تحميل رواية «غوي بعصيانه قلبي» PDF
بقلم نهال مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"لا ينبض القلب إلا لعاصٍ" قبل.. أقصد قبل أي رواية أكتبها، كان كل حرف بها موجّه لشخص ما. بالخصوص، كان لدي حبيب أرسل له حبي من خلالكم. واليوم، وبعد انقطاع دام عامًا عن الكتابة حدادًا على حبي، أكتب لكم ولم أملك شخصًا بعينه أخصه بحروفي، بكلماتي، بشوقي الذي يفترسني كل ليلة. فإذا أصابت حروفي قلبك، اعلم أنني كتبت هذا في لحظة حنين. وإن لم تصب كلماتي وأخفق سهمي في طريقه لقلوبكم، اعلموا أنني أحاول أنساه وفشلت محاولاتي كما فشل سهمي. "ما قبل البداية" معذرةً عن ضعفي المبالغ فيه للحد الذي يعجزني عن كتابة كلمة...
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نهال مصطفي
أنا لا أبكي
كُـلُ ما في الامرِ..
أن غبار الحنين قد دخلتْ عيني.
ما يميز الإنسان عن الحيوان منارة الضمير، تلك المنارة التي تبقى مُشرقة عندما تغـرب عيون الشخص ويخلد لرحلة الموت الصغيرة، حينها ينفرد بقلبه مُحارب أمام مُحارب كُل منهما يدافع عن قضيته، والمُنتصر هو من يتسلح بذخائر الخير وسيف الحق.
أما عنه وعن تَجبُره فـ ضم كل جنود تلك الحرب لـ صفه، حتى أصبحوا جميعًا يرضخون لـ قوانينه، التي لا تتحدث إلا عن المصلحة والمكاسب، وكل ما تحمله العواطف فهو خارج قواعده المُثلى.
أردف جُملته الأخيرة بهدوء قاتل لفضول العقل البشري وهو يُكررها مرة أخرى:
- زي ما سمعتي كده، أنتِ طالق يا هدير.
كان وقع الجُملة على مسامعها كـ وقع صدى الكلمات على أذني أمرأة لا تُجيد السمع، توقف مجرى الدم بعروقها وتثلجث أوصالها وهي تضحك بعدم إستيعاب:
- طالق! أنا سمعت صح! أنت أكيد بتهزر.
ثم مررت أصابعها على وجنتيه، وبـ رجفة الصدمة تلعثمت الكلمات بحلقها:
- عاصي! بص لي كده، أنا هدير، اتجوزنا أمبارح، افتكر كدا كل اللي قلته واللي حصل ما بينا! لا أنت أكيد بتهزر، أنا مش غبية، أنا واحدة ست و عارفة الفرق بين الرجل لما يكون بيحب، ولما بيتسلى.
أبعد كفوفها عن وجهه، ثم مسح على شعرها كـ قاٰتل يحوم حول مسرح الجريمة ليخفي أثارها.
عاين عيونها المُتسعة من هول الصدمة وأكمل بنبرة كـ الصراد:
- ونسيتي لما يكون متقل حبتين في الشُرب! عموما انسي كل اللي حصل دا عشان أنا كمان صحيت مش فاكر حاجة.
دب الجنون برأسها، عندما تأهب مفارقًا قُرباها، قفزت من مكانها بملابس النوم الكاشفة وشعرها المبعثر وهي تقف أمامه مستندة علي صدره العارٍ، توسلت:
- عاصي كفايه هزار بقي! أنا هعمل نفسي مسمعتش حاجة وكل اللي قلته تأثير الشُرب، وو تعالى تعالى نسافر أي بلد نغير جو، أحنا لسه عرسان جُداد.
زفر بـ ضيق محاولًا الخلاص منها ولكنها كانت ملتصقة بهِ كـ الجرادة، دفعها من أمامه برفقٍ وبنبرة حادة أخبرها:
- هدير خلاص! افهمي بقي أنا مش بحبك، عيشي حياتك بعيد عني.
تقطرت عبراتها الغزيرة ولكنها لا زالت تحت تأثير الصاعقة التي فاقت عليها، حاولت الالتصاق بهِ بآهات الترجي والتوسل غير مُتقبلة فكرة رفضه لها.
حاولت أن تُقبله ولكنه مانع ذلك منعًا تامًا.
صرخت بوجهه وهي تلهث:
- بس أنا بحبك، متعملش فيا كده! عمري ما اتخيلت أكون لحد غيرك، أنت لو زعلان مني في حاجة قولي لي ونصلحها وأنا أوعدك هنفذ كل كلامك بالحرف.. أنا زعلتك في أيه فهمني؟!
فاض صبره منها ثم قبض على مرفقيها بقوة ورجها أمام عينيه لتفيق من ثورة الجنون التي طاحت بعقلها وقال جاهرًا بقسوة:
- هدير فوقي! أنتِ كنتِ لي مصلحة وخلاص خدتها، يعني وجودك على ذمتي ساعة زيادة ميلزمنيش، افهمي بقا.
جتم جُملته كـ صرير الرياح القوي وهو يطير الكلمات من ثغره ثم رماها بقوة في منتصف الفراش دون أن يلتفت لها مهتمًا أو مُشفقًا على حالتها.
اتجه نحو خزانته وهو يطلق صفير السعادة متجاهلًا أمر الزجاجة التي هشمها بدون مقصد.
قد يتمرد قلب المرء منا على عيشته وأيامه، و يفر هاربًا من قسوة حياته إلى نعيم المجهول، ظنًا منه بأنه اكتسب حصانة قوية يمكن أن يواجه بها ما يقابله ويتغلب عليه أيضًا، ولكن تلك أكبر خديعة للعقل، من امتلك القوة حقًا فـ الأفضل له أن يغير بها واقعه الحرج لا يهرب منه! لأن الفرصة الثانية التي يمنحها العقل للقلب الهارب مُرعبة للغاية، لـ هول ما تُخاطر به تلك المرة، إنه عُمرك!
فاقت عالية من نومها على صوت قفل الباب بـ قوة، كانت راقدة على الأرض بجوار الطاولة الدائرية الصغيرة بالمطبخ، من كثرة بُكاءها غرقت عينيها في ظلمة النوم كي تستريح قليلًا من نزف الحزن بيهم.
حاولت النهوض بتثاقل وكأن ثقل صخرة فوق جسدها مستندة على أحد المقاعد الخشبية.
أخذت خطوة النهوض منها القليل من الوقت والكثير من الآهات وأنين التوجع.
مجرد ما وقفت على ساقيها لم تتحمل الاستمرار للحظة بل جلست بسرعة على طرف المقعد ممسكة بجنبها الأيمن بقوة فـ لم تستطع تحمل الألم أكثر، رفعت جفونها الذابلة وأخذت جولة سريعًة في أركان البيت حولها ثم أغمضت جفونها سريعًا كي تمحي ذكراها القاسية.
تمردت على عذابها الجسدي والنفسي ثم وقفت بصعوبة بعد ما تحررت من حذائها المؤلم وبدأت رحلة تجولها بـ الشقة الكبيرة باحثة عن المرحاض، فارقت المطبخ وسارت جهة اليسار قاطعة الممر الطويل الذي كان يختتم بغُرفته.
اقتربت منها بخوف وهلعٍ إثر أنوارها المتقدة، وما أن وقفت على أعتابها اندهشت لـ فوضى وعبث الغرفة أمامها، رمقتها بعيون فاحصة وبعقل يُترجم لها ما تشاهده نافيًا انتماءها لجنس بشري، فـ كانت الغرفة أشبه بحظيرة للحيوانات.
تنفست الصعداء عندما تأكدت من عدم وجوده بالمنزل، وأنها ستنعم بالحرية لساعاتٍ مجهولة العدد، ولكنك إذا نجوت من الغرق سيظل الماء يُخيفك باقي عُمرك.
سقطت عينيها على الباب يمينها ثم فتحته فوجدت ما تبحث عنه، بمجرد دخولها أحكمت قفل بابه بالمفتاح ثم انفجرت بحيرة البكاء من عيونها عندما تفقدت هيئتها بالمرآة، شرعت في نزع ما ترتديه وإذا ببقع الحزن الزرقاء تملأ جسدها، أخذت تمرر أصابعها عليهم بشفقة كمن يعتذر لنفسه عما فعله بها.
تدلت أنامها إلى خصرها وبالأخص يمينها الملون بزرقة الظلم حتى أنها عجزت على تحمل الألم به بمجرد لمسه، قفلت جفونها بخيبة أمل سحيقة ثم تركت أوجاعها للماء ربما تهون تلك الحرائق الناشبة بجسدها.
أما بالأسفل خرج مُراد من جراج البناء العملاق بصوت سيارته الصاخب معانيًا من صداع الذنب بما فعله بتلك الفتاة أمس، فجأة أوقف سيارته إثر استمرار صوت رنين الهاتف ورنين ضميره، فأمسك بهاتفها الذي سقط منها ليلة أمس ووجد هوية المُتصل "تمـيم".
ظل ينظر بالشاشة حتى توقف الرنين ولكنه سرعان ما عاد الصوت مرة أخرى، تحرك إبهامه على الشاشة مُجيبًا على اتصاله، فأتاه صوت تميم بلهفة:
- عالية أنتِ كويسة! ألو!
صمت للحظة ثم أجابه بصوت خفيض:
- عايز إيه يا تميم!
انفعل "تميم" من فوق مقعده صارخًا:
- مُراد! اسمعني عالية ملهاش ذنب باللي بينك وبينا، عالية غيرهم يا مُراد.
زفر مُراد بجزع ثم قال بصوت مُريب:
- أختك كويسة، حاجة تاني!
نبرته ثارت الحيرة بعقل تميم ثم طلب منه:
- عايز أكلمها، هي فين؟
زفر مُراد بضيقٍ:
- أنت متصل بـ اتنين عرسان الساعة 10 الصبح، تتوقع عالية هتكون فين غير في السرير نايمة.
جُملته كانت غريبة وغامضة على أن يستوعبها عقل تميم الذي خضع أمامه راجيًا:
- مُراد طلع عالية من الحوارات دي كلها واللي أنت عايزه أنا هعملهولك!
- اللي عايزك تعمله كُان المفروض تعمله من زمان يا تميم، بس أنت اللي غدرت! اااه متتصلش تاني اليومين دول عشان مسافرين شهر عسل.
ختم الحوار بينهم بهذه الجملة ثم أغلق الهاتف نهائيًا ورماه في صندوق السيارة أمامه يتذكر خطايا الماضي التي تعرت أمامه!
جهر تميـم بصرخة قوية بـ اسمه في الهاتف ولكن دون جدوى، دنت "شمس" منهم ثم أخذت الهاتف وطلبت منه أن يهدأ، فـ ظل يهذي بسبات غير مفهومة حتى ختمها متوعدًا:
- ورحمة أمي ما هـ رحمك يا مراد!
شمس بتحيرٍ:
- ممكن تهدى! فهمني قال لك أيه؟
- قلبي مش مطمن يا شمس، الهدوء اللي بيتكلم بيه يقلق، وأصلا تليفون عالية معاه ليه!
تجاهلت شمس أشواك القلق بداخلها وأخذت تطمئنه:
- مش يمكن فعلًا اتفاهموا؟
عارضها رافضًا:
- مراد لحمه مُر يا شمس، ومستحيل يتغير من يوم وليلة، دا تعبان أنا عارفه كويس، لدغته والقبـر.
أطبقت جفونها كي لا يقرأ وسواس الخوف بداخلهم ثم تنهدت بـ رقة وقالت:
- بس نسيت حاجة مُهمـة، أن عالية قُريبة من ربنا، وربنا عز وجل الـ بيتولى أمر "النعاب" بعد ما أبوه وأمه يتخلوا عنه تفتكر هينسى قلب "عالية" الأبيض ورقتها، أنا وأنت مفيش حاجة في إيدينا نعملها غير الدُعا!
شرد تمـيم في كلامها ثم قال بأسف:
- تصدقي أول مرة أكره عجزي! كنت بتعامل معاه الأول على أنه رحمة ونجاة من سواد الحياة بره! دلوقتِ بقى الحديد الـ مكتفني عشان أنقذ أقرب الناس ليـا.
- هصدقك، كُلنا مر علينا لحظات عجز، مش شرط يكون جسدي، ساعات الدنيا بتكتف إيدينا ورجلينا وأحنا بكامل صحتنا، كل واحد منا جواه جانب عاجز ممكن يكون واضح للناس وممكن يكون مختفي.
بدأت حروف قلبها تفيض بدلًا من حروف لسانها ثم أتبعت بعد لحظات من الصمت تستجدي فيهما قوتها:
- يعني أنت بالرغم من تقيد حركتك، إلا أن قلبك حُر، ولسانك وفكرك، كل حاجة جواك حريتها مُغرية للسلام الداخلي.. في ناس كتير بكامل صحتها لكن عمرها ما لمس قلبها جناح الحرية والسلام.
وجودها هون على قلبه جمر الكارثة التي حالت على قلبه، حيث ترمد الجمر في سلامها متحولًا لورد، تأملها بإعجاب شديد ثم قال مُعبرًا عما يحسه:
- أنتِ معدنك جميل أوي يا شمس، بس حظك هو الـ…
ضحكت "شمس" مستهلة كـ شروق النور من خلف الضباب وقالت ممازحة:
- ماله حظي بقى!
أجابها بفُكاهةٍ:
- رماكي في قصر دويدار!
تبسمت بـ رقة ثم جادلته قائلة:
- وما نقولش ليه ده من حظك الحلو! أن لقيت حد يواسيك دلوقتِ.
ثم نهضت من مكانها وتمسكت بـ مقعده المتحرك وأكملت:
- اتعود دايمًا تبص على نص الكوباية المليان!
تحركت بمقعده بدون إذن منه مما جعله يلتفت متسائلًا:
- هنروح فين؟
- هننزل الجنينة تحت، الجو حلو أوي، وأنت محتاج ڤيتامين D.
عمت الزغاريد المندلعة من جوف "جيهان" وأحدى الخادمات خلفها أركان القصر وهي تسير في مُقدمة الفتيات اللاتي يحملن أشهى المأكولات والمشروبات وغيرها من الملابس الجديدة، فلم يتوقف الصخب حتى بعد ظهور "عاصي" أمامها بل تضاعف.
بمجرد ما رأته "جيهان" عانقته بفرحة عارمـة وأخذت تنفض ملابسه الرسمية كتفيه بحب ورفق وهي تهنئه:
- صباحية مباركة يا حبيب خالتك! أي سايب عروستك ورايح فين!
بجمود كـ من لا يفعل شيء:
- عندي شُغل والله يا جي جي.
اتسعت عيونها بذهول واعتراض:
- و ده بردو كلام يا عاصي! يا حبيبي وهو الشغل هيطير!
ربت على كتفها مُسايسًا:
- ساعة وراجع، مش هطول!
تبسمت جيهان ثم همست له:
- العروسة صحيت ولا لسه نايمة في العسل!
وسع الطريق من أمامها وقال بـ براءة:
- طبعًا صاحية، ادخلي شوفيها، يلا بعد إذنك.
انصرف "عاصي" سريعًا من أمامها ولم تصل أقدامه إلى أرضية الطابق السُفلي فـ تحولت فرحة جيهان إلى صريخ وعويل يطرد ما تبقى من الفرح بجوفها.
لم تتوقف خُطاه عن السير بل أكمل طريقه بـ تجاهل تام مُناديًا على أحد الحرس كي يستعد للذهاب معه.
ركضت جيهان نحو ابنتها صاحبة العيون المتورمة من كثرة البُكاء بعد ما طردت الخادمات و انفجرت بشلالٍ من الاسئلة في وجهها:
- يعني ايه عاصي طلقك! وليه؟ أنتِ عملتي له أيه؟
ثم ندبت على وجنتيها بجنون:
- يا بنت انطقي بدل ما أنا بكلم نفسي كدا!
تدفق العويل من جوفها وهي ترتمي بحضن أمها وتبث حزنها:
- طلقني يا ماما، طلقني.
- طيب احكي لي طيب حصل ايه؟ صحى الصبح كدا قال لك أنت طالق؟ دا كلام يخش العقل!
قنطت من استجواب أمها ثم ثرثرت بوجع:
- ايوه يا مامي صحى الصبح قال لي طالق! أنا معرفش أيه حصل أحنا كُنا كويسين، معرفش أيه حوله..
ثم صمتت للحظات وقالت بغلٍ تحاوطه نيران الشر:
- مامي مفيش غيرها اللي ما تتسمى البنت اللي تحت، هي اللي كلمته الصبح عشان كدا اتجنن، وبقى مش شايف قدامه، هو بيحبني أنا متأكدة! بس البنت اللي تحت دي هي السبب، هي اللي خلته يطلقني!
ثم حدجت عيونها بنوايا الانتقام:
- البنت دي لازم تتربى! لازم تعرف يعني أيه تاخد حاجة تخص هدير المحلاوي، يا أنا يا البنت دي في القصر.
حاولت جيهان أن تهدأ من ثورة ابنتها ثم قالت ناصحة:
- طيب استني بس هكلم خالتك عبلة، ونشوف رأيها، وساعتها محدش هيرحم البنت دي من تحت أيدي.
"في حديقة القصر"
قد يحدث إننا نقطع العديد من الطُرقِ بدون وجهة مُحددة، أن نتخبط بدروب الأيام و ما تحمله بين يدي الليل والنهار، همنا الوحيد هو أن نعتاد على خُطواتها المفاجأة ونتقبلها كما هي، وليس الوصول إلى جهة بعينيها!
جلست "شمس" بمحاذاة تميم وشرع كُل منهما في شغل نفسه بشيءٍ يهمه، قد استعارت منه أحد الكُتب، أما عنه انشغل بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي حتى أصابته شهوة الحديث معها مُجددًا، قفل هاتفه ثم سألها ليشق طريقًا جديدًا للحوار المثير للعقل بينهم وقال:
- غريبة! سبتي كُل الكُتب اللي تناسب فكركم كـ بنات و أخدتي كتاب عن التاريخ!
سؤاله جعلها تتوقف عن القراءة وهي تقفل الكتاب مُحتفظة بالصفحة التي وصلت إليها وقالت بابتسامة ساحرة:
- وهي أيه الكُتب المناسبة لينا كـ بنات.
تأرجحت أنظاره فوق أشجار الفكر ثم قال برتابة:
- يعني أغلب البنات بتهتم بالرواية، وقصص الحُب، والكُتب الرومانسية كمجمل يعني!
تنهدت بحرارة أفكاره وقالت:
- مش بحب أقرأ عن حاجة مش مؤمنة بوجودها!
- مش فاهم! يعني أيه مش مؤمنة بوجودها!
وضعت الكتاب على الطاولة أمامها ثم سردت على مسامعه معتقداتها:
- الحُب أكبر خُرافة يصدقها الإنسان.
ثم التوى ثغرها بضحكة ساخرة و أكملت:
- وبعدين يزعل ويندب حظه لما يصحى من نومه يلقاها مش موجودة، أو يكتشف حقيقة أنها وهم.
تابع تفاصيل حركاتها بدقة واهتمام حتى غاص بهما مُتحيرًا من أمرها:
- يعني ايه وهم! الحُب ضروري عشان نعرف نعيش يا شمس!
- معنى كده أن اللي ماحبش مات! مش بقول لك خُرافة!
توغل في التيه إثر حديثها الغامض وقال:
- أول مرة تقولي حاجة مش متفق معاكِ فيها، الحُب هو حياة القلوب الميتة!
- وأنت الصادق، الحُب هو مـٰوت القلوب الحية!
قيس حب ليلى لحد ما مات على قبرها.. عنتر حارب الدنيا عشان عبلة، روميو وجوليت ضحوا بـ حياتهم عشان الحب، ومع ذلك الحُب بخل أن يجمعهم حتى لـ ليلة! دا ليه؟ لانه وهم! أنت مستني مكافأة من حاجة ملهاش وجود!
ذاق حلاوة الحديث بينهم ثم قال متحمسًا:
- لا شكل الموضوع كبير وأنا لازم أعرفه، أيه رأيك تروحي تقوليلهم يعملولنا اتنين قهوة ويا تقنعيني يا اما اقنعك النهاردة!
أومأت بالموافقة ثم قالت:
- تمام، وكمان ده معاد دوا، هروح أجيبه بالمرة.
طارت من جواره بخفة الطير ولكنها سكبت برأسه أفكار بثقل جبل، من أعلى تُراقبهم حياة بفضول تام، ربما وجدت شيئًا يشغل تفكيرها، ثم نظرت إلى الفتيات اللاتي يلعبن أمامها وقالت متسائلة:
- مين دي اللي في الجنينة!
أردفت تاليا بسرعة وحماس شديد:
- ده أونكل تميم، واللي كانت معاه دكتور شمس.
ثم تدخلت داليا مُكملة:
- دكتور شمس طيبة أوي زيك كده، أيه رايك نجيبها هي كمان تلعب معانا!
داعبت "حياة" شعر الفتاة الناعم بمرحٍ ثم وقفت لـ تستكشف بأنظارها الثاقبة القصر العملاق والحراس الذين ينتشرون بجميع أرجائه.
بالطابق السُفلي تعثرت "شمس" بـ "يُسري" الذي عاق خُطها وسحبها خلفه رغم عنها، تملصت من قبضته محذرة:
- شيل ايدك من عليا يا حيوان.
دفعها يسري صاحب الملامح الحادة التي يحشوها المكر، وقال منبهًا:
- وطّي صوتك يا دكتورة.
شدة شمس ذراعها من قبضته بصعوبة ثم سألته:
- أنت عايز مني أيه!
غمز له بطرف عينه:
- أنت، عايزك أنتِ.
رمقته بأسهم الخسة والاحتقار:
- أنت عارف لو قربت مني تاني، أنا هندمك علي اليوم الـ قابلتني فيه!
مال نحوها وبصوت هامس أردف:
- عارفة أنت لو قربتِ مني وسمعتي كلامي هـ تشكري ربنا علي اليوم الـ قابلتيني فيه.
- أنتوا بتعملوا أيه؟!
هُنا فصل بينهم صوت "عبلة" التي رمقتهم بأسهم الشكِ المُريبة، اعتدلت قامة يسري وهو يهندم ملابسه وقال محتجًا:
- الدكتورة عايزة تسيب تميم بيه وتمشي، كُنت بـ حذرها من غضب عاصي بيه.
راقت الكذبة لـ فكر عبلة وقالت ساخرة:
- ليه هي شبرا هواها بحري وهوا القصر مش جاي على مزاجك يا حلوة!
ابتلعت "شمس" شعور الإهانة ثم رمقتهم بتحقير وانصرفت من أمامهم، ثم توجه يسري إلى عبلة مطمئنًا:
- متشغليش بالك يا هانم، كُله تحت السيطرة طالما يسري موجود.
- أنت بتعمل أيه هنا، مش المفروض تكون في الشركة!
أومأ بطاعة متححجًا:
- البيه نسى ملف مهم جيت أخده!
هنا أتاها صوت جيهان موبخًا:
- تعالي يا عبلة شوفي البيه ابنك عمل أيه!
خرجت "عالية" من المرحاض بعد ما أخذت حمامًا طويلًا ولكنه لم يعد كافيًا لذوبان صخور الهم من فوقها، ما كادت أن تخطو خطوتين فـ تسمرت إثر صوت المفتاح بالباب، دب قلبها شعور السجين الذي ينتظر دكة مفاتيح جلاده، التصق ظهرها بالحائط وهي تترقب دخوله من الباب الذي يحجز بينهم حتى ظهر بهيئته المروعة رغم وسامته و صلابة بنيته إلا أن الغضب والكره حول معالمه لـ وحشٍ يهابهُ الجميع.
بللت حلقها وهي تراقب خُطاه بعد ما قفل الباب، ثم عاد ليحكم غلقه جيدًا كي لا تهرب متجاهلًا وجودها و سار إلى غُرفته، وقف أمام الخزنة و أدخل رقمها السري، ثم أخرج من قلبها بعض الأوراق وما كان أن يغلقها و يدير وجهه فـ باغتته متمردة:
- أنت اتجوزتني ليه! أكيد مش عشان تسجني هنا!
وقف أمام المرآة ثم رش القليل من العطر وقال:
- متجوزك تصفية حساب! تار قديم كده!
طالعت عيونه القاسية بالمرآة فـ تعثر بعيونها الذابلة وهي تعاتبه:
- ليه! أنا اذيتك في أيه؟ ليه تعمل فيا كده؟
- يمكن عندك حق و مالكيش ذنب، بس ذنبك الوحيد إنك أخت عاصي دويدار.. وأبوكي شهاب دويدار.
دنت منه خطوة:
- أنا معرفش هما عملوا فيك أيه للكُره دا، بس اللي أعرفه أن التار بيخلص من الرجالة! وصمة عار أوي في حقك أنك تخلصه من واحدة ست!
ختم جُملتها بـ لطمة قوية على وجهها ثم انهال على شعرها بعنـٰفٍ وهو يلفها تحت يده بجبروت:
- مش ناقص غير واحدة زيك تقول تغلط فيا وتديني حكم ومواعظ!
تجاهل صرخاتها وتوسلاتها تحت قبضته الشرسة وحركها بـ دون رحمة مواصلًا:
- اسمعيني يا بت، دورك هنا دور خدامة متنسيش نفسك، أنا أصلًا قرفان من وجودك في بيتي!
صرخت تحت يده مستغيثة:
- ولا أنا متحملة أشوف وشك سبني بقي! أنت مستحيل تكون بني آدم!
دفعها بقوة حتى ارتطمت بأحد ضُلف الخزانة متأوهةً من قسوة الألم وجهر محذرًا:
- أحسن لك تتقي شري، ومتستعجليش، هرميكي أول ما أخد منك اللي عايزه.
ألم جسدها سلب عقلها من الاهتمام بالرد عليه، بل أخذت تتلوى من شدة و جهامة الكدمات بجسدها، مجرد ما ألقى قائمة أوامره انصرف من أمامها بعد ما أخذ الاوراق التي عاد لأجلها.
تابعت خُطاه بتمرد أنثوي مستندة على عكاز الألم وما أن غادر وقفل الباب بإحكام، فأسرعت وشدت ترابيس الباب من الداخل متوعدة بحرقة:
- دا أن عرفت تدخل هنا تاني!
ثم أشفقت على حالتها الصعبة وجلست خلف الباب جالسة كالقرفصاء تتمنى أن كل هذا يكون كابوسًا وستفيق منه يومًا ما.
"عودة إلى القصر"
ذهبت "عبلة" إلى غرفتها وأخرجت سلاحها من خزانتها الخاصة ثم عادت إلى جيهان وابنتها اللاتي يشتعلان بدخان الحقد، ربتت جيهان على ظهر ابنتها:
- متقلقيش، حقك هيرجع تالت ومتلت، واللي عمله عاصي دا هيدفع تمنه أضعاف.
مسحت "هدير" عبراتها وقالت مبررة:
- يا مامي كله من تحت رأس البنت اللي جايبها دي، هي اللي واكلة دماغه.
همست جيهان بـ شرٍ في آذان ابنتها قائلة:
- زي ما خلصتك من مها، هخلصك منها، أنت في ضهرك جيهان المحلاوي.
هنا أتت عبلة حاملة مسدسها الكاتم للصوت ثم قالت بـ حقد:
- البنت دي اخر يوم ليها في القصر النهاردة، مش أنا اللي تضحك عليها يا عاصي وتأكلها الأونطة.
ثم شدت هدير من ذراعها بقوة و أكملت:
- تعالي رجعي حقك بنفسك.
تحرك ثلاثي الشر ناحية غُرفتها ولكن أوقف عبلة نداءها على نوال لتذهب معهن، تقدم لهب الانتقام خُطاهم حتى فتحت جيهان الغرفة بقوة، هنا جهرت عبلة آمرة:
- نوال خُدي البنات واطلعي بره!
صرخت تاليا بذهولٍ:
- نانا أنتِ ماسكة مسدس ليه!
هتفت "عبلة" بنفاذ صبر:
- نوال قُلت لك خدي البنات واطلعي بره.
تحركت "نوال" امتثالًا لأوامرها وشدت البنات بقوة، من حملتها رغم عنها، ومن جذبتها من ذراعها بقسوة وجفاء، عارضتها "حياة" وعنفتها:
- أنت مجنونة! شيلي أيدك أزاي تمسكي البنات كدا!
هنا أمسكت بها "عبلة" ووقفت أمامها بوجهها الأخر:
- سيبك من البنات وخليكِ معايا هنا!
قفلت "نوال" الباب خلفها بعد ما أخرجت الفتيات من الغرفة، عضتها تاليا في يدها بحدة مما جعلتها تلتهي في ألمها وأمسكت بيد أختها وركضا معًا إلى أسفل هاربين من بطش تلك السيدة عديمة الرحمة.
تسمرت "حياة" مكانها وهي تراقب شرور الانتقام بأعين جيهان وهدير، تراجعت خطوة للوراء وسألتهم بقلق:
- أنتوا عايزين مني أيه!
في تلك اللحظة ثار جنون هدير فانهالت عليها بالضرب المبرح دون منحها فرصة للدفاع عن نفسها، ظلت تلهث وتضرب بحرقة وهي تصيح بامتلاكها له:
- عاصي بيحبني أنا، أنت مين عشان يبص لك.
حررت كلا من جيهان وعبلة "حياة" من تحت وطأة يد هدير بصعوبة بالغة، وما كاد "حياة" لتتطاول عليها كي تأخذ حقها أوقفها عبلة مصوبة السلاح بوجهها وقالت بحزم:
- شوفي يا بت أنت، سبق وجيت بالذوق، مسمعتيش الكلام، يبقى المرة دي أنت اللي اختارتي!
ثم أكملت جيهان حملة التهديد:
- قدامك حل من الاتنين يا تمشي من هنا بمزاجك، ياما هتدفني مكان ما أنت واقفة!
استندت "حياة" على أحد المقاعد تأخذ نفسها بصعوبة وشعرها يغطي وجهها ثم قالت مهددة:
- أنتوا فاكرين اللي حصل ده هيعدي كدا! تبقوا غلطانين أنا ما بتهددش.
هزت عبلة رأسها كأنها تفهمت شيء ما:
- نظريتي فيكي ما خيبتش، واضح أنك متعلمتيش تكلمي أسيادك ازاي بس أنا هربيكي من أول وجديد!
ثم أشارت لجيهان بنظرة فهمتها جيدًا، وهجم الثنائي عليها كل واحدة منهم من جهة، وأشارت لـ هدير بتنفيذ بقية خطتهم، ركضت الأخيرة وأخذت تفتش بـ ألعاب الفتيات حتى أمسكت (السكوتر) الثقيل، وبكل ما أوتيت من قوة أخذت تضــٰرب على بطن "حياة" بدون رحمة ولا شفقة.
أخذت تستغيث بشفتان تلهجان من شدة التوجع والأخيرة لم تتوقف عن التخبط ببطنها بانتقام صارخة:
- كده نقرأ الفاتحة على روح اللي في بطنك.
بين كل الهجمات الشديدة على بطنها، وغلق جفونها بين اليقظة والإغماء تذكرت ذلك الصوت القوي الذي حذرها صارخًا على أحد المراكب "خلي بالك يا رسيل".. في تلك اللحظة خرت كل قواها فسقطت أرضًا مُغيبة عن الوعي.
نظر الرجلان لبعضهم ثم أردف أحدهم بخوفٍ:
- بس عاصي باشا!
رفعت سلاحها بوجههم وهتفت آمرة:
- اللي بقوله يتنفذ، يلا أنت وهو مش عايزة كلام كتير.
جر الرجلان "حياة" من أكتافها بقسوة حتى مسحت ركبها ممر خُطاهم، هنا جاءت "شمس" بصحبة الفتيات فوجدتهم يحسبونها ناحية الباب الرئيسي للبيت، وقفت مكانها مندهشة من ظلم ما رأت وكأن صاعقة من السماء نزلت فوق رأسها.
ذهبت عيونها نحو هدير وجيهان وخلفهم عبلة وهم يتبعون خطاها بشماتة وشر حارق ويشيعون جثمان ضحيتهم إلى مثواها الأخير، فاقت من هول صدمتها وهي تلحق بهم راكضة لتنقذ تلك المسكينة التي وقعت فريسة للانتقام.
وصل الرجال بحياة إلى دهليز البيت إلى أن وجدوا سيارة "عاصي" تندفع أمامهم بأقصى سرعة ممكنة، ألقوا جسد حياة أرضًا ثم تفرق شملهم.
تسمر ثلاثي الشر بمكانهم بمجرد رؤيتهم لعاصٍ الذي هبط من سيارته كرصاصة انطلقت من فوهة المسدس أثناء حرب طاحنة.
وهنا كانت "حياة" مُلقاة أرضًا تتقيء دمٰــاء الافتراء والظلم تحت عرشه.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نهال مصطفي
كُنت ساذجة في حُبك لدرجة مُثيرة للضحك.
كنت أتتبع سخافات الأبراج يومًا بيومٍ، وأُكثر من شُرب القهوة لأرى ما يريد أن يخبرني به فنجاني عنك.
وأبتاع الجرائد يوميًا كي أطلع على صفحة حظك اليوم، وأغري قارئة الكف بالعديد من النقود ربما تأتي بِـ قميص بشراك لـ عين ابيضت من شدة الانتظار.
أعترف أنني كُنت لقمة شهية لبائعي الأحلام والأمنيات!
لكن همي الوحيد كان وقتها كي أعلم.. هل أنتَ لقلبي.. أم للنسيان؟
الرسم يحتاج ورقةً وقلم رصاصٍ وسبعة ألوانٍ، أما الكتابة فتحتاج جرحاً وورقةً وقلم رصاص.
هذا ما قاله محمود درويش عندما سأله المذيع في أحد اللقاءات عن سبب تركهِ لهواية الرسم وتوجهه للكتابة.
إذًا…
"لا يعود المرء للكتابة وهو بخير، الذي يكتب يعالج نفسه من شيءٍ ما."
تلك الكلمات كانت تحويها أحد دفاتر "رسيل" الخاصة.
كان سطر واحد في منتصف الصفحة بخطها "الريحانى" المميز الذي أبدعت في تعلمه.
أخذ "فريد" يفتش في ممتلكاتها الخاصة، ويطلع على أسرارها التي لم تتحرر منها إلا للصفح البيضاء التي تزينها بخبايا قلبها.
كانت الجملة التي قرأها "فريد" فضل كبير في إثارة فضوله ليكشف أسرار تلك الحورية التي لم ترافق في حياتها أحدًا سوى دفاترها.
قلب الورقة وشرع في قراءة رسائلها للشخص المجهول ولـ بطل كل رواياتها كما كانت توهم الجميع حول هوية "قاسم".
وكانت رسالتها الأولى له:
"لِمَ تُعاتبني الآن! كوني صامتة دائمة هل يعني ذلك رضائي بكل ما تفعلهُ! لقد كُنت صامتة يا سيدي ولكني لم أكن عمياء!"
تحير "فريد" حول هوية ذلك البطل الوهمي الذي خُلق على الورق، ولكنه لا يعلم لماذا تسربت أبخرة الغيرة إلى قلبه.
كاد أن يقلب الصفحة الأخرى ولكنه توقف إثر دخول يونس المفاجئ.
صاحب العشرين عامًا من الوحدة، اقترب نحوه وسأله بنبرة حادة:
"مالك بحاجات رسيل يا فريد!"
قفل فريد الدفتر ثم تحركت جفونه الحزينة وقال متأثرًا:
"وحشتني يا أخي! بدور عليها وسط الكتب والحروب وكل حاجة بتحبها! أنا لحد دلوقتِ مش متقبل فكرة أنها راحت يا يونس!"
اغرورقت عيون يونس بعجز ثم هتف باكيًا:
"كل اللي كانوا على المركب خرجوا إلا هي، ملهاش وجود فـ البحر، مفيش ليها أثر في أي قسم شرطة ولا مستشفى. أنا هتجنن هتجنن يا فريد، أنا مش باقي لي غيرها. لا عارف أنام مطمن لاني لسه ماشفتش جثتها، ولا أخاف لاقضي عمري كله أدور عليها!"
حضنه فريد بقوة كأنه يود مواساة نفسه أولًا بأي شيء يحمل رائحتها ثم قال متأملًا:
"قلبي بـ يقول لي أنها عايشة وبتتنفس زينا! أنا قلبي حاسس أنها موجودة لسه."
تدلت أنظاره لأسفل إثر صوت سعالها القوي وتقيؤها صبار الوجع تحت خيمته.
ثم رُفعت عيناه الباترة لتراقب المشهد المُريب حوله.
اختبأت "هدير" وراء أمها بعيون قفز بها شبح الخوف.
ولم يختلف الحال بالنسبة لـ "عبلة" التي تسمرت في مكانها ولم يتجول بها إلا عيونها الحاقدة.
عادت أنظاره مرة أخرى لتلك الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة.
ثم تلاقت عيناه الفظ بملامحها المهزومة التي تُقر بها أن جميع أغصاني المتمردة كسرتهـا الرياح!
شيء ما بداخله ذكره بـ تفاصيل مدفونة بقلبه.
تلك النظرة أحيت به ألف شخص مـيٰت تعمد تكفينه كي يُحيي شخصًا آخر به يقف صلدًا بوجه جميع الزعابيب القادمة.
تذكر رجفة يد "مها" وهي تتخذ أنفاسها بصعوبة، وصوت العجز يرفرف بنبرتها وتتراجاه:
"خايفة يا عاصي، خايفة ادخل العمليات مخرجش تاني! خايفة اسيبك لوحدك تخدعك الدنيا وتوه في عتمة أيامها.. أنا مش خايفة من الموت، أنا خايفة اسيبك لوحدك."
ثم صمتت طويلًا كي تستجمع كلماتها المتقطعة:
"أوعدني، أوعدني أنك مش هتتغير، أنك مش هترجع عاصي القديم اللي عرف النور على أيديا!"
ثم أختتمت جملتها راجية:
"سامحني، سامحني لاني كذبت عليك.. بس كنت عايزة اسعدك حتى ولو كان الثمن حياتي."
هنا فاق "عاصي" من دوامات ذكرياته، وبنفس الرجة التي أصابت قلبه من قبل، تتكرر الآن.
مال بـ عجلةٍ وحملها بين يديه، أحس أنه بين عيون امرأة لا يجب خسارتها أبدًا.
شعور الاستحواذ سيطر على فؤاده وهو يضعها برفقٍ داخل سيارته.
وأشار برأسه لـ "شمس" الواقفة مشدوهة من هول الموقف، فتفهمت ما يقصده.
ركضت سريعًا إليها أخذت تتحسس نبضها وتقوم بالإجراءات اللازمة.
وعلى المقابل؛ اهتم عاصي بأمر الرجال الذين تطاولت أيديهم على شيء يخصه.
صاح بصوتٍ كالرعد وهو ينهرهم:
"مين اللي عمل فيها كده؟!"
انخفضت أعين الرجال بحرجٍ وأجاب أحدهم:
"أحنا نفذنا أوامر عبلة هانم!"
في تلك اللحظة اخرج سلاحه من وراء ظهره و ختم "عاصي" جملة الحراس برصاصة طائشة في ساقه ونهره:
"و دي عشان تعرف أن الأوامر بتتاخد مني أنا وبس!"
هنا صرخت "شمس" من الخلف:
"لازم تروح المستشفى فورًا."
ادخل السلاح مكانه ثم أمر بعض رجاله بـ شرٍ حارق وصلت شظاياه لقلوب الجميع، كل منهما منتظرًا مصيره الوخيم.
جهر آمرًا:
"تاخدوا الاتنين دول للاسطبل لحد ما ارجع لهم!"
ثم اتسعت عيناه نحو أمه وخالته وابنتها وارتفعت نبرة صوته صارخًا:
"ومش عايز مخلوق يدخل أو يخرج من القصر حتى لو كانت عبلة هانم! فاهمين!"
بمجرد ما انتهت من إلقاء لائحة أوامره عاد إلى سيارته وقادها بأقصى سرعة ممكنة وهو يطالع تلك الحورية التي تتلطخ في دِمـاء الظُلم، وترجع أنفاسها بمعاناة شديدة.
زاد من سرعة سيارته وهو يخبرها:
"استحملي عشر دقايق ونوصل."
هنا لم تتحمل المزيد من القسوة، وشراسة أنياب الألم الذي تمكن من جسدها وأخذ ينهش به كحيوان مفترس بدون رحمة.
أغمضت جفونها باستسلام حتى فقدت وعيها تمامًا.
إغمائها ثار بركانًا آخر برأسها عندما تكرر الموقف أمامه ورؤية تلك العيون تُقفل أمامه وهو عاجزٌ عن إنقاذها.
ضرب مقود السيارة بقوة متوعدًا:
"والله لاوريكم!"
اجتمع ثلاثي الشر بالغرفة وكل منهما يكاد أن يجن من فرط القلق.
يقال بأن السحر انقلب على الساحر، وهذا هو انتقام الدنيا الهادئ والحكيم، رد الصفعة بالصفعة ولو بعد حين!
أمسكت هدير برأسها وأخذت تتحسس درجة حرارتها التي تتصبب عرقًا وتعول بحسرةٍ:
"يانهار مش فايت! عاصي ممكن يودينا ورا الشمس!"
التفتت جيهان نحو أختها وسألتها:
"هنعمل أيه يا عبلة! هنفضل متكتفين كدا! مستنين قدرنا من ابنك!"
ثم تفوهت هدير مقترحة:
"أحنا نقول أنها مدت أيدها عليكِ، ودا مبرر لتصرفنا، وآكيد عاصي مش هينصف واحدة زي دي على أمه!"
أشعلت عبلة سيجارتها ثم قالت ببرود لا يتناسب مع الموقف:
"أنتوا قلقانين ليه؟ عاصي لازم يعرف أنه بيلعب مع مين! أنا مش عيلة صغيرة عشان يخدعها ويرجع في كلامه! هو اللي وصل الأمور لكدا مش أحنا!"
اتسعت أعينهم بذهول من جمود عبلة وعدم خوفها من عواقب فعلها.
أردفت جيهان بريبة:
"يعني أيه يا عبلة! قصدك عاصي هيعديها كدا! تبقي متعرفيش ابنك!"
أخذت نفسًا طويلًا من لفافة التبغ وقالت بعدم اهتمام:
"أنتوا اللي مديين الموضوع أكبر من حجمه! روحوا عيشوا يومكم ومتقلقوش، عاصي مش هيقدر يعمل حاجة، جمدوا قلبكم شوية، لسه أحنا مش عملنا حاجة!"
جيهان بنبرة مريرة:
"عبلة أنت ناوية على أيه!"
شردت في دُخان انتقامها وقالت:
"اطمنوا، عاصي مش هيقدر يعمل حاجة، وبعدين أيه يعني بنت قليلة الأدب واتربت!"
"شمس! أنتِ كويسة، هتفضلي ساكتة كدا؟!"
أردف تميم سؤاله متحيرًا من أمر شمس الشاردة، المرتجفة، التي تصرخ ملامحها بحزن تسعين عامٍ، لا زالت تحت سطو صدمتها.
تتخيل حالة الفتاة التي أضناها العذاب، أخذت تتساءل في نفسها: بأي ذنب قُتلت!
حاول تميم أن يُترجم حركة شفتيها ولكن دون جدوى.
رفع نبرة صوته ملوحًا بيده مناديًا باسمها حتى تفوهت بصوتٍ عالٍ ولكنها ليست مدركة عما يحدث حولها:
"هي عملت أيه عشان يحصلها كده!"
أدرك "تميم" الحرب الدائرة بعقلها ثم هز رأسه متفهمًا:
"يبقى لسه بتفكري في حياة!"
انتبهت على جموده وقالت معاتبة:
"هو اللي حصل يتنسي! أنتَ متخيل أنهم كانوا هيقــٰتلوها! أنا كل يوم خوفي بيزيد من المكان دا! أنا مش هقدر أكمل هنا!"
أومأ رأسه متقبلًا حديثها ثم قال:
"مش عايزك تتغري بالقصر والبدل، الناس دي كلها إيدها مغسولة بالدٰم، القـتٰل عندهم أسهل حاجة.. متستغربيش يا شمس، بس هي دي الحياة!"
