تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم ماهي احمد
علي ساب ياسين ومشي هو ورعد.
وياسين طلع على الطريق عشان يطمن على بربروس.
لقاه واقف بالعربيه بعيد، ومارال وغدير بيركبوا معاه.
ابتسم ابتسامه بسيطه ولسه بيديه ضهره، لقى شمس واقفه وبتعيط.
ياسين: شمس.
استغرب إنه لقاها ماشيه لوحدها في مكان زي ده منعزل وعلى الطريق لوحدها وبتعيط.
ارتبك، مابقاش عارف يروحلها ولا لأ.
بقى يقدم خطوه ويأخر التانيه، وبقى يسأل نفسه ألف سؤال.
ياسين: ياترى هي عايزه حد جنبها؟ حد يحتويها في وقتها؟
لقى نفسه رجله بتاخده وتروحلها.
لقاها قعدت بجانب الطريق متكومه ومنكمشه على نفسها ودافنه راسها مابين أيديها وجسمها.
قعد جنبها ورفع إيده، والارتباك كان سابقه.
مش عايز يلمسها خايف، لا يلمسها.
وفي نفس الوقت عايز يطبطب عليها ويعرف سبب حزنها، مع إنه عارفه كويس.
بس كان حابب إنها تتكلم.
كان لسانه تقيل، كل ما يحاول يقول كلمه يرجع فيها للمره اللي مالهاش عدد.
وأخيرًا استجمع شجاعته ونطق.
ياسين: انتي كويسه؟
فاقت من شرودها واتفزعت أول ما سمعت صوته.
حاولت تبطل بكى، بس إزاي وقلبها هو اللي بيبكي مش عينيها.
إزاي تقدر تجبر قلبها وتأمره؟
ياريت القلب كان بيسمع كلام العقل، مكانتش دموعنا عرفت طريق عيونا في يوم.
بعد عناء، مسحت عيونها بسرعه عشان مايشوفش دموعها اللي اتجمعت واتكورت على هيئة دموع.
لاقته قريب منها.
بعدت عنه وبقى في مسافه بينهم.
ابتسم باستنكار، ابتسامه بسيطه ظهرت بجانب شفايفه وهو بيسألها.
ياسين: الشبر ونص اللي بعدتيهم دول هما اللي هيريحوكي؟
تنهدت بعمق، فصاحب صوت تنهيدتها نبرة تهكم في صوتها.
شمس: أريد البقاء بمفردي من فضلك.
بص لها نظره ودوده، تابعها ابتسامه صاحبها الألم جوه صدره.
هز كتفه بلا مبالاه وهو بيتكلم.
ياسين: مش عارف...
ضمت حواجبها باستغراب بعيون تملؤها التساؤل.
فهمها من نظرة عيونها وجاوب على سؤالها اللي ماقالتهوش.
كان بيجاوبها وهو بيهز راسه ببساطة.
ياسين: أو تقدري تقولي مش قادر... مش قادر أسيبك وامشي زي ما هو سابك تمشي.
اتلاقت عيونهم وامتزجت نظراتهم بالألم لثواني معدوده.
قطعت نظراتهم وعيونهم اللي تلاقت.
وقامت وقفت في نص الطريق، وكأنها ما صدقت لقت حد تفرغ فيه غضبها وصرختها اللي كانت شيلاها جواها.
بقت بتتكلم وصوت أنفاسها وهي بتتكلم بتتسارع، وأكنها في سباق طويل بتجري.
ومن كتر جريها مابقتش قادرة حتى تاخد نفسها.
شمس: هو لم يتركني. وإذا تركني بالفعل، فأعلم أنك السبب.
انت السبب بكل شيء يحدث لي الآن وفي الماضي، وأيضًا في المستقبل.
ألا يكفيك كم المشاكل والمصائب التي فعلتها لتدميري؟
ألا يكفيك ما فعلته معي في الماضي؟
ألا تريد أن تتركني لكي أعيش بسلام؟
جزت بأسنانها على شفايفها وبلعت ريقها وهي بتحاول تمسك دموعها وماتنزلش قدامه عشان ما تحسش بإحساس الهزيمة وماتشوفش فرحة الانتصار في عيونه.
إنه قدر يفرق ما بينها هي وعمار.
فأنت المسؤول عن كل شيء سيء يحدث لي..
لم أرَ بحياتي أحدًا مؤذي مثلك هكذا، حتى الضبع..
حتى الضبع لم يؤذيني بمقدار أذيتك لي.
كمش حواجبه وقام وقف قدامها، والاتنين بقوا في وسط الطريق.
وهو مستغرب إزاي هو يكون أسوأ من الضبع.
بس فضل السكوت على أنه يتكلم.
كان بيسمعها، مكانش عايز يقاطعها.
كان عايزها تقول كل اللي جواها وتفرغ كل الأسى اللي شافته منه بقالها سنين.
فهمته من نظرة عينيه وتفاصيل وشه اللي ما يعرفهاش غيرها.
جاوبت على سؤاله اللي ماسألهوش بلسانه، بس قرأته في عينيه.
شمس: كيف لك أن تستغرب هكذا؟ نعم، فأنت السبب بكل ما حدث لي.
أتعلم لماذا؟
لأنك وبكل بساطة أسوأ من الضبع بمراحل عديدة.
أقل ما فيها أن الضبع وخليله لم يستهانوا بمشاعري قط كما فعلت أنت.
فإنهم واضحين معي منذ البداية وضوح الشمس.
ولكنك كنت تفعل العكس تمامًا، تعطيني الأمل وترجع تأخذه مني في غضون دقائق قليلة.
فكنت كالغريق الذي يتشبث بالقشة الضعيفة.
هذه القشة التي لطالما دعوت ربي بأن تمسك بيدي يومًا ما وتنجدني مما كنت فيه.
ولكنك كنت تقف مثل الصنم بنظرات عينيك الحادة.
لقد طال انتظاري لسنوات عديدة من عمري.
لقد كنت أنظر لك بنظرات استغاثة لكي تقف بجانبي، ولكن لم تفعل شيئًا طوال حياتك.
قطع كلامها بصرخته.. صرخة كانت جواه من فترة محتاجة تطلع.
من كتر صرخته، صدا صرخته بقى حواليهم وهي سامعة كلامه بيتعاد.
ياسين: عشان ما كنتش في وعيي..
اتنفس بعمق، اتنفس وحاول يهدي نفسه عشان ما ترجعش تخاف منه.
حاول يتحكم في نفسه عشانها، ونبرة صوته ابتدت تهدى شوية.
وتلاقت نظراتهم.
ياسين: عشان ما كنتش في وعيي ياشمس..
شاور بإيديه الاتنين على نفسه.
ياسين: أنا نفسي مستغرب، هو إزاي أنا كنت بتعامل معاكي بالقسوة دي ومع غيرك ومع الكل.
وبعد كده ابتديت أحس بغيري وباللي حواليا.
مكنتش عارف الأول سبب التغيير المفاجئ اللي حصلي.
وأخيرًا.. أخيرًا ياشمس عرفت.
على الأقل وأنا كنت تحت تأثير الضبع، كنت بحاول.. كنت بحاول أكون لطيف.. أكون رحيم.. بس ماقدرتش.
كنتي بتبقي قدامي وعايز أساعدك ومش قادر.
رجلي مكانتش بطاوعني، عقلي كان متخدر.
الضبع قدر يخدر عقلي، بس ماقدرش يخدر قلبي.
كنت بحس إن الأذية اللي اتأذيتيها دي لازم تقف..
كان قلبي بيقولي أتحرك، أعمل حاجة.
كان قلبي بيترجم اللي جوايا لنظراتي ليكي.
نظراتي اللي عمرها ما كذبت عليكي في يوم.
ظهرت ابتسامة ألم على شفايفه وملامحه اليائسة في يوم إنها تصدقه.
صوته بقى أعلى وهو بيتكلم، وكأنه بيستغيث بقلبها عشان تصدقه.
وكمل كلامه.
ياسين: بس غصبًا عني كنت برجع..
كنت ببقى واقف متكتف، ببقى عايز أساعدك بس حاجة كانت جوايا بتمنعني.
حاولت أفهمك ألف مرة، مفهمتيش أو مش عايزة تفهمي.
عايزة تلقي اللوم عليا بأي طريقة وبأي شكل.
كل كلمة قبل ما تنطقيها تقولي أنا السبب.. أنا السبب.. لا أنا مش السبب.
أنا كنت عايش كافي خيري شري، مكنتش عايز حاجة من حد.
أنا مختارتش العيشة دي، يبقي مش أنا السبب.
هاا.. مش أنا السبب.
رجع فكر وهز كتفيه بلا مبالاه، ورجع ينطق من جديد وينفي كلامه.
ورفع صباعه في وشها مستكملًا حديثه.
ياسين: ولا أقولك أنا السبب..
أنا السبب في إن المهدي يبقى مستذئب، وأقولك كمان أنا السبب في إن الضبع والعربي يقتلوا الناس دي كلها.
أخد نفس عميق، وكأنه كان محروم من الأكسجين وهو بيتكلم بحزن أكاد أقسم إنه هيفتك قلبه من الوجع.
ياسين: وأنا كمان السبب في إن المهدي يخلي فك اللعنة تبقى بنته اللي من دمه عشان تعيشي العذاب ده كله.
أخد نفس ورجع يكمل كلامه.
ياسين: خلاص كده ارتحتي ياشمس؟
هز راسه شمال ويمين وهو بيكمل كلامه.
ياسين: في أي حاجة تاني عايزة ترميها عليا عشان أكون أنا السبب فيها؟
يمكن وقتها ترتاحي والنار اللي جوه قلبك تبرد من ناحيتي.
اتسعت عينيها وفضلت بصاله وسكتت بدموع متلألئة في عينيها.
أخد نفس عميق، حط إيده على جبينه وكأن ثقل الدنيا كله بقى شايله على ضهره.
اداها ضهره وغمض عينيه ومابقاش حاسس بنفسه.
كان كل تفكيره فيها، كل حواسه وقفت.
وفي لمح البصر ظهرت من العدم عربية كبيرة محملة بأخشاب الشجر قدامه وقدامها.
نور العربية وكشافاتها كان كفيل إنه يكون منور الطريق كله من كتر إضاءتها.
السواق شافهم قدامه، ضغط على مكابح العربية بكل طاقته ولف دريكسيون العربية عشان مايخبطهمش.
العربية لفت معاه وأخشاب الأشجار وقعت على الطريق عليهم.
ياسين في أقل من رفّة عين كان عند شمس وغطاها بضهره وأخدها في حضنه.
كان هاين عليه يخبيها ما بين ضلوعه ويقفل عليها.
أخشاب الشجر بقت بتترمي في كل مكان ووقعت على ضهر ياسين وهو مخبي شمس جواه.
وأصبح أخشاب الشجر التقيلة كلها على ضهره مغطياها ومغطياه.
وأصبحوا تحتيها، وياسين حاميها.
ركبت معاه العربية ومطلعة إيديها من الشباك اللي جنبها وهي مبتسمة ابتسامة رضا ومغمضة عينيها.
ونسمات الهوا البارد بتلامس ملامح وشها.
بص جنبه ليها، حس إنها مستمتعة مبسوطة من اللي بيحصلها.
ابتسم ابتسامة لطيفة منه ورجع بص قدامه.
شاف غزالة على الطريق، ضغط بكل قوته على مكابح العربية.
وفي اللحظة الأخيرة وقف قدام الغزالة وما دسهاش.
شهقت بعد ما الخوف اتملك من قلبها.
وغدير اللي راكبة ورا وقعت في الأرض.
بص جنبه في لحظة، وأول حاجة عملها اطمن عليها.
بربروس: أأنتي بخير؟ هل من أي إصابات؟
فكت حزام الأمان من عليها بنبرة مطمئنة وبتتهز راسها وهي بتتكلم.
مارال: أنا كويسه.
نزلت بعد ما اتفحصها بعينيه واطمن إنها مافيهاش حاجة.
اتغلغل الراحة لقلبه وهو شايفها بتفتح الباب اللي ورا لغدير.
بس هو كان أسرع منها ونزل وأخد الطفلة لحضنه وسألها باهتمام.
بربروس: طمنيني قلبي عليكي ياصغيرة.
رفعت دراعها وهي بتبص عليه ومكشرة عشان اتجرحت جرح بسيط لا يذكر في دراعها.
واتكلمت وملامح وشها حزينة.
غدير: طالما مابتعرفش تسوق، ياعمو بربروس بتسوق ليه؟
مارال ابتسمت ابتسامة خجولة وحاولت تتفادى نظراتها لي عشان ما يشوفهاش وهي بتبتسم.
بصلها بإحراج وانكمشت حواجبه.
وكمل كلامه وطلب منها بعينيه إنها تبص لمارال.
بربروس: أترين هذه المرأة الواقفة أمامك؟
مارال انكمشت حواجبها وبصتله باهتمام.
غدير: أيوه شيفاهه.
بربروس: فاليوم يوم ميلادها، فقد أتمت السابعة والعشرين من عمرها وأصبحت عانس.
وكان يجب علي فعل شيء هي تحبه في هذا اليوم المميز بالنسبة لها حتى لا تشعر بالأسى بسبب عنوستها.
قالها والابتسامة كانت مرسومة على وشه.
انمحت الابتسامة من على وشها ببطء وضربت بإيديها على كابوت العربية بغيظ.
مارال: أنا عانس يابيدقوس..
أنا لسه صغيرة، أنا لسه في العشرينيات من عمري. يوه، بص على نفسك يا اللي من القرن الخامس عشر. اللي زيك انقرضوا من زمان وتحللوا في التراب و..
ساب الطفلة وقطع كلامها في رمشة عين. كان واقف عندها وقريب منها، زادت دقات قلبها وأصبحت سريعة. سكتت كل حاجة من حواليها ومبقتش شايفة غيره.
بلعت ريقها من قربه منها وتلاقت عيونهم وتبادلوا نظرات، وعم الصمت لثواني مابينهم. قطع الصمت ده وقال:
بربروس: كل عام وأنتِ بخير.
كل عام والعالم محظوظ بوجود فتاة مثلك..
وهذا العام من عمرك محظوظ أنا بمعرفتك.
داست على شفايفها بخجل، وبانت في عيونها الدهشة أنه عرف إن النهارده يوم ميلادها. ابتسمت وكمل كلامه وهو بيقول:
وأعلمي شيئًا بسيطًا، فأنتِ لستِ بعانس كما تخبركِ والدتكِ، ولم تكبري مهما مرت عليكِ السنين. فروحكِ ما زالت طفلة في سنواتها الأولى من عمرها، وستظل روحكِ طفلة مهما عشتِ من السنين. فقلبكِ لا يحمل الضغائن، وهذا سيجعلكِ شبابًا دائمًا. ليس شباب الجسد فالجسد فانٍ، ولكن شباب الروح فالروح باقية.
صمت تام خيم على الأجواء ما بينهم. هرب الكلام منها، مبقتش عارفة ترد تقول إيه. حاولت تهرب من نظراته ليها وبصت في الأرض، ومشاعرها وإحساسها كان غير وهي بتسمع كلامه اللي حست إنه كل كلمة طلعت منه ما اجتهدش عشان يقولها. هي طلعت من قلبه واتترجمت لحروف على لسانه.
قطع الصمت المخيم عليهم كلام الطفلة وهي بتقول:
غدير: الله، بص يا عمو بربروس فراشة.
قالت كلامها وهي بتشاور بصباعها عليها وفرحانة، ومشيت وراها ودخلت الغابة.
مارال: غديي، لاء استني ماتدخليش.
مشيت وراها هي وبربروس ودخلوا الغابة. كانت فرحانة أوي بالفراشة وبتجري وراها وبتحاول تمسكها وتنط عشان تلمسها. جه من وراها ورفع إيده بثبات. الفراشة وقفت على ضهر إيديه. نزل بإيده ببطء في مستوى الطفلة واتكلم بهمس في ودنها بابتسامة لطيفة:
بربروس: هيا، ارفعي يدكِ.
رفعت أيدها بالراحة بثبات، وانتقلت الفراشة على أيديها وهي مبهورة بيها، وملامح وشها كانت تفاصيل السعادة باين عليها.
بص وراه لمارال، شاف ضحكتها على وشها ونظراتها اللي اتغيرت. نظرات مطمئنة بوجوده. ارتسمت الضحكة على شفايفها بلطف.
مارال: عرفت منين إن النهاردة عيد ميلادي؟
رد بتلقائية وباجابة سريعة خرجت من شفايفه:
بربروس: من الفيس وأبوه.
مارال: مين؟
سألت سؤالها وهي بتحاول تستوعب:
مارال: مين دول؟
رفع كف إيديه وهو بيشاور عليه:
بربروس: تلك الحديدة الناطقة، يوجد بداخلها عوالم كثيرة، فاستطاع رعد معرفة ما تحبينه ويوم ميلادك منه.
ضحكت بصوت عالي بعد ما فهمت وخبطت بإيديها على جبينها وهي بتتكلم. كانت ضحكتها باينة في كلامها:
مارال: تقصد الفيسبوك.
هز راسه وهو بيأكد على كلامها:
بربروس: نعم.. نعم، هذا هو الفيس أبوك.
ابتسمت ابتسامة بلطف وهي ممتنة إنه اهتم بيها. حاولت تعبرله بطريقتها ورفعت صوباعها وعملت له علامة اللايك.
مارال: لاء، عجبتني بجد. لايك كبيييير أوي ليك يا بيدقوس.
انكمشت حواجبه واستغرب من الحركة دي وهو مش فاهمها:
بربروس: ما معنى هذه الحركة؟
قربت منه خطوة ومسكت كف إيديه، ضمت له صوابعه الأربعة وسابت صابع الإبهام ورفعته وخلته يعمل علامة اللايك. ورفعت صوباعها هي كمان وعملت نفس الحركة وصباعها لامس صوباعه.
مارال: شايف الحركة دي.. دي معناها لما شخص يعجب بكلام التاني بيرفع صباعه بالطريقة دي، زي ما أنت رافع صباعك كده.
قالت جملتها ونظراتهم اتلاقت لثواني بعد ما سرح في لون عينيها وصوابعهم لسه متلامسة، وابتسامته بانت على شفايفه من غير ما يشعر.
حس إنه اللي بيعملوه غلط، فاق من سرحانه ونزل إيديه في لحظة واداها ضهره وهو بيردد بنبرة صوته خافتة:
بربروس: "ليت الله يغفر لنا فقد أهلكنا أنفسنا".
استغربت من اللي بيقوله وهي مش قادرة تشعر بالذنب من إن رجل غريب ممكن يلمس صوباعها اللي من وجهة نظرها إنه شيء عادي بيحصل بين أي اتنين مرتاحين لبعض.
مارال: في إيه يا بيدقوس؟ حصل إيه لكل ده؟
بربروس: ما فعلناه حرام، فقد تلامست الأيدي وتبادلنا النظرات، وهذا ذنب لا أعلم كيف سيسمحني عليه الله عز وجل.
استغربت من اللي بيقوله وفي نفس الوقت ابتسمت ابتسامة رضا إنه شخص صالح للدرجة دي وبيحط ربنا قدامه في أبسط الأمور. حاولت ماتوضحهاش قدامه وبينت إنها زعلانة واتكلمت بنبرة حزينة:
مارال: للدرجة دي عيوني مش حلوين وشايف إنه حرام إن إيدينا تتلامس كمان؟
جاوبها بهدوء بعد ما استنتج إنها فهمته غلط. رد بسرعة وهو بيبص لعنيها غصب عنه للمرة التانية وسرح فيهم:
بربروس: عشقت عيوبكِ.
حاولت تستجمع جملته اللي قالها وفهمته وابتسمت بخجل من مغازلته ليها على طريقته واحمرت خدودها. ارتبك ورجع لوعيه من جديد.
بربروس: ويحكِ، ويحكِ يا فتاة. فقط انتظري فالنظر إليكِ
يجعلني أخطأ من جديد.
قال كلامه ونبرة صوته مليانة بالتهكم والعصبية.
رجعت بصتله من جديد وكمشت حواجبها ومبقتش فاهماه:
مارال: حصل إيه طيب؟ اللمس وعارفين إنه حرام، حتى النظرة كمان حرام.
بربروس: وكيف لا ترينه؟ أنتِ من المحرمات. فأنا أجنبي عنكِ، وأحل لكِ أيضاً.
ابتسمت بخجل وبصت قدامها. لاقت غدير بعدت عنهم شوية ولسه بتجري ورا الفراشة. ندهت عليها:
مارال: غديي.
بصت لها وادتها وشها:
مارال: ماتبعديش أكتر من كده، خليكي قريبة.
هزت راسها بالموافقة وهي مبتسمة:
غدير: حاضر.
بعد عنها مش أقل من متر، بس فضل ماشي جنبها. كملت كلامها بنبرة لوم وقالت:
مارال: ولما كل حاجة بتعمل حسابها كده وبتشوف الحرام والحلال فيها، حد يقول لواحدة هلبسك خازوق.
بصت له جنبها بنظرة عتاب:
مارال: خازوق يا بيدقوس.
ارتبك وحاول يبرر اللي حصل:
بربروس: حسنًا، فليديكي كل الحق. ولهذا السبب تحديدًا أردت أن أختلي بكِ حتى أراضيكِ وأخبركِ بأن اللعين الذي يدعو ياسين هو من أخبرني بأن الخمار يدعى في هذا الزمان بالخازوق. لم أكن أعلم بأنها كلمة بذيئة، فلهذا أخبرتكِ أن ترتديه.
ضحكت بصوت عالي وحطت أيدها على شفايفها. صوت ضحكتها كان له بريق خاص على قلبه. بص لها وهي بتضحك بهيام:
بربروس: ويحكِ يا فتاة، فالقلب لم يعد يحتمل.
قالها وهو بيتكلم بصوت واطي يكاد يكون مسموع. ابتسمت بلطف قبل ما تقول:
مارال: بتقول حاجة يا بيدقوس؟
ارتبك وجاوب بالنفي:
بربروس: لا، لم أقل.
بلع ريقه وهو بيحاول يهرب من سؤالها، خايف لا تسأله مرة تانية وتصر تعرف كان بيقول إيه. من لحظات بص قدامه لغدير ونده عليها:
بربروس: غدير.
بصت وراها بضجر:
غدير: كل شوية غدير.. غدير، زهقتوني. أنا مامشيتش في حتة، سيبوني بقى ألعب مع الفراشات شوية، أوووف.
بص بارتباك لمارال من كلام الطفلة اللي حرجته. ابتسم ابتسامة بسيطة يداري بيها كسوفه ورجع بص لغدير مرة تانية وبلع ريقه:
بربروس: حسنًا، ولكن لا تذهبي بعيدًا أيتها الطفلة الشنقيطة.
قالها والابتسامة على وشه وفي نفس الوقت دايس على سنانه.
ابتسمت ابتسامة بانت على شفايفها ورجعت تسأله بلطف:
مارال: قولي يا بيدقوس، واحد زيك مش موجود منه اتنين في الزمن ده، ممكن يكون شايف المرأة من وجهة نظرك إزاي؟
استغرب من سؤالها بس قرر إنه يجاوب عليه. وقف عند شجرة ورفع إيده قطع غصن منها ومسكه في إيديه. وقفت قدامه وبصت له باهتمام، عايزة تعرف إجابة لسؤالها. جاوب عليها بكلمة واحدة بس:
بربروس: معطاءة.
كانت عايزة تعرف أكتر، أو ممكن كانت عايزة تفهمه أكتر. رفعت حاجبها الشمال وهي بتسأله:
مارال: بمعنى؟
أخد نفس وهو بيبص بعنيه على غدير ورجع بص لها مرة تانية:
بربروس: خلق الله الأنثى لتقوم بالاستقبال.
وأيًا كان ما تستقبله، فإنها تحضنه وتضاعفه وتعيده للذكر.
لقد صُممت لتقوم بذلك. ولذلك، أيًا كان ما تعطيه للمرأة، فإنها تستقبله. ولن تعيد المرأة الأشياء كما أعطاها لها الرجل أول مرة، ستقوم بمضاعفته أولاً.
كلامه أثر فيها وسألت باهتمام أكتر:
مارال: زي إيه؟
بربروس: كمثال، إذا أعطيتها نطفة، لن تعيدها لك، ستضاعفها وتعطيك طفلاً.
إذا أعطيتها منزلاً، ستضاعفه وتعطيك مسكنًا.
إذا أعطيتها خضروات ولحوم، ستعطيك وجبة.
وإذا أعطيتها إحباط وحزن وعدم اهتمام، ستضاعفه وتعطيك فوق دماغك وتضرب برأسك عرض الحائط. فهذه هي المرأة من وجهة نظري.
سمعت كلامه وهي بتضحك وصوت ضحكتها بقى أعلى. سمع صوت ضحكتها مرة تانية اللي بتطرب قلبه. بص لها وابتسم وهو بيقول:
بربروس: فليلعنني الله.
بص قدامه وهو بينده عليها وبيتحرك من مكانه وبيمشي:
بربروس: هيا بنا أيتها الطفلة الصغيرة، فوالله وبعقد الهاء قلبي الصغير لم يعد يحتمل ذلك.
وقفت مكانها وهي شايفاه بيبعد عنها وماسك الطفلة الصغيرة في إيده. مكانش قدامه غير الهروب.. الهروب من قلبه، وكان لازم وقتها يفكر بعقله.
صوت أوراق الشجر وهي بتتمايل من الرياح كان مخيم على الأجواء. رفعت طرحتها وهي بتمدها لقدام على شعرها ومن شدة الهوا خصلات شعرها كانت بتطلع كل شوية منها.
ضمت الشال على جسمها بإيديها الاتنين وابتسمت أول ما شافته جاي من بعيد ومعاه مجين في إيديه وبيبتسم لها. قرب منها وبيمدلها إيديه وبيقولها:
دكتور علي: أتأخرت عليكي.
طلعت أيدها الشمال من الشال وابتسمت. حاولت ماتبينش إنها بردانة قدامه عشان ما يدخلوش جوه البيت. وأخدت المج منه وقالت له وهي مبتسمة:
زهره: لا أبدًا، ماتأخرتش. بالعكس، جيت على طول.
دكتور علي: الدنيا برد عليكي هنا، حاسس بجسمك البردان.
ضمت المج بإيديها الاتنين وهي بتشعر بحرارته وبتسأله:
زهره: حاسس؟
هز راسه بالموافقة:
دكتور علي: أيوه، زي ما عارف برضوا إنك بتحاولي تبيني إنك مش بردانة عشان ماندخلش جوه.
قعد على الأرض وربع وضم رجليه:
دكتور علي: اطمني يا ستي، مش هندخل البيت. الخالة حكيمة جوه هي والغريب، مش سيباه بتعرف منه كل حاجة وكل تفصيلة. العربي خلاه يعملهاله. ولو دخلنا هتسمع صوتنا واحنا بنتكلم وهتطلعنا بره بمعرفتها، فا على إيه؟ خلينا هنا بكرامتنا.
ابتسمت ابتسامة رضا ظهرت على شفايفها وهي بصاله بحب بنظرة ممتنة إنه عايش نظرة بينظرها طفل صغير لوالده اللي غاب عنه فترة وأخيرًا رجع.
زهره: أنا بحمد ربنا كل لحظة وكل يوم إني رجعت أتكلم معاك تاني.
حمدالله على سلامتك ياعلي. مكنتش عارفه كنت ممكن أعمل إيه لو كان جرالك حاجة.
اتنهد بابتسامة لطيفة، وأخذ رشفة من المج بتاعه وهو بيبصلها ومش شايل عينه من عليها.
دكتور علي: ما أنا لو مت هسيب العيون الحلوة دي لمين.
أخذت رشفة من المج بتاعها ودارت عيونها عنه وبصت جنبها وهي بتحاول تضم شفايفها، بس شفايفها كانت بتجبرها على الابتسام.
دكتور علي: هي الزهور بتتكسف.
قالها علي وهو بيقرب منها ومسك إيدها. سحبت إيدها منه بسرعة ورجعت لورا وسندت ضهرها على الشجرة، ماتكلمتش. رفعت إيديها وبقت تحاول تدخل خصلات شعرها جوه الطرحة مرة تانية بإيد واحدة، والهوا شديد، مكانتش عارفة تتحكم فيها.
حط المج بتاعه جنبه ورفع إيده وبقى بيدخلها خصلات شعرها لجوه وهو بيقول:
دكتور علي: فاكرة لما كنتي زعلانة مني ومخاصماني ومابتكلمنيش واحنا في المزرعة بتاعة العربي.
قالها وهو بيقفلها الدبوس على طرحتها. هزت راسها من فوق لتحت وهي بتبصله.
زهره: أيوه فاكرة.
قفلها دبوس الطرحة بعد ما عدلها، وبعد عنها خطوة.
دكتور علي: كانت الأيام بتمر عليا وكأنها سنين. كان كل خوفي أموت وإنتي مش مسامحاني. كان نفسي أتكلم معاكي بروحك الحلوة وتبقي سامعاني.
بصتله وهي مش فاهمة أو مش مستوعبة اللي بيقوله.
زهره: يعني إيه؟ إنت لما حطيت نفسك مكاني مكنتش شايف المستقبل وعارف إنك هتعيش؟
علي: أكيد لأ يا زهرة. أولاً محدش فينا كان يقدر يستخدم موهبته واللعنة لسه ماتفكتش. بس اللي كنت متفق عليه مع الخالة هو إني لازم أخلي ياسين يفضل هنا بأي طريقة، وخصوصاً بعد ما رجعله شعور الإحساس باللي حواليه، مكانش ينفع نسيبه يمشي.
زهره: يعني الخالة حكيمة كانت عارفة إنك ممكن تموت وحطيتك في موضع خطر؟
ابتسم ابتسامة سخرية ظهرت بجانب شفايفه، وأخذ رشفة من المج بتاعه مرة تانية واتكلم وهو بيشرب.
دكتور علي: الخالة هي اللي اقترحت عليا اللي حصل يا زهرة.
اتكلمت وهي خايفة عليه.
زهره: على كده الخالة ممكن تضحي بيك في أي وقت.
علي: مش بيا أنا بس، وتضحي بروحها في سبيل أرواح مليارات عايشين على الكوكب يا زهرة. أنا راضي أضحي بنفسي عشان غيري يعيش. إنتي ماتعرفيش ياسين مهم إنه يفضل معانا قد إيه.
بصتله والخوف كان باين في عينيها.
زهره: أنا مش هتحمل شعور إني ممكن أفقدك مرة تانية يا علي. قولي طمن قلبي، إنت مش بتقول إنك بتشوف المستقبل؟ قولي يا علي إنك هتبقى بخير.
ابتسم ابتسامة بسيطة وقرب منها وباس كف إيديها.
دكتور علي: يكفيني أشوف نظرة الخوف في عينيكي بكل السنين اللي عيشتها.
قال جملته وشعر إن فيه خطوات جاية سريعة عليه. من سرعتها خاف على زهره، قام وقف وخباها وراه.
الخالة حكيمة بصتله وربتت على كتفه بابتسامة.
الخاله حكيمه: ماتخافش ياعلي، ده أنا... عايزة زهره منك في كلمتين يا ولدي.
بص وراه لزهره ورجع بص تاني للخالة.
دكتور علي: هي ماتقصدش يا خالة.
بصتله نظرة مطمئنة عشان يطمن وهزت راسها بالرضا.
خاله حكيمه: اطمن، عايزها في شىء تاني.
اتنهد بعمق والخالة مدت إيديها لزهره. بعدت خطوة من ورا ضهره والحيرة واضحة في عيونها ومش فاهمة، بس بالرغم إنها مكانتش فاهمة إلا إنها مدت إيدها للخالة وهي مطمئنة.
صوت مايه النهر كان طاغي على المكان، ومن كتر شدة الليل وسواده القمر كان واضح في السما بضيه البسيط اللي كان منعكس على مايه النهر. كانوا قاعدين هما الاتنين وميرا في وسطهم. القلق كان محاوطهم وداخل جوه قلوبهم. كانوا بيبصوا لبعض بحذر. رجع إيديه وراه وسند على الأرض وهو قاعد بيبص ورا ضهر ميرا، لقى ساره ساندة بإيديها على الأرض ومرجعاها ورا. قرب بإيديه منها وإيديه لمست إيدها عشان حس بالقلق اللي جواه ساره وخوفها من إن ميرا ممكن في لحظة تتحول وماتعرفش اللي قدامها. حب يطمنها بلمسته.
ميرا ابتسمت وظهرت ابتسامة بجانب شفايفها بسخرية.
ميرا: ماتخافش عليها مني، مش ده الوقت اللي هتحول فيه.
يزن: أنا عارف ده كويس.
بصت جنبها لساره.
ميرا: بس هي مش عارفة، فحبيت أعرفها.
ساره: ميرا، أنا ماقصدش، بس طالما هنبقى معاكي لازم نعرف كل تفصيلة عنك وإزاي نساعدك وإيه الوقت اللي مابتحسيش فيه بنفسك، فهماني يا ميرا؟
ميرا: أكيد فهماكي.
رعد كان راجع لوحده على البيت من طريق النهر، لقاهم قاعدين وميرا معاهم. وقف وراهم وهو متردد، عايز يقدم وفي نفس الوقت عايز يبعد. وبعد تفكير حسم قراره ومد خطوته. ولسه بيلف ضهره ميرا حست بيه، لفت وشها وبصتله ورفعت إيدها وشاورتله وهي مبتسمة.
ميرا: رعد.
وقف واتنهد، لف وشه ورجع بصلها.
ساره ويزن لفوا وبصوله.
يزن: ماتيجي تقعد معانا.
هز راسه شمال ويمين وحط إيديه في جيوبه الخلفية واتنهد بالرفض.
رعد: لااا، مش هينفع. أنا لازم أرجع البيت، تعبان وجعان في نفس الوقت.
قالها وهو بيرجع شعره لورا بإيديه. لسه هيتحرك مرة تانية، وقفته وهي بتحط صباعها على شفايفها وابتسمت.
ميرا: هوووووش، إنت قولت جعان.
شاور براسه بالموافقة. ويزن وساره بيبصولها باستغراب وهما مش فاهمين.
يزن: نظرتك بتقول إن في دماغك حاجة.
قلعت الكوتشي اللي لبساه وشمرت رجلها.
وهي مبتسمة بتشوفها وهي بتشمر رجل البنطلون بتاعها، هزت راسها بابتسامة عريضة.
ساره: أوعي تقولي إننا هناكل سمك.
شاورت براسها من فوق لتحت بالموافقة وغمزتلها بعينيها.
ميرا: حضري النار.
بصت ليزن بفرحة وهي بتفتش في جيوبه وبتشاور بعنيها ليزن.
ساره: أوعى تقول إنك مش معاك ولاعة.
هز كتفه بالنفي.
يزن: للأسف مش معايا.
حط إيده في جيبه وطلع ولاعة وحدفها لساره.
رعد: ساره امسكي.
مسكت الولاعة ما بين إيديها ومسكت إيد يزن وبتشده وراها.
ساره: بسرعة تعالي نجيب الخشب.
مشيت هي ويزن ورعد واقف بره ومستني. ميرا اتكلمت وقال:
رعد: على فكرة مكانش في داعي إنك تتعبي نفسك. أنا كنت هروح آكل في البيت أي حاجة، أنا أصلاً مش جعان أو...
ميرا: هووووش.
قطعته في الكلام وهي موكية ضهرها وباصة لتحت للمايه. رجعت خصلات شعرها ورا ودنها وركزت في السمع كويس وهي بتسمع صوت السمك بيتحرك. حولت عينيها للأزرق وبقت تشوف كويس اللي تحت المايه لحد ما لاقت سمكة. طلعت ضوافرها في لحظة ومسكت السمكة وهي مابين إيديها الاتنين. السمكة بقت تحرك ديلها وراسها. حدفتها لرعد وطلعتها بره النهر.
ميرا: السمكة دي ليك إنت بس. عايزين حاجة نحطها فيها.
كانت بتكلمه وهي واقفة في وسط النهر. بص شمال ويمين مالقاش حاجة يحط فيها. قلع الجاكيت بتاعه وحطه في الأرض وحط السمكة عليه. وميرا بقت تصطاد السمكة وتحدفهاله وهو يحطها على الجاكيت لحد ما تملأ. بيكلمها وهو بيبص على الجاكيت وبيحط السمكة.
رعد: كفاية كده يا ميرا، ده كتير أوي.
لسه بيرفع عنيه عشان يبصلها مالقهاش في النهر. بيبص لقاها وراه. اتخض إنها بقت وراه مرة واحدة بلون عينيها الأزرق. اتلاقت نظراتهم وهو بيبصلها بلون عيونها.
ميرا: خوفت من لون عيني.
شاور براسه بالنفي للي بتقولوا.
رعد: بالعكس، أنا عمري ما خوفت منك ولا هخاف في يوم. أنا دايماً بخاف عليكي علشان اللي زيك يتخاف عليه ياميرا، مش منه.
اتنهدت بعمق لما قال كلامه وارتاحت. بلعت ريقها وقعدت القرفصاء وبصت للسمك.
ميرا: تخيل إنهم كانوا ممكن يفضلوا عايشين لو إنت ماكنتش قولت إنك جعان.
قعد جنبها القرفصاء وابتسم وهو بيبصلها.
رعد: عايزة تقولي إني السبب في موتهم.
ضمت شفايفها وهي بتفكر. هزت راسها بالموافقة.
ميرا: بصراحة أه.
بصلها وهو مبسوط إنه شايف ضحكتها رجعت تترسم على وشها من جديد.
ميرا: يهمك إني أكون مبسوطة.
رعد: بتسألي سؤال وإنتي عارفة إجابته.
ميرا: أنا تعبتك معايا كتير أوي يارعد، وكل ما هتفضل معايا هتتعب أكتر. كفاية وجعك مني لحد كده.
رعد: راحتي الوحيدة في قربك. مش طالب منك إنك تحبيني عشان الحب مابيطلبش. طالب منك بس ماتبعدنيش عنك. خليني قريب منك، راحتي بتيجي في قربك مش في بعدك ياميرا.
ميرا: إزاي حد يقدر يحب حد كده، مع إنك عمرك ما شوفت مني الحب في يوم.
رعد: عشان حبي ليكي يساعي الكون. ومتأكد إنك هتحبيني في يوم.
ابتسمت بخجل وبصت للسمك مرة تانية. لقت سمكة لسه فيها الروح ونطت من مكانها. اتخضت ورجعت لورا ووقعت. مسكت في رعد وخدته معاها وهي بتضحك وبصت للسما. ورعد كان نايم جنبها. اتنهدت بعمق وبصتله.
ميرا: عايزك تصبر عليا شوية يارعد.
رعد: وأصبر عليكي العمر كله ياميرا.
رواية الهجينة الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم ماهي احمد
شاورت بأيديها على قطعة خشب في الأرض.
ساره: في قطعة هناك أهيه.
بص وراها وهو مش شايفها.
يزن: فين؟
ساره: إزاي مش شايفها؟ استنى أنا هجيبها.
اتقدمت خطوات وعدت من جنبه. لسه هتوطي عشان تجيبها، بص في الأرض. لقى حبل خفيف مربوط بقطعة الخشب. القلق دخل قلبه. لسه هتمد إيدها وتاخد القطعة، نده عليها باسمها. في ثواني كان عندها وزقها بعيد. وقعوا في الأرض هما الاتنين سوا بعيد عن الخشبة.
رفعت راسها وبصتله وهي مش فاهمة.
ساره: في إيه يا يزن؟ حصل إيه؟
قام من جنبها ومدلها إيديه. مدت إيدها وقامت معاه. سابها ومشي بخطوات حذرة ناحية الخشبة. بص حواليه لقى عصاية طويلة. مسكها وحرك الخشبة من مكانها بيها. بيبص لقى فخ من حديد قبض على العصاية أول ما الخشبة اتحركت.
قامت وقفت وهي مستغربة. قبضت بإيديها على الجاكت بتاعه واتنهدت.
ساره: ده ليه؟ ومين اللي حط الفخ ده هنا؟
بص وراها واتنهد بحيرة.
يزن: أكيد الصيادين عشان يصطادوا الذئاب أو الغزلان.
ساره: متأكد؟
يزن: مافيش تفسير تاني غير كده.
ساره: بس... بس شوفتها إزاي؟
يزن: مش مهم شوفتها إزاي، الأهم إنك بخير.
بص للخشب اللي جمعوه.
يزن: أظن كفاية خشب كده.
وطى واخد الخشب اللي جمعوه.
يزن: دول هيكفوا وزيادة.
لسه هيمشوا، بص وراها وهو بيقولها.
يزن: خلي بالك، بصي على الأرض وإنتي ماشية.
هزت راسها بالموافقة وبقت تبص في الأرض. رجعوا تاني لميرا ورعد. لاقوهم نايمين على الأرض وبيبصوا لبعض.
ساره بصت ليزن وابتسمت وشاورتله بعينيها عليهم. ابتسم واتحمحم.
يزن: احم...
قاموا بسرعة واتعدلوا في قعدتهم. شافت التوتر والارتباك اللي كان على وشهم. حاولت تغير الكلام وقدمت خطوات ناحيتهم وهي بتشاور بإيديها على الخشب.
ساره: إحنا جبنا الخشب.
حط الخشب في الأرض وشاورلها بعنيه.
يزن: هاتي الولاعة اللي معاكي يا ساره.
حدفتله الولاعة وقعدوا الأربعة حوالين النار وشووا السمك، وضحكاتهم العالية كانت باينة في الأجواء.
وساره بتحكيلهم على اللي بيحصل من يزن وهو صغير. وكل واحد فيهم بيحكي موقف طريف وهما بياكلوا السمك سوا.
ما أسرع الوقت اللطيف اللي بيعدي علينا واحنا مع اللي بنحبهم وبنتمنى وجودنا قربهم.
كانت بتكتم صوت ألمها ووجعها عشان ما يحسش إنها تعبانة. في الأوضة وهما واقفين حواليها.
غرام: قولت إيه يا داغر؟
بص لهدير وهو عارف إنها تعبانة، مش مرتاحة في وجودها هنا. ولو غرام مشيت كمان هتحس إنها وحيدة وهي في شهورها الأخيرة في الحمل. فكرت إنها تبعد عنه كانت مستحيلة. اتكلم بنبرة حادة.
داغر: في إيه يا غرام؟
غرام: في اللي قولتهولك. سيبها ترجع معايا على مصر. إنت شايف حالتها عاملة إزاي؟ مراتك في الشهور الأخيرة عايزة راحة نفسية ومكان هادي. ولو مش عايزها تقعد معايا، هوديها عند باباها وهبقى معاها. مش هسيبها إلا لما تولد. الخطر في المكان ده محاوطها في كل حتة وفي أي لحظة. ميرا ممكن تتحول أو حسام أو العربي أو...
قطع كلامها وغمض عينيه.
داغر: فهمتك يا غرام... فهمتك خلاص.
غرام: أنا عارفة إنك بتحبها، بس بص لمصلحتها الأول، أرجوك.
أنا هسيبكم ومستنية ردك عليا.
طلعت وقفلت الباب وراها. قعد على السرير في الجهة المقابلة لهدير.
داغر: عايزة تنزلي معاها مصر وتسبيني؟
هدير: ينفع أتكلم معاك بصراحة يا داغر؟
داغر: أكيد يا هدير.
هدير: أنا خايفة أوي من اللي بيحصل هنا.
اتعدلت في قعدتها وهي ماسكة بطنها.
هدير: وكمان تعبانة. عايزة أروح أقعد مع بابا. عايزة حد يعتني بيا. ما بقاش غير حاجات بسيطة وأولد. محتاجة أرتاح فيهم.
داغر: أيوه بس...
قطعت كلامه وحطت صباعها على شفايفه.
هدير: أنا عارفة إنك مش هتقدر تتخلى عنهم أو تسيبهم وأنا فاهمك وبقدرك. بس على الأقل خليني أبقى قاعدة في مكان وأنا مش خايفة من اللي هيحصل في الدقيقة اللي جاية.
داغر: إنتي عايزة كده يا هدير؟
بصت على بطنها ومسكت إيديه حطيتها على بطنها.
هدير: أنا عمري ما خفت على نفسي وأنا معاك، بس خايفة على اللي في بطني وخصوصاً بعد اللي حصل من ميرا.
ابتسم ابتسامة بسيطة عشان يرضيها.
داغر: موافق يا هدير... سافري. وأول ما ميعاد ولادتك تقرب هجيلك على طول.
دخلت أوضتها مرة تانية. لاقت الشباك مفتوح والأوضة فاضية. ولاء مكانتش فيها زي ما سابتها. بصت قدامها واتجهت للشباك عشان تقفله.
طلع من الركن وحط إيده على إيديها وهي بتقفله. اتخضت وبصت وراها. لاقيته وراها. أخدت نفس وغمضت عينيها.
غرام: بتعمل إيه عندك؟
عز: المفروض أنا اللي أسألك، مش إنتي بتعملي فينا إيه يا غرام؟
قربت من الباب ووقفت جنبه وشاورت عليه بإيديها إنه يطلع بره.
غرام: افتكر إن كلامنا خلصان من زمان. مافيش كلام يتقال طول ما إنت مصمم على اللي في دماغك.
مسك طرف الباب وقفلـه بعصبية.
عز: مش قادر... إنتي ليه مش قادرة تفهمي إني مش قادر؟
سابته ومشيت ناحية الدولاب وهي بتطلع فستانها من الشماعة وبتحطه في الشنطة.
غرام: وعمرك ما هتقدر، صدقني. عشان كده لازم تسيبني أمشي.
قربت من الباب ولسه هتفتحه. قرب منها وزقها. وقعت على السرير عشان مش عايزها تخرج. حاولت تقوم. مسكها ورفع إيديها الاتنين على السرير بإيد واحدة. وغضبه كان باين على ملامحه.
عز: يعني عايزة تمشي؟
وهي بتحاول تفك إيديها الاتنين من كف إيده.
غرام: أيوه عايزة أمشي... سيبني. أنا بكرهك، مش بطيقك.
صرخ بأعلى صوته والمرة دي الشر كان مالي عينيه.
عز: يعني مبقتيش تحبيني؟
بصت في عينيه بكل تحدي.
غرام: أيوه مبقتش أحبك... كرهتك وكرهت العيشة معاك. أنا لو عشت معاك لحظة واحدة بعد كده أبقى واحدة معنديش كرامة وأستاهل كل اللي بتعمله معايا.
ساب إيديها وقعد على طرف السرير جنبها بكل استسلام وقلة حيلة وهو بيبص في الأرض. ودمعة نزلت منه. اتكلم بنبرة صوت مكسورة.
عز: بس أنا بقي بحبك... بحبك ومش قادر... مش قادر أبعد عنك.
قامت من على السرير وهي مش مصدقة إنها بتشوفه بيبكي عشان هتبعد عنه. قعدت قدامه القرفصاء وشافت دموعه اللي نازلة منه وضعفه اللي بان قدامها وعشانها.
غرام: عز إنت بتبكي.
غرام: لأ، ما تبكيش يا عز.
رفعت إيديها ولمست خده بإيديها.
غرام: ارجوك ما تبكيش يا عز. أنا بحبك... بحبك وسيبك من كل كلمة قولتهالك.
أخدته في حضنها.
غرام: أنا والله ما أقدر أعيش من غيرك في يوم.
ارجوك ما تبكيش.
رفع راسه من حضنها وبصلها ودموعه على خده.
عز: هنلاقي حل سوا. بس ماتسبنيش يا غرام.
هزت راسها بالموافقة ودموعها بتنزل من خدها وابتسمت.
غرام: هنرجع مصر وهنفكر سوا... وهنبقى سوا، ماتقلقش.
ابتسم ودموعه مانشفتش من على خده واخدها في حضنه.
عز: أنا بحبك واللي قاهرني إني ظلمتك.
نزلت من على السلالم وصوت كعبها كان واضح أوي وهي بتنزل. لاقيته طالع على أول سلمه وهي نازلة من فوق. سألته وهي بتبصله.
ولاء: رايح فين؟
شريف: طالع لعز. أنا شوفته وهو بيطلع.
ولاء: طيب ينفع تسيبهم دلوقتي؟ واضح إنهم اتخانقوا وقعدهم سوا لوحدهم ممكن يحل المشكلة.
ضغط بإيديه على الترابزين وهو مضايق.
شريف: أنا كنت متأكد وعارف إن في حاجة بتحصل. ومعاملة غرام اللي متغيرة معايا. بس للأسف عز مش عايز يحكيلي.
نزلت من على السلم ومرت من قدامه وطلعت بره البيت.
ولاء: غرام برضوا مش راضية تقولي حاجة. فكراني لسه صغيرة. حاكتلي عن كذا مشكلة حصلت، بس مش عارفة. حاسة إن مش دي المشكلة الأساسية.
طلع وراها وهو شايفها بتبعد.
شريف: وتفتكري إيه المشكلة اللي بينهم؟ مع إني عارفها.
ولاء: وطالما عارفها ماتقول.
شريف: أنا مش عارفها بالظبط، بس اللي متأكد منه إن أنا السبب في المشكلة اللي ما بينهم.
ولاء: وليه بتقول كده؟
شريف: إحساس مش أكتر.
فركت بإيديها الاتنين على دراعتها وهي حاسة بالسقعة.
ولاء: الدنيا هنا ساقعة أوي.
قلع الجاكت من عليه وحطه على كتفها.
شريف: خدي الجاكت ده هيدفيكي.
ولاء: أيوه بس إنت...
شريف: مش حاسس بالسقعة.
قعدت على الرصيف اللي ورا البيت وهو حاطط إيده في جيبه. كان واقف قدامها ماتحركش. ضمت الجاكت بتاعه عليها ورفعت عينيها وبصتله.
ولاء: إنت عمرك حبيت؟
استغرب من كلمتها وكمش حواجبه باستغراب أكتر.
ولاء: أقصد يعني حب حقيقي... حب من قلبك بجد؟
شريف: عادي زي كل الناس.
سابها ومشي. قامت وقفت ومشيت وراه وهي بتتكلم.
ولاء: وبعدين حصل إيه؟
شريف: عايزة تعرفي ليه؟
ولاء: عادي، أدينا بندردش.
شريف: ماحصلش. مكانتش من نصيبي.
ولاء: ليه؟
شريف: عشان ببساطة ماحبتنيش.
وقفت من مشيها وهو فضل مكمل. نبرة صوتها بقت عالية.
ولاء: عندها حق. إنت أصلاً ماتتحبش.
كلامها الأخير خلاه ينتبه لها ووقف وبصلها وابتسم.
شريف: وطالما أنا ما أتحبش، إنتي بتحبيني ليه؟
الابتسامة انمحت من على وشها ونظراتها اتبدلت لارتباك.
ولاء: إيه؟
كانوا قاعدين سوا والتلج حواليهم في كل مكان والنهر قدامهم. والكلام أخدهم ومابقاش يخلص. قام من مكانه عشان يغسل إيده في النهر وسابهم. بعد عنهم حاجة بسيطة وطى عشان يغسل إيديه. بيبص جنبه لقاه عمار. رفع وشه وبصله. شاف في عينيه كمية حزن ماشافهاش قبل كده جواه.
يزن: مالك يا عمار؟ فيك إيه؟ وواقف هنا من امتى؟
عمار: من بدري.
يزن: وليه ما جتش تقعد معانا؟
عمار: ما حبتش أعكنن عليكم وخصوصاً وإنتوا مبسوطين.
يزن: ليه بتقول كده؟ فيك إيه؟ هي شمس كويسة؟
عمار: أيوه كويسة. بس أنا اللي مش كويس. أنا اللي حاسس إني مخنوق. ومن كتر خنقتي عايز أتكلم وفي نفس الوقت مش قادر.
قرب منه وطبطب عليه بحب.
يزن: طيب اهدى...
احكى لي حصل إيه بعد ما سبتني.
عمار بيبص قدامه، لاحظ سارة من بعيد بتبص عليهم. اداله ضهره ودخل الغابة، ويزن مشي وراه.
يزن: اقف بقى هنا واحكي لي.
عمار حكاله على اللي حصل كله وهو مخنوق جداً.
يزن: يعني هي قدام ياسين اختارتك انت ومشيت معاك انت؟
عمار: أيوه.
وهو بيحاول يفهم ومش قادر يستوعب.
يزن: طيب إيه المشكلة هنا؟
اتكلم بعصبية والنرفزة كانت باينة في كلامه.
عمار: إنت ليه مش قادر تفهمني؟
يزن: عشان مش قادر تفهمني.
عمار: قولتلها ابعدي عنه، وإزاي تسمحله إنه يمسك إيدها؟ ليه ما بتسمعش كلامي؟ ليه دايماً بتقرب منه؟
يزن: عشان إحنا كلنا هنا في بيت واحد ولازم تحتك بي يا عمار، وخصوصاً إن زي ما بتقول إنه بيحبها.
أول ما سمع الكلمة دي من يزن، نبرة صوته اتغيرت وبقى عصبي زيادة.
عمار: وعشان كده عايزها تبعد عنه على قد ما تقدر. أنا ما طلبتش منها كتير، أنا ما طلبتش منها حاجة قبل كده يا يزن.
عمار: مش عارف ليه حاسس إن وجعي باين في كلامي وبقى ليا مواويل أتكلم فيها، أنا مكنتش كده.
يزن: إهدى يا عمار، شمس بتحبك.
عمار: حبها ليا مش كفاية إنها تخسر الدنيا عشان تكسبني. أنا خسرت الدنيا كلها عشانها، وهي خسرتني. مش عارف ليه ما اتكلمتش يا يزن، أنا كنت مستني منها تديني كلمة واحدة بس.
يزن: مش يمكن هي كمان مستنية تديها نفس الكلمة؟
عمار: من وقت بداية القصة دي وأنا بدي، يا يزن كان نفسي آخد المرة دي ولو حتى كلمة. تفتكر أنا ما أستاهلش منها كلمة؟
يزن: إنت بتثق فيها يا عمار.
قطعه في الكلام ورد بسرعة.
عمار: إنت بتقول إيه؟ أكيد طبعاً بثق فيها، أنا ما بثقش في اللي حواليها.
يزن: يبقى ما بتثقش فيها.
عمار: يعني إيه؟
يزن: مافيش حاجة اسمها ما بثقش في اللي حواليها. لو بتثق فيها وحطيتها وسط ألف راجل بيحبوها، هتبقى عارف ومتأكد إنها عمر قلبها ما هيميل لغيرك وهيفضل قلبها معاك مهما حصل. إنت خايف يا يزن، خايف لا قلبها يميل لياسين عشان كده بتغير، غيره زيادة عليها. خليتها تتخنق منك وما تردش عليك بالكلمة اللي كنت مستنيها وسابتك ومشيت.
عمار: لو كانت حبتني بجد ما كنتش ههون عليها تسيبني وتمشي.
يزن: اديها وقتها على الأقل يا صاحبي.
عمار: للأسف يا يزن، لأول مرة ما تفهمنيش.
يزن في لحظة ماشافش عمار قدامه ومابقاش موجود. بص حواليه وبقى يدور عليه، ماشافوش. اتنهد وضم شفايفه وهو زعلان عشانه.
كان ضاممها بحضنه وكل ما فيه، وهو بيحاول يحميها من خشب الشجر. الخشب كله وقع على راسه وضهره وهي تحتيه. حاول يقوم، رفع الخشب بضهره وبكل قوته لحد ما قدر يبعد الخشب من فوقيه. كان قايم دايخ مش قادر، مد إيده لشمس وبرغم تعبه اطمن عليها الأول. والخوف كان واكل قلبه عليها.
ياسين: فيكي حاجة؟ إنتي كويسة؟
مدتله أيديها وقامت معاه، بصت وراها لاقت العربية مقلوبة والسواق غرقان في دمه.
شمس: السائق يجب علينا إخراجه من الشاحنة، فالوقود يتسرب من الخزان.
لسه هتقرب من العربية ياسين وقفها.
ياسين: رايحة فين؟ مش راجل معاكي أنا ولا كيس جوافة؟ خليكي واقفة عندك هنا، ما تتحركيش.
بعد عنها خطوات، وبقت تشوفه وهو بيبعد عنها. أول ما قرب من العربية وطى وقعد على ركبه وبص على السواق من الشباك. لسه هيطلعه، شم ريحة دمه. عينيه اتحولت للون الأسود والعروق السودا بانت تحت عينيه ونابيه طلعت غصب عنه. بص وراه لشمس لقاها مستنياه وشايفه هو بيعمل إيه. اتنهد وبلع ريقه وغمض عينيه، ورجعت بلونها الطبيعي.
ياسين: تعالى يا عم، لسه ليك في الدنيا نصيب.
قال الكلام ده للسواق اللي غرقان في دمه ومغم عليه مش حاسس بنفسه. لسه بيسحبه، سمع صوت شمس وهي بتنادي عليه بأعلى صوتها.
شمس: احذر يا ياسين.
قالت كلامها والعربية انفجرت. ومن شدة الانفجار حدفت ياسين لبعيد، وقع على ضهره على الأرض والدَم كان نازل من على جبينه. جريت عليه بسرعة وقعدت على ركبها من كتر خوفها. كانت بتنهج ومش قادرة تتلم على أعصابها، وكأن النار أكلتها هي. رفعت راسه على رجليها وبإيديها بقت تمسح الدَم اللي على جبينه ودموعها نازلة منها.
شمس: ياسين. افتح عينيك، لا تغلقهما.
طبطبت على خده بالراحة وهي بتحاول تفوقه.
شمس: لا يجب عليك الموت هكذا.. فقط افتح عينيك أيها اللعين.
ماقدرش يمسك نفسه أكتر من كده، وابتسم وراسه على رجليها وهي باصاله.
ياسين: يبقى خايفة عليا يا شمس؟
بصتله في ذهول أول ما فتح عينيه، وزقت راسه من على رجليها. وقع في الأرض وقامت وقفت ونبرة صوتها كلها عدوانية.
شمس: لا، لم أخف عليك قط يا ياسين.
ابتدت جروحه تلم وقام وقف.
ياسين: كدابة، بتكذبي على نفسك ولا عليا؟ إنتي بتخافي عليا زي ما بخاف عليكي وأكتر كمان. النظرة اللي شوفتها في عيونك من شوية قالت اللي جواكي.
حركت راسها شمال ويمين وانكمشت حواجبها وهي بتنفي كلامه.
شمس: إذا كنت خفت عليك فهذا شيء طبيعي، فكانت روحك تغادر جسدك منذ دقائق قليلة. استسلم يا ياسين، وأعلم جيداً أن مشاعري لن تكون لك في يومًا قط.
كان بيبصلها وهو مش قادر يتقبل كلامها. عنده يقين إنها بتحبه بس بتعاند. لقى نفسه طلع كلمة مكانش متوقع إنه يقولها.
ياسين: شموستي، تتجوزيني؟
قالها الكلمة دي وهي مدياله ضهرها. هزت راسها شمال ويمين بعدم تصديق إنه لسه بيحاول.
شمس: لا.
ياسين: خلاص، هتجوزك أنا.
دبدبت برجليها على الأرض ودمدمت بكلمات من كتر ما كان كلامها واطي وورا بعض ما فهمهاش. قرب منها ومسكها من دراعها بعنف.
ياسين: إنتي ليه محسساني إني متعلق بيكي وهموت عليكي؟ طيب أنا بقى هكلمك بلغتك اللي تفهميها، وده آخر كلام عندي يا شمس.
بصيتله بتركيز وهي منتبهة لكلامه ومستنية تعرف هيقول إيه.
ياسين: لا تختبري تعلقي بك، فـ عند كرامتي سلامًا عليك، ورحمة الله وبركاته. عاملة إيه؟ وحشتيني أوي.
