تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم ماهي احمد
كم قبرًا سأحتاج لأدفن كل ما مات بداخلي؟
الأبشع من الشعور السيء هو محاولة كتمان ما تشعر به. ربما تعتاد الروح على إعطاء الحنان بالرغم من فقده، فأسوأ شعور يمر على المرء هو إظهار عكس ما بداخله. شعور مميت، مميت إلى حد لا حد له.
كما هو معروف، نتائج حماقاتك تتحملها وحدك. ولكن في قاموس "ياسين"، حماقات الأقرب لقلبه يتحملها هو. كحماقات "شمس" التي تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.
هكذا الوضع، ما زالت تستند برأسها على صدره. يمسح بأصابعه على خصلاتها بهدوء. تشعر بالسكينة والاطمئنان. نطق "ياسين" بما شعرت وكأنها تسمعه للمرة الأولى:
"مرتاحة أنتِ كده؟"
انتهى شرودها. ترفع رأسها من على فؤاده. فثبت هو رأسها بكف يده على صدره قائلًا بمشاكسة:
"رايحة فين؟ ده أنا ما صدقت."
أنهى كلماته وتركته. تركت عينيه متعلقة بها بعدما أجبرت شفتاها على الابتسام. تترجل من السيارة. تابع أثرها بعينيه حتى وقفت تسند بظهرها على مقدمتها. ضغط على زر تشغيل الكشافات ودون قصد فتح المذياع. لم يغلقه بل تركه ورحل خلفها. وقف أمامها يتأمل ملامحها الباهتة. اقترب منها وأمسكها من خصرها ثم رفعها وأجلسها على سطح مقدمة السيارة. تفاجأت "شمس" مما فعله. حاولت النزول ولكنه طالعها بنظراته. لديه القدرة دائمًا على سلبها منها بنظراته البريئة لها.
حاولت الهروب بعينيها بالنظر أرضًا. حاولت كتم شهقاتها. مد يده ليلتقط ذقنها رافعًا رأسها لأعلى. يطالعها بعيونه السوداء كسواد الليل. يحاوط كفه كفها بحنان:
"ما فيش سبب في الدنيا يستاهل إن دموعك تنزل عشانه."
ثم أشار على نفسه متابعًا:
"وطول ما الروح جوه الجسد لسه ما خرجتش، اعرفي إن كل حاجة هتبقى تمام."
قال كلماته عله يبث بها بعض القوة. حاوطها بعيناه. شعرت وكأنها تغرق داخله. استرسل حديثه بقول:
"اعرفي إني هفضل معاكي دائمًا وجنبك. وعايزك تعرفي إن ابن الصاوي بيحس بيكي يا شمس."
لمعت عيناه ببريق مختلف وهو يخبرها الآتي:
"تعرفي إن أمي الله يرحمها..."
كمشت حاجبيها باستغراب على تغيير مجرى الحديث هكذا فجأة. فهز رأسه بالإيجاب متابعًا قوله:
"آه، ما تستغربيش. ما أنا برضوا اتولدت من أم زيكم، مش زرع شيطاني."
فابتسمت من بين دموعها بعدما جذب انتباهها. فهذه هي المرة الأولى التي يتحدث بها عن والدته الحقيقية. فأكمل هو يخبرها بعدما رأى بعينيها طلب المزيد:
"كانت بتقولي الضحكة الصافية اللي بتطلع من جوه القلب، وانتَ في عز غضبك، دوا لقلوب نهشها الوجع. اضحك يا ياسين، اضحك في وش الوجع، يمكن الوجع يختشي على دمه ويسيبنا في حالنا ويمشي."
تابع بابتسامة مصاحبة لقوله:
"الظاهر كان عندها حق يا شمس. لما سمعت كلامها، طلع الوجع بيختشي من الضحكة اللي بتطلع من القلب بجد. لمجرد إنك مع ناس بترتاح معاهم وبتطمنلهم. من وقتها وأنا سمعت كلامها وبحاول أضحك في عز وجلعي."
تابع كلامه بتأثر:
"وأنا عارف إنك موجوعة. وعارف إنه هييجي اليوم اللي هكون فيه أول واحد تشتكيله وجعك وترمي عليه حمولك، وهبقى السبب في ضحكتك في عز وجعك. بس كله مع الوقت."
استدار يعطيها ظهره يطالع الفراغ أمامه:
"اللي أنا ما عنديش أكتر منه، وانتِ تستاهلي."
طالعها مرة أخرى يخبرها بصدق نابع من عينيه:
"تستاهلي أستنى عشانك طول الوقت من غير حساب."
فاختتم هو بنبرة أذابتها كليًا بما قاله سابقًا:
"أضحكي يا شمس، عشان ضحكتك بتنور دنيتي."
قالها بابتسامة وتوجه للدخول بداخل السيارة. فنطقت هي بما أوقفه:
"كنت مرعوبة."
ظهرت ابتسامة جانبية على شفتيه. فاستدار بصمت لتسرد له ما يريد سماعه:
"بالرغم إني ما كنتش برد على اتصالاتك، بس قلبي كان متعلق بدعاء واحد بس وهو إنك تبقى جنبي ومعايا. وبالرغم إنك كنت بعيد، بس إحساسي ما خيبش إنك هتيجي وتنقذيني من اللي كنت فيه."
اقترب منها. فطالعته بحزن ظهر في عينيها حين تذكرت ما فعله بها "فريد" منذ ساعات مضت:
"أول ما هجم عليا حسيت إن الدنيا ضلمت. حسيت إني مش قادرة آخد نفسي. إحساس وحش أوي يا ياسين."
احتضن عينيها بنظرات أسف يعتذر لها على ذنب لم يرتكبه. فأكملت بنبرة مرتعشة:
"لما لمس جسمي، كنت حاسة إن في جبل واتحط فوقيا."
مطت شفتيها وابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تسترسل:
"حسيت إن نفسي بيتسرق والدنيا ضلمت. حسيت إن رجعت تاني أيام القبو وأنا محبوسة بين أربع حيطان. بس المرة دي اتحبست بين أحضانه ومش عارفة أخرج. كنت هستسلم... كنت هستسلم من كتر الوجع اللي كنت حاساه. بس قبل ما تفتح الباب حسيت بيك وحسيت بقربك مني في المكان. حسيت إن الدنيا نورت بقربك مني."
لمعت عيناه بدموع وقفت على حافة رموشه تنذر بنزولها تأثرًا بحالتها. مسح دموعها يعيد خصلاتها الجانبية خلف أذنها. ثم أحاط وجهها بين كفيه يطمئنها بقوله المصاحب لبسمته:
"هووووووش، كله مشي. كله راح يا شمس. ما فيش حاجة وحشة هتحصلك تاني."
قبل رأسها وهو يعتذر محملًا نفسه ذنب ما حدث:
"الغلط من عندي لو ما كنتش سافرت وسيبتك، ما كانش حصل كل ده. بس ده مش هيتكرر تاني خلاص."
احتضنها وكأنه يثبت لها بأنه هنا جوارها دائمًا وأبدًا. تشبثت به أكثر. فشعور الأمان الذي تشعر به الآن لا يضاهي أي شعور شعرت به من قبل. فبادرت بقول ما تشعر به. ساندت رأسها على فؤاده:
"حاسة إني عاجزة، مش قادرة أفكر ولا أتكلم. حاسة إني محتاجة عكاز أتعكز عليه من كتر ضعفي."
لم يستطع منع نفسه وأبعدها عنه ببطء حين طالعها بعينيه الصافيتين بنقاء صادق نابع منهما:
"يبقى خدي قلبي اتعكزي عليه."
كرر طلبه برجاء:
"اتعكزي على قلبي، يمكن ترتاحي يا شمس."
قال لها هذا فشعرت بخفقان قلبها ينبض بالاطمئنان فقط لأنها بجواره. مسح دموعها فأخبرها بقوله المصاحب لبسمته:
"اضحكي بقى، عشاني."
حاولت الابتسام. فالتقطت أذناه في الخلفية كلمات الأغنية في المذياع وهي تقول:
"تهب يا رياح الحياة دائمًا بما لا أشتهي، واللي السنين مقدماه غير اللي قولت نفسي فيه، يلاقي قلبي فين دوا؟ واللي أذاه أقرب ما لي، ده جرح بيعلم."
تركها يتجه إلى السيارة. تتبع هي أثره بعينيها. فوجدته يرفع صوت المذياع قليلًا. ينظر إليها سائلًا:
"مش ده صوت حمزة اللي أنتِ بتحبيه؟"
ضربت بكف يدها على جبينها. فاقترب منها هو بخطواته. فأجابته قائلة:
"حمزة نمرة؟ ياياسين، احفظه بقى."
فوضع يده على خصرها يقربها منه أكثر. انكمش حاجبها سائلة وقبل أن تنطق فأكمل هو بقول:
"هحفظه عشانك. تسمحيلي بقى بالرقصة دي؟"
ابتسمت باستغراب. فقبض بلين بكف يده على كفها يلفها مرة في الثانية على أنغام الأغنية وهي تقول:
"ركز يا قلبي فاللي جاي، وألف شكر للي باع ما صانش، حتى بق شاي، سلام يا تلتوميه وداع، واللي لقانا ما يسعوش في خانة الوداع تساع، مشاعرنا مش لعبة."
لفها بكف يده وعادت "شمس" إلى أحضانه من جديد بعدما لفها عدة مرات. تخبره بابتسامة:
"بس دي أغنية حزينة، ماينفعش نرقص عليها."
انكمش حاجبه باستغراب يتمايل بها يسارًا ويمينًا يردد كلماتها. ومازالت كلمات الأغنية في الخلف:
"حزينة!! غريبة، أومال أنا مش شايفها حزينة ليه؟"
فأجاب على نفسه يقصدها بكلماته:
"ممكن عشان أنا مش عايز أشوفها حزينة."
فابتسمت ابتسامة عريضة بعدما فهمت قصده. ابتسامة نابعة من قلبها بصدق. اقتربت منه تطالع عينيه الصافيتين وبدأت بقول:
"أنا كمان ما بقيتش شايفة الأغنية حزينة."
فداهمتهما منتصف الأغنية من جديد بموسيقى عذبة. راقصها هو واضعًا كف يدها على فؤاده. واستجابت هي له. يتمايلون على أنغام الموسيقى. يسمع صوت ضحكاتها من بين شفتيها. ابتسامة نابعة من قلبها بصدق. وهو كان السبب بها. أسندت برأسها على صدره وأخذ هو يربت على خصلاتها بلطف. سكنت تمامًا بداخل أحضانه وهي تتعجب من جمعه للنقيضين. قبل قليل كانت تشعر أن خوفها كله هو السبب فيه. والآن أمانها كله معه. بينما هو يفكر وهي بداخل أحضانه في القادم.
تلاحقت الأنفاس في صورة غير منتظمة. أنفاس أنهكها التعب. تقف "سارة" الآن على أعتاب منزل خالها. فهو كل ما تبقى من عائلة والدتها. دق "يزن" الباب بدقات متتالية ولكن دون رد. فطلب بإلحاح:
"مش قولتلك يا سارة ما فيش حد جوه. تعالي معايا نرجع شقتي."
اعترضت "سارة" بعدما أسندت ظهرها على الحائط والتعب بدا على وجهها جليًا:
"لأ، كفاية عليك أنتَ كده يا يزن. أنتَ معايا من الصبح وما نمتش من امبارح. أنا هرجع عند خالي."
أشار إلى حالها الذي يرثى له:
"مين قالك إني تعبان بس. خليكي في نفسك يا سارة، أنتِ شايفة حالتك عاملة إزاي. وبعدين ما فيش حد جوه."
وما انتهى من قوله حتى سمع خطوات أحدهم يقترب من الباب. فابتسمت سارة قائلة:
"شوفت، أكيد كانوا نايمين. هيفتحوا دلوقتي."
وما مرت إلا ثواني ففتحت ابنته خالها الطفلة التي لم تتجاوز السابعة من عمرها. تبسمت سارة تستعد للدخول بقول:
"أنتِ اللي صاحية يا خديجة. أومال فين خالي ومرات خالي؟"
أتت من خلفها زوجة خالها التي صدمتها بقول:
"خالك مش موجود يا حبيبتي. أو بصراحة كده موجود بس مالهوش وجود."
فأتى خالها من الخلف يبتلع ريقه بعدما كسا الخجل ملامحه من ابنة شقيقته الواقفة على أعتاب منزله. فبادرت "سارة" بسؤالها الناتج عن عدم فهم:
"تقصد إيه طنط بالكلام ده يا خالو؟"
لم يقدر على النظر إليها بل وضع عيونه بالأرضية. فأجابت زوجة خالها بدلاً عنه:
"يعني يا حبيبتي القرشين اللي كنتي بتدهوملنا عشان نقعدك معانا بيهم خلاص، خلصوا. بح... كفاية طول العشر سنين اللي فاتوا دول شلناك وخدمناكي فيهم وخلصتي جامعتك وكمان اتخطبتي، يبقى كفاية علينا لحد كده. أنتِ دلوقتي واحدة مريضة وعايزة حد يشيلك ويشيل مرضك وأنا ما فيش صحة لكل ده."
كان عقلها عاجزًا عن الاستيعاب. لم تصدق ما تفوهت به تلك المرأة الواقفة أمامها الآن. بهتت تقاسيمها وهي تسمعها. أضافت كلماتها عليها المزيد من الإرهاق وزاد عليها التعب بشكل كبير بعد أن قضت يومًا حافلًا بالمشفى. حاولت "سارة" أن تجمع كلماتها ولكن تفاجأت بفعله "يزن" بعدما بصق على خالها وانخرط بغضبه:
"أخص على اللي سماك راجل! أنتَ راجل أنتَ بعد كل اللي سارة ادتهولك من ورث أمها ووقفت جنبكوا طول السنين اللي فاتت دي تعمل فيها كده؟ دي صرفت كل فلوسها عليكم وعلى جوازة بنتك!"
ليست كلمات بل صفعات متتالية. لم تطق زوجة خالها سماع كلماته فأردفت بغضب:
"زي ما هي ادتنا إحنا، ادناها. كنا بالنسبالها العيلة والأمان وبقت وسطنا طول العشر سنين اللي فاتوا. يعني خدمة قصاد خدمة. لكن بقى مرض ونطبطب ونسهر وندلع، لاء، كفاية لحد كده."
طالع زوجة خالها باشمئزاز واضح بعينيه:
"أقسم بالله لو ما كنتي ست لكنت عرفت شغلي معاكي. وسارة اللي مش عايزاها دلوقتي وبتطرديها من بيتك عشان المرض، عرف طريقها بكرة أجيبك تبوسي جزمتها عشان بس تنولي رضاها. وحياة قهرتها قريب أوي، أندمك على كل كلمة قولتيها في يوم. يلا يا سارة."
استدار ليتابع سيره متحكمًا بذراع "سارة" التي بدت معترضة بقول:
"استنى يا يزن."
اقتربت "سارة" من خالها بعيون دامعة لتجده يرفع نظارته يمسح بسبابته دموعه. فابتسمت من بين دموعها وهي تقول:
"بلاش تبكي يا خالو. أنا عارفة إن ما فيش بإيدك حاجة. ما تزعلش من يزن، هو مش قصده."
هنا تحدث "يزن" يربت على كتفها أثناء قوله:
"يلا يا سارة. مالهوش لازمة الكلام ده. قلته أحسن."
طالعها فوجد توازنها شبه يختل. أدرك أن حالتها ليست الأفضل فدقق التركيز يسألها:
"أنتِ كويسة؟"
أشارت برأسها بالإيجاب. فقرر هو أن يأخذها معه إلى المنزل. يكرر عليها سؤاله أثناء قيادته للسيارة:
"سارة لو حاسة بأي حاجة قوليلي. أوديكي المستشفى حالًا."
هزت رأسها نافية. فأكمل بها إلى حيث منزله. فتح باب منزله فرأى ترنحها. تقبض بكف يدها على رأسها. أسرع هو لمساعدتها. فتح الباب بمفتاحه ودخل بها. تتكئ عليه حتى تمددت على الفراش. فأسرع بقول:
"هجبلك الدوا حالًا."
تقدم خطوات قليلة للأمام ثم استدار يطالعها. فتابع قوله عله يبث لقلبها الطمأنينة:
"كل اللي بيحصل ده طبيعي. الدكتور قال إن بعد الجلسة هتحسي بتعب ودوار وترجيع."
وقبل أن ينتهي من حديثه حتى وجدها تخفض رأسها لطرف الفراش تشعر بالغثيان. هرول ناحيتها يضم كف يديه الاثنتين ببعضهما يستقبل غثيانها بين يديه. لم يشمئز من غثيانها القابع بين كفيه. حاول منع نفسها بصعوبة من البكاء ولكنها لم تفلح. بكت تطالعه بعيون دامعة:
"أنا آسفة. ما كانش قصدي. ما عرفتش أمسك نفسي. مرة واحدة لقيت نفسي بستفرغ."
توقف هو حديثها. يمسح يده بالمنشفة بجواره:
"سارة، أنتِ بتقولي إيه؟"
لم يتحمل عبراتها المتتالية من عينيها. فجلس بالجهة المقابلة لها على طرف الفراش. يتابع حديثه سائلًا:
"سارة، أنتِ مكسوفة مني؟"
هربت بعيونها تطالع الفوضى التي أحدثتها على الفراش. رفع ذقنها حتى لا تهرب عيونها عنه:
"بتخبي عيونك مني ليه؟"
طالعته بثبات تخبره بما تشعر:
"خايفة لا تقرف مني. هتفضل لحد إمتى تضيع عمرك عشاني؟"
رد دون تردد:
"العمر كله."
كرر يؤكد على كلماته سابقًا:
"العمر كله يا سارة. تحت رجلك عمري كله. ولو طولت أعيش عمرين على عمري بس لخدمتك هعيشه وأنا راضي."
كل أقواله في هذه الليلة تأسرها. كلماته الحانية بأمان مست قلبها. اقترب منها فتاهت في عينيه. وقبل أن تنطق بما تريده شعرت بالغثيان مرة أخرى. هرولت على دورة المياه تقف أمام الصنبور حانية رأسها حتى لا تحدث فوضى من جديد. هرول هو خلفها يمسح على رأسها يعيد خصلات شعرها للخلف بحنان. وبعد أن انتهت استدارت له تمسح فمها بظهر يدها سائلة:
"هو أنتَ بتحبني أوي كده ليه؟"
اقترب منها أكثر. يخبرها وهو يراقب تفاصيل وجهها وكأنه يحفظها:
"عشان أنتِ قاسية أوي على نفسك. فلو كنتِ ما بتحبيش نفسك، أنا هحبهالك."
لمعت عيناها ببريق مختلف. فنطق بما يطمئنها:
"أنا رافض إني أقبل إنك تكوني خايفة."
عادت البسمة لها من جديد من بين دموعها. وقالت بامتنان حقيقي لهذه المشاعر:
"أنا مش خايفة من المرض. أنا خايفة ما أبقاش معاك."
كأنه أنهت جملتها. فدمعت عيناه. ضمه إلى فؤاده بقوة. لمساته الحانية بأمان مست قلبها. حاوطته بذراعها هي الأخرى. تغلل شعور الأمان إلى قلبها. سكن كل شيء حولهما وغمرها موجة من الدفء بين أحضانه.
لم تهدأ "زهرة" منذ الساعة التي علمت بها بعدم وجود ابنتها داخل المنزل. طلبت "الطبيب" بعدما بحثت عنها بكل مكان بالقرية. تجلس "الخالة" بتوتر بجوارها بعدما شعرت بالخوف والقلق بسبب عدم تواجدها. تلقى "الطبيب" اتصالها يهتف بضجر:
"عايزة إيه يا زهرة؟"
"الحقني يا علي."
خرجت كلماتها منها بشهقة مكتومة. أتلفت أعصابه مما جعله يسأل بلهفة:
"في إيه يا زهرة؟ مال صوتك؟"
هتفت بقهر مرارته في حلقها كالعلقم:
"شمس، شمس مش موجودة في أوضتها من المغرب. دورت عليها في كل مكان في القرية. حتى عم نصير روحت له، ما لقيتهاش. بتصل بيها تليفونها مقفول."
قطب "الطبيب" حاجبيه بتساؤل:
"أنتِ مش عارفة إنها في القاهرة؟"
استكملت هي بحزن وتوالت بالأسئلة على الطبيب:
"لأ معرفش. أوعى يكون ياسين غصبها إنها تنزل معاه على مصر."
تنهد بعدم رضا:
"يادي ياسين اللي واكل دماغك. بنتك مش صغيرة. ياسين نفسه ما يعرفش إنها في القاهرة. واستغرب زيك بالظبط. هو عرف طريقها ورحلها. بحاول أكلمه بس ما بيردش. هو كمان أنا قلقان ومش فاهم في إيه."
لم تصدق فكل شيء يخبرها بالعكس. لذلك هتفت بعتاب:
"وهو اللي مفهمك كده؟ وأنتَ طبعًا زي الأهبل صدقته؟"
سقط حديثها كدلو ماء بارد على مسامعه. فردد كلماتها بعدم تصديق:
"أهبل!!"
فأهملت قوله وعادت تحذره من جديد بضيق:
"بنتي ترجعلي في أقرب وقت وأنتَ اللي هترجعها لي يا علي. أنا مش هكلم ياسين. أنتَ أولى بيا مني."
أغلقت زهرة الهاتف من دون حتى إلقاء السلام. تعلم أنها بداية النهاية بينها وبين "الطبيب". ولكن لم تكترث للأمر. فكل ما يهمها الآن هو إبعاد ابنتها عن "ياسين". سأمت "الخالة" من حماقاتها المستمرة. سندت بيدها على عكازها تحذرها من جديد:
"اللي بتعمليه ده مش في مصلحتك يا زهرة. أنتِ كده بتخسري علي، واللي يخسر ولدي يخسرني."
بقيت صامتة أمامها ولم تتكلف عناء الرد. أكملت الخالة أمام صمتها:
"طول عمري معتبرك زي بتي وقريبة مني. رغم إني كنت بحب المهدي وكبرت معاه لسنين، بس لما شافك وافتكر فيكِ مهجة مراته الأولانية، ما اعترضتش على جوازكم وقربت منك أكتر. وخصوصًا لما مات واتغدر بيه. كنت بشوفه في ملامحك أنتِ وشمس. بحس بوجوده طول ما أنتوا موجودين حواليا. ساعدتك كتير ومعنديش مانع أساعدك أكتر. ولما ولدي طلبك وحبك، وافقت ورحبت عشان تفضلي أنتِ وشمس في حضني. بس أنتِ مش هتيجي أغلى من ولادي. ياسين وعلي دول ولادي اللي حجري اتملى بيهم من بعد دنيا فاضية. ومش هسمح أشوفك بتدمرى علي قدامي وأسكت."
سألت "زهرة" بنفاذ صبر:
"عايزة تقولي إيه يا خالة؟"
طالبت "الخالة" بتبرير فوري لما تفوهت بهِ "زهرة" للطبيب. أبدت "زهرة" انفعالها وهتفت بضجر:
"زي ما أنتِ خايفة على ولادك اللي مش من صلبك، أنا كمان خايفة على بنتي اللي من لحمي. واللي هييجي عليها ويقرب منها هاكله بسناني."
تابعت بقلب أم خائفة على طفلها:
"ياسين ما يصلح لهاش يا خالة. ومش هسمح أبدًا إنه يلمس شعرة منها في يوم ولا تكون حلاله. أنا أم وعارفة مصلحة بنتي كويس. هي لسه صغيرة وفي غشاوه على عينيها. من اللحظة دي أنا هاخد حسان وأرجع بيتنا القديم عشان أعرف أحافظ على بتي فيه."
قالتها وقد داهمتها الدموع وتجمعت في مقلتيها:
"ما تزعليش مني يا خالة. بصيلي بعيون أم خايفة على ضناها. الضنا اللي أغلى من كل شيء. وده ياسين اللي مهما اتغير هيفضل برضوا ياسين."
غادرت "زهرة" المكان وتتبعت "الخالة" أثرها بعينيها. تغلق الباب خلفها. أدارت وجهها بصمت تجلس على المقعد. الدهشة تملؤها وتردد في ذهنها سؤال لم يسمعه أحد إلا هي:
"معقول يا زهرة ترمي حب علي ورا ضهرك بطريقتك دي؟ بكرة تندمي في وقت ماينفعش فيه الندم عليه."
ما زال يقبض على هاتفه بكف يده. لم يستوعب ما بدر منها منذ لحظات. أتى "بربروس" من خلفه قائلًا:
"عمت مساءً يا أخي."
رد متهكمًا:
"بربروس مش فايقلك."
علم بحدوث شيء ما بسبب الضيق في نبرته فسأل بجدية:
"ألم تعلم عن ياسين وشمس شيئًا بعد؟"
تنهد بضجر وهو يمسح على وجهه ثم قال أثناء جهاده ليلزم الهدوء:
"لأ، لسه ما ردش."
قطب حاجبيه يجلس بالمقعد المقابل لهُ سائلًا:
"ماذا بكَ يا صديقي؟ أحدث لهم خطبًا ما؟"
جاهد لكي لا يتفوه بشيء بعدما أجبر شفتيه على الابتسام نافيًا لسؤاله:
"لا، أبدًا. ما فيش حاجة."
أنا بس... قطع حديثه دقات الباب المتتالية. فأسرع "بربروس" بفتحه ليجد أول شخص تمنى أن يراه. وجد "مارال" أمامه. ابتسم ابتسامة حانية لرؤيتها. وانمحت ابتسامته سريعًا عندما رأى الضجر يطغى على ملامحها. تراجع ليعطيها فرصة للدخول. ولم تنتظر هي بل دفعته للخلف مما جعله يسأل بهدوء لكي يمتص غضبها:
"ما بكِ يا بلوتي؟ والباء حاء."
أثار غيظتها بهدوئه مما جعلها ترد بطريقته:
"بعمل خير يا خيي ومابلاقيش مقابل قصاده."
فجادلها ساخرًا:
"ذكريني بعمل خيري واحد أقدمتي عليهِ بحياتك."
"حبيتك."
جمدته إجابتها. جاهد لالتزام الهدوء. فنطقت بعينين لامعتين:
"أيه اللي أنتَ هببته ده يابيدقوس؟ ييضيك كده أهوه أخويا هيتنيل يجوزني لـ 'كي كي'. هو مش إحنا كنا متفقين بلاش ياسين يتكلم خالص ونسيب دكتوي علي هو اللي يتكلم؟"
استدار "الطبيب" يطالعها بابتسامة بسيطة:
"أهدي بس يا مارال."
أشار لها بعينيه يحثها على الجلوس. فقابلت طلبه بالرفض:
"ما ينفعش. أنا سايباها ماما لوحدها وأخويا ممكن ييجي في أي لحظة."
وجهت حديثها لـ "بربروس" بعتاب:
"أنتَ مقديتنيش يابيدقوس."
فأكملت بنحيب:
"ده حتى الويد اللي أنت جايبه بيحتاج تقديي."
طالعها هو بعدم فهم:
"ولكنك لستِ وردة يا مارال."
رد لها ما شعر به منذ ثواني. فوجهت حديثها "للطبيب":
"شايف، شايف يا دكتوي علي بيقول إيه. قول بقى إنك مش عايز أصلًا الجوازة دي وأنا هايوح أتجوز كى كى."
تلاعب "مارال" بالكلمات واضح بالنسبة لهُ. فأخذ يستغفر ربه هامسًا وهو يقول بنفاذ صبر:
"أهذا اعتقادك؟ فلا والله وبعقد الهاء لن أتركك لهذا المدعو المثير للسخرية والاشمئزاز. وما هذا الاسم اللعين؟ هل انتهت الأسماء من على وجه الأرض؟"
أردفت بغضب:
"اللعين ده لو ماتصفتش بسيعه يابيدقوس، هيبقى جوزي وأخويا هيصمم نعمل اكليل كامل في أسرع وقت."
أخبرته بدموع تتلألأ بعينيها. ملامحها البريئة أقرب من الوتين للقلب. طالعها هو يخبرها بصدق نابع من قلبه:
"أتعلمين بأنك حبرًا ضممتُه من دون راء إلى قلمي والميم باء. أرعونة أنتِ، خرقاء. فوالله وبعقد الهاء، لن أتركك لغيري، حتى لو أخاكي شاء. فقد أصبحتِ لي قمر والميم دال. ولا يستطيع أحد الهروب منه إلا الجبان."
لانت تقاسيمها تطالعه بحب. يطالعهما الطبيب ببسمة مشفقة على جنونهم. يقول بداخله:
"مجانين والله."
أتى الفجر وانتشر ذلك الضوء الذي يبعث الراحة في النفوس. نسمات منعشة تعم الأجواء. خصوصًا بتوقيت الفجر. من يراهُ أثناء الذهاب يقود بسرعة جنونية وكأن الموت يهرول خلفه. يقود بلا أي ذرة تعقل. لا يراه الآن وهو يعود مطمئنًا فقط لأنها بجواره. توقف "ياسين" بالسيارة أمام مقهى "الفيشاوي". ذاك المقهى الذي طالما كان يتردد عليه قبل معرفته "بالضبع". أمرها بالنزول. فترجلت من السيارة بتردد سائلة:
"أحنا بنعمل إيه هنا؟"
قبضت بكف يدها على حقيبتها وبداخلها مذكراته. فأجابها بما تود سماعه:
"طالما عدينا على الشارع ده، فحبيت أعرفك على القهوة اللي عشت فيها أجمل أيام حياتي."
سألها بهدوء وتوسلت عينيه للقبول:
"إيه رأيك تحبي نقعد فيها شوية؟"
وأمام نظراته بعينيه الصافيتين تلك لم تستطع الرفض. أشارت برأسها بالموافقة وتحركت معه طواعية. حاوط كف يدها لكي يعبر بها الطريق. نزلت عيناها إلى كف يده المتشبث بكفها تبتسم ابتسامة حانية بأمان. فأشار لها بيده للجلوس على إحدى الطاولات يخبرها بحنين نابع من قلبه لهذا المكان:
"تعرفي المكان ده لي عندي ذكريات كتيرة أوي."
فانصتت له باهتمام. سندت وجهها بكفها تتذكر ما دونه بالمفكرة الخاصة به عن هذه القهوة. كم مرة حثها فضولها وأتت إلى هنا بمفردها لمعرفة ما تبقى من القصة. ما الشيء الناقص الذي لم يدونه. أسئلة كثيرة وضحت بعينيها. فأرضى هو أسألتها بقول:
"القهوة دي أحسن حاجة فيها إنها ما بتتغيرش. تخيلي إن بقى لها أكتر من 120 سنة. جه فيها شعراء وأدباء كتير أوي."
استكمل حديثه يدور بعينيه وهو يطالع كل شيء بالقهوة. يدرس ما طرأ عليها من تغيير أيضًا. فابتسم ابتسامة حانية عند رؤيته للصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود الموجودة بالحائط. فأشار لها بسبابته بلهفة مراهق يشتاق لذكرياته:
"شايفة.. شايفة الصور دي.. دي صورة محمود درويش. أكتر شاعر كنت وما زلت بحبه وحافظ كل أشعاره. كان بييجي هنا كل ما ينزل مصر ويقعد مع نجيب محفوظ. هو أصلًا فلسطيني، عرفاه."
فأشارت برأسها بالإيجاب قائلة:
"آه طبعًا عرفاه."
فاستكمل حديثه ببريق يلمع بعينيه:
"مكانش لي ساعة معينة بييجي فيها وكنت بفضل أستناه هنا بالساعات على ترابيزتي. من كتر ما كنت باجي هنا، كان ليا ترابيزة معينة هي اللي بقعد عليها. ومن كتر ما صاحب القهوة عرفني وعارف قد إيه أنا كنت بحب محمود درويش، خلى الترابيزة دي ليا وعشاني وخلاني أكتب عليها اسمي بالطباشير. وكنت كل ما أجي هنا أمشي على خطوط اسمي بالطباشير لحد ما اسمي انطبع على الخشب."
لمعت عينيه اللامعتين بسعادة. فهتفت سائلة:
"للدرجة دي كنت بتحبه؟"
ابتسم وقد وصلت إلى سبب ابتسامته:
"كنت بعشق حروف قلمه وكلامه."
وقفت أمام الصور الفوتوغرافية تشير بأصبعها عليه:
"أنتَ اللي هناك ده."
كانت صورة بداخلها الشاعر محمود درويش يجلس بالمنتصف واضعًا قدم فوق الأخرى. ومن خلفه شباب المقهى يرتدون البذلات. يظهر بينهم ياسين والطبيب. بالطبع كان ما زال شابًا لم يتعد العشرينات من عمره. كانت ملامحه أصغر مما تبدو عليه اليوم. فسألها بدهشة بوجه ضاحك غامزًا لها:
"لأ لعيبة، عرفتيني إزاي؟"
وقبل أن تنطق بالإجابة وجدت من يتكلم من خلفهما والرعشة تمتلك صوته. يتعكز على عكازه بمعاناة يخبره:
"أنا ذات نفسي عرفتك."
استدار الاثنان ليجدا رجلًا مسنًا يتجاوز التسعين من عمره قائلًا بجدية تمتلك الدهشة ملامحه:
"ياسين الصاوي مش كده؟ بس إزاي وانتَ لسه شباب ماتغيرتش؟"
طالع كلا من ياسين وشمس بعضهما بحيرة:
"أنتَ مش عارفني؟ أنا محمد العيل الصغير اللي كنت بتاخدني على رجلك لما ما لقاش مكان لما محمود درويش ييجي في القهوة ونسمع أنا وأنتَ الشعر بتاعه. جدي هو اللي كان صاحب القهوة دي وقتها."
حاول ألا يتفوه بشيء يندم عليه لاحقًا. تنهد قبل أن يقول بعينين براعة في تحويل الكذب للصدق:
"أيوه.. أيوه افتكرت. محمد العيل الصغير اللي كان بيحب. كنت بتقعد على رجلي."
أشار الرجل برأسه بحماس بالموافقة:
"أيوه. وكنت بتلبس دائمًا شورت كحلي وكان نفسك تطلع دكتور."
ابتسم الرجل ابتسامة عريضة يحاول أن يفرض جسده من كثرة انحنائه:
"أيوه."
"ولما كان محمود درويش بيتأخر كنت بتحب تسمع الشعر بتاعي."
ارتفعت آمال المسن كثيرًا ناطقًا بالاستجابة. فهز "ياسين" رأسه بالرفض مخيبًا أمال الرجل في لحظة وهو يقول:
"لأ مش أنا. ده جدي."
لم يصدق فكل شيء سمعه والشبه يخبره بالعكس. لذلك اقترب منه وسأله من جديد:
"أنتَ متأكد يا ابني إن ياسين الصاوي ده يبقى جدك؟"
أضاف "ياسين" وقد زرع الألم في عينيه بالإجبار يتصنع الكذب ببراعة:
"أيوه للأسف جدي ومات من عشر آلاف سنة. ادعيله بالرحمة يا حج وأنا طالع نسخة منه. أصل أمي كانت بتحبه، أبوها بقى ولازم تحبه. أصل أنا سمعت..."
فتر حديثه قبل أن يكمل:
"إيه اللي أنتَ سمعته؟"
"أوعى تصدق أي كلمة من اللي قولتهالها ده. أنا بس سرح بيها مش أكتر وهي هبلة وبتصدق. أنا جدي كان بيحب يحكيلي كل حاجة كانت بتحصل معاه في قهوة الفيشاوي وحكالي عنك كمان."
طالعته "شمس" بنظرة معاتبة. فأشار لها يرفع حاجبيه مع ابتسامته الساحرة. فوافقت وهي تقول:
"على فكرة بقى أنا عارفة إنك بتسرح بيا. هو برضوا يا حج في واحد يبقى عايش أكتر من تسعين سنة ولسه شباب كده."
اقتنع العجوز بحديثهما فابتسم وهو يردد:
"الترابيزة اللي كان جدك ياسين بيقعد عليها لسه موجودة هي وطرابيزة محمود درويش. أصل كنت بحب شعر جدك أوي زيه زي محمود درويش. عشان كده احتفظت بالترابيزتين دول. بس هي في المخزن. هبعت الولد يجييها."
لم يكد يصدق "ياسين" ما قاله. وما مرت سوى ثواني حتى أتى بها الشاب من المخزن. جلس ياسين عليها يمرر أصبعه على خطوط اسمه. تجلس "شمس" بجواره على مقعدها يطلب مشروبه المفضل. أما عنها فقد طلبت كوبًا من القهوة. أخرجت هاتفها من حقيبتها لتلتقط صورة للطاولة التي تحمل اسمه. فسألها باستفسار عن سبب إخراجها لهاتفها. فتحت كاميرا الهاتف وهي تقول:
"هاخد صورة للطربيزة وهي عليها اسمك."
فبحث بعينيه قبل أن تلتقط الصورة ليجد قطعة من الطباشير ملقاة بالأرضية. أسرع بالتقاطها دون اسمًا بجانب اسمه "شمس". يشير لها بعينيه قائلًا:
"دلوقتي تقدري تصوري براحتك."
ابتسمت بعدما التقطت الصورة. تضع كوب القهوة على الطاولة بعدما ارتشف منه قائلة:
"معقول كنت بتقول شعر زمان؟"
هز رأسه بغرور يصوب عينيه اتجاهها:
"احمدي ربنا بقى إنك قاعدة معايا."
هربت بعينيها واتسعت ابتسامتها:
"إيه الغرور ده كله؟ كان في ناس بتقول عليك مغرور وأنا كنت بكذبهم."
فنطق مؤكدًا:
"لأ، أنا مغرور فعلاً. هما ما كذبوش."
فطالبته بنبرة لم يستطع الرفض بعدها:
"طب ما تقول لي حاجة من اللي كنت بتقولها زمان يا مغرور."
علق بنبرة استنبطت السخرية منها:
"حاجة من اللي كنت بقولها زمان؟"
لمع الإصرار في عينيها. سائلة برجاء:
"ياسين، بتكلم جد."
اقترب منها أكثر جاذبًا مقعده نحوها حتى أصبح وجهها على مقربة من وجهه. عيناه لا تتركها وهو يقول بنبرته المؤثرة:
"وجهها لا ينتمي لهذا الزمان. خليط من قرون عديدة. نادر وفاتن. عتيق جدًا كتحفة نادرة."
فأنهى جملته يهيم بعيونها التي لطالما أحبها:
"فهي نعمتي المختلفة عن كل النعم."
نظراته لها. كيف له بنظراته الساحرة قادرًا على سلب روحها؟ سيهزمها فؤادها الآن. كيف لا وهو ينظر إليها هكذا؟ يمارس نظراته الساحرة عليها. تغيرت نظراتها له. لم تعد تطالعه باشمئزاز عكس السابق. بداخلها بريق مختلف. فأدار كفه الحديث بعدما قلق من نظراتها وأصبح حديثه جادًا الآن حول وضعهما. ونطق بما لم يخطر ببالها:
"أوعي تحبيني يا شمس. أوعي تفكري أو ييجي في يوم في بالك إنك تحبيني."
عند هذه النقطة تحديدًا شعرت بالضياع. نطق وهو يمسح على عنقه بتعب:
"اليوم اللي هتحبيني فيه اعرفي إني هختفي فيه من حياتك. الحاجة الوحيدة اللي مقرباني منك ومخليني معاكي هو إني متأكد إنك عمرك ما هتخافي عليا ولا تحبيني في يوم. عشان كده بقرب وأنا مطمن إن مهما أعمل هتصديني زي ما كنتي بتصديني زمان."
فأكمل بما جعلها تتفاجأ من سؤاله:
"البحر هيعمل إيه لو وقع في حب السفينة؟"
"سؤال عارفة إجابته كويس يا شمس."
ألقى بسؤاله على مسامعها وأعطاها ظهره راحلًا. يغادر المقهى. تتبع هي أثره بعينيها بذهول تام. تعلم إجابة سؤاله جيدًا. فالبحر سيغرق السفينة ولن يستطيع أحد منهم النجاة. رفعها حد السماء وعلى دون غرة أو وقع بها على أرضية باردة. أحمق من ظن أنه يعرف ياسين حقًا.
الحريق في عينيه لا يساوي أي حريق. وكأن مقابلته مع أبو المعاطي وبدر تمكنت ولو قليلًا من إخماد ثورته العارمة. صعد "فريد" سلالم الفيلا يصفر ببال هادئ عكس تمامًا النار المشتعلة بداخله. فأوقفه والده بحزم وهو يقول:
"فريد، كنت فين لحد دلوقتي؟"
تأفف بانزعاج بعدما استدار يطالع والده بعدم اهتمام:
"أنتَ عارف كويس أنا كنت فين. أوعى تفتكر إني مش عارف بالناس اللي بتراقبني كل دقيقة ويصورولك أنا فين وكنت مع مين."
ابتسم "والده" قبل أن يجيب بسخرية:
"لأ شاطر. وعشان كده جبت شمس دي الكباريه عشان تعرفني إنك مش ساكت. افرض كان اللي اسمه ياسين كان قتلك فيها؟"
"ما يهمنيش."
كلمة واحدة قالها ببطء يدرك معناها جيدًا. يسترسل حديثه:
"ممكن لو قتلني وقتها تتحرك وتعمل حاجة وتقله."
"ومين قالك إن مش هعمل؟ أنا بس مستني."
"وأنا مش قادر أستنى. مش قادر أستنى لما حضرتك تقعد على الكرسي وأنتَ مطمن. مش قادر. حاسس بنار تحت جلدي. كلامه وسخريته مني ما بتخرجش من وداني. عايزة أدوق اللي دوقته."
"واغتصبك ليها هو الحل؟"
أجاب بنبرة هادئة بعض الشيء يشير برأسه بالإجابة:
"آه. هو الحل اللي هيخليه ما ينامش."
"أنتَ اتجننت؟"
استدار يعطيه ظهره يصعد على الدرج متوجهًا إلى غرفته. فصاح والده بقول:
"اقف يا فريد أنا بكلمك."
أهمل قول والده وأكمل طريقه وكأنه لم يكن. دخل غرفته يلقي بجسده على الفراش. يطالع السقف بعينيه. ينظر إلى صورة "شمس". فهو يضع صورتها بالكامل على السقف لتصبح أول شيء يراه عينيه عند استيقاظه وآخر شيء يراها قبل نومه.
نحيب يشعل القرية. النيران تأكل الأراضي والزرع أصبح رمادًا. يهرول أهل القرية بكل مكان ومعهم غدير وحسان. الكل يساعد الآخر يدًا بيد. ولكن النيران تطول الجميع بلا استثناء. ظنوا أنهم سيعيشون بسلام بعد سنين من التعب. ولكن كان هناك من له رأي آخر. إنه "فريد".
رواية الهجينة الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم ماهي احمد
شعور الخوف مقيت، خاصة إذا شعرنا به بالإرغام.
هذه الكلمات تصف حالة "غدير" الآن.
جُرم لم ترتكبه يعاقبها عليه "فريد"، فقط لأنها من عائلة "آل صاوي".
صرخت "غدير" صرخة كانت تصدح بالأجواء، بعدما أمسك بها أحدهم وهو يقول:
"أخيراً مسكنا واحدة من عيلة الصاوي."
ارتعدت أوصالها لما يحدث. هاجمها أحدهم وتلطخ جسدها بالطين بعدما تكومت على الأرضية.
وأثناء هجومه عليها، كانت هي الأسرع، فقامت بركله بإحدى قدميها، محاولة الوقوف من جديد، بينما تستكمل ركضها هنا وهناك.
تنظر خلفها بعينين باحثة عن النجاة بين زهور عباد الشمس الطويله، حتى وجدت "بدر" أمامها.
سكنت الرياح وغمرتها موجة من الدفء عند رؤيته. هربت الكلمات من بين شفتيها حتى لم تستطع الحديث، ولكن بنظراتها المستغيثة له قد أوحت بكل شيء بداخلها.
نظر خلفها ليجد ثلاث رجال وبيد كل منهم قطعة حديدية يركضون خلفها.
احتضن كف يدها يشير بأصبعه على شفتيه بمعنى أن لا تصدر صوتًا.
هرول بها بين الزرع يحاول الاختباء ممن يحاولون اللحاق بها، ولكن إلى أين؟ فلا يوجد مفر.
وقف "بدر" بالمنتصف يخبئها خلفه من نظرات الشر الواضحة بعيونهم. فحاوطه الرجال الثلاث وأصبحوا بالمنتصف.
ابتلع "بدر" ريقه مع محاولة بائسة لبداية الحديث، ولكن نطق أحدهم ساخرًا بقول:
"وأنتَ بقى يا روح طنط الفارس اللي هتنقذها."
طالع المتحدث من بينهم أحدهم الواقف بجواره وهو يقول بنبرة آمرة:
"خلص اللي جايين عشانه."
أقدم ذلك الرجل عليها، ولكن منعه "بدر" المساس بها بنبرة تحذيرية، مع شفاه مرتعشة يطالع الأداة الحادة بيده قائلاً:
"محدش يقرب منها وإلا أنا..."
أنا.
اقترب منه الرجل ورفع رأسه بكبر بملامح مشوهة. نشب عراك بينه وبينهم، فسدد له أحدهم لكمة بوجهه.
كانت لكمة قوية.
صرخت "غدير" للمرة الثانية، ولكن هذه المرة صرخاتها تحمل اسمه:
"بــــــــَدر."
شق صراخها الأجواء. فرد "بدر" اللكمة لذلك الواقف أمامه بعدما استجمع شجاعته، ولكن سرعان ما التف حوله الآخرون.
واستغل اثنان منهم الوضع وأمسكوا به من الخلف بشراسة. رفع الأخير عليه أداته الحادة.
فقبضت "غدير" عينيها حتى لا ترى ما يحدث قبل أن يضربه بها على رأسه.
ولكن كان هناك سد منيع يحول بينهما.
لم تنتظر إلا ثواني معدودة حتى وجدت من يقبض على الأداة الحديدية بكف يده بعدما فتحت عينيها. فدبت الطمأنينة بقلبها وهي تنطق بحروف اسمه:
"ياسين."
نطق "ياسين" بنبرة ساخرة لهم، نبرة مستفزة تعرفها هي جيدًا. فاحتدت تقاسيمها واكتسبت الشجاعة بوجوده، وكأنها وجدت الأمان على الأرض بجانبه، وهو لا يبخل به أبدًا.
تستمع له وهي تنحني، تجلس بجوار "بدر" قائلة:
"طالما عاملين فيها سبع رجالة في بعض، ماتورونا وشوشكم الحقيقية."
طالع الرجال بعضهم البعض بحيرة وعدم فهم مما يقول. فابتسمت "غدير" ساخرة تقول من خلفه:
"دي أشكالهم ياياسين، مش لابسين ماسكات."
اشمأزت تقاسيمه بالنظر إليهم، وكعادته لبس قناع البرود وهو يقول متسائلًا بجدية:
"ياساتر يارب، معقول في بشر طلعوا أوحش من زُهرة؟"
ابتسمت "غدير" من قوله. أما عنهم، فكانت ملامح وجوههم مستفسرة عن قصده.
فنطق أحدهم وقد استفزه حديثه قائلاً:
"وأنتَ بقى المنقذ بروح الحاجة الوالدة اللي جواك."
شهقت "غدير" بعد قوله هذا، فنطقت بقول:
"الحق ياياسين ده بيغلط في كوكي."
هز رأسه ببطء، يطالعه باستنكار نافيًا دليلًا على اعتراضه:
"توء.. توء.. توء، ماتجيبش سيرة كوكي عشان بزعل وأنا ببقى وحش أوي لما بزعل."
اقترب أحدهم منه يرفع الآلة الحادة يسددها على رأسه، ولكنه أمسك به بسهولة يلقيه من على بعد.
فزادت مقاومتهم الضعفين بعد أن علموا مدى قوته. اجتمع عليه الجميع، ولكن بسهولة استطاع هو الإفلات منهم، بل وتلقينهم درسًا لن ينسوه بحياتهم.
استغرب "بدر" من سرعته، فظل يراقب بعينين سائله. أما عن "غدير"، فكانت تعلم مدى قوته.
كانت تصرخ بنبرة صارخة ممتزجة بفرحة قائلة:
"اديلوا ياياسين.. اديلوا التخين أبو شنب ده، الله يحرقه."
استدار إليها يرمقها بغيظ وعاد ينظر أمامه من جديد. فرمق سلاح موجه لوجهه من إحدى الرجال وهو يقول بأنفاس متقطعة ممزوجة بالغيظ:
"مابقاش دكر لو موتـ ـتك، مابقاش على إيدي."
وقبل أن يضغط على الزناد، كان قد أحكم "ياسين" الإمساك به وثني ذراعه خلف ظهره بعدما أمسك بسلاحه، يشهره على رأسه وهو يقول:
"بط.. دكر.. بس دكر بط يا حيلتها."
نظر الرجلان بخوف مما يحدث، فهربا بسرعة يركضون بين الحقول. أما عن هذا الرجل، فقد حاول التملص من "ياسين" بكل قوته، ولكنه لم يستطع.
فزاد أكثر من ضغطه على ذراعه، فصرخ صرخة عالية امتزجت بألمه.
فهمس "ياسين" بأذنه بكلمات لم يستطع كلاً من "غدير" و"بدر" سماعها، فأجاب الرجل بالموافقة يهز رأسه بهستريا قائلاً:
"هقوله.. هقوله إنه باع دكر بط.. دكر بط.. أنا دكر بط وهقوله إني دكر بط."
ابتلعت "غدير" ريقها وكأنه غصة مريرة بحلقها من منظر الرجل.
فصاحت قائلة:
"كفاية كده ياياسين، هتـ ـموته في إيدك."
أبعد "ياسين" الرجل عنه وقد رمقه بنظرات محذرة، وهو ينطق كلمة واحدة من بين شفتيه، ينطقها ببطء شديد:
"اتكل."
***
لم يشعروا بمرور الوقت إلا بعدما دق الباب عليهم دقات متتالية، بعدما قصت شمس كل ما حدث لها منذ خروجها من المنزل حتى لحظة وصولها هي وياسين إليه.
فنطقت "سارة" تسمح بدخول الواقف خلف الباب. دخل "يزن" وبكف يده الدواء وكوب من الماء قائلاً:
"الدوا ياسارة، الساعة بقت 12."
تبادلت "شمس" و"سارة" النظرات، ولكن "شمس" رمقتها بنظرات قلقة.
فقالت مستفسرة:
"دوا إيه ده ياسارة؟ أنتِ طلع عندك إيه؟"
لم تجب عليها بالكلمات. كانت الإجابة نظرة منكسرة.
علمت "شمس" من نظرتها بأنها ليست بخير، فشعرت بانسحاب أنفاسها. توقعت بأنه ذاك المرض الخبيث، فبدأ على وجهها التخبط.
مما جعلها تحتضنها بداخل صدرها قائلة بنبرة مؤكدة مما تقول:
"ماتقلقيش، المرض ده بقى سهل جدًا هزيمته دلوقتي، وفيه ناس كتير خفت منه وبقوا أحسن من الأول."
وتابعت بإصرار بعينين دامعة:
"أعرف واحدة كان عندها نفس المرض وخفت منه واتجوزت وخلفت وعايشة حياتها طبيعي."
جلس "يزن" على مقعده مشيرًا لـ "سارة" بحنان، رأته في عينيه قبل حديثه:
"عندما ينتهي مرضك سنتزوج، وستنبت الأرض زهوراً ستشبهك، ورحمك سيحمل أجمل فتاة في الكون، ستشبهك وتحبني."
حل الصمت بعد جملته الأخيرة، وبقي فقط لقاء العيون. حديثه الآن أعطاها الأمل في الحياة وانتزع جزءًا من مخاوفها.
فطالعته وهو يمد كف يده يحثها على أخذ الدواء:
"هتخفي ياسارة.. واعرفي إن المرض ده أتفه من إنه ياخدك مني."
استطاع بجملته الأخيرة سحب ضحكة من بين شفتيها. فقاومت السكون السائد منذ بداية حديثه، حين مدت كف يدها تأخذ من يده الدواء، قائلة:
"ربنا ما يحرمني منك يايزن."
***
تجلس معه في الجراج الخاص به، يتفحص دراجته النارية بعين، والعين الأخرى يتفحص غدير بها. ولم يمر سوى ثوانٍ، ثم أتى سؤال "ياسين" الذي أراد عليه إجابة تفصيلية:
"وأنتِ بقى ياغدير تعرفي "بدر" منين؟"
فقابلت سؤاله بسؤالها:
"هو أنتَ مش مصدقني ياياسين؟ ما أنا حاكيتلك واحنا راجعين."
هز رأسه نافيًا:
"لأ، مش مصدقك. عيدي كلامك تاني اللي قولتي."
هزت رأسها موافقة تعيد عليه السرد من جديد:
"أنا شوفت بدر مرتين في حياتي أصلًا، أول مرة لما وقعت بالعجلة وخبطت فيه، والتانية لما روحتله المحل بتاعه عشان هو أخد مني العجلة يصلحها. والله ده اللي حصل. وبعدين المفروض نشكره على اللي عمله، واحد غيره كان زمانه سابني وقال أنا مالي، مش كفاية البهدلة اللي اتبهدلها بسببي."
فردفت بكلماتها التالية بضجر:
"وأنتَ سيبته يمشي من غير ما حتى تشكره على اللي عمله معايا؟"
أردف بنبرة ساخرة منها وهو يقول:
"أشكره مرة واحدة وهو كان عمل إيه يعني؟"
أخبرته وهي تبتعد عنه:
"ياسين ده كان ممكن يمـ ـوت بسببي النهارده، ولولاه..."
فبتر حديثها يردد بإصرار:
"أنا مش مرتاح للواد ده. اسمعي كلامي ياغدير، اليومين دول مش عايزك تثقي في حد مهما حصل. اللي حصل ده ممكن يحصلك تاني لمجرد إنك قريبة مني. فريد بدأ حربه بدري أوي، بس مش عايز أذيته تطولك. خدي حذرك من الكل، وأولهم بدر. ما تطلعيش مرة تانية من البيت لوحدك، خللي دايماً معاكي حسان، أو ماتنزليش غير معايا. المرة دي أنا كنت موجود، المرة الجاية مش عارف ممكن يحصل إيه."
أتت الخالة من خلفه بخطوات بطيئة بعدما استرقت السمع قائلة:
"وكنت ناوي إمتى تقولي ياياسين على اللي حصل؟"
فألقت نظرة معاتبة لـ "غدير" وتابعت بقولها:
"وأنتِ ياغدير، ما كنتيش ناوية تقوليلي يا بتي؟"
شعرت بالارتباك واردفت وهي تقول:
"أكيد كنت ناوية يا خالة، بس ما لحقتش."
