تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ماهي احمد
"كان لابد من لقاء يجمعنا سوياً يوماً ما، ساورتني شكوكي قليلاً، ولكن تملكني يقيني أكثر، كل شىء بغيابك عادي وبوجودك مبهر، تجمعت مشاعرنا دون لقاء، كما التقت عيوننا دون معاد ياصاحبه العيون الخضراء."
كانت النهايه عند وقوعها دون قصد بأحضان أخر شخص ممكن أن تتوقعه وأول شخص كانت تتمنى أن تراه مجدداً. وجدت نفسها بأحضان "ياسين". رفعت عيناها لتطالعه فقد احتضن بؤبؤ عيناها عيناه. لم تعرف ماذا تقول. صدق من قال أن للعيون لغة، فقد فضحتها عيناها عند رؤيته من جديد. ابتسم لها هو ابتسامه بسيطه زادت من وسامته. فتراجع قليلاً حتى يعطي لها فرصة في الوقوف مستقيمه بعدما مالت عليه. نظر للأسفل ليجد رباط حذائها المفكوك كالعاده ليبتسم من جديد وهو ينحني يربط لها رباط الكوتشي وهو يقول:
"رباطك ياشمس."
هوى قلبها أرضاً عند سماع جملته، فهذه الجملة لم تسمعها قرابة العشر سنوات، هذه الجملة الخاصة بـ"عمار". وقف واستقام بعدما عقد لها رباط الكوتشي من جديد. نظرت للأسفل على حذائها فوجدته نفس ربطة "عمار" المعقده. فأكمل هو جملته بإبتسامه حنونه أخرى:
"ربطهولك كويس عشان مايتفكش منك تاني."
كانت ومازالت لا تستطيع الحديث، فلم تنطق ببنت شفه حتى الأن. ولكن بداخل رأسها في هذه اللحظة أسئلة كثيرة وزحمة أكثر بداخلها. ولكن تود أن تسأله سؤال واحد فقط يراودها على طرف لسانها وهو "من أنت؟". حتى كادت أن تنطق بهِ ولكنها صمتت عن الحديث فجأه عند سماعها صوت الطبيب قادم من خلفها ناطقاً بأسمه بدهشه وعدم تصديق ما يراهُ الأن:
"ياسين."
أضاءت ملامحه أحدى أبتسامته الرائعه بقوله:
"وحشتني ياطبيب."
فرد "الطبيب علي" ذراعه والأبتسامه تملأ وجهُ يضمه الى صدره، فقد اشتاق إليه حقاً. ظلت "شمس" تطالعه فطالعها هو الأخر بنظره سريعه ثم تجاهلها على الفور. شعرت الخاله بوجوده التقطت رائحته من بين الحشود. ابتسمت ووقع العكاز من يدها على الأرضيه. شعرت بروحها تعود من جديد الى جسدها فوجدت قلبها ينطق قبل لسانها:
"ابني."
توقف الطبل والمزمار وظل الجميع يسأل نفسه في حيره ينظرون هنا وهناك. تحركت "الخاله" بينهم ازاحت الأشخاص الذين يحولون بينه وبينها. أخذ "يزن وبربروس وساره" الجميع بلا استثناء يتابعون خطواتها بعيونهم حتى وجدته يعطيها ظهره وهو بحضن الطبيب. وضعت كف يدها على كتفه تطالعه بدموع ترقرق بعيناها. فألتفت هو ينظر لها بابتسامه حانيه:
"وحشتيني يامــا."
ها قد وقعت على مسامعها كلمة "ياما" من جديد. ضمتهُ "الخاله" الى صدرها بعنف حاوطت عنقه بذراعين حوت حنان العالم أجمع. فقد عاد ولدها المفضل لديها من جديد أخيراً بعد غياب بعيد. ألتف الجميع حوله رحب كل واحد منهم بهِ على حدا. فتركتهم شمس وغادرت الى المنزل. شعرت بمزيج مثير ومميز من الشعور الذي يراودها الأن. أغلقت باب غرفتها قرعت دقات قلبها كالطبول. خرجت كلماتها مرتعشة من بين شفتيها بعدما أغلقت عينيها وهي تردد على شفتيها باستغراب ما قالهُ لها منذ دقائق قليله:
"رباطك ياشمس!!"
مازال الجميع يرحب بهِ بفرحه عارمه حتى أتت لهُ "غدير" وهي تسرع بخطواتها تبعد الجميع من أمامها والسعاده تملؤ وجهها. دفنت رأسها بداخل صدره وهي تنطق بأسمه:
"ياسين، أنا مش مصدقه نفسي، أنت فعلاً هنا."
فأستغرب هو مما يحدث لم يعد يعرفها. رفعت رأسها إليهِ تنظر لهُ بابتسامه عريضه. فتفحص هو ملامحها لثواني قليله ثم نطق باستغراب على ما أصبحت عليه الأن:
"الذبله."
ضربت بكف يدها على كتفه بخفه يرتسم على وجهها ملامح الأندهاش فقد تذكرها للتو:
"بالظبط."
أشارت على جسدها بكف يدها بعدها استرسلت حديثها:
"كبرت مش كده."
فأشار لها بعينيه بأعجاب:
"مهما كبرتي هتفضلي في عيني الذبله الصغننه."
ابتسم الجميع فسأل هو عن بربروس فأجابه هو:
"أنتظرت للأخير حتى تذكر أسمي أيها اللعين."
ضحك ياسين بهدوء على كلامه قبل أن يرد:
"وانا لا يمكن انساك ياشيخ عجوه."
أخذه بالأحضان الحاره، وقد شعر بالأرتياح بداخل أحضانه. فذهب ليزن بعد ذلك:
"مبروك ياعريس، عارف أني جيت متأخر بس"
بتر "يزن" حديثه:
"المهم أنك جيت يا "ياسين" دلوقتي بس حسيت ان عمار معايا."
نظر لهُ "ياسين" نظرت أمتنان. فنظرت "الخاله" حولها تبحث بعيناها عن" شمس":
"هي شمس لسه ماجابتش الحنه، ياسين هو اللي هيحطها في ايدين العريس."
"أنا هاروح أجيبها ياخاله."
هرولت "غدير" مسرعه فأتت بالحنه على الفور. أرتفع صوت الطبول والمزمار من جديد وهو يضع الحناء في يد "يزن" العريس. كان الجميع سعداء الجميع بلا استثناء ماعادا "زُهره" فقد انقبض قلبها وشعرت بالحزن عند مجيئه. كانت أعين جميع من بالفرح عليه فالجميع انتظر لسنوات عديده ليرى من هو "ياسين" بعدما ظلت تحكي عنه "الخاله" للعديد من الناس فالكل يعلم بأنه وريث عائله الصاوي من بعد" الخاله". شعر بهماساتهم ولمح أعينهم المسلطه عليهِ. حاول مراراً تفاديهم حتى تنتهي هذه الليله على خير. كانت هذه الليله من الليالي الصاخبه بالقريه. لم ينم أحد تلك الليله. فظلت هذه الليله مستمره حتى طلوع الفجر. وأخيراً خفت الزحمه قليلاً، وأنتهى اليوم على خير. حتى ظل شباب العائله من جديد. فالجميع الأن اصبح من العائله هكذا دائماً تخبرهم الخاله. يجتمعون جميعلً حول ياسين من جديد فأمرتهم "الخاله" بالرحيل. فرد الطبيب:
"عايزانا نرجع البيت ليه ياخاله دلوقتي احنا ماصدقنا نتجمع من جديد."
فرد "بربروس" على كلام الطبيب:
"هناك أناس لا يمكن أن نرفض لهم طلب ومنهم "الخاله" ومن المؤكد انها تريد أن تجلس مع هذا اللعين بمفردهما قليلاً."
أشارت الخاله بعينيها الى "الطبيب":
"شايف الناس اللي بتفهم، يالا كل واحد عارف فين مطرحه."
كان اليوم شاقاً فذهب كل منهم على حدا ليستريح فغداً يوم جديد.
***
حاول أن ينفرد بنفسه قليلاً بعدما غادر الجميع من حوله. ينظر هنا وهناك فكل شبر بالقريه يحفظه عن ظهر قلب. وجوده بالقريه يذكرهُ بأشياء بشـ ـعه يريد نسيانها. فالنسيان أحياناً نعمه وأحياناً أخرى نقمه. شرد قليلاً في الماضي ولكن سرعان ما أفاقته الخاله من شروده:
"ياسين، عايزاك معايا ياولدي في كلمتين تعالى ورايا."
وقف واستقام وهو يضع يده في جيبه الخلفي بعدما تنهد:
"الكلمتين دول ماينفعش نأجلهم لبكره ياما."
أشارت برأسها بالنفي:
"لاء ماينفعش ياولدي."
أشار برأسه بالموافقه ورحل خلفها في صمت حتى وصل الى قبـ ـر عمار. أشارت بعكازها على ذلك اللوح الرخامي الذي دون عليه أسم عمار قائله:
"كتبته على أسمك بالكامل 'عمار ياسين بن يزيد الصاوي'. فاكر عيله الصاوي ياولدي ولا نسيتها."
أشاح بنظره عن اللوح بعدما طالعه قليلاً:
"جيباني هنا ليه ياما."
فردت "الخاله" عليه بسؤال أخر:
"ومجبكش ليه ياولدي؟"
وضع كف يده بين خصلات شعره الكثيفه يحاول أن يتجاهل قبر أبنه بقوله:
"عشان مش وقته ياما، أنا جاي هنا عشان خاطر فرح يزن."
نظرت لهُ باستغراب قائله:
"وقبر ابنك مش عايز تشوفه، ابنك ماوحشكش ياياسين."
فرد على سؤالها بسؤال أخر:
"عايزه توصلي لأيه ياما؟"
كانت ستنطق بكلماتها ولكنهُ بتر حديثها قبل أن تنطق فجاوب هو:
"أنا هقولك أنتِ عايزه توصلي لأيه. أول حاجه تخليني أشوف قبر عمار عشان تفكريني باللي فات. بعد كده تاخديني جوله في البلد وقد أيه قريه الصاوي كان ليها معانا ذكريات فكل شبر من ارضها وان ابويا وجد جدي والناس اللي عيشنا معاهم ونشوفهم بيتولدوا ويعيشوا ويمو توا واحنا لسه احياء هما موجودين وهيفضلوا موجودين طول ما الأرض والقريه بخير بريحتهم وهيبقوا مرتاحين في تربتهم. واخر وسيله بقى أنك هتعرفيني على الناس هنا من جديد وتعرفيهم بيا وقد ايه هما غلابه ومحتاجين اللي يحميهم عشان تفضل قريه الصاوي بخير مش كده ياما. أنا وفرت عليكي كل شىء وعايز اقولك اني جاي أحضر حنه يزن وفرحه وهرجع مكان ما جيت عشان انا مابقاش ليا مكان هنا."
نظرت لهُ الخاله باستغراب قليلاً مع الكثير من الحيره. فهو يعلم جيداً ما يفعل. نظرت في عينيه وجدت بهما اصرار على مايقول يكفي لعدم مناقشته في هذه اللحظه. فضر بت الأرض بعكازها وهي تنظر له نظرة تتحداهُ فيها:
"ماشي يابن الصاوي، فرح يزن بعد شهر، بعد الشهر ما يخلص وقتها نقرر أذا كنت هترجع مطرح ما كنت ولا لاء."
استغرب هو مما قالته. فأدارت "الخاله" ظهرها لهُ لتكمل طريقها. فوقف هو بلحظه أمامها ووقف بطريقها:
"أنتِ قولتي أيه؟ شهر!! الفرح المفروض يابكره يابعده بالكتير."
فأرسمت على وجهها نظره تتحداهُ بها:
"هو أنا ماقولتلكش مش احنا أجلنا الفرح يابن الصاوي. ومش هتمشي من هنا قبل ما تحضر فرحه وده أخر كلام عندي."
تركته ورحلت. يراها هو تبتعد عنه. رفع كف يديه الاثنين ووضعها خلف رأسه بعدما تنهد بعمق وقد شعر بضيق في صدره مما قالته الخاله منذ قليل. فاحتاج للقليل من الهواء النقي لكي يفكر قليلاً على أنفراد. أخذ يسير هنا وهناك بين الحقول والغيطان فقد أشرق يوم جديد. فجلس بين الخضرا والزرع وفرد ظهره ينظر الى السماء الصافيه بلحظه الشروق يستنشق القليل من الهواء.
***
"هي فين شمس؟"
"هذا كان سؤال ساره لمارال وهي تضع فستانها بالدولاب الخاص بها."
"مش عايفه من أول ما ياسين ظهى في الفيح وهي أختفت."
"طيب ما حد يشوفها في أوضتها."
فردت غدير مسرعه:
"سيبوها انا لسه شيفاهه في أوضتها من شويه لاقيتها نايمه على السرير."
فردت ميرا بقلق:
"لا تكون تعبانه."
"تؤ.. تؤ مافتكرش عشان كانت نايمه عادي. وبعدين أنتوا سايبين أن ياسين رجع وماسكين في شمس راحت فين."
فردت عليها ساره:
"ايوه ياذبله أنتِ مش لازم نطمن عليها."
رفعت غدير شعرها تعقده بالتوكه المشبك الخاصه بها:
"والله شوفتها نايمه واطمنت عليها ماتقلقوش انا حتى ماردتش اصحيها."
فسألت سؤال أخر:
"بس أنا ملامحي ماتغيرتش أصل ياسين عرفني على طول."
"لاء ماتغييتش لسه عيله صغييه زي ما أنتِ."
***
"هو أخوك هيمشي أمتى؟"
أنكمش حاجب "الطبيب" باستغراب فاعتدل في نومته يطالع زهره:
"هو لحق يرجع يازهره عشان يمشي."
قامت من على الفراش والقلق يأكل من قلبها:
"أنا بس بسأل يعني ماتعرفش اذا كان هيحضر الفرح وهيمشي على طول ولا هيقعد شويه."
جلس على الفراش وكانت هي تقف في الجهه المقابله لهُ:
"وأنتِ ليه عايزاه يمشي وبعدين يمشي منين ده بيته."
أغلقت عيناها بعدما أخذت نفس بعمق:
"ما انا عارفه انه بيته ياعلي أنا بس بسألك مش أكتر ايه المشكله في كده خلاص السؤال حُرم."
هز الطبيب كتفيه بعدم فهم:
"ماتحرمش ولا حاجه بس استغربت مش أكتر."
ظلت واقفه مكانها وشردت بتفكيرها قليلاً فسألها هو:
"أيه مش هتنامي؟"
فأفاقت من شرودها وأشارت برأسها بالموافقه ففرد هو يديهِ لكى يأخذ ابنته الصغيره بين أضلعه كالعاده.
***
هو الأن أمام المنزل الكبير. خطى أولى خطواته على الدرج. فكلما صعد على الدرج يتذكر ما كان يفعله بالماضي بين جدران هذا المنزل من سفك الد ماء. فوقف على الدرج لم يستطع أن يستكمل طريقه. ولكن شعور ما بداخله أجبره على الدخول. نظر الى بهو المنزل فقد تغير كثيراً عن أيام "الضبع". نعم نفس الجدران ولكن أصبح هناك حياه بداخل هذا المنزل الكبير فقد حرصت "الخاله" أن تعيد المنزل كما كان في عهد الصاوي الكبير. فتح باب غرفته وجلس على طرف فراشه وضع يدهُ على الفراش وأغلق عيناه. فراودته ذكرى مخيفه وهو يحمل "شمس" بين ذراعيه يريد أن يختلي بها حتى جاءه الضبع وقد نحت الغـ ـضب معالم وجهُ:
"أنت بتعمل أيه ياياسين؟"
"دي مراتي يعني اعمل فيها اللي انا عايزه يابوي."
"مش دلوك ياولدي، اللعنه تتفك وبعديها أعمل اللي أنت عايزه."
فاق من شروده على تلك الذكرى المؤلمه حقاً. يؤنب نفسه دائماً وابداً عما كان يفعله بالماضي دون وعي. حل زراير قميصه يحاول خلعه ليجد من تخرج من باب الحمام بداخل الغرفه تنظر لهُ بصدمه لتعلى صوت أنفاسها وهي ترى جسده العاري من القميص. فأستدارت على الفور عند رؤيته فأنكمش حاجبه قليلاً بعدما نظر الى الأسفل ليجد نفسه عاري الصدر. فوضع يدهُ على قميصه يضمه بيديهِ الأثنتين قائلاً بسخريه مع ابتسامه بسيطه:
"يامصيبتي."
فردت هي ومازالت تعطيه ظهرها والتوتر يعلو نبرة صوتها:
"أنت، أنت بتعمل ايه هنا ياياسين."
تقدم خطوه نحوها وهو يزرر قميصه قائلاً:
"دي أوضتي ياشمس أنتِ ناسيه، وبعدين تقدري تفتحي عنيكي أنا قفلت القميص."
استدارت لكي تنظر لهُ:
"أنا مش ناسيه أكيد بس"
تحدث بعدما بتر جملتها:
"بس استوليتي عليها صح."
"أنا ماستولتش عليها ياياسين كل حاجه زي ما هي ما تغيرتش من يوم ما سيبتها."
أتجهت نحو الدولاب فتحت الدلفه قليلاً لتريه ما بداخلها:
"شايف."
نظر بداخل الدولاب ليجد ملابسه بالكامل مازالت موجوده مرتبه. ونظيفه: فأكملت حديثها بعدما هزت كتفها:
"سريرك وموجود حتى ما حاولتش أغيره مع أنه قديم ويقرف."
رفع هو حاجبه باستغراب فقد علم من حديثها بأنها حرصت أن تبقى غرفته كما كانت منذ أن تركها ورحل. فقال ببجاحه:
"وياترى القبو كمان سبتيه زي ماهو ولا ده غيرتي فيه."
القبو. فهي تشعر بشعور مخيف عند سماع أسمه. فما بالك من أن تنزل بهِ وتغير فيه. ففيهِ عاشت أسوء مراحلها وفيهِ فقدت" عمار". تنهدت ببطىء وهي تحاول أن تستجمع شتات نفسها قليلاً:
"والله لو أنتَ عرفت تغير فيه اللي حصل، يبقى أنا كمان هنزل أغيره."
تركته واتجهت ناحيه الدولاب تأخذ منه أغراضها التى تحتاجها من الدلفه الأخرى. ذهبت بأتجاه الباب ووقفت قائله:
"أوضتك ورجعتلك ياياسين، انا ماباخدش حاجه مش بتاعتي."
خرجت من الغرفه صافعه الباب خلفها بقوه. تاركه أياه ينظر لها وهي تبتعد عنه.
***
صباح يوم جديد كانت زهره وميرا يحضرون لوجبه الأفطار يضعون الطعام على الطاوله الكبيره. فسمعوا صوت ساره المرتفع يأتي من غرفه الضيوف قائله:
"أيه!! يعني أيه الفرح اتأجل ياخاله؟"
نظر الجميع لبعضهم البعض باستغراب فلم يستوعب أحداً منهم ما قالته ساره للتو:
"أقعدي ياساره وأهدي لما نشوف ليه "الخاله" عايزه تأجل الفرح."
كانت هذه جمله يزن بعدما أمسك بكف ساره يحاول تهدئتها قليلاً. فجلست ساره على المقعد وبداخله الف سؤال ولكن أهمهم هو ما سألته للتو. وكان رد الخاله كالأتي:
"عشان أنا قولت أكده يابتي، فرحك كمان شهر على يزن."
"يعني أيه هو حكم قرقوش ياخاله."
نطقت جملتها بغـ ـضب. فضر بت الخاله عكازها بالأرض بعنـ ـف:
"يزن شوف مرتك."
"هو انا لسه بقيت مراته عشان يشوفني."
"هتبقي يابتي هتبقي والله، مالك متسربعه على أيه؟"
علق يزن على الحوار بأكمله مستهجناً:
"ياخاله الحكايه مش حكايه متسربعه بس على الاقل ساره عايزه تفهم وانا كمان عايز أفهم ده من حقنا على الاقل."
استدعت الخاله كامل اتزانها وهي ترد بثبات:
"أنتَ مش واثق فيا يابني."
قالت جملتها فوجدت "ياسين" يفتح الباب ويجلس على المقعد أمامها ينظر لها بُخبث يتحداها قائلاً:
"ياما كلنا واثقين فيكي بس على الاقل العرسان عايزين يعرفوا السبب ليه عايزه تأجلي جوازهم."
هز رأسه ببراءه:
"كلنا محتاجين نعرف."
فردت ساره مسرعه وبلهفه:
"قولها ياياسين، على الاقل لو هأجل فرحي أعرف ليه لكن أأجله وخلاص ده يبقى ظلم ولا انت ايه رأيك ياياسين."
تفحص ياسين الخاله الجالسه أمامه بعينين ثاقبتين لم يهزه ثباتها حتى وهو يقول:
"بصراحه قمه الظلم، واحنا لازم نتستأنف في القضيه دي."
قالت الخاله بتحدي:
"اطلع أنت منها ياياسين سيبني انا معاهم هعرف أتصرف."
نظر لهما يزن وهما يتبادلان نظرات التحدي كل منهما الأخر. فقطعت خاله هذه النظرات بقول:
"روح مع حسان هو مستنيك بره عاملينله استدعاء ولي امر في المدرسه وعلي مش فاضيكمش."
حاجبه باستغراب وهو يطالعها ويردد:
"استدعاء!! أنا اروح استدعاء ده."
"الجيش معملهاش."
قالت كلماتها بحزم:
"أنا قولت روح ياياسين، حسان مستنيك بره."
تنهد بعمق وهو يطالعها من جديد فحنى رأسه قليلاً دليل على الطاعه:
"اللي تشوفيه ياما."
خرج يصفع الباب بقوه من خلفه ليجد حسان وغدير أمامه يقفون بجانب بعضهم البعض بالبهو. فسألهما:
"مين فيكوا حسان."
فنظر كلاً من غدير وحسان الى بعضهما البعض باستغراب. فرد حسان قائلاً:
"أنا طبعاً."
فتحرك ياسين أمامه وهو يقول:
"تعالى ورايا."
***
هل يوجد أجمل من نسمات هواء الصباح مع زقزقه العصافير والزرع والخضرا يحاوطون الكوخ الذي تحيا فيه. حياه هادئه بسيطه يعيشها رجل مسن بالثمانينات من عمره يحاول الوقوف فقد أهلك الزمن جسده. فأتت اليهِ شمس قائله:
"أنا جيت ياعم نصير وجيبتلك الفطار معايا."
ابتسم وهو يحاول الجلوس على المقعد المستطيل بخارج الكوخ:
"وياترى جبتيلي معاكي ايه ياست البنات النهارده."
وضعت الصينيه أمامه بعدما أحضرت الطاوله قائله:
"االفطار اللي بتحبه فطير مشلتت سخن مولع وعسل وبيض وجبنه قريش."
فابتسم لها عم نصير بامتنان وهو يضع عكازه بجانبه يشمر يده يستعد لتناول وجبه الأفطار:
"أنا مش عارف من غيرك كنت عملت أيه ياشمس عشر سنين وأنتِ مش سيباني أبداً."
أشارت لهُ برأسها على الطعام:
"طيب يلا كل بقى قبل ما الفطير يبرد وانا هدخل جوه أنضف الكوخ على ما تاكل."
***
هو الأن يقف أمام مدير المدرسه الخاصه بحسان. فتح باب غرفته دون استئذان وجلس على المقعد وهو ينظر للمدير قائلاً:
"الواد ده عملينله استدعاء ليه؟ هو مابيجيش المدرسه."
فرد عليه المدير باستهجان:
"ييجي فين ياأستاذ احنا في اجازه."
رفع حاجبه باستغراب مما قاله للتو بعدما نظر لحسان:
"ولما انت في اجازه عاملينلك استدعاء ليه؟"
هز حسان كتفه بعدم فهم يشاور بأصبعه الى المدير:
"معرفش أسأله هو."
فأجاب. المدير قائلاً:
"قبل ما تسألني انا عايز اسألك انت مين أنا اول مره أشوفك في القريه."
"أنا ياسين الصاوي."
قالها بثبات. فتوتر المدير قائلاً:
"هو حضرتك رجعت من السفر."
"لاء لسه."
فابتلع المدير ريقه وهو يقول:
"نورت القريه يااستاذ ياسين."
فرد هو بلا مبالاه:
"هنورها ازاي وانا لسه ماجيتش."
ضحك المدير بهدوء على كلامه ليجامله وهو يقول:
"انا عملت للطالب حسان استدعاء لمصلحته حسان شايل مواد السنه دي ودي تاني سنه ليه في تالته ثانوي ولو مامتحنش السنه دي المواد دي هيترفض من المدرسه وحرام السنين دي كلها تضيع ومايبقاش معاه الثانويه على الأقل فحبيت اقولكم وخصوصاً انه من شباب عيله الصاوي."
فنظر لهُ ياسين نظره مشبعه بلوم:
"أنت مكنتش ناوي تدخل الأمتحانات."
رفع حسان رأسه فقابلت عيناهُ بعين ياسين. ففتح فمه لكي ينطق فقاطعه ياسين قائلاً:
"هيدخل امتحاناته هيدخلها ماتقلقش."
مد كف يده للمدير:
"متشكرين لاهتمامك."
فمد المدير يده ليسلم عليه:
"على أيه انا معملتش غير الواجب."
رحل ياسين وبجواره حسان عائدين للمنزل بجوارهم الغيطان. فبدأ ياسين بالحديث:
"أنت مين؟"
فنظر له حسان يطالعه:
"أنا ابن زهره واخو شمس."
رفع حاجبه باستغراب. فحاول الا يحرجه وهو يعلم جيداً أن شمس ليس لديها أخوه. فاستكمل حديثه:
"طيب ومش عايز تكمل تعليمك ليه ياحسان."
فقال بزهق:
"أنا ماليش في العلام قولت الكلام ده الف مره لجوز امي."
"هو مين جوز امك ده."
سأله بحيره. فرد عليه بما لايتوقعه:
"دكتور علي، مش بقولك انا ابن زهره هي زهره متجوزه حد غير دكتور علي."
أشار برأسه بالايجاب:
"أه معلش تاهت عني دي. طيب ليك في ايه ياحسان غير العلام."
رد متلهفاً بعدما أتسعت عيناه:
"في الفلاحه، انا بحب الأرض اوي وافهم فيها سيبني في أرض بور هتلاقيني بعمرها للخضار على طول."
"طيب ما ده حلو جداً بس أنتَ شايف أنك لما تعمر الأرض البور وأنت مهندس زراعي ومعاك شهادتك أحسن ولا لما تبقى جاهل وممعكش شهاده."
"وهتفيد بأيه الشهاده ياياسين وانا كده كده عارف كل حاجه."
أشار بيديه لحسان:
"ياسين كده حاف كنت بلعب مع اللي خلفوك انا جوز شطرنج."
هز كتفه قائلاً:
"ما انا مش عارف اقولك ايه؟ ما أنت شكلك صغير على كلمه عم دي انا دكتور علي لو مكانش دكتور كنت هقوله ياعلي."
أشار برأسه بالموافقه ثم أمسك به من ياقة قميصه:
"لا ياروح امك انا تقولي ياأنكل عايز اسمعها منك أنكل انت فاهم."
فقال له بنبره صوت خشنه بعدما نظر له بغضب:
"وانا مش دكتور علي انا معنديش صبر اتكلم بالذوق لما تبقى راجل ومعاك شهادتك وتشتغل اللي بتحبه أحسن ألف مره ماتبقى جاهل في الدنيا يادوبك بتفك الخط، الحياه محتاجه أنك تتعلم عشان تقدر تواجهه بالعلام اللي اتعلمته أنت فاهمني طبعاً."
أشار حسان رأسه بخوف وهو يقول:
"حاضر.. حاضر يا أنكل ياسين."
أشار ياسين بعينيه للمغادره. فرحل حسان وهو يركض من أمامه مسرعاً. أبتسم ياسين وهو يقول:
"عيال تخاف ماتختشيش."
نظر بجانبه ليجد الكوخ الصغير شعر بحنين لهذا الكوخ. فتذكر عم نصير وزوجته. أخذتهُ قدمه في أتجاه الكوخ ليجد عم نصير لا يزال على قيد الحياه يجلس على المقعد الذي صنعهُ لهُ منذ زمن. فجلس بجواره:
"عم نصير أنت مش عارفني."
ترك عم نصير الطعام من يده ونظر له. أخذ يطالعه يتأمل بملامحه فاتسعت البسمه على وجهُ ودخل الفرح الى قلبه. فقال جملته متقطعه وكف يده يرتعش:
"ياسين، ياسين أنت رجعت."
هز رأسه بابتسامه واسعه:
"لا مارجعتش."
حاول عم نصير الوقوف فلم يستطع فضمه ياسين الى صدره بحب:
"وحشتني ياعم نصير وفين مراتك."
رد عليه عم نصير والدموع تترقرق بعينيه:
"مراتي تعيش أنت ياياسين، ما تت وسابتني لوحدي."
ابتلع ريقه بعدما ظهرت علي ملامحه الحزن:
"الله يرحمها كانت ست طيبه."
كانت شمس بداخل الكوخ فسمعت صوت ياسين حاولت ان ترحل دون يراها. فسارت على اطراف أصابعها من خلفه حتى وجدت عم نصير ينادي بأسمها:
"تعالي ياشمس ياسين رجع."
اغلقت عينيها وضغطت على شفتيها. فنظر هو خلفه ليجدها تقف على اطراف اصابعها قائلاً:
"أنتِ هنا بتعملي أيه؟"
فرد عم نصير بدلاً منها:
"من ساعه ما انت سيبت البلد من عشر سنين وهي اللي بتيجي تشوف طلباتي من ساعه ما أخدت المقاطعته."
شمس بصوت مرتفع:
"من ساعة ما أخدت منك ياعم نصير المش وانا بحب أجي هنا، اصل عم نصير كان بيبع مش زمان فكنت بحب اشتري منه فشوفته وحبيت أكون معاه دايماً مش كده ياعم نصير."
نظرت له نظره تستعطفه بها أن يوافقها عما قالت. فأشار برأسه:
"أيوه كده يابتي."
"وانت من أمتى بتبيع مش ياعم نصير."
"من زمان يابني من ساعه مامشيت."
"على كده بقى بتعمله حلو؟"
"على قدي."
"طيب ما تعلمنيفرد عليه هو:"
"هبقى أديك بلاصه بحالها."
فقال ياسين جملته بأصرار دليل على عدم تصديقه لعم نصير:
"لاء انا عايزك تعلمني."
فرد هو عليه مؤكداً:
"طيب اول حاجه لازم تصحى بدري."
فقاطعه ياسين:
"خلاص هات البلاصه."
ابتسم عم نصير عما قاله ياسين. جلس معه قليلاً فقالت شمس:
"انا خلصت ياعم نصير لازم اروح بقى."
فرد عليها ياسين:
"استني هانروح سوا."
"لاء انا همشي لوحدي."
فرد هو مسرعاً:
"تمام ماتزنيش جاي معاكي."
ابتلعت ريقها وهو يسير بجوارها بين الغيطان لا يوجد سوا الصمت ببينهما والهواء يتغلغل بين خصلات شعرها. مسكت هي شعرها بيدها تحاول أن تربطه جيداً. فنطق هو أخيراً:
"مابقتيش تتكلمي زي الاول ليه؟"
"تقصد ايه؟"
هز كتفه قائلاً:
"بالفصحى زي بربروس."
رفعت شمس رأسها فتقابلت عينها بعين ياسين:
"مهتم أنك تعرف."
فرد بلا مبالاه:
"عادي الطريق طويل بنتسلى. لو مش حابه تقولي براحتك."
دعمت شمس حديثه بعصبيه:
"خلاص مش هقول."
"براحتك انا بس مش عايز اضايقك. وعلى فكره مكانش قصدي اخنقك لما كلمتك عن القبو حسيت انك اتخنقتي اول ما سمعتي كلمه القبو."
"اومال كان قصدك ايه لما قولتها."
فجاوبها بصدق وهو ينظر لها ببراءه:
"أخنقك بصراحه."
فابتسمت هي ابتسامه بسيطه ونظرت للاسفل لتجد من يجذبها من ذراعها لهُ بقوه ويقول:
"اللاه، اللاه ما انتِ عايشه حياتك أهوه ومقضياها اومال مالك مضيقاها عليا ليه؟"
قالت وهي تحاول جذب يدها منه بالقوه:
"سيبني يافريد."
جذبها "ياسين" خلفه فوقفت هي تحتمي بذلك الجدار البشري. فنظر لهُ "ياسين" نظره بها من الكلام مايكفي. فوقفت شمس أمامه تترجاه بأعين دامعه. فهي تعلم جيداً ما الذي يحدث اذا فقد تركيزه:
"اهدى ياياسين أرجوك ماتتعصبش."
حاول ياسين تهدئه نفسه قليلاً فوجد فريد يقول لهُ باستهجان:
"أنتَ مين أنت كمان ياحيلتها عشان تبصلي كده وعاملك أزمه ليه؟"
ولم يكن يعلم أن رده هذا سيكون رده عليه موجعاً. حيث هتف قائلاً: أخذ نفس عميق وهو يبعد شمس من أمامه قائلاً:
"أزمه!! أنا مقاس أزمتي 46 واللي هقلعها واديك بيها حالاً دلوقتي لو مابعدتش عني."
استشاط فريد غضـ ـباً وهو يصك على أسنانه وقد أشتعلت النيران في عينيه:
"أنتَ عارف أنت بتكلم مين وابن مين."
فرد عليه ببسمه صفراء وقد ارتسمت نظره خبيثه على ملامحه:
"عنيا، مش شايفك عشان اعرفك."
رفع "فريد" سلا حه على ياسين يوجهُ على رأسه قائلاً:
"أنا ممكن أدفنك حي حالاً وأنت واقف مكانك دلوقتي وماخدش فيك يوم واحد."
وبحركه سريعه منه لف كف يد فريد وأخذ منه سلا حه وفي لحظه فك السلا ح الى اجزاء يلقيه أمامه على الأرض. فاستغرب فريد من سرعته المهوله. فأمسكه ياسين من ياقه قميصه وقربه منه وضربه برأسه ضربه قويه جعلته يفقد الوعي في لحظه.
صرخت شمس قائله:
"فريــــــد."
نظر لها ياسين باستغراب على صرختها لهُ:
"خايفه على الواد ده عشان صرختك دي."
شعرت بنبضه لتجده مازال حياً. فنظرت له قائله:
"أنا خايفه عليك أنتَ، أنت ماتعرفش ده ابن مين ده ابن وزير الداخليه."
***
دخل ياسين الى غرفته يغير ملابسه. فتح دولابه يفتح زرار القميص ليأخذ قميصاً أخر بدلاً منه. أغلق الضلفه ليجده أمامه. انفزع قليلاً من رؤيته. فنظر لهُ باستنكار وهو يلقي بقميصه على الفراش:
"أنتَ مش قولت أنك مش هتيجي القريه جيت ليه ياعمار."
نظر لهُ وهو يربع يدهُ بدا الضجر على وجه عمار وتنهد بضيق قبل أن يرد:
"أحنا مش اتفقنا أنك مش هتقربلها."
انتزع قميصه من على جسده وأمسك بالقميص الأخر وقال هو يرتديه:
"وانا مقربتلهاش، أنا روحت لعم نصير ولقف"
بتر عمار جملته.
"ولما لقيتها ماخليتهاش تمشي لوحدها ليه."
ابتلع ريقه وهو يقول بصدق:
"عشان كده كده كنت مروح فروحنا سوا صدقني ياعمار دي حاجه في العادي، أنا اصلاً مكنتش عايز أجي انت اللي أصريت اني اجي احضر فرح يزن."
فقال عمار وهو يضغط على أسنانه:
"وهو تحضره عشان ده يزن. وانا وافقت وجيت عشان انت طلبت وشمس انا مابفكرش فيها ولا هفكر في يوم."
"انت كذاب."
قالها عمار يؤكد بكلامه:
"انا سيبت كل حاجه عشانك عشان نفضل سوا سيبت شمس عشانك يابويا، ياياسين وانت اول ما شوفتها ريلت عليها."
فنفى هو جملته بصوت مرتفع:
"ماحصلش. وزي ما انت ضحيت علشاني انا كمان ضحيت علشانك اكتر عشان افضل جنبك ومحدش يفرقنا."
"مش مصدقك ياياسين. انا ماشي ومش هتشوفني تاني واعرف ان انت اللي اخترت."
نادى هو على اسمه بخوف وهلع. فبمجرد عدم رؤيته من جديد يدب الرعب بقلب ياسين:
"عمـــار، وحياتك عندي يابني ما قصدي حاجه شمس هنا واكيد هكلمها."
فرد عمار ببرود قائلاً:
"على الأقل ماتظهرش قدامها بمظهر الهيرو مره تانيه خليك جبان عشان تكرهك."
تنهد ياسين قائلاً:
"حتى لو."
فقاطعه عمار بحزم:
"حتى لو لاقيت حد بيغتـ ـصبها مالكش دعوه وابعد عنها وده هيريحك."
كانت هذه جملة ياسين. فرد عليه عمار بابتسامه بارده:
"مش ده بس أنت غلطت ولازم تعاقب نفسك، اللي بيغلط بيتعاقب ولا انت ايه رأيك."
تنهد ياسين بعمق يهز رأسه بالموافقه. فأتى بالسكين من جانبه وغرزها بكل قوه داخل جسده. أطبق عينيه بشده والألم يأكل جسده. جثا على ركبتيه من شدة الألم. فهو لم يشرب دم بشر منذ سنين طويله فهذا يجعله ضعيف يشعر بالألم الشديد. فجلس عمار أمامه القرفصاء ينظر لباقي جسد ياسين وهو عليه علامات كثيره من طعنه السكين. فهذه ليست المره الأولى التى يطعن بها ياسين نفسه من أجل عمار حتى لا يتركه ويرحل. نظر لهُ عمار فقال بنبرة ساخره:
"شاطر يابابا."
رواية الهجينة الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ماهي احمد
"شاطر يابابا."
هذه كانت جملته الأخيرة له. نظر له نظرة فيها من السخرية والشماتة ما يكفي وهو يراه بهذا الضعف أمامه. يطعن نفسه بالسكين فقط لكي لا يتركه. فقد أصبح "عمار" نقطة ضعف "ياسين". أصبح ضعيف به وهو بجانبه وأضعف إذا تركه ورحل.
ابتلع "ياسين" ريقه وكأنه يبتلع غصة مريرة بحلقه. يرفع نظره للأعلى فتبادل الاثنان النظرات. نظرة رضا من "عمار" لما فعله "ياسين" للتو لكي يرضيه، ونظرة ألم بعيون "ياسين". فوقف "عمار" بعدما كان يجلس القرفصاء أمام "ياسين". بعدها قال:
"تقدر دلوقتي تطلع السكينة من جسمك وزي ما اتفقنا مالكش دعوة بـ "شمس"."
قال آخر ثلاث كلمات وهو يضغط على أسنانه بنبرة تحذيرية لـ "ياسين". فحاول "ياسين" أن يخرج السكين من جسده ولكن الألم كان مبرح هذه المرة مما جعله يتأوه وهو يخرجها.
نزلت دموع "شمس" وهي جالسة على المقعد أمام كوخ "عم نصير" وهي تسمع صوت "ياسين" في أذنيها وهو يقول بعصبية:
"إنتِ عايزة تفهميني إنك خايفة عليا؟ شمس بت المهدي بقت بتخاف عليا ده من إمتى؟ ومن مين؟ من عيل زي ده."
أشارت شمس برأسها بالنفي يساراً ويميناً بعيون دامعة وهي ترفع رأسها تنظر له:
"إنتَ مش فاهم حاجة."
بتر حديثها بنبرة صوت أقل عصبية:
"ومش عايز أفهم ياشمس. مكنتش أعرف إنك نسيتي عمار بالسهولة دي وبقيتي تخافي على واحد تاني."
نظر "ياسين" لـ "فريد" وهو ملقى على الأرض فاقد للوعي، فترك "شمس" في الحال.
أفاقها "عم نصير" من شرودها فيما حدث قبل قدومها إليه. فأنتفضت هي تنظر له لتجده يمد كف يده بكوب من الشاي الساخن قائلاً:
"وبعدين يابنتي هتعملي أيه مع اللي اسمه "فريد" ده؟ باين عليه شراني ومش هيجيبها لبر."
مدت كف يدها وهي تأخذ منه الكوب ترتشف منه رشفة بسيطة:
"مش عارفة يا "عم نصير". من وقت ما فاق وهو بيهدد إنه مش هيسيب "ياسين" في حاله، وأنتَ عارف ده ابن مين."
تنهد وهو يهز رأسه بالموافقة قائلاً:
"عارف يابنتي. عارف. بس برضوا عارف ياسين ده ابن الصاوي. على العموم، سيبك منه أنتِ دلوقتي، المهم روحي شوفي "ياسين" ده. فاكر إنك خايفة على "فريد" على حسب ما حكتيلي. روحي ووضحي له كل شيء. وواحدة واحدة مع ياسين يابنتي، طولي بالك عليه."
بررت له وكأنها تدفع الجرم عن نفسها:
"أيوه بس أنا ولا كنت خايفة على فريد ولا بطيقه من أساسه."
فجلس هو بجوارها يقول:
"أنا وأنتِ عارفين، بس "ياسين" مايعرفش."
أشار لها بعينيه بالمغادرة، فأشارت برأسها بالموافقة وهي تمد يدها تعطيه كوب الشاي وعلامات وجهها تدل على الاشمئزاز:
"مابتعرفش تعمل شاي أبداً يا "عم نصير"."
ابتسم لها ابتسامة رضا يتابعها بعينيه لترحل عنه. فارتفع صوته قائلاً:
"ابقي هاتي مذكرة ياسين معاكي المرة اللي جايه وأنتِ جايه عشان لو سأل عليها مايعرفش إنها معاكي."
التفتت له وهي تشير برأسها بالموافقة ثم أكملت طريقها.
هو الآن في مركز الشرطة يحتل الغضب ملامح وجهه. فقد حدث ما لم يكن بحسبانه. ولأول مرة استطاع أحد التهجم عليه أمام الفتاة التي وقع بحبها من النظرة الأولى. ضرب بكف يده على المكتب الخاص به والتفكير يأكل من عقله. فكان يحدث نفسه قائلاً:
"ورحمة أمي لا أوديك ورا الشمس ياياسين ياصاوي. هخليك تندم على اليوم اللي عقلك وزك فيه تقرب مني."
دخل عليه "الضابط أحمد" بعدما انتزع الكاب الخاص به من على رأسه ووضعه على المكتب وقال وهو يجلس على المقعد:
"مالك يافريد باشا؟ شايفك جاي من بعيد وعلى أخرك. هو في حاجة حصلت؟"
ابتلع ريقه وملأ التوتر نبرة صوته سائلاً:
"حاجة؟ حاجة زي إيه؟ وضح كلامك."
فاعتلت نظرة الشماتة وجه الضابط أحمد وهو يمد كف يده بالهاتف لفريد:
"حاجة زي دي كده. أصل أنا بفتح صفحة قرية الصاوي على الفيس بوك لاقيتلك فيديو منور. بص كده."
نظر فريد إلى شاشة الهاتف. فقام أحمد بالضغط على زر تشغيل الفيديو بالشاشة ليجد ما حدث مصوراً بالكامل صوت وصورة. كانت علامات الصدمة قد برزت على ملامحه وجلس على المكتب وهو بحالة ذهول تام. فحاول الظابط أحمد كتم ضحكته وهو يقول:
"بس إزاي يافريد باشا ياخد منك سلاحك بالسهولة دي بعد ما كنت رافعه في وشه؟ ده أخده منك "easy cake"."
أطاح فريد بيديه العاريتين وهو في حالة من الغضب. ما كان فوق مكتبه من أوراق ومستندات تناثرت الأوراق على الأرضية بكل مكان بالغرفة. فانمحت البسمة من على وجه الظابط أحمد وهو يراه بهذه العصبية المفرطة مما جعله يسأل:
"إنت بتعمل في نفسك كده ليه يافريد؟ ابعد عن عيلة الصاوي أحسنلك. ده اللي بقولهولك من سنين. أنت سبت حياتك في القاهرة وماحبيتش تنقل وفضلت هنا في القرية طول السنين اللي فاتت دي وعشان إيه ده كله؟ لو على بنت الصاوي فمش هتبقى ليك مهما عملت. أنا سمعت إن عيلة الصاوي مابتخرجش بناتها بره العيلة وخصوصاً شمس. وأديك شفت مجرد ما قربت منها حصل فيك إيه. ياسين رجع وصدقني القرية كلها هتبقى معاه."
لم يجب فريد على ما قاله أحمد. فأجابه بسؤال آخر:
"مين اللي صور الفيديو ده؟ انطق."
تنهد أحمد بيأس فما قاله منذ قليل لم يؤثر به كالعادة. فهز رأسه بالنفي:
"معرفش. تلاقيه عيل شافكم من بعيد وصوره ونزله على صفحة القرية. ما أنت عارف أي حاجة بتحصل هنا في القرية بتنزل على الصفحة زي رجوع ياسين كده. الصفحة مالهاش سيرة غير عنه وعن رجوعه."
قبض فريد على الكاب الخاص به من فوق المكتب واتجه باتجاه الباب. فأوقفه صوت أحمد:
"حتى لو روحت لصاحب الصفحة وخليته يمسح الفيديو. الفيديو نازل من ساعة والكل نزله عنده على موبايله والفيديو يدينك أنتَ مايدينش ياسين. وخصوصاً إنك أنتَ اللي هاجمت على بنت الصاوي الأول وأنت برضوا اللي رفعت عليه السلاح الأول."
تنفس فريد بعمق بعدما سمع ما قاله الضابط أحمد تاركاً إياه خلفه ورحل.
وصلت شمس إلى المنزل وأول شيء فعلته هو سؤال أول شخص تقابله عن ياسين. فوجدت ميرا تقف أمام باب الخالة حكيمة تستمع لما يحدث بالداخل بينها وبين سارة ويزن. فسألتها قائلة:
"ميرا، ماشوفتيش ياسين؟"
أشارت ميرا بأصابعها على فمها:
"هووووش، وطي صوتك للخالة تسمعنا وتعرف إني واقفة هنا."
فأتى رعد من خلفها بابتسامة ساخرة:
"طب أنا بقى هقولها إن ميرا واقفة تتصنت عليكي ياخالة."
فردت ميرا مسرعة:
"هوووش أنت كمان، وطي صوتكم. أنا بجد هموت وأعرف هي الخالة عايزة تأجل الفرح ليه؟ ده الفرح لو اتأجل سارة هتبيض على نفسها. حرام بجد."
دعت "شمس" ما قالته ميرا:
"عندك حق. بس أنتِ عارفة الخالة أكيد عندها أسبابها."
طالعت "شمس" رعد الواقف أمامها ثم أشارت له بعينيها:
"رعد ماشوفتش ياسين؟"
أشار برأسه على باب غرفته:
"أه، لسه شايفه من شوية دخل أوضته وقميصه كان مكرمش تقريباً."
هزت "شمس" رأسها وتركتهم سوياً. فنظر رعد لميرا سائلاً إياها بعدما قرب أذنه من الباب:
"تفتكري الخالة أجلت الفرح ليه؟"
ابتسمت ميرا وهي تضغط على شفتيها بابتسامة على مجاراة رعد لها وهي تقرب أذنيها من الباب ببطء:
"تعالى نسمع سوا. والخالة لو قفشتنا نتقفش سوا."
غمز لها بطرف عينيه بابتسامة مرحة:
"موافق."
هي الآن أمام غرفته تنتظره بالخارج تفرك بأصابعها والتوتر يملؤها. فسمعت تأوهاته من الخارج. قبضت حاجبيها باستغراب فهي الآن تسمع صرخة مكتومة من الداخل. لم تستطع "شمس" الانتظار حتى يخرج فاقتحمت عليه غرفته لتجده يخرج السكين من جسده ببطء وهو ينظر أمامه ناطقاً اسم "عمار". استغربت كثيراً مما يحدث ومما سمعت فشعرت بالضياع مما ترى. نظرت للأرضية فوجدت بقع من دمه على السجاد. جلست القرفصاء بعدما أمرها بالخروج ولكنها رفضت بعدما أغلقت الباب خلفها. همست باسمه والدموع تلتحم بعينيها وقد تمزق قلبها وهي تقول:
"مين عمل فيك كده ياياسين؟"
انتزع السكين من جسده وهو يضغط على أسنانه فرد عليها قائلاً:
"مالكيش دعوة، أطلعي بره."
كانت نظراته لها معاتبة. فحاول الوقوف بعدما أسند بكف يده على طرف الفراش لينهض. ما أن قام حتى ترنح في سيره. شعر بالدوار فأسرعت شمس تسنده تساعده على الجلوس طالبة منه برجاء:
"أرجوك اقعد هنا."
ابتعد عنها خطوة وقال لها بحزم:
"ماتقربيش مني، ماتلمسنيش."
فانكمشت حاجبيها وهي تسأله:
"أنا مش هقولك مين عمل فيك كده عشان واضح إنك مش هتقولي، بس على الأقل أعرف جرحك مابيلمش بسرعة زي الأول ليه؟"
وضع يده على جرحه فتغلغلت الدماء بين أصابعه ينتشر الألم في جسده كما تنتشر السموم في الأوردة. فنظر إلى مكان الجرح فوجد جرحه أعمق بكثير من جروحه السابقة فلم يلتئم كالعادة وظلت الدماء تنزل منه. تحركت شمس مسرعة تبحث بالأدراج عن أدواتها فكانت تضعها هنا من قبل فهذه غرفتها حتى أخرجت أدواتها مسرعة وهي تقول له:
"وريني جرحك."
أشاح ياسين بيده دليل على اعتراضه:
"سبيه ياشمس. هو هيلم دلوقتي."
أشارت برأسها بالنفي:
"مش باين يا "ياسين" إن جرحك هيلم المرة دي. سيبني أساعدك ولا تحب أنادي الخالة عشان تشوف جرحك مابيلمش ليه وتسألك مين اللي عمل فيك كده؟"
ابتسم "ياسين" ابتسامة بسيطة على الرغم من ألمه وسألها وهو يضع يده على معدته التي ألمته بمجرد أن ابتسم:
"إنتِ بتهدديني بأمي؟"
هزت كتفيها ونطقت بهدوء:
"اعتبره تهديد ها. تحب أنادي الخالة تشوف جرحك؟"
تحدث "ياسين" بتعب حقيقي:
"لا ماحبش."
ابتسمت ابتسامة ساخرة منه:
"أنا قولت كده برضوا. اخلع قميصك."
رفض ياسين رفض نهائي بذعر:
"لاء مش هقلعه. القميص مفتوح والجرح واضح قدامك."
طالعته باستغراب لتجد في عينيه الإصرار. فوافقت على عدم نزع قميصه. فوضعت كف يدها على كف يده التي يضغط بها على جرحه لكي تبعد يده قليلاً من على الجرح. فانتزع يده منها بسرعة. غزت الحمرة وجهها من كثرة الإحراج. فشعرت بقلبها على وشك التوقف. ففرت بعينيها مسرعة وهي ترجع شعرها خلف أذنها بيدها قائلة بتقطع:
"أنا.. أنا آسفة. مكنتش حابة المسك بس عشان أبعد إيدك عن الجرح مش أكتر."
أشار برأسه بالموافقة دون كلام. فاسترسلت هي حديثها وهي تنظر للجرح:
"أنا مش معايا بنج دلوقتي ومش عارفة إذا كنت هتحس بألم ولا لأ. بس"
فبتر حديثها هو:
"مش هحس."
فأكملت ما تفعله. اقتربت منه أكثر حتى شعرت بأنفاسه. كان الارتباك قد غزا الأجواء بالفعل ولكن الآن توغله قد زاد. تبادلن الأنظار في قلق. بهذه اللحظة من كثرة توترها شعرت بالرعشة بيديها. فنطق ياسين بهدوء:
"حاسس إنك مش مرتاحة. لو مش عارفة"
فانزلقت الإبرة من يديها. انحنت لتأتي بها وهي تبتر حديثه:
"لا. لا.. أكيد عارفة. أنا ممرضة اتخرجت السنة دي."
فابتسم ياسين ابتسامة رضا وهو ينظر إليها سائلاً:
"يعني اتعلمتي؟"
أدخلت الأبرة بجسده فردت على سؤاله:
"أيوه. كان لازم أتعلم ودكتور علي ساعدني كتير."
كرر ياسين بنفس نبرته:
"على كده كنتِ بتاخدي السنتين في سنة؟"
أشارت برأسها وهي ما زالت تخيط جرحه بالموافقة:
"أه."
"وقدرتي؟"
ابتسمت ابتسامة صفراء وهي تحاول إنهاء الأمر برمته:
"أكيد قدرت. أنا مبقتش البنت الصغيرة اللي سبتها من عشر سنين ياياسين. أنا دلوقتي كبرت واقدر أعمل أكتر من كده."
استدارت وهي تستكمل حديثها. فقام هو ليزر قميصه بأكمله:
"أنا كنت جايه أقولك إن اللي حصل النهارده في أرض عم نصير أنا ماليش أي ذنب فيه. فريد ده."
فقاطعها وهو يقف خلفها:
"هتصدقيني لو قولتلك مايهمنيش أعرف فريد ده مين."
ابتلعت ريقها تتنفس الصعداء. فرغبت لو أشعلت النار به على ما سببه لها من إثارة غيظها. فردت قائلة:
"تمام، اللي يريحك."
خرجت بعدما صفت الباب خلفها بعنف. فوضع ياسين كف يده على عينيه. فتنهد بعمق وكأنه حرم من الأكسجين لساعات طويلة. أنزل يده من على عينيه ليجد عمار أمامه ينظر له بابتسامة رضا قائلاً:
"تعالى ورايا."
فسأله ياسين مستفسراً:
"على فين؟"
فأخبره عمار:
"تعالى بس."
ذهب ياسين خلفه يتبعه أينما ذهب.
"كنتي فين ياشمس؟"
كان هذا سؤال "زهره"، لابنتها بنبرة حازمة:
"مردتيش عليا كنتي فين يابت المهدي. ودم مين اللي على إيدك ده؟"
دلفت إلى المرحاض بعدما فتحت صنبور المياه تغسل يدها تحت المياه الجارية تحاول الهرب بعينيها من عيون زهره:
"ده، ده مش دم. أنتِ عارفة دي ألوان غدير وقعت على إيدي."