ابتسمت وضحكتها ملت المكان. كانت فاكرة أخيراً هيتكلم جد ويسيبها ويحس إنها فعلاً مش عايزاه.
ياسين: أول مرة أسمع صوت ضحكتك بالطريقة دي.
فضلت تضحك أكتر وحطت إيدها على بقها ووقفت ضحك مرة واحدة وبصيتله بغيظ.
ياسين: إيه ده؟ إنتي هتتحولي ولا إيه؟
شمس: أتعلم إنك خطر على البشرية بأكملها.
ياسين: إنتي أصلاً اللي وجودك أكبر خطر على البشرية، مش أنا يا شمس.
ضمت حواجبها باستغراب وهي مش فاهمة معنى كلامه.
شمس: أتقصدني أنا؟
شاور براسه بيأكد على كلامها.
ياسين: أيوه إنتي.
شمس: وكيف هذا؟
رفع حواجبه وقالها وهو بيغمزلها بطرف عينيه.
ياسين: العلماء قالوا ماينفعش يبقى في شمسين على كوكب واحد.
ابتسمت ابتسامة عريضة وحطت ايدها على جبينها بتخبي ابتسامتها.
شمس: حسنًا، كفى. هذا يكفي. أريد العودة للمنزل في الحال.
مسكها من ايدها وشدها لي وبص في عيونها اللي بيحبهم.
ياسين: عشان خاطر عيونك اللي حبايبي دول، هروحك.
زقت ايديها منه وبعدته عنها وادته ضهرها ومشيت. ضغط على أسنانه، يابنت الـ... المهدي. مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة.
وصل البيت بالعربية بعد ما الطفلة نامت. مارال نزلت وشالتها.
بصت وراها، لاقيته لسه قاعد مكانه ماتحركش.
مارال: مش هتنزل؟
حاول ما يبصلهاش وهو بيتكلم وبيتفادى نظراتها.
بربروس: سأجلس هنا قليلاً، أنتظر رعد حتى أعطيه سيارته.
مارال: على ياحتك، أنا هطلع أنيم غديي.
قفلت الباب وراها، وأول ما طلعت لقى اللي بيفتح الباب وقعد جنبه.
دكتور علي: ها، عملت إيه؟
ابتسم تبتسمة بسيطة وهو سرحان ولسه هينطق، الباب اللي ورا اتفتح في لحظة وياسين قعد ورا.
ياسين: لااا، طالما سرحت كده يا شيخ عجوة، يبقى حصل حاجات.
اتنرفز واتكلم بغيظ وبص وراه.
بربروس: اترك السيارة أيها اللعين، من سمح لك بالركوب أيها السفيه؟
اتكلم بلا مبالاة.
ياسين: أراك تتحدث وكأن العربية عربية أمك يعني.
بربروس: أتسبني وتسب أمي؟
أدخل ما بينهم وحاول يهدي الحوار شوية.
دكتور علي: خلاص يا ياسين، إنت وبربروس، خلاص. إحنا صغيرين.
بص لياسين وكلمه بنبرة كلها لوم.
دكتور علي: حاسب على كلامك وتصرفاتك شوية يا ياسين.
ياسين: اللي عايز يحاسبني على تصرفاتي، يحاسبني بالدولار أو العملة الصعبة لو سمحتوا.
بص لعلي وبيشهدوا على كلامه.
بربروس: أترى.. أترى ما الذي يتفوه به هذا اللعين؟
اتأفف وزهق منهم وقال وهو بيفتح باب العربية وطالع.
دكتور علي: يووووه، أنا زهقت منكم، أنا هسيبكم وأمشي.
الاتنين مسكوه من دراعه ودخلوا العربية وكانوا بيتكلموا في نفس الوقت.
بربروس: حسنًا، لن أتفوه، ولكن لا تتركني بمفردي معه.
علي بص لياسين هز راسه بالموافقة.
ياسين: وأنا نفس اللي قاله.
رجع مكانه وقعد على الكرسي وقفل الباب.
دكتور علي: ها، احكيلنا حصل إيه؟
اتكلم وهو مبتسم واتنهد وسرح بخياله.
بربروس: أريد أن أتزوجها.
علي وياسين الاتنين في نفس واحد.
علي: إيه؟
ياسين: إنت أكيد اتجننت.
بربروس: ولماذا سأصاب بالجنون؟ فأنا أريد الزواج.
ياسين: ما عشان كده اتجننت.
علي: أيوه يا بربروس، بس إنت ما تعرفهاش غير من أيام قليلة، ما قعدتش معاها على الأقل غير المرة دي تقريبًا.
بربروس: وماذا يريد المرء غير ذلك؟ فالمرء لا يريد سوى الراحة النفسية عند مشاهدة العروس في الرؤية الشرعية، وأنا جلست معها أكثر من مرة، ولا أريد فعل شيء يغضب الله، فأنا أريد الاختلاء بها.
ضحك ضحكة صفرا بانت جنب شفايفه.
ياسين: الاختلاء بها؟
غمزله بعنيه وضغط على شفايفه.
ياسين: وأنا اللي كنت فاكرك مؤدب يا شيخ عجوة.
علي ابتسم وحاول يكتم ضحكته عشان بربروس ما يضايقش.
بربروس: ومصيبتاه..
انا لا اقصد هذا الاختلاء ايها اللعين بل اقصد الخلوه بمعنى ان استطيع ان اذهب معها بكل مكان دون الاحتياج لمحرم.
الابتسامه انمحت من على وشه وهو مش مصدق اللي بيقولوا.
ياسين: يعني انت عايز تتجوزها ياشيخ عجوه عشان بس تعرفوا تمشوا مع بعض سوا؟ ياسيدي انت راجل امشي معاها عادي محدش هيتكلم.
نظر له نظره معاتبه.
بربروس: التفرقه في الذنوب بين الذكر والأنثى صنعها مجتمعك البشري اللعين وعند الله لا تفرق إلا التقوى.
علي: سيبك منه يابربروس وخليك معايا انا. انت بجد عايز تتجوزها؟
بنظره كلها جديه وبيهز راسه بالموافقه وبيأكد على كلامه.
بربروس: بالطبع.
ياسين: وحســــــــــــــرتاه.
ابتسم ابتسامه لطيفه بانت على شفايفه وبيبص لياسين بود وحب.
بربروس: انا فقط اريد ان اطلب طلب منكما.
ياسين: حد قالك اني مصباح علاء الدين بتاع اللي خلفوك؟
اتهكم في كلامه.
بربروس: حسنا لا اريد منك شيئآ ايها الشنقيط.
علي: استنى بس يابربروس.
وجه كلامه لياسين بحده.
علي: اسكت ياياسين بقى.
رجع بص تاني لبربروس.
علي: طلب ايه يابربروس؟
بربروس: تأتي انت وهذا السفيه لكي نطلب يدها من أخيها.
رفع حاجبه وهو مش مصدق انه طلب منه الطلب ده.
ياسين: نعم.
صوت الرياح بقى شديد اوي وكلهم اتجمعوا ووقفوا قدام البيت ودخلوا. رعد رجع وخبط على ازاز العربيه وبربروس فتحله.
رعد: الخاله بتنادي علينا كلنا لازم تدخلوا جوه البيت حالا.
كلهم اتجمعوا في البيت واللي فوق نزل واللي بره دخل واتجمعوا في الصاله.
الخاله حكيمه وقفت وجنبها الغريب وكلهم كانوا عاملين دايره حواليهم.
الخاله حكيمه: انا طول الساعات اللي فاتت دي كنت بتكلم مع الغريب وفهمت منه كل شىء من اول حاجه العربي عملها لحد دلوقتي. المزرعه بتاعت العربي فيها كل تجاربه والاوضه اللي فيها أله الزمن اللي هيجيب منها العبقري برضوا في المزرعه. ده غير المئات من المستذئبين اللي محولهم. اول ما يديهم د/مه هيبقوا عايشين معانا ياكلوا في لحم البشر وهيبدأوا ينتشروا في كل مكان ويتوسعوا اكتر وهييجي اللي نستخبى منهم. عشان كده احنا لازم ننزل على مصر في اقرب وقت. واللي انا متأكده منه انه هينزل قبلنا. مين فيكم هيحط ايده في ايدينا ونبقى كلنا عيله.
مدت ايديها وداغر مد ايده.
داغر: انا ورعد وميرا معاكي.
شمس وقفت جنب عمار وبصيتله ودا وشه الناحيه التانيه واتجاهلها ورفع ايده.
عمار: انا ويزن معاكي.
ياسين: وانا وبربروس وعلي معاكي.
عز: وانا لوحدي معاكي.
شريف اوى ما شافه اخد القرار انه يبقى معاها.
شريف: وانا مش هقدر اسيبك ياخويا طالما قررت يبقي احنا كمان معاكي ياخاله.
الخاله ابتسمت وبصيت عليهم حواليها.
الخاله حكيمه: يبقى نحضر نفسنا كلنا ونرجع على مصر.
رواية الهجينة الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم ماهي احمد
الكون كان ساكن قبل الفجر والهواء البارد مصاحبه حبيبات التلج في الرياح.
صوت الرياح العاصف بتسمعه في كل مكان حواليك.
كانت واقفة هي وضامة الچاكيت بتاعه على جسمها اللي اداهولها عشان يحميها من البرد القارص بعد ما قال كلمته ومشي وسابها واقفه متجمده مكانها مش مصدقة إذا كان اللي قاله ده حقيقة ولا بيتهيألها.
بص وراه لقاها لسه واقفة مكانها ماتحركتش وواضح على ملامحها الذهول.
ابتسم ابتسامة لطيفة ورجع شعره الكيرلي لورا بإيديه.
شريف: إيه هتفضلي واقفة عندك كده كتير؟
استعادت تركيزها وفاقت من شرودها ونبرة صوتها بقت عالية وهي بدافع بقوة عن نفسها.
ولاء: إيه اللي انت بتقوله ده؟ أنا بحبك لاء طبعًا أنت أكيد اتجننت.
كمل طريقه وسابها وهو واثق من اللي بيقولوا.
جت وراه وكان واضح عليه إنه غير مهتم.
وقفته هي وكان واضح عليها الارتباك.
ولاء: أقف هنا أنت قولت كلمتك ومشيت.
حط ايديه الاتنين في جيوبه الأمامية وأخد نفس بعمق.
شريف: الدنيا برد هنا تعالي ندخل جوه أحسن.
ولاء: لاء طبعًا مش هندخل إلا لما تقولي ليه قولت كده. إيه أصلًا اللي عملته عشان تفتكر إني ممكن أحب واحد تافه زيك في يوم؟
رد على سؤالها بسؤال تاني.
شريف: أنتِ عمرك قد إيه؟
استغربت من سؤاله بعد ما انكمشت حواجبها بس قررت إنها تجاوب عليه.
ولاء: ١٨.
رد بتلقائية.
شريف: سنة.
ولاء: لاء ثانية استنى أقطع لك الحبل السري يا خفيف.
قالت جملتها بسخرية من كلامه.
ابتسم بلطف وهو بيبص في عينيها ونظراتهم اتقابلت.
كلمها بكل برود ووطى وقرب من ودنها واتكلم بهمس.
شريف: دفاعك عن نفسك وإنك توصفيني بالتفاهة عشان تبين لي على الأقل إنك مش منجذبة لي ده أكبر دليل إنك بتحبيني.
بعد عنها وبص في عينيها اللي لونهم شبه لون السما وابتسم.
شريف: وبصراحة عندك حق أصل أنا أتحب.
فاقت من سرحانها وهي بتفتكر اللي حصل من دقايق وكلهم كانوا واقفين في الدور الأرضي حوالين الخالة وشريف بيقول.
شريف: وأنا مش هقدر أسيبك يا خوي طالما قررت يبقى إحنا كمان معاكِ يا خالة.
كان واقف جنبها وهو بيقول كلمته للخالة والخالة ردت عليه.
بص جنبه لولاء اللي كانت بصاله ومركزة معاه.
غرام لاحظت النظرات اللي مابينهم اتعصبت.
مسكت معصم ولاء وقربتها منها ووقفت بينها وبين شريف.
المجلس انفض مابينهم بس لسه في مجلس تاني في مكان تاني وناس تانية بتعمل حساب كل خطوة بيعملوها.
حسام: وهنرجع إمتى على مصر؟
العربي: في أقرب وقت المهم إننا أول ما نرجع لازم نتحرك خطوة قبلهم.
الجزار: إزاي؟ أنت ناسي إنهم أكتر مننا؟ إحنا تلاتة وهما بقوا كتير.
ربع ايديه الاتنين وسند ضهره على حرف المكتب وابتسم ابتسامة صفرا.
حسام: لاء وكمان الخالة اللي أكيد انضمت لهم دلوقتي بعد ما أخو عز ده راح المزرعة وأخد الدوا.
وقف وفكر لثواني وشاور بصباعه ووجه سؤاله للعربي.
حسام: استنى أنت ليه خليتهم ياخدوا الدوا إلا لو كنت عايز على يعيش؟
العربي: مش بالظبط.
قالها وهو بيميل راسه بعدم اهتمام.
العربي: بس في نفس الوقت قولت طيب وليه أصنع آلة زمن لما ممكن آخد منه موهبته.
حسام: بتفكر يا حبيب أخوك.
الجزار: يعني المرة دي ناوي تخلص عليهم كلهم؟
العربي: المرة دي أنا يا هما وهي خلاص قربت أوي.
قال جملته وهو ضاغط على أسنانه والغل والحقد كانوا ماليين قلبه اللي شبعان بيهم.
ابتسم حسام وهو بيتوعد لداغر.
حسام: نهايتك قربت يا حبيب أخوك.
في وسط السما اللي بتنزل قطع من التلج كان قاعد وماسك إزازته وبيشرب منها.
قرب هو منه وفي لمح البصر أخدها وقعد جنبه.
شرب منها شوية وبص جنبه لقاه بيبصله بنظرات سخيفة.
ياسين: مش قولتلي الإزازة اللي قبل كده معاك تبقى آخر إزازة؟ الإزازة دي بقى جت منين؟ أنت بتكذب عليا يا رعد مش عايز تشربني معاك من الهباب اللي بتشربه ده.
رعد: أنا ماقولتش إنها آخر إزازة.
قاله جملته وهو بيرفع إيده عشان يرجع إزازته في إيديه مرة تانية.
رفع إيديه لفوق وهو بيمنعه من إنه ياخدها.
ياسين: لاء كده أزعل وأزعلك وأجيب ناس تزعل عليك. ماتفكرش تاخدها تاني عشان كده كخ.
يئس من إنه ياخد إزازته واستسلم ووجه وشه للناحية المقابلة وقال بصوت بيترعش وهو بيبلع ريقه.
رعد: أنا خايف.
رفع حاجبه الشمال وهو بيبص للإزازة بعد ما شرب منها شوية كمان.
ياسين: هي الإزازة دي فيها مشروب إيه؟ مش باين لها ملامح.
كمل كلامه وهو بيفرك في إيديه من كتر التوتر.
رعد: إحنا داخلين على حرب كبيرة إحنا لوحدنا مش هنبقى قدها.
مهتمش بكلامه ورفع إيديه وبيشاور على الإزازة بكل حب.
ياسين: حبيتها.
رعد: خايف لا يحصل زي ما حصل أول مرة وخسرنا ميرا وبقت منكم. ياترى هنخسر مين تاني.
ياسين: أول مرة أشرب مشروب زي ده بس اسمها إيه نوع الخم/رَة دي مع أنها مابتخليش الواحد ينسى اللي هو فيه.
اتنهد باستسلام إن ياسين مش مهتم بكلامه.
رعد: أنا بطلت خمرة من زمان. دي مش خمرة أصلًا.
بصق المشروب اللي كان في بوقه مرة واحدة وهو بيستوعب.
ياسين: نعم اومال دي إيه؟
رعد: شيري كولا.
ياسين: وأيه شيري كولا دي كمان؟ أوعى تكون منكر.
ابتسم ببساطة شديدة.
رعد: يعني لما كنت فاكرها خمرة ده مش منكر. وبعدين دي كولا بالكريز بس طعمه حلو.
ياسين: وليه بتحطه في الإزازة دي وتخليني أفتكر إني هنسى منه؟
رعد: أنا ماقولتلكش إنك هتنسى. أنت اللي افتكرت لوحدك بمجرد ما أخدت الإزازة مني بالغصب.
ياسين: وليه بتعمل كده وتشقلب الدنيا؟
رعد: عشان أبطل بالتدريج. بدي لنفسي إيحاء إني لسه بشرب وأنا مابشربش. زي اللي بيبطل سجاير وبياكل بدالها كراميل بيشغل بوقه بأي حاجة.
بصلها مرة تانية وابتسم ابتسامة رضا للإزازة.
ياسين: بس تعرف حبيتها.
قام وقف وبص لرعد وهو بيشرب منها مرة تانية وسأله.
ياسين: قولتلي بقى اسمها إيه؟
رعد: شيري كولا.
قاله اسمها ببطء وهو بيحاول يخلي يحفظ الاسم.
أداله ضهره ولسه هيمشي رجع في كلامه وبصله من جديد وابتسم له ابتسامة بسيطة.
ياسين: على فكرة مش لوحدك. أنا كمان خايف.
في أقل من رمشة العين ياسين مكانش موجود.
بص حواليه شمال ويمين يدور عليه لقاه اختفى.
اتنهد ولسه كان هيمشي لقى داغر قدامه.
الرعب دخل قلبه من سرعته اللي مالهاش حدود.
قرب منه وابتسم.
داغر: اتخضيت.
اخد نفسه وهو بيتنهد بعمق.
رعد: لاء تقريبًا اتعودت على كده.
وقف جنبه وشاور له براسه وهو بيقول له.
داغر: أنا عارف إنك ما اخترتش تبقى معانا وأنا اللي قولت للخالة حكيمة إني إحنا هنبقى معاها.
مشي قدام وداغر كان ماشي جنبه واتمشوا شوية سوا.
رعد: لو أنت قولت يبقى أنا كمان قولت. مش فارقة يا داغر. أنت أخويا وإحنا الاتنين مصيرنا واحد.
اعترض على كلمته اللي قالها وهو متضايق ووقف قصه بكل حزم.
داغر: لاء ماتقولش كده. أنت هتعيش ومصيرنا عمره ما هيبقى واحد أبدًا.
استغرب من طريقة كلامه والرعب اتملك من قلبه.
رعد: يعني إيه أنا هعيش ومصيرنا مش واحد؟ أنا مش فاهمك.
أرتبك وحاول يداري في كلامه اللي مابقاش مفهوم.
داغر: أنت مش صغير وأنا مش هكذب عليك. أنا مش زيهم. هما أقوى مني بكتير وبيشوفوا بسرعة. أنا لو اتصبت أو جرالي حاجة.
قطع كلامه بسرعة.
رعد: بعد الشر عليك يا خوي.
داغر: المو/ت عمره ما كان شر يا رعد صدقني. وأنا عارف ومتأكد إن حسام مش هيسيبني يا أخلص عليه يا أخلص عليا. أنا عارف هو بيعمل كل ده ليه؟
رعد: عشان هدير.
داغر: بالظبط. عشان كده أنا هبعدك عن المعركة دي خالص. ولو حصلي حاجة وماقدرتش أقت/له وهو اللي قا/تلني مراتي وابني والطفلة أمانة في رقبتك يا رعد مش هوصيك عليهم. حسام مابقاش سهل وبعد اللي حصله ممكن مابقاش قده. أنا مش عارف هواجه إيه بس اللي عارفه كويس أوي إنه بيستعد المرة دي للقائنا ده كويس أوي.
استغرب من طريقة كلامه أكتر وعينيه بقت تتملى في ملامحه.
رعد: أول مرة أشوفك.
قطعه في الكلام.
داغر: ضعيف.
رعد: ما قصدتش يا خوي.
استنى للحظات وهو بيفكر. جه سؤال على باله بس اتردد إنه يسأله. اتكلم داغر وقطع تفكيره.
داغر: أنا فاهمك يا رعد. وأكيد بتقول في بالك دلوقتي وليه نبقى معاهم من أساسه لما ممكن نبعد عنهم.
بلع ريقه وهو مش فاهم عرف إزاي هو بيفكر في إيه.
رعد: فعلًا كنت عايز أسألك السؤال ده.
داغر: وأنا هجاوبك. حسام مش هيسيبنا مهما حصل ومهما هربنا هيفضل يدور علينا وينبش ورانا بحوافره لحد ما يلاقينا. لو هربنا ومابقيناش معاهم هيوصلنا وهنبقى لوحدنا. لو بقينا إيد واحدة ممكن نكسب المعركة.
لو بقينا لوحدنا هنخسر كلنا، وأنا معنديش استعداد إني أعرض هدير وابني وغدير، ولا أعرضك أنت كمان يا رعد للخطر.
قال جملته الأخيرة وهو بيربت على كتفه.
ابتسم وهو بيبص على كف إيديه اللي على كتفه، ورجع بص له تاني بعنيه.
اتنهد بعمق وهو بيقول كلامه بصدق، كلام نابع من قلبه، كل حرف فيه هو صادق فيه.
داغر: أوعى تفتكر في يوم إني ناسيك أو مش خايف عليك، أنت عزوتي، العزوة اللي فضلت سنين أدور عليها. عايزك تسامحني، سامحني في يوم لو كنت حسستك إنك وحيد ومعندكش اللي يسمعك، بس ده كان طبعي من الأول ودي شخصيتي، بس يعلم ربي أنت غالي عندي قد إيه. واعمل حسابك اليوم اللي هنبدأ معركتنا فيه، لا أنت ولا هدير ولا الطفلة هتبقوا موجودين فيه.
الدموع لمعت في عينيه من كلامه، وارتسمت على وشه ابتسامة بلطف، ابتسامة معناها إنه ممتن لكل كلمة قالها. كان حابب ينطق ويقول إحساسه اللي حاسه في اللحظة دي، بس لسانه كان تقيل. أدرك وقتها إن مافيش كلام يقدر يوصف اللي عايز يقوله. اترمي في حضنه ودموعه نزلت منه. أخده في حضنه ورحب بيه. مش رعد بس اللي كان محتاج الحضن ده، داغر كمان كان في أمس الحاجة له.
***
بصت له بحذر وهي خايفة لا يلمحها وهي بتبص عليه وهو واقف مع يزن وسارة، ومركز في كلامه معاهم. قطع تركيزها صوت زهره اللي كان باين في نبرة صوتها الحزم والجدية.
زهره: شمس.
بصت وراها وهي بترجع خصلات شعرها لورا، واتكلمت بارتباك.
شمس: نعم يا أمي.
زهره: تعالي، عايزاكي.
مشيت وراها، وأول ما سمع صوت خطواتها وهي بتبعد عنه، لف وشه وبص وراه عشان يلمح طيفها ولو حتى من بعيد. قطع نظرته ليها وهو بيرجع وشه بإيديه.
يزن: ولما أنت مش عايزها وزعلان أوي منها، بتبص عليها ليه؟
نزل إيده من على دقنه ورد رد سريع.
عمار: مين قالك إني مش عايزها؟ أنا بس زعلان منها.
ربعت إيدها واتنهدت وهي بتبص له، واتكلمت بنرفزة.
ساره: هو أنتوا بجد ليه كده؟
الاتنين بصوا لها وانكمشت حواجبهم وبصوا لها باستغراب.
ساره: لاء بجد ليه كده؟ ليه بتخلوا الواحدة مننا تبقى زعلانه ومقهورة وتعيط وتتعب عشان تحنوا عليها؟ يعني مش فاهمه، انتوا فاكرين نفسكم محور الكون.
رفع إيده الاتنين وهو مستغرب إنها بتجمع وبتتكلم عنه هو كمان.
يزن: طيب أنا مالي دلوقتي؟ هو اللي زعلان منها على فكرة، مش أنا.
ساره: أنت برضوا كنت زفت وورّتني أيام سودا وخلتني أعيش أسوأ أيام حياتي، مع إن كنا ممكن نلخص كل ده لو قعدنا مع بعض واتكلمنا بهدوء وحلينا مشكلتنا سوا. بس إزاي؟ لازم تطلعوا الواحدة عن شعورها. انتوا بجد أنانيين أوي.
قالت جملتها ونبرة صوتها كان مليان حزن عشان افتكرت اللي حصل بينها وبين يزن. سابتهم ومشيت، والاتنين كانوا واقفين ومش فاهمين هي عملت كده ليه.
يزن: شايف أهو، جبت لي مشكلة وأنا ماليش دخل فيها.
عمار: أنت دوست على ساره جامد يا يزن، لسه ما نسيتش اللي حصل.
يزن: يبقى ما تدوسش أنت كمان على شمس عشان ما تفضلش فاكرة لك إنها هانت عليك.
ربت على كتفه وابتسم.
يزن: أسيبك أنا بقى وأروح أشوفها.
اتنهد وهو بيهز راسه بالموافقة.
عمار: ماتسيبهاش زعلانه.
***
دخلت الأوضة وفضلت واقفة على الباب وهي مستنية والدتها.
وقفت قصادها وبصت لها.
زهره: اقفلي الباب وراكي يا شمس.
قفلت الباب وراها وهي بتبلع ريقها ومنتظرة تسمع كلام والدتها. نظرات عيونها كانت مريبة، ما كانتش طبيعية، أول مرة تبص لشمس بالنظرة دي.
شمس: لماذا تنظرين إليّ هكذا يا أمي؟
بصت لها بحدة أكتر وقربت منها.
زهره: أنتي عارفة يابت المهدي، أنا عايزة أقولك إيه.
مكانتش فاهمه اللي في دماغها، سألتها وهي بتهز راسها بالنفي.
شمس: لا.. لا أعلم في الحقيقة ماذا تريدين؟
زهره: اسمعي يا شمس، أنا اللي شايفاه قدام عيوني ما يتسكتش عليه. أنتي شايفة الاتنين بيحبوكي، وباين عليكي إنك مستمتعة بحبهم ليكي، وكل واحد فيهم بيتخانق عليكي شوية.
نفت كلامها وهي بتهز راسها ومش مصدقة إن والدتها هي اللي بتقولها الكلام ده.
شمس: لا لم أكن أستمتع قط، على النقيض تمامًا، فقد أتعبني قلبي من كثرة حبهما لي، فقد أصبحت مشتتة، فلا أعلم كيف أرضي الطرفين يا أماه.
سألت بحدة وهي مش فاهمه إجابة بنتها عليها.
زهره: وترضيهم ليه؟ إيه اللي يخليكي ترضي ياسين وإنتي مش حباه؟ أوعي تكوني مياله لياسين يا شمس.
اتنهدت وامتنعت عن الرد. حطت إيدها على كتفها وهي بتهزها بعنف.
زهره: ما تنطقي يابنت المهدي، ساكتة ليه؟ عايزة منه إيه ياسين الضبع؟
اتكلمت بنبرة صوت بان عليها الحده.
شمس: اسمه ياسين بن يزيد الصاوي، وليس ياسين الضبع، فياسين الضبع مختلف كل الاختلاف عن ياسين الصاوي.
شمس أدتها ضهرها ولسه هتفتح الباب، منعها صوت زهره وهي بتنده عليها.
زهره: شمس.
وقفت وهي حاطة إيدها على أوكرة الباب ومدياها ضهرها.
شمس: طمئني قلبك يا أماه، فمن الصعب أن أضع ياسين بقلبي يومًا.
سابتها وقفلت الباب وراها بعصبية شديدة ودموعها في عينيها. وهي فضلت واقفة مكانها مش مستوعبة اللي بنتها قالتهولها. سمعهم من ورا الشباك وابتسم وهو بيقول.
ياسين: يبقى بتخافي عليا يا شمس.
***
حط إيده في جيبه لقى المفاتيح بتاعت العربية لسه معاه.
قرر إنه يطلع بره البيت عشان يدور على رعد ويديهاله. بص شمال ويمين بيدور عليه بعنيه.
بربروس: أين هو ذاك السفيه الصغير؟
نقرت بصوابعها على ضهره بخفة.
مارال: بدور على حد.
لف وشه وبصلها وابتسم بلطف.
بربروس: نعم.
ابتسمت وافتكرت إنه بيدور عليها.
مارال: بتدور على مين؟
كانت مستنياه إنه يقول اسمها والابتسامة على وشها.
بربروس: فقد كنت أبحث عن رعد، فنسى هذا الأبله الصغير مفاتيح سيارته معي.
انمحت الابتسامة من على وشها وهي بتضغط على أسنانها.
مارال: رعد.
لاحظ بربروس ابتسامتها اللي اختفت فجأة.
بربروس: أقلت شيئًا خاطئًا جعل ابتسامتك تنمحي من على هذا الوجه البريء.
حاولت تتصنع الابتسامة.
مارال: لا لا أبدًا، ما قلتش حاجة خالص.
بربروس: لا والله، وبعقد الهاء فقد كنت سبب في محو ابتسامتك الجميلة، ولكن لا أعلم السبب، فإن أوضحت لي ما هي غلطتي لن أعاود خطئي مرة أخرى.
داست على شفايفها وابتسمت من اهتمامه بيها وبتفاصيلها الصغيرة اللي بقى ياخد باله منها. ردت بكل تلقائية عليه.
مارال: لا والله وبعقد الهاء ما قلتش شيء خاطئ أبدًا.
ابتسم بلطف لأنها بتقلده وكمل مشي وهو بيبحث عن رعد. مشيت معاه وهي بتسأله.
مارال: أنت فعلًا من الدولة العثمانية؟
هز راسه وهو بيشاور بالموافقة.
بربروس: أينعم.
مارال: يعني بتعرف تتكلم تركي؟
بربروس: أكيد أستطيع التكلم باللغة التركية.
فرحت وضمت إيديها والابتسامة كانت مالية وشها.
مارال: بجد؟ أصل أنا بحب أتفرج على المسلسلات التركي أوي وكمان استفدت منهم اللغة.
انتبه لكلامها ووقف جنبه وبصلها.
بربروس: وما الكلمات التي تستطيعين التحدث بها باللغة التركية؟
مارال: تشكدرم.
ابتسم ابتسامة عريضة ظهرت على وشه.
بربروس: أهذه كل معلوماتك عن اللغة التركية؟
مارال: لاء طبعًا، أنت بتقول إيه؟ طب بص امسك إيدي بالجامد كده.
استغرب من اللي بتعمله وهو مش فاهم.
مارال: لوتفن.. لوتفن بيدقوس بيه.
مسك إيدها وضغط عليها حاجة بسيطة.
مارال: بوراك بوراك لوتفن آلله آلله!
ابتسم ابتسامة عريضة بصوت مسموع.
مارال: إيه؟ عجبتك؟
بصلها بلطف وهو مبتسم وبيهز راسه بالموافقة.
بربروس: نعم، فلقد أعجبتني كثيرًا.
***
دخل عليها لقاها واقفة ومش مصدقة نبرة صوت بنتها ودفاعها عن ياسين.
علي: مالك يا زهره؟ فيكي إيه؟
بص لإيديها لقاها بتترعش، مسك إيدها لقاها ساقعة والد م هربان منها. قلق عليها بخوف.
علي: ماتردي عليا يازهره، في إيه؟ مالك؟ حصلك إيه؟
اتنهدت بعمق وكأنها أول مرة تستنشق الأكسجين. قعدها على الكرسي وقعد جنبها وهو ماسك إيدها، ماسابهاش.
علي: اتكلمي، ماتقلقنيش عليكي أكتر من كده.
بصت جنبها ودموعها بتلمع في عينيها.
زهره: خايفة عليها يا علي.. خايفة لا تحبه.
علي: هي مين وتحب مين؟
زهره: شمس، خايفة عليها لا تحب ياسين.
اتنهد بيأس وساب إيديها وبص قدامه.
علي: ما افتكرش يا زهره، وبعدين شمس صغيرة ولسه مشاعرها مش مستقرة.
زهره: أنا لا يمكن أوافق بحاجة زي دي، أنا ما عنديش غيرها، وياسين هيأذيها.
مسك إيديها مرة تانية وهو بيبص في عينيها بحب.
علي: أنتي بتثقي فيا؟
زهره: أكيد يا علي.
علي: بالرغم إني متأكد إنها ما بتحبهوش، بس مش هتلاقي حد في الدنيا لو حب، هيحب من قلبه بجد زي ياسين. مش عايزك تقلقي على شمس من ياسين.
ياسين بيضحي بروحه عشان اللي بيحبهم.
في لحظة، علي غمض عينيه بشدة ومسك دماغه، والألم كان مصاحبه. صرخة زهرة كانت بأعلى صوتها.
زهره: علي، مالك فيك إيه؟ انت كويس؟
جت على صوتها بسرعة جداً.
الخالة حكيمه: في إيه؟
كانت بتتكلم بسرعة وهي متوترة ومش عارفة تقول إيه ولا تنطق من منظر علي اللي من الألم كان بيترعش في الأرض وجسمه كله بيتنفض.
زهره: مش عارفة ياخالة إيه اللي جراله، كنا كويسين ومرة واحدة لقيته كده، اعملي حاجة ياخالة.
فهمت اللي بيحصله أول ما بصتله وحاولت تهدّيها.
خالة حكيمه: اهدي يا زهرة، ماتقلقيش عليه، علي هيبقى كويس.
في لحظات معدودة، الرعشة وقفت وزهرة بصت لعلي باستغراب.
زهره: إيه اللي بيحصلك يا علي؟
بص للخالة وتبادلوا نظراتهم سوا. شاورت لزهره بعينيها إنها تطلع وتقفل الباب وراها.
زهره: أيوه بس...
علي: زهرة، أرجوكي.
هزت راسها بالموافقة وطلعت وقفت الباب.
خاله حكيمه: شفت إيه يا ولدي؟
علي: شفت اللي انتي عرفاه. ياسين لو عرف إن عمار ابنه، هيسيبنا ويمشي. عمار بيكرهه، هو مش هيتحمل إنه يشوف نظرات كره ابنه له.
خاله حكيمه: ماكانتش محتاجة يا ولدي لرؤية عشان تعرف إن ياسين لو افتكر كل شيء عن زمان وعن ابنه، هيرجع ياسين الصاوي ومش هيهتم بنفسه أكتر من اللي حواليه. وبالرغم من إنه هيبقى عارف قد إيه إحنا محتاجينه، هيسيبنا ويمشي عشان خاطر ابنه.
علي: وبعدين يا خالة، لو ذاكرته رجعت له وافتكر قبل مانخلص على العربي؟ انتي عارفة كويس أوي إن ياسين وعمار لازم يبقوا إيد واحدة عشان يقضوا عليه. لو واحد فيهم نقص، التاني هيكمله إزاي؟ نخليهم الاتنين إيد واحدة وهما بيكرهوا بعض بسبب شمس؟ وأمتى ياسين هترجع له الذاكرة عشان الاتنين يرجعوا ويبقوا أقوى سوا؟
خاله حكيمه: اليوم اللي هيرجع يقولي فيه كلمة "ياما" من جديد، هعرف إن ذاكرته رجعت له وابني رجعلي من تاني.
الفرحة عرفت طريق لقلبه بعد ما سمع شمس وهي بتدافع عنه. وبالرغم إنها قالت إنها عمرها ما هتحبه، إلا إن إحساسه كان مصدق إنها ممكن في يوم تبقى له. شاف ضوء أبيض بيمر قدام عينيه، وكأن باب بيتفتح جوه عقله. وهو قاعد في زمن غير زمانه والذئاب حواليه، وكأنه كبيرهم، كان فاهم كل حركة منهم. بقى بيعوي وهما بيعوا وراه، ذئاب كتير مالهاش عدد.
فاق من شروده وهو بيفتكر اللحظة دي واللي حصل فيها.
العرق كان بينزل من جبينه في عز التلج وهو مغمض عينيه.
لقى نفسه غصب عنه بيعوي بأعلى صوت عنده. بيبص لقى الذئاب اتجمعت حواليه.
دخلت أوضتها وهي ماسكة معصم إيدها وبتضغط بكل قوتها على إيديها. اتكلمت بنبرة صوت حادة.
غرام: شيفاه، نظرات بينك وبين شريف، مش حباها.
ولاء: سيبي إيدي، انتي بتوجعيني يا غرام.
قالت جملتها وهي بتحاول تشد معصم إيدها منها.
غرام: مش قبل ما تقولي لي، أوعي يكون حصل ما بينك وبينه حاجة في غيابي.
سحبت معصم إيدها منها أخيراً وكملت كلامها.
ولاء: حاجة زي إيه؟
غرام: زي أي حاجة يا بنت أبويا، أوعي يكون بيضحك عليكي ومفهّمك إنه بيحبك.
ولاء: آآآه، قولتيلي.
قعدت على طرف السرير وربعت رجليها.
ولاء: لأ، اطمني من الحتة دي. هو كارّهني أصلاً خالص.
غرام: يعني إيه؟
ولاء: يعني مابيحبنيش، ولا حتى حاول يقرب مني. ارتاحي.
استغربت شريف اللي هي تعرفه مابيسيبش أي حاجة مؤنثة في حالها.
غرام: المهم، مالكيش دعوة بيه تاني، يا ولاء، انتي فهماني؟ شريف ده أكتر بني آدم مؤذي ممكن تشوفيه في حياتك كلها.
باب الأوضة كان مفتوح وهو واقف قدامها وسمع كل كلمة قالتها عنه. سمع كلامها وهو مش فاهم إيه السبب لده كله. نطق أخيراً.
شريف: ليه بتقولي كده يا غرام؟
البيت كان ساكن سكون الليل والصمت خيم على الأجواء. كانت نايمة هي في الأرض وضمة إيديها الاتنين وساندة راسها بإيديها ونايمة على جنبها. نومها كان عميق، نامت زي الطفل الرضيع بعد بكى يوم طويل. شعرها الأحمر كان وراها. قرب هو بطراطيف صوابعه عشان ماتصحاش. حاول على قد ما يقدر ما يقلقهاش. نام جنبها على جنبه وهو بيتأمل ملامحها البريئة اللي وقعته في حبها. ابتسم ابتسامة لطيفة زيه وبصوت يكاد يكون مسموع وقالها.
عمار: حقك عليا يا شمس، باين على ملامحك الزعل. مش عارف الزعل ده بسببي أو لأ، بس لو بسببي، فأنا مايهونش عليا زعلك في يوم، زي ما هونت عليكي يا شمس.
جه في لحظة وفي لمح البصر كان نايم جنبها من الجانب الآخر ونام بجنبه. وهي نايمة، اتقلبت ووشها بقى في وشه. قال بصوت منخفض عشان ماتصحاش.
ياسين: افتحي عيونك يا شمس، أنا مشتاقلها.
قام وقف ومابقاش همه إنها تصحى أو لأ. وقرب منه وفي لحظة كان عنده. مسكه وهو غضبان من كتر غضبه، وكأن اشتعلت النيران والعالم كله اتفق على إخراج أسوأ ما فيه.
بنبرة غليظة وحادة.
عمار: ماتقربش منها، ابعد عنها.
حول عينيه للون الأسود وطلّع ضوافره وغرز ضوافره كلها فيه وشاله ورفعه ما بين إيديه. الدم بقى ينزل من شفايفه وهو مش قادر يتنفس.
عمار طلع ضوافره وبكل عزم وقوته حطها على رقبة ياسين. شقها نصين. حط إيده على رقبته والدم بينزل منه. وقع على ركبته وهو بيطلع في الروح وبيبصلها وهي نايمة وبيتأمل في ملامحها وابتسم لها. وفجأة فاقت من حلمها وهي بتصرخ باسمه.
شمس: ياسين.
رواية الهجينة الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم ماهي احمد
تنفست الصعداء وهي تشعر بمزيج من الألم والمعاناة التي تحملهما بداخلها. ما يحدث من حولها يؤثر عليها بشكل واضح حتى في أحلامها. العداوة التي يكنها كل من "ياسين" و"عمار" لبعضهما البعض تؤثر عليها بالسلب.
شعرت بأن ليس للحياة معنى في هذا التوقيت. شعرت بأنها السبب في عداوتهما معاً. وقفت واستقامت متجهة إلى الطابق السفلي بعدما اتخذت قرارها. كان البيت يبدو خاوياً في حالة من السكون. الجميع نيام، لا يوجد أحد بالردهة. تابعت سيرها وهي تتذكر عداوة كل منهما للآخر. تلك المواقف والذكريات جعلتها جسداً بلا روح. فتاة في عمر الزهور مثلها تعتقد الموت راحة لها مما يحدث، ظناً منها أن إنهاء حياتها نهاية لعداوتهما. فهي السبب الرئيسي لهذه العداوة. والآن حان الوقت لإيقاف هذا الشجار الدائم عليها.
وأخذت تلك الخطوة. كانت تتقدم بأقدام مرتجفة وأعين دامعة. تقف أمام النهر بتوتر ويزداد انهمار الدموع من عينيها بغزارة. وفي مخيلتها مشاهد العراك الدائمة بينهما، وكأنها لا ترى النهر بل تراهما أمامها بشكل دائم.
لفح الهواء البارد وجهها متسبباً في تطاير خصلات شعرها المجعدة. مع برودة جسدها كبرودة ليالي الشتاء القارصة، تقدمت خطوة للأمام وهي تعلم جيداً أنها لن تعود. ولكنها حسمت قرارها، فلا يجب على كل منهما الشجار الدائم عليها. يجب عليهما الوقوف بجانب بعضهما البعض لإنهاء هذه المعركة الصارمة. أخذت قرارها وأغمضت عينيها وبدأت في تنفيذ ما قررته بالفعل. وقبل أن تقدم على خطوة أخرى، وجدت من أطاح بها ليمنعها عن قرارها المتهور.
***
كان ما زال يقف بالمنتصف يلقي نظرة يميناً ويساراً عما يحدث. جميع الحيوانات آتية له. ليس فقط الذئاب، ولكن جميع الحيوانات بشكل عام تقف أمامه يشكلون دائرة وهو بمنتصفها. لم يكد أن يصدق ما يرى. شعر بأعين دامعة كدماء حيوان قد ذبح للتو. آلاف الأفكار تعصف بخلايا عقله ومئات الوغزات تصيب قلبه الوهن. تراوده هذه الذكريات بداخل عقله من جديد. صور على هيئة ذكريات متقطعة. لا يدرك ماذا يحدث له. يرى أمامه ذكرى مشوشة وهو يجلس بالمنتصف بمكان واسع وتجلس أمامه "الخالة" و"المهدي" قائلاً بابتسامة وهو يهز رأسه يساراً ويمينناً ببطء:
"أنا حولت كتير غيرك لمستذئبين يا "ياسين"، بس عمري ما شوفت مستذئب بقوتك. أنت خليفتي، خليفة المهدي. اياك تنسى دي في يوم."
أنهى العربي جملته والكبر يملؤه ويربت على كتفه وينظر بجانبه إلى "الخالة حكيمة" مبتسماً.
فاق من انخراطه بداخل هذه الذكرى وهو ممسك برأسه الذي كاد أن ينفجر. حتى تعاوده ذكرى أخرى من جديد وهو يسمع صوت أخيه "دكتور علي" ويبدو على ملامحه الرعب المطلق هامساً في أذنيه بعدما طالعه وهو يقول:
"ياسين أوعى تعرف حد بقوتك. العربي مش هيسيبك لو عرف انت مين."
"احنا لازم نبعد، بس اللي متأكد منه ان احنا هنتجمع من جديد مهما طال العمر بينا. هرجعلك تاني يا خوي مش هسيبك عشان انت تستاهل اني ارجعلك من جديد."
أنهى "علي" جملته الأخيرة و"ياسين" يطالعه يبتعد عنه بصمت. فكان الصمت حليفه في هذه الأوقات. حتى وجده الضبع وأخذه معه.
فاق من شروده مرة أخرى من هذه الذكرى وكأن باب الذكريات انغلق من جديد. حاول مراراً وتكراراً أن يتذكر أشياء أخرى مما حدث بالماضي، ولكن دون جدوى. فجلس القرفصاء يطالع الحيوانات بحاجب مرتفع حتى وجدها تطالعه باهتمام شديد. ارتسمت الابتسامة بجانب شفتاه إلى الثعلب الأحمر الذي كان يطالعه بنظرات حادة. ينظر له وكأنه يتحداه بعينين واسعتين. رأى "ياسين" ما يفعله ذاك الثعلب المكار. ثم نظر إلى القط البري الذي يقف بجواره مشيراً بيديه على الثعلب وهو يطالعه ويسأله بجدية:
"مين البقرة اللي جابت العجل ده؟"
قفز القط البري من مكانه وأصدر صوتاً كالصرير مما دل على فهمه لما قاله "ياسين" للتو. أخذ الثعلب الأحمر يطالع القط البري بنظرة حادة وكأنه يتوعد له مما قاله "ياسين". أما عنه، فكان يترقب لكل شيء يحدث ونظرات الحيوانات لبعضهم البعض. مما جعله يصيح وهو يقول مشيراً بأصبعه:
"انتوا بتفهموني؟ انتوا فاهمني؟ يعني انتوا فهمتوا اللي انا قلته؟"
لم يجد رد فعل لأي منهما. فقد كانوا يطالعونه بنظرات مبهمة. حتى جاء كبير الذئاب، الذئب الذكر الأسود بعينين ثاقبتين. أفسحت جميع الحيوانات المجال له حتى يدخل منفرداً. مما جعل دخوله مميزاً بنظراته الثاقبة. ابتلع "ياسين" ريقه وكأنه غصة مريرة بحلقه. عندما وجد سرب من الذئاب يتبعون ذلك الذئب الأسود من خلفه. استجمع شجاعته ووقف مستقيماً ونظر له بعينين ثاقبتين والثقة تملأ وجدانه. ودون أن يشعر، فقد تحولت عيناه للون الأحمر لأول مرة منذ زمن بعيد كلون الدماء دون أن يشعر بدلًا من اللون الأسود مثله مثل أي مستذئب. نظر للذئب الذكر يطالعه بعينين حادتين حتى أجبره على الركوع أمامه وكأنه يأمره بنظراته الحادة.
خر الذئب الذكر ينبح أمامه بعلو صوته وكذلك الحيوانات الأخرى من بعده. كل حيوان على لغته وكأنهم يقولون: نحن جيشك الذي لا يهزم.
في تلك الأوقات كان يقف "داغر" بشرفة غرفته مستنداً بكتفه على الحائط يستمتع بلفحات الهواء الباردة على وجهه. يستنشق الهواء بعمق وكأن أحدهم كان يمنع عنه الأكسجين. حائراً بل خائفاً مما سيحدث عما قريب. لا يجافيه النوم في تلك الليلة الخاوية. حتى سمع نباح الذئاب. ابتسم ابتسامة رضا ظهرت على ثغره عند سماع أصواتهم وعلم أنهم وجدوا قائدهم الجديد. فلم ينبح أي من الذئاب معه قط مثلما نبحوا الآن. أيقظها ذلك النباح من نومها. كشفت الغطاء عنها لتجده واقفاً بجانب الشرفة لا يتحرك بل شارداً في أفكاره. نزلت من على فراشها ممسكة ببطنها بروية. وقفت خلفه تنقر على ظهره بأصابعها بخفة وتناديه باسمه.
"داغر"
منعه كثرة شروده من سماعها وكأنه جسد بلا روح. مما زاد من غرابتها. قبضت حاجبها وهي تنظر له باستغراب بنبرة صوت عالية هذه المرة.
"داغر روحت فين وليه الذئاب بتعوي بالشكل ده؟ أنا أول مرة أسمعهم بيعوا كده."
قالت كلماتها والرعب يتملكها. فكان نباحهم يرج المكان وكأن القيامة ستقام.
فاق من شروده ونظر خلفها لها يطمئنها بكلماته الحنونة.
"ماتخافيش، دوول أخيراً لقوا القائد بتاعهم. أنا دلوقتي مابقيتش قلقان عليهم."
نظرت له بعدم فهم وكانت في حيرة من أمرها. نظرت له بعينين حائرتين. أمسك بيديها وجدها كالجليد. هرب الدم من عروقها. احتضن يديها وقبلها من جبينها. التصق جسده بـجسدها. أصبحت بداخل أحضانه حتى يشعرها بالدفء الذي تفتقده. ثم نظر الاثنان إلى الشرفة. تنظر هي إلى السماء لتجد القمر مضيئاً في تمامه. ليستكمل حديثه قائلاً:
"شايفه قدامك إيه ياهدير؟"
نظرت إلى السماء بتمعن.
"شايفه القمر منور في السما ضيه بيسحر النهارده، والنجوم حواليه كتيرة وظاهرة أكنها بتزينه."
أردف قائلاً:
"والسما السما لونها إيه؟"
انكمش حاجباها وأخذت تطالعه باستغراب شديد. فسألها هو:
"مالك بتبصيلي كده ليه ياهدير؟"
"غريبة، أول مرة تسأل السما لونها إيه على أساس إنك مش عارف؟ أو حتى إني أوصفلك شيئ. دي حاجة غريبة مابتتحصلش."
تنهد وهو يبتسم ابتسامة مصاحبة لكلماته.
"مش أول مرة أقولك إني عايز أشوف الدنيا بعينيكي."
استدارت بجانبها واضعة يديها على وجنتيه وأصبح وجهه بين كفيها.
"وليه ياداغر ماتعملش العملية وتشوف بعينيك؟ انت مش عايز تشوفني في يوم؟ مش يمكن أطلع مش حلوة زي ما انت متخيلني؟ مش ممكن ماطلعش الصورة اللي في خيالك؟"
رد قائلاً بابتسامة لطيفة منه.
"عندك حق، انتي فعلاً عمرك ما هتبقي اللي في خيالي عشان أنا مهما اتخيلتك هتطلعي أجمل بكتير. جمال روحك مبين جمال ملامحك ياهدير."
ابتسمت ابتسامة رضا وهي تنظر له ثم اردفت لتسترسل حديثها.
"طيب سيبك مني أنا."
أمسكت بيداه ووضعتها على بطنها لكي يشعر بجنينها مستكملة حديثها.
"مش عايز تشوف ابنك أو بنتك؟ إيه المشكلة لما تسمع كلامي ونروح نعمل زيارة للدكتور ياداغر؟ إيه المشكلة لما نحاول؟ صدقني مش هنخسر حاجة."
ابتسم ابتسامة نابعة من قلبه ويشاور برأسه بالموافقة.
"موافق."
لم تكد أن تصدق ما سمعت للتو. أغمرتها الفرحة وأصبحت تنطق كلماتها مزيجاً من الفرحة على عدم استيعاب ما سمعته منذ ثوانٍ قليلة.
"داغر إنت بتتكلم جد؟"
هز رأسه موافقاً يصاحبها ابتسامة بسيطة.
"أيوه بتكلم جد. ولو ربنا اداني عمر بعد المعركة وعشت هعملها. ولو ماليش عمر ومت، أعرفي إني كنت بتمنى إني أشوفك وغلطت حياتي إني ماشبعتش من ملامحك ولا شوفتها في يوم."
انقبض قلبها بشدة عند سماع هذه الكلمات وأخذت نبضاته تعلو نبضة تلو الأخرى. وضعت يدها على شفتيه لتمنعه من استكمال حديثه الذي أثار غضبها.
"داغر إنت بتقول إيه؟ إنت ممكن تسيبني في يوم؟"
هز كتفيه مستنكراً ما يقول ولكن ملامحه كانت توضح ما يريد قوله. مستكملاً حديثه.
"محدش عارف عمره في قد ايه ياهدير، عشان كده عايز أوصيكي على نفسك وعلى ابني. لو طلع ولد سميه غالب، ولو بنت مش هلاقي أجمل من اسمك عشان تتسمى بيه."
أصاب الرعب قلبها فلم تستطع تحمل كلماته المريرة. فكانت كل كلمة يخرجها من فمه تنزل عليها كالصاعقة ولا تقدر على استيعابها. تركت يداه وهي تحاول الوصول إلى الفراش. جلست على طرف الفراش وهي تطالعه بحزن.
"قصدك إيه ياداغر؟ كلامك مش مريحني. إنت حاسس إن ممكن يحصلك حاجة؟ إنت أصلاً فاكر إن لو جرالك حاجة أنا ممكن أعيش من بعدك؟"
ضربت يدها كفاً بكف وتهز رأسها نافيةً لما قاله منذ ثوانٍ.
"إنت مش عارف إنّي مش هعرف أعيش من غيرك. إنت هتحافظ على نفسك وهتعيش وهترجعنا وهنكمل حياتنا سوا. إحنا لسه قدامنا دنيا ماعشنهاش، لسه قدامنا أحلام هنبنيها سوا."
قالت كلماتها بدموع تأبى النزول.
"إنت هتعيش وهترجعنا وده مش بمزاجك، ده غصب عنك. في ناس هنا عايشة ومكملة حياتها عشان نفْسك موجود في الدنيا."
قبل أن ترمش وجدته أمامها يجلس القرفصاء ممسكاً بكفيها بحنان ويقبل يداها بحب. فقالت هي باستمة.
"أوعدني ياداغر، أوعدني إنك هتعيش وهترجعلي."
ابتسم ابتسامة عريضة تملأ وجهه وهو يتكلم بكل ثقة اكتسبها من كلامها.
"أوعدك."
اوعدك اني هعيش عشانك ياهدير
كانت مستلقيه على الأرضيه بكامل جسدها بعدما أطاح بها هو.
نظرت بجانبها عندما رأته، وجدته يطالعها بعينان ثاقبتان بشكله المتوحش وأنيابه البارزه من بين شفتيه.
مسحت دموعها بيديها، حاولت جاهده إلا يرى دموعها مره أخرى.
وقفت واستقامت، استدارت مسرعة حتى لا يراها وهي على هذه الحالة.
فقررت الذهاب حتى استوقفها بكلماته بعدما عاد وجهه الى طبيعته.
"كنتي عايزه تموتي نفسك ليه ياشمس؟"
لم تجب على سؤاله، تاركة إياه.
جلست على ذلك السور المطل على مياه النهر.
أجواء باردة تعصف بالمتواجد في المكان، وأمواج تتلاحق بحماقة تذكرها بحماقة ما كانت تريد أن تفعله للتو.
تسرب ضوء القمر إلى النهر المحيط من حولها، فالمكان هنا شبه خالٍ من الضوء، فانتصر على الظلام ضوء القمر البسيط.
جلس بجوارها على ذلك السور وأصبح النهر أمامهما، ينظر كل منهما إليه.
أضاف بعد أن جاهد ليسحب نفسًا عميقًا.
"مجاوبتيش على سؤالي، عايزه تموتي نفسك؟"
"للدرجه دي انا مش مهم عندك؟"
استدارت بوجهها تطالعه بعيون يائسه.
"لم تعطيني أي حلول سوا ذلك، فقد ضاقت الدنيا بي. لم أعد أعلم ماذا أفعل حتى تتوقفا عما تفعلاه ببعضكما البعض ياعمار."
أنهت جملتها بعيون راجية وكأنها تطلب الاستغاثة مما يحدث لها.
أردف قائلاً بعدم فهم.
"للدرجه دي هو مهم عندك؟"
نظرت له بعيون دامعة بمقلتيها تأبى النزول.
"أتريد الصدق أم الكذب؟"
بدأ قلبه بالانقباض، ابتلع ريقه وهو يطالعها باهتمام ينتظر كلماتها حتى تخرج من بين شفتيها.
فأعادت سؤالها بصيغة أخرى من جديد.
"يبدو أن الصمت أصبح حليفك الأن ولم تجاوبني على سؤالي."
أصبح من الصعب عليه استنشاق الهواء إلى رئتيه وهو يخبرها باختياره.
"أكيد عايز الصدق، بس الصدق ده لو فيه وجعي يبقى أكذبي عليا ياشمس عشان مش هتحمل لو اللي في دماغي طلع صح."
"لا أعلم إذا كان الصدق به وجعك أم لا، ولكني أريد إخبارُك بالحقيقة التي تكمن بداخلي منذ ما علمت بما حدث لـ«ياسين». فرغماً عني ليس بإرادتي بدأت أسامحه."
كان ينصت جيدًا لما تقوله له، وكان كل حرف تخرجه من شفاها يخترق قلبه، ولكنه التزم الهدوء وأخذ ينصت لها بإتقان.
نظرت هي أمامها لتستكمل حديثها بعدما أدخلت الهواء المنعش إلى رئتيها من جديد، تسترسل حديثها.
"لطالما ألمتني فكرة تعامل «ياسين» معي بهذا الشكل، فلقد أخبرتك بما حدث بالماضي وكيفية معاملته لي، ولكن عندما علمت الحقيقة بأنه كان يفعل ذلك رغماً عنه أصبحت أمنحه ألف عذر لما كان يفعله. فبالرغم من سيطرة «الضبع» على عقله كان يحاول مجاهداً بكل الطرق ألا يؤذيني."
ابتسمت ابتسامة تملأ وجهها وبدأت في تذكر اللحظات الجميلة التي كان يصنعها «ياسين» من أجلها وهي صغيرة، وبدأت تسرد له هذه الذكرى.
"فقد أتممت السادسة عشر من عمري منذ بضعة أشهر ووجدته هو يفتح باب القبو ببطء، وعندما سمعت خليلته صرير مفصلات الباب أغلقت عيناها بشدة، فأمرها «ياسين» بالخروج. انتظرت أنا وقلبي من كثرة نبضاته المتسارعة النبضة تلو الأخرى، كاد أن ينفجر، فبمجرد رؤيته لا أعلم ما الذي ينوي على فعله ذاك المتهور الأحمق، هل سيعنفني مثلما يفعل طوال الوقت أم سيحن عليّ من جديد إذا وجدته يخرج قطعة من الكعك يتوسطها شمعة مضيئة. لم أكن أعلم ما هذا، ابتلعت ريقي وعلت الابتسامة وجهي، يبتسم لي ابتسامة حنونة يطبطب بها على قلبي المتعطش للحنان منذ زمن بعيد، فأخبرني بما كنت لا أعرفه."
ابتلع ريقه وشعر بغصة تخترق قلبه من جديد، تلعثم بكلماته التي يخرجها من بين شفتيه.
"عرفك إيه ياشمس؟"
سرحت بخيالها وهي تسترجع هذه الذكرى من جديد و«ياسين» يقول لها.
"انتي عارفه النهارده إيه، وعارفه إيه اللي أنا ماسكه في إيدي ده؟"
أخذت تطالعه باهتمام وهي تنظر إلى الكعكة وأشارت له برأسها نافيه، ابتسم هو بحنان ولطف.
"النهاردة عيد ميلادك الـ 16 يعني من 16 سنة وزي اليوم ده بالظبط جيتي للدنيا عشان تقرفيني في حياتي."
تنهد ببطء والابتسامة تعلو وجهه وأشار لها بكف يده.
"شوفتك وإنتي لسه في اللفة كنتي قد كده.."
استدار لها يسترسل حديثه.
"وكنتي بتصدعيني من كتر عياطك، بس بالرغم من كده صداعك وزنك وقرفك ملا علينا البيت يا«شمس»."
انكمش حاجبها الأيسر وهي تنظر له بحيرة، بانت الابتسامة على صغره قائلاً.
"إنتي مستغربة إنّي بقولك يا«شمس» بس يكون لعلمك أنا من أول لحظة شوفتك قررت بيني وبين نفسي أسميكي «شمس»."
"حسيت إنّي فيكي تفاصيل كتير منها الشمس أشعتها بتنور الكون، وإنتي نورتي ضلام قلوبنا بوجودك يا«شمس»."
نظرت إليه وهي في حيرة من أمرها، فذلك المجنون في المرة الأخيرة كان يعنفها باستمرار، كاد يجن جنونها، تفهم هو نظراتها وحيرتها، ثم واصل حديثه.
