تحميل رواية «غوي بعصيانه قلبي» PDF
بقلم نهال مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"لا ينبض القلب إلا لعاصٍ" قبل.. أقصد قبل أي رواية أكتبها، كان كل حرف بها موجّه لشخص ما. بالخصوص، كان لدي حبيب أرسل له حبي من خلالكم. واليوم، وبعد انقطاع دام عامًا عن الكتابة حدادًا على حبي، أكتب لكم ولم أملك شخصًا بعينه أخصه بحروفي، بكلماتي، بشوقي الذي يفترسني كل ليلة. فإذا أصابت حروفي قلبك، اعلم أنني كتبت هذا في لحظة حنين. وإن لم تصب كلماتي وأخفق سهمي في طريقه لقلوبكم، اعلموا أنني أحاول أنساه وفشلت محاولاتي كما فشل سهمي. "ما قبل البداية" معذرةً عن ضعفي المبالغ فيه للحد الذي يعجزني عن كتابة كلمة...
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم نهال مصطفي
خُلق القلب عصيـًا ..” قال أحدهم ذات مرة :-
عليك أن تتخيل صعوبة انتهاء أثر المُخدر عن عمله بالجُزء الأهم والأخطر بالعمليـة !
لقد كان رحيلك بمُر هذه المعاناة تمامـًا ”
••••••
في لحظة وآخرى تبدل كل شيء ، اندس حزن الأعوام بملامحها ليحولها لعجوز تتجاوز السبعين من عمرها ، شعور من الوحدة خيم على قلبها مؤلم حد القتل ، كطفلة اختبأت بخزانة ملابسـها إثر ضجيج الحرب بالخارج ، لا ترى نفسها إلا ضحيـة لقصة مؤلمة ، بدأت بالفقد وانتهت بالحزن ..
أبلغ عاصي سائقه بالعنوان الذي أخبرته به طبيبتها لتذهب لطبيب أخر قريبًا منها ، مسكت الهاتف من يده ورفعت جفونها الذابلة إليـه وتوسلت إليـه :-
مش عايزة أروح لدكتور .. مش عايزة أخد مهدئات تانية ..
عارضها بإصرار:-
ماينفعش !! جسمك كله بيترعش لازم دكتور يشوفك ..
ترجته بزُرقة عينيها القاتلة وقالت ببكاء :-
هتعب أكتر ، أنا عايزة ارجع الأوضـة وأنام ..
-رسيل .. نطمن عليكي وبعدين هنفذ لك أي طلب ..
تشبثت بيده أكثـر وقالت بوهن :-
أنا هرتاح كده ..
استسلم لرغبتها ولبى رجاء عينيها فأمنت له وعادت لتستريح على جدار صدره الذي احتوى كسرتها ، تحول حزنها لبقعة مياه صغيرة على قميصـه وهي تسرد همومهـا :-
كُنت طفلة عشر سنين يوم ما بابا قرر يشتري المركب دي .. وكتب عليـها اسمي ، رسيل .. معنى المياه العذبـة ، قال لي لازم نغري السمك ونقنعه أن في أحلى من الميـه الملاحة ، أنا لسـه فاكرة تفاصيل اليوم ده وهو بيأكد على العُمال يكتبوا الاسم في كل مكان على المركب ، لسه فاكرة أول رحلة صيد عليها ، والرزق اللي ربنا بعتهولنا ، وقتها بابا شالني وفضل يقول لي ” عروسة البحر ”
صمتت لتبتلع مرارة ذكرياتها وتمنح عينيها تنزف على مهلٍ ثم أكملت :-
بعدها بابا بقى من أكبر المعلمين في الغردقـة ، اشترى بدل المركبة أسطول مراكب ، مسك السوق من أوله لأخره ، ولحد أخر لحظة كان بيطلع على المراكب ويصطاد بنفسـه .. لحد اليوم ده …
ابتعدت عن حضنه متذكرة :-
كنت معترضة ننزل المية ، وهو صمم ومحدش يقدر يعارضه ، وكانت أول مرة البحر يغدر بينـا ..
قفلت جفونها بتوجس وحاولت تتذكر تفاصيل هذا اليوم ، صرخة الاستغاثة ووقوعها بالبحر ، وتقاذف الموج لها حتى غابت عن الوعي تمامًا .. انخرطت دموعهـا بغزارة وقالت :-
أنا كنت راضية بحياتي كده .. أيه حصل قلبها للدرجة دي !! فجاة بقيت واحدة تانيـة مع ناس تانيـة وبحارب عشان بس أوصل لحقي مش أكتر ..
وضع كفه على وجنتها برفق وقال راجيًا:-
ينفع تثقي فيا المرة دي وبس .. !!
ردت بحرقـة :-
سبق ووثقت بالبحر ، خد مني أغلى ما ليا وخد حياتي .. أنا خلاص مبقاش عندي حاجة اخسرها علشان أثق او مثقش في حد !
مسح على شعرها لتستشعر حنوه وقال :-
كل التفاصيل المؤذية اللي مرت عليكِ كانت بوابات فتح جديدة لعاصي دويدار ، تعرفي الحكمة اللي بتقول “مصائب قوم عند قوم فوائده ” .. أحنا لسه موصلناش لنهاية الحدوتة علشان نحكم عليها !! البدايات المؤلمة نهايتها هترضينا ..
أطالت النظر بعينيه ثم قالت :-
يعني لو وثقت فيك مش هتخليني أندم !
أصدر صوتًا نافيًا :-
تؤثم
ضمها إلى صدره وأخذ يُداعب شعرها وأكمل :-
وقتها اختار المـٰوت ولا اوصلك لشعور زي ده ..
ثم هتف آمرًا للسائق :-
اطلع على الفندق ….
••••••••
لماذا لا نخسر الأشياء مرة واحدة ونبكي بكاءً واحداً ؟
لِمَ يقف لنا كل ما فقدناه بالزاوية ليُذكرنا بما فُقد ؟!
لِماذا لا تلمع الأشياء إلا عندما نفقدها ؟!
لماذا يحترق قلبي كُل يوم بألمٍ جديدٍ ؟! لما لا يتبخر الوجع منه ويتحول لرماد ولا نتذوق مرارة الألم مرة آخرى ؟!
دخلت ” عالية ” غرفتها ورمت حقيبتها بالأرض وتوسدت منتصف فراشها وأخذت تبكي بصوت مرتفع ، أزميل الوجع لم يتوقف عن النهش بقلبها ، والحرق بروحها ..
تركت نوران ما يشغلها وركضت إليها بلهفـة :-
عالية !! مالك .. حصل أيه ؟ مش عاصي ده قال لك هيخلصك من الموضوع اللي فتحته الست أمك..
لم تجد جوابًا منها بل تضاعف بُكاءها أكثر ، جلست نوران على طرف الفراش وربتت على كتفها :-
طيب طمنيني بس ! العياط مش هيحل حاجة والله .. لو في مشكلة نحلها سوا ..
اعتدلت عاليـة بتكاسل شديد وهي تجفف دموعها الغزيـرة وتخبرها بكلمات متقطعـة :-
روحت لمراد الشركة ..
ذهلت نوران بعتبٍ :-
يانهارك مش فايت !! أيه وداكي عنده أصلًا ..
ردت بندم يأكل بقلبها :-
عشان غبيـة ، غبية ومعرفش عملت كده أزاي !
-طيب أهدي واحكي لي .. هو زعلك ..
هزت رأسها بالنفي وقالت :-
لا خالص ، أنا روحت عشان أقوله مش مضطر تصفي شغلك وتخسر كل ده اللي حصل حصل …
زفرت نوران بضيق:-
وانتِ مالك !! كده هيفهم أنك مهتمة ومتابعـة أخباره !!أف غلطانة يا عالية !! كُنتِ قولتي لي ..
أجهشت بالبكاء وصرحت :-
وحشني يا نوران ، فجأة لقيت رجليا وخداني علي هناك ، لما شفته كُنت هعيط وأغير كل كلامي .. أنا نفسي نرجع ويكون لنا بداية جديدة مع بعض ..
صمت للحظة ثم أطرقت بحزن :-
بس شكله أخد قراره خلاص ..
-ازاي !! فهميني ..
-كان في مهندسة كده نظراتها مش مريحة ولازقة له ، وكل شوية تتحجج بحاجة وتيجي تقطع كلامنـا وتسأله ، واضح أن في حاجة مابينهم …
فكرت نوران طويلًا متذكرة تحذير كريم لها من قبل ، طردت تلك الفكرة من رأسها وقالت :-
أكيد مش بالسرعة دي …… طيب قوليلي أول ما شافك عمل أيه .
هزت كتفيها بلامبالاة :-
ولا حاجة رحب بيا ، وقالها دي تبقى بنت خالتي ، الكلمة وجعتني أوي يا نوران ..
وضعت نوران وجنتها فوق كفها مزمجرة :-
آكيد مش هيقولها طليقتي يعني !!
-والحل ؟!
-ما أنتِ عكيتي واللي كان كان .. حل أيه بقا ..
رمقتها عالية بتوجس :-
أنا مش عايزاه يفهم أني بتلكك عشان أشوفه، أوف أنا عقلي كان فين وأنا بعمل كده !! نوران ؛ انا ممكن اكلمه أوضح له سبب زيارتي واعتذر لو كنت عطلته وكده …!! عشان ما يفتكرش أنه ….
قاطعتها نوران بحيرة :-
بس يا عاليـة .. بس متفكريش تاني ممكن ، واللي حصل حصل ..
فكر الثنائي لدقائق حتى قطعهم صوت رنين الهاتف ، أخرجت عالية هاتفها من الحقيبة بملل حتى زام فمها بذهول :-
ده هو !
وقفت نوران كالملدوغـة ونصحتها :-
أوعي تردي .. استني بس نفكر نقول أيه وبعدين كلميـه وقوليلو كنت في المحاضرة وأي حجة ..
عارضتها عالية :-
يعني اسيبه يرن كده !! لالا قلة ذوق !
-اسمعي كلامي بس ، وبعدين ماينفعش تردي وأنتِ ضايعـة كده ..
ألقت نظرة أخيرة على اسمه الذي يُنيـر شاشتها وقالت :-
بس !!
شدت نوران منها الهاتف عنوة :-
هاتي الموبايل واسمعي مني لو لمرة بس … ومراد ده هنربيه من أول وجديد ..
تأفف عاليـة وقلبها بأكمله عاصيًا لخطة نوران الذي صنفتها بالعبث ، توقف رنين الهاتف فتركت الأخيرة المحمول وجلس مقابلها لتبدأ في النصح وفي أقل من دقيقة عاود مراد الاتصال بها مرة آخرى ، التقطت عالية الهاتف بسرعة وقالت :-
ارد بس والمرة الجاية هسمع كلامك بالحرف ..
جذبت الهاتف وركضت نحو النافذة وتحمحم بخفوت وردت :-
ألو … !!
أتاه صوته الثابت الذي توارت خلفه مشاعر قلبـه ، فقال معتذرًا :-
سوري يا عاليـة ، أنتِ في الجامعـة !
أحست بالاضطراب وقالت :-
ااه ، قصدي لا ، يعني كنت ولسه راجعة .. في حاجة ؟
تحجج قائلًا :-
بتصل بس بأمي عشان اطمن على هدير ، هي جمبك ؟
تحيـرت قائلة :-
مش عارفة لسـه تحت ولا مشيت ، تحب انزل أشوفها ؟
تحمحم بجدية :-
لالا خلاص ، أنا هحاول أكلمها مرة تانيـة .. أنتِ كويسـة ؟
ضاقت عينيها بشك :-
ااه كويسة ..
-تمام يا عاليـة وسوري لو ازعجتك ، هقفل عشان عندي شغل ..
مجرد ما أنهى المكالمة رمى هاتفه على سطح المكتب معاتبـا نفسه :-
أيه لعب العيال ده!! أعقل يا مراد ، البنت تقول عليـك أيه دلوقتِ!!
أما عنها ظلت شاردة تائهة تتأمل الهاتف ، اقتربت منها نوران التي تشع غضبًا :-
عايز أي ابن الست جيهان ؟
تنهدت عالية بسذاجة :-
ولا حاجة ، مش عارف يوصل لمامته ، فكلمني.. يعني قصده خير ..
حدجتها نوران بغيظ :-
والله ! وأنتِ صدقتي ؟! عالية مصيبة لو صدقتي العبط اللي هو قالـه ده ؟!
-يعني ايه ؟!
-يعني البيه بيصطاد في المية العكرة … أقولك تعالى تعالى أحنا كمان هنشتغله في الأزرق ، بس تسمعي كلامي …!!
••••••••••••••••
” مسـاءً ”
عادت شمس بعد يوم طويل من العمل ، فتحت الباب بعد ما اطرقت بخفوت واطمئنت على حالة أختها ، دخلت الغُرفـة فوجدته جالسًا أمام أحد لوحات الرسم الهندسي، اقتربت منه مُلقيـة التحيـة :-
مسـاء الخير !!
ترك القلم من يده وبرقت عينيه بمجيئها :-
مساء النور .. حمد لله على السلامة .
ابتسمت بحرج :-
أنا أسفـة عارفة إني اتأخرت ، بس غصب عني .
