تحميل رواية «غوي بعصيانه قلبي» PDF
بقلم نهال مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"لا ينبض القلب إلا لعاصٍ" قبل.. أقصد قبل أي رواية أكتبها، كان كل حرف بها موجّه لشخص ما. بالخصوص، كان لدي حبيب أرسل له حبي من خلالكم. واليوم، وبعد انقطاع دام عامًا عن الكتابة حدادًا على حبي، أكتب لكم ولم أملك شخصًا بعينه أخصه بحروفي، بكلماتي، بشوقي الذي يفترسني كل ليلة. فإذا أصابت حروفي قلبك، اعلم أنني كتبت هذا في لحظة حنين. وإن لم تصب كلماتي وأخفق سهمي في طريقه لقلوبكم، اعلموا أنني أحاول أنساه وفشلت محاولاتي كما فشل سهمي. "ما قبل البداية" معذرةً عن ضعفي المبالغ فيه للحد الذي يعجزني عن كتابة كلمة...
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نهال مصطفي
خرجت "حياة" من المرحاض وهي تلملم في فستانها الطويل الذي كاد أن يهوى بطولها حتى سقطت بين يدي رجل أحست بأنها تعرفه جيدًا، ذو ملامح مألوفة لها ولكن كان قلبها يحمل النفور منه، حتى تفوه مصدومًا:
- سيــلا!
تنهدت كثيرًا كأن شيئًا ما داخِل صدرها يحاولُ الهُروب ولكنها تجهل حقيقة هذا الشيء تمامًا. طالعت تلك العيون السوداء التي تحمل ظُلمة أعوامها والتي كانت سببًا لبُكائها ليالٍ طويلة. تدلت جفونها أخيرًا إلى كفها الرقيق المستند على ذراعه الشائك بأسلاك الأنانية، ثم تفوهت بنبرة خافتة وسألته:
- أنت تعرفني!
تبسم بفرحة ممزوجة بالذهول من رؤيتها وقال بكلماته المتقطعة التي تُغلفها السعادة:
- كُنت متأكد أنه هيجي اليوم اللي نتقابل فيه!
ثم تاه ناشدًا بسحرها:
- كل حاجة فيكي بقيت أحلى، كُنت فاكر أن الحُزن هيهزمك، بس الواضح أنك هزمتيه كعادتك، وهزمتي قلبي للمرة المليون!
مسح على رأسه مُتنهدًا بعدم تصديق لرؤيتها:
- أحنا لازم نتكلم، ونصفي بحور القسوة اللي ما بينا! لازم تفهمي أنا عملت كده ليه؟ أنا كنت عايزك ليـا وبس مهما كانت الوسيلة.
تراجعت مبتعدة عنه مُستمعة إلى صوت دقات قلبها التي تحسها على الهرب، على الفرار من ذلك الصعلوك البشري الذي أيقظ شهية الحزن بروحها. عبثت في شعرها بخجل يُحاوطه الجموح وسألته:
- أنت مين!
- بلاش طريقتك دي يا رسيل، أحنا خلاص القدر جمعنا وجيه الوقت اللي أصلح فيه غلطي!
هل للعودَة معنى بعدَ أن ملّ الفؤاد من الانتظار؟! بعد أن تجرع عاقبة حُبه وثقته دماء القهر والكسرة!
حاول "قاسم" أن يقترب منها ليلمس ذراعيها ويُذكرها بقصتهم المُولمة التي خدمها البحر كي تنساها للأبد، ولكن كان صوت "عاصي" الحاد مانعًا له كالسيف القوي وهو يطوق خصرها بذراعه بغضب دفين وعيناه الثابتة على ذلك الشخص الذي حرك مشاعر تملكه إليها وقال بفظاظة:
- في حاجة معاكِ!
أجابته بـ تيهٍ وهي تبعد عيونها عن ذلك الرجل الغريب وقالت برجفة تعتريها:
- يلا نمشي!
وقف "قاسم" مشدوهًا من تلك الصدمة التي رأها بعد ما غادرها، عاد ووجدها بين ذرعي رجل غيره، اشتعلت نيران الغيرة بجوفه، وتشعب دُخان الحيرة وهو يتسأل "كيف أصلح الزمان قلبها الذي افسدته عمدًا!". دخل المرحاض وهو يطالع ملامحه الخميرية بالمرآة ويمسح على ذقنه متوسط الطول وهو ينتويها حربًا كي يُعيدها إليه مهما كان السبيل وعرًا! طاحت يده بكل ما يقابلها عندما تذكر إنكارها له، وتعمدها بنسيانه. هتف صارخًا:
- مش أنا الرجل اللي يتنسي يا بنت قنديل المصري!
على حِدة تقدم عاصي ناحية الطاولة ولا زال ذراعه يطوقها برفق رغم ملامحه الفظة التي كست وجهه وهو يكرر سؤاله:
- كان عايز منك أيه!
نفذ صبرها من تكرار سؤاله الذي لا تمتلك ردًا عليه، ولا حلًا لتلك الثورة الناشبة بصدرها. زفرت بحدة وقالت:
- قُلت لك معرفش! وتقدر نروح نسأله لو مش مصدقني!
تبسم مُجاملة بوجه النادل الذي رمقه إثر علو صوتها وهتف من وراء فكيه المُنطبقين:
- هنشوف الموضوع ده بعدين!
أزاحت يده من فوق خصرها بجزعٍ من تحكمه بها وقالت مُهددة وهي تقف أمامه:
- موضوع وخلص! ولما أقول لك مفيش حاجة يبقى تصدقني!
رفع حاجبه بعدم تصديق:
- وايه اللي يخليني أصدقك!
طالعت عيونه متعمدة وقالت بتحدٍ:
- عشان أنا مش الأشكال اللي تعرفها!
مط شفته السُفلية كأنه تعمد إثارة غضبها أكثر وقال ببرود:
- وأنا أضمن منين!
غزت الجُملة غرورها الشامخ وتفوهت بعصبية زائدة وهي تناطحه بعنف:
- وأنا مش هبذل مجهود عشان أخليك تصدقني! عارف ليه؟
ثم دنت منه خطوة سُحلفية وقالت بتمرد:
- عشان أنت بالنسبة لي ولا حاجة!
رفع كفيه إلى وجهها وأخذ يهندل في خُصلات شعرها المُنسدلة وقال بهدوءٍ أشعل بداخلها ألف حرب:
- كده أحلى كتير!
ثم تبسم كأن شيئا لم يحدث وقال برسمية:
- يلا، عشان الضيوف وصلوا.
أمسك كفها وسحبها خلفه بتعالٍ وهو يتقدم نحو الطاولة الكبيرة التي يحاوطها الوفد الأيطالي. وعند وقف امام مُقدمة الطاولة وقف الجميع لاستقباله، حتى ختم تعارفهم بـ تقديمها لهم وهو يقول بالإيطالي الذي لم يتقنه:
- حياة مراتي!
رسمت ضحكة مصطنعة مُرحبة بهم ثم همست بآذانه:
- كل ما اسمعك تقول الكلمة دي بتجنن!
فتح زر سترته الفخمة وهو يجلس بخيلاءٍ ويجيبها بصوت لا يسمعه غيرها:
- لازم تتجنني! أنك تبقي مراة عاصي دويدار دي ولا في أحلامك!
لم يمنحها الفُرصة للرد بعد قذف قنبلته الموقوتة برأسه ومال جهة اليسار ناحية يسري مُتسائلًا:
- المُترجم فين!
اضطرب يسري بحيرة:
- معاليك عربيته عطلت وبعتت حد يجيبه بس مش عارف!
كور قبضة يده بغضبٍ عارم وهو يتهامس له بحذر:
- اتصرف، شوف أي حد غيره! مش هنقعد زي الأطرش في الزفة كده.
تقدم قاسم في تلك اللحظة إلى الطاولة ليجلس على يمين "كارن" ابنة "آندرو" والمسئول الأول عن تلك الشراكة. قُذفت أعين "حياة" و "عاصي" في آنٍ واحد نحو هدفٍ واحد وهو قاسم. مال عاصي على يسري مُتسائلًا:
- مين ده كمان!
تهامس يسري قائلًا:
- ده "قاسم صفوان" المدير التنفيذي لكل شركات آندرو، وهو اللي هيمسك المشروع الجديد هنا، ويبقى خطيب كارين..
ما زالت أعين عاصي ثابت كالصقر عليه خاصة عندما لاحظ تركيزه الشديد مع حياة. شرع كلا من قاسم وكارين بالتحاور حتى سألها عن هوية الرجل الفظ الذي يقابلهم وعن تلك الفتاة التي أخبرته بأنها زوجته. تبدلت معالم وجهه بجمر الغضب فـ تحمحم بجدية:
- جاهزين نبتدي!
أطرق يسري بحرجٍ:
- في شخص بس على وصول لووو..
انكمشت ملامح قاسم برسمية:
- الدقيقة عندنا بفلوس، وكارين عندها طيارة كمان ساعتين..
كاد يسري أن يجادله، فألجمه عاصي بحدة:
- اتفضلوا، قولوا خطتكم للمشروع الجديد..
شرعت "كارن" بالتحدث باللغة الأيطالية عن أهداف المشروع وأبعاده وكل ما يشمله، ثم سمحت لقاسم بعرض التصميم الأولي لتلك القرية السياحية الجديدة والتي سَتُبني على يدي مهندسي أجانب مع احتفاظهم بشرط عدم تدخل العنصر المصري إلا بالدعم المعنوي فقط.. حاول عاصي التركيز قدر الإمكان لفهم ما يُقال رغم معرفته الشحيحة بتلك اللغة. أكمل قاسم التحدث بنفس اللغة وهو يضع قيوده الصارمة نحو المشروع ونسبة الأرباح حتى ختم حديثه متسائلا بالايطالي عن رأيه.
تهامست حياة إليه بحذرٍ شديد ثم سألته:
- هي نسبتك كام في المشروع ده!
رد عليها بعدم اهتمام:
- 51%..
ثم زفر بضيق ليسري:
- ما تنجز تشوف لنا الجدع ده فين!
فكرت حياة في ذلك الحوار الذي انفرد به الوفد الأجنبي وشروطهم المقيدة وترجمتها الدقيقة لحديثهم ثم قالت له بتحيرٍ:
- انت هتوافق على الكلام اللي اتقال ده!
أحس عاصي أنه بمأزقٍ ثم قال بالانجليزية وهو يسحب الملف:
- هنعرضه على مجلس الإدارة والرد هيوصلكم كمان يومين!
تناولت حياة الملف واطلعت على البنود به سريعًا تحت دهشة من عاصي بسبب تصرفها الغامض، و تحت أعين قاسم الثاقبة الذي يدرك جيدًا اتقانها لتلك اللغة التي تعلمتها معه، وعنادها وأنها حتما سترفض تلك القيود. زفرت بضيق ثم قالت ناصحة:
- في حاجة غلط!
- أنت بتعرفي إيطالي!
رأي حيرتها تخيم على أهدابها لا تعرف ماذا تُجيبه. أطرقت بخجل مبطن بالعجز وتمتمت:
- أنا فهمت كل اللي اتقال، وشروطهم كـ الآتي..
شرعت حياة في سرد اللائحة المُقيدة وشروط اذعانهم الذي لا يمتلك إلا الرضوخ عليها. ظلت تسرد ما بها بفصاحة لغوية ابهرت عاصي وكل من معهم، وأغضبت قاسم الذي يعرفها، رباها علي يده حتى أخذت منه ما يلزمها لمواجهة الحياة من قوة و رمت بالبحر ما يزيدها قسوة. من شدة غضبه كُسر القلم بين قبضة يده خاصة بعد ما رأه يحوي كفها برفق ويقول بشموخ:
- طيب عايزك تترجمي كُل كلمة هقولها لـ كارين هانم، وتوصل لآندرو باشا.
مد يده إلى يسري كي يخرج نصيب حصته التي يحق له به إدارة المشروع، وأخذ يلقن "حياة" ما تترجمه حتى ختم الاجتماع بـ:
- يعني أنا الوحيد اللي من حقي أقول شروطي، وحضراتكم يا تقبلوها يا ترفضوها!
انفعل قاسم بغضب أعمى وهو يضرب على الطاولة بجنون خاسرٍ:
- ده اسمه تهريج!
أمسكت "كارن" بكفه كي يهدأ وأن الأمور لا تنحل كهذا، ولكن ما كان يحرقه أشد من خسارته لمشروع عمره، وسعيه لخمس سنوات حتى وصل لتلك المكانة. فض عاصي الاجتماع وهو ينصب قامته ويمد لها كفه كي تنهض، راقبته في توجس حتى لامست كفه ووثبت بتردد حتى وقفت بجواره مُشتتة بسبب كل ما اقتحم رأسها ولم تجد له حلًا. كاد أن بنصرف برفقتها ثم توقف كمن تذكر شيء ما وهو يقول:
- ما أنت بتتكلم مصري أهو!، عشان كده هقلع توب البهوات وهكلمك بلغة ولاد البلد، قائمة شروطي مع يسري، وابقي اشرحها للحلوة بطريقتك، والشرط الأول فيها أن 75٪ من المشروع هيتم علي يد المصريين والتنفيذ هيكون بطراز فرعوني أصيل.. ااه وابقى الاجتماع الجاي تحاول تاخد مُهدئات لان ده مش اسلوب للشغل مع عاصي دويدار!
يجلس مُراد على طرف مخدعه أمام شاشة الحاسوب، يقوم بتصميم ورسم أحد المنشآت المعمارية ووضع لمساته المميزة على كل تصميم، ذلك الذي جعل له اسمًا مُميزًا في سوق الهندسة المعمارية. وقف حائرًا أمام أحد الفراغات بالبناية محاولًا ابتكار وخلق ميزة تخصه. ظل حائرًا حتى ألتفت إلى ملامحها النائمة فاستدل منها على طريق للجنة، تلك الملامح الملائكية المُشرقة التي تحمل رائحة الورد وقال لنفسه:
- يبقى مشتل ورد متدرج..
ومن الجهة الأخرى للممر رسم أرجوحة وطاولة وعدد قليل من المقاعد. راق له التصميم وطالعه بسعادة لانتهائه في وقت قليل. لاحظ يقظتها وهي تململ فوق الأريكة حتى تفوهت بصوتها النائم وهي تنهض:
- صباح الخير!
لم ير أحدًا مُشرقًا يحمل كل هذا البهاء بإبتسامة واحدة مثلها. قفل شاشة الحاسوب و دار إليه بوجهه الباسم:
- صباح الورد..
ثم تمالك أهوائه سريعًا و انكمشت ملامحه وقال:
- بعد كدا أنتِ تنامي على السرير وأنا اللي هنام على الكنبة!
أطرقت بخجلٍ:
- ليه! قصدي أنا مرتاحة كده!
رد بتلقائية:
- بس أنا مش مرتاح..!
أصرت على موقفها وهي تتجاهل النظر بعيونه:
- أنا كويسة كده! أنا مش هعرف أنام وأنت على الكنبة!
نهض من مكانه ليجلس بجوارها وكأنه يريد قص المسافة بينهم وهو يقول بجدية:
- خلاص يبقى تنامي جمبي وورأي حُمرة من الخجل على وجهها لم يراها على إمراة من قبل. تأهبت كي تهرب منه ولكنه أمسك بها ضاحكًا:
- استني بس، رايحة فين!
ثم أسبل عيونه بتخابث:
- أنا بحاول بس ألقى حل وكده عشان نكون مرتاحين إحنا الاتنين.
هزت رأسها بخفوت ثم قالت:
- لا عادي، أنا تمام والله متشغلش بالك!
طالعها بشكٍ وبعيون خبيثة النوايا وسألها متعمدًا هدم الجسر الفاصل بينهم:
- أنتِ مصلتيش الفجر النهاردة ليه!
برقت عيونها بدهشة وتصلبت معالم وجهها بجفاف الخجل:
- هااه..!
ظل مُحافظًا على صرامة ملامحه التي تخفي ورائها مُداعبتها وكرر سؤاله:
- مصلتيش ليه!
غمغمت بحياء وبصوت منخفض جدًا:
- منا صليت.
- لا، أنا صاحي من الفجر، وأنت مصحتيش!
تسارعت ضربات قلبها و طافت عيونها في جميع أرجاء الغُرفة بخجلٍ وهي تفرك كفيها ببعضهم حتى تفوهت:
- اه، يمكن نمت، قصدي راحت عليـا نومة! أنا هقوم أعمل قهوة، أعمل لك معايا؟!
وثبت هاربة من أمامه كي تنجو من الإجابة على سؤاله المُحرج. لم يتحكم في نفسه من الضحك. لمعت عيونه وهو يسألها بمكر:
- طيب يعني لو محتاجة أودية تاني من الصيدلية زي أمبارح!
وقفت في منتصف الغرفة وكأن دلو من الماء المُثلج سُكب عليها. دارت ببراءة وهي تتحاشى النظر إليه حتى هتفت بدون تفكير قبل أن تقع فريسة لخُبثهِ:
- خليك في حالك..
ختمت جُملتها بصوت قفل الباب والهروب منه إلى المطبخ وهي تضع يدها على قلبها الذي أوشك على الإنخلاع. أخذت تمسح وجهها بالماء البارد حتى تناولت منديلًا وأخذت تنشف ملامحها المرتجفة ثم ألقته باعتراض مغمغمة:
- وهوه ماله صليت ولا لا!
بإشاحة باهتة تتفادى النظر إلى كل شيء يؤدي إليه، تقف على أعتاب الشُرفة منتظرة أن ينتهي من فطاره، تُجاهد نفسها تحاول أن تغرس بجوفها شيئًا من الطمأنينة حتى ولو كان وهمًا.. اقترب منها بمقعده المُتحرك وقال:
- تاني مرة مش هفطر لوحدي، لو حابة تفطري ما نوران هاتيها تفطر معانا.
أحست بالخجل من فعلها الغير لائق وقالت باستحياء:
- أنا بعتذر بس…
- متعتذريش، وأنا مش زعلان، بس أنا حابب نكون عيلة، عايز أقتـٰل شعور الوحدة من جوايا.
تفهمت وجهة نظره وتقبلتها بطاعة، ثم قالت متحججة:
- هجيب لك الدوا!
- استني يا شمس، عايز اتكلم معاكِ.
توقفت إثر ندائه بتردد ثم قالت:
- في حاجة؟
- أقعدي لو سمحتي..
جلست على أقرب مقعد بجواره منتظرة ما سيعترف به، ولكن كانت الصدمة عندما سألها:
- مالك!
- أنا؟! أبدًا، أنا كويسة.
عارض جملتها بيقين ثم قال بنبرة حادة بعض الشيء:
- لا يا شمس، أنت طول الوقت هربانة، وسرحانة، حتى حجابك مفكرتيش تشيليه! أنا آه وافقت على طلبك بس دا كان بناءً على شرط، وهو نعرف بعض ونتعود على بعض، لكن أنتِ مش مديانا الفرصة أصلا نتكلم! وبصراحة مفيش راجل عنده كرامة هيتحمل المعاملة دي!
طالعته بنظرات حزينة وكأنها تود أن تعتذر له عن الشخص الذي تحولت إليه، تعتذر عن عجزها في منحه شيئًا أو أخذ منه شيء. أغلقت جفونها بدموع غزيرة كأنها تُريد هدم الجسر الطويل الذي شيدته بينهم. ظلت دقائق طويلة تجهش بالبكاء الذي جعله يبتلع الكثير والكثير من كلمات العتاب بحلقهِ. رق قلبه إثر سيول الحزن الحارقة المندفعة من عيونها. شيء ما بدخله جعله يمد يده ليضع رأسها بحضنه وأخذ يُربت على ظهرها هامسًا:
- آشش.. أهدي أهدي، أنا اسف والله..
أحس بالمسئولية نحوها، أنها شيء خُلق من ضلعه، جزء يحتاج إلى قُربه لصدره أكثر منها. مد ذراعه الآخر وأخذ يمسح على رأسها بتأنيب ضمير. باتت تحت يده كحمامة ذبيحة تتلطخ في أوجاع الماضي والحاضر. مرت دقائق مسلوبة من الإرادة حتى أدركت أنها بين يديه، وأنا قلبها يتنفس عطره ويستمع لضربات قلبه النادمة. انفصلت عن حضنه بحرج وهي تمسح دموعها بسرعة عاجزة عن النظر بعينيه. تحججت قائلة:
- هقوم اغسل وشي..
-القهوة دي مفيش فطار معاها!
استدارت مفزوعة إثر صوته الرخيم الذي قطع شرودها وبيدها فنجان القهوة. أخذت تتنهد بصعوبة حتى جلس على مقعد البار أمامها وأتبع مُداعبًا:
- هنفطر أيه جعان أوي!
أربكتها جملته أكثر، تركت ما بيدها وفتحت باب الثلاجة تبحث عن أي تصبير له، ثم قالت بتوتر:
- في جبنه اعمل لك ساندوتش بسرعة.
راقت له اللعُبة، فأصر قائلًا:
- لا جبنة أيه! جعان اتصرفي!
قفلت باب الثلاجة بسرعة ثم قدمت له كوب القهوة وقالت بمرج:
- لو شربت القهوة هتحس بالشبع، ووو ممكن كيك! كُنت شايفة كيك هنا استنى أدورلك عليه.
تحركت أعينه بخبث وهو يُردف متعمدًا إثارة قلقـها:
- لالالا متنفعش، مش بحب السكريات ماليish فيها! بقول لك جعان حاسس هقع من طولي!
شعرت بحجم الأزمة التي تورطت بها، فتحت الثلاجة مرة أخرى وهي تفتش بعشوائية حتى أخرجت صحن "اللانشون" وحبات البيض، وجميع أنواع الخضراوات الموجودة أمامها وأخذت تصبره وهي تتجول كالمجنونة بالمطبخ:
- طيب والله نص ساعة بس، لو اتفرجت على التليفزيون هكون خلصت!
وثب قائمًا بلهفة غير قادرًا على تحمل الجوع وقال بحدة:
- لا كتير نص ساعة، مش بستحمل الجوع! وبهبط، الحقيني بأي حاجة من عندك!
أحست بالعجز الشديد والحيرة وقلة تصرفها في موقف مثل هذا. ضربت الأرض بقدميها كطفلة صغيرة لا تمتلك إلا البكاء ظنًا منها بأنه سيُغير شيء. ترقرقت العبرات من طرف عينها وهي تقول بصوت مبحوح:
- أنت مفيش حاجة عجباك وانا مش عارفة أعمل أيه، وحاسة بالذنب وانك في مشكلة وأنا مش عارفة أحلها.
لم يتوقع أنها بذلك اللين الذي يتغلب عليه القلق فيبكيها، اقترب منها بعدم تصديق ردها الطفولي وأخذ يربت على ذراعيها بحنان بالغ ثم مال على آذانها قائلًا بحنو:
- خدي وقتك، ساعة اتنين أنا هستناكي!
انتفضت مبتعدة عنه بارتياب وهي تكفكف عبراتها وتسأله بجزل طفولي:
- يعني مش جعان!
ضحك بصوت مسموع على صِغر عقلها وصل إلى مسامع أمه فأشعلت غضب حارق بجوفها أقسمت أن تحرقها به. مسحت بإبهامه أخر قطرة من عيونها وقال بمزاح:
- جعان بس مش هموت من الجوع يعني! وبعدين أنا كنت مستني منك تزعقلي ولا تضربيني بحاجة ولا تقوليلي قوم أكل نفسك، مش تعيطي!
بللت حلقها ثم قالت بصوت خفيض رافضة قطعًا اقتراحاته التي لا تليق بها وقالت مجهشة بالبكاء:
- لا ما يصحش أعمل كده!
- ليه؟
- عشان حرام!
وقف مبهورًا من تلك الكلمة التي ردت في قبله بنور لم يعهد من قبل، فـ إلي أي القبائل تنتمين! حتى نفي عقله تلك الحقيقة أنها لم تكن من جنس بني البشر! أنثى مثلها لا يليق بها إلا فصيلة الورد..
لم تمنحه جيهان الفرصة للاستمتاع بتلك اللحظة المسروقة من الزمن واقتحمت المكان ممسكة بقلبها وتتمايل بوجع مصطنع:
- الحقني، الحقني يا مراد يابني مش قادرة أخد نفسي.. بمــٰوت.
" مع غروب الشمس "
دق عاصي باب غُرفتها التي اختبأت بها من تحقيقاته المُريبة. فتحت له الباب بعد تردد وقالت باختناق:
- نعم! مش أنا قولتلك متحاولش تكلمني تاني!
هز رأسه بالموافقة وبملامحه المُتحجرة رد:
- افتكر إنك قُلتي كده.
- طيب كويس أنك فاكر.. عايز مني أيه بقى! بتحاول تكلمني ليه؟ وبعدين مش أنا كلامي مستفز ومش راقي!
شبك كفيه ببعضهم أمام بجحود وقال:
- قدامك عشر دقايق وتكوني جاهزة!
- هنرجع القاهرة!
- أنتِ بتحبي تسألي كتير ليه! متعرفيش حاجة اسمها حاضر!
عقدت ذراعيها أمام صدرها بعندٍ:
- أنا مش شغالة عندك ولا جارية من سوق العبيد عشان تقول حاضر وبس!
- أول ما تخلصي خبطي عليـا! ولا أقول لك أنا ليه بضيع وقتي فـ الكلام معاكِ!
قال جُملته وهو ينحني كي يحملها فتراجعت صارخة مستسلمة:
- تمام تمام، هلبس!
نصب قامته مرة أخرى دون إبداء ابتسامة انتصر على الأقل، اكتفى بمُطالعة ساعة يده ثم قال آمرًا:
- استعجلي!
زفرت باختناق ثم قفلت الباب بوجهه متمردة على عرش غروره وهي تسب في سرها وتلعن تلك الحرب الطاحنة التي تتقاتل برأسها. تحمحم بخفوت وهو يتفقد الممر يمينًا ويسارًا ليطمئن بألا هناك أحد ليراه ثم عدل سترته وسار برأس مرفوعة نحو غرفته وهو يتوعد لها سرًا:
- أه يا بنت الـ ***
وقف أمامها بسيارته كي يعوق طريقها، مثلما هدت طريقه في الوصول إليه. نزل "فريد" من سيارته بعد ما دهس سيجارته تحت حذائه واقترب من سارة التي أوقفها مُرغمة. استند على سقف سيارتها بكوعه وقال بجفاء:
- فاكرة إني مش هعرف اوصل لك يا حلوة!
طالعته بتعالٍ:
- أنت فاكر أن بالفيلم الأهبل ده هخاف وأكش! ممكن أعرف أنت عايز مني أيه!
- عايز أعرف أيه القفلة المُفاجأة دي!
ضحكت ساخرة وهي تهبط من سيارتها وتقف أمامه بتفاخر:
- يا ابني فوق واعرف انت بتكلم مين!
ثم أخرجت عُلبة السجائر من جيبها وأشعلت واحدة تعمدت نفث دُخانها الاول بوجهه وأكملت:
- وبعدين اللي كان بينا ليلة وانا مش عايزة افتكرها، يعني متعشش جو المجروحين ده! فوق بقى..
شد السيجارة من يدها وأخذ منها نفسًا طويلًا ثم عادها بين أصبعيها وقال بنية خبيثة:
- كُل ده عشان اللي اسمه عاصي بتاعك جيه!
ضحكت بإعجاب مُتراجعة عن أخذ نفسًا آخر من لفافة تبغها وقالت:
- أنت متعرفش مين عاصي دويدار! ده اللي تتساب الدنيا كلها عشانه..
ثم شردت به بانبهار:
- تركيبة تجننك، جنتيلمان أوي، باشا وله هيبته، يخلص أي حاجة مكلكعة بمكالمة تليفون، رجل سوبر سوبر رومانتك، قادر يوصل الست اللي بيحبها لسابع سما..
ثم برقت بوجهه وأكملت محذرة:
- وقادر يخسف باللي يقف قدامه الأرض..
وضعت السيجارة بين شفتي فريد وأكملت مترنحة:
- أنا رسيتك على الحوار وأنت حُر، اسيبك بقى لانه مستنيني مش عايزة أتأخر.. ووعد مني لو وحشتني هابقى اكلمك فورًا.
" علي اليخت الخاص به "
ذابت الشمس في حضن السماء فـ حل الليل، ولمعت نجومه احتفالًا بمراسم اللقاء العظيم بينهما. تقف "حياة" على متن المركبة شاردة بـ الالفة الرهيبة بينها وبين البحر الذي يُغازل هوائه ملامحها ويملأ فؤادها بتناهيد الاعتذار عن قسوة ما فعله بها..
اقترب منها وبيده كأسًا من النبيذ قليل الكُحل ووقف أمامها:
- يعني ولا اكلتي ولا شربتي ومن وقت ما اليخت اتحرك وانت واقفه هنا!
تنهدت بانتشاء ثم قالت بارتياح:
- حاسة حاجات غريبة كُلها عكس بعضها!
تجرع آخر رشفة من الكأس وقال باهتمام:
- جاهز اسمعك.. ده لو حابة يعني تتكلمي..
حدجته بإستهانة ثم قالت مُجبرة:
- للاسف مفيش قُدامي غيرك، بس هل لو حكيت هتفهمني!
مط شفته السُفلية بتحير و قال:
- جربي، مش هتخسري حاجة!
مدت نظراتها الاستكشافية إلى البحر والسماء والطبيعة ثم قالت ببهجة:
- من وقت ما فتحت عيني لقيتك قُدامي وأنا حاسة إني متغربة، تايهة، لكن أول ما شميت هوا البحر اطمنت، حسيت إني رجعت لمكاني.. حاسة إن حياتي هنا، وبيني وبينه أسرار كتير!
أصابت كلماتها فؤاده خاصة بعد علمه بحقيقتها وانتمائها للبحر. استمتع بالحديث معها ثم سألها محاولًا تشتيت أحاسيسها:
- ده شعور طبيعي أول ما نشم هو البحر، بيرمي علي قلوبنا ريحة الأمان عشان نثق فيه ونحكي له أسرارنا، بحيث نرجع للبر خُفاف من جبال الهم والحزن..
أشادت بإعجابها لرأيه ولكنها أصرت مُعبرة:
- وجهة نظر بردو، بس اللي حساه غير كده، أحساس مش عارفة أوصفه لدرجة إني طايرة، اااه حاسة إني طايرة عايزة أحضن النجوم..
تدبر بخشوع ملامحها المُتحمسة، ثم أدلى مُقترحًا:
- هخليكِ تحضني النجوم!
خلع قميصه الأبيض واقتربت ببطء من منزل اليخت حتى رمي جسده بالماء. اقتربت منه وأخذت تراقبه بإعجاب حتى أشار لها أن تلحق به. بدون تفكير نزعت ما بقدمها وتركت الشال الذي يُغطي كتفيها العارية ولحقت به جذبها إليه حتى وقفا الثنائي وجهًا لوجه وقال لها:
- لما تحبي تحضني النجوم انزلي البحر بالليل، واسرحي بخيالك معاه وهو هيساعدك في كده!
تمسكت بكفيه ثم قالت بعفوية:
- عرش أبليس بيطلع على وش الميه بالليل..
انفجر ضاحكًا بطريقة لم تعهدها من قبل، أول مرة ترى تلك الملامح المنكمشة تضحك وبهذا الصوت الصاخب. ظلت ترمقه بإعجاب شديد وحيرة حول تلك الشخصية التي تتقلب كالطقس. ما زال تحت تأثير ضحكاته قائلًا:
- أنتِ مصدقة الهبل ده!
لمست السُخرية في كلامه، ابتعدت عنه متعمدة كي تستمتع بالعوم والبحر وتلك الحرية التي ذاقتها بين أمواجه. ظل يُتابعها بعناية وهي تمارس السباحة بمهارة لا توصف تكاد تنافسه. اتبعت نصيحته وأغمضت عيونها شاردة بخيالها تاركة للماء مهمة ذوبان ما عاشته وعاناته..
عادت إلى اليخت بعد وقت طويل قضته بالماء، تتراقص مع أمواجه، وتسبح في خيالها بلمسها للنجوم التي تتلألأ فوق سطح الماء.. تناولت الشال وغطت ذراعيها، مُتجاهله فستانها الأصفر الذي يصل لركبتها وتتقطر منه المياه. اقتربت منه وقالت بامتنان:
- شُكرًا.. بجد نفسيتي بقيت أحسن كتير!
- كده نبقى خالصين، حبيت أرد جميل الصبح..
اقتربت من بار اليخت ثم قالت بتردد:
- بالمناسبة، ممكن اطلب طلب!
توقف عن ارتشاف المزيد ثم قال باهتمام:
- طلب أيه!
- عايزة اشتغل، يعني اشتغل معاك وكده، أنا مش هعيش عالة على حد! يعني لحد ما ارجع لأهلي وكده.
رفع حاجبه ساخرًا:
- هابقى افكر..
ثم وثب قائمًا ناحية السائق وآمره:
- يلا نرجع عشان الهانم متاخدتش برد..
في تلك اللحظة ضاءت شاشة هاتفه برسالة نصيه، ألتفت "حياة" إليها وقرأت أول سطر بها:
- اسمها رسيل قنديل المصري…
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نهال مصطفي
كُنت سبيلي الوحيد للقلم.. لأجلك مسكت قلمي وزخرفت حروف اسمك لأول مرة، حينها أصبح عكازي في فترة شيب القلب والفراق. في المرة التي دونت بها أول خواطري التي اختتمت بكلمة "أُحبك"، لم يكن همي إلا أنها تصل إليك بوسيلة تُحمي غرور الأنثى التي تسكُنني. ولكن مع الوقت، وبالأخص عندما رحلت، بات قلبي ينزف حبرًا ويدونه قلمي حُبًا.
بقيت الكتابة مواساتي الأخيرة للانفراد بك في خيالي للحظات مسروقة من قسوة الأيام. كُل مرة كُنت أقدم استقالتي من الكتابة التي علقتك بروحي على سهوة.. عُدت ملهوفة إليها.. أقصد عدت ملهوفة إليك.
في تلك اللحظة ضاءت شاشة هاتفه برسالة نصية. ألتفتت "حياة" إليها وقرأت أول سطر بها:
- اسمها رسيل قنديل المصري…
دائرة من السوالف التي مرت عليها، في المرة الأولى التي وقعت بأول حرفين من اسمها الذي عجزت على استكماله! عن ذلك الاسم الذي تردد في حُلمها وأيقظها صارخة وهو يتردد كالبرق بذهنها! أغمضت جفونها متذكرة ذلك الرجل الذي نادها بتلك الهوية! فكل الطُرق تصل بها إلى هذا الاسم الذي يعني عذوبة المياه، وبرقيات الحُب بين العشاق. زفرت حيرتها بشكٍ حول ما يُخفيه عنها هذا الرجل الغامض وقالت برتابة:
- يا ترى ناوي على ايه!
عاد إليها عاصي وبيده "روب" طويل كي ترتديه فوق فستانها القصير وقال:
- البسي ده لحد ما نوصل..
مدت يدها بتردد ثم أخذته دون الاهتمام بتنفيذ طلبه. طالعها بتساؤل:
- مالك!
قالت بصوتٍ مُتهدج متعمدة ألا تظهر له شيئًا:
- لا مفيش، هلبس أهو..
تناول سيجارة من عُلبته المرمية بجوارها واشعلها. شرعت في ارتداء ثوبها ومُداعبة شعرها الذي نثر قطرات الماء عليه بدون قصد منها. مسح بظهر يده ما انتشر على وجهه وقال بامتعاضٍ:
- شايف انه ملوش لازمة، ممكن تقصيه هيبقى أحلى!
طوت شعرها بدلالٍ أمامه مُتعمدة إثارة غضبه وقالت بغيظ:
- شايفة الـ ملوش لازمة بجد هو رأيك.
نظر لها شذرًا ثم تحمحم بخفوت مُتجاهلًا الحديث معها وأوشك أن يفتح هاتفه ولكن أوقفه سؤالها:
- اشمعنا حياة!
همهم مُتسائلًا رفعًا حاجبه الأيمن بدهشة:
- مش فاهم!
جلست بهدوء على المقعد الذي يُقابله حتى تلاقت أعينهم وكررت سؤالها بنبرة أكثر وضوحًا:
- قصدي ليه بتناديني بالاسم ده! اشمعنا حياة بالذات! آكيد الاسم له سبب.
انتقلت حيرتها الشاغلة إليه وهو يفكر للحظات حتى برهن:
- عشان صفاتنا ليها نصيب من أسامينا..
حاولت أن تُفكر معه بصوت مسموع وقالت بتعجب:
- وايه وجع الشبه بيني وبين الحياة.
سحب نفسًا طويلًا من سيجارته ثم قال بنبرة جامدة مُتعمدًا إثارة غضبها:
- عنيدة زيها..
همهمت بصدمة:
- أنا عنيدة!
أكمل قائلا:
- طول ما بجري وراها بـ تهرب مني، وأول ما أديها ضهري تلاقيها جات راكعة قدامي… زيك!
تعالى صوت نقاشها بصوت مُحتدم كنود:
- لا طبعًا مش زيي، أنا عمري ما هفكر اجي لك مهما حصل، لو بيد الشخص اختيار مصيره أكيد عمري ما كُنت هختارك ولا اختار لحظة من اللي عشتهم معاك.
هز رأسه بعدم تصديق وقال ساخرًا:
- هنشوف، لسه الجولة ما خلصتش!
- جولة أيه بس! أنت بالنسبة لي دِكة احتياطي.
ثم هبطت من فوق مقعدها ناصبة قامتها واقتربت منه بتحدٍ:
- متحاولش تدي نفسك مساحة في حياتي وخلاص، وأحب افكرك فات من الشهر عشر أيام!
رمقها بنظرة حادة شلت حركتها ثم ثني سيجارته بقلب المطفأة وقال مُحذرًا:
- لو قربتي خطوة كمان هتبقى أنت المسئولة على اللي ممكن يجرالك، مش أنا….
تسرب إليها شعور القلق وسألته بضياعٍ:
- يعني أيه!
داعب خصلة شعرها المُنسدلة فوق عينيها وقال بتخابث:
- يعني اللي فهمتِه بالظبط!
انغمس عقلها فى الأفكار السوداوية وهي ترمقه بأعينها المرتعشة حتى تراجعت باستسلام لتجلس مكانها وقالت بإرتباكٍ:
- هاه! تمام.
- أهم حاجة الراحة التامة!
تلك كانت جُملة الطبيب الأخيرة الذي قام بفحص جيهان فأقر بهبوط مفاجئ لا أكثر وأكد على الراحة التامة. وصله مُراد إلى باب الشقة ثم ودعه ورجع إلى الغرفة التي تقطن بها أمه. كانت "عالية" تشد الغطاء عليها وقالت برفق:
- سلامتك يا خالتو.
تأوهت جيهان بكذب وهي تمسك قلبها الذي لا يشتعل إلا بنيران الحقد وقالت بوهن مزيف:
- الله يسلمك يا عالية.
تحمحم مراد بخفوت وهو يتناول لائحة الأدوية التي دونها الطبيب:
- طيب هكلم الصيدلية تبعت الأدوية.
انكمشت ملامحها بغلٍ:
- وأنا هاخد الأدوية على معدة خالية.
تلاقت أعينهم بحيرة حتى تفوهت عالية على الفور:
- هجيب لك حاجة تاكليها حالًا..
- لالا استني أنا عايزه أكلة ترُم العضم.. من وقت ما جيت هنا ومفيش لُقمة عدله نزلت بطني!
ما لبثت أن تقول بدهشة على طلب جيهان الصعب:
- يعني أعمل لحضرتك أيه!
تدخل مُراد قائلًا:
- متعمليش حاجة يا عالية، شوفي يا ست الكُل عايزة أيه من بره وأنا هطلبه حالًا..
تمتمت بامتعاضٍ:
- ومُراتك هتعمل ايه! ما هي قاعدة مش وراها شُغلة ولا مشغلة.. فين هدير بنتي هي اللي هتاخد بالها مني!
لمعت عينيها بغتة من تحول خالتها المُفاجئ. حاولت أن تهدأ من فوضى خالتها:
- ممكن حضرتك تهدي وأنا هعمل كل اللي تطلبيه، لانك سمعتي الدكتور قال الراحة التامة..
بمجرد ما انهت جملتها ركضت مسرعة نحو المطبخ لإعداد وجبة دسمة لخالتها. فتحت الثلاجة تبحث عما ستحضره من أطعمه ولكنها وقفت مُكبلة العقل والأيدي. أخرجت كل ما يُقابلها من لحوم بيضاء وحمراء ولا تعلم ما تفعله كي تتخلص من عبء تلك الليلة. قفلت باب الثلاجة بضيق حتى أوشكت عينيها على البكاء بعجز:
- لحمة وفراخ وسمك، أنا اعمل ايه دلوقتي، ويتعمل ازاي! يا ربي ساعدني!
قفزت الفكرة برأسها وسرعان ما بدأت في تنفيذها. سارت على طراطيف أصابعها وهي تتأكد من عدم وجوده بالمكان حتى وصلت غُرفتهم وشرعت في البحث عن هاتفه. رد الأمل إليها عندما عثرت عليه، ثم فارقت الغرفة سريعًا وهي تتلفت حولها كلصوص الليل. ما أن عادت إلى المطبخ فتحت مُحرك البحث "جوجل" وأخذت تبحث عن وصفات صحية وسريعة..
متصفح وراء الأخر ظلت تتنقل بينهم بحيرة حتى رفعت رأسها وانفجرت منها شهقة مدوية عندما وجدته بجوارها يُشاهد ما تُشاهده. رفع حاجبه مُتسائلًا:
- بتعملي أيه!
اتسعت عيناها هلعًا وبررت موقفها بخجل:
- اسفه أخدت موبايلك بدون اذن، بس والله انا متلخبطة كده ومش عارفة أعمل أيه!
كانت تهذي بكلمات انطوت فى ثنايا ارتباكها حتى لاحظت ابتسامة خفيفة منها وهو يسألها:
- أنت متعرفيش تعملي أكل!
قفلت عيونها وهزت رأسها بالنفي، فلم يكن لديها الجُرءة أن تعترف بفشلها الذريع. ظل يتأمل جمالها الذى لم ينجح التيه فى أن يحجبه بل زاده وقال متفضلًا:
- ورطة بصحيح، وأنا كمان مش بعرف اعمل اكل، بس ممكن اساعدك.
ارتطمت نظراتها بابتسامه واسعه مرتسمة على ثغره ثم قالت:
- طيب أيه رايك نعمل الوصفة دي، بس هي جابت الفراخ وقطعتها وسوتها بالخضار!
زام ما بين حاجبيه وهو يُشاهد الفيديو حتى قال متحمسًا:
- طيب أيه مش هنبدأ!
فتلك المرة حالت نظراتها من القلق الى الإعجاب بمساعدتها وعدم تركها فريسة لفكي المأزق. هزت رأسها بخفوتها وهي تتأمله بعيونها الملائكية وقالت:
- ماشي، يلا نبدأ….
كلما تضيق علينا الايام تمنيت لو يعود بي الزمن حيث ما كنا صغار. ثَقُلت قُفة الهم فوق كتفيها تلك التي تحملها بمفردها، ولا تعلم إلى أي مرسى ستتخلص من تلك الأعباء! مع مطلع الساعة الثانية عشر تجلس "شمس" أمام الشرفة تتأمل النجوم وتُعلق على كُل نجمة حِملًا مما أثقلتها به الأيام حتى أختتمت حيرتها بنظرة طويلة من "تميم" الذي يتفحص شاشة الحاسوب وقالت لنفسها بشرودٍ:
- ليـتنا نستطيع أن نسأل الطرقات عن نهايتها قبل أن نسلكها.
فردت ساقيها المقوسة ثم تقدمت نحوه بخطوات مُترددة حتى وقفت عن طرف فراشه وطلبت منه:
- فاضي نتكلم شوية!
قفل شاشة الحاسوب ثم قال مُرحبًا:
- آكيد، اقعدي..
جلست بجسدها النحيل على طرف الفراش، وأخذت تُحرك أهدابها التي خاصمها النوم بحيرة حتى سألته مترددة:
- مش متعود تسهر للوقت ده!
- أبدًا يا ستي، كان عندي شغل ولازم اخلصه!
تمتمت بغرابة:
- شُغل! أنت بتشتغل؟!
زام ما بين حاجبيه وهو يتتبع نظرات عيناها بحرص:
- طبيعي أكون بشتغل! أومال هستنى أخد المصروف يعني!
رمقته بنظرة ممزوجة بالإعجاب والتعجب حتى ترجمها بمهارة وقال:
- قصدك يعني ازاي اشتغل وأنا كده، وممكن مش محتاج الشغل اصلا!
نفت جملته بسرعة وهي تُشيد بإعجابها:
- إطلاقًا، أنا فخورة بيك جدًا..
ثم فركت كفيها بتششتٍ وهي تطلب منه:
- أنا معرفش عنك حاجة لحد دلوقتِ، ممكن بقا تحكي لي عنك! قصدي بتدرس أيه! شغلك! حياتك! امم والدتك؟!
تملكت الهواجس عقله ولكن شيء ما بداخله قضى عليها وأجابها بمنتهى الصدق:
- أنا يا ستي درست سنتين في هندسة كانت العمارة حلمي، وفي اليوم اللي ظهرت فيه نتيجة تانية جامعة أخدت والدتي عشان نحتفل سوا، وأحنا وراجعين حصلت الحادثة اللي سابتني فيها ومشيت، وأنا زي ما أنتِ شايفة!
بَدَت بهدوء غير معهود وهي تستمع إليه باهتمام. تبدلت نظراتها إلى أخرى مُحملة بالشفقة وقالت بخفوت:
- ربنا يرحمها..
ردد في سره "أمين" ثم أكمل قصته عليها و:
- عدت سنة في التانية ومفيش حل، حسيت عُمري بيضيع، ابتديت اقدم في جامعات بره للتعليم الأون لاين، لحد ما أخدت ماجستير في الهندسة من أكبر الجامعات في أمريكا.
هبت بفخرٍ شديد:
- بجد أنت عملت كل ده؟ أنا مش مصدقة!
شعر بدفء قلبه عندما رأى تلك النظرات السعيدة التي تلمع بالفخر، كمتسابق قضى عُمره يركض وينتصر دون سماعه إلى هتاف مشجع واحد، دقت الحياة بقلبه من جديد وهو يسألها بعدم تصديق:
- الموضوع بسيط مش مستاهل كُل ده على فكرة؟
- بسيط أيه؟! أنت مُتخيل بين ٤ حيطان دول عملت أيه، يكفي أنك مستسلمتش وكملت وعافرت!
سقط حُزنه من بين كلماتها الجاسرة وقال:
- العجز مش سبب للفشل، بالعكس هو دافع للنجاح عشان تعوض الجزء المُفقود منك! الاستسلام مفيش أسهل منه، بس نتايجه مش مُرضية!
الغرق ليس السقوط في البئر، لا أحد يمكنه وصف السمكة بالغارقة لكنها بالمقابل تغرق في الهواء فالغرق الحقيقي هو أنك تسقط في مكان لا يُناسبك!
كانت نظراتها مُفعمة بالاعتزاز والفخر بقوة المُحارب التي تغمره، راق لها التحاور معه حتى اخبرته بتباهٍ:
- لسه واخدة بالي من حاجة مهمة أوي!
- فيـا!
أومأت رأسها بحماس وأكملت:
- أنك انجح حد أنا قابلته في حياتي كلها..
" بشُرفة غُرفتها بالفندق "
وجهها الهادئ لا يفصح عن شيء يملأها مثل بلادٍ مشتعلة بالثورات، لكنها صامتة على الخريطة لا أحد يسمع صدى استغاثتها.. ضجة الشعور التي تغمرها بسبب الفقد، حتى تنهدت بتحير وهي تطالع نجوم السماء:
- هل سأكون الفاقدة أم المفقودة؟
للحظة أحست بدقة قلبها عندما تذكرت كلماته المُشاكسة التي تُدقق في أقل تفاصيلها، أصابت رعشة الإعجاب قلبها حتى حرقتها نبرة صوته العالية بغضبها الثائر من تمرده عليها وهي تلتفت يسارها للشرفة المجاورة لغُرفتها تطالعه حتى أنهى مُكالمته.. لحظ تركيزها معه فلم يُطيل من أمر المُكالمة وأسرع في قفلها.
اقترب منها مُستندًا على سور الشُرفة مُتسائلًا بفضول:
- منمتيش ليه!
بين الانبهار والانجذاب للحديث معه إلا أن هناك حاجز بينهما يُدعي بالكبرياء. انكمشت ملامحها العاقة لقلبها:
- شايفة أنك تركز في شُغلك أهم من انك تركز معايا!
يُقال بأن المُشاكسة أول درجات الحب، تبسم بهدوء متعمدًا سن اسلحته الثلجية وقال:
- معاكِ حق، بس يمكن ده عشان القمر مش موجود النهاردة فـ السما ولا في قمر في أوضتي، غصب عني مركز معاكِ!
جحظت عيناها بارتباك مُعلن ألتمسه بجفونها المُرتعشة:
- أحنا هنرجع القاهرة أمتى!
- مش دلوقتِ، لسه قُدامي كذا حاجة لازم اخلصها!
رمقته بشكٍ حتى أردفت بتخابث:
- موصلتش لحاجة! قصدي يعني بخصوص أهلي وأنا مين!
هز رأسه بعدم اهتمام كأنه يُعيد ترتيب ما في قلبه و:
- لسه!
تفاقم الشك بجوفها حتى مُلئت بالقلق منه، حدجته بنظرات الدهشة حتى قطع حيرتها صوت هاتفه الذي رد عليه سريعًا، أخذت تُراقب تبدل ملامح وجهه حتى انهى مُكالمته مزفرًا:
- ماشي يا سارة، نازل لك!
وضع هاتفه بجيبه ثم نصب قامته قائلًا:
- أنا مضطر انزل، هتنامي!
حكت جدار عنقها مما يعكس خبايا نواياها حتى هذيت بسؤال لا يليق بشموخها:
- هتتأخر!
توقف للحظة إثر ذلك السؤال الفضولي منها، لمعت عيناه بلهفة دعوتها وعاد قائلًا:
- أنا ممكن منزلش خالص لو حابة!
أردفت بسرعة وهي تلوم نفسها بالداخل:
- لا مش قصدي…
- أومال أيه قصدك!
أحمر وجهها بحُمرة الخجل والتشوش وهي تبرر له موقفها العبثي:
- قصدي هروح أنام بقى… هروح انام حالًا!
فرت من أمامه كعصفورة مُغردة طربت عينيه قبل مسامعه فتبسم لها متعجبًا من شأنها. دخلت "حياة" الغُرفة تتنهد باستراحة محارب من تلك الحياة التي كدست كل الهموم دفعة واحدة فوق عاتقها.. ركضت نحو الباب تترقبه من العدسة السحرية حتى ضمنت ذهابه تمامًا، عادت نحو مخدها وتناولت شالها الطويل الذي رمته على كتفيها ثم فردت شعرها عليه وخرجت متسللة على أطراف قدميها..
سارت بالممر تتفقد أحدى الغُرف التي سبق وسألت عنها بالاستقبال حتى دلها على الغرفة رقم (٣١١)، غرفة وراء الأخرى حتى وقفت مُتصلمة أمام بابها.
لملمت شتات صدرها وبقبضة يدها المُرتجفة طرقت على الباب بتردد. بالداخل يأتي صوت "قاسم" متحدثًا في هاتفه بالايطالية:
- Lo risolverò il prima possibile (سأحل الأمر بأسرع وقتٍ ممكن)
فتح باب غُرفته غير مُصدق عينيه عمن يراها، اعتذر من كارين وقفل الخط بسُرعة وقال بلهفة:
- قلبي كان بيقول لي إنك جاية.
ثم فتح الباب على مصرعيه قائلًا:
- تعالي تعالي ادخلي..
لم يجد أي خطوة منها مُلبية لطلبه حتى كرر طلبه:
- مش هنحكي على الباب، تعالي جوه.
دخلت الغرفة بخطوات مُترددة وألف صوت يصدح بداخلها أن تفر ولكن بحثها عمن تكون كان سببًا كافيًا لتخدير جميع الأصوات. اختلج قلبها عندما قفل الباب وأحست بضيق نفسها. لما تنفست رائحته، فكان الأمر بالنسبة لها كحبل المشنقة.. دلفت إلى الداخل واقفة في أحد أرجاء الغُرفة وسألته بدهاءٍ كي لا تخبره حقيقة فُقدانها للذاكرة فيستغلها وتصبح مُضغة بين أنياب خبثه:
- أنتَ عايز مني أيه!
أخرج من الثلاجة أحد زجاجات العصير المُعلبة وقدمها إليها:
- اشربي!
رمقت يده بغضبٍ وتجاهلت ما يقدمه لها، حيث عادت سؤالها بنبرة أقوى:
- أنت عايز مني أيه!
أسبل عيونه بمكرٍ:
- ده سؤال بردو يا سيلا! أكيد راجع عشانك، راجع اصلح كل اللي عملته.
اضطربت ذاكرتها التي فشلت في استراجع أي شيء ولكنها أصرت على استكمال تمثيليتها:
- كويس أنك لسه فاكر اللي عملته!
صرخ بغضب في وجهها مبررًا أفعاله الدنيئة التي اقترفها:
- مكنش قُدامي حل تاني، مكنتش عايز لا أخسرك ولا أخسر مستقبلي!
أحست أنه يتحدث عن خدش عميق بروحها عاجزة عن معرفته، فرت دمعة العجز من مقلتها وأكملت:
- الحياة كلها اختيارات، عشان تكسب حاجة لازم تخسر قصادها حاجة! الطماع بس هو اللي عايز يكوش على كل حاجة!
