه يضع يده على جبينه و خانتهُ قدماه فخر أرضاً ممسك بجبينه واطبق عينيه وكأن باب الذكرى المدفونه بداخل رأسه انفتح من جديد فكان مجبر على سؤاله:
أنتَ كويس يا «ياسين»
قابل سؤاله بالصمت فكانت تراوده في هذه اللحظه ذكرى أخرى من جديد يرى بداخل عقله وميض أبيض يأخذه معه ليرى ما بداخله:
“كانت ليله ممطره وهناك فتاه عشرينيه تحتضن طفل رضيع أنهكه صراخه المستمر من شده الجوع ترتجف من البرد تدق باب كوخ بسيط بكل قوتها والدماء تسيل من بين اقدامها تنادي بأسمه بصوت ضعيف أنهكهه التعب قائله:
أفتح ياياسين، أفتح أنا عارفه إنك جوه
لم تجد تلك الفتاه المسكينه رد على سؤالها، جلست على الارضيه بأستسلام تحتضن ذلك الرضيع بقوه تستكمل حديثها:
أنا بمو ت ياياسين، بمو ت ومش عايزه ابني يمو ت معايا، ابننا مالوش ذنب في أنه يطلع للدنيا يلاقيني أنا أمه وأنتَ أبوه
مرت دقائق ولكنها مرت عليها كالدهر، لم تستطع أن تضم وليدها أكثر بداخل صدرها فخانتها ذراعها لم تستطع أن تحمله اكثر من ذلك اصبحت عيونها كالجبال من ثقلها وضعت الصغير بحذر بجوارها وقطرات المطر تبلل كلاً منهما فقدت وعيها بجانب صغيرها أخذت تتعالى صرخات طفلها أكثر فأكثر دون جدوى، بعد ثواني قليله بدأ «ياسين» بفتح باب الكوخ الصغير ينظر الى الطفل الرضيع بأستغراب بدت على ملامحه نظره عدم معرفتهم وبالرغم من ذلك حمل الفتاه بين ذراعيه وأدخلها بداخل الكوخ هي وطفلها وأغلق الباب من خلفه”
مع غلق الباب، أغلق باب ذكرياته من جديد حاول مراراً وتكراراً أن يتذكر ما الذي حدث بعد ذلك ولكن دون جدوى
جلس «عمار» القرفصاء يسأله عن حاله:
_اي اللي جرالك ياياسين، فيك ايه؟
رفع «ياسين» وجهُ لتلتقي عيناهم مره أخرى، نظر «عمار» لعيناه ليجدها حمراء كالد ماء نظر إليه بصدمه والذهول تمكن من ملامح وجهُ سائلاً أياه باستغراب:
_أنتَ ألفا!!
رد عليه بما هو بعيد تماماً عن سؤاله صارخاً بوجهُ:
_سيبني دلوقتي
أنهى «ياسين» جملته بصراخاً عالي، وقبل أن يرمش لـ«عمار» جفن لم يجده أمامه فقد أثره في ثوانٍ معدوده تجمع الجميع على صرخته وكنت« الخاله» هي أول السائلين:
_في ايه ياعمار، حصل ايه وفين ياسين؟
معرفش
كان هذا هو جوابه كان جواباً ملىء بلا مبالاه بسيط ومختصر مما زاد غضـ ب «الخاله» من ردة فعله مما جعلها قائله:
_وعشان أنتَ ماتعرفش روح وراه واعرف ؟
أشار بأصبعه على صدره:
_أنا ياخاله
كان ردها حازم:
_وماتجيش غير بياسين
ايوه بس مش معنى انا، انا اصلاً..
بترت هي كلمته من جديد :
واعتراض تاني منك مش هتبقى منا
صك هو على أسنانه بعدما أخذ نفس بعمق:
_اللي تشوفيه ياخاله، بس الغريب..
سيبلي أنا الغريب أنا عارفه كل شىء
أشارت« الخاله» بعينيها لعمار لكي يتتبع «ياسين» فما كان عليه سوا الطاعه وتنفيذ ما أمُر بهِ، طالعت «الغريب» بعدما رحل «عمار» قائله:
_تعالى معايا ياغريب، عز وداغر مستنينا جوه
نطق« بربروس» وهو يطالع«الطبيب علي»
_ما الذي يحدث لياسين ياعلي ، فقد عرف القلق طريقه لقلبي من جهته
تنهد «علي» يستعيد بعض من ثباته المفقود وهو يقول بنبره ثابته:
ماتقلقش يابربروس كل حاجه هتبقى كويسه، كل حاجه هترجع زي الاول واحسن
رأي «بربروس» القلق بعينيه ولكن أخذ يؤكد على كلامه:
أواثق انت مما تقول ياعلي فنبرة صوتك غير مطمئنه بالمره
هز كتفيه دليل على عدم تأكده:
والله ما انا عارف ياشيخ عجوه اهوه كلام بحاول اصبر بي نفسي ياترى فعلاً كل شىء هيبقى كويس ولا لاء مش عارف ياويلي من اللي هيحصل بعد المعركه
_____________(بقلمي ماهي احمد)__________
هما الأن في الغرفه الكبيره وكان في انتظارها الجميع فتحت باب الغرفه ودخل من بعدها «الغريب» نظرت «الخاله» من حولها لكل فرد منهم وهم يقفون يد واحده فقالت:
_داغر حكالي من شويه انه راح بيت هدير لقى حماه مد بوح وهدير مش موجوده في البيت وحسام سايبله رساله مكتوبه بالد م عشان هدير ترجع لازم نسلم شمس والسلسله في نفس الوقت وانا اخدت قراري
طالعها الجميع بأنتظار قرارها الصارم:
_ انا شايفه ان احنا هنسلم شمس والسلسله عشان خاطر هدير
طالع الجميع بعضهم الى بعض تتلاقى نظراتهم وكان الصمت سيد الموقف ولكن نظراتهم كانت بها من الكلام مايكفي لسنين قادمه اسئله تدور بداخل عقولهم ليس لها اجابه بترت «زهره » الصمت بحديثها:
_أنتِ بتقولي ايه ياخاله وتهون عليكي بتي عايزه تسلمي بتى للعربي بأيديكي، ماتنطق ياعلي أنتَ هتسيبهم ياخدوا بتي
رد دون تردد ولو للحظه:
أنا واثق في الخاله يازهره ، الخاله مابتاخدش قرار إلا وهي عارفه هي بتعمل ايه؟
ابتلعت ريقها وارتفعت نبرة صوتها:
يعني أيه، يعني اسيب بتي تمو ت
علم «يزن» ان الجدال سيزيد التعقيد رفع كفه مقاطعاً يطلب الحديث فصمت الجميع استماعاً لقوله فأشارت الخاله برأسها له قائله:
_قول يايزن عايز تقول ايه انا بتعجبني دماغك
لفت «يزن» انظار الجميع له فمط شفتيه ثم اردف :
_احنا لازم نسلم شمس عشان نقدر نقتـ ل العربي، ونمنعه أنه يجيب العبقري الزمن بتاعنا عشان مانرجعش نعيد الحكايه من جديد طيب هو العربي هيسيبنا نقرب منه بسهوله اكيد لاء بموتـ ـه كل شىء أتحول بعده هيمو ت
دب الرعب بقلب ميرا من جمله يزن فنطقت سريعاً:
تقصد ايه، يعني انا همو ت
امسك رعد بكف ميرا ونظر لها نظره حنونه:
أكيد لاء، الخاله مش هتسمح بكده هي وعدتني انك هتلبسي السلسله وهتديهالك وطول ما انتي لبساها مش هتمو تي ابداً
نزعت كلماته جزء من القلق الذي امتلكها للتو فردت الخاله قائله:
شيلي الخوف من قلبك يابتي احنا كلنا هنا أيد واحده كمل يايزن كمل كلامك
اكمل يزن حديثه:
العربي عنده جيش من المستذئبين، اكيد هيحمي نفسه بيهم
وهيبعد هو عن المعركه بس الوحيده اللي هتخلينا نعرف مكانه هي شمس عشان لازم هو اللي يقتـ لها بأيديه واحنا هنسلم شمس جهاز يبقى معاها نعرف منه طريق العربي وبكده ياسين وعمار هيبقى عينهم عليها ومافتكرش يازهره ان لا ياسين ولا عمار هيسمحوا ابداً ان شمس يمسها شىء
ردت شمس موافقه على كلامه ممسكه بكف والدتها لتطمئنها قليلاً:
لا تخافي يا امي فـأنا بأمان معهم، أنا على يقين من ذلك
استرسل يزن حديثه:
أما بقى عن حسام
قاطعه «داغر،» فور سماع اسم اكثر شخص يمقته بالحياه:
سيبلي انا حسام ده ليا انا
رد عز قائلاً:
وانا الجزار ده مسؤوليتي
أشار يزن بيده:
كده كويس أما عن المستذئبين التانيين فدي مهمتي أنا ورعد وبربروس وميرا وعلي وطبعاً الخاله انا عارف ان عددهم كبير، كبير اوي عشان كده محتاجين كل شخص معانا
اردفت ساره قائله:
واحنا روحنا فين، انت نسيتني انا ومارال ولا ايه؟
دعمت «مارال» حديث «ساره»:
سايه عندها حق، ولا أنتَ مش بتؤمن ان الميأه مش زي اليجل
رد بربروس مسرعاً بلهفه:
انا اعترض
نجح في جذب انتباه الجميع له بكلمته فتوتر هو من نظرات البعض لهُ فنطق كلماته بتقطع:
أنا أعني، أنهم لا يستطيعون القدوم معنا فنحن لا نعلم ما الذي سوف نواجهُ هناك وأنتم نساء ليس لكم باليد حيله
رفعت مارال رأسها فتقابلت عينها بعين بربروس:
_تقصد يعني ان احنا ضعفا ومالناش لازمه
لم اعني ذلك
كانت هذه كلمته فردت هي عليه باستهجان وكأنها تحاول رد جزء بسيط من كرامتها عندما اخبرته بحبها ولم ينطق بحرفً واحد:
لاء أنت تقصد، ولو ماتقصدش فعلاً يبقي ياييت ماتتكلمش
احرجته امام الجميع وعلم هو ما بداخلها فصمت ونظر لها نظره دليل على لومه لها فأشاحت بوجها محاوله الا تنظر اليه من جديد
خلاص خلصتوا كلام
كانت هذه جمله الخاله بعد ان انتهى عراكهم فاسترسلت حديثها:
احنا فعلاً محتاجين كل شخص معانا هنا في الأوضه عشان كده مارال وساره هيبقوا معانا وماتقلقوش عليهم هما هيبقوا بعيد الايام اللي فاتت الغريب ويزن كانوا شغالين على مادة السم اللي كانت في جسم «علي» قدرنا نجمع منها كميه كبيره وهتبقى في مسدسات بحقن هنعلمهم ازاي يقدروا يصوبوا على المستذئبين من بعيد
القريه اللي احنا هنواجه العربي فيها دي قريتي وقريه زهره وعلي وياسين القريه دي عشنا فيها سنين وحفظنها شبر، شبر ماتقلقوش كل شىء معمول حسابه هنرجع تاني أخيراً بيت الصاوي اللي الضبع أخده وسماه على اسمه وقـ ـتل عيله ياسين وعلي فيه وهنتخلص من العربي واللي زيه وهنقدر نرجع قريتنا من جديد
ايوه بس اللي انا مش فاهمه
هذه كانت جمله «عز» بعدما بتر كلام «الخاله» فنظر الجميع لهُ بارتباك لم يبد أي اهتمام بمقاطعته لكلام« الخاله» فأكمل حديثه:
اللي أنا مش فاهمه ليه انتوا هترجعوا ضعفا من جديد بعد ما العربي يمو ت
لاحظ «علي» نظرات« الخاله» المحمله باللوم لـ «عز» فأردف قائلاً:
بمو ت العربي اللعنه هتتجدد من جديد لأن هو اللي فكها ولو اللعنه اتجددت يعني هنضعف ممكن مش هيبان على شكلنا قد ما هنفقد قوتنا وكمان موهبتنا، اي حد عنده موهبه هاتروح وهنبقى ضعفا ومحدش فينا هيقدر يحول حد واللي هيتحول هيمو ت من الاخر كل حاجه هترجع زي ما كانت والبشر هتعيش في أمان
ابتسم عز ابتسامه تظهر لهُ الأمتنان فأردفت الخاله:
كله يجهز هنتوكل على الله بعد صلاه الفجر
نطق الغريب بكلامه المتقطع كالعاده:
و.. وانا.. وانا.. مش.. مش ليا لازمه معاكم انا عملت.. كل.. كل شىء طلبتيه مني ياخاله.. انا.. انا عايز.. اروح لأولادي
ابتسمت الخاله لهُ فطالعته قائله:
أنتَ فاكر أن العربي صدق إنك معاه وهتبيعنا عشانه
رفع الغريب نظارته على أنفه وبدأ بالتوتر:
اوماال.. ليه.. ليه خلتيني ات.. اتصل بي.. واقوله اني.. اني عايز.. اكون معاه
_علشان مايقتـ لش مرتك واولادك ياغريب لو مكنتش كلمته كان هينتقم من مرتك وبتك وهيسيب ابنك بس عشان العبقري يتولد لكن بمكالمتك لي هو حط احتمال واحد في الميه انك ممكن تبقى معاه فبقى على حياه عيالك ولو مابقيتش معاه مش فارقه هو كده كده هيقتـ لك لو مكسبناش المعركه
ابتلع ريقه بتوتر فقد زادت كلماتها ارتباكه:
شوف اللي وراك ياغريب وكلهم هنا معاك جهزوا الاسلحـ ـه والحـ ـقن والمسد سات
غادر «الغريب» وهو يطلب من «يزن ورعد» مرافقته للأسفل
استعد «داغر» للمغادره فـ ربتت «الخاله» على كتفه تطمئنه قليلاً:
مرتك بخير وهترجعلك هي وابنك بس مش جواها هترجعلك وهي شيلاه ما بين أيديها وخدها كلمه مني من الخاله اللي عايشه بقالها سنين طويله أنتَ دلوك بقيت أب، لو اكتبلك عمر جديد بعد المعركه خد مرتك وارتاح وعيش في أمان واربي ابنك تربيه طبيعيه بعيد عن كل ده ياداغر
أشار برأسه بالموافقه وغادر يتبعه عز فهو يعلم مدى جر حه الأن
_______________( بقلمي ماهي احمد)________
هو الأن يبحث عنه بكل مكان بداخل المزرعه ولكنه لم يجد له أثر ذهب للخارج، ركز قليلاً وأغمض عيناه وأخذ نفس عميق ليلتقط رائحته، وهذه هي المحاوله الأولى لهُ لألتقاط رائحه «ياسين» فوجدها نفس رائحه جسده أنكمش حاجبه باستغراب ظن أنه التقط رائحه نفسه هو فرفع طرف كمه الى أنفه ليستنشق رائحته هو وجدها نفس الرائحه فرائحه كل منهما مطابقه للأخر حتى وجده يقول:
_بتشم نفسك ليه؟
انفزع «عمار» من نبرة صوته واخذ نفسه بعمق ونظر للجانب الأخر وجد «ياسين» يجلس بجانب الشجره الكبيره وأمامهم ترعه صغيره اقترب منه خطوه ووقف بجواره حتى يلتقط رائحته مره أخرى وكيف يكون لهما هما الأثنان نفس الرائحه أجاب عليه بغير ما بداخله:
_أصل بحبني أوي
وأنت مالقيتش حته تحب فيها نفسك غير جنبي
جلس «عمار» بجانبه وهو ينظر أمامه فطالعه «ياسين» بتكبر:
انا من رأيي ماتقعدش جنبي!!
حك بأصبعه جبينه مع ابتسامه صفراء:
ومن امتى العبيد كان ليها رأي
اخذ «ياسين» يطالعه بعدما صك على أسنانه من الغضـ ب
فابتسم «عمار» ابتسامه انتصار ظهرت بجانب شفايفه قائلاً:
_بتبصلي كده ليه هتصورني
تؤ.. هصور قتيل
انهى «ياسين» ببرود تام فطالعه «عمار» بتحدي:
انت اخرك كلام، وكلام فاضي كمان
ابتسم «ياسين» ابتسامه سخريه مما قاله وهو يشير برأسه يجاوبه بسؤال بعيد عما قاله:
تعرف ماهو اعظم سد في التاريخ؟
كمش «عمار» حاجبه باستغراب مما قاله ولكن فضوله حثه على السؤال:
_ايه هو
أن تسد فمك اللعين
اشار «عمار» بأصبعه مع ابتسامه سخريه:
_وانت صدقت نفسك اني جاي اتكلم معاك بمزاجي
عارف انك مجبور، بس مع عدم احترامي ليك أمشي
تنهد عمار بغيظ أخبره وهو يبتعد عنه خطوات قليله:
انا همشي، بس قبل ما امشي عايز اقولك أنك أنتَ أخر حد ممكن اتكلم معاه، احنا اخرنا مع بعض معركه بكره وبعد كده كل حاجه هتبقى خلصت وهترجع مالكش لازمه من جديد هترجع ضعيف وشمس هاخدها منك، وهنتجوز وهنبقى سوا يا «ياسين» باختيارها مش غصب عنها عارف ليه؟ عشان هي بتحبني أنا.. وعمرها ما حبيتك في يوم مهما حاولت تأثر فيها، مش هتعرف ولو ل 100 سنه قدام الحب اللي زرعته جواها بعمرك اللي عيشته واللى هتعيشه في يوم حبي ليها كفيل انها ماتنسانيش عمرها كله
كانت كلماته تنزل على قلبه مثل الصاعقه كل كلمه قالها «عمار» صحيحه وهو يعلم بأنها صحيحه أدار «ياسين» ظهره لهُ، يتكأ على الشجره بيده تظهر على ملامحه الضعف وقله الحيله فاسترسل «عمار» حديثه قائلاً:
لو عشت بعد المعركه فأنتَ هتمو ت من الحزن وانا هعيش في سعاده جنبها وده وعد مني ليك
أغلق «ياسين» عينيه من الحزن ليجد دمعه على جبينه فقد اعتصر قلبه بكلماته استدار يطالعه ليتبين خطوته التاليه وأجاب بما بداخله:
خللي بالك منها ، دي بنتي اللي ربتها ، وحبيبتي اللي حبيتها، ومراتي اللي اتمنتها، أنا واثق انك حبيتها وهي من حبك ليها اصبحت حبيبها
وقف «عمار» مكانه بعدما كان يستعد للرحيل ادار لهُ وجهُ بعدما سمع كلماته فاسترسل «ياسين» حديثه:
_مافكرتش للحظه واحده أني أنا كان ممكن امسحلها ذاكرتها واخليها تنساك وتنسى انها تعرفك في يوم وأنتَ عارف كويس أوي اني اقدر أعمل ده ، بس معملتهوش عارف ليه؟ عشان عارف انها مش هتبقى سعيده معايا قد ما هتبقى سعيده معاك اللي بيحب حد بيفضله عن نفسه حتى لو مش هيبقى معاه عشان كده قولتلك خللى بالك منها ووعد مني بكره انا هحميك قبل ما احمي نفسي عشان أنتَ الأقرب لقلبها مني
تنهد «عمار» بعمق لصدق كلمات «ياسين» فقد أدرك حب ياسين لشمس فحبه أعمق وأصدق بكثير.. في لحظه لم يجده أمامه وقد رحل ، صك «عمار» على أسنانه محاولاً التقاط انفاسه
______________(بقلمي ماهي احمد)_________
كان يجلس خلف المقود.. يقود سيارته بسرعه جنونيه أمسكت هي بيدها مقبض الباب تحاول النزول من السياره فأغلق هو صمام الأمان وضغط على فرامل البنزين بقوه فوقف بالسياره ينظر لها بغضـ ـب مما جعل نبره صوته بها شبه من العصبيه قائلاً:
_أنتِ أتجننتي ياغرام عايزه تنزلي من العربيه وانا سايق
حاولت فتح الباب وهي تقول:
افتح الباب ده ياشريف
مش فاتح ياغرام ، مش هفتح غير لما تتأكدي أني ماليش ذنب في اللي حصلك اديني فرصه حتى اثبتلك اني بريء
نظرت له تطالعه بعصبيه بالغه:
وأنت عايز تأكدلي ليه حاجه انا متأكده منها؟
علشان انا مظلوم وأنتِ مابتوقعيش ظلمك عليا انتِ بتظلمي أخويا معاكي أخويا اللي ماحبش حد قد ما حبك اخويا اللي غير دنيته وكيانه عشانك خليكي معايا للأخر ولو ماطلعتش مظلوم واني فعلاً اغتصـ ـبتك أنا هسلم نفسي وهتحاكم على اللي عملته ياغرام
انكمش حاجبها وهي ترى صدق كلامه في عينيه بدأت تسترخى من جديد فضغط هو على البنزين بقدمه وأكمل طريقه من جديد
_______________( بقلمي ماهي احمد)________
هل هذا كثير عليها، كثير على فتاه تحملت العديد والعديد منذ رؤيته ودخول بيته المرعب، وكأن العالم اجمع على عدم راحتها لم يستطع عقلها استيعاب أن ما يحدث لها الأن هو أمراً واقع
هي الأن تجلس بغرفه مبطنه بالحديد، كان هناك أضاءه خافته تأتي من الخارج عن طريق بضع فتحات صغيره من بين قضبان الحديد المتواجده على النافذه تشعر بأنقباضات داخل احشائها، للوهله الأولى شعرت بأنها مجرد تقلصات عاديه تحدث لها ولكنها لا تعلم بأنها ألام ما قبل الولاده فكل شىء جديد وغريب عليها يحدث لها الأن وهي وحيده ، سمعت صوت يأتي من الخارج صوت هي تمقته كثيراً، نعم فهو صوت «حسام»ابن عمها يتمتم بكلمات لا تستطع تمييزها من بُعد المسافه بينهما ولكنها استطاعت أن تميز اسم «داغر» من بين كلماته وضعت يدها أعلى بطنها حاولت استجماع نفسها، قامت تسير بحرص في اتجاه النافذه لتسمع مايقوله «حسام» وما الذي ينوي فعله شكرت قدمها على تحمل السير وهي في حالتها هذه، لتسمعه يقول:
_احنا هانروح القريه امتى خلاص مافيش وقت
حاولت رؤيه الشخص الذي يقف أمامه ولكن دون جدوى فظهره هو الواضح امامها
رد عليه «العربي» قائلاً:
هنبدأ نتحرك حالاً لازم نكون موجودين قبلهم
فأكمل حسام حديثه بتردد:
هو، هو احنا هناخد هدير معانا، اقصد انها تعبانه وحامل وكمان ممكن يجرالها حاجه هناك انا بقول نسيبها هنا يعني احسن
وصل الى مسامعه سؤاله الذي وجد به شيئاً من الضعف او الحب لا يعلم لذا سأله بخبث:
_بعد كل اللي عملته فيك ده يا«حسام» لسه بتحبها
ابتلع ريقه محاولاً الهروب بنظراته:
_ايه اللي جاب سيره الحب والضعف انا بس بقول
بتر «العربي» كلماته بعدما قبض بيده على رقبته قبضه محكمه وكأنه أفعى قررت أن تضغط على فريستها بأحكام:
أنا أختارتك ما بينهم عشان أنتَ الوحيد اللي حسيت أن مافيش حاجه ممكن تضعفك شوفت الشـ ر جواك بحثت عن أي ذره خير مالقيتش لاقيت الحـ قد والغـ ل مالي قلبك عشان كده اختارتك تبقى معايا ودراعي اليمين سبت الأقوى مع إنك الضعيف وخليتك تبقى معايا، بس لو حسيت ولو للحظه أن ممكن البت اللي جوه دي تضعفك وتقلل من كر هك
وحقـ دك وشًـ رك مش هتردد لحظه في أني أقـ طعها حتت بسناني قدامك ياحسام أنتَ فاهم
أصبح وجهُ أحمر كالدماء بل وأشد حمره بسبب عدم وصول الأكسچين إليه فكانت قبضه «العربي» محكمه كقبضه الأفعى لفريستها كاد يفقد الوعي فرفع «العربي» قبضته عنه خر في الأرض يمسك برقبته يحاول ملىء رئتيه بالأكسچين، جلس «العربي» القرفصاء أمامه قائلاً:
_جهز البت اللي جوه دي اللي بالمناسبه هي مرات داغر وام ابنه وسابتك وراحتله
رحل من أمامه و«حسام» يراه يبتعد عنه نظر أمامه وجدها تنظر من النافذه أبعدت ناظرها بسرعه وحاولت العوده الى مكانها وقبل أن تجلس وجدته أمامها في لمح البصر:
_يلا عشان هنتحرك
حسام هانروح فين
كان يفك وثاقها دون رد منه:
رد عليا ياحسام هانروح فين، حسام انا تعبانه انا باين عليا بولد ارجوك طلعني من هنا
ضغط على أسنانه وأمسك بمرفقها بعنف:
_أنتِ السبب، أنتِ اللي وصلتينا لكده ياهدير، منك لله كنت زماني في شغلي لسه ظابط زي ما أنا كان كل حلمي أنك تبقي مراتي في يوم، ارجع من الشغل الأقيكي مستنياني بأكله حلوه بضحكه مرسومه على وشك،
انهمرت الدموع من عيناه وتحولت نبرة صوته الى نبره بها من الحنان مايكفيها:
اسألك عن أطفالنا تقوليلي أنا اكلتهم ونيمتهم على السرير عشان نسهر أنا وأنتَ براحتنا، أنا ماأكلتش عشان ناكل سوا، وتبقى الفرحه مش سيعاني
رفع سبابته يمسح دموعه برفق:
ونروح يوم الجمعه لعمي ومرات عمي اللي ربوني نتغدا سوا، ونلعب انا وعمي شطرنج زي زمان وتيجي وتشجعيني تخيلي ان كل احلامي كانت بس بدور حوليكي جيتي أنتِ هديتي كل أمالي مكنتش عايز حاجه من الدنيا غير نظرة رضا منك، بس انتي فضلتي داغر عني
اعتلى الغضب ملامحه عند ذكر أسمه واستكمل حديثه:
فضلتي الأعمى ده عني، عشان ايه عملك ايه، انا هوريكي، انا هخليكي تشوفيه بعينك وهو بيتقطع قدامك تعالي معايا
جذبها خلفه من مرفقها بعنف فصر خت هي من الألم:
أنا بولد الوجع في بطني رهيب، انا همو ت ياحسام
اخذ يطالعها بقلـ ق والخو ف يملؤه ابتلع ريقه ينظر لها بحيره:
أنتِ متأكده أنك هتولدي
اشارت برأسها بالأيجاب فاسترسل حديثه:
انتِ محتاجه حد معاكي عشان يولدك
ابتلعت ريقها واشارت له برأسها بالأيجاب والدموع تنهمر على جبينها:
_وانا هجيبلك اللي يولدك
تركها وغادر الغرفه في الحال تركها تتألم في صمت تواجه كل شىء وحيده تماما
______________(بقلمي ماهي احمد)_________
مرالكثير من الساعات وغابت الشمس وراء السحاب وبرز احمرار الغروب
كانت هناك نسمه منعشه تلامس وجهك، تستطيع صوت سماع تطاير أوراق الشجر من حولك ورؤيه النجوم مرصعه بالسماء جاء هو ليجلس بجوارهما من جديد يحاول دفن ألمه بداخله تنهد عند رؤيتهما سوياً يرسم البسمه على وجهُ الحزين ، مد «ياسين» كف يده بمشروبه المفضل بعدما اصبح يلازمه دائماً قائلاً وهو ينظر الى وجهه العابس:
مالك مكشملنا وش رجلك ليه ياشيخ عجوه
رفع «بربروس» رأسه فتقابلت عينه بعين «ياسين» نظر له نظره تبث عما بداخله من توتر وقلق ونظر أمامه من جديد:
هز «ياسين» كتفيه بلا مبالاه ومد كف يده الى ذلك الجالس بجواره:
تاخد انت يا على
مد الطبيب «علي» كف يده بابتسامه زادت من وسامته:
هات
أشار«ياسين» بعينه على الطرف الثالث بينهم وهو يرتشف من مشروبه:
ماعرفناش برضوا ماله ده
اجابه الطبيب«على» وهو يشمئز من ذلك المشروب الذي أعطاه له منذ قليل:
اي القرف ده، اي البتاع ده
ابتلع «ياسين» ريقه وهو يمد كف يده و يتحدث بحنق:
هات انا غلطان ، تصدق خساره فيك الشيري كولا ده، أنتَ مش اخويا يا «علي»
ابعد «الطبيب» يديه وهو يحاول بلعه:
لا، لا خلاص هشربه، أهوه أي حاجه نشربها في الحر ده
نظر «على» الى «بربروس» الصامت مره أخرى وتوجه بحديثه اليه:
بص انا عارف ان سكاتك ده وراه مارال فا أنتَ قولنا كده أيه اللي حصل مابينكم
وضع «بربروس» وجهُ بين كفيه وقد تملك الحزن من ملامحه قائلاً:
لقد اعترفت مارال لي بحبها هذا الصباح
اعتلت البسمه وجه الطبيب مردداً:
قالتلك ايه، اقصد يعني اعترفتلك ازاي
مال «بربروس» بعينيه لـ «الطبيب على» مع ابتسامه لطف:
«كنت أظنگ صاحبي وفجأه دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء»
أرتشف «ياسين» من زجاجته وانكمش حاجبه عند سماع جملته وهو يشاور بسبابته يحاول استجماع ما قاله للتو:
“صرتاحبي” ازاي يعني مش فاهم
ضرب الطبيب« على »«ياسين» بمرفقه بلين:
يابني افهم هي تقصد ان هي كانت فاكره انهم صحاب بس بعد كده صار حبها من الاخر “صرت حبي”
أشار بأصبعه على باطن يده بأصرار:
أيوه ماشي بس فين الألف انا عايز الألف أكلت الألف ياشيخ عجوه ده حتى عيبه في حقك
صك «بربروس» على اسنانه ينظر لـ «ياسين» بغيظ:
فليلعنك الله وما همك أنت من حرف الألف ، يكفي انها حاولت ان تتحدث بلغتي
وقف «ياسين» أمام «بربروس» الجالس أمامه وكلامه يظهر به السخريه:
لالالا، مسمحلكش معلش كله إلا لغتنا الأم مانغلطش فيها ولا ننسى حرف من حروفها أبداً، هو يعني حرف الألف ده مالهوش صاحب يدور عليه
رد «الطبيب» عليه بلا مبالاه:
سيبك منه يابربروس كمل وبعدين عملت ايه؟
جلس« ياسين» مره أخرى ولكن هذه المره جلس بجوار «بربروس» اشار بعينيه له:
ماتنجز ياشيخ عجوه؟
_لم استطع قول شىء، لم يكن ببالي شىء استطيع قوله في هذه اللحظه وهذا مايقهرني
ارتشف القليل من مشروبه المفضل قائلاً بجديه :
كنت قولتلها “يا أحلى البشر والشين قاف”
ضحك «الطبيب» بصوتً مرتفع لم يستطع تمالك نفسه قائلاً وضحكاته تظهر في كلامه:
_او كنت قولتلها كنت اظنك مقرب حتي تبدلت الميم عين
علت ضحكاتهم هما الأثنان سوياً مد «ياسين» كفه لـ «للطبيب» فضرب كفه بكف اخر وهما يبتسمان معاً قائلاً:
_ لا حلوه، دي اجمد، اهوه انت دلوقتي طلعت اخويا بحق وحقيقي يابيضا
قاطعهم «بربروس» وقد اشتعلت ثورته من «ياسين» ومن «الطبيب علي» أيضاً فنظر لـ«ياسين» قائلاً:
_اتعلم أنك أنسان سىء للغايه
فرد «الطبيب» مدافعاً عنه:
ماتقولش كده يابربروس
فدعم« ياسين» ماقاله «بربروس»:
لا أنا انسان سىء فعلاً هو ماكذبش
تبادلا النظرات وعم الصمت الأجواء انمحت البسمه من ملامحهم ببطىء عند رؤيتهم لمدى جدية« بربروس» ألقى «ياسين» الزجاجه من يده بعيداً بعدما أدرك من ملامح «بربروس» التى ارتسمت عليها الحزن أهميه الموقف وضع ذراعه على كتف «بربروس» بحب بعدما اعتلت الجديه وجهُ قائلاً:
_ لاتكن قفاشاً ومحراچاً ياسيدنا
نظر له بربروس نظره بعدم رضا فابتسم هو قائلاً:
للدرجه دي هي مهمه بالنسبالك؟
ابتلع «بربروس» ريقه وتنهد لتخرج كلماته مع تنهيدته:
نعم.. اعتقد ذلك
وضع «الطبيب علي» ذراعه على كتف« بربروس» بحب:
طيب ومستني أيه، دور عليها وقولها اللي جواك وافتكر أنك عارف كويس انه يجوز جداً انك تتزوج مسيحيه
ضربه «ياسين» بكتفه بلين:
_يلا اتحرك مستني أيه ، ماتسيبهاش تضيع من أيدك
ابتسم «بربروس» لهما هما الأثنان فأكمل حديثه:
_أتعلمان ، ما الحسنه الوحيده الذي فعلها العربي بمسيرته المسيئه؟
رد ياسين قائلاً وهو يضع يدهُ بجيبه الخلفي:
_اكيد انه عرفك عليا دي حاجه معروفه يعني
ابتسم بربروس وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً:
_ايها اللعين ، مع قبح وجهك هذا ولكن كلماتك صحيحه
ابتسم الطبيب لهما هما الأثنان ، انت اخونا التالت يابربروس
رد قائلاً:
_انا احبكما
ابتسم ياسين ابتسامه سخريه:
_لا ياعم ماليش في الألوان
انكمش حاجب بربروس باستغراب:
ماذا؟
رد الطبيب مسرعاً:
لا ابدا مافيش ، سيبك منه وروح شوف مارال
رحل بربروس ليستدير كلاً من ياسين وعلي ليجدوا الخاله أمامهم فأردف «ياسين» بقوله:
_أي ياكوكي مش تقولي أي حاجه كده بدل ما تجيبلنا ساكته تقلب بجلطه في الركب
جلست «الخاله» وهي تنظر لهُ:
مش ناوي ترجع تقولي ياما من جديد
جلس «ياسين» بجوارها يضرب كتفه بكتفها بلين:
_مش لايقه خاالص كلمه ياما على شكلك الجديد وبعدين ده أنتِ اصغر مني
جلس «علي» بجوارها من الجانب الأخر فاسترسلت هي حديثها:
وحشتني قعدتنا مع بعض ياولادى، بقالنا زمن ماقعدناش القعده دي
رد «على» وعيناه تطالع« ياسين» بثبات:
ساعات كتير كنت بتمنى نتلم تاني من جديد
_للدرجه دي أنا شخص مؤثر في حياتكم
ضربته الخاله بخفه على رأسه:
_بطل نرجسيه ياياسين، بس أنتَ بتتكلم صح أنتَ فعلاً كنت مأثر في حياتنا كتير
فسألها هو سؤاله التالي:
انا ليه كنت بقولك بأمي وانتِ مش أمي الحقيقيه
عمرك ماندهتني بأمي دايماً بتقولي ياما وبعدين انتوا عيالي
” حتى لو البطن ماشلتكوش القلب حضنكم وقفل عليكم ياولدي”
واليوم اللي هترجع تندهلي في بأسم ياما من جديد هيبقى بالنسبالي عيد
ابتسم «علي» بعدما تنهد ينظر اليها بامتنان فأخذته هي في حضنها لتضمه أليها تفرد ذراعها الأخر لتضم ياسين ولكنه استغرب مما حدث للتو قائلاً وهو يهز رأسه بالنفي:
_لا ماليش في العلاقات المحرمه انا
ضحك الثلاثه معاً فوجد تلك الصغيره تقترب منهما ابتسم لها بلطف يجلس القرفصاء أمامها ليصل الى مستواها:
_اهي الزبله جت اهيه
ظهر الحزن على ملامحها فأنمحت البسمه من على وجهُ ببطىء:
مالك وشك مكرمش ليه؟
_هي هدير فعلاً حسام خطفها
نظر خلفه الى الخاله التي كانت تطالعه هي الأخرى فأشارت له بعينيها أن يجاوب على سؤالها فأجاب عليها بما هو بعيد تماماً عن سؤالها:
_ايه رأيك لو اسألك سؤال لو جاوبتيه صح هقولك هدير فين بالظبط
أشارت الطفله برأسها بالأيجاب متحمسه لسؤاله فأردف هو قائلاً:
لو معانا سبع كراسي ومعانا عشر اطفال هنعمل اي عشان نخلي عدد الكراسي قد عدد الأطفال
استغرب كلاً من« علي والخاله» سؤاله فاجابت غدير بعدم تأكيد مما تقوله:
هنجيب ٣ كراسي تانيين
غلط، هنقـ ـتل تلاته احنا لسه هنجيب كراسي
انهى جملته وقف واستقام ينظر لها بثقه:
انتِ كده جاوبتي غلط وعشان كده مش هجاوبك على سؤالك بس بكره لما تلاقي هدير رجعتلك وبقت معاكي هي هتجاوبك بنفسها وهتقولك هي كانت فين؟
اجابت الطفله بفرحه تملىء وجهها:
يعني بجد هدير هترجع
اشار براسه بثقه:
اكيد هرجعهالك وعايزك ماتنسيش هتجيبي كراسي لو بقيتي في مشكله
اشارت الطفله برأسها بالنفي:
لو هتجيبلي هدير هبقى قويه وهقـ ـتل التلاته
ابتسم ابتسامه رضا:
حبيبه قلب ياسين والله
______________(بقلمي ماهي احمد)__________
ترجل من سيارته يفتح باب السياره لها يجذبها من مرفقها بلين قائلاً:
انزلي ياغرام
وكان جاوبها كالتالي:
مش نازله
جذبها بقوه من ذراعها واغلق باب السياره أبعدت هي يده عنها بقوه:
سيبني خلاص هاجي معاك
ترك شريف مرفقها ينظر خلفه ليتأكد من مجيئها دق باب صديقه« مازن» المقرب لهُ فتح صديقه باب منزله فلكمه على وجهُ بشده وقع أرضاً مغشياً عليه قيد يديه وقدمه بالحبال وكانت تقف معه غرام مذهوله مما يحدث:
_بتعمل ايه ياشريف
ادار رأسه يطالعها وهو مازال يستكمل تقييد صديقه:
_بربطه زي ما أنتِ شايفه
شريف انا مش فاهمه حاجه
دلوقتي هيفوق وهنفهم احنا الاتنين سوا
ذهب شريف الى المطبخ بعدما قيد مازن بالحبال جيداً وأتي بزجاجه كبيره من الماء القاها بوجهُ فاستعاد صديقه وعيه وهو يشهق مما حدث نظر لهما بعدما افاق سائلاً:
_في ايه ياشريف أنتَ بتعمل كده ليه؟
اجاب والبرود ملازم لملامحه:
أنتَ اللي هتقولنا دلوقتي وحالاً أنت عملت كده ليه؟
ابتلع ريقه بعدما سحب نفساً جاهد في التقاطه:
أنت عرفت؟
شاور براسه بالأيجاب فرد هو مؤكداً:
انا عملت كده ياشريف عشانك كنت وقتها ضايع ومضايق كنت بدور على العيال اللي اغتصـ بوا غرام معاك دي بأي طريقه مكنتش بتنام ولا بتاكل ولا بتشرب لحد ما لقيتهم ولما طلبت مني اني القاهم أنا ما اتأخرتش وجيبتلك عيل منهم هنا فاكر ياشريف
أشار «شريف» بأصبعه بحركه دائريه:
وبعدين كمل ايه اللي حصل لما جيبته هنا:
_اتكلمت معاه قبل ما انت تيجي و العيال دي طلعت غلابه ياشريف اضحك عليهم من جابر المنفلوطي زي ما اضحك عليك بالظبط دي عيال صغيره ومستقبلهم كان هيضيع ووقتها لو كانت غرام عرفت إنك اغتصـ ـبتها فعلاً مكانتش هترضى تتجوز أخوك وأنتَ كنت هتحس إنك السبب وكانت هتبقى مشكله كبيره
انكمش حاجب غرام سائله:
يعني أيه، يعني شريف هو اللي اغتصـ ـبني فعلاً
ايوه هو اللي اغتـ ـصبك بس هو مكانش في وعيه جابر المنفلوطي أمر والعيال دي يحطوله مخـ ـدر عشان يحصل اللي حصل ولما مسكت عيل منهم لاقيتهم غلابه عايزين يعيشوا مش أكتر يعني أكتر واحد كان هيضر فيها هو شريف
لكمه شريف على وجنته بقوه:
انجز، أخدت كام؟
تألم بعدما صك على أسنانه:
٢٥٠ الف أخدت ربع المبلغ اللي المنفلوطي ادهولهم ولما انا اتصلت بيك وجيبتك والواد كان هنا اخترعنا عليك حته انك مغتصـ ـبتهاش وبكده الكل يكون فرحان
طيب والدكتوره!!