انفجرت بوجهه معارضة:
"أنت بتتكلم عن أي حياة! دي مش حياة دي تبقى غابة يا تميم؟!"
ثم انفعلت بدون وعيٍ:
"لو أنت عجزك مسكتك، أنا مش هسكت يا تميم!"
ختمت جُملتها بوخزة ندم فـ تراجعت معتذرة:
"أسفة، أنا…"
تقبل جُملتها بسلام نفسي تام وتفهم انفعالها ممسكًا بيدها:
"أنت مغلطتيش عشان تعتذري يا شمس!"
خمدت ثورة انتقامها وثارت ثورة ارتباكها، تناست قضيتها وشردت في مصيبتها، تدلت عيونها على كفه الذي ضم روحها، أحست برعشة مُباغتة رجت قلبها، ترجمت توترها على أن فعلها يتنافى مع مبادئها، شدت كفها المرتعشة، وكست ملامحها حُمرة الخجل، ثم فزعت هاربة من أمامه:
"بعد اذنك…"
تميم متحيرًا:
"رايحة فين؟"
تصاعدت أنفاسها المترترة ثم قالت محتجة:
"هطمن على البنات، بعد اذنك."
هربت من غرفته ركضت بقلب يلهج من بغتة تصرفه، وقفت على أعتاب غرفته أخذت تتأمل خيوط يدها التي لامسها بنية صافية منه وكـ فعل تلقائي ليطمئنها ولكن ليست دائمًا تسري الأمور مثلما نريد، خمد بجوفها نيران القلق، وقذف شرارة لا تميزها، ولم تعلم مصدرها، امرأة لا تدرك ما هو الحب وكيف يبدو لسعة دقته الأولى، ولا طعمه وكيفية الشعور به، شعور لم ينضم إلى عرفها! ترجمته بأنه مجرد درب من الإعياء إثر انفعالها الزائد.
( مساءً )
الإنسان يمَل حتى يصبح غير مكترث وغير أسف، أن تتحول أنفاسه للعيش إلى تنهيدات تتمزق لها الروح، أن تتبدل حياته المنتفخة بالشغف إلى أخرى مثقوبة يتسرب منها الحظ والرفاق.
تتلوى على الأريكة بسكاكين من الوجع تمزق داخلها، متمسكة بجانبها الأيمن وهي تتضور وجعًا لساعاتٍ طويلة لم يحس بها أحد، تمضي الساعات لم يمض معها المغص القاتل.
جاء مراد بعد يوم شاق قضاه في عمله، كان بدايته بأحد المواقع السكنية وبقية النهار بشركته يعد تصاميم القرى الجديدة.
حاول فتح الباب ولكن بدون جدوى، انفعل بداخله بسبةٍ مبهمة:
"دي قافلة الباب! أه يابنت الـ***"
أخذ يطرق بعنفٍ على الباب مهددًا:
"لو مفتحتيش هكسره!"
أتاها صوته كهواجس مرعبة لم تدركها جيدًا من شدة سطو الوهن بها.
لم يتوقف عن دق الباب بل تفاقم مع تفاقم غضبه نحوها، واستمر في سرد لائحة من السب تارة والتهديدات طورًا:
"أنا هعرفك نتيجة تصرفك دا! قلت افتحي وإلا هكسر الشقة على نفوخك!"
تعكزت على أحد المقاعد بجانبها بوهن وألم يصعب تحمله، ثم شق ثغرها صرخة قوية عند محاولتها للنهوض مما جعلها ترتمي على الأريكة مرة أخرى باكية بـ ذلول وولولةٍ.
تحملت على عكاز وجعها ووقفت بعد محاولات كثيرة من العناء والنشيج إلى أن قطعت أول خطوة سلحفية.
أحست بالدوران ورغبتها العارمة في التقيء، فتوقفت للحظات وهي تبتهل بتسبيحات صاحب الحوت:
"يارب ساعدني يارب."
كأنَّ بكاء العالم ينهَمِرُ من عينيها وهي تتحمل أكثر وأكثر حتى تصل إلى الباب، ظنًا منها بأنها طارق نجاتها من الألم الذي ينخر بجوفها.
أخيرًا وصلت إلى الباب ساندة رأسها على الحائط ويدها اليُمنى تضم وجعها وباليسرى تحاول فتح الباب، ولحظة تزحزحه ركله مراد بكل قوته وما أن أقبل عليها ليعاقبها سبقه الوجع وسحب كل قوتها وسقطت مغشيًا عليها بصرخة قوية:
"الحقني بـ موت."
لا يعلم أين مكان صدعه كي يشير عليه، ولكنه في الحقيقة لم ينكر أن قلبه اختلج لأجلها.
قفل الباب متجاهلًا جسدها الملقى أرضًا وقال:
"أنت مفكرة أنك هتصعبي عليا كدا، عاملة الحركات العبيطة دي عشان تهربي! انسى مش مراد المحلاوي اللي تخدعه واحدة رخيصة زيك!"
انتظر أي رد منها مقابل تعنيفه ولكن لا حول لها ولا قوة.
ألقى مفاتيحه وهاتفه على الطاولة ثم صاح:
"خليكي مرمية كدا، لحد ما نشوف أخرة مسرحيتك دي أيه!"
تركها وذهب ليتحمم ويبدل ملابسه ثم عاد إلى المطبخ ووجوده كما هو، انفعال أكثر:
"واضح أنك مش بتسمعي الكلام، وهتجبريني ازعلك!"
اتجه إليها وركل يدها بقدمه بدون ذرة شفقة وأكمل:
"فين الاكل! ومش شايف انك شلتي ورقة من مكانها!"
هنا لفت نظره جسدها المتجمد حتى بزفير أنفاسها، مال يتحسس نبضها وجده ضعيفًا للغاية، رحمته سبقت انتقامه وحملها بين يديه فتأوهت بوجهه بهذيان:
"بطني هتموتني من الوجع!"
قفلت جفونها بوهنٍ شديد مسترخية على صدره مما خلقت شعور المسؤولية بقلبه.
ركض هائمًا على وجهه بها ناحية المشفى.
وعلى المقابل خرجت "حياة" بصحبة "عاصي" من باب المشفى بعد ما تأكدوا من الفحوصات وعدم وجود أي نزيف داخلي، وسلامة أعضائها الداخلية، صرح لها الطبيب بالمغادرة.
تسير أمامه سابقة بخطوة وما أن انزلقت قدمها بسبب آثار التعذيب الذي تعرضت له فـ كانت يده خير مسندًا، حدجها معاتبًا:
"طيب أمسكك بلاش تعاندي!"
عارضته بحدة:
"قُلت لك مالكش دعوة بيا ولا تقرب لي، أنت فاهم!"
لبى بطاعة كي يستجدي رضاها:
"تمام، تمام أنا بعيد أهو، تعالي من هنا عشان العربية هناك!"
فكرت للحظة مترددة من ذهابها معه ولكنها أبت الهزيمة والهروب قبل أخذ حقها.
صعدت السيارة بالمقعد الخلفي مما بث الغضب بداخله وسألها:
"أنت قعدتي عندك ليه!"
أصدرت أنين التوجع ثم أردفت بجزعٍ:
"أكيد مش هقعد جنبك!"
"- ليه! هضعك؟!"
زفرت بضيق ثم ولت وجهها ناحية النافذة الأخرى كي تتحاشى النظر إليه.
صعد عاصي سيارته مُرغمًا ثم نظر لها قائلًا:
"متخافيش، هرجع لك حقك بزيادة!"
"- مش عايزة منك حاجة، حقي هعرف أرجعه لوحدي!"
صمت قليلًا متفهمًا وضعها ثم قال بخزى:
"أول مرة أعتذر لحد، بس أنا بعتذر منك، وأوعدك اللي حصل مش هيعدي بالساهل."
"إن الاعتذار الذي لا يليق بحجم الجرح، جرحٌ آخر."
رمقته بنظرة ساخرة وقالت:
"وفر اعتذارك، كدا كدا ملهوش لازمة!"
خنجر جديد غرزته في جدار كبريائه، ابتلع قرص إهانتها بغضب مدفون، ثم اعتدل وشرع في قيادة سيارته ولكن ذلك لم يرحمها من نظراته الفاحصة التي كان يتفقدها بها بالمرآة.
لم يعد مؤلمًا الحزن ذاته وأسبابه، على قدر ما أنك لا تعرف شخصًا آخر غيرك كي تذهب إليه وتشكوه مصادر حزنك وحيرتك وبأنك تايه للغاية.
انكمشت في باب السيارة ظنًا منها بأنه سيحميها من أسهم نظراته الخارقة.
من الجهة الأخرى وصل مراد بعالية إلى نفس المشفى التي فارقها عاصي للتو ثم أخذ ينادي على أحد الممرضات ليساعدوه في حملها إلى غرفة الفحص.
مرت الدقائق ببطء حتى قاربت على نصف ساعة قضاها مراد في قلق لا يدرك مصدره، ولمَ يهتم بالأمر لهذا الحد، وسرعان ما نفض تلك الأفكار بمجرد خروج الطبيب قائلا بعبث:
"أنت جوزها!"
أحس بالتردد للحظة ثم أجابه:
"- ايوه!"
عنفه الطبيب قائلاً:
"لازم تعمل عملية الزايدة فورًا، أنت إزاي تستنى عليها كل ده؟!"
لم ينبس ببنت شفة، فقد أصبح ضميره فريسة لأنياب الندم، ولكن لم يتوقف الطبيب هنا، بل ألقى جمر سؤاله الثاني:
"عندك علم عن الكدمات اللي في جسمها! واضح أنها اتعرضت للعنف، وأنا مضطر أبلغ!"
تجمدت ملامح وجهه ثم أخبره:
"- هي وقعت بس."
وقاطعه الطبيب مصرًا وهو يطالعه باستحقار:
"لما الظابط يجي ويحقق معاها أبقى نشوف وقعت فعلا ولا المدام عندها أقوال تانية!!!!! بعد إذنك."
اتعثر مراد في وحل مصيبة جديدة لم يحسب حسابها، وجلس على أقرب مقعد مفكرًا كيف يخرج من ذلك المأزق.
في هذه اللحظة لمحت "شمس" من أعلى وصول سيارة عاصي للقصر ثم تسللت ببطء لجوار تميم وأخذت هاتفه وعادت للشرفة مرة أخرى كأنها تنتوي على فعل شيء.
ترنحت ذاكرة "حياة" حول حادث الصباح ولكنها هزت رأسها لتشتت منه تلك الأفكار التي يمكن أن تهزمها وهبطت من السيارة متأهبة لتفجير قنبلة انتقامها، ولكنه أوقفها ممسكًا بيدها، وطلب منها:
"استني، قلت هجيب لك حقك، ولو مكنش مُرضي ليكي، اعملي اللي عايزاه!"
فكرت للحظة في اقتراحه ثم أومأت بالموافقة وقالت بتحدٍ:
"تمام! وريني هتعمل إيه."
رأت في عينيه نظرات الحيرة، فحماسها اندفع متسائلاً:
"أيه! بتبص لي كدا ليه؟ لو الموضوع كبير عليك أنا بعـ"
ابتعلت بقية كلماتها بشهقة مرتفعة سحبت الأوكسجين من المكان عندما باغتها بدون سابق إنذار وحملها بين يديه، وبخته بعتبٍ:
"أنت بتعمل أيه! نزلني!"
راق له الأمر وراق له قربها وأحس بنبضة مثيرة لم تلامسه مع أي فتاة من قبل، حيث قال بحزم:
"مش وافقتِ أجيب لك حقك! اسكتي بقا!"
كادت أن تعلو صوتها ولكن ذكرتها بطنها بالألم، فأخفضت صوتها محذرة:
"نزلني!"
تجاهل صوتها المكتوم وتحذيراتها وصدمتها وتقدم ببسالة نحو الباب الرئيسي للقصر، همس لها بصيغة الأمر من خلف فكيه المنطبقين:
"أفردي وشك! واتشعبطي في رقبتي، أنا مش خاطفك!"
"- كمان!!!"
أنـلم تُكمل شجارها معه بل نفذت طلبه فورًا عند سماعها صوت عبلة وهي تهبط درجات السلم:
"كويس أنك لسه عايشة! كنت بجهز صدقة على روحك!"
لم يهتم لمكر أمه بقدر اهتمامه بضربات قلبها التي تدوي بصدره وعيونها الفاتنة التي تطالعه منتظرة انتقامه الذي وعدها به.
امتدت أنظاره يسارًا فوجد جيهان وابنتها يشاهدان التلفاز، اتجه إليهم ثم أجلسها برفقٍ مختومًا بقبلة رأس حنون أشعلت غضبها منه أكثر وقال بثقة مخيفة:
"جيهان هانم…"
تدخلت جيهان بشماتة:
"عاملة أيه يا حياة."
كادت أن تجيبها ولكنه رمقها بنظرة قاطعة أخرستها وأكمل:
"هي كويسة، وهتبقى أحسن لما ما تمشوا!"
هبت زعابيب عبلة من الخلف:
"أنت اتجننت!"
تحولت ملامحه الهادئة إلى أخرى ثائرة بجبروت وهو يشير بسبابته فألجمها:
"مش عايز كلمة فوق كلمتي!"
فزعت جيهان وهدير من مكانهما بدهشة، حتى تفوهت جيهان بـ لوم:
"أنت بتطرد خالتك عشان دي يا عاصي!"
رد عليها بحزم شديد:
"اللي يغلط في اللي يخصني كأنه غلط فيا بالظبط!"
ثارت هدير غاضبة:
"أنت شكلك اتجننت يا عاصي، وبقيت مش مدرك أنت بتقول أيه!"
ثم وجهت حديثها لأمها بانفعالٍ:
"يلا يا ماما نلم حاجاتنا ونمشي، عشان واضح أن ابن اختك مش في وعيه."
أوقفها على مصل سيف اللامع وقال:
"لا يا هدير، للأسف مش مجبرة تتعبي نفسك وتلمي حاجتك لأنك هتمشي بالهدوم اللي عليكِ، وده كرم أخلاق مني!"
تدخلت عبلة مدافعة عن أختها وكرامتها:
"لو كان في حد لازم يمشي هتبقى الجربوعة اللي أنت جايبها مش هما."
تجاهل ثرثرة أمه وجلس على المقعد الفخم واضعًا ساق فوق الأخرى وسرد بفظاظة:
"من ١٨ سنة، لما دخلتو البيت دا عشان بيتكم حصلت فيه حريقة كبيرة ومكنتوش لاقيين مكان تناموا فيه، وطبعًا قصر دويدار مفتوح للكل."
ثم أشار بسبابته ناحية هدير:
"فاكرة يا هدير! وقتها دخلتي البيت حافية! وعقابك هتخرجي منه زي ما دخلتي، ده عشان تعرفي تحترمي قواعد البيت اللي لمكم من الشارع."
صرخت جيهان بوجه أختها:
"عاجبك كلام ابنك يا عبلة!"
لُجمت عبلة بصاعق الصدمة.
أكمل عاصي قائلًا:
"سيبي عبلة هانم دلوقتِ عشان لسه حسابها مجاش، المهم عارفين طريق الباب ولا أنادي الحرس يطلعوكم بنفس الطريقة اللي كانوا ماسكين بيها مراتي!"
برقت عيون "حياة" من هول ما قاله ثم ختمه بانتسابها له علنًا.
تلاقت أعينهما حائرة فـ بين عبوسة النمر وابتسامة الذئب يفنى القطيع حتمًا، ثم جهر متسائلًا:
"ولا أيه رأيك يا حياة!"
جهرت هدير بصراخ قوي مهددة:
"وديني ما هرحمك يا عاصي، وهرد لك القلم أضعاف!"
نصب قامته القوية أمامها ممسكًا بمعصمها بشدة:
"لما تتكلمي قصاد عاصي دويدار يبقى تحاسبي على كلامك، وبعدين أحمدي ربنا اني مطلعك على رجلك، دا بس عشان صلة الدم اللي بينا."
تلوت هدير من الوجع إثر عصر معصمها بين قبضته الصلبة.
وهنا تدخل أحد الحراس قائلًا:
"عاصي بيه، الشرطة بره."
تعجب عاصي من مجيئ الشرطة، وبين دهشته، تلاقت أعين حياة وشمس للحظات حتى فهمت الأولى ما تشير إليه الثانية.
سمح عاصي بدخول الشرطة وتقدم لاستقبالهم.
أقبل الضابط مرحبًا به ثم قال:
"هنا في بلاغ عن محاولة قتل واحدة اسمها حياة!"
حانت منه التفاتة سريعًا ناحية حياة ثم نفى قائلاً:
"بس دا محصلش، زي ما معاليك شايف، قاعدة عائلية مع مراتي حياة وأمي وخالتي!"
"- لا حصل…"
تقدمت حياة بكلمتها التي بثت الرعب في قلوبهم وأكملت بتحدٍ وهي ترمق عاصي بنظرات المنافسة وهي تشير لـ عبلة:
"عبلة هانم المحلاوي حاولت قتلي."
أعين متسعة كـ فوهات البنادق في الحروب جميعها متجهة صوب حياة التي عادت لتنتقم وتأخذ ثأرها.
سألها الضابط:
"في شهود على الكلام دا!"
تقدمت "شمس" ببسالة:
"أنا شاهدة، وفعلا الكلام دا حصل بالحرف، والبنات كمان شاهدين، تقدر حضرتك تستجوبهم وتتأكد."
ثم أكملت حياة بـ جراءة وانتصار:
"ومعايا تقرير من المستشفى يبثبت كل كلمة قولتها، هجيبه لحضرتك من العربية!"
هنا أشار الضابط إلى العساكر كي يمسكون بـ عبلة وقال بأسف:
"اسف يا عاصي بيه، بس القانون لازم ياخد مجراه!"
"- أنت هتسيبهم ياخدوا أمك يا عاصي!"
ولى عاصي نظراته الحادة إليها وعاتبها:
"عملتي كدا ليه!"
عقدت ذراعيها أمام صدرها بسعادة وشموخ:
"رفعت عنك حرج الانتقام من الست الوالدة!"
نهرها بلوم:
"بس دا مش اتفاقنا!"
بفظاظة امرأة تحدث القرآن الكريم عن كيدها قالت جملتها الأخيرة بنفس نبرته من قبل:
"منا غيرت الاتفاق."
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نهال مصطفي
"رسائل لن تصل لـ صاحبها"
غبت أكثر مما وعدتني، وانتظرتك أقل مما وعدتك.. أحدنا خدع الآخر… وحتماً لست أنا.
صرخت عبلة بعدم تصديق:
- أنت هتسيبهم ياخدوني يا عاصي!
نظر إليها عاصي بنظرته الحادة وعاتبها:
- عملتي كده ليه!
عقدت ذراعيها أمام صدرها بسعادة وشموخ:
- رفعت عنك حرج الانتقام من الست الوالدة!
نهرها بلوم:
- بس ده مش اتفاقنا!
بفظاظة امرأة تحدث القرآن الكريم عن كيدها، قالت جملتها الأخيرة بنفس نبرته من قبل:
- أنا غيرت الاتفاق.
افتعلت سجيتها وطيبتها المُبطنة بالانتقام أمامه، متجاهلة نظراته الشرسة التي يمضغها بينهما. اتخذت من وضع الإعياء كصنارة نجاة لسمكة تاهت بين مستنقع الحيتان، أنقذتها في آخر لحظة.
أمسكت برأسها التي اعتراها الصداع وقالت بمكر أنثوي مجيبة على سؤال الضابط:
- ينفع بكرة نقفل المحضر! حضرتك زي ما شايف لسه راجعة من المستشفى ومش قادرة أقف.
تفهم الضابط حالتها المريضة برسمية وقال:
- ألف سلامة عليكِ، خلاص هستناكي بكرة الصبح نقفل المحضر.
ثم وجه حديثه لعاصي وأردف بخزي:
- الهانم هتشرفنا لحد بكرة.
أوقفه عاصي بقلة تصرف وحيرة:
- طيب لو سمحت بس السواق هيوصلها، بلاش تركب البوكس، وهكلم المحامي دلوقتي.
صرخت عبلة بوجهه معترضة:
- اتصرف يا عاصي، أنا مش هبات ليلة في الحبس!
في تلك اللحظة غادر الضابط برفقة العساكر وعبلة التي تنوح وتتمرد على الذهاب، متوعدة لـ "حياة" بأشد التهديدات. بصمت مريب يحاصره الانتقام والمعاقبة من كل الاتجاهات.
أشاحت نظرها بعيدًا كي لا ترى عيناه وهي تتحدث فتصاب بأسهم الخوف. استندت على "شمس" محتجة بالإغماء طالبة منها:
- ممكن توصليني لفوق، تعبانة مش قادرة أقف!
هنا تدخلت جيهان بلوم ووقفت أمام عاصي وأخذت توبخه وتبكته بحدة:
- أنت هتسيب أمك تتحبس عشان دي! يا خسارة تربيتها فيك!
كادت أن تخطو قليلًا نحو الدرج برفقة شمس وهما يتهامسان بخفوت حتى شكرتها على مساعدتها، فأقدم نحوها ممسكًا بمعصمها بقوة مباغتة، أطلقت إثرها صرخة مدوية:
- أنت عايز مني إيه؟!
جذبها خلفه بصرامة وحدة، متجاهلاً ثرثرتها ووجعها. أجبرها أن تتبع خطواته السريعة والواسعة حتى وصل بها إلى جناحه الخاص بجوار القصر. فتح بابه بشدة ثم دفعها بداخله صارخًا بوجهها مُنكلًا:
- وضح أن الضربة لسعت دماغك!
طاحت نيران غضبها بوجهه:
- أنت بأي حق تكلمني كده، وبعدين هي اللي ابتدت!
ضغط على رسغها بتهديد:
- اسمعي، أنا ما بحبش اللي يكسر كلمتي!
تغاضت عن ألم ذراعها، ووقفت مقابله بشموخ:
- وأنا ما بحبش اللي يمشي عليا كلام مش مقتنع بيه!
اجتاحته ملامحها فجأة حتى تعثر بأهدابها وقربها العذب. تدلت عيونه برخاء مخفي، وقال بنبرة خفيضة:
- بس أنت وافقتي على اتفاقنا من الأول!
طالعته بعيون لامعة جعلت من أنوثتها مجرمة لتغتال جبروت رجل مثله. حدجته معاتبة:
- لو كنت أعرف أن اتفاقك هيكون في إهانة ليا بالشكل ده، ما كنتش هوافق!
ثم نصبت عودها مترنحة على أوتار غروره:
- وأنا هنا بغير كلامي، وبقولهالك أهو مفيش اتفاق بعد النهارده، وخلاص كده خلصت؟!
فأشاحت بوجهها باستهانة:
- أنا رجعت معاك بس عشان آخد حقي، وخدته! حل مشاكلك مع الست الوالدة بعيد عني!
بدا على وجهه الانزعاج لأنه أدرك قدر المرأة التي يجادلها، رغم علتها إلا أن ذلك لا يهزمها أمام رجل أراد فرض سيطرته عليها. تجهم وجهه وزاد من الضغط على ذراعها وقال بنبرة غاضبة:
- ومفكرتيش لما تروح تقفلي المحضر هتقدمي نفسك على إنك مين! وأنت مش معاكِ إثبات شخصية! شفتي جنانك وصلنا لفين!
ختم جملته وهو يرجها قليلاً ثم حررها مع آخر كلمة. أحست بأنها تعثرت بمأزق جديد! اتسعت عيونها بحيرة من هول تلك الورطة التي تعلقت بها، ولكنها أصرت ألا تمنحه مجرد الشعور بالانتصار. بل أزاحت خصلة من شعرها وراء أذنها وقالت بتردد:
- مش مهم أي حاجة، المهم أخدت حقي واللي يحصل يحصل!
قاوم باستماتة غضبه الذي أوشك أن يسحبه لقعر الجريمة لاغتيال تمرد امرأة أساءت لسمعة مجده الشامخ. أخذ يأكل شفته السفلية إثر كتمان ثورته ثم فارق المكان سريعًا كي يبتعد عن مصدر النيران التي كانت بسببها. ما خطى خطوة ثم عاد كأنه تذكر شيئًا ما وقفل الباب عليها بإحكام كي لا يمكنها الخروج.
اقتربت من الباب وأخذت تثور باعتراض وتخبط عليه بإصرار كي يفتح لها:
- مفكر لما تحبسني مش هعرف أهرب!
ركل الباب بقدمه مغلولًا وهو يفتش في هاتفه على اسم المحامي:
- مش عايز أسمع صوتك لحد ما نشوف حل للمصيبة دي!
---
- يلا اطلعي بسرعة لمي المجوهرات والحاجات المهمة عشان نمشي قبل عاصي ما يفوق لنا!
أردفت جيهان جملتها الناصحة على آذان ابنتها التي أدركت للتو حقيقة رحيلهم. أومأت بالموافقة ملبية طلبها سريعًا، ولكنها توقفت في منتصف السلم ثم عادت لشمس وقالت بتودد:
- مش عارفة أشكرك ولا أحذرك من اللي هيعملوا عاصي فيكي، مرسي خدمتك مش هنساها!
تبسمت شمس ببسمة مزيفة وقالت:
- لا انسيها، عشان أنتِ الحظ اللي خدمك مش أنا خالص، أنا مش بخدم غير في الحق!
أعجبت هدير بجرأتها ثم قالت مقترحة:
- تيجي أعمل معاكِ ديل! بصراحة دماغك عجبتني!
أغمضت شمس جفونها متأففة ثم قالت بضيق:
- من رأيي تسمعي كلام مامتك وتلحقي تلمي حاجاتك قبل عاصي بيه ما يرجع!
طالعتها هدير بمكر:
- الدنيا دوارة وهتحتاجيني، هسيب لك رقمي في الأوضة، لو عقلتي كلميني!
تضرمها عيناها شفقة وتقليل، ثم ولت ظهرها راحلة من أمامها دون أي اهتمام منها لمقصد هدير الذي تود أن تعرضه عليها. صعدت شمس لأعلى، فالتفتت هدير لنداء أمها:
- هدير! مالك بالبنت دي؟
شردت هدير بإعجاب:
- قلبها ميت ودماغها حلوة، لو جات معايا سكة نبقى ضربنا عصفورين بحجر.
ربتت جيهان على كتف ابنتها بعجلة:
- مش وقته الكلام ده، يلا استعجلي عشان نمشي من هنا.
---
صعد "عاصي" إلى أعلى باحثًا عن شمس وهو عبارة عن كرة ملتهبة من الغضب. دخل غرفة "تميم" وجده نائمًا والأنوار مغلقة. ذهب إلى غرفة "عاليا" فوجدها تجلس على طرف الأريكة ترتل بصوتها العذب الخافت آيات من القرآن:
(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ).
لمست الآية جزءًا ما بقلبه جعلته يهدأ تدريجيًا، ثم شد المصحف من يدها وقفل ووضعه على المنضدة أمامها وهو يقول:
- صدق الله العظيم يا دكتورة!
فزعت "شمس" من مجلسها وهي تنهره:
- أنت إزاي تعمل كده! وبعدين لازم تكون متوضأ عشان تمسكه!
تجاهل حديثها وقال بغضب كظيم:
- بأي صفة تبلغي! أنت نسيتي نفسك!
بثقة لم تقل عن تلك الحورية التي تركها بالأسفل أجابت:
- بصفتي دكتورة هنا! وضميري المهني ما يسمحش أسكت على البلطجة دي!
ترك الحمار ظنًا منه بقدرته على هزيمة البردعة، ولكن بعد الظن أثم. زفر بغضب وهو يعاتبها:
- شكلك نسيتي نفسك!
تنهدت بجزع:
- والمطلوب!
تحولت نبرته المكتظة إلى فحيح من التهديد الآمر:
- بكرة هتنزلي معانا وتتنازلي عن البلاغ، فاهمة؟
ضحكت بسخرية وقالت:
- وده مقابل رشوة ولا تهديد جديد!
- لا وأنت الصادقة، مقابل إنك غلطتي وبتصالحي غلطك!
رفضت بإصرار:
- بس أنا مش هعمل كده!
- وأنا مش جاي آخد رأيك!
- وإن رفضت؟!
- تبقي مصممة تشوفي الوش التاني لعاصي دويدار!
ألقى جملته مصحوبة بنظرات التهديد والتوعيد التي جعلتها تتراجع خطوة للخلف وهي تطالعه بتحدٍ حتى ولى ظهره وانصرف مغادرًا الغرفة.
ران عليها الصمت للحظات محاولة إدراك كل ما حدث حتى رمت جسدها المتعب على الأريكة وهي تلعن الظلم والشر الذي يطمس فوق عيون وقلوب أهله.
---
"صباح اليوم التالي"
قضت "عبلة" ليلة قاسية بين المجرمات حتى تطاوعن عليها بسرقة حذائها الفاخر، ومشابك شعرها المرصع بالألماس، بصرف النظر عن بقية الأشياء التي صُدرت منها بقسم الأمانات. عندما تفاقم الأمر، وتوصل عاصي لنفوذه وجاء الأمر بنقلها إلى أحد مكاتب الضباط وهي تتوعد بقيام الحرب على تلك التي تُدعى حياة.
وعلى المقابل؛ بعيداً إلى المشفى التي تقطن بها "عالية" بعد ما انتهت من عمليتها الجراحية، فاقت في الصباح على صوت الممرضة وهي تبتسم لها:
- حمد لله على سلامتك!
فتحت جفونها بتكاسل متسائلة وهي تحت تأثير المخدر:
- أنا فين!
ثبتت الممرضة المحلول بجوارها ثم قالت:
- متحركيش، جوزك بره هبلغه حالًا إنك فوقتي.
لم تنتظر الممرضة ردها، بل انطلقت ناحية الباب كي تبلغ "مراد" الجالس بالخارج فارحة:
- المدام فاقت تقدر تتدخل تطمن عليها.
طالع من فوق عينيه النائمتين:
- تمام!
تأهب أن يخطو خطوة ولكنه تراجع عندما شاهد الطبيب وبرفقته ضابط وأحد المخبرين. تقدم الضابط متسائلاً:
- أنت جوزها!
أومأ بخفوت، ثم أكمل الضابط:
- أنا هاخد أقوالها، تقدر تتفضل معانا.
دخل مراد أولًا ثم تابعه الطبيب والممرضة وبعدهم الضابط. تقدمت الممرضة لتساعدها في الاعتدال، وشرع الضابط في استجوابها، وأول ما قاله لها:
- أنت متجوزة من امتى يا مدام عليا.
تلاقت أعينها بعيني مراد ثم جاوبت بتردد:
- من يومين!
هز المحقق رأسه متفهمًا مختلسًا نظرة من مراد وقال:
- التقارير بتقول إنك اتعرضتي لعنف جسدي! ده صحيح!
وخزات الإبرة أصابت قلبها وهي تطالعه بريبة وبعد تفكير طويل رد بخفوت:
- لا، الكلام ده ما حصلش!
تهجمت ملامح الطبيب والضابط، ثم رمقها بشك:
- طيب ممكن يا بيشمهندس تخرج عشان المدام واضح إنها مش عارفة تتكلم!
أسرعت معترضة:
- لا أبدًا، أنا مش عندي حاجة أقولها.
- طيب تفسري وجود الكدمات دي إيه!
تذكرت إهانة أخيها، وتجبر من يدعي زوجها، والألم عظامها الواهن مما أدى إلى انخراط دمعة خفيفة من طرف عينيها وقالت:
- أنا وقعت!
بعد تصديق وجه سؤاله لمراد:
- إيه سبب التعدي على جسم مراتك يا بيشمهندس! أكيد عندك علم!
نفت عالية التهمة عنه:
- هو مالهوش دخل، أنا وقعت من يومين قبل الفرح!
فاض صبر الضابط من إنكارها ومحاولة تبرئته ثم أعلنها صريحة:
- يعني البيشمهندس محاولش يتعدى عليكِ مثلا!
كفكفت دموعها المنهمرة ثم هزت رأسها نافية:
- محصلش..
ازدرد ريقه بصعوبة وهو يتفرس في ملامحها الذابلة، وعندما تشبثها في الصنارة الوحيدة التي يمكن أن تنقذها من شباك أسره متحيرًا، خاصة بعد ما علق في أذانه تقرير الطب الشرعي واعترافه بـ "بتولها". أما عنها فأصبحت وجبة شهية للتعاسة وأصبح الحزن كأزميل يأكل في قلبها.
---
يقف "عاصي" أمام النافذة يتحدث بالهاتف مرتديًا قميصًا باللون الأبيض ينحت بروز عضلاته القوية وبنطال أسود. احتدت نبرته قائلًا:
- خلصت اللي طلبته يا يسري!
صعد يسري سيارته قائلًا:
- كده كله بقى تمام، نص ساعة وهكون عند معاليك.. كله جاهز يا عاصي باشا.
قفل الهاتف بدون إذن، ثم تحرك ببراح في الغرفة وهو يأخذ سترته السوداء ولبسها بسرعة ثم فارق غرفته متجهًا للطابق السفلي. تلاقت أعينه بعيني "شمس" الخارجة من غرفة "عاليا" فتوجه إليها بخطواته الواسعة التي تحدث صخبًا ما ينعكس صداه بقلبها. اقترب منها قائلًا:
- يلا اجهزي!
بعيون متراقصة على أوتار الخوف:
- هنروح فين!
قفل زر سترته قائلًا بفظاظة:
- هتتنازلي عن المحضر.
ضحكت بسخرية وهي تتأهب لمفارقته:
- وده مش هيحصل.
توقفت إثر قبضته القوية على معصمها وقال بحدة:
- طيب فكري في أختك وجدتك!
أطلقت زفيرًا قويًا وهي تغير مجرى الحديث:
- أنا همشي من هنا امتى، أنا عندي جامعتي وحياتي! ولا أنا مخطوفة هنا!
فكر للحظة باحثًا عن طرف خيط يمسكها منه:
- طيب ما إحنا متفقين، اتفضلي معايا على القسم اتنازلي، وأنا كمان هنسى إن ليا حق عندك ونبقى خالصين!
امقته بتحقير ثم شدت ذراعها من يده وقالت:
- لا مش متفقين! حضرتك بتعرض عليا أبيع ذمتي مقابل ٤٥٠٠ جنيه تمن إيجار!
تبسم بمكر ثم قال محتفظًا بشموخه:
- كده كده عبلة هانم هتخرج النهاردة، بيكي أو من غيرك، بس خليكي فاكرة إنك اتعوجتي عليا! وأنا بزعل من اللي بيتعوج على أوامري!
- تمام، افتكر ملهاش لازمة وقفتنا دي، طالما هدفنا مش واحد.
كادت أن تخطو ولكن أوقفها ندائه الحاد:
- استني!
- أفندم؟!
دار حولها كدبور أراد أن ينتقم من الزهرة الشائكة باحثًا عن مدخل آمن:
- خدماتك انتهت؟!
ترمقه بعيونها المتسعة متجولة حول ضباب سؤاله:
- مش فاهمة!
- يعني أنتِ مرفودة، وهديكي فرصة لآخر الشهر تسددي دينك!
أحست بوخزة الذنب كأن شيئًا ما بداخلها يأبى الذهاب ولكنها توقفت بصمود أمامه:
- أي أوامر تانية!
- تيجي مش عايز أشوفك هنا!
بمجرد ما أردف جملته انصرف من أمامها بعد ما منحها مفتاح سجنها وسمح لها بالذهاب من ذلك المعتقل. لعنه بداخلها ثم تمتمت:
- قال يعني أنا اللي عايزة أشوفك.
---
وصل "عاصي" إلى جناحه الخاص الذي تقطن بداخله "حياة" بعد ليلة طويلة قضتها تحت سطو الجنون والتقيد بسبب رجل ألقى القدر أصفاد أسرها بين يديه. نهضت إثر صوت فتح الباب، فتدلت أقدامها الحافية من فوق الفراش وما أن وقفت، وجدته أمامها. ساد الصمت للحظات ثم ألقى ما بيده من ملابس تخص "عاليا" وقال:
- خمس دقايق تكوني لابسة وجاهزة.
رجل كل شيء خاضع لقانونه، وهي أنثى لا تريد أن تخضع إلا لقانونها وجنونها إن رغبت. عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
- ليه؟
بحزم أجاب:
- من غير ليه! لما أقول البسي تلبسي!
دنت منه خطوة ولوحت بيدها وبنبرة خافتة ولكنها تضم حقل من الحدة:
- ااه عشان أروح أخرج الست عبلة هانم، على فكرة أنا لو روحت هعترف بكل حاجة، ووقتها محدش هيقدر يسكتني!
تآزرت نبرته:
- باقي لك 4 دقايق.
صرخت بوجهه بنفاذ صبر:
- أمك حاولت تقتلني ورفعت عليا السلاح!
أغمضت جفونه بحزم وأعلن:
- باقي 3 دقايق!
جن جنونها من إصراره، فـأرجعت شعرها للوراء بتقهقر وشيء من الهزيمة. أغرورقت عيونها بالدموع متعمدة إظهار ضعفها:
- هي لو خرجت بسهولة هتكررها بدل المرة ألف.. لازم تتعاقب، وتعرف إنها غلطت!
تكورت يده بقوة حتى برزت عروقه وقال:
- باقي دقيقتين وهاخدك باللي أنت لابساه ده!
يطوف الغم بملامحها:
- مش هروح أي حتة!
هنا فاض صبره منها، فحملها على كتفه بغتة مما جعلها متقوقعة فوقه صارخة برفض. حتى وجدت نفسها بالحديقة دون أن يرف جفن الشفقة بقلبه. تبدلت نبرتها من الاعتراض إلى التوسل:
- طيب خلاص نزلني موافقة.
أنزلها بقوة مما جعلها تتأوه بألم وقال:
- قدامك دقيقتين وتكوني واقفة جاهزة قدامي.
---
تجلس "هدير" في شرفة شقتهم القديمة في أحد الأحياء المتوسطة، وهي تنفخ ضباب دخانها وتبغها في آن واحد. تعربدت الآهات بغضبها وهي تركل الطاولة القديمة أمامها بقوة وتعلن الحرب:
- والله لأعرفك مين هي هدير المحلاوي يا ابن دويدار!
ثم مسكت بهاتفها وبحثت عن رقم ما حتى عثرت عليه بعد وقت طويل إلى أن وجدته. تنهدت مستريحة وهي تضغط على زر الاتصال. مدت ساقيها فوق المقعد المقابل واتكأت للخلف وهي تنتظر رده بشغف حتى أتاها صوته. تفوهت متحمسة:
- أكرم! إزيك.
بعد تبادل الترحيب بينهم، أردفت هدير بأمل:
- كنت عايزالك في خدمة كده!
- تحت أمرك طبعًا.
وعلى المقابل؛ في أحد الأحياء بالمعادي، صفت سيارة مراد أمام المبنى العملاق وتقطن بجانبه "عالية" شاردة في الطريق حتى أنها لم تلحظ وصولهم. ظلت تحصي هزائمها المتتالية وآخرهم انتسابها على ذمة شخص لم يكن يومًا حلمها. وظلت نظراته هو الآخر حائرة حولها حتى تفوه قائلًا:
- وصلنا!
تجنبت النظر إليه ومدت يدها لتفتح الباب ولكنها وجدته مغلقًا. ولت أنظارها إليه وما أن تلاقت عيونهم في نقطة واحدة سألها:
- ليه؟
بصوت واهن أجابته:
- مش فاهمة؟
شرد قليلًا بليلة الماضي التي باتت جزء من اليوم وقال:
- ليه مش اعترفتي وكنت خلصتي مني!
ثم صمت لدقيقة وأكمل:
- كان ممكن تحكي للضابط كل حاجة وترجعي حقك!
أصرت على الصمت طويلًا وهي تحدق بالشوارع حولها بنظرات التيه والحيرة. باتت حيرتها تنافس وجعها، حتى تفوهت أخيرًا بعد ما كان يأس من ردها:
- ده مش جزاء المعروف، أنت أنقذت حياتي.
تفاجأ من ردها مما تفاقمت دائرة الفضول حولها وقال:
- أنا معملتش حاجة!
أجابته بهدوء ساحر:
- إزاي! أخدتني على المستشفى، وبفضل لك اتكتب لي عمر جديد.
ثم غيرت مجرى الحديث سريعًا مصرة على الذهاب:
- من فضلك حابة أرتاح شوية مش متحملة أقعد في العربية أكتر من كده.
احترامها له ما زاده إلا تصغيرًا لنفسه وتأنيبًا لضميره، حتى أن نبرة الذنب أعفته منها. لم يملك ردًا على رويتها وصبرها إلا صمتًا ملبيًا لطلبها. بمجرد ما ضغط على زر فتح الأبواب إلكترونيًا هبطت من سيارته على الفور متحملة على جرحها وألمها.
تسلل إليه صوت أنينها وهي تتكئ على الباب قبل ما ترده وراءه، فأسرع خلفها عارضًا عليها المساعدة:
- تحبي أساعدك!
تشدقت معاندة ورافضة مساعدته رغم حاجتها إليه. وضعت كفها على موضع الألم ثم قالت بخفوت:
- أنا تمام.
---
ظل يتجول في حديقة منزله مجريًا العديد من الاتصالات التليفونية لتجاوز تلك الورطة ثم توقف عن كل هذا عند سماعه صوت قفل الباب، وشروقها من فلكه الخاص. دار منبهرًا بطلتها الرقيقة والمبهرة في نفس اللحظة. يتأمل ما ترتديه الذي يمنحها إطلالة كنجمات زمن قديم ومميز.
تحت زحمة اكتشافها دنت منه بصوتها العنيد وقالت:
- خلصت.
تحمحم بخفوت مستردًا جبروته وصرامته وقال بنبرة جدية:
- كل كلمة هقولها تتنفذ بالحرف ومش عايز مقاوحة أنتِ فاهمة.
تخبطت عيونها بلون الإجبار، تأففت بجزع:
- أنا هعمل كده بس عشان أخلص من اللعبة السخيفة دي.
طالعها بمكر وهو يلاعب لسانه تحت شفتيه قائلًا:
- أنا هنا اللي أقول إيه يخلص وإيه يبدأ!
رجل معربد بخمر التحكم والسيطرة على امرأة يحاصرها الكبرياء والتمرد كأشواك القنفذ! من سيكون الفائز يا ترى؟
لم يمنحها الفرصة للرد بل أمسكها من معصمها بقوة وساقها خلفه كما تُساق البعير، متأففة مرغمة على أمرها معه.
وعلى حدة؛ لملمت شمس شملها، بعد ما نزعت ملابس عالية وارتدت ملابسها، ووضعت كل شيء بمكانه المعتاد وغلقت وطفأت جميع الأنوار ثم هبطت لأسفل متجهة ناحية المطبخ، وقالت لـ سيدة:
- صباح الخير، اتفضلي الورقة دي فيها مواعيد أدوية الأستاذ تميم.
وقاطعتها سيدة معترضة وهي تفحص الورقة المميزة بألوان الأدوية، فكل لون بمعاده المعين كي يستدل بهم وكوسيلة بسيطة احترام لقلة معرفتها:
- وأنت روحتِ فين يا دكتورة.
أومأت شمس بتقبل الأمر:
- شغلي هنا خلص، بعد إذنك.
---
أمام أحد أقسام الشرطة بالقاهرة، وصل "عاصي" بصحبة "حياة" التي أصرت على الجلوس بالخلف رافضة مجاورته بمقعد السيارة. ولكنه أفشل مخططها عندما نادى على السائق، وجلس هو بجوارها.
جهر بنبرة آمرة للسائق:
- هات الملف اللي على التابلوه عندك وانزل.
نفذ الرجل تعليماته بطاعة، وما أن نزل من السيارة فتح عاصي الملف وأخرج منه هوية مزيفة وقدمها لها:
- خدي، دي بطاقتك.
أخذت منه الهوية وهي تقرأ الاسم:
- دي مزورة، وبعدين أنت جبت صورتي منين!
لم يجب على أي سؤال من حيرتها وقال برسمية:
- حفظتي هتقولي إيه!