ربعت "زهره" يدها تطالعها بعدم تصديق:
"مش مصدقاكي يابنت بطني. بس مش موضوعنا طالما مش دمك فميهمنيش. يبقى دم مين حتى لو كان دم ياسين اللي لسه خارجة من عنده دلوقتي."
نشفت "شمس" يدها بالمنشفة التي أمامها وتحدثت بتوتر:
"أنا بس كنت بقوله."
فبترت هي حديثها قائلة:
"اسمعي يابت بطني. أنا طول السنين اللي فاتت دي سيباكي على هواكي. جالك عرسان كتير وكنتي بترفضى وحجتك إنك تخلصي تعليمك الأول. وأهو تعليمك خلص وحجتك خلصت كمان معاه. يعني اعملي حسابك أي عريس هيجيلك وأنا شيفاه مناسب من وجهة نظري هوافق وأنتِ كمان هتوافقي يابت بطني."
ربتت "زهره" على كتف "شمس" بحنان تهمس بأذنها قائلة:
"اسمعي كلام أمك ياشمس. أنا الوحيدة اللي عارفة مصلحتك يابتي."
خرجت سارة من غرفة الخالة وهي تتأفف بزهق. فصفت الباب من خلفها بقوة. فوجدت ميرا تنتظرها بالخارج هي ورعد. وكان هذا أول سؤالها:
"برضوا ماقالتش هي عايزة تأجل الفرح ليه؟"
نطقت سارة بضجر:
"بتقول كلام مالهوش لازمة ياميرا. حاسة إنها بتقول أي كلام وخلاص. كل ما أسألها تقول خليكم واثقين فيا. أنا مش عايزة أكذب عليكم بس تقول السبب الحقيقي، لأ ماقالتهوش."
فجلس رعد على الأريكة بالردهة قائلاً:
"طيب اهدي ياسارة وبعدين أنتِ استنيتي كتير. جت على شهر يعني مش هتفرق صدقيني. المهم رضا الخالة. أنتِ عارفة الخالة تبقى إيه بالنسبالنا كلنا."
تنهدت بعمق وهي تجلس بجواره:
"أنا بحبها بس مابحبش تحكمتها."
فجلست ميرا بجوارها على الجانب الآخر:
"مافيش حاجة الخالة بتعملها إلا لما يكون وراها سبب قوي. كمان، وأراهنك إذا كان ياسين هو السبب. لأنها ببساطة كده من أول ما ياسين جه وهي قالت إنها هتأجل الفرح."
فنظرت سارة بجوارها لميرا بعدما انكمش حاجبها باستغراب سائلة:
"تفتكري؟"
فدعت ميرا حديثها:
"ده أكيد."
نظر لها رعد بتساؤل:
"اومال يزن ماطلعش معاكي ليه من جوه؟"
أشارت سارة له برأسها على غرفة الخالة:
"وأنا طالعة الخالة ندهت على يزن وقالتله إنها عايزاه لوحده."
وضع رعد يده على ذقنه:
"ياترى عايزاه في إيه؟"
"اقعد يايزن هنا جاري."
جلس يزن بجوار الخالة فطلبت منه أن يكمل قهوته وهي ترمقه بنظرة رضا:
"كمل قهوتك يايزن."
ابتسم وهو يشرب قهوته فقد راقت له نظرتها:
"ماتبرريش ياخالة، أنا خلاص فهمت أنتِ عايزة تأجلي الفرح ليه من غير حتى ما تقولي."
فأجابت هي مسرعة:
"يعني فهمتني يا ولدي؟"
هز رأسه بالموافقة وقد ارتشق آخر ما تبقى في قهوته ووضع الكوب على الطاولة:
"أنا اللي فهمته وعرفته وواضح أوي من غير ما تقوليه إنك عايزة تأجلي الفرح عشان خاطر ياسين. مش مهم السبب إيه ياخالة، المهم واللي متأكد منه إن السبب قوي عشان أجلتي الفرح عشانه. وأنا موافقك وواثق إن كل خطوة بتاخديها بتبقى الخطوة الصح."
ابتسمت له بحنان ثم سألت السؤال الذي طلبت منه البقاء لأجله:
"قولي يايزن، أنا قصرت معاك في حاجة طول السنين اللي فاتت دي؟"
هز رأسه منافياً لما تقوله:
"أكيد لأ. أنتِ خلتيني أقف على رجلي من جديد وبقيت صاحب ماركة معروفة وكله بفضل ربنا وبعدي فضلك."
جلست على مقعدها بارتياح ثم أخبرته:
"ولو قولتلك عايزةك تعرف ياسين الشغل معاك ماتسيبهوش وتعرفه كل كبيرة وصغيرة هتقول إيه؟"
هز كتفيه بعفوية:
"المال مالك وانتِ حرة فيه ياخالة."
"المال عمره ما كان مالي يايزن. أنا كتبتلك كل حاجة باسمك أنت ورعد. أنا أه ساعدتك بالفلوس بس أنت اللي كبرت شغلك وانت اللي سهرت وتعبت عليه."
"وليه عملتي كده ياخالة؟"
"عشان أرتاح من ناحيتك يا ولدي. ما جاوبتش على سؤالي. هتاخد ياسين معاك؟"
ابتسم يزن وهو يخبرها مؤكداً:
"أكيد ياخالة. مش عايزك تقلقي. مش هسيبه."
ابتسمت الخالة له فغادر هو الغرفة ويملأ وجهه ابتسامة رضا.
الوضع هكذا كلاهما يسير بطريق واحد. "عمار وياسين" على اليسار الخضرة والزرع يحركهما نسمات الهواء الباردة وعلى الجانب الآخر مياه الترعة وهما يسيران بطريقهما سوياً. فنطق عمار قائلاً:
"حاسس إنك من ساعة ما جيت هنا وأنا مش عارف ألم عليك. خايف لا ياخدوك مني يابويا."
ابتسم ياسين بعدما وضع يديه بجيبه:
"الموت هو الحاجة الوحيدة اللي هتاخدني منك ياعمار."
"أوعدني إننا نفضل سوا مهما قالولك عني إني موت مهما حاولوا يقنعوك. أنا عايش، فاهمني يابويا؟ أنا عايش."
تبادل ياسين وعمار النظرات القلقة. فقطع ياسين الصمت قائلاً باستهجان:
"أنا مش فاهم ليه مش عايز تعرف الكل إنك عايش ياعمار؟"
فرد مسرعاً دون تفكير:
"علشان لو عرفوا هيبعدونا عن بعض. وخصوصاً اللي اسمها شمس بعدتنا عن بعض مرة خلتنا أعداء وكانت هتفرق بين أب وابنه. شمس هي عدوتنا الأصلية يابويا. ماتسمحلهاش تدخل ما بينا مهما حصل."
فرد ياسين يحاول إقناعه:
"محدش هيقدر يفرق ما بينا ياعمار مهما حصل. أنا عارف إنك لسه بتحب شمس وهي قدامك ومستنياك. ليه مش عايز ترجع لها؟"
وقف ياسين ينظر لعمار فرفع كف يده لكي يلمس وجهه. فعاد عمار خطوة للخلف حتى لا يلمسه قائلاً:
"إنتَ عارف مابحبش حد يلمسني ودي مش أول مرة أقولهالك."
علم ياسين أن الجدال سيزيد الأمر تعقيداً فنفذ طلبه في الحال. فاستكمل عمار حديثه بعدما رأى المقعد الخشبي على الجهة الأخرى باتجاه الترعة:
"عارف أول مرة يابويا جيت هنا وشوفتك فيها كنت قاعد هنــــاك. كان في الكرسي ده لو تفتكر."
أشار عمار إلى جهة مياه الترعة فانكمشت حاجب ياسين مستفسراً:
"شوفتني إزاي؟ أنا فاكر أول مرة شوفتك فيها كنا في القبو وأنت بتاخد شمس."
"لالا. مش دي أول مرة. ما أنا كنت براقبك. ما أنا مش هدخل القبو من غير ما أعرف عدوي."
أشار ياسين بأصبعه على نفسه باستفسار:
"أنا عدوك؟ اسمها كنت عدوك. وعلى فكرة أنتَ عندك حق. أنا كنت بحب زمان أقعد في المكان ده أوي مش فاهم ليه بس كنت بقعد فيه وأفضل أسرح فيه بالساعات."
فابتسم عمار له بعدما أشار بيده قائلاً:
"طيب تعالى نقعد فيه. وأي مكان كنت بتحبه أو ليك فيه ذكرى قولي عليه عشان نبقى مع بعض فيه."
أشار ياسين برأسه بالموافقة فجلس عمار على المقعد فهناك مقعد واحد فقط. وقف ياسين وهو يربع يده. فطلب عمار من ياسين قائلاً:
"احكيلي أيامك في القرية كانت عاملة إزاي؟"
ابتسم ياسين وهو ينظر أمامه وشرد قليلاً قائلاً:
"قبل الضبع كانت أيامنا حلوة وسهلة. كنت بصحى الصبح واحب أشوف شروق الشمس أوي. الخضار كان معمر الأرض زي دلوقتي والناس كانت قلوبها صافية. أبويا الصاوي الكبير كان بيحكم القرية دي والكل كان بيقول إن هبقى من بعده كبيرهم. مع أن علي هو الأكبر مني بس الكل كان شايفني أنا الكبير. حتى الدكتور علي بنفسه كان بيقولي كده: "إنت الكبير ياخوي بحكمتك حتى لو مكنتش بسنك". القرية كانت كل حياتي ومشاكل الناس كانت الشيء الأهم في دنيتي إني أصلحه. لحد ما دخل المهدي حياتنا. كنت وقتها لسه صغير. كان راجل حكيم ومسالم وأبويا خده تحت جناحه. كنت بحبه أوي زي أبويا بالظبط لحد ما عرفنا حكايته وعلي اتصاب بالكانسر. الكانسر كان مرض جديد محدش يعرف له دوا. وحكيمة ماقدرتش تشوفه وهو بيموت قدامها. وعرفنا أسرارهم ودخل الضبع والعربي حياتنا واتغيرت للأسوأ."
نقرت غدير بأصبعها على كتفه باستغراب:
"ياسين أنت بتكلم نفسك."
أفاق ياسين من شروده ينظر على المقعد المجاور له فلم يجد عمار. فطالع هدير بنظرة شارده:
"لا لا أبداً. تلاقيني سرحت شوية مش أكتر."
جلست على المقعد وهي تبتسم له:
"كويس إني لقيتك هنا. أنا من الصبح من ساعة ما روحت مع حسان المدرسة وأنا مش لاقياك."
فهز رأسه دليل على معرفته:
"أه ما أنا عارف وكنت عايز أقولك حاجة بالمناسبة دي."
انكمشت حاجبها باستغراب فاستكمل هو حديثه:
"لما تبعتيلي على الواتساب وماردش ماتتصليش بيا، ولما تتصلي بيا وأكنسل ماتدوريش عليا، ولما تدوري عليا وما أهتمش ماتراقبيش فيا. أنتِ ليه بتعملي كل ده أصلاً؟ أنا مش حبيبك ياغدير."
صكت على أسنانها قائلة:
"يعني أنتَ عارف إني ببعتلك على الواتساب من الصبح ومابتردش متعمد. وبعدين أنت عرفت رقمي منين أصلاً؟"
"مممممم. من صورتك اللي على الواتساب. ومش هسألك أنتِ عرفتي رقمي منين عشان مايهمنيش."
قالها بنبرة باردة. فلمعت الدموع بعينيها فابتسم هو محاولاً أن يلطف معها حديثه:
"ماتعيطيش. ماتعيطيش وماتزنيش. مابقتيش الطفلة الصغيرة اللي كل ما ماوافقش على حاجة تزن عشان أعملهالها."
رفع كف يده يمسح دموعها من على وجنتيها:
"خلاص بقى ماتعيطيش. كنت بهزر معاكي."
قالها بحنان. فأشارت له رأسها بارتياح. فسمعت أصدقائها من الخلف يهتفون باسمها:
"إيه ياغدير أنتِ نسيتينا ولا إيه؟ مش هتعرفي علينا؟"
استدارت تنظر لهما وأشارت بيديها على كل واحدة على حدة:
"أه. أه طبعاً أعرفك. أسماء. حنان."
إنها إحدى الليالي التي يشعر فيها المرء أن قفصه الصدري لا يسع قلبه لشدة خفقانه مع وجود الحبيب بجانبه. قطفت هي وردة باللون الوردي وضعتها على أنفها تشتم رائحتها. فشعرت بوجوده خلفها فارسمت البسمة تلقائياً على وجهها قائلة:
"أيه اللي جابك يابيدقوس؟"
طالعها هو باهتمام قائلاً بحب:
"ألا تريدين أن آتي؟"
استدارت مارال له وضحكت بهدوء قبل أن ترد على سؤاله:
"بيدقوس أنت مابتملش أبداً. أنت عارف بقالك كام سنة بتحاول."
اضاءت ملامحه إحدى ابتساماته الرائعة قائلاً:
"وهل يمكن أن يمل الجسد من الروح يوماً ياصغيرتي؟"
ابتسمت ابتسامة امتنان له. فعباراته الجميلة تمس قلبها الصغير. لمس رجاء صامت بعينيها لم يستطع خذلانه:
"بيدقوس أنت كده بتصعبها عليا أكتر."
"لا شيء صعب إذا سهلنا الأمور يامارال. أنا أعلم جيداً أنك تحبيني مثلما أحبك. فرسولنا الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام قال: "إذا أحببت أحداً فأخبره ليعلم" وكررها ليطمئن. وأنا سأظل أكررها حتى يطمئن قلبك لي. ولتعلمي مهما كانت اختلاف الأديان لن يكون عائقاً لحبي لكِ في يوم من الأيام."
صارحته مارال وعيناها تواجهه طالبة الصدق:
"حط نفسك مكاني يابيدقوس. أنتَ بتقول كده عشان دينك يسمحلك بالزواج من مسيحية، لكن أنا لأ. لو كنت أنتَ اللي مكاني ودينك مش بيسمحلك إنك تتزوج من مسيحي كنت عملت إيه؟"
"فأجابها بصدق ينبع من عينه: "أقسم بالذي خلقك فوالله وبعقد الهراء لو أحببته بصدق لن أنام ولن يغمض لي جفن حتى أنول المراد. فأنتِ تستحقي فعل المستحيل لأجلك. أنا أريد فقط منك أن تبحثي بصدق. فكل الآيات التي أقرأها عند صلاة الفجر أريدك أن تبحثي عن معناها وتفسيرها. لا أريد منك سوى البحث القليل لتعرفي ما هو دين الحق."
تحدثت مارال بنبرة جادة:
"وطبعاً الإسلام هو دين الحق في نظرك."
"كل منا يعتنق لدينه ومقتنع تمام الاقتناع بأن دينه هو الحق. إذن أعطيني دليل واحد ياصغيرتي وسأعطيكِ أمامه ألف دليل."
شعرت بالتخبط أثر طلبه ونطقت بنبرة منخفضة باستهجان:
"عايز دليل. ماشي. أنا هجيبلك الدليل. تعالى هنا ونتقابل بالليل في نفس المكان وأنا هجيبلك الدليل من الإنجيل نفسه."
رفع نظره لها وهو يهز رأسه ببطء شديد دليل على الموافقة. فغادرته وظل هو واقفاً يراقبها تبتعد عنه. فجاء الطبيب من خلفه يسأله بنبرة صوت عالية:
"ماشوفتش ياسين يابربروس؟"
انتفض بربروس من مكانه وأفاق من شروده بمارال قائلاً:
"تنحنح أيها اللعين فقد قشعر بدني."
ضحك الطبيب بصوت مرتفع ووضع يده على كتف بربروس قائلاً:
"سلامتك من القشعريرة يا شيخ عجوة. تعالى نشوف ياسين فين."
"علت ضحكاتهم بعدما تجمعت الفتيات حول "ياسين" فسألته إحداهن بعد تعارفهما بقليل:
"ممكن أسألك سؤال شخصي شوية بما إنك راجل وبتفكر زي بقية الرجالة."
استدار لها بعدما نجحت في جذب انتباهه:
"أعرف إزاي إنه بيحبني ومش بيتسلى بيا؟"
فرد هو بصدق وبتلقائية مفرطة:
"بعد الطفل التاني على طول. وقتها اتأكدي إنه بيحبك. قبل كده كل ده كلام فارغ مالوش لازمة."
فتشجعت فتاة أخرى فسألته سؤالاً آخر:
"طيب لو أنا بنت ناجحة في حياتي أعمل إيه في الولاد اللي بتخاف من نجاحك؟"
"بصي خفي نجاح شوية وشنكلي اللي قدامك واتجوزيه. وبعد كده هو مش هيخاف من نجاحك. هو هيخاف منك أنتِ شخصياً."
فقالت فتاة أخرى:
"طيب هو ممكن ألاقي راجل يحبني أنا لوحدي وما يبصش بره؟"
"فكر للحظات قبل الإجابة قائلاً: "موضوع إنه يحبك لوحدك دا انسيه خالص. كفاية إنك تبقي من العشرة الأوائل."
ضحك الجميع على كلامه العفوي. فسألته حنان قائلة بيأس:
"إزاي أعرف إن العلاقة دي لازم تنتهي؟"
أشار هو بيديه لها:
"أول ما تبتدي مش محتاجة يعني."
فردت غدير قائلة بسؤال آخر:
"هو ينفع نلاقي راجل مش toxic؟"
"مال بعينيه يجاوبها ضاحكاً وهو يغمز لها: "بصي هو أنا عايزك بس تدعي ربنا الأول إنك تلاقي راجل في الزمن ده. وبعد كده بقى يطلع toxic مش toxic. دي بقى نشوفها بعدين."
ضحكت الفتيات بصوت مرتفع. فأجاباته زادت من إعجابهن به. فأجابته غدير قائلة على كلامه:
"بس أنتَ راجل وراجل أوي كمان."
أنمحت الابتسامة من على وجه ياسين ببطء شديد بعدما شعر بشيء بنبرة صوتها. فحاول أن يهرب من الحديث قائلاً وهو ينظر أمامه:
"طيب روحي أنتِ بقى ياغدير عشان شيخ عجوة جاي."
فقالت فتاة طالبة منه أن تراه مرة أخرى:
"تحب نشرب كوباية قهوة ونقعد في مكان؟"
فنظرت لها غدير نظرة لوم. فصححت الفتاة جملتها قائلة:
"أقصد نقعد كلنا يعني مع بعض."
فرد عليها هو بكبر يصاحبه نظرة عدم احترام:
"في كتير نفسه يشرب معايا قهوة. اقفي في الصف عشان تاخدي دورك."
ترك ياسين الفتيات واتجه باتجاه بربروس والطبيب علي. فنظر له الطبيب نظرة بها من اللوم ما يكفي قائلاً:
"إيه اللي اتنشر على الفيسبوك ده ياياسين؟"
ابتسم بمكر متابعاً:
"إيه اللي اتنشر؟ بينقط عليك ولا إيه؟"
تنهد بغضب وتابع بلوم وهو يمد كف يده بالهاتف:
"ياسين أنا مابهزرش. إيه الفيديو ده؟"
نظر ياسين يطالع الهاتف فوجد نفسه بمقطع الفيديو. فتحدث بلا مبالاة:
"وانت إيه اللي مضايقك في حاجة زي دي؟"
فرد عليه الطبيب قائلاً:
"علشان أنتَ ماتعرفش ده ابن مين. ده ابن وزير الداخلية ياياسين. إحنا مش ناقصين أبواب جهنم تتفتح علينا. إحنا لازم نلم الموضوع."
طالع ياسين بربروس قائلاً:
"يرضيك الكلام ده ياشيخ عجوة؟"
فهز رأسه بالإيجاب:
"نعم يرضيني."
فنفى ياسين ما قاله علي بإصرار:
"موضوع إيه اللي تلمه؟ ياعلي أنت اتجننت؟ لو أنت مش عايز تلم الموضوع أنا هتكلم على لسانك واللمه بمعرفتي."
"ماتتكلمش على لساني. أنا مخارج حروفى واضحة وغاسل سناني وعارف كويس أوي أنا بعمل إيه ياعلي."
فقال الطبيب بتهكم:
"أنتَ مش عارف حاجة ياياسين. أنت سبتنا سنين وماتعرفش عنا أي حاجة. أراهنك إنك عايز تمشي النهارده قبل بكرة وتسيبنا."
أغلق ياسين عينيه بوجع مجاهداً:
"عشان لازم أمشي ياعلي."
"أديني سبب واحد يخليك تمشي وتسيبنا تاني بعد ما رجعتلنا."
سأله بربروس بمشاكسة بعدما شعر بتوتر الأجواء:
"ولماذا تريد أن تهرب من جديد؟ فلتعش هنا بيننا. ألا نستحق أن تجلس بيننا أيها المزندع اللعين."
استدعى ياسين كامل اتزانه وهو يرد بثبات:
"أأكيد تستحقوا."
"إذن ما المشكلة؟"
أغلق عينيه بوجع مجاهداً ألا يظهر حزنه. ففضل عدم الرد:
"أأنا لازم أمشي."
تركهما ياسين وسط أسئلة كثيرة تشغل بالهما الآن. أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها. من يراه يقسم أنه لا يبالي بأي شيء. مزيج من الصلابة واللين في نفس الوقت، لكن بداخله وكأن العالم كله أقسم على تحطيمه.
"غريبة وطأت قدماها القرية. توقفت السيارة أمام منزل عائلة الصاوي. هبطت من سيارتها وهي تبحث عن الخالة حتى أرشدها أحد المارين على المنزل. حتى وصلت أخيراً بعد معاناة طويلة. استقبلتها الخالة بالترحاب فكل غريب يدخل دارها يصبح قريب. جلست تلك الغريبة على المقعد بعدما رحب الجميع بها. فذهبت شمس لإحضار مشروب منعش في هذا الطقس الحار إلى تلك الغريبة. فسألتها الخالة بود:
"أنتِ مين يابتي؟"
فردت عليها بنبرة هادئة:
"أأنا، أنا اسمي مشيرة."
دلفت شمس إلى الغرفة ومعها المشروب الساقع. تقدمه على الصينية. فسألتها الخالة سؤالاً آخر:
"وجاية هنا لمين يامشيرة؟"
وقفت شمس أمام مشيرة تقدم لها المشروب. فقالت مشيرة بنبرة فيها من التحدي ما يكفي وهي تطالع شمس:
"أنا جايه لياسين الصاوي جوزي."
وقعت الصينية من يد شمس عندما سمعت ما قالته هذه الغريبة منذ قليل. فكررت كلمتها والصدمة تعتلي وجهها:
"جوزك؟"
رواية الهجينة الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ماهي احمد
تشعر بأن كل شيء ضدك، لم يمنحك القدر ثقبًا للتنفس، ولم تمنحك الشمس أشعتها لتنير طريقك. تائه، حائر، سئمت. بأي ذنبٍ قُتلت؟
توقعت "شمس" كل شيء إلا أن تكون تلك المرأة الجالسة أمامها وتنظر بثبات في عينيها، تكون زوجته. كيف؟ ومتى؟ أسئلة فوضوية داخل رأسها الآن، ولكنها التزمت الصمت.
ابتسمت زهره عند سماع هذا الخبر من تلك المرأة، فكانت أول المهنئين لها ونطقت كلماتها بفرحة تلمع بعينيها:
"معقولة ياسين اتجوز؟ ألف ألف مبروك، بس إزاي ما يقولناش؟"
ضربت الخالة بعصاها التي تتكئ عليها في الأرضية وبداخلها غضب عارم صارخًا باسم شمس، التي كانت تحدق بتلك الغريبة للحظات.
"شمــــس!"
انتفضت وأفاقت شمس من شرودها، فانحنت أسفل مشيرة وأصبحت تحت قدميها تلملم قطع الزجاج المكسور، وكأنها تحاول لملمة روحها التي تمزقت الآن. ارتعدت أصابعها والرعشة امتلكت نبرة صوتها، ترغب بالتبخر الآن. حاولت الحديث ولكنها لم تعرف ماذا تقول، فقد قالت بارتباك:
"أنا، أنا آسفة، مش عارفة إزاي الكوباية وقعت مني. ثواني هجيبلك مشروب غيره."
كررت "الخالة" بإصرار:
"قومي ياشمس ما توطيش، سيبي الإزاز، أي حد تاني هيلمه."
أشارت الخالة بعينيها لـ "ميرا"، فذهبت "ميرا" وانحنت بجانب "شمس"، وضعت يدها على كتفها بحنان تطالعها بحب قائلة:
"قومي ياشمس معايا."
أشارت شمس برأسها لميرا دليلًا على الموافقة، فوقفت واستقامت. حاولت تمالك روحها من جديد، فطالعت مشيرة الجالسة بهدوء قائلة:
"نورتي قرية الصاوي."
أشارت لها مشيرة برأسها مع ابتسامة بسيطة دون أن تتكلم. فأشاحت بنظرها إلى الخالة.
ذهبت كل من مارال وساره خلف شمس، فجلست زهره بارتياح بجوار الخالة وهي تطالعها بنظرات متفحصة بعينيها. فسألتها الخالة قائلة:
"معلش يابتي، قولتيلي اسمك إيه مرة تانية؟"
ابتسمت مشيرة وهي تشير على نفسها فقالت ببراءة:
"اسمي مشيرة ياخاله."
هزت الخالة رأسها:
"آه، قولتيلي مشيرة. أيوه افتكرت. ما تأخذنيش في السؤال يابتي، أنتِ عرفتي ياسين إزاي؟"
نظرت مشيرة إلى زهره سائلة:
"إيه ده معقول، ماسمعتوش عني قبل كده؟ هو ياسين ما جابلكوش سيرة عني؟"
أكد لها يزن بقوله:
"ولا سمعنا عنك في طبق اليوم حتى."
سأله مشيرة وقد غاظها ما قاله:
"وحضرتك بقى مين؟ أصل ياسين ما جابليش سيرتك قبل كده، مع إن حكى لي عن الكل، بس أنتَ لأ."
"ربع يده وأوقعها في المصيدة وهو يسأل: إزاي وهو جاي عشاني؟"
فقالت مسرعة:
"أنتَ يزن؟"
"غريبة عرفتيني، مع إن حكى لك عن الكل إلا أنا."
ابتسمت الخالة فشعرت مشيرة بالإحراج، فنظرت للأرضية قائلة:
"هو ياسين فين؟"
نظرت الخالة لرعد بضجر:
"رعد، دور على حسان. خليه يروح يشوفلي فين ياسين وييجي ويجيبهولي هنا حالاً، قبل ما أصور قتـ ـيل."
أشار "رعد" برأسه بالموافقة:
"حاضر ياخاله."
***
هذه الأجواء الصيفية تحتاج إلى النسمات الباردة والمشروبات المنعشة لكي تشفي الصدور. هذا ما فعله "الطبيب علي" عندما جلس بجانب "ياسين" وسط الخضرة هو و "بربروس". جلس كل واحد منهم على حدة بجانبه، فأصبح هو يتوسطهم. ينظرون إلى البحيرة أمامهم. السماء صافية بلونها الأزرق الجذاب، تعكس الشمس أشعتها على البحيرة فتعطيها بريقًا ساحرًا يخطف الأنظار.
مد "الطبيب" كف يده بالمشروب المحبب لقلب "ياسين" قائلاً:
"امسك، أنا عارف إنك بتحب الشيري كولا."
مد "ياسين" كف يده قائلاً بمزاح:
"معقول ياعلي، أنت جايبلي شيري كولا بنفسك؟ قولي جبتها منين؟"
"فتحت شنطتي وأخدتها منها."
ضحك "بربروس" ساخرًا وهو يعدل على ما قاله "ياسين":
"لا، ليس هو بل أنا."
نظر بجواره إليه قائلاً بدهشة:
"أنتَ ياشيخ عجوه؟ فتحت شنطتي؟"
هز رأسه بالنفي قائلاً بجدية:
"ويحك أيها اللعين، هل تراني أبلهاً لأفعل ذلك؟"
ابتسم قبل أن يخبره:
"طيب خلاص، ماتزعلش. قولي جبتها إزاي؟"
أخبره بضجر:
"خليك في حالك، لن أخبرك، فهذا سر."
فتح "ياسين" الزجاجة وارتشف من زجاجته فشعر بالانتعاش قائلاً بابتسامة أضاءت ملامحه:
"اللاه.. خليك في حالك مرة واحدة ياشيخ عجوه. العشر سنين اللي قضيتهم هنا غيروك خالص."
طالع بربروس بغيظ وأردف:
"البركة في أبناء الحارة التي أحيا بها الآن، فقد تعلمت وفي نفس الوقت علمت."
صمت لثوانٍ ثم عاد لحديثه مؤكدًا:
"ونعم، لقد تغيرت. ولكن من منا لم يتغير؟ فأنت أول المتغيرين."
صحح له "ياسين" باندفاع وهو يشير على نفسه:
"أنا اتغيرت ياشيخ عجوه؟"
استدار "الطبيب" يطالع شقيقه:
"آه حصل، أنت متغير ياياسين. حاسس من ساعة ما جيت وأنت واحد تاني، مش ياسين أخويا اللي أعرفه."
انقبض حاجبه وارتشف رشفة أخرى من زجاجته:
"بلاش ياعلي نقلب القعدة لعتاب ولوم وأسئلة إجابتها مش هتفيد بشيء. خلينا نقعد مع بعض شوية مش أكتر، أنا وحشتني قعدتنا سوا."
انتظر ثوانٍ ثم تابع:
"مش عارف إذا بعد ما أرجع مطرح ما كنت هعرف أقعد معاكم القعدة دي تاني ولا لأ."
أومأ له علي بالإيجاب:
"ماهو ده اللي أنا عايز أعرفه.. ليك مين هناك أغلى مننا عشان ترجعله ياياسين؟ أسئلة كتير في دماغي مش لاقي لها إجابة وأنتَ مابتتكلمش."
فرفع بربروس كف يده ودعم كلام الطبيب:
"نعم، وأنا أيضًا عندي من الأسئلة ما يكفيني وأريد الإجابة في الحال."
هنا تحدث "ياسين" بضجر:
"يعني مش هتبطلوا؟"
أشار الاثنان برأسهما بالنفي، فاستسلم ياسين قائلاً:
"عايزين تعرفوا إيه؟"
بدأ "الطبيب" يسرد له كم من الأسئلة:
"أول شيء، مكنتش بترد عليا ليه السنين اللي فاتت دي؟"
كان سيرد، ولكن رد "بربروس" بسؤال آخر مسرعًا:
"وأين كنت طوال هذه المدة؟"
فسأله "الطبيب" سؤالاً آخر:
"كنت بتشتغل إيه؟ واضح إن الدنيا ضحكتلك، أصلك راجع نضيف أوي، مش عوايدك."
فرد بربروس:
"وأين عشت طوال هذه المدة؟ ولماذا تتصنع عدم اللامبالاة التي أراها بعينيك؟"
ظل ياسين ينظر يسارًا ويمينًا مع كل سؤال يطرحوه عليه، فرد صارخًا:
"بـــــس واحدة واحدة، وأنا هجاوب."
هز كلاً منهما رأسه بالموافقة، فأكمل "ياسين" حديثه وأشار برأسه إلى الأطفال أمامه يحاولون النزول إلى البحيرة بمرح وضحكاتهم تملأ الأجواء. فرد بسؤال آخر غير الذي ينتظرونه:
"فاكر البحيرة دي ياعلي؟"
نفخ الطبيب من روحه بغيظ:
"ياسين، ما تغيرش الموضوع."
أكد له ياسين بقوله:
"مابغيرهوش. رد عليا بس، فاكرها؟"
وافق بنفاذ صبر:
"أكيد فاكرها ياياسين، دي البحيرة اللي أبوك عملهالنا هو والمهدي الله يرحمهم."
ابتسم "ياسين" وقد عاد بذكرياته يتأمل الأطفال ويسمع صوت ضحكاتهم، يستكمل حديثه بقوله:
"آهوه وأنا صغير كنت بفضل أبص للبحيرة دي وأتأمل فيها بالساعات وأفضل أتمنى حاجات لما أكبر هعملها، ولما سيبتكم يوم المعركة كنت تايه ومش عارف أعمل إيه. وقفت عندها بالساعات، وقتها قررت إني هعمل كل اللي اتمنيت أعمله وأنا صغير ومعملتوش. فضلت واقف عندها وهي كالحة ما فيهاش ميه، أرض بور. فضلت سارح والوقت عدى قدامها وافتكرت اللي فات، ولاقيت نفسي مسافر ورجعت ألمانيا، وهناك كنت وحيد مش عارف أروح فين ولا أجي منين."
رجع ياسين بذكرياته للوراء وسرح بذاكرته يوم المعركة:
ابتسم ياسين وهو يقف أمام البحيرة ينظر جواره إلى عمار قائلاً:
"أنا مش مصدق إنك جيت معايا."
نظر له عمار وهو يضع يده في جيبه مع ابتسامة رضا:
"أنا سبت الكل عشانك، حتى شمس سبتها عشان نفضل سوا يابويا. بس طول ما إحنا هنا هيبعدونا عن بعض، لازم نبعد ونسيبهم، نبعد ونروح مكان تاني خالص غير هنا، مكان بعيد محدش يعرفنا فيه. أنت بنفسك شوفت شمس وعلي والخالة، كلهم كانوا عارفين إن أنا وأنت دم واحد ومحدش فيهم همه غير المعركة وبس، محدش فكر فينا. كل واحد فيهم كان خايف على نفسه مش أكتر. حتى شمس ولا طلعت بتحبني ولا بتحبك، لو كانت حبت حد فينا كانت على الأقل قالتلنا. أنا عارف إنك بتحبها زي ما أنا بحبها، بس طول ما هتبقى في النص ما بينا هنخسر بعض صدقني."
أشار له ياسين برأسه دليلًا على الموافقة:
"ولا شمس ولا غيرها يقدروا يفرقوا بينا في يوم. أنا فضلت سنين بدور عليك قبل الضبع ما يتحكم فيا، وما صدقت إني لاقيتك ورجعتلي ذاكرتي."
طرقع الطبيب أصابعه أمام أعين ياسين الذي شرد فجأة قائلاً:
"إيــــه، روحت فين؟ كمل بعد ما سافرت ألمانيا حصل إيه؟"
بالطبع لم يذكر "ياسين" الجزء الخاص بعمار، فقط تذكره بمخيلته. فأفاق من شروده قائلاً:
"رجعت تاني بين الجليد وبين الذئاب، بس في منطقة معزولة مافيش بشر يتحمل يقعد فيها. بعد ما عرفت إني الألفا بقيت أتحكم فيهم ومعاهم دايماً، وخدت عهد على نفسي ووعدت غيري إني مش هشرب د م بشر في يوم ولا حتى حيوانات. بس جيت في ليلة ضعفت وماقدرتش، لما لاقيت كوخ جواه واحدة ست في وسط التلج وشميت ريحة د مها وهي بتقطع حاجة بالسكينة، جرحت صباعها ونقط من د مها نزلت منها على الأرض، وسمعت صوت نبضات قلبها. معرفش إزاي وليه رجلي خدتني عندها ودخلت جوه الكوخ، ولاقيته مليان بالدفا. كنت جعان وشريد ومنظري لا يسر عدو ولا حبيب."
انخرط ياسين بذاكرته وتوقف عن الكلام يسرح بما حدث له بالماضي:
جسد بلا روح، وما الأصعب من أن تجد روحك تغادر جسدك وما باليد حيلة. تحاول الصمود، تحاول الاستيعاب، تشعر بتمزق قلبك وتسمع صوت تحطيمه إلى أجزاء صغيرة. ألم.. هجر.. فراق.. سنوات.. سنوات من التعب والحيرة. غريب تائه في الطرقات، وحيد.. شريد.. حتى تجدهُ هي لتعيد له الحياة من جديد، فتسأله وهي تتحدث اللغة الألمانية:
"أنت مين؟ وبتعمل إيه في بيتي هنا؟ ودخلت بيتي إزاي؟"
دب الرعب بقلبها، غريب بداخل منزلها. أسئلة عديدة أتت ببالها وهي تنظر له يقف أمام الثلاجة الخاصة بها يتناول الطعام بشراهة، يظهر عليه الفقر والجوع، ملابسه متسخة، يغطي رأسه بالبيزونت الخاص سترته. تضغط هي على زر الإضاءة الخاص بمطبخها، تحاول التقرب منه بحذر. يأكل كالحيوانات، فالجوع أصبح ينهش بمعدته. تنظر بجانبها للسكين الموجود على الطاولة، تقترب منه أكثر بحذر، حتى ترفع عليه السكين حتى تطعنه. يمسك هو بمعصم يدها بقوة، يكشر عن أنيابه، فقد السيطرة على نفسه.
ليجد من يقف أمامه يحذره:
"لا يابويا بلاش، لو قتـ ـلتها مش هتشوفني تاني."
نطق ياسين ينظر له بابتسامة واسعة:
"اللي تشوفه ياعمار."
سمعته وهو يتحدث اللغة العربية فاستغربت أكثر، ولكنها لم تهتم في باديء الأمر، ونظرت تلك الغريبة خلفها بهلع للفراغ الذي يحادثه. لم تجد شيئًا والرعب يكمن بنظراتها. فترك معصم يدها، عاد للخلف بخطوات بطيئة، يرفع كفيه باستسلام أمامها. أمسكت هي السكين من على الأرضية مرة أخرى بيد مرتعشة، فتمالكت رباطة جأشها تقول بشكل متقطع باللغة العربية:
"أنا عارفة إنكم مش هتسيبوني في حالي، عارفة إني مهما أحاول أستخبى منكم هتعرفوا تلاقوني. مش ذنبي، مش ذنبي إن جوزي مات وكتب لي ميراثه كله وأنا مش هتتنازل مهما عملتوا."
قبض "ياسين" حاجبه باستغراب، فهو لا يعلم عما تتحدث. أنزل يده واتجه إلى الثلاجة مرة أخرى يأكل بنهم، ينزلق من شفتيه الطعام الذي يتبقى منه فوضى عارمة أصبحت حوله من بقايا الطعام. تقف هي أمامه مذعورة مما يحدث، فلم ترى بحياتها إنسان يأكل هكذا قط. ابتلعت ريقها بعدما ارتفع صوتها أكثر:
"لو ما قلتش أنت مين حالاً وجاي هنا ليه، أنا هبلغ البوليس."
أشبع جوعه، بعدما قبض بكفه كمية من الطعام ووضعها بداخل جيبه وبداخل حقيبة ظهره. استدار وأعطاها ظهره يستعد للرحيل، حتى سمع من بعيد خطوات أقدام قادمة لا تنوي بالخير وصوت أسلحة تتعمر بالذخيرة. أغمض هو عيناه ليركز بالصوت أكثر، فعلم بأنهم رجلان قادمان. استدار خلفه ليراها وحيدة، يملأ الرعب ملامحها، تتنفس الصعداء بصعوبة عارمة مما يحدث. سمع صوت عمار بأذنه:
"امشي ياياسين، مالكش دعوة بيها."
تحرك خطوة للأمام لكي يقفز من النافذة التي أتى منها، فسمع صوت الرصاص المتوجه ناحية الكوخ. فدون أن يدرك فعل ما لا يرغب به، تحرك باتجاهها سريعًا لكي يحميها، فحماها بجسده فأصبحت هي أسفله. أشار لها بإصبعه أن لا تتحرك من مكانها، فهزت رأسها بالموافقة. الدموع تنهمر على وجنتيها مما يحدث. اختفى من أمامها بلحظة، فدخل الرجلان يرفعون أسلحتهم بكف أيديهم، يرتدون جواكت جلدية سوداء، يبحثون بكل مكان بالكوخ عنها حتى وجدوها. نظروا لها نظرة سخرية بعدما تكورت هي في جلستها ويرتعش كل نبض بجسدها. فقال أحدهم:
"سبحان الله، مشيرة هانم خايفة. اللي يشوفك دلوقتي ما يشوفكيش يوم استلام الميراث."
رفع الآخر سلاحه يوجهه لها:
"أوبقي سلميلنا على الحاج في الآخرة."
أغمضت عيناها بقوة تنتظر الموت لثوانٍ، ولكن لم يحدث ما ظنته. فتحت عيناها وجدتهم يرقدون أمامها على الأرضية فاقدين للوعي. يقف ياسين أمامها وهو يقول:
"سمعتهم بيقولوا إن في حد جاي معاهم يشيل جثـ ـتك بعد ما يقـ ـتلوكي. أفضلك تمشي بسرعة من هنا."
رفع ياسين البيزونت الخاص سترته وأعطاها ظهره، فقالت مسرعة:
"أرجوك ماتمشيش، أنا معنديش حد يحميني. هديك اللي أنتَ عايزه بس ماتمشيش."
لم يؤثر حديثها به، فأكمل طريقه. لم يستدر حتى لينظر لها، فأوقفته كلماتها التالية عندما قالت:
"وحياة عمار اللي كنت لسه بكلمه من شوية، خليك."
قال بربروس بصوت مرتفع به من الضجر ما يكفي:
"ماذا بك أيها الأحمق؟ تتحدث دقيقة وتشرد بذهنك ساعات. ماذا حدث بعد أن عدت إلى الجليد ومنظرك لا يسر عدو ولا حبيب؟"
انتفض ياسين بعدما فاق من انخراطه وهو ينظر أمامه إلى البحيرة. فوجد طفلًا من الأطفال يغرق ولا يستطيع السباحة. قام يهرول بأسرع ما عنده، فلحقه بربروس والطبيب. قفز في الماء مسرعًا وأخذ يسبح حتى وصل إلى ذلك الطفل الصغير، فألتقطه من الماء، مسرعًا وهو يقول:
"أنت كويس؟"
نزل بربروس والطبيب في البحيرة معه مسرعين، ولكنه كان أول الواصلين. أشار الطفل برأسه يحاول التقاط أنفاسه:
"أيوه، أنا كويس ياعمو."
ابتسموا جميعًا على طريقة حديث هذا الطفل الصغير، فقلده ياسين قائلاً:
"ولما أنت مابتـ ـعرفش تعوم بتعوم ليه بث؟"
فأشار الطفل بيديه على الأطفال بالجهة المقابلة وهم يسبحون:
"سايف البنت اللي هنـ ـاك دي."
أمال ياسين برأسه على الطفل وهو يحمله بين ذراعيه، فغمز له بطرف عينيه:
"مالها؟"
فقال الطفل ببراءة مفرطة:
"عايثه لما تكبر تتجوز واحد بيعرف يعوم، وأنا مـ ـبعرفش أعوم واتـ ـكثفت أقولها."
ابتسم ياسين على براءته، فقال مؤكدًا:
"طيب عارف أنتَ بقى إنك لما تكبر دي البنت الوحيدة اللي هتديك على قفاك."
أشار الطفل برأسه بالنفي، فاستكمل ياسين حديثه:
"أنا بقى جايلك من المستقبل وبقولك اللي هيحصل."
أتت والدة الطفل مسرعة والخوف يبدو على ملامحها تناديه باسمه:
"محمد."
أشار ياسين للطفل برأسه:
"يلا روح لماما، وافتكر إن مافيش حد يستاهل مهما كان إنك تعمل عشانه الممكن مش المستحيل."
رحل الطفل إلى والدته وظلوا الثلاثة بمنتصف البحيرة ينظرون للطفل ووالدته على البر، وهي تضمه إلى صدرها تربت على ظهره بحنان. فنطق بربروس مؤكدًا بكل ثقة مما يقول:
"هناك أشخاص حتى فعل المستحيل من أجلهم قليل، ليس كما قلت للطفل الصغير."
اعترض "ياسين" بضحك وهو يقول:
"ما افتكرش."
سأله "الطبيب" باستغراب بعدما أعاد شعره المبلل بالماء للخلف:
"وشمس ماتستاهلش؟"
سأله "ياسين" باستغراب:
"وأيه اللي جاب سيرة شمس ياعلي دلوقتي؟"
هنا تحدث "بربروس" قائلاً بتعجب:
"ومن غير شمس يستحق أن يذكر اسمه؟ فجميعنا نعلم بأنك تحبها."
تحدث "ياسين" بغرور وكبر ينفي بإصرار ما قاله بربروس:
"عمري، ما حصلش."
رأى ياسين نظرات التعجب وعدم التصديق داخل أعينهم، فصحح حديثه قائلاً بمزاح يحاول أن يخفي ما هو واضح بعينيه:
"اقصد، اقصد الكلام ده من عشر سنين، إنتوا لسه فاكرين."
"أيوه بس..."
قاطعه ياسين قائلاً:
"الموضوع ده اتقفل، ياريت ما يتفتحش تاني."
استدار ياسين وأعطاهم ظهره في طريقه للخروج. رأى الطبيب الحزن بعينيه، فنظر لبربروس، فأشار "بربروس" إلى "الطبيب" بعينيه يتتبع ياسين. فتحركوا هما الاثنان بلمح البصر سوياً وأمسكوا بهِ بقوة من رأسه وضعوه تحت الماء بمزاح. فاستخدم ياسين قوته واستطاع التملص منهم حتى أخرج رأسه وابتعد عنهم بغضب ينفض الماء من على خصلات شعره وهو يهز رأسه يسارًا ويمينًا. فنظر ورائهم باندهاش قائلاً:
"مين اللي جاي ده؟"
استدار الاثنان يطالعون ما يطالعه. دفعهم "ياسين" على حين غرة وأوقعهم بالماء وسط ضحكاته. وما أن أخرجوا رأسهم من الماء، هرول ياسين يسبح بعيدًا عنهم حتى لا يلحقوا بهِ. فهرولوا خلفه سريعًا فأصبح بالمنتصف بينهم وسط مزاحهم وضحكاتهم، فأمسكه الطبيب من الخلف وأطاح بهِ هو وبربروس وسط نوبة ضحكاتهم، فسعلوا من كثرة الضحك.
***
هي الآن بغرفته تجمع كل ما تبقى لها في الغرفة من أشياءها. تفتح الدلفة، تأخذ ما تبقى من ملابسها بعصبية، ثم اتجهت ناحية الأدراج تأخذ كل ما بها. وقف كل من ميرا ومارال وساره بجانب الباب وهم يطالعونها بحزن. فقطعت مارال صمتهما قائلة:
"معقول ياسين اتجوز؟ إزاي؟ أنا كنت فاكياه بيحبك."
وقفت شمس عما تفعله وبيديها بعض من ملابسها، ونظرت إلى مارال تطالعها بلوم:
"إيه؟ إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟"
فأكدت مارال على كلامها مرة أخرى:
"أنا كنت فاكياه كويس إنه هو وعماد الله يرحمه بيتخانقوا عليكي، إزاي لما عماد يموت يسيبك ويتجوز غيرك؟ المفروض يتمسك بيكي أكتر على الأقل عشان يحافظ على الحاجة الوحيدة اللي قريبة من قلب عماد، بس الظاهر إنه نسيكي ونسي عماد وياح اتجوز وعاش حياته."
أتت غدير من الخارج على نهاية حديث مارال تسمعها، فلم تستطع غدير منع نفسها من سؤالها:
"اتجوز!! هو مين ده اللي اتجوز ياميرا؟"
لم يجب أحد على سؤالها من الموجودين، وكانت الإجابة مهمة بالنسبة إليها. فكررت سؤالها مرة أخرى:
"هو محدش فيكم بيرد عليا ليه؟ ماتقولوا يا جماعة مين اللي اتجوز؟"
طالعت ميرا غدير برجاء أن تخفض من صوتها:
"هوووش، وطي صوتك، مرات ياسين قاعدة جوه لا تسمعك."
"مرات مين؟" قالتها غدير بتعجب بعدما قبضت حاجبيها باستغراب، فقالت بتلقائية مفرطة:
"طيب وشمس؟"
اعترضت "شمس" بإصرار:
"هو في إيه يا جماعة؟ كل واحدة فيكم تقول طيب وشمس.. طيب وشمس. هو حد قالكم إني قاعدة مستنياه؟ حد أصلاً قالكم إني حتى بفكر فيه أو بييجي على بالي أصلاً؟"
حاولت "ساره" نظرتها إليها قائلة:
"أومال أنتِ قاعدة كل ده ليه ومابترديش بأي عريس يتقدملك ليه؟ مش عشان بتحبيه؟"
تحركت "شمس" مغادرة الغرفة قائلة:
"ده خيالكم المريض اللي صورلكم إني بحبه، مع إني عمري ما قلت كده."
غادرت "شمس" الغرفة تاركة إياهم ينظرون لها وهي تبتعد عنهم. وضعت ما تبقى من أغراضها بالغرفة المجاورة لغرفة ياسين وغادرت المنزل على الفور.
أشارت "ميرا" إليهما قائلة وهي تضغط على أسنانها بغيظ:
"إنتوا يعني كان لازم تنسحبوا من لسانكم؟ أديها زعلت أهيه."
***
كانت ملابسهم مبللة بالكامل بعدما خرج ثلاثتهم من المياه وسط ضحكاتهم سوياً. فقد مرت السنين بسرعة على آخر تجمع لهما. يسيرون بالطرقات المفروشة بالرمال الناعمة الصفراء. على الجانب الأيسر المنازل البسيطة المصنوعة من الخشب، وعلى الجانب الأيمن الخضرة والزرع يتطاير بنسمات الهواء البسيطة والماره بجوارهم. يركبون الدراجات المرصعة بزهرة عباد الشمس من الأمام. رأى ياسين ذلك فابتسم ابتسامة امتنان بعدما لاحظ عدم وجود سيارات داخل القرية. ولكنه اضطر يسأل سؤالاً يعلم إجابته من قبل، فنظر بجواره للطبيب يوجه سؤاله إليه:
"القرية مافيهاش عربيات ياعلي، كل اللي بيمشي فيها بيمشي بعجل، صح؟"
ابتسم الطبيب قبل أن يخبره:
"وأكيد أنت عارف مين كان نفسه يحصل كده من زمان، قرية تبقى قطعة من الجنة. العربيات والتكنولوجيا تبقى قليلة أوي فيها عشان نتنفس هوا نضيف من غير عوادم السيارات والقرف اللي بيحصل في المدن. فاكر ياياسين؟ فكرة العجل دي فكرتك زمان وأنا نفذتها دلوقتي."
كرر من خلفه بامتنان:
"فعلاً كانت فكرتي ومش مصدق إنك نفذتها. أنا برضوا لاحظت إن مافيش عربيات جوه القرية."
نظر أمامه فوجد سيارة تأتي مسرعة بالجهة المقابلة لهم، فطالع السيارة باشمئزاز قائلاً:
"إلا العربية دي."
أشار الطبيب لياسين بأن يهدئ من روعه قليلاً قائلاً:
"ياسين، عايزك تهدي نفسك خالص. دي عربية فريد، سيبك منه، سيبني أنا أتكلم وبعدين أنا هفهمك ليه."
ضغط فريد على مكابح السيارة مما جعل الإطارات تصدر صوتًا مرتفعًا من قوة الدفع، فوقف أمام ياسين وكأن نيته الاصطدام به. وقف ياسين ولم يبرح مكانه بتحدٍ، فترجل فريد من سيارته بعدما انتزع النظارة الشمسية من عينيه، يقف أمام ياسين ينظر في عينيه بتحدٍ سائلاً إياه:
"فين بطاقتك؟"
ابتسم ياسين بمكر فتابع بقوله:
"عارف.. أنا لو مش متأكد إن حسناتي قليلة و مجمعهم حسنة ورا حسنة ومخبيهم ليوم لاينفع فيه مال ولا بنون، كنت قولت كلام الأولياء والصالحين كلهم ما يشفعولي بعد ما أقوله."
قاطعه ناطقًا بحزم:
"أنتَ بتقول إيه يلا أنتَ؟ أنت باين عليك شايف نفسك ومش عايز تيجيها لبر."
هنا تخلى "ياسين" عن صبره، فطالعه بنظرة حادة، نظرة بها ما يكفي من الشر، فتحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاتم. ارتعد "فريد" وعاد خطوة للخلف مما رأه الآن، وخبط قدمه بغطاء السيارة. دب الرعب بقلبه، فصرخ الطبيب بـ "ياسين" قائلاً:
"يـــاسيــن!"
أفاق ياسين وشعر بنفسه مجددًا، فأعاد عينيه إلى لونه الطبيعي مسرعًا. فاقترب من "فريد" بعدما قبض بكفه على ياقة زيه الرسمي:
"اسمع يلا، الإنسان قبل ما يتولد ربنا بيكتب عمره بالسنين والأيام والدقائق والثواني.. وانت يابن الـ*** ضيعت منهم 40 ثانية وأنا مش مسامحك عليهم."
ابتلع "فريد" ريقه وكأنه غصة مريرة بحلقه، فاسترسل ياسين حديثه بجدية وحزم:
"مش عايز أشوفك مرة تانية بتحوم حواليا ولا حوالين "شمس"، عشان قضيتك خسرانة معايا. أنا مش محترم زي علي ولا طيب زي بربروس، أنا ياسيــن. وكلمة بطاقتك دي اعملها على اللي زيك مش اللي زيي، وعشان تريح نفسك أحب أقولك أنا معايا الجنسية الألمانية يعنى مش هتعرف تعمل معايا حاجة."
غمز له بطرف عينيه:
"أخلع من هنا بقى قبل ما أخلع جدورك من الأرض."
أسند فريد بذراعيه على غطاء السيارة وصعد بداخلها وهو يهرول، فمن يراه الآن يقسم بأنه رأى شيطانًا وليس بإنسان طبيعي. فابتسم "بربروس" على منظره هذا قائلاً وهو يربت على كتف ياسين بفخر:
"لقد أشفيت غليلي من هذا الفتى ياياسين، هنيئًا لك."
صرخ الطبيب بهما هما الاثنان يطالع فريد وهو يبتعد بالسيارة بعيدًا:
"إنتوا أكيد مجانين، إنتوا فاكرين إن فريد هيسكت؟ ده لو اكتشف حقيقتنا مش هيسيبنا. إنتوا مش قادرين تفهموا ليه وهيقلب البشر كلهم علينا؟"
ربت "بربروس" على كتفه بهدوء:
"لا تقلق أيها الطبيب، فهذا مجرد مزندع يكثر من حديثه ويقل فعله."
