تحميل رواية «غوي بعصيانه قلبي» PDF
بقلم نهال مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"لا ينبض القلب إلا لعاصٍ" قبل.. أقصد قبل أي رواية أكتبها، كان كل حرف بها موجّه لشخص ما. بالخصوص، كان لدي حبيب أرسل له حبي من خلالكم. واليوم، وبعد انقطاع دام عامًا عن الكتابة حدادًا على حبي، أكتب لكم ولم أملك شخصًا بعينه أخصه بحروفي، بكلماتي، بشوقي الذي يفترسني كل ليلة. فإذا أصابت حروفي قلبك، اعلم أنني كتبت هذا في لحظة حنين. وإن لم تصب كلماتي وأخفق سهمي في طريقه لقلوبكم، اعلموا أنني أحاول أنساه وفشلت محاولاتي كما فشل سهمي. "ما قبل البداية" معذرةً عن ضعفي المبالغ فيه للحد الذي يعجزني عن كتابة كلمة...
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الأول 1 - بقلم نهال مصطفي
"لا ينبض القلب إلا لعاصٍ"
قبل.. أقصد قبل أي رواية أكتبها، كان كل حرف بها موجّه لشخص ما. بالخصوص، كان لدي حبيب أرسل له حبي من خلالكم. واليوم، وبعد انقطاع دام عامًا عن الكتابة حدادًا على حبي، أكتب لكم ولم أملك شخصًا بعينه أخصه بحروفي، بكلماتي، بشوقي الذي يفترسني كل ليلة. فإذا أصابت حروفي قلبك، اعلم أنني كتبت هذا في لحظة حنين. وإن لم تصب كلماتي وأخفق سهمي في طريقه لقلوبكم، اعلموا أنني أحاول أنساه وفشلت محاولاتي كما فشل سهمي.
"ما قبل البداية"
معذرةً عن ضعفي المبالغ فيه للحد الذي يعجزني عن كتابة كلمة "النهاية" واستبدالها بـ "ما قبل البداية". أي بدايتي بدونك، لأنني لا أعترف بمصطلح النهاية أبدًا. فلم تُخلق نهاية في هذا العالم إلا بموت الإنسان، وتلك الأخيرة لا تستحق اللقب أيضًا، لأن بموت الشخص يعني ذلك بدايته لحياة أخرى وليست نهايته! والآن تريد مني أن أطلقها علينا وعلى قصتي معك ونحن ما زلنا أحياء!
فـي الحقيقة أنا أكذب وأتمرد كي أنكر واقع أنني هُزمت. أن قلبي يرفض حقيقة غيابك الأبدي عنه.
تترنح ذاكرتي لذلك اليوم الذي لم يفارقها أبدًا. تقيم فوق عتبته نهارًا متوسلة إلى الكابوس أن يطويه بين ثناياه فيكون مجرد حلمًا مفزعًا سيذوب تحت شمس الأيام الحارقة. وتقضي ليلها حدادًا على هذا الواقع الذي لفظه الكابوس أيضًا ولم يتقبل مرارته.
كان اسمه آخر مرة يظهر على شاشة هاتفي برسالة ظننتها بدايتنا من جديد، يخبرني فيها: "أريد رؤيتك على الشاطئ".
ذلك الشاطئ الذي تذوقت شهد اللقاء الأول وشغف تلاقينا الثاني، وكل منا يبحث ببصلة قلبه عن تلك العيون التي تعثر العقل بضيائها. واجتماعنا الثالث عندما انعقد الوعد برؤية لاحقة. والصدفة المباغتة التي جرت كل منا هائمًا على وجهه لنتبادل ضحكة عفوية ثارت غيرة أمواج البحر.
والآن عما سيشهد يا ترى! طوى صفحات الماضي والبدء من جديد أم طوى قصتنا ورميها للبحر؟ ربما تسقط في يد عشاق آخرين أشجع منا في الدفاع عن حبهم!
كانت خطواتي بطيئة جدًا وأنا أسدد أسهم نظراتي إلى ظهره المتناسق البنية وشعره الذي يداعبه الهواء العاصف كما داعبت رسالته أوتار قلبي، وقميصه الشفاف الذي يتراقص حول خصره. لا أعلم كم استغرق الوقت وأنا أتجرعه بقلبي من جديد كأول لقاء بيننا. تقدمت خطوة وسبقني قلبي بخطوتين إلى أن أحس بوجودي فـ ألتفت إليّ كشروق الشمس بعد ليلة شتوية قارصة البرودة. وضعت يدي على قلبي ليكف عن الركض ولكنه بدون جدوى. حتى قطع صوت الموج بصوته الرخيم وقال:
"كنت أعلم أنكِ ستأتي!"
أجبته بعفوية:
"وكنت أعلم أنكَ ستراسلني!"
اقترب مني خطوة كان صدحها في صدري وقال:
"تسمحِ لي أن أخوض بالأمر دون مماطلة؟!"
بادرته وأنا أتمسك بأصبعيه وتلمع الدموع بعيني متوسلة، خائفة أن أعود لغرفتي وحيدة. لا أنتظر حتى سماع صوته الذي يؤنس قلبي. لفظت جملتي بنبرة امرأة فقدت كل شيء ولم يتبقى لها إلا عيونك.
"بتُ أخشى الأيام بدونك. أرجوك لا تقف تلك المرة في صف الحياة وتدعمها! بربك سأسحق، فلم تُخلق هزيمة أقوى من دُحرغيابك."
رجوته بكل أملي قائلة:
"تسمح لي أنا أكون لك وتكون لي؟!"
ساد صمت طويل قالت فيه الأعين ما لم تقل من قبل. ولأول مرة أشعر بسقيع كفه كأن المكان أصبح لا ينتمي لي. بات فراغ أصبعه لا يشتهي أصابعي. ارتجف قلبي حينها رجفة لم أتجرهعها إلا مرة واحدة وهي عند موت أمي. والثانية عندما تابعت تفاصيلك الرافضة لي برعب.
ابتعدت عيونه عني بسهولة تلك المرة وتهتهت الكلمات في حلقه وهو يناديني:
"رسيل!"
اقتربت منه أكثر ورأيت على ملامحه فراق ساطع. انبثقت دمعة الحسرة من طرف عيني وأخبرته:
"سندع الماضي يرحل بكل أخطائه، ونسطر بداية قصتنا الجديدة من الآن بشرطٍ ألا يشملها فراق ولا بُعد."
ثم ترقرقت العبرات من عيوني بسرعة كسرعة نبضات قلبي وأكملت:
"أعدني يا قاسم، أعدني ألا يعرف البُعد لنا طريق. تعلم أني سأجن لو رحلت عني."
مسح على شعري كمن يغطى وجه ضحيته بعد ما اغتالها لإنه يخشى رؤية قطرات العتاب بعينها. وقال بنبرة باردة كبرودة الطقس:
"أنتِ قوية لا يهزمك شيئًا، أنا أثق بك."
قطم بجملته قلبي كحيوان مفترس لا يرحم. فلم تجبره عيناي المحمرة على البقاء. لم يشفق على انتفاضة روحي، وذعر ملامحي. لم تهمه يدي المتشبثة به كالغريق الذي يتعلق بطوق النجاة. بللت حلقي ومسحت وجهي سريعًا وأنا أسأله:
"ستسافر!"
"أجل، هذا مستقبلي وأنتِ الذي لم ترغبي في مشاركته."
خرجت نبرة صوتي مبحوحة، مذبوحة بسكين الفراق:
"سبق و أخبرتك بأني لا استطيع السفر، لا أرغب أن أفارق أبي، ليس له أحد غيري، مثلما لم يكن لي غيرك."
استدار بظهره وأفصح بجفاء:
"هذه هي الحياة. لكي تنال شيئًا لابد أن تتنازل عن آخر."
بوخته بنبرة ممزوجة بالقهروالسخرية:
"وها أنا أصبحت كبش الفداء لأحلامك."
"لا تُحملينني عاقبة خيارك!"
"لا تضع مبررات لكذبك و الاعيبك!"
قال جملته كي يبرئ ضميره من أثم قلبي الذي رافقه لأيامٍ طويلة. كنت دومًا ما أتجاهل الكتب والروايات التي تتحدث دائمًا عن غدر الرجال، وضحاياهم المنتشرة بجميع الأركان. فلم تخلق فتاة لم يخدش قلبها من معشر الرجال. قيل عنكم أكثركم يخلط السم بالعسل ولكني معك ظننت إنني خالطت العسل بك فـأحلوت أيامي، صدقت بك جميع الرجال وكذبت جميع الكتب والكتاب وها أنا الآن أحصد نتيجة ثقتي وحماقتي معًا!
تحمحم بهدوء غير مكترث لتلك القنبلة التي جاء ليقذفها بصدري ويرحل دون أن يرف له جفن الشفقة. فقال:
"يبدو أننا متفقين، عمومًا جئت لأودعك!"
"أرأيت قاتل يودع ضحيته قبل ارتكاب جريمته!"
"بدون فلسفة زائدة، عندما تختلف الطرق فالفراق واقع لا محال له. أتمنى أن ألقاكِ على خير."
علي قدر ضعف المرأة في الحب يكون حدة سيف كبريائها. وقفت أمامه كجبل راسخ لم تهزه الريح وصرخت بوجهه معلنة:
"أتمنى ألا ألقاك أبدًا."
وسرعان ما التوى ثغري ساخرًا وأكملت:
"و أي خيرًا تريد أن تراني عليه! هزيمتي بالنسبة لك خير! وحدتي! عزلتي! جلدي لذاتي! هالاتي السوداء المتورمة تحت عينياي من كثرة البكاء تسميها خيرًا؟!"
كم هو مضحك مبكي هذا!
مسحت عبراتي بسرعة و ضحكت بوجع لم أعهده من قبل:
"سأخبرك بالخير الحقيقي الذي تركتني عليه وستراني عليه أيضًا! أنت جعلتني أفقد الثقة في البشر والعالم، أصبحت أخشاهم، وأخشى الحب وأخشى معشر الرجال برمته!"
ثم صرخت بحرقة وكأن بركان من الحزن اندلع بصدري:
"بسببك سأظل وحيدة عمري كله! أهذا هو الخير!"
حاول أن يهدئ من روعي وجسدي المرتجف أمامه وقال:
"رسيل! عودي لوعيك!"
عجبي! من دفن الخنجر في قلبي هل سيعود لإسعافه! دفعته بقوة لا أعلم مصدرها، ربما كان الخذلان، أو الضعف أو الحب! وأخبرته:
"لا أريد وداعك، فلا وداع لقاتل."
أدرت وجهي وخلعت نعليّ و لأكون أكثر دقة خلعت قلبي ليس امتثالًا لطقوس الوداع المقدسة ولكن لأركض بأقصى سرعة ممكنة، لأهرب من ذلك الصعلوك البشري الذي يتلذذ بقلوب النساء. والآن آمنت بأن الحب ما هو إلا قصة قصيرة يبقى أثرها عمرًا كاملًا تحاول أن تتعافى ولم تنجح، وأن معشر الرجال لا يعيثون في الأرض إلا فسادًا لأرواحنا وأيامنا، ومن اليوم قُدّم قلبي قربانًا في محراب الحب المقدس.
١٤ من شباط ٢٠٢٢
ذكرى احتفال العشاق بيوم الحب، تحول ليوم حداد وجب فيه العزاء لقلبي وروحي. ولأنني امرأة مسرفة أحببتك بقلبي كاملاً دون أن أدّخر منه شيئًا لأيام الحنين والغياب والإحتياج.
•رسيل المصري•
•••
( الساعة الثالثة صباحًا )
أغلقت رسيل شاشة الحاسوب وهي تخرج زفيرًا قويًا كأن دخان كتاباتها لدغ قلبها. بعد ما كتبت مقدمة روايتها الجديدة التي تجهل أحداثها وأبطالها ومصائرهم، وتجهل الحب الذي لم يلفح قلبها طوال الربع قرن الذي عاشته. لا ترى الحب إلا بين السطور، وما تعرفه عنه أنه مجرد حروف وكلمات تتجمع لتبث نبضة جديدة بالحياة في قلبك. أما الحب الذي تفيض به الأعين ما هو إلا خرافة ابتدعها الرجال لاقتناص فرائسهم.
فارقت رسيل مقعدها الخشبي ولم يفارقه شعرها الطويل الذي يشبه أوتار العود حيث تعثر بمسمارٍ إثر طوله الذي يغطي ظهرها بأكمله. تألمت قليلًا ثم عادت لتخلصه من أسره متأففة. وهنا فتح أخيها رشيد الباب بدون استئذان وهو يستعجلها:
"رسيل المعلم قنديل أمر إننا هننزل البحر النهاردة."
ما لبثت أن حررت شعرها فعلقت بمشكلة أكبر وقالت برفض قاطعٍ:
"مستحيل بابا يطلب كدا.. الموج عالي والبحر ميعرفش عزيز!"
لم يجادلها ولكنه اكتفى بإبلاغ الأمر فقط:
"هو أدرى، طالما قال هننزل يبقي محدش له الحق يعارض.. يلا مفيش وقت."
ارتفعت نبرة صوتها معارضة بشدة:
"دا يبقى اسمه انتحار رسمي!"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثاني 2 - بقلم نهال مصطفي
قال جورج أرويل:
"رُبما لا يرغب المرء في الحُب، بقدر رغبته في أن يفهمه أحد."
لا أعلم لماذا خفق قلبي بقوة وتذكرتك بعد ما قرأت هذا؛ ربما لأنك الوحيد الذي كان يُغري قلبي ليفصح عن خباياه دون تردد! الوحيد الذي كان يترجم كلماتي المبعثرة! الوحيد القادر على ضماد جرح بي بمجرد سماع اسمي من فمه، وكأنك تُقبل روحي بدلًا من تقبيل حروف اسمي. ربما لأنك أنت الوحيد الذي شق الطريق الصحيح لقلبي وروحي وفكري، لذلك فمن ذا الذي يمكنه أن يُغري عقلي بعدك! من يمكنه أن يتربع فوق عرشك بقلبي يا رجل!
"كَمن هرب من الـموت فوقع بيد قباض الأرواح."
فيضان عظيم لا يمكنه أن يطفئ بركانًا انفجر، هكذا كانت حالة "شمس" التي فاض بها الصبر عن إذعانها لأحكام ذلك الرجل المتغطرس. أكلت خطوات الدرج بسرعة فائقة وتحاول أن تلحق بها "سيدة" متوسلة إليها أن تهدأ وتتراجع عن جنونها، ولكن غضب "شمس" كان كسلطان لا يخضع إلا لأوامره.
اتجهت نحو الغرفة التي دخل بها قبل دقائق معدودة، وما أن فتحت بابها اصطدمت بـ"هدير" كانت تفتش في أوراق "عاصي" بارتباك. حيث تحول ارتباكها لشهيقٍ عالٍ بمجرد اقتحام "شمس" المفاجئ. تجولت أعينها الثاقبة وقالت متمالكة أعصابها:
"هو راح فين؟"
هدأ قلب هدير قليلًا وتحولت ملامحها الخائفة إلى أخرى متجبرة الصوت وواثقة الخُطى:
"أنتِ إزاي تفتحي الباب بالطريقة دي!"
ثم طالعتها من رأسها للكاحل وأعقبت:
"أنا مش عارفة عاصي حدفِك علينا من أي داهية!"
فاستقامت أعينها على "سيدة" الواقفة خلفها بخوف شديد ونظرات مرتعدة:
"أنتِ مش فهمتيها القوانين هنا يا سيدة!"
ابتلعت "شمس" شعور الإهانة الأشبه بالعلقم وكررت سؤالها بغضب دفين:
"هو فين؟"
عقدت "هدير" ذراعيها أمام صدرها وقالت بسخرية:
"خرج! إيه نسى ياخد الإذن منك!"
تجاهلت احتقار "هدير" لها، وتراجعت بسرعة يقودها غرور الصبا نحو الباب الرئيسي، وما أن فُتح وجدت أحد رجاله كـ سد منيع بوجهها وهو يدلي أوامره:
"ممنوع يا فندم!"
ألقت نظرة ذهول على ذراعه الممتد أمامه وقالت بتمرد:
"هو إيه الممنوع!"
أجابها الحارس بصرامة:
"عاصي بيه منبه علينا متخرجيش من البيت، فـ لو سمحتي إحنا مش عايزين مشاكل."
تشعر بجبل الكبرياء والتملك الذكوري قد تهاوى فوق رأسها، بلعت ما تبقى من غضبٍ بحنجرتها، وعادت مرة أخرى لدرجات السُلم التي كانت تخطوها بتثاقلٍ شديد حتى توقفت عند فتاة صغيرة تجلس كـ القرفصاء مستندة على سور الدرج وهي تبكي الأيام حزنًا. براءة روحها جعلتها تجلس بجانبها وانفجرت هي الأخرى في البكاء، فـ الثنائي اجتمعا على قلة الحيلة والعجز التام.
فأخذت ذاكرتها تسترجع اتفاقهم الذي دار في السيارة أثناء عودتهم وهو يلقي عليها شروطه الغير قابلة للاعتراض:
"هتاخدي بالك من تميم، تقاريره الطبية تتبع لدكتوره أول بأول، أدويته في مواعيدها، ومش عايز مشاكل يا شمس عشان أنا لما بزعل ببقى حد وحش أوي! وقبل أي لحظة تهور فكري في أختك وجدتك!"
فاقت "شمس" من شرودها على صوت تاليا وهي تسألها:
"أنتِ كمان بابي زعلك عشان كدا بتعيطي!"
ضمت "شمس" ساقيها إلى صدرها وقالت:
"أنا الدنيا كلها مزعلاني، وأنتِ بقا بتعيطي ليه؟"
مسحت الصغيرة عبراتها بأناملها البندقية وقالت:
"عشان بابي مش بيحبني أنا ولا أختي داليا، ولا حد بيحبنا في البيت دا!"
حدجتها "شمس" بنظرة شفقة وأحست بأن هناك قلبًا صغيرًا يشاطرها الوجع الذي ظنت أنه يحرقها لوحدها. لم تكد تجيبها حتى أتت الجليسة الخاصة بالفتيات وهي تنهرها بقوة:
"تاليا! أنتِ سايبة أوضتك وقاعدة القعدة اللوكل دي إزاي كدا!"
بدون أي اعتراض نهضت تاليا حاملة وجعها وانصرفت إلى غرفتها لتشارك أختها الصغيرة همومهم التي ترعرعت في كنفها. أما عن شمس فنهضت مستسلمة متجهة نحو غُرفة "تميم"، ذلك القدر المجهول الذي جُرت إليه.
تحول يوم الفطار الذي لم يجمع شملهم لشهور عديدة إلى كابوسٍ ظلمته امتدت لـ أرواحهم فزادتها انطفاءًا. خيم فطر الحزن على قلب تلك العجوز التي رأت من الحياة ما رأت ولكن لم تنساها الحياة حتى في أواخر أيامها.
تجلس "فادية" على عتبة شقتها بين حلقة ملتفة من السيدات اللاتي يشاركونها همومها بغياب حفيدتها. تقدم إليها إمام الجامع ليعطيها بعض النقود الورقية ويخبرها:
"أهل الحارة جمعولك دول يا حجة فادية."
امتدت أناملها المرتعشة ورضخ كبرياؤها تحت عرش حزنها تلك المرة وهي تأخذ منه النقود وتجيبه:
"يشكروا، فيهم الخير."
ثم ناحت بقهرة:
"يا ترى عملوا فيكي إيه يا شمس يا بنتي، استرها معاها يارب."
أتت "نوران" من الخارج وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة وتلقي بجسدها بجوار جدتها أرضًا، فتلقتها "فادية" بلهفة:
"طمنيني، طمنيني يا نورا، وصلتي لحاجة!"
طالعتها بنظرة اليأس وهي تخبرها:
"لفيت كتير لحد ما وصلت لشركة الجدع اللي ما يتسمى دا، بس محدش دلني على حاجة."
عادت فادية لحلقة الندب والنواح خاصتها وهي تبكي حفيدتها دمًا وتقول:
"كان مستخبي لنا فين كل دا بس يا ربي! يعني بنتي راحت في شربة مية خلاص."
ثم اقترحت عليها إحدى الجارات رأيها:
"ما تنزلوا تقدموا بلاغ في الجدع دا! وإحنا كلنا شاهدين معاكي."
شهقت فادية كمن عثر على ضالته وقالت بحماس:
"معاكي حق، قومي قومي يا نورا نروح نبلغ عنه، بتي لازم تبات في أوضتها الليلة."
منعتها نوران متفهمة وقالت:
"استني بس، دا راجل واصل ومش سهل، ومش بعيد لو عملنا كدا يلفق لشمس مصيبة، أنا اخدت رقم حارس شركته وهو وعدني هيجيب لي عنوانه."
رفضت فادية اقتراح حفيدتها وصممت:
"ونسيب أختك ليلة كاملة مع الرجل اللي ما يعرفش ربنا دا!"
لم تكد أن تجيبها نوران، فنورت شاشة هاتفها القديم برقم مجهول، فاستقبلته كالغارق الذي يبحث عن طوق النجاة وردت بلهفة:
"ألو.. أيوه أيوه أنا."
ثم ركضت كالفراشة وهي تترجاه أن ينتظر:
"هجيب ورقة وقلم أهو، لحظة خليك معايا متقفلش عشان خاطر ربنا!"
بأيدي اعتادت الارتعاش سجلت ما يلقيه الحارس على أذانها حتى ختمت المكالمة وهي تأكد عليه:
"متأكد يعني هو دا العنوان، تمام تمام أنا مش عارفة أشكرك إزاي."
ثم طوت الورقة وركضت بسرعة البرق وهي ترفع شعرها على هيئة ذيل حصان وتلقي جملتها دون انتظار رد جدتها:
"متقلقيش مش هرجع غير أنا وشمس يا فوفا."
ذبلت أشواك تمردها معلنة الخضوع والاستسلام لمصيرٍ لم يدق بوابة حُلمها بتاتًا. قررت أن تسير مع الموج لأخره ربما تصحو فتجد نفسها رست على شط الأمان. أدركت بأن قوتها تناطح الهواء وأي محاولة منها سيكون مصيرها الفشل كمن يحاول أن يكتب على الماء.
بخطوات مترددة دخلت غرفة تميم بعد ما طرقت بخوف على الباب فأذن لها بالدخول بصوته الرخيم:
"اتفضل!"
تعمدت أن تترك باب غرفته مفتوحًا على مصرعيه كمصدرٍ لأمانها. أخذت تجوب بعيونها يمينًا ويسارًا متحاشية النظر لذلك الشخص الجالس على فراشه يقرأ كتابًا أجنبيًا، فقطع حبال نظراتها العشوائية وسألها:
"هتفضلي واقفة كدا كتير، تعالي اقعدي!"
هبت زعابيب غضبها وخوفها بوجهه وهي تحذره:
"ينفع تخليك في حالك ومالكش دعوة بيا خالص لحد ما نشوف الورطة اللي أخوك حط فيها دي!"
قرأ الخوف بعيونها فتعمد ألا يُرعبها أكثر. عادت أنظاره لتعانق الكلمات مرة أخرى ولكن تشتت تركيزه مع تلك التي تتوسط غرفته بحيرة وعجزًا. طالعها بنظرة فضول إثر حركتها العشوائية حيث تناولت مقعدًا ووضعته في شرفة غرفته، ثم تأكدت من ثبات حجابها وعادت إليه متسلحة بالغضب كـ درع لها. اقتربت منه مجلجلة:
"فين التقارير والأدوية بتاعتك!"
قفل كتابه مرة أخرى وأشار إلى مكانهم بهدوء:
"هتلاقي كل حاجة عندك هنا."
أتبعت مسار ما أشار إليها وأخذت تفش في الأوراق حتى فرغت محتوى الأدرج وأخذت تنقلهم لمجلسها الذي اعتدته بالغرفة. ظل تميم يراقبها بتعجب شديد مع ابتسامة عشوائية كانت ترتسم على وجهه بين كل فترة وأخرى. نقلت شمس كل الأوراق وشدت مقعدها وأخذت تتفحصهم بعناية شديدة.
وعلى المقابل؛ خارج الغرفة تقف "عبلة" تتجسس عما يدور بالداخل حتى نادت على خادمتها وهي تجذبها لبعيدٍ عن الغرفة وتهمس لها:
"نوال، مش عايزة عينك تغفل عن البنت اللي جوه دي، أنتِ فاهمة!"
انتصف النهار كما انتصفت قلوب أصحابه، وزادت حرارة قلوبهم بزيادة حرارة الشمس. حينها أدلفت "نوران" من أحد السيارات للنقل العام أمام أحد المنتجعات السكنية الراقية، وأخذت تسير كـ من أضاع قلبه في زحمة الطرقات رغم خلاءها. وقفها رجل الأمن معرضًا طريقها:
"رايحة فين؟"
حاولت أن تظهر نوران بمظهر الثبات كي لا يبث حولها الشكوك وقالت:
"أنا موظفة في شركة دويدار، ومعايا ورق مهم لازم أوصله لعاصي بيه!"
أومأ الحارس بتفهم وتزحزح من أمامها وهو يقول بعجب:
"هتقدري كل دا؟"
ثم أردف مقترحًا:
"تحبي أكلمه يبعتولك عربية؟"
تلجلجت نوران وقالت بسرعة قبل أن تفارقه:
"ملوش لزوم، أنا هتصرف."
أخذت تسير قرابة النصف ساعة تحت حرارة الشمس القاسية وتتصبب عرقًا وهى تتفتن أرقام القصور والمباني الفارهة حولها بذهول أوشك أن يجنن عقلها. المنظر كان أشبه بلوحة فنية رسمها فنان عظيم، تناسق الألوان، المساحات الشاسعة، النباتات التي تتسور المبنى، السيارات الفارهة التي تمر من جانبيها، كانت منتصف الشارع كـ اللاجئين، لا يهمها المال والثروات بقدرٍ من فراش بسيط يحتوي ليلهم!
أخيرًا وصلت إلى بوابة قصر هاربًا من العصر الڤيكتوري، يشبه قصور الملوك. بوابة عملاقة بحجم محطة المترو التي كانت تظنها أكبر ما رأت عينها، يبرز من وسطها كـ منارة مميزة تحمل حرف (D). توقفت أعينها للحظات وهى تتساءل؛ كيف سيكون شكلها ليلًا والأضواء تعانقها من كل الاتجاهات؟
ظلت تجوب خلف البوابة بحيرة فلا تعلم أي باب عليها أن تطرقه. وفي ظل تنقلها هنا وهناك توقف أمامها سائق عربة أجرة كان على وشك الارتطام بها. تلقته بخضة قوية وهى توبخه معترضة:
"مش تفتح!"
نزل منها شاب في مقدمات العشرين ذو شعر ناعم يتدلى على جبينه، وبشرة بيضاء ناصعة وعيون زيتونية، وهو يضب حافظة نقوده ويضعها بجيبه ثم يصبب عرقه ويأمر السائق:
"معلش امشي أنت!"
ثم اقترب من نوران بنظراته الاستكشافية وهو يمد لها منديلًا منقوشًا عليه حرف (D) باللون الأسود وسألها:
"أنتِ مين؟ وبتعملي إيه هنا؟"
شرعت في تجفيف عرقها وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة وتستند على أحد الجدران خلفها، وأمهلها رنين هاتف الشخص الذي ظهر فجأة أمامها القليل من الوقت، حيث أجاب على هاتفه متأففًا:
"أيوه يا هدير! لسه فاكرة تردي؟ اوف، اقفلي اقفلي دلوقتي."
ثم عادت أنظاره إلى نوران وسألها بحنو:
"بقيتي أحسن؟"
أومأت بالموافقة ثم قالت بعرفان:
"شكرًا."
نزع كريم نظارته الشمسية وسألها:
"أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
"عايزة أدخل جوه، أقابل عاصي دويدار!"
انعقد حاجبيه بغرابة شديدة ثم قال:
"وأنتِ مفكرة عاصي دويدار بسهولة كدا أي حد يقابله!"
أحست بأنها طرقت على أبواب الممنوع، وجاء اليأس بمعالمها يلمع:
"يعني إيه!"
كريم بهدوء:
"أهدي بس وقوليلي يمكن أعرف أساعدك!"
رمقته بشك مريب وهي تبتعد عنه خطوتين:
"أنت مين أصلًا!"
أسبل عيونه بوميضٍ من المكر، وكشف عن هويته كاذبًا:
"اسمي كريم، السواق الخصوصي لعاصي دويدار نفسه!"
عادت المياه الأمل تركض بحلقها من جديد ثم اقتربت منه خطوة بحماس:
"بجد، يعني ممكن تساعدني!"
"فهميني بس الحوار إيه وأنا مش هقصر معاكي!"
أخرجت من حقيبتها البالية بعض النقود الورقية وأخبرته:
"جيه الصبح وأخد أختي بالقوة عشان اتأخرنا فـ دفع الإيجار، أنا عايزة أديله فلوسه عشان أختي ترجع لنا، أرجوك ساعدني أنا وهي ملناش غير بعض!"
أشار إليها بكفه كي تهدأ وأخبرها:
"تمام، ممكن تهدي."
ثم سحبها لمجلس مختصر تابع للقصر في مكان رطب وطلب منها:
"استنيني هنا، هعرف لك في إيه وأجيلك، متتمشيش ومتتكلميش مع حد، تمام!"
هذه المرة أنا حقًا لا أعلم ما الذي يعنيه هذا الشعور، ولا أعرف كيف سيستقر وماذا سيحمل معه. أنا لا أثق بكل الذي أعيشه مطلقًا، ولكن لا أملك من الأمر سوى الهدوء ومشاهدة مغبة الأقدار.
فارقت "شمس" مقعدها وهي تحمل ملفًا ما بيدها وتقترب من مرقد "تميم" الذي لم يفارق حتى الآن. كل شيء تركته عليه كان ثابتًا ما عدا اختلاف صفحات كتابه الذي أوشك أن يُنهيه.
صاحت بتلقائية غير مقصودة:
"هو أنت مالكش حد يسأل عنك هنا؟"
أحست من ملامحه الشاحبة بأنها لمست جرحًا ما بجوفها فـ عابت على نفسها بندم شديد وقالت لنفسها:
"بتقولي إيه بس يا شمس!"
وقفت بجوار سريره وهي تلقي نظرة أخيرة على التقارير متعمدة تجاهل ما أشعلته قبل قليل:
"أنا قرأت كل التقرير من بداية الحادث لـ دلوقت!"
رفع حاجبه ثم تابعها بنظرة خيبة أمل سحيقة:
"جميل! يا رب تكوني لقيتي حاجة جديدة!"
قفلت الملف ووضعته بجواره وقالت بغرابة:
"أنا مستغربة أنت إزاي لحد دلوقتي مش بتمشي على رجليك!"
تراكم قنوطه في جمر كلماتها وقال بشك:
"تقصدي إيه!"
"آخر تقرير بتاريخ سبتمبر السنة اللي فاتت، بيقول إنك كويس، وكل حاجة كويسة؟"
توارى خلف جدار الحجج المصطنعة كي لا يعلق نفسه بحبال أملٍ متهرية:
"سمعت من الكلام دا كتير!"
التقمت عيونها معالم الحسرة على وجهه، فقامت بدورها كطبيبة وغيرت مجرى الحديث وهي تطالع نشرة أدويته وتقول:
"المفروض تتغدى دلوقتي عشان تأخد أدويتك!"
"لما يفتكروا هيجيبوا الغدا!"
شعور مزمن من الذنب شحن قلبها دون أن تقترب أي ذنبٍ إثر جملته التي تعلن راية العجز بتقبل تام. ولكن كتلقائية شمس المعتادة في عدم وقوفها على محطة الحزن للحظة قالت متحمسة:
"مفيش الكلام دا، هنا في نظام وأدويتك لازم تتأخذ في ميعادها، أنا هنزل أقولهم كدا بنفسي!"
ظل يُرمقها بنظرات شخص أخرس محاولًا اكتشاف نوعية هذه الفتاة، لأي فصيلة تنتمي، تارة تثور، تارة تهدأ، تارة تضيء الأمل، وتارة تخمده!
أطبقت جفونها وانطلقت اتجاه المغيب عن عالمه وهى تخطو بخفة أمام أعينه وتشد ذراعيها وراء ظهرها كالفراشة رغم جمال ألوان أجنحتها إلا أنها تحاول ألا ترى ذلك تكتفي بإسعاد كل من حولها فقط.
في الطابق السفلي يقف كريم بجوار أخته محاولًا جمع معلومات بأي قدر ممكن، فأصدر إيماءة مفتش قانوني:
"يعني شمس دي اللي جابها عاصي الصبح!"
زفرت هدير باختناق لكثرة أسئلته، وقررت أن تغير مجرى الحوار:
"أنت رنيت عليا كل دا ليه!"
"عربيتي عطلت قدام الكلية، وكنت مفكرك هناك ترحميني من زحمة المواصلات."
رمقته بتفهم كي ترتاح من ثرثرته:
"ابقى فكرني أقول لعاصي يغيرهالك!"
في تلك اللحظة أشرقت "شمس" على مجلسهم وسألتها بحدة:
"المطبخ منين!"
أشاحت أنظارها عنها بعد ما رمقتها بسخرية شديدة وقالت بصوت رخيم متجاهلة صوتها:
"كريم، أنا ماشية."
لم يلتفت كريم لأخته حيث استدار متغزلًا بـ شمس وقال متخابثًا:
"هو ينفع كدا!"
"أفندم؟"
حانت منه التفاتة سريعة حوله يترقب الحال ثم قال مغازلًا:
"شمس بتحرق بره، وشمس بتنور جوه، حرام كدا، بشرة وقلب العبد لله هيتحرقوا!"
"بس قول إن شاء الله!"
بدا على ملامحها الضيق من دعابة "كريم" السخيفة، فكان ظهور "سيدة" لها حبل إنقاذ "كريم" من براثين جنونها، حيث قالت جملتها الأخيرة ساخرة وهي تبتعد عنه كي لا تفش غضبها من عائلتها كلهم بوجهه.. صاح كريم معترضًا وهو يضرب كف على الآخر متعمدًا أن يوصل الحديث لمسامعها:
"إيه جو عاكس القطة تخربشك دا! الحق عليا وأنا بلطف من معنوياتك يعني؟"
تجاهلته "شمس" وذهبت إلى المطبخ مع "سيدة" وهي تلقي عليها أوامرها وتشدد على الالتزام بها وعلى الجهة الأخرى تلقي "نوال" أذانها لتجسس عليهم وتحفظ كل كلمة تدور بينهم.
عاد "كريم" إلى "نوران" التي كادت أن ترحل لطول انتظارها ولكن أوقفها ندائه وهو يطلب منها راكضًا:
"استني!"
دارت نحوه بلهفة قد بلغ منها التأمل مبلغها وتفوّهت راجية:
"يا رب تكون وصلت لحاجة!"
فرك كريم كفيه بارتباك مفتعل وقال بتمويه:
"أنا بصراحة مش عارف أقولك إيه، أختك ملهاش أثر، وعاصي كمان سافر الغردقة.."
بدا على وجهها الحزن الشديد الذي قاسمته وديان دموع حزنها وهى تطالع السماء بقلة حيلة. ظلت تبتهل إلى الله بأن يكون ذلك غير صحيح وتسأله باكية:
"يعني إيه! يعني أختي مش هعرف أوصلها؟"
تهجم وجهه وأسبل جفونه بمكر:
"بصراحة ليكي حق تخافي، عاصي شخص ملهوش أمان، وبصراحة أكتر أنا خايفة يكون..."
صرخت بوجهه مرتعبة:
"يكون إيه انطق! هو ممكن يعمل إيه في أختي؟"
تهاوت أصالها بألم شديد وهى تدفن أناملها بخصيلات رأسها مفكرة وسرعان ما اقترحت:
"هو حل واحد مفيش غيره، أنا هروح أعمله محضر، هبلغ عنه، مفيش حل تاني."
أيدها "كريم" موافقًا وقال:
"وأنا معاكي في دا، الصبح هاجي معاكي ونعمله محضر."
سألته بشك:
"وليه مش دلوقت؟"
"نستنى لبكرة لو أختك مظهرتش أو أنا معرفتش أوصل لحاجة، هنروح نعمل محضر، وكمان عشان يكون عدى ٢٤ ساعة على اختفائها."
أشاحت بوجهها في استهانة بعد ما فكرت بالأمر بعقلها ورتبت كلمات كريم المقنعة. شعور العجز والضعف سيطر على نفسها وهى تؤم بالموافقة وتتسلل بدموعها المتقطرة، والمجبرة على أمرها. أوقفها نداء "كريم":
"الرقم طيب!"
الزحمة التي احتشدت برأسها جعلت الرؤية أمامها غير واضحة لدرجة أنها لم تلتفت للهاتف الحديث الذي يحمله كريم من نوعية "الأيفون" وبمجرد ما كتبت له الرقم بدون تفكير انسحبت بهدوء شديد رغم الضجيج القوي بروحها.
عادت "هدير" إلى غرفتها وبدلت ملابسها ووضعت مساحيق التجميل على ملامحها الحادة، ووقفت أمام الكاميرا لتشارك متابعينها "بفيديو" جديد، وعن ماركة جديدة من المنتجات التي تروج لها وتتقاضى مقابلها الآلاف من الجنيهات لمجرد امتلاكها عدد ضخم من رواد التواصل الاجتماعي.
ما لبثت أن تندمج في تقديم محتواها، اقتحمت "جيهان" غرفتها وهي تقول بضجر:
"اقفلي الزفت دا!"
استجابت "هدير" لأوامر والدتها ودارت إليها بفضول:
"خير يا مامي، كنتِ فين!"
جلست جيهان بكلل على فراش ابنتها وقالت متنهدة:
"روحت عند أخوكي، وكمان شقته كانت خرابة كلمت حد يجي ينضفهاله.. ولسه جايه."
انصاعت إليها على مضض:
"آه مراد، هو عامل إيه!"
"هتفضلي متكلميش أخوكي كدا كتير!"
حسمت "هدير" قرارها بخصوص هذا الوضع الذي طال أمره لأكثر من ثلاث سنوات، تأففت بضجر:
"مامي لو جاية تفتحي نفس الموضوع هسيبك وامشي!"
جذبتها جيهان من رسغها بقوة:
"اقعدي هنا، في كلام أهم!"
التفتت إليها بفضول منتظرة إلقاء ما جاءت لأجله، فأتبعت جيهان قائلة:
"حفلة يوم الخميس، تعرفي خالتك مهتمة بيها ليه!"
باستخفاف أجابتها:
"طبيعي خالتو بتهتم بكل المناسبات اللي زي كدا."
أشاحت بوجهها ساخرة وهي تبوخها:
"عشان عمرك ما حاولت تفهمي، خالتك عاملة الحفلة مخصوص وعازمة فيها كبار العائلات وبناتهم عشان عاصي بيه يختار عروسته!"
ضربت كف على الآخر وهي تتراجع برأسها ضاحكة بستهزاء حتى لمعت نجوم السخرية من سماء أعينها:
"أكيد بتهزري! وعاصي طفل صغير هيقولها حاضر يا ماما.. ما تعقلوا الكلام بقا."
ثم فكرت للحظات وأتبعت ضاحكة:
"تصدقي يبقى موضوع حلقة تريند وهيفرقع الدنيا!"
صبت جيهان جام غضبها في نبرة صوتها العالية:
"أفضلي اضحكي وهزري كدا لحد ما تلاقي واحدة تانية واخداه منك."
ثم مالت نحوها ناصحة:
"حبيبتي عاصي لازم يجيب الولد عشان خالتك تحافظ على إمبراطورية آل دويدار اللي الكل عينه عليها، وأكيد مش هتسيب الجمل بما حمل لتميم ابن الخدامة!"
بدأت "هدير" استيعاب حديث أمها والتأكد من صحته خاصة بعد إصرارها الرهيب على تواجد عاصي بالحفل، وقالت مهتمة:
"بتفكري في إيه يا مامي!"
"أركني حوار عاصي على جنب دلوقتي هنفوق له، وعايزاكي تركزي مع عالية!"