-أهم من الشغل ، مودك كان عامل أزاي وأنتِ بتشتغلي ؟
عقدت حاجبيها بتردد :-
أممم يعني ، بصـراحة بعيدًا عن طحنة الشغل كُنت قلقانـة عليك ، وخايفة سيدة تسرح وتنسى الدواء ..
ثم اقتربت من التسريحة وهمت بنزع حجابها بعفويـة ، ثم حررت شعرها ليتنفس .. ذاب في حركتها التلقائيـة وقال هائمًا :-
أحكي لي .. عملتِ أيه النهاردة ..
اتجهت نحو الخزانـة وعلقت ملابسـها على ساعدها وقالت :-
اليوم كان طويل ومهلك بجد ، يا دوب أخد شاور ، وأنام ..
حرك مقعده الكهربي ودنى منها أكثر وباغتها بمسك كفها ، فزعت شمس المغمسة في اختيار ملابسـها بشهقة عالية جعلته يتعجب قائلًا :-
أي مالك .. !!
بررت موقفها :-
اتخضيت بس ..
رفع جفونه إلى الضلفة التي تضب ملابسها وأشار على بيجامة قطنيـة باللون الوردي وقال :-
ملبستيش دي ..
ابتسمت باستغراب :-
عادي ، هتفرق ..
رفع حاجبه مستنكرًا :-
يعني لبستي كل الحاجات اللي اختارتهم نوران ، والحاجات اللي اخترتها أنا لا !! ده اسمه أيه ؟
أحمر وجهها بخجل :-
معرفش والله ، عادي اللي كان بيجي قُدامي كنت بلبسه ..
مدت كفها المرتعش لتُخرج ما أشار إليـه حتى سقطت قطعة على ساقيه ، فأعتذرت بتوتر :-
سوري !! أنا مش عارفـة مالي ؟!
انحنت لتأخذ ما سقط عليه فأمسكه مستلذًا بقربها الفاتن وتأمل ملامحها عن قُرب ، تنهدت متأزمـة من نظراته المُربكة وقالت :-
تميـم !!
همس بشوق يمزق قلبـه أربابًا وقال :-
وحشتيني على فكرة ، المكان كله كان ممل من غيرك ، كنت بعد الساعات عشان ترجعي !!
جف حلقها متسائلة :-
هاااه !!
أكمل بنفس النبرة الحارة :-
حتى اسألي سعيد ، كنت اكلمه كل خمس دقايق اطمن عليكي ؟!
تسارعت ضربات قلبها وهي تجيبه باعتراض :-
ليه ده كله ، أنا بس كنت في الشغل مش مهاجرة ..!!
ثم أغمضت جفونها لتهدأ قليلًا وتستجمع نفسها :-
تميـم أنت بتقول كده ليـه ؟!
اتسعت ابتسامته التي سترت مشاعره وقال :-
لاني هموت من الجوع ولحد دلوقتِ مأكلتش ومستنيكي ..!!
••••••••
-علي فكرة أنتِ موتراني ومش عارفـة اذاكر ..
أردفت نوران جملتها بعد ما القت القلم من يدها إثر تجول عاليـة بالغرفـة يمينًا ويسـارًا بصخب وهي تلومها :-
لالا أنا قلقانة ومش مطمنـة ، أنا اصلا غلطت أني سمعت كلامك ..!
تركت نوران مجلسها الكائن بمنتصف السرير ووثبت قائمة :-
وأحنا عملنا أيه لكُل ده !! شوية ميك أب على صورة حلوة ونزلتيها استوري عادي !!
ترددت عاليـة :-
كده هيفهم أني مبسوطة وعايشة حياتي ..
هزت نوران كتفيها بلامبالاة :-
هو ده المطلوب فعلًا !! أصل الرجالة دول مش عايزين غير كده !! اكرفي لهم يلزقوا ..
ثم زفرت متنهدة :-
افتحي كده شوفي شافها ولا لسـه !
تحركت عاليـة بتوجس نحو هاتفها المتروك فوق المكتب ، أخذت نفسـًا طويلًا قبل أن تفتح الصورة التي رفعتها على تطبيق ” واتساب ” ، فتحت قائمة الروئ فشهقت ملهوفة :-
فتحها .. شاافها شافها يا نوران .. أيه ده !! حاسة قلبي هيقف .. بصي !
ركضت نوران إليها :-
وريني !!
ألقت نظرة طويلة ثم تساءلت :-
أيه الرخامة دي !! طيب حط لايك حتى !! الولد ده شكله رخم وهيغلبني !!
سألتها عاليـة بحيرة :-
يعني أيه ؟!
تمتمت نوران :-
شاف الصورة مفيش أي ريأكشن يعني !!
قالت عاليـة مقترحة :-
ابعت له أيه رأيك في الصورة ؟!
اتسعت عيني نوران بذهول :-
أبوس أيدك بلاش تفكري ..
-ليه بس ؟!
خرجت نوران عن شعورها :-
كمان مش عارفة ليه ؟! ماهو كده يا فالحة هيفتكر أنك منزلاها عشانه .. اف !! خلاص خلاص الصبح نفكرله في حاجة جديدة …
أما عنه ظل في مكتبـه أمام صورتها لوقتٍ طويلٍ بعد ما سرقها على هاتفـه ، يتأمل ملامحها البريئة المتزينـة بلمسات تجميليـة هادئة ، ابتسامتها الطفولية وروحها الجميلة التي تشع من الصورة .. أخذ يحاورها من وراء الشـاشة متسائلًا :-
أخ يا عاليـة !! بنيتي بينـا سور ملهوش أخر ..
ثم قفل الشاشة وقلب الهاتف على مكتبه غائصًا في الموقف الاخير الذي حسم فيـه قراره ببعده عنها ، فسب نفسه معترضًا :-
مش كنت تصبر شوية !! أهي البنت عايشة حياتها ولا فارق لها وجودك أصلًا ..
ثم عاد مرة أخرى وطالع صورتها بنظرات الشوق :-
ما هو لازم يكون في حل !!
••••••••
-الفاتحـة بقا على روح المرحوم …
تلك الجملة الأخيرة التي أردفها فريد بفظاظة وهو يزف إليها الخبر المنتظر ، وثبت عبلة بفرحة :-
بجد !! حسين مات ؟!
قهقهه فريد بفخر :-
وشبع موت ، عملية ما تخرش الميـة ، بس بردو ما عرفتش تارك أيه مع الجدع ده ؟؟
تراقص قلب عبلة من شدة الفرح وهي تهتف :-
يااه يا فريد كابوس وانزاح !! أنت ما تتصورش أنت قدمت لي جميل مهم أزاي ..
-أنا دايمـًا في الخدمة ياهانم ، قولي يا فريد بس هتلاقيني شُبيك لُبيك ..
ضحكت عبلة بميوعة وقالت :-
وأنت كمان ليك عندي خبـر حلو ..
-يا ريت .. العملية ناشفـة أوي !
-عاصي لسه قافل معايـا ووافق يشتري منك كل الكميـة ..
قفز فريد من مكانه بفرحة :-
ومش عايزة تقولي من الصبح !! هقابل عاصي بيه أمتى بقا ؟!
فكرت عبلة لبرهة بتردد ثم قالت :-
عاصي بره مصر حاليـًا ، أول ما يرجع هظبط لكم ميعاد ، المهم في حاجة كمـان ..
لم تمهله المدة ليُفكر في حقيقة إخفاءها عليه وجود عاصي بالغردقـة ولكن ذلك لم يبتر أقدام الشك برأسه ، أكملت عبلة :-
في واحدة كده عايزة أربيها وعايزين نقعد سوا عشان نفكر أزاي هنخلص منها ..
لا زال فريد غارقـًا بحيرته وقال بعدم اهتمام :-
هي مين ؟!
ردت على الفور :-
شمس ، البنت دي اتجاوزت حدودها معايا ولازم تتربى ….
•••••••
” بالغـردقـة ”
مدد على الأريكـة بجوار الفراش الذي تركض عليـه وظلت رأسه تخلق الكثير والكثير من الأسئلة ، أولهمـا ما هو السبب القوي الذي ربطها بقلبـه ولا يود الانفلات عنها ؟!
ظلت نفسه تقنعـه بالانسحاب من منتصف الطريق ، أن يترك يدها ويولي ظهره مُلتفتًا لحياته السابقة ، الحياة التي اختارها منذ سنوات؟! وكان جاءه صوتها الصارخ بحوار ليحطم شُتات نفسه المتكدسة ..
فزعت رسيل من نومتها ترتجف ، تصرخ ، كل إنشٍ بها يستغيث ، اندفع إليها بلهفـة وفتح الأباجورة جالسًا على طرف الفراش وربت على كتفها :-
أنتِ بخير ؟! أهدي ..
انهمرت العبرات من عينيها وهي تبوح له عما رأته :-
رشيد ويونس بيدوروا عليا ، أخواتي عايشين يا عاصي ..
ثم ولت ظهرها متأهبة للذهاب :-
أنا لازم اروح لهم ، مش هينفع أقعد متكتفـة هنا !
منعها بإصرار :-
رسيـل استنى هتروحي فين دلوقتي ؟!
ترجته ببكاء :-
مش هينفع ، أخواتي في خطر .. المعلم قنديل هيزعل مني أنا لازم أروح لهم .. سيبني وحياة بناتك .. أنا هتجنن ..
وقف أمامها كالحصن المنيـع وأخذ يمسح على رأسها كي تهدأ :-
هعمل لك كل اللي أنت عايزاه ، بس أهدي واصبري ، أهم حاجة تبقي كويسـة وتستردي صحتك والباقي عليـا ..
وضعت كفها المرتعش فوق قلبه وترجته :-
أنت مش فاهم أي حاجة ، لازم أرجع ، الدنيـا هتبوظ من غيري ..
-طيب ممكن نتكلم بالعقل ، عايزة تعملي أيه دلوقتِ وهنعمله ..
فكرت طويلًا حتى استجمعت افكارها :-
هرجع بيتنا وحياتي .. المرسى والمراكب ، العُمال اللي بيتها اتخرب دي ، أخواتي لازم القاهم هما محتاجين لي ..
ثم انهارت بين يديه بضعفٍ :-
انا مش عارفة بجد !! أنا المفروض ابتدي منين ؟ حاسه الحيـاة كُلها اتقفلت في وشي ..
ختم جملتها بعناق قوي منه كأنه أراد ليخبرها رغم قسوة العالم فلا يوجد أحن من قلبي عليكِ ، استكانت بين يده كطفلة صغيرة هرمت من عناء البحث عن أمها دون جدوى ، طفقت يديه تتحرك من أعلى لأسفل على شعرها حتى أحس بهدوء ضجيج قلبها في حضنه ، دقائق كثيرة مرت عليهم أعاد فيها ترتيب نفسه وحسم فوضته ، وتخلصت فيهم رسيل من أنياب الوحدة التي تنهش بروحهـا ..
رفعت رأسهـا قليلًا ونظرت فيه عينيه متسائلة :-
ليــه ؟!
رفع حاجبـه مستفهمًا ، فأطرقت بخفوت بعد ما طوت مغزى سؤالها الحقيقي وهو سبب هدوئها بين يديه :-
بلاش تورط نفسك معايا ، ارجع لحياتك وسيبني أرجع للحيتان اللي في حياتي .. !!
ابتسم بعرفان :-
ما أنا اتورطت خلاص ..
-لا لسـه ، عشان كده بقول لك بلاش ..
ثم غادرت حضنه وارتشفت القليل من الماء الموضوع بجوارهم وأكملت بحسـرة :-
أنت محتاج حياة هاديـة تتصالح فيها مع نفسك ، أما أنا حياتي مفيهاش هدوء ، اللي بتدور عليـه مش موجود عندي ..
-بالعكس .. أنا لقيت فيكي اللي ملقتهوش في واحدة تانيـة ؟!
تحركت لتجلس على الأريكة وأكملت بحزن :-
صدقني أنت غلطان ، أنا واحدة قفلت قلبها من بعد اللي حصل ، أنا مش عايزة أظلمك معايا .. عاصي ، أنت رجل أعمال ناجح وكل حاجة بتقدمها بتنتظر مُقابلها ، أنا معنديش حاجة أديهالك صدقني ..
جلس بجوارها تعمد أن يُغازل خصلات شعرها السوداء :-
في دي عندك حق ، ولأول مرة أحس أني طماع وعايز اللي بقدمه ليكي يرجع لي أضعاف مضاعفـة منك ..
-شفت !! مش أنا دي ، أنا لا هينفع أبقى أم لولادك وأسس حياة وأسرة ، عاصي أنا واحدة مدمرة بتحاول بس تقف علي رجليها ، كفاية لحد كده وكل واحد فينـا من طريق ..
عندما تعطيك الحياة سبباً لتيأس، اعطها ألف سبب للاستمرار، لا شيء أقوى من إرادة الإنسان على هذه الأرض .. استقبل كلامها متكئًا على جدار الصبر وقال :-
لما أوصل لك لبـر الأمان ، هنفذلك كل طلباتك ، لكن دلوقتِ ما ينفعش أرميكي فـ الميـة وأنتِ مش بتعرفي تعومي !!
-بس !!
وضع أصابعه على شفتيها مُقاطعًا لمبرراتها وقال :-
أنا مش هسيبك فاهمـة !
قد تلجأ أحيانًا إلى وضع نُقطة مؤقتة في علاقةٍ ما، إلى حين أن يعي الطرف الآخر بقيمة كل الفواصل التي وضعتها سابقًا ..