فدعمه ياسين بقوله:
"قولت الخلاصة ياعجوتنا، اللي زي ده جبان مش هيعمل حاجة. والله أنا عايز أقول إنه بيض، أعمله تمن. أنت عارف كرتونة البيض بكام دلوقتي؟"
فرد بربروس قائلاً بقلة حيلة:
"لقد تعدت المائتان جنيه."
ضرب الطبيب كف يده بكفه الآخر قائلاً:
"والله انتوا ما هتسكتوا إلا لما تودونا في داهية."
سمع الطبيب صوتًا يأتي من بعيد ليس بغريب عنه ينادي عليه من خلفه:
"دكتور علي.. دكتور علي."
نظر خلفه ليجده حسان، فأتى حسان مسرعًا والنهجة تعتلي صدره:
"إيه ياحسان، جاي بتجري ليه؟"
قال كلماته بتقطع بسبب نهجته:
"الخالة عايزة ياسين حالاً في البيت الكبير."
طالع ياسين باستغراب قائلاً:
"ما تعرفش ليه؟"
أشار برأسه بالنفي:
"لأ معرفش."
هز الطبيب رأسه بالإيجاب:
"طيب إحنا جايين وراك."
فصاح بتعب:
"لأ طبعًا، أنا مش هينفع أرجع من غيركم. أنت عايز الخالة تشلوحني."
ابتسم ياسين وهو ينطق كلمته ببطء:
"تشـــــلوحك؟"
فأجابه بتأكيد:
"آه وتفرشحني كمان. أنت ماتعرفش الخالة حكيمة."
أشار على نفسه بابتسامة مؤكدًا:
"أنت هتقولي ده أنا حافظها، دي أمي."
فأشار له بعينيه:
"طيب تعالى."
حاوط ياسين حسان بذراعه وسار معه يسأله عن أحواله، يتابعه بربروس والطبيب خلفهما. فساير ياسين حسان في الطريق:
"قولي عملت إيه؟ أوعى تكون مابتذاكرش."
***
عادت إلى مكانها، المكان المفضل بالنسبة لها الذي لطالما شعرت بالراحة بهِ إلى قبره. فمهما فات من الوقت والأيام تعود إليه. هنا تستطيع البوح بداخلها، هنا هو يسمعها. لامست بأطراف أصابعها اللوح الرخامي المحفور عليه حروف اسمه قائلة بدموع باكية:
"وحشتني أوي ياعمـــار. عارفة إني بقالي أسبوع ما جيتش ليك من آخر مرة."
ابتلعت ريقها ثم أكملت:
"بس ده عشان كنت في القاهرة عند ساره ويزن وبعد كده بقيت مشغولة مع ساره في تحضيرات الحنة، ما أنتَ عارف."
جلست بجانب قبره تسند ظهرها على اللوح الرخامي، فأغمضت عينيها قليلاً بعدما أنهكها التعب. فتابعت حديثها بتقطع:
"وكمان، وكمان عشان ياسين رجع. أخيرًا رجع ياعمار."
نزلت دموعها على وجنتيها، فشعرت بأنامل تمسح دموعها بخفة. انتفضت وفتحت عينيها مسرعة فوجدت ياسين أمامها، فجلس بجوارها يسند ظهره على اللوح الرخامي هو الآخر، فسألها بصوتٍ هادئ:
"بتعيطي عشان رجعت ياشمس؟"
نظرت للأسفل تقول بدموع تزداد غزارتها:
"أكيد لاء."
رفع ياسين وجهها بكفه يطالع عينيها الباكيتين وكأنه يحتضنهما، حتى قال ما أسرها:
"يبقى بتعيطي عشان بتحبيني."
لم تكد تستوعب ما قاله لها للتو. طالعته وهي تنظر بعينيه، فتلاحمت نظراتهما معاً. حاولت الهرب بعينيها، وقفت وتركته تغادر المكان. يطالعها هو تبتعد عنه، حتى أوقفتها كلماته:
"خليكي عارفة إنك حتى لو هربتي مني مش هتهربي من نفسك. أنتِ بتحبيني."
تكررت كلماته تصدع بأذنيها، حتى أفاقها غدير من نومها وهي بجانب قبر عمار قائلة وعيناها مغلقة:
"لأ ما بحبكش. أنا عمري ما حبيتك."
"شمس، شمس اصحي."
فتحت عينيها قائلة بهلع:
"أنا كنت بحلم صح؟ كنت بحلم."
دعمت غدير كلامها:
"أيوه ياستي كنتي بتحلمي. بس هو حد ينام هنا جنب المقابر؟ أنتِ أكيد حصل لمخك حاجة."
أخبرتها شمس تصحح لها:
"أنا عمري ما نمت هنا، بس مجرد ما غمضت عيني لاقيت نفسي نمت. مش فاهمة إزاي."
جلست بجوارها تطالعها بترقب، فشعرت شمس بحاجتها للتكلم:
"عايزة تقولي إيه ياغدير؟"
أخبرتها غدير بحماس:
"أنا بجد مش فاهمة إزاي ياسين اتجوز والست اللي زي القمر اللي جمالها يقرف دي وقاعدة جوه تبقى مراته. يع، يع بجد، ده اللي هو إزاي وازاي ينساكي كده بسهولة."
طالعتها شمس باستنكار:
"مش غريبة إنك كل شوية تتكلمي عني؟ محسساني إن أنا وياسين كنا مرتبطين. أنا كنت فاكرة إنك معجبة بيه."
اعترضت مسرعة وهي تهز كتفيها:
"لأ، أنا كنت معجبة بحبه ليكي. في فرق. أنا عمري ماشوفت حد بيحب حد زي ما هو بيحبك ياشمس. عنيه بتبقى فيها لمعة غريبة وهو بيتكلم عليكي. أتمنيت لو حد يحبني زي ما هو حبك في يوم. وأنا صغيرة كان بيفضل يحكيلي عنك كتير، وبعد كده يمسحلي ذاكرتي وأنا طبعًا مكنتش أفتكر، بس لما اللعنة اتفكت افتكرت كل كلمة قالهالي عنك. شخصيته مش زي أي حد، عنده حنية لو اتوزعت على أهل الأرض كلها هتكفي وهيفيض منها. رغم إنه بيحاول يبين لغيره إنه مش مهتم باللي حواليه، بس اللي جواه عكس اللي بيبينه. يحير كل اللي حواليه وتلاقي نفسك غصب عنك بتحبيه. وبجد اتصدمت لما عرفت إنه اتجوز، إزاي بعد حبه ليكي ده كله يتجوز ياشمس."
رفضت بلطف مبررة:
"محصلش، ياسين ما حبنيش. مجرد كنت حاجة بيملكها، ولما لقى عمار هياخدها منه كان نفسه يرجعها مش أكتر. ولما الحاجة دي رجعت متاحة بموت عمار، نسيها ودور على غيرها."
صمتت شمس وهي تنظر للغروب لثوانٍ قليلة فقالت:
"إحنا اتأخرنا أوي، مش يلا بينا عشان نرجع؟"
أشارت غدير برأسها بالموافقة:
"طيب، ممكن أقول آخر حاجة؟"
قبل أن تنطق بأي شيء قاطعتها بقولها المحذر:
"لو الحاجة دي تخص ياسين، ماتقولهاش. اتفقنا؟"
نفخت بزهق قائلة:
"يبقى مش هقول. أحسن برضوا، يلا بينا."
حاوطت شمس غدير بذراعها عائدين للمنزل.
***
ها هما على أعتاب المنزل الكبير، الكل بأنتظارهم. كل من بالأرجاء بحالة من الارتباك. شعرت الخالة بحضوره أخيرًا فدعته للدخول قائلة:
"ادخل ياياسين، مستني إيه؟"
عادت شمس هي وغدير بعدما مرت من أمامه دون أن تنظر له، فدلفت شمس إلى غرفتها سريعًا يتتبعها هو بعينيه حتى أغلقت الباب خلفها بقوة. كررت الخالة طلبها:
"ما تدخل يا ياسين، واقف عندك مستني إيه؟"
دخل ياسين الغرفة وجد الكل بانتظاره بلا استثناء، ومن خلفه بربروس والطبيب. فنظر لمشيرة التي كانت تنتظره على أحر من الجمر قائلة بضحكة لطيفة:
"ياسين وحشتني."
أسرعت لكي تحتضنه أمامهم بعدما شبكت يداها على رقبته، فأنزل هو يداها يطالع الجميع بعينيه بهدوء قائلاً ببسمة متصنعة:
"مشيرة ازيك؟ عرفتي تيجي هنا إزاي؟"
"أنا الحمد..."
وضعت الخالة يديها الاثنتين على العكاز تتكئ عليهِ، فسألته بحزم وقاطعت رد مشيرة قائلة:
"أنتَ اتجوزت من ورانا ياياسين؟"
قبض حاجبيه ينظر لمشيرة باستغراب، فوجد نظرة الرجاء في عينيها جعلته يهز رأسه بالموافقة.
وقفت الخالة بحزم تضرب بعصاها الأرض بغضب:
"يعني اتجوزت ياياسين؟"
تنهد بعمق، فصمت لثوانٍ ليفكر كيف يخرج مشيرة من هذا المأزق الذي وضعت نفسها به دون أن يحرجها، فقال مبررًا:
"مش بالظبط."
كلمتان هما فقط كلمتان قالهما جعل كل الموجودين في حيرة من أمرهم وعلى رأسهم مشيرة. نظر الجميع إلى بعضهم البعض، نظرات بها من الحيرة ما يكفي، فاسترسلت الخالة سؤالها:
"يعني إيه مش بالظبط؟ ما هو يا اتجوزت يا ما اتجوزتش، مالهاش تالت يا ولد."
فنطق تحت أنظار الجميع، الكل يصوب نظره عليه الآن:
"مشيرة تبقى خطيبتي، كنا ناويين نتجوز بس أجلنا الفرح عشان أقدر أجي فرح يزن."
شعرت مشيرة بالأنفاس تعود لها مجددًا، وكأن الحياة عادت لها من جديد. وقفت غدير أمامه تطالعه باعتراض ثم أردفت:
"بس ليه تخطبها وأنت مابتحبهاش ياياسين؟"
هنا صاحت ميرا بها قائلة:
"غدير تعالي هنا."
جذبها رعد من يدها بحزم:
"تعالي معايا."
أصرت غدير على موقفها فتحدثت مشيرة بإحراج:
"أنا جايه من سفر بقالي أكتر مدة مارتحتش وتعبانة. فين أوضتك ياياسين؟ عايزة أرتاح."
طالعتها الخالة باستنكار:
"وإزاي تقعدي في أوضته وأنتِ مش على ذمته؟"
صاحت الخالة باسم زهره فأتت إليها مسرعة بالإيجاب قائلة:
"نعم ياخاله."
فقالت بنبرة تأمرها بها:
"حضري للضيفة أوضة الضيوف بسرعة."
صاحبها ياسين قائلاً:
"تعالي معايا في أوضتي يامشيرة لحد ما زهره تحضرلك أوضتك."
أشارت بالموافقة فأوقفته الخالة:
"تيجي معاك على فين ياياسين؟ أنت باين عليك نسيت عوايدنا ولا إيه؟"
فصاح ياسين باعتراض:
"مانسيتش يامــا، مانسيتش. وماتقلقيش، هسيب الباب مفتوح."
قبض ياسين بكف يده على ذراع مشيرة يجذبها خلفه أمام نظرات كل الموجودين.
***
فعل ما قال إنه لن يفعله، أغلق الباب خلفه بقوة بعدما تملك الغضب منه، سائلاً تلك الواقفة أمامه:
"إنتِ بتعملي إيه هنا يامشيرة؟"
فاقتربت منه خطوة قائلة:
"اتصلت بيك كتير على الموبايل ما كنتش بترد، بعتلك على الواتساب مكنتش بيهون عليك حتى تفتح المسج. قلقت عليك ياياسين."
فقال بنبرة متعجبة:
"وده مالفتش نظرك لحاجة؟"
ابتلعت هي ريقها فأجابت مؤكدة:
"أكيد، وعشان كده قلقت عليك."
فصاح بها هو بصرخة مكتومة:
"تقومي تيجي يامشيرة؟ أنتِ اتجننتي؟"
"أيوه أجي ياياسين، أنتَ قولت يوم والتاني بالكتير هترجع ألمانيا، مع إن كنت معترضة إنك تيجي عشان عارفة اللي هيحصل واللي كنت متأكدة منه حصل. النهارده تالت يوم وماجيتش ولا حتى اتصلت."
"وأنتِ مين اداكي الحق عشان تعترضي أو توافقي من أساسه؟ أنا أعمل اللي أنا عايزه يامشيرة، أنتِ فاهمة؟"
استدار وأعطاها ظهره يتقدم خطوة للأمام، فأوقفته بكلمتها التالية:
"طيب وعمــار مالهوش الحق كمان إنه يعترض؟ ولا لما شوفت حبيبة القلب نسيتني ونسيت عمار؟ طيب لو أنا مش في دماغك، عمار مش وحشك؟ مش عايز تشوفه؟ ده حتى كاتب لي وسألني عليك 3 أيام وانت بعيد عنه، دي ماحصلتش قبل كده. ياسين إيه اللي جرى لك؟"
أستدار وهو ينظر لها باستغراب مما قالته للتو، فكرر كلماتها وهو يقول:
"بتقولي مين اللي كتب لك وسأل عني؟"
لم تدرك الذي قالته إلا بعد أن رأت نظراته الغاضبة لها، فقالت بتلقائية:
"عمار. لاقيت ورق جنبي ومكتوب فيه إنك وحشته وبيسأل عليك. إيه قولت حاجة غلط؟ أنتَ مش عايزاه يسأل عليك؟ ده كان كل شوية يكتب لي إنه خايف شمس تبعدكم عن بعض. عشان كده هو اللي قالي أجي وأجيبك معايا."
على الرغم من المشاعر السيئة التي يمتلكها الآن، إلا أنه جاوب بهدوء:
"إنتِ كدابة يامشيرة. عمـــار معايا هنا ووراكي."
ابتسم عمار وهو يسند بظهره على خزانة الملابس من خلفها، ينظر إليها بابتسامة ساخرة ويلوح يدهُ لها بعدما رفع حاجبه بابتسامة ساخرة. أغمضت هي عينيها وضربت بكف يدها على جبينها، فنطق ياسين قائلاً:
"شكلك بقى وحش أوي مش كده. إيه مش هتسلمي عليه؟"
ابتسمت ابتسامة بلهاء تستدير ببطء، ترفع كف يدها تلوح له قائلة:
"هــاي عمار."
رواية الهجينة الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ماهي احمد
صباحٌ يرتدي لون النقاء، فالصباح لديهِ رونقه المتميز مع هدوئه والجميع نيام. ونسماته الدافئة التي تبعث الطمأنينة داخل قلوبنا الحائرة، وأصوات غرير الطيور تحوم حولك بكل مكان. تستطيع سماع صوت تطاير أوراق الشجر من حولك ورؤية أشعة الشمس الذهبية أمامك.
تكورت "شمس" داخل غية الحمام وهي تقبض بكف يديها طبقًا به من طعام طيور الحمام ما يكفي لهم، وهي تحادث طائرًا مضربًا عن الطعام منهم.
"أنت النهارده هتاكل غصب عنك ياليون، ده تالت يوم ما تاكلش فيه. أنا عارفة أن ليو مارجعتش بقالها كام يوم بس صدقني هترجع."
أمسكت شمس بالطائر ليون وأخرجت رأسها من العشة تحتضنه بذراعيها، تصب كامل نظرها عليه وتسترسل حديثها:
"فاكر لما اتخانقت أنتَ وهي قبل كده وسيبتلها الغية؟ فاكر.. هي برضوا كانت زيك كده وكانت عاملة نفس الإضراب بتاعك ده. ماتقلقش هي بتحبك وأكيد هترجعلك."
ابتسم ذلك الواقف خلفها ساخرًا مما تقول:
"هنعمل عقلنا بعقل طيور."
انتفضت "شمس" عند سماع صوته، فتركت الحمامة من بين يديها بفزع، فلم تنتبه لوجوده فوق السطوح. استدارت ببطء تنظر خلفها. وجدته يقف على السور بثبات، يعطيها ظهره واضعًا يديه الاثنتين بداخل جيوبه الخلفية، مغمض العينين. نسمات الهواء تداعب خصلات شعره ويستقبلها هو بصدر رحب.
ابتلعت ريقها وهي تقترب منه بحذر، فأسندت ذراعيها على السور وطالعته وهي تقول:
"أنتَ هنا من أمتى؟ وواقف كده ليه؟ مش خايف حد من أهل القرية يشوفك ويعرف حقيقتك؟"
قبض حاجبيه بعدما تصنع البسمة وهو ما زال مغمض العينين ينظر أمامه، فأجاب أسئلتها بسؤال آخر:
"حقيقتي!! وايه هي حقيقتي؟"
تنهدت بعمق بعدما استدارت تطالعه بغير تصديق، وتنهدت بغضب. لم تستغرق "شمس" ثوانٍ لترد قائلة:
"أنك مستذئب ومافيش حد يقدر يقف الواقفة دي إلا لو كان واثق أنه مش هيجراله حاجة."
أخرج "ياسين" يديه من جيوبه الخلفية بعدما فتح عينيه. ابتسم ابتسامة صفراء يطالعها بمكر. مد ذراعه لها مما جعلها تتساءل:
"ده أيه؟"
"هاتي أيدك." كان هذا طلبه، فقابلت طلبه بالرفض.
"لاء."
فكرر طلبه مجددًا:
"هاتي أيدك ياشمس. أنتِ عارفه أني ممكن أمسك إيدك من غير ما أطلب، بس أنا بطلب بأدب مع إني قليل الأدب."
طالعته "شمس" بارتباك، فالجدية تتضح على ملامح وجهه. فهزت له رأسها بالإيجاب، وهي تمد ذراعها. فقبض بكف يده على كفها، فرفعها معه فأصبحت تقف أمامه تسند ظهرها على صدره، يحيط بذراعه على خصرها. اقتربت شفتاه من أذنها فتحدث بهمس:
"معنديش مانع إن حد يعرف حقيقتي لو ده مش هيضركم ياشمس."
كاد قلبها يخفق من سرعته، فقربها منه يزيد ارتباكها. تستطيع سماع أنفاسه بأذنها، ناهيك عن الارتفاع. فالمنظر من هناك، رغم شدة جماله، إلا أن ارتفاعه يدب الرعب بقلبها. فاسترسل هو حديثه قائلاً بابتسامة بسيطة زادت من وسامته:
"وعلى فكرة اللي كنتِ ماسكاه ده مش دكر، ده نتاية. غية الحمام دي أنا اللي بانِيها، وأعرف أفرق بين الدكر والنتاية بمجرد ما ألمحه."
مطت "شمس" شفتيها دلالة على عدم المعرفة وتابعت:
"بس أنا مكنتش أعرف، أنا كنت فاكرة..."
قاطعها بقوله:
"وأنتِ من إمتى بتعرفي حاجة في الدنيا ياشمس؟"
أثار هو غيظها بكلمته، فاستجمعت شجاعتها وحاولت أن تستدير لتنظر له. حركت قدمها على السور. فضم هو حاجبه باستغراب، فقبضت بيدها على كف يده تحاول الاستدارة ببطء، تتشبث به بكل قوتها، تنظر لخطواتها، فأمسك بها من كفيها يساعدها على الاستدارة له. فطالعته بعينيه بجدية قائلة:
"أنا بقيت أعرف كل حاجة ياياسين. بعرف كل شيء. مابقيتش البنت الجاهلة بتاعت زمان. مابقيتش البنت اللي كانت تستنى نزولك ليها عشان تشوف النور. مابقيتش البنت اللي كانت تحطها في القبو وتستنى نزولك عليها بفارغ الصبر عشان تحن عليها وتجيب لها الحاجة الحلوة كل أسبوع. ومابقيتش البنت اللي كانت بتشوف الدنيا من خلال عينيك."
طالعته بتحدٍ قائلة وهي تنظر لعينيه البنيتين ترى انعكاس صورتها فيهما:
"اصحى فتح عينك ياياسين. بصلي كويس. شايف قدامك شمس الصغيرة الضعيفة اللي سبتها من عشر سنين. مش معنى إني معرفتش الفرق ما بين حمامتين أبقى البنت اللي معرفش شيء في الدنيا. أنا بقيت أقوى بكتير من وقت ما سبتنا من عشر سنين، ومابقاش في حد هنا محتاجلك زي زمان."
لم تكن كلماتها سوى صفعات، صفعات متتالية على وجهه، فأدرك هو منذ هذه اللحظة أنها ليست الفتاة التي تركها منذ عشر سنوات. كانت نظرات التحدي التي تطالعه بها تنهكه، تحول دون أن يشعر لشخص آخر. لم يكن على سجيته، ففعل ما لم يكن بالحسبان. قبض بكف يده على ذراعها فانزلقت هي من على السور متشبثة بذراعه وأصبحت تحت رحمته. حنى ظهره قليلاً وهو ينظر لها وهي تحاول التشبث به حتى لا يتركها. فقالت بانهيار ومقلتيها لا تتوقف عن ذرف الدموع:
"أنتَ بتعمل ايه ياياسين؟ ماتسبنيش. أنتَ لو سبتني هقع وأموت."
أردف "ياسين" بنظرات ثابتة في هذه اللحظة إلى نظرات مثل نظرات "عمار". نعم هي ملامح "ياسين"، ولكن ابتسامته.. ونظرته.. وحركته.. حتى نبرة صوته كلها علامات تدل على أنه "عمار".
"طب ما أنا مت. مش معنى أنتِ وهو متوا توش."
هنا كانت الصدمة لها. هنا لم تستطع التقاط أنفاسها. هنا دب الرعب بكل أنشئ جسدها. فمن رآها يكاد يجزم أنها رأت شيئًا تشتاق له منذ زمن بعيد، ولكنه ليس بعمار حبيبها. قال هو جملته وهو يسحب كف يده من يدها ببطء. فتشبثت بذراعه أكثر تقول بشفاه مرتعشة:
"ياسين. ارجع لوعيك. ياسين أنا شمس. شمس اللي ربيتها على إيدك. ياسين بص في عنيا. عيوني اللي دايماً كنت بتقول إنك بتحبهم. مش أنتَ دايماً كنت بتقولي عيوني حبايبي ياشمس؟ فاكر ياياسين. فاكر ولا نسيت؟"
قالتها بانهيار ومقلتيها لا تتوقف عن ذرف الدموع، تحاول إثارة أي حب متبقي لها داخل فؤاده. انتبه ياسين إلى ما يفعله، فعاد إلى وعيه ليجد كف يدها متشبث بذراعه. لم يعرف ماذا يفعل وماذا حدث. تنفس الصعداء وهو ينطق حروف اسمها ببطء:
"شمـــس."
ابتسمت شمس بشفاه مرتعشة، فقد عادت نبرة صوته من جديد قائلة:
"ارفعني. ارفعني ياياسين."
رفعها في الحال وهو يضمها إليه، فنزل من على السور وأمسك بها من ذراعها سائلاً إياها بلهفة:
"أنتِ كويسة؟"
لم تعد قدماها تتحملها بعد الآن، فكانت منذ لحظات مضت بين الحياة والموت. تكورت جالسة على الأرضية تضم جسدها بذراعيها. فاقترب منها هو يطمئن على حالها برعب شديد:
"ردي عليا ياشمس. طمنيني عليكي. أنا..."
بترت كلمته قائلة بارتباك:
"امشي. سيبني وامشي."
قابل طلبها بالرفض بقوله التالي:
"أمشي أروح فين وأنا الغريق هنا."
قال كلماته برجاء، فرفعت رأسها بهدوء تطالعه بتأمل. فقد كانت كلماته بمثابة مناجاة لها. نظرت له تتأمل ملامحه الراجية. هتفت قائلة:
"ياسين أنتَ مش بخير."
سرعان ما تحولت نظرات عينيه إلى الجمود، فابتسم باستنكار:
"بالعكس أنا عمري ما كنت بخير زي دلوقتي ياشمس."
كلماته كانت مختصرة، فوقف واستقام. تنظر له وهو يبعد عنها. رفع البيزونت على رأسه، فوقف وهو يعطيها ظهره قائلاً:
"أنا مش عارف عملت كده إزاي. أنا عمري ما فكرت في يوم أأذيكي."
رحل وتركها خلفه، تركها تسترجع كل ما حدث منذ لحظة وصوله. فعادت إلى ذاكرتها عند رؤيته للمرة الأولى، عند لحظة وصوله والكلمة الأولى التي نطق بها هي "رباطك ياشمس". انخرطت بذكرياتها إلى ذكرى أخرى عندما دلفت إلى غرفته لتجده ينطق باسم عمار والدماء تحاوطه وهو يجرح نفسه بالسكين. حاولت تجميع الخيوط ببعضها، ولكن في النهاية لم تصل لشيء، فكان ما يحدث أكبر من إدراكها.
استيقظت مشيرة على صوت رسالة نصية على رسائل الواتساب، فقرأتها بعينيها:
"جرى إيه يامشيرة؟ إزاي تسيبي شغلك وحياتك والمرضى بتوعك كده مرة واحدة وتنزلي على القاهرة من غير ما تقولي لحد؟ ده مش تصرفات ناس عاقلين أبداً."
قبضت مشيرة عينيها بقوة تحاول أن تستيقظ لترد على تلك الرسالة، فكتبت رسالة ترد فيها قائلة:
"كان لازم أسافر عشان ياسين لو قعد هنا أكتر من كده احتمال مايرجعش تاني."
فرد عليها برسالة أخرى:
"ما كده كده ياسين راجع، هو مش قالك إن عمار مش راضي يسافر معاه وإنه مسافر لوحده؟"
نظرت بجانبها لتلتقط كوب الماء بجوارها لتروي عطشها، ثم أكملت كتابة قائلة:
"أيوه قالي كده قبل ما يسافر، ممكن يكون كان بيكذب عليا عشان ما أسافرش معاه. ماقدرتش ماسافرش، ده ياسين ياكمال. ووجوده جنب شمس بيأذيه أكتر. خايفة عليه من شخصية عمار الوهمية اللي بتظهرله.. واحدة واحدة شخصية عمار بتتملك منه أكتر وبتخليه يأذي نفسه أكتر وأكتر. وجوده جنب شمس هيخلي شخصية عمار يأذيه بزيادة ومش هيأذيه هو وبس وهتأذي شمس معاه. البنوتة باين عليها كيوت وطيوبة، ماتستحقش اللي ياسين هيعمله فيها. وطبعاً هيبقى مش حاسس ولا واعي بنفسه، عشان كده جيت سيبت عيادتي وشغلي وجيت لما أتأخر أكتر من كده."
قرأ المدعو كمال رسالتها، فكان الدور عليه في الرد. فقرأت كلمة "يكتب الآن"، فقامت من على الفراش ترتدي ملابسها لحين ينتهي من الكتابة. فنظرت إلى خزانة الملابس تستذكر ما حدث بالأمس.
رفعت مشيرة يدها تبتسم خلفها لعمار قائلة:
"هاي عمـــار."
تأفف "عمار" بضجر، فاستدار يصب كامل غضبه على "ياسين"، قائلاً بصياح:
"إيه اللي جابها دي؟ مش قادرة تبعد عنك يومين."
طالعت "مشيرة" ملامح ياسين الغاضبة وهو ينظر للفراغ خلفها، فعلمت بانزعاج "عمار" من وجودها. فهي تقرأ ملامح ياسين فتستنتج ما يخبره به عمار. كانت ستقول "مشيرة" ردها، ولكن منعها "ياسين" الذي جذبها من يدها فسألها بجدية:
"مشيرة بجد إيه اللي جابك؟"
ابتسمت قبل أن تخبره:
"مش جايز وحشتني."
طالعها باستغراب، فصححت حديثها على الفور:
"أقصد أنتَ وعمار وحشتوني. وبعدين ما أنتَ عارف أنا اتعودت على وجودكم معايا."
زفر عمار يتنهد بغضب:
"الاسطوانة المشروخة."
مسح "ياسين" على وجهه بضيق يطالعه قائلاً:
"استنى أنتَ ياعمار."
هز عمار رأسه بالإيجاب، فنطق "ياسين" مما جعلها تصمت:
"وعشان وحشتك تيجي تقولي إنك مراتي؟"
جاوبته بابتسامة عريضة:
"أنا قولت كده عشان خاطر عمار. أنا عارفة إنه هيضايق لو شمس قربت منك، لكن لو عرف إنك متجوز أو في حد على الأقل في حياتك هيبعد عنك ومش هيفكر فيك."
رفع "ياسين" حاجبه بغيظ وهو يسألها:
"ومين قالك إنها بتفكر فيا؟"
طالع "عمار"، عينيه ولم يقل سوى بضع كلمات:
"حتى لو مابتفكرش، ادينا بنعمل حسابنا."
انتبهت "مشيرة" إلى ملامح "ياسين" الذي حدثها برفق:
"أنا شايف يامشيرة إن مكانش لازم تيجي."
فبتر "عمار" جملته:
"بس أنا شايف إنها كان لازم تيجي ووجودها كان ضروري، وإنها قالت إنك متجوز ده يشفع لها أي شيء عملته قبل كده، ولا أنتَ كان في دماغك حاجة تانية؟"
استغرب "ياسين" قوله فتابع:
"حاجة زي إيه؟ أنت مش هتبطل بقى؟ وطالما مبسوط إن مشيرة جت عشان قالت إنها مراتي، أنا كمان مابقاش عندي مانع في وجودها، مع إني من غيرها أو بيها أنا كنت راجع."
فرد عمار بتهكم:
"..."
ابتسمت مشيرة، فكلماته انتزعت جزء من مخاوفها وعلمت أن ما دبرت له قد نجح ووافق عمار على وجودها بينهما.
فاقمت صوت الرسالة مشيرة من ذكرياتها مما حدث أمس، فأمسكت بالهاتف تقرأ لها ما بعثه إليها كمال شقيقها:
"اسمعيني كويس يامشيرة. أنا عارف إنك بتحبي ياسين وإنه جدع وكويس ووقف معاكي كتير طول السنين اللي فاتت دي، ولولا وقفته جنبنا مكنتيش عرفتي تاخدي حقك ولا كنتي شغلتِ شركات جوزك الله يرحمه. بس ياسين مريض نفسي وقربك منه بيأذيكي أنتِ نفسك. دكتورة نفسية ولحد الآن مش عارفة تعالجيه، وبالعكس حالته بتسوء أكتر. أنا لولا عجزي وإني عاجز مابتحركش من على الكرسي كنت وقفت معاكي قدام أهل جوزك، بس ما باليد حيلة. أنا خايف عليكي يامشيرة."
اعترضت مسرعة ترد على رسالته:
"أنا عمري ما هسيب ياسين ياكمال إلا لما يرجع معايا وهعرف إزاي أرجعه. أنا ماقدرش أعيش من غيره وأنت عارف كده كويس. أنا بحبه، والحب من سماته التضحية. أنا لو واثقة ولو واحد في المية إن لو قرب من شمس هيبقى كويس وعمار مش هيأذيه، كنت أول واحدة هشجعه إن يقرب منها ويبقى معاها في يوم."
طرقت "زهرة" الباب قائلة:
"مشيرة اصحي يلا الفطار جاهز."
تركت مشيرة الهاتف من يدها وهي تقول:
"حاضر أنا جاية يازهره."
تركت زهره الباب تستكمل ما كانت تفعله، وهو تحضير سفرة الإفطار للجميع. فوجدت "الطبيب" أمامها يحادثها بلطف كعادته:
"إيه النشاط ده كله يازهرتي. إيه اللي مصحيكي بدري أوي كده؟ لاء وكمان محضرة الفطار."
قال جملته بعدما أخذ قطعة من الخيار الموجودة على السفره وضعها بداخل فمه. فنطقت هي بابتسامة عريضة:
"أنت ناسي إن النهارده الجمعة وعادي يعني. حاسة إني مبسوطة النهارده قولت أقوم وأحضرلكم أحلى فطار."
فتابعت حديثها وهي تسأل عن ياسين برضا:
"أومال ياسين فين؟ روح نادي ياسين ياعلي عشان يفطر معانا. أنا صحيت مشيرة وداخلة أصحي الباقي."
ضم الطبيب حاجبه باستغراب، فأمسكها من مرفقها بلطف يضمها إلى صدره بحنان:
"إيه الرضا ده كله؟ أنتِ راضية عن ياسين كده ليه؟ مش ده اللي كان من يومين مكنتيش عايزاه يقعد؟ دلوقتي صاحية وبتحضريله الفطار؟"
فجاوبته بابتسامة:
"يــــاه ياعلي أنتَ لسه فاكر؟ وبعدين ياسين طلع خاطب وهيتجوز. وحبيت خطيبته أوي، ربنا يهنيهم ببعض."
غمز الطبيب بطرف عينيه إليها قائلاً:
"زي ما أنا متهني بيكي كده."
لم تعلم ماذا تقول، فابتسمت بحرج وسألته قائلة:
"بجد ياعلي مبسوط معايا؟"
"أنا معنديش غيرك اتبسط معاه يازهره. أنا دلوقتي بس فهمت كنتي عايزة ياسين يمشي ليه؟ بس أحب أقولك اطمني ياسين راجع وشمس مش في دماغه خالص."
فقالت بلهفة والابتسامة تغزو ملامحها:
"بجد ياعلي؟ يعني ياسين مابقاش يفكر في شمس خالص؟"
فجاوب بتأكيد وهو يهز رأسه بالإيجاب:
"أيوه يازهره."
فأمسكت بكف يده تجذبه خلفها:
"طيب يلا بقى عشان أنا عملالك فطير مشلتت هتاكل صوابعك وراه."
تستطيع أن ترى المكان الذي اعتادت "عائلة الصاوي" الإفطار فيه. الخالة حكيمة تتوسط السفره وعلى جانبها الأيمن كلاً من مارال وسارة وشمس وزهرة وميرا وغدير. وعلى الجانب الآخر هم الرجال رعد والطبيب وبربروس ويزن. خرجت مشيرة لتجلس على المقعد الفارغ أمامها، فنهتها الخالة عن فعل ذلك بحزم:
"لاء ماتقعديش هنا، ده مكان ياسين. سيبته فاضي السنين دي كلها محدش يقدر يقعد عليه غيره."
شعرت مشيرة بالإحراج واحمرت وجنتيها خجلاً، فتأسفت قائلة:
"أنا اسفه مكنتش أعرف."
جاء ياسين من خلفها بعدما نزع طاقية چاكيته الجلدي من على رأسه يحثها على الجلوس:
"اقعدي يامشيرة. أنا مش هاكل."
التقطت نظرات "ياسين" والخالة. لم تكن نظرات عادية، فأردفت الخالة:
"بس أنا قولت مافيش حد هيقعد على الكرسي ده غيرك ياولدي، حتى لو مش هتاكل على الأقل تقعد وسطنا."
ابتلعت مشيرة ريقها، فنظرت بجوارها لتجد مقعدًا فارغًا.
"خلاص ياياسين مش مشكلة، أنا هقعد هنا."
جلست مشيرة بجانب الرجال على المقعد الفارغ. فكررت الخالة طلبها بنبرة ظهر فيها جيدًا أن الصبر لديها انتهى:
"اقعد ياولدي خلينا كلنا نتلم على سفرة واحدة في بيت الصاوي الكبير من جديد."
جلس ياسين وهو يتنهد سائلاً عن حسان:
"اومال فين حسان؟ هو الوحيد اللي مش موجود."
فأجابه الطبيب:
"حسان في الأرض من الصبح بدري. شوفته وهو بياخد الكتب بتاعته وبيذاكر في وسط الأرض. مابيرتاحش غير وهو جواها."
قال ياسين بضحكة منتصرة:
"المهم إنه يذاكر."
بدأت الخالة بمد كف يدها تقطع الفطير وهي تقول:
"كلوا ياولاد. سموا الله الأول قبل ما تاكلوا."
كانت نظرات شمس لياسين نظرات تحتوي من الارتباك ما يكفي. تراقب تحركاته بحذر، وهو الآخر كان ينظر لها بنفس الحذر. كان بداخلها أسئلة كثيرة، ولكنها لاحظت نظرات والدتها لها، فنظرت أمامها على الفور. فأخذ رعد قطعة من الفطير بعدما وضع عليه العسل الأسود يطالع الخالة باهتمام:
"أنا قررت إني هسافر ياخاله وهرجع لداغر ألمانيا."
ضمت الخالة حاجباها باستغراب:
"ليه ياولدي؟ حصل إيه عشان تسيبنا وتسافر؟"
فابتسمت "ميرا" بامتنان على خوف الخالة بأن يبتعدوا عنها، فردت بابتسامة بسيطة:
"ماتقلقيش ياخاله. إحنا مش هانروح نقعد على طول، هي بس فترة الشتا اللي داخل علينا ده مش أكتر. رعد ناوي يبيع كل ممتلكاته هناك في ألمانيا عشان نرجع ونكبر المشروع هنا مع يزن."
استكمل رعد حديث ميرا:
"أنا بقالي فترة مابروحش غير في الإجازة أزور داغر وهدير. أقعد أسبوع بالكتير وأرجع، والقصر قاعد محدش بيدخله. أنا أولى بفلوسه. وكمان قررنا على شيء أنا وميرا هنعمله."
ابتسمت ميرا عند قوله هذا، فقالت بابتسامة واسعة:
"أنا قررت أنا ورعد نتبنى طفل من هناك وهنربيه هنا."
فسألت مشيرة بجدية وبعدم فهم:
"ليه؟ هو أنتوا مابتخلفوش؟"
تبادل الجميع النظرات. فحك ياسين جبينه قائلاً:
"آه العيب مني أنا عشان كده هما مابيخلفوش."
فابتسم رعد وأجاب على سؤالها بلطف يبرر:
"آه فعلاً أنا مابخلفش، عشان كده قررنا نتبنى طفل."
تبادلت ميرا ومشيرة النظرات في صمت. فقطعت مشيرة الصمت قائلة:
"أنا آسفة لو كنت سألت سؤال ضايقك ياميرا."
ابتلعت ميرا ريقها وكأنها غصة مريرة في حلقها قائلة:
"لا أبداً محصلش حاجة. وناويين تسافروا امتى إن شاء الله؟"
كان هذا سؤال الخالة الذي وجهته لرعد، فأجاب على الفور دون تردد:
"النهاردة بالليل إن شاء الله."
فنطقت سارة مسرعة:
"على طول كده؟ أنتوا كده مش هتحضروا فرحي أنا ويزن."
"مش هو اتأجل شهر واحد بس ياخاله؟"
"أيوه يابتي."
فابتسمت ميرا قائلة:
"ماتقلقيش. في خلال الشهر ده أكون خلصت شوية حاجات، وأول ما تتفقوا على معاد الفرح هاجي على طول ونبقى نرجع تاني نخلص حاجتنا."
فأردف بربروس:
"تذهب وتأتي بألف سلامة يارعد."
"حبيبي يابربروس. وإيه أخبار داغر؟ عمل العملية ولا لأ؟"
كان هذا سؤال ياسين، فأردف يزن يقول:
"للأسف حاول يعملها بس مانجحتش، ومحاولش يعمل عملية تاني، ودلوقتي عايش هو وهدير في سلام نفسي بعد كل اللي حصلنا."
فسألت مشيرة مستفسرة:
"ليه؟ هو إيه اللي حصلكم؟"
من الواضح بأنها لا تعلم شيء عن حياة ياسين وتحاول معرفة المزيد عنه. فرد ياسين بتهكم:
"مش وقته يامشيرة. هبقى أحكيلك بعدين."
فأكملت الخالة حديثها لغدير:
"وطبعاً عروستنا الصغيرة هتفضل معانا."
فأجابت تدعم كلامها:
"أكيد طبعاً. أنا قدمت الكلية بتاعتي هنا ياخاله."
فاعترض رعد بقوله:
"أيوه بس..."
"بس إيه يارعد؟ ماتقلقش على غدير. غدير هشيلها في عيني. وبعدين طول العشر سنين اللي فاتوا ما كانت بتيجي كل إجازة وتقضي معانا هنا في القرية إجازتها كلها، وأنت بتبقى في مصر أنت وميرا، يعني مش أول مرة. أنا ربيتها هي وحسان سوا. سيبها واتكل أنت على الله. أنا عارفة إن غدير متعلقة بينا وبالقرية."
انصاع رعد إلى أوامر الخالة. فنظر بربروس إلى ساعته باستعجال ليجد أن الوقت مر سريعًا، فخطبة الجمعة ما تبقى عليها سوى القليل. فنهض مسرعًا يردد بقوله:
"اللعنة! لقد مر الوقت سريعاً. هيا فاللّٰه ينادينا لنلبي نداءه جميعاً."
كان في حيرة من أمره يتذكر ما حدث له بالأمس. يرى أمامه عيون "ياسين" التي تحولت إلى اللون الأحمر القاتم، فأخذ يسرد ما رآه إلى الظابط أحمد، فقال بتهكم:
"أنتَ ليه مش قادر تصدقني؟ والله العظيم أن ده حصل. يابني آدم بقولك عيونه اتحولت للون الأحمر. عينه كانت عاملة زي عيون الشيطان. أنا كنت حاسس من الأول إن العيلة دي فيها حاجة مش طبيعية من أول ما رجعوا القرية وشوفت جثث بني آدمين اتحولت لذئاب. بقالي سنين بدور وراهم مش عارف أمسك دليل واحد ضدهم."
فابتسم الضابط أحمد على قوله:
"عايز تقول إنهم أعوذ بالله عفاريت؟"
أشار برأسه بالنفي يشاور بأصبعه:
"لاء. هما مش عفاريت بس عنيه. عنيه بس هي اللي زي الشياطين."
قال أحمد بنفاذ صبر:
"هنرجع للتخاريف دي تاني."
ضرب بيده على المكتب بعنف:
"أنت ليه مش عايز تصدقني؟"
انتزع الكاب من على رأسه وهو يقول:
"عشان ده مش كلام ناس عاقلين أبداً. وصدقني نكش وراهم مالهوش أي فايدة. هتتعب روحك على الفاضي."
خرج الجميع من المسجد بعد خطبة الجمعة يرتدون الملابس البيضاء. الأطفال تركض أمامهم بين الغيطان الخضراء يضحكون بسعادة ومرح. أصوات ضحكاتهم تملأ المكان، فقرية الصاوي يسودها الحب بكل مكان وبقلوب سكانها. اقترب يزن من ياسين فسار بجواره:
"أنا هرجع مصر قريب طالما الفرح اتأجل، وكنت عايزك معايا الأيام اللي جايه في المعرض بتاعي. إيه رأيك ياياسين؟"
فأجابه ياسين بسؤال وهو يطالعه بعينيه:
"بذمتك مش أمي هي اللي طلبت منك تقولي كده؟"
حاول "يزن" الهروب بعينيه من نظرات ياسين، فاكمل ياسين حديثه:
"عينيك قالت إجابة سؤالي. أنا عارف ليه أمي بتعمل كده. عايزة تربطني هنا، عايزة تخليني جنبها."
"وإيه المشكلة ياياسين؟ مش كفاية غربة لحد كده. الخالة صحتها في النازل وعلي لوحده مش هيقدر يمشي القرية زي ما ماشية دلوقتي. هي محتاجاك تكون هنا جنبها. من حقها ياياسين إنك تبقى جنبها."
فرد عليه وكانت إجابته قاطعة:
"للأسف كلها يومين بالكتير وهاخد مشيرة وأرجع مطرح ما كنت يايزن. أنا ماكنتش ناوي أقول لحد إلا وقت السفر. ورقمي أديك عارفه، أول ما تنوي ابعتلي هتلاقيني جيت على طول."
"يعني مافيش فايدة ياياسين؟"
ابتسم ثم أردف:
"سيبني على راحتي."
تمر الساعات سريعًا، يجهز كلاً من رعد وميرا حقائبهما استعدادًا للمغادرة. فأعطت الخالة مفاتيح السيارة إلى ياسين:
"خد ياياسين وصلهم للقطر ياولدي."
أشار ياسين برأسه بالموافقة، فصعد إلى السيارة. ذهبت سارة خلف ميرا:
"هتوحشيني ياميرا."
ضمتها ميرا وأخذتها بين أحضانها:
"أنتِ أكتر ياساره."
وعلى دون غرة شعرت سارة بدوار مفاجئ ووضعت يدها على جبينها، فاهتزت الأرض من حولها. أمسك بها يزن لكي يسندها حتى لا تفقد توازنها وجلست على المقعد خلفها، سألها والخوف يملأ عينيه:
"ساره مالك فيكي إيه؟ حاسة بأيه؟"
حاولت أن تستجمع نفسها قليلاً وهي تبلع ريقها:
"ماتقلقش عليا يايزن، شوية صداع ودوخة بييجوا مرة واحدة وبيروحوا لحالهم."
فقالت الخالة بإصرار:
"قومي. قومي روحي مع ياسين يوصل ميرا ورعد وتفوتي على المستشفى."
"مش وقته ياخاله."
فاعترض يزن على ما قالته سارة:
"ومش وقته ليه ياساره؟ قومي تعالي معايا."
أمرت الخالة شمس قائلة:
"روحي معاها ياشمس. ماتسيبهاش لوحدها يابتي."
طالعت شمس ياسين الواقف أمامها، فهرب بنظره قائلاً:
"أنا هستناكم بره."
كان حسان يجلس بمكانه المفضل، المقرب بقلبه وهو بقلب الغيطان. فأتى إليه فريد يقترب منه ببطء يتصنع البسمة قائلاً:
"شد حيلك يابطل. سمعت إنك هتدخل الملاحق. مع إن والله ما ليها لازمة، هتطلع إيه يعني في الآخر؟ كلها محصلة بعضها."
قام واستقام ينظر له باستغراب:
"قول كده لدكتور علي وعم ياسين."
رفع حاجبه واقترب من حسان واضعاً ذراعه على كتفه قائلاً:
"عم ياسين. ليه هو عنده كام سنة؟"
ارتبك حسان يبلع ريقه ببطء قائلاً:
"يعني نص التلاتينات كده."
أشار فريد بيده:
"غريبة، مع إن شكله أصغر من كده. إلا قولي هو ياسين أكبر ولا دكتور علي؟"
فأجاب قائلاً:
"لاء. دكتور علي."
جلس فريد يربع قدميه على الأرضية، فأشار بيده لحسان بأن يجلس بجواره:
"الا قولي ياحسان أنتوا إيه حكاية الذئاب معاكم؟"
ردد حسان كلمته بارتباك:
"الذئاب؟"
طالع فريد والشر يتطاير من عيناه:
"اسمع ياحسان أنتَ هتحكيلي حالاً كل حاجة عن عيلتكم وأصلها وفصلها وياسين ده جنسه إيه، فاهمني ياحسان؟ كل شيء."
أشار حسان بالموافقة والرعب يدب بقلبه من نظراته له.
هما الآن بالمستشفى بعدما أوصلوا ميرا ورعد إلى القطار المتوجه إلى أسيوط. يقف كلاً من ياسين وشمس أمام بعضهما البعض يسند كل منهما ظهره على الحائط بانتظار خروج سارة من غرفة الطبيب هي ويزن. تبادلوا النظرات القلقة لثوانٍ معدودة، فقطع هو تلك النظرات بنطقه حروف اسمها:
"شمس."
اقترب منها يقف بجوارها يحاول أن يبرر لها ما حدث هذا الصباح. فطالعته باهتمام. وقبل أن يبدأ حديثه خرج كلاً من سارة ويزن من غرفة الطبيب. أسرعت شمس إلى سارة سائلة:
"إيه؟ قالولكم إيه؟"
فأجاب يزن وهو يقبض الروشتة بكف يده:
"ماقالش بس طلب نعمل أشعة على المخ في الدور اللي فوق."
هنا لمعت عين شمس، أخذت الروشتة تدقق بها:
"دي أشعة بالصبغة على المخ؟ مقالكش ليه؟"
شعرت سارة بالدوار مرة أخرى، فأسندها يزن بذراعيه.
"لاء مقالش. أنا لازم أطلع بيها بسرعة. الظاهر إننا هنطول. لو حابين تروحوا روحوا انتوا بدل ما تفضلوا مستنيين."
فأجاب كلاهما بالرفض في نفس واحد:
"أكيد لاء."
فسكت كلاهما. فبدأ ياسين بالحديث:
"صعدوا جميعاً للأعلى، فطلب منهم الممرض أن يبقى مع المريض شخص واحد فقط فلا داعي للباقي. ذهب يزن معها على الفور وانتظروا هم بالخارج. شعرت شمس ببعض البرودة من المكيف، فأشار لها ياسين بعينيه:
"تحبي نستنى في العربية؟"
أشارت برأسها بالموافقة:
"ياريت، المكيف هنا عالي أوي."
مضى الوقت سريعًا، لم ينتظر يزن حتى يذهب إلى الطبيب مرة أخرى بالأشعة، فسأل الطبيب المسؤول عن الأشعة بما يوجد بها، فأجابه الطبيب بكل أسف:
"للأسف عندها كانسر في المخ وفي مرحلته الثانية."
ردد كلمته بانهيار تام بعينيه والصدمة تعتلي وجهه:
"كانسر."
رواية الهجينة الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ماهي احمد
"هذه أشلاؤنــا.. هذه الممزقة قلوبنا.. هذه المبعثرة أرواحنا"
كان هذا شعور" يزن "عندما أخبره طبيب الأشعه بما وجده. لم يستوعب عقله ما أخبرهُ بهِ للتو. خانته قدمه فحاول التحامل عليها حتى يصل الى اقرب مقعد يجده أمامه. شكر قدمه على تحمل السير في حالته هذه حتى وصل أخيرًا الى أقرب مقعد. التقطته عيناه، جلس والقى بثقل جسده عليه، فهو الأن يشعر بثقل العالم يحمله فوق كتفيه. ردد كلمه واحده، كلمه واحده بشفه مرتعشه:
"كانسر"
شعر بثقل بلسانه عند نطقها. نعم هي كلمه واحده ولكن سيأتي من خلفها العديد والعديد من الكلمات والجمل الأخرى.
***
أن لليل رهبه ورهبته شديده، وهي للمره الاولى تجاوره في سيارته بمنتصف الليل. التوتر يسود بينهما ويكتسح الصمت الأجواء بجداره، وكأن حرب طاحنه نشبت بداخل رأس كلاهما الأن. بقيت هي تنظر أمامها تفرك بأصابعها. فاختلس هو النظر اليها، اختلس نظره سريعه ثم عاد ينظر بجواره من جديد. رأى مدى توترها من خلال هذه النظره فقطع الصمت عندما ضغط على زر تشغيل الراديو، فكان مبرمج على قناه fm للأغاني.
لتندلع موسيقى أحدى الأغنيات. كان يريد أن يكسر حاجز الصمت حتى لو بأغنيه، لا يهم ما هي الأغنيه التى سيسمعها الأن، فكل همه هو نزع التوتر الذي يسود الأجواء. لم يركز كلاهما في بادىء الأمر بكلمات الأغنيه وهي تقول:
"جزء كان تعبان وخف، وجزء لسه للأسف"
بدأ كلاهما في التركيز على كلمات الأغنيه التي لم ينتبهوا لها منذ بدايتها ولكن سمعت أذانهم الأن:
"مش ياماضي لسه سايبك، ايه بقى تاني اللي جايبك؟"
هنا طالع أحدهم الأخر وكأن كل منهما يسأل الأخر نفس السؤال. تتحدث عيونهم ما لا يستطيع لسانهم أن يتفوه به، فتداهمهما كلمات الأغنيه من جديد:
"تاني، تاني ارجع ياماضي تاني يلا فكرني أن أنا لسه واقف مكاني.. عادي.. عادي اصل اتعودت عادي هات بقى اخرك ما هو يا أنا يا أنتَ الليله دي"
جمل بسيطه جعلت كل منهما يتذكر ما يحاول نسيانه منذ سنين مضت. يحاول كل منهما المضي قدماً فأعادتهم كلمات بسيطه ليشق القلب الحنين. فأتمت الاغنيه بكلماتها:
"مش قفلنا الصفحه ديا.. واتفقنا خلاص يا وحش"
هنا ضغط "ياسين" سريعاً على زر الإغلاق قبل أن تتكرر كلمات الأغنيه. ابتسم بسخريه مريره، يشير برأسه لها وهو يقول:
"مين الوحش؟?"