إنني أكبر وتكبر معي أشياء كثيرة، أولها الألم، كلما كبرت أصبح الألم أكبر وأبطأ رحيلًا، العبء؛ كل يوم تُحملني الحياة بأثقال وتنحت مني القوة. أدركت أن حزني ويا للأسى سيكون كبيرًا ودائمًا، لأنني أضعف من تحمل كل هذا، ودائمًا لأني وحيدة، ولا يوجد من يشاطر معي جزءًا من همي.
أنهى "تميم" وجبة طعامه التي حرصت "شمس" أن تكون مليئة بالخضراوات والبروتينات، وبمجرد ما رأته يزيح الطاولة ركضت نحوه لتساعده بهدوء وتجر الطاولة المتحركة بعيدًا، ثم مدت له أدويته ومعهم كأس من المياه راسمة ابتسامة مزيفة:
"اتفضل."
أكتفى بهز رأسه بهدوء مع طوي نظراته لكلمات العرفان. انتظرت أن يبتلع أقراصه ثم قالت:
"هتنام دلوقتي لأن الحبوب فيها نسبة منوم، هقفل الأنوار وأسيبك ترتاح شوية."
طالعه بنظرات المقارنة بينها وبين من أتى قبلها. لمس في عينيها بريق الطهارة من دنث الأيام التي لم ينج منها أحد. حرص تميم أن يكون معها قليل الكلام كي لا يُقلقها أكثر يكفي درجة الذعر التي تبدو على بدنها.
أخذت تلملم في الأطباق بخفة متعمدة ألا تحدث أي صوت يزعجه، حتى قطع مهمتها بسؤاله:
"على فكرة أنتِ مش مجبرة تعملي كدا، في ناس هنا ودا شغلها!"
"هو أنت في حد معبرك من الصبح!"
تلجلجت معاتبة نفسها بصوت مسموع وهي تبرر موقفها وتعتذر عن تلقائيتها المبالغ فيها:
"معلش أنا آسفة، أصلًا وأنا متعصبة بقول أي كلام ومش باخد بالي أنا بقول إيه! يعني مش قصدي، أنا مش عارفة مالي، آسفة مرة تانية."
بتصالح تام مع الحياة أخبرها متفهمًا:
"وتتأسفي ليه! هي دي الحقيقة فعلًا!"
اتسع بؤبؤ عينيها بغرابة:
"يعني إيه! يعني دا العادي؟"
ثم أطلقت ضحكة ساخرة وهي تُكمل:
"وأنا مستغربة ليه؟ اللي شفته من أخوك الصبح يخليني أتوقع أي حاجة في بيت الأشباح دا!"
هنا دخلت "عبلة" بخطوات كعب حذائها المسموعة للغاية وهي تتفحص "شمس" من فوق لـ تحت وما زالت عيونها متعلقة بـ شمس حتى أردفت بثبات:
"أخبار صحتك إيه يا تميم! يا رب الدكتورة شمس تكون شايفة شغلها كويس."
ارتبكت شمس إثر نظرات عبلة المخيفة والتي لا تعكس إلا بريق النوايا الخبيثة. أردف تميم بعرفان:
"بخير."
ثم شد الوسادة من تحت رأسه بمعاناة متخذًا وضع النوم. لاحظته شمس فـ حرصت على اقترابها منه منتظرة مساعدة من جبل الجليد الذي يقف أمامها. تجمدها الذي أثار شكوك شمس حتى قالت بنبرة صارمة:
"موعد نوم تميم بيه دلوقتي."
تفاقم غضب عبلة ناحيتها أكثر واكفهر وجهها كاظمة نيرانها بجوفها ودارت مغادرة بهدوء لا يحدث إلا صخبًا كمثل الذي يحدثه حذاؤها.
حل المساء ولا زالت "شمس" تجلس على أحد درجات السُلم بهدوء تراقب حركة القصر الصاخبة بأعينها الاستكشافية وترى ترتيبات الحفل الذي شبه يشير إلى حدث عظيم سيُقام بالقصر. طاف الغم والقلق بوجهها وهي تتذكر حالة أختها وجدتها وعما سيكون وضعهم الآن!
تنهدت بحرارة وكفكفت دموعها السائلة وهى تناجي ربها:
"يارب ساعدني!"
هنا خرجت "عالية" من غرفتها فـ وجدتها تتقوس حول نفسها فوق درجة السُلم، فاقتربت منها بخطوات هادئة وجلست بجوارها متبسمة بابتسامة نقية وسألتها:
"قاعدة هنا ليه!"
تحمحمت شمس بخفوت وهي تجفف وجهها سريعًا:
"مستنية عاصي بيه.."
ثم أطلقت زفيرًا قويًا وأتبعت بـ مرج:
"وكمان ما ينفعش أقعد جوه، فـ هنا أحسن!"
اتسعت بسمة "عالية" بتفهمها للأمر ثم نهضت على الفور ومدت لها يدها لتساعدها على الوقوف:
"آه فهمتك، طيب قومي يلا."
طالعتها "شمس" بنظرات يحيطها أسوار الحيرة:
"مش فاهمة.. أنتِ مين!"
"أنا عالية، أخت عاصي وتميم."
ثم أكملت بـ رقة قلب:
"قومي ادخلي أوضتي، وآكيد محتاجة تتوضي وتصلي وترتاحي شوية!"
أ يثمر من الرماد ورد! تلك كانت نظرات شمس الطائشة لديها، فكيف لـ بيتٍ يغمره رائحة الخمر يمكن أن تفوح منه رائحة الطهارة! همست لنفسها باندهاش:
"واضح إنه قصر كله ألغاز فعلًا من أول البني آدم اللي شفته الصبح لحد واحدة بتقولي قومي اتوضي عشان تصلي!"
تابعتها شمس بـ صمت تام مستمعة فقدت لزحمة الأسئلة المتراكمة في رأسها، والعالم المختلف الذي صادفته منذ صباح اليوم لآخره! يا ترى ماذا سترى آيضًا!
جميعنا تعلمنـا كيف نركض خلف الأشياء حتى تنقطع أنفاسنا لنحصل عليهـا ولكن لم يُعلمنا أحد ماذا نفعل عند فقدانها!
تلك الجملة التي حاصرت عالمه منذ أن فارقته حبيبته من خمسة أعوام لهذه اللحظة، كان حينها أول مرة يتذوق علقم الفقد والعجز. كان شعوره حينها كـ من يترك سيفه لأول مرة ويضعه بجواره ويعلن تحرره من كل أثقال القوة والنضال. أغمض عينيه وبسط ذراعيه ووقف في مهب الريح ليقوده إلى ما يشتهي رافعًا راية استسلامه ورضاه التام عن كل ما يأتي به القدر فليس من بعدها حياة يستحق أن يتعب المرء نفسه باحثًا عنها.
تذكر خريطة القدر من قبل، قدره الذي جمعها به وحارب لأجلها لتكون قدره.. ولكن عجبًا لهذه الحياة عندما تنوي أن تُذيق اثنين حلاوتها ومرارتها في آنٍ واحد تنصب لهما فخّ الحُب، وقد كان قدرًا جميلًا أن تصطاده عيناها، وتحاوطه أسوارهم.. وعندما هوى في فخّ حبها ذاق الحريّة لأول مرة، ثم وقع أسيرًا لفراق أبدي لا يرممه أحد بعدها!
تنهد معاتبًا يشكوها للقدر:
"كانَ عليكِ أن تحتضنين ظلام أيامي أكثر من ذلك، تُقلبين كُل بُقعة في قَلبي قد لوّثتها الأيام قبلك، أن تُمررين يديك على كتفٍ قد أثقلتهُ السوداوية فباتَ عاجزًا أن يستند على حائط زمن خاليًا منكِ، كنتِ تعلمين كل هذا ولكن وجودك كان قصيرًا كغيمة صيف، لا تعلم متى ظهرت، ومتى ذابت في حضن السماء!"
"كانَ عليكِ إنقاذي لا إلقائي في الظلام مجددًا!"
على أحد السفن الفارهة التي تتوسط البحر الأحمر بالغردقة، يعلو منها صوت الغناء والأنوار اللامعة والصخب، حيث سُكر أسماك البحر من رائحة خمورهم وتبغ دخانهم. فاق إثر ملء فراغات أصابعه بأصابع فتاة ليلية وهي تضمه إليها مستندة برأسها على كتفه:
"مش هتصالحني وكفاية كدا!"
ألقى زجاجة الخمور بالماء وسحب يده بهدوء وعاد إلى مجلسه وهو يشير لأحد عاملينه برفع أصوات الموسيقى، وتقديم عرض يتكون من ست فتيات بالرقص أمامه حتى يختم ليلته مع إحداهن.
زفرت "سارة" – التي ترتدي فستانًا أسود يفضح أكثر ما يغطي – باختناقٍ وهي تلقي سيجارة بفمها وتشعلها لتفش بها غضبها. شرع عاصي في بدء ليلته والانسجام مع الفتيات حتى أشار ليسري أن يأتي إليه؛ وبمجرد ما جلس بجواره سأله:
"سارة بتعمل إيه هنا، مش قلت لك مش عايز أشوف وشها؟"
تلجلج يسري موضحًا:
"أنا قلت يعني يمكن المية ترجع لمجاريها."
تجرع "عاصي" كأس النبيذ رشفة واحدة:
"متعملش حاجة من دماغك تاني!"
"أوامر معاليك!"
ثم تفحص العرض جيدًا وركزت أعينه القناصة على أحد الفتيات ومال على أذن يسري آمرًا:
"اللي لابسة فستان أحمر، خليها تستناني تحت!"
اتسعت ابتسامة يسري بمرح وهو يخترق صف الفتيات راقصًا حتى طوقت يده خصر الفتاة التي أشار إليها عاصي وتسلل معها نحو قفص سيده. حينها رن هاتف عاصي باسم "عالية" فـ عبث وجهه بوضوح ثم أغلق هاتفه وقال لنفسه:
"مش طالبة وجع دماغ الشيخة عالية!"
ألقى نظرة سريعة على سارة التي تجلس على البار تلتقط بعض الصور لنفسها بتفاخر ثم تقدم ليطالع السماء ونجومها ثم ألقى نظرة على البحر فـ ثار فضوله اقتراب شيء ما مثير للعين بالبحر.
ظلت أعينه تراقب الشيء بتمعن حتى بدت له الرؤية واضحة تدريجيًا، وإذا بفتاة تطفو على سطح الماء.
بدون تردد، عُقد لسانه عن إلقاء عريضة أوامره على أحد رجاله ورمي نفسه في البحر ببنطاله بدون تفكير. احتشد الجميع حوله وحول فعلته المريبة، فلم يعرف عنه إنه من هواة نزول البحر ليلًا.
لحق به اثنين من رجاله ليعاونوه في رفع جسد الفتاة المغيبة على ظهر السفينة وبعد دقائق مسروقة من الزمن انقلب فيها حال كل الموجودين والتفوا حول الفتاة التي قذفها البحر عليهم.
نجح عاصي بمساعدة رجاله ببسط جسد الفتاة ولكن لازال شعرها الطويل يداعبه موج البحر، شرع عاصي في محاولات إفاقتها.. ضغط كثيرًا على بطنها وعلى صدرها محاولًا انعاشها ولكن بدون أي فائدة، لم يتحرك إنش بجسد الفتاة.
خيمت نظرات اليأس والحزن على الجميع حتى تلفظت سارة قائلة:
"دي ميتة!"
لا زال عاصي يتحسس نبضها ولم يتوقف عن المحاولات، فتدخل يسري ناصحًا:
"معاليك دي قاطعة النفس، وزي ما قالت سارة، متتورطش نفسك بيها!"
التقط عاصي أنفاسه بتعب وأومأ موافقًا، ولازال صدره يعلو ويهبط إثر تكرار محاولات إنعاشها، حتى قال مدركًا:
"فعلًا، خلاص ارموها في البحر."
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثالث 3 - بقلم نهال مصطفي
لماذا أنت تحديدًا؟
ربما لأني ذوقت في قربك سكر الخمر بدون كأس! أو لامست نجوم السماء بعيونك! وأدركت كيف لكتف أن يكون لرأسي حصنًا أمنًا من صخب العالم.. أو لأنك كنت مستحيلًا، والنفس تميل لكل ما هو محال!
ربما كان حبي بقدر ما بكيت روحي حتى ابيضت، أو لأن نهاية قصتي معك لا تليق بحلمي، فكان قلبي لك.. وأصبح للنسيان!
مهما كانت العتمة فلا بد من سنا يرشد به الأبصار، فالليل رغم قوته لكن لا تطأ براثينه بريق نجوم السماء، بل اتحدت تحت شموخه وأصبحت خريطة يهتدي بها قلب العالم.
لقاء القلوب لا يزول، بل تتجاذب كما تنجذب الفراشة للورود، وهذا الذي جمع بين "شمس" و"عالية"، ربما تماثل المصائر، أو تشابه الصفات، فالشمس سمتها العلو، والعلو مزية الشمس.
بعد محاولات كثيرة لمهاتفة "عاصي" فانتهت جميعها بالفشل، تأملت "عالية" لحمامة السلام التي ألقاها أخوها عليهم صباحًا، وهي تؤدي مناسك الصلاة بخشوع وخضوع، حتى أطالت شمس السجود وهي تناجي ربها أن ينقذها من الشبكة التي سقطت بها.
مرت دقائق طويلة حتى فرغت من صلاتها وقبل ما تبدأ في الأذكار تدخلت "عالية" بفرحة تضيء وجهها وقالت داعية:
تقبل الله يا شمس.
نهضت شمس وثنت سجادة الصلاة وتبسمت إليها بعرفان:
منا ومنكم يارب، متعرفيش أنا ارتحت أد إيه، مكنتش هعرف أنام من غير ما أصلي.
اخفضت عالية درجة برودة التكييف وقالت برقة:
بفضلك أخدت حسنات أد كدا، المفروض أنا اللي اشكرك.
جلست شمس على الأريكة بهدوء وأردفت بحب:
دعيت لك على فكرة، أنا وساجدة معرفتش أقول إيه ولا إيه لربنا، بس أول حاجة افتكرتها كانت أنتِ، لإنك ادتيني الفرصة دي.
جلست عالية بجوارها وهي تربت على كتف شمس بإعجاب:
أنتِ دخلتي قلبي وحبيتك أوي.
شمس بمدح صادق:
وأنت كمان، حاسة جواكي خير يقضي على كل الشر اللي فالعالم.
تنهدت عالية بسعادة بالغة وشكرتها بعيونها ثم أتبعت قائلة بنبرة يكسوها الحرج:
اتصلت بعاصي كتير، بس مردش، شكله كدا مش جاي النهاردة.
برقت شمس بتيهٍ وأطلقت زفيرًا من الكلل:
طيب أنا أعمل إيه دلوقتِ! وكمان لازم أوصل لحد من أهلي أكيد قلقانين عليا.
نظرت إليها عالية بشفقة وأسف وقالت:
سامحيني يا شمس، والله نفسي اساعدك، بس ما دام عاصي عمل كدا يبقي الموضوع بينكم مش مجرد إيجار وبس، ولو ساعدتك ومشيتك من هنا محدش هيتأذي غيرك.
ثم فركت كفيها بحيرة عششت فوق رؤوسهن وأتبعت:
أنا محتارة زيك، بس مفيش في أيدينا حاجة نعملها!
ثم ارتفعت نبرة صوتها بحماس مقترحة:
بس أنت ممكن تاخدي تليفوني تكلمي أهلك، وتخلصي علاج تميم وتيجي تباتي هنا معايا، قولتي أيه!
شمس مجبرة:
واضح أن مفيش حل غير كدا!
في اللحظة التي أخذت فيها شمس الهاتف لتتصل بأختها نوران، دخلت "عبلة" وبيدها علبة قطيفة بها عقد من ألماس باهظ الثمن وما أن نادت باسم عالية، فوجئت بوجود شمس فتبدلت معالم وجهها الضاحكة وقالت بفظاظة:
هي دي بتعمل إيه عندك هنا.
توترت عالية توترًا لا يقل عن قلق شمس التي أحست بالخجل، تجلجلت عالية راكضة نحو أمها وهي توبخها بنظراتها وتقول:
شمس، الدكتورة شمس قاعدة معايا هنا!
قذفت عبلة ما بيدها فوق السرير وقالت معترضة:
الدكتورة جاية هنا تشتغل، مش نقضيها تسالي وسهر!
ضغطت عالية على كف والدتها بتوسل ألا تتمادى بالأمر وقالت راجية:
يا مامي بقا، لو سمحتِ أنا اللي قلت لها تيجي تقعد معايا محصلش حاجة!
أزاحت عالية من طريقها واقتربت خطوتين من شمس التي تصلبت مكانها ولم يتحرك بها إلا دموعها وأكملت إهانتها:
أنتِ عايزة تدخلي واحدة منعرفش أصلها من فصلها أوضتك اللي كلها مجوهرات بملايين! أنت لسه صغيرة ومتعرفيش الاشكال دي!
ثم أعلنت نظرة التحدي بينها وبين شمس وأتبعت:
بس أنا عارفاهم كويس أوي.
لم تتحمل شمس كلمات الهجاء والإذلال أكثر من ذلك بل رفعت رأسها متفهمة الأمر وقالت بهدوء يعاكس ثورة دواخلها وقالت:
مامتك عندها حق يا عالية.. عن إذنكم.
كادت أن تخطو خطوة فأوقفتها عبلة بصوتها القاطع كالسيف وقالت آمرة:
مكانك في أوضة تميم، دا لو مش قد المقام! ثانيًا ماليش دعوة بأي حد في القصر هنا وبالأخص البشمهندسة عالية!
انفجرت عالية عن صمتها ونهرت أمها معاتبة:
يا مامي لو سمحتي بقا كفاية كدا؟!
أغتصـبت كلمات عبلة كبرياء وشموخ شمس التي لا تعرف الانكسار أبدًا، ولكنها قررت ربح المعركة بهدوئها وحكمتها، فالشجار لا يخلق إلا إهانات متزايدة لعصفورٍ بُترت أجنحته.. أومأت رأسها بالموافقة بصمت تام وانسحبت من مجلسهم برقة فراشة متوجهة نحو بستانها الذي زُرع من شوكٍ.
أردف عاصي جملته الأخيرة بنبرة مخالفة عن داخله، شيء ما يحثه على أن يحاول مرة أخرى، أن يناضل كي يمنح الحياة التي حُرم منها لشخصٍ آخر، انعقدت حزمة من الأسئلة برأس رجل لا يشغل فكره إلا جمع المال، كلها التفت حول مصير تلك النجمة التي أجهضت من رحم السماء فسقطت بين يديه، واللؤلؤة التي قذفها البحر أمام مركبته!
أمسك أحد الرجال بساقي وذراعي "رسيل" التي ظلت ليوم وليلة يرافق البحر جثمانها ويتقاذفها هنا هناك حتى رسى بها بـ برٍ قدر غير معلوم مصائره.
اندلعت نبرة قوية من بين شدقي "عاصي" لرجاله وهو يأمرهم:
استنوا!
صوبت كل الأعين نحوه وهو يجثو على ركبتيه بالقرب من الفتاة المغيبة ويزيح خصيلات الشعر الملتصقة بوجهها، وعاد ليُكرر إنعاش رئتيها بالضغط عليهما من جديد، مع كل ضغطة كان يُطالع ملامحها بأمل لامع وسرعان ما ينطفئ بعد استجابتها له.
كرر الأمر كثيرًا حتى أردف يسرى ناصحًا:
معاليك متتعبش نفسك، ومتبوظش سهرتك ودماغك مع واحدة منعرفهاش.
رمقه عاصي بعيون يحاصرها التساءل، فالبرغم من صدق حديث يسري وتصديقه له إلا أن شيء ما يجبره على المحاولة.
عاد أن يتفحص الفتاة مرة أخرى ولكن تلك المرة أحس فيها عروق رقبتها وهنا تسرب الأمل من جديدٍ إليه بنبض عروقها الضعيف، فاندفع قائلًا بحماس:
البنت دي عايشة لسه!
جلس يسري بجواره مذهولًا وأخذ يتحسس مكان ما أشار إليه عاصي حتى اقترحت إحدى الفتيات بحمية:
جرب إعملها تنفس صناعي كدا!
اندفعت أيدي عاصي إلى وجهها وكل يد عرفت مكانها، حيث وضع يساره على جبهتها، ويمينه تحت ذقنها ومال نحوها ببطء وتردد لا يعلم مصدره، لامس شدقيه شفتيها الذابلة فأحس بقشعريرة أنتابت جسده لا يعلم سببها، وكأن ثغره الذي قام بتقبيل قبيلة من النساء تلك كانت أول مرة يتذوق مذاق التوت، كان الفارق كمن ظل عمره ينقب عن الفحم حتى ذاق ثغره الذهب!
شرع عاصي في إجراء التنفس الصناعي لها وتحفيز عملية التنفس التي تُعتبر جزءاً من العملية الأيضية وتبادل الغازات في الجسم بوساطة التنفس الرئوي والتنفس الخارجي والتنفس الداخلي.
تكررت العملية لمرات عديدة حتى أوشك أمل عاصي على الانطفاء.
وما أن رفع رأسه عنها انفجر فمها بسعال شديد كما استرد الحياة من جديد، تطوق الجميع حولها بفضول رهيب، وهما يتفحصون تلك الحورية التي تفتح جفونها ببطء ولا ترى من المحيطين إلا تشويش.
لاحظت إحدى الفتيات ارتعاشها ورجفة بدنها فقالت بصوت مسموع:
أنا هجيب لها حاجة تتغطى بيها.
فتحت "رسيل" عيونها بعد محاولات متكررة من ذلك وأول جملة سمعتها كانت من صوت ذكوري رخيم:
أنتِ كويسة!
شرعت أن ترفع رأسها ولكن صاحت متأوهة:
آه!
ثم استلقت مرة أخرى وهي تتشبث برأسها الذي أوشك على الانفجار:
أنا فين، وأنتم مين!
أتت الفتاة وبيدها مفرش ثقيل وبدأت أن تدسر به جسد رسيل وتقول:
لازم تدفى كويس.
بدون تفكير امتدت أذرع عاصي وحملها بين يده، والنظرات التي صوبت منه وإليها كانت تحمل سؤالًا واحدًا "لماذا لم يأمر أحد رجاله بهذا!".
أسرع متجهًا ناحية أحد الغرف فلحق به يسري محذرًا:
أنا مش مرتاح للبنت دي معاليك!
ركل عاصي الباب بقدمه ودلف إلى الغرفة ووضعها على الفراش متجاهلًا حديث يسري وقال آمرًا:
شوف حد من البنات يغيرلها، ويجوا يقعدوا جمبها.
أغمض يسري جفونه معترضًا ولكن لا يملك إلا قول:
حاضر!
ثم أوقفه قائلًا:
قول لمنعم يرجع!
- يرجع ليه؟ وسهرتك؟!
نفذ صبر عاصي من تكرار الأسئلة ونهره قائلًا:
نفذ اللي بقولك عليه يا يسري!
وصلت شمس لغرفة تميم وهي مثقلة بأصفار الحزن التي تفاقمت فوق كتفيها من أمسية وضحاها.
دقت الباب حتى أذن لها بالدخول، ومجرد ما لامست أقدامها أعتاب الغرفة جالت أعينها تبحث عنه فوق فراشه الخالي منه فلم تجده، ما أن التفت يسارًا وجدته يشغل أحد الأفلام ليشاهدها.
تعمدت أن تترك الباب مواربًا ثم تقدمت بصمت تعاني كي تكسره حتى لا يلحظ حزنها.
وقفت بجواره وسألته:
اتعشيت!
انتهى من تشغيل أحد أفلام "توم كروز" وتحرك بمقعده قليلًا وقال:
سيدة جابت السندوتشات في ميعادها، زي ما قولتي بالظبط.
بصوت مبحوح أجابته:
طيب كويس.. ممكن تتعشى عشان تاخذ بقية أدويتك!
وجه تميم مقعده نحو مائدة العشاء ملبيًا لطلبها وتحركت هي لتجلس بعيدًا بأقصى ركن بالغرفة.
وضع الصينية على قدميه وشرع في أخذ أحد الأرغفة ولكنه توقف على عتبة سؤاله لها:
أكلتي!
فركت كفيها بارتباك وتحاشت النظر إليه متعمدة:
آه… لا.. مش مهم!
تحرك تميم إليها حتى اقترب من مجلسها وسألها بوجهه الضاحك:
آه ولا لا! الاثنين مش ينفعوا مع بعض في جملة واحدة!
تحمحمت بخفوت محاولة أن تخفي خوفها منه وقالت بنبرة ضجر:
لا مش عايزة أكل.
فأعلنت معدتها الاعتراض وهي تلومها جوعًا حتى رأى ذلك برعشة عيونها وقال:
محدش هيحس بوجعك لما تعاقبي نفسك بالجوع!
انعقدا حاجباها بغرابة:
قصدك إيه!
قصدي إنك مش مجبرة تأذي نفسك عشان تباني أقوى، اتفضلي كلي حاجة حاجة خفيفة عشان تقدري تكملي يومك.. هي دي القوى!
زفرت بضيق رغم اقتناعها بحديثه وقالت بحدة:
قلت مش عايزة.
لم يجادلها أكثر من ذلك بل وضع الطعام كحاجز بينهم ودار بنقعده المتحرك يشاهد التلفاز، حيث التقم دواخله إنها من النوع العنيد الذي لا تلين قراراته كثرة الحديث.
شرع تميم في تناول عشائه ورغم عادته وهو يطالع أفلامه المفضلة بأن عيونه ألا تنشغل بشيء غير الشاشة أمامه إلا أن عناد الفتاة التي جاورت مجلسه كانت لها النصيب الأكبر من اختلاس النظرات الفضولية التي أراد أن يحاول اكتشافها بيهم.
لم يمر الكثير من الوقت على انكسار أبريق عنادها ومد يدها لتتناول رغيف محشو، فطالعها بابتسامة فشل في إخفائها، فبررت موقفها سريعًا وقالت:
فكرت في كلامك ولقيت إنه معاك حق.
اكتفى تميم برسم بسمة الرضا والانتصار معًا ثم عاد ليشاهد التلفاز مرة أخرى خاصة بعد ما غادرت مجلسه وذهبت لتحتمي بشرفة غرفته وهي تلوم نفسها عما فعلت.
وصل عاصي إلى القرية السياحية التابعة له، وأمر رجاله بتوصيل تلك الفتاة لغرفة وطلب لها طبيب القرية ليفحصها وعزم على وجود ممرضة معها طول الليل.
ما أن اطمئن على حالها وتركها نائمة ودخل الغرفة الملاصقة لغرفتها فأتبعه يسري ناصحًا:
أنا مش عارف ليه معاليك تتعب نفسك بحوار زي دا، مش كنا سبناها في البحر وكملنا سهرتنا!
نزع عاصي قميصه الأبيض وألقاه على أقرب مقعد وقال بحدة غير مبررة:
يسري، مش عايز كلام كتير!
ثم ألقى نظرة على فراشه فوجده خاليًا من عطر حواء، فقال بنبرة تعكس دواخله:
أنا ضارب المشوار دا كله عشان أقضي الليلة من غير عشا يا يسري!!
تحمس يسري متفهمًا على سيده وهو يسرع:
حالًا معاليك، يسري عنده الحل.
جلب يسري إحدى الفتيات إليه بعد ما ألقى على أذانها عريضة أوامره، والشروط التي لا يمكن تجاوزها مع سيده وتقاضت الفتاة أجرها، تسلل يسري بهدوء وقفل باب الغرفة متجهًا إلى أحد البارات الموجودة بالقرية.
هنا أتاه هاتف من "عبلة المحلاوي" وهي تنهره:
أومال اللي مشغلك فينه!
تبسم يسري بمكر:
يا هانم لو كلفتي نفسك وبصيتي على الساعة هتلاقيها تجاوزت الـ 12 وده الوقت الخاص بالباشا!
زفرت عبلة باختناق ثم قالت:
طيب بص يا يسري، عايزة إياك تفتح ودانك معايا وتوصله الكلمتين دول.
- معاليك تؤمر ويسري يتفذ!
- إدارة فرع دويدار الجديد قصاد حضوره للحفلة، ومش بس كدا، عقد تنازلي عن حصتي مقابل عقد جوازه! وباقي التفاصيل هو عارفها.
انكمشت ملامح يسري بضيق ثم قال مجبرًا:
أي أوامر تانية عبلة هانم!
قفلت المكالمة بدون سابق إنذار ثم ألقت هاتفها متأففًا ومعلنة الحرب عليه وقالت:
يانا يا أنت يا ابن دويدار!
تفحصت أعين شمس المكان حولها فوجدت مليئًا بالرجال والحرس منتشرون في كل الأرجاء وكل منهما يتمسك بسلسلة كلب من الأنواع المخصصة للحراسة.
انتهى الرغيف بيدها مع نهاية رحلة استكشافها للمكان..
كررت غلق جفونها عدة مرات لتتأكد من أن كل ذلك مجرد حلم وستيقظها نوران منه ولكن غلق جفونها لم يغير من الأمر بشيء، ربما كان مجرد هدنة من يوم مكتظ بالأحداث التي لا يتقبلها العقل.
أطلقت تنهيدة قوية عانقت نجوم السماء وقالت:
"لو كان باستطاعة الإنسان أن يعيش حياته بشكلٍ جديد، أن يصحو ذات صباح صافيًا هادئًا ويحس أنه يبدأ حياته من جديد"
هنا فاقت من شرودها على صوت عالية وهي تقف بجوارها وتعقد ذراعيها أمام صدرها وتقول:
أي حد بيبص على القصر من بره بيفتكر أن صحابه عايشين في الجنة، ولكن الحقيقة هي أنهم حاولوا يجملوا كل حاجة حوليهم إلا قلوبهم!
انتبهت شمس لحديثها بغرابة وكادت أن تحاورها ولكن أوقفها حديث عالية مكملة:
كل نفس في القصر حد مشاركك فيه، أسطول من الرجالة بتلف حوالين البيت عشان يأمنوه، رغم كدا عمري ما نمت ليلة مطمنة! هنا كل واحد بيجري ورا حاجة مش عارف إيه هي، بس بيجري.
شردت شمس بحديث عالية وقالت بألم:
كنت دائمًا مفكرة أن الفقير بس اللي مش مرتاح، بس طلع كمان اللي معاه فلوس مش عارف يشتري راحته.
ربتت عالية على كتفها وترجتها:
أسفة على كلام مامي، هي كدا دائمًا بتعدني عن أي حد أعرفه، لازم عشان أعرف حد يكون من خلالها، كلمي دي عشان بنت طنط فلانة، وكانت النتيجة إني طلعت وحيدة من غير صحاب.
شمس بشفقة:
هي أكيد خايفة عليكي!
- الإنسان من حقه يعيش تجاربه بنفسه! أحنا مش هنمشي نطبق على بعض نتيجة تجاربنا!
أيدتها شمس بالموافقة:
عندك حق.
ألقت عالية نظرة سريعة على تميم وقالت:
أصدق مكان في القصر دا هو هنا، الأوضة دي، لما بحب أتعرف على الدنيا بشوفها في عيون تميم، على فكرة تميم حد طيب جدًا، مفيش داعي لقلقك وخوفك دا كله.
ثم ربتت على كتفها وقالت:
كان نفسي تباتي معايا بس مامي ممكن تعمل مشكلة كمان وبصراحة أنا بتجنب أي مشاكل في البيت دا.
تفهمت عالية الأمر وقالت برضا:
أنا عارفة، عمومًا أنا هدخل أدي أدوية تميم، وهنام على الكرسي في البلكونة.. متشغليش بالك بيا.
رفعت رسيل رأسها الذي أوشك أن يتفجر من على الوسادة وهي تتأوه، ثم نزعت إبرة المحاليل من يدها فسقطت عيناها على الفتاة النائمة بجوارها.
تأزمت حركة جفونها فاستلقت مرة أخرى على الفراش وهي تتشبث برأسها، آخر شيء تذكرته قبل النوم هو حديث الطبيب موجهًا الممرضة أن تأخذ من هذا إذا أحست بالصداع!
تحملت على ضعفها ووثبت قائمة وهى تتناول قرص الدواء وترشف بعده المياه.
أخذت تتجول بأعينها المكان فلم تتذكر أي شيء سوى أضغاث من الأحلام.
لامست أقدامها العارية الأرض وذهبت إلى المرحاض وأخذت تبلل وجهها بالماء حتى سقطت أنظارها على ملامحها الشاحبة.
مررت أناملها ببطء على تفاصيل وجهها أمام المرآة حتى أطلقت سؤالًا لا أحد يملك إجابته غيرها!
- أنا مين؟
ارتعشت جفونها بعبرات الضعف وأخذت تسكب الماء على وجهها بجنون محاولة منها لتذكر أي شيء ولكن بدون فائدة.
دفنت وجهها في المنشفة القطنية ثم ألقتها بغضب وهي تستند بذراعيها على الحوض وتقول:
أنا مين؟ ومين الناس اللي شوفتها؟ وأنا بعمل إيه هنا!
أطاحت يدها بكل ما وجدته أمامها من مستلزمات صحية فأفزع الصوت الممرضة فأتتها راكضة:
أنتِ قُمتِ!
صرخت رسيل بوجهها وقالت باكية:
أنا مين! أنا مش فاكرة حاجة!
تدخلت الممرضة لتهدئتها:
ممكن تهدي، هروح أشوف الدكتور وأجي لك تمام.
دفعتها رسيل بقوة وهي تصيح:
أنا بعمل إيه هنا!
يأست الممرضة في التعامل مع شخصية رسيل، ففركضت مسرعة كي تنادي على الطبيب، بينما عن رسيل جلست أرضًا محاولة أن تتحكم في نفسها ربما تتذكر أي شيء.
أحست بالصداع يأكل برأسها وجسدها، وثبت قائمة وغادرت الحمام متجهة نحو ستائر الغرفة ورفعتها فوجدت المنظر الطبيعي مثيرًا للاستكشاف.
زاحت الباب الزجاجي وظنت أن الطبيعة ستشفي جروحها، خطت بأقدامها العارية للخارج وظلت تطالع البحر بنظرات ابنة تطالع أباها، تشعر بأنها تنتمي لهذا المكان، وأن شيئًا بها يجذبها نحوه.
بالرغم من كل الفوضى التي برأسها إلا أن هناك صوتًا آخر أثار جنونها، وهو صوت ارتفاع الموسيقى والغناء بصخب وكلمات مبذذة تتنافر مع طبيعية العقل البشري.
حاولت تجاهل الصوت ولكن بدون فائدة، فارقة حديقة غرفتها وذهبت نحو مصدر الصوت فوجدت الباب الزجاجي للغرفة الثانية مفتوحًا، ويتعالى منه أصوات منبوذة وضحكة نسائية منفره.
اقتربت أكثر حتى طرقت على الباب بقوة، فخرج لها من بين الستائر رجل ينافس الرجال في تفاخره وقال ناهرًا:
أنت مجنونة!
تراجعت للخلف بخوف، وأخذ الأخير يتفقد هيئتها المتهرئة وشعرها المبعثر وفستانها الذي يبرز جمال ركبتيها.
لاحظ الخوف في عيونها ولكنه تجاهل خوفها وعاد مزمجرًا:
أنتِ إزاي تتجرأي وتيجي مكان خاص بعاصي دويدار.
مسحت على شعرها بتوتر وقالت:
من فضلك وطي صوت الرف اللي جوه ده، في بني آدمين عايشين معاك!
نفى حديثها بثقة:
المكان كله هنا مفيهوش غيري! أنتِ اللي جاية مكان مش ليكي!
ثم تذكر ما حدث ليلة أمس وتذكر أمر الفتاة التي أوصى يسري بأن ينزلها في جناحه الخاص، حيث انخفضت نبرته وسألها:
أنتِ مين!
رج السؤال رأسها، هي لا تعلم من هي وإي موج قذفها لهنا، بللت حلقها بخوف بلغ ذروته وتراجعت خطوة للوراء وتعمدت الصمت عن سؤاله الذي لا تحمل له جوابًا.
لاحظته يقترب منها بهيئته المروعة للنفس البشرية ويقول متسائلًا:
أنتِ البنت بتاعت البحر مش كدا!
لاحظ الحيرة في عيونها فاقترب أكثر وأكمل بثقة:
ماهو مفيش غيرك هنا؟!
أحست بعودة الصداع يضرب برأسها من جديد فسألته:
أنت مين!
مد رأسه لأعلى وقال برتابة:
المفروض أنا اللي أسأل السؤال دا، بس هجاوبك، أنا اللي طلعتك من المية!
ظل يطالع عيونها والموج المتقلب بداخلهم بلون البحر وكأن هناك وادي انشق من البحر وانصب في عيونها وقال بهدوء:
أنتِ كويسة دلوقتي!
بثت نظراته الغريبة لها الرعب بقلبها وقالت معاندة وهي تمسك رأسها:
هبقى أحسن لو قفلت الدوشة دي!
أول مرة يصادف امرأة تأمره ولم تمجده وتقدم له قربان الطاعة بل تجاهلت كل هذا ولم تطالعه حتى بنظرة تقدير، تكورت يده بغضب وأطرق قائلًا:
مش مهم تبقي كويسة، المهم أبقى مبسوط.
وقف على نصل عيونها الحادة ومنع طريقها وأكمل:
ولو مش عجباكي الدوشة بتاعتي، أنا ممكن أرجعك لهدوء البحر اللي خرجتك منه!
هنا أحست بالدوار في رأسها يجوب بها كالمكوك بقوة، حاولت أن تحتفظ بجفونها مفتوحة ولكنها فشلت، بات ظهوره أمامها مشوشًا حتى ساءت حالتها وسقطت مغشية عليها.
تدلت أنظاره لأسفل وهو يتفحصها ملقي بالأرض لا حول لها ولا قوة ولكنه قرر أن يُدير ظهره دون أن يلتفت متجهًا نحو غرفته وإلى الفتاة التي كانت تراقبهم من بعيد.
عاد لغرفته وشد الباب الزجاجي، فعارضته الفتاة صارخة:
البنت مغمى عليها بره!
تفاقم الغضب بوجهه وأحمرت نيرانه وقال:
أنتِ لسه هنا؟!
تلجلجت الفتاة بخوف:
ما قلتش أمشي!
بحدة وصرامة:
وأديني قلت.
طأطأت الفتاة وتناولت سترتها الملقاة وارتدتها، وجلس هو الأخير ينفث دخان سيجارته الذي انقعد كالسحابة فوق رأسه وهو يتأمل من خلف الزجاج تلك الملقاة أرضًا، انقطع شروده على صوت قفل الباب ورحيل الفتاة عن غرفته وعاد مرة أخرى يشد دخان تبغه حتى أوشكت سيجارته على الانتهاء.
رق قلبه قليلًا فأطفأ سيجارته وارتدى قميصه الخفيف دون الاهتمام بقفل أزراره وعاد إليها ليحملها بين يديه ويعيدها إلى غرفتها.
وضع جسدها على الفراش وظل يطالع تلك اللوحة الفنية النائمة أمامه، حيث لفت انتباه شعرها الغزير والطويل الذي يتتدلى من جانب السرير، لم يكن بالظلام الدامس بل خالطته بعض خيوط الشمس فأصبح أكثر جمالًا..
جلسة لعدة دقائق يتأملها حيث انفلت زمام يده لتلامس تلك الخصلات الحريرية التي لم يراها على امرأة من قبل، وهنا أتت الممرضة بصحبة الطبيب راكضًا، تراجع عاصي عن نواياه سريعًا والتفت إليهم قائلًا:
أنت إزاي تسيبيها في الحالة دي!
تنهدت الفتاة مبررة:
روحت أصحى الدكتور، لأن حالتها كانت وحشة أوي.
شرع الطبيب في فحصها ومحاولة إيفاقتها حيث استغرق معها وقتًا طويلًا ظل يحتسبه عاصي بالدقيقة في الخارج، حرق فيهم علبة كاملة من التبغ حتى خرج الطبيب إليه وقال:
للأسف، زي ما كنت متوقع، جالها فقدان في الذاكرة، أرجح أن حاجة تقيلة وقعت على دماغها ودا أثر الجرح اللي في دماغها.