كانت« غرام» تسأله والرجفه تظهر على شفتاها فرد هو على سؤالها:
لااا دي سهله احنا عارفين بتشتغلي في أنهُ مستشفى وأكيد هتكشفي فيها.. اديناها اللي في النصيب عشان تقول اللي احنا عايزينه وبكده الكل بقى مبسوط انتِ رديتي تتجوزي عز وشريف الذنب اتشال من عليه والعيال دي مادخلتش السجن وشريف ماتحبسش وانا اخدت اللي فيه النصيب ما هو كده كده شريف مكانش في وعيه وانا عملت كده عشانه
امسك شريف بهِ بغيظ بعدما قبض يده يستعد لضربه من جديد فأوقفته غرام عن فعلته:
كفايه كده ياشريف، انا خلاص عرفت الحقيقه
فتحت الباب تستعد الرحيل فجذبها هو من مرفقها قائلاً:
غرام استني، انا مكنتش في وعيي اليوم ده، انا كنت ضحيه مؤامره دنيئه عملها جابر عشان يوقع أخويا، ياريتني كنت
مـ ـت ولا إني اشوفك واشوف اخويا بتتعذ بوا بسببي في يوم
نظرت له غرام والدموع تملىء عينيها جاوبته بكل تلقائيه:
_ياريتك كنت مـ ـت وقتها، انا مش عارفه اعمل ايه، واتصرف ازاي مش قادره اشوفك قدامي وانت دمرتني، وارجع اقول غصب عنك نفسي أخد حقي منك ومش عارفه
رحلت تبعد عن ناظره يراها تبتعد عنه اوقفت تاكسي حتى وصلت الى منزلها نزلت أمام منزلها لتجد من يضعها بالسياره عنوه ويأخذها من أمام المنزل ظلت تصر خ كثيراً فضر بها على رأسها ضر به افقدتها الوعي تماماً
____________(بقلمي ماهي احمد)__________________
ذهب هو يحاول البحث عنها بكل مكان حتى وجدها تحضر علبه الحقن وتحاول فتح الصندوق الخاص بها ولكنها لا تستطيع فكان الصندوق محكم الغلق فوجدته أمامها وفتح لها الصندوق بكل سهوله تبادل بربروس ومارال النظرات قليلاً فارتبكت هي قائله:
شكياً
انكمش حاجبه باستغراب سائلاً:
من أجل ماذا؟
ادارت ظهرها لهُ تنحني لتلتقط ما بداخل الصندوق بيديها:
عشان فتحتلي الصندوق
ابتسم هو بعدما أشار برأسه وهو يقول:
على الرحب والسعه
حاولت تركه وترحل لاستكمال ماتفعله ولكنه وقف أمامها من جديد يحاول التكلم معها:
_أريد التحدث معكِ لدقائق قليله
قاطعته هي:
بيدقوس ، صدقني مافيش حاجه تتقال
تركته لتستكمل ما كانت تفعله ويراها تبتعد أمام ناظره فارتفع صوته قائلاً:
ماذا لو أخبرتك بأنني اشتاق إليكِ كل ليله ، وأنكِ لا تفارقين عقلي، وأني لا أشعر بالحياه إلا بوجودك
استطاعت كلماته أن تلمس قلبها وتوقفت قدماها عن الحركه ظلت ثابته مكانها أغلقت عينيها تستشعر مذاق كلماته التي اخترقت قلبها دون استئذان شردت لثواني بعدما عرفت البسمه طريق شفتاها، ثم افاقت من شرودها حاولت عدم الأنخراط فيه انمحت البسمه من على وجهها ببطىء ثم استدارت له ُ لتصبح أمامه من جديد قائله:
ماينفعش يابيدقوس، ماينفعش أنتَ مسلم وانا مسيحيه و
بتر كلامها قائلاً:
فديني يسمح بالزوا..
قاطعته هي قائله:
لكن ديني أنا اللي مقتنعه بي مايسمحش ، ولا الكنيسه هتوافق في يوم وانا مش هيتد عن دين المسيحيه مهما حصل ، حتى لو كنت
توترت بكلماتها الأتيه فتنهدت قائله:
حتى لو كنت بعزك
اقترب منها خطوه واحتضنت عينيه عيناها، يرتوي من ملامحها الصغيره ارتسمت البسمه على شفاه فزادت من وسامته فوجد قلبه يقول حروف يترجمها لسانه الى كلمات :
“يؤمن العقل بعقيدته ويعشق القلب من عقيده غيره، فقد أحبك القلب يالبه القلب”
وضع يده على خصلات شعره بحنق:
ربـــــــــاه، لقد أحبك القلب بصدق
خفق قلبها بشده عند سماعها جملته تلألأت الدموع بعينيها فرحت عند سماع جملته وحزنت أكثر عندما أدركت مدى حبه لها وهي لا تستطيع ان تجاريه في مشاعره مسحت دموعها من على خديها قائله:
أنا لازم أمشي
كان قرارها حاسماً مما جعله يقول:
_لا اعلم ما الذي سيحدث بالغد ، ولكن أريد أن أوصيكِ بشىء فربما تكون هذه المره الأخيره التي نتقابل بها يامارال
“فليشهد الله أني احببتك ، فأذا نمت وغابت النون فالدعاء وصيه بيننا يا أخت عمار”
أبتلعت ريقها وتنهدت دون النظر اليه مكمله سيرها ليقول هو بداخله:
_تــبـــاً، للبشر
______________(بقلمي ماهي احمد)_______________
كانت تقف بعيداً نسمات الهواء تداعب خصلات شعرها أغمضت عيناها لتملىء رئتاها بنسمات الهواء البارده المنعشه
فتحت عيناها من جديد لتجدهُ أمامها تغلل التوتر الى قلبها مما جعل «ياسين» سائلاً:
_خوفتي
ابتلعت ريقها تحاول تهدئه نفسها فقربه منها يزيد من توترها و نبضات قلبها ابتسمت ابتسامه تحاول فيها اخفاء توترها قائله:
ومم أخاف!!
كان جوابه سريعاً وهو يقترب منها خطوه ليصبح أمامها:
من قربي منك أو ممكن من اللي هيحصل بكره، ومن اللي هيحصل بعد اللي هيحصل بكره
_ولكني متأكده من فوزك، طالما وضعت يدك بيد عمار سوف نفوز بالتأكيد
تحدث «ياسين» موافق على كلماتها:
أنتِ عندك حق انتوا هتفوزوا بس أنا في الحالتين هخسر
انكمش حاجبها باستغراب فلم تستطع فهمه بجملته الأخيره
وهو لم يستطع كبت ما بداخله أكثر من ذلك لمعت الدموع بعيناه، كل كلمه بداخله تحدث بها نابعه وصادقه من قلبه:
مالك مستغربه ليه؟
أيوه ياشمس في الحالتين أنا اللي هخسر، في الحالتين أنا اللي همو ت، لو مامتش في المعركه، فهمو ت لو فوزنا، مش هقدر اتحمل لو شوفتك بعد ما نفوز يبقى هو أول واحد تجري عليه وتترمي في حضنه في الحالتين همو ت ياشمس
وضع صوابعه بين خصلات شعره ينظر بالأتجاه الاخر يحاول اخفاء دموعه حتى لا تراه وتلمس نقطه ضعفه
عارفه المشكله في ايه:
أغلق عيناه ووجد دموعه تنهمر منه أمام عيناها بغير رضاه استسلم لقلبه أخيراً وطاوعه عقله قائلاً:
المشكله إني مش قادر افضل احبك
ولا قادر حتى اكر هك، حاولت، حاولت اكر هك كتير بس معرفتش.. ماقدرتش
أنا مش عايز حاجه منك، أنا بس كل اللي عايزه إني ماحسش بحاجه تجاهك، قلبي واجعني، مش عايز افكر فيكِ، ولا عايز أهتم بيكِ ولا عايز احبك، انا مش عارف اعمل ده ازاي، مش عارف أكر هك ازاي، اوعي تفتكري أني ماحاولتش، حاولت ، وحياه ربي حاولت .. حاولت اشيلك من قلبي ماعرفتش، ياريتني ما كنت شوفتك ولا دخلتي بيتي في يوم
كانت تطالعه بأهتمام زائد فكل كلمه نطق بها الأن كانت صادقه، من صدق كلماته النابعه من صميم قلبه لامست كلماته قلبها وجدت الدموع تلمع بعينها حاولت اخفاء ملامح وجهها ولكنها لم تستطع فلامست دموعها خديها، كانت هناك لحظات صمت بينهما فنظرات عينهما أعظم من الكلمات الأن كسرت هي صمتهما بقولها هذا:
_انساني ياياسين
قالت كلماتها وهي تسمع صوت تحطيم قلبها، فدعم هو قوله بقولها ممسك بمرفقها بعنـ ـف:
انا عايز انساكي بس ازاي ، لازم تساعديني عشان انساكي ساعديني، انا كسرت نفسي قدامك الف مره، ولسه بكسر نفسي تاني وانا واقف قدامك بترجاكي
“الروح تعبت من الرفض ياشمس”
لحد ما كر هت نفسي، وكر هتك، وكر هت الدنيا كلها كر هتك عشان وصلتيني للي انا فيه دلوقت انا حتى مش عارف عشقتك ليه؟
فاستكمل حديثه قائلاً:
“وإن سألني أحدهم لماذا أحببتك لهذه الدرجه وأنا ورب العزتي لا أعلم سوا أنني وجدت روحي فيكِ”
ادار ظهره لها يستعد للرحيل فنطق لسانها حروف اسمه دون ان تشعر:
_يـــــاسـيـن
تحدث دون ان ينظر لها فكان الامر اشبه بشعور طفل ابكم، اغلق الباب على يده ولم يستطيع الصر اخ فرد قائلاً:
أي كلمه هتقوليها بعد اللي قولته هعتبرها شفقه وأنا ماقبلش أن حد يشفق عليا بحبه في يوم من بعد المعركه أوعدك ووعد الحر دين مش هتشوفيني تاني ياشمس
وعد «ياسين» لم يكن بأي وعد فعندما يوعد يوفي وكان هذا الوعد، الوعد الثقيل على قلبه
_______________(بقلمي ماهي احمد)_______________
هي مارال جابت الصندوق اللي بره ولا لسه
كانت هذه جمله يزن للواقفين أمامه نظر أمامه يبحث بعينه عليها حتى اردفت ساره:
لسه ماجاتش من بره انا بعتها تجيبه
فسألت ميرا قائله:
أنتَ متأكد أن احنا ممكن نفوز بكره فعلاً يايزن
أشار برأسه بالنفي على سؤالها:
والله مش عارف ياميرا بس على الأقل هنحاول، هنحاول نعمل كل شىء في ايدينا ونسيب الباقي على ربنا
أشارت «ميرا» برأسها تدعم قوله فاقترب« يزن» من ساره قائلاً:
ممش ناويه تعقلي بقى وماتجيش معانا بكره
اخذ «رعد» يطالعهم فنادى على «ميرا»
_ميرا عايزك بره ثواني
رحلت ميرا معه فلاستكمل «يزن» حديثه مع «ساره»
_بلاش ياساره تيجي بكره معانا أنا مش هتحمل لو جرالك حاجه
فردت هي عليه بقوله بعدما جلست على الأرضيه تربع قدمها:
ولو أنتَ جرالك حاجه تفتكر أنا اللي هتحمل وبعدين بقولك ايه يانعيش عيشه فل يانمو ت أحنا الكل ايه رايك بقى
انطق هو كلماته سريعاً:
بعد الشر عليكي من المو ت، أنتِ هتعيشي لحد ما يبقى عندك ١٠٠ سنه وهتبقى عجوزه كركوبه في سريرك وحوالينا احفادنا بيتنططوا حوالينا وأنتِ مش هتبقي طايقه نفسك وتقوليلي ابعد عني العيال دي يايزن ما انتي هتبقى كبيره بقى ومش متحمله
ابتسمت هي تضربه بخفه على يده:
ياسلام وأنا هكبر لوحدي وأنتَ مش هتكبر يعني ما أنتَ هتكبر وهتبقى عجوز وكركوب قد كده كمان
“العجز في قربك، ولا الشباب في بعدك ياساره”
ابتسمت هي بخجل لاحظه هو:
الضحكه دي ياكوتي ياخلاثي ياجماله
احمرت وجنتيها اكثر قائله:
بطل بقى يايزن بس تعرف انك عسل اوي وجميل اوي
فرد هو يغمز لها بطرف عيناه:
“ده جمالك ياساره هو اللي محرك الستاره ونافخ في السيجاره ومحير العماره”
ردت هي معترضه على جملته السابقه:
_لالا.. بطل اي القرف ده سيجاره، وعماره، وستاره بطل يايزن
_طب والله حلوه ياساره
لاء وحشه اوي وبعدين خلينا نتكلم جد شويه
تنهدت هي قائله:
أنا بجد اسفه يايزن انا مش عارفه ازاي ضيعت الوقت ده كله في بعادك ازاي ماحسيتش بيك وبحبك من زمان:
نظر بجواره ممسكاً بكف يدها:
“تحت رجلك الوقت إللي ضاع و إللي بيضيع و إللي لسه هيضيع ، فداكي الدنيا بناسها وهمومها ياساره”
______________(بقلمي ماهي احمد)__________
كنتى فين ياشمس؟
كان هذا سؤال «عمار» لها بعدما تعب في البحث عنها ، مسحت هي دموعها سريعاً حتى لا يراها، فسألها برفق:
أنتِ كنتي بتعيطي؟ حد زعلك؟ في حد ضايقك؟
هزت رأسها تنفي ما يقوله:
لا ، لم أكن أبكي من سبب معين بل طرفت عيني لا أكثر
لم يصدق كلمه مما قالته فسألها سؤالاً اخر:
أنتِ خايفه من بكره عشان هتيجي معانا صح ، انا مش عايزك تخافي المره دي انا بقيت أقوى من الأول بكتير ياشمس وهعرف احميكي منهم، وهقـ ـتل العربي وهنرجع بكره كلنا مبسوطين عارفه ايه اول حاجه هعملها أول ما نرجع
نظرت لهُ تحاول أن ترسم البسمه على شفتيها:
_لا اعرف
قالها سريعاً:
هتجوزك، هنتجوز ونبعد عن اي مشاكل ممكن تحصلنا في يوم هنخلف عيال كتيره وكلهم هيبقوا بنات وكلهم هسميهم شمس
نظر الى الأرضيه فوجد رباط الكوتشي مفكوك فانحنى وهو يذم شفتيه يربط لها رباط الكوتشي:
_رباطك ياشمس
ابتسمت ابتسامه عريضه من كلمته هذه قائله:
بعد يوم الغد سأحاول تعلم ربطه الكوتشي منك
فرد عليها هو يطالع ملامحها البريئه:
وانا لما ارجع من المعركه هطلب أيدك من مامتك
_____________(بقلمي ماهي احمد)________________
كان الجميع مشغولاً بما يفعله الا هو ، فالقلق ينهش من قلبه يتمنى مرور الساعات بفارغ الصبر شعر وكأن الدقائق تمر ببطىء كبطىء سلحفاه عاشت من الزمن ما يكفي لتقف مكانها دون حراك فنطق «عز»» قائلاً:
حاول تهدي نفسك ياداغر ، انا متأكد ان هدير بخير عمره ما هيعمل فيها حاجه
أنا حاسس ان هيجرالي حاجه ياعز ، عايز اتحرك بس عمايا مخليني واقف مكاني مستني أمر حكيمه مش عارف أتحرك من غيرها، أنا معرفش حتى فين القريه اللي بيقول عليها الزفت اللي اسمه حسام ، مش عارف أعمل اي حاسس ان ايديا متكتفه ازاي اسيبها وانا عارف انها بتتألم دي بتكر هه بتكر ه حتى سيرته ازاي اسيبها معاه طول الوقت ده شيفاه قدامها
رد عليه عز قائلاً وهو يحاول تهدئته قليلاً:
طيب ايه رايك، ايه رايك لو نفكر شويه ما برضوا عصبيتك دي مش هتفيد بشىء
رد على كلامه بسؤال اخر:
الساعه كام، قدامنا قد أيه على الفجر
نظر «عز» في ساعه يده:
الساعه دلوقتي
بتر «بربروس» كلامه بدخوله عليهم الغرفه:
_أذان الفجر سيؤذن بعد قليل هيا فلنتوضأ جميعاً ونصلي الفجر حاضر ندعي الله عز وجل حتى ينصرنا عليهم بأذن الله
ذهب بربروس لياسين ليجده يجلس وحيداً فسأله:
_ألم تسمع أذان الفجر وهو يؤذن
تنهد واخذ نفسه بعمق
_ااه سمعته
جلس بربروس بجانبه:
حسناً، هيا لنصلي سوياً
_ايوه بس
أمسك بكف يده يجذبه خلفه قائلاً:
صلاه الفجر ياياسين، هيا أيها العاق
_____________( بقلمي ماهي احمد)__________
شروق يرتدي لون النقاء بعد عتمة الليل فيبث أنفاسه بنسمات تبعث في الروح أملاً بأن القادم أجمل بإذن الله
كان الكل يستعد ليتوضأ ويصلي الفجر اجواء جميله تحدث بينهما وكأنهم عائله تجمعت من بعد غياب الكل يتوضأ النساء ترتدي ملابس بيضاء يرتدون الحجاب الأبيض على رأسهم والرجال تستعد للوقوف في الصفوف الأماميه يترأسهم بربروس يصلي بهم صلاه الفجر ما أجمل صوته في تلاوة كلمات ﷲ عز وجل يقول:
«يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا»
وفي هذه اللحظه وعندما قال «بربروس» الله اكبر ركع الجميع لكي يدعي بما داخل قلبه حتى سلم وانتهى من صلاه الفجر رفع يده ليدعي ربه وأخذ يدعي والكل من خلفه يوئمن من خلفه :
اللهم ارحمنا، وخذ بيدنا ولا ترجعنا الا ونحن منتصرين
االجميع من خلفه بصوتٍ واحد:
_أمــــين
وفي هذه اللحظه اشعلت مارال شمعه تضم كفيها وهي مغلقه العينين تدعي الله عز وجل قائله:
«أبانا الذي في السموات،تمجدك كل الطغمات،نصرخ إليك في الضيقات،يا أبانا الذي في السموات ليتقدس إسمك يا معين،
وليتبارك في كل حين،»
__________________
واجعلها سنة حصاد يوسف بعد تعبه وراحه ايوب بعد صبره
الجميع من خلفه:
أمـــين
____________________
مازالت مارال تدعي رب العالمين:
إرحم عبيدك الخاطئين،كما في السماء كذلك،على الأرض أنت السيد المالك،نج عبيدك من المهالك،
يا أبانا نج بربروس من هذه الضيقه ورجعه سالماً غانم»
أغلقت عيناها ونفخت من روحها في الشمعه، وسلم بربروس يساراً ويميناً وسلم الكل من بعده يستعدون جميعاً للمعركه تحرك الجميع يصعدون الى السيارات ولكن بدون الغريب وزهره تاركين الطفله معهم ليجد عز شريف يصعد بجانبه الى السياره فاعتلت الصدمه على وجهُ:
_شريف ايه اللي جابك
وانت تفتكر ولو للحظه أني ممكن اسيبك لوحدك، انا في كتفك ياعز
ابتسم عز لشريف بامتنان ليتحرك الجميع باتجاه القريه
____________( بقلمي ماهي احمد)__________________
وجدت نفسها بغرفه مظلمه تحاول أن ترى ما حولها ولكنها لا تستطيع بسبب القماشه السوداء التى تغطي وجهها، نزع القماشه من على وجهها ينظر لها باشمئزاز فدب الرعب بقلبها عند رؤيته:
_ايه شوفتي شيطـ ـان ياغرام، ده انا حتى ملامح وشي تستحق تبقى بُصله لكل ضائع
أخذت تدمدم بكلمات لا يفهم معناها بسبب ذلك اللاصق على شفتيها فنزع هو اللاصق بقوه فشعرت بالألم الشديد على شفتاها مما جعل صرخاتها ترتفع:
_كنتي بتقولي حاجه ياغرام
صكت على أسنانها بغضـ ـب عارم:
أنتَ عايز مني أيه؟
ادار لها ظهره يتكلم ببرود:
مش انا اللي عايز
اشاح الستاره بيده وأشار بأصبعه على تلك الموجوده هناك:
شايفه اللي موجوده هناك دي هي دي اللي عايزه مش انا
اعتلت الصدمه ملامح وجهها قائله:
_هديـــر
______________( بقلمي ماهي احمد)_________
كانت الشمس تتوسط السماء تبث اشعتها الحارقه بكل مكان دخلوا هما من جهه الصحراء طريق لا يعلمه سوا حكيمه و«ياسين» قبل ان يفقد ذاكرته
_______________
وقف «العربي» أمام منزل «ياسين» ينظر لهذا المنزل بابتسامه سخريه يتذكر ما حدث بهذا المنزل قديماً بأجتماعه هو والضبع والمهدي ينظر لنفسه نظره انتصار فهو الناجي الوحيد بينهم الأن
ادار وجهُ لجيشه الذي صنعه حديثاً قائلاً:
القريه دي كانت قريتنا زمان والبشر أخدوها مننا احتلها عيله الصاوي بس دوام الحال من المحال من اللحظه دي هنبيد أي حد من عيله الصاوي اللي فاضل منهم هج، واللي باقي منهم هنقـ ـتله اللي هيحصل النهارده مش هيحصل تاني في يوم عشان هيحصل مره واحده بس
___________________
بدأت «حكيمه» بتوزيع الأدوار عليهم جميعاً:
البسوا دي
كانت الملابس التى توزعها عليهم عباره عن عباءات سوداء بها عشبه القصيص حتى لا يشتم «العربي وحسام» رائحتهم وزعت الأدوار عليهم كالتالي:
مارال وساره زي ما علمتكم ازاي تطلعوا الشجر العالي هتطلعوه دلوقتي
اعتلت كلاً من« مارال وساره» شجره عاليه بعيده عن القريه ومعهم قناصات بها من الحقن ما يكفي على ظهورهم
فأشارت للبقيه بيديها:
ميرا، بربروس، علي، ياسين، داغر، عمار انتوا معايا جوه المعركه ياسين وعمار من اللحظه دي مهمتكم العربي انتوا أيد واحده
شريف، عز، رعد، يزن
هتبقوا جوه البيوت الفاضيه اللي قدامكم
أشار الجميع برأسه بالموافقه وكل منهم أتخذ مكانه على حدا
ذهبت حكيمه يتبعها الأخرون يتوغل كل منهما بداخل الواقفين يتخذ مكانه على حدا فيستكمل العربي حديثه:
بعد ما نكسب معركه النهارده اللي أكيد هنكسبها ونقـ طع أعدائنا لقطع بأسننا، عايز أقول لكل واحد فيكم أن العالم هيبقى ملكنا مش هيبقى ناقصنا شىء
ارتفع هتاف الموجودين في الأرجاء بينما يتوغل داغر بينهما هو وحكيمه وياسين وعمار والأخرين على حدا يستمعوا لما يقوله العربي ينظرون هنا وهناك بحذر فأستكمل العربي حديثه:
أنتوا عارفين المشكله في أيه، ان اللي بيحاربونا مننا من
د منا عايزين يقطعوا نسلنا، دول مش من أهلنا دول اعدائنا ولازم يمو توا ونقلع جذورهم من ارضنا، مايستاهلوش نقول عليهم من جنسنا
فهتف الجميع وارتفع الصياح موافقين على ما يقوله العربي:
نظر «العربي» الى جهه اليمين يوجه كلامه اليها:
خيبتي ياحكيمه ومابقاش ليكي عازه خلاص، لو افتكرتي للحظه أن عشبه القصيص مش هتخليني اشم ريحتك بعد ما اللعنه اتفكت فتبقي عبيطه مابقاش في حاجه تقف قدامي خلاص
أتجهت جميع الأنظار من المستذئبين جهه اليمين ينظرون للخاله فاستكمل العربي حديثه ووقف بجانبه حسام والجزار داعمين له ُ:
أنا شامم ريحه كل واحد فيكم حتى لو مكنتش شايفكم، انتوا دخلتوا النار برجليكم بس ماجيبتوش الشمس معاكم عشان كده
اشار العربي بعينيه الى حسام فجاء بغرام وهدير الممسكه ببطنها بألم شديد قائلاً:
هدير بتولد ياداغر، هستمتع بتقطيع أبنك بعد ما امص د مه
نظر عز الى غرام وقد اعتلت الصدمه وجهُ فهذا هو أخر مكان ممكن أن يراها فيه حاول أن يخرج من المنزل المهجور هذا ولكن منعه كلاً من رعد وشريف
_اهدى ياعز لسه الاشاره ماجاتش ماتبوظش كل حاجه
أنهى شريف جملته وصك عز على أسنانه من الغـضـ ـب محاولا تهدئة نفسه من جديد
وضع حسام أظافره على رقبه غرام والعربي وضع أظافره على رقبه هدير فسال د مها من بين يديه فاستنشق جميع المستذئبين د مها فقال العربي:
دي آخر مره هطلب منك فيها أنك تسلمني «شمس» ياداغر وإلا بعد كده هسيبها ليهم
دخلت« شمس» من بين الجميع مرتديه القلاده ، دخلت دخول مميز وكلما تحركت خطوه يفسح الجميع لها المجال فوقفت أمام العربي بينها وبينه مترين تقريباً تضع السلاح على رأسها:
_أنا أمامك بكامل أرادتي ولن أسلمك نفسي قبل أن تتركهما معاً
ابتسم العربي على هذه الخدعه التافهه ولكنها نجحت بجذب انتباهه لها فتحرك «ياسين» و «عمار،» بين الحضور يحاولون الأقتراب منه، كل واحد منهم من جهه يقتربون ببطىء حتى لا يلتقط رائحتهم سريعاً:
وأنتِ بقى عايزه تفهميني إنك فعلاً هتقـ ـتلي نفسك
فردت عليه بثقه مبالغ بها:
نعم،و أنت َ تعلم جيداً أني قادره على فعلها.. اذا مـ ـت أنا على يد أي شخص هنا غيرك سيمتلك هو القوه وستصبح أنت الضعيف
نظر المستذئبين لبعضهم البعض بحيره أحقاً ما تقوله صحيح فأستكملت شمس حديثها:
وإذا قتـ لت نفسي بيدي ستظل أنت ضعيفاً والموت سيحاوطك من كل مكان
اعتلى الغـضـ ـب ملامح وجهُ فقد نالت منهُ بنت المهدي حقاً وقالت بنبره بها من الأصرار مايكفي:
أتركهم في الحال
انزل العربي أظافره من على رقبه هدير ببطيء وأشار بعينيه الى حسام فبعد يديه عن غرام قائلاً:
قربي يابت المهدي
اقتربت شمس منه بحذر فأمر الجزار رجاله أن يحاوطوه العربي فأصبحوا كالجدار يحموه بأرواحهم ترك هدير وغرام فابتعدوا خطوه وتقترب هي خطوه أخرى منهم ويقترب داغر معها ليأتي بهدير نظر حسام لداغر يحدث نفسه قائلاً:
مش بالسهوله دي هتاخدها مني ياداغر
وقبل ان ترمش لها عين وقف حسام أمامها يأخذها لبيت من البيوت المهجوره أمامهم يخبأها من «داغر» استطاعت