كان يقصد بقوله أسم المطرب الذي أدى الأغنيه. أجابته شمس بنظرات متردده:
"ده حمزه نمره"
هتف متسائلاً بعدم فهم:
"مين؟"
فأجابت هي بابتسامه بسيطه وكأن من تتحدث عنه على معرفه بهِ:
"ده حمزه نمره مطرب حلو اوي اغانيه كلها ليها معنى وبتطرب القلب قبل السمع كمان"
"باين عليكي بتحبيه اوي"
قال "ياسين" هذا باهتمام، فأجابته هي بتلقائيه:
"اه بحبه جداً، من الأغاني بتاعته، انا محمله الأغاني بتاعته كلها على موبايلي وتقريباً مابسمعش غيره"
"فعاد هو لتكرار سؤاله من جديد: "للدرجه دي؟"
"واكتر كمان، أصله حلو اوي"
قبض "ياسين" حاجبه من كثره أعجابها بهِ، فبررت لهُ وكأنها تدفع الجرم عن نفسها:
"أقصد أغانيه حلوه اوي بحب اسمعها قد ما أنتَ بتحب عربيتك "الشيفروليه" دي"
بان على وجهُ وكأنهُ تذكر شيئاً، فقال بابتسامه:
"العربيه دي "شيفروليه شيفيل" معايا من السبعينات وبحبها اوي زي ما أنتِ بتحبي "نمره حمزه""
تحدثت "شمس" معترضه على كلامه وهي تحرك كف يدها على وجهها تحاول الحصول على بعض الهواء:
"أسمه حمزه نمره وانا بحب أغانيه مابحبهوش هو"
"طب ومالك اتعصبتي كده ليه تحبي افتحلك الشباك"
وعلى الرغم من نسمات الهواء البارده، أجابته ومازالت تنظر أمامها تتجنب النظر اليه:
"اه ياريت الجو حر هنا"
ضغط على الزر الاوتوماتيك الخاص بالنافذه المجاوره لها فانفتحت النافذه على الفور. كان الهواء منعش هنا، فلامس خصلات شعرها. استطاعت الان أخذ نفس عميق. ترددت كثيراً قبل أن تسأله سؤالها، فبدأ هو بما يشغل بالها:
"شمس أنا عارف ايه اللي عايزه تقوليه"
فشجعها كلامه ونطقت بما يدور بداخل رأسها:
"ياسين أنت مكنتش طبيعي النهارده بجد عايزه اعرف أيه اللي حصل الصبح ياياسين"
هز رأسه نافياً، فقوله في هذه النقطه كان شديد الصدق:
"هتصدقيني لو عدت نفس كلامي ليكي و قولتلك مش عارف"
صمتت تحاول ابعاد ما بدر الى ذهنها بأن حديثه به نبره من الصدق، ولكن في النهايه قالت:
"يعني ايه مش عارف، ياسين أنتَ كنت هتمو تني"
فأنفت ما قالته للتو قبل حتى أن يجاوبها:
"لاء مش أنتَ اللي كنت هتمو تني"
سألها محاولاً سلب كل ما لديها من معلومات:
"تقصدي ايه ياشمس"
قال جلمته باستهجان وكأن الدماء تجمدت بعروقه، فقد شعر بأنها على وشك معرفه الحقيقه. فكرر سؤاله بنبره تحذيريه وعيون ثاقبه هذه المره:
"بقولك تقصدي ايه ياشمس بكلمه مش أنا اللي كنت همو تك"
شعرت بالذعر الأن من نبرته التي تحولت فجأه وكأنه يعيش بصراع داخلي. وتحدثت خوفاً وأختارت أن تصمت وأجابت بما هو بعيداً عما بداخلها:
"لا مافيش حاجه انا هدخل المستشفى اشوف ساره عملت ايه"
لم تتردد بل نزلت سريعاً كمن تم اطلاق سراحه. فهبط هو من سيارته وقبل أن يغمض لها رمش كان يقف أمامها يتحدث مجدداً بسؤال اخر:
"بتهربي مني ليه؟ للدرجه دي أنا بخوف"
عادت نبرته الحنونه من جديد. عادت نظرته اليهِ، فدافع عن نفسه مبرراً قبل أن تنطق هي:
"ليكي حق تخافي مني بعد اللي حصل الصبح، أنا حتى مش لاقي اجابه للي حصل، عشان مش عارف ايه اللي حصل"
صمت لثواني يطالعها، فأكمل حديثه:
"مش مستني منك أنك تصدقيني عشان دي حاجه ماتتصدقش بس هحاول ابعد عنك على قد ما اقدر عشان مأذكيش في يوم ياشمس"
كان يتحدث بصدق نابع من قلبه ويظهر صدقه من نظرات عينيه السوداء كسواد الليل القاتم. انهى حديثه بعدما استدار يعطيها ظهره مستعداً للمغادرة. فابتسمت هي ابتسامه حانيه واوقفته كلمتها التاليه:
"مصدقاك"
ظهرت بسمه حانيه على وجهُ واستدار لها. عاد يطالعها من جديد، فكررت هي كلماتها بعيون هاربه:
"مصدقاك ياياسين، مش عارفه ليه ولا ازاي بس حاسه اني مصدقاك"
لم يكذب شعورها. فقد شعر بصدق كلامها. هناك قبضه تحوط كفها الصغير الان. مالت بعينها تنظر لكفه الأسر ليدها. ربما أتى الأمان من الشخص الذي يجب أن تأخذ الحذر منه. فقال وقد استحوذ على اهتمامها:
"وانا هحاول ابقى صادق معاكي على قد ما اقدر ياشمس"
لم تدر بأي شىء حولها، فكفه يلمس كفها الأن. شعور بالدفء يتوغلها. شعرت بالأرتباك فسحبت كف يدها من يده تقول بعيون هاربه:
"نسيت اباركلك على خطوبتك من مشيره"
تنهد بعمق بعدما اعطاها ابتسامه حانيه وقبل أن يخبرها برده انهى حديثهما وصول "يزن وساره". فسأله هو:
"مارنتش عليا ليه كنت وقفت بالعربيه قدام المستشفى"
استدار لهُ "يزن" بعدما استعاد أتزانه الهارب منه محاولاً التحدث بثبات:
"أولاً مش معايا رقمك، ثانيا ً لاقيتها زي الفل مافيهاش حاجه بس حبت تدلع علينا شويه"
اتجهت "شمس" ناحيه "ساره" مستفسره عما وجدوا بالأشعه:
"قوليلي ياساره الاشعه طلع فيها ايه؟"
"طيب مش نركب الأول بعد كده نطمن براحتنا"
كانت هذه جمله يزن، فدعمت ساره كلامه:
"ايوه تعالوا نركب الاول ونتكلم واحنا مروحين، انا حاسه دلوقتي اني بقيت احسن"
شعر " ياسين " بخطبٍ ما بسبب هروب عيني يزن كلما حاول النظر اليه، ولكنه استجاب لطلبه وصعد بالسياره وبجواره شمس وجلس كلاً من يزن وساره بالخلف. وقبل أن تشق السياره طريقها نظر "ياسين" الى ذاك الجالس بالخلف في المرآه الأماميه يطالعه من جديد فوجد "يزن" نظرات "ياسين" مصوبه ناحيته، فوجه عينيه نحو " ساره " فسألها مجدداً:
"حاسه بأيه دلوقتي ياساره"
"يادي النيله يايزن دي المره العشرين اللي تسالني فيها من ساعه ما خرجت من اوضه الاشعه والله يابني كويسه دي مجرد دوخه بتجيلي من وقت للتاني وبكره نروح للدكتور نوريله الاشعه وهيطلع مافيهاش حاجه ماتقلقش اوي كده"
عاد "ياسين" يطالع "يزن" بالمرآه من جديد فابتسم "يزن" ابتسامه بسيطه ربما يمحي بهذه الأبتسامه أثار التوتر الظاهره على ملامح وجهُ وطلب من ياسين قائلاً وهو يخرج هاتفه من جيبه:
"قولي ياياسين رقمك كام"
أخبره ياسين بالتالي:
"01000000111 تقدر تحفظه ده سهل جداً"
ضحكت ساره وهي تخبره:
"ده ست اصفار يعني زيرو مليون تلات وحايد رقم مميز زي صحبه"
امالت برأسها بأتجاه شمس:
"صح ياشمس"
اشارت برأسها بنبره متقطعه تملؤها التوتر:
"اه.. اه طبعا رقم مميز"
دون يزن رقمه على هاتفه، ولم تستطع "شمس" منع نفسها من سؤالها فأدارت وجهها للخلف سائله:
"يعني الأشعه لسه ماطلعتش"
فأجابتها وهي تشير رأسها بالنفي:
"لا لسه"
أطبق الصمت على الجميع ينظرون الى الطريق أمامهم. أما عن ياسين فقد كان يشق طريقه مسرعاً شعر ولو انه تأخر للحظه واحده فسينفجر ما بداخل يزن بالرغم من محاولات يزن المستميته على استعادة اتزانه من جديد دون ملاحظه أحداً منهم ما بداخله.
***
أطبق الصمت على منزل "الصاوي". الجميع ينتظر بهدوء عودة ساره للأطمئنان عليها. في الغرفه الخاصه بالضيوف تتوسطهم الخاله قائله:
"ادخلوا انتوا ياولاد باين عليهم هيتأخروا"
طالع الجميع بعضهم البعض نظرات قصيره، فكانت مشيره لا تستطيع النوم وهي تعلم أنه معها في هذه اللحظه. فالقلق ينهش عقلها الأن. كادت أن تنطق للأعتراض على طلب الخاله فسبقتها زُهره وهي تخبرها بطريقه هجوميه:
"لاء طبعاً أنتِ بتقولي أيه ياخاله، ازاي انام وانا عارفه ان بنتي بره لحد دلوقتي"
تنفست "مشيره" بارتياح لأعتراض زهره فهي لا تستطيع ان تعترض كلمه الخاله. فطالعتها الخاله ترمقها بنظرات ثاقبه:
"وهي يعني مع حد غريب يازُهره دي مع ولدي ومع يزن يعني مافيش خوف عليها ولا أنتِ بقى نيتك وضميرك في حاجه تانيه"
"ولا حاجه تانيه ولا تالته ياخاله كل الحكايه اني مش هعرف انام الا لما اطمن ان بنتي رجعتلي"
لم تجد "زهره" أجابه افضل من هذه للهرب. فرمقتها "الخاله" بعدم تصديق. فأكملت بارتباك:
"صدقيني ياخاله انا بس قلقانه عليها هي وساره ومش هيجيلي نوم الا لما يوصلوا"
لم تَصدق فيما قالت هذه ليست الحقيقه. ابعدت عينيها عنها حتى لا تكشف كذبتها. فأنقذت "مشيره" الموقف:
"انا كمان مش جايلي نوم، تعالي يازهره نقعد بره شويه نستناهم لحد مايوصلوا"
وافقتها "زهره" على طلبها. فطالعتها الخاله وهي تبتعد عنها ثم اشارت للطبيب بعينيها سائله:
"مال زهره ياعلي حساها متغيره من وقت رجوع ياسين"
كان يجلس الطبيب مقابل الخاله. فقام واستقام يجلس بالمقعد المجاور لها. تنهد بعمق بملامح يبدو عليها الحزن:
"زهره اتغيرت أوي ياأمي"
شعرت الخاله بحزنه من نبرته الحزينه. فأشارت للجميع بعينيها تحثهم على الخروج. فأصبحوا يجلسون داخل الغرفه بمفردهما الأن:
"مالك ياضنايا فضفض لامك ياعلي، أنتَ ما بتحكيش وأنا مابرضاش اسأل طول ما أنتَ مابتتكلمش"
"مش عارف ياأمي، كل ما بتكبر كل ما بتتغير مابقيتش زهره بتاعت زمان"
نبرة الحزن كانت ظاهره جلياً في حديثه مما جعلها تسأله:
"قصدك بتتغير في الشكل"
وقف مقابلها واضعاً يده بجيبه يتنهد بيأس:
"شكل ايه يا أمي اللي بتتكلمي عنه زهره مهما كبرت ومهما اتنحتت معالم الزمن على ملامحها هتفضل بنتي الصغيره اللي عمري ما حبيت ولا هحب غيرها في يوم"
طالعته الخاله بأستغراب وصوبت عينيها عليه سائله:
"طب ما تحكيلي ياولدي اتغيرت معاك في ايه"
صمت الطبيب فهو لم يعتاد على الشكوى من زوجته منذ زواجه منها قط. فتنهدت الخاله وقامت خلفه ثم ربتت على كتف أبنها قائله برفق:
"أنا عارفه أنك مابتحبش تحكي ياعلي وخصوصا شيء يخص زهره انا حاسه بيك ياولدي أنتَ اتعبيت وروحك وصلت لمناخيرك واعرف انك يوم ما تحب تحكي هتلاقيني مستنياك"
اشار الطبيب برأسه على الموافقه فهو الأن لا يحتاج سوى ان تضمه الى صدرها. ففتحت الخاله ذراعيها تستقبله بحب حتى يشعر بالأمان.
***
منتصف الليل لهُ رونقه الخاص ربما هدوئه.. ونسماته التى تحمل لفحات البروده بعد يوم طويل من الحراره العاليه، فهما الأن في أواخر شهر اغسطس. تجلس على الدرج أمام منزل" الـ صاوي ". ها هي تنظر للسماء الأن. كل شىء في هذا الوقت يدعوك للتنهد بعمق، فالسماء تبدو بكامل رونقها تترصع بها النجوم كاللؤلؤ المنسور والهواء المترقرق يذيبك بهِ حباً. تسرح بخيالها البعيد حتى سمعت صوت يأتي من خلفها يخبرها بهدوء:
"ما أجمل هدوء تلك الليله بقريه "الـ صاوي " أليس كذلك"
أستدارت بجسدها تنظر اليه بعيون واسعه وابتسامه حانيه:
"فعلا يابيدقوس الليل هنا يجنن"
"قريه الصاوي دي انا ماشوفتش أجمل منها في يوم الخاله اتفننت أنها تبقى زي ما هي عايزه وأكنها قطعه من الجنه، جوه القييه شىء وبيه القييه شىء تاني خالص، لديجه أنها منعت الناس يستخدموا العيبيات جوه القييه عشان الهوا مايتلوثش، الخضاي في كل شبي فيها زهوي عباد الشمس ماليا القييه مجرد ما ببصلها بحس بياحه ونفسيتي بتيتاح"
جلس "بربروس" على نفس درجه الدرج التي تجلس عليها وترك مسافه بينهما يصحح لها ما تعتقده:
"ولكن ليست الخاله هي من صممت كل ذلك"
طالعته بحيره فأكمل هو ما بدأ بهِ:
"نعم لا تتفاجئي هكذا فقد أخبرني الطبيب بأن كل هذا كان حُلم ياسين، قبل أن ينضم للضبع قديماً، كان يبني البيوت بيتاً بيت على هذا الشكل، يفلح الأرض بزهور عباد الشمس، صنع غيه الحمام من الطين بيديه حتى يملأ القريه بالطيور، جعل للقريه بوابه خاصه بها وكانت أول قريه يكن لها بوابتها الخاصه، كان يريد صنع حياه خاصه بهِ وقد أفلح بذلك فأصبحت قريه " الـ صاوي " ليست كأي قريه رأيتها من قبل ولكن كل ذلك قد هدم بوصول" المهدي والخاله" استقبلهم والد ياسين بكل حب فكانوا فقط يريدوا أن يعيشوا بسلام. انبهرت الخاله بجمال القريه ورونقها ومن حكمه المهدي اصبحت القريه افضل ولكن لم يدم ذلك طويلاً بعدما تبعه الضبع والعربي وبالتأكيد أنتِ تعلمي ما الذي حدث بعد ذلك ولكن بعد أن ربحنا المعركه حرصت الخاله أن تعيد كل شىء كما كان من جديد ونجحت بالفعل إلا بشىء واحد وهو أعاده ياسين كما كان من قبل"
قالت وقد بانت علامات الأندهاش على ملامحها:
"معقوله ياسين يفكي بالشكل ده، ده انا اول ما شوفته كنت بتيعب منه ده عكسك خالص اصلاً ساعات بفكي انتوا ازاي اصحاب بالشكل ده وتفكييكم غيي بعض خالص"
اخذ نفس قبل أن يتحدث بنبره منخفضه بان فيها اثر ما سيقوله:
"لأني علمت من اللحظه الأولى التي رأيته بها أن ما بداخله عكس ما يظهره، مثلك أنتِ يامارال"
قالت باستغراب وهي تطالع المكان بتأمل أفسده كلامه الذي أشعل توترها وهي تشير على نفسها بأصبعها:
"أنا، أنا ببين عكس اللي جوايا يابيدقوس"
هز رأسه بالأيجاب فأكمل:
"نعم، أنتِ فلا تحاولي التهرب من الحقيقه الأ يكفيكي تهرباً"
نبره الحزن كانت ظاهره جلياً في حديثه مما جعله يسألها بابتسامه حزينه:
"الى متى الهرب يامارال، فأنا أريدك بالحلال"
طالعته بارتباك وقد ابعدت عينيها عنه وهي ترد عليه:
"بيبيوس أنا مابهيبش منك"
كاذبه هي.. لم تصدق فيما قالت. فأجابها هو بما لا تريد ان تسمعه:
"يؤسفني شعور أن أخبرك بأنك كاذبه لم تتفوهي بالصدق بكلماتك الأخيره، أنتِ تهربين يامارال ولكن ليس مني بل من نفسك تعيشين صراع داخلي بين حبك لي وحبك لدينك وهذا يرهقك على الرغم من أنكِ قادره أن تجمعينا سوياً لينغلق علينا باب واحد في يوم من الأيام، لقد حاولت معك كثيراً طوال السنوات الماضيه ولم أيأس يوماً ولكن الى متى تركت اصدقائي تركت حياه قريه الـ صاوي حتى أكون بجوارك، حتى أستطيع النظر اليك واشعر بقربك حتى لو من بعيد، لقد تنازلت عن الكثير والكثير من أجلك، ولكنك لا تبالي"
عند كلامه هذا تحديداً انصتت لهُ وبدا الاهتمام على وجهها تسأله بما تريد أن تسمعه:
"وايه كمان يابيبوس كمل قول كل اللي جواك"
صمت لثواني يطالع عيناها التي ترقرقت بالدموع فأكمل حديثه يفيض ما بداخله فتحدث بصدق يظهر بنبرة صوته:
"اعلم ان ربي نهاني عن التقرب من النساء دون محرمها وان اذا اردتها ذهبت لوليها لاخطبها منه لكنك من اهل الكتاب كيف اذهب الي اهلك وأنتِ ترفضينني.. ابكي عندما اضع امر الله جانباً ولا انقاد له لكي ارضيكي واتذكر قول الله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشدُ حبا لله)وأعلم أني يجب أن أغض بصري مصدق قوله تعالي: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)وانه يجب أن املك بصري عنك"
حاول التحكم في انفعاله والحديث بهدوء جاهد ليصل له:
"لكني وان ملكت بصري فلا املك قلبي يامارال"
وهذا ما يهون علي ان الله لا يؤاخذنا بما لا نملك عليه قدره ولا سلطان. لقد تخليت عن الكثير لأجلك وأعلم اني لن افلح لكن حبك اعياني واذهب عقلي. انني ادعوا الله ان لم توافقى على زواجنا أن يرد الله لي قلبي ويذهبك عني"
اصابت كلماته حقاً فوقف امامها يعطيها ظهره مصارحاً بما لديه من صدق:
"أذاً القرار بين يديكِ الأن، فقد أهُلكَ القلب حبك"
كاد أن يتركها ويرحل. فعلقت بابتسامه حزينه وهي تزيح دموعها التى كثرت على وجنتيها فقالت بمشاعر صادقه:
"أنتَ فاكي انك أنتَ لوحدك بس اللي ضحيت يابيدقوس فاكي انك أنتَ بس اللي بتتعذب"
منعته كلماتها من الرحيل فاستدار بجسده يطالعها يعطيها مساحه للتحدث هي الأخرى بما يكمن داخل قلبها:
"أنا كمان بتعذب زيك ويمكن أكتي كمان، طب مسألتش نفسك أنا ليه ماتجوزتش لحد دلوقتي، ليه بقيت يافضه فكية الجواز من أساسه بعد ما كنت هموت واتجوز، ليه ياضيه بكييمه اليقاصه وغييها من اهل الحايه يقولوا عليا العانس"
سألها مسرعاً وقد لانت نبرته بعض الشىء عندما رأى دموعها السائله على وجنتيها بغزاره:
"لماذا يامارال"
ردت بوجع ونبره متحسره:
"عشان أنتَ عايف أني بحبك، مش قاديه اشوف حد غييك جنبي، جسمي يافض ان واحد غييك يلمسني، انا عايفه ان الدين عندنا بيسمح بجوازنا من بعض وأن احنا نحل ليكم زي ما أنتوا تحلوا لينا، بس لما سألت في الكنيسه يد وقالي اني اتجوز من مسيحي من ديني هو أولى بيا، هيعني على ديني أكتي، هنطيع ربنا صح، مش هيقلبني على ديني في يوم أما المسلم هيأثى عليا في ديني وهيبعدني عن دين المسيحيه في يوم ومع عشيتنا سوا هتخليني اعتنق دين الاسلام وهو ده اللي انا متأكده انه هيحصل انا بتأثى بيك وانا بعيد عنك اومال لو كنت جنبك بشوفك بتصلي وتصوم واسمع صوتك العذب كل يوم وانت بتقيا القيأن في صلاتك بالقيب مني طبيعي يابيبيوس هتأثي بيك وهعتنق الاسلام، مش عشان انا مقتنعه بي لاء عشان اتأثيت بيك مش أكتى"
برر لها بضيق:
"ولكني لن اغصبك على الاسلام قط"
كان هذا رده الذي جعلها تنفعل وتدعم عبارته الذي قالها تواً:
"عايفه.. ومش عايفه وبس بالعكس أنا متأكده أنك مش هتغصبني على حاجه أنا مش عايزاها في يوم، بيبيوس افهم انا امي اسلمت عشان خاطي عماي مش عشان هي مقتنعه بالاسلام وانا مش عايزه اكون زيها"
صمتت لثواني قليله تحدق بعينين تترقرق بالدموع:
"على الأقل اقنعني ايه اللي يخليني اسيب كل ده ورايا، واقتنع بدين غير ديني في يوم غير حبي ليك"
رد عليها "بربروس" بنظرات حانيه وهو يصب عليها كامل نظره:
"حسناً.. هل تحبين عيسى عليه السلام؟"
فأجابت دون تفكير:
"اكيد طبعًا بحبه وبصلي عشانه"
نظرت "لبربروس" وقد اعطاها ابتسامه واسعه سائلاً أياها:
"حسنا هل تصدقينه في كل ما يقول او قيل انه قال"
"اكيد بصدق كل كلمه بيقولها دي مش محتاجه نقاش"
"فلقد قال الله في القرءان على لسان عيسي عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم: (وإذ قال عيسي بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدي أسمهُ أحمد)"
رفعت كتفيها ببساطه وكأنها اكتسبت نقطه بقوله وهي ترد على حديثه بهدوء:
"ناقدت نفسك قولت اسمه احمد ويسولكم اسمه محمد"
هز رأسه بالأيجاب وعلق يكمل لها باقي العباره:
"أسمه أحمد ومحمد ومحمود والمصطفي وابو القاسم كنيته"
تنهدت بعمق ومسحت على وجهها بتعب وقد تلاشت نظرات الانتصار بعينيها بعدما علمت اسماء الرسول عليه السلام كامله. بدأ التوتر على وجهها فأكمل بربروس ما بدأه:
"أتؤمنين بالمثل الذي يقول المركبه الذي لها أكثر من قبطان سوف تغرق"
علقت بابتسامه منكسره:
"اكيد زي مابيقولوا كده المركب اللي فيها ييسيين بتغيق"
رد على هذا مسرعاً وقد دعم كلامها:
"جميـــل فهذه سفينه فما بالك بالكون إن قاده أكثر من واحد فماذا يحدث"
"تقصد أيه؟"
ردت على جملته بسؤال فأجابها بصدر رحب:
"أقصد أنه لو كان هناك أكثر من إله كما تدعون عندكم الأب والأبن والروح القدس وأن عيسي نصفه اله ونصفه بشر لغرق الكون لتعدد الإله وإن ارتدي ان تقولي حسنا لا نقول ان عيسي اله بل هوا ابن الله فسأقول لكي وما حاجه الإله لابن فلو احتاج الاله الى شئ فهذه صفة نقص أنه يحتاج وحاشي مكون الكون ان يكون فيه نقص بل هو اكمل الكاملين له الكمال وحده"
وردت وقد ظهر على ملامحها بوادر الاقتناع:
"كل كلمه بتخيج من شفايفك بثقه للديجه دي واثق من اللي بتقوله"
"الله علمني واعلمي ان كل شئ هنا يوصلكي لله"
"ازاي"
"الله يقول في القرءان الكريم: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)بمعني اننا اذا تأملنا حتي انفسنا علمنا انه لا يمكن ان يصنع هذا كله إلا إله واحد متنزه عن النقص والاحتياج لولد او زوجه او صاحبه بسم الله الرحمن الرحيم: (قل هوا الله أحد(١)الله الصمد(٢)لم يلد ولم يولد(٣) ولم يكن له كفوا أحد)"
"شعرت بهذه اللحظه أنه كاد ان يهزمها او يقنعها أيهما اقرب فتحدثت هي أيضاً بدليل من الأنجيل: وَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ إِلَى الأَرْضِ وَأَنَارَ أَذْهَانَنَا لِنَعْرِفَ الإِلهَ الْحَقَّ. وَنَحْنُ الآنَ نَحْيَا فِيهِ، لأَنَّنَا فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ، وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ."
رد على هذا بدليل من كلامها:
"سبق وقد أخبرتك أن الله واحد وبشهادتك انتي ان السفينه التي لها اكثر من قبطان تغرق"
"انت عايز تقنعني بالأسلام بمجيد مثال يابيدقوس"
قالت كلماتها باستهتار. فكان حديثه موجهاً لها بعدما أغمض عينه بشده محاولاً بكل جهده أن لا ينفعل ويظل على ثباته وهو يقول:
"قال الله علي لسانه عيسي"
فأوقفته هي باستنكار:
"لاء ثواني معلش يعني ايه قال الله علي لسان عيسي معناه ان عيسي قال هذا الكلام فهذا على لسانه ولكن الله ذكر كلامه في القرءان فالله نطق بهذا الكلام الذي تكلم به عيسي فمن باب الامانه ان نقول قال الله علي لسان عيسي"
احتفظت مارال بكامل هدوئها وهي تسأله:
"طب وعيسى قال نفس اللي قاله القرأن"
"لا هذا نفس ما قاله عيسي لكن باللغة العربيه لأن عيسي لم يكن من العرب اصل"
رد هو بنفس هدوئها فاكملت تسأله:
"طيب وربنا قال ايه على لسان عيسى"
قال الايات التاليه بصوته العذب، صوته الذي يشرح القلوب مما دب القشعريره بقلبها وارتعش كامل جسده من جمال صوته وعذوبته عندما سمعت الايات التاليه:
"إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"
أنهى بربروس تلاوته وتوقف صوته الذي يشرح القلوب ينظر لـ "مارال" تلك الواقفه أمامه ليجد بسمه تلقائيه على شفتاها تنظر لهُ برضا. فطالعها هو وقد احتضنت عيناها عيناه فتحدث بما يريد سماعه:
"ادعو الله من كل قلبي أن يحثك حديثنا الصغير هذا وينور قلبك للأسلام"
أنمحت البسمه من على وجهها ببطىء شديد ثم فاقت من نظراتها المهتمه بهِ واجابت بعيداً عن سؤاله:
"بيبيوس انا عايزه امشي، انا اصلاً هيجع بكيه مش هقدي اتأخي عن ماما اكتي من كده"
أنكمش حاجبه بضيق يراها تبتعد عنه وتدخل داخل المنزل. فصك على أسنانه بعدما احتدت نظراته لها يهمس لنفسه قائلاً:
"لا فائده"
ابتعدت عنه مارال بعدما صعدت على الدرج وعند وصولها على باب المنزل الكبير استدارت تطالعه فابتسم هو وقال يهمس لنفسه وهو يطالعها بنظرات ثابته:
"طبيبه أنتِ والطاء حاء، لكن لسوء حظي حلوه أنتِ وقبل الهاء فاء"
***
هذه الأمسيه ليست لطيفه بالنسبه للبعض. فهناك من يحاول ان يبرر ما كاد أن يرتكبه من جرم شنيع. كاد أن يوقع العائله بأكملها في مأزق لا يعلمون كيفيه الخروج منه. فطرق الباب يتحدث بهمس:
"افتحي ياغدير الباب، انا بحاول اتكلم معاكي من وقتها وانتِ مش مدياني فرصه من ساعه ما سيبنا الظابط فريد"
سمع صوتها من داخل الغرفه بنبره عاليه:
"امشي ياحسان دلوقتي انا مش عايزه اتكلم معاك"
فحثها على أن تخفض من نبرة صوتها قليلاً:
"طب ممكن توطي صوتك على الأقل أنتِ عارفه الخاله بتسمع دبة النمله"
فتحت باب عرفتها الخاصه بها هي وشمس تقف على اعتابه تتأفف بضيق قائله:
"عايز ايه ياحسان هتقول ايه، أنتَ عارف انا لو مكنتش سمعتك قبل ما تقول حاجه للي اسمه فريد ده كان هيحصل ايه"
فوضع كف يده على شفتيها بعيون راجيه يتوسل لها أن تخفض من نبرة صوتها قليلاً:
"أنتِ يعني عايزه تعرفي الخاله.. أنتِ عايزاها تشرب من دمي"
فقالت له بنظره متشفيه:
"والله لو شربت من دمك يبقى تستاهل"
"ومين قالك اني كنت هقولوا حاجه أصلاً يغدير هو انا لحقت افتح بوقي"
جذبته غدير من سترته وهي تكرر خلفه باستنكار:
"ملحقتش تفتح بوقك!!"
"عشان لحقتك قبل ما تفتحه لكن لو مكنتش لحقتك كنت زمانك كريت كل شىء وودتنا في داهيه"
ضيق حاجبه باستغراب يكرر كلمتها بسخريه:
"كريت!! أنتِ متأكده أنك كنتي عايشه في المانيا ده انا عمري ما طلعت من البلد وماعرفش الكلمه دي"
حاول التملص منها فعلقت هي بغيظ:
"اه.. اهرب.. اهرب وغلوش على الموضوع"
طالعها حسان وتحولت نبرته الى أخرى جاده وكأنه سيخبرها عن سر خطير:
"لا بجد انا مكنتش هقوله كنت هخترعله أي حاجه ياغدير انا ممكن الكل شايفني هنا العيل الصغير اللي ماينفعش حد يعتمد عليه بس انا لا يمكن اخون الأيد اللي اتمدتلي في يوم، ولولا الخاله بعد اهلي ما ماتوا وانها اعتنت بيا مكنتش عارف هبقى فين دلوقت صدقيني ياغدير انا مش وحش اوي كده عشان ارد الجميل بالأذيه"
تابعت هي تأكد على كلامه:
"انا عارفه انك جدع ومش قليل الأصل وبعدين احنا متربيين سوا وياما لعبنا سوا واتكلمنا سوا"
فرد هو بسخريه:
"ايه كميه سوا دي"
ضربته هي بخفه على كتفه:
"تصدق انا غلطانه"
فابتسم وهو يخبرها:
"طيب ماتناميش بقى واستني شمس عشان نقعد مع بعض زي زمان كلنا شويه سوا"
فأشارت بأصبعها بحركه دائريه:
"تاني سوا"
***
تجلس بهدوء واضح على ملامحها ولكن بداخلها بركان ثائر تتمنى بأشعال النار بمن حولها. والسؤال المسيطر على عقلها الأن:
"ياترى حصل ما بينهم اي دلوقت، ياترى هيرجع يحن ليها من جديد بعد السنين دي كلها، ياترى شخصيه عمار ظهرتلها وهو معاها"
انخرطت بداخل ذكرى حدثت بينهما في الماضي. هو الأن يجلس على الشازلونج الخاص بعيادتها مغمض العينين، يحاول جاهداً أن لا يتفوه بشىء بخصوص شمس. ولكنها أجبرته على التكلم بطريقتها. فسألته سؤال حاول كثيراً بأخفاء اجابته:
"هتفضل تحب شمس لحد أمتى ياياسين؟"
صمت لثواني فحثته هي على الأجابه تعتقد بأنها استطاعت اخيراً ان تنومه مغناطيسياً. فرد باسماً على سؤالها بسخريه:
"لما تعرفي والجاموسه بتولد الطور بيحزأ ليه"
فتح عينيه بعدما غمز لها بطرف عينيه يقف مستقيماً يتوجه بأتجاه المبرد يأخذ منه مشروبه المفضل. وقبل ان يرتشف منه أشار بكف يده أولاً:
"اجيبلك واحده"
تنهدت قائله بيأس:
"لا شكراً.. مش عايزه"
فجلس هو على المقعد المقابل لها وارتشف نصف الزجاجه مره واحده يقول لها سائلاً:
"مش ناويه تطلعي شمس من دماغك بقى.. كان يوم مش باينله ملامح لما حاكيتلك عنها وعرفتك سري انا وعمار"
أفاقتها كلمات تلك الجالسه بجوارها على الأرجوحه:
"روحتي فين يامشيره من ساعه ما قعدنا وانتِ سرحانه خالص"
أفاقت من ذكرياتها تخبرها بتردد:
"لا أبدا مافيش هاروح فين يعني يازهره، بس قوليلي أنتِ ليه بتخافي على شمس اوي كده"
فصمتت ثواني ثم تابعت:
"دي بنتي ولازم اخاف عليها وخصوصا لو مع ياسين"
نجحت زهره في كسب اهتمامها:
"ليه هو ياسين ماله؟"
هزت زهره كتفيها ببراءه:
"مالوش بس غدار شويتين اوبقي خللي بالك منه ياسين مش سهل وانتِ باين عليكي طيبه"
***
هما الأن على اعتاب القريه يقف بسيارته امام البوابه. في هذه اللحظه سمع رنين هاتفه الملقي امامه. نظرت شمس الى الهاتف دون ان تلمسه فوجدت أسم الخاله. فهتفت قائله باستغراب:
"أنتَ مسميها على تليفونك المزه كوكي"
فقبض على الهاتف بكف يده يفتح الأتصال ويضعه على أذنه مبتسماً قائلاً:
"اصلها كانت مزه بصراحه"
انتظر حتى اكملت والدته اسئلتها ونطق:
"لا مش أنتِ المزه.. أنتِ كنتى المزه يا امي"
استمع الى والدته وهو يستدار لها ليطمئنها:
"اطمني يا امي هما بخير انا خلاص عند البوابه داخل عليكي"
هز رأسه وهو يحاول انهاء المكالمه:
"تمام لما اوصل نبقى نتكلم"
توقفت السياره امام منزل الصاوي وقد خيم الصمت على الاجواء. تستطيع سماع صوت اوراق الشجر عندما يحركها الهواء لتشعر بأن كل شىء صامت هنا. فجأه ظهرت زهره من العدم تفتح باب السياره الخاص بأبنتها تجذبها من ذراعها وهي داخل السياره.
"الفجر أذن وانتوا لسه ماجيتوش مكانش ليكي لازمه خالص أنك تروحي"
كان "ياسين" قد نزل من سيارته يستمع لحديث "زهره" وهو يحرك أصابعه بين خصلات شعره للخلف بتعب حقيقي:
"هو أنتِ لسه صاحيه ياوليه مانمتيش ليه؟"
نظرت لهُ باشمئزاز وهي تجذب ابنتها خلفها:
"اصل مستنيه الأذن منك عشان انام ياسي ياسين"
انكمش حاجبي شمس دلاله لعدم فهمها:
"ماما في ايه؟"
"أنتِ تسكتي خالص وتيجي ورايا أنتِ فاهمه"
اشارت "زهره" برأسها لـ "ساره" وأنتِ كمان كفايه كده ياساره يلا عشان ترتاحي"
رحلوا معها تحت أنظار الجميع. فطالع "ياسين" يزن بعيون ثاقبه فهرب نظر بنظراته قائلاّ:
"أنا هطلع ياياسين كان يوم متعب أوي النهارده"
أشار ياسين برأسه بالموافقه يراهُ يبتعد عنه. فأتت مشيره من خلفه تحاول ان تستجمع كلماتها:
"ياسين انا ماجاليش نوم الا لما تيجي عشان كنت عايزه اقولك فبتر هو كلماتها بضجر: "معلش يامشيره مش وقته دلوقتي اوبقى قوليلي اللي انتِ عايزه تقوليه وقت تاني انا لازم امشي"
سألته مسرعه وهي تراه يبتعد أمام ناظريها:
"أنت رايح فين دلوقت؟"
لم تتلقى منه أي رد ولم يهتم هو بالرد عليها. فأسرع الى قبر عمار ينظر هنا وهناك يلتفت بكل مكان. وقعت عيناه على اللوح الرخامي المدون عليه أسمه قرأه بصوت مسموع "عمار بن يزيد الصاوي". ثم نادى عل اسمه بصوت مسموع وهو يلتفت يساراً ويميناً:
"عمــــــار، أنتَ فين، أنا عارف اني هلاقيك هنا"
كان الظلام يسود الاجواء لا تستطيع أن ترى كف يدك فقط ضوء القمر البسيط. من حولك الموتى بكل مكان. فظهر لهُ من العدم بعينين تغير لونهما الى اللون الأحمر القاتم تستطيع ان تراهم يضيؤن بهذه العتمه. كان يتحرك بسرعه كبيره حوله حتى وقف امامه قائلاً ببرود:
"عايز مني حاجه يابابا"
قال سرد ما يدور في خاطره:
"أنت كنت ممكن تقتلها النهارده"
قال "عمار" بأنفعال وهو يشير برأسه:
"أنت خفت عليها"
حرك "ياسين" رأسه موافقاً وتبع ذلك بقوله:
"أكيد خوفت عليها هي مالهاش ذنب عشان تمو ت"
قال "عمار" مبتسماً بظفر:
"يبقى انا كنت صح، انا كنت عارف انك ضعيف بيها وهتنساني اول ما تشوفها"
نفى "ياسين" ماقاله "عمار":
"ماحصلش ولا هيحصل اني هنساك في يوم بس بلاش موت ياعمار بلاش تقتلها لو على اني ارجع وابعد من هنا انا عايز ابعد وانت اللي مش راضي"
قال وهو يصرخ بأعلى صوته:
"عشان يزن اي حاجه في الدنيا تهون عشان يزن"
اخفض نبرة صوته قليلاً وهو يقول:
"يزن بيفتكرني بيك قربك منه بيحسسه بوجودي معاه وانا لا يمكن اكسره في يوم واخليك ترجع من غير ما تحضر فرحه"
فوقف ياسين ولأول مره متحدياً عمار:
"لو حاولت تأذيها مره تانيه هسيبه وامشي انتَ فاهم، أنا مش جاي عشان اقتل حد"
احتدت نظرة عمار لياسين وهو يطالعه وكأنه استحوذ على عقله بالكامل. فوضع ياسين يده على جبينه من شدة الألم يقول بعدما تجمد الدم بعروقه:
"اطلع من دماغي"
هنا أمره عمــار ومن الواضح انه يسيطر عليه بالكامل:
"أركع"
طبق عينيه بشده من كثرة الألم يحاول ان يرفض طلبه هذه المره:
"لاء"
فكرر طلبه مجدداً ببرود تام وهو على يقين بأنه سيستجيب لطلبه:
"هتركع وهتموتها وبعدها هتموت نفسك أنت فاهم يابابا"
أشار ياسين براسه بالموافقه. لحظه استسلام تام فقد سيطر على عقله بالكامل واصبح مريض بهِ. يحاول ياسين التخلص من مرضه كغريق يبحث عن قشايه للنجاه. فهل من منقذ له.
رواية الهجينة الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ماهي احمد
شعور العجز مقيت، فهو الأن عاجز أمام رغباته، رغبات "عمار" التي تزداد سوءٍ يوماً تلو الآخر.
يتردد إلى ذهنه آخر كلماته وهو يؤمره بقتلها، ما عاد يعنيه نفسه بشيء، فهو مستعد بالتضحية بنفسه طالما "عمار" رغب بذلك، ولكن "شمس" ما ذنبها؟ هل حقاً تستحق الموت؟
وجد نفسه ينخرط بذكرى داخل عقله، وتلك الرجفة التي أصابتها عندما حاوط كفه كفها الصغير، يحتضن عين عينيه بصدق.
فاق من تلك الذكرى التي حدثت بينهما منذ ساعات قليلة، فوقف يتحداه مجدداً للمرة الثانية، يطالع عينيه بتحدي.
"مش هقتلـ ـها ياعمار"
هُناك حزن يرغمك على الكلام، وهناك حزن يرغمك على البكاء، ولكن أشد أنواع الحزن هو ما يرغمك على الصمت، عدم البوح بما بداخلك، ألم داخل صدرك، وحمل يثقل كاهلك.
هو الأن يجلس بداخل غرفة مظلمة، تناسبه وتناسب حالته تماماً، يتقلب على فراشه يساراً ويميناً، يجاهد لأخذ حقه من النوم.
محاولات عدة قام بها "يزن" لأرغام نفسه على النوم حتى تهدأ تلك العاصفة بداخل رأسه، ولكن محاولاته باءت بالفشل، فما علمه منذ قليل لم يكن بالهين.
محاولة تهدئة نفسه والتصرف بحكمة لم تجدي نفعاً، حاول التنفس وكأن أحدهم سرق أنفاسه.
فخرج من غرفته يبحث عن ياسين، ظناً منه بأن ربما لديه الحل، قام بمهاتفته ولكن دون إجابة.
لم يمنعه ذلك من البحث عنه، ظل يسير هنا وهناك لا يعلم إلى أين ستأخذه قدماه، كل ما يريده هو التقاط بعض من أنفاسه الهاربة وإيجاده.
لا يعلم كيف قادته قدماه أمام مقبرته، مقبرة نصفه الآخر ورفيق دربه.
وجد "ياسين" يقف هناك أمام المقبرة، يتحدث إلى الفراغ أمامه قائلاً بضجر، بنبرة تحمل من الغضـ ـب ما يكفي:
"قولتلك مش هقتلـ ـها"
قال جملته بصوتٍ مزعج، نبرة خشنة.
لم يستطع يزن تمييز ما قاله، فانكمش حاجبـ ـه بريبة مما يحدث، وعاد خطوة للخلف.
فانزلقت إحدى قدميه بصخرة، استدار "ياسين" بجسده يطالعه وهو يعود للخلف، ووجهـ ـه مقابل لهُ يوجه له حديثه:
"أنتَ كنت بتكلم مين ياياسين؟"
رأى "ياسين" الذعر على ملامح وجهـ ـه، حاول أن يطمئنهُ، محارباً خوفه الذي وصل ذروته.
استدار ينظر أمامه من جديد، فلم يجد "عمار".
تنفس بعمق وهو يستنكر ما قاله يزن للتو:
"تقصد إيه؟"
رفع ذراعه للأعلى وهو يشير بأصبعه على اللوح الرخامي:
"أنتَ كُنت لسه حالاً بتبص للوح الرخامي اللي مكتوب عليه اسم عمار وكأنك بتكلمه، وقولت جملة ماقدرتش أميزها.. قولت مش هقولها.. أو.. مش عارف ماقدرتش أسمعها كويس"
تطلع لـ "يزن" وغزت ابتسامة ظهرت على فمه، محاولاً بها إخفاء حقيقة ما سرده يزن للتو:
"من ساعة ما جيت هنا وأنا بحب أجي أتكلم مع عمار في أي حاجة، بحس إنه موجود معايا.. بس أنتَ بقى إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟"
وجه له سؤاله وكأنه ينتظر فقط أن يسأله أحد ليفيض بما بداخله:
"أنا كمان بعمل كده لما بكون مخنوق، مابلاقيش غيره أتكلم معاه، بلاقي رجلي بتجيبني هنا لوحدها وكأنها عارفة طريقها. أنا المفروض كنت بدور عليك، جيت هنا إزاي مش عارف"
حاوطه "ياسين" بنظراته قبل أن يحادثه:
"أنا كنت حاسس إن في حاجة من وقت ما خرجنا من المستشفى، كنت حاسس بيك"
فقال "يزن" دون تردد وهو يبتلع ريقه بنبرة يملؤها التوتر:
"عارف، عشان كده لاجئتلك، وعارف إن عندك الحل"
انكمش حاجب "ياسين" يطالعه باستغراب، فجلس "يزن" بجانب اللوح الرخامي يتكئ بظهره عليه، يرفع نظره يطالعه بنظرة راجية:
"هتساعدني ياياسين؟"
أكد "ياسين" على كلمته دون تردد:
"أكيد، لو أقدر أساعدك مش هتأخر يايزن"
قال سؤاله وهو يجلس بجواره:
"الأشعة طلع فيها إيه يايزن؟"
كان هذا سؤال "ياسين"، فجاوبه "يزن" بشفة مرتعشة لا يقدر على نطقها:
"كانسر"
ظهر على وجه "ياسين" الذهول، فتابع "يزن" حديثه:
"في المرحلة التانية.. سارة ماينفعش يجرالها حاجة ياياسين، أنا فتحت عيني على الدنيا دي، لاقيتها هي وعمار قدامي. ما عرفتليش لا أب ولا أم، هي وعمار كانوا كل أهلي، وبعد عمار هي اللي سندتني عشان أقدر أقوم على رجليا من جديد وأكمل"
حرك كتفيه يسأل بعينين أوشك الحزن على قتلهما:
"أنتَ مش هتسمح إنها تمـ ـوت صح ياياسين؟"
علم "ياسين" مقصده، فأطبق الصمت.
استقام "يزن" واقفاً أمامه يسأل بجسد يرتجف كل أنـ ـبهِ وعينان دخلا في ملحمة عظيمة من الدموع:
"أنتَ مابتردش عليا ليه؟"
أجابه "ياسين" وهو يقف أمامه، لمعت عينيه بلمعة حزينة وهو يجاوبه:
"علشان لو أنتَ مفكر إن بعد اللعنة في إيدي شيء أعمله تبقى غلطان. بعد اللعنة ما تجددت كل واحد عنده موهبة راحت منه، ولو تقصد إنـ ـي أحولها فده ممكن.. بس هتمـ ـوت. اللعنة معموله عشان كده يا "يزن"، عشان مانتكاثرش، واللي نحوله هيبقى ضعيف شهر والتاني وهيمـ ـوت. أي حد اتحول بعد اللعنة بيمـ ـوت، وأنتَ عارف كده كويس"
نزلت دموع "يزن"، فحاول "ياسين" الاقتراب منه ناطقاً:
"أنا لو في إيدي شيء مش هستناك حتى تطلب. أنا نفسي مابقيتش زي الأول، بقيت ضعيف. اللعنة كل يوم بيعدي بتنهش في قوتنا، أه مش بيبان على شكلنا، بس إحنا بنضعف وهييجي علينا يوم هنكبر ونمـ ـوت مهما مرت من سنين"
فنطق "يزن" مستفسراً بعدم فهم:
"يعني إيه.. يعني أنتَ هتسيبها تمـ ـوت زي ما سيبت عمار يمـ ـوت؟"
أطلق كلماته كسهم، فبعض الكلمات كالقبور لا يشعر صاحبها كم أنها ممـ ـيتة، ولكنها تترك أثر بقلب المستمع.
طالعه "يزن" بجدية أكثر وهو يسترسل حديثه:
"أيوه.. مستغرب ليه؟ وكأنك مش عارف إنك السبب في مـ ـوته. لو ماكنتش سيبته يواجه العربي لوحده كان زمانه عايش وسطنا. لو كنت حطيت إيدك في إيده من الأول وماكنتش بتتخانق معاه على شمس كنتوا هتبقوا إيد واحدة"
ظهر "عمار" من جديد يقف خلف "يزن"، يبتسم ابتسامة داعمة لما يقوله "يزن"، فنطق بقهر وهو يقف أمامه:
"أنا اتقهرت منك وقلبي اتشرخ لما شوفتك سيبته ومشيت وهو لسه سايح في د مه، مشيت وبعدت عنه.. طول عمرك بعيد في حياته وحتى في مـ ـوته، ماهانش عليك تفضل جنبه وتدفنه؟ مادورتش على حل إنه يفضل عايش؟ سيبته واختفيت وهو قلبه بره جسمه"
طالع ياسين ذاك الفراغ خلف "يزن"، فأشار "عمار" برأسه لهُ يميناً ويساراً ينفي ما قاله "يزن" للتو:
"لاء ماتصدقهوش، أنا عايش ماموتش ياياسين"
لاحظ "يزن" شرود "ياسين" وكأنه يطالع أحداً خلفه، استدار بجسده ليرى من خلفه فلم يجد سوى الفراغ وراءه، فنظر لياسين مجدداً:
"أنتَ حتى مش مهتم باللي بقولهولك. أنا حاسس إني لوحدي وبكلم نفسي، أنا إيه اللي خلاني أفكر للحظة إنك ممكن تقف جنبي وتساعدني؟ أنتَ عمرك ما كنت ولا هتبقى زي عمااار"
استدار بجسده يستعد للمغادرة، يمسح وجنتيه بكف يده من دموعه المنهمرة، فأوقفته كلمات "ياسين" التالية:
"سارة مش هتمـ ـوت، مش هتبقى لوحدك، عشان أنا مش هسيبك في يوم يايزن. هنجرب دكتور واتنين وتلاتة، هنسافر تتعالج بره لو مافيش أمل هنا. ماتفقدش أملك في الله. أنا عارف إن الكلام اللي بقولهولك ده أنا آخر واحد تسمعه مني، بس لو أنتَ ضعفت سارة هتضعف بيك ومش هتكمل، بس وجودي جنبك هيقويك. أنا مابأسش، أنا ممكن ماكونش زي عمار، بس هعمل كل جهدي عشان أرجع أشوف البسمة على وشك من جديد أنتَ وسارة. ولو مافيش أمل من شفائها هحاول مع أمي عشانها حتى لو المحاولة هتجيب على حسابي.. بس مش عايزك تيأس، أنتَ لسه في الأول والمشوار قدامنا طويل"
كلماته مشابهة لكلمات "عمار" بالماضي، فكلما كان يقع بمشكلة يلجأ إليه كالعادة، ويوعده عمار بأنه سيظل بجواره حتى يخرج من ذلك المأزق. صدق كلماته، فكانت كل كلمة يقولها كان يقولها بنبرة صادقة وبنظرات تبعث الطمأنينة بقلب المتلقي.
كسا أعين "يزن" بريق نادم على ما قاله، ارتمى بأحضان ياسين يبكي، يريد أن يفيض بكل همه داخل ضلوعه، ورحب ياسين بذلك.
ما أجمل الوصول لغرفتك الخاصة بعد يوم متعب.
فتحت "شمس" غرفتها لتجد كلا من "حسان وغدير" ينتظرونها بالداخل، يجلسون بالشرفة يضعون أمامهم أطباق بها حبات اللب وبعض من المكسرات.
أشارت غدير بكف يدها على المقعد المجاور لها وهي تمضغ اللب بأسنانها:
"تعالي مستنيينك"
انتزعت "شمس" سترتها وألقتها على الفراش بملل وهي تقول:
"لا لا.. مش وقته النهارده خالص، أنا تعبانة أوي وهمـ ـوت وأنام، نبقى نقعد مع بعض وقت تاني"
وضع حسان الحامل الذي وضع عليه أكواب العصير وهو يقول بتحذير:
"خلي بالك، أنا عندي امتحانات الأيام اللي جاية ولو مقعدناش مع بعض دلوقتي، مش هنقعد تاني أقلها أسبوعين"
وافقت "شمس" بعد الضغط عليها من الاثنين، واتخذت مقعدها في الشرفة بجانب غدير، سائلة:
"ومن أمتى ياحسان بتهتم بامتحاناتك أوي كده؟ لاء وكمان عارف معاد الامتحان ده، فيه تطور كبير"
ضحكت "غدير" ورمقت "حسان" بتشفي:
"أصل ياسين حذره لو مانجحش في الملحقين هيشرب من د مه، وأنتِ عارفة ياسين يعملها بجد"
انكمشت ملامح "شمس" تتصنع الصدمة وهي تقول لـ "حسان" بعتاب:
"يعني هو لازم حد يهددك عشان تذاكر؟ ماينفعش تذاكر لوحدك أبداً وتنجح لنفسك مش عشان حد؟"
سمعوا طرق الباب، فكانت الطارقة هي سارة، فتحت باب الغرفة لتجدهم يجلسون بالشرفة، وتبعتها "مارال".
لم تجد مقاعد شاغرة، فوضعت الوسادة على الأرضية وجلسوا هما الاثنان عليها، فبدأت سارة الحديث:
"سمعنا صوتكم من البلكونة عرفنا إنكم صاحيين، مانمتوش"
التقطت "شمس" بعض من حبات اللب والمكسرات تضعها بكف سارة وهي تقول:
"دخلت لاقيتهم مجهزين القاعدة زي زمان. خيي ما عملتوا، أنا أصلاً مكنش جايلي نوم النهاردة، حاولت أنام ما عرفتش"
كان هذا رد مارال، وتابعه قول سارة:
"أنا بقى ببص من الشباك لاقيت يزن نزل من أوضته وما جاش لحد دلوقتي، وبتصل بيه مابيردش، قلقانة عليه أوي"
أخبرها "حسان" ببساطة شديدة، دعمتها ابتسامة:
"ماتقلقيش، أنا شوفت ياسين وهو ماشي ويزن بعدها مشي وراه، أكيد هما مع بعض دلوقتي، وطالما مع ياسين فامتقلقيش عليه"
فردت "غدير" مسرعة:
"بما إننا جبنا سيرة ياسين، بصوا لاقيت إيه على الفيس وأنا بقلب من يومين"
فردت مارال والفضول يسبقها:
"لاقيتي إيه ياذبـ ـلة؟"
"أكونت ياسين، بصوا كاتب إيه على البيو بتاعه"
أخرجت هاتفها وانحنى الجميع يصوبون نظراتهم تجاه شاشة هاتفها، فأكملت هي حديثها قائلة:
"ياترى والجاموسة بتولد الطور بيحزأ ليه"
ضحك الجميع بعدم فهم على جملته، مستفسرين ما معنى هذه الجملة الغريبة، باستثنائها هي، فهي الوحيدة التي تعلم معناها جيداً، فهي ليست مجرد جملة عادية بالنسبة له.
تنهدت "شمس" وهي تتذكر سنين مضت من عمرها، ولكنها تركت أثر كبير فيها:
"كانت قد بلغت عامها الخامس عشر، اليوم هو يوم ميلادها، ومثل كل عام لا يسمح بمرور يومها المميز كيوم عادي. نزل إلى القبو بعدما وضع قرص المنوم بداخل شراب خليله المربية بعدما تأكد بأنها قد استغرقت بالنوم، فمد لها كف يده وهو يحاول أن لا يصدر أي صوت حتى لا يسمعه "الضبع"، فاخبرها هامساً:
"أنا عارف إنك ما طلعتيش من هنا وماتعرفيش في إيه بره ولا شوفتي السما قبل كده ولا شميتي هوا نضيف. أنا هخرجك بره، اعتبري خروجك ده هدية عيد ميلادك زي كل سنة. بس أوعي تعملي صوت، الضبع لو حس إني خرجتك هيـ ـقتلـ ـنا احنا الاتنين سوا، هو آه عجوز بس جبار".
قالها ببسمة حانية، فأشارت برأسها بالموافقة، فهي تتوق للخروج منذ سنين.