فكرت للحظة ثم سألته بتوجس:
- أنا لو منفذتش، إيه اللي هيحصل!
- بلاش تختبري صبري عليكِ أكتر من كده!
كانت جملته جافة وصلبة لم تتقبل أي نقاش أو احتمال لمخالفته. تذكرت ما فعله بأخته، فما سيفعل بتلك الغريبة التي لا تجمعهم قطرة دم.
نزلت خلفه امتثالًا لأوامره القاسية، راقبت توجيهاته لرجاله بالخلف، ثم أمسك ذراعها بقسوة وسحبها نحو المبنى وخلفه يسري والمحامي الموكل بالدعوى.
دخل مكتب الضابط واستقبلهم بترحاب ثم أمر أحد عساكره أن يحضر "عبلة هانم المحلاوي" من الغرفة الأخرى. وهنا وجه الضابط سؤاله لحياة:
- جاهزة يا مدام نقفل المحضر!
حدجها عاصي بنظرته الثاقبة لتصمت ثم قال برتابة:
- المدام جايه تتنازل، وتعتذر إن كل ده محصلش.. في سوء تفاهم.
رمقه الضابط بشك ثم سألها:
- الكلام ده صحيح!
بوجه مكفهر بدماء الغضب والإجبار ردت:
- صحيح.
- مدام حياة إحنا هنا عشان نرجع لك حقك، أرجوكي مش عايز حاجة تأثر على موقفك.
كانت جملة الضابط مبطنة بالشك والاتهام الموجه لعاصي وأن قرارها بالإكراه. تدخل عاصي قائلًا بشموخه المستفز:
- قلت لسيادتك سوء تفاهم، وبعدين في حاجة كده لازم تتحط عين الاعتبار.
ثم أخفض نبرة صوته مكملًا:
- المدام ساعات بتتخيل حاجات محصلش.. تهيؤات واللذي منه!
برقت عيونها إثر وقاحته متمردة على اتهامه المتدنيء:
- هي مين دي اللي بيجيلها تهيؤات!
تربع في مقعده بشموخ وهو يغمز للضابط بحرص كي لا تلحظ اتفاقهم. تفهم الضابط على الفور حديثه، وتحول حالته الداعمة للمجني عليها إلى الشفقة عليها. لم ينج عاصي من النظرات الحادة المدببة بالانتقام منه والتوعد عن سوء فعله وحماقته.
دخلت "عبلة" إنذاك، ثم وقف عاصي وقبل رأسها وأمسك يدها لتجلس على المقعد بدلًا منه كي تتقابل نظراتها مع حياة، ونشوء حرب نسائية من نوع آخر.
شرع الضابط في الإجراءات الرسمية لفض النزاع وهو متحاشيًا النظر لـ حياة التي اتهمها عاصي بفقدانها للأهلية كي لا يطيل الحديث معها، فتنفجر بحقائق المكتظة بجوفها. ختم الضابط شغله قائلًا:
- اتفضلي أمضي يا أستاذة حياة.
تباطأت عقارب الساعة كبطء حركة عينيها التي لم تتدلى عن عاصي ذلك الشخص الذي أجبرها على ما لا تريد فعله. أخضت أنظارها القوية إلى "عبلة" وكأنها تخبرها بأن الهدنة لا تعني نهاية الحرب بل بدايتها بشكل أقوى.
مسكت القلم مرغمة للتوقيع وما أن لامس القلم موضع الإمضاء، تحركت يدها فاقدة السيطرة لتكتب "رســ" هنا اختلج قلبها وانتفضت يدها، وأخذت تعتصر ذاكرتها التي توقفت كسن القلم عن تكملة الاسم. شردت طويلًا تلج الذكريات كالمطارق برأسها ولكن بدون دليل أو برهان. أغمضت جفونها محاولة تذكر أي شيء تستدل عليه ولكن بدون جدوى.
فاقت من دوامتها الغارقة على صوت المحامي:
- امضي يا أستاذة.
مضت تلك المرة باسم "حياة" وما أن تركت القلم قالت بتدلل وهي تطيل النظر بعيون عبلة:
- أنا برضه مش هرضى لابني جدته تبقى رد سجون!
- آآه يابنت الـ ***
تآكل الغضب بين ثنايا الشر الكامن بقلب عبلة التي حافظت على خمد النيران بجوفها بصعوبة. تجاهلتها حياة بكيد نساء وهي تأخذ "كارت" الضابط وتطلب منه:
- ممكن آخد رقم حضرتك..
ثم رفعت أنظارها لعاصي وأكملت:
- عشان لو جالي أي تهيؤات تانية أكلم حضرتك!
---
- شمس لسه نايمة؟
تناول "تميم" جرعة دوائه وختمها بسؤاله الأخير الذي فجرت سيدة إجابته:
- شمس هانم مشيت.
- مشيت إزاي!
أخذت سيدة منه الكوب ثم قالت بخفوت:
- عاصي بيه مشيها، وهي جت أدتني الورقة دي عشان الأدوية لسيادتك.
احتدت نبرة صوته المعارضة:
- يعني إيه مشيت، وعاصي يمشيها ليه!
تحيرت سيدة في إفشاء السر أم إخفائه وبعد تردد قالت:
- أنا هحكيلك كل حاجة يا تميم بيه، امبارح بالليل جت الحكومة….
شرعت سيدة في سرد أحداث ليلة أمس بالتفصيل الممل حتى ختمت قصتها بحسرة:
- وأدي جزاء اللي يقول الحق في الزمن ده!
وصلت "شمس" إلى بيتهم ورنت الجرس. فتحت لها فادية وكانت رؤيتها بمثابة الغيث في منطقة جحيم. شهقت كشهقة الولادة وهي تأخذها بحضنها وتربت على ظهرها بلهفة وشوق:
- شمس، حبيبة قلبي! أخيرًا رجعتي بيتك يا ضنايا.
تعلقت بحضن جدتها بشوق عارم وهي تخبرها عن مدى اشتياقها:
- وحشتيني، وحشتيني أوي يا فوفا.. هي البت نوران فين.
قفلت فادية الباب وهي تسحبها للداخل:
- تعالي تعالي، نورا نزلت الدرس بتاعها، احكي لي يا ضنايا عملوا فيكي إيه.
تنهدت شمس بارتياح:
- اسكتي يا فوفا، أنا شفت عالم مرعب، بجد الفقر ده طلع نعمة كبيرة أوي لشخص عنده قلب وضمير، الناس دول فاكرين نفسهم يقدروا يشتروا أي حاجة بفلوسهم.
ربتت فادية على كفها بحنان:
- بالمناسبة مكنش له لزوم تبعتي فلوس يا حبيبتي، كانت مستورة والله، كنتِ..
قاطعها شمس بتحير:
- فلوس إيه يا تيتا!
بتلقائية أجابتها الحجة فادية:
- العشرة آلاف اللي بعتيهم..
تنحت شمس بدهشة:
- بس أنا ما بعتش حاجة!
- اومال مين اللي بعت!
---
فارق الجميع قسم الشرطة وكانت قبضة عاصي القوية لا تفارق رسغها. أخذت تتملص من بين يده ولكن بدون جدوى حتى همس لها مهددًا:
- امشي ومش عايز عوج.
وصلوا إلى مجمع سيارته وحراسه. تقدم يسري مرحبًا بعبلة وهو يفتح لها باب السيارة:
- عبلة هانم ألف حمد لله على سلامتك.
وبخته حياة بغل:
- قولي لها كفارة بقى!
اعتصر معصمها بين يده فأصدرت أنين التوجع هامسًا:
- حطي لسانك ده اللي عايز أقطعه جوه بؤك!
ثم دفعها:
- اركبي!
عارضته بتمرد:
- أركب فين!
ثم همست له متوعدة:
- من النهارده سكتك غير سكتي!
تدخلت عبلة بغضب:
- تركب فين! أنا مستحيل أركب مع البنت دي نفس العربية!
ثم وقفت أمامها متحدى:
- يا أنا يا البنت دي في القصر يا عاصي!
تدخل يسري لتهدئة الوضع:
- عبلة هانم روّقي أعصابك، فكريني لما نرجع القصر أخلي الدكتورة شمس تقيس لك الضغط.
التوى ثغر عاصي ساخرًا:
- الدكتورة شمس طردتها الصبح!
تبدلت ملامح يسري الثعلبية وهو يكرر جملته بصدمة ثم سأله:
- ليه معاليك!
عارضته حياة بقوة:
- أنت إزاي تطردها! طبعًا عشان وقفت في صفي وقالت كلمة الحق!
ثم طالعته باستحقار:
- حقيقي كل يوم بتقل من نظري أكتر!
دفع عاصي حياة بداخل سيارته ثم قال بفرض:
- وصل عبلة الهانم للقصر.
ثم ركب بجوار السائق وفتح شاشة هاتفه قائلًا:
- وصلنا للعنوان ده!
تمردت حياة على طلبه صارخة:
- أنت هتخطفني ولا إيه!
حدجها في المرآة بحدة:
- لسه متعاقبتيش، عشان تتعلمي إزاي تعصي أوامري.
حاولت حياة الهرب من نظراته الخبيثة وهي تفتح باب السيارة كي تنجو من براثن انتقامه. عندما أحست بعجزها أخذت تضرب في كتفه بقوة وتلعنه سرًا وعلانية:
- أنت أكيد اتجننت، وقف العربية دي ونزلني بقولك! أنا مستحيل أقعد يوم كمان مع حد مخيف زيك.
أخرجته عن صمته بأفعال يرفضها المنطق وهو يخرج سلاحه من صندوق السيارة ويصوبه نحوها مهددًا:
- كلمة كمان وهتبقي أنتِ الجانية على اللي هيحصل لك.
تراجعت للخلف عند رؤيتها لسلاحه اللامع تحت أشعة الشمس بضوء يحمل تهديداته المرعبة التي ألجمتها وأرجعتها منكمشة في مقعد سيارته. عندما لاحظ تراجعها، تراجع هو أيضًا عن تحذيره وأخفض سلاحه تدريجيًا عندما ضمن استسلامها وامتثالها لأوامره.
---
"مساءً"
"في الغردقة"
في أحد أماكن السهر واللهو بالغردقة، وانتشار المفاسد والعراء ورائحة الخمور التي تغمر المكان بسكرها، يجلس فريد على أحد البارات يتجرع الخمر كالصودا، كأس وراء الآخر وكأنه يحاول اغتيال ذكرى حبيبته للأبد. ولكن كيف ينجو القلب من عيون امرأة سكرها يضاهي سكر الخمر. اقتربت منه إحدى الفتيات العارية وهي تطوق كتفه:
- مش كفاية شرب!
دفعها بعيدًا وهو يفرغ آخر ما بالزجاجة في فمه وقال:
- مالكيش دعوة بيا!
عادت إليه الفتاة وهي تشد منه الزجاجة عنوة وتنهره:
- كفاية كدا كفاية! قوم معايا.. تعالى نرقص.
طاوع الفتاة في طلب الرقص واخذ يتمايل ثملاً سكيرًا وهي يطوق كل فتاة تلامسها يده. مالت تلك الفتاة على أذانه عارضة عليه:
- تحب تيجي أعرفك على صحابي؟
فرض الخمر سيطرته على خلايا مخه، حتى جعله يتحرك بدون وعي. تابع خطى الفتاة وهي تسحبه خلفها متجهة إلى صحبتها وما أن جلست فقالت:
- اعرفكم يا جماعة، فريد المصري، قرش البحر الأحمر!
توجهت النظرات إليه بإعجاب وتبادل الجميع الترحاب به حتى سبقهم أحد الرفاق مقدمًا سيجارة محشوة بمادة مخدرة وقال مرحبًا:
- ودي تحية التعارف!
شرع الجميع في الضحك والهزار وتبادل الضحكات حتى تفوهت "سارة" قائلة بحماس:
- استنوا هكمل لكم.
رد باسل:
- كملي كملي، عاصي دويدار هيجننك أنت خلاص.
- فجأة قلع هدومه ونزل البحر في نص الليل وطلع منه بنت شبه حوريات البحر كدا.
أبدت إحدى الفتيات إعجابها بموقف عاصي:
- اوووه سوبر جنتيل مان! كملي كملي.
أشعلت سارة سيجارتها وأكملت:
- وبدأ يفوق فيها لحد ما حرام ما كلنا فقدنا الأمل، وطبعًا خاف يتورط في مصيبة، راح أمر رجاله يرجعوها البحر تاني!
شهق الجميع باهتمام شديد لمعرفة نهاية القصة ولكن صدمهم موقف فريد وهو يشد سارة من معصمها قائلًا:
- الكلام ده حصل من امتى؟
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نهال مصطفي
“رسائل لن تصل لـ صاحبها ”
لماذا لا تكتب لي؟ لماذا لا تأتي؟ هل مات ساعي البريد أم مات حنينك لقلبي؟
كنت أنتظر منك حتى رسالة فارغة، يكفي أنها تحمل حنينك، واعتراف صغير بأنك بأن هواي لا يزال يداعب ذاكرتك، يكفي أن أطمئن، لأنني منذ عدة أيام أحاول أن أكتب لك، أن أخبرك عن هذه العواصف لكنني لا أجد ما أقوله، لقد بدأت أشعر أن الحديث معك بات صرخة في الفراغ، وأن أمري لم يعد يهمك، وهذا ما يجعلني أختنق بكلماتي، أختنق وأعجز عن الحديث تمامًا، حتى هذه الرسالة لم أكتبها، لقد نزفتها نزفًا من دمي.
لم أكن أعلم أن صمتك جارح إلى هذا الحد، لو كنت أعلم لما اتخذت من حديثك ضمادة لروحي.
***
أشد ما أصابني مؤخرًا هو أني لم أعد أحمل في داخلي أية اعتراضات أو موافقة، لا مسيرة ولا مخيرة، كأن كل شيء يشبه اللاشيء، لا فرق بين التوقف أو الاستمرار، الشعور واللاشعور، خاوية من كل مظاهر الحياة وكأنها لا تعنيني.
تجلس شمس أمام النافذة ليلاً بعد ما أدت صلاة العشاء وهي تتأمل المارة، تقارن بين قصر عملاق يحوي خلف أسواره أعدادًا بسعة حيهم، تصل إليها رائحة الفول والقُرص والخبز الطازج، فيغمرها شعور التحرر من كل شيء مثلما انطلقت هذه الروائح في الفضاء وأخذت تتحرش بقلوب الجياع من الطعام والحب معًا.
على عكس ذلك القصر غريب العادات، يتخلصون من رائحة الطعام كأنه شيء ناشز عن الطبيعة، ويتفاخرون برائحة الخمر كأنه أريج من المسك.
فارقت شرفة منزلها وتحركت ناحية الراديو وأخذت تقلب بمحطاته اللاسلكية حتى أوقفها صوت أم كلثوم.
“خلينى جنبك فى حضن قلبك، وسيبنى أحلم ياريت زمانى ياريت زمانى ما يصحنيش”
راقت لها كلمات الأغنية رغم أنها ليست من هواة الطرب الحديث، ولكن القديم يداعب كنزًا دفينًا بقلبها لا تدرك حقيقة وجوده.
اتكأت على وسادتها للخلف تاركة آذانها لصبابة أم كلثوم، تلك السيدة الواعظة بألحانها لقلوب الفتيات اللاتي يتخبطن في دروب المشاعر، وأطلقت زمام ذاكرتها إلى أعتاب الصدف القليلة التي جمعت بينهم والحوارات الطويلة التي لم يتفقا على محورها، تذكرت السلام النفسي الذي ينعقد فوق سقف غرفته، خدعتها ذاكرتها لأول لمسة من يده وكيف فزعت إثرها كفتاة مراهقة.
سبحت الذاكرة فوق موج الخيال وتبسم الثغر لمداعباته.
اقتحمت نوران الغرفة بفوضويتها المعهودة وهي تتغزل بصفاء ذهن أختها الذي يبطن عكس ذلك تمامًا.
“الله الله! أم كلثوم كمان؟ يا سيدي يا سيدي!”
ثم قفزت فوق السرير بخفة، وأكملت سخريتها.
“حب جديد ده!”
خفضت الصوت بجوارها وهي تعتدل متأففة.
“هنبتدي في اللماضة!”
هلت نوران بفرح.
“يبقى صح، قوليلى مين ها! الجدع الأمور ده اللي دخل علينا دخلة الأفلام ولا مين؟ بصراحة من أول ما شفته كده وأنا شميت ريحة دخان على طول، امممممم طلع هو ده دخان الحب!”
ضربتها شمس بغيظ كي تكف عن سخافتها موبخة.
“التركي اللي بتشوفيه أنتِ وجدتك بوظ دماغك دي!”
تلقت صفعتها بضحك، ثم غمزت لها.
“الأيام بينا، متنسيش بس تظبطي لي حد من معارفه!”
“برضه مصممة على اللي في دماغك!”
تدللت نوران بمزاح وهي تخرج لها لسانها باغتياظ.
“آه، وقومي عشان تيتا طابخة فراخ بحلم بيها من الضهر.”
استندت شمس على كتفها وهي تضم رأس أختها إلى صدرها.
“مفجوعة ودايمًا همك على بطنك. يلا يا ستي.”
***
أشعلت سارة سيجارتها وأكملت.
“وبدأ يفوق فيها لحد يا حرام ما كلنا فقدنا الأمل، وطبعًا خاف يتورط في مصيبة، راح أمر رجاله يرجعوها البحر تاني!”
شهق الجميع باهتمام شديد لمعرفة نهاية القصة ولكن صدمهم موقف فريد وهو يشد سارة من معصمها قائلاً.
“الكلام ده حصل من امتى؟”
صرخت سارة بوجهه وهي تبكته.
“أنت سكران ولا مجنون! أبعد إيدك دي!”
تدخلت الفتاة الأخرى صديقته الذي تدعى بميس.
“فريد! أنت بتعمل إيه!”
توبخها سارة بعتب.
“ما تشوفي مجايبك يا ميس!”
“معلش فريد بس أعصابه تعبانة شوية.”
أصر فريد على موقفه، وبنبرة أشد.
“اخلصي وقولي الكلام ده حصل امتى!”
تدخل بعض رفاق سارة كي يبعدوه عنها ولكن بدون جدوى، أجابته بتأوه.
“من أسبوع كده!”
إشارة واحدة كانت تكفي ليداوي بها كل هذا التشتت الذي يهيمن بقلبه وأيامه، ردت الحياة إلى لعابه للحظة وهو يضع احتمالية وجودها على قيد قلبه.
“رسيل! انطقي قولي لي، عملتوا فيها إيه!”
دفعته سارة بقوة بمساعدة أحد رفاقها وهي تصرخ بوجهه معاندة.
“طبعًا رماها للسمك! دي واحدة ميتة! هيورط نفسه معاها ليه!”
لم تعلم لما أخبرته بوهم هكذا، ربما انتقامًا لتطاوله عليها! أو خوفًا من تورطها مع عاصي الذي أخذت من أفعاله أسطورة للملاهي الليلية! أو ربما اختصارًا للحديث مع شخص مفزع مثله! أحيانًا يكن الكذب نجاة من مخالف المجهول.
تسمر فريد بمكانه محاولاً إدراك ما سقط كالصاعقة على مسامعه، أخذ يراقبها وهي تهرب من أمامه راكضة ولكن صدمته كانت أقوى من اتباعها، فجأة ثار جنونه، وطاحت يده بجميع زجاجات النبيذ والمنكرات الموجودة على الطاولة أمامها بصرخة أسد سُجن في قفص الواقع الذي حاول رفضه كثيرًا وأخذ يهذي كالمجنون.
“قتلتها! إزاي جاله قلب يعمل فيها كده! أنا قلت البحر مستحيل يغدر بيكي! تارك لازم يرجع يا رسيل.. لازم!”
***
فهمت أن وحدي من يتعذب هنا، ولا أحد غيري يقف على الأحداث المؤلمة ويتساءل متى حدث كل هذا ولماذا، وأني أنا فقط من تحمل مسؤولية إصلاح الأمور في كل مرة، وتحاول حتى تنقطع بها السبل، وينتهي كل شيء وتبقى في نفس المكان بينما هم يعبرون من جانبها غير مكترثين ولا يعرفون الالتفاتة نحوها.
بخط مرتعش دونت حياة كلماتها الأخيرة التي آنست وحشتها ووحدتها طيلة نهارها، يتخبط عقلها هنا وهناك، تركها في أحد الفنادق وغادر دون ما يوضح عاقبة فعلته، انتابها الملل، أخذت تتجول بعشوائية في الغرفة، وقفت أمام المرآة، تشتم هذا التعب، وهذه الملامح، وتلوم على الزمن.
كيف تمكنت روح واحدة، تبلغ فقط العشرين، أن تمتص هذا اليأس كله؟
فتحت الثلاجة عدة مرات حتى يأست من تكرار أفعالها العبثية، تناولت علبة مغلفة من العصير وشرعت في ارتشافها بسأم.
لم تفرغ من شرب عصيرها فالتفتت إلى الباب الذي يفتح بدون إذن مسبق، تركت ما بيدها جنبًا منتظرة مصيرها حتى ظهر سجانها وخلفه أحد الموظفات وبيدها العديد من الحقائب الفاخرة، أذن للموظفة بترك ما تحمله ثم قفل الباب خلفه ودنى من ثورتها العارمة التي ترمقه بها وقال.
“يأرب تكوني عقلتي!”
بجمود نهرته.
“أنت مفكر لما تحبسني هعقل!”
ثم دارت ساخرة وهي تلملم شعرها الكثيف جنبًا بتلقائية، حركة عشوائية منها زادتها جاذبية وسحرًا، أتبعت بضحكة ساخرة.
“أنا مش عارفة أنت بتفكر إزاي!”
دنت منه خطوة ثم رفعت رأسها بشموخ وتحدٍ.
“أنت مين وعايز مني إيه! عايز تقتلني! اتفضل أنا قدامك أهو خلصني يا أخي.”
فتاة تتخبط روحها في كل الاتجاهات، في محاولة لأن تجد مستقرًا تأوي إليه حتى ولو كان قبرًا.
صرخت أمامه بجزع.
“الموت أهون من الذل ده ألف مرة!”
تجاهل ثورتها المتقدة وهمس إليها.
“عشر دقايق وقت كفاية تجهزي فيه!”
“مش فاهمة؟ أنت ما بتعرفش تتكلم طبيعي كده زينا يعني؟ هيجرالك حاجة مثلًا لو كملت جملة مفيدة؟!”
نصب قامته بشموخ وهو يطالع ساعته باهظة الثمن.
“باختصار؛ عندنا معاد مع المأذون كمان ساعة!”
تنهدت بارتياح.
“إيه قررت تتجوز وتحل عن دماغي!”
تحمحم بثقة وفظاظة وهو يطالعها بوقاحته.
“آه، قررت اتجوزك أنتِ!”
أحيانًا لا تشعر من شدة ما تشعر، فأي صاعقة من السماء حلت على جسدها الواهن، صدمة ثم ذهول ختمتهم بضحكة ساخرة وهي تجهل كل شيء، توقفت عن الضحك للحظات وهي تشير بسبابتها أمام عقلها كأزميل يخرم الحائط وسألته تحت تأثير دهشتها.
“أنت صاحي! ولا بتحلم وجاي تحقق أحلامك عندي!”
وقف أمام المرآة ينهدم ملابسه ويقول بتبختر.
“الضحك علامة للرضا!”
يأست من وقاحته.
“أنت مش طبيعي، بص لازم تروح تحجز في مستشفى أو تشوف لك دكتور، بجد حالتك كل يوم بتسوء عن اليوم اللي قبله!”
تجولت حائرة حتى استقرت في منتصف الغرفة تتهمه.
“وبعدين أنت جايب الثقة دي كلها منين!”
اقترب منها بخطواته السلحفية حتى أصبحت تحت مظلة أهدابه قائلاً بعنجهة.
“مني! عشان عاصي دويدار عريس ميترفضش.”
حياة بنظرات تصغير من شأنه.
“مين فهمك؟ آه أكيد عبلة هانم! بس الكلام ده عندها مش عندي، وأنا للمرة الألف بقولهالك، لا يا عاصي بيه دويدار.”
صوت الزجاج المتكسر، إنها ما تبقى من أنفاسها، دنت منه تلك المرة بل بات قربها لا يخيفها، وقالت بشموخ امرأة.
“ونفترض إن عندي حبيب مستني رجوعي! أو متجوزة مثلًا.. منا فاقدة الذاكرة بقى!”
تجولت أنظاره في الغرفة بتأني حتى رست فوق عرش قلبها وقال بثقة عارمة.
“لنفترض أن عندك حبيب! ذاكرة القلب مستحيل تنساه حتى ولو فقدتي عقلك كله!”
ثم دنى منها عدة خطوات ثعلبية استقبلتهم بالتراجع للوراء حتى تصادم ظهرها مع الحائط وباتت تحت حصاره، وبنظرات وقحة خلاعة قال.
“وحوار إنك مثلًا متجوزة ده مفيش أسهل منه، أنا معنديش مانع نتأكد منه سوا!”
لا تدرك كم كان الأمر مخيف، كيف تتحول ردود فعل المرء تجاه ذات الأمر من ثورة إلى هز رأس. ولكن صدمتها من جراءته كانت كافية أن تخرسها عمرها كله، تكدست أنفاسها بداخلها لم تستطع أن تحررها إلا عندما ابتعد عنها، وضعت كفها على صدرها الذي أخذ يعلو ويهبط كالكرة المطاطية محاول استجماع شتاتها التي بعثرها رجل فظ مثله.
لاحظ رعبها منه، فلم يقصد اخافتها بل كان يريد معاقبتها على عصيان أوامره، سكب لها كوب من الماء ووضعه بقربها وقال ببرود.
“مش مستاهلة الرعب ده كله، أنا كنت بفكر معاك بصوت عالي بس.”
تناول كفها المرتعش كوب الماء وارتشفته مرة واحدة ثم وضعت الكأس على المنضدة بقوة وهي تلملم شتات قوتها أمامه لتواجه أمواجه العاتية، طالعته بعيونها الذابلة وسألته.
“وهتستفيد إيه لما تتجوزني!”
“أنتِ المستفيدة مش أنا، يكفي أنك هتكوني مراة عاصي دويدار! نسب يشرف أي حد.. كمان عبلة المحلاوي مش هتسيبك في حالك بعد النهاردة! أنا بحميكي.”
استقبلت جملته بسخرية وقالت بسخرية.
“الواضح أني الوحيدة اللي مش وش نعمة.”
دنت منه خطوة ورفعت رأسها ودموع العجز تغمر جفونها، لا تعلم على من تلقي اللوم، على قوتها التي لم تعد كافية لمواجهة رجل كالتيار مثله! أم على الزمان الذي ألقى على عاتقها أسفارًا لا تدرك ما تحمله!
هدأت وهنا بدأ انتقامها. عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت.
“وليه مزورتش ورقة! افتكر مكنتش هتغلب!”
“والله أنا معنديش أي مانع!”
“بس يا ترى أنتِ هتوافقي تعيشي معايا بورقة جواز مزورة؟!”
“يابني آدم افهم في كلتا الحالتين جوازنا باطل وماينفعش، ممكن مضيعش وقتك الثمين معايا أكتر من كده!”
رفع حاجبه متعجباً.
“وليه باطل! أحنا ممكن نستشير شيخ فالأزهر ويقولنا! أظن أن جوازنا الباطل أهون الحلول من وجودك معايا بدون جواز أو أرميكي في الشارع وتتشردي!”
ثم دنى منها حتى داعبت أنفاسه الحارقة وجهها.
“مش بقول لك كله لمصلحتك!”
تعلم أن التبرير معه جهد ضائع، اكتفت بنظرات الشفقة والتقليل من شأنه حتى قطع كل هذا صوت رنين هاتفه، رد على الفور، ولم يكمل كلمته الأولى حتى تبدلت نبرته للصراخ.
“إزاي دا حصل؟ أنا جاي حالًا.”
***
أتمنى لو أن أضع رأسي فوق صدر أمي، لعل الأثقال التي أحملها فوق كتفي تسقط والدموع المتحجرة في جوف عيني تنوي التحرر والخروج ويتحرر معها الإنسان الكئيب الذي أحمله.
يطالع تميم صورة أمه ويشكو لها مآسي أيامه بدونها، مرارة وحدته التي لا يتحملها عقل بشري، يروي لها حقيقة قلبه المتماسك بدونها، وأنه يجتاح لمن يلامسه كي يسمع منه صرخات الاستغاثة.
تحرك بمقعده الخشبي نحو الباب وأحكم غلقه جيدًا كي لا يقتحم أحد خلوته مع أسراره، بمجرد ما قفل الباب، تحرر من مقعده وحرر أحزانه في أرجاء الغرفة، نصب قامته الطويلة وجسده المتناسق وأخذ يتجول براحة ويفتش في صندوقه الخاص.
توقف أمام الكتاب الذي كانت تحمله بيدها وتمرر أهدابها فوق كلماته لتمنحها نورًا مستمدًا من اسمها، فتش في صفحات الكتاب بعشوائية وهو يتذكر جملتها التي قالتها وأشعة الشمس تداعب ملامحها كما فعلت أشعة وجودها بقلبه.
“الحب هو موت القلوب الحية!”
قفل الكتاب ورماه بكلل وهو ينفث دخان أيامه.
“واضح أن معاكِ حق يا شمس، حبي لأمي هو اللي موت جوايا حاجات كتير وأولهم قلبي! بس من أول ما شفتك وأنا حاسس إنك هدية أمي ليا، عشان كده لازم ترجعي، شخص زيك مش هلقاه كل يوم، لازم ترجعي يا شمس حتى ولو كنتِ الطعم اللي عاصي دويدار بيخطط له عشان يصطادني بيه!”
***
لا يقترب النوم من جفون امرأة إلا عندما تنتقم لقلبها، ارتسمت السعادة على وجه هدير وهي تهتف بفرح.
“ولسه ياما تشوف يا عاصي!”
دخلت جيهان الغرفة على ابنتها وبيدها طبق الفواكه.
“أخيرًا وشك اتفرد! إيه حصل فرحيني؟”
وضعت ساق فوق الأخرى بعد ما تناولت ثمرة من التفاح وقالت.
“أخدت حقي، ولسه! مش هرتاح إلا ما أحسر ابن اختك على كل عمله فيا!”
جلست جيهان بجوارها بلهفة لمعرفة بقية القصة وسألتها.
“أنتِ عملتِ إيه من وراء؟!”
قطمت ثمرة التفاح بسعادة وقالت.
“مشروع العلمين الجديد بتاع عاصي، وأنت أكيد عارفة المشروع ده صرف عليه قد إيه ونازل فيه بكل ثقله!”
جيهان باهتمام.
“أيوه عارفة، ماله؟!”
“ولع! أو بمعنى أصح أنا اللي عملت كده.”
اتسعت عيون جيهان بدهشة وهي تسقط السكين من يدها.
“يخرب عقلك! أنتِ إزاي عملتي كده.”
تمايلت بتفاخر.
“خلي مراد ابنك يشكرني بقى، بقدم له خدمات على الجاهز!”
شردت جيهان في ملامح ابنتها المشتعلة بنيران الانتقام.
“ده أنت مش سهلة خالص.”
“تربيتك يا جي جي.. هو كريم فين، الولد ده بحس أنه باعنا كده ولا بيفكر حتى يسأل علينا.”
التوى ثغر جيهان بيأس.
“ده إن خد باله أننا مش موجودين في البيت أصلًا، استني أما اكلمه.”
***
تحولت وسادتها من القماش المحشو بالقطن إلى قماش مبلل بملوحة حزنها إلى ينافس حجم البحر، جففت دموعها سريعًا إثر صوت طرقه الخافت على الباب ليدخل، اعتدلت بسرعة وهي تسمح له.
“اتفضل.”
دخل مراد بمعالم وجهه الثابتة التي لا تترجم منها حالته وما يشعر به، كل من يراه لا يمكنه قراءة ملامحه، شخص جاد، صلب، ذو ملامح حادة إن وقفت فراشات الفرحة عليها يوميًا لسالت دماؤها، مد لها يده الحاملة بالطعام.
“طلبت لنا أكل.”
أخذت منه الحقيبة وشكرته بخفوت ثم أكمل.
“الدواء جمبك لازم يتاخد في مواعيده.”
لأول مرة تطالع وجهه عن قرب ظناً منها بأن الدنوء يكشفه لها ولكن لم يوصلها القرب إلا على نواصي التيه، اكتفت بإصدار إيماءة خافتة بهدوء، أخذت منه الطعام ولكنها فوجئت بوجوده، رفعت جفونها إليه وسألته.
“عايز تقول حاجة!”
كان سؤالها برقة النسيم على قلبه، شعور لم يتناسب قط مع نواياه الخفية نحوها، أغمض جفونه وهز رأسه بالموافقة ثم ذهب نحو الخزانة وأخرج منها ملفًا، شد أحد المقاعد وجلس بجوار فراشها، تحركت جفونها بغرابة مبطنة بالفضول حول الموضوع الذي سيفتحه معها.
ألقى الملف بجانبه ثم تعمد قتل نبضة حائرة بقلبه وقال بجفاء.
“أنتِ وافقتي تتجوزيني ليه!”
ظلت تتذكر حروبها الخاسرة مع الزمن وقالت بعيون دامعة.
“المفروض أنا اللي أسأل سؤال زي ده، إيه ممكن يجبر رجل زيك يتجوز واحدة بالطريقة دي، على الأقل أنا بنت وليها نقاط ضعف كتير!”
سبق لسانه عقله وسألها.
“إيه هي نقاط ضعف واحدة زيك؟!”
شردت في خيباتها وقسوة الأيام عليها حتى فرت دمعة الخزي من طرف عينيها وقالت ببسمة مزيفة يغمرها القهر.
“ياااه كتير، بس مش موضوعنا، ليه اتجوزتني!”
رق قلبه لها للحظة قتلتها سنوات طويلة من الحروب الناشبة بين العائلتين وقال بجمود مفتعل.
“اسمعيني يا عالية، واضح أنك مالكيش في البهدلة ولا ليكي دخل في الحرب الدايرة بيني وبين عاصي، وواضح أني غلطت لما فكرتك الطعم اللي هصطاد بيه أخوكي.”
خرط على قلبها جمرات متتالية من الإهانات انعكست على دموع عينيها الأشبه بالسيل على وجنتيها وقالت بحسرة.
“جبت الخلاصة، قصدك جوازة مصلحة.”
“وأنا جاي أديكي مفتاح القفص ده وتعيشي حرة بقيت حياتك!”
تذكرت أنها لا تملك حياة من الأصل لتعيشها، بلعت جمر قسوته وسألته.
“مقابل! قصدي فين مصلحتك!”
تردد كثيرًا قبل ما يعرض عليها صك شراء حريتها، مسك الملف وقدمه لها وقال برتابة.
“هتمضي هنا وبعدها هديكي ورقة حريتك ونبقى خالصين.”
أخذت الملف منه وشرعت في قراءته بملامحها المتأرجحة على أوتار الدهشة، ظل يراقبها بعيون مضطربة منتظراً ردها، أحس بحيرتها للحظات قرر منحها مهلة من الزمن فقال.
“ممكن استنى ردك الصبح، فكري.”
ضحكت بأسف.
“عقود بيع وشرا عن نصيبي في شركات دويدار مقابل ورقة طلاقي! عرض يستحق التفكير فعلًا.”
تلقى كلماتها سريعاً ثم وثب قائلاً.
“تمام، فكري وهستنى ردك، مع أنه مش مستاهل تفكير يعني.”
أيدت جملته.
“عندك حق، مش محتاج تفكير!”
ثم أزاحت الغطاء من فوقها، ولامست أقدامها الحافية الأرض واستندت على الكمود لتقف في مواجهة العاصفة وقالت بثبات.
“غلطان جاي تساوم واحدة معندهاش اللي تخسره!”
انكمشت ملامح وجهه لجراتها خاصة بعد ما مزقت الملف لنصفين أمامه ورمته بالأرض قائلة.
“صدقني مابقاش عندي حياة عشان أحارب إني أرجع لها، يعني المبلغ كبير أوي مقابل اللاشيء اللي مش عايزاه.”
صدم من ردها الغير متوقع، ولكنها لم تمنحه الفرصة ليجيبها بل أكملت.
“آسفة إني هبلغك بفشل مخططك، بس لعبتها غلط المرة دي يا مراد بيه.. ممكن تشوف طريقة تانية تكسر بيها عاصي لكن مش أنا!”
***
في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، صفت سيارة سارة أمام أحد المناطق السكنية الراقية، قفلت صوت الغناء الصاخب ولملمت أغراضها وكانت يبدو عليها شخصًا ثملًا إثر ما تجرعته من خمر تلك الليلة.
هبطت من سيارتها تتأرجح وتبحث عن مفتاح السيارة الذي لم تأخذه من الأساس، عادت إلى المقعد وأخذت تهذي بكلمات مبهمة وهي تخرج المفتاح إلى أن فارقت سيارتها واتجهت نحو باب منزلها وهي تتمايل وتدندن تارة بالغناء وأخرى بالضحك.
بصعوبة أدخلت المفتاح بالباب حتى ظهر أمامها ذلك الشخص العبثي الذي خرب عليها ليلتها، وقف فريد بوجهه وقال.
“آسف على اللي حصل بس…”
تفحصته سارة بعيونها المشوشة وهي تشير له.
“أنت! أنا فاكراك! أنت جاي ورايا تعمل إيه؟”
أوشكت على السقوط حتى أنقذها فريد في اللحظة المناسبة وهي تتمايل بين يده، تبدلت نظراته الماكرة إلى أخرى وقحة لم تستحِ على إعلان ما تريده، همس لها بتخابث.
“نكمل كلامنا جوه!”
***
استيقظت عبلة من نومها بعد ليلة طويلة قتلت حقدها وغليلها بالعديد من الحبوب المهدئة، بمجرد ما فاقت أخذت حمامها الدافئ ثم قهوتها وأخذت تعد مخططها الانتقامي من تلك الفتاة التي تجرأت وتطاولت على مجدها الشامخ.
أمسكت جوالها وهاتفت أختها التي استيقظت على صوت رنينها وأجابت.
“صباح الخير يا عبلة!”
عبلة بقهر.
“وهيجي منين الخير طول ما البنت دي في حياتنا، أنتِ فين يا جيهان!”
اعتدلت جيهان من نومتها مجيبة.
“رجعت شقتي القديمة يا عبلة، مش ابنك طردني!”
“سيبك من الهبل ده دلوقتي، هرجعك، المهم عايزاكي في حاجة أهم.”
جيهان باهتمام.
“حاجة إيه!”
بنبرة الانتقام أردفت عبلة.
“عايزين نخلص من البنت دي! عندك حد يخلص ولا أتصرف أنا!”
***
شرعت شمس في إعداد وجبة الإفطار مع جدتها وهي تروي على أذانها الأحداث التي مرت بها خلال الأيام الماضية، ظلت تسرد لها عن تميم وحالته المثيرة للحزن، عن تلك الفتاة التي حطموا عظامها ظلمًا، عن أخته التي لم يسمعها أحد بل حكموا عليها جميعًا بحكم الإعدام بدون وجهة دفاع.
ظلت تسرد بتأثر شديد حتى ختمت حديثها الطويل.
“أنا حاسة إني سافرت بالزمن والله يا فوفا، مش روحت كام يوم ورجعت.”
سكبت فادية الشاي بالكاسات ثم قالت بعرفان.
“ربنا نجاكي يا حبيبتي! أنا لحد دلوقتي مش مصدقة اللي بسمعه، معقولة الناس دي جواها السواد ده كله! احمينا يا رب.”
“عارفة يا فوفا يتشاف من بره بيت عادي، لكن كل ركن جوه حدوتة.. يلا عشان ألحق أرجع له فلوسه!”
حملت مائدة الشاي وتوجهت للخارج ووضعتها على الطاولة ثم هتفت.
“يا نوران كفاية نوم واصحي بقى!”
أخذت شمس كتبها ووضعتهم بجوار الباب كي لا تنسى شيئاً قبل ذهابها، ولكن تركت ما بيدها متوجهة نحوه إثر صوت رنين الجرس، وعندما فتحت الباب وجدت تميم جالساً على مقعده المتحرك أمامها، اتسعت عيونها من هول الصدمة وهي تردد.
“تميم! أنت هنا بتعمل إيه؟ وعرفات مكاني إزاي!”
ابتسم بهدوء.
“هجاوب على كل الأسئلة دي على الباب كده!”
أحمرت وجنتيها بخجل.
“يا خبر! لا طبعًا اتفضل ده كلام؟!”
شرعت في فتح الباب على مصراعيه ليدخل منه، وفي تلك اللحظة أشار للرجل وراء أن يذهب وينتظره في السيارة، جاءت فادية متسائلة.
“مين يا شمس!”
***
سلب طمأنينة قلبها حتى بات كل شيءٍ يرعبها، حتى طرق الباب، فزعت حياة من نومها بقلق وهي تقترب من صوت الدق متسائلة.
“مين؟!”
ترددت حياة في فتح الباب، فكيف تفتحه وهو أحكم غلقه ليلة أمس، تحيرت للحظات ولكن شعور ما بداخلها جعلها تحاول فلم يتبقى لها ما تخسره بعد، ولحسن حظها فتح الباب بسهولة جعلتها تشهق بأوكسجين التحرر، فتحته على مصراعيه وهي تسمح للفتاة بالدخول بسعادة عارمة كانت مثيرة لفضول العاملة.
نقلت الطعام على الطاولة الخاصة ثم عادت إليه باحترام.
“أي أوامر تانية يا فندم!”
تلبست الفرحة بصوتها فأعجزتها عن تكملة جملة واحدة.
“لا… شكرًا.”
انصرفت الفتاة ثم أخذت حياة تتابع خطاها حتى اختفت من أمامها، أشاحت بنظرها بعيداً تبحث عن الرجال المعينين بحراستها فلم تجد أحدًا، بات التحرر لها وجبة سائغة وممهدة، قفلت باب الغرفة ثم انطلقت هاربة كطائر قضى أعوام طويلة في قفص مقيدة حريته وبمجرد ما فتح بابه هاجر بدون ذرة حنين واحدة للعودة.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نهال مصطفي
“يَوماً مَا سَنلتَقي ونَحكِي، كَيْف سَارت بِنا السُّبُل حَتى اللّقِاء.”
ويردد قلبي خلفه بـ ” آميـن ” ويعترف :-
لا زلت أَرسِمُ بالخيالِ عوالِمي ، لعل عالم فيهم يطاوع قلبي ويكتب لنـا التلاقي ، فـلا يوجد حيلةُ للمضطر والعاشق غيرُ خيالِهِ؟
••••••••
كان عليها الانسحاب من البداية في كل لحظة أحست فيها بـ أنها ليست بالمكان المناسب عندما تحول الهواء الذي تتنفسه إلى خوف وقلق .. فارقت “حياة ” مبنى الفندق العملاق مُتجهة ناحية الملاهي وأماكن ترفيه الأشخاص بالفندق وهي تتلفت حولها كطفل تائه ضل طريقه للعثور على أمه .
أثناء سيرها العشوائي غير محدد الجهة أو المقصد اصطدمت برجل في أواخر الأربعين من عمره ذو ملامح جذابة يخالط لحيته وشعره اللون الأبيض ، شهقت بفزعٍ وهي تتراجع خطوة للوراء ، وتفوهت معتذرة :-
أسفة !
طالعها الرجُل بأعين قليلة الحياء :-
اسفة على أيه بس !
ثم مد يده ليُصافحها :-
أنا هاشم مدكور ، الحلوة اسمها أيه ؟!
تفقدت يده الممدودة بعيون حائرة يغمرها الذُعر ، فـ رفعت جفونها إلى أنظاره بتصغير متأهبة للرحيل بعد ما أعلنت بوضوح تجاهلها لترحيبه وسؤاله الفضولي .. انطلقت من جانبه بسرعة ويتراقص شعرها ورائها كـذيل فرس عربي أصيل لديها من الإمكانيات المُغرية لدفع كل ما يملك الرجل من كنوز كي ينال نظرة قُرب من عيونها التي صُبغت بلون السماء .