« غرام» الهرب وعمت الفوضى في الأرجاء بعدما اعطت «حكيمه» الأشاره لهم فكلاً من «ساره ومارال» يصوبون بالحقن عليهم فيقع المستذئبين أرضاً وحكيمه سرعتها عاليه حقاً كانت تقتـ ـل كل من يعترض طريقها أما عن ميرا فتحولت لذئب شرس يستطيع أن يفتك بأسنانه ما يقابله أمامه و«بربروس» وقف بظهر« علي» يحمي كل منهما الأخر تجمع حولهما عدد كبير من المستذئبين فتحولت عينه للون الاسود وفرد اظافره ليهتك بهم وظهر الجانب السىء من شخصيته فكان يقف« علي» خلفه يشق رقبه كل من يتعدى عليه في الحال
دخل المستذئبين البيوت المهجوره فكان يطلق عليهم« عز» الرصا ص الممزوج بالفضه في قلوبهم يمنعهم من دخول البيت ويحاول الوصول الى« غرام» يحمييه «شريف» من الخلف
اما عن« يزن» فهو يجلس فوق السطوح يملىء قناصته بالرصاص يحميه «رعد» من الخلف ويقتل كل كائن حي يتحرك بالمكان
___________________
يريد جميع المستذئبين الأن الوصول الى« شمس» فمن
يقتـ ـلها تصبح قوته أكبر يحميها كلاً من «ياسين وعمار» بروحهما يفتكون بكل من يحاول الوصول إليها ينظر« ياسين» الى «عمار» نظره صارمه قائلاً:
حاول تخرج بيها من هنا وسيب الباقي عليا:
يفتك« عمار» برقبه واحد منهم وهو يقول:
مش هتقدر عليهم لوحدك
فكانت نبرته هي الأقوى وهو يحول عينيه للون الأحمر قائلاً:
اسمع كلامي بقولك
قبض «عمار» على كف يدها بقوه محاولاً الخروج بها من هذا المكان البغيض فتجمع المستذئبين من حول «ياسين» فعددهم كبير، تحولت عين
« ياسين» للون الأحمر القاتم وأخذ يهتك بهم هنا وهناك فكانت سرعته مبالغ بها هو نفسه لم يصدق ما يحدث لهُ، فكان يقـ ـتلهم بسهوله بالغه
_________________
كان «داغر» يبحث عنه بكل شبر بالقريه وبكل بيت بها حتى وجدته غرام والنهجه تعتلي صدرها من كثره الركض خلفه ذهبت إليه مسرعه قائله:
_هدير في البيت اللي وراك ده.. انا شوفتهم وهما بيدخلوه ياداغر هدير بتولد لازم ابقى معاها
صك هو على اسنانه يقبض يديه بقوه قائلاً:
اتحركي أنا وراكي
رحلت غرام وبدأ هو يركز سمعه على خطوة قدمها حتى ذهبوا الى ذلك البيت المهجور، فتح الباب بحذر و «غرام» خلفه لم يجدوا شىء به استغربت غرام قليلاً تسأل داغر:
_ ازاي انا شيفاهم وهما داخلين هنا بعنيا
أغمض هو عينه بعدما حاول التقاط رائحته فألتقط رائحته اخيراً، فتح مخبأ تحت الأرض ليجده بأنتظاره يبتسم له ُ تعتليه نظره مليئه بالخبث قائلاً:
أتأخرت ليه ياحبيب أخوك مراتك بتولد ، كده كنت هتفوت عليك الولاده بتاعتها
ابتسمت هدير عند رؤيه داغر أمامها وهي مستلقيه على ظهرها شعرت بشعور غريب عند رؤيته ذلك الشعور حينما تهجم علينا موجه حاره شديده وينقذنا سريان اول خيط من نسيم الهواء المنعش، ذلك الأنتعاش المحبب لقلوبنا هو ما اصابها عندما وجدت داغر يتوسطهما منتظراً ما سيفعله حسام ولم ينتظر كثيراً حتى وجده يقول:
استنيتك كتير ياحبيب اخوك ودلوقتي جه وقت الانتقام وهدير بتشوفني وانا بقطـ ـع من جسمك حتت عشان تعرف مين فينا الاقوى
صر خت« هدير» صر خه بها ما يكفي من ألم فذهبت «غرام» إليها مسرعه وهي تقول:
_هدير حاولي تتنفسي ، اتنفسي ياهدير
رفع حاجبه ينظر خلفه بابتسامه صفراء:
الظاهر ان ابنك هيتولد ويشوفك وانت بتمـ وت قدامه
ابتسم داغر ابتسامه لئيمه واكتفى بها عن الكلام فأخرج كلمه واحده فقط من بين شفتيه:
خلصت كلام ، يلا نبدأ
نظر حسام أمامه فلم يجده نظر يميناً ويساراً يبحث عنه فسمع صوت داغر وهو يقول:
بص فوقك
رفع حسام رأسه ليجده يغرز أظافره بالسقف ويسقط عليه مسرعاً ليوقعه أرضاً
كانوا ومازالوا بداخل المعركه فكلما يقـ ـتلون عدد كبير منهم تتزايد اعدادهم كالجراد بكل مكان نظر «بربروس» خلفه «لعلي» يحاول الصمود:
_وحسرتــــاه على مانحن فيه الأن فهم يتكاثرون مثل الذباب
غرز على أسنانه برقبه واحد منهم حتى شـق رقبـته قائلاً:
أثبت يا«بربروس» أحنا مش هنطلع منها غير واحنا ميتين ياكسبانين أنتَ فاهم
أشار بربروس برأسه لـ«علي» دليل على موافقته وفي تلك اللحظه تحاول مارال مساعدته من بعيد فكانت تصيب كل من يقتـرب منهُ وتغرز الحقـن بأجسادهم لاحظ مستذئب منهم قدوم الحقن من الخلف فنظر للأعلى فوجدها فوق الشجره فأتجها نحوها لاحظ بربروس ذلك فحاول اللحاق بهِ ولكنه لم يستطيع من كثره المستذئبين بأتجاههم
____________(بقلمي ماهي احمد)___________
كانت ميرا تحاول الفتك بأي مستذئب يقترب منها أقتربت منها الخاله فاخبرتها بصوت مرتفع وسط المعركه:
ميرا حاولي تطلعي «ياسين» من اللي هو فيه «ياسين» هو الوحيد اللي هيقدر يخلصنا من العربي ونخلص من كل ده
أشارت ميرا برأسها دليل على الموافقه وأخذت الخاله مكانها دخلت من بينهم تفتك بأسنانها كل من يحاول الأقتراب منها وجدت لدي الكثير من المستذئبين فنطقت الخاله مسرعه:
_يزن أحمي ضهر ياسين
اشار يزن برأسه وأتجه يصوب على الجهه المقابله حتى يتسع لياسين الخروج من تلك الدائره الشرسه
____________
رحل «عز» يبحث عن غرام هنا وهناك بعينان حائرتان يحميه شريف من الخلف على مسافه بينهما حتى وجد الجزار ابتسم عز ابتسامه صفراء فأخرج سلا حه مسرعاً وقبل أن يضغط الزناد ضغط الجزار على سلا حه قبله فأصابه بطلق نا ري ليقع أرضاً نظر شريف الى عز يصر خ بأسمه والصدمه تعتلي وجهُ
_عز
_________________
دخل عمار بشمس المنزل بداخل ذلك القبو التي لطالما كانت تمقته اخذت تنظر اليه جيدا تستذكر ما حدث فيه شردت قليلاً بعقلها فأفاقت على كلماته:
خليكي هنا ماتتحركيش انا لو قتلت «العربي» كل شىء هيبقى بخير ياشمس
أنهى «عمار» جملته وهو ينظر لها يحاول أن يطمئنها قليلاً فقالت هي مسرعه:
ولكن لاتذهب بمفردك يجب عليك مرافقه ياسين أياك الذهاب بمفردك ياعمار فأنت لا تعلم مدى قوته الأن وبالرغم من تلك القوه يريد أن يصبح اقوى مخلوق على الأرض بقـ تلي
ابتسم «عمار» ابتسامه بها من القلق ما يكفيه:
ماتقلقيش عليا انا رايحله
اعتلت الصدمه وجهها وهي تنظر أمامها انكمش حاجب عمار ينظر خلفه ليجد العربي امامه:
انا عرفت انك جايلي قولت اوفر عليك المسافه واجيلك انا بنفسي
أعتلت أنفاس عمار وحول عينيه للون الأحمر وأخرج اظافره يخبىء شمس خلف ظهره قائلاً:
وانا مستنيك
_____________
غرز داغر اظافره بظهر حسام بكل قوته وحمله وألقى بهِ الى الحائط فوقف حسام مبتسماً تلتئم جرا حه بسرعه ينظر الى داغر نظره خبيثه:
_أوبس ماتعورتش
امسك حسام بداغر وألقى به
خارج المنزل بقوه من خلال النافذه فأخرجه خارج المنزل من قوته
صر خت هدير صر خه مكتومه فلم تعد تتحمل أكثر من ذلك
قائله والعرق يصب من جبينها:
خلصيني ياغرام مش قادره حرام عليكي
_اضغطي، اضغطي كمان مره ياهدير خلاص انا شايفه الراس ساعديني وساعدي نفسك
_______________________
ذهب شريف مسرعاً الى عز والقلق يملىء قلبه فأعطاه الجزار ظهره مبتسماً بسمه الانتصار الأن، فوقف عز سريعاً يصوب طلقاته كامله بظهره يخر على الارض ليصبح قتـ ـيلاً، تنهد شريف تنهيده ارتاح بها اخيراً
_انا ازاي نسيت انك بتلبس صدريه الواقي من
الرصا ص!!
ابتسم عز لشقيقه
عشان القلق بيخليك تفقد تركيزك، خليك هنا اطلع مع يزن ورعد بسرعه هما محتاجينك انا هاروح ادور على غرام
اشار شريف برأسه بالموافقه بعدما علم من نظره عز بأنه لن يسمح بمرافقته ذهب شريف فوق السطوح معهم نظر له رعد
قائلاً:
امسك سلاح بسرعه احنا اتكشفنا جايين علينا
فردد يزن:
احموني بسرعه
أخذ الأثنان يطلقان النا ر دون توقف
___________________
وصل المستذئب الشجره الخاصه بمارال يهز الشجره بعنف فنظرت له مارال حاولت ان تلقم سلاحها ولكن من قوه اهتزاز الشجره وقعت الحقيبه على الارض من الأعلى وبداخلها جميع الحقن ابتسم المستذئب وغرز أظافره على الشجره وصعد إليها ووقف أمامها يكشر عن أنيابه رجعت مارال الى الخلف والرعب دب بقلبها امسك بها المستذئب ليغرز أسنانه بجسدها فأمسك به بربروس من الخلف وألقاه بعيداً عنها فسألها ليطمئن عليها:
مارال هل أنتِ بخير، هل أصابك بأذى؟
كان قربه منها يبث شعور الأمان بداخلها فاقتربت منه ودفنت رأسها داخل صدره
________________
خرج «ياسين» اخيراً من تلك الدائره المليئه بالمستذئبين بمساعده« الخاله ومارال ويزن» ذهب يبحث عن العربي بكل سرعته فوجد داغر ملقى أمامه على الأرضيه وحسام يأتي إليه من خلفه مد يده لداغر ليساعده على النهوض فنهض داغر مسرعاً يحاول استجماع قوته نظر حسام الى ياسين فابتسم ابتسامه سخريه قائلاً:
_اي ده أنتَ هنا ياحبيب أخوك
رد ياسين وعلامات الاشمئزاز تظهر على وجهُ بكلام مختصر:
_تؤ.. تؤ هناك
رفع حسام حاجبه:
ولما انتَ هناك مين اللي هنا
أشار برأسه:
خيالي
أخرج ياسين اظافره فمنعه داغر من التدخل قائلاً:
_سيبهولي أنا
عايزك تتوصى بي ياداغر ده تعبان حي
انهى ياسين جملته فأشار حسام على نفسه بأصبعه
أنا تعبان ياحبيب اخوك تصدق انا كده زعلت
فرد ياسين بنبره ساخره :
انت زعلت ياحبيب اخوك.. اسف اذا كنت قولت كلمه ضايقتك وجرحتك ياحبيبي
ضرب على جبينه بيده ينطق بسخريه لاذعه ونبره متهكمه ضربت حسام في مقتل:
أخ نسيت التعابين مابيحسوش
صك حسام على اسنانه غاضباً مما قاله ياسين للتو:
انا سيدك وتاج راسك وكمان شويه هنبقى اسياد الارض كلها
ابتسم ياسين بل وارتفع صوت ضحكاته فأتى عز من خلفه ووقف الثلاثه امامه فنطق كلماته قائلاً:
_تعالى ياعز، تعالى اقرا معانا الفاتحه بنيه ان ربنا يشفي كل واحد نسي اصله وهو جربوع ولا يسوى
مد حسام خطوته ليقف امام ياسين فوقف داغر في الوسط بينهما وضر به ضر به بأحشائه اوقعت بهِ ارضاً ابتسم ياسين لداغر:
اسيبك انا بقى أنتَ مايتخافش عليك
نظر داغر لعز:
عز غرام وهدير جوه البيت احميهم وسيبهولي أنا
___________( بقلمي ماهي احمد)____________
رحل ياسين يبحث بكل مكان عن العربي واخر مكان قرر ان يدخل بهِ هو منزله دخل المنزل بحرص شديد وكلما يخطو خطوه يتذكر ذكرى بهِ، ذكرى مؤلمه فيفتح باب الذكريات بعقله من جديد
يقف كلاً من «الضبع والعربي» بداخل المنزل يتحدث العربي بنبره صوت عاليه و مزعجه
أنت ليه مش قادر تفهم ياضبع أحنا خلاص انتهينا، من ساعه اللعنه دي واحنا بنضعف لازم نلاقي اللي نتسند عليه انت عارف المهدي ما بيخلفش
اشاح الضبع بيده معترضاً على كلامه:
اعمل اللي أنتَ عايزه بس مالكش صالح بابني مش معنى ياسين هو اللي عايز تعمل عليه تجارب ما عندك مستذئبين تانيين كتير ياعربي
صك العربي على اسنانه يعتليه غـ ـضب عارم:
أنت صدقت أنه أبنك بصحيح فوق ياضبع اللي زينا مابيخلفش،
سمع ياسين حديثهما فأتى على الصوت سائلاً:
في ايه وتجربه ايه اللي بتتكلمه عنها
ضر ب الضبع بالعكاز الخاص بهِ الأرض قائلاً:
ده العربي عايز يجرب تجارب جديده ويحطها في بيته ماتشغلش بالك انت ياياسين العربي اصلاً كان ماشي
فاق من شروده على صر خه شمس نزل مسرعاً الى البدروم ليجد العربي يغرز اظافره برقبه شمس وقف أمامه يتحداه:
مستني ايه ماتقـ ـتلها
تبادل «عمار وشمس» النظرات القلقه من حديث ياسين:
عايز تفهمني انك مش مهتم اني اقتلها
رفع ياسين رأسه فتقابلت عينه بعين عمار أشار لهُ بعينه أن ينظر الى الأرض فأكمل حديثه مع العربي:
ابقى بكذب بصراحه انا مهتم
تبادل ياسين النظرات العدوانيه مع العربي يحاول لفت أنتباهه عن عمار ليخطو عمار خطوه للخلف وبحركه سريعه منه يجذب السلسه الحديديه من تحت قدم العربي بقوه فيقع أرضاً، ركضت شمس وقفت تهرول خلف ياسين مسرعه محتميه بذلك الجدار البشري مدت كفها وقبضت على ستره ياسين من الخلف فأصابته الدهشه كان من الممكن أن تتشبث وتحتمي بـ «عمار» لماذا هي أذن تحتمي به الأن وأخذته ملجأ لحمايتها نظر لها «عمار» باستغراب محاولاً فهم ما حدث للتو ولكن قاطع نظراته العربي وهو يمد يده ليلقي بهَ على الحائط من قوة الضربه هدم الحائط من فوقه
اخرج ياسين اظافره وتحولت عيناه الى اللون الأحمر القاتم يقاتل العربي بكل ما فيه من قوه ركضت شمس نحو عمار ترفع الطوب من فوق رأسه تسأل لتطمئن عليه:
عمار أأنت بخير؟
وقف واستقام يشير برأسه بالأيجاب ينظر أمامه ليجد العربي يلقي الضربات لياسين بأظافره وأصبح جسده ملىء بالدماء
_____________________
مازال الكل في معركته فقد ضيق المستذئبين الخناق على «الطبيب فكاد يهزم
أما عن مارال وهي متحوله على هيئه ذئب فاستطاعوا أن يكبلوا قدميها بالسلاسل الحديديه
تستطيع الخاله الصمود ولكن الى متى
يقف مارال وبربروس اعلى الشجره ينتظرهم العديد من المستذئبين يحاول بربروس جاهداً الا يصعدوا اليهم يحاول حمايتها من الاذى اما عن ساره فقد استنفذت جميع الحقن الخاصه بها
وشريف ورعد ويزن شكل المستذئبون دائره حولهم
_____________________
مازالت المعركه قائمه بين داغر وحسام، استطاع حسام أن يهزم داغر أخيراً فوقع في الأرض ذليلاً التف حسام من حول داغر ببطىء شديد يقول ساخراً:
كنت فاكر نفسك هتهزمني
انحنى يهمس بأذنه:
تبقى عبيط ياداغر
__________
هدير اضغطي شويه الولاده متعثره والعيل مش راضي ينزل
كانت هذه كلمات غرام وهي مغطيه بدما ء هدير فأكملت حديثها:
قولي يارب ياهدير ، قولي يارب
صرخت هدير من قلبها
يـــــارب
________________
الظاهر ان مراتك ولادتها مش سهله، عايز اقولك انا هموتك بالراحه عشان استمتع بموتك وضع حسام أظافره على رقبه داغر فرفع داغر أظافره بعين حسام بقوه فأطبق عينه ودماؤه تسيل منها، قام داغر ووقف وراء ظهره بأخر نفس لديه قائلاً:
بس انا هقـ ـتلك بسرعه عشان كفايه عليك أوي كده بصراحه
شق داغر رقبه حسام فأصبحت راسه منفصله عن جسده خر ارضاً من الألم فكل انش بجسده استطاع حسام أن يغرز به اظافره
_____________________
القى عمار جسده بالكامل على العربي يقطـ ـعه بأظافره الحاده فالتئم جر ح ياسين واستقام فكان الأثنان گ يد واحده تضرب العربي في مقتل استطاعوا اخيراً هما الأثنان اضعافه ووقع أرضاً نظر كل منهما للأخر فأمسك عمار برأس العربي ويفسح المجال لياسين لشق رقبته ولكنه في هذه اللحظه شعر ياسين بصداع كاد ان يفتك برأسه من جديد وضع يديه على رأسه من كثرة الألم خر على الأرض وعادت له جميع ذكرياته من جديد
حاول عمار أن يحادثه:
ياسين انت بتعمل ايه ، قوم مافيش وقت مش قادر عليه لوحدي
انفصل ياسين تماماً عن العالم وانخرط في باب ذكرياته:
ادخل ياسين المرأه والطفل الى الكوخ وضعها على الفراش ظل ينظر الى ملامحها هي والطفل الذي ما زال يصرخ ولا يتوقف عن البكاء حمل الطفل الصغير بين ذراعيه وفتحت هي عينيها ببطىء أمسكت كف يده قائله:
ياسين ده عمار ابننا، انا سميته عمار عرفت اهرب بي من العربي قبل ما ياخده مني خللي بالك منه ياياسين
نظر لها ياسين باستغراب
ابننا.. ابننا ازاي انتي مين
ابتلعت ريقها والنهجه تعتلي صدرها
حاول تفتكر ياياسين الضبع بيمسحلك ذاكرتك دايما بس انت اخر مره افتكرت وهتقدر تفتكر تاني دلوقت مبقاش في وقت انا بمو ت ياياسين مش عايزه ابني يمو ت معايا
لفظت المرأه انفاسها الأخيره والدموع على وجنتيها استطاع ياسين تذكر ما حدث وأخذ عمار بحضنه ينظر للوحمه فوق رأسه فهي نفس وحمه والدته قام بدفنها والدموع تملىء عينيه وأخذ الطفل الصغير الى عائله الحربي مسرعاً عاد الى الضبع الذي علم بفعلته فخاف عليه من العربي فقام بمسح ذاكرته من جديد ولكن هذه المره مسح ذاكرته الى الابد
فاق من شروده يتذكر الوحمه بداخل رأس عمار وكلام الخاله نظر أمامه ولم يستوعب عقله ما حدث للتو ليجد العربي ممسك بعمار من عنقه بقوه قائلاً:
شايف من نظره عينك لأبنك انك افتكرت فضلت تحاول تدور عليه سنين مع ان الضبع كان ماسح ذاكرتك بس قلبك كان بيدلك عليه لحد أخر خمس سنين
طالع ياسين ابنه بذهول فقد أحكم العربي قبضته على رقبه عمار كالأفعى السامه ووضع أظافره على صدره بجهه قلبه فاكمل حديثه:
ايه رايك مفاجئه مش كده، أن عمار يطلع ابنك افتكرت كل حاجه صح
ابتلع ياسين ريقه وحاول ان يستجمع شتات روحه :
سيبه، خدني أنا بداله
هز العربي رأسه يساراً ويميناً:
وانا هعمل بيك ايه انا هقـ ـله قدامك عشان اقهر قلبك عليه وهقـ ـتل شمس قدامك هخليك تعيش مذلول طول عمرك ، ازاي ما اخدتش بالي انك الفا وحكيمه قدرت تخبي عني السنين دي كلها
اندفع ياسين باتجاه العربي ليمسك بهِ فغرز أظافره بسرعه فائقه بداخل صدر عمار ليخرج قلبه من صدره ويصبح قلب عمار بكفه ليخر عمار أرضاً يقع قتـ ـيلاً تفارق روحه الحياه هنا تجمدت الثواني وتجمد الوقت صرخـ ـت شمس ناطقه بأسمه
عمـــــــار
_________________
اهوه، اهوه انا شيفاه ياهدير خلاص نزل
“يامخلص روح من روح “
كانت هذه كلمات هدير وهي تستعد لأخراج ابنها للحياه
تعالت صرخات الطفل الى الحياه فقد انقطعت حياه عنا ، وتبعث حياه أخرى من جديد
ابتسمت غرام وهي ممسكه بالطفل بين يديها ليذهب عز للخارج يبلغ داغر بولاده ابنه ليجده ملقى على الأرض يحاول جاهدآ ان يقف على قدمه
_______________________
جلس ياسين ينظر الى عمار فالصدمه كانت كثيره على عقله نظر الى العربي صاح بتأويهات جعلت ياسين يندفع نحو العربي كالثور الهائج تجاهه ليغرز أظافره بقلبه وفصل رأسه عن جسده كان يملك قوه بهذا الوقت لا مثيل لها قوى لا محدوده، أرتجف جسد شمس رعباً مما تعيشه الأن خاصةً حينما جلست القرفصاء تلمس جسد عمار لتجده قتيلاً امامها لا يتنفس ، هرول ياسين الى ابنه مسرعاً ضمه الى صدره يتحسس خصلات شعره يتذكر كل ما فات رفع رأسه ينظر للسماء ووجد نفسه يصرخ بأعلى صوته قائلاً:
_يـــــاما
______________________
سمعت حكيمه صراخ ياسين ونظرت من حولها لتجد المستذئبين يخرون أرضاً جميعاً ، فعلمت بأن ياسين قام بمهتمه ولكن قلبها علم ايضاً بموت أبنه فهذه الصرخه ليست من فراغ لتجد نفسها قائله:
“ياحسره قلبك على ابنك يابني”
جائت ميرا أمام الخاله وارتدت القلاده الحقيقيه فما كانت ترتديه شمس ما هو الا قلاده مزيفه
____________________
__________________
واستطاع ياسين ضم ابنه الى صدره عندما فقد حياته كامله
________________
هكذا هي الدنيا نفقد روح لتولد روح جديده للحياه
يتبع الفصل التالي اضغط على ( رواية الهجينة ) اسم الرواية
رواية الهجينة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ماهي احمد
“متى يستريح القلب فـ والله قد هلك”
تلك اللحظه، اللحظه التي نزفت بها القلوب دماً.
تعالت الصرخات، صرخات ما بين الحياه والموت، صرخات تدل على حياة أحدهم، وصرخه أخرى تدل على فقد حياة أحدهم.
يــــــــــا
ظل يصرخ صرخاته كصرخة يعقوب عندما فقد يوسف أبنه. كلمة من أربع حروف بصرخات متتاليه، حروف بسيطة كونت كلمة ترج أركان القلوب.
“ياحسرة قلبگ على أبنگ يابني”
هذه كانت جملة «الخالة» عندما سمعت صرخته النابعه من قلبه بصدق.
بضع كلمات صغيرة خرجت من بين شفتي «الخالة» عند سماع صرخاته. انتظرت سنوات كثيرة لسماعه يردد كلمة “ياما” من جديد، ولكن حينما لفظ بما كانت تتمنى، قالها كصرخة ليعبر عما بداخله، عما يشعر بهِ. فكان يشعر بفقدان روحه في الحرب، وبالفعل فقدها.
ألم وحزن يسيطر على كل أنشئ بجسده.
الأنتجمع الجميع من حوله، تعتلي وجوههم الصدمة مما يشاهدونه. الجميع بلا استثناء، حتى هدير وهي تحمل مولودها بين أحضانها، فقد رجت صرخة «ياسين» الأجواء رجاً.
نظر «يزن» إلى جثمان صديقه، تجمد جسده تلك اللحظة. جثا على ركبتيه، لم تتحمله قدماه عند رؤية جثمان نصفه الأخر. ففي هذه اللحظة شعر بأنه فقد قطعة من روحه، شعور لا يوصف. لحظات تمر على الجميع وكأن الوقت تجمد.
عند رؤيته بتلك المنظر، قلبه بجانب جثمانه. حاول «يزن» التقرب من جثمان صاحب عمره ورفيق دربه، ولكن «ياسين» منعه وضمه بداخل صدره بقوة. تنهمر الدموع بغزارة من عينيه على وليده. صاح «يزن» وأصبح جسده يرتعد. لم يستطع التفكير في أي شيء، وقد أصبح العالم كله باللون الأسود القاتم أمامه. فإنها حقاً أصبحت گ “الليلة السوداء”.
كانت «شمس» تأمل رده، تتمنى لو نطق بكلمة واحدة فقط. كانت تصرخ بهيستريا. لم يتحملها جسدها فأسندتها «ميرا» قبل أن تفقد وعيها وأخذتها إلى غرفة «ياسين».
أما عن «مارال»، فهذه المرة الثانية التي تفقد بها شقيقها. ظلت تنادي عليه بأسمه، تصرخ بهِ. لم يستوعب عقل أحد منهم بأنه فقد حياته للتو، شاب في الرابعة والعشرون من عمره قد فقد روحه.