تحدث "ياسين" يطلب طلبه بإصرار:
"فريد مش هيخلينا نلحق نتنفس، يا ما إحنا لازم نعمل حسابنا ونزود حراسة على أبواب القرية، وماحدش يدخل ولا يخرج منها إلا لما نكون عارفينه. النهارده لحقت غدير، مش عارف هعرف ألحقها تاني ولا لاء."
أشارت الخالة برأسها بالإيجاب:
"من غير ما تقول يا ولدي، من الليلة أهل القرية هيناموا وحراسها هيصحوا."
غادرهم ورحل أمام ناظريهما. فأتى حسان من خلف الخالة مهرولاً:
"أنا جيت يا خالة."
أشارت الخالة بعينيها لـ "غدير" تحثها على الخروج، فاستجابت لطلبها. صوبت كامل نظرها على حسان قائلة:
"عملت إيه لما مشيت ورا مشيرة ياحسان؟"
وقف في الجهة المقابلة يسرد لها ما حدث:
"مشيت وراها زي ما قولتيلي، كانت ماشية بتمد في خطوتها زي المجنونة يا خالة، كانت بتقول كلام ما أخدتش بالي منه. كنت لسه هقرب منها، اتعثرت في طوبة ووقعت. على ما قمت ببص قدامي مالقيتهاش. فضلت أدور عليها، بس زي ما تكون اختفت."
صكت الخالة على أسنانها قائلة بغيظ:
"وأنا إيه اللي جرالي في عقلي لما فكرت أعتمد عليك ياحسان."
***
دفء الفراش هو الأمثل في ليالٍ باردة كهذه، ولكنها فضلت برودة الليل على أن تنعم جواره بالدفء.
فصاح "الطبيب" بتهكم:
"هتفضلي قاعدة على الكرسي عندك كده كتير يازهره؟"
هبت واقفة من مقعدها وقد زاد ارتباكها وهي تخبره:
"وهو أنا هيجيلي نوم بعد اللي حصل.. بنتي.. بنتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا تتجوز بالشكل ده وتخرج عن طوعي."
أخرج إحدى لفافات تبغه قائلاً وهو يدسها بين شفتيه:
"بنتك مش صغيرة، اتجوزت اللي هي عايزاه."
فتابعت بكلماتها التي تضـَـرب كسوط بلا رحمة:
"لأ ياشيخ!! وهو مين يعوز واحد زي ياسين.. ياسين ده مافيش حد يطيقه ساعتين، مش يعيش معاه العمر كله. ده شيطان بقرنين مش بني آدم يتعاشر ويحب ويتجوز، ويوم ما يتجوز يتجوز بنتي أنا اللي ماحلتيش غيرها."
صاح بها بكيل قد طفح منذ زمن:
"أنتِ بتكـ ـرهي ياسين أوي كده ليه؟ أنتِ ناسيه إن اللي بتتكلمي عليه ده يبقى أخويا."
طالعته فرأى في عينيها ذلك التعبير الذي لاحظه منذ قليل، وهي ترمق ياسين بنظرات البغض، فعند سماع سيره تتأكل بداخلها.
فنطقت بغـ ـضب:
"يا ريت أقدر أنسى إنه أخوك، على الأقل مكنتش هكـ ـره قربه من بنتي كده."
قاطع حديثها الذي حاولت أن تبث فيه كل رفضها وهو يسأل بعدم فهم:
"يعني إيه مش فاهم؟ أنتي تقصدي إنك بتكـ ـرهي ياسين عشان هو أخويا؟"
رفعت كفها متابعة حديثها بالنفي، مما جعله يرفع حاجبيه باندهاش:
"أنا بكـ ـرهه عشان زيك.. عشان هيعيشها نفس اللي أنتَ عيشتني فيه.. مش عايزها تحس اللي أنا بحسه وأنا معاك.. مش عايزها تشوف نظرات الناس ليها بعد ما شكلها يكبر ويفضل هو شكله صغير. تقدر تقولي بعد عشر سنين شكلها هيبقى عامل إزاي وشكله هو هيبقي عامل إزاي."
طالعها بضحكة غير مصدقة. فأكملت حديثها:
"طب بلاش دي، ليه تتحرم من الخلفه وتتحرم من إنها تبقى أم وتبقى زي بقيت البنات؟ طب أنا كنت محظوظة بخلفتها ومعايا حسان، لكن هي.. ليه تعيش محرومة من نعمة الأطفال؟ ليه تعيش مع واحد تبقى خايفة وهي نايمة جنبه لا ما يحسش بنفسه وما يقدرش يتحكم بنفسه ويشتهي دمـ ـها؟ ليه ماتعيش عيشة طبيعية زي بقيت الخلق مع واحد يكبروا سوا وتجيب منه أطفال ويكونوا أسرة يعيشوا سوا ويمـ ـوتوا سوا؟ عجبك ميرا ورعد وهما رايحين يتبنوا طفل مش من دمهم عشان ميرا مبتخلفش؟ أنا عايزة بنتي تعيش طبيعية ياعلي."
زاد اتساع حدقتي "الطبيب" أن ما يسمعه بالتأكيد ليس حقيقيًا. أثارت اهتمامه حقًا، فانتبهت كافة حواسه لها.
تقول بعيون دامعة:
"أنا مش وحشة ياعلي، أنا أم وخايفة على بنتها تعيش وتحس اللي بعيشه معاك."
حديثها عصف بقلبه، جعل عقله يسبح في بحور. حاول كثيرًا تكذيب نفسه بها:
"بقى بتخافي تنامي جنبي لا أشتهي دمـ ـك في يوم."
وقف من على فراشه يكاد يجزم أنه سمع صوت تحطم قلبه. فأكمل حديثه النابع من قلبه بصدق:
"أنا كنت حاسس من الأول إنك اتغيرتي يازهره، وما بقتيش زي زمان، بس كنت بكذب نفسي وأقول معلش ياعلي اتحمل، دي زهره بنتك الصغيرة. حاولت أعوضك عن حاجات كتير ناقصاكي وعمري ما زعلتك في يوم.. كنت باجي على نفسي عشانك، بس أنتِ ما قدرتيش ده. قبل ما نتجوز أنا قعدت معاكي وقولتلك إني يازهره مش هخلف ووافقتي، كنتِ عارفة أنا إيه من الأول وعارفة إني شكلي مابيكبرش، وإنك أنتِ اللي هتكبري، وبالرغم من ده وافقتي. أما عدم إحساسك معايا بالأمان، مش قادر أفهم هو وصلك من إيه؟ أنا عمري في يوم من اللحظة اللي شوفتك فيها ما فكرت أأذيكي، ولا حتى عدى على خيالي شيء زي ده. ولو خيروني بين حياتك ومـ ـوتي هختار حياتك من غير تفكير. طلعتي أنانية أوي يازهره، وما فكرتيش غير بنفسك وبس، ونسيتي إن الدنيا مابتديش كل حاجة. كان ممكن يبقى معاكي واحد شكله بيكبر وبيخلف، بس بيهينك وموريكي المرار وبإرادته مش غصبًا عنه زيي."
تركها ورحل، صافعًا الباب خلفه. ترددت في أذنه كلماتها بعدم شعورها بالأمان معه، كلمات قيل له عكسها من سنين. ساقته قدماه خارج المنزل، فأفاق من شروده على صوت "ياسين"، وكأن أحدهم أنقذه من الغرق في هذه البحور التي تذكره بما لا يريد. تنهد يحاول الاسترخاء قبل أن يتفوه بكلمة قائلاً:
"ياسين، أنتَ كنت فين؟ أنا كنت بدور عليك."
رمقه "ياسين" بتساؤل عن حالته هذه، فهرب "الطبيب" بنظراته يحاول تغيير مجرى تساؤلاته:
"أنت لسه بره لحد دلوقتي، مانمتش ليه؟"
تابع حديثه بجبر نفسه على الابتسام وهو يقول:
"ده أنتَ حتى عريس النهارده."
طالع "ياسين" البحيرة أمامه يبتسم بسخرية مما قاله، فأجابه بما هو بعيدًا عن سؤاله:
"اتخانقت بسببي أنتَ وزهره، مش كده؟"
ابتلع ريقه وقد زاد الارتباك بنبرة صوته:
"إيه اللي أنتَ بتقوله ده؟ لاء طبعًا.. أنا حتى سايبها وهي بتشكر فيك في البيت."
ضحك "ياسين" ضحكات ساخرة من كلماته، وهو ما زال يطالع البحيرة أمامه قائلاً:
"وأنا كمان نفسي أشكر لها بسبب اللي عملته معايا بنفس طريقة شكرها ليا."
قهقه "الطبيب" عاليًا. فجرع "ياسين" من زجاجته المفضلة. قبض "الطبيب" بكف يده على الزجاجة يتجرع منها هو الآخر، فقال بكلمات امتزجت بضحكاته الحزينة:
"الظاهر إنك مش لوحدك اللي عايز تشكرها ياياسين."
انتزع "ياسين" الزجاجة من كف الطبيب، فارتشف منها ما تبقى، فأصبحت فارغة. فألقى بالزجاجة بالبحيرة التي أمامه بكل قوته وهو يقول:
"سيبني عليها أنتَ بس، وأنا هشكر فيها شكر محدش اتشكره قبل كده في حياته."
شعر "الطبيب" بانسحاب أنفاسه عند سماع كلماته، فجلس على المقعد المجاور محاولًا تمالك نفسه، فهو لم يستطع سماع مكروه يصيبها.
ثنى "ياسين" ركبتيه وجلس أمامه قائلاً بحنان:
"إيه ياعلي، أنتَ صدقت؟ أنا كنت بهزر، أنا لا يمكن أشكر زهره في يوم، هما عملت معايا."
رمقه "الطبيب" بعيون مرهقة وجسد متعب، فرأسه على وشك الانفجار، وهو يقول:
"أنا بحبها ياياسين، بحبها ومش متخيل إن ممكن حد يأذيها في يوم، حتى لو بالكلام."
فهز رأسه بيقين:
"عارف، وده اللي مصبرني عليها."
ابتسم يوجه سؤاله بسخرية:
"بس اللي مش عارفه بقى، بتحبها على إيه الولية دي؟"
أجاب "الطبيب" بعد تنهيدة طويلة خارجة من داخله بعمق:
"تفتكر لو كان لينا سلطة على قلوبنا، كنا اخترنا نحب في يوم."
اعتدل "ياسين" بجلسته، يجلس بالمقعد المجاور، يطالع البحيرة أمامه من جديد، يستكمل حديث "الطبيب" بعيون شارده:
"ولا حتى كنا كرهنا في يوم.. بس عايز أقولك إن كل اللي بيحصلنا ده هيعدي، وزهره هترجع لعقلها. ولو كان مشكلتك مع زهره بسببى أنا وشمس، فخليها تطمن، أنا اتجوزت بنتها عشان أحميها مش أكتر. يعني جواز على ورق. ما قدرتش ياعلي أشوفها في خطر واقف أتفرج. وبعد ما كل حاجة تنتهي ونخلص من فريد وأبوه، هطلقها عشان تشوف حياتها من جديد وتعيش مع واحد يستاهلها بجد."
سأله "الطبيب" بسؤال صريح:
"لسه بتحبها ياياسين بعد السنين دي كلها؟"
هرب بنظراته بعيدًا يحاول إخفاءها، فابتلع ريقه بارتباك مع إجابته قائلاً:
"وهو اللي زيي ينفع يحب؟"
أشفق الطبيب عليه بنظراته، فقد كان حديثهم الآن ما هو إلا تفريغًا لما في الصدور، ولكنه انتهى بنظرات مشفقة يطالع كل منهما الآخر بها على ما حل بهم من كسر قلوبهم القوية.
جبر "ياسين" نفسه على الابتسام قائلاً:
"فين شيخ عجوة دلوقت؟ لو كان شاف حالنا كان قال وحسرتاه."
لم يكد أن ينتهي من كلمته حتى أصدر هاتفه ذلك الرنين المميز، رنة مميزة يضعها لبربروس عند اتصاله. صوته وهو يقول:
"وحسرتــــــــاه."
علت ضحكات "الطبيب" وقد مد كف يده لـ "ياسين" يضرب كف بكف. طالعه "ياسين" وهو يعرف جيدًا كيف يخرج الشخص الحزين من حزنه ويدفن هو آلامه بداخل صدره. فتح المكالمة مع مكبر الصوت، فسمع بربروس ينطق متهكمًا:
"أين أنت أيها اللعين؟ لقد هاتفتك عدة مرات وكنت قد أتلقى هذا الرد الآلي الذي جعلني أفقد صوابي. كم هو صعب إيجادك أيها الملعون."
رد "ياسين" بنبرة يملؤها الغرور ساخرًا:
"لقد أطفأنا الأنوار، من يجدنا فليحرق نفسه."
فرد عليه باستنكار:
"لا والله، بعقد إلهاء لن أحرق نفسي يا أحمق، وسأجدك وقتما أشاء."
فنطق "الطبيب" مازحاً بقول:
"ما تقولش كده يا شيخ عجوة، ده ياسين الخير والبركة بيهزر معاك، ما أنتَ عارفه."
فكان رد "ياسين" محرجًا ونطق بضجر:
"الخير والبركة!! ليه كنت الست والدتك.. ماتبوس إيدي أحسن."
أوقفهما "بربروس" بكلماته:
"كفى.. كفى أيها الأحمقان، فلدي لكما خبران، أولهما حزين والآخر سعيد. بماذا تريدون أن أبدأ؟"
ضحك "الطبيب" وهو يقول:
"أي حاجة يابربروس، انطق."
فأجاب بربروس بضحكة عريضة:
"لقد وافقت مارال أخيرًا على زواجنا."
رد "ياسين" بتلقائية مفرطة:
"طب وأيه الخبر الحلو؟"
حاول "الطبيب" كتم ضحكاته وهو يقول:
"ده أكيد الخبر الحلو ياياسين، ناقص الخبر الوحش."
فأكمل بربروس حديثه:
"ربــــــــــاه، لقد طفح الكيل. هذا هو الخبر السعيد أيها الملعون، أما عن الخبر السيء فهو بأنه سوف يتقدم لخطبتها شخص آخر بغضون ساعات. يجب عليكم أن تأتيا على الفور حتى أتقدم لخطبتها أولًا."
كانت كلماته سريعة يترجى بها "الطبيب" بالحضور إلى القاهرة بأسرع وقت. هنأه "الطبيب" على الزيجة المباركة مقدمًا بعدما أغلق الهاتف.
***
استيقظت تشعر بضوء الصباح من حولها، ولم تجد "سارة" بجوارها على الفراش، بل وجدتها تستعد للمغادرة ممسكة بحقيبتها قائلة:
"أشوف وشك بخير بقى ياشمس."
تحدثت وقد ظهر في صوتها أثر النوم:
"على طول كده."
تحدثت بهدوء قبل أن تخرج من الغرفة:
"أنا لازم أرجع القاهرة النهارده، أول جلسة كيماوي ليا هاخدها النهارده، ادعيلي عشان أنا خـ ـايفة أوي."
غادرت "شمس" الفراش داعية لها الوصول سالمة بعدما طمأنتها بأن كل شيء سيصبح بخير.
قامت واستقامت تتجه ناحية النافذة، وجدت الجميع يستعد للمغادرة، ومن بينهم "ياسين" و"مشيرة"، بعدما أقنعته بضرورة السفر للقاهرة لتحضير بعض الأوراق الخاصة بها.
قام بإحضار سيارة أخرى، وقبل مغادرته، رفع رأسه يطالع نافذتها فوجدها تطالعه. ابتسم ابتسامة حانية ظهرت على ثغره.
فانتفضت من مكانها عند رؤيتها لها، تضغط بأسنانها على شفتيها، تعود خطوة للخلف بحركة لا إرادية منها، متمنية بأن لا يراها.
وما مرت سوى ثوانٍ معدودة حتى تقدمت خطوة أخرى بالقرب من النافذة بحذر، يحثها فضولها على رؤيته من جديد. فلم تجده.
اقتربت من النافذة أكثر حتى تستطيع الرؤية بوضوح، باحثة بعينيها هنا وهناك، لتجد من ينقر بأصبعه على كتفها بلين:
"بدوري على حاجة؟"
التفتت مسرعة بعدما وقعت عيناها عليه. ابتعدت عنه بعيون هاربة حتى لا يراها، هكذا تحاول التنفس بهدوء:
"حاجة.. حاجة زي إيه؟"
أهمل سؤالها بقوله:
"أومال كنتي بتبصي على إيه في الشباك؟"
فأردفت بقول:
"عادي ياياسين، بلاش أقف في الشباك يعني."
لم يقتنع بما يقول، ولكنه حثها بقول:
"فين تليفونك؟"
أشارت بعينيها على الأريكة المجاورة لها، فالتقط الهاتف وبدأ بتسجيل رقم هاتفه، فوجدها قد دونته بالفعل، وبجانب اسمه قلب مكسور. ابتسم باستهجان.
فقام بفعل شيء آخر لم تفهمه هي، فبادرت بالسؤال باستغراب:
"أنتَ بتعمل إيه؟"
ضحك على استغرابها وأخبرها وهو يدون شيئًا ما على الهاتف:
"أنا مسافر القاهرة، هخطب لشيخ عجوة، وللأسف لازم أسافر وأسيبك عشان لو ماسافرتش هيحس إن فيه حاجة غلط، وهي سيب كل شيء وييجي، وأنا مش عايز يدخل في الليلة دي. أنا ما صدقت إن مارال وافقت على جوازهم."
اقترب منها خطوة يقبض على ذراعيها بحنان أمام صمتها وعيونها المراقبة:
"لو طلبت منك طلب ياشمس، هتنفذيه؟"
طالعها بعينين يشع منهما البراءة، وكانت تنتظر هي المزيد. وأرضى هو انتظارها بقوله:
"مش عايزك تطلعي من البيت مهما حصل لحد بكرة مش أكتر. أوعديني ياشمس."
حاولت سؤاله، ولكن قبل أن تلفظ كلماتها من بين شفتيها، قاطعها هو بقول:
"ومن غير ليه. عايزك تثقي فيا وبس. واعرفي إن ابن الصاوي مش هيقولك حاجة فيها شيء يضرك."
قال كلماته بعيون صادقة أسرتها، فاستجابت تلبي طلبه فقط لأنه هو من طلب ذلك.
***
عدت ساعات مرت على سفره، فوجدت "غدير" حجة للذهاب لإحدى صديقاتها. حاول "حسان" الذهاب معها، ولكنها رفضت بإصرار. صعدت على دراجتها بعدما وعدته بالعودة سريعًا، متجهة إلى محل "بدر" باحثة عنه بالمحل تنادي بأعلى صوتها:
"بدر.. يابدر."
خرج بدر من الدكان، وآثار الضرب ظاهرة على وجهه قائلاً:
"إيه اللي جابك؟"
كلماته أحرجتها وزادت من ارتباكها، فبرر هو مقصده:
"أقصد، إنك ممنوعة من الخروج، مش ياسين نبه عليكي قبل ما أمشي إنك ماتطلعيش بره البيت تاني لوحدك."
سؤاله جعلها عاجزة عن الرد لثوانٍ، حتى قالت أخيرًا:
"عارفة، بس أنا حبيت على الأقل أطمن عليك وأشكرك على اللي عملته معايا، وخصوصًا إن ياسين..."
بتر حديثها قائلاً:
"تقصدي إنه مادانيش وش. طب ما عنده حق."
استغربت من إجابته مما جعله يستكمل حديثه:
"أنا واحد غريب بره القرية مش منها، وإن أظهر لك مرة واحدة دي حاجة ما بين الزرع، دي حاجة تخلي يشك فيا، وأنا احترمته على فكرة، ما تضايقتش منه خالص، أنا لو مكانه كنت هعمل كده وأكتر."
حثها حديثه على سؤاله تقول:
"طب وانت كنت بتعمل إيه في القرية في وقت زي ده ما بين الزرع؟"
تردد بإخبارها، ثم تابع بقوله:
"بحط مسامير في الطريق للعجل، أومال انتِ فاكرة كل العجل اللي عندي ده بييجيلي دايماً إزاي؟ وأنا بحط المسامير على الطريق كالعادة سمعت صرختك ما بين الزرع وجيت جري عليكي."
جحظت عيناها بعدم تصديق، فأكمل هو بقوله:
"عجلاتي بقى، معلش، ولازم أقلب رزقي."
طالعته بجانب عينيها بغيظ:
"أيوه بس كده غلط وحرام."
قبض بالكتب الموضوعة على الطاولة بكف يده يقول:
"لو ما عملتش كده مش هعرف أشتري كتب الجامعة ولا هعرف أصرف على نفسي."
جلست بجواره سائلة:
"انت بتدرس؟"
أشار برأسه بالإيجاب:
"أيوه، أنا في هندسة، آخر سنة ليا السنة دي."
كشـ ـنـ ـحـ ـاجهـ ـا وكـ ـسا تقاسيمها تعابير غامضة مما جعله يسأل:
"إيه، صعبت عليكي؟"
صدمها بقوله، فرمقته باهتمام:
"بالعكس، هتصعب عليا ليه؟ أنا أصلاً استجدعتك وحسيتك كده راجل مسؤول عن نفسك وعايز تبقى حاجة كويسة في يوم."
استدار يلتقط إحدى الدراجات المعطلة لإصلاحها، فتأوه بألم من كتفه المصاب.
فنطقت هي باهتمام وضح بنبرة صوتها:
"خلي بالك."
استدار بوجهه يشير برأسه بالإيجاب مع ابتسامة حانية:
"حاضر."
***
لا يوجد أبشع من الانتظار، فقد كان ينتظرهما "بربروس" على أحر من الجمر، يتجول بمسكنه يمينًا ويسارًا، حتى وجد أبو المعاطي بوجهه قائلاً:
"أخبرني ماذا حدث، هل أتى العريس مبكرًا؟"
ابتسم "أبو المعاطي" بسمة ساخرة:
"ولا حد عبره."
تحرك "بربروس" باتجاهه، يقبض بكف يده على ياقة قميصه من الخلف بغضب وهو يقول:
"بماذا تفوهت أيها الأحمق الصغير؟"
فتمتم "أبو المعاطي" بكلمات بسيطة بصوت منخفض، مما جعل "بربروس" صارخًا به لكي يوضح كلماته:
"طيب هقول أهو.. أنا واقف من الصبح قدام بيتها لحد ما رجلي فاـ ـتـ ـت وطلعلي كلو، عشان لو حد جه أعمل اللي اتفقنا عليه وأتوّهه ما خلهوش يدخل البيت، ولحد دلوقتي ولا حد عبرها. أنتَ متأكد إن فيه عريس جايلها النهارده زي ما بتقول؟"
طالع "بربروس" بشك يتحدث داخليًا بما لم يسمعه:
"أيعقل؟!"
قاطع شكه جرس الباب، مما جعله ينسى كل شيء وأسرع بفتحه.
وصلا إلى القاهرة أخيرًا بعدما أوصل كلاً من يزن وسارة ومشيرة إلى وجهتهم.
وكما توقع "الطبيب"، فسرعة ياسين رهيبة. وعند لحظة رؤيته للطبيب، أمسك "بربروس" بكف يده يجذبه خلفه قائلاً:
"هيا، لقد تأخرنا بالفعل."
أشار بأصبعه لـ "ياسين" محذرًا:
"ياسين، لا تتفوه بشيء أيها اللعين، فقط دع علي يتحدث بالأمر."
سأله "ياسين" بغير تصديق:
"ولما أنتَ مش عايزني معاك، جايبني لحد هنا ليه؟"
فصدمه "بربروس" بقوله:
"كمالة عدد ليس إلا.. تابع قوله بضجر: وأيضًا أنت لا تعلم ماذا فعلت؟"
نطق "الطبيب" سائلًا:
"عملك إيه بس يابربروس؟"
أجابه "ياسين" بغضب:
"عملت له قيمة."
هز "بربروس" رأسه بقول:
"قيمتي عالية، أعلم ذلك.. فأنا لا أحبذ أن يثرثر فمك اللعين هذا بشيء أشعر بأنك ستخربل الزيجة، وأنا لا أحبذ هذا."
أشار بيده للطبيب:
"أتُحبذ أنتَ ياعلي؟"
أشار الطبيب برأسه بالنفي قائلاً:
"أنا لا أحبذ."
"طب أنا ماشي."
قالها "ياسين" يستعد للرحيل، فجذبه "الطبيب" من ذراعه يحثه على المغادرة:
"يلا بقى ياياسين، ماتأخذش على كلامه."
***
هناك جلسات ننضم إليها رغماً عنا، كهذه الجلسة. تدخل "سارة" إليها بجسد رافض وأيد مرتعشة، فهذه المرة الأولى التي يستقبل جسدها العلاج الكيماوي. احتضن "يزن" كف يدها لكي يطمئنها بأن كل شيء سيصبح بخير. ابتسمت هي بسمة أمن بوجوده، فهو بالنهاية هنا كما اعتادت دائمًا، فوجوده بجانبها يهزم مخاوفها.
قابل "الطبيب" يزن وسارة ببسمة مرحبة، يحاول قليلاً تهدئتها بقول:
"ماتقلقيش، العلاج الكيماوي ما هو إلا محاليل، هركب لك كالونيه في الوريد لمدة ساعتين بالكتير وممكن أقل."
فداهمته بسؤالها:
"شعري هيقع يادكتور؟"
طالع "الطبيب" يزن بنظرة مترددة، فأجابها "يزن" بدلاً عنه:
"وايه المشكلة لو وقع.. حتى لو وقع ياسارة هيطلع غيره."
ابتسم "الطبيب" وبدأ بقول:
"ماتقلقيش، مش كل الحالات الشعر بيقع فيها. ندعي بس الأول إذا كان جسمك هيتقبل الكيماوي ولا لأ."
ربت "الطبيب" على كتفها بطمأنينة وهو يغادر يستكمل قوله:
"وبعدين نشوف حكاية الشعر دي بعدين. أشار بيديه على المقعد المجاور لهما: اتفضلوا اقعدوا.. شوية وهتدخل آنسة سارة تاخد جلستها."
جلست "سارة" على المقعد، فأثنى يزن ركبتيه مقابلها قائلاً:
"اوعي تفتكري للحظة إني مش حاسس بيكي، أنا عارف اللي جواكي وعارف بتفكري فيه، بس الخوف اللي جواكي ده شيء طبيعي، كل حاجة بتحصل جديدة عليكي زي ما هي جديدة عليا. أنا واثق في الله إنه مش هيأذيني فيكي، وإن اللي إحنا فيه ده ما هو إلا مجرد اختبار صغير من ربنا عشان نرجع له ونلجأ له وما ننساهوش. مش عايزك تخافي ياسارة، طول ما أنا معاكي ماتخافيش."
أمسك كف يدها يقبله بحنان. ابتسمت برضا وأغمضت عينيها باطمئنان، وقد عرفت للراحة طريقًا الآن، فقط لأنه هنا كما اعتادت دائمًا.
***
ساعات ما قبل الغروب هي أقصى ما تحب. تجلس أمام نافذة غرفتها. الهدوء والسكينة التي تشعر بهما الآن هو كل ما تريد بعد أيام شاقة مرت بها.
لم يمر الكثير حتى وجدت "شمس" هاتفها المحمول يرن برنته المميزة، فوجدته "فريد". طالعت الاسم ببغض وضح على تقاسيمها، فأبت الرد.
وما مر إلا ثوانٍ حتى بعث لها بفيديو قصير على موقع الواتساب. ضغطت على زر التشغيل، فوجدت "سارة" و"يزن" بالمشفى، تنتظر "سارة" دورها لتلقي العلاج، ولكن هناك من يوجد خلفها ومعه حقنة مسممة.
فبعث "فريد" برسالة نصية وهو يقول:
"الحقنة دي مسممة وهتدخل جوه الكيماوي اللي سارة هتاخده. لو ما جيتليش حالًا على اللوكيشن اللي هبعتهولك ده، أنا مستنيكي."
بهتت تقاسيمها وهي تقرأ كلامه. فأكمل كتابة قائلاً:
"آه، مش محتاج أفكرك لو حد عرف بالمسيج دي أو إنك جايبالي، أنتِ طبعًا عارفة هيحصلهم إيه؟"
لقد أصابها الذعر بكل أنش في جسدها الآن. بعدما قرأت عيناها رسالته. أغلقت الهاتف وقامت مسرعة بالاتصال بـ "سارة"، ولكن دون جدوى، فهاتفها مغلق وكذلك "يزن".
حتى بعث لها هو برابط على تطبيق الواتساب، حثها فيه على فتحه، باعثًا رسالة نصية أخرى وهو يقول:
"ما تحاوليش تتصلي بيهم عشان تليفوناتهم مقفولة."
فتحت الرابط مسرعة، فوجدت نفسها داخل بث مباشر. هناك من يجلس بجانبهم الآن ويصورهم في الخفاء، يضع جهازًا صغيرًا بالقرب منهم يشوش على إشارة هواتفهم ليجعله مغلقًا.
وضح القلق جليًا على وجهها. توقف عقلها عن التفكير، فهي تعلم جيدًا مدى شره وخبثه. ودون أن تتردد، أحضرت حقيبة يدها مسرعة تهرول خارج المنزل، تتبع اللوكيشن بهاتفها، تبعث له رسالة نصية بأيد مرتعشة:
"أنا جايلك حالًا، مسافة الطريق، ارجوك ما تأذيهمش، هما مالهمش ذنب في اللي بيحصل."
انتظرت ثوانٍ ترى علامة "يكتب الآن" حتى بعث لها بكلمة واحدة فقط وهي:
"مستنيكي."
***
"ابنك فين يا ست هانم؟"
قالها الدمنهوري بصوت جهوري، بينما هي ردت عليه بعدم اهتمام لسؤاله، تنفخ بأظافرها حتى يجف طلاء الأظافر قائلة:
"من ساعة مارجعنا معرفش عنه شيء."
ضرب على الطاولة وهو يتحدث بغضب:
"طبعًا ماتعرفيش عنه حاجة وأنتِ فضيالة، يعني كفاية عليكي المانيكير والباديكير والنفخ والشد."
فألقى بالهاتف بوجهها يحثها على النظر بداخله، فأخذت تقلب تطالع الصور بإهمال:
"ماله؟ صور لفريد ابنك بيشرب على البار، إيه الجديد يعني؟ هي أول مرة يشرب فيها ولا أول مرة يرقص مع بنات؟"
فتابع حديثه بغيظ:
"يا برودك يا شيخة، أنتِ اتجننتي؟ أنتِ مش عارفة إن ليا أعداء وممكن حد يصوره وينزلها في أي حتة وأتشال من الوزارة بسببه. للدرجة دي ما فيش دم؟"
تأففت بانزعاج:
"يوووه، ماتسيبه يادمنهوري يفك عن نفسه شوية، مش كفاية البت دي واللي عملته فيه، هتبقى أنتَ وهي على ابني. أنتَ بس حركة التنقلات بتاعت الوزارة واكلة عقلك اليومين دول، مش عارفة مش معنى المرة دي اللي خايف أوي كده؟ وبعدين مين ده اللي يتجرأ ويتحدى الدمنهوري؟"
تخشى "الدمنهوري" من القادم قائلاً:
"لحد دلوقتي لسه ما فيش، بس أعدائي كتروا."
***
هنا حيث هم على أعتاب المنزل، يطالع "بربروس" "الطبيب" بفرحة ممسكًا بباقة من الورد قائلاً:
"هل هذه الزهور كافية؟ أم كنا أحضرنا شيئًا آخر؟"
ابتسم "أبو المعاطي" بسمة عريضة بلهاء، يغمز له بطرف عينيه قائلاً:
"يابختك ياشيخنا! تفتكر هييجي اليوم اللي ألاقي واحدة تحبني وأحبها وتوريني من الدنيا حلوها؟"
هتف "بربروس" ولم تبتعد عيناه عن باقة الزهور:
"لا بأس يا صديقي، سيأتي أحدهم يومًا ويعترف لك بحبه، وتبدأ أيامك السعيدة أيها الأبله."
جحظت عيناه يقول بفرحة:
"بجد ياشيخنا؟"
قبل أن يقول "بربروس" أي شيء، قاطعه ياسين بجدية:
"أكيد لاء.. بذمتك شوفت قبل كده واحدة اسمها أحدهم عشان تعترف لك بحبها؟"
طالع "أبو المعاطي" ياسين باستغراب من رده، فتحدث "بربروس" بانزعاج:
"دعك منه يا أحمق، فقط انتظر بالخارج، وكما اتفقنا إذا أتى أحدهم."
فأكمل "أبو المعاطي" يغمز له بثقة نابعة من داخله:
"ماتقلقش، هزحلقه، بس ده إن كان فيه عريس من أصله."
فسأل "الطبيب" أبو المعاطي مستفسرًا:
"انت بتشتغل إيه يا أبو المعاطي؟"
تذكر "أبو المعاطي" ما حدث، فضاق صدره:
"النهاردة الصبح سبت الشغل، ما استحملتش اللي المدير قاله."
رد "الطبيب" وقد غلبوه فضوله:
"وقالك إيه؟"
هز "رأسه" بهدوء قائلاً وهو يتركهم:
"انت مطرود."
رحل أبو المعاطي، فحذره "ياسين" من حماسه الكبير هذا:
"بقولك إيه، إحنا هندخل جوه، بلاش تدلق في الكلام عشان ناخدها بأقل سعر ومايطمعوش فينا."
أبدى "بربروس" اعتراضه بضجر:
"ربــــــــــاه، تباً للبشر."
ضغط "ياسين" بإصبعه على جرس الباب بقوة، فأصبح رنين الجرس متواصلًا دون انقطاع. حثه بربروس بقول:
"تريث يا أخي، تريث."
فتح شقيق "مارال" الباب على مصرعيه ليجد العريس ووالدته يجلسون بالردهة المقابلة، وأمامهم أكواب من العصير وقطع الجاتوه. اتسعت عين "بربروس" وقد ظهرت الصدمة على وجهه مما رأى. فمال "ياسين" عليه هامسًا بسخرية:
"كنت جبت جاتوه ياشيخ عجوة."
صاح بربروس بوجه باكي:
"ياوكستــــــــــاه."
***
هناك خسارة صعبة وخسارة مستحيلة، ولكن الأصعب من إحساس الخسارة هو الشعور بضياع الفرص. تقف "مشيرة" أمام "فريد" وسط ملهى ليلي والضوضاء العالية، تقترب من أذنه هاتفة بصوت عالٍ من كثرة الضوضاء حولها:
"شوفت فكرتي نفعت إزاي."
تجرع "فريد" من الكأس الممسك به بكف يده مرة واحدة وهو يقول:
"المصلحة واحدة، لو أنا خدت شمس، أنتِ هترجعي لياسين، يعني ما بتعمليش كده عشان سواد عيوني."
رمقته بشراسة:
"آه صحيح، المصلحة واحدة، بس برضه ما تنكرش إن أنا هبقى السبب في إنها تبقى ملكك."
هتف وهو يستدير لها بنبرة متهكمة:
"ما تفرحيش أوي كده، لما نشوف اللي هيحصل الأول، وبعد كده نبقى نقرر خطتك نجحت ولا لأ."
استكملت حديثها تؤكد على ما قالته:
"هيحصل.. أنتَ بس أول ما تيجي خدها على الأوضة جوه، خلص معاها وهات مناخيرها الأرض، وهي بعد كده هتبقى تحت رجلك."
رمقه مستفسرًا:
"أنتِ متأكدة إن ياسين ما لمسهاش؟"
"زي ما أنا متأكدة إني بكلمك دلوقتي."
تجرع كأسًا آخر يمسح بكف يده على فمه:
"تبقى بتاعتي."
***
ثلاثتهم الآن يجلسون على الأريكة يتوسطهم بربروس. الصمت كان له النصيب الأكبر من جلستهم. فطالع شقيق مارال ساعة يده متأففًا بضيق شديد، محاولًا فتح حديث سائلاً له:
"يا شيخ بربروس، أنا بقالي فترة كده مضايق ومش طايق حد، يبقى كده عندي إيه؟"
رد "ياسين" بدلاً عنه وهو على يقين من إجابته:
"يبقى عندك حق."
ابتلع كمال ريقه يهز رأسه بالموافقة، بعدما ساد الصمت مرة أخرى، فقرر أن يسأله دون تردد:
"في حاجة ياشيخ بربروس، أول مرة تشرفنا."
طالع ثلاثتهم بعضهم البعض، فتوترت الأجواء مما زاد تعقيدها. ذلك العريس الجالس هو ووالدته بالمقابل.
أشار الطبيب بعينيه لـ "بربروس" حتى يبدأ حديثه. حسنًا، نظراتهم لبعضهم البعض أصبحت مخيفة الآن. استغرب "كمال" مما جعله ينطق مرة أخرى:
"لو ما فيهاش إساءة أدب ياشيخ بربروس، ممكن أعرف أنتَ جاي ليه؟ طبعًا زي ما أنتَ شايف الوضع."
رفع "بربروس" حاجبه باستغراب سائلًا:
"وما هو الوضع؟"
ابتلع ريقه يشير على قطع الكعك والعصير بيده، ثم أشار بعينيه على العريس قائلاً:
"يعني جاتوه وعصير وناس قاعدة، هيبقى عندنا إيه؟"
كشـ ـنـ ـحـ ـب "ياسين" حاجبه وهو يقول:
"عيد ميلاد!!"
كان ذلك رد "ياسين" الذي نفاه "كمال":
"لأ عيد ميلاد إيه ده اتفاق جواز، عقبال عندكم."
أشعلت نار الغيرة بقلب "بربروس" الذي لو كان نارًا الآن لألتهم الجميع. شعر به "ياسين" وغيرته، فربت على كتفه بلين بعدما أظهر تعبير الاستغراب الذي صنعه ببراعة على وجهه قائلاً:
"عشان كده إحنا جينا شيخ عجوة.. أقصد شيخ بربروس، لما عرف إن فيه عريس جاي للآنسة مارال، قال والله ما في حد هيكتب كتب الكتاب غيره."
ضغط "ياسين" بكف يده على فخذه ساخرًا، يحاول استفزازه:
"مش كده ياشيخنا؟"
زاد التوتر بجسد "بربروس"، فنطق "كمال" باستغراب:
"كتب كتاب إيه؟ إحنا مسيحيين."
تصنع "ياسين" عدم المعرفة:
"ياراجل صلي على النبي، قول كلام غير ده."
خرج بربروس عن صمته وهو يصيح قائلاً:
"ياحسرتــــــــــاه."
اشتعلت النيران في داخله، ولكنه نجح في إخفائها وهو يقول:
"إذا كان الجالس أمامك هذا العريس، ماذا أكون أنا؟"
مال "ياسين" برأسه على أذنه هامسًا بضحكة مكتومة:
"تبقى طيشه."
خرج "الطبيب" عن صمته قائلاً:
"كفاية بقى ياياسين.. أنا هفهمك يا أستاذ كمال، شيخ بربروس جاي يتقدم لأختك مارال."
لم يستوعب "كمال" مطلب علي، فصحح كلامه له بضحك:
"انتوا أكيد بتهزروا يا جماعة."
طالع وجوههم الثلاثة التي بان عليها الجدية بل الشراسة أيضًا، فأعاد كلماته من جديد:
"انتوا بتتكلموا بجد؟"
فنطق العريس بنبرة نسائية وهو يقف من على مقعده بجسد ملتوي:
"أنتوا.. انتوا بتقولوا إيه يا وحشين؟ انتوا مش شايفني قاعد ولا إيه.. استدار بوجهه بجواره: يلا يا ماما، ما فيش حد هنا محترم وجودي."
تقدم العريس خطوات ناحية الباب، فقالت والدته:
"استنى بس يا كركر."
نظر الثلاثة لبعضهم البعض يقولون بصوت واحد:
"كركر."
وقف ياسين من مقعده يشير بكف يده على الباب قائلاً:
"يلا يا ولية، يلا يا ولية من هنا، روحي شوفي كركر لا يكركر على نفسه وهو ماشي."
رحلت والدة العريس وقد أغلق ياسين الباب خلفها وهو يشير بعينيه على "بربروس" يقول بصراحة مفرطة:
"الراجل ده عايز يتجوز اختك، قولت إيه؟"
***
مرور الوقت سريع.. هاهي تترجل من القطار بعدما نزلت إلى القاهرة. وضعت الهاتف على أذنها بعدما هاتفته قائلة:
"أنا وصلت يافريد، اوعى تكون قربت منهم."
تلقت رده، فأجابته قائلة:
"أنا خلاص هركب تاكسي وجيالك، بس أرجوك."
وقبل أن تكمل حديثها، أغلق الهاتف بوجهها. قبضت عينيها بألم. أشارت لسيارة أجرة تخبره بوجهتها قائلة:
"الهرم يا سطا."
***
يقف الثلاثة الآن على أعتاب الباب بعدما صفع شقيق "مارال" الباب خلفهم بقوة، يصيح من الداخل بقول:
"قال يتجوزها قال، ده على جثتي."
نطق "الطبيب" بانزعاج:
"الراجل ده إزاي يطردنا كده؟ دي مش أخلاق بني آدمين أبدًا."
رفع "ياسين" كتفيه نافيًا:
"ولا حتى بشر."
ابتسم "الطبيب" من رده، فلا يوجد فرق بين البشر والبني آدمين. تخطى "بربروس" الطبيب ليقف أمام "ياسين" سائلًا بنظرات قاتلة:
"ما هي أكثر اللحظات المفضلة لديك في صداقتنا أيها اللعين؟"
فأجاب "ياسين" وهو يخرج هاتفه من جيبه بعدم اهتمام:
"لما كنا صغيرين."
ضربه "بربروس" على كتفه قائلاً بتهكم:
"ولكننا لم نعرف بعضنا عندما كنا صغارًا أيها الأحمق."
أشار "ياسين" برأسه بالإيجاب:
"بالظبط، ابتديت تفهمني."
"ربــــــــــاه، لقد طفح الكيل منك، بل أكثر لحظاتك سعادة هي عند رؤيتي حزينًا، فقد أفسدت الزيجة أيها المفسد! ألم أخبرك بألا تتكلم قبل قدومنا؟"
قابل "ياسين" حديثه بإهمال بعدما كشـ ـنـ ـحـ ـب حاجبه وهو يطالع هاتفه بعدم تصديق. رأى "الطبيب" تقاسيم وجهه بعدما تغيرت للأسوأ قائلاً:
"في إيه ياياسين؟"
رجفة تسري في جسده وشعور بالغثيان يداهمه، صاحبه توتر. فكرر الطبيب سؤاله بحدة هذه المرة من جديد:
"ما تنطق ياياسين، مال وشك اتغير كده ليه؟ فيك إيه؟"
طالعه ياسين بريبة مما يرى:
"الأبلكيشن اللي حطيته في تليفون "شمس"، عرفني إنها هنا في القاهرة ورايحة للهرم."
حاول "بربروس" تهدئته قليلاً:
"هدىء من روعك.. هاتفها أولًا."
حاول ياسين الاتصال بها مرارًا وتكرارًا، لكن دون جدوى. ترك المكان وغادر مسرعًا. صعد بداخل سيارته، ومن شدة قيادته المتهورة يمكنك سماع صوت احتكاك إطارات السيارة على الطريق. لا يعلم كيف، ولكنه شعر بضياعها منه. يقود سيارته عبر الطريق متجهًا إلى "الهرم". محاولات متكررة للاتصال بها، ولكن الإجابة واحدة وهي عدم الرد.
***
ما زالت بالسيارة الأجرة تطالع هاتفها الذي يظهر على شاشته اسم "ياسين" من كثرة اتصاله بها. تنهدت بحزن تطالع الطريق بجوارها عبر نافذة السيارة.
***
انفعل من عدم ردها على الهاتف، وظهر انفعاله في صيحته المنفعلة:
"ما تردي بقى."
ألقى الهاتف بغضب وتابع الطريق بكل سرعته إليها.
***
كانت قد قضت في السيارة أكثر من ساعة للوصول لوجهتها، واقفة بنظراتها الحائرة على أعتاب مقهى ليلي، تطالع ما يحدث بريبة. هاتف "فريد" عبر الهاتف، فأجابته هي عليه:
"أنا واقفة بره."
حثها على الدخول، وقبل أن تجيب، أغلق الهاتف بسرعة. نجح مخططه حتى هذه اللحظة. ابتلعت ريقها بذعر، تخطو خطوة وترجع الأخرى. ظهر اليأس على وجهها. دخلت "شمس" تسأل عنه. هذه الأجواء، الرقص الشرقي والمشروبات مع الموسيقى الصاخبة، كل هذه أشياء ليست مثلها. بحثت عنه وعيناها تدور بالمكان. فرفع ذراعه حتى تراه من بعيد. وجدته يجلس على البار بين شفاه لفافة تبغ. اقتربت منه بأقدام مرتعشة. ابتسم لها بود، ولكن بداخله النوايا الخبيثة. أطفأ لفافة تبغه بالطفاية التي أمامه. فسألته بتردد بأعين دامعة:
"أنا جيت يافريد، وجيالك لوحدي من غير ما أقول لحد، بس سيبهم في حالهم، سارة ويزن مالهمش ذنب."
لم ينظر لها، بل تجاهلها. فاستدار بجسده يشير بأصبعه لها بأن تتبعه. تبعته وهي تسير خلفه ببطء بعدما تملكها الخوف. دخل بطريق طويل ودلف إلى غرفة من الغرف الموجودة بها. وقفت على الباب سائلة:
"احنا هندخل هنا ليه؟"
صاح فريد بنبرة هجومية:
"ادخلي يابنت الـ **"
وقبل أن يكمل سبه، خرجت منها صرخة عالية وهو يجذبها للداخل من خصلاتها. أغلق الباب خلفها يشدد على خصلاتها بقوة، يخرج كلماته من بين أسنانه بغيظ:
"بقى أنا فريد الدمنهوري أخرج من بيتكم قفايا قمر عيش؟ ده أنا مش هسيبك إلا أما أجيب أجلك النهارده."
دفعها وسقطت على الأرضية، ثم تبع ذلك بشق ملابسها العلوية بوحشية وتابع بقوله:
"أنتِ بتاعتي ياشمس، عارفة يعني إيه بتاعتي؟ واللي معرفتش آخده منك في الحلال، سهل أوي آخده منك في الحرام، وأنتِ اللي بدأتي."
حاولت الدفاع وابعاد يده صارخة. لم يكن يسمع صرخاتها، بل لمعت عيناه عند رؤية جسدها.
***
أما عنه، فقد جاء بأقصى سرعته، يقبض على هاتفه بكف يده، ينظر عبر الشاشة فوجد نفسه يقترب من النقطة الحمراء. اجتمعت النساء من حوله في محاولة لإغرائه، ولكنه أبعدهم عنه في الحال. بحث بعينيه، ولكن التقطت أذنه صراخ متواصل بلا انقطاع من "شمس"، جعله يميز صوتها من بين الجميع ومن بين الضوضاء المزعجة. ركل الباب بقوة، فتوقفت هي عن المقاومة عند رؤيته، ناطقة باسمه بشفاه مرتعشة:
"ياسين."
قبض بكف يده على سترته من الخلف بعدما رفعه وألقاه بخارج الغرفة، فارتطم ظهره بالحائط. انتزع "ياسين" سترته السوداء الجلدية من على جسده، يضعها عليها، ممسدًا على خصلاتها بحنان، يمسح دموعها من على وجنتيها. أخذ يطمئنها، باديء الأمر، وبدأ بقول:
"اطمني، أنتِ بخير ياشمس."
حاول إعطائها الأمان والحنان. عيناها تقابل عينيه، وقد غزت حصونها الدموع. نظراتها المستغيثة طالبة نجدتها. ذلك الجدار البشري الذي تختبئ بداخله، وهي واثقة تمامًا بأنه لن يسقط عليها ولن يؤذيها مهما حدث. وجدها تنظر خلفه بخوف. استدار بجسده ليجد "فريد" قد غرز بجسده صاعق كهربائي قوته عالية. الألم يسري بكل أنش بجسده. نظر له "فريد" نظرة متشفية، وقد ظهرت بسمة ساخرة على شفتيه قائلاً:
"كنت فاكرك أقوى من كده."
تمالك "ياسين" نفسه، فقبض بكف يده على عنقه، يرفعه بذراعه، فألقى "فريد" الصاعق من يده رغماً عنه. فنطق "ياسين" من بين أسنانه بغيظ:
"وأنا كنت فاكرك أرجل من كده."
هنا توقفت الثواني عند سماع صرخاتها، فقد احمرت وجنتيه. ثوانٍ ويلفظ أنفاسه الأخيرة، فقد أحكم ياسين قبضته عليه. فاق من فعلته على صرختها:
"بلاش ياياسين، سيبه عشان خاطري، ماتلوثش إيدك بدمه ده، ما يستاهلش."
فاق على صرخاتها بعدما فك قبضته يده من على عنقه. التقط "فريد" أنفاسه بصعوبة، وكأنه غريق يبحث عن الأكسجين. جلس "ياسين" القرفصاء يهتف بنبرة تحذيرية:
"اللي بييجي على المدام يبقى حكم على نفسه بالإعدام يا روح أمك."
رفع إصبعه بوجهه بنبرة تحذيرية:
"شمس.. لاء."
اعتصر كف يدها يجذبها خلفه، يخرجها من ذلك المكان المقزز بنسائه العاهرات. أصبحوا خارج المكان وما زال يجذبها من خلفه بيد، وبكف يدها الأخرى تضم سترته عليها تداري بها جسدها. لم ينطق سوى بكلمة واحدة حين فتح باب سيارته لها:
"اركبي."
هزت رأسها بالإيجاب وصعدت بالسيارة على الفور. تراه وقد بدأت بوادر نوبة تظهر عليه من جديد. أغلق باب السيارة وعيناها تتابعه، يجلس على مقعده أمام عجلة القيادة. احتكت إطارات السيارة بالأرضية تصدر صوتًا مرتفعًا. كان يقود السيارة بسرعة جنونية، سرعة يبث بها غضـ ـبه المتراكم، وكأنه يلتهم الطريق. كانت تراقب الطريق بعينيها وهو يلتهمه من سرعته المهولة. حاولت التقاط أنفاسها دون أن تصدر صوتًا، فكلماتها الآن لن تزيد شيئًا سوى زيادة غضـ ـبه. ظهر من العدم نهاية الطريق وقد كان هناك سد منيع. طالعته بخوف شديد، وقبل أن يصطدم به على بعد سنتيمترات فقط، ضغط على المكابح بكل قوته، فأصدرت السيارة صوت فرملة مرتفع. وضعت يدها على فؤادها تحاول التقاط أنفاسها. مال على عجلة القيادة يسند رأسه عليها. ابتلعت ريقها ببطء وهي ترفع كف يدها تمسح على خصلاته، لعلها تقوم بتهدئته. حالته الأكثر عدوانية الآن، لذا أزال يدها بعنف مبالغ فيه، واخترقت أذنيها نبرته الشرسة، يضرب على مقود السيارة وهو يقول صارخًا:
"ما قولتيش ليه؟"
انتفضت من مكانها تطالعه بخوف شديد، تخرج الكلمات من بين شفتيها بصعوبة:
"أصل.. أصل."
بتر حديثها صارخًا بوجهها بقول:
"أصل إيه؟ لأمتى هتفضلي تخبي عني؟ هو بيهددك بإيه؟ لأمتى هتفضلي تتصرفي لوحدك؟"
نطقت بقهر صارخة:
"ماتزعقليش، ماتصرخش فيا، حرام عليك، كفاية اللي فيا."
وبدأت تسرد له مخاوفها:
"أنا خايفة عليكم، مش عايزة حد يتأذى بسببي."
استدار يمسح على وجهه، يطالعها بشر:
"من إيه خايفة علينا؟ من إيه ومن مين؟ من عيل زي ده."
كانت شبه منتهية، تفعل كل شيء بارتعاد ودموع تنهمر على وجنتيها:
"أنتَ مش قادر تفهم، العيل ده يقدر يعمل إيه، وممكن يأذيك ويأذي سارة ويزن ويؤذيكم كلكم، وده اللي ما أقدرش اسمح بيه أبدًا، حتى لو في أذيتي."
ضرب بيده على المقود بغضب عارم، صارخًا بما جعلها تنتفض من مكانها:
"أنتِ مجنونة؟ أنا لو مكنتش لحقتك النهارده، أنتِ فاهمة، كان هيعمل فيكي إيه؟"
لطمت بقهر متابعة سرد مخاوفها:
"عارفة.. عارفة، وده اللي كان مخوفني، بس بالرغم من كده روحت، روحت عشان سارة ويزن ما يتأذوش."
"ما يتأذوش؟ ولا أنتِ اللي عايزة كده؟ حابة إنك تعيشي دور الضحية؟"
بعض الكلمات مميتة، قادرة على تمزيق أرواحنا. فقد أفقدتها كلماته النطق. أحقًا اعتقد ولو للحظات أنها تريد ذلك؟ فأكمل هو يتابع بقوله:
"أقدر أفهم؟ ما قولتيش ليه؟ اتصلت بيك ألف مرة، ما رفعتيش سماعة التليفون، وقولتيلي ليه؟ عرفيني، أنا هتجنن."
قنبلة موقوتة وقد أوشكت على الانفجار. وظهر هذا جليًا في نبرتها:
"عشان مش هتفهم.. مش هتفهم ياياسين، عمرك ما هتفهم."
جذبت انتباهه أكثر بكلماتها. طالعها باستغراب وبدأ بقول:
"ليه مش هفهم؟ ليه؟ قولي لي."
فهدأت من نبرتها قليلاً وسردت ما بداخلها:
"عشان بتخاف عليا، وما بتخافش على نفسك. هتمنعني إني أشاركك، هتبعدني وتحطني في أوضة وتقفل عليا."
مسحت بيدها عينيها المليئة بالدموع.
"لو كنت قولتك النهارده إنه كان ممكن يحط لسارة حقنة مسممة في علاجها، تقدر تقولي كنت هتعمل إيه؟ كنت هاتروح وهو كان هيعرف وهيحط لها الحقنة قبل ما انت توصل، كانت زمانها ماتت. وكنت هتمنعني إني أروح له عشان مش هتكون شايف غير إني أكون كويسة وبس، ومش مهم الباقي. زي بالظبط لما هددني بالفيديو اللي صورهولك وأنت بتحميني من مايه النار، صور سرعتك، وكان ممكن ينزلها في كل حتة على السوشيال ميديا وتتعرف. وطبعًا مش لوحدك، وعلي وبربروس والخالة، وكلكم ياياسين، كلكم. أنا بحاول أحميكم، بس أنتَ مش فاهم، عشان كده قولتك مش هتفهم ولا عمرك هتفهم."