نظرات خلفها لـ تختلس منه آخر نظرة وكانت بمثابة رصاصة الخوف عندما رأت سوء النية بعينه خاصة لما اشار لأحد من رجاله كي يتبع خُطاها .
أسرعت ” حياة ” كي تتخفى من تلك الأعين التي تترصدها وهي تتخبط بالمارة تارة وتتعرقل خطواتها طورًا ، تكدست الحيرة في رأسها ، إلي أين ستذهب بعد مغادرتها؟ ومن أين خرج ذلك الرجل الذي يراقبها بخبثٍ ! ظلت تتحدث لنفسها بصوتٍ مسموع :-
طيب لو روحت حكيت للشرطة هيقولولي سيبي عنوانك ! يا ترى أنا هعمل أيه ! هرجع للبني آدم دا تاني ! وهو هيعديها كدا؟!
تشبثت برأسها التي أوشكت على الانفجار وهي تائهة بدون ملجأ او دليل يشرهدها ، التقطت نظرة خاطفة من ذاك الرجل الذي يتبعها ، فتمدد الرعب إلى أصولها ، وبدون أدراك شرعت في الركض كـ قطة خائفة من الوقوع بين أنياب صيادها ، ما لبثت أن خرجت من بوابة الفندق ، وأخذت تعبر الطريق بسرعة لا توصف ، فوجئت بسيارة أمامها تصدر صوتًا لا يقل عن صرخة صوتها ، من شدة الخضة سقطت مغشيًا عليها وإذًا بالسيارة يهبط منها ” عاصي دويدار ”
••••••••
قد تأتي فترة مُؤلمة جدًا وقاسية لا تعلم ما سبب تلِك الضيقة التي تشتد على روحك دومًا ، والحُزن الذي سكن صدرك ، يلازمك الألم كُل يوم ، وشعورٌ بأن لا شيء ينتهي لم يفارق رأسك أبدًا !
ثنت ” عالية ” سجادة الصلاة بعد وقت طويل قضته بالدعاء والتوسل لرب العالمين أن يفك ضيقتها ، نهضت بتوجع وهي تستند على أحد المقاعد بجوارها مصدرة أنين الألم حتى جلست لتستريح من الجهد المبذول لمقاومة ما يصدح بـداخلها .
تناولت الأدوية وأخذت تطلع على مواعيدها ، نوع وراء الآخر ، عزلت ما ستتناوله صباحًا ثم وثبت قائمة ببطء وفارقت الغرفة متجهة نحو المطبخ لتُحضر زجاجة ماء ، أحضرت ما تريد ثم تأهبت عائدة إلى غرفتها وما لبثت أن تُغادر المكان فـ هلَّ هلاله أمامها في كامل أناقته ورائحة عطره التي ملئت جيوبها .. تبادل الثنائي النظرات حتى خطت خطوة لتفارقه بدون كلام فأوقفها بنبرته الأجشة :-
استني .
تحملت على بار المطبخ بدون التفاتة منها بل رجع مراد خطوتين للوراء كي يصبح مقابلًا لعيونها وقال :-
أنا سبتك للصُبح يمكن ترجعي في كلامك ، وتفكري فيه بعقلك ..
تأففت ممتعضة :-
معنديش كلام تاني غير اللي قُلته !
ألقى نظرة سريعة على ساعة يده ثم قال محذرًا :-
أنتِ لسه ما شوفتيش وشي التاني ، لو كُنتي مخدوعة في سكوتي على أنك ممكن تصعبي عليا واطلقك كده ، تبقي غلطانة ، أنا لما بخسر حاجة ببقى وحش أوي يا عالية !
يشعُر المرء احيانًا بضرورة المغادرة من كُل شيء ولكن إلى أين سيهرب وأن كان ما يرعبه بجوفه ! بلعت مرارة تهديده وقالت بهدوءٍ :-
اللي عندي قُلته .
بمجرد ما أردفت جُملتها أخفضت وجهها أرضًا و تأهبت بالرحيل ولكنه أوقفها ممسكًا بمرفقها بقوة وقال :-
لما أكون بكلمك تقفي وتسمعي لحد ما أنا انهي الكلام !
زفرت بضيق مبررة :-
مش مستحملة ريحة البرفيوم بتاعك وكمان الجرح بيتعبني !
تجاهل تملصها من قبضته القوية وأصر قائلًا :-
بلاش تتحديني يا عالية .
العَيش تحت الضغط يُكلِف الإنسان طِباعًا لا تُشبهه .. رفعت رأسها بشموخ ثم قالت :-
أوسع ما عندك أعمله !
رأى سِهام التحدي واقفه على قوس عينيها ، للحظة تراخى شيء ما بداخله ولكن سرعان ما تجاهله وقال بنبرة ارعبتها :-
تمام ، مادام دا قرارك ، اسمعي قراري بقى ، بما أنك قررتي تكملي في اللعبة دي ، جوازنا كمان مش هيبقى لعبة .
-مش فاهمة تُقصد أيه ؟!
شدها إليه حتى ارتطمت بسياج صدرته متأوهة وأكمل تهديده له بنبرة أقوى :-
يعني من اللحظة دي أنا جوزك ، وملزمة تقدم لي كل حقوقي ، وأولهم ارجع القاكِ في أوضتي و مستنياني .
تبادل الثنائي النظرات الطاهرة التي تتجرد من قبحة ما تنطق به الألسن ! رغم الرُعب الذي كسا جسدها إلا انها بادلته بابتسامة خفيفة وأجابت بصوت هدر مبطن بالخوف الذي نجحت أن تُخفيه عنه وقالت بثبات في أوج الألم :-
طبعًا حاجة زي دي مش هقدر أمنعك منها بس مفيش في أيدي حاجة اعملها ، يلا هتبقى بجُملة الكوارث الـ في حياتي .
ألقت جملتها كـ جمر حارق على مسامعه ، أحس بإهانة شديدة لـذكوريته ، قال جملته باحثًا عن نظرة الخوف التي تُرد له اعتباره ، ولكن بذكائها انتصرت عليه واثبتت له أنها ورقة غير رابحة ليستثمرها محققًا مطامعه الدنيوية .. شدت ذراعها بقوة وهى ترمقه بنظرات الخسة ثم رحلت من أمامه بسلام كأنها لم يمر في حياتها صراع معاكس من قبل !
•••••••
وضعت الحاجة فادية القهوة أمام تميـم ورحبت به مهللة :-
يالف أهلًا وسهلًا يابني !
تبسم تميم بخفوت ثم شكرها قائلًا :-
تسلم أيدك ، مكنش له لزوم والله !
-لا ازاي يا بني ! دانت نورتنا .
نطقت شمس مشيرة لجدتها :-
اتفضلي يا تيتا اقعدي معانا اعرفك على تميم أكتر .
-لا يا حبيبتي ، هسيبكم على راحتكم ، وأنا في المطبخ لو احتجتوا حاجة .
انصرفت الحاجة فادية تحت نظرات إعجاب تميم بها الذي افتتح حواره مع شمس قائلًا بشرودٍ :-
جدتك باين عليها ست طيبة وجميلة ، فكرتني بـ أمي الله يرحمه.. كان ليها طلة تحسسك بالأمان في ظل كل الخوف اللي محاصرك .
تأملته بعيون دامعة يبدو أن الحديث خدش ضماد جروحها فـ نزفت بقطرات الدمع قائلة :-
الله يرحمها ، كلامك فكرنى بماما ، من وقت ما مشيت وأنا حاسة بالخوف ، ناقصني حاجة مهمة بس مش عارفة ألقاها فين ، حضنها كان له ريحة دافية ، كنت احضنها وانسى الدنيا .
كان يستمع إليها باهتمام شديدٍ حتى أنهت كلامها ، فـ تنهد مُشفقًا على حالتهم :-
واضح أننا بنعاني من نفس الوجع كمان !
مسحت عبراتها المُترقرقة وتبسمت مُجاملة :-
مفيش إنسان خالي من الوجع يا تميـم ، كُلنا بلا استثناء بنعاني !
هز رأسه مؤيدًا كلامها ثم غير مجرى الحديث و ممازحًا :-
لينا نص ساعة بنحكي ، ومسألتيش أنا هنا ليه !
أحست بالخجل من صراحة سؤاله الذي يطاردها منذ رؤيتها ولكنها أحرجت أن تفصح عنه ، تبسمت بهدوء ثم أجابته :-
بصراحة …..
قاطعها بجدية :-
أيوه بصراحة ، بصراحة كده يا شمس أنا جاي هنا اطلب ايدك .
-نعم ! أنا سمعت صح ! أنت قُلت أيه !
كانت كلماتها مُتقطعة ، بين كل كلمة والآخرى صمت للحظات ثم ضحكة يتبعها شرود حتى أغلقت جفونها مكذبة مسامعها ، مُتمنية بداخلها أن يكن ما سمعته مجرد وهمًا ، ولكن جملته حسمت الأمر عندما أجابها باتزانٍ :-
سمعتي صح يا شمس ، تقبلي تتجوزيني على سُنة الله ورسوله !
سرت رجفة مُباغتة بجسدها ، واغتالت الصدمة الكلمات فوق شفتها وأخذت تفرك كفيها بتوتر متسائلة :-
أنا ! طيب اشمعنا أنا ؟! مش غريبة شوية دي ! قصدي يعني ليه !
استغرق وقتًا طويلًا يُفكر في قائمة الأسئلة التي ألقتها على مسامعه ثم قال بهدوء :-
بصي يا شمس أنا مش هنكر إعجابي بيكِ من أول يوم شوفتك فيه ، وفعلا ليكي حق تستغربي ! وليه أنتِ بالذات عشان أنت الشخص اللي بنلاقيه في العمر مرة واحدة ، أنتِ الدافع الوحيد اللي عايز أخف عشانه …
فكر قليلًا ولكن لا زالت عيناه تقتنصها ببراعة :-
طبعًا حقك تُرفضي ، وحقك تتجوزي شخص مُعافى واقف على رجله ، بس أنا عندي أمل أنك توافقي .
مسحت على وجهها من شدة الارتباك ثم حانت منها التفاتة سريعة إلى ساعة الحائط ، لم يمهلها فرصة للتحدث بل أكمل :-
وكمان عارف اللي عملتيه مع عبلة وعاصي ، مش عايزك تقلقي محدش هيقدر يقرب لك و أنتِ معايا ، عايزك تعرفي حاجة كمان ، أنت أملي الأخير في الحياة دي بعد ما كُنت فقدته مع غياب أمي .
اهتزت ساقيها ولُطخت وجهها بحُمرة الحياء وهي تقول باندفاع :-
بعيدًا عن كل دا ، تميم انا رافضه الحب والجواز والارتباط .
-وأنا كُنت زيك يا شمس ، لحد ما قابلتك .
وقد تَعتزل طرق الهوى بإرادتك وقد تَعتزل رغماً عنك ! قد تغلق قلبك امام الحُب لأنك لم تعد تحتاجه وقد تغلقه خوفاً من حطام آخر يصيبه .. تنهدت” شمس” بزفير التوتر وقلة الحيلة ونبرتها المُغلفة بالحيرة أردفت :-
بس ….!
قاطعها بحدة :-
مش جاي اسمع ردك دلوقتي ، فكري وخدي وقتك !
ثم أخرج هاتف من جيب سترته الفخمة ووضعه على الطاولة أمامها وأكمل :-
خليه معاكي عشان نعرف نتكلم واعرف واوصل لك بسهولة .. هتلاقي رقمي متسجل ، هستنى ردك ياريت متتأخريش عليـا .
•••••••
عاد الرجُل إلى سيده الذي كان يُراقب “حياة” وأخبره قائلًا :-
البنت طلعت تبع عاصي بيه دويدار !
وضع السيجارة البنية في فمه ثم قال هاشم متعجبًا :-
يعني كدا بقيت خط أحمر !
-بس واضح معاليك أنها تهمه بزيادة ، ولما سألت فـ الرسيبشن عرفت أنه معين عليها حراسة جامدة !
أخذ يُقلب الآخر الافكار برأسه ثم قال لمساعده :-
اسمعني ، عايزك تجيب لي تفاصيل البنت دي وأيه علاقتها بعاصي ، يمكن نلاقي له أيد توجعه ويبقى ضربنا عصفورين بحجر .
أما بالجناح العلوي الخاص بـ عاصي دويدار ..
بعد ما حملها لشدة ما كانت ساقها تؤلمها ووضعها برفق على الفراش ، وطلب لها أحد الأطباء ليفحصوها ، فـ كانت الإصابة مجرد جزع بساقها اليمنى .
أخذ يتجول بالغرفة صامتًا مُتجاهلًا وجودها تمامًا حتى كسر سكوته بحمامٍ دافئ أخذه وخرج مرتديًا شُرطًا يصل لرُكبته باللون الابيض ، وقميص خفيف بنفس الألون و شرع أن يمشط شعره أمام المرآة ثم ألقى نظرة خاطفة إليها :-
فطرتي قبل ما تهربي !
عصفت بها سلسلة احاسيس متتابعة ، و أنكرت :-
هروب أيه ! أنا بس زهقت قلت انزل اتمشى شوية !
مط شفته السفلية بعدم تصديق و توجه نحو الشُرفة وأخذ يزيح الستائر كي ينير الغُرفة ثم قال ساخرًا :-
تعرفي أن الهروب أخو الكذب !
اقتضب حاجبيها بغرابة حتى شد مقعده الخشبي وجلس بجوارها وأكمل موضحًا :-
اللي بيهرب دا مش بيقدر يواجه ، ولا يغير واقع مش عاجبه ، أحنا بنكذب لما نخاف من الحقيقة ، والاتنين مش بيعملهم غير الشخص الجبان !
رددت بتلقائية وتحدي :-
أنا مش جبانة ، و أيوه كنت عايزة أهرب ، عارف ليه لاني حاسة بالخوف ، مش مطمنه وانا حتى تحت حمايتك ، واظن دي أكبر إهانة في حق أي راجل أنه ميعرفش يحمي ست استأمنته على نفسها ! يعني المشكلة عندك مش عندي !
صمت مُفكرًا في كلامها حتى تفوه مُجادلًا :-
تفتكري الهروب حل ؟!
ساد الصمت بينهم للحظات حتى أوضح المغزى من سؤاله قائلًا :-
يعني لو كان هو الحل ، كُنت أنا كمان هربت ! هربت من خسارتي لأكبر مشروع بخطط له أكتر من ٧ سنين ! خسارتي للست الـ حبيتها ! خسارتي لنفسي برغم كل الجيش الـ بيشتغل معايا ألا أني لوحدي !
شرد للحظات في عيونها التي كانت تتأمله بيهم بفضول ساطع ، مما أثرت على نبرة صوته التي أصبحت شاردة كشرود خاطره :-
كُنت هربت من ساحة القتال اللي واقف فيها بطولي ومش عارف سهم الغدر ممكن يجي لي منين !
ختم جملته الأخيرة بضحكة ساخرة :-
متستغربيش ! حقيقة الشخص مش هي اللي بنشوفها بعيوننا ! الحقيقة هي اللي بتعريها القلوب ! قولتي لي كُنت هتهربي على فين ! يمكن أفكر اهرب معاكِ !
انتعلت خف الاتهام وارتدت الاستجواب :-
أحنا بنهرب لما نفشل في تغيير واقع اتفرض علينا ! لكن شخص زيك مين ممكن يجبره !
هز رأسه متفهمًا لحديثها ثم قال :-
قطر الأيام مش بيقف لحد ، والحياة زي السمكة في المية ، لا انت هتعرف تمسكها ولا ليها ماسكة ! عشان كدا بنلجأ للحيل والخدعة عشان نكسبها !
أخذت تقلب الكلام برأسها ، أحست أنها أمام رجل آخر غير الذي عرفته من قبل ، هدوئه وفلسفته كانت مثيرة للفضول للدرجة أغرت فيها عقلها بأن ينبش في أعماقه أكثر ، تبسمت مراوغة ثم سألته :-
عشان كدا سَمتني حياة !
أحس بأن مجده سينهزم أمام فطنة امرأة استخف بذكائها ، تبدلت ملامحه فجأة ثم قال بفظاظة :-
أنا عملت اتصالاتي في الغردقة ، والأقسام وغيره ، فكرت انزلك إعلان فـ الصُحف والجرايد بس مينفعش وآكيد عارفة ليه !
رمقته بطرف عينيها ثم قالت مُداعبة :-
تفتكر الهروب حل !
فهم ما تُشير إليه ولكنه تحمحم و تعمد إظهار الغباوة :-
مش فاهم ! قصدك أيه !
تنهدت بشرود وعيون ثابتة في مراقبته :-
مجاوبتش على سؤالي ، وغيرت الموضوع !
أحس انه في مأزق لسؤال لم يملك إجابته ، ولكن لحُسن حظه رن هاتفه وانقذه من براثن أمرأة تتلاعب على أوتار دواخله ، تحمحم بفخامة ثم قال :-
هـرد على التليفون .
طالعته من فوق عويناتها وهزت رأسها بالموافقة ، ثم أخذت تدلك ساقها برفق وتحاول أن تضمها ثم تعد بسطها مرة آخرى ، انهى عاصي مكالماته ثم عاد إليها قائلًا :-
مضطر امشي ، لو حبيتي تهربي ابقي عرفيني !
كانت جملته تحوي الكثير من التخابث ، المكر ، هتفت حياة بتلقائية :-
آكيد مش ههرب برجلي دي !
وضع هاتفه بجيبه ثم قال باتزان :-
عايزك تفهمي أنك هنا مش محبوسة ، ومش مجبرة تكملي في اللعبة دي ، أنا خلاص أخدت اللي عايزه ، يعني مختصر الكلام الاختيار ليكي !
أجابته بصوت متهدج :-
انا هنا بعمل أيه !
رأت منه نظرة عدم فهم لمعنى سؤالها ، فصلحته سريعًا :-
قصدي يعني ليه مرجعتش على القصر ، جينا هنا ليه !
أخذ مفاتيح سيارته وحافظة نقوده من فوق الكمود ثم أجابها قائلًا :-
عشان أنت مش أد انتقام عبلة المحلاوي ، يعني أنت هنا عشان احميكي ، مش عشان خاطــفٰك!
-يعني مش هرجع على هناك ؟!
أسبل عيونه متسائلًا :-
عايزة ترجعي !
اخفضت نبرة صوتها موضحة :-
هنا قاعدة لوحدي ، وبصراحة حبيت البنات ، كنت بقضي معاهم وقت حلو وو .
هز رأسه متفهمًا :-
مادام دي رغبتك هخلي السواق يوصل لك ، وهبلغهم بالتعليمات .
•••••••••••••••••••••••
كُنت أخشى الغد ، ولا زلت ! ولا زال يؤكد حقيقة مخاوفي ، بدلًا من أن ينفيها ، كل يوم يأتي بقدر مُغاير عما رحل به البارحة ، باتت فجأة الأقدار تُرعبني ، أتذكر بالأمس نمت وأنا لا أحمل برأسي سوى هم رد الدين ! واليوم بات حمل الأمس بخفة فراشة عما جاءت به بقية أيامي .
على حين غُرة ؛ ألتقيت برجل لم يمر طيفه بأحلامي ، وأصبح مسئوليتي لـرد ديني ، واليوم جاء عارضًا نسبه عليّ ! لم يكن الحُب يومًا من ضمن أهدافي ! ولن أسعى إليه ! ولكن لِمَ لم يتوقف قلبي عن كل هذا الضجيج الآن ! ما شأني بسذاجة الحُب والرجال ؟!
فاقت ” شمس ” من شرودها على صوت نوران الفوضوي :-
أهي رجعت تسرح تاني أهو !
تنهدت شمس باختناق :-
عايزة أيه يا نوران بس !
غمزت له بطرف عينها مُداعبة :-
يعني الجدع الأمور أبو ريحة حلوة اللي شوفته نازل من هنا جاي يتجوزك !
أومأت رأسها بخفوت وهي تضع وجتنها فوق قبضة يدها بقلة حيلة :-
أيوة .
نوران بحماس :-
طيب ينفع يتجوزني أنا كمان !
وبختها جدتها بحدة :-
ما تبطلي دوشة أنتِ كمان ، خليني اعرف أختك بتفكر في أيه !
ربعت نوران ساقيها وقالت بنفاذ صبرٍ :-
أهو خرست خالص ، ارغوا في أي حاجة إلا أنكم هترفضوا القمر ده .
نهرتها شمس بحزم :-
نور روحي ذاكري ، أنتِ قاعدة معانا ليه أصلا .
نوران بغرابة وهي تتأهب للذهاب :-
أصلًا ! ماشي ماشي ، دي اخرتها يا ست شمس !
انصرفت نوران مرغمة ، فارقت فادية مقعدها وجلست على الأريكة بقُربها وربتت على كتفها بحنو :-
مالك يا حبيبتي ، افتحي لي قلبك .
-مش عارفة يا فُوفـا ! بجد دماغي دي حساها عطلت .
صمتت فادية للحظات ثم سألتها :-
قبل أي كلام ! هو في أمل أنه يخف ، ويرجع يقف على رجليه !
تجولت عيون شمس بحيرة حتى زفرت بيأس :-
آكيد مش ده اللي شاغلني ! ولا ده سبب رفضي .
كررت فادية سؤالها بتوسل :-
ريحي قلبي بس ، في أمل ولا هيقضي عمره كله كده .
شردت شمس تحت مظلة سؤالها وقالت بتنهيدة :-
كل تحاليله والتقارير الطبية بتقول أنه كويس ، بس مسألة وقت .
تنهدت فادية بارتياح :-
طيب طمنتي قلبي ، أنتِ بقا رافضة ليه ؟! هل هو شخص وحش !
-لا أبدًا يا تيتا ، بالعكس هو شخص مثقف وهادي جدًا ولو اتعاملتي معاه هتحبيه أوي ، المشكلة مش هنا !
جزعت فادية من تشتت أفكارها وقالت :-
أومال أيه بس !
-مش شبهنا ! المجتمع اللي عايش فيه تميم مُرعب ، ناس غامضة ، ممكن تعمل أي حاجة عشان توصل للي عايزاه ، عالم مفيهوش رحمة ولا قلب ، أنا الأيام اللي قضيتها هناك كنت مرعوبة ، مفيش مرة حسيت بالأمان !
رمقتها فادية بشفقة وهي تضمها إلى صدرها :-
أهم حاجة راحة قلبك ، مادام مش مرتاحة خلاص ، ارفضي ، أحنا هنعيش كام يوم عشان نعيشهم في خوف !
ارتمت شمس في حضن جدتها الدافئ وقالت بتوهة مغلفة بالشك :-
وكمان مش عايزه اظلم تميم ، ده حد وثق فيا !
ربتت فادية على ظهرها وقالت :-
الأهم راحتك أنتِ ، متفكريش في حاجة غير سعادتك ، ده مش زمن التضحيات يا حبيبتي !
••••••••
استيقظ فريد من نومه على صوت رنين هاتفه المُزعج ، أجاب على المتصل ثم أنهى مكالمته سريعًا إثر تململ سارة بجواره معترضة على ازعاجه ، ترك هاتفه وأخذ يُداعب شعرها القصير ثم تدلت أنامله على ظهرها العاري وقال في سره :-
حقك هيرجع يا رسيل !
تقلبت سارة على جانبها الأخر ورفعت جفونها متمتمة بهذيان :-
عاصي !
انكمشت ملامح فريد غاضبًا ، فأدركت سارة سريعًا ما أردفت بدون وعي منها ، اتسعت عيونها بصدمة وسألته :-
أنت مين !
تبسم فريد بخُبثٍ :-
أنتِ لحقتي تنسي ! لا فوقي كدا !
اعتدلت سارة بتثاقل وهي تلملم شعرها بعشوائية وقالت :-
اه فاكراك ! أيوه أنت !! أنت اللي كُنت في night club!
اعتدل هي الأخر من نومته وأخذ يكمل مسرحيته :-
ما تيجي ننسى كل ده ، ونتعرف من أول وجديد ! عشان شكلك ناسية كل حاجة !
ضحكت بخفوت وهي تفارق فراشها وترتشف كوب من المياه وقالت بترحيب :-
معنديش مانع !
جهر فريد بنبرة فضوله :-
ما قولتليش مين عاصي ده اللي طول الليل ترددي اسمه !
توجهت سارة إلى ركُن المشروبات الكحولية وأخذت زجاجة وكأسين وقالت بأسف :-
my eX ..
اشعل فريد سيجارته بحماس في استقبالها وقال :-
وراح فين !
رمت سارة ما بيدها في منتصف الفراش وقالت بعتب :-
أنت مش لسه قايل ننسى كل اللي فات ونتعرف من أول وجديد !
ثم تناولت الزجاجة لتفتحها وأكملت :-
انسى كمان إني كنت بقول اسمه وانا نايمة .
ادرك فريد مشقة المهمة في الوصول إلى ما يدعي بـ عاصٍ عن طريقها ولكنه لم ينكر أنها على جميع الأحوال ورقة رابحة له !
•••••••••
عدم قُدرتنا على الصراخ تحولنا إلى قتلى افتراضيين ، ذلك ما أحسته بمجاورته ، بمقدار الأسئلة التي تتكدس برأسها ولم تجد لها جوابًا ، أصر عاصي أن يوصلها بنفسه على رغم من اخبارها بأن السائق سيتولى تلك المهمة ، ولكنه لم يعلم لمَ فعل هذا ، لِمَ أجل اجتماعه لساعتين ومنحهم لها !
رفضت ” حياة ” بتاتًا الجلوس بجواره وصممت أن تجلس بالخلف ، ولكنها لم تنج من نظراته الحارقة بالمرآة ، ساد الصمت بينهم طويلًا حتى قطعته مترددة :-
أنت مش وراك شغل !
أجابها بجفاء :-
اتأجل .
أومات بعدم تصديق ولكنها لم تصمت بل سألته بنبرة استجواب :-
أنت طردت الدكتورة ليه ! ده جزاة اللي يقول الحق في الزمن دا !
رفع أنظاره بالمرآة متعلقًا بعيونها الزرقاء و رد بـ اختصارٍ :-
مالكيش فيه !
-يعني أيه مليش فيه ؟!
دار بمقود السيارة وأجابها بنفس النبرة :-
يعني مش شُغلك !
عارضته مبررة :-
بس دي اطردت بسببي !
-لا اطردت بسبب لسانها !
أحتلت الحيرة عيونها وهي تتأرجح فوق غرابة جُملته ، اتكأت للخلف وأخذت تأكل في أظافرها بتفكير حول هوية ذلك الرجل الذي يغمره الغموض ، صمتت طويلًا ولكن لم تصمت عيونهم عن التلاقي ، كل ما تتلاقى في نقطة بالمرآة تتعمد تجاهله والتمعن بالطريق ، شغلها الفكر في طريقة حديثه معها ، ماذا حدث بينه وبين الشخص الذي كانت تعهده منذ دقائق !
لم تتحمل السكوت أكثر ثم أردفت بدون تفكير :-
مفكرتش تروح لدكتور !
رفع عيونه إلى المرآة متعجبًا :-
دكتور أيه ؟!
-أمراض نفسية !
مثل ما كانت جملتها كالرصاصة التي انطلقت من فوهة سلاح ، كانت قدمه تضغط على فرامل السيارة بنفس السرعة التي جعلتها تقف فجاة محدثة صوتًا مرتفعًا جعلها تشهق بذعرٍ ، بمجرد ما توقفت السيارة أغمضت عيونها متنهدة بارتياح إثر الخضة التي تعرضت لها ووضعت كفها على صدرها واتكأت للخلف وهي تبتهل بشكر .
مرت قرابة دقيقتين ثم فتحت عيونها ببطء فوجدته يطالعها بأعين حارقة من شدة الغضب ، بللت حلقها متسائلة :-
هو حصل أيه ؟!
ثم تلفتت حولها لتستكشف سبب وقوفه المفاجئ ولم تجد شيء ، سألته بتجاهل :-
وقفت ليه !
-أنتِ قولتي أيه ؟!
انكمشت ملامحها بخوف وهي تتراجع للوراء مجيبة بصوت مبحوح :-
وقفت ليه !
هز رأسه نافيًا :-
مش دي ! اللي قبلها بقا ؟!
تأرجحت عيونها بحيرة ثم قالت بشكٍ :-
قلت حصل أيه ؟!!!
أغمض عيونه بنفاذ صبر ، فلحظت غضبه الذي لطخ وجهه بحُمرة التهجم ، ثم تذكرت سريعًا :-
ااه ! قصدك على موضوع الدكتور ؟! أنا مش قصدي حاجة على فكرة ، أنا قُلت اللي لاحظته من أول يوم شفتك في ! معقولة أنت مخدتش بالك ؟!
كظم غضبه الشديد من عفويتها وأخذ يعض على شفته السفلية بجزعٍ وعيون متسعة وقال :-
لحد دلوقتِ أنا مقدر مرضك وحالتك ! بلاش تختبري صبري عليكي أكتر من كدا .. تمام ؟!
مجرد ما أنهي جملته اعتدل في مقعده وعاد مرة أخرى لقيادة السيارة إثر صوت الصخب بالخارج معترضًا على وقوفه الخاطئ ، التصقت ” حياة ” بالباب متجاهلة النظر إليه وهي تهذي لنفسها :-
أنا قلت أيه يعني يعصب؟! كل دا عشان بقوله شوف لك دكتور ؟! وبعدين وانا مالي خليكي في حالك أنتِ كمان !
••••••••••••
نزلت ” عبلة ” إلى الطابق السفُلي فـالتقت بيسري خارجًا من غُرفة المكتب ، أقبلت نحوه مُختالة :-
أومال فين اللي مشغلك !
قفل يسري زر سترته ورسم ابتسامة مزيفة :-
بيخلص شغل ضروري عشان راجعين نشوف حل في المصيبة اللي حلت دي !
أسبلت عيونها بفضول :-
حصل أيه ؟!
-حضرتك متعرفيش ؟! مش مشروع العلمين الجديد حصل فيه ماس كهربي ، و تحول لرماد ! وانا جيت أخد ورق المشروع عشان نشوف حل قبل الميعاد .
اكفهر وجه عبلة وسألته :-
معرفتوش مين عمل كده !
-لسه مش عارفين ، الحادثة بفعل فاعل ولا قضاء وقدر !
هزت عبلة رأسها ، ثم غيرت مجرى الحديث :-
عايزاك تعرفني عنوان البنت الدكتورة دي ؟!
يسري بغباء مفتعل :-
ليه يا هانم !
نهرته بقوة :-
انت تنفذ وبس ، فاهم !
ثم انخفضت نبرتها متسائلة :-
والبنت اللي ما تتسمى التانية عاصي خدها وراح فين ؟!
أنكر يسري معرفته وأخبرها :-
معنديش علم سعادتك ! بس هحاول أعرف لك ، حضرتك عارفة عاصي بيه أكتر مني مش بيعرفنا غير اللي عايزه وبس !
كورت عبلة يدها وأخذت تضرب على مستند المقعد الذهبي وقالت متوعدة :-
ماشي يا عاصي ! أما نشوف أخرتها معاك !
في تلك اللحظة دخل تميم القصر بمساعدة أحد الرجال ، دارت نحوه وبنبرة ساخرة :-
أيه ده ؟! وكمان أنتَ كنت بره ؟! واضح أني آخر من يعلم في البيت دا ؟!
التوى ثغر تميم ببسمة ساخرة :-
نسيت آخد الأذن !
تقدمت نحوه بخطواتها المختالة ، متعمدة إثارة غضبه :-
المهم ، قريت الفاتحة للست مامتك ودعيت لها بالرحمة والمغفرة !! أصل ذنوبها كانت كتير يا تميم !
لقد إعتاد تميم الأمر ، وإعتاد على سخافتها الغير متناهية ، وغيرتها الشديدة من أمه ، ابتلع إهانتها بمرارة ثم قال بهدوء :-
اتجدعني أنتِ بقى والحقي اعملي شوية حسنات قبل ما تحصليها !
ثم أخفض صوته مُحذرًا :-
لاني للاسف لسه شايف لك رؤية مش مبشرة خالص يا لولي ، خلي بالك !
ألقى عود النار في حقل حقدها المُتقد ، وأشار إلى الرجل بأن يُعيده إلى غُرفته وتركها تحترق في نيران انتقامها ، أخذت ترمقه بأسهم الشر حتى وصل إلى غُرفته ولم تستطع بلع تلك الإهانة فـ ما استدارت للخلف وجدت عاصي يدخل من الباب حاملًا ” حياة ” بين يديه .
اشتعلت نيران غضبها أكثر وأكثر ، جهرت معارضة :-
وهي الهانم اتشلت مش قادرة تقف على رجلها ؟!
تجاهل عاصي توبيخ عبلة ثم أمضي دون أن يطالعها ، بل اكتفى بقوله :-
عبلة هانم ! استنيني في المكتب !
ثم انصرف متجهًا ناحية الحديقة الخاصة بالقصر ومنها إلى جناحه الخاص ، تعمدت ” حياة ” ألا تُطالعه وأن تتجنب حديثها معه نهائيًا حتى وضعها برفق على الفراش و أخبرها :-
التليفون جمبك ، متوصل بالمطبخ ، لو احتجتي أي حاجة هتاخديها من الشباك ! وكمان عندك التلاجة فيها أكل .. شغلي التلفزيون ، العبي في اللابتوب جمبك ، المهم متعمليش دوشة ! فاهمة ؟!
سألته باندفاعٍ :-
ليه أنت رايح فين ؟!
سؤال مثل هذا لم يسمعه منذ زمن طويل ، لم يكن متاحًا لمعرفة خط سيره والتحقيق معه بكل هذه الاسئلة سوى مها ، طالعها بنظرات حادة ثم ولى وجهه منصرفًا وتعمد قفل الباب بالمفتاح ووضعه بجيبه عائدًا إلى القصر ، وبالأخص مكتبه .
فتح باب المكتب فوجد أمه بانتظاره ، دخل بصمت ثم جلس على مقعده الجلدي وأخذ يقلب فـ الادراج باحثًا عن شيء ما ، خرجت عبلة عن صمتها متسائلة :-
أنت أيه حكايتك ؟! أنت فاكرني عيلة صغيرة يا عاصي عشان تستغفلها ؟!
ترك ما بيده مستمعًا لها ، ثم قال :-
قولي اللي عندك مادام لسه شيفاني عيل صغير مستني توجيهاتك !
ضربت على المكتب بحدة وقالت بنبرة مرتفعة على عكس المُعتاد :-
أيوه صغير وتصرفاتك كلها تصرفات عيل مراهق كمان ! لما تجيب لي بنت من الشارع وتقولي دي مراتي ! ولما تاخدني على أد عقلي وتتجوز بنت خالتك وتطلقها تاني يوم ! ولما تسمح لبنتين مالهمش أي تلاتين لازمة يعملوا كده في أمك ! واحدة مشيتها من القصر ومفكر إني مش هعرف أوصلها ؟! والتانية لسه بتحميها وداخل شايلها وكأنك بتقولها براڤو على اللي عملته فيا ؟! فوق يا عاصي ؟! فوق لنفسك وأعرف أنت مين ومركز بيفرض عليك أيه .
تلقى عتابها بملامح ثابتة ، لم تبد أي تعبير يوضح تأثيره عليه ، انتظرها حتى تنهي حديثها الطويل ، ثم سألها بهدوء :-
خلصتي ؟!
انفعلت أكثر من هدوئه القاتل ، وهتفت بحرقة :-
أنتَ أيه ؟! أيه غيرك كدا ؟! ما طول عمرنا هدفنا واحد و بنشتغل سوا وبتسمع كلامي ؟! جرالك أيه ؟! مايكونش البنت دي هي السبب.
بمجرد سماع سيرتها تلون وجهه بدماء الغضب ، وثار قائلًا :-
ينفع تطلعيها من دماغك خالص ! وافتكري أنك انت اللي بدأتِ ، والبنت خدت حقها مش أكتر ، لانها عارفة إني مش هقدر أعملك حاجة !
وثبت قائمة كعواصف أمشير وهبت في وجهه :-
الله الله ! دي طيرت دماغك خالص ! ونستك إني أمك !
ثم انخفضت نبرة صوتها المهددة :-
حل من الاتنين يا عاصي، يا تخلص من البنت دي ! ياما تشتري عداوتي ! قلت أيه ؟!
وثب قائمًا مُتحديًا لأمه وقال بنبرته الفخمة :-
قلت أنك لو فكرتي تقربي لها يبقى أنتِ اللي اشتريتي عداوتي !
•••••••••••
” مسـاءً ”
هربت شمس من صخب رأسها وأيامها بالنوم ، قضت قرابة العشر ساعات نائمة وغارقة في سبات عميق ، حتى جاءت فادية لتوقظها ، فتحت جفونها ببطء وسألتها :-
الساعة كام !
-المغرب بيأذن ، يلا قومي كُلي لك لقمة دانتِ على لحم بطنك من صباحية ربنا .
اعتدلت شمس من نومتها مستغربة :-
يا خبر ! أنت نمت كُل ده ؟!
ربتت جدتها على كتفها وقالت :-
قومي يلا كفاية نوم ، النوم مش حل .. وأنا هجيب لك لقمة تسندك .
مسكت شمس يد فادية وقالت لها بهدوء :-
استني يا تيتا .. أنا فكرت في كلامنا !
رمقتها فادية بفضول لتعرف ردها :-
ووصلتي لأيه !
بللت حلقها وقالت بتأكيد :-
معاكِ حق ، لازم أحب نفسي أكتر ، وأن دا مش زمن التضحيات ، عشان كده أنا هرفض عرض تميم .
••••••••••
عاد ” مُراد ” إلى شقته بعد يوم شاق من العمل ولكن الحماس كان يملأ قلبه إثر الحادث الشنيع الذي تعرض له عاصي مما أدى إلى تحول جميع العملاء إلى شركته ، وإيداع اموال استثماراتهم عنده في مشروعه الجديد الذي جاء لينافس به عاصي .
دخل شقته التي يعمها الهدوء ، وقفل الباب خلفها وتوجه إلى صالة المنزل فوجد كل شيء بمكانه ، انبهر من ترتيب المكان ونظافته ورائحة البخور التي تملأه ، انعقد حاجبيه بحيرة وهو يتساءل لنفسه :-
مين عمل كده ؟!
تقدم إلى المطبخ ليرتشف المياه ، ولكنه لم يقل ترتيبًا ونظافة عما كانت عليه الصالة ، فكل شيء بمكانه المناسب ، الحوض المكدس بالأطباق المتسخة دائمًا ، تحول إلى إناء متسع يلمع من كثرة النظام .. أغمض عيونه من هول ما رأي وهو يقنع نفسه باستحالة قيامها بكل هذا لعنادها أولًا ، وسبب جرحها ثانيًا .
فارق المكان متوجهًا نحو غرفته التي أعادت ترتبيها ، وتنظيف فراشه ، ورص ملابسه المبعثرة بمهارة في الخزانة ، وترتيب تسريحته وغيرها من اللمسات التي طبعت على الغرفة لون جديد لم يعهده من قبل .
نزع سترته وألقاها بعشوائية ، ثم انتعل حذائه وتركه مكانه وتراجع إلى غرفتها ، حاول فتح الباب ولكنه وجده مُغلق بالمفتاح من الداخل ، دب الرعب في جوف عالية وهي تقف وراء الباب متلصصة وبنبرة مرتعدة :-
نعم ! عايز ايه ؟!
حاول فتح الباب مجددًا ، و رد بعصبية :-
يعني فاكرة أني مش هعرف افتح الباب لما تقفليه !
وضعت كفها على قلبها المرتعش كي يهدأ ، ثم قالت :-
عايزة أنام ممكن تبطل دوشة !
ركل الباب بقدمه بغيظ :-
بتتحديني !
تعمدت ألا تجيبه ، وتتعامل معه بطريقة الصمت والتجاهل ، جُن من سكوتها ، فـ ثار مهددًا :-
طيب اسمعي يا بنت دويدار ، اللي عايزه هيتنفذ سواء برضاكِ أو غصب عنك !
انتظر ردها للحظات ولكن بدون جدوى ، أطلق ثاني آكسيد غضبه منها وهو يضـٰرب على الباب بقبضته الحديدية التي جعلتها تنتفض من مكانها وقال :-
مش حتة بنت زيك تتحداني ! فاهمة ؟!
لى يجد فائدة منها ومن صمتها الطويل حتى فرغ غضبه بالفازة الزجاجية وهو يهمشها على الأرض صارخًا بنبرة متعمدًا أن تصل لأذانها :-
هنشوف يا أنا يا أنتِ ؟!
••••••••••
أحست ” حياة ” بالملل الشديد من التقلب بالتلفاز تارة ، والتجول بعشوائية بين مواقع الإنترنت حتى تعثرت على أحد الكتب الالكترونية وقامت بتحميله وقراءته حتى مر نهارها ببطء شديد .
تركت الحاسوب ووقفت بصعوبة متحمله على ساقها التي تألمها ولكن فشلت في الوقوف عليها ، فعادت مُجبرة إلى الرقود بالفراش لشدة الألم ، وهى تتساءل لنفسها :-
راح فين دا كمان ؟! ومنين يقول لي مش محبوسة وهو قافل عليا زي المجرمين كده ؟!
هل يملك النهر تغييرًا لمجراهُ؟
قلبت الصورة على وجهه كي لا تراه أمامها وقالت معترضة :-
حتى في الصور مكشر ! عليه بوز يقفل نفس الواحد من الحياة ، وقال أيه اتعصب لما قولتله يشوف دكتور؟!
ظلت تأكل في أظافرها بملل حتى تسربت إلى أنفها رائحة حريق ، تجولت عيونها في المكان باحثة عن مصدر الرائحة ولكنها لم تجد ، تجاهلت الأمر مفكرة بأن أحد الرجال يقومون بحرق نفيات القصر ، ولكن مع مرور اللحظات الرائحة تشتد أكثر وأكثر ، تحملت على ساقها السليمة وهي تسعل بقوة وفتحت أحد النوافذ ففوجئت بالنيران تحاصرها من كل الجهات !
كانت كـ زهرة جميلة يحاوطها جيش من الدبابير إيهما سيفتك بجمالها أولًا ؟!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السادس عشر 16 - بقلم نهال مصطفي
أحست ” حياة ” بالملل الشديد من التقلب بالتلفاز تارة، والتجول بعشوائية بين مواقع الإنترنت حتى تعثرت على أحد الكتب الإلكترونية وقامت بتحميله وقراءته حتى مر نهارها ببطء شديد.
تركت الحاسوب ووقفت بصعوبة متحمله على ساقها التي تؤلمها ولكن فشلت في الوقوف عليها، فعادت مُجبرة إلى الرقود بالفراش لشدة الوجع، وهى تتساءل لنفسها:
راح فين دا كمان؟
ومنين يقول لي مش محبوسة وهو قافل عليا زي المجرمين كده؟
نظرت يسارها فوجدت صورته الفوتوغرافية، طالعته بضيق وهي تتساءل لنفسها:
وكيف أهرب منهُ؟ إنهُ قدري، هل يملك النهر تغييرًا لمجراهُ؟
قلبت الصورة على وجهها كي لا تراه أمامها وقالت معترضة:
حتى في الصور مكشر! عليه بوز يقفل نفس الواحد من الحياة، وقال أيه اتعصب لما قولتله يشوف له دكتور؟!
ظلت تأكل في أظافرها بملل حتى تسربت إلى أنفها رائحة حريق، تجولت عيونها في المكان باحثة عن مصدر الرائحة ولكنها لم تجد، تجاهلت الأمر مفكرة بأن أحد الرجال يقومون بحرق نفايات القصر.
ولكن مع مرور اللحظات الرائحة تشتد أكثر وأكثر، تحملت على ساقها السليمة وهي تسعل بقوة وفتحت أحد النوافذ ففوجئت بالنيران تحاصرها من كل الجهات!
كانت كـ زهرة جميلة يحاوطها جيش من الدبابير، أيهما سيفتك بجمالها أولًا؟
أخذت تصرخ وتستغيث بصوتٍ عالٍ ولكن بدون فائدة بسبب التعليمات الحاسمة وابتعاد الجناح الخاص به عن القصر.