نظرت «الخالة حكيمة» إلى «ياسين» وهو يتشبث بأبنه داخل صدره، يريد أن يضمه بين ضلوعه أكثر. جلست أمامه تحاول أن تهون عليه ولو لقليل، ولكن كيف؟ هل من شيء يستطيع أن يهون عليه الأن!!
نظر لها «ياسين» وهو يرى معالم الزمن تعود إلى ملامحها، الأن والعجز والكبر ينحت ملامحها من جديد. نطق بنبرة جامدة وكأنها فقدت الحياة بعد أن غادر الجسد روحه، فطاوعه لسانه بعد مجهود منه أخيراً وهو يحتضن أبنه قائلاً:
“أنتِ كنتي عارفه، كنتي عارفه أن عمار ابني وماقولتليش”
حاولت أن تنطق، أن تبرر لهُ، ولكن أشاح بنظره عنها وأخذ يطالع «الطبيب» ناطقاً:
“أنت كمان يا«علي» كنت عارف أنه ابني اللي بدور عليه سنين وماقولتليش”
ابتلع «الطبيب» ريقه والدموع تلمع في عينيه ونظر إلى الأرضية. ابتسم «ياسين» ابتسامة مكسورة كاد أن يفقد عقله. ونظر إلى جثمان أبنه الذي يحتضنه وكأن شخص آخر يحادثه. قال بثبات وعيونه مصطدمة بعينين «الخالة» اللامعتين:
“أنا ماشيه”
ما سوى إلا كلمتان، ولكن معناهما كبير. كيف يغادر بهذه السرعة، حتى قبل أن يدفن أبنه؟ كيف له بهذا الثبات؟ استغرب الجميع من ردت فعله. ترك جثمان «عمار» أرضاً وقف واستقام. فذهب «يزن» إليه في الحال يحتضن جثمانه ويضمه إلى صدره. رفع رأسه ينظر إلى «ياسين» والدموع تملأ عينيه بغزارة. هز رأسه بأنكار، رافض أن يصدق ما قاله «ياسين» منذ قليل. استجمع كلماته أخيراً ينطق بصرخة نابعة من قلبه:
“كان هيدور عليك، كان متفق معايا بعد المعركه يدور على أبوه الحقيقي، كان فاكرك تستاهل، لكن أنتَ عمرك ما أستاهلت أن يكون عندك أبن زيه”
كررها «ياسين» بأصرار وهو ينظر حوله بأصرار لعله يجد الملجأ. ردد كلماته مره ثانيه وهو ينظر إلى الفراغ أمامه:
“أنا ماشيه”
وكأنه لم يسمع شيئاً مما قاله «يزن» للتو. ابتسم للفراغ أمامه ببريق يلمع بعينيه. أختفى بلحظات من وسط الجميع. نظر «بربروس» له بعدما عقد حاجبيه. لم يصدق أحداً منهم ما حدث للتو، فقد غادر بالفعل ورحل عنهم جميعاً.
ظهر من العدم ظابط شرطه جديد بالقريه يرفع سلاحه بوجههم جميعاً. يرى دماء بكل مكان وأجساد مقطوعة الرأس. دماؤهم تغطي القريه. يسألهم بصوت مرتفع ويشهر السلاح بوجوههم:
“أي اللي بيحصل هنا ده؟”
نظر الجميع إليهِ في صمت تام، لا أحد يستطيع التحدث بوجود «الخالة». وفي ثواني معدوده، أصبحوا محاصرين من كل مكان. العساكر والضباط رافعين أسلحتهم عليهم. يرون نساء وأمرأه عجوز وطفل رضيع ورجل أعمى. مستسلمين تماماً حول جثمان «عمار». أخذت صرخات ساره ومارال تعلو أكثر فأكثر. أوقفت تلك الصرخات «الخالة» بعدما أمسكت بعصا خشبيه وجدتها بجانبها لتتكيء عليها من جديد.
“بــــــس، رجاله الصاوي مايتبكيش عليه”
لـيأتي من خلفهم ضابط اخر مسؤول عن أمن المحافظه:
“في ايه ياخاله حصل ايه هنا؟”
طالعته «الخالة» بحذر:
“انت تعرفني ياولد”
فرد عليها بيقين:
“ومين مايعرفش «الخاله حكيمه» القريه كلها تعرفك يا«خاله» ومين الجـ ـثه دي ياخاله والذئاب اللي بره دي كلها بتاعت ايه؟ ودخلوا أمتى القريه”
صمت الجميع ولم ينطق أحد. ظل ينظر إليهم باستغراب حتى تحدث من خلفه الضابط” فريد” ينظر للكل بحيره مما يحدث ناطقاً:
“ذئاب ايه يااحمد باشا دي كلها جـ ـثث بني ادميناستغرب الضابط «احمد» والعساكر مما يقوله الضابط “فريد ”وعم الصمت الأجواء فلا أحد ينطق بحرف فقط يذرفون الدموع وهم ينظرون الى جثـ ـمان «عمار» أمامهم. فنطق الضابط “فريد” قائلاً:
“اه، هي بقت كده طيب لملي يابني الناس دي كلها على البوكس”
أمسكت «الخاله حكيمه» معصمه بقوه ونظرت للضابط «فريد» بتحدي قائله:
“عندنا ميتم، الميتم بتاعنا يخلص الأول وبعد كده تعمل اللي تعمله محدش هيتحرك من هنا وطالما صاحبك عارفني فهيبقى عارف أن كلمتي بتمشي على الكبير قبل الصغير”
عقد حاجبيه باستغراب وأخذ يطالعها باحتـ ـقار. فأمسك بهِ الضابط «أحمد» حتى يهدىء من روعه:
“اهدى يافريد باشا دول عيله الصاوي ورجعت قريتها من جديد ومافيش جـ ـثث غير جـ ـثه الشاب ده مش أكتر وباين ان الذئاب دي هي اللى مو تته واللي من الواضح برضوا عليهم أنهم هيـمـ ـوتوا عليه فأرجوك اهدى شويه واحنا هنعرف من «الخاله» كل حاجه أرجوك اتفضل معايا”
نظر الجميع بكـ ـره الى ذاك الضابط المتعجرف. فنظر «احمد» الى «الخاله حكيمه» قائلاً:
“مستنيين حد من طرفك يا«خاله حكيمه» نعرف منه اي اللي حصل بالظبط”
انتزع الضابط «فريد» معصم يده من «الخاله» بقوه. يحاول الضابط «احمد» اخراجه. فنطق وهو يقف أمام المنزل:
“انت عايز تجـ ـنني مكانش فيه ذئاب بقولك انا اول واحد حضر هنا قبلكم بحكم انى كنت قريب من المكان لما الاخبريه جاتلي انا لاقيتهم كلهم كانوا بني أدمين مش ذئاب”
نظر الضابط «احمد» من حوله فلم يجد سوى ذئاب فقط. صك الضابط «فريد» على أسنانه وقد تملكت الحيره منهُ. فقد تحولت كل الجـ ـثث الى ذئاب بالفعل. كاد أن يفقد صوابه حتى وجد من تنطلق كالسهم هاربه من المنزل وهي تردد اسمه «عمــَار» من بين شفتيها بكل مكان فاقده لصوابها. الدموع تنزل على وجنتيها بهيستريا. لقد لفظ أخر انفاسه أمامها. كادت أن تتعركل بهِ. لحق بها الضابط “فريد” وأمسك بها وهي تكرر بعيون دامعه:
“عمــَــار، أهو بخير، أرجوك، أخبرني، عمـــار بخير؟”
نظر لها وهي بين يديه يراها تفقد وعيها من جديد. تأتي «ميرا»من خلفها:
“شمس، شمس تعالي هنا رايحه فين؟”
نظرت «ميرا» الى« فريد» وهو يطالع «شمس». كانت حاله «شمس» يرثى لها. رمقته «ميرا» بعيون زائغه ولجأت بقول:
“أصل عمار يبقى خطيبها والذئاب اتلمت عليه وموتته”
أخذتها «ميرا» من بين يديه وهي تسندها. فلحقها هو بلهفه يقطع الطريق أمامها وقد حسم بقوله:
“أنتي متأكده أنهم ذئاب؟”
أشارت «ميرا» رأسها بالأيجاب. فأشار هو بعينيه على «شمس» بتساؤل:
“ومتأكده أن دي بشر زينا مش ملاك”
استغرب الضابط «احمد» من سؤاله. فتنهدت «ميرا» بغيظ وتركته ورحلت. ينظر لها هو وهي تبتعد عنه. ابتسم ابتسامة رضا على شفتيه. فأشار الضابط «أحمد» بكف يده أمام وجهُ:
“أيه، روحت فين؟”
أفاق من شروده والبسمه تملؤ وجهُ:
“أنتَ شوفت اللي انا شوفتهاه، شوفت بس دي من عيله الصاوى، يعني هعمل نفسي أني ماشوفتش، ما أنتَ معذور لسه جديد هنا وماتعرفش يعني ايه عيله الصاوى”
رد عليه والفضول يقتـ ـله:
“مش فاهم برضوا يعني ايه عيله الصاوي اللي ماسكلي فيها دي يااحمد كل شوي”
استدار وصعد الى سيارته وهو يسترسل حديثه:
“تعالى، اركب ولما نرجع المركز هحكيلك واعرفك يعني أيه عيله الصاوي”
نطقت «الخاله» بوجع ينهش قلبها:
“خد مرتك وادخل ياداغر خليها ترتاح، مرتك لسه نفسه محتاجه ترتاح”
حاولت «هدير» ان تطبطب على رضيعها والدموع في عينيها وهي تقول:
“ماتقلقيش عليا يا «خاله» انا”
قاطعتها الخاله:
“خد مرتك ياداغر”
أمسك داغر بهدير دون ان ينطق بحرف فالتعب تمكن منه هو أيضاً فكل أنشئ بجسده بهِ أثار أظافر «حسام». فالحرب كانت منهكه للجميع. استكملت الخاله حديثها وهي تنظر لـ«علي» :
“كل اللي اتبقى من عيله الصاوي يرجع القريه يا «علي» عندنا ميتم وهيدفن الليله عرف بقيت عيله الصاوي ان قريتنا رجعلتنا من جديد والكل بعد كده هيعيش فيها بأمان”
كانت تلفظ كلماتها بثبات أمام الجميع ولكن من داخلها وكأن سكين حاد ينهش في داخلها. اطبق الصمت على المكان فلم يستوعب أحد بأن ما يحدث حقيقه. فأتى رعد بقماشه عريضه بيضاء يغطي بها جسد «عمـَـــار» ولكن هناك من اعترض وارتفع صوته بحاله هيستريه واعصابه تالفه منه:
“لاء، لاء ماتقولوش انه هو كده مـ ـات اكيد نقدر نعمل حاجه ونرجعه للحياه، اكيد مش هنستسلم”
اقتربت «ساره» من «يزن» والدموع تنهمر على وجنتيها تحاول تهدئته:
“يزن، كفايه يايزن سيبه”
فنطقت الخاله تشير لـ«عز وشريف» بعينيها:
“طلعوا «يزن» بره أكـ ـرام المـ ـيت دفنه، عمــار هيبات في تربته الليله”
أمسك عز وشريف بيزن فحاول التملص منهم بعـ ـنف ولكنهم احكموا قبضته وأخذوه من أمام جثمانه وذهبت «ساره» خلفهم. نظر بربروس الى مارال تلك الهادئه كانت تكور جسدها في ركن صغير بجسد مرتعش جالسه تنظر لهُ. فأخذها هو وحملها على الخروج من ذلك المكان.
بعد ساعات قليله استطاع «الطبيب» اعاده عائله «الصاوي» من جديد.
أتى الليل، وجاء معه الظلام القاتم، الظلام بكل مكان في القريه. يمسك الأهالي عصيان مشتعله بالنار حتى يستطيعوا الرؤيه في المقـ ـابر. لم يكن اليوم يوماً عادي فكان اليوم هو رحيل فقيدهم. لم يكن اليوم بيسير أبداً قلوب محترقه على وليدهم. ظهر الأنهاك على كبيرهم قبل صغيرهم. معهم الجثمان الان يتجهون به الى مقابر عائله «الصاوي». تترأسهم حكيمه ويحمله من الأمام علي ويزن ومن الخلف داغر وبربروس ومن المنتصف رعد وعز وشريف. الأزدحام بكل مكان. اصوات النساء بالخلف يتقدمهم الرجال يودعونه على أي حال. مازالوا يتوجهون الى المقابر واصوات النحيب والصراخ تعلو اكثر. وكلما اقتربوا من المقابر يعلو صوت صراخ النساء أكثر.
تردد في ذهن “يزن” وهو يحمل نعشه اخر محادثه حدثت بينه وبين عمار قبل المعركه بساعات التي حملت صوته الضاحك الذي يجبرك على الابتسام:
“بعد ما المعركه ما تخلص هتجوز انا وشمس وانت وساره في ليله واحده دي هتبقى ليله عسل”
انتقل عقله الى لحظه اخرى سمعه يقول فيها:
“انت خنزير يلا… انا عمرى ما هسيبك يايزن الا على قبري”
نزلت الدموع من عيني «يزن» رغماً عنه. فاليوم نصفه الأخر رحل. وكأن عقله جمع له كل شيء الان فتذكر:
“يابني انت حاجه وحب شمس حاجه تانيه، حب الاخوه لين، العشق دايماً بيبقي شديد، حب الأخوه بيبقى سهل بيبقي أجمل، حب العشق ساعات بيدخل جواه شكوك، حب الأخوه بيخليك مطمن ان مهما يحصل هتلاقي حد في ضهرك وسندك”
فاق من ذكرياته على صوت« الخاله» قائله:
“نزلوا النعش يارجاله”
وصلوا الى القبر وأنزلوا النعش في لحظه مهيبه. أتت زُهره من الخلف وهي تهرول وكأن المو ت يأتي خلفها. أتت ولم تصدق ماحدث عندما سمعت بالخبر. تشبثت بيد أبنتها وطالعتها بحب لتجدها لا تستطيع التحمل أكثر من ذلك. قدماها خانتها فأثنت ركبتها وجلست على الأرضيه. أصبح التراب يملأ ملابسها. الرجال يتقدمون عنهم والنساء في الخلف. لا يوجد مكان خالي لقدم واحده. الأزدحام رهيب. تقدم عز الى الأمام وكان هو اول من فتح بوابه القبر وأمسك بجثمانه. هبط من بعدهِ الطبيب يمسك بهِ هو الأخر ووضعوه داخل قبره وسط صراخ العديد والبكاء عليه. الكل يبكي بلا استثنا. الكل تنهش القهره من قلوبهم. أغلق رعد البوابه أخيراً ونزف قلب شمس مع أغلاق البوابه دماً. مارال وقد اختلط وجهها بالدموع من يراها يقسم بأنها فقدت شيء لا يعوض. أما عن بربروس فالدموع لمعت في عيناه وتأبى النزول. هول اللحظه كان مهيب، مهيب بالفعل.
نظر بربروس الى تلك اللوحه الرخاميه المحفور عليها أسمه «عمار ياسين بن يزيد الصاوي»من ٢٠_٢_١٩٩٩ الى ٢_١٠_٢٠٢٣. عمره قصير أليس كذلك ولكن أفعاله كبيره لا تتسم مع صغر سنه. وجد «بربروس» لسانه ينطق من بين شفتيه والدموع تملأ عينينه:
“خلتِ الديارُ من الذين أحبُهم من بعدِ عمارٍ فلستُ أُبالي”
بدأ «بربروس» بتلاوة سور من القرأن الكريم بصوته العذب. حاول أن يتمالك نفسه ولكن حزن قلبه أطغى على صوته. رفع يده الى السماء يدعي بالأدعيه المعتاده في مثل هذه الأمور وقراءه الفاتحه على روح فقيدهم «عمار». شكرتهم «الخاله» على سعيهم طلبت منهم الأنصراف حتى تقل الزحمه قليلاً فتبقى بالأخير أهله وناسه و «يزن» شقيقه فهو ليس فقط بصاحبه.
جلس الجميع أمام القبر فنطق «يزن» قائلاً بخشونه:
“انتوا زي ماتكونوا عايزين تخلصوا منه أبوه وسابوه ومشي وانتي ياخاله دفنتيه في لحظه كان ممكن نعمل حاجه عشان يرجع يعيش”
نظر للجميع ومن ضمنهم شمس التي مازالت تبكي حتى جفت دموعها من على وجنتيها. فوجه حديثه إليها بخشونه:
“بطلي عيــــــــاط”
أشار بعينيه الى الخاله التي تكاد تقف بثبات بالرغم ما بها:
“ما انقذتهوش ليه ياخاله، ردي عليا”
قامت مارال واستقامت وهي تقبض حاجبيها باستغراب سائله:
“هو انتي ياخاله كان ممكن تنقذيه وما أنقذتهوش؟”
نظرت الخاله اليهم جميعاً قائله:
“هــــا، حد عنده اسئله تاني”
ضغطت ساره على اسنانها تتكلم بحرص:
“أيوه، علي بيشوف المستقبل وطالما بيشوف المستقبل يبقى اكيد شاف مو ت عمار”
نطق «الطبيب» سريعاً يبرر موقفه:
“ماحصلش”
تكلم بنبره متقطعه:
“اقصد، اقصد أيوه انا جاتلي رؤيه وشوفتها وكنت عارف ان في حد فينا هيمـ ـوت بس مكنتش اعرف مين؟ انا شوفت اللي بيحصل بينا دلوقت وان احنا واقفين في القبور وكان في تلاته مننا مش موجودين عمار وياسين وهدير بس مكنتش عارف مين فيهم اللي المـ ـوت هياخدوا من وسطنا ومكانش ينفع نوقف المعركه مهما حصل حتى لو انا او الخاله نفسها المعركه كانت لازم تتم مهما حصل”
انقبض حاجبي داغر وهو يقول:
“يعني كان في احتمال ان هدير تمـ ـوت!!”
ضغط على شفتيه بعدما حاول أن يلاخذ نفس عميق بعدما جاهد في سحبه:
“احنا داخلين المعركه وعارفين كلنا ان احتمال ماحدش فينا يرجع ياداغر مش هدير بس كلنا، وكلنا وافقنا على كده”
قطعت كلامه الخاله:
“اللي مـ ـات يبقي ابن ابني اللي ربيته ومافيش حد هيعزه هنا قدي ولو في حاجه تتعمل ولو واحد في الميه عشان عمار يرجع يعيش كنت عملتها يا «يزن» شمس عارفه ومتأكده ان بعد ما اللعنه اتجددت حتى بمو تها مش هتتفك تاني كل حاجه انتهت عمار وقلبه انخلع من جسمه ومافيش حاجه هترجعه ومافيش حد هنا يملك انه يرجعه”
نظر عز الى الخاله سائلاً:
“والأله اللي كانوا هيجيبوا بيها العبقري بدل ما نروح للمستقبل نروح للماضي”
أشارت الخاله برأسها بالموافقه:
“موافقه، موافقه ياعز بس لو عرفنا نشغلها وعرفنا مكانها كده هنفقد اتنين اولا ميرا اللي لابسه السلسله لو اتقلعت من رقبتها في لحظه هتموت والتاني اللي هيدخل جوه الأله لازم يضحي بنفسه ويكون بني ادم مش مستذئب وهنرجع العربي يعيش وهترجع كل حاجه من جديد وطالما غيرنا الماضي المستقبل كمان هيتغير بس المره دي العربي اللي هيكسب ومافيش قوه هتخليه يخسر تاني اوعى تفتكر يايزن ولو للحظه مهما حبيت عمار هتحبه قدي ده اعز الولد ولد الولد ياولدي”
في مركز الشرطه ينظر الضابط “فريد” من النافذه الحديديه يرى القريه تبث بها الحياه من جديد. اشخاص غريبه تعود الى قريتها بعد زمن بعيد تسكن البيوت وتعمر الأرض البور. ابتلع ريقه بعدما انتزع الكاب الخاص به من على رأسه يضعه على المكتب ثم أشار بعينيه الى الضابط “احمد” :
“هو في ايه؟ ايه اللي بيحصل في القريه هنا ومين دول كلهم؟ انا جاي القريه مافيهاش صريخ ابن يومين اقضي سنه الخدمه بتاعتي في هدوء واتنقل ارجع بلدي كده مش هينفع”
ابتسم الضابط “احمد” والفرحه تملىء عينيه:
“دول عيله الصاوي رجعوا لديارهم من جديد انا اوعى امي كانت بتحكيلي على العيله دي وقد ايه هما عيله كبيره من زمان اوي عيله كان كبيرها اسمه ” الصاوي” وكان بيحكم القريه هنا من قبل امي وجدتي كمان. الولد البكري كانوا بيسموه ياسين يكبر ياسين ويخلف ولد يسميه برضوا ياسين عشان اسم ياسين يفضل في العيله دايما ومايمحهوش الزمن وهكذا وكانوا بيحكموا الارض هنا بسلام والكل عايش فى هنا ونعيم. جد جدتي كانت بتحكي لجدتي وجدتي تحكي لجدتي وهكذا. وفي واحد اسمه المهدي كان من بره عيله الصاوي، الصاوي الكبير رضي يدخلوه وسطهم وبقى منهم وبيحكم معاهم دايما لحد ما جه الضبع وقـ ـتل المهدي وقدر يطلع عيله الصاوي بره البلد ودخل ناس جديده بس الوحيده اللي مطلعتش بره بعد مو ت المهدي والصاوي الكبير هي الخاله حكيمه كانت متمسكه بالبلد أوي. دخلت عائلات تانيه غير الصاوي البلد بأمر من الضبع وولده اللي برضوا كان اسمه ياسين محدش كان يقدر يفتح عينه ويشوفوه كانوا بيقولوا عليهم شياطين مش بني ادمين. الضبع عاش مهما عاش في البلد هو وابنه بس محدش قدر يفتح عينه ويشوفهم في يوم.”
ابتسم الضابط “فريد” وهي يضع لفه السيجاره في فمه:
“بالذمه مش مكسوف على نفسك وانت ظابط ملو هدومك وتؤمن بالتخاريف دي”
ابتسم الظابط احمد قائلاً:
“مش مصدق انت حر وبعدين انت واحد هتقضي السنه بتاعتك هنا وترجع لحضن ابوك سياده اللواء من جديد اللي جايبك هنا عشان يقول للكل انه مش بيفرق ما بين ابنه وظباط الشرطه التانيين وان كلنا واحد مع ان كلنا عارفين انه بيعمل كده عشان بيطمح انه يبقى وزير الداخليه في يوم”
ضرب بيده على المكتب بقوه:
“وهيبقى وزير الداخليه قريب او بعيد هيبقى وماتنساش نفسك وانت بتتكلم على سياده اللواء حسين الدمنهوري والدي بعد كده، والتخاريف اللي بتقولها دي ماتدخلش دماغي بجنيه”
نظر الظابط احمد الى الارضيه قائلاً:
“انا اسف يافريد باشا الظاهر اني نسيت نفسي”
تحدث “فريد” وعينه لا تفارق النافذه من جديد:
“ماقولتليش يعني البت اللي معاهم اللي اسمها شمس دي وكانت بتجري ماتعرفش تقربلهم ايه”
وقف خلفه يطالعه وهو يقول:
“لا والله معرفش بس طالما دخلت دار عيله الصاوي تبقى منهم عيله الصاوي مابدخلش حد دارها بسهوله”
القى بالولاعه وعلبه السجائر على مكتبه بزهق يحادث نفسه:
“انا متأكد اني اللي كانوا في الأرض دول ناس مش ذئاب ومش هسكت الا لما اجيب اخر الموضوع ده ايه والايام بينا ياعيله الصاوي”
هما الأن بغرفه نوم ياسين التى استحوذت عليها شمس بغيابه. جالسه على فراشه تحتضن الوساده بين ذراعيها تنهمر الدموع منها. فجائت والدتها تجلس بجوارها لتسألها عما حدث:
“حصل ايه ياشمس، عمار ما ت ازاي أحكيلي انا امك فضفضى يابنتي ماتسكتيش كده ماتكتميش جواك”
سألتها بنبره باكيه فطالعتها هي بنظرات تعتلي وجهها علامه على الأستغراب، هل تسألها حقاً!! سؤال قاتم مخيف. ماذا حدث هي نفسها لا تدري ماذا حدث؟ كيف أنقلبت الموازين هكذا، كيف انقلبت الآية بلحظة. كل ما تتذكره أنها تكاد تجزم أن “عمار” هو الذي انتصر. كان يقف أمامها يفعل ما بجهده كالعاده حتى ينتصر. أمسك بـ “العربي” من رقبته يحاول أن يسيطر عليه ولكن بلحظة بسيطة تغير كل شيء عندما فقد “ياسين” تركيزه عندما شرد ذهنه قليلاً وانخرط بداخل ذاكرته ومن هنا تبدل كل شيء فأصبح “عمار” بقبضة “العربي” فقوته لا يستهان بها.
ظلت تنظر لوالدتها دون حديث، فلغة العيون أعظم وأكبر من أي حديث. فعينها كانت تبوح بما داخلها بكل شيء. ضمتها “زُهره” الى حضنها الدافي حتى تشعر بالأمان حتى لو قليل. شردت بـ«ياسين» وأخذت تسأل نفسها ألف سؤال، كيف له ان يتركهم ويرحل هكذا وبمنتهى البساطة؟ كيف طاوعه قلبه ترك ابنه دون أن يدفنه.
مرت الأيام اليوم تلو الأخر، الأيام تشبه بعضها البعض. كان الجميع يحاول الترابط ولكن دون جدوى. ذهب يزن لزياره قبر عمار هو وساره ليودعه للمره الأخيره. فنظر الى اللوح الرخامي وكأنه يحادثه:
“مش هنساك ياصحبي، بس مش قادر اقعد هنا اكتر من كده، مش عارف اقعد في المنطقه اللي ادبحـ ـت فيها انا راجع لشقتنا انا وانت عشان ريحتك فيها”
استدار واعطاهُ ظهره. فنظرت ساره للوح قائله:
“مش هننساك ياعمار”
حاولت ان تمسك بيد يزن ولكنه انتزع يدهُ من يدها وتركها ورحل. أخذ اغراضه من المنزل فأوقفته الخاله:
“هتمشي وتسيبنا يايزن”
استدار واعطاها ظهره يحاول ان يتمالك نفسه امامها:
“اللي تسيب حفيدها يموت ماتستحقش ان يبقي حد حواليه”
تنهدت الخاله وأشارت بعينيها الى ساره حتى تتبعه:
“ماتسيبهوش ياساره يزن مش في وعيه بكره لما يهدى هيعرف ان مكانش بأيدي حيله”
كانت تحتضن رضيعها الصغير تحاول ان تأخذ اغراضها بالحقيبه الخاصه بها. وقفت امامه قائله:
“داغر احنا هنسمي ابننا امتى عدى شهرين على موت عمار ولسه مانعرفش اسم ابننا ايه؟”
ابتسم داغر وهو يحمل ابنه منها يقبله على جبينه بحب:
“هنسميه عمار، من اول ما عمار مات وانا قولت اني لازم اسميه عمار”
ابتسمت هدير وهي تحمل حقيبتها بيدها:
“الله يرحمه وعندك حق عشان دايماً اسم عمار يفضل وسطنا”
فتح داغر باب غرفته ليجد الخاله بأنتظاره في الردهه:
“خلاص ماشي يا ابو عمار”
ابتسم داغر للخاله قائلاً:
“مابقاش لينا مكان هنا ياخاله خلاص مهمتنا خلصت وأنتِ بنفسك قولتي اني محتاج اعيش في سلام عشان خاطر ابني اللي جا”
احتضنت الخاله الطفل الرضيع بين ذراعيها تنظر له بحب وبابتسامه رضا:
“خللي بالك على عمار ياداغر وحطه في عنيك”
رفع كتفيه وهو يقول:
“مش محتاجه توصيني ياخاله انا راجع المانيا اتمنى اشوفكم على خير”
أشار لعز برأسه:
“يلا ياعز”
جاء عز ومعه غرام وشريف:
“يلا ياداغر، هوصلك انا على المطار وارجع على القاهره”
هزت الخاله رأسها وتجمع الجميع حولها ما عادا شمس. فقالت الخاله:
“هتمشي ياعز”
“لازم ياخاله قعدتنا مابقاش ليها لزوم خلاص”
احتضن الطبيب علي كلا من داغر وعز وشريف هو وبربروس. فجذبت الخاله غرام من ذراعها في ركن بعيد عنهم قائله:
“سامحي ياغرام وعيشي يابتي شريف مظلوم زي ما انتي مظلومه بالظبط مكانش في وعيه شريف عايز يسلم نفسه للبوليس ويعترف على نفسه انه اغتـ ـصبك، عارفه لو كان بوعيه وبكيفه كنت انا بنفسي اللي سلمته للشرطه يابتي ماتخربيش على نفسك وعلى اللي هييجي في بطنك قريبانقبض حاجب غرام وهي تسأل الخاله فأشارت بأصبعها على بطنها واشارت بعينها على الطبيب علي:
“هو دكتور علي شاف”
قاطعت كلامها الخاله وأشارت برأسها بالموافقه:
“ايوه شاف قبل يوم المعركه انه هيعمل كده وانه أخد قراره ولولا موت عمار كان زمانه مسلم نفسه عيشي يابتي دي نصيحه الخاله ليكي”
ابتسمت غرام فضمتها الخاله داخل صدرها، فأتت غدير لكى تأخذ نصيبها من حضن الخاله. فابتسمت الخاله لها وهي تحتضنها بقوه قائله:
“هشوفك عن قريب ياغدير هتبقي بنيه كيف القمر”
ابتسمت غدير قائله:
“وهبقى احلى من شمس وهدير”
قرصت على وجنتها بلين:
“هتبقي أحلى من البنات كلهم يابتي”
أخذت مارال تتبع عز وعائلته فانتبه بربروس لما تفعله فانقبض قلبه واتبع خطواتها وجذبها من ذراعها فاستدارت تطالعه بصمت. فبدأ هو بسؤالها:
“الى أين يامارال؟ استتركينني؟”
تنهدت تتجنب النظر الى عينيه تحاول أن تجمع كلماتها:
“مابقاش ليا حد هنا يابيدقوس عماي ومات هقعد اعمل ايه؟”
وماذا عنا، او ماذا عني؟
ابتلعت ريقها وهي تنظر للأرضيه:
“ممكن السمكه تحب الطي بس هيعيشوا فين، أنا مش هتخلى عن ديني عشان ابقى معاك يابيدقوس مهما حصل، انا ياجعه لأخويا ماليش غييه دلوقت، سيبني امشي يابيدقوس مش هبقى ميتاحه هنا طول ما انا معاك بحس اني عامله حاجه غلط وانا مش عايزه اغلط في حق ديني في يوم”
تركته ورحلت. أخذ هو يطالعها تبتعد عنه يقف مكانه لا يستطيع الحراك. شعر وكأنه يفقد روحه شيئاً فشيئاً ببطىء شديد.
جائت ميرا تقترب من الخاله فطلبت منها الخاله وعد بألا تنزع القلاده عنها مهما حدث. فوافقت ميرا بحب وذهبت هي ورعد الى القاهره. عادت الى بلدها ولم تعد مع داغر مره أخرى الى المانيا.
الكل رحل، الكل غادر المنزل. أصبح المنزل فارغ ما بقى منه سوا الخاله وشمس وبربروس وزهره وعلي. لم تكن شمس تحيا معهم على الإطلاق فكانت تجلس معظم نهارها مع “عمار” على قبره، فكانت كالحاضر كالغائب بهذا المنزل.