عادت إلى الواقع عندما نطقت غدير بصوت مرتفع:
"طلع عيني لحد ما قبل طلب الصداقة، وأصلاً كان قافل الأكونت بتاعه، بس لما قبله وقلبت في الصور لاقيت صوره كلها لوحده"
كانت تقلب الشاشة على جميع صوره، فأوقفها حسان على صورة وهو يمسك بذئب أبيض بين يديه، يحني ركبتيه وينظر له بابتسامة ساحرة، فقالت سارة بعدم تصديق:
"الذئب ده شبه شيزار أوي"
وجهت حديثها إلى مارال:
"فاكراه يامارال؟"
"أكيد فاكياه، ده شبه بتاع داغي"
نفت غدير ما قالاه للتو:
"هو شبه بس مش هو، شيزار مميز عن الذئب ده"
فسأل حسان سؤاله:
"بس مش غريبة كل الصور الجامدة دي ومش معاه ولا صورة ليه هو ومشيره؟" فطالعته غدير قائلة:
"لاء، استني لي صورة هو والعقربة مشيرة دي، بس هي عملاله منشن فيها عشان كده ظاهرة عنده"
بحثت غدير عن الصورة حتى وجدتها:
"آهيه"
أتى صوت "مارال" تخبرها بعدم فهم:
"هو ماله بعيد عنها في الصورة كده ليه؟ معقول دول اتنين المفيوض بيحبوا بعض وهيتجوزوا؟"
مسحت سارة على خصلاتها مردفة بضحك:
"أقطع دراعي لو ما كان هيتجوزها تخليص حق، مش لايقين على بعض خالص"
كانت "شمس" تستمع لما يقولون دون أن تتدخل في حديثهما، فسألها "حسان" قائلاً:
"وأنتِ إيه رأيك ياشمس؟ هو فعلاً واخدها تخليص حق؟"
فأجابت بعيون زائغة تأكد ما ستقوله:
"ياسين اللي أعرفه مابيعملش حاجة غصب عنه"
أمسكت سارة بالهاتف بلهفة تشاهد صور أخرى لهُ:
"أوبا، الصورة دي جامدة أوي وهو حاطط البيزونت عليه تحفة"
فوافقها حسان قائلاً:
"والعربية اللي ساند عليها رهيبة"
فأكملت غدير حديثهما:
"ما دي عربيته، شوفته قبل كده صدفة وهو سايقها ومشيرة جنبه"
ارتفع حاجبي "مارال" بتفكير وهي تسأل:
"بس أنا بموت وأعاف، هي الجاموسة لما بتولد الطور بيحزأ ليه؟ ماتعيفيش انتي ياشمس؟"
انخرطت للمرة الثانية بنفس الذكرى، كل شيء يتجسد أمامها الآن، تستطيع الآن أن ترى نفسها وهي تقف بجواره بمنتصف القرية، بعدما حرص هو على الخروج ليلاً لعدم استطاعتها الرؤية عندما تكون الشمس بمنتصف السماء.
فوجدت "شمس" أمامها جاموسة وبجانبها طور، تقدمت نحوهم تاركة ياسين خلفها، تنظر لهما بانبهار، فهذه هي المرة الأولى التي ترى بها شيئ كهذا.
طالعت "ياسين" وكانت نظراتها مليئة بالتساؤل، فأجابها دون أن تنطق:
"اللي بقرنين ده اسمه طور، أما اللي جنبه دي اسمها جاموسة"
كانت تسير على أطرافها الأربعة، فلاحظت معاناة الجاموسة، فنظر "ياسين" إلى الجاموسة بترقب:
"دي باين عليها بتولد، بس عارفة المشكلة في إيه؟ أنا عارف إنها بتولد بس مش فاهم الطور ده بيحزأ جنبها ليه؟"
ارتسمت الأبتسامة على ملامحها عند تذكر هذه الذكرى البسيطة، ففاقت من شرودها على صوت زهره وهي تجذبها من مرفقها بعنف داخل غرفتها:
"كل ده يابت المهدي مع ياسين بتعملوا إيه؟"
قالت جملتها بضجر، فردت "ساره" مدافعة عنها:
"مع ياسين إيه ياطنط زهره، شمس كانت معايا ماسبتنيش لحظة من وقت ما مشينا من هنا، حتى لما دخلت أعمل أشعة ياسين استناني بره، هو ويزن وشمس دخلت معايا"
ضربت "ساره" مرفق "شمس" وأشارت لها برأسها حتى تدعم كلامها، فجذبت "شمس" مرفقها من كف "زهره" تنفي ما قالته "ساره" للتو:
"أنا مش عايزة أكذب عليكي ياأمي، أنا ممكن أقول أيوه أنا ماسيبتهاش وأنتِ هتصدقي وهتطلعي من هنا مرضية وراضية وأبقى كذبت عليكي وأنا مش عايزة أكذب عليكي. أنا فضلت مع ياسين بره شوية وسارة بتعمل الأشعة ويزن هو اللي دخل معاها مش أنا"
بدى الإحراج ملياً على وجه "ساره"، فقالت ببسمة مصطنعة تداري بها كذبتها:
"أنا كنت بحاول أهدي النفوس يازهورتي"
صكت "زهره" على أسنانها تطالع ابنتها بحذر، فأكملت "شمس" حديثها:
"ياماما، ياماما أنا مابقتش العيلة الصغيرة بتاعت زمان خلاص"
فردت "زهره" مسرعة:
"وأنتِ مهما كبرتي مش هتكبري على أمك ياشمس"
قالت بعيون راجية وهي تمسد على شعر ابنتها برفق:
"أنتِ ليه مش قادرة تفهمي؟ أنا مش عايز اكي تشوفي اللي أنا شوفته، عايزاكي تعيشي عيشة أحسن مني ألف مرة"
فابتسمت "ساره" وارتفع صوتها قائلة:
"أيوه بقى يا "زهور"، حني على البت ووريها حنانك"
دخلت غدير من الشرفة يتبعها حسان قائلاً:
"أنا كنت فاكر هيبقى فيه دم النهاردة"
فابتسمت "زهره" وهي تضمه إلى صدرها بحنان:
"ربنا يبعد عننا الدم يابني"
أخذت تطالع كلا من شمس وحسان تضمهم إلى صدرها أكثر:
"أنتوا عيالي اللي طلعت بيكم من الدنيا وماليش غيركم وعمري ما هحب ولا هخاف على حد زيكم في يوم"
فطالعت غدير بعيون لامعة متحدثة بنبرة هادئة:
"حتى غدير ربتها معاكم ووسطيكم لما كانت بتيجي هنا كل إجازة.. ربي العالم أنا بخاف عليكم قد إيه وياخوفي من اللي جاي ياولادي"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"قولتلك مش هقتلـ ـها ياعمار"
هُناك حزن يرغمك على الكلام، وهناك حزن يرغمك على البكاء، ولكن أشد أنواع الحزن هو ما يرغمك على الصمت، عدم البوح بما بداخلك، ألم داخل صدرك، وحمل يثقل كاهلك.
هو الأن يجلس بداخل غرفة مظلمة، تناسبه وتناسب حالته تماماً، يتقلب على فراشه يساراً ويميناً، يجاهد لأخذ حقه من النوم.
محاولات عدة قام بها "يزن" لأرغام نفسه على النوم حتى تهدأ تلك العاصفة بداخل رأسه، ولكن محاولاته باءت بالفشل، فما علمه منذ قليل لم يكن بالهين.
محاولة تهدئة نفسه والتصرف بحكمة لم تجدي نفعاً، حاول التنفس وكأن أحدهم سرق أنفاسه.
فخرج من غرفته يبحث عن ياسين، ظناً منه بأن ربما لديه الحل، قام بمهاتفته ولكن دون إجابة.
لم يمنعه ذلك من البحث عنه، ظل يسير هنا وهناك لا يعلم إلى أين ستأخذه قدماه، كل ما يريده هو التقاط بعض من أنفاسه الهاربة وإيجاده.
لا يعلم كيف قادته قدماه أمام مقبرته، مقبرة نصفه الآخر ورفيق دربه.
وجد "ياسين" يقف هناك أمام المقبرة، يتحدث إلى الفراغ أمامه قائلاً بضجر، بنبرة تحمل من الغضـ ـب ما يكفي:
"قولتلك مش هقتلـ ـها"
قال جملته بصوتٍ مزعج، نبرة خشنة.
لم يستطع يزن تمييز ما قاله، فانكمش حاجبـ ـه بريبة مما يحدث، وعاد خطوة للخلف.
فانزلقت إحدى قدميه بصخرة، استدار "ياسين" بجسده يطالعه وهو يعود للخلف، ووجهـ ـه مقابل لهُ يوجه له حديثه:
"أنتَ كنت بتكلم مين ياياسين؟"
رأى "ياسين" الذعر على ملامح وجهـ ـه، حاول أن يطمئنهُ، محارباً خوفه الذي وصل ذروته.
استدار ينظر أمامه من جديد، فلم يجد "عمار".
تنفس بعمق وهو يستنكر ما قاله يزن للتو:
"تقصد إيه؟"
رفع ذراعه للأعلى وهو يشير بأصبعه على اللوح الرخامي:
"أنتَ كُنت لسه حالاً بتبص للوح الرخامي اللي مكتوب عليه اسم عمار وكأنك بتكلمه، وقولت جملة ماقدرتش أميزها.. قولت مش هقولها.. أو.. مش عارف ماقدرتش أسمعها كويس"
تطلع لـ "يزن" وغزت ابتسامة ظهرت على فمه، محاولاً بها إخفاء حقيقة ما سرده يزن للتو:
"من ساعة ما جيت هنا وأنا بحب أجي أتكلم مع عمار في أي حاجة، بحس إنه موجود معايا.. بس أنتَ بقى إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟"
وجه له سؤاله وكأنه ينتظر فقط أن يسأله أحد ليفيض بما بداخله:
"أنا كمان بعمل كده لما بكون مخنوق، مابلاقيش غيره أتكلم معاه، بلاقي رجلي بتجيبني هنا لوحدها وكأنها عارفة طريقها. أنا المفروض كنت بدور عليك، جيت هنا إزاي مش عارف"
حاوطه "ياسين" بنظراته قبل أن يحادثه:
"أنا كنت حاسس إن في حاجة من وقت ما خرجنا من المستشفى، كنت حاسس بيك"
فقال "يزن" دون تردد وهو يبتلع ريقه بنبرة يملؤها التوتر:
"عارف، عشان كده لاجئتلك، وعارف إن عندك الحل"
انكمش حاجب "ياسين" يطالعه باستغراب، فجلس "يزن" بجانب اللوح الرخامي يتكئ بظهره عليه، يرفع نظره يطالعه بنظرة راجية:
"هتساعدني ياياسين؟"
أكد "ياسين" على كلمته دون تردد:
"أكيد، لو أقدر أساعدك مش هتأخر يايزن"
قال سؤاله وهو يجلس بجواره:
"الأشعة طلع فيها إيه يايزن؟"
كان هذا سؤال "ياسين"، فجاوبه "يزن" بشفة مرتعشة لا يقدر على نطقها:
"كانسر"
ظهر على وجه "ياسين" الذهول، فتابع "يزن" حديثه:
"في المرحلة التانية.. سارة ماينفعش يجرالها حاجة ياياسين، أنا فتحت عيني على الدنيا دي، لاقيتها هي وعمار قدامي. ما عرفتليش لا أب ولا أم، هي وعمار كانوا كل أهلي، وبعد عمار هي اللي سندتني عشان أقدر أقوم على رجليا من جديد وأكمل"
حرك كتفيه يسأل بعينين أوشك الحزن على قتلهما:
"أنتَ مش هتسمح إنها تمـ ـوت صح ياياسين؟"
علم "ياسين" مقصده، فأطبق الصمت.
استقام "يزن" واقفاً أمامه يسأل بجسد يرتجف كل أنـ ـبهِ وعينان دخلا في ملحمة عظيمة من الدموع:
"أنتَ مابتردش عليا ليه؟"
أجابه "ياسين" وهو يقف أمامه، لمعت عينيه بلمعة حزينة وهو يجاوبه:
"علشان لو أنتَ مفكر إن بعد اللعنة في إيدي شيء أعمله تبقى غلطان. بعد اللعنة ما تجددت كل واحد عنده موهبة راحت منه، ولو تقصد إنـ ـي أحولها فده ممكن.. بس هتمـ ـوت. اللعنة معموله عشان كده يا "يزن"، عشان مانتكاثرش، واللي نحوله هيبقى ضعيف شهر والتاني وهيمـ ـوت. أي حد اتحول بعد اللعنة بيمـ ـوت، وأنتَ عارف كده كويس"
نزلت دموع "يزن"، فحاول "ياسين" الاقتراب منه ناطقاً:
"أنا لو في إيدي شيء مش هستناك حتى تطلب. أنا نفسي مابقيتش زي الأول، بقيت ضعيف. اللعنة كل يوم بيعدي بتنهش في قوتنا، أه مش بيبان على شكلنا، بس إحنا بنضعف وهييجي علينا يوم هنكبر ونمـ ـوت مهما مرت من سنين"
فنطق "يزن" مستفسراً بعدم فهم:
"يعني إيه.. يعني أنتَ هتسيبها تمـ ـوت زي ما سيبت عمار يمـ ـوت؟"
أطلق كلماته كسهم، فبعض الكلمات كالقبور لا يشعر صاحبها كم أنها ممـ ـيتة، ولكنها تترك أثر بقلب المستمع.
طالعه "يزن" بجدية أكثر وهو يسترسل حديثه:
"أيوه.. مستغرب ليه؟ وكأنك مش عارف إنك السبب في مـ ـوته. لو ماكنتش سيبته يواجه العربي لوحده كان زمانه عايش وسطنا. لو كنت حطيت إيدك في إيده من الأول وماكنتش بتتخانق معاه على شمس كنتوا هتبقوا إيد واحدة"
ظهر "عمار" من جديد يقف خلف "يزن"، يبتسم ابتسامة داعمة لما يقوله "يزن"، فنطق بقهر وهو يقف أمامه:
"أنا اتقهرت منك وقلبي اتشرخ لما شوفتك سيبته ومشيت وهو لسه سايح في د مه، مشيت وبعدت عنه.. طول عمرك بعيد في حياته وحتى في مـ ـوته، ماهانش عليك تفضل جنبه وتدفنه؟ مادورتش على حل إنه يفضل عايش؟ سيبته واختفيت وهو قلبه بره جسمه"
طالع ياسين ذاك الفراغ خلف "يزن"، فأشار "عمار" برأسه لهُ يميناً ويساراً ينفي ما قاله "يزن" للتو:
"لاء ماتصدقهوش، أنا عايش ماموتش ياياسين"
لاحظ "يزن" شرود "ياسين" وكأنه يطالع أحداً خلفه، استدار بجسده ليرى من خلفه فلم يجد سوى الفراغ وراءه، فنظر لياسين مجدداً:
"أنتَ حتى مش مهتم باللي بقولهولك. أنا حاسس إني لوحدي وبكلم نفسي، أنا إيه اللي خلاني أفكر للحظة إنك ممكن تقف جنبي وتساعدني؟ أنتَ عمرك ما كنت ولا هتبقى زي عمااار"
استدار بجسده يستعد للمغادرة، يمسح وجنتيه بكف يده من دموعه المنهمرة، فأوقفته كلمات "ياسين" التالية:
"سارة مش هتمـ ـوت، مش هتبقى لوحدك، عشان أنا مش هسيبك في يوم يايزن. هنجرب دكتور واتنين وتلاتة، هنسافر تتعالج بره لو مافيش أمل هنا. ماتفقدش أملك في الله. أنا عارف إن الكلام اللي بقولهولك ده أنا آخر واحد تسمعه مني، بس لو أنتَ ضعفت سارة هتضعف بيك ومش هتكمل، بس وجودي جنبك هيقويك. أنا مابأسش، أنا ممكن ماكونش زي عمار، بس هعمل كل جهدي عشان أرجع أشوف البسمة على وشك من جديد أنتَ وسارة. ولو مافيش أمل من شفائها هحاول مع أمي عشانها حتى لو المحاولة هتجيب على حسابي.. بس مش عايزك تيأس، أنتَ لسه في الأول والمشوار قدامنا طويل"
كلماته مشابهة لكلمات "عمار" بالماضي، فكلما كان يقع بمشكلة يلجأ إليه كالعادة، ويوعده عمار بأنه سيظل بجواره حتى يخرج من ذلك المأزق. صدق كلماته، فكانت كل كلمة يقولها كان يقولها بنبرة صادقة وبنظرات تبعث الطمأنينة بقلب المتلقي.
كسا أعين "يزن" بريق نادم على ما قاله، ارتمى بأحضان ياسين يبكي، يريد أن يفيض بكل همه داخل ضلوعه، ورحب ياسين بذلك.
ما أجمل الوصول لغرفتك الخاصة بعد يوم متعب.
فتحت "شمس" غرفتها لتجد كلا من "حسان وغدير" ينتظرونها بالداخل، يجلسون بالشرفة يضعون أمامهم أطباق بها حبات اللب وبعض من المكسرات.
أشارت غدير بكف يدها على المقعد المجاور لها وهي تمضغ اللب بأسنانها:
"تعالي مستنيينك"
انتزعت "شمس" سترتها وألقتها على الفراش بملل وهي تقول:
"لا لا.. مش وقته النهارده خالص، أنا تعبانة أوي وهمـ ـوت وأنام، نبقى نقعد مع بعض وقت تاني"
وضع حسان الحامل الذي وضع عليه أكواب العصير وهو يقول بتحذير:
"خلي بالك، أنا عندي امتحانات الأيام اللي جاية ولو مقعدناش مع بعض دلوقتي، مش هنقعد تاني أقلها أسبوعين"
وافقت "شمس" بعد الضغط عليها من الاثنين، واتخذت مقعدها في الشرفة بجانب غدير، سائلة:
"ومن أمتى ياحسان بتهتم بامتحاناتك أوي كده؟ لاء وكمان عارف معاد الامتحان ده، فيه تطور كبير"
ضحكت "غدير" ورمقت "حسان" بتشفي:
"أصل ياسين حذره لو مانجحش في الملحقين هيشرب من د مه، وأنتِ عارفة ياسين يعملها بجد"
انكمشت ملامح "شمس" تتصنع الصدمة وهي تقول لـ "حسان" بعتاب:
"يعني هو لازم حد يهددك عشان تذاكر؟ ماينفعش تذاكر لوحدك أبداً وتنجح لنفسك مش عشان حد؟"
سمعوا طرق الباب، فكانت الطارقة هي سارة، فتحت باب الغرفة لتجدهم يجلسون بالشرفة، وتبعتها "مارال".
لم تجد مقاعد شاغرة، فوضعت الوسادة على الأرضية وجلسوا هما الاثنان عليها، فبدأت سارة الحديث:
"سمعنا صوتكم من البلكونة عرفنا إنكم صاحيين، مانمتوش"
التقطت "شمس" بعض من حبات اللب والمكسرات تضعها بكف سارة وهي تقول:
"دخلت لاقيتهم مجهزين القاعدة زي زمان. خيي ما عملتوا، أنا أصلاً مكنش جايلي نوم النهاردة، حاولت أنام ما عرفتش"
كان هذا رد مارال، وتابعه قول سارة:
"أنا بقى ببص من الشباك لاقيت يزن نزل من أوضته وما جاش لحد دلوقتي، وبتصل بيه مابيردش، قلقانة عليه أوي"
أخبرها "حسان" ببساطة شديدة، دعمتها ابتسامة:
"ماتقلقيش، أنا شوفت ياسين وهو ماشي ويزن بعدها مشي وراه، أكيد هما مع بعض دلوقتي، وطالما مع ياسين فامتقلقيش عليه"
فردت "غدير" مسرعة:
"بما إننا جبنا سيرة ياسين، بصوا لاقيت إيه على الفيس وأنا بقلب من يومين"
فردت مارال والفضول يسبقها:
"لاقيتي إيه ياذبـ ـلة؟"
"أكونت ياسين، بصوا كاتب إيه على البيو بتاعه"
أخرجت هاتفها وانحنى الجميع يصوبون نظراتهم تجاه شاشة هاتفها، فأكملت هي حديثها قائلة:
"ياترى والجاموسة بتولد الطور بيحزأ ليه"
ضحك الجميع بعدم فهم على جملته، مستفسرين ما معنى هذه الجملة الغريبة، باستثنائها هي، فهي الوحيدة التي تعلم معناها جيداً، فهي ليست مجرد جملة عادية بالنسبة له.
تنهدت "شمس" وهي تتذكر سنين مضت من عمرها، ولكنها تركت أثر كبير فيها:
"كانت قد بلغت عامها الخامس عشر، اليوم هو يوم ميلادها، ومثل كل عام لا يسمح بمرور يومها المميز كيوم عادي. نزل إلى القبو بعدما وضع قرص المنوم بداخل شراب خليله المربية بعدما تأكد بأنها قد استغرقت بالنوم، فمد لها كف يده وهو يحاول أن لا يصدر أي صوت حتى لا يسمعه "الضبع"، فاخبرها هامساً:
"أنا عارف إنك ما طلعتيش من هنا وماتعرفيش في إيه بره ولا شوفتي السما قبل كده ولا شميتي هوا نضيف. أنا هخرجك بره، اعتبري خروجك ده هدية عيد ميلادك زي كل سنة. بس أوعي تعملي صوت، الضبع لو حس إني خرجتك هيـ ـقتلـ ـنا احنا الاتنين سوا، هو آه عجوز بس جبار".
قالها ببسمة حانية، فأشارت برأسها بالموافقة، فهي تتوق للخروج منذ سنين.
عادت إلى الواقع عندما نطقت غدير بصوت مرتفع:
"طلع عيني لحد ما قبل طلب الصداقة، وأصلاً كان قافل الأكونت بتاعه، بس لما قبله وقلبت في الصور لاقيت صوره كلها لوحده"
كانت تقلب الشاشة على جميع صوره، فأوقفها حسان على صورة وهو يمسك بذئب أبيض بين يديه، يحني ركبتيه وينظر له بابتسامة ساحرة، فقالت سارة بعدم تصديق:
"الذئب ده شبه شيزار أوي"
وجهت حديثها إلى مارال:
"فاكراه يامارال؟"
"أكيد فاكياه، ده شبه بتاع داغي"
نفت غدير ما قالاه للتو:
"هو شبه بس مش هو، شيزار مميز عن الذئب ده"
فسأل حسان سؤاله:
"بس مش غريبة كل الصور الجامدة دي ومش معاه ولا صورة ليه هو ومشيره؟" فطالعته غدير قائلة:
"لاء، استني لي صورة هو والعقربة مشيرة دي، بس هي عملاله منشن فيها عشان كده ظاهرة عنده"
بحثت غدير عن الصورة حتى وجدتها:
"آهيه"
أتى صوت "مارال" تخبرها بعدم فهم:
"هو ماله بعيد عنها في الصورة كده ليه؟ معقول دول اتنين المفيوض بيحبوا بعض وهيتجوزوا؟"
مسحت سارة على خصلاتها مردفة بضحك:
"أقطع دراعي لو ما كان هيتجوزها تخليص حق، مش لايقين على بعض خالص"
كانت "شمس" تستمع لما يقولون دون أن تتدخل في حديثهما، فسألها "حسان" قائلاً:
"وأنتِ إيه رأيك ياشمس؟ هو فعلاً واخدها تخليص حق؟"
فأجابت بعيون زائغة تأكد ما ستقوله:
"ياسين اللي أعرفه مابيعملش حاجة غصب عنه"
أمسكت سارة بالهاتف بلهفة تشاهد صور أخرى لهُ:
"أوبا، الصورة دي جامدة أوي وهو حاطط البيزونت عليه تحفة"
فوافقها حسان قائلاً:
"والعربية اللي ساند عليها رهيبة"
فأكملت غدير حديثهما:
"ما دي عربيته، شوفته قبل كده صدفة وهو سايقها ومشيرة جنبه"
ارتفع حاجبي "مارال" بتفكير وهي تسأل:
"بس أنا بموت وأعاف، هي الجاموسة لما بتولد الطور بيحزأ ليه؟ ماتعيفيش انتي ياشمس؟"
انخرطت للمرة الثانية بنفس الذكرى، كل شيء يتجسد أمامها الآن، تستطيع الآن أن ترى نفسها وهي تقف بجواره بمنتصف القرية، بعدما حرص هو على الخروج ليلاً لعدم استطاعتها الرؤية عندما تكون الشمس بمنتصف السماء.
فوجدت "شمس" أمامها جاموسة وبجانبها طور، تقدمت نحوهم تاركة ياسين خلفها، تنظر لهما بانبهار، فهذه هي المرة الأولى التي ترى بها شيئ كهذا.
طالعت "ياسين" وكانت نظراتها مليئة بالتساؤل، فأجابها دون أن تنطق:
"اللي بقرنين ده اسمه طور، أما اللي جنبه دي اسمها جاموسة"
كانت تسير على أطرافها الأربعة، فلاحظت معاناة الجاموسة، فنظر "ياسين" إلى الجاموسة بترقب:
"دي باين عليها بتولد، بس عارفة المشكلة في إيه؟ أنا عارف إنها بتولد بس مش فاهم الطور ده بيحزأ جنبها ليه؟"
ارتسمت الأبتسامة على ملامحها عند تذكر هذه الذكرى البسيطة، ففاقت من شرودها على صوت زهره وهي تجذبها من مرفقها بعنف داخل غرفتها:
"كل ده يابت المهدي مع ياسين بتعملوا إيه؟"
قالت جملتها بضجر، فردت "ساره" مدافعة عنها:
"مع ياسين إيه ياطنط زهره، شمس كانت معايا ماسبتنيش لحظة من وقت ما مشينا من هنا، حتى لما دخلت أعمل أشعة ياسين استناني بره، هو ويزن وشمس دخلت معايا"
ضربت "ساره" مرفق "شمس" وأشارت لها برأسها حتى تدعم كلامها، فجذبت "شمس" مرفقها من كف "زهره" تنفي ما قالته "ساره" للتو:
"أنا مش عايزة أكذب عليكي ياأمي، أنا ممكن أقول أيوه أنا ماسيبتهاش وأنتِ هتصدقي وهتطلعي من هنا مرضية وراضية وأبقى كذبت عليكي وأنا مش عايزة أكذب عليكي. أنا فضلت مع ياسين بره شوية وسارة بتعمل الأشعة ويزن هو اللي دخل معاها مش أنا"
بدى الإحراج ملياً على وجه "ساره"، فقالت ببسمة مصطنعة تداري بها كذبتها:
"أنا كنت بحاول أهدي النفوس يازهورتي"
صكت "زهره" على أسنانها تطالع ابنتها بحذر، فأكملت "شمس" حديثها:
"ياماما، ياماما أنا مابقتش العيلة الصغيرة بتاعت زمان خلاص"
فردت "زهره" مسرعة:
"وأنتِ مهما كبرتي مش هتكبري على أمك ياشمس"
قالت بعيون راجية وهي تمسد على شعر ابنتها برفق:
"أنتِ ليه مش قادرة تفهمي؟ أنا مش عايز اكي تشوفي اللي أنا شوفته، عايزاكي تعيشي عيشة أحسن مني ألف مرة"
فابتسمت "ساره" وارتفع صوتها قائلة:
"أيوه بقى يا "زهور"، حني على البت ووريها حنانك"
دخلت غدير من الشرفة يتبعها حسان قائلاً:
"أنا كنت فاكر هيبقى فيه دم النهاردة"
فابتسمت "زهره" وهي تضمه إلى صدرها بحنان:
"ربنا يبعد عننا الدم يابني"
أخذت تطالع كلا من شمس وحسان تضمهم إلى صدرها أكثر:
"أنتوا عيالي اللي طلعت بيكم من الدنيا وماليش غيركم وعمري ما هحب ولا هخاف على حد زيكم في يوم"
فطالعت غدير بعيون لامعة متحدثة بنبرة هادئة:
"حتى غدير ربتها معاكم ووسطيكم لما كانت بتيجي هنا كل إجازة.. ربي العالم أنا بخاف عليكم قد إيه وياخوفي من اللي جاي ياولادي"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"قولتلك مش هقتلـ ـها ياعمار"
هُناك حزن يرغمك على الكلام، وهناك حزن يرغمك على البكاء، ولكن أشد أنواع الحزن هو ما يرغمك على الصمت، عدم البوح بما بداخلك، ألم داخل صدرك، وحمل يثقل كاهلك.
هو الأن يجلس بداخل غرفة مظلمة، تناسبه وتناسب حالته تماماً، يتقلب على فراشه يساراً ويميناً، يجاهد لأخذ حقه من النوم.
محاولات عدة قام بها "يزن" لأرغام نفسه على النوم حتى تهدأ تلك العاصفة بداخل رأسه، ولكن محاولاته باءت بالفشل، فما علمه منذ قليل لم يكن بالهين.
محاولة تهدئة نفسه والتصرف بحكمة لم تجدي نفعاً، حاول التنفس وكأن أحدهم سرق أنفاسه.
فخرج من غرفته يبحث عن ياسين، ظناً منه بأن ربما لديه الحل، قام بمهاتفته ولكن دون إجابة.
لم يمنعه ذلك من البحث عنه، ظل يسير هنا وهناك لا يعلم إلى أين ستأخذه قدماه، كل ما يريده هو التقاط بعض من أنفاسه الهاربة وإيجاده.
لا يعلم كيف قادته قدماه أمام مقبرته، مقبرة نصفه الآخر ورفيق دربه.
وجد "ياسين" يقف هناك أمام المقبرة، يتحدث إلى الفراغ أمامه قائلاً بضجر، بنبرة تحمل من الغضـ ـب ما يكفي:
"قولتلك مش هقتلـ ـها"
قال جملته بصوتٍ مزعج، نبرة خشنة.
لم يستطع يزن تمييز ما قاله، فانكمش حاجبـ ـه بريبة مما يحدث، وعاد خطوة للخلف.
فانزلقت إحدى قدميه بصخرة، استدار "ياسين" بجسده يطالعه وهو يعود للخلف، ووجهـ ـه مقابل لهُ يوجه له حديثه:
"أنتَ كنت بتكلم مين ياياسين؟"
رأى "ياسين" الذعر على ملامح وجهـ ـه، حاول أن يطمئنهُ، محارباً خوفه الذي وصل ذروته.
استدار ينظر أمامه من جديد، فلم يجد "عمار".
تنفس بعمق وهو يستنكر ما قاله يزن للتو:
"تقصد إيه؟"
رفع ذراعه للأعلى وهو يشير بأصبعه على اللوح الرخامي:
"أنتَ كُنت لسه حالاً بتبص للوح الرخامي اللي مكتوب عليه اسم عمار وكأنك بتكلمه، وقولت جملة ماقدرتش أميزها.. قولت مش هقولها.. أو.. مش عارف ماقدرتش أسمعها كويس"
تطلع لـ "يزن" وغزت ابتسامة ظهرت على فمه، محاولاً بها إخفاء حقيقة ما سرده يزن للتو:
"من ساعة ما جيت هنا وأنا بحب أجي أتكلم مع عمار في أي حاجة، بحس إنه موجود معايا.. بس أنتَ بقى إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟"
وجه له سؤاله وكأنه ينتظر فقط أن يسأله أحد ليفيض بما بداخله:
"أنا كمان بعمل كده لما بكون مخنوق، مابلاقيش غيره أتكلم معاه، بلاقي رجلي بتجيبني هنا لوحدها وكأنها عارفة طريقها. أنا المفروض كنت بدور عليك، جيت هنا إزاي مش عارف"
حاوطه "ياسين" بنظراته قبل أن يحادثه:
"أنا كنت حاسس إن في حاجة من وقت ما خرجنا من المستشفى، كنت حاسس بيك"
فقال "يزن" دون تردد وهو يبتلع ريقه بنبرة يملؤها التوتر:
"عارف، عشان كده لاجئتلك، وعارف إن عندك الحل"
انكمش حاجب "ياسين" يطالعه باستغراب، فجلس "يزن" بجانب اللوح الرخامي يتكئ بظهره عليه، يرفع نظره يطالعه بنظرة راجية:
"هتساعدني ياياسين؟"
أكد "ياسين" على كلمته دون تردد:
"أكيد، لو أقدر أساعدك مش هتأخر يايزن"
قال سؤاله وهو يجلس بجواره:
"الأشعة طلع فيها إيه يايزن؟"
كان هذا سؤال "ياسين"، فجاوبه "يزن" بشفة مرتعشة لا يقدر على نطقها:
"كانسر"
ظهر على وجه "ياسين" الذهول، فتابع "يزن" حديثه:
"في المرحلة التانية.. سارة ماينفعش يجرالها حاجة ياياسين، أنا فتحت عيني على الدنيا دي، لاقيتها هي وعمار قدامي. ما عرفتليش لا أب ولا أم، هي وعمار كانوا كل أهلي، وبعد عمار هي اللي سندتني عشان أقدر أقوم على رجليا من جديد وأكمل"
حرك كتفيه يسأل بعينين أوشك الحزن على قتلهما:
"أنتَ مش هتسمح إنها تمـ ـوت صح ياياسين؟"
علم "ياسين" مقصده، فأطبق الصمت.
استقام "يزن" واقفاً أمامه يسأل بجسد يرتجف كل أنـ ـبهِ وعينان دخلا في ملحمة عظيمة من الدموع:
"أنتَ مابتردش عليا ليه؟"
أجابه "ياسين" وهو يقف أمامه، لمعت عينيه بلمعة حزينة وهو يجاوبه:
"علشان لو أنتَ مفكر إن بعد اللعنة في إيدي شيء أعمله تبقى غلطان. بعد اللعنة ما تجددت كل واحد عنده موهبة راحت منه، ولو تقصد إنـ ـي أحولها فده ممكن.. بس هتمـ ـوت. اللعنة معموله عشان كده يا "يزن"، عشان مانتكاثرش، واللي نحوله هيبقى ضعيف شهر والتاني وهيمـ ـوت. أي حد اتحول بعد اللعنة بيمـ ـوت، وأنتَ عارف كده كويس"
نزلت دموع "يزن"، فحاول "ياسين" الاقتراب منه ناطقاً:
"أنا لو في إيدي شيء مش هستناك حتى تطلب. أنا نفسي مابقيتش زي الأول، بقيت ضعيف. اللعنة كل يوم بيعدي بتنهش في قوتنا، أه مش بيبان على شكلنا، بس إحنا بنضعف وهييجي علينا يوم هنكبر ونمـ ـوت مهما مرت من سنين"
فنطق "يزن" مستفسراً بعدم فهم:
"يعني إيه.. يعني أنتَ هتسيبها تمـ ـوت زي ما سيبت عمار يمـ ـوت؟"
أطلق كلماته كسهم، فبعض الكلمات كالقبور لا يشعر صاحبها كم أنها ممـ ـيتة، ولكنها تترك أثر بقلب المستمع.
طالعه "يزن" بجدية أكثر وهو يسترسل حديثه:
"أيوه.. مستغرب ليه؟ وكأنك مش عارف إنك السبب في مـ ـوته. لو ماكنتش سيبته يواجه العربي لوحده كان زمانه عايش وسطنا. لو كنت حطيت إيدك في إيده من الأول وماكنتش بتتخانق معاه على شمس كنتوا هتبقوا إيد واحدة"
ظهر "عمار" من جديد يقف خلف "يزن"، يبتسم ابتسامة داعمة لما يقوله "يزن"، فنطق بقهر وهو يقف أمامه:
"أنا اتقهرت منك وقلبي اتشرخ لما شوفتك سيبته ومشيت وهو لسه سايح في د مه، مشيت وبعدت عنه.. طول عمرك بعيد في حياته وحتى في مـ ـوته، ماهانش عليك تفضل جنبه وتدفنه؟ مادورتش على حل إنه يفضل عايش؟ سيبته واختفيت وهو قلبه بره جسمه"
طالع ياسين ذاك الفراغ خلف "يزن"، فأشار "عمار" برأسه لهُ يميناً ويساراً ينفي ما قاله "يزن" للتو:
"لاء ماتصدقهوش، أنا عايش ماموتش ياياسين"
لاحظ "يزن" شرود "ياسين" وكأنه يطالع أحداً خلفه، استدار بجسده ليرى من خلفه فلم يجد سوى الفراغ وراءه، فنظر لياسين مجدداً:
"أنتَ حتى مش مهتم باللي بقولهولك. أنا حاسس إني لوحدي وبكلم نفسي، أنا إيه اللي خلاني أفكر للحظة إنك ممكن تقف جنبي وتساعدني؟ أنتَ عمرك ما كنت ولا هتبقى زي عمااار"
استدار بجسده يستعد للمغادرة، يمسح وجنتيه بكف يده من دموعه المنهمرة، فأوقفته كلمات "ياسين" التالية:
"سارة مش هتمـ ـوت، مش هتبقى لوحدك، عشان أنا مش هسيبك في يوم يايزن. هنجرب دكتور واتنين وتلاتة، هنسافر تتعالج بره لو مافيش أمل هنا. ماتفقدش أملك في الله. أنا عارف إن الكلام اللي بقولهولك ده أنا آخر واحد تسمعه مني، بس لو
رواية الهجينة الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم ماهي احمد
هَـمَسَ "ياسين" بأذنيها:
_أنا هاروح أركن العربية في مكان قريب وأنتَ اطلع العيادة يا "يزن" وأنا هطلع وراكم.
أشار "يزن" برأسه بالموافقة.
ضغط "ياسين" على المكابح مسرعاً وكأنه يهرب من شيء ما، ربما من عدم النظر إليها، أو ربما من نفسه هو نفسه. لا يعلم.
***
ربما هناك ألم بداخل صدورنا، مهما حاولنا إخفاءه، تفضحه الأعين بمجرد النظر إليهما.
لاحظ "بربروس" الحزن بعيون "مارال" من آخر محادثة بينهما، وهي تحاول تجنب حديثه. بحث عنها بعينيه حتى شعر بها. هي الآن بداخل غرفة غدير، تضب أغراضها بحقيبتها تستعد للمغادرة. لم يستطع الدخول ولكنه انتظر بالخارج، حتى لا يكونا بمفردهما بداخل غرفة مغلقة.
انتهت هي مما تفعله، تنادي على غدير من الداخل. لم تجب عليها حتى خرجت تبحث عنها، لتجده أمامها.
صنع "بربروس" عدم معرفته بتجاهلها له، فبدأ بقول:
_أنويتي العودة؟
فأجابت، تنظر بعيون باحثة عن غدير:
_آه.. ماشوفتش غدي.
تجاهل سؤالها وهو يصوب نظره تجاهها أكثر:
_أسنعود بتلك السرعة؟
كمشت حاجبيها وهي تصوب نظرها تجاهه، تكرر كلمته:
_سنعود!! بالتأكيد، فلن أتركك تعودين بمفردك.
تحركت من أمامه تجاوبه:
_بيبيوس أنا مش عيلة صغيرة وزي ما عرفت أجيب لوحدي، أكيد هعرف أروح لوحدي.
استدار بوجهه يتابعها بعينيه تبتعد عنه، يتجاهل ما قالته قائلاً بسخرية بصوت عالٍ نسبياً:
_حسناً، خذيني أنتِ معك لأني ضللت الطريق.
ابتسمت مارال دون أن تنظر خلفها، فأكملت طريقها تبحث عن غدير بالخارج.
***
دخل "يزن" بخطوات بطيئة مترددة للعيادة، يخشى أن يصل إليها ويضطر لسماع ما يؤكد بإصابة حبيبته "سارة" بهذا المرض اللعين. يتقدم نحو الممرضة على أمل أن ينفي الدكتور ما بالأشعة التي أحضرها معه.
ابتلع ريقه بتردد وهو يردد:
_في حجز باسم سارة العربي.
أشارت الممرضة برأسها بالإيجاب بعدما تحققت من دفتر المواعيد:
_آيوة يا فندم، بس للأسف الدكتور هيتأخر النهارده شوية، لو تسمحوا تقعدوا تستنوه. هو قدامه بالظبط نص ساعة.
أشارت "سارة" برأسها بالموافقة بعدما قرأت اليافطة المكتوب عليها تخصص الطبيب. جلست على المقعد سائلة "يزن" بهمس:
_دكتور مخ وأعصاب؟ ليه يايزن؟
فمال هو بوجهه هامساً بأذنها:
_إنتِ هبلة يا سارة، إنتِ مش بتحسي بصداع ودوخة في راسك؟ هوديكي فين غير مخ وأعصاب.
ذمت على شفتيها من كثرة اهتمامه بهذا الدوران الخفيف الذي شعرت به. فلم يأتي ببالها قط بأن يكون لديها ذلك المرض الخبيث.
وقفت "شمس" بعدما رفضت الجلوس، تسأل الممرضة عن الدكتور "سمير فايز" إذا كان بالقرب من هنا. فأجابتها الممرضة تشير بإصبعها جهة اليسار:
_تقصدي دكتور سمير، دكتور أمراض نفسية وعصبية.
أشارت "شمس" رأسها بالإيجاب:
_أيوه هو.
استكملت الممرضة أجابتها قائلة:
_هتلاقيه بعدنا بشارعين، برج الجوهره، الدور الرابع.
ابتسمت شمس بسمة شاكرة لها، تاركة إياها تخبر يزن وسارة قائلة:
_طالما الدكتور هيتأخر شوية، هاروح أعمل حاجة جيت عشانها مخصوص.
فردت "سارة" مسرعة:
_طيب افرضي اتأخرتي، ماتقلقيش، معايا تليفوني في الشنطة، أول ما تخلصوا رنوا عليا على طول.
اعترض "يزن" على طلبها وهو يقول:
_لأ يا شمس، إحنا جينا مع بعض وهنمشي سوا، استني نكشف ونيجي معاكي مكان ما تحبي.
فأجابته بعينين راجيتين:
_أرجوك يا "يزن"، أنا مش هتأخر، عشان خاطري سيبني أمشي قبل ما ييجي ياسين، أنا هسأل عن حاجة قريبة من هنا وهاجي بسرعة.
تنهد بعد إلحاحها، وهو يخبرها بما استمعت له برضا:
_طيب، ماتتأخريش، ساعة بالكتير وتكوني هنا. هتصل بيكي كل شوية.
أشارت برأسها وهي مبتسمة، تبتعد عنهم ناحية الباب:
_مش هتأخر، مسافة السكة.
***
لم تطأ قدمه العيادة حتى الآن. كان يتسكع في الطرقات محاولاً تجنبها على أي حال. فأتاه اتصال في هذه اللحظة ليجد المتصل "الطبيب علي". رد وهو متوقع سيل الأسئلة التي ستنطلق عليه الآن.
ليسمع صوت "الطبيب" يقول:
_إنتَ أخدت "شمس" معاك ياياسين؟
رد عليه بإيجاز:
_مش أنا اللي أخدتها، هي اللي جت فمشيت.
وصل إلى مسامعه تعنيف "زهره" الشديد، تلك الواقفة بجوار "الطبيب" تتحدث بصوت عالٍ، عل صوتها يصل له:
_يعني إيه هي اللي جت؟ وإزاي تاخدها وتمشي من غير ما تقول لحد؟ أنا بنتي مش هتركب معاك لوحدها، أكيد أنتَ اللي أجبرتها.
أضاف بعض البرود بكلامه يحاول استفزازها أكثر:
_سكت الولية اللي جنبك دي يا علي.
حاول "الطبيب" إضفاء بعض الهدوء لفض النار المشتعلة بين الاثنين:
_ياسين، ارجوك، زهره مراتي وشمس بنتها، ومن حقها تقلق عليها.
هنا ظهر ضجره جلياً وهو يقول:
_أنا ساكتلها بس عشان هي مراتك يا علي، وبعدين أنا ما أجبرتهاش تيجي معايا زي ما هي بتقول، هي اللي ركبت معانا بإرادتها.
فأتت "غدير" من خلف الطبيب تدعم كلامه:
_أيوه أنا شوفتها يا طنط زهره وهي بتركب معاهم أول ما عرفت إنهم رايحين أسيوط، وياسين ما اتكلمش أصلاً.
رمقت مشيرة غدير بنظرات، لو كانت النظرات سيوف لقطعتها أربًا. فأكد عليها الطبيب:
_إنتِ متأكدة يا غدير إن مش هو اللي قالها تعالي معانا؟
فأجابت مسرعة تؤكد كلامها مرة أخرى:
_آيوة متأكدة.. وبالعكس، دي سارة هي اللي قالت لها تعالي معانا، مش ياسين، وهي ما صدقت وركبت معاهم على طول.
_طيب هي فين دلوقتي؟ أدهاني.
قالتها زهره بانفعال جراء فعلتها الهوجاء هذه. فأجاب هو بالنفي:
_مش معايا. اتصلي بيها على موبايلها، هي مع يزن وسارة.
تنفست مشيرة بارتياح عندما علمت بعدم تواجدها معه. فردت زهره بعصبية أكثر:
_ما لو كان تليفونها معاها كنت اتصلت بيها، وأنا هتصل بيك ليه؟ شمس ناسيه تليفونها هنا.
زفر "ياسين" بتعب وتابع بقوله:
_خلاص، هاروح لهم أنا العيادة وهخليها تكلمك من هناك.
كاد الطبيب أن يغلق الهاتف، فهتفت مشيرة برجاء:
_ينفع ما تقفلش.
مد "الطبيب" كف يده بالهاتف لها. فأغلقت زر المكبر، واضعة الهاتف على أذنها، قائلة بحنان تبتعد عنهم بخطوات بطيئة:
_ياسين، أنت كويس؟ طمني عليك.
مسد على عنقه بتعب، يشير برأسه بالإيجاب:
_أنا كويس يا مشيرة، ماتقلقيش عليا.
_أنا بس حبيت أطمن عليك مش أكتر.
ابتسم ابتسامة امتنان. فقال ببسمة حانية:
_أنا آسف يا مشيرة، من ساعة ما وصلتي القرية وأنا سايبك خالص. حصل حاجات، هبقى أحكيلك عليها بعدين. أنتِ عارفة يزن مهم بالنسبة لعمار إزاي، واللي يهم عمار يهمني. بس لما أجي وأخلص اللي أنا فيه، هنقعد مع بعض زي الأول.
ابتسمت ابتسامة عريضة، وأخذت نفس عميق تتحدث بامتنان:
_أنا قولت إنك نسيتني لما رجعت لأهلك وناسك.
فرد عليها بثقة مما يقول:
_أنا ما أقدرش أنساكي يا مشيرة، ولا أنسى اللي عملتيه معايا ووقفتك جنبي طول العشر سنين اللي فاتوا.
ابتسمت متابعة:
_أنا مهما عملت معاك مش هنسى وقفتك جنبي في يوم.
كاد أن يغلق الهاتف، فتحدثت هي مسرعة تخبره بما تذكرته للتو:
_ياسين صح.. نسيت أقولك، أنا عارفة إنك بتحب الشيري كولا، فحطيتهالك في الإزايز اللي بتحبها، وهتلاقيها في درج العربية.
شكرها بامتنان على اهتمامها بأدق تفاصيله. فأغلقت الهاتف تتنهد بارتياح من حديثه معها.
***
هناك طرقات تجبرنا على تذكر ما نحاول نسيانه، وهذا ما تفعله هذه الطرقات بـ "شمس" الآن. حين مر أمام عينيها أحداث من السنين الماضية، نفس الشوارع، نفس المحلات، ونفس الفندق. نعم، هذا الفندق الذي قضت به ليلة هي وعمار. مضى على سيرها في هذه الطرقات أكثر من عشر سنوات. طرقات يركضون بها هرباً من "ياسين"، وهي الآن تركض بنفس الطرقات لتداوي نفس الشخص الذي كان سبباً في هروبهما وفزعهما، وهو "ياسين".. غريبة هي الحياة، وكذلك الأيام، أليس كذلك!!
أخيراً، بعدما أرهقت عينيها بالبحث، وقع نظرها على يافطة دكتور "سمير فايز". ابتسمت بعدما أخذت وقتها الكافي في البحث عنه، صعدت إلى عيادته تنتظر دورها. ولم تنتظر كثيراً حتى وجدت الممرضة تنطق باسمها. دخلت وهي مترددة بالدخول، فحثتها نبرته المطمئنة على التكلم بارتياح، جعلها تنتزع جزء من مخاوفها:
_أهلاً بيكي، قبل أي شيء، عايز أقولك خدي نفس عميق وحاولي ترتاحي، شايف نظراتك متوترة.
جلست أمامه تفرك بأصابعها وبدأت بقول:
_بصراحة آه، أول مرة أدخل عيادة دكتور نفسي.
_حد قالك إن الدكاترة النفسيين بيخوفوا؟
كان هذا سؤاله. فردت هي مسرعة:
_ما قصدتش بس.
فهم هو مقصدها، فتابع بقول:
_المرض النفسي زيه زي المرض العضوي بالظبط يا آنسة.
نظر في الورق أمامه الموضوع عليه اسمها. فبادرت هي بقول:
_شمس، اسمي شمس.
_تشرفنا يا آنسة شمس. قوليلي إيه اللي خلاكي تقرري إنك تتعالجي نفسياً؟ إيه الأعراض اللي بتحصلك؟
_لأ، ده مش أنا.
كان هذا جوابها، جواب سريع دون تردد. فابتسم "الطبيب" على سرعتها في التحدث، مما جعله يسأل:
_أومال لمين؟
ابتلعت ريقها بعيون زائغة تحاول أن تستجمع كلماتها هاربة من سؤاله:
_ممكن أسأل حضرتك شوية أسئلة؟
فأجاب بالتأكيد. فاسترسلت حديثها:
_لو شخص عزيز على حد أوي ومات، والشخص اللي عند حد ده مات، له بقى بيتكلم زيه، وساعات بيبقى نفس نبرة صوته ونظرة عيونه، وحتى كلامه وجمله اللي كان دايماً بيقولها الشخص المتوفي ده. ومش بس كده، وأوقات كمان بيتكلم معاه، واحتمال كبير إنه بيأذي نفسه وبيطعن نفسه. يبقى هو كده بقى مجنون ومحتاج يتعالج؟
ابتسم الطبيب على أسئلتها التلقائية، فأجاب بهدوء، يترك مقعده على المكتب ويجلس بالمقعد المقابل لها:
_المريض النفسي عمره ما كان مجنون يا شمس. المريض النفسي، زي ما قولتلك قبل كده، بيبقى زيه زي أي مرض عضوي بيحصلنا. وممكن كمان المرض النفسي بيأذينا أكتر من المرض العضوي أحياناً.
_يعني بيتعالج؟
_أكيد بيتعالج، بس لو هو عاوز يتعالج. أنتِ دلوقتي قولتيلي كام حاجة ما أقدرش أبداً أقرر منهم وأشخص حالته بالظبط. لازم المريض ييجي، وأول شيء بسأله إذا كان مدمن أو لأ، لأن الإدمان عامل قوي يخلي الشخص يصاب بأنواع كتير من الأمراض النفسية.
_لأ.. لأ، مش مدمن خالص.
كانت كلماتها سريعة وبدون أي مقدمات. فسألها الطبيب السؤال التالي:
_طيب، الشخص المتوفي ده يقرب له إيه؟
طالعته بهدوء قبل أن تقول بنبرة حزينة:
_ابنه.
ابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تضيف:
_ومكانش يعرف إنه ابنه. عرف إنه ابنه اللي بيدور عليه سنين، قبل ما يموت بثواني، مات وهو في حضنه.
ترقرقت عيناها بالدموع تتذكر تلك الليلة القاتمة:
_مات ما بين إيديه. صرخ صرخة قلوبنا اترجت لما صرخها من كتر وجع قلبه عليه. كنا كلنا حواليه، بس مرة واحدة ومن غير أي مقدمات، وقف وقام بص للزاوية اللي في القبو..
هتفت بإصرار امتزج مع وجعها:
_أيوه، أنا فاكرة كويس إنه بص للزاوية اللي في القبو وابتسم، بعد ما كان بيصرخ بكل ما فيه. ابتسم ابتسامة مش هنساه أبداً، وكأنه كان شايف اللي ضاع منه من سنين. ساب جثة ابنه، وبعد ما كان بيصرخ عليه قال بكل بساطة: أنا ماشي. كلنا كنا مستغربين إزاي يسيب جثمان ابنه وهو حتى ما دفنش ده. جسمه لسه ما بردش، بعد ما كان هيموت عليه. مشي وغاب عنا عشر سنين، بس لما رجع، ما رجعش ياسين، رجع واحد تاني. بيكلم نفسه، بيكلم بنبرة ابنه، بيحاول يأذي نفسه وبيطعن نفسه بالسكين. نظراته المرعبة، وبالذات وأنا معاه، زي ما يكون عمار ابنه عايز يقولي: أنا عايش، ما متش.
مسحت بأصابعها وجنتيها بعد انهيار دموعها قائلة:
_حاسة إنه موجود بوجوده، وياريته كان موجود حقيقي.
مد "الطبيب" كف يده بالمناديل:
_اتفضلي، امسحي دموعك.
مدت كف يدها تمسح دموعها بعدما أخذت نفس، وكأنها غريق تتنفس الهواء. فتابع الطبيب أسئلته:
_الظاهر إن المرحوم كان غالي عليكم أوي، الله يرحمه.
فتابع بقول:
_بصي يا آنسة شمس، بعد كل اللي قولتي ده، وبعد ما حاولت أربط الخيوط ببعضها، قدرت أكون شكل مبدئي بمرضه، وهو مرض نفسي اسمه (بارانويا)، أو بمعنى أصح، اسمه جنون الارتياب. بس قبل ما أكمل، حابب أعرف علاقته بالمتوفي كانت عاملة إزاي قبل ما يموت؟ يعني كانت علاقتهم كويسة ببعض، بما إنه مكانش يعرف إنه ابنه؟
سؤال جديد سأله الطبيب، فردت هي بحزن:
_للأسف، كانوا بيكرهوا بعض جداً.
_ما تعرفيش إيه سبب كرههم لبعض؟
سؤال مفاجئ من جديد يربكها، فصمتت لثوانٍ، تابعت بتردد تبتلع ريقها:
_للأسف، أنا.. أنا السبب في كرههم لبعض.
فسأل بعدم فهم:
_معلش، توضحيلي أكتر؟ ليه كنتي السبب في كرههم لبعض؟
فأجابت بنبرة متقطعة تنظر للأسفل، تعيد خصلاتها الأمامية بأطراف أصابعها للخلف بتوتر:
_اصل.. اصل الاتنين.. الاتنين كانوا بيحبوني.
كمش حاجبيه باستغراب وصمت لثوانٍ، فرفعت هي رأسها تطالع ملامح وجهه. من يراه الآن يقسم بأن ملامحه خالية من أي تعبير. لم يعد يستوعب ما قالته للتو. فأدرك صمته سائلاً:
_أب وابنه بيحبواكي إزاي؟ أنا قابلتني حالات كتير، بس أول مرة أشوف أب وابن بيحبوا نفس البنت. أولاً، فرق السن، بما إنه أب، أكيد راجل مسن، مش قادر يقف على حيله. إيه اللي يخليه يبص لمراهقة زيك؟ طالما من عشر سنين، وياسين ده عنده كام سنة؟
أسئلة.. أسئلة كثيرة. ماذا تخبره؟ هل تقول له بأنه مستذئب، مهما مر عليه الزمن لا يشيخ أبداً؟ هل تخبره بأنها هجينة؟ هل سيصدق حقاً؟ أدركت المأزق الذي وضعت نفسها به. ابتسمت ابتسامة مصطنعة للمرة الأولى في هذا اللقاء قائلة:
_أقصد هو أخوه، بس كان دايماً بيعتبره ابنه، وكان بيدور عليه، بس للأسف فقد الذاكرة، ولما رجعتله الذاكرة عرف إن ده أخوه. أنا بس التعبير خانى من كتر ما هو دايماً بيقول إنه بيعتبره ابنه.