أغلقت النافذة بقوة وهي تبحث عن مهربٍ من تلك الأزمة ولكنها لم تجد، تحملت على ساقها السليمة وفتحت جميع صنابير المياة الموجودة بالمكان، وشدت المنشفة المُعلقة و بللتها بالماء ووضعتها فوق شعرها كي لا يكن مصدر اشعال النيران بها.
تضاعفت النيران أكثر وأكثر واشتدت رائحة الدخان حتى أحست بالاختناق القاتل، لم تساعدها ساقها أن تخطو خطوة أخرى، بل تزحلقت ساقها وسقطت على حين غُرة مصطدمة رأسها بحوض الاستحمام، مما ادى إلى فقدانها للوعي.
عقدت النيران حلقتها حول المبنى، وتكونت أثرها سحابة ضخمة من الدخان والأبخرة، احتشد الرجال بالخارج، منهم من شرع في محاولات إطفاء النيران.
ركض الجنايني بخرطوم المياه وأخذ يرش الجدران، وهناك رجل أخر ركض متصلًا بالمطافي.
خرج جميع من في القصر بعد ما فصلوا الكهرباء عن البيت، هرول الجميع لمشاهدة الحريق ومنهم من يصرخ ويستغيث ومنهم من يذكر الله بصوت مرتفع.
أما عن تميم ركض نحو شرفة غُرفته ليشاهد سبب تلك الفوضى متواريًا خلف الستائر كي لا يراه أحد.
عندما رأت داليا النيران والدخان الحارقة فمن شدة الذعر لما تجد ملجئًا هي واختها للاحتماء من تلك النيران سوى الاختباء أسفل السرير ظنًا منه بأن ذلك المكان لا يمكن أن تناله براثن النيران.
أما عن عبلة تقف في شرفة غُرفتها بنصر وهي تراقب نيران حقدها تشتعل أكثر وأكثر وتنتقم ممن حاولت التعدي على مجدها الشامخ وتقول لنفسها بشماتة:
الله يرحمك يا ست حياة!
ركض مدير الحرس مُهاتفًا عاصي، صارخًا باستغاثة:
عاصي بيه! الحقنا في حريق كبير أوي في جناح معاليك!
أول كلمة قالها عاصي بصوت مسموع، واندفعت من صدره كالسيل:
حياه!
ثم صرخ بالسائق ويسري الجالس بجواره:
ارجع البيت حالًا.
ثم عاد صارخًا في الهاتف بدون وعيٍ:
خرجوا الهانم من جوه، لو حصلها حاجة هقتــتلكم كلكم، فاهمين!
“لم تكن امرأة مرتبة كما يُشاع عنها، وإنما كان لديها منهج خاص ويائس لتبدو كذلك، إنها تخفي فوضاها ببراعة كي لا يلحظها أحد”
دخلت نوران غُرفة شمس بعد ما تأكدت من نوم جدتها، هتفت أول جملة لها وهي تقول:
زي ما توقعت، لسه صاحية!
ألقت شمس من يدها الهاتف الذي ” تميم ” في منتصف الفراش، وشرعت في لم شعرها الناعم جنبًا وقالت بفتور:
تعالي يا نوران، أيه فى حاجة واقفة معاكِ في المذاكرة.
جلست بالقُرب من أختها وقالت بعتب ملحوظ:
سيبك مني يا شمس، أنا جاية اتكلم معاكِ أنتِ.
قاطعتها شمي بحسمٍ:
لو جاية تتكلمي في موضوع تميم، أنا خلاص قفلته.
أصرت نوران على المناقشة وقالت بحدة:
هو متفتحش عشان يتقفل يا شمس! أنا جاية هنا عشان يا اقنعك أو تقنعيني، مينفعش تاخدي قرار من نفسك كده.
زفرت شمس بضيق يعكس تحيرها من الأمر، فاختارت أسهل السُبل، وهو الانسحاب بصمت، ثم أجابت أختها مبررة:
أنتِ متعرفيش حاجة يا نوران، البيت ده كله رعب، ناس غريبة وأفكار غريبة، كل واحد فيهم عايش جوه حرب في دماغه مع نفس الشخص اللي بيفطر معاه الصبح.
ثم تنهدت بأسف:
أقولك أيه بس، مهما قلت مش هتفهمي!
تشدقت نوران بقناعة وسألتها بتحير:
غريبة مسمعتش منك عيب واحد في شخص تميم زي ما كنت مستنية!
ضغطت نوران على عواطفها الباكية إثر تجاهل شمس لتلك العاصفة الناشبة بداخلها، تنهدت بصوت عالٍ:
تميم! حتى هو كمان، شخص غامض، الهدوء اللي هو فيه دا حاسه وراه كارثة، دماغي مشتتة، عشان كده أسلم حل هو قفل الموضوع ده خالص.
رمقتها أختها بعدم تصديق:
كل دي أفكار ملهاش اساس من الصحة، بتبرري بيها موقفك مش أكتر عشان ترتاحي من عذاب الضمير، لكن يا شمس…
قاطعتها شمس بنفاذ صبر:
خلاص يا نوران، مش حابة اتكلم.
- يبقي تسمعيني يا شمس، أنا مش عارفة دماغك بتفكر في أيه، ويمكن حقك تُرفضي، خاصة أنه معاه مشاكل صحية، بس أنا هسألك سؤال واحد بس وهمشي، والاجابة مش عايزة اعرفها، كفاية تعترفي بيها لنفسك.
التفت شمس لحديث أختها باهتمام وشغف في سماع سؤال، بللت نوران شفتيها بعد لحظات من التفكير ثم قالت بنبرة خفيضة:
خلال الكام يوم اللي قضيتيهم معاه، حسيتي أيه ناحيته! أحنا بنات وفاهمين بعض، يعني مثلًا مفيش لحظة كده قلب رق ولا دق فيها!
شوفي قلبك عايز أيه واعمليه ياشمس، أنا مش بجبرك، بس بساعدك تاخدي القرار الصح.
انصرفت نوران بعد ما ألقت جمر الحيرة في قلب ورأس أختها، تعرقلت شمس على عتبة سؤالها الأخير وهي تتذكر شعورها عند لمسة يدها الأولى، وكيف كان قلبها يتراقص حينها حتى هربت من أمامه كي لا ينكشف أمرها.
شعرت بالاشتياق للمبارزة الفكرية التي تدور بين الاثنين وكل منهما يحاول أن يقنع الأخر بوجهة نظره المغايرة تمامًا عن الطرف الأخر.
استسلمت تلك المرة للنوم في حضن وسادتها وهي لا تعلم من يمكن أن تلومه عن حيرتها التي أطاحت برأسها وقلبها، تنهدت بكلل وتشتت:
يا ترى أيه حكايتك يا تميم!
خرجت ” عالية” من غُرفتها كالخيل البائس وهي تجر عربات الماضي الحزينة وهي تتلفت حولها باحثة عن أثره حتى وصلت للصالة إلى مصدر الصوت الصاخب ووجدته منشغلًا لدرجة لا توصف مع المباراة وهو يشجع فريقه بانفعال شديد ويتشاجر مع الشاشة كأنهم أشخاص حقيقيين أمامه.
تسمرت في مكانها مذهولة لاهتمامه الشديد ولأول مرة كانت ترى مشجع كروي متعصب مثله، شردت حائرة في انفعالاته وانشغاله بالتلفاز وبين الجوع الذي يتضور بجوفها، ظلت متحيرة للحظات حتى أخذت قرارها وهي أن تتسلل بهدوء إلى المطبخ وهو حتمًا لم يلحظ وجودها.
بدأت في التحرك بخفة كي لا تحدث صوتًا ملفتًا حتى فزعت على صوت صرخته العالية وهو يصيح ويطيح بيديه بعشوائية:
جووووول! أيوه بقا يا واد يا لعيب!
أغمضت جفونها من إثر الرجفة التي هجمت على جسدها وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة.
لاحظ مُراد وجودها خاصة بعد تصفير الحكم بانتهاء الجولة، اخفض صوت التلفاز تحولت مخاوفها إلى حقيقة مؤكدة، تحمحمت بخوف وهي تحشد قوتها الداخلية كي لا يرى الضعف منها، وتجاهلت وجوده تمامًا وسارت بثقة نحو الثلاجة وأخذت تفتش عن أي طعام بها.
مالت كي تأخذ عُلبة الجبن وأخر ثمرة من الطماطم، وظلت تبحث عن الخبز فلم تجد، لقد كانت ثلاجته فقير للغاية، زفرت بضيق وهي تسب بسرها.
وما أن دارت فوجدته أمامها مرتديًا قميصه الصيفي المفتوح الذي يبرز معالم صدره وبطنه الرياضية، والشعر الكثيف الذي يغمرهم.
انتفض قلبها بحياء وتدلت أنظارها بخجل وهي تتحاشى النظر إليه حتى وجه إليها سؤاله:
لسه صاحية يعني!
قفلت باب الثلاجة مُتسلحة بالقوة المزيفة:
و أنت كمان لسه صاحي! فين المشكلة!
دنى منها خطوة سُلحفية وهو يطالعها بنظرات خبيثة:
مستنيكي! أيه أنتِ كمان مستنياني!
رمقته باستحقار متجنبة الحديث معه وهي تبحث عن الخبز، اقترب منها حتى أصبحت تحت سيطرته وحصاره وقال:
اظن مش ممانعة!
لم يملأها قُربه إلا رُعبًا، ظل يتأمل ملامحها المنتفضة والمكدسة بالرعب والضعف في آنٍ واحد، سقطت ثمرة الخُضار من يدها من شدة الخوف وهي تبلل حلقها الذي جف إثر أنفاسه الحارقة.
اتسعت ابتسامة مُراد بمكرٍ وهو يعلن اشتهائه لتلك الملامح البريئة تحت غيمة انتقامه التي تبرر له سبب فعله هذا، ظل يقترب ويقترب منها حتى لامست أنفاسه جدار عنقها الأشبه بعود من الريحان وما أن أحست بشوك ذقنه و شفته يخربش على جدار عنقها الرقيق، انفجر بركان الذعر منها على هيئة بكاءً غزيرا شلالات منهمرة من جسدها المُتصلب تحت خيمته منتظرًا مصيره الهالك.
صوت بكائها كان كـ سن خنجر انغرز في قلبه لا يعلم من أين تحول انتقامه فجأة إلى عطف، أحس برعشة جسدها المنكمش من قُربه كأنها في قلبه الذي أخذ يضخ دماء اللوم بشراينه، غير مسار نيته وارتفع صدقه إلى مسامعها هامسًا بصوتٍ يخفي رقة قلبه وشهيته في آن واحد، وقال بنبرة مبحوحة:
جعان! عندك أيه ممكن يتاكل!
قفلت جفونها بشدة وهي تحاول استيعاب تلك العاصفة التي اجتاحت جسدها وسرعان ما سُكب فوقها دلو من الثلج بجملة باردة وغير متوقعة، ابتعد عنها قليلًا رافعًا حاجبه وكرر سؤاله بنفس ذات النبرة:
بقولك جعان، هناكل أيه؟
بصوت مفعم بالبكاء والانتفاضة ورعشة جوفها أجابته بصوت خفيض:
مفيش غير جبنة.
عقد حاجبيه كأنه أحب أن يستمع لنبرة صوتها مرة أخرى:
بتقولي أيه؟
جففت دموعها الغزيرة وهي تجهش بالبكاء وتأخذ أنفاسها بصعوبة وردت بعد انتظاره لدقيقتين بصوت مسموع:
مفيش غير جبنة.
- طيب والعمل؟
طالعته بعيونها الذابلة وأهدابها المُلاصقة ببعضهم من كثرة البكاء وسألته:
يعني أيه!
ذهب نحو الثلاجة وأخذ يتفحصها بأسف حتى قفلها مرة آخرى وقال لها:
فعلا فاضية، مفهاش حاجة!
أجابته بوهن:
منا قولتلك!
فكر للحظات وهو يحك ذقنه حتى طالعها بمكر:
خالتك كانت متعودة تملي التلاجة بنفسها، وأنا بصراحة مش بفهم في الحاجات دي، لو حابة السوبر ماركت آخر الشارع، ممكن تنزلي تجيب مستلزمات البيت.
تابعت تفاصيله برعب، حتى أجابها:
لو لسة تعبانة خلاص، مفيش مشكلة، نتصرف ونجيب أكل من بره وخلاص.
أومأت بخفوت:
أنا تمام، بس نروح بالعربية عشان مش هقدر امشي كتير.
لم يعلم لماذا تسرب شعور السعادة لقلبه ولكنه برر ذلك بسبب فوز فريقه في المباراة، وقرر الاحتفال بهذا اليوم بدون أن يعكر صفواها، تقبل قرارها بملامح ثابتة ثم قال:
هغير هدومي وننزل.
وصلت المطافي في أسرع وقت ممكن، وسيطر الجميع على الحريق بدون حدوث خسائر تذكر، ولكن النيران لا تعرف وقت، نجحت في التسلل إلى داخل المنزل الصغير والتمسك بأثاثه، وفي اللحظة التي خمدت فيها النيران وصل عاصي راكضًا بسرعة البرق وهو يجهر محدثًا لرجاله:
فين! هي فين؟
طأطأ الرجال رأسهم بخجل، فقرأ العجز وقلة الحيلة المنقوشة على ملامحهم، أطلق سباته في وجههم ثم ركض هائمًا على وجهه وركل الباب بقدمه بكل قوته، فملأ الدخان صدره، تراجع للخلف وهو يسعل بقوة ولكنة لم يستسلم، دلف إلى الداخل بعد ما غطى أنفه بسترته وأخذ يفتش عنها كالمجنون، أحس كأن شيء من مسئوليته فشل في حمايته، تفقد الأماكن بعشوائية وهو ينادي عليها، اتجه سريعًا إلى مصدر اندفاع الماء من المرحاض، اندفع نحوه بلهفة عندما رأها غارقة في المياه نائمة على الأرض لا حول لها ولا قوة، رمقها بنظرة ثم انخرط في زحام مهامه لانقاذها بدون تفكير حملها بين ذراعيه وهرول بها إلى الخارج فورًا.
جلس على ركبتيه وسند رأسها على فخذه وحاول إفاقتها، تجمع الرجال حوله حتى اقترح أحدهم:
نتصل بـ الإسعاف يا عاصي بيه؟
لم ينتظر قدوم الإسعاف خاصة بعد ما غمرت الدماء أصابعه، وعلى عجلٍ حملها ونصب قامته وهو يأمر رجاله بصراخ:
هاتوا العربية بسرعة!
وصل مُراد وعالية إلى السوبر ماركت، فوقت عالية أمام الباب وقالت له بهدوء وهي تُشير على عربات التسوق:
مش المفروض ناخد عربة من دول!
كأنها ذكرته بشيء لم يخطر على ذهنه، هز رأسه بموافقة وقال:
معاكي حق!
تعجبت من شخصيته المُتقلبة، التي تتقلب كالطبيعة، فجأة تعصف برياح عاتية وتارة يتحول جنونها لهدوء ونسيم لطيف، انتظرته حتى أحضر العربة ودخلت أمامه متقدمة بخطوتين، فأول ما مر عليه كان قسم الخضروات والفواكه، وقف مكانه يراقبها وهى تطلب من العامل أن يزن لها من الأنواع المختلفة ما تحتاجه، حتى أشارت له على الباذنجان وقالت:
ممكن كيلو كفاية؟
رغم صمته الدائم إلا أنه خرج عن سكوته معترضًا:
استني، مش بحبه، و بيعصبني لما أشوفه فـ البيت؟!
رمقته بدهشة من غرابة جملته، وهي تؤكد عليه بعدم تصديق:
كل دا من البيتنجان؟ خلاص بلاش.
وقفت أمام قسم الفواكه وتناولت حقيبة بلاستيكية وشرعت في وضع ثمرات التين، فوجئت به يشد الحقيبة من يدها ويبدي اعتراضه:
ما بحبش أي حاجة لونها أسود أشوفها فـ التلاجة، قدامك فاكهة كتير.. اختاري منها.
رفعت حاجبها غير مصدقة بما تسمعه، وقالت بنبرة ابتزاز:
التين كمان بيعصبك؟
زفر باختناق لسخريتها منه التي لمسها بحديثها:
والعنب الأسود كمان.
حاولت أن تقاوم ضحكتها وهي تستمع لحديثه بغرابة شديدة، أحست كأنه طفل صغير يتدلل على أمه، تراجعت للوراء وهي تتحداه:
تمام، اتفضل نقي أنت بقا.. عشان واضح الفاكهة اللي بتعصبك كتير!
قبل تحديها بعناد وفتح الحقيبة وامتدت يده لتتناول ثمرة من الكاكا، ولكنها عارضته بإصرار:
مش بحبها، وبتبوظ التلاجة، لو سمحت بلاش كاكا.
رفع حاجبه مداعبًا:
الكاكا بتعصبك؟
زفر بضيق:
ده لو مش هيضايقك؟
هز كتفيه بلا مبالاة:
مضايقني جدًا.
ثم حمل قفص كامل من الكاكا ووضعه في العربة وقال بعناد:
بحبها أوي.
اتسعت جفونها من هول عناده وعدم احترامها لرغبتها كما فعلت معه، تفصد الغضب في عيونها وهي تزفر بضيق وتتبع خُطاه مجبرة، شرعت في شراء كل ما يقابلها، تشاور عليه ويحمله ويضعه في العربة حتى امتلأت واحضروا غيرها، لم تترك قسم إلا وابتاعت منه كل شيء، لحوم واسماك، تسالي ومقرمشات، قسم المنظفات وغيرها من مستلزمات المطبخ الفارغ من كل شيء، حتى قسم الأدوات المنزلية لم ينج منها، بل احضرت العديد من الأطباق والصوانٍ والكاسات حتى فاض صبر مُراد منها وجلس على اقرب مقعد يُراقبها باستسلام تام ولكن كل هذا لا يُنكر استمتاعه في تلصص النظرات منها وهي تتحمل على وجعها وتفتش بأعين المرأة الفضولية في شراء كل ما ينقصها.
بعد جولة طويلة من التسوق وصل الثنائي أخيرًا ” للكاشير ”، استأذنت عالية منه:
استناك في العربية، مش قادرة أقف!
أومأ بالموافقة:
تمام.
كادت أن تخطو خطوتين ولكنها تراجعت ومدت كفها الرقيق:
المفتاح!
- ااه المفتاح…
كانت جملته تائهة حائرة وهو يخرج لها المفتاح من جيبه ويضعه في كفها الذي لامسه بأنامله فلم يعهد في نعومته من قبل، لم شرار التلامس بينهما قلبهما فضمت يدها سريعا وهي تهرب من جلادها الذي سلكت معه مسلك من الرأفة واللين ربنا يحمل لها سبيل للنجاة من تلك المتاهة التي سقطت فيها.
عدت الساعة الواحدة بعد مُنتصف الليل، جاء فيها ” كريم “إلى شقتهم القديمة وهو يهتف:
يعني أنام في قصر دويدار اصحى القى نفسي في شقتنا القديمة، يرضي مين ده؟
لكزته جيهان بعتب:
ما تسكت بقى! وتشوف لنا حل في الورطة دي؟
ربع ساقيه بخفة وقال:
وانا مالي! هو طردكم أنتو! أنا ككريم دخلي أيه؟
زفرت هدير باختناق وعاتبته:
أنت مفيش دم خالص!
ثم وجهت الحديث إلى أمها:
ماما خلى الولد دا يختفي من قدامي، أنا على أخري!
تجاهلت جيهان شجارهم الطفولي، وقالت له باهتمام:
خد هنا، أنت تعرف بيت اللي اسمها شمس دي؟
تناول ثمرة من التفاح وأخذ منها قطعة وضعها في فمه:
الدكتورة شمس، اااه أعرف.
التفت إليه هدير بغرابة:
وأنت تعرف منين؟
سبقته جيهان في الرد وقالت بسخرية:
البيه كان بيرسم على اختها!
انكمشت ملامح كريم بيأس:
وأهي ما بقتش تعبرني ولا ترد على مكالماتي! ارتحتي؟
ضرٰبته جيهان على ركبته بنفاذ صبر:
بطل كلام فارغ وركز معايا، خالتك عايزاك توصلها بكرة.
كريم بغرابة:
أوصلها فين؟
- أف! هيكون فين يا ذكي! ما تفتح دماغك دي شوية! هتوصلها عند اللي ما تتسمى شمس.
كريم بعدم فهم:
ليه؟
جزعت جيهان من غباوته واسئلته العبثية:
من غير ليه، نفذ وأنت ساكت.
“صباحًا”
لم تنم شمس، بل قضت ليلتها تتقلب في لهب الحيرة والفكر، صلت الفجر وظلت تناجي ربها بأن يدلها ويهدي قلبها إلى القرار السليم حتى غفت على سجادة الصلاة، وعندما داعب شعاع الشمس جفونها في تمام الساعة التاسعة صباحًا، فتحت عيونها البنية التي تغازلها الشمس بتثاقل، نهضت من مكانها مسرعة نحو الهاتف الذي تركه ليكن وسيلة اتصال بينهم، وفتحته باحثة عن رقمه شرعت في كتابة رسالتها وقرارها الأخير المُحمل بالرفض.
فتحت شاشة الرسائل وأخذت تنسق في كلماتها وتحذفها ثم تعاود كتابتها مرة آخرى حتى يأست وتركت الهاتف من يدها وسوفت الأمر، ولكن ترددها كان يجبرها على التخبط، مسكت الهاتف مرة أخرى وهي تحدث نفسها:
خلاص ياشمس، انتِ تعتذري بشياكة ومفيش نصيب.. أوف بس دي إهانة وممكن يضايق! طيب أكلمه فون أحسن! بس أنا عارفة نفسي هعك الدنيا ومش هعرف أقول جملتين على بعضهم! خلاص خلاص، أنا هكتب له وأمري لله.
عادت لتُنمق حروفها مرة أخرى بأنامل مُرتعشة وقلب مُضطر حتى فزعت على صوت طرق الباب بفوضوية، رمت الهاتف من يدها وهرولت نحو الباب، وعلى المُقابل خرجت نوران من غُرفتها، وفارقت فادية المطبخ إثر صوت الصخب والضجيج على الباب، فتحت شمس بغضبٍ حتى وجدت أمامها عبلة، ذهول يتبعه دهشة عن سبب قدومها، تراجعت خطوة للوراء وقالت:
عبلة هانم! اتفضلي؟
دفعت الباب بقوة ودخلت بدون احترام للمكان، أخذت تطالع المنزل القديم بنظرات استحقار وقالت بتفاخر:
أنا مش جاية اتفضل واضايف يا حلوة.
وصلت إلى منتصف الصالة ودار نحوها بعد ما تفقدت نوران والحاجة فادية وقالت بتهديد:
أنتِ مفكرة هتهربي بعملتك دي تبقي غلطانة، ولو كان عاصي طردك من البيت وفاكر إني مش هعرف أوصلك تبقي بردو غلطانة ومتعرفيش مين هي عبلة المحلاوي!
تقدمت فادية بعد ما شدت أكمام جلبابها القطني وقالت موبخة:
وهي عبلة هانم المحلاوي متعرفش أن دخول بيت الناس له أوصول!
ضحكت بصوت ساخر وقالت:
مش باقي غيرك يا حجة تعلميني الأوصول!
- استني أنتِ يا تيتا..
تقدمت شمس ببسالة ووقفت أمامها عاقدة ذراعيها:
أما نشوف عبلة هانم هتقول أيه؟
مسكتها عبلة من مرفقها بقوة ورجتها بعنفوان:
بقي أنت يا بت تبلغي عني أنا؟ وفاكرة نفسك هتهربي بعملتك! أيه مفكرة أني ممكن أبات في السجن؟
رسمت شمس على وجهها ابتسامة شريرة وقالت:
والله السجن هو المكان المُناسب لقتــٰالين القُتلى! واللي بيتهجموا على بيوت الناس بالشكل ده؟
أحمر وجه عبلة من شدة الغضب وتطاولها عليها، وصرخت بوجهها:
اسمعي يا بنت انتِ، اللي حصل مش هيعدي، ولازم تدفعي تمنه، وأنا جاية هنا عشان أحذرك، لو شوفتك في سكتي مرة تانيه، تبقي أنتِ اللي اخترتي مش أنا.. ماشي يا حلوة!
ثم نادت على رجالها وقالت بصيغة آمرة:
تعالو ارموا الزبالة دي بره، خلاص الشقة اتأجرت يا عسل!
استيقظ مُراد من نومه بعد ليلة طويلة قضاها بصحبة عالية، وعزمها على العشاء من أحد الأماكن التي تُحبها، نهض بحماس والضحكة لم تفارق وجهه لم يعلم مصدرها، للحظة تذكر قُربها اللذيذ، ورائحتها الهادئة كطباعها، رجفتها وانتفاضة قلبها تحت قبضته، وخوفها الذي حاول أن يبدله باطمئنان! فكيف لعدو يطمئن خصمه قبل خوض الحرب.
نهض من مخدعه وأجرى العديد من المُكالمات التي تخص الشغل، ووثب قائمًا ليبدل ملابسه ويستعد للذهاب، لملم أشياءه وغادر الغُرفة ثم خرج متجهًا ناحية المطبخ ليشرب قهوته، لكنه فوجئ بفطار كامل في انتظاره، وكوب القهوة جاهز بمحتوياته لم ينقصه سوى سكب الماء الساخن به، أخذ يُطالع المائدة بإعجاب شديد مشتهيًا أن يأكل كل ما أحضرته.
شرع في سكب الماء ولكنه توقف إثر هاتف أمه، ترك ما بيده وقال بهدوء:
صباح الخير.
زفرت جيهان بضيق وهي تخرج الملابس بعشوائية من حقيبتها وتقول:
خير أيه بس يا مُراد، عاصي طردنا مش القصر!
ضحك بسخرية وهو يجلس على مقعد البار بالمطبخ و أجاب:
طيب تمام! صدقتوا كلامي! خلي عبلة هانم ترجعكم بقا!
صرخت بالهاتف غاضبة:
لا بقولك أيه؟ أنا بكلمك عشان نشوف حل، مش عشان تشمت فينا!
أخذ رشفة من كوب القهوة وقال ببرود:
والمطلوب؟
جلست جيهان على طرف الفراش بنفاذ صبر:
أنا مش قادرة أقعد هنا، أنا وهدير هنيجي نقعد عندك لحد ما نشوف حل!
انكمشت ملامح مُراد برفض قاطع:
ما تروحوا شقة الرحاب!
تحولت نبرة جيهان من الغضب إلى الاسف:
منا بعتها من ست شهور!
جهر مراد بغضب:
بعتيها؟ أنت عارفة الشقة دي أنا جبتهالكم ليه؟ عشان يوم زي دا، وفين فلوسها طيب؟
صاحت جيهان معاتبة:
وأنا بكلمك عشان تبكت فيا؟ ولا مش عايزني أجي عندك! وبعدين تعالى هنا، البت اللي ما تتسمى دي، مضت ولا لسه!
زفر بضيق وقال:
كله بوقته.
همست جيهان بتحذر:
بقول لك أيه، اسمعني، البت عالية دي مالهاش في الغصب، كُل بعقلها حلاوة وهتكسبها لحد ما ناخد اللي عايزينه يا حبيبي.
اختصر الحديث مع أمه حول هذا الموضوع وقال بحزم:
إن شاء الله، ربنا يسهل.
- ومتنساش تشكر هدير أختك على حركة موضوع العلمين، دي خدمتك خدمة العُمر، متنساش بقا أمك وأخدك!
نفذ صبر مُراد من مُخططات أمه وأخته الخبيثة وقال:
ربنا يكرم! أي خدمات؟
نهي مُراد المكالمة الهاتفية مع أمه ورمي المحمول بجيب سترته الرمادية، وهو يزفر بضيق حول دائرة الشر الذي سقطها بداخلها، وعلى حدة دخلت هدير على أمها وهي ترتدي ملابسها متأهبة للخروج:
أنا رايحة الشغل!
- الشغل عند عاصي؟
هدير ببرود:
أيوة يا مامي، مال الشغل باللي حصل بينا!
رمقتها جيهان بعيون ضيقة:
مش مطمنالك، بس اعملي اللي يريحك، المهم.
ألقت نظرة سريعة على ساعتها وقالت بعجلٍ:
خير يامامي!
- هترجعي من الشغل على شقة مُراد أخوكي، هنقعد هناك الكام يوم دول!
اتسعت عيون هدير من هول الصدمة وصاحت:
what!!
- اللي سمعتيه يا قلب أمك، عشان قلبي مش مستريح لأخوكي!
حاولت هدير استيعاب مخطط أمها الجديد وقالت بدهشة:
طيب وعالية!
وضعت جيهان ساق فوق الأخرى وقالت بمكرٍ:
أنا رايحة عشان عالية دي بالذات!!!!
وأعرف أنكِ ما عدتِ الأولى، وأن قلبك ما عاد قلبك، وأن الأيّام التي لم تكن تتحرّك من دوني باتت الآن تمضي وكأنها لم تتوقف لأجلي، والأهم أني أعرف أنكِ الآن واحدة أخرى لا أعرفها ولا تسعى لأن تعرفني..
تلك الكلمات التي قرأتها “رسيل” وهي تتصفح أحد مواقع الانترنت في صندوق الرسائل الأخرى، فتحت الرسالة رغم علمها بهوية المُرسل، وأخذت تُكرر قراءتها محاولة تقليد نبرة صوته، ذلك الشخص الذي لم تكتب إلا إليه، ولم يكتب إلا إليها، والآن بات الثنائي يكتبان على جدران النسيان..
بعد تفكير عميق حسمت ” رسيل ” قرارها بأن تتجاهل الرسالة، وتتجاهل ما أرسله قاسم يكي يستعطف قلبها، ولكنه لم يكف عن الإرسال، ليتبعه برسالة جديدة:
كنت على عِلم أن العشق الذي وصلت له معكِ لا يحدث في حياة المـرء إلا مرّة واحدة..!
تلك المرة لم تستطع منع نفسها كي تكتب له، استجمعت عباراتها وعبراتها وكتبت:
الطيور لديها أجنحة ونحن لدينا قلوب.. كلاهما اسمى معاني الحرية، وقلبي مثلما تجرع الحُب بقربك، تمتع بأسمى معاني الحُرية في بُعدك، في الحالتين، أنا لم أخسر شيئًا.
لم يتوقف عن إرسال المزيد حيث كرر رسالته عدة مرات:
رسيل.. رسيل… أنا أحبك يا رسيل…
فزعت من نومها صارخة، فاندفع عاصي الذي قضى ليلته بجوارها في المشفى، وهو يربت على جسدها المرتعش الذي يتصبب عرقًا ويهدأ من روعها:
أنتِ كويسة!
تفقدت أركان الغرفة بعيونها اللامعة حتى استقرت أمام عيونه ونطقت بصوت خفيض:
رسيل!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السابع عشر 17 - بقلم نهال مصطفي
لم تستطع هذه المرة منع نفسها كي تكتب له، استجمعت عباراتها وعبراتها وكتبت:
"الطيور لديها أجنحة ونحن لدينا قلوب.. كلاهما أسمى معاني الحرية، وقلبي مثلما تجرع الحب بقربك، تمتع بأسمى معاني الحرية في بعدك، في الحالتين، أنا لم أخسر شيئًا."
لم يتوقف عن إرسال المزيد حيث كرر رسالته عدة مرات:
"رسيل.. رسيل… أنا أحبك يا رسيل…"
فزعت من نومها صارخة، فاندفع إليها عاصي الذي قضى ليلته بجوارها في المشفى، وهو يربت على جسدها المرتعش الذي يتصبب عرقًا ويهدئ من روعها:
"أنتِ كويسة!"
تفقدت أركان الغرفة بعيونها اللامعة حتى استقرت أمام عيونه ونطقت بصوت خفيض:
"رسيل!"
انعقد حاجبيه بغرابة وهو يمسح على شعرها بحنو لم يعلم من أين تسرب إليه:
"رسيل مين! أنتِ كويسة."
ضرب الصداع رأسها وهي تغلق جفونها كمن يرفض ماضيه وحاضره في آن واحد، وظلت تهذي بدون وعي وتردد ذلك الاسم الذي لم تعرف مصدره، فشل عاصي أن يقلل من فوضى عواطفها، فركض مناديًا على أحد الممرضات كي تحضر الطبيب بأسرع وقت.
••••••••••
"إن أقسى ما فعلته في حق ذاتي هو أني ارتضيتُ لها الهرولة والمضي في طرقٍ ظننتُها ستحمل في نهاياتها غاياتي المبهجة.. ولكن للقدر رأي آخر، باتت الكوابيس تهاجمني في الواقع أكثر من أحلامي، إلى أين المفر يا ترى وكل يوم يأتي مُحملًا بمفاجئات مُباغتة."
تجلس فادية ونوران وشمس عند أحد الجيران بعد ما تم طردهم من الشقة، وقاموا رجال عبلة بتكسير الأثاث وتحطيم كل ما به، وانقلابه رأسًا على عقب، أخذت فادية وضع الولولة والصياح على تلك الأحداث التي لا يمكن تحملها.
اقتربت منها شمس ونوران وحضنتها بحب وأخذت تواسي فيها بقلة حيلة، حضنت فادية كفوف أحفادها وتأملت ملامحهم بعيون مودعة وقالت موصية:
"أوعي تتخلي عن أختك يا شمس، خليكم سند لبعض، عايزة أقابل أمكم وأنا مش شايلة همكم، أنا عارفة الحمل تقيل عليكم، بس بكرة هتروق وتحلو، الصبر مفتاح الفرج يا بنات."
انهارت شمس ونوران في البكاء، حتى ارتمت الأولى بين ذراعيها وعانقتها بقوة ودموعها تنهمر من بِرك الحزن وتقول بصوت مبحوح:
"بتقولي أيه يا فوفا، أحنا ما نقدرش نكمل من غيرك، هتفرج والأيام هتعدي وهنقعد نضحك على الغم ده!"
انضمت لهم نوران بذراعيها الفتوحة وهي تطوقهم بضعف:
"خلاص بقا بلاش نكد، حاسة إني عايزة أجيب اللي ماتتسمي دي من شعرها."
جاءت الست حمدية جارتهم وبيدها كاسات عصير الليمون وهي تواسيهم:
"بالله عليكم ما تزعلوا، كل حاجة وليها حل."
لاحظت شمس برودة كف جدتها وارتخاء أعصابها القابضة على كفها الصغير، فارقت حضنها ببطء وهي تكذب أحاسيسها وتتمتم بصوت خافت، وعيون شاردة أوشكت على الانخلاع من شدة الجحوظ، وهمست:
"فوفا!"
بللت حلقها وهي تتأمل ملامح جدتها المتجمدة التي لم تتحمل ثُقل الصدمات وفارقت روحها الحياة هاربة من آسى ما بها، أخذت شمس تمسح على وجهي جدتها بترجي وهي تهذي باسمها مرارًا وتكرارًا حتى تأكدت من جمود جسدها تمامًا وعدم استجابتها لنداءهم المتكرر، فقدت فادية اتزانها وارتمت على الأريكة التي تجلس عليها مغادرة تلك الغابة التي لا ترحم فيها الكائنات الضعيفة.. صرخة مدوية اندلعت من جوف نوران وشمس في نفس واحد، نفس أعلنا فيه خسارتهم لعمودهم الأخير بالحياة.
ظلت تهذي شمس بجنون وهي تقبل كفها:
"فوفا قومي يا فوفا متهزريش، قومي عشان خاطري، أنا مقدرش أعيش من غيرك، قومي طيب مين هيشيل ولادي."
ثم صرخت بكل ما أوتيت من حزن وانفجرت في بكاء لا يتوقف، الأصعب من الموت هو أنك ترى أحبتك تتساقط أمام عينك كأوراق الشجر، تلك الشجرة التي ظنت ببقاء أوراقها لما لا نهاية، فـ على من يُلقى اللوم! على الورقة التي لم تحافظ على العهد أم على الخريف الذي كسر الغصن!
••••••••
تقف "عالية" أمام المرآة تغير على جرحها بحرصٍ شديد حتى انتهت من تطهيره وضماده من جديد، ثم تناولت أدويتها وجلست لتستريح على الأريكة وهي تقضم أظافرها من شدة الملل، مثلها شغوف بالعمل والنظام والدراسة والرسم، فجأة سُلب كل هذا منها وبقيت هي والشغف وجهًا لوجه.
تجاهلت وجعها وعاندت ألا تستسلم للمرض، وشرعت في تغير كسوة الفراش، وإعادة ترتيب الغرفة من جديد بحس هندسي أنيق، حتى سمعت صوت قفل الباب، فأخذت نفسها بارتياح وقالت في سرها:
"الحمد لله خرج، كنت هتخنق في الأوضة."
أسرعت نحو الباب وفتحته وعادت لاستكمال مهامها حتى انتهت من تنظيف غرفتها على أتم وجه.. خرجت إلى الصالة تتفقد الطعام الذي لم يأكل منه إلا القليل وأخذت تعيد الأشياء في أماكنها بالثلاجة بنظام حتى لملمت جميع الأطباق ووضعتهم بالغسالة المخصصة.
عادت مرة أخرى إلى الثلاجة ووقفت حائرة عما ستشغل نفسها بتحضيره لتقتل الفراغ الذي خيم على حياتها، أخرجت طبق اللحم وأخذت تفكر ما ستجهزه للغداء!
"-طيب دي أعملها ازاي؟!"
"ممكن أعملها بطريقة مش بيحبها.."
ثم عادت الطبق مكانه مرة أخرى وأمسكت بطبق الدجاج وقالت:
"مفيش حد مش بيحب الفراخ، أنا هعمل بانيه ومكرونة."
تركت الدجاج بالماء كي ينصهر منه الثلج وفارقت المطبخ متجهة إلى غرفتها، ولكنها توقفت أمام غرفته إثر أنوارها المتقدة، تقدمت خطوتين فوجدت الغرفة منقلبة رأسًا على عقب، ملابسه ملقاة بعشوائية، خزانته مفتوحة على مصرعيها، انقلاب الغرفة سبب لها حالة من الضجر لواحدة تدمن النظام والنظافة، وقفت مترددة للحظات حتى حسمت قرارها مضطرة:
"-لالا! أنا مش هستحمل أشوف الشكل دا!"
•••••••••••
"-يعني أيه يا دكتور؟!"
تلك كان سؤال عاصي الذي أردف بعد حديث الطبيب وتقريره عن حالتها، أجابه الطبيب بهدوء:
"يعني كل ده طبيعي في حالتها، هتبدأ تفتكر تدريجيًا عن حياتها، زي مثلًا بتقول اسم رسيل، ممكن رسيل دا اسم أختها، بنتها، أو اسمها هي، وده في حد ذاته تطور عظيم.."
ثم تبسم له بعرفان:
"حمد الله على سلامة المدام، هكتب لها على خروج حالًا، بس هتكون محتاجة متابعة على الجرح، ممكن ممرضة تتولى الموضوع دا."
أنهى عاصي حديثه مع الطبيب ثم عاد إليها وجدها شاردة، حتى أنها لم تلحظ عودته، تحمحم بخفوت كي تسترد وعيها وقال:
"الدكتور طمني، وأنتِ زي الفل!"
طالعته بعوينات الحيرة واكتفت بقولها:
"تمام."
جلس على طرف الفراش ثم سألها:
"ها يا ستي! قوليلي أيه اللي حصل امبارح؟"
طرق أبواب الذاكرة السوداوية بسؤاله، ارتخت تعابير وجهها ساخرة وقالت:
"إجابة السؤال دا مش عندي، ده عند…"
عقد حاجبيه بغرابة مُشككًا في اتهامها الواضح:
"قصدك أيه! الرجالة قالولي أنه ماس كهربي من شدة الحر هو اللي عمل كده، أنتِ شاكة في حد ولا أيه!"
طالعته بعدم تصديق:
"ماس كهربي في المكان اللي أنا موجودة فيه وبس! هي كهربا القصر غير كهربا الجناح؟"
هز رأسه بالموافقة وأيد سؤالها:
"ده حقيقي، كهربا القصر غير عداد كهربا الجناح عندي."
هزت رأسها بعدم اقتناع:
"تمام!"
"-هو أيه اللي تمام!"
خرجت "حياة" عن صمتها بانفعال:
"واحدة نجت من المـٰوت بأعجوبة! عايزها تقول أيه يعني! لو سمحت مش حابة أتكلم."
تفهم الظروف الصعبة التي مرت بها، فلم يعلق على طريقة كلامها معه واكتفى منسحبًا:
"الممرضة هتيجي تساعدك، ويلا عشان ترجعي البيت."
رفعت عيونها بتحدٍ:
"أنا مش عايزة أرجع المكان دا تاني."
نصب قامته الصلبة وهو يقفل زر سترته:
"المكان ده هو المُتاح حاليـا، ومش هطمن عليكِ وأنتِ بعيدة!"
التوى ثغرها ساخرة من جملته:
"أنا اتأذيت مرتين في بيتك وكنت أوضة نومك وبردو معرفتش تحميني، المرة التالتة بقا…"
قاطعها بحزمٍ:
"من غير كلام كتير، هستناكي بره لحد ما تخلصي، ومش عايز حركات عيال! فاهمة."
رمقته بصمت قاتل مُبطن بأسهم السخرية ثم تحاشت النظر إليها كحركة تلقائية منها لنهي الحوار وتجاهل وجوده، قرأ بعيونها الاستسلام والرضوخ لأوامره ثم غادر ليحضر أحدى الممرضات، أما عنها غاصت في ظُلمة أيامها الكاحلة وأغمضت جفونها وهي تهذي في سرها:
"“هذه المرة أنا حقاً لا أعلم ما الذي يعنيه هذا الشعور واللاشعور الذي يملأني، ولا أعرف كيف سيستقر، على كل حال أنا لا أثق بهذا الهدوء الذي أعيشه مطلقًا!”"
•••••••••
يجلس تميم أمام الشرفة يرتشف قهوته ولم تفارق عيناه شاشة هاتفه، ظل يطرح على نفسه العديد من الاحتمالات، هل سترفض أم ستقبل! فما الذي يجعلها تقبل بشخص مثلي لا ترى به إلا العجز! وأن رفضت ماذا سأفعل بعد ما اعتدت على وجودها، منذ يوم غيابها، غربت معها شمس أيامي ولم تشرق بعد، وقعت رأسه فريسة لتلك الأفكار الحائرة التي لم يتعثر بجوابها بعد، ولكنه وقف على شفا سؤاله الأخير:
"أنت حبيتها بجد ولا أيه يا تميم!"
ليصدم صوت عقله نافيًا ورافضًا:
"حب أيه بس؟ أنا بحاول أصطاد عاصي قبل ما يصطادني! لازم أعرف السبب ورا مجيتها هنا! أكيد في سر مخبياه يا شمس!"
اعترض قلبه بصوت حاد:
"وأن كانت فعلا بريئة! هتظلم واحدة بريئة معاك يا تميم! مش ده وعدك لأمك! وعدتها أن حقها هيرجع وبالعدل، لكن مش معنى كدا تاخد شمس وسيلة لانتقامك!"
نهره عقله بحزم:
"الغاية تبرر الوسيلة! هي لو قبلت عرضي يبقي فعلا وراها سر، وسر كبير، ولو رفضت يبقى فعلًا ظلمتها، وخسرت واحدة نقية زيها بقية عمري!"
••••••••••
وصل عاصي بصحبة حياة إلى القصر، وتعمدت أثناء الطريق أن تتحاشى النظر إليه والحديث أيضًا، حاول الانشغال ببعض الأعمال بجانبها كي يشتت تركيزه المحتشد إليها، كان الصمت يسودهم أغلب الوقت، حتى قطعه عاصي وهو يأمر السائق:
"الهانم هتنزل القصر، والملف دا تروح توصله الشركة ضروري ليسري."
أخذ السائق الملف بطاعة:
"أوامر معاليك يا فندم."
دار عاصي إليها بفظاظته المعهودة:
"وصلنا."
لم تُكلف نفسها وتنظر إليه، اكتفت بقولها:
"عارفة!"