تسارع عنيف بدقات قلبه الآن، ما بين حزنه منها وفعلتها التي لا تغتفر. فاستدار يطالعها بنظرات نارية، وكأن ما سردته له حديث غير مقنع. هزت رأسها بيأس من بين دموعها، تفتح الباب بجوارها، تطالعه بنظرة منكسرة:
"مش قولتلك مش هتفهم ياياسين."
استدارت بجسدها تستعد للنزول، فجذبها بيده يضمها إلى أحضانه. قاومته بقول:
"سيبني ياياسين، سيبني عشان خاطر ربنا، سيبني."
"رايحة فين؟"
استطاع بصعوبة وضع انزعاجه جانبًا والابتسام وهو ينظر لها، وبدأ في المسح على رأسها، سألها بنبرة هادئة. فأخرجت كلماتها من بين دموعها
رواية الهجينة الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم ماهي احمد
فلتتذكري يا ذات العيون الأَسره، أنتِ من وافقتِ على أسري لكِ بكامل إرادتكِ، وأنتِ من وافقتِ أن تتراقصي على ألحان حبي. ليس هناك من أرغمكِ، فقد أتيتِ برغبتكِ.
ما يحدث هنا من توتر الأجواء ليس كأي توتر، بل اشتعال. اشتعال النيران بكل مكان. الكل يهرول ناحية الطريق الذي يبعث منه النيران. أتت امرأة من أهل القرية تسأل أحد الرجال:
_ في أيه يابني؟
أخبرها مسرعاً كي يكمل طريقه:
_ بيقولوا إن فريد اللي كان هيتجوز شمس بنت عيلة الصاوي حرق بيت عيلة مامتها القديم، وكل عيلة الصاوي هناك دلوقتي.
شعرت المرأة بالشفقة حقاً، تتبعت أثر الرجل بعينيها:
_ استر يارب. أنا برضوا قولت الحكاية دي مش هتعدي على خير أبداً.
هرولت "زهره" إلى منزلها القديم تطالعه والحريق يأكل جدرانه. يتحول الزرع الأخضر أمام منزلها إلى رماد. لم تقدر قدماها على تحملها. الكل يساعد في إطفاء الحريق. تناول غدير دلو الماء إلى بدر وحسان لإخماده. أتى "الطبيب" يهرول من خلفها قائلاً والدهشة تملأ عينيه:
_ الحريق ده حصل إزاي؟
طالعته والدموع تقبع بعينيها:
_ معرفش ياعلي، معرفش. البيت اتحرق والزرع اتاكل والحريق مابيطفيش. كل أهل القرية بيقولوا إن فريد حرق لنا البيت عشان ينتقم من اللي عملته فيه بنت المهدي.
قالت جملتها تطالع تلك الواقفة مقابلها بعتاب. تقدمت "شمس" ناحيتها خطوة وأثنت ركبتيها تطلب منها برجاء نابع من عينيها قبل لسانها:
_ قومي ياماما، ماتقعديش كده في الشارع.
لم تستجب لها. ثم سمعت صوت يأتي من خلفها، صوت عالٍ نسبياً حتى يصل لها:
_ قومي من مكانك يازهره، ماتفرجيش أهل القرية علينا.
استدارت تطالعه لتجده "ياسين" يسند بظهره على موتوره الخاص بهِ، يأمرها بالوقوف. فألقت بنظراتها الملامة عليه:
_ مش كفاية أنتَ السبب في اللي إحنا فيه، كمان الشماتة باينة في عينك.
مسح على عنقه بتعب، يقترب منها وظلت هي ثابتة لم تتحرك، وكأنها ترسل لهُ بأنها ليست خائفة. استرسل حديثه ساخراً:
_ أخص عليكِ يا "زهورتي"، أنا برضوا أشمت في حماتي؟ مكانش العشم إنك تقوليلي كده. شيفاني قليل الأصل ولا ناقص رباية؟
هربت بعيونها تنفي ما قاله:
_ أنا ماقولتش إنك ناقص رباية.
برزت ابتسامة جانبية على وجهُ قبل أن يقول:
_ بس ماقولتيش إني مش قليل الأصل.
زاد اقترابه منها، يجلس القرفصاء يهمس بأذنها بشيء جعل الدماء تغلي بعروقها. تابع بعد أن ابتعد، يصعد إلى موتوره ويرتدي خوذته السوداء ساخراً:
_ وعشان أبقى صادق معاكي يازهره...
غمز لها بطرف عينيه، يضغط على دواسة موتوره:
_ أنا فعلاً ناقص رباية.
ثارت ثورتها أمام أقواله التي همس بها بأذنها، وبان هذا في صرختها باسمه. تتتبع أثره بعينيها وهو يبتعد عنها:
_ يــــــاسين.
***
منذُ أسبوع مضى...
يقف كل منهما الأن على أعتاب منزل "مشيرة" بالقاهرة. كانوا بأنتظارها لفتح الباب. أما عنها، تقف خلفه شارده بما حذرها منذ قليل:
_ أوعي تحبيني ياشمس. اليوم اللي هتحبيني فيه، هختفي من حياتك فيه ومش هتشوفيني تاني.
فاقت على صوت "مشيرة" المنبه:
_ ادخلي ياشمس، واقفه عندك ليه؟
قالتها بود مزيف، تبرر تأخيرها:
_ اسفه إني اتأخرت عليكم في فتح الباب، أصل كنت نايمة.
قالت كلماتها مما جعل "شمس" تتجمد مكانها بسبب ما وقعت عليهِ عيناها، ترى "مشيرة" تقوم بتقبيله أمامها من على وجنتيه بترحيب، تضمه إليها بحب وهي تقول:
_ أحسن حاجة عملتها إنك اتصلت بيا وقولتلي إنك هتبات عندي. بس مكنتش أعرف إن شمس جايه معاك.
عادت تنظر إلى "شمس"، وأمام نظراتها الرافضة لكل ما يحدث، وجدت نفسها تقول:
_ أنا تعبانه وعايزة أنام.
تحركت "مشيرة" خطوتين ناحيتها، تطالعها بنظرات متحدية:
_ إيه ده كده على طول!! مش لما تشربي حاجة الأول؟ ولا أنتِ زعلتي ياشمس إني ببوس ياسين قدامك؟
كانت تطالع "مشيرة" بأنزعاج شديد. شعرت "شمس" بالارتباك، ارتجف جسدها دون أن تشعر. فلاحظ "ياسين" ارتجافها، حاوط كف يدها بعدما لاحظ ازعاج "مشيرة" لها، فقال ما يثير استفزازها:
_ مش عايزك تبقي قلقانة. شمس عارفة كويس أوي إنك زيك زي بربروس وعلي بالظبط بالنسبالي.
نزلت "مشيرة" بعينيها إلى كف يدهُ المتشبث بكفها، تطالعه بانزعاج قائلة تصطنع الابتسامة:
_ طب كويس إنك عرفتها كل حاجة، لا عروستنا تغير ولا حاجة.
جاوبتها "شمس" بتحدي بعينيها:
_ هو ينفع برضو أغير من بربروس أو دكتور علي، وانتِ بالنسباله زيهم بالظبط؟
سحبت "شمس" كف يدها من يده بأنزعاج، طالبة منه الانصراف. برزت على شفتيه ابتسامة جانبية من رد فعلها. ابتلعت "مشيرة" ريقها بصعوبة، ثم تحدثت بأصرار:
_ لا والله مش هينفع تطلعي إلا لما تشربي حاجة. انتِ عايزة تقولي عليا بخيلة ولا إيه؟
أشارت بعينيها سائلة:
_ تحبي تشربي بيبسي ولا شيري كولا؟
عقد "ياسين" من بين حاجبيه بقرف:
_ بلاش البيبسي.
سألته "مشيرة" مستفسرة:
_ ليه؟
_ أصلها بتفكرني بزهره.
استغربت "شمس" من حديثه، حثها فضولها للسؤال:
_ وإيه علاقة أمي بالبيبسي؟
جاوبها بدون تردد:
_ الاتنين نيتهم صودا.
بضيق من حديثه على والدتها، جذبها من يدها برفق يتوجه بها إلى غرفة النوم. استدارت تصعد معه الدرج بنار دفينة تحرق بها. وقبل دخوله، أغلقت الباب صافعة إياه بوجهه. قبض عينيه بتأفف قائلاً:
_ افتحي ياشمس.
خرج صوتها من الداخل وهي تقول:
_ أنا تعبانه وعايزة أنام.
هز رأسه موافقاً وهو يقول:
_ طيب، مش عايزة حاجة قبل ما تنامي؟
أخبرته دون تردد:
_ عايزة إنك تسيبني أنام وماتخبطش عليا تاني. وبكده مش هعوز حاجة.
صمت لثواني، ثم نطق أخيراً وهو يمسح على عنقه بتعب:
_ بس أنا عايز...
حثها فضولها، ثم اقتربت من الباب ودون أن تنطق، استرسل هو حديثه:
_ عايزك ماتناميش زعلانه. واعرفي إن ابن الصاوي مابيحبش يشوفك زعلانه ياشمس.
ابتسمت ابتسامة حانية، وتركها هو وعاد إلى تلك المنتظرة تخبره بود:
_ أنا عملتلك مشكلة معاها ولا إيه ياياسين؟
فأخبرها وهو يجلس على الأريكة بتعب:
_ خفي شوية على شمس يامشيرة.
اقتربت منه تجلس بجواره:
_ وأنا عملتلها إيه؟ هي اللي تقمصت وطلعت على فوق على طول.
ربتت على ذراعه بحب:
_ ياسين، أنا حاسة إنك ضعيف بيها. ماتخليهاش تحسسك بأن مافيش زيها وأنها مالهاش بديل.
_ ماتحسسنيش أنتِ مالك!!
كلماته موحية تضربها في مقتل. تسارعت أنفاسها من فرط الارتباك، فأخبرته بتهكم:
_ ليه؟ وأنا عملت إيه لكل ده؟ كل ده عشان رحبت بيك وبوستك قدامها؟ الهانم زعلت.
ابتعد عنها، وأمام سؤالها، ذكرها هو بحدث مر:
_ اسمعي يامشيرة، حركاتك دي لما كنتي بتعمليها مع أي بنت بتحاول تقرب مني واحنا في ألمانيا، أنا كنت راضي عشان هما مايهمنيش. بس دي لأ.. دي شمس.
نطق آخر أربع كلمات ببطء شديد، محذراً إياها. استفسرت بعينيها، فنطق:
_ أنتِ عارفة أنتِ بالنسبالي إيه؟ أنتِ غالية أوي عندي، وماحبش إن غلاوتك تروح من قلبي.
قطبت حاجبيها وتفننت ببراعة لإبراز الدموع في عينيها:
_ أفهم من كلامك ده إن عشرة عشر سنين ممكن تروح في أي وقت عشان شمس؟ ممكن ما تبقاش راضية عني؟
استدارت تقص عليه بعتاب:
_ نسيت، نسيت أنا عملت إيه عشانك واحنا في ألمانيا. نسيت مين رجعلك عمار. نسيت عشنا إزاي هناك سوا، إحنا كنا هناك إيد واحدة. نسيت كمان الود اللي بينا. إيه اللي جرالك ياياسين؟
زاد نحيبها علّ تثير شفقته عليها وتكسب نقطة لصالحها بداخله. مسح على وجهُ بتعب، فكل كلمة قالتها لها الحق بها، فهي كانت السند لأيامه العجاف. فنطق بما يطيب خاطرها:
_ أنا مش ناسي وعمري ما هنسى وقفتك معايا ولا الود اللي ما بينا في يوم. بس اختلافك معايا في معزتي لشمس يفسد الود كله. يفسد الود ويفسد العشرة ويفسد المعرفة، ويكشف إنكِ عمرك ما كنتي في يوم السند، ويكشف كمان إنكِ عدو ليا جديد كان مختفي بضمير مستتر. عشان كده بنبهك، وما بحبش أنبه تاني. مش عايز أخسرك يامشيرة. أنتِ الوحيدة من بعد أهلي اللي لو خسرتها هزعل عشانها، عشان أنتِ غالية عندي.
مسح دموعها من على وجنتيها بلين:
_ وبطلي عياط. أنا مابحبش أشوف دموعك دي، وبالذات لو أنا السبب فيها.
لانت تقاسيمها بعض الشىء، تستطيع دائماً اكتساب نقطة لصالحها. فما فعلته طوال السنين العشر يشفع لها كل شىء. ومع ذلك، قام بتحذيرها للمرة الأخيرة وهو يقول:
_ شمس لأ.
ابتسمت تضربه على كتفه بلين:
_ خلاص فهمت.
استدارت تتحرك ناحية المطبخ، وقد استعاد وجهها ملامحه المتهكمة، تخبره بنبرة عالية عل صوتها يصل إليهِ:
_ تحب تشرب حاجة قبل ما تنام؟
أشار برأسه بالموافقة وهو يقول:
_ لو عندك.
فبترت حديثه قبل أن يكمل:
_ أكيد عندي. شيري كولا طبعاً.
جلس هو على الأريكة، بينما هي تصب محتويات الزجاجة بالكوب، ولم يتخل وجهها عن التعبير القاسي بعدما أخرجت حبيبات الدواء التي تضاعف عنده حالات الهيستيريا وتجعله فاقداً للشعور بنفسه. ولكن هذه المرة ضاعفت حباتها، فأكملت بتركيز حديثها الذي لم تسمعه إلا هي:
_ أنتَ عندك حق. أنا بعد كده مش هقربلها، بس هخللي عمار هو اللي يقربلها. موتك على إيده ياشمس.
***
بينما الجميع نيام، تبذل "غدير" مجهوداً ذهنياً وهي تتقلب على فراشها حتى تأخذ حقها من النوم. وما أن غفت حتى أفاقها صوت اتصال هاتفي حرمها من الساعات المتبقية للصباح. ابتسمت ابتسامة حانية عند رؤيتها لأسم المتصل، وقامت بالرد، تسمع صوت شقيقها "رعد" يسألها عن حالها وعن حال البقية. كادت أن ترد، ولكنها تذكرت تحذير ياسين لها بعدم البوح بأي شىء لكي يعيشوا بسلام. ابتسمت ابتسامة حانية بقول:
_ إحنا الحمد لله كلنا كويسين. إنتوا هترجعوا أمتى؟
تناولت "ميرا" الهاتف من كف رعد:
_ لسه شوية ياغدير، مخلصناش كل اللي إحنا جايين عشانه. المهم، خللي بالك من نفسك. داغر وهدير معانا وعايزين يطمنوا عليكي.
أنهت الاتصال بعد محادثة طويلة بينها وبينهم، يطمئنون فيها عن حالها، بعدما حادثت "عمار" ابنهما الصغير. توجهت ناحية الشرفة عند سماع صوت دراجة تمر أسفل المنزل في هذا التوقيت. وقعت عينيها على بدر، "بدر" وهو يضع المسامير أمام منزلهم. تأففت بضيق، ثم هرولت لكي تلحق بهِ لكي تنهيه عما يفعله:
_ أنتَ بتعمل إيه؟ أنتَ اتجننت؟
هز رأسه بالإيجاب ناطقاً:
_ آه اتجننت.
كررت سؤالها مرة أخرى:
_ بدر، بجد بتعمل إيه؟
برر "بدر" فعله قائلاً بسخرية:
_ مسامير في إيدي ووش الفجر، هكون بعمل إيه؟ ما أنا قولتلك قبل كده.
علمت "غدير" بأن الجدال سيزيد التعقيد. نظرت حولها تطالع الجوار بحذر حتى لا يراه أحد ويكشف فعلته. جذبته من يده مبررة:
_ تعالى، تعالى نمشي من هنا قبل ما حد يشوفك وتتعلق.
***
في نفس التوقيت، يقف "ياسين" على عتبة باب غرفتها من جديد، بعدما رفضت دخوله. داهمه دوار لا يوصف عند تجرعه لمشروبه المفضل "الشيري كولا" دون علمه بما بداخله. فحاوط جبهته بكفه بألم، توقف لثواني يحاول استعادة اتزانه. وما شعر بأنه أصبح بخير، حتى هتف باسمها، فلم تجب. فتح الباب ثم دلف بحذر ليجدها غافية على الأريكة، متدثرة جيداً بسبب برودة الأجواء. حيث تسند برأسها على كتفها. ثنى ركبتيه يجلس مقابلها دون إصدار صوت. يتأمل ملامحها لثوانٍ، برزت ابتسامة بجانب شفاه رغماً عنه وهو يتأملها عن قرب. كم هي جميلة عند سكونها هكذا. سكونها هذا جعله يعود بذاكرته عشر أعوام. فكرهُ بحدث مر بألمانيا بمزرعة المرأة العجوز وهو يتأمل ملامحها كذلك أثناء نومها. وحين أفاقت تسأله عن سبب قربه، رد وهو يقول بتلعثم:
_ مش عارف أنام من شخيرك ياشمس. بتشخري طول الليل.
ابتسم ابتسامة حانية، ثم عاد إلى واقعه، يخرج هاتفه من جيب بنطاله، يلتقط لها صورة وهي غافية كالملاك الصغير، وكأن ملامحها البريئة تحثه على حفظها. نهض بهدوء يحملها، واستندت هي برأسها على صدره. تحرك بخطوات بطيئة إلى الفراش، يخشى أن يصل إليهِ ويضطر إلى إبعادها عن أحضانه، يضطر لفقدان ذلك الدفء الذي يحيط قلبه. وضعها على الفراش، يعدل من نومتها. قرب كفه، يعدل من خصلات شعرها المتروكة على وجهها، ثم مسح بكفه على شعرها بحنان. لمسات حانية بأمان أعادت لمحات من شريط حياته سريعاً أمامه. والمشهد الوحيد الذي أوقف اللحظة عنده كان وجهها. تركها وغادر إلى الشرفة، يخرج لفافة تبغ، ينعش الهواء البارد. ملامح وجهه اشتد الدوار عليه مرة أخرى، ولكن هذه المرة وجد عمار بجواره يسند بمرفقيه على سور الشرفة، يخبره بسخرية:
_ طلعت أناني أوي ياياسين.
أخبره وهو يسحب الهواء من لفافة تبغه:
_ أنا عمري ما كنت أناني. أنتَ اللي من أول ما بقينا سوا، وأنتَ دايماً اللي بتتحكم. أنتَ الأمر الناهي. أنتَ تؤمر وأنا أنفذ، أنتَ تهدد وأنا أركع، أنتَ تقول وأنا أسكت. عشر سنين وأنا خاضع، ما سألتش حتى ليه. بس لما جينا هنا...
ارتسمت على وجه "عمار" بسمة ساخرة، وأكمل حديثه:
_ لما جينا هنا، وقعت زي الجردل، وكأن العشر سنين اللي بعدتهم عنها كانوا عشر دقايق.
نطق نافياً لكلامه:
_ محصلش.
سبه "عمار" من بين شفتيه، فشعر "ياسين" بالإهانة، مردداً كلماته بصراخ حتى شق صراخه أذن تلك النائمة، لتجده يقول:
_ كفاية بقى، كفايــــــه، كفايــــــه ياعمار. شتيمة، كفاية إهانة، كفاية تحكمات لحد كده.
سألته بخوف ليس منه بل عليه:
_ بتكلم مين ياياسين؟
اقتربت منه تجده ينظر للفراغ أمامه، تطالعه بنظرات حادة. لاحظت "شمس" تلك الرعشة في يده، فعلمت أنها الكارثة. حاولت التقرب منه في محاولة بائسة منها لجعله يلتزم الهدوء، قائلة:
_ ياسين، فوء. أنتَ بتكلم مين؟ مافيش حد هنا.
لم يكن يراها أمامه، فقد كان شبه مغيب. جرعة الدواء كانت مضاعفة، زادت من نوبته، مما جعل "عمار" يسيطر على عقله بالكامل، قائلاً بتهكم:
_ لأ، مش كفاية. وهقت ـلها عشان ترجعلي، وهترجع تسمع كلامي من جديد. هنمشي من هنا وهنعيش بعيد ياياسين، أنتَ فاهم؟
أصبح الأن مغيباً. وصلت حالته للذروة، فقد سيطرت عليه الشخصية الوهمية التي نسجها من وحي خياله على عقله بالكامل. احتدت نظراته لها وهو يؤمره:
_ اقت ـلها عشان نرجع سوا. اقـ ـتلها وأنا هسامحك وهفضل معاك وارجع معاك زي الأول. وخليك عارف إن اللي قدامك دي هي السبب الوحيد اللي هيبعدنا عن بعض، وأنا عارف إنك مش عايزني أبعد ياياسين.
أصدر أمره، وما عليهِ سوا الإيجاب. اقترب منها ببطء، فعادت خطوات للخلف. كانت ترتعد داخلياً من نظراته. حل الذهول عليها، لأول مرة ترى الشر في عينيه لهذه الدرجة منذ فتره، منذ خروجها من ذلك القبو. حاولت تهدئته بقول:
_ ياسين، أهدى. ماتخليش حاجة تأثر عليك. ياسين، أنت بتبصلي كده ليه؟
طالت يدها الكوب الزجاجي الموضوع على الطاولة، فقذفته على رأسه، نزف جبينه مما زاد غضبه أكثر مع حاله اضطرابه التي مازالت متمكنة منه. وضع كفه على جبينه، يفرك د مـائه بيده، يخبرها باستفزاز:
_ حلوة. بصي أنا بقى الحركة دي.
قبض بكف يده على عنقها. أصبح كل أنش بجسدها يرتعد. حاولت التملص منه ولكن دون جدوى. وضعت يديها الاثنتين على كف يده في محاولة بائسة لعلها تستطيع الهرب، ولكن كفه كالأفعى التي تحاوط عنقها. أصبح وجهها كالدماء، حاوطته بنظرات عينيها، عينيها التي لطالما أحبها. سمع صوت داخلياً ينبههُ لما يحدث، فقد قاربت روحها على فراق جسدها. ملامحها البريئة التي اقرب اليه من الوتين للقلب، نظرات عيونها التي لطالما أحبها، جعلته يستفيق لما يحدث. فك قبضه يده من على عنقها ببطء، فشـهقت شهقة وكأنها حرمت من الأكسجين لعام كامل. وضع يده على جبينه وكأنه بصراع مستمر مع داخله. أما هي، وجدت أحداً ما يفتح باب الغرفة ببطء. هرولت ناحيته كغريق لمح طوق نجاة بعد يأسه من نجاته، لتجد "مشيرة" أمامها. جذبت حقيبتها وهرولت للأسفل، هرولت وكأنها تهرب من وحش توعد بألتهامها. نعم، أنه وحش عند تحوله يسمى بـ"ياسين".
***
أتى الشروق وانتشر ذلك الضوء الذي يبعث الراحة في النفوس. يجلسان في منتصف الزرع والخضرة. تلفح النسمات الباردة وجهها. قطف "بدر" واحدة من ثمار التفاح الموجودة على الشجر، يعطيها لها. ابتسمت تمد كف يدها وهي تقول:
_ أنا برضو مستغربة، أنتَ مابتخافش حد يشوفك بجد.
أهمل سؤالها بقوله:
_ وأنتِ مابتخافيش تنزلي وش الفجر؟
سردت له ما تريد بصوت منخفض:
_ أنتَ أصلك غلبان. أنا ما بخافش. لو تعرف أنا اتربيت إزاي، ماكنتش هتفكر تسأل سؤال زي ده.
سألها وقد جسد الاهتمام ببراعة:
_ واتربيتي إزاي؟ واحدة زيك من عيلة الصاوي متربية في بيت كبير مع عيلة بتحبها.
ابتسمت وقد علت صوت ابتسامتها بسخرية:
_ أصلاً عيلة الصاوي مش عيلتي الحقيقية. أنا آه منهم، بس مش هما أهلي الحقيقيين. بس في نفس الوقت، تقدر تقول أكتر من أهلي.
لم يقتنع بما تقول، فحثها للتوضيح:
_ مش فاهم، فهميني أكتر.
تطلعت حولها ثم أجابته:
_ حكاية طويلة، هبقى أحكيهالك بعدين.
فنطق هو بلهفة:
_ وليه مش دلوقتي؟
استفسرت بعينيها، فتابع بارتباك:
_ أقصد يعني، وراكِ إيه دلوقتي؟ ادينا قاعدين بنتسلى. بس لو مش حابة تحكي خلاص، بس ماتسبنيش. خليني أفضل أبص لملامحك الجميلة وأشبع منهم.
ابتسمت بخجل، تضع عيونها بالأرضية:
_ أهي حتى ملامحي دي، لو كنت شوفتني من كام سنة، كنت هقرف أبص في وشي.
قطب حاجبيه باستفسار، فبدأت بقص ما يخصها:
_ أنا اتولدت في بيت مرعب بوش محروق. أي حد يشوفني كان يترعب مني. اتولدت واللي رباني كان مايعرفش للرحمة طريق. هو كان قاسي على نفسه، فمن الطبيعي يقسى عليا. عشت كل طفولتي بفضل الصمت عن الكلام من اللي كنت بشوفه من قطع الرقاب اللي بتدخل بيتنا.
لمعت عيناها وهي تتذكر حدث مر:
_ كنت بشوف داغر أخويا بيفصل رقبة أي حد يدخل البيت قدامي، قدام طفلة عندها أربع سنين. طفلة أي حد يشوفها يترعب من ملامحها البشعة. لحد ما دخلت علينا هدير وكأنها الضوء اللي جه يبدد العتمة.
هز "بدر" رأسه بتأثر:
_ عيشتي حياة صعبة.
فنطقت دون تردد:
_ جداً. بس دايماً بيبقى آخر الضلمة نور. والنور ده كان ياسين والخالة. وأصبح لينا عيلة. وبعد ما كانش لينا أهل، بقوا هما أهلنا.
جاءت تسرد له ما يريد، فحاول عدم الاهتمام بقول:
_ إزاي؟ مش فاهم.
أصل... وقبل أن تنطق، سمعت صوت يناديها من بعيد. طالعت الصوت خلفها لتجده حسان. قامت تهرول قائلة:
_ معلش، أنا لازم أمشي دلوقتي. حسان بينادي عليا.
ابتسم ابتسامة حانية لها، يتتبع أثرها بعينيه، وارتفع صوته قائلاً:
_ هشوفك تاني أكيد.
***
دقات الباب المتتالية بعنف جعلت "يزن" يهرول ناحية الباب. ينظر لساعته يجدها السابعة صباحاً. يتساءل من الطارق بمثل هذا التوقيت، فأتاه الرد من الخارج:
_ افتح يايزن، أنا شمس.
فتح الباب وتراجع ليعطيها فرصة للدخول. ولم تنتظر، دخلت بالفعل. وقبل أن تتفوه بأي شىء، سأل:
_ شمس، حصلك حاجة؟ إيه اللي جايبك في وقت زي ده؟ الخالة بخير؟ طب أنتِ بخير؟
أسئلة، أسئلة عديدة منه، ولم تسمح حالتها بالإجابة. أتت "سارة" من الداخل مسرعة لتسمعها وهي تقول:
_ أنا بخير، بس...
تلعثمت بالإجابة، فنطقت "سارة" بود:
_ واقفه كده ليه ياشمس؟ تعالي، تعالي ندخل جوه.
استجابت لها، تحركت تحت نظرات "يزن" المستفسرة عن وجودها بالقاهرة بحالتها المبعثرة هذه. فهدأت "سارة" من روعه:
_ مافيش حاجة يايزن، اهدى. أنا دخلتها الأوضة، سيبها ترتاح دلوقتي وهتحكيلنا كل حاجة بعدين.
***
أما عنه، فقد انتهت نوبة اضطرابه. تنفس بعمق وجلس على الأريكة بتعب، يحاول الاسترخاء قليلاً. تقدمت "مشيرة" باتجاهه بعدما تأكدت من رجوعه لحالته الطبيعية. سألته بخبث:
_ حصل إيه ياياسين وشمس سابتك ومشيت ليه؟ وإزاي تسيبك تمشي وأنتَ تعبان بالشكل ده؟
تجاهلها ورحل، يهرول على الدرج حتى لا يسرد لها ما حدث، ساحباً مفاتيحه من على الطاولة. وما أن خرج من المبنى السكني، ركل بقدمه إطارات سيارته وكأنه يفرغ بها كامل غـ ـضبه. نظر لانعكاس صورته بزجاج السيارة، يطالع انعكاسه وقد سأم من كل شىء. أغمض عينيه بقوة، فلم يظهر في عقله سوى نظراتها المستغيثة، نظرات الخوف منه. عادت إليها من جديد. عاد إلى واقعه، يقبض بكف يده على زجاجة مياه قد أتى بها من داخل السيارة. فتح الزجاجة بأنفعال وأخذ يدفع المياه على وجهُ وسكب محتوياتها كلها على رأسه. ظل يسكب المزيد، وكأن هذه المياه ستزيل من على عاتقه ما حدث منذ قليل. ألقى بالزجاجة بقوة بعدما أصبحت فارغة، وجلس على مقعده أمام عجلة القيادة، ثم تبع ذلك بصفع الباب. لم يقم بالقيادة، بل ضرب بقبضتيه عجلة القيادة بشدة صارخاً. وهنا فرت دموع قليلة هاربة من داخله، دموع لم يكن يعرف لها معنى. أخذ يسأل نفسه، هل أصبحت دموعه قريبة إلى هذا الحد؟ وكأن القلب يعرف مالكه أكثر من نفسه.
***
العديد والعديد من الاتصالات التي قام بها "الطبيب" لـ "ياسين"، وأتى مقابل اتصالاته عدم الرد. حاول "بربروس" أن يبث بقلبه بعض الطمأنينة قائلاً:
_ لا تقلق عليها أيها الطبيب، فهي برفقته.
رد عليه ساخراً من حديثه:
_ ما المشكلة إنها برفقته؟ طب على الأقل يفهمني، يعرفني هما فين. زهره هتتجن دي معاه من امبارح.
جلس بارتياح على الأريكة، يضع طاولة الإفطار قائلاً:
_ ألم تخبرني بأنها أصبحت زوجته؟ إذاً، فما المانع أن تبيت معه هذه الليلة.
حرك مؤخرة رأسه يجيب ساخراً:
_ هو مافيش مانع، بس زهره عندها كل الموانع. سيبك من ياسين دلوقتي وقولي، هتعمل إيه مع مارال؟
أجابه بلا تردد:
_ سأتزوجها الليلة.
ترك "الطبيب" مقعده واستقام واقفاً، ثم قال بعدم فهم للجالس أمامه:
_ إزاي؟ هو أخوها وافق؟
أشار برأسه نافياً:
_ لا، بل والدتها باركت هذه الزيجة، وهي ليست بقاصر. اتفقنا أنا وهي عبر الهاتف على الزواج الليلة، عند مغادرة شقيقها إلى عمله. وأريدك أن تشهد على زواجنا.
ضحك "الطبيب" بلا تصديق ورد عليه بسخرية:
_ والله أنتَ دماغ.
هز رأسه مبتسماً يؤكد على كلامه:
_ أعلم ذلك. وهيا، هاتف ذلك الملعون للمرة المليون حتى يستعد للحضور.
***
الكثير مر من الأحداث خلال فترة النهار، أوصلتهم إلى هذه النقطة، ولكن الحدث الأهم هو اتصال "يزن" بهِ يخبرهُ بمكانها. حاول التحدث معها، ولكنها أبت محادثته. يجلس الجميع بمنزل "يزن". تقف "مارال" أمام المرآة في غرفة "سارة"، طالعت "مارال" الواقفة بجوارها، تعتصر كف يدها بارتباك:
_ ياخييييياشي، حاسة إن قلبي هيقف. هاتي إيدك كده ياشمس.
قبضت بكف يدها على كفها، تضع يدها على فؤادها قائلة بارتباك:
_ حاسة إن قلبي هيقف. مش مصدقة إن خلاص هتجوز أنا وبيدقوس بجد.
برزت ابتسامة على ثغرها، ونطقت عينيها قبل لسانها بحب:
_ أنتِ بنت حلال يامارال، وتستاهلي كل خير. وبربروس هو الخير اللي متشال ليكِ في الدنيا.
دخلت "سارة" إلى الغرفة، تابعت بغلق الباب خلفها. وعند وقوع عينيها عليها، أصدرت صفير من بين شفتيها من شدة جمالها بيومها هذا، قائلة بصدق نابع من قلبها:
_ إيه الجمال ده كله يابخت شيخ عجوه بيكِ.
غزَّ وجهها الحزن، تقول بنبرة حزينة:
_ كان نفسي أوي أخويا يوافق على الجوازة دي ويبقى معايا في ليلة عمري.
أشارت "سارة" برأسها على والدتها الجالسة على المقعد المتحرك، تخبرها بابتسامة:
_ البركة في مامتك، هي الخير والبركة.
اتجهت "مارال" إلى والدتها، تثني ركبتيها، ترى الدموع بعينين والدتها لرؤيتها هكذا. قبلت "مارال" كف والدتها ونطقت عينيها قبل لسانها:
_ دي هي اللي بيقيالي في الدنيا، ومعرفش من غيرها هعيش إزاي.
ربتت والدتها بكفها المرتعش، تطالعها بحب قد نبت في عينيها. ضمتها "مارال" إلى فؤادها قائلة بود:
_ من اللحظة دي، أنا وأنتِ بقينا مسؤولين من راجل بجد، ومش هنشوف ظلم أخويا مرة تانية لينا.
تجمعت الدموع في مقلتي "سارة" عند رؤيتهما هكذا. عندما شردت بوالدتها هي الأخرى، مسحت دموعها مسرعة بقول:
_ يلا بقى يامارال، مستنيينك بره.
ثم أشارت بعينيها لـ "شمس" وأردفت:
_ زغرطي ياشمس، مابتعرفيش تزغرطي ولا إيه؟
صدح رنين صوتها بالمكان. وقف بربروس بالخارج، وبجانبه المأذون، وكأنه اشتم نسمات هواء ردت لهُ روحه المعذبة بعد سنين من الحرمان. وقد تعالت على وجهُ علامات الارتباك بعدما فرك كفيه وتعالت نبضات قلبه. مال "ياسين" برأسه، يخبره هامساً:
_ بالراحة ياشيخ عجوه، مش كده؟ شامم ريحة شعر جسمك وهو بيشيط من الربكة.
رمقه بنظرة معاتبة، وكأنه يخبرهُ بأن هذه اللحظة من حقه. وهو يقول:
_ خسئت أيها اللعين.
وقبل أن تتحرك شفتاه لتوبيخه أكثر، أشار "ياسين" برأسه لكي ينظر أمامه، فقد أطلت العروس بطلتها المبهجة. لانت تقاسيمه عند رؤيتها بفستانها الأبيض الرقيق، زُين أكمامه بالخرز الصغير المرصع عليه، وانتثرت على قماشته دانتيل بسيط على شكل زهور صغيرة أعطته بريق، وكأن الفستان يتنفس، يحمل من الرقة والبساطة ما يكفي. قد ابتاعته "سارة" لعقد قرانها قبل أن يؤجل. اقتربت بخطواتها البطيئة منه، وكلما اقتربت، تحدثت عيناه بدلاً عنه لتخبرها كم هي جميلة، ووجد لسانه ينطق ما يبوح به قلبه هامساً لنفسه:
_ أيا فريدة الجمال والجيم كاف، فقد استجاب الله لدعائي وابتهالي. فقد أردت أن تكوني يوماً ملكاً لي. ومن كثرة دعائي، أبدلت الميم كاف، فأصبحت كُلك لي.
أشاح ببصره عنها وحاول الحفاظ على انتظام وتيرة تنفسه. جلست مقابله تنظر للأرضية بعدما غزت الحمرة وجهها بنظراته. ثم قاطع تلك النظرات الطبيب وهو يقول:
_ مارال وكلتني يابربروس، وطالما وكلتني، فكنت عايز أقولك كلمتين، مع إني عارف إنهم مالهمش لازمة، بس هقولهم عشان يبقوا وصية في رقبتك.
انتبه الجميع لهُ بعدما نجح في جذب انتباههم، ثم أردف بقول:
_ البنت بيطلبها ألف واحد، وفي الآخر بياخدها واحد.
تمتم "ياسين" بعدما حك جبينه قائلاً بهمس:
_ ماحصلش، محدش طلبها غيره.
لم يستطع "يزن" كبت ضحكاته بعدما التقطت أذنه ما تمتم بهِ "ياسين"، فهو كان الأقرب إليه في الواقفين، فمال إلى الأسفل يضحك بصمت. استرسل الطبيب حديثه وهو يردف:
_ الست لما بتوافق على جوازها من الراجل، بتوافق عشان تلاقي السند اللي يحميها من الدنيا وشرها. اهتمامك وقت الحب ده شيء وارد، لكن اهتمامك وقت الاختلاف والزعل، ده اللي مايعملهوش إلا محب صادق.
حديثه لفت انتباه "ياسين" وكأنه يقصده بكلماته. صمت تماماً، يطالع بعينيه الصافيتان تلك الواقفة مقابله. هناك مسافة محدودة بينهم. رفعت "شمس" رأسها، فتقابلت عيناها بعينه. ثم استرسل "الطبيب" حديثه:
_ وهو كمان لو أخطأ في يوم، التمسيله العذر وعامليه بلين. ارفقي بقلبه اللي اتحمل ظلم السنين.
نظراته لـ "شمس" نطقت بدلاً عنه، وكأنه يرجوها أن تسامحه على فعلته تلك. عاتبته بنظرة بان فيها وجعها، بينما استرسل الطبيب حديثه:
_ ولو أخطأتوا انتوا الاتنين في مرة وحصل ما بينكم خلاف، اوعوا حد فيكم يكابر في الاعتذار، مهما كان شدة الألم.
صمت للحظات، يشير بعينيه إلى بربروس وهو يتابع قوله:
_ ابدأ واعتذرلها أنتَ الأول، عشان دي الأصول. ولما هي تزعلك، اعتذرلها برضو عشان يومك يعدي.
برزت الابتسامة على وجه الجميع إلا "ياسين". نظراته التي يطالعها بها أربكتها وجعلتها تهرب، تتلاشى النظر في عينيه، فكانت نظراته نابعة من القلب، وما ينبع من القلب يصل إلى القلب.
***
صنع الأكاذيب هو أكثر ما يخيب الآمال، ككذبة "أبو المعاطي". ظل سنين يصطنع الود بعدما أخذ الخداع قناعاً لهُ. يستمر بخوض اللعبة والحقارة تسري بدمه، وأصبح بلا شرف. هو الأن يقف أمام "فريد"، تستطيع أن ترى المكان الذي اعتاد "فريد" مقابلته فيه، يجلس على مكتبه، بينما "أبو المعاطي" يقف أمامه يقص عليه ما يريد بقول:
_ هما المفروض دلوقتي في بيت يزن متجمعين عشان جوازته من مارال. ده اللي بربروس قالهولي، وبعد كده هيرجعوا يعيشوا في القرية وهياخدوا والدتها معاهم. وطبعاً ده من غير ما أخوها يعرف عشان المشاكل.
رد عليه "فريد" وقد حملت كلماته الشر:
_ بس طبعاً، إحنا بنحب المشاكل.
ابتسم "أبو المعاطي" ساخراً وهو يقول:
_ ماتقلقش، أنا بعت لأخوها رسالة من رقم غريب وعرفته باللي بيحصل كله. بس تقريباً كده لحد دلوقتي لسه ماشافهاش.
صمت "فريد" بنظرات مستفسرة:
_ وإنتَ هتسافر معاه إمتى؟
وضع عينيه بالأرضية يخبره بتردد:
_ للأسف، بربروس مارضاش ياخدني معاه.
بتر حديثه باستهجان:
_ عشان حمار.
حاول التبرير:
_ أنا عملت اللي عليا وأكتر. حاولت كتير إنه ياخدني معاه القرية وهو رفض. لو كنت أصرت أكتر من كده، كان هيحس بشيء.
نظرات "فريد" له رافضة تصديقه، فاسترسل حديثه بقول:
_ بس، بس أنا هحاول معاه تاني. أنا هاروحله دلوقتي وهعرفك كل شىء بيحصل. وأتمنى إنه يرضى ياخدني معاه المرة دي.
_ ومستني إيه؟ أنا عايز أعرف كل حاجة بتحصل معاهم، تحركاتهم وطريقهم، وأي شىء بيحصل تقولي عليه. أنتَ فاهم؟
أشار برأسه بالإيجاب بعدما ساد التوتر بالأجواء. أشار "فريد" بعينيه لكي يحثه على المغادرة، فاستجاب لطلبه على الفور.
***
هناك لحظات تدوم للأبد ولا يمكن نسيانها أبداً، كلحظاتهم تلك. علت الفرحة الوجوه بعد عقد قرانهما. يهنىء بعضهم البعض على إتمام هذه الزيجة المباركة. يلتقطون الصور الفوتوغرافية مع العروسين. اقترب "ياسين" ببطء من "شمس". قبل قوله برفق مع ابتسامة حانية زادت من وسامته:
_ وإحنا مش هنتصور؟
حاولت "شمس" الابتعاد عنه، ولكن منعتها يد "ياسين" الذي قال:
_ شمس، استني.
طالعت بعينيها كف يدهُ الممسك بمرفقها بإحكام، فحرر مرفقها من قبضته بلين، يرجوها بعينيه قبل لسانه يحاول التبرير:
_ شمس، اسمعيني. أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي. عارف إن مافيش حاجة تبرر اللي عملته، بس...
قاطعته قبل أن ينطق حديثه بجمود، وقد حسمت قرارها، قائلة بجمود:
_ ابعد عني ياياسين. أنا مابقيتش أأمن على نفسي معاك.
طالعته بعينين امتزج بهما الخوف، فرأى في عينيها تلك النظرات التي كانت تطالعه بها حين كانت بالقبو، تخبره مصارحة:
_ أنا رجعت أخاف منك من جديد.
استدارت وتركته يتتبع أثرها بقلب يأس، تمنى أن تكون آخر دقاته الآن، فما حدث لا يغتفر. أما عنه، هو عن "بربروس"، اقترب من زوجته ببطء، يقف مقابلها بعدما لمعت الدموع بعيناه. تعلقت عيناها بعينيه، ثم اقترب هو منها بشكل ملفت، بعدما أصبحت حلاله. مال برأسه عليها، يقبلها من جبينها. اقترابه منها بهذا الشكل زاد من نبضات قلبها. شعر هو بذلك، ابتعد عنها يتأمل ملامحها بأعجاب صريح، متغزلاً بها:
_ من بين كل نساء الأرض، فقد عشقها القلب. يالله، وأنتَ وحدك من أحببتني فيها، وأخيراً وجدتها. ومن بين سائر النساء، جُبر القلب بها، وأصبحت من القلب قريبة. وياحظ قرب قلبي بقلبك، بعدما كنتِ غريبة. لم أكن أنويكِ حباً، فقد وقع القلب فيكِ سهواً. فكيف أعدل الميزان وقد ملئتِ الكفتين عشقاً؟ ربي أوصيك بها خيراً، فعبدك الفقير لم يدق قلبه لأحداً من خلقك كما دق القلب لها دقاً.
تجمعت الدموع بعينيها أثر حديثه، وتمتمت والدتها من فرحتها بهما. اقتربا الاثنان منها بعدما أشارت لهما بالاقتراب. حاولت البوح بما داخلها، ولكن مرضها منعها. ولكنه استطاع فهمها، فاسترسل حديثه بقول:
_ لا تقلقي يا أماه، فلا أريدك أن تحملي همها الآن، فقد أصبحتما تحت حمايتي. ولن يستطيع مخلوق خلقه الخالق أن يمسها بسوء.
ابتسمت والدتها ابتسامة رضا على ما قال. فهبت "سارة" تخبرهم بابتسامة واسعة:
_ أكيد مش هنعدي اليوم كده، إحنا لازم نحتفل.
رفع "الطبيب" كفه باعتراض:
_ لا، لو على الاحتفال، فاحتفلوا انتوا. أنا لازم أرجع البلد أنا وشمس. زهره ما بطلتش اتصالات.
انتفضت عند سماع اسم والدتها. وبالرغم من حديثها مع "ياسين"، إلا أنها بحثت عن الأمان بداخله حين تبادلت معه النظرات القلقة. فشعر "ياسين" بذعرها، فنطق قائلاً:
_ سيب شمس ياعلي، هاتروح معانا بعد ما نحتفل ببربروس ومارال.
اعترضت "شمس" على طلبه بارتباك، بينما "مارال" بترت حديثها:
_ اخس عليكي ياشمس، بقى هتسبيني في يوم زي ده؟ أنا اتفقت أنا وسايه إن إحنا هنحتفل بيومي في مكان حلو أوي. هزعل منك أوي لو ماجتيش معانا.
ثم أكملت حديثها بابتسامة واسعة تشير بعينيها إلى بربروس:
_ هو أنا هتجوز أنا وبيدقوس كل يوم؟
دعمت "سارة" حديثها بقول:
_ وبعدين إحنا حجزنا خلاص ومش هينفع ماتجيش معانا.
لم يكن هناك أي علم لـ "بربروس" بهذا الاحتفال، ولم يكن يعلم على ماذا ينوون، ولكنه التزم الصمت، على الأقل حتى لا يكسر فرحة مارال بيوم كهذا. لم يكن أمامها حل سوى الموافقة، فلا تريد كسر فرحتها بيومها هذا. ذهبت "مارال" لتغيير ملابسها بعدما اتفق الجميع على العودة إلى القرية. أما عن "الطبيب"، اتفق معهم على العودة قبلهما ومعه والدة "مارال".
***
أسدل الليل ستاره. هي الأن جوار "ياسين" في سيارته، تجهل وجهته. حل الصمت واتخذت مكانها النظرات، فأصبحت هي المسيطرة الوحيدة بينهما. قاطع "بربروس" تلك النظرات أثناء قيادة "ياسين" بسؤاله وهو في حيرة من أمره:
_ إلى أين سنذهب أيها اللعين؟ أأنا آخر من يعلم بوجهتنا بليلة كهذه؟ وأين "سارة ويزن"؟
أجابه "ياسين" محذراً:
_ أنا بحذرك، بلاش تعرف إحنا رايحين فين. ولو على سارة ويزن، فهما سبقونا على هناك بعربية يزن.
تبادلت "شمس" و "بربروس" النظرات المحيرة، بينما ابتسمت "مارال" إلى "بربروس" قائلة برجاء:
_ سيبلي نفسك خالص النهاردة يابيدقوس، عشان خاطري النهاردة يومي.
وتحت إلحاحها بعيون راجية، انصاع لطلبها. وما مر سوى القليل حتى وصلا إلى وجهتهما، بانتظارهما سارة ويزن. وعند رؤيتهما، قال:
_ اتأخرتوا ليه؟ إحنا مستنيينكم من بدري، أنا حجزت في الأول.
بررت "مارال" التأخير بقول:
_ أسفة، لحد ما غيّرت هدومي.
عقد "بربروس" ما بين حاجبيه مستفسراً:
_ ما هذا الحشد اللعين؟ وما أبشع هذا الضجيج بالداخل؟
أشار لهُ "ياسين" برأسه بعدما حثه على الدخول:
_ ادخل ياشيخ عجوه، إحنا لسه على البوابة. الزحمة هتلاقيها جوه مش بره.
طالعته "شمس" باستغراب، أجبره على الضحك، ثم أرضا هو حيرتها بإجابته:
_ عارف إنك مش فاهمة حاجة. هندخل دلوقتي وهتعرفي كل شىء.
***
هناك من لا يستطيع عقله التوقف عن التفكير. هاتفته "زهره" للمرة التي سئم عددها. طالع "الطبيب" هاتفه بضجر وهو يستعد للنزول من المنزل، وبرفقته والدة "مارال". لم يقدر على الإجابة، فهو يعلم ما ينتظره عند الرد. وقبل مغادرته، قابل "أبو المعاطي" بطريقه سائلاً:
_ واضح كده إني جيت متأخر. أومال فين شيخنا؟
هز رأسه يخبره بابتسامة ساخرة:
_ مش هتصدق. بربروس راح يحضر حفلة كبيرة لحمزة نمرة، وكلهم معاه.
طالع "أبو المعاطي" بعدم تصديق:
_ معــقــولة.
***
الحشد يملأ المكان، والضجيج أصبح صاخباً بالمكان أكمله. اتسعت ابتسامتها عند رؤية مطربها المفضل من على بعد. تراه أمامها، لا يوجد بينهما سوى عدة أمتار قليلة، يغني أغانيها المفضلة. يقف "ياسين" خلفها، يحميها بذراعيه من الحشد الكثيف، وكذلك يزن وبربروس يفعلون المثل. مال برأسه هامساً بأذنها. نطق بهدوء شديد جعلها تشعر بالقشعريرة من كثرة اقترابه:
_ مفيش شكراً طيب.
حاولت التشبث بغضبها. استدارت تطالعه ولم تتخل عن تعابير وجهها القاسية:
_ على إيه؟ أنا ماطلبتش منك تجيبني هنا.
كان جوابها مخيباً لآماله. اتبع معها أسلوبه الملتوي:
_ يعني مش مبسوطة؟ تحبي نروح؟
ارتبكت وهي تجاهد لكتم بسمة سعيدة على وشك فضح أمرها، ناهيك عن صوت نبضات قلبها الذي دوى صوته في أذن "ياسين". أخبرته بعكس ما تشعر به تماماً:
_ مش فارقة، لو حابب تروح نروح عادي.
ابتسم بمكر، يطالعها بعينيه الصافيتان ببريق يسحرها كالعادة. سألته بتذمر:
_ ياسين، أنتَ شايف نفسك على إيه؟ بعد اللي حصل؟
ابتسم بابتسامته الساحرة، يطالعها بعينيه السوداء كسواد الليل قائلاً بجدية:
_ أدب وأخلاق ومتربي وخفة دم. والله لو ينفع أبوس نفسي كنت بوستني.
حاولت كبت ابتسامتها بين شفتيها، ففلتت منها ضحكة صامتة. اقترب منها هامساً بأذنها:
_ اضحكي، ماتخبيهاش. بصي، هو نادراً لما تلاقي حد قمر ودمه خفيف، بس أنا موجود، فمتفقديش الأمل.
طالعها بعيونه واستدارت هي مسرعة تعطيه ظهرها قبل أن تغرق بهما. تطالع مطربها المفضل تدندن معه أغانيه بانسجام. وما مرت عدة دقائق حتى سمعت صوت "بربروس" يهتف معترضاً:
_ وحسرتـــــا ه! استغفرك ربي وأتوب إليك يا الله. أهكذا نبدأ حياتنا يامارال؟ نبدأ حياتنا بما حرم الله.
لم تنتبه لما قاله ببادئ الأمر من كثرة الضجيج. مالت عليه برأسها قائلة بصوتٍ مرتفع سائله:
_ بتقول إيه؟ مش سامعة.
اقترب منها قائلاً بصدق لما يشعر بهِ:
_ أنا لا أشعر بالراحة بذلك المكان. افتقد لنفسي وأنا بداخله. أشعر وكأن شياطين الأرض تحاوطني. إذا أردتِ، ستأتين معي. وإذا اعترضتي، ستأتين معي أيضاً. ليس هناك خيار آخر. هل من اعتراض؟
تدخل "يزن" بالحديث قائلاً:
_ اهدى بس يابربروس، هو خلاص الحفلة قربت تخلص. إحنا بقينا في نصها والمطرب أخد الراحة بتاعته.
صاح وقد فقد كل ذرة ثبات لديهِ:
_ لا والله! وبعقد الهاء لن أبقى هنا لدقيقة واحدة.
حاولت "مارال" أن تستعطفه وهي تسعى لإيقافه، ولكن دون جدوى. فقد جذبها من مرفقها إلى الخارج. هدأ الضجيج قليلاً. استدارت "شمس" تبحث بعينيها عن "ياسين" وكأنه تبخر. اقترب منها "يزن" طالباً برجاء:
_ قربي مني ياشمس، ماتبعديش.
_ هو فـيـ...
وقبل أن تستكمل سؤالها، بتر "يزن" حديثها بقول:
_ مشي وقالي أخللى بالي منك.
شعرت بثقل كاهلها عندما علمت برحيله. هوى قلبها أرضاً. هل حقاً تركها ورحل؟ شردت للحظات، لا تعلم كيف مرت عليها. فاقت من شرودها على صوت "حمزه نمره" من جديد، يقول هاتفاً بمكبر الصوت:
_ الأغنية اللي جايه هتبقى أغنية كلكم حبتوها ونجحت بيكم، أغنية رياح الحياة.
صاح الحشد عند سماع كلماته يهتفون باسمه، فاسترسل حديثه قائلاً بصوتٍ مرتجف، ينظر يساره، وبدا الخوف على ملامحه جلياً:
_ الأغنية دي مميزة لبنوته معانا هنا اسمها شمس المهدي، بتحبني.
وكأن هناك من توعد لهُ، وهو ينظر يساره، فصحح حديثه:
_ أقصد، بتحب الأغنية دي أوي ومميزة بالنسبالها.
هناك أفعال صادمة، ولكن فعله كان أكثر من صادم. لم تكد تصدق ما تسمعه أذنيها. شهقت "سارة" عند سماع اسم "شمس". استدارت لها "شمس" ولم تستطع أن تكبح سعادتها هذه المرة. فاستكمل حمزه نمره حديثه قائلاً وهو يردف:
_ أحب أهديلك الأغنية دي وأقولك، بالرغم من الأغنية حزينة، بس هو مش عايزك تشوفيها حزينة، عايز يشوفك سعيدة دايماً وبتضحكي. راحته في ضحكتك ياشمس.
ارتجافة صوت "حمزه" واضحة بنبرته. مال "ياسين" بجسده شيئاً بسيطاً من جانب المسرح، تراه يحرك شفتاه قائلاً ببطء حتى تستطيع قراءة ما يقول على شفتيه:
_ أسف.