"تعرفي، أنا بعرف اللي جواكي من نظرات عنيكي، من تفاصيل ملامحك، يعني مثلاً أول ما تغمضي عنيكي حاجة بسيطة وترفعي حاجبك الشمال أعرف إنك مش فاهمة الكلام اللي بيتقال، أما بقى لو كمشتي حواجبك أعرف إنك غضبانة ومخنوقة."
تلاقت أعينهم ونظر إليها بروية وحنان.
"أما بقى لو فردتي ملامح وشك وفتحتِ عيونك أعرف إنك مبسوطة، زي ما إنتي مبسوطة دلوقتي يا«شمس»."
ابتسما سوياً هما الاثنان ومد لها هو كف يده والكعكة مازالت بكفه يتوسطها الشمعة المضيئة قائلاً.
"غمضي عنيكي وانفخي في الشمعة، خللي سنة جديدة من حياتك بذكرى جميلة زيك."
أغمضت عيناها وأخذت نفس عميق لكي تطفئ الشمعة، فأوقفه هو قبل أن تطفئها.
"استني، أتمنى أمنية الأول قبل ما تطفيها، شوفي إيه اللي نفسك يتحقق السنة دي، ولو اتمنتيها بصدق هتتحقق أكيد."
أغمضت عيناها متمنية ما تريد ثم أطفأت الشمعة المشتعلة.
وعندما فتحت عيناها من جديد وجدته ممسك برأسه مغلق العينين من شدة الألم، ولم يتعدى اللحظات حتى عاد يفتح عيناه من جديد المتغيرة باللون الأسود، ينظر لها نظرة خبيثة ممتزجة بالشر، تظهر على ثغره ليقول لها بخبث.
"إيه رأيك صدقتيني لما كنت عامل فيها طيب؟"
عادت تحكي لـ«عمار» ما حدث من جديد بعدما تنهدت بعمق.
"عاد لطبيعته الشريرة بلحظة، يحطم كل شيء يجده أمامه وكأنه بصراع ما بين عقله وقلبه. امسك بالكعكة وألقاها أرضاً حتى يذلني من جديد. كنت أكرهه لما فعله بي، كنت أتسائل لماذا يفعل بي ذلك، فقد كاد يجن جنوني."
قاطعها «عمار» وأوقف حديثها وهو يشعر بالألم يختزل روحه، ناطقاً كلماته بتقطيع.
"فهمتك يا«شمس»، أنا كده فهمتك."
قبضت حاجبيها باستغراب سائلة.
"ماذا تعني بكلمتك هذه؟"
وقف واستقام من على السور وهبطت هي من بعده.
"اللي فهمته.."
فهمته يا شمس الموضوع مش محتاج يتقال. انتي بتحبيه، بتحبي ياسين. فتحتي عينك على الدنيا لقيتيه، كان كل اللي شاغلك انه كان بيعاملك بحنية وبعد كده يعاملك بقسوة. كنتي هتموتي وتعرفي ليه بيعمل كده، ولما عرفتي انه غصب عنه بقيتي تديله ألف عذر وعذر عشان تسامحيه وتقربي منه. وبقيتي تفتكريله الحلو وبس، مش كده؟ مش دي الحقيقة؟
كانت تطالعه بنظرة يائسة من عدم فهمه لها، فصرخت به بصوت عالٍ:
_ لا، ليست هذه الحقيقة.
ضمت شفتاها والدموع تتلألأ بعينيها، مسترسلة حديثها:
ما كنت أريد إخبارك به هو أنه شخص صالح، لا يستحق ما تفعله معه. ولكن ما حدث له كان خارج إرادته. يجب أن تضع يدك بيده حتى نخرج من هذه المعركة منتصرين. فوضع يدك بيده هو أملنا الوحيد لكي نكسب المعركة.
بتر حديثها واستدار لها وهو يصرخ بها بصوت عالٍ:
هو ده كل اللي يهمك إن أحط إيدي في إيده عشان المعركة؟ هو ده اللي عايز تفهميهولي؟ تمام، أنا فهمتك وهحط أيدي في إيده عشان هو شخص صالح أوي وغصب عنه اللي حصله ياحرام.
أنهى جملته الأخيرة وهو يسخر منها ومن حديثها، ثم أخذ يطالعها من جديد وينظر في عينيها بعمق. تكلم بكلمات صادقة نابعة من قلبه:
أنا حبيتك، حبيتك أكتر من نفسي. وكان عندي استعداد أعمل أي حاجة عشانك، بس معنديش استعداد أخسر نفسي عشان واحدة ممكن، ولو احتمال واحد في المية، تكون بتعز شخص تاني. ياسين، لو كان فضل طيب معاكي كنتي حبتيه يا شمس؟
استدار وأعطاها ظهره وأخذ خطوة استعداداً لرحيله، فأوقفته هي بكلماتها:
أتعلم ما الشيء الذي تمنيته بيوم ميلادي السادس عشر عندما طلب مني ياسين أن أتمنى أمنية وهو طيب معي؟
كمش حاجبيه واعتلت الفضول ملامحه، استدار لها وانتظر إجابة سؤالها:
_ تمنيتك أنت، وياليتني ما تمنيتك يوم.
تنهدت الصعداء، ثم استدارت وأخذ هو يتابعها بعينيه تبتعد عنه بصمت. ضرب بكفه على جبينه ولم يستوعب ما قالته له للتو.
كانت ليلة صعبة على الجميع، فالكل يتقلب على فراشه والنوم لا يأتيه. ومنهم مارال التي كانت تنظر إلى سقف الغرفة والتفكير ببربروس يملأ عقلها. ابتسمت وهي تفكر به، وبكلماته المعسولة. وفي لحظة عادت للواقع المرير. وضعت الوسادة على رأسها ضاغطة على شفتيها تبللها ببريقها هامسة لنفسها قليلاً:
أنا إيه اللي بفكر فيه ده؟ أنا إزاي أفكر كده؟ لالالا، ماينفعش طبعاً. أنا أبقى عبيطة، بيدقوس. أنا أفكر في بيدقوس.
استيقظت ميرا من نومها على صوتها، تقلبت على جانبها الأيمن تنظر لها بحاجب منكمش:
_ وماله بربروس ده، حتى حتة سكرة ده عليه واحدة ومصيبتاه تجيب اللي قدامه الأرض.
ضحك الاثنتان بصوت مرتفع، لتدخل عليهم سارة ويتضح على ملامحها الحزن وجلست بجانبهما على الفراش دون أن تنطق بكلمة واحدة. نظر لهما وهما يطالعانها باهتمام، حتى قطعت مارال صمتها قائلة:
مالك يا سايه؟ فيكي إيه؟
ابتسمت سارة وميرا على منادتها باسم "سايه". علمت هي ذلك من ابتسامتهما الخفية، فنطقت:
طبعاً انتوا بتضحكوا على لدغتي. والله ما حدش قالكم أسمايكم تبقى فيها حرف الـ "ر"؟
اردفت ميرا قائلة:
لا والمشكلة هنا إن معظم أسامينا هنا فيها حرف الـ "ر".
معاد شمس تقريباً.
دَلفت شمس إلى الغرفة محاولة انتزاع ملابسها العلوية. ثم جلست على الفراش بجوارهما دون نطق أي كلمة.
بس أهي جت ملكة التراجيدي كلها.
أنهت سارة جملتها، ثم ضحك الجميع عليها. حاولت إخفاء ألمها أمامهم، لم ترد أن توقف ضحكاتهم جميعاً. فعادت ميرا لسؤال سارة:
مالك مش هتقولي بقى؟ جاية مخنوقة بره من إيه؟
قامت من مكانها وهي تزحزح بجسدها ميرا:
وسعي كده شوية وأنا أقولك.
جلس الجميع على الفراش متساويين بجانب بعضهما البعض، مستلقين على ظهورهم، لتمد مارال كف يدها:
هاتي، هاتي اللحاف ده نتغطى بيه كلنا.
_ أهو خدي كده، كله متغطي.
وجهت ميرا سؤالها لهم، فأجاب الجميع بالموافقة:
_ ارغي بقى.
مافيش يا ميرا، بس اتضايقت شوية من يزن واللي بيعمله هو وعمار. يعني ليه أصلاً كل الفرهدة اللي بتحصل دي؟
نطقت سارة اسم عمار، فشعرت شمس بغصة داخل قلبها وتغيرت معالم وجهها. نظرت لها لتطالعها من جديد:
أنا عارفة يا شمس إن عمار حمار حبتين، بس والله بيحبك. هو كده، كل راجل فيه عيب. عمار عنده حب التملك أوي. ده أنا متربية معاه وعارفة. حتى حبه ليزن ميسمحش لحد يشاركه فيه. من الآخر كده، اختاريه هو وانسى الكل.
ردت هي مسرعة:
أنا أخويا مش حماي يا سايه.
نظر لها الجميع وقد نسوا أنها شقيقته التي تجلس معهم. فاستكملت هي حديثها:
هو آه جحش حبتين، بس مش لديه حمای. يعني هو بيتوتي أوي. لما كنا صغيرين كان مش بيحب يصاحب حد كتير. هو واحد بس يفضل معاه وبيقول استكفيت بيه. هي شخصيته كده.
نطقت ميرا مستكملة لحديثهم:
من الآخر كده، بيغير عليكي. غيور. وبعدين مين ما يغيرش على العيون الحلوة دي؟ أنا لو منه كنت عملت كده وأكتر.
حاولت ميرا تغيير الأجواء بالقليل من المرح، فارتفعت ضحكاتهم هما الأربعة سوياً. فردت شمس قائلة:
ألا تنوين أن تحني على رعد أنتِ الأخرى؟
تنهدت بعمق وهي تنظر للأعلى:
والله أنا خايفة عليه مني، أول مرة أخاف على حد كده.
هتفت سارة بصوت مرتفع:
أخيراً! كفارة يا حاجة ميرا، أخيراً ابتديتي تحسي بالواد الغلبان.
ردت قائلة:
كل مرة ببقى متسرعة في قراري، وأول ما أعجب بحد بجري عليه. إلا مع رعد، خايفة أبقى معاه وبعد ما يتأكد من حبي ليه يسيبني في يوم.
_ اتركي قلبك معه، فمن الواضح حبه لك.
نظر الجميع إلى تلك الصامتة بينهم. فتحدثت ميرا قائلة:
وإنتِ بقى يا مارال، كنتي بتقولي ليه "مش معقول بربروس"؟
_ أصلاً ماينفعش أنا وهو نكون سوا في يوم. بيدقوس متزمت أوي وعمره ما هيتقبل إنه يغير ديانته عشاني.
نظر لها الكل باهتمام بعدما نطقت جملتها الأخيرة. استطاعت جذب انتباههم بجداره. فنطقت شمس مستفسرة:
ولماذا تريدين منه تغيير ديانته؟
هزت كتفيها للأعلى ورفعت حاجبيها معاً:
عشان أنا مسيحية.
نطق الجميع بصوت واحد:
إيه.. ماذا؟
أشرقت شمس الصباح وأشاح هو بوجهه تجاه الشرق ليشهد ولادة شمس جديدة. أخذ نفساً عميقاً بعدما جاهد في سحبه، وكأنه يريد ملء رئتيه بأشعة الشمس الذهبية. يستعد الجميع للرحيل، ومنهم ياسين الواقف أمام المنزل ينتظر الجميع بالخارج ليتجمعوا أخيراً، كل منهم على حدة. تنظر لهم الخالة حكيمة لتجد داغر ممسكاً بهدير وقد أنهكها التعب، لتبتلع ريقها ثم تردف قائلة:
كل واحد هنا عنده مشاكله وحياته الخاصة، كلنا عارفين كده كويس.
أخذت تطالع عمار ومن بعده ياسين وكأنها توجه حديثها لهما بالأخص:
لكن من اللحظة دي لازم كلنا نسيب مشاكلنا على جنب. إحنا هنرجع بالطيارة الخاصة اللي جبتها، وكلها ساعات ونبقى في مصر. هنرجع على مزرعة داغر. لازم نحط إيدينا في إيد بعض. لازم نمنع العربي إنه يجيب العبقري في الزمم بتاعنا بأي طريقة، حتى لو فيها موتانا.
قالت كلماتها بحزم، فرد عليها هو قائلاً:
_ وليه سيرة الموت يا كوكي؟ ما إحنا ممكن نمنعه بطريقة سهلة جداً. إنتوا مش واخدين بالكم منها.
نظر له الجميع باهتمام بعدما نجح في جذب انتباههم، فردت الخالة قائلة:
وايه بقى الطريقة دي يا ياسين؟
نظر إلى الغريب وهو يوجه كلامه له:
هو مش المفروض إن انت تبقى جد العبقري اللي بيقولوا عليه ده؟
ابتلع ريقه وهو يرفع النظارة الطبية على أنفه، يقول بكلماته المتقطعة:
_ أ أ.. أيوه.
وانت خلفت دلوقتي يا غريب ولا لسه؟
م.. معايا.. معايا ولد..
رفع يده بمستوى صدره قائلاً:
"حلو الكلام ده، إحنا بقى لو قتلنا العيال دي، العبقري مش هيتولد أصلاً. وبكده نكون خلصنا منه ومن عيال الغريب ومن الغريب شخصياً."
نظر له الجميع بعدم تصديق مما قاله، حتى أردف بربروس قائلاً وهو يصك على أسنانه:
"فليلعنك الله."
رحل الجميع يتجهون إلى المكان المخصص للطائرة التي قامت الخالة بإرسالها، ينظر هو للجميع يبتعدون عنه. وقفت الخالة أمامه قائلة:
"جبت قلة الأصل دي منين يا ياسين؟"
"اتعلمتها منك يا كوكي، ما أنا تربيتك."
أنهى جملته الأخيرة وهو يغمز لها بطرف عينيه، تاركاً إياها تنظر إليه مبتعداً عنها.
ها هم وصلوا أخيراً إلى المزرعة التي كانت تمتلكها جدة "داغر"، يقفون أمامها يشعرون بحرارة الشمس الحارقة، فهناك فرق كبير بين الطقس هنا وهناك. ينظر كل من داغر ومارال والطفلة غدير إليها بقلب مفطور، يشعر كل منهما برائحتها تحوم بالمكان، فكل غرفة وكل شبر بهذه المزرعة يوجد لها ذكرى فيها.
دخلوا جميعاً وانفتحت الأبواب على مصراعيها، لتمسك هدير ببطنها وهي تشعر بالألم، تنظر إلى داغر قائلة:
"ارجوك يا داغر وديني على بيت بابا، أنا مش هقدر أتحمل أكتر من كده."
"عندها حق يا داغر، ياريت ما تدخلش المزرعة وتروح في مكان هادي وتابع مع دكتور كويس. أنا كده كده أنا وولاء مش هندخل وهنروح على بيتنا. سيبني أنا هوصلها للبيت بتاع والدها، وأوعدك إني كل يوم هاروحلها أقعد معاها طول النهار ومش هسيبها إلا لما تولد."
أنهت غرام جملتها لتستكمل زهرة حديثها:
"فعلاً باين عليها تعبانة أوي والجو ده مش هينفعها خالص."
أشار داغر برأسه بالموافقة وهو يقول:
"خلاص هوديها معاكم عشان أطمن عليها."
نطق عز مكملاً حديثه:
"خليك انت يا داغر، أنا كده كده لازم أوصل غرام الأول، وهوصل هدير في سكتي، هما أكيد محتاجينك هنا."
اقترب داغر من عز يربت على كتفه:
"عز خلي بالك منها، وصلها لحد والدها تسلمهاله في إيده، وأنا هظبط أموري وهجيلها."
ابتسمت هي له:
"ماتخافش عليا يا داغر، أنا رايحة عند بابا عشان أبقى في أمان، وأنا متأكدة إن غرام مش هتسيبني."
ودعها الجميع تاركة إياهم خلفها، وصعدت إلى السيارة مع عائلة عز وغادروا المكان. شعر ياسين بالحر الشديد بعد تعود جسده على برودة الطقس، فمال بجانبه على شمس هامساً بأذنها:
"لو سأل عليا هتلاقيني في التلاجة ورا ربطة البقدونس على طول."
غمز لها بطرف عينه، وقبل أن يرمش لها جفن اختفى من أمامها. أما عنه هو فأخذ "عمار" يطالعها باهتمام، محاولاً التقرب منها بخطوات بطيئة، يظهر بنظراته الندم عما بدر منه. فتمنعه هي من محاولة التقرب منها وتتركه واقفاً بمكانه، لتأتي "سارة" وتقف أمامه سائلة إياه في حيرة:
"انت ازاي ما تقولهاش ولا تقولنا يا "عمار" انك مسيحي؟"
سمع بربروس ما قالته سارة للتو، فنظر إلى مارال ولم يكن يصدق ما سمع للتو.
"أيوه هنا يا عز دي عمارة بابا."
أوقف عز سائق الأجرة، لتترجل هدير من السيارة بعدما ودعت كل منهما على حدة قائلة:
"هستناكي بكرة يا غرام زي ما اتفقنا."
"أكيد قبل ما تصحي هتلاقيني عندك."
ترجل عز من السيارة لكي يسلمها إلى والدها كما وعد داغر.
"خليك انت يا عز، أنا هنادي على عمو محمد البواب."
ابتسم عز ابتسامة بانت على ثغره ثم أردف:
"أنا وعدت داغر إني هسلمك لباباكي."
صعد كلاهما في المصعد حتى وصلا إلى باب الشقة، ليطرق الباب عدة مرات ولكن دون استجابة.
"الظاهر إن والدك مش جوه يا هدير، تعالي معانا لحد ما يرجع."
أخرجت المفتاح الخاص بشقة والدها من حقيبة اليد الخاصة بها قائلة:
"لأ ما أنا معايا مفتاح احتياطي."
كانت على وشك أن تضع المفتاح بالباب حتى وجدت من يفتح الباب من الداخل، لتجده والدها، لتنظر له قائلة بابتسامة عريضة:
"بابا وحشتني."
"انتي أكتر يا هدير."
"بابا اعرفك بعز صاحب داغر."
نظر له المنشاوي نظرة رجاء بأن يدخل معهم بالداخل، ولكن جاوبه رجائه بالرفض:
"أنا كده سلمت الأمانة، لازم أنزل عشان مستنيني تحت."
رحل عز ودخلت هدير بداخل الشقة، مغلقة الباب خلفها، لتجد من يبتسم لها ابتسامة خبيثة يملؤها الشر، واضعاً أظافره الحادة على رقبة والدها مبتسماً يقول كلماته ببطء شديد:
"حمدالله على السلامة."
نظرت له نظرات صادمة وهي تتلعثم بنطق اسمه:
"حسام."
أنهت نطق حروف اسمه، لتجده يغرز أظافره برقبة والدها الحبيب، لترى دمائه تتساقط منه أمام عينيها، تفارق روحه الجسد، ليتركه هو يخر أرضاً، ناظراً له نظرة رضا عما فعله.
فما أصعب من أن ترى الروح تخرج من جسد من أحببت، تقف عاجزاً أمامه لا حول لك ولا قوة.
رواية الهجينة الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم ماهي احمد
أنهت نطق حروف اسمه لتجده يغرز أظافره برقبة والدها الحبيب لترى دمائه تتساقط منه أمام عينيها، تفارق روحه الجسد ليتركه هو يخر أرضاً، ناظراً له نظرة رضا عما فعله.
فما أصعب من أن ترى الروح تخرج من جسد من أحببت، تقف عاجزاً أمامه لا حول لك ولا قوة.
كان الصمت حليفها في هذا التوقيت، تقف الكلمات كالحجارة من ثقلها على شفتيها، لم تستطع إخراج الكلمات من فمها، فقدت النطق والشعور بمن حولها، تلألأت الدموع في عينيها، شعرت برعشة في جسدها، لم تتحمل الوقوف فجلست بجانب جثة والدها الحبيب تلامس خصلات شعره ودماؤه تملأ كفها.
هبط عز الدرج مسرعاً ليجد غرام بانتظاره أمام السيارة الأجرة، ممسكة بهاتف هدير لتخبره قائلة:
"عز، هدير نسيت تليفونها، استناني أنا هطلع أدهولها."
رفع كف يده وأوقفها عما تريد فعله قائلاً:
"هاتي التليفون، خليكي انتي، أنا هطلعهالها."
أخرجت ولاء رأسها من نافذة السيارة وهي تتأفف، فقد تغلل العرق بجسدها وعلى وجهها، محاولة الحصول على بعض الهواء النقي.
"بسرعة ونبي ياعز عشان خلاص طلعت كتكوتين حمر وأنا قاعدة."
نظر شريف خلفه فقد كان يجلس بجانب السائق ليقول:
"من حلف بغير الله فقد أشرك."
"الله يفتح عليك ياشيخ شريف، ربنا يكتر من إيمانك."
أنهت ولاء جملتها وهو ينظر إليها من المرآة التي أمامه نظرة سخرية، ثم أردف:
"اسمها يكتر من أمثالك مش من إيمانك، وبعدين أنا مش شيخ، بس دي حاجات الملحد يعرفها عادي."
نظرت لهما غرام متأففة:
"ممكن تسكتوا انتوا الاتنين."
ثم نظرت أمامها لـ عز ممسكة بالهاتف المحمول لتعطيه له:
"خد ياعز، بس بالله ما تتأخرش، بسرعة أنت شايف الحر هنا عامل إزاي."
أخذ منها الهاتف يسرع في خطوته قائلاً:
"ماتقلقيش، هنزل على طول."
عاد عز أدراجه يقوم بغلق باب المصعد خلفه، ليسمع حسام خطوات أقدامه متجهة إلى الباب، ليقبض بقوة بكف يده خصلات من شعر هدير ويجلس بجانبها هامساً بأذنها:
"لو عايزة عز يعيش ومدبحهوش قدامك، اوعي تنطقي بحرف واحد."
انهمرت الدموع منها بغير إرادتها، محاولة جاهدة مسح دموعها من على وجنتيها، لتسمع جرس الباب يرن، ينظر لها حسام يطالعها بجدية، ثم يقوم بتحويل لون عيونه إلى اللون الأسود، تشاهد أنيابه تخرج من شفتيه استعداداً لذبح عز هو الآخر، فتسمع صوت عز مرة أخرى قائلاً:
"هدير، أنا عز، نسيتي تليفونك مع غرام تحت، جيت أدهولك."
دب القلق بقلب عز من عدم استجابتها، فقد استغرقت وقتاً أطول من المعتاد لفتح الباب، شعر بشيء خاطئ، نظر يميناً ويساراً ليرى إذا كان يوجد أحداً بالجوار، ثم أخرج سلاحه الخاص به من الجيب الخلفي لسرواله قائلاً:
"هدير لو ما فتحتيش دلوقتي هكسر الباب."
لم يجد أي رد منها، استعد عز وعاد خطوات بظهره للخلف لكي يحطم الباب المصفح الذي أمامه، يرفع سلاحه يوجهه إلى القفل، وفي اللحظة الأخيرة تقوم هدير بفتح الباب، واضعة المنشفة الخاصة بالاستحمام أعلى رأسها، مرتدية روب أبيض.
تحاول تصنع الابتسامة.
"إيه ياعز، حصل حاجة؟"
تلعثم بكلماته عندما رآها بهذا المنظر مرتدية روب الاستحمام، مد كف يده ينظر بجانبه يتجنب النظر إليها:
"أنا افتكرت أن حصلك حاجة، قلقت عليكي."
ابتلعت ريقها تحاول باجتهاد أن تخرج كلماتها بتلقائية:
"أنا بس كنت بستحمى، أنت عارف الجو حر أوي هنا، جيت على طول اخدت دش."
مد لها كف يده وهو ينظر بجانبه يتفادى النظر إليها:
"تمام، ده تليفونك عشان أكيد داغر هيتصل بيكي."
نظرت بطرف عينيها بجانبها لـ حسام الواقف خلف الباب مباشرة، شاور لها برأسه بالموافقة لكي تأخذ الهاتف من يده، مدت كف يدها لتأخذ الهاتف منه، فأزاح حسام يدها لينزلق منها الهاتف على الأرض بقوة ليتحطم نصفين، نظر عز إلى الهاتف الملقى أمامه:
"مش تخلي بالك ياهدير."
ابتلعت ريقها وكانت تعلو أنفاسها أكثر، فشعر عز بأنه أحرجها، أخذ نفس عميق يصاحبه ابتسامة وانحنى لكى يلتقط الهاتف من على الأرضية ليجده محطماً، وضعه بجيبه قائلاً:
"الظاهر أنه جاب شاشة، هحاول أصلحهولك النهارده، خدي تليفوني دلوقتي عشان لو داغر حب يتصل بيكي."
ردت سريعاً:
"لا لاء، مالوش لزوم، أنا معايا تليفون بابا، بس لو داغر اتصل بيك قوله إن تليفوني بايظ عشان مايقلقش عليا."
أشار برأسه موافقاً:
"تمام، اللي تشوفيه."
هبط عز مرة أخرى تاركاً هدير لمصيرها المحتوم، أغلقت الباب خلفه، وقبل أن يرمش لها طرف عين، وقف حسام أمامها، أخذ يطالعها بنظرات خبيثة وابتسامة صفراء تظهر بجانب شفتيه قائلاً:
"شاطرة، هدير بنت عمي، طلعت شطورة وبتسمع كلامي."
وضع يده على بطنها وأغلق عيناه وهو ينصت لدقات قلب الجنين، مبتسماً ابتسامة تملأ وجهه:
"يــــــــاه، ابني، أخيراً هشوف ابني."
انكمش حاجبها وتعالت نبضات قلبها نبضة تلو الأخرى وهي تنظر له باستغراب، ثم أكمل هو حديثه:
"إيه، مستغربة إني بقولك إنه ابني؟ بس هو ابني ياهدير، وانتي مراتي، انتي من وقت ما اتولدتي وكان دايماً عمي بيوعدني إنك هتبقي ليا، عشان كده انتي واللي في بطنك هتبقوا ملكي."
ضغط على أسنانه وأمسك بها من خصلات شعرها ليضرب رأسها بعرض الحائط، فاقدة لوعيها تماماً.
هما الآن في السيارة تسير نحو طريق الجيزة حيث تقع الڤيلا الخاصة بـ عز، كانت تجلس ولاء بجوار النافذة تخرج يدها منها كأنها تحاول أن تمسك الهواء، حيث كانت نسمات الهواء تداعب وجهها الصغير وتجعل خصلات شعرها تطاير، وتغلق عيناها مستمتعة بنسمات الهواء البسيطة، ينظر شريف إليها عبر مرآة السيارة الخارجية، يبتسم على حركاتها الطفولية وكأنها عصفور صغير يحاول تعلم الطيران، يشرد شريف قليلاً وهو يطالعها ليفوق من انخراطه على صوت غرام قائلة:
"اطلع على امبابة لو سمحت."
توجهت جميع الأعين عليها باستغراب، كل منهم يريد سؤالها لماذا تريد التوجه إلى امبابة، حتى أردف عز سائلاً:
"عايزة تروحي امبابة ليه ياغرام؟"
لتنطق هي قائلة:
"معلش ياعز، خليني أرجع شقتي القديمة لحد ما تجيب لنا شقة جديدة."
لترد ولاء مسرعة:
"بس الشقة اللي كنا قاعدين فيها أنا وانتي صاحبها أجرها، وأنا لا يمكن أرجع أعيش مع أبويا ومرات أبويا مرة تانية ياغرام."
نظرت بجانبها محاولة تهدئتها، تطبطب على كتفها برفق:
"ماتقلقيش ياروح غرام، أنا اتصلت بصاحب الشقة قبل ما نرجع وعرفت إنها ما اتأجرتش ومستنينا نستلمها منه."
وضع عز كف يده على جبينه، لم يستطع أن يستوعب ما تفعله غرام به، وبالرغم من ذلك لم يتفوه بكلمة واحدة، نظر شريف له ليجد الحزن يظهر على ملامحه، فلم ينطق بكلمة واحدة ونظر أمامه وبداخله ألف سؤال يحتاج لأجابة.
ربما مرور الساعات سريع، فهذه الساعة هي ساعة الغروب، أتى الغروب وقدم معه لفحات الهواء الباردة الذي حرك الأشجار المحيطة بالمزرعة.
كانت نسمات الهواء باردة على عكس صباح هذا اليوم، كانت الشمس حارقة، تجلس شمس على الأرجوحة تتمايل بها هنا وهناك شارده بتفكيرها في صدمتها مما أخبرتها به مارال، حتى التقطت ريحه تأتي من خلفها، هذه الرائحة تعلمها جيداً، تنهدت بعمق ساحبة لنفس جاهدة في سحبه، ضاغطة على أسنانها تبتلع ريقها قائلة:
"أرجوك يا ياسين، فأنا بمزاج سيء اليوم وفي هذه اللحظة تحديداً."
أتى من خلفها وجلس بجوارها واضعاً بجانبه المشروب الخاص به، أخذ يتمايل بالأرجوحة هنا وهناك بقوة دفع أكبر، نظر إليها بجانبه وهو يحرك الأرجوحة بشدة:
"مالك مكشرة لدرجة إن وشك بقى شبه مشط رجلك ليه؟"
قبضت بيديها الاثنتين على الحديدة الخاصة بالأرجوحة خائفة من الوقوع منها قائلة بضجر:
"أوقف هذه الأرجوحة، فمن الممكن أن نقع أرضاً."
ابتسم ياسين من خوفها لمجرد الوقوع، فأسند بقدمه على الأرض ليخفف من شدة حركتها:
"هــــا.."
وقفت مش هتقوليلي بقى مالك؟
وقفت واستقامت تستعد للرحيل والأبتعاد عنه، فقبض بيده على كف يدها:
_ اقعدي ياشمس.
تنهدت ونظرت لقبضة يده المحكمة على معصم يدها، ليعتلي الغضب ملامح وجهها. نظر ياسين لها وترك يدها على الفور رافعاً يداه الأثنان على مستوى صدره:
_ سيبتك، اقعدي بقى بدل ما أديكي كف يعدلك سقف وشك ده.
نظرت له بتهكم، تنهد قائلاً بابتسامة بسيطة:
أسف ياست البنات. اقعدي ووعد مش هسألك حتى إنتي زعلانة ليه. اتفقنا.
تنهدت شمس تنهيدة بسيطة وجلست بجواره، أرجعت برأسها للخلف واضعة شعرها على مسند الأرجوحة، مغلقة عيناها، تاركة أشعة الشمس البرتقالية في هذا التوقيت تنعكس على بشرتها الصافية. نظر لها ياسين بأعجاب شديد حتى أردف:
_ شايفة القمر ياشمس.
بدأت بفتح عينيها ببطء وارتسمت الابتسامة على وجهها قائلة:
_ كيف لي أن أرى القمر؟ فالشمس مازالت بمنتصف السماء.
عندك حق، القمر والشمس ما بيجتمعوش سوا، وبعدين إزاي أسأل على القمر والشمس اللي بتنور الدنيا قاعدة جنبي.
أخذت تمرر أصابعها بين خصلاتها المموجه، مضجرة من حديثه.
نظر بجانبه ليلتقط المشروب الذي أصبح حديثاً، مقرباً لقلبه، يمد كف يده ممسكاً به لشمس:
_ خدي اشربي، طري على قلبك في الحر ده.
انكمش حاجبيها باستغراب تنظر للمشروب بتعجب:
_ ماهذا؟
رد عليها قائلاً:
ده الواد رعد بيقول إنه اسمه "شيري كولا"، مشروب جامد جداً، من وقت ما جربته وأنا مش عارف أبطله.
مدت كف يدها لتأخذه منها مترددة، قامت بسؤاله للتأكد:
_ أهو من المنكرات.
ابتسم ياسين ابتسامة بجانب شفايفه رافعاً حاجبه:
_ تؤ تؤ، مش المنكرات.
مدت هي يدها لتأخذ المشروب منه، رافعة إياه على فمها لتشرب منه القليل، ليردف ياسين قائلاً:
_ بس من المحرمات.
لتبصق هي ما بفمها جرعة واحدة، ليضحك هو عليها قائلاً:
إنت صدقتي والله مافيها حاجة، دي مجرد كولا عادية عليها حاجة كده بالكريز، مش عارف الواد رعد قالي اسمها إيه، بيديها طعم مش أكتر.
تمسح بيدها على فمها ثم تطالعه من جديد:
_ حسناً، هذا يكفي فلا أريد أن أتذوقها من جديد.
يأخذ هو رشفة من الزجاجة قائلاً:
_ تيجي نلعب لعبة.
نظرت له باهتمام سائلة:
_ وما هذه اللعبة؟
_ هقولك، نفترض إن قدامنا جني ومعاكي إنك تطلبي أمنية واحدة بس، هتطلبي إيه؟
نظرت أمامها بتمعن تفكر قليلاً، ثم سألته:
_ حسناً، فلتجب أنت أولاً.
ارتشف رشفة من الزجاجة الخاصة به، ووضعها بجانبه واعتدل بجلسته، ينظر لها وشرد بعيونها التي لطالما أحبها، ثم قال بحنان:
_ هقوله إني أتمنى إنك تبقي مراتي ولو لمدة 24 ساعة بس.
نظرت أمامها تتجنب عيناه، وهو ينظر لها باهتمام، وأعاد سؤاله من جديد:
_ ها.. وإنتي هتطلبي من الجني إيه؟
_ الطلاق.
أنهت كلمتها بعدما نطقتها سريعاً، دون تردد.
ابتسم ياسين وارتفع صوت ضحكاته عالياً، لتنظر له هي بابتسامة لطف، فهذه هي المرة الأولى التي ترى فيها ابتسامته العريضة. سرحت قليلاً بابتسامته حتى توقف هو عن الضحك.
ليخبرها:
_ هي بقت كده.. ها؟ بس تعرفي إني لما بصيتلك دلوقتي اكتشفت إني بحب كل تفاصيلك الصغيرة.
انمحت الابتسامة من على وجهها ببطء شارده قليلاً، قائلة:
_ حتى غبائي!!
_ لا بصراحة، غبائك ده تفاصيل كبيرة.
ابتسمت ابتسامة تعلو وجهها، ليشرد قليلاً.
ضحكتك حلوة أوي ياشمس، ماتسمحيش لحد إنه يمحي ضحكتك من على ملامحك في يوم، حتى لو الحد ده كان أنا.
كانت تنظر له بثبات وأنفاسها تعلو تدريجياً، ليتمعن بنظراته داخل عينيها التي كساها الخجل والتوتر قائلاً:
_ يخربيتك ياست الكل، ده أنا حبيتك.
تهز رأسها يميناً ويساراً، لتقول:
_ لا فائدة منك، لن تتغير أبداً. ستظل كما أنت.
_ شمس، إنتي ليه مش قادرة تفهمي؟ أنا وإنتي زي جوز الجزم، فرده واحدة، ما تمشيش. ده أنا من غيرك مش قادر أعيش.
ضربت بكف يدها على جبينها قائلة:
_ أهذا مفهومك عن الحب؟ ماذا تقول أنت؟ ومن أين أتيت بهذه الجملة؟
وقفت واستقامت لتعطيه ظهرها راحلة، فأوقفتها جملته قائلاً:
طب بلاش جوز الجزم. جميلة إنت كابتسامة راعي غنم وجد معزته الضالة منه منذ شهور.
استدارت لتنظر له بعدم فهم تحدق بعينيها له، قائلة:
_ اتهمتني بالمعزة؟
_ يعني سايبة ابتسامة راعي الغنم وماسكة في المعزة؟ بصي على المغزى من الجملة، ما تركزيش مع المعزة.
أنهى جملته وهو يغمز لها بطرف عينيه بابتسامته الجميلة.
حاولت اخفاء ابتسامتها والتحدث بجدية:
_ ياسين..
يكفي هذا.
انت ولا عاجبك جوز الجزم ولا المعزة، أنا احترت معاكي بصراحة.
رفعت شمس يديها باستسلام:
_ حسناً، لقد استسلمت.
أخذت تخطو للأمام وكان هو يسير بجانبها قائلاً:
_ شمس، تيجي نتكلم جد شوية.
نظرت له لتجد ملامحه تعتليها الجدية، أشارت بعينيها سائلة:
_ ماذا بك يا ياسين؟ أهناك خطب ما؟
تنهد وهو يسترسل حديثه:
_ في حاجات بتحصلي غريبة، والمشكلة إني مش عايز أحكي غير ليكي. هو عادي إني أحكيلك؟
ردت مسرعة:
_ بالطبع.
تنهد بعمق ثم أغلق عينيه ببطء، ملامسة رموشه الكثيفة بعضها البعض، ثم فتح عينيه مرة أخرى لتجد عينيه تحولت إلى اللون الأحمر، ولكن ليس باللون الأحمر المعتاد، بل أحمر قاتم، أشد احمراراً كلون الدماء. طالعته جيداً، في بادئ الأمر تتفحص لون عينيه مبتسمة وكأنها تعلم بأن هذا ما سيحدث. استغرب ياسين كثيراً من فعلها هذا قائلاً:
_ غريبة!!
وما هو الغريب في ذلك؟
_ أنا عينيا اتغيرت، مابقيتش باللون الأسود يا شمس، أنت عارف ده معناه إيه؟ والمشكلة إني حاسس إنك عارفة وما استغربتيش.
قبض كف يده، نظر بجانبه ثم طالعها من جديد:
_ انتي عارفة حاجة أنا مش عارفها صح؟
نفت ما قاله للتو قائلة:
_ لا، لم أكن أعلم شيئاً بالمرة، فقط كنت متوقعة حدوث ذلك من حديث خالة حكيمة، فأصبح لدينا اثنان من الألفا الآن.
بتر حديثها قائلاً:
_ انتي بتقولي إيه؟ أنا لا يمكن أكون ألفا، إيه اللي يخلي واحد زيي يبقى ألفا؟ وليه واثقة إني ممكن أكون ألفا؟
ترددت بحديثها والارتباك يعلو نبرة صوتها:
_ لا أعلم، ولكن كل ما أعلمه أنك مستذئب قوي يا ياسين، ولكن لا تعلم مدى قوتك بعد. وإذا كنت تريد الفوز بهذه المعركة فيجب عليك وضع يدك بيد عمار، يجب عليكما أن تكونا يداً واحدة حتى نتخلص من العربي نهائياً هذه المرة، فهذه المرة هي الفرصة الأخيرة لنا.
وضعت يدها على كف يده، تنظر له بعيون راجية. نظر هو للأسفل ينظر ليدها المتشبثة بكف يده، ابتسم ابتسامة رضا يطالعها من جديد لتقول هي:
_ أريد منك وعداً بأن تفعل كل ما بجهدك لكي تضع يدك بيد عمار.
نظر لها وكأنه يرتوي من ملامحها، فبالرغم من كرهه لـ عمار، فقد وعدها بما تريد. لم يكن يستطع الرفض أمام نظرات أعينها الراجية، ولكن اشترط شرطاً صغيراً، سألته هي إياه عن شرطه ليخبرها:
_ أنا عارف إنك مابتحبنيش، مش قصدي بس كحبيب، أنا عارف إنك مابتحبنيش من أساسه، ومش هلومك. اللي حصل مني طول السنين اللي فاتت حتى لو كان غصب عني ومش بإرادتي، فأكيد هيسبب أثر جوه قلبك المشروخ، مهما حاولت سنين أصلح فيه اللي اتكسر مابيتصلحش. عشان كده عايزك تسامحيني، أوعديني إنك تسامحيني يا شمس، انسِ لي كل اللي فات، بس المرة دي تبقى من قلبك بجد، ممكن دي آخر مرة نقعد فيها مع بعض ومانتكلمش تاني؟ المعركة فاضل عليها أقل من أيام والعربي مش سهل، والمرة دي أنا مش ناوي أسيبه، المرة دي المعركة هتبقى حاسمة بموتي أو بموته، بس عايز أعرفك شيئاً، لو فيها موتي يا بنت المهدي مش هخليه يمس شعرة منك. "يدوس على قبري قبل ما يدوسلك على طرف".
وضعت هي يدها على فمه مسرعة بلهفة حتى لا يستكمل حديثه، فعند سماعها سيرة موته لم تستطع التحمل، واضعة يدها على فمه. انكمش حاجبه باستغراب ينظر ليدها المرتعشة التي ما زالت على شفتاه، يرى الخوف في أعينها. استغربت هي مما فعلته للتو، أنزلت يدها من على فمه سريعاً. استدارت لتعطيه ظهرها، تفرك بأصابعها، تضغط على شفتاها بأسنانها بقوة، تتمنى أن تنشق الأرض لكي تبتلعها. يقف هو خلفها هامساً في أذنها بحنان:
_ خوفتي عليا يا شمس؟
أخذت نفساً عميقاً وكأنها تستجمع شتات نفسها من خلال تنفسها قائلة:
_ بالطبع لا، ولكني أكره سيرة الموت، فالموت شيء بشع حتى لو كان موتك أنت الذي لطالما تمنيته طوال عمري.
انقبض حاجبه وكلماتها تنزل عليه كالصاعقة تخترق قلبه:
_ أنا مش فاهمك، انتي بتتمني لي الموت ولا خايفة عليا منه؟
استدارت تنظر له لتجيب سؤاله:
_ كنت أتمنى لك الموت يوماً، ولكن الآن لا أتمناه لك ولا لغيرك، وأرجوك دعنا ننهي هذا النقاش السخيف.
رحلت شمس وتركته خلفها، رحلت وكأنها تهرب من شيئاً ما، شيئاً لطالما ظنته مستحيلاً، فهذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها بالخوف على ياسين، فانقبض قلبها لذلك.
كان داغر يجلس هو وباقي أسرته في الغرفة الخاصة بها، يشتم رائحة فراشها، يريد التقاط رائحة جدته مرة أخرى، يحاول جاهداً، مراراً وتكراراً، ولكن دون جدوى. ينظر كلا من ميرا وغدير إلى برواز قديم مزخرف من الأطراف موجود أعلى الحائط، بداخله صورة لجدتهما. تبتلع ميرا ريقها، ثم تنظر بجانبها لتجد دموع غدير تنهمر على وجنتيها، لتضمها داخل صدرها لتهون عليها، ولكن من يهون عليها هي.
تترك غدير خلفها لتقترب من البرواز خطوة، تتمعن النظر، فقد افتقدت جدتها كثيراً، كاد اشتياقها لجدتها ينهش قلبها، لتجد من يشبك أصابعه ويتشبث بها، تنظر بجانبها لتجده رعد يحتضن كف يدها بيده، أشار لها بعينيه قائلاً:
_ هي في مكان أحسن كتير دلوقتي يا ميرا.
طالعته باهتمام قائلة:
_ وده اللي مهون عليا يا رعد، إني متأكدة إنها في مكان أحسن.
وقف داغر بجوارهما قائلاً:
_ اوصفهالي يا ميرا.
_ كانت شبه خالتو حسناء أوي يا داغر، كانت شبه مامتك أوي.
ابتسم داغر قائلاً:
_ كنت حاسس إن والدتي تشبهلها.
مسحت غدير وجنتيها قائلة:
_ طبعاً، مش مامتها؟ أكيد ماما هتطلع لتيته، إيه الذكاء ده.
ترك رعد يد ميرا حاملاً الطفلة بين ذراعيه:
_ وإنتي بقى طالعة شبههم أوي، تعرفي ده.
قالت والسعادة تغمرها:
_ بجد؟
قرص رعد بيديه على وجنتيها بحنية:
_ أكيد.
نظر داغر بجانبه إلى ميرا:
_ ميرا اتصلي لي بهدير، أكيد زمانها وصلت دلوقتي.
_ حاضر يا داغر.
امسكت ميرا الهاتف المحمول الخاص بها محاولة الاتصال بها لتجده مغلقاً.
_ داغر، فونها مقفول.
انقبض قلبه عند سماع جملتها قائلاً:
_ طيب اتصلي لي بعز بسرعة.
هاتفاته سريعاً، وعند سماعه صوته ألتقط الهاتف من يد ميرا مسرعاً:
_ تليفون هدير مقفول ليه يا عز؟
أخبره عز بما حدث وأن هاتفها معه الآن حتى يصلحه لها.
أغلق الاتصال معه وشعر بالقلق، بالرغم ما قاله له عز، ولكن شعوره أجبره على عدم الارتياح. شرد قليلاً حتى أفاقه رعد من شروده:
_ مالك يا داغر؟ ما قالك إن الفون اتكسر غصب عنها وهو هيصلحه.
ليرد عليه قائلاً:
_ مش عارف، حاسس بحاجة غريبة. اتصلي لي بعمي بسرعة يا ميرا.
ردت غدير قائلة:
_ أيوه، اتصل بـ بابا هدير.
هزت رأسها بالنفي:
_ بس أنا مش معايا رقم أنكل منشاوي يا داغر.
نظر له رعد ووجد القلق ينحت ملامحه، حاول أن يبث الطمأنينة بقلبه قائلاً:
_ اطمن، أكيد تعبانة من السفر ونايمة دلوقتي. ماتنساش إنها حامل. لو محاولتش تتصل بيك على بالليل هانروح لها كلنا.
كان الليل قد حل بنسماته المنعشة والأجواء المعتدلة، يجلس هو وحيد يبحث عنها بكل مكان بالمزرعة، حتى التقط رائحتها. رائحتها مميزة بالنسبة له، يستطيع تمييز رائحتها من بين نساء الأرض جميعاً. وقف أمامها مباشرة، أخذ يطالعها من جديد، وجدها تحاول التهرب من عينيه، تتجنب النظر إليه بشتى الطرق. تتحرك خطوة يساراً، يتحرك خطوة معها. تتحرك جهة اليمين، يتحرك معها. تأففت هي ثم أردفت:
_ ماذا تريد يا عمار؟
_ أريدك.
_ ولكني لا أريدك.
_ بتكذبي، انتي عايزاني زي ما أنا عايزك بالظبط.
تأففت قائلة:
_ من منا الكاذب هنا؟ إذا كان بيننا كاذب فهو أنت، لست أنا.
مرر أصابعه بين خصلات شعره بضجر:
_ أنا فاهم تقصدي إيه يا شمس، بس أنا مكذبتش عليكي.
_ انت لم تصارحني بديانتك، فأنت مسيحي وأنا مسلمة، كيف لك ذلك؟ لقد طلبت يدي للزواج وأنت مسيحي، أين عقلك يا عمار؟
رد عليها مسرعاً دون تردد:
_ مش موجود، عقلي ما كانش موجود، أو كان موجود وانتي جيتي طيرتيه.
أغمضت عيناها متأففة وتركته خلفها، ليأتي بلحظة يقف أمامها من جديد:
_ ماتمشيش وأنا بكلمك يا شمس، اسمعيني على الأقل.
_ اديني فرصة أشرحلك، خلينا نسوي أي خلافات ما بينا النهارده.
رفع معصم يده وأشار بعينيه لها أن تنظر إليه:
_ بصي..
بص على معصم إيدي مش هتلاقي صليب.
أنا اسمي عمار، مفيش مسيحي اسمه عمار. أمي وأنا صغير مكانتش بترضى تاخدني معاها الكنيسة، على عكس أخويا وأختي.
مارال قالتلي إنها قبل ما تيجي كانت أمي أسلمت. وفي الآخر عرفت إنها مش أمي من الأساسه، دول مش أهلي. أنا عمري ما رحت كنيسة في يوم، وده مش بإرادتي، ده كان غصب عني، مكانش حد من أهلي بيوافق. كل دي حاجات تدل على إني مسلم. عمري ما حسيت في يوم إني مسيحي، بس في نفس الوقت مش هكذب عليكي، عمري ما دخلت جامع ولا صليت ولا قرأت قرآن. كنت مشتت، أو كنت خايف، مش عارف. بس اللي أعرفه ومتأكد منه إن ديانتي عمرها ما كانت هتبقى عائق لحبي ليكي يا شمس، لأني كنت على أتم استعداد إني أضحي بأي حاجة في سبيل إني أكون معاكي.
أنتبهت لحديثه باهتمام زائد:
عايزك تعرفي إن غيرتي عليكي مش شك فيكي أو عدم ثقة. غيرتي عليكي تعرفك إنك تخصيني، إنتِ خط أحمر بالنسبالي يا شمس. أنا عايز أبدأ معاكي صفحة جديدة خالية من المشاكل. مش عايز المشاكل تعرفلنا طريق تاني. اديني فرصة، وأوعدك هتغير عشانك المرة دي.
عم الصمت الأرجاء ينتظر ردها على ما قاله منذ قليل، فأردفت قائلة:
حسناً. إذا كنت تريد لعلاقتنا فرصة ثانية، أصلح علاقتك بـ "ياسين".
ضغط على أسنانه وتمكن الغضب منه بثواني:
تاني؟ تاني يا شمس؟ قوليلي ليه؟ ليه عايزاني أقرب منه؟
أمسكت بكف يده بعيون دامعة تملؤها الرجاء:
كنت تخبرني منذ لحظات إنك على أتم الاستعداد أن تفعل أي شيء لأجلي، فقط افعل ما أخبرك به دون أسئلة. ثق بي مثلما وثقت بك، أرجوك يا عمار، فهذا ما أريده منك الآن. دعنا ننهي خلافاتنا جميعاً. ضع يدك بيده لكي نفوز بالمعركة، وأما عن إسلامك فدع هذه المسألة لي. القرار قرارك الآن.
ضغط بأسنانه على شفته السفلية، أخذ يفكر وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره. يضع ياسين أمامه فهو يمقته، وبعد تفكير وافق لأجلها أن يتعاونوا معاً.
موافق يا شمس، موافق عشان خاطرك.
وافق عمار أخيراً بعد معاناة طويلة أن يضع يده بيد ألد أعدائه، وبنفس اللحظة هو أقرب إليه من نفسه، ولكن لا يعلم بذلك.
ياترى إيه اللي هيحصل لما ياسين يحط إيده في إيد عمار ويبقوا إيد واحدة؟
رواية الهجينة الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم ماهي احمد
استطاعت "شمس" أخيراً أقناع كل منهما بالتعاون مع الآخر.
فكان هذا ما يشغل تفكيرها وبالها. أغلقت الباب لتجد من ينتظرها بغرفتها قائله:
_ نفذتي المطلوب منك ياشمس.
أشارت برأسها بالموافقة يصاحبها ابتسامة رضا:
نعم، فلقد نفذت ما أمرت به يا "خالة حكيمة".
_ كنت عارفه وواثقة فيكي يابتي أنك الوحيدة اللي هتقدري تقربيهم من بعض. مش قولتلك ياعلي.
يظهر الطبيب علي من خلف "شمس" مباشرة قائلاً:
_ إزاي قدرتي تقنعيهم ياشمس؟ قولتي أيه لياسين عشان يوافق يبقى مع عمار؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر له. فأخذ يطالعها بنظرات تدل على الاتهام. فأجابته مسرعة:
_ أنا لم أخبره بشيء إلا المطلوب لا أكثر.
انتي عارفه الاتنين وافقوا ليه؟ انتي عارفه الاتنين يقربوا لبعض أيه؟ انتي عارفه أنك هتبقي السبب في أنك تفرقي بين أب وابنه.
شعرت "شمس" بالألم يختزل روحها. حاولت الهروب وتفادي النظر إلى عينيه قائله بهدوء:
نعم أعلم.
ظهرت "ميرا" أمامها فجأة في أقل من الثانية:
طيب وبعدين هتعملي أيه لما كل واحد فيهم يعرف أنهم أب وابنه؟ موقفك هيبقى أيه؟
انكمش حاجبها باستغراب تطالع "الخالة حكيمة" وتساءلت بغضب:
_ ما هذا؟ كيف لها أن تعلم شيئاً كهذا؟
سمعتنا بالغلط يابتي لما كنت بتكلم أنا وعلي سوا.
طالعتها "ميرا" بهدوء:
_ ماتخافيش ياشمس أنا مش هقول لحد. أنا لو كنت عايزة أقول كنت قولت من وقت ما سمعتهم.
ضغطت "الخالة" على أسنانها بغضب:
ماينفعش حد منهم يعرف قبل المعركة. ياسين هيسيبنا لو عرف. أنا بفضل أدعي المولى عز وجل أنه مايفتكرش شيء دلوقتي.
بترت شمس حديثها ثم هتفت:
_ ولكنه بدأ بتذكر بعض الأشياء بالفعل.
انكمش حاجب الطبيب "علي" سائلاً:
افتكر إيه؟
_ بدأ بتذكر أنه الألفا الأصلي وبدأ لون عينيه يعود كما كان للون الطبيعي اللون الأحمر الداكن. بدأ باسترجاع قوته الحقيقية من الواضح أن تأثير الضبع بدأ يزول من عليه.
قاطعتها الخالة مستنكرة:
لااا..
لسه مافتكرش طول ما هو مش بيناديني بـ "ياما" يبقى لسه مافتكرش، ده مكانش بيقولي غيرها.
_مش مهم كلمة "يما" يا خالة، اللي كان بيناديكي بيها. أنا عارف إن الكلمة دي وحشاكي منه. وإنك بتحسي مع ياسين إنه ابنك اللي ما خلفتوش. بس قوته بترجعله. والظاهر إنه قريب أوي هيفتكر إن عمار ابنه. عشان كده إحنا لازم نواجه العربي في أسرع وقت. وقبل ما نواجهه، نسمع رد شمس الأول.
كرر الطبيب "علي" سؤاله من جديد:
_هتعملي إيه لما ياسين وعمار يعرفوا حقيقتهم وإنهم أب وابنه يا شمس؟
أنهى الطبيب "علي" جملته مع إصراره الزائد بمعرفة ما يجول بخاطر "شمس".
شعرت "شمس" بتوجيه الاتهام إليها من قبل الطبيب، فقد رأت نظرات الاتهام في عينيه. لتبوح له بمشاعرها وهي في حالة من الضجر:
_هل تعتقد ولو للحظة واحدة أنني سعيدة بما يحدث معي؟ لا أحد هنا يفكر بي وما الذي أشعر به. لا أحد هنا يفهم ما الذي أعيشه. إني اختنق. لا أستطيع التنفس. روحي تتألم.
تحدثت ودموعها تأبى النزول، تضرب بيدها على فؤادها بقوة:
_نظرات الحب التي أراها في أعين كل منهما لي تؤلمني. فأي فتاة تتمنى ولو ربع مقدار هذا الحب. وأنا مثلي مثل أي فتاة، ولكني لست سعيدة. فأنا أتألم. كنت أريد عيش هذه المشاعر، ولكن ليس هكذا. فعندما أخبرتني الخالة بمدى قربهما من بعضهما، ذهلت. وعلمت أن ليس لي حق ولا مكان بينهما بعد الآن. ولهذا اتخذت قراري.
نزلت دموعها على وجنتيها، فقامت بمسح دموعها سريعًا.
_عند انتهاء هذه المعركة، سأختفي من حياتهما للأبد.
قالت جملتها، تاركة إياهم خلفها دون أن تتردد ولو للحظة واحدة. فكان قرارها حاسمًا في هذه اللحظة.
كانت تصعد الدرج للوصول إلى الطابق الثاني، فيأتي هو خلفها مسرعًا، ينادي عليها ولكن لم تستجب له، لتكمل صعودها. يسرع "يزن" بخطوته ليصبح أمامها ليوقفها عن التحرك. يضع يده على جدار الدرج ليمنعها من الصعود قائلًا:
_أنا نفسي أعرف أنا مالي. شمس وعمار متخانقين، تدخلينا إحنا في حواراتهم ليه؟
تحني ظهرها لكي تعبر من تحت ذراعه، محاولة التملص منه. ينزل بذراعه إلى الأسفل حتى لا تستطيع العبور، لتشعر بالضجر من فعلته قائلة:
_سيبني أمشي يا يزن.
يطالعها بتحدي وهو يضغط على كلمته التالية:
_لأ.
تنهدت بغضب وتأففت قائلة:
_خلاص، خلينا واقفين كده على السلم. مش عايزة أطلع. أقولك وادي قاعدة.
جلست "سارة" على الدرج، ليجلس هو بجانبها مبتسمًا، ينظر بجانبه ليزيحها قليلاً:
_وسعي، إنتي واخده السلم كله. إنتي تخنتي كده امتى؟
تنظر هي لجسدها بهلع:
_أنا؟ أنا ما تخنتش أصلًا.
فابتسم هو ابتسامة زادت من حسنه:
_مالك اتخضيتي كده ليه؟
_حتى لو تخنتي وبقيتي بطة محشية فريك، هتفضلي في عيني أجمل شريك.
وضعت يدها على وجنتيها تحاول جاهدة ألا تبتسم. ليضرب هو كتفه بكتفها بحنية متبسمًا. ضغطت على شفتاها بأسنانها قائلة:
_بس برضو مش هتصالح بسهولة كده. أنا عايزة أعرف انتوا بتعملوا كده ليه؟ إنت وعمار بجد.
ابتسم وهو يطالعها لتبادله النظرات قائلًا:
_تعرفي إنك زي القمر النهاردة.
احمرت وجنتيها خجلًا، فنظرت بجوارها ممسكة بخصلات شعرها وأخذت تطالعه من جديد:
_المفروض بقى بكلامك ده أنسى ومانت...
بتر كلماتها قائلًا:
_بس تسريحة شعرك تحسي إنها مختلفة. غيرتي فيها إيه؟
اتسعت عيناها وملأت البسمة وجهها:
_بجد عجبتك؟ أنا قولت مش هتاخد بالك أصلًا.
غمز لها بعينيه:
_ما أقدرش ماخدش بالي. ده أنا حافظ تفاصيلك.
_مممم تمام. يعني نكنسل النكد النهارده يا يزن؟
تنهد هو بفرحة:
_ياريت.
_ماشي. كنسل النكد النهارده.
قالت جملتها وهي تنظر له بابتسامة جعلتها أجمل مما تبدو عليه. ليهتف هو:
_إنتي مش ملاحظة إن بقالنا 18 ساعة و 30 دقيقة و 15 ثانية ضاعوا من عمرنا وإنتي مابتكلمنيش وزعلانة مني؟
سألته ضاحكة بشقاوة:
_ياسلام. وانت مش قادر على بعدي بقى وبتعد الساعات؟ ما انت سايبني أصلًا من وقتها وما جيتش تكلمني.
ابتلع ريقه وهو يفرك بجبينه بأصابعه يحاول ألا تلتقي نظراتهم:
_لا. ما انت مش فاهمة. أنا قولت أصالِحك في مصر أحسن. يمكن الحر يسيحلك دماغك ويشيلك الأفكار الهبلة اللي في دماغك دي.
نظرت له بعينين جاحظتين:
_أنا أفكاري هبلة يا يزن؟
ضيق عينيه وهو يغمز لها بالأخرى:
_جداً.
_وطالما أنا هبلة، قاعد معايا واحدة هبلة ليه؟
_عشان الهبلة ما بيقعش في حبها إلا الأهبل زيها.
ضحكت بصوت مرتفع قائلة:
_هدف جميل. ولكن في مرماك.
_طيب بمناسبة الهدف، تيجي نحط الأكل هدف قدامنا. جعان جدًا ومأكلتش بقالي كتير.
وضعت يدها على معدتها دليلًا على شدة جوعها:
_أنا كمان جعانة أوي.
قال هو مسرعًا:
_طيب نطلب إيه؟
_اطلب إيدي.
قالت جملتها وهي تغمز له بطرف عينيها وتبتسم بشقاوة.
ابتسم هو واضعًا يده على رأسها، يضمها إلى صدره بكل حنان قائلًا:
_هيحصل. وقريب أوي.