اندهش عاصي بما قاله الطبيب وعاد متسائلًا:
يعني فاقدة الذاكرة!
- يعني مش فاكرة أي حاجة، لا هي مين ولا اسمها إيه ولا إيه جابها هنا، أنا اديتها حقنة مهدئة هتنام شوية وهتصحى أحسن.
تدخل يسري هنا في حديثهم:
قلت لمعاليك مش لازم نورط نفسنا مع واحدة زيها.
أطرق الطبيب بهدوء مستأذنًا:
بعد إذنكم وأي حاجة قلت للممرضة تكلمني.
انصرف الطبيب وتوجه يسري إلى عاصي قائلًا:
هتعمل إيه يا بص!
تجاهل عاصي سؤاله وقال:
جهز نفسك قبل الوفد الأجنبي ما يوصل.
يسري مندهشًا:
والبنت اللي جوه دي!
تغافل عاصي عنه وولى ظهره منصرفًا:
كلمهم يبعتولي البدلة.
انفـلـق الصباح بأحداثٍ جديدة ونهض كل من بالقصر، فرت عالية مبكرًا إلى جامعتها، ونهضت عبلة وشرعت في إقامة طقوس صباحها اليومية، وجلست بالحديقة ترتشف قهوتها وتتفحص هاتفها ومن جهة أخرى تراقب العمال لتنظيم الحفل.
ارتدت هدير زيها الرياضي وحملت حقيبتها متأهبة للذهاب إلى صالة الرياضة وما أن قفلت باب غرفتها فوجئت "بكريم" أمامها..
سار الأخوان معًا حتى نهاية الممر فسألته:
كريم المحلاوي صاحي ٨ الصبح!
تحمس كريم بنشاط:
عندي مشوار مهم، لازم أعمله!
تعجبت هدير وسألته:
مشوار إيه!
- هروح القسم أقدم بلاغ في عاصي!
التفت باندهاش جعلها تتوقف مكانها:
أنت أكيد بتهزر!
ضحك كريم بمكر وعبث بمفاتيحه بعد ما رأى اتصال نوران فـ أردف:
أومال بتكلم بجد؟!
بمجرد ما أنهى جملته ركض من أمامها وأكل خطى الدرج مسرعًا، ضربت هدير كف على الآخر وهي تقول:
هيجنني.
ثم تذكرت بعض الأمور التي تحتاج أن تخبر بها أمها، فاتجهت نحو غرفته وما أن جاءت لتفتح الباب فأتاها صوت أمها بجملتها الأخيرة وهي تتحدث بالهاتف:
مراد دي الطريقة الوحيدة اللي هينفع تتجوز بيها عالية، غير كدا انسي.
ثم سكتت للحظة وأتبعت بثقة:
لازم هدير تساعدك، دا لمصلحتنا كلنا!
هنا اقتحمت هدير الغرفة على والدتها وقالت بذهول:
إيه اللي سمعته ده يا مامي؟!
غازلت الشمس جفون "شمس" المتقوسة على مقعدها مستندة برأسها على ركبتيها.
تدلت ساقيها بخمول وأخذت عينيها تتفقد بديع المنظر أمامها بإعجاب شديد.
نهضت متجاهلة تعب عظامها وأصوات فرقعتهم وألقت نظرة على تميم من خلف الزجاج فو جدته يرتشف قهوته يقرأ بكتاب في يده وما أن جرت الباب فوصل إليها صوت فيروز وهي تشاركه قهوته وكتابه، لا تعلم سبب شعور الراحة الذي دق صدرها، ربما سلامه النفسي، أو الجو الذي يهيئه لنفسه كي يحاوط نفسه بالونس.
سقطت أنظارها على الباب فوجدته مازال مواربًا، لم يقفل، فـ بث الأمان بقلبها واقتربت منه بخطوات هادئة وسألته:
هي الساعة كام!
ألقى نظرة على ساعة يده وقال:
٩ ونص!
اتسع بؤبؤ عينيها:
يا خبر! معاد الدوا.
ثم توترت بوضوح وهي تفتش في الأدوية وتبتهل معتذرة:
أنا آسفة إني نمت كل ده، بجد….
ثم قاطعها قائلاً بهدوئه المثير للغرابة:
بجد محصلش أي حاجة، أنا فطرت وأخدت أدويتي وكل حاجة تمام.
ثم أشار إلى مكان الطاولة:
وكمان هتلاقي فطارك هناك!
هدأت شمس تدريجيًا وهي تتفقد بذهول وقالت متسائلة:
أومال أنا بعمل إيه هنا؟!
تبسم تميم بهدوء وصمت للحظات ثم قال:
يمكن مش مكتوب لي أعيش وحيد طول عمري، فـ ربنا بعتك هنا! على الأقل أشوف ناس جديدة.
تصلبت تعابير وجهها وهي تحاول أن تترجم معاني كلماته ولكنها غيرت مجرى الحديث وقالت:
فضلت طول الليل مستنية أخوك عشان يشوف لي حل في الورطة دي بس شكلي سهرت على الفاضي!
رفع حاجبه متسائلاً:
محاولتيش تهربي ليه؟!
طوقت الغرابة عيونها وقالت بدون تفكير:
بصراحة حاولت، بس أهرب إزاي من الجيش اللي تحت، هو أنتوا عليكم تار؟!
خرج تميم من هدوئه ضاحكًا بصوت مسموع انجذبت له عيون شمس فلمعت لجمال ضحكته ثم قال ممازحًا:
أعدائنا كتير، خافي على نفسك واهربي.
لاحظ أقدام الخوف تُقاسم تفاصيل وجهها ثم قال ضاحكًا:
متخافيش كدا، عاصي دويدار مستحيل يسمح لأحد حد يقرب من هنا!
زفرت بضيق وهي تقول بهمس:
والله ما بقى غير سي عاصي ده هو الكابوس اللي في حياتي!
- طيب وطي صوتك عشان هنا حتى الحيطان ليها ودان!
شهقت شمس بخوف وهي تتساءل:
أنت سمعتني!
أومأ بالموافقة وأغمض جفونه لجزء من الثانية:
متخافيش سرك في بير.
كان سبب أول ابتسامة ترتسم على وجهها منذ مجيئها إلى هنا، تحمحمت بخفوت ثم اتبعت في حماس وهي تقول:
المفروض تقعد في الشمس على الأقل ساعة والجو تحت حلو أوي، أي رأيك!
- والله لو هتعرفي تقنعي عبلة هانم بالكلام ده، اتفضلي!
شمس بحيرة:
يعني إيه؟!
- ممنوع نزولي تحت!
- ليه؟!
- القوانين كدا؟!
لم تقتنع شمس بما قاله تميم وقالت باعتراض:
أنا هنا دكتورة، وأنا اللي أحط القوانين اللازمة للمريض بتاعي، وعلشان كدا بقولك لازم ننزل تحت، اتفضل من غير مناقشات كتير.
في سيارة عاصي الفارهة متجهًا إلى اجتماعه بالوفد الأجنبي، يجلس يسري أمامه ويقول:
عبلة هانم كلمتني امبارح، وسابت لمعاليك رسالة.
عاصي بفضول:
خير! عايزة إيه؟!
- بتأكد على معاليك وبتفكرك بموعد حفلة بكرة!
قفل عاصي جهاز الحاسوب متأففًا:
دماغي مش رايقة لدلع عبلة هانم!
يسري بمكر أكمل:
المهم أنا اطقست وعرفت سبب إصرارها الرهيب على حضورك الحفل، خاصة لما ربطت ده بكلامها معايا.
طالعه عاصي بعيون منتبه، فأكمل يسري:
عبلة هانم هتحطك قدام الأمر الواقع في الحفلة وتعلن في المايك أن عاصي دويدار هيختار عروسته، شكل الهانم عايزة تفرح بيك!
رفع حاجبه منكرًا:
واثقة أوي من نفسها عبلة هانم!
تحمحم يسري وأكمل:
لازم تكون واثقة، خاصة لما يكون ده شرطها الوحيد للتنازل عن حصتها عشان معاليك تمسك مجلس الإدارة.
تفهم هنا عاصي خطة أمه وقبض على مربط الموضوع وقال ساخرًا:
نفى يسري سخرية عاصي واستخفافه بـ عبلة وقال:
يبقي لسه معرفتش الهانم الكبيرة!
انفجر عاصي رافضًا:
ده اسمه جنان ولعب عيال يا يسري!
قدم له يسري علبة التبغ ليهدأ وقال واثقًا من نفسه:
وأحنا بنحب نلعب، وبنحب نتسلى كمان!
عاصي بشك:
تقصد إيه!
يسري بثقة عارمة وهو يضع ساق على الأخرى:
لقيت الحل اللي هيمسكنا عقد الإدارة، ويخرجك من دماغ عبلة هانم للأبد من غير ما يأثر على رفاهية معاليك!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع 4 - بقلم نهال مصطفي
وصلت ” نوران ” بصُحبة ” كريم ” إلى قسم الشرطة مستقلين عربة أجرة وتقدمت بسرعة أشبه بالركض متجهه نحو أحد الأمناء وطلبت:
- لو سمحت عايزه أقدم بلاغ !
وثب الأمين لاستقبالها وإعداد أوراق الطلب وظلت تراقبه بكفها المرتعش على البار وهي تأخذ أنفاسها بصوت مسموع، وبعد دقيقة عاد إليها قائلًا:
- بلاغ في مين يا ست !
بللت حلقها وشرعت في رواية الحدث الدرامي الذي أخذ به ” عاصي ” أختها من قلب حارتهم، فختم الأمين قصتها ساخطًا:
- هو فاكر البلد مفيهاش قانون ولا أيه ؟!
تدخل ” كريم ” مؤيدًا لجملته بثقة:
- أصله راجل مفتري أوي، ومحدش بيقدر يقف قدامه.
سأله الأمين بتلقائية:
- أنت تقرب لهم أيه ؟!
توترت الكلمات في حلق كريم، فأجابته نوران بسرعة:
- قريبنا من البلد، المهم أختي هترجع بيتها النهاردة ؟!
الأمين برسمية وهو يستعد لكتابة البيانات:
- اسمه أيه الجدع دا !
- عاصي، عاصي دويدار.
كانت إجابة نوران بحماس وأمل شديد ولكن هنا توقف حبر القلم، ويد الأمين بمجرد سماعه الاسم، انكمشت ملامح وجهه وهو يكرر سؤاله:
- قُلتي مين !
- عاصي دويدار حضرتك !
بدا عليه الارتباك والخوف، وقال متحججًا وهو يتأهب للذهاب من أمامها:
- طيب خليكي هنا هشوف بس سيادة المأمور وأرجع لك حالًا !
•••••••
يسري بثقة عارمة وهو يضع ساق على الأخرى:
- لقيت الحل اللي هيمسكك عقد الإدارة، ويخرجك من دماغ عبلة هانم للأبد وكمان من غير ما يأثر على رفاهية معاليك !
تلك كانت أخر جُملة أردفها يسري على أذان عاصي مما جعله يصغي إليه متجاهلًا رنين هاتفه، وقطب حاجبيه متسائلًا:
- أنت دماغك راحت فين ؟!
ابتسامة خبيثة ارتسمت على وجهه يسري وقال:
- راحت شُبرا !
بدا الغضب يكسو ملامحه، فسأله بنبرة حادة:
- مش فاهم !
تحمحم يسري بخفوت، وبنبرة مُغلفة بحماس الشـر قال:
- البنت الـ أحنا جبناها من شُبرا.
- قصدك الدكتورة شمس ؟!
أومأ يسري مؤيدًا تساؤله وأكمل:
- هنلفق لها قضية مترتبة، متعرفش تخرج منها، غير بطريقة واحدة!
بات حماس عاصي يبهت لما يبدو عليه رافضًا لاقتراح يسري الذي أكمل تقديم وجبة الشر الدسمة:
- هنتفق معاها، ونقول أنها حُب قديم لمعاليك، وعشان كدا جبتها القصر، وتتجوزها كدا وكدا، لحد ما تاخد الأوكيه من الهانم، نقطع الورقة ويا دار ما دخلك شر ونراضي البنت بكام مليم، والموضوع ينتهي !
تمددت ملامح عاصي تدريجيًا لما يدل على أن الحديث راق واستطاب إليه وأخذ يُقلب الفكرة برأسه حتى عادت أنظاره إلى يسري الذي يُغلف له أفكاره السوداوية بشريط هدايا وقال:
- وأنا سألت عليهم زي ما قلت لي، البنت دخلت الجامعة بمنحة دراسية ولانها فعلا مجتهدة، وهتبقى وجهة كويسة لمعاليك، عايزه بس شوية تلميع سيبهم عليا .. قلت أيه !
ضــرب الأرض بمشط حذائه اللامع بخفوت وهو يفكر في الأمر، ولكنه لم يستغرق وقتًا طويلًا حتى رن هاتفه مرة أخرى، فقبل ما يجيبه قال ليسري:
- سيبني أقلب الموضوع في دماغي وبعد الاجتماع هقولك تعمل أيه !.
ثم أجاب على هاتفه قائلًا:
- ممدوح باشا، اخبار معاليـك !
ظل يسري يراقب تبدل ملامح عاصي المُتقلبة هو يتحدث في الهاتف حتى أنهي جُملته بفظاظه وقال:
- لالا، نفذ اللي طلبته وكملوا إجراءات البلاغ.
يبدو أن الرجل كاد أن ينافشه في الأمر ولكنه أجزم قائلًا:
- مفيش كلمة تعلى فوق القانون سيادتك، وهو كذلك، شاكرين لأفضال معاليك.
بمجرد ما أنهي المكالمة سأله يسري بفضول:
- في حاجة يا بُص ؟!
ألقى هاتفه بجواره وقال بهدوء:
- البنت أخت شمس، مقدمة بلاغ فيا !
- دا ايه الورطة دي بقا ؟! البنت دي لازم تتربي.
عاصي برزانةٍ وهو يضع ساق فوق الأخرى:
- لا ورطة ولا حاجة، محلولة !!
••••••••••
في حياة كل منا يوم قديم أو حدث حزين ما زال يمتد في كل الأيام ويقاسمها، أحيانًا يكمُن في نظرة شاردة أو دمعة حارة أو كغضبك الشديد على أشياء سخيفة.. تشاركا تـميـم وشمس في الشرود، كل منهما شـرد إلى موضع ألمه الذي لم تخدره السنوات.
كانت شمس تطالع الأشجار حولها والطبيعة بصمت يحمل أثقال من الصخب، تذكرت أمها وأبيها وتلك الصرخة التي اندلعت من صميم قلبها إثر سماع خبر فقدانهم الأبدي، ترقرقت العبرات من عيونها فتعمدت أن تخفيهم عنه وهي تطالع بتشتت فوضى العمال على الجهة الآخرى.
انغمس تميم في قراءة كتابه وذلك لا يمنعه من اختلاس نظرة كل فترة والثانية من تلك الملاك الثائر، حيث استمدت صفاتها من اسمها، كالشمس تشرق لتنير عالمك وفجاة تختفي فلا ترى منها إلا الظلام، كان مصيرها من اسمها لكل شيء نهاية حتمية، لا تعلم من أين ابتدى ولأين سينتهي ؟! كانت إمرأة بنكهة اللغز المحير للعقل ومثير للفضول ولكنه كان يخشى أن يقترب منها لتحـرقه !
حاولت أن تُشتت رأسها عن أحزانها والتفتت للكتاب الذي بيده فقالت بإعجاب:
- end of love ?!
كأن ثمة حوار فُتح ليدور بينهم، استغل تميم الفرصة ليتعرف أكثر عليها ويحل شفرة ألغازه حولها، قفل الكتاب وقال بتنهيدة:
- لكُل حاجة نهاية حتى الحُب !
رمقته شمس بنظرات مُعارضة:
- أي حاجة في الدنيا وليها نهاية، حتى الإنسان مننا بينتهي، لكن الحُب الحاجة الوحيدة اللي ما ينفعش تنتهي !
- قرأتيها ؟!
أصدرت صوتًا نافيًا لسؤاله وقالت بحزن:
- قرأت نصها، وكالعادة مكملتش !
أسبل عيونه مستفهمًا حول ردها الغريب:
- أزاي ؟! قصدك مش حلوة !
ردت بعفوية:
- إطلاقـا، بس دي عادتي ما بحبش النهايات حتى ولو سعيدة، ما بحبش أكمل الرواية واتعلق بأبطالها وفي الأخر يفارقوني ! أو افتكر إنهم مش موجودين معانا، أنا مش بعرف أمشي الطريق لأخره ! لازم اسيب باب للفضول والحنين، يديني الفرصة إني أرجع له وقت ما أحب ! دي حياتي.
شرد في كلامها المغلف بأسى ينافس مأسي أيامه، ولكنها أتبعت بشكٍ:
- بس الحب الحاجة الوحيدة اللي ما ينفعش تنتهي، الحب الصادق يولد ولا يموت، له نقطة بداية، بس ملهوش نهاية مهما تجاهلنا الأمر !
ظل يستمع إليها بإعجاب، يبدو إنها لامست نقطة في عقله لم يوصل لها أحد من قبل، تأمل شرودها وهي تُنمق الكلمات وتحشو أوجاعها بجوف العبارات لتنطقها بصورة فلسفية وأكملت:
- عارف مشكلة الحُب أيه ؟!
لمعت عيونه بإثارة لاستماع المزيد منها وقالت:
- إنه بيختار الشخص المستحيل، الشخص السهل المُتاح ليك أبدًا مش بيغريه، يعني مثلًا الرواية دي، ضابط في الجيش الروسي، وقع في حب بنت عادية، بس جمالها اللي مكنش عادي، ورغم الحروب والصراعات ما بين جيشه وسكان المدينة إلا أنه تخلى عن كل دا ودخل بيتهم علي إنه شخص فقير، عشان يكون جمبها .. لو كُنت مكان الكاتب، كنت هتخلي النهاية أيه ؟!
تضرمها عيناه إعجابًا بفطنتها، فكر لدقيقتين قبل أن يُجيبها وقال:
- أنا لسه معرفش الكاتب رأيه أيه، بس شايف أن الحُب لازم ينتصر !
- انتصار الحُب الحقيقي في استمراره حتى ولو مش هينفع نكمل مع بعض ؟!
أبت ملامح وجهه كلامها وقال:
- دي يبقي اسمه قـ تل نفس، ليه الإنسان يعمل في نفسه كدا ! أحنا من حقنا نحب ونلاقي مُقابل للحُب دا ؟! وإلا يبقى زي اللي بيزرع في أرض بور ! الحياة مليانة فُرص يا شمس، متوقفيش نفسك عند محطة واحدة لمجرد أن القطر فاتك ؟!
أيدت كلامه بعقلانية وقالت:
- دا رد منطقي وواقعي لأي حد جاي الدنيا عشان يعيش أيامه ويمشي، أه مجبر على طوي اللي فات، بس حد زيي بيتعامل مع الحُب على إنه هواء وميه، كل لحظة بنستخدمهم، بس مش كل لحظة بنقول إننا بنحبهم، دا الفرق، الحُب بيجي مرة واحدة وبيعيش فينا بصرف النظر عن حياتك هتكملها مع مين بعدين ؟!
ثم أطلقت تنهيدة وأكملت:
- كل واحد جوه قلبه أوضة مقفولة مكتوب عليها ممنوع الإقتراب !
ظن أن بالحديث سيكتشف هويتها ولكن لم يزيدها الكلام إلا غموضًا، طالعها بتطفل شديدٍ إثر تلك العواصف التي هاجت ببدنه من زوبعة أوجاع امرأة رأت من الدنيا ما رأت ولكنها مازالت صامدة كالجبل.
ركضت ” تاليا و داليـا “إلى عمهم وعانقوه بحب، فقالت تاليا بمرحٍ:
- أخيرًا نزلت الجنينة يا أونكل تميم !
ابتسم تميـم بامتنانٍ:
- اشكروا الدكتورة شمس بقا.
تدخلت داليا بجزل طفولي وسألتها:
- حضرتك الدكتورة شمس، تاليا قالتلي إنك طيبه أوي.
ثم اقتربت منها وربتت بكفها الصغير على كفها وأكملت:
- ممكن متزعليش من بابي ؟! هو دايمًا عصبي وبيزعق، نانا دايمًا بتقول إنه مشغول، عشان كدا هو عصبي.
كغيث انهمر على جروح شمس وهي تطالع رقة ولُطف الصغار وهما يتحاورن معها، والكثير من المرح الذي جعلها تنسى أوجاعها للحظات مسروقة من الزمن، إلا أن هبت عاصفة من نوع أخر لتفسد مجلسهم، فـبمجرد دخول ” عبلة ” التي اشتعلت النيران من ملامحها وهي تزمجر بغضب عارمٍ:
- مين نزل تميم هنا ؟!
رفع تميـم رأسه إليها بعد ما سـر.ق نظرة سريعة من وجه شمس التي بدا عليها القلق وقال:
- أنا طلبت من الدكتورة شمس.
جثت ” عبلة ” على ركبتيها أمامها ولكن سِهام الشر تحاصر عيونها وقالت بزيف:
- تميم حبيبي أنا خايفة عليك، الدنيا مش تمام، ودربكة الحفلة والجو مش هيبقى لطيف، لو سمحت متزعلش مني.
ثم صوبت أنظارها الثاقبة لشمس وقالت:
- هنا مفيش حركة بتتم غير بعد رأيي، اتمنى الدكتورة تعرف أن القصر دا له قواعد، مش زي الخرابة اللي جاية منها !
احتدت نظرة تميـم إليها فابتلعت عبلة ما تبقى من إهانات، وطلبت من الفتيات قائلة:
- وصلو أونكل تميـم لأوضته يا حلوين.
وهنا تعالت أصوات صاخبة من الخارج، وأحد الحراس قادمًا إليهم، وبمجرد ما سألته عبلة:
- أيه الدوشة اللي بره دي !
طأطأ رأسه وقال:
- دي الشرطة بره، وبيسألوا على الدكتورة !
رمقتها عبلة بسخرية:
- دكتورة ! أنا عارفة عاصي حدفها علينـا من أي داهية، اتصل لي به حالًا.
توترت شمس وهي تضم يد دالـيا بقلق، خاصة بعد وتيرة الإهانات التي سُددت إليها، ونظرة أخيرة كانت من نصيب تمـيم التي أومأ إليها راجيًا أن تهدأ، ولا تُفاقم الأمر، كأنه يريد أن يُخبرها بطريقة ما أن هذا هو الجو المعتاد لقصر آل دويدار.
جذبت عبلة الهاتف من الحارس وقالت بلهفة:
- أيوه يا عاصي، شوفت المصيبة اللي أنت حدفتها علينا ؟!
خرج عاصي من اجتماعه بعد ما أنهاه بأفضل العروض لصالح شركاته وأخذ يخطو بفظاظة في دهليز المكان ويتبعه يسري، فقال عاصي بهدوء:
- اديها التليفون !
زفرت عبلة بضيق لعدم تمالكها زمام الأمر ومدت لها الهاتف قائلة:
- كلمي !
بأنامل مرتعشة وصوت لا يقل إنش عن ارتجاف يدها وضعت الهاتف على اذنها وقالت بصوت خافت:
- ألو !
خاض بالأمر بدون مقدمات وأردفت بحدة غير قابلة للنقاش:
- بصي يا شاطرة، هتخرجي للظابط اللي بره وتقوليله انك هنـا بتشتغلي، ومش مخـ طوفه ولا حاجة !
تلجلجت معترضة:
- بس!
ارتفعت نبرة صوته بصرامة:
- حرف تاني غير كدا، هتلاقي نفسك متهمة بسر قة حاجات لو اتباعتي أعضاء مش هتجيبي نص تمنها !
هنا أغلق هاتفه ومده ليسري وواصل طريقه نحو سيارته بفظاظة، لحق يسري بخُطاه مسرعًا وهو يسأله:
- معاليك مصمم على البنت دي ليه ! افهم من كدا وافقت على كلامنا ؟!
فكر عاصي للحظات ثم قال:
- البنت لسانها طويل وعايزه تتربي !
يسري بعدم فهم:
- وده أيه علاقته ؟!
- فيها من نفس طينة تمـيم، فـ هي أكتر حد هيعرف يتفاهم معاه !
فتح له يسري باب السيارة وهو يقول:
- نفسي أفهم أيه في دماغ معاليك !
صعد عاصي سيارته الفارهة بالمقعد الخلفي ثم لحق به يسري فأنطلق السائق عائدًا إلي القرية، وهنا أردف سؤاله الأخير:
- فكرت في كلامنا بتاع الصبح !
انتهى عاصي من إشعال سيجارته وقال:
- فكرت، والفكرة عجبتني !
تحمس يسري للمغامرة الجديدة التي سيخوضها رئيسه وقال بشغفٍ:
- هو دا الكلام ! خطط يسري متُخرش المية !
أخذ نفسًا طويلًا من سيجارته ودار برأسه يطالع الطريق من النافذة وقال بمكـر:
- بس مش شمس !
“عودة إلى القصر ”
تُراقب ” نوران ” أختها بذهول شديد بعد ما نفت كل الاتهامات الموجهة لعاصٍ، فنهرتها أختها معترضة:
- شمس، أنتِ بتقولي أيه ؟!
ضغطت شمس على كف أختها ثم أكملت حديثها إلى الضابط:
- أختي بس فهمت الموضوع غلط، وأنا موجودة في القصر هنا بصفتي الدكتورة شمس، وبقوم برعاية مريض !
أطرق الضابط باحترام ونادي على العساكر كي يتأهبوا للرحيل، ثم سحبت شمس أختها جنبًا وقالت بحذر:
- نوران، أنا هنا بشتغل، وصلي لفوفا الكلام دا !
نهرتها نوران بعنف:
- أنت ازاي تقولي كدا علي المُجـ رم دا ؟! شمس أنت واعية لتصرفاتك!
ربتت على كتف أختها بتفهم:
- أنتِ مش فاهمة حاجة، بصي هو هيجي بكرة وهتكلم معاه ولازم هيكون في حل، المهم دلوقتِ تخلي بالك من فوفا وادويتها، وطمنيها أنا كويسة أهو.
ثم مسحت بعيونها ساحة القصر لتطمئن اختها حتى ولو كذبًا:
- وأديكي شايفة المكان، وليا أوضة لوحدي وبتعامل باحترام، أنتِ اطمني !
أسبلت نوران عيونها بعدم تصديق:
- مع أن قلبي مش مطمن، بس هصدقك يا شمس.
مسحت شمس على شعر أختها وقبلت جبهتها بحنان:
- متقلقيش، ويلا عشان تطمني جدتك، وأنا هكلمك على طول !
أدخلت نوران يديها بجوف حقيبتها وأعطتها سلة سوداء بداخلها بعض النقود وقالت:
- خدي ارمي له فلوسه في وشه واخلصي من الرعب دا، المكان دا مش مريح ياشمس أنا خايفة عليكِ !
أخذت النقود من اختها وقالت بهدوء:
- هحاول، يلا روحي أمشي أنتِ دلوقتِ.
تقف جيهان بصحبة عبلة في أحد زوايا القصر يراقبان الحدث بعيون الشر، حتى تفوهت جيهان قائلة:
- عبلة اسمعي كلامي البنت دي مش هيجي من وراها غير المشاكل، قلبي مش مرتاح لها !
عقدت عبلة ذراعيها وهي تحدج نظراتها القوية جهة شمس وتقول:
- لا ومكلف نفسه عاصي وجايب دكتورة تراعي اخوه، من أمتى بيهتم تميم اصلا !
مالت جيهان على أذان أختها وقالت بصوت يشبه فحيح الأفاعي:
- ياخوفي يكون عاصي ابنك عينه منها، وجايبها القصر وحجته تميم !
هزت رأسها نافية وهي تقول بثقة:
- مش ذوق ولا مستوى عاصي، اطمني !
بثت الاطمئنان بقلب جيهان ثم سألتها:
- عبلة، أحنا لازم نظبط جوازة عاصي من هدير، دي البنت اطلقت عشان بتحبه !
يبدو أن الجملة لم ترق لمُخطط عبلة ولكنها تجاهلتها سريعًا وهي تغادرتها متجهة نحو شمس العائدة إلى مدخل المنزل، فـ عاقت طريقها وقالت بشموخ:
- شكلك عوج و بتاعت مشاكل !
فاض صبرها حتى تأفف شمس بضيق ثم قالت:
- آه، أنا فعلًا كدا والأحسن تتقي شري، عشان أنا عوج ومش بيهمني حد !
كانت تلك أخر جُملة ألقتها شمس على مسامع عبلة وتركتها وغادرت وهى تلعن الصدفة التي قادتها إلى هنا، حيث باتت نيران غضبها لا ترى أحد، بل تلسع كل من يقترب منها، ذهلت ” عبلة” من وقاحتها الزائدة وأخذت تضـ رب كف على الأخر وهي تتوعد لها بأن تحول حياتها لجحيم.
•••••••
تتقوس حول نفسها كحمامة تحت المطر لا تعلم إلى أين ستذهب بعد ما هُدم عشها ! إلى أين تتجه وهي ضعيفة هكذا كالـيرقة ! يبدو أن شعور أُلف واحتضان ذاتها معتادة عليه ! أحست بأنها ليست المرة الاولى التي ترمم فيها نفسها بنفسها ! يبدو أن حياتها القديمة لم تكن بفارق عن حياتها الآن، ربما مـاتت من قبل ألف مرة ! تقاسم الحيرة قلبها ! لِمَ ألقاها المُوج إلى هنا ؟! ما هو المصير الذي ذرفها إليه ؟!
كان مذاق التيه بالنسبة لها كالماء والهواء، ليست بشعور مخيف تهابه وتخشاه، رُبما كانوا من قبل أصدقاء، تتقلب في فراشهم كل ليلة ؟! ولكن توقفت دموعها حائرة، كحيرة الرمش، هل يحضن الدمعة أم يتخلى عنها ؟! وسألتها نفسها السؤال الأصعب !
-”هل لا يستحق الإنسان أن يشعر ولو لمرّة واحدة فـ العُمر بأنهُ في المكان الصحيح الذي لا شك به ولا حيرة ! ما هو الذنب الذي يعاقب المرء عليه بتلك القسوة ! أهل من العدلِ أن نسدد دينًا لم نقترضه ؟؟
مسحت “رسيل” عبراتها المترقرقة وهي تدفن وجهها بالوسادة، حيث بتر خيط أفكارها جُملة المُمرضة:
- لازم تاكلي ! مش هينفع كدا !
صرخت بها رسيل:
- قُلت سيبيني لوحدي !
لبت الممرضة طلبها وجذبت الباب الزجاجي لحديقة غرفتها وانصرفت كي تهاتف الطبيب وتروي له حالة المريض.
وعلى الجهة الأخرى من الحديقة يجلس عاصي ويتناول وجبة غدائه على البحر بأشهى أنواع الأسماك التي يُفضلها، ارتشف رشفة من كأس النبيذ فـ تقدم إليه يسري بوجه عابث لاحظه عاصي، وما أن وضع لقمية صغيرة بفمه سأله:
- مالك !
أخفض يسري وجهه بالأرض وقال بأسف:
- لما تخلص أكلك معاليـك !
ترك الشوكة والسكيـن من يده والتفت إليه منتبهًا:
- اخلص يا يسري ؟
خيم الخذلان على وجهه وقال بحزن:
- خسرنا مزاد العلمين.
يعلم يسري بأهمية هذا المزاد بالنسبة لعاصٍ لذلك أردف جملته بأسفٍ شديد، ولكن رد فعل عاصي كانت غير متوقعه فسأله:
- ورسي على مين !
- على شركة ماريو.
زفر بضيق ثم نهض جاهرًا بغضب واشار إليه محذرًا بسبابته:
- دول زودوها أوي .. يُسري، تجيب لي قرار الشركة دي وصحابها ومين الممولين بتوعها، كل حاجة يا يسري، أنت فاهم !
أومأ يسري بطاعة:
- فاهم، فاهم معاليك ؟! اهدا بس.
ثم لقمت أعينه تلك الممرضة التي تتحدث في الهاتف، فعاد إلى هدوئه العاصف مرة أخرى، وسأله بعيون ماكرة لا يفصح عن خباياها:
- البنت اللي جوه دي فاقت !
تشتت تركيز يسري قليلًا وسأله بحماقة:
- أي بنت معاليك !
حدجه بأنظاره الحادة:
- يسري !
انتبه يسري أخيرًا:
- اه قصد معاليك البنت بتاعت البحر! اه فاقت وبعت لها الغدا.
ثم اقترب منه وسأله ناصحًا:
- أحنا مش هنخلص منها بقا ؟!
طالع عاصي البحر بعيونه المراوغة ووضع يده في جيب بنطاله الأبيض وقال شاردًا:
- عايزك تعرف أصلها وفصلها !
أحس يسري بالعجز إثر صعوبة طلبه وقال معارضًا وبنبرة مغلفة بالسخرية:
- معاليك أنا خدامك آه، بس مش بنجم هنا عشان أعرف أصل واحدة هي نفسها مش عارفه هي مين !
لقنه بنظرة حادة أخرسته وجعلته ينسحب من أمامه مُلبيًا لطلبه بدون كلمة زائدة.
••••••
” في جنوب الغردقة ”
ضجيج تفجر بجميع أرجاء البيت أخذ يُكسر كل ما يقابله، كُرة ملتهبة من الغضب تأكل كل ما تلقاه، هشم ” فريد ” غُرفته جاهرًا:
- يعني أيه تروحي مني !
دخلت ” فريال” جهة مصدر الصوت ونهرت أخيها معترضة:
- أنت اتجننت، سايب عزاء المعلم قنديل وقاعد تكسر هنا ؟
دار إليها بعيونه المحمرة وشعره المُنسدل على جبهته أزاحه للوراء وقال بجنون:
- قلبت البحر عليها حتة حتة، فوق وتحت، يعني أيه البحر يغدر بيها، دول كانوا صحاب، ويوم ما القاها ياخدها مني ؟!
يبدو أن البحر من معشر الرجال، إذا غار جُن، التقم حبيبته كي لا يشاركه أحد فيها، ربما أراد لها قصة جديدة ومغامرة جديدة سيشهد عليها، ربما اعتبرها شخص غير عادي، فلابد من قصة مثيرة لتعيشها، العادي لا يليق بـ فتاة مثلها ! أو ربما أحس البحر برفضها فتولى مهمة انقاذها من شخص لم تتمناه لساعة أن يقاسم قلبها !
حاولت فريال أن تهدأ من بركان أخيها الثائر وقالت:
- قضاء ربنا يا فريد، هتكفر !
بعدم تصديق:
- لا ماهي مش دي النهاية ! مش دي النهاية اللي تليق بصبري وحبي ليها السنين دي كلها !
ثم تناول بدلة الغطس وغادر هائمًا:
- هقلب عليها الدنيا يا فريال !
صرخة أخته بخوف عليه من غدر البحر الذي سبق وغدر بابنة عمها، حاولت أن تلحق بها بسرعة ولكن بدون فائدة، اندفع هائمًا على وجهه في مهب رياح الحُب والتمرد على أعرافه !
•••••••
يخطو نحو غرفتها بثقة عارمة ظنًا منه بأن كل ما على الأرض خاضعًا لقوانينه، لأوامره، طرق على باب غُرفتها ثم دخل قبل أن تأذن له بالدخول، فزعت من مرقدها بتوتر وهي تضم ساقيها إلى صدرها وتوبيخه قائلة:
- أنتَ أزاي تدخل قبل ما اسمح لك !
جر المقعد الخشبي المُخصص لتسريحة غرفتها وجلس عليه وأخذ يثني في أكمام قميصه تحت عيونها المُرتعدة صامتًا، لا يهزه انتفاضة صوتها .. سحبت الغطاء إليها ظنًا منها بأنه سيحميها منه وقالت:
- بكلمك ولا مابتسمعش !
تحمحم بخفوت ثم أجاب ببرود غير متناهٍ:
- مستني تحسني أسلوبك معايا عشان أرد !
علمت بأنها أمام رجل قوي، ليس بالسهل خديعته ولا التفاهم معه، أخرج سيجارة من جيبه وسألها بهدوء مرعبٍ:
- هتضايقي لو شغلتها !
ألتزمت الصمت ولكن عيونها أعلنت الرفض، ولكنه عقيم في قراءة عيون النساء تجاهل ما أفصحت به عيونها وأخذ نفسًا من سيجارته وقال برتابة:
- أسف ياااا، نسيت أنك مش فاكرة حتى اسمك، بس أنا عايزك تحطي نفسك مكاني.
بللت حلقها الذي جف من هيبته وهي ترمقه بعيونها السماوية الواسعة التي تحتكر نصف مخزون العالم من النبيذ وقالت:
- مش فاهمة !
قرب مقعده منها وقال بنبرة يكسوها المـكر والخديعة:
- بصي أنا راجل مش متجوز، وليا سُمعتي اللي عشت بحافظ عليها عُمري كله، مش حلوة في تاريخي دا كله يقولوا عاصي دويدار عنده بنت في الجناح بتاعه !
لمعت نظرات السخرية على وجهه مقارنة بمـا رأته صباحًا، وبما تسمعه الآن، ابتسمت باستهزاء وقالت:
- اه منا واخدة بالي.
تجاهل سخريتها التي يدرك سببها جيدًا وقال:
- جميل، نبقي متفقين، أنا كلها ساعة وراجع القاهرة، وأنت ما ينفعش تبقي هنا !
اندفعت بدون تفكير:
- ومين قالك إني عايزة أقعد هنا أصلًا !
مثل التأثر الشديد على حالتها وقال معاتبًا:
- هو خير تعمل شر تلقى الزمان دا !
رمت الغطاء من فوقها ولامست الأرض أقدامها العارية التي يغطي الفستان منتصفها، شيء ما جذبه ليطالع ساقيها الاشبه بأعمدة رُخام مثيرة للمس، ولكنه سيطر على أهواه مكملًا مسرحيته مُلتفًا لحديثها:
- أكيد أهلي بيدوروا عليا، أنا هنزل من هنا على أقرب قسم وهبلغ !
وقف أمامها بهيئته المُتناسقة وهو يطرق أنظاره لمستوى أنظارها وقال بنبرة تحدٍ:
- معنديش مانع بس بعد ما تقدمي البلاغ، هترجعي هنا مش هتلاقي مكان تنامي فيه، شوفي بقا ممكن تقعدي فين لحد ما البوليس يلاقي أهلك دا إن عرفوا يوصلوا لحاجة !
رفعت عينيها المُقمرتين بوميضٍ خافت من الرعب ولكنها أبت الخضوع لكلامه الذي يفوح منه رائحة الدخان، قالت متحدية:
- هقعد على الرصيف ولا إني اقعد في مكان يخص واحد مغرور زيك !
- هو في حل واحد !
علم أنها امرأة لا تُقتــل بسهولة، ما كادت أن تخطو خطوتين توقفت إثر جملته الأخيرة التي جعلتها تلتفت إليه منتظرة أن يكمل جملته، أكمل عاصي بصوته الخفيض وبتردد مزيف:
- مش عارف إذا كنتي هتوافقي ولا لا، بس الخيار في الأول والأخر ليكِ !
يطوف الفضول بملامحها وهي تناظره:
- سمعني !
أخذ يتحرك في الغُرفة بعشوائية ليكمل مسرحيته على أتم وجه، لانت معالم وجهه مما يجعلها تحس بحاجته لمساعدتها، وقف يتأمل البحر من وراء الزجاج للحظات طويلة مازالت تنتظره فيها على مراجل متقدة، حتى قال بفظاظته المعهودة:
- أنا محتاج مساعدتك زي ما أنت محتاجة مساعدتي !
بللت شفتيها بنفاذ صبر وهي تخطو نحوه بفضول:
- وبعدين !
تطرفت بخيالها لأبعد مدى كي تُخمن ما يشغل تفكيره ولكنها فشلت، رجل مثله لا يكشف كل أوراقه مرة واحدة، أخذ يطوف حولها كما يطوف الدبور حول الزهرة وقال:
- أنت مشكلتك الوقت وأنا كمان، محتاجة وقت عشان تعرفي أهلك، وقت عشان تفتكري انتِ مين، وكل دا عشان يحصل لازم تكوني في مكان آمن !