لم تنكر سعادتها لانه لم يتركها تسير الطريق بمفردها ، أنه أعلن بكامل رغبته عن مساندتها ، أنه حطم الباب الأشرس للوحدة في حياتها !!
قطع حبال النظرات الممتدة بينهم متسائلًا :-
تحبي تشربي أيه ؟
-مش عايزة ؟!
حاول مُلاطفـة الأجواء المشحونة معها وقال ممازحًا :-
ولا عايزة حاجات غريبـة من الصيدليـة !
ابتسمت بخفوت وهي تتحاشى النظر إليه بخجل :-
لا شُكرًا ..
اصدر إيماءة خبيثـة وسألها :-
أنتِ جبتي أيه صحيح ؟!
نفذ صبرها من سخافته وقالت هاربـة :-
أنا هنام تصبح على خير….
ما كادت أن تفارقه فأمسك برسغها ووقف أمامها :-
بكرة هنرجع القاهرة ، وفي الوقت المناسب هنيجي تاني هنا ، الوقت اللي أحس فيه أن رسيل استقوت وتقدر تقف قُدام الدنيا كلها ، ااه ومتقلقييش أخواتك مش هبطل أدور عليهم ..
ثم وضع كفه على وجنتها بحنو وأكمل بنبرة دافئة :-
ما دام وثقتي فيـا متشليش هم حاجة ، أنا عارف بعمـل أيه كويس أوي .. المهم عندي صحتك وبس ..
لأول مرة تستشعر أحاسيس الأمان والدلال ، بعد ما كانت تنعم بمعاملة ولد ثالث لأبيها ، والضلع الأهم بالنسبة له .. تذوقت للمرة الأولى معنى أن تستريح ، أن تحس أنها إمراة لا يمكنها إلا الاعتناء بقلبهـا فقط كل ليلة !! طالعته بعُرفان :-
بجد مش عارفـة أقولك أيه أنت جيت لي من السما ؟!
ذاب بسحر عيونها الشاكرة التي تجذبه من ياقته إليها ، اكتفى بتربيته على كتفها وقال :-
ارتاحي.. هعمل كام مكالمة شُغل وأرجع لك ..
•••••••
صباح اليـوم التالي ؛
طرقت سيدة باب الغُرفـة الخاصـة بعبلة وقالت بها باستيحاء :-
أنا اسفة يا هانم ، بس كُنت طمعانة في شهر أجازة من الشغل ..
تركت عبلة قلم ” الروج ” من يدها وقالت بضيق :-
نعم ؟! مفيش الكلام ده يا سيدة !! أنت الوحيدة اللي عارفة تفاصيل المكان هنا ؟!
توسلت لها سيدة :-
معلش يا ست عبلة ، بنت أختي ولدت ومش معاها حد ولازم أقف معاها ..
أصرت عبلة على موقفها :-
ماليش فيه تتصرف تشوف أي حد تاني يخدمها غيرك ، أنت مش فاكرة اللي حصل لما سبتي البيت السنة اللي فاتت !!
ابتلعت عبلة بقية الكلام وقالت باستغراب :-
هي مش دي بنت اختك اللي ولدت بردو من كام شهر !! هي لحقت تولد تاني؟
بررت سيدة :-
اه هي ، بس هنعمل ايه ؟! دي والده على السابع وحالتها خطرة لازم اقعد جمبها واخد بالي منها ..
تأففت عبلة بضيق :-
أسبوع بس يا سيدة ، اسبوع وترجعي هنا .. وقولي لبنت اختك دي كفاية كده مش كل سنة تولد .. !!
فرحت سيدة عندما نالت صك الإفراج من عبلة وركضت مسرعة لتلملم أغراضها ، ضربت عبلة كف على كف باستغراب :-
أيه الست اللي كل شوية تولد دي ؟!
” بالأسفل ”
انتظر ” كريم ” خروج عاليـة بفارغ الصبر كي يُهاتف ” نوران ” .. وما حان الوقت لتنفيذ مخططه فاجئته جيهان قائلة :-
انت واقف تحت السلم زي الحرامية كده ليـه ؟!
-هااه؟! بلقط شبكة بس ؟! المهم انتِ متشيكة كدة وعلى فين ؟!
-يلا عشان تيجي معانا ، هنروح نقدم بلاغ في عاصي ..
زام كريم ثغره :-
ليه كده ؟! أنتوا مكبرين الموضوع على فكرة ، الراجل مش عايز يخلف خلاص هو حر !!
انفجرت جيهان بوجهه :-
وحق اختك ورميتها على السلم ده عادي !!
-خلينا متفقين أن هدير بنفسها قالت انها وقعت وهو مش قاصد يعمل كده وهي اللي خرجته عن شعوره .. يبقى ليه نتبلى على الناس ..
حدجته جيهان بعتبٍ :-
انت مالك بقيت تتكلم زي اخوك مراد كده !! مش عاصي ده اللي واكل فلوسنا !!
-وعاصي دا اللي أحنا قاعدين في بيته وبناكل كُلنا من خيره بردو ، مطردناش بعد مافلسنا وبقى لا معانا أبيض ولا أسود !! أنا شايف أن هدير وعاصي يحلو مشكلتهم بعيد عن المحاكم ويا دار ما دخلك شر !!
••••••••
نهض تميم على صوت رنين هاتفـه ، ليسمع الخبر المُحزن فيما يخص العم حسين ، استيقظت شمس النائمة بجواره وسألته باستغراب :-
مين بيكلمك بدري كده ؟!
أجابه بحزن :-
عم حسيـن تعيشي أنت .
خيم فطر الحزن على ملامحها وتمتم :-
لا حول ولا قوة إلا بالله .. مين قال لك ؟!
-قال لي الراجل اللي سايبـه يراقبهم ، وقال لي حاجة كمان ..
اعتدلت شمس في جلستها باهتمام :-
حاجة أيه يا تميـم ؟
-عبلة راحت له من يومين !
تحولت ملامحها لعلامات استفهام وشك :-
تفتكر ليه ؟! واشمعنا دلوقتِ !! تميم هي عبلة مراقبانا ؟
رد بيقين :-
ده آكيد ، هي فعلًا مراقبة كل خطواتنا وبعد اللي حصل ده هتزود المُراقبة علينا ..
أحست شمس بالقلق :-
كل يوم بتأكد أن الست دي خطر ووجودها وراه كارثـة .. أصل مفيش حد حريص كده غير اللي خايف سره ينكشف !!
شرد تميم مُتسائلًا :-
تفتكري ليها علاقة بمـٰوت عم حسين !!
فكرت شمس بحيرة حتى ردت بتردد :-
والله مش بعيد عنها أيه حاجة .. تميم أحنا لازم نشوف حل للست دي في أسرع وقت ، ولو هي فعلا اللي عملت كده في عم حسين ، يا عالم الدور على مين !!
••••••••
انتصف النهار وعاد عاصي إلى شقته بصُحبـة رسيـل ، قفل الباب ورائه وأمسك بيدها ليجلسا على أقرب مقعد ، وسألها :-
هتفضلي حزينة كدة لحد أمتى ؟!
تنهدت بحرقـة :-
مش عارفة ، حسيت روحي بتفارقني وأنا مفارقة الغردقـة .
ضم كفيها الاثنين بحب :-
مش أنا قولت لك هنرجع تاني ؟! انسى كل اللي فات وركزي بس في اللي جاي ، عشان نقدر نكمل ..
ردت بأسى :-
انسى أيه ولا أيه بس .. أنت ما تعرفش بابا كان بالنسبة لي أيه .. وأخواتي ؛ أنا كنت أمهم ، فجأة شمل العيلة كله اتشتت ، استوعب أزاي !
-مش هتنسي ، ومش بقول لك أنسي ، بس ماتنسيش نفسك أنتِ كمان .. متطفيش روحك في ملوحة الحزن ..
أومأت رأسه بالإيجاب متفقـة مع كلامه :-
معاك حق ..
ابتسم بلطف وقال بتلقائيـة :-
رسيـل ..
فوجئ بيدها المُرتعشة على شفتيـه ليصمت وقالت برجاء :-
حيـاة ..
ثم ابتلعت مرارة حُزنها وقالت :-
رسيل كل حياتها مآسي مش عايزة افتكرها ، المرة دي هستسلم للموج اللي خدني ليك قبل كدة ، وهجرب أعيش قدري الجديـد مع حيـاة ..
ابتسم بفرحـة بعد ما طبع قُبلة طويلة بداخل كفهـا واعترف :-
حيـاة ..
-بس اشمعنـا حيـاة ؟!
في تلك اللحظة قطع حديثهم صوت دق الباب ، تراجعت للخلف مبتعدة عنه :-
أنت مستنى حد !
وثب قائمًا ليفتح الباب ، فهلت منه سيدة برفقـة أحد رجاله ، أشار للرجل ان يذهب وسمح لسيدة بالدخول .. وعندما رأت حياة اندلعت منها شهقـة قويـة وقالت بفرحة :-
ست حياة !!
وقفت حيـاة ورحب بها ولكن مجرد المصافحة لم تكن كافيـة بالنسبـة لسيدة التي ضمتها إليه بحب :-
القصـر ملهوش لازمة من غيرك والله .. الحمد لله إنك بخير !!
ثم أخذت تحسس على كتفيها ووجهها وقالت بتعجب :-
الست هانم وشها مصفر ودبلانة كده ليـه يا بيـه !!
ثم أضافت :-
أنتِ حامل صح ؟!
تحمحم عاصي بخفـوت بعد ما التقى بعيني حياة المستغيثة وقال :-
ياسيدة ، مش هوصيكي تحطي الهانم في عنيكي ..
-من غير توصية يا بيه ، دي في عينيا ..
ثم رمقتها بشك :-
أنت ما كنتيش بتاكلي ولا أيه !
تدخل عاصي قائلًا :-
عملتي زي ما قولت لك !!
-بالظبط يا بيه ، قلت للست عبلة اني رايحة البلد لبنت اختي ، وبعدين أنا في دي الساعة لما اخدم القمر ده ..!!
-تمام يا سيدة ، روحي شوفي المطبخ ناقصـه أيه وخلي البواب يجيبه ..
-أوامرك يا بيه ..
قالت جملتها الأخيرة وهي تركض نحو ما أشار إليها ، اقترب عاصي من حياة واضعًا يديه على كتفها وقال :-
كدة هابقى مطمن عليكِ أكتر ..
ابتسمت حياة بخفوت :-
انا بحبها أوي أصلًا ..
-اليومين الجايين هكون مشغول عنك شويـة ، وميصحش أسيبك لوحدك ، شوفي عايزة أيـه وبالتليفون هيكون عندك ..
رمقته بإعجاب و ميض من الشكر :-
تمـام ..
أزاح خصلة من شعرها وغمز بطرف عينه :-
خلي بالك على نفسـك ..
سألته بهدوء :-
هتنزل …
-ااه في شغل مهم متأخر .. وبعت اشتريلك موبايل جديد عشان تشغلي نفسك ..
لم يكتفِ بهذا الحد ، بل طبع قُبلة خفيفة على رأسها وربت على كتفها وقال ممازحًا :-
افتكر ان سيدة مش هتخلي عندك وقت فراغ أصلًا ..
مجرد ما أنهى جملتـه أخذ مفاتيحه وهاتفـه متأهبًا للذهاب ، شعرت بسقيع بعده عندما ولى ظهره ليُفارقها بعد ما اعتادت وجوده معها ، غمغمت بتردد :-
هتيجي بالليل …؟
ثم بررت :-
يعني عشان العشا ..
-ممكن ، بظروفهـا بقي ..
••••••••••••••••
( عودة للقصـر )
-أنت ما بتزهقش ! رن رن ، أيه الالحاح ده ؟!
قالت نوران جملتها بتأفف بعد ما خرجت إلى شُرفة الغرفة لترد على كريم الذي عاتبها :-
عشان أنتِ مش بتردي من أول مرة !
-أنت مش واخد بالك أنك خدت عليا أوي ؟! أخرك معايا موضوع عاليـة وبعدين هفتح دماغك لو شوفت اسمك تاني على تليفوني ..
ضحك كريم على تلقائيتها وقال قاصدًا إثارة غضبهـا :-
ما تخفي تناكة بقا أومال لو كنتِ حلوة شويـة كنتِ عملتي فينا أيه !
تفاقم غضبها وقالت بغيظ :–
واضح أنك سخيف زي أخوك وأنا مش عالية عشان تستحمل التهريج ده ..
فرمل كريم معتذرًا :-
ياستي بهزر ، أنتِ ست الستات كُلهم ، المهم مفيش جديد عندك ؟!
زفرت بضيق :-
أقول لك أيه بس ! البنت هتتجنن من عمايل اللوح أخوك وهو مقضيها من المهندسة دي لدي ..
-لا افهم عشان أعرف أحل …..
••••••••
وصل عاصي القصر وبعد ما قضى قرابة النصف ساعة مع بناته واتفق معهم بزيارة حياة في عطلة الأسبوع ، تركهم وذهب إلى غُرفة هدير .. طرق الباب وما أن سمحت للطارق بالدخول فوجئت به يقف بشموخه أمامها .. اعتدلت من نومتها وقالت :-
عاصي بيه بنفسـه هنا !! والله كتر خيرك لسه فاكر مراتك ..