جلست الخاله بغرفه الجلوس تتكأ على عكازها بحذر تنظر الى زهره تسألها عن شمس:
“شمس فين يازُهره”
فردت قائله:
“ما أنتِ عارفه ياخاله طول النهار بتبقى قاعده على قبر عمار مابتجيش الا والليل بيليل عليها”
أشارت الخاله برأسها ثم قالت:
“عارفه مين اللي بعت اجيبه من اسيوط وكنتي بتسأليني عليه ليل نهار واقولك مش وقته”
ابتسمت زهره بتساؤل:
“مين ياخاله، اتمني يكون حسان ابن اخوي”
ابتسمت الخاله برضا وهي تشير برأسها دليل على الموافقه:
“ايوه هو، زمانه على وصول هييجي وهيتربى وسطنا أنا كنت سيباه عند جماعه اعرفهم في اسيوط طيبين كنت مستنيه كل حاجه تبقى كويسه عشان ارجعه من جديد”
ابتسمت زهره والبسمه كانت تملؤ وجهها فابتسم لها الطبيب على سعادتها.
مرت ايام اخرى وشهور أخرى. اهتم علي وبربروس كثيراً بالقريه. أصبح الجميع يعلم مكانه وأرضه. اصبحت الخاله تحكمهم من جديد، واصبح لديها حرس على أول القريه. انفصلت شمس عنهم تماما تجلس بجوار عمار ويكبر حسان بينهم. أصبح كأخ صغير لها فهي تكبره بسته أعوام فقط.
كانت شمس تجلس كالعاده بجانب عمار. فظهر أمامها الظابط فريد من العدم يضع يده بجيبه ينظر لها بأعجاب شديد:
“بقالك اربع شهور بتقعدي نفس القاعده ايه مابتزهقي”
رجعت للخلف حتى اصطدم ظهرها باللوحه الرخاميه الخاصه بـ «عمار». سائله ذاك الغريب الواقف أمامها بتهكم:
“من أنت؟”
جلس القرفصاء ليكون بمستوى جلستها ونظر الى عيناها قائلاً:
“سبحان من خلق عيونك الحلوه”
ابتعلت ريقها وهي تردد:
“ماذا تريد؟”
ابتسم هو يستغرب الطريقه التي يتحدث بها:
“أنتِ بتتكلمي كده ليه؟ انتِ مش مصريه”
وقف امامه الطبيب علي بلحظه قائلاً:
“في حاجه ياحضره الظابط”
انفزع فريد مما حدث للتو فقد اتى الطبيب بلحظه لم يشعر بهِ وهو يأتي من خلفه. فقال كلماته بتردد:
“انا.. انا بس كنت حابب اعرف محدش جه ليه المركز عشان تدلوا بالأفاده بتاعتكم”
نظر له الطبيب باشمئزاز:
“واللي عايز يعرف حاجه يسأل بنات العيله ولا يسأل رجالتها. عيله الصاوي ماليا القريه يافريد بيه وريح روحك احنا روحنا أدلينا بأفادتنا وانت عارف مع الظابط احمد”
ابتلع ريقه فكانت نظرات الطبيب لا تبشر بالخير أبداً. فرجع للخلف بظهره وهو يقول:
“طيب يادكتور علي اسيبك انا دلوقت”
فنطق الطبيب مسرعاً:
“ياريت تسيبنا على طول وماشوفكش تاني بتقرب من حريمنا في يوم ده لمصلحتك”
عاد الضابط فريد الى المركز يتمكن الغيظ من قلبه قائلاً بانزعاج:
“وحياه ديني ما انا سايبهن”
نظر له الظابط أحمد بزهق بعدما أعطى الأمر للعسكري بالخروج:
“انا قولتلك مالكش دعوه بعيله الصاوي وشمس من عيله الصاوي يافريد باشا ماتحاولش تقرب منها مره تانيه عيله الصاوي كل يوم شجرتهم بتكبر”
“مش عليا”
كانت هذه كلمته بعدما قالها بنبره بها تهديد. فنظر له الظابط احمد بلا مبالاه:
“خلاص أنت حر”
“ادخلي ياشمس”
كانت هذه كلماته بعدما اعادها الى المنزل من جديد. فنظر لها وهو يتنهد بعمق:
“بلاش ياشمس تروحي لوحدك المقابر الأيام دي، خدي على الأقل معاكي حسان على الأقل يونسك”
أشارت شمس برأسها بالموافقه وعادت الى المقابر من جديد.
مر عام على موت عمار. ما أسرع الأيام حقاً وهو يجلس بالشقه الخاصه بهما لا يريد ان يختلط بالبشر. يجلس بالمنزل الذي جمعهما سوياً. أتت« ساره» تدق بابه من جديد كما تفعل دائماً.
“افتح يايزن، افتح الباب حرام عليك، مش عايز تعرف أنا عملت ايه في الامتحان حتى، يزن انا نجحت، ومش عايز افرح بنجاحي غير معاك”
وقف أمام الباب بذقن طويله، يبدو عليه عدم الاستحمام لشهور طويله، شعر مبعثر هدوم متسخه. يقف امام الباب ولا يريد ان يفتح الباب كالعاده. فاسترسلت ساره حديثها وهي تسند بيدها على الباب والبكاء يعتلى نبرة صوتها:
“عدت سنه يايزن، سنه ماطلعتش من باب الشقه، سنه بشوفك كل كام شهر مره بالعافيه. انا لو ماجيبتلكش اكلك قدام الباب كل شهر مش هتفكر حتى انك تجيب تاكل، الحي ابقى من الميت يايزن انت كده بتموتنا بالبطىء. ارجوك افتح كفايه كده يايزن انا بمو ت من غيرك”
جلس وهو يضع يده على اذنه يحاول الا يستمع لها. أسند ظهره على الباب تنهمر دموعه على وجنتيه. فكان القتـ ـيل هو «عمار» رفيق دربه طوال عمره.
“رايحه فين يابتي؟”
كان هذا سؤال زُهره. فأجابتها شمس بنبره منكسره:
“وهل لي بمكان أخر اذهب اليه ياأمي؟”
تركتها ورحلت كالعاده ترحل من لحظه طلوع الشمس. ترجع خصلات شعرها وراء أذنها تمشي بين الخضره والأغصان. فأتى “فريد” بجانبها على الطريق بالسياره الخاصه بهِ بعدما ابطأ سيره سائلاً:
“تحبي أوصلك”
نظرت اليه بأشمئزاز بعدما طالعته:
“لا شكرا فأنا بخير هكذا”
“أنا بس كنت عايز أقولكا”
أوقف السياره بجانب الطريق فاسرعت هي بالدخول بداخل الغيطان واسرعت بخطوتها. ترجل هو من سيارتهُ ليلحق بها. فركضت هي سريعاً لا تعلم الى أين تذهب فقد هو أثرها. ضغط على أسنانه بزهق:
“هاتروحي مني فين ياشمس انا وانتِ والزمن طويل”
ظلت تركض حتى وجدت كوخ صغير أمامه مقعد مستطيل وبجواره زير. فتحت الغطاء مدت كف يدها وأتت بكوب من الماء فشربت حتى ارتوت و جلست لتلتقط أنفاسها قليلاً. نظرت الى البحيره امامها وضعت يدها على صدرها لتشعر بنبضات قلبها. فوجدتها سريعه حتى وجدت صوت يأتي خلفها:
“واضح ان انتِ شمس اللي القريه كلها بتتكلم عنها”
جلس بجوارها فأخذت هي تطالعه باستغراب:
“كل القريه بتقول انك من عيله الصاوي زي ما علي والشيخ بربروس والخاله بيقولوا بس انا عارف انتِ مين انتِ شمس بت المهدي اللي ياسين بيكتب عنها دايما في مذكراته صُح يابتي”
ابتعلت ريقها وأخذت تحدق بهِ فهو رجل يتضح انه يتعدى السبعون من عمره وهذا واضح على ملامح وجهُ الذي نحتها الزمن. استغربت اكثر مما يقول صامته تماماً. فاسترسل هو حديثه:
“أنتِ ماتعرفنيش بس انا اعرفك اوي من لحظه ما اتولدتي كل شىء مكتوب هنا في المذكره دي ياسين كتبها بخط يده كان بيكتب كل شىء عشان ماينساش وبلحظه يرجع ينسى من جديد أنها معايا فضلت محافظ عليها لحد ما اسلمهاله من جديد ولما شوفتك عرفتك من وصفه ليكي في المذكره دي ما اتأخذنيش بقى يابنتي اني قريتها قاعد فاضي زي ما انتِ شايفه بالمناسبه انا عمك نصير صاحب الكوخ ده”
مد كف يده لها فاطمئنت لهُ قليلاً. ابتسمت له شمس ومدت كف يدها هي الأخرى:
“وانا ادعى شمس”
“انا عارف يابنتي، بس انتِ عرفتي مكاني منين انتِ مش جايه عشان تاخدي مذكرات ياسين”
كانت تنوي ان تخبره بما حدث وأشارت بأصبعها للخلف لكي تخبره بأنها جائت هنا بمحض الصدفه. ولكن تراجعت بأخر لحظه وانزلت اصبعها وأشارت برأسها وأخذت منهُ المذكره وهي تقول:
“نعم، جئت لكي أأخذها منك ياعم نصير”
أخذت النوته منه بعدما أعطاها أياها استدارت لكي ترحل فقال العجوز لها:
“أوبقي تعالي طلي عليا ياشمس، طلتك بتفكرني بطلت ياسين”
هزت رأسها بالموافقه مع ابتسامه حزينه. أخذت المذكره وجلست بجوار قبر عمار من جديد. فتحت المذكره تنظر للأوراق والكلمات المكتوبه لم تستطع قراءه ما بها فهي لا تعلم كيفيه القراءه والكتابه. وضعت المذكره بجوارها بيأس ودفنتها بجانب قبر عمار.
مرت سنتان على هذا الحال. تجلس بجواره كل ليله ويجلس يزن ببيته وحيد. لم تيأس ساره ابداً بمحاوله خروجه من هذه الحالة حتى أتت له مكالمه على الهاتف. لم يكن ينوي أن يجيب ولكن بعد اصرار من المتحدث وتكرار الاتصال جاوب اخيرا:
“الوده رقم يزن الرشيد”
“ايوه مين؟”
“معاك مستشفى الجلاء ساره العربي عملت حادثه في الطريق اتصلنا بحضرتك كتير ماردتش”
انقبض قلبه شعر بأن هناك من يغرز السكين بداخله. شعر بفقدانها كما فقد رفيق دربه. هرول على السلالم بعدما اخذ المفاتيح من الطاوله لم يغير حتى ملابسه البشعه. نزل يقود سيارته بجنون يتجه الى المستشفى بأسرع ما عنده. وجد ميرا ورعد ينتظرونه هناك سائلاً اياهم وهو في حاله يرثى لها:
“ساره، ساره كويسه ساره بخير قولي انها بخير”
حاول رعد طمئنته قليلاً:
“اهدي يايزن، هي جوه مع الدكتور لسه مانعرفش حاجه”
ارتفع صوته قائلاً بخشونه:
“ما تقولش اهدى قولي انها بخير”
جاء الطبيب بعدما خرج من غرفتها لكي يطمئنهم على حالتها:
“اهدوا ياجماعه مافيهاش حاجه هي بخير مجرد خدوش بسيطه وكسر في رجليها هتقعد متجبسه مش أقل من شهر”
نطقت ميرا بعدما تنفست بعمق:
“الحمدلله، ممكن اطمن عليها”
“اه اكيد طبعاً”
كلمات الطبيب انتزعت جزء من خوفه. فذهب خلف ميرا ودخل الى الغرفه ينظر لها والدموع تلمع في عينيه. جلس أمامها وأمسك كف يدها يقبله بحب:
“حقك عليا ياساره مكانش لازم اسيبك لوحدك ابداً”
غمزت لها ميرا بطرف عينيها من خلفه مبتسمه. فحاشت ساره بنظرها بعيداً. فحاول رعد ان يكتم ضحكته. خرج رعد من الغرفه فوجد الطبيب بأنتظاره:
“ياريت تاخدوها وتمشوا من هنا بسرعه عشان لو الدكتور الحقيقي جه هنتسوح كلنا”
اخرج رعد النقود من جيبه الأمامي واعطاها اياه قائلاً:
“لا انت كده تمام اخلع انت بقى”
دخل رعد مره اخرى الى الغرفه فسألته ميرا:
“عملت ايه يارعد كتبولك على خروج”
“اه المفروض نمشي بقى علشان هي كده تمام مجرد خدوش بس المشكله في رجليها بس ياترى هاتروحي فين ياساره الشهر ده انتِ عايزه حد يعتني بيك”
نظرت له ميرا بلوم:
“اخص عليك يارعد واحنا بيتنا راح فين طبعاً هتيجي عندنا البيت تنور وتشرف”
استدار يزن وهو ينظر لهما يؤكد على كلمه بيتهم:
“بيتكم”
“ماه بيتنا يايزن ما انت في عالم تاني انا وميرا اتجوزنا من سنه حاولنا نقولك او نتواصل معاك بس انت كنت قافل كل حاجه”
ابتسم يزن ببسمه مكسوره:
“مبروك”
ردت ميرا:
“عقبالك انت وساره”
أشار برأسه وهو ينظر لها سائلاً اياها:
“انتِ بخير مش كده ياساره”
“ايوه بخير يايزن”
نطقت ميرا وهي تردد:
“يلا ياساره انا هاروح اجيبلك كرسي عشان نروح”
فأردف يزن مسرعاً:
“لاء، محدش هيخدم ساره غيري”
“ايوه بس انا مش عايزه اتقل عليك يايزن”
جلس بجانبها يتأمل بملامحها الصغيره:
“ماتقوليش كده ياساره”
ابتسم كلاً من رعد وميرا وهما ينظران لبعضهمت البعض.
“ياسين محاولش يتصل بيك يا«علي»”
جلس بجوارها بعدما تنهد باستسلام:
“أنتِ مابتزهقيش من السؤال ده ياخاله”
“ياعلي ده عدى سنتين ومانعرفش عنه حاجه، قلبي بيتقطع عليه، كل حاجه في قريته بقت موجوده ومستنياه إلا هو”
طالعها بحب يحاول أن يخفف عنها قليلاً:
“ياخاله ياسين مشي ومش راجع وان رجع مش هيرجع دلوقتي ياسين عمل اللي عليه ولا يمكن يرجع من تاني”
“انت بتقول ايه ياعلي واحنا هنسيبه”
قالت كلماتها بحزم فقام هو واستقام يعطيها ظهره:
“انا ماقولتش نسيبه ياخاله، وانا مش سايبه انا بعمل اتصالاتي في كل مكان ممكن يكون فيه بدور عليه ليل نهار زي المجنون مع اني عارف اني مش هلاقيه غير لو هو حب يظهر بس مش عايز افقد الأمل”
“اوعى يابني، اوعى تفقد املك في اخوك انت مالكش غيره في الدنيا وبعده بربروس، بربروس طلع جدع اوي ياعلي”
ابتسم الطبيب بامتنان:
“بربروس عمل اللي ياسين ماعملهوش ياخاله”
“ياسين لي عذره يابني، انت عارف ياسين كويس وعارف هو حاسس بأيه دلوقت”
كانت هذه كلماتها فاستدار لها الطبيب وامسك بيدها يريد ان يطلب منهل شيء اجله من سنين:
“خاله انا كنت عايز اطلب منك طلب”
“اعرفاه ياولدي، عايز تتجوز زهره مش كده”
ابتسم الطبيب لها وكسا الخجل عينيه فردت الخاله بالموافقه:
“مبروك ياولدي، انت عارف ان الفرح هيبقى على الضيق”
هز رأسه بالموافقه:
“اكيد ياخاله”
“ايوه.. ايوه كده.. خللي بالك عشان رجلك”
اسندت بذراعها على كتفه وجلست على الأريكه. فمنزله رائحته قذره لا يتحملها بشر. فابتلع ريقه وهو يحاول ان يفتح النافذه.
“معلش اصل مش بفتح الشبابيك كتير بس هخللي الهوا يتجدد عشانك”
أشارت له برأسها بالموافقه. يوم تلو الأخر ينظف الشقه من جديد وتعود اليه الحياه بعدما فقدها بموت عمار. عدى الشهر بلمح البصر، وفكت الجبس بعدما اكتشف يزن بأن هذه ما سوى الا مجرد لعبه. فأخبرته هي:
“ممكانش قدامي حل تاني غير اني اعمل كده عشان اقدر اطلعك من اللي انت فيه ودلوقتي انا جيبتلك مكنه حلاقه ولو عايز تطردني اطردني عادي بس بعد ما احلقلك دقنك الأول”
جذبته من يده وجلس على المقعد تحلق له ذقنه للمره الأولى منذ سنتان.
نظرت شمس الى المذكره المدفونه بجوار قبر عمار من جديد. فضولها كان له الثأثير الأكبر عليها. فذهبت الى الطبيب علي قائله:
“انا اريد أن اتعلم، حتى استطيع القراءه والكتابه”
ابتسمت زهره وعلي فالتعليم سيجعلها تعود لحياتها وتحيا حياة طبيعية من جديد. وافق الطبيب على مطلبها بل وشجعها أيضاً على تلك الخطوه. وبعد شهور قليله تزوج الطبيب بزهره اخيراً. كانت الفرحه تملؤه والسعاده تحتضنه. ولكن لم تكتمل فرحته بعدما أخبره بربروس بقراره:
“مبارك ايها الطبيب فقد اطمئن قلبي عليك واريد الأن الاطمئنان على قلبي”
انكمش حاجب الطبيب باستغراب سائلاً:
“تقصد ايه يابربروس؟”
“دعني أذهب من هنا فأنا سأحاول ولو للمره الألف مع مارال فهي تستحق المحاولهمعقول يابربروس لسه فاكرها”
“والله وبعقد الهاء لم ينساها القلب بيومه”
“تبقى مرتاح”
“الراحه بقربها وليس ببعدها أيها الطبيب”
ترك بربروس الطبيب وذهب يتبع حدسه، يأمل أن تغير رأيها من جديد.
مرت الأيام اكثر وأكثر. ربيع تلو الأخر. نهار يغيب وقمر يزين السماء. صيف يذهب ويأتي مكانه الشتاء. سنين تمر ويكبر الصغير وتصبح تلك الفتاة الصغيرة في السادسة والعشرون من عمرها. تأتي فرحه ومعها شهادتها تذهب الى قبره مبتسمه قائله:
“بص ياعمار شايف انا معايا ايه دي شهادتي النهارده بقيت متخرجه رسمي، طبعا انت فرحان بيا انا عارفه، حد كان يصدق اني انا شمس اطلع الأولى على الكليه لااااا ده انا اعجبك اوي ياريتك كنت معايا دلوقتي انت”
“انت وياسين، ياترى لو شافني دلوقتي هايعرفني، ياترى هو فاكرنا اصلاً ياعمار”
فتحت المذكره وجلست بجانب قبره تقرأها للمره المليون. فمن كثره قرائتها حفظت كل كلمة بها وسرحت بكلماته من جديد وهي تقرأ ما بداخلها:
جسد بلا روح، وما الأصعب من أن تجد روحك تغادر جسدك. وما باليد حيله، تحاول الصمود، تحاول الأستيعاب. تشعر بتمزق قلبك وتسمع صوت تحطيمه الى أجزاء صغيره. ألم.. هجر.. فراق. عشر سنوات.. عشر سنوات من التعب والحيره.. غريب تائه في الطرقات.. وحيد.. شريد حتى تجدهُ هي لتعيد لهُ الحياه من جديد.
“أنت مين؟ وبتعمل اي في بيتي هنا؟ ودخلت بيتي ازاي؟”
دب الرعب بقلبها. غريب بداخل منزلها، أسئلة عديده أتت ببالها وهي تنظر لهُ يقف أمام الثلاجه الخاصه بها يتناول الطعام بشراهه. يظهر عليه الفقر والجوع، ملابسه متسخه يغطى رأسه بالبيزونت الخاص بسترته. تضغط هي على زر الأضاءه الخاص بمطبخها، تحاول التقرب منه بحذر. يأكل كالحيوانات فالجوع أصبح ينهش بمعدته. تنظر بجانبها للسكين الموجود على الطاوله تقترب منه أكثر بحذر. حتى ترفع عليه السكين حتى تطعنه. يمسك هو بمعصم يدها بقوه يكشر عن أنيابه ليجد من يقف امامه يحذرهُ:
“لا يابويا بلاش، لو قتـ ـلتها مش هتشوفني تاني”
نطق ياسين ينظر له بابتسامه واسعه:
“اللي تشوفه ياعمار”
رواية الهجينة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ماهي احمد
فإن غزه لا يدميها صوت جلادها، بقدر مايدميها صوت أخوتها، فلطالما كانت غزه كيوسف في أخوته ذنبه الوحيد أنهُ كان جميلاً
مرت عشر أعوام والحقيقه الوحيده أنهم تألموا ، أعوام ثقال تحسب من أعمارهم ، أصبحت قلوبهم هشه داخل صدورهم، فقد تمكن الألم من نهش قلوبهم
في شروق يوم جديد يأمل كل فرد منهم أن يصبح افضل مما كان عليه بالأمس، وما من افضل أن تبدأ يومك بسماع كلمات أذان الفجر
الله أكبر.. الله أكبر..
اللــــــه أكـــبر.. اللــــه أكبــــر..
أشهـــدُ أن لا الـــه إلا اللــــه
أشهــــدُ أن محمـــــداً رســــــول الله
كانت جالسه على الأريكه تسند وجهها بكف يدها تسمع صوت أذان الفجر ، فتحت النافذه تطالع الشروق مع لفحات الهواء البارده يتناهى لمسامعها صوت الأذان يملأ عبق كلمات الأذان المجبره للقلوب ، لتتناغم معه صوت أجراس الكنيسه التى تقع في بدايه هذا الحي الصغير.. ليأتي شقيقها الأكبر ينشف وجهُ بالمنشفه ويجدها تسرح بخيالها شارده في جمال الصوت وعذوبته فنطق هو بصوت مرتفع حتى يفيقها من شرودها:
بس تعرفي يامارال
انتفضت بذُعر بعدما شهقت و أفاقت من شرودها واضعه كف يدها على صدرها تتنفس بعمق فاسترسل أخيها حديثه:
مش أنا مسيحي بس من ساعه ما الشيخ بربروس ده ما جه الحاره وانا بقيت أحب اسمع صوت الأذان أوي صوته بيطرب الودان و يدخل القلب على طول عذب ويشرح القلب بصحيح
ابتلعت ريقها وبان التوتر على ملامح وجهها حاولت تغيير مسار الحديث وجاوبت على كلامه بسؤال اخر:
تحب احضيلك الفطاي ياميوان قبل ماتيوح الشغل
ألقى بالمنشفه بقوه على الأريكه فهو يبغض هذا الأسم صك على أسنانه ونظر لها بغـ ـضب:
قولتلك ألف مره ماتنادنيش بمروان ، انا ماسميش مروان
رجعت خطوه للخلف تتفادى المنشفه التى ألقاها للتو طالعته بذعر وهي تنظر إليه تحاول تهدئته بقولها:
خلاص، خلاص اهدى حقك عليا، مش هقولك ميوان تاني
أنا بسقاطعها هو والشر يمليء عينيه:
أنتِ بس عايزه تحسي أن أخوكي اللي ماطلعش أخوكي عايش معانا مماتش عشان كان بيحب يناديني بأسم مروان بس أنا عايز أقولك فوقي ياهانم عمار حتى مش أخونا وخلاص ما ت واحنا اصلاً ملناش دعوه بي دخوله حياتنا بوظلنا عيلتنا الهاديه، لو مكانش دخل حياتنا مكانتش أمك ارتدت عن دين المسيحيه دين الحق وأسلمت ، مكانتش زمانها قاعده على السرير واتشلت دلوقتي بسبب اللي اتعمل فيها زمان من الرجاله اللي جم وخطفوكي ومكنتيش أنتِ نفسك اتخطفتي بسببه، طبعاً انتِ لما اتخطفتي افتكرتي ان أمك ما تت، ولما رجعتي اتفاجأتي بأنها عايشه، أه هي لسه عايشه بس عايشه ميته وانا اللي أنقذتها مش أنتِ ولا عمار وبالرغم من كده هي مافيش في قلبها غير عمار وبس الغريب ابن الغُرب هو اللي في قلبها واللي منها وحته منها مش حطاه في حساباتها
ضحكت بسخريه على قوله وهي تستعد للمغادره:
عميك ما هتتغيي، هيفضل حقدك وكيهك لعماي عايش جواك حتى بعد ما ما ت عماي، انا يايحه افطي ماما الكلام معاك مش هيجيب نتيجه زي كل ميه
تركته وغادرت الغرفه يطالعها هو تبتعد عنه حتى دخلت الغرفه المقابله للصاله تستطيع أن ترى المكان الذي تسكن بهِ «مارال» تعيش بمنزل بسيط في الدور الثالث قديم مكون من غرفتين وصاله ومطبخ صغير، الدهان بالشقه قديم تستطيع أن ترى مابداخل السقف من خلال الفتحات بهِ يحتاج حقاً للتجديد، وأثاث بسيط يمتلك شقيقها غرفته الخاصه بهِ وتمتلك هي ووالدتها غرفه واحده تتسع لفراش صغير يلتصق بالحائط ومن خلفه نافذه صغيره تدخل أشعه الشمس البسيطه من خلالها، والمكان المتبقي من الأرضيه تنام بهِ بعدما تقوم بتهيئته للنوم كل ليله، تذهب الى والدتها تحاول أن تمسح دموعها قبل دخول الغرفه حتى لا تضايقها كالعاده فترفع والدتها يدها بلطف تربت على كتفها وتقول لها بحنان بعد أن جاهدت في نطق كلماتها:
حقك عليا انا يامارال
تحاول أن تخفي ألمها وترسم بسمه مزيفه على شفتيها:
ليه بس ياماما بتقولي كده هو حصل حاجه أنا معيفهاش
ابتسمت والدتها ابتسامه حزينه مكسوره بعدما وضعت عينيها بالأرض فهذه الأم المسكينه لا تستطيع فعل شىء لها خصوصاً بعد الذي أصابها فعادت بذاكرتها عشر أعوام الى الماضي لتتذكر ما حدث لها:
كانت تجلس هي وأبنتها مارال فدق الباب عليهم بعنف، أعتقدت بأنه أبنها الأكبر ولكن تم تحطيم باب المنزل عليهم ليجدوه “صابر” ومعه عصابته أختطفوا مارال وضر بها هو ضر به قويه اصطدم رأسها بالأرضيه مما تسبب بنزيف في المخ أدى الى شلل دماغي وأصبحت من هذه اللحظه لا تستطيع الحركه وتتكلم بصعوبه وجسدها بكامله أصبح بلا حركه وبعد معاناه وجلسات بالعلاج الطبيعي أصبحت تستطيع أن تحرك يدها اليمنى حركات بسيطه
عادت بذاكرتها وابنتها تحاول أن ترفعها حتى تستطيع ان تجلسها على المقعد المتحرك لتذهب بها الى الحمام لتقضي حاجتها وتتوضأ حتى تصلي فهمست مارال بأذن والدتها:
أنا عايفه أنك عايزه تصلي الفجي أتوضي دلوقتي وأول ما أبنك ينزل ييوح شغله صلي بياحتك معلش صلي صبح النهايده مش عايزين منه مشاكل
ابتسمت الأم لأبنتها تهز رأسها بالموافقه فأسرعت مارال بالدخول الى الحمام
المسجد قريب جداً من مسكنها تستطيع سماع مايتليه «بربروس» من أيات الله عز وجل بوضوح تام فقالت الأم بحسره بكلمات متقطعه تجاهد حتى تستطيع ان تنطقها:
ياخساره كان نفسي أصلي ورا الشيخ بربروس صوته بيجبر القلب بالخشوع في الصلاه يامارال
التفت عليها تنظر يساراً ويميناً تبحث بعيناها عن أخيها لتجده قد غادر للتو صافعاً الباب خلفه بقوه فأتت لوالدتها بالخمار سريعاً بعدما أغلقت عليه المشبك (الدبوس) قائله:
خلاص اهوه مشي ياست الكل يلا صلي بقى بياحتك
نظرت الى الهاتف الخاص بها ثم اردفت:
ناقص ٣٠ ثانيه وبيدقوس يقيم الصلاه
أبتسمت لها والدتها فأقام بربروس صلاة الفجر ومن ورائه أشخاص كثيره تحب أن تؤدي صلاه الفجر مع سماع صوته العذب فتلى أيات الله عز وجل قائلاً بعد تلاوة الفاتحه:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
ابتلعت مارال ريقها بعدما شعرت بأن هذه الأيه يتلوها فقط لتكون رساله لها فهذه ليست المره الأولى التي يتليها بصلاة الفجر ، أنهى «بربروس» الصلاه بعدما سلم على الجانبين وأخذ يدعي بالأدعيه المعتاده فانشرحت القلوب بيوم جديد بدعائه وصوته النقي، رحل الجميع وظل هو بالمسجد ممسكاً بمسبحته يقلب حباتها بين أصابعه يستغفر الله كثيراً ليأتي لهُ صديقه بالسكن « عبد المعطى » ليقول وهو يجلس أمامه بعدما جلس التربيعه:
تقبل الله ياشيخنا
منا ومنكم بأذن الله
أنهى «بربروس» جملته وهو مازال ممسك بالسبحه يستكمل استغفاره حتى تذكر شيئاً فوضع المسبحه الخاصه به بجانبه وقبض بكف يده على صديقه بالسكن « عبد المعطي» من ياقة قميصه وهو يصك على أسنانه بغيظ وهو يقول:
أمسكت بك أيها اللعين المحتال
فقلد« عبد المعطي» لهجه « بربروس» بسخريه وهو مطبق العينين:
ويحك، ويحك، ياشيخنا ماينفعش الألفاظ دي تتقال في المسجد لينا بيت يلمنا ياعم
نظر «بربروس» حوله فوقف واستقام وغادر المسجد وهو مازال يقبض بكف يده على ياقة قميصه سائلاً أياه:
لماذا لم تأتي لصلاة الفجر لقد تهربت كالمعتاد وجئت كي تثرثر كالمزندعات
رفع «عبد المعطي» أصبعه يشاور بالرفض ناطقاً:
لا ياشيخنا مزندعات ايه بس، ماتقولش كده ده انا حتى
بتر بربروس حديثه:
أنت حتى ماذا ؟ هيا ، فأنا انتظر الكذبه التاليه كالمعتاد
ابتلع ريقه بعدما شعر بالتخبط كالمعتاد أخذ وقته لكي يبتكر كذبه أخرى فسأله «بربروس» بحده وهو يرفع حاجبه الأيمن:
ألم تجد كذبه مختلفه هذه المره عن الكذبات التى سبقتها
هز رأسه بالأيجاب، فتركه «بربروس» ببطىء وهو ينظر له بحنق:
حسناً ، سأتركك هذه المره أتعلم لماذا؟
ابتسم عبد المعطي بسمه واسعه بلهاء:
لأني والله ما كذبت
أشار «بربروس» بعينيه اليه:
هذا صحيح ، أيها الأحمق فالصدق ينجي صاحبه من المهالك ياعبد المعطى
سار «بربروس» الى الامام يتوجه الى منزله وبجواره«عبد المعطي» قائلاً:
طيب هطير أنا أجيب الفول من عم عبده المبلول قبل ما الناس تقف بالطابور ويروح علينا الفطور
أشار بعينيه لعبد المعطى حتى يغادر مسرعاً وقال له بعلو صوته وهو يراه يغادر من أمامه:
لا تدع «عم مبلول» يضع يده بمنخاره ثم يقلب طبق الفول بيديه العاريتين فـ والله وبعقد الهاء هذا يثير اشمئزارى