ارتاد فكرها ساحات الحيرة وهي تراقبه،حيث أكمل:
- وأنا محتاجك في حياتي فترة مؤقتة، هوصل فيهم لهدفي، والمُقابل متحلميش بيه، أولهم هدور على أهلك، هتعيشي في مكان متحلميش بيه، شيك علي بياض تكتبي المبلغ اللي عايزاه وأنا هنفذ !
دب الرعب في قلبها فأخذت تقبض على ياقة فستانها كي تحمي نفسها من نظراته المريبة وتقوس أصابع أقدامها من شدة الخوف، وقالت:
- قصدك أيه ؟!
- هنلعب لعبة بسيطة أوي، النهاردة فـ القاهرة في حفل عملاق، هيكون فيه كبار رجال الأعمال، أجانب وعرب.
صمت للحظة يراقب تلك الملامح التي استمدت جمالها من صخب البحر، تثير العواصف وتصنع الدوامات لتغرق أمهر السباحين بهما، صف أمامها بشموخ وقال:
- هقدمك في الحفلة على أنك خطيبتي .. خطيبة عاصي دويدار !
ذهول، عيون متسعة صامدة ثم ضحك ملء فمها وهي تحاول استيعاب ما سمعت، حتى تفوهت بسخرية:
- أنت مش مغرور وبس! لا كمان مجنون !
نظر في ساعته بهيبة ثم قال:
- قدامك بالظبط ٤٠ دقيقة، تفكري وتاخدي قرارك، أكون غيرت هدومي.
وكأن السماء أهطلت فوق رأسها جمرًا، فالمــوت والحياة الاثنان تآمرا عليها، وقفت أمامه لتعيق طريقه معلنة رفضها القاطع:
- مش مضطر تستنى الوقت دا كله عشان تعرف ردي، تقدر تأجر ألف واحدة من اللي تعرفهم يلعبوا معاك اللعبة الرخيصة دي يااا عاصي بيه دويدار !
أفحمته بسخريتها وتقليلها منه، تعمد أن يحافظ على ثباته لأخر لحظة حتى وهو يراها تغادره وترحل كفراشة لم يرق لها مذاق الصبار فـفر هاربة.
••••••••
” عودة للقـاهرة .. قصـر آل دويدار ”
بدأ الحفل وبدأت عبلة في استقبال الضيوف، التجول بين المقاعد والترحيب بالجميع، وكانت تُرافق خُطاها ” هدير” كي تصنع أكبر عدد من العلاقات والمصالح الشخصية، باتت تتعرف على بنات وأبناء الضيوف وتمازحهم بخفة وتهتم بتقديم المشاريب إليهم وتعمد الكثير الاقتراب منها لما تملكه من عدد المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي الهشة.
أجبرت ” عبلة ” ابنتها على حضور الحفل، ارتدت الفستان الذي احضرته إليها ولكنها تعمدت أن تغطي ذراعيها بـ شال حريري وهي تجلس في مكان هادئ تُراقب الأكاذيب المتحركة، وكل منهما يعرض أثمن ما لديه.
دلفت ” جيهان ” إلى ساحة القصر وأخذت تبحث عن أولادها إلى أنها تصادمت بـ ” كريم ” فجذبته بقوة وسألته:
- أنت مختفي من أول الصبح ليه ؟!
هندم كريم سترته وهو يراقب المحيطين حوله ويهمس لامه خلف أسنانه المُنطبقة ويقول:
- مصالح عُليا يا جيهان هانم! وبعدين المسكة دي هضيع برستيج ابنك !
زفرت جيهان بإمتعاض:
- أنتَ هتجنني، بقولك شوفت أخوك مراد ؟!
ذهل كريم من سؤالها:
- هو مُراد جاي ؟!
- قال لي إنه جاي، ومأكد عليا !
تحمس كريم بعفوية:
- دي الليلة هتبقى دمـار ! دا له ١٠ سنين مدخلش القصر دا ؟
جيهان بتخابث:
- ماهو لازم يحضر، مش أنت لوحدك اللي عندك مصالح عُليـا.
ضحك كريم على سخرية والدته منه، حيث مال على آذانها وقال:
- جي جي، أنا مُشفق على عاصي، هو المفروض يختار واحدة بس من كل البنات دي ؟! ما اختار معاه أنا كمان !
لكزته أمه بغلٍ:
- انتيل أفلح في دراستك الاول بدل ما أنت عمال تسقط كدا.
- منا مش هتعدل غير لما اتجوز، جربي كدا مش هتخسري حاجة.
هنا طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل الطل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل الطل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل الطل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل الطل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل الطل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل طل
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس 5 - بقلم نهال مصطفي
في تلك اللحظة التي تنتظرها جميع الفتيات لتُسقط “عاصي دويدار” في شِباك حبهم، دخل بفخامته وخلفه عدد كبير من الحرس أشبه بموكب ملكي. صُوبت نحوه جميع الأعين، من يطالعه بإعجاب، ومن يحدجه بنظرات التمني، ومن يطلق صفير انبهاره علنًا. رجل تجمعت به وسامة وفخامة رجال الأرض، ولكن كل هذا انطفأ بمجرد وقوفه بجانب فتاة أشبه بحوريات البحر، ترتدي فستانًا فخمًا باللون الأزرق استمد لونه من عيونها، مرتدية حذاء بكعب مرتفع مما جعلتها تُنافس قامته في الطول، شعرها المموج الذي ينسدل بطوله ليُغطي أسفل ظهرها، مُلفتة لانتباه الجميع كالعطر من غير صخب.
تحاشى الجميع موكب "عاصي" الفخم وصُوبت أسهم نظراتهم الثاقبة نحو "رسيل" الواقفة على يساره.
أقبلت عبلة إلى ابنها كإقبال العطشان على بُحيرة ماء وعانقته هامسة بعتب:
- كل دا تأخير؟!
ربت عاصي على ظهرها وقال:
- كان عندي شغل!
ابتعدت عبلة عنه وهي تراقب "رسيل" بنظرات حارقة وسألته بهمس:
- مين دي؟!
اتسعت ابتسامة "عاصي" وهو يطوق خصر الفتاة ويجذبها إليه أكثر ويجهر بصوته معلنًا:
- حياة، حياة مراتي!
أمطر السماء جمرًا على رؤوس الجميع بمجرد ما أعلن عاصي عن هوية الفتاة التي تجاوره. عيون متسعة تحاصرها النيران، وأفواه مزمومة تضم الكثير من الأسئلة. كانت جملته أشبه ببطارية سقطت من جوف ساعة الحائط، فتعطل عندها الزمن، وشُلت حركة عقاربها كما شُلت أقدام الحاضرين. لم يختلف الأمر بالنسبة لـ"رسيل" الذي عقدت اتفاقها معه ولكنه جاء مخالفًا لكل التوقعات!
برقت عيونها وتوقف مجرى الدماء بعروقها وهي تسأله بصدمة:
- دا مش اتفاقنا.
ضغط على خصرها بقوة كي تبتلع بقية تساؤلاتها. ثم اقتربت منه "عبلة" محاولة استيعاب جملته وهي ترمقهم بأسهم نظراتها المسمومة التي جاءت عكس مخططها وقالت بذهول:
- مراة مين؟! عاصي أنت أكيد بتهزر!
قفل زر سترته الفخمة بعد ما أرسل ابتسامة خفيفة للحضور وتحدث بحرص ألا يسمعه أحد وبصوته الخفيض أجاب:
- مش دا طلبك، نفذته، الدور عليكِ بقا!
انغرس كعب حذائها الرفيع بالأرض إثر حركتها الدائرية التي تعكس سخطها وقالت بنبرة مهددة:
- أنهي المهزلة دي دلوقتي يا عاصي.
أدرك عدم تجاوز أمه للأمر بسهولة، فدارت رحى الحرب بينهم وتحمحم عاصي متجاهلًا تهديدها وهو يضم رسيل لحضنه وبصوته المرتفع أعلن بفرحة عارمة:
- وبعد كام شهر هيشرف ولي العهد، ابن عاصي دويدار!
ثم أخفض نبرته هامسًا بصوته الرخيم في مسامعها متـحديًا:
- حياة حامل!
تلك كانت آخر جملة تسمعها "رسيل" منه قبل ما تدور رأسها إلى موضع اتفاقهم الذي عادت إليه بكامل إرادتها. عندما غادرت قريته السياحية وأخذت تتجول بتيهٍ وهي لا تحوي ثمن نقود خُطاها، ولم تتحمل سخافة وحماقة المارة حولها، شعرت بالعُري في ليلة تغمرها العواصف الكونية وهي بدون ملجأ أو مأوى، باتت هي والطبيعة وجهًا لوجهٍ بدون درع واقٍ من قسوة الحياة حولها.
أجبرتها الحياة أن تتنازل عن كبريائها، وتعود لتعلن موافقتها على ممارسة لعبة سخيفة كهذه، غيرت اتجاه خطواتها عائدة إلى مقره بعد تردد وتفكير قرابة النصف ساعة. وفي اللحظة التي فتح عاصي باب غرفته وجدها أمامه بعيونها التي تتجول بداخلهم التمرد وعدم الموافقة على طلبه ولكن أعلن لسانها عكس دواخلها واكتفت بقول جملة قصيرة:
- أنا موافقة.
على الرغم من يقينه بعودتها ولكنها فاجأته، فلم يدرك أنها تُرد إليه بتلك السرعة. كان يود أن يكون حبل الكبرياء لديهم أطول من ذلك كي يتلذذ في شماتته بضحاياه. انتظرت منه ردًا بدلًا من فحصه لها وقالت بتردد وهي تعود خطوة للوراء:
- دا لو لسه قائم!
عقد حاجبيه وبغرور رجل استطاع هزيمة امرأة رأى فوق رأسها شموخ الجبال وقال:
- غيرتي رأيك يعني!
أغمضت جفونها التي لا تود مُطالعة رجل مستغل مثله وقالت متأهبة للذهاب:
- وواضح كمان أنك غيرت رأيك!
أمسك معصمها ودارها إليه فألتوى معها شعرها الكثيف على كتفها مما جعله يسبح قليلاً في محاسن تلك الحورية التي قدمها البحر له. اتحدت أنظارهم على قبضة يده حول رسغها، فأرخى أصابعه تدريجيًا وقال بفظاظة:
- اتفقنا.
وقفت أمامه معترضة:
- لا لسه.. أنا ليا شروط.
مط شفته السفلية متعجبًا من صمودها أمامه، فلم تخلق امرأة يمكنها أن تتجاوز حدودها وتلقي قائمة شروطها أمامه. ابتسم بتخابث وقال:
- جمالك يشفع لك، سامعك!
ارتعشت لطهارة قلبها، ولتعكر ما يبطن بعينيه من نظرات غامضة، تظاهرت بالقوة أمامه وقالت بتحدٍ:
- أولاً لعبتك دي لازم يتحدد لها مُهلة، ومش أكتر من شهر.
اتكئ على الجدار بجانبه وهو يعقد ذراعيه وقال بتغطرس:
- لا اطمني، مفيش ست قعدت معايا أكتر من يوم!
ارتجفت عيونها بقلق من هول جملته التي لم يترجمها نقاء عقلها وسألته:
- يعني إيه!
تجاهل سؤالها متعمدًا وكأن اللعبة قد راقت له، وقال:
- يعني اللي بعده!
بلعت علامات الاستفهام المتعلقة بحنجرتها وأكملت:
- وعدتني هتلاقي أهلي، فـ يبقى شرط مقابل الثاني والمُهلة شهر.
نصب قامته مرة أخرى بانتشاء حيث كان للحديث معها مذاق خاص، واقترب منها حتى باتت أنفاسه تداعب خصلات شعرها وقال بعجرفة:
- ولو افترض ما لقيتش أهلك!
لم تهابه تلك المرة بل وقفت وجهًا لوجه أمامه بغرور أنثوي يُسقط أقوى الرجال في شباكه:
- وقتها الدنيا كلها هتعرف أن عاصي دويدار شخص مستغل وكذاب، واستغل حالتي عشان يحقق مطالبه.
تلقى تهديدها بابتسامة خبيثة لم تعلم مصدرها وقال بحماس شديد وهو يرجع شعرها للخلف:
- اتفقنا.. أي شروط أو أسئلة تانية؟
تراجعت للخلف بذعر كي تبتعد عن مرمى يده وقالت:
- لا.
"عودة للحفل"
كانت تلك المحادثة الأخيرة التي دارت بين الاثنين. غريق تعلقت في صنارة النجاة، ورجل ماهر في صيد الأنواع النادرة من الأسماك. فاقت من شرودها على صخب وثرثرة عاتية لم تتحملها رأسها، باتت الرؤية أمامها سراب، حتى عقلها توقف عن ترجمة الكلمات وتزاحمت الأصوات في ذهنها فلم تستطع تمييز شيئًا منها وسقطت بين يديه كقطعة قماش مهترئة فقدت كل قوى تحملها وخرت مغشيًا عليها.
تلقاها "عاصي" على رسغه بصدمة من سقوطها المفاجئ بين يديه. احتشد الجميع حوله وهو يحاول إفاقتها ولكن بدون فائدة. تمددت يده تحت ركبتيها وحملها متجهاً ناحية غرفته الخاصة بحديقة منزله. وجهر مناديًا على يسري:
- شوف لي الدكتورة اللي هنا.
أجابه يسري بطاعة وهو يركض للداخل باحثًا عن شمس. وعلى الجهة الأخرى تراقب "هدير" و"جيهان" الأمر بعيون يشتعل منها اللهب المحترق بدخان الحقد والانتقام. اقترب من أمها وبنبرة الهزيمة صرحت ولازالت تحت تأثير صدمتها:
- مامي هو اللي بيحصل دا بجد!
استندت جيهان على أقرب مقعد حديدي بجانبها محاولة استجماع شتات نفسها وقالت:
- دا أكيد كابوس! دي طلعت لنا منين؟!
فشت غُبلها بخصلات شعرها وهي تلملمه بعبث وتهرول بكلمات مبهمة:
- أنا مش هسكت، ولو كنت سكتت زمان، مش هسكت دلوقتي.
هنا انضم كريم إليهم والضحك يملأ أساريره ويقول متحمسًا:
- القصر بقا كله أكشن وضرب نار.
حدجته "جيهان" بنظرة ساخرة وقالت لابنتها:
- يبقى تنفذي اللي كنت رافضة تعمليه، ونرد القلم بعشرة.
جاء مراد من الخلف وهو يرسم ضحكة الاستهزاء على وجهه ويقول:
- لما أقولكم إنه راجل مجنون تصدقوا.
التفت له جيهان بعيونها السوداء التي تختلف عن سواد قلبها وقالت بصوت يشبه فحيح الأفاعي:
- مراد، لازم تسمعني وتثق في كلامي لو لمرة واحدة، مفيش قدامنا غير جوازك من عالية.
اختنق مراد من إصرار أمه على زواجه من فتاة لا يعرف عنها إلا اسمها وبراءة ملامحها وهي في سنة العاشرة. تأفف بضيق:
- عالية إيه بس! أنا همشي!
مال "كريم" على مسامعه وقال بسخافة:
- عالية حلوة.
رمقه مراد بتهكم وهو يتأهب منصرفًا تاركًا الحروب المندلعة وراء ظهره. اتسعت ابتسامة "كريم" وهو يسأل أمه بفضول:
- أنتِ متخيلة أن عاصي هيوافق يجوز عالية لمراد!
سبحت في فضاء حقدها وقالت بكره ينافس نار غضبها:
- الشوك هو انتقام السمك بعد موته، وأحنا لازم نمسك في الشوك اللي هنغرسه في قلب عاصي!
كريم باستخفاف:
- لا أنتوا اتجننتوا رسمي، أنا هحصل مراد.
وجهت حديثها بنبرة آمرة لابنته ونهرتها:
- أنتِ مش هقعدي جمبي تندبي حظك، ركزي معايا كدا!
••••••
ابتلعت الكلمات بجوفها وأخذت تدرب نفسها على الصمت الطويل حتى تنجو من الغابة التي رماها القدر فيها، تحاول ألا تقول شيئًا تندم عليه. تعلم أن كل شيء لا يناسب مع غرورها وترى ذلك بوضوح لكنها قررت أن تتجاهل لتسري المياه الراكدة، ربما تسحبها لبر أمن. كل هذا عقدته بزمام قلبها ولكن كم هو مؤلم بالنسبة لها أن تقرر اليسر بدون تجديف، أن تسبح دون مقصد!
انتهت "شمس" من فحص "حياة" بعناية وضبت جهاز قياس الضغط وهي تقول بنبرة جافة:
- ضغطها واطي جداً، متحملتش أغمى عليها.
سألها يسري باهتمام:
- أيوه يعني محتاجة مستشفى!
تأففت "شمس" بجزعٍ وقالت:
- والله لو مش واثق في كلامي ممكن تمشوني من هنا!
تدخل عاصي بعد ما نزع سترته السوداء في حديثهم لـيهدئ من حدته:
- يسري ميقصدش، قصده هتفوق أمتى!
أغمضت عيونها للحظة محاولة تمالك أعصابها وقالت:
- شوية وتفوق، وتبقى كويسة.
ثم وقفت وعقدت ساعديها أمام صدرها وقالت:
- عايزة أتكلم مع حضرتك.
تدخل يسري معاتبًا:
- وأنت شايفة أن دا وقته! الباشا قلقان على مراته.
نهرته شمس بقوة:
- وأنا والله عندي أهلي وقلقانين عليا!
رفع عاصي كفه ليسكت يسري عن المجادلة، وطالع شمس بفظاظة:
- معاكِ.. قولي!
ألقت نظرة خاطفة على "حياة" وهي تشير إليه بالابتعاد عنها ثم تابع خُطاها مستجيبًا لطلبها تحت أنظار "يسري" المذهولة من تصرفات رئيسه الذي أفرغ الساحة لفتيات مثلهن بالتحاور معه! ركض خلفهم ليتجسس على حديثهم الذي بدأته شمس بسؤالها الحاد:
- أنت عايز مني أيه!
طالع رفع حاجبه مستغربًا، ثم كررت سؤالها ولكن بصيغة أخرى:
- أنا هنا بعمل إيه!
كانت أعصابه باردة بدرجة الثلج عكس نيرانها الحارقة وقال:
- بتشتغلي يا دكتورة!
اندفعت في وجهه مجيبة بترّح:
- أنا مش دكتورة ولا حاجة.. ولو سمحت كفاية كدا!
ثم جهرت معلنة:
- ولو على الإيجار متقلقش، مش هاكله عليك.
ركز على ثغرها محط اشتهاؤه وهي تعلن بكلماتها ثورتها ضده، وقال بمكر:
- طيب لو دفعتي تمن الإيجار، تمن طولة اللسان بتاعتك مين هيدفعها!
- يعني إيه؟!
عاصي متـحديًا:
- يعني اللي غلط، لازم يتحاسب!
- أفهم من كدا إني مخطوفة هنا؟!
أخذت تحدق النظر في عيونه الصقرية منتظرة رده، كانت متأكدة أنه سيكون عكس توقعاتها. أخرج سيجارة من جيبه وأشعلها حتى سبحت في دخانها وبدأت تسعل بقوة وهو يقول:
- حاجة زي كدا!
- أنت عارف عقوبة الخطف إيه في القانون!
زفر تبغ سيجارته بوجهها فبدأت تشتته بكفها منتظرة إجابته:
- أنت عارفة عقوبة السرقة إيه في القانون!
تراجعت خطوة للخلف وهي تسأله بغرابة:
- سرقة إيه؟!
بجدية أجابها عاصي:
- سرقة طقم ألماس من مكتبي تمنه يتجاوز 50 ألف دولار!
نفت اتهامه السخيف بسخرية:
- بس دا محصلش؟!
بفظاظته المعهودة، وبتخابث:
- بس دا اللي هيحصل لو….. أنتِ شاطرة وهتفهمي!
رمقته باستحقار:
- أنت مش بني آدم!
- يعني بالمختصر كدا يا دكتورة شمس، أنا مش فاضي أدور على دكتور جديد يتابع حالة "تميم"، أو بالمعنى الأصح مش بعرف أشتغل مع حد إلا ما أكون ماسكه من إيده اللي بتوجعه، وأنتِ عز الطلب، سددي ديونك، وبعدين هقولك باي باي وأحنا حبايب ومتصالحين!
أدركت أن الحوار معه لم يصل إلى نتيجة حتمية. قلبت عرضه بدون جدل ولكنها اعترضت قائلة:
- أنا عايزة أوضة لوحدي! ماهو مش هينفع أبـات مع أخوك في نفس المكان!
شيعها بنظرة دنيئة لا تختلف عن نظرته لكل الفتيات التي يشتريها كل ليلة وقال بسخافته المعهودة:
- أديكي شايفة حالة تميم، يعني متخوفش..
ثم مال على أذنها بخسة وأتبع:
- إلا ولو روحتي له بنفسك!
سكب دلوه المثلج فوق رأسها وغادر قبل ما يترجم عقلها أبعاد كلماته البذيئة. عاد "عاصي" إلى غرفته الخاصة التي يذاع منها رائحة الخمر حتى اصطدم بيسري وهو يسأله:
- البنت دي طولت لسانها يا باشا.
- إشش سيبها سيبها، عارف النوعية دي أنا، كبيرها شوية فلوس!
فهم يسري على عاصي وما يشير إليه من كلمات وقال:
- شكلها دخلت دماغك!
راقت له الفكرة وهو يفكر بإعجاب:
- وليه لا؟! عايزك تعرف لي تمنها كام!
••••••
"في غرفة تميم"
- أنا أول مرة أقول إني خايفة، حاسة بكرة هيجي أصعب من اللي فات، قلبي مقبوض كدا، وحاسة أن البيت اتحول ساحة للقتال، كل واحد بيتنافس مين اللي هيبان أقوى!
كشفت "عالية" عن خبايا قلبها لـ"تميم" شريكها في العجز، وليس عجز الجسد بل العجز عن تغيير واقع لا يناسبهم. أخذت تتجول الغرفة أمامه بعشوائية وقلقٍ كمن يركض في حلقة مستديرة يملأها الخوف بعد ما حُكم عليه بالإعدام ولكنه لا يعلم متى سيكون؟ ولكنه حتمًا آتٍ! حتمًا مجبرٌ على انتظار الموت!
جلست بقربه على المقعد المبطن وأكملت بوجع يشاطر روحها:
- عاصي تصرفاته بقت مرعبة، الصبح بقرار وبالليل بكارثة، امتى اتجوز وامتى عرفها، والأهم هي مين!
أخذت تفرك في كفوفها بتضايق وحسرة:
- مامي عمرها ما سمعتني، كل همها ألبس إيه! أصاحب مين، بتحركني في إيديها زي العروسة الخشب، والمخيف أكتر أن العلاقة بينها وبين عاصي اتحولت من علاقة أم وابنها لشخصين بيتـنافسوا مين فيهم هيمشي كلامه على الثاني!
ثم جثت على ركبتيها وحضنت كفوفه وأخذت الدموع تحفر وجنتيها من شدة الرعب:
- تميم أنا خايفة أوي، أنا مبقاش عندي القدرة أعيش أيام أصعب من كدا، أرجوك طمني، محتاجة حد يطبطب عليا ويقولي بكرة هيكون أجمل وأحن من اللي فات.
صمت مريب يحاصره الخوف والقلق من كل الاتجاهات ألقى سدوله فوق مجلسهم. مسح تميم على رأسها وقال متأملًا:
- ربنا مش بيجيب حاجة وحشة، حتى ولو كان الغيب مخيف ومفهوش حاجة تطمن اتأكد إنه مش هيخلي من النجوم.
ثم أمسك بذقنها ورفع وجهها إليه متبسمًا:
- مش أنا اللي هقولك كدا، خلي عندك ثقة في رحمة ربنا!
ثم داعب أرنبة أنفها ليخفف من حملها:
- وبعدين أنا جمبك أهو!
أغرورقت عيونها بقطرات الحزن وقالت بأسف:
- نفسي أوي ترجع تقف على رجلك زي زمان، ونروح المدرسة سوا، وتفضل تحميني وتاخد لي حقي من اللي يزعلني! ارجع عشان خاطري أنا وحيدة أوي من غيرك.
بمجرد ما انهت جملتها ارتـمت في حضنه منفجرة ببركان الحزن المتوق بجوفها. ظل يمسح على رأسها ويهمس لها بكلمات لتطمئنها حتى هدأت تدريجيًا بين يديه وتراجعت ممسحة بدموعها وهي ترسل له ابتسامة امتنان:
- شكرًا أنك في حياتي بجد.
أزاح يدها ومسح بكفوفه دموعها الغالية على قلبه وقال بمزاح ليغير مجرى الحديث بتلقائية:
- هي شمس، أممم أقصد الدكتورة شمس!
أسبلت "عالية" دموعها بتخابث:
- أمم، دكتورة شمس، دا أنت مش معايا أصلًا!
ابتسم وجه تميم وهو يتحاشى النظر إليها ويقول:
- دماغها عجباني، تحسيها لغز كدا عايز يتحل!
رجعت "عالية" خصلة من شعرها وراء أذنها وقالت بلؤم:
- يعني مش عشان جميلة!
أدرك تميم أن عالية تستجوبه في الحديث، فتبسم عندما أحس أنه انتصر على خوفها وجعلها تتناساه حتى ولو للحظات. عاد إليه لا مباليًا لمداعبتها:
- هي جميلة؟! مخدتش بالي؟! عادية يعني! بس تشدك!
أصدرت عالية إيماءة ماكرة وهي تطالعه بخبث:
- عادية! وتشدك! في جملة واحدة؟!
ثم أطلقت تنهيدة ارتياح وأتبعت بغمز:
- دا شكلو حوار جديد!
لم يتمكن تميم من توقف حالة السخرية التي فعلتها عالية عليه، والتفشي بها. أتت شمس وبرأسها صواعق ناريك تضرب في رأسها إثر تطاوله عليها، وماذا يقصد؟، نفضت غبار كلماته السخيفة وتبسمت بوجه عالية:
- شكلك كان قمر أوي في الحفلة.
تحمحمت عالية وهي ترسل لتميم نظرة لا يفهمها سواهما وقالت:
- بنت حلال، جيتي في وقتك، كنا لسه في سيرتك!
شمس بغرابة:
- بجد! خير؟!
عالية بنبرة ممازحة مبطنة بالتهديد:
- أقول؟!
أنقذ تميم نفسه من لسان عالية الأحمق وقال:
- تقدري تروحي تباتي مع عالية في أوضتها بدل قعدتك في البلكونة.
بنبرة خزى:
- يا ريت ينفع!
اقترحت عالية عليها:
- البيت هنا له مواعيد ثابتة، أول ما تخلصي علاج تميم تيجي براحة عندي، وأنا يا ستي هصحيكي قبلهم، أي رأيك يا تيمو!
تميم بتفاخر:
- عاش يا هندسة.
تبسمت شمس بارتياح لحل أكبر مشكلة لها، ولكنها غيرت مجرى الحديث:
- هو ليه كله اتفاجئ لما شاف مرات أخوكم!
ضحكت عالية بضحكة استبدلتها عن البكاء وقالت:
- عشان عاصي فعلًا فاجئنا كلنا!
•••••••
تهوى براثين غضبها بكل ما يقابلها أخذت تبعثر وتكسر في الأشياء التي تواجه خطاها وهي تصرخ بقلة حيلة لأمها في الغرفة وتطالعها بعيونها الساقطة بداخل حفرة سوداء من الكحل السائح:
- يعني إيه اتجوز! افهم من كدا إيه؟! تاني! تاني يا عاصي، بيكرر نفس الوجع بعد ما اتجوز مها! مامي أنا مش هقبل بالتنازل تاني.
ثم توجهت نحو المرحاض وشرعت في غسل وجهها من آثار ألوان التجميل وكأنها أرادت أن تخمد شرار غيرتها المشتعلة بالماء الباردة. تابعت "جيهان" خطها وقالت:
- ناويـة على إيه!
أجابتهـا منفعلة وهي تجفف وجهها:
- هنزله، هنزل أتكلم معاه، لازم يعرف إني بحبه.
فكرت "جيهان" بمخطط ابنتها ثم قالت مشجعة:
- اعملي كدا، بس قبل ما تنزلي، اعملي اللي اتفقنا عليه، وأنا هروح أتكلم مع خالتك.
ثم ربتت على كتفها وأكملت:
- اطمني، جوازك من عاصي هيتم، وده وعد من جيهان المحلاوي.
أذعنت "هدير" لشروط أمها بدون جدال أو اعتراض على الرغم من رفضها القاطع من قبل ولكن قلة السبل تجبرك على الاختيار. فارقت المرحاض وفتحت جهاز الحاسوب، فنقشت ضحكة جيهان التي تتناقض مع مجرى مخططها الدنيء واطمئن قلبها بتنفيذه:
- كدا أنتِ بنتي بـ صحيح!
ثم غادرت غرفتها متجهة إلى عبلة التي تهاوت أوصالها من شدة الغضب، بعد ما أعدت لها كوب من الليمون البارد. وذهبت إليها فوجدتها تدخن بشراهة غير معهودة. قفلت الباب خلفها وعاتبته:
- هتموتي نفسك يا عبلة! إيه الدخان دا كله! حرام عليكِ!
جلست عبلة على الأريكة وهي تتشبث برأسها الذي كان أن ينفجر من وقع الصدمة التي حل بها عاصي وأعلنت:
- ابن دويدار بيتحداني! جايب لي بنت من معارفه الشمال وبيقول عليها مراته! هتجنن هتجنن يا جيهان!
وضع كأس العصير بقربها وجلست لتبخ سمها من جديد:
- وهو دا اللي جايه عشان أكلمك فيه.
أغمضت جفونها غير متحملة المزيد من الجدال في نفس الموضوع وقالت بكلل:
- جيهان أجلي أي كلام أنا على أخرى!
أصرت جيهان على موقفها وشرعت تمهد لها سبل استماعها:
- لو كان ينفع يتأجل كنت أجلته، بس دا أوانه يا عبلة.
انتبهت لها عبلة بوجه متهجم وقالت:
- قصدك إيه؟!
- أقصد أن عاصي بيشتغلنا كلنا، وعامل لعبة سخيفة مقابل بس ياخد عقد التنازل منك، وأراهنك بأيه البنت دي لا مراته ولا هي حامل من أصله!
راقت لها ما سمعته من أختها ولكن سرعان ما بدا على وجهه الانزعاج:
- لالا أنتِ متعرفيش عاصي، وكمان واضح أن البنت عاجباه ووراها مصلحة كبيرة عشان كدا اتجوزها!
ضربت جيهان على ساقيها بنفاذ صبر:
- بردو بتقولي اتجوزها! خلاص معاكي اتجوزها! نسكت له؟! نجيب بنت منعرفش أصلها من فصلها تشيل الجمل بما حمل!
توقف عقل عبلة عن التفكير ولكنها أصغت كليًا لأختها، والتفتت إليها باهتمام:
- قصدي متديش الفرصة لعاصي ينتصر عليكِ! هو أه اتجوز بس متجوزش البنت اللي على مزاجك؟! يبقى مفيش عقد، ولا تنازل، ويورينا بقا هيسيطر على السوق إزاي؟!
شردت للحظات ثم قالت:
- طيب والحل!
تحمست جيهان بإلقاء قنبلتها الموقوتة وقالت:
- الحل تحطي شرط جواز هدير بنتي قصاد تنازلك عن نصيبك!
ثم مالت إليها بدموع مزيفة:
- البنت بتحبه يا عبلة، وهتحافظ على ماله وبناته! بدل الجربوعة اللي جايبها من الشارع، اسمعي مني عاصي محتاجك دلوقتي، نرمي صنارتنا بقا ونصطاد! وبكرة هيشكرنا ما أحنا بردو عايزين مصلحته ومصلحة بناته!
••••••••
يبسط جسده على الأريكة الواسعة متحررًا من رابطة عنقه وأزرار قميصه يتصفح هاتفه تارة ويطالع حورية البحر التي تتوسط فراشه طورًا. بات يشرد في تفاصيل لقائهم الأول، ولمسته الأولى لشفتيها التي كانت كشهقة السيجارة أول مرة في سن المراهقة، كانت مثيرة وحارقة. وقوفها أمامه شامخة رغم تهاوي أوصالها وضعفها، مناطحته كأنها تعامل بائع في سوق الجمعة. سحر عيونها التي أسر بداخلهم. نفض أتربة مشاعره من فوق قلبه وقال رافضًا لإعجابه بها:
- كل واحدة وليها تمن! فوق يا عاصي قلبك مات بموت مها.
تغنجت في فراشها بخفة مصدرة أنينًا منخفضًا أثار انتباه قلبه ولكن تحول صوت الأنين لطرق على باب جناحه الخاص. نهض بتكاسل يجر في اقدامه الحافية ويفتح الباب فوجد هدير أمامه. طالعها بسخط:
- من متى التعليمات بتسمح لحد يقرب من هنا!
بلعت هدير جمر إهانته وقالت بحرقة:
- معلش، هعطلك عن الهانم!
زفر بضيق:
- عايزة إيه يا هدير!
زحفت بأقدامها نحوه خطوة هادئة وقالت بعتب:
- هتعمل فيها كتير مش شايف ولا عارف!
احتلت الغرابة معالم وجهه محاولًا فهم مغزى سؤالها:
- قصدك إيه، ادخلي في الموضوع على طول.
انسكبت دمعة من طرف عينيها ونهرته:
- لا يا عاصي، أنت فاهم كويس أوي!
- طيب فهميني!
لمحت هدير ظل "حياة" تقترب منهم، فتمادت في بكائها واقترابها منه، حتى أمسكت بيده ووضعت الأخرى على صدره العاري وقالت بحنو:
- أن قلبك دا يخصني، أنا ما حبتش غيرك في حياتي يا عاصي.
لم تمنحه فرصة للرد فبمجرد ما لمحت "حياة" أمامها ارتمت في حضنها وأخذت ترتعش بين يديه وتقول:
- أنا بحبك، ليه تعمل فيا كدا؟!
وعلى المقابل في غرفة عالية، تقلب شاشة هاتفها لتقرأ أذكار المساء منتظرة قدوم شمس إلى الغرفة، ففوجئت بعدد لا كثير من الرسائل المرسلة لها. تجاهلت الأمر قليلًا حتى وجدته زاد عن حده، فتحت أول رسالة من إحدى زميلاتها فاتسعت عيونها وفزعت صارخة وهي تشاهد الشاشة وتهذي:
- يانهار أسود!!!!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السادس 6 - بقلم نهال مصطفي
"رسائل لن تصل لـ صاحبها "
لمحت هدير ظل "حياة" تقترب منهم، فتمادت في بكائها واقترابها منه، حتى أمسكت بيده ووضعت الأخرى على صدره العاري وقالت بحنو:
- أن قلبك دا يخصني، أنا محبتش غيرك في حياتي يا عاصي.
لم تمنحه فرصة للرد، فبمجرد ما لمحت "حياة" أمامها ارتمت في حضنه وأخذت ترتعش بين يديه وتقول:
- أنا بحبك، ليه تعمل فيا كدا؟
أي نازلة تلك التي ألقت بها بين ذراعيه ترتجف كحمامة مذبوحة، صدمه أمر "هدير" وجرأتها في اعترافها، وقف مُكبل الأيدي، مغلول التصرف، مُصفد المشاعر التي لم تتحرك لأجلها حتى ولو شفقة، أحست ببرودة جسده في استقبالها، وتصلب كفوفه التي لم تتنازل لتربت على ظهرها رأفة بحال امرأة ضناها الحب والانتقام.
وقفت "حياة" تراقب الموقف في توجس لحديثهم الهامس، وجست قربهم بعيونها الذابلة منتظرة خاتمة مشهدهم السينمائي، جاءت مستندة على المنضدة الفاخرة بجوارها، فطاح ظهرها بالزهرية خلفها فاصطدمت بالأرض محدثة صوت ارتطام قوى طغى على صوت مشاعر "هدير" المزيفة.
تفرق مجمع الثنائي إثر صوت تهشم الكذب وفض تمثيلية أخرى تتمسح بماء الحب العكر، دار "عاصي" نحو مصدر الصوت فوجدها واقفة ملتصفة الظهر بالمنضدة تراقب الحدث بأعين متسعة، ركض إليها وسألها باهتمام:
- أنتِ كويسة!
توغلت هدير في نيران مكرها الحارقة، واقتربت منهم بعنجهية مفرطة وقالت برتابة زائفة:
- سوري يا حياة، ماكنتش أعرف أنك موجودة!
ثم دنت خطوة أخرى وأكملت بشموخ:
- أعرفك بنفسي، أنا هدير أبقى بنت خالة عاصي.
زفر عاصي بضيق ثم قال بصوتٍ مبطن بالجزع:
- اتفضلي امشي أنتِ يا هدير.
تدخلت حياة في حوارهم وقالت بفظاظة وغرور لا يناسب هزل جسدها، ولكنها امرأة مكونة من أحجار التمرد، اعتادت ألا تظهر وجعها إلا لسطور دفترها، وقفت أمام هدير وقالت برتابة:
- ممكن اتفضل أنا لو وجودي هيضايقكم!
ارتسمت معالم الانتصار على ملامح هدير بابتسامة ماكرة ابتلعتها، وقالت مبررة:
- أنتِ فهمتي أيه!
- والمفروض افهم أيه لما أخرج وألقاكي في حضن ابن خالتك! .. أيه تعبانة بيقيس لك النبض مثلاً!
أحس عاصي بأنه سقط في ساحة حرب نسائية لا مفر منها، كاد أن يوقف تشاحنهم ولكن سبقته هدير قائلة:
- ليكِ حق تضايقي بس..
وبنظرة أحد من السيف قاطعتها "حياة" بسخرية وعدم اهتمام وقالت:
- مش مجبرة تبرري، خديه يا حبيبتي، كدا كدا مايلزمنيش.
رصاصتها تعرف في أي رأس تود أن تنغمس، وخرجت جملتها مستهدفة أكاذيب رجل خلى باتفاقه معها، واطمئنان قلب حية تتلوى حول مقصدها، بمجرد أن قالت جملتها وأحس بكشف خطته، جذبها من ذراعها إليه بقوة جعلتها تتأوه، وجهر بوجه هدير آمرًا:
- هدير امشي دلوقتِ!
شردت هدير في جملة حياة الأخيرة متعجبة من أمر فتاة تعلن تخليها عن رجل مثله! رغم انتسابها وحملها لاسمه! فاقت من دوامتها الشديدة على تكرار جملة عاصي ولكن بنبرة أحد، أومات بتيه ثم خرجت من غرفته وهي ترج الأمر برأسها ربما تصل لحلٍ.
سحب عاصي حياة من ذراعها بقوة نحو الباب وهى تتلوى وجعًا واعتراضًا على تمسكه بها بهذه القسوة، وما أن قفل الباب خلف هدير بقوة حرر رسغها أخيرًا وهو يدفعها للوراء:
- أنت اكيد اتجننتي! أنت ناسية انك المفروض مراتي!
اجابته بسخرية بحتة:
- أنت تكذب الكذبة ومطلوب مني أصدقها! أنت مجنون!
جنت حبوب غضبه حتى أصبح يتطاير كحبات الفشار واقترب بخطوة إليها لاصقًا ظهرها بالحائط، وبكلا كفيه لزق معصميها بالحائط وما أن تعثر بأهدابها الكثيفة التي وخزت شيء ما بقلبه لا يدركه، ولا يعلم مصدره، تقهقرت نبرة جنونه وتحولت لنصحٍ:
- مش لازم كل شوية أفكرك أنك قدام عاصي دويدار! يعني الكلام معايا بحاسب.
التقطت صورة فوتوغرافية لملامحه الحادة التي ينبت من بين ثناياه الشوك، وقالت بأنفاس متعالية بلوم:
- أنت ازاي تغير اتفقنا!
طاب له القرب فلم يجره الغضب بعيدًا عنها، وانكمشت حواجبه وهو يسألها:
- أي اتفاق!
حاولت التملص من قبضته القوية ولكنها فشلت، فتنهدت بفشلٍ وطالعته بشموخٍ:
- كمان! أنت ازاي تقول إني مراتك!