عاد "عز" و "شريف" إلى الفيلا الخاصة بهما بعدما قاما بإيصال "غرام" وشقيقتها الصغيرة إلى المنزل وتأكدا أنهما الآن بأمان. دخل "عز" إلى غرفة مكتبه وجلس على مقعده المحبب لقلبه. ولكنه في هذه اللحظة شعر بعدم الارتياح، فقد نحتت ملامحه مزيجًا من القلق والعصبية على وجهه. نعم هو لا يتحدث ويفضل عدم البوح بما بداخله، ولكن ما بداخله صدره يظهر على ملامح وجهه رغما عنه. كانت مشاعر عز ما هي إلا عبارة عن بحر ثائر تتلاحقه أمواج لتتحطم فوق الصخور. وعندما أعياه التفكير وأنهكه التعب، غفى فوق مقعده بضع لحظات مرت عليه كأنها سنين، مما جعل شقيقه الأصغر "شريف" سائلًا:
_هتفضل مخبي عني اللي جواك كتير يا عز؟
فاق من شروده يطالعه يحاول جاهداً الهروب من سؤاله:
_شريف، أنا تعبان ومحتاج أرتاح. خلينا نأجل أي كلام لبكرة.
قام من على مقعده واستقام بعدما ربت بروية على كتف "شريف" بهدوء قائلًا:
_أنا عارف إن جواك ألف سؤال محتاج إجابة، بس سيبني أفكر الأول في هدوء علشان أعرف هتصرف إزاي. وخليك واثق فيا يا شريف. ينفع؟
أخذ يطالعه باهتمام زائد وعلم من نظراته التي بان عليها الجدية أنه مهما حاول لن يتحدث معه بشيء الآن. أشار برأسه بالموافقة:
_تمام يا عز. أنا هسيبك على راحتك واللي تشوفه أكيد.
استدار عز تاركًا شريف خلفه ينظر له وهو يبتعد عنه ويصعد الدرج. وقف فجأة ليسأل:
_هو فين عم حسين؟
_أديته إجازة هو ومحمود ورجعوا البلد. بما إننا كنا مسافرين، هيقعدوا يعملوا إيه هنا لوحدهم؟
هز "عز" رأسه بالموافقة وأكمل طريقه. دخل إلى غرفته الخاصة به و "غرام". ينظر إلى صورة عرسهما الموجودة أعلى الكومود. ينظر لها ويسرح بملامحها اللطيفة. يضم صورتهما التي تجمعهما معه إلى صدره ليلقي بجسده على الفراش ليعطي عقله هدنة من التفكير المستمر.
في تلك الأثناء، كان القمر يستعد للرحيل مودعًا اليوم بانتهاءه، تاركًا مكانه بالسماء ليشع النور مجددًا معلنًا انتهاء دوره في هذا اليوم، لتأتي الشمس لتضيء محله وتعلن عن قدوم النهار.
في تلك اللحظة تحديدًا، كانت الصدمة ما زالت تعتلي وجهه عندما سمع من "سارة" وبالصدفة العابرة عن ديانة "مارال". لم يكن يستوعب لماذا أخفت أمر ديانتها عنه. ابتلع ريقه وقد أنهكه التفكير، ليجدها تخرج من باب المزرعة بهدوء متوجهة إلى الخارج. أغلبه فضوله وخرج خلفها ليجدها تجلس على الساقية شارده الذهن. التقطت رائحته دون أن تراه. نعم، فقد استطاعت تمييز رائحته. فلا يوجد شيء بالدنيا يجعل المرء يشعر بشخص آخر غير أن يكون له مشاعر خاصة، إما كره أو أن يكون حب. نظرت خلفها مسرعة لتجده أمامها. ابتسمت بلطف شديد قائلة:
_لحظة الشروق هنا تحفة يا بيدقوس.
لم يكن ينظر إلى الشروق، ولكن كان يصب كل تركيزه عليها. حتى نطقت سائلة:
_كنت فين؟ أنا كنت لسه بدوي عليك.
انكمش حاجبه باستغراب. نظرت أمامها لتطالع الماء قليلاً:
_واقف عندك ليه؟ ما تيجي تقعد جنبي. القاعدة هنا حلوة أوي.
جلس بجوارها وهو ينظر أمامه دون كلام، فكان بداخله صراع بين السؤال وعدمه. قطعت هي شروده قائلة:
_ما بتتكلمش ليه؟ حاسك متغيّر النهاردة مش زي كل يوم.
_إنت كويس؟
هل تسأله حقًا؟ سؤال ليس له إجابة. فهو نفسه لا يعلم إذا كان بخير أم لا. قرر أخيرًا سؤالها والبوح بما بداخله:
_قيل بالأمس إن المواجهة باب للحقيقة، وأنا أريد معرفة الحقيقة منك.
استطاع أن يجذب انتباهها أكثر بكلماته، فنظرت له باهتمام زائد بالرغم من أنها شعرت بما يريد قوله. فقلبها أخبرها من نظرات عينيه صدق من قال أن النظرات تبوح بما بداخلنا. وعلى الرغم من معرفتها بالذي يدور بداخل رأسه، إلا أنها سألته عن قصد:
_تقصد إيه يا بيدقوس؟
_أأنت حقًا نصرانية؟
كانت تشعر وكأن سؤاله اخترق قلبها قبل أن يخترق أذنها. أغلقت عينيها لثوانٍ معدودة وحاولت التئام روحها قائلة:
_هتفيق معاك.
رد مسرعًا:
_ويحك يا فتاة، فبدون شك ستفرق معي.
_وأيه اللي هيفيق معاك بقى؟ إحنا صحاب؟ ولا أنت ما بتصاحبش مسيحيين؟
رد هاتفا:
_معاذ الله. لكم دينكم ولي دين. ولكن لماذا أخفيت عني حقيقتك؟
_أنا مخبيتهاش. أنت اللي مسألتش.
كاد الضيق يظهر بنبرة صوته، ولكنه حاول جاهداً ألا يتعصب عليها قائلًا:
_أنا لم أسأل أيضًا على أشياء كثيرة، ولكنك أخبرتني بها، مثل أخيك المتعجرف، وأمك التي كانت تنعتك بالبايرة، مثل ما تحبين وما تكرهين. كل هذا أخبرتني به بمفردك دون سؤالي لك. لقد تعمدت عدم إخباري من البداية. حتى الآن أنت لم تخبريني، فقد علمت بمفردي. كنت أتمنى أن أعلم منك على الأقل. لقد أنهك التفكير عقلي. هو سؤال واحد أريد إجابته بحق.
لماذا لم تخبريني يا مارال؟
نظرت للأرضية وهي تحاول تجمع الكلمات لكي تكون جملة مفيدة:
_كنت خايفة يا بيدقوس. كنت خايفة.
من ماذا؟
_أن تكوني نصرانية ليس بذنب تخافين منه.
نطقت مسرعة دون تردد وكان بنبرتها شيء من العصبية:
_أنا عمري ما فكرت أو ييجي على بالي إني أكون مسيحية. ده ذنب. بالعكس، ده فخ ليا إني أكون مسيحية. أنا من الناس اللي متمسكة جداً بديني ومقتنعة تمام الاقتناع إن المسيحية هي اللي على حق. شايف ديني في كل حتة وعمري ما خفت أقول إني مسيحية لحد إلا معاك.
تنهد بربروس ليستعيد بعض من ذلك الثبات المفقود وهو يقول بنبرة ثابتة:
_ولماذا أنا بالذات؟
استدارت وأعطته ظهرها محاولة الهروب من نظراته لها:
_مابقاش مهم خلاص إنك تعرف.
رد بإصرار:
_ولكنه مهم بالنسبة لي.
قالت كلماتها بنفاذ صبر:
_يعني عايز تعرف.
_بالتأكيد.
قال كلمته وهو يصمم على المعرفة. أخذت تطالعه بعينيها وتبادلوا النظرات لثوانٍ فقالت بهدوء وهي تنظر إليه مع ارتفاع نبضات قلبها نبضة تلو الأخرى ليسمعها هو قائلة:
"كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء."
قالت كلماتها وهي لا تصدق ما قالته للتو. وضعت يدها على فمها لم تكن تستوعب بما اعترفت به. أردفت بكلمات متقطعة:
_أنا... أنا لازم أمشي.
نظر لها بحب يحاول تهدئتها قليلاً فقد أفزعها ما أخبرته به منذ لحظات. اقترب منها خطوة فابتعدت عنه:
_أنا ما قصدتش اللي قولته. أنا مش عارفة قولت كده إزاي.
ابتسم وهو يراها تبتعد عنه وأخذ يتردد في أذنه ما أخبرته به منذ قليل:
"كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء."
لم يكن يصدق أنها تتكلم بطريقته وتكن المشاعر له.
كانت تتمنى ولو أن كل ما حدث يصبح حلم. حلم مزعج تدعي ربها وهي تحاول أن تفتح عينيها بأن يصبح كل هذا مجرد حلم لا أكثر. استيقظت ولم تجد سوى الظلام. تشعر بضوء الصباح من حولها ولكنها لا تراه. وهنا أدركت الحقيقة. الحقيقة المرة التي جعلت جسدها ينتفض. لتجد حسام أمامها من جديد. نطق ببرود باسماً ابتسامة ظهرت بها نواياه الخبيثة ضاغطاً على كلماته التالية:
_صباح الخير يا مدام هدير. يا بنت عمي. أتمنى أن إقامتك معانا تكون مريحة. إيه كل ده نوم؟ هو داغر مكانش بيخليكي تنامي وانتي معاه ولا إيه؟
هرولت هدير سريعاً إلى الخلف وكأن الموت يأتي خلفها ليقف هو أمامها في لمح البصر قائلاً:
_إيه شوفتي عفريت؟ ده أنا حتى وسيم حد الجحيم.
حاولت التظاهر أمامه بالقوة وبداخلها يملؤها الضعف:
_عايز مني إيه يا حسام؟
أستدار دون أن ينظر لها وتابع حديثه:
_عايز مني إيه؟ قولي مش عايز إيه؟ عشان لو فضلت أقول اللي عايزه منك مش هخلص. بس تعالي نبدأ اللي عايزه منك واحدة واحدة.
نظر لها وجلس القرفصاء ليجلس بمستوى جلستها:
عايزك تشوفينا وأنا بقتل داغر قدامك. عايزك تتمني الموت ألف مرة وما تلاقيهوش. عايزك تشوفي ابنك وهو بيتولد على إيدي وأقطعه حتت قدامك. عايز أشوف الحسرة في عينيكي. مش عايزك تشوفي يوم حلو في حياتك. عايزك تكرهي قرب الناس منك عشان قربهم منك معناها موتهم حواليكي. عايزك تعيشي وحيدة وما تلاقيش حد جنبك. عايز حياتك تدمر زي ما دمرتيني. ها... عايزة تعرفي أنا عايز منك إيه تاني ولا كفاية كده؟
نظرت له وقد دب الرعب بقلبها مما قاله:
_ليه ده كله؟ مش كفاية اللي عملته في أمي وأبويا؟ مش كفاية اللي حصل؟
نظر لها صارخاً بكلماته:
_مش كفاية. اللي عملته ولسه هعمله. لسه مطفيتش النار اللي جوايا منك. انتي فضلت تعشميني بيكي سنين طويلة بنيت أحلام وحياة على عشمك ليا.
بترت كلماته لتقاطعه هي:
_محصلش. محصلش يا حسام. أنا عمري ما حبيتك في يوم. أنت اللي كنت دايماً بتفرض نفسك عليا. أنا عمري ما أدتيك ريق حلو. عمري ما وعدتك بحاجة.
بتر هو جملتها والصراخ يعتلي نبرة صوته:
_بس عمي وعدني. وعدني بيكي هو وأمك طول عمرهم واحنا صغيرين يقولولي هدير ليك. هدير ملكك. هدير مراتك.
_هما اللي قالوا يا حسام مش أنا. وانت صدقتهم. لكن أنا لأ. ما حبيتكش.
_وليـــــــــــه؟ ليه ما حبيتيش يا هدير؟ فيا إيه ما يتحبش؟ أنا بعت كل حاجة عشانك. أنا مكنتش شايف غيرك. أنا وصلت للي أنا فيه ده بسببك.
جلس أمامها يمرر أصابعه بين خصلات شعرها برفق ومزج نبرة صوته بالحنان:
_كان نفسي تحبيني يا بنت عمي زي ما حبيتك. كان نفسي أسمع منك كلمة حلوة في يوم. في إيه داغر أحسن مني عشان تفضلي عليا؟ الأعمى ده ليه؟ عشان قوي؟
تحول عيناه إلى اللون الأسود لينظر لها بخبث:
_شايفه؟ شايفه أنا...
أنا كمان بقيت قوي يا هدير، مابقيتش حسام الضعيف بتاع زمان. دلوقتي بقيت أقدر أحميكي من العالم كله، بس انتِ تبقي معايا وجنبي. عارفة لو بقيتي جنبي وعارفة لو بقيتي معايا هنعيش إزاي.
توقف البكاء في حلقها، فلم تقدر على إخراجه:
مش عايزة أعرف يا حسام، مش عايزة. أنا ست دلوقتي متجوزة وحامل، أنا مش هدير بنت عمك بتاعت زمان، افهم بقى.
نظر لها وأخذ يطالعها بكل هدوء والابتسامة تملأ وجهه:
بس أنتِ كلها النهارده أو بكرة بالكتير وتبقي أرملة وهتبقي ليا. مش هتلاقي حضن غيري يحتويكي، وماتقلقيش، هخليكي تاخدي وقتك في الحزن خالص على جوزك وأبوكي وأمك. ما أنا برضه راجل بعرف في الأصول، مش هتجوزك على طول.
نظرت له وهي تمقته، فهي تكرهه من أعماق قلبها، وجدت لسانها ينطق ما بداخل فؤادها:
أنا بكرهك.
انمحت الابتسامة من ملامحه ببطء، وارتفع صوت تنفسه والغضب ملأ عينيه، ليصفعها على وجنتيها بقوة. وضعت كف يديها على وجنتها بألم تحاول التماسك أمامه.
اخفض اصبعه ليزيح دمائها المنسدلة من فمها وهو يخبرها بحب:
بس أنا بقى بحبك، وماتقلقيش خالص، أنا هعرف إزاي أخليكي تحبيني.
أدار ظهره، وفي أقل من اللحظة اختفى. شعرت بالألم في أحشائها، تحس بشيء غريب يحدث لها، لا تعرف ما هو.
كان القلق ينهش بقلبه، سأل "رعد" للمرة التي لا يعلم عددها:
رعد، هدير اتصلت؟
الساعة لسه مجاتش سبعة الصبح يا داغر، أكيد نايمة. دي واحدة على وش ولادة وأكيد تعبانة ونامت.
أخذ يتحرك بالغرفة هنا وهناك:
لأ لأ لاء، أنا قلبي مش مطمن. أكيد حصل حاجة. هدير مش هتنام إلا على الأقل تتصل بيا من عند بابها. أنا مش عارف فضلت مستني إزاي، مكنش ينفع أسمع كلامك أنت وميرا. اتصلي بـ "عز" حالاً.
تنهد بعمق يحاول إقناعه:
أكيد نايم دلوقتي يا داغر، الساعة لسه مجاتش سبعة.
صرخ به وأصبحت حالته لا تطاق:
اسمع اللي بقولك عليه، أن شاء الله حتى لو الفجر. كلمة بقولك.
هز "رعد" رأسه بالموافقة، فقد علم من نبرة صوته أنه لن يرجع عن قراره. حاول الاتصال به مراراً، وجد الهاتف مغلق.
تليفونه مقفول يا داغر.
مش قولتلك في حاجة؟ توديني حالاً عند هدير بسرعة.
طيب استناني، هحاول أطلع عربية من جراج المزرعة وجايلك حالا.
وأنا هستناك هناك.
أنهى جملته واختفى من أمامه بلمح البصر.
هبط "رعد" الدرج ليجد "ميرا" أمامه وتجده مسرعاً بخطوته، لتقوم بسؤاله قائلة:
رايح فين بسرعة كده؟
تحدث بانفعال غاضب:
هدير لسه ما اتصلتش بداغر من امبارح بالليل، وبنتصل بـ عز فونه مقفول، وانتِ عارفة داغر مش قادر يتحمل وخايف عليها جداً.
هي بصراحة حاجة تقلق، استنى أنا هاجي معاكم.
لأ لأ خليكي انتِ، مالوش لزوم. أنا أول ما أروح هناك هطمنك.
قبضت بكف يدها على معصم يده:
متأكد؟ أوعى تنسى تطمن.
لأ لأ ماتقلقيش.
هبط "رعد" الدرج مكملاً لطريقه ليأتي بالسيارة ليجدها فارغة من البنزين ليتأفف بزهق:
يادي النيلة وبعدين بقى.
يسمع هاتفه المحمول وهو يرن، أخرج الهاتف من جيبه الخلفي ليرى من المتصل، فيجده عز يقوم بالرد عليه مسرعاً:
الو، أيوه يا عز.
أخبره رعد بما حدث الآن، أمسك داغر الهاتف من يده مسرعاً:
هدير مش بخير يا عز، أنا متأكد، أنا قلبي واجعني عليها.
تعالى حالا عشان نروح لها سوا، ماتروحش لوحدك، أنا مش هفضل مستني تليفونك.
بسرعة يا عز، ماتتأخرش، أنا هستناك على الطريق.
كانت هذه كلماته بعد أن أنهى داغر الاتصال، ثم اردف:
عز في الطريق، أنا هستناه على الشارع، خليك أنت هنا طالما العربية مافيهاش بنزين.
وأيه المشكلة لما أجي معاك؟
أنا عز معايا، خليك أنت هنا عشان غدير، ولو حصل حاجة أوبقى كلمني على تليفون عز.
أسرع "عز" بالنزول من على الدرج وهو يرتدي السترة السوداء الخاصة به منادياً على شريف:
شريف، شريف.
لم يتلقى رد ولم يستطع إيجاده بالڤيلا. قام بالاتصال به ولكن دون جدوى، صعد إلى سيارته بعدما أغلق الباب خلفه متجهاً إلى داغر بأسرع ما يمكن.
هبطت "غرام" من المبنى الخاص بها متجهة إلى عملها لتأخذ إجازة مفتوحة، لتجد "شريف" بانتظارها، ترجل من سيارته مسرعاً فور رؤيته لها. أسرعت "غرام" بخطواتها فور رؤيته. قبض بكفه على معصم يدها يأمرها بالوقوف:
اقفي يا غرام، أنا مستنيكي من الصبح.
عايز إيه يا شريف؟
عايز أتكلم معاكي، عايز أعرف إيه اللي بيحصل.
وده بقي على أساس إنك مش عارف؟
وهعرف منين؟ وإنتي ما بتقوليش ولا إنتي ولا عز بتقولولي على حاجة.
جذبت يدها من يده بقوة ونظرت له نظرة مليئة بالاحتقار. أخذ يطالعها من جديد، ينظر إلى نظرتها له بتمعن حتى أردف:
نظرتك دي وكلامك معايا، كل حاجة متغيره. مش إنتي غرام خالص اللي سبتها يوم فرحها وكانت مبسوطة. إيه اللي اتغير يا غرام؟ قوليلي. أنا عارف إن أنا السبب في خلافك إنتي وعز، بس مش عارف ليه محتاج حد ينطق منكم، حد يحكيلي اللي بيحصل.
أجبرها على التطلع له وهو يسترسل بدموع لامعة بعينيه:
إيه اللي مخبيين أي عني إنتي وعز مخلي حياتكم جحيم بالشكل ده؟
أخبرته وعينيها لا تفارق الأرض:
إنت السبب في كل اللي بيحصلنا. إنت كذاب وغشاش وأنان. كذبت عليا لما قولتلي إنك ما لمستنيش. قولتلي إن إني عذراء وإن كل ده كان لعبة من جابر المنفلوطي وإنك يا حرام مالكش أي ذنب.
أخذت تطالعه وانسدلت إحدى دمعاتها على خديها:
المشكلة إني صدقتك. وروحت زي الهبلة أكشف عند الدكتورة بتاعت المستشفى اللي بشتغل فيها، وطبعاً إنت كنت متفق معاها إنها تقولي إني عذراء ومحدش لمسني عشان الدنيا تمشي وأحط جزمة في بوقي وأسكت وأتجوز أخوك والدنيا تمشي، مش صح يا شريف؟ عملت كل ده ليه؟ إنت حتى ماديتنيش الحق إني أرفض أو أوافق إني أفضل معاكم. للمرة التانية بتخدعني وأنا بقيت زي العبيطة مصدقاك. أنا كل اللي قاهر قلبي إني وثقت فيك وكنت عايزة أعمل مفاجأة لعز إنه هو أول واحد في حياتي واكتشف إني مش عذراء يوم فرحي.
المشكلة إنك عارف كل ده وعامل فيها عبيط يا حرام مش فاهم.
بتر حديثها قائلاً:
لأ فعلاً مكنتش فاهم. أنا معرفش، معرفش أي حاجة من اللي إنتِ بتقوليها. ورحمة أمي تاني وغلاوة عز عندي ما كنت أعرف أي حاجة من اللي قولتيها دلوقتي.
بترت كلماته صارخة برعشة في صوتها:
أنا مش هصدقك تاني لو حلفتلي على الماية تجمد. ماهصدقك مرة تانية خلاص. خلصت يا شريف، كل حاجة خلصت خلاص.
استدارت لكي تستعد للرحيل، فأوقفه هو قائلاً:
غرام استني.
أعطته ظهرها دون النظر إليه:
مش عايزة أشوف وشك تاني، إنت فاهم.
أخذت تخطو لترحل عنه، فتنهد هو بعمق ضاغطاً على أسنانه ثم أمسك بها من معصم يدها يجذبها بداخل السيارة قائلاً:
اركبي.
حاولت فك قبض يده قائلة وهي تنظر له باستغراب:
إنت اتجننت يا شريف، إنت بتعمل إيه؟
اركبي وإنتي تعرفي أنا هعمل إيه.
أنهى جملته بعدما أغلق الباب الأمامي يأخذها بالقوة معه ثم قاد السيارة مسرعاً متجهاً بطريقه.
كانت "ولاء" تقف بالنافذة الخاصة بها تنظر لما حدث بينهما وترى السيارة مبتعدة عنها.
الآن هو وقت الصباح وقد خيم الصمت على الأجواء، وارتفع صوت تضارب الشجر، أمرت "الخالة حكيمة" باحضار طاولة الإفطار من "زهرة" قائلة:
حضر لنا الفطار يا زهرة إنتِ والبنات.
يدخل "يزن وسارة" إلى الردهة ممسكين بأكياس ممتلئة بالخضروات والفول وبعض الجبن، يضعهم على الطاولة التي أمامه وهو يردف:
إحنا فتحنا التلاجة لقيناها متشفّرة، روحت أنا وسارة اشترينا فطار.
ركضت غدير مسرعة إلى الطاولة تفتح الأكياس لتضربها ميرا على ظهر يديها بخفة:
استني لما نغسل الأكل الأول.
أيوه بس أنا جعانة أوي.
قالت "غدير" جملتها وهي تضع يدها على معدتها دليل على جوعها، لتنطق ميرا بحنق:
برضه مافيش أكل إلا لما يتغسل الأول.
أخذت زهرة الأكياس من على الطاولة قائلة:
أنا هحضر الفطار.
دخلت إلى المطبخ تخرج ما بالأكياس لتبدأ بتحضير الفطار، لتجده هو خلفها بلمح البصر:
مش عايزة مساعدة.
انتفض جسدها مفزوعة من سرعته، أخذت نفساً بعمق وهي تنظر له بحنق:
علي خضتني بجد، مرة واحدة لقيتك هنا، مكانش في حد ورايا.
أنا آسف، مكنتش أقصد أخضك. لقيتك دخلتي لوحدك قولت أحضر معاكي الفطار عشان ماتتعبيش.
ابتسمت له ابتسامة بسيطة وهي تضع الزيت بطبق الفول:
أتعب من تحضير شوية فول على شوية جبن، ما إنت معذور ماشوفتش في البلد كنت بعمل إيه.
أخرج الخيار والجرجير من الأكياس ووضعهم بطبق، سائلاً بلطف:
لأ معرفش، قوليلي كنتي بتعملي إيه؟
ردت قائلة:
يـــــوه، ده أنا كنت بصحى قبل ما الفجر يأذن أحلب الجاموسة وأنضف من تحتها وأعلف في البهايم وأنضف بقيت الزريبة، وآخد لبن الجاموسة وأحطه في المنشة.
استغرب "علي" من ذلك الاسم "المنشة"، فقال مستفسراً وهو يمد يده بقطعة من الخيار في فمها:
منشة؟
تبتلع هي قطعة الخيار مسترسلة حديثها:
آه منشة، إنت مش صعيدي ولا إيه؟ منشة دي عبارة عن خوص متربط ببعضه نحط عليه اللبن ونفضل نبث فيها لحد ما تعمل جبنة قريش، ده كان بياخد مجهود كبير ده غير شغل الدار كله.
استدارت لكي تلتقط الطبق بكف يدها لتجده بمكان ما عالٍ، لتقف على أطراف قدمها ولكن دون جدوى. يقف هو خلفها ويمد يده ممسكاً بالطبق ويعطيها إياه، تستدير هي لتجده خلفها ليلتصق جسدها بجسده، تعالت نبضات قلبها وهي تطالعه وتأخذ منه الطبق قائلة:
متشكرة أوي.
أنا اللي بشكر ربنا إنه خلقك.
قال جملته ومازال ينظر لها، فكانت هذه اللحظات بينهما لا تقدر بثمن، ليأتي "ياسين" ويقطع تلك اللحظة بينهما قائلاً:
طيب نجيب اتنين لمون متلج في الحر ده عشان يطري ولا نعمل إيه؟
ابتعدت "زهره" على الفور ممسكة بالأطباق قائلة:
أنا خلاص خلصت أهو، أنا هاروح أحط الأكل على السفرة.
ينظر "ياسين" إلى الأطباق الممسكة بها ليجد بها فول وبعض الجبن ليهتف قائلاً:
إيه ده فول؟ أنا عايز واحد تشيكن فراخ.
تذهب "زهره" ويرها الطبيب علي تبتعد عنه، ينظر لـ"ياسين" وهو يضغط على أسنانه:
كده كسفتها.
لأه..
وانا أعملك إيه وبعدين حد يحب حد الساعة تسعة الصبح؟ طب خليها عشرة، كنا قولنا ماشي.
اشتعل الغضب بعينيه وهو يقول:
هو الحب بالمواعيد؟ انت كمان!
أنا مش عارف بتحب إيه في الولية دي.
نظر له علي نظرة توعد:
ياسين، كله إلا زهرة، ما بحبش حد يتكلم عنها وحش.
ابتسم ابتسامة رضا وهو يطالعه:
بتحبها قد إيه؟
قد ما أنت بتحب بنتها.
يبقى بتعشقها يا خويا، مش بتحبها.
أشار برأسه بالموافقة:
أيوه، حاجة زي كده. مستني لما المعركة تخلص وهتقدملها، مش هسيبها غير على قبرها.
أشار له بعينيه وهو ينظر إلى شمس الواقفة أمامهم تحضر السفره مع والدتها:
علي، كنت عايز أطلب منك طلب.
اؤمرني يا خويا.
لو جرالي حاجة، شمس أمانة في رقبتك. زفها على عمار، أنا عارف إنها بتحبه ومش هتحب غيره في يوم.
رفع حاجبه الأيسر يضم شفتيه:
أنا خلاص استسلمت يا علي، الحب مش بالعافية.
قبض حاجبه باستغراب:
مين بيقول كده؟ ياسين الضبع؟
هز رأسه يسارًا ويمينًا بالرفض:
لأ، ياسين الصاوي.
تغيرت نبرة صوته على الفور:
بس مش معنى كده إني هوافق ياخدها مني وأنا حي. ياخدها وأنا ميت، آه.
بترت كلمته قائلاً:
بعد الشر عنك يا خويا.
الموت عمره ما كان شر، أنا الشر يا علي، مش الموت.
انت اتغيرت أوي يا ياسين.
أشار له بعينيه على تلك الواقفة من بعيد:
شمس غيرتني يا علي. ما فيش غيرها غيرني.
مش هتيجوا تاكلوا بقى ولا هتفضلوا واقفين كده بعيد؟
بترت كلامهما الخالة حكيمة قائلة جملتها ليرد علي هاتفًا:
جايين أهوه يا خالة.
جلست الخالة حكيمة تتوسط السفره وبجوارها غدير، جلس رعد وميرا وأمامهم سارة ويزن، ليأتي بربروس يجلس بجانب ياسين ويجلس أمامهم شمس وعمار. يفتح دكتور علي المقعد لزهره لتجلس عليه ويجلس هو بجوارها. تنظر له بامتنان على ما فعله.
يجلس الجميع باستثناء مارال على الطاولة. نظر بربروس لعمار سائلاً إياه:
أين شقيقتك؟
يميل برأسه ليخبره هامسًا بأذنه:
حاولت أنزلها عشان تفطر معانا بس مارضيتش.
سمعت سارة ما قاله عمار لتقف معترضة:
إزاي يعني مارضيتش؟ كلنا متجمعين، لازم تبقي معانا. دي ما أكلتش حاجة من الصبح. أنا هطلع أجيبها.
وقفت ميرا قائلة:
استني يا سارة، هطلع أجيبها معاكي.
نطق علي قائلاً:
كده ناقص الغريب. هو فين؟
سيب الغريب يا علي، هو مشغول دلوقتي.
مشغول بإيه يا خالة؟
قالها عمار بقلق، فأجابته الخالة بتشدد:
هتعرف بعدين يا عمار.
أتت مارال مع سارة وميرا وجلست أمام بربروس، لتهتف الخالة قائلة:
مش عايزة تاكلي ليه يا بتي؟
أبداً يا خالة، ماليش نفس.
طيب اقعدي عشان نتجمع على الأقل كلنا على سفرة واحدة. كله يسمي الله الأول قبل ما ياكل.
سمى الجميع الله ما عدا عمار ومارال. لتميل شمس برأسها على أذنه قائلة:
قل بسم الله يا عمار.
هز رأسه بالموافقة يصاحبها ابتسامة بسيطة:
بسم الله الرحمن الرحيم.
لتصلب مارال على الطعام وتنطق قائلة:
بسم الأب والأبن والروح القدس إله واحد أمين.
هتفت بجملتها وهي تطالع بربروس وتبادلا النظرات قليلاً، ليبدأ الجميع بتناول طعامه.
عم الصمت على الأجواء لتأتي رسالة على الهاتف الخاص بـ رعد على الواتساب. يقرأها ويبتسم ثم يعود لاستكمال طعامه، لتسأله ميرا قائلة:
الرسالة دي من داغر؟
يهز رأسه بالنفي:
لأ، دي من واحد صاحبي بيسألني فيها عايز حاجة حلوة تكون من خمس حروف بيلعبوا لعبة على الجروب.
ياسين طبعاً، حلو ومن خمس حروف.
رد ياسين بجملته هذه مسرعًا دون تردد، لينظر له عمار قائلاً:
ومين من الناس اللي قالك إنك حاجة حلوة؟
نظر له بكل برود وعدم مبالاة:
مابستناش الناس تقولهالي، أصل أنا الناس.
قاطعت الخالة حديثهم وهي تضرب بيديها على الطاولة بغضب:
ياسين، عمار، عايزاكم جوه بعد ما تاكلوا.
وقفت واستقامت وأعطتهم ظهرها دون النظر إليهم:
وانت يا يزن انت ورعد وعلي وطبعاً بربروس مستنياك معاهم.
دخلت الخالة إلى غرفتها لينظر كل منهم للآخر، لتنطق الطفلة بسخرية:
ما تعرفوش تقعدوا ساكتين أبداً على الأكل زي مخاليق ربنا.
أسكتي انتي يا زبلة.
كانت هذه كلمة ياسين لها "زبلة"، فكان يناديها بهذا الاسم باستمرار. نظرت شمس بجوارها لبربروس قائلة:
أريد استشارتك بشيء ما يا بربروس.
وضع قطع من الجبن بفمه وهو يقول:
بالتأكيد، تفضلي.
إذا كان هناك شخص يعيش على أنه مسيحي ولكنه بالأصل مسلم ولكن لا يعلم، فما هي ديانته الأصلية؟
مسلم بالطبع.
كانت إجابته سريعة لم يتخذ حتى وقت للتفكير.
تنهدت شمس قائلة:
متأكد؟
نعم متأكد، ولكنه مسلم مع إيقاف التنفيذ. معنى أنه لا يعلم بديانته الحقيقية إذن فهو لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يؤدي فرائضه، فبالتالي مسلم اسماً وليس فعلاً.
استغرب يزن من هذا الحديث، انقبض حاجبه قائلاً:
أنا مش فاهم حاجة. انت ناوي تسلم يا عمار؟
ردت مارال مسرعة:
هو مش مسيحي عشان يسلم من الأول يا يزن. أنا دلوقتي بس فهمت ليه أمي سمتك عماي وليه مش بتاخدك معانا الكنيسة وليه أمي أسلمت. دلوقتي بس فهمت إنها أسلمت عشانك يا عماي.
رفع بربروس يده بمرح:
حسناً، فلننطق كلنا الشهادة ولتبدأ حياتك من جديد يا عمار.
يبتسم كل من عمار وشمس لبعضهما البعض، لتنادي عليهما الخالة من الداخل ليقفوا مسرعين جميعاً.
يقف الجميع أمامها تطلب منهم الجلوس وتخبر زهره لتحضر لهم كاسات من الشاي. ينظر لها الجميع بانتباه.
طبعاً، كلكم بتسألوا أنا جمعتكم هنا ليه؟
رد ياسين بثقة:
لأ، أنا عارف.
أخذ عمار يطالعه بتحدي:
وطالما عارف ما تقول.
لأ، ماليش نفس، بحب أوفر صوتي.
أخذت الخالة حكيمة تطالعهما بزهق:
خلاص خلصتوا؟
أشار الاثنان برأسهما بالموافقة، فاسترسلت حديثها:
في اللحظة اللي انتوا بتتناقروا فيها وواقفين لبعض على الواحدة، العربي بيجهز جيش قوي بيسقيه بدمه.
***
خرج حسام من غرفة هدير لينتظره العربي بالخارج قائلاً:
كل حاجة جهزت، مش ناقص غير شمس والسلسلة وبس. موتها هينهي كل شيء.
ابتسم ابتسامة خبيثة:
ماتقلقش، هتيجي. طول ما هدير هنا، داغر هيعمل أي حاجة عشان ينقذها وهيقدملنا شمس على طبق من فضة.
جذب العربي حسام من يده إلى المعمل:
شايف الجيش ده؟ شايف المستذئبين دول كلهم؟ أنا رويتهم بدمي.
أخذ حسام يطالع كم المستذئبين، فهناك عدد لا حسر لهم منهم.
***
استغرب بربروس وانقبض حاجبه:
ولكننا قلاقل على هذا العدد.
ردت الخالة مسرعة:
إحنا أه قليلين بس بيهم كلهم. هما قش ورق مش أكتر. إحنا أقوى منهم، وبوجود ناس معينة معانا هنكسبهم، بس بشرط.
سأل عمار الخالة:
إيه هو الشرط ده يا خالة؟
رد ياسين مسرعًا:
إن شمس ماتموتش.
التفتت الأنظار إليه، فاستغرب هو مما قاله للتو، فقال بكلمات متقطعة:
أنا... أنا مش عارف أنا عرفت إزاي، بس حسيت إن حد بيقول الجملة دي في دماغي.
صح ياسين بيتكلم صح، عشان العربي يبقى أقوى شخص على الأرض وتكمل فك اللعنة لازم شمس تموت، وده اللي لا يمكن نسمح بيه كلنا.
أنهت الخالة جملتها وهي تنظر لهم، لينطق يزن قائلاً:
أيوه، بس تعالوا نفكر سوا. لما نيجي نروح للعربي، هو أكيد مش هيبقى لوحده، هو وحسام. واكيد هيستخدم الجيش اللي عمله لخدمته، حتى لو كانوا المستذئبين دول ضعاف. عشان نوصل للعربي لازم نحارب كل دول، وكمان ماتنسوش إنه عايز يجيب العبقري اللي بتقوله عليه ده إذا ما كانش قدر يجيبه.
لأ، ماتقلقش، مش هيقدر يجيبه من غير السلسلة، والسلسلة مع الخالة في رقبتها.
أنهى علي جملته وهو متأكد مما يقوله.
***
الخالة أكيد عارفة إن بموتي كل شيء هيموت معايا، مع إن أنا لو موت كل شيء هيرجع زي ما كان وهترجع هي عجوز بتموت على سريرها، وكل واحد منهم معاه موهبة هاتروح منه، وأي حد اتحول بعد اللعنة هيموت. عشان كده يا حسام أنا ماينفعش أموت مهما حصل. أنا لازم أبقى أقوى، وبعد كده هموتهم واحد واحد براحتي.
***
دب الرعب بقلب رعد عند سماع ما قيل للتو:
تقصدي إيه يعني لو العربي مات ميرا كمان هتموت؟
مش عايزك تقلق يا رعد، أنا عاملة حسابي لميرا، مش هخليها تموت عشان هخليها تلبس السلسلة، وطول ما هي لابسة السلسلة هتبقى في أمان.
تنهد رعد بعدما تغلغلت الطمأنينة إلى قلبه.
شرد يزن بتفكيره قليلاً:
برضوا احنا ناسيين الرصاص مابيأثرش فيكم وبتقدروا تقوموا منه وجرحكم يلم، وبكده أنا ورعد وعز مش هيبقى لينا لازمة وهنعرض حياتنا للخطر بدون أي داعي. لكن لو قدرنا نوفر السم اللي اخترعه الغريب اللي اتحقن بيه علي ونملى مسدساتنا بيه على هيئة حقن كده هنقدر نموت كم كبير من المستذئبين.
رفعت الخالة حاجبها الأيسر:
ودي برضوا حاجة تفوتني؟ نادي على الغريب يا علي.
جاء الغريب ومعه كمية من السم بيده يتكلم كعادته بكلماته المتقطعة:
أنا... أنا جه... جهزت... كل... كل شيء.
رفع ياسين كف يده وأشار للغريب:
كفاية انت كده يا غريب، عرفنا انت تقصد إيه؟
عادت الخالة تسترسل حديثها من جديد:
السم موجود وكل شيء جاهز، ومن بكرة الصبح هاخد شمس لمكان ما يعرفهوش بني آدم علشان تبقى في أمان ونخلص من العربي.
سيبولي أنا حسام.
استغرب الجميع مما يقوله داغر، لتطلب منهم الخالة بهدوء الخروج جميعاً، ليتركوهما بمفردهما قليلاً.
***
يخرج الجميع بالفعل ويبدأ الغريب بالأنسحاب، فيسمع ياسين صوت شيئاً ما يهتز بجيبه، يضع يده على جيبه ليطفئه مسرعاً، ويظهر الأرتباك على ملامحه. يشعر عمار بشيء ما غير طبيعي ليتحرك خلفه دون أن يراه، ليذهب خلفه بهدوء، ليجد ياسين يقف أمام نافذة الغرفة الخاصة بالغريب، يضع إصبعه على فمه حتى لا يصدر أي صوت، ليسمع كل منهما الآخر الغريب وهو يتحدث بالهاتف قائلاً:
أيوه... أيوه يا عربي بيه، كل... كل شيء ماشي تمام. أنا هحطلهم السم في الأكل كلهم ما... ما عدا شمس زي... زي ما اتفقنا. ولو... لو ما قدرتش خطة هدير شغالة. داغر قال إنه...
انه هيسلمك شمس
ينظر كلاً من عمار وياسين بعضهما البعض والصدمه تعتلي ملامحهم فيضغط ياسين على شفتيه بحده قائلاً
ده انا هخرب بيته
____________________
حاولت اختصر كتير بس في تفاصيل لازم تتقال وهتعرفوا ده بعدين اتمنى البارت يكون عجبكم الحرب ان شاء الله البارت اللي جاي بس تفتكروا هيحصل ايه وداغر فعلا هيسلم شمس للعربي ولا لاء ده اللي هنعرفه البارت الجاي ان شاء الله وياترى مين االلي هيكسب الحرب
رواية الهجينة الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم ماهي احمد
حينما تعجز عن التقاط أنفاسك، حينما تعجز عن شعورك بالأمان من المقربين إليك، حينما تشعر بضيق العالم من حولك، عندما يهرب منك دفء جسدك، حينها فقط أعلم أن روحك قد ماتت بداخلك ولم تعد تستطيع أن تشعر بشيء ولم تعد ترغب في شيء غير أن يمر يومك فقط بسلام.
"ده أنا هخرب بيته."
كانت هذه كلمات "ياسين" الأخيرة وهو يتبادل النظرات مع "عمار" ينصتون إلى ما قاله "الغريب" منذ قليل عبر الهاتف لـ"العربي". اندفع "ياسين" للتحرك لكي ينقض على "الغريب"، ولكن هناك من وقف أمامه يمنعه عن فعلته المتهورة، أنه "عمار". وقف أمام "ياسين" تعتليه نظرة تحدي على ملامح وجهه الصغير، ملامح بريئة توضح مدى صغر سنه. نظر "ياسين" إلى ملامحه بتمعن، فهذه هي المرة الأولى التي ينظر إلى ملامحه من قرب. وجد تلك الوَحمة الصغيرة بداخل خصلات شعره، كاد يفقد صوابه، بل كاد يجزم أنه رأى هذه الوَحمة من قبل، فهذه الوَحمة مميزة، ولكن قد خانته ذاكرته فلم يستطع معرفة أين رآها. شرد قليلاً في ملامحه حتى أفاقه صوت "عمار" يطالعه باستغراب:
"سيبهولي أنا، أنا هعرف أتصرف معاه."
انكمش حاجب "ياسين" بعدم فهم بعدما فاق من شروده:
"هو مين ده اللي أسيبهولك؟"
"الغريب، سيبلي الغريب بلاش تتهور، أكيد في سبب للي عمله."
أنهى "عمار" جملته وهو يراقب "ياسين" بعينيه، يراه يضع يده على جبينه وخانته قدماه فخر أرضاً ممسكاً بجبينه وأطبق عينيه وكأن باب الذكرى المدفونة بداخله انفتح من جديد، فكان مجبراً على سؤاله:
"أنت كويس يا ياسين؟"
قابل سؤاله بالصمت، فكانت تراوده في هذه اللحظة ذكرى أخرى من جديد، يرى بداخل عقله وميض أبيض يأخذه معه ليرى ما بداخله:
"كانت ليلة ممطرة وهناك فتاة عشرينية تحتضن طفل رضيع، أنهكه صراخه المستمر من شدة الجوع، ترتجف من البرد تدق باب كوخ بسيط بكل قوتها والدماء تسيل من بين أقدامها، تنادي باسمه بصوت ضعيف أنهكه التعب قائلة:
"أفتح ياياسين، أفتح أنا عارفة إنك جوه."
لم تجد هذه الفتاة المسكينة رد على سؤالها، جلست على الأرضية باستسلام تحتضن ذلك الرضيع بقوة تستكمل حديثها:
"أنا بموت ياياسين، بموت ومش عايزة ابني يموت معايا، ابننا مالوش ذنب في أنه يطلع للدنيا يلاقييني أنا أمه وأنت أبوه."
مرت دقائق ولكنها مرت عليها كالدهر، لم تستطع أن تضم وليدها أكثر بداخل صدرها فخانتها ذراعها، لم تستطع أن تحمله أكثر من ذلك، أصبحت عيونها كالجبال من ثقلها، وضعت الصغير بحذر بجوارها وقطرات المطر تبلل كلاهما، فقدت وعيها بجانب صغيرها، أخذت تتعالى صرخات طفلها أكثر فأكثر دون جدوى. بعد ثوانٍ قليلة بدأ "ياسين" بفتح باب الكوخ الصغير ينظر إلى الطفل الرضيع باستغراب، بدت على ملامحه نظرة عدم معرفته، وبالرغم من ذلك حمل الفتاة بين ذراعيه وأدخلها بداخل الكوخ هي وطفلها وأغلق الباب من خلفه."
مع غلق الباب، أغلق باب ذكرياته من جديد، حاول مراراً وتكراراً أن يتذكر ما الذي حدث بعد ذلك ولكن دون جدوى.
جلس "عمار" القرفصاء يسأله عن حاله:
"أي اللي جرالك ياياسين؟ فيك إيه؟"
رفع "ياسين" وجهه لتلتقي عيناه مرة أخرى، نظر "عمار" لعينيه ليجدها حمراء كالدم، نظر إليه بصدمة والذهول تمكن من ملامح وجهه سائلاً إياه باستغراب:
"أنت ألفا!!"
رد عليه بما هو بعيد تماماً عن سؤاله صارخاً بوجهه:
"سيبني دلوقتي."
أنهى "ياسين" جملته بصراخ عالٍ، وقبل أن يرمش لـ"عمار" جفن لم يجده أمامه، فقد أثره في ثوانٍ معدودة. تجمع الجميع على صرخته، وكانت "الخالة" هي أول السائلين:
"في إيه يا عمار؟ حصل إيه وفين ياسين؟"
"معرفش."
كان هذا هو جوابه، كان جواباً مليء بلا مبالاة بسيط ومختصر، مما زاد غضب "الخالة" من ردة فعله، مما جعلها قائلة:
"وعشان أنت ماتعرفش روح وراه واعرف؟"
أشار بأصبعه على صدره:
"أنا يا خالة."
كان ردها حازم:
"وماتجيش غير بياسين."
"أيوه بس مش معنى أنا، أنا أصلاً..."
بترت هي كلمته من جديد:
"واعتراض تاني منك مش هتبقى منا."
صك هو على أسنانه بعدما أخذ نفساً بعمق:
"اللي تشوفيه يا خالة، بس الغريب..."
"سيبلي أنا الغريب، أنا عارفة كل شيء."
أشارت "الخالة" بعينيها لعمار لكي يتتبع "ياسين"، فما كان عليه سوى الطاعة وتنفيذ ما أُمر به. طالعت "الغريب" بعدما رحل "عمار" قائلة:
"تعالى معايا يا غريب، عز وداغر مستنينا جوه."
نطق "بربروس" وهو يطالع "الطبيب علي":
"ما الذي يحدث لياسين ياعلي؟ فقد عرف القلق طريقه لقلبي من جهته."
تنهد "علي" يستعيد بعضاً من ثباته المفقود وهو يقول بنبرة ثابتة:
"ماتقلقش يابربروس، كل حاجة هتبقى كويسة، كل حاجة هترجع زي الأول وأحسن."
رأى "بربروس" القلق بعينيه، ولكن أخذ يؤكد على كلامه:
"أواثق أنت مما تقول ياعلي، فنبرة صوتك غير مطمئنة بالمرة."
هز كتفيه دليلاً على عدم تأكده:
"والله ما أنا عارف يا شيخ عجوه، أهو كلام بحاول أصبر نفسي. ياترى فعلاً كل شيء هيبقى كويس ولا لأ، مش عارف، يا ويلي من اللي هيحصل بعد المعركة."
هما الآن في الغرفة الكبيرة وكان في انتظارها الجميع. فتحت باب الغرفة ودخل من بعدها "الغريب". نظرت "الخالة" من حولها لكل فرد منهم وهم يقفون يداً واحدة، فقالت:
"داغر حكالي من شوية إنه راح بيت هدير لقى حماه مدبوح وهدير مش موجودة في البيت، وحسام سايبله رسالة مكتوبة بالدم عشان هدير ترجع لازم نسلم شمس والسلسلة في نفس الوقت، وأنا أخدت قراري."
طالعها الجميع بانتظار قرارها الصارم:
"أنا شايفه إننا هنسلم شمس والسلسلة عشان خاطر هدير."
طالع الجميع بعضهم إلى بعض، تتلاقى نظراتهم وكان الصمت سيد الموقف، ولكن نظراتهم كانت بها من الكلام ما يكفي لسنين قادمة، أسئلة تدور بداخل عقولهم ليس لها إجابة. بترت "زهرة" الصمت بحديثها:
"أنتِ بتقولي إيه يا خالة؟ وتهون عليكي بتي؟ عايزة تسلمي بتي للعربي بإيديكي؟ ماتنطق ياعلي أنت هتسيبهم ياخدوا بتي؟"
رد دون تردد ولو للحظة:
"أنا واثق في الخالة يازهره، الخالة مابتخدش قرار إلا وهي عارفة هي بتعمل إيه."
ابتلعت ريقها وارتفعت نبرة صوتها:
"يعني إيه؟ يعني أسيب بتي تموت؟"
علم "يزن" أن الجدال سيزيد التعقيد، رفع كفه مقاطعاً يطلب الحديث، فصمت الجميع استماعاً لقوله، فأشارت الخالة برأسها له قائلة:
"قول يايزن، عايز تقول إيه؟ أنا بتعجبني دماغك."
لفت "يزن" أنظار الجميع له، فمط شفتيه ثم أردف:
"إحنا لازم نسلم شمس عشان نقدر نقتل العربي ونمنعه إنه يجيب العبقري الزمن بتاعنا عشان مانرجعش نعيد الحكاية من جديد. طيب هو العربي هيسيبنا نقرب منه بسهولة؟ أكيد لأ. بموته كل شيء أتحول بعده هيموت."
دب الرعب بقلب ميرا من جملة يزن، فنطقت سريعاً:
"تقصد إيه؟ يعني أنا هموت؟"
أمسك رعد بكف ميرا ونظر لها نظرة حنونة:
"أكيد لأ، الخالة مش هتسمح بكده، هي وعدتني إنك هتلبسي السلسلة وهديهالك وطول ما أنتِ لابساه مش هتموتي أبداً."
نزعت كلماته جزء من القلق الذي امتلكها للتو، فردت الخالة قائلة:
"شيلي الخوف من قلبك يابتي، إحنا كلنا هنا إيد واحدة. كمل يايزن، كمل كلامك."
أكمل يزن حديثه:
"العربي عنده جيش من المستذئبين، أكيد هيحمي نفسه بيهم."
"وهيبعد هو عن المعركة، بس الوحيدة اللي هتخلينا نعرف مكانه هي شمس عشان لازم هو اللي يقتلها بإيديه، وإحنا هنسلم شمس جهاز يبقى معاها نعرف منه طريق العربي، وبكده ياسين وعمار هيبقى عينهم عليها، وما أفتكرش يازهره إن لا ياسين ولا عمار هيسمحوا أبداً إن شمس يمسها شيء."
ردت شمس موافقة على كلامه ممسكة بكف والدتها لتطمئنها قليلاً:
"لا تخافي يا أمي، فأنا بأمان معهم، أنا على يقين من ذلك."
استرسل يزن حديثه:
"أما بقى عن حسام..."
قاطعه "داغر" فور سماع اسم أكثر شخص يمقته بالحياة:
"سيبلي أنا حسام ده ليا أنا."
رد عز قائلاً:
"وأنا الجزار ده مسؤوليتي."
أشار يزن بيده:
"كده كويس. أما عن المستذئبين التانيين فدي مهمتي أنا ورعد وبربروس وميرا وعلي وطبعاً الخالة. أنا عارف إن عددهم كبير، كبير أوي عشان كده محتاجين كل شخص معانا."
أردفت سارة قائلة:
"وإحنا روحنا فين؟ أنت نسيتني أنا ومارال ولا إيه؟"
دعمت "مارال" حديث "سارة":
"سايه عندها حق، ولا أنت مش بتؤمن إن الميأه مش زي اليجل؟"
رد بربروس مسرعاً بلهفة:
"أنا اعترض."
نجح في جذب انتباه الجميع له بكلمته، فتوتر هو من نظرات البعض له، فنطق كلماته بتقطع:
"أنا أعني، أنهم لا يستطيعون القدوم معنا، فنحن لا نعلم ما الذي سوف نواجهه هناك، وأنتم نساء ليس لكم باليد حيلة."
رفعت مارال رأسها فتقابلت عينها بعين بربروس:
"تقصد يعني إننا ضعاف ومالناش لازمة؟"
"لم أعنِ ذلك."
كانت هذه كلمته، فردت هي عليه باستهجان وكأنها تحاول رد جزء بسيط من كرامتها عندما أخبرته بحبها ولم ينطق بحرف واحد:
"لأ أنت تقصد، ولو ماتقصدش فعلاً يبقي ياريت ماتتكلمش."
أحرجته أمام الجميع وعلم هو ما بداخلها، فصمت ونظر لها نظرة دليل على لومه لها، فأشاحت بوجهها محاولة ألا تنظر إليه من جديد.
"خلاص خلصتوا كلام؟"
كانت هذه جملة الخالة بعد أن انتهى عراكهم، فاسترسلت حديثها:
"إحنا فعلاً محتاجين كل شخص معانا هنا في الأوضة، عشان كده مارال وسارة هيبقوا معانا، وماتقلقوش عليهم، هما هيبقوا بعيد. الأيام اللي فاتت الغريب ويزن كانوا شغالين على مادة السم اللي كانت في جسم "علي"، قدرنا نجمع منها كمية كبيرة وهتبقى في مسدسات بحقن، هنعلمهم إزاي يقدروا يصوبوا على المستذئبين من بعيد."
"القرية اللي إحنا هنواجه العربي فيها دي قريتي وقرية زهره وعلي وياسين، القرية دي عشنا فيها سنين وحفظناها شبر شبر، ماتقلقوش، كل شيء معمول حسابه. هنرجع تاني أخيراً بيت الصاوي اللي الضبع أخده وسماه على اسمه وقتل عيلة ياسين وعلي فيه، وهنتخلص من العربي واللي زيه، وهنقدر نرجع قريتنا من جديد."
"أيوه بس اللي أنا مش فاهمه..."
هذه كانت جملة "عز" بعدما بتر كلام "الخالة"، فنظر الجميع له بارتباك، لم يبد أي اهتمام بمقاطعته لكلام "الخالة"، فأكمل حديثه:
"اللي أنا مش فاهمه ليه انتوا هترجعوا ضعاف من جديد بعد ما العربي يموت؟"
لاحظ "علي" نظرات "الخالة" المحملة باللوم لـ "عز"، فأردف قائلاً:
"بموت العربي اللعنة هتتجدد من جديد لأن هو اللي فكها، ولو اللعنة اتجددت يعني هنضعف، ممكن مش هيبان على شكلنا قد ما هنفقد قوتنا وكمان موهبتنا، أي حد عنده موهبة هاتروح وهنبقى ضعاف ومحدش فينا هيقدر يحول حد، واللي هيتحول هيموت من الآخر، كل حاجة هترجع زي ما كانت والبشر هتعيش في أمان."
ابتسم عز ابتسامة تظهر له الامتنان، فأردفت الخالة:
"كله يجهز، هنتوكل على الله بعد صلاة الفجر."
نطق الغريب بكلامه المتقطع كالعادة:
"و..."
وانا.. وانا.. مش.. مش ليا لازمة معاكم. أنا عملت.. كل.. كل حاجة طلبتيها مني يا خالة. أنا.. أنا عايز.. أروح لأولادي.
ابتسمت الخالة له، فطالعته قائلة:
أنت فاكر إن العربي صدق إنك معاه وهتبيعنا عشانه؟
رفع الغريب نظارته على أنفه وبدأ بالتوتر:
أومال.. ليه.. ليه خلتيني أت.. أتصل بيه.. وأقوله إني.. إني عايز.. أكون معاه؟
علشان ما يقتـلـش مراتك وأولادك يا غريب. لو ما كنتش كلمته كان هينتقم من مراتك وبنتك وهيسيب ابنك بس عشان العبقري يتولد. لكن بمكالمتك لي هو حط احتمال واحد في المية إنك ممكن تبقى معاه. فبقى على حياة عيالك، ولو ما بقيتش معاه مش فارقة. هو كده كده هيقتـلك لو ما كسبناش المعركة.
ابتلع ريقه بتوتر، فقد زادت كلماتها ارتباكه:
شوف اللي وراك يا غريب. وكلهم هنا معاك. جهزوا الأسلحـ ـة والحـ ـقن والمسد سـ ـات.
غادر «الغريب» وهو يطلب من «يزن ورعد» مرافقته للأسفل.
استعد «داغر» للمغادرة. فـ ربّتت «الخالة» على كتفه تطمئنه قليلاً:
مراتك بخير وهترجعلك هي وابنك. بس مش جواها هترجعلك وهي شيلاه ما بين أيديها وخدها. كلمة مني من الخالة اللي عايشة بقالها سنين طويلة. أنت دلوقت بقيت أب. لو اكتبلك عمر جديد بعد المعركة، خد مراتك وارتاح وعيش في أمان واربي ابنك تربية طبيعية بعيد عن كل ده يا داغر.
أشار برأسه بالموافقة وغادر، يتبعه عز فهو يعلم مدى جر حه الآن.
هو الآن يبحث عنه بكل مكان بداخل المزرعة ولكنه لم يجد له أثر. ذهب للخارج، ركز قليلاً، وأغمض عينيه وأخذ نفس عميق ليلتقط رائحته. وهذه هي المحاولة الأولى له لألتقاط رائحة «ياسين». فوجدها نفس رائحة جسده. انكمش حاجبه باستغراب، ظن أنه التقط رائحة نفسه هو. فرفع طرف كمه إلى أنفه ليستنشق رائحته هو. وجدها نفس الرائحة، فرائحة كل منهما مطابقة للآخر. حتى وجده يقول:
بتشم نفسك ليه؟
انفزع «عمار» من نبرة صوته وأخذ نفسه بعمق ونظر للجانب الآخر. وجد «ياسين» يجلس بجانب الشجرة الكبيرة وأمامهم ترعة صغيرة. اقترب منه خطوة ووقف بجواره حتى يلتقط رائحته مرة أخرى. وكيف يكون لهما هما الاثنين نفس الرائحة؟ أجاب عليه بغير ما بداخله:
أصل بحبني أوي.
وأنت مالقيتش حتة تحب فيها نفسك غير جنبي؟
جلس «عمار» بجانبه وهو ينظر أمامه. فطالعه «ياسين» بتكبر:
أنا من رأيي ما تقعدش جنبي!!
حك بأصبعه جبينه مع ابتسامة صفراء:
ومن إمتى العبيد كان ليها رأي؟
أخذ «ياسين» يطالعه بعدما صك على أسنانه من الغضـ ب.
فابتسم «عمار» ابتسامة انتصار ظهرت بجانب شفايفه قائلاً:
بتبصلي كده ليه؟ هتصورني؟
تؤ.. هصور قتيل.
أنهى «ياسين» ببرود تام. فطالعه «عمار» بتحدي:
أنت آخرك كلام، وكلام فاضي كمان.
ابتسم «ياسين» ابتسامة سخرية مما قاله وهو يشير برأسه يجاوبه بسؤال بعيد عما قاله:
تعرف ماهو أعظم سد في التاريخ؟
كمش «عمار» حاجبه باستغراب مما قاله ولكن فضوله حثه على السؤال:
إيه هو؟
أن تسد فمك اللعين.
أشار «عمار» بأصبعه مع ابتسامة سخرية:
وانت صدقت نفسك إني جاي أتكلم معاك بمزاجي.
عارف إنك مجبور، بس مع عدم احترامي ليك أمشي.
تنهد عمار بغيظ. أخبره وهو يبتعد عنه خطوات قليلة:
أنا همشي، بس قبل ما أمشي عايز أقولك إنك أنت أخر حد ممكن أتكلم معاه. إحنا آخرنا مع بعض معركة بكرة وبعد كده كل حاجة هتبقى خلصت وهترجع مالكش لازمة من جديد. هترجع ضعيف وشمس هاخدها منك. وهنتجوز وهنبقى سوا يا «ياسين» باختيارها مش غصب عنها. عارف ليه؟ عشان هي بتحبني أنا.. وعمرها ما حبيتك في يوم مهما حاولت تأثر فيها. مش هتعرف ولو لـ 100 سنة قدام. الحب اللي زرعته جواها بعمرك اللي عيشته واللي هتعيشه في يوم. حبي ليها كفيل إنها ما تنسانيش عمرها كله.