قفل الباب خلفـه :-
يارب تكوني عقلتي بس عشان نعرف نتكلم ..
-نتكلم في أيه ؟!
ثم اقتربت منه ووقفت شامخة مستخدمة اسلحتها الماكرة :-
ولا جاي تطمن علينا .. ااه أنا وابنك ؟!
عقد حاجبيـه مشدوهًا :-
هو مش نزل ؟
ضحكت بخبث :-
لسه متبت في الحياة ، لسـه عايز يجي الدنيـا ويشوف باباه .-
ايه التهريج ده ؟! هدير مش وقت سخافتك !
نزل الخبـر على رأسه كالصاعقـة ، فأكملت هدير بخ سُمها :-
الحمد لله الدكاترة لحقـوا الموقف بعد النزيف ، والأ كان زمانك في القسـم دلوقتي وانا جاية ازورك بعيش وحلاوة ..
كظم غضبه في نفسـه وقال بهدوء تام :-
تمام ، جيت أقولك بس حمد لله على سلامتك أنتِ والبيبي ..
-وبس كده !! لا كتر خيـرك ؟
هز رأسه نافيًا :-
لا مش بس كده .. أنتِ طالق يا هدير ، وكل حقوقك هتوصلك على داير مليـم .. سلام .
•••••••
في العاشـرة مساءً ؛
أعدت سيدة كوب من الحليب الدافىء وطبق كبير من الفاكهة وجاءت بيهم إلى حُجرة الجلوس التي تقعد فيها حياة تشاهد التلفاز ..
وضعت المائدة فوق الطاولة ثم مدت لها كوب الحليب وقالت :-
اشربي دي كلها بقا عشان الكالسيوم أهم حاجة للحامل ..
استغربت حياة مما تقـوله سيدة فضحكت بستهزاء :-
بس أنا مش حامل يا سيدة !! وبلاش تقولي كده لو سمحتي
جذبت سيدة الوسادة ووضعتها على الأرض وجلست فوقها وقالت بعفوية :-
ليه بالصلاة على النبي !! مش أنت وسي عاصي متجوزين وبتحبوا بعض !! وبعدين ملامحك باهتـة ووشك مخطوف كده ، لا بقول لك أيه أنا خبرة في الحاجات دي ؟! أقدر أبص في عين الواحدة كده واعرف إذا كانت حامل ولا لا !
طوت صفحات الحزن الممدود بداخلها ، وتذكرت تلك الليلة التي جمعها به على سهوة فنفضت غُبار الفكرة تمامًا وحمدت ربها لعدم صحة ما تقوله سيدة لأنها لو أرادت طفلًا تريد أن تختاره في وقتـه المناسب مع الشخص المناسب ..
بلعت مرارة ذكرياتها ومازحت سيدة :-
صدقيني يا سيدة مفيش الكلام ده .. وغيري الموضوع بقا ..
رمقتها سيدة بعدم تصديق وقالت :-
هتخبي عليـا يعني ، خلاص براحتك .. هو عاصي بيـه مش هيجي ولا أيه !!
-براحته بقا يا سيدة ..
-حد يسيب القمـر ده يسهر لوحده ؟!
انتهت سيدة من تقشيـر التفاح وقدمتها إليها :-
اتفضلي ..
أخذت حياة الثمرة منها وسألتها :-
أنتِ قاعدة كدة ليه ؟! رجلك هتوجعك .. قومي أقعدي على الكرسي ..
-أنا متعودة يا هانم ، وأصلًا شويـه وهقوم أنام .. بالحق أنتِ سبتي القصر عشان اللي عملته الست هدير ! بصراحـة يا زين ما عمل سي عاصي !
لكت ثمرة التفاح بفمهـا باستغرابٍ :-
هي عملت أيه هدير !!
-يوووه شكل البيه مقالكيش ، فاكرة يوم الحفلة، يجي أكتر اسبوعين كده .. يومها مش صدعتي وتعبتي !! طلعت الست هدير متفقة مع البت الشغالة تحط لك حاجة صفرا في العصير ، عشان هي وبس اللي تظهر للمعازيم ، بس سي عاصي طرد البت بتاعتها وأنا اللي عرفت الموضوع كله وقولتله .. واضح أن البيه بيحبك قوي يا ست حياة ..
تشعر ببكاء طفل مُحتبس في قلبها .. تود البكاء وتعجز عن فعلهِ .. تختنق من حبل الحزن ولا تجد من ينقذها .. وقعت التفاحة من يدها بصدمة وقالت بذهول :-
بقا الموضوع كده ؟!
اخذت تثرثر سيدة بمواضيع شتى حتى غلبها النُعاس فاستأذنت من حياة وذهب لغرفتها ، أما عن حيـاة فأخذت تتشاجر مع كل ما يقابلها ظلت تجوب المكان ذهابًا وأيابًا حتى غلبها الصُداع ، تناولت مسكنًا وتناولت الهاتف الذي احضره الرجل وجاءت لتُهاتفه ولكنها لا تعرف رقمه ، رمت الهاتف بكلل حتى دقت عقارب الساعة مُعلنة تمام الثانية عشر بعد منتصف الليل ..
لم تجد جدوى من الانتظار فجلست على الاريكة حتى غلبها النعاس ، وضعت الوسادة تحت رأسها واستسلمت للنوم هروبًا من معارك الحيـاة القاتلة ..
في تمام الساعة الثانيـة بعد منتصف الليل جاء عاصي إليها بعد ما أعلن وجهته من الشركة إلى القصر ، انزل السائق وبدل الأماكن وانطلق إليها .. فتح الباب بحذر وصوت التلفاز يخترق مسامعـه .. قفل الباب خلفه بهدوء ثم قفل التلفاز ورمى سترته السوداء على المقعد المجاور ..
دنى منها مناديًا باسمها بخفوت فلم تنهض ، جلس بجوارها وأخذ يتأمل تفاصيل وجهها وملامحها النائمـة بلذة ، أخذت يداه تُغازل شعرها المتدلى بخفـة ، تململت في نومتها بدون وعي فتهامس متسائلًا :-
في حد ينام هنـا ومن غير ما يتغطى !!
تمتمت بكلام مُبهم الذي يتوارى خلفه غضبها منها :-
دلـوقتي يجي ووابتسم بخفة ثم حملها بين يده قائلًا لها :-
يعني كُنتِ مستنياني !
ما زالت تحت تأثير مخدر النوم والغضب ، فتعلقت بعنقه وتمتمت :-
أنت جيت !
همس بحب أثناء سيره لغرفـتها :-
اتعودت على وجودك معايا ..
تململت بتكاسل ثم غرقت في نومها مرة أخرى ، وضعها على الفراش بلُطف ثم شد الغطاء فوقها وولى ظهره ليُبدل ملابسـه ، تمسكت بكفه متسائلة :-
رايح فين ؟
-هغيـر هدومي ..
تمسكت بكفه كالطفلة الصغيرة :-
لا .. أنا خايفـة .
-حياة !! أنت نايمة ولا بتدلعي !
تمتمت بكلمات غير مفهومة ، جعلته مكتفيًا بخلع حذائه والتخلص من حزامه الجلدي وأخذها في حضنه كصغيرته المُدللة وغرق معها في بحر أحلامه السعيدة بقُربـها ..
مرت ليلتهم بسـلام حتى انفلق صباح اليوم الجديد ، رفعت حياة جفونها فوجدت نفسها مُغلغلة بأصفاد شوقه ، يديه تحاوطها من جميع الاتجاهات ، طالعت ملامحه النائمـة بإعجاب ، تلك الملامح التي رضخت ولانت للحُب بعدما كانت عاصيـة عاتيـة يهابها كل من يقترب منها ..
أغمضت جفونها مرة أخرى بعدما غرقت برائحة عطره التي ادمنتها فجأة وأخذت تملأ رئتيها منها .. سحبت كفها الذي يُعانقـه بدون إرادة منها ، ألف عاصفـة تحمسها أن تنهض وتنفجر بوجهه وألف مثلهم استسلما لسطوه وحنيته المُفرطة على قلبها التائه ..
بعد معركة طاحنة في نفسها ، بعدت عنـه فأحس بُعدها ، تبسم براحة تامـة وهو يقول :-
نمتي كويس ؟
فاصطدم بردها الجافي :-
أنت ليه خبيت عليا اللي عملته هدير ….. ؟!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم نهال مصطفي
بعد معركة طاحنة في نفسها، ابتعدت عنه فأحس بُعدها. تبسم براحة تامة وهو يقول:
نمتي كويس؟
فاصطدم بردها الجافي:
أنت ليه خبيت عليا اللي عملته هدير؟
أخذ نفسًا طويلًا بارتياح وقال مستفهمًا:
يادي هدير وسنين هدير السودة. أيه اللي عملته تاني؟
عقد الغضب طفائره بملامحها وقالت بنبرة عالية:
لو سمحت قوم وكلمني زي ما بكلمك.
اعتدل في نومتـه متأففًا:
ها ياستي، طلقتها امبارح. أيه حصل! زعلانة ليه؟
ثرثرت بوجهه:
وانا مالي تطلقها ولا تتجوزها.
أومال ايه الاصطباحة دي؟
وبخته بعتب:
ليه ماقولتش انها حطت لي مخدر في العصير؟
أصدر إيماءة خافتة وأسبل عينيه مستفهمًا:
سيدة اللي قالت لك!
نهضت من جواره وهبت معترضة:
ده كل اللي هامك يعني؟ عرفت وخلاص.
نهض خلفها وحاول إيضاح الصورة:
الموضوع مش مستاهل كل العصبية دي، اللي حصل حصل وهي خدت جزاءها.
لوحت بكفها رافضة كلامه، مستخدمة شخصية رسيل القوية:
الكلام ده مش معايا. لما ضربتني هي ومامتك وخالتك عملت أيه؟ وأهو لتاني مرة حاولت تأذيني، عملت ايه أنت في كل ده؟
ثم اقتربت منه متحدية:
أنا مبحبش العوج، وما دام اديتك ثقتي اعرف أنها حاجة كبيرة أوي، وواضح أنك مش قدها.
من دلوقتِ، أنا شايفة نفضها سيرة.
وكظم غضبه في نفسه ملتمسًا لها عذر حالتها الصحية وقال بضيق:
بلاش تقولي كلام يزعل، عشان أنا لحد دلوقتِ مقدر حالتك وظروفك وهعمل نفسي مسمعتش حاجة.
أمسكت رأسها المتصدعة وتحملت على عكاز كبريائها:
والله؟ مش مضطر خالص تستحمل جناني على فكرة، وأنا غلطانة إني وثقت فيك، بس للأسف أنت مش قد الثقة دي، وأنا رجعت في كلامي ومش عايزة مساعدة من حد.
تحاشى النظر عنها كي لا يخدشها بنظرته الحادة:
ماهو مش لعب عيال وقت ما تقابلي حاجة مش عاجباكي تقولي هنسحب. مش لاعبة!
تنهدت بحرقة ولمعت عينيها بدموع حزنها. ارتدى حذائه على الفور عندما قطع شجارهم صوت طرق الباب. جففت حياة دموعها بسرعة وتمتمت:
تعالى يا سيدة!
دخلت سيدة بتردد وخطوات متراجعة وغمغمت:
عيني باردة عليكم، أنا لازم أبخر البيت. أنتوا والله محسودين.
تأهب عاصي للذهاب ملقيًا جملته الأخيرة:
عقليها يا سيدة عشان شكلها نسيت مين هو عاصي دويدار.
غادر عاصي الغرفة. فركضت سيدة نحو حياة وقالت بلهفة:
حصل أيه بس؟ ليه تزعليه كده ما كان حلو وهادي.
تمتمت حياة بغيظ:
أهو ظهر على حقيقته. من بدايتها بيخبي ويكذب وفي الآخر يتعصب ويقلب الترابيزة ويمشي. أنا ليا كلام تاني معاه، أنا أصلا مش عايزة مساعدته ولا عايزة منه حاجة.
رمقتها سيدة بذهول:
ياست حياة أنت بتكلمي نفسك! أنا مش فاهمة حاجة.
زفرت حياة بضيق وجلست على المقعد تقضم في أظافرها بغل:
هو إزاي يخبي عليا حاجة زي كده؟
ربتت سيدة على كتفها بقلة حيلة:
هدي نفسك وروقي، هروح أعمل لك حاجة تشربيها تهديكي.
***
"أتمنى لو كان بإمكاني حرق كل شيءٍ حدثَ بيننا، ونعودُ إلى الوراءِ، إلى ما قبل اللقاءِ ولا نلتقي أبدًا."
تجلس عالية أمام مكتبها منغمسة في الرسم الهندسي المقترح لتقديمـه في المشروع الجديد التابع للكلية، تلهو عن مفاوضات قلبها الحزين المنتقل من مرحلة "كيفَ السبيلُ إلى وِصالِكَ دُلّنِي" إلى "كيف السبيل إلى نسيانك؟!". نزعت نوران نظارتها الطبية واقتربت منها متسائلة بزهق:
سكوتك ده قالقني.
تركت عالية القلم الرصاص من يدها:
ليه بس؟ أنا تمام.