اقترب منها محاولًا لمس ذراعيها ولكنها أبت بشدة قُربه، برر ما يُشير إليه:
- عارف، وعارف أني اتهورت ساعتها، بس أنا كُنت عايز ارجع القاكي، مش القاكي متجوزة واحد تاني ومغيرة اسمك! فاكرة كده هتهربي مني يا رسيل!
ثم وقف مُتحديًا أمامها وأعلن رايات تملكها:
- لا، وألف لا! واللي اسمه عاصي ده مش هيعرف ياخدك مني حتى ولو هدفع روحي، والمرة دي انا اللي مش هسيبك واهرب يا رسيل، عارفة ليه لأنك بتاعتي وبس فاهمة!
يمكن للمرء أن يتجاوز كل شيء إلا نسيانه لتلك الخدوش التي شوهت صفحة قلبه البيضاء إلى خريطة مليئة بالألغام، أحست "حياة" بشيء مُريب لزم الهرب منه، ما أن استدارت لتغادر قفص الأسد فوجئت به يعيق طريقها عنوة:
- رايحة فين! أنا ما صدقت لقيتك.
صرخت بوجهه:
- أبعد عني..
هنا ثار جنون وشهية الحيوان المفترس ببدنه، انقض عليها كما تنقض الذئاب على فرائسها، شل حركتها كي يظفر بها بين ذراعيه، دفعته بكل قوتها محاولة النجاة من مخالبه العدوانية ولكن بدون جدوى، بات الأمر اشبه بقطة في قفص النمر الذي لا يرحم، لا تنقذها خربشتها ولا تمردها، رمى جسدها الهازل في منتصف مخدعه فانخلع شالها من شدة المقاومة..
في تلك اللحظة خلع فيها منامته الحريرية كي يظفر بضحيته، تحول قلبها لمصفاة من كثرة الندوب ظلت تتراقب واقعها السحيق بذهول، حتى هبت شظايا قوتها والقت بها بعيدًا عن تلك المرتبة المكون من لهب لأحزانها، ركضت محتمية بأحد الأركان وهي تصرخ بوجهه بنبرة نزفت فيها روحها إثر طعنات الأسى:
- أنت مش بني آدم، بقول لك سيبني! انت عايز مني ايه!
- ولو مفكرة أني هسكت واسيبك لجوزك ده تبقي بتحلمي، دانا اقتله واقتلك ولا اسيبكم تتهنوا ببعض!
كان يهب مع كل ريح كلماته الفوضوية، اقترب منها كاسرًا قانون المسافات وأكمل هذيان:
- يا ترى غيرتي اسمك ليه! ولا عشان تضحكي على جوزك وتأكليه الأونطة! يا ترى قولتي له ايه عشان يتجوزك!
كانت كلماته الأخيرة يرد صداها بملامح وجهها لقُربه منها، دفن أنفاسه في جدار عُنقها لاهثًا لقربها متجاهلًا صرخاتها وتأوهاتها وتملصها منه، صرخت صرخة استغاثة وهى تمد يدها وتبث بعيون مُرتعدة لتتناول أي شيء يُنقذها من طوق أنفاسه الخانقة، ما أن امسكت يدها بالمطفأة الزجاجية لتنزل على رأسه بقوة جعلته يبتعد عنها متمسكًا برأسه وهو يشتمها علنًا، أخذت انفاسها بصعوبة شديدة وهى تستند على كل ما يجاورها وتتمسح بالجدران حتى وصلت إلى باب قفصه اللعبن وتحررت العصفور من أسر نواياه الشريرة.
ثم تعود مرة آخرى إلى تلك الشهقات الطويلة، مُتأرجحًا على حبال الموت والحياة، شهقة تعيدك لثوب الحياة وآخرى تعيدك للكفن، ذبول ثم استيقاظ، شرعت أزاميل الذاكرة أن تتأكل برأسها وهي تركض وتركض ولا تعلم إلى أين المصير!
في نهاية الممر الذي سلكته على الزجاج المُهشم من روحها، حانت منها التفاته للخلف تتأكد من عدم اتباعه لها وما لبثت أن تسترد استقامته ارتطمت بسور حمايتها، شهقة الولادة اندلعت من ثغرها وتعلقت عيونها المستغيثة بأهدابه التي خيمت فوقها بالأمان، تشبثت بمعصميه وما أن حست روحها بالأمان، فرت مش جسدها المشحون بالقلق وسقطت بين يديها فاقدة للوعي.
وخز قلبه بأشواك الفقد مرة أخرى فـ جثى على ركبتيه مناديًا باسمها:
- حياة!
تنفقد نبضها بلهفة فلم يتحمل المزيد بل حملها بين ذراعيها عائدًت إلى غُرفته بسرعة مهولة كأن هناك حنان ما يستكين بين ثنايا تمرده!
خرجت سارة تجر ذيول خيبتها من بوابة الفندق العملاقة الذي حُفر أعلاها اسم دويدار وهي تنتوي شرًا عن تلك الطريقة التي رفضها بها عاصي، خاصة بعد ما تذكرت تلك الفتاة التي كانت تُرافقه عند الميناء ويطوقها بحنو، صعدت سيارتها وهي تحترق في بركان الغيرة والغضب ثم زفرت بـ غلٍ:
- طيب أنا هوريك يا عاصي بيه!
فتحت هاتفها وبحثت عن رقم فريد الذي رد مُتلهفًا:
- كُنت متأكد إني مش ههون عليكِ!
تأففت بضيق ثم فجرت قنبلتها:
- أنا لقيت اللي بتدور عليه، لازم نتقابل.
حاول أن يستفهم منها ما تُشير إليه ولكن ختمت حوارها بحزم:
- لما اشوفك هتعرف….
" صباحًا "
تتشابه أيامه بالحسرة على ما كانت عليه! نفس الحدث يتكرر أمامه بصورة أقسى من قبل، يقف حائرًا يُطالع فراشته التي تتوسد مخدعه ورأسها المحاطة بلفافة شعرها الأشبه بشعر الجنيات. أ هل تلك العتمة التي تحاصرها ظُلمة ماضيها أم ظُملتها التي تجعلها أكثر جمالًا!
عن رائحتها التي شدته من ياقته رغم عنه وأصبح مدمنًا لها يفتش عنها في جميع النساء ولكن سرعان ما تُبيتُ محاولاته بالفشل. يقال بأن لكل إمراة سحرٌ خاص بها ينجذب إليه الرجل، وهذه الحورية تكمن تعويذة سحرها في رائحتها الفريدة التي جعلته ينفر من جميع النساء ولا يشتهي غيرها! رائحتها كافية أن تُحسن المزاج الكدر!
تفقد شاشة هاتفه التي لم تُفارقه طيلة الليل وهو يُكرر في اسمها كأنه يعزف على بيانو ضربات قلبه، السجل الكامل عن هويتها ومهاراتها وعائلتها كل شيء عنها بات تحت يده ولكن صدح صوت الملكية بداخله بإعلانه عن امتلاكها وأنها هدية البحر له عن كل شكواه التي احتضنها الموج.. قفل الشاشة بفتور وفارق مقعده عندما لاحظ هذيانها وأنين أوجاعها المدفونة… ربت على كفها ليُطمئنها:
لقطات عابرة من تلاطم موج البحر وغضبه عما يحدث بحوريته وابنته المُدللة وهي تستغيث، تستنجد بمن يلحقها من شرور وأنانية البشر، من غدر من اتخذته حبيبًا واليوم قرر ذبح حمامته البريئة كي لا تُحلق بدونه، كي يضمن وجودها بنفس المكان تنتظره.
هاج البحر بـ أصوات صاخبة وكأنه يصرخ معها معترضًا عن تلك المذبحة القاسية، وشاركته السماء في غروب شمسها هربًا من قسوة المشهد وتساقط عبراتها حزنًا، وصرة صوت الرعد الذي ثار ببوق الفزع مُعلنًا اغتيال قلب آمن بالحُب ولم يجن من حبه إلا دماء عذريته..
تلهج بكلمات استغاثة غير مفهومة وتتصبب قطرات العرق من معالمها الحزينة حتى فزعت صرخة مُحتمية بصدره الأمن داخنة وجهها به مختبية من قسوة العالم وهي تلهث بصراخات مكتومة حركت كل ساكن بقلبه!
طفق يقول وكأن يهذى بالكلمات وهو يمسح على شعرها:
- متخافيش أنا موجود مش هسيبك احكي لي!! طيب خلاص متحكيش اهدي، اهدي لو سمحتي كدا هتدخلي في نوبة عصبية.
ظلت محتمية بصدره لمدة طويلة حتى غلبها المُهدئ وارتخت قبضتها على سترته وباتت تتراجع للوراء تدريجيًا، أحس بابتعادها عنه، فـ سند ظهرها برفق كي تستريح وتهدأ..
في تلك الاثناء رن هاتفه، فركض بعجلٍ:
- أيوه يا يسري! شوفت الكاميرات!
طأطأ يسري بخزى وأجاب بنبرة آسفة:
- شوفتهم يا فندم، وحياة هانم في الوقت ده كانت طالعه تجري من أوضة قاسم صفوان!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نهال مصطفي
” رسائل لن تصل لـ صاحبها ”
أن تحب شخصًا ما ، يعني أن تؤمن أنك و من خلالِ حُبه ستصل إلى حقيقة ذاتك ، لذا أحببتك لأني قرأت بعينيك جوابًا صادقًا لحيرتي :
– من أكون؟!
••••••••
نعجز قبل أواننا بقدر الأيام التي نصمت فيها عما يُؤلمنا ، وعما تحفره سكاكين الليل على ملامحنا ، قضت عالية ليلتها فوق مراجل القلق الذى باتت توصله لأبواب السماء حتى أشرقت شمس يومها لتحرق صفحات الليل المؤلمة ، كانت تجلس على حافة الأريكة تقرأ وردها الصباحي في المُصحف الذي أهداه إليها حتى توقفت عند تلك الآية من سورة مريم التي لم تفشل لمرة في مواساة قلبها :-
“ولم أكن بدعائك رب شقيًا ”
يقف مُراد أمام المرآة يرتدي ” جاكت بدلته ” السوداء بعدما انتهى من قفل ساعته حول معصمه ، دار إليها مُتسائلًا :-
يومك أيه النهاردة !
تآزر عليها الوجع لقلة حيلتها وقالت :-
مفيش !
توقف عن ارتداء سترته ووضعها مرة آخرى على طرف مخدعه بعد ما استشعر نبرة الحزن بصوتها ، اقترب منها موضحًا :-
عالية ، أنتِ مش محبوسة هنا ، بمعني ليكي حياتك ودنيتك ووثم جلس بجوارها مُكملًا بهدوء :-
أنتِ مش المفروض لسه فـ الجامعة ! مش بتنزلي ليه ؟! دي الامتحانات قربت .
بدا على وجهها الانزعاج وهي تُجيب بغموض يُثير الفضول :-
مش مهم ، أنا أصلا مش هدخل امتحانات السنة دي !
تجهم وجهه بامتعاضٍ :-
وده من أيه أن شاء الله !
تغلبت على ترددها وقالت بوضوح :-
بصراحة من وقت حوار الصور ده وأنا معنديش الجُرأة اروح الجامعة ، فـ قُلت يعني لو …..
لم يمنحها الفرصة لاستكمال قرارها الأحمق وقال بحزمٍ :-
قومي البسي يا عالية ..
سرت رجفة مباغتة بقلبها وهي تستفهم منه :-
ليه ؟!
حملق بعينيها صارمًا فـ قطع جذور قرارها الخاطئ وقال :-
هوصلك الجامعة ..
زامت شفتيها بدهشة وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا بـ رهبة :-
لا ! مش هينفع صدقني .
احتدت نبرته التي لا تقبل التراجع والرضوخ لأوهام العقل التي تخشى حديث الناس الذي لا يُقدم ولا يُؤخر ، نصب قامته القوية و أتبع بحزم :-
هستناكِ بره تكوني لبستي ، متتأخريش .
••••••••
–“أيه اللي لازم اشوفه بنفسي يا يسري! ”
تلك الجُملة التي أردفها عاصي الذي يسير بخطوات واسعة مُتجهًا لفحص الكاميرات ، يتبع يسري خُطاه شبه راكضًا كي يلحق به وهو يقول :-
لما تشوف معاليك هتعرف بنفسك ..
وصل الاثنان إلى غُرفة الفحص ، أشار يسري للموظف أن يعيد تشغيل المقطع مرة أخرى ، تحرك شريط المقطع لـ يستعرض الحدث المُرعب الذي بدأ بوقوف ” حياة ” أمام باب غُرفة النزيل ” قاسم صفوان ” ثم الحديث الفقير بينهم قبل دخولها لغُرفته .
احمرت معالم وجه بجمر الغضب وهو يجز على فكيه بشراسة لما يره ، قَدم الموظف الشريط لتلك اللحظة التي خرجت فيها قطته هاربة وهائمة على وجهها بدون شالها ، بكل ما أوتى من غضبٍ ضرب على سطح المكتب الخشبي أمامه ، دنى منه يسري :-
متقلقش معاليك شكله في …
دفعه عاصي بقوة ثم غادر الغُرفة بسرعة مُتجهًا إلى الغرفة التي يقطن بها المدعو ” قاسم ” ، لحق به يسري وهو ينادي عليه حتى ختم ندائه مُتسائلًا :-
حياة هانم ايه علاقتها باللي اسمه قاسم ده !
يصارع عقله لقتل ما يطويه غضبه ، اكل خطاوي الأرض بسرعة تضاهي تجبره ، انقض على باب غرفة قاسم كما ينقض الجيش على عدوه ، كاد يخلع الباب من شدة الطرق ، يقف ورائه يسري محاولًا أن يهدأ من روعه ويحافظ على مظهره :-
معاليك ممكن تهدأ !
فتح قاسم الباب وهو يضع ” قِربة الماء البارد” على رأسه إثر ضربة ” حياة ” التي أكملها عاصي بلكمة قوية تحت عينه مما جعله يتراجع للوراء إثر ما تلقاه ، تقدم عاصي خطوة للداخل بهيئته المُفزعة وصاح :-
أنت مفكر نفسك مين ! دا انا امحيك من على وش الأرض !
كاد يسري أن يتقدم خطوة إلى الداخل ولكن باغته عاصي بالباب في وجهه ، أغمض جفونه متسبمًا كي يتلقى بصدر رحب وهو يُعيد طرق الباب بتردد وينادي بصوت خفيض:-
عاصي بيه !
ثار جنون عاصي وهو يقتحم غرفة قاسم التي كان منبعًا لتلقى الضربات المُباغتة ، فتح عينيه المشوشة على حذاء عاصي اللامع بضُلمة الأيام التي عاشتها رسيل بعد مغادرته ، ثم تدرجت أنظاره لأعلى حتى وجد نفسه أمام الطُوفان الذي سيقضي بحياته ، تلاقى الثنائي حتى تمالك عاصي زمام ضجره:-
أيه علاقتك بمراتي !
أدرك قاسم بأنه أدخل اول هدف في مرمى عدو ، افتعل التجاهل ثم أدرف مُستفهمًا :-
مش فاهم !
جز على فكيه بامتعاض وهو يكور قبضة يده بغلٍ :-
مراتي كانت بتعمل عندك ايه بالليل !
التوى فم الذئب ببسمة المكر وقال :-
طيب مسألتهاش ليه ! لسه قايل بنفسك هي اللي جات !
ثم استدار وهو يضرب كف على الأخر متعجبًا حتى أتبع :-
عيبة كبيرة أوي في حقك يا عاصي بيه !!
- مش هكرر سؤالي تاني ! أيه علاقتك بيها ! وجات لك ليه ؟!
اقترب قاسم من زجاجة ” النبيذ ” وصب كأسه وقال ببرود :-
أبدًا كل الحكاية عجبتها ، وجات عشان نتعرف !
ثم أسبل عيونه الخبيثة بعد ما حمل في يده الكأس :-
بالحق هي قالت لك جات ليه ؟!
تجرع محتوى كأسه رشفة واحدة ثم قال بصوت منخفض متعمدًا إثارة شروره :-
اعتبرها نذوة ستات وراحت لحالها ، متشغلش بالك!
ختم عاصي جملة قاسم الأخيرة بفهوة سلاحه التي توسطت جبهته وهو يقول مهددًا :-
لما عاصي دويدار بنفسه يسألك سؤال يبقى تجاوب على أده ، وبما أنك تجاوزت خطوطك الحمرة معايا ، فالرد عليها بالخطوط الحمرة بردو .
فُرع قاسم عندما وجد نفسه تحت رحمة سلاحه ، ارتعشت عينيه بذعر وهو يطلب منه راجية :-
ابعد البتاع ده وهنتكلم بالعقل !
شد أجزاء سلاحه مُعلنًا حربه على من تعدى حصونه وقال :-
أنت خليت فيها عقل !
احتدت نبرته وهو يجهر بوجهه :-
أيه علاقتك بيها !
تردد عاصي في جوابه حتى أردف مُجبرًا :-
كانت خطيبتي ..
- أنت هتشتغلني يالاه !
قفز الرعب في صدره :-
حتى روح اسألها !
حدجه عاصي بعدم تصديق وأتبع مُكملًا في مسرحيته المُزيفة :-
وبعدين ، جات تقول لك أيه ؟!
انتفضت أعينه برائحة الكذب التي شمها عاصي بمهارته :-
قالتلي بلاش أع أعرفك إني كنت خطيبها ، لانك بتغير وممكن تلغي الصفقة كلها لو عرفت !
ابتسم عاصي بانتصار ، ضحكة مناقضة للموقف ، رجع السلاح وراء ظهره ثم مال ليأخذ شالها وقال بغرابة :-
جيت مخصوص عشان أخده !
ثم حدجه متوعدًا :-
راجع لك ! كلامنا مخلصش ! ولسه متحاسبتش عليه .
بمجرد ما ألقى وتيرة تهديداته المُقلقة انصرف من الغرفة بعد ما خبط بابها ورائه بقوة ، التقى بيسري أمامه الذي تأهب كي يتبع خُطاه حتى أوقفه عاصي قائلًا :-
أنت رايح فين ! تقف هنا وتجيب اتنين معاك ، مش عايزه يتحرك من أوضته يا يسري ، رقبتك مقابل رقبته ! فهمت .
تراجع يسري بطاعة وهو ينفذ اوامره-
تمام يا باشا ، فاهم فاهم !
••••••••
- لا بقول لك أيه يا شمس ، فوقي يا حبيبتي كده واطلعي من جوه العياط ده ، أحنا مش جايين هنا نعيط ونندب حظنا !
أردفت نوران جُملتها الأخيرة وهي ترتشف الشاي مع اختها في شُرفة الغرفة ، فـ كانت نبرتها قاسية للحد الذي لا يقبل الجدال ، زفرت شمس بتردد :-
حاسة إني عايزة اتراجع ، والست عبلة دي منها لربنا ، هابقى أدعي عليها .
تركت نوران الكوب من يدها وهي توبخها بشدة :-
دا أنا اللي هدعي عليك! لا الله يرضى عنك أنا مش لاقية صحتي في الشارع ، وعبلة الهبلة دي هوريها بنت شُبرا هتعمل فيها أيه !
رمقتها شمس بفتور :-
هتعملي أيه يعني ؟! يا نوران أحنا أيه دخلنا العالم بتاعهم ده !
ضربتها برفق على كتفيها بعد ما نفذ صبرها من سذاجة أختها :-
لا فوقي لي كده ونلطم على خدنا ، وشغلي كيد النسا اللي جواكي واسمعيني !
التفتت شمس إلى أختها باهتمام لانها ابتدت تسرد تفاصيل خطتهم وكأنها تستعرض مواهبها على خشبة المسرح :-
أنا طلبت لك شوية حاجات أون لاين محصلتش ، هيوصلوا كمان شوية ، عايزاكي تلبسي العباية الفراشات وتنزلي بيها تحت وترفرفي بجناحاتها كده قصاد اللي ما تتسمي دي ..
كيف يُمكن إطفاء شمس الخير التي تسكنها مهما حجبته الغيوم يظل لامعًا! ، اقتطبت ملامح شمس بغرابة :-
حاجات أيه ! ومين قال لك تطلبي لي حاجة ! أنتِ اتجننتي يا نوران !
تمسكت نوران بشعرها بنفاذ صبر من بلاهة أخته ، أغمضت عيونها وأخذت تعد من واحد لعشرة ، وما أن انتهت من العد أخذت زفيرًا وشهيقًا مرتفع وقالت لنفسها :-
طولي بالك يا نوران ، هتفهم ! مسيرها هتفهم !
ارتسمت ابتسامة زائفة على وجهها وقالت بجزعٍ :-
جوزك اللي قال لي ، بس دا مش موضوعنا يا دكتور !
- أنتِ اتجننتي يا نوران ، وهو في أكبر من الكارثة اللي عملتيها ! ازاي تاخدي منه فلوس !
- أنا نفسي افهم انت كُنتِ فين وهما بيوزعوا كيد النسا ! ها كنتِ فين ؟! أنتِ بالحالة دي هتشليني .. شمس تعرفي تنفذي وأنتِ ساكتة !
توغلت في أعماق قلبها اليقظ وقالت بعتبٍ :-
دلوقتي هيقول عليـا أيه بس ..
ندبت نوران حظها وهي تصيح بكللٍ :-
اه ياني يا دماغي منها !
ثم وثبت قائمة لتورطها :-
بعد الضهر أهل الحارة جايين يباركولك يا عروسة ، وسيبيني أنا بقا هنفذ الباقي ..
ختمت نوران جملتها بصدمة وهي تسألها باهتمام :-
شمس ، هو مين اللي نازل من العربية ده !
وقفت شمس لترى ما تُشير إليه أختها وقالت بشكٍ :-
ده ابن خالتهم ، سمعتهم مرة بيقولوا كريم ، اللي أمه تبقى جيهان اللي عاصي طردها !
أطلقت نوران لعنة في نفسها ثم شردت واضعة سبابتها على وجنتها وقالت بتيهٍ :-
شكله مش موضوع بسيط !
شمس بتعجب وحيرة :-
يعني أيه ؟!
اتكأت نوران على سور الغرفة وهي تتذكره عندما عرفها على نفسه بأنه سائق بالقصر ، بدون وعي أكملت :-
ده في غدر وفي حوارات !!!! آه يا ابن الـ*** !
••••••••
“مداوة الإشاعات بمواجهتها ليس بالهروب منها ”
تلك الجُملة التي أردفها مُراد ناصحًا عندما صف سيارتها أمام بوابة الجامعة ، طالعته ” عالية ” بتوجس :-
أنت متأكد أزاي أنها إشاعات !
أبطل محرك سيارته واتكئ للخلف وهو يطالعها :-
عشان يا عالية الصور دي كانت عندي من يوم كتب كتابنا !
جحظت عينيها بذهول :-
نعم ! ما قولتليش ليه !
حافظ على هدوئه واتبع :-
اه منكرش إني عاملتك وحش يومها ، وظلمتك ! بس بعد جدعتنك في المحضر وأنت مرضتيش تتهميني بأي حاجة ، قُلت لا البنت دي وراها حوار ، وأنا لازم أعرفه ، في حاجة غلط ! لدرجة إني شكيت أنك مش أخت عاصي وتميم !
انكمشت ملامحها التي خيمت البراءة عليهما وسألته بصدمة :-
وبعدين !
- ولا قبلين ، كان لازم اتأكد من حوار الصور ده ، اللي لو تعبت نفسي دقيقتين هعرف أنها فييك ، وفعلًا اتاكدت أن الصور مش حقيقة .
هرهرت الدموع من مُقلتيها بحُرقة :-
ليه عملت كده ، يعني واحد مكانك كان ممكن يتلكك ويرتاح من الجوازة دي !
كفكف بيده دموعها السائلة على وجنتيها وقال بحنو لم يعلم من أي جهة تسرب إلي قلبه القاسٍ ، ولكنها أخفاه وراء ستار المزاحٍ :-
يابنتي أنت متوترة تعيطي ، افضفض لك تعيطي ، كل كلمتين بعياط ! أنا كده هبطل اتكلم معاكِ !
امتص غضبها بذكاء حتى هدأت رعشة حزنها وتحولت إلى رعشة الخجل ، ابعدت وجهها عنه بحياء ومسحت دموعها وقالت :-
هنزل أنا !
رق قلبه لخفة روحها وطهارة كلماتها ، اكتفى برفع حاجبه سامحًا لها بالمغادرة ، لملمت حقائبها بعجلٍ حتى ودعته بابتسامة خافتة وتسللت هاربة من قوس عينيه الذي نجح سهمه في اختراق صدرها ، رجل مثله لم يسكنه إلا الصحراء وبمجيئها تحولت تربته الصفراء إلى أخرى مزهرة ترى الحياة بألوانها الخلابة بدلًا من أبيض وأسود عالمه الكئيب ، لم يعمل ما مضى من الوقت حتى عاد إلى وعيه وشرع في قيادة سيارته ولكنه تراجع عندما رأها نسيت هاتفها المُعلق بالشاحن .
عطل محرك السيارة ونزع الهاتف من سلك الشاحن ، ثم هبط منها بعد ما ارتدى نظارته الشمسية ، دخل من بوابة الجامعة يبحث عنها بعينيه القناصة ، لم يترك مكانًا إلا ومسحته أهدابه بنظراته الحادة ، حتى لحظها تقف مع مجموعة من الفتيات وشابين أخرين ..
غلت دماء الغضب الغير مبرر في شراينه ، اندفع نحوها هائمًا خاصة بعد ما رأها تتحدث مع أحدهم ، اقترب منهم فاستمع لحديثهم العابر ، حيث سألها ” عمرو ” :-
ازيك يا عالية .. لسه بردو مش بتسلمي على شباب !
حضنت دفترها ثم قالت بهدوء ومازحته :-
كل مرة تسألني نفس السؤال وتتفاجئ لما أقولك أيوه !
ثم تدخلت أحد رفيقتها :-
فينك يا لوليتا اختفيتي ! قلقتينا عليكِ !
هزت رأسها بيأسٍ :-
عادي شوية لخبطة ..
هنا جاءها صوت مراد من الخلف مُناديًا بنبرته الأجشة :-
عاليه !
استداروا جميعهم إلى مصدر الصوت ، ارتبكت عالية وهي تُلبي ندائه :-
مراد ؟!
نزع نظارته وهو يرمق الشابين بحدة وهو يمد يده ويقدم لها الهاتف :-
نسيتي مُوبايلك .
أخذته بعرفان ثم شكرته :-
تعبتك معلش ..
تدخلت أحد رفيقاتها :-
مش هتعرفينا يا لوليتا !
- هااه !
تعلقت نظراتها المرتجفه بنظرته القاطعة ، رفع حاجبه ماكرًا :-
أيه مش هتعرفينا !
اطلقت أنظارها بعشوائية وهى تقدم له زُملائها ، حتى توقفت عنده وقالت بصوت خافت عكس ما بدأته :-
البيشمهندس مُراد ، ابن خالتي !
في نفسه اللحظة التي انبهرت فيها أحدى رفيقاتها بوسامة مراد ، تفاقمت نيرانه المشتعله وهو يسألها بفظاظة :-
وبس !
مدت أحدهم لتُصافحه وتقول ” فرصة سعيدة ” اندفعت عالية مُوضحة بارتباك :-
وجوزي !
هتف الجميع في نفسه واحد بصوت جمهوري :-
اووووه !
ارتاح فؤاده بإعلانها بانتسابها إليه صراحة أمام الجميع ، أكتفى بـ هز رأسه قائلا :-
أهلًا وسهلًا ..
تقدمت “علا” منشدة بأخلاق عالية :-
يا بختك بـ لوليتا والله ، بونبوناية الشلة .
ابتسم مُجاملة وقال بجفاء :-
عارف!
ثم طالعها بغرابة :-
أيه لوليتا دى !
أسرعت رفيقتها موضحة :-
أوه ! أنت متعرفش ! معلش بقا مضطرة افتن يا لوليتا ..
تحركت الفتاة بخفة لتقف بجواره وقالت بمزاح :-
من أيام المدرسة وعالية مُدمنة حاجة اسمها لوليتا ، ولحد دلوقتي اللي عايز يصالحها عارف نقطة ضعفها وهي اللوليتا !
ضربتها عالية برفق ممزوج بالخجل :-
بس بقا !
بدا على ” عمرو ” ملامح الانزعاج التي قرأها ” مُراد ” ببراعة ، تعمد وضع كفه على كتفها وكأنه يعلن ملكيته لها أمام الجميع وسألها :-
مش في محاضرة أهم من الوقفة دي !
أومأت بخفوت وقالت برهبة :-
معاك حق ..
هنا جاءت أحد رفيقاتهم صاحبة الخطوات السريعة :-
دكتور عوني اعتذر عن المحاضرة النهاردة!
سألتها عالية بتأكيد :-
يعني كده اليوم out !
هزت رأسها بأسفٍ :-
بالظبط .
اصاب الهدوء قلبه ، فكان بداخله صوتًا يصدح يأبى تركها بمُفردها ، ارتدى نظارته الشمسية ومسكها من كفها برفق :-
يبقى يلا عشان أوصل لك !
لم يمنحها الفرصة أن تودع رفيقاتها ، بل سحبها خلفه بعجلٍ وبخطواته المستقيمة التي يخطوها على جمر الغيرة التي ترجمها للغضب من رؤيتها تقف مع زُملائها الشباب .
صعدت سيارته متأففة وهي تعارضه بضيق أفلت نبرة صوتها :-
أنت ازاي تمسكني بالطريقة دي قدامهم ! وكمان ايدي وجعتني !
صعد بجوارها وقفل الباب خلفه بقوة ونهرها :-
و أنت ازاي تسمحي لنفسك تقفي مع شباب فـ وسط الجامعة !
توقف عقلها للحظة محاولة استيعاب اتهامه البشع :-
أنت بتقول أيه ؟!
- بقول اللي شوفته ! واللي ما ينفعش واحدة متجوزة زيك تعمله !
اندفعت مبررة :-
أولًا أنا مكنتش واقفة لوحدي ، ثانيا أنا عارفة حدودي كويس أوي ، ثالثًا عمرو ده صاحبي ومن واحنا في كي جي وجيران ومامته صاحبة مامي ، يعني ..
قاطعها بحزم :-
أهو عمرو ده بالذات هو اللي عصبني !
- لالالا ! أنت السكوت معاك أحسن ، وأنا مش هرد عليك عشان مفيش حاجة أصلًا يترد عليها .
شرع في قيادة سيارته بعنفوان وهو يغمغم :-
يكون أحسن بردو !
••••••••
وكأن فجوة عميقة في الأيام ، كمن يستيقظ ليُحدق في السقف لساعات دون حراك ثم يعود للنوم ، ليس هناك شيء يمكن أن يفعله !
شعور اليأس من كل شيء ، كمن ينظر لصفحة كتاب دون أن يقرأ كلمة ، كمن يشاهد فيلم وينتهي لا يعلم ماحدث ، يسمع لـ أغنية ولا يفهم كلماتها !
كأن جسدي هو من يقوم بجميع هذه الأعمال وعقلها عالقٌ في مكان آخر، مظلمٌ وفارغ !
تجلس على طرف الفراش فلم تجد من تشكو إليه همها سوى الدفتر الفارغ بجوارها ، ظلت تشخبط بعشوائية حتى استدلت على هذه الكلمات التي وصفت حالة روحها .. ألقت الدفتر بملل ونزعت الغطاء محاولة النهوض من مرقدها ، وثبت قائمة متجاهلة الصداع الذي يأكل في رأسها ، تحركت نحو المرحاض ولكنها توقفت إثر اقتحامه الغرفة بشكل مفزعٍ.
تصلبت تعابير وجهها بخوف من علمه بما فعلته ، بللت حلقها وسألته :-
في أيه !
وقف أمامها وهو يحترق ، صمت للحظات يترقب ذبول ملامحها وشيء ما يحذره من انفعاله ، رغم ثوران جيوش غضبه ألا أن هناك درع واقٍ يحميها من سطواه ، ما لبثت أن تحركت خطوه عندما يأست من رده ، غرز أنامله بذراعها وقال :-
ايه خرجك من أوضتك بالليل !
تأوهت قليلًا من قوة قبضته ، فتراجعت متألمة :-
بتوجعني كده !
رجها برفق مكررًا سؤاله :-
سؤالي واضح خرجتي ليه من أوضتك !
لم ترق لها طريقته في استجوابها لذا عاندته متمردة :-
براحتي ، خرجت اشم هوا ، أنت حابسني ولا أيه !
- والهوا ده بنشمه عند قاسم صفوان !
إعصار ثائر بينهما يجمع عالمين متناقضين ، أنثى النار في مواجهة رجل الجليد ، غرقت في عتمة اتهامه وبهتت ملامحها في ضباب الكذب ، ترددت قبل أن تجاوبه ولكنها نهرته بعناد :-
أنت بتراقبني !
- وكمان بتقاوحي ! ده بدل ما تبرري اللي عملتيه !
اتقهرت نبرتها وقالت بـ بحةٍ الضعف :-
سيب أيدي !
رفع حاجبه متعمدًا أن يُثير غضبها :-
ليه هو أحسن مني ! وأنا اللي كُنت فاكرك غيرهم !
صرخت بوجهه محاولة التخلص من قبضته :-
أنتَ مش فاهم حاجة ! بقول لك سيبني ..
شدها إليه حتى ارتطمت بعظام صدره ، واختلطت أنفاسهم المشتعلة بنيران الاتهام والإنكار :-
طيب فهميني سامعك !
من يسقط بالنهر يتمسك بالأفعى لتنقذه ! تلك كانت نظرتها التي أنكرت جميع اتهاماته ، واقرت حقيقة سوء حظها الذي ظنته حبل نجاتها ، تحدته بعناد غير مبرر :-
لا ! عارف ليه ! لأن كل واحد فينا بيلعب من ورا التاني ! أنا مش عارفة اثق فيك خلاص !
اندمج غضبه مع تمردها فأعماه ، غاواه العصيان حتى عصى قلبه مُتبعًا شيطانه الضال ، أحكم قبضة ذراعه الأخر حول خصرها وقال منتويًا الغدر :-
كده نبقى خالصين ، زي ما أنت فقدتي الثقة فيا ، أنا كمان زيك ، واللي روحتي عشانه لغيري أنا هنفذهولك ! عشان شكلك معندكيش حاجة تقوليها !
ختم جُملته مُستغلًا ضعفها مُتبعًا هواه الجامح الذي يحتج كي ينالها ، وقعت الفريسة في شِباك صيادها ، حتى سيطر عليها كامل السيطرة وشرع في تحقيق مبتغاه الذي سعى إليه منذ أن رأها ، أخذت تتلوي بين يده كسمكة فارقت بحر أمانها للتو واستنشقت الهواء المُعكر بطماع البشر ..
خرج زمامه عن السيطرة وتحول غضبه الذي قاده لالتهامها إلى مذاق الكرز الذي يطبع حُمرته على ثغر آكله ، أدركت أن النجاة من مخالبه مستحيلة ، ذلك الرجل التي تمرس على فنون إغتيال النساء في مشنقة أهوائه ، تركت جسدها له وسبحت بذاكرتها الأليمة إلى نفس الشعور ونفس الضعف ونفس الصرخات المكبوتة التي أخذت تقاومها بكل قوتها ، تذكرت سيطرة المخدر على جسدها وجفونها التي انغلقت لترتمي على شاطئ البحر ، عن ذلك الأحساس الذي لم يصل إليه المخدر ، لم يحجبه عنها ، بل عاناته بتفاصيله مستسلمة لا تمتلك إلى دموع سائلة تسقي رمال الشاطيء ..
طالعت أعين عاصي العمياء التي لم تر إلا مطامعه ، وتذكرت تلك الأعين الثعلبية التي فتكت بعذرية قلبها الذي لم يقترف معصية إلا أنه أحب .
في تلك اللحظة التي أوشك أن يتملك منها لسبب لم يعلمه رغم يقينه ببراءتها لكنها تحولت تحت يده عندما وجدها تنتفض ، تصرخ بهلعٍ بعد صمتها الذي سمح له بالتجاوز ، صدمة نفسية أصابتها جعلتها تهذي كالمجنونة ، كمن فقد عقله ، فاق من سطو شره ، وتحولت لهفته إليها لـ لهفته عليها .
بدأ يضرب برفق على وجنتها التي لم تستجب لحديثه السريع :-
أنا كنت بخوفك بس عشان تتكلمي ! ارجعي لوعيك ! صدقيني مش هعمل حاجة أنت مش عايزاها !
كطير ذبيح يتلطخ في دماء أوجاعه ، حالة من الهذيان ونوبة فزع سيطرت عليها إثر تلك ” الفوبيا ” التي ظلت تعاني منها لسنوات ، سنوات عاشت تتحاشى الرجال ورائحة عطرهم وكل ما يجمعها بيهم ، ظلت صرخاتها تتضاعف ، وينتفض جسدها أكثر وأكثر حتى تملك منها الخوف وفقدت وعيها الذي ينقذها كل مرة من قسوة الحياة .. تلك المرة هتف بصدمة مُناديًا باسمها :-
رسيل !
••••••••
لا شيء جديد ، سوى أحزانٌ مُنتفضة في طوابير محطّات قلوبنا ، حالةٌ مشبّعة بشعور الإنهيار ، الكثير من الصمت وفقدان الرّغبة في الكلام.. هذه الحالة التي وصلت إليها شمس بعد ما تعمدت أن تتجاهل أحزانها مرتدية ثوبًا جديدًا لا يليق بها ، الا وهو ثوب الانتقام ..
خرجت ” شمس ” من مرحاض الغرفة الخاصة بـ تميم الذي يباشر اجتماعه على الانترنت ، ارتدت عباءة بيضاء مزخرفة ذات الطراز المغربي ، واقتربت منه بخجل :-
محتاج حاجة !
رفع عينه من شاشة الحاسوب إلى تلك الحمامة البيضاء التي وقفت فوق غصن قلبه ، تحمحم بخفوت مُطالعًا عيونها التي استمدت لونها من خلية النحل وقال بإعجاب :-
أيه الحلاوة دي !
حمرة قانية لطخت وجنتيها وهي تبرر له :-
اضطريت البسها ، أهل الحارة جايين يباركوا ده بعد اذنك يعني !
رد بتلقائية :-
ده بيتك يا شمس ، وضيوفك هما ضيوفي ، ينوروا طبعًا .
هزت رأسها بسعادة عارمة سيطرت على فطر قلقها :-
شكرًا بجد ، طيب أنا هنزل ولما يجوا هديك خبر تسلم عليهم .
- تمام مفيش مُشكلة .
انصرفت شمس مهرولة من أمامه فلم يزيح أعينه عنها حتى اختفت تمامًا ، تنهد بضجر :-
يا ترى أيه حكايتك يا شمس !
” بالطابق السُفلي ”
دخلت ” نوران ” المطبخ بعد ما ارتدت ملابسها الجديدة وقالت بنبرة آمرة :-
مين هنا مسئول عن الغدا !
تقدمت إليها سيدة :-
أنا ، اتفضلي .
طالعتها نوران بغموض ثم قالت :-
هنا الغدا بمواعيد ، وقبل ما تطبخوا تاخدوا اذن الدكتورة شمس ، ويا توافق يا ترفض .
بررت ” سيدة ” اعتراضها :-
هنا كل واحد وطلبه ، ولكل واحد مواعيد أكل محددة ..
شدت نوران المقعد وجلست فوقه وقالت بنبرة عالية :-
لالا الكلام ده قبل ما تيجي الدكتورة شمس ، دلوقتِ الأكل اللي يتعمل الكل ياكل منه ، وحوار أن كل واحد ياكل لوحده ده ، بردو يتلغي …
اعترضت سيدة بأصرار :-
حضرتك ماينفعش ، أحنا هنا بنفذ أوامر عبلة هانم !
اقتحمت ” شمس ” المطبخ وقالت :-
في أيه هنا !
نوران بتخابث :-
في أن البيت ده قوانينه مش عاجباني ولازم تتغير ، ولا أنتِ أيه رايك يا شموسة !
حدجت أنظارها بعتب لأختها التي أشارت لها محذرة كي تستكمل تمثيلها وقالت بتردد :-
كل اللي قالته نوران أختي يتنفذ .
تقدمت ” سيدة ” بجدول الطعام وقدمته لشمس :-
يا دكتورة ده الجدول اللي عبلة هانم بتابعه معانا!
سحبت نوران الجدول قبل أن تفحصه شمس وألقته في سلة القمامة وقالت بتحدٍ :-
هو أنا مش لسه قايلة حالًا الكلمة الأولى والأخيرة هنا للدكتورة شمس ، مش عايزة اسمع اسم عبلة هانم ده خالص ، لانه بيعصبني !
دلفت ” عبلة ” من باب المطبخ وقالت :-
وأيه كمان يا بنت شُبرا !
••••••••
- أديني جيت يا ستي على ملا وشي ! أيه المهم اللي عندك ؟!
أردف فريد جُملته الأخيرة وهو يهبط من سيارته مُلتقيًا بسارة التي تنتظره أمام سيارتها ، رمت السيجارة من يدها ونصبت قامتها قائلة بدلالٍ :-
وحشتني ! هو في أهم من كده ؟!
طالعها فريد بمكرٍ :-
مش مرتاح لك بس هبلعها عشان خاطر عيونك الحلوة دي ؟!
غمزت له بطرف عينها وقالت بميوعة :-
راقبها في توجس مُنتظرًا ما تخبره به ، داعبت خصلات شعرها بتغنج ثم قالت :-
لقيت اللي بتدور عليه !
- مش فاهم ، اتكلمي على طول !
استندت على مقدمة سيارتها وقالت بتخابث :-
بصراحة انا كذبت عليك كذبة أد كده ، وجاية اصلحها حالًا !
- كذبة أيه ؟! أنتِ شاربة أيه الاول !
ضحكت بصوت عالٍ مبطن بالهموم وهي تقول :-
شاربة وعود وحب مزيف ، وحاجات من النوع ده ، المهم !
زفر فريد باختناق :-
أنا من الصبح مستني كلمة مهمة مش لاقي !
- حتى ولو قُلت لك البنت بتاعت البحر عايشة !
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نهال مصطفي
” رسائل لن تصل لـ صاحبها ”
كنت أخشى أن تلمع عيني أثناء حديثي عنك، أو يبتسم وجهي عندما يثني أحدهم عليك، ويرتعش قلبي عندما يمر صوتك على مسامعي، كنت أخاف من براءة مشاعري وعفوية ملامحي، كنت أخاف أن يلمحك أحدهم في تفاصيلي دون أن أدري.. أنا التي دثرتك بروحي كي لا يراك أحد، ولن يرى طوفان الحب الثائر لأجلك بصدري!
••••••••
” العين بالعين، والسنُ بالسنِ، والبادي أظلم ”
أقسى طباع يمكن أن يملكه الإنسان هو التَجبُر، وبسط أسلاك القوة الشائكة على كتفي الضعيف، تَختلي برأسك وتتساءل ما الذنب الذي فُعل كي استحق عليه كل ما حدث، الأمر أشبه بأنثى العنكبوت التي استوطنت في أحد زوايا غُرفتك، ونسجت خيوط عشها، وآمنت لك ظنًا منها أنك صديقها وونيسها، وفي لحظة استعراض للقوة تهد لها كل آمالها بجرة عصا!
العاقبة هنا لم تكف عند هدم منزل شخص أو كسر قلبه، بل للشخص الذي ينتج عن تلك المساوئ، عن التحرش بمخالب الشر المدفونة داخل كل منا وقتـل نسائم الخير للأبد، عن تلك الصورة الموحشة التي يتحول إليها دون رغبة منه!
دنت ” عبلة ” من نوران وهي تضع حدًا لتلك التمردات التي تُهدد عرشها بقصر دويدار وقالت:
- هااه! سمعيني كده كُنت بتقولي أيه!
ضبابة الظُلم والقسوة التي تعرضت لها نوران بسبب تلك السيدة لم تُرعبها شمسها الحارقة هذه المرة، جلست نوران ووضعت ساق فوق الأخرى وقالت بـ ثقة عارمة متعمدة إثارة غضب عبلة:
- لو سمحتي يا عبلة هانم، شايفة أن جو المطبخ وجو ستات البيوت ده مش لايق بيكي! فـ أنا هعفيكي من المهمة دي لانها مش مناسبة لنا بصراحة.
- اسمعيني يابنت أنتِ، مش حتة عيلة صغيرة زيك هي اللي هتديني أوامر! أنا برنة جرس ارميكي أنتِ وأختك بره!
كانت كلمات عبلة حادة، ثائرة، محاولة وضع حدًا لتلك المهزلة التي تهدد مجدها، تدخلت شمس آنذاك وقالت بهدوء:
- وكمان نظام البيت مش عاجبنا! معلش يا طنت عروسة جديدة بقا ولازم يبقى ليا متطلبات!
شهقت عبلة بصوت مندهش، معترض عمـا قالته شمس وهي تلوح لها بكفها:
- طنت مين يا بنت أنتِ! اسمعك تاني تقولى طنت دي هقطع لك لسانك فاهمة!
كتمت نوران ضحكتها مستمتعة بتلك الحرب الباردة التي أعلنتها أختها، أكملت شمس ومازالت محتفظة بوقارها:
- مش حضرتك مراة أبو جوزي! وكمان هتبقى في مقام جدة ولادي! عايزاني أقولك أيه بقا!
- أنا هنا اسمي عبلة هانم، فاهمة! ولو فكرتي تتعدي حدودك هوريكي وشي التاني!
أطبقت عبلة، وتدخلت نوران حينها تقف بينهم بخفة وتقول:
- يعني طنت بتزعلك! خلاص يا شمس مش عايزين نزعلها، دي بردو ست كبيرة وفي مقام تيتا الله يرحمها! تحبي نقولك يا ناناه!
انهارت جبال القوة لديها عندما اتحدا الأختان عليها، تشبثت برأسها صارخة:
- سيدة اعمليلي قهوة!
ثم عاودت النظر إليهما وقالت بصرامة:
- ومش عايزة تغيير واحد في الجدول، أظن كلامي مفهوم!
توقفت شمس أمامها وأفصحت بتجبر لا تعلم من أين تسرب إليها:
- أهل الحارة جايين يباركوا لبنتهم، يا ريت تكوني لطيفة معاهم!
- كمان!! أنا هسيب أمر للحرس بره أن أي حد يقرب من القصر يضرٰبوه بالنـار.
ما كادت أن تلقي جُملتها حتى فوجئت بـ ” كريم ” يظهر من باب المطبخ قائلًا بحماس:
- وحشتيني يا لبلبة!
التفت الجميع إلى نبرة صوته المُشاكسة، وما أن تم تبادل النظرات بين نوران وكريم التي استقبلت لقائه رافعه حاجبها الأيسر وهي تفحصه من رأسه للكاحل، تقدمت عبلة وربتت على كتفه بكفها المنتفض وقالت بحزمٍ:
- كريم، كويس إنك جيت، تعالى عايزاك!
غادرت المطبخ على الفور بعد ما أردفت جُملتها الأخيرة، ثم أتبعت شمس خُطاها قائلة بخفوت لاختها:
- هروح أدي تميم الدوا.
هرت نوران رأسها وما زالت عيونها اللامعة بالمكر مُعلقة بعيني كريم الذي لم يزيده رؤيتها إلا توجس، اقتربت نوران منه بخطوات سُلحفية حتى وقفت بقُربه قائلةً بسخرية:
- هما سواقين القصر مسموح لهم عادي يدخلوا المطبخ! أممم ولا هما مش سواقين أصلًا!
لم تمنحه الفرصة لتبرير موقفه، بل ألقت جمر سخريتها واكتشافها لكذبه متأهبة للذهاب، تلقى كريم سُخريتها بضحكة إعجاب ارتسمت على ثغره وهو يهمس لها بعد ما وقف أمامها ليعوق طريقها:
- يااه الدنيا دي صغيرة أوي!
ردت نوران بجزل طفولي ثم رحلت بعدها:
- أوي أوي.
تاه كريم في كينونة شقاوتها وسحرها متمتمًا:
- فعلاً الكذب ملوش رجلين! ولا حتي وش علشان يبرر عملته!
صعدت عبلة للطابق العلوي وهي تبحث عن هاتفها بجنون حتى وجدته أخيرًا، أول ما فعلته هاتفت جيهان أختها وهي ترمي جسدها على الأريكة وتنفث دخان الغضب منتظرة ردها، أجابت جيهان بخفوت:
- لسه فاكرة أن عندك أختك يا عبلة!
- يوه بقى يا جيهان مش وقت عتاب خالص، أنا حاسة أني هتجنن، تعالي شوفي المصايب اللي حلت فوق دماغي!
اعتدلت جيهان من نومتها وهي تستفهم منها:
- هو يا حبيبتي مفيش مصيبة أكبر من اللي عملها ابنك، بس خير مالك!
عبثت في شعرها بفوضى وقالت:
- عاصي بيه خد البنت الملونة بتاعته وسافرو، ولا التاني اللي جايب لي حربايتين في البيت عشان يشلوني! جيهان أنتِ لازم ترجعي، أنا مش هقدر على الأشكال دي لوحدي!
أردفت جيهان بغرابة:
- بجد يا عبلة أنا مستغربة! أنا لو منك كنت طردت تميم واللي معاه!
- ما أنتِ عارفة اللي اسمه تميم ده معرفش ماسك علي ايه بالضبط! بس أنا مش ها يهدأ لي بال غير لما اوصل للي يعرفه!
ثم مدت يدها لتناول عُلبة سيجارتها، وأشعلت واحدة ثم اكملت:
- الولد شكله ماسك حقة إلى تودينا كلنا ورا الشمس يا جهان مش عايزة اتصرف بغباء ألقى نفسي خسرت كل حاجة.
هزت جيهان رأسها بتفيكرٍ وقالت ناصحة:
- لا حرصي يا عبلة احنا مش حمل غلطة واحدة تهد كل اللي بنيناه، عيلة دويدار مستنين غلطة واحدة علينا!
- المهم هتيجي أمتى!
- وأبنك عاصي؟
- سيبك من عاصي يا جيهان أنا هعرف أتعامل معاه، وبعدين ما تقلقي شكل البنت اللي معه وكلة عقله ومش مخلياه واعي لأي حاجة.
فَتح مُراد باب غُرفة أمه، تلجلجت جيهان قائلة:
- طيب أقفلي أنتِ دلوقتي يا عبلة وبعدين نكمل كلامنا!
دخل مراد وجلس بجوار أمه، طالعته بفضول.
- راجع بدري يعني!
رد مراد مبررا لـ سؤالها:
- لا أبدا بس مكانش عندي حاجة مهم.
رمقته جيهان بعدم تصديق وقالت بنبرة شك لا تخلو من الاتهام:
- ملاحظة أنك أهملت في شغلك اليومين دول يا مراد يا ابني ركز كده عشان شغلك هو اللي هيخليك فوق أو ينزلك تحت!
- سيبك من الكلام ده دلوقتي المهم أنت صحتك عاملة ايه؟؟
- أنا بخير، مراتك اللي ما تتسمى حتى ما فكرت تبص عليا، ولا تشوفني عايشة ولا حتى ميتة!
تعمد ألا يطيل الحديث بخصوص هذا الأمر مع أمه وسرعان ما غير مجرى الحديث متسائلا:
- هدير فين؟
- اختك يا حبيبي مسافرة يومين تبع الشغل أنت عارف أن هي بتعمل إعلانات لأكبر المنتجات يعني مش هي كمان مش فاضية لي!
هز رأسه متقبلا الأمر ثم سألها:
- تأمري بحاجة!
- لا مش عايزة غير إنك تخلي بالك من العقربة الـ اسمها “عليا” البنت دي مش سهلة يا مراد يا ابني لسعتها والقبر زي أخواتها وأبوها!
لم يقتنع بتحذير أمه التي تذعن بمعرفتها الجيدة لنوايا الفتاة الخبيثة وعليه أن يتخذ الحيطة والحذر منها، وثب قائمًا حتى غادر الغرفة ثم تراجع خطوتين في الممر ليتناول الحقيبة البلاستيكية من فوق حافظة الأحذية الخشبية وتسلل ببطء إلى غُرفته قبل أن تراه أمه وهو يحضر الحلوى للأفعى التي تُحذره من لدغتها.. طرق بخفوت على الباب حتى سمحت له بالدخول.
كانت تقف أمام المراة تُصفف شعرها البني حتى لملمته سريعًا على هيئة ذيل حصان، مجرد دخوله الغُرفة أول شيء صادفه كانت عيناها ثم فستانها الذي يصل إلى تحت ركبتها، أزاحت خُصلة من شعرها للوراء ثم أردفت بجدية:
- اتفضل!
تعمدت ألا تخلق معه أي أحاديث، متحاشية النظر إليه، مرت من جوار كمرور النسيم حتى أوقفها بغتة:
- رايحة فين؟
ظلت ترمقه بنظرات خرساء حتى افتعلت حجة لتُنجيها من اتهاماته السخيفة وقالت:
- هاروح اعمل كوباية قهوة ولا حاجة لأني حاسة بصداع!
اقترب منها أكثر ثم قال بلهفة:
- أجيب لك دكتور؟
- لا لا، أنا كويسة!
ما كادت أن تخطو خطوة، فتحرك معها لتجده يقف أمامها بهيئته الجذابة ويمنع خُطاها، رفعت جفونها المُتسائلة حد عيونه المتحججة، هزت رأسها بخفة حتى تلقى حيرتها مُوضحًا بشموخ وهيبة يبذل مجهودًا ملحوظًا للحفاظ عليهم، لم يجد ما يقوله، فقام بتقديم ما بيده مباشرة:
- دول عشانك!