ارتخت ملامحه تدريجيًا ورد عليها بهدوء:
- ماهو دا الاتفاق!
عارضته بعنف:
- لا، دا مش اتفاقنا؟ الاتفاق كان أننا مخطوبين، مش مراتك! أيه اللي حصل!
- اه، دا الاتفاق القديم!
- هو في اتفاق قديم واتفاق جديد؟!
رفع حاجبه مستمتعًا بحوارها:
- طبعا، قبل ما تمشي كان اتفاق، ولما رجعتي ووافقتي على كلامي كنت غيرت الاتفاق!
زفرت بضيق:
- دا اسمه لعب عيال! طيب ليه ما قولتش!
رد بسماجة:
- وليه مسألتش!
غاصت في عتمة عناده وحيله وقالت بنفاذ صبر:
- وأنا المفروض أنجم عشان أعرف سيادتك غيرت الاتفاق ولا لا.. وبعدين أي حامل دي؟ أنت ازاي تقول عليا كدا!
ثم ولت عينيها بعيدًا متحاشية النظر إليه وقالت لنفسها بصوت اخترق مسامعه من حدة سخريتها وتقليلها منه:
- ااه يمكن فيك عيب، وبتحاول تحسن صورتك قدام الناس!
ثم أطلقت ضحكة ساخرة:
- وهتلاقي فين واحدة تستغفلها زيي! مش فاكرة هي مين ومحتاجة لك، يعني لوزة مقشرة.
ثورة حارقة اندلعت بجوفه أرادت أن تلتهمها ولم تترك إلا رمادها، تمايل أكثر وأكثر نحو فوهة بركانها الذي ثار بوجهه بأبشع الاتهامات، فرأى الرعب بعيونها إثر تلامس أنفاس معالم وجهها، ظفر بإخافتها ثم غير مسار نواياه مقررًا أن ينسحب ليحمي رجولته من إغداق امرأة كتمت أنفاس تمرده وإهانته بشدة وقللت منه، ومال إلى مسامعها قائلًا بنبرة أرعبتها:
- أنا ممكن اخليك تندمي على اللحظة اللي اتعلمتي فيها الكلام لحد اللحظة اللي لسانك اتجرأ عليـا، بس أنا هراعي مرضك وهخلي الأيام تعرفك مين هو عاصي دويدار!
لا يوجد سبيل لانتصار الرجل على امرأة سوى الفرار منها، بمجرد ما رمى جمر كلماته في صدرها مما جعلها تلوم نفسها سرًا عما قالت، وعما كان رده على اتهاماتها السخيفة وطعنها في حق رجولته، أخذت تتنفس الصعداء إثر تحررها من أنفاسها الأشبه بدخان التبغ وطلت تسعل بقوة كغريق نجاة من الموت في آخر لحظة، ثم اتجه نحو جواله وهاتف يسري آمرًا:
- تعالى خدها على أوضتي في القصر!
جادلته من الخلف رافضة:
- أنا مش هكمل في المسرحية السخيفة دي!
تجاهل غضبها وقال:
- متكمليش، اتفضلي امشي!
تجمدت في مكانها محاولة استيعاب عواقب جملته، والمأزق الذي تورطت به بين فكي كبريائها وضياعها، مسحت على شعرها بتردد ثم اقتربت منه خطوة صغيرة وقالت:
- أنا هقعد هنا، وأنت روح اقعد في اوضتك براحتك!
رمقها بتعجب وغرابة من تحول أمرها وقال مستهزئًا:
- واضح أن مش لوحدي اللي بغير كلامي!
ثم دار بجسده إليها وقال بنظرة تبطن نواياه الخبيثة:
- أنا عن نفسي مش هكره، بس أنتِ ممكن تزعلي لان المكان دا له قواعده الخاصة، واظن أنها صعبة عليكِ على الاقل دلوقتِ.
أزرت على كلامه، وهبت بها عاصفة الهلع التي أنقذها صوت طرق يسري، تركها فاتخذها نفسها بارتياح وما أن فُتح الباب، أمره عاصي:
- خدها.
تحركت بشموخ وثبات ولم تمحنه إلا نظرة تمرد وبخطوات عسكري تحررت من قفصه كعصفور أُسر لسنوات وأُطلق سراحه للتو.
"ممكن تهدي يا عالية! أكيد في حل."
أردفت "شمس" جُملتها بصوتٍ خفيض وهي تواسي عالية عن مُصيبتها التي حلت فوق رأسها، تجلس بجسد كل إنش به يرتجف ويرتوي بدموع حزنها وقلة حيلها، انفجرت باكية:
- اهدأ ازاي! أنت مشوفتيش الصور والفيديوهات اللي مغرقة مواقع السوشيال، أنا اتفضحت يا شمس.
جلست شمس بجوارها بخيبة وعجز محاولة إيجاد حل لتلك الورطة، فاقترحت عليها:
- طيب تحكي لتميم بيه!
رفضت رفضًا قاطعًا وهي تعلن:
- مستحيل، ممكن يضايق وصحته تتراجع وأنا ما بصدق يتقدم خطوة لقدام!
حملقت "شمس" بالصور والفيديوهات الخارجة فقالت بوضوح:
- على فكرة باين أوي أن الصور دي متركبة، ومش أنتِ، أهدي كدا وهتتحل! آكيد محدش هيصدق أن دي أخلاقك يا عالية.
صرخت عالية برعب ينهش بجسدها وقالت:
- محدش هيعرف كده، يا نهار أسود، عاصي ممكن يقتلني فيها!
ثم أخذت تتجول بجنون في الغرفة ممسكة برأسها:
- أعمل أيه ياربي في المصيبة دي! كلها دقايق والبيت كله يعرف ومحدش هيرحمني.
"صفق لمن علمك القسوة ثم إصفعه بقوة، ليعلم أنك تعلمت."– محمود درويش.
وقفت جيهان أمام أختها بعد ما تمدد فحل العداوة والحقد بينهم، وأصبحت نسخة مصغرة مما علمتها اياه، وشرعت في تهدئتها وإدخال الأمر برأسها أن فعل عاصي ما هو إلا نزوة تُمحى مع الأيام، ثم بدلت مجرى الحديث لصالحها وقالت:
- عايزه أقولك على حاجة!
أشعلت عبلة سيجارته وتنهدت دخانها بغضب وقالت تحت سطو شرودها:
- فيها أيه لو عاصي اتجوز سوزان هانم!
وبختها جيهان بحنق:
- جرالك إيه يا عبلة! هو من همه هياخدها أد أمه؟ سوزان مين اللي اللي عايزه تجوزيها لابنك!
بررت عبلة اقتراحها موضحة:
- ومالها سوزان، ست جميلة وشيك وغنية وعايشة لوحدها، وفرق السن بينهم مش كبير دول ٩ سنين بس، على الأقل جوازة هيطلع منها بمصلحة، مش بدل البنت اللي من الشارع دي!
- طيب ممكن تسيبك من عاصي، ونركز في عالية!
انتبهت عبلة إليها بعد ما ثنت سيجارتها بالمطفأة وقالت:
- مالها عالية!
- مراد معجب بعالية، وحابب يتقدم لها، شافها في الحفلة وسألني عليها واتفاجئ أنها عالية البنت الصغيرة اللي كانوا يلعبوا سوا!
حدجتها عبلة برفض قاطع بسيف نظراتها ولم يفصح عنه لسانها:
- عالية ومراد! أنتِ متخيلة يا جيهان بتقولي أيه، ولو أنا وافقت، عاصي ممكن يوافق بعد المشاكل اللي بينهم دي كلها!
بررت جيهان مغزى طلبها:
- وليه يا عبلة منرجعش المية لمجاريها، ونلم شمل الولاد، هنعيش لهم لأمتى في كره وحقد، فكري يا عبلة، وأظن المستوى المادي لـ مراد مناسب جدًا لنسب عيلة دويدار!
صدمة وراء الأخرى تنزل فوق رأس عبلة مما جعلت رأسها يتوقف عن التفكير وعن الرد، فكرت طويلا وما زالت نظرات جيهان الخبيثة تحدق بها وتتلون بطيبة مزيفة:
- أنا بوجهك للصح، بدل ما تلاقي عالية هي كمان جايبه لنا واحد من الشارع طمعان فيها وفي فلوسها وعايزه تتجوزه! لازم نحوط على الولاد من دلوقتِ، عشان نحافظ على الإمبراطورية الكبيرة للعيلتين!
وصلت "حياة" بصحبة يسري والخادمة إلى الجناح الخاص بـ "عاصي" فكان أشبه بغرفة ملكية، قصر بحوزته قصر، وقفت أمام باب الغرفة فلم تلتقط أعينها أخرها، مساحة الفراش تكفي لتمدد عشرة أشخاص فوقه، تضم صالون فخم ذهبي بالنظام الكلاسيكي، تحوطه الستائر من كل ناحية، ركن خاص شاسع الاتساع يضم ملابسه باهظة الثمن، أخذت تتجول في الغرفة كأنها في محل تجاري يستعرض بضاعته، أمسكت بـ زجاجة عطره الوحيدة أمامها، فلم تجد نوع آخر منه، استوطنت الغرابة ملامحها وهي تتسائل بسخرية:
- اشمعنا دي اللي مجبش منها مصنع!
أخذها الفضول لتفتحها وتستشق رائحتها وبمجرد ما لامست أنفها تقيأت راحة كبريائه وغروره وعنجهيته المفرطة، قفلتها باشمئزاز لان العطر يأتي بذكريات صاحبه ووضعتها بغيظ في مكانها وقالت:
- بني آدم غريب!
ثم تطلعت على هيئتها بالمرآة تتفحص معالم وجهها بأنامل مرتعشة وأعين متقطرة بالآسي وهي تتسائل نفسها:
- أنا مين! وأيه مكتوب لي هنا، وأيه الصداع دا!
ثم تذكرت جملته التي افقدتها وعيها وتبدلت ملامحها من التيه للاسترشاد وجهرت معترضة:
- أنا مراته من أي جهة المتخلف دا! دا يروح يشوفه زريبة يعيش فيها ولا بهيمة يتجوزها بدماغه دي!
لم تنتبه لوجود يسري ورائها وما أن أنهت جملتها استدارت إثر حمحمته الخافتة وهو يقترب منها ويقول مرشدًا:
- هنا عشان تعيشي، يبقي لا أرى لا أسمع لا أتكلم، فاهمة!
بكتته باستخفاف وقالت:
- ليه فاكر نفسك أنت واللى مشغلك هتستعبدوا الناس! أنتوا مين؟
مال يسري نحو آذانها وهمس بنبرة أرعبتها وأشعلت نيران الفضول برأسها:
- أحنا عالم لو دخلتي جواه مش هتعرفي تخرجي، حاولي تهربي من هنا في أسرع وقت.
أنهى جملته مختومة بصوت وصول رسالة على هاتفه، وما بين نظرته على "حياة" ونظرة أخرى على شاشة هاتفه فتح الرسالة وقلب الصور سريعًا ثم اختتمها بمقاطع صوتية تضم صوت وصورة عالية بملابس خارجة وأوضاع مخلة، فتقهقرت خطواته للخلف مصدومًا:
- يا نهار أسود، عاصي بيه لازم يلحق المصيبة دي! متتحركيش من هنا! أنت فاهمة!
"شبرا"
حاولت نوران مهاتفة كريم مرارًا وتكرارًا ولكن بدون فائدة، قفلت محمولها بغضبٍ وقالت لجدتها:
- مابيردش يا تيتا.
أخذت تندب العجوز حظها وتضرب كف على الآخر:
- يبقى آكيد عملوا في أختك حاجة.. لا يا نوران قلبي مش مطمن!
شعرت نوران بالعجز وقلة الحيلة والقلق، كلها مشاعر أخذت تأكل في حواف قلبها، فربتت على كتف جدتها وقالت:
- طيب أهدي، نستنى لحد بكرة، لو معرفناش نوصل لشمس، اخدك ونروح لها.
تتنقل هدير هنا وهناك وتتجول أرجاء غرفتها بعشوائية وهي تتذكر أعين حياة وجرأتها ووقاحتها، أدركت أن بالأمر يمكن سرًا لابد من حله، دخلت جيهان عليها وهي تتلفت حولها كلصوص، ثم أحكمت غلق الباب خلفها وقالت:
- طمنيني، عملتي أيه!
بدون اهتمام للأمر ردت هدير بشرود:
- كله تمام وفضيحة بنت أختك بقيت على كل لسان!
تناولت هاتف ابنتها وأخذت تفتش على أحد المواقع وتشاهد الصور المزيفة والمركبة بانبهار:
- الواد اللي عمل كدا فنان، يسلم ايديه، الصور مفيهاش غلطة!
ثم شردت بخيالها متأملة بفرح وانتصار:
- كدا يبقى كلها أيام وتقع القطة في مصيدة مراد أخوكي!
سألتها هدير باهتمام:
- ماما هو مراد فعلًا عايز يتجوز عاليه، ولا دا من خططك بردو!
قهقهت بصوت الشر ورفرفت نيرانه وقالت:
- ولا يعرف شكلها أساسًا.
جلست هدير بجوار أمها لتوزن معادلة البغضاء برأسها وقالت بتعجب:
- انتوا أكيد بتهزروا، وأيه الفايدة من الجوازة دي أصلا! البنت عالية دي رخمة ومفيش من وراها مصلحة.
وثبتت جيهان عودها وأخذت تتمايل بتفاخر وأفصحت عن مخططها:
- مين قال! مراد هيتجوز عالية منها ويمضيها على تنازل عن نصيبها في شركات دويدار، وكدا أخوكي هيدخل الشركة كصاحب ملك، ويبقى أول مسمار ادق في نعش عاصي!
أغمضت هدير جفونها محاولة استيعاب ما سردته أمها وقالت بعدم تصديق:
- أنتِ لو قاصدة ترمي مراد في النار مش هتعملي كدا!
بثقة عارمة أردفت جيهان:
- مراد أخوكي أد عاصي وعشرة زيه، أقعدي واتفرجي على اللي هيحصل.
بخيبة أمل سحيقة ردت هدير:
- يا خوفي! المهم البنت اللي جايبها عاصي دي وراها سر، وسر كبير وأحنا لازم نعرفه!
تدبرت عيون ابنتها بعناية وسألتها:
- حصل أيه!
غاصت هدير في دوامة أفكارها لدقيقتين ثم قالت بخبثٍ:
- البنت دي عاصي متورط فيها، من كلامها حسيت بكده!
- يعني أيه متورط فيها، وأي الكلام اللي اتقال احكي لي!
فركت هدير كفوفها ثم أخذت تتنقل بعشوائية وتسرد ما حدث لأمها حتى اختتمت حديثها بـ:
- البنت دي شكلها غلطة من بتوع عاصي، وقاصدة توقعه فيها بحوار حملها، عشان كدا هو جابها..
شهقت جيهان بفزعٍ:
- مصيبة لتكون حامل في ولد!
ثم وقفت أمام ابنتها وقالت بحزم:
- البنت دي لازم تسقط!
بعيدًا عن جحيم شرهم وخاصة إلى غرفة عالية التي تأزم بها القلق وسن أنيابه وباتت الأرض من تحتها فوهة بركان أوشك على الانفجار، حاولت شمس أن تهدأ من قلقها ولكن بدون فائدة، الصور انتشرت بشكل مفزع، وأصبحت قصة عالية كالعلكة بالأفواه.
أخذت أنفاسها بصعوبة وقالت بضعف:
- أنا هروح لتميم، هو الوحيد اللي هيصدقني.
أوقفتها شمس بخزى:
- استنى، تميم أخد جرعة أدوية تقيلة النهاردة، و زمانه نام.
صرخت بوجع وأحست بانهيار لم تحسه من قبل ثم تأوهت بهزل:
- يا رب ساعدني، هتجنن يا شمس، حاسة قلبي هيقف!
ربتت شمس على كتفها وقالت بترجي:
- ممكن تقفلي تليفونك خالص، وتعالي نصلي قيام الليل سوا وندعي ربنا!
هنا فُتح باب غرفتها على مصرعيه وبعنف شديد سبقه صوت عاصي الجاهر الأشبه بصوت الرعد الذي تهز له الجبال وصاح باسمها:
- عالية!
لطمت عالية على وجنتيها وسالت دموع عيونها بغزارة وهي تحتمي بشمس:
- عاصي.
كرة ملتهبة من النيران تقترب منها ما تزيدها إلا رعبًا، تمسكت بشمس أكثر منتظرة قدرها الحتمي بعيون منتفضة وجسدها هرم، حاصر الغضب عيونه وهو يسألها بحدة:
- اومال أي جو الدين وقال الله قال الرسول، وأنت يا هانم مغفلانة كلنا!
توقفت شمس أمامه بقوة، وجهرت بوجهه:
- لو تعبت نفسك وركزت في الصور والفيديوهات دي هتلاقيها متفبركة، يعني يا عاصي بيه بدل ما تضيع وقتك مع الضحية روح شوف مين اللي عملت فيها كدا وقاصد مين بالظبط!
افترسها بملامحه الحادة وما أن دفعها أرضًا بيسارها، لفت يمينه شعر عالية وجرها خلفه بمنتهى القسوة مجمهرًا:
- يا عبلة هانم، تعالي شوفي المصيبة اللي بنتك حطتنا فيها!
صرخت عالية متوسلة ومتألمة راجية أن يتركها ولكن كفوفه كانت أكثر قسوة وهي تتدلها على وجنتها بصفعات متتالية، ولم يكف عن هذا بل أخرجها من غرفتها زحفًا غير مكترثًا لصوت صراخها الذي ينافس صوت زمجرته التي أخرجت الجميع من غرفهم.
ركضت عبلة وهي تربط منامتها محاولة إيقافه ولكن بدون فائدة، قطع جسدها درجات السلم زحفًا وهي تصرخ ولم تكف عن توسلاتها وضعفها تحت قبضته القوية، وما أن وصل لنهاية الدرج رماها كما يرمي نفاياته، فأرتطم جانبها بأحد المقاعد وهي تصرخ:
- افهمني بقا حرام عليك!
احتشد الخدم وغيرهم من حرس القصر، وخرجت هدير وجيهان من غرفهم يراقبان المشهد بشماتة وانتصار لنجاح مخططهم، وقفت عبلة أمامه:
- ممكن تهدأ وتفهمني حصل أيه!
انفجر بوجهها:
- الهانم صورها في حضن ابن المرشدي مغرقة السوشيال! افتحي وشوفي.
صرخت عالية مبررة بدون وعي:
- والله كذب، كذب، أنا معرفهوش.
دارت إليها عبلة بلوم وعتب:
- وأنت أيه علاقتك بابن المرشدي يا عالية، مش دا الولد بتاع المكتبة!
بررت عالية موقفها:
- والله ما اعرفه ولا اعرف حتى اسمه في حاجة غلط!
نزلت شمس ركضًا وراءهم وولته من معصمه إليه وبنبرة تهديد:
- البلد فيها قانون وانت مش من حقك تضربها كدا مهما كان غلطها!
ضحك عاصي بسخرية وصوت مخيف:
- مش ناقص غير حتة بنت من شبرا تقف قدامي وتقولي أعمل أيه!
- شبرا دي أحسن الف مرة من قصر صاحبه مفيش في قلبه ذرة رحمة.
ركض يسري مسرعًا إلى عاصي وقاله:
- مصيبة يا باشا، فاروق المرشدي طالع لايف وبيقول أن معاليك ورا كل دا، واستخدمت عالية هانم عشان يخسر الانتخابات! وبيطالب أنه يوصل الأمر لأعلى السلطات!
انضمت عبلة إليهم وقالت بذعر:
- أيه المصايب دي! أحنا ما صدقنا نقفل دفاترنا مع الزفت دا، كله طاقة جهنم اتفتحت في وشنا!
تراقبهم "حياة" من الدور الثالث بأعينها مرتجفة، محاولة استيعاب مدى القسوة والإهانة التى تعرضت لها تلك الفتاة الضعيفة وهنا تذكرت جملة يسري الأخيرة لها:
- هنا لا أرى لا أسمع لا أتكلم!
وضعت أناملها على فمها وهي تحدقهم بأعين متسعة يسيل منها الحزن على حالة تلك المسكينة، خاصة بعد ما انهال عاصي عليها بالضرب والسبات المتتالية وسحبها من شعرها متجاهلًا حُرقة صراخها وتوجعها، لحقت به عبلة راكضة:
- هتموت في إيدك يا عاصي، خلاص.
انحفرت أقدام عالية بالأرض وغلف تراب الحديقة أرجلها العارية وملابسها وهي تجر كما تجر الأغنام متجهًا بها إلى غرفة الاسطبل وبقوة فتح الباب الحديدي وألقاها بداخل الغرفة المظلمة وقفل عليها صارخًا:
- مفيش نقطة مية هتشوفيها.
توسلت له عبلة أن يرحم أخته:
- لا لا يا عاصي متعملش كدا، كل حاجة ليها حل!
أنهى ثورته المشحونة بالغضب وقال مهددًا:
- ثم زمجر بصوته الرعدي:
- كله ينام، مش عايز أشوف مخلوق صاحي.
أخذت تخبط عالية على الباب برعب وفزع وتترجاه:
- يا عاصي ورحمة أمي افتح، حاسة إني هموت.
كانت شمس متأهبة للذهاب إليها ولكن أوقفها يسرى بتحذير:
- بلاش، نفذي كلام الباشا وروحي نامي، خافي على أختك وجدتك أحنا هنا ما بنهزرش!
وقفت شمس مكبلة الأيدي وكاد قلبها أن ينفطر من قسوة العالم الذي وقعت فيها، وفي الأعلى انكمشا الصغيرتان حول بعضهما واقتربا من حياة وهما يرتعشان من شدة الخوف حتى أردفت داليا متوسلة لحياة:
- طنط أحنا خايفين أوي!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السابع 7 - بقلم نهال مصطفي
أرى أن العاشق يتحول لكاتبٍ عندما يفترق عن روحٍ أحبها كثيرًا.
دائمًا يتعمد الكاتب أن يرش ذاكرته بمخدر الحروف لتخمد وتهدأ وينطفئ وهجها، ولكن نادرًا ما تنصف الأقدار مُرادنا.
نحن نشتعل بدخان الحروف والكلمات وتترسب دمائنا محملة بأوجاع في صورة حبر يفترش الصحف.
هكذا العاشق، يتونس بظل الكتابة في حضرة الغياب، ظنًا بأنها ستشغل رأسه عن التفكير قليلًا.
ولكن لا يعلم أنه لا يكتب إلا عمن ينتظر مجيئه، حتى ولو كان زيارة خفيفة بحلم جميل.
الكتابة لا تشفي صاحبها ولكنها تصنع الآمال في العودة.
هي عكاز القلب العليل من سقم الرحيل.
دموعها المترقرقة تدب الحياة بأوراق القش المنثور تحتها، عندما ترش عليها ماء أحزانها وضعفها.
ضمت ساقيها إلى صدرها وأخذت تتجول المكان المظلم حولها بخوفٍ شديد.
أطبقت جفونها لتعتصر صبار الرعب من بينهما وأجهشت روحها بالبكاء وهي تشكو ظلام الليل حالها:
"أنا أيه اللي عملته استاهل عليه الذل دا."
"أنا أكتر حد في حاله!"
فجأة تتكدر الحياة على بكرة أبيها، وتفتح بوجهك أبواب لم يخطر ببالك أنها موجودة.
حينها يتوقف القلب والعقل والجسد كليًا عن استيعاب صاعق مفاجآتها المباغتة التي تجهل عاقبتها إن كانت خيرًا أم كارثة.
تأكدت شمس من خلاء المكان حولها، تسللت على أطراف أصابعها ناحية المطبخ بخفة وحذر شديد.
فتحت باب الثلاجة ثم أخذت قارورة الماء وعادت مرة أخرى تكتشف المكان حولها متعمدة ألا تحدث صخبًا يفسد مخططها.
ركضت سريعًا صوب باب الحديقة الخلفي متوارية خلف أحد الأعمدة الصلبة تتفقد ساحة المكان حولها بعيونها اللامعة بوميض الهلع.
فأي طريق عليها أن تسلكه لتصل لتلك الأسيرة؟
ما كادت أن تخطو خطوتها فتوقفت إثر نبرة صوت يسري المُفرعة:
"قلت لك بلاش!"
قفلت جفونها كي تهدأ من روعها قليلًا ثم دارت إليه مُعارضة:
"هو أيه اللي بلاش!"
دنى يسري منها وهو يقفل زر سترته وقال:
"يعني تطلعي تنامي وملكيش دخل باللي بيحصل هنا!"
أصدرت صوتًا ساخرًا على جملته وقالت بحنق:
"للأسف مش هعرف أرتاح وضميري بيوجعني على واحدة ملهاش ذنب بتتعذب.. أنت تقدر تعملها أما أنا لا!"
تأهبت شمس للدوران أمامه مكملة طريقها ولكن علق معصمها بقبضة يده القوية التي منعتها من الحركة وسحبها رغم عنها بعيدًا عن مدخل القصر متواريًا خلف أحد الجدران.
وقفت شمس مرغمة وهي تنهره:
"أنت اتجننت! ابعد ايدك دي عني!"
بتردد أرخى يسري قبضة يده تدريجيًا، وطالعها بنظرات ثعلبية:
"أنا خايف عليكِ."
تضرّجت ملامحها بحمرة الغضب، وردعته:
"أنت مين أصلًا عشان تخاف عليا!"
"قبل ما تسألي أنا مين، اعرفي أنتِ فين!"
ثم بلل شفتيه وأكمل بنبرة خفيضة مغلفة بالتهديد والتوعد:
"هنا كوكب عاصي دويدار، وأنا الفلك اللي بيرسم له الطريق، تحبي اثبت لك كلامي؟"
وقعت في براثن حيرتها عن هوية ذلك الرجل المتلون، ونظراته المريبة، ولكنها لم تستسلم بل عنفته رافضة بشمئزاز:
"أنا ولا عايزاك تثبت لي ولا عايزة أشوفك من الأساس."
بمجرد ما أردفت جملتها تأهبت مغادرة ولكنها توقفت إثر تذكرها لشيءٍ ما وقال بنبرة حادة:
"أنا مش ناسية أيدك اللي اتمدت على أختي، بس وعد مني كله هيترد في وقته!"
رمقته بأسهم الخسة ثم ولت ظهرها راحلة من أمام نواياه الخبيثة حتى ألقى على مسامعها جمر جملته الأخيرة بثقة لا مثيل لها:
"حتى ولو قلت لك أن عالية هانم هتنام في أوضتها الليلة!"
***
علينا أن نعتاد حزننا حتى يصبح عادة، جزء ملازم لخطانا، لأنه الوحيد الذي يرضي بنا على أي حالة كنا عليها سواء أبغضنا وجوده أم أحببناه، تجاهلناه أم قدمنا له وسام الاهتمام.
الحزن الصديق الوفي لقلب الإنسان، والفرح كدبور، لا تنتهي علاقته بالزهرة بعد امتصاص رحيقها.
تجلس "حياة" على المقعد المتحرك في غرفته تتذكر الطريقة الوحشية التي انهال بها على الفتاة المسكينة.
ثم انصرفت عيونها إلى الطفلتين اللاتي يجلسان في منتصف فراش تحتضن كل منهما الأخرى.
فارقت مقعدها وأقتربت منهم جالسة على طرف التخت واستمالت بعطف:
"لسه خايفين!"
صوبت أعينهم الدائرية إليها بنظرة مرتعشة تعكس أشباح خوفهم، حتى خرجت داليا عن صمتها وسألتها:
"حضرتك مين؟"
ثم ردت تاليا بتلقائية:
"حضرتك اللي جيتِ مع بابي في الحفلة!"
وورت رأسها موافقة وقالت بخضوع:
"أيوة أنا!"
تفوهت داليا ببراءة:
"يعني حضرتك عروسة بابي الجديدة!"
فاض قلبها بالغضب وزخر بالاشمئزاز من انتسابها له حتى ولو كان خرافة، غيرت مجرى الحوار وقالت:
"هي مين اللي كان بيضربها!"
تاليا بأسف:
"دي أنطي عالية أخت بابي، هي طيبة أوي معرفش ليه بيزعلها!"
عششت الحيرة فوق رأس حياة نحو هوية ذلك المخلوق العجيب، حتى قطعت داليا حبال صمتهم وقالت:
"إحنا بنحب ننام هنا في أوضة بابي، وكل يوم نستناه يجي ينام جمبنا، مش بيجي. أنطي ممكن حضرتك تسألي بابي هو ليه زعلان مننا!"
من المؤلم على الإنسان أن يطلب منه شيء لم حيلة له بأمره.
زفرت بضياع:
"بابي دا شكل حوار!"
ثم نفضت غبار شرودها وعادت إليهم بنظرات حنونة وقالت بتودد منها:
"تسمحولي أنام جنبكم عشان الوقت اتأخر، وأحنا لازم ننام!"
فسحت داليا لها منتصف الفراش ورفعت الغطاء متأهبة للنوم ثم ساعدتها تاليا في ذلك.
نزعت حياة نعلها ومددت بجوارهم متخذة وضع النوم.
كادت أن تغلق الأنوار ولكن وقفتها تاليا راجية:
"بليز.. أنا بخاف من الضلمة."
تفهمت حياة حجم خوفهم الذي لم ينتقص عن رعب أوصالها، وشدت الغطاء فوقهم بحنان وببسمة هادئة:
"اتغطوا كويس."
***
اقترب عقرب الساعة من الساعة الثالثة صباحًا، ولا يزال عاصي جالسًا على مقعد مكتبه الجلدي مفكرًا في إيجاد حل لتلك المأزق الذي تعثر به.
طرق خفيف على الباب ثم فُتح قبل ما يأذن للطارق بالدخول.
تقدمت عبلة إليه وهي تجلس أمامه على المقعد المجاور للمكتب ويبدو الإرهاق على ملامح وجهها وقالت:
"أنا مش هعرف أنام وأختك مش في سريرها يا عاصي!"
ضرب سطح المكتب بكفه القوي ورمقها برصاص نظراته القاتلة:
"أحمدي ربنا أني سايبها لسه عايشة لحد دلوقتي!"
عارضتها بحدة:
"أنا مش شايفة أي مشكلة، إيه كلنا بنروح مصيف ونلبس مايوه، فين المشكلة! لما أنت بتتصرف كدا سبت إيه للناس الجاهلة!"
"المشكلة في ابن المرشدي اللي بنتك ماشية معاه، ويا عالم علاقتهم وصلت لفين!"
"لا يا عاصي مش هسمح لك تقول على أختك حرف زيادة! أكيد في حاجة غلط لازم نعرفها!"
طاحت يمينه بكل ما يقابلها على سطح مكتبه وجهر قائلًا:
"الغلط اللي بنتك عملته، حليني بقا في أبواب جهنم اللي هيفتحها علينا فاروق المرشدي وابنه."
تطرق إليه بعيونها المهتزة والتي تتراقص على أوتار التردد والحيرة ثم قالت:
"أنا عندي حل هيخرس كل الناس دي وأولهم المرشدي وابنه!"
بنفاذ صبر خبط على مكتبه بكلتا يديه وصاح:
"مفيش حل يا هانم، المصيبة حلت فوق راسنا والـ حصل حصل."
فركت "عبلة" كفوفها بارتباك، لا تعلم من أين تبدأ، ولكن لابد أن تنقذ الأمر قبل ما يزداد سوءًا.
بلعت ريقها وقالت:
"بالليل، قصدي في الحفلة جيه عريس لعالية."
وقهقه عاصي بسخرية ساحقة:
"آه دا قبل ما يشوف الفضيحة!"
"اسمعني بس، وفكر في كلامي للآخر، الولد معجب بيها جدًا، وشاريها، وبصراحة دا أحسن رد نـرده على الكلام اللي انتشر!"
"وبكدا ننفي علاقتها بابن فاروق."
"وأنتِ أيه ضمنك أن عرض الولد لسه قائم، دا لما يعرف بعملتها مش هيبص في وشها!"
نهضت عبلة بحماس ووقفت بجواره تربت على كتفه متوسلة:
"من الناحية دي اطمن خالص، أنا اضمنه برقبتي…. وو متنساش لازم نتنازل عشان نلم الفضيحة."
رفع حاجبه مستفهمًا:
"مين دا الـ عايز يتجوز عالية!"
بنبرة لاذعة أجابته:
"مُراد؛ مراد ابن خالتك جيهان."
اتسعت عينيه من هول ما لفظت به فـ طاح بأمه بكل قوته حتى ارتطم ظهرها بالحائط وهبت زعابيب غضبه برفض قاطع لا يقبل الجدل:
"أهو دا الـ بيقولوا عليه تصليح المصيبة بكارثة، مُراد دا أنا لو شفته قدامي هدفنه في نفس التربة الـ هدفن فيها بنتك."
ثم ضرب كف على الأخر:
"آخرتها أنا أحط أيدي في إيد مراد المحلاوي!! دا اسمه هبل.."
ثم ولي انظاره التحذيرية إليها وأشار بسبابته مهددًا:
"سيرة مُراد مش عايز أسمعها، وأنا هربيه عشان اتجرأ وفكر لمجرد تفكير في أخت عاصي دويدار."
هنا اقتحم "يسري" ثورة حوارهم ودلف من باب مكتبه متسائلًا:
"صوت معاليك هيصحي اللي في القصر كلهم! خير."
أغمض عاصي جفونه للحظاتٍ ثم قال غاضبًا:
"وصلت لحاجة و مين اللي نزل الصور دي!"
كانت "عبلة" تتحاور بأعينها مع يسري الذي التقم مغزى حركاتها متفهمًا، ولأنه الوحيد الذي يدرك سُبل رئيسه القصيرة قال بثبات:
"الصبح كل حاجة تكون عندك، بس حابب ألفت نظر معاليك لحاجة!"
بقطوب دائم لا يفارقه وجهه أردف:
"اخلص يا يسري!"
"بخصوص عالية هانم، مش لطيفة في أخلاق معاليك أنها تنام فـ الاسطبل، وطبعًا رجالتنا في كل مكان، قصدي ممكن سيادتك تعاقبها على غلطها بينك وبينها، مش قدام الخدم!"
ثم دنى هامسًا:
"وأحنا معاليك لسه لما نتأكد من صحة الصور!"
أحس بعاقبة سوء تصرفه وهو يجلس على مقعده مرة أخرى ثم قال بفظاظة:
"لسه كنت هبعت لك تنفذ طلب الهانم الكبيرة."
ثم رفع رأسه نحو عبلة وقال:
"هتنام في اوضتها الليلة لحد بس ما اتأكد، وساعتها هيكون ليا تصرف تاني."
***
انتهت ليلة من أسوأ الليالٍ على الجميع، قلب ينتفض ذعرًا من هول بئر معتم سقط به، وأخرى تقضي ليلتها تتقلب على جمر من نار حول هوية ذلك الرجل الذي لم يترك فعلًا قبيحًا ولن يقترفه.
ساعات مسروقة من الزمان كشفت لها حقيقة كائن وحشي متمثل في صورة بشر، تارة يلهو وتارة يفترس!
وأما عن شمس قضت ليلتها بجوار عالية ترتل على رأسها بعض آيات من القرآن لتهدأ، بعد ما ساعدتها في تبديل ملابسها وتجفيف شعرها.
وهي الأخرى لم تنفلت من قيود الحيرة الملتفة حول قلوب الجميع ولكن غموضها كان يتجول حول رجلين أغرب من بعضهما.
انفلق الصباح بيوم جديد نهضت فيه جيهان بكامل نشاطها وحيويتها وهي تضع الكثير من مستحضرات التجميل لتخفي معالم الحية الخبيثة بوجهها.
ولكنها توقفت عن تلوين وجهها وتناولت هاتفها متصلة بمُراد الذي رد سريعًا وهو يقود سيارته:
"صباح الخير يا حبيبي! نمت كويس إمبارح!"
شغل سماعة "البلوتوث" بأذنه وقال بجدية:
"وإيه ممكن يخليني ما أنمش كويس!"
"حبيب أمك، ليك عندي خبر بمليون جنيه، كلها كام ساعة وخالتك هتيجي تترجاني أنك تتجوز عالية!"
لم يبد أي اهتمام بما قالته بل استقبل حديثها بسخرية:
"هي للدرجة دي بنت أختك معيوبة! أنا حاسس إني بدبس! بقولك إيه يا جيهان هانم متفكيني من الحوار دا، أنا لو كنت بفكر فـ الجواز كنت اتجوزت من زمان."
ضحك منها ملء الفم وهي تنهض لتتقفد خزانة ملابسها وتقول:
"حتى ولو كانت قردة! المصلحة تحكم!"
دار بمقود السيارة أقصى اليسار وقال متعجبًا:
"أنا لحد دلوقتي مش متخيل إزاي عبلة هانم وابنها ممكن يوافقوا على الجوازة دي! أنتِ عملتي إيه!"
ضحكت بـ شرٍ وهي ترمي ملابسها على الفراش وتقول بظفر:
"أمك لما تحط حاجة في دماغها لازم تتم! أنت مستهون بيا ولا إيه!"
هنا توترت جيهان على صوت طرق الباب قائلة:
"باي باي أنت دلوقتي…… ادخل!"
ظهرت عبلة من وراء الباب بعيونها المتورمة والظلمة التي تحيط بهما إثر قلة النوم.
دَلفت إلى الغرفة بعد ما قفلت الباب وراءها وقالت بتنهيدة:
"كويس إنك صاحية!"
ثم ارتمت بكلل فوق الأريكة وأتبعت:
"بركان هيتفجر في دماغي يا جيهان!"
افتعلت جيهان شهقة القلق المزيفة ودنت منها:
"بعيد الشر عنك، أنا مقدرة موقفك، بس هنقول إيه عالية صغيرة وطايشة ومش واعية لتصرفاتها."
ثم أسبلت عيونها الخبيثة وأكملت:
"خيبت أملي فيها!"
"أنا هتجنن، إزاي تعمل كدا، والغريب أنه مش باين عليها! ورايحة تصاحب ابن أكبر عدو لعاصي! فتحت علينا كلنا أبواب جهنم.. بس أحنا مش هنسكت لازم نرد رد مناسب لنا!"
تأرجحت أعين جيهان السوداء وهي تطالعها باهتمام منتظرة إيضاح المغزى من كلماتها.
تنهدت عبلة بزهد:
"طول الليل بقلبها فـ دماغي ووصلت لحل أننا لازم نعلن خطوبة مراد وعالية النهاردة قبل بكرة، عشان نخرس الكل!"
تلبكت جيهان وتعمدت إظهار رفضها للفكرة وقالت بكبرياء مصطنع:
"أنتِ معاكِ حق طبعًا يا عبلة، وأحنا لازم ننقذ سمعة البنت، بس بصراحة مش ضامنة مُراد هيوافق ولا لا."
دب الخوف بجوف عبلة وهي تتمسك بكف أختها:
"هو ممكن ما يوافقش كمان! لا يا جيهان أحنا لازم نشوف حل نلم بيه المصيبة دي، أنتِ تشتغلي على دماغ ابنك، وأنا ربنا يقدرني و أقدر ألين دماغ عاصي."
"هحاول يا عبلة! خاصة بعد اللي حصل دا ممكن مراد يغير رأيه بصراحة!"
***
تتراقص جفون "حياة" التي غفوت بصعوبة بعد دوامة عميقة من التفكير.
تململت في فراشها بوهن ثم مدت ذراعها لتشد الغطاء فوق الفتيات اللاتي تقاسمن معها خوف ليلتها ولكن لم يلمس ذراعها إلا فراغ.
فتحت عيونها بصعوبة وهي تصدر أنين التعب الذي اتخذ من مفاصل جسدها مسكنًا.
اتسع بؤبؤ عينيها عندما أحست بذراع صلبٍ يشاركها مخدعها.
وثبت كالملدوغة فوجدت من كانت تخشاه في ليلها نائمًا بجوارها يتخذ أنفاسه بارتياح وصدره العارٍ يصعد وينخفض بسكينة.
لوهلة ظنت أنها بكابوس إثر تفكيرها المستميت به.