أشك! ثم وضعت سبابتها على شفتها متسائلة:
الجدع ده اختفى كده مرة واحدة؟
تنهدت عالية بنبرة فاقدة للأمل:
حاسة أني غلطت يا نوران، واديت لنفسي أمل على الفاضي.
ليـه بتقولي كده؟
أكملت بمرارة:
أنا كنت معاه وفي عصمته، لو كان عايز كان هيخترع مليون حل، أنما مراد حسم قراره خلاص، وأي محاولة مني هتبقى تقليل من كرامتي.
فكرت نوران في كلامها اليأس طويلًا وقالت بنبرة محاولة منها أن تخلق أملًا جديدًا:
مش يمكن يطلع عاملنا مفاجأة في الآخر ويردك بس سايبك تاخدي وقتك وكده.
ضحكت عالية باستهزاء ثم أكملت نوران بحماس:
والله زي ما بقول لك، حصلت كتير في المسلسلات العربي والتركي وأغلب الروايات الهابطة اللي شمس كانت تقراها كان يحصل كده.
ابتسمت عالية ابتسامة مزيجًا من القهر والسخرية وقالت:
ده ممكن يحصل لما يكون الزواج شرعي ومتكامل، أما أنا ومراد كنا في حكم المخطوبين. روحي ذاكري يا نوران.
تصلبت تعابير وجه نوران للحظات تحاول فهم ما تشير إليه عالية. وفي تلك اللحظة دخلت عبلة لتقطع حديثهم. تحمحمت نوران بخفوت ثم عادت إلى كتابها مرة أخرى تحت ظل نظرات عبلة الانتقامية وهي تغمغم:
أنا مش عارفة هنخلص من العك ده امتى.
ثم نظرت لعالية وقالت بصرامة:
عايزاكي.
خير يا ماما.
تأففت عبلة على طريقة ابنتها العدوانية:
أيه الأسلوب اللي بتكلميني بيه ده؟
ردت معترضة:
وأنا قلت أيه بس؟
أف، قومي نروح النادي سوا.
مش فاضية، عندي مذاكرة وشغل كتير.
غضبت عبلة برفض قاطع:
مفيش الكلام ده، قومي يلا عشان وليد هو كمان جاي مع مامته النادي وفرصة تتعرفوا على بعض.
وقفت عالية كالملدوغة من مكانها:
ماما لو سمحتي، بلاش الطريقة دي ولا الأسلوب ده، سيبيني أركز في دراستي.
انفجرت عبلة في وجهها:
دراستي دراستي! أيه وأنا أم ومن حقي أطمن عليكي مع شخص يستاهلك!
وبخته عالية:
يستاهلني ولا يمشي لكم مصالحكم وشغلكم، وحضرتك لو خايفة عليا صحيح زي ما بتقولي كنتِ وقفتي جمبي من وقت ما أجبرتوني اتجوز مراد، وكانت إيه النتيجة؟
توترت الكلمات في عينيها قبل لسانها:
ده كان موضوع وانتهى، أحنا في دلوقتِ!
مفيش حاجة انتهت، نفس الغلط بنفس الطريقة بتتكرر، وكله بيحط على دماغي أنا في الآخر. خلاص يا عبلة هانم أنا مش هقبل أكون لعبة في أيديكم تحركوها زي ما انت عايزين!
جحظت عيني عبلة:
أنتِ إزاي بتكلميني كده! اااه ولا هي قعدتك مع بتاعت شُبرا بوظت دماغك، فوقي يا عالية.
أنا أول مرة أكون فايقة فيها النهاردة، واللي عندي قلته، ومش هسمح لمخلوق تاني يظلمني.
وُضعت عبلة في مأزق ما بين شخصية ابنتها الجديدة والشخصية التي اعتادت أن تقول سمعًا وطاعة. حاولت تهدأ الأمر معها وقالت:
طيب معلش النهاردة وبس، عشان اديت مامته معاد. بلاش تخلي شكلي وحش.
أصرت عالية على موقفها:
مشكلتك مش مشكلتي، أنا ما اديتش لحد مواعيد، من فضلك عايزة أذاكر.
رمقتها عبلة بغل:
طيب يا عالية هتشوفي كلام مين فينا اللي هيمشي.
***
دخل عاصي المكتب على مراد بدون سابق إنذار. في اللحظة التي أخبره حمدي بالاسم كان عاصي واقفًا خلفه كالشبح. سمح مراد لمدير مكتبه بالمغادرة وتعامل بلطف وهو يفارق مكتبه ويتجه نحوه ليُرحب به:
عاصي بيه دويدار في مكتبي. اتفضل!
رد بصرامة:
مش جاي أضيف يا مراد، هما كلمتين وهمشي.
أشار مراد ناحية الأريكة الجلدية وقال:
مش معقول هتقولهم وأنت واقف كده، تعالى نقعد.
تحرك عاصي بفظاظته وشموخه المعهود وجلس على المقعد الجلدي. سأله مراد:
تشرب إيه؟
قلت لك مش جاي أضيف.
تفهم مراد الأمر وجلس مقابله قائلًا:
سامعك.
دخل عاصي بالموضوع بدون مقدمات:
أنتَ وعالية انفصلتوا، فين حقوق أختي كاملة وورقة طلاقها.
أحمر وجه مراد بدماء الضيق وقال مستسلمًا:
أنا عارف أني اتأخرت في الإجراءات لأن المحامي مشغول الفترة دي، مع انتهاء عدتها كل حقوق عالية هتوصلها.
ثم أوضح:
أنا مش ناسي، وعارف أيه اللي ليا وأيه اللي عليا.
هز عاصي رأسه متفقًا وأكمل:
جميل! الموضوع التاني، أرض العلمين اللي جنب أرضي وعيني كانت عليها. تروح تتنازل عنها ويبقى عربون صلح على اللي عملته معانا. وأنا هفكر أذا كنت هقبله ولا لا.
عقد مراد بدهشة:
ارض أيه؟ أنا مشترتش أي أرض جنبك في العلمين، أنا أغلب شغلي في إسكندرية.
بدأ الغضب يتراكض في صوته:
الـ 15 فدان يا مراد، مش عايز لف ودوران.
أكد مراد موقفه:
أنا بقولك أهو مشترتش أي أرض هناك ولا أعرف عنها حاجة.
عقد عاصي جبينه مندهشة:
أومال مين اللي أخدها؟
***
تجلس "حياة" على بار المطبخ بملل. لم تتحمل الوحدة أكثر من ذلك. أحضرت لها سيدة كوبًا من الحليب الدافئ:
اشربي دي بس، أنتِ ليكي يومين مفيش لقمة دخلت بطنك.
تريد أن تبكي وبدون سبب واضح. ردت بفتور:
ابعديها عني ياسيدة، ماليش نفس أكل أي حاجة.
راقبتها سيدة بشفقة واقترحت:
طيب ما تجربي تكلمي البيـه، يمكن لما تسمعي صوته نفسك تتفتح.
تأففت باختناق:
البيه ده اللي مفكرش يسأل عليا يومين وقافل علينا بالمفتاح، وموقف رجالته تحت العمارة؟ دا أنا زي اللي عايشة في سجن.
ربتت سيدة على كتفها:
طيب روقي دمك، دانتي شايلة في قلبك ومعبية من البيـه، والله طيب وما يستاهل ده كله. طيب اشربي بس اللبن.
يبدو أنها تفتقده بطريقة تجعلها تريد البكاء وتشعرها أن الكون كله غاضب مثلها. والموسيقى حولها مزعجة. والظلام متسلط على حياتها. نسمات الهواء تجرح أكثر ما تطيب. تركت المقعد بفتور:
يوه بقي يا سيدة قُلت لك مش عايزة.
ضربت سيدة كفًا على الآخر عندما دخلت حياة غرفتها ثم توارت بأحد جوانب المطبخ وأخرجت المفتاح الذي تركه لها عاصي وخبأته بأحد الأدراج متنهدة:
ربنا يهدي سركم.
***
وصلت هدير إلى شركة "هاشم مدكور" بعد تلقيها مكالمة هاتفية منه. عندما وصلت إلى شركته، رحبت بها مديرة مكتبه وسمحت لها بالدخول إليه على الفور. بدون تردد دخلت إليه وصافحته فسألها:
تشربي إيه؟
قهوة مظبوط.
ابتسم هاشم وأشار لمديرة مكتبه:
اتنين قهوة مظبوط.
انتظر خروج الفتاة حتى قال مرحبًا:
أنا مش مصدق نفسي؟ المدير الإعلامي لشركات دويدار قاعدة قُدامي!
وضعت هدير ساقًا فوق الأخرى:
أقدر أعرف حضرتك عايز إيه من المدير الإعلامي لشركات دويدار؟
فارق مقعده وانتقل ليجلس بجوارها بعد ما قدم لها سيجارة وقالت:
مابخنش.
أشعل هاشم سيجارته وأكمل:
شغل ومصلحة لينا كلنا؟
أفهم.
أنا عارف علاقتك بعاصي مش الطف حاجة.
قاطعته بحدة:
حاجة متخصكش.
اسمعيني للأخر، أحنا الاتنين هدفنا عاصي دويدار. وأنت هنا عشان تساعديني في ده. عاصي لو كمل زي ما هو هيكون الولد اللي هيقش السوق كله وأحنا نقضيها دومنة في بيوتنا.
ثبتت هدير قائمة ومعارضة:
مهما كانت الخلافات بيني وبين عاصي، الشغل بعيد كل البعد عن كل ده. آسفة يا هاشم بيه، بس مشكلتي مع عاصي ما تخصش حد غيري. وحوار أن عاصي ياكل منك السوق ده يتوقف على مدى شطارتك. بعد إذنك.
وقف أمامها ليعيق طريقها قائلًا:
استني، كلامنا مخلصش.
***
ركل باب غرفة عبلة بقدمه ودخل عليها كالعاصفة. قفلت عبلة مكالمتها مع فريد وهتفت معترضة:
أيه ده! أنت مالك وأي الطريقـة؟
أشار بسبابته محذرًا:
أنا المفروض أقول لك كام مرة شيلي عالية من دماغك.
ارتخت ملامحها المشدوهة إلى أخرى معترضة:
مالكش فيه، بنتي وأجوزها على مزاجي، زي ما أنت كمان بتعمل كل اللي يجي على مزاجك.
كور قبضة يده بغضب حتى برزت عروقه وجهر:
قلت لك شيلي عالية من دماغك، كفاية اللي حصلها من ورا جوازها من مراد.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بتحدٍ:
تمام، فكنا من عالية، تتجوز أنت وئام أخت وليد! ونطلع من العيلة دي بأي مصلحة!
أنتِ مصنوعة من أيه؟ قاعدة بس تقولي مين يتجوز مين والمهم المصلحة! أنت مشبعتيش!
كانت كلماته تنافس الرعد في قوتها، فلم تكن كلماته مجرد غضب بل كل عبارة عن تراكمات. لم يرعبها اندفاعه بقدر ما حرك بنفسها أسلحة الحرب. وقفت أمامه متحدية:
وأنت شبعت! رد عليا أنت شبعت من الإمبراطورية اللي عايش فيها! طول عمرك ماشي بمبدأ البحر يحب الزيادة، والدليل أهو أنك لسه واقف قُدامي بشخصية عاصي دويدار. عاصي اللي أنا عملته.
أنتِ عملتي نفسك قبل أي حاجة. ومش وقته نقلب في دفاتر هتحرقك أنتِ أول واحدة.
ثم أشار بسبابته متوعدًا:
اللي عملتيه فيا مش هسمح لك تعمليه مع عالية. ابعدي عن أختي وده آخر تحذير ليكي.
غلت النيران بعروقها فقذفته قائلة بصدى كلمة وصلت إلى آذان كريم الذي يستمع إليهم من وراء الباب:
مش أختك. ومتعشش الدور عليا، هي بنت عبلة المحلاوي وشهاب دويدار بنت الحسب والنسب، أما أنت ابن تحية الخياطة وعبدالعظيم الجنايني. فوق، فوق بدل ما أفوقك بطريقتي.
تحولت نيرانه المشتعلة إلى جمر يحترق بداخله. انخفضت نبرة صوته وقال بنبرة أخافتها:
كنت متأكد أن اليوم ده هيجي، خليكي فاكرة أنتِ اللي ابتديتي.
كانت هذه آخر جملة قالها عاصي قبل ما يُغادر غرفتها. أحس كريم خطواته فتوارى خلف الجدار. سار عاصي بشظايا غضبه مناديًا على أحد الخادمات وأمرها بتجهيز بناته وضب حقائبهم على الفور.
***
في حاجة غريبة بره، عاصي متعصب وواضح أنه اتخانق مع مامته. ده حتى هياخد بناته من البيت ويمشي.
أردفت شمس جملتها الأخيرة بعد ما قفلت الباب بحرص شديد وبيدها مائدة العشاء، وضعتها على الطاولة الصغيرة فقال تميم متعجبًا:
ماله عاصي! لو سمحتي يا شمس هاتي الموبايل أكلمه.
تدخلت ناصحة:
بلاش دلوقتي لأن واضح الحوار كبير، استنى يهدى وافهم منه.
غمغم بشك:
دي أول مرة يعملها، هياخد بناته ويروح فين طيب!
أخرجت شمس "بشكير" من الخزانة وبسطته على رجليه وقالت:
مش عارفة، شكله مكنش يطمن بالمرة.