أطرقت بحيرة:
- أيه دول؟
- افتحي وشوفي!
أخذت الحقيبة من يده ونظرت بداخلها فوجدت العديد من حلوى ” اللوليتا ” مختلفة الألوان، والكثير من ” الشكولاتة ” الفاخرة، قطع انبهارها الطفولي وقال بخجل من تصرفاته:
- انا بعتذر يا عالية على طريقتي البايخة بتاعت الصبح!
تفقد لمعان عيونها الذي يشيع ببريق الغفران، تاه في سحرهم مستمعًا لصوت قلبها الذي يترجى براءة معالمها ” لا يجد أن تكوني جميلة بهذا القدر ”، عاد لوعيه عندما هتفت بفرحة:
- لوليتا! كل ده عشاني؟
عقد حاجبيه قائلًا:
- حاجة بسيطة كده.
- بجد ميرسي، كان نفسي فيها أوي..
كادت أن تخطو لتجلس على أقرب أريكة ولكنه تمسك بيدها ليوقفها، شعرت بجفاف حلقها إثر أنفاسه الساخنة التي أشعلت النار بجوفه لشدة جاذبيتها، تسارعت ضربات قلبها وهي تهمس بنبرة مبحوحة:
- في حاجة!
في تلك اللحظة؛ رفع كفها لمستوى شدقه لطبع فوقه ختم اعتذاره بقُبلة رقيقة ولكنها عصفت بكيانها الواهن، وأشعلت بداخلها ثورة احتجاج لا تخمد، سحبت كفها المرتعش بعد ما أردف كلمته ” آسف ”، تلك المشاعر التي جعلتها تتخبط بين مطالب قلبها والواقع، عيناه الساطعة التي تريد الأقدام نحوها بدون حواجز، قاومت كي لا تظهر انتفاضة روحها وقالت محتجة:
- هاكل اللوليتا قبل ما تفك!
هز رأسه كأنه لم يفعل أي شيء، وأن ما اقترفه لم يترك ساكنًا بداخله إلا وزلزله! لكنه ارتدى ثوب الرجل الشرقي الذي يعز عليه الإفصاح عن حقيقة اشتهاء إمراة راقت له، انشغل في مزع ملابسه، وانغمست ” عالية ” في فرز أطعمة اللوليتا حتى أخذت ما بطعم الفراولة وشرعت في امتصاصه، محاولة فاشلة منها كي تهدأ، ويهدأ قلبها الذي لم يكف عن الصخب.
خدشت قُبلته وجهها الملائكي، ظل يُراقبها بالمرآة هو يقفل أزرار منامته الزرقاء، يُطالع شعرها الحرير الذي يتدلى على عينيها وكأنه أراد أن يُغازل أنظاره المُعاكسة، تنهد بخفوت وهو يراقب حركة خصلاتها وتهتف روحه مُتسائلة ” بـ كم خصلة تنوين الليلة لتشدين بها قلبي إليك! ”
تطرقت عيونه لأسفل وهي تمتص ” اللوليتا ” كطفلة لم يتعدى عمرها السبع سنوات، ووجنتها الاتي لطخن بحُمرة الخجل والحلوى معًا، استدار نحوها وأخذ يُراقبها بإعجاب شديد حتى أثارت مشاعره بطريقة تناولها للحلوى، حاول تجاهل الصوت قدر الأماكن وهذا العبث الذي تقوم به تلك الصغيرة التي لا تعلم عاقبة تصرفاتها البريئة وتأثيرها على رجل يافع مثله!
كل ما بها كان شهيًا للتقبيل، لم يتحمل أكثر من تلك الأفعال التي ثارت مراجل ذكوريته واقترب منها بحزم:
- كفاية!
تجاهلت طلبه مستمتعة بمذاق الحلوى وقالت:
- ليه، طعمها جميل أوي..
زفر بضيق حتى احتدت نبرته التي تكظم مشاعره المدفونة وقال بضجر:
- كفاية زورك هيوجعك!!
ترجته بعينيها المعبئة بالـبن وتبسمت موضحة:
- باقي شوية أهو اخلصهم بس.
عادت لألتهامها مرة أخرى وبطريقة فجرت ينبوع طبيعته، لم يتحمل المزيد بل شد الحلوى منها بإصرار وجهر:
- كفاية كده بقولك!
ترنحت أمامه كطفلة تدلل على أبيها وهي تحاول أن تسرق منه حلوتها المفضلة، خبأها وراء ظهره كي لا تنالها يدها، وبعد محاولات كثرة منها ألقتها تحديدًا بين ذراعيه وهي لا تشعر بعاقبة فعلها، طاب له مذاق اللعب معها وملاطفتها وضحكاتها التي تندلع منها في كل مرة ينتصر عليها، فاض به الأمر حتى رفع يده لأعلى كي يعجزها، قفزت عدة مرات ولكن بدون جدوى حتى صعدت فوق الأريكة وقالت بنبرة تحدي:
- هاخدها يعني هاخدها!
ما لبثت أن كرست كل تركيزها للفوز ببقايا الحلوى حتى اختل اتزانها وسقطت بين يديه ومنها وقع الثنائي على مخدعه.
حينما طوق خصرها النحيل بذراعه شعرت بأن جَميع أطرافها من فرط الإنشراح توهجَت.. تبادلت الأعين وعلقت على مرسى الصدفة التي جمعت اثنين غريّبين يتشاركان النفس، الملابس، الضحكات وحتى المشاجرات ثُم، ومن دونِ إدراك يُصّبحان، لُب فؤاد بعضيّهِما لبعض بدون سعي أحدهم لهذا.
ساد الصمت للحظات كل منهم شاردًا بقاع الكارثة التي ألقتهم بـ جُب تلك الدائرة البنية من عيونهم ومنها انفرط زمام الخيال، تمتم مُراد متنهدًا:
- أنتِ كويسة!
يصدح صوت عقلها بالفرار من بوابة المهالك التي سقطت فيها بسبب حماقتها، رضخ قلبها و انسابت أطراف جسدها حتى لا تملك القدرة للقيام، غرقت في ملامحه الذكورية الجذابة و تقاسيم وجهه، شعره الاسود، حدّة عينيه، حتى ارتعش الفؤاد مُتسائلاً: ” المعذرة هل انت احد الملوك السومرية؟.”
حينما رأها يهذا القُرب، انتابته رغبة قوية في أن يتخطى جميع الحواجز التي تمنعها عنه و يمسك وجهها المُلطخ بحُمرة الفراولة ويقوم بتقبيله، اعتدل مراد في نومته ليعلوها وامتدت أنامله ليُداعب شعرها الذي لم يكف عن مغازلة عينيه طوال الوقت وقال مشيدًا:
- أنتِ حلوة ازاي كده!
ألقَى على وجهها قميصَ شهيته كي لا يرى غيرها حتى تغاضى عن جميع المحظورات، لم تفق من صدمة قُربه، فـ ذابت في كارثة تقبيله، عيونها البراقة المشدوهة، جسدها الذي أصيب بالصقيع حتى شُل إثر لمساته، أطلق عنان مشاعره وكأنه أذعن بقبوله لمفاوضة لطيفة بينهم وكان محتواها أن تمنحه قُربها وسيقوم بقراءة مائة قصيدة على معالمها!
- يا مراد؟!
جاء صوت جيهان في تلك اللحظة وهي تطرق على الباب منادية على ابنها ليفيق من وجد مشاعره التي ساقته لشط بحرها، افترق عنها عنوة هو يلعن الحظ الذي فرقهم ووثب قائمًا من ملاذ ” لوليته ” متحمحمًا كي يسترد نبرة صوته التي فقدها على ملامحها الحادة وفتح الباب لأمه التي تفقدت ملامحه بدقة سربت الشكوك إلى قلبها وقالت بتردد:
- نسيت موبايلك يا حبيبي ومش مبطل رن!
لاحظت جيهان طيف مرور “عالية” من ورائه ثم صوت قفل باب الحمام الذي ركضت إليه لتحتمي به من تلك العاصفة القوية التي أصابتها.
جيهان بشكٍ:
- في أيه يا مراد! مالك مش على بعضك كده؟
- هااه مالي يعني! ما أنا زي الفل أهو، بس مُرهق من الشغل شوية، هنام بقا!
حدجته بـ ريبة ثم قالت بمكرٍ:
- نام، وطلع البنت اللي جوه دي عشان تعرف تنام كويس!
انصرفت جيهان وهي تضرب أخماس الشك في أسداس اليقين وتغمغم:
- شكل هدير هيطلع عندها حق!
وقف مُراد وراء الباب بعد ما قفله شاردًا بمذاق اللوليتا خاصته التي استطعمها لأول مرة بحياته، اتجه ناحية الفراش وهناك صوت داخله يصدح بأحساسه معترفًا” يبدو أن الشيء الأهم الذي نتقاسمه غير الغُرفة هو الرغبة الشديدة في أنكِ يجب أن تكوني هنا، وأن وجهكِ ينبغي أن يكون في مكان أقرب ما يكون إلى وجهي ”
مدد على فراشه بعد ما تجرع سُكر القُبل التي لم يعهده على إمراة من قبل، شخص مثله يُقدس حُرمة مشاعره وجسده، لا يدع لتلك الوصمات الدنيئة أن تندسه، فلم يسمح لحواء من قبل أن تتخطى حدود حصنه المنيع، ولكن عندها إنهال الحصن ورضخت جميع مبادئه لقُربه المنشود.
كان وجهها مُشرقًا كـ بهجة الأطفالِ عندما يَمر بجانبهم بائع الحلوى.
تقف وراء الباب تتخذ أنفاسها، تتذكر تلك اللحظات المسروقة من الزمن التي جاءت على سهوة، اقتربت من الصنبور وأخذت تذيت آثار قبلات ظنًا منها بأنها هكذا ستعود لرشدها، انتفض قلبها بقوة عندما تذكرت وهي تحت ظل خيمته وحصاره ثم أمسكت به كي يهدأ فأنه تراقصه يُهلكها وصدح عقلها مُتسائلًا حول من خدش حيائها: “كيف سأتعافى من قدر إقبالك المُهيب عليّ ”
•••••••••
” مساءً ”
- يعني أيه هرب يا يسري!
تلك الجُملة التي أردفها عاصي منفعلًا وهو يجري مكالمته التليفونية في شُرفة غُرفته ثم تذكر تلك النائمة بالداخل فانخفضت نبرة صوته قائلًا:
- اللي اسمه قاسم لو مظهرش لبكرة الصبح يبقى أنت الجاني على نفسك يا يسري!
وثبت ” حياة ” بهزلٍ شديد إثر صوته الصاخب بالخارج، ظلت تتفقد المكان حولها حتى تذكرت ما صدر منه، ومدى تجاوزه لحدوده، تناولت شالها ووضعته على كتفيها ثم نهضت ملامسة الأرض بقدميها العارية وهى تجر ذيول شعرها و خيبتها وتسير اتجاهه، شدت الستار ووقفت تستنشق الهواء بارتياح كأنها أرادت تتخلص من عطره المكدس بصدرها وتستبدله برائحة البحر.
قفل هاتفه وولى نحوها فلم يبذ قطع خلوتها مع نسمات الخريف، اتكئ على سور الشُرفة الحديدي عاقدًا ذراعيه أمام صدره وهو يتأملها بتمعن، هي غرقت في الليل وهو غرق في ظُلمة شعرها الذي نام الليل فوقه، أطلقت زفير مُعاناتها ثم قالت بهدوء:
- أنت عايز مني أيه!
كانت نبرتها مليئة بالعجز والحزن، حاول إيجاد ردًا على سؤالها ولكنه مغرورًا للحد الذي يخنق قلبه ولا أنه يفصح عما يستوطن، هزت رأسها بهزل ثم قالت:
- هسهلها عليك..
خطت خطوة ثم وقفت بمحاذاته وصوت البحر ينافس صوت ضربات قلبها حتى أفصحت للبشري الوحيد الذي جعلته الصدفة محورًا لحياتها وأكملت:
- يعني أصريت أنك تتجوزني باسم مزيف، وكانت حجتك حمايتي، وعديتها، ده لأنك عاهدتني أنها هتكون جوازة على الورق وبس.. أنت عايزني أزاي أثق فيك بعد كُل اللي عملته!
أجاب ببرود:
- و أنتِ عايزاني أزاي أثق فيكي وأنتِ رايحة برجلك عند واحد غريب في نص الليل!
- بس أنا عندي أسبابي!
أجابها بنفس نبرتها الفظة:
- وأنا كمان عندي أسبابي! أسبابي اللي تديني الحق أعمل اللي أنا عايزه لما الست المكتوبة على اسمي تروح أوضة راجل غريب في وقت زي ده!
دنى منها ثم سألها بجدية:
- أقدر أعرف ليه خبيتي عليا!
رفعت جفونها بتحدٍ:
- زي ما أنت كمان خبيت عليـا أنك وصلت لأهلي!
لم تمنحه الفرصة ليُبرر حتى أكملت:
- أنا هقول لك رُحت له ليه! وقت ما قابلني في المطعم نداني بالاسم اللي وصل على موبايلك لما كُنا على اليخت، وكان واضح انه يعرفني..
داعب الهواء شعرها حتى لملمته بمللٍ وبيأسٍ وهى تُطالع البحر هذه المرة وتشكو إليه همها بدون وعي لما ترويه:
- أنا عاملة زي الغريق، بتعلق في قشاية تنقذني من التوهان ده، أنا جسد بس بيتنفس مفيهوش أي روح، مع الأسف مكنش قدامي غيراثق فيك، زي ما وثقت في البني آدم الحقير ده، واستغلني، وحاول يتعدى عليـا، واضح أن كلكم صنف واحد!
جذبها بعُنف إليه وهو يستجوبها:
- بصي لي هنا، الز*فت ده عمل فيكي أيه؟
أردفت بخزى ويأسٍ:
- نفس اللي أنت عملته!
••••••••
دخلت ” شمس ” الغُرفة بعد يأست من تلقيها ردًا يسمح لها بالدخول، فتحت الباب برفق ثم أشاحت بنظرها في جميع أرجاء الغرفة، فلم تجده، تعمقت للداخل حتى لمحته جالسًا برفقة أختها في شُرفة الغرفة، اقتربت منهم بهدوء حتى توقفت على أعتاب الغرفة وهي تراقبه أثناء شرحه لمادة ” الفيزياء ” وتوصيل المعلومة بسهولة إليها حتى ختم شرحه الهاديء المُنمق:
- فهمتي!
طالعت نوران أختها بسعادة وقالت بتحمس:
- شمس، متتصوريش تميم أنقذني ازاي فـ الفيزيا، أنا كنت بضيع!
دخلت شمس وجلست بجوارهم محافظة على ابتسامتها وقالت بإحراج:
- يابنتي أنتِ مش بترحمي! استغلالية طول عمرك!
تدخل تميم في حوارهم وقال مُرحبًا:
- على فكرة أنا اللي قُلت لها، لأني بحب المادة دي أوي وبكون مستمتع بيها وأنا بذاكرها!
صاحت نوران بحماس:
- كده ضمنت الفيزياء والأحياء طبعًا بمساعدتك أنتِ وتيمو، فاضل بقا الكيمياء حد يتبرع ويشرح لي وتبقى مشكلة الثانوية العامة اتحلت.
- يابنتي بقا اعتمدي على نفسك مرة واحدة!
أطرق تميم بعد ضحك على مداعبتهم وقال:
- بكرة أحسن مدرس كيميا هيكون عندك! أنتِ تؤمري بس!
شرعت نوران في لملمت كُتبها وقالت بعرفان:
- بجد أنا مش عارفة أشكرك أزاي يا تيمو على وقفتك معانا أنا وشمس، أنت هدية لربنا لينا.
أحس بقدر المسئولية المُلقاه على عاتقه عندما أعلنت التزامهما منه، وأنه طريق النور الذي أنقذهم من عتمة حياتهم، انحسبت نوران بخفة وهي تقول:
- اسيبكم بقا، انتوا اتنين عرسان ومش عايزة أبقى عازول.
لُطخ وجه شمس بحمرة الحياء من تلقائية أختها الغير مقصودة، تلاقت أعينهم فأُصيب بعدوى بشاشته ووجهه الضاحك، انتفضت ملامحها كأنها تود أن تقول شيئًا ولكنه منحها وسام الأمان قائلًا:
- حابة تقولي أيه! قولي على طول.
أطرقت شمس بامتنان:
- كنت حابه اشكرك على وقفتك جمبي، وواجبك مع أهل الحارة، حاجات كتير أوي، بجد أنا مش عارفة أشكرك أزاي!
- لأجلك عين، تُكرم ألف عين يا شمس.
تلك الجملة التي رجت قلبها، وأتبعها بشروده تاركًا لفؤاده ريشة مشاعره ليُدون بدلًا منه ما يتجول بخاطره، غاص بسحرها بعد ما أردف كلماته العذبة، تطرق خاطره هامسًا ” لكنهم لم يروا عيناكِ عندما ضٰربوا هذا العدد الشحيح، فـ لأجلك ولأجل عيونك ألف شخصًا، ومليون عينًا، ومليار رمشًا يكُرم ”
- بجد جميلك ده عمري ما هنساه يا تميم!
أردفت جملتها برتابة وانتفاضة، حتى أحس بتوترها، وتعمد أن يثيره حتى يتحول لعاصفة تهز الغصن من تحت أقدام العصفور، رفع حاجبه مرتسمًا الجدية:
- أنتِ ممكن ترديه عادي!
- لو في ايدي مش هتأخر طبعًا.
طالع ساعة يده ثم قال:
- بصراحة ده وقت الشاور بتاعي، ومش لطيفة أنادي على عثمان عشان يحميني ومراتي موجودة!
توقف عقلها عن الاستيعاب، ثم سألته مذعورة:
- مش فاهمة! يعني… أنت قصدك أيه!
- قصدي أقولك تعالي ساعديني وأنا باخد الحمام بتاعي يا شمس!
فزعت كمن كان هبوب الرياح من تحت قدميه وهي تتجلجل في الكلمات المُبعثرة التي كانت سببًا في رسم ابتسامة الانتصار على وجهه وقالت:
- نعم! لا طبعا حضرتك، ده مستحيل! أنا افتكرت حاجة، أنا هروح تحت.. لالا أنا هنام، هنام عشان تعبانة تصبح على خير..
- عاصي، هفضل أمشي وراك كتير!
توقف عاصي إثر ملاحقة سارة له المتكررة، وركضها خلفه، توقف مرغمًا وهو يهتف بضيق:
- سارة أنا عفاريت الدنيا بتنطط قدامي، ومش متحمل كلمة! ابعدي عن طريقي الساعة دي.
وقفت سارة أمامه وتشبثت بيده راجية:
- عشان كده أنا هنا، قلبي حس بيك! حتى ولو أنت ناسيه، هو فاكرك!
زفر بنفاذ صبر:
- مش فاضي لدلعك دلوقتِ! لو سمحتِ امشي.
- عشان خاطري، نشرب فنجان قهوة سوا، وتحكي لي يمكن تلاقي عندي الحل، وافق بقى! ده فنجان قهوة بس.
في أحد الطوابق العلوية طرق الباب غُرفة عاصي التي توجد بها حياة وهى تهذى بهواجس الماضي والحاضر، وثبت قائمة بكلل وهي تزفر:
- آكيد نسى الكارت بتاعه!
اقتربت حياة من الباب حتى فتحته بصفي نية منها، وما كادت أن توبخه حتى فوجئت بأحد موظفي الفندق قائلًا:
- العشا يا فندم!
سمحت له بالدخول حتى تأكد من خلاء الغرفة أمامه ثم استدار نحوها تلك الشاردة في عوالمها المبهمة، نزع الرجل كمامته حتى ظهرت ملامح فريد وهو يُقر مُعترفًا:
- كُنت متأكد أنك لسه عايشة يا رسيل!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نهال مصطفي
” رسائل لن تصل لـ صاحبها ”
لِماذا انت وَحدك مِن بَين جَميع الرجال ، تُغَير إِيقاع حَياتي وأَيامي وضحكاتي ؟!
“رسيل ، أنتِ سمعاني !”
تلك هي العبارة الأخيرة التي اختتم بها “فريد” جُملة روايته الزائفة التي سردها على آذان تلك التي غاصت في حيرتها أكثر وأكثر ، لم تحتج عليه بالدليل كي لا تكشف حقيقة فُقدانها للذاكرة ، سارت على نهجه مصدقة كل أكاذيبه بدون نقاش ، فجأة دار بها الزمن وحقق سجية شرودها ، وآتى بشخص يُدعى إنه قريبها وخطيبها ، ويؤلف رواية من مخيلته كي يحقق بها مغانمـه ، هزت رأسها بتيهٍ ثم قالت:
المطلوب مني ؟!
وقف أمامها كالبهلوان ثم شرع في رسم خطته:
متقلقيش ، أنا هخلصك منه ، أنا عارف إنك هنا مش بإرادتك ، الشخص ده أنا عارفهُ كويس يا رسيل ، آكيد هددك واتجوزك بالغصب .. صح يا رسيل صح !
تكرار اسم ” رسيل ” على مسامعها كان صداه يزعجها كثيرًا ، يُحيي ما بداخلها من مظالم و عيشـة تنفرها ، هزت رأسها كي تنفض غُبار ذكريات مؤلمة تتعلق بهذا الاسم وقالت له بنبرة متعمدة كشف ظواهر ما يخفيه عنها:
أنتَ جاي ليه ! عشان تقول الكلمتين دول دلوقتي !
حدجها بتعجبٍ:
يعني كلامي صح ! هو هددك .
رمى لها طُعم إنقاذها الذي استغلته على أتم وجه ، وقالت بنفور:
بالظبط ، زي ما قُولت ، هو رجل مش سهل وللأسف عرف يقيد حركتي وتفكيري !
مد يده كي يمشط خصلاتها بأنامله ولكنها تراجعت للوراء رافضة ونافرة من قُربه وقالت بحنق:
المُهم ، هتخلصني من هنا إزاي !
-لا يا رسيل ، افهميني وفتحي دماغك معايـا ، اسمها هتخلصني من هنا بإيه ! أنتِ تحت أيدك كنز ! مال قارون ، تغرفي منه وتهربي .
ألتوى ثغرها بخيبة أمل:
يعني أنتَ جاي هنا عشان المصلحة ! مش عشاني زي ما بتقول؟
تبدلت نبرة فريد الخبيثة إلى آخرى مُخادعة وهو يرقق في صوته حتى بات كفحيح الأفعى وقال:
لا طبعـا ، جاي عشانك وهو أنا حبيت غيرك ! بس مادام البحر وقعك على كنز زي ده ! يبقى نستغله وناخد منه اللي يأمن مستقبلنا أحنا وولادنا ..
احتبست الدموع بمقلتيها وعاتبت نفسها بحسرة ودندنت:
“-هو ده الماضي اللي زعلتي إنك مش فاكراه ! ده طلع النسيان نعمة فعلًا ! ”
ثم عقدت ذراعيها مُتسائلة برتابة:
وفين أهلى ! اشمعنا أنتَ اللي بتدور عليـا ! زي ما بتقول يعني .
-عشان أنا الوحيد اللي متأكد أنك لسه عايشة يا رسيل ، كلهم سلموكي للموت بس أنا قلبي كذب كل ده ! لسه معشناش الحُب اللي رسمناه سوا عشان الموت ياخدك مني كده !
بس أنا رجعت أهو وواقف قدامك .
شمت رائحة الكذب بكلماته المنمقة الغامضة ، قارنت روايته برواية قاسم ، شتان بين الاثنين ولكن التشابه الوحيد بينهم أن هناك ثمة رواية صادقة بقلبها بعيدًا عن أحاديثهم المُخادعة ، اختنق قلبها من دُخان أكاذيبه وقالت بجزعٍ:
والمطلوب مني !
-مُفاتيح عاصي دويدار الشخصية ، وسيبي الباقي عليـا .
” في أحد الملاهي الليلية بالفندق ”
كانت نظراته للساعة أكثر من كلماته إليها ، أحست ” سارة ” بـ إجباره للاستماع لها ، لم تيأس من التحاور معه رغم يقينها بـ ملله من وجودها الغير مرغوب به ، ختمت سارة حديثها:
عاصي مفيش غيرك ممكن أثق فيه ، وأثق أني أدي له فلوسي يشغلهم ، هيرجعولي الضعف !
هز رأسه بعدم اهتمام وهو يرتشف أخر رشفة من كأس النبيذ أمامه وسحب مفاتيحه الشخصية وقال:
تمام يا سارة ، اتواصلي مع يسري وهو هيعمل لك اللازم .
تشبثت بيده كي تعوق خطة رحيله:
أنا جاية اتكلم مع عاصي دويدار ، تقولي يسري ! بطل طريقتك الرسمية دي ، مش بحبها .
ثم افتعلت الدلال عليه محاولة إحاطة كتفه المنتفخ بعضلات القوة:
وبعدين أنا سارة يا عاصي ، أنتَ مابقتش تحبني زي الأول ولا أيه !
شد ذراعه عنوة كي يبتعد عنها وقال بحزمٍ:
أي خدمات تانية !
-أيه مش هنسهر مع بعض النهاردة !
مط شفته باعتراض و لملم أغراضه قائلًا بثقة:
مراتي مستنياني ، سلام .
تركها قبل ما يستمع لردها ، أو منحها فرصة لتعطيله أكثر من ذلك ، ضربت الأرض بقدمها بغل وقالت بتوعد:
طيب يا أنا يا هي يا عاصي !
ثم اخرجت هاتفها وأرسلت رسالة نصية لـ فريد:
“-عاصي راجع أوضته ، أمشي من عندك . ”
قرأ فريد رسالتها في التو وسرعان ما ختم مخططه الدنيء قائلًا:
همشي دلوقتِ ، بس راجع لك تاني !
ثم دنى منها محاولًا لمسها ومواساتها بحركاته الزائفة التي تلقتها مُتراجعة رافعة كفيها كـ حد فاصل بينهم مُعلنة عدم قبوله ورفضه ، ورفض محاولاته الداهنة قالت باشمئزاز مغمضة جفونها:
لو سمحت متقربش مني ….
هز رأسه وطالعها بعيون لامعة بالمكر وانسحب بعدها بهدوء تام دون إبداء أي اعتراض يفسد مخططه .
ارتمت ” حياة ” على الأريكة خلفها لثِقل أحمال الهم التي تلاحقها من كل صوب وحدب ، ضمت ركبتيها إلى صدرها كالقرفصاء ، والغريب من الأمر أنها فقدت دموع عينيها من كثرة توالي الصدمات ، لم تذرف جفونها ولا ينبح صوتها بأنين الوجع ، اكتفت بالصمت ، الصمت الذي أن تخلت عنه لجف البحر إسهابًا لما امتصه من همومٍ .
“كيف يُمكنها طي صفحات الماضي وما زالت دروسه تُلاحقها وتفسد عليها لحظات حاضرها المُغلفة بالنسيان !”
يقول جلال الدين الرومي:
“الرُّوح التي فيها شيءٌ من روحك، تعرفُ كيفَ تخاطبكَ بلا كلمات.”
كانت نظرات مُراد ثاقبة ثابتة تدرك هدفها المحدد ، أما عنها فكانت نظراتها المُغلفة بالحياء ، والخجل ، تتحاشى النظر إليه بصعوبة ، عاصفة مُربكة نزلت على قلبها فأطاحت بها ، لم يتوه عن مخيلتها ذلك القُرب الساحر المُباغت الذي اغتنمه بدون مُقدمات ، ما أن مر طيف التلاقي القصير بينهم ارتعد فؤادها بضربات غير مفهومة ولكنها ذات مذاق خاص .
تركت ” عالية ” الشوكة من يدها بالطبق الذي لم تأكل منه إلا قليـل ، ووثبت لـ تغادر طاولة الطعام التي تضم مراد الشارد بملامحها الخجولة وأمه التي تراقبهم بعيون صقرية ، طالعها بنظرة استفهامية أدركت مغزها فورًا وقالت برتابة كي تهرب من أسره:
الحمد لله شبعت .
فرت هاربة ناحية المطبخ وتركت طبقها وعادت بسرعة إلى غرفتها وهى تتنفس الصعداء ، قفلت الباب خلفها ممسكة في قلبها الذي أوشك على الانخلاع من كثرة تضاربه وأخذت تهدأ من روعها:
عالية فوقي يا عالية .. فوقي كده ، هو لازم يعرف أن اللي عمله ده مش صح ، وإنه كان لازم يأخد أذنك الأول !
اعترض صوت قلبها المُتيـم:
أذن أيه اللي ياخده كمان ! ده جوزك يا هانم واللي بتقوليه ده حرام أصلًا !
زفرت بتمردٍ وصدح صوت عقلها:
بس بردو ملهوش حق يعمل كده ، أنا مستحيل أقعد معاه في نفس الأوضة ده مجنون وملهوش أمان !
تحركت ببطء لتقف أمام المرآة ومررت إبهامها على شفتيها التي غُلفت بسُكر قُربه ، لم تكبح ابتسامتها المبدئية ولكن تفجرت قُبلته تلك إلى قُنبلة موقوتة برأسها وهي تختم حيرتها بالسؤال الأكثر رُعبـا:
معقولة يكون بيعمل كل ده عشان يوصل لنصيبي ! أصل التغيير المُفاجئ ده يخض !
مسحت على رأسها بتنهيدة ذعرٍ وقالت بصوت مسموع:
سيبك من جِنان المُراهقات ده يا عالية وفوقي لنفسك ، مراد اتجوزك مصلحة ، وهيعمل أي حاجة عشان يحقق مصلحته ، حرصي أنتِ لسه متعرفهوش !
”إن أشد ما يُمر على الإنسان في هذه الحياة هو إجباره على دفن القلب حيًا واعتيادهُ على ظُلمة القبر وهو بربيع زهوته ، عندما يتعطّل عنده ميزان الخير والشر، الحُب والكراهية ، فلا يُميّز الأول فـ يفعله ولا الآخر فيتوقّاه، بل يسير الطرقات خائفًا مُرغمًا بقية عُمره ”
بالخارج ؛ مالت ” جيهان ” على مسامع ابنها متهامسة:
حالك مش عاجبني يا ابن بطني !
تحمحم مرتسم الجدية على ملامحه ثم قال:
منا زي الفل أهو ، مالك بس !
-عدى شهر يعني على جوازتك من الهانم ، ولا شوفنا من وشها خير ولا خيرة ! وكأنها زي الهم على القلب .
لكت اللقُمة بفمه حتى ابتلعها برشفة ماء وقال بتردد:
قصدك أيه !
-على الأساس أنك هتمضي البنت دي وتقف لعاصي زي الشوكة فـ الزور في شركته، ولا أنت نسيت !
هز رأسه بعدم اقتناع وأردف مُنجزًا للحوار:
نبقى نشوف ، أحنا هنستعجل ليه ، بعد اذنك هنام عشان عندي شُغل الصُبح بدري .
رحل من أمام أمه بعد ما قفز فأر الشك برأسها ، رمقته بأسهم اليقين من شكوكها وقالت سرًا:
أنت لازم لك وقفة يا ابن المحلاوي .
اكتفى مُراد بطرقة خفيفة على الباب جعلتها تسمح له بالدخول مفزعة دون إعداد ما تقوله ، دخل مُراد وقفل الباب خلفه بهدوء ، وجدتها تتوسط غُرفته ويبدو عليها معالم الرهبة ، عقد حاجبيه مُتسائلًا بعيونه قبل لسانه:
مالك ، حاسس فيكي حاجة ..
رد بإرتعابٍ:
هيكون مالي ! أنا .. ما أنا زي الفل أهو .
ارتسم بسمة خفيفة على ثغره موضحًا بها عدم تصديقه وسألها بشكٍ:
مُتأكدة !
-اه متأكدة ..
-تمام ، هنـام أنا بقى لو
وقاطعته بوقوفها أمامه كالطفلة العنيدة وقالت بتوجسٍ:
استنى هنا ..
عصفت رياح عقلها الحائر وأكملت بارتياعٍ حد البُكاء المكتوم:
لو سمحت ممكن يكون تعاملك معايا بحساب بعد كده ، وما تعملش كده تاني .
افتعل التجاهل متراقصًا على أوتار ارتباكها العذب الذي راق له ، وقال بتسائلٍ:
عملت أيه !
-أنت عارف عملت أيه كويس.!
حاول أمامها تذكر ما حدث بينهم رغم إنه لم يفارق ذهنه للحظة وقال بكبرياء:
عشان أخدت منك اللوليتا ! على فكرة أنا خايف عـ صحتك ، وماينفعش تكتري منها .
-لا أنا مش قصدي على دي !
دنى منها خطوة وما زال محتفظًا بابتسامته الخبيثة وسألها:
ااه ، قصدك عشان عاكستك وقلت لك إنك جميلة أوي ! بس دي حقيقة فعلًا مش مُجاملة ولا مُعاكسة .
انتفض قلبها إثر مداعبته اللطيفة وتحشرجت نبرة صوتها ما بين الترجي والحيرة:
ممكن متقربش مني تاني ، بعد إذنك !
-ليـه !
-هو إيه الـ ليه ! هو كده وخلاص ، ممكن .
عادت ملامحه القاطبة مرة أخرى وقال محاولًا احتماء شموخه ورجولته أمامها:
بس أنتِ .. أممم متهيألي يعني مش ممانعة !
فاض صبرها من بروده وتحمله الزائد على أعصابها المرتبكة:
وهو أنتَ سألتني عشان تعرف !
-ماهي الحاجات دي بتتحس بردو يا لولو !
انتفض إثر تدليله لها وسخريته من حديثها ، تراجعت خطوة للخلف وقالت بنيرة محذرة:
على فكرة أنا بتكلم بجد ، مش بهزر .
هز كتفيه برزانة و رد:
وأنا كمان بتكلم بجد مش بهزر .
ثم دنى منها بعد ما رأي تيه المشاعر ببريق عيونها ، وبات وجهها هو اللافتة الوحيدة التي ترشده وتدله على الطريق لقلبه بدون سيطرة منه .. ألفت ذراعه حول خصرها وطبع على وجنتها قُبلة خفيفة اذابت جسدها وروت قلبه ثم مال على آذانها قائلًا بهمس وهو يداعب خصرها بأنامله التي تدرك عاقبة ما تفعله جيدًا:
تصبحي على خير يا عاليـة .
بعد ما طار بعقلها المُعارض له بشدة لأفق الخيال ، عاد إلى واقعه وهو يتسلح بالجمود والثبات وغير نبرة صوته الرقيقة إلى آخرى حادة:
يعني مثلا لما أحب أعمل كده ، أجي استأذنك وأقول ممكن يا عالية أقول لك تصبحي على خير بطريقتي !! دي دماغي هنجت لمُجرد الفكرة !
تتأمله بعيون اليقظ للتو من غيبوبته تحت مظلة العاطفة والعاصفة التي حولت داخله الحرير إلى خارجهُ الشرس هذا ، لم تدرك ما ستقوله وما سيكون ردها على رجل مراوغ مثله يتلاعب بمشاعرها ” كالأستك” الذي يرتد عليها ولم يؤلم غيرها ..
عادت نبرته الناعمة مرة أخرى وقال بعنجهية مفرطة:
الحاجات دي بتتخطف خطف ، في لحظتها كده ! وانا رجل استغلالي بالذات في اللحظات دي .
ما أن رمى جُملته الأخيرة ذهب نحو مخدعه مستعدًا للنوم بعد ما لعب جولة قوية بمشاعرها المُتخبطة ، وضاعت بخيالها معه كمن يُضيع ليله بـ قمر الشتاء الذي لا يسهر معه أحدٌ لبرودة الجو .. موجود ويراوغ ولن يداوي عواقب عبثيته وقُربه المُربك بفتاة رقيقة مثلها ، هائفًا لجُملة المشاعر التي تُحسسها بكيانها ووجودها .
••••••••
أعتقد أني في يومٍ ما تمنيت شراء النسيان هروبًا من ذلك الواقع المرير الذي يُطارد مُخيلتي يومًا بعد يوم ، وبعد ما قدمه إلىّ البحر كـ لقمة سائغة ، علمت أنه لم يكن حلًا ، والحل الوحيد الذي يمكنه إنقاذي من قسوة الماضي ، وجبروت الحاضر هو بيع الذاكرة بما تحمله من مآسٍ ، أريد تغيير جلدي الذي إتسخ بغبار الأيام السابقة ، والسؤال هنا ؛ ماذا يحوي صندوق النسيان الذي أهداه لي البحر !
مضت رياح الجزع بكُل شيء يسكنها ، فارقت دفترها وقلمها وطاولة أحزانها ، وثبت قائمة وهي تلُف الوشاح فوق ذراعيها وتطالع البحر من وراء الزجاج ، لمع طيف الرسائل بقلبها ، وكبرت ظُلمة الماضي والحاضر بذاكرتها ، وأصبح البحر بريد شكواها ، أخذت نفس وراء الأخر وهي تسترجع حديث فريد المُضل أو المرشد على حسب ! ولكن حدسها يُنفيه دون دليل بينّ ، لم يصدقه ولم يكترث له أي أهمية ، ولم يزيدها ظهوره إلا شكرٌ لمرآيا النسيان التي تعكس لها مرارة واقعها وماضيها .
رمقت البحر بأعين شاكرة على وسام النسيان ، و مرسى إنقاذها الذي لم تصل لبره حتى الآن ، قطع شرودها صوت فتح الباب ، ودخوله ، دارت نحوه وهو يقفل الباب ويتقدم نحوها ببطء ويبدو عليه معالم الصخب ، تعمدت ألا تُطيل الفحص في ملامحه كي لا يترجم حيرتها ويضعها في مأزق الاستجواب لأسئلة لم تمتلك لها ردًا ، عادت مرة أخرى تبث حُزنها للبحر ..
وقف بجوارها وهو يضع كفه بجيب بنطاله وينصب قامته بشموخ وقال بأسفٍ:
متقلقيش اللي اسمه قاسم ده ، هنلاقيه ، وحقك هيرجع تالت ومتلت !
ثم تحمحم بخفوت وأعقب:
حبيت اطمنك بس ، أنا مش ناسي .
عقدت ذراعيها بأسى وعقبت على جملته ساخرة بنبرتها المبحوحة:
تطمني ! من يوم ما قابلتك وأنا مش عايشة غير كل مشاعر الخوف والرعب .
لم يتحرك به ساكن غير رأسه التي دارت باستقامة ليستمع إلى حديثها المُهين لشموخه ومجده ، توقفت عند عقدة الفزع التي ربطتها الحياة بداخلها وأكملت هذيان:
عايشة في صراع بين الماضي الحاضر ، أهرب من أيه فيهم ؟! وأروح فين ؟
دنت خطوة منه حتى داعبت أنفاسه رائحة عطرها وعطنها المحُزن ، ورفعت عيونها الذابلة إليه وأكملت سرد مخاوفها ومعاناتها:
عارف لما تقعد على سُفرة عليها ديك رومي كبير وشكله جميل ، واقفه حوله ناس كتيرة وغريبة ، وكل واحد منهم مهتم أزاي ينهش منه على أد ما يقدر ! أهو ده بالظبط نفس أحساسي ..
قبضت على معصمه بقوة كي يستدير أمامها ، وصرخت صرخة استغاثة بوجهه وهي على مشارف الانهيار:
بقيت مقسومة نصين ! نص بينبش ورا رسيل وحدوتها المُخيفة اللي أنا شخصية بقيت خايفة أعرفها ، والنص التاني أنت زرعتني فيه ! زرعتني في أرض واحدة اسمها ” حياة ” وفجأة بقى الكُل بيهاجمها ! قول لي أنا مين فيهم ! أنا مابقتش عايزة لا رسيل ولا حياة !
فجاة تحولت أحلامها الوردية ، وعناقيد ضفائرها العنبية إلى كومة رماد وهي تسح بدموعٍ لا تعلم من أي جهة تسربت ، هل من جهة البحر الشاهد على ظُلمة ماضيها ! أم منبع الكربة المجهولة النابضة بـ صدرها !
طوق كتفيها الذي تدلى الوشاح عن أحدهما وقال بسيل من الكلمات المُطمئنة وهو يجلسها على أقرب مقعد كي لا تنهار بين يديه:
ممكن تهدي وبلاش توصلي نفسك للحالة دي ! أهدي واللي عايزاه أنا هعمله ! لو وجودي مضايقك همشي .
رفعت جفونها المُحمضة من كثرة البكاء وقالت بنبرة كلها عتب ورعشة ذعر:
حتى أنت فشلت تطمني ! وكنت طمعان فيا زيهم ! أنا مبقتش لاقية مَرسى .. مبقتش أعرف طريق واحد يدلني !
جثا على رُكبتيه أمامها مما يدل على الأثر الذي حفره عتابها بقلبه وأخذ يمسح على رأسها بحنو يخالف قسوة شخصيته وقال بنبرة لم تسمعها منه من قبل ولكنها لامست نقطة عميقة بروحها:
ممكن تثقي فيا المرة دي ، ووعد مش هخذلك ، مش هقول لك آسف ولا أقدم اعتذارات ملهاش لازمة ، بس أديني فرصة اخلي أفعالي هي اللي تعتذر لك ؛ ممكن !
أطالت النظرة به كمن يبحث عن الثقة بين وريقات وردتها الحمراء التى تنزف بدماء الحياة والحرب وقالت بخزى:
يا ريتك ستبتني للبحر وحيتانه وغضبه ، كان هيبقى أحن عليا من كل ده .
وثب قائمًا فجأة ، فلم يتحمل ذبول وحمرة عينيها ، وجمر حزنها المُتقد وقال:
لا حالتك دي ما تنفعش ، أنا هنادي الدكتور فورًا .
ما تأهب أن يخطو خطوة واحدة فتوقف إثر تغلغل أصابعها الصغيرة بين يديه ، تسمر بمكانه وهو يطالع ببطء ذلك الحدث الغامض الذي رج قلبه وأحيا ما به من صبا ، اندمج صقيع خوفها بدفء وجوده ، حتى رسى على جفون عينيها المصبوغة بحُمرة التوت التي لطخت قميص قلبه الأبيض بجُملتها الأخيرة وهي تترجاهُ:
خليك هنا بعد إذنك ، متروحش لمكان ، أنا خايفة أوي .
••••••••
“صبـاحًا”
-شمس ، قومي الساعة بقيت 9 .. عشان أدوية تميم .
أردفت ” نوران ” جُملتها الأخيرة وهى تزيح الستار ليسطع النور بالغرفة ، تحركت جفون شمس التي لم تنم إلا بعد الفجر وقالت بتكاسلٍ:
هقـوم أهو ، حد يصحي حد كده ؟!
قفزت نوران بجوارها وهي تراوغها بمكـرٍ:
في عروسة تسيب عريسها وتيجي تنام جمبي ! بت يا شمس أنا مش مرتاحة لك ؟! فيكِ أيه !
زفرت شمس بنفاذ صبرٍ ووثبت بكسلٍ:
يووه ! أنتِ جايبة الطاقة دي على الصبح منين ! ده جزاتي يعني عشان جيت اذاكر لك !
حدجتها بعدم تصديق:
وهو حنان الأخت ده ما شتغلش غير في أول أسبوع جواز !
هرب شمس من حصار اسئلة أختها الشديد وقالت مُغيرة مجرى الحديث:
ذاكري يا نوران وانا هجيب لك فطار لحد هنا .
ركضت نوران لتقف أمامها وسألتها بفضولٍ:
شمس أنتِ بتحبي تميـم ! قصدي يعني أيه مشاعرك ناحيته .
صمتت شمس من صاعقة السؤال التي حلت فوق رأسها ، فكم من اسئلة يقتلنا جهل الرد عليهـا ، أو حقيقة الجواب التي نهرب منها خشية من مواجهتها ، أتبعت نوران سرد ما يجول بخاطرها وقالت:
أنا وأنت عارفين سبب موافقتك على تميم ، بس لما تعاملت معاه وعرفت أد أيه هو طيب وفعلًا شخص يستاهل كل خير ، ضميري وجعني يا شمس ، مش أحنا اللي نستغل معروف حد لينا عشان مصلحتنا .. فكري بقلبك المرة دي هتعرفي أنك غلط ، وظُلم لتميم ولينا ، طريق الشر والانتقام قصير .
شردت شمس في تلك المتاهة التي فتحتها أختها برأسها وقالت بعجزٍ:
فكرك أنا مرتاحة كده ؟! أنا جوايا كل حاجة بتحارب بعضها ..
-حاسة بيكي ، بس طلعي تميم من الحسبة دي خالص يا شمس ، هو ملهوش ذنب .
اكتفت بإصدار إيماءة خافتة ثم قال هاربة:
سيبيها على ربنا .. هروح اشوفه .
تمسكت بمعصم أختها بتردد لتوقفها وقالت بحياء:
شمس استني ، أنا عارفة أنه مش من حقي ، بس أنا عايزة مصلحتك ومصلحتنا والله ، وأنا عارفة كويس أن تميم لحد دلوقتِ ماشافش حتى شعرك ، وأن جوازكم على ورق وبس ، حاولي شوفيه بعيون قلبك ولو لمرة ، سيبي قلبك المرة دي يختار نيابة عن عقلك الـ دايما قراراته قاسية عليكي .
لم يكن لديها ردًا واحدًا عن تلك الكلمات التي عبثت برأسها ، أحست بدوران قلبها ، وحيرتها المتضاعفة ، اكتفت بالتربيت على كتفي أختها وقالت بهربٍ:
ركزي في مذاكرتك ممكن ، عشان تيتا كان نفسها تفرح بيكي .
-وكان نفسها تفرح بولادك أنتِ كمان يا شمس .
انغرست الكلمة كالخنجر بـ صدرها ، أدبرت عن حديث أختها المؤلم ورحلت دون الرد وقول أي شيء يمكنه نفي صدق الأحاسيس التي تولدت برحمها ناحيته ، غادرت شمس الغرفة ، فتفوهت نوران بتنهيدة طويلة:
ربنا يصلح حالك يا شمس يابنت حواء وآدم .
مرت عدة دقائق وهي ترتب كتبها استعدادًا للمذاكرة حتى سمعت صوت دق الباب ، تركت ما بيدها ظنًا منها بأنها أحدى الخادمات ، فتحت الباب ففوجئت بـ ” كريم ” أمامها ، شهقت بذُعر:
يخربيتك ! أنت بتعمل أيه هنا !
اتكئ على جدار الباب عاقدًا ذراعيه أمام صدره وقال:
عايز أقول للقمر سوري ! ومايزعلش مني !
مدت نوران أنظارها للخارج تفحص المكان كي لا يراهم أحد وقالت بتحذيرٍ:
أمشي من هنا حالًا شمس لو شافتك هتخلي يومك أسود .
-واضح أنها قُطة بتخربش زي أختها .
فاض صبر نوران حتى خبطت الباب بوجهه بدون سابق إنذار كي لا يراهم أحد وهمست لنفسها:
ما هي ناقصاك أنت كمان !
نصب كريم قامته بحرج وهو يتلفت حوله بغيظٍ:
بنت المجانين ….
” في غرفة تميـم ”
-قصدك دول ؟
قالت شمس جملتها وهي تحضر ملابس تميـم كي يستعد للخروج ، هز رأسه مؤيدًا كلامها ، هنا توقفت شمس على شفا حيرتها بين نصائح نوران التي انصبت بقلبها ، وبين اعتراضها على الألوان التي سيرتديها ، رفع حاجبه متعجبًا:
واقفة عندك ليه !
-أبدًا بس ممكن أقول رأيي ؟ حاسة أن اللونين دول على بعض مش أحلى حاجة .
تبسم تميم بإعجاب وقال مُرحبًا بالفكرة:
طيب ما تختاري اللي يعجبك ! وأنا مش هعترض .
اتسعت ابتسابتها للُطفه ثم تفقدت خزانته سريعًا وأخرجت الألوان المُحببة لقلبها ، عادت إليه حاملة ملابسه على معصمها وقالت بحماس:
يا رب ذوقي يعجبك ..
أشاد بإعجابه الشديد بما اختارته ، فرحت شمس لأن ذوقها راق إليه ، وضعت ما بيدها جنبًا ثم عادت إليه بعيون معتذرة:
أسفة لأني نمت مع نوران ، بس …
وضع أصابعه على شدقها وقال مُتفهمًا:
مش مضطرة تقولي مبررات ، وكمان مفيش حاجة ممكن تخليكي تنامي بره الأوضة علشان يا دكتورة شمس أنا رجل وبفهم في الأوصول كويس أوي ، وعند وعدي وكلمتي ليكِ ، آكيد فاهمة ولا تحبي أوضح أكتر !
-هاااه ..!
-قصدي أقول لك أن خوفك ده كله على الفاضي ، وملهوش أساس من الصحة ، تمام كده ؟!
اطمئن قلبها لهدوئه ونبرته الحنونة ، ثم وثبت قائمة:
أسيبك عشان تلبس وتلحق معادك ..
-استني هنا ..
-نعم !
-يعني بقولك الدار أمان ، واطمنك ، ومعرفش أيه وفي الأخر يجي عثمان يلبسني ! مفيش رد جميل خالص !
جحظت عينيها ببلاهة:
نعم !
-بهزر يا شمس ، بهزر ، روحي شوفي هتعملي أيه شكلك هتغلبيني ، ولو نازلة الجامعة هوصلك في سكتي .
-لا النهاردة مفيش محاضرات ، أجازة .
هز رأسه مُرغمًا:
أحسن بردو .
ما كادت أن تحطو خطوة فتراجعت نادمة ، فحدجها بنظرات الامل:
غيرتي رأيك صح !
-تميم ، أنا عايزة اعترف لك بحاجة واتمنى تسامحني …
••••••••
تبدو كفراشة رقيقة وحزينة اختارت ساقه غصنًا لها حتى قضت ليلها في سُبات أمان من ضجر لياليها الماضي ، مرت ليلته جلسًا على الأريكة دون أن يتحرك خاصة بعد ما أمنت له وغفت على فخذه ، ظل يتأمل خريطة وجهها وكأنها الحياة وهو جميع المُتأملين ، متعجبًا من الحالة التي وصل إليها بجوارها ، مُتسائلًا:
“كيف سيطرتي على قلبي الذي ظننته صلبًا واختنقت الحياة بعنقه منذ زمان .. كيف يكون معك بكل هذا الليّن ؟”
قضى ليلة ساحرة بقُربها وعِطرها ، ليلة أجمل ما يُقال لوصفها أنها صفحة مقطوعة من كتاب ألف ليلة وليلة ، ظل يتأملها ويدقق بجمالها ورقتها التي لم يراها نُقشت على وجه إمراة من قبل كأنها كتاب أسطوري عريق ، كل تفصيلة بها مُغرية لقلبه حتى نوى التسلل إلى روحها كقارئ فضولي ..
تململت بخفة فتوقفت أنامله عن العبث بشعرها الذي أسره طوال الليل ، استيقظت بعد ما نامت بعمق بمحاذاته ، أول شيء فتحت عيونها عليه كان حذائه اللامع ، اعتدلت من نومتها وجرت ذيول شعرها الحريري معها وقال بخجل:
يا خبر ! أنت أزاي نمت هنا ! هو أيه اللي حصل أنا مش فاكرة حاجة .
هز رأسه بثبات:
طيب كويس ، حاسة إنك أحسن دلوقتِ !
-ااه ، صداع خفيف بس ..
لكت بقية الكلمات بشدقها وقالت بتيـهٍ:
بس أنا ازاي نمت محستش بحاجة كده !
نزع ساعته الفخمه من معصمه وقال برزانة:
كُنت مُجبر ادوب لك حباية مهدئة في العصير حسب تعليمات الدكتور ، لأنك كنتي مرهقة حبتين .
أطرقت بحياء من تلك الحالة الفوضوية التي كانت عليها ليلة أمس وثرثرتها المُبالغة ، وهدوئه في الاستماع إليها وصبره عليها ، تأهب أن ينهض فـ تشبثت بكفه مُتسائلة:
رايح فين !
تدلت أنظاره إلى كفها المرتعش الذي يحوي كفه وقال بتحيرٍ:
هغير عشان عندي اجتماع مهم ، وكمان في كذا حاجة عايز أخلصها قبل ما نرجع القاهرة ..
-استنى .
هرب اللفظ من شدقها بدون رقابة منها ، لقد فقدت السيطرة على حالتها وباتت جميع تصرفاتها طفولية ، رفع حاجبه مندهشًا من تصرفاتها الغامضة وسألها:
في حاجـة !
أومأت بالإيجاب ثم قالت بضعف حطم حصون قلبه القوية:
مش عايزة أبقى لوحدي .. خليك هنا وأنا مش هتكلم خالص .
-أنتِ مالك من امبارح ! احكي لي .
ترجته بعيونها الذابلة:
لو سمحت خليك معايا ، أنا خايفة أوي .
-خايفة من أيه طيب ، قوليلي ! مفيش حاجة هتحصل أنا بوعدك .
ضغطت على يده بقوة مما ثارت نيران الجنون بقلبه وهي تذرف بالدموع وتتوسل إليه إثر حالة الذعر التي خيمت عليها:
لو سمحت خليك ..
لم يمنحها أي رد على طلبها الغريب والغامض بل اكتفى بإخراج هاتفه وكلم يسري قائلًا بحزم:
يسري ألغي كل حاجة النهاردة !
ثم احتدت نبرته:
من غير كلام كتير ، اسمع اللي بقول لك عليـه .
قفل هاتفه ثم نظر إليها ليرى بسمة الاطمئنان مرسومة على وجهها ثم نظر الشكر التي أرسلها بعيونها إليه ، رفع حاجبيه قائلًا:
تمام كده! .. تحبي نطلع رحلة البحر تغيري جو !