فعله جذب الأنظار إليها. أفعاله تربكها. هو هكذا مربك دائماً. تقف بتوتر، ولمعت عيناها ببريق مختلف. كل أفعاله تؤثرها. كان الجميع يصب نظره عليها. وجدت قدميها تسحبها للخارج. خرجت بين الحشود بقلب أصابته الرجفة. وجدت من ينقر بأصابعه على كتفها، وكأن الأنفاس تنسحب منها الأن. قلبها يدق بعنف، قائلة بلين:
_ عايز مني إيه ياياسين؟
فأجابها آخر شخص تتمنى أن تراه:
_ عجبك الشويتين اللي بيعملهم عليكي؟
دب الرعب بقلبها من نبرته، فهذه النبرة تعلمها جيداً، نبرة "فريد". استدارت تطالعه ببغض، رائحته مقيته تذكرها بأسوأ لياليها. ابتسم ساخراً وهو يردف:
_ مفاجأة، مش كده؟
لا تعرف ماذا تفعل، وكأن محركات عقلها قد أصيبت بالصدأ المفاجئ. أردفت بأول سؤال ورد ببالها:
_ أنتَ عرفت مكاني منين؟
أجابها بما هو بعيداً عن سؤالها:
_ بس ياترى، مفاجأة حلوة ولا وحشة؟
نبرته مخيفة. عادت بخطواتها للخلف، حتى اصطدم ظهرها على مقدمة السيارة. استرسل حديثه بانفعال، وظهر هذا في صيحته المنفعلة:
_ عنيكي بتقول إنها مفاجأة، بس للأسف مش حلوة. مع إنّي حلو وأتحب، بذمتك مش أنا أتحب؟
لم تجب، بل أجابت الدموع بدلاً عنها، تتذكر ما كان يريد فعله بها آخر مرة قابلته بها. أضاف لحديثه السخرية عند رؤية دموعها قائلاً:
_ بلاش دموعك دي، عشان ما بقتش أصدق إنك لسه البنت البريئة الشريفة. إيه، طلعتوا كلكم كده؟ مافيش بنت شريفة الأيام دي.
_ طب، قولت الكلام ده لأمك؟
وجه "ياسين" سؤاله لهُ بعدما ظهر من العدم ووقف بالمنتصف بينهما، وكأنه سد منيع. من يصدق الأن أنهم يقفون في مواجهة لأول مرة بعد زواجه من شمس، الذي قلب كل شىء رأساً على عقب. طالعه "فريد" بعدما انفعل وظهر هذا في صيحته المنفعلة:
_ مش لما تقولوا لأمك أنتَ الأول.
لم يجب عليهِ بالكلمات، كانت الإجابة نظرة نارية منه. وقبل أن يهتف وتزداد الشرارة بينهما، طالع "ياسين" من حوله ليجد رجال تابعة لـ "فريد"، وكأنهم ينتظرون رد فعله. أدرك بأنه ينصب له الفخ. فاستدعى كل ذرة ثبات لديه، ثم مال برأسه عليه هامساً:
_ مترفعش صوتك على تلاتة.
١_ أمك.
٢_ أبوك.
٣_ أنا.
سأل "فريد" مراوغاً:
_ وده عشان إيه؟
رد مسرعاً:
_ عشان مصلحتك.
نطق "فريد" بكلماته، وقد حملت عيناه الشر ورغبة شديدة في أن يذوق مما يشعر بهِ الأن:
_ تعرف إن ممكن أقتلك هنا ومحدش يحس بيك.
طالعه "ياسين" باستخفاف:
_ لا، ده أنتَ لو قتلتني أضايق أوي.
وقبل أن ينهي حديثه، أنذر الطقس بنزول أمطاره بليلة باردة كهذه. شعر بأنفاسها الباردة من خلفه، وعلم بأنه يجب إنهاء الشجار من أجلها. تأوه عالٍ صدر من "فريد" حين قبض ياسين على ذراعه وثناها خلف ظهره، هاتفاً بغلظة:
_ اسمع يلا، أنتَ استهلكت 100% من ردة فعلي المحترمة. أنتَ دلوقتي على نظام لو مش متربي أربيك.
أخبره بما يتوعد لهُ وهو يحرر يده من قبضته:
_ حاول تقرب منها تاني، وأنا هخليك تحضر زفتك على قبرك.
خرج الجميع من الحفلة بعد انتهائها، وهناك من صور هذه المشاجرة. حاول "فريد" إنهائها قبل أن تعلم الصحافة بمشاجرته. اقترب يبتسم بغيظ ويمد يده بالسلام، يتمتم من بين أسنانه:
_ بكرة نشوف مين اللي هيضحك في الآخر.
طالع كف يده بسخرية، وقد برزت الابتسامة على ثغره قائلاً:
_ والله أنا كان نفسي أمد إيدي وأسلم عليك، بس شمس بتغير عليا لما أسلم على حريم.
جذب بيده تلك المتشبثة بستترته القطنية من الخلف، قائلاً لها بنبرة يأمرها بها:
_ يلا ياشمس.
تحركوا تحت نظرات "فريد". صعدت إلى السيارة، وجلس هو على مقعده أمام عجلة القيادة، ثم تبع ذلك بصفع الباب. ضغط على زر المساحات حتى يمسح قطرات المطر من على زجاج سيارته بعدما قاد سيارته بغيظ. يمكنك سماع احتكاك صوت إطارات السيارة من شدة انزعاجه. جلست بجواره وهتفت بامتنان لكل ما يفعله:
_ شكراً.
استدار يطالعها بعدما عقد حاجبيه، ثم عاد ينظر للطريق أمامه من جديد سائلاً:
_ معنى كده إننا اتصالحنا؟
هربت بعينيها نحو الزجاج جوارها، تتابع قطرات المطر التي تتساقط على الزجاج، وتجاهلت الرد عليه. تطالع الطريق. سمعته يقول:
_ أنتِ خايفة منه ليه ياشمس؟ ده حقير ولا يسوى. ماتبينيش ضعفك قدامه. أنتِ مش ضعيفة، ده أنتِ اتربيتي.
أكمل حديثه قائلاً بانزعاج:
_ على الخوف. ما تربيتش غير عليه.
_ ولا نسيت؟
رد عليها بعينين اختلط صفاء بريقهما بحبه لها:
_ لأ، مانسيتش. وعمري ما هنسى في يوم. وزي ما زرعت الخوف جواكي، هحصده من قلبك وأقتلعه من جذوره. وده وعد مني ليكي ياشمس.
عم الضجيج في قلبها، وأخفت ابتسامتها مسرعة. وقف بأشارة الانتظار، وقد رسم على زجاج سيارته المغيم بقطرات المطر وجهاً ضاحكاً. عقدت بين حاجبيها تتابع ما يفعله بعدما نقش على الزجاج المجاور لهُ جملة بجانب الوجه الضاحك. قامت بقرائتها، ألا وهي:
_ اضحكي ياشمس.
أخفت ابتسامتها مسرعة وهي تستدير تقول بحده:
_ لأ.
***
لم تغفو "زهره" حتى الأن، وقد قاربت الساعة على الرابعة صباحاً. تراقب النافذة كل عشر دقائق تقريباً، حتى سمعت صوت غلق باب السيارة. أتوا جميعاً سوياً بعدما حادث يزن ياسين بالهاتف. هبطت من غرفتها مسرعة. صـ ـفعت "شمس" باب السيارة من خلفها. أوقفها "ياسين" عند سماع اسمها قائلاً:
_ مش قادر أسيبك تطلعي قبل ما تقولي إنك مسامحاني.
فردت عليه باستياء دون أن تستدير لهُ:
_ أنتَ ما دوستش على رجلي بالغلط ياياسين. دي تاني مرة تبقى عايز تقتلني فيها. أنتَ لازم تتعالج.
مسح على عنقه بتعب، وقبل أن ينطق هاتفاً، جذبتها "زهره" من ذراعها بحده قائلة:
_ كده ياشمس، كده تعملي فيا أنا كده يابنتي.
تركته يتتبع آثارها بعينيه، فناداها باسمها مرة أخرى، فصمت أذنيها عن ندائه.
***
من أكثر الأشياء المغرية في ليلة باردة كهذه، هو دفء الفراش، وخاصةً مع مساء ليلة لم يرحمها الشتاء. أخيراً في غرفتها بعد ليلة طويلة مرهقة، نام الجميع، وبالأخص والدتها، ولم يبق سواها مستيقظة. شردت فيما حدث، تستذكر يومها الطويل وما حدث بهِ.
***
أما عنه، يريد الراحة بعد يوم مجهد كهذا، ولكن لأول مرة يتفق قلبه وعقله على عدم راحته. أرغماه على الإبحار في ما حدث بالقاهرة بمنزل "مشيرة". والنتيجة هو هنا، يقف أسفل شرفتها يناديها بصوتٍ هامس حتى لا تستيقظ والدتها، بعدما علم بأنها نائمة بغرفتها. اقتربت من النافذة، تنظر خلفها بارتباك لتلك النائمة على فراشها، سائلة بصوتٍ هامس:
_ أمشي ياياسين، بتعمل إيه هنا؟
برر "ياسين" حيث هتف برجاء:
_ عايزك تسمعيني.
رمقت والدتها وهي نائمة بارتباك:
_ مش وقته، أمي لو صحيت وشافتك هتبقى مصيبة. امشي دلوقتي.
طالبته بنبرة شبه باكية، أوشكت على البكاء:
_ ارجوك امشي.
شعرت بتقلبات والدتها على الفراش. أغلقت النافذة مسرعة، وقبل أن تستدير من غلقها، وجدتـ ـه بغرفتها. تمسك بمرفقها، أدارها إليه لتنظر لهُ. وضع كف يده على فمها بقوة بعدما اصطدم ظهرها بالنافذة. تعلقت حينها عيناها بعينيه، وفي عيناه نظرة لن تنساها أبداً، وقد غزت حصونها الدموع التي صارت أقرب رفيق لها، ولكنها رفيق إجباري. رمقته بخوف، فقد شعرت ببوادر نوبة كما حدث من قبل. تلك الرعشة بيده، عينيه الزائغة، كل شىء تراه أمامها الأن ما هو إلا بوادر نوبة تحدث لهُ من جديد. فعلم هو نظرتها وخوفها منه. رمقها وقد انهار أمام عينيها الزيتونيه، وفعل عكس المتوقع هذه المرة. حرر فمها بعدما أنزل كف يده من على شفتيها. سألته بذعر بـنبرتها:
_ بتعمل إيه هنا ياياسين؟
أجابها بما لم تكن تتوقعه بكلمة واحدة ومختصرة:
_ عايزك.
وضع كف يدهُ المرتعش على وجنتيها برفق، اقترب منها، كاد أن يقبلها، ولكنها تراجعت للخلف، تحاول ألا تصدر صوت على قدر المستطاع حتى لا توقظ والدتها. تبعده بعيداً عنها، ولكنه استمر بالتقرب منها، فأوقفته قائلة:
_ ياسين، كفايه. ياسين، أهدى، أنتَ بتعمل إيه؟
أدارته بيديها بقوة، فاصطدم ظهره بعرض الحائط، وما وجدت سكين بجانبها حتى رفعته على عنقه قائلة:
_ لو ما مشيتش من هنا حالاً، أنا، أنا...
وضع كف يدهُ على يدها القابضة على السكين، يغرزها بعنقه أكثر، وباليد الأخرى يضمها إليه سائلاً:
_ ولو ما مشيتش، هتغرزي السكينة في رقبتي؟
حاول الاقتراب ليقبلها مرة أخرى، فمنعته من جديد:
_ ياسين، أنتَ مش في حالتك الطبيعية.
فرد وكأنه غريق يطلب النجاة:
_ خلاص، خليني أتعافى بيكِ.
أخبرته بكيل قد طفح:
_ أنا مش دواك عشان تتعافى بيا. فوء بقى ياياسين، أنتَ لازم تتعالج. عشان خاطري، لازم تتعالج.
أنهت حديثها، وفاق لنفسه يشعر بما فعله للتو. ابتعد عنها مسرعاً، يخبرها بصدق نابع من عينيه قبل لسانه:
_ أنا مش كويس. حاسس إني مش بخير.
كان صريحاً معها. براءة عينيه تخبرها دائماً بصدقه، وضاعف هذا خوفها عليه. وهو يكمل:
_ حاسس إني بغرق وبعافر مع الموجة. مابلحقش آخد نفسي. ومش لاقي إيد تتمدلي وتقولي أنا جنبك.
علمت بانتهاء نوبته. اقتربت منه ببطء، رفعت كفها ووضعت يدها على قلبه قائلة بصدق بان في عينيها:
_ أنا جنبك.
كلماتها بثت بقلبه الطمأنينة، وكأنها كالجذر الأخضر في عروق ذكرياته اليابسة. أنزلت كفها بارتباك من نظراته أولاً، ثم من صرخة "زهره" ثانياً. كانت صرخة "زهره" هي الصرخة الناهية لأي أحاديث جانبية.
_ يـــــالهــــــوي!
كاد صراخها أن يفيق المنزل بأكمله، فبادرت قائلة:
_ هو ده اللي أنا كنت خايفة منه. بتتهجم على البت في نصاص الليالي ياياسين؟
أصابه التعب وقد أنهك الإرهاق جسده. أجابها بعيداً عن سؤالها:
_ أنتِ كنتي بتسقطي في مادة الدين.
عقدت ما بين حاجبيها وحثها فضولها لسؤاله:
_ ليه؟
أجابها ببرود:
_ أصلك مسقطة إنها مراتي.
صاحت بغيظ:
_ ماتقولش مراتك.
كرر كلماته بإصرار:
_ لأ، هقول. ومش بس كده، من هنا ورايح هقولك ياحماتي.
تركها ورحل، زادت اتساع حدقتي زهره أن ما تسمعه الأن أصبح واقع مرير لم ترضى بهِ أبداً. ستحاول فعل الكثير والكثير حتى ينتهي ذاك الكابوس الذي يدعى بياسين.
***
حلت الظهيرة وحلت معها المشاكل من جديد. بعدما عقدت "زهره" العزم على المغادرة والعودة إلى بيتها القديم، تضب ما تبقى من احتياجاتها بداخل حقائبها. حاولت "شمس" منعها ولكن دون جدوى، فقد أصرت على المغادرة بأسرع وقت. لم تمنعها "الخالة"، بل تركتها تفعل ما يحلو لها.
رواية الهجينة الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم ماهي احمد
الحياة كالوردة، كل ورقة خيال وكل شوكة حقيقة. خُلقنا من حاء الحزن، وكذلك من حاء الحب، وكل منهما يُكمل الآخر. الفؤاد يخبرني بأن الحب رحمة، والعقل يقنعني بأنه نقمة. ربما الحب أمل، وربما يكون الألم. وما بين ذاك وذاك، أقبع أنا.
أقبع هنا.
يبدو الأمر وكأنه شبه صدمة لحظية مرت على عيون "ياسين" عند رؤية دماؤها المتناثرة بين كفيه. ثني ركبتيه، يضمها بداخله. شعر وكأن الأنفاس تُسلب منه. حاول تجميع الكلمات من بين شفتيه لكي ينطق حروف اسمها: شين تليها ميم يليها سين. أحرف سهلة وبسيطة، وعلى الرغم من بساطتها، لم يقدر على نطقها. شعر بصدمة. صدمة ذكرته بحدث مر. حدث مر عليه أكثر من عشر سنوات، وكأن كل شيء يتجدد من جديد، وكأن عقله عاد إجباريًا بالزمن إلى ما حدث.
شعر بوميض أبيض داخل عقله يأخذه إلى رحلة للماضي. يتذكر بها تلك الليلة. الليلة التي نزفت بها القلوب دماً، ليلة موت "عمار". تجمد الوقت في تلك اللحظة. الدماء المتناثرة وهو يضمه داخل صدره. كل شيء يتكرر، وكأن الزمن يُعاد من تلقاء نفسه. تحولت صورتها أمامه إلى صورته، وكأنه يراه بدلاً منها.
هنا جحظت عين "ياسين"، يتذكر ما حدث بالتفصيل في تلك الليلة القاتمة عندما فقد "عمار" روحه. تذكر صرخته وآلامه. تذكر كيفيه موته عندما سلب "العربي" روحه بانتزاع قلبه من داخل صدره. وجد لسانه ينطق حروف اسمه بدلاً عنها بنبرة هامسة:
"عمــــــــار."
ساعة وربما أكثر، تقف "غدير" خارج القرية أمام منزله، تحديداً أمام محل الدراجات الخاص به. تنظر للمصابيح بأعمدة النور بحزن. رفعت رأسها تصوب عينيها ناحية شرفته حتى وجدته يزيح الستائر من على نافذته. وقع بصره عليها، طالعها باستغراب على وقفتها هذه بمنتصف الليل. توترت "غدير" فور رؤيته، استدارت عائدة. ثم قام بمناداتها بأعلى صوته:
"غديـــــــــر، استني."
ارتفعت نبضاتها عند سماع صوته. وسعت من خطواتها، تعيد خصلات شعرها خلف أذنيها بارتعاشة واضحة على كفها. انطلق كالسهم نحو الخارج، ساحباً سترته القطنية من على الأريكة يرتديها، مهرولاً على الدرج. خرج من مدخل منزله يبحث بعينيه عنها بعدما ابتعدت. وما أن وقع بصره عليها، حتى ركض صوبها، أوقفها وهو يلهث بقول:
"إيه يابنتي مش بناديكي موقفتيش ليه؟"
لم تجب عليه بالكلمات، بل أجابت الدموع التي لمعت بعينيها بدلاً عنها. وتابع هو وقد استدار يطالعها بتركيز:
"مالك ياغدير، فيكي إيه؟"
حالة من الصمت قد نالت منها. مد كف يده يربت عليها بحنان، يشير بعينيه بقول:
"طب تعالي معايا."
وافقته "غدير". وما أن اتجها إلى محله، أمطرت السماء فجأة بدون إنذار. وكأنها تحمل إشارة معها بأن كل شيء سيصبح على ما يرام. استدار يطالعها بقول:
"مدي شوية، الجو اتقلب في ثانية."
وسعت من خطواتها تسير خلفه. وكانت النتيجة تجلس معه في محله، تنتظر حديثه. طمأنها "بدر" بنظراته وكفه الذي حاوط كفها. حيث جلس القرفصاء أمامها، يطالعها، يرى قطرات المطر على خصلاتها. ثوانٍ، وأتى سؤال "بدر" بعدما أزاح خصلاتها المتناثرة على وجهها بكف يده. أعطاها ابتسامة قبل قوله برفق:
"مش ناوية تقوليلي مالك؟"
هزت رأسها بالرفض. أبت الإجابة. لا تعلم كيف قادتها قدماها إلى هنا. وقفت تستعد للمغادرة بقول:
"أنا ماشية."
قالتها وتحركت لترحل. ولكنه لحق بها يقطع الطريق أمامها، وقد حسم أمره حين نطق:
"رايحة فين يامجنونة في الجو ده؟ أنتِ مش شايفة المطر عامل إزاي بره، لو طلعتي بره المحل دلوقتي أكيد هتتعبي."
أشار لها بعينيه على المقعد بقول:
"اقعدي ياغدير. لو مش عايزة تحكي ماتحكيش، وأنا مش هسألك على حاجة. بس ماتمشيش في الجو ده، ممكن؟"
قالها بعيون راجية. فجلست على المقعد بعدما أشارت برأسها بالموافقة. أدار ظهره يحضر كوب من الشاي الساخن حتى تشعر بالدفء بيوم شديد البرودة كهذا. مد كفه بالكوب قائلاً:
"خدي ياغدير اشربي كوباية الشاي دي عشان تدفي."
مدت يدها المرتجفة من قسوة البرودة التي غزت جسدها. اقترب "بدر" وقد شعر بارتجافة جسدها، فقال بنبرة حانية:
"باين عليكي سقعانة."
انتزع سترته القطنية من على جسده، يحاوطها بها وهو يقول:
"البسي دي، هدفيكي."
"طب وانتَ؟"
قالتها مسرعة بلهفة. برزت الابتسامة على ثغره حين شعر بخوفها قائلاً:
"هطلع أجيب جاكيت تاني من فوق."
استدار يستعد للرحيل. ثم نظرت للأرضية وهي تحاول أن تجمع الكلمات كي تكون جملة مفيدة. جملة أوقفته مكانه دون حراك، حين قالت:
"هو أنا ينفع أثق فيك يابدر؟"
ترك مكانه ودار ناحيتها، يحثها على القول بعيون بان بها الصدق في قوله:
"أنتِ شايفة إيه؟"
أجابته "غدير" بنظرة رضا تطالعه ببراءة وهي تقول:
"أنا مطمنالك."
كلماتها بالرغم من أنها قصيرة، ولكنها أدت دورها جيداً. وقد غزت قلبه. ابتلع ريقه وأعطاها ابتسامة قبل قوله برفق:
"يبقى احكيلي ياغدير."
نطقت غدير بألم:
"ياسين مش من البشر زينا."
سحب المقعد بكف يده يجلس مقابلها، وقد بدا على وجهه الاهتمام سائلاً:
"يعني إيه؟"
الشتاء لياليه بريئة إذا كنت بداخل غرفتك يحتضنك الفراش ويبعث دفئه داخل روحك. وشديد الرعب إذا كنت بالخارج تحتضن من تحب ودماؤه متناثرة على كفك. لا يزال "ياسين" يتذكر تلك الرجفة التي هزت قاع قلبه حين رأى فقيده وفلذة كبده بين يديه. استجمع ذاته المشتت وحاول أن يخرج الكلمات منه صحيحة غير متقطعة وهو يقول بدموع قد فرت من عينيه:
"طب إزاي؟ وأنتَ كنت معايا دايماً طول الوقت ومابتسبنيش؟"
تابع "بدر" سؤاله بقول:
"يعني إيه ياغدير مش من البشر زينا؟"
نطقت بقهر:
"يعني مستذئب. ومش بس هو."
شعر "ياسين" بقطرات الماء تتساقط عليه. فرفع رأسه ليجدها الأمطار التي امتزجت بدموعه حين فاق من شروده. كانت "شمس" مازالت على حالتها بين ذراعيه تطالعه بنظرة مستغيثة من عينين صارتا بحراً من الدموع. تهتف بصوت شبه هامس من شدة ألمها:
"مكاش هو اللي بتكلمه يا..."
استجمعت ذاتها وهي تقول بنبرة متقطعة يتخللها الألم:
"ياياسين، كل ده من وحي خيالك. عمار مات.. من.. من عشر سنين."
كلماتها مع تذكر ما حدث تلك الليلة. أكاد أجزم لو أن القلوب تصدر صوتاً حين تنكسر لأصمك انكسار قلبه الآن.
أخبرها "بدر" ساخراً:
"مستذئب!!"
طالعها بعينين بان عدم التصديق بهما:
"اسمعي ياغدير، لو مش عايزة تحكي بلاش، بس ماتسرحيش بيا. إحنا هنا مافيش حاجة اسمها مستذئبين. إحنا مش في فيلم على الـ mbc2. إحنا عايشين في الواقع، في قرية الصاوي. الواقع بيقول مافيش حاجة اسمها مستذئبين."
رده جعل الدموع تتحجر بعينيها. وقفت مغادرة بقول:
"كنت عارفة إنك مش هتصدقني، بس كنت عايزة أحكي مع حد اللي واجعني ومش عارفة جتلك أنتَ ليه؟"
استعدت للمغادرة ولكنه أوقفها بكفه بعدما رأى الصدق بعينيها، متابعاً:
"أنتِ بتتكلمي جد ياغدير؟ يعني ياسين فعلاً مش من البشر؟"
أشارت برأسها بالموافقة. وتابع بقوله وهو يشير بعينيه على المقعد:
"طب اقعدي واحكيلي كل حاجة."
إن ظُلمة الليل وبرودته تختلف بعدما أعطاها البرق في السماء بريقاً يخصه. وأصدر الرعد صوته بهذه الأجواء الشتوية الممطرة. يراها تغلق عيونها تلفظ أنفاسها بصعوبة وهي تقول:
"أنا مش عايزة أخاف عليك."
وتابعت بقوله المأثور الذي طالما طمأنها به:
"أنا عايزة أطمن. أطمن ياياسين."
لم تكمل حديثها وقد لفظت أنفاسها الأخيرة قبل أن تغلق عينيها. جحظت عيناه، ليرى حالتها هذه. انقبض قلبه، شعر بفقدها هي الأخرى، وهو يقول بذعر:
"لا لا لا، مش هتموتي. مش هسيبك تروحي مني زي ما هو راح."
فقد نبضها. كادت نبضات قلبها أن تقف من كثرة ضعفها. وهذا شيء لم يسمح هو به طالما مازال حياً.
ذكرت كل شيء من البداية. بداءً من نشأتها مع شقيقها "داغر" وكيفية اقتحام "هدير" إلى حياتهما المظلمة. وكيف تعرفوا بـ "ياسين" والحرب التي نشأت بينهم وبين "العربي". سردت له عن "عز" وعن "غرام" حتى عن "عمار" وكيفية قتله. لم تترك فرداً من العائلة إلا وذكرته بحديثها. ولا تركت شيئاً إلا وقد سردته له من البداية إلى تلك اللحظة. وقد استدارت وعادت إلى النظر أمامها وهي تمسح دموعها بقول:
"وأول ما دكتور علي ضرب ياسين بالقلم حسيت إنه اتكسر والعيلة اللي بحلم بيها من زمان اتفككت. نظرة ياسين لدكتور علي، نظرة بعمري كله ما شوفتها منه قبل كده، نظرة انكسار. وكأن ضهره اتكسر وهو دايماً اللي بيظهر بمظهر القوي اللي مافيش حاجة تقدر تكسره في يوم."
اقترب منها يمسح عبارتها الساخنة من على وجنتيها برفق، فتابعت "غدير" بقول:
"حتى في عز وجلمه بيداريه باستفزازه لغيره وبيحاول يضحك في وسط ما هو مكسور من جواه. ياسين شخصيته غريبة غير أي حد ممكن تقابله في يوم. مايفهمهوش إلا اللي يعاشره. ولو حب بجد مهما حصل مابيطلعش اللي حبه من قلبه."
حملها "ياسين" بين ذراعيه يطوقها بحضن ضيق وكأنه يخشى تسرّبها من بين ذراعيه فيضيع. تمتم بكلمات نابعة من قلبه بصدق:
"ماتسبنيش ياشمس، ماتسبنيش يابنت المهدي. ده أنا لسه فاكر رعشة قلبي لما شوفت اللي مني ملفوف في الكفن. مش هتحمل أشوفك مكانه."
كان يهرول بأسرع ما يمكن بين طرقات المدينة بأقصى سرعته. شعر بفقدها وكأن المدينة مليئة بالموتى. كلما مر بشارع شعر بقلبه يحتضر خوفاً من فقدانها. والنتيجة هو هنا يستنجد بمن كان الأقرب له بقول:
"حضر كل حاجة زي زمان ياعم نصير."
نطق "عم نصير" مستفسراً:
"وهتتحمل؟"
أجابه بعدم يقين:
"مش عارف، بس مش هقدر أتفرج عليها وهي بتمـ ـوت."
الطريق طويل حقاً. يبدو على "مشيرة" الانتهاء. أوقفت سيارتها في أحد الأركان بالقرب من القرية حيث الطريق من القاهرة إلى الصعيد حتى وصلت إلى هنا. تبعد عن القرية بضعة كيلومترات. تزيح مياه المطر بمساحات الزجاج الأمامي تنتظر وصول شخصاً ما. حتى صعد إلى سيارتها يلتفت يساراً ويميناً من حوله. وما أن صعد، أغلق باب السيارة من خلفه وبدأ بقول:
"أنا خلاص عملت اللي أنتِ قولتيلي عليه. فين بقيت فلوسي ياست؟"
صمتت لثوانٍ متسائلة:
"مش ناوية بقى تقوليلي اسمك إيه؟"
حدثته "مشيرة" بغيظ:
"وأنتَ مالك أنتَ؟ هتصاحبني؟ عملت اللي قولتلك عليه ولا لأ؟"
أشار برأسه بالإيجاب:
"عندك حق. بلاش أعرف اسمك، بس اديني بقيت حقي بقى."
أجابته نافية:
"مش قبل ما أتأكد فعلاً إنك خلصت عليها."
"حقك، والحق ما يزعلش ياست. ياست البنات."
قال آخر كلمتين ببطء غامزاً لها. يخرج هاتفه من جيب بنطاله وقام بتشغيل الفيديو المصور وهو يطلق عليها طلقاته. رأت الحزن بعيون "ياسين" عند رؤيتها تصاب بعيار ناري هكذا. ابتسمت بخبث تضيق عينيها قائلة:
"برافو عليك. أنتَ كده تستاهل بقيت حسابك."
أخرجت كيساً من النقود تضعه بيده قائلة:
"ابعتلي الفيديو ده بقى على الواتس، وبعدها مش عايزة أشوف وشك تاني."
التقط كيس النقود يبعث لها الفيديو عن طريق الواتساب. يهبط من السيارة راحلاً عنها بقول:
"التعامل معاكي حلو ياست وفلوسك أحلى. وأي خدمة تاني هتلاقيني سداد."
تركها تحت نظراتها الخبيثة تراه يبتعد عن سيارتها. أعادت الفيديو للمرة الثانية تتحدث نفسها شامته بما حدث قائلة:
"كنتِ هم تقيل على القلب ياشمس، وأخيراً عرفت أخلص منه."
صفعت باب الغرفة خلفها بضجر. أتى "يزن" من خلفها سائلاً:
"هو في إيه ياسارة؟ أنا عملت إيه عشان تزعلي الزعل ده كله؟"
تعالت شهقاتها واستدارت تطالعه، وتابع بقوله مستفسراً:
"ليه، ليه العياط ده كله؟ فهيميني على الأقل الزعل ده من إيه؟"
اقتربت منه تطالعه، وكأنها تحفظ تقاسيمه بعينيها قائلة:
"ده مش زعل منك، ده خوف عليك. يزن أنتَ مش فاهم، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي. لا أب ولا أم ولا حتى أهل."
بتر حديثها بأنفعال:
"طب ما أنا زيك زيي. إحنا بندارى فيهم عشان مالناش غيرهم. ياسارة، هما أهلنا بعد ما أهلنا الحقيقيين سابونا ورمونا. هما اللي أخدونا في حضنهم من بعدهم."
بكت بحسرة لا تنقطع وهي تقول:
"عارفة. أي كلمة هتقولها أنا عارفاها وحافظاها. بس النهارده خوفت عليك وأنتَ عايز تروح تقف في وش ياسين، عشان تبعده عن علي. تفتكر أروح فين؟ ولا كان هيجرالي إيه لو مكانش ياسين مسك نفسه وزقك أو طلع غضبه فيك."
مسحت دموعها بعنف وهي تقول:
"ده ياسين يايزن، ماتنساش."
طلب منها "يزن" برفق:
"طب أهدي، ممكن تهدي بقى؟"
مسح بظهر يده دموعها من على وجنتيها قائلاً بنبرة حانية يطالع عينيها الغارقة بالدموع:
"ياسين اتغير. ولو مكنتيش شايفة ده أنتِ وزهرة يبقوا مابتشفوش، بدليل إنه قدر يمسك أعصابه ويتحكم في نفسه قدام علي."
قالت بانفعال:
"أيوه بس أفرض."
"ما أفرضش. ما أفرضش ياسارة. دي حقيقة باينة قدامي. ياسين اتغير ومش بس مع شمس، مع الكل. وحتى مع نفسه. ماتخافيش عليا منه. ياسين دلوقتي مابقاش يتخاف منه، أكتر ما يتخاف عليه. والدليل أنتِ شوفتيه بعينيك."
كلماته أثرت بها. لم تكن لتوافق على كلامه أبداً، ولكنها خضعت بالأخير من أجله هو. مسح على خصلاتها برفق بكف يده في محاولة لتهدئتها. وما أن انتهى حتى وجد خصلاتها الكثيفة بين أصابعه أثر العلاج بالكيماوي. خبأ خصلاتها بعدما كور كفه. ولاحظت هي ارتباكه:
"في إيه يايزن؟"
هز رأسه نافياً:
"أبداً ولا حاجة. الأمور بس تهدى هنا في القرية ونروح أنا وأنتِ نعمل شوية تحاليل صغيرة كده عشان نشوف نتيجة العلاج. موافقة؟"
أيدت اقتراحه بخوف مما ينتظرها قائلة:
"أكيد هاروح وربنا يستر."
في دقائق لم يتغير الكثير. ارتبكت الأوضاع. لا يعلم "نصير" ما حدث، ولكنه توجه إلى الخلف يحضر ما طُلب منه. وضعها "ياسين" على الفراش بداخل الكوخ ينتظر "نصير". ولكن الثواني لا تمر. شعور شديد القبح تملك منه. شعور بالعجز وهو يراها هكذا. كل ثانية تمر لها قيمتها بمثل حالتها. وما أن أتى "نصير" بطلبه حتى مزق ملابسها العلوية ورأى جسدها. حتى أسرع بسحب أقرب مفرش بجواره ووضعه عليها قائلاً:
"الرصاصة جت في ضهرها تحت رقبتها بعشرة سم."
نبهه "نصير" محذراً:
"خلي بالك وأنتَ بتشيلها لا تكون قريبة من العمود الفقري. أي حركة كده ولا كده ممكن ماتقومش منه."
دفعه ياسين في حركة مفاجئة فتراجع للخلف على أثرها مصدوماً وهو يتابع في حديثه المنفعل:
"ماتقولش كده، امسك لسانك يانصير."
قالها بنبرة حادة مما جعل "نصير" يثبت على حديثه:
"أنا بنبهك. عملتها قبل كده في مراتي وماقمتش منها. عشان كده بنبهك. إيدك اللي بتترعش تثبتها. وقلبك اللي ملاه الخوف تجمده وخللي بالك الوقت مش في صالحك."
ابتلع غصة مريرة في حلقه وهو يكمل بثبات باتر عبارته:
"وطالما الوقت مش موجود يبقى ما أضيعهوش. أنا طالع وواثق إني هشوفها وهي قايمة بالسلامة."
قال كلماته مغادراً الكوخ واضعاً المشعل الخاص به بجواره. وتركه. أما عنه فقد اقترب منها ببطء بعدما أربكه "نصير" بما قاله. أخذ السكين وضعها على المشعل، ينظف الدماء الموجودة على ظهرها. أغمض عينيه يستشعر مكان الرصاصة بلمساته لها. وما أن انتهى حتى تخللت أظافره بداخل جسدها يلتقط الرصاصة ببطء شديد حتى أخرجها. وبعد ثوانٍ سمع "نصير" من الخارج صرخاتها المكتومة من شدة الألم عند وضعه السكين على ظهرها.
يا من هداك أضاء كل مكانً
يامن هداهُ فوق كل بيانِ
يا من أحاط بكل شيءٍ علمه
يا واحداً في الملك مالك ثاني
يا مبدعًا في كل شيء خَلقه
ومصرف الأقدار في الأكوانِ
لَبيك من دمعي.. لَبيك من بصري..
لَبيك من قلبي.. لَبيك من روحي..
لَبيك من وجداني
من جديد هو هنا بمسجد القرية، ربما قبل الفجر بساعة. يردد بصوته العذب الذي يشرح القلوب ويطرب الآذان. يردد في سكون الليل يروح عن نفسه بكلماته، يشعر بالسكينة عند ترديد ابتهالاته. يقلب حبات سبحته بأصابعه، ولكن توقف بمنتصف ابتهالاته. وقف وكأن انعقدت الكلمات على طرف لسانه. لم يستطع إنهاء ابتهالاته وقد فرت الدموع رغماً عنه عند تذكر ما حدث بين الأشقاء منذ ساعات قليلة. فهو يعتبر نفسه شقيقهم الثالث. تنهد "بربروس" تنهيدة حارة ثم استغفر ربه بنبرة خافتة وعاد من جديد يستكمل ابتهالاته.
أتت "مارال" تصعد الدرجات الصغيرة التي تؤدي إلى دخول المسجد. وقفت بالخارج تدور بعينيها في المكان حتى تأكدت بأن لا أحد بالمكان سواه. رفعت الشال من على كتفها تغطي به رأسها تتخذه كالحجاب. أتت من خلفه تناديه بهمس. ومن كثرة شروده بابتهالاته وصوته لم يقدر على سماعها. جلست أمامه ناطقة بصوت مغلف بالرضا:
"صوتك حلو أوي يابيدقوس، بيدخل القلب من غير استئذان وبيييح الودان."
ضيق ما بين حاجبيه سائلاً:
"مارال!! مالذي أتى بكِ إلى هنا بانتصافه الليل؟"
سألها "بربروس" بفضول، فأرضت فضوله بقول:
"أنا قلقت عليك يابيدقوس. أنا عارفة كويس علي وياسين بالنسبالك إيه. حتى لو ماحدش حس بيك، بس أنا عارفة اللي جواك وعارفة كويس أوي أنتَ حاسس بإيه."
هز "بربروس" رأسه نافياً، فأكدت "مارال" عليه:
"حتى لو نفيت اللي جواك عشان ماتبانش ضعيف قدامي، أثر الدموع لسه باين في عينيك."
لم يعلق "بربروس" على ما قيل، فلم يكن يرى أن هناك رد. ولكن نظرات الحزن التي وضحت بعينيه أجابت بدلاً عنه. صمتت هي لثوانٍ تقترح عليه:
"عارف، بيقولوا الكلام بيييح."
ابتسم بسمة بسيطة يعيد ما سردته بقول:
"بماذا؟"
أشارت برأسها تعيد كلمتها ببطء:
"بيــــيـــيـح."
اعتدلت بجلستها وبدأت بالشرح:
"عارف زمان لما كنت ببقى مخنوقة من أخويا كنت بفضل أحكي لماما عن اللي واجعني مع إن عارف ومتأكدة إن هي مش هتفيد عليا ولا هتقدر تعملي حاجة، بس بحس إني فضيت اللي جوايا وساعتها بحس بالراحة. اتكلم معايا. ممكن الكلام يييحك جيب. مش هتخسر حاجة."
ابتسم موافقاً على اقتراحها وبدأ بالتصريح بكل ما يدور بصدره ويؤرقه:
"أتعلمين.. حتى بزماني لم أستشعر شعور الأخوة من قبل. لم أشعر به إلا معهم وبوجودهم. فقد ولدت وحيداً ولم أشعر بالحنين لأحد كما شعرت به معهم. نعم نختلف بالأزمان ولكننا نتوافق بالقلوب. وعلى الرغم من اختلافاتنا الكثيرة ولكننا نشبه بعضنا أكثر. شعرت بضياع كل هذا الآن وكأن جدار الأخوة ينهار بينهما وهذا ما حزن قلبي. كنت أشعر دائماً بأننا كالمثلث ثلاث أضلع لا يمكن لضلع آخر الدخول بينهما أو ثنيه مهما حدث، ولكن خُيب ظني بعد ما حدث."
قال ما بداخله وكأنه أزاح حملاً من على صدره. سحب نفساً عميقاً وقد شعر بالراحة بعد قوله. ردت على ما قاله بقول:
"بيقولوا مصايب البطن بتتعايك ومهما بعدوا هييجوا والمثلث هيفضل مثلث يابيدقوس. عشان أنتَ وعلي وياسين مافيش حاجة تقدر تفصل ما بينكم في يوم. حتى لو أنتَ مكنتش شايف ده بس أنا شيفاه وبوضوح كمان. وبعدين تعالى هنا قولي إيه اللي كنت بتقولوا من شوية ده، ده مكانش قيأن (قرآن) على فكيك."
ابتسم يوضح لها بنبرة مغلفة بالحب:
"هذا ما نسميه بالابتهال. الابتهال الديني تضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وهو بسط الذراعين مقابل الوجه أو رفعهما إلى السماء. والابتهال المقصود به التضرع إلى الخالق والإلحاح بالدعاء. أفهمتي ما أقصد يا مارال؟"
هزت رأسها بالإيجاب. وقبل أن تستكمل سؤالها شعر بربروس بقدوم أحدهم من الخارج. وقف مسرعاً يضع بكف يدها مفاتيح المسجد النسائي وهو يقول:
"أحدهم قادم. انتظريني بالأعلى فقد حان موعد الأذان."
ركضت "مارال" من أمامه تنفذ ما قاله سريعاً. ثم دلف إلى المرحاض ليتوضأ من جديد لكي يتلو أذان الفجر. خرج بعدما توضأ واقترب من مكبر الصوت يقوم بتشغيله وبدأ بقول الأذان بصوته العذب التي اعتادت عليه. جلست بالطابق العلوي كما أخبرها تسمعه وتسمع صوته. شعرت بقشعريرة تقشعر لها الأبدان. ودخلت كلمات الله قلبها وهو يرددها بدل من أذنها. تلك اللحظة تنهدت وشعرت بالراحة عند سماعها كالمعتاد.
لم يأتِ في باله حتى في أسوأ الكوابيس أن يحدث هذا أبداً. ألف كيف وكيف لكل سؤال يخطر بباله الآن. حل الصمت على كليهما. يجلس بالخارج بجوار "عم نصير" الآن. سكون الكون قبيل الفجر والهواء البارد. قطع الصمت سؤال "عم نصير" الذي سأله أثناء جلوسه جواره وهو يقول:
"إيه اللي بيحصل يابن الصاوي؟"
وكأنه ينتظر سؤاله حتى يخرج ما بداخله. أي شخص إذا سأله سيخرج ما بمكنونه باستفاضة. ولكنه وجد نفسه قائلاً:
"مش عارف."
صعوبة البوح تكمن في قلب يقول أخبره، وبين عقل يهمس ستندم. ولكنه بدأ بقول:
"حاسس إن الدنيا كلها كاسرة بخاطري. بدوس عليا بكل قوتها ومش مكفيها. زي ما تكون بتقولي كل ما تعاندني هقف في وشك أكتر. أنا حاسس بخوف لأول مرة في حياتي والنهارده خوفت، خوفت أخسرها زي ما خسرت اللي قبلها. زي ما تكون كل حاجة جايه معايا بالعكس ومابقيتش فاهم ولا عارف هي الدنيا عايزة مني إيه."
يتنفس "ياسين" بعمق تتسارع عباراته وتحدث فؤاده بدلاً عنه:
"أنا حاسس إني زرع شيطاني في أرض بور. زرع طلع من بذرة مجهولة رماها الريح. مع إن أنا عمري ما اخترت أبقى كده ولا حبيت الحياة اللي أنا عايشها. أنا كنت عيل صغير لما علي قالي ماتسبنيش في الدنيا لوحدي وقرر أني أبقى معاه. كان فاكر إنه بطولة العمر الدنيا مش هتأذينا. بس كل ما نعيش فيها أكتر بندوس علينا أكتر ياعم نصير. وأنا مابقيتش قادر أتحمل قسوتها أكتر من كده. وأنا بشوف أعز ما ليا بيضيعوا مني واحد ورا التاني والمطلوب مني إني أكمل وأعيش وأنسى. وأنا لا بعيش ولا حتى بعرف أنسى."
قال "ياسين" كلماته بغضب. فنطق "عم نصير" مهوناً:
"كل ما الدنيا تقفل باب في وشك هيتفتحلك شباك. ودي حقيقة محدش ينكرها. ماتركزش على الباب المقفول. بص دايماً على الشباك عشان تقدر تكمل وتعيش ياياسين. الشباك ده ممكن يكون أي حاجة حلوة بتحصل معاك أنتَ مش واخد بالك منها. الباب المقفول هو اللي فات والشباك المفتوح هو اللي جاي."
وصل إلى مسامعه أذان الفجر. ابتسم وهو يقول:
"ربنا بيناديك ياياسين يابني. بيقولك تعالى اشكيلي همك بدل ما تشكيها للعبد اللي زيك."
تركه ورحل تحت نظراته المستغربة يتوضأ للمرة الثانية. يطلب منه:
"تعالى ياياسين امسكلي الطرمبة دي عشان أعرف أتوضا يابني من جديد."
تحرك باتجاهه يراه يتوضأ بصعوبة. أمسك بطرمبة المياه يضخ المياه باتجاهه. وعند انتهائه أشار له نصير ممسكاً بمضخة المياه بدلاً عنه:
"يلا، يلا عشان تتوضا معايا. ووعدك إنك هتحس براحة محسيتهاش قبل كده في حياتك."
بدأ بالوضوء وما أن انتهى حتى أغلق مضخة المياه ومسح عينيه. أنهى كل شيء مستجيباً لما يأمره به. وقد وقف بجواره مؤدياً الصلاة من خلفه. وما أن ركع لله عز وجل وجد نفسه يدعي هاتفاً:
"يارب، أنتَ الأقرب لعبدك من حبل الوريد، أنتَ اللي بتدخل بين الشخص وقلبه، أنتَ اللي عارفنا أفضل منا، وأنتَ الشاهد على اللي في قلبي ليها يا الله.. أرشدني. بقيت بلا حيلة. امنحني مخرج مناسب عشان تعبت والقلب تعب من الخذلان. اشفيها يا الله. رجعهالي من جديد. أنا عبدك الفقير بطلب منك تبقيها حية وتبعد عنها أي شر حتى لو كنت أنا الشر ده. أبعدني عنها لو كنت هأذيه."
طال سجوده مما جعل "عم نصير" ينتهي من أداء صلاته تاركه خلفه مع الله. وما أجمل المكوث مع الخالق. مهما حدث ومهما مر علينا من شهور وربما من سنين فالراحة بالعودة إلى الخالق لا تقدر بثمن. وسبحان مغير الأحوال من حال إلى حال. من جعل ياسين يعود للخالق العظيم.
يتبع...
رواية الهجينة الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم ماهي احمد
من قال أن الصمت لا صوت له ولا حديث به، فللصمت حروف لا تُقرأ، وصوت لا يُسمع، وحنين لا يُشعر به أحد.
كصمت ياسين بعد أن انتهى من صلاته اتجه إلى مكان سيراه الآن بعين مختلفة، عين لم يراه بها من قبل.
دار "نصير" يبحث بعينيه في المكان عنه وكأنه تبخر ولم يعد له وجود.
اتجه ناحية الكوخ، يجلس بجوار تلك النائمة على فراشه.
يجلس بجوارها على طرف الفراش يمسح بيدهُ على خصلاتها ذات اللون الكستنائي قائلاً بداخله بابتسامة مؤلمة:
"شوفتك سايحة في دمك بالمنظر ده بتعصر قلبي عصر يابنت المهدي، بس اللي مطمني ومطمن قلبي أني عارف أن دمك من دم المهدي وهتشفي بسرعة يابت أبوكي. أجمدي الصعب راح واللي جاي كله هيبقى البراح."
تركها ورحل.
جلس على المقعد الخارجي للكوخ.
ومضات تأتي إلى عقله مما حدث، لحظات أعادت له ذكرياته قديمًا.
منذ سبعة وعشرون عاماً تقريباً يسرد المهدي له مخاوفه:
"زهرة طلعت حامل يانصير، مش عارف إزاي بس حملت وطلعت بخلف، واللعنة كلها اللي عملتها، عملتها على طفلي اللي جاي، خايف عليها من قبل ما تتولد ومصيرها محتوم، محتوم بالعذاب والويل والموت انكتب لها من قبل ما تشوف الحياة. أنا ممكن أجبر زهرة إنها تنزل اللي في بطنها."
قاطعه باستهجان بقول:
"استغفر الله العظيم، أنت بتقول إيه يامهدي."
"أنا لو بيدي أعمل كده يانصير بس مش قادر، مش قادر أقتل طفلي بأيدي وأنا متلهف لشوفته في يوم. أتمنى يطلع ولد عشان اللعنة ماتتفكش ويفضلوا بالضعف ملعونين."
"ولو طلعت بنت، إيه اللي هيحصل؟"
كان هذا سؤال "نصير" وهو يرتعش بخوف من الإجابة.
فتابع "المهدي" حديثه يقص عليه ما يحدث:
"المهدي والضبع مش هيسيبوها في يوم، وأنا ضعفت ومش هقدر عليهم لوحدي. لو جرالي شيء، أنا مفهم حكيمة على كل حاجة وعارف أن الضبع مش هيسيب بنتي ولا هيطمن إلا لما تبقى معاه. عشان كده هخللي حكيمة تسيبهاله يربيها. هو عمره ما هيأذيها إلا لما تتم الـ 16 سنة عشان اللعنة تتفك. والمقصود من ده كله إنها تبقى تحت جناح ياسين. وأنا متأكد إن طول ما بتي قدامه وبيشوفها بتكبر يوم عن يوم تحت عينيه هتخرجه من الضلمة للنور وهتحرك الجانب الطيب اللي جواه ويرجع لعقله من جديد وهيحميها بروحه."
بعدين أتت "حكيمة" تتكأ على عكازها تسير بخطوات بطيئة ناحيته.
لم يشعر بوجودها في الباديء الأمر من كثرة شروده.
فأشارت بيدها أمام وجهه قائلة:
"لسه بتسرح كتير زي زمان يانصير."
فاق من شروده والصدمة تعتلي ملامح وجهه من وجودها جواره.
يردد اسمها بتقطع:
"حكـــيمــه."
***
كل شيء اتضح أمام أعين "بدر" بعدما قصت له "غدير" عنه.
رد "بدر" على حديثها بسؤاله:
"عشان كده بين الزرع لما كان فيه رجالة عايزة تأذيكي كان بيتحرك بسرعة."
اقتربت لتصبح واقفة جواره مباشرةً وبدأت الإجابة برفق:
"أيوه، ياسين سرعته مش عادية، ياسين أصلاً مش عادي."
استند على يد المقعد ومن كثرة توتره جلس عليه.
بل والأحرى كاد أن يقع من هول صدمته مما علمه.
شعرت "غدير" بالقلق والخوف في عينيه مما سردته له.
فأضافت:
"أنت خوفت، ولا مش مصدقني."
تحرك نحوها بخطوات ثابتة دون عجالة:
"طريقتك وأنتِ بتحكي تجبرني أني أصدقك، عيونك مابتحكيش إلا الصدق. بس أنا لو ماخفتش أبقى عبيط. أنا واحد عايش بين العجل، اتربيت على الحياة العادية. حياة عادية خالص مافيهاش لا هجينة ولا مستذئبين ولا الخالة الحكيمة اللي تبقى أكبرهم سناً وحكمة في نفس الوقت. أنا واحد طول عمره عايش في الواقع واللي بتقوليه ماشفتوش بس غير في خيال الأفلام والخيال ملوش مكان بينا. وبعد اللي عرفته ده كله بتسألني خايف؟ ابقى كداب ياغدير لو ماقولتش اني مش خايف."
أكملت بندم:
"ياريتني ما كنت حكيتلك."
تركته تتجه نحو الخارج.
ثم جذبها إليه من مرفقها برفق يسألها واللهفة تتضح بعينيه:
"ليه بتقولي كده ياغدير؟"
اقترب منها أصبح أمامها تماماً.
وقبل أن تتحرك التقط مرفقها بلطف سائلاً:
"ندمانة أنك حكتيلي."
قربه منها أربكها، توترت بشدة ولكنها حسمت أمرها بقول:
"بصراحة أيوه، خايفة لا تكون مش قد الثقة اللي اديتهالك. إحساس جوايا بيقولي اطمنيله وشعور تاني بيقول افرض ما طلعش قد الثقة اللي اديتهاله."
نصت لها وأعطاها كامل تركيزه.
تسترسل حديثها تطالع عينيه بحنان:
"أنا زي ما قولتلك يابدر، أنا عشت حياة صعبة وأنت أول حد اطمنله برة عيلتي. خايفة أتصددم فيك وأنا مش حمل صدمات."
قالت كلماتها بصدق نابع من فؤادها.
يستطيع أن يرى إعجابها به في عينيها دون أن تنطقه.
مما جعل حديثه أسهل:
"أنا عايز أقولك حاجة واحدة بس، شايفها في عينك لكن ما قولتهاش."
طالعته تنظر لعينيه.
فتابع هو بابتسامة رقيقة:
"أنا معجب بيكي ياغدير. هبقى كداب لو قولت إني وصلت معاكي لدرجة الحب، بس أنا حقيقي معجب بيكي وبكل تفاصيلك."
تابع بضحكة أثرتها يكمل حديثه:
"بذئابك بقى، بأخوكي اللي بيسمع دبة النملة وهو مابيشوفش، بمستذئبينك وبحكاياتك الغريبة. وعايز أعرف منك إذا أنتِ كمان معجبة بيا زي ما أنا معجب بيكي ولا لأ."
ارتبكت من سؤاله.
صوت دقات فؤادها أوشك على كشف أمرها.
جذبت كفها من كفه برفق تنظر جوارها للخارج بقول:
"المطرة وقفت، أنا لازم أمشي بقى."
تركته ورحلت بخطوات واسعة تحت نظراته المستغربة.
ابتسم يناديها باسمها بقول:
"غديـــــر، استني طيب هوصلك ماتمشيش في الوقت ده لوحدك."
***
هناك لقاءات لا يمكن أن ننساها أبداً، لقاءات تخبرنا أن ما علمناه طوال العشر سنوات ما هو إلا سوى خدعة.
وهذا لقاء مميز لأنه لقاء مع النفس، لقاء منتظر مع ذاته منذ سنين.
وصل "ياسين" أخيراً إلى وجهته.
يرى كل شيء بوضوح، أنه هنا داخل مقبرته.
يجلس على ركبتيه أمام اللوح الرخامي يمرر أصابعه على اسم "عمار" المطبوع أعلى اللوح يرافقه الحزن والاكتئاب.
يسترجع أحداث ذلك اليوم المؤلم بقول:
"بيقولوا النسيان نعمة، بس في حالتي أنا نقمة عشان نسيتك خلوني أنسى حتة مني غصب عني وأنا مكنتش عايز أنساك. واليوم اللي افتكرتك فيه روحت فيه ياعمار. عمري ما هنسى نظرة عينيك وأنت بتقولي قوم، أنت بتعمل إيه مش قادر عليه لوحدي. لو مكنتش سيبتك مع العربي لوحدك، كنت زمانك عايش. بس أقسم لك إن وقتها كان غصب عني."
تنهد بعمق يبتلع ريقه وكأنه كالأشواك قائلاً:
"غصب عني. حسيت بألم هيفرتك دماغي، حسيت إني بموت وكأن جسمي انهار. وقعت في الأرض مابقيتش حاسس بالدنيا واللي فيها. ولاقيتني بفتكرك من جديد وافتكرت أمك وهي بتقولي 'أنا بموت ومش عايزة ابني يموت معايا ياياسين'. فوقت لاقيتك بين إيدين العربي، مالحقتش، أقسم لك مالحقتش أنجدك من بين إيديه. مش مكانك، مش مكانك تكون هنا ده مكاني."
تابع يخرج ما بداخل صدره بانهيار:
"أنا عشت غريب في الدنيا دي بدور على جزء ناقص مني رغم إني مكنتش عارف إيه هو. ولما عرفت روحت مني. والله يا عمار كان غصب عني، صدقني، وحياة الأغلى عندك تصدقني."
"كــــداب."
رفع وجهه عالياً بجوار مقبرته.
يستمع إليه وقد ظهر من العدم.
يكمل بقية حديثه فتابع هو:
"أيوه كداب، مستغرب ليه؟ ماتقولش غصب عنك."
قال "عمار" آخر ثلاث كلمات ببطء شديد.
فأغمض "ياسين" عيونه بإحكام قائلاً:
"أنت مش موجود، أنت ميت."
جلس أمامه القرفصاء بنفس مستوى جلسته.
يطالعه بتحدي ينطق كلماته ببطء:
"لاء أنا عايش، بس عارف عايش فينا."