رد بصرامة:
"يلا انزلي!"
"-كل اللي حصل لي دا على فكرة بسببك!"
"-مش هيتكرر تاني، يلا انزلي."
التفت إليه بكل حرائقها المتقدة:
"أف! عايز تفهمني أن عاصي بيه دويدار مش معاه مكان أقعد فيه غير هنا!"
ترمد الغرور في جمره وقال:
"أنتِ هنا عشان أنا عايزك تبقي هنا، لكن لو كان على عاصي دويدار ممكن يجيبلك بيت على سطح القمر لو عايز ده!"
"-حد قالك قبل كده أنك مغرور! ومفكر أن الدنيا كلها ممكن تمشي زي ما أنت عايز!"
تحول رجل صياد مثله إلى طريدة لاتهاماتها، تبسم بمكر و:
"-ااه أنتِ."
كانت تلك آخر جملة أردفها ثم فتح له أحد رجاله السيارة، وما كان الآخر متأهبًا لفتح باب السيارة الخاص بحياة، أوقفه بإشارة من يده وتقدم هو بكامل فخامته وفتح لها الباب بنفسه.
تلاقت أعينها الحائرة بأعينه الصقرية للحظات قطعها بحمله لها بين يدها عندما قرأ العناد بصفحات عيونها، تملصت منه بتمرد وهي تحرك قدميها في الهواء:
"-بقولك نزلني!"
استقامت نظراته كما استقامت خطوته وقال ببرود رهيب:
"-ماينفعش، أنتِ تعبانة!"
"-مستفز!"
نفذ صبرها من جموده وجحوده في التحكم بها كعروسة من الخشب يحركها كما يشاء، دخل القصر وتوجه نحو غرفته بالطابق الثالث تحت أنظار الخدم الذين يتهامسون حقدًا وإعجابًا بحبه الساطع لتلك الفتاة.
وصل عاصي إلى غرفته ووضعها على الفراش برفق ثم شد فوقها الغطاء وقال بثبات:
"واحدة من الخدم هتيجي تقعد معاكِ، في الوقت اللي هكون فيه بره."
ثم نزع سترته وحذائه ومدد بجوارها بكللٍ، جحظت عيونها بذهول:
"-أنتَ بتعمل أيه؟!"
وضع ساعده فوق جبهته وأغمض جفونه مجيبًا بسخرية:
"-منمتش من امبارح، طبيعي إني أنام بقا!"
"-طيب وأنا؟!"
تنهد باسترخاءٍ:
"-نامي أنتِ كمان."
ابتلعت شعور التجاهل الذي يحاورها به، وما كادت أن توبخه فوجدته قد غاص في سبات عميق، لم تجد حلًا أمامها لتفرغ به شحنات غضبها سوى إلقاء الوسادة على وجهه الذي يفجر بجوفها ينابيع الغضب.. وهي تقول في سرها:
"-“عندما أراك تنتابني حالة من الكره لنفسي بلا سبب أو على الأرجح أنت السبب”"
•••••••••
مالت الشمس إلى الغروب، كانت "عالية" تقف بالمطبخ تقلي قطع الدجاج المتبلة بعد ما أنهت تحضير المكرونة الاسباجيتي بطريقتها المفضلة، أحست صوت مفاتيحه بالباب تركت ما بيدها سريعًا متسمرة مكانها لا تعلم ما عليها أن تفعله!
أخذت تستجمع في قوتها مرتدية ثوب التجاهل حتى تأكدت من قدومه عندما سمعت صوت قفل الباب، بمجرد دخوله تسللت روائح الطعام إلى أنفه وبطنه الجائعة فتبسم، انتعل حذائه بعشوائية ثم سار متبعًا مصدر الرائحة حتى وجدتها تقف في المطبخ غير مُكترثة لوجوده رغم انتفاضة دواخلها.
جلس على بار المطبخ وهو يراقبها بصمت وبابتسامة تخدعه رغم عن غروره وترتسم على شفتيه، استدارت إليه دون أن توجه له أي حديث اكتفت بنظرات خرساء وتناولت منديلًا لتجفف به الدجاج المقلي من آثار الزيت.
استند مُراد على سطح "البار" بفخامة وقال مداعبًا:
"-أنا ليا فيه الأكل ده؟!"
ابتلعت توترها وقالت بدون تفكير:
"-أنا اتصرفت وعملت حاجة سريعة كده عشان الأدوية اللي باخدها."
انكمشت ملامحه بضيق مفتعل:
"-يعني ماليش فيه!"
اتسع فمها بدهشة من هول اتهامها بذنب لم تقترفه، ولكن ما زالت كلماتها يقودها غرور الصبا:
"-ها! قصدي يعني عادي أنا عاملة كتير."
مد مُراد يده ليرتشف الماء ثم قال معبرًا:
"-فطار الصبح كان جميل، بصراحة اتفاجئت."
بللت عالية حلقها الذي جف من وجوده الطاغي وقالت مُبررة:
"-متعودتش أبقى فاضية، بحب أشغل وقتي دايما، صحيت صليت الفجر و…"
توقف مُراد على أعتاب جملتها الأخيرة وهو يحاول استيعابها:
"-صحيتي ليه!"
انخفضت نبرة صوتها بتردد:
"-صليت، أنا متعودة على كده، وبعدين حسيت بملل قمت اتسلى."
ثم شردت بتردد:
"-موبايلي شوفته في عربيتك امبارح، وما حبتش أخده من غير ما أقولك، ممكن أخده، أنا عايزة أطمن على تميم وماما أكيد قلقانة عليا.."
ثم اتسعت عيونها بفرحة طفولية:
"-هما أكيد كلموك صح!"
مجموعة كلمات أطاحت بعقله من الشرق إلى الغرب، كيف لفتاة تحمل دماء ذئاب دويدار أن تسعى للصلاة بتلك الحماس، وما تلك البراءة التي غفرت له تعنفه و اهانته لها؟ وما ذلك الأمل المنتظر من السيدة عبلة وأخوتها في السؤال عليها؟ وكيف لتلك الملاك أن تثبت عليها صور مثل التي أرسلت إليه؟ ظل شاردًا حول سؤال واحد جن رأسه: من أنتِ؟
سكبت عالية الطعام بحس فني ومنظم بالأطباق، وأخرجت طبق السلطة من الثلاجة، ورصت الصحون أمامه بذوق رفيع، ثم دارت وأخذ طبقها الخاص وتأهبت للذهاب، أوقفها مُتسائلًا:
"-أنتِ رايحة فين!"
أحمرت وجنتها من برودة السؤال وقالت بحياء:
"-هاكل في الأوضة جوه، عشان تاخد راحتك."
"-ليه؟ ما أنت ممكن تقعدي هنا؟ ولا أنتِ اللي حابة كده؟ عادي شوفي اللي يريحك!"
تمسكت بالطبق بشدة وهي تستجمع الكلمات حتى كررت سؤالها:
"-أنتَ ما ردتش على سؤالي!"
"-سؤال أيه؟"
"-مامي كلمتك، مش كدا؟!"
تحمحم بخفوت كي يبتلع غصة الكذب وقال وهو يستعد لتناول الطعام:
"-أه، هي فاهمة أننا في شهر عسل وكده، عشان كده محدش بيزعجنا!"
وضعت عالية طبقها على البار بجواره وجلست على طرف المقعد ومسكت الشوكة بيد مُرتعشة وهي ترمقه بحذر وهو يتناول الطعام بشراهة وإعجاب حتى تلاقت أعينهم فسألها:
"-ما بتاكليش ليه؟!"
"-هاا؟ باكل أهو.. هو أنت اتجوزتني ليه؟!"
خُتمت جملتها بشرقة مُراد الذي ابتلعها بالماء وتابعها صوت رن جرس الباب، وثب مُراد قائمًا ليفتح الباب ويهرب من حدة سؤالها فوجد أمامه جيهان بحقائبها، طالعها بذهول وقال:
"-ماما!"
دفعته من أمامها ودلفت إلى الداخل وهي تأمر البواب أن يدخل الحقائب وقالت بصوت عالٍ:
"-آكيد مش هقعد في الشقة المهكعة دي وابني هنا عنده شقه ترد الروح."
تسمرت عالية في مكانها مستندة على الحائط وهي تراقب نظرات جيهان الحارقة حتى تلاقت أعينهم فقالت بمكر:
"-معلش يا عروسة استحملينا اليومين دول!"
قفل مُراد الباب وهو يشعر بالعجز في التصرف مع أمه، اقترب منها قائلًا:
"-أنا قلت لك هتصرف."
ضحكت جيهان بخبث:
"-لحد ما تتصرف بقا، هقعد عندك الكام يوم دول أنا وهدير."
تدخلت عالية في الحوار وسألتها:
"-هدير! وعاصي ازاي سمح لها بكده؟!"
ضحكت جيهان بميوعة وهي تجلس على أقرب مقعد وتجيبها:
"-لا يا حبيبتي، شكلك نايمة في العسل ومتعرفيش أن أخوكي المحروس طلق هدير يوم الصباحية!"
عالية بصدمة:
"-ازاي ده؟ ليه عاصي يعمل كدا!"
"-جرى أيه يا حبيبتي هو لوكلك لوكلك مفيش بؤ ميه أروي بيه عطشي!"
ثم مددت على الأريكة بارتياح أكثر وهي تأخذ نفسها بعمق:
"-آخيرًا تكييف شغال! دانا كنت هتختق في الشقة الفقرية التانية."
ذهبت عالية باستسلام إلى المطبخ لتحضر لها الماء ثم لحق بها مُراد بنظرات آسفة وهمس لها:
"-أوعدك من بكرة هدورلهم على شقة جديدة."
أومأت باستسلام:
"-عادي! خالتو وهدير متعودة عليهم."
تأهبت للذهاب وهي تحمل دورق المياه متجاهلة وجوده حتى أوقفها ممسكًا بمعصمها وقال بخفوت:
"-عالية، طول ما هما هنا مش هينفع أنتِ نايمة في أوضة وأنا في أوضة تانية!"
صارت من كثرة التنازلات في حياتها حفرة عميقة ولكن إلى أين ستصل يا ترى! حدجتها بعدم فهم:
"-تقصد أيه!"
ألقى مُراد نظرة سريعة على أمه ثم أكمل بحذر:
"-يعني لازم تنامي في أوضتي لحد ما يمشوا!"
••••••••••
استيقظ عاصي بعد جولة نوم عميقة غاص بها لساعات وبمجرد ما رفعت جفونه تدلت على شعرها الأسود الذي يفرق بينهم كستارة سوداء من الحرير، اشتهت يده مداعبة تلك العيدان اللامعة تحت ظل النور الخافت المتقد بالغرفة، ثم امتدت إلى منحنيات جسدها الذي خانها من شدة التعب ونامت مرغمة بجواره على طرف السرير، أخذ يداعب في شعرها بانتشاء طفل عثر على لعبته المفضلة للتو حتى تنهد متعجبًا في نفسه:
"-لا يجب أن تكوني جميلة بهذا القدر!"
أخذ يشُم في أطراف شعرها كصبي مراهق يلامس يد حبيبته لأول مرة، استمر هكذا طويلًا حتى أوشكت زمام عواطفه على الانفلات، نهض بتثاقل وهو يخالف أهوائه فلم يجد ما يخرج به كبته إلا انه تفشى في لفافة التبغ التي تنتج من بين أنامله دخان أحلامه المحترقة.
استيقظت "حياة" على رائحة الدخان الناشزة وهي توبخه وتسعل بقوة:
"-ما شوفتش قلة ذوق للدرجة دي بصراحة!"
شد أخر نفس من سيجارته ثم ثناها في منتصف المطفأة وقال مداعبًا:
"-غيرتي رأيك ونمتي جمبي يعني! ما خوفتيش مني!"
"-اكيد مش بمزاجي، الأدوية فيها جرعة منوم وهي اللي عملت فيا كدا!"
جلست على طرف السرير وهي تتحاشى النظر إليه وتتجنب الحديث غير المجدي معه، نهضت بتثاقل كي تعتزله تمامًا متجهة نحو الأريكة وشرعت في التمدد عليها.
وثب قائمة متجهًا إليها وقال بمزاح:
"-مش بقول لك كده عشان تخافي! سبق وقولت لك قواعدي!"
"-ممكن تخليك في حالك ومالكش دعوة بيا نهائي!"
لم يكن تلك الشخصية الفكاهية التي تراوغ النساء ويتبع خطواتهم ولكن ما السبيل لمصارحة امرأة مثلها بحقيقة اشتياقه لها مهما كلفه الثمن! امرأة بملامح مدينة حديثة وتضاريس وطن.. وهو لاجئ لا يريد إلا أن يسكنها في غفلة من الزمان..
ناخ على ركبته متعمدًا الدنوء منها وما كاد أن يبخ سم غروره، فوجئ بصوت دق الباب ودخول صغيراته منه، اقتربا الطفلتان منهما وقالت داليا:
"-داد ممكن نطمن على أنطي حياة!"
اعتدلت حياة واستقبلتهم بوجه بشوش ضمت الاثنين إلى صدرها وقبلتهم:
"-أنا بخير يا حبيبتي."
اردفت تاليا بجزل طفولي:
"-أنا خوفت أوي لما شوفت النار، وفضلت أعيط وأدعي ربنا مش يحصل لك حاجة."
استقبلت حياة تعبيراتهم اللطيفه بعيون لامعة وقبلة تلقائية منها حتى ارتمت داليا بحضنها بفرح:
"-أنا بحبك أوي."
حياة بسعادة:
"-وأنا كمان بحبكم جدًا."
ثم رمقت عاصي بسهام التمرد وقالت لهم بكيد أنثوي:
"-أيه رأيكم تباتوا معايا هنا النهاردة!"
تاليا بمرح:
"-بجد! وهتحكي لنا حدوته!"
تمردت حياة بغرور وهى ترمقه بتخابث وقالت:
"-طبعًا يا روحي."
هتفت داليا بحماس:
"-بابي ممكن تنام على الكنبة وأحنا وأنطي ننام على السرير."
لم تمنح له الفرصة للرد بل اكتفت بإلقاء نظرة على ملامحه المكتظة وقالت بثقة:
"-طبعًا بابي موافق يا حبيبتي.. مش كده!"
••••••••••
فى حياة كل شخص منا خيط رفيع يربطه بالحياة ما أن ينقطع هذا الخيط حتى نفقد الرغبة بالتنفس والاستيقاظ والتفكير والعيش..
رفعت شمس رأسها الثقيلة عن الوسادة المبللة بمياه حسرتها وحزنها عن مفارقتها لروحها، لتلك السيدة التي عافرت كي تصل بهم لمحطة سلام، والآن انتهى دورها من حياتهم، لا شوق سيعيدها ولا دموع العين كافية أن تأتي بها.
دخلت السيدة حمدية الغرفة التي تقطن بها شمس ونوران بعد ما انتهت مراسم دفن وعزاء جدتهم وقالت لهم:
"-أهل الحارة جايين يعزوكي يا حبيبتي."
ردت شمس بتوهه:
"-كتر خيرهم يا خالة، اشكريهم وقولي لهم مش هقدر."
"-بس يا بنتي ما ينفعش."
توسلت لها شمس بإصرار:
"-معلش، مش هقدر، اعتذري منهم."
انصرفت حمدية مطأطأة الرأس وجاءت نوران إلى أختها وارتمت بحضنها وسألتها بوهن:
"-هنعمل أيه يا شمس!"
ربتت شمس على كتفها وهزت رأسها:
"-هنعمل اللي لازم يتعمل يا نوران، مفيش قدامنا حل تاني."
هزت رأسها وهي تتناول هاتفها واتصلت بـ تميم:
"-هتفهمي دلوقتي!"
التقط تميم الهاتف بلهفة وهو يمعن في الرقم المتصل للحظات حتى أجاب بلهفة:
"-شمس.. عاملة أيه!"
ما اااقاطعته بحزمٍ وهي تجفف سيل الدموع من وجنتها:
"-تميم أنا موافقة على طلبك، بس ليا شروط الأول…."
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نهال مصطفي
“رسائل لن تصل لـ صاحبها ”
أحبك بالقدر الذي يجعلني اتساءل بقلق المسلم أحلال أنت أم حرام ؟!
ووحده الله يعلم أن عاطفتي نحوك كانت طاهرة كخيال طفلة
فـ أكبر أمنياتي معك ، كانت أن اصافحك بحب !
دون الخوف من استقرار جمرة ما في كفي .
•••••••••
ثلاثة لا يمكن للمرء أن يقف أمامهم ، طوفان البحر أن غضب ، وطوفان القلب أن أحب ، وطوفان الأنانية أن طمعت الأنفس ، في تمام الرابعة فجرًا ، يستعد كُلٌ من رشيد ويونس للعودة إلى تجارهم وعملهم ، فـ عندما رحل المعلم قنديل المصري باتت الأمور صعبة وأهملوا الشباب شُغل أبيهم الذي تفاني في العمل كي يصبح من كبار صيادين البحر الأحمر ، وأشهر تجاري اللؤلؤ والقطع النفسية التي يحويها جوف البحر .
خرج رشيد بصُحبة يونس ، شابان في مقدمة العشرينات من العمر ، وارتدوا رداء الصيد مستعدين للعودة مرة آخرى ، والحفاظ على لقب قنديل المصري الذي ظل يسعى إليه والدهم طول عمره .
وصل الاثنان إلى الميناء ، و حشدوا الرجال ليتأهبوا برحلة جديدة ، وانطلاق سُفنهم في البحر وصيد مختلف أنواع الأسماك والحيتان العملاقة الذي تشتهر بها تجارتهم البحرية ..
بمجرد ما وصل تفقد رشيد توأم رسيل الميناء فوجده خاليًا من مراكب ” المصري ” إلا مركبة واحدة تصف جانب الميناء وتتبدل لافتتها بواسطة العمال ، ركض رشيد ثم اتبعه يونس بغضب عارم حتى وصل إليهم موبخًا :-
أنتَ بتعمل أيه يا جدع منك له ! وازاي بتنزلوا اسم قنديل المصري كده ! أنا هوديكم في داهية ! نزل إيدك يا جدع منك له عن اسم المعلم قنديل .
لم يرد عليه أحد العُمال لان صوت فريد سبقهم من الخلف قائلًا :-
مالك بس يا رشيد ! مين مزعلك !
دار إليه الأخوة بضيق ، حتى أجابه رشيد بضيقٍ :-
تعالى يا عم فريد شوف المصيبة دي ! دول بينزلوا اسم أبويا من على المركب ! أنت ازاي سمحت لهم !
لطم هواء البحر وجه فريد بقوة وهو يجيبه بشموخ :-
أنا اللي أمرت يا رشيد !
نظر الاثنان لبعضهم بغرابة حتى تفوه يونس مزمجرًا :-
يعني أيه أنت اللي أمرت ! أنت هتنسى نفسك يا فريد !
صاح فريد ليُفجر قنبلة جديدة :-
المعلم فريد ، صاحب كل المراكب اللي عليها اسم المصري !
تهجم رشيد عليه بانفعال شديد :-
لا دانت اتجننت رسمي !
تدخل أحد الرجال الذي انضموا إلى حزب فريد ، وباعوا معلمهم وأولاده ذوي الفضل عليهم دفاعًا عن فريد الذي تقهقر خطوتين للخلف وهو يفصح عن جريمته التي زيفها سرًا :-
أنا معايا ورق يثبت أن المعلم قنديل قبل ما يتوفي بـ٣ شهور باع لي كل المراكب دي ، يعني بالبلدي كده ! أنت مالكمش حاجة هنا ..
ثم اقترب خطوة وقال مهددًا :-
عارفين الطريق ولا أخلى حد من الرجالة يوصلكم !
••••••••••••
ضُبط منبه رأسها على مواعيد استيقاظها الأصلية ، ونهضت من فراشه بجوار ابنته النائمتين بتسلل وبرأسها يقظة شديدة كأن الشمس أشرقت برأسها أولًا .. مدت الغطاء فوق الفتيات ثم وثبت قائمة وذهبت نحو المرحاض غسلت وجهها وجففته جيدًا وأخذت تتأمل ملامحها البريئة بتأملٍ وهي تتساءل لنفسها :-
أن فقد العقل خريطته ! فما مصير خريطة القلب لا ترى !
وضعت يدها على قلبها الذي ينبض بخفوت ، كأنها تتحسس إذا كان حاملًا للحب أم خاليًا منه ! أ لم يتعلق به حُبًا لمكانٍ أو زمان أو شخصٍ ! كررت المسح على وجهها بالماء الفاتر عدة مرات حتى استندت على الحوض متنهدة بتعب :-
#اقتباس-أ يحمل طريق الكذب النجاة ! يا ترى ماذا يوجد في الجانب الآخر من الحياة التي تنتظرني ؟!
خطـٰفت أكثر من منديلٍ ورقيًا وجففت وجهها وغادرت الغرفة تشتهي أن تستنشق القليل من الهواء الطبيعي بدلاً من الهواء البارد ، تحركت ببطء كي لا تزعج أحد من نومه ، ولكنها توقفت بجوار الأريكة التي يتمدد فوقها عاصي فوجدته بدون غطاء ، ظلت تتأمله طويلًا حتى لوحت بيدها متجاهلة وتقدمت خطوتين ولكنها تراجعت واقتربت منه بحذر شديد ومدت الغطاء فوقه بقلب عطوف لن يهون عليها أن تترك جسده عُرضة لسقيع الهواء .
في تلك اللحظة شهقت بفزعٍ إثر قبضة يده الحديدية التى انكمشت على رسغها ناهضًا من سباته بمهابة جُندي غفلت عينه على حدود الأعداء ، إبتركت رغم عنها على حافة الأريكة فـ تقابل الثنائي وجه لوجه لم يتحرك بينهم إلا النفس المتصاعد الذي يُغرل الملامح المُتصلبة لوجوههم .
غمز له بطرف عينه وهو يُراقب تضارب دقات قلبها التي تجعل صدرها يعلو ويهبط متسائلًا :-
ايه ؟!
بللت حلقها وبثغرها المرتجف :-
أيه !
هدأت أنفاسه سريعًا ثم كرر سؤاله بصيغة آخرى :-
بتعملي أيه هنا !
-كُنت معدية .. معدية عشان أشم هوا ، قصدي يعني البلكونة .. فـكانت كلماتها مُتقطعة وبين كل كلمة والأخرى تصمت للحظات مُتخذة نفسًا طويلة حتى أطبقت جفونها بإصرار كي لا تلتقى بنجوم عينيه الساطعة في الظلام الدامس متخذة تنهيدة عالية وأكملت بعيونها المنغلقة :-
كنت بغطيك عشان التكييف عالي وكده .
ثم فتحت عيونها تدريجيًا فتعثرت بضياء عيونه الثابتة التي تفترسها ، لم تتحمل البقاء بجواره أكثر من ذلك فـ قُربه يُرعبها ويبث بجوفها العديد من المشاعر المتضاربة ، حررت يدها من قبضته القوية وهربت إلى الشرفة كالأرنب الهارب .
خرجت إلى البلكونة متحررة من أسوار نظراته القوية وهى تتنفس الصعداء واضعة كفها المُرتعش على قلبها ، وأخذت توبخ نفسها بعتب :-
غبية ! مالك أنت متغطي ولا مش متغطي ! دلوقتِ هيفهم أيه بدماغه السودة دي !
لم تكف الأنفاس الخارجة من أنفها على طرد دُخان جريمتها الحمقاء بل استعانت بثغرها لتتخلص بأكبر قدر ممكن من النيران الحارقة بجوفها ، أغمضت عيونها طويلًا كي تهدأ من سطو ظنونه الخبيثة وما أن فتحتهم وجدته أمامها ساطع كسطوع البدر فوقهم ولكنه لم يتأملها هذه المرة بل كانت نظراته مستقيمة إلى الحديقة الخاصة لديه .. أحست بأنها في مأزقٍ لا مفر منه بللت حلقها ملتزمة الصمت ولكن عيونها لم تكف عن اختلاس النظرات منه .
ساد الصمت بينهم طويلًا لانها بنفس الكبرياء الذي يملكه ولكنه رضخ مُغرمًا تحت عرش أهدابها الطويلة متحمحمًا :-
البنات تعبوكي !
بنبرة مبحوحةٍ :-
لا بالعكس ، أنا صحيت عادي !
ثم حكت جدار عنقها وقالت بفضول :-
هي مامتهم فين !
لم ينبس ببنت شفة بل اكتفى بنظرة ثاقبة جعلتها تعاتب نفسها على فضولها خاصة بعد ما طال صمته ، ثم نطق بعد ما يأست من رده :-
اتوفت يوم ولادتهم ، جالها نزيف و حصل اللي حصل .
طالعه بنظرات مغلفة بالشفقة :-
ربنا يرحمها ..
ثم تفوهت بتلقائية غير مُدركة لأثر كلامها –
بناتك آكيد شبهها ، أصلهم مش شبهك خالص .
رمقها بنظرة غامضة ثم قال تحت سحرها متحررًا من شخص عاصي دويدار :-
مش متعود حد يلمسني ولا يغطيني وانا نايم من بعد ما مشيت ، عشان كده اتخضيت لما شوفتك .
ظلت تقضم في أظافرها من شدة الخجل ثم ردت بارتباك :-
أنا اسفة ..
أطال النظر بعيونها المُغرية للنظر و أجاب شارد بهما بنبرة خافتة :-
على أيه !
-هاه … !
تنحنح بصوته الرخيم متخلصًا من سطو عيونها الخلابة وقال بفظاظة :-
أول وآخر مرة !
انعقد حاجباها بدهشة :-
يعني أيه ؟!
-أول وآخر مرة تفكري تلمسيني و أنا نايم .
تحـٰرش بغرور الأنثى الذي يسكنها ، فتحولت لقطة مشاكسة تحاول أن تُلملم ما تبعثر من كبريائها وقالت بفتور :-
بلاش العنجهة تاخدك أوي ، لا هلمسك و أنت نايم ولا وأنت صاحي !
ثم اقتربت منه خطوة برأس شامخة وكأنها أعلنت عليه الحرب :-
دي غلطتي بس أني فكرت أعاملك مُعاملة بني آدم طبيعي !
تبسم بخبث وهو يتلصص أكبر قدر ممكن من عيونها اللامعة عن قُرب وسألها :-
أومال أنا أيه ؟!
-أنت ولا حاجة !
قالت جملتها الأخيرة بتلقائية وبدون تفكير ، كانت فقط تود أن ترد اعتبارها من عجرفة رجل مثله ، لم تتحمل البقاء في مكان يضمهم لدقيقة آخرى بل فرت هاربة منه وهي تحتمي بابنته وتغطي جسدها من الكاحل للرأس كي تختفي عن مرمى أنظاره .. أما عنه نفض عن ذاكرته أشباح طيفها الهالك بذكوريته مستعينًا بلفافة التبغ التي فجر بها حرائقه الناشبة .
••••••
انتهت ” عالية ” من أداء صلاة الفجر بعد ما ارتدت قميصه الواسع ووضعت على شعرها شالًا يخصه ، جلست على سجادة الصلاة ترتل الأذكار بصوت خافت ، وترفع عيونها الدائرية لأعلى تشكو همها لرب السماء وتطلب منه أن يناجيها من ظُلمتها .
ثنت السجادة ثم وثبت قائمة بهدوء ورقة كي لا تزعجه ولكنها استدارت مفزوعة عندما فتح إضاءة المصباح بجواره ، أحست بالحرج منه فأسرعت مُعتذرة :-
أنا اسفة لو صحيتك ..
نهض مُراد من مخدعة بصدره العارٍ الذي تحاشت النظر إليه بقدر المستطاع وهو يُراقب ملابسه التي استعانت بها ولكنه ما زال تحت تأثير صدمته من فعلها الذي يطيب له القلب وسألها :-
صاحية ليه ؟!
رفعت جفونها للحظة ولكن سرعان ما أخفضتها بحرج :-
عشان الصلاة !
رفع حاجبه متعجبًا :-
غريبة !
-هي ايه ؟!
برر مراد جملته :-
نمتي متأخر ! وصحيتي بس !
تبسمت براحة عجيبة مناقضة لخجلها من النظر إليه وقالا بحماس طفلة :-
عمري ما ظبطت منبه لصلاة الفجر ، تكفي النية و كنت بصحى من غير أي حاجة ، جربت الشعور دا قبل كده ؟!
تضاربت الأفكار في رأسه متحيرًا حول تلك الفراشة التي خطفها من عش الدبابير ! فـ رد شاردًا :-
شعور أيه ؟!
-أنك تنوي تصلي الفجر ، وتلاقي الملايكة بتصحيك ، عارف ليه ؟! لأنك ظبطت منبه قلبك على ميعاد تلبية نداء رب العالمين .
تاه مُراد في طهارة قلبها ، ولين كلماتها التي مرت كمرور النسيم على قلبه لا يعرف ما سيقوله ، اكتفى بهز رأسه متفقًا مع ذلك الشعور الذي لم يُلامس قلبه من قبل ولكن لامست عفويتها صميمه ، فـ تمنى ولو يتذوق شهد ذلك اللقاء الروحي الذي جعلها بكل هذا الجمال ، بلل حلقه هاربًا من جهله أمامها وقال :-
تمام هنام أنا عشان عندي شُغل !
اتسع بؤبؤ عينيها مشدوهًا :-
من غير ما تصلي ! طالما صحيت يبقى لازم تصلي الفجر ، وبعدين كمل نومك .
أحس بدلوٍ من الثلج انسكب فوق قلبه وهي تُناديه مشغوفًا بأن يؤدي صلاة لم يعهدها منذ كان طفلًا صغيرًا عندما كان يتشبث في ذراع السفرجي الذي لم تفارقه صلاة ، وبشغف الطفل الذي كان يملأه كان يرافقه بكل صلاة ، أصابت نشوة اللقاء قلبه ، فوافقها الأمر وهو تائه لا يعلم كيف سيتقبله ربه بعد كل هذا الغياب ! كيف سيكون الوقوف بين يديه وهو رجل يافع غرته الحياة عن ذلك اللقاء العظيم .
توجه نحو المرحاض الخاص بالغُرفة كي يستعد للصلاة كما طلبت منه برقتها التي يلين لها الحجر .. خرج إليها وهو يرتدي منامته القطنية ويجفف وجهه من آثار المياه .. وثبت قائمة بابتسامة تبث الطمأنينة إلى القلب المضطرب وقالت برجاء :-
ممكن أخد موبايلك !
لم تمنحه الفرصة ليسائلها عن السبب بل اسرعت موضحة :-
هقرأ بس الورد بتاعي وهديهولك تاني ، أنا دورت على مصحف هنا وللاسف ملقتش !
ما زال تحت تأثير صدماته التي انهالت بها على رأسه مرة واحدة ، أومأ بالموافقة بدون جدال ، فأشرقت منها شمس أمل جديد بث نوع من السعادة بقلبه ، ما كادت أن تخطو خطوتين ثم تراجعت بإستيحاء :-
طلب اخير ، أنا اسفة !
انتهى من فرش سجادة الصلاة ثم ولى إليها منصتًا :-
طلب أيه !
فرقعت أصابعها بتوتر ثم قالت :-
الكريدت كارت بتاعتي في كڤر الموبايل ، ممكن تبقى تجيبهالي عشان محتاجة شوية حاجات ومش عارفة اشتريهم ! ومش عارفة البس أيه غير هدومك !
تحرك بسكوت نحو الكمود الذي عليه حافظة نقوده وأخرج منها البطاقة البنكية الخاصة به وتركها فوق التسريحة قائلًا :-
تقدري تشتري اللي أنتِ عايزاه ..
ثم تحرك خطوتين مقتربًا منها فاستقبلتهم بخطوة واسعة متراجعة للخلف مصطدمة ساقها بخشب السرير فأختل اتزانها لتسقط على ذراعه الذي كان مسندًا لها من الارتطام بالأرض .. تلاقت أعينهم للحظة سريعة قطعتها بارتباكها وهي تستعين بذراعه الاخر لتنهض وتفارق حصاره المُربك .. مسحت على رأسها من شدة الخجل وهى تتحاشى النظر إليه حتى أتاها صوته من الخلف :-
طول ما أنت في بيتي تبقي مسئولة مني !
•••••••••••
سطعت الشمس وتحولت إلى سوارٍ من الألماس وباتت أشعتها تغازل سُكان الأرض بمشاعر مختلفة ، فلم تترك قلبًا إلا وعششت الحيرة فوق !
ذهب تميم إلى شمس في المكان المُتفق إليه بصُحبة سائقه الأمين الذي لا يثق إلا به ، وهو العم حجاج ، بمجرد قدومه وجدها في انتظاره ، ساعده العم حجاج ثم استأذن مُغادرًا كي ينتظره جنبًا ، ظل تميم يُراقب ملامح شمس المُخيمة بالحُزن والخوف وسألها :-
شمس أنتِ كويسة !
كانت جملته بمثابة رصاصة فتاكة لسيل الدموع من عيونها ، أجهشت بالبكاء ثم قالت بوهن :-
تيتا تعيش أنت !
للحظة اصطدمت رأسه بذاكرة الماضي والسيارة تنقلب وبداخلها هو وأمه التي حاولت حمايته بشتى الطُرق حتى افتدته بروحها ، وتركت له شلل الروح وسلامة الجسد ، عاد إليها بعد غيبته الفكرية ثم قال بتأثرٍ :-
البقاء لله .
هزت رأسها بحزن وخيمِ ثم قالت بأسف :-
كان نفسها تفرح بيا أوي .
لحقها مستفهمًا بسؤاله الفضولي :-
عشان كده وافقتي !
سؤاله وضعها في مأزق التحير والتخبط ، ما بين تأييد ونفي جملته ، أن وافقته سيظن أنه مجرد سلعة لتحقيق مُنايا جدتها ، وأن أفصحت عن دواخلها وأقرت حقيقة قبول طلبه وهو الثأر لتلك السيدة الحنونة التي تطاولت عليها مخالب ظلم آل دويدار ، تنهدت بضياعٍ :-
لأسباب كتير ، أولهم هي !
-وباقي الأسباب …!
شبكت أصابعها المرتجفة ببعض و أخبرته :-
هتعرف كل حاجة في وقتها ، المهم أنا اللي عايزة أسالك ، ليه أنا بالذات ؟!
شرد في ضباب أيامه حتى جاوبها بغموضٍ يملأه وصرح :-
مش هكدب عليكِ ، الجواز كان أخر حاجة ممكن افكر فيها ، بس أول ما شوفتك وشوفت اهتمامك حسيت بالونس ، وشوفت في عيونك أنك خير ونيس لأيامي الجاية يا شمس ..
أخذت أعينهم تتحاور للحظات حتى أكمل مبررًا :-
الحياة مش سهلة يا شمس ، وكُنت مفكر أن الرحلة فردية وكنت راضي ، بس لما شفتك كل ده اتغير ، وبقيت بدل ما بهرب للوحدة ، بقيت بهرب منها .
ثم هز رأسه هزة خفيفة وهو يرسل لها ابتسامة إنصات متنظرًا شروطها التي حتمًا ستضمن بها حقوقها ،تخبط في حواف تفكيره مخمنًا أنها متعلقة بالمادة والنقود ومظاهر الحياة ، فـ سألها :-
أيه هي شروطك بقي !
أغمضت جفونها المُجبرة على استكمال حياة لا تُريدها ولكن لا حياة لها وهي صاحبة حق تتقلب في لهيبه دون أخذه ممن حرمها من سندها الأخير ، فتحت عيونها الذابلة وقالت :-
أنت عارف أن نوران أختى ملهاش غيري ، ومش هينفع اسيبها واعيش بعيد عنها ووقاطعها تميم بمعدنه الأصيل الذي أصر قتله وراء ستار الانتقام :-
ولا يرضيني أنك تسيبها لوحدها ، وهتيجي القصر وهجهزلها أوضة لوحدها ، وكمان نوران مُلزمة مني لحد ما تتجوز .. أيه تاني ؟!
رغم الراحة المبطنة بكلامه والهدوء إلا أن هناك شيء ما غير مستقر بقلبها ، كجرس يصدح متوسلًا أن تهرب من تلك الحرب الغير منصفة ، تبسمت له بعرفان ثم قالت بتوجس :-
أنت عارف أن جوازنا جيه فجاة وووفركت كفوفها ببعض من شدة الارتباك حتى أكملت بتردد :-
اه هنتجوز ونعيش سوا ، بس أنا محتاجة فترة عشان اتعود عليه وافهمك ، تميم انا عشت حياتي كلها رافضة الحب وعمري ما سعيت له ، ومعرفش عنه حاجة ولا هو ازاي ولا بيكون شكله أيه ، عشان كده أنا بطلب منك ….
بللت حلقها ولطخت وجنتيها بحمرة الخجل واخفضت عيونها بحياء ثم قالت بإلتماسٍ :-
جوازنا يكون صوري ، يعني على والورق وبس لحد ما نحدد أحنا عايزين أيه !
انكمشت ملامحه بامتعاض مستغربًا من طلبها العجيب :-
يعني أيه يا شمس! منين موافقة تكوني مراتي ومنين بتمنعيني إني اقرب لك ! أنتِ عارفة بتقولي أيه !
فرت دمعة من طرف عيونها بقلة حيلة وهي تستشعر بجبال العالم تتهاوى فوق كتفها ، شُل تفكيرها ولا تدري أين السبيل الذي تسلكه ليرشدها .. أردفت بخفوت :-
أيوه ده شرطي يا تميم !
شرطها ضعاف الشكوك برأسه حولها ولكن شيء ما يرغمه أن يُكمل الطريق إليها على رغم جهله بنهايته أخر المطاف ، أُجير أن يوافق على طلبها قائلًا :-
و أنا موافق يا شمس على كل شروطك ، في حاجة تانية ؟!
هزت رأسها بالنفي وهي تجفف دموعها وترتشف رشفة خفيفة من كأس الماء بيدها المُرتجفة ، تحمحم تميم بحماس :-
يلا بينا !
-على فين !
مط شفته بتردد :-
هنكتب الكتاب ؟!
-استنى هنا ! بالسرعة دي ؟! وجدتي ووو-
شمس .. النهاردة زي بكرة زي بعد سنة ، كل أيام بتاكل في العُمر ، وأنا هرجع البيت بيكي النهاردة !
على حافة الاتهام والانتقام من الناجي يا ترى ! سلك تميم طريقًا نسجه من مُخيلة عداوته ، واتخذته شمس وسيلة لانتقامها . هل يصل كل منهما لمُراده أم ستفترق الطُرق ويجمعهما طريق آخر لم يكن بحسبانهم !
••••••••••
انتهى مُراد من ارتداء ملابسه مستعدًا للذهاب لعمله وتعمد ألا يشعل الإضاءة كي لا تصحو من نومها ، حيث كانت تتقوس حول نفسها فوق الأريكة المُقابل لمخدعه ، اقترب منها ببطء فـ تعثر بملامحها الملائكية النائمة بحرية وانتشاء ، تمنى لو يقف به الزمان على أهداب عيونها المغلقة ، مال وأخذ هاتفه من يدها برفق ، فـ مجرد ما اشعل إضاءة الهاتف ، ظهرت أمامه صفحة من سورة ” يس ” وتوقفت أنظاره على تلك الآية القُرآنية التي تخاطب فؤاده :-
﴿ فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾
رتل تلك الآيه ثلاثة مرات في سره والرابعة قرأها وهو يُطالع ملامحها البريئة التي تُغريه أن يطالعهما دائما ، وضع الهاتف في سترته ثم توجه للخارج بكامل أناقته ووسامته ، التقى بأمه في الصالة ترتشف كوبًا من الشاي ، فاقترب منها وجلس بجوارها مُتسائلًا :-
مواعيدك دايمًا مظبوطة يا جيهان هانم ، ولسه بتصحى ٧ الصبح زي ما أنت .
وضعت كوب الشاي بجوارها ثم ألتفت إليه :-
أبوك عودني أني لازم اصحى قبله ، وفضلت عشرين سنة على الحال ده !
ثم وضعت ساق فوق الأخرى بفظاظة :-
و ياريت تعلم اللي جوه دي ، مش أول ما شافتنا دخلت الأوضة ومحدش شاف وشها .
لا يعلم لما تسلل الضيق إلى صدره من حديث أمه التي لم تتوقف عن بخ سُمها ، وأكملت هامسة :-
أنت ناوي على أيه مع البنت دي ! عايزاك تستعجل كده قبل عاصي ما يفوق من الضربة الأولى ، عشان التانية دي هتقطم وسطه !
طالعها بملامح مُجفلة ونافرة ، أحس أنه لم يتحمل سماع المزيد بدون ما يدرك السبب وراء نفوره من تلك الكراهية التي ترسخها أمه في رأسه ، هز وجهه ناطقًا بصوت عقله :-
واضح أن معاكِ حق ، البنت مش عايزة الشدة ، عايزة تتاخد على الهادي ..
حدجته أمه مشدوهة بشكٍ :-
معنى كلامك أيه يا مُراد ! مش مرتحالك ؟
أخذ كأس الشاي من أمامها و ارتشف رشفة منه قبل أن يُغادر ، فأردف بصوت انتقامه من آل دويدار :-
ناوي أخليها تحبني ، عشان أخد منها اللي عايزه بسهولة ..
تسربت الشكوك إلى رأسه أمه التي طالعته بعيون ليست مُقتنعة وقالت بريبة :-
بس ده هياخد وقت طويل يا مُراد ! وأحنا لازم نثبت رجلنا في اسرع وقت ! لازم ناخد مصلحتنا من ورا الجوازة دي !
وثب قامته الفخمة متأهبًا للذهاب وقال :-
سيبي لي أنا الطلعة دي ، كله هيخلص في أقرب وقت !
غادر مُراد وفي رأسه أزميل من الندم وتأنيب الضمير الذي لا يعمل مصدره ، وما تلك العواطف الثائرة بقلبه كالحريق ، وما الذي قاله لأمه عنها ! وهل شخص مثله يليق به التلاعب بقلوب النساء كي يُحقق أهوائه !
قفل الباب خلفه وعلى حده استيقظت هدير تجر في أقدامها بتكاسل شديد حتى ارتمت على المقعد بجوار أمها متشبثة برأسها الذي أوشك على الانفجار ، أردفت جيهان :-
لسه بردو الصُداع !
تأوهت هدير بوجعٍ :-
مش فاهمة في أيه ! عايزه قهوة ممكن تظبط دماغي شوية !
شرعت جيهان أن تنهض لتُحضر لها ما تطلبه ولكن أوقفتها هدير قائلة :-
رايحة فين !
-هعملك القهوة !
نهضت هدير مُتناسية ألمها وقالت بانتقام :-
لا ، البنت اللي جوه اللي هتعمل لي قهوة ، هو أخوها يلعب بيا وأنا هسكت لها !
ضحكت جيهان وكأن الفكرة راقت لها ، تقدمت هدير بسرعة نحو الغرفة وفتحت الباب بدون إذن مسبق فوجدت عالية مستيقظة تتناول أدويتها ، تركت ” عالية ” الكوب من يدها وعاتبها :-
مش تخبطي يا هدير ! ولا هي وكالة من غير بواب !
وقفت هدير في منتصف الغُرفة وعقدت ساعديها وبنبرة آمرة :-
كويس أنك صاحية ! عايزة اشرب قهوة !
جلست ” عالية ” على طرف الأريكة بهدوء وهي تحاورها :-
ما تشربي قهوة ! مقفلتش عليكِ المطبخ !
-ما أنا جيالك هنا عشان أقولك أعملي لي قهوة وجهزيلي الفطار قبل ما أنزل الشغل .
زفرت ” عالية ” بامتعاض وقالت بنفاذ صبر :-
هدير اطلعي من دماغي لاني بجد مش رايقة لسخافتك !
احتشد لهب الغضب بنظرات هدير الحارقة وهي تفكر كيف تضايقها أكثر ، أخذت تأكل في شفتها السُفلية بغيظ حتى قالت :-
بقى كده ! أنا قُلت اشغلك بدل ما أنت فاضية كده لا شُغلة ولا مشغله ، بس الظاهر أنتِ حابة حياة العواطلية دي !