ردت بصوت مبحوح:
تمـام مفيش مشكلة .
سحب كفه برفق بعد ما ربت على كفها بحنو وقال:
هاخد شاور وأغير هدومي تكوني جهزتي .
توجه عاصي إلى المرحاض وتوجهت ذاكرتها نحو ذلك اليوم الذي سافرت معه عندما فوجئت بوقوفه أمام أحد مكاتب الزواج بالغردقة ..
#فلاش_باك .
وهو يخرج بها من المكتب ويجرها خلفه بتجبر ضاغطًا بكُل قوته على معصمها ، صرخت بوجهه معترضة:
أنت مصدق نفسك ! بشوية شهود ووكيل مزيف وكمان اسم مزيف .. فاكر إنك كده جوزي .
قـتٰلها بابتسامته الباردة وهو يقول:
أهم رُكنين في الجواز القبول والإشهار .. ولقد كان .
أطلقت ضحكة ساخرة:
هااه ! قبول ! لا ده أنت مصدق نفسك على الأخر !
حاول شدها ليُكمل خُطاه نحو سيارته ولكنها وقفتها مُعاندة أمامه وقالت بغضبٍ:
طيب افرض طلعت متجوزة ، هتعمل أيه يا عاصي بيه ! ها حلني بقا !
جز على أسنانه بنفاذ صبر وقال:
ساعتها هطلقك منه واتجوزك من تاني بردو .
رمقته بنظرة ساخرة كمن يجمع الحطب من غابة لا خشب بها وقالت باستهزاء وهي تشير على رأسه:
دي طارت منك خالص .
نفذ صبره من ثرثرتها العبثية وقال بشدة:
افهميني عشان مش هكرر كلامي تاني ، بالورقة دي أنا بحميكي من نفسي قبل أي حد .. ومش عشان حد يجي يقول لك أنتِ قريبتي ولا اختي اسلمك له ، أنا عايز اوصلك لبر الأمان ويكون ليـا الحق في ده ، مش مجرد حياتي معاكي فندق تلمي منه شُنطك وتطيري ، لانك مش حِمل بهدلة والعالم بره غابة ما بيرحمش ! فهمتي ؟
تبادلت النظرات الحائرة بينهم ، هو يحاول إقناعها بحديث لم يقنعه وهي تحاول العثور على حقيقة حججه وتمسكه بها .
زفر عاصي بجزع وقطع حبل النظرات بينهم وهو يشدها من مُعصمها:
ولا متفهميش ! مش مهم ! أنا أصلاً بتكلم معاكِ ليه !
#بالكتهيج القلب برفقة الذاكرة المُتشتتة والتي تُراجع تصرفاتها الجنونية معه ، وحبل الوصال الخفي الكامن خلف عنادهم ، أحست بلدغة قُبلته في قلبها وسرعان ما تناولت دفترها ودونت ما يتجول بداخلها:
-” لم يعد التيه يُرعبني بقدر تلك المشاعر التي لم أقع بها عنوة بل سرت إليها بخُطى ثابتة وعينين لامعتين !”
••••••••
“-طيب قولي صباح الخير ”
كانت جُملة مُراد خبيثة مُراوغة وهو يرش عطره قبل الخروج ، ظل الصمت سائدًا بينهم حتى قطعه بجملته الاخيرة ، انكمشت ملامح عالية مُتعمدة وقالت بحدة:
الساعة ١٢ هنزل الجامعة .. قلت أعرفك بس .
-خدي هنا ! أيه الطريقة دي !
-هي دي طريقتي .. عايزة أعدى ممكن توسع !
تأفف بحنقٍ:
عاليـة ..
وضعت حدًا للنقاش بينهم وقالت بحزم:
من فضلك مش حابة اتكلم ..
ثم فارقت الغرفة بعد ما قفلت الباب خلفها بقوة ، ضرب مراد كف على الأخر مزفرًا:
أهو كده وبالبوز ده تبقى عالية دويدار بجد .
اصطدمت عالية بهدير التي فتحت باب شقتها ودخلت كأنها صاحبة بيت ، لم تكترث للأمر بل اقتطبت بوجهها وتركتها بدون ترحيب ، ثار الموقف غضب هدير التي جهرت معترضة:
ماهي قلة الذوق مش جديدة عليكِ ، طيب حتى ارمي السلام .
تجاهلتها ” عالية ” لان الثورة الناشبة بصدرها أضخم من الالتفات لمشاجرات هدير ، خرج مراد على صوت أخته العالي التي استغلت الأمر وطاحت بوجهه:
والله لو الست مراتك مش حابة وجودنا قول ، بدل الإهانة دي !
-اقصري الشـر يا هدير وقولي يا صبح !
صاحت هدير وهي تلوح بذراعيها:
طبعًا ! ما أنت لازم تعوم على عومها .. وأيه كمان ! تعالي يا ماما شوفي ابنك اللي بيطردنا بالذوق هو وبنت أختك !
خرجت جيهان راكضة على صياح ابنتها التي تنادي على الشر باسمه ، اقتربت منها وربتت على كتفها:
مين مزعلك يا حبيبة أمك بس !
-الهانم بنت اختك ضاربة بوز وكأنها مش طايقانا !
فاض الأمر بعالية التي لأول مرة يسمع لها صوتًا عاليًا:
هو مش اخوكي قال لك تقصري الشـر يا هدير ! ولا هتبقي مبسوطة لما ادخل أنا وأكسر دماغك !
شهقت هدير وأمها في نفسٍ واحد أما عن مراد وقف مُعجبًا بتلك النسخة الجديدة التي تسلحت بها ، وبختها جيهان بحدة:
هي حصلت تكلمي بنتي بالطريقة دي يا بنت دويدار !
-وأعلمها الأدب كمان لو مطلعتنيش من دماغها .
ثم قربت منها وأشارت بسبابتها محذرة:
ولأخر مرة بقولهالك يا هدير طلعيني من دماغك !
ردت هدير بخبث:
للاسف ، أنتِ بقيتي قدري وأنا بقيت قدرك ، لإنك هتكون عمة اللي في بطني ، وعشان اطمنك سايبة لك الشقة كلها بس هطلع على قصر دويدار .. بيتي وبيت اللي في بطني ، أما أنت خليكِ هتعيشي مطرودة من بيت أبوكي ، وحتى جوزك متجوزك مصلحة ، يعني يومين وهو كمان هيرميكي في الشارع .
تدخل مُراد مُزمجرًا:
اسكتي يا هدير
نفجرت نيران الغل بشدقها:
اسكت ! أيه هي الحقيقة بتوجع ! أيوه يا عالية مُراد أخويا متجوزك مصلحة .. عشان بس متعشيش في الدور أوي وأنا و-
قلت لك اخرسي .. للاسف هتفضلي طول عمرك سودة من جواكي مش شايفة غير سواد ، وبتحاولي تبوظي حياتي كل ما اصلحها .. كل ما أحاول اصفى لك تيجي تعكيها أكتر ، أنا بقيت بقرف منك ومن ألاعيبك .
-مُراد ..
نطق اسمه بنبرة مرتعشة وعيون نازفة بدماء الحزن وما أن دار نحوها قائلًا:
عالية ، هفهمك !
-مش عايزة أفهم حاجة ،طلقني ……
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نهال مصطفي
ما يُرهقني بالأمر أننا لم نقُل وداعًا ولن نتفق على موعدٍ للقاء آخر. حمل كلٌ منا ما بقلبه ورحل، تاركين للقدر مهمة جمعنا ولو بالصدفة على رصيف الأيام. وها نحن الآن بعد ما بلغ الغياب منا مبلغهُ، وطوت الأعوام قلوبنا. تركت قلمي ليس لجفاف حبر الأمل به، ولكن أي كلام يمكن أن يُكتب أو يبقى بعد جفاف العينين من الحزن!
•••
لم تكمل جُملتها، ففوجئت بلطمة قوية نزلت على وجنتها شلت لسانها من أخيها وهو ينهرها لتصمت.
"قلت لك اخرسي.. للأسف هتفضلي طول عمرك سودة من جواكي مش شايفة غير سواد، وبتحاولي تبوظي حياتي كل ما اصلحها.. كل ما أحاول أصفى لك تيجي تعكيها أكتر، أنا بقيت بقرف منك ومن ألاعيبك."
"مُراد.."
نطقت اسمه بنبرة مرتعشة وعيون نازفة بدماء الحزن. وما أن دار نحوها قائلًا:
"عالية، هفهمك!"
"مش عايزة أفهم حاجة، طلقني."
امتلأت أعين هدير بالشماتة والانتصار، على عكس جيهان التي تراقب مخططها المُشيد ينهار فوق رأسها. ابتعدت عن ابنتها واقتربت من عالية محاولة إصلاح ما أفسدته هدير، وقالت بذعر مُغلف بالحنية الكاذبة:
"عالية يا حبيبتي وحدي الله، دي هدير بس بتحاول توقع ما بينكم، ما أنتِ عارفة جنانها وأنها ساعات بتقول أي كلام عشان تضايق اللي قدامها وخلاص."
أوشكت رأسها على الانفجار، فلم تعد تتحمل المزيد من الكذب والخداع والمسرحيات المزيفة. طالعتها باشمئزاز ثم قالت:
"انتوا ازاي كده! ازاي كُل حياتكم بتكذبوا وبتصدقوا كذبكم! ازاي بتناموا بالليل وأنتو جواكم السواد والغِـل ده كُله."
تحاشت الوقوف أمام خالتها واقتربت خطوة من هدير بعد ما ارتدت عالية ثوب آل دويدار الذي يفتك بكُل من يقترب لمجـده، وقالت بتحدٍ:
"أنتِ فاكرة إني طلبت الطلاق عشان الكلمتين الفارغين بتوعك دول.. حقيقـة أخوكي كانت مكشوفة قدامي من أول يوم وقالها صريحة في وشي."
التفتت إليه بنظرة مُؤكدة.
"فاكر!"
ثم عادت إليها وأكملت:
"بس الفرق إني لمست جواه حتة نضيفة وقررت اشتغل عليها، قُلت يمكن ربنا ساقني لعنده لسبب ما، قررت أرد له جميل أنه أنقذ حياتي في يوم، وأكون له طاقة نور تطلع الشخص النضيف اللي جواه."
ذرفت دمعة الفشـل من طرف مُقلتيها وتحولت نبرتها لنحيب مكتومٍ وأردفت بندم:
"بس واضح إني كُنت غلطانـة."
ودارت لتوجه جُملتها المغلفة بالعتـاب والاتهام لخالتها وقالت:
"أن للأسف الشديد الحداية مبتحدفش كتاكيت!"
صاحت هدير بوجهها:
"أنتِ مالك طايحة في الكُل كده! ده جزاة أخويـا أنه ستر عليكِ بعد مُصيبتك دي! أنتِ فاكرة كان في حد هيبص في وشك لو معملش كده.. دور ستنا الشيخة دي مش علينا يا عالية، أنا اكتر حد عارفك وعارف مسكنتك!"
انفجر مُراد بوجه أخته بعد ما انقض على معصمها وهو يُرجها أمامه موبخًا:
"أنتِ أيه فاكرة كُل الناس زيك! بس الغلط مني رجعتك بيتي تاني بعد ما طردتك منه زمان، افتكرتك كبرتي وعقلتي.."
"عاليـه" بكللٍ:
"متتعبش نفسـك معاها، أنا هدخل أغير هدومي عشان نروح للمأذون."
بمجـرد ما رمت كلماتها انصرفت نحو غُرفتها لتنفيذ ما طلبته. اندفعت جيهان نحو ابنها متوسلة:
"أوعى تسمع كلامها يا مُراد، أحنا مش هنطلع من المولد بلا حُمص كده."
رمقها بأسهم الخسة ثم قال جُملته قبل أن يتبع خُطى عالية:
"ما بس بقا! أنتوا مصنوعين من أيه!! كفاية لحد كده أنتِ وبنتك كفاية.."
رحل مُراد خلفها، وما أن دخل غرفته باغتت جيهان ابنتها بقرصة مؤلمة في ذراعها:
"عاجبك كده! هديتي اللي بخطط له من سنين."
"أصـلًا عالية دي بنت صفره أوي، لا هتاخدوا منها أبيض ولا أسود، متحلميش أنتِ وابنك."
"في الغُرفة"
"عاليـة ممكن نتكلم طيب."
كانت جُملة مُراد الأخيرة مليئة بالأسى والحزن، لا يعرف ما الذي سيقوله ولكن أراد أن يخلق بينهم أي لغـة حوار. رمت عالية ملابسها التي أخرجتها من الخزانة وبدون ما تُطالع وجهه أردفت بحدة:
"مفيش منه فايدة الكلام يا مراد، خلصت لحد كده."
"ما خلصتش يا عالية، ولو سمحتِ اقفي وكلميني زي ما بكلمك."
لبت طلبه بسخرية وقالت:
"أيه هتخترع كذبة جديدة! متحاولش يا مُراد خطتك فشلت والسبب اللي اتجوزتني عشانه بح، شوف لك طريقة تانية تنتقم بيها من عاصي دويدار غيري."
"دي مش طريقة للكلام.."
"عالية" بأسف مليئ بالسخرية:
"والله هي دي طريقتي، وأسفة عشان طريقتي مش ملونة بالكذب والخداع بتاعكم."
أحست بنغزة مجهولة بقلبها ولكن عنادها كان أقوى من الانتباه إليها وأكملت:
"أظن بعد اللي اتقال أنا مش هقبل أعيش على ذمتك ساعة زيادة، لأن جوازنا في الأساس باطل.. كفاية لحد كده."
صعق بوجهها معارضًا وهو يمسك معصمها بقوة:
"جواز أيه اللي باطل أنتِ بتقولي أيه؟"
أزاحت يده عنها بعيدًا وقالت:
"أيوة باطل لأنه في حكم جواز المُتعة، يعني وجودي معاك أصلًا حرام شرعًا."
ثم رمقته بحزن على حاله:
"يا خسارة يا مراد كان عندي أمل انشلك من العالم اللي أنت عايش فيه، بس طلعت بضحك على نفسي."
تجاهل كل ما قالته ووقف عند عقدة الفزع التي ربطها رحيلها المفاجئ عنه، أكتفى بهز رأسه مُتقبلًا اتهامها بهدوء. وما أن غربت وجهها عنه لتُخرج بقية ملابسها من الخزانة تسلل ببطء حتى صُدمت بقفل باب الغرفة عليها بالمفتاح. ركضت نحو الباب المُغلق وصرخت:
"كده بتقل حسابك يا مراد، فاكر لما تحبسني هو ده الحل!"
ثم ضربت على الباب صارخة بقوة:
"افتح الباب ده، أنا مش طايقة اتنفس حتى في بيتك."
وضع المفتاح في جيب بنطاله ثم قال صراحة:
"وأنا معنديش استعداد اخسرك بعد ما لقيتك يا عالية.. سامحيني بس هو ده الحل لحد ما تهدي ونتكلم."
•••
"اليوم هيخلص وأنتِ بتبسبسي يا شمس! قولي مالك! ليه التوتر ده كُله!"
بعد ما طالع ساعته أردف تميـم جُملته الأخيرة لشمس التي كانت تُماطل في سرد ما تُخفيه عنه. أحست بالارتباك الشديد ثم قالت:
"خلاص وقت تاني، شكلك مستعجل مش حابة أعطلك."
جذبها من كفها المُرتعش وقال بحزمٍ:
"قولي يا شمس، بلاش تهربي زي كُل مرة."
هنـا صوت طرق الباب أنقذ شمس من الورطة التي وضعت بها نفسها. سحبت يدها بسرعة وقالت بصوتٍ مرتعش:
"اتفضل."
دخلت إحدى الخادمات بعجلٍ يبدو عليها الذعر:
"تمـيم بيه، في بوليس تحت وبيسأل على الدكتور شمس وأختها!"
تجمدت نظرات الثنائي لبعضهم، حتى نفض غبار الشرود عن رأسه مُتسائلًا:
"في أيه، تعرفي حاجة يا شمس."
شمس بدهشة:
"معرفش، هنزل اشوف فيه أيه."
"استنى هنا، أنا جاي معاكِ."
هبط الجميع إلى أسفل بين انتشار حركة المخبرين والأمناء في جميع أرجاء القصر، وكل منهم يبحث عما جاء لأجله. خرجت نوران من الغرفة بقلق وهي تشاهد المنظر المُرعب بالأسفل. اقترب تميم من الضابط قائلًا:
"أنا المهندس تميم دويدار، جوز الدكتورة شمس، ممكن أفهم في أيه!"
أخرج الضابط إذن النيابة من جيبه وقال:
"ده أذن النيابة بتفتيش البيت، لان في بلاغ مقدم من عبلة المحلاوي تتهم فيه الدكتورة واختها بسرقة مجوهراتها ومجوهرات عالية دويدار."
وضعت نوران كفها على شدقها وتوقفت في منتصف الدرج إثر ما وقع على آذانها. أما عن شمس تمسكت فجأة بيد تميم ورمقته بعيونها النافية لكل هذا قائلة:
"تميم ده افترى، الكلام ده كل محصلش."
تدخل الضابط مُتسائلًا:
"أوضتكم فين وأوضة أخت المدام؟"
أشار تميم عما سأله، فأمر الضابط احد العساكر بتنفيش الغُرفة. وهنا أتت عبلة من الخارج وقالت باتهام واضح:
"أهي، هي دي يا حضرة الظابط اللي سرقت دهبي ودهب بنتي."
أومئ الضابط مُتفهمًا:
"هنشوف دلوقتِ يا هانم."
أصعب دقائق مرت على الجميع في انتظار بينة الاتهام الشنيع الذي وجهته عبلة لشمس وأختها كي تتخلص من وجودهم بمنزلها. أتى العسكري برفقة أصدقائه حاملًا بيده صندوقًا خشبيًا:
"لقينا ده في أوضة تميم بيه يافندم."
لما رأته عبلة صاحت بلهفةٍ:
"هو الصندوق ده ياحضرة الظابط."
ثم رمقت شمس بنظرات الشماتة:
"شفت اللي جايبهالنا من الحواري عملت أيه!"
أكد الضابط سؤاله الموجه لعبلة:
"متأكدة! يعني ده دهبك يا مدام عبلة!"
"هو، هو يا سيادة النقيب."
هز الضابط رأسه قائلًا:
"تمام أحنا هنرفع البصمات من عليه."
ثم وجه جُملته الأخيرة لتمـيم:
"والدكتورة واختها هيشرفونا في القسم."
حل الذعر على ملامح شمس وأختها وهن ينفيان التُهمة عنهم. طالعت شمس تميم بتوسلٍ:
"تميم أنا والله ما أخدت حاجة، أنت طبعًا مش مصدق الكلام ده."
أمسك العساكر بكلٍ من شمس ونوران نحو عربة الشرطة. أما عن تميم جُن علقه كي يحل تلك الورطة التي يثق من تلفيقها. صعد على الممر المُبسط الذي صنعه عاصي خصيصًا لأجله بجوار السُلم كي يتحرك بين الطوابق بحرية. دخل الغُرفة وهاتف مُحاميه الخاص قائلًا:
"اسبقني على هناك يا متر وشوف حل لحد ما اجيلك، مراتي مش هتقعد ساعة واحدة في القسم."
قفل الهاتف عندما أدرف كلماته وأخذ يقلب الأفكار في رأسه حتى عزم أمره وفارق غُرفته متجهًا إلى غُرفة عبلة التي اقتحمها بدون استئذان. كانت في تلك اللحظة تتحدث مع مُحاميها كي يرجع لها المشغولات الذهبية وما أن رأت تميم شهقت بذُعرٍ:
"طيب سلام أنت دلوقتِ يا متر."
قفل تميم الباب خلفه بشدة رجته كما رجت قلبها. وكانت الصدمة الكُبرى إليها عندما رأته واقفًا على قدميه تُطالعه بأعين مُتسعة تشع بلهب الدهشة والذهول. شهقت بذعر وهي تتراجع للخلف:
"أنتَ، أنتَ بتمشي!"
اقترب تميم منها وهو يشع بجمرات الغضب:
"عملتي ليه كده! انطقي."
غلفت صدمتها بنبرة الحنية المزيفة التي تلونت بها فجأة كالحرباء، ودنت منه بلهفةٍ:
"أنا فرحانة بيك أوي يا تميم، أنا أنا كُنت حاسة إنـ إنك بخير، أنتَ خبيت عني ليه."
وشرعت أن تُعانقه الحية بمكرها، ولكنه باغتها بقبضة قوية على عنقها مُهددًا بنرة تحرقها من شدة الغضب. تحول أمامها من الشخص المُسلم إلى آخر شرس يود حرق العالم بنظرة من عيناه الثائرة:
"مكر التعابين ده مش عليـا يا بنت المحلاوي، أنا سكتت لك كتير ولحد هنا وكفاية."
ثم أطلق نتهيدات غضبه ممزوجة بأنين روحها التي أوشكت على مغادرة جسدها وأحمرار وجهها بحمرة التوسل:
"همـٰوت يا تميم في أيدك.. سيبني."
بغلٍ دفعها للوراء حتى ارتمت على الأريكة تتخذ أنفاسها بصعوبة وتسعل بشدة. لم يكُف تميم عن ذلك ولن يمنحها الفرصة الكافية للاستراحة. أزاحها للوراء حتى أرتطم ظهرها بمسند الأريكة ورفع ساقه اليمنى فوق المنضدة وأخرج هاتفه وفاتح الشاشة على صورة ما. ولى الهاتف إليها قائلًا بصوت عاصف:
"شوفي كده، فاكرة الورقة دي! بصي وملي عينك منها كويس أوي! مش أنا ولد الخدامة، أهو ولد الخدامة ده هينيمك على البروش، هي ساعة واحدة لو مراتي ما رجعتش هحرق قصر دويدار ده كُله باللي فيه!"
بعيون مُتسعة حد الانخلاع وشفاه مزمومة تقطعت الكلمات بفمها:
"أنت جبت الورقة دي منين، أنتَ…"
قفل هاتفه ووضعه بجيبه قائلًا:
"ومش بس الورقة دي، فيها غيرها كتير أوي، بس كل ده ولا حاجة مقابل انك تسمعي كلامي وتقولي أمين، وكلمة كده ولو محاولة قتل زي اللي حصلت وراحت فيها أمي أنا هنسفك من على وش الأرض."
وقفت مرتعدة وهي تترجاه:
"تميـم، افهم بس دا أنا بحبك، كل ده مش لمصلحتنا، أعقل يا حبيبي ودي بنت حرامية خليها تروح في داهية وانا من بكرة هجوزك ست ستها بس بلاش بلاش الورق ده حد يشوفه، عشان خاطر أخواتك يا تميم، أنا متأكدة أنك بتحبهم ومش هتأذيهم، تميم.."
مسك معصمها بقوة وقال كلمته النافية:
"كلمة واحدة تروحي تخرجي شمس واختها حالًا زي ما دخلتيهم، ماشي يا مراة أبويا… اااه ومش محتاج افكرك، أني واقف على رجليا ده لو حد عرفه يبقي أنتِ اللي اخترت الوش التاني لتميـم دويدار."
مجرد ما انهي تهديداته القاسية التي تلعن باقتراب الحرب تحرك نحو مقعده المتحرك وجلس عليها وهو يرمقها بنظراته القاسية وتمتم بتوعدٍ:
"مش عايز الشيطان يوزك كده ولا كده، طول ما أنتِ حاطة لسانك ده جوه بؤك أنا ساكت وببعد عن الشر وأغني له كمان."
"في الطابق الأسفل"
صوت رن جرس الباب جعل سيدة تركض مسرعة لفتحه. وما أن فتحته فوجئت هدير بجوار حقيبة ملابسها وهي تقول بضيق:
"ساعة عشان تفتحي!"
•••
بعيدًا عن أجواء القاهرة المشحونة بالشر، إلى حورية البحر الأحمر الغردقة.
صوت طرق شديد على الشقة التي يلهو فيها فريد بعد ما قضى ليلة مشحونة بالغضب والسُكر برفقة سارة، فقضي الثنائي ليلة محاطة بالشر والانتقام من أنفسهم قبل أي شخص أخر. تحرك نحو الباب بصدره العارٍ وأقدامه الحافية وكانت صدمته عند فتحه للباب مردفًا:
"قاسـم!"
"أنا عارف إنك مش بتحبني، بس أنا جاي لك هنا عشان نركن كل العداوة دي على جنب لحد ما نوصل للي عايزينه! أحنا الاتنين دلوقتِ هدفنا واحد."
ما نهى قاسم جُملته حتى أختتمتها سارة التي ترتدي ملابس كاشفة وبيدها زجاجة الخمر مُنادية على فريد. تبادلت نظرات الثنائي كلا من قاسم وسارة حتى عاد الأول مُتسائلًا:
"هتسيبني نحكي على الباب."
فتح الباب على مصرعيه بعد ما أشار بعينيه لسارة أن تعود لغرفتها وما أن دلف قاسم وقفل فريد الباب ورائه فقال:
"أيه اللي فكرك بينا! ما صدقنا خلصنا منك!"
"ينفع نقفل الماضي ونركز في اللي جاي!"
فريد بجزع:
"أيوة اللي جاي! ولو كان اللي جاي عشانه رسيل فهي خلاص بح طارت."
جلس قاسم بجواره قائلًا:
"بس أنتَ مخسرتش، أنا طلعت كسبان كل أملاك قنديل المصري، يعني وصلت لغايتك حتى ولو خسرت الوسيلة."
"أنت عايز مني أيه يا قاسم."
"هو سؤال واحد بس، عشان أعرف إذا كنا ينفع نتفق أول لا."
اشعل فريد سيجارته قائلًا:
"اللي هو!"
"كُنت عايز رسيل ولا الفلوس!"
أخذ نفسًا طويلًا من سيجارته وقال بطمع:
"الاتنين.. رسيل والفلوس."
"يبقى مش هنتفق."
فريد بدهاءٍ:
"طيب ما تسمعني اللي عندك، يمكن نتفق."
"هسمعك، دلوقتِ رسيل متجوزة رجل مش سهل، نفوذ وسلطة وباشارة منه بيتفذ اللي عايزو، وانا وأنت عايزين رسيل، بس الفرق بينا أن رسيل كان غايتك لفلوس كتير، أنا دلوقتِ جاي أديك الصنارة اللي هتصطاد بيها فلوس ملهاش عدد."
راقت الحديث لفريد الذي رفع حاجبه مُتسائلًا:
"في المقابل!"
"رسيـل، رسيل تبقى ليا."
•••
هناك دومًا صدمة صغيرة ستشعرك بألم كبيرٍ، لا شيء بإمكانه أن يعيد ارتياحك لشخصٍ أو مكانٍ ما حتى لو اعتذر لك العالم بأسره.
نهضت عالية من فوق سجاده الصلاه بعد ما اصبحت سجينة الغُرفة والوحدة ولم يبقى لها إلا المصحف الذي أهداه إليها، والمسبحة خير ونيسًا لوحدتها. تناولت المصحف بأيدي مرتعشة وهي تفتحه لتقرأ سورة مريم التي تُريح قلبها كثيرًا، حتى ربتت تلك الآية على فؤادها المُتأكل من شدة الحزن:
"فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ ربك تَحۡتَكِ سَرِيًّ."
توقفت هنا عند صوت فتح باب غُرفتها بعد مُضي أصعب ثلاث ساعات مروا عليها. تشتت تركيزها عن قراءة القُرآن ولكنها أصرت ألا تمنحه أي اهتمام. دخل مُراد وقفل باب الغرفة بإحكام ثم نزع سترته وأخذ يتجول بالغرفة بصمتٍ قاتـٰل حتى جلس بجوارها قائلًا بحزنٍ:
"على فكرة هدير كل كلمة قالتها كانت صح."
قفلت المصحف بهدوء ووضعته فاصل بينهم ورمقته بنظرة سريعة ثم قالت بعدم اهتمام:
"أنا مش عايزة أعرف أي حاجة، لأنك متهمنيش يا مُراد."
تفقد ملامحها التي تتوارى عنه كإنها تريد إخفاء أمر ما عليه. هز رأسه بأسى:
"طيب بصي لي وقولي الكلام ده في وشي."
"الكلام مفيش منه فايدة، لو سمحت أنا مش عايزة أكمل في اللعبة السخيفة دي، أنا مش حمل وزر زي ده من ربنا.. ولا راضية على حياتنا بالشكل ده."
تجاهل حديثها الحارق وأكمل:
"من وقت ما أبويا وأمي انفصلوا، وجات تعيش عندكم في القصر، أنا حسيت نفسي عالة، قررت اسيب البيت وارجع أعيش مع أبويا وانا عندي ١٧ سنة، لحد ما دخل المشروع الأخير هو وباباكي وخسر كل فلوسه، متحملش الصدمة ومات، بقيت في الشقة لوحدي، كان باقي على امتحانات ثانوية عامة شهرين.. رفضت آخد جنيه واحد من عيلة دويدار، وقلت هبني نفسي بنفسي."
ألتفتت إليه بحنو يمزق قلبها حتى أكمل حديثه:
"كنت طول اليوم بشتغل عشان أجيب مصروف يومي وطول الليل أذاكر واحفر في الصخر عشان أدخل كلية الهندسة اللي بحلم بيها.. في الوقت اللي أخواتي كانوا عايشين فيه أحلى أيام حياتهم، أنا كنت أنام على البلاط في شقة السيدة لحد ما ربنا كرمني ودخلت الكلية اللي بحلم بيها."
أخذ يعبث في ساعة يده المعدنية ويراجع نفسه لماذا يحكي لها كل هذا، ولكنه عندما رأي الاهتمام ساطع بعيونها أطلق تنهيدة طويلة:
"بدأت شغلي من الصفر، أنزل مواقع واشيل على كتافي زلط وطوب، لحد ما بقيت معيد في كلية هندسة وصاحب أكبر شركات المقاولات والعقارات في مصر، كل طوبة أنا أملكها يا عالية كانت بدراعي، وبتعبي ويشهد ربنا مدخلتش قرش حرام بطني.. ااه كنت اشرب، اسهر زي الشباب عادي وقتها ربيت نفسي بنفسي، أخر مرة صليت فيها كانت قبل امتحان فيزيا، وبعد كده ملقتش حوليا غير عالم كله بينهش وياكل في بعضه، مؤامرات وخطط وأذى، قلت بس هي دي الحياة وكملت."
حكت كفيها بارتباك:
"أيوه وأنا مالي بالكلام ده، بتحكي لي كده ليه."
أغمض جفونه بعجز:
"عشان لما لقيتك لقيت نفسي يا عالية.. مش هنكر إني كنت طمعان في كل اللي معاكي، بس كل ده تحت رجليـا مقابل ضفرك، أنا عمري ما كنت اتخيل أن ربنا يكرمني بواحدة زيك كده، وعايزاني وقت ما ألقاكي اسيبك تمشي!"
كل أنش بها خضع لكلماته ولكن عنادها كان أقوى من أن يرضخ لقلبها النابض:
"ولو قُلت لك إني مش حابة أكمل يا مراد! أنا وانت كنا ضحية لعبة سخيفة وجيه الوقت اللي كل حاجة ترجع لأصلها."
"ليـه، يمكن القدر قرر يديني فرصة جديدة على أيدك."
"أنت راجل ناضح وواعي يا مراد، مش محتاج حد يدلك على طريق ربنا،وكمان محتاج تتجوز وتكون أسرة ويكون ليك حياتك، بس للاسف مش أنا الشخص ده ولا هينفع أكون."
مراد بإصرار:
"وأنا مش هطلقك يا عالية."
وثبت قائمة بتحدٍ:
"تمام، وأنا هكلم عاصي وتميـم وهما يجوا يشوفوا الموضوع ده، طالما هتقبل على نفسك تجبر واحدة على العيشة معاك يبقى."
وقف أمامها مقاطعًا بعد ما فاضت عيناه ببحيرة الخسارة العظمى. أخرج المفاتيح من جيبه والهاتف ورماهم أمامها على السرير قائلًا بخذلانٍ:
"ومش أنا الراجل اللي يجبر ست على العيشة معاه يا عالية.. اللي أنت عايزاه أنا هعمله."
•••
"يُسري أنا عايز خبر مش محاولات! اللي ما يتسمى ده لو مظهر لحد بكرة أنا اللي هحاسبكم بنفسي.. واوصل لفرع الشركة في أيطاليا وفض معاهم الشركة دي خالص مهما كان التمن يا يسري."
على اليخت الخاص به في منتصف البحر يقف عاصي بعيدًا عن تلك العصفورة الشاردة ويتحدث بالهاتف. أمهل يسري أن يوضح له نتائج سعيهم، ولكنه غير مجرى الحديث بسرعة وقال:
"لقيت أخوات رسيل!"
"فص ملح وداب سعاتك، بعد ما ابن عمهم استولى على كل حاجة هما اختفوا، ومش عارفين نوصل لحد فيهم."
زفر بضيق وهواء البحر يداعب ملامحه الغاضبه:
"عايزك تجيب لي كل المعلومات عن الواد ده، وتعرف لي طريق أخواتها في أسرع وقت."
قفل الهاتف ثم عاد إليها بخطواته الهادئة تائهًا مع خصلات شعرها التي يُمازحها الهواء فتصبح كموج البحر المُتقلب. دنى منها حتى جلس بجوارها مُتسائلًا:
"شايف أنك بقيتِ أحسن دلوقتِ."
"عرفت أزاي."
انكمشت ملامح وجهه بإعجاب ثم قال:
"لمعة عيونك رجعت من تاني."
"شايفة أنك حفظتني وبقيت تفهمني بسرعة.. أنت بتعمل معايا كده ليه!"
"مش فاهم!"
"يعني ورطت نفسك معايا، وبتحاول تساعدني عشان أعدي الفترة دي، لغيت كل شغلك عشاني، وحاجات تانية كتير، ليه؟"
كلمة "لماذا" تلك الكلمة التي تُناشد كل تصرفاته الغامضة. لأول مرة يقف أمامها وجهًا لوجه وعليه أن يضع جوابًا مقنعًا لأفعاله الغريبة. شرد طويلًا حتى رد بدهاء:
"رد جميل."
"جميل أيه! أنا ما عملتش حاجة استاهل عليها كل ده!"
أحس نفسه إنه وقع بمأزق جديد لا يعرف طريق النجاة منه. تحمحم بخفوت وقال:
"ازاي! لا طبعًا عملتي واخرهم انقذتيني من الورطة اللي كُنت هقع فيها مع الوفد الإيطالي، وترجمتي الاجتماع أحسن من كل المترجمين اللي اتعاملت معاهم."
طالعته بعدم تصدق ثم قالت:
"طيب وقبل كده، قصدي قبل الاجتماع، تمسكك بيا، إصرارك إني لازم ابقى بخير، وقوفك قدام مامتك عشاني."
لو لم يكن صدره مغارة جليد، لقال شيئًا عذبًا يُشبه كلمة "أحبك". نفض غُبار تلك الهواجس عن رأسه وقال:
"ما تغيري الموضوع."
"ما دام دي رغبك تمام."
ثم أصابتها رغبة شديدة في التحدث معه بعد ساعاتٍ من الصمت:
"تعرف أنك بتشبه البحر."
ألتفت إليها باهتمام:
"ازاي؟"
"ملامحك بتتغير حسب الظرف اللي حوليها، يعني البحر بالنهار لونه ازرق، ووقت الغروب أحمر، وبالليل أسود، اللون الازرق ده لما تبقى مبسوط أو مرتاح عمومًا، شوفت ده بوضوح في الاجتماع، اللون الأسود لما تبقى غضبان، بحس أن في إعصار هيدمر الدنيا نتيجة غضبك، بس بعيدًا عن كل ده جواك أسرار وعالم خفي محدش يعرف عنه أي حاجة، زي جوف البحر كده."
كان مُستمتعًا بتحليل شخصيته على لسانها حتى تمددت شفتيه بابتسامة خفيفة وقال:
"طيب دي ميزة ولا عيب!"
فكرت قبل أن تُجيبه حتى أردفت بارتياح:
"كُل واحد جواه شيء مميز وشيء بيسعى عشان يصلحه! الانسان وحده اللي بيلمس حقيقة الاتنين جواه."
"وأنتِ شايفة أيه أكتر شيء مُميز فيكي."
ضحكت بحسرة مبطنة بالسخرية على سؤاله وقالت ممازحة:
"لما ترجع لي الذاكره وافتكر هابقى أقولك، بس ممكن أعرف ردك على نفس ده دلوقتي!"
تناول حبة كاجو من الطاولة أمامه واستغرق وقتا لا بئس به ليفكر في جوابًا لسؤالها الذي يفتش في دواخله. ارتشف رشفة من كوب الماء ثم أطال النظر بعيونها اللامعة وقال بنبرة ينصهر لأجلها الحديد:
"بعيدًا عن وجه عاصي دويدار المُزيف اللي كل الناس عارفاه، بس لو حصل و قلبي دق لـ ست بعيشها فوق السحاب، لأني بسلمها عمري كُله."
لا تعلم لماذا ردت الكلمة بصدرها بهذه القوة للدرجة التي أحست أن قلبها أوشك على الانخلاع. توترت قليلًا ثم قالت بتخابث:
"وواضح أنك لسه ملقتش الست دي!"
"عرفتي منين؟"
"عادي، شايفة إنك بتدور لسه عليها في كل الستات!"
كل مدى ينبهر بفطنتها وذكائها. رفع حاجبه بإعجاب ثم قال:
"تفتكري ممكن اقابلها بعد العُمر ده؟"
"لو ليك نصيب هتقابلها آكيد هيحصل!"
ساد الصمت بينهم للحظات حتى أردف بتردد:
"حياة."
"نعم."
كان سيقول شيء ما ولكنه تراجع في أخر لحظة وقال بحيرة:
"الفجر هنرجع القاهرة."
•••
"صباحًا"
"في قصر آل دويدار"
يجلس تميـم على مقعده المُتحرك أمام الأريكة التي تغفو عليها شمس حتى امتدت أنامله لمسح تلك الدمعة الهاربة من طرف عينيها. وثبت كالملدوغة من نومتها عندما أحست بيده متمتمة:
"تمٰيم!"
حاول أن يهدأ من روعها:
"أشش أهدي مفيش حاجة أنا جمبك، أنتِ كويسة!"
كفكفت عبراتها بأسفٍ:
"حاسة إني في صدمة من إمبارح، مش قادرة استوعب كل ده! هي ليه عملت فينا كده؟ مش كفاية اللي عملته! هي عايزة مننا أيه!"
مسح على شعرها الذي نسيت أن تُغطيه من شدة التعب ونامت بدون أن تشعر. ربن على كتفها بحنو ثم قال:
"أنا محبتش اتكلم معاكي في أي حاجة امبارح وسبتك ترتاحي، ممكن تهدي ومحصلش حاجة!"
انخرطت دموعها بعجز:
"تميم أنتَ لازم تعرف الست دي عملت فينا أيه! الست دي بسببها جدتي ماتت بقهرتها، لو هندور على الحق فـ أنا اللي ليا عندها كتير!"
"شمس ممكن تهدي وتحكي لي! أنا مش فاهم حاجة؟"
أطرقت شمس بخفوت:
"حاضر هحكي لك كل حاجة، بس وعد متزعلش مني."
•••
بعيون بهتت من رحب الحياة حتى بات كل ما يُحيطها من نعم ونقم بلون واحد وبمذاق النسيان الذي حل في وقته المُناسب، كانت تراقب العالم من وراء النافذة، تتفقد الطُرقات بشـرود يقف مُلحًا على أبواب الأقدار ربما يلحظ منه وميضًا يغير مجرى حياتها.
صفت سيارته الفارهة أمام مدخل قصرهم الفخم وتبعته من الوراء ثلاث سيارات مليئة بالحراسة. كانت عيناه تقتنصها طوال الرحلة الطويلة بدون ملل، حتى عندما غفت رغم عنها منحها كتفه ليكون لها مسندًا. قفل جهاز الحاسوب وأردف جُملته الأولى بعد رحلة الصمت الطويلة:
"أنتِ كويسة؟"
ولت رأسها إليه بعد ما قرأ بعيونها وميض الألفة التي باتت تظلل عليها بقُربه وقالت بصوت خفيض:
"ااه كويسة."
فتح له الحارس الباب كي يدلف من سيارته. وما أن تأهب للهبوط تمسكت بكفه بتردد لينتظر. تراجع عما كان سيفعله وطالعها بحيرة:
"عايزة تقولي حاجة!"
هزت رأسها بتوجس ثم بللت حلقها وسألته بوهنٍ:
"أنا لو وثقت فيك، هتخذلني!"
استغرب من قسوة ولين جملتها التي قيلت بنبرة العجز لشخص لا يحترف السباحة فـ نجا من الغرق على ظهر حوتًا! أ يأمن للبحر الذي كان سيغرقه أم للحوت الذي أنقذه! أصدر عاصي إيماءة خافتة وقال بهدوء بعد أن استغرق وقتًا طويلًا في التفكير:
"عندك اختيار تاني غير انك تثقي فيـا!"
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بحسرة وأطبقت جفونها بأسفٍ:
"لو كان عندي حل تاني كُنت هختاره!"
"أهو السؤال واجابته عندك."
اكتفى بجملته القصيرة وولى وجهه مغادرًا. كانت تنتظر منه الكثير من الكلمات التي تهدأ من روعها، والوعود التي تتكئ عليها الأيام المُقبلة. ولكن رغم رده الشحيح والفقير من أي عهد إلا أن هناك سيل جارف من الأمان أنصب بصدرها.
رجل مثله اعتاد الصمت، كانت خطواته أكثر من وعوده وكلماته، لم يتعلم الثرثرة إلا حدها ولكن في هذا الموقف خصيصًا ارتدى ثوب عاصي دويدار الحقيقي عندما تعلق الأمر بمجده الشامخ. توقف أمام سيارته ثم أشار لأحد الحُراس أن يفتح لها الباب. أدلفت من سيارته بتوجس وخطوات مترددة حتى استقرت بجواره تُخاطبه بعيونها الخائفة. ارتفعت عينيه لأعلى بتباهٍ ثم تعمد أن يُغلغل أصابعه بين فراغات يدها ويضغط عليه بقوة أجبرت كل أنش مرتعب بها أن يسكن ويأنس إجلالًا لهيبته.
تقدمت خطواته بثبات وهيبة وكانت حركتها بمحاذاته تستمد الثقة منه. دخل من باب القصر بعد ما رحبت به سيدة الخدم وخلفها اثنان من الفتيات لتنفيذ أوامرها. ما توسط عاصي وحياة ساحة القصر فـ جاءت عبلة من الباب الخلفي مُرحبة بسخرية:
"يا أهلا والله، كويس أن عاصي بيه لسه فاكر أن له بيت يرجع له."
ثم اقتربت منه وتعمدت أن تُعانقه:
"ليـك عندي مفاجأة."
ابتعدت عنه وأخذت تُرمق حياة بشماتة:
"متأكدة أنه هيفرق في حياتنا كلنـا."
تحوم الاسئلة والدهشة حولهم وهم يتبادلون الحيرة من طريقة عبلة المُثيرة للفضول. أردف عاصى متسائلًا:
"في أيه!"
طالعت حياة بتصغير ثم قالت بفرحة عارمة:
"هتعرف دلوقتِ."
تشبثت حياة تلك المرة بيده بقوة وتبدلت الأدوار. أحس برهبتها، وخوفها وهي تلتصق بكتفه. مال على أذنها قائلًا:
"تحبي تسبقيني على الأوضة، شكلك مُرهق."
تدخلت عبلة بخبث:
"لا خليها، لازم تسمع الخبر الجديد."
في تلك اللحظة؛ حل ضباب وجود هدير التي قطعت درجات السُلم بهدوء مُرتدية روبًا من الحرير باللون الازرق مُرصعًا بالريش. جاءت من الخلف جاهرة:
"وحشتني أوي."
أحست بعناقه كمن يضم جذع شجرة صلبه، خالية من أي مشاعر. أطرقت حياة وجهها أرضًا باستيحاء ثم أفلتت يده ولكنه لم يمنحها الفرصة لذلك بل تمسك بها أكثر، وهتف غاضبًا:
"سيدة، أنا مش قلت محدش يدخل البيت ده غير بإذني!"
خرجت شمس وتميم من غُرفتهم، ثم نوران إثر صوت الصخب الذي حل بالوسط. لم تمهله استكمال زمجرته وقاطعته بعيون التحدي التي لم تترحزح عن حياة:
"أنا ما بقتش محتاجة أذن يا عاصي عشان أدخل بيت دويدار."
جز على فكيه بجزعٍ:
"رجعتي هنا ليـه يا هدير!"
وضعت يدها على بطنها وقالت بتغنجٍ:
"أنا حامل يا عاصي."
ثم وضعت كفها على وجنته واطلقت تنهيداتها المُنتصرة وأكملت:
"ابنك في بطني، وبيتنفس حُبك زي ما أنا بتنفسه، هجيب لك الولد، الولد اللي هيخرس كُل الناس اللي طمعانة فيك.. حلمي اتحقق خلاص وبقيت شايلة ابنك واسمك لاخر عمري!"
ثم سحبت يدها عنه وهي تتفقد ملامح حياة المُرتبكة، وتحولت نظرات الانتصار بعينها لانتقام. خشنت نبرة صوتها وقالت بحقد:
"دلوقتِ بقا، وبما أني سيدة البيت فـ من حقي أقول مين يقعد فيه ومين لا."
وضعت يديها بخصرها وجهرت:
"وأنا دلوقتِ اللي بخيرك يا عاصي ما بين ابنك اللي في بطني ووريث آل دويدار وبين اللي جايبها من الشارع دي."
صرخ بنبرة راعدة بوجهها ليُخرسها:
"هديــر.. متنسيش نفسك."
بنفس النبرة طاحت بوجهه:
"أنتَ اللي متنساش نفسـك، أنا اللي مراتك وأم ابنك وعايزة مصلحتك، الهانم لا هي حامل ولا حاجة، دي بتخدعك، أنا روحت المستشفى وشوفت تقايرها بنفسي، البنت دي كذابة وعايزة تقلبك في قرشين."
صدمة تلو الأخرى لم تكن بحسبانه، ما لبث أن رمت خيوط شِباك مكرها فوقه، فأحكمت ربطها بجُملتها الأخيرة التي قالتها بنبرة لاهثة مُبطنة بالغل وهي تتوسله:
"شوفت، شوفت مين بيحبك ومين اللي بتغشك، عاصي طلقها، طلقها وارميها بره وانا هخليك أسعد راجل على وش الأرض."
ثم شدت يده عنوة ووضعتها على بطنها وأخذت تستعطفه:
"ابنك هنا في بطني، طمنه.. طمنه وقوله إنك مش هتتخلى عنه ولا عن مامته عشان واحدة زي دي.. طلقها عشاننا وعشان حياتنا سوا يا عاصي… عاصي البنت دي والله ما حامل وبنتصب عليك."
كرمق حياة بعيونه الصقرية وقال بنبرة جادة:
"أنتِ صحيح مش حامل!"
طالعته بنظرة اندهاش وهزت رأسها بالنفي عاجزًا لسانها ان يتفوه بشفا كلمة. قطب عاصي حاجبيه قائلًا لهدير ببرود:
"مش مشكلة، قُريب هتكون حامل."
انفجرت هدير بوجهه صارخة:
"أنت بتقول أيه! بقول لك البنت دي نصابة ويا أنا وابنك في البيت ده يا هي يا عاصي."
أغمض جفونه للحظات قبل أن يُفجر مفاجأته بوجهها:
"ما تتحسبش كده يا هدير، مش عاصي دويدار اللي يتخير في البيت ده كلمتي وبس هي اللي بتمشي على الكبير والصغير، ودلوقتِ اسمعي كويس كلامي، فلنفترض أنك حامل لقدر الله، يبقى قُدامك حل من الاتنين، هتعيشي مدة حملك هنا مُعززة مكرمة لحد ما تولدي، وبعدها ابني هتربيه حياة وأنتِ هتختفي من حياته خالص ده لو حابه تحتفظي بالطفل."
تمسك بيد حياة بشدة كأنه يعلن امتلاكها له في العلن وأكمل بصرامة:
"ياما تروح تنزلي الطفل ده ويا دار ما دخلك شر، وافتكر انه مفيش مشكلة على حياتك لو ده حصل دلوقتي."
ثم صاح جاهرًا وهو يطالع شمس بالطابق العلوي:
"ونشوف رأي الطب أيه! أنتِ أيه رأيك يا دكتورة شمس؟"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نهال مصطفي
” رسائل لن تصل لـ صاحبها ”
السلام عليك وعلى قلبك الجافي الذي لم يلن بهدير حبي ..
بتاريخ العشرون من أيار للعام الذي صفعتني بـحقيقة رحيلك الأبدي ، أما بعد السلام ، وبُعد الانتظار . وما بعد الشوق؛
أنا افتقدك كثيرًا ، وألقاك في أحلامي كثيرًا ، واتودد للأيام أن تجمعنا بصدفة لا يعقبها فراق ، صدفة تأتي بك إلى هنا ، فلا جدوى من صُدفٍ تملأني بك في ثانية أو اثنين إن طال الأمر ويعقب خلفها الغياب الطويل والحب العليل الذي لا يداويه سوى قربك ..
ولكندعنا من صياح القلب .. فـ العقل ضَب حقائبه ..
حان الآن موعد انسحاب قلبي من ساحة حربك التي لم تخط فيها خطوة واحدة لأجلي ، لم أعد أكتب لك مرة أخرى ، ولم اعد انتظرك ، ولم أسلك طريقي عنوة باحثة عنك .. ذلك عقاب تمردك السخيف ورحيلك المبهم!
سأتوقف عن كل هذا أعدك بذلك ..
ولكن لن اتوقف عن حبك أبدًا … ♥️
نهال مصطفى
من رواية ( الحرب لأجلك سلام)
••••••••
لم يكن يعلم أن ظلها ما يُخفف عليه ثقل الليالي ، ويؤنس روحه التي اعتادت على سنوات عمره البربرية ، لأول مرة يستشعر صقيع الوحدة ، ونيران العجز ، لا يعرف ما مصدر تلك الأحاسيس التي نشبت بداخله عند لحظة خروجه من الحمام فـ وجد المكان خاليًا من وجودها ولن يخلو بعد من رائحتها ، أحس بحِمل جبل انهار على عاتقيه حتى أثرت بالخمول على خطواته التي استسلمت لرحيلها ما دام بإرادتها ، لذا ارتمى على الفراش كي يهرب من كابوس يومه ربما يقابلها ولو صدفة في عالم الحُلم .
غرد عصفور الصباح فوق قلبها الثائر والعاجز على أخذ القرار ، أخذت تُطالع عش الطيور من خلف النافذة وتتذكر تلك اللحظة التي وقفت فيها أمام الباب لتُغادر ولم تفعل ، ولم تدرك سبب ترددها في ما سعت إليه ، بعد ما قفلت الباب بخفة ثم توجهت إلى أبعد رُكن في الصالة وقضت ليلها في صمت إن نطقت به لدوى بصرخة تُحيي القلب المـيت ..
تقوست ” عالية ” حول نفسها وهي تتذكر تلك القُبلة التي سلبها منها على سهوة والمرحلة المتدهورة التي وصلت إليه تحت يديه ، أن ترى نفسها بهذا الكم من الضعف ! واللعنة الكُبري في أنها أحبت ضعفها لأول مرة حتى أفصح قلبها صراحة ” يا هناء قلبي تحت مظلة خيمتك ” ، مسحت على رأسها متنهدة لتطرد تلك الأفكار السوداوية من رأسها مستعيذة بالله من الشيطان الرجيم وقالت لنفسها:
- لا مش هينفع كده يا عاليـة ، وبعدين أن قلبي بيدق بسرعة كده ليه ، يا رب ساعدني .
انتعلت خُفها الجلدي ولملمت شعرها وتأهبت للذهاب نحو المرحاض ، وما أن وصلت إلى مقدمة الممر الذي تؤدي نهايته إلى غُرفته تسمرت أقدامها وتفاقمت ضربات قلبها الذي لا يُريد الحب بل يُريد أن يطمئن ، تمنى ألا يعود لمغارة الخوف من جديد !
تباطأت خطواتها حتى رست على أعتاب الغُرفة لتجده نائمًا بعشوائية متحررًا من ملابسه العلوية تحت صقيع المُبرد الكهربي وكأن همومه كافية أن تحرقه لأيام عديدة ، تحرك قلبها بدماء الأمومة واقتربت منه لتشد الغطاء عليه كي لا يكن فريسة للهواء المُثلج وما أن امتلئ صدره برائحتها تفتحت عينيه كمن داعبهم شعاع الشمس ، ليهمس شدقه مذهولًا:
- عاليـة ؟!
ابتعدت عنه بشهقة مُرتفعة تُشبه النفس العميق بعد النجاة من الغرق وقالت بفزعٍ:
- كده هتاخد بـرد ، كُنت بس بغطيـك .
وثب من مكانه فـ لم يصدق عينيه وكأن الحُلم الذي هرب إليه أصبح أمامه حقيقة ، وقف أمامها مُتسائلًا:
- أنتِ ممشتيش !
ابتعدت عنه خطوة كي تجمع الكلمات بثغرها وقالت:
- الوقت كان متأخر ، قُلت الصبح بقى .
انكمشت ملامحه معترضًا:
- ومنمتيش هنا ليه ! أنا خرجت مالقتش حد قولت أكيد مشيت !
- كُنت .. كُنت برة على الكنبة .
ثم أخذت نفسًا جديدًا لتهدأ وسألته:
- هي خالتو جيهان فين !