أشار بأصبعه على جبهته:
"جواك ياياسين، عايش جوه عقلك ومش هخرج منه أبداً. عشان أنت عايزني أفضل موجود، جزء منك رافض إنك تصدق إني مش موجود وميت."
توقف وهو يكمل أثناء وقوفه:
"وعشان كده هفضل جواك، وكل اللي قولته ده بلح، ولا الهوا مش حقيقي. أنت من جواك اتمنيت إني أموت عشان خاطرها عشان تبقى معاها."
حرب باردة تحدث الآن بينه وبين نفسه، يحارب ذاته، يحارب نفسه ما بين الماضي والحاضر.
فقاطعه يخبره بلهفة:
"أيوه أنت صح، أنا اتمنيتلك الموت، بس ده قبل، قبل ما أعرف إنك ابني. قبل ما أعرف إنك الجزء الناقص مني اللي بدور عليه بقالي سنين. وبالرغم من كده ما أذيتكش وأنت عايش. أنت اللي كنت بتأذيني. أنا قررت قبل الحرب بيوم إني هحميك عشانها ياعمار عشان تفضل معاها. ده كان آخر كلام بيني وبينك."
قاطعه "عمار" باستهجان وقد بان الغضب بنبرته:
"لاء أذيتني، أذيتني بوجودك جنبها. افتكر كويس ياياسين، افتكر كويس يوم الحرب هي اختارت تقف ورا ضهر مين لما حسيت بالخوف من العربي. كنت أنا وأنت قدامها."
أشار بأصبعه عليه:
"بس هي اختارتك، أنت نفسك مكنتش مصدق. وبصتلي بنظرة مش هنساها أبداً، نظرة بتقول إنك انتصرت عليا وانتصرت بحبها. وهي نسيت كل اللي عملته عشانها وراحتلك برجليها رغم إنها كانت دايماً بتبقى معايا. بس نظرة عينيها ليك كانت بتوضح اللي في قلبها. لسانها بينطق شيء وعيونها بتقول كلام تاني."
أشار برأسه بلا مبالاة بحركة دائرية وهو يكمل بسخرية:
"مش مصدقك ومش هصدقك. نتيجة أفعالك واضحة قدامك، بص، بص شوف."
أشار بسبابته على اللوح الرخامي بعنف:
"عارف ده اسم مين، ده اسمي وأنت السبب في اللي حصلي ومش ههدى ولا يرتاحلي بال إلا ما يتحط اسمك جنب اسمي ياياسين."
وضع "ياسين" يدهُ على رأسه بألم يقبض عينيه بقوة قائلاً بنبرة قد أنهكها التعب:
"كفاية، كفاية، كفاية ياعمار كفاية. أنت ميت، ياريتك كنت حقيقة ياريتك كنت موجود."
"ياسين أنت بتكلم عمار؟"
ألقت "مشيرة" بسؤالها من خلفه وهي تقترب منه بخطوات سريعة تضيق ما بين حاجبيها باستغراب.
رفع رأسه وقد فقد أي ذرة تعقل به.
يطالعها بعيونه وقد تحولت إلى اللون الأحمر القاتم.
يقبض على مرفقها بشدة يطالعها بنظرات شرسة يوجهها "ياسين" لها.
تقابله نظرات مشيرة وقد دب الرعب بقلبها من لون عيونه المشتعلة.
شهقت من الخوف ومرارة ما رأتهُ ومشاعر كثر.
فأخبرها بيقين مما يقول:
"عــمــــار ميـــــــت."
***
ثم بعض الأشياء تشعر بوجودها أصبح يزهر حياتك وكأنك وجدت ما يسرك وكأن من بعد العسر يسر.
كوجود "مارال" بحياته وقد أصبحت اليسر بعد العسر.
كانوا يسيرون سوياً يحددون وجهتهم إلى المنزل بعدما أنهى أداء فريضة الفجر.
ومن ثم رأت "مارال" وقد تلاحمت الأشعة وحل شروق الشمس بأشعته الذهبية.
فطلبت منه برفق ببسمة حانية تجذبه من مرفقه بلين:
"بيدقوس تعالى نقعد هنا شوية في وسط عباد الشمس بلاش نوح على طول. الشوق هنا يجنن."
اعترض باديء الأمر ولكنه وافق على مطلبها.
وقبل أن يتحرك للجلوس ألقى زميل له بالمسجد السلام وهو يمر بجواره.
وضعت "مارال" الوشاح سريعاً على رأسها بحركة عفوية منها عند رؤيته.
فألقى "بربروس" السلام رداً عليهٍ وضيق ما بين حاجبيه باستغراب على فعلتها.
حمحم ومن ثم نزعت وشاحها بقول:
"بتبصلي كده ليه؟ لاء ماتبصليش كده."
ابتسم ابتسامة مكتومة وهو يجلس ما بين الزرع وسط الرقعة الزراعية قائلاً:
"شكراً لكِ، أعلم جيداً لما فعلتي ذلك ولكن لا تغيري من نفسك لأحد يامارال. فيعلم ربي أني أحببتك حباً خالصاً لوجه الله فأنتي هدية ربي لي ووصية رسوله."
"بس أنت مش بتغيّرني يابيدقوس."
قالتها سريعاً دون تردد.
رمقها باستغراب فأكملت تقص عليه ما تريد:
"يعني أنا غلطانة يعني لما شوفت الشيخ صاحبك ده معدي فقولت أحط حاجة على شعري عشان ما تتحرجش مني عشان بشعري وكده."
كان سيرد ولكنها وضعت إصبعها على شفتيه تمنعه من الحديث وقد تابعت:
"وقبل ما تتكلم أنا عارفة ومتأكدة إني مابعملش حاجة غلط حتى لو بشعري لأن دي حاجة عادية. أنا بس عملت كده عشانك أنتَ، عشان في ناس هنا تفكيرها وحش زي ما أنت شايف. قيّمت وياف هيقولوا بص اللي بيصلي وبيقيم بينا صلاته إزاي."
ابتسم على حديثها ابتسامة امتنان وقد طالعها بكثير من الحب.
كانت نظراته كالعادة دافئة ونظراتها بها من الحنين الكثير.
فقاطع نظراتهم قائلاً:
"ولذلك أنا ممتن لكِ على فعلتك هذه."
"عد الجمايل بقى."
ابتسم كل منهما للآخر وعادت تسأله وكأنها تذكرت شيئاً:
"إلا قولي صح يابيدقوس، هو ليه يعني البنت المسلمة بتتحجب؟"
رد عليها بطلب بعيداً عن السؤال:
"أغلقي عينيكِ."
رمقته باستغراب فأصر على طلبه:
"هيا أغلقيهما."
أغلقت عينيها ودار بعينيه بالمكان.
ثم قبض أحد مرفقيه بإحكام والأخر وضع بهِ زهرة صغيرة.
ومن ثم طلب منها أن تفتح عيونها وقد قام بسؤالها الآتي:
"هيا أخبريني، ما الذي يوجد بيدي اليسرى؟"
أجابته بسهولة تامة:
"زهرة يابيبيوس."
"وسمالونها؟"
استغربت أكثر من طرحه لأسئلته ولكنها أجابته بقول:
"حمرا."
"هل تستطيعين التقرب منها وأخذها؟"
كان هذا سؤاله فأجابت هي:
"طبعاً أقدر ما أنت فاتح إيدك وما فيش أي حاجة تمنعني آخدها."
أشار بعينيه يحثها على أخذها.
ومن ثم أشار على كفه الآخر يكور يدهُ يقبض على ما بداخله بإحكام وبدأ بقول:
"هيا قولي لي ما الذي يوجد باليد الأخرى ولونه وإذا استطعتي خذيه من بين كفي."
ردت وقد طفح كيلها:
"وأنا هعرف منين يابيدقوس؟ إيه اللي في إيدك ولونها؟ هو أنا عارفة إيه هو أصلاً؟"
أشار بعينيه يحثها على فتح قبضه يدهُ.
ثم قبضت بكف يدها على كفه تحاول فك قبضته فلم تستطع فعلها.
أخبرته من بين أسنانها وقد استفزها الأمر:
"مش قادرة افتح كف إيدك يابيدقوس بجد أنتَ محافظ عليها قوي."
أشار بأصبعه يخبرها بكلمات سلسلة وبسيطة مع ابتسامته الساحرة:
"نعم معكِ حق فالمرأة المسلمة حجابها يحافظ عليها من كل سوء لحمايتهن وصيانتهن وإظهار عفافهن ومنع كل فاسق التعرض لهن. وقد أكد الله تعالى في سورة الأحزاب: {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}. وبالدليل فقد استطعتي رؤية الزهرة الأولى وكل شيء بها دون مجهود فقد علمتي عنها كل شيء واستطعتي أيضاً أخذها دون موانع. ولكن هل علمتي ما بداخل كفي الآخر؟ هكذا هو الحجاب فرض على المرأة المسلمة لحمايتها في المقام الأول من كل سوء. فالله أعلى وأعلم وإذا فرض شيء فهو لمصلحة البشر."
صمتت لثواني تفكر بما قاله منذ قليل.
اقترب منها هامساً بأذنها:
"لماذا الصمت هكذا؟"
هزت كتفها تخبره ببراءة:
"هقول إيه؟"
"تحدثي بأي حديث، تحدثي بأي لغة تريدين. فصمتك هذا يربك قلبي المسكين بعدما وقع بحبك وصار معذب لسنين."
تحدث بربروس ببسمة واضحة على شفتيه تزيد من وسامته.
رأت بسمته فانفرجت تقاسيمها وهي تقول:
"ضحكتك دي هتجنني، شوفت عرفت أعالج البؤس اللي كان على وشك من شوية إزاي."
هز رأسه نافياً يخبرها بعيون محب صادقة:
"لا، إذا أردتِ أن تعالجيني من البؤس فيجب عليكِ حذف الهمزة."
ابتسمت بخجل وقد غزت الحمرة وجهها وهي تقول:
"بطل يابيدقوس."
ابتسم من خجلها يسترسل حديثه بوجه ضاحك:
"لماذا؟ ليس بعيبٍ ولا حرام، ألستِ بزوجك؟"
طالعت الجوار بخجل واقتربت من أذنه هامسة تحدثه بنفس لغته:
"حسناً، فوالله وبعقد الهاء عندما يغلق علينا الباب سأقتلك بقنبلة لا نون لها."
***
ألقى "ياسين" كلماته على مسامعها ولكنه لم يؤثر بها.
كل شيء صار بلا معنى عند رؤيتها لعيونه التي قد تحولت إلى اللون الأحمر القاتم.
كلماته موحية ولكنها تجاهلته وسألت بارتباك:
"عيونك حمرا كده إزاي؟"
قبض بعينيه وقد أعاد عيونه إلى لونها الطبيعي وبدأ بقول:
"ما رديتش عليّ، كذبتي عليّ السنين اللي فاتت دي كلها، ليه؟ فهمتيني إن عمار عايش ومات."
"لا مفر، علمت بأن الكذب سيزيد التعقيد."
صمتت لثواني في محاولة منها لإيجاد مخرج.
جذبت مرفقها من قبضه يده فقد ألمتها قبضته تحاول التبرير:
"سيب إيدي، إيدي هتتكسر في إيدك حرام عليك."
حرر يدها من كفه يتابع نظراتها المرتبكة، صرخ بها يحثها على القول:
"أنطقــــي."
تابعت بعينين وقد اتخذت من تمثيل الصدق وشاحاً، وحقاً لقد برع تمثيلها وهي تتحدث بحزن:
"حاولت أقولك كتير ياياسين، حاولت أتكلم معاك وأقولك إنه ميت من أول يوم عرفتك فيه وأنتَ مكنتش مديني فرصة. حاولت أعالجك كتير بس مجرد فكرة إن عمار يبعد عنك كانت مستحيلة. حاولت أشرحلك بس مانفعش، عارف ليه؟"
بدأ وجهها شاحب للغاية وهي تتابع بقول أسبابها:
"علشان عمرك ما قولتلي أسباب، عمرك ما دخلتني في حياتك. عملت معاك كل حاجة، نومتك مغناطيسياً، اديتك أدوية، حاولت أعالجك حتى من غير ما تحس، بس لما كان بيبعد عنك كنت بتبقى عامل زي المجنون. فاكر، فاكر لما كسرت الكوخ على اللي فيه لمجرد إني واجهتك وقولتلك بتكلم مين؟ أنا مش شايفه حد."
نعم ماتسرده له قد حدث بالفعل، حاولت علاجه ببادئ الأمر ولكنها فشلت بمحاولتها في المرة الأولى.
وعندما نجحت حاول تركها والعودة إلى دياره.
فبدأت بوضع حبوب المخدر بداخل مشروبه حتى يزيد تعلقه بهِ.
بعدما أدركت بأنه سيتركها إذا علم بحقيقة موت عمار.
تركها ورأته يتجه ناحية اللوح الرخامي من جديد.
فلاحقته بخطوات لم تكن متزنة أبداً.
فابتلعت ريقها بتوتر زاد بقوله لها:
"لما، لما دخلت عندك الكوخ أول مرة شوفتك يامشيرة وأنقذتك. أنت حلفتيني بحياة عمار قولتي 'وحياة عمار ماتسبنيش'. إزاي، إزاي عرفتي إن بكلم واحد اسمه عمار مع إنك كنتِ لسه أول مرة تشوفيني؟"
التقطت أنفاسها بصعوبة وبدأت بسرد ما حدث تلك الليلة بقول:
"أنا دكتورة نفسية، شوفتك وأنت بتكلم نفسك ونطقت اسم عمار. وقتها بصيت حواليا مالقيتش حد قدامي، بس بالرغم من كده بتكلم الفراغ. عرفت حالتك من لحظة ما شوفتك وأنا أهل جوزي هيقتلوني لو كنت مشيت وسيبتني وقتها. قولتلك وحلفتك بحياة عمار عشان أنقذ حياتي من الموت."
جحظت عيناه مما يسمعه وانكمشت تقاسيمه.
فأكملت حديثها مسرعة:
"بس، بس وحياة ربنا حاولت أعالجك. حاولت ومعرفتش أو ماقدرتش. بقيت أحطلك الدوا في الشيري كولا. ولما صورة عمار بقت تبعد عنك ومابقاش ييجي في خيالك اتجننت وكنت عايز تسيبني وترجع بلدك. أو بالأصح ترجع لها."
"روحتِ بطلتي تعالجيني لما فكرتي إني هسيبك."
ثبتت نظراتها أمام سؤاله واستدارت لهُ تجاوبه بالحقائق:
"أيوه بطلت أعالجك، بطلت أحطلك الدوا اللي يخليك ماتشوفش عمار تاني. بس ما سألتش نفسك مرة واحدة ليه أنا عملت كده؟"
رد عليها رد قوي أسكتها:
"علشان أنتِ أنانية مابتفكريش غير في نفسك وبس."
"مابرق بريق في مقلتيه وهي تصحح: "لاء علشان بحبك."
أخبرته بما أدهشه، أو أصدمه بالمعنى الحرفي.
طالعها بذهول وقد اعتلت الدهشة تقاسيمه وهو يقول:
"بتحبيني!!"
انفجرت وقد أتى انفجارها على هيئة بكاء وصراخها بهِ:
"اعمل نفسك مش فاهم ولا عارف، مع إنك ذكي كفاية وعارف أنا ليه جنبك السنين اللي فاتت دي كلها وبعت الكل واشتريتك."
بان على تقاسيمه الذهول بعدما التحمت الأعين وهي تسترسل:
"بعد وفاة جوزي اتقدملي كتير عشان بس في يوم أبص لهم. ما فكرتش، ما كنتش بوافق ليه؟"
رد بثبات يحاول استدعائه:
"عشان مش عايزة تتجوزي، عايزة تفضلي حرة زي ما كنتِ بتقوليلي."
بان وجعها وهي تصرخ:
"مافيش ست مش عايزة تعيش في ضل راجل يحميها ياياسين، بس، بس ضل راجل بتحبه وبتحس بالأمان معاه. لما كنا هناك في ألمانيا كنت بتخاف عليا وبتحميني، كان اهتمامك بيا أضعاف ما بتهتم بيا هنا."
"ده مكانش حب يامشيرة أنا وأنتِ صحاب، بس مابحبكيش. أنا كنت فاكر إننا صحاب."
"إحنا مش صحــــــاب."
قالتها على هيئة صرخة تدوي بالمكان وتحدثت دموعها بدلاً عنها.
تقترب منهُ قائلة:
"عمرنا ما كنا صحاب. أنا كل ده مستنية إنك تيجي تكلمني وتعترفلي بحبك ليا. لما أقف جنبك وأساعدك قولت أكيد هيحس بيا وهيحس باللي عملته عشانه. قولت البنت اللي في مصر دي أكيد كان وقت وعدى مش أكتر لأنك كنت بتتجنب تجيب سيرتها. ولما جيت اتجوزتها قولت أكيد عشان يحميها، ما البنت دي اللي عمار كان بيحبها. واللي أكدلي إني متأكدة إنك مادخلتش عليها ولا قربت ناحيتها في يوم. كل ده وأنا متحملة، متحملة عشان أسمع منك كلمة بحبك. يامشيرة عشر سنين وأنا مستنياها منك ومستعدة أستنى عشرة زيهم لو هتقولهالي في يوم."
ورد هو بما أوجعها:
"الراجل لما بيحب مش هيستنى عشر ثواني عشان يعترف للي بيحبها، مش عشر سنين يامشيرة. كان لازم تعرفي ده لوحدك. أنا لو كنت حسيت من ناحيتك بأي حاجة كنت اعترفتلك من زمان وما كنتش هسيبك لوجعك ده كله. بس أنا طول عمري كنت صريح معاكي، طول عمري بقولك إنك زيي زيك زي بربروس وعلي، جدعة ووفية وبتقفي في ضهري. ما كذبتش عليكي ولا اديتك أمل في يوم."
اقتربت منهُ بألم، فاستدار ينظر بجانبه حتى لا تلتقي عيناه بعينيها.
تحدثت دموعها قبل أي شيء.
أدارت وجهه بكفها ببطء لينظر لها تسأله وهي أنفاسها تتعالى تطالع عينيه السوداء كسواد الليل بقول:
"يعني ما فيش أمل إنك تحبني في يوم؟"
زاد قربها منه تنتظر الجواب.
تمسح بظهر يدها على وجنتيه بحب تصرح بما تعلمهُ منذ سنين مضت تقول بنبرة حانية مبطنة بالحب:
"أنا عارفة إنك مخبي عني كتير، عشر سنين وأنت زي ما أنت مابتكبرش. من أول ما شوفتك وأنت مابتتغيرش. قوتك وأنت بتشيل الشنط، طريقة أكلك لما بتبقى جعان وبتحاول تداري جوعك مهما أكلت بتفضل برضه جعان. عينيك اللي اتغير لونها وقت عصبيتك. حاجات كتير أوي بشوفها فيك ومابحاولش حتى أسأل عنها ولا أفهمها. عارف ليه؟ عشان اللي بيحب مابيشوفش غير الحلو في اللي بيحبه وبس."
اقتربت منهُ أكثر، قبضت على كفيه تضع يدهُ على خصرها.
تعالت أنفاسه من كثرة قربها واعطته أذن بالقرب منها.
اقتربت من شفتيه وكانت على وشك تقبيله ولكنه عاد خطوة للوراء يبتعد عنها باشمئزاز.
ورد بما أشعل الغيظ في فؤادها:
"لو جو الرخص ده شيفاه هينفع معايا تبقي حماره وستين حمارة كمان يامشيرة عشان أنا غير أي حد عرفتيه قبل كده. أنتِ عارفه إحنا فين؟ إحنا وسط ميتين."
وأكمل برده الساخر:
"طب احترمي حتى وجودهم لا يطلعوا لك."
"كونك نجح بكلماته لأبعادها عنه يسترسل بقول:"
"أنتِ هنا جنب عمار اللي فضلتِ سنين توهميني إنه عايش بس عشان أفضل جنبك ومارجعش. فاكرة بطريقتك دي هبقى ملكك ومعاكي أنتِ؟ اه نجحتي في ده لكام سنة براڤو، بس خسرتيني للأبد يامشيرة بسببك أنا عشت بعيد عن عيلتي سنين."
"بعيد عن عيلتك ولا عنها؟ عن اللي صاحبك كان بيحبه؟"
تقصد بقول صاحبك "عمار" فهي حتى الآن لا تعلم صلة القرابة بينهم.
وزاد وجعه بقولها:
"اللي كانت بتحب صاحبك وعشرة عمرك ودلوقتي بتحب فيك. يلا ما الثاني مات والحي أبقى من الميت. هتفضل السنيورة تزعل عليه لحد إمتى؟ وما صدقت إنك عرضت عليها الجواز وفي لحظة وافقت. على كده بقى المرحوم اللي إحنا واقفين قدام تربته وضعه إيه معاه؟"
بان الغل في نبرتها تتابع بحده تشير على فؤادها بإصبعها:
"بتقول عليا أنا رخيصة، أومال هي تبقى إيه؟ الرخيص في الحوار ده هي مش أنا. على الأقل أنا مابصيتش لصاحب عمر حبيبي وعملت نفسي إني عايزة أموت نفسي من فوق الجبل ياحرام وأتصل بيك على آخر لحظة عشان تلحقني وتتجوزني. دي مكيدة وأنت وقعت فيها وشمس الحرباية عرفت تجيبك إزاي."
كور كفه في محاولة بائسة منه للتماسك حتى لا يتهور أكثر من ذلك ويقوم بإيذائها.
يستدعي كل ذرة ثبات لديهِ بقول:
"الرخص اتخلق للي بيرمي لحمه للغريب وبيشحت الحب اللي رافضه يامشيرة، ماتخلقش لشمس."
كلماته موحية تضربها في مقتل.
ترى الإصرار في عينيه وهو يتدارك الموقف يدافع عنها بكل ما امتلك من قوة بقول:
"الرخص عمره ما عرف طريق شمس، شمس اللي لما ببص لها بستغرب إزاي كل المعزة دي ممكن تكون جوه قلبي ليها. أنتِ ممكن تكوني عارفة إني بعزها بس متعرفيش أنا بعزها قد إيه. أنا الدنيا كلها أخدت مني كل حاجة بس رزقتني بيها. مكنتش أعرف إني بعزها أوي كده غير لما لاقيت نفسي بعيط في نص الليل عشانها. عشان خايف أخسرها زي ما خسرت اللي قبلها. النظرة في عيونها بتساوي عندي الدنيا وما فيها عشان عيونها دول حبايبي يامشيرة."
وقبل أن تقاطعه أكمل هو وقبض على مرفقها بقوة وقد احتلت نبرته بقول:
"مش عايز أشوف وشك تاني. أحمدي ربنا إنك قابلتيني في سنين عرفت الرحمة طريق لقلبي فيها. يا أما كان زمانك مدفونة حية في قبر من دول. من بكرة تلمي هدومك وتمشي. ولو شفتك في طريقي مرة تانية هنزع الرحمة من قلبي بشوفتك يامشيرة."
كلماته تجلدها تسمعهُ بألم وهو يدافع بقوة عن أمرأة غيرها.
لا تعلم كم أحبها ولن تعلم كيف يحبها.
نعم يقول على الحب فقط معزة إذاً وكيف يكون إذا اعترف بحبها.
وكأنه مقسوم نصفين، نصف يريد الاعتراف بحبها والأخر يمنعه عن فعلها.
***
هناك اعترافات تصيبنا بالعجز.
كذلك كانت حالته تماماً حين تواصل "يزن" مع الطبيب المعالج عبر تطبيق الواتساب لإجراء بعض الفحوصات.
فاستعلم "يزن" منه عن حالتها الصحية المتدهورة بقول:
"للأسف حالة سارة في تدهور تام يا أستاذ يزن من بعد ما بقت توقف العلاج ومابقتش تاخد جرعة الكيماوي وكل شيء رجع زي الأول وأكثر."
تيبس للحظات يعيد قراءة ما بعثه لهُ الطبيب.
لم يستطع منع سؤاله يبعث لهُ برسالة نصية أخرى:
"إزاي ما بتاخدش جرعتها؟ أنا اللي بوديها بنفسي وأرجع أخدها من قدام المستشفى، أنا اللي بديها العلاج بإيدي كل يوم."
بعد ثواني رد عليه الطبيب قائلاً:
"دي حاجة تقدر تسألها هي، بس أنا متأكد من معلوماتي."
أغلق هاتفه وظل صدى كلماته يتردد في أذنه.
خرج من غرفته يبحث عنها بأرجاء المنزل حتى وجدها أخيراً بغرفتها تقف أمام المرآة تمشط خصلاتها بحزن تطالع أسنان المشط وما بينهُ من خصلاتها المتناثرة عليهِ بشكل عشوائي.
وما أن سمعت صوته يناديها بالخارج حتى أخفت المشط سريعاً تلقي بخصلاتها بصندوق القمامة.
ردت عليهِ بصوت عالٍ نسبياً وهي تقول:
"أنا هنا يايزن."
أجبر نفسه على الابتسام أتى ومعه كوب من الماء، والدواء الخاص بها يحثها على أخذه بقول:
"العلاج ياسارة جيبتهولك في معاده."
مدت كف يدها تشير برأسها بالموافقة بقول:
"تمام هاخده."
وضعت كبسولة الدواء بداخل فمها وتجرعت كوب الماء من بعده.
ابتسم لها يعطيها ظهره قائلاً:
"أنا هطلع أشوف دكتور علي فين."
وما أن خرج حتى أخرجت الدواء من فمها تضعه بصندوق القمامة.
تابع هو ما تفعله عند وقوفه مقابل الباب وصدم عند معرفته بذلك.
طالعته بذهول عند رؤيته وقد رآها تلقي بدوائها بداخل الصندوق فنطق هو من بين شفتيه سؤاله بدهشة من فعلتها:
"طب ليه؟"
***
وجودها معه بنفس المكان بل وجواره على نفس الأريكة أربكه.
جعله يخرج الكلمات بشكل متقطع من فمه وقد ابتلع ريقه بتردد.
وقبل أن تنطق سريعاً برر لها:
"أنا حاولت، حاولت أبعد عن ياسين وشمس زي ما أمرتي زمان بس وعزة جلال الله ياحكيمة شمس رجليها اللي جابتها ليا لوحدها ما كان ليا يد في مجيتها هنا."
اعتدلت بجلستها تطالعه بنظرات محتده وقد اتكأت بكفيها على عكازها تسأله:
"طب وياسين هو كمان جه هنا لوحده ولا أنت اللي جريته ليك؟"
فرد عليها بصدق بما بث الذعر بداخل قلبها:
"لاء، ياسين أنا اللي حاولت معاه عشان أنفذ وصية المهدي وكنت بحاول أعرف منه أخبار عن شمس. وبالرغم من إنه كان فاقد ذاكرته والضبع كان مسيطر على عقله بس كلام المهدي طلع صح. وجود شمس جنبه حرك جواه الجانب الطيب ومنع الضبع إنه يخلص عليا."
"ومرتك قدرت تخلصها من الضبع هي كمان ولا دفعت تمن إن ياسين يبقى جنبك؟"
قصمت جملتها الأخيرة ظهره، نظر للأرضيه نادماً على فعله.
وكان جوابه كلمة واحدة وهي:
"دفعته."
بغض نفسه وبشدة على فعلته منذ سنين مضت وفكرته هي بما يحاول نسيانه بقول:
"أنت بعت المهدي زمان للضبع وهو اللي كان فاكرك صحبه. ياما قولتله ده بشر مشاعره بتحركه بلاش تأمن له على سرك يامهدي، بلاش تعرفه كل شيء. بس هو كان بيدافع عنك ويقولي 'ده صاحبي اللي مهما حصل لا يمكن يبيعني، عنده يموت روحه وما يبيعنيش'."
بتر نصف العبارة، بتر حديثها مدافعاً عن نفسه بدليل نطقته هي بلسانها قائلاً:
"أديكي قولتيها أهوه، شايفة قولتي إيه ياحكيمة؟ الموت عندي أحسن من إني أبيعه ياحكيمة. بس هما مكانوش هيموتوني أنا، كانوا هيقتلوا نجاح مرتي لو مكنتش قولتلهم إن زهرة حامل. لو مكنتش عرفتهم مكانها كانوا قتلوها وقتها. نجاح كانت بتحبك دي كانت أقرب لك من نفسك. ماقدرتش أشوفهم وهما حاطين السلاح على ضهرها."
نطقت وقد وصل ضيقها إلى الذروة:
"وبعد ماقولتلهم ما برضه ضربوا عليها نار وفضلت مشلولة طول حياتها. يعني عاشت عيشة الميتين يانصير."
انتفض واقفاً من مكانه يسرد لها الحقائق:
"اللي حصل خلاص حصل. ضعفت وقولت خوف على اللي مني مش عليا. سبت بيتي وحياتي وفضلت عايش في الكوخ ده سنين ياحكيمة عشان ماتعرفليش طريق. قلبك أسود مابيسامحش مع إنك لو فكرتي فيها ولو شوية، هتعرفي إن كل ده قدر ومكتوب وكل اللي حصل كان لازم يحصل. قولت على مكان المهدي أو ماقولتش كان هيحصل. المهدي كان عارف ده كويس عشان كده وصاني إني أقرب من ياسين. وعرفت إزاي أبقى الركن الهادي اللي بيقوله كل مشاكله حتى والضبع كان مأثر عليه. كنت بعرف أخبار شمس منه وحننه عليها كتير. أنتِ بنفسك ما عرفتيش تعملي ده. أنا بس ياحكيمة اللي قدرت أعمله."
كان هذا جوابه ومبرره لها ولكن كانت هي الأسرع تقف أمامه ناطقة بقول:
"ومين قالك إني مش عارفة مكانك من سنين وعارفة كل اللي بتعمله عشان تقرب شمس من ياسين. من وقت ما اديت دفتر ياسين لشمس وأنا عرفت نيتك. حبيت تقربهم من بعض وتعرفها حياته قبل ما تتولد كانت عاملة إزاي حتى وهو مش موجود. ده غير اللي أنتَ كتبته بخط يدك عن ياسين وياسين ما كتبهوش. عرفتها كل شيء عنه من غير مجهود. حركتك عجبتني وعرفت إنك لسه ذكي زي زمان يانصير."
وفي خضم هذه المواجهة الشرسه خرجت "شمس" من الكوخ تستند بكفيها على جدرانه.
الرؤية أمامها مشوشة بالكاد تستطيع سماعهم.
نطقت كلماتها من بين شفاهه بصعوبة تحاول إخراج الكلمات بقول:
"انتوا بتقولوا إيه؟"
انتبهت وتوقفا حين قالت جملتها.
طالعها الاثنان في آنٍ واحد وقد اعتلت الدهشة وجوههم.
نطقت الخالة من بين شفتيه بعدم تصديق:
"شمس."
التقطت أنفاسها بصعوبة تلتقطها بين ذراعيها.
وقد اعتلت الدهشة ملامحها عند رؤيتها هكذا.
استفسرت بعينيها قبل لسانها عما حدث.
فنطق "نصير" بما طمئنها ولو قليلاً:
"ماتقلقيش ياسين شال الرصاصة وهتشفى بسرعة، دي بيجري في جسمها دم المهدي."
أسندتها تعيدها إلى فراشها مرة أخرى تغوص بنومها من جديد.
جلست جوارها تمسح بأصابعها على شعرها بحنان تسأله عما حدث بذعر واضح بمقلتيها.
أجابها ومعلوماته تكاد شبه معدومة قائلاً:
"ماعرفش حاجة ياحكيمة، كل اللي اعرفه إن ياسين جابها امبارح بالليل مضروبة بالنار، جابها وعالجها. وقبل ما أتلفّت مكانش موجود. بس اللي متأكد منه إنه هيرجع لها من جديد."
تبادلوا النظرات.
هل قال مضروبة بالنار؟
من تجرأ على فعلها وخصوصاً داخل قريتهم؟
لم تكن سوى نظرات مصدومة لا يصاحبها إلا الاندهاش.
صمتت لثواني تغلى الدماء بعروقها تفكر لثواني ووجدت شفاهه تنطق ما يدور بداخل عقلها:
"أكيد فريد الكلب اللي عملها. مافيش غيره."
***
الوضع متأزم للغاية هي على وشك الموت.
ما زال يقف أمام غرفتها بثبات يحاول تدارك الموقف الذي أقدمت على فعله.
بعد إلقائها بالدواء في صندوق النفايات رأى الذعر في مقلتيها عند رؤيته.
وقد كرر سؤاله وهو يسير ناحيتها بقول:
"بتعملي كده ليه انطقي ياساره."
قبض بكفيه على ذراعها بإحكام وهو يكمل بوجه مكفهر:
"مغفلاني وأنا فاكر إنك بتاخدي علاجك وبتحضري جلساتك. بتاخديني على قد عقلي وبتوافقي وأنا بقولك نروح نعمل التحاليل. أنتِ عايزة إيه، عايزة تحرميني منك ليه؟"
تجمعت الدموع في مقلتيها وهي ترجوه:
"كفاية يايزن، أنت مش فاهم حاجة."
حررت ذراعيها من كفه تراجعت للخلف تجلس على طرف الفراش تحت نظراته المستفسرة.
تكمل وعبراتها الساخنة تتسارع على وجنتيها:
"مش فاهم يعني إيه شعرك يقع والألم مابيخفش. مش فاهم يعني إيه لما شعور بنت تتحول من بنت لراجل زيي زيك."
قبضت بكف يدها على أطراف شعرها فأصبحت كمية كبيرة من خصلاتها بباطن كفها.
تسرد له عن مخاوفها بقول:
"بص، شوف شعري بيقع بقيت أخاف أسرحه وأبقى قرعة."
تجهت ناحية الخزانة بخطوات واسعة تخرج قطعة قطنية تمسح ملامحها بعنف:
"حواجبي دي أنا اللي برسمها كل يوم قبل ما أصحى عشان خلاص شعر حواجبي وقع."
التقطت رموشها الصناعية على أعلى جفنها تلقيها بوجهه صارخة بقهر على حالها:
"شايف حتى رموشي مابقيتش موجودة، ده غير الوجع طول الليل ببقى بكتم نفسي كل يوم وأعض في المخدة عشان ماتسمعيش صوتي وأنا بتألم. وتيجي في يوم تزهقي مني وتسيبني."
جلست على المقعد المقابل تواجه "يزن" بنظراتها وهي تؤكد:
"أنا كده كده ميتة يايزن وخصوصاً إني وصلت للمرحلة الرابعة. يبقى ليه أعيش الأيام اللي فضلالي وسط الحقن والمستشفيات والعلاج؟ ليه أسيبلك ذكرى وحشة كل ما تفتكرني؟ لما ممكن أسيبلك ذكريات جميلة نعيشها سوا."
أبت القشعريرة في جسده ودافع مسرعاً عن حقه الذي تسلبه منه عنوة.
اتجه ناحيتها يجلس القرفصاء يحاوط كفيها برفق وقد طالعها بقول:
"أنتِ حقي، ليه عايزة تاخدي مني حقي ياساره. لما تكملي علاج هيبقى في أمل إنك تخفي في يوم، لكن لما توقفي."
بترت جملته تجذب كفها من يده بعدما وقفت تبتعد عنه:
"والله ما هيحصل يايزن افهم بقى أنا كده كده ميتة. ما فيش حد وصل للمرحلة الرابعة وكمل وعاش. أنا ما وقفتش علاج غير لما عملت تحاليل وعرفت إن حالتي بتسوء. مابتتحسنش. لو كنت اكتشفت المرض بدري كان هيبقى في أمل. لكن خلاص، خلاص يايزن كل حاجة بتروح."
احتضنها وبشدة تمسك بها لا يتركها.
وقد نطق بكلمة واحدة:
"ماتسبنيش."
تمسكت بهِ وقد ابتل قميصه بدموعها، حاوطته بذراعيها وكأنها تخشى ضياعه منها.
وقد نطقت بقول:
"أنا مش عايزة أسيبك، بس غصب عني لازم أسيبك."
توقفت الأرض الآن بكلماتها.
هذه اللحظة وهذه الكلمة يشعر وكأن جسده ستفارقه الحياة إذا فارقته هي.
***
كان الصمت ثالثهما أثناء عودة "غدير وبدر" إلى المنزل بعدما رفضت ركوب الدراجة من خلفه.
رفع طاقية چاكيتُه على رأسه قائلاً بمزاح:
"هتفضلي ساكتة كده كتير؟"
توقفت عن السير تطالعه وقد اختلطت الحِدة بنبرتها:
"هقول إيه؟"
لاحظ الحِدة بصوتها هذه المرة كمش حاجبيه مستفسراً:
"مالك ياغدير من ساعة ما طلعنا من المحل وأنتِ متغيرة، كل ده عشان قولتيلي، وطالما خايفة أوي كده قولتيلي ليه؟"
"معرفش."
أجابتهُ ودموعها تحرق وجنتيها من كثرة الندم.
فجاهدت تخبره بصوت مبحوح:
"كنت عايزة أحكي لحد ومش عارفة. حاكيتلك ليه؟ لو أي حد عرف الكلام ده بره العيلة هتبقى مصيبة. عيلتي اللي عشت سنين بحلم بيها هتدمر. ياسين مش وحش يابدر، ياسين ده أحلى حاجة في كل الحاجات. أنتَ ماتعرفش هو ضحى بإيه وبيعمل إيه عشانانا. أنا بس حسيت إني وحيدة معنديش حد أحكيله. أنا راهنت نفسي إنك هتطلع كويس وحاكيتلك وخايفة أخسر الرهان يابدر."
لانت تقاسيمه يمسح دموعها من على وجنتيها برفق يخبرها ما يطمئنها بقول:
"مش عارف وعدي ليكي هيبقى كافي ولا لأ، بس أوعدك ياغدير إنك هتكسبي الرهان."
بان الصدق من خلال نبرته، حديثه طمأنها ولو قليلاً.
وبدأ يسرد لها ما بداخله أيضاً:
"تعرفي إني عمري ما جربت شعور العيلة أبداً."
أكملت سيرها وقد أكمل هو يسير بجوارها:
"أنا أصلاً ماليش حد في الدنيا غير خالتي اللي ربتني بعد أمي وأبويا ماطلقوا وكل واحد اتجوز ومابقاش عايز يربيني. خدتني هي وربتني عشان مابتخلفش."
اتسعت عينيها قائلة:
"خالتك!!"
"بص هي مش خالتي أوي يعني بس أنا بقولها خالتي. ماليش غيرها. هي أصلاً كانت جارة أمي. وكان كل ما جوز أمي يديني علقة على أتفه الأسباب، تجري تخبيني عندها وطبعاً تسيبني عندها باليومين تلاته. ولا تسأل لحد ما مرة لاقيتهم سافروا من غير حتى ما أعرف وقطعت كل صلتها بيا. ومن يومها وأنا عايش مع خالتي وهي اللي ربتني لحد ما تعبت ومابقتش قادرة تخدم نفسها بس أنا اللي بخدمها دلوقتي وعمري ما هنسى جميلها في يوم. ربتني وعلمتني وعاملتني على إني ابنها وأكتر."
تنهدت بألم وهي تقول:
"الأم اللي تربي مش اللي تخلف وترمي يابدر."
خرجت منه تنهيدة حارة يشير برأسه موافقاً ينظر أمامه.
فسألته مستفسرة:
"سكت ليها."
اصطنع نبرة شبه باكية:
"خايف، خايف تطلعي أسرار العيلة بره وتقولي لحد. هتبقى مصيبة. أنتِ ماتعرفيش خالتي دي طيبة إزاي. خالتي دي أحلى حاجة في كل الحاجات."
تعلم أنه يقلد نبرتها ساخراً.
ابتسمت بضحكة واسعة تضربه على كتفه بخفة:
"والله، بقى أنا بعمل كده."
أشار برأسه بالموافقة وقد بانت الضحكات بكلماته قائلاً:
"بصراحة أه، أوڤر أوي."
ضحك الاثنان معاً ودون أن يشعروا وجدوا أنفسهم على أعتاب المنزل.
أشارت بأصبعها على المنزل بقول:
"الظاهر كده إننا وصلنا."
نظر "بدر" حوله متأملاً المكان:
"إيه ده، هو إحنا وصلنا بسرعة ولا البيت اللي قرب؟"
وقبل أن ترد فقد ظهر "حسان" من العدم يقف أمامهم يرد بنبرة حادة:
"كنتِ فين ياغدير؟"
حمحم "بدر" في محاولة منه لإعطاء بعض الهدوء:
"هي بس كانت عجلتها بايظة فـ."
بتر حديثه بغلظة:
"أنا مسألتكش أنتَ، أنا سألتها هي."
تهكمت تقاسيمه تجاوبه:
"في إيه ياحسان بتتكلم كده ليه؟ محسسني إني عاملة عملة ليه؟"
أعاد كلماتها ساخراً:
"محسسك!! يعني لما تفضلي بره طول الليل واستغليتي إن البيت والعيلة والدنيا شايطة ومحدش هيسأل عنك وتقعدي بره طول الليل ده يبقى اسمه ياهانم يامحترمة وراجعة مع واحد غريب مانعرفهوش."
علا صوته فأصبح الجميع يطالعه مزامنةً مع عودة بربروس ومارال فقد سمعوا الصوت من بعيد.
أتى "بربروس" مهرولاً:
"ماذا حدث؟"
صمت الجميع عن الكلام دون "حسان" الذي نطق بنبرة حادة قائلاً:
"تعالى يابربروس تعالى شوف الهانم كانت فين."
صاحت "غدير" تنقذ نفسها قائلة:
"أنا ما عملتش حاجة غلط."
"لاء عملتي."
أصر "حسان" وبشدة على حديثه وتابع بقول:
"لما ماتبقاش طول الليل جوه البيت وترجع مع واحد غريب الصبح تبقى عملتي. اللي بتعمل كده في القرية بنسميها ********."
رواية الهجينة الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم ماهي احمد
عبارات نابيه مما جعل مارال تتصدى له وتقف أمامه بحده:
_ أخيس ياحسان قطع لسانك ماتقولش عليها كده.
يدخل بدر ليحجم الموقف:
_ غدير عمرها ما كانت كده، هي بس كانت مخنوقة و..
قبل أن يكمل، أشار له بربروس بكف يده حتى يكف عن الحديث قائلاً:
_ نعلم جيداً بنات عائلتنا، فمن صفاتهم الاحترام. لا داعي بأن يدخل غريب بيننا ليعلمنا من هن بناتنا.
طالع حسان بنظرة حادة، نظرة جعلته ينظر للأرض بندم:
_ وما قاله حسان عن ابنتنا ما هو إلا ترهات ناتجة عن قلقه فقط.
أشار برأسه لـ مارال يحثها على أخذ غدير للداخل. وافقت، تمد كف يدها لها. وما أن مدت كفها حتى استجابت لها غدير، تطالع بدر بعيون دامعة. يراها تبتعد عنه تحت ناظريه.
وما أن دلفت داخل المنزل حتى حث بربروس بدر على الرحيل وتوعد لـ حسان على فعلته منذ قليل. رحل الجميع. وقبل أن يلدف إلى المنزل وجد الطبيب يصعد إلى سيارته. حثه على النزول بقول:
_ أيها الطبيب، أين أنت من ليلة البارحة؟
قالها بلهجة طغت عليها اللامبالاة:
_ معلش يابربروس، سيبني دلوقت.
يعلم جيداً ما بداخله، فنظر بربروس إلى الساعة بمعصم يده وقد دقت التاسعة. صعد جواره داخل سيارته وبدأ بقول:
_ إنها التاسعة صباحاً، وقد تذكرت شيئاً. أريد منك أن توصلني إلى مكان ما.
وضع الطبيب المفتاح بالسيارة وحركها وهو يسأل:
_ عايز تروح فين يابربروس؟
أجابه بربروس بما لديه:
_ إلى المكان الذي تقصده، فقد تذكرت أن لدي موعد هناك.
قالها الطبيب بحدة:
_ بس أنا مش عايز حد معايا يابربروس، أرجوك تسيبني في حالي.
لم يقابلها بربروس إلا بكل هدوء، يجلس بأريحية على مقعده وبدأ بقول:
_ حسناً، إلى أين تريدنا أن نذهب؟
أدرك الطبيب مراوغة بربروس، ضغط على دواسة البنزين يتحرك بالسيارة وهو يردف بحنق:
_ أنا عارف إني مش هعرف أخلص منك.
حلت الظهيرة ولم يأت منها إلا ضوء خافت جاء على استحياء. اتجه ياسين ناحية الكوخ يطالعها بهدوء من بعيد، يستند بظهره على الباب، يطالع سكينتها متمنياً بألا يصيبها أي مكروه. فشعور بأنك ستفقد من تحب يدفعك للجنون.
يتحدث بعيونه ما لم ينطقه لسانه:
_ لو جرالك حاجة في يوم، العيشة في بعدك هتصبح مرة والدنيا هتفضى من الونس. على واحد عاش سنين محروم منه، ومحسش بيه إلا بوجودك جنبه. أنا الغريب في دنيا نابذة وجودي جواها، متقيد بيها ومعاها وكأنك حريتي اللي فضلت سنين أتمناها.
كلمات يرددها بينه وبين نفسه، فأتى عم نصير من خلفه بعدما رحلت حكيمة وهي تحذره من ألا يعلم أحد بقدومها. يمد يده بكوب من الشاي الدافئ يعطيه له، يقطع شروده سائلاً:
_ بتحبها يابن الصاوي؟
سؤاله أربكه. شعر بانسحاب الأنفاس من سؤاله. أعطاه ظهره يجلس على الأريكة الخشبية أمام الكوخ قائلاً بكلمات متقطعة نافياً سؤاله:
_ عارف لما تبقى أكتر حاجة انت عايزها هي أكتر حاجة ماتنفعلكش، اللي بتتمناه يبقى جنبك هو الوحيد اللي لازم تبعده عنك.
أتى يجلس بجواره ومازال ممسكاً بكوب الشاي بيده، يعيد عليه سؤاله:
_ مش ده رد سؤالي اللي مستنيه ياياسين؟
لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة وتحدث نافياً:
_ شمس عمرها ما انكتبت ليا في يوم.
قالها عم نصير:
_ وده أنت اللي قررته بنفسك.
أغمض عينيه بتعب فأعطاه عم نصير كوب الشاي الساخن ومد يده يستقبله منه وقال بوجه بشوش يتابع حديثه:
_ طب بلاش بتحبها، على الأقل بتحس ناحيتها بأيه؟
وقبل أن يجيبه، اقترح عليه أن يجيبه كما يفعل سابقاً بطريقته الشاعرية بحديثه الفصحى كما كان يحب منذ سنين مضت وهو يدون كل شيء بداخل مفكرته، حتى يخرج ما بقلبه. صمت قليلاً ينظر أمامه وقد كان يحاول تجميع الكلمات. قال وعيونه تدور في أرجاء المكان يشرد بما شعر به:
_ أشعر وكأن العالم مظلم ووحدها من تضيء عتمته، وكأنها الجار والجوار والدار والديار. لا شبيه لها ولا مثيل ولا بديل.
أجابه بغموض لم يروي ظمأ أسئلته، فنطق يؤكد عليه:
_ يبقى بتحبها ياياسين.
صرح ينكر جملته سريعاً:
_ ما تكبرش الموضوع، مش للدرجة دي.
أكمل حديثه يغير مجراه، وتابع نصير ردة فعله وهو يرى الغضب الذي كاد أن يلتهم وجهه:
_ أنا طلعت مغفل كبير أوي ياعم نصير، كنت فاكر نفسي شديد ومحدش يقدر يضحك عليا، لاء وكمان كنت فاكر إني أقدر أحمي اللي مني وطول ما هما جنبي هيبقوا في أمان. عمار طلع.. مي..ت مش عايش وكمان لما.. مات.. مات قدام عينيا وشمس انضربت بالـ..نار وهي في حضني ومش هتطلع من حد غيره، مش هتطلع غير من فريد.
قال عم نصير:
_ وهتتصرف إزاي ياياسين؟
وجه عم نصير سؤاله له، وقبل أن ينطق أتت زهرة تهرول وقد انتشر الخبر سريعاً بين أهل القرية. الكل علم بخبر إطلاق الـ..نار على شمس في المساء بعدما رآه أحد الماره يهرول بها بين طرقات القرية تنسدل دماؤها منها متجه ناحية الكوخ. أتت زهرة تهرول ناحيتهم، ظنت أن ابنتها قد فارقت الحياة. مجرد تخيل هذا جعل جنونها ينشط. فتحدثت بصوت نال منه الفزع وعيون مستنجدة قد نال منها الذعر، تقبض عليه من تلابيبه:
_ بنتي، بنتي فين ياياسين؟ حصلها إيه، انطق.
أغمض عينيه بتعب وفتحهما تلقي على مسامعه البقية:
_ شوفت، شوفت أنا كنت خايفة بتي تبقى معاك ليه، عشان مافيش خير بييجي من وراك ياياسين مهما حصل. أنت اللي مكنتش فاهم ده، حرقتلي بيتي وطلقتني من جوزي وأنت السبب في أذية بنتي. أنا كنت كل همي في الدنيا أنها تتجوز واحد سوي تعيش معاه أيامها في أمان واحد ما تخافش معاه من بكرة، وأهو قبل ما ييجي بكرة يابن الصاوي كانت مضروبة بالـ..نار. هو ده اللي أنت عايزه؟ أنت كده بتحميها؟ أنت ما بتعملش حاجة غير إنك تدمر اللي حواليك. إيه اللي جابك بس؟ إيه اللي رجعك؟ ما أنت كنت بعيد وقولنا خلصنا منك. عشر سنين عشناهم من غيرك كنا عايشين في أمان، ومن وقت ما رجعت ماشوفناش غير وجع القلب وعدم الأمان. روح منك لله.
انهارت، لم تقدر قدماها على حملها أكثر من هذا. استشعر رعشات جسدها، خانتها قدماها وقد خرت على الأرضية ومازالت ممسكة بتلابيبه. جلس معها وفعل عكس المتوقع، فعل ما أدهشها. تحدث معها هذه المرة ووضع استفزازه لها جانباً، ربت على كفيها بحنان يحدثها بعينين صادقة وقلب مكسور:
_ أول مرة أوافقك على كل كلمة قولتيها يازهره.
حركت زهرة رأسها بغير تصديق وعادت تنظر له من جديد. ساعدها على الوقوف وقد جلسا سوياً على المقعد الخشبي. وضع كفه أسفل وجنته وهو يقول بهدوء واستسلام، لم تعهده منه من قبل:
_ ماتستغربيش يازهره، أنتِ فعلاً عندك حق في كل كلمة قولتيها. أنا دلوقتي بس فهمت إن طول ما شمس جنبي هتشوف الأذية ألوان.
الصدق ينطق في حديثه وفي مقلتيه وهو يدافع عن نفسه:
_ بس مش هتبقى الأذية مني، هتبقى من اللي حواليا. عشان أنا جنبها حاجة مكنتش فاهمها وفهمتها دلوقتي. حاولت تنبهيني قد إيه أنا مؤذي، بس مكنتش فاهم. كنت فاهم إن اللي زيي ينفع يتغير ويقدر يعيش في أمان زي بقيت الخلق.
برزت ابتسامة على ثغره يحاول بها أخفاء الألم الذي ينزف من كلماته:
_ آه، أنا حرقت بيتك وعارف إن مكانش ينفع أعمل كده، بس وقتها مكنتش بفكر. مكنتش عايز حاجة تبعدني عنها، كنت خايف لا تبعد وتتأذي. محطيتش في بالي ولو لحظة إني السبب في أذاها. اطمني، شمس لحد دلوقتي بخير وأنا همشي وأسيبها يازهره، بس مش قبل ما أبعد عنها اللي ممكن يأذيها وأطمن قلبي عليها.
عند هذه النقطة تحديداً انفجرت في البكاء، تعالت شهقاتها وأصبحت تسرق الأنفاس بصعوبة من بين شهقاتها. تحدثت تبرر له:
_ ياسين أنا مش وحشة، بس أنا شفت الوحش اللي جواك. محدش فيكم باصصلي بعين أم خايفة على ضناها واللي هي حتة منها. أنا اتحرمت من شمس 16 سنة وأنت كنت بالنسبالي الوحش اللي حارمني منها. كنت بنام وأقوم وأنا كرهالك. عارفة، عارفة إن كل اللي حصلك كان غصب عنك، بس أنت مش ابني مش حتة مني عشان أحس بيك. لكن هي لأ، هي اللي طلعت بيها من الدنيا وكل اللي بتمناه إنها تعيش في أمان اللي باقي من عمرها. وأديت شوفت واعترفت بنفسك إنها كل ما هتكون معاك كل ما الأذى هيجري وراها بالمشو.
تحدثت معه باستفاضة وتفهم هو مشاعرها، وافقها على كل شيء. وأتى إلى النقطة الأصعب ولكنه كان بارعاً في التعبير:
_ شمس تستحق ترتاح والدنيا تبقى ليها براح، حتى لو أنا مش فيها. ولا أستحق براح الدنيا معاها. شمس تستحق كل حاجة حلوة في الحياة، هي أصلاً بالحياة وما فيها.
صدق نبرته أذهلها، وحتى حاول أخراجها من نوبة بكائها الزائدة بقول:
_ خلاص بقى، ده أنتِ نكدية بزيادة.
اشتركت تقاسيمها وزادت شهقاتها التي هتفت من بينها وتعالت نبرتها بغـ ـضب:
_ ما أنتَ السبب، أنتَ برضوا سبب طلاقي ياللي منك لله.
حول عينيه للون الأحمر وتهكمت تقاسيمه وقد بان على ملامحه الجدية:
_ صوتك ما يعلاش يازهره، ولا عشان قعدتك جنبي وطبطبت عليكي بكلمتين هتاخدي على.
أدب الذعر بقلبها، ابتعدت عنه متجه إلى طرف المقعد. ابتسم عم نصير من فعلته. ضاق نفسها فهي الآن بمفردها معه. ابتسم يشير لها بيده مازحاً بعدما أعاد عينيه إلى لونه الطبيعي:
_ والله يازهره أنتِ غلبانة بجد، وما طلعتيش حيع ولا حاجة. تعالي، تعالي، أنا بهزر معاكي. في برضه حد يأذي حماته.
نفت كلمته وبشده:
_ ما تقولش حماتي.
انصاع لأمرها يخبرها:
_ اللي تشوفيه يازهره، حلو كده.
صدرت عن زهرة تنهيدة متعبة ثم أخبرته:
_ حلو، بس عايزاك توعدني إنك فعلاً هتبعد عنها وتطلقها.
صمت للحظة وألقت عليه نظرة وقد خيم على عينيه الحزن. وجدته يطالعها بعينين وقد لمعوا ببريق ممزوج من الحزن. وبالرغم من ذلك يجبر شفتيه على الأبتسام:
_ هوعدك، بس مش قبل ما تفردي وشك ده الأول.