أغمضت عيونها عدة مرات لتفيق من الهذيان الذي خيم فطره على عقله وأهدَرَت في كلامها لتكذب ما ترى:
"أكيد حلم! فوقي فوقي! دلوقتي هصحى."
ولت صوبه بعينٍ مفتوحة وأخرى مقفولة ثم فرت برأسها بعيدًا عنه صادرة شهقة مكتومة وهي تفارق فراشها وتلمس أقدامها الحافية أرضية المكان!
ركضت نحو خزانته وأخذت قميصًا تابع له وارتدته فوق فستانها الذي يبرز جمالها الأنثوي وقفلت أزراره بفوضوية وهي ترمقه بأعين مرتعشة.
ومن شدة ارتباكها أحدثت صخبًا ما وصل لمسامعه فأيقظه.
تسمرت "حياة" بمكانها بنظرات ثابتة كمن ينتظر جلاده وهي تراقب حركاته ونهوضه بهدوء بريء منه.
اعتدل عاصي من نومته وطالعها معاتبًا:
"نراعي أن في بني آدم نايم بعد كدا!"
صمتت حياة بخوف دون أن تبدي أي رد فعل.
نصب عاصي قامته القوية ونزع قميصه وألقاه أرضًا فبرزت تفاصيل عضلاته المتناسقة لدرجة ظنونها بأنها منحوتة على يد رسام بارع!
التزمت الصمت قليلًا ثم تحركت ببطء نحو أحد المقاعد وجلست منكمشة حول نفسها تتوجسه في هدوء وفحص.
دخل المرحاض وأخذ حمامه الدافئ كي يذوب ملوحة أحداث الأمس من على جسده ثم خرج بهيئته مكتفيًا بإحاطة خصره بالمنشفة بدون خجل أو احترام لوجودها.
فزعت حياة من مكانها خارجة عن صمتها وهي تتحاشى النظر إليه وأردفت:
"نراعي أن في بني آدمه معاك هنا! يا ريت نحترم خصوصيات بعض!"
لا يزال أمره عاصيًا على الإدراك لم تغمض جفونه اهتمامًا لكلماتها بل اتجه نحو خزانته وشرع في تبديل ملابسه بـ حرية تامة متجاهلًا وجودها.
ولكنها لم تتحمل حدة وقاحته فركضت نحو الشرفة هاربة منه ومن تصرفاته المبهمة التي تحتاج إلى عالمٍ كي يفك شفرته.
همت باتخاذ أنفاسها براحة بعيدة عنه وهي تتفقد حركة أسطول الحرس تحتها، والكثير من الحيوانات الحارسة، وساحة الاسطبل الواسعة التي تتدرب فيها الخيول الأصيلة.
أطبقت جفونها للحظة مفكرة أنها سقطت بداخل فيلم سينمائي!
مرت العديد من الدقائق ثم قالت لنفسها:
"آكيد خلص، لازم نحط حدود لتخلف دا!"
أزاحت الستائر من أمامها ولكنها فوجئت بمغادرته للمكان ولم يتبقى منه سوى رائحة عطره التي تخنق أنفاسها.
ضربت الأرض بقدمها اليمين وقالت بلوم:
"أهو مشي! هو فاكر نفسه مين عشان يتجرأ وينام جمبي! إيه اللي عملتـه في نفسي دا بس يا ربي!"
***
جالت ببصرها في الأرجاء الملطخة بالشر في البيت وفارقت غرفة عالية بحرصٍ كي تنال قسطًا كافيًا من النوم تعويضًا عن بشاعة ليلتها أمس.
اتجهت ناحية غرفة "تميم" في الساعة العاشرة صباحًا، حيث وجدته استيقظ وتناول إفطاره ودوائه ويجلس بالشرفة يرتشف قهوته.
توقفت بجانب "الكمود" بعد ما تفقدت بقايا الطعام وأخذت ترمق ظهره بأعين السلام، والإعجاب بالسكون الذي يغمر غرفته.
جففت دموعها بسرعة ومتعمدة إخفاء آثار ليلة أمس من وجهها، وتوجهت نحوه وهي تلقي التحية بحرج:
"صباح الخير، آسفة على التأخير."
قفل تميم الكتاب الذي بيده وتبسم متفهمًا:
"واضح أن سهرتكم كانت طويلة أنتِ وعالية!"
تهجم وجهها بشفقة على حال تلك المسكينة شاردة في كواليس وكوابيس تلك الليلة المفزعة وأجابت بتوهان:
"آه اتكلمنا كتير."
أشرق الصباح بوجهه ضاحكًا ثم قال:
"تقدري تروحي تكملي نومك، أنا أخدت ادويتي وفطرت كمان!"
فركت كفوفها بارتباك ثم قالت بخفوت:
"النهاردة مكتوب فـ الجدول مواعيد العلاج الطبيعي، تحب نبتدي إمتى، عارفة أنه مش تخصصي بس هحاول أقوم بواجبي على أتم وجه!"
رأت على وجهه ابتسامة أسف وهو يغمض عيونه محاولًا تناسي شيء مما جذب انتباهها أكثر.
رمقته مستفهمة فـ أجاب سريعًا:
"ليا ست شهور محضرتش جلسة واحدة!"
"نعم! إزاي؟ ليه كدا!"
وضع الكتاب فوق المنضدة الصغيرة أمامه وقال برضا:
"الدكتور اللي كان متابع حالتي سافر، ومحدش اهتم يجيب دكتور غيره، لحد ما جيتي أنت!"
طالت ملامحه التي تصرخ بحزن يتجاوز السبعين عامًا وقالت بفضول:
"أنا ممكن أعرف سبب حالتك دي؟ يعني حادثة ولا اتولدت كدا، محتاجة أفهم عشان نعرف نبتدي منين!"
كانت كلماتها كـ أشواك تتناثر على مسامعه وتخربش على جدار جروحه المؤلمة.
طالعته في رتابة منتظرة رده فلم تجن من انتظارها إلا الصمت، وتهجم ملامح وجهه المبتسمة.
بادرت معتذرة:
"أسفة لو كنت سألت سؤال مش من حقي!"
ثم وثبت قائمة متأهبة للذهاب فأوقفها بجملته الأخيرة متجاهلًا صاعق سؤالها الذي يدفن حقيقته كل ليلة وقال:
"شمس وشك بيقول أنك مخبية حاجة!"
تسمرت بمكانها تستجدي طريقة واحدة تلتمس بها خبايا جوفها وحزنها ولكنها لم تتعثر بـ رد.
بللت حلقها متفهمة أنها أمام رجل فطن ماهر بقراءة ما تخفيه الجوارح وقالت بإنكار وهي تلوح بكفوفها بتردد:
"لا أبدًا، بس يمكن قلقانة شوية على أهلي، حابة أكلمهم وموبايلي فصل شحن و مظنش هلقى شاحن مناسب هنا."
تأكد من حقيقة اخفائها لشيء ما إثر حركة يديها.
يبدو أنه خبيرًا في فهم لغة الجسد ولكنه تجاوز الأمر متفهمًا وقال:
"موبايلي جوه، تقدري تستخدميه في أي وقت!"
***
باتت أفكارها تتحرك برأسها كـ المياه الجارية التي لديها أملًا أن تهدأ قبل ما تحدث فيضانًا قويًا برأسها.
فتحت أحد خزائنه تبحث عن شيء ترتديه بدلًا من فستانها الطويل وقميصه الذي يكتم أنفاسها.
فتحت أحد ضُلفه فوجدت أمامها وفرة من الملابس النسائية باهظة الثمن ويبدو عليها الفخامة رغم تقادم صيحتها.
أخذت تُقلب بهم بعشوائية وتفحصهم بإعجاب مشيدة بالذوق الرفيع لصاحبة هذه الملابس.
وقعت في حيرة ارتداءها لشيء مناسب ترتديه فأمسكت بفستانٍ قصير من الحرير ذو أكمام طويلة باللون الأسود، ومشطت خصلات شعرها ورفعته على هيئة ذيل حصان وأخذت تتأمل نفسها بإندهاشٍ في المرآة ككل الفتيات عند ارتدائهن لشيء جديد يسلب عقولهن من حقل الهم إليه.
التفت نحو إفتتاح الباب بدون إذنٍ سابق ثم دارت فوجدت أمامها سيدة تبدو في أواخر الخمسين من عمرها تقتحم خلوتها وتقفل الباب بحدة تُعلن فيها عن شر نواياها.
تركت "حياة" المشط من يدها وتفقدتها بصمت وراقبت عيونها المتجولة بعناية.
سقطت أنظار "عبلة" على قميص عاصٍ المُلقى بالأرض بجانب مخدعه، فانحنت وأمسكت به بطرفي اصبعها وقالت بسخرية مغلفة بالتخابث:
"واضح أن البيه كانت ناموسيته كُحلي!"
ثم رمت القميص من يدها ونفضت كفوفها برفق وهي تدنو منها بشموخ:
"اعرفك بيا، أنا "عبلة المحلاوي"، سيدة القصر دا كله، وكلمتي سيف على رقبة أي حد ممكن يعارضني!"
ثم مسحت بأهدابها جسد حياة من رأسها للكاحل واتبعت:
"دخلت البيت دا وأنا عيلة عندها ١٣ سنة ومتجوزة واحد أكبر مني بـ ٢٥ سنة، ومع ذلك قدرت افرض سيطرتي على الكبير قبل الصغير."
جلست عبلة على الأريكة ووضعت ساق فوق الأخرى بفظاظة وأكملت بتنبيه يسبق التحذير:
"متخيلة جبروت طفلة تتحمل مسئولية زي دي وألف مين يعملها حساب، ممكن تعمل إيه دلوقتِ مع أي حد يقف في طريقي!"
أزاحت خصلة وراء أذنها وابتسمت ابتسامة مُزيفة:
"ها أنت مين بقا؟ عندي فضول أعرف مين هي اللي سرقت قلب عاصي ابني!"
سقط قلبها بين يديها من حدة وقوة المرأة التي أمامها ولكنها حاولت أن لا تهتز للأمر وقالت بنبرة تبطن القلق بصدرها:
"اسمي حياة! زي ما ابنك قال!"
"أكيد مش جاية هنا عشان أعرف اسمك، عرفتي عاصي إزاي وامتى!"
بللت شفتيها وفكرت للحظات ثم قالت:
"كنا بنتقابل في الغردقة وعرفنا بعض، بس هو هيفرق مع حضرتك في إيه؟"
"أكيد هيفرق! لما أكون عاملة حفل أسطوري وعازمة فيه ناس لو سمعتي اسمهم هيغمى عليكِ، والقاه داخل عليا بواحدة زيك يقول إنها مراتي!"
ثم وثبت قائمة ووقفت أمامها وشيعتها بأسهم الخسة وأتبعت:
"آه حلوة، وجميلة، بس أخرك ليلة لطيفة تاخدي تمنها وتمشي، مش جاية ترمي بلاكي علينا، وتنسب لعيلة دويدار طفل ابن حرام!"
تشعب الغضب براسها وتكاثر بلا رادع، كادت أن تجيبها ولكن صرخة عبلة بوجهها جعلتها تبتلع ما تبقى في حلقها من كلمات:
"اسمعيني يا بت! أنا عارفة أشكالك كويس أوي، بالليل هبعت لك دواء، تاخدي منه كل يوم، وأول ما الحمل ينزل تختفي من وش عاصي ابني، ومتخافيش هبسطك!"
ثم ضربت على كتفها بحدة:
"مش هدفك الفلوس! متقلقيش من الناحية دي خالص، أنا أيدي سخية مع اللي بيسمعوا الكلام!"
ثم قبضت على معصمها بقوة وعنفتها بصوتها المحشو بالجبروت:
"هتتعوجي معايا هتشوفي أيام أسود من الفستان الـ لابساه!"
انتفضت أعين حياة وهي تطالع تلك السيدة التي لا تختلف شراسة عن ابنها، ثم لاحظت تمدد ملامحها بضحكة هادئة وهمست في مسامعها بصوت هادر:
"فستان مها يجنن عليكِ!"
***
زام ما بين حاجبيه وهو يتفقد الأوراق أمامه بعناية ثم عاد ليُقارنها بالمعلومات المُحملة على الحاسوب.
رن هاتفه فـ قطع أوتار تفكيره، فأجاب:
"مين؟!"
تسلل إلى أذنه صوت أجش ضاحك وهو يُجاكره:
"قولت لك أن الدُنيا دوارة، ومسيرك هتيجي تحت أنياب الأسد يا عاصي بيه!"
لم يظهر غضبه بل تحكم بانفعاله وقال:
"يبقى متعرفش مين هو عاصي دويدار! أنا اللي بسن أنياب الأسد."
بمجرد ما أردف جُملته قفل الجوال متأففًا وجهر لنفسه:
"ما هي كانت ناقصة!"
هنا دخل يسري بوجهه المنكمش الذي لا يحمل المسرات وقال:
"إزي معاليك يا باشا!"
"زفت، زفت يا يُسري!"
تنهد يسري بكلل وهو يجلس قباله ثم قال بشك:
"بصراحة أنا مش عارف أبدا منين، بس أعذرني لازم اتكلم."
زفر بضيق لم يحتمل أي أخبار سيئة أخرى وقال:
"عندك حاجة عدلة قولها يا يسري، غير كدا أنا على اخري!"
انغمس عقله في أفكاره السوداوية وقال بمكر:
"للاسف، الصور ما طلعتش متفبركة، أنا وريتها لكذا حد ثقة وكله قال أن الصور والفيديوهات وو-"
ضرب سطح المكتب بشدة وهو يتوعد قائلًا:
"ورحمة أبوكي ما هرحمك يا عالية."
أكمل يسري أكاذيبه وقال:
"وفي حاجة تانية حصلت، ابن فاروق بنفسه منزل صورته مع عالية هانم، وكاتب عليها "إلى الأبد"."
ثارت زعابيب غضبه ثم فزع قائمًا مغادرًا مكتبه بخطوات واسعة متجهًا نحو غرفتها ودفع الباب بكل قوته، فوجدها نائمة في سبات عميق.
اقترب منها وأمسك بأبريق الماء بجوارها وسكبه على وجهه بدون ذرة شفقة.
تجمدت شمس أمام الباب المفتوح على مصرعيه وهي تراقب صرخة عالية المفزوعة من نومها على هيئته المروعة.
وقبل أن تنطق بحرف واحد رمقها بنظرات الاشمئزاز وهو يرفع ساقه وبحذائه اللامع على فراشها مستندًا على ركبته وقال:
"كان عندي أمل إنك تطلعي نضيفة مش زيهم!"
تسمرت شمس مكانها وهي تحدجه بأعينها المتسعة وتستمع لحديثه المكتظ بالشرار، ولم يختلف حالها عن حال عالية كثيرًا بل انكمشت حول نفسها ترتعب وترتجف أمامه.
أكمل حديثه الحاد وقال:
"يا خسارة طلعتوا كلكم واحد!"
ثم أمسك بذقنها ورفع وجهها فتلاقت أعينها الذابلة بعيونه القاتلة وقال:
"بصراحة بفكر في عقاب واحدة خسيسة زيك ما لقتش غير الدفن بالحيا، بس متستاهليش أوسخ إيدي بدمك!"
تقدمت شمس خطوتين ولكنه أوقف سيرها بكفه الأخر مشيرًا إليها ألا تقترب وأكمل:
ثم دفعها للوراء بقوة فاصطدم ظهرها بمسند المخدع صارخة وأكمل:
"بكرة كتب كتابك على مراد المحلاوي، ومش عايز ألمح وشك تاني طول ما أنا عايش.. فهمتي!"
داهمها ألم يشبه اختراق الرصاص لجسدها وهي تبكي وتتساءل فـ بأي ذنب قُتلت؟
غادر غرفتها بخطوات ساخنة تشع نيران الغضب مُتجهًا ناحية جناحه بـ الطابق العلوي وكالعاصفة فتح باب غرفته وقفله بنفس ذات القوة وهو يجوب حول نفسه كمن هوى بجهنم حتى سقطت أعينه على "حياة" الواقفة أمام الشرفة مرتدية فستان زوجته.
بمجرد ما رأته اندفعت إليه لتشن حروب أفعاله فوق رأسه بتمرد أنثى ولكن نظراته الحادة أرغمتها أن تبتلع ما علق فى حلقها من كلمات وتتراجع للخلف.
فتتقدم خطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر سؤاله في صدرها:
"أنتِ مين سمح لك تلبسي الفستان دا؟!"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثامن 8 - بقلم نهال مصطفي
دعني أتمرد على قوانين الكبرياء تلك الليلة، وانهزم في ساعة انتصر عليّ الحنين فيها.
وأعترف أنني بكل مرة تلاقينا صدفة كنت أسعد امرأة على وجه الأرض رغم تجاهلي الذي أتعمد إظهاره أمامك.
لكنني أعلنها بكل أسفٍ: أن قلبي أصبح كبئر مهجور جفت به الماء منذ آخر لحظة ارتوت بها روحي بندى صوتك!
دخوله كان أشبه بعاصفة رملية حجزت ضوء الشمس عن الأرض.
تسمرت “حياة” بمكانها وهي تتفقد لبسها وتستمع لصرخته القوية التي جاءت بنفس السؤال مرة أخرى:
- مين سمح لك تلبسي دا!
انتقل مسار الحوار من الألسن للأعين، صمتت حياة بمكانها تفكر ما الذي أثار غضبه لهذه الدرجة، وكيف ستبرر ما فعلته، وما أهمية الأمر بالنسبة له الذي جعله يبدو غاضبًا لهذا الحد!
بينما هو سقط في نفس دوامات التفكير ولكن شتان بينهما، رغم اتحاد الموقف إلا أن زوايا الفكر مختلفة!
رحلت ذاكرة ” عاصي ” إلى ذكرى الفستان الذي ابتاعه لـ زوجته من فرنسا إثر إصرارها المبالغ عليه.
تذكر طلتها وهي تستعرض جمالها أمامه مدللة بما ترتديه:
- أيه رأيك؟ قلت لك هيطلع تحفه عليا!
طالعها بعيونه اللامعة من كثرة الإعجاب وقال بحب:
- أنتِ اللي محلياه دا أولًا، ثانيًا أنا مش بحب اللون الأسود عليكِ، شوفي أي لون تاني!
ثم مسح على شعرها الأسود وقال فاصحًا:
- قلت لك قبل، مش عايز اشوف اللون الأسود غير في شعرك وبس!
استخفت مها بجملته وهي تعارضه ممازحة:
- ولو قُلت لك إني مصممة!
أسهب في مُطالعتها ثم قال ناشدًا:
- يبقى الأمر أمرك، وقلبي مش عليه يقول غير سمعًا وطاعة!
فاق من سطو ذكرياته التي مر عليها أكثر من ثمان سنوات، ولكن ما زال قلبه تحت تأثير حبها الذي ظهر في نبرة صوته الخفيضة وهو يطلب منها أن تنزع ما ترتديه:
- قلت اقلعي اللي لابساه حالًا!
تفاقمت نيران موقفه الغامض بقلبها التي مرت أمام أعينها بسرعة البرق، متذكرة مدى وقاحته، ثم سنت نصل عنادها واقتربت منه وقالت بتحدٍ:
- ينفع تخليك في حالك ومالكش دعوة بيا نهائيًا!
ألقت شرارة العناد في حقل غضبه، فـ أدى إلى انفجار نيرانه بوجهه.
قابضًا على معصمها بقوة مشيرًا على أحد الضُلف:
- هنا مش عايز أيدك تلمسه، أنت فاهمة!
ثم اعتصر معصمها بقبضته القوية ورجها امامه مُكملًا:
- ولو لقيتك قربتي من هنا تاني هيبقى اخر يوم في عمرك!
عيناه أيقظت فيها شخصية قوية لا تهابه بل تمادت في جداله ومعارضته.
وقفت أمامه شامخة رغم ألم ذراعها قالت له رافضة دون أن تعي أهمية الأمر بالنسبة له:
- تمام، وأنا مش هغير واللي في بالك مش هيحصل، وريني هتعمل أيه!
عثت فـ جوفه حربًا أشد من أن يتحكم بها ومن أن تقاومها، وبدون تفكير شق ما ترتديه لنصفين صارخًا بوجهها:
- حاجات مهـا مراتي خط أحمر!
هنا امتنعت عقارب الساعة من الدوران إجلالًا لما نتج من تحدي العناد أمام جبوش الغضب.
اتسعت عيون حياة بذهول لجرأته ووقاحته.
تراجعت خطوة للخلف وهي تضم طرفي فستانها المقسومة لنصفين، وتراقبه بأعين العتاب كمن غرس خنجرًا بقلبها ولكنها كانت تعاتبه وتنتظر منه مداواتها.
أما عنه نجاة من سيطرة الذاكرة فـ وقع في مصيدة الجمال التي كانت بسبب تفاصيل امراة ساحرة لم تر عيونه من قبل مثلها.
اقترب نفس الخطوة التي ابتعدتها مشتهيًا لمس ما سطع أمام أنظاره، فكانت روعة تفاصيلها كحورية خارجة من بحر الخيال يريد حسها حتى يتأكد من حقيقة وجودها.
قرأت لمعة عيونه التي تعلن صراحة عن اشتهائها متناسيًا كل ما مر، معلنًا بأن جوارحنا وليدة هذه اللحظة.
بلل حلقه الذي ابتلع ما تبقى من كلمات به، وتحولت قبضته من التعنيف إلى الاشتهاء وهو يلفها حول خصرها وجذبها بقوة حتى ارتطمت بسياج صدره القوي، أحست بنيران حارقة تأكل في جدار عنها إثر أنفاسه المشتعلة بالمزيد من قُربها.
تسمرت بين يديه وتشعر بصخور جبال قواها تهوى فوق رأسها وتعلن عن استسلامها في لحظة قادها الضعف.
نجح في تذوق قبلة خفيفة من عنقها ثم أصدر أنينًا من شدة صبابته لها وسألها:
- كام سعرك لليلة؟
بدأت تستشعر بمخالف القوة تتمدد بجسدها، واحتمت بجدار القوة الداخلية التي شُيدت بجوفها وباغتته بدفعة قوية للخلف وهي تصيح بوجهه:
- اطلع بره.. بــــــره.
لم يكن يتوقع ردة فعلها، كما جاء بفعل خارج عن العقل، أجابته بـ رد فعل خارج عن قوانينه في دستور النساء، ومحطمة لجدار كبريائه خاصة عندما اعلنت رفضه لها صراحةٍ.
ظلت تدفعه ناحية الباب بُكل ما أوتيت من قوة واعتزاز لم يقاومه تجبره وتغطرسه الذكوري.
فتحت الباب و أخرجته من الغرفة في لحظة قادها جنون امراة.
بمجرد ما خرج من الغرفة، قفلت الباب خلفه بصخب شديد وأحكمت غلقه بالمفتاح صارخة برفض تام:
- مش عايزه اشوفك تانى! بني ادم مرعب!
جلست وراء الباب تنتفض وتتلقى خفقان قلبها في راحة يدها.
ورغم خريطة عيونها التي تظل كل من تعثر علي الاتجاه الصحيح إلا أنها للمرة الأولى التي لا تعرف الي أين تتجه!
ركل الباب بقدمه مزمجرًا بغضب عارم:
- والله لاندمك على اليوم اللي قابلتي فيه عاصي دويدار لدرجة أنك هتتمنى الموت ولا هتشوفه!
مالت برأسها على الباب متأوهة بإعياء التيه متسائلة:
لماذا بين كل الاكتاف الأمانة لا تسقط رأسها إلا علي الكتف المرصع بالشوك.. كتف بينها وبينه مسافة السماء والأرض!
عن أي رحمة تبحث وهي بين فكي الأسد!
احتدم غيظًا وأحس مخالف عنادها ورفضها القاطع له توغر في صدره.
أخذت اقدامه تأكل درجات السلم كحرد أصيب عصب الإبل فاضطرب خُطاها.
بمجرد ما لمست قدمه الطابق السُفلي اصطدم بــ عالية أمامه تقف كجبل راسخ لم تهزه العواصف وقالت:
- عايزة اتكلم معاك.
تجاهلها متعمدًا:
- و أنا مش عايز أشوف وشك.
تمسكت بمعصمه راجيه وبدموعٍ حارة أوقفته:
- هي دي أمانة شهاب دويدار ليك يا عاصي! نسيت أخر وصية لبابا كانت أيه، قالك تكون امانها وحمايتها، مش مصدر رعبها وخوفها!
ثم كفكفت دموعها وأجهشت باكية بدموع مفرطة:
- لما بابي توفى و انا لسه كنت راجعة من المدرسة اترميت في حضنك! ورغم حزني ألا كنت بحمد ربنا على وجودك، أن ليا ضهر بعده.
ثم انتفضت بوهن:
- دلوقتي بقيت سبب تعاستي عمري كله يا عاصي!
رمقها بنظرة عتب امتزجت برائحة الحنو ولكن سرعان ما طغى جبروته القاتل عليه وتبدلت نظرته الحنونة لسيف حاد وهو يخبرها:
” لا أحد يتخلى عن الأشياء التي يتوق لها إلا بعد ما يجرحه الحفاظ عليها ”
ثم دنى منها خطوة متبرئًا من ذنبها و تفوه:
- أنت اللي ظلمتي نفسك يا عالية، مش أنا، أنا بحاول اصلح!
صرخت بوجهه رافضة اتهامه الصريح:
- كلفت نفسك تركز في الصور دي ولا تعرضها على عشان تظلمني بالطريقة دي! لا طبعا.
وبدل ما تاخد لي حقي من اللي عمل فيا كدا! جاي تظلمني أنت كمان!
ثم بللت حلقها الذي جف من لهب الظلم و أتبعت:
- مجاش في بالك لو للحظة وسط الأعداء الكتير اللي بتحاربك دي، يكونوا هما السبب؟
للدرجة دي مش واثق في تربية أيدك!
لم تنكر ملامحه رضوخها وأحساسه القاتل بظلمها ولكن سلطان عناد لم يكسر له أمرًا.
نصب قامته بفظاظة وقال:
- ومين قالك اني معملتش كل ده! الموضوع انتهى يا عالية.. واي كلام تاني مجهود منك على الفاضي.
رغم ثقل همها والمصيبة التي خرت على رأسها الا انها اعتادت على تجاوزها بسهولة!
كمن يعبر طريق فارغ.
أومأت متقبله قراره، مستسلمة لموج الأقدار، واثقة بربها وإيمانها الشديد به.. بأنه لا يأتي إلا بالخير مهما كانت صعوبة الطريق.
وقفت أمامه بنفس قوتها المستمده منها وقالت بعبراتها التي تنخرط من جفونها:
- وأنا مش هكسر لك كلمة يا عاصي وموافقة! عارف ليه.. عشان مفيش مصير هيكون أقسى من اللي عملته فيا!
كل اللي جاي رغم صعوبته بس هنساه وتجاوزه، بس عمري ما هسامحك يا عاصي وهتعيش عمرك كله متحاوط بذنبي!
ولو بينك وبين الجنة مغفرتي عمري ما هسامحك.. خليك فاكر كده كويس!
يقال بأن العائلة والحُب والصداقة ولدوا من رحم فكرة واحدة، وهي المأوى والمواساة من وحشة الليل.
بدونهم يصبح الليل عتمة كسماء بدون نجوم، ونتحول لكائنات تتخبط بأشجار غابة مرعبة.
القت جمر كلماتها بصدره وانصرفت ملدوغة بنفس النيران وهي تواسي نفسها بنفسها:
- يمكن لأول مرة في حياتي بطلت أحاول علشان حاجة، كل ما أبص على الماضي بلاقيني استهلكت عُمري و طاقتي ووقتي في سكك ودروب كلها غلط.
رغم اختياري ليها ورغم عشمي فيها، حاولت كتير وكتير أوي ولا مرة اتردلي اللي عملته، ولا مرة عشمي جيه في محله ولا مرة حد حاول عشاني، كله يتقلب عكسي!
لأول مرة هقف مش هتحرك وهسيب الأمور تمشي زي ماربنا عايز وبكل اقتناع أنا تعبت من المحاولات.
تسمر مكانه كبركان يتوق موشكًا على الانفجار، وبكل ما أوتي من غضب رج سور الدرج الحديدي حتى أوشك على الانخلاع بيده.. صارخًا كزئير أسد كبلت أقدامه بأصفاد ساخنة، وأخذوا يتناولون اللحم الشهي أمامه! فما سيكون المصير يا ترى!
- شمس! أنتِ عايزة تقولي حاجة!
بد القلق والاعتراض يقاسم معالم وجهها منعكسًا في يدها المرتعشة التي تسقط كل ما تتمسك به وترتبك معتذرة عن أفعالها العشوائية.
لذلك أردف تميم جُملته الأخيرة بعد تكرار أخطائها الغير مقصودة، سؤاله ضاعف حيرتها ما بين اخباره أم لا.
جلست على طرف الأريكة وهزت رأسها نافية:
- لا مفيش!
- طيب أهلك بخير! لو ناقصهم حاجة قولي!
فرت دمعة من طرف عينيها تلقتها بأناملها وأصرت على رفضها:
- كلهم بخير!
- طيب الحمد لله! في ايه بقا.
فكرت شمس للحظات ثم أردفت مموهه محاولة رسم ضحكة مزيفة:
- قرأت رواية بس، أثرت فيا شوية عشان كدا هتلاقيني مش مظبوطه.. هبقى تمام متشغلش بالك.
رد باقتضاب:
- رواية ايه دي اللي توصلك للحالة دي؟
فركت كفوفها لتخترع له شيء يقنعه وقالت بشرود:
- هي رواية عن ملكة تايلاند.. نهايتها كانت محزنة أوي.
طالعها باهتمام منتظرًا تلك النهاية التي خرت احزان عيونها لهذه الدرجة وتمتم:
- تمام وبعدين!
تصفدت عيونها بالحيرة وأكملت:
- لما اتقلب القارب بها، وقفوا الحراس يتفرجوا عليها، ومحدش فيهم عرف ينقذها!
رفع حاجبه مُتسائلًا:
- ليه؟
أجابته بوهنٍ:
- لان القانون عندهم بيقول “عقوبة لمس الملكة الإعدام”.
أغمض تميم عيونه مستوعبًا ما قصته على مسامعه وقال بسخرية:
- عمري ما كنت ضد القوانين اللي تحفظ هيبة الحُكام.. بس ضد القوانين اللي تغتال الشهامة والانسانية في قلوب البشر.
اتسعت عيونها إثر ما بداهته وفطنته في ترجمة الموقف والأكثر حدة أنه أهان انسانيتها وجُينها في مواجهة الظلم.
ترقرقت العبرات من مقلتيها ونهضت سريعًا نحو الشرفة تجفف دموعها ثم ولت وجهها إليه:
- هنبدأ جلسة العلاج الطبيعي النهاردة، بس لازم حد يساعدنا.
تجاهل جملتها و رمي جمر سؤاله برأسها وقال:
- ايه اللي واقف قدامك يا شمس مخليك متتكلميش!
أن تضيق الدنيـا عليك كحبل المشنقة حول روحك!
أن يتلطخ قلبك في دماء الحُزن كحمامة مذبوحـٰة تتلوي حلاوة روح لا أكثر، أن تشعر بالبكاء يتغربل من جوفگ لا عيونك، أن يتحول لُعابك للعُاب صبارة احتبست مرارة الأيام بداخلها، أن تصير أنفاسك دخانَا يزفر حرائقك المتقدة من قسوة الأيام.
تقف حياة أمام المراة تمسح جدار عنقها الذي لامسته أنفاسه الحارقة بقسوة وعنف وهي تطالع عيونها المحمرة من حرارة قلبها المتوهجة إثر تجاوزه وتماديه في أفعاله.
وتوبخ الايام والصدفة التي رست بها على شاطئ يديه..
أغمضت عيونها التي لم يغب عنها نظرته وضمته وقربه منها، ورضوخه أمامها مشتهيًا قربها.
صرخت بمرارة وهي تكمل تمزيق فستانها الذي تطاولت عليه يده حتى صار قطعة قماش متهرئه ملقية أرضًا.
ثم دفنت يديها بوجهها صارخة من صداع رأسها وقلبها في آن واحد.
باتت ترتجف و تتحرك بعشوائية تفتش في الادرج عن شيء لا تدركه وما هو حتى سقطت أعينها على دفتر وقلم.
تمدد يدها وتناولته بلهفة وهي تجلس أرضًا وبأيدٍ منتفضة انتصب القلب ليغتصب السطور بأهات يعجز اللسان عن الافصاح بها.
ودونت أول جملة جعلتها تتنفس وكتب حبر قلبها:
- إذا حل الخريف، فما هو ذنب الورق؟
ثم رمت الدفتر بعيدًا واخذت تتلوى وجعًا حول مفرش السرير كمن يتقلب على جمر ملتهب.
لم يختلف حالها عن الحالة التي وصلت لها عالية!
التي أخذت تهذي بضعف كان له مذاق الليمون على الجروح المفتوحة وبصرخة مُلتاعة وبخت نفسها:
- أنت بتعملي ايه يا عاليه! ما هو اكيد في حل! لو هربت هيجيبني من تحت الارض!! ولو وافقت ابقي حفرت قبري بايدي؟ يا ربي ارحمني؟ عبدك مهزوم من الدنيا كلها.
اما عن شمس أخذت شفتيها تهذيان بأكاذيب مفضوحة حتى استسلمت أخيرا وقالت بقلة حيلة:
- عالية في مصيبة لازم نلحقها؟
ثم اعتصرت دموعها بعجز وقالت:
- هحكيلك كل حاجة؟
” من الصعب أن تجد للحياة رونقًا بعد ما رحل منها من كان يعني لك الحياة بأكملها ”
دارت رحي الحرب بين قلبه الذي اغتالته الايام وعقله المغيب الذي أعلن تمرده على الحياة والأيام والبشر، عازمًا بأن أكل ما سيأتي لم يكن إلا بأمره وبكامل إرادته!
أيقظ استسلام عالية لأوامره الظالمة ورفض حياة لمطالبه التي يشتريها كل ليلة متفضلًا على جنس حواء بأمواله واختياره لهم!
أكثر ما يجره للمقاومة والتجبر أن نفسه ترفض أي هزيمة أخرى لذلك تجده يتخبط ويقاوم الأفعال التي تحيي نبض قلبه من جديدٍ، وكل شيء يؤدي الي هشاشته وعجزه!
يظل يعاند حتى يجد نفسه على متن سفينة الناجيين من رصاص الحياة!
ولكن هل يمكن استغفالها؟
أم أنها عنيدة وتصر على هزيمتك بنفس الخنجر الذي رفعته بوجهها!!
طاحت يده بكل الكُتب على سطح مكتبه صارخًا كمن هوى ببحيرة رملية لا نجاة منها!
دخل يسري في تلك اللحظة راكضًا وبلهفة:
- عاصي بيه! حصل ايه بس لكل ده؟!
ركل المقعد أمامه بعنفوان وقال لاهثًا:
- تروح لعبلة هانم تبلغها أن اللي ما يتسمى ابن اختها كتب كتابه بكره على عالية!
لم يمنح يسري فرصة للجدال والمناقشة بل خيم على ذاكرته أول أنثى ترفضه وطريقتها المهينة في طرده من الغرفة.
فـ زاد وجهها إحمرار بدماء الغضب وأكمل:
- النهاردة عايزك تجهزلي سهرة حلوة! انسى بيها الهم ده؟
خضع يسري امتثالا لتنفيذ أوامره وعلى الفور لبي مُجيبًا:
- روق دم معاليك بس ويسري عنده الحل..
ثم أخذ عاصي “جاكت” بدلته بعنف وغادر الغرفة والقصر كله فلا يطيق وجوده أكثر من ذلك تحت سقف واحد مع امراة هانت ذكوريته!
واشعلت حقلًا من النيران في جوفه..
“مساءً”
- أنتِ وابنك عايزين إيه من عالية؟
أردف تميم جُملته الاخيرة بفظاظة وقسوة غير معهودة، استقبلتها عبلة ببرود وهي تقفل علبة طلاء الاظافر وتقول:
- ولا حاجة؟ عايزين نداري على المصيبة اللي عملتها ونرد اعتبارنا قدام الناس؟
ضرب تميم على مسند مقعده المتحرك بجبروت وقال:
- أنتِ كمان مصدقة الهبل ده عليها؟ نفسي افهم انت وعاصي بتفكروا ازاي؟
عمومًا الجوازة دي مش هتم!
دوى صوت ضحكات عبلة في جميع ارجاء الغرفة وقالت باستهتار:
- تميم حبيبي فوق لنفسك! انت محدش طلب رأيك دا اولًا.
ثانيا أنت مفيش فى ايدك حاجة تقدر تعملها وأنت عاجز كدة..
ثالثًا وده الأهم عالية خلاص وافقت.
ثم داعبت شعرها بتدلل وأكملت:
- أمك يا حرام محدش كان يسمع لها صوت في البيت هنا.. حتى لما ولدتك، ولدتك تحت السلم عشان كانت أجبن من أنها تيجي تصحي أبوك من جنبي وتقوله تعالي الحقني بولد.
ثم جهرت بعيون الشر واتبعت محذرة:
- أنا مخلياك هنا بس شفقة لخدمات المرحومة مامتك.. بس لو جالي مزاج ممكن أرميك بره في غمضة عين!
لم تستحى في خلع سترتها أمامه وبقائها بقميص دون أكمام وأكملت بصوت كفحيح الأفعى:
- ابعد عن ولادي يا تميم.. متظنش أنك هنا صاحب بيت!
أنت هنا ضيف وضيف تقيل على القلب شوية، أحسن لك أقصر شري!
برز وجه الحية الحقيقي أمامه فلم يتفاجئ لانه اعتاد الأمر ومراقبته للظلم بل اكتفى ببسمة غير مناسبة لمجرى الحوار بينهم وقال بنبرة بثبت الرعب بداخلها:
- طيب خافي ومستهونيش بشخص بيجري في عروقه دم شهاب دويدار!
ثم دار بمقعده بعد ما قذف قنبلة تهديدات وتوعده لها وغادر غرفتها تركها تشاجر أثاثها.
وفي الغرفة الاخرى تجلس شمس مع عالية التي سردت لها حوارها مع عاصي الذي ذيلته بموافقتها.
شهقت شمس بـ اعتراض:
- مش حل يا عالية!! انت ازاي تعملي في نفسك كده!
استسلمت عالية للأمر الواقع وقالت:
- صدقيني كل الطرق نتيجتها واحدة.. هنا موت وهناك موت.. عندي فضول أعرف المجهول مخبي أيه.
زفرت شمس بحنق ونفاذ صبر من استسلامها وقالت:
- أنت لسه قايلة أنه شخص مش كويس ومش بيحبكم وانه له مشاكل كتير مع عاصي!! يبقى ليه؟ ليه نرمي نفسنا في النار، يومين بس والموضوع هيتنسي ومحدش يفتكر البلبلة دي كلها!
مسحت عالية على رأسها وتنهدت بعجز:
- مامي متحمسة مش عارفة ازاي؟ وكمان أنا حاسة إني فقدت كل قوتي مش عايزة اجادل.
نهرتها شمس برفض:
- ده اسمه ضعف؟ هو في حد بيجبر حد على الجواز فـ الزمن ده؟ ده ايه التخلف والجهل ده ياربي!
اتكأت عالية للخلف على مسند الاريكة وقالت بيأس:
- تميم فين؟ بجد يا شمس مكنتيش قولتى له؟
- ياسلام؟ واسيبك بتغرقي وافضل اتفرج؟
- أنا غرقانة من زمان..
ثم ابتسمت برضا وقالت:
- في اية بـ تتردد في قلبي مطمناني معرفش ازاي..
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
بس أنا واثقة في ربنا انه مش هيخذلني؟
يمكن عقابهم ليا يكون حرية وابعد عن بيت الرعب ده.
رمقتها شمس بعدم تصديق وغرابة على تبدل حالها:
- أنت غريبة! يمكن أغرب من أخوكي المجنون اللي تحت ده.
أجابتها عالية بحكمة:
- الغريق بيفضل يطبش في المياه كمحاولة أخيرة للحياة! لكن أنا مبقاش عندي حياة حتى تستاهل المحاولة، أنا ماليش مكان وسطهم ياشمس.