- مشيت مع هدير ..
- هااه ! ليـه !
دنى منها خطوة وهو يعلن رغبته في وجودها ببريق عيناه و بنبرة حنونة أردف:
- مكنتش حابب حد يضايقك .
اقترب منها أكثر وهمس بلهب لم يتحكم في إخماده:
- ممكن نتكلـم ، أنا … أنا ..
انتفض قلبها لقربة وأخذ يترجاها بإلحاحٍ أن تُلبي نداء عينيه الساطعة ،أن هذه فرصتها الوحيدة للعناق كي تنقذه من نار الشوق التي ستتغمده لمدة طويلة ، عاد إليها وعيها وعنادها في اللحظة المناسبة وهبت بوجهه متحججة:
- أنا هغيـر هدومي عشان أمشي ..
استرد مُراد وعيه ، ووضع برأسه أن هذه إرادتها وهو لم يحق له إجبارها على الإقامة معه ، هز رأسه بضيق وقال:
- تمام ، اجهزي وأنا هوصلك .
- ملهوش لزوم أنا هاخد أوبر .
رد باختناق:
- عالية ، مش عايز جدال ، قلت هوصلك .
•••••••
- أنا مش فاهمة حاجة ، أخوك شخص غامض جدًا ، معرفش هو طيب ولا شريـر ، بحسه طول الوقت عايـش في حـرب ، بس حرب مع نفسه قبل ما تكون مع اللي حوليه .
تلك الكلمات التي تفوهت بها ” شمس ” وهي تعد الأدوات الطبية كي يبدأ ” تميـم ” جلسته العلاجية حتى سقط حجابها أرضًا ولم تكترث لوضعه من جديد ، ربما اعتادت وجوده فلم يعد بداخلها شعور الغُربة نحوه ، أو تناست الأمر لكثرة ما يشغلها .. انتقل من عُقد حياته لتلك العقدة التي انفلتت وراء ظهرها فـ تمنى ولو تنحل مشاكل بهذه السلاسة ، دارت إليه وأكملت:
- أنت وعاصي علاقتكم عاملة ازاي ؟
بدأت حروفه من قلبه تلك المرة وهو يردف بتيهٍ:
- عاصي غامض ، ومحدش يقدر يتوقع خطواته ، وده سبب خلافنا طول الوقت ، أنا بكون مرتب حياتي وعارف هعمل أيه بالظبط ، لكنه غير تحركاته كلها وليدة الساعة ومفاجئة .
اقتربت منه وجلست على طرف الفراش بقربه وأتبعت:
- طيب بالنسبة لحياة ، أنا حاسة وراها لغز كبير أوي ، في حاجة تلخبط ، حتى أخدت بالك لما عاصي عرف أنها مش حامل ، ميتفاجئش ولا أدى ردت فعل .
- ممكن نسيبنا من عاصي ومراته ، وتقوليلي كُنتِ عايزة تقولي أيه ؟ ومال عبلة بيكي !
تشوشت رأسها كثيرة بسبب استخدامها لجميع الحجج التي تمكنها الهرب من تلك الورطة ، أخذت نفسها بصوت مسموع و ردت:
- ممكن نكمل كلامنا بالليل !
- زي ما تحبي ، أنا جاهز اسمعك في أي وقت .
تنفست بارتياح ثم وثبت لتساعده في تمارين العلاج الطبيعي التي قصرت بها كثيرًا:
- بما إنك لغيت الخروج ، نستغل الوقت في جلسة ، طبعًا عارف هتعمل أيه !
حركت المقعد أمام الممر الحديدي الذي يبلغ امتداده مترين ، ووقفت بجواره متسائلة:
- هتقدر !
التزم الصمت الذي ترجمه عقلها لعجز ، فقالت بحماس:
- ولا يهمك ، انت بس حاول تقف بس ومش مهم تتحرك ، كله هيجي مع الوقت .. ممكن تسند عليـا اساعدك .
مدت رسغها وأشارت له بخفة وقالت بصوت خفيض:
- ممكن نحاول ..
طالع ذراعها المُمتد إليه بالمساعدة ، فتسرب بداخله شعور الأمان ، أنه اخيرًا امتدت له يد العون بعد أعوام من أيادي العداء ، أحس أنه في حاجة للاتكاء عليها كي يُصلح خراب ما افسدته المِحن به ، طمئنته بعيونها كي يأخذ هذه الخطوة وبالفعل مد كفه واستند عليها شاردًا بعيونها العسلية ولأول مرة يتمنى أن يكون عاجزًا بالفعل .
كانت تلك أقوى لحظة بينهم ، لحظة تخاطب الأجساد والأرواح التي لا تميز ألوان الكذب ، أعمق لحظه تأكد فيها تميم أنه مع الشخص الصائب ، الذي سيقف كحصنًا منيعًا إن تحطم عكاز صبره .
••••••••
يحتم على بعض البشر الادراك الجيد أن الحياة كلها رحلة، ليتخلصوا من حُمولات المشاعر ، وحمل أسلحة العداوة ، وضجيج التنازع والمؤامرات و”كراكيب” المساحة، ومواريث الحُزن..
وتلطَّفوا !
- أنتِ ساكتة ليه يا خالتو ! عاجبك عمايل ابنك ؟ أنتِ لازم تتصرفي !
وضعت عبلة فنجان القهوة على الطاولة الخشبية ثم قالت بقلة حيلة:
- أنا مش عارفة أحلها منين ولا منين ! كل شوية بتتعقد أكتر.
هدير بسخط:
- نعم ! أنا مش هنزل ابني مهما حصل ! وانتِ لازم تشوفي حل مع ابنك ..
عبلة بتفكيـر:
- ولا ينفع تسيبيه للحرباية اللي فوق ! الحرباية اللي دخلها وسطنا في يوم وليلة .
انتقلت هدير من مقعدها للأريكة التي تجلس عبلة فوقها وقالت بصوت خفيض:
- يبقى نخلص منها ونستريح ، وكده عاصي مش هيبقى له غيري أنا وابنه .
رمقتها عبلة بشكٍ:
- هدير أنتِ بجد حامل !
- أيه يا خالتو أنتِ كمان هتشككي زي ابنك ! لا مش معقولة !
بررت عبلة موقفها:
- مش ده السبب اللي اطلقتي عشانه ! هو إنك مش بتخلفي !!
- أنا اطلقت عشان كنت باخد موانع للحمل من وراه وفهمته إني مابخلفش ، وأنت عارفة أنا اتجوزت ليه ، اتجوزت عِند في ابنك لما اتجوز مها ، بس أهو القدر مد لي أيده ، وربنا أراد ابقى أم ابنه .
هزت عبلة رأسها بإقتناع ثم قالت بخبث وهي تخرج لفافة التبغ من العُلبة وتشعلها:
- هنخلص ، هنخلص من كل حد هيفكر بس يقف قدامنا ، أنتِ بس اصبري وحافظي على ابنك ، هو الكلبش الوحيد اللي بينك وبين عاصي .
” في الطابق الأعلى ”
يبدو كمن يحتسي في صمته غضبه المُحير للحد الذي يجعلك تتسائل هل يعاني مصائبه أم يشتكي عناءه ! هدوئه الذي يحمل عواصف من نار .. دخل غُرفته بصمت غامض بدون ما ينوه عن فرحه أم تعاسته للأمر ، تعامل كالمعتاد كأن لم يحدث شيء يزعجه ، أما عنها كانت عبارة عن كرة نار ملتهبة من شدة الحيرة والغضب والتشتت ، تمزقت رأسها لأشلاء كل شلو منه يناطح الأخر حتى فجرت ضجرها صارخة:
- ممكن افهم كُنت تُقصد أيه بكلامك ؟
قالت ” حياة ” جُملتها وهي تتبع خُطاه نحو الخزانة التي يُخرج منها ملابسه ويُجيبها ببرودٍ:
- أي كلام بالظبط !
صاحت بوجهه مُعترضة:
- أنت بجد هتموت ابنك ! و يعني أيه حياة تربيه دي ! وأنتَ أزاي عايز تحرم أم من ابنها ! واشمعنا أنا ، أنت ناوي تقعدني هنا كتير !! لو سمحت بص لي هنا وكلمني زي ما بكلمك !
رمى المنشفة على كتفه بفتور ثم دار ناظرًا إليها وسألها بجدية:
- ده يعني بس اللي وقفتي عنده في كل كلامي !
- مش فاهمة ، هو في كلام أهم من كده !
غمز بطرف عينه مُتسائلًا:
- وأنك هتبقى حامل قُريب ده عادي !
كرصاصة طائشة أصابت صميمها ، ارتجف داخلها حتى لمح الذعر بعيونها ، أرخى حِباله ولانت نبرته قائلًا:
- متخافيش أوي كده ، أنا خدت وعد على نفسي ، إني مش هقرب منك مهما حصل ، اطمني .
- أومال قُلت كده ليه ؟!
عاصي موضحًا:
- قصدي أقول لك أنه كله كلام في الهوا .
لا زالت تحت صدمة جُملته التي أصابت نيشانها وقالت بهذيان:
- ياما تقـٰتل يا أما تخـٰٰطف ! أنا حقيقي مش قادرة استوعب .. أنت بجد هتعمل كده في ابنك طيب؟
تنهد بنفاذ صبر:
- يا ستي أنا مش عايز حاجة تربطني بيها ؟ ومش حتة ولد اللي يخلي عاصي دويدار يذل نفسه عشانه !
- واتجوزتها ليه من الأول !
- وطلقتها الصبح ! ارتحتي ؟
كاد أن يخطو خطوة ولكنها وقفت أمامه مُعاندة:
- والله ! أنتَ كده طبيعي يعني ؟ بجد نفسي افهمك ، حياتك كلها غموض في غموض ، بس لعلمك أنا مش هسمح لك تعمل كده .
- أوف .. حياة ، أنتِ عايزة أيه دلوقتِ .
فكرت للحظة ثم قالت بعدم اقتناع:
- ترد مامته ، والطفل يتربي بينكم في استقرار .
- هتوافقي تبقي زوجة تانية ؟
شل تفكيرها من غرابة السؤال ، وزاغت عيونها بدهشة:
- هااه .. وانا مالي !!
اقترب منها وتعمد إرجاع شعرها للوراء ووضع كفه على عنقها بخفة ودندن هامسًا في آذانها بنبرة أرعبتها:
- مالك أزاي ! أنتِ نسيتي أنك مراة عاصي دويدار ، تحبي اخليكي فاكرة ده بطريقة متنسيهاش طول عُمرك !
ابتعدت عنه كالملدوغة بوجهها الشاحب وهي تعاتبه بعيونها المنتفضة قبل شدقها:
- أنتَ مش لسه قايل عمرك ما هتقرب مني !
رفع حاجبه مؤيدًا ثم قال بثبات يُحافظ على بقايا هيبته:
- أنتِ فكرتي ايه ! أنا كُنت هلبسك أسورة عليها اسمي بس ، عشان كل ما تبصي لها تفتكريني …
رمقته بتكذيب وعدم اقتناع ثم قالت بشكٍ:
- ااه أسورة!!
بتخابث سألها:
- أومال كُنتِ فاكرة أيه !
- هااه !
هنا انقذها صوت طرق الباب الذي دلفت منه ” سيدة ” وهي تُخبره:
- عاصي بيه ، الست عالية وجوزها تحت عايز يقابلك ضروري .
••••••••
- أنت عايز عاصي ليه !
أردفت ” عالية ” سؤالها الأخير بعد جولة الحيرة والصمت التي خيمت فوقهم حتى وصل الثنائي إلي قصر دويدار ، تململ قليلًا في جلسته و رد بصوت خفيض:
- مش أنا اخدتك منه ! لازم ارجع الأمانة لصاحبها بنفسي .
تدخلت عبلة في حوارهم المُتهامس وتسألت:
- أخبار الـ Honeymoon أيه يا لولي ؟
انكمش وجه ” عالية ” بسبب استقبال أمها الجافي الخالي من أي سيل بالدفء والحنان ، وقالت بحسرة:
- حضرتك لو سألتي عليا ، كُنت هتعرفي حاجات كتيـر أوي أولهم أني مخرجتش بره شقتي .
ترنحت ” عبلة ” في جلستها ووجهت أسهم اللوم نحو مُراد:
- ازاي الكلام ده يا مراد ، أنت ازاي متقضيش شهر العسل مع عروستك !
تبادل الثنائي النظرات والحيرة بينهم حتى أنقذهم قدوم عاصي وقدماه تلمس أخر درجة من السُلم ، تحمحم بخفوت ثم قال مُرحبًا:
- نورتي بيتك يا عالية .
وقفت عالية لتستقبل أخيها بامتنان وما أن عانقته بضعف وابتعدت عنه متسائلة بحنو:
- طمني عليك ،و البنات أخبارهم أيه !
ثم خفضت صوتها وأكملت بشكٍ:
- ومراتك !
ربت على كتفها بخفة ثم قال بهدوء:
- كُلنا كويسين يا عاليـة .
ثم امتدت أنظاره إلى مراد الجالس على الأريكة يتفقد ساعته باستمرار ، رمق عالية بنظرة لم تفهم مغزاها ولكنه حافظ على اعتبار أخته واقترب منه ومد يده كي يبدأ بالسلام ، لم يصدق مُراد ما حدث بل سددت أعين الجميع نحو يد عاصي المُمتدة لألد أعدائه ومنافسيه ، أرسلت له عالية نظرة ترجي بألا يسبب حرجًا لأخيها وسرعان ما لبى طلبها واقفًا وهو يصافحه بقوة ، تبادلت الأنظار بينهم حتى قطعها عاصي مُتسائلًا:
- خير ، طلبت تشوفني !
قال جملتها وهو يجلس بالقرب منه بعد ما فتح زر سترته ، مال مراد مستندًا بمرفقيه على ركبتيه برزانة وقال:
- هدخل في الموضوع على طول ، مش هعطلك .
- سامعك …
انقبض قلب عالية وهى تجلس بجواره بجسد منتفض ، بدأ مراد حديثه متسائلًا:
- أنتَ جوزتني عاليـه ليه يا عاصي !
سرت الحيرة مجرى الدم بعروق الجميع ، كما أن النظرات تنقلت هنا وهناك لم تجد مبررًا لتقوله ، تفهم مراد الوضع الحرج الذي به الجميع وأكمل:
- أنا عارف كل حاجة ، وعارف أنت جوزتني لأختك كنوع من أنواع العقاب لما شوفت لها كام صورة على كام فيديو لابن واحد من المنافسين بتوعك ، فكان لازم تخرس الكُل وتقول أنها متجوزة ، حتى ولو كان الشخص اللي هتتجوزه ده هو أنا …
فوجئ بكف عالية المُرتعش يلامس معصمه بترجي أن يصمت ولا يفتح تلك المواضيع التي علقت في قلبها غصة لم تنساها عمرًا ، تجاهل مراد طلبها بإصرار وأكمل:
- اللي أعرفه عنك مش بتخطي خطوة من غير ما تدرسها كويس أوي ، وكان لازم تتأكد من أختك قبل ما تعاقبها كده ..
تدخلت عبلة بحرجٍ:
- عالية هي اللي حكت لك ..
- الصور والفيديوهات وصلتني يوم كتب الكتاب ، وأنا كغريب عنها عرفت ان الصور دي متفبركة وبعتها لمتخصص في نفس اليوم وأثبت كلامي ..
نست بين حروف كلماته رحلة الأيام القاسية ، ذرفت الدموع من عينيها متسائلة:
- أنتَ كنت عارف قبل ما احكي لك ..
هز رأسه مؤكدًا ، أيوة يا عالية كنت عارف ومتأكد أن الصور دي كيدية ، وكان لازم يتاخد عشانها إجراء قانوني ، ولو سمحتِ لي أنا هعمل كده ، لازم اللي عمل عملته دي يتعاقب ..
ثم حملق إلى عاصي وكأن يوبخه:
- مش أنتِ اللي تتعاقبي وتدفعي تمن حاجة ملكيش فيها ذنب لمجرد أنك أخت عاصي دويدار .
أحمر وجه عاصي بغضب عارم وقال:
- ومين قال لك أنا معملتتش كده .. أنا فعلا خليت حد من رجالتي يتأكد من الموضوع ..
هز مراد رأسه بسخرية وبادلها بنظرة شفقة:
- لما الموضوع يتعلق بأختك وشرفك يا عاصي بيه يبقى لازم تسعى ورا الموضوع بنفسك مش تثق في شوية رجالة أنت مشغلهم !
ما ألقى قذيفته في صدر عاصي ، فنصب قامته مُتأهبًا للذهاب وهو يكمل:
- أنا عملت اللي يريح ضميري ، عشان أي إهانة لعالية بعد كده أنا اللي هقف لها .
وثبت عالية خلفه كالملدوغة وهى تغلغل أصابعها بين فراغات يديه ، لم تمنحه عالية الفرصة للاندهاش بل تدخلت بصدمة:
- أنا مش مصدقة ، ومين له مصلحة في كده يا عاصي ، لازم تشوف مين ورا المهزلة دي يا عاصي وترجع حق اختك ..
أخرج عاصي هاتفه وحدث يسري بحدة:
- يسري اسبقني على المكتب حالًا .
حاول أن يسحب مُراد يده قائلًا:
- طيب استأذن أنا ..
اندفعت عبلة بحماس:
- يعني أنت جيت عشان كده ! لازم تتغدى معانا ونفكر هنعمل أيه سوا !
تبدلت نبرته من الجمود إلى الحزن:
- أنا جاي عشان ..
قاطعته عاليـة بسرعة:
- عشان نسلم عليكم ، قصدي قبل ما نسافر .. أصل مراد كان عنده شغل وأجل سفرنا لحد ما يخلصوا .
شعر مراد بجبل الكبرياء العناد الأنثوي قد تهاوى فوقه ، أطبقت عالية جفونها محاولة استجماع شتات فوضتها لـ تُقارن مدى تفاهة كل تلك الأشياء التي عانتها بهذا القصر والأيام التي عاشتها بقربه ، هذا الأسى لا يمكن شرحهلكنه من النوع الذي يجعلها صامتة للأبد ، أطلقت زفيرًا قويًا وهي تضغط علي كفه:
- ممكن نمشي …
لا زال مراد تحت تأثير صدمته من قرارها المفاجئ ، اكتفى بهز رأسه قائلًا:
- اللي تشوفيه ..
وثب عاصي بجميع الشحنات المُتكتلة في رأسه مُناديًا على سائقه بقوة:
- اخليهم بره يجهزوا هنروح مقر الشركة …
أطرق مراد باستغراب:
- بعد اذنك يا خالتو ..
ثم سحب عالية تلك التي ضبت حقائب قرارها وأصرت على الانفصال ، فمـا الشيء الذي قَلب رأسها وألغى قرارها فجاة ، أما عن ” عبلة ” جلست على الأريكة تضرب كف على كف حتى تمتمت بنبرة عدوانية:
- نخلص بس من تميـم ، والباقي سهل .
ثم أجرت مكالمة هاتفية:
- سوزي أزيك ، محتاجة اقابلك في أسرع وقت .
••••••
تسلل” كريم ” بخفة وهو يمسح المكان بأعينه كي يتأكد من خلوه تمامًا حتى وصلت أقدامه إلى أعتاب هدفه ، أطرق بخفوت وهو يتلفت حوله كاللصوص حتى فتحت له ” نوران” ، بمجرد ما رأته زفرت بضيق وقالت بنفاذ صبر:
- مش ناقصاك خالص بصراحة ..
عقد كريم حاجبيه بغرابة:
- ليه بس ! ده أنا أول ما عرفت باللي خالتي عملته قلت لازم اعتذر لك .. أحنا بيت يمتاز بقلة الذوق .
كانت مرتعدة في حضرته لتراهم شمس ، تأففت باختناق ثم قالت:
- تصدق من أول ما جيت البيت ده وأنا مقابلتش حد طبيعي ! حتى خالتك دي مكانها العباسية وأنت السرير اللي جمبها بالظبط .
ما أن نفخت دخان حنقها بوجهه شرعت لتقفل الباب ولكنه أوقفها قائلًا:
- استني بس …
- أف ! نعم ..
- أنا لما أروح هناك يعني ، قصدي العباسية هتيجي تزوريني !
نوران بجزعٍ:
- أنت بس اتوكل على الله ، وماتشلش هم !
ختمت كلماتها بقفل الباب بوجهه وهي تسب في نفسها سرًا وعلنًا حتى هتفت بغلٍ:
- أي الوقعة المنيلة دي بس يا ربي !
غمغم كريم بصخب:
- متغمضالهاش عين لو مقفلتش الباب في وشي !
تحمحم بهدوء وما أن تأهب ليعود لغُرفته ألقى بـ ” حياة ” تتجه نحو غرفة الفتيات ، وقف أمامها ليعيق طريقها قائلًا بغزلٍ:
- القصر اليومين دول بقى فيه حاجات حلوة أوي ! كان ناشف أوي زمان ..
بث الرعب في قلب حياة لطريقته العفوية ، حدجته بنظرة ساخطة ثم خطت خطوة لتتجنبه ، وقف أمامها معاندًا:
- يصح بردو نكون في بيت واحد ومنتعرفش !
زفرت بوجهه بنفاذ صبر:
- اه يصح عادي ..
هز كتفيه بثقة:
- هو ده نفس رأيي ، أنا كريم ، أبقى ابن خالة عاصي ، وأخو هدير الصغير .
بادلته بابتسامة جافة:
- تشرفنا .. ممكن اعدي بقا .
قفز أمامها كالبهلوان ليمنع خُطاها وقال بثرثرة:
- ينفع أقول لك على سر …!
حياة بحدة:
- مش عايزة اسمع حاجة ..
- ليه !
تعصبت بوجهه بجزعٍ وهي تجز على فكيها:
- أنت تعرفني عشان تتكلم معايا ، وتقولي أسرار !!
تبسم كريم ثم أتبع:
- بصراحة اللي يقف قدام عينيكي مستعد يحكي لك تاريخ الهكسوس من أوله ..
- لا أنتَ فاضي بقى !
ما كادت أن تخطو خطوة فوقف بوجهها قائلًا:
- تعرفي أنك أحلى واحدة عاصي دخلها القصر !
- والله !!
- ااه أصل عاصي ابن خالتي ده لعيب ! كُل يوم كل بينزل منتج جديد القصر ، بس بصراحة أنت غير …أنت ماكينة الإنتاج نفسها .
عصف بها الضيق فـ صاحت قائلة:
- لما يجي ابن خالتك ابقى نشوف رأيه في الكلام ده .
فزع من مطرحه مبررًا:
- يعرف أيه ، أنا بهزر والله ، اعتبريني أخوكي الصغير ، كله الا عاصي يا رب تحلوي كمان وكمان ، بس بلاش عاصي .
كتمت الضحك بداخلها على حالته العبثية والطريقة التي يتوسل بها إليها ولكنها تعمدت أن تظهر ملامح الجفاء ، اكتفت بنظرة ثاقبة ارعبته وذهبت من أمامه بخطوات ثابتة ، طالعها كريم بإعجاب:
- يابن المحظوظة يا ابن خالتي !
••••••••
(مساءًا)
- أنا مبسوطة أوي بالنتيجة اللي وصلنا لها ، تمـيم .. ممكن نروح بكرة لدكتور شاطر أوي ، يفحصك ويطمنا عليك .
تلك الجملة التي اقترحتها شمس وهي تضع مائدة العشاء أمامه ، ثم تحررت من حجابها لشعورها بالحر الشديد ، ووضعت شالها على كتفها قائلة:
- بصراحة في حاجة في التقارير مش مظبوطة .
تعمد إخفاء معارضته وقال بهدوء وهو يتناول رغيف الخبز:
- اللي عايزاه أنا هعمله يا شمس .. المهم نوران عاملة أيه دلوقتِ ؟
فركت كفوفها بقلق:
- مخنوقة وملهاش نفس تذاكر بعد اللي حصل ، اللي عايزه افهمه بجد ، هي فعلًا عالية أدتك المجوهرات عشان تبيعها !
قضم لقمة صغيرة من رغيف الخبز المحشو وقال:
- هي قالت كده عشان أنا عايز كده ، خلينا متفقين أن محضر عبلة كيدي ، عايزة تنتقم منك وترد لك القلم بتاع الحبس .
بلعت غصة أحزانها وقالت:
- مش كفاية اللي عملته ..
- احكي لي اللي عملته بالظبط متخبيش عليـا حاجة .
شرعت شمس في رواية قصتها المحزنة منذ اللحظة التي قابلت فيها عاصي دويدار للحظة التي أعلنت فيها الموافقة بالزواج منه ، كانت كلماتها حزينة ، متقطعة ، مُبللة بالعبرات الحارة ، والعديد من الشهقات ، حتى ختمت حكايتها الطويلة بـ:
- لو أنت مكاني كُنت هتتصرف أزاي !
أحس تميم بالغضب مما قالت ولكن دموعها لانت الصخر الذي يسكنه ، ارتشف رشفة من الماء وقال باختناق:
- عشان كده وافقتي تتجوزيني ! عشان تنتقمي من عبلة !
جاءت تنكر اتهامه الصحيح ولكنها تراجعت عندما ألتقت أعينهم للحظات طويلة ، أحست شمس بالحرج مما قاله فلم تملك فصاحة الاعتذار ولا شجاعة الاعتراف .. بللت حلقها وقالت:
- أنا حكيت وخلصت ضميري ، والقرار ليك .. بعد أذنك .
- استني يا شمس …!
تراجعت عن فكرة هروبها من أمامه ، بل عادت تطالعه بجفونها المرتعدة:
- نعم !
- أيه علاقتك بعاصي ..!
انعقد جبينها بدهشة:
- ولا أي حاجة ، مفتكرش إني اتكلمت معاه مرتين تلاتة وكلهم كانوا خناق وشد ..
بعدم تصديق:
- وبس ! خناق وشد وبس !!
لمست في حديثه لغة إهانة بالغة لا يمكن تقبلها من واحدة مثلها ، صخب وجهها بضجر:
- تميم لو سمحت لحد هنا وخط أحمر ! أنت بتلمح لأيه .. أنا غلطانة إني وثقت فيك .
رجة العتاب اختلجت صدره ، ما أن حاول أن ينادي عليها لكنها لم تسمح وفارقت الغرفة بعد لغة الاتهام الصريحة التي وجهها لها ، زفر تميم بضيق وهو يوبخ نفسه:
- غبي !
•••••••
- هديتي شوية !
تلك الجملة التي نطق بها مراد بعد ساعات طويلة من الصمت تعمد ألا يحملها المزيد من الآهات المكبوتة بصدرها والنيران الحارقة ، جلس بجوارها على الفراش في الغرفة التي لم تخرج منها طوال النهار حتى حلت ظلمة الليل التي تناغمت مع حالة الحزن التي تعيشها ، أطرق بخفوت:
- قلت اسيبك تاخدي وقتك وتفكري .
جففت عالية دموعها وأطرقت بوهن:
- أنتَ مستغرب أنا ليه عملت كده !
فكر في سؤالها لمدة معقولة كي يجد ردًا مناسبًا ثم أردف:
- المهم أنك مرتاحة ، ده أهم حاجة عندي .
ساد الصمت بينهم لدقائق معدودة حتى نطقت من دوامة شرودها:
“كأنه كابوس ، كل يوم مر عليـا في البيت ده كان جحيم ، دايمًا كله بيجري ورا حاجة مش عارف إيه هي ، عمري ما عشت شعور العيلة والعزوة ، حتى مامي كل همها الشياكة ومظهرها قصاد صُحابها وألبس ماركة كذا ، مفيش حد حاول يقرب مني ويعرف أنا بحب إيه ولا بكره أيه ”
تلك الكلمات التي أفصحت عالية عما تحمله بقلبها لسنوات طويلة ، ثم طالعته بعيونها المتهالكة وأكملت:
- لما دخلت بوابة القصر حسيت بضيقة ، لا .. أنا مش عايزة أرجع للمكان ده تاني ، ده سجن ، المكان ده مفيهوش ذكرى واحدة حلوة تستاهل أرجع له عشان ، كنت عايزة أهرب منه تاني ، أقولك على سر … !
دنى منها مُراد بشفقة واحتوى كفها بطيب خاطر:
- ممكن تهدي ، بلاش تفتشي في الماضي ما دام مفيهوش حاجة تفرحك .
كفكفت دموعها بكلتا كفوفها وأكملت:
- لما كُنت أشوف كابوس وحش ، مكنتش عارفة أروح لمين يطمني ، كنت أفضل اترعش وأعيط لوحدي وانا ببص للسما مستنية الشمس تطلع بسرعة عشان اطمن ، دورت في جميع الاتجاهات ملقتش غير طريق ربنا هو الوحيد اللي هيطبطب على قلبي ، ويحميني من كل المتاهة دي .
- عالية فوقي !
تبسمت من صميم أوجاعها وقالت بهزل:
- أنا كويسة متقلقش ، بس أنت ليه مقولتليش على حوار الصور ، وأنك عملت كل ده ؟
- عشان الماضي ميهمنيش ، والموضوع كان لازم يتقفل عشان أنتِ تنسيه .
رمقته باستغراب:
- وفتحته تاني ليه ! عشان هدفك مخططك مش كده ، ده اللي يهمك ، طيب ليه ما طمنتش قلبي !
- كان لازم يتفتح وكان لازم عاصي يعرف أنه ظلمك ، أنتِ طلبتي ترجعي وأنا احترمت رغبتك ، وكمان مش هسمح لحد يضايقك .
احتلتها نظرات التيه وانفجرت باكية:
- أنت بتعمل كل ده ليه ! أقصد أنت عايز مني أيه يا مراد .. عايز فلوس ! عايز تكسر عاصي ، أنت عايز أيه مني ، سيبوني في حالي حرام عليكم دخلتوني في حرب مش بتاعتي ولا ليا ذنب فيها .
أخذ يمسح على رأسها مرات عديدة حتى يأس فـ لم يجد وسيلة أمامه إلا احتضانها ، جذبها لـ صدره بغتتة في لحظة فقدت بها عقلها وتعطشت ليد تربت عليها بحنو تنسيها مرارة الأيام حتى غفت بين يديه:
- عالية .. فوقي لنفسك متعمليش كده .. ممكن تهدي .. اهدي وهعمل لك كل اللي عايزاه .
••••••••
عاد عاصي إلى غُرفته بعد ما انتعل على الباب خُف يومه المؤسف ، وتحرر من كل مفاجئات اليوم المباغتة ، وما أن دخل وجدها تتكور حول نفسها على الأريكة ، قفلت دفترها بسرعة ودلت أقدامها العارية لما ترتديه من فستانٍ قطني يصل لأسفل ركبتيها ، ظلت تُراقبه بصمت حتي جلس بقربها وأخذ يُحرر رابطة عنقه ، سألها متحيرًا:
- سهرانة ليه !
أخذت تأكل في شفتيها بتوتر تلك الحركة التي أشغلت نيران أخرى بجوفه ولكنه سيطر عليها بقبضة يده التي ضمها حتى برزت عروقه ، بررت حياة سبب استيقاظها:
- عشان أقول اسفة ، اسفة لو شديت معاك شوية الصبح ، بس الموقف كان غريب وغامض ، كنت بفكر معاك بصوت عالي مش أكتر ..
اكتفى بهز رأسه على تلك العريضة التي سردتها ، رفعت حاجبها باستغراب منتظرة رده ، تعجبت من صمته وهي تصفه “رجل تحتله الغرابة ،لم يستطع أحد أن يقترب من هيكل أحزانه ، وما يتجول في خاطره لا يظهره ” ، تحرش الفضول برأسها وسألته:
- شكلك مضايق !
- العادي يعني .. متاخديش في بالك ! قريب هتسمعي أخبار حلوة .
هزت رأسها بعدم حماس تلك المرة:
- أنا بطلت اسألك عن حاجة لاني واثقة فيك .. وأنتَ وعدتني .
خيم الصمت عليهما مرة آخرى في تلك اللحظة أصابتها لعنة الثرثرة كي تفش بدواخله أكثر ربما تعثر على سبب واضح لعبوس وجهه:
- قضيت يوم جميل أوي مع البنات النهاردة ، ولعبنا كوتشينا وللاسف خسرت واتحكم عليـا إني اقنعك نروح ملاهي بكرة ، وانا مش عارفة إذا كُنت هقدر أقوم بالمهمة المستحيلة دي ولا لا !
أخذت تراقب تعابير وجهه الغامضة التي لا تتحرك بالاعتراض أو بالقبول ، لم تستطع صبرًا على صمته حتى تفوهت بحماسٍ كي تصلح ما افسدته منذ قليل:
- حاسة إني جعانة ! وأنتَ ..
تلك الجملة التي تفوهت بها حياة لتغير مجرى الحديث المشحون بينهما ، ثم رفعت حاجبها وسألته:
- تاكل معايـا؟ أي رأيك !
نظر نظرة سريعة في ساعة يده ثم قال مندهشًا:
– دلوقتي ؟!
- فين المشكلة .. لو مش جعان خلاص مش هجبرك ..
تمدد شدقه بابتسامة خفيفة ثم قال:
- شكلك لسه متعرفتيش على تعليمات عبلة هانم واللي هي ممنوع منعًا باتًا حد يدخل المطبخ من بعد 12.. ممنوع !
اتسع بؤبؤ عينيها باعتراض:
- نعم ! طيب والـ يجوع بعد الساعة دي يعمل ايه !
- يكمل نوم يا حياة ..
فركت كفيها بحيرة ثم سألته في توجس:
- يعني لو نزلت بشويش ومامتك قفشتني أنت مش هتدافع عني !
كان تارة ما يتحدث وطورًا ما يصغى لثرثرتها اللذيذة ، أسبل عيناه بتخابث وما زال محافظًا على ابتسامته الساحرة:
- والله على حسب هتعشينا ايه !
فزعت من مكانها بحماس لتجلس بجواره وتخبره:
- شوف أنت عايز ايه وأنا هعمله حالًا ..
- لا دي هسيبهالك أنتِ بقا ، أكون اخدت شاور خلصت كام حاجة تبع الشغل .
نهضت من مكانها متحمسة بعد ما ضمنت حمايته لها .. سارت راكضة نحو الباب حتى أوقفها مناديًا:
- حياة .. بشويش هااه .. متنسيش .
ابتلعت ضحكتها و أومأت بالايجاب وهي تفتح الباب بهدوء وتوجهت نحو المطبخ كاللصة تتسلل بحذر شديد:
- فاهمة فاهمة .
ضحك وجهه لحركاتها الطفولية وخفة روحها التي طيرت ثقل همومه التي كانت تلاحقه طيلة اليوم .. لملم شتات فكره الذي بعثرته فتاة الربع قرن وتوجه نحو المرحاض كي لا يترك تفكيره ضحية لجمال حضورها الطاغي على كيانه .
أخذت تفتش بالثلاجة عن وجبة سريعة يمكن اعدادها .. وجدت طبقًا مغلفًا من الجمبري لا ينقصه سوى القليلم تتردد في اختياره .. ثم ظلت تبحث عن المكرونة .. جثت على ركبتيها وفتحت أحد الضُلف فوجدت العديد من أنواع المكرونة المفضلة ، اختارت النوع الي تبحث عنه ثم اتجهت نحو الموقد بحماس بعد ما حددت هدفها بأنها ستقوم بصنع “مكرونة بالوايت صوص”
لم يستغرق إعداد الطعام أكثر من نصف ساعة .. شرعت في تنظيف المكان بعدها وإخفاء آثار جريمتها وما أن جاءت لتتنفس بارتياح وتسكب الطعام بالأطباق .. إذًا بصوت سقفة من الخلف وما أن دارت فوجئت بهدير أمامها تهتف بمكر:
- لا برافــو .. حلو الشغل ده !
انكمشت ملامح “حياة” بتوجس:
- أنتِ !
- ااه أنا .. هدير المحلاوي ، وأم ولي العهد لعاصي دويدار .. أما أنت بقى حتة بنت مجرد يومين بيتسلى بيكي وبعدين يرميكي في أقرب مقلب زبـالة .
افتعلت حياة كيد النساء لـ ترد على أسلوبها السخيف وتسترد كرامتها التي تتعدى عليها تلك الحية وقالت ببرود:
- مادام أنتِ متأكدة أوي إني مجرد يومين وراجع لك ، خلاص بقا سيبيني أعيشهم معاه من غير ما تحرقي في دمك .
دنت منها هدير وهي تخفي غيظها الحارق:
- حبيت بس افكرك ، عشان متتغريش في حنية عاصي وتصدقيه وتطلعي أنت الخسرانة في الاخر يا حرام .
وضعت حياة الأطباق على المائدة الخشبية وقالت بثقة ولن يخلو ثغرها من رسم الابتسامة:
- حبيبتي أنا مدخلتش حرب مع حد عشان اطلع منها خسرانة أو كسبانة ، أنت اللي عايزة تاخدي حاجة مش بتاعتك ومش عايزاكي بالعافية ، شايفة أنك تراجعي عقلك وهو هيقول لك كده مش صح .
تلون وجه هدير بجمر الغضب وقالت:
- متأمنيش لعاصي ، هو ذكي جدًا وبيعرف دخلة كل واحدة فينا .. وبيحسسها أنها ملكت الدنيا وبعدين بيقولها باي باي ياحلوة .
- أنتِ ليه مش مستوعبة أني غيرك ، مش أنا الست اللي تطلق من أول يوم ، أنا مش مغفلة زيك .
ثم حملت مائدة الطعام وتدللت قائلة:
- الاكل هيبرد ، ومينفعش اتأخر على جوزي أكتر من كده .. نكمل كلامنا بعدين يا هدير ، ده لو كان عندك كلام ، ومرسيي اوي على النصيحة .
لم تعرف ” حياة ” سبب الطريقة الملاوعة للحوار التي تحدثت بها مع هدير إلا أنها تعمدت الضغط على أوتار كيدها الأنثوي ، فقبلت الحرب بوضوحٍ ، ونزلت مقابلها في ساحة المعركة متأهبة للقتال الذي لا تدرك عما تُحارب لتناله !
أمسكت هدير بالسكـين وفشت غضبها متمتمة:
- أنتِ اللي اخترتي يا ست حياة ! يا أنا يا أنتِ فـ القصر ده .
••••••••
( صباحًا )
نهضت ” عبلة ” من نومها قبل الخدم ونزلت على المطبخ بعد ما أعدت قهوتها وارتشفتها خلالها بدأت تجهز في خطتها الشريرة ، ضبت أحزمة حقدها وعزمت على البدء وقالت لنفسها:
“- مش هسمح لك تهد كل اللي عملته طول السنين دي يا تميـم ، لازم واحد فينـا يموٰت عشان التاني يعيش ، وآكيد الشخص ده مش هيكون أنا ..”
فتحت الثلاجة وأخذت تعد له مائدة الإفطار وأشهى المأكولات وما أن رصت الأطباق فوق الصنية ووضعت قطرات السُم في العسل الأبيض ، الوجبة المفضلة لتميم ، جاءت سيدة وهي تعقد أشرب رأسها بخمول ، ففوجئت:
- ست عبلة ! صاحية بدري يعني ؟!
انتفضت عبلة وهي تخفي زجاجة السُم وراء ظهرها وقالت:
- ااه ، عملت فطار العرسان بقا ، بصي يا ستي دي صنية تميم ودي صنية عاصي .. ركزي يا سيدة .
- يادي العيبة يا هانم ، بنفسك ! لا مالكيش حق .
تبسمت بمكر الأفاعي المخفي وراء وجهها الملائكي:
- وأنا عندي أغلى منهم ، ودي أنتِ دي لتميـم ، وبعدها تعالي خدي التانية لعاصي ، فهمتي يا سيدة ولا أقول تاني ؟
- ارتاحي بس وأنا هنفذ كل حاجة وهدلع عرساننا أخر دلع … أوامرك يا ست عبلة .. وأحنا عندنا أغلى من عاصي وتميم بيه ، بالحق يا ست عبلة ، مراة سي عاصي الجديدة دي باين عليها بنت حلال وحتة قشطة كده ، ربنا يسعدها مع البيه .
- ينفع تخليكِ في حالك ياسيدة !
- اه وماله يا هانم ..
ثم تهامست إليها بفضول:
- بس ست الدكتورة دي باين عليها ناصحة وتميم بيه طيب وعلى نياته ، بس من جوها بنت حلال بردو قلبي ارتاح لها وحبها .
- كلمة كمان يا سيدة وهخرسك العمر كله .. اتفضلي يلا نفذي اللي قولت لك عليه …
قالت عبلة جملتها بغيظ من ثرثرة تلك العجوز التي لم تمر عليها مرور النملة بهذا القصر ، وقفت سيدة حائرة أمام الطعام وأخذت تتساءل:
- هي قالت دي لتميم بيه ولا دي لعاصي بيه ! ولا العكس !
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نهال مصطفي
"رسائل لن تصل لـ صاحبها"
"وأعترف رغم كل هذا الحب الذي كنّا نعيشه، ورغم كل الوعود بالثبات، كنت أعرف أنني سأمضي في الطريق وحدي، وسأجيب على كل الأسئلة بمفردي، وسأحلم من جديد بدونك. كنت أعرف أنك ستفلت قلبي ويدي معًا، ومع ذلك لم أفرّط في لحظة حب واحدة معك."
"الوقت غير مناسب كي أعرفك، أنت شخص رائع على ما يبدو، وأنا متهالكة، أو في حياة متهالكة. أعيش بعالم لا أنتمي إليه، لا أدري ولكني أشفق عليك مني. ربما لو تقابلنا بزمان آخر لكان هناك فرصة جديدة للحياة معًا."
تنزّهت أصابعها فوق سياج صدره الصلب بتردد، بمحاولة فاشلة منها لتذكر أي ريح أتت بها إلى هنا. أغتنمت نظرة طويلة من ملامحه النائمة، وأنامله المتغلغلة بشعرها كمن يهدّئ من قلق صغيرته ويحسسها بوجوده. كانت أنفاسه خارجة بارتياح شخص حقق مقاصده حتى خلد في نومه آمنًا.
فزعت عالية كالملدوغة من جوار ذلك الجسد الذي لم يفصله الهواء، وهي ترجع شعرها المبعثر للخلف. نهض مراد إثر حركتها الغريبة عكس الهدوء الذي كانت عليه بقربه. ما أن تفتحت جفونه بثقلٍ:
"صباح الخير!"
"أي خير ده! أنا بعمل إيه هنا!"
كانت ملامحها مغلفة بالتيـه والشرود، تصمت للحظات بين كل جملة والثانية. تبدلت نبرتها لأعلى:
"هو إيه اللي حصل أنا مش فاكرة أي حاجة!"
اعتدل مراد من نومته بضيق:
"ممكن تهدي طيب، وأنا هفهمك. أنتِ مكبرة الموضوع ليه، أهدي ممكن!"
"أنت استغليت الحالة اللي أنا كنت فيها امبارح، وقلت... قلت أما..."
ثم صرخت جازعة:
"أنتَ إزاي تعمل كده، وإزاي سمحت لنفسك تقرب مني وأنا مش في وعيي!"
كتم سيل الاتهامات المتدفق من شدقها بأصابع كفه الملتصقة ببعضهم، وبرقت عيونها التي لم تكف عن العتاب. أطلق زفيرًا قويًا كي يتخلص من الشحنات السلبية التي شُحن بها، وأشار بعينه ثم تفوّه متسائلًا:
"أنتِ أيه مزعلك دلوقتِ! أنا عملت أي حرام ولا غلط للعصبية دي كلها؟ هاه!"
ثم رفع كفه عن ثغرها كي تتحدث. أحست بالقلق قبل أن تسرد أوهام رأسها الغريبة:
"استغلتني! استغليت الحالة اللي كُنت فيها، ويا عالم إيه اللي حصل بعد كده!"
هز رأسه مشفقًا على الحالة التي وصلت إليها، حيث أردف بحنو مجبرًا ألا يثير رياح غضبها أكثر:
"استغليت أيه بس! شوفي هو ياما أنتِ حلمتي بحاجات محصلتش أصلًا، أو لسه نايمة وده كله تخاريف!"
"كمان! قصدك تقول إني اتجننت!"
ربت على كتفها كي يفض تلك الحملة التي شنت عليه فجأة:
"لا أنتِ عاقلة وست البنات، بس أنا مش عارف أنتِ مكبرة الموضوع ليه."
"والله! لما أصحى وألقى نفسي في حضنك ده عادي!"
"اه عادي يا عالية، فين المشكلة!"
زفرت باختناق حد البكاء، حيث لا تجد سببًا مقنعًا لتلك الحالة التي بها غير وصف الجنـون. ولكن الأمر خرج عن السيطرة، حيث ثارت بوجهه:
"الاستغلال! أنت سمحت لنفسك تعمل حاجة بدون رضاي!"
تمتم لنفسه سرًا: "هو يوم مش فايت، أنا حاسس."
ثم مسح على شعرها برفق وهو يشير لها ناحية المرآة:
"عالية، ممكن تبصي على نفسك في المرايا! دا أنتِ حتى لسه بهدومك!"
تفقدت صورتها المعكوسة بالمرآة، مما أحست بسنابل الخجل تترعرع بداخلها. طالعته بنظرة الهزيمة والاعتذار، ولكن غرور الأنثى التي خلقن منه بنات حواء، باغتته بعتب آخر:
"وتبرر أيه وجودك جمبي! مش ده بردو استغلال يا بيشمهندس!"
"أنتِ شكلك مش فاكرة كُنتِ عاملة إزاي بالليل، وبعدين أنا جمبك لأنك أنتِ اللي طلبتي ده، ورفضتي إني أمشي عشان أسيبك على راحتك."
لطخت وجنتيها بحمرة الخجل مع الإنكار:
"أنا مستحيل أعمل كده! أنت بس بتحاول تبرأ نفسك قدامي."
"والله أنا مش محتاج أبرئ نفسي عشان أدي أسباب واضحة تقنع مراتي إنها صحيت لقيتني نايم جمبها!"
قال جملته وهو يتأهب ليغادر الفراش التي شنت فيه الحروب النفسية بدلًا من الجسدية، ولكنها لم تمنحه الفرصة وتمسكت بذراعه، لتسائله بخفوت:
"يعني أنتَ نمت جمبي وبس! محصلش حاجة مش كده!"
أسبل عيونه بحماقة مفتعلة:
"حاجة زي أيه مثلًا!"
شعرت بالارتباك ثم بررت بحسم:
"طيب دي أول وآخر مرة ده يحصل، ولو حصل تاني أنا مش هعديها."
تحمحم بخفوت متعمدًا العزف على ثورتها المشتعلة بدون سبب:
"هتعملي أيه يعني؟"
تردد كثيرًا حتى قالت:
"أنا مستحيل أقعد معاك في نفس الأوضة، ومن هنا ورايح كل واحد في حاله لحد ما أحدد أنا عايزة إيه!"
"بس أنا عارف إنتي عايزة إيه بحالتك دي؟!"
ألتفتت إليه باهتمام:
"أزاي؟"
"عايزة مختص لحالة التهيؤات الغريبة اللي بتجيلك دي! ولا أقولك خليها ممكن تنفع في يوم من الأيام."
توقف عقلها عن الاستيعاب للحظات، أردفت فيها بحيرة طفلة:
"يعني إيه!"
غير مجرى الحديث كي لا يزداد الأمر سوءًا:
"قصدي تسافري أي بلد يومين تغيري جو!"
تشبثت برأسها التي طقطقت بوجع الصداع:
"حاسة دماغي هتتفجر، أنا مالي! مش مظبوطة في حاجة غلط."
تبسم مراد قائلًا في سره: "لسه اللي واخدة بالك!!"
ثم وثب قائمًا:
"هعملك قهوة معايا وأشوف لك حاجة للصداع ده، ارتاحي بس دلوقتِ.. أحم وبلاش تهيؤات من اللي بتجيب صداع دي."
"ليه يا قلبي ليه ليه ياقلبي ليه.. بتحلفني ليه أخبي الحكايه.. و أداري عليه ماوصفلوش عذابي.. وحيرة شبابي وحبه الـ خدني.. من اهلي وصحابي"
تلك كانت الكلمات المغردة بصوت فايزة أحمد من شاشة التلفاز الذي أضاءته حياة، ثم توجهت إلى ركن صناعة القهوة بجناحه الكبير. أخذت تدندن مع الموسيقى بانسيجام تام حتى تذكرت تفاصيل ليلة أمس.
"أنا مستنية رأيك في المكرونة على فكرة!"
أردفت بتلك الكلمات بعد انتظار طويل لرأيه، ولكنه احتفظ به لنفسه دون الكشف عن إعجابه الشديد بصنع يديها، خاصة أنها احترفت أكثر الأنواع المحببة لنفسه وهو الجمبري. اكتفى بهز رأسه مرغمًا:
"اه عادي.."
رمقته بخيبة أمل:
"قصدك أكلي مش حلو! يعني مش عاجباك؟ طيب بتاكل منها ليه!"
"بجبـر بخاطرك.."
تناول بالشوكة قطعة من الجمبري ووضعها بفمه. وما أن مضغها كأنه يريد أن يبتلع بقية كلماته التي يظنها تعبر عن ضعفه. قطب حاجبيه متعمدًا تجاهل النظر إليها. وبمجرد ما ارتشف من كوب الماء، فاجأته بسحب المائدة من أمامه بعناد طفلة:
"مش مجبر تاكل حاجة مش عاجباك، تقدر تتبع قوانين الست عبلة هانم وتكمل نوم."
لم ينكر طيب مذاق الوصفة، خاصة أنها المفضلة إليه. حاول أن يأخذ شوكته ليواصل أكله، ولكنها امتنعت عن ذلك بإصرار وقالت:
"هنزل الأكل تحت، ما دام مش عاجبك!"
رأى بعيونها شرارة التحدي، فأخمدها بغيث التجاهل:
"براحتك! زي ما تحبي."
ثارت زعابيب غضبها أكثر، حملت المائدة الخشبية ووثبت قائمة. وما أن خطت خطوتين ثم توقفت لأنها تذكرت ما تقوله:
"ولعلمك بقى أنا مش مستنية جبر خواطر من حد.."
وجوده في حياتها مثل القمر، قادر على أن يحرك بحر غضبها ورضاها حسب حالته المزاجية. فاقت من شرودها على صوته الذي يطاردها أينما ذهبت وهو يقول:
"ده أيه الروقان ده على الصبح!"
"ومبقاش رايقة ليـه، أصلًا محدش يقدر ينكد عليـا."
أغلقت التلفاز ثم وثبت قائمةً بعد ما تركت فنجان قهوتها فوق الطاولة الزجاجية، وخربشت على باب التشاجر معه، كأنها تريد الانتقام منه والثأر لكبريائها الذي أهانه. وقالت بحدة:
"بعد كده تلبس هدومك جوه، وتراعي أنك في الأوضة دي مش لوحدك."
كانت سجيته قلة الكلام. قفل زر بنطاله ثم دار إليها بهيئته الفخمة وعضلاته البارزة:
"خايفة تضعفي!"
تمالكت أعصابها بأعجوبة ثم قالت بسخرية:
"لا خايفة أحسن تستهوى."
اكتفى بابتسامة خبيثة طرف شفته، ثم عاد ليكمل لبسه. زفرت باختناق كي تتخلص من وجهها الغاضب وترتسم وجهًا مزيفًا:
"تحب أعمل لك قهوة!"
تبدلت ملامحه للدهشة وهو يلقي عليها نظرة سريعة من طرف عينه. بعدها أكمل ارتداء قميصه. فركت حياة كفيها بإحراج ثم قالت بعصبية:
"طيب على فكرة أنا قدمت لك خدمة بتاعة الوفد الإيطالي، فاكر!"
"مش فاهم!"
عقدت ذراعيها أمام صدرها بتوجس:
"يعني بقول إن مخدتش مقابل وكده!"
أخذ يقفل في زر قميصه ثم قال:
"وأيه المقابل اللي عايزاه!"
دنت منه خطوة ثم أردفت:
"توافق على خروجة الملاهي، وأنا أوعدك مش هطلب منك حاجة تاني!"
"أممم، لما أفضى هشوف الموضوع ده!"
وقفت أمامه معاندة:
"هما عايزينه النهاردة فـ الويك آند!"
"أنا في دماغي ألف حاجة لازم أحلاها وقلت لما أفضى!"
هزت كتفيها بلا مبالاة:
"خلاص، هاخدهم أنا ونخرج سوا، عشان واضح أنك مش فاضي تفرح بناتك!"
قبض على معصمها بشدة:
"لو فكرتي تخطي خطوة بره البيت ده من غير أذني هتبقى أنتِ اللي اخترتي تشوفي الوش التاني!"
ثم ترك معصمها عندما رأى بريق الدمع بعينيها واخفض نبرة صوته:
"أنا بقول فكك من الجو ده وتنزلي تشتغلي معايا! على الأقل عيني هتبقى عليكِ ٢٤ ساعة.. بدل ما شايفك فاضية كده."
تمسكت بمعصمها بتأوهٍ وهي ترمقه بسخط، ثم زفرت:
"أنا بعد الأيام هنا يوم بعد يوم عشان أخلص من طريقتك المتعجرفة والمستبدة دي!"
تجاهل تلفظها به ووقف أمام المرآة لعقد رابطة عنقه وقال باختصار:
"قبل ما أنسى، معادك عند الدكتورة يوم السبت."
"دكتورة أيه؟"
"أنتِ لازم متابعة وعلاجات تساعدك إنك تفتكري بسرعة.. خليت مديرة مكتبي تحجزلك، وهنروح سوا."
هنا طرقت سيدة الباب، فسمح لها بالدخول. تقدمت إليه حاملة مائدة الإفطار:
"فطورك يا سعادت البيه."