في تلك اللحظة جاء صوت رنين هاتفه، ركضت شمس وأحضرته، رد تميم بعجل:
طمني إيه الأخبار؟
رد المتصل:
تميم بيه، سبب الوفاة جرعة أنسولين زيادة.
تمام. شكراً لتعبك يا حضرة الظابط.
رمقه شمس بتحير:
خير يا تميم.
رد بحزن وخيم:
عم حسين، اتوفى بسبب جرعة أنسولين زيادة. ده اللي اتكتب في التقرير الطبي.
تسربت براثين الشك إلى رأسها وقالت بشك:
مش عارفة. ممكن يكون صح، بس قلبي مش مطمن معرفش ليه!
أيد شعورها قائلًا:
وأنا كمان، حاسس بكده.
سبحت شمس في تفكيرها وغمغمت:
تفتكر يكون في علاقة بين الموضوعين! خناقة عاصي مع أمه.. ووفاة عم حسين!
لا مظنش، الموضوع كبير ومقلق!
مرت دقائق من الصمت حتى قطعته شمس لتلطف الأجواء:
طيب أيه مش هناكل!
على حدة، ركضت جيهان إلى أختها متسائلة:
في أيه يا عبلة؟ عاصي واخد بناته ورايح فين؟
تحججت عبلة قائلة:
مفيش، شدينا بس عشان موضوع طلاقه من هدير، أنتِ عارفة أنا مكنتش عايزة ده يحصل بس هنعمل أيه؟
ثم حدجتها بخبث:
هي هدير لسه حامل ولا دي مسرحية خايبة منها؟
***
وصل عاصي برفقـة بناته إلى الشقة التي تعيش بها حياة. ترك البواب الحقائب لسيدة لتدخلهم. هتفت تاليا بحماس:
أنطي حياة فين؟
ردت سيدة:
جوة في أوضتها. ادخلولها يلا دي هتفرح أوي.
هتف عاصي بكلل:
دخلي الشنط يا سيدة.
سألته سيدة بفضول:
هما البنات هيقعدوا معاكم هنا!
رمى جسده بتعب على الأريكة:
أيوه يا سيدة.
خير والقصر ماله؟ هو حصل إيه يا عاصي بيه؟
أغمض عينيه بفتور وجهر:
سيدة دماغي هتنفجر، مش متحمل كلام زيادة.
بلعت سيدة ما تبقى في حلقها من كلمات فضولية، ولكنها لم تتوقف عن الثرثرة بعد. دنت منه قائلة بتخابث:
الست حياة ليها يومين محطتش لقمة في بؤها، وحالها يصعب على الكافر.
التفت إليها باهتمام:
ليـه مالها؟
أنت لحقت تنسى يا بني؟! ما أنت سايب البنت تضرب أخماس فـ أسداس وتكلم نفسها حتى ما هان عليك تطيب خاطرها.
اعتدل في جلسته وأخذ يلوم نفسه بسبب انشغاله عنها الفترة الماضية وقال متعجبًا:
هي لسـه زعلانة من وقتها! دا أنا نسيت!
غمزت سيدة بعينها:
والعاشق ينسى إزاي. شوف هتصالحها إزاي بقا لأنها على آخرها.
"بالغرفة"
تناست حياة همومها قليلًا وهي تمازح الفتيات ويتبادلن الحديث. دخل عاصي يحك ذقنه لا يعرف من أين سيبدأ. تحمحم بخفوت وسألها بحاجبيه المنعقدة:
عاملة إيه!
حدجته بضيق:
بخير.
أخذ يلف في الغرفة بدون مقصد يستمع لتحاورها مع صغاره حتى اقترح عليهم:
أيه رأيكم تيجوا نتعشى بره؟
هلل الصغار بمرح وهتفوا بصوت واحد:
yes.
حدجه بعينيه المتلصصة، فتحاشت النظر عنه. جلس مقابلها وسألها:
أيه رأيك؟
هزت كتفيها مرتدية وشاح التجاهل:
أنا! وأنا مالي.
مالك إزاي؟ أكيد مش هنخرج لوحدنا يعني.
تبادلت الثنائي النظرات حتى قطعتهما داليا:
أيه ده! مش هينفع نخرج من غيرك يا أنطي.
مال عاصي على أذان صغيرته طالبًا:
استوني بره وأنا هقنعها.
نفذت الصغيرة الأمر في الحال وهي تمسك بيد أختها التي هتفت:
اقنعيها بسرعة يابابي عشان أنا جعانة أوي.
دعواتك بالتساهيل. خدوا الباب وراكم.
مُجرد ما انغلق عليهم الباب فارقت مكانها بسرعة معلنة عليه الهرب. أمسك بكفها قائلًا:
على فين؟
نهرته:
مالكش فيه.
أيه الوش ده بقا؟ ثم وثب قائمًا ليقف أمامها وأكمل:
عارف أنك زعلانة مني. وحقك، قوليلي أيه يراضيكي وأعمله.
سحب كفها من قبضته وقالت بحدة:
مش عايزة حاجة.
مسك ذقنها ورفع وجهه إليه برفق وقال:
بس أنا عايز. عايز أشوف ضحكتك، وحشتني أوي.
ثم عاد ليمسك كفيها مرة أخرى وقال:
غيابي كان غصب عني والله، بس مكنتش أعرف أن قلبك أسود كده.
تحاشت النظر إليه:
وأنا مالي.
دنى منها خطوة سلحفية وقال:
مش بتاكلي ليه؟
أنت بتتعامل عادي كأن مفيش حاجة حصلت؟
خرجت حياة عن صمتها وسنت أنياب العتاب التي تلاقاها بلطف:
وكان إيه اللي حصل!
ابتعدت عنه بضيق:
كمان!
اتبع خُطاها بهدوء وقال:
شوفي يا حياة، يمكن لسه معرفتيش طبعي، أنا ما بحبش العتاب، واللي فات مات بالنسبة لي، ولو هنقف لبعض على الواحدة يبقى حياتنا كلها هتبقى مشاكل.
وبخته قائلة:
وهروبك حل!
عشان لو بقيت أكتر كنا إحنا الاتنين هنزعل بعض.
ردت ساخرة:
ااه تختفي يومين ولا كأني في بني آدمة محبوسة بين أربع حيطان!
اقترب منها أكثر أخذ يداعب شعرها من الخلف الذي اشتاق له كثيرًا وقال بمزاح:
وأنت متعصبة عشان وحشتك ولا سبتك ومشيت؟
كانت للجملة وقع أقوى من السيف على قلبها خاصة عندما جاء ممزوجًا بلمساته الساحرة التي تعرف ما تفعله جيدًا. حسمت أمرها الحائر معه في طوي صفحات الحديث:
عايزة أنام.
وأنا مش عايز.
حل مشكلتك بنفسك بقا.
كادت أن تخطو خطوة فأوقفها مستخدمًا سلاحًا جديدًا:
طيب أنا مزعلك وأستاهل كل اللي يجرالي، أيه ذنب الأبرياء اللي بره.
رمقته بتوجس تخفي وراءه ابتسامتها على طريقته التي يحاول إقناعها بها. اقترب منها وقبل كفيها متأملًا أن تعفو عنه حتى قالت:
تمام عشان خاطر البنات بس. لكن مشكلتي معاك مخلصتش.
عقد حاجبيه متعجبًا:
قلبك أسود أوي.
شدت كفيها من يديه معترضة:
تؤ-تؤ إيه بس. روحي البسي يلا ولما نرجع وعد مني هنكمل خناق للصبح.
بتاخدني على قد عقلي؟
في تلك اللحظة رن هاتفه فظهر اسم يسري. رد عليه بلهفة كمن ينتظر خبرًا يهمه:
عملت إيه؟
خرج يسري من المستودع المظلم وقال:
قاسم صفوان تحت أيدي دلوقتي. تحب نخلص عليه.
هتف بحماس:
لا يا يسري، أنا جايله.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم نهال مصطفي
رن هاتفه فظهر اسم يسري، رد بلهفة كمن ينتظر خبرًا يهمه.
"عملت إيه؟"
خرج يسري من المستودع المظلم وقال: "قاسم صفوان تحت إيدي دلوقتي. تحب نخلص عليه؟"
هتف بحماس: "لأ يا يسري، أنا جايله."
لاحظت تغير ملامح وجهه التي كانت تحاول إرضائها إلى أخرى تكدس الغضب بداخلها. نزع ساعته المعدنية متجاهلًا وجودها وفضولها، ثم سترته السوداء التي وضعها على ظهر المقعد المبطن. خرجت عن صمتها متعجبة:
"إنت بتعمل إيه؟!"
رد باختصار: "واضح إنك مش حابة تخرجي، مش هجبرك. أغير هدومي بقى!"
تكدس الغضب بوجهها وعارضته بحدة:
"تغير فين؟ دي أوضتي. تقدر تروح تشوف لك أوضة تانية تغير فيها."
انعقد حاجباه وهو يفحصها من رأسها للكاحل:
"الكلام ده ليا؟"
ردت بعفوية:
"لسه متجننتش عشان أكلم نفسي!!"
دنا منها خطوة سلحفية وهو يجاريها:
"إيه الأسلوب ده بقى؟"
تحدته:
"هو ده أسلوبي لو كان عاجبك."
ارتدى ثوب دويدار الذي تعمد أن يتخلص منه أمامها:
"زفت.. أسلوبك زفت. ولو متعدلش معايا هعدلك أنا يا حياة."
"وأنت كمان ليك عين تبجح، يعني غلطان وبتبجح!!"
ضرب كفًا على الآخر بنفاذ صبر محاولًا تمالك أعصابه:
"شوفي أنا دماغي فيها اللي مكفيها، عدي الليلة."
وضعت يديها في خصرها بعناد:
"والله! يعني أنا بقيت حمل تقيل دلوقتي؟ وإيه اللي يجبرك على كده!! أحنا نفضها سيرة خالص."
تأفف بضيق:
"حياة، إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ إيه يراضيكي يا ستي وأنا هعمله."
فكرت للحظات حائرة لا تدرك حالة المزاجية التي أصابتها، ردت بقلة حيلة:
"مش عايزة حاجة."
وقف أمامها بعد ما استجمع نفسه وركن غضبه جنبًا، تفوه بنبرة حنونة:
"لو زعلانة من حاجة أجليها لبكرة ممكن. أنا مش هربان من نكد أجي لنكد."
ثم مرر أصابعه على وجنتها برفق:
"ممكن!"
سكنت دواخلها فجأة بقربه، بانتشائها لعطره، للمساته الساحرة، لنظراته الجريئة التي تطالعها بحرية. ضم كفها الرقيق كفه المتدلل على وجنتها وقالت بخفوت:
"تمام."
اتسعت ابتسامته المتعجبة ببراءتها واكتفى بتقبيل يدها بقبلة رقيقة ثم ولى ظهره منسحبًا من أمامها. استردت حالتها المزاجية مرة أخرى وصاحت:
"ممكن أعرف عملت إيه في اللي اسمها هدير بعد عملتها السودا دي!"
ثم قهقهت ساخرة:
"آه طبعًا ولا حاجة، عشان أنا عندك مش مهم، وإيه يعني حبوب هلوسة!!"
عض على شفته بنفاذ صبر وهو يكور قبضته بغيظ:
"ومين قال لك إنها متحاسبتش على اللي عملته."
وقفت أمامه عاقدة ذراعيها باستهزاء:
"والله!! هااه سمعني بقى عملت فيها إيه يا ترى؟"
رد باختصار:
"طلقتها."
ردت ساخرة:
"هااه.. وده عقاب!! ده ربنا نجدها…"
لم ينجح في إخفاء ابتسامته الخفيفة عنها والمتعجبة من تلقائيتها في الحديث معه. أخذ يدنو منها تدريجيًا وهو يطالع عينيها المرتعدة بجراءة وسألها بخبث:
"للدرجة دي شايفاني شخص وحش؟!"
يبدو أن الغرق هذه المرة سيكون ملزمًا بموجة قربه العاتية. تصلبت تعابير وجهها وهي ترمقه بثغر مزموم، دنا منها خطوته الأخيرة رافعًا حاجبه متعمدًا إرعابها وإرباكها:
"هاه! مش سامع."
بللت حلقه الذي جف من عواصفه التي هبت بكيانها، فهزت رأسها يمينًا ويسارًا بتوجس وما زالت تحت سطو شرودها. وضع يده على خصرها بجراءة زائدة ومال على أذنها مكررًا سؤاله بصيغة أخرى:
"مفهمتش!! آه ولا لأ!!"
سرت بجسدها قشعريرة قوية بسبب رائحته التي ملأت جيوب صدرها وقالت بخفوت:
"لأ."
لا زال محافظًا على نبرته الحنونة وهو يصالح مزاجه بعبيرها:
"لأ إيه!!"
لم تجد سبيلًا للتخلص من جيوشه المنقضة على مشاعرها سوى الهرب. تملصت بخفة فراشة من بين يده وولت وجهها عنه تاركة الغرفة وهي تتحاشى النظر إليه تمامًا محتمية من فوهة أسلحته التي تعرف هدفها بدقة. اتسعت ابتسامته وهو يضرب كفًا على كف ويقول لنفسه:
"ابتدينا في الجنان!"
"عودة للقصـر"
"إنت جايبني لحد هنا في وقت زي ده عشان أتفرج عليك وأنت ساكت وبتتأمل السما كده!!"