كانت كلماته تنزل على قلبه مثل الصاعقة. كل كلمة قالها «عمار» صحيحة وهو يعلم بأنها صحيحة. أدار «ياسين» ظهره له، يتكأ على الشجرة بيده تظهر على ملامحه الضعف وقلة الحيلة. فاسترسل «عمار» حديثه قائلاً:
لو عشت بعد المعركة فأنت هتموت من الحزن وأنا هعيش في سعادة جنبها وده وعد مني ليك.
أغلق «ياسين» عينيه من الحزن ليجد دمعة على جبينه. فقد اعتصر قلبه بكلماته. استدار يطالعه ليتبين خطوته التالية وأجاب بما بداخله:
خللي بالك منها، دي بنتي اللي ربيتها، وحبيبتي اللي حبيتها، ومراتي اللي اتمنتها. أنا واثق إنك حبيتها وهي من حبك ليها أصبحت حبيبها.
وقف «عمار» مكانه بعدما كان يستعد للرحيل. أدار له وجهه بعدما سمع كلماته. فاسترسل «ياسين» حديثه:
ما فكرتش للحظة واحدة إني أنا كان ممكن أمسحلها ذاكرتها وأخليها تنسى إنها تعرفك في يوم. وأنت عارف كويس أوي إني أقدر أعمل ده، بس معملتوش. عارف ليه؟ عشان عارف إنها مش هتبقى سعيدة معايا قد ما هتبقى سعيدة معاك. اللي بيحب حد بيفضله عن نفسه حتى لو مش هيبقى معاه. عشان كده قولتلك خللي بالك منها. ووعد مني بكرة أنا هحميك قبل ما أحمي نفسي عشان أنت الأقرب لقلبها مني.
تنهد «عمار» بعمق لصدق كلمات «ياسين». فقد أدرك حب ياسين لشمس، فحبه أعمق وأصدق بكثير. في لحظة لم يجده أمامه وقد رحل. صك «عمار» على أسنانه محاولاً التقاط أنفاسه.
كان يجلس خلف المقود.
يقود سيارته بسرعة جنونية. أمسكت هي بيدها مقبض الباب تحاول النزول من السيارة. فأغلق هو صمام الأمان وضغط على فرامل البنزين بقوة. فوقف بالسيارة ينظر لها بغضب، مما جعل نبرة صوته بها شبه من العصبية قائلاً:
"أنت اتجننتي يا غرام؟ عايزه تنزلي من العربية وأنا سايق؟"
حاولت فتح الباب وهي تقول:
"افتح الباب ده ياشريف."
"مش فاتح يا غرام، مش هفتح غير لما تتأكدي أني ماليش ذنب في اللي حصلك. اديني فرصة حتى أثبت لك أني بريء."
نظرت له تطالعه بعصبية بالغة:
"وأنت عايز تأكد لي ليه حاجة أنا متأكدة منها؟"
"علشان أنا مظلوم وأنت مابتوقعيش ظلمك عليا، أنت بتظلمي أخويا معاكي. أخويا اللي ماحبش حد قد ما حبك. أخويا اللي غير دنيته وكيانه عشانك. خليكي معايا للآخر ولو ما طلعتش مظلوم واني فعلاً اغتصـ ـبتك أنا هسلم نفسي وهتحاكم على اللي عملته يا غرام."
انكمش حاجبها وهي ترى صدق كلامه في عينيه. بدأت تسترخي من جديد. فضغط هو على البنزين بقدمه وأكمل طريقه من جديد.
هل هذا كثير عليها؟ كثير على فتاة تحملت العديد والعديد منذ رؤيته ودخول بيته المرعب. وكأن العالم أجمع على عدم راحتها. لم يستطع عقلها استيعاب أن ما يحدث لها الآن هو أمر واقع.
هي الآن تجلس بغرفة مبطنة بالحديد. كان هناك إضاءة خافتة تأتي من الخارج عن طريق بضع فتحات صغيرة من بين قضبان الحديد المتواجدة على النافذة. تشعر بانقباضات داخل أحشائها. للوهلة الأولى شعرت بأنها مجرد تقلصات عادية تحدث لها، ولكنها لا تعلم بأنها آلام ما قبل الولادة. فكل شيء جديد وغريب عليها يحدث لها الآن وهي وحيدة. سمعت صوت يأتي من الخارج، صوت هي تمقته كثيراً. نعم، فهو صوت "حسام" ابن عمها يتمتم بكلمات لا تستطيع تمييزها من بعد المسافة بينهما. ولكنها استطاعت أن تميز اسم "داغر" من بين كلماته. وضعت يدها أعلى بطنها، حاولت استجماع نفسها. قامت تسير بحرص في اتجاه النافذة لتسمع ما يقوله "حسام" وما الذي ينوي فعله. شكرت قدمها على تحمل السير وهي في حالتها هذه، لتسمعه يقول:
"إحنا هانروح القرية إمتى؟ خلاص مفيش وقت."
حاولت رؤية الشخص الذي يقف أمامه ولكن دون جدوى، فظهره هو الواضح أمامها.
رد عليه "العربي" قائلاً:
"هنبدأ نتحرك حالا، لازم نكون موجودين قبلهم."
فأكمل حسام حديثه بتردد:
"هو... هو إحنا هناخد هدير معانا؟ أقصد إنها تعبانة وحامل وكمان ممكن يجرالها حاجة هناك. أنا بقول نسيبها هنا يعني أحسن."
وصل إلى مسامعه سؤاله الذي وجد به شيئاً من الضعف أو الحب لا يعلم. لذا سأله بخبث:
"بعد كل اللي عملته فيك ده يا حسام، لسه بتحبها؟"
ابتلع ريقه محاولاً الهروب بنظراته:
"إيه اللي جاب سيرة الحب والضعف؟ أنا بس بقول."
بتر "العربي" كلماته بعدما قبض بيده على رقبته، قبضة محكمة كأنها أفعى قررت أن تضغط على فريستها بإحكام:
"أنا اخترتك ما بينهم عشان أنت الوحيد اللي حسيت أن مفيش حاجة ممكن تضعفك. شوفت الشر جواك، بحثت عن أي ذرة خير مالقيتش. لقيت الحقد والغِل مالي قلبك عشان كده اخترتك تبقى معايا ودراعي اليمين. سبت الأقوى مع إنك الضعيف وخليتك تبقى معايا، بس لو حسيت ولو للحظة أن ممكن البت اللي جوه دي تضعفك وتقلل من كرهك وحقدك وشرك مش هتردد لحظة في أني أقطعها حتت بسناني قدامك يا حسام، أنت فاهم؟"
أصبح وجهه أحمر كالدماء بل وأشد حمرة بسبب عدم وصول الأكسجين إليه. فكانت قبضة "العربي" محكمة كقبضة الأفعى لفريستها. كاد يفقد الوعي. فرفع "العربي" قبضته عنه. خر في الأرض يمسك برقبته يحاول ملء رئتيه بالأكسجين. جلس "العربي" القرفصاء أمامه قائلاً:
"جهز البت اللي جوه دي، اللي بالمناسبة هي مرات داغر وأم ابنه وسابتك وراحتله."
رحل من أمامه و"حسام" يراه يبتعد عنه. نظر أمامه وجدها تنظر من النافذة. أبعدت ناظرها بسرعة وحاولت العودة إلى مكانها. وقبل أن تجلس وجدته أمامها في لمح البصر:
"يلا عشان هنتحرك."
"حسام هانروح فين؟"
كان يفك وثاقها دون رد منه.
"رد عليا يا حسام، هانروح فين؟ حسام أنا تعبانة، أنا باين عليا بولد، ارجوك طلعني من هنا."
ضغط على أسنانه وأمسك بمرفقها بعنف:
"أنت السبب، أنت اللي وصلتينا لكده يا هدير، منك لله. كنت زماني في شغلي لسه ظابط زي ما أنا. كان كل حلمي أنك تبقي مراتي في يوم. أرجع من الشغل ألاقيِك مستنياني بأكلة حلوة بضحكة مرسومة على وشك."
انهمرت الدموع من عينيه وتحولت نبرة صوته إلى نبرة بها من الحنان ما يكفيها:
"أسألك عن أطفالنا تقوليلي أنا أكلتهم ونيمتهم على السرير عشان نسهر أنا وأنت براحتنا. أنا ما أكلتش عشان ناكل سوا، وتبقى الفرحة مش سيعاني."
رفع سبابته يمسح دموعه برفق:
"ونروح يوم الجمعة لعمي ومرات عمي اللي ربوني نتغدى سوا، ونلعب أنا وعمي شطرنج زي زمان وتيجي وتشجعيني. تخيلي أن كل أحلامي كانت بس بتدور حوليكي. جيتي أنتِ هديتي كل آمالي. مكنتش عايز حاجة من الدنيا غير نظرة رضا منك، بس انتي فضلتِ داغر عني."
اعتلى الغضب ملامحه عند ذكر اسمه واستكمل حديثه:
"فضلتِ الأعمى ده عني؟ عشان إيه؟ عملك إيه؟ أنا هوريكي، أنا هخليكي تشوفيه بعينك وهو بيتقطع قدامك. تعالي معايا."
جذبها خلفه من مرفقها بعنف فصرخت هي من الألم:
"أنا بولد، الوجع في بطني رهيب، أنا هموت يا حسام."
أخذ يطالعها بقلق والخوف يملؤه. ابتلع ريقه ينظر لها بحيرة:
"أنت متأكدة أنك هتولدي؟"
أشارت برأسها بالإيجاب. فاسترسل حديثه:
"أنتِ محتاجة حد معاكي عشان يولدك."
ابتلعت ريقها وأشارت له برأسها بالإيجاب والدموع تنهمر على جبينها:
"وأنا هجيب لك اللي يولدك."
تركها وغادر الغرفة في الحال. تركها تتألم في صمت تواجه كل شيء وحيدة تماماً.
مر الكثير من الساعات وغابت الشمس وراء السحاب وبرز احمرار الغروب.
كانت هناك نسمة منعشة تلامس وجهك. تستطيع سماع تطاير أوراق الشجر من حولك ورؤية النجوم مرصعة بالسماء. جاء هو ليجلس بجوارهما من جديد يحاول دفن ألمه بداخله. تنهد عند رؤيتهما سوياً يرسم البسمة على وجهه الحزين. مد "ياسين" كف يده بمشروبه المفضل بعدما أصبح يلازمه دائماً قائلاً وهو ينظر إلى وجهه العابس:
"مالك مكشملنا وش رجلك ليه يا شيخ عجوة؟"
رفع "بربروس" رأسه فتقابلت عينه بعين "ياسين". نظر له نظرة تبث عما بداخله من توتر وقلق ونظر أمامه من جديد.
هز "ياسين" كتفيه بلا مبالاة ومد كف يده إلى ذلك الجالس بجواره:
"تاخد أنت يا علي."
مد الطبيب "علي" كف يده بابتسامة زادت من وسامته:
"هات."
أشار "ياسين" بعينه على الطرف الثالث بينهم وهو يرتشف من مشروبه:
"ما عرفناش برضوا ماله ده."
أجابه الطبيب "علي" وهو يشمئز من ذلك المشروب الذي أعطاه له منذ قليل:
"إيه القرف ده؟ إيه البتاع ده؟"
ابتلع "ياسين" ريقه وهو يمد كف يده ويتحدث بحنق:
"هات أنا غلطان. تصدق خسارة فيك الشيري كولا ده. أنت مش أخويا يا علي."
أبعد "الطبيب" يديه وهو يحاول بلعه:
"لا... لا خلاص هشربه. أهوه أي حاجة نشربها في الحر ده."
نظر "علي" إلى "بربروس" الصامت مرة أخرى وتوجه بحديثه إليه:
"بص أنا عارف أن سكاتك ده وراه مارال. فانت قولنا كده إيه اللي حصل مابينكم؟"
وضع "بربروس" وجهه بين كفيه وقد تملك الحزن من ملامحه قائلاً:
"لقد اعترفت مارال لي بحبها هذا الصباح."
اعتلت البسمة وجه الطبيب مردداً:
"قالت لك إيه؟ أقصد يعني اعترفت لك إزاي؟"
مال "بربروس" بعينيه لـ "الطبيب علي" مع ابتسامة لطف:
"كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء."
ارتشف "ياسين" من زجاجته وانكمش حاجبه عند سماع جملته وهو يشاور بسبابته يحاول استجماع ما قاله للتو:
"صرتاحبي؟" إزاي يعني مش فاهم؟
ضرب الطبيب "علي" "ياسين" بمرفقه بلين:
"يابني افهم، هي تقصد أن هي كانت فاكرة أنهم صحاب بس بعد كده صار حبها من الآخر 'صرت حبي'."
أشار بأصبعه على باطن يده بإصرار:
"أيوه ماشي بس فين الألف؟ أنا عايز الألف. أكلت الألف يا شيخ عجوة، ده حتى عيبه في حقك."
صك "بربروس" على أسنانه ينظر لـ "ياسين" بغيظ:
"فليلعنك الله وما همك أنت من حرف الألف. يكفي أنها حاولت أن تتحدث بلغتي."
وقف "ياسين" أمام "بربروس" الجالس أمامه وكلامه يظهر به السخرية:
"لالالا، مسمحلكش معلش، كله إلا لغتنا الأم مانغلطش فيها ولا ننسى حرف من حروفها أبداً. هو يعني حرف الألف ده مالهوش صاحب يدور عليه؟"
رد "الطبيب" عليه بلا مبالاة:
"سيبك منه يابربروس كمل وبعدين عملت إيه؟"
جلس "ياسين" مرة أخرى ولكن هذه المرة جلس بجوار "بربروس" أشار بعينيه له:
"ماتنجز يا شيخ عجوة؟"
"لم أستطع قول شيء، لم يكن ببالي شيء أستطيع قوله في هذه اللحظة وهذا ما يقهرني."
ارتشف القليل من مشروبه المفضل قائلاً بجدية:
"كنت قولتلها 'يا أحلى البشر والشين قاف'."
ضحك "الطبيب" بصوت مرتفع لم يستطع تمالك نفسه قائلاً وضحكاته تظهر في كلامه:
"أو كنت قولتلها كنت أظنك مقرب حتى تبدلت الميم عين."
علت ضحكاتهما هما الاثنان سوياً. مد "ياسين" كفه لـ "للطبيب" فضرب كفه بكف آخر وهما يبتسمان معاً قائلاً:
"لا حلوة، دي أجمد. أهوه أنت دلوقتي طلعت أخويا بحق وحقيقي يا بيضا."
قاطعهم "بربروس" وقد اشتعلت ثورته من "ياسين" ومن "الطبيب علي" أيضاً. فنظر لـ "ياسين" قائلاً:
"اتعلم أنك إنسان سيء للغاية."
فرد "الطبيب" مدافعاً عنه:
"ما تقولش كده يابربروس."
فدعم "ياسين" ما قاله "بربروس":
"لا أنا إنسان سيء فعلاً، هو ما كذبش."
تبادلا النظرات وعم الصمت الأجواء. انمحت البسمة من ملامحهم ببطء عند رؤيتهم لمدى جدية "بربروس". ألقى "ياسين" الزجاجة من يده بعيداً بعدما أدرك من ملامح "بربروس" التي ارتسمت عليها الحزن أهمية الموقف. وضع ذراعه على كتف "بربروس" بحب بعدما اعتلت الجدية وجهه قائلاً:
"لا تكن قفاشاً ومحراجاً يا سيدنا."
نظر له بربروس نظرة بعدم رضا فابتسم هو قائلاً:
"للدرجة دي هي مهمة بالنسبالك؟"
ابتلع "بربروس" ريقه وتنهد لتخرج كلماته مع تنهيدته:
"نعم.."
وضع الطبيب علي ذراعه على كتف بربروس بحب:
طيب ومستني أيه؟ دور عليها وقولها اللي جواك وافتكر أنك عارف كويس إنه يجوز جدا إنك تتزوج مسيحيه.
ضربه ياسين بكتفه بلين:
يلا اتحرك مستني أيه؟ ماتسيبهاش تضيع من إيدك.
ابتسم بربروس لهما هما الاثنين فأكمل حديثه:
أتعلمان؟ ما الحسنه الوحيدة اللي فعلها العربي في مسيرته المسيئة؟
رد ياسين قائلاً وهو يضع يده في جيبه الخلفي:
اكيد إنه عرفك عليا، دي حاجة معروفة يعني.
ابتسم بربروس وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً:
أيّها اللعين! مع قبح وجهك هذا، ولكن كلماتك صحيحة.
ابتسم الطبيب لهما هما الاثنين:
انت أخونا التالت يا بربروس.
رد قائلاً:
أنا أحبكما.
ابتسم ياسين ابتسامة سخرية:
لا يا عم، ماليش في الألوان.
انكمش حاجب بربروس باستغراب:
ماذا؟
رد الطبيب مسرعاً:
لا أبداً، مافيش. سيبك منه وروح شوف مارال.
رحل بربروس ليستدير كلٌ من ياسين وعلي ليجدوا الخالة أمامهم فأردف ياسين بقوله:
أي يا كوكي مش تقولي أي حاجة كده بدل ما تجيبلنا ساكتة تقلب بجلطة في الركب.
جلست الخالة وهي تنظر له:
مش ناوي ترجع تقولي ياما من جديد؟
جلس ياسين بجوارها يضرب كتفه بكتفها بلين:
مش لايقة خالص كلمة ياما على شكلك الجديد، وبعدين ده إنت أصغر مني.
جلس علي بجوارها من الجانب الآخر فاسترسلت هي حديثها:
وحشتني قعدتنا مع بعض يا ولادي، بقالنا زمن ماقعدناش القعدة دي.
رد علي وعيناه تطالع ياسين بثبات:
ساعات كتير كنت بتمنى نتلم تاني من جديد.
أكملت الخالة:
للدرجة دي أنا شخص مؤثر في حياتكم؟
ضربته الخالة بخفة على رأسه:
بطل نرجسية يا ياسين، بس إنت بتتكلم صح، إنت فعلاً كنت مؤثر في حياتنا كتير.
فسألها هو سؤاله التالي:
أنا ليه كنت بقولك بأمي وأنت مش أمي الحقيقية؟
ردت الخالة:
عمرك ما ندهتني بأمي، دايماً بتقولي ياما، وبعدين إنتوا عيالي.
"حتى لو البطن ما شالتكوش، القلب حضنكم وقفل عليكم يا ولدي."
واليوم اللي هترجع تندهلي فيه بإسم ياما من جديد هيبقى بالنسبالي عيد.
ابتسم علي بعدما تنهد ينظر إليها بامتنان فأخذته هي في حضنها لتضمه إليها، تفرد ذراعها الآخر لتضم ياسين، ولكنه استغرب مما حدث للتو قائلاً وهو يهز رأسه بالنفي:
لا، ماليش في العلاقات المحرمة أنا.
ضحك الثلاثة معاً فوجد تلك الصغيرة تقترب منهما، ابتسم لها بلطف يجلس القرفصاء أمامها ليصل إلى مستواها:
آه، الزبلة جت أهه.
ظهر الحزن على ملامحها فأنمحت البسمة من على وجهه ببطء:
مالك وشك مكرمش ليه؟
ردت الطفلة:
هي هدير فعلاً حسام خطفها؟
نظر خلفه إلى الخالة التي كانت تطالعه هي الأخرى فأشارت له بعينيها أن يجيب على سؤالها فأجاب عليها بما هو بعيد تماماً عن سؤالها:
إيه رأيك لو أسألك سؤال، لو جاوبتيه صح هقولك هدير فين بالظبط.
أشارت الطفلة برأسها بالإيجاب متحمسة لسؤاله فأردف هو قائلاً:
لو معانا سبع كراسي ومعانا عشر أطفال، هنعمل إيه عشان نخلي عدد الكراسي قد عدد الأطفال؟
استغرب كلٌ من علي والخالة سؤاله فجاءت إجابة الطفلة بعدم تأكيد مما تقوله:
هنجيب تلات كراسي تانيين.
قال ياسين:
غلط، هنـ ـتل تلاتة، احنا لسه هنجيب كراسي.
أنهى جملته وقف واستقام ينظر لها بثقة:
إنت كده جاوبتي غلط وعشان كده مش هجاوبك على سؤالك، بس بكرة لما تلاقي هدير رجعتلك وبقت معاكي هي هتجاوبك بنفسها وهتقولك هي كانت فين.
أجابت الطفلة بفرحة تملأ وجهها:
يعني بجد هدير هترجع؟
أشار برأسه بثقة:
أكيد هرجعها لك، وعايزك ماتنسيش، هتجيبي كراسي لو بقيتي في مشكلة.
أشارت الطفلة برأسها بالنفي:
لو هتجيبلي هدير هبقى قوية وهقـ ـتل التلاتة.
ابتسم ابتسامة رضا:
حبيبة قلب ياسين والله.
ترجل من سيارته يفتح باب السيارة لها يجذبها من مرفقها بلين قائلاً:
انزلي يا غرام.
وكان جوابها كالتالي:
مش نازلة.
جذبها بقوة من ذراعها وأغلق باب السيارة، أبعدت هي يده عنها بقوة:
سيبني خلاص، هاجي معاك.
ترك شريف مرفقها لينظر خلفه ليتأكد من مجيئها، دق باب صديقه مازن المقرب له، فتح صديقه باب منزله فلكمه على وجهه بشدة، وقع أرضاً مغشياً عليه، قيد يديه وقدمه بالحبال، وكانت تقف معه غرام مذهولة مما يحدث:
بتعمل إيه ياشريف؟
أدار رأسه يطالعها وهو مازال يستكمل تقييد صديقه:
بربطه زي ما أنت شايفه.
قالت غرام:
شريف أنا مش فاهمة حاجة.
أجابها:
دلوقتي هيفوق وهنفهم إحنا الاتنين سوا.
ذهب شريف إلى المطبخ بعدما قيد مازن بالحبال جيداً وأتى بزجاجة كبيرة من الماء ألقاها بوجهه، فاستعاد صديقه وعيه وهو يشهق مما حدث، نظر لهما بعدما أفاق سائلاً:
إيه يا شريف، أنت بتعمل كده ليه؟
أجاب والبرود ملازم لملامحه:
إنت اللي هتقولنا دلوقتي وحالاً، أنت عملت كده ليه؟
ابتلع ريقه بعدما سحب نفساً جاهد في التقاطه:
إنت عرفت؟
أشار برأسه بالإيجاب فرد هو مؤكداً:
أنا عملت كده ياشريف عشانك، كنت وقتها ضايع ومضايق، كنت بدور على العيال اللي اغتصـ ـبوا غرام معاك دي بأي طريقة، ماكنتش بنام ولا باكل ولا بشرب لحد ما لقيتهم، ولما طلبت مني إني ألاقييهم أنا ما اتأخرتش وجبتلك عيل منهم هنا، فاكر ياشريف؟
أشار شريف بأصبعه بحركة دائرية:
وبعدين كمل، إيه اللي حصل لما جبته هنا؟
أجاب مازن:
اتكلمت معاه قبل ما إنت تيجي، والعيال دي طلعت غلابة ياشريف، إضحك عليهم من جابر المنفلوطي زي ما أضحك عليك بالظبط، دي عيال صغيرة ومستقبلهم كان هيضيع، ووقتها لو كانت غرام عرفت إنك اغتصـ ـبتها فعلاً، مكانتش هترضى تتجوز أخوك وأنت كنت هتحس إنك السبب وكانت هتبقى مشكلة كبيرة.
انكمش حاجب غرام سائله:
يعني إيه؟ يعني شريف هو اللي اغتصـ ـبني فعلاً؟
أجاب مازن:
أيوه هو اللي اغتـ ـصبك، بس هو مكانش في وعيه، جابر المنفلوطي أمر والعيال دي تحطله مخـ ـدر عشان يحصل اللي حصل، ولما مسكت عيل منهم لاقيتهم غلابة عايزين يعيشوا مش أكتر، يعني أكتر واحد كان هيضر فيها هو شريف.
لكمه شريف على وجنته بقوة:
انجز، أخدت كام؟
تألم بعدما صك على أسنانه:
٢٥٠ ألف، أخدت ربع المبلغ اللي المنفلوطي اداهولهم، ولما أنا اتصلت بيك وجيبتك والواد كان هنا اخترعنا عليك حتة إنك مغتصـ ـبتهاش، وبكده الكل يكون فرحان.
سأل شريف:
طيب والدكتورة؟
كانت غرام تسأله والرجفة تظهر على شفتاها فرد هو على سؤالها:
لااا، دي سهلة، إحنا عارفين بتشتغلي في أنه مستشفى وأكيد هتكشفي فيها.
أديناها اللي في النصيب عشان تقول اللي إحنا عايزينه، وبكده الكل بقى مبسوط. أنتِ رديتي تتجوزي عز، وشريف الذنب اتشال من عليه، والعيال دي مادخلتش السجن، وشريف ماتحبسش، وأنا أخدت اللي فيه النصيب. ما هو كده كده شريف مكانش في وعيه، وأنا عملت كده عشانه.
امسك شريف به بغيظ بعدما قبض يده يستعد لضربه من جديد، فأوقفته غرام عن فعلته.
كفاية كده يا شريف، أنا خلاص عرفت الحقيقة.
فتحت الباب تستعد للرحيل، فجذبها هو من مرفقها قائلاً:
غرام استني، أنا مكنتش في وعيي اليوم ده، أنا كنت ضحية مؤامرة دنيئة عملها جابر عشان يوقع أخويا، ياريتني كنت مت ولا إني أشوفك وأشوف أخويا بتتعذبوا بسببي في يوم.
نظرت له غرام والدموع تملأ عينيها، جاوبته بكل تلقائية:
ياريتك كنت مت وقتها، أنا مش عارفة أعمل إيه، وأتصرف إزاي، مش قادرة أشوفك قدامي وأنت دمرتني، وأرجع أقول غصب عنك نفسي آخد حقي منك ومش عارفة.
رحلت تبعد عن ناظره، يراها تبتعد عنه. أوقفت تاكسي حتى وصلت إلى منزلها، نزلت أمام منزلها لتجد من يضعها بالسيارة عنوة ويأخذها من أمام المنزل. ظلت تصرخ كثيراً، فضربها على رأسها ضربة أفقدتها الوعي تماماً.
ذهب هو يحاول البحث عنها بكل مكان، حتى وجدها تحضر علبة الحقن وتحاول فتح الصندوق الخاص بها، ولكنها لا تستطيع، فكان الصندوق محكم الغلق. فوجدته أمامها وفتح لها الصندوق بكل سهولة. تبادل بربروس ومارال النظرات قليلاً، فارتبكت هي قائلة:
شكراً.
انكمش حاجبه باستغراب سائلاً:
من أجل ماذا؟
أدارت ظهرها له، تنحني لتلتقط ما بداخل الصندوق بيديها:
عشان فتحتلي الصندوق.
ابتسم هو بعدما أشار برأسه وهو يقول:
على الرحب والسعة.
حاولت تركه وترحل لاستكمال ما تفعله، ولكنه وقف أمامها من جديد يحاول التكلم معها:
أريد التحدث معك لدقائق قليلة.
قاطعته هي:
بيدقوس، صدقني مفيش حاجة تتقال.
تركته لتستكمل ما كانت تفعله، ويراها تبتعد أمام ناظره، فارتفع صوته قائلاً:
ماذا لو أخبرتك بأنني أشتاق إليك كل ليلة، وأنك لا تفارقين عقلي، وأني لا أشعر بالحياة إلا بوجودك.
استطاعت كلماته أن تلمس قلبها، وتوقفت قدماها عن الحركة. ظلت ثابتة مكانها، أغلقت عينيها تستشعر مذاق كلماته التي اخترقت قلبها دون استئذان. شردت لثوانٍ بعدما عرفت البسمة طريق شفتاها، ثم فاقت من شرودها، حاولت عدم الانخراط فيه. انمحت البسمة من على وجهها ببطء، ثم استدارت له لتصبح أمامه من جديد قائلة:
ما ينفعش يابيدقوس، ماينفعش أنت مسلم وأنا مسيحية و...
بتر كلامها قائلاً:
فديني يسمح بالزواج...
قاطعته هي قائلة:
لكن ديني أنا اللي مقتنعة بيه ما يسمحش، ولا الكنيسة هتوافق في يوم، وأنا مش هتنازل عن دين المسيحية مهما حصل، حتى لو كنت...
توترت بكلماتها الآتية، فتنهدت قائلة:
حتى لو كنت بعزك.
اقترب منها خطوة واحتضنت عينيه عيناها، يرتوي من ملامحها الصغيرة. ارتسمت البسمة على شفتيه، فزادت من وسامته، فوجد قلبه يقول حروفاً يترجمها لسانه إلى كلمات:
"يؤمن العقل بعقيدته ويعشق القلب من عقيدة غيره، فقد أحبك القلب يا بهجة القلب".
وضع يده على خصلات شعره بحنق:
رباه، لقد أحبك القلب بصدق.
خفق قلبها بشدة عند سماعها جملته، تلألأت الدموع بعينيها. فرحت عند سماع جملته وحزنت أكثر عندما أدركت مدى حبه لها وهي لا تستطيع أن تجاريه في مشاعره. مسحت دموعها من على خديها قائلة:
أنا لازم أمشي.
كان قرارها حاسماً، مما جعله يقول:
لا أعلم ما الذي سيحدث بالغد، ولكن أريد أن أوصيك بشيء، فربما تكون هذه المرة الأخيرة التي نتقابل بها يا مارال.
"فليشهد الله أني أحببتك، فإذا نمت وغابت النون فالدعاء وصية بيننا يا أخت عمار".
ابتلعت ريقها وتنهدت دون النظر إليه، مكملة سيرها، ليقول هو بداخله:
تباً للبشر.
كانت تقف بعيداً، نسمات الهواء تداعب خصلات شعرها. أغمضت عيناها لتملأ رئتاها بنسمات الهواء الباردة المنعشة.
فتحت عيناها من جديد لتجده أمامها. تغلغل التوتر إلى قلبها، مما جعل ياسين سائلاً:
خوفتي؟
ابتلعت ريقها تحاول تهدئة نفسها، فقربه منها يزيد من توترها ونبضات قلبها. ابتسمت ابتسامة تحاول فيها إخفاء توترها قائلة:
ومم أخاف؟
كان جوابه سريعاً وهو يقترب منها خطوة ليصبح أمامها:
من قربي منك، أو ممكن من اللي هيحصل بكرة، ومن اللي هيحصل بعد اللي هيحصل بكرة.
ولكني متأكدة من فوزك، طالما وضعت يدك بيد عمار سوف نفوز بالتأكيد.
تحدث ياسين موافقاً على كلماتها:
أنت عندك حق، أنتوا هتفوزوا، بس أنا في الحالتين هخسر.
انكمش حاجبها باستغراب، فلم تستطع فهمه بجملته الأخيرة.
وهو لم يستطع كبت ما بداخله أكثر من ذلك، لمعت الدموع بعينيه، كل كلمة بداخله تحدث بها نابعة وصادقة من قلبه:
مالك مستغربة ليه؟
أيوه يا شمس، في الحالتين أنا اللي هخسر، في الحالتين أنا اللي هموت، لو مامتش في المعركة، فهمت، لو فزنا، مش هقدر أتحمل لو شوفتك بعد ما نفوز يبقى هو أول واحد تجري عليه وتترمي في حضنه، في الحالتين هموت يا شمس.
وضع أصابعه بين خصلات شعره ينظر بالاتجاه الآخر، يحاول إخفاء دموعه حتى لا تراه وتلمس نقطة ضعفه.
عارفة المشكلة في إيه؟
أغلق عينيه ووجد دموعه تنهمر منه أمام عينيها بغير رضاه، استسلم لقلبه أخيراً وطاوعه عقله قائلاً:
المشكلة إني مش قادر أفضل أحبك.
ولا قادر حتى أكرهك، حاولت، حاولت أكرهك كتير بس معرفتش.. ماقدرتش.
أنا مش عايز حاجة منك، أنا بس كل اللي عايزه إني ما أحسش بحاجة تجاهك، قلبي واجعني، مش عايز أفكر فيك، ولا عايز أهتم بيك، ولا عايز أحبك، أنا مش عارف أعمل ده إزاي، مش عارف أكرهك إزاي، أوعي تفتكري أني ما حاولت، حاولت، وحياة ربي حاولت.. حاولت أشيلك من قلبي ما عرفتش، ياريتني ما كنت شوفتك ولا دخلتي بيتي في يوم.
كانت تطالعه باهتمام زائد، فكل كلمة نطق بها الآن كانت صادقة، من صدق كلماته النابعة من صميم قلبه لامست كلماته قلبها، وجدت الدموع تلمع بعينيها، حاولت إخفاء ملامح وجهها ولكنها لم تستطع، فلامست دموعها خديها. كانت هناك لحظات صمت بينهما، فنظرات عينيهما أعظم من الكلمات الآن. كسرت هي صمتهما بقولها هذا:
انساني ياياسين.
قالت كلماتها وهي تسمع صوت تحطيم قلبها، فدعم هو قوله بقولها ممسكاً بمرفقها بعنف:
أنا عايز أنساكي بس إزاي؟ لازم تساعديني عشان أنساكي، ساعديني، أنا كسرت نفسي قدامك ألف مرة، ولسه بكسر نفسي تاني وأنا واقف قدامك بترجاكي.
"الروح تعبت من الرفض ياشمس".
لحد ما كرهت نفسي، وكرهتك، وكرهت الدنيا كلها، كرهتك عشان وصلتي للي أنا فيه دلوقتي، أنا حتى مش عارف عشقتك ليه؟
فاستكمل حديثه قائلاً:
"وإن سألني أحدهم لماذا أحببتك لهذه الدرجة وأنا ورب العزتي لا أعلم سوى أنني وجدت روحي فيك".
أدار ظهره لها يستعد للرحيل، فنطق لسانها حروف اسمه دون أن تشعر:
يـــــاسـيـن.
تحدث دون أن ينظر لها، فكان الأمر أشبه بشعور طفل أبكم، أغلق الباب على يده ولم يستطع الصراخ، فرد قائلاً:
أي كلمة هتقوليها بعد اللي قولته هعتبرها شفقة وأنا ما أقبلش أن حد يشفق عليا بحبه في يوم، من بعد المعركة أوعدك ووعد الحر دين، مش هتشوفيني تاني يا شمس.
وعد ياسين لم يكن بأي وعد، فعندما يوعد يوفي، وكان هذا الوعد، الوعد الثقيل على قلبه.
هي مارال جابت الصندوق اللي بره ولا لسه؟
كانت هذه جملة يزن للواقفين أمامه. نظر أمامه يبحث بعينه عليها، حتى أردفت سارة:
لسه ما جاتش من بره، أنا بعتها تجيبه.
فسألت ميرا قائلة:
أنت متأكد أن احنا ممكن نفوز بكرة فعلاً يايزن؟
أشار برأسه بالنفي على سؤالها:
والله مش عارف ياميرا، بس على الأقل هنحاول، هنحاول نعمل كل شيء في إيدينا ونسيب الباقي على ربنا.
أشارت ميرا برأسها تدعم قوله، فاقترب يزن من سارة قائلاً:
مش ناوي تعقلي بقى وما تجيش معانا بكرة؟
أخذ رعد يطالعهم، فنادى على ميرا:
ميرا عايزك بره ثواني.
رحلت ميرا معه، فاستكمل يزن حديثه مع سارة:
بلاش ياسارة تيجي بكرة معانا، أنا مش هتحمل لو جرالك حاجة.
فردت هي عليه بقوله بعدما جلست على الأرضية تربع قدمها:
ولو أنت جرالك حاجة تفتكر أنا اللي هتحمل؟ وبعدين بقولك إيه، نعيش عيشة فل يا نموت إحنا الكل، إيه رأيك بقى؟
أنطق هو كلماته سريعاً:
بعد الشر عليكي من الموت، أنت هتعيشي لحد ما يبقى عندك ١٠٠ سنة وهتبقي عجوز كركوبة في سريرك وحوالينا أحفادنا بيتنططوا حوالينا، وأنت مش هتبقي طايقة نفسك وتقوليلي ابعد عني العيال دي يايزن، ما أنت هتبقي كبيرة بقى ومش متحملة.
ابتسمت هي تضربه بخفة على يده:
ياسلام، وأنا هكبر لوحدي وأنت مش هتكبر يعني؟ ما أنت هتكبر وهتبقى عجوز وكركوب قد كده كمان.
"العجز في قربك، ولا الشباب في بعدك ياسارة".
ابتسمت هي بخجل، لاحظه هو:
الضحكة دي يا كووتي يا خلااصي يا جماله.
احمرت وجنتيها أكثر قائلة:
بطل بقى يايزن، بس تعرف إنك عسل أوي وجميل أوي.
فرد هو يغمز لها بطرف عينيه:
"ده جمالك ياسارة هو اللي محرك الستارة ونافخ في السيجارة ومحير العمارة".
ردت هي معترضة على جملته السابقة:
لالا...
بطل أي القرف ده سيجاره وعمارة وستارة. بطل، يايزن.
"طب والله حلوة يا سارة."
"لأ وحشة أوي، وبعدين خلينا نتكلم جد شوية."
تنهدت هي قائلة:
"أنا بجد آسفة يا يايزن، أنا مش عارفة إزاي ضيعت الوقت ده كله في بعدك، إزاي ما حسيتش بيك وبحبك من زمان."
نظر بجوارها ممسكاً بكف يدها:
"تحت رجلك الوقت اللي ضاع واللي بيضيع واللي لسه هيضيع، فداكي الدنيا بناسها وهمومها يا سارة."
"كنتي فين يا شمس؟"
كان هذا سؤال "عمار" لها بعدما تعب في البحث عنها. مسحت هي دموعها سريعاً حتى لا يراها، فسألها برفق:
"أنتِ كنتِ بتعيطي؟ حد زعلك؟ في حد ضايقك؟"
هزت رأسها تنفي ما يقوله:
"لأ، لم أكن أبكي من سبب معين، بل طرفت عيني لا أكثر."
لم يصدق كلمة مما قالته، فسألها سؤالاً آخر:
"أنتِ خايفة من بكرة عشان هتيجي معانا صح؟ أنا مش عايزك تخافي، المرة دي أنا بقيت أقوى من الأول بكتير يا شمس وهعرف أحميكي منهم، وهقتل العربي وهنرجع بكرة كلنا مبسوطين. عارفة إيه أول حاجة هعملها أول ما نرجع؟"
نظرت له تحاول أن ترسم البسمة على شفتيها:
"لأ أعرف."
قالها سريعاً:
"هتجوزك، هنتجوز ونبعد عن أي مشاكل ممكن تحصلنا في يوم، هنخلف عيال كتيرة وكلهم هيبقوا بنات وكلهم هسميهم شمس."
نظر إلى الأرضية فوجد رباط الكوتشي مفكوك، فانحنى وهو يذم شفتيه يربط لها رباط الكوتشي:
"رباطك يا شمس."
ابتسمت ابتسامة عريضة من كلمته هذه قائلة:
"بعد يوم الغد سأحاول تعلم ربطه الكوتشي منك."
فرد عليها هو يطالع ملامحها البريئة:
"وأنا لما أرجع من المعركة هطلب أيدك من مامتك."
كان الجميع مشغولاً بما يفعله إلا هو، فالقلق ينهش من قلبه، يتمنى مرور الساعات بفارغ الصبر. شعر وكأن الدقائق تمر ببطء كبطء سلحفاة عاشت من الزمن ما يكفي لتقف مكانها دون حراك. فنطق "عز" قائلاً:
"حاول تهدّي نفسك يا داغر، أنا متأكد إن هدير بخير، عمره ما هيعمل فيها حاجة."
"أنا حاسس إن هيجرالي حاجة يا عز، عايز أتحرك بس عمايا مخليني واقف مكاني مستني أمر حكيمة، مش عارف أتحرك من غيرها. أنا معرفش حتى فين القرية اللي بيقول عليها الزفت اللي اسمه حسام. مش عارف أعمل إيه، حاسس إن إيديا متكتفة، إزاي أسيبها وأنا عارف إنها بتتألم، دي بتكرهه، بتكره حتى سيرته، إزاي أسيبها معاه طول الوقت ده شيفاه قدامها."
رد عليه عز قائلاً وهو يحاول تهدئته قليلاً:
"طيب إيه رأيك؟ إيه رأيك لو نفكر شوية، ما هو برضه عصبيتك دي مش هتفيد بشيء."
رد على كلامه بسؤال آخر:
"الساعة كام؟ قدامنا قد إيه على الفجر؟"
نظر "عز" في ساعة يده:
"الساعة دلوقتي..."
بتر "بربروس" كلامه بدخوله عليهم الغرفة:
"أذان الفجر سيؤذن بعد قليل، هيا فلنتوضأ جميعاً ونصلي الفجر حاضراً، ندعي الله عز وجل حتى ينصرنا عليهم بإذن الله."
ذهب بربروس لياسين ليجده يجلس وحيداً، فسأله:
"ألم تسمع أذان الفجر وهو يؤذن؟"
تنهد وأخذ نفسه بعمق:
"آه سمعته."
جلس بربروس بجانبه:
"حسناً، هيا لنصلي سوياً."
"أيوه بس..."
أمسك بكف يده يجذبه خلفه قائلاً:
"صلاة الفجر يا يايزن، هيا أيها العاق."
شروق يرتدي لون النقاء بعد عتمة الليل، فيبث أنفاسه بنسمات تبعث في الروح أملاً بأن القادم أجمل بإذن الله.
كان الكل يستعد ليتوضأ ويصلي الفجر، أجواء جميلة تحدث بينهما وكأنهم عائلة تجمعت من بعد غياب. الكل يتوضأ، النساء ترتدي ملابس بيضاء، يرتدون الحجاب الأبيض على رؤوسهم، والرجال تستعد للوقوف في الصفوف الأمامية، يترأسهم بربروس يصلي بهم صلاة الفجر. ما أجمل صوته في تلاوة كلمات الله عز وجل، يقول:
"يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا"
وفي هذه اللحظة وعندما قال "بربروس" الله أكبر، ركع الجميع لكي يدعي بما داخل قلبه، حتى سلّم وانتهى من صلاة الفجر. رفع يده ليدعو ربه وأخذ يدعي والكل من خلفه يؤمن من خلفه:
"اللهم ارحمنا، وخذ بيدنا ولا ترجعنا إلا ونحن منتصرين."
الجميع من خلفه بصوت واحد:
"أمــــين."
وفي هذه اللحظة أشعلت مارال شمعة تضم كفيها وهي مغمضة العينين تدعي الله عز وجل قائلة:
"أبانا الذي في السموات، تمجدك كل الطغمات، نصرخ إليك في الضيقات، يا أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك يا معين، وليتبارك في كل حين."
واجعلها سنة حصاد يوسف بعد تعبه وراحة أيوب بعد صبره.
الجميع من خلفه:
"أمـــين."
مازالت مارال تدعي رب العالمين:
"ارحم عبيدك الخاطئين، كما في السماء كذلك، على الأرض أنت السيد المالك، نج عبيدك من المهالك، يا أبانا نج بربروس من هذه الضيقة ورجعه سالماً غانماً."
أغلقت عيناها ونفخت من روحها في الشمعة. وسلّم بربروس يساراً ويمينًا، وسلّم الكل من بعده يستعدون جميعاً للمعركة. تحرك الجميع يصعدون إلى السيارات، ولكن بدون الغريب وزهرة، تاركين الطفلة معهم. ليجد عز شريف يصعد بجانبه إلى السيارة، فاعتلت الصدمة على وجهه:
"شريف إيه اللي جابك؟"
"وإنت تفتكر ولو للحظة إني ممكن أسيبك لوحدك؟ أنا في كتفك يا عز."
ابتسم عز لشريف بامتنان، ليتحرك الجميع باتجاه القرية.
وجدت نفسها بغرفة مظلمة، تحاول أن ترى ما حولها ولكنها لا تستطيع بسبب القماشة السوداء التي تغطي وجهها. نزع القماشة من على وجهها ينظر لها باشمئزاز، فدب الرعب بقلبها عند رؤيته:
"إيه شوفتي شيطان يا غرام؟ ده أنا حتى ملامح وشي تستحق تبقى بصمة لكل ضائع."
أخذت تدمدم بكلمات لا يفهم معناها بسبب ذلك اللاصق على شفتيها، فنزع هو اللاصق بقوة فشعرت بالألم الشديد على شفتيها مما جعل صرخاتها ترتفع:
"كنتي بتقولي حاجة يا غرام؟"
صكت على أسنانها بغضب عارم:
"إنت عايز مني إيه؟"
أدار لها ظهره يتكلم ببرود:
"مش أنا اللي عايز."
أزاح الستارة بيده وأشار بأصبعه على تلك الموجودة هناك:
"شايفة اللي موجودة هناك دي، هي دي اللي عايزة، مش أنا."
اعتلت الصدمة ملامح وجهها قائلة:
"هدير."
كانت الشمس تتوسط السماء تبث أشعتها الحارقة بكل مكان. دخلوا هما من جهة الصحراء، طريق لا يعلمه سوا حكيمة و"ياسين" قبل أن يفقد ذاكرته.
وقف "العربي" أمام منزل "ياسين" ينظر لهذا المنزل بابتسامة سخرية، يتذكر ما حدث بهذا المنزل قديماً باجتماعه هو والضبع والمهدي. ينظر لنفسه نظرة انتصار، فهو الناجي الوحيد بينهم الآن.
أدار وجهه لجيشه الذي صنعه حديثاً، قائلاً:
"القرية دي كانت قريتنا زمان والبشر أخدوها مننا، احتلها عيلة الصاوي، بس دوام الحال من المحال. من اللحظة دي هنبيد أي حد من عيلة الصاوي، اللي فاضل منهم هرب، واللي باقي منهم هنقتله. اللي هيحصل النهارده مش هيحصل تاني في يوم، عشان هيحصل مرة واحدة بس."
بدأت "حكيمة" بتوزيع الأدوار عليهم جميعاً:
"البسوا دي."
كانت الملابس التي توزعها عليهم عبارة عن عباءات سوداء بها عشبة القصيص حتى لا يشم "العربي وحسام" رائحتهم. وزعت الأدوار عليهم كالتالي:
"مارال وسارة، زي ما علمتكم إزاي تطلعوا الشجر العالي هتطلعوه دلوقتي."
اعتلت كلا من "مارال وسارة" شجرة عالية بعيدة عن القرية ومعهما قناصات بها من الحقن ما يكفي على ظهورهما.
فأشارت للبقية بيديها:
"ميرا، بربروس، علي، ياسين، داغر، عمار، إنتوا معايا جوه المعركة. ياسين وعمار من اللحظة دي مهمتكم العربي، إنتوا أيد واحدة."
"شريف، عز، رعد، يزن."
"هتبقوا جوه البيوت الفاضية اللي قدامكم."
أشار الجميع برأسه بالموافقة وكل منهم اتخذ مكانه على حدة.
ذهبت حكيمة يتبعها الآخرون، يتوغل كل منهم بداخل الواقفين يتخذ مكانه على حدة، فيستكمل العربي حديثه:
"بعد ما نكسب معركة النهارده اللي أكيد هنكسبها ونقطع أعدائنا لقطع بأظافرنا، عايز أقول لكل واحد فيكم إن العالم هيبقى ملكنا، مش هيبقى ناقصنا شيء."
ارتفع هتاف الموجودين في الأرجاء، بينما يتوغل داغر بينهما هو وحكيمة وياسين وعمار والأخرين على حدة، يستمعون لما يقوله العربي، ينظرون هنا وهناك بحذر، فأستكمل العربي حديثه:
"إنتوا عارفين المشكلة في إيه؟ إن اللي بيحاربونا مننا، من دمنا، عايزين يقطعوا نسلنا، دول مش من أهلنا، دول أعدائنا ولازم يموتوا ونقلع جذورهم من أرضنا، مايستاهلوش نقول عليهم من جنسنا."
فهتف الجميع وارتفع الصياح موافقين على ما يقوله العربي.
نظر "العربي" إلى جهة اليمين يوجه كلامه إليها:
"خيبتي يا حكيمة ومابقاش ليكي عازه خلاص، لو افتكرتي للحظة إن عشبة القصيص مش هتخليني أشم ريحتك بعد ما اللعنة اتفكت فتبقي عبيطة، مابقاش في حاجة تقف قدامي خلاص."
أتجهت جميع الأنظار من المستذئبين جهة اليمين ينظرون للخالة. فاستكمل العربي حديثه ووقف بجانبه حسام والجزار داعمين له:
"أنا شامم ريحة كل واحد فيكم حتى لو مكنتش شايفكم، إنتوا دخلتوا النار برجليكم، بس ماجيبتوش الشمس معاكم عشان كده."
أشار العربي بعينيه إلى حسام، فجاء بغرام وهدير الممسكة ببطنها بألم شديد قائلاً:
"هدير بتولد يا داغر، هستمتع بتقطيع ابنك بعد ما أمص دمه."
نظر عز إلى غرام وقد اعتلت الصدمة وجهه، فهذا هو آخر مكان ممكن أن يراها فيه. حاول أن يخرج من المنزل المهجور هذا، ولكن منعه كلا من رعد وشريف:
"اهدأ يا عز لسه الإشارة ماجتش، ماتبوظش كل حاجة."
أنهى شريف جملته وصك عز على أسنانه من الغضب محاولاً تهدئة نفسه من جديد.
وضع حسام أظافره على رقبة غرام، والعربي وضع أظافره على رقبة هدير، فسالت دماءها من بين يديه، فاستنشق جميع المستذئبين دمها، فقال العربي:
"دي آخر مرة هطلب منك فيها إنك تسلمني 'شمس' يا داغر، وإلا بعد كده هسيبها ليهم."
دخلت "شمس" من بين الجميع مرتدية القلادة، دخلت دخول مميز، وكلما تحركت خطوة يفسح الجميع لها المجال. فوقفت أمام العربي بينها وبينه مترين تقريباً، تضع السلاح على رأسها:
"أنا أمامك بكامل إرادتي ولن أسلمك نفسي قبل أن تتركهما معاً."
ابتسم العربي على هذه الخدعة التافهة، ولكنها نجحت بجذب انتباهه لها. فتحرك "ياسين" و "عمار" بين الحضور يحاولون الاقتراب منه، كل واحد منهم من جهة، يقتربون ببطء حتى لا يلتقط رائحتهم سريعاً:
"وإنت بقى عايزة تفهميني إنك فعلاً هقتلك نفسك؟"
فردت عليه بثقة مبالغ بها:
"نعم، وأنت تعلم جيداً أني قادرة على فعلها."
اذا مت أنا على يد أي شخص هنا غيرك سيمتلك هو القوة وستصبح أنت الضعيف.
نظر المستذئبين لبعضهم البعض بحيرة.
أحقا ما تقولينه صحيح؟
فأستكملت شمس حديثها:
وإذا قتلت نفسي بيدي ستظل أنت ضعيفا والموت سيحاوطك من كل مكان.
اعتلى الغضب ملامح وجهه، فقد نالت منه بنت المهدي حقا.
وقالت بنبرة بها من الإصرار ما يكفي:
اتركهم في الحال.
أنزل العربي أظافره من على رقبة هدير ببطء وأشار بعينيه إلى حسام.
فبعد يديه عن غرام قائلاً:
قربي يا بت المهدي.
اقتربت شمس منه بحذر.
فأمر الجزار رجاله أن يحاوطوه.
العربي فأصبحوا كالجدار يحموه بأرواحهم.
ترك هدير وغرام فابتعدوا خطوة.
وتقترب هي خطوة أخرى منهم.
ويقترب داغر معها ليأتي بهدير.
نظر حسام لداغر يحدث نفسه قائلاً:
مش بالسهولة دي هتاخدها مني يا داغر.
وقبل أن ترمش لها عين، وقف حسام أمامها يأخذها لبيت من البيوت المهجورة أمامهم.
يخبأها من داغر.
استطاعت غرام الهرب.
وعمت الفوضى في الأرجاء بعدما أعطت حكيمة الإشارة لهم.
فكلا من سارة ومارال يصوبون بالحقن عليهم.
فيقع المستذئبين أرضاً.
وحكيمة سرعتها عالية حقاً.
كانت تقتل كل من يعترض طريقها.
أما عن ميرا فتحولت لذئب شرس يستطيع أن يفتك بأسنانه ما يقابله أمامه.
وبربروس وقف بظهر علي يحمي كل منهما الآخر.
تجمع حولهما عدد كبير من المستذئبين.
فتحت عينه للون الأسود وفرد أظافره ليهتك بهم.
وظهر الجانب السيء من شخصيته.
فكان يقف علي خلفه يشق رقبة كل من يتعدى عليه في الحال.
دخل المستذئبين البيوت المهجورة.
فكان يطلق عليهم عز الرصاص الممزوج بالفضة في قلوبهم.
يمنعهم من دخول البيت.
ويحاول الوصول إلى غرام يحميه شريف من الخلف.
أما عن يزن فهو يجلس فوق السطوح يملأ قناصته بالرصاص.
يحميه رعد من الخلف.
ويقتل كل كائن حي يتحرك بالمكان.
يريد جميع المستذئبين الآن الوصول إلى شمس.
فمن يقتلها تصبح قوته أكبر.
يحميها كلا من ياسين وعمار بروحهما.
يفتكون بكل من يحاول الوصول إليها.
ينظر ياسين إلى عمار نظرة صارمة قائلاً:
حاول تخرج بيها من هنا وسيب الباقي عليا.
يفتك عمار برقبة واحد منهم وهو يقول:
مش هتقدر عليهم لوحدك.
فكانت نبرته هي الأقوى وهو يحول عينيه للون الأحمر قائلاً:
اسمع كلامي بقولك.
قبض عمار على كف يدها بقوة محاولاً الخروج بها من هذا المكان البغيض.
فتجمع المستذئبين من حول ياسين فعددهم كبير.
تحولت عين ياسين للون الأحمر القاتم وأخذ يهتك بهم هنا وهناك.
فكانت سرعته مبالغ بها.
هو نفسه لم يصدق ما يحدث له.
فكان يقتلهم بسهولة بالغة.
كان داغر يبحث عنه بكل شبر بالقرية وبكل بيت بها.
حتى وجدته غرام والنهجة تعتلي صدرها من كثرة الركض خلفه.
ذهبت إليه مسرعة قائلة:
هدير في البيت اللي وراك ده.. أنا شوفتهم وهما بيدخلوه يا داغر.
هدير بتولد لازم أبقى معاها.
صك هو على أسنانه يقبض يديه بقوة قائلاً:
اتحركي أنا وراكي.
رحلت غرام وبدأ هو يركز سمعه على خطوة قدمها.
حتى ذهبوا إلى ذلك البيت المهجور.
فتح الباب بحذر وغرام خلفه.
لم يجدوا شيئاً به.
استغربت غرام قليلاً تسأل داغر:
إزاي أنا شايفةهم وهم داخلين هنا بعنيا.
أغمض هو عينه بعدما حاول التقاط رائحته.
فالتقط رائحته أخيراً.
فتح مخبأ تحت الأرض ليجده بانتظاره يبتسم له.
تعلوه نظرة مليئة بالخبث قائلاً:
أتأخرت ليه يا حبيب أخوك مراتك بتولد.
كده كنت هتفوت عليك الولادة بتاعتها.
ابتسمت هدير عند رؤية داغر أمامها وهي مستلقية على ظهرها.
شعرت بشعور غريب عند رؤيته.
ذلك الشعور حينما تهجم علينا موجة حارة شديدة وينقذنا سريان أول خيط من نسيم الهواء المنعش.
ذلك الانتعاش المحبب لقلوبنا هو ما أصابها عندما وجدت داغر يتوسطهما.
منتظراً ما سيفعله حسام.
ولم ينتظر كثيراً حتى وجده يقول:
استنيتك كتير يا حبيب أخوك ودلوقتي جه وقت الانتقام.
وهدير بتشوفني وأنا بقطع من جسمك حتت عشان تعرف مين فينا الأقوى.
صرخت هدير صرخة بها ما يكفي من ألم.
فذهبت غرام إليها مسرعة وهي تقول:
هدير حاولي تتنفسي.
اتنفسي يا هدير.
رفع حاجبه ينظر خلفه بابتسامة صفراء:
الظاهر إن ابنك هيتولد ويشوفك وأنت بتموتي قدامه.
ابتسم داغر ابتسامة لئيمة واكتفى بها عن الكلام.
فأخرج كلمة واحدة فقط من بين شفتيه:
خلصت كلام.
يلا نبدأ.
نظر حسام أمامه فلم يجده.
نظر يميناً ويساراً يبحث عنه.
فسمع صوت داغر وهو يقول:
بص فوقك.
رفع حسام رأسه ليجده يغرز أظافره بالسقف ويسقط عليه مسرعاً.
ليوقعه أرضاً.
كانوا ومازالوا بداخل المعركة.
فكلما يقتلون عدد كبير منهم تتزايد أعدادهم كالجراد بكل مكان.
نظر بربروس خلفه لعلي يحاول الصمود:
وحسرتـاه على ما نحن فيه الآن فهم يتكاثرون مثل الذباب.
غرز علي أسنانه برقبة واحد منهم حتى شق رقبته قائلاً:
اثبت يا بربروس.
أحنا مش هنطلع منها غير وإحنا ميتين يا كسبانين.
أنت فاهم.
أشار بربروس برأسه لعلي دليل على موافقته.
وفي تلك اللحظة تحاول مارال مساعدته من بعيد.
فكانت تصيب كل من يقترب منه وتغرز الحقن بأجسادهم.
لاحظ مستذئب منهم قدوم الحقن من الخلف.
فنظر للأعلى فوجدها فوق الشجرة.
فاتجه نحوها.
لاحظ بربروس ذلك فحاول اللحاق به.
ولكنه لم يستطع من كثرة المستذئبين باتجاههم.
كانت ميرا تحاول الفتك بأي مستذئب يقترب منها.
اقتربت منها الخالة فأخبرتها بصوت مرتفع وسط المعركة:
ميرا حاولي تطلعي ياسين من اللي هو فيه.
ياسين هو الوحيد اللي هيقدر يخلصنا من العربي ونخلص من كل ده.
أشارت ميرا برأسها دليل على الموافقة.
وأخذت الخالة مكانها.
دخلت من بينهم تفتك بأسنانها كل من يحاول الاقتراب منها.
وجدت لدي الكثير من المستذئبين.
فنطقت الخالة مسرعة:
يزن أحمي ضهر ياسين.
أشار يزن برأسه واتجه يصوب على الجهة المقابلة.
حتى يتسع لياسين الخروج من تلك الدائرة الشرسه.
رحل عز يبحث عن غرام هنا وهناك بعينان حائرتان.
يحميه شريف من الخلف على مسافة بينهما.
حتى وجد الجزار.
ابتسم عز ابتسامة صفراء.
فأخرج سلاحه مسرعاً.
وقبل أن يضغط الزناد ضغط الجزار على سلاحه قبله.
فأصابه بطلق ناري ليقع أرضاً.
نظر شريف إلى عز يصرخ باسمه والصدمة تعتلي وجهه:
عز.
دخل عمار بشمس المنزل بداخل ذلك القبو التي لطالما كانت تمقته.
أخذت تنظر إليه جيداً تستذكر ما حدث فيه.
شردت قليلاً بعقلها فأفاقت على كلماته:
خليكي هنا ماتتحركيش.
أنا لو قتلت العربي كل شيء هيبقى بخير يا شمس.
أنهى عمار جملته وهو ينظر لها يحاول أن يطمئنها قليلاً.
فقالت هي مسرعة:
ولكن لا تذهب بمفردك.
يجب عليك مرافقة ياسين.
إياك الذهاب بمفردك يا عمار فأنت لا تعلم مدى قوته الآن.