"حطيه عندك يا سيدة."
وضعت سيدة الطعام مكان ما أشار إليها ثم دنت منه تلك العجوز وقالت بانبهار كمن يطالع حورية البحر خارجة من عالم كرتوني:
"تسمح لي يا بيه أقول لك، إن ست حياة زي القمر ويا زين ما اخترت والله، هي الست مها كانت جميلة بس الست حاجة حاجة تانية خالص.."
ثم اندفعت نحوها بغزل:
"يا طعامتك!!"
أتاها صوت عاصي المتعجرف:
"سيدة، انزلي قولي لهدير تجهز عشان في اجتماع مهم النهاردة."
انكمش وجه سيدة حتى غمغمت لنفسها سرًا: "حد يسيب المهلبية دي ويروح للملوخية!"
ثم ارتفعت نبرتها بارتباك:
"حاضر حاضر يا بيه…"
هزت حياة رأسها بغضبٍ تسرب من شقوق حروف جملته وقالت باستهتار:
"ااااممم هدير! أحم أنت ناوي تسمع كلامي وترجعها، يعني مجرد سؤال مش أكتر! أنا يهمني مصلحة ابنك فـ الأول والآخر."
ارتدى جاكت بدلته السوداء وقال بخبث بعد ما قرأ سطور الغيرة بعيونها:
"يمكن وليه لا! لسه بفكر."
ثم اتجه نحو المائدة وقال بمكر:
"تعالي نفطر، ولا أنتِ مالكيش غير في الجمبري!"
احتلت الغيرة والغرابة رأسها فقالت بضيقٍ:
"وأنت مزعلك في أيه الجمبري!"
رفع حاجبه مع ابتسامة خفيفة وهو يبدأ في تناول طعامه الصحي:
"مش مزعلني في حاجة، بس ممكن يزعلك أنت بعدين!"
"سيدة، سيدة!"
تلك الكلمات خرجت من شدق كريم بهمسٍ وهو يركض إليها. ألتفتت نحوه حتى اقترب منها:
"الفطار ده لمين؟"
"ده بتاع سي تميم، دي الست عبلة بنفسها اللي حضرته!"
حك ذقنه للحظات ثم قال:
"طيب هاتيه واجري أعمله غيره! بس يكون سر يا سيدة."
هزت رأسها بالرفض:
"لا طبعـًا، ست عبلة مأكدة عليـا أني لازم أوصله لأوضة سي تميم."
عقد كريم حاجبيه بامتعاض:
"طيب هاتيها وأنا هقنع خالتي بأسبوع أجازة تروحي لأختك بورسعيد، وأنا بنفسي اللي هوصلك!"
ردت الروح بوجه سيدة بحماس:
"ده أنت تأمر.. خد أنتَ الصنية دي وأنا هنزل أعمل غيرها لتميم بيه، صحة وعافية علي قلبك.."
حمل المائدة عنها ثم انتظر أن تهبط لأسفل حتى تفقد الساحة حوله بحذر وهو يتسلل نحو الغرفـة التي تُقيـم بها نوران. دق الباب برفق. كانت نوران خارجة من المرحاض تنشف وجهها، ثم فتحت الباب شاهقة:
"يخرب بيتك هو أنتَ!"
"هي دي صباح الخير! أنتوا الذوق ما عداش عليكِ يا بنتي!"
ارتبكت نوران بخوفٍ:
"أش وطي صوتك، شمس أختى نايمة جوه!"
غمز بطرف عينه وسألها بفضول:
"هي مش المفروض تنام فـ أوضة جوزها ولا هما متخانقين! قولي لي أي الحوار!"
زفرت نوران باختناق:
"أنتَ بترغي كتير ومش هتستريح غير لما حد يشوفنـا! امشي بقى."
مد لها صينية الفطور قائلًا:
"ده أنا جايب لك الأكل بنفسي وقلت نفطر سوا."
أتاها صوت شمس من الداخل المُفعم بالنوم:
"نورا، واقفة عندك بتعملي أيه!"
حملت نوران المائدة منه وهي تدفعه لبعيدٍ ثم عادت إلى الغرفة وقالت بتردد:
"دي الست اللي بتشتغل، قصدي تميم باعت معاها الفطار ووصاها أنك لازم تاكلي كويس."
اعتدلت شمس من نومتها وهي تطوي شعرها على هيئة كعكة عبثية:
"نورا، أحنا ملناش عيش بعد النهاردة في البيت ده!"
"بصي سيبيني أفطر كده الأول عشان أعرف أتناقش مع قراراتك المفاجأة دي، وبعدين نشوف."
"الصبر، الصبر وهتبقي ليا لأخر العمر يا رسيل، وعاصي بتاعك ده أنا هفرمه!"
يقف كطائر النورس على الشط يتلذذ بضحاياه، واحد تلو الآخر. ينفث دخان سيجارته حتى أصبحت كغيمة منعقدة من الظلم فوق رأسه. اقترب أحد رجاله قائلًا:
"فريد بيه المراكب هتتحرك كمان نص ساعة."
أومأ رأسه بالإيجاب وهو يدهس عقب سيجارته بمقدمة حذائه:
"عايز اسم فريد المصري يغرق البحر والبر.. مش عايز مركب واحدة تنزل تصطاد غير بإذني."
"أوامرك يا بيه، اه والمحامي اللي طلبته مستنيك في المكتب."
"قدم له حاجة يشربها، لحد ما أجي له!"
ثم ألقى نظرة في شاشة هاتفه كأنه ينتظر أمرًا هامًا وقال:
"يلا جر عجلك أنتَ."
انصرف المساعد الخاص به وآتى قاسم من الخلف قائلًا:
"يعني فات يوم والتاني ومفيش لا حس ولا خبر يا ابن المصري!"
عقد فريد ذراعيه وراء ظهره وهو يفرد قامته ويملأ صدره من هواء البحر وأجاب:
"مش كل حاجة هتتحل بسرعة! في حاجة اسمها حكمة!"
ثم التوى ثغره ساخرًا:
"نسيت! الحكمة دي من ثمة القادة اللي زيي، مش الشيالين اللي زيك."
لعق قاسم شفتيه متقبلًا شعور الإهانة كي يصل لمراده. وبعد ذلك كل شخص سينال عقابه:
"أنا لازم أرجع إيطاليا أول الشهر! ومش هينفع أرجع من غير رسيل."
شرع فريد أن يجيبه ولكن توقف إثر رنين هاتفه بالاتصال المنتظر. رد بلهفة حتى آتاه خبر اليقين:
"يونس ورشيد المصري تعيش أنت يا حوت، ومن الساعة دي أنت الكبير يا كبير.. أنت حوت البحر الأحمر."
اتسعت ابتسامته لما اخترق آذانه ثم هتف فارحًا:
"عفارم عليك يا مرسي، عدي عليـا عشان أديك حلاوتك."
"ماتـفرحني معاك!"
ضحك فريد بانتصار:
"بهد كل الحيطان اللي ممكن رسيل تتسند عليها، عشان أسلمها لك لوزة مقشرة، شوفت أنا بفكر في مصلحتك أزاي!"
ثم ربت على كتفه وأتبع:
"تعالى نشوف المحامي عشان نبدأ مشروعنـا الجديد."
تطالعه من وراء النافذة بعيون نرجسية، وبدهشة من رماد، وبشهقة البحر التي ثارت بجوفها عندما رأته بصحبة هدير وصعودها السيارة بجواره. أخذت تقطم في أظافرها بغلٍ وتقول لنفسها:
"وأنا مالي! مالي أزاي! ده شخص نرجسي عايز يمتلك كل حاجة لنفسـه! هو مش وصل للي عايزه واتجوزني! دلوقتي بقى يروح يجر ناعم مع الهانـم! وقال إيه مش عايز حاجة تربطه بيها!"
أطلقت زفيرًا قويًا وأكملت:
"الشهر المتفقين عليه قرب يخلص، وخلاص كل واحد فينا هيروح لحاله! استحملي."
شدت الستائر وعادت إلى التلفاز وأمسكت بالريموت:
"وبعدين هو عرض عليـا الشغل! فيها أيه لو نزلت اشتغلت معاه! فرصة كويسة بردو، جايز أعرف أفهمه… وبعدين أنتِ مالك مركزة معاه كده ليـه هو حر! عايزة تفهميه ليـه خليكِ في حالك."
اختلط الأمر برأسها حتى رمت الريموت بضجر وتفوهت محتجة:
"وقال أيه أكلي مش عاجبه! ومتخرجيش ومتروحيش! طيب يا سي عاصي هوريك أنتَ بتتعامل مع مين، عشان أنا مش الجارية بتاعتك."
نيران مندلعة بأعلى ونيران نشبت بالأسفل. حيث أخذت نوران تتلوى كالطائر الذييح من شدة الوجع مستغيثة بأختها:
"ألحقيني يا شمس، بطني بتتقطع."
ركضت شمس نحو أختها بلهفة:
"نورا مالك؟!"
"ردي عليـا في أيه!"
صرخت نوران بألم:
"سكاكين في بطني يا شمس الحقيني!"
تناولت شمس كوب المياه من فوق المائدة وأخذت لمونة عصرتها بالماء وبكف مرتعش قالت:
"آكيد من اللانشون اللي أكلتيه، اشربي الليمون يفسد مفعول أي حاجة متسممة دخلت جسمك، هكلم الإسعاف حالًا…"
ركضت شمس كالمجنونة مقتحمة غرفة تميم الغارق في عقد اتفاقيات شغله المجهول. عند دخولها قفل جهاز الحاسوب، فلم تمنحه الفرصة ليسألها عما بها ولكنها سبقته قائلة:
"نورا أكلت حاجة متسممة كلم الإسعاف بسرعة."
هنا أحس كريم الذي يترقبها من بعيدٍ بحركة مريبة خاصة صوت نوران المتعالي. ركض إلى الغرفة فوجدها تتلوى وجعًا، اندفع إليها بلهفة وحملها بين يده. خرجت شمس وتميم من الغرفة فالتقى الجميع في ساحة الطابق. هتف تميم:
"كريم خدها على اقرب مستشفى وأنا جاي وراكم."
ركض كريم على الفور ثم تابعته شمس وهي تناجي ربها أن لا يريها سوءًا بأختها. خرجت عبلة من غرفتها إثر ذلك الصخب المنتشر بساحة القصر، فـ تبدلت ملامحها عندما رأت تميم يصيح مناديًا على سيدة كي تخبر السائق أن يأتي إليه. دوما ما يحوم القاتل حول مسرح الجريمة. اقتربت منه عبلة حائرة تتمايل متسائلة بخبث:
"هو في أيه!"
رد مجبورًا:
"أخت شمس أكلت حاجة متسممة.."
ثم صاح بجزعٍ:
"يلا يا سيدة.."
ازدرى أعينها وهي تلعن ذلك الحظ في نفسها سرًا حيث صاح بوق شيطانها الآثم بداخلها: "فلتت منها المرة دي يا تميم بس على مين!"
انتظرت حتى رحيل تميم ثم هرولت إلى غرفة عالية وسرقت طبق العسل من فوق المائدة وعادت إلى غرفتها كي تسكب محتواه وتمحو آثار جريمتها.
في تلك اللحظة نزلت حياة إلى غرفة الفتيات. دخلت الغرفة بهدوء فوجدتهن غائصات بسبات عميق. شرعت في إيقاظهن ومداعبتهن حتى تساءلت تاليا بصوتها النائم:
"أنطي! هنروح الملاهي زي ما وعدتينا!"
فكرت حياة للحظات ثم قالت بتوجس:
"هنروح يا روحي، أنا جايه أصحيكيم عشان نكسب وقت وناخد اليوم من أوله.."
انقض عليها الفتيات بحماس ثم هتفت إحداهن:
"يس، تحيا أنطي حياة… بابي جاي معانا صح؟"
أطرقت بخفوت:
"هو بيعتذر منكم لأنه عنده شغل، بس قال لي إنه معندوش مانع نخرج سوا، وكمان ساب لنا فلوس كتير عشان نجيب كل اللي نفسنا فيه…"
"أنطي أنا بحبك أوي، ممكن متمشيش تاني، خليكي معانا هنا."
"بليـز يا أنطي خليكي معانا، متمشيش خالص…"
لم تمنحها داليا فرصة للوعود الكاذبة بل أطرقت بحماس طفولي:
"هنروح فين..؟"
تشجعت تاليا وقالت:
"نروح الأول الملاهي نلعب كتير، وبعدين نروح المول نشتري حاجات كتيرة وألعاب، وبعدين نروح ماك نتغدى، وبالليل نروح سينما.. أيه رأيك يا أنطي!"
تحمحمت حياة بقلق وتمتمت:
"اتفقنا وربنا يستر على اللي هيعمله أبوكم فيـا…"
اقتحمت عبلة الغرفة، فتبدلت ملامحها إلى أخرى غاضبة عندما رأت حركة عجيبة بالغرفة. تسللت للداخل متسائلة:
"علي فين كده!"
هتفت داليا:
"هنخرج نروح الملاهي.."
"بس سوري حضرتك مش هينفع تيجي معانا."
طالعت حياة بحقد ثم رسمت ابتسامة مزيفة:
"ليه يا حبيبتي!"
تقدمت تاليا واضعة كفيها في خصرها بجزل طفولي:
"عشان أحنا حابين نكون بنات مع بعض وهنلعب سوا، وحضرتك ست كبيرة مش هينفع."
كتمت حياة فم الصغيرة برفق ثم قالت مبررة لعبلة التي بدا الانزعاج عليها:
"أممم قصدها هنتحرك كتير وممكن تتعبي."
رمقتها عبلة بحقد:
"عاصي يعرف أنكم خارجين..؟"
أجابتها بثقة:
"أكيد يعرف، مش هخرج من غير أذن جوزي يا عبلة هانم أنا بردو بفهم في الاصول.."
هزت رأس الحية أفكارها ثم اقتربت من حياة وسألتها:
"قوليلي يا حياة، باباكي بيشتغل أيه! حد معروف في الوسط يعني! أعرفه."
تخبطت أطرافها بلون الحيرة وظلمة الاستجواب الذي وقعت فريسته بدون سابق إنذار. كادت أن تجيبها بأي قصة وهمية ولكن أنقذتها تاليا قائلة بعفوية:
"ناناه أحنا مستعجلين أوي، ممكن نأجل الكلام دا لوقت تاني!"
ثم شدت حياة من كفها وقالت بمرح:
"تعالي يا أنطي قوليلي ألبس أيه، يلا يلا مش عايزين نتأخر."
"أحنا جينا هنـا ليـه؟!"
ذلك السؤال الأخير الذي أردفته هدير بعد وقوف السيارة أمام المشفى. رفع عاصي حاجبه بهدوء:
"محتاجين نطمن على صحة البيبي.."
تعربدت الغصة بصدرها:
"ولا قصدك تتأكد إذا كُنت حامل ولا لا!"
تحمحم برزانة وثبات:
"أنتِ مالك خايفة كده ليـه!"
للكلمة وقع أحد من السيفِ على قلبها. انفجرت هدير بوجهه:
"أنتَ مكذبني وكمان مستغرب أنا كده ليـه! مش بعيد لما تتأكد تقول مش ابنك.."
"أنا كلامي واضح يا هدير! أنتِ اللي بتلفي وتدوري.. ومتعصبة من مفيش."
وقفت على نصل كلماته الحادة:
"الهانـم بتاعتك امبارح تغلط فيـا، وأنت جاي دلوقتِ تتهمني في شرفي وإني بتبلى عليك، وعايزني مبقاش متعصبـة!"
تجاهل كل ما قالته وتوقف على أعتاب جملتها الأولى:
"قصدك حياة! وهي حياة مالها بيكي؟"
"مالهـا؟!!"
أردفت كلمتها ثم أتبعتها بضحكة ساخرة وأكلمت:
"أنت بس دلعتها لحد ما ملكت البيت وعملت نفسها صاحبة مكان، وبعدين أنتَ اللي متلفش وتدور عليـا، أكيد حكت لك هي قالت أيه بالليل!"
هز رأسه وبداخله فضول لا يوصف خاصة إن تعلق الأمر بتلك القطة المشاكسة. زفرت هدير باختناق:
"يلا يا عاصي، أنا همشي معاك للأخر لحد ما تعرف مين اللي بتحبك ومين اللي جاية تغفلك!"
قالت جملتها ثم هبطت من السيارة بغضب فرغته في بابها وهي تدفعه بقوة وانتقام. دلف الأخير من سيارته متبعًا خطىها حتى وصلت إلى قسم النسا والتوليد بالمشفى. مجرد ما أدلى اسمه للممرضة، سمحت له بالدخول على الفور.
مرت عدة دقائق على الفحص وإجراء التحاليل اللازمة. كان يجلس على فوهة بركان ثائر، يتوسل إلى ربه أن يكون خبر حملها أكذوبة من صنعها. مرت العديد من الدقائق حتى جاءت الطبيبة وبعدها هدير بوجهها الضاحك. أردفت الطبيبة برسمية:
"هو الحمل مش مستقر، فلابد من حقن التثبيت دي، ومع الراحة التامة طبعًا، بس متقلقيش، وأسبوعين كده وأشوفك تاني، أهم حاجة الراحة ثم الراحة، مش هوصيك بقى يا عاصي بيه، دلع المدام ونفسيتها أهم شيء.."
وضعت هدير ساق فوق الأخرى وقالت بانتصار:
"وصيه عليـا بقى يا دكتور، عشان دايمًا مزعلني، ولا أيه يا حبيبي!"
بات كلماتها تغتصب غضبه المكبوت، حتى فزع فجأة متأهبًا للرحيل بدون أي مقدمات. أخذت هدير الروشتة من الطبيبة ثم لحقت بخطواته الواسعة. فلم يتحمل سماع المزيد حول موضوع حملها. هنا جاءه اتصالًا من عبلة وهو توبخه:
"أنتَ أزاي تسمح بالمهزلة دي ياعاصي!"
"حصل أيه!"
"يعني أيه الهانم تاخذ البنات ويخرجوا مع السواق لوحدهم! أنت ناسي أن أعدائك في كل حتة! يا خسارة فكرتك أذكى من كده! اتحمل بقى نتيجة ثقتك العمياء في الهانم بتاعتك."
"استوعبـت كل مصائبي في الحياة إلا لوعة رحيلك، ما زلت أقاتـل في مرحلة اللا تصديق، أنه لكابوس ما حتمـا سينتهى بـ صوتك وعيناك، ما زلت انتظر اتصالك في مواعيدنـا اليومية، مع كل رنة لهاتفي انتفض كما كنت، ما زلت اتوهم بأن كل رقم مجهول.. هو أنت.. أنت رحلت، لِمَ لا يرحل شبح انتظارك المُقيـم بي!"
"سيأتي نهار يُغير كل خرائط فكرك، وقراراتك، وأيامك، قد تظن يومًا أن جميع مصائر حياتك بيدك وحدك ولكن فجأة قد تكتشف ضعفك وأن المرء مهما ركض في شتى الطُرق إلا أنه مسير، قانون الاختيار خدعة ابتكرها غرور النفس البشرية."
تتوالى المصائب فوق رأسها، كل يوم بكارثـة أثقل من الأخرى تحلُ على بُنيتها الهشة، المتحطمة من جمة الحوادث بحياتها. مرت عقارب الساعة على قلبها ببطء، حتى خرج الطبيب من غرفة العمليات. اندفعت شمس نحوه متلهفة لأخبار أختها:
"طمني يا دكتور، أختى جوه عاملة أيه."
وقف كريم وتميم بجوارها حتى سرق الأول مجرى الحديث:
"هي مالها يا دكتور كانت كويسة!"
نزع الطبيب المسك الطبي من وجهه وقال:
"حالة تسمم، أكلت حاجة مسممة، بس نسبة بسيطة اللي دخلت معدتها، وكمان لحقناها بسرعة.."
ذرفت العبرات من عيني شمس:
"طيب هي كويسة دلوقتِ!"
"عملناها غسيل معدة، ساعتين وهتفوق، اطمنوا."
تنفست شمس الصعداء وهي تضع يدها على صدرها. أردف تميم:
"في خطر على حياتها يا دكتور؟"
الدكتور برتابة قبل أن ينصرف:
"هي تجاوزت مرحلة الخطر، بس هتبقى تحت عيني يومين كده لحد ما نطمن عليها."
ذهب الطبيب بينما شمس التي لم تستطع التحمل على ساقيها أكثر جلست على أقرب مقعد. تحدث تميم إلى كريم وهو يمد له بطاقته البنكية:
"كريم انزل احجز أوضة عشان شمس ترتاح فيها، وخلص مصاريف المستشفى، واطلبنا غدا لانها مأكلتش حاجة من الصبح."
غادر كريم لينفذ ما طلبه بطاعةٍ، ثم ولى تميم وجهه ناحية شمس وأخذ يربت على كتفها بحنو:
"استهدي بالله يا شمس.. هتبقى زي الفل."
كفكفت دموعها المنهمرة وقالت بقلة حيلة:
"أنا ماليش غيرها يا تميم، نورا بنتي قبل ما تبقى أختى، بابا وماما سابوها وهي ست شهور أنا اللي كنت بعملها كل حاجة، أنا مش متخيلة، مش متخيلة اني ممكن اخسرها في يوم، أنا مابقتش حِمل خسائر تانية."
لأول مرة تمتد أنامله لوجنتيها ويتلقى إبهامه عبرات حزنها المتقطرة. مسح دموعها برفق وقال بنبرة خفيضة:
"كل حاجة هتبقى كويسة، أنا جمبگ يا شمـس ومش هسيبك مهما حصل."
"بداخل كل أنثى طفلة صغيرة، فراشة، مجرد ما تقع على بستان ورودها تحلق هنا وهناك وكأنها ملكت زمام الحياة، ومنحت للورد ألوانه.. قضت حياة مع الفتيات ساعات من المرح والسعادة، أخذت تتنقل معهن في كل مكان وتركض وتمرح وتضحك كطفلة غير مكترثة بالعشرين عام الفارق بينهم.. اقترحت تاليا بحماس:
"حياة، تعالى نجرب دي كمان."
رمقت حياة لعبة قطار الموت فانقبض قلبها ورفضت رفضًا قاطعًا:
"مستحيل يا حبيبتي، دي مرعبة أوي، أحنا خلينا في الحاجات السهلة، تيجوا نركب العربيات تاني!"
تنهدت داليا بأسف:
"يا خسارة! بابي لو كان موجود مكنش هيرفض خالص."
انكمشت ملامح حياة بقلق وتمتمت:
"أيه لازمتها السيرة دي دلوقتِ!"
"أنتِ بتكلمي نفسك يا حياة!"
"هااه لا معاكم، أنتوا مش جعانين ولا أيه!"
قالت حياة جملتها وهي تنكث على ركبتيها كي تبقى في مستواهم. تمسكت الصغيرة ببنطها وأردفت بعفوية:
"أنا عصافير بطني بتزقزق من الجوع."
قبلت وجنتها بحب:
"يا روحي أنتِ! هناكل فين بقا؟"
وضعت داليا سبابتها على ثغرها المزموم وأصدرت إيماءة خافتة:
"برجر.."
ولت وجهها لتاليا:
"توتي موافقة؟!"
ردت بحماس:
"يس!"
"اتفقنا، يبقى برجـر."
ما كادت أن تقف وتستدير خلفها فأرتطمت بجلادها، بحصنها المنيع، وسور سجنها. لحظة توقف فيها الزمن وعقلها عن التفكير. تصلبت تعابير وجهها، وأصيبت شفتيها بداء الارتعاش. رفع حاجبـه بملامحه الغاضبة:
"بتتحـديني يا حياة!"
تهيج قلبـها بوجوده. اخذت نفسًا طويلًا مع ابتسامة مخادعة وقالت ببرود مزيف وقالت بنبرة خافتة:
"كُنت متأكدة أنك هتيجي!"
ثم جهرت بصوتها:
"مش قولت لكم يا بنات أن بابي حنيـن وهيخلص شغله بسرعة ويجي يقضي معانا اليوم! ولا أيه يا بـ.. بـابي!"
هلل الفتيات بفرحةٍ وهن يمدحن في ما فعلته حياة وكم السعادة البالغة المتدفقة من أعينهم. ثرثرتهم العبثية جعلته يبتلع ما يرقد على لسانه من شتائم. لاحظت حياة ملامحه المكتظة بالغضب، وقالت بقلق:
"مش نفسـكم في فشـار، يلا نجيـب!"
أفشـل مُخططها في الفرار منه عندما غرز أنامله في ذراعها المُتعري وقال بجفاء وبنظراته الثاقبة:
"روحوا أنتو هاتوا الفشار يا بنات.."
حدقته بتوجسٍ:
"أروح معاهم!!"
ألجمها بنظرة حادة أخرستها. ركضوا الفتيات نحو بائع الذرة وتركوها لوحدها في مواجهة الأسد. بللت حلقها الذي جف وقال بتوسل:
"ممكن اتكلم!"
جز على فكيه بامتعاض:
"أنا مش قلت لا مفيش خروج!"
حاولت أن تهدئ الأمر وألا تثير عواصف غضبه. تكلمت بصوتها الخفيض:
"ممكن نأجل أي خناق لـ بالليل! يعني ننبسط دلوقتِ ونفرح وكأن مفيش حاجة حصلت، ولمـا نروح هسيبك تتخانق براحتك وتنكد عليـا وكل اللي نفسك فيه!"
عض على شفته بجزعٍ:
"بتستفزيني!"
"خالص والله! بس حرام تكسر بخاطر البنات، أديك شايف هما مبسوطين أزاي، يعني قصدي عديها المرة دي عشان ميبقاش شكلي وحش، بليـز وافق! وليك عليـا أول ما نروح هنقوم خناقة من اللي قلبگ يحبها.. قلت أيه!"
كان أسلوبها في التحاور كطفلة لم تبلغ السبع سنوات. خفوت صوتها، توسلها إليه، رقتها في تهدئة ثورتها العارمة، تسرب وميض من الضحك لقلبه أخمد تلك النيران المتوهجة، حتى أمطرت بغيث قُبلتها المباغتة على وجنته عندما رأت الفتيات يقتربن منهم وقالت بترجي:
"بليـز خليك لطيف قدام البنات، بلاش تخوفهم منك أكتر من كده.. خليك طبيعي."
رفع حاجبه بإعجاب:
"طبيعي! أفتكري أنتِ اللي اخترتي."
هتفت تاليا بسعادة:
"بابي، هتتغدى معانا مش كده!"
داعبت حياة شعر الصغيرة وقالت بتردد:
"طبعًا يا حبيبتي وهيروح معانا المول كمان نشتري كل اللي نفسكم فيه، مش كده يا بابي!"
صاحت داليا:
"بابي عيد ميلاد ناناه الأسبوع الجاي، لازم نجيب لها هدية."
ارتدى نظارته الشمسية وقال بفظاظة مزيفة:
"تمام، يلا بينا."
ركضوا الفتيات خلفهم ولكنها فوجئت به يمسك بكفها رغم عنها بعد ما كانت ستسبقه الخطى ولكنه أفشـل مُخططها. همس في أذنها قائلًا:
"حسابك بالليـل.. متنسيش!"
تبسمت بقلق:
"المهم متنساش أنت…"
تحرك الجميع نحو السيارة، أشار عاصي للسائق أن يعود للقصر، وأخذ منه المفاتيح. فتح الباب لبناته ثم فتح الباب الأمامي لها برسمية. تعجبت من فعله ولكنها صعدت بدون استفسار. دار الناحية الأخرى وجلس بجوارها وشرع في قيادة سيارته. بدأ الفتيات يأكلن في الفشار حتى تفوهت داليا:
"كويس يا بابي أنك جيت، عشان أنطي حياة محدش يعاكسها تاني.."
برقت حياة عيونها لداليا كي تصمت ولكن أكملت داليا سرد الأحداث باندفاع:
"تعرف يا بابي كل حد يعدي من جمبنا كان لازم يقولها أيه القمر ده، لحد ما زهقنـا وسبنـا المكان ومشينا."
لاحظت جمر الغضب توقد بوجهه، فأخذت تبرر له:
"عادي يعني البنات بيبالغوا بس، أطفال هناخد على كلامهم!"
تجاهل حديثها وركز مع البنات وقال بغلٍ:
"وأيه كمان! أحكوا احكوا.."
اندفعت تاليا:
"بس أنا يابابي كُنت بزعق لهم وأقولهم أنتوا متعرفوش دي مجوزة مين ولا ايه، بابي هيضربكم جامد لو شافكم."
ضرب موقد السيارة بكفه من شدة الغضب. ألتصق كتف حياة بالباب وهي تغمغم:
"ليلتي سودا أنا عارفة…"
"بمكتب عاصي"
دخلت مديرة مكتبه إلى يسري وهي تطلع على بعض الرسائل بالحاسوب وتقول:
"مستر يسري، بكلم عاصي بيه مش عارفة أوصله وفي إيميلات مهمة لازم يشوفها."
تناول يسري الجهاز من يدها بعد ما اطلع على الرسائل والاتفاقيات. رفع رأسه:
"ابعتي لي كل الفايلات دي على الايميل بتاعي.."
"طيب وعاصي بيه!"
"أنا هعرفـه.. أمشي أنتِ دلوقتِ."
أردف يسري جملته الأخيرة بعد ما رأى اتصالا تليفونيا باسم "عبلة". انتظر حتى انصرفت الفتاة حتى رد قائلًا:
"اتفضلي يا هانم.."
جلست أمام التسريحة وهى تتأمل التجاعيد عن طرف عينيها إثر زوال العمليات التجميلية وقالت بضيق:
"مش عاجبني يا يسري!"
"أزاي بس معاليكِ أنا في الخدمة.."
"البنت اللي اسمها حياة دي، هي مطولة ولا أيه!"
تحمحم يسري بخفوت:
"القلب وما يريد يا هانم، وشكلها عاجبه البيـه.."
وضعت ساق فوق الأخرى وقالت بخبث:
"بس مش عاجباني، وما دام مش عجباني يبقى ملهاش عيش في بيتي!"
"والله يا هانم أنا عبد المأمور!"
أومأت بمكر ثم غيرت مجرى الحديث:
"سيبك منها دلوقتِ، وقولي أيه أخبار الشغل!"
"مش خير معاليكِ، عاصي بيه مُصر يفض الشركة مع آندرو وبنته، ودي خسارة لينا في جميع الحالات.."
فزعت عبلة كالملدوغة وهي تفارق مقعدها:
"ده اتجنن ولا أيه!"
"أهو كله من تحت راس اللي اسمها حياة دي!"
رفعت حاجبها بتخابث:
"لا أنتَ تحكي لي الموضوع بالتفصيل…"
انتهوا الجميع من تناول وجبة الغدا مع تبادل الضحكات والمرح بينهم. ظل يراقب تصرفات حياة العفوية وهي تعتني ببناته والألفة العجيبة بينهن. مسحت فم داليا المُلطخ "بالكاتشب" وقالت بمزاح:
"نوال لو شافت العبث ده هتنيمنا في الجنينة!"
انطلقت داليا مقترحة:
"بابي ممكن ميس نوال دي متجيش تاني، وأنطي حياة هي اللي تذاكرلنـا."
أشعل سيجارته وقال بهدوء:
"بس حياة مش فاضية يا حبيبتي.."
"لا هي فاضية.."
"مش حضرتك فاضي!"
"طيب وأنا مين يذاكرلي!"
جملة أردفها عاصي فـ نزلت على رأسها كدلو الماء المُثلج. امتزجت نظرتها المندهشة مع نظراته الماكرة، حتى قطعت داليا صمتهم بذهول:
"حضرتك بتذاكر زينا يا بابي! الله بجد! ممكن نيجي نذاكر معاكم.."
تحمحمت حياة وقالت مبررة:
"بابي بيهزر يا حبيبتي، قصده أننا بنشتغل بالليل تبع الشركة وكده!"
ثم اقترحت:
"يلا مش هنشتري فساتين عشان عيد الميلاد..!"
لم يعرف السبب وراء اتباعها والهدوء الحال بكيانه! كان أمرًا مستحيلًا حتى مسّه طيفها ووجودها الخفيف على الروح، فصار ممكنًا وسهلًا.. فكم من جدارٍ جامدٍ تهاوى أمام دفءٍ صادق وحنون.
وثب الجميع للتنقل بالمول، كان متعمدًا أن يوازي خطواته بخطواتها، الإمساك بيدها بدون مبرر، ربما كان يوجه رسالة واضحة للعالم أنه تخصه. أثناء تنقلهم ألتقى عاصي بشخص يعرفه، فوقف وتبادل السلامات حتى قدمها له:
"دي حياة مراتي.."
ثم ولى وجهه إليها وأكمل:
"هاشم بيه مدكور، أشطر بيزنس مان في الوطن العربي."
"بنتعلم منك يا عاصي بيه.."
رمق هاشم حياة بنظرة غير مريحة ثم تبسم بمكر:
"تشـرفنا يا هانم."
بادلته بابتسامة مجاملة ثم بعدت أنظارها المُربكة عنه. سلم هاشم على داليا وشرع في تقبيلها ولكن فزعت حياة من تصرفه وشدت الفتاة إليها وقالت بحدة:
"سوري حضرتك، بس ممنوع حد يسلم على البنات بالطريقة دي!"
أحمر وجه هاشم بغضب أخفاه وراء ابتسامته المصطنعة:
"سوري يا هانم بس دول أطفال وفي مقام أحفادي!"
"بس مش أحفادك!"
تشبثت بيد الفتيات وقالت بصرامة لعاصي:
"هندخل المحل هنـا، ماتتأخرش عليـنا."
لم ينكر اندهاشه بتصرفها الغامض، وطريقة حمايتها للفتيات. تسرب بداخله شعور المسؤولية نحوهم والفخر إليها. فاق من بحرها وعاد إلى هاشم قائلًا:
"هنشوفك أكيد في عيد ميلاد عبلة هانـم."
"الدعوة وصلتني إمبارح، وطبعا شرف ليـا!"
صافحه عاصي برسمية ثم استأذن منه لينصرف ويلحق بعائلته. لعق هاشم شفتيه بمكرٍ:
"قدرك الحلو وقعك في طريقي مرتين! استحملي يا حلوة."
"أنتِ عملتي كده ليـه؟!"
أتاها صوته الرخيم من الخلف وهي تتفقد الفساتين المُعلقة بإعجاب. أغمضت جفونها إثر الخضة ثم دارت إليه وقالت بعتاب:
"مش صح أي حد كده يبوس ويحضن البنات! ده هيأثر على نفسيتهم بالسلب!"
عقد حاجبيه بامتعاض:
"بس ده راجل أد جدهم، يعني عادي!"
جزت على فكيها بغضب:
"لا مش عادي! أنت مدخلتش جوه نيته عشان تعرفه، ولو سمحت ابعد بناتك عن العك اللي أنت عايش فيه، أنا مش هسمح لك تأذي براءة روحهم وقلبهم بالمجتمع العقيم اللي أنتوا فيه!"
مجرد ما انتهت جملتها عادت إلى تفقد الفساتين مرة أخرى ولكن الفارق هنا أن مزاجها بات معكرًا مما جعلها ترى الجميع بلون واحد. أخذت تقلبهم بملل لاحظه عاصي في نفس اللحظة التي خطفه فستانًا فُصل خصيصًا إليها. همس لفتياته ببعض الكلمات حتى صاحت داليا بعفوية وهي تشير على الفستان:
"شوفي دي يا حياة! يجنن."
اقتربت من الفستان المُعلق باندهاش شاردة في سحر ألوانه وجماله. وقفت أمامه طويلًا حتى أتاها صوته قائلًا:
"هينطق عليكي!"
رجت رأسها بعدم اهتمام:
"عادي، أصلًا مش حابة أشتري حاجة أنا بتفرج بس!"
"وهتحضري الحفلة بأيه؟"
انكمش وجهها بغرور أنثوي:
"مش لازم أحضر، كفاية هديـر هتحضر."
ابتلع ابتسامته عندما لمح وميض الغيرة معلقًا بحروف كلماتها. أشار للفتاة بالمحل أن تحضر الفستان كي تقيسه. مرت دقيقتين حتى جاءت المساعدة إليها:
"اتفضلي قيسي الفستان يا هانم!"
"فستان أيه! أنا مخترتش حاجـة!"
أردفت حياة جملتها بإنكار حتى أشارت الفتاة إليه وقالت:
"البيـه اللي اختار."
زفرت مجبرة وتحركت نحو البروڤا كي تقيس الفستان. مرت العديد من الدقائق وهو ينتظرها بلهفة لا يعلم سببها. خرجت المساعدة من الغرفة فاستغل الأمر واقتحم الغرفة. أدلى الستار خلفه وأخذ يتأمل تفاصيل ظهرها الساحرة المُغطاة بجدائل شعرها. أحست بوجوده من رائحته والعجيب بالأمر أنها اعتادت وجوده حتى بات حضوره لا يرعبها. دارت نحو الجهة التي بها المرآة وشرعت في تأمل نظراته إليها، حتى التقطت أنظارهم بالمرآة. خفق قلبها واشتهتها جوارحه خاصة عندما ارتدت الفستان الفاتن لجمالها!
لملم شعرها المبعثر ناحية كتفها فبرز التاتو المرسوم على هيئة حوت بكتفها. هندلت الفستان من الأمام فلم يتبقى لها سوى جراره كي ترى صورته بوضوح. لمعت عيناه ولم يتحكم في شهوة يده للمس الحوت المقيم بظهرها. أبدى إعجابه به:
"جميـل الحوت المرسوم!"
أخذ يداعبه بإبهامه بلطف بدون أي اعتراض منها حتى تسللت أنامله بخفة دبت القشعريرة بكيانها. كان يريد أن يرمي عليها نظرة فضولية ولكنه ومن غير قصد رمى قلبه بجوار حوتها. رست أنامله عند جرار فستانها الكائن بآخر ظهرها وسحبه لأعلى برفق حتى أغمضت جفونها من شدة الأحاسيس المباغتة التي هجمت عليها للحد الذي خنق أنفاسها..
ما انتهى من قفل الفستان فأرجع أوتار شعرها مرة أخرى بهيام التف حول قلبه. ثم طالعها بالمرآة قائلًا:
"الفستان الحلو ولا أنتِ اللي محلياه!"
كانت تقاوم كي تغتال تلك المشاعر المجهولة التي تعلقت بروحها. ضربات قلبها السريعة التي أرخت أعصابها وحطمت عنادها. اكتفت بهز رأسها بمعاناة كي لا ينكشف أمرها أمام رجل مثله، يعلم بخبايا وظواهر الأنثى ببراعة. جاءت المساعدة إليها ففوجئت بوجود عاصي فأطرقت بأسف:
"حضرتك ممنوع تدخل البروڤا.."
تبسم بتفهم:
"متزعليـش، بس عشان مراتي متعودة إني بساعدها في كل لبسها، فـحسيت أنها محتاجاني!"
برقت حياة بنفي وعلى المقابل تبسمت الفتاة بإحراج:
"ربنا يخليكم لبعض يا فندم بس دي تعليمات."
"فاهم فاهم، المهم مش هوصيكي، أحلى وأغلى حاجة عندك تطلع للهانم.."
"هثق فيكي يااااااثم" طالع اسمها على بطاقة التعريف وأكمل:
"يا عبير.."
لم يمنحها فرصة للاعتراض بل انصرف سريعًا إثر نداء الفتيات عليه. تقدمت إليه داليا:
"بابي تعالي شوف إحنا اخترنا أيه."
"الأمر أشبه بأحدٍ قذف حجرًا بالخطأ فأصاب كل جروحك المحشوة بقلبك.. تكورت حول نفسها وضمت ساقيها إلى صدرها ونطقت بسؤال يتيم لنفسها:
"أنتِ عايزة أيه يا عاليـة! ليه رجعتي مع مراد! وليـه تصرفات العيـال دي! أنتِ عمرك ما كنتِ كده، ومراد شخص ناضج لو اتحمل الهبل بتاعك ده يوم، مش هيتحمله التاني!"
ثم مسحت عبراتها المنكبة من عينيها:
"أنتِ اللي نمتِ في حضنه بإرادتك لانك كنتِ مرعوبة من الوحدة، ما صدقتي تلاقي حد يطبطب عليكِ، طيب بتلوميه ليـه، ما هي حاجة واحدة هتريحك، مراد بالنسبـة لك أيه! هل مجرد ونس لوحدتك ولا حاجة مهمة وكبريائك ناكر ده!"
نهضت من فراشها بتكاسل وتذكرت أحد المحاضرات الدينية التي حضرتها:
"«إِذَا بَاتَتِ المَرْأَةُ، هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا المَلَائِكَةُ حتَّى تُصْبِحَ»"
خفق قلبها خشية من غضب الله وهي تتفقد هيئتها بالمرآة:
"يا رب أنت عارف إني تايهة، ومش عارفة أنا عايزة أيه! أنا متأكدة أنه شخص كويس بس أنا خايفة، خايفة اسلم له قلبي اتوجع، يا ربي أنا مش حمل الذنب ده.. أنا اللي قررت أكمل يبقى اتحمل، مراد رجل وله عذره ومفيش راجل يتحمل المعاملة دي! ومش ده جزاته انه برأني قدام أهلي.."
تمددت يدها إلى رابطة شعرها وسحبتها ببطء حتى حررت خصلاتها المموجة ثم تحركت نحو الخزانة وأخرجت فستانًا قصيرًا للغاية وقالت مبررة:
"اتحملي نتيجة اختيارك يا عاليـة، حتى ولو مراد مش شخص كويس وطمعان فيـا، أنا كمان طمعانـة في سند ليا في الحياة دي، محتاجة ولد يملى فراغ حياتي، لازم اطلع من العلاقة دي كسبانة بدل ما اطلع منها وحيدة وارجع لمكان ما كنت."
بدلت ملابسها وهي ترتجف، ولكن ما تنتظره يستحق التضحية. جلست أمام التسريحة لتضع بعض مستحضرات التجميل وتخفي آثار البكاء وهي تمرر حمرة قلبها فداء طفلٍ تختلسه من بين أنياب الحياة. عندما انهت عملها أنارت هاتفها وحدثته بنبرة خائفة مرتعشة:
"مراد، أنت فين!"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نهال مصطفي
” رسائل لن تصل لـ صاحبها ”
حتى ولو جف حبر قلمي فلم يجف حُب قلبي، لن أعلن ظمأي لرؤياك لأن وجودك كان بالعمُـر مُجرد سراب، ولكن ذلك لا يمنع إعلان إلى أي درجة خذلتني.. لأنك كُنت سبيلي الوحيد للنجاة.. كُنت أذهب إليك كلما أردتُ العزلة، واتحدّث إليك عندما أود الصمت، وأحبك عندما لا أطيق الآخرين.. كُنت قمري المُستنير في ظُلمة أعوامي.. والآن بتُ أنا والنجوم نبحث عنك.
ماذا فعلت بـ ضي العُمر يا ليـل؟!
مصيبتي العظمى بالحيـاة أنني واجهتها بقلب سليـم ووجه واحد، بينما الجميـع يمتلك وجوه كثيرة ومتلونـة.
حل المساء وما زالت "عاليـة" تنتظر قدومه على مراجل من نار، كل ما بها يغلي كفقاقيـع المـاء، لم تُفارق المرآة وهي تتفقد زينتها، محو تفاصيلها الحزينة، تأليف مائة "سيناريو" لإظهار قبولها له كزوجًا حقيقيًا.
رمت الفرشاة من يدها متأففـة:
"أيه الجنـان ده يا عاليـة! فوقي لنفسـك، أنتِ أغلى من كده.. لالا مستحيـل الهبـل ده يتم، أنا لازم أغير هدومي بسرعـة، زمانه على وصول."
كادت أن تحطم جدران مخططها ولكنهـا تراجعت إثر كل الأحاسيس المتدفقة بقلبها، تقلصـات الاعتراض توسطت بطنهـا وهي تتذكر رحيق أول قُبلة من ذلك الشخص الذي كانت تخشاه، عطر الأمان المُعلق بظله، معه يخشى الخوف أن يقترب منها.
ارتمت نظراتها الى ذلك الفراش الذي شهد على قبلة طويلة لاذعـة فضت بقلبها حيرة من المشاعر، تناولت هاتفها وكلمته مرة ثانيـة، رد عليها وهو يقود سيارته:
"اتفضلي يا عاليـة."
ظهر الضياع بصوتها حتى استجمعت نفسها قائلة:
"أنا كُنت عايـزة اتكلم معاك في حاجة مهمة، وأنت قلت جاي ومجتش و.."
"أسف يا عالية، بس في مشكلة في فرع اسكندرية ولازم أحلها بنفسي، واضطريت اطلع على هناك، أنا حاليـا في الطريق."
أصدرت إيماءة خافتـة:
"تمـام، هتتأخر، قصدي هتقعد كام يوم..؟"
"يوم أو اتنين بالكتيـر، المهم أنتِ خلى بالك من نفسك، وانا هحاول أرجع على طول."
لقد تعوّدت على دفن جراحها العميقة، والسير لكل شيء بخطواتٍ ثابتة وكأن لا شيء يهتز بداخلها، ما عدا تلك المرة؛ باتت محاطة بالتشتت والضياع أكثر من أي وقت آخر وباتت تفتش الأركان على ظله حتى ولو كلفها الأمر عذريـة روحهـا التائهة.
فاقت من شرودها على صوت ندائه، فـ تمتمت:
"أنا كويسـة."
ثم انتفضت من مكانها قائلة بقلقٍ:
"البـاب بيخبط."
"طيب شوفي مين قبل ما تفتحي، وأنا معاكِ على التليفون."
ارتدت إسدال الصلاة بسـرعة وهو يتابعها عبر الهاتف، اقتربت من الباب ونظرت من العين السحرية ثم همست له عندما ابتعدت بخطوات عن الباب:
"واحدة ست، بس أول مرة أشوفها."
"خلاص متفتحيـش."
ترددت عالية وهي تقترب نحو الباب:
"يمكن غلطانة في الشقـة أو حاجة، أنا هفتح أشوفها خليـك معايـا كده."
فتحت عالية الباب ثم ارتسمت ابتسامة مجاملة:
"اتفضلي!"
سيدة في منتصف الثلاثين من العُمر، ترتدي بدلة أنيقة وشعرها كستنائي يغطى نصف وجهها، أزاحت خصـلة وراء أذنها وقالت بشكٍ:
"مش دي شقة الباشمهندس مراد؟"
تفقدتها عاليـة من رأسها للكاحل بعيون فاحصة وهي ترد بضيق:
"آه هي.. أنتِ مين بقا!"
"أنا المهندسة ريناد شكري، صديقته المُقربة وشريكته في مشروع التجمع الجديد.. أنتِ مين!"
تبدأ عذابات المرء عند أول دقة حُب للأشياء التي يملكها، أحست عاليـة بالاختناق المجهول ولكنها رسمت ابتسامة زائفة وقالت بنبرة حازمة:
"أنا المهندسة عاليـة، مراته."
لم تتغيـر ابتسامة ريناد بل اتسعت أكثر وقالت بلطفٍ:
"أيه مش هتقوليلي اتفضلي!"
فتحت البـاب أكثر وأشارت بكفها:
"لا ازاي اتفضلي طبعـا، ده حتى مراد معايا على التليفون تحبي تكلميـه!"
"أحب جدًا."
قالت "ريناد" جملتها وهي تتقدم بدقات كعب حذائها داخل الشقة، وضعت عالية الهاتف على آذانها وسألته:
"أنتَ تعرف المهندسة ريناد شُكري؟"
رحب مُراد مجرد سماعه للاسم وتحمس وقال بلهفـة:
"طبعًا أعرفها، دخليها بسرعة يا عاليـة وأدهاني اسلم عليها."
تبدلت ملامح عاليـة بامتعاض ثم مدت لها الهاتف وقالت بفتور:
"كلمي."
"شفت أنا أجدع منك أزاي! أيه يا هندسة كده غبت وقُلت عدولي!!"
ثم أطلقت ضحكة مرتفعة وهي تجلس على أقرب أريكة:
"أنا هشتكيك لمراتك، تشوف حل بقى.. متقلقش باين عليها حد لطيف وهناخد على بعض بسرعة."
تلك المرة لم تستطع عالية وصف حالتها ولكنه شعور أشبه بالجنون، أنتهت ريناد مكالمتها الوديـة مع مراد ثم ألتفتت إلى عالية وقالت:
"مُراد حكالك عني!"
رسمت ضحكة مزيفة وقالت متعمدة:
"خالص، قصدي لا، يعني محصلش وقالي أن عنده صحاب بنات وحلوين كده زيك."
تبسمت ريناد ثم قالت:
"ده طبع مراد، كلامه قُليـل، وفي مكانه لا بيزود ولا بينقص."
وضعت عالية ساق فوق الأخرى وهي تخفي لهب الغيرة وراء وجهها المتمدد و:
"ولا ده أنتِ تحكي لي بالتفصيـل بقى."
انتهى يوم مُهلك بالنسبـة للجميـع، مع حلول الساعة الحادي عشر، عاد عاصي إلى القصر بعد ما لبى كل متطلبـات بناته على الرحب والسعة، لم ينكر تلك الأحاسيس المتولدة من فطرته الأبوية نحو صغاره، خوفه الشديد عليهم، مُراقبتهم بعيونه التي لم تغفل، بالعالم النقي الذي انتقل إليه، عالم مُحاطة بالفراشات والضحكات ورائحة الورد وكل ما هو نقى.
اكتشافه لهوية حياة الجديدة، تلك الصغيرة الكبيرة المُعاندة معه، صاحبة الجمال الساحر والروح الخفيفة، صف أمام باب القصر حتى أسرع إليه الحارس ليفتح البـاب وما أن هبط من سيارته تابعته حياة ثم الفتيات.
شرع الحارس في حمل الحقائب من السيارة وفي تلك اللحظة نادت تالـيا على أبيها:
"بابـي."
توقف ثم دار إليها صامتًا حتى اقتربت منه ووقفت أمامه، أشارت له بكفها الطفولي كي يتدلى لمستواها وما أن لبى طلبها فوجئ بعناق قوي منها، تعلقت الصغيرة بعنقه ودفنت وجهها بكتفه وهي تخبره بحنـو:
"أنا بحبگ أوي، النهاردة كان أحلى يوم، أبقى أخرج معانا على طول."
للمـرة الأولى يضـم ابنته إلى صدره فتحولت كل صخور الجليد بـ قلبـه إلى سيول تروي كل أطراف جسده، انضمت داليـا إليهم بكفوفها الصغيرة ولكن سرعان ما سد فراغ الجهة الأخرى من صدره بضمها وتقبيلها وهي تعلن بمرح:
"وأنا كمـان بحبـك يا بابـي."
أنه لعمل بطولي أن تقوم باستعادة الحيـاة للمرء بعد أن ضل بين ثناياها، أن تحسسه بقيمـة ما لديه من نعمٍ حتى لا يتوه في خرائط النقـم.
أغرورقت عيني "حياة" ببريق الفرحة وهي تشاهد تلك العاطفة الجميلة التي غابت عنهم، حمل عاصي بناته ودخل القصر، اتبعت حيـاة خُطاه بارتياح حتى وقف بالقُرب من الجالسين حيث فوجئ بوجود خالتـه تقترب منه بفرح:
"جوز بنتي وأبو حفيدي اللي جاي، ألف ألف مبـروك يا عاصي يتربى في عزك يا حبيبي."
أنزل البنات برفق فـ انطلقن نحو حياة وتشبثن بكفوفها، راقبت "عبلة" الموقف بحقد وبغض حتى أكملت خِطة أختها:
"بكرة ينور ولي العهد اللي هينسيك الدنيـا كلها، ما أنت في الأخر مالكش غير مراتك وابنك."
كادت حياة أن تنصرف برفقة الفتيات ولكن أوقفها صوت عاصي الحاد:
"أنا مراتي واقفة ورايا مع بناتي.. غير كده بلاش نسبق الأحداث."
انزعجت جيهان من تلك النبرة التي يتحدث بها ولكن الغاية دومًا ما تبرر كل شيء، اقتربت منه وربتت على كتفه:
"وماله يا حبيبي، محدش أنكر ده، وبردو هدير مراتك واللي في بطنها ابنك، على فكرة هي مستنياك فوق عشان لو في حسابات ما بينكم تصفوها والميـه ترجع لمجاريها."
هنـا عزمت حياة على الرحيـل من تلقيحاتهم السخيفة، اقترب عاصي من عبلة وقال بحدة:
"أنا سايبك تعملي كل اللي عايزاه، بس مش هيحصل غير اللي عايزو وبس."
ألتوى ثغر عبلة بسخرية وهى تضرب كف على الأخر وتصيح:
"وخف دلع شوية للست هانـم، عشان شوية ومحدش هيعرف يكلمها."
"ممكن تشيليها من دماغك خالص! لأن اللي يزعلها كأنه زعلني بالظبط."
ثم ألقى نظرة ساخطة على خالته وأكمل:
"وكمان محدش هيقعد في بيتي غصب عني، بس مسألة وقت."
تلك الجملة الأخيرة التي أخرجها عاصي مُغلفـة بشرار عينيه التي كانت جميعهـا من نصيب جيهان التي اهتزت من مكانها، ولى ظهره منصـرفًا إلى غُرفته بخطوات ثابتة ولكن ذلك لا ينفى بركانه الثائر بجوفه، مالت جيهان على أختها هامسـة:
"ابنك مش ناوي يعديها على خير يا عبلة، والبت اللي معاه دي لازم نخلص منها قبل أي خطوة."
أجابتها عبلة بشرود في ضباب شرها:
"هو اللي ابتدى الحرب دي، نعدي بس الحفلة وكل واحد هياخد اللي يستحقه."