استدار له «عبدالمعطي» وهو يرجع بظهره الى الوراء يضع أصبعه بداخل منخاره علامه على ما سيقوله:
وهناكل الفول ازاي من غير بهاريزه ياشيخنا
اشمئز بربروس من فعلته هذه واستدار واستكمل«عبد المعطي» طريقه وذهب «بربروس» الى مسكنه وقبل وصوله لمنزله ببضع خطوات وجد الست «كريمه» تقف بسيارتها العريضه ترتدي بدله الرقص ومن فوقها عباءه سوداء تبرز تفاصيل جسدها بدقه واضعه مساحيق التجميل بكثره على وجهها تمضغ اللبانه بصوت مرتفع قائله بدلع:
مالك ياشيخ بربروس مكرمشلنا ملامح وشك ليه ياكبدي
غض بصره ونظر في الأرض يحاول تجاهلها ويمد بخطوته فقاطعته هي تقف أمامه مسرعه تضع كف يدها على صدره بحنيه ترفع حاجبيها تتغزل بهِ و تسترسل حديثها بدلع:
تمن سنين، تمن سنين ياشيخنا من ساعة ما جيت الحاره وانا بحايل وبدادي ومسكناك جوه فؤادي ، وجيت أنتَ وفتحتهولك
قالت جملتها الأخيره بصوت مرتفع حتى خرج بعض من السكان الى الشرفات الخاصه بهم فنظر بربروس الى الأعلى ليرى الجميع ينظر لهُ مما زاد توتره وابتلع ريقه قائلاً بتقطع:
وما، وما الذي فتحتهولي أيتها الراقصه الطيبه
بيـتــــــي
تنهد« بربروس» باطمئنان ونظر للأعلى أشار بأصبعه للأشخاص الذين يقفون بالشرفات يوجه حديثه إليهم:
تقصد بيتها ، نعم فهي فتحت لي بيتها كأي مستأجر طبيعي لا شىء آخر
فردت أحدى الواقفين في الشرفه بصوت عالي:
ماتسيبي بربروس في حاله ياكريمه هو قد
نظرت كريمه الى الأعلى بعدما أمسكت بخفها تشير به للأعلى:
وأنتِ مالك أنتِ ياوليه أنا عارفه التربي تايه عنك فين خش يا اخويا انت وهو جوه بدل يمين بالله أطلع لكل واحد فيكم أطلع كبده في أيدي ياكــــــبدي
قالت كلمتها الأخيره وهي تضغط عليها بعدما أرتفع صوتها أكثر فأكثر فهي كريمه لا أحد يستطيع أن يقدر عليها في المنطقه
يامارال، مارال
كانت هذه والدة مارال تستدعيها لكي تناولها دوائها تركت مارال الدلو الذي بيدها فكانت تمسح الأرضيه فأتت مارال وهي تمسح بكف يدها على جبينها من العرق:
جايه ياماما اهو
همدت «مارال» يدها لوالدتها ممسكه بحبه الدواء واليد الأخرى بها كوب من الماء أخذت والدتها الدواء فسمعت صوت كريمه من الأسفل:
يـــــــوه، هي كييمه دي تيجي من الكباريه بتاعها كل يوم على الصبح بخناقتها كده ياتيي ماسكه في مين الميه دي
خرجت مارال تنظر لهما من الشرفه لتراهُ يقف مع كريمه وكادت نار الغيره تشعل قلبها فنظرت الى ذاك الدلو الذي أمامها التي استعملتهُ سابقاً في تنظيف الغرفه فالمياه في ذلك الدلو اصبحت سوداء من كثره الأوساخ التى نظفتها فيها، رفعت يدها وقامت بسكب الدلو عليهما هما الأثنان سوياً فشعروا فجأه بسيل من الماء يسقط على رأسهما سوياً ليشهق بربروس بصوت عالي وهو يرجع للخلف ينظر فوقه مباشرةً قائلاً:
وحسرتــــــــــــاها
طلت برأسها لتجدههما هو وهي متجمدان مكانهما تنظر لها كريمه برفعه حاجب تذم على شفتيها فتترك« مارال» الدلو تتصنع الدهشه وتضع يدها على فمها شاهقه:
ياخبي، هي جت عليكم ازاي انا مكنتش اقصد ياشيخ بيدقوس
قالت كلمتها الأخيره ببطىء وهي تصك على أسنانها فابتسم بربروس بسمه بلهاء وهو ينظر الى جلبابه بحسره على ما حدث بهِ للتو:
أصدقك يامارال
دفعته كريمه للوراء بيدها بقوه فلم يهتز هو( سم) واحد فعقدت حاجبيها باستغراب على عدم تحركه فكانت دفعتها لهُ قويه ولكنها لم تهتم فأكملت حديثها:
تصدقها أيه البايره العايبه دي ياشيخنا انا عارفه الأشكال دي كويس ، وديني لا اروح اجيبها من شعرها
استدارت لكي تصعد لها فدب الرعب بقلب مارال فلم تسلم اليوم من شر كريمه فجذبها« بربروس» من ذراعها وتكلم بهدوء تام مع نظره جعلتها تقف بثبات:
فـ والله وبعقد الهاء اذا مستيها بسوء ، عيشتك ستسوء
ابتلعت ريقها فنبرة صوته يتضح بها الجديه فابتسمت« كريمه» بابتسامه عريضه تملىء وجهها تغمز لهُ بطرف عيناها اليسرى:
يالهوي يامستهوي أموت انا في النبره الجد اللي مالهاش حد
_لا فــــائده
تنهد« بربروس» وهو يقول كلمته الأخيره بيأس وترك ذراعها ودخل المنزل لتأتي هي خلفه مسرعه تنادي عليه ففتح باب شقته بالمفتاح الخاص بهِ وأغلق بابه من خلفه مسرعاً فدقت «كريمه» باب الشقه حتى يفتح:
افتح ياشيخنا، ياشيخنا افتح حرام عليك عايزه اسألك سؤال مهم في الدين، يرضيك كده معرفش اجابه لسؤالي مش يمكن ربنا يهديني لما تجاوب عليا ياشيخنا
أخذ بربروس يسمع ماتقوله من الداخل فلم يهتم وقف بغرفة نومه يفتح دولابه ليغير ثيابه فأدار وجهُ الى الشرفه فوجد «مارال» تقف في غرفتها تأكل نار الغيره من روحها تقظم أظافرها بغيظ فالشرفه الخاصه به مقابله للنافذه الخاصه بغرفتها ابتسم ابتسامه بسيطه على حركاتها ثم أتى بالهاتف الخاص به ليهاتفها وهو يطالعها من داخل غرفته فأمسكت هي بالهاتف بغيظ وضغطت على زرار القفل ووضعت الهاتف بجوارها انكمش حاجبه باستغراب ثم أحضر ورقه وقلم وكتب رساله لها:
“غريب وطأت قدماه الى هنا ولم يكن يوماً عنك غريباً ، فـ والله وبعقد الهاء أنتِ بكل النساء”
كور الورقه بيده والقاها من شرفته الى نافذتها نظرت مارال خلفها بعدما أمسكت بالورقه تقرأ ما بها ورفعت عيناها طالعته وابتسمت لهُ بحب ثم أنمحت البسمه من على ملامحها ببطىء ومزقت الورقه أمامه وأغلقت النافذه بقوه، أطبق بربروس عينيه تزامناً مع غلق النافذه ثم أبتسم على تصرفاتها الطفوليه بالرغم من كبر عمرها
ترتدي ملابس ملائمه للمكان الذي تقصده ، فستان أزرق قاتم طويل الأكمام قصير من الأسفل بعد الركبه تقريباً ، مطرز تطريزات بسيطه تضفي عليه رونق وجمال خاص مع القليل من مساحيق التجميل، مع تسريحه شعر مرفوعه ، دخلت الى المطعم لتجده ينتظرها بالداخل أنبهر بجمالها من اللحظه التى رأها بها فاليوم يوم مميز لها بعدما أخبرتها «ميرا» التى علمت من «رعد» بأن اليوم سيعرض عليها «يزن» الزواج فأتت متأنقه لهذه المناسبه وقلبها يخفق من فرحته حاولت أن تخفي بأنها تعلم ما سيفعله للتو وقف يزن عند رؤيتها بهذا الجمال سحب لها المقعد فجلست وهي مبتسمه وأخذ يطالعها فلم يستطع أن يبرح بنظره من عليها فجلس وهو يقول:
ايه الجمال ده
وضعت كف يدها على شعرها من الخلف:
عجبتك
ابتسم ابتسامه رضا:
أنتِ طول عمرك عجباني ياساره
غزت الحمره وجهها فصمتت وبعد صمتها الذي طال رمقته بعيون زائغه ولجأت لقول:
أنا رفعت شعري عشان عارفه انك بتحب شعري وهو مرفوع
عارفه انتي دلوقتي بالنسبالي زي أيه
طالعته وسبقها فضولها:
زي ايه؟
عارفه لما تصحي بالليل بعد الفجر ويبقى نفسك تاكلي حاجه مسكره وفجأه تلاقي قطعه كيكه سايحه في الشيكولاته بتاعتها والشيكولاته بتبظ منه
لوت فمها ولجأت بقول:
بتبظ!! وشيكولاته
قبض هو حاجبه باستغراب:
اه مالها الشيكولاته
كلها سكريات وممكن تجيبلك السكر وتموت ياحبيبي
تر حديثهما النادل الذي أتى حتى يأخذ طلبهما:
تحبوا تطلبوا ايه يافندم
أشار «يزن» بعينيه لـ «ساره»:
تحبي تتغدي أيه؟
كان الحماس بداخلها فهي لا تريد أن تأكل ولا تشرب تريد رؤيه الخاتم أولاً فردت مسرعه:
لا لا ، مش مهم ناكل دلوقت
استغرب النادل فنظر يزن اليه ثم عاد ليطالع ساره بنظراته فردت قائله:
اقصد ماليش نفس دلوقتي يايزن خلينا نتكلم شويه
غمز يزن للنادل بعينيه دليل على شىء ما، فأشار النادل برأسه بالموافقه دليل على فهمه ذهب النادل فتحدث يزن:
ساره أنتِ عارفه أنا بحبك قد أيه
ابتسمت وقد زاحمت الضحكه ملامحها فهذا هو الكلام الجميل الذي يأتي بعده كل الاشياء التي سوف تجمعهما سوياً فهزت رأسها تقول:
اه طبعاً عارفه
ليسترسل هو حديثه:
انا من حظي اني عرفتك السنين دي كلها ، حقيقي أنتِ أفضل شىء حصلي في حياتي ومش عارف من غيرك كنت هكمل ازاي وخصوصاً بعد عمار
أشارت برأسها والحماس يملىء داخلها:
الله يرحمه ، ماتقولش كده يايزن أنت عارف أني ماليش غيرك من بعد ماما الله يرحمها ودلوقتي خالي اللي عايشه معاه
أتى النادل ومعه صينيه مفروشه بالورود وفي منتصفها علبه قطيفه حمراء توسعت عيناها من الفرحه تضع يدها على فمها كادت أن تنطق عيناها من السعاده التى تملؤها الأن فاسترسل يزن حديثه وهي ترفع كف يدها لتمسك بالعلبه:
عشان كده حبيت اشكرك على كل حاجه عملتيها معايا كل السنين اللي فاتت واتمنى ان اللي جوه العلبه يعجبك
قالت وهي تدعم كلماته بلهفه:
أكيد ، أكيد يايزن هيعجبني
ابتسم يزن من فرحتها التى تملىء وجهها ، أخذت العلبه تقول وهي تفتحها:
انا اصلا اللي محظوظه ان فضلت جنبك و…
فتحت العلبه لترى ما بداخلها لتجد انسيال من الذهب لم يكن هذا ما تنتظره فصكت على اسنانها بغيظ وهي تضغط على كلماتها تسترسل حديثها بعدما تغيرت نبرة صوتها الرقيقه:
قعدت مع خنزير زيك يايزن
في اي ساره انتي اتحولتي كده ليه؟
فردت هي على سؤاله بسؤال اخر:
فاكر اليوم اللي دخلت ڤيلتنا فيه وشوفتني فيها
أشار برأسه بالموافقه فأكملت هي حديثها:
الله يلعن اليوم ده ياخيال
ألقت الأنسيال في وجهُ وجحظت عيناه باستغراب وهو مازال ينظر لها:
في ايه بس ياساره انا عملت ايه دلوقتي ده حتى ده الانسيال اللي انتِ كنتي هتموتي عليه وقولتي نفسك فيه
ضربت بيدها بقوه على الطاوله فأنتفض هو، ووقفت هي تسند بيدها الأثنتين على الطاوله تنظر له بتوعد فـ أنتبه لها جميع من في المطعم على الطرابيزات المجاوره فأردف وهو ينظر حوله:
ساره أهدي الناس بتبص علينا
اهدأ، اهدأ ايه؟ لاء ورفعالك شعري ولابسه فستان حلو طب اهوه
فكت هي شعرها فأصبح ينسدل على ظهرها:
أنتَ عارف احنا نعرف بعض من كام سنه، عارف بقى عندك كام سنه وانا بقى عندي كام سنه، كل يوم اقول يابت اصبري بكره يعرض عليكي الجواز، اصبري، اصبري لحد ما زهقت من الصبر والصبر جض من
ينظر لها وهو يحاول تهدئتها بقوله:
حبيبتي انتِ ناسيه أن براد بت وانچلينا چولي اللي انتِ بتحبيهم قعدوا مع بعض كام سنه وخلفوا ست عيال عشان يتجوزوا
قال جملته ببرود فنطقت هي بعدم صبر تجز على أسنانها وقبض على الورد الموجود بداخل الزهريه على الطاوله تلقيه بوجهُ:
نـــــعم، وأنتَ بقى عايزنا نخلف ست عيال عشان نتجوز وبعدين ده براد بت وأنچلينا چولي، وبعدين هو أنت براد بت اصلاً ولا انا اشبه أنچلينا چولي
فحك رأسه بأصبعه ببرود:
اه رسمه عينيكي فيكي منه
لاء انا بقى أشبهلها وأحلى منها كمان
قالت جملتها بصوت مرتفع فدعم هو كلامها:
اكيد طبعا ياحبيبتي أكيد وهي تيجي جنبك ايه
أمتعضت ملامحها وجحظت عيناها:
كل مره تشبهني وتقولي مره شبه البطه المحشيه بالفريك ومره تانيه تقولي شبه الشيكولاته وانا في الحقيقه فضلت جنبك لحد مابقيت زي برطمان المخلل لحد ما خللت وعفنت وريحتي طلعت
ضربت بكفها على الطاوله بقوه مره أخرى وهي تمسك حقيبتها الصغيره:
خلاص كده خلصنا، هي أصلاً خلصت ، كفايه كده يايزن
غادرت المكان تسرع بخطواتها فظل ينظر لها وهي تبتعد عنهُ فابتسم ابتسامه زادت من وسامته ورحل خلفها ينادي عليها:
ساره، ساره استني بس
وصلت هي الى الخارج عند الحديقه بخارج المطعم تضرب بقدمها الأرض من غيظها لتجد صف من النساء يقفون أمامها يرتدون قمصان بيضاء وبناطيل سوداء كلهم على حدى نفس الملابس اعتقدت بأنهم من طاقم المطعم حاولت أن تعبر من خلالهم ولكنهم اوقفوها:
لو سمحت عايزه أعدي ممكن
استداروا واعطوها ظهورهم يقفون صف بجانب بعضهم البعض لتجد على كل ظهر فتاه منهم يوجد حرف رجعت خطوات للخلف بظهرها حتى تقرأ ما على ظهورهم لتجد كلمه (marry me) أنزلقت الحقيبه الصغيره من يدها وانكمش حاجبيها سرعان ما استوعبت ما يحدث فعادت الأبتسامه الى ملامحها من جديد ببطىء واستدارت تنظر خلفها لتجد «يزن» يجلس على ركبته ويمسك بين اصابعه بالخاتم به حجر كبير من الألماظ تقع عليه أشعه الشمس فتزيد من بريقه وضعت هي يدها على فمها تشهق من المفاجأه وترقرقت عيناها بالدموع فسألها هو السؤال الذي طالما تمنى أن يسألهُ لها:
تتجوزيني
وعندما نطق هو هذه الكلمه فوقع على مسامعها أغنيه
“تتجوزيني، مش عايز غيرك في الحياه أوعي تسبيني، من غير ما اتكلم أنتِ بتسمعيني، عشانك اطول السما ”
وعند وصول الأغنيه لكلمه السما ، وقف واستقام أشار على السماء بأصبعه لتنظر هي في حالة ذهول مما يحدث لتجد طائره تلفظ دخانها بجمله:
” حبك عشش جوه قلبي بضمير ”
كل هذا كثير عليها لم تتوقع أن يحدث لها كل هذه الأمور
وبعدما أختفى الدخان بهذه الجمله اتكتبت كلمه أخرى وهي:
” تتجوزيني ياساره ”
ظلت تنظر الى السماء تنهمر دموعها على وجنتيها بغزار نظرت مره أخرى بجوارها تراهُ مازال يرفع الخاتم بين أصابعهُ فنطق وهو ينظر لها بحب فكانت كلماته نابعه من قلبه بصدق:
عايز اقولك شكراً على كل حاجه عملتيها معايا وانك ميأستيش ، شكراً انك أدتيني فرصه أني أفضل جنبك من جديد ، شكراً انك حاولتي أن علاقتنا تكمل في عز أنكساري وتعبي شكراً أنك دايما في ضهري ودايماً سندي وعايزك تفضلي طول العمر جنبي ونجيب ست عيال زي براد بت وأنچلينا چولي، هــــا تتجوزيني ياساره
قرأت ما أرسله بعيون دامعه فكلماته نابعه من قلبه بصدق أشارت برأسها بالموافقه كانت الدنيا بأكملها لا تكفي سعادتها في هذه اللحظه الأن ، ألبسها الخاتم بحب يضمها الى صدره فحملها والتف بها مراراً فصفق الجميع لهما يشكلون دائره من حولهم فأتت ميرا لتحتضنها وبارك رعد ليزن فأتت شمس تحتضن ساره بحب وتنظر ليزن بفرحه كبيره فأتت غدير ولكن لم تعد طفله بعد الأن فأصبحت فتاه جميله ذات التاسعه عشر من عمرها هنىء الجميع بعضهم البعض فأصبحت السعاده تغمرهم من جديد تذكرت شمس عمار في هذه اللحظه وتخيلته وهو يهنىء يزن بزواجه يقف بجانبه بهذه اللحظه السعيده ترقرقت عيناها بالدموع ولكن سرعان ما لاحظت ميرا ذلك فجذبتها من ذراعها لتنضم إليهم من جديد
يظل المرء منا قليل الكلام هاديء الطباع حتى يأتي أناس تخرجه عن حالة صمته وهدوئههي الأن تجلس بين الزرع والخضرا ، وقت الغروب تستعد الشمس للرحيل وكان الطبيب ينادي عليها من بعيد:
زهـــــره
نظرت خلفها ورأته فعادت تنظر أمامها من جديد أسرع هو لها فاصبح امامها يسألها:
ايه يازهره مش بنادي عليك
عايز ايه ياعلي؟
تحدثت زُهره بنبره جاده مما جعله يشعر بشىء ما فأنتابه فضوله لسؤالها:
أنتِ مضايقه من حاجه ، في حد مزعلك
نظرت زُ هره للفتيات خلفه وهما ينظرون لهُ بأعجاب يهمسون قليلاً فابتلعت ريقها وجاوبته بسؤال أخر:
أنتَ ماسافرتش ليه القاهره مع شمس عند ساره ويزن
ما انا قولتلك يازهره يزن كان عايزنا كلنا نبقى جنبه اليوم ده وأنتِ مارضتيش تروحي وفضلتي ماتسافريش وأنا أخترت أكون جنبك عشان مش هينفع أسافر واسيبك لوحدك
همست الفتيات وهما ينظرون الى الطبيب:
دي أكيد عملاله عمل بقى الشاب الصغير الحلو ده يتجوز العجوزه دي، دي قد أمه
لترد عليها الثانيه بمكر:
أمه ايه قولي قد جدته دي في اواخر الاربعينات وهو بالكتير في اوائل التلاتينات ازاي يعمل في نفسه كده
الحب، الحب يعمل اكتر من كده
لترد عليها الأخرى ناطقه:
لا وأنتِ الصدقه السحر أكيد سحراله، تخيلي ده لو كان جوزي
لترد عليها الفتاه الثالثه :
اومال لو شوفتوا ياسين هتعملوا أيه؟
ليه وانتِ شوفتيه فين؟
البت غدير لما كانت بتيجي هنا كل اجازه زياره للخاله كانت بتحكيلي انه قمر وحاجه كده مايختلفش عليها اتنين ، وبعدين شباب عيله الصاوي كلهم قمرات حتى حسان بس ياسين ده مسافر ومش هييجي خلينا في اللي موجود
على رأيك
لتضحك الفتيات سوياً ويذهبون وهما يتغامزون عليها
ابتعدت زهره سريعاً وهربت وهي تمسح دموعها فجذبها الطبيب اليه من ذراعها:
هتروحي مني فين؟
تطالعه بعيون دامعه:
علي انا زهقت أديك سمعت بودنك الأول كنت بسمع الكلام من تحت لتحت دلوقتي بقى بيتقال في وشي أنتَ شكلك مابيكبرش
ليرد عليها هو قائلاً:
لاء شكلي بيكبر يازهره انا مابقيتش اشرب د م بني ادمين ما انتِ عارفه وده بيخلي شكلنا يكبر وبنضعف أكتر
تنهدت بحنق فطالعته وهي تقول:
اه بيكبر ياعلي بس التغير بيبقى بسيط بص عليا بص على التجاعيد اللي في وشي وبص على نفسكنظر لها وسألها وهما يتبادلان النظرات تحدث بنبره مليئه بالهدوء والحب:
مالها تجاعيدك؟دي تجاعيدك دي بالذات احلى حاجه فيكي كفايه اني كل ما ابصلك اشوف في كل خط تحت عنيكي السنين والشهور والأيام الحلوه اللي عشناها سوا، كل تجعيده من دول بتزيدك حلاوه مابتنقصكي
عقدت ذراعيها واستدارت ليبتسم هو يسترسل حديثه بحنان:
تحبي أقولهم أني أكبر منك ب 78 سنه وأن أنا اللي ابقى قد جد جدگ تحبي أعرف الدنيا كلها أنا أيه في الحقيقه وغلاوتك عندي لو ده هيريحك لهعمله يازهره
شعرت بالتخبط أثر سؤاله ونطقت بنبره منخفضه:
لاء طبعاً، أنت بتقول أيه، أنت عارف اني مشسطحيه للدرجه دي كل الحكايه أني بغير عليك لا تبص للبنات الصغيره دي
فابتسم هو يضرب بكتفه كتفها:
لو عندهم تجاعيد زيك هبصلهم في يوم، تجاعيدك اللي بتظهر في وشك مابتعملش شىء غير انها بتزيد غلاوتك في قلبي كل تجعيده من دول انا كنت معاكي فيها كل شعره بيضا ظهرت في شعرك انا فاكر ظهرت أمتى وفين.. كل شىء فيكي يازهره بيحببني فيكي أكتر بعيش معاكي اللي عمري ما هعيشه في يوم، وبعيدين ده انتي “بنتي الصغيره ”
أما كان حته يوم، انا ماتخيلتش أبداً أن ممكن اليوم النهارده يبقى بالجمال ده
أرمت« ساره» بجسدها على الفراش بعدما انهت جملتها ووقعت عيناها على السقف تأملته بشرود ثم رفعت كف يدها تنظر للخاتم بأصبعها توجه كلامها لـ «غدير»:
حلو مش كده قولي أنه حلو
صعدت «غدير» على الفراش بجوارها تتأمل الخاتم وتنظر لهُ فقالت وهي تتنهد:
تحفه، قمر، جميل عقبالي يارب، عقبــــالــي
وضعت «ميرا» اكواب النسكافيه الساخنه على الطاوله تنظر لغدير بتعجب:
عقبالك ايه يامقصوفة الرقبه أنتِ، مش لما تخلصي تعليمك الأول ده أنتِ حيالله لسه هتدخلي أولى جامعه السنه دي
مدت ميرا كف يدها بالكوب لغدير فأخذته منها ووضعته بجانبها بزهق:
وهو ده يمنع يعني أني أحب واتحب
وهو أنتِ كمان بتحبي؟
قالت شمس جملتها وهي تعلق فستانها على الشماعه فردت عليها غدير بعدما وقفت أمام المرآه تنظر لنفسها:
وماحبش ليه بقى ياست شمس، وحشه ده انا حتى قمر وبقيت أحلى منك ومن هدير
فتحت «شمس» الدولاب الخاص بـ «ميرا» وضعت بهِ فستانها واسترسلت حديثها:
هي هدير وداغر عاملين ايه صح
زي الفل كويسين اوي وعمار ابنهم بقى قمر كمل عشر سنين اهوه وبقيت عمتو الحربايه رسمي
ضحك الجميع ماعادا شمس فبمجرد ذكر أسم «عمار» تنفتح جراح قلبها صمت الجميع عند رؤية ملامحها وشرودها فكسرت “ساره” الصمت بقولها:
تعالوا نقرأله الفاتحه كلنا على روحه وروح المسلمين
رفع الجميع أيديهم لقراءه الفاتحه وبعدما أنتهوا استرسلت غدير حديثها:
هو فين رعد اخويا ياميرا؟
جلست بالفراش بجوارها وهي تضع الغطاء عليها:
راح يبات مع يزن النهارده بما أنكم قرفني الليله
أحنا قرفينك بقى كده
قالت ساره جملتها بعدما ألقت الوساده على ميرا رفعت ميرا الوساده لكي تلقيها على ساره ولكن أوقفها رنين هاتفها لتجد مارال:
نظرت ميرا للجميع قائله:
اي ده دي مارال؟
لترد ساره قائله:
افتحي الاسبيكر وردي عليها ازاي ماتجيش النهارده ده انا هخر ب بيته
ضغطت ميرا على الهاتف وتضعه بالمنتصف فيجتمع الجميع حول الهاتف لتبدأ ساره الحديث قائله:
على فكره يامارال انا زعلانه منك بقى كده ماتجيش النهارده يزن قالي انه اتصل بيكي وانتي اعتذرتي ، ماجتيش ليه بقى
أخبرتها وهي تحاول التبرير لها:
والله ياسايه ماقديتش اجي خالص عشان خاطى ماما أنتِ عايفه ميضها عامل ازاي بخاف اسيبها لوحدها تكون عايزه تدخل الحمام او يجيالها حاجه ومكونش جنبها بس انا فضلت اتصل بيكي طول النهاي ماكنتيش بتيدي وفي الأخي الفون فصل بجد حقك عليا وألف ألف مبيوك بس اكيد ان شاء الله هحاول أجي الفيح
أنتِ يابنتي لسه لادغه لسانك مش هيتعدل أبداً
قالتها غدير بضحك فردت عليها مارال بحزم:
اه يامقصوفه اليقبه لسه لادغه ولما اشوفك هبقى أقطعلك لسانك عشان تبقي لادغه زيي
قرصت ميرا غدير بلوم فقالت:
ماتزعليش منها ام نص لسان دي يامارال
لاء طبعا مابزعلش من عيال صغييه، الا قوليلي ياسايه هتعملي الفيح فين
لترد عليها ساره قائله:
في القريه مع الخاله أنتِ عارفه الخاله كبرت ومش بتقدر تسافر وكمان يزن عايز يعمله هناك عشان يحس أن عمار معاه مع أن انا مش عارفه هعمله هناك ازاي انا كان نفسي اوي اعمله في قاعه كبيره ويبقى بالنهار ويبقى فرح مودرن بس هو مصمما
أخبرتها شمس وهي تحاول أنهاء الأمر بأكمله:
طالما مصمم يبقى اسمعي كلامه وبعدين الأفراح في القريه عندنا بتبقى حلوه أوي ، وهاتي wedding planner تصمملك الديزاين اللي أنتِ عايزاه وبعدين الخاله هتزعل أوي لو يزن عمله بره أنتِ عارفه الخاله بتحب يزن قد ايه وخصوصا عشان من ريحه عمار
أشارت سارت برأسها بالموافقه فأنهت مارال الحديث:
طيب أشوفكم على خيى بقى وألف الف مبيوك ميه تانيه
الله يبارك فيكي ياقلبي وعقبالك يارب يامارال
أنهت ساره جملتها فأغلقت ميرا الهاتف وضربت غدير على قدمها بخفه:
مش تخللي بالك من كلامك
قامت غدير من على الفراش تغير ثيابها الى ثياب النوم:
ايه انا كنت بهزر، ايه ماهزرش
لا يااختي هزرى بس مش كده
أنهت ساره جملتها فجلست غدير وهي تزرر زر البيچامه تجلس على الفراش لتستعد للنوم:
أنتوا عارفين، أنا ياسين واحشني أوي
انكمش حاجب شمس وتغيرت تعابير وجهها فغادرت الفراش قائله:
طيب انا مش جايلي نوم هقعد بره اقرأ شويه
طيب تصبحي على خير ولما تيجي تنامي تعالي نامي جنب الزبله دي على رأي ياسين
أنهت ميرا جملتها فرفعت غدير رأسها تقول بتحذير لميرا:
ماتقوليش يازبله مابحبش حد يقولهالي غير ياسين
أشارت شمس برأسها بالموافقه فغادرت الغرفه وهي تحمل مذكراته بين يديها جلست بالخارج على المقعد الهزاز فشردت بين كلماته وطيات صفحاته بعدما فتحت المذكره مره أخرى لتقرأها من جديد وكانت أول صفحه كالأتي:
“ما هي الحياة غير طريق نسير فيه ، وكل يوم نفقد منا شيء على هذا الطريق الى أن نصل لنهايته ، والنهايه هي موت كل شيء داخلنا قبل موتنا، لا أعلم ماذا حدث لي منذ أول يوم جائت هي الى دارنا بعثت الروح ودبت الحياه في هذا المنزل بعد موته بعد أخذ الروح منه ، فبعض المنازل كالقبور ، ودارنا كان القبر المقيت حتى جائت هي كنور الشمس لتضىء عتمه القلوب”
قلبت هي صفحات كثيره من المذكره حتى وصلت للصفحه المفضله لديها:
“اليوم الثلاثاء 12 ديسمبر سنه 2007 الساعه 12 بعد منتصف الليل حصلتلي حاجه غريبه اوي حاجه مابتحصلش أبداً خرجت اصطاد عشان أروي عطشي للد م كالمعتاد أنا والضبع ، لاقيت كوخ أول القريه قريب من المقابر كان في شعله لسه ماطفتش دليل على أن اللي جوه الكوخ صاحيين ماناموش ، الضبع ابتسملي ابتسامه عمري ماهنساها أبداً وفي لحظه كان عندهم وقبل ما يدخل الكوخ سمعت ست جوه الكوخ بتقول لجوزها وانت ليه مش عايز تطلقني يانصير انا مابخلفش روح اتجوز وعيش حياتك مع غيريواللي سمعته منه كان اغرب رد سمعته في حياتي قالها– لاني رايد العشرة قبل الخِلفة. يهمني الود قبل الوِلد ومستعد أحلفلك على مصحف أني عمري في يوم ماهجيبلك سيره الخلفه، حضنك داري وونسك ليا هيبقى عزوتيكلامه دخل قلبي قبل ما اسمعه بودني انا سمعت منه الكلام ده وحسيت ان كلامه مس القلب بصحيح، لحظه أنا مش مصدق ، أنا أول مره أشعر أني عندي قلب وبحس والكلام بيمسني ازاي اتغيرت وايه اللي حصلي ؟ من لحظه دخول شمس البيت وانا بتغير خايف اكون بتغير للأضعف انا مش عايز أبقى ضعيف بس للأسف ضعفت ودافعت عن الراجل ده هو ومراته ووقفت قصاد الضبع عشانهم”