كانت نبرته هنا جادة عكس نبرته المازحة مسترسلاً:
_ هوعدك، بس مش قبل ما تطمن عليها وتبعد اللي عايزين يأذوها عنها. بس لحد ما ده يحصل، أنا هفضل جنبها ومش عايز منك أي اعتراض إني أبقى قريب منها. واللي أقولك عليه تنفذيه، يعني وقت ما أقولك خليها معايا هتفضل معايا.
قالتها معترضة:
_ أيوه بس..
فبتر حديثها بعدما علم مقصدها:
_ مش هلمسها، ولا هقربلها. شمس عمرها ما كانت ليا في يوم يازهره، اطمني. دي حاجة أنا عارفها ومأمن بيها كويس.
أشار برأسه يحثها على النهوض:
_ يلا، ادخلي لبنتك واطمني عليها، هي قريب هتبقى بخير.
كانت في الحقيقة تبكي وكأنها المرة الأخيرة، تفرغ كل ما لديها من الدموع. شعرت مشيرة بكل ما هو قاتل. كلامه مزقها. فعل كل هذا فقط حينما علم بأنها جارته بأن عمار ما زال حي يرزق. أبعدها عن حياته للأبد. وأه كل الأه لو علم بأنها تدس له الدواء بداخل مشروبه حتى يظل على عماه. أخذت تحدث نفسها ماذا لو علم بأنها هي من تسبب بإطلاق الـ..نار على شمس. ماذا سيفعل حينها. كل هذا نفضته عن تفكيرها. كل شيء مباح لديها فقط ليظل بجوارها.
عادت إلى المنزل بعدما وعدته بأنها تريد الراحة ولو قليلاً وستغادر بعدما تلملم أشياءها المتبقية من بيت الصاوي، وهي تعرف تمام المعرفة أنهم سيكتشفون مـ ـقتل شمس قريباً ومن ثم ستبقى بجواره لمواساته كما تفعل كل مرة. توقفت لدقائق تفكر. لم تسمع نحيب أحدهم. لم يتحدث هو عن مـ ـقتل شمس وكل ما يشغل باله فقط هو عمار.
تحرك حسان أمامها فاستوقفته مسرعة تسأله بلهفة:
_ إلا قولي ياحسان، هي فين شمس؟
لم حاجبيه باستغراب ثم أرضت هي فضوله بقول:
_ أقصد يعني، مافيش حد في البيت. هو أنتوا فين؟
بان عليه القلق بقول:
_ أنتِ ماسمعتيش، أختي شمس انضربت بالنـ ـار. كل اللي في البيت مش موجودين، كلهم راحوا عند كوخ عم نصير.
قالت:
_ يعني عايشة؟ مامـ ـاتتش؟
كانت ترغب وبشدة في موتها. رمقه حسان وبشدة وهو يعترض على ما يقول بقوله:
_ بعد الشر، إن شاء الله اللي يكرهها. جت سليمة بس عم ياسين هيعرف يجيب اللي عملها، إن شاء الله لو كان في جحر نملة.
شلت الصدمة مشيرة. الآن ما هذا الذي تسمعه. اشتعلت عيناها. ودت لو قـ ـتلته ولكنها تصنعت الشفقة ببراعة وهي تقول:
_ أنا ما أقصدش، بعد الشر عليها طبعاً. أنا بس كنت عايز أطمن عليها.
أشار بكف يده للخارج:
_ أنا كنت بجيب لها هدوم ورايحلها دلوقتي. لو حابة تيجي معايا، استناك.
هتفت مسرعة:
_ لا، لاء. هاروح لها وقت تاني. أنا هدخل أوضتي عشان أرتاح.
جاء رده جافاً:
_ عن إذنك ياطنط.
استدار ليغادر من هنا. ترمقه بعيونها التي لو كانت سهاماً لأصابته. وخر حسان أرضاً سريعاً. الآن تمتمت بداخلها بقول:
_ طنط لما..
دخلت إلى غرفتها صافعها الباب خلفها بعدما أدركت أن ما خططت له أصبح بلا فائدة. ركلت الطاولة التي أمامها بقدميها بقوة. مسحت دموعها بعنف تحاول كتم صرختها ولكنها فشلت. وما أن وجدت زجاجة من المياه أمامها حتى ألقت بها بعرض الحائط. تحولت الزجاجة إلى قطع. التقطت إحداها لكي تجرح يدها بعنف حتى تهدأ. فهذه هي وسيلتها الوحيدة للهدوء عبر جرح ذراعيها تتلذذ بالألم الخارج منها. وما تجهله بأن الخالة مازالت بداخل المنزل تضعها تحت أعينها دون أن تراها وأن الألم الحقيقي قادم لا محالة.
أخيراً وقف الطبيب بسيارته أمام بيت مهجور، بيت قديم من الطين متهالك. هبط من سيارته يقف أمامه يتأمله. تبعه بربروس يقف من خلفه. قطع صمت الطبيب بسؤاله يربت على كتفه بابتسامة:
_ هل هذا بيتك القديم؟
هز الطبيب رأسه وقد لمعت الدموع بعينيه وهو يقول:
_ كان بيتي أنا وياسين.
جلس على الطوب اللبن بهدوء يسرد له ما كان يحدث منذ زمن:
_ لما كنا صغيرين، والدي كان دايماً شايف ياسين مستهتر مابيشيلش مسؤولية. كان كل ما يقعدوا في قعدة معاه وهو بيحل مشا مشاكل أهل القرية، ياسين كان بيزهق ويسيبهم ويطلع فوق السطوح جنب غية الحمام. الحمام أول ما يشوفه كان بيتلم حواليه ويمسك دفتره اللي مكانش بيسيبه ويكتب قد إيه إن نفسه يكبر عشان يبعد عن القرية ويعيش حر زي الحمام اللي بيربيه. أبويا لما كان يبص ما يلاقهوش جنبه كان بيعرف مكانه أكيد جنب غية الحمام. يطلع ويدور في الضرب ويديله كل قلم وقلم. كان لسه صغير ما يكملش العشر سنين. وأنا كانت صحتي على قدي. أبويا كان عارف إني همـ ـوت زمان. مكانوش يعرفوا حاجة اسمها كانـ ـسر. كان عارف إن صحتي على قدي وبس، ماقدرش أمسك قرية بحالها مع إني كنت بحب أقعد معاه أوي بس هو مكنش بيرضى. كنت بصلب طولي بالعافية وأطلع السلم عشان أدافع عنه ومخلهوش يضربه واقف في النص ما بينه وما بين أبويا. وأبويا مراعاة لصحتي التعبانة كان بيوقف ضرب في ياسين أول ما يشوفني وينزل ويسيبه.
لمع بريق في عينيه وهو يتابع من جديد:
_ كنت وقتها باخده في حضني ويفضل يبكي جواه ويقولي أنا مش عايز أبقى كبير القرية، مش عايز أبقى مسؤول عن حد.
كان حديثه هذه المرة غير المرات السابقة، حرك داخله أشياء ساكنة دفعته للانهيار وهو يقول:
_ ولاقيته بيقولي اللي خلاني أبقى مسؤول عنه سنين طويلة، لاقيته بيقولي ياريتك كنت أنتَ أبويا بداله. أخدته في حضني وأنا بعيط ووعدته إني مش هخلي حد يمد إيده عليه بعد كده. وجينا آخر القرية أنا وهو وبقينا نعمل البيت ده من الطين حتة حتة وطوبة طوبة. قعدنا فيه شهور نبنيه بس كنا مبسوطين. وأنا لما كنت بتعب كان بيكمل هو بدالي. ولما كنا بنحب نهرب من القرية ومسؤوليتها كنا نيجي هنا ونفضل سوا. ولما ظهر المهدي وحكيمه أشـ ـفقت عليا لأني خلاص جبت آخري وفي أيامي الأخيرة حولتني وأنقذتني من المـ ـوت وحاكيتله اللي حصل. قالي ماتسبنيش وأنا كمان ماكنتش عايز أسيبه وطلبت من المهدي يحولوا زيك. وبقينا من ساعتها سوا. بس مكنتش أتخيل في يوم من الأيام إني أنكث بالوعد اللي وعدتهوله وأنا اللي اضربه بدل أبويا. مش فاهم عملت كده إزاي. لأول مرة ماقدرش أتحمل استفزازه ليا، لأول مرة أندفع في شعوري يابربروس وماتحكمش في نفسي قصاده. خايف لا ما يسامحنيش ويبعد عني وأنا ما صدقت رجع يبقى جنبي من جديد. ياسين مش أخويا الصغير وبس، ياسين ابني اللي ما خلفتوش وصاحب العمر ورفيق السنين الكتير اللي عيشته.
تابع من بين دموعه:
_ محتاج أخده في حضني زي زمان وعارف إن هو كمان محتاج الحضن ده وخايف لا الأوان يكون فات.
ربت بربروس على كتفه مهوناً:
_ هون عليك يا أخي. من خبرتي لسنين طوال فقد علمت بأن مصارين البطن تتعارك ولكنهم يظلوا مصارين في بطن واحدة. مهما تشاجروا سيعودون من جديد سوياً، فقط إنها الأيام ستداوي الجروح.
يوم جديد والأيام تتوالى على ركودها متدثرة بفراش عم نصير. حالتها بدأت بالاستقرار التام. تأتي لها والدتها طوال النهار وترحل بالمساء. وهذا بعدما طلب ياسين من والدتها استكمال علاجها هنا تحت أنظاره حتى لا يلتقي بالطبيب علي داخل منزل الصاوي. هو الآن وفي هذه اللحظة هنا حيث الكوخ البسيط. الوقت يمضي بسرعة البرق. وككل ليلة يسهر بجانبها، يسهر على راحتها بعدما غادره عم نصير وأخبره بأنه سيقضي الليلة لدى قريب له. فأصبحوا بمفردهما سوياً. وكالعادة أشعل النيران بالأخشاب التي بالخارج في ليلة شديدة البرودة كهذه. لعله ينعم ببعض الدفء. كل ليلة يتمنى أن تستعيد عافيتها تعود لمحادثته من جديد. وغالباً الشيء الذي نرغب به بشدة نجده يحدث بعد قليل.
عندما شعر بوجودها تقف خلفه دون إصدار أي صوت. أغلق عيونه يستشعر وجودها. يشتم رائحتها التي طالما ميزها. اقتربت منه تقف أمامه لتجد هيئته التي نمت على أنه ليس بخير. حين رمقته تصرح بصدق معاناته. نطقت وقد بدا على وجهها الاهتمام:
_ ياسين، أنت كويس؟
مجرد نطقها باسمه يصيب قلبه باضطراب. ابتسم على سماع صوتها من جديد. رمقها بنظرة مشتاق، يشتاق إلى روحه التي كادت أن تسلب منه. لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة وقال:
_ أنتِ بتسأليني أنا السؤال ده؟ المفروض أنا اللي أسألهولك. أنتِ اللي اتضررتي بالـ..نار ياشمس وبقالك أكتر من تلات أيام نايمة ومحاسة باللي حواليكي.
شعرت بعدم الاتزان فحاوط كف يدها سريعاً يساعدها على الوقوف قائلاً:
_ تعالي ارتاحي على السرير، الجو هنا برد عليكي.
أخبرته راجية:
_ لا عشان خاطري، أنا زهقت من جوه. عايزة أشم شوية هوا.
انصاع لطلبها يساعدها على الجلوس أمام النار. دار بعينيه يبحث عن المزيد من الأخشاب بالجوار. ومن ثم وضعهم بداخلها وقد أحضر غطاء من الداخل يحاوطها به يضعه على كتفيها من الخلف قائلاً:
_ خلي الشال ده على كتفك عشان يدفي.
ووضعت يدها تعدل من وضعية الشال الذي وضعه هو بفوضوية على جسدها فلامس كفها كفه. رفعت شمس رأسها فتقابلت عيناها بعينه. ارتبكت من نظراته الثابتة واستدارت تنظر جوارها. فحمحم يخبرها وهو يجلس بجوارها:
_ أعملك معايا شاي؟
أتى بالبراد الموضوع بجواره يضعه على النار المشتعلة أمامهم. طالعته بذهول. عن أي شاي يتحدث؟ فهي تعلم جيداً بأنه لا يحب الشاي. فهم هو تعابير وجهها فابتسم بقول:
_ أنا عارف إنك زمانك بتقولي إن ما بحبش الشاي وإزاي بشربه دلوقتي. بس اللي يقعد بقى مع عمك نصير لازم يحبه غصب عنه. مع إنه بيعمله وحش أوي بس أتعودت عليه.
تعالت ضحكاتها فابتسم هو على ضحكتها يمد كفه بكوب الشاي بعدما سكبه لها. تناولت الكوب تقول وسط ضحكتها:
_ المشكلة إنه بيجبرك إنك تشرب الشاي بتاعه عافية أصلاً ومهما تقنعه إنه بيعمله وحش مابيصدقش.
وذكرته هي بحدث مر عليه أكثر من اثني عشر عاماً تسرده بقول:
_ فاكر لما دخلت عليا القبو وخليله كانت بتشرب كوباية الشاي وأول ما شفتك خافت وترعشت وبقت تغمي عينيها على طول بالقماشة وفضلت ماسكة كوباية الشاي مارمتهاش. وقتها نزلت علينا بخطواتك البطيئة وبنظرتك الشريره دي. ومع إنها معملتش حاجة روحت باصصلها كده وكسرت كوباية الشاي من إيدي.
ابتسم بألم يرتشف رشفة من كوبه يبتسم على ذكرياته وهو يقول:
_ المشكلة مش في كده. المشكلة إنها معملتش حاجة ومش لاقي لها أي غلطة. روحت مزعق فيها وقولتلها وأنتِ كمان بتشربي شاي.
انكمش ما بين حاجبيه يكمل:
_ مش فاهم، ماتشرب شاي؟ كنت بزعقلها ليه أنا؟ غلطت في إيه عشان أبهدلها البهدلة دي كلها وأبهدلك أنت كمان معايا.
انمحت الابتسامة من على وجهه ببطء وتهكمت تقاسيمه يشعر بالذنب نادماً على ما فعله:
_ كنت حارمها من كل حاجة، من أولادها وبيتها وجوزها ومن جبروتي. بعد ما فضلت 16 سنة تربي فيكي وما تشوفي الشمس في يوم. أقتـ ـلها بدم بارد ولا كأنها بني آدمة وليها حياة. ده أنا كنت جبار.
اعتدلت بجلستها كي تقترب منه. طالعته بهدوء قبل أن تقول بابتسامة حزينة ونبرة حنونة:
_ ياسين، أنتَ مكنتش في وعيك وأنتَ بتعمل كده. كل ده كان غصب عنك. كل ما تفتكر حاجة زي كده قول لنفسك إن مش أنت السبب وإن اللي حصل ده أنتَ كنت مجبر عليه مش بإرادتك.
ثم لانت نظراتها ورأى فيها خوفاً حقيقياً عليه، تحاول ألا تشعره بالذنب:
_ وبعدين أنا كنت بفرح أوي لما بتزعقلها، بس برضه كنت بخاف عشان بعد ما كنت بتمشي بطلعهم عليا. طب على الأقل أنتَ مكنتش في وعيك، لكن هي كانت بكامل عقلها وهي بتعامل طفلة ماتكملش السنتين بمنتهى القسوة.
لمعت العبرات في مقلتيها وهي تحكي له:
_ طبعاً مش فاكرة كتير، بس فاكرة كويس أوي لما كانت بترميلي الأكل في الأرض عشان أوطي آكل منه. مكنتش بترضى تخليني أستخدم إيدي. كانت بتسيبني عطشانة بالأيام. حتى الكلام مكانتش عايزاني أنطقه. مفكرتش ولو للحظة تاخدني في حضنها زي أولادها وخصوصاً إن هي اللي مربياني. لما كرهتها وكنت بكره حتى أسمع نفسها. على الأقل في أيام رغم إن الضبع كان مسيطر عليك كنت بتبقى حنين عليا فيها. ولما كنت بتلاقي شفايفي زي الحجر رغم قسوتك كنت بتديني بوق الماية. آه، بعدين بترجع تطلعه عليا تاني. بس على الأقل كان بيحصل.
كل شيء يؤلمها وبان هذا في سؤالها بوجع طغى في عينيها:
_ تفتكر أنا عملت إيه عشان يحصل معايا كل ده ولحد دلوقتي لسه بيحصل؟ لسه بعاني.
فرت دموعها تشعر بسخونتها على وجنتيها أثناء تنهدها بعمق:
_ أنتَ ما تعرفش أنا عشت إزاي طول العشر سنين اللي فاتوا. ماتعرفش حسيت بإيه بعد مـ ـوت عمار ياياسين وكمان بعد ما مشيت وسيبتني. كنت وحيدة فضلت سنتين مكنتش بعمل فيهم أي شيء في حياتي غير إني قاعدة جنب قبره بفكر في ألف سؤال لو كان لسه عايش كان إيه اللي هيحصل في حياتي دلوقتي؟ طب ليه مات؟ ليه مش موجود؟
صمتت لثواني يتابعها بنظراته المستفسرة فأكملت وقد حاربت ترددها:
_ لحد ما مذاكراتك وقعت معايا بالصدفة. رجلي خدتني ليها من غير ما أحس.
لمحت التوتر الذي ظهر على وجه ياسين وهو يرد:
_ مذكراتي!!
ردت تؤكد على ما قاله:
_ أيوه مذكراتك، هي دايماً معايا في الشنطة مابشلهاش أبداً. منها لو كنت فتحت شنطتي كنت لقيتها فيه.
بدا على وجهه الانزعاج فأضافت تبرر:
_ أنا عارفة كويس إن اللي عملته ده غلط وإن مكانش ينفع أبداً إني أقرأ حاجة شخصية ليك كده ولا أعرف عنك كل اللي عرفته. بس هتصدقني أو لاء، بس مذكراتك واللي قرأته جواها أنقذني من الوحدة وخلاني أتجه للتعليم. كان عندي فضول شديد أعرف إيه اللي مكتوب جواه.
رد بهدوء جاهد ليستدعيه:
_ وعرفتي!!
وردت بسؤال آخر:
_ اتضايقت؟
اختار الكذب وقال:
_ لأ ما ضايقتش، بس كنت عايز أعرف. عرفتي إيه؟
ابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تضيف:
_ إن حياتي زي ما كانت صعبة حياتك كانت أصعب. وأن الحج يزيد باباك كان دايماً بيعاملك بقسوة وأنك ماشفتش حلو الدنيا غير من مامتك واختارت إنك تعيش مع دكتور علي وإنك تعيش مـ ـيت على إنك تمـ ـوت عايش. مش ده كلامك اللي كاتبه في مذكراتك؟ طول عمرك كان في غيرك بيتحكم في حياتك. الأول باباك ولما يادوبك طلعت من تحت جناحه اتحطيت تحت جناح الضبع.
رأت شمس الدموع في عينيه ولم يخفها ياسين بل طالعها معاتباً على النبش بماضيه ونظراته تطالبها بأن تكف عن الحديث. ولكنها ختمت وكأنها لم تر هذه الدموع:
_ الظاهر إن إحنا طلعنا شبه بعض أوي ياياسين، كل واحد فينا ضحية لغيره.
قال:
_ مش جعانة؟
ألقى بسؤاله للهروب من مجرى الحديث أو الهروب من نفسه. طالعته بابتسامة وعلمت قصده وقررت ألا تضغط عليه وجارته بحديثه بقول:
_ بصراحة أه جعانة أوي بس مش عايزة آكل أي أكل، عايزة آكل حاجة معينة.
قبض حاجبيه بتساؤل فأشارت بعينيها خلفه. استدار للخلف على البقعة الزراعية وعاد يطالعها من جديد ببسمة حانية يشير بعينيه بمعنى لكِ ما تريدين.
في بعض الأوقات من المفترض أن تنفذ تهديدك حتى لا تشمت من هددته بك. ولكن بحالة كحالتها لم تعد تفكر بشيء سوى محادثته حتى لو لدقائق.
ظلت تنتظر الطبيب كالعادة أمام بيت الصاوي ولكنه يتهرب منها ويوصد باب غرفته عليه. ولكنها استطاعت أن توقفه هذه المرة قبل أن يوصد باب غرفته عليه بقول:
_ علي، أرجوك ما تمشيش وتقفل الباب في وشي زي كل مرة.
وقف أمامها يطالعها ورد بابتسامة كادت أن تقتلها قائلاً:
_ إيه ده، زهرة؟ أنتِ هنا غريبة. مكنتش واخد بالي منك.
قال علي:
_ يا زهرة، بلاش كذب، أنتِ شايفني وبتشوفني كل يوم.
استدار الطبيب يطالعها ورأى غضـ ـبها في عينيها وخاصةً وهي تتابع:
_ أنت من ساعة اللي حصل ما بقيتش حتى تبص في وشي خلاص. نسيتني ياعلي، نسيت زهرتك.
كانت تقاسيمها بعض الشيء، تقترب منه:
_ أنا زهرة ياعلي اللي لما كنت بقولك سيبني في حالي كنت بتقولي أنا حالك ومكنتش بتسيبني مهما حصل.
رد الطبيب وهو يمسح على عنقه بتعب يتخطاها بقول:
_ أديكي بتقوليها بلسانك يازهره، كنت حطي بقى تحت كلمة كنت دي ألف خط وخط. قبل ما تقوليلي إني مش راجل، قبل ما تعرفيني إنك بتبقي نايمة جنبي وخايفة لا أشتهي دمك. قبل ما أعرف إنك على استعداد إنك تسيبيني وتبعدي وتعيشي بعيد عني.
أشار برأسه مستفسراً:
_ إيه اللي مخليكي قاعدة في بيت الصاوي لحد دلوقتي؟ مش ده البيت اللي كنتي كارهة تقعدي فيه؟ احلو دلوقتي وبقى عليه سكر.
حاولت التبرير وقبل أن تنطق بتر عبارتها بقول:
_ ما تقوليش إن عشان بيتك اتحرق بيت أخوكي أبو حسان لسه موجود.
تنهدت زهرة الدموع تلمع بعينيها:
_ عمرك ما كنت قاسي عليا أوي كده ياعلي.
رد عليها بما وجعها وجعل الدموع تنهمر من عينيها بغزارة:
_ علي اللي كنتي تعرفيه، أنتِ خسرتيه خلاص ومهما عملتي مش هتعرفي تكسبيه تاني يابنت الناس.
ألقى بكلماته عليها كالسهام التي نخرت بفؤادها. رأته يبتعد عنها ومع رحيله سلب أنفاسها منها.
كانت تسير وهي تنظر للسماء وقد زينتها النجوم والقمر بالمنتصف كلوحة بديعة تسر النظر وتطرب القلب. قاطع شرودها بقول:
_ مش قولتلك بلاش نتمشى أنتِ تعبانة ياشمس.
كان هذا قوله ممسكاً بكوز الذرة بعد أن قام بشويه على نار هادئة يتسيرون بالطريق بجوار الرقع الزراعية. الليل قاتم بالمكان ولا يوجد سوى عامود إنارة واحد يضفي إضاءة خفيفة. قضمت قضمة واحدة من كوز الذرة وبدأت بقول:
_ لاء أنا بقيت أحسن دلوقتي وبجد كنت محتاجة أتمشى شوية.
وقفت أمامه بعيون سائلة سؤال يلح عليها من أول جلستهم. لاحظ هو اقتضابها وقام بإرضاء فضولها بقول:
_ أنتِ مستغربة إن اللي لحد دلوقتي ما جبتش سيرة عن اللي حصلك وشيفاني هادي صح؟
التحمت عيناه وهو يلقي على مسامعها رده:
_ عشان عارف هتقولي إيه ياشمس.
تخطاها يتابع سيره، فحاولت توسيع خطواتها للحاق به تخبره بصوت عالٍ نسبياً:
_ اقف ياياسين أنا مش قادرة أمشي، ممكن تقف عشان خاطري.
لأجل خاطرها، لأجل خاطرها فقط يفعل المستحيل. وقف يعطيها ظهره يلبي طلبها ووقفت هي خلفه بعيون راجية تتابع حديثها بقول:
_ أنا مش عارفة مين عمل كده.
بتر حديثها بحدة:
_ بس أنا بقى عارفة.
تابعت وكأنها لم تسمعه:
_ ومش عايزة أعرف، مش عايزة أعرف مين اللي عملها ياياسين. أنا عارفة مين اللي في بالك بس ده بالذات لازم نبعد عنه.
تقصد بقولها فريد، أضاف وقد تبعت الحدة نبرته:
_ أهوه ده بالذات اللي مش هسيبه. لو سيبته أكتر من كده هيقتلوا واحد ورا التاني.
استعد لرحيل فتابعت بقولها الذي أثره:
_ أنا بخاف عليك.
أغمض عيناه من قولها لطالما تمنى سماع هذه الكلمات منها واليوم أخيراً قد أخبرته بها. تقدمت تقف أمامه نزلت دموعها وهي تطلب منه برجاء:
_ أيوه بقيت بخاف عليك ولو وقفنا قدامه أبواب هتتفتح في وشنا. أوعدني إننا نعيش في أمان. أنا تعبت ياياسين وعايزة أعيش حياة طبيعية زي أي بنت في سني. فريد لو اكتشف حقيقتنا الدنيا كلها هتتقلب علينا والسر اللي فضلنا مخبيينه سنين هيتكشف وهنبقى مطاردين من كل الناس وأنا مش عايزة كده، مش عايزالك أنت بالذات كده.
أوعدني ياياسين، أوعدني إنك هتبعد عنه. ده تعبان حي بلاش تقرب منه. في كل خطوة بينصب فخ وفي كل فخ بؤرة بيتمنى إنك تقع فيها. ولو وقعت فيها هضيع منك.
تنهدت تخبره بما داخل قلبها:
_ وأنا مش عايزالك أنت تضيع مني. أوعدني ياياسين، أوعدني إنك هتنسى الموضوع ده خالص ولا كأنه حصل.
ختمت حديثها وضمها إلى صدره فدبت القشعريرة بجسدها. شعرت بالأمان تشعر بكفه يربت عليها تتغلل أصابعه بين خصلاتها الطويل. بحنان زادت دقات قلبها وشعر هو بأضطرابه. تنطق من بين دموعها:
_ عشان خاطري أوعدني.
أبعدها عن حضنه بروية يطالعها بعيونه الصافية كصفاء الليل القاتم يمسح بيده دموعها قائلاً:
_ أوعدك إني هحاول عشانك. هحاول أنسى عشانك ياشمس.
مازالت عباراتها تتوالى على خديها. برزت ابتسامة على ثغره يمسح دموعها بقول:
_ خلاص بقى، كفاية دموع. مابحبش أشوف الدموع نازلة من حد عزيز على قلبي وبالذات لو من عيونك عشان.
ابتسم يطالعها بعينين محب صادقة:
_ عيونك حبايبي ياشمس.
إن شعور الاختناق مميت. كانت غدير غارقة بنومها تشعر بوجود شخص ما بغرفتها يقترب رويداً رويداً. هنا وبالرغم من برودة الطقس استيقظت غدير لاهثة والعرق يغطي وجهها. شهقت عند رؤية ياسين فهو لم يعتاد على دخول غرفتها هكذا. ابتلعت ريقها وقبل أن تنطق سألها هو بنبرة حادة:
_ عملتي إيه ياغدير، انطقي، قولتي لها.
اقتربت منه بجسد دبت به القشعريرة من نبرته. ولكن لانت تقاسيمها حين أقتربت منه تخبره بابتسامة:
_ حصل. حاكيت لبدر على كل حاجة زي ما اتفقنا بالظبط.
ابتسم بسمة ماكرة يثني عليها ما فعلته:
_ برافو عليكي.
ابتسمت بغرور تغمز له بطرف عينيها مازحة:
_ عيب عليك ده أنا تلميذة ياسين الصاوي.
الأيام متواصلة تحسنت فيها حالة شمس كثيراً وهذا سمح لـ ياسين بالذهاب إلى القاهرة. ذهب لغرض واحد فقط وهو مقابلة فريد. قرر مقابلته ورمى بطلب شمس عرض الحائط. وبالرغم من وعده لها إلا أنه لم يستطع تنفيذه. ذهب، ذهب يتوعد له، يتوعد بأنه سيقلب حياته رأساً على عقب. وكل اعتقاده أن ما حدث لشمس كان هو السبب فيه. هو الآن هنا بغرفته تسري رعشة بكف يده. يقف أمامه يتواجهان وجهاً لوجه بتحدي. ومع عقاب والده له بعدم تركه لغرفته وخاصةً أثناء تلك الأيام ظل فريد داخل غرفته مجبوراً. ابتلع غصة مريرة بحلقه فوجه ياسين لا يبشر بالخير أبداً وكأنه تحول وعاد إلى أسوأ أيامه من قبل. وخاصةً بعدما حول عيناه إلى اللون الأحمر القاتم.
عاد فريد خطوات للخلف ببطء. لم تعد تتحمله قدمه من شدة خوفه. بلل سرواله من شدة رعبه. إنه هنا معه وبغرفته. حاول فريد التكلم من بين شفتيه بتقطع بقول:
_ أنتَ، أنتَ عايز إيه؟
صمت دون إجابة ولكن عينيه كانت تنطق بنواياه. هرول فريد بقدم مرتعشة يحاول الخروج من الغرفة. وقبل أن يلمس المقبض الخاص بالباب كان ياسين هو الأسرع وقد أغلق الباب بإحكام. يقترب منه ببطء ويصك على أسنانه وما قال سوى كلمة واحدة. كلمة واحدة كانت تفي بكل ما يريده وهي:
_ عايزك.
يلزمها اعتذار منه على غيابه لمدة يومين. يومين لم تعرف بهما شيئاً عنه. جلست على المقعد أمام الكوخ كالعادة بأنتظاره. الطقس اليوم أدفأ عن البقية. جلست زهرة بجوارها تحثها على المغادرة بهدوء:
_ مش يلا بقى ياشمس؟ قعدتك عند عم نصير طولت، أنتِ بقيتي كويسة دلوقتي.
لم تكف عيناها عن التدوير بكل مكان عنه فأخبرتها متحججة:
_ أصل أنا لسه مش قادرة أمشي ياماما.
أخبرتها سريعاً:
_ ما تمشيش، هجيبلك عربية لحد هنا ترجعنا بيتنا. أنا فرشت بيت خالك القديم.
تنهدت بتعب وقد نفذت حجتها:
_ طيب ياماما، اللي تشوفيه.
كان القلق ينهش قلبها من كثرة قلقها عليه. حاولت مهاتفته للمرة التي سئمت من عدها ولكنه دائماً مغلق. دلفت إلى الكوخ توضب حقائبها. وقبل أن ترحل طلبت من والدتها الذهاب أولاً إلى منزل الصاوي لأحضار بقية أغراضها. وعند وصولها وجدت حشد كبير يقف أمام المنزل من ظباط وعساكر وأهل القرية يحاوطون المنزل. حاولت المرور بين الحشد وبعد معاناة قد دلفت إلى المنزل ترى الضابط أحمد يضع الحديد بيديه.
يأخذه جاذباً إياه خلفه. الفضول كاد ينهش بها تستفسر بعينيها قبل لسانها بقول:
_ وخدينه ورايحين بي على فين ياحضرة ظابط؟ هو عمل إيه؟
أجابها بآلية يسير به إلى السيارة الحديدية:
_ متهم بقضية قـ ـتل فريد الدمنهوري.
هوى قلبها أرضاً. استسلامه لهم دون مقاومة. يطالعها الضابط يجذبه من خلفه. ومن بين صوت الحشد الكثير استطاعت سماعه من بينهم يخبرها بعينين بهما الصدق يحرك شفتيه نافياً:
_ ما قـ ـتلتهوش.
من جديد هناك جرح يتوسط القلب وكأن حياته ناقمة عليه وعلى راحته. كلما حاول الوصول إلى بر الأمان تجرفه الموجه إلى الغريق. مهما كان استسلم. استسلم بعيون هاوية وكأنه سئم التجديف بقارب لن يصل أبداً.
رواية الهجينة الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم ماهي احمد
هوى قلبها أرضاً استسلامه لهم دون مقاومة.
يطالعها والضابط يجذبه من خلفه.
ومن بين صوت الحشد الكثير استطاعت سماعه من بينهم يخبرها بعينين بان بهما الصدق:
"ما قتلتهوش."
يحرك شفتيه نافياً:
"من جديد. هناك جرح يتوسط القلب وكأن حياته ناقمة عليه وعلى راحته. كلما حاول الوصول إلى بر الأمان تجرفه الموجة إلى الغريق. مهما كان، استسلم."
استسلم بعيون هاوية وكأنه سئم التجديف بقارب لن يصل أبداً.
رواية الهجينة الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم ماهي احمد
العربي: حسام كل حاجة جاهزة.
حسام: كله جاهز زي ما اتفقنا.
العربي: علي وبربروس وياسين جاهزين.
حسام: ما تقلقش، على بالليل هنتحرك. الطيارة اللي هتاخدنا هتبقى جاهزة كمان ساعات.
العربي: عملت إيه في أخت عمار؟
حسام: صابر عرف مكانهم وبعته يجيبها.
العربي: أخيراً، مستني اللحظة دي من سنين.
***
(ياسين كان قاعد هو وبربروس وعلي وزهرة في الأوضة، بربروس بص لياسين.)
بربروس: ما كنتش أعرف إن عندك مشاعر وبتشعر زينا، أيها اللعين الأبله. من سمات وجهك السواد الداكن اللي بيشع منه عند رؤيتك، ولكن لما بدأ علي يفتح عينيه، وشك اللعين ابيض زي البلورة، والابتسامة ارتسمت على وشك.
(ياسين ضغط على سنانه وبص لبربروس نظرة حادة وقرب منه خطوات بطيئة.)
(بربروس رجع خطوات لورا وبدأ يشاور على وش ياسين بإصبعه.)
بربروس: صحيح، رجع الظلام الداكن على وشك البائس للتو يا صديقي.
(بيتكلم وهو ضاغط على سنانه.)
ياسين: أنا مش صديق لحد وعمري، عمري ما كان عندي مشاعر.
(وهو بيرجع لورا بخطوات بطيئة وياسين بيقرب منه.)
بربروس: وإيه مشكلتكم أنتم مع الأصدقاء والمشاعر أيها الملاعين؟
(بنرفزة أكبر.)
ياسين: تاني؟ هتقول أصدقاء ومشاعر تاني؟
(رفع كف إيديه في مستوى صدره.)
بربروس: حسناً، حسناً، لن أتحدث بهما مرة أخرى، ولكن لقول الحق.
بربروس: والله، أنت تكذب، نعم تكذب. ألا تعلم أن الكذب حرام؟ ولكن إن كذبت علي أنا، فلن تكذب على نفسك، فقد كنت تشعر بالخوف الشديد على علي.
(علي كان قاعد على السرير وهما الاتنين واقفين قدامه، رفع رأسه وبص لياسين.)
علي: صحيح يا ياسين، صحيح كنت خايف عليا؟
ياسين: ما حصلش.
بربروس: إجابة خاطئة.
(شاور على زهرة بإصبعه.)
بربروس: وهذه المرأة أيضاً، كان القلق والخوف يظهر على ملامح وجهها كثيراً، وكان قلبها سيخترق جسدها من كثرة القلق. وعندما فتحت عينيك، انمحت كل آثار القلق وابتسم وجهها من جديد.
(علي بص وراه لزهرة وهو بيبتسم.)
علي: اللي بيقوله بربروس ده حصل، إنتي كنتي قلقانة عليا.
(زهرة بلعت ريقها وابتدت تتوتر.)
زهرة: إنت... إنت عارف يعني، من الطبيعي إني هكون قلقانة عليك زي...
(بدأت تفرك في صوابعها من كتر التوتر.)
زهرة: زي ما كنت هكون قلقانة على أي حد بيموت قدامي.
بربروس: إجابة خاطئة.
(زهرة بصتله وتنحت.)
(مد إيده وشاور لبربروس.)
ياسين: تعالى يا شيخ عجوة، تعالى أنا عايزك.
بربروس: إلى أين أيها الثور الأهوج؟
(ياسين بص وراه لعلي وزهرة وقرب من ودن بربروس.)
ياسين: ما تخلي عندك نظر يا عم الشيخ أنت.
(بربروس بص وراه وابتسم.)
بربروس: آآآه، حسناً، لقد فهمت، ولكن أريد قول شيء بسيط قبل أن أخرج للدكتور علي.
علي: عايز تقول إيه يا بربروس؟
بربروس: فقط أريد القول بأنه قد اجتمعت المقشة على البلاعة والاثنين بقوا جماعة.
(ياسين ابتسم وعلي بص لزهرة وضحك.)
دكتور علي: طيب يا سيدي، شكراً.
(ياسين بدأ يشد بربروس ويطلعوا بره وبربروس بدأ يبرطم بالكلام وهو طالع وبيبوصل جنبه لياسين اللي بيشده من دراعه.)
بربروس: حسناً، حسناً، فقط اتركني، سأخرج بكرامتي.
ياسين: حسناً يا أخويا، اخرُج أمامي.
(ياسين طلع هو وبربروس وقفلوا الباب وراهم، وأول ما طلعوا بره الأوضة بربروس بص لياسين.)
بربروس: ولكن لماذا كلاكما أجبتما بالإجابة الخاطئة؟
ياسين: يا عم، إحنا في حصة عربي، ارحمنا بقى.
(أول ما طلعوا، علي بص لزهرة وقام وقف.)
علي: صحيح اللي بربروس قاله؟
زهرة: وهو... وهو قال إيه؟
علي: إنك كنتي خايفة عليا.
زهرة: أكيد، أكيد طبعاً كنت خايفة عليك يا علي.
(ابتسم وقرب منها أكتر، راحت أدته ضهرها بسرعة.)
علي: وكنتي خايفة عليا ليه؟
زهرة: مش... مش أنت... مش أنت الوحيد اللي هتطلعني من هنا، يعني أقصد لو جرالك حاجة أنا هفضل محبوسة هنا طول عمري، ومش هشوف شمس تاني.
(انمحت الابتسامة من وش علي وهو حزين.)
دكتور علي: بس كده؟ يعني قلقك ده عشان تخرجي من هنا مش أكتر؟
(مشيت خطوات قدام وبعدت عنه أكتر وبصتله وكلمته بكل جحود.)
زهرة: أكيد عشان بنتي، بنتي اللي أنتوا رايحين تقتلوها بكرة.
علي: مين قالك إننا هنقتلها؟ أنا مش هسمح إن يحصلها حاجة وحشة، أنا هحميها. إحنا بس هنفك اللغمة بيها.
زهرة: أنت مش عارف تحمي نفسك عشان تحمي غيرك يا علي. بعد اللي حصل النهارده عرفت إن العربي بيحركوا زي العرايس في إيديه. أنت كنت من شوية صغيرة بتموت لولا بربروس ما أنقذك. معنى كده... معنى كده إن العربي ممكن يضحي بيك في أي وقت لمصلحته.
علي: ما كنتش أعرف إنه معاه سم بيشل حركة جسمنا وبيموتنا بالبطيء. أنا اتخدعت على خوانا.
زهرة: وما تعرفش برضه إيه اللي هيحصل بكرة. أنا عرفت إن العربي عايز ياخدني بكرة عشان يوقع شمس ويمسكها.
علي: أنا مش هسمحله يعمل كده.
زهرة: إزاي؟ تقدر تقولي إزاي؟
علي: ههربك قبل ما نسافر.
(قرب منها ولمس خدها بإيديه بكل حنية وهو بيبص في عينيها.)
علي: أنا مش هسمح لحد يأذيكي، ولو خيروني بين حياتي وحياتك هختار حياتك. أنا مستعد أموت ولا إني أشوفك بتتأذي في يوم. أنا بحبك، عارفة يعني إيه بحبك.
زهرة: مش بالكلام، مش بالكلام يا علي. الكلام كتير والفعل قليل. اللي بيحب بيضحي بنفسه عشان غيره، وأنت يوم ما ضحيت... ضحيت بالخالة. أنت زي ياسين والعربي بالظبط، ما تفرقش عنهم.
علي: ياسين والعربي عايزينك ميتة، لكن أنا عايزك عايشة.
زهرة: وياترى أنت فاكر إني عايشة؟ أنت قتلت روحي في اليوم اللي خنتني فيه وطلعت معاهم يا علي.
(ضرب الكرسي بإيديه اتكسر نصين وعلامات الغضب بانت على وشه وبدأ يتكلم بكل غضب.)
علي: إنتي ليه مش قادرة تسامحي؟ ليه مش قادرة تفهمي إن جنسنا بيموت؟ ما كانش فيه قدامي حل غير كده.
زهرة: واديك هتعيش، ياترى هتعمل إيه بعمرك اللي جاي وسط ناس بيكرهوك؟
(علي أول ما سمع الكلمة دي بص لزهرة وكأن الثواني اتجمدت. بص لها وسكت ما اتكلمش ولا كلمة، بس بيبص لقى دمعة نزلت منه من غير ما يحس. أول مرة دموعه تنزل عشان حد. بص لزهرة وغمض عينيه وزهره أدته ضهرها في لحظة. طلع بره ورزع الباب وراه. زهرة داسست على شفايفها بغل وحطت إيديها على بقها وقعدت في الأرض وبدأت تبكي بصوت واطي عشان علي ما يسمعهاش.)
***
(شريف صحي من النوم وهو ماسك راسه ومصدع والدنيا بتلف بيه. قام من على السرير لقى نفسه بملابسه اللي كان بيها في نادي الغجر.)
شريف: إيه ده؟ أنا جيت هنا إزاي؟
(فتح الباب وبدأ ينده على عم حسين.)
شريف: عم حسين... عم حسييييين.
(عم حسين جه بسرعة وشريف كان ماسك دماغه ومصدع قوي.)
شريف: إيه الساعة كام؟
عم حسين: الساعة بقت 8 دلوقتي يا ابني.
شريف: ياه، أنا نمت كل ده؟
عم حسين: ما أنت ما جيتش من امبارح بالليل.
(شريف ما كانش فاكر حاجة.)
شريف: آه فعلاً، تقريباً كده، أنا مش فاكر حاجة.
عم حسين: باين عليك لسه ما فوقتش.
شريف: فعلاً يا عم حسين، معلش لو تعملي فنجان قهوة كده عشان أظبط دماغي.
عم حسين: من عنيا يا ابني.
شريف: تسلم عيونك يا راجل يا طيب.
(شريف قلع الجاكيت اللي كان لابسه ودخل على الحمام، شمّر كمام القميص وفتح حنفية الماية وبدأ يغسل وشه، ومع كل مرة بيحط الماية على وشه فيها بيفتكر اللي حصل امبارح بالليل.)
***
(مازن صاحب شريف ركبوا التاكسي وقاله على العنوان وهو مش حاسس بحاجة قدامه. أخيراً سواق التاكسي وصله الفيلا.)
سواق التاكسي: وصلنا يا بيه.
شريف: ___________
سواق التاكسي: يا أستاذ، اصحى، وصلنا العنوان.
شريف: ___________
سواق التاكسي: لأااا... ما أنا كمان عايز أروح بيتنا. هو ما فيش حد يفتح لنا باب الفيلا دي ولا إيه؟
(السواق بدأ يزمر كلاكس جامد قوي. وولاء كانت واقفة في البلكونة وقت الشروق، أول ما شافته.)
ولاء: شريف.
(نزلت بسرعة وفتحت باب الفيلا بتاعت الجنينة وراحتله. بتبص لقت السواق بينزله من العربية وشريف كان ساند كل جسمه على السواق.)
ولاء: فيه إيه؟ هو كويس؟
السواق: يا ستي كويس ولا مش كويس، خدي أهو، أنا ماشي.
(السواق رمى حمل شريف كله على ولاء وسابهم وركب عربيته ومشي.)
ولاء: شريف...
اصحي ياشريف انت تقيل اوي
شريف: ___________
ولاء: عم حسييييين
ولاء بقت تنادي على عم حسين بس عم حسين كان نايم وابنه محمود مكانش موجود. مرة واحدة شريف وقع من ولاء على الأرض.
***
في الوقت الحالي
شريف قفل حنفية الماية وجاب الفوطة اللي متعلقة من جنبه.
ومسح وشه لقى الباب بيخبط.
شريف: ادخل
عم حسين: القهوة يابني
شريف: حطها هنا ياعم حسين
عم حسين دخل وحط فنجان القهوة على الكومود.
عم حسين: تؤمر بحاجة يابني
شريف أخد علبة السجاير من على الكومود وطلع سيجارة وبيولعها وبيتكلم وهو السيجارة في بوقه.
شريف: تسلم ياراجل ياطيب
عم حسين: لو عاوزت حاجة أنا بره
عم حسين لسه هيطلع.
شريف: هي اخت غرام فين
عم حسين لف ضهره وبصله.
عم حسين: خبطت عليها الصبح ما ردتش تفتح وقالتلي إنها تعبانة ومش قادرة تنزل من أوضتها.
شريف: تمام شوف شغلك أنت ياعم حسين
عم حسين قفل الباب وراه وشريف أخد فنجان القهوة وطلع على البلكونة. لسه بيشرب أول بوق بص على باب الجنينة وافتكر.
***
ولاء كانت بتحاول تقوم شريف من على الأرض. قعدت على ركبها وبقت تضرب على وشه بإيديها الاتنين وبتبصله وشعرها نازل على وشه من الجانبين.
ولاء: شريف.. شريف فوق اصحى.. اصحى مش قادرة أشيلك.
شريف فتح عينيه بالعافية وابتسم ورفع إيديه حاجة بسيطة ولمس بخداها.
شريف: غرام.. انتي جيتي.
ولاء ضمت حواجبها باستغراب.
ولاء: غرام.. لأ أنا مش غرام ياشريف.. وارجوك قوم معايا بقى، كفاية كده.
شريف سند بإيديه على الأرض وحاول يقوم وبقي ساند بإيديه على كتف ولاء. شاور بصباعه.
شريف: لأ.. انتي بتكذبي عليا انتي غرام.. انتي إزاي ماتكونيش غرام.
ولاء اتنهدت وسكتت ودخلته أوضته.
ولاء: ادخل معايا.. شريف ما.. ما تتقلش نفسك أوي كده.
رمته على السرير أخيراً وهو مكانش حاسس بنفسه. وقلعت له الجزمة بتاعته وهو نايم. قربت منه وبصتله ومررت صوابعها ما بين شعره.
ولاء: عارفة إنك مش ناسيها وبترجع لحياتك القديمة عشان تنساها بس للأسف هي هنا.
شورت على قلبه.
ولاء: ومش عارف تطلعها من جواك.
قامت وادته ضهرها. وكانت لسه هتمشي شريف مسك كف إيدها وقربها منه.
ولاء: شريف بتعمل إيه.. سيب إيدي ياشريف.. شريف سيب إيدي.
***
شريف مرة واحدة وهو بيفتكر فنجان القهوة وقع من إيده وبقي مش مصدق اللي حصل.
شريف: يانهار أسود.
رمى السيجارة من إيده وطلع بسرعة فتح الباب وبقي بينادي على عم حسين بأعلى صوته.
شريف: عم حسييييين.. عم حسين.
عم حسين: مالك يابني كف الله الشر بتزعق ليه.
شريف: ولاء.. ولاء فين.
عم حسين: فوق في أوضتها يابني ما أنا لسه قايلك.
شريف بص فوق وطلع على السلالم وهو بيجري وراح على أوضة ولاء بسرعة. حط إيده على الأوكره ولسه بيفتح الباب لقاه مقفول. ضغط على الأوكره أكتر وبقي بيخبط على الباب بعنف.
شريف: ولاء.. ولاء افتحي.
ولاء: ______________
شريف: بقولك افتحي.
ولاء: مش عايزة أشوفك.. مش عايزة أسمع صوتك.
شريف: افتحي الباب عشان نتفاهم.. عرفيني اللي حصل.
ولاء بقت تتكلم بصوت جحودي وبأعلى صوتها.
ولاء: أنت عارف أنت عملت إيه كويس أوي.
مش محتاجة أفكرك.
شريف مسك دماغه وهو مذهول وإيديه بقت تترعش. رفع إيده ورجع شعره الكيرلي لورا وهو مش عارف يعمل إيه.
شريف: أرجوكي افتحي الباب.. محتاجين نتكلم مع بعض شوية.
ولاء: ___________
شريف خبط أكتر على الباب.
شريف: ولاء لازم نتكلم.
ولاء: _____________
شريف: طيب أنا هسيبك تهدي دلوقتي بس لازم نتكلم.
أدّى الباب ضهره ولسه هينزل على السلالم سمع أوكرة الباب بتتفتح. الباب اتفتح بص وراه ورجع تاني لأوضتها. بيبص لقى ولاء وشها كله كدمات. بصلها وهو في صدمة ومذهول.
شريف: ولاء.
***
هدير دخلت أوضتها وهي مبسوطة ومستنية داغر يجيلها في أي وقت. وكل شوية تبص على الباب مستنية الباب يخبط في أي لحظة.
بقت رايحة جاية شمال ويمين في الأوضة وهي بتفرك إيديها في بعض من كتر القلق. ومرة واحدة سمعت خطوات حد بيقرب على الباب. جريت بسرعة وقعدت على السرير وعملت نفسها مشغولة. لاقت الباب بيخبط.
هدير: ادخل.
الباب اتفتح وسارة دخلت عليها.
هدير: (بكل يأس) هو أنتي.
مسحت دموعها اللي نازلة من جانب عينها.
سارة: آه أنا.. كنتي مستنية حد غيري.
هدير: لأ أبداً هستني مين يعني.
سارة: ممممم حد زي داغر مثلا.
هدير: لأ لأ لا خالص.. داغر مش في دماغي أصلًا.
سارة قعدت على السرير وكان باين على ملامحها الحزن الشديد.
هدير: مالك ياسارة فيكي إيه.. باين على ملامحك إنك حزينة.
سارة: لأ أبداً ليه بتقولي كده.
هدير قعدت قدامها على السرير. بصت في عيونها لاقت سارة حابسة دمعتها في عينها.
هدير: نزلي دموعك ماتحبسيهاش جواكي.
سارة بقت تبصلها وهي بتحاول ماتعيطش.. بتحاول ماتضعفش. فضلت تقاوم إن دموعها ماتنزلش بس ماقدرتش. رياكشنات وشها كلها بتخونها وماقدرتش تسيطر عليها. ومرة واحدة حضنت هدير وبقت تبكي.. تبكي بصوت مسموع.
سارة: أنا.. أنا آسفة إني بعيط.. آسفة إني جيتلك وأنا.. وأنا مخنوقة بس.. بس مكنتش عارفة أروح فين ولا أشتكي لمين.
هدير: إشتكيلي.. إشتكيلي أنا.. وحكيلي أنا.. إحنا مش أصحاب.
سارة بقت حاضنة هدير. وكل ما تيجي تتكلم كلمة مش قادرة. الكلام محبوس جواها.
***
رعد كان بيدور على ميرا في كل مكان حوالين البيت مالقهاش. بقي بينادي عليها بصوت عالي.
رعد: ميراااااا.. ميرااااا.
بص شمال ويمين حواليه ماشافهاش. بقي يجري ناحية اليمين وبقي يدور عليها ما بين الشجر. ميرا شافته جاي عليها استخبت ورا شجرة لحد ما رعد عدّاها وما أخدش باله منها. أخدت نفس وقعدت على الأرض وهي بتنزل. كان ضهرها بيحتك بجذع الشجرة. مكانتش حاسة بالألم اللي في ضهرها على قد الجرح اللي في قلبها.
قعدت في الأرض وبقت بتبكي.. بتبكي وهي حاطة إيدها على بقها عايزة تكتم صوت عياطها عشان رعد ما يسمعهاش. وبقت تفتكر يزن وهو واقف مع سارة وكان خلاص هيقولها إنه بيحبها. نظراته لسارة وضحت كل اللي جواه. وبقت تكلم نفسها.
ميرا: طيب ليه.. ليه يعمل معايا كده وهو بيحبها.. أنا.. أنا عملتله إيه.
بصت للسما وهي بتبكي ودموعها ماليا وشها.
ميرا: عملتله إيه بس ياربي.. للدرجة دي أنا ما أنحبش.. للدرجة دي أنا وحشة.
رعد جه من وراها وقعد جنبها وسند على جزع الشجرة.
رعد: بالعكس انتي مش وحشة ياميرا.. انتي عمرك ما كنتي وحشة.
مسحت دموعها بسرعة وبصت لرعد.
ميرا: رعد.
***
هدير: سارة اتكلمي أنا سامعاكي.
سارة: أنا.. أنا.. مش.. مش عارفة أقولك إيه بس كل.. كل اللي أعرفه إني حاسة بإحساس وحش أوي. عايزة الإحساس ده يروح عايزاه يمشي مش عايزة أتألم ياهدير.. مش عايزة أتعب أكتر من كده.. أنا تعبانة.. تعبانة وتعبته معايا زمان.. بس.. بس أنا اتغيرت.. بس لما جيت أنا اتغير.. هو.. هو كمان اتغير.. هو كمان ياهدير.
هدير: يزن تاني.
سارة بتاخد نفسها بالعافية وبصت لهدير وهي بتشهق.
سارة: يزن أولاني.. ويزن تاني.. حاسة.. حاسة إني مش شايفة حد غيره.
شورت على قلبها بإيديها.
سارة: حبه هنا ياهدير جوايا.. ومش عارفة أطلعه من هنا. مابتمنيش حاجة من الدنيا غير إنه حبه يطلع من جوايا في اللحظة دي.. مش.. مش عارفة إزاي وهو.. هو.
حطت إيدها على راسها.
سارة: ما بيطلعش من تفكيري.. إزاي.. إزاي نشيل حد من قلبنا وهو ما بيطلعش من عقلنا.
سندت راسها على حضن هدير ودموعها ماليه وشها.
سارة: قولولي إزاي ياهدير قوليلي.. قوليلي إزاي.. إزاي.. عشان خاطري قوليلي إزاي.
***
رعد: كنتي فاكرة نفسك هتهربي مني.
قامت وقفت وادته ضهرها.
ميرا: معلش يارعد.. كنت بس محتاجة إني أكون لوحدي.
رعد: متأكدة إنك مش عايزاني معاكي.
رفعت إيديها ورجعت شعرها لورا وهي مترددة.
ميرا: آه.
رعد: فكري كويس. انت لو مكانك في اللحظة دي هبقى عايز حد جنبي.
لفت وشها لرعد وبصتله وبقت تتكلم بكل غضب.
ميرا: أنا بقى عايزة أبقى لوحدي مش عايزة حد معايا.. أرجوك ابعد.