قد يحدث وأن ترفض كلَّ الكؤوس الممدودة إليك، وتبقى وفيًا لعطشك العنيد.
وصل عاصي إلى غرفته التي خبط بابهـا بقوة أسقطت فرشاة الرأس من يد "حياة" حتى هبت زعابيب غضبـه قائلًا:
"أنتِ بأي حق تكسري كلامي! أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تتصرفي من دماغك."
كادت أن تتحدث ولكن ثورته العارمة كانت أحر من أن تقف أمامها حتمًا ستحترق، تلك التنهيدة التي اندلعت من صدرها أوشكت أن تخنقها، اقترب منها ونهرها:
"يعني أيه أقولك لا على حاجة وترجعي تعمليها!"
"عشان مش شرط تبقى دايمًا أنت اللي صح، وأنا معملتش جريمة لده كله كـ…"
ضرب الخزانة بقبضـة يده بانفعال هزها وصرخ بوجهها:
"وهو في جريمة أكبر من أنك متنفذيش كلامي!"
ساد الصمت للحظات تعلق غضبه بوميض عينيها الثلجية حتى تحولت عواصف لنسيـم ورفع حاجبه متسائلًا:
"هااه.. ردي!"
رغـم هدوئها أمامه إلا أن داخلها يفيض حيرة حول هوية ذلك الرجل متقلب المزاج، غاصت في محاولة فك شفرته للتعامل معه ولكن كل مرة كانت تنتهي بالفشل.
قطمت شفتها السفليـة بتوتـر:
"تمـام، وأنا جاهزة لأي عقـاب، ما دام ده هيرضي غرورك يعني."
ما زال محتفظًا بمعالم وجهه المنكمشـة رغم ليونة كل دواخله وقال بنفس بنبرته الجافيـة:
"أسبوع كامل ممنوع تنزلي من الأوضة ولا تشوفي البنات.. والأكل هيوصل لحد عندك."
أعلنت تعابير وجهها الاعتراض على حكمـه:
"بس أنت كده مش بتعاقبني لوحدي! البنات أيه ذنبهم، أنت عارف همـا اتعلقوا بيـا أد أيه.. وبعدين أنا ممكن اتجنن لو فضلت محبوسة هنـا أسبوع بحاله."
ثم هبت من مكانها ووقفت أمامه بعد ما ارتدت درع العِنـاد:
"وبعدين أنا عملت أيه لكل ده! خرجنا وانبسطنـا حتى أنت كنت مبسوط، ودي كانت أول مرة أشوفك فيها شخص عادي زينـا."
رسى فكرة فوق شط جملتها الأخيرة:
"أومال الأول كُنتِ شيفاني أيه؟"
"ده مش موضوعنـا."
قالت ردها الأخير بعد إيماءة طويلة كأنها تبحث عن جوابٍ لا يزيد الأمر سوءًا، تراجعت خطوة للوراء وكأن بعينيها مغناطيسًا جذبه إليها خطوتين وهو يقول:
"في حل تاني، وأنتِ اللي هتختاري عقابك بنفسك."
"حل أيه؟!"
أشار بطرف عينيه إلى مرقده الفخـم، اتبعت نظراته لوهلة ثم عادت إليه بتشتت:
"مش فاهمـة.. يعني أيه!"
لانت نبرة صوته وارتاحت ملامحه الغاضبة وهو يحاورها بهمسٍ:
"يا أما تنامي على سريري لمـدة أسبوع."
أردفت بجزل طفولي:
"وأنتَ هتنـام على الكنبة!"
تبسم بمكـر:
"وده ينفع بردو!"
"أومال."
"هتنامي جمبـي، أو متشوفيش البنات لمدة أسبـوع.. فكري لحد ما أخد شاور، هسيبك تختاري عقابك بنفسك، وده أوبشن مش بديـه لأي حد!"
انصـرف من أمامها عندما انتهى من قول جُملته، تناول ملابسـه ثم اتجه نحو المرحاض وهو يدندن بلحنٍ ما لأحد الأغاني.
أخذت تقطم في أظافرها بغيـظٍ حتى قالت بتوعد:
"مش أنا اللي يتلوي دراعها يا عاصي بيـه."
وقفت عالية على أعتاب الشقـة تودع رينـاد التي جلست معها قرابة الساعتين قدرت بهـا أن تكسب القليـل من ثقتها، لوحت لها عاليـة متقبلة الأمر بعد ما قربت من شخصية ريناد وعملت أنها سيدة لطيفة وأن العلاقة بينها وبين مراد لاتتعدى حدود الصداقة:
"هستنى اتصالك."
تبسمت ريناد وهى تفتح باب المصعد وأردفت بخفة روح:
"أحنا خلاص بقينـا صحاب، وكل يوم هتلاقيني عندك."
بادلتهـا بابتسامة تدل على الرحب والسعة:
"تنوري، باي باي."
قفلت عالية الباب بعد مغادرتها ثم أخذت نفسًا طويلًا:
"البنت لطيفـة أهي، روقي يا عاليـة روقي وبلاش دماغك دي تسوحك."
في الأسفل؛ صعدت ريناد سيارتها وهى تجري مكالمتها التليفونية مع مراد الذي كان ينتظر اتصالها على نار، رد بلهفـة:
"أيوه يا دكتور."
ارتاحت ريناد بداخل سيارتها وهى تخبره:
"أنا اتكلمت معاها ودردشنا كده، متقلقش معرفتش حاجة واتعمدت مجبش سيرتك خالص، بس عاليـة جواها تشتت وتوهان فظيع يا مراد، وبجد كويس إنك فكرت في الطب النفسي لانها محتاجة ده أوي."
تنهد مراد بارتياح وهو يستنشق هواء بحر اسكندرية ثم قال:
"طيب لازمها أودية أو علاجات؟"
"لالا، عاليـة في المرحلة دي محتاجة بس تحس أنها محبوبة، في حد مهتم بيها، ثقتها في نفسها ترجع، وبعدين أنا أخدت بالي من حاجة."
خطى مراد خطوتين أمام البحر وقال باهتمـام:
"حاجة أيه."
"على حسب كلامك؛ أن علاقتكم بعيدة، مش زوج وزوجة، بس لما روحت لها لقيت عكس كده خالص."
مراد بتعجب:
"مش فاهم.. قصدك أيه يا دكتور!"
فكرت ريناد للحظات ثم قالت:
"مش هنسبق الأحداث، بعدين هفهمك المهم أنت خليـك بعيد اليومين دول، عايزة أتاكد من مشاعرها ناحيتك الأول عشان أقولك قرب أو أبعد."
شكرها مراد بامتنان وعلى وقتها وتقبلها لمساعدته بهذه الطريقة، لانها صاحبة الفضل عليـه في تجاوزه فترة مهمة في حياته فنشأت بينه وبين طبيبته النفسيـة علاقة طيبة بالإضافة إلا أنه ساهم في إنشاء مقر عيادتها العلاجية بأقل تكلفة فأرادت أن ترد له الجِميل، قفل مراد معها ثم زفر غاز حيرتها للبحـر وقال:
"أهم حاجة عندي تبقى كويسـة يا عاليـة، حتى ولو مقررة منكملش!"
ثم وضع كفه على قلبـه إثر تلك النغزة المفاجأة وتنهد بتشتتٍ:
"أنت حبيتهـا ولا أيه!"
خرج عاصي من المرحاض بعد ما أنهى حمامه وحلق ذقنـه القصير، وما أن خرج فوجئ ببناته يركضن إليـه، رفع عينيه بتخابث وقال بفتـور:
"مش المفروض ده وقت نوم!"
هزت تاليـا رأسها وقالت:
"بابي ممكن نذاكر معاكـم."
رفع حاجبه ممتعضًا:
"تذاكرو أيه ياحبيبتي؟!"
تقدمت داليـا ببراءة:
"مش حضرتك قلت أنطي حياة بتذاكر لك! أحنا كمان عايزين نذاكر معاكم!"
ربت على كتفها بغلٍ وهو يتوعد لحياة بنظراته الحارقـة:
"مش نفس المنهـج يا عسـل."
"يعني أيه يا بابي!"
ركضت حياة إليهم وتعمدت تحاشي نظراته الشرسة:
"مش مهـم، أحنا هنـام دلوقتـي، والصبح نذاكر سوا."
هلل الفتيات بفرحة وهن يركضن نحو الفراش، بينما عنه اصطاد فريسته من معصمها وشدها إليه متسائلًا بغيظ:
"مين جاب العيال دي هنـا!"
لم تظهر ملامح خوفها بل كانت تطالعه بانتصـار:
"ما قولولك جايين يذاكروا!"
ثم تنهدت بارتيـاح وأكملت:
"أنا عارفة أني معاقبـة ومحرومة من نومة الكنبـة، عشان كده أنا هنـام على السريـر وأنت نام على الكنبـة."
ما أن أنهت جملتها فرت من يده هاربـة كالفأر الخائف من قطه المتوحش واختبأت بالحمام ظنًا منها بأن ذلك سينجيها من براثينه الطائلة، هز رأسه بعِناد:
"لا عجبتني لعبـة القُط والفـار دي، بس على مين!"
"أنتَ ممكن تروح، وأنا هنـام هنـا!"
تلك الجملة التي أردفتها شمس لتـميم بعد قضاء يومًا مهلكًا بالمشفى، أعترضت ملامحه قبل لسانه وهو يقول:
"سيبك مني دلوقتي، هي عاملة أيه!"
جلست شمس بجواره على أحد المقاعد بممر المشفى وقالت:
"لسـه تعبانة وفي الرعاية، قالوا الصبح هتنزل أوضتها، بس الممرضات طمنوني وقالولي أنها بخير وده كله إجراء روتيني."
ربت على ركبتها بحنـو:
"يبقى اطمني قلقك ده مفيـش منه فايدة! تحبي نروح ونيجي الصبح."
تلهفت برفض قاطع:
"لأ، مش هقدر اسيبها لوحدها."
ثم ألقت نظرة إلى كريـم:
"خلي كريم يروح، باين عليـه التعب هو ملهوش ذنب."
أطرق بنبرة أحن من الحرير:
"كريـم لو تعبان كان روح، متفكريش في أي حاجة أنتِ بس."
هزت رأسها بخفوت ثم فزعت كالملدوغة:
"تميم بس أدويتك وو-"
"أهدي يا شمس، السواق راح وجاب لي الدوا، أنتِ اللي مصممة تقلقش نفسك.. يلا قومي نروح الأوضة عشان ترتاحي وتعرفي تقفي مع نوران بكرة."
لبت طلبه باستسلام بعد ما مسحت وجنتيها من إثر الدموع واصطحبته إلى الغرفة التي حجزها كريم، أقترب الأخير منهم وقال:
"تمـيم أنا هنزل أنام في العربية تحت لو احتجت أي حاجة كلمني."
تدخلت شمس بامتنان:
"تقدر تروح، كفاية تعبك معانا."
حدجها بلوم ثم قال لتمـيم بمزاح:
"أنت مفهم مراتك أننا ما نعرفش في الأصول ولا أيه!"
تبسم تميم كي يخفف من الضغط النفسي عليها وقال:
"قلت لك يا شمس أن كريم راجل وأدها، هي بس اللي مش عايزة تريح دماغها يا عم."
“هناك أمر لا تستطيع أن تجتازه بسهولة، هناك شعور لا يجديه التغاضي عنه، هناك عتاب طويل في صدرك كتمانه صعب و إفصاحه إهانة، هناك أشياء لا تبدو بتلك البساطة، شعور إني أمتلك عشرين يومًا من العُمر، هو نفسه شعور طفل حديث الولادة فتح عيناه فلم يجد سوى عيني أمه، يتعايش معها ويصنع الذاكريات والأيام دون التفتيش عن ذاته بالماضي، ماذا يفعل المرء عندما يُولد من رحم البحر على يدي صياد ماهر مثله!”
أخذت تمسح وجهها عدة مرات كي تفتت ذلك الجبل المنيع بين ذاكرتها والماضي، تفقدت ملامحها في المرآة وهى ترجع بالذاكرة عن أحداث اليوم الذي ولد بداخلها روح جديدة أحبت ذلك القدر الذي جمعها به، اقتحامه لخصوصيتها أثناء قياسها للفستان، تفقدت خيوط يدها التي لم يتركها طوال اليوم، رجلها التي خدعتها وكادت أن تهوى أرضًا ولكن جاءت يده إليها كطوق نجاة.
تبسمت عندمـا تذكرت تلك الصغيرة التي أصرت أن تلتقط لهم صورة معًا.. وهي تخاطب أباها أن يقترب أكثر! استغلاله للفرص التي كانت تجمعهما معًا، لأول مرة خفق قلبها وتمنت ألا يتحرك عقرب الأيام عن رائحة عطره.
زفرت باعتراض:
"أنتِ اتعلقتي بيه ولا أيه! ده مجرد يوم كان بيمثل فيه قدام بناته، ورجع تاني الشخص اللي معاه مفتاح سجنك، بطلي هبل واركني قلبك ده على جمب ده شخص ما يعرفش الحُب."
سحبت المنشفة وجففت وجهها من أثار قطرات المياه طردت جميع الأفكار الشيطانية بزفيرها القوي وقالت لنفسها:
"أنا تمام، أنا تمام، أجمدي كده."
خرجت بعد وقت طويل قضته بالداخل مرتدية ( بيجامة ) من الستان باللون الأخضر، تسمرت في منتصف الغرفة عندما وجدت الفتيات يسبحن في أعماق نومهم، وتدلت أنظارها نحو المرتبة التي تتوسط الغرفة وهو يقترب منها قائلًا:
"أنا قلت نسيب البنات على راحتهم وننام هنا!"
زمت شفتيها بامتعاض:
"هنا فين! على الأرض!"
"مش أريح من نومـة الكنبـة!"
ثم مال على آذانها هامسـا:
"متحاوليش تشغلي دماغك عليـا، لأن اللي في دماغي هو لازم يتنفذ!"
ثم تبسم بانتصار وأشار بعينه نحو المرتبة:
"قولتِ أيه!"
هزت رأسها بتقبـل:
"موافقـة."
تقبلها للأمر لم يكن للهزيمة، ولا لأنها فقدت قُدرتـها على المقاومة، ولكنها وقفت في ساحة المعركة تتساءل؛ عمـا أقاتل يا تـرى؟
سبقها عاصي ومدد جسده فوق المرتبة بعد ما تحرر من الروب الذي يرتديه، لـم يُخيفها الأمر مطلقـا بل سبق وعهدها أنه لا يقوم بفعلٍ لا تريده وهنـا رُج قلبها من مكانه حد الإنخلاع حتى تمسك به كي يهدأ، وأخذت تتساءل لِمَ هذا الصخب! اعتراض أم عتاب؟ ولت رأسها إليه فوجدته يتفحص هاتفه، أكملت طي شعرها ثم خطت تجاهه بخطوات بطيئة حتى رقدت بجواره مستسلمة.
ترك الهاتف من يده ثم امتد ذراعه كي يغلق النور الخافت، مدد كل منهما على ظهره وعيونهم تحملق في السقف بصمت لا يقطعه إلا صوت تنهيداتها العاليـة، ولت رأسها نحوه متعمدة خلق حديث جديد معه ولكنها لا تعرف السبب وراء ذلك:
"مرسي لأنك مبوظتش اليـوم، وشاركت في فرحة البنات."
ما زالت عيناه مُعلقة بالسقف، فأردف بهدوء:
"أنا النهاردة رجعت عاصي اللي بدور عليه من خمس سنين، تعرفي إني أول مرة أحضن فيها البنات كانت النهاردة!"
تقبلت جملته بدون أي معالم للدهشة بل سألته:
"طيب ليـه! على فكرة أنتَ اللي محتاج الحضن ده أكتر منهـم."
"معاكِ حق."
ثم صمت طويلًا حتى فتح أبواب قلبه على مصرعيـه:
"الموضوع ابتدى لما كُنت شاب مدلع بزيادة كل البنات بتجري وراه وهو مش بيحب يزعلهم، لحد ما قابلت مهـا، كانت ابن مدير أعمال شهاب دويدار، البنت كانت دماغها ذريـة، صاحبة فضل كبير أوي في مجد دويدار، عشت معاها أحلى عشر سنين، لحد ما جيه الوقت وقالت لي أنها عايزة تخلف."
تقلبت ” حياة “في نومتها بخفة وهى تولي وجهها إليه، أكمل عاصي حديثه:
"طبعًا فرحت، دي أحسن ست ممكن تبقى أم لولادي، وكانت الكارثة لما روحنـا للدكتورة وقالت لها أن موضوع الحمل خطر على حياتها، وتشيل الفكرة دي من دماغها خالص."
أردفت حيـاة باهتمام:
"وبعدين!"
"اتفقنـا أننا نقفل الموضوع، وننساه، بعد اربع شهور جات تقولي أنها حامل، وخبت عليـا عشان مش أجبرها تنزل الطفل، بعد مجادلات كتيـر اقنعتني وسافرنا بره وتابعت مع أكبر دكاترة، ونزلنا مصر وكنا متفقين هنرجع ترلد هناك، لكن ارادة ربنـا ولدت في آخر السابع، ومكنش في وقت للسفـر."
لأول مرة أعرف يعني أيه شعور العجز، بتسيب أيدي عشان تروح للموت.
صمت عاصي لدقيقتين حتى تفوهت حياة بفضول شديد:
"وبعدين!"
تنهد بارتياح ثم أتبع:
"عشت أصعب كام ساعة لحد ما الدكتور خرج وقال لي مبروك المدام والبنات كلهم بخير، وقتها زي اللي كان في سابع أرض وفجأة وصل لسابع سمـا، كنت ماشي في المستشفى زي المجنون، كنت اوزع فلوس على الممرضات ملهاش عدد، فضلت في حضني لحد بالليـل، غبت عنهـا بس أروح اشوف البنات رجعت عشان أفرحها قالولي المدام حصل لها نزيف ومعرفناش نسيطر عليـه، شد حيلك."
مهمـا قيـل من المواساة لم يعد كافيًا ووافيـا عن لحظة فقط أغلى شخص بالحيـاة، توقف لسـانه عن سرد الآلم وتوقف لسانها عن الخوض في تفاصيل أكثر، صمت استمر طويلًا حتى ظنت أن النوم خدر أوجاعـه.
أخذت تتأمله بفوضى المشاعر وهي تشد الغطاء فوق صدره العارٍ فألتقت أعينهم لدقيقة وقف بها الزمن، بررت موقفها:
"افتكرت انك نمـت!"
ثم عادت لمكانها وهى تتحسس قلبها الذي يخفق بشدة ولكن انفلت زمـام لسانهـا بسؤال آخر:
"طيب كل ده مش مبرر تنسى في بناتك! وتقضي كل ليلة في حضن واحدة تانية! اللي بيحب حد مش بيعرف يشـوف غيـره!"
"كنت بنتقـم منهـا في كل واحدة، مهـا مشيت بمزاجها، كان في ايدها تفضل وكنت هبقى مبسوط."
فكرت قبل أن تتفوه بردٍ يغير من رأيه:
"أنا ست زيها، وكلنا فينـا غريزة الأمومة، مهـا فكرت بواقعيـة، رضيت بنصيبها بس قررت أنها تسيب لك هدية حلوة، المفروض تحافظ عليها مش تهملها!"
هز رأسه متفقًا معهـا:
"مشكلة مهـا الواقعيـة، كانت واقعية بحتة، كل حاجة عندها محسوبة بالورقـة والقـلم."
ثم انقلب للجهة المُطلة إليها وقال بغزل صريح:
"عكسك تمـامًا، أنت ست جاية من الخيال… تعرفي!"
بللت حلقهـا الذي جف خاصة عندما تغلغلت أصابع يده الكبيرة بفرغات كفها الرقيق:
"أول ما بصيت في عيونك، شوفت البحر والسما والنجوم، شوفت عالـم اتمنيت إني أعيش فيه."
ولت رأسها نحوه وسألتـه بفضـول أنثوي:
"بس حُبك لمهـا يدل أنك شخص واقعي وبتميل للست الواقعيـة."
"والست الخياليـة الواقع بيجي قدامها ويخضع لهـا."
لا تعمل ما سبب القشعريرة التي دبت في جسدها بمجرد سماعها لتلك الجملة التي اختتمها بضمة قوية على كفها، فسألته بشفاه منتفضة:
"يعني أيـه!"
"يعني تصبحي على خير."
تعمد أن يغلق بوابات الحديث معهـا لأنه بمجرد ما غرق بضياء عيونها تناسى نفسه وعالمه الذي ينتمى إليه، والعهد الذي قعطه على نفسه، تاهت في ملامحه التي اتخذت وضع النوم وقالت بخفـوت:
"وأنت من أهله."
تسللت ” جيهـان ” إلى غُرفة ابنتها التي تحترق بالداخل، وما أن قفلت بابهـا قالت:
"أهو ده اللي أنتِ فالحة فيـه!"
انفجرت هديـر بوجهها:
"يعني أنتِ مش شايفة عمايله يا مامي! ده حتى مكلفش خاطره يجي يسأل عليا انا وابنه وجري ورا الهانم."
شوحت جيهان بيدهـا:
"وكمان ما شوفتيش الشيء والشوايات اللي جايبهملها، ولا الماركات! دي سيدة اتهدت من شيل الشنط."
زفرت هدير بغضب:
"يعني أنتِ جايه تفرسيني أكتر منـا هطق."
جلست جيهان بجوارها وقالت بخبث:
"لا، ومش جاية أندب حظي جمبك، بس اللي هيجنني ليـه البنات بيناموا معاهم فوق!"
التفتت هدير إليها بدهشة:
"نعم! ازاي!"
"طبعًا وانتي دريانة بحاجة! أنا حاسة كده انهم متخانقين وبيمثلوا، أو في لعبـة وأحنا لازم نفهمـا، أصل بالعقل لو روحه فيها زي ما باين لنا، البنات بيعملوا أيه في اوضتهم فوق!"
ثنت هدير ركبتها التي استندت بمرفقها عليـها وقالت بحيرة:
"غريبـة! ومن أمتى عاصي مهتـم ببناته كده!"
"الموضوع ده وراه لغز وانا لازم اعرفه، المهم دلوقتي فتحي ودانك عشان الحفلة دي يا هتكوني أنتِ الكل في الكُل، ياما هتفضلي تندبي حظك كده على."
هديـر بجهلٍ:
"تقصدي أيه! مش فاهمة."
"قصدي أن البت دي كفاياها أوي كده، ونهايتها قربت، تعالى أقولك تعمـلي أيه بالظبط."
الفصل التاسع والعشرون” الجزء الثاني من الفصل ”(29)“رسائل لن تصل لـ صاحبها ”
أعلم أن الرسائل التي بيننا لن تعود وأن الأغاني التي أدَمْنا سماعها ستصمُت، أن المساء لن يأتي بك مرة أُخرى، وأن غيابك إن كُنت حاضر قد تَعمق إلى غِياب الشعور، أعلم أن اللهفة في قلبك قد ماتت والمواعيد التي بيننا أُغتيلت، وأن كُل المُسميات العاطفية لم تعُد تليق..
ولكن ما السبيل لقلبي كي أقنعه بهذا الهراء؟!
“صباحــًا”
بات قلبه لا يهتـم بكون الأشياء عادية أو مُميزة، بقدر اهتمامه بكونها حقيقية، حقيقية فقط يستطيع المـرء لمسها دونأن ترتجف يداه قلقًا من تلاشيها، اقترب تمـيم من الأريكة التي غفت فوقها شمس وظل يتأملها بأعين حائرة، أيهما ستتبع يا ترى، دقات القلب أم مخاوف العقل!
كانت ملامحها هادئة كهدوء شروق شمس الشتاء، قرص مستدير خافت الضياء، يغارلها سُحب خصلات شعرها المُبعثرة، أخذ يتسائل في نفسه ما الدافع كي اتبع خُطاكي مهما استحالت! ما بملامحك كي تُغيـر خريطة أعوامي! لِمَ تلك السعادة التي كست قلبي بقُربك! لماذا افتعلت من الانتقام حجة كى أبرر لعنادي وجودك!
أطلق زفير حيرته بخفوت ثم تسائل:
"يا تـرى أيه اللغـز اللي بينك وبين عاصي يا شمس! حاسس إنك مُفتاح لصندوق أسرار عاصي.. بس مصيري هعرفـه!"
ثم تمنى في نفسه:
"يا رب تطلعي بعيـد عن كل شكوكي، والمرة الوحيدة اللي اتحرك فيهـا قلبي ما يكذبش!"
صوت طرق خافت على الباب قطع حبال فكره ممـا جعله يربت على ذراعها برفقٍ كي تنهض، ما أن فتحت جفونها وجدته يقول:
"أسف صحيتك، بس ده كريم جايب الفطار، وشعرك مش متغطى."
شرعت تلملم في شعرها المبعثر بسرعة ثم غطته بحجابها وفي تلك اللحظة التي أنهت فيها، سمح تمـيم له بالدخول، تقدم إليهم حاملًا حقائب الطعام وقال بفرحة:
"نوران خرجت من الرعايـة، ونزلوها أوضـة تانيـة، أفطري بقا عشان نروح نشوفها."
تلهفت شمس لرؤية أختها:
"أنا هروح اطمن عليـها."
وقف كريم أمامها بمزاحٍ:
"يا ستي أهدي! أنتِ محدش يعرف يتكلم معاكي كلمتين! عموما هي لسه نايمـة، ساعة كده وقالوا هتبدأ تفوق."
مسك تميـم كفها وقال:
"شمس استريحي ممكن! زي ما قالك كريـم كُلي الأول وهنروح نشوفهـا كُلنـا.. يالا أقعدي."
تفتحت عيون عاصي في تمام الساعة التـاسعة على بستان يضـم أندر الزهور، رائحـتها تفوح بالمكـان مما سرب وميض البهجة لصدره، تحرشت أنامله بأطراف شعرها الذي ينتشر على الوسادة وأصاب برغبـة عارمـة للمسها، ملامحها النائمـة من فرط رقتها تنضـح نورًا، أخذ يتفحص تفاصيلها للحد الذي أقـر فيه بأن كل النساء التي مرت عليـه كانت جحيمـًا مقارنة بجنتك!
تحركت غرائزه الأداميـة كي يقطف زهور بستـان ولكن تراجعت يده في أخر لحظة وهو يلعن ذلك الحظ في سره:
"أنا أيه اللي عملتـه في نفسي ده!"
غادر خائفًا من مواجهة عيونها في تلك اللحظة بالأخص ثم وثب قائمـا بحرص كي لا يزعجهـا وتمتم لنفسـه:
"أنا كده بعاقب مين فينـا؟"
ما وصل إلى المرحاض حتى واجه ملامحها بالمـرآة وقال بصوت خفيض:
"البنت دي وجودها خطر، وأنا لازم أشوف حل، بس دي أي حل ينفع معاها! قدام عيونها بتحول ببقى واحد أنا بكتشفه من أول وجديد معاها."
أحست حياة بفراغ المكان بجوارها وما أن فتحت جفونها تأكدت، برزت بحيرة عينيها وهي تتذاكر تفاصيل أمس، ومن أين حلت بها الجراءة كي توافق على الخلود بجواره، ضمت الوسادة إلى صدرها الخافق بشدة وقالت بلوم:
"الاستهبال اللي أنا فيـه ده ما ينفعش، حاسـة إني مش عارفـة أسيطر على قلبي، وده في حد ذاته مصيبـة!"
لم تجد فائدة من الاستلقاء، فنهضت متأففـة:
"أنا لازم اتجنبـه، ويبقى كلامي معـاه بحدود، لأن حالي ده ماينفعش."
ألقت نظرة للوراء كي تشاهد بناته، فـ تبسمت برتياح وقالت:
"أنتوا الحـل لحد ما أسيب البيت ده وأمشي، أنتوا اللي هتحموني من قلبي ومن أبوكم اللي مش ناوي يجيبهـا لبـر."
خرج عاصي من الحمـام، فوجدها جالسة وتضم ركبتيها إلى صدرها وشعرها يغطي ظهرها بالكامل، حدق بتلك اللوحة الفنية التي وقعت عيناه عليها وقال بصوت خفيض:
"صبـاح الخير."
تبسمت بهدوء وردت:
"صبـاح الخير."
شرع في ارتداء بدلتـه السوداء وقميصه الأسود تحت أنظارها الفاحصة التي لم تغمض للحظة وهي تراقب أدق تفاصيله، ما أن لف حزامه الجلدي نظر إليهـا:
"نمتي كويس!"
"أمبارح كان صعب بصـراحة، نمت محستش بحاجة."
تفقد هيئته بالمرآة ثم قال:
"ارتاحي النهاردة."
قفزت من مكانها ثم اقتربت منه وقالت بصوتٍ منخفض:
"أنا فكرت في موضوع الشغل معاك وكده، ولقيت أنها فرصـة كويـسة."
لوهلة تبخرت جميع قراراتها، وتعمدت فتح موضوعًا من أول فكرة قفزت برأسها، من أين ستتجنبه ومن أين قررت أن تشتغل معه! تعمد تصديـر الوجه الخشب وقال بحزم:
"عظيم! قرار سليـم."
تحمست أكثـر:
"بجـد، طيب أمتى."
ارتدى ساعته المعدنيـة وقال:
"لمـا تخلصي السبع أيام عقـاب."
"أنتَ مصدق نفسك ولا أيه!"
هرب اللفظ من بين شفتيه بدون وعي مما جعله يرفع حاجبه مندهشـا:
"نعـم!"
حاولت تبرر موقفها فزادت من الأمر سوءًا:
"مش أنتَ بردو نفس الشخص اللي كان بالليل!"
لعب على أوتار قلقـها:
"هو حصل أيه بالليل، عشان أنا مش فاكر حاجة؟"
"هاه..! لا محصلش، أنا هروح أغسل وشي."
من كثرة اضطرابها هربت من أمامه كي لا تهذي بالمزيد من العبث، التوى شدقه بابتسامة خفيفة ختمها بزفيـر قوي:
"واضح أنها مش ناويـة تجيبهـا لبـر."
” في الطابق السفلي ”
تجلس عبلة برفقة ” سوزان ” يرتشفان قهوتهم الصباحيـة، فـ أردفت سوزان بسخطٍ:
"يعني حتـة بنت زي دي عبلة هانم المحلاوي مش عارفة تخلص منهـا!"
زفرت عبلة باختناق:
"بيحبهـا يا ستي، وواضح أنها ماليـة دماغه!"
"طيب وأنتِ ناوية تعملي أيه!"
هزت عبلة ساقها بتوتر:
"هصبـر لحد ما يزهق منها، ولو مزهقش يبقى هو اللي حفر قبـرها بأيديه."
فكرت سوزان للحظة ثم قالت بتفاخر:
"واللي يخلصك منهـا من غيـر نقطة دم واحدة!"
تلهفت عبلة لجملتها:
"بجد عندك حل! قولي لي أزاي!"
تبسم ثغر الحيـة وهي تقول:
"يوم حفلة عيـد ميلادك هناكل التورتـه على روح المرحومـة."
تشتت تفكيـر عبلة:
"بردو مش فاهمـة، أنت بتفكري في أيه!"
"هقــولك، وعدي الجمايـل."
تقف ” حياة ” أمام رُكن القهـوة تصنع فنجانين بناء على طلبه، أحضرت كأسه وجلست بجواره ترتشف قهوتها تراقب انغماسه في العمـل وتفحص الملفـات حتى فتح رسـالة ” آندور ”، نادى عليـها بتلقائية:
"حيـاه!"
"ليـه مصمم تناديني بالاسـم ده، حتى بعد ما عرفت إني رسيـل."
تناول فنجانه لكي يكتسب وقتًا أطول ليُفكر في إجابه مناسبة لسؤالها الذي لم يخطر بباله من قبل، وبعدما أنهى فنجانه قال بثباتٍ:
"عشان أنا عرفتك و أنتِ حياة، مش رسيـل."
"هتفرق يعني!"
مط شفتيه بشكٍ بعد ما قفز الرد برأس ” رُبمـا رسيـل لما تجذبني إليهـا كمـا فعلت حيـاة ”، هنـا طرقت سيدة البـاب بخفة حتى أذن إليها بالدخول، ألقت التحية ثم وضعت مائدة الإفطار وقالت:
"سوزان هانم تحت مع ست عبلة، وعايزة تسلم على معاليك."
هز رأسه:
"شوية ونازل يا سيدة."
تأهبت للذهاب ولكنه أوقفها متسائلًا:
"تميـم صحى!"
"سي تميم من امبارح في المستشفى، أخت الدكتورة شمس تعبت فجاة، ومن امبارح مفيش لا حس ولا خبـر."
انتفض عاصي من مكانه وهو يتأكد مما سمعه:
"تعبت ازاى يا سيدة! ايه اللي حصل."
تعجبت سيدة وحياة لفزعه الغامض الذي أخفاه بسـرعة وهو يفرغه بقبضـة يده القوية التي برزت عروق، ارتبكت سيدة وهي تقول بثرثرة:
"علمي علمك يا بيه، بس سي كريم معاهم هناك وهو الاخر مظهرش، ده يا حبة عيني شال البنت الصغيرة على قلبه وطار بيها على المستشفى، وأهو ربنا يقف معاهم ويجيب العواقب سليمـة."
كظم غضبـه وقال بضجر:
"طيب امشي انت يا سيدة."
نهضت حياة من مكانها ووقفت أمامه بدهشـة:
"مالك اتخضيت كده! ان شاء الله حاجة بسيطة وهتبقى كويسة."
يسهب بـ الكلمات ليغطي فجوة في أسراره، هز رأسه متقبلًا الأمر خاصة بعد مواساتها ثم تعمد إخفاء الأمر عنها وطلب منها:
"البسي عشان تنزلي معايا تحت!"
"ليـه."
"من غير ليـه."
بشكل ما، ظلت ملامح الصخب على وجهه.. تجاوزت حياة الموقف وهزت رأسها بالموافقة ثم فتشت بأحد الحقائب واخرجت فستانًا بسيطًا باللون الأبيض وتحركت ناحية الحمام امتثالا لأوامره الغامضـة، جلس عاصي على الأريكة يضرب كف على الأخر حتى فاض به الحال وهاتف كريم على الفور الذي طمئنه وأخبره أن الجميع بخير، بعدها عاد إلى رشده وهدوئه وألقى نظرة سريـعة على ساعة يده، نهضت تاليـا في ذلك الوقت بتكاسل وما أن وقعت عينيها على أبيها تبسمت بإشراقة، فارقت فراشهـا وركضت إليـه بلهفة مرتميه بحضنه بعد ما قالت له:
"Good morning papi."
كان الأمر أشبه بضماد لجميـع جروحه وترميـم روحه التي لا تدرك معنى السكن طويلًا، وظل يبحث عنه في جميع النساء ولكن لا يعلم أن بين ذراعي تلك الصغيرة حياة قلبه، حملها لتجلس على ساقه وهو يداعب خصلات شعرها حتى سألته:
"حضرتك هتروح الشغل في الويك آند!"
"للأسف بابي معندوش ويك آند."
وضعت سبابتها على شدقها مفكرة حتى قالت بفضول:
"بابي، أقولك سـر."
"طبعـا قولي."
تمتمت بنبرتها الطفولية وكلماتها المتقطعة والناقصة:
"أنطي حياة قالت لنـا أن حضرتك مش هتعرف تنام من غيرنا، عشان بنوحشك، وكمان هتودينا الملاهي تاني لو وافقنا ننام معاكم."
ثم عدت الصغيرة على كفيها وأشارت له برقم سبعة:
"7 days"
رفع حاجبه بتخابث:
"7 days!!!!!"
ثم غمغم بمكـر:
"أنطي حياة هتشوف مني 7 دايز مش هتنساهم في حياتها."
فجهـر بصوته:
"تيجي نفطـر سوا."
أومأت رأسها بالإيجاب حيث شرعت في تناول وجبة الإفطار معه بسعادة وهي تتعمد صنع بعض اللقيمات وتضعها بحب في فمـه، خرجت حياة آنذاك رافعة شعرها على هيئة ذيل حصان، وفستانها الذي يجعلها كفراشـة بيضاء، قَبل عاصي ابنته ثم حملها برفق كي يجلسها على الأريكـة بجواره:
"بابي مضطر يمشي بقى، افطري كويس."
أومأت الصغيرة رأسها بالموافقة، وثب قائمـًا بعد ما أخذ هاتفـه ومفاتيحه وأمسك بيدهـا بغتة وسحبها خلفه، عارضته بصوت حذرٍ:
"أيه المعاملة دي! موديني فين طيب!!"
"هتفهمي دلوقتِ."
نزل الثنائي إلى الطابق السفلي، حيث تعمد عاصي أن يُظهر حياة أمـام سوزان كي يتخلص من ألاعيب تلك المـرأة، وصل إلى مجلسهم برفقة حياة وقال باتزان:
"منورة يا سوزان هانـم."
نهضت سوزان بلهفـة عندما رأته، واقتربت منه بخُطى متمايل وهي تتفقد تلك الفراشة التي تقف بمحاذاته وقالت بسخط:
"مش صغيـرة عليك دي يا باشـا؟!"
ضم حياة من خصرها إليه ونظر إلى سوزان بخبث:
"بالعكس، دي على مقاس قلبي بالظبوط!"
اشتعلت النيـران بصدر سوزان العاشقـة له والتي لم تكف عن ركضها الدائم خلفه، بصعوبـة رسمت ابتسامة مزيفـة على وجهها، فهمت حياة الملعـوب والرسالة التي أراد عاصي أن يوصلها لتلك المرأة الغامضة صاحبـة النظرات الخبيثة، تمتمت سوزان بحقد:
"خلينـا نشوفك، بلاش الغيـبة دي."
اكتفى بهز رأسه دون الهمس ببنت شفة، بل تعمد ضم حياة إلى صدره مع دفن وجهه بجدار عنقـها طابعًا قُبلة حنونة ثم همس لها مداعبًا:
"فاكـرة بتاعت النادي! أهو دي مكان دي."
تركها في غياهب الدهشـة من فعله المفاجئ الذي دب نوع غامض من الأحاسيس بجسدها، بلعت ريقها حتى برزت عروق عنقها وهى تحت تأثير مُخدر ما فعله، فـكيف يمكن للإنسان أن يهرب من بركان مشتعل في صدره، تحمحم عاصي بفظاظة ثم مسح على رأسها وقال بحنـو:
"ممكن تخلي بالك من نفسگ، وأنا مش هتأخر عليكِ."
تاهت في خيوط تلك النبرة الحنونة الزائفـة، والنظرات المصطنعة التي تسربت لـ صميم فؤادها، فـما يمكن أن يفعله بقلبها هذا الإحساس إن كان صادقـًا؟ فما هو مذاقه يا ترى، اكتفت حياة بهزر رأسها بهدوء فاقدة النطق في حضرته، تدخلت عبلة بينهم عندما لاحظت غضب سوزان:
"جرى أيه يا عاصي، الحاجات دي فوق مش هنـا."
لأول مرة تراه يضحك بصوت مسموع وقال:
"الحاجات دي ملهاش لا مكان ولا زمان يا عبلة هانم، عمومًا هسيبكم أنا تقضوا وقتكم، بعد أذنكم."
بعد أن اشعل النيران بصدر سوزان، انصرف وترك حياة بمفردها في مهب ريح لعبـة لا تدرك عنها شيئًا، ما أن رحل من المكان وجهت أنظارها إلى تلك البنادق القناصة التي صوبت من أعينهم نحوها، انتفض جسدها وقالت بارتباك:
"أنا همشي، البنات.. قصدي هروح اطمن عليهم."
فرت حياة من شـر نظراتهم وما أن أكلت خطاوي السُلم ركضًا انفجرت سوزان بوجه عبلة:
"شايفة عمايله! ده لو قاصد يفرسني ما هيعمل كده، عبلة البنت دي لو ممشتش من هنـا أنا اللي هزعل ابنك وهزعله بزيادة، بقا أنا يرفضني مرتين وفي الأخر يختار العيلة الملونة دي!"
"روقي دمك وكله هيتحل، تيجي نروح النادي نغيـر جو!"
لقد حل وقت الظهيـرة وعادت نوران إلى وعيها وباتت بصحة أفضل، تجلس شمس بجوارها وتضمها إلى صدرها وهي تكرر اسئلتها بلهفـة:
"حاسة بحاجة، في حاجة وجعاكي طيب!"
أردفت نوران بخفوت:
"أنا كويسـة يا شمس، متقلقيش."
تدخل تمـيم في حوارهم مُتسائلًا:
"ايـه اللي حصل يا نوران، اكلتي أيه عمل فيكي كده!"
حدقت النظر بكريـم ثم قالت بجفاء:
"مش عارفة، أنا بعد ما فطرت محستش بنفسي من الوجع."
"مين جاب لك الفطار!"
ظهرت على كريم معالم التوتر وبعد ما ارسلت له نظرات الاتهام قالت:
"واحدة من الشغالين."
تدخلت شمس مبررة:
"عشان لما احذرك من أكل اللانشون وأنتِ مصممة تاكلي منه، أدي النتيجة."
تميم بحكمة:
"خلاص يا شمس، مش وقته الكلام ده، المهم أنها بخير."
لم يتحمل كريم نظرات الاتهام القاسية من أعين نوران، تحجج للهروب منها قائلًا:
"أنا هروح أشوف الدكتور المفروض تخرج أمتى."
” في النادي ”
تجلس سوزان بجانب عبلة يكملان الحديث نحو طهي وجبة الشر الدسمة التي أعدوا تفاصيلها بحكمـة، وفي تلك اللحظة ضاءت شاشـة هاتفها باتصال خاص بالعمل، أطرقت مستأذنة:
"سوري يا عبلة، هنكمل كلامنا على التليفون، في اجتماع مهم كنت نسيته، أووف الله يسامح البيه ابنك مخلاش فيـا عقل."
تبسمـت عبلة بتفاخر:
"متزعليش نفسك، زي ما قولت لك مسألة وقت."
"أهم حاجة يا عبلة، تخلصي من الحمل بتاع بنت أختك، عشان الجولة كلها تتلعب لحسـابي بس."
هزت عبلة رأسهـا:
"متقلقيش، كله هيتحل وهيمشي زي ما اتفقنا."
"بالحـق، هي عاليـة أخبارها أيه، البنت دي بتوحشني دايمـا معرفش ليه!"
رُج كوب العصيـر من يدها إثر حالة الارتباك التي أصابتها وقالت بشكٍ:
"اشمعنا عاليـة!"
"عادي يا عبلة مالك اتوترتي كده ليـه!"
"هااه لا أبدا، قصدي أقولك أنها مستقرة مع جوزها ومبسوطة جدًا."
"لازم أشوفها في عيد الميلاد، بحب اتكلم معاها أوي."
"آكيد.. آكيد يا حبيبتي.. يلا أنتِ عشان ما تتأخريش على الاجتماع بتاعك."
لملمت سوزان أشيائها ثم ارتدت نظارتها الشمسية وانصرفت، تنهدت عبلة بضجـر:
"مالك يا عبلة! أهدي كده محصلش حاجة لكل ده."
قطع حبـل تفكيـر صوت رجولي يقف أمام الطاولة التي تجلس عليها مما حجز عنها أشعة الشمس وقال بثقـة:
"مكنتش أعرف إني هتعب كده لحد ما أوصل لك!!"
طالعته عبلة بغرابة:
"نعم! أنت تعرفني؟"
شد المقعد وجلس مقابلها وهو يخلع نظارته الشمسية عرف نفسه:
"فريـد المصري، حوت البحر الأحمـر."
” مساءً ”
مرت ساعات اليوم على قلب عاليـة ببطء شديد وملل حتى باتت تتنقل من الشرفة للغرفـة تبحث عن شيء لا تجرؤ أن تعترف عنه لنفسها، تعمـد مُراد ألا يُهاتفها طول اليوم كي تتخذ قرارها الصائب بدون أي ضغط أو تأثير خارجي منه، في الوقت التي كانت تنتظر اتصاله على أحر من الجمر، عند سماعها صوت رنين الهاتف اندفعت إليه كمجنونة، حتى ردت بلهفـة:
"مُراد!"
ساد الصمت للحظة حتى أتاها صوت ريناد قائلة:
"هو مراد لسه مرجعش من اسكندرية!"
شبهت على نبرة الصوت حتى قالت بشك:
"المهندسة ريناد!"
ضحكت ريناد بهدوء ثم قالت:
"عشان أنا بس اللي أخدت نمرتك امبارح، وأنت لا، قلت أكلمك تسجيلها."
"تمـام، هسجلها حالًا."
تعمدت ريناد أن تحاورها في تفاصيل علاقتها بمراد حتى قالت:
"أنتِ ليه مسافرتيش مع مراد!"
ترددت عاليـة في الجواب حتى قالت بتوجس:
"عادي سفريته جات فجأة ووتحمست ريناد في اقتراحها خاصـة بعد ما سمعت لهفتها عليـه في أول المكالمة وقالت:
"طيب ما تروحي له، وتعملي له مفاجأة حلوة وغيري جو في اسكندرية!"
"نعم! أروح له.. لا ماينفعش."
كان رد عاليـة اندفاعي وبدون تفكير، فـ استغلت ذلك رينـاد وقالت بلؤمٍ:
"ماينفعش ليـه يا عاليـة؟!"
"أصل، يعني علاقتنا لسه في البداية ومش متظبطة وو، هو آكيد هيخلص شغله ويرجع، بس اللي مزعلني أنه مفكرش حتى يطمن عليـا! معقولة مشغول للدرجة دي."
كانت كلماتها ترتجف قبل أن تخرج، كل كلمة تائهة وعشوائية، كانت تفصل بين كل جملة والأخرى بلحظات صمت تقطم فيها أظافرها، تفهمت ريناد بحكم خبرتها تلك الحالة التي وصلت إليها عاليـة، والضياع والتشتت المبطن بنبرتها، كتبت ريناد عدة ملاحظات أمامها ثم أردفت:
"فكري، على الأقل تشمي هوا البحر، وتغيري جو."
"ليـه يا أنطي، الـ snake بيخسرنـا الجيـم!"
تجلس حياة بصحبـة الفتيات فوق الفراش وهن يلعبن لعبـة السُلم والثعبـان، فأردفت داليـا جُملتهـا الأخيرة عندما حُكم عليها بالهبوط لمستوى أقل، فكرت حيـاة في سؤالها قبل أن تُجيب ثم قالت:
"علشـان زي ما السُلم بيكسبنا، لازم يبقى في حاجة بتحاربنا طول الوقت، لأن هي دي الحيـاة! مش في اللعب وبس."
"بس هو شكله جمـيل، وألوانه حلوة.. ليـه يبقى evil!"
مسحت حيـاة على جدائل شعرها وقالت:
"وده يعلمنـا إننا ما نحكمش على الشخص من مظهره، يعني مش عشان الثعبان لون جميـل يبقى لازم يكون كويس!"
تبادل الفتيات النظرات لبعضهن البعض، حتى تفوهت تالـيا ببراءة:
"يعني أيه!"
امتدت نظرات حياة إليه، هو الذي تعمد أن يفارق غرفة مكتبه ويحتج بإتمام عمله بغرفة نومـه، يجلس على الأريكة ورغم تكدس مهامه إلا أنه يتبع الحوار الدائر بينهم بعناية، تحمحمت حياة بخفوت ثم وضحت جملتها بصيغـة أسهل:
"يعني منحكمش على حد غير لمـا نعاشره، ونفهمـه، ماينفعش نقول ده كويس وده شرير من شكله."
ثم أسهبت في الحديث عنه متناسية نفسها عندما تذكرت عطر قُبلته الصباحيـة المفاجأة وقالت بشرود:
"ممكن شخص نشوفه نتخض ونتخدع في الوش اللي مصدره طول الوقت، بس لما نقرب من الشخص ده هنعرف أد أيه هو حنين وجواه طاقـة حُب هو نفسه مش عارفها."
"زي بابي كده!"
ببراءة طفلة تفوهت تالـيا بتلك الجملة الصغيرة التي تردى صداها بصدر حيـاة، ففاقت من شرودها وقالت باضطراب:
"هاه! ومال بابي بينـا، أحنا بندردش بنات سوا… على فكرة الوقت اتأخر جامد، وأنتوا لازم تناموا."
لملمت حياة اللعبـة بعجل وغطتهن برفق ثم طبعت قبلة رقيقة فوق رؤوسهن وقالت بهمس:
"good night."
بمجرد ما أنهت مهمتها تلاقت أعينهم للحظات أربكتها، فهرولت نحو المرحاض كي تتوارى من عينيه الفاصحة، قفل عاصي جهاز الحاسوب ثم خرج من الغُرفة ليُجري مكالمـة هاتفيـة، فـ عندمـا خرجت حياة من الحمام وجدت الغـرفة خاليـة من طيف وجوده المُربك، تنفست بارتياح ثم نزعت ” روبها ” القصير مكتفية بـ ” التوب ” ذى حمالات رفيعة وبنطال واسع من الستان، تحركت نحو الأريكة لتنـام ولكنها تذكرت عقابها، فتراجعت وفرشت تلك المرتبة بالأرض مرة أخرى ومددت فوقها.
كأنها وصلت للنقطة التي لا تُريد بها أي شيء ألا الهدوء، أسهبت التفكيـر به، وبشخصه الحنون الذي رأته ليلة أمس، وهو نفسه ذلك الشخص صاحب تلك النبـرة الجافـة والوجه الصلد، وضعت كفها على قلبـها وتنفست بعمق متسائلة:
"لماذا يزاولني طيفك لهذا الحـد!"
ولكن فجأة دق ناقوس التغيـر بفكرهـا لينذر قلبها بـ أنَّ هذا الأمر يجب أن يتوقف لأنه لا يليق به، قفلت جفونها لحسم تلك المعركة الدائرة داخلهـا وتركت نفسها للنوم ظنًا منها بأنه سلاح نصرها لتقتل هذه الأفكار.
مرت قرابة السـاعة حتى عاد عاصي إلى غُرفته، شيء ما بقلبه جذبه كي يتأكد من دفء صغاره مع طبع قبلة حنونة على كف داليا الصغير، وقبلة رقيقة مثلها على جبهة تاليـا، ثم تقدم نحو تلك الحوريـة النائمة بارتياح تتوسط المرتبة، تصلب مكانه وهو يتأمل تفاصيلهـا حتى جلس على الطرف يتأمل كل إنش بها فشل الغطاء أن يُخفيه.
قيل أحد الحكماء من قبـل-“الحبيبُ الأول ليس أول شخصٍ تُعطيه قلبكَ ولكنه أول شخصٍ لا تستطيعُ أن تستردَّ قلبكَ منه .. الحبيبُ الأول ليس أول شخصٍ يصلُ إليكَ ، ولكنه الشخص الذي لا يسبقه أحدٌ في قلبكَوإن وصلَ الآخرون قبله ”
تحرش ذلك الحوت المطبوع على كتفها بقلبه، فأغراه كي يتحسسه، ويتحسس حرارة جسدها مقارنة بتلك الثورة المشتعلة بجوفه، أخذت أنامله تتنقل بحرية حتى وصل إلى أنفاسها رائحة عطره فـ تحركت جفونها دون أي حركة أخرى بجسدها الذي استسلم إليه كُليـا، قفلت جفونها مرة أخرى كي تعيش معـه ذلك الحُلم اللطيف، سرحت أنامله إلي جدائل شعـرها وهو يهمـس باسمها:
"حيـاه …!"
تململت في فراشهـا بدلال قطة شقية مفتعلة وضع النوم وأصدرت إيماءة خافتـة، مما جعله ينادي باسمها مرة أخرى فـلبت النداء هذه المرة وفتحت جفونها على نجوم عينيه اللمعـة بنور اللهفة وقالت بنبرة مبطنـة بالنوم:
"نعـم!"
توقف على الحديث ولكن لم تكف يده عن مداعبة خصلات شعرها حتى تدلت تدريجيـاً الى رسمتها التي تصيبه بلعنة الغيرة والإغراء فمال أكثر نحوها حتى عاد لرُشده قائلًا:
"اتغطي كويس."
ثم تحمحم بصوت عالٍ وتحرك لينام في مكانه المعتاد بجوارها، ما ارتكبـه في حق مشاعرها جريمـة لا تُغفر كن أن عود كبريت مشتعل في حقل بترولها المضطرب وفجأة أخمده بثلج الندم كي لا يحترق بحقلها أكثر، أما عنه قرر ألا يساوم بكرامته من أجل مشاعره التي رُفضت لأكثر من مرة، قرر أن يفقد شيئًا من قلبـه أهون من بعثرة كبريائه لأجل لحظات لا يعرف عما ستنتهي!
ساد الصمت بينهم طويلًا حتى استعادة نفسها وسيطرت على قلبها المائل لقُربه دومًا وقالت بنبرة خفيضة:
"كُنت قاعد كده ليـه!"
"عادي، كُنت بطمن على الحوت، أشوفه لو عطشان ولا حاجة!"
نظرت له فجأة محاولة استيعاب كلماته مقارنـة بهذه الجدية التي يتحدث بها:
"شايفني عيلة صغيرة بتكلمها بالطريقـة دي!"
"أي طريقـة بس؟! أنا عملت أي لكُل ده!"
تنهدت بنفاذ صبـر من اسلوبه الثلجي:
"خلينـا متفقين أنا نايمة هنا بس كنوع من العقاب اللي فرضته عليـا، مش عشان حضرتك تستغل ده!"
تقلب على جنبه حتى بات مُقابلًا لوجهها وقال:
"وأنا استغليت عملت أيه بس!"
"شوف نفسك بقا عملت أيه الصُبح ودلوقتِ!"