صاحت نوران بنفاذ صبر من صمت كريم المنغمس في فوضى أفكاره المزعجة، ثم زفرت بضيق وهي تضرب الأرض بقدمها:
"أنا غلطانة أصلًا لأني سمعت كلامك، أنا همشي."
لم تجد منه أي رد أو اعتراض على ذهابها. ما كادت أن تخطو خطوتين فتراجعت نادمة وعادت إليه برأس مطأطأة:
"واضح إن الموضوع كبير!! ما تقول حصل إيه."
تنهد كريم بحيرة وهو يستند على جدار الشجرة التي يتوارى الثنائي خلفها وقال بكلل:
"مش لاقي حد أتكلم معاه، ولا عارف أوصل لحل لوحدي."
أطرقت نوران بتوجس:
"قلقتني؟ قول طيب يمكن أساعدك."
فكر للحظات ثم قال:
"كنت معدي بالصدفة من جنب أوضة خالتي، سمعتها بتزعق هي وعاصي. معرفش إيه وقفني أسمعهم. يمكن لما سمعت اسم عالية!!"
قاطعته نوران بتخمين:
"أكيد اتخانقوا عشان موضوع العريس اللي متقدم لعالية ده. تفتكر ده السبب اللي خلاه يمشي!"
هز رأسه بثقة:
"لأ.. الموضوع أكبر من كده بكتير."
"إزاي؟!"
"لأن خالتي قالتله مش أختك ومتنساش نفسك، وكلام كده مفهمتوش!!"
ثم زفر باختناق:
"يا رب أكون سمعت غلط."
تقاسمت الدهشة معالم وجهها:
"مش أخته!! طيب إزاي!! يعني إيه مش أخته؟"
ثم هزت رأسها بالنفي:
"لأ أكيد أنت سمعت غلط!! أومال تكون عالية بنت مين لما هي مش أخته؟"
ثم طالعته لتختم حيرتها:
"كريم إنت متأكد من اللي سمعته؟!"
"زي ما أنا متأكد إني واقف قدامك!! بس يا ترى قصدهم إيه؟"
لاحظت نوران إشعال نور الغرفة التي بها شمس، فقفز الخوف بقلبها وقالت بعجل:
"أنا همشي دلوقتي قبل ما حد يشوفنا، بس كلامنا لسه مخلصش."
أوقفها مؤكدًا:
"نوران مش محتاج آكد عليكِ، ولا كأني قلت حاجة!!"
طالعته باستخفاف:
"ليه وأنا هبلة؟!"
ابتسم لعفويتها وقال مازحًا:
"عندك شك!"
أجابته بعجل:
"فكرني أحاسبك بعدين على كلامك ده."
تركته وفرت كالأرنب الذي يتلفت حوله هنا وهناك خشية من أن يراه أحد. أخذ يرمقها بنظراته الحائرة حتى تبسم معترفًا لنفسه:
"ماهي هبلة فعلًا."
وصلت نوران المتسللة بخفة إلى درجات السلم فالتقت بأختها التي تحمل كوب الأعشاب الساخن، سألتها بحدة:
"كنتِ فين! وإيه مصحيكي لحد دلوقتي!"
بدا الارتباك على ملامحها وهي تلوح بعبث:
"ولا حاجة يا شمس، اتخنقت نزلت أشم شوية هوا بس.. هروح أنام أهو."
حدجتها محذرة:
"خلي بالك من تصرفاتك يا نوران، أحنا هنا مش في بيتنا والخطوة محسوبة عليكي."
"وأنا كنت عملت إيه لكل ده!! تصبحي على خير يا شمس."
ركضت لأعلى مجرد ما أنهت جملتها الأخيرة هاربة من استجواب أختها. ما كادت أن تسللت لغرفتها فلاحظت شمس عودة كريم من نفس الباب الخلفي الذي أتت منه أختها. تسرب وميض الشك إلى رأسها وهي ترمقه باستغراب حتى تمتمت متوعدة:
"أياكي يكون اللي في بالي صح يا نوران، هقطع رقبتك."
انتهت سيدة من حمل الأطباق وإعادة ترتيب السفرة مرة ثانية بعدما فرغوا من تناول العشاء الذي طلبه عاصي من الخارج. تفوهت داليا بسعادة:
"الأكل كان حلو أوي يا بابي."
"هنا وشفا يا حبيبتي، يلا قوموا اغسلوا إيدكم وسنانكم عشان الوقت اتأخر والجو برد."
ثم نادى على سيدة:
"سيدة، تعالي ساعديهم."
تدخلت حياة في حوارهم كي لا تمنحه فرصة جديدة للانفراد بها وقالت:
"أنا هنيمهم، تعالوا يلا يا بنات."
توقفت تاليا عن السير وسألت أباها:
"بابي، أحنا خلاص هنعيش هنا!"
رد بثبات:
"أيوة يا حبيبتي، شوفوا اللي ناقصكم، وهيكون عندكم."
تسمرت حياة في مكانها وهي تنصت لحوارهم والثقة التي يتحدث بها عاصي. عادت تاليا إليها وأمسكت بكفها، ثم انحنت لمستواهم وقالت برفق:
"اسبقوني أنتوا."
ثم عادت إليه وهو يتفحص أحد الملفات على هاتفه. جذبت مقعد السفرة وجلست على طرفه وسألته في تردد:
"هما البنات مش جايين أجازة ويرجعوا؟"
قفل هاتفه وقال:
"لأ، البنات هيعيشوا هنا."
"ليه!!"
ثم بررت فضولها:
"أقصد يعني ليهم حياتهم في القصر وجدهم، حصل إيه لكده؟"
"وجودهم مضايقك؟"
أجابت بسرعة:
"لأ لأ، إنتَ عارف إني مقصدش كده، أنا بسأل بس."
رد بإيجاز:
"بحاول أحمي الناس اللي بحبهم بس."
"من مين؟!"
"مش لازم تعرفي."
ثم غير مجرى الحديث:
"استعدي، مجرد ما يخلص ورقك هنسافر."
"هنسافر فين وليه.. إنت بترمي ألغاز وأنا المفروض أحلهـا يعني!!"
جاءت تاليا من الخلف وقطعت حديثهم:
"آنسة يلا تعالي بقى."
رمقته بنظرة تخبره فيها أن كلامهم لم ينته بعد ثم نهضت بتردد واتبعت خطوات تاليا وشرعت في أداء دور الأمومة في حياتهم، من حرصها على تنظيف أسنانهم جيدًا، وتغيير ملابسهم وتصفيف شعرهم استعدادًا للنوم في أجواء يغمرها الضحك واللعب الذي تسلل لآذان عاصي فلم يملأ صدره إلا ارتياحًا لصواب قراره.
جاءته سيدة:
"تأمر بحاجة يا بيه؟"
"لأ يا سيدة، روحي نامي."
ما كادت أن تخطو فأوقفها:
"البنات ناموا؟ مش سامع صوتهم."
"أيوة، حتى ست حياة نامت معاهم، تحب أصحيها تنام في أوضتها!"
نهض هو الآخر مستعدًا للنوم وقفل شاشة التلفاز:
"لأ سيبها على راحتها. نامي عشان مدرسة البنات الصبح."
"بتفكري في إيه؟!"
تفوه تميم متسائلًا بفضول إثر تقلب شمس الكثير وقلقها الواضح بجانبه، يبدو أن هناك ما يعكر صفوها. رفعت شمس جفونها ببطء وردت:
"أبدًا، شوية قلق بس."
أصر على سؤاله:
"بتفكري في إيه يا شمس!"
"نوران…"
"مالها؟!"
فكرت طويلًا ثم قالت بتردد:
"تصرفاتها غريبة اليومين دول."
رفع حاجبه يتساءل:
"غريبة إزاي؟"
"أقول لك إيه بس يا تميم، يا رب اللي بفكر فيه يكون مش صح."
"حصل إيه طيب؟!"
روت شمس ما حدث عندما دلفت كي تحضر له كوبًا من الأعشاب، ورؤيتها لكريم التي زادت من الأمر سوءًا.
انتظرها حتى فرغت من حيرتها وقال:
"إنت مصممة تقلقي نفسك وخلاص!!"
"يعني إيه؟"
"يعني كل اللي حصل ده طبيعي، البنت زهقت من المذاكرة نزلت تشم هوا. مكبرة الموضوع ليه؟!"
"طيب ووجود كريم في نفس الوقت؟!"
"صدفة.. صدفة يا شمس عادي، إحنا عايشين في بيت واحد على فكرة!!"
فكل ده وارد.
اطمأن لقلبها لحديثه قليلًا حتى غيرت مجرى الحديث:
"بقيت أحسن دلوقتي؟"
مرر ظهر كفها على وجنتها الناعمة وقال بحب:
"شكرًا على وجودك جنبي."
سطع التوتر من لمساته بعيونها وهي تبرر:
"مفيش شكر ولا حاجة، أي حد مكاني كان هيعمل كده."
أطال النظر بعيونها وكأنه يقر معترفًا:
"بدونها لا يشعر بأنه في حال جيدة، عندما لم تعد موجودة لا عينيها ولا حيويتها ولا غموضها وخجلها الدائم منه.. كما لو أن الأنوار قد انطفأت!"
بدون وعي منه فارقت يده وجنتها ليرسو بإبهامه فوق شفتيها الكرزية ويقول مفصحًا:
"كل يوم بكتشف فيكي حاجة أجمل من اللي قبلها."
ثم اقترب منها قليلًا وأكمل بنبرة فاضحة لنواياه:
"شمس!"
ارتعدت من جواره كالملدوغة وابتعدت عنه لتحتمي بطرف السرير وهي تولى ظهرها وتنكمش تحت اللحاف وتقول بشفاه مرتعشة:
"أنا خلاص هنام، تصبح على خير."
تصرفها صوب خيبة جديدة إلى صدره عن تلك الخطوة التي اتخذها إليها. برقت عيناها عندما وجدته يهمس بأذانها ويبرر تجاوزه:
"كنت هقول لك بلاش تكبري المواضيع وتشيلي هم حاجات مش موجودة من أصله."
ثم ربت على كتفها وأكمل:
"وأنتِ من أهله."
"أحيانًا تملأُ الكلمات فم المرء كما لو أنها فتات زجاجٍ مكسور فإن صمت تؤلمه، وإن تحدثَ تُدميه."
"في الثالثة فجرًا"
قلقت حياة في نومها إثر رفس تاليا الدائم لها، وحركتهم الزائدة أثناء النوم. تركت مخدعهم وتوجهت نحو الأريكة ولكنها لم تتحمل البرد القارص الذي يحاوطها. انتعلت حذائها القطني وخرجت من الغرفة متوجهة إلى الحمام رغبة في التقيؤ ولكنه كان مجرد شعور وهمي.
عندما خرجت تسمرت أمام غرفته متحيّرة أتُقبل عليها أم تتراجع حتى حسمت رائحته القرار وفتحت الباب برفق. تسللت إلى الغرفة بحذر شديد وجلست على الأريكة المبطنة بجوار السرير. لم تجد إلا سترته السوداء لتتخذها كغطاء تحتمي به من صقيع الشتاء ولكنه فتح بابًا جديدًا من الصقيع بقلبها فأخذت تستنشق رائحته كالمدمنين، حتى تسارعت ضربات قلبها وارتخت أعصابها بوتيرة من المشاعر المضطربة.
لم تشبع ملابسه رغبتها في استنشاق عطره الذي بات إدمانها. تركت ما بيدها وخلعت حذائها بحذرٍ، ثم اقتربت منه وانسدت تحت الغطاء بهدوء وهي تملأ رئتيها من رائحته أكثر وأكثر.
كان مظهرها لطيفًا جدًا؛ لم يبدُ عليه العواصف التي تقام في صدرها. لأول مرة اشتهت تأمل ملامحه النائمة عن قرب، تلك الملامح التي انسدت بين ثناياها رجولته القاتلة لقلب كل أنثى يلقاها ألا قلبها الذي لا يزال حيًا يقاومه. تذكرت قربه الساحر وهو يسألها "عن كونه سيئًا لهذا الحد؟!"
فاتسعت ابتسامتها عندما تذكرت ردها وارتباكها وخوفها منه. أخذت تتساءل كثيرًا لماذا تهابه لهذه الدرجة؟ ربما بسبب هيبته الشامخة أم ثقته الزائدة بنفسه؟ فأقرت معترفة وهي تداعب جدائل شعره بحنو:
"حين تحاوطني يداك يلتف عليّ شيء كالحرير.. مثير وناعم."
أخذت تطرح الكثير من الأسئلة لنفسها:
"إنت مين وطلعت لي منين؟! وليـه ببقى زي الطفلة الصغيرة قدامك؟! بقيت تايهة مش عارفة أنا عايزة إيه؟! عايزة أرجع لرسيـل ولا أكمل معاك بحياة "حياة" اللي إنت اخترعتها وأنا حبيتها؟! يا ترى إيه نهاية حكايتي معاك؟! وهتوديني على فين؟! خايفة أسيب لك قلبي أندم تاني؟! بس اللي متأكدة منه إني حاسة معاك بحاجات عمري ما حسيتها قبل كده؟! ما بين كل الفوضى والمشاكل دي كلها حاسة روحي خفيفة وليها أجنحة مش شايلة هموم؟!"