وبالرغم من تلك القوة يريد أن يصبح أقوى مخلوق على الأرض بقتلي.
ابتسم عمار ابتسامة بها من القلق ما يكفيه:
ماتقلقيش عليا أنا رايحله.
اعتلت الصدمة وجهها وهي تنظر أمامها.
انكمش حاجب عمار ينظر خلفه ليجد العربي أمامه:
أنا عرفت إنك جايلي قولت أوفر عليك المسافة وأجيلك أنا بنفسي.
أعتلت أنفاس عمار وحول عينيه للون الأحمر وأخرج أظافره.
يخبئ شمس خلف ظهره قائلاً:
وأنا مستنيك.
غرز داغر أظافره بظهر حسام بكل قوته وحمله وألقى به إلى الحائط.
فوقف حسام مبتسماً تلتئم جراحه بسرعة.
ينظر إلى داغر نظرة خبيثة:
أوبس ماتعورتش.
أمسك حسام بداغر وألقى به خارج المنزل بقوة من خلال النافذة.
فأخرجه خارج المنزل من قوته.
صرخت هدير صرخة مكتومة فلم تعد تتحمل أكثر من ذلك.
قائلة والعرق يصب من جبينها:
خلصيني يا غرام مش قادرة حرام عليكي.
اضغطي.
اضغطي كمان مرة يا هدير.
خلاص أنا شايفه الراس.
ساعديني وساعدي نفسك.
ذهب شريف مسرعاً إلى عز والقلق يملأ قلبه.
فأعطاه الجزار ظهره مبتسماً بسمة الانتصار الآن.
فوقف عز سريعاً يصوب طلقاته كاملة بظهره.
يخر على الأرض ليصبح قتيلاً.
تنهد شريف تنهيدة ارتاح بها أخيراً:
أنا إزاي نسيت إنك بتلبس صدرية واقية من الرصاص.
ابتسم عز لشقيقه:
عشان القلق بيخليك تفقد تركيزك.
خليك هنا اطلع مع يزن ورعد بسرعة.
هما محتاجينك.
أنا هاروح أدور على غرام.
أشار شريف برأسه بالموافقة بعدما علم من نظرة عز بأنه لن يسمح بمرافقته.
ذهب شريف فوق السطوح معهم.
نظر له رعد قائلاً:
امسك سلاح بسرعة.
إحنا اتكشفنا جايين علينا.
فرد يزن:
احموني بسرعة.
أخذ الاثنان يطلقان النار دون توقف.
وصل المستذئب الشجرة الخاصة بمارال يهز الشجرة بعنف.
فـنظرت له مارال حاولت أن تلقم سلاحها.
ولكن من قوة اهتزاز الشجرة وقعت الحقيبة على الأرض من الأعلى وبداخلها جميع الحقن.
ابتسم المستذئب وغرز أظافره على الشجرة وصعد إليها ووقف أمامها يكشر عن أنيابه.
رجعت مارال إلى الخلف والرعب دب بقلبها.
أمسك بها المستذئب ليغرز أسنانه بجسدها.
فأمسك به بربروس من الخلف وألقاه بعيداً عنها.
فسألها ليطمئن عليها:
مارال هل أنت بخير.
هل أصابك بأذى.
كان قربه منها يبث شعور الأمان بداخلها.
فاقتربت منه ودفنت رأسها داخل صدره.
خرج ياسين أخيراً من تلك الدائرة المليئة بالمستذئبين بمساعدة الخالة ومارال ويزن.
ذهب يبحث عن العربي بكل سرعته.
فوجد داغر ملقى أمامه على الأرضية وحسام يأتي إليه من خلفه.
مد يده لداغر ليساعده على النهوض.
فنهض داغر مسرعاً يحاول استجماع قوته.
نظر حسام إلى ياسين فابتسم ابتسامة سخرية قائلاً:
إيه ده أنت هنا يا حبيب أخوك.
رد ياسين وعلامات الاشمئزاز تظهر على وجهه بكلام مختصر:
تؤ.
تؤ هناك.
رفع حسام حاجبه:
ولما أنت هناك مين اللي هنا.
أشار برأسه:
خيالي.
أخرج ياسين أظافره.
فمنعه داغر من التدخل قائلاً:
سيبهولي أنا.
عايزك تتوصى بي يا داغر ده تعبان حي.
أنهى ياسين جملته.
فأشار حسام على نفسه بأصبعه:
أنا تعبان يا حبيب أخوك تصدق أنا كده زعلت.
فرد ياسين بنبرة ساخرة:
أنت زعلت يا حبيب أخوك.
اسف لو كنت قولت كلمة ضايقتك وجرحتك ياحبيبي.
ضرب على جبينه بيده ينطق بسخرية لاذعة ونبرة متهكمة ضربت حسام في مقتل:
أخ نسيت التعابين مابيحسوش.
صك حسام على أسنانه غاضباً مما قاله ياسين للتو:
أنا سيدك وتاج راسك وكمان شوية هنبقى أسياد الأرض كلها.
ابتسم ياسين، بل وارتفع صوت ضحكاته، فأتى عز من خلفه ووقف الثلاثة أمامه، فنطق كلماته قائلاً:
تعالى ياعز، تعالى اقرأ معانا الفاتحة بنية إن ربنا يشفي كل واحد نسي أصله وهو جربوع ولا يسوى.
مد حسام خطوته ليقف أمام ياسين، فوقف داغر في الوسط بينهما وضر به ضربة بأحشائه أوقعت به أرضاً. ابتسم ياسين لداغر:
أسيبك أنا بقى، أنت مايتخافش عليك.
نظر داغر لعز:
عز، غرام وهدير جوه البيت، احميهم وسيبهولي أنا.
رحل ياسين يبحث بكل مكان عن العربي، وآخر مكان قرر أن يدخل به هو منزله. دخل المنزل بحرص شديد، وكلما يخطو خطوة يتذكر ذكرى به، ذكرى مؤلمة، فيفتح باب الذكريات بعقله من جديد.
يقف كلاهما، الضبع والعربي، بداخل المنزل يتحدث العربي بنبرة صوت عالية ومزعجة:
أنت ليه مش قادر تفهم ياضبع، أحنا خلاص انتهينا، من ساعة اللعنة دي واحنا بنضعف، لازم نلاقي اللي نتسند عليه، أنت عارف المهدي ما بيخلفش.
أشاح الضبع بيده معترضاً على كلامه:
اعمل اللي أنت عايزه بس مالكش صالح بابني، مش معنى ياسين هو اللي عايز تعمل عليه تجارب، ما عندك مستذئبين تانيين كتير ياعربي.
صك العربي على أسنانه يعتليه غضب عارم:
أنت صدقت إنه ابنك بصحيح؟ فوق ياضبع، اللي زينا مابيخلفش.
سمع ياسين حديثهما فأتى على الصوت سائلاً:
فيه إيه وتجربة إيه اللي بتتكلموا عنها؟
ضرب الضبع بالعكاز الخاص به الأرض قائلاً:
ده العربي عايز يجرب تجارب جديدة ويحطها في بيته، ماتشغلش بالك أنت ياياسين، العربي أصلاً كان ماشي.
فاق من شروده على صرخة شمس، نزل مسرعاً إلى البدروم ليجد العربي يغرز أظافره برقبة شمس. وقف أمامه يتحداه:
مستني إيه؟ ماتقتلـ ـها.
تبادل عمار وشمس النظرات القلقة من حديث ياسين:
عايز تفهمني إنك مش مهتم إني أقتلها؟
رفع ياسين رأسه، فتقابلت عينه بعين عمار، أشار له بعينه أن ينظر إلى الأرض، فأكمل حديثه مع العربي:
ابقى بكذب بصراحة، أنا مهتم.
تبادل ياسين النظرات العدوانية مع العربي يحاول لفت انتباهه عن عمار، ليخطو عمار خطوة للخلف، وبحركة سريعة منه يجذب السلسلة الحديدية من تحت قدم العربي بقوة، فيقع أرضاً. ركضت شمس وقفت تهرول خلف ياسين مسرعة محتمية بذلك الجدار البشري، مدت كفها وقبضت على سترة ياسين من الخلف، فأصابته الدهشة، كان من الممكن أن تتشبث وتحتمي بـ عمار، لماذا هي إذن تحتمي به الآن وأخذته ملجأ لحمايتها؟ نظر لها عمار باستغراب محاولاً فهم ما حدث للتو، ولكن قاطع نظراته العربي وهو يمد يده ليلقي به على الحائط من قوة الضربة، هدم الحائط من فوقه.
أخرج ياسين أظافره وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاتم، يقاتل العربي بكل ما فيه من قوة. ركضت شمس نحو عمار ترفع الطوب من فوق رأسه تسأل لتطمئن عليه:
عمار، أنت بخير؟
وقف واستقام يشير برأسه بالإيجاب، ينظر أمامه ليجد العربي يلقي الضربات لياسين بأظافره وأصبح جسده مليء بالدماء.
ما زال الكل في معركته، فقد ضيق المستذئبين الخناق على الطبيب، فكاد يهزم.
أما عن مارال وهي متحولة على هيئة ذئب، فاستطاعوا أن يكبلوا قدميها بالسلاسل الحديدية.
تستطيع الخالة الصمود، ولكن إلى متى؟
يقف مارال وبربروس أعلى الشجرة، ينتظرهم العديد من المستذئبين، يحاول بربروس جاهداً ألا يصعدوا إليهم، يحاول حمايتها من الأذى. أما عن سارة، فقد استنفذت جميع الحقن الخاصة بها.
وشريف ورعد ويزن، شكل المستذئبون دائرة حولهم.
ما زالت المعركة قائمة بين داغر وحسام، استطاع حسام أن يهزم داغر أخيراً، فوقع في الأرض ذليلاً. التف حسام من حول داغر ببطء شديد يقول ساخراً:
كنت فاكر نفسك هتهزمني.
انحنى يهمس بأذنه:
تبقى عبيط ياداغر.
هدير، اضغطي شوية، الولادة متعثرة والعيل مش راضي ينزل.
كانت هذه كلمات غرام وهي مغطاة بدماء هدير، فأكملت حديثها:
قولي يارب ياهدير، قولي يارب.
صرخت هدير من قلبها:
يـــــارب.
الظاهر إن مراتك ولادتها مش سهلة، عايز أقولك أنا هموتك بالراحة عشان أستمتع بموتك. وضع حسام أظافره على رقبة داغر، فرفع داغر أظافره بعين حسام بقوة، فأطبق عينه ودماؤه تسيل منها. قام داغر ووقف وراء ظهره بآخر نفس لديه قائلاً:
بس أنا هقتلك بسرعة عشان كفاية عليك أوي كده بصراحة.
شق داغر رقبة حسام، فأصبحت رأسه منفصلة عن جسده. خر أرضاً من الألم، فكل إنش بجسده استطاع حسام أن يغرز به أظافره.
القى عمار جسده بالكامل على العربي يقطـ ـعه بأظافره الحادة، فالتأم جرح ياسين واستقام، فكان الاثنان كيد واحدة تضرب العربي في مقتل. استطاعا أخيراً هما الاثنان إضعافه ووقع أرضاً. نظر كل منهما للآخر، فأمسك عمار برأس العربي ويفسح المجال لياسين لشق رقبته، ولكنه في هذه اللحظة شعر ياسين بصداع كاد أن يفتك برأسه من جديد. وضع يديه على رأسه من كثرة الألم، خر على الأرض وعادت له جميع ذكرياته من جديد.
حاول عمار أن يحادثه:
ياسين، أنت بتعمل إيه؟ قوم، مافيش وقت، مش قادر عليه لوحدي.
انفصل ياسين تماماً عن العالم وانخرط في باب ذكرياته:
ادخل ياسين المرأه والطفل إلى الكوخ وضعها على الفراش، ظل ينظر إلى ملامحها هي والطفل الذي ما زال يصرخ ولا يتوقف عن البكاء. حمل الطفل الصغير بين ذراعيه، وفتحت هي عينيها ببطء، أمسكت كف يده قائلة:
ياسين، ده عمار ابننا، أنا سميته عمار، عرفت أهرب بيه من العربي قبل ما ياخده مني، خلي بالك منه ياياسين.
نظر لها ياسين باستغراب:
ابننا؟ ابننا إزاي؟ أنتِ مين؟
ابتلعت ريقها والنهجة تعتلي صدرها.
حاول تفتكر ياياسين، الضبع بيمسحلك ذاكرتك دايماً، بس أنت آخر مرة افتكرت وهتقدر تفتكر تاني دلوقتي، مابقاش في وقت، أنا بموت ياياسين، مش عايزة ابني يموت معايا.
لفظت المرأة أنفاسها الأخيرة والدموع على وجنتيها. استطاع ياسين تذكر ما حدث وأخذ عمار بحضنه ينظر للوحمة فوق رأسه، فهي نفس وحمة والدته. قام بدفنها والدموع تملأ عينيه، وأخذ الطفل الصغير إلى عائلة الحربي مسرعاً. عاد إلى الضبع الذي علم بفعلته، فخاف عليه من العربي، فقام بمسح ذاكرته من جديد، ولكن هذه المرة مسح ذاكرته إلى الأبد.
فاق من شروده يتذكر الوحمة بداخل رأس عمار وكلام الخالة، نظر أمامه ولم يستوعب عقله ما حدث للتو، ليجد العربي ممسكاً بعمار من عنقه بقوة قائلاً:
شايف من نظرة عينك لابنك إنك افتكرت، فضلت تحاول تدور عليه سنين، مع إن الضبع كان ماسح ذاكرتك، بس قلبك كان بيدلك عليه لحد آخر خمس سنين.
طالع ياسين ابنه بذهول، فقد أحكم العربي قبضته على رقبة عمار كالأفعى السامة، ووضع أظافره على صدره بجهة قلبه، فأكمل حديثه:
إيه رأيك مفاجأة مش كده؟ إن عمار يطلع ابنك، افتكرت كل حاجة صح؟
ابتلع ياسين ريقه وحاول أن يستجمع شتات روحه:
سيبه، خدني أنا بداله.
هز العربي رأسه يساراً ويمينًا:
وأنا هعمل بيك إيه؟ أنا هقتله قدامك عشان أقهر قلبك عليه، وهقتل شمس قدامك، هخليك تعيش مذلول طول عمرك، إزاي ما أخدتش بالي إنك الفا وحكيمة قدرت تخبي عني السنين دي كلها.
اندفع ياسين باتجاه العربي ليمسك به، فغرز أظافره بسرعة فائقة بداخل صدر عمار ليخرج قلبه من صدره، ويصبح قلب عمار بكفه، ليخر عمار أرضاً، يقع قتيلاً، تفارق روحه الحياة هنا. تجمدت الثواني وتجمد الوقت، صرخت شمس ناطقة باسمه:
عمـــــــار.
أهو، أهو أنا شيفاه ياهدير خلاص نزل.
"يا مخلص روح من روح"
كانت هذه كلمات هدير وهي تستعد لإخراج ابنها للحياة.
تعالت صرخات الطفل إلى الحياة، فقد انقطعت حياة عنا، وبعثت حياة أخرى من جديد.
ابتسمت غرام وهي ممسكة بالطفل بين يديها، ليذهب عز للخارج يبلغ داغر بولادة ابنه، ليجده ملقى على الأرض يحاول جاهداً أن يقف على قدمه.
جلس ياسين ينظر إلى عمار، فالصدمة كانت كثيرة على عقله. نظر إلى العربي، صاح بتأوهات جعلت ياسين يندفع نحو العربي كالثور الهائج تجاهه، ليغرز أظافره بقلبه ويفصل رأسه عن جسده. كان يملك قوة بهذا الوقت لا مثيل لها، قوة لا محدودة. ارتجف جسد شمس رعباً مما تعيشه الآن، خاصة حينما جلست القرفصاء تلمس جسد عمار لتجده قتيلاً أمامها لا يتنفس. هرول ياسين إلى ابنه مسرعاً، ضمه إلى صدره يتحسس خصلات شعره يتذكر كل ما فات. رفع رأسه ينظر للسماء ووجد نفسه يصرخ بأعلى صوته قائلاً:
يـــــاما.
سمعت حكيمة صراخ ياسين ونظرت من حولها لتجد المستذئبين يخرون أرضاً جميعاً، فعلمت بأن ياسين قام بمهمته، ولكن قلبها علم أيضاً بموت ابنه، فهذه الصرخة ليست من فراغ. لتجد نفسها قائلة:
"يا حسرة قلبك على ابنك يابني".
جاءت ميرا أمام الخالة وارتدت القلادة الحقيقية، فما كانت ترتديه شمس ما هو إلا قلادة مزيفة.
واستطاع ياسين ضم ابنه إلى صدره عندما فقد حياته كاملة.
هكذا هي الدنيا، نفقد روح لتولد روح جديدة للحياة.
رواية الهجينة الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم ماهي احمد
"متى يستريح القلب، فوالله قد هلك."
تلك اللحظة، اللحظة التي نزفت بها القلوب دماً.
تعالت الصرخات، صرخات ما بين الحياة والموت، صرخات تدل على حياة أحدهم، وصرخة أخرى تدل على فقد حياة أحدهم.
"يــــــــاما."
ظل يصرخ، صرخته كصرخة يعقوب عندما فقد يوسف ابنه. كلمة من أربع حروف، صرخات متتالية، حروف بسيطة كونت كلمة رجت أركان القلوب.
"يا حسرة قلبك على ابنك يا بني."
هذه كانت جملة الخالة عندما سمعت صرخته النابعة من قلبه بصدق. بضع كلمات صغيرة خرجت من بين شفتي الخالة عند سماع صرخته. انتظرت سنوات كثيرة لسماعه يردد كلمة "ياما" من جديد، ولكن حينما لفظ بما كانت تتمنى، قالها كصرخة ليعبر عما بداخله، عما يشعر به. فكان يشعر بفقدان روحه في الحرب، وبالفعل فقدها. ألم وحزن يسيطر على كل أنحاء جسده الآن.
تجمع الجميع من حوله، تعتلي وجوههم الصدمة مما يشاهدونه.
الجميع بلا استثناء، حتى هدير وهي تحمل مولودها بين أحضانها، فقد رجت صرخة "ياسين" الأجواء رجا.
نظر "يزن" إلى جثمان صديقه، تجمد جسده تلك اللحظة. جثا على ركبتيه، لم تتحمله قدماه عند رؤية جثمان نصفه الآخر، ففي هذه اللحظة شعر بأنه فقد قطعة من روحه. شعور لا يوصف. لحظات تمر على الجميع وكأن الوقت تجمد.
عند رؤيته بتلك المنظر، قلبه بجانب جثمانه. حاول "يزن" التقرب من جثمان صاحب عمره ورفيق دربه، ولكن "ياسين" منعه وضمه بداخل صدره بقوة. تنهمر الدموع بغزارة من عينيه على وليده. صاح "يزن" وأصبح جسده يرتعد. لم يستطع التفكير في أي شيء، وقد أصبح العالم كله باللون الأسود القاتم أمامه، فأنها حقا أصبحت كـ "الليلة السوداء".
كانت "شمس" تأمل رده، تتمنى لو نطق بكلمة واحدة فقط. كانت تصرخ بهيسترية. لم يتحملها جسدها، فأسندتها "ميرا" قبل أن تفقد وعيها وأخذتها إلى غرفة "ياسين". أما عن "مارال"، فهذه المرة الثانية التي تفقد بها شقيقها. ظلت تنادي عليه باسمه، تصرخ به. لم يستوعب عقل أحد منهم بأنه فقد حياته للتو. شاب في الرابعة والعشرون من عمره قد فقد روحه. نظرت "الخالة حكيمة" إلى "ياسين" وهو يتشبث بأبنه داخل صدره، يريد أن يضمه بين ضلوعه أكثر. جلست أمامه تحاول أن تهون عليه ولو لقليل، ولكن كيف؟ هل من شيء يستطيع أن يهون عليه الآن؟
نظر لها "ياسين" وهو يرى معالم الزمن تعود إلى ملامحها الآن، والعجز والكبر ينحت ملامحها من جديد.
نطق بنبرة جامدة وكأنها فقدت الحياة بعد أن غادر الجسد روحه. فطاوعه لسانه بعد مجهود منه أخيرًا، وهو يحتضن أبنه قائلا:
_ أنت كنتي عارفة، كنتي عارفة أن عمار ابني وماقولتليش.
حاولت أن تنطق، أن تبرر له، ولكن أشاح بنظره عنها وأخذ يطالع "الطبيب" ناطقا:
_ أنت كمان يا "علي"، كنت عارف أنه ابني اللي بدور عليه سنين وماقولتليش.
ابتلع "الطبيب" ريقه والدموع تلمع في عينيه ونظر إلى الأرضية. ابتسم "ياسين" ابتسامة مكسورة، كاد أن يفقد عقله ونظر إلى جثمان أبنه الذي يحتضنه، وكأن شخص آخر يحادثه.
قال بثبات وعيونه مصطدمة بعينين "الخالة" اللامعتين:
_ أنا ماشي.
هما ما سوى إلا كلمتان، ولكن معناهما كبير. كيف يغادر بهذه السرعة؟ حتى قبل أن يدفن أبنه، كيف له بهذا الثبات؟ استغرب الجميع من ردت فعله. ترك جثمان "عمار" أرضا، وقف واستقام. فذهب "يزن" إليه في الحال يحتضن جثمانه ويضمه إلى صدره. رفع رأسه ينظر إلى "ياسين" والدموع تملأ عينيه بغزارة. هز رأسه بأنكار، رافض أن يصدق ما قاله "ياسين" منذ قليل. استجمع كلماته أخيرًا، ينطق بصرخة نابعة من قلبه:
_ كان هيدور عليك، كان متفق معايا بعد المعركة يدور على أبوه الحقيقي. كان فاكرك تستاهل، لكن أنت عمرك ما أستاهلت أن يكون عندك أبن زيه.
كررها "ياسين" بأصرار وهو ينظر حوله بأصرار، لعله يجد الملجأ. ردد كلماته مرة ثانية وهو ينظر إلى الفراغ أمامه:
_ أنا ماشي.
وكأنه لم يسمع شيئا مما قاله "يزن" للتو. ابتسم للفراغ أمامه ببريق يلمع بعينيه. أختفى بلحظات من وسط الجميع. نظر "بربروس" له بعدما عقد حاجبيه. لم يصدق أحدا منهم ما حدث للتو، فقد غادر بالفعل ورحل عنهم جميعا.
ظهر من العدم ضابط شرطة جديد بالقرية، يرفع سلاحه بوجههم جميعا. يرى دماء بكل مكان وأجساد مقطوعة الرأس. دماؤهم تغطي القرية. يسألهم بصوت مرتفع ويشهر السلاح بوجوههم:
اي اللي بيحصل هنا ده؟
نظر الجميع إليه في صمت تام، لا أحد يستطيع التحدث بوجود "الخالة". وفي ثواني معدودة، أصبحوا محاصرين من كل مكان. العساكر والضباط رافعين أسلحتهم عليهم. يرون نساء وامرأة عجوز وطفل رضيع ورجل أعمى.
مستسلمين تماما. حول جثمان "عمار". أخذت صرخات سارة ومارال تعلو أكثر فأكثر. أوقفت تلك الصرخات "الخالة" بعدما أمسكت بعصا خشبية وجدتها بجانبها لتتكىء عليها من جديد:
_ بــــــس، رجالة الصاوي مايتبكيش عليها.
ليأتي من خلفهم ضابط آخر مسؤول عن أمن المحافظة:
_ في ايه ياخاله حصل ايه هنا؟
طالعته "الخالة" بحذر:
انت تعرفني ياولدي.
فرد عليها بيقين:
_ ومين مايعرفش "الخاله حكيمه". القرية كلها تعرفك يا "خاله"، ومين الجثة دي ياخاله والذئاب اللي بره دي كلها بتاعت ايه؟ ودخلوا امتى القرية؟
صمت الجميع ولم ينطق أحد. ظل ينظر إليهم باستغراب حتى تحدث من خلفه الضابط "فريد"، ينظر للكل بحيرة مما يحدث ناطقا:
_ ذئاب ايه يا احمد باشا دي كلها جثث بني ادمين.
استغرب الضابط "احمد" والعساكر مما يقوله الضابط "فريد".
وعم الصمت الأجواء، فلا أحد ينطق بحرف، فقط يذرفون الدموع وهم ينظرون إلى جثمان "عمار" أمامهم. فنطق الضابط "فريد" قائلا:
_ اه، هي بقت كده طيب لملي يابني الناس دي كلها على البوكس.
أمسكت "الخالة حكيمة" معصمه بقوة ونظرت للضابط "فريد" بتحدي قائلة:
_ عندنا ميتم، الميتم بتاعنا يخلص الأول وبعد كده تعمل اللي تعمله. محدش هيتحرك من هنا. وطالما صاحبك عارفني فهيبقى عارف أن كلمتي بتمشي على الكبير قبل الصغير.
عقد حاجبيه باستغراب وأخذ يطالعها باحتقار. فأمسك به الضابط "أحمد" حتى يهدأ من روعه:
_ اهدى يافريد باشا دول عيلة الصاوي ورجعت قريتها من جديد ومافيش جثث غير جثة الشاب ده مش أكتر. وباين ان الذئاب دي هي اللى موته واللي من الواضح برضوا عليهم أنهم هيموتوا عليه. فأرجوك اهدى شويه واحنا هنعرف من "الخاله" كل حاجه. أرجوك اتفضل معايا بره.
نظر الجميع بكره إلى ذاك الضابط المتعجرف. فنظر "احمد" إلى "الخاله حكيمه" قائلا:
مستنيين حد من طرفك يا "خاله حكيمه" نعرف منه اي اللي حصل بالظبط.
انتزع الضابط "فريد" معصم يده من "الخاله" بقوة. يحاول الضابط "احمد" اخراجه. فنطق وهو يقف أمام المنزل:
انت عايز تجنني مكانش فيه ذئاب بقولك انا اول واحد حضر هنا قبلكم بحكم انى كنت قريب من المكان لما الاخبريه جاتلي انا لاقيتهم كلهم كانوا بني ادمين مش ذئاب.
نظر الضابط "احمد" من حوله فلم يجد سوى ذئاب فقط. صك الضابط "فريد" على أسنانه وقد تملكت الحيرة منه، فقد تحولت كل الجثث إلى ذئاب بالفعل. كاد أن يفقد صوابه حتى وجد من تنطلق كالسهم هاربة من المنزل وهي تردد اسمه "عمار" من بين شفتيها بكل مكان، فاقدة لصوابها، الدموع تنزل على وجنتيها بهيستريا. لقد لفظ أخر انفاسه أمامها. كادت أن تتعركل به. لحق بها الضابط "فريد" وأمسك بها وهي تكرر بعيون دامعة:
عمــار، أهو بخير، أرجوك، أخبرني، عمـــار بخير؟
نظر لها وهي بين يديه يراها تفقد وعيها من جديد. تأتي "ميرا" من خلفها:
_ شمس، شمس تعالي هنا رايحه فين؟
نظرت "ميرا" إلى "فريد" وهو يطالع "شمس". كانت حاله "شمس" يرثى لها. رمقته "ميرا" بعيون زائغه ولجأت بقول:
_ أصل عمار يبقى خطيبها والذئاب اتلمت عليه وموتته.
أخذتها "ميرا" من بين يديه وهي تسندها. فلحقها هو بلهفه يقطع الطريق أمامها وقد حسم بقوله:
_ أنتي متأكده أنهم ذئاب؟
أشارت "ميرا" رأسها بالأيجاب. فأشار هو بعينيه على "شمس" بتساؤل:
_ ومتأكده أن دي بشر زينا مش ملاك.
استغرب الضابط "احمد" من سؤاله. فتنهدت "ميرا" بغيظ وتركته ورحلت. ينظر لها هو وهي تبتعد عنه. ابتسم ابتسامة رضا على شفتيه. فأشار الضابط "احمد" بكف يده أمام وجهه:
_ أيه، روحت فين؟
افاق من شروده والبسمة تملؤ وجهه:
_ أنت شوفت اللي انا شوفته.
اه، شوفت بس دي من عيله الصاوى، يعني هعمل نفسي أني ماشوفتش. ما أنت معذور لسه جديد هنا وماتعرفش يعني ايه عيله الصاوي.
رد عليه والفضول يقتله:
_ مش فاهم برضوا يعني ايه عيله الصاوي اللي ماسكلي فيها دي يااحمد كل شويه.
استدار وصعد إلى سيارته وهو يسترسل حديثه:
_ تعالى، اركب ولما نرجع المركز هحكيلك واعرفك يعني أيه عيله الصاوي.
نطقت "الخاله" بوجع ينهش قلبها:
خد مرتك وادخل ياداغر خليها ترتاح، مرتك لسه نفسه محتاجه ترتاح.
حاولت "هدير" ان تطبطب على رضيعها والدموع في عينيها وهي تقول:
ماتقلقيش عليا يا "خاله" انا.
قاطعتها الخاله:
خد مرتك ياداغر.
أمسك داغر بهدير دون ان ينطق بحرف فالتعب تمكن منه هو أيضا، فكل أنش بجسده به. أثار أظافر "حسام". فالحرب كانت منهكة للجميع. استكملت الخاله حديثها وهي تنظر لـ "علي":
كل اللي اتبقى من عيله الصاوي يرجع القرية يا "علي" عندنا ميتم وهيدفن الليلة. عرف بقيت عيله الصاوي ان قريتنا رجعلتنا من جديد والكل بعد كده هيعيش فيها بأمان.
كانت تلفظ كلماتها بثبات أمام الجميع، ولكن من داخلها وكأن سكين حاد ينهش في داخلها. أطبق الصمت على المكان فلم يستوعب أحد بأن ما يحدث حقيقة. فأتى رعد بقماشه عريضة بيضاء يغطي بها جسد "عمار". ولكن هناك من اعترض وارتفع صوته بحالة هيسترية واعصابه تالفه منه:
_ لاء، لاء ماتقولوش انه هو كده مات. اكيد نقدر نعمل حاجه ونرجعه للحياة. أكيد مش هنستسلم.
اقتربت "ساره" من "يزن" والدموع تنهمر على وجنتيها تحاول تهدئته:
_ يزن، كفايه يايزن سيبه.
فنطقت الخاله تشير لـ "عز وشريف" بعينيها:
_ طلعوا "يزن" بره. أكرام الميت دفنه. عمـــار هيبات في تربته الليلة.
أمسك عز وشريف بيزن فحاول التملص منهم بعنف ولكنهم احكموا قبضته وأخذوه من أمام جثمانه. وذهبت "ساره" خلفهم. نظر بربروس الى مارال تلك الهادئة كانت تكور جسدها في ركن صغير بجسد مرتعش جالسه تنظر له. فأخذها هو وحملها على الخروج من ذلك المكان. بعد ساعات قليلة استطاع "الطبيب" اعادة عائلة "الصاوي" من جديد.
أتى الليل، وجاء معه الظلام القاتم. الظلام بكل مكان في القرية. يمسك الأهالي عصيان مشتعله بالنار حتى يستطيعوا الرؤيه في المقابر. لم يكن اليوم يوما عادي، فكان اليوم هو رحيل فقيدهم. لم يكن اليوم بيسير أبدا. قلوب محترقة على وليدهم. ظهر الأنهاك على كبيرهم قبل صغيرهم. معهم الجثمان الان يتجهون به إلى مقابر عائلة "الصاوي". تترأسهم حكيمه ويحمله من الأمام علي ويزن ومن الخلف داغر وبربروس ومن المنتصف رعد وعز وشريف. الأزدحام بكل مكان. اصوات النساء بالخلف يتقدمهم الرجال يودعونه على أي حال. مازالوا يتوجهون إلى المقابر واصوات النحيب والصراخ تعلو اكثر وكلما اقتربوا من المقابر يعلو صوت صراخ النساء أكثر. تردد في ذهن "يزن" وهو يحمل نعشه اخر محادثه حدثت بينه وبين عمار قبل المعركه بساعات التي حملت صوته الضاحك الذي يجبرك على الابتسام:
بعد ما المعركه ما تخلص هتجوز انا وشمس وانت وساره في ليله واحده دي هتبقى ليله عسل.
انتقل عقله الى لحظه اخرى سمعه يقول فيها:
انت خنزير يلا... انا عمرى ما هسيبك يايزن الا على قبري.
نزلت الدموع من عيني "يزن" رغما عنه، فاليوم نصفه الأخر رحل. وكأن عقله جمع له كل شىء الان فتذكر:
"يابني انت حاجه وحب شمس حاجه تانيه. حب الاخوه لين. العشق دايما بيبقي شديد. حب الاخوه بيبقى سهل بيبقي أجمل. حب العشق ساعات بيدخل جواه شكوك. حب الاخوه بيخليك مطمن ان مهما يحصل هتلاقي حد في ضهرك وسندك".
فاق من ذكرياته على صوت "الخاله" قائلة:
نزلوا النعش يارجاله.
وصلوا إلى القبر وأنزلوا النعش في لحظة مهيبة. أتت زهرة من الخلف وهي تهرول وكأن الموت يأتي خلفها. أتت ولم تصدق ماحدث عندما سمعت بالخبر. تشبثت بيد أبنتها وطالعتها بحب لتجدها لا تستطيع التحمل أكثر من ذلك. قدماها خانتها فأثنت ركبتها وجلست على الأرضية. أصبح التراب يملىء ملابسها. الرجال يتقدمون عنهم والنساء في الخلف. لا يوجد مكان خالي لقدم واحدة. الأزدحام رهيب. تقدم عز الى الأمام وكان هو اول من فتح بوابه القبر وأمسك بجثمانه. هبط من بعده الطبيب يمسك به هو الأخر ووضعوه داخل قبره وسط صراخ العديد والبكاء عليه. الكل يبكي بلا استثناء. الكل تنهش القهر من قلوبهم. أغلق رعد البوابه أخيرا. ونزف قلب شمس مع أغلاق البوابه دما. مارال وقد اختلط وجهها بالدموع. من يراها يقسم بأنها فقدت شيء لا يعوض. أما عن بربروس فالدموع لمعت في عيناه وتأبى النزول. هول اللحظة كان مهيب. مهيب بالفعل. نظر بربروس إلى تلك اللوحه الرخاميه المحفور عليها أسمه "عمار ياسين بن يزيد الصاوي".
من ٢٠_٢_١٩٩٩ الى ٢_١٠_٢٠٢٣ عمره قصير أليس كذلك ولكن أفعاله كبيرة لا تتسم مع صغر سنه. وجد "بربروس" لسانه ينطق من بين شفتيه والدموع تملىء عينينه:
"خلت الديار من الذين أحبهم من بعد عمار فلست بالي".
بدأ "بربروس" بتلاوة سور من القرأن الكريم بصوته العذب. حاول أن يتمالك نفسه ولكن حزن قلبه أطغى على صوته. رفع يده إلى السماء يدعي بالأدعية المعتادة في مثل هذه الأمور وقراءة الفاتحة على روح فقيدهم "عمار". شكرتهم "الخالة" على سعيهم طلبت منهم الأنصراف حتى تقل الزحمة قليلا. فتبقى بالأخير أهله وناسه و "يزن" شقيقه فهو ليس فقط بصاحبه.
جلس الجميع أمام القبر فنطق "يزن" قائلا بخشونة:
_ انتوا زي ماتكونوا عايزين تخلصوا منه. أبوه وسابوه ومشي. وانتي ياخاله دفنتيه في لحظة كان ممكن نعمل حاجه عشان يرجع يعيش.
نظر للجميع ومن ضمنهم شمس التي مازالت تبكي حتى جفت دموعها من على وجنتيها. فوجه حديثه إليها بخشونة:
_ بطلي عيــــــــاط.
أشار بعينيه الى الخاله التي تكاد تقف بثبات بالرغم ما بها:
_ ما انقذتهوش ليه ياخاله؟ ردي عليا.
قامت مارال واستقامت وهي تقبض حاجبيها باستغراب سائلة:
_ هو انتي ياخاله كان ممكن تنقذيه وما أنقذتهوش؟
نظرت الخاله اليهم جميعا قائلة:
هــــا، حد عنده اسئله تاني.
ضغطت ساره على اسنانها تتكلم بحرص:
أيوه، علي بيشوف المستقبل وطالما بيشوف المستقبل يبقى اكيد شاف موت عمار.
نطق "الطبيب" سريعا يبرر موقفه:
_ ماحصلش.
تكلم بنبرة متقطعة:
_ اقصد، اقصد أيوه انا جاتلي رؤية وشوفتها وكنت عارف ان في حد فينا هيموت بس مكنتش اعرف مين. انا شوفت اللي بيحصل بينا دلوقت وان احنا واقفين في القبور وكان في تلاته مننا مش موجودين عمار وياسين وهدير بس مكنتش عارف مين فيهم اللي الموت هياخدوا من وسطنا ومكانش ينفع نوقف المعركه مهما حصل حتى لو انا او الخاله نفسها. المعركه كانت لازم تتم مهما حصل.
انقبض حاجبي داغر وهو يقول:
يعني كان في احتمال ان هدير تموت!!
ضغط على شفتيه بعدما حاول أن يلاخذ نفس عميق بعدما جاهد في سحبه:
احنا داخلين المعركه وعارفين كلنا ان احتمال ماحدش فينا يرجع ياداغر مش هدير بس كلنا، وكلنا وافقنا على كده.
قطعت كلامه الخاله:
اللي مات يبقي ابن ابني اللي ربيته ومافيش حد هيعزه هنا قدي. ولو في حاجه تتعمل ولو واحد في الميه عشان عمار يرجع يعيش كنت عملتها يا "يزن". شمس عارفه ومتأكده ان بعد ما اللعنه اتجددت حتى بموتها مش هتتفك تاني. كل حاجه انتهت. عمار وقلبه انخلع من جسمه ومافيش حاجه هترجعه ومافيش حد هنا يملك انه يرجعه.
نظر عز الى الخاله سائلا:
والأله اللي كانوا هيجيبوا بيها العبقري بدل ما نروح للمستقبل نروح للماضي.
اشارت الخاله برأسها بالموافقة:
موافقه، موافقه ياعز بس لو عرفنا نشغلها وعرفنا مكانها كده هنفقد اتنين اولا ميرا اللي لابسه السلسله لو اتقلعت من رقبتها في لحظه هتموت والتاني اللي هيدخل جوه الأله لازم يضحي بنفسه ويكون بني ادم مش مستذئب وهنرجع العربي يعيش وهترجع كل حاجه من جديد. وطالما غيرنا الماضي المستقبل كمان هيتغير بس المره دي العربي اللي هيكسب ومافيش قوه هتخليه يخسر تاني. اوعى تفتكر يايزن ولو للحظه مهما حبيت عمار هتحبه قدي. ده اعز الولد ولد الولد ياولدي.
في مركز الشرطه ينظر الضابط "فريد" من النافذه الحديديه يرى القرية تبث بها الحياه من جديد. أشخاص غريبه تعود إلى قريتها بعد زمن بعيد تسكن البيوت وتعمر الأرض البور. ابتلع ريقه بعدما انتزع الكاب الخاص به من على رأسه يضعه على المكتب ثم أشار بعينيه إلى الضابط "احمد":
هو في ايه؟ ايه اللي بيحصل في القريه هنا ومين دول كلهم؟ انا جاي القرية مافيهاش صريخ ابن يومين اقضي سنه الخدمة بتاعتي في هدوء واتنقل ارجع بلدي كده مش هينفع.
ابتسم الضابط "احمد" والفرحة تملىء عينيه:
دول عيلة الصاوي رجعوا لديارهم من جديد. انا اوعى امي كانت بتحكيلي على العيلة دي وقد ايه هما عيلة كبيرة من زمان اوي. عيلة كان كبيرها اسمه "الصاوي" وكان بيحكم القرية هنا من قبل امي وجدتي كمان والولد البكري كانوا بيسموه ياسين يكبر ياسين ويخلف ولد يسميه برضوا ياسين عشان اسم ياسين يفضل في العيلة دايما ومايمحهوش الزمن وهكذا وكانوا بيحكموا الارض هنا بسلام والكل عايش فى هنا ونعيم. جد جدتي كانت بتحكي لجدتي وجدتي تحكي لجدتي وهكذا. وفي واحد اسمه المهدي كان من بره عيلة الصاوي. الصاوي الكبير رضي يدخلوه وسطهم وبقى منهم وبيحكم معاهم دايما لحد ما جه الضبع وقـ ـتل المهدي وقدر يطلع عيلة الصاوي بره البلد ودخل ناس جديدة. بس الوحيدة اللي مطلعتش بره بعد موت المهدي والصاوي الكبير هي الخاله حكيمه كانت متمسكة بالبلد أوي. دخلت عائلات تانيه غير الصاوي البلد بأمر من الضبع وولده اللي برضوا كان اسمه ياسين. محدش كان يقدر يفتح عينه ويشوفوه. كانوا بيقولوا عليهم شياطين مش بني ادمين. الضبع عاش مهما عاش في البلد هو وابنه بس محدش قدر يفتح عينه ويشوفهم في يوم.
ابتسم الضابط "فريد" وهي يضع لفه السيجاره في فمه:
بالذمه مش مكسوف على نفسك وانت ظابط ملو هدومك وتؤمن بالتخاريف دي.
ابتسم الظابط احمد قائلا:
مش مصدق انت حر. وبعدين انت واحد هتقضي السنه بتاعتك هنا وترجع لحضن ابوك سيادة اللواء من جديد اللي جايبك هنا عشان يقول للكل انه مش بيفرق ما بين ابنه وظباط الشرطه التانيين وان كلنا واحد مع ان كلنا عارفين انه بيعمل كده عشان بيطمح انه يبقى وزير الداخليه في يوم.
ضرب بيده على المكتب بقوه:
_وهيبقى وزير الداخليه قريب او بعيد هيبقى وماتنساش نفسك وانت بتتكلم على سياده اللواء حسين الدمنهوري والدي بعد كده. والتخاريف اللي بتقولها دي ماتدخلش دماغي بجنيه.
نظر الظابط احمد الى الارضيه قائلا:
انا اسف يافريد باشا الظاهر اني نسيت نفسي.
تحدث "فريد" وعينه لا تفارق النافذه من جديد:
_ماقولتليش يعني البت اللي معاهم اللي اسمها شمس دي وكانت بتجري ماتعرفش تقربلهم ايه.
وقف خلفه يطالعه وهو يقول:
_لا والله معرفش بس طالما دخلت دار عيلة الصاوي تبقى منهم. عيلة الصاوي مابدخلش حد دارها بسهولة.
القى بالولاعه وعلبه السجائر على مكتبه بزهق يحادث نفسه:
انا متأكد اني اللي كانوا في الأرض دول ناس مش ذئاب ومش هسكت الا لما اجيب اخر الموضوع ده ايه والايام بينا ياعيلة الصاوي.
هما الأن بغرفة نوم ياسين التى استحوذت عليها شمس بغيابه.
جالسة على فراشه تحتضن الوسادة بين ذراعيها تنهمر الدموع منها. فجائت والدتها تجلس بجوارها لتسألها عما حدث:
_ حصل ايه ياشمس؟ عمار ما ت ازاي أحكيلي انا امك فضفضى يابنتي ماتسكتيش كده ماتكتميش جواكي.
سألتها بنبره باكيه فطالعتها هي بنظرات تعتلي وجهها علامة على الاستغراب. هل تسألها حقا؟
سؤال قاتم مخيف. ماذا حدث؟ هي نفسها لا تدري ماذا حدث، كيف أنقلبت الموازين هكذا؟ كيف انقلبت الآية بلحظة؟ كل ما تتذكره أنها تكاد تجزم أن "عمار" هو الذي انتصر. كان يقف أمامها يفعل ما بجهده كالعادة حتى ينتصر. أمسك بـ "العربي" من رقبته يحاول أن يسيطر عليه، ولكن بلحظة بسيطة تغير كل شيء عندما فقد "ياسين" تركيزه عندما شرد ذهنه قليلا وانخرط بداخل ذاكرته. ومن هنا تبدل كل شيء فأصبح "عمار" بقبضة "العربي" فقوته لا يستهان بها.
ظلت تنظر لوالدتها دون حديث. فلغة العيون أعظم وأكبر من أي حديث. فعيناها كانت تبوح بما بداخلها بكل شيء. ضمتها "زهرة" الى حضنها الدافي حتى تشعر بالأمان حتى لو قليل. شردت بـ "ياسين" وأخذت تسأل نفسها ألف سؤال. كيف له أن يتركهم ويرحل هكذا وبمنتهى البساطة؟ كيف طاوعه قلبه ترك ابنه دون أن يدفنه.
مرت الأيام اليوم تلو الأخر. الأيام تشبه بعضها البعض. كان الجميع يحاول الترابط ولكن دون جدوى. ذهب يزن لزيارة قبر عمار هو وسارة ليودعه للمرة الأخيرة. فنظر إلى اللوح الرخامي وكأنه يحادثه:
مش هنساك ياصحبي، بس مش قادر اقعد هنا اكتر من كده. مش عارف اقعد في المنطقة اللي ادبحت فيها. انا راجع لشقتنا انا وانت عشان ريحتك فيها.
استدار واعطاه ظهره. فنظرت ساره للوح قائلة:
_ مش هننساك ياعمار.
حاولت ان تمسك بيد يزن ولكنه انتزع يده من يدها وتركها ورحل. أخذ اغراضه من المنزل فأوقفته الخاله:
_ هتمشي وتسيبنا يايزن.
استدار واعطاها ظهره يحاول ان يتمالك نفسه امامها:
_ اللي تسيب حفيدها يموت ماتستحقش ان يبقي حد حواليها.
تنهدت الخاله وأشارت بعينيها الى ساره حتى تتبعه:
_ ماتسيبهوش ياساره. يزن مش في وعيه. بكره لما يهدى هيعرف ان مكانش بأيدي حيله.
كانت تحتضن رضيعها الصغير تحاول ان تأخذ اغراضها بالحقيبه الخاصه بها. وقفت امامه قائلة:
_داغر احنا هنسمي ابننا امتى؟ عدى شهرين على موت عمار ولسه مانعرفش اسم ابننا ايه؟
ابتسم داغر وهو يحمل ابنه منها يقبله على جبينه بحب:
هنسميه عمار، من اول ما عمار مات وانا قولت اني لازم اسميه عمار.
ابتسمت هدير وهي تحمل حقيبتها بيدها:
الله يرحمه وعندك حق عشان دايما اسم عمار يفضل وسطنا.
فتح داغر باب غرفته ليجد الخاله بأنتظاره في الردهه:
خلاص ماشي يا ابو عمار.
ابتسم داغر للخاله قائلا:
مابقاش لينا مكان هنا ياخاله خلاص مهمتنا خلصت وأنت بنفسك قولتي اني محتاج اعيش في سلام عشان خاطر ابني اللي جاي.
احتضنت الخاله الطفل الرضيع بين ذراعيها تنظر له بحب وبابتسامه رضا:
_خللي بالك على عمار ياداغر وحطه في عنيك.
رفع كتفيه وهو يقول:
مش محتاجه توصيني ياخاله انا راجع المانيا اتمنى اشوفكم على خير.
اشار لعز برأسه:
يلا ياعز.
جاء عز ومعه غرام وشريف:
يلا ياداغر، هوصلك انا على المطار وارجع على القاهره.
هزت الخاله رأسها وتجمع الجميع حولها ما عادا شمس. فقالت الخاله:
هتمشي ياعز.
لازم ياخاله قعدتنا مابقاش ليها لزوم خلاص.
احتضن الطبيب علي كلا من داغر وعز وشريف هو وبربروس. فجذبت الخاله غرام من ذراعها في ركن بعيد عنهم قائلة:
_ سامحي ياغرام وعيشي يابتي شريف مظلوم زي ما انتي مظلومه بالظبط. مكانش في وعيه شريف عايز يسلم نفسه للبوليس ويعترف على نفسه انه اغتصبك. عارفه لو كان بوعيه وبكيفه كنت انا بنفسي اللي سلمته للشرطه. يابتي ماتخربيش على نفسك وعلى اللي هييجي في بطنك قريب.
انقبض حاجب غرام وهي تسأل الخاله. فأشارت بأصبعها على بطنها واشارت بعينها على الطبيب علي:
هو دكتور علي شاف.
قاطعت كلامها الخاله وأشارت برأسها بالموافقة:
ايوه شاف قبل يوم المعركه انه هيعمل كده وانه أخد قراره. ولولا موت عمار كان زمانه مسلم نفسه. عيشي يابتي دي نصيحه الخاله ليكي.
ابتسمت غرام فضمتها الخاله داخل صدرها. فأتت غدير لكى تأخذ نصيبها من حضن الخاله. فابتسمت الخاله لها وهي تحتضنها بقوه قائلة:
هشوفك عن قريب ياغدير هتبقي بنيه كيف القمر.
ابتسمت غدير قائلة:
وهبقى احلى من شمس وهدير.
قرصت على وجنتها بلين:
هتبقي أحلى من البنات كلهم يابتي.
أخذت مارال تتبع عز وعائلته. فانتبه بربروس لما تفعله فانقبض قلبه واتبع خطواتها وجذبها من ذراعها. فاستدارت تطالعه بصمت. فبدأ هو بسؤالها:
_ الى أين يامارال؟ استتركينني؟
تنهدت تتجنب النظر الى عينيه تحاول أن تجمع كلماتها:
_مابقاش ليا حد هنا يابيدقوس. عماي ومات. هقعد اعمل ايه؟
وماذا عنا؟ او ماذا عني؟
ابتلعت ريقها وهي تنظر للأرضيه:
_ممكن السمكة تحب الطير بس هيعيشوا فين؟ أنا مش هتخلى عن ديني عشان ابقى معاك يابيدقوس مهما حصل. انا ياجعه لأخويا ماليش غييه دلوقت. سيبني امشي يابيدقوس مش هبقى ميتاحه هنا طول ما انا معاك بحس اني عامله حاجه غلط وانا مش عايزه اغلط في حق ديني في يوم.
تركته ورحلت. اخذ هو يطالعها تبتعد عنه يقف مكانه لا يستطيع الحراك. شعر وكأنه يفقد روحه شيئا فشيئا ببطء شديد.
جائت ميرا تقترب من الخاله فطلبت منها الخاله وعد بألا تنزع القلاده عنها مهما حدث. فوافقت ميرا بحب وذهبت هي ورعد الى القاهره. عادت الى بلدها ولم تعد مع داغر مره أخرى الى المانيا.
الكل رحل. الكل غادر المنزل. اصبح المنزل فارغ. ما بقى منه سوا الخاله وشمس وبربروس وزهره وعلي. لم تكن شمس تحيا معهم على الاطلاق. فكانت تجلس معظم نهارها مع "عمار" على قبره. فكانت كالحاضر كالغائب بهذا المنزل.
جلست الخاله بغرفة الجلوس تتكأ على عكازها بحذر تنظر الى زهره تسألها عن شمس:
_ شمس فين يازهره؟
فردت قائلة:
_ما أنت عارفه ياخاله طول النهار بتبقى قاعده على قبر عمار مابتجيش الا والليل بيليل عليها.
اشارت الخاله برأسها ثم قالت:
عارفه مين اللي بعت اجيبه من اسيوط وكنتي بتسأليني عليه ليل نهار واقولك مش وقته.
ابتسمت زهره بتساؤل:
مين ياخاله؟ اتمني يكون حسان ابن اخوي.
ابتسمت الخاله برضا وهي تشير برأسها دليل على الموافقة:
_ايوه هو. زمانه على وصول هييجي وهيتربى وسطنا. أنا كنت سيباه عند جماعه اعرفهم في اسيوط طيبين كنت مستنيه كل حاجه تبقى كويسه عشان ارجعه من جديد.
ابتسمت زهره والبسمة كانت تملؤ وجهها فابتسم لها الطبيب على سعادتها.
مرت ايام اخرى وشهور أخرى. اهتم علي وبربروس كثيرا بالقرية. أصبح الجميع يعلم مكانه وأرضه. اصبحت الخاله تحكمهم من جديد. واصبح لديها حرس على أول القرية. انفصلت شمس عنهم تماما تجلس بجوار عمار ويكبر حسان بينهم. أصبح كأخ صغير لها فهي تكبره بستة أعوام فقط.
كانت شمس تجلس كالعاده بجانب عمار. فظهر أمامها الظابط فريد من العدم يضع يده بجيبه ينظر لها بأعجاب شديد:
_ بقالك اربع شهور بتقعدي نفس القاعده ايه مابتزهقيش.
رجعت للخلف حتى اصطدم ظهرها باللوحه الرخاميه الخاصه بـ "عمار" سائلة ذاك الغريب الواقف أمامها بتهكم:
_ من أنت؟
جلس القرفصاء ليكون بمستوى جلستها ونظر الى عيناها قائلا:
_ سبحان من خلق عيونك الحلوه.
ابتلعت ريقها وهي تردد:
ماذا تريد؟
ابتسم هو يستغرب الطريقة التي يتحدث بها:
_ أنت بتتكلمي كده ليه؟ انت مش مصريه.
فوقف امامه الطبيب علي بلحظه قائلا:
_ في حاجه ياحضره الظابط.
انفزع فريد مما حدث للتو فقد اتى الطبيب بلحظه لم يشعر به وهو يأتي من خلفه. فقال كلماته بتردد:
_ انا..
أنا بس كنت حابب أعرف محدش جه ليه المركز عشان تدلوا بالأفادة بتاعتكم.
نظر له الطبيب باشمئزاز:
واللي عايز يعرف حاجة يسأل بنات العيلة ولا يسأل رجالتها. عيلة الصاوي مالية القرية يا فريد بيه وريح روحك. إحنا روحنا أدلينا بأفادتنا وانت عارف مع الظابط أحمد.
ابتلع ريقه، فكانت نظرات الطبيب لا تبشر بالخير أبداً. فرجع للخلف بظهره وهو يقول:
طيب يا دكتور علي، أسيبك أنا دلوقتي.
فنطق الطبيب مسرعاً:
يا ريت تسيبنا على طول وما أشوفكش تاني بتقرب من حريمنا في يوم. ده لمصلحتك.
عاد الضابط فريد إلى المركز، يتمكن الغيظ من قلبه قائلاً بانزعاج:
وحياة ديني ما أنا سايبه.
نظر له الظابط أحمد بزهق بعدما أعطى الأمر للعسكري بالخروج:
أنا قلت لك مالكش دعوة بعيلة الصاوي، وشمس من عيلة الصاوي يا فريد باشا. ما تحاولش تقرب منها مرة تانية. عيلة الصاوي كل يوم شجرتهم بتكبر.
_مش عليا.
كانت هذه كلمته بعدما قالها بنبرة بها تهديد. فنظر له الظابط أحمد بلا مبالاة:
_خلاص، أنت حر.
ادخلي يا شمس.
كانت هذه كلماته بعدما أعادها إلى المنزل من جديد، فنظر لها وهو يتنهد بعمق:
بلاش يا شمس تروحي لوحدك المقابر الأيام دي. خدي على الأقل معاكي حسان، على الأقل يونسك.
أشارت شمس برأسها بالموافقة وعادت إلى المقابر من جديد.
مر عام على موت عمار. ما أسرع الأيام حقاً. وهو يجلس بالشقة الخاصة بهما، لا يريد أن يختلط بالبشر. يجلس بالمنزل الذي جمعهما سوياً. أتت سارة تدق بابه من جديد كما تفعل دائماً:
افتح يا يزن، افتح الباب. حرام عليك. مش عايز تعرف أنا عملت إيه في الامتحان حتى؟ يزن، أنا نجحت، ومش عايزة أفرح بنجاحي غير معاك.
وقف أمام الباب بذقن طويلة، يبدو عليه عدم الاستحمام لشهور طويلة. شعر مبعثر، هدوم متسخة. يقف أمام الباب ولا يريد أن يفتح الباب كالعادة. فاسترسلت سارة حديثها وهي تسند بيدها على الباب والبكاء يعتلي نبرة صوتها:
عدى سنة يا يزن. سنة ما طلعتش من باب الشقة. سنة بشوفك كل كام شهر مرة بالعافية. أنا لو ما جبتلكش أكلك قدام الباب كل شهر مش هتفكر حتى إنك تجيب تاكل. الحي أبقى من الميت. يزن، أنت كده بتموتنا بالبطيء. ارجوك افتح. كفاية كده يا يزن. أنا بموت من غيرك.
جلس وهو يضع يده على أذنه يحاول ألا يستمع لها. أسند ظهره على الباب، تنهمر دموعه على وجنتيه. فكان القتيل هو عمار، رفيق دربه طوال عمره.
رايحة فين يا بتي؟
كان هذا سؤال زهرة. فأجابتها شمس بنبرة منكسرة:
_وهل لي بمكان آخر أذهب إليه يا أمي؟
تركتها ورحلت كالعادة. ترحل من لحظة طلوع الشمس. ترجع خصلات شعرها وراء أذنها. تمشي بين الخضرة والأغصان. فأتى فريد بجانبها على الطريق بالسيارة الخاصة به، بعدما أبطأ سيره سائلاً:
_تحبي أوصلك؟
نظرت إليه باشمئزاز بعدما طالعته:
_لا شكراً، فأنا بخير هكذا.
أنا بس عايز أقولك.
أوقف السيارة بجانب الطريق. فاسرعت هي بالدخول بداخل الغيطان واسرعت بخطوتها. ترجل هو من سيارته ليلحق بها. فركضت هي سريعاً، لا تعلم إلى أين تذهب. فقد هو أثرها. ضغط على أسنانه بزهق:
_هتروحي مني فين يا شمس؟ أنا وانت والزمن طويل.
ظلت تركض حتى وجدت كوخاً صغيراً أمامه مقعد مستطيل وبجواره زير. فتحت الغطاء، مدت كف يدها وأتت بكوب من الماء فشربت حتى ارتوت وجلست لتلتقط أنفاسها قليلاً. نظرت إلى البحيرة أمامها، وضعت يدها على صدرها لتشعر بنبضات قلبها. فوجدتها سريعة. حتى وجدت صوتاً يأتي خلفها:
_واضح إن أنت شمس اللي القرية كلها بتتكلم عنها.
جلس بجوارها، فأخذت هي تطالعه باستغراب.
كل القرية بتقول إنك من عيلة الصاوي زي ما علي والشيخ بربروس والخالة بيقولوا. بس أنا عارف أنت مين. أنت شمس بت المهدي اللي ياسين بيكتب عنها دايماً في مذكراته. صح يا بتي.
ابتلعت ريقها وأخذت تحدق به. فهو رجل يتضح أنه يتعدى السبعين من عمره، وهذا واضح على ملامح وجهه الذي نحتها الزمن. استغربت أكثر مما يقول، صامتة تماماً. فاسترسل هو حديثه:
أنت ما تعرفنيش، بس أنا أعرفك أوي. من لحظة ما اتولدتي. كل شيء مكتوب هنا في المذكرة دي. ياسين كتبها بخط يده، كان بيكتب كل شيء عشان ما ينساش، وبلحظة يرجع ينسى من جديد. إنها معايا، فضلت محافظ عليها لحد ما أسلمهاله من جديد. ولما شوفتك عرفتك من وصفه ليكي في المذكرة دي. ما تتأخذنيش بقى يا بنتي إني قرأتها. قاعد فاضي زي ما أنت شايف. بالمناسبة، أنا عمك نصير صاحب الكوخ ده.
مد كف يده لها، فاطمئنت له قليلاً.
ابتسمت له شمس ومدت كف يدها هي الأخرى:
_وأنا أدعى شمس.
أنا عارف يا بنتي، بس أنت عرفتي مكاني منين؟ أنت مش جاية عشان تاخدي مذكرات ياسين.