التوى ثغر عالية بسخرية وهي تختصر الحديث معها :-
آكيد مش لما أحب اشغل نفسي هقوم اخدمك يعني ، بدل الرغي ده كله كنتي خلصتي القهوة وشربتيها .
دنت منها هدير بتوعد :-
متخلنيش أحطك في دماغي واشتري رضايا يا بنت دويدار !
أحست عالية بالفخر بلقبها ووضعت ساق فوق الأخرى قائلة :-
مش لقب دويدار ده حفيتي وراه ، وفـ الاخر مبقتيش على ذمته غير ليلة واحدة !
تفشت بها هدير وهي تدفعها بعنف من كتفها :-
متنسيش نفسك ، أنا كمان ممكن أخلي مُراد يرميكي بره لما يشوف صورك ويعرف إنك مش تمام ، احمدي ربنا بس أن مُراد مالهوش في جو السوشيال …
أزاحت عالية يد هدير عنها بامتعاض وهي تحدجها بقوة مصدرها ألم جرحها أسفل بطنها وقالت :-
ما بتهددش عشان أنتِ عارفة لا يفرق معايا أخوكي ولا عشرة زيه ، ولا رامية نفسي على نسبكم …. هقولهالك تاني طلعيني من دماغك يا هدير !
رسمت هدير على ثغرها ضحكة ماكرة وقالت بتوعد :-
وعد مني طول منا هنا لأدوقك من جحيم أخوكي عاصي ، وهعرف مُراد حقيقتك وفضيحتك .
بمجرد ما أردفت جملتها اعتدلت وفارقت الغرفة متعمدة ترك بابها مفتوحًا ، تكدست العبرات بجفون عالية التي لا تعلم من أين تفتح الأبواب العدائية بوجهها وإلى أين عليها أن تهرب .. وثبت قائمًا بتعبٍ وهي تضع يدها فوق الجرح وقفلت الباب بأحكام كي تتحاشى موبق التشاحن بينهم مزفرة بضيق :-
يا ربي أنا تعبت أوي .
•••••••••••
طرق يسري باب مكتب رئيسه ثم دلف إليه بوجه العابث وجلس أمامه متنهدًا بضيق ، قفل ” عاصي ” شاشة الحاسوب وألتفت إليه :-
أيه الاخبار .
ألقى يسري الملف الذي بيده على الطاولة الصغيرة وقال بضيقٍ :-
أنا لسه راجع من هناك ، وزي ما اتوقعنا ، الحادثة بفعل فاعل .
جحظت عيني عاصي من شدة الغضب وهو يضغط على قبضة يده بشدة حتى برزت عروقه القوية وقال :-
تعرف لي مين يا يسري في اسرع وقت ..
-آكيد معاليك حد من المُنافسين ، بس الموضوع عندي متشغلش بالك ..
أشار إليه عاصي بسبابته آمرًا :-
عايز فايل شامل عن كل الشركات المنافسة هناك ومين المستفيد ورا ده !
فكر يسري باهتمام حتى قال حائرًا :-
الغريب أن اسم مارو بينتشر في المنطقة بسرعة كبيرة ، وحجم مشروعاته وتطورها بتنافس مشاريعنا هناك ، وده بيهدد مكانة حضرتك في السوق !
ضرب عاصي بكفه القوي على سطح المكتب وهو ينهره :-
بردو ما وصلتش لحاجة ! يسري الشركة دي لازم اعرف مين صاحبها ، واعرف وراه أيه وكام تمنه ، أحنا بالحال ده هنقعد على الرصيف ..
أطرق يسري بحيرة ثم فتح هاتفه ومده لعاصي:-
الوفد الايطالي بعت ايميل الصبح ، ومديرة مكتبك بعتته ليا ، وأول اجتماع بعد يومين ، ولازم تحضره بنفسك ، خاصة بعد سحب مجلس الإدارة منهم ، بصراحة ضربة معلم بصحيح .
اتكئ عاصي مُفكرًا على ظهر مقهده الجلدي وهز رأسه :-
دول كمان عايزين دماغ صاحية ، خاصة أن بنت “أندرو” بيقولو حطاني في دماغها أوي ، والبنت دي شاطرة وشكلها هتغلبنا .
ثم عاد مُتكئًا على سطح مكتبه مُشيرًا له بمؤخرة قلمه :-
يسري كلم مديرة مكتبي تجمع لي أكبر قدر ممكن من المعلومات عن البنت دي قبل الاجتماع .
ثم وثب قائمًا وطلب منه :-
تعالى ابعت الايميلات دي ، وأنا هطلع أغير هدومي ونروح موقع التجمع الجديد .. الشغل هناك مش عاجبني .
لبى يسري جميع الطلبات التى سردها عاصي قبل مُغادرته ، وما أن انصرف تبدلت المقاعد وجلس مكانه لإرسال البيانات التي طلبها منه …” في الغُرفة ”
”ولكن دائمًا أبدًا هناك ما يبعث الضوءَ من جهةٍ ليجرح عتمَتي عمدًا ويُجبرني علي الإشراق”
تجلس ” حياة ” مع الفتيات ويمرحن بسعادة لم تلمس قلوبهن من قبل حتى اقترحت عليهم أن تقوم بتصفيف شعرهم ، وصنع أجدد تسريحات الشعر لهن ، ابتدت بـ داليا التي اجلستها أمام المرآة وأخذت تعاملها كأنها سيدة عصرية وهو تصفف لها شعرها وتسدل لها بعض الخصيلات على وجهها ليزيدها جمالًا وكانت تاليا تشاركهم بانبهارٍ وتبدي اقتراحاتها ولمساتها الأنيقة :-
أنطي .. أيه رأيك لو بقيت كده !
أسبلت ” حياة ” عيونها وهي تجرب اقتراح تاليا وتداعب خصيلات شعر الصغيرة باهتمام :-
تصدقي كده أجمل بكتير ، بصي كدا يا دودو أيه رأيك !
شهقت داليا بانبهار طفولي عندما طالعت وجهها بالمرآة :-
واو يا أنطي ، جميلة أوي بجد !
قبلتها ” حياة ” بعفوية حتى التقت عيونهم بالمرآة :-
أنتِ اللي جميلة أوي .
تحمست تاليا مقترحة :-
أنطي شعرك جميل أوي ممكن نعمل لك فورمة جديدة !
انعقد حاجبي ” حياة ” بعد تصديق :-
فورمة ليا أنا !
تشجعت داليا وهي تؤيد اقتراح أختها :-
أيوه ، بدل دليل الحصان .. أي رأيك ؟!
فكرت ” حياة ” بحيرة ثم قالت بلطفٍ :-
هتعملولي أيه طيب ؟!
فكرت تاليا واضعة سبابتها على فمها بعفوية حتى صرخت بحماس :-
ضفيرة .
لم تمنحها فرصة للاعتراض بل اتفق عليها الاثنين و أجلسوها رغم عنها في منتصف الفراش بحماس طفولي ، امتد يد داليا وحررت شعرها الطويل ، وساعدتها تاليا في تجميع شعرها الكثيف على كتفها أقصى اليمين ، وقالت تاليا :-
هنعملك ضفيرة قمر ، هتعجبك أوي ، اتعلمتها من عالية .
استسلمت ” حياة ” لأفعالهم الجميلة والعفوية وضحكاتهم المنطلقة من جوفهم برائحة المسك وكل منهما يتمسك بجزء من شعرها بكفوفهم الصغيرة حتى انتهوا من صنع ضفيرة برزت ملامح وجهها الخلابة وزادتها جمال وإثارة ، شدوها بشغف نحو المراة كي تشاهد نفسها وتبدي رأيها ، والحقيقة لم تنكر حياة جمال شكلها فيما صنعوا الفتيات بها ، ما بين شعرها المُنسدل على كتفها متنهيًا بضفيرة منمقة ، وبعض الخصلات المتدلية على وجهها تُغارل ملامح وجهها ، في تلك اللحظة اقتحم عاصي الغرفة ووقف مشدوهًا غير مُكترثًا لهتاف الفتيات ، حتى اندفعت تاليا متحمسة :-
بابي ، شفت عملنا أيه في أنطي حياة ، قول أنها بقيت جميلة اوي .
جالت ببصرها عبثًا ع الجدران كي تفر من أسهم نظراته التي لم يستح أن يطالعها بهم حتى تفوه مسحورًا بجمالها :-
هي فعلًا جميلة أوي .
قفزت تاليا بتشجيع وهي تمرح :-
yes ..
ثم تدخلت داليا معلنة :-
صدقتي بقا يا أنطي !
فرك عاصي كفيه ثم قال بعيون صقرية لم تتزحزح إنشًا عنها وطلب منهم :-
ممكن تسيبونا لوحدنا شوية ، هقولها حاجة سر .
تفاقم الارتباك بصدرها ولكن تعمدت أن تُخفيه كي لا يستضعفها ، ركض الفتيات إلى الخارج بطاعة وقفل عاصي الباب ثم عاد إليه فتراجعت خطوة للخلف وهي ترمقه بأعينٍ منتظرة مصيرها الغير متوقع من رجل مثله ، تنهدت بتوتر ثم سألته :-
سر أيه اللي هتقوله ! أصلًا مفيش بينا كلام تاني .
اقترب منها فـ رأت في عيونه فضائح ساطعة وهو يُجيبها بخفوت :-
مين قال كده !
أجابته بتحدٍ :-
أنا اللي قُلت ..
بادلتها بابتسامة ساذجة:-
أنتِ تقولي الـ عايزاه ، بس كلمتي بس هي اللي بتتنفذ .
تفصد الغضف من عيونها وزفرت باختناق :-
أفندم ؟!
دنى منها وفي نبرته ابتزاز مبطن وهو يطالعها بتيه ، فلا يعلم أي معلم من وجهها يُريد أن يبتلعه ، جميعهم يُكتب لأجلهم الشعر :-
مش هتقولي كُنت عايزة أيه بالليل ؟!
-لا بقى أنت شكلك فاضي ومش لاقي محتوى تقوله وجاي تطلع فراغك عليا .
تدلت أنامله على خصلة شعرها التي سقطت فوق جفنها و أزاحها وراء أذنها وأكمل قائلًا :-
في مقولة بتقول أن أصدق اعتراف للجسد بيكون في نص الليل ، يعني لغة الجسد بتكون صادقة جدًا في الوقت ده ، مش هتقوليلي بقا كان بيقولك أيه ؟!
تاهت في وقاحة نظراته وعيونه وسألته بقلقٍ :-
زي ما بتسمعي لصوت عقلك وقلبك ، جسمك كمان له حق أنك تسمعي صوته ، بلاش تقاوحي ، أنا كده كده مستنيكي لسه .
توغلت في التيه ومدى الوقاحة التي يتحدث عنها بكامل حُريته وسألته كطفل أحمق لا يُدرك مغزى ألغازه :-
أنا مش فاهمة أي حاجة ! مستني أيه .
تحمحم بقوة مُستردًا قوته وصرامته :-
عايزة تجهزي بُكرة بالليل ، مسافرين الغردقة …..
أما بالطابق السُفلي وصل تميم بصُحبة شمس وأختها نوران ودخلوا جميعهم إلى ساحة القصر ، تجمدت عبلة في منتصف الدرج وهي تصيح معترضة :-
البنت دي مين سمح لها تدخل هنا ؟!
في تلك اللحظة خرج يسري من مكتب عاصي على صوت صرخة عبلة الثائر ، التي أكملت آمرة :-
سيدة ، نادي الحرس يرموا البنت دي بره .
تبادلت نوران وشمس النظرات حتى ألجمها تميم بجملته النارية :-
محدش هيقدر يقرب لها ..
ثم أمسك بيد شمس المُرتجفة وقال :-
أنا وشمس اتجوزنا ……
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نهال مصطفي
كُنت أول رجل تفتحت عيون قلبي عليه، فظننتك أمي، والأم وطن لا يضل، فسار خلفك متبعًا خطاك لآخر العمر. والآن أصبح يتيمًا وتائهًا، يطوف الطرقات متسائلًا:
لماذا رسمت لي الحب بحرًا، وما أنت في العمر إلا سراب!
توغلت في التيه إثر الوقاحة التي يتحدث بها بكامل حريته، وسألته كطفل أحمق لا يدرك مغزى ألغازه الخبيثة:
أنا مش فاهمة أي حاجة! مستنية إيه؟
تحمحم بقوة مستردًا قوته وصرامته:
عايزة تجهزي بكرة بالليل، مسافرين الغردقة.
عصرت في شفتيها ابتسامة هازئة وأردفت:
ومين قال إني هوافق أجي معاك أصلا!
شرع في فك أزرار قميصه، ولكن عيونه لا تزال متعثرة بنظراتها المضيئة بلون شروق الصباح، وقال:
مش بتفاوض معاكِ، جاي أقول لك عشان تكوني على علم.
تحدته بعناد البغال وهي تقوس ذراعيها بخصرها، وشحت منافستها:
قلت مش جاية معاك لأي مكان.
فارقت مرمى أنظاره بخطوتين للأمام هاربة من نواياهم، انتهى من فتح قميصه ثم ولي إليها قائلًا من ورائها:
ولا أقول لك خليها النهاردة بالليل.. عشان ما يبانش على وشك التعب.
ثم دار حولها نصف حركة دائرية ليقف أمامها، وكأن هناك مغناطيسًا سحريًا بعيونها يجذبه إليهما كما ابتعدت عنه، ارتسمت بسمة خفيفة على محياه ثم أضاف موضحًا:
عايز مراة عاصي دويدار ما يبقاش فيها غلطة واحدة.
دنت منه خطوة سلحفية حتى باتت المسافة بين أجسادهم غير كافية لمرور الهواء، وأعقبت بنفس النبرة الابتزازية:
تصدق أنت الغلطة الوحيدة اللي في حياتي.
نشبت حرب ضارية بينهم، كل منهما سن أسلحته بوجه الآخر غير متقبل فكرة الاستسلام والتنازل عن كبريائه، تلك الحرب الباردة من الغرور التي نتجت من اشتهاء رجل لعيون امرأة أغمضت جفونها عن منبت شهوته. تحولت عيناه الراغبة بها إلى أخرى غاضبة من تطاولها عليه، ضغط على مرفقها بتجبر ألقاها بين يديه متخذة من أسوار قلبه متكأً لمخاوفها. برقت عيناها وأغلقت جفونه كأنه يتمرد على الهزيمة تلك المرة، رافضًا سطو نظراتها الساحر، مال على أذانها متجاهلًا ضربات قلبها السريعة التي يدوي صداها بقلبه، وقال:
صبري عليكِ له حدود!
أدلى جملته المروعة بعرش تمردها، ثم تراجع عن قُربها متوقفًا فوق رجفة شفتيها المكتنزتين، وهي تطالعه بعيون مرتاعة خائفة، ولكن للحظة تسلل إليها شعور بالإعجاب بهيبته. أطالت النظر بعيونه الداكنة التي تخفي أسرارًا عديدة أدت إلى تحرك عواطف الاستكشاف بدلًا من عواصف الكبرياء الناشبة بينهم. لأول مرة تتعمق بعيونه دون خجل، دون نفور من قربه المرعب. سيل متضارب من المشاعر حل بهم، تحولت عداوتها إلى الرغبة في المصاحبة، وتحول غضبه إلى الرغبة فيها. طالعته بقلبها، بينما طالعها هو بغريزته!
صوت طرق الباب صرف الشيطان الحاضر بينهم، حتى حرر ذراعها من قبضته القوية، فتلوت بخفوت متوجعة، وقال بصوت الكاظم لعواصفه وعواطفه:
ادخل..
دخلت "سيدة" مهرولة وهي تترجاه:
عاصي بيه تعالى بسرعة.
في إيه يا سيدة!
تعالى وحضرتك هتفهم بنفسك..
قفل بعشوائية بعض أزرار قميصه وتقدم مسرعًا للخارج، حتى لمح الموكب المحتشد حول تميم وعودة الطبيبة شمس. أسرع الخطى راكضًا للأسفل ليرى ما حقيقة الأمر الذي نشب فجأة وأدى إلى تلك الفوضى الصاخبة بالطابق السفلي. وقفت عبلة أمام شمس موبخة:
أنتِ إيه يا بت! هو أنا مش قولت لك مش عايز أشوف وشك حتى ولو صدفة.
فوجئت بكف تميم ينكمش على معصم يدها وأوقفها:
من هنا ورايح مراتي ليها اسم، مع أني أفضل حفظ الألقاب.
تدلت أنظار عبلة بصدمة من وقاحة تميم الزائدة. وفي تلك اللحظة تدخل عاصي متسائلًا:
في إيه!
اقترب يسري من رئيسه ورمق شمس بنظرة خبيثة، ثم قال بتهامس:
تميم بيه اتجوز الدكتورة شمس.
صاحت عبلة معارضة:
تعالى شوف مجايبك يا عاصي بيه، وآخرة إنك تدخل بنات من الشارع القصر، أهو بنت الحواري اتمسكنت لحد ما اتمكنت!
تجاهل عاصي كل هذا ووجه سؤاله لتميم:
إيه حصل! أنا يا ماما اتحايلت عليك وكنت رافض؟ فجأة غيرت رأيك! طيب ليه ما قلتش!
لم تتح الفرصة لتميم، بل هتفت بحرقة ومعايرة:
شوف مين بيتكلم! البيه اللي جايب لنا واحدة لا نعرف أصلها ولا فصلها ولا حتى ليها جار يسأل عليها!
ثم ضربت كفًا على الأخرى وضحكت باستهزاءٍ:
أنا بلوم على مين! ما هو دم دويدار كله واحد.. بيميل للرمرمة.
فاض صبره من أمه، فتدخل بصرامته كي يضع حدًا لتلك المناقشات غير المجدية. نهر أمه بعنفوان:
مش عايز كلمة زيادة!
أشار لسيدة بنظرة آمرة:
وصلّي الدكتورة وأختها لأوضة عالية. وانخفضت أنظاره نحو أخيه قائلًا:
تعالى نتكلم جوه فـ المكتب.
تفرق شمل الحشد المتجمع وكل منهم ذهب لعمله، حتى فرغت الدائرة على عبلة بمفردها وهي تضرب كفًا على كف:
اللي بيحصل ده ما ينفعش يتسكت عليه أبدًا!
جلس عاصي مع أخيه وهو يستجمع هدوءه قدر الإمكان، وبدأ الحوار معه متسائلًا:
اشمعنى هي، وإيه السرعة دي؟ تميم فهمّني، هو في حاجة أنا معرفهاش!
التوى ثغر تميم بحسرة متعمدًا تجاهل أسئلته:
لينا كتير ما نعرفش حاجة عن بعض، فاكر أمتى آخر مرة جيت الأوضة عندي عشان تعرف أنا عايش إزاي ولا عايز إيه؟
ساد الصمت بينهم للحظات تعرى فيها تأنيب ضمير عاصي، حتى حاول التبرير، ولكن تميم منعه عندما سحب وسادة الذكريات منه وصرح قائلًا:
هفكرك، آخر مرة افتكرت إن ليك أخ من ٤ شهور، لما الدكتور المتابع حالتي جاتله بعثة ومشي، ومن بعدها مفكرتش حتى تيجي تشرب معايا فنجان قهوة!
شبك تميم كفوفه ببعضهم أمام بطنه ثم أكمل:
جاي دلوقتي عامل فيها المهتم بأحوال أخوك! أحنا إخوات بالاسم وبس يا عاصي! بصراحة سقفة لعبلة هانم إنها قدرت تفرق بينا للدرجة دي.. حتى عالية! فكرت تسأل عليها ولا هي عايشة إزاي!
انخرط عاصي في زحام أفكاره، ومهامه التي سلبت الكثير والكثير، وأولهم أخيه الذي يتناسى وجوده، بناته اللاتي لا يعرف عنهن إلا أسماءهن، أخته التي ساقه الجنون إلى رميها في فم الأسد. أحس بأنه قضى عمره كمن يحرك ساقيه في الهواء لا يصل ولا يتوقف عن المحاولة في اللاشيء!
تصببت جبهته عرقًا حتى استيقظ بجوفه غرور الرجل الذي يقوده، وربت على كتفه بجفاء:
مبروك يا عريس.
مالك يا شمس، ساكتة وشاردة، ووشك مخطوف، أول مرة أشوفك كده!
أردفت نوران جملتها الأخيرة بعد ثرثرة عبثية لم تمر إلى أذهان شمس، بل أدركت الجملة الأخيرة وردت عليها بتيهٍ:
أنا اللي عملته ده صح ولا غلط! نوران أنا عايزة أهرب من هنا.
ربتت نوران على كتف أختها بعجزٍ:
الهروب حل! احكي لي أنتِ خايفة من إيه!
كله! كله على بعضه بيت مرعب، أنتِ ما شفتيش حصل إيه تحت؟
ثم بللت حلقها متحسرة:
قلبي وجعني أوي وهما بيكتبوا الكتاب وأنا مفيش حد جمبي، حتى وكيلي كان عم إبراهيم إمام المسجد، حاسة إني مش هقدر والله يا نوران، غصب عني!
كفكفت نوران دموع أختها المنهمرة بحنو وهي تترجاها:
لا عشان خاطري يا شمس أنا مستقوية بيكي، بلاش تعملي في نفسك كده، هنا لو لقيونا ضعاف هياكلونا، بالذات الست المفترية اللي تحت! أول ما شفتها كنت عايزة أجرجرها من شعرها الأصفر ده وهي عاملة فيها الشحرورة!
تشققت شفتيها بشبح ابتسامة حزينة وهي تضم أختها إلى صدرها لترمم جروحها بقربها. لم يستمر الأمر طويلًا حتى دق صوت الباب، فركضت نوران لتفتحه، إذًا بتميم أمامها. بادلته بابتسامة هادئة ثم أفسحت له الطريق ليدخل بمقعد المتحرك، وقال مداعبًا:
أسيب أختك معاكِ الكام دقيقة دول، أرجع ألقاها معيطة!
ثم طالع نوران بلطف متعمدًا كسر الحاجز بينهم:
أنتِ عملتي فيها إيه!
جلست نوران بجوار أختها فوق الأريكة وردت بمزاح يخرجهم من حالة الحزن القاسية:
والله بحاول معاها من الصبح بس هي اللي غاوية تنكد عليا وعليها.
تحرك بمقعده مقتربًا منها وبنبرة حنونة وجه إليها كلامه:
بعتذر على طريقة استقبالهم، بس أتمنى تكوني متفهمة، ومتقلقيش محدش هيحاول يزعلك وأنا موجود.
رمقته بعيونها الذابلة من كثرة البكاء وقالت بصوت مبحوح:
أنا كويسة.
بس أنا مش كويس!
كانت جملته مندفعة وتلقائية للحد الذي أخجل نوران، وسرقت انتباه شمس إليه، حتى أوضح مبررًا:
يرضيكي يا نوران أختك مشيت وسابت مواعيد الأدوية بتاعتي لسيدة! عايز أقولك إن سيدة بتنسى تغديني، وبتجيب لي الفطار على أنه عشا.
أطرقت شمس بخفوت معتذرة:
آخ! بجد آسفة يا تميم، نسيت إنك ما أخدتش أدويتك من أول اليوم، أنا هقوم أجيبهم حالًا.
مسك كفها كي يوقفها، فأحست بقشعريرة خفيفة انتابت جسدها، فشدت كفها بسرعة بتوتر. تجاهل ارتباكها وأخرج هاتفه ومنحه لنوران قائلًا:
عارف إن امتحاناتك قربت، خدي الموبايل اطلبي كل الكتب والمراجع اللي محتاجاها.
تدخلت شمس في حديثهم معترضة:
لا ما ينفعش، أنا معايا مبلغ وهننزل أنا وهي نجيب اللي تحتاجه.
حدجها بحدة كي تصمت، ثم قال بصوت هدير:
شمس ممكن تسبقيني على الأوضة!
اختلج قلبها من هول الكلمة، كانت دائمًا تقطن بهذه الغرفة وهي طبيبة، اليوم كيف ستقام معه تحت سقف واحد وهي زوجته! أومأت بخفوت ثم لبت طلبه بطاعة شاردة في عواقب الجملة حتى إنها نسيت توصي أختها على نفسها. انتظر حتى غادرت شمس الغرفة وعاد إلى نوران قائلًا:
هتسمعي الكلام ولا دماغك ناشفة زي أختك!
تبسمت نوران لأنها أحست بوجود أخ جديد يملأ حياتها ويكون لهما سندًا، هزت رأسها متقبلة وقالت:
هسمع الكلام.
شده من كفها كي تجلس أمامه وقال بصوت خفيض:
بصي يا ستي، أنا معرفش أي حاجة عن حاجات البنات ولا أنتوا بتفكروا في إيه، فـ عايزك كده تدوري وتجيبي كل حاجة ممكن تحتاجيها أختك، وأنتِ زيها.
برقت عينا نوران بذهول:
بس ده كتير، شمس هتزعل!
لا مش كتير، وكمان كلمي كل الأستاذة بتوعك يجوا هنا، عشان الكام شهر اللي باقيين، عايزك تركزي.
طالعته بإعجاب ثم عبرت عنه:
بجد شمس محظوظة أوي بيك، وأنت محظوظ بيها، وأنا كمان محظوظة إن ليا أخ طيب كده زيك.
أسيبك ترتاحي، اقعدي في أوضة عالية مؤقت لحد ما أخليهم يفرشولك أوضة تانية.
لم يدرك سبب أفعالها التلقائية، من أين جاء بها ليستخدمها وسيلة لرد انتقامه، ومن أين يشغل رأسه كيف يسعدها. تشوشت رأسه بتصرفاته المتناقضة التي تعاكس بعضها، وتحرك بمقعده مغادرًا الغرفة، مفكرًا ما نهاية هذا الطريق الذي انساق إليه متحججًا بستائر الاتهام! كيف يحمل قلبه هذا الكم الهائل من النقاء نحو قلب شك في مصداقيته!
في الغردقة.
آكيد في حل، ما أحنا مش هنسكت وندب حظنا زي الولاية كده يا يونس!
انفجرت عواصف غضب رشيد التي أخذت تهشم كل ما يقابله ويحدث نفسه بجنون سلب صواب. ركل المنضدة الصغيرة بقدمه صارخًا، ثم ألتمس العذر لأختهِ:
أنا فهمت دلوقتي ليه رسيل كانت رافضاه ورافضة فكرة الجواز كلها.. اتاري البيه كان عايز يتجوز أختي وياخدها كوبري لجشعه.
تدخل يونس بهدوء:
اهدأ يا رشيد وآكيد في حل!
أزاح رشيد شعره المتدلي على جبهته التي تتصبب عرقًا:
ورحمة أبويا وأمي لأقتلك يا فريد، هندمك على اليوم اللي فكرت تقف فيه قدام ولاد قنديل المصري!
سرح يونس في مصيرهم المنتظر والحرب العائلية التي ستقام بينهم، وقال بنبرة انتقام:
رشيد أنا بفكر في حاجة، مش عارف هتوصلنا لأيه! بس على الأقل اسمنا حاولنا!
انتبه لأخيه متسائلًا:
حاجة إيه؟! ما تنطق!
فريال… فريال بنت عمك هي الوسيلة!
قصدك إيه يا يونس! مال فريال بالكلام ده، وأصلًا هي أكيد ما تعرفش بعمايل أخوها الحرامي.
وقف يونس أمامه معلنًا الحرب:
تعرف ولا متعرفش، أنا هخليك تضرب عصفورين بحجر، منها هنرجع أملاكنا ومنها هتتجوزها!
شل تفكير رشيد من ألغاز أخيه وسأله بحيرة:
أنت تقصد إيه؟
أقصد إن الحاجة الوحيدة اللي هتكسر فريد هي أخته، أنا هقولك تعمل إيه بس عايزك تفكر قبل ما ترد!
تجلس "عبلة" بحديقة تحدث رفيقتها بالهاتف وتشكو لها همها:
هيجننوني يا سوزان، كل حاجة ماشية عكس، بجد أنا مش عارفة ألاحق على المصايب.
فارقت "سوزان" تلك السيدة الثرية صاحبة السابعة والسبعين من العمر التي ورثت أملاك زوجها وتولت إدارة كل شيء حتى أصبحت من سيدات المجتمع الخاص بهم، أخذت تتمايل في خطاها بساحة مكتبها وتقول بضيق:
ومين البنت اللي اتجوزها عاصي دي، غريبة بعد ما كان مقضيها سهر ودلع، فجأة طلع بحوار إنه متجوز وكمان حامل!
تشبثت عبلة برأسها من شدة الصدمات المنهالة فوقها وقالت:
البنت دي لوحدها هتجنني، البنت شديدة ومش سهلة أبدًا يا سوزان، لا وعاصي معاها في كل حاجة! يا بنتي في أكتر من إني ولعت فيها وخرجت صاغ سليم! عاملة زي القطة بسبعة أرواح!
وقفت سوزان أمام الشرفة وعقدت ذراعها وتحدثت بنبرة مبطنة بالغيرة الشديدة من تلك الفتاة التي سرقت فارسها:
البنت دي أكيد وراها حوار، وأحنا مش هنسكت يا عبلة، طالما بتقولي مش سهلة يبقى لعبت في عداد عمرها، أحنا لازم نبعدها عن عاصي بأي شكل!
تنهدت عبلة بمرارة ثم غيرت مجرى الحديث معتذرة:
أنا عارفة يا سوزي إني منفذتش وعدي ليكِ، خاصة إنكم لايقين على بعض أوي، بس البنت دي شقلبت حال عاصي.
أعلنت سوزان عليها الحرب وقالت بتوعد:
وسوزان الطوخي مش بتسيب حاجة تخصها لحد!
لا يبكي المرء منا من فرط أحزان قلبه، ولا من صعوبة الطرق الوعرة التي يسلكها مرغمًا، ولم يكن بكاؤه من ثقل الحمل على أكتافه، بل من فرط يقينه بأنه لا يستحق كل ذلك أبدًا.
أحست عالية بالملل الشديد من جلوسها بالغرفة التي أعادت ترتيبها من جديد، حتى فتحت درج الكمود لتعيد ترتيبه، فـ وجدت بعض زجاجات النبيذ بداخله. مسكت الزجاجة وقرأت ما بها ففهمت أنه من فصيل الكحوليات. وضعت الزجاجة مكانها وقفلت الدرج كما كان، ولكن أصبح صدرها أكثر ضيقًا.
نهضت محاولة تشتيت رأسها عما رأته وهي تهمس لنفسها ناصحة:
ملكيش دعوة يا عالية، كل واحد حر، كأنك مش شفتيش حاجة.
وقفت أمام خزانته لعدة دقائق شاردة لا تعلم لم فتحتها، حتى عادت لوعيها أخيرًا وتذكرت، أخذت تفتش على "بيجامة" في ملابسه بدلًا من فستانها الذي ترتديه، إلا أن وجدت منامة مناسبة لها بعض الشيء خاصة أن فرق الطول بينهم ليس بكثير. أخذت الملابس وذهبت إلى المرحاض، أخذت حمامًا دافئًا وارتدت ملابسه وصففت شعرها الكستنائي وخرجت من الحمام مشغولة بلفه، حتى وجدت أمامه جالسًا على طرف السرير يتفحص بعض الملفات على جهازه الحاسوب.
تسمرت عالية مكانها عندما تقابلت نظراتهم الحائرة، أحست بالخجل من تأمله المتزايد لها حتى تكورت أصابع قدمها من شدة الخجل، وقالت مبررة:
آسفة، بس ما لقيتش حاجة مناسبة.
ونصب مراد قامته بعد ما رمى الجهاز بتجاهل، وقال متغزلًا:
دا أنتِ تلبسي كل بيجاماتي بعد كده!
لاحظ ارتجاف يديها وهي تبلل حلقها الذي جفها من نظراته التي تعلنها بغزل، اهتز داخلها إثر اقترابه منها فسألته:
يعني إيه!
شرد في تيه عيونها المنتفضة وهمس صوت قلبه مصرحًا:
امرأة اختزنت دفء الشمس في ليلة قارصة من شدة البرودة للحد الذي يثير عواطف شخصًا بالغًا مثلي برغبة في البكاء، أتعلمين ما معنى أن تذوب كل تلك القسوة التي شكلتها الأيام في لحظة واحدة بجانبك!
فاق مراد متحمحمًا من تلك الأحلام الطائشة التي بعثرت رأسه وافتكت بنضجه حتى تحول لفتى مراهق يكتب الشعر تحت سطور عيونها. كيانها المهيب الذي لا يمكن تجاوزه بدون قبلة تهزم شموخه للحظات. خشنت نبرة صوته عائدًا لوعيه وقال:
النهاردة ننزل نشتري كل اللي ناقصك!
اكتفت بهز رأسها بخفوت، قطعه بصرامته المزيفة وهو يتناول علبة قطيفة من فوق التسريحة وقدمها لها بملامح قاطبة كي ينهزم مرة أخرى أمام براءتها:
دي ليكِ!
مدت كفها المنتفض وأخذت العلبة ثم رفعت جفونها إليها فقال:
مش هتفتحيها!
أومأت بالإيجاب وهي تفتحها بفضول رهيب حتى وجدت بداخلها مصحفًا ومسبحة من أحجار العقيق برأس فضية. كانت هديته لطيفة للغاية أدخلت سعادة لم تعهدها من قبل على قلبها. رأى بريق الفرحة بعيونها الدامعة وهي تتفحص الهدية. بدون ما يشعر ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه متأثرًا بفرحتها الطفولية. تحول خجلها لحماس وهي تشكره بامتنان:
الله! دي أحلى هدية، متتصورش فرحتني إزاي! بجد مرسي أوي أوي.
استرد هيبته المصنعة وقال بفظاظة:
بما إنك خلتيني أصلي الفجر، قلت أرد الجميل.
حضنت الهدية بحب وعبرت عن فرحتها:
الهدية جميلة بجد.
بمجرد ما انتهت جملتها، تبدلت ملامحها الفرحة إلى أخرى عابثة فشلت في إخفائها. لاحظ تغيرها المفاجئ فـ رفع حاجبه متسائلًا:
عايزة تقولي حاجة!
تردد قبل ما تخبره ولكن نيران اشمئزازها مما رأت كانت أقوى. تركت العلبة وراءها ثم ذهبت نحو الكمود وأخرجت زجاجة النبيذ ثم عادت إليه مطأطئة الرأس:
أنا آسفة إني فتشت في حاجة تخصك، بس ما ينفعش تقف قدام ربنا وأنت بتشرب الحاجات دي! وبصراحة أكتر أنا مش بحب أشوفها في مكان أنا موجودة فيه.
خجل من هدوئها في تقديم النصيحة، فـ صرح موضحًا:
أنا مش بشرب على طول.
بادلته بابتسامة رقيقة ثم قالت بسكينة:
أنت حر مش قصدي أدخل في خصوصياتك، أنت حد كبير وواعي، بس أنا بطلب منك مش حابة أشوفها في مكان أنا موجودة فيه، ممكن!
لبي طلبها على الفور، وأخذ الزجاجة من يدها وفرغ محتواها بالحوض ثم رماها في صندوق القمامة وقال مرحبًا بطلبها:
أي أوامر تانية!
اتسعت ابتسامتها بانتصار ولكن سرعان ما ذابت فرحتها مع صوت طرقات باب غرفتهم بقوة. ابتعدت قليلًا تاركة له الساحة كي يفتح هو لأمه التي تصيح بتمرد:
جرى إيه يا بنت عبلة! أنتِ ناسيه إن عندك ضيوف وواجب عليكي تراعييهم، ولا أمك بقيت شخص مش مرغوب فيه يا مراد!
زفرت عالية من ألاعيب خالتها التي تحفظها. أردف مراد بحيرة:
عايزة إيه بس وهيكون عندك حالًا!
عايزة أتغدى! ولا أنتوا ناويين تجوعونا! والله لو وجودي تقيل عليك أنا ممكن أسيبك وأمشي.
طيب ما تطلب لي أكل من بره!
أردف مراد جملته الأخيرة بسهولة محاولًا إيجاد حلًا يرتضي به جميع الأطراف. هنا انضمت هدير إلى أمها وقالت بتخابث متعمد إثارة غضب أمها:
شكلها كده يا ماما هترسى على أكل من بره، عشان الست عالية مش عارفة ترحب بضيوفها، أنا مش عارفة شايفة نفسها على إيه!
ثم حملت بعيونها وأكملت متعمدة تهديدها بمعرفة مراد:
قال رضينا بالهم والهم مش راضي بينا!
زمجرة رياح غضب مراد بنفاذ صبر:
هدير كفاية خدي أمك واطلعي.
ربتت هدير على كتف أخيها بقوة متعمدة إغضاب عالية أكثر:
والله أنت صعبان عليا أوي يا أخويا، ربنا يصبرك على ما بلاك!
جلست "حياة" بشرفة غرفته ترتشف كوبًا من العصير، محاولة الهروب من نفسها قبل أي أحد. أخذت تراقب ساحة القصر الواسعة، وتتأمل اسطبل الأحصنة حتى انتابتها رغبة عارمة في ممارسة الفروسية. تسللت رائحة عطره إلى أنفها فأفسدت أحلامها النقية، وما أن دارت وجدت خلفها.
التزمت الصمت جالسة على أحد المقاعد، فجلس بجوارها شاردًا. أخذ يطالع إمبراطورية دويدار بتيه، وأخذت تطالعه باستكشاف. مرت دقائق طويلة على صمتهم الذي قطعه معترفًا:
تعرفي إنك في نعمة، آه لو نمت وصحيت ناسي كل العالم، ناسي حتى أنا مين! بجد يا بختك!
أجابته بعدم اقتناعٍ:
ليه! يمكن العالم بتاعي ما يستحقش النسيان، أنت في حياتك حاجات كتير عايز تهرب منها، ويمكن كان في حياتي حاجات جميلة بهرب ليها ومش عارفة أوصلها!
ثم جرت المقعد من تحتها واقتربت منه وأتبعت:
الفكرة كلها في أنك فشلت في صنع ركن أمان في حياتك تهرب له لما الحياة تسن سكاكينها علينا، ده اللي مخليك بتتمنى النسيان بدل من الهروب لمكان تتحامي فيه.
تذوق شهد الحديث الشيق معها، أحس برغبة عارمة تمنى أن يتخلص من كل ما يخنقه ويقصه عليها. طالعها بإعجاب من حكمة رده وهز رأسه مؤيدًا:
معاك حق، ما غرستش شجرة أقعد تحت ظلها لما تشد حرارة الأيام.. حولت كل حاجة في حياتي لانتقام، وبقيت بنتقم من نفسي أولًا قبل أي حد!
تحيرت من حالة التوهان التي يتحدث بها، حتى سألته:
طيب إيه الحاجة الغلط اللي حصلت النهاردة صحت كل الحاجات السابقة؟
أقر معترفًا بندم:
عالية، شايف إني ظلمتها، حاسس بمنشار بياكل في قلبي! أنا إزاي رميتها الرمية دي؟ إزاي مفكرتش أسأل عليها! إزاي أجبرتها تتجوز واحد متعرفهوش! مش هنكر إن كل ليلة قبل ما أنام بشوفها بس بعفي نفسي من عذاب الضمير وأقول هي اللي عملت في نفسها كده!
لم تدخل معه في مناقشات غير مجدية بل تجاوزت طريق العتاب وسلكت طريق البناء! صمتت للحظات ثم قالت:
ندمنا على اللي فات مش هيفيد، بس يمكن ده وقته عشان نصلحه.
رمقها باهتمام:
قصدك إيه؟
قصدي مادام حسيت باللي أنت حاسه دلوقتي يبقى ده وقته المناسب لتصليحه! ده الوقت المناسب لـ عالية محتاجة لك جمبها! القلوب بتحس ببعضها.
تربعت الكلمات بقلبه ثم قال:
أنتِ شايفة كده؟
أنا مش شايفة، بس أنت حاسس، وأنا بترجم أحساسك اللي مصمم تنيمه!
كسرت باب العداوة بينهم وتعمقت في جوف الذاكرة وأكملت:
حاول تبني أكتر ما تهدم! الإنسان ما هو إلا أثر؟! شوف حابب تسيب إيه وراك، شوية طوب وأسمنت! ولا قصور ومباني جميلة.
تمعنت في مراقبته لتشاهد تأثير كلماتها عليه وأكملت:
وقصدي هنا القلوب، بلاش تكسر قلب حد لمجرد أنت عايز كده!
يعني أنتِ من رأيي أروح لها!
كنت لسه بتقول إن القلوب لازم نسمع لها، اسمع كلام قلبك المرة دي وشوف هيقول لك إيه!
يجلس فريد على مكتب عمه بفخامة وهو يتحكم آمرًا بالعمال حتى أمسك هاتفه متصلًا بـ سارة:
ما بتسأليش قلت أسأل أنا!
أجابته سارة بصوت مفعم بالنوم:
أبدًا، أنت اللي مشيت وقلت عدولي.
أخذ الاثنان يتبادلون بكلماتهم الدنيئة وضحكاتهم الشريرة حتى ختم فريد الحوار بينهم:
هشوفك بكرة!
رفضت سارة رفضًا قاطعًا:
لا مش هينفع اليومين دول خالص.
زاد فضول فريد لمعرفة سبب رفضها:
لا من حقي أفهم!
تدللت سارة في فراشها وهي تخبره:
عاصي جاي بكرة، وبصراحة كده ناوية أفضي نفسي اليومين دول عشانه.
نصب فريد قامته كالملدوغ وهو يسألها باهتمام:
قلتي مين!!!!!
تقف عالية في المطبخ متعمدة تجاهل جيهان وهدير تمامًا ووقفت تعد لنفسها مشروبًا دافئًا غير مكترثة بتهمسهم وأعينهم العدوانية التي تغتالها. اقتربت هدير منها وطلبت منها:
اعملي لي معاكِ لو مش هتقل عليكِ!
تجاهلت عالية طلبها، فلم تتكلف بنظرة واحدة أن ترمقها بها. اشتعلت نيران هدير المكتظة فتعمدت إسقاط إبريقًا زجاجيًا في الأرض، حتى سقط بجانب عالية وبمجرد ارتطامه بالأرض تهشمت فتات الزجاج هُنا وهناك، فزعت عالية صارخة إثر الرجفة حتى أبدت أسفها:
سوري يا عالية، ما أخدتش بالي!
ركض مراد إثر صوت الزجاج المتهشم بلهفة وهو يطلب منها بحزم عندما وجدها حافية:
متتحركيش من مكانك!
ارتدت نعاله بسرعة ثم اقتحم المطبخ بدون تفكير وحملها بين يديه خوفًا منه أن يصيب الزجاج قدمها الناعمة. صدمة تلو الأخرى لم تدركها عالية، فجأة وجدت نفسها محمولة بين يده وهو يخرج بها من المطبخ كي يبعدها عن مرمى الزجاج. وضعها على الأريكة برفق وسألها باهتمام:
هزت رأسها بالنفي ومازالت تحت تأثير صدمها وقربه الذي داعب صواميل قلبها، ونبرته الخائفة التي لم تراها من قبل. تفوهت بخفوت:
أنا كويسة.
رن صوت جرس الباب في تلك اللحظة، تحمست هدير راكضة:
ده أكيد الأوردر وصل!
أوقفها نداء مراد الحازم وأشار لها بطرف عينه كي تنسحب، وسيفتح هو الباب. التوى ثغر هدير بمكر وهي تتوقد بدخان الحقد من رد فعل أخيه واهتمامه بها. أحست أن الحرب التي أشعلتها عليهما غير مربحة فلابد من استبدالها. ذهب مراد ناحية الباب بعد ما أحضر حافظة نقود، وما أن فتح الباب اتسعت عيناه من هول ما يراه وهو يردد بدهشة:
عاصي!!!!!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل العشرون 20 - بقلم نهال مصطفي
هزت رأسها بالنفي ومازالت تحت تأثير صدمتها وقربه الذي داعب صواميل قلبها، ونبرته الخائفة التي لم تراها من قبل، تفوهت بخفوت:
أنا كويسة.
رن صوت جرس الباب في تلك اللحظة.
تحمست هدير راكضة:
ده أكيد الأوردر وصل!