كاذبة.. لم تستطع قول الحقيقة. فمن سيصدقها على كل حال.
تنهد "الطبيب" بارتياح عند سماعه بأنه شقيقه وليس والده، فأجابها ببسمة مريحة:
_بصي يا شمس.. أنا هجاوبك على بعض الأسئلة اللي سألتيني عليها واحدة واحدة. ياسين لما عمار مات ما بين إيديه، عقله ما استوعبش إنه فقده. عقله ما قدرش يتحمل فقده، كان ممكن وقتها يتحول للجنون، بس عقله هنا عمل حصن منيع عشان ما يفقدش قدرته، وابتدى يكون شخصية في دماغه بالحاجة اللي كان عايزها تحصل، وهي إن عمار يفضل عايش. وده سبب إن ياسين بص في الزاوية زي ما قولتي. هنا، في اللحظة دي، هو كان شايفه قدامه، ولما ابتسم، الصورة اللي كونها في دماغه هي اللي كانت بتبتسم له. وهنا عقله محى ذكرى وفاته، واتمسحت خالص. كان لازم الشخصية اللي اتكونت دي تؤمره بالرحيل عن جثمان عمار، لأنه لو كان شافه وهو جثة وشافه وهو واقف قدامه، كان ساعتها هيتحول للجنون، فكان لازم يمشي. تاني شيء، وهو إن جنون الارتياب ده بيكون شخصيات كتيرة، في منها المؤذي وفي منها اللي بيدعمك. يعني مثلاً، لو كان عمار مات وهو بيحب ياسين والاتنين كويسين جداً مع بعض، فكان هيظهر له بنفس الصورة بأنه طيب وبيدعمه وبيتمناله الخير دايماً. أما في حالة ياسين، فالاتنين كانوا بيكرهوا بعض زي ما قولتي، فبالتأكيد الشخصية اللي عقله هيكونها هتكون شخصية مؤذية وهتفضل تأذيه لحد ما يقتل نفسه في يوم، أو حد من اللي حواليه.
وقفت من على مقعدها بهلع تكرر كلماته:
_يقتل نفسه؟
_آه، وكمان يأذي اللي حواليه، ويفقد السيطرة على نفسه لما تجيله نوبة منهم، وقتها ما بيكونش شايف قدامه. لازم يهدى، لازم يشعر إن في حد جنبه ويحتويه، قبل ما يرتكب فعل يندم عليه لما يفوق. مرض ارتياب الجنون، للأسف، من أسوأ وأعنف أنواع المرض النفسي.
نظرت له ببسمة متوجعة وهي تقول:
_طيب والعمل يا دكتور؟
_العمل إنه لازم يتعالج قبل ما يأذي نفسه واللي حواليه أكتر من كده، ويكون هو عايز يتعالج. ده سبب رئيسي عشان يخف.
لا يوجد أمامها خيار سوى الموافقة:
_هحاول.
أنهت حديثها لتخرج بهدوء. فوقفت تنظر خلفها تسأله:
_لو حبيت أتواصل مع حضرتك وما قدرتش أجي هنا، أتواصل مع حضرتك إزاي تاني؟
قال وهو يقوم بمد كف يده بالكارت الخاص به:
_للأسف، ده كان آخر يوم ليا في العيادة النهارده. بعد كده هبقى في عيادتي اللي في القاهرة، وهاجي هنا قليل أوي. لو تقدري تجيبهولي القاهرة، أنا هكون في العنوان والمواعيد اللي عندك في الكارت. حاولي ما تتأخريش في علاجه، امبارح أفضل من النهارده.
أشارت برأسها بالموافقة ببسمة مكسورة، تنظر بالكارت في يديها. خرجت من عند "الطبيب" لتجد توغل الليل، فعمت العتمة. كم مر من الوقت وهي بالداخل، استوعبت مرور الساعات وكأنها كالدقائق. فتحت حقيبتها لتبحث عن هاتفها، فبالتأكيد وردتها اتصالاتهم. ظلت تبحث بداخل الحقيبة بعشوائية، فلم تجده. ضربت بكف يدها على جبينها، تمسح بيدها على وجهها بضيق عندما تذكرت بأنها قد نسيت هاتفها في غرفتها. هرولت مسرعة إلى الخارج تنظر هنا وهناك تبحث بعينيها عن الشارع. ما زالت تهرول بين الطرقات تبحث عن النقود بداخل حقيبتها، فوجدت أنها لم تحضر نقوداً أيضاً. قررت الذهاب إلى العيادة وهي على يقين بأنها قد أغلقت الآن، بالتأكيد تركوها وحدها ورحلوا. وعلى الرغم من ذلك، مدت خطواتها أسرع، ربما ينتظرونها هناك. حتى وصلت للمبنى تهرول على الدرج بأنفاس مقطوعة. وصلت أخيراً لتجد الباب مغلقاً، والإضاءة خافتة تنبعث إضاءة خفيفة من الطابق العلوي. ظلت تدق بيديها دقات متواصلة على الباب، ربما يوجد أحد بالداخل، ولكن دون استجابة. حتى راودها شعور الإحباط. الآن توقفت عن دقاتها، فهذا ما كانت تتوقعه، ولكن كان هناك أمل صغير أن ينتظرها أحدهم. ماذا تفعل؟ لا هاتف، ولا نقود، فكيف تعود إلى قريتها؟ أغلقت عينيها وخرجت من داخلها تنهيدة يائسة. استدارت بجسدها تستعد للرحيل، فوقع على مسامعها صوته وهو يجلس على الدرج بانتظارها، وهو يقول بصوت حازم:
_كنتِ فين؟
دب بقلبها شعور بالطمأنينة عند سماع صوته. رفعت عيناها للأعلى لتجده يجلس على الدرج بانتظارها، أصابعه متشابكة ينظر للأسفل، يتنفس بارتياح عند وصولها بعدما أكله القلق. فكرر سؤاله من جديد، السؤال الذي لم تجيبه هي منذ دقائق:
_كنتِ فين يا شمس الوقت ده كله؟
قال آخر ثلاث كلمات ببطء شديد من بين أسنانه. هربت الدماء من عروقها، شعرت بالخوف من نبرته. فما زال على نفس وضعيته، لم يتحرك انش واحد. شعرت ببوادر نوبة كما حدثت له من قبل. فجلست بجواره دون حديث. رفعت أصابعها ببطء تضع كف يدها على ذراعه لتهدئته قليلاً. استدار بوجهه يطالع كف يدها الموضوع على ذراعه بحنان، تسارعت دقات قلبه. تنهد بخفوت يحاول تهدئة ذلك الغبي الذي يضرب بالقرب منها، فهي ستشعر باضطرابه. فردت هي دون تفكير:
_أنا كنت.. كنت بشتري حاجات وبتفرج على المحلات ومش فاهمة الوقت سرقني إزاي.
بان الكذب في نبرتها، لذا أعطاها ابتسامة خبيثة. لاحظتها هي، فسحبت كف يدها ونظرت حولها هاربة. ولكن ثبتها قوله:
_وفين الحاجات اللي اشتريتيها؟ مش شايفة حاجة في إيدك.
وقفت أمامه تعطيه ظهرها تفرك بأصابعها بقلق:
_ما هو اصل.. اصل أنا كنت...
فبتر هو حديثها قائلاً ببرود مستفز:
_يلا، اكذبي كذبة تانية.. ولا أقولك.. استني، أنا مش مهتم.
ليست هي الكاذبة الوحيدة الآن، فهو أيضاً يكذب. فضوله ينهشه من داخله، ولكنه سبقها يهرول على الدرج، وهي تتبعه.
يزن وسارة مستنيين، ياريت مانتأخرش عليهم أكتر من كده.
***
تحمل حقيبتها بين كفيها، تضعها بالسيارة. تنظر خلفها تطالعه ببرود:
_كان ممكن تفضل مع دكتور علي يا بيبيوس، مش لازم تيجي دلوقتي.
يدرك موقفها جيداً، يدرك الضجة التي أحدثها بداخل عقلها بحديثه الأخير معها، لذا حاول تقبل كل كلمة تتفوه بها بصدر رحب:
_أعتقد هذا يكفي، فجلوسي في القرية أكثر من ذلك لا فائدة منه.
فقالت دون تردد تقلد طريقته:
_وجلوسك في الحياة أيضاً لا فائدة منه يا شيخنا.
أغلقت حقيبة السيارة بانزعاج وصعدت على الفور، تاركة إياه خلفها يحاول استيعاب ما قالته منذ ثوانٍ. فتذكر كم قسى عليها من قبل. تنهد بعمق محاولاً ألا يفقد أعصابه. فصعد بالمقعد الأمامي، فأمر السائق بالتحرك إلى محطة القطار.
***
كان يجلس على مكتبه يضع أمامه كتاب الكيمياء الذي رسب به، واضعاً على أذنه سماعة الرأس يستمع إلى الموسيقى المفضلة له. يستذكر دروسه جيداً، فغداً هو يوم اختباره. دخلت عليه هامسة تحاول أن تقترب منه ببطء حتى أمسكت بكتابه فجأة قائلة:
_بتعمل إيه؟
كان هذا سؤال غدير بعدما دلفت غرفته دون استئذان. انزعج من دخولها هكذا، فطالعها بانزعاج يملأ عينيه. هتف بإصرار قائلاً:
_غدير، إحنا ما بقيناش عيال صغيرة عشان تدخلي عليا كده مرة واحدة من غير ما تستأذني. قولتلك ألف مرة قبل كده، على الأقل خبطي، افرضي كنت بغير هدومي أو مش لابس أصلاً، أو حتى بعمل حاجة مش عايزك تعرفيها.
لم تأخذ حديثه على محمل الجد كعادتها، فجلست على فراشه تربع قدميها ممسكة بكتابه تخبره بمشاكسة:
_ياسلام، وده من إمتى يا حسان؟ ما أنا طول عمري بدخل عليك عادي، مش معنى الأيام دي يعني. وبعدين أنا بعتبرك أخويا زي رعد وداغر كده، إحنا متربيين سوا، وأعرف عنك كل حاجة زي ما أنتَ تعرف عني كل حاجة. إيه اللي جد يا ابني؟
_عشان إحنا مش إخوات.
جحظت عيناه وقال جملته بثبات يؤكد ما قاله من جديد:
_أيوه يا غدير، إحنا مش إخوات. مش معنى إنك بتيجي تقضي هنا كل إجازة طول العشر سنين اللي فاتوا تبقي أختي.. أنا ما بطلبش كتير، كل اللي بطلبه إنك تخبطي مش أكتر قبل ما تدخلي، زي ما أنتِ عندك خصوصياتك، أنا كمان كبرت وعندي خصوصيات.
نبرته الجادة أحرجتها. لم تعتد على حديثه هذا، فهو بمثابة أخ لها، ولكن كلماته كانت كالصفعات على وجهها. غزت الحمرة وجهها، تتمنى لو تنشق الأرض وتبلعها الآن. أشارت برأسها بعيون دامعة تبتلع ريقها بصعوبة، تشير بكتفيها:
_تمام.. ماكنتش أعرف إني بضايقك أوي كده. أنا أصلاً مش هدخل عليك تاني، ماتقلقش.
رحلت صافعة الباب خلفها. هز رأسه وعيناه لا تفارق الباب قائلاً بجدية:
_تمام يا غدير.
رحلت "غدير" تهرول على الدرج. بالخارج، التفتت خلف المنزل ودموعها تنهمر على وجنتيها بعدما فتحت قفل الدراجة الخاصة بها. صعدت على الدراجة تقودها بين الطرقات المظلمة، على يسارها البحيرة، وعلى يمينها الحقول. ينساب الهواء بين خصلات شعرها القصير. كانت تقود الدراجة بسرعة كبيرة في المناطق الوعرة. وعلى حين غرة ودون أن تشعر، ظهر أمامها فتى يقف بطريقها. لم تستطع أن تقف بالدراجة في الوقت المناسب، تسمع صوته قائلاً:
_حاسبي.. حاسبي يا آنسة.
لم تستطع كبح الفرامل لتصطدم به بعنف شديد. سقط الفتى للخلف على الأرض، لتقع هي فوقه والدراجة تقع عليها، فأصبح هو بالأسفل قائلاً من بين أسنانه بألم يظهر بنبرة صوته:
_مش قولتلك حاسبي يا آنسة.
قالت بوجه باكي:
_مكانش قصدي.
***
كان حاضراً بالسيارة خلف المبنى الخاص بالعيادة. حث "شمس" على الركوب وهو يلوح لها بكف يده على استعجال:
_اركبِ.
أمسكت بمقبض الباب وقبل أن تصعد السيارة، قالت سائلة:
_هو إحنا رايحين فين؟
رد وهو يركب على مقعده جوارها:
_هخطفك.
أدار سيارته قبل صعودها، فحنى رأسه يطالعها سائلاً بعصبية:
_هتطلعي ولا أمشي؟
قال جملته، يضغط بقدمه على مكابح الوقود، يستعد للرحيل. هو هكذا، مربك دائماً. لا يوجد أمامها اختيار سوى الصعود معه. وقبل أن تغلق الباب، ضغط على المكابح على استعجال، يشق الطريق شقاً. راوده اتصال. فنظرت "شمس" على شاشة هاتفه دون أن تلمسه. عقدت حاجبيها باستغراب تنظر لاسم المتصل مستفهمة:
_عملي الأسود!! مين عملك الأسود ده؟
_أمك.
قالها سريعاً دون تردد، فاستكمل حديثه دون أن ينظر إليها:
_ردي عليها بقى عشان أخلص من صداعها.
تنهدت وهي تبلع ريقها، تستعد لسيل الأسئلة التي ستواجهها الآن:
_أيوه يا ماما.
انتظرت حتى انتهت زهره من توبيخها، ثم أردفت:
_ضيعني إيه بس يا ماما، أنا عيلة صغيرة، أنا بس كنت...
فقاطعتها زهره توبخها من جديد، تتوعد لها عند عودتها:
_خلاص يا ماما. خلاص، عشان خاطري، لما أروح أنا خلاص في الطريق راجعة.
ابتسم "ياسين" بخبث على تأكيدها لها، حتى أوقف السيارة لتجد نفسها أمام محطة القطار، يأتي يزن مسرعاً:
_اتأخرتوا كده ليه؟ القطر قدامه تلات دقايق ويمشي.
شعرت بأنها لا تفهم شيئاً. لا تعلم حتى إلى أين وجهتهم الآن. وقف "يزن" مقابلها بنفس متقطع:
_يلا يا شمس، مافيش وقت. إحنا لازم ننزل القاهرة. سارة مستنيانا في القطر. ماينفعش نسيبك تروحي القرية لوحدك في وقت زي ده.
وقفت تفكر في والدتها لثوانٍ. تراهم أمامها يصعدون للقطار. صعد "ياسين" ومن خلفه "يزن" يقفان على باب القطار، وهي ما زالت واقفة. هل تصعد حقاً معهم؟ ماذا عن والدتها؟ وضع "ياسين" يديه بجيوبه الخلفية خلف يزن، يطالعها بابتسامة شامته، يرى عيناها الحائرة. تحرك القطار ببطء في بادئ الأمر، فمد "يزن" كف يده لـ "شمس" يحثها على الصعود:
_يلا يا شمس، مش هينفع نسيبك هنا.
ودون أن تشعر، مدت كف يدها لـ "يزن" وصعدت معهم. تركها يزن وتقدم إلى الأمام. تراه يبتعد عنها وهو يقول:
_تعالي، أوديكي لسارة.
تجمدت قدماها من الذهول. هل حقاً صعدت معهم إلى القطار؟ لا تعلم إلى أين سترحل. فابتسم ياسين بسمة شامته ومال بوجهه هامساً بأذنيها:
_ده إنتِ هتتنفخي.
***
ده أنا هنفخها.. بس لما تجيني.
قالت زهره كلمتها وهي في قمة نرفزتها، تضرب كف بأخرى.
_اهدي يا زهره، مش كده.
حاول "الطبيب" تهدئة "زهره" قليلاً، فردت بعصبية:
_ما أنتَ طبعاً حاطط إيدك في الماية الباردة يا سي علي ومش حاسس بيا. وهتحس بيا إزاي وإنتَ عمرك ما هتحس باللي أنا حاسة بيه، ولا عمرك هتبقى أب، ولا هتخلف في يوم.
قالت كلماتها دون وعي لما تقوله. نزلت كلماتها كالصاعقة تشق قلبه نصفين. طالعها بعدم تصديق مما قالته. فعقدت "مشيرة" حاجبها باستغراب، فهمست لنفسها قائلة:
_معقول؟ حتى علي كمان طلع ما بيخلفش.
حاول أن يهدأ ولا يقدم على فعل شيء يندم عليه بعد الآن:
_أنا صحيح ما بخلفش، بس أنتِ كنتِ بنتي الصغيرة.
كان هذا رده الذي تبعه بقول:
_زي ما بتخافي على شمس، أنا كمان بخاف عليها يا زهره. وبخاف على أي حد هنا، بالرغم إنه مش من دمي. شمس طلعت القطر معاهم بمزاجها، مش غصب عنها.. أنا عارف إنك مش عايزاها تبقى مع ياسين.. بس اللي أنا متأكد منه، إنك لو لفيتي الدنيا كلها، مش هتلاقي حد يخاف عليها ويحميها أكتر من ياسين. وسبب إني ما بخلفش، إنتِ عرفاه كويس ورضيتي بيا قبل ما نتجوز، فما تجيش دلوقتي تعاقبيني بحاجة غصب عني.
قال كلماته تاركاً إياها خلفه، تراه يبتعد عن ناظريها. ما الذي تفوهت به تلك الحمقاء؟ أخذت تؤنب حالها على ما قالته. فنطقت اسمه حتى توقفه:
_علي.. استنى.
لم يستمع لها تاركاً إياها يغادر المنزل. فأوقفتها الخالة تضرب بعصاها الأرض:
_سبيه يا زهره.. سبيه يعيد حساباته.. وانتِ كمان يا بتي، عيدي حساباتك من أول وجديد، قبل ما تخسري علي وتضيعيه من بين إيديكي.
ابتلعت مشيرة ريقها. فرؤية الخالة تشعرها بالتوتر. هيبتها.. كلامها الحكيم.. نظرتها المدانة دائماً، وكأنها تخبرها بأنها ستكشفها يوماً ما. أسرعت بالدخول إلى غرفتها ممسكة بكف زهره، تأخذها معها داخل الغرفة.
***
كانت تجلس أمام الباب بالقطار وهو مسرعاً. تستطيع سماع أصوات بوق القطارات من حولك. تسند هي بظهرها على إحدى الجوانب، تنظر إلى الحقول والمباني، تتنفس الهواء مع نسماته الباردة. فأتى "بربروس" يجلس في الجهة المقابلة لها. أدارت وجهها مسرعة تطالع الخضرة مع سرعة القطار. فبدأ هو حديثه قائلاً:
_أعلم ما بداخلك كما أعلم جيداً سبب معاملتك لي، ولكنكِ طلبتي مني سائلة أن أقنعك بدين الإسلام. فلا ذنب لي يا مارال.
ما أن أدركت ما قاله حتى وقفت مسرعة تبتعد عنه. قبض بكف يده على معصم يدها. فنزلت بعينيها إلى موضع يده. فسحب كف يده مسرعاً من عليها يقول بعيون راجية:
_أرجوكي اجلسي.. فأنا لا أتحمل لحظة يحمل بها قلبك شيئاً ضدي.
ابتلعت ريقها، تعود أدراجها جالسة تنظر له بعيون باكية. فنطق هو بما لا تريد البوح به، فقال بلطف:
_حسناً، لقد سمعتني. أريد سماعك الآن. لما كل هذا الغضب؟ قولي ما عندك، فأنا أحتاج لسماعه.
_إنتَ غلطت يا بيدقوس.
ابتسم هامساً لنفسه. حسناً، لقد عادت تناديني ببيدقوس. وهذا شيء مطمئن. فأكملت هي حديثها:
_غلطت لما قلت إن إحنا بنعبد 3 آلهة. الكلام ده غلط أوي. إحنا بنؤمن بإله واحد بس، ما عندناش تعدد آلهة. بسم الآب والابن والروح القدس دي، زي مثلاً الشمس بتطلع نور وحرارة وضوء، ومع ذلك هي كيان واحد، هي الشمس، فاهمني يا بيدقوس؟
كانت تشرح له بغضب عارم. حاول ألا يتحدث معها أكثر من ذلك. حاول أن يمتص غضبها، يشير برأسه بالموافقة:
_أفهمك يا مارال.. حسناً، دعينا لا نتحدث بالدين. "لكم دينكم ولي دين". هل توافقينني على ذلك؟
أشارت برأسها بالموافقة، فمسح على وجهها بأنامله دموعها التي كانت تنهمر بغزارة. يحتضن عينه عيناها بحب. فابتسمت هي ابتسامة من بين دموعها. فطلب منها مرة أخرى ما يتمناه منذ سنين:
_أتتقبلين أن تكوني زوجتي يامارال؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة. حاولت الحديث من وسط نحيبها، فخرجت الكلمات متقطعة:
_أأ.. أيوه.. أيوه.. أتجوزك يا بيدقوس.
ابتسم ابتسامة عريضة زادت من وسامته وهو يصرخ بأعلى صوته بالقطار:
_ربـــــــــــاه.
***
كان يستلقي بظهره على سقف القطار، يضع كف يده خلف رقبته يطالع السماء والنجوم المترصعة بها. بين أصابع كفه الآخر سيجاره ينفخ بها ما يريد إخراجه من صدره. يعبث الهواء بخصلات شعره الكثيف ههنا وهناك. تلاحقت أنفاسه في صورة غير منتظمة. حاول كثيراً أن ينام، ولكن النوم هجره عقله. لا يتوقف عن التفكير بـ "شمس". أين ذهبت ولماذا تكذب؟ أخذ نفساً آخر من سيجارته ينفخ بها بزهق. تراوده أفكار لا يستطيع إخراج تلك الأفكار من عقله.
***
_شمس، كنتِ فين كل ده؟
جلست بجوارها تطالعها بهدوء:
_بلاش أقولك يا سارة، كنت فين، أصل مش عايزة أكذب عليكي، وفي نفس الوقت مش عايزة أقول.
همست "سارة" إليها قائلة:
_إيه ده، للدرجة دي الموضوع كبير؟
أشارت برأسها بالإيجاب، فأكملت سارة حديثها:
_اسكتي، ده ياسين كان هيموت عليكي، كان عامل زي المجنون. ما سابش حتة إلا لما دور عليكي فيها، كان بيتحرك بسرعة جداً، مهمهوش إذا حد يشوفه ولا لأ. راح الفندق اللي كنتي فيه مع عمار، وراح كمان شقة الدكتور علي، بس غريبة، مش عارفة ليه بيقول عليها شقة يزن وعمار.
فردت سائلة:
_هو قال كده؟
_أيوه، لولا إن الدكتور طلب أشعة وتحاليل لازم تتعمل في مصر، يزن مكانش خلانا نسافر. معلش بقى عشان سافرنا فجأة.
ابتسمت "شمس" تهز رأسها بلطف:
_ما تفكريش فيا، أنا أهم حاجة إنتِ.
وضعت "سارة" يدها على ذراعها بابتسامة واسعة:
_عارفة ياسين فين؟
بعدم فهم:
_لأ، هيكون فين؟
رفعت سبابتها تشير إلى الأعلى قائلة:
_فوق القطر، ابن المجنونة.
هزت "شمس" كتفيها ببراءة:
_ياسين.. هتتوقعي منه إيه غير كده.
أتى "يزن" يمد كف يده إلى سارة:
_سارة، عايزك.
طالعت شمس قائلة:
_طيب عن إذنك يا شمس.
نظرت "شمس" إلى الأعلى وابتسمت وهي تجلس على المقعد بجوار النافذة، تسند برأسها على الزجاج تتابع بعينيها الطريق. رائحة السفر بكل مكان. الهواء الشديد. تحرك القطار بسرعة كبيرة. إضاءة خافتة تعتمد على ضوء القمر في الرؤية. أخرجت من حقيبتها مذكرته التي لا تفارقها يوماً. أخذت تقرأ ما بها من جديد، تتخيله ممسك بقلمه، يجلس على البحيرة المقربة إلى قلبه وهو يكتب:
"عاداتي مع النساء غريبة. أكره لمستهن لي. ولكني أستمتع بدماؤهن الدافئة عند غرزي أنيابي بأجسادهن. ولكن أمامها هي، كل ما أريده هو أن تتجول يداها الجميلتان هاتان على جسدي بحرية، تكتشف جسدي كما لم تفعل امرأة من قبل. اللعنة عليك يا قلبي، لماذا هي؟ لما "شمس"؟ هي حقاً امرأة مميزة. حتى اسمها مميز مثلها. أظنني سأتذكر هذا الاسم لوقتاً طويلاً."
جاء قطار آخر بسرعة كبيرة بجانب قطارهما، فأحدث ضجة عالية. أغلقت المذكرة تحتضنها بين أضلعها، تخرج من صدرها تنهيدة دافئة. تطالع النافذة بجوارها، كم تتمنى لو أحضرت معها الهاند فري مع أغاني "حمزة نمرة" المطرب المفضل دائماً وأبداً إليها، فهذه الأجواء تحتاج لأغانيه الآن. وقبل أن يرمش لها جفن، وجدته بجوارها. انتفضت بانزعاج تطالعه بجوارها دون أن تتحدث. فنطق هو بما لا يصح قوله:
_إيه؟ بتفكري فيه ولا إيه؟
ابتلعت ريقها وهي تحتضن المذكرة بين يديها بإحكام، تحاول تغطيتها بيديها حتى لا يلاحظها هو، وتطالعه بحذر سائلة:
_تقصد مين؟
همس لها بشيء ما في أذنها جعل الدماء تغلي في عروقها بلا رحمة. وتابع هو بعد أن ابتعد يعود للخلف بخطوات بطيئة ووجه لها رافعاً كفه ببراءة، متابعاً حديثه:
_اللي كنتِ عنده.. فريد طبعاً.. ولا في غيره.
اتهامه لها واضح وصريح. فحذرته بنظراتها قبل حديثها:
_ياسين.. بلاش غضبك يخليك تقول كلام مالهوش لازمة.
هتف باستهزاء من حديثها:
_غريبة.. مع إني مابقولش كلام مالهوش لازمة.
وقبل أن تنطق، اختفى من أمامها. بحثت عنه بكل مكان بالقطار فلم تجده من جديد. فعلمت أين هو. بالتأكيد عاد إلى سطح القطار. انتظرت حتى توقف القطار أخيراً وهبط كل من فيه. خرجت من المحطة تهتف باسمه. يتحرك أمامها بخطوات سريعة حتى جذبته من ذراعه قائلة بعصبية:
_ياسين.. استنى، أنا بكلمك.
مسح وجهُ بضيق قائلاً:
_عايزة إيه يا شمس؟
_إيه اللي إنتَ قولته ده؟ إنتَ عارف إنتَ بتتهمني بإيه؟
كانت الأجواء مشتعلة والنظرات المتبادلة تكاد تحرق الجميع. فرد بسخرية:
_كذبيني؟
قالت بعيون هاربة:
_أنا هقولك، بس مش دلوقتي.
في نفس التوقيت، هناك من يراقبهما، يجلس خالد رفيق "فريد" على الموتور الخاص به يراقبهما عن كثب. يتحدث بالسماعة إلى فريد:
_أيوه يا فريد باشا، أنا شايفهم قدامي.
انتظر خالد حتى أكمل فريد، فأجابه بإيقان:
_يا فريد باشا، أنا شايفه وهو بيطلع على سطح القطر بسرعة رهيبة. أنا متأكد إن الواد ده وراه حاجة.
انتظر ثوانٍ ثم تابع:
_تمام يا فريد باشا، ماتقلقش عليها. أنا عايزك تقلق عليه هو.
طالع خالد شمس وياسين وهو يرتدي خوذته، وجدهما والنار تشتعل بينهما أكثر.
_شمس، إنتِ ما تهمينيش. أنا بس صعبان عليا أمك العقربة اللي فاكرة إن أنا هبقى السبب في ضياعك.
كان يتحدث بغضب عارم. من يراه يقسم وكأن أشباح الموت تتراقص على وجهه من كثرة غضبه. حاولت أن تحتويه فقالت بنبرة متقطعة:
_أنا مش هرد عليك، بس أنا بس عايزة أقولك إن ما فيش فريد ده.
أصر د "ياسين" على قولها:
_يبقى في غيره.
صاحت بغضب وهي تتخطاه:
_تاني ياياسين، برضوا بتكررها تاني؟ وبعدين إنتَ مالك أصلاً مهتم تعرف أوي كده ليه؟
_عشان كنتِ معايا.. والمفروض إن طول ما إنتِ معايا، أبقى عارف إنتِ فين. غير كده لأ. ماتخليش خيالك المريض يصورلك في يوم إنك تهميني. إنتِ لو بتتقطعي قدامي، هفضل أتفرج عليكي من بعيد.
تركها ورحل، تراه يبعد عن ناظريها حتى اختفى تماماً. تركها واقفة في صدمة وذهول مما تفوه به من حماقات سخيفة. سقط قلبها أرضاً، شعرت وكأن الأرض لا تتسع لهما سوياً. لم ترض أبداً عن أي مما قاله. حاولت منع دموعها من النزول، ولكن دموعها كان لها رأي آخر. لم تشعر بما حولها. فاقترب ذاك الفتى منها بسرعة. لم تشعر به. كانت شارده بما يشغل بالها الآن. فتح زجاجة بها ماء نار مركز، يلقيه على وجهها. نظرت إلى الزجاجة برعب دب بقلبها. استسلمت تماماً، فلم يكن هناك أي مكان للاختباء. كل شيء حدث بسرعة غريبة. حتى وجدته هو يقف أمامها، ذاك الجدار البشري يحميها بجسده، يضمها إلى صدره، يستقبل هو ماء النار كلها على ظهره بدلاً منها. أسرع خالد بالدراجة البخارية، وهناك من يصور ذلك. احترقت سترته واحترق ظهره بالكامل. فتحت هي عينيها. لم تكن صدمة بقدر ما كانت دهشة. دهشة غريبة تشبه فرحة الخائف عند شعوره بالاطمئنان. وبالرغم مما هو فيه الآن، فكان أول ما قاله بنبرة متقطعة تحمل من الألم ما يكفي:
_أطمني.. أنتِ بخير يا شمس.
رواية الهجينة الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم ماهي احمد
الهجينه 💕
الفصل الثامن والاربعون من الجزء التاني
البيدچ الاصليه حكآآيآآت مآآهي
بقلمي مآآهي آآحمد
📌حبايبي مواعيد الروايه كل جمعه ان شاء الله وعايزه اقول للي لسه مكمل معايا بعد موت عمار شكراً من كل قلبي لثقتكم فيا ودعمكم ليا.. والوشم اللي على كتف "ياسين" هتلاقوا في اول كومنت
يلا نبدأ نقول بسم الله ونصلي على حبيب الله وارجوكم ادعوا لاهل غزه ماتنسهمش في دعائكم مش مهم تدعوا وتكتبوا كومنت كفايه جدا تدعوا ليهم من قلوبكم
------------------(بقلمي ماهي احمد)-----------------
لما الخوف وهو هُنا!!
حينما تهجم علينا موجه حاره وينقذنا نسمات هواء بارده تنعش أرواحنا قبل أجسادنا و تشعرنا بالحياه من جديد ذلك الشعور المحبب لأنفسنا هو ما اصابها حين وجدت "ياسين" يضمها بكلتا ذراعيه يخبأها بداخله من شرور العالم أجمع حاوطت عيناه عيناها وهي مازالت تطالعه تصدح في اذنها اخر كلماته وهو يقول بنبره متقطعه وكأن قلبه ضاق صدره عليه
"اطمني.. أنتِ بخير ياشمس" كانت تطالع عينيه بقلب وجل وأتتها الصدمه التى سـ ـرقت أنفاسها أثناء رؤيته بهذا الضعف شموخه وكبرياؤه الذي قابلته منذ قليل تبخر ، تريد "شمس" قول شىء ولكن الصوت تم اسره داخلها وكأن الارض لا تستطيع حملها .. طالعها ينظر الى غابات عيناها الخضراء يرى انعكاس صورته فيها نطقت عيناها قبل لسانها:
_بس أنتَ مش بخير ياياسين
حاول الثبات امامها ولكن خانه جسده حين مال برأسه عليها فاقداً للوعي خانه كل عضو حتى عيناه لم يستطع فتحهما وكأنهما جبلين لا يستطيع تحريكهما فضمته هي صارخه حتى شق صراخها الأجواء شقاً:
_ياســـين
صدحت صرخاتها بالمكان سمع "يزن" صوت صراخها فكان يتقدمهما ببضع طرقات نظر كلاً من "ساره "و"يزن " الى بعضهما البعض باستغراب فنطق بذعر وقد سمع نبرتها التي تدل على انهيارها:
_ده صوت شمس
عاد وهو يهرول يركض بين الطرقات حتى وجده يستند برأسه على كتفها فاقد للوعي تحاول بكل ما أوتيت من قوه إن تصبح هي مسنده وملجأه طالعهما "يزن" بذهول فأتت ساره تهرول من خلفه لا تصدق ما تراه عينيها تحاوط الدماء جسده بالكامل سترته الممزقه من الخلف تستطيع رؤيه جلده المحترق شهقت "ساره" بغير تصديق وهي تغلق عيناها من بشاعه المنظر فتحدث يزن بشفه مرتعشه
_حصل اي ياشمس؟
لم تستطع الجواب بسبب ذعرها وهي لم ترى ما اصابه حتى الأن فكيف لو رأت؟
هو الأن يستند بوجههُ عليها وبالرغم من عدم رؤيتها لجراحه فقد شعر قلبها بألامه اصبحت دموعها حبيسة عيناها.. مع اصفرار وجهها.. وخفقان قلبها.. بكت أكثر وهي تنظر الى كليهما فصاح "يزن" بغضب ناتج عما رأه:
_انطقي ياشمس ياسين حصله ايه؟
ارتعدت اوصالها محاوله تجميع كلماتها وشتات نفسها:
_امسكه معايا بسرعه عشان نوديه المستشفى
وقف "يزن" بجانبه يمد ذراعه على كتفه حتى يستند عليهِ فأصبح "ياسين" بالمنتصف بينه وبين "شمس" فاقد وعيه تماماً أخذ يمد بخطواته مستفسراً :
_جرحه ما بيلمش ليه؟
اشار لـ "ساره" بعينيه:
_ساره بسرعه وقفي تاكسي
تجمدت "ساره "من رؤيته هكذا فجـ ـراحه
خطـ ـيره فصـ ـرخ بها "يزن" وهو يمد بخطوته:
_ســـــاره
فاقت على ندائه المستغيث وانتبهت لكلماته:
_حاضر.. حاضر
هرولت على الطريق تشير بيدها لسياره اجره فأوقفتها على الفور:
_بسرعه شويه ارجوك اقرب مستشفى
كانت هذه جمله "شمس "وهي تشعر بأن جسدها كتله من الثلج.. فاعترض" يزن" على وجهتها يأمر سائق الاجره قائلاً:
_المعادي ارجوك
التقت نظراتها بنظرات "يزن" فأشار برأسه على أن تطاوعه فيما قاله ابتلعت ريقها واشارت بالأيجاب بعينين ظهرا فيهما اثر البكاء جلياً مرت الدقائق بطيئه في سياره الأجره وهو يستند برأسه على فؤادها كادت نبضات قلبها ان تشق صدرها من شده خفقانها تتذكر لمحات مما حدث بالماضي وكأن تلك الليله اقسمت ان تتكرر الأن عند رؤيه "عمار"والد ماء تتناثر من جسده و"ياسين" الان كل انش بجسده يقسم انه لن يلتئم بعد الأن.. بكت وهي شارده ترى حالته هكذا فنطق "يزن" بصوت استطاعت ان تلتقطه سريعاً:
_يلا ياشمس اسنديه عليا وصلنا
--------------------------------------
_يا أنسه.. يا انسه قولتلك حاسبي
كان يقول كلماته وهو ينفض يده جراء اصطدامه بها فانحنت "غدير" تقبض على دراجتها بكفيها تقول بنبره شبه باكيه:
_انا بجد اسفه مش عارفه ازاي ما اخدتش بالي
اشار بكف يده محاولاً ان يوقف دموعها الحبيسه:
_ لا لا لا.. مالهوش لازمه العياط انا كويس
طيب وانا مالي تبقى كويس ولا لاء المهم العجله
اندهش الشاب ونطق بضحكه واسعه:
_يعني أنتِ كل اللي يهمك العجله ومش مهم اللى خبطتي فيه يولع
جلست القرفصاء تعدل سير دراجتها:
_ما أنتَ كويس اهوه .. المهم العجله ده انا بروح بيها في كل حته في القريه
رفع "الشاب" حاجبه باستنكار وهو يسأل:
_طيب هتعرفي تصلحيها ولا اصلحها انا
فاتسعت ضحكتها تظهر جلياً على وجهها وهي تقول:
_أنتَ بتعرف تصلح عجل
فأشار برأسه بالأيجاب:
_أيوه
ضربت بيدها على مقعد الدراجه بخفه وهي تصيح:
_طب مستني ايه ما تصلحها
تحرك "الشاب" حتى اصبح امام "غدير" وهي تنظر بترقب حتى سألته:
_أنتَ وقفت ليه؟
وسعي عشان اصلحها
كانت هذه اجابته على سؤالها فتنحت هي جانباً أمسك سير الدراجه فوجده قد تهالك ناهيك عن اطار الدراجه الاماميه فقد تمزق بالفعل فطالعها يخبرها بالتالي:
_العجله اتهرست اوبقى هاتيها بكره المحل عشان الحم الكاوتش بتاعها واركبلها سير جديد
فقالت دون تردد سائله:
_أنتَ عجلاتي
هز رأسه قائلاً بعينين لمع فيهم انفعاله:
_اه عجلاتي
استدار يعطيها ظهره فأوقفته كلماتها بقولها:
_طب استنى أنتَ رايح فين أنا مش هعرف اشيلها لوحدي ممكن تاخدها معاك وتعرفني فين المحل بتاعك واجيلك اخدها منك بكره
كادت أن تنهي كلماتها حتى وقعت على مسامعها أصوات الكلاب أتيه من بعيد خفق قلبها بسبب الرعب الذي دب بهِ فابتسم هو على حالها سائلاً اياها بهدوء:
_أنتِ ساكنه فين؟
ليه؟
اجابت دون تردد بتهكم فقبض هو على دراجتها يحملها بين يديه:
_عشان اوصلك ولا تحبي اسيبك هنا للكلاب يمصمصوكي
ابتسمت هي بخبث تسير بجواره في الطريق:
_يمصمصوا مين يااستاذ ده انا طول عمري متربيه مع ذئاب مش كلاب
ضم حاجبه باستغراب مما قالته فتوترت هي مما تفوهت به دون قصد فوقف سائلاً اياها:
_نعم ، ذئاب ازاي يعني
هربت من سؤاله عندما وجدت نفسها أمام منزل الصاوي:
_ده بيتنا
جحظت عيناه وهو ينظر للمنزل من بعيد بأعجاب شديد:
_أنتِ من عيله الصاوي؟
هزت رأسها بالأيجاب دون حديث ولكن ببسمه واسعه تعتليها الفخر فرد هو ناطقاً بما يتمناه:
_يابختك
وقعت على مسامعها صوت "حسان" يناديها من بعيد عل صوته يصل لها:
_غدير
استدارت بجوارها تسترسل حديثها معه:
_مش هتقولي فين المحل بتاعك عشان اجي اخدها منك بكره
اجابها وهى تراه يبتعد عنها:
_المحل بره القريه على الطريق بعد البوابه
ابتسمت لهُ تطالع "حسان" يقترب منها سائلاً اياها:
_روحتي فين؟
تجاوزته تبتعد عنه تطأ قدميها درج المنزل:
_مالكش دعوه أنتَ مش اخويا ولا مسؤول عني عشان تسألني روحت فين
كاد أن ينطق ولكنه صمت عن الحديث فجأه عند سماعه صوت الطبيب قادم من خلفه يتحدث بنبره قلقه بالهاتف ناطقاً بقوله:
_اوعى يايزن توديه المستشفى لو راح المستشفى جرحه هيلم بأسرع من العاده وهناك هيعرفوا حقيقته
صمت لثواني يستمع الى حديث يزن قائلاً:
_خليك معايا امي لازم تعرف اكيد عندها حل
دلف "الطبيب" الى غرفتها للمره الأولى دون استئذان فنطقت بما اصمته لثواني:
_ولدي مش بخير مش كده ياعلي
ابتلع ريقه يطالعها بنظرات مطمئنه لعل يبعث بقلبها جزء من الطمأنينه فالتقطت منه الهاتف مسرعه تجيب قائله على المكالمه:
_انا جايه "ياسين" مابقاش زي الاول يا "يزن" حافظ عليه وانا مسافه الطريق وابقى عندكم
---------------------------
أمطرت السماء بقطرات خفيفه فجأه بدون إنذار ، وكأنها تحمل إشارة معها أن الأمر قادر أن يتغير في لحظة حتى و إن بدا عكس ذلك ..
لم يكد يصدق "بربروس" عيناه فكيف لها أن تمطر حتى لو كانت قطرات خفيفه في هذا الوقت من السنه فهما الان بأواخر شهر أغسطس ابتسمت "مارال" لهُ تطالعه ببسمه حانيه:
_ بيقولوا المطي خيى
فنطق قلبه قبل لسانه:
_وهل هناك خير اكثر من موافقتك على زواجنا أشعر الأن بأن القادم افضل بأذن الله فلا تعلمين كيف تخطيت العديد لأجلك
رفعت رأسها تطالعه بحب:
_واتخطيت ازاي؟
فابتسم ابتسامه أظهرت جمال ملامحه:
_تأقلمت بصمت مع أخفاء القاف
طالعته تنظر من حولها بريبه بعدما ابتسمت قائله:
_بعد الشي عليك من الألم
اقتربت منه مسرعه تضع قبله خاطفه على ثغره
فمدت كف يدها تأخذ منه حقيبتها التي حملها لها طوال الطريق يراها تبتعد عنه تدخل الى الحاره وقف هو متجمداً بمكانه كاد أن يقف قلبه جراء قبلتها المفاجأه لهُ ثم وضع كفه على ثغره مكان موضع القُبله بإبتسامه حانيه سرعان ما انمحت هذه الابتسامه من على وجه ُ وكأنه تذكر شيئاً بعدما سلبت عقله بقبلتها المفاجئه لهُ أخذ يمسح بكف يده مسرعاً على ثغره قائلاً:
_استغفر الله
-----------------(بقلمي ماهي احمد)--------------------
اغلق يزن "الهاتف" فسألته ساره على الفور:
_هــا.. الخاله قالتلك ايه؟
وضع الهاتف على المنضده وهو يجلس على المقعد الأمامي لها:
_زي ما انا قولت ما نودهوش المستشفى
انا مش فاهمه يايزن هنسيبه كده ليه؟ أنتَ مش شايف ضهره عامل ازاي؟ وجرحه؟ جرحه مابيلمش
طالعت "ساره" شمس الصامته ترى دموعها محبوسه بداخل عينيها:
_انطقي ياشمس قولي حاجه
بتر "يزن" حديثها يجاوبها على اسئلتها الكثيره:
_شمس عارفه كويس اوي ان لو راح المستشفى مش هيرجع لأن اي حد هيكشف عليه هيعرف انه مش طبيعي زينا والعيون كلها هتبقى عليه وهيكتشفوا حقيقته
استدارت "شمس" بجسدها تطالعه بنظره راجيه بانت على عيناها بصدق:
_يزن.. انا مش هقدر معملش حاجه لحد ما الخاله تيجي لو عندك شنطه الاسعافات ياريت تجيبهالي بسرعه
مسح وجهه بضيق نافياً وهو يقول:
_للأسف معنديش هنزل اجيبها بس لما ارجع هتحكيلي ايه اللي حصل ياشمس
استدار "يزن" بجسده فتركت "ساره" مقعدها وقد ارتفع صوتها:
_استنى يا يزن خدني معاك
اغلقت "ساره" الباب خلفها بينما هي شعرت بالريبه مما حدث اما عنه فكان يتأوه من داخل غرفته بألم يتأوه بألم كالطفل الصغير التي تصاحبه الحمى ويرتجف كمن خانته الحياه طول عمره.. فأسرعت اليهِ تقف على باب الغرفه لم تستطع أن تطأ قدماها غرفه "عمار" التي كانت تحتويه لسنين هي نفس الغرفه التي تحتوي "ياسين" تجمدت قدماها عند الباب تطالعه من بعيد حريصه على عدم اصدار صوت ..مازال فاقد لوعيه نائم على وجهه يدهُ تتدلى للأسفل ما زالت سترته الممزقه ملتصقه بجسده ممزوجه بجراحه فتعالت تأوهاته قليلاً أجبرت نفسها على الدخول أخذت تطالع الغرفه باستغراب لم ترى غرفه "عمار" من قبل اقتربت منه تحاول انتزاع سترته فلم تنجح اخذت تبحث بعينيها عن اي شىء تستطيع ان تمزق به سترته فتحت الأدراج حتى وجدت المقص وبجانبه صوره فوتوغرافيه الى "عمار "يبتسم بها ابتسامه بسيطه ممسك بخوذته بكفه ، دمعت عيناها على فقده فاستدارت بجسدها تطالع ذلك الفاقد لوعيه لتجد الشبه بينهما كبير للغايه طالعت الصوره من جديد انحنت لتجلس على ركبتها ارضاً جوار الفراش ثم اقتربت بوجهها منه وبكفها صوره عمار كيف لها الا ترى الشبه بينهما الى هذا الحد من قبل فملامحهما اذا امعنت التدقيق ستجدها واحده
امعنت التدقيق اكثر في صوره عمار تنظر الى فروه رأسه وشعره الكثيف لتجد وحمه بين خصلات شعره ارتفعت يدها ببطء رغبت وبشده في تمرير اصابعها بين خصلات شعر"ياسين" كادت تمدها للمس شعره لترى نفس الوحمه بوضوح فسمعت صوته قائلاً بهمس شديد مغمض العينين دون وعي ناطقاً بأسمه :
_عمَـــــار
انتفض جسدها ونزُعت الطمأنينه من داخلها وصل صوته لها هامساً وناعس ، ابتعدت عنه تضع صورة "عمار" في الدرج مره أخرى حتى وصل
يزن اخيراً ومعه كل ما تحتاجه لتضميد جرحه او على الأقل فعل ما تستطيع فعله فوقع على مسامعها قول يزن:
_شمس انا جيبت كل حاجه طلبتيها
مدت كف يدها تأخذ منه الشاش والقطن تطلب منه قائله:
_يزن حاول معايا عشان نقلعه الچاكيت بس بالراحه
استجاب يزن لطلبها يستدير حول الفراش ينتزع سترته ببطىء شديد فوجدت "ساره" بأن جلده ممتزج بالچاكيت لم تتحمل رؤيه ذلك فقالت مستنفره:
_انا اسفه ياجماعه بس انا مش قادره اشوف المنظر ده انا هطلع بره
التقطت "شمس" المقص بجوارها تقص سترته حريصه الا تجرحه واخيراً استطاعوا نزع سترته من على جسده ببطء فأمعن "يزن" النظر على كتفه قائلاً:
_اي ده؟
مالت بوجهها قليلاً فوقع على مسامعها كلمات "يزن" وهو يقرأ ما على جسده:
_ "ياريت كل الناس"
التقط بأصبعه طرف سترته الداخليه الموجوده على كتفه ليستطيع تكمله الجمله فانقطعت الكهرباء قبل أن يستكمل قرائتها فنطقت ساره من الخارج بقلق:
_يزن النور قطع
ليرد هو قائلاً بصوت مرتفع قليلاً:
_ماتخافيش انا جاي
وجه حديثه لشمس وهو يقول:
_هجيب شمع واجي
اشارت برأسها بالموافقه تقترب من ياسين أكثر لم تكن خطاها ثابته لم تكن هي نفسها متزنه كل ما تشعر به الان يخل بتوازنها ولكن حثها فضولها على استكمال الجمله المحفوره على كتفه رفعت اصابعها تزيح سترته الداخليه من على كتفه فهي تستطيع ان ترى جيداً بالظلام الحالك كما علمها وهي صغيره فاستكملت بقيت الجمله "ياريت كل الناس" ومن ثم وشم للشمس مرسوم على كتفه فقرأتها تبتسم ابتسامه حانيه
"ياريت كل الناس شمس" اغمضت عينيها بتأثر رفعت اصابعها تمررها على جملته المحفوره بداخل كتفه لمسات حانيه بأمان مس قلبه بالرغم من فقدانه وعيه شعرت بأرتعاشه جسده من لمستها البسيطه لهُ فعاد "يزن" مسرعاً بالشموع المشتعله يقول وهو يثبتها على المنضده:
_ كده تمام اوي ثبت الشمع كويس.. خلاص خلصتي ولا لسه؟
اشارت برأسها بالأيجاب، فتبع سؤاله بأخر:
_مش محتاجه اساعدك في حاجه
لم تعطه أجابه، بل توجهت الى الشرفه قطرات المطر مع أنها قطرات بسيطه ولكنها بعثت الطمأنينه بداخل قلبها مدت كف يدها من بين الشيش الخشبي تحاول التقاط بعض حبيبات المطر التى هبطت على غير ميعاد يبدو عليها الارهاق رمقتها "ساره" بأشفاق هي لا تعلم ما حدث ولكن المعاناه تظهر جليه على وجهها فاحتضنت "ساره" كف "يزن" تجذبه للخارج موجهه حديثها لشمس:
_ لو احتاجتي اي حاجه ياشمس احنا بره
اغلقت الباب خلفها بهدوء فظلت هي تتابع ضي القمر بصمت شارده بما يشغل تفكيرها لاح في ذهنها ما حدث قبل ذلك يوم مقتل عمار بعدما فقد حياته لأجلها وكذلك ياسين كاد يفقد حياته هو الأخر من اجلها عادت اليه مره اخرى
انحنت على ركبتيها تطالع وجهه الشاحب قطرات العرق تصب على جبينه ، يرتجف جسده من شده ألمه فمدت معصم يدها على فمه تخبره برجاء:
_ياسين.. اصحى.. ارجوك لازم تشرب الدم من جديد
لم تجد منه استجابه فاسترسلت حديثها:
_ياسين انت كده هتموت مش هتتحمل لحد ما الخاله تيجي ارجوك المره دي وبس
زاد الألم بداخلها الكابوس يتكرر عندما لم تجد منه رد اخذت تنتفض لا تعلم ماذا تقول ولكونه فاقد الوعي جعل الأمر أكثر يسر فأخذت تردد بصدق:
_انا عارفه انى السبب في كل حاجه حصلتلك.. وحصلت لعمار حاسه اني موتك هيبقى بسببي زي ما عمار كمان مات بسببي انا معرفش ليه وامتى وازاي..