رعد: هتبقي مرتاحة لو سبتك.
هزت راسها بالموافقة.
ميرا: أكيد.
رعد اتنهد وغمض عينيه وحاول يكتم وجعه جواه.
رعد: اللي يريحك.
سابه ومشي خطوات قدام وميرا بقت تبص عليه وهو بيبعد عنها بخطواته البطيئة. كان بيقدم خطوة ويحاول مايمشيش التانية. ميرا دموعها نزلت من غير عياط وهي بتبص عليه وهو مديها ضهره. مرة واحدة رعد وقف. أول ما وقف مسحت دموعها بسرعة. رعد لف وشه وبصلها.
رعد: آسف مش هسيبك.
ضمت حواجبها واستغربت.
ميرا: نعم.
رعد: آسف بس مش هسيبك في اللحظة دي.
قرب منها بخطوات سريعة ومسك إيديها الاتنين ووقف قدامها.
رعد: عارفة.. عارفة لما كنت ببقى زعلان ومخنوق كنت بعمل إيه.
بصتله وهي باين على وشها ملامح التعب والإرهاق.
رعد: كنت بفضل أصرخ.. أصرخ.. أصرخ بعلو ما فيا.
ما كنتش بحكي اللي جوايا. كل الغضب والألم اللي كان بيبقى جوايا بطلعه على هيئة صريخ. إصرخي ياميرا محدش هنا هيسمعك غيري أنا.
ميرا: رعد عشان خاطري سيبني في حالي.
رعد: أنا حالك.. أنا حالك ياميرا عشان كده مش هسيبك.
ميرا بصتله باستغراب من الكلمة اللي قالها.
***
هدير: أبكي ياسارة.. ابكي كمان وصدقيني بعدها هترتاحي.
سارة بقت تبكي وهدير بقت واخداها في حضنها وبقت تطبطب عليها وابتدت تهدى ولو للحظة وهي في حضنها.
هدير: عارفة ياسارة كل اللي حاسة بيه ده أنا كنت حاسة بيه في يوم من الأيام وأكتر من كده كمان.. نفس الإحساس والشعور وكنت برضه مرمية في حضن أمي وبعيط لها من داغر وكان وقتها كل همي إني أنساه يا أما أبقى معاه.. مكنتش عايزة أحس بالألم اللي في قلبي عشان كان متعب أوي.. كان واجعني.. بس كل شعور وجعني كان له معناه.
اللي انتي حاساه ده، مهما كان سببه، طبيعي عشان حبيتي بكل كيانك. عقلك وقلبك في صراع مع بعض، عشان كده بتحسي بالوجع ده.
هدير مسحت دموع سارة بأيديها.
هدير: كل اللي انتي فيه ده هيعدي. ولازم تقرري انتي ناويه على إيه في اللي جاي. خليكي قوية وفكري ألف مرة، ياترى يزن يستاهل إنّي أنزل دمعة مني وأتألم عشانه كل الألم ده؟ لو شايفه إنه يستاهل، يبقى هتكملوا سوا وبكرة تقولي هدير قالت. لو شايفه لأ، ما يستاهلش. لازم توقفي نفسك وتعملي لنفسك حد وخطوط حمرا ما بينكم وتقولي كفاية كده. اتفقنا يا سارة؟
سارة بلعت ريقها وشاورت لهدير براسها بالموافقة. بيبصوا لقوا غرام دخلت عليهم الأوضة.
***
رعد اتوتر وساب إيدها وبص قدامه.
رعد: برضه مش عايزة تصرخي؟ طيب بصي، أنا هبدأ الأول.
رعد حط إيده على شفايفه وبقي ينادي بأعلى صوته.
رعد: ميراااااااااااااااااا..
حطت إيدها على بوقه وسكتته.
ميرا: رعد، انت بتعمل إيه؟
رعد: بصرخ باسمك عشان أبقى مرتاح.
بلع ريقه ومشي قدامها خطوتين.
رعد: عارفة لو ما صرختيش حالا وطلعتي كل اللي جواكي، هفضل أنده على اسمك لحد ما الدنيا كلها تعرف إنك قاعدة هنا ومستخبية من الكل ومش عايزة حد يشوف دموعك. هااا؟ هتصرخي ولااا؟
رعد جه يصرخ باسمها مرة تانية.
ميرا: خلاص.. خلاص هصرخ.
رعد: أيوه كده.. يلا مستنيكي.
ميرا بصيتله ورفعت إيديها وبقت تصرخ بس بصوت واطي عشان ترضيه.
رعد: إيه ده؟ ده أنا جنبك أهو وما سمعتكش.
ميرا: ممممممممم.. طيب ما كده كويس.
رعد: لأ مش كويس.
رفعت إيدها ولسه هتنادي، رعد قطعها في الكلام.
رعد: خلي بالك، لو ما ندهتيش بصوت عالي هخليكي تصرخي مرة تانية.
شاورت براسها بالموافقة ورفعت إيديها وبقت تصرخ.
ميرا: اأااااااااااااااه.
رعد: أعلى.. أعلى كمان.
ميرا: اااااااااااااااه.
رعد: طلعي كل اللي جواكي لحد ما ترتاحي.
ميرا: ااااااااااااااااااااااه.. اااااااااااااااااااه.. (بقت بتبكي أكتر) اااااااااااااااه.. (بعياط شديد) اااه.. اااه.. اااه. قعدت في الأرض وهي بتبكي وفضلت تبكي وبس. رعد قعد جنبها وبقي يملس على شعرها ويطبطب عليها وهي بتبكي.
رعد: أيوه كده، ما تكتميش جواكي.
بصيتله ودموعها في عينيها.
ميرا: ما تسيبنيش يارعد.. عشان خاطري ما تسيبنيش. أنا محتاجالك.. محتاجة حد يكون جنبي.
رعد: وأنا هفضل هنا معاكي، مش هاروح لأي مكان. اطمني.
***
أول ما غرام دخلت عليهم، سارة مسحت دموعها بسرعة.
غرام: انتي قاعدة هنا ولسه ما لبستيش ياهدير؟
هدير: ألبس.. ليه؟
غرام: بصي تحت كده، وانتِ تعرفي ليه.
هدير: في إيه تحت؟
غرام: بصي في الشباك بنفسك.
هدير بصت في الشباك. بتبص لاقت داغر واقف ومستنيها ولابس الجاكيت بتاع عز، وعز واقف جنبه. السما وقتها كانت بتنزل تلج. داغر أول ما هدير بصت من الشباك، رفع راسه لفوق.
داغر: لو اتأخرتي أكتر من كده، مش هنلحق السينما.
هدير ابتسمت ورجعت خصلات شعرها ورا ودنها وهي مبسوطة جداً.
هدير: ثواني وهكون عندك.
دخلت من الشباك وهي مبسوطة أوي. وشوية وكانت هتتنطط من الفرحة. وبعدها بصت لسارة وسكتت.
هدير: أيوه بس سارة.
سارة: روحي معاه ياهدير، ماتقلقيش عليا. أنا بقيت كويسة خلاص.
هدير: سارة، يزن بيحبك. هو آه حمار شوية بس والله بيحبك.
سارة: سيبك مني أنا دلوقتي، المهم هاتروحوا فيلم إيه؟
غرام: ادخلي فيلم 3D. أنا بحب الأفلام الـ 3D أوي و..
سارة: خليه بعد كده يعشيكي في مكان رومانسي. أوعي تنسي.
هدير: أنا بجد مش مصدقة.
سارة: ربنا يخليكم لبعض.
هدير جريت على دولابها وفتحته وبقت تدور على هدوم عشان تلبسها.
هدير: ده ينفع؟
غرام: عادي أوي.. دوري على حاجة كلاسيك أكتر، دي سهره.
سارة قربت من الدولاب وبقت تدور فيه.
سارة: طيب بصي دي.. حلوة البلوزة دي.
غرام: برضه عادية وهتقلل من جمالها.
هدير: طيب وبعدين؟ أنا ما لحقتش أجيب هدوم كتير في جوازي.
غرام: طيب استني.
غرام بصت من الشباك.
غرام: عز.. ممكن تجيب شنطتي من العربية بسرعة، وما تنساش معاها تجيب الموبايل.
عز راح جاب بسرعة الشنطة بتاعت غرام وطلعالها.
عز: هتعملي إيه بشنطتك؟
غرام: حاجات بنات.. جبت الفون.
عز: أيوه وهشحنه، ماتقلقيش.
غرام: طيب تمام. أول ما هدير وداغر يمشي، اطلع لي عشان نكلم ولاء وشريف. اتفقنا؟
عز: اتفقنا.
عز نزل وبقي واقف تحت مع داغر والسما بتنزل تلج.
عز: الجاكيت بتاعي لايق عليك.
داغر: متشكر أوي.
عز بصله من فوق لتحت وهو بيبص للجاكيت أكتر.
عز: بس هياكل منك حتة.
داغر: عارف.
اتعدل ووقف قدامه.
عز: أوبقى خلي بالك منه بقى، أصل البالطو ده من البلاطي المفضلة بالنسبالي.
أخد نفس.
داغر: إن شاء الله.
عز: أصل البالطو ده لي عندي ذكرى حلوة أوي، وبصراحة خايف عليه لحسن..
داغر قطع كلامه وجه يقلع الجاكيت.
داغر: ياسيدي، عرفنا. تحب أقلعهولك؟
عز: لا لا، ما توصلش للدرجة دي.
داغر لبس البالطو مرة تانية.
عز: بس ابقى خلي بالك منه.
داغر داس على شفايفه بسنانه من الغيظ وبص جنبه لعز. عز ابتسم وداغر حس إنه بيحاول ينرفزه.
داغر: أنا رايح أطمن على عمار لحد ما هدير تخلص.
***
شمس كانت قاعدة وفاتحة الشباك وحاطة إيدها على خدها وباصة للقمر وسرحانة في كل تفاصيله.
عمار وهو نايم كان بيحلم وابتدى يحرك عينيه من تحت جفنه. بلع ريقه وبقي بيحرك راسه شمال ويمين. وهو هو نفس الحلم مابيتغيرش.
الراجل: تختارى مين فيهم؟
الأم: عمار.
الأم أول ما بتقول اسمه، عمار بيمسك المرتبة اللي نايم عليها أكتر بإيديه والعرق بينزل من جبينه. ضوافره طلعت وبقت بتغرز في المرتبة. كل ده وهو نايم وبيحرك راسه شمال ويمين.
عمار: مش معنى أنا.. مش معنى اختارتيني أنا؟
شمس أول ما سمعت صوته بصت وراها وقعدت قدامه وبقت تحاول تصحيه وبطبطب على وشه بالراحة، بس ده كان كابوس مابيعرفش يصحى منه. قامت وبصت شمال ويمين لاقت شقفة مايه. مرة واحدة كبت شقفة المايه على وشه. عمار قام مفزوع من نومه وهو رافع إيديه وضوافره البارزة باينة في وش شمس.
شمس بصيتله وهي خايفة جداً ورجعت خطوة لورا.
عمار ابتدى يهدى أول ما شافها ونزل إيديه جنبه.
عمار: شمس.. هي جت فيكي المرة دي.
قربت منه وبقت تشاورله بإيديها.
عمار: بحاول.. بحاول ومش قادر أنسى مهما عدى السنين عليا.
شمس شاورتله مرة تانية.
عمار: مش قادر أصدق إن أمي بعتني بالسهولة دي يا شمس. ألف مرة أسأل نفسي ليه؟ أنا عملت إيه؟ ده أنا كنت أصغرهم.. أنا كنت أحسنهم. هي اللي كانت دايماً تقولي كده، تقولي أنت أحسن واحد في إخواتك يا عمار.
عمار: عارفة يا شمس، وأنا صغير كان ليا صاحب كنت بروح معاه حاجة كده اسمها الحضانة. بنروح نتعلم فيها ونعرف نقرا ونكتب. فهماني قصدي إيه؟
شمس شاورت براسها بمعنى آه.
عمار: كنا ليا صاحب هناك اسمه مروان، كنت بحبه أوي. فضلنا مع بعض سنتين وللأسف مات. وعشان ما أقطعش اسمه من الدنيا، بقيت أنادي أخويا الكبير باسمه عشان يفضل اسمه موجود. وأمي كمان بقيت تنادي أخويا الكبير باسم مروان. وهو كان يضايق أوي ويقولها: "أنا مش مسمي مروان". بس هي كانت دايماً ترد عليه وتقوله: "عمار بيبقى مبسوط لما بيسمع اسم مروان في البيت". كانت كل حاجة بتعملها بدل على إنها بتحبني.. بتحبني أوي.. عشان كده السؤال الوحيد اللي دايماً بسأله لنفسي، طيب ليه؟ وليه أنا؟
شمس شاورت لعمار بإيديها وعمار بقي يفهمها جداً.
عمار: فعلاً.. عندك حق. وكمان ليه انتي يحصل فيكي كل ده وناس تانية كتير عايشة حياتها عادي؟ حاجات كتير بتحصلنا.. وأسئلة أكتر مالهاش إجابة.
شمس شاورت بإيديها لعمار.
عمار: انتي بتقولي إيه؟ أنا لا يمكن أروح لها. دي فكراني إني مت. هي أصلاً زمانها عايشة حياتها عادي، هي وأبويا وإخواتي. ولا فاكرني أنا؟ لو شوفت واحد فيهم ممكن أموته بإيدي. كلهم بلا استثناء.
شمس شاوت تاني.
عمار: أيوه.. حتى إخواتي. ليهم ذنب؟ ذنبهم إن واحدة زي دي ربتهم؟ يبقى أكيد هيطلعوا واطيين زيها.
شمس مرة واحدة سمعت صوت الذئاب وهي بتعوي. لفت وراها بسرعة وبصت على الشباك ورفعت راسها وبصت على القمر. عمار جه من وراها ولمس بإيديه على كتفها ورفع راسه وبص للقمر.
عمار: مش عايزك تقلقي ياشمس. من بكرة أنا جاهز. هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أحافظ عليكي.
لفت وشها وبصيتله ودموعها بقت تنزل منها. عمار استغرب وحط وشها ما بين إيديه الاتنين ومسحلها دموعها بإيديه بكل حنان.
عمار: ليه يا شمس؟ أوعدي تبكي. انتي دموعك غالية عندي أوي.. كله إلا دموعك ياشمس.
عمار: أنا عارف إنك خايفة من بكرة، وأوعي تفتكري إني مش خايف. لأ، خايف. بس خايف عليكي مش عليا. أوقات بفكر، طيب لو ما كسبناش بكرة، لو حصل أي حاجة، هيجرالك إيه؟ التفكير لوحده بيقتلني، بس في نفس الوقت بيديني الدافع اللي يخليني أعمل كل حاجة أقدر عليها عشان ما أخسركيش. عايزك تثقي فيا وتعرفي إن فيه واحد يفضل إنه يموت ولا أن حد يلمس شعرة منك في يوم ويأذيكي.
شمس ابتسمت لعمار وابتدت تهدى شوية.
عمار: يلا بقى، مش عايز أشوف عيونك الحلوة دي تبكي من جديد. وامسحي دموعك وتعالي نشوفهم بره بيعملوا إيه.
عمار مسك إيد شمس ولسه هيديها ظهره، بيبص لقى رباط الكوتشي بتاعها مفكوك. بصلها بكل غيظ وداس على سنانه.
عمار: هو آه أنا مش هخلي حد في يوم يأذيكي، بس أنا ممكن أأذيكي عادي. نفسي أفهم لييييه؟ بيبقى مفكوك. البسي صندل طيب؟ أجيب لك شبشب عشان الرباط ده ما يتفكش تاني.
شمس بصت لعمار وضحكت ضحكة سكر زيها.
عمار: طيب عشان خاطر الضحكة السكر دي، هربطهولك المرة دي.
اتكلم بصوت عالي وبغضب.
عمار: بس اعملي حسابك المرة الجاية.
شمس كشرت وشها.
عمار ابتسم: هربطهولك برضه. ما أنا مش هخلي حد غيرك ينبه عليكي ويقولك (رباطك يا شمس).
عمار لسه هيطلع، بيفتح الباب لقى داغر في وشه.
داغر: عمار.. عامل إيه دلوقتي؟
عمار: بقيت أحسن بكتير.. بس إيه الشياكة اللي أنت فيها دي؟ انت رايح في حتة؟
داغر: مممم.. احم.. تقريباً كده.. ولما..
لما تشوف رعد ويزن ماتخلهمش يناموا عايزين نتكلم سوا لما ارجع
عمار سكت وماردش مره واحده بيبص لقى اللي نازله من علي السلم وخطوات الكعب العالي كانت بتعلى مع كل مره تنزل فيها سلمه. داغر سمع صوت خطواتها بص وراه.
عمار: ده انتوا خارجين جدا بقى.
داغر: عندك مانع.
عمار: لا ابدا سهره سعيده ان شاء الله.
داغر في لحظه كان عند هدير قرب منها ومسك ايديها ونزلها اخر سلمه قرب منها اكتر وغمض عنيه وشم ريحتها من شعرها وابتسم.
داغر: زي النهارده من سنه دخلتي البيت ده وفاكر ريحه شعرك كانت ريحه شعرك مقرفه.
رفعت راسها وبصيتله وهي قريبه منه اوي وبقت تتكلم بهمس.
هدير: بقى دي كلمه حد يقولها لمراته في مناسبه زي دي.
عمار سمعهم وابتسم.
عمار: معلش سامحيه اصله اعمى مش شايفك دلوقتي عامله ازاي.
داغر لف وشه وريأكشنات وشه باين عليها الغضب.
عمار: الظاهر اني عكيت .. طيب تعالي ياشمس نطلع احنا بره.
شمس شاورت لهدير بأنها زي القمر وهدير ابتسمتلها ورجعت بصت لداغر.
هدير: مش يلا بينا .. هنفضل واقفين هنا كتير.
هدير جت تمشي قدامه راح داغر مسكها من معصم ايديها وقربها منه.
داغر: بيقولوا عليا أعمى البصيره .. بس انا ماصابنيش العمى الا لما وقعت في حبك ياهدير.
هدير بصيتله وبقي عندها مشاعر مختلطه من الفرح علي التوتر علي حاله من الحب كانت ما بينهم حلوه بجد ابتسمت وقلبها بقي بيدق.
ساره كانت واقفه ورا هدير هي وغرام والطفله.
الطفله: بقيتي حلوه اوي ياهدير.
بصت وراها للطفله.
هدير: انتي احلى ياقلب هدير.
الطفله ادت لهدير فون.
الطفله: خدي الفون دده ياهدير.
هدير: فون مين ده ياغدير.
غدير: ده فون رعد عشان تصوريلي الفيلم وكمان عشان تتصوروا.
هدير ابتسمت وباست الطفله من خدها.
ساره: خللي بالك منها ياداغر وسهره سعيده بأذن الله.
داغر اخد هدير وخرجوا بره البيت.
هدير: داغر هو انت برضوا اللي هتسوق.
داغر: عندك شگ في كده.
هدير: لاء وانا هيبقي عندي شك ليه .. ما انا عارفه انك انت اللي هتسوق كده كده.
داغر ابتسم.
داغر: طيب اركبي وماتقلقيش انا معايا عيونك اللي بشوف بيها.
هدير ابتسمت وهزت راسها شمال ويمين وهي متوتره وركبوا سوا العربيه.
داغر: هااا .. هاتروحي السينما.
هدير: داغر مش هينفع السينما دي وانت.
داغر: انا مش قولتلك معايا عيونك وطالما انتي هتبقي مبسوطه انا كمان هبقي مبسوط.
ويلا بقي قولي تحبي نروح فيلم ايه.
شمس طلعت هي وعمار بره وبقوا يتمشوا عمار بيبص لقى يزن قدامه وهو قاعد مابيتحركش عمار جرى عليه بسرعه.
عمار: يزن .. يزن فيگ ايه.
يزن بص لعمار وهو مش عارف يتكلم مش عارف يقوله ايه.
يزن: انا طلعت خنزير ياعمار .. طلعت خنزير زي ما انت قولت.
عمار: طيب اقعد واهدى.
بص وراه لشمس.
عمار: شمس اقعدي.
عمار: احكيلي مالك فيك ايه ياصحبي انا اول مره اشوفگ كده.
يزن: انا أذيت ميرا .. أذيتها من غير ما حس.
عمار: هو الموضوع في ميرا يبقي جرحتها ياصحبي وانا قولتلك بلاش البت دي .. دي بنت خاله داغر.
يزن اتكلم بنرفزه.
يزن: هو ده كل اللي يهمك.
عمار: طيب اهدى .. اهدي وماتتعصبش البت دي جت في رجليك حاولت تنسى بيها ساره ومش هتعرف يايزن مش هتعرف.
ماينفعش ننسى حد بغيره.
يزن: انا مكنتش ناوى اجرحها .. مكنتش عايز اجرحها بس .. بس ساره اتغيرت ومكنتش ناوي اني ارجع لساره انا ما بين الاتنين ومش عارف اعمل ايه .. ساره كسرتني كتير عشان كده حاسس بوجع ميرا.
شمس شاورت بايديها لعمار.
عمار: طيب وبالنسبه لوجع ساره.
يزن اتنهد تنهيده من قلبه اوي.
يزن: ساره .. ساره دي عوض ربنا ليا بعد سنين الشقا والعذاب اللي شوفتها ياصحبي.
عمار: ايوه يعني ما انا برضوا مش فاهم يعني عايز مين فيهم.
يزن: _________________
عمار: طيب هسهلهالك لو الاتنين بكره بقوا في خطر والاتنين محتاجينك في نفس الوقت هتساعد مين فيهم.
يزن قام وقف واداله ضهره.
يزن: عمار انت ليه مش قادر تفهم ميرا ضحت بحياتها عشاني عشان تنقذني ومن غيرها مكنتش زماني بقيت معاكم دلوقتي انا ممكن اضحي بنفسي عشانها.
يزن: انا .. انا ما بين وجع ميرا مني واحساسي بالذنب ناحيتها وما بين حبي لساره اللي معشش جوه قلبي بضمير.
عمار: انت كده بتجرح الاتنين ياصحبي ولازم تقف مع نفسك وقفه بجد وتصارح ميرا بكل شىء وتحاول تصالح ساره انا شايفها وهي طالعه بتبكى .. رعد بيحب ميرا وهي غبيه زيك مش شايفه حبه ليها زي ما انت مكنتش شايف حبها ليك دور عليها واعتذرلها احنا ممكن بعد يوم بكره مانشوفش بعض تاني .. اعتبره اخر يوم في حياتك وشوف هتصالح فيه مين وهتعمل في اي ﬠ.
يزن: ساره فين دلوقتي.
عمار: في اوضتها .. وخللي بالك لازم تصلح غلطك مع ميرا هي مالهاش اي ذنب.
يزن: ازاي .. مافيش حاجه ممكن تغفري اللي عملته معاها.
عمار: اتصرف .. ده انت الدماغ اللي فينا.
عمار ساب يزن ومشي هو وشمس وهو ماشي بص وراه ليزن.
عمار: يزن خللي بالك داغر عايزنا بعد ما يرجع من بره هنتجمع كلنا.
داغر وهدير راحوا السينما.
هدير: هو لازم يعني نروح السينما.
داغر: هو مش ده اللي خططي لي انتؤ وغرام.
هديىر: مممم انت عرفت.
داغر: ايوه عرفت وانتي عارفه اني بسمع كل حاجه استنيني قدام وانا جاي حالا.
هدير: رايح فين المكان هنا انت مش واخد عليه.
داغر: ماتقلقيش راجعلك تاني.
هدير دخلت السينما وبقت مستنيه داغر وكل شويه تبص وراها تشوفوه جه ولا لاء بتبص لاقيته جاي ومعاه بوكيه ورد حلو اوي.
هدير: الورد الحلو ده عشاني.
داغر: انتي اي رايك.
مسكت وره وهي بتشم فيها.
هدير: بصراحه مستغربه.
داغر: هو فعلا لازم تستغربي انا اصلا مستغرب نفسي.
هدير: بس قولي يعني اول مره تجيبلي ورد .. ده ليه واشمعنى النهارده يعني جيبتلي الورد.
داغر: عايزه الصراحه.
هدير: اكيد.
داغر: مافيش اصل وانا بركن العربيه لاقيت الواد اللي بره ده غلس اوي مصمم اشترى منه ورد ومش هيسيبني الا لما اشترى.
اخدت منه الورد وقولت بالمره افك.
هدير: لاااا والله.
داغر ابتسم.
هدير: عارف ياداغر انت مهما عملت مش هتضيع اللحظه الرومانسيه اللي انا عايشاها وهعديهالك.
داغب ابتسم بصوت وهرش في مناخيره ومد ايده لهدير.
داغر: طيب يلا بينا.
انجچت داغر وهي مبسوطه اوي.
هدير: يلا.
غرام: عز انا قلقانه علي ولاء اوي ارجوك عايزه اسمع صوتها شحنت الفون.
عز: شحنته اكيد.
بس قبل ما نتصل بيهم عايز اتكلم معاكي شويه.
غرام: مالك ياعز فيك ايه ﬠ.
عز: عايز اقولك ان مهما حصل بكره اعرفي اني بحبك واني بعمل كل ده عشان خاطرك عشان نفضل في نفس المستوى اللي عايشين فيه وكمان اللي احنا فيه ده هيبقي اول واخر حاجه ممكن اعرضك فيها للخطر .. بص صدقيني انا مكنتش عارف ان كل ده هيحصل.
غرام: عز انا مش فاهمه حاجه بجد.
عز: صدقيني انا نفسي مابقيتش فاهم .. بس عايزك تثقي فيا .. اوعديني انك تبقي واثقه فيا واي حاجه بعملها فانا بعملها عشان مصلحتنا.
بص في عنيها اكتر.
عز: توعديني.
غرام: كده من غير حتى ما اعرف في ايه.
عز: ايوه كده من غير اسئله.
غرام: اللي تشوفوه ياعز .. اوعدك.
عز: ريحتيني كده اتصل بشريف وانا مطمن من ناحيتك.
عز مسك الفون عشان يتصل بشريف.
شريف دخل الاوضه علي ولاء لقى وشها فيه كدمات بقي بيبص علي وشها وهو مش مصدق زي ما يكون بقي في حاله ذهول بصلها اكتر وجه يقرب منها.
شريف: هو .. هو اي اللي حصل.
ولاء: ماتقربش مني اوعى تقرب مني انت فاهم.
شريف: اهدى انا دلوقتي فايق احكيلي اي اللي حصل.
ولاء: اللي حصل انت شايفه علي وشي مايتحكيش.
شريف: أوعي .. أوعي اكون قربتلك.
ولاء: قربتلي بس.
ولاء اول ما قالت الكلمه دي شريف حط ايده الاتنين علي وشه.
شريف: يادي النيله .. يادي الكارثه .. يعني ايه .. حصل ما بينا ايه انطقي.
وهي بتبكي.
ولاء: بعد .. بعد ما وديتك اوضتك امبارح لاقيتك مسكت ايدي وقربت مني حاولت .. حاولت اهرب منك وابعظ عنك بكل الطرق بس انت ماسبتنيش كنت بتناديني بأسم غرام اختي واللي تبقي مرات اخوك حاولت كتير ابعد بس مادتنيش فرصه لحد ما حصل اللي حصل .. دي وصيخ اختي ليك .. ده انا امانه في رقبتك للدرجه دي .. للدرجه دي انت عديم المسؤوليه اعمل .. اعمل لي دلوقتي اروح فين.
شريف قعد علي الكرسي وهو مصدوم ومش عارف يعمل ايه .. فضل يفكر في ثواني لو عز عرف او غرام والبنت دي ذنبها ايه بقي يخبط راسه في الحيطه وبقي متنرفز جدا.
ولاء: قولي هتصلح غلطتك دي ازاي هاااا ..
شريف: اسكتي .. اسكتي سبيني افكر.
ولاء: انت لسه هتفكر مالهاش غير حل واحد طبعا.
شريف بقي يبصلها بكل يأس وهو مخنوق جدا.
ولاء: اني اشيل المكياچ ده من علي عيني.
بقت تجيب المنديل وتمسح المكياج اللي علي عنيها وفي خدها .. شريف بقي يبصلها وهو مش مصدق بقي يبصلها بذهول.
رواية الهجينة الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم ماهي احمد
شريف: ده .. ده .. ده مش آثار ضرب .. ده مكياج.
(ولاء بقت تضحك على شريف ومابقتش قادرة تبطل ضحك وهي بتبص لملامح وشه اللي كانت علامات الصدمة باينة عليها)
شريف: يعني .. يعني إحنا .. إحنا ماحصلش بينا حاجة.
ولاء: لأ طبعًا، وأنا أسيبك تقرب مني ولا إيه.
مش معنى كده إنك ماحاولتش، بس أنا مسكتلكش وعضيتك ونيمتك على سريرك تاني.
شريف: يابنت الـ .. إنتي فكراها لعبة.
(بعدت عن شريف خطوة)
ولاء: بنت .. بنت إيه، كلمة تانية والله هقول لـ غرام إنك بتشتمني.
شريف: أنا خلاااااص، أنا لو جايب بنت أختي أربيها مش هتعمل كده، ارحميني بقى.
(شريف بيبص لقى الفون بيرن، طلع الفون من جيبه بسرعة، لقى مكالمة ڤيديو من عز)
شريف: امسحي .. امسحي الميك أب ده بسرعة.
(شريف رد على عز وبقوا شايفين عز وغرام صوت وصورة)
عز: إزيك يا شريف عامل إيه.
شريف: عز، أنا كنت فين، أنا كنت قلقان عليك جدًا.
عز: عارف، وحقيقي معرفتش أمسك الفون غير دلوقتي.
طمني عليك.
شريف: أنا كويس .. إزيك يا غرام.
غرام: فين ولاء.
شريف: طيب على الأقل ردي السلام.
(عز بص لـ غرام)
عز: معلش أصلها تعبانة شوية، تلاقيها ماسمعتش أو حاجة.
(شريف استغرب وولاء جت قعدت جنب شريف)
ولاء: غرام إزيك.
غرام: ولاء وحشتيني أوي .. قوليلي عاملة إيه، مرتاحة هناك.
مع شريف.
(ولاء بصت لـ شريف)
ولاء: أوي .. أوي الحمد لله، المهم طمنيني عليكي، مبسوطة في شهر العسل.
غرام: الحمد لله .. عايزاكي تخلي بالك على نفسك يا ولاء، وإحنا هنرجع في أقرب وقت.
ولاء: ماتقلقيش، المهم إنتي تكوني مبسوطة.
عز: شريف، عايزك تعمل مكالمة شغل وتوصلني على اللوكيشن اللي هبعتهولك قبل طلوع الفجر.
شريف: تمام .. حاضر ياخويا.
(عز قفل مع شريف)
عز: برضه يا غرام.
غرام: ارجوك يا عز، أنا مش هرتاح إلا لما أعرف الحقيقة.
عز: هنعرفها .. صدقيني هنعرفها.
شريف قفل مع عز وهو بيسأل نفسه، ياترى فيه إيه يخلي غرام تتجاهله كده.
(يزن بقى يدور على ميرا في كل مكان، بيبص لقاها راجعة هي ورعد وداخلين على البيت، يزن قرب منهم ووقف قدام ميرا)
يزن: ميرا، محتاج أتكلم معاكي شوية.
(رعد وقف قدامه)
رعد: وهي مش عايزة تتكلم معاك.
يزن: رعد ارجوك، الموضوع ده بيني وبين ميرا.
رعد: إنت عايز منها إيه، ما تسيبها في حالها.
(ميرا قربت منه)
ميرا: رعد ارجوك ..
(بصت لـ يزن)
ميرا: عايز تقول إيه يا يزن.
يزن: ميرا، أنا عارف إني غلطت، بس ارجوك، أنا مش وحش أوي كده.
ميرا: مين قال إنك وحش .. بالعكس، أنا اللي وحشة وماقدرتش قيمة نفسي، العيب عمره ما كان عليك .. العيب عندي أنا.
يزن: ميرا، إنتي ما فيش أي عيب عليكي.
ميرا: لما أصدق واحد أنا عارفة ومتأكدة إن قلبه مشغول مع غيري، يبقى العيب من عندي .. لما كل تصرفاتك ونظراتك تقول إنك بتحبها، وأصدق لسانك اللي بيقول إنه بيحبني .. يبقى العيب من عندي .. لما أصدق واحد زيك، يبقى العيب من عندي أنا يا يزن، مش منك خالص.
يزن: ميرا، أنا آسف، إنتي .. أنا ما أستهلكيش.
اديني فرصة أشرحلك.
ميرا: اديني فرصة أسألك، لو خيروك بيني وبينها هتختار مين.
يزن: أنا .. أنا ..
رعد: كفاية كده يا يزن .. كفاية.
(رعد أخد ميرا ودخل جوه، ويزن مابقاش عارف يعمل إيه ويصلح الموقف إزاي، كان نفسه يكلم سارة بس مش قادر، بيبص لقى نور أوضتها مفتوح، كانت وحشاه، عايز يطمن عليها من بعيد، طلع على الشجرة وبقى يطلع على الشجرة بالراحة أوي وبقى يبص عليها من شباك أوضتها، لقاها قاعدة على السرير وحاضنة مخدتها وبتعيط)
(يزن بقى يبصلها وبص لدموعها اللي بتنزل بسببه)
(اتعدلت وقعدت على السرير وبقت تدعي ربنا)
سارة: يارب .. يارب طلعني من هنا .. يارب طلعني من قلبي .. يارب هو وجعني أوي .. يارب حاسة بشرخ جوايا محسيتش بيه قبل كده .. يارب انساه ..
(يزن بصلها أكتر ودمعة نزلت منه وهو بيشوفها وهي بتدعي ربنا إنها تنساه .. بقى يتكلم بصوت واطي وهو شايفها قدامه بتتألم)
يزن: لو نسيتيني .. مش هبقى عايز حد غيرك يفتكرني يا سارة.
(داغر طلع هو وهدير من السينما)
داغر: لأ بس حلو الفيلم.
هدير: آه فعلًا حلو أوي.
داغر: شفتي البطل وهو كان سايق ونط بالعربية في المايه وشاف التمساح.
هدير: داغر، ماكانش فيه تمساح أصلًا، وبعدين ده فيلم رومانسي وإنت نمت في نصه.
داغر: أعمل إيه يعني .. ما أنا مابحبش أدخل السينما، أنا داخل عشانك، بقيت أتخيل هما بيعملوا إيه من الصوت بس، الفيلم ممل أوي فنمت.
هدير: بقى كده.
داغر: تعالي أعزمك على العشا بقى.
(داغر دخل المطعم هو وهدير وبقوا يطلبوا العشا)
داغر: اشرحيلي بقى كل حاجة هنا بالألوان.
هدير: بالألوان كمان.
داغر: أيوة.
(بصت شمال ويمين)
هدير: بص ياسيدي، المطعم كله رجالة، مافيهوش ولا ست واحدة.
داغر: غريبة، مع إني شايف برفانات حريمي.
(مرة واحدة لقى في بنت بتغني)
داغر: إيه ده، والصوت اللي بيغني ده برضه صوت راجل.
هدير: ده .. ده أغنية متسجلة.
داغر: لأ والله .. تصدقي صدقتك.
هدير: يعني أنا كدابة.
داغر: آه .. بس أحلى وأرق كدابة.
(داغر قام وانحنى قدام هدير)
داغر: ياترى الكدابة تسمحلي بالرقصة دي.
(ابتسمت ومدت إيدها لـ داغر وبقت ترقص معاه وحضنته أوي، داغر بقى يشوفها بقلبه مش بعنيه)
داغر: إنتي إزاي كده.
هدير: إزاي إيه.
داغر: إنتي إزاي بتقدري تشيلي أي وجع جوايا بمجرد قربي منك، إزاي.
هدير: حبيتك .. حبيتك أوي .. بس ..
داغر: بس .. هو الحب يعني بيعمل كل ده.
هدير: لأ طبعًا .. ياما ناس كتير بتحب، بس قليل أوي اللي بيعرف إزاي يحب، إنت عارف أول مرة شوفتك فيها قلبي قالي هو ده، مش عارفة إزاي ولا إمتى ولا حتى ليه، هو دق .. دق وبس.
(داغر رفع إيده وهدير لفت وهي ماسكة طرف إيديه ورجع ضمها لحضنه تاني)
داغر: اللي بيدور على علاج لأي وجع، مافيش قدامه غير حل واحد إنه يحب، وإنتي علاجي يـ هدير، اللي شيلتي بيه كل الوجع اللي جوايا، عايزك تتحمليني في وقت غضبي .. أنا عارف إني بغضب كتير وبأمل فيكي أكتر، بس عايزك تتأكدي من حقيقة واحدة بس، إنك لو لفيتي الدنيا كلها مش هتلاقي حد يحبك ربع الحب اللي بحبهولك.
(مرال كانت في أوضتها وقاعدة على فونها ومشغلة الأغاني)
مرال: أنا هدخل أصلي وبعد كده أنام.
مرال: مابلاش تصلي ياماما الأيام دي قدام ميوان.
الأم: مرال، بلاش نتكلم في الموضوع ده.
مرال: هتفضلي لحد إمتى كل ما أتكلم في الموضوع ده .. من وقت حادثة عمي وإنتي بقيتي متغيرة، ده طبيعي ابنك ومات قدام عنيكي .. لكن ليه تسلمي ليه .. حاجات كتير أوي نفسنا نلاقي لها إجابة وإنتي مابتجاوبيش ليه، مسمية عمي باسم مسلم وده ماينفعش، إحنا مسيحيين، إزاي توافقي إن كمال ينادى بميوان، برضه مابتنطقيش، طيب سيبك من كل ده، ليه جايبانا هنا بعيد عن الناس بعد ما بابا مات وأسلمتي.
إيه اللي خلاكي تترددي عن دينا.
ساعات بفكر وأقول ميوان عنده حق .. عنده إنه يعاملك بالطريقة دي ويوجعني، وأقول بس إنتي أمي، ماينفعش .. ماينفعش أبقى قاسية عليكي، إنتي بعدتينا عن كل الناس وعن كل قرايبنا عشان نيجي هنا وتسلمي.
الأم: أنا ماغصبتكوش على حاجة .. أنا ماغصبتكيش ولا إنتي ولا أخوكي على إنكم تسلموا.
مرال: أنا عارفة، بس لييييه، عايزة أعرف، ليه، جاوبي، عشان خاطري جاوبي.
(مرة واحدة بيبصوا لقوا الباب بيخبط)
الأم: بس .. بس عشان مروان جه، ولو فتح في الموضوع ده مش هنخلص النهارده.
(الباب بقى بيخبط أكتر لحد ما انكسر)
الأم: مرال، استخبي يا مرال، استخبي.
صابر: لتاني مرة جيت أزورك بعد زمن.
(الأم بقت خايفة جدًا)
الأم: إنتوا عايزين مني إيه تاني .. وعرفتوا طريقنا منين، عمار واخدتوه، عايزين منا إيه.
صابر: هتعرفي دلوقتي.
(مرال بقت ترجع لورا بخطوات بطيئة وهي بتترعش من الخوف)
مرال: ابعدوا عني .. ابعدوا عني، ماتلمسونيش.
إنتوا عايزين مني إيه.
(واحد منهم ضربها على راسها، اغمى عليها وشالها وأخدها معاه)
صابر: كنتي فاكرة إنك هتقدري تهربي مننا، إننا نقدر نجيبك من تحت الأرض.
(صابر طلع مسدسه وضرب الأم بالنار ووقعت في الأرض)
(بربروس كان قاعد في المزرعة هو وياسين، على جه عليهم)
دكتور علي: إيه التجمع العظيم ده.
ياسين: مافيش، ماجتليش نوم.
دكتور علي: خايف من اللي هيحصل بكرة.
ياسين: أنا ما بخافش.
بربروس: ولماذا لا تخف .. ولماذا هذه المعركة من البداية، أنا لا أفهم شيئًا، لا أحد منكم يريد أن يخبرني ما الذي يحدث بحق الله.
ياسين: عايز تعرف إيه.
ياسين: كل شيء .. كل شيء بالحرف وتفصيلة .. تفصيلة.
(ياسين ض جنبه لـ علي وبرأله بعنيه)
ياسين: بعد الزمن بتاعكم .. الزمن بقى بيتطور، وبعد ما الإسلام انتشر وبقى طلعوا جماعة من البشر بيقولوا إنهم ضد الإسلام وعايزين يخلوا البنات تبقى بشعرها، يا أخ بربروس.
بربروس: تقصد بدون حجاب.
ياسين: أجل.
أجل يا أخ بربروس. فقد بدأوا بدين جديد يدعون هذا الدين بعبدة الشيطان.
بربروس: وما هذا الدين؟
ياسين: استغفر الله العظيم، ده دين وحش أوي بيخلوا البنات تبقى مع ولاد، يا أخ بربروس، وأنت عارف إذا اجتمع البنت والولد مين بيبقى تالتهم.
بربروس: الشيطان، والعياذ بالله.
ياسين: أيرضيك... أيرضيك يا أخ بربروس الفئة الجديدة دي تخلي الدنيا بلا دين؟
بربروس: لا والله، بعقد الهاء.
ياسين: المهم، المدعوة شمس دي هي الأساس، البنات كلها بيمشوا وراها، فإحنا بقي عايزين نجيبها علشان نحجبها والبنات كلها تلبس الحجاب زيها ونرجع الدنيا زي زمان.
بربروس: وما المشكلة في ذلك أيها اللعين؟ إنها مجرد فتاة.
ياسين: لا والله، بعقد الهاء. أصلها مش لوحدها، حاوليها ناس بتساعدها وأقوياء أوي. يرضيك... يرضيك يا أخ بربروس البنات تمشي بشعرها في الشارع ويعبدوا الشياطين؟
بربروس: لا والله، لا يرضيني.
ياسين: هو ده. إحنا بقي بنعمل كل ده علشان نرجع الدنيا للزمن بتاعك، زمن العفة والطهارة وعدم التبرج.
بربروس: ولكن... ولكن حسام هذا الشرير اللعين لا يظهر عليه أي شيء من التدين.
ياسين: من الغضب، من الغضب من اللي بيحصل. تخيل إنهم بياخدوا البنات الصغيرة، بيمشوهم في... استغفر الله العظيم، بيبقوا أطفال. وإحنا عايزين نخلص العالم منهم.
بربروس: نعم، لديك كل الحق. فعندما خرجت من هذا المكان الكئيب وجدت فتاة متبرجة، وليعذ بالله.
ياسين: شفت بقي. مش أنا قلت لك. عشان كده بقي بقولك إن البشر بقوا ضدنا عشان إحنا في صف الخير وهما في صف الشر.
بربروس: لم يدخل كلامك في ذمتي أيها اللعين، ولكن إذا كان كلامك فيه شيء صحيح، فأنا معكم.
دكتور علي: كفاية بقي يا ياسين.
ياسين: مش بفهمه على اللي هيحصل.
دكتور علي: افهمني يا بربروس. إحنا ملعونين. اتلعنا من واحد اسمه المهدي، كان كبيرنا. وللأسف، الوحيدة اللي تقدر تفك اللعنة دي هي شمس. إحنا مش هنأذي حد، إحنا عايزين نعيش مش أكتر. إحنا كائنات زينا زيهم، من حقنا نعيش ونتعايش. كل واحد وقراره. أنا عمري ما هأذي حد، وأنت لو أخذت القرار ده، يبقى ده الصح. اللي هناك دول عايزيننا نموت، مع إننا ما بنأذيهمش.
بربروس: لهذا فهمت، ولكني لن أقتل أحداً في الغد. لن تتلوث يدي بالدماء.
دكتور علي: إحنا هنشل حركتهم مش أكتر، لحد ما ناخد شمس منهم. هنفك اللعنة وهنسيبها تروح لحالها.
ياسين: هو أنت إزاي مستذئب وبريء أوي كده؟
دكتور علي: عشان ده اللي لازم يتعمل. إحنا نعيش وهي كمان تعيش.
ياسين: الدنيا مش منصفة يا صديقي.
دكتور علي: لأ، منصفة. منصفة كفاية، وخليتك بقى عندك قلب وبتخاف على غيرك، زي ما خوفت عليا النهارده.
ياسين: مش هكذب وأقول إني مخفتش عليك، بس عارف، أنت أكتر حد بيقعد معايا الفترة الطويلة دي، ممكن عشان كده حسيت بالخوف عليك.
دكتور علي: وأنا مبقتش أخاف منك زي الأول، وبقيت أخاف عليك. وعشان كده عايز أوصيك، لو بكرة جرالي حاجة ومُت، خلي بالك من علي وزهرة، دول أمانة في رقبتك. يا ياسين.
بربروس: ألف لا بأس عليك. ولماذا ذكرت الموت؟
دكتور علي: إحساس مش أكتر. ممكن بكرة نروح كلنا وما نرجعش. اللعنة لو مانفكتش وقت اكتمال القمر، كلنا هنموت. بس لو اتفكت، وأنا لوحدي اللي مت، خلي بالك على بربروس وزهرة. وقولها إني بحبها.
بربروس: ولماذا هذا الأبله هو الذي يرعاني؟ فأنا سوف أرعاه.
ياسين: أنا مش هسمح إن يجرالك حاجة بكرة. وبطل كلام أهبل اللي بتقوله ده. أنت معايا من غير آخر، عشان إحنا مالناش آخر يا علي. وهجوزك الولية اللي فوق دي غصباً عنها، مش برضاها. وهنفضل دايماً سوا. وبعد ما نفك اللعنة، هتقول ياسين قال.
(دكتور علي ابتسم لياسين، وبربروس ضحك معاهم. ومرة واحدة حسام جه.)
بربروس: ها قد أتى هادم اللذات ومفرق الجماعات.
حسام: طيب يلا يا بربروس يا أخويا، الطيارة جاهزة.
دكتور علي: بالسرعة دي؟
حسام: يا دوبك. عايزين نكون هناك على الفجر. القمر هيكتمل بكرة بالليل. لازم شمس تكون معانا.
دكتور علي: طيب، أنا... أنا هطلع فوق أجيب حاجة وأجي.
حسام: ماتحاولش. لو رايح لزهره، فزهره معانا. كله على الطيارة يا حبايب أخوكم.
(دكتور علي سابه ومشي وراح لزهره، لقاها راكبة الطيارة بإرادتها.)
دكتور علي: زهره، أنا ههربك.
زهره: وتهربني ليه؟ أنا عايزة أروح لبنتي. وأنتم رايحين لها، يبقى مالهوش لازمة الهروب.
دكتور علي: أيوه بس...
(العربي جه من وراه.)
العربي: بس إيه يا علي؟
علي: بس... بس زهره مالهاش ذنب في كل ده.
العربي: ومين له ذنب في اللي بيحصل ده كله؟ المهدي هو المذنب في كل ده. المهدي يا زهره، ولا نسيته؟
(زهره بصت قدامها وما تكلمتش.)
(بربروس بص للطيارة وبقي مستغرب.)
بربروس: ماهذا أيها اللعين؟
ياسين: اركب يا بربروس، مش وقتك ده. إحنا جايبين لك طيارة خصوصي.
بربروس: أتطير؟
ياسين: لأ، بتعوم.
(بربروس ركب هو وياسين، والطيارة اتحركت.)
(داغر رجع هو وهدير من سهرتهم، وكانت سهرة حلوة أوي. بيبص لقاهم كلهم مستنيين داغر في الدور اللي تحت، كلهم بلا استثناء.)
داغر: أنتوا عارفين إن بكرة يوم مهم بالنسبة لكل واحد فينا. كل واحد هنا موجود لغرض معين. كل واحد هنا له مصلحة ولازم يخلصها بكرة.
داغر: عمار، أنت عارف هتعمل إيه كويس.
عمار: عارف.
داغر: يزن ورعد.
يزن: ماتقلقش، كل حاجة معمول حسابها.
ساره وميرا.
ميرا: جاهزة.
عز: الأسلحة وصلت.
داغر: غدير وهدير وغرام وشمس.. مش هيبقوا موجودين بكرة في البيت. هايروحوا على قصر. وأنا وعز وعمار ويزن ورعد هنفضل طول الليل نظبط البيت من كله وننفذ الخطة.
يزن: لازم يبقى فيه خطة بديلة. ماينفعش نعتمد على عمار وبس.
داغر: قصدك الذئاب؟
يزن: الذئاب وغيرها. لازم يبقى فيه خطة تانية نعتمد عليها لو الخطه الأولى فشلت.
داغر: غرام، غدير، شمس. وأنتي يا هدير، اطلعي غيري هدومك. رعد هياخدكم على القصر.
(شمس شاورت بإيديها لداغر.)
داغر: ساره بتقول إيه؟
ساره: بتقول سيبوني أنا الخطه البديله.
داغر: مش فاهم.
(شمس طلعت بره وغمضت عينيها وبصت لفوق وبقت ترفع إيديها الاتنين بالراحة جداً. الأرض بقت تتحرك من تحتها وحبات التلج بقت تترفع. حركت إيديها على شكل دائري وبقت تحرك الحبيبات دي على شكل عاصفة.)
كلهم بقوا بيبصولها وهما مذهولين من اللي بتقدر تعمله. وهي بتحرك العاصفة دي، مناخيرها بقت تنزل دم وشفايفها ازرقت. ومرة واحدة وقعت في الأرض وحبيبات التلج نزلت معاها في الأرض والعاصفة وقفت.
عمار جرى عليها.
عمار: انتي كويسة؟
(شاورت له براسها بأنها آه كويسة. حاولت تقوم معاه ومسحت نقط الدم اللي نزلت من مناخيرها.)
(شمس بقت تشاور إن القوة دي عرفت بيها من قريب، وكل ده هيختفي لو اللعنة اتفكت وهتبقى مجرد بنت عادية.)
داغر: يبقى شمس هتفضل معانا، بس كلنا هنحميها. ولو فشلنا، تبقى هي خطتنا.
عمار: أيوه بس...
عز: من غير بس. ماتقلقش عليها. كلنا هنبقى حواليها.
(اليوم ده محدش نام فيه. ورعد راح ودا غرام وهدير والطفلة القصر، وكلهم كانوا بيشتغلوا وبينفذوا خطتهم اللي متفقين عليها.)
(ومع أول ظهور فجر جديد لليوم الموعود، وصل بربروس وياسين ودكتور علي وحسام، وكان معاهم شوية رجالة من رجالة العربي. والعربي وزهره فضلوا في الطيارة.)
(ياسين أول ما نزل، العربي نده عليه.)
العربي: ياااسين.
(ياسين بص وراه.)
العربي: خلي بالك زي ما اتفقنا، شمس ترجع في إيدك.
(ياسين مشي قدام. وبقي حسام والدكتور علي وبربروس، التلاته ماشيين وراه. وقف بره السلك الشائك بتاع البيت وبقي ينده على داغر.)
ياسين: داااااغر.. داااااااااغر.
ياسين: أنا عارف إنك سامعني وعارف إن كلكم جوه متخبيين زي الفيران. وعارف إن بعد السلك ده فيه ألف فخ وفخ محطوط. (بص شمال ناحية البيت من الجنب.) لقي ساره بتبصله وهي ماسكه مسدس. بص يمين لقى ميرا وماسكه مسدس ورا البيت.
ياسين: حلو جو البنات ده. (شاور بصوابعه) بيبقى دمهم لذيذ... وأنا بغرز سناني جواه. واحدة فيهم بحس بطعم كده، يا أخي، غير الرجالة خالص. بيبقوا مسكرين زيادة عن اللزوم. والظاهر كده إني هحلي بيهم النهارده.
(مرة واحدة عمار نزل من فوق السطح واقف وهو وشه متغير ولون عينيه باللون الأحمر.)
(وداغر وعز طلعوا من البيت وواقفين وراه.)
ياسين: تؤ.. تؤ.. تؤ. ياساتر يا رب. أنا مش عارف أنا ليه خايف.
(داغر وعمار وعز كلهم ساكتين، مكانش حد بيرد عليه.)
ياسين: هو انتوا ما بتتكلموش ليه؟ هي القطة بلعت لسانكم؟
عمار: عشان اللك للحريم والفعل للرجالة.
(حسام داس على سنانه من الغضب ولسه هيتحرك. ياسين شاورله بإيده إنه يقف.)
ياسين: ماتبقاش متهور. ادخل جوه السلك ده ومش هترجع تاني.
(ياسين رفع صوابعه الاتنين وشاور وراه. رجالة العربي جم من وراه وكلهم بقوا يجروا ودخلوا جوه السلك الشائك. بقت الأفخاخ تنفجر، كانوا بيدوسوا عليها علشان يفجروا كل فخ موجود ويموتوا معاها.)
الانفجار بقى في كل مكان حرفياً، لحد ما مرة واحدة الانفجارات وقفت. وكام راجل بقوا لسه عايشين.
(ياسين بص قدامه.)
ياسين: خلاص.. خلصتوا ألعابكم.
(عمار في لحظة كان واقف قدامه وبقي شكله مرعب وطلع ضوافره.)
عمار: لاء، لسه.
(ضربة ضربة شديدة في صدره رجعته لورا عشرة متر.)
(ياسين طلع ضوافره وغرز الأرض بضوافره ووقف قدامه ببصة نظرة خبيثة.)
ياسين: ابتدينا.
(بربروس بص شمال ويمين هو وحسام. حسام بيبص لقى داغر واقف قدامه.)
حسام: أخيرااا... أنت عارف أنا استنيت قد إيه وعملت إيه عشان أقف قدامك الوقفة دي من جديد. بس المرة دي مابقيتش حسام الضعيف قدام داغر الوحش، بقيت حسام القوي اللي هيخلي داغر الوحش يركع تحت رجليه.
داغر: رغي كتير.. مابحبوش.
(داغر مرة واحدة غرز ضوافره في بطن حسام ورفعه بإيديه الاتنين. حسام بقي يجيب دم أسود من بوقه.)
داغر: ده حق جدتي اللي أنت دبحـتها قدامي.
(داغر وقع حسام في الأرض وحسام اترمي وبقي بيطلع دم أسود من بطنه ومن بوقه وبقي جسمه كله يترعش.)
داغر: مستنيك تقوم.
الحركات دي مش عليا
(حسام ابتسم وجرحه لم في ثواني ووقف مرة تانية)
حسام: يبقى نلعب على المكشوف.
(حسام في لحظة كان عند داغر وسرعته كانت رهيبة وبدأ يضربه في ظهره بضوافره. داغر بقى يلتفت حوالين نفسه شمال ويمين عشان يلحق سرعته الرهيبة.)
(يزن ورعد كانوا راكبين بتاعة التزحلق على الجليد وكل واحد فيهم بيصوب مسدسه ناحية بربروس وبيضربوا نار عليه هو وعلى. بربروس وقف في ظهر علي والاتنين مكانوش عايزين يموتوا حد.)