أنا لا أشبههم ولا هما يشبهوني.. ساعات كتيرة كنت ادعي ربنا ليه متولدتش فقيرة بس في بيت دافيء ومليان حب.. الفلوس اللي بيجروا وراها دي هي اللي جايبه لهم المصايب.
لم تجد شمس طريقة للمواساة سوى معناقتها والترتيب على ظهرها بحنو حتى انخرطا الثنائي في نحيب مكتوم تتصدع له القلوب.
“في الطابق العلوي”
استيقظت حياة بعد ما اخذت قسطًا كافيًا من النوم ثم اتجهت نحو الركن الزجاجي بالغرفة تاركة للماء مهمة غسل ما تراكم على جسدها من همومًا.
انتهت من حمامها الطويل ثم جففت الماء من عليها بمنشفة خاصة به فطبعت رائحته على جلدتها فيلزمها حمامًا اخر لتتخلص من سطوه عليها.
ارتضت بما فُرض عليها وفتحت خزانته متجاهلة ضلفة زوجته لانها ادركت بارتكابها خطئًا فادحًا عندما لمست شيئًا لم يخصها.
بحست في ملابسه بعشوائية حتى وجدت منامة من الستان خاصة.
قربتها من انفها وأوشكت أن تتقئ مرارة ذكرياته القليلة معه.. ورمتها علي الأرض وهي تتطالعها بحيرة ثم استسلمت أخيرًا لها ومالت وشرعت في ارتدائها.
ثم اتجهت نحو المرآة وبدأت في تصفيف شعرها الذي يغطي ظهرها بأكمله.
لم تكمل مهمة ضب أوتار جمالها ثم سمعت صوت دق الباب، انتفضت ظنًا منها بعودته لينتقم.
زحفت نحو الباب بخطوات سلحفية وهي تتساءل:
- مين؟
اتاها صوت أنثوي من الخارج و اردف بدلال:
- انا هدير..
سكن خفقان جوفها قليلا وتنهدت بارتياح متلونة بالوجه المبتسم الصارم وفتحت الباب وطالعتها بحيرة:
- مش المفروض الجناح هنا ممنوع حد يخطيه غير اللي بينضفوا!! أيه يا هدير جاية تنضفي أوضة ابن خالتك بنفسك.
جهرت بصوت عالٍ وخطت قبل أن تسمح لها بداخل الغرفة وقالت:
- من أول ما شوفتك قلت دمك خفيف!
ثم أخذت تتجول بالغرفة بفضول متفقدة الملابس المُلقاه وقالت:
- ابقي نادي على أي حد ينضف بدل العشة اللي أنت قاعده فيها.. ده بس عشان عاصي مش بيحب العبث!
اقتربت منها حياة مستمتعة بلعبة الكيد الانثوي التي تتسلى بها وقالت بتفاخر:
- عاصي بيحب أي حاجة مني! حتى ولو كانت عبث!
لم تتبدل ملامح هدير الساخرة بل واصلت مكر:
- وأنا اللي جاية عشان مصلحتك!! صحيح تعرفي عاصي جوزك فين دلوقتي؟
اهتزت ملامح حياة للحظات ولكنها لم تمنحها الفرصة للشماته وقالت:
- أكيد جاي!! تلاقيه بس مشغول شوية.
ربتت هدير على كتفها بشفقة مزيفة:
- ياحرام!
ثم اتجهت ناحية الشرفة وزاحت الستار وأشارت لها على جناحه الخاص بسهراته الدنيئة:
- أومال الانوار اللي هناك دي شغالة ليه؟
ثم ولت ناحيتها وعقدت ذراعيها أمام صدرها وترنحت قائلة بصوت كفحيح الافعى:
- معناها أن عاصي معاه واحدة جوة وسهرته صباحي؟ يعني هتقضي ليلتك النهاردة وحيدة يا حرام.
ثم اخرجت بعض الأدوية المختصة بإجهاض الحمل من جيبها ورفعتهم أمام أعينها:
- خالتو باعتة لك دول.. تاخديهم بالشفا يا قمر.
صاعق كهربي لجم حياة في قلبها إثر ما القته هدير على مسامعها، تصلبت أمامه دون ظهور أي رد فعل.
شعرت هدير بنشوة الانتصار فألقت ما بيدها وسط الفراش وذهبت مختالة الخطى، ثم توقفت كأنها تذكرت شيء ما:
- نامي بدري متحاوليش تستنيه.. عشان السهر بيجيب هالات سودة!
ثم غادرت متفشية بها والضحكة ترتسم على وجهها بنصر ساحق.
ابتلعت حياة شعور الاهانة الاشبه بالعلقم وطوقت رأسها بكفيها وجلست مطأطأة الرأس على طرف السرير وهي تهذي في سرها:
- بني آدم بشع!
لم تعلم ما كم مر على شرودها و ابحارها في محيط الذاكرة حتى رفعت رأسها إثر صوت تالتا وهي تستغيث بها:
- انطي! بليز الح داليا.. تعبانة تحت ومش عارفة تتنفس!
وثبت كالملدوغة وهي تستفسر منها:
- مالها.
انتفضت تاليا:
- تعالي بسرعة.. ميس نوال اجازة النهاردة وناناه خرجت وانا مش عارفة اكلم بابي!
ركضت مع تالتا نحو غرفتهم الخاصة الكائنة بالطابق السفلي.
أحست درجة حرارتها فوجدتها مرتفعة جدًا، فتوترت بخوف وركضت نحو المرحاض بللت منشفة صغيرة ووضعتها على جبهتها لخفض درجة سخونتها وقالت بقلق:
- تاليا خليكي جنبها.. أنا هروح انادي باباكي.
هرولت حياة بدون تفكير إليه، لتنجد تلك الصغيرة من قسوة المرض.
قطعت خطاوي السلم في لحظات قليلة ثم أخذت تركض، بالحديقة الخلفية بلهفة وفزع حتى وصلت أمام باب جناحه الخاص وطرقته بسرعة وبأيدي منتفضة.
انتظرت طويلًا حتى فتح لها الباب بصدره العارٍ وكأس النبيذ بيده.
تسمرت إثر هيئته الوقحة، ولكنه ترجم صمتها على أنها موافقة صريحة على طلبه صباحًا.
مال صوبها وهمس:
- كان من الأول؟
حاولت استيعاب جملته ولا زالت تحت صدمتها:
- هو ايه مش فاهمة!
رمقها بنظراته الجريئة ماسحًا بظهر كفه على وجنتها الناعمة:
- يعني ما اتخلقتش ست تقول لعاصي دويدار لا.
أدركت اخيرًا ما يشير له ثم دفعته مبتعدة عنه ومعلنة عن اشمئزازها منه وقالتها بصرامة امرأة يخشاه الخوف:
- غلطان، لأن الست دي واقفة قدامك، وتحت سقف بيتك.. ومع ذلك مش هتقدر تلمس منها شعرة واحدة.
ثم دنت منه وأفصحت بتحدٍ:
- أنت لو تعرف أنا شايفاك ازاي هتشمئز من نفسك أوي.
ثم أخذت نفسًا بارتياح وأتبعت:
- بالمناسبة لو كان الموضوع يهمك بنتك بتموت فوق.. لو مش هنعطلك ممكن تلحقها.
اطلقت رصاصة وراء الاخري بجوفه وركضت كالعصفورة أمامه لم يستطع الامساك بها.
ولكنها ظفرت في دب الحياة اخيرًا بقلب ذلك الديناصور المتحجر من قبل بداية الخلق.
رمي الكأس من يده فتهشم مثلماتهشم كبريائه على رصيف تمرد امراة لم ير في عنادها من قبل.
ظهرت أمامه تلك الفتاة المأجورة ثم فش غضبها فيها وطردها قبل ما يمنحها الفرصة من تناول ملابسها.
ارتدى قميصًا سريعًا دون الاهتمام بقفل ازراره وركض نحو القصر، لا يعلم لهفة لتعب صغيرته أم لهفة للانتقام منها.
دخل الغرفه فتحاشت النظر اليه جلس بجوار ابنته فوجد درجة حرارة مرضها تفوقت على درجة وهج غضبها.
هتف بسرعة:
- تاليا روحي نادي الدكتورة شمس من اوضة عمو تميم بسرعة.
تجاهلت حياة النظر إليه تمامًا واخذت تبدل المنشفة التي فوق جبينها ثم وضعت واحده أخرى على ساقيها وأخذت تتحسس درجة حرارتها.
ظل يراقبها في صمت بعيون بارقة كنصل السيف تحت أشعة الشمس التي تكشف الشيء على حقيقته.
أتت شمس بسرعة مع تاليا ثم لحقت بها عالية التي تلهفت بفزع علي صغيرها وهي تمسح على رأسها بكفها المرتعش.
انصرف عاصي هاربًا من نظرات حياة الحادة التي خدشت هيبته وأخذ ينتظر خروج شمس بعد فحصها.
في تلك اللحظة أتت عبلة بعد ما أمرت الخدم بتوصيل مشترياتها الي غرفتها، فوجدته بالطابق العلوي.
ذهبت اليه بخطوات هادئة قبل ما تأتي بعاصفة نواياها.
وقفت بجواره متسائلة:
- واقف هنا ليه!
بعد اهتمام اجابها:
- داليا تعبانة جوه.
- والدكتورة اللي اسمها ايه دي فينها؟
- بتفحصها.
تنهدت عبلة بعدم اكتراث ثم قالت:
رمقها بحجود ثم زفر بضيق منتظرًا ما تخبره به:
- مراد أكد على معاده بكرة.. وانا جهزت كل حاجة، وهدير كمان تستغل اسمها على الميديا وهتشير صور كتب الكتاب، وكدة نبقي ضربنا المرشدي بمدفع مش برصاصة.
هز راسه موافقًا.
ثم أكملت عبلة حديثها بثقة:
- جهز نفسك أنت كمان؟
رفض رفضًا قاطعًا:
- انا مستحيل احط ايدي في ايد اللي اسمه مراد دا؟
استندت عبلة علي سور الدرج الملتف وقالت بنبرة أكثر قوة:
- معلش مجبر.. بس مش ده اللي اقصده!
لف انظاره اليها باهتمام منتظرًا تفسير ما تقصده ثم قالت بجزم:
- كتب كتابك أنت وهدير كمان بكرة، واللي جايبها من الشارع دي مش عايزة أشوفها في بيتي.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل التاسع 9 - بقلم نهال مصطفي
لم أجد وصف لحالة قلبي هذه الليلة إلا ما قاله درويش:
"لا أنت بعيد فانتظرك!
ولا أنت قريب فألقاك!
ولا أنت لي فيطمئن قلبي!
ولا أنا محروم منك فأنساك!
أنت في منتصف كل شيء…
أنت في منتصف قلبي تحديدًا…."
"من ضرك سيضره شخص ما ذات يوم!
ومن أبكاك سيجد من يبكيه..
الأرض دائرية، والصفعة التي يهديها اليوم ستعود له بنفس الحدة غدًا..
فـ كما تدين تدان."
"كتب كتابك أنت وهدير كمان بكرة، واللي جايبها من الشارع دي مش عايزة أشوفها في بيتي."
تلك كانت آخر جُملة صوبتها عبلة من قوس ثغرها كالسهم الذي اغتال مسامعه، موقف يكشف سرعة الزمان في الاعتراف بأن صاحب السُم حتمًا سيتذوقه!
لحظة أدراك انكمشت فيها ملامحه وهو يردد ما قالته لنفسه مرة آخرى ثم رمقها بسخرية:
"ليه فكراني عيل مراهق مستني أمه تجوزه له."
لم يتحرك بها ساكن وأكملت بشموخ:
"اللي سمعته يا عاصي!"
سحبها من كفها خلفه نحو أقرب غُرفة ثم ركل بابها بقوة ووقف أمامها معلنًا عواصف تمرده:
"هدير مين اللي اتجوزها! ما هي قدامي العمر كله! لو كنت عايز أعمل كدا، كنت عملته من زمان!"
تحولت نبرتها الآمرة الي أخرى مبررة:
"أنا عارفة بقول لك أيه، دا لمصلحتنا كلنا."
ابتعد عنها متراجعًا للخلف ولوح بيده مُحتجًا:
"والله أنا مش شايف أي مصلحة من ورا أختك وولادها!"
ثم أسبل عيونه وانخفضت نبرة صوته مستنكرًا:
"من أمتى توطد العلاقات دا بينك وبين جيهان المحلاوي."
سبق صوت طرق حذائها ذو الكعب الرفيع صوت مكرها وقالت موضحة بفخامة:
"اسمعني يا عاصي، خلينا متفقين زي ما جوازة عالية ومراد مصلحة نخرس بيها الناس اللي بتنهش في سيرتنا، جوازك من هدير بردو مصلحة!"
تلوت حوله كالحية وأتبعت:
"طبعًا أنت عارف أن هدير المسئول الأول عن شغل الدعايا والإعلان لمجموعات دويدار! وعارف أننا منقدرش نخسرها."
ثم توقفت خطواتها عن الدوران وأكملت:
"واحدة ضامنينها، وضامنين شغلها لازم نكسبها! ثانيًا عمامك رصاصهم طايش، ومش أنا اللي هقولك هما مستنين موتك أزاي عشان يورثوا الإمبراطورية دي كلها، لازم تفكر في وريث شرعي للعيلة.. مش ابن زنا زي تميم أخوك!"
واصلت ألتفافها حوله حتى وقفت أمامه وقالت بترنح:
"بناتك محتاجين اللي ياخد باله منهم، وهنلاقي فين أكتر من هدير عشان نستأمنها عليهم.."
ثم رفعت نبرة صوتها فجاة كالرعد وأشارت نحو الباب:
"مش جايب لي واحدة من الشارع، نذوة و غلطة ليلة وعايز تنسب لابنها اسم زي اسم دويدار! انسى يا عاصي! حفيدي مش هيبقي ابن حرام! خططتك متدخلش دماغ طفل صغير، مش علي عبلة المحلاوي؟!"
"دانا جيباها من تحت أوي يا ابن شهاب!"
توارت يديه خلف ظهره بعد ما سردت كلماتها على اذانه وبنبرة أشبه بالسخرية مغلفة بالعناد:
"وأن قلت لا؟"
"يبقي تنسى اني اتنازل عن نصيبي! إن شاء الله تتهد على الكل."
كانت نبرتها قوية كـ الزئير ثم تحولت لفحيحٍ وأتبعت بتخابث وهي تراقص اصبعها بوجهه:
"مش قدامك غير خمس أيام! ومجلس الإدارة الأجنبي هيشرف، ويبقى له الكلمة الأولى والأخيرة، وسيادتك مجرد برواز!"
ثم نصبت عودها متنهدة:
"فكر واحسبها صح! أنت بزنس مان شاطر وهتمشي ورا المصلحة.."
كادت أن تخطو لتنصرف ولكنها توقفت كمن تذكر شيء:
"ااه قبل ما أنسى، متشلش هم البتاعة اللي فوق، هخلصك من حوار حملها وكأنها لم تكن."
"الحمد لله درجة الحرارة انخفضت."
أردفت شمس جُملتها الأخيرة وهي تشد الغطاء فوق تلك الصغيرة النائمة بعد ما تناولت جرعة لا بأس بها من الإبر والأدوية الشراب ثم أكملت:
"هتابعها طول الليل، ولو رجعت سخنت تاني يبقي لازم تروح المستشفى."
تنهدت عالية وحياة بارتياح وكل منها يربت على جسد تلك المسكينة بحنان وشفقة، لاحظت حياة بتقوس توأمها بأحد أركان الغرفة فتسللتت نحوها وجلست أرضًا بجوارها وربتت على ظهرها:
"متقلقيش هي هتبقى كويسة!"
جففت الصغيرة دموعها بكفوفها الناعمة وقالت شاهقة بحرقة:
"خايفة تسيبني وتمشي هي كمان! أنا مش هعرف أعيش لوحدي، كلهم سايبنا لوحدنا، بس هي دايما معايا.. هي هتبقى كويسة مش كدا وهترجع تلعب معايا تاني؟"
تأزمت حالة قلبها من فرط ما روته تلك الصغيرة، ضمتها إلى صدرها وقبلت رأسها وقائلة بحنان:
"متعيطيش، هي هتبقى زي الفل، وهتلعبوا سوا كمان، خليكي قوية."
اقتربت منها عالية وهي تتفحص تلك الشخصية الجديدة التي انتسبت لأخيها وقالت بتردد:
"تقدري ترجعي أوضتك أنا هبات معاهم."
بادلتها حياة بابتسامة خفيفة ثم قالت مقترحة:
"أنا معنديش مانع أبات معاهم."
عارضتها عالية بهدوء:
"بلاش تتعبي نفسك، أنا وشمس هنا، تقدري ترتاحي وتيجي الصبح تقعدي معاهم، المهم نكون جمبهم."
نهضت حياة بتثاقل مؤيدة اقتراحها ووقفت أمامها متفهمة:
"تمام، أنا في الأوضة فوق، لو احتجتوا أي حاجة!"
أحست عالية بأنها أمام امراة تغار الفراشة من رقتها وهدوئها، تحيرت من لطفها خاصة بعد ما قبلت "تاليا" وداعبتها بخفة ولم تتركها إلا متبسمة، تعجبت عالية من شأنها.. فـ كيف ترافق السمك حوتًا!
تحركت حياة صوب الباب وهي ترجع خصلات شعرها خلف أذنها وبمجرد ما فتحت الباب فوجئت بجلادها، تراجعت خطوة للخلف وهي ترمقه بأسهم النفور ولكن تحولت نظرات غضبه المكتظة التي راكمتها أمه فوق أكتافه إلى نظرة نائم ايقظه شعاع الشمس للتو!
انتظرت أن يفسح لها الطريق ولكنه تعثر في شِباك شعرها كما تتعثر الأسماك بشباك صيادها، جالت ببصرها طويلًا ثم قالت متأففة:
"عايزة أعدي!"
لم ينتبه لجملتها إثر تمعنه في ما ترتديه من ملابس فضفاضة عليها خافية منحنيات جسدها التي اعتقلته دون أذن منه، اقتربت منه مزفرة بضيقٍ وهي تحاول أن تخرج لا تعلم هل تتجه يمينًا أم يسارًا، لقد حجز مدخل الباب بصلابته.
تبسم بسمة خفيفة ثم افسح لها ممرًا صغيرًا متعمدًا أن تلامس رائحتها أنفه، تجاهلته تمامًا وسارت نحو غرفتها بسرعة ولكنها أن نجت بجسدها منه فمن سينجيها من نظراتها الثاقبة!
لم تفارقها أعينه إلا عند اختفاءها من أمامه، التفت إلى عالية وسألها:
"داليا عاملة أيه دلوقتِ؟"
تحاشت النظر إليه واكتفت بـ رد مختصر:
"كويسة!"
ركضت تاليا نحو أبيها وطوقت ساقه لأول مرة يحس بنبض ارتجافها، تسمر مكانه، لم يعلم ما الذي يفعله، باتت مشاعر عدة تتسرب إلى جوفه لم يدرك مصدرها، تدلت عيونه على تلك المتعلقة بساقه بغرابة وهي تترجاه:
"بابي، أنا خايفة علي داليا أوي."
تجمد مكانه كمن سُكب فوقه دلو من الثلج حتى لم تتفضل يده بلمس صغيرته ليشعرها بالأمان، اقتربت منها عالية وسحبتها برفق وهي تحوي كتفيها وتهمس لها متجاهله وجوده تواجده:
"يلا ننام الوقت أتاخر."
لم يبدِ اي اهتمام لاسلوب أخته الجاف بل أردف سؤاله بفظاظه:
"الدكتورة اللي كانت هنا سابت شغلها وراحت فين؟"
تمددت تاليا فوق مخدعها وشدت عالية فوقها الغطاء وردت بجفاءٍ:
"بتعمل حاجة دافية لداليا تشربها."
وقف مكانه لعدة دقائق مسروقة ثم غادر الغرفة مُتجهًا إلى غرفة مكتبه مختليًا بأفكاره الراكضة برأسه..
أما بالطابق السفلي تقف شمس أمام الموقد وهي تعد مشروبًا ساخنًا صحيًا لتلك الصغيرة عبارة عن عدة أعشاب ممزوجة ببعضها كي تسترد عافيتها، دارت إثر صوت يسري المخيف وهو يلومها بمكرٍ:
"المطبخ مش مكانك يا دكتورة!"
شهقت بفزع وهي تتراجع للخلف فارتطم ظهرها بالرخام مما جعلها تتأوه قليلًا ولكنها تجاهلت وجعها و نهرت ذلك الصعلوك البشري وقالت له:
"ولا هو مكانك يا أفندي!"
دنى منها بخطواته السلحفية وقال:
"مشيت ورا بُوصلة قلبي دلتني على هنا!"
أنقذها صوت فوران الاعشاب وانطفاء النار، فأسرعت نحوه وشرعت في سكب محتوى الابريق في الكأس، وتحاشت جدالها معه.. اقترب منها أكثر ثم قال بصوت خفيض:
"طيب مفيش شكرًا يا يسري؟"
أجابته متأففة:
"ماشوفتش خير من وشك يستاهل الشكر والله.."
ثم طالعته بقوة وعيون ثابتة:
"بالعكس من يوم ما شوفتك وأنا مش ملاحقة على المصايب!"
اتسعت ابتسامته الخبيثة ثم قال بثقة:
"عالية هانم نامت في أوضتها أهو زي ما وعدتك!"
حملت كوب الأعشاب الساخن ثم ألقت جملتها الأخيرة باختناق:
"كتر خيرك والله."
بمجرد ما ألقت جملتها غادرت مكان تواجده، شرد يسري في في تفاصيلها وقال لنفسه عاقدًا النية:
"حلوة ونغشة، وشكلي كدا هحطك في دماغي يا دكتورة شمس."
ختم نيته برشفة ماء صغيرة ثم وجد أمامه أحدى الخادمات فسألها بفضول:
"جايه الوقت دا تعملي ايه!"
اجابته الخادمة بصوت كله نوم:
"عاصي بيه أمر احضر عشاء للست مراته!"
أصدر يسري إيماءة ماكرة وهو يقول في نفسه:
"شكل جوه الحوار حوار، وأنا لازم أعرفه!"
يقظة عنادها تراود النوم في عيونه، يجوب في غرفة مكتبه كـ متصوف أقام فى أوهامه صنمًا ليعبده، تعمدت أن تلقي الجمر بقلبه ونجحت في أن تجعله يحترق في نيرانه.. جلس على مقعد مكتبه ممسكًا بخنجرٍ ويعبث به بين صوابعه، حيث قادته ذاكرته إليها، تذكر تلك اللؤلؤة التي لمعت أمام عيونه بمجرد ما شق صَدفتها لنصفين، تفاصيلها، جمالها الذي سلب عقله وحرك ميوله لعندها، تلك القبلة التي اختلسها على سهوة منها فاشعلت ثورة عارمة بصدره لم يستطع توقفها.
عيونها التى إذا رآها شاعر لظل يكتب لأجلهم بقية عُمره، شعرها الذي التف حول عنقه فنسج رباط الوصل بينهم، فاق من سطو شهواته مزمجرًا بعلو وتمرد وهو يضٰرب الطاولة أمامه:
"يعني أيه ملهاش تمن!! يعني أيه تقول لي لا!!"
دخل يسري آنذاك فاتحًا ذراعيه بحماس:
"معاليك مين مضايقك! وبعدين حضرتك المفروض مش في جناحك الخاص!"
زفر بضيق ثم اعتدل في جلسته:
"طردتها يا يسري."
فتح زر سترته وجلس على المقعد المجاور لمكتبه وقال مستغربًا:
"نعم! دي أول مرة تحصل؟ هو في حاجة!"
غير مجرى الحديث متعمدًا ثم قال:
"عبلة هانم كشفت لعبتنا وحوار حياة."
"ازاي؟ تكون البنت دي اعترفت!"
أجابه بجحود:
"دي عبلة المحلاوي يا يسري! لو عايزة تعرف الجن الازرق مخبي ولاده فين.. هتعرف؟!"
"طيب والحل سعادتك، دا مفيش وقت، كدا الصفقة كلها ضاعت علينا!"
اتكئ للخلف وهو يتنهد بحيرة:
"شرطها الوحيد اتجوز هدير!"
ضحك يسري بسخرية وقال:
"واضح أن سعتك وقعت فريسة لنساء المحلاوي! طيب وناوي علي ايه!"
"هرفض طبعا يا يسري؟! أنا فاضي للجنان دا، ولو الدنيا هتتهد فوق دماغنا مش هعمل كدا؟!"
أيده يسري في كلامه قائلاً:
"وأنا كمان شايف كدا، بس واضح أن عبلة هانم عايزة تتدبسك عشان تجيبلها حفيدها في أقرب وقت.."
ساد الصمت للحظات ثم سأله يسري بفضول:
"طيب وحياة!"
لمجرد سماع اسمها الذي أطلقه عليها قفز عقله من حافة التعقل وطار إليها، نهض فجأة وقال:
"روح نام أنت، بكرة يومنا طويل!"
تتكور فوق مقعدها أمام الشرفة تطالع النجوم متونسة بدفترها وقلمها الذي لا تدرك حقيقة ارتباطهم الروحي، لا زالت صفحتها بيضاء لم تخط بها خطًا من الشبكة العنكبوتية المعقدة التي تدور في رأسها، تنهدت بحيرة وهي تتذكر ذلك الوحش الذي مُنحت على يده الحياة ثم مواقف تتطاوله ووقاحته الخارجة عن تقبل العقل البشري.. احتضنت قلمها ودونت ثاني خاطرة لها وكأنها تواسي نفسها بـ نفسها:
"ربما يكمن الخير في خِسارة تلك الأمُور التي تمنيتّها طويلاً، لعلهُ يأتيَك من أحِد تلك الأبُواب التي أغُلقت في وجهِك يومًا ما."
مع وضع نقطة النهاية سمعت صوت دق الباب، ارتعب داخلها ظنًا منها بقدومه ولكنها تحدت مخاوفها وتركت دفترها واتجهت نحو الباب متسائلة بحذرٍ:
"مين!"
سمعت لصوتٍ نسائي يجيبها:
"العشا يا هانم."
فتحت الباب بسرعة ثم سمحت للخدامة أن تضع ما بيدها فوق الطاولة الدائرية ثم سألتها:
"مين قالك إني جعانة!"
لم يمنح الخدامة الفرصة للرد بل لوح لها بيده أن تنصرف سريعًا، انكمشت ملامح وجه "حياة" بغرابة لتجاهل الخادمة لسؤالها وما دارت لـ توبخها فوجدته خلفها كالجدار الصلب، ارتجفت عيونها وهي ترمقه بحيرة! فأي قارب جاء بك إلى هنا!
قفل الباب وراء الخادمة وأخذ المفتاح ووضعه بجيبه مما ضاعف شعور الخوف بها أكثر، تعمد تجاهلها رغم اغتيال غروره أمامها واتجه ناحية خزانته وأخرج ملابسه، اندفعت نحوه وهي تعارضه:
"أنت هنا بتعمل أيه؟!"
"المفروض أن دي أوضتي، وأنت مراتي! أيه هروح أنام جمب أمي مثلا!"
كانت ردوده مباغتة لكل التوقعات، بدت الحيرة والتوتر يقاسم تحركاتها العشوائية أمامه حتى أعلنت ما بداخلها:
"أنا مستحيل أقعد معاك في مكان واحد!"
"خايفة تضعفي قدامي ولا أيه!"
كانت جملته هدرة ولكنها سقطت على قلبها بحدة السيف، لكت الكلمات بداخلها أثر فصل الجنون الذي ثار برأسها من فظاظته، مهما جمعت من كلمات فلم تعد كافية لوصفه، ابتعدت عنه بعد ما رمقته بأسهم الخسة و رددت:
"مغرور!"
ألقى ملابسه على طرف الفراش وشرع في تبديلها ولم تنحرف عيونه عنها إنشٍ واحد.. وقال بهدوء قاتل:
"آكيد مااكلتيش حاجة من الصبح، وده غلط على صحة ابني!"
جعل صخب العالم بأكمله في جوفها يلعنه ويلعن الصدفة التي جمعتهم، اصبحت ك شبح هارب فى ضباب الغموم من تيه تغطرسه، رجل يحتاج لعالم ماهر كي يفك شفرته، عجز لسانها عن الرد ولكن تبدل ملامحها نطقت بألف رد، تبسم لانتصاره عليها وعاد لارتداء ملابس نومه.
تعمدت تجاهل وجوده وشرعت في تفريغ شحنات غضبها بالطعام حتى أوشكت معدتها على الانفجار لم يعد بداخلها متسعًا للأكل والغضب معًا.. دارت نحوه وجدته يجلس أمام شاشة الحاسوب الناقل ثم قالت بعنجهة:
"فات يومين وموصلتش لحاجة، أحب افكرك أنه باقي ٢٨ يوم."
تعمد التجاهل رغم أن كل تفاصيل تصمغت برأسه وأجابها بدون ما يرفع عينه عن الحاسوب:
"علي أيه؟!"
نهضت بغلٍ من مكانها وهي تردعه:
"نعم! وكمان مش في بالك أنا هنا ليه؟ أنا قاعدة هنا بشروط يا حضرة، خدمة مقابل خدمة، مش واحدة من الجواري بتوعك!"
قفل شاشة الحاسوب ونهض من مكانه واقفًا أمامها متعمدًا إخافتها وقال بصوت مُبطن بالاشتهاء:
"وأيه يمنعك تكوني من ضمنهم! على فكرة عرضي لسه قائم!"
عيونها لا زالت تحمل طُهر الطفولة وعذرية المشاعر، لم تدرك مدى مقاصده إلا انه يريد به سوءًا، تحرك نحو خزنته وأخرج عدة رُزم مالية وألقاهم أمامها وقال بنبرة تكسوها العاطفة:
"متعودتش أكرر طلبي مرتين على واحدة ست، دول كفاية ولا أجيب تاني؟"
تدلت عيونها على الفراش فوجدت الكثير من النقود التي لا تنتهي من عدها حتى مطلع الصباح.. هبت مذعورة:
"هو أنت ما بتحرمش!"
غاص في خيوط شعرها الحريري، رجل مثله بفطرته الذكورية إن لم يعلم كيف يروض امراة ويخضعها لأوامره بمثابة إهانة له.. تفوه بهيام:
"أول ما شفتك قلت عليكِ ذكية! ومفيش واحدة ذكية ترفض عرض زي دا، اطلبي اللي عايزاه هيكون تحت رجليكي مُقابل ليلة واحدة أوعدك مش هتنسيها أبدًا!"
بث الرعب في جوفها، تعلم أن النجاة منه مستحيلة، ما الحيلة التي تستغلها لترويض وحش مفترس مثله في غرفة لم تضم سواهم.. بللت حلقها متجاهلة أنامله التي تعزف على أوتار شعرها وقالت بخداع:
"غريبة، شخص في مكانتك واقف يترجى واحدة زيي مع أنه قادر ياخد اللي عايزه بدون المجهود ده كله!"
خربشت أهدابها على جدار قلبه بلفتة استكشاف، ولكنه سرعان ما وقع في مصيدة كيدها وأجاب:
"عشان شخص في مكانتي ما يلقش به يجبر واحدة ست على حاجة زي دي، لازم تكون معايا بكامل إرادتها ورضاها وأشوف دا في عيونها!"
هنا هدأ اختلاج قلبها وتمسكت بمفتاح غروره، ومفتاح صندوق نجاتها، حملقت بعيونها الواسعة وقالت بنبرة كلها تحدي:
"يبقى لأ، ولو جبت تحت رجليا كنوز الدنيا عشان لحظة رضا مني، عمرك ما هتشوفها، الطريقة الوحيدة اللي تحقق بيها اللي في دماغك هي الإجبار اللي يتعارض مع مبادئك! غير كدا عشم أبليس فـ الجنة."
ثم زاحت كفه من فوق شعرها بإصرار وقالت بنبرة اشمئزاز:
"لو كنت أخر راجل في الدنيا بردو لأ!"
كسرت كبريائه وغروره كالإناء الزجاجي، لم يتوقع أن يأتي اليوم الذي ترفضه فيه امرأة اشتهاها لأول مرة بكل جوارحه لدرجة أنه نفر من تلك الفتاة التي رافقته ليلته لعدة دقائق ولم يتحمل النظر إليها، بات أمره كمن رافق القمر فـ بهتت بعينه جميع النجوم!
أشعلت حرب بجوفه لا تهدأ إلا بها، حرب اندلعت بداخله للحد الذي أراد أن يكسر لأجلها جميع مبادئه ليعرفها من هو عاصي دويدار! أخذ يطالع خطواتها الواثقة ويدور في ذهنه السؤال الذي لم يخطر بباله ليوم: كيف اطارد نجمك الذي يلاحقني منذ لحظة لقاءك الأول!
لم يترجم عقله حقيقة مشاعره إلا أنه درب من الاشتهاء لتذوق فاكهة جديدة؟ لو كان يعلم أن هذا الدرب الذي شقته يؤدي إلى صميم قلبه لتركها وجبة شهية للأسماك! منحها الحياة فما ستمنحه تلك الحورية يا ترى!
أخذت غطاء ووسادة وتمددت على الاريكة ملتفة كليًا بالمفرش كي لا يظهر منها أصبح يغريه على العودة إليها، وأخذت تعاتب نفسها عن كم الجرأة والفطنة التي نجتها من براثين الأسد!
أما عنه عجزت حروف اللغة عن وصف لهيب غضبه وشموخه الذي تحطم فوق أهداب تمرد فتاة، لم يتحمل النفس معها تحت سقف واحد، كل ركن بالغرفة شاهدًا على هزيمته الساحقة، في لحظة أوشك فيها على الانفجار فارق الغرفة بأكملها وهو يكتظ لهبًا من شدة الغضب، تنفست حياة الصعداء أخيرًا محاولة استيعاب كل ما حدث، باحثة عن مصدر القوة التي حاربته بها.
ظنت أنها انتصرت عليه لقوتها وعنادها ولكن لا توجد قوة تضاهي تجبر الرجال وتهزمهم إلا أن داعب نسيم الهوى شرايين قلوبهم!
"صبـاحًا"
قضى الجميع ليلته من يتقلب على جمرٍ منتظرًا مصيره أمس، ومن يتقلب علي لهبٍ كمن يلقى في حجر جُهنم، هناك فارق بين من ينتظر حكم الإعدام ومن ينتظر تحقيق مُناه لسنواتٍ.
صوت دق جرس الباب لعدة مرات أيقظ "نوران" من نومتها بتكاسل لتفتح الباب، سارت تجر في أقدامها ببطء وبعيون منغلقة حتى فتحت الباب الخشبي فـ اتسعت عيونها بشدة عندما وجدت شخصًا تجهله بملابس رسمية وأنيقة ويسألها:
"دا بيت الدكتورة شمس!"
أجابته:
"أيوه هو، أنت مين!"
مد لها الظرف الذي بيده وقال باختصارٍ:
"عاصي بيه باعت لكم الظرف دا، حق تعب الدكتور، بعد اذنك."
تدلت جفونها تحت مظلة الغرابة وهي تفتح الظرف الذي بيدها فوجدت العديد من النقود، تحول فضولها لدهشة! كيف بالأمس أختلس فتاة مقابل المال! واليوم يرسل لهم العديد من الأموال، قطع سؤال "فادية" حبل فكرها وحيرتها:
"مين اللي جيه يا نورا!"
اقتربت منها ومنحتها الظرف:
"خدي شوفي اللي ما يتسمى باعت الفلوس دي!"
فرزت جدتها الظرف بكفها المرتعشة فوجدت العديد من الأموال التي لم تراها من قبل، شهقت بفزعٍ:
"ليكونوا عملوا حاجة في أختك! انا قلبي حارقني عليها أوي!"
نفت نوران ما قالته:
"لا مظنش الجدع اللي جيه قال انه مرتبها ده اللي فهمته، عموما نستنى شمس تكلمنا ونشوف!"
رمت العجوز ظرف النقود وقالت بأنين:
"ربنا يسترها عليكِ يا بنتي ويرجعك بيتك سالمة."
لم تنم "هدير" من ساعدتها لما أخبرتها خالتها به، و أن اليوم هو يومها الموعود والمنتظر، فرغت محتوى الخزانة وهي تبحث عما ترتديه لمناسبة مثل هذه، وتجرب العديد من الطلات المختلفة حتى استقرت آخيرًا علي فستانها الأبيض الذي لم ترتديه من قبل، ركضت إلي غرفة أمها بلهفة لتعرف رأيها فيما اختارته، لحظة دخولها الأوضة وجدت أمها تهاتف اخيها، أشارت لها لتصمت ثم قالت:
"عايزاك تلبس أفخم حاجة، وتيجي فـ معادك المظبوط!"
دلف "مراد" من سيارته ثم قال:
"أنا مش مستوعب بجد! منين أنام أصحى ألقى كتب كتابي على واحدة معرفهاش، جيهان هانم الموضوع مش مطمني!"
وبعدين بنت أختك لو عليها sale ما هيجوزوها بالسرعة دي!"
"يعني أيه؟ أنت عايز ترجع في كلامك!"
مراد بتردد:
"بصراحة الموضوع في حاجة غلط! دا ما يدخلش دماغ عيل صغير.."
ثم أطلق ضحكة ساخرة وأكمل:
"أنا مكمل فيه بس فضول! عايز أشوف أخرة اللعبة دي أيه!"
تحمست جيهان أكثر وهي تخبره:
"أخرتها كل خير، اسمع كلامي أنت بس!"
انتهت مكالمة جيهان مع مراد ثم التفتت إلى ابنتها الواقفة أمام المرآة ثم اقتربت منها بنشوة السعادة:
"أنا مش مصدقة آخيرًا اللي حلمنا بيه هيحصل!"
قفزت هدير بحضن أمها بحماس طفولي:
"أنا مش مصدقة! يعني كلها ساعات وهبقى حرم عاصي دويدار! ياه يا مامي، أنا مش بحلم صح، دا حقيقة؟!"
ثم سحبتها وجلسا مع على الفراش وأكملت:
"نعمل الفرح امتى، ونقضي شهر العسل فين، أنا متلخبطة كدا ومش عارفة أفكر!"
انكمشت ملامح جيهان معارضة تحمس ابنتها وقالت:
"فرح أيه، حبيبتي، أنت تروحي تطردي اللي ما تتسمى اللي فوق دي، عشان نجهز أوضتكم، أحنا نخلص كتب الكتاب وأنتوا تخططوا لكل دا في اوضتكم!"
شعرت بـ رجفة الحُمى التى كان سببها رجل مثله وقالت بعدم فهم:
"نعم! ازاي؟ مامي أنت مدركة بتقولي أيه!"
حدجتها جيهان باستهزاء:
"أومال أنت عايزه تعيشي جو المخطوبين! افهمي يا بنت الـ****، نقطه ضعف خالتك وعاصي الولد! لو جبتي الولد أعرفي أن العز دا كله ليكي، بدل ما تفكري في الهبل دا ركزي أزاي تحاوطي عليه من الحية اللي فوق."
وضعت هدير كفها على قلبها الذي أوشك على الانخلاع من كثرة الخفقان وقالت بذهول:
"يعني أنا هبات في حضن عاصي الليلة!"
رمقتها جيهان بنفاذ صبر:
"أومال أنا بكلم نفسي من الصبح! قومي اجهزي وسيبي لي أنا تجهيز أوضتكم فوق."
نهضت "عالية" من نومها بعد حرب طويلة من التفكير وكيفية تليقها لمصيرها المنتظر، ثم تسللت بخفة من جانب تاليا وتحركت نحو داليا وتحسست درجة حرارتها فـ وجدتها أفضل كثيرًا من ليلة أمس، حمدت ربها بداخلها ثم طبعت قبلة رقيقة على جبينها وتفقدت مكان شمس وجدته فارغًا فقالت لنفسها:
"آكيد راحت عند تميم."