كانت تنوي أن تخبره بما حدث وأشارت بأصبعها للخلف لكي تخبره بأنها جاءت هنا بمحض الصدفة، ولكن تراجعت بآخر لحظة وأنزلت إصبعها وأشارت برأسها. وأخذت منه المذكرة وهي تقول:
_نعم، جئت لكي آخذها منك يا عم نصير.
أخذت النوته منه بعدما أعطاها إياها. استدارت لكي ترحل، فقال العجوز لها:
_أبقي تعالي طلي عليا يا شمس، طلتك بتفكرني بطلة ياسين.
هزت رأسها بالموافقة مع ابتسامة حزينة. أخذت المذكرة وجلست بجوار قبر عمار من جديد. فتحت المذكرة تنظر للأوراق والكلمات المكتوبة. لم تستطع قراءة ما بها، فهي لا تعلم كيفية القراءة والكتابة. وضعت المذكرة بجوارها بيأس ودفنتها بجانب قبر عمار.
مرت سنتان على هذا الحال، تجلس بجواره كل ليلة. ويجلس يزن ببيته وحيداً. لم تيأس سارة أبداً بمحاولة خروجه من هذه الحالة. حتى أتت له مكالمة على الهاتف. لم يكن ينوي أن يجيب. ولكن بعد إصرار من المتحدث وتكرار الاتصال، جاوب أخيراً:
_ألو.
ده رقم يزن الرشيد.
أيوه، مين؟
معاك مستشفى الجلاء، سارة العربي عملت حادثة في الطريق.
اتصلنا بحضرتك كتير، ما ردتش.
انقبض قلبه، شعر بأن هناك من يغرز السكين بداخله. شعر بفقدانها كما فقد رفيق دربه. هرول على السلالم بعدما أخذ المفاتيح من الطاولة. لم يغير حتى ملابسه البشعة. نزل يقود سيارته بجنون يتجه إلى المستشفى بأسرع ما عنده. وجد ميرا ورعد ينتظرونه هناك، سائلاً إياهما وهو في حالة يرثى لها:
_سارة، سارة كويسة؟ سارة بخير؟ قولي إنها بخير.
حاول رعد طمأنته قليلاً:
_أهدي يا يزن، هي جوه مع الدكتور. لسه ما نعرفش حاجة.
ارتفع صوته قائلاً بخشونة:
_ما تقولش أهدي، قول إنها بخير.
جاء الطبيب بعدما خرج من غرفتها لكي يطمئنهم على حالتها:
_أهدوا يا جماعة، ما فيهاش حاجة. هي بخير. مجرد خدوش بسيطة وكسر في رجليها. هتقعد متجبسة مش أقل من شهر.
نطقت ميرا بعدما تنفست بعمق:
_الحمد لله. ممكن أطمئن عليها؟
أه، أكيد طبعاً.
كلمات الطبيب انتزعت جزء من خوفه. فذهب خلف ميرا ودخل إلى الغرفة ينظر لها والدموع تلمع في عينيه. جلس أمامها وأمسك كف يدها يقبله بحب:
_حقك عليا يا سارة، ما كانش لازم أسيبك لوحدك أبداً.
غمزت لها ميرا بطرف عينيها من خلفه مبتسمة. فأشاحت سارة بنظرها بعيداً. فحاول رعد أن يكتم ضحكته. خرج رعد من الغرفة فوجد الطبيب بانتظاره:
يا ريت تاخدوها وتمشوا من هنا بسرعة عشان لو الدكتور الحقيقي جه هنتسوح كلنا.
أخرج رعد النقود من جيبه الأمامي وأعطاها إياه قائلاً:
لا، أنت كده تمام. اخلع أنت بقى.
دخل رعد مرة أخرى إلى الغرفة. فسألته ميرا:
عملت إيه يا رعد؟ كتبولك على خروج؟
آه، المفروض نمشي بقى عشان هي كده تمام. مجرد خدوش بس. المشكلة في رجليها بس. يا ترى هتروحي فين يا سارة الشهر ده؟ أنت عايزة حد يعتني بيكي.
نظرت له ميرا بلوم:
اخص عليك يا رعد. وإحنا بيتنا راح فين؟ طبعاً هتيجي عندنا البيت تنوري وتشرفي.
استدار يزن وهو ينظر لهما يؤكد على كلمة بيتهم:
_بيتكم؟
آه، بيتنا. يا يزن، ما أنت في عالم تاني. أنا وميرا اتجوزنا من سنة. حاولنا نقولك أو نتواصل معاك، بس أنت كنت قافل كل حاجة.
ابتسم يزن ببسمة مكسورة:
مبروك.
ردت ميرا:
عقبالك أنت وسارة.
أشار برأسه وهو ينظر لها سائلاً إياها:
_أنت بخير مش كده يا سارة؟
أيوه بخير يا يزن.
نطقت ميرا وهي تردد:
يلا يا سارة، أنا هاروح أجيب لك كرسي عشان نروح.
فأردف يزن مسرعاً:
لاء، محدش هيخدم سارة غيري.
أيوه، بس أنا مش عايزة أتقل عليك يا يزن.
جلس بجانبها يتأمل بملامحها الصغيرة:
_ما تقوليش كده يا سارة.
ابتسم كلا من رعد وميرا وهما ينظران لبعضهما البعض.
ياسين ما حاولش يتصل بيك يا علي.
جلس بجوارها بعدما تنهد باستسلام:
_أنت ما بتزهقيش من السؤال ده يا خالة.
يا علي، ده عدى سنتين وما نعرفش عنه حاجة. قلبي بيتقطع عليه. كل حاجة في قريته بقت موجودة ومستنياه إلا هو.
طالعها بحب يحاول أن يخفف عنها قليلاً:
يا خالة، ياسين مشي ومش راجع. وإن رجع مش هيرجع دلوقتي. ياسين عمل اللي عليه، ولا يمكن يرجع من تاني.
أنت بتقول إيه يا علي؟ وإحنا هنسيبه؟
قالت كلماتها بحزم. فقام هو واستقام يعطيها ظهره.
أنا ما قلتش نسيبه يا خالة، وأنا مش سايبه. أنا بعمل اتصالاتي في كل مكان ممكن يكون فيه. بدور عليه ليل نهار زي المجنون، مع إني عارف إني مش هلاقيه غير لو هو حب يظهر. بس مش عايز أفقد الأمل.
أوعى يا ابني، أوعى تفقد أملك في أخوك. أنت مالكش غيره في الدنيا. وبعده بربروس، بربروس طلع جدع أوي يا علي.
ابتسم الطبيب بامتنان:
بربروس عمل اللي ياسين ما عملهوش يا خالة.
ياسين له عذره يا ابني، أنت عارف ياسين كويس وعارف هو حاسس بأيه دلوقتي.
كانت هذه كلماتها. فاستدار لها الطبيب وامسك بيدها يريد أن يطلب منها شيئاً أجله من سنين:
خالة، أنا كنت عايز أطلب منك طلب.
عرفاه يا ولدي، عايز تتجوز زهرة مش كده؟
ابتسم الطبيب لها وكسا الخجل عينيه. فردت الخالة بالموافقة.
مبروك يا ولدي. أنت عارف إن الفرح هيبقى على الضيق.
هز رأسه بالموافقة:
أكيد يا خالة.
ايوه.. أيوه كده..
خللي بالك عشان رجلك.
اسندت بذراعها على كتفه وجلست على الأريكة. فمنزله رائحته قذرة لا يتحملها بشر. فابتلع ريقه وهو يحاول أن يفتح النافذة.
معلش، أصل مش بفتح الشبابيك كتير، بس هخللي الهوا يتجدد عشانك.
أشارت له برأسها بالموافقة. يوم تلو الآخر ينظف الشقة من جديد وتعود إليه الحياة بعدما فقدها بموت عمار. عدى الشهر بلمح البصر. وفكت الجبس بعدما اكتشف يزن بأن هذه ما سوى إلا مجرد لعبة. فأخبرته هي:
ممكانش قدامي حل تاني غير إني أعمل كده عشان أقدر أطلعك من اللي أنت فيه. ودلوقتي أنا جيبتلك مكنة حلاقة، ولو عايز تطردني اطردني عادي، بس بعد ما أحلقلك دقنك الأول.
جذبته من يده وجلس على المقعد. تحلق له ذقنه للمرة الأولى منذ سنتين.
***
نظرت شمس إلى المذكرة المدفونة بجوار قبر عمار من جديد. فضولها كان له التأثير الأكبر عليها. فذهبت إلى الطبيب علي قائلة:
أنا أريد أن أتعلم حتى أستطيع القراءة والكتابة.
ابتسمت زهرة وعلي. فالتعليم سيجعلها تعود لحياتها وتحيا حياة طبيعية من جديد. وافق الطبيب على مطلبها بل وشجعها أيضا على تلك الخطوة. وبعد شهور قليلة.
تزوج الطبيب بزهرة أخيرا. كانت الفرحة تملؤه والسعادة تحتضنه. ولكن لم تكتمل فرحته بعدما أخبره بربروس بقراره:
مبارك أيها الطبيب، فقد اطمئن قلبي عليك وأريد الآن الاطمئنان على قلبي.
انكمش حاجب الطبيب باستغراب سائلا:
تقصد إيه يا بربروس؟
دعني أذهب من هنا، فأنا سأحاول ولو للمرة الألف مع مارال، فهي تستحق المحاولة.
معقول يا بربروس لسه فاكرها؟
والله وبعقد الهاء لم ينساها القلب بيوم.
هتبقى مرتاح.
الراحة بقربها وليس ببعدها أيها الطبيب.
ترك بربروس الطبيب وذهب يتبع حدسه، يأمل أن تغير رأيها من جديد.
***
مرت الأيام أكثر وأكثر. ربيع تلو الآخر. نهار يغيب وقمر يزين السماء. صيف يذهب ويأتي مكانه الشتاء. سنين تمر ويكبر الصغير وتصبح تلك الفتاة الصغيرة في السادسة والعشرين من عمرها. تأتي فرحة ومعها شهادتها. تذهب إلى قبره مبتسمة قائلة:
بص ياعمار، شايف أنا معايا إيه، دي شهادتي، النهاردة بقيت متخرجة رسمي. طبعا أنت فرحان بيا أنا عارفة. حد كان يصدق إني أنا شمس أطلع الأولى على الكلية؟ لاااا، ده أنا أعجبك أوي. ياريتك كنت معايا دلوقتي. أنت وياسين. ياترى لو شافني دلوقتي هايعرفني؟ ياترى هو فاكرنا أصلا؟ يا عمار.
فتحت المذكرة وجلست بجانب قبره تقرأها للمرة المليون. فمن كثرة قرائتها حفظت كل كلمة بها. وسرحت بكلماته من جديد وهي تقرأ ما بداخلها:
***
جسد بلا روح. وما الأصعب من أن تجد روحك تغادر جسدك وما باليد حيلة. تحاول الصمود. تحاول الاستيعاب. تشعر بتمزق قلبك وتسمع صوت تحطيمه إلى أجزاء صغيرة.
ألم.. هجر.. فراق عشر سنوات.. عشر سنوات من التعب والحيرة.. غريب تائه في الطرقات.. وحيد.. شريد حتى تجده هي لتعيد له الحياة من جديد.
أنت مين؟ وبتعمل إيه في بيتي هنا؟ ودخلت بيتي إزاي؟
دب الرعب بقلبها. غريب بداخل منزلها. أسئلة عديدة أتت ببالها وهي تنظر له. يقف أمام الثلاجة الخاصة بها يتناول الطعام بشراهة. يظهر عليه الفقر والجوع. ملابسه متسخة. يغطي رأسه بالبيزونت الخاص بسترته. تضغط هي على زر الإضاءة الخاص بمطبخها. تحاول التقرب منه بحذر. يأكل كالحيوانات فالجوع أصبح ينهش بمعدته. تنظر بجانبها للسكين الموجود على الطاولة. تقترب منه أكثر بحذر. حتى ترفع عليه السكين حتى تطعنه. يمسك هو بمعصم يدها بقوة. يكشر عن أنيابه ليجد من يقف أمامه يحذره:
لا يابويا بلاش. لو قتلتها مش هشوفني تاني.
نطق ياسين ينظر له بابتسامة واسعة:
اللي تشوفه يا عمار.
رواية الهجينة الفصل التاسع والثمانون 89 - بقلم ماهي احمد
"فإن غزه لا يدميها صوت جلادها، بقدر ما يديمها صوت أخوتها، فل طالما كانت غزه كيوسف في أخوته، ذنبه الوحيد أنه كان جميلا."
"من تسبب في سحب أنفاسنا وأنهيار قلوبنا، من تفنن حقا في صنع الأكاذيب من حولنا، اليوم ربما نعلم طريقنا، ولكن هل نعلمه غدا؟ سؤال محير لا أحد يعلم أجابته."
مرت عشر أعوام والحقيقه الوحيده أنهم تألموا، أعوام ثقال تحسب من أعمارهم، أصبحت قلوبهم هشه داخل صدورهم، فقد تمكن الألم من نهش قلوبهم.
في شروق يوم جديد يأمل كل فرد منهم أن يصبح أفضل مما كان عليه بالأمس، وما من أفضل أن تبدأ يومك بسماع كلمات أذان الفجر.
الله أكبر.. الله أكبر..
اللــــــه أكـــبر.. اللــــه أكبــــر..
أشهـــد أن لا الـــه إلا اللــــه
أشهــــد أن محمـــــدا رســــــول الله.
كانت جالسه على الأريكة تسند وجهها بكف يدها تسمع صوت أذان الفجر، فتحت النافذة تطالع الشروق مع لفحات الهواء الباردة يتناهى لمسامعها صوت الأذان يملأ عبق كلمات الأذان المجبرة للقلوب، لتتناغم معه صوت أجراس الكنيسة التي تقع في بداية هذا الحي الصغير.
ليأتي شقيقها الأكبر ينشف وجهها بالمنشفة ويجدها تسرح بخيالها شارده في جمال الصوت وعذوبته، فنطق هو بصوت مرتفع حتى يفيقها من شرودها:
"بس تعرفي يامارال."
انتفضت بذعر بعدما شهقت وأفاقت من شرودها، واضعة كف يدها على صدرها تتنفس بعمق. فاسترسل أخيها حديثه:
"مش أنا مسيحي، بس من ساعة ما الشيخ بربروس ده ما جه الحارة وأنا بقيت أحب أسمع صوت الأذان أوي. صوته بيطرب الودان ويدخل القلب على طول، عذب ويشرح القلب بصحيح."
ابتلعت ريقها وبان التوتر على ملامح وجهها. حاولت تغيير مسار الحديث وجاوبت على كلامه بسؤال آخر:
"تحب أحضّيلك الفطاي ياميوان قبل ما تروح الشغل؟"
ألقى بالمنشفة بقوة على الأريكة، فهو يبغض هذا الاسم. صك على أسنانه ونظر لها بغضب:
"قلتلك ألف مرة ما تنادينيش بمروان. أنا ماسميش مروان."
رجعت خطوة للخلف تتفادى المنشفة التي ألقاها للتو. طالعةته بذعر وهي تنظر إليه تحاول تهدئته بقولها:
"خلاص، خلاص اهدى، حقك عليا. مش هقولك ميوان تاني أنا بس..."
قاطعها هو والشر يملأ عينيه:
"إنت بس عايزة تحسي إن أخوكي اللي ما طلعش أخوكي عايش معانا مماتش عشان كان بيحب يناديني باسم مروان. بس أنا عايز أقولك فوقي ياهانم، عمار حتى مش أخونا وخلاص. ما ت! وإحنا أصلاً ملناش دعوة بيه. دخوله حياتنا بوظ لنا عيلتنا الهادية. لو مكانش دخل حياتنا مكانتش أمك ارتدت عن دين المسيحية دين الحق وأسلمت. مكانتش زمانها قاعدة على السرير واتشلت دلوقتي بسبب اللي اتعمل فيها زمان من الرجالة اللي جم وخطفوكي. ومكنتش إنتِ نفسك اتخطفتي بسببه. طبعاً إنتِ لما اتخطفتي افتكرتي إن أمك ماتت. ولما رجعتي اتفاجئتي بأنها عايشة. أه هي لسه عايشة بس عايشة ميته. وأنا اللي أنقذتها، مش إنتِ ولا عمار. وبالرغم من كده هي مافيش في قلبها غير عمار وبس. الغريب ابن الغريب هو اللي في قلبها واللي منها وحتة منها، مش حطاه في حساباتها."
ضحكت بسخرية على قوله وهي تستعد للمغادرة:
"عمك ما هتتغير. هيفضل حقدك وكيهك لعمى عايش جواك حتى بعد ما مات عمي. أنا يايحة أفضي ماما. الكلام معاك مش هيجيب نتيجة زي كل مرة."
تركته وغادرت الغرفة. يطالعها هو تبتعد عنه حتى دخلت الغرفة المقابلة للصالة. تستطيع أن ترى المكان الذي تسكن به مارال. تعيش بمنزل بسيط في الدور الثالث، قديم مكون من غرفتين وصالة ومطبخ صغير. الدهان بالشقة قديم، تستطيع أن ترى ما بداخل السقف من خلال الفتحات به. يحتاج حقاً للتجديد. وأثاث بسيط. يمتلك شقيقها غرفته الخاصة به. وتمتلك هي ووالدتها غرفة واحدة تتسع لفراش صغير يلتصق بالحائط ومن خلفه نافذة صغيرة تدخل أشعة الشمس البسيطة من خلالها. والمكان المتبقي من الأرضية تنام به بعدما تقوم بتهيئته للنوم كل ليلة. تذهب إلى والدتها تحاول أن تمسح دموعها قبل دخول الغرفة حتى لا تضايقها كالعادة. فترفع والدتها يدها بلطف تربت على كتفها وتقول لها بحنان بعد أن جاهدت في نطق كلماتها:
"حقك عليا أنا يامارال."
تحاول أن تخفي ألمها وترسم بسمة مزيفة على شفتيها:
"ليه بس ياماما بتقولي كده؟ هو حصل حاجة أنا معرفهاش؟"
ابتسمت والدتها ابتسامة حزينة مكسورة بعدما وضعت عينيها بالأرض. فهذه الأم المسكينة لا تستطيع فعل شيء لها خصوصاً بعد الذي أصابها. فعادت بذاكرتها عشر أعوام إلى الماضي لتتذكر ما حدث لها:
كانت تجلس هي وأبنتها مارال فدق الباب عليهم بعنف. أعتقدت بأنه ابنها الأكبر ولكن تم تحطيم باب المنزل عليهم ليجدوه "صابر" ومعه عصابته. أختطفوا مارال وضر بها هو، ضر بها قوية اصطدم رأسها بالأرضية مما تسبب بنزيف في المخ أدى إلى شلل دماغي وأصبحت من هذه اللحظة لا تستطيع الحركة وتتكلم بصعوبة وجسدها بكامله أصبح بلا حركة. وبعد معاناة وجلسات بالعلاج الطبيعي أصبحت تستطيع أن تحرك يدها اليمنى حركات بسيطة.
عادت بذاكرتها وابنتها تحاول أن ترفعها حتى تستطيع أن تجلسها على المقعد المتحرك لتذهب بها إلى الحمام لتقضي حاجتها وتتوضأ حتى تصلي. فهمست مارال بأذن والدتها:
"أنا عارفة إنك عايزة تصلي الفجر. اتوضي دلوقتي وأول ما ابنك ينزل يروح شغله صلي براحتك. معلش صلي الصبح النهاردة. مش عايزين منه مشاكل."
ابتسمت الأم لأبنتها تهز رأسها بالموافقة. فأسرعت مارال بالدخول إلى الحمام.
المسجد قريب جداً من مسكنها، تستطيع سماع ما يتلوه "بربروس" من آيات الله عز وجل بوضوح تام. فقالت الأم بحسرة بكلمات متقطعة تجاهد حتى تستطيع أن تنطقها:
"ياخسارة، كان نفسي أصلي ورا الشيخ بربروس. صوته بيجبر القلب بالخشوع في الصلاة يامارال."
مالت عليها تنظر يساراً ويميناً تبحث بعينيها عن أخيها لتجده قد غادر للتو صافعاً الباب خلفه بقوة. فأتت لوالدتها بالخمار سريعاً بعدما أغلقت عليه المشبك (الدبوس) قائلة:
"خلاص أهو مشي ياست الكل، يلا صلي بقى براحتك."
نظرت إلى الهاتف الخاص بها ثم أردفت:
"ناقص ٣٠ ثانية وبيدق جرس الصلاة."
ابتسمت لها والدتها. فأقام بربروس صلاة الفجر ومن ورائه أشخاص كثيرة تحب أن تؤدي صلاة الفجر مع سماع صوته العذب. فتلى آيات الله عز وجل قائلاً بعد تلاوة الفاتحة:
"إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ."
ابتلعت مارال ريقها بعدما شعرت بأن هذه الآية يتلوها فقط لتكون رسالة لها. فهذه ليست المرة الأولى التي يتلوها بصلاة الفجر. أنهى "بربروس" الصلاة بعدما سلم على الجانبين وأخذ يدعي بالأدعية المعتادة. فانشرحت القلوب بيوم جديد بدعائه وصوته النقي. رحل الجميع وظل هو بالمسجد ممسكاً بمسبحته يقلب حباتها بين أصابعه يستغفر الله كثيراً. ليأتي له صديقه بالسكن "عبد المعطي" ليقول وهو يجلس أمامه بعدما جلس متربعاً:
"تقبل الله ياشيخنا."
"منا ومنكم بأذن الله."
أنهى "بربروس" جملته وهو مازال ممسك بالسبحة يستكمل استغفاره. حتى تذكر شيئاً فوضع المسبحة الخاصة به بجانبه وقبض بكف يده على صديقه بالسكن "عبد المعطي" من ياقة قميصه وهو يصك على أسنانه بغيظ وهو يقول:
"أمسكت بك أيها اللعين المحتال."
فقلد "عبد المعطي" لهجة "بربروس" بسخرية وهو مطبق العينين:
"ويحك، ويحك ياشيخنا. ماينفعش الألفاظ دي تتقال في المسجد. لينا بيت يلمنا ياعمنا."
نظر "بربروس" حوله فوقف واستقام وغادر المسجد وهو مازال يقبض بكف يده على ياقة قميصه سائلاً إياه:
"لماذا لم تأتي لصلاة الفجر؟ لقد تهربت كالمعتاد وجئت كي تثرثر كالمزندعات."
رفع "عبد المعطي" أصبعه يشاور بالرفض ناطقاً:
"لا ياشيخنا. مزندعات إيه بس. ماتقولش كده. ده أنا حتى..."
بتر بربروس حديثه:
"إنت حتى ماذا؟ هيا. فأنا أنتظر الكذبة التالية كالمعتاد."
ابتلع ريقه بعدما شعر بالتخبط كالمعتاد. أخذ وقته لكي يبتكر كذبة أخرى. فسأله "بربروس" بحده وهو يرفع حاجبه الأيمن:
"ألم تجد كذبة مختلفة هذه المرة عن الكذبات التي سبقتها؟"
هز رأسه بالأيجاب. فتركه "بربروس" ببطء وهو ينظر له بحنق:
"حسناً. سأتركك هذه المرة. أتعلم لماذا؟"
ابتسم عبد المعطي بسمة واسعة بلهاء:
"لأني والله ما كذبت."
أشار "بربروس" بعينيه إليه:
"هذا صحيح. أيها الأحمق. فالصدق ينجي صاحبه من المهالك ياعبد المعطى."
سار "بربروس" إلى الأمام يتوجه إلى منزله وبجواره "عبد المعطي" قائلاً:
"طيب هطير أنا أجيب الفول من عم عبده المبلول قبل ما الناس تقف بالطابور ويروح علينا الفطور."
أشار بعينيه لعبد المعطى حتى يغادر مسرعاً. وقال له بعلو صوته وهو يراه يغادر من أمامه:
"لا تدع "عم مبلول" يضع يده بمنخاره ثم يقلب طبق الفول بيديه العاريتين. فوالله وبعقد الهاء هذا يثير اشمئزاري."
استدار له "عبدالمعطي" وهو يرجع بظهره إلى الوراء يضع أصبعه بداخل منخاره علامة على ما سيقوله:
"وهناكل الفول إزاي من غير بهاريزه ياشيخنا."
اشمئز بربروس من فعلته هذه واستدار واستكمل.
"عبد المعطي" طريقه وذهب "بربروس" إلى مسكنه. وقبل وصوله لمنزله ببضع خطوات وجد الست "كريمة" تقف بسيارتها العريضة ترتدي بدلة الرقص ومن فوقها عباءة سوداء تبرز تفاصيل جسدها بدقة، واضعة مساحيق التجميل بكثرة على وجهها تمضغ اللبانة بصوت مرتفع قائلة بدلع:
"مالك ياشيخ بربروس؟ مكرمش لنا ملامح وشك ليه ياكبدي؟"
غض هو بصره ونظر في الأرض يحاول تجاهلها ويمد بخطوته. فقاطعته هي تقف أمامه مسرعة تضع كف يدها على صدره بحنية ترفع حاجبيها تتغزل به وتسترسل حديثها بدلع:
"تمن سنين، تمن سنين ياشيخنا من ساعة ما جيت الحارة وأنا بحايل وبدادي ومسكناك جوه فؤادي. وجيت إنت وفتحتهولك."
قالت جملتها الأخيرة بصوت مرتفع حتى خرج بعض من السكان إلى الشرفات الخاصة بهم. فنظر بربروس إلى الأعلى ليرى الجميع ينظر له مما زاد توتره وابتلع ريقه قائلاً بتقطع:
"وما وما الذي فتحتهولي أيتها الراقصة الطيبة؟"
"بيتي."
تنهد "بربروس" باطمئنان ونظر للأعلى. أشار بأصبعه للأشخاص الذين يقفون بالشرفات يوجه حديثه إليهم:
"تقصد بيتها. نعم، فهي فتحت لي بيتها كأي مستأجر طبيعي، لا شيء آخر."
فردت إحدى الواقفين في الشرفة بصوت عالٍ:
"ما تسيب بربروس في حاله يا كريمة. هو قدك."
نظرت كريمة إلى الأعلى بعدما أمسكت بخفها تشير به للأعلى:
"وإنتِ مالك إنتِ ياوليه؟ أنا عارفة التربي تايه عنك فين؟ خش يا اخويا إنت وهو جوه بدل ما يمين بالله أطلع لكل واحد فيكم. أطلع كبده في إيدي ياكــــــبدي."
قالت كلمتها الأخيرة وهي تضغط عليها بعدما ارتفع صوتها أكثر فأكثر. فهي كريمة، لا أحد يستطيع أن يقدر عليها في المنطقة.
"يامارال، مارال."
كانت هذه والدة مارال تستدعيها لكي تناولها دوائها. تركت مارال الدلو الذي بيدها فكانت تمسح الأرضية. فأتت مارال وهي تمسح بكف يدها على جبينها من العرق:
"جاية ياماما أهو."
مدت "مارال" يدها لوالدتها ممسكة بحبة الدواء واليد الأخرى بها كوب من الماء. أخذت والدتها الدواء. فسمعت صوت كريمة من الأسفل:
"يـــــــوه. هي كريمة دي تيجي من الكباريه بتاعها كل يوم على الصبح بخناقتها كده؟ بتيجي ماسكة في مين المية دي؟"
خرجت مارال تنظر لهما من الشرفة لتراه يقف مع كريمة. وكادت نار الغيرة تشعل قلبها. فنظرت إلى ذاك الدلو الذي أمامها التي استعملته سابقاً في تنظيف الغرفة. فالمياه في ذلك الدلو أصبحت سوداء من كثرة الأوساخ التي نظفتها فيها. رفعت يدها وقامت بسكب الدلو عليهما هما الاثنان سوياً. فشعروا فجأة بسيل من الماء يسقط على رأسهما سوياً. ليشهق بربروس بصوت عالٍ وهو يرجع للخلف ينظر فوقه مباشرة قائلاً:
"وحسرتــــــــــــاه."
أطلت برأسها لتجدهما هو وهي متجمدان مكانهما. تنظر لها كريمة برفعة حاجب تذم على شفتيها. فتركت "مارال" الدلو تتصنع الدهشة وتضع يدها على فمها شاهقة:
"ياخبي. هي جت عليكم إزاي؟ أنا ماكنتش أقصد ياشيخ بربروس."
قالت كلمتها الأخيرة ببطء وهي تصك على أسنانها. فابتسم بربروس بسمة بلهاء وهو ينظر إلى جلبابه بحسرة على ما حدث به للتو:
"أصدقك يامارال."
دفعته كريمة للوراء بيدها بقوة. فلم يهتز هو (سم) واحد. فعقدت حاجبيها باستغراب على عدم تحركه. فكانت دفعتها له قوية. ولكنها لم تهتم فأكملت حديثها:
"تصدقها إيه البايرة العايبة دي ياشيخنا؟ أنا عارفة الأشكال دي كويس. وديني لأروح أجيبها من شعرها."
استدارت لكي تصعد لها. فدب الرعب بقلب مارال. فلم تسلم اليوم من شر كريمة. فجذبها "بربروس" من ذراعها وتكلم بهدوء تام مع نظرة جعلتها تقف بثبات:
"فوالله وبعقد الهاء إذا مستيها بسوء. عيشتك ستسوأ."
ابتلعت ريقها. فنبرة صوته يتضح بها الجدية. فابتسمت "كريمة" بابتسامة عريضة تملأ وجهها تغمز له بطرف عينيها اليسرى:
"يالهوي يامستهوي. أموت أنا في النبرة الجد اللي مالهاش حد."
"لا فــــائده."
تنهد بربروس وهو يقول كلمته الأخيرة بيأس وترك ذراعها ودخل المنزل. لتأتي هي خلفه مسرعة تنادي عليه. ففتح باب شقته بالمفتاح الخاص به وأغلق بابه من خلفه مسرعاً. فدقت "كريمة" باب الشقة حتى يفتح:
"افتح ياشيخنا. ياشيخنا افتح حرام عليك. عايزة أسألك سؤال مهم في الدين. يرضيك كده معرفش إجابة لسؤالي؟ مش يمكن ربنا يهديني لما تجاوب عليا ياشيخنا."
أخذ بربروس يسمع ما تقوله من الداخل فلم يهتم. وقف بغرفة نومه يفتح دولابه ليغير ثيابه. فأدار وجهه إلى الشرفة فوجد "مارال" تقف في غرفتها تأكل نار الغيرة من روحها تقضم أظافرها بغيظ. فالشرفة الخاصة به مقابلة للنافذة الخاصة بغرفتها. ابتسم ابتسامة بسيطة على حركاتها. ثم أتى بالهاتف الخاص به ليهاتفها وهو يطالعها من داخل غرفته. فأمسكت هي بالهاتف بغيظ وضغطت على زرار القفل ووضعت الهاتف بجوارها. انكمش حاجبه باستغراب. ثم أحضر ورقة وقلم وكتب رسالة لها:
"غريب وطأت قدماه إلى هنا ولم يكن يوماً عنك غريباً. فوالله وبعقد الهاء أنتِ بكل النساء."
كور الورقة بيده وألقاها من شرفته إلى نافذتها. نظرت مارال خلفها بعدما أمسكت بالورقة تقرأ ما بها ورفعت عينيها طالعته وابتسمت له بحب. ثم أنمحت البسمة من على ملامحها ببطء ومزقت الورقة أمامه وأغلقت النافذة بقوة. أطبق بربروس عينيه تزامنًا مع غلق النافذة. ثم ابتسم على تصرفاتها الطفولية بالرغم من كبر عمرها.
ترتدي ملابس ملائمة للمكان الذي تقصده. فستان أزرق قاتم طويل الأكمام قصير من الأسفل بعد الركبة تقريباً. مطرز تطريزات بسيطة تضفي عليه رونق وجمال خاص مع القليل من مساحيق التجميل. مع تسريحة شعر مرفوعة. دخلت إلى المطعم لتجده ينتظرها بالداخل. أنبهر بجمالها من اللحظة التي رآها بها. فاليوم يوم مميز لها بعدما أخبرتها "ميرا" التي علمت من "رعد" بأن اليوم سيعرض عليها "يزن" الزواج. فأتت متأنقة لهذه المناسبة وقلبها يخفق من فرحته. حاولت أن تخفي بأنها تعلم ما سيفعله للتو. وقف يزن عند رؤيتها بهذا الجمال سحب لها المقعد فجلست وهي مبتسمة وأخذ يطالعها. فلم يستطع أن يبرح بنظره من عليها. فجلس وهو يقول:
"إيه الجمال ده."
وضعت كف يدها على شعرها من الخلف:
"عجبتك."
ابتسم ابتسامة رضا:
"إنتِ طول عمرك عجبااااني ياساره."
غزت الحمرة وجهها فصمتت. وبعد صمتها الذي طال رمقته بعيون زائغة ولجأت لقول:
"أنا رفعت شعري عشان عارفة إنك بتحب شعري وهو مرفوع."
"عارفة إنتي دلوقتي بالنسبالي زي إيه؟"
طالعته وسبقها فضولها:
"زي إيه؟"
"عارفة لما تصحي بالليل بعد الفجر ويبقى نفسك تاكلي حاجة مسكرة وفجأة تلاقي قطعة كيكة سايحة في الشيكولاتة بتاعتها والشيكولاتة بتبظ منها."
لوت فمها ولجأت بقول:
"بتبظ!!"
وشيكولاته
قبض حاجبه باستغراب:
اه مالها الشيكولاته
_كلها سكريات وممكن تجيبلك السكر وتموت ياحبيبي
بتر حديثهما النادل الذي أتى حتى يأخذ طلبهما:
_تحبوا تطلبوا ايه يافندم
اشار يزن بعينيه لـ ساره:
_تحبي تتغدي أيه
كان الحماس بداخلها فهي لا تريد أن تأكل ولا تشرب تريد رؤيه الخاتم أولا فردت مسرعه:
_لا لا مش مهم ناكل دلوقتي
استغرب النادل فنظر يزن اليه ثم عاد ليطالع ساره بنظراته فردت قائله:
_اقصد ماليش نفس دلوقتي يايزن خلينا نتكلم شويه
غمز يزن للنادل بعينيه دليل على شىء ما فأشار النادل برأسه بالموافقه دليل على فهمه ذهب النادل فتحدث يزن:
_ساره أنت عارفه أنا بحبك قد أيه
ابتسمت وقد زاحمت الضحكه ملامحها فهذا هو الكلام الجميل الذي يأتي بعده كل الاشياء التي سوف تجمعهما سويا فهزت رأسها تقول:
_اه طبعا عارفه
ليسترسل هو حديثه:
انا من حظي اني عرفتك السنين دي كلها حقيقي أنت أفضل شىء حصلي في حياتي ومش عارف من غيرك كنت هكمل ازاي وخصوصا بعد عمار
اشارت برأسها والحماس يملىء داخلها:
الله يرحمه ماتقولش كده يايزن أنت عارف أني ماليش غيرك من بعد ماما الله يرحمها ودلوقتي خالي اللي عايشه معاه
أتي النادل ومعه صينيه مفروشه بالورود وفي منتصفها علبه قطيفه حمراء توسعت عيناها من الفرحه تضع يدها على فمها كادت أن تنطق عيناها من السعاده التى تملؤها الأن فاسترسل يزن حديثه وهي ترفع كف يدها لتمسك بالعلبه:
_عشان كده حبيت اشكرك على كل حاجه عملتيها معايا كل السنين اللي فاتت واتمنى ان اللي جوه العلبه يعجبك
قالت وهي تدعم كلماته بلهفه:
أكيد أكيد يايزن هيعجبني
ابتسم يزن من فرحتها التى تملىء وجهه أخذت العلبه تقول وهي تفتحها:
انا اصلا اللي محظوظه ان فضلت جنبك و
فتحت العلبه لترى ما بداخلها لتجد انسيال من الذهب لم يكن هذا ما تنتظره فصكت على اسنانها بغيظ وهي تضغط على كلماتها تسترسل حديثها بعدما تغيرت نبرة صوتها الرقيقه:
قعدت مع خنزير زيك يايزن
في اي ياساره انتي اتحولتي كده ليه
فردت هي على سؤاله بسؤال اخر:
فاكر اليوم اللي دخلت ڤيلتنا فيه وشوفتني فيه
اشار برأسه بالموافقه فأكملت هي حديثها:
_الله يلعن اليوم ده يا أخي
القت بالأنسيال في وجه وجحظت عيناه باستغراب وهو مازال ينظر لها:
في ايه بس ياساره انا عملت ايه دلوقتي ده حتى ده الانسيال اللي انت كنتي هتموتي عليه وقولتي نفسك فيه
ضربت بيدها بقوه على الطاوله فأنتفض هو ووقفت هي تسند بيدها الأثنتين على الطاوله تنظر له بتوعد فأنتبه لها جميع من في المطعم على الطرابيزات المجاوره فأردف وهو ينظر حوله:
ساره أهدي الناس بتبص علينا
اهدى اهدى ايه لاء ورفعالك شعري ولابسه فستان حلو طب اهوه
فكت هي شعرها فأصبح ينسدل على ظهرها:
أنت عارف احنا نعرف بعض من كام سنه عارف بقى عندك كام سنه وانا بقى عندي كام سنه كل يوم اقول يابت اصبري بكره يعرض عليكي الجواز اصبري اصبري لحد ما زهقت من الصبر والصبر جض مني
نظر لها وهو يحاول تهدئتها بقوله:
حبيبتي انت ناسيه أن براد بت وانچلينا چولي اللي انت بتحبيهم قعدوا مع بعض كام سنه وخلفوا ست عيال عشان يتجوزوا
قال جملته ببرود فنطقت هي بعدم صبر تجز على أسنانها وقبضت على الورد الموجود بداخل الزهريه على الطاوله تلقيه بوجهه:
نـــــعم وأنت بقى عايزنا نخلف ست عيال عشان نتجوز وبعدين ده براد بت وأنچلينا چولي وبعدين هو أنت براد بت اصلا ولا انا اشبه أنچلينا چولي
فحك رأسه بأصبعه ببرود:
_اه رسمه عينيكي فيكي منها
لاء انا بقى أشبهلها وأحلى منها كمان
قالت جملتها بصوت مرتفع فدعم هو كلامها:
اكيد طبعا ياحبيبتي أكيد وهي تيجي جنبك ايه
أمتعضت ملامحها وجحظت عيناها:
كل مره تشبهني وتقولي مره شبه البطه المحشيه بالفريك ومره تانيه تقولي شبه الشيكولاته وانا في الحقيقه فضلت جنبك لحد مابقيت زي برطمان المخلل لحد ما خللت وعفنت وريحتي طلعت
ضربت بكفها على الطاوله بقوه مره أخرى وهي تمسك حقيبتها الصغيره:
_خلاص كده خلصنا هي أصلا خلصت كفايه كده يايزن
غادرت المكان تسرع بخطواتها فظل ينظر لها وهي تبتعد عنه فابتسم ابتسامه زادت من وسامته ورحل خلفها ينادي عليها:
_ساره ساره استني بس
وصلت هي الى الخارج عند الحديقه بخارج المطعم تضر ب بقدمها الأرض من غيظها لتجد صف من النساء يقفون أمامها يرتدون قمصان بيضاء وبناطيل سوداء كلهم على حدى نفس الملابس اعتقدت بأنهم من طاقم المطعم حاولت أن تعبر من خلالهم ولكنهم اوقفوها:
_ لو سمحت عايزه أعدي ممكن
أستداروا واعطوها ظهورهم يقفون صف بجانب بعضهم البعض لتجد على كل ظهر فتاه منهم يوجد حرف رجعت خطوات للخلف بظهرها حتى تقرأ ما على ظهورهم لتجد كلمه marry me أنزلقت الحقيبه الصغيره من يدها وانكمش حاجبيها سرعان ما استوعبت ما يحدث فعادت الأبتسامه الى ملامحها من جديد ببطىء واستدارت تنظر خلفها لتجد يزن يجلس على ركبته ويمسك بين اصابعه بالخاتم به حجر كبير من الألماظ تقع عليه أشعه الشمس فتزيد من بريقه وضعت هي يدها على فمها تشهق من المفاجأه وترقرقت عيناها بالدموع فسألها هو السؤال الذي طالما تمنى أن يسأله لها:
_تتجوزيني
وعندما نطق هو هذه الكلمه فوقع على مسامعها أغنيه
تتجوزيني مش عايز غيرك في الحياه أوعي تسبيني من غير ما اتكلم أنت بتسمعيني عشانك اطول السما
وعند وصول الأغنيه لكلمه السما وقف واستقام أشار على السماء بأصبعه لتنظر هي في حالة ذهول مما يحدث لتجد طائره تلفظ دخانها بجمله:
حبك عشش جوه قلبي بضمير
كل هذا كثير عليها لم تتوقع أن يحدث لها كل هذه الأمور
وبعدما أختفى الدخان بهذه الجمله اتكتبت كلمه أخرى وهي:
تتجوزيني ياساره
ظلت تنظر الى السماء تنهمر دموعها على وجنتيها بغزار نظرت مره أخرى بجوارها تراه مازال يرفع الخاتم بين أصابعه فنطق وهو ينظر لها بحب فكانت كلماته نابعه من قلبه بصدق:
عايز اقولك شكرا على كل حاجه عملتيها معايا وانك ميأستيش شكرا أنك أدتيني فرصه أني أفضل جنبك من جديد شكرا أنك حاولتي أن علاقتنا تكمل في عز أنكساري وتعبي شكرا أنك دايما في ضهري ودايما سندي وعايزك تفضلي طول العمر جنبي ونجيب ست عيال زي براد بت وأنچلينا چولي ها تتجوزيني ياساره
قرأت ما أرسله بعيون دامعه فكلماته نابعه من قلبه بصدق أشارت برأسها بالموافقه كانت الدنيا بأكملها لا تكفي سعادتها في هذه اللحظه الأن ألبسها الخاتم بحب يضمها الى صدره فحملها والتف بها مرارا فصفق الجميع لهما يشكلون دائره من حولهم فأتت ميرا لتحتضنها وبارك رعد ليزن فأتت شمس تحتضن ساره بحب وتنظر ليزن بفرحه كبيره فأتت غدير ولكن لم تعد طفله بعد الأن فأصبحت فتاه جميله ذات التاسعه عشر من عمرها هنىء الجميع بعضهم البعض فأصبحت السعاده تغمرهم من جديد تذكرت شمس عمار في هذه اللحظه وتخيلته وهو يهنىء يزن بزواجه يقف بجانبه بهذه اللحظه السعيده ترقرقت عيناها بالدموع ولكن سرعان ما لاحظت ميرا ذلك فجذبتها من ذراعها لتنضم إليهم من جديد
يظل المرء منا قليل الكلام هاديء الطباع حتى يأتي أناس تخرجه عن حالة صمته وهدوئه
هي الأن تجلس بين الزرع والخضرا وقت الغروب تستعد الشمس للرحيل وكان الطبيب ينادي عليها من بعيد
زهـــــره
نظرت خلفها ورأته فعادت تنظر أمامها من جديد أسرع هو لها فاصبح امامها يسألها:
_ايه يازهره مش بنادي عليكي
عايز ايه ياعلي
تحدثت زهره بنبره جاده مما جعله يشعر بشىء ما فأنتابه فضوله لسؤالها:
أنت مضايقه من حاجه في حد مزعلك
نظرت زهره للفتيات خلفه وهما ينظرون له بأعجاب يهمسون قليلا فابتلعت ريقها وجاوبته بسؤال أخر:
_أنت ماسافرتش ليه القاهره مع شمس عند ساره ويزن
ما انا قولتلك يازهره يزن كان عايزنا كلنا نبقى جنبه اليوم ده وأنت مارضتيش تروحي وفضلتي ماتسافريش وأنا أخترت أكون جنبك عشان مش هينفع أسافر واسيبك لوحدك
همست الفتيات وهما ينظرون الى الطبيب:
_دي أكيد عملاله عمل بقى الشاب الصغير الحلو ده يتجوز العجوزه دي دي قد أمه
لترد عليها الثانيه بمكر:
_أمه ايه قولي قد جدته دي في اواخر الاربعينات وهو بالكتير في اوائل التلاتينات ازاي يعمل في نفسه كده
الحب الحب يعمل اكتر من كده
لترد عليها الأخرى ناطقه:
_لا وأنت الصدقه السحر أكيد سحراله تخيلي ده لو كان جوزي انا
لترد عليهم الفتاه الثالثه :
_اومال لو شوفتوا ياسين هتعملوا أيه
ليه وانت شوفتيه فين
_البت غدير لما كانت بتيجي هنا كل اجازه زياره للخاله كانت بتحكيلي انه قمر وحاجه كده مايختلفش عليها اتنين وبعدين شباب عيله الصاوي كلهم قمرات حتى حسان
بس ياسين ده مسافر ومش هييجي خلينا في اللي موجود
_على رأيك
لتضحك الفتيات سويا ويذهبون وهما يتغامزون عليها
ابتعدت زهره سريعا وهربت وهي تمسح دموعها فجذبها الطبيب اليه من ذراعها:
_هتروحي مني فين
تطالعه بعيون دامعه:
_علي انا زهقت أديك سمعت بودنك الأول كنت بسمع الكلام من تحت لتحت دلوقتي بقى بيتقال في وشي أنت شكلك مابيكبرش
ليرد عليها هو قائلا:
_لاء شكلي بيكبر يازهره انا مابقيتش اشرب د م بني ادمين ما انت عارفه وده بيخلي شكلنا يكبر وبنضعف أكتر
تنهدت بحنق فطالعته وهي تقول:
اه بيكبر ياعلي بس التغير بيبقى بسيط بص عليا بص على التجاعيد اللي في وشي وبص على نفسك
نظر لها وسألها وهما يتبادلان النظرات تحدث بنبره مليئه بالهدوء والحب:
_مالها تجاعيدك
دي تجاعيدك دي بالذات احلى حاجه فيكي كفايه اني كل ما ابصلك اشوف في كل خط تحت عنيكي السنين والشهور والأيام الحلوه اللي عشناها سوا كل تجعيده من دول بتزيدك حلاوه مابتنقصكيش
عقدت ذراعيها واستدارت ليبتسم هو يسترسل حديثه بحنان:
_تحبي أقولهم أني أكبر منك ب 78 سنه وأن أنا اللي ابقى قد جد جدگ تحبي أعرف الدنيا كلها أنا أيه في الحقيقه وغلاوتك عندي لو ده هيريحك لهعمله يازهره
شعرت بالتخبط أثر سؤاله ونطقت بنبره منخفضه:
لاء طبعا أنت بتقول أيه أنت عارف اني مشسطحيه للدرجه دي كل الحكايه أني بغير عليك لا تبص للبنات الصغيره دي
فابتسم هو يضر ب بكتفه كتفها:
لو عندهم تجاعيد زيك هبصلهم في يوم تجاعيدك اللي بتظهر في وشك مابتعملش شىء غير انها بتزيد غلاوتك في قلبي كل تجعيده من دول انا كنت معاكي فيها كل شعره بيضا ظهرت في شعرك انا فاكر ظهرت أمتى وفين
كل شىء فيكي يازهره بيحببني فيكي أكتر
بعيش معاكي اللي عمري ما هعيشه في يوم
وبعيدين ده انتي بنتي الصغيره
أما كان حته يوم
أنا ماتخيلتش أبدا أن ممكن اليوم النهارده يبقى بالجمال ده
ارتمت ساره بجسدها على الفراش بعدما انهت جملتها ووقعت عيناها على السقف تأملته بشرود ثم رفعت كف يدها تنظر للخاتم بأصبعها
توجه كلامها لـ غدير:
_حلو مش كده قولي أنه حلو
فصعدت غدير على الفراش بجوارها تتأمل الخاتم وتنظر له فقالت وهي تتنهد:
_ تحفه قمر جميل عقبالي يارب عقبــــالي
وضعت ميرا اكواب النسكافيه الساخنه على الطاوله تنظر لغدير بتعجب:
_عقبالك ايه يامقصوفة الرقبه أنت مش لما تخلصي تعليمك الأول ده أنت حيالله لسه هتدخلي أولى جامعه السنه دي
مدت ميرا كف يدها بالكوب لغدير فأخذته منها ووضعته بجانبها بزهق:
_وهو ده يمنع يعني أني أحب واتحب
وهو أنت كمان بتحبي
قالت شمس جملتها وهي تعلق فستانها على الشماعه
فردت عليها غدير بعدما وقفت أمام المرآه تنظر لنفسها:
_وماحبش ليه بقى ياست شمس وحشه ده انا حتى قمر وبقيت أحلى منك ومن هدير
فتحت شمس الدولاب الخاص بـ ميرا وضعت به فستانها واسترسلت حديثها:
هي هدير وداغر عاملين ايه صح
_زي الفل كويسين اوي وعمار ابنهم بقى قمر كمل عشر سنين اهوه وبقيت عمتو الحربايه رسمي
ضحك الجميع ماعادا شمس فبمجرد ذكر أسم عمار تنفتح جراح قلبها
صمت الجميع عند رؤية ملامحها وشرودها
فكسرت ساره الصمت بقولها:
تعالوا نقرأله الفاتحه كلنا على روحه وروح المسلمين
رفع الجميع أيديهم لقراءه الفاتحه وبعدما أنتهوا استرسلت غدير حديثها:
_هو فين رعد اخويا ياميرا
جلست بالفراش بجوارها وهي تضع الغطاء عليها:
_راح يبات مع يزن النهارده بما أنكم قرفني الليله
أحنا قرفينك بقى كده
قالت ساره جملتها بعدما ألقت الوساده على ميرا
رفعت ميرا الوساده لكي تلقيها على ساره ولكن أوقفها رنين هاتفها لتجد مارال:
نظرت ميرا للجميع قائله:
_ اي ده دي مارال
لترد ساره قائله:
_افتحي الاسبيكر وردي عليها ازاي ماتجيش النهارده ده انا هخر ب بيتها
تضغط ميرا على الهاتف وتضعه بالمنتصف فيجتمع الجميع حول الهاتف لتبدأ ساره الحديث قائله:
_على فكره يامارال انا زعلانه منك بقى كده ماتجيش النهارده يزن قالي انه اتصل بيكي وانتي اعتذرتي ماجتيش ليه بقى
_أخبرتها وهي تحاول التبرير لها:
والله ياسايه ماقديتش اجي خالص عشان خاطى ماما أنت عايفه ميضها عامل ازاي بخاف اسيبها لوحدها تكون عايزه تدخل الحمام او يجيالها حاجه ومكونش جنبها بس انا فضلت اتصل بيكي طول النهاي ماكنتيش بتيدي وفي الأخي الفون فصل بجد حقك عليا وألف ألف مبيوك بس اكيد ان شاء الله هحاول أجي الفيح
_أنت يابنتي لسه لادغه لسانك مش هيتعدل أبدا
قالتها غدير بضحك
فردت عليها مارال بحزم:
_اه يامقصوفه اليقبه لسه لادغه ولما اشوفك هبقى أقطعلك لسانك عشان تبقي لادغه زيي
قرصت ميرا غدير بلوم فقالت:
ماتزعليش منها ام نص لسان دي يامارال
لاء طبعا مابزعلش من عيال صغييه الا قوليلي ياسايه هتعملي الفيح فين
لترد عليها ساره قائله:
في القريه مع الخاله أنت عارفه الخاله كبرت ومش بتقدر تسافر وكمان يزن عايز يعمله هناك عشان يحس أن عمار معاه مع أن انا مش عارفه هعمله هناك ازاي انا كان نفسي اوي اعمله في قاعه كبيره ويبقى بالنهار ويبقى فرح مودرن بس هو مصمم
اخبرتها شمس وهي تحاول أنهاء الأمر بأكمله:
_طالما مصمم يبقى اسمعي كلامه وبعدين الأفراح في القريه عندنا بتبقى حلوه أوي وهاتي wedding planner تصمملك الديزاين اللي أنت عايزاه وبعدين الخاله هتزعل أوي لو يزن عمله بره أنت عارفه الخاله بتحب يزن قد ايه وخصوصا عشان من ريحه عمار
اشارت سارت برأسها بالموافقه فأنهت مارال الحديث:
_طيب أشوفكم على خيى بقى وألف الف مبيوك ميه تانيه
الله يبارك فيكي ياقلبي وعقبالك يارب يامارال
أنهت ساره جملتها فأغلقت ميرا الهاتف وضربت غدير على قدمها بخفه:
_مش تخللي بالك من كلامك
قامت غدير من على الفراش تغير ثيابها الى ثياب النوم:
_ايه انا كنت بهزر ايه ماهزرش
لا يااختي هزرى بس مش كده
انهت ساره جملتها فجلست غدير وهي تزرر زر البيچامه تجلس على الفراش لتستعد للنوم:
_أنتوا عارفين أنا ياسين واحشني أوي
انكمش حاجب شمس وتغيرت تعابير وجهها فغادرت الفراش قائله:
_طيب انا مش جايلي نوم هقعد بره اقرأ شويه
طيب تصبحي على خير ولما تيجي تنامي تعالي نامي جنب الزبله دي على رأي ياسين
أنهت ميرا جملتها فرفعت غدير رأسها تقول بتحذير لميرا:
ماتقوليش يازبله مابحبش حد يقولهالي غير ياسين
أشارت شمس برأسها بالموافقه فغادرت الغرفه وهي تحمل مذكراته بين يديها جلست بالخارج على المقعد الهزاز فشردت بين كلماته وطيات صفحاته بعدما فتحت المذكره مره أخرى لتقرأها من جديد وكانت أول صفحه كالأتي:
"ما هي الحياة غير طريق نسير فيه وكل يوم نفقد منا شيء على هذا الطريق الى أن نصل لنهايته والنهايه هي موت كل شيء داخلنا قبل موتنا لا أعلم ماذا حدث لي منذ أول يوم جائت هي الى دارنا بعثت الروح ودبت الحياه في هذا المنزل بعد موته بعد أخذ الروح منه فبعض المنازل كالقبور ودارنا كان القبر المقيت حتى جائت هي كنور الشمس لتضىء عتمه القلوب"
قلبت هي صفحات كثيره من المذكره حتى وصلت للصفحه المفضله لديها:
_اليوم الثلاثاء 12 ديسمبر سنه 2007 الساعه 12 بعد منتصف الليل حصلتلي حاجه غريبه اوي حاجه مابتحصلش أبدا خرجت اصطاد عشان أروي عطشي للد م كالمعتاد أنا والضبع لاقيت كوخ أول القريه قريب من المقابر كان في شعله لسه ماطفتش دليل على أن اللي جوه الكوخ صاحيين ماناموش الضبع ابتسملي ابتسامه عمري ماهنساها أبدا وفي لحظه كان عندهم وقبل ما يدخل الكوخ سمعت ست جوه الكوخ بتقول لجوزها وانت ليه مش عايز تطلقني يانصير انا مابخلفش روح اتجوز وعيش حياتك مع غيري
واللي سمعته منه كان اغرب رد سمعته في حياتي قالها
– لاني رايد العشرة قبل الخلفة. يهمني الود قبل الولد ومستعد أحلفلك على مصحف أني عمري في يوم ماهجيبلك سيره الخلفه حضنك داري وونسك ليا هيبقى عزوتي
كلامه دخل قلبي قبل ما اسمعه بودني انا سمعت منه الكلام ده وحسيت ان كلامه مس القلب بصحيح لحظه أنا مش مصدق أنا أول مره أشعر أني عندي قلب وبحس والكلام بيمسني ازاي اتغيرت وايه اللي حصلي من لحظه دخول شمس البيت وانا بتغير خايف اكون بتغير للأضعف انا مش عايز أبقى ضعيف بس للأسف ضعفت ودافعت عن الراجل ده هو ومراته ووقفت قصاد الضبع عشانهم
جائت غدير وهي تدعك بكف يدها عينيها قائله:
_أنت لسه صاحيه ياشمس
اتسعت عينيها برعب وجسدها أنتفض بأضطراب وذعر اغلقت المذكره على الفور ووضعتها بجانبها تحاول أن تنظم تنفسها:
_يعمر بيتك ياغدير خضتيني
جلست بالمقعد بجوارها :
_أنا عملت أيه وبعدين انا لحقت أصلا أنت اللي كنتي مركزه أوي في القراءه محستيش بيا وأنا طالعه يعني مش ذنبي
هدئت شمس قليلا بعدما ابتلعت ريقها تحاول أن تتصنع النوم:
_طيب انا هدخل أنام بقى
امسكت غدير معصم يدها وبدأت بقول:
_لاء ما تستهبليش أنت مش عايزه تنامي خليكي قاعده معايا شويه
طالعتها شمس وبدأت بالحديث:
_مالك في حاجه مضيقاكي
أخذت تجلس التربيعه ونظرت بجوارها لشمس:
بصراحه أه
طيب ماتقولي ايه اللي مضايقك
انا عرفت مكان ياسين فين
وقفت شمس مكانها وارتجفت شفتها السفليه وكان أول سؤال يخطر على بالها :
عرفتي مكانه ازاي
رفعت غدير رأسها وهي جالسه على المقعد:
_شوفته وانا رايحه المدرسه في المانيا من كام شهر راكب حته عربيه سودا تحفه ولابس بدله وكان هو اللي بيسوق وفي واحده جنبه كانت زي القمر
بترت حديثها على الفور:
_واحده واحده مين
وقفت خلفها لتجيب على سؤالها:
_معرفش طبعا بس أنا خليت صحبتي تمشي وراهم بالعربيه ووقف قدام شركه كبيره اوي مكتوب على الشركه من فوق أسمه و متزخرف بالعربي مش بالألماني وكانت باللون الدهبي ياسيـــــن و نزل والست دي نزلت وراه ومتغير خالص مش هو ياسين اللي نعرفه شياكه ايه ولبس ايه قمر قمر كده حاولت اني ادخله الشركه بس الأمن مانعني اني ادخل بس على مين أخدت نمرة العربيه بتاعته بس معرفتش اعمل بيها حاجه اديتها ليزن ورعد لما نزلت على مصر الاجازه دي ويزن قالي انه هيتصرف ويعرف مكانه
حاولت شمس اضفاء بعض الهدوء فتصنعت البسمه:
طيب وأيه بقى اللي مضايقك من كل ده
فأجابت غدير مسرعه:
خايفه لا يكون نسينا وباين عليه أنه نسينا ياشمس وبعدين الست اللي جنبه دي مش مرتحالها خالص
انتظرت شمس أن تنتهي غدير من حديثها ثم أخبرتها بعينين أنهكهما التعب محاوله الهروب من استكمال حديثهما:
أنا صاحيه النهارده من بدري أوي أنا هدخل أنام تصبحي على خير
هزت غدير كتفيها بعدم فهم:
_وأنت من أهل الخير
ذهب رعد للمبيت بشقه يزن وبعد سهره يوم طويل وشاق على كلا منهما من أجل تحضيرات هذا اليوم ذهب كلا منهم الى الفراش اخيرا اقتربت الساعه من الرابعه فجرا ليجد كلا منهم يأتي له رساله صوتيه على الجروب الخاص بهم والذي يجمع كلا من بربروس والطبيب علي ويزن ورعد فهذا شات جماعي خاص بهما أتت الرساله من بربروس فتح يزن الرساله هو ورعد وفي هذه اللحظه استفاق الطبيب على صوت الرساله هو ايضا ليجد محتواها:
لا صباح ولا سلام..الى اصدقائي عديمي النفع.. الى اقربائي عليهم اللعنه.. لقد راع انتباهي أنكم جميعا حقراء.. إذا فلتكن هذه امسيه لعينه عليكم ايها المنافقين.. هيا قم أنت وهو لتاديه صلاة الفجر ايها الملاعين
"فالصلاه ليست لأجل الله الصلاه لأجلك أنت الله لا يحتاجك أنت تحتاج الى الله"
رد يزن برساله صوتيه اخرى بعدما طالع رعد:
صباح الخير يابربروس..