علي: خلي بالك، أوعى حد فيهم يموت.
بربروس: لا تخف، فقط سأجرحهم وليس بجرح عميق.
عز سمع كده استغرب، جه من وراه وبدأ يضرب نار بالمسدسات بتاعته.
دكتور علي: بربروس خليك معاهم، هدخل أنا جوه البيت.
بربروس: حسنًا.
(دكتور علي بدأ يتحرك ويقرب من البيت شوية بشوية. بيبص لقى رجالة تبع عز طالعين من جوه البيت ومعاهم مسدساتهم، مش أقل من 50 واحد. وفجأة انتشروا في المكان كله، بقوا واقفين حوالين علي وبيضربوا بالنار. علي رجع لورا وفي لحظة ما بقاش موجود. الرجالة اتلمت حوالين بربروس. بربروس جرح واحد فيهم من ظهره بضوافره وشم ريحة الدم، مابقاش حاسس بنفسه. أول ما شم ريحة الدم وابتدت أنيابه تطلع عليهم، علي شاف كده من بعيد وقرب منه.)
علي: بربروس.. لأ، اتحكم في نفسك.
بربروس بعد عليه وبدأ يضرب في الرجالة راجل ورا التاني وبدأ يمص دمهم.
العربي كان واقف من بعيد بيتفرج على اللي بيحصل، وأول ما شاف بربروس كده ابتسم.
عز جاب سلاسل من حديد وانتهز فرصة إن بربروس مشغول في مص دمهم. راح جاب السلسلة ولفها وحطها على رقبة بربروس وبدأ هو ورعد يرفعوا فيه في الشجرة والرجالة بتضرب عليه نار.
ياسين: شمس ليا، مهما عملت يا عمار.
عمار: شمس عمرها ما كانت ليك مهما حصل يا ياسين.
(ياسين هاجم على عمار مرة واحدة، الاتنين كانوا بيقطعوا في بعض.)
داغر مسك حسام من رقبته ورماه في الأرض.
داغر اتحرك بأسرع ما عنده والدنيا كأنها بتمطر رصاص من رجالة عز. يزن اتخبى هو ورعد وبيقول يضربوا نار من بعيد عليهم برضه. سارة طلعت فوق السطح لاقت يزن طالع وراها.
يزن: هتعرفي تستخدميه؟
سارة: هعرف، داغر علمني.
يزن بقى واقف جنب سارة وكان بيضرب نار على أي حد يقرب من البيت.
عمار: مش قولتلك شمس مش بتاعتك.
ياسين مسك عمار من إيده وطلع ضوافره من جواه.
ياسين: ده على جثتي، حتى لو قوتك زادت أضعاف. عارف.. عارف يعني إيه على جثتي؟
ياسين وقع في الأرض، عمار قوته ما يستهانش بيها ولسه هينهي على ياسين.
العربي بص عليهم لقاهم بيقعوا واحد ورا التاني وبربروس متعلق على الشجرة بالسلاسل الحديد وياسين واقع في الأرض وحسام خلاص بيخلص عليه داغر.
الجزار جه من وراه.
الجزار: وأنا مستني إني أساعدك.
داغر بيبص لقى طيارات هليكوبتر وصلت ورجالة نازلة من كل مكان بتضرب نار وعربيات جيب ورجالة مالهاش عدد.
عمار لقي رجالة جاية بتضرب نار من كل حتة، ساب ياسين وبص لقى كل اللي حواليه بقوا بيضربوا عليه نار. بص شمال ويمين وفي لحظة اختفى.
الجزار: هاتوه، أوعى يهرب من إيديكم المرة دي، أنتوا فاهمين؟
ياسين جرحه لم بسرعة وقام وقف من جديد وبقى عمار وداغر وعز واقفين في ظهر بعض مرة.
بربروس فك السلاسل الحديد ومرة واحدة وقع في الأرض وابتدى بعد ما كان خلاص عمار هو اللي هيكسب المعركة. العربي وياسين اتكاتروا عليهم بكتر رجالة الجزار.
عز وداغر وعمار وقفوا في ضهر بعض والرجالة بقت حواليهم. وياسين قرب من عمار وبقي عمار سريع جداً كان بيموت عشر رجالة في أقل من دقيقة، بس كانوا عاملين زي النمل، كل ما تموت منهم شوية يزيدوا ما يقللوش. حسام جه بكل غله وبدأ يغرز سنانه في رقبة كل راجل من رجالة عز يقف في طريقه. ومرة واحدة قرب من داغر وداغر كان مشغول بكتر الرجالة اللي حواليه وغرز ضوافره اللي مليانة سم في بطنه. داغر وقف والثواني اتجمدت.
والدم بقى ينزل من بوقه.
(عمار شاف كده)
عمار: دااااااغر.
عمار في لحظة كان عند داغر وجاب حسام من ورا ظهره وغرز ضوافره في رقبته ومسك داغر بقي يشيله وعز بقى بيرجع البيت واحدة واحدة وهو بيحمي داغر وعمار ودخلوا البيت وقفلوا الباب.
عمار: داغر.. داغر أنت كويس؟
داغر: ضوافره.. ضوافره مش طبيعية.. فيه.. فيه سم ضوافره.
يزن نزل هو وميرا وسارة ورعد ودخلوا جوه البيت.
عمار: شممممممممس.. فينك؟
الحقوا داغر.. داغر بيمووووت.
(شمس أول ما شافته كده دموعها نزلت منها ومن غير تردد جرحت إيديها وهي عارفة إنها لو ادته دمها هتضعف أكتر. وبدأت تنزل دمها على مكان الجرح. الجرح بقى يلم ودمها طرد السم.)
يزن: وبعدين إيه اللي جاب الجزار للعربي؟ عرفوا بعض إزاي؟
ميرا: يبقى أكيد في ما بينا خاين.
سارة: إحنا هنا كلنا بنثق في بعض، مافيش ما بينا خونه.
عز: إحنا هنفضل نتكلم كده كتير.
قوم معايا يا داغر.
داغر قام: أنا.. أنا بقيت كويس، مجرد ما السم اطرد بقيت أحسن.
يزن: داغر الذئاب.
داغر طلع فوق الروف وبدأ يعوي.. يعوي للذئاب. الرجالة بقت تبص حواليها لاقت الذئاب طالعة ما بين الأشجار ومش مجرد قطيع. داغر.. ده ذئاب مالهاش عدد.
عمار: هنكمل.
داغر: هنكمل.
شمس طلعت بره وبقوا كلهم حواليها.
مسكت حبات التلج وفركتها بإيديها وبقت العاصفة شديدة. الجزار والعربي وياسين وبربروس ودكتور علي بيبصوا حواليهم. العربي لقي حسام واقع في الأرض، شده بسرعة هو والرجالة ودخلوا على الطيارة.
العربي: عمار.. عمار قدر يجرحك جرح زي ده؟
طلع حقنة وغرزها في قلب حسام، ابتدي يفوق مرة تانية وجرحه ابتدى يلم.
داغر مهما كان بشر، السم اه اطرد من جسمه بس الجرح ما لمش بسرعة زيهم وده قلل من حركته. العاصفة كانت بتجيل وتودي في الرجالة ومناخير شمس بقت تنزل دم بطريقة صعبة. وعمار وداغر بقوا بيتحركوا في العاصفة بسرعة جداً والذئاب اتلمت حوالين بربروس ويزن وسارة وميرا ورعد كانوا بيضربوا نار في كل حتة لحد ما شمس وقعت في الأرض من كتر التعب، بس كانوا موتوا عدد كبير منهم. ياسين قرب من شمس مع انشغال عمار وانشغالهم كلهم.
ياسين مسكها من شعرها بكل قوته.
ياسين: أخيرًا.. أخيرًا رجعتي لحضني يا شمس.
داغر تعب مش قادر، الجرح مش قليل.
عمار شافوه كده.
عمار: يزن دخلوه البيت بسرعة.
يزن دخل داغر وبدأ يسنده وهو بيضرب نار عليهم ودخلوا القبو وخبوه. حسام دخل وراهم وميرا كانت معاهم.
داغر مرة واحدة اغمى عليه ما حسش بنفسه ويزن قفل عليه القبو بسرعة.
يزن: سارة استخبي.
سارة استخبت تحت السرير.
وميرا استخبت ورا الباب.
ويزن بقى واقف وهو عارف إن حسام دخل البيت.
حسام: هدير.. دااااااغر.
حسام: ابن عمك جه يا هدير، ابن عمك حبيبك وصل وداغر مش هيحميكي مني المرة دي.
حسام سمع صوت خطوات بتمشي في الأوضة، فتح الباب لقى يزن قدامه، بدأ يضربوا بالنار في كل حتة في جسمه.
حسام: تفتكر البتاعة اللي في إيدك دي هتموتني؟
بص جنبه لقي ميرا ورا الباب.
حسام: اااااااه ميرا القمر اللي باعتني لداغر.
(سمع صوت نفس تاني في الأوضة)
حسام: إيه ده.. أنت معاك حد تاني في الأوضة دي؟ أكيد سارة، أصل إحنا عرفنا إن الاتنين بيحبوك، ياترى أنت بقي بتحب أنهي واحدة فيهم؟
(مسك ميرا من شعرها وقربها ليه)
ميرا: ااااه.
ميرا: الخاينة اللي خانتني وباعتني لداغر وكانت فاكرة إنها هتضحك عليا، ولا سارة اللي مستخبية تحت السرير وخايفة تطلع.. هااا، جاوب.
يزن: ابعد عنهم، مالكش دعوة بيهم، أنا قدامك، اعمل معايا اللي انت عايزه.
(حسام لقي حبل قدامه حدفه ليزن)
حسام: اربط نفسك بالحبل ده.
يزن: أنت بتقول إيه؟
(قرب من ميرا وحط ضوافره على زورها)
حسام: مابحبش أكرر كلامي مرتين.
يزن ربط إيديه بسرعة.
حسام: مممممم.. لأ، روحي يا ميرا اربطيله إيده أحسن.
ميرا ربطت ليزن إيده وهي خايفة وبتترعش.
حسام: شطورة ميرا، شطورة. دلوقتي بقي تقدري تختاري حد من الاتنين يا ميرا يا سارة، هااا، قولي بقي تختاري فيهم يعيش ومين فيهم يموت.
يزن: أنت أكيد اتجننت.
حسام: حااااالا.. تحب أجيب اللي تحت السرير من شعرها وأدبحها قدامك، ولا أخليها وأموت ميرا وأدبحها هي قدامك؟
يزن: موتني أنا.. اقتلني أنا.. مالكش دعوة بيهم.
حسام: مممممم.. كده بقي أنا زعلت.. يبقى هيموتوا هما الاتنين.
حسام جاب سارة من شعرها من تحت السرير.
وحط إيديه الاتنين حوالين زورهم.
حسام: قدامك 3 ثواني.. 3 ثواني تقدري تنقذ واحدة فيهم، يا أما الاتنين هيموتوا قدام عينيك.
(يزن بقى بيبص لميرا وسارة والاتنين الرعب باين في عينيهم ودموعهم بتنزل منهم وبيبوصوله)
حسام: واحد.
اتنين.
تلا.
يزن: ميرا.. ميرا.
(ميرا بصت ليزن وابتسمت)
ميرا: كنت عارفة.
حسام عض ميرا من رقبتها جابها في الأرض وبدأت تنزل دم من رقبتها وطلعت في الروح وماتت.
يزن بقى يصرخ.
يزن: ميرااااااااااااااااااا.
(جري بسرعة على ميرا ووطى عليها ودموعه نازلة منه ومش قادر يتمالك نفسه. سارة بصتله وهو قاعد على ركبته وبيكون وبصت لحسام وابتسمت)
سارة: مش قولتلك لو خيروك ما بيني وما بينها هتختارني.
يلا يا حسام، اتأخرنا على بابا.
(يزن رفع راسه وبص لميرا وهو مش مصدق اللي سمعه بودانه.. معقول ده بيحصل؟ وقف مكانه وهو جنب ميرا ماتحركش. الدنيا كلها وقفت عن اللحظة دي)
حسام طلع هو وسارة.
حسام: فين داغر؟
سارة: في القبو.
(حسام نزل هو وسارة بقي يدور على داغر مالقهوش)
حسام: انتي بتكذبي عليا؟
سارة: أقسم لك كان في القبو، أنا حطيته هنا أنا ويزن بأيديه.
حسام وسارة طلعوا بره لقوا شمس مع زهرة وبقوا الاتنين في إيدين ياسين وعمار مش موجود ورعد متعلق على الشجرة هو وعز والذئاب معظمها ميت وفي ذئاب شرسة موجودة مكانهم.
ياسين: خلاص بقت في إيدينا.. يلا بينا.
حسام: مش قبل ما ألاقي داغر.
دكتور علي: القمر خلاص قدامه ساعات ويكتمل، مافيش وقت، يا أما كلنا هنموت.
حسام: عندك حق، هو فعلاً إحنا في منا هيموت بس مش كلنا.
أضعفنا بس.
يعني زهرة مثلاً مش محتاجينها.
حسام جه عشان يغرز ضوافره في زهرة. علي بسرعة راح مكانها وغرز ضوافره في ضهر علي بس المرة دي حسام جاب خنجر مسموم.
ياسين بقى مش مصدق ولا هو ولا بربروس.
بربروس: علللللللللي.
ياسين: علي.. لييييه قتلته ليه؟
زهره بسرعة جريت على دكتور علي واخدته في حضنها.
العربي: ضعيف، كان لازم يموت.
بربروس جه يروح لعلي عشان ينقذه مرة واحدة السلاسل بقت حوالين بربروس وياسين وبقوا يشدوه لورا.
العربي: عاوز بربروس بس، وموتوا ياسين.
علي بص لزهره وهو بيموت وزهره بقت تصرخ من كل قلبها.
زهرة: قوم يا علي.. قوم، أنت هتعيش.
علي: البصة في..
في عيونك حياة يا أنسية.
ياسين وبربروس بقوا يحاولوا يفكوا السلاسل اللي متربطة عليهم، ما قدروش. كانت سلاسل من نوع خاص، كانت بتحرق جلدهم.
العربي بقي بيغرز حقن في جسم بربروس عشان يهدى.
بربروس: عللللللللللي.
ياسين: علللي.. ماتموتش ياعلي.
علي دمعة نزلت من عينيه وهو بيطلع في الروح.
علي: يمكن.. يمكن أكون مش.. مش من بني جنسك، لكن القلب عشقك يا أنسية.
زهرة: علللللللللللي.
ياسين مبقاش يتحرك أول ما شاف علي مات قدامه. مابقاش يقاوم ولا يتحرك حركة من مكانه. حسام شاف كده ابتسم. ورجالة العربي بقوا يشدوا شمس من مكانها وأخدوها ومشوا. القمر خلاص بقى أحمر.
الجزار: يلا مافيش وقت، القمر خلاص.
العربي بقي بيشد السلاسل عشان ياخد بربروس معاه هو والجزار.
بربروس شاف كده، بقي بكل قوته مرة واحدة شد السلاسل اتقطعت. وحسام كان لسه هيغرز ضوافره جوه ياسين. بربروس راح له بسرعة وحدفه بعيد، زقه عشرة متر ورا.
حسام والعربي ماقدروش على بربروس، وخلاص القمر بيكتمل. كان لازم يتحركوا. سابوا ياسين وبربروس وأخدوا شمس معاهم. وسارة راحت معاهم.
العربي: ياسين كان لازم يموت.
حسام: المهم نفك اللعنة.
العربي أخد شمس عند الجزار في قصره. وبقي يبص للقمر. شمس بقت مربوطة بإيديها الاثنين من دراعتها بالسلاسل الحديد.
العربي جه يقرب منها مرة واحدة. شمس صرخت. وكانت أول مرة تنطق، نطقت صرخت باسم ياسين.
شمس: يااااااااااااسين.
رواية الهجينة الفصل الستون 60 - بقلم ماهي احمد
( ياسين بقي بيتكلم بغضب وهو في المخزن رايح جاي وبيحاول يفتح الباب المقفول عليهم بالحديد وأيديهم المتربطه بالسلاسل )
ياسين: أسكت يابربروس بقولك اسكت
( بربروس كان متربط من ايديه ورجليه الاتنين بالسلاسل وايديه مرفوعه لفوق وساند ضهره علي الحيطه وبيكمل قراءه قرأن )
بربروس: (گل نفس ذائقه الموت .. ثم إلينآ ترچعون ..والذين أمنوآ وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الچنه غرفآ
غرفآ ..تچرى من تحتها الآنهار خالدين فيها نعم أچر العاملين )
( ياسين قرب منه وهو بيزق برجله السلاسل اللي بيشدها وراه من كتر تقلها وقعد القرفصاء وقرب منه وعلامات وشه مليانه غضب وبيصرخ في وشه )
ياسين: انت ايه.. مابتفهمش .. بقولك اسكت.. بقولك اقفل بوقك مش عايز اسمع صوتك
(رفع ايديه بالسلاسل اللي متربطه في ايديه وحاول يحطها علي ودنه وهو مغمض عنيه بقوه )
ياسين: مش قادر .. مش قادر اسمع صوتك
( بربروس نظر لياسين نظره تهكم )
بربروس: لن اقفل فمي مرة أخرى عن قراءه كلمات الله عز وجل الا تعلم ما يحدث بالخارج فهناگ فتاه مدبوحه الرأس أيها الابله
ونحن السبب ليس لها ذنب.. ما ذنبها ايها اللعين الأحمق فهي في مقتبل عمرها .. اخبرني .. فقط أخبرني ليتني استطيع مساعدتها بشيء اخر .. علي الأقل أمد لها يد المساعده عندما تدفن وتوضع في التراب..علي الاقل تصاحبها كلمات الله الشريفه فكلمات الله .. كل ما تحتاجه الأن .. لن ينفعها شىء مما فعلته بعمرها ولا مالها ولا شبابها فقط .. فقط كلمات الله
( ياسين داس علي سنانه بغضب ونفسه بقي طالع نازل من كتر الغضب )
ياسين: انت فاكر حد فيهم سامعك .. انت فاكر حد فيهم مهتم .. اللي فوق دوول اعدائنا ولو كنت انت اللي موت مكانش حتى حد فيهم هيهتم بدفن جثتك ..فوق بقي افهم
بربروس: ولكني ما زلت حيآ أرزق .. لا يهمني احدآ منهم فقط گل ما يهمني هذه الفتاه البريئه فأنا أتلو القرآن من اجلها ولأجلها فقط
ياسين: انت تعرفها منييييين
بربروس: كلنا مسلمون .. إذآ كلنا أخوه .. هذا ما تعلمته في زمني .. هذا ما اجيده .. هذا ما أعرفه .. لا اعلم ماذا حدث لكم علي مر العصور ولكن كلنا اخوه بالنهايه كلنا أمه محمد
( مره واحده ياسين سمع حد نازل من علي السلالم وصوت خطوات رجله كانت واضحه جدا )
ياسين: هووووش في حد نازل من علي السلم
( المفتاح اتحط في الباب وبقوا سامعين صوت الباب وهو بيتفتح بيبصوا لقوا شمس داخله عليهم هي وعمار
ياسين قرب من شمس وهو بيزق في السلاسل بأيديه ورجليه )
ياسين: شمس .. شمس .. فكيني .. فكيني ياشمس بقولك
( عمار وقف قدامه وداس علي سنانه وشمس وقفت ورا عمار وبصت لياسين )
شمس: ارجوك .. فقط اهدأ .. فكل شيئآ بأوان
ياسين: مافيش حاجه اسمها اهدى .. بقولك فكيني
عمار: حركه تانيه منك هغرز ضوافري في رقبتك الحاجه الوحيده اللي منعاني عنك هي شمس
( شمس قربت من بربروس وطلعت مفتاح حديد من جيبها وبقت تفكله السلاسل بتاعته )
شمس: لقد سمعنا صوتك بتلاوه القرأن ف والله صوتگ من اجمل ما سمعت ارجو منك ان تحضر الجنازه وتتلو عليها بعضآ من آيات الله لتهدأ روح ميرا بسلام
( بربروس نظر لياسين نظره ارتياح عايز يقوله شايف اهم مهتمين رجع بص لشمس مره تانيه )
بربروس: حسنآ .. لكي ما أردتي
( شمس فكت رجل بربروس وسابت السلاسل الحديد في ايديه بربروس قام وطلعوا من الاوضه المبطنه بالحديد هي وعمار وبربروس ..
ياسين كان مضايق جدا وبقي بيتكلم بصوت عالي وبغضب وهما بيقفلوا الباب )
ياسين: يعني اييييييه .. يعني هتسيبوني هنا
( عمار قفل الباب وطلعوا هما التلاته علي السلالم وهما ماجاهلين صريخ ياسين تماما .. بربروس طلع بره القصر لقي داغر مستنيه هو وعز داغر شاور لبربروس براسه انه يتحرك قدامه وفعلا ده اللي حصل وبربروس بقي ماشي قدام داغر وعز بخطوه او اتنين وعمار وشمس وعز وداغر وراه
رعد شال ميرا ما بين ايديه ودموعه ما كنتش بتقف عليها كان بيبصلها والحسره والالم اللي في قلبه علي موتها باينه علي ملامح وشه كان شايلها ما بين ايديه وشعرها راجع لورا وهو شايلها والد"م نازل من رقبتها لحد ما راحوا كلهم للق"بر اللي يزن حفروا بأيديه لقوا يزن مستنيهم هناك ومعاه المحراث هو وغرام وهدير
يزن اول ما شاف ميرا مشاعره كلها اتحركت وافتكر لحظه ما كان حسام بيخيروا ما بينها وما بين ساره )
( Flash back )
حسام كان ماسك ميرا وساره وكل واحده في ايد وحاطط ضوافره علي رقبتهم هما الاتنين
حسام: قدامگ ٣ ثواني تقدر تختار مين فيهم يمو"ت
حسام: واحد
اتنين
تلا…
( يزن اخيرا نطق )
يزن: ميرا .. اختار .. اختار ميرا
( ميرا بصت ليزن وابتسمت ابتسامه خفيفه وهي بتبصله في عنيه )
ميرا: گنت عارفه
(حسام مره واحده ساب ساره وغرز انيابه في رقبتها وعضها ومص د"مها ووقعت علي الارض وهي بطلع في الروح )
(يزن فاق من سرحانه وهو مش حاسس بنفسه )
.. وقتها دمعه نزلت من عنيه ومابقاش قادر يتمالك نفسه من عذاب الضمير ساب المحراث وقع من ايديه ونزل في الحفره اللي حفرينها وشال ميرا من رعد وهو بيبصلها ومشاعره كلها بترتجف وشفايفه بتترعش من منظرها حطها في الارض وكان بيبصلها مش قادر يشيل عينه من عليها رعد مدله ايديه عشان يطلع من الحفره ودموعه مغرقه وشه يزن مد ايده لرعد عشان يطلع من الحفره بس رعد ضغط علي ايدين يزن بقوه شديده كان هيكسر ايديه .. يزن شعر بضغطه رعد لي فسحب ايده بسرعه من تحت ايديه وطلع بره الحفره ومسك المحراث وبص لداغر ..غرام وهدير كانوا واقفين علي قبرها ومعاهم شمس وبقوا مش قادرين يمسكوا دموعهم
داغر بص ليزن وشاورله براسه انه يبدأ في دف"نها
داغر: ادف"نها
( عز بص لبربروس وشاورله براسه من فوق لتحت )
عز: ابدأ .. اقرأ
(بربروس ابتدى يقرأ قرأن من جديد وهما بيردموها بالتراب وكل مايزن يحدف عليها التراب عشان يغطيها شمس كانت بتبصلها ودموعها نازله منها وبقت تفتكر اللي حصل من ٤٨ ساعه
(Flashback )
(من ٤٨ ساعه ليله المعركه العربي والجزار اخد شمس معاه قصر الجزار )
العربي: اربطوها بسرعه مش عايز باب ولا شباك يتفتح مش عايز ليها اي صله بالعالم الخارجي انتوا فاهمين
( الجزار جه من ورا العربي وهو متنرفز ومتعصب جدا )
الجزار: انا عملت اللي عليا واكتر معاك خسرت نص الرجاله بسبب عمار وداغر واللي معاهم..
كل ده عشان اتفاقنا عشان تسلمني عمار في ايدي كل ده ماحصلش اتفقنا ماتمش زي ما وعدتني
(حسام وقف قدام الجزار وعنيه اتحولت للون الاسود وقبض علي ايديه واتكلم بكل برود اعصاب )
حسام: انت مش مقدر اللي انت فيه .. انت مش شايف حواليگ بيحصل ايه .. بتبص لقوة عمار وانت جنب العربي وحسام عارف يعني ايه العربي وحسام بعد فگ اللعنه مش هيبقي في قوه علي وش الارض زي قوتنا .. انا بديک فرصه اخيره ياتحط ايدگ في أيدينا وتبقي معانا ..
( داس علي سنانه واتكلم بغضب )
ياتخسرنا .. وتخسر نفسگ .. وتخسر شويه الرجاله اللي فرحان بيهم
(الجزار شاف گلام حسام وثقته بنفسه اللي مش هييجي من وراها غير كل شر .. والجزار ما بيحبش الا الشر )
الجزار: انا معاگم .. وهفضل معاگم
(العربي جه ووقف قدامهم هما الاتنين )
العربي: يبقي نحط ايدينا في ايدين بعض ونكمل الطريق سوا
( شمس فتحت عنيها بتبص لاقت نفسها مربوطه من ايديها ورجليها بالسلاسل والمخزن اللي هي في مغلق يعني لو فگرت في عمار مش هيوصله تفكيرها بقت بتحرك ايديها بعنف علشان تفك السلاسل )
( حسام اخد باله ان شمس فاقت وبتحاول تفك السلاسل اللي في ايديها )
حسام: وأخيرااا .. اخيرااا هديتنا الجميله فاقت لنفسها .
( لف حواليها بخطوات بطيئه وبقي بيوجهلها الكلام وهو بيستهزأ بيها )
حسام: انتي بقي د"مگ اللي هيفگ لعنتنا .. انتي لحل لگل مشاكلنا
( رفع صوباعه وبقي بيحرگ ضوافره علي رقبتها )
حسام: بعد ما اللعنه تتفگ فكريني ابقي اغرز ضوافري جوه الرقبه الجميله دي .. ماتعرفيش هحس بأيه هبقي عامل ازاي وانا بمص د"مگ كله ماتستخسريش فيا الاحساس ده ياحبيبت اخوكي
( اخد نفس وهو بيبلل شفايفه بلسانه )
حسام: مممم د"مگ هيبقي لذيذ
( مره واحده الباب اتفتح عليهم وحد زقه بكل عنف ودخل )
ساره: عربي انت وعدتني لو سلمتگ شمس وعرفت ادخلك البيت هتنفذ وعدگ ليا وهتحولني قبل اللعنه ما تتفگ
( شمس اول ما شافت الباب اتفتح بسرعه غمضت عنيها ولسه هتفكر في عمار عشان تعرفه مكانها العربي بص لشمس وبقي متنرفز جدا )
العربي: الباااااب .. اقفلوا الباااااب
( صابر قفل الباب بسرعه )
ساره: انا لسه ماتحولتش .. انا مش عايزه ابقي ضعيفه عايزه ابقي اقوى .. انا مش زيهم .. ووفيت بوعدي معاك
(الجزار جه من ورا العربي ورفع حاجبه الشمال )
الجزار: كلنا وفينا بالمطلوب مننا بس الظاهر ان هو مش قادر يوفي بوعده لحد فينا
( العربي بصلهم هما الاتنين بتهكم ورجع بص لساره )
العربي: عارف .. وكنتي قد كلمتك .. عارف ان لولا مساعدتك لينا مكناش كسبنا النهارده بسبب ضعف علي .. وبربروس الخايب اللي كان بيسمع كلامه في كل كلمه بيقولها وياسين مهما كانت قوته مكنش هيقدر عليهم كلهم .. عارف كل ده ومقدر .. بس .. بس لو حولتگ دلوقتي هتمو"تي ..
وانا مش عايزك تموتي، أنا عايزك معايا يا سارة. كل اللي انتي عايزاه هيحصل بعد ما اللعنة تتفك، وهبقى أقوى شخص على وجه الأرض. دي آخر حاجة هقولهالك، خليكي واثقة فيا.
شمس بصت لسارة من فوق لتحت باستحقار، وسارة رفعت حاجبها وبصت لها بسخرية وجت تطلع بره مرة تانية.
العربي: رايحة فين يا سارة؟
سارة: ماليش لازمة هنا، وجودي زي عدمه.
حسام قربها منه وطبطب على كتفها ورفع حواجبه بابتسامة خبيثة.
حسام: إزاي بقى ده؟ وجودك مهم جداً في اللحظة دي، واللحظة دي بالذات.
صابر جه بسرعة للعربي وقرب منه.
صابر: كله جاهز يا عربي بيه.
العربي وهو ساند على عكازه بص لصابر وحط إيده على كتف صابر.
العربي: ما تقلقش، أنا مش هنسالك يا كلبي الوفي.
حسام: حاسس بالقمر.. حاسس بتغيير في جسمي.
العربي: يلا بينا.
الجزار بص لرجّالته وشاورلهم براسه على شمس.
الجزار: خدوه.
شمس بصت شمال ويمين عايزة حد ينجدها، حد يلحقها، حد يعرف مكانها، ومالقيتش حد يقدر يوصلها في الوقت القليل ده ويعرف مكانها من صوتها، إلا ياسين. مرة واحدة نطقت وصرخت باسمه.
شمس: ياااااااااااااااسين.
(في الوقت الحالي)
شمس مسحت دموعها وهي شايفة التراب بينزل على ميرا. يزن وقف ومابقاش قادر يكمل. رعد أخد منه المحراث وبقى يرمي التراب عليها، وبقي يفتكر اللي حصل من 48 ساعة.
ميرا دخلت هي ويزن وسارة البيت ومعاهم داغر وهو مجروح ومش قادر.
ميرا: إزاي عرفوا يوصلوا للجزار؟ في ما بينا خاين.
سارة: إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ لأ طبعاً، كلنا هنا بنثق في بعض.
سارة كانت بتتكلم وشفايفها مهزوزة، مابتنصش في عين ميرا. ميرا حست إن الغدر والخانة جاية من ناحية سارة.
رعد دخل البيت من الشباك من ورا سارة ولسه هيقرب. ميرا شاورتله بعنيها إنه مايقربش ويبعد. رعد وقف مكانه، ماتحركش، واستخبى بعيد.
يزن وسارة دخلوا داغر القبو عشان يحموه من حسام وقفلوا عليه. وميرا بقت واخدة بالها أوي من حركات سارة. بتبص لاقيتها ماقفلتش القبو كويس بالقفل.
يزن: قفلتي القبو كويس؟
سارة: أيوه.
يزن: سارة استخبي بسرعة تحت السرير. ميرا تعالي معايا.
ميرا مشيت وراهم بخطوات. مادخلتش معاهم الأوضة على طول، وراحت لرعد.
ميرا: ابعد داغر من هنا بسرعة.
رعد: في إيه يا ميرا؟
ميرا: أرجوك خليك واثق فيا. بقولك ابعده. يارب اللي في بالي ما يطلع صح.
رعد: طيب فهميني إيه اللي في دماغك.
ميرا: مافيش وقت صدقني، بسرعة يا رعد، بسرعة.
رعد دخل القبو بسرعة وطلع داغر من الناحية التانية في ممر طويل تحت الأرض محدش غيره هو وهدير وداغر يعرفوه. وداغر طبعاً كان مغمي عليه، خباه هناك وطلع بسرعة راح لعز مرة تانية بره وسط المعركة. وعز كان بيضرب نار على أي حد يشوفوه. عز بقى بيتكلم بغضب.
عز: كنت فيييين؟
رعد: مش وقته. خلينا في ضهر بعض.
(في الوقت الحالي)
رعد ساب المحراث ورجليه ما شالتهوش أكتر من كده وهو شايف ميرا بتتدفن قدام عينيه. بص للسما وبقى يبكي. يبكي من غير ما يحس بنفسه.
عمار بعد رعد عن القبر خطوة، واخد المحراث وبقي يكمل دفنها. وبقي يفتكر اللي حصل في اليوم المشؤوم ده.
(Flash back)
عمار وعز ورعد كانوا واقفين في وسط المعركة، وعمار كان بكل ما أوتي من قوة بيدبح في رجالة الجزار. كان كل واحد يشوفوه كان بيقتله. وكانت شمس وراه وهي بتقاوم وبتفرك حبات التلج بأيديها وبتقوم عاصفة شديدة، كانت مساعداهم جداً إنهم يقتلوا في رجالة الجزار. مرة واحدة شمس ضعفت، بتبص لاقت دم نازل من مناخيرها. وداغر ابتدى يتعب، داغر مهما كان بشر.
عمار: يزن.. ميرا.. سارة خدوا داغر جوه بسرعة.
شمس وقعت من التعب في الأرض والعاصفة هديت. ياسين أول ما شافها كده أخدها واستغل إن عمار مشغول، ومسكها من شعرها.
ياسين: أخيرا.. أخيرا بقيتي معايا وفي حضني من جديد يا شمس.
عمار في لحظة كان عنده، وزقه بعيد، طاروا في لحظتها.
عمار: اهربي.. يا شمس.. اهربي.. أنا محدش معايا، داغر وقع وبقيت لوحدي.
شمس بصتله ودموعها نازلة منها، مش عايزة تسيبه. عمار صرخ في وشها بكل صوته.
عمار: اهربببببببببببببببي.
شمس رجعت خطوات لورا وبقت تجرى.. تجرى. وأي حد كان بيحاول يلحقها عمار كان بيقفلوا ويقف قدامه. ياسين جه يلحقها، عمار وقف قدامه للمرة التانية.
عمار: سيبها.
ياسين بكل برود وهو بيضحك في وش عمار.
ياسين: ماقدرش.. ماقدرش أسيبها. شمس دي بتاعتي وليا من يوم ولادتها.
بص شمال ويمين.
ياسين: بص حواليك، إنتوا بتقعوا زي الدبان. رجالتكم اللي جايبينها كلهم ماتوا. مافيش غير الاتنين اللي بيحاولوا هنااااااك دوول.
بيشاور براسه على رعد وعز.
ياسين: وبرضوا هيموتوا. استسلم يا عمار.. استسلم أحسنلك.
عمار: على جثتي. مش هستسلم ليك يا ياسين.. طول ما فيا الروح.
شمس بقت تجرى وتبعد عن المكان بسرعة. العربي خلى رجّالته تجرى وراها. ومن كتر التعب وخصوصاً إنها نزفت عشان تنقذ داغر، وهي بتجرى وقعت في الأرض ومابقتش قادرة تقاوم أكتر من كده. رجالة العربي مسكوها وودوها للعربي.
العربي: أهلاً وسهلاً أخيراً يا شمس.
شمس بتبص لاقت مسدس في الأرض، مسكت المسدس وحطيته على راسها. وده كان آخر حل ليها.
العربي: تؤ.. تؤ.. تؤ. هتموتي نفسك؟ تصدقي كده أزعل.
شمس غمضت عينيها وجت تضغط على الزناد. العربي خاف لا تقتل نفسها قبل ما يفكوا اللعنة.
العربي: استني.. محضر لك مفاجأة حلوة أووووي.
العربي شاور لرجّالته عشان يجيبوا له. شمس والجزار مسك زهرة من شعرها.
الجزار: لو قتلتى نفسك أمك هتتتقطع حتت قدامك.
زهره: شمس.. بنتي.
شمس بصت على السلسلة اللي على رقبتها وعرفتها على طول.
زهره: ماتسمعيش كلامهم، أنا كده كده ميتة.. ما يهمنيش الموت يا بنتي.
الجزار لف دراعه حوالين زهرة بقوة، مابقتش قادرة تاخد نفسها، وقرب من ودنها واتكلم بهمس.
حسام: افتحي بوقك مرة تانية وإنتوا الاتنين هتموتوا. أنا لا يهمني أفك لعنة ولا غيره.
علي كان واقف في ضهر بربروس والذئاب حواليهم، وكانوا بيقتلوا في ذئاب داغر. أول ما شاف الجزار بيأذي زهره جه يقرب منهم. العربي بص له وبرق عينيه، بس علي ما هموش، وقرب من زهره.
علي: سيبها، ماتأذيهاش.
الجزار بص للعربي باستغراب.
العربي: قرب خطوة كمان منها يا علي وهخليه يقطع رقبتها خالا قدامك.
علي: إحنا ماتفقناش على كده.
علي بيبص لقي زهره وشها أحمررر وبتبص في الروح. وشمس بصت لعلي وبصت لزهره، ومابقتش عارفة تعمل إيه.
العربي: دي آخر كلمة عندي يا علي، قرب خطوة كمان ومش هتشوف زهره تاني.
علي بعد خطوة من زهره وهو عينيه ما شالتش من عليها، وهو بيبصلها. العربي بص لشمس.
العربي: نزلي المسدس من على راسك يا شمس ومش هكرر كلامي مرة تانية.
شمس دموعها نزلت منها ونزلت المسدس من على راسها عشان تنقذ أمها.
الجزار أخدها وشدها بقوة هي وزهرة ووقف قدام عمار ورعد ويزن.
العربي: افتكر كفايا لعب العيال ده بقي يا عمار، إنتوا خسرتوا.
ياسين جه يهجم على عمار.
العربي: ياااااااااااسين.. كفاية كده.. مافيش وقت، شمس معانا.
رجالة الجزار اتلموا وحواليهم، وعلي وبربروس وقفوا يدبحوا في ذئاب داغر اللي بقت مرمية في الأرض في كل مكان.
العربي: أنا مش عايز أقتلك يا عمار، ده إنت تربيتي.
الجزار قرب من ودن العربي.
الجزار: عمار ده ليا.. ليا أنا وبس.
عز وقف ضرب نار هو ورعد، ورجالة الجزار بقوا في كل مكان، بينزلوا من العربيات مابيتخلصوش.
عمار: إنت لا يمكن تقتل شمس عشان محتاجها.
عز قرب من عمار هو ورعد.
رعد: الست اللي معاك دي إحنا مانعرفهاش، وهنفضل نقتل فيكم لحد آخر نفس فينا.
العربي بص لعمار.
العربي: مممممم ممكن فعلاً اللي بتقوله ده صح، بس إنت نسيت حاجة مهمة يا عمار. الخطه البديله للخطه اللي هي أصلاً بديله، فاكر يا عمار ولا أفكرك؟
عمار استغرب وما فهمش اللي يقصده.
العربي شاور لرجّالته. صابر راح جاب ميرال من الطيارة وهما مغطيين وشها بقماشة سودا.
ياسين ابتسم وراح ناحية البنت وشالها الشاشة السودا من على وشها.
ياسين: مممممممم مين دي؟ تفتكر مين دي يا عمار؟
ميرال كانوا حاطين لازقة على بوقها ومربطين لها إيديها، ودموعها نازلة منها. بربروس بص لها وافتكر دي البنت اللي شافها في السوق. بقي مستغرب جداً من وجودها معاهم.
العربي: افتكر إنها ما اتغيرتش كتير بصراحة. بقت عروسة حلوة أووووي.. مستخسرها في الموت.
عمار أول ما شافها عرفها على طول. آه ميرال كبرت، بس ملامحها ماتغيرتش. ملامحها موجودة زي ما هي.
عمار داس على سنانه بغيظ.
ياسين: ما افتكرش إنك ماتكونش عرفت أختك يا عمار.
عز بص لعمار باستغراب.
عز: دي أختك؟
عمار: أنا إخواتي ماتوا وماليش إخوات. تقدر تقتلها لو عايز، ما يهمنيش في شيء.
ميرال بقت تدمدم بصوت ودموعها بقت نازلة منها وهي بتبص لعمار.
ياسين: أنا قلت هتقول كده برضوا.
ياسين مرة واحدة جاب المسدس وضرب ميرال بالنار في كتفها، وقعت في الأرض.
علي: يااااااااااااسين.
عمار أول ما شاف أخته وقعت قدامه اتهز من مكانه.
ياسين قرب من ميرال وداس برجله على جرحها وهو مصوب المسدس ناحيتها على دماغها.
بربروس: كفى أذى لهذه المخلوقة أيها اللعين.
عز بص لبربروس وعلي، هما مش زيهم.
ياسين لسه هيدوس على الزناد عشان يموت ميرال.
عمار نطق أخيراً.
عمار: سيبها.
ياسين والعربي ابتسموا.
ياسين: المشاعر..
المشاعر دي حاجة حلوة قوي بس مش للي زينا.
عمار بص لرعد وعز.
عمار: محدش يتحرك.
رجالة العربي ربطوا إيدين عز ورعد وعلقوهم على الشجرة.
الجزار طلع حقنة ضخمة وسنها مش سن عادي وفيها سائل باللون الأصفر.
الجزار: احقن نفسك بيها.
عمار استسلم وهو شايف ميرال في الأرض بتنزف.
واحد من رجالة الجزار غرز الحقنة في ضهره.
شمس شافت كده، شافت عمار بيضيع من إيديها، وقعت في الأرض ولآخر مرة بدأت تحاول تحرك حبات التلج وابتدت العاصفة ترجع تاني بقوتها، وبدأت تبعت أفكار لعمار إنه يهرب بأخته عشان يرجع وينقذها من جديد وينقذهم كلهم.
عمار مسك ميرال قبل مفعول الحقنة ما يشتغل، وفي لحظة مكانش موجود، وبعد عنهم بس مابعدش كتير.
مفعول الحقنة اشتغل ووقع في الأرض واخته واقعه جنبه ومحسش بنفسه.
ميرال كانت صاحية بس الدم اللي كان في كتفها كان مخليها مش قادرة تتحرك وخصوصا وهي متربطة.
في الوقت الحالي.
عمار فاق لنفسه وهو بيفتكر اللي حصل يوم المعركة.
لقى نفسه خلص دفنها خالص والتراب بقى أعلى من الأرض.
بربروس وقف قراءة قرآن وبدأ الصمت يعم المكان.
داغر مكانش بيتكلم.
هدير بصتله ومبقتش عارفة تقوله إيه.
جه يسيبهم ويمشي.
هدير: داغر رايح فين؟
داغر: عارف إنك قلقانة عليا بس المرة دي مش هغضب زي المرة اللي فاتت.
هدير استغربت من كلامه. مش من طباع داغر إنه ما يثورش أو ما يغضبش.
داغر مشي وفي لحظة مكانش موجود.
هدير بصت لعز.
هدير: عز.. ارجوك.
غرام: روح وراه ياعز، ماتسيبهوش وهو في الحالة دي.
عز شاور لغرام براسه بالموافقة.
الظاهر إنه ابتدى يحفظ داغر وبقى عارف هو راح فين.
عمار بص لبربروس.
عمار: ده وقت رجوعك للزنزانة.
بربروس: حسنًا.. سأعود معكم فأنا لا أملك غير العودة معكم.
شمس وعمار وبربروس وغرام وهدير رجعوا سوا.
ويزن بقى قاعد هو ورعد على قبر ميرا.
الاتنين كانوا قاعدين في الأرض في وش بعض وقبرها ما بينهم.
رعد حط إيده على قبرها ومسك تراب القبر بإيديه.
وهو مش مصدق إنها جواه ودموعه نازلة منه.
رفع عينيه وبص قدامه ليزن.
رعد: كانت بتحبك.. مكانتش شايفة حد غيرك.. مكانتش شايفاني.. عشان كانت شايفة إنت وبس.
وانت عملت إيه بحبها ليك؟ مقدرتش حتى تنقذها من حسام.
هي أنقذتك مرة من نفسك ومن حبك للخيانة اللي باعتنا كلنا.
والمرة التانية لما وقعت في التلج وضحت بنفسها عشانك. فاكر ولا أفكرك؟
يزن بقى بيتكلم والندم واكل فيه أكل.
يزن: أنا عمري ما نسيت.. وفاكر كل حاجة ميرا عملتها عشاني.
رعد: وانت عملت عشانها إيه؟ ياريتك كنت إنت اللي مت مكانها.
يزن بقى بيتكلم والغضب ماليه وهو كان بيتمنى ده من كل قلبه.
يزن قام ووقف وبقى يبص لرعد بغضب.
يزن: انت فاكر إني ماتمنتش إني أموت مكانها؟ فاكر إنها تبقى تحت التراب ده مش صعب عليا؟ فاكر إن أكتر واحدة ساعدتني وضحت بنفسها عشاني أكتر من مرة ده مش مؤثر فيا؟ أنا بموت من جوايا وياريتني مت ولا إني أشوف اللي بيحصلها ده كله وأنا مش قادر أعملها حاجة. نظرتها ليا وهي بتموت مش راضية تفارق خيالي.
خبط بإيديه على صدره بقوة.
يزن: انت ماتعرفش اللي جوايا إيه.
رعد قام وقف بغضب.
رعد: بس محبتهاش. انت حبيت اللي عملته معاك.. اللي بتدهولك.. ما قدرتهاش. ماتت وهي شايلة منك.
كل ده عشان سارة الخاينة.
يزن: كفاية يارعد.. كفاية.
رعد: انت ماتستاهلش تقف على قبرها.. ماتستاهلش تبقى هنا.. امشي يايزن.. امشي.
رعد طلع المسدس من جيبه ومسك إيد يزن وحطه في كف إيديه.
رعد: انت أشرف لك تقتل نفسك بدل ما تعيش بذنبها.
عز راح ورا داغر.
بيبص لقى داغر قاعد وسط القطيع بتاعه ومعظم قطيعه ميت.
رفع راسه للسما وهما ميتين حواليه.
عز جه من وراه.
داغر حس بيه.
داغر: ماتقربش.. ماتقربش أكتر من كده.
عز: هتسيبهم كده؟ مش هتدفنهم؟
داغر: مابقتش عارف أد**فن مين ولا مين.
عز قرب من داغر وقعد جنبه وسط القطيع الميت.
عز: كلنا مسيرنا للموت. كل واحد بييجي معاده وبيموت.
داغر: الموت ده حاجة مسلم بيها.. بس ماتكونش انت السبب في موت أقرب الناس ليك.
جدتي ماتت بسببي.. وميرا اللي مالهاش أي ذنب بسبب غبائي.. حتى الذئاب مابقاش ليا منهم إلا القليل.
عز: أنا عارف إن الذئاب يهموك وإنك متربي معاهم وانت اللي مربيهم. بس كل ذئب من دول اختار إنه يموت عشانك. حتى ميرا لما ماتت كانت أكيد بتضحي بنفسها عشان هي عايزة كده.
داغر: المشكلة إني ضعفت. ما حسبتهاش صح. السم اللي كان في جسمي مكانش طبيعي. كنت قدرت أنقذها على الأقل.
عز: مش لوحدك ضعفت.. كلنا ضعفنا. المعركة مكانتش سهلة. ده غير إنهم مش بني آدمين دوول مش زينا. والجزار كان معاه رجالة زي النمل. كل ما نموت فيهم يزيدوا. استهترنا بيهم وقولنا معانا عمار.
داغر: وعمار لوحده هيعمل إيه في وسطهم كلهم؟ بعد ما اتجرحت وسيبته.
عز: أنا اتعلمت حاجة في حياتي.. إني طول ما أنا عايش وبتنفس مابستسلمش.
ياسين بقى رايح جاي في الزنزانة الحديد وهو مضايق جدا ومليان بالغضب.
وبقى بيكلم نفسه.
ياسين: أنا غلطان. الغلط من عندي أنا. لو كنت فضلت زي ما أنا لو ما كنتش اهتميت غير بنفسي وبس.. مكانش حصل ده كله.
ياسين رجع يكلم نفسه.
ياسين: بس إزاي وعلي.. علي اللي مالهوش ذنب في حاجة.
مكانش ينفع يموت. علي هيموت؟
ياسين بقى بيفتكر اللي حصل يوم المعركة.
(Flash back)
ياسين كان ماسك شمس من شعرها.
وحسام طلع من البيت هو وسارة بعد ما حسام عض ميرا وعمار اختفى وداغر مابقاش موجود وعز ورعد كانوا متعلقين في الشجرة.
وحسام ضرب علي بالخنجر.
وهربوا كلهم. وأخدوا شمس معاهم.
ياسين: علللللللي.
بربروس راح بسرعة عشان ينقذ علي.
وياسين جرى على دكتور علي.
ياسين بعد زهره عنه وزقها في الأرض.
ياسين: ابعدي عنه.. بقولك ابعدي.
زهره بعدت عن علي بسرعة.
ياسين: بربروس اتصرف.. اعمل حاجة.
بربروس بلع ريقه وهو متوتر جدا.
مد إيده ومسك إيد علي وبدأ يحاول يسحب السم من جسمه عن طريق إيديه.
ياسين بقى مستني السم يتسحب.
ياسين: ما فيش حاجة. مش شايف حاجة بتتسحب.
بربروس كان متوتر جدا.
بربروس: تريث.. فقط تريث.
ياسين: مش وقت تريث خالص.. اتصرف.
رعد وعز بقوا يحاولوا يفكوا نفسهم من على الشجرة.
لحد ما أخيرا نجحوا.
عز جه من وراهم بيبص لقى الخنجر اللي حسام ضرب بيه علي في الأرض.
حط الخنجر على ضهر بربروس.
عز: قوم اقف وسيبه.
بربروس: لا أستطيع.. فأذا تركته سيموت. دعني فقط أساعده.
ياسين قام ووقف وهو غضب الدنيا كله في عينيه.
ياسين: سيبه.. لو علي مات مش هيكفيني عمرك.
عز: ولو غرزت الخنجر في ضهره اللي هيشفي صاحبك هيموت وأنا ما يهمنيش عمري اللي مش هيكفيك.
ياسين: ما فيش وقت.. الدقيقة بتفرق. خليه ينقذه واعمل اللي انت عايزه فيا أنا.. بس علي لأ.
بربروس: نحن لا نريد الأذى لأحد. فقط دعني أنقذه.. لربما أنقذ أحداً آخر من أقربائك إذا أصابه مكروه.
زهره: (وهي بتبكي) أرجوك أنا أم شمس.. بس علي غيرهم.. أرجوك خليه يساعده.. علي مش زيهم.
عز افتكر كلام علي وبربروس وهما في المعركة وسمعهم.
علي: بربروس بلاش تقتل حد.
بربروس: لا تقلق.. فقط سأجرحهم وليس بجرحآ عميق.
عز: ساعده بس مش قبل ما تحط الحديد في إيديك.
رعد.. يزن.
يزن وقتها كان جنب جثة ميرا وهو مصدوم من اللي حصل وما قدرش يتمالك نفسه.
رعد جاله بسرعة.
رعد: هات السلاسل واربطهم.
رعد ربط إيد بربروس بالسلاسل.
وبعدها مسك إيد علي وهو مقيد.
حاول يسحب السم من جسم علي بس الجرح كان أعمق بكتير.
ياسين: أوعى تسيبه يموت يابربروس.
بربروس ركز أكتر وأكتر لحد ما بدأ يسحب السم واحدة واحدة من جسمه.
بس المرة دي بربروس بدأ يتألم والسم بيدخل لجسمه وماقدرش يتحمل أكتر من كده.
ساب إيد علي بعد ما سحب بعض من السم مش كله.
ياسين بص حواليه وبعدين هو كده هيعيش.
زهره قلعت السلسلة بتاعتها بسرعة ولبستها لعلي.
زهره: السلسلة دي هتحافظ على حياته طول ما هو لابسها.. بس مش هتقدر تخليه يقوم.. هيفضل نايم كده لحد ما السم يتسحب كامل من جسمه.
زهره بصت لعز ورعد.
زهره: ارجوك لازم نساعده.. لازم نحطه في مكان عشان يرتاح فيه.
رعد بص لعز هو ويزن ومترددين.
ياسين: انتوا لسه هتبصوا لبعض.
ياسين شال علي بسرعة ودخل بيه جوه البيت وحطه على سرير ونيمه عليه.
مرة واحدة وهو في الأوضة بيبص سمع صوت شمس وهي بتنادي عليه.
شمس: يااااااسين.
ياسين بقى في مكانها وبدأ يشوف اللي بيحصل حواليها.
وشاف العربي وهو بياخدها بيدخلها تحت الأرض.
ياسين بقى بيكلم نفسه.
ياسين: بس مش ده المكان اللي اتفقنا عليه نروحوه ياعربي.
الغدر كان باين من الأول وأنا اللي ماشفتهوش.
مش هخليك تتهنى بيها ياعربي.. مش هخليك تفك اللعنة.
رعد بص لياسين.
رعد: انت بتكلم نفسك.
ياسين: فين الطريق العمومي اللي هنا؟
رعد: ليه؟
ياسين: ما فيش وقت.. انطق.
ياسين بص على القمر لقاه خلاص بقى أحمر.
غمض عينيه أكتر وبدأ يحاول يركز مع شمس أكتر.
ياسين: انطقي ياشمس.. انطقي مرة كمان.
عمار ابتدا يفوق من الحقنة.
لقى اخته جنبه وبتنزف دمها.
عمار: ميرال.. ميرالى.
عمار أخد ميرال وفي لحظة كان في البيت بسرعة وهو مش عارف إيه اللي حصل.
حط ميرال على السرير وهو بيدور بكل لهفة على شمس.
عمار: شمس.. شمس فين؟
بربروس بص لميرال.
قرب منها جه يمسك إيدها.
عمار: انت بتعمل إيه؟ ابعد عنها.
زهره: سيبه.. هيشفيهالك.. صدقني.
الحق انت شمس.. ياسين عارف طريقها.
القمر خلاص بقى أحمر بلون دم وياسين هو الوحيد اللي عارف طريقها.
عمار بص لياسين باستغراب.
عمار: ياسين.
ياسين: اتكلمي مرة كمان ياشمس اتكلمي.
بربروس مسك إيد ميرال وبدأ يسحب لها كل الألم اللي في ذراعها.
وابتدت ميرال تاخد نفسها وهي مغمى عليها.
عمار شاف كده بقى مستغرب من اللي بيحصل.
شمس ندهت على ياسين مرة تانية.
ياسين غمض عينيه وشاف كل حاجة بتحصل حواليه.
شاف العربي وهو واخدها في مكان تحت الأرض.
شاف طريقها وهما ماشيين.
ياسين بص لرعد.
ياسين: قصر مهجور وبينزلوا تحتيه زي... زي أسانسير، بس ده أسرع من الأسانسير.
مرة واحدة شمس طلعت من المكان المغلق ده ودخلت جوه جبل. وسارة ماشية وراها. شمس بسرعه فكرت في عمار. وعمار شافها.
عمار: جبل... شمس في الجبل.
عمار: رعد... رعد المكان اللي انتوا مخبين فيه أسلحتكم.
ياسين: استني... مش هو ده.
ياسين ركز أكتر بيبص.