نزلت دموعها وهي تتابع:
_بس لأول مره ياياسين اخاف عليك مش منك
انا بخاف عليك ياياسين
قالت بنبره هامسه متأثره تطالعه بصدق:
_بخاف عليك أوي
لأول مره من عشر سنين من وقت موت عمار ومن وقت ما مشيت رجعلي احساس ان حد بيخاف عليا ويحميني.. حد مستعد يضحي بنفسه عشاني
شهقت من بين كلماتها:
_ انا اسفه على كل حاجه وحشه حصلتلك بسببي ، انا ماساهتلكش ولا استاهل انك تحفر اسمي على جسمك
تنهدت بمراره تجعلك بتنهيدتها تشعر بمرارة ما مرت بهِ لسنوات:
_مكنتش فاهماك ياياسين.. عمري.. عمري مافهمتك في يوم
وقفت واستدارت تستعد للمغادره تمسح دموعها من على وجنتيها تشعر بالضعف وقله الحيله كانت ستبتعد ولكنه امسك كف يدها ليلطخها بدمائه المتناثره على كف يده استدارت تنظر لكف يده الممسك بمعصمها بأحكام مما جعل عينيها تتسع للضعف وهي تسمعه يقول:
_ماتسبنيش يا"شمسي "
عادت لها الانفاس من جديد بسماع صوته.. توقفت نبضات قلبها عن الخفقان وتيبس جسدها عن الحركه هل قال "شمسي" حقاً وليس شمس هل انصت لما تفوهت بهِ في لحظه ضعفها .. لم تنطق ببنت شفه بل عادت الى مكانها بجواره تطالع كف يدها الممزوج بدمُه وهو مازال مغمض العينين يقبض بكفه على كفها ظلت تنظر لملامحه لم تعلم كم عدد الساعات التي ظلت بها بجواره حتى دون حركه وأخيراً أخذها النوم الى عالمه
---------------(بقلمي ماهي احمد)-------------------
موقف لا تحسد عليه" مشيره " وضعت نفسها بهِ قبل قليل
هي الأن تجلس بالقطار بجانب الشرفه تسترجع لمحات بسيطه مما حدث منذ ساعات:
"دلفت الى غرفتها دون استئذان تلهث من كثره أنفاسها المتقطعه خوفاً عليه فقالت مشيره بنبره تحمل من الخوف والقلق مايكفي:
_صحيح اللي سمعته ده.. ياسين حد رمى عليه مايه نار
جحظت عين الخاله من تهورها ودخولها غرفتها دون استئذان ولكن هذا كان اخر همها الأن فقالت "الخاله" وهي تبتعد من امامها:
_ماتقلقيش يابتي ياسين بخير احنا هانروحله وهنطمنك اول ما نوصل
اعترضت "مشيره" بعصبيه تهرول خلفها:
_أنا مش هفضل مستنيه هنا انا جايه معاكي ياخاله
صعدت الخاله السياره فنادت "زهره" على الطبيب:
_علي
طالعها بعدم اهتمام قائلاً:
_مش وقته يازهره انا لازم امشي حالاً
جلس الطبيب على مقعد السائق بينما مشيره تترجى "الخاله" من خلف الزجاج:
_ارجوكي ياخاله خديني معاكي انا مش هقدر اقعد هنا دقيقه واحده وهو هناك
فردت الخاله بحزم:
_لو كان ينفع كنت اخدتك هو بخير ما تقلقيش
لم تجد مشيره حل سوا الصعود بالمقعد الخلفي رغماً عنها اغلقت الباب وهي تقول بعيون دامعه:
_اسفه بس مش قادره
أشار "الطبيب" للخاله برأسه مطمئناً لها:
_ماتخافيش ياخاله هنلاقيلها حل
استغربت مشيره من جملته فأشارت الخاله بعينيها "للطبيب":
_اطلع ياعلي
افاقت من شرودها على حديث الطبيب:
_يلا يامشيره وصلنا القاهره
----------------(بقلمي ماهي احمد)---------------------
طالعه بغـ ـضب لم يتركه الا حين سمع كلماته:
_يافريد بيه افهمني والله انا كنت عارف ان الواد ده وراه حاجه أنتَ ماشوفتش اللي انا شوفته في القطر
_أنتَ حمــــار وغبي كمان.. بقى ترمي عليها مايه نار
استدار يضـ ـرب كف يده بالأخر دون تصديق:
_افرض كانت جت فيها وهو مالحقهاش ، افرض كان حصلها حاجه ولا عمرك كان هيكفيني اني انتقم منك ياخالد الكلب.. انا قولت اخرك هتوهشها بالموتوسيكل هتعمل نفسك هتخبط فيها ولو ما جاش هتفديها لكن مايه نار انت اكيد مجنون
فتحدث هو ببرود يطغى على كلامه:
_واهي ماجتش فيها.. وانا متأكد انها مكانتش هتيجي فيها انا مارمتش مايه النار الا لما شوفته من بعيد وهو بيبص عليها فتحت الأزازه لاقيتلك حاجه بطير مابتجريش سرعته رهيبه قبل ما رمي المايه في اقل من رمشه العين كان عندها وهو ده اللي احنا عايزينه ياباشا
_بس افرض
بتر خالد جملته:
_مافرضش اللي عايزينه وحصل والفيديو واخدناه وهي مجرلهاش حاجه يبقى ايه لازمه اللي حضرتك بتعمله ده كله.. والله انا ما ستاهل منك ده كله يافريد بيه
تنهد بغضب يشير بيده قائلاً:
_هات وريني الڤيديو
أشار بكف يده معترضاً:
_مش قبل ما نتفق على حلاوتي
مش لما اشوفه الأول ياحيوان أنتَ
كانت هذه جمله "فريد" فاعترض عليها "خالد":
_وليه الغلط ده بس يافريد باشا خلينا حبايب والفيديو مش هتشوفه الا لما نتفق على حلاوتي
اخرج فريد دفتر الشيكات من درجه الخاص قائلاً:
_عايز كام اخلص
مش هقبل اقل من نص ارنب
نعم ياروح امك
قالها بصوت مرتفع من صدمته فسمع صوت والدته من الخارج:
_في ايه يافريد بابا كده مش هيعرف ينام
صك على اسنانه وتحدث من بينهما:
_أنتَ بتساومني ياخالد
رفع اصبعه يشير مؤكداً:
_وعزة جلال الله ابداً.. ده بس من عشمي فيك
ضغط" فريد "بأسنانه على شفته السفليه قائلاً بعدم رضا:
_ماشي
حرر له الشيك وأخذ هاتفه ينظر الى الفيديو بغضب فوجد سرعته الرهيبه وهو يحتضنها ولكن من حظ"ياسين"، بأن من كثره سرعته لم تضح ملامحه بالفيديو وعند احتضانها فالمصور التقط له الفيديو من ظهره فلم تظهر ملامحه ابداً
طالعه " فريد " قائلاً:
_ده ملامحه مش باينه انت بتستهبل.. هات الشيك
فابتسم "خالد" بسمه خبيثه:
_بس تقدر تساومها بي.. هات الشيك ياباشا ومبروك الجوازه
-------------------(بقلمي ماهي احمد)----------------
صباح جديد ولكنه مختلف نقرت "ساره" على الغرفه برويه فلم تجد رد فتحت الباب لتجدها غارقه بنومها ممسكه بكف يده يلطخ دمه كفها دلف "يزن" خلفها سائلاً:
_بتعملي ايه؟
أشارت على فمها بالهدوء
_هوووووش هتصحيهم
انا برضوا اللي هصحيهم مش عيب كده
لم تهتم "ساره" بحديثه وأخرجت هاتفها من جيب سترتها تلتقط لأيديهم المتشابكه صوره تذكاريه فابتسمت وهي تنظر للصوره ببسمه عريضه:
_sooo cute
عايزين نتصور صوره زيها تبقى سايح في دمك كده ومش سايبين ايد بعض ونخلي حد يصورنا
ابتسم "يزن" بغير تصديق وهو يقول:
_والله أنتِ مجنونه
صدح صوت رنين الباب فاستيقظت "شمس" مسرعه فخبأت ساره هاتفها على الفور فهتف "يزن" وهو يسرع بفتح الباب:
_دي اكيد الخاله
جذبت "شمس" يدها من كف يده تشعر بلزوجه دمائه على كفها طالعت ساره قائله :
_اما مش عارفه نمت ازاي
كان لازم تنامي عشان ترتاحي اللي حصل امبارح مش شويه
وقفت بجواره واول شىء فعلته هو الشعور بمعصم يده لتجده مازال ينبض فشعرت بالراحه على الفور دخل "الطبيب علي" يهرول بالدخول الى الغرفه يأمر يزن بقوله:
_خللي مشيره بره ماتخلهاش تدخل الأوضه يايزن مهما حصل
وقفت" شمس" بجوار الطبيب فبدأ بسؤاله:
_بقاله قد كام ساعه بالظبط وهو كده
اجابت "شمس" باهتمام:
_مش اقل من سبع ساعات
اشار الطبيب بعينيه للخاله فأردف قائلاً:
_كله يطلع بره مش عايز حد في الأوضه
خرج الجميع وهمت " شمس "بالخروج فأوقفتها الخاله قائله:
_ اقفلي الباب وراهم وتعالي عايزاكي ياشمس
اغلقت الباب خلفهم تنتظر سيل الأسئله ولكن فعلت" الخاله" عكس المتوقع:
_هاتي أيدك
مدت "شمس" يدها مستسلمه لها فأخرجت "الخاله" أظافرها وجرحت معصم يدها تألمت بصمت فأخذت الخاله بضع قطرات من د مائها بداخل زجاجه بها عشبه الأصيص رجتها سريعاً بكلتا يديها الأثنتان تمزج دما ئها جيداً بها استغربت "شمس" ممما تفعله الخاله مدت كف يدها تعطي الزجاجه "للطبيب" تنظر له بعيون راجيه:
_ادعي بس انه يفلح ياعلي
اشار "الطبيب" بعينيه يتنهد على أمل ان يفلح مزيجهما فألقى المزيج على ظهر "ياسين" برويه حتى سمعوا صرخاته كما امتزج البنزين بالنار شعر بألم شديد لا يصفه كلمات مازالت صرخته ترج الأجواء حتى عاد جلده من جديد ببطء شديد
سمعت مشيره صرخاته بالكامل حاولت الدخول ولكن منعها "يزن" فقالت:
_انت بتمنعني انا ليه؟ انا احق بي منها انا خطيبته وهبقى مراته انما هي تقربله ايه؟
خرجت الخاله من الداخل تستند على عصاها وخلفها الطبيب وشمس:
_سيبوه يرتاح هيفوق كمان شويه
انتوا عملتوا في ايه؟ اانا عايزه اشوفه
فرد الطبيب برجاء:
_اقعدي يامشيره هتشوفيه ماتقلقيش ياسين مافيهوش حاجه
ازاي دي غدير كانت بتقول ان في مايه نار
بتر حديثها الطبيب قائلاً:
_ولا مايه نار ولا حاجه غدير عيله مافهمتش الكلام كويس مجرد حرق في ضهره بسيط والخاله حطيتله مرهم هي اللى عملاه بنفسها من اعشاب طبيعيه هيخليه يقوم بسرعه ماتقلقيش
_بان الكذب في نبرته ولكنها اضطرت ان توافقه على ما قاله فكل همها الأن هو ان تراه امامها من جديد:
اشارت الخاله بعينيها لشمس فتبعتها دون ان تنطق وقفوا بالشرفه فبدأت الخاله بحديثها:
_ايه اللي حصل ياشمس؟
هزت "شمس" رأسها تجيب سؤالها:
_أنا نفسي معرفش اللي حصل كل اللي اعرفه اني كنت بتكلم معاه وسابني ومشي مره واحده لاقيت واحد راكب موتوسيكل لابس خوذه ماشوفتش منها الا عنيه بصلي بنظرات مريبه ورمى عليا مايه نار وياسين لحقني ووقف قدامي فدا نفسه عشاني جيبته هنا انا ويزن ومش عارفه جرحه مالمش سم واحد ياخاله ومش فاهمه مين اللي عايز يأذيني بالشكل ده انا لولا ياسين كنت زماني ميته الله يعلم بيا كان جرالي ايه من غيره
ربتت الخاله على كتفها لتطمئنها قليلاً:
_اهدي يابتي كل شىء هيتعرف بأوانه المهم انه يقوم منها بالسلامه الجرح مكانش هين نحمد ربنا انه فضل عايش ياسين بقاله سنين مابيشربش الدم وجسمنا بيضعف وخصوصاً عشان لعنتنا ولا انتِ نسيتي الحاجه الوحيده اللي تخلي ياسين يرجع قوي زي زمان انه يرجع يشرب دم البني ادمين وده اللي مش هيسمح بي ياسين عرفتي ليه جرحه مالمش وخصوصا مع جرح شديد زي ده
أشارت برأسها بعيون دامعه بالأيجاب دون ان تنطق فهدئت الخاله من روعها قليلاً:
_قدر ولطف يابتي
------------------( ماهي احمد)-------------------------
تمر الأيام أمامك ولا تستطيع اللحاق بها هما الأن
بغرفه الضيوف الخاصه "بالخاله حكيمه " يجلس "فريد" بالمنتصف يجلس جلسه ثقه مما يطلبه:
_انا جاي في الاصول وطالب ايد شمس ياخاله
كان هذا طلبه لم يتوقع "ياسين" ان يجتمع مع هذا الشخص من جديد طالعه "ياسين" باستخفاف شديد وتحدث:
_ومين قال ان احنا ممكن نوافق على واحد زيك
نظرات عيونهم وكأنها حرب طاحنه بينهما ولكنها حرب بارده:
_مين احنا.. انا مش جاي طالب ايدك انت انا طالب ايد شمس
نظرات "ياسين" لو كانت سهام لضربته في مقتل:
_أنا واثق انها عمرها ما هتوافق على واحد زيك
على الأقل اسئلها لو رفضت انا همشي ومش هتشوفني تاني
قال فريد جملته يعتدل بجلسته على المقعد فتمنى
"ياسين" لو اشتعل بهِ المقعد الأن رأت الخاله النار المشتعله بينهما فأرادت اخمادها بهدوء:
_خلاص ياياسين لو ده اللي هيريحه احنا موافقين يسمع رفضه بنفسه.. نادي على شمس ياحسان
أشار حسان برأسه بالموافقه فأتت "شمس" تدخل بين الجميع فنطقت الخاله قائله:
_فريد طالب أيدك يا "شمس" قولتي ايه يابتي
قالت تنظر للأسفل تتجنب التطلع اليهِ ترد بصوت مرتعد:
_موافقه
علت الصدمه وجوههم جميعاً فأردفت زهره ببسمه واسعه تطلق زغروده تصدح بالمكان بأكمله:
_لولولولولولولولولولولولولولولي
أنا عارفه ان البارت مش هيجيب تفاعل بس حقيقي اتمنى الاقي تفاعل واعرف رأيكم في البارت ياحبايبي انا حقيقي محتاجه دعمكم حالياً اكتر من اي وقت وشكرا للي هيعمل لاف على الفيس ويقول رأيه او نجمه على الواتباد
رواية الهجينة الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم ماهي احمد
برقت عيناها بلمعان غريب، ثم أخرجت صوتًا أشبه بالزفير المكتوم.
"أنا لازم أموت عشان أنت تعيش."
ضغطت على المكابح مرة أخرى، ولم يبقَ بينها وبين المنحدر سوى متر واحد.
اندفع "ياسين" بشكل تلقائي داخل السيارة.
"إيه ده! بتعمل إيه يامجنون؟" صرخت.
اضطربت حقًا في هذه اللحظة، وحاولت الضغط على المكابح بكل ما أوتيت من قوة، لكن الوقت كان قد فات. توقفت السيارة، لكن الإطارات الأمامية كانت معلقة في الهواء، والإطارات الخلفية تلامس المنحدر. كانت بين السماء والأرض.
قبضت على المقود بقوة، ورعشة تسري في جسدها. سألته بصوت يختنقه المرارة، ربما ليجد إجابة تريحها:
"إيه اللي خلاك تعمل كده؟ ركبت معايا ليه ياياسين؟"
طمأنها "ياسين" بنظراته، ولامست يده يدها القابضة على المقود بحنان. قال وعيونهما لا تتفارق، وأعطاها ابتسامة رقيقة قبل أن يقول:
"عشان ماقدرتش ياشمس. مش قادر أخسرك. زهقتي من الدنيا وشايفة مشاكلها كبيرة عليكي، وماقدرتيش تقفي في وشها، وقررتي تموتي نفسك."
تسارعت أنفاسها، وكتمت بكاءها بالإجبار، راغبة في أن تستمع للمزيد. ابتلع هو غصة مريرة في حلقه وقال بصدق نابع من قلبه:
"عايزة تخلصي من حياتك، معنديش مشكلة، بس خوديني للموت معاكي. ماتسبينيش لوحدي هنا."
تأرجحت السيارة ببطء نحو الأسفل. عم الصمت، ولم يأتِ رد منها. تحدث من جديد، ورفع قدمه ببطء، وضغط على قدمها الموضوعة على المكابح برفق:
"القرار قرارك ياشمس. يا نعيش سوا، يا نموت سوا."
استرسل حديثه، وحاصرها بنظراته الحانية:
"لا حياة لي بدونك. أما معًا، أو معًا."
تسارعت أنفاسها، ورأت الموت أمامها. كان المنحدر شديد الارتفاع. تحركت السيارة مرة أخرى إلى الأسفل. لم يتحدث بحرف واحد، فقط طالعها، وطالع تعابير وجهها. كان ردها كالتالي:
"يبقى نموت سوا."
ابتسم ابتسامة حانية ارتسمت على ثغره، وأشار برأسه بالإجابة، يردد آخر كلماتها، ويضع قدمه على قدمها، ويضغط على المكابح بقوة وهو يقول:
"يبقى نموت سوا."
***
"منذ شهر مضى"
أطبق الصمت على منزل "الصاوي" بعد قول شمس الذي نجح في سلب انتباه الجميع. أما "ياسين"، فقد داهمه السباق في دقات قلبه. أغمض عينيه وهو يستمع إلى ردها من جديد:
"موافقة."
صدحت الزغاريط في المنزل مرة أخرى من "زهره". ابتسمت "مشيره" بعد موافقتها هذه. ارتسمت بسمة عريضة على وجه "فريد"، وكأنها بسمة شماتة. طالع "ياسين" بها. تبادل الجميع النظرات، التي قطعها "ياسين" بقوله:
"شمس، عايزك جوه."
خرجت كلماته بنبرة حادة. حركت رأسها بالإيجاب، وتبعته بخطواته. تحركت "زهره" لتمنعها من الرحيل خلفه، لكن هناك من أوقفها عن التقدم خطوة واحدة للأمام، وهو "الطبيب". نظر لها نظرة خاوية، وكأنه يخبـرها إذا تحركت خطوة أخرى للأمام، سينقطع بينهما كل شيء.
ابتـلعت "زهره" ريقها دون حراك، وهي ترى ابنتها تبتعد عنها. فقال "فريد" وهو يعتدل بجلسته:
"أفتكر كده ياخاله، معندكيش مانع على جوازنا."
أشار بعينيه على "زهره" التي لا تستطيع كتم سعادتها التي تغمرها الآن:
"وافتكر برضوا إن مامتها موافقة. يبقى على بركة الله، هجيب والدي ووالدتي على الخميس اللي جاي، نقعد ونتفق رسمي."
قال كلماته وهو يستعد للنهوض من على مقعده، فألمح بنبرة بها من التهديد ما يكفي:
"مع إن والدي، زي ما أنتِ عارفة ياخاله، راجل مهم أوي في البلد، والناس كلها هي اللي بتجيله، حتى لو هو اللي عايزهم. بس نعمل إيه، يلا كله عشان خاطر شمس. هجيبه وأجي."
اتجهت "الخاله" ناحية "فريد"، وقد فهمت تهديده، قائلة:
"مابحبش الكلام الملفوف. اللي تفضل تلف حواليه عشان تعرفني معناه. نبرة التهديد اللي في صوتك مش لايقة عليك يا ولدي. عيلة الصاوي مابتتهدش، ولو شمس حباك وعايزاك، ما عليا غير إني أوافق، وما أقفش في طريق سعادتها في يوم."
ابتـلع "فريد" ريقه وهو يبرر:
"أنا ما قصدتش ياخاله حكيمة، أنا قصدت..."
فبترت حديثه بحدة، وهي تضرب الأرض بعكازها وتقول:
"قصدك وصل خلاص، وطلبك عرفناه. سيبنا نشاور عقلنا ونفكر، وردنا هيوصلك في الوقت المناسب."
استخدمت طريقته الملفوفة لتطرده من منزلها بطريق غير مباشر، ففهم هو وقال بتحدي، بعدما رأت الخاله الإصرار بعينيه:
"أنا مستني رأيكم، بس مش هستنى كتير ياخاله."
قال كلماته، واتجه ناحية الباب. وفي أثناء خطواته للخارج، سمع صوت شيء يحطم. فظهرت على ثغره ابتسامة رضا لما يشعر به "ياسين" الآن. فجاء "الطبيب" من خلفه، يحثه على الخروج، ويشير بيده إلى الخارج:
"شرفت يا فريد."
طالع "فريد" بكبر قائلاً:
"عارف."
***
أسرعت "الخاله" في خطواتها إلى غرفة الضيوف عند سماعها تحطيم كل ما بها. دقت الباب بعنف، ودقات الباب امتزجت بدقات قلب "ياسين". فقالت بنبرة متوترة:
"افتح ياياسين عشان نتفاهم يا ولدي."
عم الصمت، ولم يأتِ رد منه. لم يفتح الباب، ولم يحدثها. فاستأذنت شمس من الخاله قائلة:
"أرجوكي سيبنا يا خاله."
استمعت "الخاله" إلى شمس، ثم نطقت بنبرة تحذيرية من خلف الباب وهي تردد:
"إياك ياياسين تأذيها." وأكملت بقولها بنبرة منخفضة واثقة مما تقول: "مع إني عارفة يا ولدي إنك لا يمكن تأذيها."
أشارت برأسها للجميع بالابتعاد، ورحلت. والكل يتتبعها، لا أحد يفهم شيئًا مما يحدث. أما هي، عن "شمس"، فكانت وحيدة معه بداخل الغرفة. تتسارع أنفاسها. ما تراه على وجه "ياسين" ليس بالهين أبدًا. فأخذت تطالعه بصمت، وهو يقول:
"لما سألتك في القطر، كنتي مع فريد. كذبتي عليا، وقولتيلي مافيش حاجة اسمها فريد. كنتي معاه وقتها؟"
حتى إجابته على سؤاله حرمته منه. قابلت سؤاله بالصمت، وعذبته بصمتها. فأخذ يردد بحيرة:
"طب وعمار نسيته؟ نسيتي ضحى عشانك إزاي؟ نسيتي حبك قد إيه؟ ده ضحى بكل حاجة عشانك، وأنتِ عمرك ما حبتيه."
أتت انفجارها الآن على هيئة بكاء. انخرطت فيه عند سماع اسمه. فنطق بنبرة بعيدة تمامًا عن صوته، تحولت نبرة صوته إلى أخرى تعرفها جيدًا. نبرة بها من الغيرة وحب التملك، نبرة عمار وهو يقول:
"حتى يوم المعركة، كنت واقف أنا وياسين. إحنا الاتنين كنا قدامك. إحنا الاتنين كنا مستنيين نشوفك هتتحامي في مين. لقيتك وقتها اتحاميتي في ياسين."
دخل حربًا مع نفسه. نعم، هي حرب لم تكن هينة أبدًا. فقبض بكفه على مرفقها بقوة، قائلاً:
"فاكرة اتحاميتي في مين؟ فاكرة روحتي لمين ياشمس؟"
لم تخف هذه المرة من نبرة صوته المتغيرة، فقد اعتادت عليها. ترغب في الرد وبشدة، تتمنى أن تدافع عن نفسها باستـماتة. فأخبرته بعكس ما بداخلها:
"مش فاكرة. مش فاكرة عشان نسيتك، ونسيت يوم المعركة بكل تفاصيله. فات عشر سنين، عايزني افتكر إزاي؟"
ابتـلعت ريقها، تتنهد بعمق، تمسح بكف يدها على وجنتيها من كثرة دموعها. تخرج كلماتها من بين شهقاتها:
"كلكم عشتوا حياتكم، إلا أنا. كل واحد حب واتحب. حتى أنت ياياسين، خطبت وهتتجوز. مشيرة له. مستكثر عليا إني كمان أحب زي ما أنت حبيت. كتير عليا إني أشوف حياتي زيكم."
فختمت بما يمزق فؤاده:
"أنا بحب فريد، وهتجوزه ياياسين."
انتزعت مرفقها من كفه بقوة. يراها تبتعد عنه. فتحدث بما أوقفه، وهو يحاول إخفاء حزنه تحت قناع البرود:
"تستاهليه. تستاهلي فريد ياشمس."
تركها ورحل، يصفع الباب خلفه. ومازالت هي تقف بالداخل. تجمدت قدماها. تنخرط في ذكرى حقيقة ما حدث:
كان الجميع بمنزل "يزن" ينتظرون استيقاظ "ياسين". فاستأذن "يزن" من الجميع وهو يقول:
"البيت بيتك ياخاله طبعاً. بس تسمحيلي أنزل أنا وساره نكمل التحاليل والأشعة اللي جينا القاهرة عشانها."
"خد راحتك يا ولدي. أنا كمان هدخل أريح شوية. طول الليل ماغمضتليش عين."
ابتسمت "ساره" قبل أن تقول:
"هاخد "شمس" معايا ياخاله. إيه رأيك ياشمس تيجي معانا؟"
وقبل أن ترفض، قاطعتها الخاله قائلة:
"روحي معاهم ياشمس. ماتسبيش ساره لوحدها يا بتي."
تبادلت شمس النظرات المقيته من مشيره، فوافقت وهي تشير برأسها بالإجابة.
***
هما الآن هنا على الطريق، حيث القاهرة المزدحمة، والسيارات الكثيرة، وكأنهم في سباق شرس. وبعد كثير من الوقت، وصلا أخيرًا إلى وجهتهم. هبط "يزن" مسرعًا، يفتح باب السيارة بجوار ساره. فابتسمت ساره بدهشة:
"إيه الرضا ده كله؟ كل ده عشان تعبانة شوية. أنا على كده بقى هبقى عايزة أتعب على طول."
فرد "يزن" بلهفة:
"بعد الشر عليكي من التعب. اطمن بس عليكي، وهتشوفي مني تغيير تاني خالص ياساره."
تابعت حديثها وهي تتجه إلى الداخل:
"أنا مش عايزك تتغير يايزن. أنا حبيتك بعيوبك قبل مميزاتك. أنت عيوبك في نظري مميزات. ربنا ما يحرمني منك ياساره."
"ربنا يخليكم لبعض." ابتسمت "شمس" من خلفهم.
دخل الجميع إلى غرفة الأشعة. انتظرتهم "شمس" بالخارج. فلمحت آخر شخص توقعت وجوده هنا، هو أول شخص وقعت عيناها عليه. إنه "فريد". وجدته يقترب منها قائلاً بنبرة خبيثة:
"أخيرًا لقيتك ياشموسـتي. يا شيخة، ده أنتِ لففتيني وراكي القاهرة وضواحيها."
"إنتَ عرفت مكاني منين؟" كان هذا سؤالها وهي تنظر له نظرة مقيته، تعبر عما بداخلها تجاهه.
"تؤ تؤ تؤ، ياشموسـتي. ما أحبكيش تكلميني بالنبرة دي. أنتِ ماتعرفيش إن أعرف أجيب النملة من جحرها، مش هعرف أنتِ فين يا قلبي."
"قلبي؟"
كان حديثه معها صريحًا. فأكمل هو للتأكيد على كلامه:
"آه قلبي. وقلبي مش كتير عليكي كمان."
استغربت هي من نظراته ونبرة صوته المتغيرة، على عكس العادة. فقامت تتحرك من أمامه قائلة:
"أنا ماشية. أنا مش عارفة أصلًا إيه اللي مخليني واقفة مع واحد زيك."
أوقفها هو بعدما قبض على ذراعها بكفه قائلاً:
"الظاهر إنك ناسية تليفونك في أسيوط. ما أنتِ لو كنتي شفتي الفيديو اللي بعتهولك، كان زمانك ماسكة فيا بإيدك وسنانك."
"أنا ماشوفتش فيديوهات، ومش هشوف."
انحنى بجانب أذنها يهمس بقول:
"خلاص، يبقى مصر كلها هتشوف العيلة الكريمة، ويعرفوا حقيقتكم. وحقيقة ياسين الصاوي. تخيلي كده لما الكل يعرف ويشوف سرعته وعنيه اللي بتقلب للون الأحمر، وإزاي اترمى عليه مايه نار مركزة، ومحاولتوش حتى تجيبوه المستشفى."
فاسترسل حديثه بنبرة سائلة:
"إلا قوليلي صحيح، هو انتوا ما جبتوهوش المستشفى ليه؟"
استغربت هذا. هل حقًا علم حقيقته؟ ملامح وجهه يظهر عليها التأكد من كل كلمة سردها الآن. فقالت تفرك بأصابعها بتردد:
"وهنجيبه المستشفى ليه؟ هو بخير ومافيهوش حاجة."
ضرب بكف يده وهو يؤكد على حديثها:
"بالظبط، ده اللي كنت عايز أقوله. إنه كويس ومافيهوش حاجة بالرغم من الفيديو ده."
أعطاها هاتفه وهو يضغط على زر تشغيل الفيديو قائلاً:
"شوف سرعته عاملة إزاي، رهيبة يا أخي. لأ، وعرف ينقذك في الوقت المناسب. بطل. بصراحة، أنا شايفه بطل."
لم يخفِ عليها التعبير الساخر الذي ارتسم على وجهه:
"بس لو مكانش حضنك. أصل أنا بغير، ما بحبش الست بتاعتي يلمسها غيري."
تسارعت دقات قلبها من جديد. شعرت وكأن كل شيء يقف ضدها الآن. فقالت بنبرة منخفضة:
"عايز إيه دلوقتي يافريد؟"
فقال دون تردد:
"عايزك."
"قليل الأدب وبجح!" قالتها بتهكم بعدما سيطر عليها الغضب. رافعة يدها لتصفعه على وجنتيه. فقبض بكفه كف يدها قبل أن تصفعه قائلاً ببرود:
"إيه ده؟ أنتِ فكرتي إيه؟ طلع تفكيرك شمال. أنا مش وحش أوي كده، مع إني مع غيرك وحش. بس أنتِ غير أي حد. أنا استنيتك السنين دي كلها، ومش مستعد أستنى أكتر من كده. أنا عايزك في الحلال، عشان أنتِ بنت حلال. شوفتي أنا مؤدب إزاي."
ترك معصم يدها وهو يبتعد ببطء قائلاً بنبرة تحذيرية:
"فكري كويس، وما ترديش دلوقتي. واعرفي إن مش بس ياسين اللي هيتأذى، ده كل أهلك هيتأذوا معاه. وأولهم الحجة الوالدة. أصل ماينفعش يكون متسترين على كائن مرعب زي ده، ونسيبهم في حالهم كده."
فاقت من ذكراها على صوت والدتها وهي تقول:
"عملك إيه المؤذي ده؟ قوليلي ياسين إذاكي؟"
كسا الحزن تقاسيم وجه "شمس". تركتها خلفها وأغلقت باب غرفتها بإحكام. أمسكت بهاتفها الخلوي، تعيد تشغيل الفيديو من جديد. فأتتها رسالة نصية من ساره عبر الواتساب، تبعث لها بصورة قائلة:
"الصورة دي صورتها لك أنتِ وياسين لما كنتوا نايمين وماسكين إيد بعض. معرفش صورتها ليه، بس حسيت إنك ممكن تحتاجيها في يوم."
لم تجب عليها. طالعت الصورة بعيون دامعة. استغرقت وقتًا طويلًا للإجابة، وهي تكتب قائلة:
"إحساسك غلط. ما افتكرش إني ممكن أحتاجها في يوم."
***
الأمر أصبح أصعب من كل شيء. إنه الألم الذي يأكل في روحه الآن. وكأنه كلما شعر بأنه يستطيع التحمل، زادت آلامه أضعافًا، حتى تثبت عكس ذلك. ساقته قدماه إلى حيث المكان الذي يشعره بأنه حي يرزق. يجلس على المقعد بجواره "عم نصير". يمد يده بكوب الشاي الساخن له، وهو يقول:
"والله زمان ياياسين. وحشتني قعدتك معايا يابني."
تحدث "ياسين" وهو يتناول كوب الشاي من يده:
"أنت أكتر يا عم نصير. بقالنا سنين مارجعناش نقعد نفس قعدتنا دي سوا."
طالع البحيرة أمامه بماءها الصافي. تستطيع أن ترى السمك الصغير بداخلها من كثرة نقائها. فابتسم، ولكنها ابتسامة حزينة، وكأنه يخرج حزنه بابتسامته، قائلاً:
"حاسس إن كل حاجة اتغيرت. مابقاش في حاجة تأثر فيا زي زمان."
جملته الأخيرة أدارت كفة الحديث تمامًا، حيث علم "عم نصير" ما بداخله من ألم، فتحدث نافيًا ما قال:
"لأ، كل حاجة زي ما هي. ماتغيرتش ياياسين. البحيرة الصافية لسه صافية، والقمر لسه منور في سماه، ماتغيرش. صفاء وهدوء القرية موجود، ونسمات الهوا اللي بتحرك ورق الشجر. وقلبك بيفرح بيك لسه، بينعش روحك للحظة دي. بس في حاجة واحدة بس هي اللي اتغيرت يا ولدي."
ترك "ياسين" مقعده واستقام واقفًا. يتحرك ناحية البحيرة. زين ثغره ابتسامة هادئة، تبعها قوله:
"ماتقولش أنا اللي اتغيرت يا عم نصير."
اقترب منه، يتكئ على عكازه، يربت على كتفه برفق:
"يبقى أنتَ عارف من غير ما أقول يا ولدي."
نبرة "عم نصير" الهادئة وصوته في أذنه جعلت عيناه تلمع بالدموع، وكأنه يريد فقط أن يربت أحد ما عليه حتى ينفجر بالبكاء. لمح "عم نصير" الدموع في مقلتيه هو الآخر، وحدثه بدموع تحت نظراته:
"مالك يابني؟ فيك إيه ياياسين؟ حاسس إن جواك وجع يهـد الحيل. احكيلي زي زمان. مش هتلاقي حضن يسيع همك قد حضني يابني."
سمع "ياسين" كلماته، وحينها فقط استطاع البكاء بحرية، كما كان يفعل بالسابق بين أحضانه. حاوطه "عم نصير" بذراعيه، فشعر بدفء قلبه بين أحضانه. أخذ يبكي، تنهمر الدموع من مقلتيه بدون وعي. تركه "عم نصير" يخرج ما بقلبه من حزن على هيئة دموع، حتى شعر بارتياح قلبه. فسأله قائلاً:
"قولي ياياسين، بتبكي ليه يا ولدي؟"
ابتعد "ياسين" عن أحضانه، يخرج كلماته من بين دموعه:
"الشاي. الشاي اللي أنتَ عامله ياعم نصير وحش أوي."
ضربه بخفة على كتفه ضاحكًا:
"ما أنا قولت 100 مرة، مابعرفش أعمل شاي."
فأخبره "ياسين" بعيون ممزوجة بالدموع، يحاول إخراج ابتسامة بسيطة من بين دموعه:
"ولا أنا."
فابتسم يقول بصدق نابع من قلبه:
"ماتحبسش البكا في عيونك ياياسين."
لمعت عيناه أكثر، حيث أثر الألم الذي بداخله ما زال بهما:
"أنا تعبان. تعبان أوي يا عم نصير."
***
غادرت "غدير" تسأل عن أقرب ورشة لتصليح العجل. فأدلها أحد ما على أقرب ورشة خارج القرية. وبعد أن تعبت بالبحث عنها، وجدتها أخيرًا. دلفت داخل الورشة، تبحث بعينيها هنا وهناك على أمل أن تجد أحدًا ما بداخلها، ولكن دون جدوى. فوجدت دراجتها بجانب ركن صغير. ابتسمت، تتجه ناحيتها. تنحني وهي تنظر إلى الإطارات، فوجدتها سليمة. ابتسمت بفرحة وهي تستعد للنهوض من جديد. تصطدم به، فانزلقت على الأرضية وهي تتشبث به، تحاول ألا تنزلق، ولكن دون جدوى. فنطق هو قائلاً:
"خلي بالك. خلي بالك يا آنسة. حاسبي. حاسبي."
فأخذته معها وانزلقوا هما الاثنان سوياً، وأصبحت فوقه الآن، تطالعه بعيون دامعة:
"أنا آسفة والله العظيم، ما كانش قصدي. ما كانش قصدي."
قامت من فوقه مسرعة، تنفض ملابسها من جديد. فقال بنبرة متهكمة:
"هو كل مرة ما كانش قصدك. حاسس إن أجلي هيبقى على إيدك."
قالها "الشاب" وقد انكمش حاجباه بغضب، فأصبحت هي أمامه معاتبة:
"إنتَ أصلًا اللي غلطان. كل شوية تطلع في وشي."
وضع المنشفة الصغيرة الخاصة به على كتفه، يحضر لها دراجتها:
"وفي الآخر بقيت أنا الغلطان كمان. طيب يا ستي، عجـ ـلتك أهيه."
انتزعتها من يده بقوة وهي تقول:
"عايز كام؟"
هز رأسه باسماً، يرى الغضب بعينيها. فرد قائلاً بهدوء يحاول أن يمتص غضبها:
"خليها عليا المرة دي. أنا عجلاتي صحيح، بس أفهم في الواجب. أول مرة دائمًا بتبقى عليا، عشان أبقى أشوفك تاني."
تبادل كلاهما النظرات. فقالت بعيون حائرة:
"ما أفتكرش إننا هنشوف بعض تاني يا..."
فأجاب باسمه دون أن تسأل:
"بدر. اسمي بدر."
هزت كتفها بعدم اهتمام، تتركه وترحل وهي تقول:
"وأنا ماسألتش أصلًا."
فأشار هو بيده يراها تبتعد عنه:
"من غير تسألي، عارف إنك عايزة تعرفي اسمي."
ابتسمت ابتسامة بسيطة وهي تقود دراجتها دون أن تلتفت له قائلة:
"عجلاتي صحيح."
***
مرت عدة ساعات. وكالعادة، الليل يفرض نفسه على الأجواء. يجلس "بربروس" بعد صلاة العشاء في المنتصف، ومن حوله أطفال الحارة يحفظهم آيات الله، قائلاً بصوته العذب:
"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ."
فردد الأطفال من خلفه:
"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ."
فقال يتابع:
"وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ."
فقاطعه "أبو المعاطي" وهو يهرول ممسكًا بكف يده الهاتف المحمول يقول بنفس متقطع:
"يا شيخنا.. يا شيخ بربروس، قافل تليفونك ليه بس؟"
سأله باستغراب وهو ممسك بسبحته يقلب حباتها:
"ماذا دهاك يا رجل؟ ألا ترى، فأنا في جلسة تعليم القرآن الكريم."
أجابه "أبو المعاطي" باهتمام امتزج بإلحاحه:
"أستاذة مارال عايزة حضرتك. اتصلت كذا مرة، لقيت تليفونك مقفول."
حمـحم بربروس، ينظر للأطفال وهو يغادر الجلسة قائلاً:
"حسنًا أيها الأطفال، سأترككم لدقائق."
أمسك بربروس بالهاتف، يغادر المسجد، فسمعها تقول:
"بيدقوس، عايزة أشوفك حالًا."
فسألها سؤال مبهم:
"أأنتِ بخير؟"
"أيوه بخير. أنا مستنياك على أول الشارع. ما تتأخرش."
فأجاب بالموافقة على الفور، تاركًا الأطفال خلفه.
***
كانت تنظر لعينيه، منتظرة ردة فعل. أما هو، فكان في عالم آخر. تنتظر إجابة لسؤالها. وعندما لم تجد منه ردًا، كررت سؤالها من جديد:
"الأشعة فيها إيه يايزن؟"
صمت دون رد. لاحت إلى ذاكرته ذكرى بسيطة، عندما أخبره الطبيب بضرورة إخبارها بحقيقة مرضها اللعين، فيجب عليها البدء بالعلاج في الحال.
شعر قلبها الآن بأن هناك شيئًا ما. شيئًا أكثر من مجرد هذيان أو إرهاق. فابتسمت وهي تبلع ريقها ببطء:
"أنا تعبانة يايزن، صح؟ مش.. مش مجرد دوخة وشوية صداع. هو.. هو المرض ده اللي عندي اللي اسمه..."
قام هو من على الأريكة بعدما وضع كف يده على فمها. تلاقت أعينهما بعدما حاوطت عينيه عيناها، قائلاً ببسمة حانية:
"هوش. ماتنطقيش اسمه. إحنا مش هنقول اسمه خالص. ولا أقولك، تعالي نسميه المرض الوحش. حاجة مش حلوة دخلت ما بينا، بس إحنا مهما يحصل ما بينا، اللي داخل ما بينا خارج، صح ياساره؟ إحنا مافيش حاجة ممكن تفرقنا عن بعض، حتى لو المرض الوحش ده."
نزلت دموعه وهو يقف أمامها، يستكمل حديثه:
"أنا مش هسيبك. هنهزم المرض ده سوا ياساره. زي ما هزمنا كل حاجة سوا، وفضلنا مكملين. تفتكري مرض بسيط زي ده ممكن يهزمنا ويبعدنا عن بعض؟"
لم تستطع كبت ألمها الذي بداخلها، فاستدارت تعطيه ظهرها. يكسو الحزن معالم وجهها. فأخبرته بما صدمه:
"أنا كنت عارفة يايزن."
استغرب مما قالته للتو، فاستدار يقف أمامها بعدما قبض حاجبه باستغراب:
"عارفة؟"
"آه. كنت عارفة، أو كنت حاسة، بس بكذب نفسي. مكنتش عايزة أصدق. كان نفسي أكمل حياتي معاك. كنت.. كنت نفسي نتجوز ونجيب منك أطفال ونشيخ سوا. عشان كده كنت بكذب."
مسحت بكف يدها أنفها المبتل، تسترسل حديثها:
"أصل.. أصل بيقولوا اتفائلوا بالخير تجدوه. وأنا كنت دايما بتفائل إن هكون بخير، ومافيش حاجة. عشان.. عشان أفضل جنبك وأبقى معاك يايزن. بس الظاهر إن ربنا.. ربنا مش رايد."
فقاطعه هو حديثها بلهفة، يغزو الحزن تعابير عينيه قائلاً:
"مين قال كده؟ أنتِ هتتعالجي وهتخفي، وهنتجوز، وهجيب منك عيال كتير أوي. هنربيهم سوا. أنا وأنتِ ياساره. أنا وأنتِ سوا."
مسح الدموع من على وجنتيها بلطف، فلم يستطع منع نفسه عنها في هذه اللحظة. أخذ يمسح على ملامحها برفق بظهر يده، ينظر إليها بشوق. على الرغم من أنها أمامه، طالع شفتيها بشوق. فمنع نفسه عنها، بالرغم من رغبته الملحة لفعلها. فطبع قبلة على جبينها، يضمها لصدره بحنان قائلاً بحب:
"بحبك ياساره. ده أنتِ الوحيدة اللي حبك عشّش جوه القلب بضمير."
***
يجلس معه في غرفة المكتب، ينتظر حديثه. فتردد "فريد" وهو يقول:
"بابا.. بابا، أنا كنت عايزك في موضوع ضروري."
انتزع والده نظارته الخاصة بالقراءة، يلقي بها على المكتب. فنصت إليه باهتمام:
"وأنا مستني أشوفك هتقول إيه. بقالك ساعة بتقول عايزني ضروري يافريد. ما تنطق."
دلفت والدته إلى المكتب، تتبعها الخادمة وهي تقول:
"حطي القهوة على المكتب يا وفاء."
وضعت الخادمة فنجان القهوة، مغادرة المكتب وهي تقفل الباب من خلفها. فقالت والدته وهي تضع قدمًا على الأخرى، تجلس مقابله:
"ما تقول يافريد، مالك."
نبرة برعت في إخراجها وهو متأثرًا يقول:
"أنا عايز أتـ ـجوز."
ابتسم والده بسمة ساخرة:
"وإنت عامل كل ده والقلق اللي إنت فيه ده كله عشان عايز تتـ ـجوز؟ وماله، نجوزك. أنا كتير كنت بقولك إنك خلاص عديت الثلاثين ولازم تتـ ـجوز، وأنت اللي كنت بترفض."
طالعته والدته بنظرة شك قائلة:
"استنى إنت يادمنهوري. هو إنت ناوي بقى تتـ ـجوز مين؟ أوْعى تقول البنت اللي مغلباك بقالها سنين."
"بنت.. بنت مين؟" كان هذا سؤال والده الذي سأله بعدم فهم. فأجابت والدته بسخرية:
"بت كده مش عارفة، في قرية إيه في ضواحي الصعيد."
"ماما، أرجوكي اسمها شمس. ما اسمهاش بت. والكتكوته بقى رضيت عليك أخيرًا." قالتها والدته بعدم رضا، وكان الارتباك هو المسيطر على وجه فرد، قائلاً:
"ماما، شمس غير كل البنات اللي عرفتهم. هي بس مؤدبة حبتين، عشان كده مكانتش بتوافق عليا. لكن لما اتقدمتلها..."
بتر والده حديثه:
"لما إيه؟ إنت كمان اتقدمتلها؟"
"لأ يابابا، ده كان مجرد كلام مش أكتر. بس الاتفاق هيبقى مع حضرتك."
"وأنا مش موافق على الجوازة دي." قالها بحزم، وعاد يواصل حديثه:
"اسمع يافريد، في حركة تنقلات في الوزارة الأيام دي، وأنا عايز أعزز موقفي. وكنت شوفتلك بنت.. بنت من توبنا، بنت مسؤول كبير في الدولة."
رد بانفعال:
"طب وأنا؟"
فسأله هو الآخر:
"إنتَ إيه يافريد؟"
فقال بتهكم:
"أنا رأيي فين؟ اسمعني يا والدي كويس. أنا الخميس الجاي هااروح وأتفق معاهم على كل شيء، سواء كنت موجود أو لأ. فأنا مش هتـ ـجوز غير شمس. وعلى فكرة يا أمي، شمس مش مجرد بنت من القرية. شمس بنت عيلة كبيرة في الصعيد. لو حابة تيجي معايا تشوفيها، أهلاً وسهلاً. مش حابة، مش هغصب على حد فيكم."
***
مرور الأيام أصبح كمرور الساعات. تمر الأيام سريعًا. أشعة الشمس الذهبية ملأت منزل "الصاوي". يجلس فريد بعد إصرار من "شمس" بموافقتها عليه، بغرفة الضيوف. تجلس الخاله معه، تتفق على كل شيء. تجاورها والدته رغماً عنها، قائلة بتهكم:
"مش قبل ما نتفق نشوف العروسة الأول، على الأقل."
قالتها بكبر. فردت مشيرة على الفور:
"والدتها راحت تنادي عليها. إنتوا شرفتونا النهارده. أنا هاروح أستعجلهم."
خرجت على الفور، تصطدم بـ "ياسين" بالخارج. فسألها بفضول:
"مين جوه مع أمي في أوضة الضيوف؟"
أدركت على الفور من عينيه بأنه ليس على ما يرام أبدًا. فردت عليه تصطنع الحزن:
"ده فريد ومامته جايين عشان يتفقوا على معاد الفرح."
زفر بتعب بعدما رمقها بنظرة وضحت ما بداخله. دخل إلى غرفته، يصفع الباب من خلفه. فدخلت مشيره ورائه قائلة بهدوء:
"مالك ياياسين؟ مش على بعضك ليه؟ كل ده عشان شمس هتتجوز."
"ما ده اللي إحنا عايزينه. عايزنها تبعد عنك عشان تفضل مع عمار. هو مش عمار معاك؟ مش ده كفاية؟"
رفع كفه مانعًا أي استرسال منها في الحديث، وقد انفعل بعد قولها وظهر في رده:
"أنا مش زعلان عليها. أنا زعلان على نفسي. زعلان على عمار اللي كنت فاكرها إنها بتحبه. طلعت خاينة وغدارة. طلعت بألف وش. بتدور على مصلحتها وبس. عايزة تتجوز وتخلف وتعيش حياتها وتنساني."
عاد يكرر كلماته بتردد:
"أقصد تنسانا. تنسـ.. تنسانا."
ربتت "مشيره" على كتفه برفق:
"من أول ما شوفتها وأنا قولت عليها خاينة وغدارة. شمس ما حبتكش ياياسين، ولا حبت عمار في يوم. بلاش تخسر عمار عشانها. تعالي نرجع ألمانيا، تعالي نبعد عنها."
فأشار برأسه بالإيجاب:
"هنرجع. أكيد هنرجع بعد ما آخد يزن وساره معايا عشان تتعالج هناك. أنا وعدته إن إني مش هسيبه. يامشيره، ساره طلع عندها كانسر."
فأشفقت عليها مشيره قائلة:
"حرام، دي لسه صغيرة."
فتنهد قائلاً:
"عشان كده مش هسيبهم."
فردت هي بما يطمئنه:
"وأنا كمان أعرف دكاترة كتير هناك متخصصين. ومش هنسيبها سوا."
فقال بامتنان:
"أنا مش عارف أقولك إيه. من ساعة ما قابلتك."
فبترت هي حديثه:
"ما تقولش. أنا مستعدة أعمل عشانك أي شيء. المهم تكون مرتاح ياياسين. أنت وعمار."
فجاءت بشرابه المفضل وهي تضعه بزجاجته المفضلة:
"اشرب. أنا عارفة إنك بتحب الشيري كولا."
فسمع صوت الزغاريد بالخارج مرة أخرى بعدما اتفق الجميع على موعد كتب الكتاب. فتجرع من الزجاجة ما يكفي.
***
لم تذق النوم، وكيف تعرف له طعمًا بعدما تحدد موعد كتب كتابها قريبًا. لو أنها تعرف كلمة أعمق من كلمة "انطفأت"، لكانت قالتها الآن. فهي لم تشعر بانطفاء روحها مثلما تشعر به الآن. بات قلبها فارغًا، كأنها مدينة بلا نوافذ. فخرجت من غرفتها، ترتدي الشال على كتفيها. ساقته قدماها إليه، إلى قبره. في عتمة الليل، تقف أمام اللوح الرخامي، تنهمر دموعها على وجنتيها، قائلة من بين شهقاتها:
"المكان هنا في الضلمة يخوف، بس بوجودك فيه بطمن. بقدر أقول كل اللي جوايا، وأنا عارفة إنه هيفضل سر ما بينا. برمي حمولي وهمومي عليك، حتى وانت مش موجود. اتحملت مني كتير وانت عايش، وتحملت أكتر وانت ميت. عارفة إني قصرت معاك الفترة اللي فاتت، وما كنتش بجيلك زي الأول. بس الفترة اللي فاتت كنت مشغولة بحاجات كتير."
فظهر "ياسين" من خلفها يهمس بأذنها بصوت منخفض:
"مشغولة بفريد."
انتفضت بمكانها بعدما دب الذعر بقلبها. تسارعت دقات قلبها من كثرة خوفها. التفتت تراه يشرب مشروبه المفضل، وكأنه بحالة من اللاوعي، بالرغم من أنه مشروب "شيري كولا" خالٍ من أي كحول. فمسحت وجنتيها، تضم الشال على كتفها، تحاول تجاوزه هاربة بعيونها منه:
"ياسين، باين عليك مش في وعيك. ياريت تروح دلوقتي."
كلماتها مبهمة، جعلت الحيرة تظهر على وجهه. ضم حاجبه باستغراب، ينظر لزجاجته:
"بس أنا مش سكران. أنا في وعيي أوي. دي شيري كولا على فكرة."
"طب ممكن تروح دلوقتي؟"
كان رده حاسمًا وهو يقول لها:
"مش لما أعرف الأول إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده، ياعروسة."
كان الارتباك هو السائد والمسيطر. فلم يسعفها إلا أن تبرر وجودها هنا بقول:
"جيت كنت بدور على حاجة، ولاقيت نفسي هنا. وماشية دلوقتي على طول."
تقدمت خطوة للأمام. فوقف أمامها وكأنه سد منيع. فسحبها من مرفقها، يقربها منه، ويربت على رأسها، ويتكلم مطمئنًا إياها برفق:
"أنتِ مش عايزة فريد ياشمس. شمس، لو في حاجة، قوليلي. لو فريد غصبك على حاجة، اتكلمي وأنا هقفله. مش عارف، في حاجة جوايا بتقول إنك مش عايزاه، مع إن كل حاجة بتقول إنك غدارة وبتاعة مصلحتك. شمس، أنا بسمعك. فكري لآخر لحظة. فكري ياشمس. إنتِ فعلاً بتحبي فريد؟"
صمتت للحظات. فقربه منها يزيد توترها، وتعلو دقات قلبها. ليست دقات عادية، بل كهرباء تهز جسدها بأكمله. حين اقترب منها، رفعت عينيها تجاه وجهه، وعينيه الصافيتين تدل على نقائهما. تريد إخباره، تريد البوح بالحمل الثقيل الذي تحمله بداخلها. ولكنها فجأة تذكرت تهديد فريد الدائم لها، ومنصب والده المرموق. تغيرت ملامح وجهها فجأة وهي تقول بصوت حازم:
"إنت ليه مش قادر تصدق إني بحبه؟ افهم بقى ياياسين. أنا بحب فريد."
قالت آخر ثلاث كلمات ببطء شديد، تصنعت الصدق ببراعة. فصدق هو ما قالته للتو. تركه لترحل. فقال هو ما أوقفها بغضب:
"عمار كان عنده حق لما قالي إنك خاينة، وعمرك ما حبيتي حد فينا. أخدتينا لعبة بين إيديكي، وإحنا.. إحنا كنا هنخسر بعض بسببك."
شعرت هي ببوادر نوبة جاءته من جديد. فقررت أن تواجه هذه المرة. خرجت عن صمتها وهي تقول:
"قالك إمتى إني خاينة وما حبتش حد فيكم؟ آخر مرة شوفت عمار فيها، كنا في الحرب من عشر سنين، وعمركوا ما اتكلمتوا سوا. آخر مرة عمار مات بين إيديك، وده قبره اللي إنت واقف عنده. عمار مات ياياسين، فوء. بص حواليك. بص إنت فين."
صاح بوجهه قائلاً، وكأن العالم كله لا يساع صراخه:
"اسكتي ياشمس. اسكتي. ماتقوليش إن عمار مات. عمار ما ماتش."
فظهر عمار من خلفها، يطالعه وهو يقول:
"مش قولتلك. مش قولتلك هتقولك إني ميت. مش حذرتك منها، وعرفتك قبل كده قد إيه هي بتكرهنا وعايزانا نبعد عن بعض. شمس دي حية فرقت بينا في الأول، وعايزة تفرق بينا في دلوقتي."
لاحظت هي شروده، ينظر خلفها. تصب قطرات العرق على جبينه. ابتـلعت ريقها بخوف، ترددت للحظات بعدما لاحظت "شمس" تلك الرعشة بيده. فزادت بحديثها:
"لو هو عايش زي ما إنت بتقول، هو فين؟ خليه يظهر. عايزة أشوفه. خليه يبقى قدامي من جديد ياياسين. ياسين، إنت مريض ولازم تتعالج."
طالع ياسين عمار قائلاً بتساؤل:
"أظهرلها ياعمار. قولها إنك عايش. ما متتش. عرفها إنك زيفت موتك عشان نفضل سوا. قولها إن القبر ده فاضي، وإنه مافيهوش حد، عشان إنت.. إنت عايش، صح ياعمار؟ إنت عايش."
لم يتلقى منه ردًا. وقفت صورة عمار أمامه دون حراك. اقترب منه ببطء، رفع كف يده بأيد مرتعشة، يريد فعل ما نهاه عنه لسنين، وهو أن يلمسه، يضمه إلى صدره. وجد نفسه يلمس سرابًا. تتحرك صورته بين أصابعه، تبخرت صورته في الهواء. يراها تبتعد عنه. أصابه الدهشة مما حدث الآن، فأخذ يصرخ باسمه:
"عمار. ماتسبنيش. عمــــــــار."
لم تستطع قدماه تحمله الآن، فأثنى ركبتيه على الأرض. انحنى بظهره، ودموعه تملأ مقلتيه. هرولت هي، تجلس بجواره، تمسد على وجهه، تعيد خصلات شعره للخلف بحنان:
"عمار مات ياياسين. مات ومش هيرجع تاني."
نظر إلى الأرضية يقول بصوت مبحوح:
"اسكتي."
"مات من عشر سنين وقت الحرب."
"بقولك اسكتي."
اقتربت منه أكثر، تضع رأسه بين كفيها برفق:
"العربي طلع قلبه بأيده من جسمه، ومات في حضنك ياياسين."
"بقولك اسكتي. اسكتي. اسكتي ياشمس. اسكتي عشان خاطري اسكتي."