جرا إيه يا بربروس، مالك؟ أنت شاحن بعشرة جنيه بقى تشتم بالعشرة جنيه كلهم ولا إيه؟ مش تخلي اتنين جنيه كده نصبح بيهم على بعض يا بيدقوس. وأصبح على الصبح يا بيدقوس. وحاضر، هنقوم نصلي يا بيدقوس.
ابتسم رعد عند سماع ما قاله يزن للتو، وابتسم كلاهما للآخر، فابتسم الطبيب أيضًا وهو يستمع إلى رسالة يزن. فبعث الطبيب برسالة صوتية:
خلاص يا عم بربروس، هنقوم أهو. بارك الله فيك. مش عارف من غيرك كنا هنعمل إيه والله. وبالمناسبة، ألف مبروك يا يزن وعقبال الليلة الكبيرة إن شاء الله. الخالة مستنياك تعمل فرحك في القرية.
رد عليه يزن برسالة صوتية أخرى:
الله يبارك فيك يا علي. وأكيد طبعًا، أنا مش هفوت حاجة زي دي. فرحي لازم يبقى جنب عمار عشان أحس إنه معايا وعشان أحس بيه أكتر وأحس إنه معايا. أنا عرفت أجيب رقم تليفون ياسين. طلع عايش في ألمانيا لما غدير شافته بالصدفة. هعزمه على الفرح وأتمنى إنه ييجي، كفاية إنه من ريحة عمار.
بعث بربروس برسالة صوتية:
سيأتي إن شاء الله. حاول لا مشكلة بهذا.
فرد الطبيب برسالة أخرى:
ماتتعبش نفسك يا يزن. ياسين مش هييجي الفرح. أنا عرفت مكانه من بدري. حاولت أكلمه كتير إنه يرجع بس للأسف مافيش فايدة.
فرد رعد برسالة وهو بجوار يزن:
إحنا مش هنخسر حاجة، إحنا هنكلمه بكرة من المعرض وتبقى محاولة. كلنا عارفين ياسين مجروح قد إيه من اللي حصل.
فرد الطبيب:
أتمنى إنه ييجي. حاسس إن في حاجة ناقصاني من غيره. يلا تصبحوا على خير.
فبعث بربروس برسالة صوتية أخرى، ففتحها الجميع:
أعلم بأني سأغلق الهاتف من هنا، وسينام الجميع على الفور. لذا لن أغلق الهاتف إلا بعد أن تبعثوا لي بصور وأنتم بداخل الحمام تقفون على الحوض تستعدون للوضوء.
نظر رعد ليزن باستغراب:
إيه ده؟ بيقول إيه ده؟ مش فاهم.
فحثه يزن على النهوض:
يلا قوم، مش عايزين زن منه. أنت هتصورني وأنا هصورك.
قام الطبيب من فراشه يتجه إلى الحمام يتوضأ، فبعث بفيديو له شاهده بربروس وابتسم ابتسامة رضا.
وبعد ثوانٍ بعث يزن صورة تجمعه هو ورعد يتوضأون بجانب بعضهما البعض.
***
أتى الصباح ومعه الهواء النقي الذي حرك الأشجار الموجودة بخارج المنزل الذي تقطن به "ميرا". هنا وهناك، استيقظت شمس وارتدت ملابسها بهدوء تام وغادرت المنزل دون أن يشعر بها أحد. هي الآن بمنتصف البلد تقف أمام مقهى يسمى "الفيشاوي" بمنطقة الحسين، تنظر إلى المقهى جيدًا. تمعن النظر إليه. كل شيء بهذا المقهى قديم، يتضح على جدرانه معالم الزمن. فتحت المذكرة مرة أخرى وهي تقف بالجهة المقابلة للمقهى بنفس المكان الذي كان يقف به "ياسين" لتقرأ ما كتبه عن هذا المقهي بمذكرته:
"مقهي الفيشاوي، لا أعلم إلى متى سأظل آتي إلى هنا. إلى متى سيظل يصطحبني الحنين إلى ذاك المقهى القديم. آتي إلى هنا بالجهة المقابلة للمقهى. أقف ساعات طويلة أمامه، لم تكن لدي الشجاعة الكاملة ولا أعلم لماذا. كل ما أعلمه جيدًا أني أشعر بذكريات تحوم بداخلي حول المكان، ولكن ذكريات مدفونة بداخلي لا أعلم عنها شيئًا. أظل أطالعه ساعات طويلة ولكنها بالنسبة لي كالدقائق القليلة. يخبرني قلبي بأن هذا المقهى لي معه العديد من الذكريات الجميلة. يخبرني عقلي بأني يومًا ما سأتذكر، وأنا أثق بحدسي كثيرًا."
ابتسمت "شمس" على ثقة "ياسين" بنفسه وأغلقت الدفتر تستعد للمضي قدمًا، حتى يأتي هو من خلفها يهمس بأذنها مستفسرًا:
إيه اللي كنتي بتقريه ده؟
انتفضت هي بذعر تنظر خلفها لتجده الضابط "فريد". وضعت يدها على صدرها تحاول تنظيم أنفاسها قليلاً، فتحدثت والنهجة تعتلي كلماتها:
أنت؟ أنت عرفت مكاني منين؟ وجيت ورايا هنا إزاي؟
أشار برأسه وتحرك خطوات إلى الأمام باتجاه سيارته، يفتح الباب الأمامي لها:
اركبي الأول، عايز أتكلم معاكي شوية. أنا ما صدقت لقيتك لوحدك. كل مرة لازم يبقى معاكي حد. إيه مابتمشيش غير بحرس؟
ابتلعت ريقها بغيظ ثم تحركت إلى الأمام، فأشارت لسيارة أجرة تتجاهله تمامًا. أوقفت السيارة ففتحت الباب الخلفي تستعد للصعود إليه، ليأتي هو مسرعًا يقبض بكف يده على ذراعها وينطق كلمة واحدة فقط:
انزلي.
طالعت هي كف يده وهو يقبض به على ذراعها، فنطقت بصوت مرتفع:
إنت اتجننت؟ إنت إزاي تمسكني كده؟
فتحدث سائق السيارة الأجرة قائلًا:
جرى إيه يا أستاذ؟ عيب كده، ما يصحش.
فنطق هو مسرعًا يتحدث بنبرة أمّارة:
أنا المقدم فريد الدمنهوري، وخليك في حالك أحسن لك وكل عيش.
ابتلع السائق ريقه فرد قائلًا:
انزلي معاه يا آنسة، خلينا نشوف أشغالنا على الصبح.
ضغطت شمس على أسنانها وانتزعت ذراعها منه بقوة وغادرت السيارة الأجرة وهي تقول والغضب يملؤها:
أنا مش هركب معاك عربيتك، إن شاء الله لو قتلتني فيها دلوقتي.
نظر حوله فوجد كافيه على الشارع، فطالعها من جديد:
تمام، تعالي نقعد على الكافيه ده أقولك اللي عايز أقولهولك وبعد كده هخليكي تمشي.
***
هما الآن بداخل معرض الأزياء الخاص بهما. يمتلكون عمارة من ثلاث أدوار ضخمة جوانبها من المرايا السوداء العاكسة للضوء. به جميع أنواع الملابس (نساء - أطفال - رجال) على أعلى مستوى. يعمل به كلا من رعد ويزن، فهما شركاء به. يضعون اسم "عمار" بكل مكان، فأصبح اسم عمار ماركة مميزة.
دخل يزن ومن خلفه رعد إلى غرفة مكتبه. جلس يزن على المكتب المصنوع من الزجاج ونظر إلى ساعة يده، فسأله رعد قائلًا:
إيه؟ ناوي تتصل بياسين دلوقتي؟
فرد عليه وهو ممسك بالهاتف بين يديه:
على فكرة دي مش أول مرة أكلمه فيها. أنا كلمته قبل كده بس هو دايما ما بيردش. لو ما ردش المرة دي هسيبله رسالة وبراحته بقى.
ضغط "يزن" على زر الاتصال ينتظر الرد ولكن دون فائدة كالعادة، فترك له رسالة صوتية على هاتفه:
ياسين، إزيك؟ مش عارف إذا كنت لسه فاكرنا ولا لأ. بس إحنا مش ناسينك. عايز أقولك إنّي هتجوز أنا وسارة الخميس اللي جاي في القرية، قرية الصاوي. هنعمل حنة ودخلة.
ابتسم رعد فرفع صوته قائلًا:
الخالة مصممة تمشي على عوايد القرية وعلى عوايد عيلة الصاوي وتعمل ليزن حنة. يا ياسين، وبالمناسبة أنا رعد لو كنت نسيتني.
استكمل يزن حديثه:
عايزك تكون موجود يوم الحنة ياياسين. حاسس إنك لو بقيت موجود هحس بوجود عمار معايا عشان هو حتة منك. عايزك تحنيني وتحط الحنة عليا، مش دي عوايدكم اللي عمري ما شفتها غير في عيلة الصاوي واللي بتقول عليها الخالة. هستناك يا ياسين.
أغلق يزن الهاتف يأمل بقدوم ياسين ليحضر معه حنته ويوم زفافه.
***
وضعت حقيبتها على الطاولة بزهق وجلست تنظر له بضيق، فقالت متسائلة:
نعم؟ عايز إيه؟
فرد هو ببرود تام:
مش لما نطلب حاجة الأول وبعد كده نتكلم.
بس أنا بقى مش عايزة.
أشار هو بأصبعه للنادلة فأتت على الفور:
تفضل تطلب إيه يا فندم؟
أنا عايز واحد قهوة سادة وشوفيها تشرب إيه؟
نظرت النادلة إلى شمس بابتسامة بسيطة:
وحضرتك؟
مش عا...
كانت ستستكمل حديثها ولكنها نظرت إلى الثلاجة فوجدت بها زجاجة الشيري كولا المفضلة لياسين، فقالت:
عايزة واحدة شيري كولا.
أشارت النادلة برأسها بالموافقة، فابتسم فريد لاستجابة شمس له. فطالعته شمس بهدوء:
اتفضل عايز إيه؟
فقال هو بكل بجاحة:
عايزك.
انقبض حاجباها وشعرت بالتخبط أثر كلمته:
إيه اللي أنت بتقوله ده؟ إنت أكيد اتجننت.
ضرب بيده على الطاولة بقوة:
عليا الطلاق منك من قبل ما توافقي حتى عليا، إنت لو كنتي حد تاني وكان قالي كلمة اتجننت دي لكان عمره ما هيشوف نور الشمس تاني بعنيه. بس عارفة معاكي، بعديلك كل حاجة حتى لو قولتي إيه.
تحدثت شمس بنبرة جادة:
ولو قولت إني مش موافقة.
صارحها فريد وعيناه تواجهها بكل صدق:
يبقى هتعنسي يا ست البنات، عشان مافيش كلب هيتجرأ وهيقدر يقرب من ناحيتك طول ما أنا حواليكي. سمعاني يا شمس.
أتت النادلة لتضع الطلبات على الطاولة، فأنزلقت القهوة على الطاولة دون قصد. اعتذرت النادلة كثيرًا:
أنا آسفة، بعتذر والله، أنا آسفة. أنا عمري ما وقعت مني حاجة قبل كده، بجد آسفة.
حاولت أن تنظف الطاولة سريعًا، فأمسك فريد بمعصم يدها بقوة وبغضب عارم:
كفاية.. ماتمسحيش حاجة.
وقفت النادلة وهو ما زال يضغط على معصم يدها بقوة، مما جعلها تشعر بألم شديد، فاستكمل حديثه بعدما نجح في جذب انتباهها:
إنت عارفة ياحلوة إنت.. إحنا بنتعب قد إيه علشان اللي زيك يعيش في أمان، وإنت مجرد واحدة كل شغلانتها في الحياة إنك بتحطي شوية طلبات على الترابيزة من غير ما تعملي أي فوضى، مجرد إنك تنزلي الطلبات على الترابيزة.
بس كده.
تلألأت الدموع بأعين النادلة تأبى النزول. فنظرت شمس لها باستغراب عما فعله الآن. فوقفت واستقامت تطالع النادلة بحب:
_ حقك عليا، أنا ماتزعليش. أنا عارفة إنه ماكانش قصدك، إحنا بشر وبنغلط.
أمسكت شمس بحقيبتها الصغيرة وبالمذكرة. تحركت خطوات للأمام فقال لها:
_ إحنا لسه ماخلصناش كلامنا.
وقفت هي واستدارت تنظر لها:
_ إحنا عمرنا ما كان في بينا كلام عشان نخلصه.
تجمع الجميع بالقرية من جديد يستعدون لمراسم الزفاف أخيراً. بعدما حاولت سارة بكل ما تستطيع أن تجعل القرية مكان جميل ومرتب بمساعدة الـ wedding planner.
رأتها الخالة والتوتر يملؤها:
_ مالك ياسارة متوترة كده ليه يابتي؟
جلست سارة على المقعد فابتسمت للخالة وهي تقول:
_ أول مرة أتجوز ياخالة، مش عايزة يبقى فيه غلطة في الفرح، عايزة ليلة الحنة تبقى مترتبة وكل حاجة تبقى في مكانها.
جلست الخالة بجوارها تتكأ على العصا الخاصة بها:
_ ماتقلقيش يابتي، كله هيبقى تمام. إنتِ على أرض عيلة الصاوي يعني كل رجالتها هتبقى تحت خدمتك.
ابتسمت سارة بامتنان للخالة:
_ متشكره أوي ياخالة. طيب هسيبك أنا بقى عشان أشوف اللي ورايا.
وقفت سارة واستقامت فشعرت بثقل بجسدها فلم تستطع النهوض. وضعت يدها على رأسها تشعر بالتعب مما جعلت الخالة تتساءل:
_ مالك يابتي فيكي إيه؟
فردت عليها سارة بصوت يكاد يكون مسموع:
_ مش عارفة ياخالة، بقالي فترة بتجيلي دوخة وبحس بتعب شديد، ببقى مش قادرة أقف على حيلي.
_ وماروحتيش كشفتي ليه يابتي؟
_ مش مستاهلة ياخالة، هو بس أكيد إرهاق من كتر الحركة. إنتِ عارفة اليومين دول تعب إزاي عشان الفرح.
_ ربنا يتمملك على خير يابتي، بس برضوا لازم تكشفي.
أشارت سارة برأسها بالموافقة قائلة:
_ إن شاء الله.
جاء الطبيب علي يسأل الخالة:
_ بقولك ياخالة ماشوفتيش حسان؟
طالع سارة فوجدها تمسك رأسها بكف يدها:
_ مالك ياسارة إنتِ كويسة؟
أشارت برأسها بالموافقة:
_ آه كويسة. هي فين شمس؟
طالعتها الخالة تجاوب على سؤالها:
_ هتلاقيها فوق السطوح عند غية الحمام يابتي.
رحلت سارة فنظر الطبيب لها وهي تغادر فاستكمل حديثه مع الخالة:
_ فين حسان ياخالة ماشفتهوش النهارده؟
نظرت الخالة تشير برأسها إلى الباب المفتوح على مصرعيه:
_ أهوه جه. ياريتك كنت جيبت سيرة عدلة مكانتش جت.
ضغط حسان على شفته السفلى بغضب:
_ ليه وأنا عملت إيه دلوقتي ياخالة بس؟
شعر الطبيب بالذعر من نبرته فقال بنبرة ملتوية:
_ حسان اتكلم مع الخالة كويس.
جائت زهره تمضي قدماً نحو حسان لكي تدافع عنه كعادتها:
_ بتزعق لحسان ليه ياعلي بس؟
دعم حسان حديث زهره:
_ مش عارف يا إمي، تعالي شوفي كل مايشوفوني يفضلوا يبكتوا فيا.
_ أنا لحقت أكلمك يابني.
قالها الطبيب بحنق فردت عليه زهره بحنان بعدما أخذت حسان بداخل صدرها تحنو عليه كالعادة:
_ معلش ياعلي اصبر على حسان شوية صغير ومايفهمش.
_ طيب ودروسه وعلامه مايفهمش فيه هو كمان؟
ضربت الخالة بكفها على العصا بقوة:
_ عشان خايب سقط السنة دي كمان، مع أني قدمتله هو وشمس. شمس كانت بتاخد سنتين في سنة واحدة، وهو السنة الواحدة كان بيسقط فيها سنتين.
أشار بيده بعدم مبالاة:
_ عشان أنا ماليش في العلام، قولتلكم ألف مرة أنا فلاح ابن فلاح. شمس اختي ليها في العلام وأنا لأ. خلاص سيبوني براحتي بقى. بين الزرع والغيطان وبلاها علام، إنتوا بس اللي مخليني أروح المدرسة غصب عني وده ظلم على فكرة.
تركهم وغادر المكان تأفف الطبيب مما يفعله حسان فقال لها:
_ كل ده من دلعك فيه يازهره.
فردت عليه قائلة:
_ ومادلعهوش ليه؟ أبوه وأمه ميتين ومالهوش غيرنا. ده أنا ماصدقت بقى بيناديني بأمي. إنت شوفت إنه بيقول على شمس إنها أخته إزاي؟ بلا تعليم بلا كلام فاضي، هو حابب الأرض وبيحب يزرع فيها، سيبه يعمل اللي هو بيحبه ياعلي.
جاء الليل سريعاً واشتعلت القرية بالأنوار. فكل مكان بالقرية أصبح مضيئاً. أرتدى يزن ملابسه والكل يستعد. فذهبت غدير إلى يزن مسرعة:
_ أوبا، إيه الشياكة دي كلها. الجلبية هتاكل من عليك حتة.
ابتسم يزن وهو يلقي بالمنشفة بوجهها:
_ اتريقي يا أختي اتريقي. مش كله من تحكمات الخالة.
_ طيب قولي مين هيحط الحنة في إيدك؟
هز كتفيه بعدما فقد الأمل:
_ كنت عامل حسابي على ياسين بس الظاهر إنه مش هييجي، فالخالة هي اللي هتحط كبشة حنة قد كده في كف إيدي.
_ هي العوايد دي بتتعمل في مصر؟
جاء رعد من خلفها:
_ وحياتك ولا في الصين دي عيلة الصاوي بس اللي بتعملها.
_ قوليلى قررتي هتدخلي جامعتك هنا ولا هترجعي ألمانيا؟
_ هنا طبعاً. أنا حابة أقعد هنا معاك إنت وميرا. إيه عندك مانع؟
_ لأ وأنا أقدر أفتح بوقي برضوا.
_ طيب أسيبكم أنا بقى.
كانت هذه جملة يزن فرد عليه رعد بسؤال آخر:
_ رايح فين؟
_ على عمار لازم أزوره في يوم زي ده.
في غرفة العروسة يتجهز الجميع لهذه الليلة. ارتدت سارة فستانها البسيط، فستان باللون الزهري مجسم على جسدها. طويل الأكمام أنيق. تفرد شعرها للخلف مع ميكب هادي بسيط. نظرت شمس لها هي وميرا فسألت سارة عن مارال:
_ هي مارال لسه ماجتش؟
دخلت مارال من باب الغرفة وهي تفتح ذراعيها تحتضنها بحب قائلة:
_ ماقدرتش ماجيش. أكيد لازم أجي طبعاً.
ضمتها سارة إليها وهي فرحة بقدوم الجميع وأصبحوا حولها يتمنون لها حياة سعيدة.
الهدوء والسكون والظلام يملأ المكان على عكس القرية التي بها من الضوضاء ما يكفي. يقف هو بجانب قبره ينظر إلى ذلك اللوح المنقوش عليه اسمه فيبدأ بقول:
_ وحشتني أوي ياعمار. حاسس إن يومي ناقص من غيرك. مكنتش اتخيل إن اليوم ده ييجي من غيرك ياصاحبي ويا عشرة عمري كله. اوعى تفتكر إني نسيتك في يوم، أنت مابتروحش عن بالي ولو للحظة ياصاحبي. عملت حنتي هنا عشان أبقى جنبك وأحس بروحك في المكان. الله يرحمك. غيابك واكل من روحي كتير.
ظل الجميع يسأل عن يزن فقد بدأت مراسم الحناء. فذهب رعد وبربروس والطبيب إليه قائلاً:
_ غيابه مؤثر فينا كلنا يايزن مش فيك لوحدك.
_ عمار لو كان عايش كان هيزعل أوي إنك بتبكي في يوم زي ده.
فأمسك رعد بيده يجذبه للخارج:
_ يلا يايزن الكل مستنيك.
عاد الجميع إلى الفرح وجلس يزن وسارة بالمنتصف. فقامت الخالة وأمسكت كتلة من الحناء وسط الزغاريط والأغاني. وضعت الكتلة بيد سارة فسقطت باقي الحناء على الأرضية قبل أن تضعها بيد يزن. فقالت:
_ الحنة وقعت وده فال مش حلو. أجري يا شمس هاتي الحنة الباقية من فوق يابتي.
أشارت شمس برأسها بالموافقة وخرجت من الزحام ترجع بظهرها للخلف. فاستدارت لكي تكمل طريقها للخارج لتصطدم به وتجد نفسها بداخل صدره. رفعت عيناها تطالعه لتجده يقف أمامها فقالت والصدمة تعتلي وجهها:
_ يا سـيــــن.
رواية الهجينة الفصل التسعون 90 - بقلم ماهي احمد
"كان لابد من لقاء يجمعنا سويا يوما ما. ساورتني شكوكي قليلا، ولكن تملكني يقيني أكثر. كل شيء بغيابك عادي وبوجودك مبهر. تجمعت مشاعرنا دون لقاء، كما التقت عيوننا دون معاد، ياصاحبة العيون الخضراء."
كانت النهاية عند وقوعها دون قصد بأحضان آخر شخص ممكن أن تتوقعه، وأول شخص كانت تتمنى أن تراه مجددا. وجدت نفسها بأحضان ياسين. رفعت عينيها لتطالعه، فقد احتضن بؤبؤ عينيها عيناه. لم تعرف ماذا تقول، صدق من قال أن للعيون لغة، فقد فضحتها عيناها عند رؤيته من جديد. ابتسم لها هو ابتسامة بسيطة زادت من وسامته، فتراجع قليلا حتى يعطي لها فرصة في الوقوف مستقيمة بعدما مالت عليه. نظر للأسفل ليجد رباط حذائها المفكوك كالعادة، ليبتسم من جديد وهو ينحني يربط لها رباط الكوتشي وهو يقول:
"رباطك ياشمس."
هوى قلبها أرضا عند سماع جملته، فهذه الجملة لم تسمعها قرابة العشر سنوات، هذه الجملة الخاصة بعمار. وقف واستقام بعدما عقد لها رباط الكوتشي من جديد. نظرت للأسفل على حذائها فوجدته نفس ربطة عمار المعقده، فأكمل هو جملته بابتسامة حنونة أخرى:
"ربطهولك كويس عشان ما يتفكش منك تاني."
كانت ومازالت لا تستطيع الحديث، فلم تنطق ببنت شفة حتى الآن، ولكن بداخل رأسها في هذه اللحظة أسئلة كثيرة وزحمة أكثر بداخلها، ولكن تود أن تسأله سؤال واحد فقط يراودها على طرف لسانها وهو "من أنت؟". حتى كادت أن تنطق به، ولكنها صمتت عن الحديث فجأة عند سماعها صوت الطبيب قادم من خلفها ناطقا باسمه بدهشة وعدم تصديق ما يراه الآن:
"ياسين."
أضاءت ملامحه إحدى ابتساماته الرائعة بقوله:
"وحشتني يا طبيب."
فرد الطبيب علي ذراعه والأبتسامة تملأ وجهه، يضمه إلى صدره فقد اشتاق إليه حقا. ظلت شمس تطالعه، فطالعها هو الآخر بنظرة سريعة ثم تجاهلها على الفور. شعرت الخالة بوجوده، التقطت رائحته من بين الحشود، ابتسمت ووقع العكاز من يدها على الأرضية. شعرت بروحها تعود من جديد إلى جسدها، فوجدت قلبها ينطق قبل لسانها:
"ابني."
توقف الطبل والمزمار، وظل الجميع يسأل نفسه في حيرة ينظرون هنا وهناك. تحركت الخالة بينهم، أزاحت الأشخاص الذين يحولون بينه وبينها. أخذ يزن وبربروس وسارة، الجميع بلا استثناء يتابعون خطواتها بعيونهم، حتى وجدته يعطيها ظهره وهو بحضن الطبيب. وضعت كف يدها على كتفه تطالعه بدموع ترقرق بعينيها، فألتفت هو ينظر لها بابتسامة حانية:
"وحشتيني يا ما."
ها قد وقعت على مسامعها كلمة "ياما" من جديد، ضمته الخالة إلى صدرها بعنف. حاوطت عنقه بذراعين حوت حنان العالم أجمع، فقد عاد ولدها المفضل لديها من جديد أخيرا بعد غياب بعيد. ألتف الجميع حوله، رحب كل واحد منهم به على حدا. فتركتهم شمس وغادرت إلى المنزل. شعرت بمزيج مثير ومميز من الشعور الذي يراودها الآن. أغلقت باب غرفتها، قرعت دقات قلبها كالطبول، خرجت كلماتها مرتعشة من بين شفتيها بعدما أغلقت عينيها وهي تردد على شفتيها باستغراب ما قاله لها منذ دقائق قليلة:
"رباطك ياشمس!!"
مازال الجميع يرحب به بفرحة عارمة، حتى أتت له غدير وهي تسرع بخطواتها تبعد الجميع من أمامها والسعادة تملأ وجهها. دفنت رأسها بداخل صدره وهي تنطق باسمه:
"ياسين، أنا مش مصدقة نفسي، أنت فعلا هنا."
فأستغرب هو مما يحدث، لم يعد يعرفها. رفعت رأسها إليه تنظر له بابتسامة عريضة، فتفحص هو ملامحها لثواني قليلة ثم نطق باستغراب على ما أصبحت عليه الآن:
"الذبله."
ضربت بكف يدها على كتفه بخفة، يرتسم على وجهها ملامح الأندهاش فقد تذكرها للتو:
"بالظبط."
أشارت على جسدها بكف يدها، بعدها استرسلت حديثها:
"كبرت مش كده."
فأشار لها بعينيه بأعجاب:
"مهما كبرتي هتفضلي في عيني الذبله الصغننة."
ابتسم الجميع. فسأل هو عن بربروس فأجابه هو:
"أنتظرت للأخير حتى تذكر اسمي أيها اللعين."
ضحك ياسين بهدوء على كلامه قبل أن يرد:
"وأنا لا يمكن أنساك يا شيخ عجوه."
أخذه بالأحضان الحارة، وقد شعر بالأرتياح بداخل أحضانه. فذهب ليزن بعد ذلك:
"مبروك ياعريس. عارف إني جيت متأخر بس..."
بتر يزن حديثه:
"المهم أنك جيت يا ياسين دلوقتي، بس حسيت إن عمار معايا."
نظر له ياسين نظرة أمتنان. فنظرت الخالة حولها تبحث بعينيها عن شمس:
"هي شمس لسه ما جابتش الحنة؟ ياسين هو اللي هيحطها في إيدين العريس."
"أنا هاروح أجيبها يا خالة."
هرولت غدير مسرعة، فأتت بالحنة على الفور. أرتفع صوت الطبول والمزمار من جديد وهو يضع الحناء في يد يزن العريس. كان الجميع سعداء، الجميع بلا استثناء، ما عدا زهرة فقد انقبض قلبها وشعرت بالحزن عند مجيئه. كانت أعين جميع من بالفرح عليه، فالجميع انتظر لسنوات عديدة ليرى من هو ياسين بعدما ظلت تحكي عنه الخالة للعديد من الناس، فالكل يعلم بأنه وريث عائلة الصاوي من بعد الخالة. شعر بهمهماتهم ولمح أعينهم المسلطة عليه. حاول مرارا تفاديهم حتى تنتهي هذه الليلة على خير. كانت هذه الليلة من الليالي الصاخبة بالقرية، لم ينم أحد تلك الليلة. فظلت هذه الليلة مستمرة حتى طلوع الفجر. وأخيرا خفت الزحمة قليلا، وأنتى اليوم على خير. حتى ظل شباب العائلة من جديد، فالجميع الآن أصبح من العائلة، هكذا دائما تخبرهم الخالة. يجتمعون جميعل حول ياسين من جديد. فأمرتهم الخالة بالرحيل، فرد الطبيب:
"عايزانا نرجع البيت ليه يا خالة دلوقتي؟ إحنا ما صدقنا نتجمع من جديد."
فرد بربروس على كلام الطبيب:
"هناك أناس لا يمكن أن نرفض لهم طلب، ومنهم الخالة. ومن المؤكد أنها تريد أن تجلس مع هذا اللعين بمفردهما قليلا."
أشارت الخالة بعينيها إلى الطبيب:
"شايف الناس اللي بتفهم. يالا كل واحد عارف فين مطرحه."
كان اليوم شاقا، فذهب كل منهم على حدا ليستريح. فغدا يوم جديد.
***
حاول أن ينفرد بنفسه قليلا بعدما غادر الجميع من حوله. ينظر هنا وهناك، فكل شبر بالقرية يحفظه عن ظهر قلب. وجوده بالقرية يذكره بأشياء بشعة يريد نسيانها، فالنسيان أحيانا نعمة وأحيانا أخرى نقمه. شرد قليلا في الماضي، ولكن سرعان ما أفاقته الخالة من شروده.
"ياسين، عايزالك معايا يا ولدي في كلمتين، تعالى ورايا."
وقف واستقام وهو يضع يده في جيبه الخلفي بعدما تنهد:
"الكلمتين دول ماينفعش نأجلهم لبكره يا ما."
أشارت برأسها بالنفي:
"لأ ماينفعش يا ولدي."
أشار برأسه بالموافقة ورحل خلفها في صمت حتى وصل إلى قبر عمار. أشارت بعكازها على ذلك اللوح الرخامي الذي دون عليه اسم عمار قائلة:
"كتبته على اسمك بالكامل 'عمار ياسين بن يزيد الصاوي'. فاكر عيلة الصاوي يا ولدي ولا نسيتها؟"
أشاح بنظره عن اللوح بعدما طالعه قليلا:
"جيباني هنا ليه يا ما."
فردت الخالة عليه بسؤال آخر:
"ومجبكش ليه يا ولدي؟"
وضع كف يده بين خصلات شعره الكثيفه يحاول أن يتجاهل قبر ابنه بقوله:
"عشان مش وقته ياما. أنا جاي هنا عشان خاطر فرح يزن."
نظرت له باستغراب قائلة:
"وقبر ابنك مش عايز تشوفه؟ ابنك ما وحشكش يا ياسين؟"
فرد على سؤالها بسؤال آخر:
"عايزة توصلي لأيه يا ما؟"
كانت ستنطق بكلماتها ولكنه بتر حديثها قبل أن تنطق، فجاوب هو:
"أنا هقولك أنت عايزة توصلي لأيه."
أشار بعينيه إلى اللوح الرخامي: "أول حاجة تخليني أشوف قبر عمار عشان تفكريني باللي فات. بعد كده تاخديني جولة في البلد وقد إيه قرية الصاوي كان ليها معانا ذكريات، فكل شبر من أرضها وإن أبويا وجدي وجدي والناس اللي عيشنا معاهم ونشوفهم بيتولدوا ويعيشوا ويموتوا وإحنا لسه أحياء. هما موجودين وهيفضلوا موجودين طول ما الأرض والقرية بخير بريحتهم وهيبقوا مرتاحين في تربتهم. واخر وسيلة بقى إنك هتعرفيني على الناس هنا من جديد وتعرفيهم بيا وقد إيه هما غلابة ومحتاجين اللي يحميهم عشان تفضل قرية الصاوي بخير، مش كده يا ما؟ أنا وفرت عليكي كل شيء وعايز أقولك إني جاي أحضر حنة يزن وفرحه وهرجع مكان ما جيت عشان أنا ما بقاش ليا مكان هنا."
نظرت له الخالة باستغراب قليلا مع الكثير من الحيرة. فهو يعلم جيدا ما يفعل. نظرت في عينيه وجدت بهما إصرار على ما يقول يكفي لعدم مناقشته في هذه اللحظة. فضر بت الأرض بعكازها وهي تنظر له نظرة تتحداه فيها:
"ماشي يا ابن الصاوي. فرح يزن بعد شهر. بعد الشهر ما يخلص وقتها نقرر إذا كنت هترجع مطرح ما كنت ولا لأ."
استغرب هو مما قالته، فأدارت الخالة ظهرها له لتكمل طريقها. فوقف هو بلحظة أمامها ووقف بطريقها:
"إنت قولتي إيه؟ شهر!!"
"الفرح المفروض يا بكرة يا بعده بالكتير."
فارتسمت على وجهها نظرة تتحداه بها:
"هو أنا ما قلتلكش مش إحنا أجلنا الفرح يا ابن الصاوي."
"ومش هتمشي من هنا قبل ما تحضر فرحه وده آخر كلام عندي."
تركته ورحلت. يراها هو تبتعد عنه. رفع كف يديه الاثنين ووضعها خلف رأسه بعدما تنهد بعمق وقد شعر بضيق في صدره مما قالته الخالة منذ قليل. فاحتاج للقليل من الهواء النقي لكي يفكر قليلا على انفراد. أخذ يسير هنا وهناك بين الحقول والغيطان. فقد أشرق يوم جديد. فجلس بين الخضرة والزرع وفرد ظهره ينظر إلى السماء الصافية بلحظة الشروق يستنشق القليل من الهواء.
***
"هي فين شمس؟"
"هذا كان سؤال سارة لمارال وهي تضع فستانها بالدولاب الخاص بها."
"مش عارفة من أول ما ياسين ظهر في الفيح وهي اختفت."
"طيب ما حد يشوفها في أوضتها."
فردت غدير مسرعة:
"سيبوها. أنا لسه شيفاها في أوضتها من شوية لاقيتها نايمة على السرير."
فردت ميرا بقلق:
"لأ تكون تعبانة."
"تؤ..."
تؤ ما افتكرش عشان كانت نايمة عادي. وبعدين انتوا سايبين إن ياسين رجع وماسكين في شمس راحت فين.
فردت عليها سارة:
_ أيوه يا ذبلة أنتِ. مش لازم نطمن عليها.
رفعت غدير شعرها تعقده بالتوكة المشبكة الخاصة بيها:
_ والله شوفتها نايمة واطمنت عليها. ما تقلقوش، أنا حتى ما رديتش أصحّيها.
فسألت سؤال آخر:
_ بس أنا ملامحي ما اتغيرتش، أصل ياسين عرفني على طول.
_ لأ، ما اتغيرتيش. لسه عيلة صغيرة زي ما أنتِ.
هو أخوكِ هيمشي امتى؟
انكمش حاجب "الطبيب" باستغراب، فاعتدل في نومته يطالع زهرة:
_ هو لحق يرجع يا زهرة عشان يمشي؟
قامت من على الفراش والقلق يأكل من قلبها:
_ أنا بس بسأل يعني. ما تعرفش إذا كان هيحضر الفرح وهيمشي على طول ولا هيقعد شوية؟
جلس على الفراش وكانت هي تقف في الجهة المقابلة له:
_ وأنتِ، ليه عايزاه يمشي؟ وبعدين يمشي منين؟ ده بيته.
أغلقت عينيها بعدما أخذت نفس بعمق:
_ ما أنا عارفة إنه بيته يا علي. أنا بس بسألك مش أكتر. إيه المشكلة في كده؟ خلاص السؤال حُرِم.
هز الطبيب كتفيه بعدم فهم:
_ ما تحرمش ولا حاجة، بس استغربت مش أكتر.
ظلت واقفة مكانها وشردت بتفكيرها قليلاً. فسألها هو:
_ إيه؟ مش هتنامي؟
فأفاقت من شرودها وأشارت برأسها بالموافقة. ففرد هو يديه لكى يأخذ ابنته الصغيرة بين أضلعه كالعادة.
هو الآن أمام المنزل الكبير. خطى أولى خطواته على الدرج. فكلما صعد على الدرج يتذكر ما كان يفعله بالماضي بين جدران هذا المنزل من سفك الدماء. فوقف على الدرج لم يستطع أن يستكمل طريقه. ولكن شعور ما بداخله أجبره على الدخول. نظر إلى بهو المنزل فقد تغير كثيراً عن أيام "الضبع". نعم، نفس الجدران، ولكن أصبح هناك حياة بداخل هذا المنزل الكبير. فقد حرصت "الخالة" أن تعيد المنزل كما كان في عهد الصاوي الكبير. فتح باب غرفته وجلس على طرف فراشه. وضع يده على الفراش وأغلق عينيه. فراودته ذكرى مخيفة وهو يحمل "شمس" بين ذراعيه يريد أن يختلي بها. حتى جاءه الضبع وقد نحت الغضب معالم وجهه:
_ أنت بتعمل إيه يا ياسين؟
_ دي مراتي يعني أعمل فيها اللي أنا عايزه يا بوي.
_ مش دلوقتي يا ولدي. اللعنة تتفك وبعديها أعمل اللي أنت عايزه.
فاق من شروده على تلك الذكرى المؤلمة حقاً. يؤنب نفسه دائماً وأبداً عما كان يفعله بالماضي دون وعي. حل زراير قميصه يحاول خلعه ليجد من تخرج من باب الحمام بداخل الغرفة تنظر له بصدمة لتعلو صوت أنفاسها وهي ترى جسده العاري من القميص. فأستدارت على الفور عند رؤيته. فأنكمش حاجبه قليلاً بعدما نظر إلى الأسفل ليجد نفسه عاري الصدر. فوضع يده على قميصه يضمه بيديه الاثنتين قائلاً بسخرية مع ابتسامة بسيطة:
_ يا مصيبتي.
فردت هي ومازالت تعطيه ظهرها والتوتر يعلو نبرة صوتها:
_ أنتِ؟ أنتِ بتعمل إيه هنا يا ياسين؟
تقدم خطوة نحوها وهو يزرر قميصه قائلاً:
_ دي أوضتي يا شمس. أنتِ ناسيه؟ وبعدين تقدري تفتحي عنيكي، أنا قفلت القميص.
استدارت لكي تنظر له:
_ أنا مش ناسيه أكيد بس...
تحدث بعدما بتر جملتها:
_ بس استوليتي عليها صح؟
_ أنا ما استولتش عليها يا ياسين. كل حاجة زي ما هي، ما اتغيرتش من يوم ما سبتها.
اتجهت نحو الدولاب فتحت الدلفة قليلاً لتريه ما بداخلها:
_ شايفة؟
نظر بداخل الدولاب ليجد ملابسه بالكامل مازالت موجودة مرتبة ونظيفة.
فأكملت حديثها بعدما هزت كتفها:
_ سريرك موجود، حتى ما حاولت أغيره مع إنه قديم ويقرف.
رفع هو حاجبه باستغراب فقد علم من حديثها بأنها حرصت أن تبقى غرفته كما كانت منذ أن تركها ورحل. فقال ببجاحة:
_ ويا ترى القبو كمان سبتيه زي ما هو ولا ده غيرتي فيه؟
القبو؟ فهي تشعر بشعور مخيف عند سماع اسمه. فما بالك من أن تنزل به وتغير فيه؟ ففيه عاشت أسوأ مراحلها وفيه فقدت "عمار".
تنهدت ببطء وهي تحاول أن تستجمع شتات نفسها قليلاً:
_ والله لو أنت عرفت تغير فيه اللي حصل، يبقى أنا كمان هنزل أغيره.
تركته واتجهت ناحية الدولاب تأخذ منه أغراضها التي تحتاجها من الدلفة الأخرى. ذهبت باتجاه الباب ووقفت قائلة:
_ أوضتك ورجعتلك يا ياسين. أنا ما باخدش حاجة مش بتاعتي.
خرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها بقوة، تاركة إياه ينظر لها وهي تبتعد عنه.
صباح يوم جديد. كانت زهرة وميرا يحضرون لوجبة الإفطار. يضعون الطعام على الطاولة الكبيرة. فسمعوا صوت سارة المرتفع يأتي من غرفة الضيوف قائلة:
_ إيه!! يعني إيه الفرح اتأجل يا خالة؟
نظر الجميع لبعضهم البعض باستغراب. فلم يستوعب أحداً منهم ما قالته سارة للتو:
_ اقعدي يا سارة وأهدي لما نشوف ليه "الخالة" عايزة تأجل الفرح.
كانت هذه جملة يزن بعدما أمسك بكف سارة يحاول تهدئتها قليلاً. فجلست سارة على المقعد وبداخلها ألف سؤال. ولكن أهمهم هو ما سألته للتو. وكان رد الخالة كالأتي:
_ عشان أنا قولت كده يا بتي. فرحك كمان شهر على يزن.
_ يعني إيه؟ هو حكم قرقوش يا خالة؟
نطقت جملتها بغضب. فضرَبت الخالة عكازها بالأرض بعنف:
_ يزن، شوف مراتك.
_ هو أنا لسه بقيت مراته عشان يشوفني؟
_ هتبقي يا بتي، هتبقي والله. مالك متسربعة على إيه؟
علق يزن على الحوار بأكمله مستهجناً:
_ يا خالة، الحكاية مش حكاية متسربعة، بس على الأقل سارة عايزة تفهم وأنا كمان عايز أفهم. ده من حقنا على الأقل.
استدعت الخالة كامل اتزانها وهي ترد بثبات:
_ أنتِ مش واثق فيا يا ابني؟
قالت جملتها فوجدت "ياسين" يفتح الباب ويجلس على المقعد أمامها ينظر لها بخبث يتحداها قائلاً:
_ يا ما، كلنا واثقين فيكي. بس على الأقل العرسان عايزين يعرفوا السبب ليه عايزة تأجلي جوازهم.
هز رأسه ببراءة:
_ كلنا محتاجين نعرف.
فردت سارة مسرعة وبلهفة:
_ قوليها يا ياسين. على الأقل لو هاأجل فرحي أعرف ليه. لكن أأجله وخلاص ده يبقى ظلم. ولا أنت إيه رأيك يا ياسين؟
تفحص ياسين الخالة الجالسة أمامه بعينين ثاقبتين لم يهزه ثباتها. حتى وهو يقول:
_ بصراحة، قمة الظلم. وإحنا لازم نتستأنف في القضية دي.
قالت الخالة بتحدي:
_ اطلع أنت منها يا ياسين. سيبني أنا معاهم، هعرف أتصرف.
نظر لهما يزن وهما يتبادلان نظرات التحدي كل منهما الآخر. فقطعت خاله هذه النظرات بقول:
_ روح مع حسان. هو مستنيك بره. عاملين له استدعاء ولي أمر في المدرسة وعلي مش فاضي.
كمش حاجبه باستغراب وهو يطالعها ويردد:
_ استدعاء!!
أشار بأصبعه على نفسه فاستكمل حديثه:
_ أنا أروح استدعاء؟ ده الجيش ما عملهاش.
قالت كلماتها بحزم:
_ أنا قولت روح يا ياسين. حسان مستنيك بره.
تنهد بعمق وهو يطالعها من جديد. فحنى رأسه قليلاً دليل على الطاعة:
_ اللي تشوفيه يا ما.
خرج يصفع الباب بقوة من خلفه. ليجد حسان وغدير أمامه يقفون بجانب بعضهم البعض بالبهو. فسألهما:
_ مين فيكم حسان؟
فنظر كلا من غدير وحسان إلى بعضهما البعض باستغراب. فرد حسان قائلاً:
_ أنا طبعاً.
فتحرك ياسين أمامه وهو يقول:
_ تعالى ورايا.
هل يوجد أجمل من نسمات هواء الصباح مع زقزقة العصافير والزرع والخضرة يحاوطون الكوخ الذي تحيا فيه؟ حياة هادئة بسيطة يعيشها رجل مسن بالثمانينات من عمره يحاول الوقوف فقد أهلك الزمن جسده. فأتت إليه شمس قائلة:
_ أنا جيت يا عم نصير وجبتلك الفطار معايا.
ابتسم وهو يحاول الجلوس على المقعد المستطيل بخارج الكوخ:
_ ويا ترى جبتيلي معاكي إيه يا ست البنات النهارده؟
وضعت الصينية أمامه بعدما أحضرت الطاولة قائلة:
_ الإفطار اللي بتحبه. فطير مشلتت سخن مولع وعسل وبيض وجبنة قريش.
فابتسم لها عم نصير بامتنان وهو يضع عكازه بجانبه يشمر يده يستعد لتناول وجبة الإفطار:
_ أنا مش عارف من غيرك كنت عملت إيه يا شمس. عشر سنين وأنتِ مش سيباني أبداً.
أشارت له برأسها على الطعام:
_ طيب يلا كل بقى قبل ما الفطير يبرد. وأنا هدخل جوه أنضف الكوخ على ما تاكل.
هو الآن يقف أمام مدير المدرسة الخاصة بحسان. فتح باب غرفته دون استئذان وجلس على المقعد وهو ينظر للمدير قائلاً:
_ الواد ده عاملين له استدعاء ليه؟ هو ما بيجيش المدرسة؟
فرد عليه المدير باستهجان:
_ ييجي فين يا أستاذ؟ إحنا في إجازة.
رفع حاجبه باستغراب مما قاله للتو بعدما نظر لحسان:
_ ولما أنت في إجازة عاملين لك استدعاء ليه؟
هز حسان كتفه بعدم فهم يشاور بأصبعُه إلى المدير:
_ ما أعرفش. اسأله هو.
فأجاب.
المدير: قبل ما تسألني أنا عايز أسألك، أنت مين؟ أنا أول مرة أشوفك في القرية.
ياسين: أنا ياسين الصاوي.
فقال المدير بتوتر: هو حضرتك رجعت من السفر؟
ياسين: لأ لسه.
فابتلع المدير ريقه وهو يقول: نورت القرية يا أستاذ ياسين.
فرد ياسين بلا مبالاة: هنورها إزاي وأنا لسه ماجيتش.
ضحك المدير بهدوء ليجامله وهو يقول: أنا عملت للطالب حسان استدعاء لمصلحته. حسان شايل مواد السنة دي ودي تاني سنة ليه في تالتة ثانوي. ولو ما امتحنش السنة دي المواد دي هيترفض من المدرسة. وحرام السنين دي كلها تضيع وما يبقاش معاه الثانوية. على الأقل فحبيت أقولكم، وخصوصاً إنه من شباب عيلة الصاوي.
فنظر له ياسين نظرة مشبعة بلوم: أنت ما كنتش ناوي تدخل الامتحانات.
رفع حسان رأسه فقابلت عيناه عيني ياسين. ففتح فمه لكي ينطق، فقاطعه ياسين: هيدخل امتحاناته، هيدخلها، ما تقلقش.
مد كف يده للمدير: متشكرين لاهتمامك.
فمد المدير يده ليسلم عليه: على إيه؟ أنا ما عملتش غير الواجب.
رحل ياسين وبجواره حسان عائدين للمنزل. بجوارهم الغيطان، فبدأ ياسين بالحديث: أنت مين؟
فنظر له حسان يطالعه: أنا ابن زهرة وأخو شمس.
رفع ياسين حاجبه باستغراب، فحاول ألا يحرج حسان ويعلم جيدًا أن شمس ليس لديها إخوة. فاستكمل حديثه: طيب ومش عايز تكمل تعليمك ليه يا حسان؟
فقال بزهق: أنا ماليش في العلم. قلت الكلام ده ألف مرة لجوز أمي.
ياسين: هو مين جوز أمك ده؟
سأله ياسين بحيرة، فرد عليه بما لا يتوقعه: دكتور علي. مش بقولك أنا ابن زهرة؟ هي زهرة متجوزة حد غير دكتور علي؟
أشار ياسين برأسه بالإيجاب: أه، معلش تاهت عني دي. طيب ليك في إيه يا حسان غير العلم؟
رد متلهفًا بعدما اتسعت عيناه: في الفلاحة. أنا بحب الأرض أوي وأفهم فيها. سيبني في أرض بور هتلاقيني بعمرها للخضار على طول.
ياسين: طيب ما ده حلو جدًا، بس أنت شايف إنك لما تعمر الأرض البور وأنت مهندس زراعي ومعاك شهادتك أحسن، ولا لما تبقى جاهل ومعكش شهادة؟
حسان: وهتفيد بإيه الشهادة يا ياسين؟ وأنا كده كده عارف كل حاجة.
أشار ياسين بيديه لحسان: ياسين كده حاف، كنت بلعب مع اللي خلفوك. أنا جوز شطرنج.
هز حسان كتفه قائلًا: ما أنا مش عارف أقولك إيه. ما أنت شكلك صغير على كلمة عم دي. أنا دكتور علي، لو ما كانش دكتور كنت هقول له يا علي.
أشار حسان برأسه بالموافقة، ثم أمسك به من ياقة قميصه: لأ يا روح أمك، أنا تقولي يا أنكل. عايز أسمعها منك، أنكل، أنت فاهم؟
فقال له ياسين بنبرة صوت خشنة بعدما نظر له بغضب: وأنا مش دكتور علي. أنا معنديش صبر. أتكلم بالذوق. لما تبقى راجل ومعاك شهادتك وتشتغل اللي بتحبه أحسن ألف مرة ما تبقى جاهل في الدنيا، دوبك بتفك الخط. الحياة محتاجة إنك تتعلم عشان تقدر تواجهها بالعلم اللي اتعلمته. أنت فاهمني طبعًا.
أشار حسان برأسه بخوف وهو يقول: حاضر... حاضر يا أنكل ياسين.
أشار ياسين بعينيه للمغادرة، فرحل حسان وهو يركض من أمامه مسرعًا. ابتسم ياسين وهو يقول: عيال تخاف ما تخافيش.
نظر ياسين بجانبه ليجد الكوخ الصغير. شعر بحنين لهذا الكوخ، فتذكر عم نصير وزوجته. أخذه قدمه في اتجاه الكوخ ليجد عم نصير لا يزال على قيد الحياة يجلس على المقعد الذي صنعه له منذ زمن. فجلس بجواره: عم نصير، أنت مش عارفني؟
ترك عم نصير الطعام من يده ونظر له، أخذ يطالعه يتأمل بملامحه، فاتسعت البسمة على وجهه ودخل الفرح إلى قلبه. فقال جملته متقطعة وكف يده يرتعش: ياسين... ياسين، أنت رجعت.
هز ياسين رأسه بابتسامة واسعة: لأ، ما رجعتش.
حاول عم نصير الوقوف فلم يستطع، فضمه ياسين إلى صدره بحب: وحشتني يا عم نصير. وفين مراتك؟
رد عليه عم نصير والدموع تترقرق في عينيه: مراتي تعيش أنت يا ياسين. ما اتوفت وسابتني لوحدي.
ابتلع ياسين ريقه بعدما ظهر الحزن على ملامحه: الله يرحمها، كانت ست طيبة.
كانت شمس بداخل الكوخ، فسمعت صوت ياسين. حاولت أن ترحل دون أن يراها، فسارت على أطراف أصابعها من خلفه حتى وجدت عم نصير ينادي باسمها: تعالي يا شمس، ياسين رجع.
أغلقت عينيها وضغطت على شفتيها. فنظر هو خلفه ليجدها تقف على أطراف أصابعها قائلًا: أنتِ هنا بتعملي إيه؟
فرد عم نصير بدلاً منها: من ساعة ما أنت سبت البلد من عشر سنين وهي اللي بتيجي تشوف طلباتي من ساعة ما أخدت الم...
قاطعته شمس بصوت مرتفع: من ساعة ما أخدت منك يا عم نصير المش وأنا بحب أجي هنا. أصل عم نصير كان بيبع مش زمان، فكنت بحب أشتري منه، فشوفته وحبيت أكون معاه دايماً. مش كده يا عم نصير؟
نظرت له نظرة تستعطفه بها أن يوافقها فيما قالت، فأشار برأسه: أيوه كده يا بتي.
ياسين: وانت من امتى بتبيع مش يا عم نصير؟
عم نصير: من زمان يا ابني، من ساعة ما مشيت.
ياسين: على كده بقى بتعمله حلو؟
عم نصير: على قدي.
ياسين: طيب ما تعلمني.
فرد عليه عم نصير: هبقى أديك بلاصة بحالها.
فقال ياسين جملته بإصرار دليل على عدم تصديقه لعم نصير: لأ، أنا عايزك تعلمني.
فرد عليه عم نصير مؤكدًا: طيب، أول حاجة لازم تصحى بدري.
فقاطعه ياسين: خلاص، هات البلاصة.
ابتسم عم نصير على ما قاله ياسين، جلس معه قليلاً. فقالت شمس: أنا خلصت يا عم نصير، لازم أروح بقى.
فرد عليها ياسين: استني، هانروح سوا.
شمس: لأ، أنا همشي لوحدي.
فرد هو مسرعًا: تمام، ما تزعلش، جاي معاكي.
ابتلعت شمس ريقها، وهو يسير بجوارها بين الغيطان. لا يوجد سوى الصمت بينهما، والهواء يتغلغل بين خصلات شعرها. مسكت هي شعرها بيدها تحاول أن تربطه جيدًا. فنطق هو أخيرًا: ما بقتيش تتكلمي زي الأول ليه؟
شمس: تقصد إيه؟
هز ياسين كتفه قائلًا: بالفصحى زي بربروس.
رفعت شمس رأسها فتقابلت عينها بعين ياسين: مهتم إنك تعرف؟
فرد بلا مبالاة: عادي، الطريق طويل. بنتسلى. لو مش حابة تقولي براحتك.
دعمت شمس حديثه بعصبية: خلاص، مش هقول.
ياسين: براحتك. أنا بس مش عايز أضايقك. وعلى فكرة، مكانش قصدي أخنقك لما كلمتك عن القبو. حسيت إنك اتخنقتي أول ما سمعتي كلمة القبو.
شمس: أومال كان قصدك إيه لما قولتها؟
فجاوبها بصدق وهو ينظر لها ببراءة: أخنقك بصراحة.
فابتسمت هي ابتسامة بسيطة ونظرت لأسفل، لتجد من يجذبها من ذراعها له بقوة ويقول: إلهي! إلهي! ما أنتِ عايشة حياتك أهوه ومقضياها. أومال مالك مضيقاها عليا ليه؟
قالت وهي تحاول جذب يدها منه بالقوة: سيبني يا فريد.
جذبها ياسين خلفه، فوقفت هي تحتمي بذلك الجدار البشري. فنظر له ياسين نظرة بها من الكلام ما يكفي. فوقفت شمس أمامه تترجاه بأعين دامعة، فهي تعلم جيدًا ما الذي يحدث إذا فقد تركيزه: اهدى يا ياسين، أرجوك ما تتعصبش.
حاول ياسين تهدئة نفسه قليلاً، فوجد فريد يقول له باستخفاف: أنت مين أنت كمان يا حيلتها عشان تبصلي كده وعاملك أزمة ليه؟
ولم يكن يعلم أن رده هذا سيكون رده عليه موجعًا. حيث هتف قائلًا:
أخذ ياسين نفسًا عميقًا وهو يبعد شمس من أمامه قائلًا: أزمة!!
أنا مقاس أزمتي 46 واللي هقلعها وأديك بيها حالا. دلوقتي لو مابعدتش عني.
استشاط فريد غضبًا وهو يصر على أسنانه وقد اشتعلت النيران في عينيه:
_ أنت عارف أنت بتكلم مين وابن مين.
فرد عليه ببسمة صفراء وقد ارتسمت نظرة خبيثة على ملامحه:
_ عينيا مش شايفاك عشان أعرفك.
رفع "فريد" سلاحه على ياسين يوجهه على رأسه قائلاً:
_ أنا ممكن أدفنك حي حالا وأنت واقف مكانك دلوقتي وماخدش فيك يوم واحد.
وبحركة سريعة منه لف كف يد فريد وأخذ منه سلاحه وفي لحظة فك السلاح إلى أجزاء يلقيه أمامه على الأرض فاستغرب فريد من سرعته المهولة فأمسكه ياسين من ياقة قميصه وقربه منه وضربه برأسه ضربة قوية جعلته يفقد الوعي في لحظة.
صرخت شمس قائلة:
_ فريــــــد.
نظر لها ياسين باستغراب على صرختها له:
_ خايفة على الواد ده عشان صرختك دي.
شعرت بنبضه لتجده مازال حيًا فنظرت له قائلة:
_ أنا خايفة عليك أنت. أنت ماتعرفش ده ابن مين ده ابن وزير الداخلية.
***
دخل ياسين إلى غرفته يغير ملابسه فتح دولابه يفتح زرار القميص ليأخذ قميصًا آخر بدلاً منه أغلق الضلفة ليجده أمامه. انفزع قليلاً من رؤيته فنظر له باستنكار وهو يلقي بقميصه على الفراش:
_ أنت مش قلت إنك مش هتيجي القرية جيت ليه ياعمار.
نظر له وهو يربع يديه بدا الضجر على وجه عمار وتنهد بضيق قبل أن يرد:
_ أحنا مش اتفقنا إنك مش هتقربلها.
انتزع قميصه من على جسده وأمسك بالقميص الآخر وقال هو يرتديه:
_ وأنا مقربتلهاش. أنا رحت لعم نصير ولق...
فبتر عمار جملته:
_ ولما لقيتها ما خليتهاش تمشي لوحدها ليه.
ابتلع ريقه وهو يقول بصدق:
_ عشان كده كده كنت مروح فروحنا سوا صدقني ياعمار دي حاجة في العادي. أنا أصلا مكنتش عايز أجي أنت اللي أصريت إني أجي أحضر فرح يزن.
فقال عمار وهو يضغط على أسنانه:
_ وهو تحضره عشان ده يزن.
وأنا وافقت وجيت عشان أنت طلبت وشمس أنا مابفكرش فيها ولا هفكر في يوم.
_ أنت كذاب.
قالها عمار مؤكدًا بكلامه أنا سيبت كل حاجة عشانك عشان نفضل سوا سيبت شمس عشانك يابويا. ياياسين وأنت أول ما شفتها ريلت عليها.
فنفى هو جملته بصوت مرتفع:
_ ماحصلش وزي ما أنت ضحيت علشاني أنا كمان ضحيت علشانك أكتر عشان أفضل جنبك ومحدش يفرقنا.
مش مصدقك ياياسين أنا ماشي ومش هتشوفني تاني واعرف إن أنت اللي اخترت.
نادى هو على اسمه بخوف وهلع فبمجرد عدم رؤيته من جديد يدب الرعب بقلب ياسين:
_ عمـــار. وحياتك عندي يابني ما قصدي حاجة شمس هنا واكيد هكلمها.
فرد عمار ببرود قائلاً:
_ على الأقل ماتظهرش قدامها بمظهر الهيرو مرة تانية خليك جبان عشان تكرهك.
تنهد ياسين قائلاً:
_ حتى لو.
فقاطعه عمار بحزم:
_ حتى لو لاقيت حد بيغتـ ـصبها مالكش دعوة وابعد عنها.
كانت هذه جملة ياسين فرد عليه عمار بابتسامة باردة:
_ مش ده بس أنت غلطت ولازم تعاقب نفسك. اللي بيغلط بيتعاقب ولا أنت إيه رأيك.
تنهد ياسين بعمق يهز رأسه بالموافقة فأتى بالسكين من جانبه.
وغرزها بكل قوة داخل جسده أطبق عينيه بشدة والألم يأكل جسده جثا على ركبتيه من شدة الألم فهو لم يشرب دم بشر منذ سنين طويلة فهذا يجعله ضعيف يشعر بالألم الشديد فجلس عمار أمامه القرفصاء ينظر لباقي جسد ياسين وهو عليه علامات كثيرة من طعنة السكين فهذه ليست المرة الأولى التي يطعن بها ياسين نفسه من أجل عمار حتى لا يتركه ويرحل نظر له عمار فقال بنبرة ساخرة:
_ شاطر يابابا.