رفع حاجبه بتخابث:
"معنى كده إنك كنتِ صاحية! وعارفة عملت أيه؟"
توترت واحمرت وجنتها وردت بقلق:
"لا كنت نايمـه وصحيت يعني، أنت صحيتني؟"
هز رأسه بعدم تصديق ثم غيـر مجرى الحوار بينهم وقال بهمسٍ:
"المهم، جهزتي هتلبسي أيه للحفله!"
"حفلة أيه؟! ومين قالك إني هنزل الحفلة دي من أصلو؟"
"لازم تنزل، عشان ناوي أقدمك للناس كلها على أنك مراتي."
تأرجحت عيونها بتوتر:
"بس أنا مش مراتك..
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثلاثون 30 - بقلم نهال مصطفي
“رسائل وصلت لـ صاحبها ”
- أعلم أن الدستور يُكفـل حقي في الحيـاة ..
ولكني لم أكن أعلم بأن دستورك يعطيك حق قتـل مواطنك وأنت الوطن …
فـما حاجتي لوطن وأنا سأقتـل به؟!
وما فائدة قلبي حين يعشقك ، وأنتَ أكبر منه !
ما ذنبي حين أضع حبًا فوق حب لاشتري قلبك الذي لا يحب ..!
ما أغباني حين أضحي بحيـاتي ، لأجل حياة لا ترغبني !
ينص دستورك بأن لي ولك حق الرحيل في أي وقت .
لذا قررت ألا انتظر تطبيق قوانينك القاسيـة على قلبٍ أكبر مصائبه بالحياة أنه أحبك ..
وهـا أنا الآن ؛ المتمردة على حبي وقوانينك ، بتُ إمراة بلا قلب ، إمراة بلا وطن !
•••••••••
مالت شمس اليوم الثامن إلى الغروب ، حركة مُربكة بالقصـر حيث يستعد الجميع لإعداد التجهيـزات الخاصة بحفل يوم ميلاد عبلة المحلاوي لإتمامها السابع والخمسون من العمـر ، تُراقب حيـاة تلك الضجـة من أعلى ، حركة العمالة والطباخين وإعداد حفل أسطوري لا يليق بـتلك المناسبة الشخصية ، ولكن ما أدركتـه من عاصي أنه في مثل هذا اليـوم يتم عقد الكثيـر من الاتفاقات والمهام .
ضمت كفوفها كوب القهوة الدافئ بعد ما ارتشفت رشفة صغيرة منـه أحست بصخب بصدرها يحتاج لسيف قلمهـا كي يهدأ .. تركت الكوب على المنضـدة ثم ركضت بخفـة لتحضـر دفتر كتاباتها السـري ثم اتجهت لتجلس على الأريكـة التي لم تفتقد النوم عليـها بعد ..
فتحت دفتـرها وكتبت بأول الصفحة :
اليـوم الأول من تشـرين الأول لعامي الأول ..
أخذت نفسـًا طويلًا ثم أرسلت نظرة إلى مخدعــه الذي جمعهـم لأيام متتاليـة :
” لقد مضى ثمانية أيام على ذلك اليـوم الذي أصدر فيه فرمان عقـابي ، فما ذلك العقـاب الذي لم يزدني منه إلا قُربـًا ، كان يقضي يومـه عاصيـًا لقلبـه وكل ما يظهر وجهه الحقيقي ، وعندما يحل المساء وينغلق باب اليوم لينفـرد بي كحيـاته الخاصة من فوضى حياته العـامة ، تلك الحيـاة التي يهرب منها إلى حُضن حيـاة .. توالت الليالي وكنت أعد ساعات اليوم منتظرة روايته الجديدة عن ماضٍ لا يقلب في صفحاته إلا وهو مُستلقيًا بجواري ، أول مهمة كنت أفعلها صباحًا هي تدوين حديثًا ليلة أمس ، كان حضوره يدب الشهوة في قلب قلمي كي يكتب عنه بدون ملل .. لم أنكر إعجابي الشديد بشخصه الذي يُرافقني ظُلمة الليل ، وأيضـا لن أتبرأ من شوقي له الذي ينافس درجة حرارة الشمس نهـارًا .. اعترف انه حولني إلي شخصيـة لم أعرفها ولا أملك السيطرة عليها في حضرته ، والمخيف بالأمر أنني أحببت ما أنا عليه ولا أود التخلص منه حتى ولو فاتني العالم .. ”
استريح قلمها كي تتخذ نفسًا عميقًا ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها إثر تذكرها أمر ما ، عادت تلك المرة بحماس أكثر لتكتب :
“أي رجل أنت الذي تتقلب طباعه كتقلبات الطقس ، تحوي عيناه حنيـة تضاهي نسيم الربيع ، وتعكس قوته زعابيب أمشير ، وأنا كـ ريشة في هواك ، اتطاير هنا وهناك ولم أجد مستقري بعد .. إمرأة بعُمر ثلاث قُبلات ! الأولى بثت وميض من الذكرى بقلبي ! الثانية خدشت جدار ما بداخلي يبدو أنني تعمدت قفله طويلًا ! أما الثالثة كانت نار ورماد ، رغم رقتها بل أنها أشعلت بي ألف باب لا استطيع قفلهما حتى الآن ! أعدلٌ أن تراوغ بكل تلك القسوة إمراة ما زالت في مهدك صبية !
أقف اتسائل كيف سيكون مصيـري بعد القُبلة الرابعة ! ماذا أنت بفاعل في قلبي يا رجل ؟ كيف تحولت جميع حبال عُقدك بعيناي إلى وسيلة مساعدة كي اتسلق إليك ! من أنتَ ومن أي جهة تسربت إلىّ !ياليني لم أعصي لك أمراً ! ويا ليتك طردتني من جنتك ! سبع ليالي فقط ملئت صدري برائحتها فكـم من العمر سيهدر كي اتخلص من كل ذلك ! ”
تراقصت ضربات قلبـها بقوة أرخت سدول أعصابها كي تتوقف عن البوح ، وضعت يدها على قلبهـا وقالت علنـًا لتغتال عواطفها :-
كل ما في الأمر إن قلبي مال لانه لم يجد غيرك أمامه حتى ولو كُنت سجانه ! فقط اعتدت وجودك وساتخلص منك مع أول نسمات الحُرية !
صوت طرق الباب قطع خلوتها ، قفلت دفترها بسرعة وأختفه تحت الأريكة بتوترٍ ثم قالت باضطراب :-
اتفضل !
دخلت سيـدة وخلفها اثنان من الخدم يحملان صندوقًا كبيرًا ، تُرك الصندوق بأحد أركان الغُرفة حتى قالت سيدة :-
فتسانك وصل يا ست هانم !
عقدت حاجبيها بامتعاض :-
فستان إيه يا سيدة أنا عندي كتير ! وبعدين أنا مش هنزل الحفلة دي !
أشارت سيدة إلى الخادمات أن ينصرفن ، ثم اقتربت منها متهامسـة :-
يا ست انزلي وانبسطي ومتفرحيش حد فيكي ! عارفـة ست هدير أول ما شافت الفستان مابقتش على بعضها كده ، يوووه بقيت عينها تطق شرار ! اسمعي مني ، متخليش حد ينتصر عليكِ ..
فكرت في نصائح سيدة للحظات ثم رجت رأسها مستردة وعيها وحدجتها :-
جري أيه يا سيدة ! خليكي في شغلك .
- أنا عايزة مصلحتك ! حكم الست هدير دي غلاوية ومش من توب سي عاصي ! أما انتِ اسم النبي حارسك وصاينك حلاوة طحنية ، تتاكل أكل .
ضحك وجها إثر الطريقة العفوية التي تتحدث بها تلك العجوز ثم قالت بنبرة ممزاحة :-
بردو خليك في شغلك ..
- طيب أنا قلت انصحك بس ، ده جزاتي إني عايزة مصلحتك !
ثم أخفضت نبرتها مالت إليها قائلة :-
تعرفي أنا حبيتك ليـه !
رمقتها بفضول :-
ليه يا سيدة !
- أصلك من يوم ما جيتي القصر ده وعاصي بيه بطل يمشي في سككه البطالة ! مش عايزة أقولك كان قالب البيت كباريه ، ستات داخلة ستات خارجة ! مش عارفة ربنا مديه صحة لده كله منين !!
كظمت الضحك بفمها وتعمدت أن تصدر لها إزعاجها من الحديث فقالت :-
وبعدين يا سيدة ! قولنا نركز في أكل عيشنـا .
ما كادت أن تفشي ما في جوفها ولكن دخل عاصي متحمحمًا فاضطريت سيدة من مكانها وقالت برتابة :-
نورت يا عاصي بيه ، لسه كنت بقول للست هانم مفيش اطيب منك ولا هتلاقي ضفرك مهمـا لفت .. ربنا يخليكـم لبعض يابيه ، تأمر بحاجة !
أجابها باختصار :-
متشكر يا سيدة ، اقفلي الباب وراكي !
خرجت سيدة ركضًا من الغُرفة ، هنـا انكمشت ملامح حياة بضجر وفعلت الوجه الكاظم وجلست على المقعد المتحرك متأففة ، أخذ يستعد لمـا سيرتديه ثم أردف :-
عجبك الفستان !
- قُلت لك مش هنزل الحفلة دي ومش همثل على الناس أكتر من كده! مكنش له لزوم تكلف نفسك !
هز رأسه بغرابـة :-
زي ما تحبي ..
حدجته بصمت ثم قالت في نفسها بلوم :-
أيه ده يعني مش هيجبرني ويتخانق معايا ! أف أيه زي ما تحبي دي من أمتى الديمقراطية دي!
فاقت من تلك الضجة التي برأسها على صوت طرق الباب ، ما أن سمح للطارق بالدخول ، إذًا بهدير تتمايل بدلال في غرفته وتقول بصوت مسموع متعمدة أن يصل إليـه :-
يااه يا عاصي ، الأوضـة بتفكرني بأحلى ذكرى بينا ، كل تفصيلة فيها في قلبي ..
تأفف بضيقٍ :-
خيـر يا هدير !
أرسلت ابتسامة خبيثة إليها وأكملت :-
مش هعطلك ، هما كلمتيـن وهمشي !
قالت ” هدير ” جملتها وهي ترسل نظراتها الحارقـة نحو حياة التي تجلس على المقعد الخشبي المتحرك بزاويـة الغـرفة .. حاولت حياة أن تتجاهل وجودها ولكن جميع محاولاتها باتت بالفشل ، ترك عاصي ما بيده ثم قال باختناق :-
عايـزة أيـه يا هدير !انجزي
- عايزاك لوحدنـا ، عشان كلامي ممكن يضايق المدام .
عقدت ذراعيهـا أمام صدرها منتظرة خُروج حيـاة من الغرفة ولكنه لم يمنحهـا الفرصة لتحقيق مُناها بل أصر قائلًا :-
قولي اللي عندك يا هدير ، حياة مش هتروح مكان !
زفرت هدير باختناق وقالت :-
تمـام ، عمـوما أنا جاية أقولك إني موافقـة انزل البيبي ، بس ليـا شروط .
- كمان !!
انتظرت أن يهتم للأمـر ولكن لم يهتم لشأنهـا ، تنهدت هديـر ثم سألتـه :-
أيه مش عايز تخلص !
نفذ صبره من تلاعبها بالكلمات ، انكمشت ملامحه بضجـر ثم قال :-
أنا سامع أهو ، هاتي اللي عندك .
تعمدت أن تقترب من مقعد حياة مع ارتفاع نبـرة صوتها :-
مشروع العلمين الجديد ، تتنازل عنـه ، ويكون تحت إدارتي، وأنا أوعدك هعيش هناك ومش هتشـوف وشي تاني ..
هز رأسه ليزن الحديث برأسه ، ثـم أصدر إيمـاءة خافـتة وقال :-
اللي بعده !
ابتسمـت بمكر ثم أشارت على حيـاة بتحقيـر :-
أنتَ عارف أن النهاردة في ناس مهميين ، مش عايزة البتاعة دي حد يشـوف وشهـا ، وتقدمني للنـاس كلها على إني مراتك ..
أمم لحـد ما كله يعرف أننـا اطلقنـا .-
- قصدك أنها تقعد هنـا ، وأنتِ اللي تبقي الكُل في الكُل !! قولتِ مُقابل أيه ؟!!
اقتربت منه متعمدة وضع كفهـا على صدره وبنبرة كـ فحيـح الأفعى همسـت :-
هترتاح من دوشتي أنا واللي في بطني بقيـة عمــرك !
عقد حاجبيـه ورسم علامات الإعجاب على وجهه :-
بصراحة عرضك عجبني ! وأنا اشتريت ..
لم تصدق ما وقع على مسامعهـا ، بل رددت :-
أنتَ بجد وافقت !
هز رأسـه بمكـرٍ :-
تصوري ! لأول مرة عاصي دويدار هيشتـري سمك في ميـه !
حدجته بشكٍ :-
يعني مراتك مش هتحضـر الحفلة !
أرسل لهـا نظرة غامضـة ثم قال بحدة :-
أنتِ عارفة إني مش بحب أكرر كلامي !
الفرحة لم تسع ملامح وجهها بل هللت بكلمات متقطعة وقالت بحماس وهي تعانقه :-
يعني هنكون في الحفلة أنا وأنت بس ! متتصورش أنا حلمت باليوم ده أد ايه ! وهنرقص سوا والناس هتفضل تبص لي وتحسدني عليك ! أنا موافقـة أعيش معاك كل ده حتى ولو كان ليـوم واحد يا عاصي .
يقال أن أعظم شواهد الحب هي الغيـرة ، الغيرة التي لا تشتعل إلا لشخص امتلكته الروح حتى أصبح أثمن ما لديها ، أخذت تقطم في أظافر يدها بنيران حارقـة لم تتوقف ، لم تخمد ، لم يمكنها إخفائها.. ألتهمتها فوضى المشاعر حتى أعلن قلبها ليحسم تلك الحيرة :-
أنا لم أقع بحبك ، أنا وقعت بداخلك ! اتري الفارق بينهم يا رجل !
عصرت قلبها بغضبٍ وهي تتعمد أن تسيطر على مشاعرها ، لاحظ عاصي تبدل ملامح وجهها حيث بات مُلطخة بجمر حارق على وشك الانفجار ، بعد هدير عنه وقال :-
يا دوب تلحقي تجهزي ، خلاص الساعة ٨ والناس هتبتدي تيجي !
هتفت هدير بفرحة :-
حالا …..
انتظرت حياة حتى غادرت هدير ، وهو الأخر تعمد ألا يمنح وجهها الكاظم أي أهميـة كي يعثر على حيرة أيامه ، اتجه نحو المرحاض وألقتى بملامحه أمام المرآة ، وقف لثوانٍ ثم تنهد بحيرة وقال :-
أنت عايـز أيه !
ثم أسهب عقله في الجواب عليـه :-
لقد قضيت أيامك صيادًا لأسماك البحر حتى منحك حوريته ! فـ ما بعد ! لِمَ لم تخبرها بحقيقة ما توصلت إليـه ! لِمَ لم تقل أن أخوتها لم يتم العثور عليـهم حتى الآن ! أنها فقدت أبيها في تلك الحادث المروع ! أن ابن عمها استولى على مالها ! أنها كاتبـة مشهورة ولديها العديد من الكُتب وأنك شرعت في قراءة أول كتاب لها ” خُلق القلب عصيًا ” ! لماذا تخفي عنها حقيقتها وأنها رفيقة البحر الأولى ! بل كُنت أنانيًا للحد الذي سلسلتها بجانبك كل ليلة لتشكوى لها من ظُلمة حياتك قبل أن تعثر عليها ؟ كيف كُنت انتظرها تغفو لأخبئها بين ذراعي وابتعد عنها قبل أن تكشف أمري و مُري من سُم عينيها القاتل في مسرح هواها! ماذا فعلت بقلبي كي تحول كل رغبتي بجسدها إلى شهوة لتغلغل بروحها ! أي النساء تلك التي أخذتك من يده ووصلت بك للسماء سيرًا ، فكل خطوة معها كانت بطيئة وبكامل وعيك ! آه لو يحنو القدر لأخبرك بأنك قتلتي هذا القلب العاصي ومنحتي له وسام حياة جديدة بين ذرعيك ! لم أملك قلبًا كي أحبك به ، ولكنك جعلتي كل ما بي يتمنى أن يرافقك طريق العُمر لأخره ..بتُ أخشي الحقيقة التي حتما ستُبعدك عني ..والكذب الذي لا يستحقه قلبك ، أيهمـا سأختار ؟
هنـا اقتحمت الحمام بدون سابق إنذار وما أن تلاقت أعينهم صمتت لا تعرف ما ستقوله ، تحمح بخفوت ثم سألها :-
أخدتي أدويتك !
حكت جدار عنقها وقالت :-
أنا هنزل الحفـلة !
طالعها بالمرآة بدهشـة :-
غيرتي رأيك يعني !
فجرت رماد نيرانها بوجهه متوارية خلف حجتها :-
عشان أنا مش هساهم في قتـل طفل ملهوش ذنب في أي حاجة غير أن باباه مش عايزه ومامته مستهترة وبتجرى ورا الفلوس!
استدار إليها عاقدًا ذراعيه أمام صدره :-
أنا مش عارف أنتِ مزعله نفسك ليه ؟
- هو القتـٰل عندكم سهل كده ! والله أنا قلت اللي عندي ، ومش هشارك في اللعبـة السخيفة بتاعتكم دي !
تبسم بمـكر مُتقبلًا قرارها المُفاجئ ثم دار نحو المرآة ليحلق ذقنـه وما أن تأهب لبدء عمـله ، اقتربت منه وسألته بغموض:-
أنتَ بتعمل ليـه كده ، قصدي لو مش عايز أطفال ليه اتجوزت مامتـه ، وليه حطيت نفسك في الحيـرة دي !
ألقى ماكينة الحلاقة من يده ثم رد بغضبٍ :-
كُنت يومها متقـل في الشُرب ، ومكنتش في وعيي ! وأنا مكنتش اتمنى ده كله يحصل ، هدير كانت جوازة مصلحة ، وغلطة وأنا مش مستعد اضيع عمري كله أدفع في تمن الغلـطة دي !
أغرورقت عيناها للحزن الذي انتشر بوجهه ثم قالت بنبرة مختنقة :-
وابنك ! أنتَ لازم يبقى عندك ابن يكون سند للبنات ..
فاض به الصبر فاندفع إليها بغتة مما جعل ظهرها يرتطم بالحائط ، صرخ بوجهها لاهثـاً:-
مش عايز ولاد منهـا افهمي بقى !
ثم مال بجبهته فوق جبهتها وباتت انفاسة الحارقـة تأكل بملامحها المصدومة ، كان صدره يعلو ويهبض كموج البحر حتى أطال النظر بعيونها ، بدأت أنفاسه تهدأ تدريجيًا خاصـة بعد ما مسك كفوفها المُرتعشة وقال :-
أنتِ عندك حق ، تاليا وداليـا محتاجين سند من بعدي في الحيـاة ، بس أنا بدور على الحيـاة نفسها ..
تنهد بقوة فأغمضت عيونها من هول زفيره :-
وخلاص لقيتها .. لقيتها ولسـه مستني منهـا اشارة واحدة وأنا عندي استعداد أخلف منها عشيرة تحمل اسمي واسمها طول العُمر ..
رفعت جفونهـا ببطء ثم قالت بنبرة هامسة :-
لقيتها فين !
لم يعلن اعترافه بأي مشاعر من الحب ، من التملك ، بل برر كل ما يعيشـٰه قائلًا :-
حياة ، أنا عمري ما اهتميت بالخلفة ، والعيـال ، بس لما شوفتك كل مشاعر الأبوة صحيت جوايا ، والمرة دي بقولهالك وللمرة الأخيرة أنا عايز يكون لي ولاد منك ! عايزك تشاركيني الباقي من عمـري ، حتى لو هبيع الغالي رخيص بس أنت قولي آه وساعتها هعيشك في الجنة ، جنـة مفهاش غيـرنا ، أنت متعرفيش الأيام اللي عدت وأنتِ جمبي عملتي في قلبي أي ! أنا شوفت ستات ملهاش عدد بس أول مرة قلبي يقف عندك ويسلم ، حياة انسي كل اللي فات ومن الساعة دي بسألك موافقة تبقى أم ليـا و لولادي !
تعمق بداخلها كأنه سكن جسدها على سهوة ، تنهِيدت بحرقة كادت من ألمُها أن تصمت القَلب ، طال حديث أعينهم ، وجف لعابهم من حرارة المشاعر المتقدة بمهب ضياعهم ! تأهبت أصابعهـا أن تضغط على يده مُعلنـة قبـول عرضه الذي اختبأ وراء الونس ، وأنه لا يُريدها إلا رحمًا في حياته تُنجب له ، في ذروة حيرتهم الناشبة اتاهم صوت تاليـا التي تُنادي عليـه :-
بااابي ! أنتَ فين ..
ابتعد عنها كي تأخذ أنفاسها بارتياح بعيدًا عن امتزاج أنفاسه وعاد إلى المرآة يلوم نفسـه عن كم الضعف الذي ظهر به أمامها ، غسل وجهه سريعًا ثم غادر المكان ليُلبي نداء صغيرته ..
أما عنها ، فلا حول ولا قوة لها ! ماذا تفعل ! أترفض امرًا اشتهته مع ولم تنفره ! أم تقبل وتبقى فريسة للندم بقيـة عمرها ! غسلت وجهها بالماء الفاتر عدة مرات ثم قال عقلها :-
لم يمنحني الفرصـة لتقبله حبيب ، بل قفز بمؤشر الروح إلى ساحة الحرب التي تفتقر الحُب ! أ تبع هواه أم اتمرد ! أخشى أن أسير وراء قلبي أرجع بدونه ؟ واخشى أن اكون مجرد ليلة ساومتني عليها لليالٍ عديدة ! أ حب أنت أم نزوة ؟! اختلط الأمر على قلبي وعقلي وبتُ صريعة الهوى !
تنهدت بزهد وهي تتفقد ملامحها بالمرآة :-
لا اللي طلبه ده مستحيل يحصل ! أنا مش هعمل كده ؟ هو له أسبابه ، أما أنا أيه السبب اللي يخليني أوافق أني احقق له مطالبه ! أنا مش هعمل كده ! أنا مش هدير يقضي معاها وقته وبعدين يرميها ! عاصي ملهوش أمان فوقي … الليلة دي أنا أخر ليلة ليـا هنا ، وده قرار نهائي !
•••••••••••
دخل مُراد شقتـه ومن خلفه عاليـة التي قطعت مسافة للسفـر من القاهـرة إلى الإسكندرية لانه طال الغيبـة ولم تطق الانتظار أكثر ، قفل الباب خلفهـا وهو يقول :-
بس أيه طلعها فـ دماغك تيجي اسكندرية !
لقد جاء سؤاله الذي شغل تفكيرها كل الأيام الماضية، أومأت بخفوت :-
كنت حابـه أغير جو ، وليـا كتير مجتش اسكندرية قلت فرصة بقا ..
رمى مراد مفاتيحـه على الطاولـة يقاوم الشوق المميت بصدره إليها وقال :-
اقعدي هجيب لك حاجة تشربيهـا ..
لبت طلبه وهي تكتسح الشقة الكبيرة بعينيها المضطربه حتى جلست على الأريكة بتوجس ، بات تفرك في كفيها بقلق ، من أين ستبدأ يا ترى ! لم تطق الانتظار بل اقتحمت المطبخ فوجدته يسكب كاسات العصير ، مسكت كفه بتردد وقالت :-
أنتَ ليـه قررت تبعد كل ده؟ ليـه فجأة اختفيت حتى من غير ما تودعني ، حتى ولو خد قرارك أنا كان لازم أعرفه ، مش عدل تسيبني كده وتهـرب !
كانت كلماتها مُبطنـة بالعتاب والوجع والحيـرة ، والدموع المسكوبة من عينيها ، ترك ما بيده بلهفـة :-
اشش ! أهدي وهنتكلم وهفهمك كل حاجة ، بس بلاش اشوف دموعك دي ممكن !
أومأت بخفوت وهي تكفكف عبراتهـا :-
أحنا لازم نتكلم !
شد المقعد الخشبي للسفرة الصغيرة بالمطبخ لكي تجلس عليه ، ومد لها كوب العصيـر بحنو حتى جلس مقابلها :-
أنا سامعك يا عاليـة وهجاوبك على كل كلامك ، بس أول حاجة لازم تعرفيها أنا مهربتش ، أنا عارف أن الفترة دي بتاعت امتحانات، محتاجة تركزي !
- مين أداك الحق تقرر بالنيابة عني ! مراد أنا حاسة أنك مخبي حاجة كبيرة أوي ، مش عارفـة أيه هي !
قدم لها كوب العصير وهو يربت على كتفها :-
اشربي طيب .. وشوفي حابة تقولي أيه وأنا سامعك !
بدأت ترتشف في العصير محاولة استجماع كلماتها التي أخذت أيام تعدها ، تتجاهل النظر إليـه كي لا تفقد صوابها وتضل طريقها ، ما أن انهت نصف الكوب تركته جنبًا ثم سألـته :-
أنتَ ناوي على أيه في مصير علاقتنا !
- ناوي علي اللي أنتِ عايزاه يا عاليـة ، أنا ماليش الحق في أجبرك على حياة أنتِ مش عايزاها !
وضعت كفها فوق كفه الممدود فوق الطاولة وقالت :-
مش عايـزة رد ولا موقف سلبي يا مراد ، عايزة أعرف أنتَ عايز أيه ! بس في كام حاجة لازم تعرفها قبل ما تقـول قرارك ..
شد المقعد الجالس فوقه كي يقترب منها أكثر ثم قال باهتمام :-
أنا سامعك يا عاليـة .
ارتشفت رشفة صغيرة من العصيـر بكفوف مُرتعشـة :-
كل اللي حصل في حياتنا ملهوش مسمى غير تحت بند القدر …. أنا عشت بكل المشاعر السيئة وكنت راضية ، على أمل أن وجودي مؤقت ، بس عمري مااتخيلت إني اتجوز بالطريقة دي ! كل يوم بيعدي كان بيبقى أسوأ من اللي قبله لحد ما اتختمت بقنبلة جوازنا .
تمتم بحيرة :-
ليـه يا عالية مصممة دايمًا تمشي في الطريق الصعب ! ليه مش بتعاندي وتقولي لا وتدافعي عن حياتك !
ألتوى ثغرها بحسرة :-
وليـه بتفرض أن عندي طريقين ! أنا عمري ما اخترت أي حاجة حياتي كُلها جبر ، غير الكليـة اللي بحبها .
كل مدى يتأكد أنها خصيصًا جاءت من عالمه ، جاءت لتسد فراغ قلبـه وأيامه ، عانت نفس الظروف نفس المشاعر ، كلاهما تغمدوا في رماد الماضي فـ لم يخلق وسيلة لتمرميم دواخلهم إلا قُربهم ، خلقا الاثنين ليكونا دواء لبعضهم البعض ، أكملت عاليـة ما جاءت لأجله :-
زي ما أنا بعلنها دلوقتي وبقول إني رضيت أكمل حياتي معاك ، عشان مفيش في أيديا حل تاني ولا طريق تاني أمشيه !
عقد حاجبيه مذهولًا :-
قصدك إنك مُجبرة عليـا .. بس أنا مرضاش بكدة .
هزت رأسها بالنفي وقالت :-
لا .. بس قررت أعيش واتقبل حياتي زي ما هي مكتوبة ، اه أجبرت اتجوزك ، بس مخيرة أكمل ولا لا ، وأنا اخترت أكمل معاك يا مراد ، بس قبل ما تقول قرارك في حاجة لازم تعرفهـا .
حاول استيعاب الالغاز التي تتفـوه بهـا :-
عاليـة استني بس ..
- اسمعني للأخر يا مُراد ، أنت عارف أن بداية الطريق لينـا كانت غلط ، وأحنا الاتنين فقدنا الثقة في بعض ، أنت اتجوزتني عشان فلوسي ، وانا اتجوزتك عشان نداري على الفضيحة ، وزي ما أنت قلبك اطمن من ناحيتي ، واثبتت براءتي للكل ، أنا كمان محتاجة اطمن ، اطمن إنك مش طمعان فيـا ، عشان كده أنا عملت تنازل لتميم وعاصي عن كل ورثي وفلوسي ، وجيالك عالية البني آدمة ، مش بنت شهاب دويدار …
توالت الصدمات على رأسه فلم يكن مستعدًا لكل هذا بل كان كل همه بالحياة أن ترمم صحتها النفسية قبل أن شيء ، لم يتفوه ببنت شفة ، بل أتبعت قائلة بحسرة:-
لو قابلني كده ، من الساعة دي أنا مراتك وحلالك قُدام ربنا ، لأ مش موافق وكان هدفك الفلوس ، فدلوقتي مفيش يعني وجودي مش مُجدي بالنسبـة لك ! اخترت أيه ؟!
في تلك اللحظة؛ اقتحمت جلسة عتابهم إمراة بملابس مُخلة تقف أمام باب المطبخ تتمايل وتتلوى كالحيـة حتى أردفت بدهشة زائفة :-
مش تقول أن معاك ضيـوف !
••••••••
” عودة إلى القصر ”
تجلس ” شمس ” بجوار” تميـم ” في شُرفـة غُرفتـه بعد مضي أسبوع مضطرب بينهم ، دومـًا ما كانت تتعمد أن تبتعد عنه ، ألا ينفرد بهـا فيجبرها على التسرع في قرار الانسحاب من حياته ، أخذت تشاهد حركة الحشود بالأسفل وسألتـه :-
مش هتنزل ؟!
رد بيأسٍ :-
ده عالم مُزيف يا شمس ، اتفرجي واستمتعي بالأقنعـة بتاعتهم ..
- أنت ليـه مطلعتش زيهـم !
- عشان ماينفعش أبقى زيهم ، هما أمهم عبلة المحلاوي أما انا أمى مديحة عبدالسلام ، الست البسيطة ، اللي جريمتها الوحيدة في الحياة كانت حبيبة شهاب دويدار ، فضل يطاردها لحد ما اتجوزها في السر ، وفهم الست عبلة انها مجرد نزوة لما لقيته عندها ..
تغلغلت في أعماقه كي ترى الجزء الممزق به ، شردت في حديثه مُقارنـة بما أخبرتها به عبلة من قبل عن أمه وعن حقيقته كون ابن زنـا ، ولت رأسها إليه وسألته :-
ليـه حياتك مليـانة أسرار !
- ده الطبيعي يا شمس ، مفيش حد واضح في الزمن ده ، كل واحد قفل على قبله وكمل مشواره عشان يعرف يعيش …
تنهدت بفتور :-
معاك حق ..
- بالحق أنا مزعلتش منك لمـا قولتي إنك وافقتي تتجوزيني عشان تنتقمي من عبلة .. بالعكس !
أصابت الربكة جسدها فقالت برتابـة :-
تميـم أنتَ شايف إننـا ينفع نكمل مع بعض بعد ما عرفت !
تلج الذكريات المحزنة كالمطارق في صدره وقال بيقين :-
أنا اتاكدت أننا ينفع نكمل مع بعض بعد ما سمعت كلامك يا شمس ، خاصة أن عدونـا واحـد .
ألتفت إليه باهتمام :-
قصدك أيه !
- هفهمك ، عبلة هي السبب اللي وصلتني للكرسي ده ، واتحرمت من الجامعة ، وهي اللي كانت السبب في الحادثة اللي ماتت في أمي ، اليوم ده كُنا رايحين أنا وهي مكان ، قالتلي في صندوق مهم أوي يضمن لك حقك من سم عبلة ، لازم تاخد وتحافظ عليـه ، هو ده ضمانك الوحيد يا تميم ..
برقت عيني شمس بغرابة :-
والصندوق ده فين وفيه أيه !
- كل اللي وصلت له من أمي ورقة جوازها الرسمي من شهاب دويدار ، بس أنا مفهمها أن معايا دليل يحرقها من على وش الأرض بس مش عارف ألقى الصندوق ده فين ، هتجنن يا شمس الست دي وراها مصيبـة كبيرة أوي ..
دب القلق في صدر شمس مع تنهيدة حارة خرجت من ثغرها :-
الست دي باين عليها حوار ، حاسة أن وراها مصيبة ..
تمسك تميم بكف شمس متوسلًا :-
شمس توعديني تفضلي جمبي لحد ما نعرف السر اللي ورا الست دي ! ووعد مني أنا اللي هجيبلك حق جدتك منها .. توعديني يا شمس !
••••••••••
تجلس ” نوران ” في منتصف فراشها بعد مرور أسبوع من المعاناة ، لم تجد الفرصـة المناسبـة كي تتحدث مع كريم ، فـ كانت شمس ترافق خُطاها كالظل ، رمت الكتاب من يدها بضيق إثر صوت الفوضى بالأسفل وقالت لنفسها :-
مش ناقص غير الكركوبة دي كمان تحتفل بعيد ميلادها ! يعني محدش هيعرف يذاكر في البيت ده !!
فجأة فُتح باب الغُرفة ، إذًا بكريم أمامها يتخذ أنفاسه كاللصوص ، فزعت نوران من مرقدها بثرثرة :-
أنتَ ! جيت لقضائك بقا .. أنا عملت لك أيه عشان تموتني ! ولا أنت قاصدني أنا وشمس ؟! خالتك اللي ورا الملعوب ده صح .. أنت عارفة إني ممكن اتكلم واوديك في ستين داهيـه !
كتم كريم شدقها بيده عندما فاض به الأمر من ثرثرتها المزعجـة ، وقال بجزع :-
افصلي شوية ، وافهمي الأول ..
ثم رفع يده من فوق ثغرها :-
شيلت أيدي أهو ينفع تسكتي وتسمعي للأخر !
- خطتك اتكشفت خلاص يا بيه !
تأفف كريم بامتعاض لحماقتها:-
أنا بجد تعبت ، ينفع تخرسي ! ويعدين لو عايز أموتك هجيب لك الأكل بنفسي قدام الخدم كلهم ! نخلي عندنا شوية عقل بقا ؟! وبعدين هتموتك ليـه ؟ أكلتي ورثي !
فكرت في جُمله المُتقطعه للحظات ثم أصرت على موقفها :-
شوف بقا مين دافع لك !
- تاني هتقول دافع لك ؟! يابنتي في مصيبة وانا ليا اسبوع بدور وراها عشان أعرف السبب ، قُلت أجي اسألك يمكن ألقى عندك حل ، لقيتك فالضيـاع خالص !
شرد عقلهـا على نواصي التييه :-
أنت قصدك أيه ؟ يعني أنت مكنتش عايـز تموتني !
زفر كريم بضيق :-
بردو اللي في دماغك في دماغك !
ثم مسكها من ذراعيها وأجلسها قسرًا :-
افهمي يا بنت الناس ، الصينية اللي أنتِ اكلتي منها دي ، كانت خالتي عبلة محضراها مخصوص لتميم ! معنى كده أن المقصود بالسُم كان تميـم ، السؤال هنا أيه اللي بين خالتي وتميم عشان تسممه !
تتشدق بقناعات لا تصدقها بل أردفت بصخب :-
أنا قولت الملعوب ده من تحت الحرباية خالتك ! هي سبب كل المصايب هنـا !! بس اشمعنا تميم ! ولا قصدها شمس ؟!
تنهد كريم براحة :-
أيوة كده شغلي دماغك معايا وسيبك من الهبل اللي في دماغك ، في سر في الموضوع ده وإحنا لازم نعرفه يا نوران ! أيه اللي بين خالتي وتميم يوصلها أنها تفكر تموته !
•••••••••
بدأ الحفل ، وبدأ توافد المعازيـم ، وتكدست السيارات الفارهـة أمام قصر دويدار ، انتشر الحراس في كل صوب وحدب لتأمين المكان ، وارتفع صوت الغنـاء والموسيقى والعزف ، تتنقل عبلة بين الضيوف بفستانها المُرصع عارٍ الصدر له ذيل طويل في الأسفل ، ترحب بالجميع وتشكرهم على تلبيـة دعوة حضورهم ..
تجلس هدير وجيهان على أحد الطاولات ، همست الأولى لأمها بغرابة :-
مالك كل شوية تبصي في الموبايل !
قفلت جيهان الهاتف ووضعته على الطاولة ثم قالت بسخرية :-
شوفتي اللي ما تتسمى عاليـة ، عملت تنازل عن نصيبها في ورث دويدار ! ومن وقتها وانا هتجنن ، بتضربنا في مقتل بنت شهاب .
ضحكت هدير بشماتة :-
قولت لكم دي بنت صفرا ، وميـة من تحت تبن ! فاكرين أنكم هتضحكوا عليها وتاخدوا فلوسهم ! العيلة دي أنا عارفاهم كويس ! لدغتهم والقبـر .
أيدت جيهان حديث ابنتها بإقتناع حتى قالت بفخر :-
بس على مين !! فاكرة أنها هتاخد أخوكي بلوشي ؟ مبقاش جيهان المحلاوي !
- أنتِ عملتي أيه !
- لعبت لها في الأزرق ، سيبك من ست عاليـة وركزي مع عاصي الليلة ، دي فرصتك .
تنهدت هدير بحيرة :-
تفتكري هينفذ كلامه ! حق لو شوفت طيف البنت دي في الحفلة ممكن ارتكب جناية !
- يا خبـر بفلوس ، بعد دقايق هيبقى ببلاش ..
على الجهـة الأخرى وصلت السيارة التي بها سوزان وخلفها سيارة أخرى مكدسة بالحراس ، هبطت من سيارتها ثم مالت متهامسـة لـ مساعدها :-
مش عايزة غلطـة واحدة .. عايزة البنت تختفي من الحفلة من غير نقطة دم !
أومأ الرجل بطاعـة :-
كُله هيتم زي ما حضرتك أمرتي يا هانم ، متقلقيش .
اندفعت عبلة نحوها لتُرحب بها :-
نورتي يا سوزي ، اتفضلي اتفضلي ..
قدمت لها سوزان هديـتها التي أحضرتها من أرقى محلات المجوهرات :-
مش هعرف اديهالك قبل الزحمة ، وكل سنة وانتي طيبة يا لبلبة ..
أخذت عبلة الهدية ثم حضنتهـا حضن جافي من اسمى المشاعر وقالت بامتنان :-
كلفتي نفسك ، مكنش له لزوم كفاية مجيتك .
” بالأعلى ”
انتهى عاصي من قفل فستانها بعد ما طلبت منه المُساعدة ثم أرجع شعرها المُتحرر للوراء ، رفعت أنظارها بالمرآة وشكرته بخفوت ، لم يتوقف هنا بل تحرك نحو خزانة واخرج عُلبة قطيفة باللون الأسود ، اقترب منها وتركها على التسريحة ، وما أن فتحها إذًا بطقم ألماس فخم مرصع بلون فستانها ” التركوازي ” ، سحب العقد وأشار بعينه :-
تسمحي لي !
مازالت تحت تأثير صدمتها :-
ده غالي أوي !
- يرخص عشانك ..
استدارت للمرآة وشرع في لف العقد الماسي حول عقنها بتيهٍ ، ثم تناول الحلق بعد ما خلع حلقها الصغير ، ووضعه مكانه ، تقدمت تاليـا بحماس :-
يابابي الحفلة هتخلص ، يلا بينـا !
ضحكت حياة وضمتها إليها :-
هننزل أهو ، أنا خلاص خلصت ..
انتهى عاصي من قفل الاسوارة حول معصمها ثم مال متهامسًا :-
يجنن عليكِ !
تبسمت بخجلٍ ولكنـه أتبع :-
ده هديتي ليكي من وقت ما كُنا فـ الغردقة ، ككادوو لطيفة على تعبك معايا .
لم تمنحها داليا الفرصة لتعبر عمـا تشعر به فصاحت :-
يا بابي كفاية بقى الناس هتمشي قبل ما نرقص ونغني ..
- وأنا بقول كده بردو .
مد ذراعه لحياة كي تتعلق بساعده ، وتشبكت أيدي الأختين وتقدمن أمامهما، مشهد فخم يخطف الأنظار اقتحم به عاصي الحفل برفقة حوريته وبناته الاتي احتلن مكانة عظيمة بقلبه ، فلم يمضي ليله قبل تقبيلهم ومداعبتهم ، رفعت تاليـا رأسها ببراءة :-
بابي نروح نلعب !
- بس خلي بالكم من بعض ، ومتبعدوش عننا .
- حاضر
ما أن طاروا فراشات ، اقتربت منه هدير بذهول :-
أيه ده !
رد ببرود :-
هو أيه !
انفجرت هدير بوجهه :-
ده مش اتفاقنا ! أنا مش قولت لك متنزلش الحفلة !
رفع كف حياة إلى ثغره ثم طبع عليها قبلة رقيقة وقال :-
شوفي يا هدير أنتِ بنت خالتي ومش هكذب عليكِ ، وقت ما اتفقت معاكِ كنا متخانقين ، وواصلين للطلاق ، بس وشك كان خير علينـا وهي صالحتني وبقينا زي السمن على العسل !
صرخت هدير بغضب :-
الالعيب دي في شغلك مش عليا يا عاصي ده أنا حفظاك !
أرسل لها نظرة قويـة ثم قال :-
صوتك ميعلاش والا هنسى كل حاجة واحاسبك عليه !
شُحنت هدير بجمر الانتقام ، رمقت حياة بتوعد وقالت مهددة :-
أنت كده بتلعب بالنار !
تعمدت حياة أن تصمت ، الا تتدخل في شئونهم تركت له ساحة القتال وقالت بحنو قاصدة إثارة غضبها و رد الصاع صاعين لها :-
حبيبي هقعد هناك ، متتأخرش.
انصرفت حياة لتجلس على أقرب طاولة ، أما عنه احتدت نبرته اكثر مع هدير :-
اخزي الشيطان وخليكي عاقلة ، ومش عايز حركة كده ولا كدة يا هدير ، والأ هنسفك وأنتِ عارفة إني مابهددش .
ركضت سيدة إلى حياة الجالسة تتمايل مع الموسيقى :-
أيوة كده يا هانم ، انزلي وافرحي ونوري الحفلة ، بالك نورك مغطي على كل الانوار دي ..
ضحكت حياة من سجية تلك العجوز التي تطورت العلاقة بينهم في وقت قصير ، ربتت على كتفها وقالت :-
طيب ما تجيبي لي كوباية عصير وبعدين نشوف اي حكاية الأنوار دي !
- بس كده ، من عينيا الاتنين ..
ركضت سيدة لتحضر لها العصيـر ، واقترب عاصي منها بفظاظته ليجلس بجوارها وقال :-
مكنتش أعرف أن ليكي في كيد النسـا ده !
افتعلت وضع الغبـاء وقالت :-
أنا !! خالص ، ولا في بالي .
عقد حاجبيه بعدم تصديق وقال ساخرًا من طريقتها :-
حبيبي !! ومتتأخرش .. ده تسميـه أيه !
ضحكت بخفوت ثم قالت بكبرياء:-
حسيتها تقيلة علي قلبك بس ، قلت أما أقول كده ، عد الجمايل أهو ..
لمح قدوم شخصية مهمة للحفل ، مال على أذانها قائلًا قبل أن ينصرف :-
هستنى ردك الليـلة ..
خفق قلبها بجنون ، هنا أنقذت دوار عقلها وقلبها سيدة بكوب من عصيـر المانجو ، مهللة :-
أحلى كوباية عصيـر يا ست الستات .
شرعت حياة أن ترتشف العصير وهي تُراقب ذلك العالم الغامض حولها ، ثم انتقلت إلى قرارها المنتظر ، رغم كل ما بها خضع لعصيانه إلا أن عقلها ما زال عنيدًا لا يقبل الاستسلام .. مرت دقائق طويلة وهي تراقب البنات باهتمام وتشاهد لعبهم ومرحهم ، تجاهلت نظرات هدير وأمها الحارقـة ، وتلك الأفعى التي تجلس على طاولة لوحدها تشيعها بنظرات الانتقام ، فاقت على صوت ذكوري :-
برنسيس الحفلة كلها ، مش معقـول هو في جمال كده !
فزعت من مكانها وهي تردد اسمه بضيق :-
اااه هاشم بيه ، أهلا وسهلًا .-
- تسمحي لي نشـرب كاس سوا ؟
تأهبت أن ترحل وقالت جملتها الأخيرة :-
سوري ما بشربش !
ابتعدت عنه وعن شره المُعلن واتجهت نحو البنات ، هنا انضم عاصي إليها وقال :-
تسمحي لي بالرقصة دي !
أعلنت ملامحها الرفض ولكنه همس محذرًا :-
عشان هدير وكده ! مش عايزينها تشمت فينـا !
يبدو أنه سلك طريقه الصحيح لقلبها وهو افتعال الغيرة ، لبت طلبه على الرحب والسعة ، حيث تقدم الثنائي لاداء رقصة على أحد الاغاني الإنجليزية.. ومن الجهـة الأخرى وصل فريد المصـري الحفل مُلبيًا دعوة عبلة التي ركضت لتُرحب به ، صافحها ثم طبع على كفها قبلة وقال :-
كوين عبلة ، كل سنـة وانتِ صغيرة !
وقف عاصي وحياة على المسرح لأداء الرقصـة ، ما أن لف ذراعه على خصرها الأشبه بعود الريحان وكأن شيء ناعم يشبه الحرير ألتف حولها ، أحست بدوار مفاجئ أصاب رأسها ، سألها بلهفة :-
أنتِ كويسة!
تجاهلت الألم الذي يصدح برأسها وقالت :-
تمام تمام ، دوخت فجأة بس ..
شبكت ذراعيها خلف عنقه وبدأت تتمايل على ألحان الغناء معـه ، كانت رجات الصداع تضرب في رأسها ولكنها تمكنت من الثبات في أوج الألم .. تمادي في النظر إليها وكأنه يعبـر لها عما يُعانيه بقُربها ، تهامس قلبه بترجي إلى عينيها ” خاطبني بِعناق فما عادت الكلمات تُسعف لوعتي ”
بدأ بالتحاور معهـا :-
أنتِ طلعتي لي منين !
أطرقت بثقة وهي تسحره بضياء عينيها :-
من البحر ..
ثم انطلقت منها ضحكة عاليـة غير مناسب للموقف ، وأحس باختلال اتزانها بين يديه ، سألها مرة أخرى :-
متأكدة إنك كويسة !
لم تكف عن الضحك بل وبخته كالسكير :-
أنا كويسة كويسة ..
ثم غاصت في غيبوبة الضحك مرة أخرى كمن فقد عقله ، تفحصت أعينه الحشود حوله وقال بحذر :-
حيااه ، فوقي مالك !
تمايلت بجنون وصاحت :-
أنا مبسوطة اوي !
دب الرعب في صدره من تلك الحالة التي انقلبت عليها فجأة حملها بين ذراعيه وهو يقول :-
لالا أنت فيكي حاجة .. ده مش طبيعي .
عارضته بإصرار :-
أنا كويسة مش هروح لحتة نزلني بقولك ..
أسرع الخُطى تحت أعين الحشود وركض بها ناحية غرفته وهي تهذي بخلل ، كلمات لا تشبه بعضها ، تصرخ تارة تضحك طورًا ، وعلى الجهة الأخرى ترتشف هدير كأسًا من النبيذ وتقول بشماتة :-
عشان تعرف تلعب مع هدير المحلاوي يا حلو .
وصل عاصي إلى غُرفته وأنزلها بعد ما ركل الباب بقدمه ، أخذت تتمايل كمن تجرع زجاجة من الخمر وتسأله بهراء :-
أحنا جينا هنا ليه ! يلا يلا ننزل ونرقص وننبسط .
صرخ بوجهها بقلق :-
حياة فوقي أنتِ شربتي أيه ..
انغلقت جفونها وهي تعانقه ، أهذرت في كلماتها المتراقصة :-
أنت جبتني هنا عشان الحفلة خلصت ! ولا عشان تعرف رأيي .. بص أنا موافقة ، موافقـة أجيب لك ولاد كتير كتير أوي ..
- أنتِ مش في وعيك .. تعالي
أبعدها عاصي عنه ثم سحبها من يدها إلى المرحاض وتعمد فتح الصنبور فوق رأسها وأخذ يغسل شعرها ووجهها وهي تتحرك بعبثٍ وبدون وعيٍ .. صرخت بوجهه مُعلنـة :-
خلاص خلاص أنا فوقت أهو ، أنا كويسـة ..
ما أن قالت جُملتها خرت ضاحكة ومنفجرة في غيبوبة قهقهاتها العالية ، نزع عاصي ملابسه العلوية التي ابتلت من الماء ثم عاد إليها محاولًا أن تسترجع وعيها :-
حياة فوقي ! بصي لي كده ..
رفعت جفونها الساحرة إليه وتأملت تفاصيل جسده الرياضي بحُرية ، ثم أطلقت العنان لأناملها أن تداعب صدره وما أن عادت النظر بعيونه قالت :-
فاكر لما قولت لي لمـا بتحب واحدة ست ، بتخليها عايشـة فوق السحاب ! أنا بقا عايزة أعيش معاك في السحاب دلوقتِ .
أرخى سدودله أمام جنونها ولكنه رفض قُربها قطعًا :-
حياة أنتِ مش في وعيك ، أنا هنزل اجيب لك سيدة !
تمسكت بيده ووقفت أمامه حيث قرأ الرفض بعيونها ، دنت منه وشرعت في تقبيله بتأني ، حارب جيوش قوته وجبروته كي يخالف هواه ولكن انفلت زمام القلب والهوى وهدمت مقاومتـه ، وحلت نيران الشوق ،فـ رد القُبلة منها بقُبلتين ، ألف قُبلة وقبلة كانت من نصيب شفتيها ، لقد فجر ليال صبره بهما ، طوق روحها التي أصبحت كدواء لفؤاده العليـل ، ضمها إليه فامتلك بهـا الحياة ، طاح العقل .. ولم يتبقى منها إلا بقايا أنثى بقلب عاطفي حد الجنون .. التقى رجل النار بأنثي الجليد كم كان اللقاء مدوي صداه لولا أصوات الغناء لجذب مسامع الجميع عن تلك الثورة المُندلعة بالاثنين ، كان قُربه كالموج وكل ما كان عليها أن تغرق أكثر وأكثر ، حلت بقُربها جميع عقده وطار بها وبحبها من القمـة الي القمة ، حتى جمعهم فراش القُرب وصدح القلب وأعلنت الألسن شوقها ، سار الثنائي في طريق لا رجعـة منه ، أخيرًا تجرع ملاذ الشهد من قُربها الذي روى كل عطشه ..واستكانت روحه في حرز حضنها ..
قضت لحظات بقربه بين آهات اللوعة وصرخات الوجع ونفس المشهد يتكرر أمامها ، تارة تصل لفوق سُحب الحب وتارة تهوى في جهنم ، فجاة تتحول صورته لقاتل عذريتها وتراه ” قاسم ” ، ومرة أخرى تعود لعناقه بلهفة أقوى عندما تتأكد من هويته ، صراع بين الماضي والحاضر ، نفس الحدث ولكن شتان بين المشاعر التي باغتت قلبها وكيانها ..
التحام روحي استمر لدقائق طويلة مسلوبـة من الزمن ، استرد عاصي وعيه تدريجيًا عندما لاحظ قفل جفونها وذهابها في سباتٍ عميق ، ابتعد عنها مصدومًا ، تبدلت ملامحه عما حدث ، تكفلت بالغطاء وسحبت في خلودها المُؤقت من ذلك الصراع الطاحن الذي أصاب الذاكرة .
” بالأسفل ”
- هدير عاصي فين ؟
باتت عبلة تبحث عنه بسبب اختفائه المفاجئ من الحفل ، ضحكت هدير بسخرية :-
معرفش آكيد مع الهانم بتاعته ..
••••••••••
يجلس على الأريكة قُراية الساعة أمام صورة بطاقتها الشخصيـة التي تحوي كلمـة ” عزباء ” والمعلومات التي وصلت لها عنه بأنها لم تتزوج بعد ، ولكن ما حل بعذريـة روحها ! باتت الأفكار السواوية تأكل في خلايا عقله حتى هب صارخًا :-
أنتِ طلعتي زيهم !
أما عنها غاصت في بحر كابوسها المفزع وتذكرت تفاصيل ذلك اليوم الذي طُبق عليها حكم الإعدام ..
- أنت جايبنا هنا ليه !
على شاطيء البحر وبمكانهم الفارغ من الحشود والهواء يداعب شعرها أردفت رسيل سؤالها الاخير ، اقترب قاسم منها وقال بمكر :-
عشان أودعك !
تشبث برأسها :-
قاسم انا مصدعة أوي ، من وقت العصير ده وحاسة إني دايخة !! يلا نروح !
مد ذراعه كي تستند عليـه :-
نروح أيه ، اسندي عليا بس واقعدي يلا اقعدي ..
لم تتذكر إلا آهات وجعها وعجزها عن المقاومة ، صوت صرخات البحر وتلاطم الموج غضبًا عن اغتصـاب روح حوريته ، سُلبت روحها وسُلب معها الحياة وباتت فريسـة لمكر ذلك الثعلب الذي تسلل إلى جسدها بدافع الحب ، ثار البحر بموجة قوية افزعتها من نومها وهي تصرخ مستغيثـة :-
لا .. أبعد عني .
في الأسفل انشروا رجال الشـرطة بالمكان حتى سأل الضابط عبلة قائلًا :-
فين عاصي شهاب دويدار !
- ليه ! ابني عمل أيه يا حضرة الظابط ؟
- متهم في قتـل قاسم ابراهيم صفوان .
***
إنتهت
تقابل في الجزء التاني