جائت غدير وهي تدعك بكف يدها عينيها قائله:
أنتِ لسه صاحيه ياشمس
اتسعت عينيها برعب وجسدها انتفض بأضطراب وذعر اغلقت المذكره على الفور ووضعتها بجانبها تحاول أن تنظم تنفسها:
يعمر بيتك ياغدير خضتيني
جلست بالمقعد بجوارها:
أنا عملت أيه، وبعدين انا لحقت أصلاً أنتِ اللي كنتي مركزه أوي في القراءه محستيش بيا وأنا طالعه يعني مش ذنبيه
هدئت شمس قليلاً بعدما ابتلعت ريقها تحاول أن تتصنع النوم:
طيب انا هدخل أنام بقى
امسكت غدير معصم يدها وبدأت بقول:
لاء ما تستهبليش أنتِ مش عايزه تنامي خليكي قاعده معايا شويه
طالعتها شمس وبدأت بالحديث:
مالك في حاجه مضيقاكي
اخذت تجلس التربيعه ونظرت بجوارها لشمس:
بصراحه أه
طيب ماتقولي ايه اللي مضايقك
انا عرفت مكان ياسين فين
وقفت شمس مكانها وارتجفت شفتها السفليه وكان أول سؤال يخطر على بالها:
عرفتي مكانه ازاي؟
رفعت غدير رأسها وهي جالسه على المقعد:
شوفته وانا رايحه المدرسه في المانيا من كام شهر راكب حته عربيه سودا تحفه ولابس بدله وكان هو اللي بيسوق، وفي واحده جنبه كانت زي القمر
بترت حديثها على الفور:
واحده، واحده مين
وقفت خلفها لتجيب على سؤالها:
معرفش طبعاً، بس أنا خليت صحبتي تمشي وراهم بالعربيه ووقف قدام شركه كبيره اوي مكتوب على الشركه من فوق أسمه و متزخرف بالعربي مش بالألماني وكانت باللون الدهبي « ياسيـــــن » و نزل والست دي نزلت وراه ومتغير خالص مش هو ياسين اللي نعرفه شياكه ايه ولبس ايه قمر قمر كده حاولت اني ادخله الشركه بس الأمن مانعني اني ادخل طبعاً ، بس على مين أخدت نمرة العربيه بتاعته بس معرفتش اعمل بيها حاجه اديتها ليزن ورعد لما نزلت على مصر الاجازه دي ويزن قالي انه هيتصرف ويعرف مكانه
حاولت شمس اضفاء بعض الهدوء فتصنعت البسمه:
طيب وأيه بقى اللي مضايقك من كل ده
فأجابت غدير مسرعه:
خايفه لا يكون نسينا وباين عليه أنه نسينا ياشمس، وبعدين الست اللي جنبه دي مش مرتحالها خالص
انتظرت شمس أن تنتهي غدير من حديثها ثم أخبرتها بعينين أنهكهما التعب محاوله الهروب من استكمال حديثهما:
أنا صاحيه النهارده من بدري أوي أنا هدخل أنام تصبحي على خير
هزت غدير كتفيها بعدم فهم:
وأنتِ من أهل الخير
ذهب رعد للمبيت بشقه يزن وبعد سهره يوم طويل وشاق على كلاً منهما من أجل تحضيرات هذا اليوم ذهب كلاً منهم الى الفراش اخيراً ، اقتربت الساعه من الرابعه فجراً ليجد كلاً منهم يأتي له رساله صوتيه على الجروب الخاص بهم والذي يجمع كلاً من بربروس والطبيب علي ويزن ورعد فهذا شات جماعي خاص بهما أتت الرساله من بربروس فتح يزن الرساله هو ورعد وفي هذه اللحظه استفاق الطبيب على صوت الرساله هو ايضاً ليجد محتواها:
لا صباح ولا سلام..الى اصدقائي عديمي النفع.. الى اقربائي عليهم اللعنه.. لقد راع انتباهي أنكم جميعاً حقراء.. إذاً فلتكن هذه امسيه لعينه عليكم ايها المنافقين.. هيا قم أنت وهو لتاديه صلاة الفجر ايها الملاعين” فالصلاه ليست لأجل الله، الصلاه لأجلك أنت ، الله لا يحتاجك أنتَ تحتاج الى الله ”
رد يزن برساله صوتيه اخرى بعدما طالع رعد:
صباح الخير يابربروس.. جرا ايه يابربروس مالك أنت شاحن بعشره جنيه بقى تشتم بالعشره جنيه كلهم ولا أيه مش تخلي اتنين جنيه كده نصبح بيهم على بعض يابيدقووس واصطبح على الصبح يابيدقووس وحاضر هنقوم نصلي يابيدقووس
ابتسم رعد عند سماع ماقاله يزن للتو وابتسم كلاً منهما الى الأخر فابتسم الطبيب ايضاً وهو يستمع الى رساله يزن فبعث الطبيب برساله صوتيه:
خلاص ياعم بربروس هنقوم اهوه بارك الله فيك مش عارف من غيرك كنا هنعمل ايه والله وبالمناسبه الف مبروك يايزن وعقبال الليله الكبيره ان شاء الله الخاله مستنياك تعمل فرحك في القريه
رد عليه يزن برساله صوتيه اخرى:
الله يبارك فيك ياعلي واكيد طبعاً انا مش هفوت حاجه زي دي فرحي لازم يبقى جنب عمار عشان احس انه معايا وعشان احس بي أكتر واحس انه معايا انا عرفت اجيب رقم تليفون ياسين طلع عايش في المانيا لما لما غدير شافته بالصدفه هعزمه على الفرح واتمنى انه ييجي كفايه انه من ريحه عمار
بعث بربروس برساله صوتيه:
سيأتي ان شاء الله حاول لا مشكله بهذا
فرد الطبيب برساله أخرى:
ماتتعبش نفسك يايزن ياسين مش هييجي الفرح انا عرفت مكانه من بدري حاولت اكلمه كتير انه يرجع بس للأسف مافيش فايده
فرد رعد برساله وهو بجوار يزن:
احنا مش هنخسر حاجه احنا هنكلمه بكره من المعرض وتبقى محاوله كلنا عارفين ياسين مجروح قد ايه من اللي حصل
فرد الطبيب:
اتمنى انه ييجي حاسس ان في حاجه ناقصاني من غيره يلا تصبحوا على خير
فبعث بربروس برساله صوتيه أخرى ففتحها الجميع:
أعلم بأني سأغلق الهاتف من هنا ، وسينام الجميع على الفور لذا لن أغلق الهاتف إلا بعد ان تبعثوا لي بصور وأنتم بداخل الحمام تقفون على الحوض تستعدون للوضوء
نظر رعد ليزن باستغراب:
ايه ده بيقول ايه ده مش فاهم
فحثه يزن على النهوض:
يلا قوم مش عايزين زن منه
أنت هتصورني وانا هصورك
قام الطبيب من فراشه يتجه الى الحمام يتوضأ فبعث بفيديو له شاهده بربروس وابتسم ابتسامه رضا
وبعد ثواني بعث يزن صوره تجمعه هو ورعد يتوضأون بجانب بعضهما بعضاً
أتي الصباح ومعه الهواء النقي الذي حرك الأشجار الموجوده بخارج المنزل الذي تقطن بهِ «ميرا» هنا وهناك أستيقظت شمس وأرتدت ملابسها بهدوءً تام وغادرت المنزل دون أن يشعر بها أحد هي الأن بمنتصف البلد تقف أمام مقهى يسمى “الفيشاوي” بمنطقه الحسين تنظر الى المقهى جيداً تمعن النظر إليه كل شىء بهذا المقهى قديم يتضح على جدرانه معالم الزمن فتحت المذكره مره أخرى وهي تقف بالجهه المقابله للمقهى بنفس المكان الذي كان يقف به «ياسين» لتقرأ ما كتبه عن هذا المقهي بمذكرته:
“مقهي الفيشاوي، لا أعلم الى متى سأظل أأتي الى هنا ، الى متى سيظل يصطحبني الحنين الى ذاك المقهى القديم ، أأتي الى هنا بالجهه المقابله للمقهى أقف ساعات طويله أمامه لم تكن لدي الشجاعه الكامله ولا أعلم لماذا، كل ما أعلمه جيداً أني أشعر بذكريات تحوم بداخلي حول المكان ولكن ذكريات مدفونه بداخلي لا أعلم عنها شيئاً، اظل اطالعه ساعات طويله ولكنها بالنسبه لي كالدقائق القليله يخبرني قلبي بأن هذا المقهى لي معه العديد من الذكريات الجميله يخبرني عقلي بأني يوماً ما سأتذكر وأنا اثق بحدثي كثيراً”
أبتسمت «شمس» على ثقه «ياسين» بنفسه وأغلقت الدفتر تستعد للمضي قدماً حتى يأتي هو من خلفها يهمس بأذنها مستفسراً:
أيه اللي كنتي بتقريه ده؟
انتفضت هي بذعر تنظر خلفها لتجده الضابط «فريد» وضعت يدها على صدرها تحاول تنظيم أنفاسها قليلاً فتحدثت والنهجه تعتلي كلماتها:
أنت، أنت عرفت مكاني منين؟ وجيت ورايا هنا ازاي؟
أشار برأسه وتحرك خطوات الى الأمام بأتجاه سيارته يفتح الباب الأمامي لها:
اركبي الأول عايز اتكلم معاكي شويه أنا ماصدقت لاقيتك لوحدك، كل مره لازم يبقى معاكي حد أيه مابتمشيش غير بحرس
ابتلعت ريقها بغيظ ثم تحركت الى الأمام فأشارت لسياره أجره تتجاهله تماماً أوقفت السياره ففتحت الباب الخلفي تستعد للصعود إليه ليأتي هو مسرعاً يقبض بكف يده على ذراعها وينطق كلمه واحده فقط:
انزلي
طالعت هي كف يده وهو يقبض به على ذراعها فنطقت بصوت مرتفع:
أنتَ أتجننت أنتَ ازاي تمسكني كده
فتحدث سائق السياره الأجره قائلاً:
جرى ايه يااستاذ عيب كده مايصحش
فنطق هو مسرعاً يتحدث بنبره أَمَره:
أنا المقدم فريد الدمنهوري وخليك في حالك احسنلك وكل عيش
ابتلع السائق ريقه فرد قائلاً:
انزلي معاه يا أنسه خلينا نشوف اشغالنا على الصبح
ضغطت شمس على أسنانها وانتزعت ذراعها منه بقوه وغادرت السياره الأجره وهي تقول والغـ ـضب يملؤها:
أنا مش هركب معاك عربيتك ان شالله لو قتـ ـلتني فيها دلوقت
نظر حوله فوجد كافيه على الشارع فطالعها من جديد:
تمام تعالي نقعد على الكافيه ده اقولك اللي عايز اقولهولك وبعد كده هخليكي تمشي
هما الأن بداخل معرض الأزياء الخاص بهما يمتلكون عماره من ثلاث أدوار ضخمه جوانبها من المرايا السوداء العاكسه للضوء بهِ جميع أنواع الملابس (نساء ـ أطفال ـ رجال) على أعلى مستوى يعمل بهِ كلاً من رعد ويزن فهما شركاء بهِ يضعون أسم «عمــــار» بكل مكان فأصبح اسم عمار ماركه مميزه
دخل يزن ومن خلفه رعد الى غرفه مكتبه جلس يزن على المكتب المصنوع من الزجاج ونظر الى ساعه يده فسأله رعد قائلاً:
أيه ناوي تتصل بياسين دلوقت
فرد عليه وهو ممسك بالهاتف بين يديه:
على فكره دي مش أول مره أكلمه فيها انا كلمته قبل كده بس هو دايماً مابيردش لو ماردش المره دي هسيبله رساله وبراحته بقى
ضغط «يزن» على زر الأتصال ينتظر الرد ولكن دون فائده كالعاده فترك لهُ رساله صوتيه على هاتفه:
ياسين ازيك مش عارف اذا كنت لسه فاكرنا ولا لاء ، بس احنا مش ناسيينك عايز اقولك اني هتجوز انا وساره الخميس اللي جاي في القريه «قريه الصاوي» هنعمل حنه ودخله
ابتسم رعد فرفع صوته قائلاً:
الخاله مصممه تمشي على عوايد القريه وعلى عوايد عيله الصاوي وتعمل ليزن حنه ياياسين وبالمناسبه انا رعد لو كنت نسيتني
استكمل يزن حديثه:
عايزك تكون موجود يوم الحنه ياياسين ، حاسس انك لو بقيت موجود هحس بوجود عمار معايا عشان هو حته منك، عايزك تحنيني وتحط الحنه عليا مش دي عوايدكم اللي عمري ما شوفتها غير في عيله الصاوي واللي بتقول عليها الخاله ، هستناك يايسن
أغلق يزن الهاتف يأمل بقدوم ياسين ليحضر معه حنته ويوم زفافه
وضعت حقيبتها على الطاوله بزهق وجلست تنظر له بضيق فقالت متسائله:
نعم عايز ايه؟
فرد هو ببرود تام:
مش لما نطلب حاجه الأول وبعد كده نتكلم
بس انا بقى مش عايزها
أشار هو بأصبعه للنادله فأتت على الفور:
اتفضل تطلب ايه يافندم
أنا عايز واحد قهوه ساده وشوفيها تشرب أيه؟
نظرت النادله الى شمس بابتسامه بسيطه:
وحضرتك؟
مش عا
كانت ستستكمل حديثها ولكنها نظرت الى الثلاجه فوجدت بها زجاجه الشيري كولا المفضله لياسين فقالت:
عايزه واحده شيري كولا
أشارت النادله برأسها بالموافقه فابتسم فريد لأستجابه شمس لهُ فطالعته شمس بهدوء:
اتفضل عايز ايه.؟؟
فقال هو بكل بجاحه:
عايزك
انقبض حاجبيها وشعرت بالتخبط أثر كلمته:
ايه اللي أنتَ بتقوله ده أنتَ اكيد اتجننت
ضرب بيده على الطاوله بقوه:
عليا الطلاق منك من قبل ما توافقي حتى عليا أنتِ لو كنتي حد تاني وكان قالي كلمه أتجننت دي لكان عمره ما هيشوف نور الشمس تاني بعنيه بس عارفه معاكي أنتِ بعديلك كل حاجه حتى لو قولتي أيه
تحدثت شمس بنبره جاده:
ولو قولت أني مش موافقه
صارحها فريد وعيناه تواجهها بكل صدق:
يبقى هتعنسي ياست البنات عشان مافيش كلب هيتجرأ وهيقدر يقرب من ناحيتك طول ما انا حواليكي، سمعاني ياشمس
أتت النادله لتضع الطلبات على الطاوله فأنزلقت القهوه على الطاوله دون قصد اعتذرت النادله كثيراً:
أنا اسفه بعتذر والله انا اسفه انا عمري ما وقعت مني حاجه قبل كده بجد أسفه
حاولت ان تنظف الطاوله سريعاً فأمسك فريد بمعصم يدها بقوه وبغـ ـضب عارم:
كفايه.. ماتمسحيش حاجه
وقفت النادله وهو مازال يضغط على معصم يدها بقوه مما جعلها تشعر بألم شديد فاستكمل حديثه بعدما نجح في جذب انتباهها:
أنتِ عارفه ياحلوه انتِ.. أحنا بنتعب قد أيه علشان اللي زيك يعيش في أمان وأنتِ مجرد واحده كل شغلانتها في الحياه أنك بتحطي شويه طلبات على الطرابيزه من غير ما تعملي أي فوضى مجرد أنك تنزلي الطلبات على الطرابيزه بس كده.. حاجه بسيطه أوي مش كده ، فأنك حتى في الحاجه البسيطه دي تفشلي فيها وماتعرفيش تعمليها فاعرفي أنك فاشله، وهتفشلي في كل حاجه بتحلمي أنك تحققيها بعدين وهتفضلي مجرد ويتر ومش هتتغيري أبداً عشان الفشل باين في عنيك
تلألأت الدموع بأعين النادله تأبى النزول فنظرت شمس له بأستغراب عما فعله الأن فوقفت واستقامت تطالع النادله بحب:
حقك عليا انا ماتزعليش، انا عارفه انهُ مكانش قصدك احنا بشر وبنغلط
أمسكت شمس بحقيبتها الصغيره وبالمذكره تحركت خطوات للأمام فقال لها:
أحنا لسه مخلصناش كلامنا
وقفت هي واستدارت تنظر لها:
أحنا عمرنا ما كان في بينا كلام عشان نخلصه
تجمع الجميع بالقريه من جديد يستعدون لمراسم الزفاف أخيراً بعدما حاولت ساره بكل ما تستطيع أن تجعل القريه مكان جميل ومرتب بمساعده ال( wedding planner)
رأتها الخاله والتوتر يملؤها:
مالك ياساره متوتره كده ليه يابتي
جلست ساره على المقعد فابتسمت للخاله وهي تقول:
أول مره أتجوز ياخاله مش عايزه يبقى فيه غلطه في الفرح عايزه ليله الحنه تبقى مترتبه وكل حاجه تبقى في مكانها
جلست الخاله بجوارها تتكأ على العصا الخاصه بها:
ماتقلقيش يابتي كله هيبقى تمام أنتِ على أرض عيله الصاوي يعني كل رجالتها هتبقى تحت خدمتك
ابتسمت ساره بامتنان للخاله:
متشكره أوي ياخاله طيب هسيبك أنا بقى عشان أشوف اللي ورايا
وقفت ساره واستقامت فشعرت بثقل بجسدها فلم تستطع النهوض وضعت يدها على رأسها تشعر بالتعب مما جعلت الخاله تتسائل:
مالك يابتي فيكي ايه؟
فردت عليها ساره بصوت يكاد يكون مسموع:
مش عارفه ياخاله بقالي فتره بتجيلي دوخه وبحس بتعب شديد ببقى مش قادره اقف على حيلي
وماروحتيش كشفتي ليه يابتي؟
مش مستاهله ياخاله هو بس أكيد ارهاق من كتر الحركه انتِ عارفه اليومين دوول تعب أزاي عشان الفرح
ربنا يتمملك على خير يابتي بس برضوا لازم تكشفي
أشارت ساره برأسها بالموافقه قائله:
أن شاء الله
جاء الطبيب علي يسأل الخاله:
بقولك ياخاله ماشوفتيش حسان
طالع ساره فوجدها تمسك رأسها بكف يدها:
مالك ياساره أنتِ كويسه
أشارت برأسها بالموافقه:
اه كويسه، هي فين شمس
طالعتها الخاله تجاوب على سؤالها:
هتلاقيها فوق السطوح عند غيه الحمام يابت
رحلت ساره فنظر الطبيب لها وهي تغادر فاستكمل حديثه مع الخاله:
فين حسان ياخاله ماشفتهوش النهارده
نظرت الخاله تشير برأسها الى الباب المفتوح على مصرعيه:
أهوه جه ياريتك كنت جيبت سيره عدله مكانتش جت
ضغط حسان على شفته السفلى بغـ ـضب:
ليه وانا عملت ايه دلوقتي ياخاله بس؟
شعر الطبيب بالذعر من نبرته فقال بنبره ملتويه:
حسان أتكلم مع الخاله كويس
جائت زهره تمضي قدماً نحو حسان لكي تدافع عنه كعادتها:
بتزعق لحسان ليه ياعلي بس
دعم حسان حديث زهره:
مش عارف يا امي تعالي شوفي كل مايشفوني يفضلوا يبكتوا فيا
أنا لحقت اكلمك يابني
قالها الطبيب بحنق فردت عليه زهره بحنان بعدما اخذت حسان بداخل صدرها تحنو عليه كالعاده:
معلش ياعلي اصبر على حسان شويه صغير ومايفهمش
طيب ودروسه وعلامه مايفهمش فيه هو كمان
ضربت الخاله بكفها على العصا بقوه:
عشان خايب سقط السنه دي كمان مع أن قدمتله هو وشمس، شمس كانت بتاخد سنتين في سنه واحده، وهو السنه الواحده كان بيسقط فيها سنتين
أشار بيده بعدم مبالاه:
عشان انا ماليش في العلام قولتلكم الف مره انا فلاح ابن فلاح ، شمس اختي ليها في العلام وانا لاء خلاص سيبوني براحتي بقى، بين الزرع والغيطان وبلاها علام انتوا بس اللي مخليني اروح المدرسه غصب عني وده ظلم على فكره
تركهم وغادر المكان تأفف الطبيب مما يفعله حسان فقال لها:
كل ده من دلعك فيه يازهره
فردت عليه قائله:
ومادلعهوش ليه أبوه وامه ميتين ومالهووش غيرنا ده انا ماصدقت بقى بيناديني بأمي انت شوفت انه بيقول على شمس انها اخته ازاي بلا تعليم بلا كلام فاضي هو حابب الأرض وببحب يزرع فيها سيبه يعمل اللي هو بيحبه ياعلي
جاء الليل سريعاً واشتعلت القريه بالأنوار فكل مكان بالقريه اصبح مضيئاً أرتدى يزن ملابسه والكل يستعد فذهبت غدير الى يزن مسرعها:
وبــــا، ايه الشياكه دي كلها الجلبيه هتاكل من عليك حته
ابتسم يزن وهو يلقي بالمنشفه بوجهها:
اتريقي يا اختي اتريقي ، مش كله من تحكمات الخاله
طيب قولي مين هيحط الحنه في أيدك
هز كتفيه بعدما فقد الأمل:
كنت عامل حسابي على ياسين بس الظاهر انه مش هييجي فالخاله هي اللي هتحط كبشه حنه قد كده في كف ايديه
العوايد دي بتتعمل في مصر؟
جاء رعد من خلفها:
وحياتك ولا في الصين دي عيله الصاوي بس اللي بتعملها
قوليلي قررتي هتدخلي جامعتك هنا ولا هترجعي المانيا؟
هنا طبعاً، انا حابه اقعد هنا معاك انت وميرا ايه عندك مانع
لاء وانا اقدر افتح بوقي برضوا
طيب اسيبكم انا بقى
كانت هذه جمله يزن فرد عليه رعد بسؤال اخر:
رايح فين
على عمار لازم ازوره في يوم زي ده
في غرفه العروسه يتجهز الجميع لهذه الليله ارتدت ساره فستانها البسيط فستان باللون الزهري مجسم على جسدها طويل الأكمام أنيق تفرد شعرها للخلف مع ميكب هادي بسيط نظرت شمس لها هي وميرا فسألت ساره عن مارال:
هي مارال لسه ماجاتش؟
دخلت مارال من باب الغرفه وهي تفتح ذراعيها تحتضنها بحب قائله:
ماقديش ماجيش أكيد لازم أجي طبعاً
ضمتها ساره اليها وهي فرحه بقدوم الجميع واصبحوا حولها يتمنوا لها حياه سعيده
الهدوء والسكون والظلام يملىء المكان على عكس القريه التى بها من الضوضاء ما يكفي يقف هو بجانب قبره ينظر الى ذلك اللوح المنقوش عليه اسمه فيبدأ بقول:
وحشتني أوي ياعمار، حاسس أن يومي ناقص من غيرك ، مكنتش اتخيل أن اليوم ده ييجي من غيرك ياصحبي وياعشرة عمري كله اوعى تفتكر اني نسيتك في يوم أنت مابتروحش عن بالي ولو للحظه ياصحبي ، عملت حنتي هنا عشان ابقى جنبك واحس بروحك في المكان الله يرحمك غيابك واكل من روحي كتير
ظل الجميع يسأل عن يزن فقد بدأت مراسم الحناء فذهب رعد وبربروس والطبيب اليه قائلاً:
غيابه مأثر فينل كلنا يايزن مش فيك لوحدك
عمار لو كان عايش كان هيزعل اوي انك بتبكي في يوم زي ده
فأمسك رعد بيده يجذبه للخارج:
يلا يايزن الكل مستنيك
عاد الجميع الى الفرح وجلس يزن وساره بالمنتصف فقامت الخاله وامسكت كتله من الحناء وسط الزغاريط والأغاني وضعت الكتله بيد ساره فسقطت باقي الحناء على الأرضيه قبل أن تضعها بيد يزن فقالت:
الحنه وقعت وده فال مش حلو أجري ياشمس هاتي الحنه الباقيه من فوق يابت
أشارت شمس برأسها بالموافقه وخرجت من الزحام ترجع بظهرها للخلف فاستدارت لكي تكمل طريقها للخارج لتصطدم بهِ وتجد نفسها بداخل صدره رفعت عيناها تطالعه لتجده يقف أمامها فقالت والصدمه تعتلي وجهها:
يا سـيــــن
رواية الهجينة الفصل الأربعون 40 - بقلم ماهي احمد
كان لابد من لقاء يجمعنا سوياً يوماً ما.
ساورتني شكوكي قليلاً، ولكن تملكني يقيني أكثر. كل شيء بغيابك عادي وبوجودك مبهر. تجمعت مشاعرنا دون لقاء، كما التقت عيوننا دون معاد، يا صاحبة العيون الخضراء.
كانت النهاية عند وقوعها دون قصد بأحضان آخر شخص ممكن أن تتوقعه، وأول شخص كانت تتمنى أن تراه مجدداً. وجدت نفسها بأحضان "ياسين".
رفعت عينيها لتطالعه، فقد احتضن بؤبؤ عيناها عيناه. لم تعرف ماذا تقول. صدق من قال أن للعيون لغة، فقد فضحتها عيناها عند رؤيته من جديد.
ابتسم لها هو ابتسامة بسيطة زادت من وسامته. فتراجع قليلاً حتى يعطي لها فرصة في الوقوف مستقيمة بعدما مالت عليه. نظر للأسفل ليجد رباط حذائها المفكوك كالعادة، ليبتسم من جديد وهو ينحني يربط لها رباط الكوتشي وهو يقول:
"رباطك ياشمس."
وهوى قلبها أرضاً عند سماع جملته، فهذه الجملة لم تسمعها قرابة العشر سنوات. هذه الجملة الخاصة بـ"عمار".
وقف واستقام بعدما عقد لها رباط الكوتشي من جديد. نظرت للأسفل على حذائها فوجدته نفس ربطة "عمار" المعقده. فأكمل هو جملته بإبتسامة حنونة أخرى:
"ربطهولك كويس عشان ما يتفكش منك تاني."
كانت ومازالت لا تستطيع الحديث، فلم تنطق ببنت شفة حتى الآن. ولكن بداخل رأسها في هذه اللحظة أسئلة كثيرة وزحمة أكثر بداخلها. ولكن تود أن تسأله سؤال واحد فقط يراودها على طرف لسانها وهو "من أنت؟".
حتى كادت أن تنطق به، ولكنها صمتت عن الحديث فجأة عند سماعها صوت الطبيب قادم من خلفها ناطقاً بأسمه بدهشة وعدم تصديق ما يراهُ الأن:
"ياسين!"
أضاءت ملامحه إحدى ابتساماته الرائعة بقوله:
"وحشتني يا طبيب."
فرد "الطبيب علي" ذراعه والأبتسامة تملأ وجهُ، يضمه إلى صدره فقد اشتاق إليه حقاً. ظلت "شمس" تطالعه، فطالعها هو الآخر بنظرة سريعة ثم تجاهلها على الفور.
شعرت الخالة بوجوده، التقطت رائحته من بين الحشود. ابتسمت ووقع العكاز من يدها على الأرضية. شعرت بروحها تعود من جديد إلى جسدها فوجدت قلبها ينطق قبل لسانها:
"ابني."
توقف الطبل والمزمار وظل الجميع يسأل نفسه في حيرة ينظرون هنا وهناك. تحركت "الخالة" بينهم، أزاحت الأشخاص الذين يحولون بينه وبينها. أخذ "يزن وبربروس وساره" الجميع بلا استثناء يتابعون خطواتها بعيونهم.
حتى وجدته يعطيها ظهره وهو بحضن الطبيب. وضعت كف يدها على كتفه تطالعه بدموع ترقرق بعينيها، فألتفت هو ينظر لها بابتسامة حانية:
"وحشتيني يا ماما."
قد وقعت على مسامعها كلمة "ياما" من جديد. ضمتهُ "الخالة" إلى صدرها بعنف، حاوطت عنقه بذراعين حوت حنان العالم أجمع. فقد عاد ولدها المفضل لديها من جديد أخيراً بعد غياب بعيد.
ألتف الجميع حوله. رحب كل واحد منهم به على حدا، فتركتهم شمس وغادرت إلى المنزل. شعرت بمزيج مثير ومميز من الشعور الذي يراودها الأن. أغلقت باب غرفتها، قرعت دقات قلبها كالطبول. خرجت كلماتها مرتعشة من بين شفتيها بعدما أغلقت عينيها وهي تردد على شفتيها باستغراب ما قالهُ لها منذ دقائق قليلة:
"رباطك ياشمس!!"
مازال الجميع يرحب به بفرحة عارمة حتى أتت لهُ "غدير" وهي تسرع بخطواتها تبعد الجميع من أمامها والسعادة تملأ وجهها. دفنت رأسها بداخل صدره وهي تنطق بأسمه:
"ياسين، أنا مش مصدقة نفسي، أنت فعلاً هنا."
فأستغرب هو مما يحدث. لم يعد يعرفها. رفعت رأسها إليه تنظر له بابتسامة عريضة. فتفحص هو ملامحها لثواني قليلة ثم نطق باستغراب على ما أصبحت عليه الأن:
"الذبله."
ضربت بكف يدها على كتفه بخفة، يرتسم على وجهها ملامح الأندهاش. فقد تذكرها للتو:
"بالظبط."
أشارت على جسدها بكف يدها بعدها استرسلت حديثها:
"كبرت مش كده؟"
فأشار لها بعينيه بإعجاب:
"مهما كبرتي هتفضلي في عيني الذبله الصغننه."
ابتسم الجميع. فسأل هو عن بربروس، فأجابه هو:
"انت انتظرت للأخير حتى تذكر اسمي أيها اللعين."
ضحك ياسين بهدوء على كلامه قبل أن يرد:
"وانا لا يمكن أنساك يا شيخ عجوه."
أخذه بالأحضان الحارة، وقد شعر بالأرتياح بداخل أحضانه. فذهب ليزن بعد ذلك:
"مبروك ياعريس، عارف أني جيت متأخر بسببك."
"المهم أنك جيت يا ياسين دلوقتي بس حسيت أن عمار معايا."
نظر لهُ "ياسين" نظرة أمتنان. فنظرت "الخالة" حولها تبحث بعينيها عن "شمس":
"هي شمس لسه ما جابتش الحنة، ياسين هو اللي هيحطها في إيدين العريس."
"أنا هروح أجيبها يا خاله."
هرولت "غدير" مسرعة فأتت بالحنة على الفور. أرتفع صوت الطبول والمزمار من جديد وهو يضع الحناء في يد "يزن" العريس. كان الجميع سعداء، الجميع بلا استثناء ما عدا "زهرة" فقد انقبض قلبها وشعرت بالحزن عند مجيئه.
كانت أعين جميع من بالفرح عليه. فالجميع انتظر لسنوات عديدة ليرى من هو "ياسين" بعدما ظلت تحكي عنه "الخالة" للعديد من الناس. فالكل يعلم بأنه وريث عائلة الصاوي من بعد "الخالة".
شعر بهمساتهم ولمح أعينهم المسلطة عليه. حاول مراراً تفاديهم حتى تنتهي هذه الليلة على خير. كانت هذه الليلة من الليالي الصاخبة بالقرية. لم ينم أحد تلك الليلة، فظلت هذه الليلة مستمرة حتى طلوع الفجر.