أوقفها نداء مراد الحازم وأشار لها بطرف عينه كي تنسحب، وسيفتح هو الباب.
التوى ثغر هدير بمكر وهي تتوقد بدخان الحقد من رد فعل أخيها واهتمامه بها. أحست أن الحرب التي أشعلتها عليهما غير مربحة فلابد من استبدالها.
ذهب مراد ناحية الباب بعد ما أحضر حافظة نقود، وما أن فتح الباب اتسعت عيناه من هول ما يراه وهو يردد بدهشة:
عاصي!
رفع رأسه بشموخ وهو يسأله بنبرته الفظة:
عالية فين يا مراد؟
ظهرت هدير من وراء أخيها، فتبسم قلبها قبل ثغرها ظناً منها بأنه جاء لأجلها. برقت عينيها وقالت متأملة:
عاصي! كنت متأكدة إني مش ههون عليك و..
نصب قامته القوية بتكبر متجاهلاً جملة هدير الأخيرة، مشبكاً كفيه ببعضهما وراء ظهره وكرر سؤاله بنبرة أشد:
عاليـه فين يا مراد!
كذبت "عالية" مسامعها التي ميزت صوت أخيها، ولكنها هرولت نحو الباب كي تتأكد من ظنونها حتى هلت شمسها أمامه بملامحها الهادئة التي تحمل ذبول الورد في خريف العمر. وتحركت شفتيها بهمس شديد بدون استيعاب:
عاصي!
ختمت كلمتها بدموع الوجع الذي إنهال فوق ذاكرتها منتظرة رده.
تقدم عاصي خطوة قطع فيها عتبة المنزل ولم تتحمل رؤيته بهذا البعد أكثر من ذلك. تقدمت نحوه خطوتين وارتمت في حضنه مطوقة خصره بذراعيها الرفيعة وهي تجهش بالبكاء، ذلك البكاء الذي لا تعلم مصدره. أبكاء الشوق أم الشوك الذي غُرس في روحها! بكاء حيرتها أن كان وجوده أمامها حقيقة أم وهم! احتضانها له كان عتبًا أم غفرانًا!
ظلت يديه متجمدة على جانبيه، فلم يتكرم بلمسة خفيفة على ظهرها ليهدأ من انتفاضة روحها بين يديه. أحمر وجهه من كظم مشاعره حتى أغمض جفونه مكوراً قبضة يده بشدة حتى برزت عروقه وقال بحزم:
يلا بينا يا عالية!
تدخل مراد مندفعاً:
أنتَ بتقول أيه!
فارقت عالية حضن أخيها بصعوبة وهي تكفكف دموعها المنهمرة وطالعته بوهن كان تأثيره على الخنجر في صدره وبصوتها الباكي:
أنا معملتش أي حاجة، ورحمة بابا صدقني!
أزاح بذراعه أخته من أمامه برفق ثم وقف أمام مراد وكان اللقاء بينهم كالتقاء الجبابرة وقال:
ارمي اليمين على أختي يا مراد.
ذهل الجميع من طلب عاصي المفاجئ.
في تلك اللحظة خرجت جيهان من غرفتها واقتربت منهم بعيونها الفضولية.
هنا تصلبت تعابير وجه مراد وهو يسخر منه:
أنت واعي لكلامك! وأنا المفروض أخاف وأكش يعني وأقول حاضر يا عاصي بيه! ما تفوق لنفسك يااا ابن خالتي!
ظل محافظاً على هدوئه وأتبع بفظاظة:
اسمعني يا مراد، لازم تفهم أن جوازك من أختي كان غصب عنها، وأنا اللي أجبرتها توافق. وكنت مفكر إني كده بعاقبها ولكن للأسف طلعت بعاقب نفسي. وأنا جاي دلوقتي عشان نفض السيرة دي كلها!
ثم مسك كف أخته المرتعش:
وأنا جاي عشان أصلح غلطي!
اشتد الغضب بعيني مراد وعارضه:
وعاصي دويدار ساب كل المصايب اللي في حياته وجاي ضميره يصحى عندي! للأسف وقعت مع الشخص الغلط.. لو مش واخد بالك أنت جاي تاخد مراتي من بيتي!
كان متبعاً لنصيحة "حياة" بقدر الإمكان محاولاً الاحتفاظ بهدوئه وعدم انفعاله الجنوني. "ثمة أشياء لا يصلحها العنف والغضب بل تتطلب القليل من الهدوء" تلك كانت نصيحتها الأخيرة إليه.
أغمض عينيه للحظة ثم أردف بصبرٍ نافذ:
متعيش الدور يا مراد، وبلاش نلف وندور على بعض عشان أنت اللي هتخسر!
رفع رأسه متحدياً:
ويمكن أكسب! مهما كان خصمك متحاولش تستهين بيه عشان ده ممكن يوديك ورا الشمس.
تدخلت جيهان في حوارهم بصوتها الجهوري:
أنتَ عايز أيه! مش كفاية اللي عملته؟! أنت فاكر أن كل حاجة هتمشي زي ما أنت عايز وبس!
حدجها بعنف:
آه يا خالتي، زي ما قولتي كده كل حاجة بتمشي زي ما أنا عايز!
تشعب الغضب بجوف هدير التي فضت غضبها متعمدة أن تتراقص على أوتار إهانتهم:
مش كفاية أننا لمينا فضيحة أختك اللي كانت على كل لسان! ده بدل ما تشكرنا جاي تهيننا!
تابعتها جيهان بمكر:
خيرًا تعمل، شرًا تلقى!
تعمد تجاهل كل تلك الإهانات التي إن اهتم بها أحرق كل ما يقابله وجهر بحزم:
عالية، روحي البسي ويلا بينا، واللي مش هيطلق بالأدب هنخلعه!
كاد مراد أن ينفعل عليه ويفرغ به كبت أعوام ولكن تدخلت عالية في اللحظة المناسبة لتفصل بينهم بجسدها المرتجف وتطالع أخيها بعوينات الحزن وقلة الحيلة متمسكة بكفه وقالت بصوتها الهادر:
متتصورش مجيتك دي ردت لي روحي إزاي، وكنت عارفة إني مش ههون عليك، أحنا بردو دم واحد..
انخرطت عيونها بدموع الحزن وأكملت بنبرتها المهتزة:
لو كنت جاي هنا عشان تريح ضميرك، ريحه يا حبيبي، أنت اخويا ومهما عملت مش هقدر أزعل منك، ومسامحاك والله..
ثم دارت وألقت نظرة سريعة على مراد الذي أوشك على الانفجار وبعدها عادت إلى أخيها منكسرة وقررت:
أنا مش هينفع أرجع معاك، لأنه بقى جوزي خلاص، وهتحاسب عليه قدام ربنا! وأنا مش قد إني أشيل ذنب زي ده.
كان قرارها مفاجئاً للجميع، لم يتوقعه مراد بل غاص في فضائل تلك الشخصية التي دومًا ما تأتي بأفعال غير متوقعة. ملء الغضب قلب جيهان التي أحست بأن سحرها انقلب عليها وهي من أسهم في بناء قفص الحب الذي سيسرق ابنها منها لا محالة! أما عن هدير التي تشعب شعور الخسارة في صدرها، وأحست بأنها الوحيدة التي لا تنال كل ما تسعى إليه.
كانت نظرات عاصي لأخته مليئة باللوم والعتب، ثم التوسل الذي كان مبطناً برائحة الحماية والأمان معه ولا يجب أن تخشى شيئاً بقربه. ظلت الحيرة تتوهج في رأسه حتى أذهلته أخته وهي تحتمي بكتف مراد وتغلغل أصابعها بين فراغ يديه وتطالع أخاها بنظرات من الهزيمة التي لا تحمل انتصاراً. تصرفها جعله يتجنب المناقشات التي لا جدوى منها، استقبل ردها بصمت مريب ثم هز رأسه متقبلاً لاختيارها والقى جملته الأخيرة:
لو احتاجتي حاجة! أو حد زعلك كلميني.
انتظرت عالية حتى رحل أخاها، فسحبت أصابعها المرتجفة من قبضة يديها وتركته عائدة إلى غرفتها بعد ما تركت جمر الحيرة والتشتت في رأسه يتأكل منها ما يشاء. تبادلت النظرات بين كل من جيهان وابنتها التي أسبلت عيونها بخبث ثم مالك على آذان أمها هامسة:
قلبي بيقولي أن في حاجة غلط.
قفل مراد الباب ولا زالت رأسه تتقلب كفقاقيع المياه المغلية حتى لاحظ تحرك هدير من جانبه فأوقفها بنبرته الحازمة:
استنى يا هدير عايزك!
•••
"لم أتجاوز أي شيء، فقط كنت أستيقظ وأنام، وأستيقظ وأنام حتى تساقط مني الوقت والرغبة وقلبي وتجاوزتني جميع الأشياء كمن جاء الحياة متأخراً، ولكني لم أستطع تجاوز أي شيء خدش روحي عند مروره، مضى كل شيء وتبقى لي الوجع."
هتفضلي واقفة بعيد كده كتير!
أردف تميم جملته الأخيرة عندما طال أمر وقوفها أمام الشرفة دون الالتفات إلى وجوده. كفكفت عبراتها المتقطرة وعادت إليه بخطوات مترددة وقالت معتذرة:
أسفة بس سرحت شوية! هنزل أجيب ميه وأكل قبل الأدوية.
كادت أن تخطو خطوة فأوقفها ممسكاً بمعصمها برفق. وقفت مشدوهة، أخذت تتنهد كثيراً كأن شيئاً ما بداخل صدرها يحاول الهرب. بللت حلقها الذي جف إثر لمسته المباغتة وسألته برعشة:
في حاجة!
هز رأسه بالموافقة. تحرر ذراعها من قبضته التي رجت قلبها من مكانه وادخل كفه بجيب سترته وأخرج منها علبة قطيفة وفتحها أمامها، أذن بخاتم من الألماس ومعه محبس زواج ذهبي. رفع عيونه إليها:
شبكتك، يا رب تعجبك.
كان تصرفه على قدر جماله إلا أنه غريب ومرعب. من أين يحمل قلبه الانتقام ومن أين لم يدع ثغرة لتسعدها ويمنحها حقها لم يفعلها! كيف يكون المرء كل شيء وعكسه في آن واحد!
وقفت "شمس" على شفا الصدمة تتساءل من أنت! ولم كل تلك الأفعال التي لا تليق إلا بالعشاق؟ لا زالت تحت تأثير دهشتها حتى أمسك كفها وادخل به محبس الزواج كأنه أراد إعلان نسبها إليه بأدق التفاصيل. كان كفها بين يديه كالحمامة الجريحة التي تتقلب في دموع التاعسة والفرح معاً. شعور غريب اجتاح فؤادها وزاد من سرعة ضربات قلبها.
زين بنصر يدها اليسرى بطوق امتلاكه له ولم يتوقف عن ذلك، بل تهفهف تقبيل يدها برقة المشتاق. لم تمنحه الفرصة كي يقبل يدها بل جذبتها بعبث طفولي وتمتمت كمن تذكر شيئاً:
نوران، قصدي الميه، أنا هنزل، أقصد أقولك شكراً.
غردت بكلمات ارتعابها وطارت في سحب الخجل هاربة من عيونه الصقرية التي تلاحقها فتبث بها رعباً يتوغل إلى أصولها. ارتسمت ضحكة إعجاب على ثغر تميم الذي تنهد مغمغماً:
شكلك كده هتغلبيني معاكِ!
ختم جملته بنظرة طويلة إلى المرآة حتى تساءل متحيرًا:
أنتَ عايز أيه يا تميم؟
•••
طيب اسمعيني يا هدير! دي أول وآخر مرة أسمعك تقولي الكلام ده، ولو اتكرر هيبقى ليا تصرف تاني! أنتِ فاهمة؟
أردفت مراد جملته الأخيرة بعد ما روت له هدير علاقة زوجته المزيفة والصور وحقيقة طباعها التي أخذت تحذره منها ومن خداعها. ورغم كل هذا فهو يعلم أخته وألاعيبها ولم تكن مصدرًا صادقًا لمعرفة حقيقة بعينها. قرأت هدير في عينيه استخفافه بروايتها الكاذبة وقالت ساخرة:
آه واضح أن كلامي ملهوش لازمة، وعملت لك غسيل مخ!
تدخلت جيهان لتكمل تمثيلية ابنتها وقالت:
دم ثعالب دويدار بيجري جواها! أكيد عاشت في دور ملاك الرحمة عشان تصدقها!
رفع كفه كي يضع حداً للحوار السخيف الدائر بينهم وقال:
اللي عندي قولته! واللي هيفكر يزعلها أنا اللي هتصدرله!!
ثم حدج هدير بنظرة متوعدة:
كلامي مفهوم!
لم يرق الكلام لأمه المعجونة بداء المكر، غيرت مجرى الحديث بينهم وقذفت سؤالها في حجره قائلة:
مراد، أنت قربت لها؟
ثم تلونت كالحرباء وأكمل بخبث:
يمكن تكون اتأكدت بنفسك أنها مش تمام؟!!
سؤال لم يزاول خاطره منذ اللحظة التي انتسبت له، منذ أن رآها وتبدلت مشاعره الآدمية فلم يحمل إلا مشاعر بطهارة ونقاء روحها الملائكية. سؤالها أحيا بداخله فطرته الذكورية وللحظة تلهف قلبه اشتهائها ولكنه بسماة الرجل الحكيم الذي لا يسوقه إلا عقله رد بثبات تام:
أول وآخر مرة حد يدخل في حاجة تخصني!
أطلقت هدير ضحكة ساخرة وهي تغمز لأمها وتقول:
افرحي بابنك البكري يا مامي، عشان طلع……
انقض على مرفقها بنيران غاضبة صارخاً بوجهها وكأنه يفرغ شحناته المتكدسة بداخله في صورة زمجرة حيوان شرس نهرها:
كلمة كمان وهنسى إنك أختي، وعشان تستريحوا أنت الاتنين وتبطلوا لف النسوان ده، عايز أقولك أن الصور دي وصلتني من أول يوم، وواضح للعيل الصغير إنها متفبركة، وأنا كمان اتأكدت بنفسي لما عرضتها على حد متخصص!
حرر ذراع أخته الذي اعتصره بقبضته القوية وطالع أمه مكملاً:
فـ كلمة زيادة في الحوار ده مش هسمع بيها!
فارق مجلسهم عندما فجر كلماته الحارقة بوجههم وبمجرد ما اختفى من أمامهم طالعت جيهان ابنتها بغل:
ده شكل اللي خايفة منه حصل!
ابنك وقع ومحدش سمى عليه يا جيهان هانم!
لو كان لدي القدرة على الصراخ لأيقظت المدينة بأكملها والعالم كله ولكن صوتي مات في داخلي. ارتمت في منتصف مخدعه وهي ترتجف من شدة البكاء حتى فتح باب الغرفة وتسمر مكانه وهي يراقب هبوط وارتفاع جسدها، ووصول نحيب الوجع إليه. لأول مرة يملؤه شعور العجز، لأول مرة يقف ضحية لقلبه وعقله، الثنائي الذي اتفقا عليها. اقترب من الخزانة بصمت مريب واخرج ملابسه ورماهم على الأريكة بجواره.
شيء ما بداخله سحبها إليه بخطوات ضيقة وكأنها تحمل التردد حتى جلس بجوارها على طرف الفراش ومد ذراعه كي يمسح على شعرها ربما تهدأ قليلاً عن انتفاضة روحها ولكن هناك ماس كهربائي تمسك بكفه الذي أوشك أن يلامس شعرها بل ثُنيت أعصابه مطوية بلجام التذبذب وهو يرجع يده ببطء متراجعاً عما كان ينتويه.
نهضت "عالية" بتثاقل وهي تشكو جبال الهم التي رست على ظهرها وكفكفت دموعها ثم طالعته بعينيها المحمرة وقالت بصوت واهن:
ممكن أحكي حاجة! مش عارفة هتصدقني أنت كمان ولا لا! بس أنا محتاجة أحكي معرفش ليه!
كانت كلماتها مهزوزة، مترددة تكسوها شهقات البكاء والخوف والفزع. لان قلبه لضعفها وتحيرها الذي لا يجد مكانًا يحويها، ضعفها الذي أعلن أن الخيبات تعصرها والآسى يغتالها، ولا تعلم إلى أين ستذهب، كل الأبواب انغلقت بوجهها ولم يبقى لها مأوى.
رست نظراته المشفقّة على حالها فوق ملامحها وقال بصوت رقيق:
موافق أسمع بس بشرط!
•••
"من الصعب أن تشعر بأنك مجرد كذبة مؤقتة، لشخصٍ شعرت معه بأن كل شيء ولأول مرة، يبدو حقيقياً."
تلك العبارة التي تمتمت بها "حياة" وهي تقف أمام المرآة تعد ترتيب ضفيرتها التي راقت لها كثيراً. شردت بعيونه الساطعة أثناء تحاوره، هربت بخيالها نحو لحظات قرب الفقيرة. أحست بفراغ وصقيع الغرفة حولها لمجرد أنه لم يعد موجوداً. سقطت الفرشاة من يدها إثر تلك الرعشة التي أصابت فؤادها عندما تذكرت عرضه السابق:
كم سعرك لليلة؟
أغمضت جفونها محاولة نسيان ذلك العرض المهين بكبريائها وفي نفس اللحظة هناك خفقان شديد بصدرها يقلب أنواره باحثاً عنه. ابتلعت مذاق الإهانة والهوى اللاذع الذي لا تعرف من أين تسرب إليها وكأن ذلك يعود إلى إطالة النظر بعيونه التي تحمل تعويذة سحرية أسقطتها في بحره. زفرت بضيق وهي تهز رأسها لتشتيت تلك الأفكار السوداوية عنها ووبخت نفسها بحدة:
أي الهبل ده؟ ما تفوقي كده! اوف لا في حاجة مش مظبوطة! مبقاش غير ده كمان أفكر فيه! واي الأفكار دي كمان؟ ارجعي لوعيك ده واحد بيستدرجك بس عشان يحقق اللي عايزه وبس! أنتِ بالنسبة له شوية فلوس بيدفعهم عشان ينبسط بيهم!
فتح باب الغرفة بقوة وهي يتشاجر مع الهواء الذي يتنفسه. اقتربت منه متأملة وهي تسأله:
رجعت عالية!
دفعها من أمامه بقوة عاصفة لا تميز أكان الذي أمامها زهرة أم صبارًا وقال:
ابعدي من قدامي!
اتبعت فضولها الذي تفاقم أثر تحوله المبالغ فيه، هذا لم يكن الشخص الذي كان برفقتها منذ سويعات. اقتربت منه معاتبة:
أنت ازاي تمد أيدك عليا بالطريقة دي!
فجر شحنات غضبه بوجهها وهي ينقض على ذراعيها بقوة غارساً أنامله في لحمها ورجها بعنفوان:
كله منك! أنتِ السبب! أنا أيه خلاني أسمع كلامك أصلًا! وأنتِ مين عشان تديني نصيحة!
ثم دفعها بقوة حتى ارتطم ظهرها بالخزانة وقال:
أنا هنا اسمي عاصي دويدار، اتعودت أدوس على اللي قدامي ومابصش عليه! بلاش جو الحكم والمواعظ ده عليا عشان هزعلك!
تجمدت على أرصفة الهذيان وهي تراقب ذلك الثور الهائج أمامها بصدمة مريبة وتشدق بعدم تصديق:
أنت مين!
التصق بها للحد الذي أحرقت نيران انفاسه الغاضبة وجهها وقال بغرور من العظمة:
أنا عاصي دويدار، يعني لا أنت ولا عشرة زيك يقدروا يمشوا عليا كلمتهم! أنتِ سامعة.
تلاقت الأعين وتعالت الأنفاس الحارقة بنيران الغضب المنبعث منه، ودخان الندم الذي أعلن توبته عن التفكير به للحظات. رسى على زُرقة عينيها الساحرة، التي حولت نيرانه إلى برد وسلام واشتهى الارتشاف من تلك البحيرة الزرقاء التي تذوب ملوحة انفعاله. وقعت أسيرة تحت ظله ونواياه ولأول مرة يشتهي تقبيل عيني أنثى لهذا الحد! خدرها بمخدر الصدمة حتى شل حركتها ومال مرتشفاً للنيل من عذوبة عينيها طمعاً.
انحنى مقبلاً لعينيها بتأني كان أشبه بدلو من الثلج المنسكب على رأسها فجعلها تفقد الإحساس بكل ما يدور حولها. كانت عينيها في البداية لقمته حتى أصبحت شهيته لينال منها أكثر وأكثر. رغم برودة جسدها هذا لا ينفي الحرائق المتقدة بجوفها وبأنفاسه التي داعبت خصلات شعرها. هدأ تدريجياً عندما تجرع عنب كونكورد عينيها حتى عاد إلى وعيه مدركاً ما فعله للتو ففجر به فيضان جارٍ من مشاعر لم يتذوقها من قبل. غير مسار فاهه إلى أذنيها هامسة بنبرته الجياشة:
اجهزي عشان هنسافر دلوقتي!
شرد قلبها على نواصي الجنون محاولة فك شفرة هذا الرجل غريب الأطوار. وبدون وعي أردفت:
مجنون! شخص مش طبيعي!
حاولت لملمة ما بعثرته قبلته بداخلها ووقفت أمامه وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
أنت مفكر بعد اللي عملته ده هوافق أروح معاك أي حتة.. لوحت له بحزم:
أنا مش عايزة أعرفك تاني!
هز رأسه متقبلاً ثرثرتها بنفس راضية تماماً فقد نال قسطاً كافياً من سُكر عينيها لا يريد إفساده بالجدال العبثي معها. في لحظة منتظرة منه أن يجيبها على رفضها القاطع، باغلته برد غير متوقع وهو يحملها على كتفه ويغادر الغرفة متجاهلاً صراخها ورفضها الذي ثار فضول سكان القصر الذين خرجوا يراقبوا مداعبات سيدهم مع زوجته المتمردة وهو يغادر بها المكان قصرًا.
•••
"في أحد المطاعم الفاخرة"
دخلت "عالية" بصحبة مراد الذي دعاها على الغداء بالخارج وكان ذلك شرطه الوحيد. اضطرت الموافقة على طلبه لأنها أحست بحاجتها لاستنشاق هواء نقي. جلس الثنائي على الطاولة وجاء النادل ليأخذ طلبهم. سألها مراد بحنو:
هتاكلي أيه!
قفلت لائحة الطعام بدون اهتمام وقالت بيأس:
عادي أي حاجة!
طيب سيبيني أطلب لك أنا؟
أومأت بخفوت ثم ولت رأسها يساراً كي تتفقد المكان بالخارج حتى ينتهي من حواره مع النادل حتى عاد إليها قائلاً:
الأكل قدامه نص ساعة، وقت كافي تحكي فيه!
هزت رأسها بهدوء. لاحظ مداعبة أصابعها بتوتر حتى شرعت تتحدث:
أنت مسألتش نفسك أنا اتجوزتك ليه!
رغم علمه بالإجابة إلا أنه أراد أن يسمع منها باهتمام. أغلق هاتفه الذي رن كأنه يود ألا يشاركه شيئاً في وقتها الخاص ثم قال متنهداً:
ليه!
شرعت عالية في سرد ما حدث لها منذ بداية الصور الزائفة والإشاعات التي أطلقت عليها والإهانة الشديدة التي تعرضت لها والقسوة من أخيها وعائلتها، فأرادت الهرب ولا تعلم إلى أين سيكون الملجأ. لم تجد باباً مفتوحاً أمامها إلا بابه. غامرت بحياتها تلك المرة فلم يوجد ما تبكي عليه بعد الآن.
ساحت دموعها على وجنتيها وختمت حديثها برعشات الظلم:
حقك تطلقني بعد الكلام ده كله، بس والله أنا ما أعرف حاجة، ولا الولد ده أعرفه ولا ليا علاقة بيه، انا مبقتش مستحملة تلقيح هدير وخالتي وانا معملتش حاجة، أول مرة أحس إني لوحدي مفيش حتى عكاز أسند عليه.
ظلت تحصي هزائمها المتتالية وظل يرمقها بعينيه الحنونة التي لا يعلم من أين جاءت بكل هذا الحنو. مد كفه الخشن ليحتضن كفها المرتعش من شدة الألم كي يهدأ قليلاً ثم قال:
ومين اللي ممكن يعمل كده!
استسلم كفها لحضن كفه الدافئ وقالت بضعف:
معرفش، معرفش أي حاجة ومحدش حاول يدور ورا مصدر الصور دي!
طيب خلاص ممكن تهدي!
رمقته بشك:
يعني أنت مصدقني؟
عقد حاجبيه بامتعاض وقال:
وأيه اللي يخليني مصدقش!
لا شيء أقسى من سقوط قناع حسبناه يوماً وجهاً حقيقياً، ولا أحن من إيجاد أماننا في أكثر الأماكن ظلمة. طالعته بإعجاب مليء بالذهول:
عادي، أصل أخويا نفسه مصدقنيش وو..
حابة تقولي حاجة تانية؟
هزت رأسها يميناً ويساراً ثم سحبت منديلًا لتجفف عبراتها وقالت بنبرة مبحوحة:
لا، كنت حاسة الموضوع كابوس على قلبي، ودلوقتي ارتحت.
أنتِ ليه مرجعتيش مع عاصي!
تعلقت ببريق عيونه الملعون بحماس رغبته في معرفة سبب عدم عدوتها وتخلصها من قفص أسرها. احست بالارتباك إثر هذا السؤال الذي لا تعرف إجابته وقالت برتابة:
زي ما قلت لعاصي، عشان ما ينفعش وحرام وبكده هغضب ربنا.
ضاقت عيونه بشك غير مقتنع بجوابها وقال مداعباً:
وبس كده!
جالت بأبصارها تتفقد المكان هاربة من التقاء عيونهم وقالت:
آه هيكون ليه يعني!
تعمد التراقص على أوتار قلقها وقال بنبرته الجدية المفتعلة:
لو حابة ترجعي أنا مش هأمانع، أكيد مش هجبرك على وجودك معايا وأنتِ مش حابة!
هاه…..
أنقذها النادل من قسوة سؤاله الذي لم تملك رد عليه، وشرع في رص الأطباق أمامهم. تفاقم ارتباكها وأحست أن نظراته تفضحها أكثر، وثبت قائمة بتردد:
طيب أنا هروح التواليت بس..
•••
افردي وشك ده أحسن أفرده بطريقتي!
في سيارة عاصي دويدار الذي يجلس بالخلف بجانبها بعد ما أدخلها السيارة مرغمة، قال جملته الأخيرة من وراء فكيه المنطبقين. زفرت باختناق متجاهلة الرد عليه. رمقه السائق بنظرة خاطفة متعجباً من أمره مع تلك الفتاة التي تتمرد على حصونه وتتجاهل تعليماته. قرأ عاصي نظرة السائق ثم تحمحم بخفوت ليخفي إحراجه وقال بصوت عالٍ:
شد حيلك يا سعيد عايزين نوصل قبل العشا.
أومأ سعيد رأسه بطاعة وزاد من سرعة السيارة وخلفه أسطول سيارات حرسه الخاص. أخرج هاتفه متحدثاً إلى يسري برسمية:
وصلت لفين!
خلاص على وصول وكله تحت السيطرة، هظبط كل حاجة لمعاليك قبل ما توصل.
عظيم، عظيم يا يسري.
أطرق يسري معتذراً:
اسف يا فندم، بس والله حاولت أغير الميعاد، هو اللي أصروا على الصبح لأنهم لازم يرجعوا بكرة.
مش مهم يا يسري، خلينا نخلص من الحوار ده. المهم مش هوصيك، عايزك تظبط لي جناحي الخاص النهارده!
شرد يسري بدون فهم وقال:
لمعاليك ولحياة هانم!
ألقى عليها نظرة خبيثة وقال:
لالا، حياة هانم تعبانة من المشوار أكيد مش هتكون رايقة للحوارات دي، بس ابعدنا عن المصري عشان مش بيجي من وراه غير وجع الدماغ.
طالعتها "حياة" بغرابة محاولة إدراك ما يشير إليها. انتظرت حتى فضت مكالمته وسألته بغضب:
بتجيب سيرتي ليه!
رد عليها بفظاظته المعهودة:
أنا حر.
ألقت نظرة خاطفة على السائق ثم همست بحذر:
لو مفكر إني هعدي اللي حصل ده تبقى غلطان!
اخرج سيجارته الفاخرة وأشعلها ثم نفث دخان تبغه بوجهها وقال:
أنا حالياً مش بفكر في أي حاجة غير اجتماع الصبح!
أحست بالحكة في جدار عنقها إثر إحراجها الذي يقصده وقالت بحنقة:
بردو ما قلتش، بتجيب سيرتي ليه! أنا سمعتك بتقول حياة هانم تعبانة من المشوار! أنتَ مين أساساً عشان تتكلم بلساني؟
ما دام مصممة كده يبقى…
ثم مال على أذنيها هامساً:
كنت بوصي يسري يجهز لي ليلة ولا ألف ليلة، وكان مفكر إنها عشانك.
ثم تراجع متعمدًا إطالة النظر بعيونها معترفاً بوقاحة:
بس ده لأني عارف أن حياة هانم قدراتها محدودة، ومش قد عاصي دويدار عفيتك من المهمة الشاقة دي!
تمادى إلى درجة لا توصف من الوقاحة للحد الذي أعجز لسانها عن الرد محاولة تكذيب ما فهمته من مغزى لكلماته الغامضة. اكتفت أن ترمقه بنظرة احتقار أطاحت بغروره القاتل وعادت أن تراقب الطريق من وراء النافذة وهي تهز في قدمها بسرعة وتقضم في أظافرها من شدة كظمها للغضب. تذوق شهدها وشهد الانتصار عليها في نفس اليوم. ذلك الشعور الذي ملأ قلبه غروراً وثقة. عاد ضاحكاً ليتابع مهامه خلف شاشة الحاسوب متجاهلاً حرائقها المتوهجة بجواره.
•••
"في تمام العاشرة مساءً"
عاد مراد بصحبة عالية بعد يوم طويل قضاه معها في التسوق وشراء كل ما تريده. ووجد قلبه تدريجياً يتغاضى عن كل كراهية لعائلة دويدار وتحول قلبه المشتعل بالحقد إلى آخر يود شراء العالم كله بين يديها كاعتذاراً لها عن كل ما عاشته. بمجرد ما فتح الباب، دخلت زوجة البواب وبيدها العديد من الحقائب ووضعتهم بالغرفة. خرجت جيهان من غرفتها تراقب المشتريات الباهظة التي جاء بها إلى المنزل وقالت بضيق:
أش أش! أنتوا سبتوا أيه ما جبتهوش معاكم، جرى أيه يا بشمهندس مراد!
أشار لها بطرف عينه أن تعود إلى غرفته، لبت طلبه بهدوء متجنبة الحوار مع خالتها وفرت محتمية بحصون الغرفة. اقترب مراد من أمه معاتباً:
بلاش الطريقة دي لو سمحتِ!
جهرت جيهان بحنق:
لاا ماهو حالك ده ما يتسكتش عليه!
ثم ربتت على كتفه بقوة ولوم:
أنا جوزتك بنت عبلة مصلحة يا حبيبي! فوق كده وارجع لنفسك، الحال المايل ده ما يرضنيش!
انخفضت نبرة صوتها ولكنها أصبحت أكثر حدة:
ويكون في علمك زي ما جوزتهالك، أنا ممكن أطلقكم! اكسب رضا أمك يا مراد.. البنت دي يا حبيبي نهارها أزرق وملهاش أمان، اسألني أنا!
فاض صبره من تدخل أمه بحياته، وقال بغضب عارم ليضع حداً لها:
سبق وقلت لك شيليها وشيليني من دماغك، وأنا عارف بعمل إيه كويس أوي؟
طالعته بنظرات ساخرة وقالت ناصحة:
طيب خلي بالك وأنت بتمثل عليها الحب تحبها بجد، ساعتها مش ههنيك بيها لحظة واحدة.
بين الأنانية والطمع ضاعت القلوب. طالع أمه بنظرات حادة متحاشياً الجدال معها ثم تركها عائداً إلى غرفته دون أن يلقى جملة واحدة تريح فؤادها. ضربت جيهان كف على الآخر وقالت متوعدة:
ورحمة أبويا لأوريكي النجوم في عز الضهر يا بنت دويدار.
•••
ماينفعش يا شمس تقعدي معايا هنا وتسيبى تميم لوحده، طيب حتى عشان اللي في القصر واللي ما تتسمى دي متشكش فيكم!
أردفت نوران جملتها الأخيرة بنبرة العظة كي تقضي على قلق وخوف أختها التي تشعر به ناحية تميم. بللت حلقها بخفوت ثم قالت:
مش قادرة أقعد معاه تحت سقف واحد يا نوران، بحس إني عايزة أعيط، ومش قادرة أتنفس في المكان ده كله وأنا شايفة أيديهم ملوثة بدم جدتي.. حاسة إني غلطت غلط كبير أوي.
ربتت عليها أختها بحنو ثم قالت:
طالما مشينا طريق نكملة للآخر، مكنش قدامنا حل غير كده يا حبيبتي، استهدي بالله وقومي روحي له، هو أكيد مستنيكي.
ثم حاولت تغير لون الحزن الذي خيم على جلستهم:
مش عايزين الست العقربة دي تشمت فينا!
أومأت بخفوت ثم تدلت أقدامها الحافية لتلمس الأرض وترتدي نعالها الجلدي وقالت بنصح:
اقفلي الباب على نفسك كويس، ومتفتحيش لأي حد مهما كان، فاهمة يا نوران!
متشغليش بالك بيا بس! أنا هعرف أتعامل.
ما كادت أن تخطو خطوتين فتراجعت:
متأكدة مش محتاجة حاجة!
نفذ صبر نوران من توتر أختها:
والله ما محتاجة حاجة، بطلي حجج بقا!
غادرت شمس الغرفة بتردد حتى وصلت إلى منتصف المسافة بين الغرفتين وتوقفت مصادمة بـ "عبلة" التي دنت منها بشرار الانتقام وقالت ساخرة متعمدة إثارة غضبها:
أيه يا عروسة سايبة عريسك يعني! تؤ وده يصح بردو!
افتكر أنها حاجة بيني أنا وجوزي، متخصش حضرتك خالص!
تحولت نظرات عبلة الكيدية إلى الانتقامية وحدجتها بحدة:
اسمعي يابت أنتِ، ما تيجي معايا دغري وتقولي عايزة كام!
تعمدت شمس التحدث بنفس نبرتها الكيدية وقالت:
كام؟! هو نصيب تميم بيه كام بقى!
مالت عبلة على آذانها هامسة بصوت كفحيح الأفعى وقالت بملامحها المنكمشة:
تميم بيه يحمد ربنا أننا سمحنا له يقعد هنا أساساً، يعني نهارك طلع على شونة يا حلوة، تميم بيه مالهوش ولا حاجة في هيلمان شهاب دويدار، عارفة ليه!
تطلعت إليها شمس بنظرات الشك حتى أكملت عبلة بنفس النبرة السخيفة:
لأنه ابن زنا! أوعي يكون خبى عنك الحوار ده!
ثم نصبت عود الأفعى التي تتلوي بها واطلقت تنهيدة جياشة:
يلا حبيت أوعيكي قبل ما الفأس تقع في الراس وتقولي يا ريت اللي جرى ما كان!
•••••••••
"في الغردقة"
اتفضل معاليك، كل شيء جاهز!
يخطو بخطواته الثابتة في الممر ويتبعه يسري راكضاً محاولاً الإلحاق به حتى طلب منه عاصي ناسياً:
عظيم، الساعة ٧ الصبح يا يسري ألقاك جاهز، فاهمني!
فاهم طبعاً معاليك، بس أنا أقصد يعني أن جناحك الخاص جاهز، والماركة لبناني واخر تؤبرني، وابقى اشكر يسري حبيبك.
تبسم بكمر الثعلب ثم قال بحزم:
لالا مشيها، ماليش مزاج!
ذهل يسري من طلبه الغامض المختلف عن عادته:
نعم! معاليك أنا واثق لو شوفت البنت هتغير رأيك.
وهز بزفرة صارمة لا تقبل الجدال:
قلت لك مشيها يا يسري، عايز أنام ساعتين عشان أفوّق للجماعة بتوع بكرة!
أطرق يسري بطاعة:
اللي تشوفه معاليك، هعمل كده.
توقف فجأة ثم أدلى أمره الأغرب من طلبه السابق:
حياة لو سألت عليا طبعاً عارف هتقولها أيه!
رد يسري باندفاع، حيث سبق لسانه ذهنه تلك المرة:
آه فهمت تقصد معاليك أقولها أن حضرتك نايم، ومفيش أي حاجة من دي.
وغضب من حماقة يسري غير المعهودة ثم قال:
لا هتقولها أن البيه مش فاضي ومش هينفع يقابل حد في وقته الخاص، فهمت يا ذكي ولا أقول تاني!
بمجرد ما أنهى جملته واصل السير مكملاً:
كل اللي طلبته بخصوصها وصل.
وصل معاليك، وزمانهم واقفين على باب أوضتها.
على حدة تجلس مقوسة على جانب الأريكة ممسكة بقلمها كي تفرغ شحنات قلبها السالبة المنجذبة دائمًا لشحناته الإيجابية ودونت يدها تلك الجملة بدون إرادة منها:
"أول هزيمةٍ لي كانت طريقتك وأنت تتأملني."
قطعت الورقة بعبثٍ وهي تعصرها بين يديها وتشعر بالنفور من نفسها ومن تصرفاتها الطائشة التي لا تليق بأنثى ناضجة مثلها. توقف سن القلم على أول سطر جديد لتنغمس في تدوين شيء آخر يجعلها تتناسى طيفه الكاتم على أنفاسها:
"تخيل أنك انبهاري! أنا التي لم أر منك إلا رهبة وغرابة، ربما لأنك سلكت طريق الممنوع إلى عقلي وتمردت على قوانين الطبيعة تلك التي يهواها فكري!"
توقفت عن الكتابة متذكرة تلك القبلة المفاجئة التي أطاحت بذهنها وأصبح فكرها يجوب حوله كما يطوف دبور عنيد حول زهرة بريئة ليفترس جمالها الخلاب.
ألقت الدفتر بعيداً بغل حتى صرخت رافضة كل تلك المشاعر التي اقتحمت قلبها ورأسها في آن واحد:
هو فاكرني عروسة خشب يحركها زي ما هو عايز! طيب والله لأعرفك حدودك.
هرولت مسرعة نحو الباب الذي فتحته بقوة فوجدت يسري أمامها وخلفه عدد لا بأس به من العمالة. سألته مشدوهة:
فين اللي مشغلك! عايزة أشوفه.
عندما لا نجد طريقًا لتواصل مع من نحب، نشق طريق الشجار. تبسم يسري ابتسامة خبيثة وقال:
ده الوقت الخاص بعاصي بيه! وماينفعش أي حد يدخله!
بثت نيران الضيق في صدرها التي لا تدرك سببها وقالت:
يعني أيه!
يعني حضرتك تتفضلي وتخلي الهوانم يشوفوا شغلهم عشان اجتماع الساعة ١٠ الصبح.
ثم صاح معلناً:
اتفضلوا يا بنات.
وقفت أمامها مصففة الشعر وهي تتفقد شعرها الكثيف:
شعرك محتاج شغل جامد، يا رب نلحق.
تسمرت حياة بمكانها ودائرة من المهام تطوف حولها، لا تفهم أي شيء وما سيحدث حولها. لم تجد نفسها إلا جالسة أمام المرآة وكل فتاة تقوم بأداء مهمتها من تصفيف الشعر وطلاء الأظافر ووضع أقنعة التجميل على وجهها. استسلمت لكل هذا ربما لتلهي نفسها عن فكرة التفكير به وفيما سيفعله الآن بوقته الخاص!
حل الصباح بعد ليلة طويلة قضتها حياة يقظة إلى قرب الفجر برفقة المساعدات وهي تنغمس مستمتعة في اللهو الأنثوي المحبب لكل فتاة. لم تنم إلا ثلاثة ساعات حتى أيقظتها المسؤولة عن صورتها النهائية لتكتمل إطلالتها.
نهض عاصي بحماس وبعد ما مارس ساعته الرياضية أخذ حمامه الدافئ وارتدى بدلته الفخمة ونفث عطره المفضل ثم طوق يده خاتم من حجر العقيق الأسود حتى تفقد هيئته الأخيرة برضا تام.
مرت الساعات سريعاً حتى جاء ميعاد الاجتماع. طرق يسري الباب حتى فتحت له إحدى الفتيات التي أخبرها:
قولي للهانم عاصي بيه بيستعجلك.
ارتدت حذائها العالي متحمسة للجو الجديد الذي ستعيشه، ألا وهو جو الأميرات الذي رافقها طوال ليلتها. خرجت من الغرفة في كامل أناقتها وقالت بشموخ:
أنا جاهزة.
شوشت عيني يسري إثر جمالها الخلاب الذي أشرق مرة واحدة. انبهر يسري بأناقتها وقال مشدوهاً:
تمام، اتفضلي!
تقدمت أمامه كسلطانات العصر العثماني حتى وجدته ينتظرها في بداية الممر. هلت بنيتها المصنوعة من نور أمامه فشلت جميع أعضاء جسده إلا عينيه التي تفحصتها من رأسها للكاحل. لم تكن امرأة ملفتة للعين فقط بل كانت ملفتة للروح أيضاً. تخطت تلك المسافة بهدوء حتى وقفت أمامه قائلة:
أنا وافقت بس أجي معاك مقابل أنك صالحْت عالية!
ضغط على شفته السفلية محاولاً تمالك أعصابه. أشار ليسري برأسه كي ينصرف، ودار هو الآخر متوجهاً نحو مقصده. تابعت خطواته بغرور المرأة العربية وسألته بفضول:
ليلتك كانت حلوة امبارح؟
تبسم بمكر لما أحس بنجاح مخططه ولكنه تعمد الضغط على عروق استفزازها وقال بجمود مفتعل:
عرفتي منين!
بادلته بضحكة باردة وقالت:
ماهو يسري قالي!
يسري ده ابن جنية! الوحيد اللي بيعرف يظبط مزاجي كويس أوي!
أصدرت إيماءة ساخرة وهي تقول:
آه قلت لي! ما هو باين!
توقف الثنائي على باب المطعم الذي سيقام به الاجتماع وقال:
أنتِ مضايقة من حاجة!
إطلاقاً، وحد بردو يقدر يضايقني وأنت موجود!
هز رأسه بإعجاب وهو يطيل مدققاً بتفاصيلها النارية حتى قالت بتصنع:
أنا محتاجة أروح التواليت.
أشار لها على المكان ثم أشار على الطاولة التي سينعقد عليها الاجتماع وقال:
هرد بس على تليفون مهم، متتأخريش.
ذهبت حياة وهي تقذفه سراً بالكثير من السبات واللعنات المتكدسة بصدرها نحوه حتى جهرت بحنقة:
أغرب منه ما هشوف في حياتي!
على حدة يقف عاصي جنباً ليجري مكالمة مهمة جداً بالنسبة له حتى تفوه متسائلاً:
قول اللي عندك بسرعة.
أجاب المتصل بثقة واتزان:
اسمها رسيل قنديل المصري، باباها صياد كبير ومشهور في سواحل الغردقة، واتوفى في الحادثة اللي غرقت المركب فيها، عندها أخين ولسه بيدوروا عليها، مقدمين بلاغ في كل أقسام الغردقة.
هز رأسه متفهماً حتى أردف بحدة:
تمام، عايز تقرير دقيق عن عيلتها وكل حاجة عنها، مش عايز معلومة صغيرة تعدي من تحت إيدك، ٤٨ ساعة يكون ملفها تحت إيدي.
على المقابل خرجت "حياة" من المرحاض وهي تلملم في فستانها الطويل الذي كاد أن يهوى بطولها حتى سقطت بين يدي رجل أحست بأنها تعرفه جيداً، ذو ملامح مألوفة لها ولكن كان قلبها يحمل النفور منه، حتى تفوه مصدوماً:
سيــلا!