تحركت بهدوء ناحية الباب فتلاقت "بـ عاصٍ" أيامها، توقفت للحظات أرسلت له نظرات التوسل والشفقة ولكنه تعمد على تدلي ستارة سوداء على عيونه كي لا يرى نورهم، اقتربت منه بحنان يلين له الحجر ثم قالت:
"لسـه مصمم ترميني في النار! أنت متخيل كام ساعة واتكتب على اسم رجل معرفهوش!"
ثم لامست كفوفه الخشنة كخشونة قلبه وقالت برقـة:
"بلاش تهد أخر جسر ما بينا، وأقف جمبي المرة دي! خليك معايا ما تبقاش عليـا، أنا ماليش غيرك."
مسحت وديان دموعها الغزيرة وأخذت تتنفس بأهات مسموعة:
"ربنا بيقول {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، أنت كدا مش بتصلح الغلط، أنت بتشارك في قتلي مع اللي ظلموني!"
لم تكن محاولة للشكوة بل كانت محاولة للنجاة من مصيرها المجهول الذي ينتظرها في نهاية اليوم، رفعت جفونها الذابلة وقالت:
"مش هترد عليـا طيب! هتفضل ساكت كدا!"
لم ينكر أن حديثها رقرق قلبه كما رقرق الريح الماء، ولكنه لم يتراجع لم يستطع محو ما راه، وأن جوهرته المُثلي بالحياة باتت مثل تلك الفتيات الاتي يلتقي بيهن.. رفع رأسه بشموخ قم قال:
"أنت عارفة إني مش برجع في كلمة قولتها، جهزي نفسك عشان تروحي مع عريسك الليلة!"
استقرت فـ حلقها غِصة الخيبـة وفرت دموع العجـز فلم تجد ما تقوله إلا أن تشكوه لربها، تطلعت أنظارها لأعلى وهي تناجي ربها بقلة حيلة ثم انصرفت من أمامه تجر هزيمتها الأخيرة منه.
توقف للحظات يدرك فيها كارثة ما يفعله وتلك العقوبـة القاسية التي فرضها عليها ثم قفزت الأفعال التي انتسبت إليها أمام عينه وقال في نفسه ليقتل شبح الضمير بقلبه:
"أنت اللي أجبرتيني يا عالية!"
وقف على الباب ليُلقي نظرة طويلة على صغاره دون كلف منه بتقبيلهم، ولكن شعور غريب أتى به عندهم على غير عادته، وقف شاردًا بذاكرته لسنوات مضت فـ انهالت عليه الذاكرة كـ شلال قوي يجرفه الى حيث لا يعلم عندما أخبرته "مها" قائلة:
"أنا حامل يا عاصي! أنا مش مصدقة نفسي!"
تذكر عطر حضنها آنذاك وفرحته بها وسؤالها له:
"لو كانت بنت هتحبها أكتر مني!"
سـٰرق قُبلة عذبة من تحت أذنها، مكانه المفضل لطبـع حبه وقال:
"أنا هحبها لأنها منك أصلا!"
فاق من سطو ذكرياته على صوت تلك المتمردة على حصونه وهي تقول:
"عايـزة أعدي!"
طالعها بعيون غاضبة عكس دواخله التي تحركت لحضورها الطاغي ثم قال:
"أنتِ أزاي تنزلي باللبس دا!"
تلك الرعشة التي تشن في وجوده وتكتمها بجوفها ستطيح بها ذات مرة، تفادت النظر إليه ثم قالت بسخرية:
"بيجامتك! فـ أي تعليق عليها شيء ميخصنيش!"
أردفت "حياة" جُملتها الأخيرة فلم تجد منه أي رد، تعلقت عيونها البندقية بعيونه الصقرية فـ سكنت كل جوارحها كأنها تلاقت بشخصٍ تعرفه من قبل نشأة الخلق، أما عنه فـلم ير في عيونها إلا هزيمته، ولأول مرة يكون مذاق هزيمة له بتلك اللذة.
أفسح لها مجالًا لدخول الغرفة وظل يتأملها بإعجاب لم يعهد مع أي إمراة من قبل، يترقب ميولها وتراقص ذيل شعرها الأشبه بذيل حصان عربي أصيل، دب بقلبه وميض من شدة رغبته في قربها.. تتوق إليها بخُطى خفيفة متخذًا فتاه النائمة حجة له وجلس بجوارها يمسح على رأسها ولكن عيناه تعرف هدفها جيدًا.
ذهبت حياة إلى تاليا التي رفست الغطاء بأقدامها ووضعته فوقها من جديد ثم أخذت تتفحص مكتبتهم الصغيرة التي تضم العديد من قصص الأطفال، جلست على طرف المكتب الصغير كغزالة شاردة بعقله ولكن تجاهله لها كان قاتلًا.. اتجه نحوها مفتعلا أي حوار بينهم بدون إدراك لهيبته وقال بقُربها وبصوت هامس:
"ما تتغريش أوي، عرضي امبارح كان مجرد تعويض عن ليلتي الـ اضٰربت بسببك، غير كدا أنتِ في نظري تحت العادي، ولو كنتِ شايفة نفسك حلوة، فـ أنا مش شايفك أصلا!"
اتسعت عينيها من هول ما تلفظ به.. تحاول بقدر الإمكان تجنب كل الطرق التي تؤدي إليه ولكنه مُصرًا على شق طُرق أخرى لـ فتح بوابة الحديث بينهم، قفلت القصة التي بيدها مكتفية بنظرة تقلل من شأنه ثم تركت ما بيدها وولت ظهرها دون أي رد منها، ولكن صمتها كان سيفه أقوى من ألف كلمة يمكن أن تقال في حرم شموخه.
طاح الغيظ بقبضته التي خلعت ضُلفة الخزانة بجواره بعد ما غربت شمسها عنه، استيقظت تاليا بذعر:
"بابي! هو فـ أيه؟!"
"لازم تأخد الأدوية! سكوتك وامتناعك عمره ما كان حل!"
أردفت "شمس" جُملتها الأخيرة وهي تحاول مرة أخرى لتناول أدويته، ظل صامتًا يطالع السماء بزهدٍ ونفور، يفكر كيف ينقظ أخته من تلك المكيدة التي نُصبت لها، تجاهل إصرار شمس عليه وسألها:
"عالية فين!"
تركت الأدوية فوق الطاولة الصغيرة وقالت:
"لما صحيت كانت نايمة، لو حابب أروح أشوفها."
شرد طويلًا كأن شيء ما يدور برأسه ثم قال بغضب دفين:
"بعد أذنك يا شمس، أعملي كدا! لازم اتكلم مع عالية."
صعدت "حياة" إلى الطابق الأخير بالقصر الخاص بجناحه الفاخر، فوجدت ضجة على غير العادة، اقتربت بخطاوي مشحونة بالفضول حتى وصلت إلى أعتاب الغرفة فـ وجدت الكثير من الخدم يهتم بالغرفة ويزينها، سألتهم برتابة:
"أنتوا بتعملوا أيه هنا!"
أتاه صوت هدير من الخلف المغلف بالانتصار:
"بيجهزوا أوضة العرسان!"
لفت إلى مصدر الصوت ثم قالت بجهلٍ:
"لا مش فاهمة!"
دنت منها هدير مُختالة الخُطى:
"أنتِ متعرفيش أن كتب كتابي أنا وعاصي الليلة! أوعي يكون خبى عليكِ.. ولا مثلًا عاملهالك مُفاجأة."
أجابتها في تؤدة وإتزان:
"وده قراره ولا مجرد حلم شوفتيه وجايه تحققيه!"
بضحكٍ عالٍ انتشر في جميع الأرجاء ثم قالت بسخافة:
"دمك شربات والله! بس اللي أقدر اقوله أنه الاتنين، حلمي وقراره.. ونفس المأذون اللي هيجوزنا هيطلقكم! عشان أنا زي الفريك ما بحبش شريك!"
نظرت لها بازدراء:
"سبق وقلت لك خديه يا حبيبتي، مش أنا اللي حلمها يكون ”رجل”، أنا ست اتخلقت عشان أكون حلم لكل رجل، وفـ الاخر اختار اللي يعجبني، أما رمي البلا دا تخصص اللي زيك!"
"ولسوف يمضي بك الزمن وتُعلِّمك الأيام أن جعبة الحياة مليئة بما لا تتوقع، وعليك أن تكون مستعدًا على الدوام، وستدرك أن كل خسارة هيَّنة ما لم تخسر نفسك، وأن أعظم استثمار هو ما تستثمره في حقول ذاتك، وأنك كلما كنت ممتلئًا بالطيِّبات طابَت لك الحياة وجادَت عليك بالأعطيات.”
لأول مرة بعد تلك السنوات تشغله إمراة، أن يكن محور فكره متجولًا حول إمراة تمردت وتمنعت عليه، تذكر رفضها، ونظراتها التي لم ير فيها ذرة انبهار بشخصه، تصغيرها الدائم من شأنه، إمراه قتـٰلته برصاص أهدابها، وجعلتها ينزفها فكرًا، دارت رحي القتـٰال في رأسه وأعد عدته للانتقام منها ورد إعتباره، فـ لم يشغله سوى القصاص لكبريائه كرجل متجاهلًا العواقب.
دخلت عبلة حينها متسائلة:
"بعت لي يعني؟!"
اعتدل على مقعده بفظاظة ثم قال:
"أنا موافق اتجوز هدير، جهزي عقد التنازل…"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل العاشر 10 - بقلم نهال مصطفي
أردت أن أخبرك بأنك أول وآخر شخص أحببته، وأنك أجمل ما جاءت به الصُدف، ولكنك صِرت منبع أعمق جرح بقلبي. كُنت أخشى أن أفقدك، وبالفعل فقدتك!
كنت أخاف أن تكون لغيري، ولقد كنت!
كنت أهاب الليل بدون صوتك، والآن أنا وقلبي فريسة له!
لقد حدث كُل ما خشيته معك!
ليتني خشيت قُربك أيضًا لعلك كُنت لي، وكانت كلماتي تُبعث لك وحدك!
لا يوجد شخص حزين، بل يوجد شخص نهض فـ لقي نفسه بمكان لا ينتمي إليه، مكان لا يشبهه ولا يتطابق مع أحلامه الوردية التي أراد أن ينتشلها من بساتين الواقع! ولكنه تفاجأ أن الواقع ما هو إلا صحراء قاحلة لا ينبت فيها سوى صبار شائك، صبار مرر مذاق الرحيق بفم حشرة، فما سيفعل بقلوبنا الهشة؟!
جففت عالية دموعها وقبلت كف تميم بحنان ثم ردت بوهنٍ:
"أنا موافقة، متشغلش بالك بيا، لا أنا ولا أنت هنقدر نقف قصاد ماما وعاصي!"
بنبرة قاسية كمن يسير ضد التيار أخبرها:
"أنا معنديش اللي أخسره يا عالية عشان نستسلم لـ لوي الدراع ده!"
ربتت على ركبته بكفٍ مرتعش وجفون ذابلة:
"ولا عندنا اللي نكسبه عشان نحارب عشانه!"
رد مُتصديًا لخضوعها:
"بس أنتِ عمرك ما كُنتِ بالضعف دا! جرى لك أيه؟!"
بلعت غِصة أحزانها وأردفت بنبرة مُبطنة بالبكاء:
"زي ما قلت لا عندنا اللي نخسره ولا اللي نحارب عشان نكسبه، نجرب نمشي مع القدر المرة دي، ونشوف هيوصلنا لفين!"
جن جنون تميم من إذعانها وتثبيطها وقال:
"أنت مُدركة أن دا جواز وبالليل هتروحي مع راجل عمرك ما شوفتيه.. دا من نسل المحلاوي، هيطلع أيه غير تِعبان زيهم!"
أومأت برضاء:
"يبقي مبعدش كتير، طلعت من حجر الأفاعي وروحت حجر التعابين، ريح نفسك يا حبيبي، أنا خلاص رضيت بنصيبي، مهما كان الجاي صعب، فـ أنا شوفت الأصعب منه."
ثم جففت دموعها المُنخرطة وأجهشت بنفضة البكاء:
"ماما وعاصي قـٰتلوني النهاردة، و مفيش مٰيت بيتوجع!"
تجلس شمس في الزاوية تسح بدموع العجز والضعف على حالة تلك المسكينة التي سقطت في بئر الظلام الذي لا نجاة منه، تشعر بنفسها مُكبلة الأيدي، مغلولة الأقدام، لم تمتلك سوى قلبًا يمكنها أن تغير به منكرًا وهي تناجي ربها أن يشق لها طريق نجاة من محيط الغرق الذي لا رجوع منه.
فرت العصفور من سباق النسور محتميًا بأجنحة الفراشات، وهذا ما فعلته حياة. تركت ساحة القتال بأكملها وعزمت أن تقضي يومها مع داليا وتاليا، الثنائي الجميل الذي هون عليها مصائب والدهم. بعد ما تناولن طعامهم سويًا مع مداعبات وملاطفات حياة الجميلة والركض واللعب معًا حتى تناست داليا وجعها وباتت تركض معهن بالحجرة ويمرحن كأن الكون لم يحمل إلا ضحكاتهن.
اقترحت حياة فكرة جديدة ثم سألتهم وهي تأخذ نفسها بصعوبة من شدة الركض:
"أيه رأيكم نقرأ استوري من دول!"
قفزت تاليا بحماس وهي تصفق:
"بجد! طبعًا موافقين، كان نفسي أوي بابي يجي كل ليل يحكي لنا، بس هو دايما مشغول!"
التوى ثغر حياة بسخرية وهي تربت على كتفها برقةٍ:
"معلش يا حبيبتي، بابي حِمله تقيل وبيشقى!"
ثم حمستهم قائلة:
"يلا يلا نختار أستوري."
هنا اقتحمت نوال، الجليسة الخاصة بيهم، الغرفة فوجدتها مقلوبة رأسًا على عقب. ارتدت نظارتها البصرية وأخذت تتفقد الغرفة بذهول وزمجرة. لاحظت حياة انكماش الفتيات واحتمائهن بها ذعرًا من تلك السيدة. بعد ما انتهت من حملة استكشافها للمكان نهرتهم بقسوة:
"مين فيكم عمل كدا، لو محدش اعترف أنا هعاقبكم أنتوا الاتنين."
استعجبت حياة من قسوة وتجبر تلك السيدة التي لا تتجاوز الثلاثين من عمرها وقالت لها بلوم وصوت قوي:
"أنتِ بأي حق بتكلميهم كدا! وبعدين ما تتقلب الأوضة، هو يعني جاي لها تفتيش من وزارة الصحة!"
تسمرت نوال في مكانها غضبًا من تلك الطريقة الجافة التي وبختها بها حياة والتي تتعارض مع مبادئها، فـ أجابتها بإغتياظ:
"لو سمحتِ يا مدام سيبيني أشوف شغلي، البنات لازم يتعودوا على النظام!"
أحست حياة بهلع وتشبث الفتيات بها، كأنهم يترجوها بألا تتركهم في وجه العاصفة بمفردهم. تقوت حياة أكثر ثم قالت لها:
"من اللحظة دي مالكيش شغل هنا!"
ضبطت نوال نظارتها وقالت بتجاهل:
"بصفتك مين! أنا هنا بنفذ تعليمات عبلة هانم وبس!"
عقدت حياة ذراعيها أمام صدرها وقالت بتحدٍ:
"يبقى تنزلي تقولي لعبلة هانم أن…"
ثم سكتت للحظة مترددة بنطق الكلمة ولكن لا نجاة إلا بها فـ أكملت مجبورة:
"أن دي تعليمات مِراة ابنها."
دارت حرب الأعين بينهن حتى انهزمت نوال وانصرفت مجبورة من الغرفة، وبمجرد رحيلها عَمت فرحة الفتيات في الغرفة مرة اخرى وهن سعداء بما فعلته حياة بـ نوال. تبسمت الأولى بجهل ثم سألتهم بضحك:
"أيه حكاية الست دي؟!"
مرت عقارب الساعة بسرعة حتى غربت شمس الأمل، وحل ليل الحقيقة المؤكدة. تجلس عالية أمام المرآة تراقب حُفر الحزن على وجهها بعجز تام على ترميمها، تنهدت بحرارة التعاسة وقالت لنفسها:
"كي تنجو من الأيام عليك ألا تعلق قلبك بشيء، أبسط يدك عن متاعها وأقبل عليها بقوة مُحارب في ساحة القتال."
لمت شعرها الناعم بلفة محكمة في آخر رأسها على صورة كعكة وأدلت خصلتين على وجهها محاولة منها لإخفاء تجاعيد الخَيبة بدون أي مستحضرات تجميل.
تعمدت ارتداء فستانًا طويلا من الشيفون مُبطن ذو أكمام واسعة منتهية بمعصم مطرز بحبات اللؤلؤ، نصبت قامتها الفرعاء تتفقد هيئتها بحزن وخيم وبثت لنفسها وميض من الصبر:
"الله يجمعنا بأشخاصٍ كي يغير مصائرنا!"
ثم اتجهت ناحية الشرفة تتفقد السماء ثم رتلت بخفوت:
"أنا واثقة أنك معايا، ومطمنة بإيماني بك، هون عليا الأيام الجاية."
تحولت حالة الفزع والرُعب عن عالية والخوف من المجهول إلى فرحة وسرورٍ لـ قلب جيهان وابنتها، التي تتزين بالعديد من أدوات التجميل، ترتدي فستانًا يظهر من تفاصيل جسدها أكثر ما يُستر، ترتدي أثمن المجوهرات ولم يخل كل هذا من تصوير تلك اللحظة ومشاركتها مع جمهورها على منصات التواصل الاجتماعي!
انبهرت جيهان بجمال وفخامة ابنتها المُتزينة و عبرت:
"عاصي لو شافك كدا هيخٰطفك من وسطنا، قمر يا روح مامي!"
قفزت بين ذراعي أمها وقالت بسعادة منشودة:
"حاسة قلبي هينط من مكانه، بجد مش مصدقة، ياااه وأخيرًا هابقى حرم رجل الأعمال الملياردير عاصي دويدار، أنت متخيلة طاقة القدر اللي اتفتحت قدامنا."
ربتت جيهان على ظهرها ثم أشارت لمساعدتها أن تخرج حتى أكملت حديثها بأريحية مع ابنتها:
"عايزاكي تنسي كل حاجة الليلة، وتنسي عاصي دويدار اسمه، عايزاه يبقى زي الخاتم في صباعك، ومتشليش هم البنت اللي جايبها هخلصك منها!"
قبلت أمها بشدة ثم هللت:
"أنت أعظم أم في الدنيا!"
ربتت على كتفها ثم قالت:
"يلا كملي لبسك، وأنا هكلم مُراد اشوفه فين!"
وصل عاصي بعد يوم طويل من الدوام والعمل في شركته عائدًا إلى غُرفته ليُبدل ملابسه متناسيًا ما ينتظره تلك الليلة. مجرد ما فتح باب غُرفته فوجيء بالزينة والورود وغيرها من التفاصيل التي بدلت شكل غُرفته. تجاهل كل هذا وتجولت عيناه باحثة عنها، تفاقم الفضول حول أمرها بصدره متسائلًا إلى أين ذهبت! ظل يفتش عنها كمن يبحث عن أثمن مجوهراته مبررًا لنفسه أنها لا تشغله ولا تعني له أهمية، بل يود أن يثبت لها ليس هو الرجل الذي يُرفض من فتاة، يؤكد لها أنها لا تهمه بقدر انتقامه منها وأنها مجرد لحظات من الاشتهاء لكل ما يتمنى. أراد أن يرضي غروره الذي حطمته أنثى لم يقابل مثلها من قبل، كانت جميل ومثيرة ولكنها بمذاق الليمون، الذي يغرك لونه وينتقم منك بطعمه!
التفت ناحية طرق الباب، فـ سمح للطارق بالدخول، ألقت أحد الخدمات جملتها:
"عاصي بيه، المأذون وصل تحت.. وكمان مُراد بيه وعبلة هانم في انتظارك."
رد باختصار دون الإكتراث لتبديل ملابسه:
"جاي.."
ثم استوقفها متسائلًا:
"هي فين، قصدي حياة فين!"
أردفت الخادمة بهدوء:
"حياة هانم مع البنات في أوضتهم."
أشار لها بالانصراف من أمامه، ثم تحرك هائمًا بدون تفكير صوب المكان الذي يحويها بين جدرانه، تحرك بهيبته وصلابته وملامحه المنكمشة ناحية غرفة ابنتيه التي لم تطأها أقدامه إلا نادرًا. وقف أمام باب الغُرفة للحظات يلملم فيها حُطام كبريائه ثم فتح الباب بدون إذن مسبق.
تسمر مكانه عندما وجدها نائمة كحورية البحر وبجانبها كلا من تاليا وداليا على الفراش الصغير تحتضن الكتاب والفتيات بجوارها غائصة في سبات عميق. سحبته أقدامه إليها و بقُربها شاردًا يتأمل تفاصيلها بعناية شديدة، شعرها المُنسدل من جانب الفراش وتلامس الأرض أطرافه، صفاء بشرتها وهدوء أنفاسها كمن ينعم بالسلام الأبدي.
تصلبت تعابير وجهه و اجتاحته رغبة شديدة في حملها والانتقام منها عن أفعالها التي راودت بها ذكوريته! تحكم في نفسه متذكرًا تجبرها وعنادها الذي لا يعلم من أين نبتت تلك الأنياب من حمامة رقيقة مثلها. تحمحم بخفوت ثم تراجع عن هواجسه الشيطانية وغادر الغرفة بثبات ثم أطفئ الأنوار وفارق الغرفة ولكن صورتها الملائكية لم تفارق ذهنه للحظة.
جلس الجميع في ضيافة المأذون ما عدا عالية وعاصي الذي لا يريد رؤية مُراد، حيث تسلل إليه بعض وخزات الندم! وما الذي سيفعله! أ يضع يده بيد أعدائه! ويسلمه أخته؟ أن ينسب لاسمه إمراة تنتمى لعائلة المحلاوي!
غسل وجهه عدة مرات ثم ألتفت على صوت عبلة معاتبة:
"أيه يا عاصي، يلا يا حبيبي هنتأخر والرجل عنده مواعيد تانية!"
"-قلت جاي!"
"-بسرعة لحد ما أشوف أختك، يلا خلي الفرح يدخل بيتنا!"
في تلك الساعة تعمد تميم أن يأخذ جرعة أدويته كاملة كي يهرب من واقع عاجز أن يغيره لـ نوم يخلد به بارتياح بعيدًا عن ذلك الصخب. أما عن شمس تقف أمام الشُرفة تطالعه بحزن يفاقم حزنها عن رفيقة أيامها القليلة التي ستُكتب على اسم رجل لم تراه من قبل بعد اتهامها بأبشع الاتهامات.
تجمعت العائلة حيث عاد كريم من رحلته الجامعية بلهو دون أي يبالي للأمر بشيء، فوجد الحشد العظيم مجتمعًا. اتجه نحوهم بفضول رهيب وهو يعلق:
"هي القيامة قامت ولا أيه! مُراد وعاصي على كنبة واحدة!"
غمزت له جيهان بتحذير كي يصمت، ثم تدخلت عبلة موضحة:
"تعالى يا كيمو، النهاردة كتب كتاب مراد وعالية، وعاصي وهدير!"
وقف مصدومًا للحظات يدرك فيها ما سقط كالصاعقة على آذانه وقال:
"سبحان مغير الأحوال!"
زفر عاصي بامتعاض:
"خلصنا يا مولانا!"
ثم ألتفت الجميع على خطوات نزول عالية الهادئة التي تحمل العديد من التردد والذعر. انفرجت أعين مُراد انبهارا بجمالها ورقتها وهدوئها، أحس بأنه أمام فتاة الأحلام. تصلبت تعابيره عندما تذكر تلك الفتاة التي أبدى إعجابه بها من قبل وقت الحفل، فأحييت رؤيتها دقة جديدة بقلبه إليها. أخذ يتدبر خطواتها وتفاصيلها الساحرة بخشوع وصدمة في آن واحد.
أما عنها فلم ترفع عيونها عن الأرض، لم يجبرها الفضول حتى لاختلاس نظرة من ذلك الشخص الذي ستكتب على اسمه بعد دقائق. هتفت جيهان بترحاب:
"أهي عروستنا جات."
جلست عالية بجوار أمها والدموع تفر من عيونها بانتفاضة تحاول أن تخفيها. بدأ المأذون في مراسم الزوج، ثم طلب من عاصي أن يضع يده بيد مُراد. تحولت ملامحه وعيناه إلى جمرٍ مشتعل. مد مُراد يده بحماس وانتصار. فكر عاصي للحظات طويلة حتى تلاقت أعينه بعيون عالية المحمرة من كثرة البكاء وهي تترجاه ألا يفعل ذلك، ولكنه تجاهل وجعها وأكمل ومد يده مُرغمًا ووضعها بيد مُراد وبينهم نظرات اللهب المتبادل وكل منهما يردد ما يطلبه المأذون منه.
اختلج قلب عالية عندما أعلن الشيخ داعيًا:
"بالرفاء والبنين."
أجهشت ببكاء مسموعٍ لفت انتباه الجميع، حتى مراد تحير أكثر من سبب حزنها ولكنه تجمد في مقعده يُراقبها بعيون فاحصة. بررت عبلة دموع ابنتها على أنها دموع الفرحة وهي تضغط على كفيها بقوة كي تصمت وتتوقف عن ذلك الهراء. وقالت لها:
"يلا قومي امضي…. زغردي يا سيدة!!"
أعد المأذون الدفتر الثاني لإتمام مراسم زواج هدير وعاصي ثم طالع البيانات وسأل هدير:
"مين وكيلك يا عروسة!"
انكمشت ملامح هدير بعناد وقالت بصرامة:
"محدش وكيلي، أنا وكيلة نفسي!"
تفجرت حُمرة الغضب بوجه مُراد، ثم وثب قائمًا بفظاظة بعد ما رمق أخته بنظرات الخسة وقبض على يد عالية بدون انذار مما جعلها تشهق من هول الصدمة. صرخت بوجهه ممتنعة الذهاب معه ولكنه لم يستمع لتأوهاتها بل جذبها رغم عنها بقوة.
عائق المصور طريقهم:
"مراد بيه الصور عشان…."
قطعه قبل ما يستمع لمزيد من الكلام وازاحة بقوة من أمامها وجر عالية خلفه وهو يضغط على كفها بقسوة. أخذت تترجاه أن يتوقف ولكن هدير أشعلت به نار لا تنطفئ. دفعها بداخل سيارته فأدركت أنها أمام وحش أخر، انكمشت في باب السيارة برعب وما أن جلس بجوارها سألته:
"أنت واخدني على فين!"
تجاهل مُراد سؤالها ومال للوراء متخذًا انفاسه بصوت مسموع حتى هدأت تدريجيا. أخذت تترقبه بخوف كمن يراقب ملك الموت قبل أن يقبض روحه ثم تذكر جملة أبيه الأخيرة وأوصاه:
"رجع حق أبوك من شهاب دويدار، أوعي تسيب حقك يا ابني."
ولي وجهه لينفجر بها ولكن ملامحها الملائكية جعلت كلماته الشيطانية ترتبك بفمه وتفر هاربة مع ذيول غضبه حتى أردف بصوت هادئ لا يعلم من أي جهة تسرب إليه وقال:
"مش عايز اسمع كلمة زيادة لو سمحتي!"
تفهمت الأمر وهزت رأسها بالموافقة ثم استدارت منكمشة بباب سيارته مستندة برأسها تبث شكواها للطريق. انطلق مراد بأقصى سرعة من ذلك القصر الذي لا يتحمل النفس به.
رفضت هدير أن يقوم أحد بوكالتها وزوجت نفسها لعاصٍ دون ذرة حياء واحدة، لقد فر الخجل من مضجع وجهها.
سكوت عاصي كان مثير للشك والغرابة، هدوئه وعدم تمرده على جميع تلك الأحداث فتح باب العقل الآلاف من الاسئلة. بمجرد ما انتهت مراسم الزواج وقبل انصراف المأذون والشهود، التصقت هدير بعاصي وأخذت تلتقط معه العديد من الصور والمقاطع. والمثير للدهشة أنه كان متناغمًا معها للحد الذي ظنه الجميع أن بينهم قصة حُب عملاقة.
تسلل عاصي من حصار هدير وذهب إلى أمه قائلًا:
"كدا نفذت طلبك، الدور عليكِ."
وثبت قائمة وقالت له باستهجان:
"وأنا عند كلمتي، اتبسط مع عروستك، وبكرة الصبح هروح مع المُحامي واتنازل لك عن نصيبي."
تكورت يده من شدة الغضب، وسرى الضغن مجرى الدم بعروقه ولكنه تحكم بأعصابه بصعوبة وقال بابتسامة مزيفة:
"تمام!"
فوجئ بذراعي هدير تحاوط كتفه من الخلف وقالت بدلالٍ:
"هستأذنك يا لبلبة، عاصي الليلة دي بتاعي وبس."
وضع يده في جيبه كاظمًا غيظه ثم قال برسمية:
"عندي شغل هخلصه واجي لك، اطلعي نامي أنت!"
لفت ذراعها حول ساعده وقالت مترنحة:
"مفيش الكلام دا، الليلة ليلتي!"
أردف جُملته الأخيرة بحدة ألجمتها:
"هدير قلت اخلص شغلي."
ثم سحب ذراعه منها متجهًا نحو مكتبه، مما ألقى جمر الغيظ بـ هدير وجيهان التي رمقت خالتها بأسهم الدهشة من تصرف ابنها. تفادت عبلة الموقف مبررة:
"معلش هو عنده ضغط شغل جامد اليومين دول، اطلقي فوق استني جوزك يا حبيبتي، والصبح طمنيني، عايزاكي تكسبي عاصي، وبلاش النكد بتاع جيهان! فهماني!"
استسلمت هدير لكلامها وصعدت إلى جناحه بالطابق الثالث، ثم وجهت عبلة حديثها لجيهان:
"متقلقيش، بكرة هتصحي تلاقي وشهم زي البدر، و طايرين من الفرحة. المهم نلحق نشير صور عالية ومراد عندنا، عشان ابن المرشدي يخف تهويش."
صف مُراد سيارته أمام المبني المُقيم به، ثم قال بنبرة معاتبة:
"أنتِ ناوية تباتي هنا ولا ايه!"
خفق قلبها برعبٍ:
"هااا!"
في تلك اللحظة اشتعلت شاشة هاتفه معلنة وصول رسالة ما، فتح محموله فـ وجد رسالة من رقم مجهول، ضغط لتحميل الصور ورؤيتها، إذًا بصور عالية التي سبق ونشرتها هدير، بما فيهم ما اعترف به ابن المرشدي بعلاقتهم الزائفة. أخذت عيونه متنقلة بين الهاتف وبينها وهي شاردة بالطريق، ترمد الغضب في جمره لأنه ظن أنه وقع في مكيدة آل دويدار من جديد.
قفل هاتفه وحاول ضبط نبرة صوته وقال آمرًا:
"يلا انزلي!"
ترجته عالية بدموع العجز:
"لو سمحت أنا عايزه أروح."
فك حزام الأمان ولملم أشياء وهبط من سيارته بجمود مصطحبًا بصوت قفل باب السيارة الصاخب، متجهًا إليها، فتح بابها ومال ليحررها من حزام الأمان ممسكًا معصمها بعنفوان و أنزلها من السيارة رغم عنها.
نهرته محتجة وهي تحاول أن تحرر يدها من قبضة حصاره القوية:
"أنت مجنون! بتعمل ايه!"
التزم الصمت التام، وسار بخطوات واسعة نحو المصعد دون التفاتة واحدة منه. تأوهت من شدة قبضته ولكن ذلك لم يحرك ساكن بداخله. بمجرد ما فتح باب المصعد دفعها بقوته للداخل حتى ارتطم كتفها بأحد زواياه وهي تصرخ معترضة:
"أي الأسلوب دا! أنت اتجننت!"
ثم خبطت بقوة على جدران المصعد مزمجرة:
"بقول لك روحني.. أنا مستحيل أقعد معاك في مكان واحد!"
استقر المصعد أمام الطابق المقصود، ركل مراد الباب بقدمه ثم جرها كما تُجر الأغنام خلفه وفتح باب شقته وبكل قوته وشحناته الغاضبة من آل دويدار دفعها للداخل حتى ارتطم جنبها بالمنضدة، فـ اندلع من جوفها صرخة مرتفعة دوى صداها في جميع ارجاء جسده وهي تسيح بعبرات الألم والذعر معًا:
"أنت عايز مني أيه! حرام عليك أنا أذيتك في أيه؟!"
ملامحه الثابتة الجامدة تبدلت مرة واحدة لملامح حيوان شرس. تجاهل ضعفها وألمها، انقض على ذراعيه وكفتهما وراء ظهرها، و درأها بقوة تحت حصار يديه حتى وصل إلى المطبخ، فألقاها كمن تُلقى النفايات صارخًا بوجهها:
"الواضح أن مفيش حد في عيلة دويدار نضيف!"
ثم جثا على ركبتيه وعلى عيناه ضبابة الغضب التي أعمته عن رؤية دموعها وصرخاتها التي يلين لها الحجر. لف شعرها على كفه وشده بقوة مما جعلها تتلوى بوجع إمراة آتاها طلق الولادة للتو، ثم زمجر غاضبًا:
"أوعي تفتكري أنك هنا عروسة ومراتي والجو دا! لا انسي، أنت هنا خدامة تحت رجليا، مهمتك هي التنضيف، صوتك مش عايزة اسمعه، الشارع ما يشوفش ضلك."
ثم ضغط أكثر على شعرها وقال باشمئزاز:
"حتى السرير خساره فيكي، أنت تتلقحي هنا في المطبخ دا أخرك، كل يوم هتيجي واحدة هنا تخدميها وتنفذي كل طلباتنا، عارفة الذل! أنا هوريكي أيام الموت بالنسبة لها رحمة ليكِ!"
ثم دفعها بشروره حتى ارتمت على الأرض تتضور وجعًا وهي تنكمش حول نفسها كـ طفلة غدر بها الطقس وأمطر ثلجًا وهي لا تملك معطفًا ولا بيتًا يأويها.
انطلق مراد وقفل الباب بالمفتاح ثم ذهب إلى غرفته ونزع كل ملابسه وأخذ يفجر بقايا غضبه بكيس المُلاكمة المُعلق وهو يزأر كأسد جائع في غابة خالية من الحيوانات.
انهى عاصي شغله الذي تحجج به للهروب من براثين هدير، ثم تناول جاكيته وألقاه على كتفه و غادر مكتبه. ذهب إلى الطابق الثاني حيث قادته أقدامه إلى الغرفة التي احتوت مصدر هزيمته الأولى، وفتح الباب برفق، فوجدها تقف أمام الشُرفة ويداعب نسيم الهواء شعرها، شاردة، تائهة في عتمة الليل تحاول أن تتذكر أي شيء ولكنه بدون فائدة.
اقترب منها بخطوات هادئة إلى أن وقف وراءها وقال:
"مشيتِ ليه من الأوضة!"
دارت نحوه بذراعيها المُنعقدة ثم قالت بهدوء:
"سمعت أنك عريس الليلة، مبروك!"
ثم دنت منه خطوة وقالت:
"أظن لعبتنا انتهت يا عاصي بيه، ووجودي بقا زي عدمه!"
شعر بغصة علقت بحلقه لا يعلم مصدرها ولكنها تجاهلها بسرعة وقال:
"مين قال انها انتهت! الشهر لسه مخلصش!"
"-ممكن اسألك سؤال، اشمعنا أنا، وليه! شايفة أن مكانتك مستاهلش التمثيل والكذب ده، هو في حاجة تانية مخبيها! أيه هدفك فهمني!"
ظلت تُرمقه بنظرات خرساء منتظرة رده على أي سؤال منهم، ولكنه غرق بدوامة عيونها. يحدث أن تُصادف إمراة ثم تتوقف أمامها وتتحسس صدرك كأنك تخشى أن ينكأ بـ جرحٌ ما حاولت أن تضمدته لأعوامٍ. ملت من انتظاره ثم قالت بنفاذ صبر:
"أنا عايزة امشي! كفاية أوي كدا!"
"-تمشي تروحي فين؟!"
جزت على فكيها بصوت خفيض كي لا يفيق بناته ثم قالت:
"أيه مكان! المهم بعيد عنك، ما بقتش عايزة أشوفك قدامي! أول ما بشوفك بتعصب."
تجرأت على كبريائه وهيبته ولكنه لم يستمع كل هذا صمت متأملًا تراقص شفتيها اللاتي يود تذوقهم حتى ولو كانا يحملان علقم كلماتها. مال على آذانها وقال بهمس:
"مش لازم كل شوية افكرك، أنك حامل في ابني!"
صمتت الالسن وانفجرت برك الأعين من جموده وجحوده فـ زفرت بوجهه بغيظٍ:
"مستفز!"
ثم عادت لتطالع السماء مرة آخرى فلم تتحمل النظر بعيونه الشرسة التي تغتالها أكثر من ذلك، تشعر كأنها تركض فـ حل مستديرة يملأها الخوف والغموض. ما أن ألقت نظرة خلفها فـ وجدته انصرف من وراءها، تنفست الصعداء ثم ركضت لـ تغلق الباب خلفه وهي تكلم نفسها:
"دا مصنوع من أيه! هو في ناس كدا؟!"
صعد عاصي إلى غرفته فوجدت عروسته في انتظاره، تهيأ له ليلة رومانسية على ضي الشموع ورائحة الورود. مجرد ما رأته ركضت نحوه مدللة:
"كل دا تأخير!"
حاول التملص منها ولكنها لم تمنح له الفرصة باتت ملازمة له كظله، مثلما رافقت رأسه ذكرى حياة. أخذ يتحجج و يتهرب منها كي تتركه ولكن بدون فائدة وهنا سقطت عيناه على المكان الذي هشمت فيه تلك المراة غروره وأعلنت رفضها صراحة له. ظل يبلل حلقه بالكثير من المياه ثم النبيذ الذي أحضرته هدير بعد تناوله الطعام، فـ بات يتجرع كأس وراء الأخر كي يتناسى ذكراها وما فعلته بـ رجولته. أصبحت كـ شبح يطارده في الظلام يريد أن يتخلص منه.
وفي تلك اللحظة التي خضع فيها تحت تأثير خمره وذاكرته انعدمت الرؤية الصحيحة أمامه، وبدأت عيناه تراها أمامه بدلًا من هدير! لم يدرك كم الانتقام الذي خيم فطره على قلبه ليثبت لها بأنه رجل ضد الرفض، ولكن خدعته ملامحها تلك المرة وهو يرمق هدير بنظرات الاشتهاء التي تجسدت أمامه في صورة حياة. وهنا توقفت عقارب الساعة وشنت لحظة الانتقام لضحايا كبرياء رجل اغتالتها اهداب امراة، وكانت تلك المشاعر كلها من نصيب هدير التي ذابت فيه حبه الكاذب وتأكدت منه. مما جعلها تفيض بوميض الفخر والانتصار واكتسابها الأبدي لعاصي دويدار.
انتهت ليلة قاسية على الجميع، كل منها يتقلب على جمر همومه المُختلفة، فلا يوجد ناجٍ من مخالب الأيام. استيقظ عاصي على صوت رنين هاتف، فتناوله بتكاسل وصداع ينخر برأسه مجيبًا:
"أيوه يا يسري!"
هلل يسري فارحًا:
"اسف على الازعاج معاليك، بس حبيت أكون أول حد يبارك لك."
زفر عاصي بضيق:
"اخلص يا يسري!"
"-مبروك علينا مجلس الإدارة.. عبلة هانم والمحامي خلصوا كل حاجة."
تنهد عاصي بارتياح وهي ينهض من فوق مخدعه متحمسًا:
"عفارم عليك يا يسري."
فوجئ بهدير تتلوى حول كتفيه كالحية وهي تقبله بحب ثم قالت له بصوت يغلفه النوم:
"أنت ليه ما قولتش من زمان إنك بتحبني للدرجة دي!"
طالعها عاصي بفرحة ثم قبل كفوفها بسعادة، فتدللت عليه أكثر:
"قول لي بحبك يا هدير!"
أبعد كفوفها عنه ثم لبى طلبها قائلًا بشموخ ومكرٍ:
"أنتِ طالق يا هدير."