وأخيراً خفت الزحمة قليلاً، وأنتى اليوم على خير حتى ظل شباب العائلة من جديد. فالجميع الآن أصبح من العائلة، هكذا دائماً تخبرهم الخالة. يجتمعون جميعاً حول ياسين من جديد.
فأمرتهم "الخالة" بالرحيل. فرد الطبيب:
"عايزانا نرجع البيت ليه يا خاله دلوقتي؟ احنا ما صدقنا نتجمع من جديد."
فرد "بربروس" على كلام الطبيب:
"هناك أناس لا يمكن أن نرفض لهم طلب ومنهم "الخالة"، ومن المؤكد أنها تريد أن تجلس مع هذا اللعين بمفردهما قليلاً."
أشارت الخالة بعينيها إلى "الطبيب":
"شايف الناس اللي بتفهم، يالا كل واحد عارف فين مطرحه."
كان اليوم شاقاً، فذهب كل منهم على حدا ليستريح، فغداً يوم جديد.
حاول أن ينفرد بنفسه قليلاً بعدما غادر الجميع من حوله. ينظر هنا وهناك، فكل شبر بالقرية يحفظه عن ظهر قلب. وجوده بالقرية يذكره بأشياء بشعة يريد نسيانها. فالنسيان أحياناً نعمة وأحياناً أخرى نقمة.
شرد قليلاً في الماضي ولكن سرعان ما أفاقته الخالة من شروده:
"ياسين، عايزاك معايا يا ولدي في كلمتين، تعالى ورايا."
وقف واستقام وهو يضع يده في جيبه الخلفي بعدما تنهد:
"الكلمتين دول ماينفعش نأجلهم لبكره يا ماما."
أشارت برأسها بالنفي:
"لاء ماينفعش يا ولدي."
أشار برأسه بالموافقة ورحل خلفها في صمت حتى وصل إلى قبر عمار. أشارت بعكازها على ذلك اللوح الرخامي الذي دون عليه أسم عمار قائلة:
"كتبته على اسمك بالكامل، "عمار ياسين بن يزيد الصاوي"، فاكر عيلة الصاوي يا ولدي ولا نسيتها؟"
أشاح بنظره عن اللوح بعدما طالعه قليلاً:
"جيباني هنا ليه يا ماما؟"
فردت "الخالة" عليه بسؤال آخر:
"ومجبكش ليه يا ولدي؟"
وضع كف يده بين خصلات شعره الكثيف، يحاول أن يتجاهل قبر ابنه بقوله:
"عشان مش وقته يا ماما، أنا جاي هنا عشان خاطر فرح يزن."
نظرت له باستغراب قائلة:
"وقبر ابنك مش عايز تشوفه؟ ابنك ماوحشكش يا ياسين؟"
فرد على سؤالها بسؤال آخر:
"عايزة توصلي لأيه يا ماما؟"
كانت ستنطق بكلماتها ولكنهُ بتر حديثها قبل أن تنطق، فجاوب هو:
"أنا هقولك أنتِ عايزة توصلي لأيه."
أشار بعينيه إلى اللوح الرخامي:
"أول حاجة تخليني أشوف قبر عمار عشان تفكريني باللي فات. بعد كده تاخديني جولة في البلد وقد إيه قرية الصاوي كان ليها معانا ذكريات. فكل شبر من أرضها وإن أبويا وجدي وجدي والناس اللي عيشنا معاهم ونشوفهم بيتولدوا ويعيشوا ويموتوا واحنا لسه أحياء. هما موجودين وهيفضلوا موجودين طول ما الأرض والقرية بخير بريحتهم وهيبقوا مرتاحين في تربتهم. واخر وسيلة بقى أنك هتعرفيني على الناس هنا من جديد وتعرفيهم بيا وقد إيه هما غلابة ومحتاجين اللي يحميهم عشان تفضل قرية الصاوي بخير، مش كده يا ماما؟ أنا وفرت عليكي كل شيء وعايز أقولك أني جاي أحضر حنة يزن وفرحه وهرجع مكان ما جيت عشان أنا ما بقاش ليا مكان هنا."
نظرت له الخالة باستغراب قليلاً مع الكثير من الحيرة، فهو يعلم جيداً ما يفعل. نظرت في عينيه وجدت بهما إصرار على ما يقول يكفي لعدم مناقشته في هذه اللحظة. فضر بت الأرض بعكازها وهي تنظر له نظرة تتحداه فيها:
"ماشي يا ابن الصاوي، فرح يزن بعد شهر. بعد الشهر ما يخلص وقتها نقرر إذا كنت هترجع مطرح ما كنت ولا لأ."
استغرب هو مما قالته، فأدارت "الخالة" ظهرها له لتكمل طريقها. فوقف هو بلحظة أمامها ووقف بطريقها:
"أنتِ قولتي أيه؟ شهر!!"
"الفرح المفروض يا بكرة يا بعده بالكتير."
فارتسمت على وجهها نظرة تتحداه بها:
"هو أنا ما قولتلش مش إحنا أجلنا الفرح يا ابن الصاوي؟"
"ومش هتمشي من هنا قبل ما تحضر فرحه وده آخر كلام عندي."
تركته ورحلت. يراها هو تبتعد عنه. رفع كف يديه الاثنين ووضعها خلف رأسه بعدما تنهد بعمق وقد شعر بضيق في صدره مما قالته الخالة منذ قليل. فاحتاج للقليل من الهواء النقي لكي يفكر قليلاً على انفراد. أخذ يسير هنا وهناك بين الحقول والغيطان، فقد أشرق يوم جديد. فجلس بين الخضرة والزرع وفرد ظهره ينظر إلى السماء الصافية بلحظة الشروق يستنشق القليل من الهواء.
"هي فين شمس؟"
هذا كان سؤال سارة لمارال وهي تضع فستانها بالدولاب الخاص بها.
"مش عارفة من أول ما ياسين ظهر في الفيلا وهي اختفت."
"طيب ما حد يشوفها في أوضتها؟"
فردت غدير مسرعة:
"سيبوها، أنا لسه شيفاها في أوضتها من شوية لاقيتها نايمة على السرير."
فردت ميرا بقلق:
"لا تكون تعبانة."
"تؤ.. تؤ ما افتكرش عشان كانت نايمة عادي، وبعدين إنتوا سايبين إن ياسين رجع وماسكين في شمس راحت فين؟"
فردت عليها سارة:
"أيوه يا ذبله، أنتِ مش لازم نطمن عليها."
رفعت غدير شعرها تعقده بالتوكة المشبك الخاصة بها:
"والله شوفتها نايمة واطمنت عليها، ما تقلقوش. أنا حتى ما رديتش أصحاها."
فسأل سؤال آخر:
"بس أنا ملامحي ما اتغيرتش أصل ياسين عرفني على طول."
"لاء ما اتغيرتيش لسه عيلة صغيية زي ما أنتِ."
هو أخوك هيمشي أمتى؟
أنكمش حاجب "الطبيب" باستغراب. فاعتدل في نومته يطالع زهره:
"هو لحق يرجع يا زهره عشان يمشي؟"
قامت من على الفراش والقلق يأكل من قلبها:
"أنا بس بسأل يعني، ما تعرفش إذا كان هيحضر الفرح وهيمشي على طول ولا هيقعد شوية؟"
جلس على الفراش وكانت هي تقف في الجهة المقابلة له:
"وإنتِ ليه عايزاه يمشي؟ وبعدين يمشي منين؟ ده بيته."
أغلقت عينيها بعدما أخذت نفس بعمق:
"ما أنا عارفة إنه بيته يا علي، أنا بس بسألك مش أكتر. إيه المشكلة في كده؟ خلاص السؤال حُرمة."
هز الطبيب كتفيه بعدم فهم:
"ما تحرمش ولا حاجة بس استغربت مش أكتر."
ظلت واقفة مكانها وشردت بتفكيرها قليلاً. فسألها هو:
"إيه مش هتنامي؟"
فأفاقت من شرودها وأشارت برأسها بالموافقة. ففرد هو يديهِ لكي يأخذ ابنته الصغيرة بين أضلعه كالعادة.
هو الأن أمام المنزل الكبير. خطى أولى خطواته على الدرج، فكلما صعد على الدرج يتذكر ما كان يفعله بالماضي بين جدران هذا المنزل من سفك الدماء. فوقف على الدرج لم يستطع أن يستكمل طريقه. ولكن شعور ما بداخله أجبره على الدخول.
نظر إلى بهو المنزل فقد تغير كثيراً عن أيام "الضبع". نعم نفس الجدران، ولكن أصبح هناك حياة بداخل هذا المنزل الكبير. فقد حرصت "الخالة" أن تعيد المنزل كما كان في عهد الصاوي الكبير.
فتح باب غرفته وجلس على طرف فراشه. وضع يدهُ على الفراش وأغلق عيناه. فراودته ذكرى مخيفة وهو يحمل "شمس" بين ذراعيه يريد أن يختلي بها. حتى جاءه الضبع وقد نحت الغضب معالم وجهُ:
"إنت بتعمل أيه يا ياسين؟"
"دي مراتي يعني أعمل فيها اللي أنا عايزه يا بوي."
"مش دلوقتي يا ولدي، اللعنة تتفك وبعديها أعمل اللي أنت عايزه."
فاق من شروده على تلك الذكرى المؤلمة حقاً. يؤنب نفسه دائماً وأبداً عما كان يفعله بالماضي دون وعي. حل زراير قميصه يحاول خلعه ليجد من تخرج من باب الحمام بداخل الغرفة تنظر له بصدمة لتعلو صوت أنفاسها وهي ترى جسده العاري من القميص. فأستدارت على الفور عند رؤيته. فأنكمش حاجبه قليلاً بعدما نظر إلى الأسفل ليجد نفسه عاري الصدر. فوضع يدهُ على قميصه يضمه بيديه الأثنتين قائلاً بسخرية مع ابتسامة بسيطة:
"يامصيبتي."
فردت هي ومازالت تعطيه ظهرها والتوتر يعلو نبرة صوتها:
"إنت، إنت بتعمل إيه هنا يا ياسين؟"
تقدم خطوة نحوها وهو يزرر قميصه قائلاً:
"دي أوضتي يا شمس أنتِ ناسيه، وبعدين تقدري تفتحي عنيكي أنا قفلت القميص."
استدارت لكي تنظر لهُ:
"أنا مش ناسيه أكيد."
"بستحدث."
بعدما بتر جملتها:
"بس استوليتي عليها صح؟"
"أنا ما استولتش عليها يا ياسين، كل حاجة زي ما هي ما اتغيرتش من يوم ما سيبتها."
اتجهت نحو الدولاب فتحت الدلفة قليلاً لتريه ما بداخلها:
"شايف."
نظر بداخل الدولاب ليجد ملابسه بالكامل مازالت موجودة مرتبة ونظيفة. فأكملت حديثها بعدما هزت كتفها:
"سريرك موجود حتى ما حاولت أغيره مع أنه قديم ويقرف."
رفع هو حاجبه باستغراب فقد علم من حديثها بأنها حرصت أن تبقى غرفته كما كانت منذ أن تركها ورحل. فقال ببجاحة:
"وياترى القبو كمان سبتيه زي ما هو ولا ده غيرتي فيه؟"
"القبو؟"
فهي تشعر بشعور مخيف عند سماع اسمه، فما بالك من أن تنزل بهِ وتغير فيه. ففيهِ عاشت أسوأ مراحلها وفيهِ فقدت "عمار".
تنهدت ببطىء وهي تحاول أن تستجمع شتات نفسها قليلاً:
"والله لو أنتَ عرفت تغير فيه اللي حصل، يبقى أنا كمان هنزل أغيره."
تركته واتجهت ناحيه الدولاب تأخذ منه أغراضها التي تحتاجها من الدلفة الأخرى. ذهبت بأتجاه الباب ووقفت قائلة:
"أوضتك ورجعتلك يا ياسين، أنا ماباخدش حاجة مش بتاعتي."
خرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها بقوة، تاركة إياه ينظر لها وهي تبتعد عنه.
صباح يوم جديد. كانت زهرة وميرا يحضرون لوجبة الإفطار يضعون الطعام على الطاولة الكبيرة. فسمعوا صوت سارة المرتفع يأتي من غرفة الضيوف قائلة:
"إيه!! يعني إيه الفرح اتأجل يا خاله؟"
نظر الجميع لبعضهم البعض باستغراب فلم يستوعب أحداً منهم ما قالته سارة للتو.
"اقعدي يا سارة وأهدي لما نشوف ليه "الخالة" عايزة تأجل الفرح."
كانت هذه جملة يزن بعدما أمسك بكف سارة يحاول تهدئتها قليلاً. فجلست سارة على المقعد وبداخلها ألف سؤال ولكن أهمهم هو ما سألته للتو. وكان رد الخالة كالأتي:
"عشان أنا قولت كده يابنتي، فرحك كمان شهر على يزن."
"يعني إيه؟ هو حكم قرقوش يا خاله؟"
نطقت جملتها بغضب. فضر بت الخالة عكازها بالأرض بعنف:
"يزن شوف مراتك، وأنا لسه بقيت مراته عشان يشوفني."
"هتبقي يابنتي هتبقي والله، مالك متسربعة على إيه؟"
علق يزن على الحوار بأكمله مستهجناً:
"يا خاله الحكاية مش حكاية متسربعة بس على الأقل سارة عايزة تفهم وأنا كمان عايز أفهم، ده من حقنا على الأقل."
استدعت الخالة كامل اتزانها وهي ترد بثبات:
"إنتَ مش واثق فيا يا ابني؟"
قالت جملتها فوجدت "ياسين" يفتح الباب ويجلس على المقعد أمامها ينظر لها ببُخبث يتحداها قائلاً:
"ياما كلنا واثقين فيكي بس على الأقل العرسان عايزين يعرفوا السبب ليه عايزة تأجلي جوازهم."
هز رأسه ببراءة:
"كلنا محتاجين نعرف."
فردت سارة مسرعة وبلهفة:
"قولها يا ياسين، على الأقل لو هأجل فرحي أعرف ليه، لكن أأجله وخلاص ده يبقى ظلم ولا إنت إيه رأيك يا ياسين؟"
تفحص ياسين الخالة الجالسة أمامه بعينين ثاقبتين. لم يهزه ثباتها حتى وهو يقول:
"بصراحة قمة الظلم، وإحنا لازم نتستأنف في القضية دي."
قالت الخالة بتحدي:
"اطلع أنت منها يا ياسين، سيبني أنا معاهم هعرف أتصرف."
نظر لهما يزن وهما يتبادلان نظرات التحدي كل منهما الآخر. فقطعت خاله هذه النظرات بقول:
"روح مع حسان هو مستنيك بره، عاملينله استدعاء ولي أمر في المدرسة وعلي مش فاضي."
عقد حاجبه باستغراب وهو يطالعها ويردد:
"استدعاء!!"
أشار بأصبعه على نفسه فاستكمل حديثه:
"أنا أروح استدعاء ده الجيش ما عملها."
قالت كلماتها بحزم:
"أنا قولت روح يا ياسين، حسان مستنيك بره."
تنهد بعمق وهو يطالعها من جديد فحنى رأسه قليلاً دليل على الطاعة:
"اللي تشوفيه يا ماما."
خرج يصفع الباب بقوة من خلفه ليجد حسان وغدير أمامه يقفون بجانب بعضهم البعض بالبهو. فسألهما:
"مين فيكم حسان؟"
نظر كلاً من غدير وحسان إلى بعضهما البعض باستغراب. فرد حسان قائلاً:
"أنا طبعاً."
فتحرك ياسين أمامه وهو يقول:
"تعالى ورايا."
هل يوجد أجمل من نسمات هواء الصباح مع زقزقة العصافير والزرع والخضرة يحاوطون الكوخ الذي تحيا فيه، حياة هادئة بسيطة يعيشها رجل مسن بالثمانينات من عمره يحاول الوقوف فقد أهلك الزمن جسده.
"فأتت إليه شمس قائلة: "أنا جيت يا عم نصير وجبتلك الفطار معايا."
ابتسم وهو يحاول الجلوس على المقعد المستطيل بخارج الكوخ:
"وياترى جبتيلي معاكي إيه يا ست البنات النهارده؟"
وضعت الصينية أمامه بعدما أحضرت الطاولة قائلة:
"الفطار اللي بتحبه، فطير مشلتت سخن مولع وعسل وبيض وجبنة قريش."
فابتسم لها عم نصير بامتنان وهو يضع عكازه بجانبه يشمر يده يستعد لتناول وجبة الإفطار:
"أنا مش عارف من غيرك كنت عملت إيه يا شمس. عشر سنين وإنتِ مش سايباني أبداً."
أشارت له برأسها على الطعام:
"طيب يلا كل بقى قبل ما الفطير يبرد وأنا هدخل جوه أنضف الكوخ على ما تاكل."
هو الأن يقف أمام مدير المدرسة الخاص بحسان. فتح باب غرفته دون استئذان وجلس على المقعد وهو ينظر للمدير قائلاً:
"الواد ده عاملينله استدعاء ليه؟ هو ما بيجيش المدرسة؟"
فرد عليه المدير باستهجان:
"ييجي فين يا أستاذ، إحنا في إجازة."
رفع حاجبه باستغراب مما قاله للتو بعدما نظر لحسان:
"ولما إنت في إجازة عاملينلك استدعاء ليه؟"
هز حسان كتفه بعدم فهم يشاور بأصبعه إلى المدير:
"معرفش أسأله هو."
فأجاب المدير قائلاً:
"قبل ما تسألني أنا عايز أسألك أنت مين؟ أنا أول مرة أشوفك في القرية."
"أنا ياسين الصاوي."
قالها بثبات، فتوتر المدير قائلاً:
"هو حضرتك رجعت من السفر؟"
"لاء لسه."
فابتلع المدير ريقه وهو يقول:
"نورت القرية يا أستاذ ياسين."
فرد هو بلا مبالاة:
"هنورها إزاي وأنا لسه ما جيتش؟"
ضحك المدير بهدوء على كلامه ليجامله وهو يقول:
"أنا عملت للطالب حسان استدعاء لمصلحته، حسان شايل مواد السنة دي ودي تاني سنة ليه في تالتة ثانوي ولو ما امتحنش السنة دي المواد دي هيترفض من المدرسة وحرام السنين دي كلها تضيع وما يبقاش معاه الثانوية على الأقل، فحبيت أقولكم وخصوصاً إنه من شباب عيلة الصاوي."
نظر له ياسين نظرة مشبعة بلوم:
"إنت مكنتش ناوي تدخل الامتحانات؟"
رفع حسان رأسه، فقابلت عيناهُ عيني ياسين، ففتح فمه لكي ينطق، فقاطعه ياسين قائلاً:
"هيدخل امتحاناته، هيدخلها ماتقلقش."
مد كف يده للمدير:
"متشكرين لاهتمامك."
فمد المدير يده ليسلم عليه:
"على إيه أنا ما عملتش غير الواجب."
رحل ياسين وبجواره حسان عائدين للمنزل بجوارهم الغيطان. فبدأ ياسين بالحديث:
"إنت مين؟"
فنظر له حسان يطالعه:
"أنا ابن زهره واخو شمس."
رفع حاجبه باستغراب، فحاول ألا يحرجه وهو يعلم جيداً أن شمس ليس لديها إخوة. فاستكمل حديثه:
"طيب ومش عايز تكمل تعليمك ليه يا حسان؟"
فقال بزهق:
"أنا ماليش في العلم، قولت الكلام ده ألف مرة لجوز أمي."
"وهو مين جوز أمك ده؟"
سأله بحيرة. فرد عليه بما لا يتوقعه:
"دكتور علي، مش بقولك أنا ابن زهره؟ هي زهره متزوجة حد غير دكتور علي؟"
أشار برأسه بالإيجاب:
"أه معلش تاهت عني دي. طيب ليك في إيه يا حسان غير العلم؟"
رد متلهفاً بعدما اتسعت عيناه:
"في الفلاحة، أنا بحب الأرض أوي وافهم فيها. سيبني في أرض بور هتلاقيني بعمرها للخضار على طول."
"طيب ما ده حلو جداً بس أنتَ شايف أنك لما تعمر الأرض البور وأنت مهندس زراعي ومعاك شهادتك أحسن ولا لما تبقى جاهل ومعاكش شهادة؟"
"وهتفيد بأيه الشهادة يا ياسين وأنا كده كده عارف كل حاجة."
أشار بيديه لحسان:
"ياسين كده حاف كنت بلعب مع اللي خلفوك. أنا جوز شطرنج."
كف كتفه قائلاً:
"ما أنا مش عارف أقولك إيه؟ ما أنت شكلك صغير على كلمة عم دي. أنا دكتور علي لو ما كانش دكتور كنت هقوله يا علي."
أشار برأسه بالموافقة ثم أمسك به من ياقة قميصه:
"لا ياروح أمك أنا تقولي يا أنكل، عايز أسمعها منك أنكل، إنت فاهم؟"
فقال له بنبرة صوت خشنة بعدما نظر له بغضب:
"وأنا مش دكتور علي، أنا ما عنديش صبر. اتكلم بالذوق لما تبقى راجل ومعاك شهادتك وتشتغل اللي بتحبه أحسن ألف مرة ما تبقى جاهل في الدنيا يادوبك بتفك الخط. الحياة محتاجة إنك تتعلم عشان تقدر تواجه بالعلم اللي اتعلمته. إنت فاهمني طبعاً."
أشار حسان رأسه بخوف وهو يقول:
"حاضر.. حاضر يا أنكل ياسين."
أشار ياسين بعينيه للمغادرة. فرحل حسان وهو يركض من أمامه مسرعاً. أبتسم ياسين وهو يقول:
"عيال تخاف ما تختشيش."
نظر بجانبه ليجد الكوخ الصغير. شعر بحنين لهذا الكوخ. فتذكر عم نصير وزوجته. أخذتهُ قدمه في اتجاه الكوخ ليجد عم نصير لا يزال على قيد الحياة يجلس على المقعد الذي صنعهُ لهُ منذ زمن. فجلس بجواره:
"عم نصير، إنت مش عارفني؟"
ترك عم نصير الطعام من يده ونظر له. أخذ يتأمله بملامحه. فاتسعت البسمة على وجهه ودخل الفرح إلى قلبه. فقال جملته متقطعة وكف يده يرتعش:
"ياسين، ياسين إنت رجعت."
هز رأسه بابتسامة واسعة:
"لا مارجعتش."
حاول عم نصير الوقوف فلم يستطع. فضمه ياسين إلى صدره بحب:
"وحشتني يا عم نصير. وفين مراتك؟"
رد عليه عم نصير والدموع تترقرق بعينيه:
"مراتي تعيش أنت ياياسين، ما تت وسابتني لوحدي."
ابتلع ريقه بعدما ظهرت على ملامحه الحزن:
"الله يرحمها كانت ست طيبة."
"كانت شمس بداخل الكوخ فسمعت صوت ياسين. حاولت أن ترحل دون أن يراها. فسارت على أطراف أصابعها من خلفه حتى وجدت عم نصير ينادي بأسمها:
"تعالي يا شمس ياسين رجع."
أغلقت عينيها وضغطت على شفتيها. فنظر هو خلفه ليجدها تقف على أطراف أصابعها قائلاً:
"إنتِ هنا بتعملي إيه؟"
فرد عم نصير بدلاً منها:
"من ساعة ما إنت سبت البلد من عشر سنين وهي اللي بتيجي تشوف طلباتي من ساعة ما أخدت المقاطعة."
قاطعته شمس بصوت مرتفع:
"من ساعة ما أخدت منك يا عم نصير المش وأنا بحب أجي هنا، أصل عم نصير كان بيبيع مش زمان فكنت بحب أشتري منه فشوفته وحبيت أكون معاه دايماً، مش كده يا عم نصير؟"
نظرت له نظرة تستعطفه بها أن يوافقها عما قالت. فأشار برأسه:
"أيوه كده يابتي."
"وانت من إمتى بتبيع مش يا عم نصير؟"
"من زمان يابني من ساعة ما مشيت."
"على كده بقى بتعمله حلو؟"
"على قدي."
"طيب ما تعلمني."
فرد عليه هو:
"هبقى أديك بلاصة بحالها."
فقال ياسين جملته بإصرار دليل على عدم تصديقه لعم نصير:
"لاء أنا عايزك تعلمني."
فرد عليه هو مؤكداً:
"طيب أول حاجة لازم تصحى بدري."
قاطعه ياسين:
"خلاص هات البلاصة."
ابتسم عم نصير عما قاله ياسين. جلس معه قليلاً فقالت شمس:
"أنا خلصت يا عم نصير لازم أروح بقى."
فرد عليها ياسين:
"استني هانروح سوا. أنا همشي لوحدي."
فرد هو مسرعاً:
"تمام، ماتقلقيش جاي معاكي."
ابتلعت ريقها وهو يسير بجوارها بين الغيطان. لا يوجد سوى الصمت بينهما والهواء يتغلغل بين خصلات شعرها. مسكت هي شعرها بيدها تحاول أن تربطه جيداً. فنطق هو أخيراً:
"ما بقتيش تتكلمي زي الأول ليه؟"
"تقصد إيه؟"
هز كتفه قائلاً:
"بالفصحى زي بربروس."
رفعت شمس رأسها فتقابلت عيناها بعيني ياسين:
"مهتم إنك تعرف."
فرد بلا مبالاة:
"عادي، الطريق طويل بنتسلى. لو مش حابة تقولي براحتك."
دعمت شمس حديثه بعصبية:
"خلاص مش هقول."
"براحتك. أنا بس مش عايز أضايقك. وعلى فكرة مكانش قصدي أخنقك لما كلمتك عن القبو. حسيت إنك اتخنقتي أول ما سمعتي كلمة القبو."
"اومال كان قصدك إيه لما قولتها؟"
فجاوبها بصدق وهو ينظر لها ببراءة:
"أخنقك بصراحة."
فابتسمت هي ابتسامة بسيطة ونظرت للاسفل لتجد من يجذبها من ذراعها لهُ بقوة ويقول:
"اللاه، اللاه ما إنتِ عايشة حياتك أهوه ومقضياها. اومال مالك مضيقاها عليا ليه؟"
قالت وهي تحاول جذب يدها منه بالقوة:
"سيبني يافريد."
جذبها "ياسين" خلفه فوقفت هي تحتمي بذلك الجدار البشري. فنظر لهُ "ياسين" نظرة بها من الكلام ما يكفي. فوقفت شمس أمامه تترجاه بأعين دامعة. فهي تعلم جيداً ما الذي يحدث إذا فقد تركيزه.
"اهدى ياياسين أرجوك ماتتعصبش."
حاول ياسين تهدئة نفسه قليلاً. فوجد فريد يقول لهُ باستخفاف:
"إنتَ مين إنت كمان ياحيلتها عشان تبصلي كده وعاملك أزمة ليه؟"
ولم يكن يعلم أن رده هذا سيكون رده عليه موجعاً. حيث هتف قائلاً:
"أخذ نفس عميق وهو يبعد شمس من أمامه قائلاً: "أزمة!! أنا مقاس أزمتي 46 واللي هقلعها وأديك بيها حالاً دلوقتي لو ما بعدتش عني."
استشاط فريد غضباً وهو يصك على أسنانه وقد اشتعلت النيران في عينيه:
"إنتَ عارف إنت بتكلم مين وابن مين؟"
فرد عليه ببسمة صفراء وقد ارتسمت نظرة خبيثة على ملامحه:
"عنيا مش شايفك عشان أعرفك."
رفع "فريد" سلاحه على ياسين يوجهُ على رأسه قائلاً:
"أنا ممكن أدفنك حي حالاً وأنت واقف مكانك دلوقتي وماخدش فيك يوم واحد."
وبحركة سريعة منه لف كف يد فريد وأخذ منه سلاحه. وفي لحظة فك السلاح إلى أجزاء يلقيه أمامه على الأرض. فاستغرب فريد من سرعته المهولة. فأمسكه ياسين من ياقة قميصه وقربه منه وضربه برأسه ضربة قوية جعلته يفقد الوعي في لحظة.
صرخت شمس قائلة:
"فريــــــد!"
نظر لها ياسين باستغراب على صرختها لهُ:
"خايفة على الواد ده عشان صرختك دي."
شعرت بنبضه لتجده مازال حياً. فنظرت له قائلة:
"أنا خايفة عليك أنتَ، أنت ما تعرفش ده ابن مين ده ابن وزير الداخلية."
دخل ياسين إلى غرفته يغير ملابسه. فتح دولابه يفتح زرار القميص ليأخذ قميصاً آخر بدلاً منه. أغلق الضلفة ليجده أمامه. انفزع قليلاً من رؤيته. فنظر له باستنكار وهو يلقي بقميصه على الفراش:
"إنتَ مش قولت إنك مش هتيجي القرية؟ جيت ليه يا عمار؟"
نظر له وهو يربع يدهُ. بدا الضجر على وجه عمار وتنهد بضيق قبل أن يرد:
"إحنا مش اتفقنا إنك مش هتقربلها."
انتزع قميصه من على جسده وأمسك بالقميص الآخر وقال هو يرتديه:
"وإنا مقربتلهاش، أنا روحت لعم نصير ولقيت."
بتر عمار جملته:
"ولما لقيتها ما خليتهاش تمشي لوحدها ليه؟"
ابتلع ريقه وهو يقول بصدق:
"عشان كده كده كنت مروح فروحنا سوا. صدقني يا عمار دي حاجة في العادي. أنا أصلاً مكنتش عايز أجي إنت اللي أصرت إني أجي أحضر فرح يزن."
فقال عمار وهو يضغط على أسنانه:
"وهو تحضره عشان ده يزن؟ وأنا وافقت وجيت عشان إنت طلبت وشمس أنا ما بفكرش فيها ولا هفكر في يوم."
"إنت كذاب."
قالها عمار يؤكد بكلامه:
"أنا سبت كل حاجة عشانك عشان نفضل سوا. سيبت شمس عشانك يا بوي، ياياسين وانت اول ما شفتها ريلت عليها."
فنفى هو جملته بصوت مرتفع:
"ما حصلش. وزي ما إنت ضحيت علشاني أنا كمان ضحيت عشانك أكتر عشان أفضل جنبك ومحدش يفرقنا."
"مش مصدقك ياياسين. أنا ماشي ومش هتشوفني تاني واعرف إن إنت اللي اخترت."
نادى هو على اسمه بخوف وهلع. فبمجرد عدم رؤيته من جديد دب الرعب بقلب ياسين:
"عمـــار، وحياتك عندي يابني ما قصدي حاجة. شمس هنا واكيد هكلمها."
فرد عمار ببرود قائلاً:
"على الأقل ماتظهرش قدامها بمظهر الهيرو مرة تانية. خليك جبان عشان تكرهك."
تنهد ياسين قائلاً:
"حتى لو."
قاطعه عمار بحزم:
"حتى لو لقيت حد بيغتصبها مالكش دعوة وابعد عنها."
كانت هذه جملة ياسين. فرد عليه عمار بابتسامة باردة:
"مش ده بس. إنت غلطت ولازم تعاقب نفسك. اللي بيغلط بيتعاقب ولا إنت إيه رأيك؟"
تنهد ياسين بعمق يهز رأسه بالموافقة. فأتى بالسكين من جانبه وغرزها بكل قوة داخل جسده. أطبق عينيه بشدة والألم يأكل جسده. جثا على ركبتيه من شدة الألم. فهو لم يشرب دم بشر منذ سنين طويلة. فهذا يجعله ضعيف يشعر بالألم الشديد. فجلس عمار أمامه القرفصاء ينظر لباقي جسد ياسين وهو عليه علامات كثيرة من طعنة السكين، فهذه ليست المرة الأولى التي يطعن بها ياسين نفسه من أجل عمار حتى لا يتركه ويرحل. نظر له عمار فقال بنبرة ساخرة:
"شاطر يابابا."