نظر إلى الأرضية، ومازالت تقترب منه. تنهمر دموعه منه بشراسة. لا يستوعب عقله ما حدث للتو. فاقتربت منه أكثر، تحاوطه بين ذراعيها بحنان.
***
أن شعور الاختناق مميت. أخذ يستنشق الهواء من حوله، كمن حُرم من الأكسجين. الأضواء بكل مكان تزين منزل الصاوي. عدم شعوره بالارتياح يرهب قلبه الحزين. صوت المزمار يعلو بكل مكان. أتى فريد مع والدته من جديد، ينتظر المأذون على أحر من الجمر، بعدما اتفقت معه الخاله بأنه سيكون في بادئ الأمر كتب كتاب فقط، حتى ليلة الزفاف.
دخلت ساره على شمس، وجدتها تقف أمام المرآة، لم ترتدي فستانها حتى الآن.
"ساره، أنتِ لسه ما لبستيش ياشمس. ده العريس بره."
ابتـلعت ريقها، تتنهد بعمق:
"هلبس ياساره."
فقالت بلوم:
"ولما أنتِ مش عايزاه، وافقتي عليه من الأول ليه؟ ومتمسكة بيه أوي كده ليه؟"
حاولت "شمس" إخفاء حزنها برسم بسمة على وجهها، قائلة:
"أنا قولت مش عايزاه. بالعكس، أنا هلبس أهو. معلش ياساره، ممكن تسبيني لوحدي شوية عشان اللبس."
أشارت بالإيجاب، وهي تستعد للمغادرة. التقطت شمس بين كفيها فستانها الأبيض، تستطيع شم رائحة الكفن به. كانت تشعر بأن الموت هو خلاصها. ارتدت فستانها، تقف أمام المرآة، تتخيل ياسين يقف من خلفها، يغلق لها سحاب فستانها برفق، بعدما وضع قبلة حانية على جبينها. ابتسمت ابتسامة رضا، تضع يدها على وجنتيها، حتى أفـاقت من شرودها على صوت زهره قائلة:
"لسه ما خلصتيش ياشمس؟ الناس مستنية بره."
أشارت برأسها بالموافقة. ينتظر "ياسين" بالخارج، لا يستطيع رؤيتها تزف على غيره. لم يحتمل قلبه ذلك، وخصوصًا بعدما أعلنت زهره عن قدوم العروس. وضع كف يده على أذنه، خرج يهرول بين الحشود، يتذكر كلماتها وهي تخبره بثقة:
"أنا بحب فريد، وعايزاه. ابعد عني بقى، كفاية محاولات ياياسين. أنا مش هتجوز غير فريد."
فاق من شروده على اتصال هاتفه، فرد على الاتصال بعدما علم بأنها هي. ابتسم قلبه من جديد.
***
هما الآن على حافة المنحدر، بعدما اتفقا أن يتركا الحياة سوياً. ضغط ياسين على المكابح بقوة، يحاوطها بذراعيه، يخبئها بداخله. فانزلقت السيارة على المنحدر بارتفاع هائل. قبض كفه بكفها، عزم على عدم تركها والموت سوياً. فانزلقت السيارة بسرعة هائلة إلى المياه. اصطدمت السيارة بالمياه على ارتفاع شاهق بسرعة مهولة. امتلأت السيارة بالمياه بكل مكان. ففتح كل منهما عينيه تحت الماء، يطالع كل منهما الآخر. مازال ممسكًا بكف يدها، يلبي رغبتها. يراها تحاول كتم أنفاسها أكثر من ذلك. فضرب الباب بقدمه، يحاول إخراجها من السيارة بالقوة.
***
حدث عكس المتوقع. بعدما جاء والد فريد يحضر كتب كتاب ابنه، على الرغم من عدم موافقته. جاء دون حرس. جاء بمفرده مع السائق، يهنئه بزواجه، فهو ابنه الوحيد. رحب الجميع به، وجلس بجانب المأذون ينتظر العروس. يتساءل الجميع الآن: أين العروس الآن؟ كان كل من بالمنزل يتهامس على هروب العروس من يوم زفافها. فقال والد فريد:
"هي فين العروسة؟ مش شايفها ليه؟"
ارتبك فريد وهو يردد:
"أكيد.. أكيد يابابا بتجهز."
"كل ده." كان هذا رده. فقام فريد وهو يقول: "هاروح أشوفها بنفسي."
استدار بوجهه للأمام ليجدها أمامه، بجوار ياسين، يحتضن كفها بقوة. أعصابه تتأكل والنيران مشتعلة بداخله. يطالع الجميع بعضهم البعض بذهول. فقطع "ياسين" نظراتهم بقول:
"أنا وشمس اتجوزنا، ودي ورقة جوازنا."
طالعها "فريد" بنظرات تحمل من اللوم ما يكفي، وأن القادم لن يكن باليسير. فشعرت بالخوف، ولا إراديًا وجدت نفسها تحتمي خلفه، تقبض بكفها على كفه أكثر، مستغيثة وطالبة أن لا يتركها أبدًا. فكان هو حماها وملجأها الوحيد.
رواية الهجينة الفصل الخمسون 50 - بقلم ماهي احمد
صُدق من قال بعض الكلمات كالقبور، تُدفنك حياً على الرغم من إنك على قيد الحياة. وهذا ما فعلته جملة "ياسين" بـ "فريد" وهو يتابع قوله:
_ أنا وشمس اتجوزنا ودى ورقه جوازنا.
كان "فريد" يقود سيارته ولكن عقله ذهب في جولة للمواجهة التي تمت منذ قليل مع "ياسين" ومع هذه الجملة تحديداً. حاول "فريد" انتزاع ورقة الزواج من يد "ياسين" ولكنه فشل في انتزاعها من كف يده، فنطق "ياسين" متهكماً:
_ لو هسمح لحد يشوف ورقة جوازنا، فاكيد مش هيبقى أنتَ.
تطلعت "مشيرة" إلى "ياسين" وقد انكمش حاجباها بريبة تطلب إجابة عما يحدث، ولكن تلك النظرة التي أصابتها من "ياسين" كانت الأسرع، حيث فرضت على "مشيرة" الصمت.
طالعت "شمس" تلك المتشبثة بكف يده، فكانت نظراتها لها ليست إلا ناراً وشراراً تشتعل في الخفاء، تنظر إليها نظرة مفترس يترقب فريسته. كان الجميع مصوب نظراتهم إليهم كالسهام، لا تستطيع عقولهم استيعاب ما يحدث. يطالع أحدهم الآخر بنظرات من الجلي معرفة بأنها نظرات عدم رضا.
هبت "زهرة" واقفة تحاول أن تستوعب ما يحدث، ولكن أنهتها "الخالة" عن فعل شيء أمام الحضور. قام "والد فريد" وهو ينظر هنا وهناك بعينيه، فوجد جميع من بالمكان ممسك بهاتفه ويقوم بتصوير ما يحدث. ضغط على أسنانه ولكنه حافظ على ثباته الانفعالي. زرر جاكيث بدلته السوداء يستعد للرحيل، فأوقفه "فريد" ينطق بقهر وهو يرى والده يبتعد ناحية الباب:
_ بابا أنتَ هتسيبني كده، احنا لازم نعلمه الأدب. شمس دي بتاعتي.. شمس ليا مش لغيري.
قاطعه "ياسين" وهو يقترب منه وجعل كل من بالغرفة يوجه أنظاره عليه، يطالعه بتحدي وهو يقول:
_ شمس من اللحظة دي بقت عقيدة محرمة على أمثالك.
عاد والد "فريد" يقترب من "ياسين" بنظرات مشتعلة، لو كانت ناراً لأكلت الأخضر واليابس. تصنع البسمة على وجهه وهو يقول بهمس:
_ أنا صحيح مكنتش موافق على الجوازة دي، بس وحياة القهرة اللي شرخت قلب ابني وشوفتها في عيونه، لا هخلي الموت من ضمن أحلامك اللي مش هتعرف تحققها في يوم.
هنا ظهر على وجه "ياسين" تقاسيم مسترخية على عكس ما توقعه "والد فريد"، فقد انتظر غضبه وثورته على ما قاله، ولكنه لبس قناع البرود وهو يقول باستفزاز مع ابتسامة ساخرة زينت ثغره:
_ إن شاء الله.. مستني.
طالعة "والد فريد" الذي اشتعلت ثورته من هذا المتبجح الذي يتحدث معه بطريقة لا تتناسب مع مركزه. يراقب الحضور بعينيه وهو يحاول تنظيم تنفسه. رحل ومن خلفه "والدة فريد" وهي تقول بصوتٍ عالٍ نسبياً عل صوتها يصل إليه:
_ استنى يادمنهوري خدني معاك.
أشارت برأسها بنبرة صارمة إلى فريد قائلة:
_ يلا بينا يافريد.
فأجاب يحثها على الانتظار:
_ استني ياماما ماتمشيش.
عاد يطالع "ياسين" بعيون ثابتة تابعها بقوله:
_ هتندم.. أنتَ ماتعرفش إيه اللي مستنيك، لو تعرف كنت فكرت ألف مرة قبل ما تعمل حركة زي دي.
فأجاب بما هو بعيداً تماماً عن سؤاله يشير إلى والدته بعينيه:
_ ماما حلوة يافريد.
تسارعت أنفاسه وهو يخبره بقهر:
_ أنا عايزك تفرح بنفسك دلوقتي عشان هتزعل عليها بعدين.
طالعة "ياسين" وتحدث بنبرة ذات مغزى أدت دورها جيداً في جعل "فريد" يستشيط غضباً:
_ اتكل.
كلمة واحدة فقط قالها ببطء شديد وهو يشير برأسه ناحية الباب يحثه على الخروج، فطالعه "فريد" بنبرة تحمل من التوعد ما يكفي:
_ بكرة تشوف يا ياسين.
جذبته والدته من مرفقه تحاول إخراجه للخارج قائلة:
_ ماتحرقش دمك مع ناس زي دول، لا هما مننا ولا من مستوانا.
استدار "ياسين" بجسده يطالعها وقال بابتسامته الماكرة:
_ نورتي يا طنط. كان نفسي أفرحك بابنك بس مبسوط إني معرفتش أفرحك.
مما أدى إلى اشتعال ثورة "فريد" ووالدته تجذبه من ذراعه وهو يقول:
_ أنا هوريك.. أنا هندمك.. أنا هخليك تشوف النجوم في عز الضهر... أنا...
صفق "ياسين" بيديه في حركة مسرحية وهو يقول ساخراً:
_ ماشي يا ابن الأحبه.
طالعته والدة فريد بغضب فاصطنع ابتسامة مزيفة وهو يقول:
_ الغاليين طبعاً.. الأحبه الغاليين.
رحل "فريد" وترك المكان ولم ينطق بحرف بعدما رحل. الصمت أصبح رفيقه الأول والغضب رفيقه الثاني.
أفاق "فريد" من تلك الذكرى التي حدثت منذ دقائق على صوت والده يستغيث بصوت مرتفع:
_ حاسب.. حاسب يافريد أنتَ كده هتموتنا.
استفاق "فريد" من ذاكرته يضغط بقدمه على دواسة الوقود بقوة، ولكن دون جدوى فقد اصطدم بجرو صغير على الطريق. هبط من السيارة يصفع الباب من خلفه يرى ما الشيء الذي قام بالاصطدام به، فوجده جرو غارق بدمائه. جلس القرفصاء بجواره لم تعد تتحمله قدماه، يتكئ بظهره على السيارة وهو يبكي، يبكي بحرقة عما حدث.
فهبط والداه من خلفه فقامت والدته باحتضانه تراه يبكي من جديد فدمعت عيناها وبدأت بقول:
_ قولتي لك من زمان يافريد البنت دي مش عايزاك ولا عمرها حبيتك، بس أنتَ ماسمعتش كلامي.
طالعه والده بنظرة استحقار مما يفعله بنفسه قائلاً:
_ أخس على الرجالة، حتى بت فلاحة مالهاش لازمة تعمل فيك كده.. تعمل في فريد ابن الدمنهوري وزير الداخلية كده.. قووم.. قووم اقف على حيلك، ولو ماجيبتهاش راكعة تحت رجليك وجييتلك الواد ده يبوس جزمتك مابقاش الدمنهوري.
انتعشت روح فريد وكأن عادت إليه الحياة عند سماع حديث والده وقد عاد الأمل له، يقول وهو يقف على قدميه:
_ بجد يابابا.. بجد مش هتتخلى عني؟
أشار له والده بالأيجاب يتابع بقوله:
_ الأيام دي في حركة تنقلات في الوزارة والعين مفتوحة عليا حبتين، اصبر عليا شوية لحد ما ابقى في الوزارة الجديدة، واياك ثم اياك تعمل أي شيء قبل ما ابقى ضامن إني من ضمن الوزارة الجديدة، وقتها بس هجيبهولك راكع.
تطلع لوالده وهو يقول بقهر:
_ وأنا لسه هستنى يابابا.. وافرض مكنتش من ضمنها هنسيبه؟
فأكد عليه والده بقول:
_ أنا ماقولتش إني هسيبه بأي حال من الأحوال، بس لازم نستنى اليومين دول، أنا محطوط تحت الميكروسكوب الأيام دي وأي شوشرة عليا هطلع منها خسران.
أخذ يربت على كتف ابنه مسترسلاً حديثه ينطق كلماته الآتية ببطء:
_ اصبر يافريد.. الصبر حلو يابني.
ما زال الحضور وكذلك المأذون الجالس على الأريكة في صدمة مما حدث. أما عن "ياسين" فبمجرد رحيل "فريد" تأفف بأنزعاج، فكل شيء يضغط على أعصابه أكثر.
مدت "شمس" كفها وقبضت على سترة "ياسين" من الخلف، كانت تنتفض من نظراتهم الملامة على ما حدث تحاول الهرب بعينيها من نظرات الجميع وبالأخص نظرات والدتها لها، فاختارت أن تختبئ خلف ظهره تشعر بالأمان بوجوده، ذلك الأمان الوحيد الذي نشعر به في لحظات خوفنا، وكأنه سد منيع بينهم وبينها.
وقد قطع صمتهم الرهيب صوت "الخالة" وقد أقدمت على الحديث:
_ كتب الكتاب واتكتب واليوم وخلص.. مشكور كل واحد جه وبارك، نردها لكم في أفراحكم، وواجب كل واحد فيكم هيترد لكم يارجالة في يوم.
خرجت كلمات "الخالة" حاسمة لهذا الموقف، فغادر كل من بالمنزل من خارج عائلة "ال صاوي". ومع خروج آخر شخص من المنزل أشارت الخالة بعينيها إلى "حسان" تحثه على غلق الباب خلفه. أسرع "حسان" لغلقه وأصبحوا بمفردهم من جديد.
اقتربت "زهرة" من "شمس" وهي تصيح بنبرة لاذعة، نبرة متهكمة ضربت "ياسين" في مقتل، سائلة ابنتها بقول:
_ ياسين اعتدى عليكي يابت المهدي؟
بانت الصدمة على ملامح "شمس" دون أن تنطق، فرد "ياسين" وكان رده ينم عن وجع كبير من سؤالها:
_ أنتِ اتجننتي يازهره.. أنتِ بتقولي إيه؟
اعترضت "زهرة" بقولها على كلامه بنبرة ساخرة من طريقة حديثه:
_ أيوه.. أيوه اتصنع البراءة اللي في عينيك واكأنك معملتهاش عشان تغصب بنتي إنها تتجوزك، تقدر تقولي فستانها متقطع ليه؟ وشعرها وشكلها وانت كمان شايف نفسك عامل إزاي.
_ أنتِ بتقولي إيه!! أنا لا يمكن آذي شمس بالشكل ده.
اتهام ونفي عنه، فضربت "الخالة" على الطاولة ناطقة باسمها بنبرة محذرة، فهي تحدثت بما لا يصح قوله، فاعترض زوجها هو الآخر وحاول منعها، ولكنها استكملت ما بدأته تردد بقول:
_ مكنتش مصدقة نفسك إنها ممكن تعيش وتتجوز وتبقى مبسوطة، تعيش حياة طبيعية مع بني آدم زيها زيه، قولت تجيب مناخيرها الأرض وخطفطها واعتديت عليها.
قاطع حديثها "الطبيب" وكأنه كان ينتظر دوره حتى يجعلها تندم أشد الندم على اللحظة التي قالت فيها هذه الكلمة بقول:
_ أنتِ زودتيها أوي يازهره.. كفاية كده.. أنا استحملتك كتير بس الظاهر مافيش فايدة فيكي.
ردت "زهرة" بإصرار:
_ لأ مش كفاية، تقدر تقولي إيه السبب اللي يخليها تتجبر إنها تتجوز ياسين بعد ما كانت موافقة ومصممة إنها تتجوز "فريد"، لأ وكمان يوم كتب كتابها.
طالعت "مشيرة" تتابع حديثها بضيق:
_ وأنتِ ياست مشيرة أنتِ مش المفروض خطيبته وهتتجوزوا ساكتة ليه؟ ماتنطقي.
وقفت "مشيرة" ولكن بعدم ارتياح وصدق ظنها حين رأت أعين الجميع مصوبة تجاهها، فأشار "ياسين" لها بعينيه يحثها على قول الحقيقة يطمئنها بنظراته، فقالت بتردد:
_ بصراحة.. بصراحة أنا.. أنا وياسين.
قاطعتها "الخالة" بقول:
_ عمرك ما كنتي هتبقي مراته ولا خطيبته في يوم صح يابتي.
اندهشت "مشيرة" بمعرفتها للأمر، فتابعت "الخالة" بقول:
_ كنت عارفة بكذبتك وملامحك اللي حاولتي تداريها وأنتِ بتعرفينا إنك مراته وياسين جه ودارى عليكي.. نظرته اللي اتسحبت ونبرته اللي اتغيرت وهو بيوافق على كلامك بينت إنه بيكذب زيك بالظبط. أنا مش عايزة أعرف أنتِ كذبتي ليه قد ما عايزة أعرف استفدتي إيه؟
لم يتدخل "يزن" بالحديث معهم، بل قال بعد أن أنهت حديثها:
_ مش وقت ياخالة الكلام ده دلوقتي، عايزين نسأل الأسئلة المهمة، وأتمنى مشيرة ما تبقاش وسطنا واحنا بنسألها.
تركتهما "مشيرة" بانفعال، فأشارت "الخالة" إلى حسان بعينيها حتى يلحق بها إلى الخارج في محاولة بائسة لإعطائها بعض الهدوء.
أتت "زهرة" لتتحدث ولكن منعتها نبرة "الخالة" المحتده:
_ أنتَ صحيح اتجوزت شمس ياياسين؟
فأشار ياسين برأسه بالإيجاب يطالعها بعينين صادقة:
_ أيوه يا أمي، بس طبعاً لسه ورقة الجواز ما طلعتش والورقة اللي في إيدي دي مجرد ورقة فاضية مافيهاش شيء.
أشار بكف يده للخارج وهو يقول:
_ أنا حتى كنت هرميها بره، مش عارف جايبتها منين.. بس اللي جت في إيدي والاتهام اللي زهرة بتتهمني بيه مش أنا اللي رد عليه.
استدار يطالع "شمس" يحاول طمئنتها، يضع وجهها بين كفيه يخبرها وعيناه تحاوطها، يخبر نقاءها عن صدق حديث صاحبه، وكأنه يمارس السحر فيسلب نظراتها بقول:
_ لو عايزة تحكي اللي حصل احكي وهتلاقيني هنا.
أشار على ظهرها فأتبع بقوله:
_ عايزك بس تعرفي إنك دايماً هتلاقيني جنبك وفي ضهرك يا شمس.. وزي ما اتفقنا قبل ما نيجي لو مش مستعدة تحكي وتقولي اللي حصل، فانا هفضل استنى لحد ما ييجي اليوم اللي تحكي فيه من غير ما حد يجبرك على الكلام.
بان تأثير كلماته عليها حين لانت تقاسيمها، انتظر ردها وبقت هي صامتة فقط تطالعه، حتى نطق هو بحسم وقد أبعد عينيه عنها يوجه حديثه لزهرة:
_ عموماً لو أنتِ شايفة إني وحش أوي وممكن آذيها بالشكل ده.. فمعنديش مانع.. يبقى افتكري اللي أنتِ عايزة تفتكريه.
وتابع بقوله الذي أثار غيظها:
_ يا حماتي.
هبت "زهرة" من مكانها وأبعدتها عنه وقد طفح الكيل وقد نطقت:
_ ده بعيد عن عينك إنك ممكن تحلم أبقى حماتك في يوم ياياسين.
فطالعها بنظرة ساخرة مما تقول وقد نجح باستفزازها، فالاستفزاز شيء يبرع هو فيه:
_ غريبة!! مع إن المأذون واحنا بنكتب كتب الكتاب أكد لي وقالي يا ياسين زهرة كده بقت حماتك رسمي.
مطت "زهرة" شفتيها بضيق وقد وصل الأمر لنقطة لم ترد أن تصل إليها أبداً، فنطقت بحزم:
_ أنتَ فاكر إنك بتلوي دراعي بعملتك السودا دي، ده أنا أروح فيك في داهية، حق بنتي مش هسيبه.
فنطقت "شمس" من بين دموعها تحاول تجميع كلماتها على شفتيها:
_ ماما ياسين ماقربليش زي ما أنتِ فاكرة وفستاني المتقطع وشكلي المتبهدل ده.. ده عشان أنا حاولت.
سرد ماتبقى من حديثها ولكن نظرات الجميع المصوبة ناحيتها زادت من ارتباكها، فنطقت زهره بحدة وهي تقترب منها:
_ ده عشان إيه ما تنطقي يابت المهدي؟
انتهت "زهرة" من سؤالها وانتبه الجميع حين سمعوا "شمس" تقول ما جعل "ياسين" يطالعها:
_ لولا ياسين اللي واقف قدامك وبتتهميه تهمة بشعة زي دي مكنتش أنا هبقى موجودة، ياسين أنقذ روحي بعد ما حكمت عليها بالموت.
ارتخت تقاسيم وجه "ياسين" بلين، بينما ظهرت على وجوههم علامات الاستفهام، كانوا ينتظروا المزيد وأرضت هي انتظارهم بقول:
_ أنا هربت من الفرح بإرادتي، هربت بعد ما أخدت قرار إني لازم أنهي حياتي بأيدي، واللي انتي شيفاه قدامك ده وفستاني المتقطع وشعري المنعكش ده عشان نطيت بالعربية من فوق الجبل، وياسين هو اللي ماسمحش بموتي.
أنهت حديثها وظلت محاوطة بنظرات من الجميع، "والخالة" التي سألت بخوف مستفسرة:
_ ليه يابتي عايزة تنهي حياتك؟ هو حد غصبك على فريد؟ بالعكس أنتِ الوحيدة اللي كنتي ماسكة فيه.
حالة الانهيار التي أصابتها جعلت الكل يشفق عليها، فخرجت "سارة" عن صمتها تجذبها من مرفقها بلين:
_ تعالي.. تعالي معايا يا شمس ندخل أوضتك عشان ترتاحي شوية.
تبعتهم "زهرة" بعدما ألقت بنظرات الاتهام عليها وعيناها بها من الأسئلة ما يكفي. فوجه "يزن" حديثه للجميع:
_ مش مهم دلوقتي نعرف هي ليه شمس وافقت من الأول، واضح إنها مش حابة تحكي.. بس الأهم إننا داخلين على حرب جديدة قصاد الدمنهوري وابنه، انتوا فاكرين إن الدمنهوري هيسكت بعد الإهانة اللي حصلت له هو وابنه؟ ده وزير الداخلية.. عارفين يعني إيه وزير الداخلية؟ يعني ممكن كلنا نروح ورا الشمس ومحدش يعرف لنا طريق.
نطق "ياسين" بعدوانية وقد نجحت عيناه في بثها ببراعة:
_ اللي عندهم يعملوه.. وبعدين ياريت تشيل نون الجماعة دي، محدش فيكم يدخل في الموضوع ده ولا حد فيكم يقول لشيخ عجوة حاجة من اللي حصلت.
وجه نظراته التحذيرية لغدير:
_ ولا حتى رعد وميرا ياغدير، سيبوهم يعيشوا في أمان، دي مشكلتي وأنا هعرف أحلها كويس.
قال كلماته مما جعل شقيقه يزداد غضبه عليه، فنطق متهكماً:
_ ومن إمتى لما حد فينا بيقع بنسيبه يقع لوحده ياياسين؟ إحنا لازم نفكر كويس في أي خطوة هنعملها، واللي أنا متأكد منه إن الأيام اللي جايه دي الدمنهوري مش هيقدر يعمل حاجة.
جلست "الخالة" على المقعد مستفهمة حديثه:
_ ليه بتقول كده يا ولدي؟
فرد عليها بنبرة ثقة مما يقول:
_ في حركة تنقلات الأيام دي في الوزارة والدمنهوري الكلام كان بيشوشر عليه الأيام اللي فاتت وما أفتكرش إنه هيعمل أي حاجة تضره الأيام دي لحد ما يبقى متأكد إنه مكمل فيها.
هز "يزن" رأسه بالموافقة وهو يقول:
_ عشان كده جه من غير حراسة، يادوبك هو والسواق بتاعه.
تحدث "ياسين" مدركاً تماماً لحقيقة الأمر:
_ سواء كمل فيها أو مكملش، نظرات عينيه والإهانة اللي حس بيها تخليني متأكد إنه مش هيسكت، عشان كده قولت لكم أبعدوا انتوا عن الموضوع ده، أنا مش عايز حد يتأذى بسببي، كفاية اللي انتوا فيه.
أنهى "ياسين" جملته يهرول إلى الخارج يمتلك عادة سيئة وهي عادة "الاختفاء المفاجئ"، ولكنها تريحه قليلاً عند شعوره بالانزعاج. يعلم بأنها تغضب من حوله، ولكن هذا ما يريحه ولن يؤذي من أحب، سيتجه إلى عزلته دوماً.
جالسة على المقعد في إحدى زوايا الحارة بجانب عم مدبولي صاحب قدرة الفول تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وعند رؤيته طلبت من "عم مدبولي" إحضار طلباتها التي طلبتها قبل مجيئه، فارتسمت بسمة على وجهها وهي تقول:
_ اتأخرت ليه يابيدقوس؟
جاء يلهث بأنفاس مقطوعة، طالعها جيداً، حالتها عادية لا دليل على أنها ليست بخير، ولكنه أراد أن يطمئن قلبه أكثر، فسألها بخوف:
_ أنتِ بخير يامارال؟
حاولت طمأنته قليلاً:
_ أي يابيدقوس، التوتي اللي باين على وشك ده، كل ده عشان اتصلت بيك وقولتلك عايزة أشوفك.
فأكمل هو حديثها يخرج أول كلماته من فمه ببطء:
_ ضروري.. لقد أنهيتي جملتك بكلمة ضروري.
أشارت له على المقعد المقابل لها بالجلوس، فتساءلت ساخرة:
_ أتعشيت.. أنا بصراحة ما اتعشيتش وما صدقت ماما نامت وأخويا النهاردة هيبات في الشغل، قولت نتعشى سوا ووصيت عم مدبولي يعملنا طبق فول وعليه التحابيش بتاعته.
ابتلع ريقه وعلامات الاشمئزاز تظهر عليه، يطالع عم مدبولي الذي بادله النظرات هو الآخر بضحكة مرعبة، يضع القليل من الزيت في الفول بعدما وضع إصبعه بمنخاره وهو يقول:
_ ماتقلقيش يا آنسة مارال، مانسيتش التحابيش.
_ ربــــــاه.
كان هذا صياح "بربروس" ووقف على الفور بأنزعاج والأشمئزاز يظهر على تفاصيل وجهه، ممسكاً به من ظهره يرفعه بيد واحدة وهو يقول:
_ يا رجل.. يا رجل ماذا تفعل بحق الله، فوالله وبعقد الهاء لولا أن الله حرم القتل لـكنت ذبحتك بيدي العاريتين ووضعت جثتك على أول الحارة حتى تكون عبرة لمن يعتبر، مثلما تأتي بالذبحة الصدرية للخلق، تبــاً لك أيها المزندع السفيه.
تسائلت مارال بعدم فهم:
_ فيه إيه يابيدقوس؟
أشار لها بكف يده يحثها على الوقوف:
_ هيا.. هيا من هنا ولا أريد أن أراكِ تضعين بفمك شيئاً من هذا العجوز.
ارتفع صوت عم مدبولي وهو يقول:
_ استنى بس ياشيخ بربروس، طب هعملك طبق تاني يعجبك.
تمتم بربروس بغيظ شديد وهو يدخل لأحد الشوارع الجانبية يلعن عم مدبولي وقدرة عم مدبولي ويلعن حياته هو شخصياً. وسرعان ما وقفت مارال أمامه وانفرجت شفتيها ببسمة واسعة تنظر إليه قائلة:
_ بيدقوس نسيت أقولك انتبه.
"بربروس" ينتظر تكملة حديثها، فاخبرته قائلة:
_ مش أنا جايلي عريس.
انكمش حاجبه باستغراب وقد كانت ملامحه عابسة، أشار بكف يده وهو يقول:
_ عي.. ماذا؟
فنطقت هي تستكمل الكلمة:
_ عيييس.. أنا قولت أقولك.. ها هتعمل إيه دلوقتي؟
_ وكيف لكِ ألا تخبريني بهذا الخبر التعيس من قبل؟
أنهى حديثه فبررت له:
_ أنا لحقت يابيدقوس، أنا لسه شيفاك دلوقتي، ها هتعمل إيه؟
تحدث "بربروس" بجدية:
_ سآتي بالتأكيد حتى أتقدم لخطبتك من شقيقك.
ابتسمت بلطف وأخبرته وهي تبتعد عنه:
_ ماشي هاتيوح على البيت، ولا هاتيوح الجامع.
أجابها وهو يزفر فقد اشتعلت غيرته مما أخبرته الآن، فنطق بتهكم:
_ لا شيء، سأكمل جلسة الأطفال فمن المؤكد بأنهم بانتظاري الآن.
أشارت برأسها بالإيجاب وعادت وهي تخبره ما تذكرته للتو:
_ آه بيدقوس نسيت أقولك، أوعى تيجي لوحدك يعني هات دكتوري على وياسين معاك على أساس إنهم أخواتك وكده اللي في القيية، أوعى تنسى.
أشار بربروس بالموافقة يعود للمسجد من جديد يتذكر ما قالته للتو بأن جاء لها عريس. دلف إلى المسجد ليجد أهالي الأطفال بانتظاره، يمسك كل والد طفل بكف ابنه، متهكماً طالع أبو المعاطي بمعني "ماذا يحدث؟" فأشار له أبو المعاطي بكتفه بعدم المعرفة، فنطق والد طفل منهم يقول:
_ الأطفال اتأخرت أوي النهارده ياشيخ بربروس، إحنا خوفنا على أطفالنا وأبو المعاطي مانعهم يطلعوا عشان يروحوا، ينفع كده؟
طالع أبو المعاطي بلوم بعدما اعتذر لأولياء أمورهم وهو متعصب بعض الشيء، ولكن جلس الجميع من حوله كالدائرة، فنطق والد آخر يسأله:
_ بما إننا اتجمعنا على غير معاد فعايزين نسألك شوية أسئلة ياشيخنا.
جلس "بربروس" بالمنتصف شاعراً بنار تندلع داخله، يتخيل مارال وذاك العريس الغبي، ولكنه نفض ذلك عن ذاكرته يستمع إلى أسئلتهم، فبدأ رجل بقول:
_ أنا اتزوجت امرأة وطلعت عرجاء، أطلقها ولا أنت إيه رأيك؟
زفر بربروس يهمس بداخله بقول: استغفر الله. فأكمل حديثه وهو يقلب حباته بأصابعه:
_ إذا أنت تزوجتها حتى تتسابق معها، فانصحك تطلقها.
فسأله آخر:
_ أنا بدخل بالتليفون الحمام ياشيخنا وطبعاً بيبقى فيه قرآن كده، يبقى حرام ولا حلال؟
تحدث "بربروس" بضيق مجاوباً:
_ يا أخي بعقلك، أيضاً تحفظ القرآن، ضعه بالخارج أيضاً قبل أن تدخل إلى المرحاض.
ابتسم الجميع، فزفر ذاك السائل، فقام آخر بسؤاله:
_ برأيك ياشيخ بربروس الشيطان بيولد ولا بيبيض؟
تصنع بربروس البسمة قائلاً بسخرية من سؤاله:
_ والله وبعقد الهاء لم يعزمني على عرسه حتى أعرف إذا يولد أو يبيض.
قهقه الجميع بضحكات عالية إلا هو، ولكن لم يكن يعلم أحد بأن بداخله نار لا يستطيع أحد إخمادها، فسأل آخر بمرح:
_ والدتي كبيرة بالعمر وما تقدرش تمشي وهي دلوقتي بتزحف كده، هي من القواعد ياشيخنا؟
_ بل هي من الزواحف.
قالها بربروس بعينين باحثة عن هاتفه، بعدما استأذن الجميع بالانصراف. أخرج هاتفه يبحث عن الرقم الخاص بياسين حتى يستطيع الحضور بأسرع وقت.
في أكثر الأوقات نريد الاختلاء والعزلة والبقاء بمفردنا، يتفنن المزعجون في إفساد خلوتنا. يقتـ ـلها فضولها لمعرفة الحقيقة الكاملة وهذا ما تفعله "زهره" الأن تحاول إجبار ابنتها على الحديث بالقوة بقول:
_ انطقي ياشمس إيه اللي خلاكي تسيبي كتب الكتاب بعد ما كنتي موافقة على فريد.. كده مرة واحدة تهربي من كتب الكتاب كده تحطي وشنا في الأرض قدام أهل القرية كلهم.. أوعي يابت ياسين يكون دخل عليكي ولا لمس شعرة منك.
حاولت شمس الابتعاد عنها ولكن منعتها يد "زهره" التي قالت:
_ ما أنا مش هسيبك يابت المهدي غير لما أعرف الحقيقة.
لم تكن إلا نبرة مليئة بالبغض من فعلتها الكارثية هذه، ولو طالت الأن لأزهقت روحها بدم بارد.
حررت "شمس" ذراعها من كف زهره بعنف ثائرة تنطق من بين دموعها:
_ ما لمسنيش ورحمة أبويا ما لمسني ولا دخل عليا ولا حتى حاول إنه يقرب لي.
كلماتها هذه هدأت من روع "زهره" قليلاً، فأتت "سارة" من خلفها ممسكة بفستان شتوي قائلة:
_ سبيها يا طنط زهره دلوقتي أرجوكي خليها على الأقل تغير هدومها كده هتموت من البرد، تهدى كده وأكيد هتحكيلك على كل حاجة.
احتدمت نظرات "زهره" وهي تعلق بغيظ تكرر كلماتها بسخرية:
_ هتموت من البرد.. وهي لسه هتموت ياسارة، ماهي خلاص ماتت من وقت ما وافقت بكتب كتابها على ياسين.
_ ليه بس كده يا طنط زهـ...
غادرت "زهره" ولم تترك لـ "ساره" الفرصة لاستكمال حديثها، صافعة الباب خلفها. أغمضت عيناها بقوة أثر صفعة الباب الحادة، فمدت يدها لـ "شمس" التي ما زالت تجلس على الأريكة بجانب النافذة تسرق النظرات لها وعلى حالها المبعثر بقول:
_ ماتزعليش من طنط ياشمس، اللي حصل ماكانش حد يتوقعه، خدي غيري هدومك عشان خاطري وأنا هاروح أعملك كوباية شاي سخنة تدفيكي في الساقعة دي.
مدت "شمس" كف يدها تأخذ منها الرداء بيد مرتعشة، تتبع أثرها بعينيها حتى خرجت من الغرفة تغلق الباب خلفها. أدارت وجهها بصمت تطالع النافذة، سندت وجهها بكف يدها تنظر للسماء الصافية المرصعة بالنجوم تلقي بآلامها وآمالها في بئر عميق. تركت نفسها لتسترجع ذكرى لم يمض على حدوثها سوى ساعات قليلة وهما أسفل المياه.
يطالع كل منهما الآخر ممسك بكف يدها حول عينيه إلى اللون الأحمر ليستطيع الرؤية وسط العتمة بهذه المياه، أما عنها فقد استطاعت الرؤية بوضوح كما علمها من قبل وهي صغيرة. هنا ابتسمت وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة عندما عادت بذاكرتها بالماضي، تسترجع ذكرى لهما وهما بالقبو يخبرها بقوله:
_ مش عايزك شخص ضعيف، الدنيا بره ما بترحم، عايزك استثنائية تفتحي في النور والضلمة، حتى لو هتفضلي تكرهيني طول عمرك، بكرة تعرفي قيمة اللي بعمله عشانك حتى لو على حساب كرهك ليا.
عادت بذاكرتها تطالعه من جديد وهي مازالت أسفل الماء تخرج فقاقيع الهواء من فمها تلفظ أنفاسها الأخيرة. لم يتحمل رؤيتها هكذا لتجده يركل باب السيارة بقدمه بقوة. اعترضت على فعلته هذه بنزع كف يدها من يده بالقوة، انعدمت الرغبة في الحياة وفي كل شيء. ولكن منعها هو من أن تتركه، فاستدار ينظر لها يحاوطها بعينيه، فنطقت روحه بما لا يستطيع لسانه نطقه، فكانت تحادثها عيناه يخبرها نقاء عينيه بصدق:
"أنا الذي لا يهزني برقٌ ولا رعدِ، بعينيكِ الخضراء فقد تاهت سُفني، لم يعد لي مرسى فبحر عيناكِ قد هزم ثباتي."
بان تأثير نظراته عليها وكأنها وضعت تحت تأثير سحر عينيه الصافيتان. صدق من قال إن للعيون لغة وهي الوحيدة التي استطاعت فك شفراته وقراءة ما بهما، لانت تقاسيمها بعد نظراته، فهـدأت حركتها. استدار هو ومازال ممسك بكف يدها بقوة لا يقدر على تركها، فأخذ يسبح للأعلى يجذبها للسطح من خلفه. فشهقت بعمق حين خرج بها من المياه تلك الأنفاس التي كانت تريد أن تتركها بإرادتها منذ قليل تعود لها من جديد رغماً عنها. أخذت أولى أنفاسها فابتسم هو ابتسامة ظهرت على محياه يراها تتنفس أمامه من جديد، فقال هامساً بداخله:
_ ده أنتِ حبيبة العين يا شمس.
ارتعش جسدها الصغير من برودة الماء وشفاها الزرقاء التي لا تستطيع التحكم بهما من رعشتهما المتتالية. استفاق من نظراته لها وأخذ يسبح بقوة حتى استطاع الخروج بها، فهو يعلم جيداً بأنها لا تستطيع السباحة. وصل أخيراً على الشاطئ مسد على عنقه بتعب. استقامت تضم جسدها بيدها من كثرة رعشته. وجدها هكذا فاقترب منها ببطء يحاول ضمها إليه حتى تنعم بحرارة جسده، ولكنها دفعته بيدها. عاد خطوة للوراء وهو يقول:
_ شمس أهدي.. أطمئني.. أنتِ بخير يا شمس.
فصاحت به بشراسة فقد كانت على حافة الانهيار وهي تقول:
_ بخير!! مين قالك إني بخير.. أنتَ نفسك مش هتبقى بخير بعد عملتك السودا دي وإنقاذك ليا مش هتبقى بخير يا ياسين.. محدش فيكم هيبقى بخير.. أنا مهما أحكيلك مش هتفهم.
انكمش حاجبه باستغراب فلم يستطع فهم ما تقول، ولكنه أدرك من ردود فعلها بأنها تؤمن بأن احتضان الماء لها أفضل من عالم قاسٍ لم يرحمها. فأكملت من بين شهقاتها وارتعاشه جسدها:
_ أبعد عني ياياسين، قربك مني هيأذيك مش هينفعك.. ابدأ حياة جديدة مع مشيرة، كفاية اللي حصلك بسببي في يوم أنتَ وعمار.
شعر بألمها فاقترب منها ببطء جذبها من مرفقها يضع يده على خصرها، دفعته بانفعال لتبعده بعيداً عنها:
_ مالكش دعوة بيا، أنتَ إيه مافيش فايدة فيك، لو مابتخافش على نفسك فخاف على غيرك.
فرد هو بانفعال نابع من عدم صبره:
_ لو كان جوازك من فريد ده كان بالنسبالك خطة عشان تحميني منه تبقي عبيطة.. عبيطة وهبلة كمان، وماتعرفيش "ياسين" ليه مش راضية تفتحي لي قلبي، احكي لي هددك بإيه "فريد" الزفت ده عشان توافقي على جوازك منه، عرفيني يا شمس.
لم يتلقى رد، ابتلعت ريقها بعيون حائرة، استدارت تبتعد عنه وتتركه خلفها، فتنهد هو بعمق يسير خلفها، فعـرقل حركتها وأحكم الإمساك بها فلم يعد إفلاتها ممكن، تجمدت أطرافها حين لاحظت اقترابه أكثر وقد احتضن عينها بعينيه، ولكن بنظراته الأسيرة تم إجبارها أن تنظر إليه، لم تعلم ماذا تفعل حتى يبتعد عنها. أخذت تضرب صدره بعنف بضربات متتالية حتى يتركها، نعم هو تركها ولكنه تركها تخرج غضبها بين أحضانه، دمعت عيناها وهو يتلقى ضرباتها قائلة:
_ سيبني.. سيبني ياسين.. أبعد عني.. مش عايزة أجيب لك تهمة.. كفاية اللي أنت فيه.
لم يتزحزح انش واحد بل اقترب منها أكثر حتى أصبح وجهها على مقربة من وجهه، أعاد خصلات شعرها الجانبية إلى الخلف، وهدأت قليلاً بعدما أفرغت كامل غضبها به، شعر بألمها فقال بأنفاس متقطعة وقد مال بجبينه على جبينها وقد ثبت رأسها بكف يده من الخلف:
_ آسف يا شمس.. مش هسمع كلامك ولو التهمة هتيجي منك فامسحي التهمة دي في قلبي.
لم تستطع قول شيء بعدما قال، أخذت تضرب برأسها على فؤاده تنهمر دموعها على وجنتيها، رفع كف يده ببطء بتردد، وما مر سوى ثواني حتى مسد بأصابعه بين خصلات شعرها، وكأن كل شيء سكن من حولها. نعم كانت تريد الموت ولكن قلبها يستغيث طالباً من ينتشله من كل هذا. مر دقائق ومازالت بنفس الوضعية مائلة برأسها على فؤاده يحاوطها بذراعه بحنان، أفاقت مما فيه وابتعدت عنه بذعر قائلة:
_ أنا.. أنا عايزة أروح.
أشار برأسه بالإيجاب يجذبها من ذراعها خلفه، صعد على الموتور فحاولت هي الصعود من خلفه، فعركلها ذيل الفستان. انحنى "ياسين" ومزق لها ذيل الفستان يلقيه بعيداً وهو يقول:
_ في ستين داهية مش لايق عليكي الفستان ده.
قاد الموتور واتجه إلى "عم نصير" على الفور قائلاً:
_ مأذون القرية فين ياعم نصير؟
استغرب عم نصير مما يحدث ولكنه ابتسم قائلاً:
_ عمك حسين لسه ماشي من عندي كان قاعد بيتسامر معايا، روح الحقه هو لسه ما طلعش على الطريق.
ابتلعت "شمس" ريقها باعتراض:
_ مأذون.. مأذون ليه ياياسين؟ أنت بتعمل إيه؟
لم تتلقى منه رد، جذبها من ذراعها داخل الكوخ وأغلق بابه عليها، أخذت تطرق الباب بكل قوتها:
_ افتح الباب ياياسين.. أنت فاكر نفسك بتعمل إيه.. ياسين افتح الباب بقولك.
تجاهلها "ياسين" يوجه كلامه لعم نصير بتحذير:
_ عارف لو فتحتلها الكوخ ياعم نصير هعمل فيك إيه؟
فرد يتتبع فضوله:
_ هتعمل إيه؟
فرد ساخراً يغمز له بطرف عينيه:
_ هجوزك كوكي.
اختفى من أمامه فسمع صياحها من ضربات الباب المتتالية:
_ افتح الباب ياعم نصير، ماتسمعش كلامه هو مش فاهم بيعمل إيه.
لم يستمع لها بل أسرع بالجلوس على المقعد المقابل له قائلاً:
_ وانتِ مش فاهمة لو فتحت الباب هيعمل فيا أنا إيه؟ ده ياسين مجنون ويعملها ويجوزني حكيمة وما أدراك ما حكيمة.
فحسمت أمرها بقول:
_ حتى لو جاب المأذون أنا لا يمكن أوافق على الجوازة دي، ياسين ده مجنون.
ولم تكمل حديثها حتى وجدته فتح الباب قائلاً:
_ المأذون بره وياريت توكلي عم نصير عشان جوازنا. ياسين أنتَ مش عارف بتعمل إيه، على الأقل اسمع كلامي.
يقابلها بلهجته المنفعلة وقد امتزجت بالسخرية:
_ ما بسمعش كلام حد ودي قلة أدب مني وأنا قليل الأدب كوكي ما عرفتش تربيني.
يبدو الأمر وكأنه حسمه، فترددت بالقبول، فابتسم وهو يقترب منها يربت على ذراعها بحنان:
_ اسمعيني يا شمس أنا عمري ما هقربلك ولا هلمس شعرة منك في يوم، ولا جوازنا ده هيبقى جواز حقيقي. واضح إنك في خطر وانتِ مش عايزة تقولي لي عشان أساعدك، قربك مني هو الحل مش بعدك.. الورقة اللي هتربطنا بينا هتبقى فيها أمانك وحمايتك من فريد، أنا مش هغصبك تقولي هو بيجبرك على جوازك منه بإيه، بس هقولك زي ما انتِ كنتِ عايزة تموتي نفسك عشان تحميني أنا وغيري، أنا هتجوزك عشان أحميكي منه.
فابتسم ساخراً يحاول تهدئتها قليلاً:
_ وده بالنسبالي موت برضه.
عادت ملامحه للجدية من جديد وهو يقول:
_ القرار قرارك يا بنت الناس وعايزك تثقي فيا عشان ياسين ابن الصاوي ما بيقولش أي كلام، أنا خارج يا شمس وهبعتلك عم نصير وهستنى قرارك معاه.
دلف عم نصير إلى الكوخ وجلس هو ينتظر مع المأذون بالخارج. كانت دقائق معدودة ولكنه شعر بها تمر كالساعات حتى خرج يخبره بقرارها النهائي وهو الموافقة.
ابتسمت "شمس" بسمة حانية دون قصد شارده بما حدث منذ ساعات، فأتت "سارة" بكوب الشاي الساخن على الحامل المعدني تمد يدها بالشاي قائلة:
_ أنتِ لسه ما غيرتيش ياشمس كده هتبردي، خدي اشربي الشاي ده يدفيكي وبعد كده غيري هدومك على طول.
أفاقت "شمس" من شرودها تمد كف يدها تأخذ منها كوب الشاي وهي تقول:
_ إيه.. آه.. أيوه نسيت.
جذبت "سارة" المقعد المقابل لها تجلس عليه وهي تقول:
_ لاااا.. أنتِ مش هنا خالص.
أشارت برأسها بالإيجاب وهي تخبرها:
_ أنا خايفة أوي ياسارة.
بدأ الاهتمام على وجهها وهي تسألها:
_ ما أنتِ لو تحكي لي اللي حصل ممكن أقدر أساعدك.
استجابت "شمس" لها تهز رأسها بالإيجاب:
_ هحكيلك.
الغل والحقد هي مشاعر امتزجت ببراعة على وجه "مشيرة" وهي تركض بين الطرقات حتى وجدت حظيرة بالقرب منها دلفت إليها مسرعة ولم يستوعب عقلها ما حدث للتو، كانت تحادث نفسها بصوت مسموع قائلة:
_ اتجوزها.. اتجوزها يعني إيه.. يعني كل السنين اللي فاتت واللي عملته ده كله عشان يبعد عنها راح على فشوش، دي أكيد ساحراله.
وقع على مسامعها صوت رنة هاتفها فأجابت على هاتفها بيد مرتعشة ودموع على وجنتيها ترد على الفيديو كول قائلة:
_ شوفت ياسين اتجوز يامنير.. ياسين اتجوز.
حاول تهدئتها بعض الشيء بقوله:
_ أهدي يامشيرة، من ساعة ما بعتي لي الرسالة على الواتس وأنا بحاول أتصل بيكي وانتِ مش بتردي.
فأجابت بما هو بعيداً عن سؤاله:
_ أنا لازم أخلص منها.. البنت دي ماطلعتش سهلة يامنير زي ما كنت فاكرة.. فيها إيه زيادة عني.. أنا عملت كل حاجة عشانه، لميته من الشوارع وخليته عليه القيمة.. مستنياه عشر سنين ووقفت جنبه وفي ضهره وفي الآخر يروح يتجوزها كده بكل سهولة وأنا.. أنا فين يامنير؟
_ عصبيتك دي مش هتحل شيء، خلينا نفكر هنعمل إيه ونرجعه تاني ألمانيا إزاي؟ الشركة من غيره بتنهار والعملاء كلهم بيثقوا فيه.
فصاحت به صارخة بانزعاج:
_ هو ده كل اللي يهمك؟ طب وأنا؟
_ ماهو لما يرجع يامشيرة هيرجع ياسين تاني بتاع زمان. إلا قولي لي أنتِ بطلتي تحطيلوا الحبوب في المشروب بتاعه ولا إيه؟ وفين الشخصية الوهمية اللي بتظهر له؟
قاطعته مشيرة تصرخ بحقد راكمته السنوات:
_ مافيش حاجة نافعة معاه، لا حبوب ولا شخصية عمار من ساعة ما بنت الـ *** دي بقت معاه.. أقسم بالله لو وصلت اقتلها بإيدي، لأهقتلها ولا أخليها تتهنى بيه في يوم.
وصل غيظ مشيرة وحقده إلى ذروته، فحاول من يهاتفه تهدئتها من جديد، فصرخت به قائلة:
_ ماتقوليش اهدى.. أنتَ سامع ماتقوليش اهدى.
ألقت بهاتفها بعرض الحائط بيد مرتعشة تبحث بعينيها عن أي شيء معدني بالأرضية حتى وجدت قطعة من الزجاج المكسور، أخذتها مسرعة ترفع كم ذراعها للأعلى تقطع يدها بالزجاج حتى تشعر بالألم، فهدأت قليلاً بعد فعلتها تلك.
لا يعلم كم مر من الوقت سوى هو الأن يجلس بمكانه المفضل أمام البحيرة يفكر فيما سيحدث بعد اتخاذه لهذه الخطوة، كم سيخسر بعد الآن، فوجد من يجلس بجواره قائلاً بهدوء وكأن شيئاً لم يكن:
_ عارف ياياسين أنا حذرتك إنك ماتقربش منها قد إيه، وأنت قولت لي إنك مش هتقرب، ورغم وعدك ليا أديك دلوقتي اتجوزتها.. طب عارف إنك من ساعة ما رجعت القرية وأنتَ بقيت ترفض طلباتي.. ومابقيتش مهتم بيا زي الأول.. هو ده اللي كنت بقولك عليه وأنت ماصدقتنيش.
_ اسكت.
لم ينطق سوى بهذه الكلمة نطق بها ببطء شديد، فأكمل عمار حديثه:
_ المشكلة مش فيها، المشكلة فيك أنتَ.. أنتَ اللي مش قادر تبعد عنها مش هي.. شوفت كنت بتتذللها إزاي عشان تتجوزك، كان منظرك يضحك بصراحة.
كان ينظر للبحيرة وما إن نطق حتى رفع رأسه يطالعه وهو يقول:
_ قولتلك اسكت.
فأكمل حديثه الساخر:
_ هتفضل تحبها لحد إمتى ياياسين؟ قولي لحد ما الجاموسة بتولد والطور مش عارف بيعمل إيه؟
فصرخ ياسين صرخة صدحت بالأجواء وهو يقول:
_ اسكـــــــت.
هنا تجمدت صورة عمار لم ينطق بشيء، لم تتحرك صورته وكأنه ولأول مرة هو الذي يتحكم به. رفع ذراعه دون أن ينظر جانبه ودموعه تنهمر على وجنتيه يشعر بالفراغ بجانبه ولم يجده بجواره، فنطق حروف اسمه بصوت مرتعش:
_ عمـــَـار.
حتى وجد من جلس بجواره طالعها بحزن يملأ عينيه، فقالت تمسح الدموع من على وجنتيها:
_ أنتَ خسرت عمار ياياسين.. مكانش ينفع تخسره.
استدار بوجهه لمشيرة متحدثاً بهدوء:
_ أنا مش عايز أخسره.
اقتربت منه سائلة بهدوء:
_ بعد إيه ياياسين.. بعد ما راح منك؟
كان الرد جاهزاً سريعاً:
_ أنا ممكن أعمل أي حاجة عشان أرجعه، إلا إني أبعد عنهم وعن...
فقاطعته بيقين:
_ وعن شمس.
اقتربت منه تقول بود تجبر نفسها على الابتسام بوجهه:
_ وأنا هعمل أي حاجة عشان تفضل معاها ياياسين وجنبهم، أنت عارف أنا طول عمري هفضل في ضهرك وفي نفس الوقت نحاول نقنع عمار إنه يفضل معاك وما يسيبكش.
طالعها بامتنان على ما تفعله لأجله:
_ أنتِ دايماً جنبي يامشيرة ومش هنسالك شيء عملتيه معايا في يوم.
ابتسمت بوجهه بحب:
_ ماتقولش كده ياياسين، أنت أغلى حاجة عندي في الدنيا دي واللي يبسطك يبسطني.
يقولون أن الركض نصف الجدعنة ولكن في حالتها هذه فالركض معناه النجاة بحياتك. تركض "غدير" بين الدرع بمنتصف الليل بأنفاس مقطوعة تدور بعينيها تبحث عن الملجأ لها منهم ومن شرهم بعدما تجمعوا على الفتك بها وبعرضها. لم تعرف من هؤلاء، فهذه هي المرة الأولى التي تراهم بها بالقرية ومن الجلي بأنها لن تكون الأخيرة. ابتسم لها أحدهم بخبث بابتسامة مزيفة وهو يقول:
_ أخيراً مسكنا واحدة من عيلة الصاوي.
صرخت بعلو صوتها ولكن ليلة صاخبة كهذه لن يسمعها أحد بها.