ثم تنهدت بحرقة:
"قلبي عايزني أقرب وعقلي مش مقاومني؟! حتى مش قادرة أفتكر عيوبك عشان آخدها حجة وأبعد!! إنت عملت فيا إيه!!"
غفت على ذراعها متنساية أناملها متغلغلة بين خصلات شعره. في تلك اللحظة رفع عاصي جفونه ليراها ويلحظ قربها المبهم وتصرفاتها التي لا تصدر إلا من فتاة متيمة بلهيب العشق. لم يفعل شيئًا سوى ضمها إلى حضنه ونومها معه على لحن ضربات قلبها المضرمة.
انفلق الصباح وانفلقت عيناه اللامعة، لا تزال نائمة على ذراعها لا تتحرك وكأنها أخيرًا عادت إلى حيث تنتمي، بعناقها كمن امتلك الدنيا في لحظة. رن جرس منبهه فأيقظها، كتم الصوت سريعًا ثم عاد إلى عيونها المنفرجة والحائرة عن أي ريح أتت بها إلى هنا؟
اعتدلت في نومتها وفارقت ذراعه وسألته:
"أنا جيت هنا إزاي؟!"
أغمض جفونه استعدادًا لجولة اضطراباتها الجنونية وقال بهدوء:
"افكري كدا؟!"
عارضته بإصرار تخفي وراءه كبرياءها:
"أنا كنت نايمة جنب البنات!! آه تلاقيها حركة من حركاتك الرخيصة!!"
ما كادت أن تهرب بمسرحيتها من جواره فأمسك بها قائلًا بتساؤل:
"فلنفترض إنك بتمشي وأنتِ نايمة!! كمان بتلعبي في شعري وأنتِ نايمة؟!"
رأى الخجل على ملامحها الطفولية وهي تنكر ما يقوله:
"أكيد حلم، مفيش الكلام ده."
ابتسم ابتسامته الماكرة وقال مجاريًا:
"آه يا ستي أنا اللي أخدتك من جنب البنات."
ثم مال هامسًا إليها:
"إنتِ عارفة اتعودت إنك تنامي جنبي."
فارقها عندما ألقى قنبلته الموقوتة في صدرها وهي تتساءل حائرة حتى سرب وميض الشك إليها:
"ده بيسرح بيا وبيأخدني على قد عقلي!! لآ منا أكيد متجننتش!!"
ثم تأففت بندم:
"غبية!! ليه جيت عنده أصلًا!!!!!"
"تبدل عالمي كلّه، انحصرت أحلامي فيك، فتغيّرت أمنياتي، لم يتبقى في ذاكرتي غيرك ولكن الطريق إليـه فارغ للغاية لا يوجد ما يحتج به القلب للعودة، حتّى التحيّة وقعت كزرّ الثوب فوق الرمل، لم تسمع صدًى.. كما وقعت أنت من بين يدي."
رفعت عالية شعرها كذيل حصان أمام المرآة فاقتربت منها نوران بحيرة:
"إنتِ كويسة؟!"
ردت بملل:
"آه تمام."
"مفيش أخبار عن مراد؟!"
أجابته بحزن:
"لأ."
ثم ترددت:
"آه.."
"آه ولا لأ؟! فزورة دي؟"
بلعت عالية مرارة شعورها:
"كان منزل بوست على الأكونت بتاعه الصبح، اممم وده مش عادته يعني."
"بيقول إيه البوست ده؟!"
"عادي دعاء ديني.. وحمدي مدير أعماله كان كاتب له عمرة مقبولة، شكله سافر السعودية."
فكرت نوران ثم قالت لنفسها:
"شكلي طلعت ظالماه ولا إيه."
ثم ارتفعت نبرة صوتها:
"طيب وإنتِ مضايقة ليه؟"
صدر الجواب في نفسها ورغبة قلبها في الذهاب معه. ارتدت وشاح التجاهل وقالت:
"ولا حاجة، أنا هروح أقعد مع تميم شوية."
"في شركة دويدار"
اقتحمت عبلة الاجتماع بدون إذن مسبق وقالت بوقاحة:
"عاصي، عايزآك."
نظر عاصي إلى موظفي الشركة وقال:
"زي ما اتفقنا، كل واحد عارف هو هيعمل إيه. أهم حاجة الدقة والسرعة."
سأله أحد الموظفين:
"المدير الإعلامي الأستاذة هدير مش المفروض كانت تبقى موجودة؟"
ردت مديرة مكتبه:
"الأستاذة هدير في شغل بره، يومين وهترجع تظبط الدعاية والإعلانات، أهم حاجة كل واحد يلتزم بشغله."
نظر لمديرة مكتبه مؤيدًا لكلامها ثم نهض قائلًا:
"على شغلكم، الاجتماع انتهى."
ثم اتجه نحو مكتبه. اتبعته عبلة خطاه منتظرة مغادرة الموظفين حتى سألته:
"والله!! إنت بتهزر صح؟ إيه حركات العيال دي؟"
رد بصرامة:
"لو سمحتِ إنتِ هنا بتتكلمي مع صاحب شركات دويدار يعني الكلام يكون محسوب، وإلا هتصرف تصرف مش هيعجبك."
"وإنك تاخد بناتك وتمشي من القصر ده تسميه إيه؟"
رد بجفاء:
"أنا حر."
"فكرك مروة هتاخد بالها منهم ولا من ولادها؟ عاصي رجع بناتك القصر."
"بناتي أنا أدرى بمصلحتهم، ومعنديش كلام تاني أقوله."
فارقت مقعدها واقتربت منه راجية:
"متزعلش مني، والله مش قصدي، إنت عارف أنا بحبك أد إيه وعمري ما فرقت بينك وبين عالية."
تجاهل توسلاتها وقال بحدة:
"عندي شغل، ومش فاضي لأي كلام دلوقتي."
رمقته بغلٍ:
"كده يا عاصي!! ماشي، همشي بس كلامنا مخلصش."
خرجت عبلة من مكتبها وأول شيء فعلته هاتفت محاميها الخاص:
"أيوة يا متر، عايزاك تلغي جميع توكيلاتي لعاصي."
وعلى حدى تجلس هدير في سيارتها وتهاتف "هاشم مدكور":
"أنا موافقة، والفترة الجاية السوق هيكون في إيدك."
"بعد مرور أسبوع"
مر أسبوع روتيني لم يحدث به شيئًا يذكر.
عالية لا تزال على حالها تنتظر مكالمة منه وتراقبه بلهفة وقلب مراهق تعلق بأول حب الـتقـاه.
ومراد الذي اختلى بقلبه بأدائه لمراسيم العمرة التي ردت إليه روحه من جديد.
ازدادت مقابلات نوران وكريم السرية التي لن تخلو من الشجار والعناد، ولم يتوقفا الاثنان عن البحث وراء حقيقة ما وقع على أذان كريم.
لم يتوقف تميم عن محاولته لكسر الجدار الفاصل بينه وبين شمس حتى اكتسب ثقتها، وقربهم بسبب مشروع إنشاء المشفى والمشاركة في جميع تفاصيله.
عاد عاصي ظهرًا إلى شقته التي تحوي بساتين من الحب والدفء الذي كان يعيشهم بجوار أحبته، والأجواء الأسرية التي عاشها لأول مرة نازعًا ثوب عاصي دويدار مرتديًا جلباب الزوج والأب. فتح الباب بعد ما أخذ بناته من المدرسة ونادى على سيدة:
"سيدة."
جاءت ركضًا إثر ندائه:
"أوامرك يا بيه؟"
قال آمرًا:
"جهزي شنط البنات عشان مسافرين كمان ساعتين."
سألته بفضول:
"والست حياة؟"
"أكيد مش هسيبها وأسافر يا سيدة، يلا استعجلي."
تأهبت للذهاب فأوقفها:
"هي فين؟"
"عملت الأكل بنفسها ودخلت عشان تستريح شوية."
كادت أن تنصرف ثم أخبرته:
"الهانم مش عاجباني يا ريت تاخدها لدكتور لأنها لا بتاكل ولا بتشرب وأول ما تشم ريحة الأكل تجري على الحمام."
ثم وشوشته:
"أقطع دراعي أما كانت حامل، بس هي مش مصدقة وبتزعق معايا أول ما أقولها كده. بس على مين أنا نظرتي ما تخيبش أبدًا، فاكر يوم الست مها؟ مش أنا اللي جيت وقلت لك أول واحدة."
شرد عاصي للحظات ليقارن ما لاحظه على حياة وما عاشته مها في أشهر الحمل الأولى ولكنه نفض غبار الوهم سريعًا:
"متحطيش في بالك يا سيدة مفيش الكلام ده، أصلًا إحنا مأجلين الموضوع ده شوية، روحي شوفي البنات."
رمقته بنظرة خزى:
"حتى إنت يا بيه!! طيب."
لم يكترث لحديث سيدة واتجه نحو غرفته وجدتها تجلس وتقرأ كتابًا. قفلته عندما رأته وقالت متأففة:
"أنا اتخنقت وزهقت من قعدة البيت دي، مش بعمل حاجة غير إني بطبخ وأتفرج على التلفزيون وأرغي مع سيدة وأذاكر للبنات، أنا حاسة إني مش عايشة وهطق."
ترك حقيبته السوداء على الكومود وقال:
"طيب هيجرى إيه لو قولتي كل الكلام ده من غير عصبية!"
أغرورقت عينيها بالدموع التي لا تعرف سببهم وقالت بعجز:
"مش عارفة، أنا هتجنن ومش عارفة أنا عايزة إيه. بفكر في أخواتي وحياتي القديمة، أنا عايزة أرجع أشتغل وأكتب وأعيش. دي مش عيشة، وفي نفس الوقت مش عايزة أرجع الغردقة ولا حابة حاجة تفكرني بالماضي. أنا تعبت."
تلقى عبراتها المترقرقة على إبهامه وقال:
"طيب إيه رأيك في سفرية لباريس تغيري جو!!"
"مش عارفة، حاسة إن مفيش حاجة هتسعدني الحياة كلها كئيبة حواليـا."
"طيب روّقي وسيدة هتيجي تساعدك في الشنط، وعد هنقضي أحلى يومين هناك."
ردت باستسلام:
"تمام."
ثم ابتعدت عنه سريعًا:
"متحطش من البرفيوم ده تاني مش طايقة ريحته."
وفق حاجبه مستنكرًا:
"نعم!! مش كنتي بتحبيه وبتحبي ريحته؟"
ردت بضيق قبل أن تركض لتتقيأ بالمرحاض:
"مش طايقاه بجد يا عاصي."
"بالقصـر"
دخلت هدير الغرفة على خالتها وهي تحمل على عاتقها دبابير الشر وقالت:
"جيت لك عشان مصلحتنا واحدة."
طالعتها عبلة بضيق:
"مصلحة إيه؟"
"زي ما أنا بخاف على ابني اللي جاي وعايزة أضمن حقه إنتِ كمان أكيد خايفة على ابنك."
ردت ساخرة:
"بصرف النظر عن موضوع ابنك اللي متكلمناش فيه ده.. بس هاتي اللي عندك يا هدير."
سألتها بصرامة:
"عاصي له أكتر من أسبوع مبيتش في البيت يا ترى بيبات فين!! تعرفي؟"
"وأنا هعرف منين؟ عاصي راجل ويعمل اللي عايزه ومصيره هيرجع النهاردة أو بكرة."
وضعت ساق فوق الأخرى وقالت:
"زي ما اتوقعت."
انتبهت لها عبلة بفضول:
"اتوقعتي إيه؟ ما تتكلمي على طول."
رد بثقة:
"عاصي ابنك عايش مع حياة وبناته في شقة واحدة، هبعت لك لوكيشن الشقة عشان تتأكدي."
تبدلت ملامح عبلة ولُجم وجهها بجمر الغضب:
"إنتِ بتقولي إيه؟ عاصي رجع لحياة!! طب إزاي.. لآ عاصي يعمل أي حاجة إلا كده."
ختمت هدير الجولة بينهم بحزم:
"العنوان عندك وتقدري تتأكدي بنفسك. حبيت أحذرك بس بدل ما إنتي نايمة في الخط كده."
شردت عبلة بحقد:
"يا ترى هتودينا على فين يا ابن تحية!!"
وصل عاصي إلى المطار قبل موعد الطائرة بنصف ساعة ولكن وقتها علم بحدوث عطل بطيارته الخاصة وعليهم الانتظار حتى إصلاحه. حينها حجز غرفة بفندق تابع للمطار حين إنهاء العطل. في تلك اللحظة وصلت عبلة إلى العنوان الذي أرسلته هدير. وقفت طويلًا أمام البناية حتى هبطت من سيارتها واتجهت نحو البواب وسألته:
"عاصي دويدار موجود فوق؟"
هز رأسه نافيًا:
"لأ يا هانم."
كررت سؤالها بصيغة أخرى:
"قصدي إمتى جيه هنا وكان معاه حد ولا لأ؟"
رد الحارس بثقة زائدة، خاصة بعد ما أكد عليه عاصي بإنكاره التام إذا سأل عليه أحد:
"عاصي بيه له أكتر من ست شهور مش بيجي هنا."
شكرته عبلة بعرفان بعد ما وضعت بعض النقود بيده وانصرفت متوعدة:
"بتشتغليني يا هدير!! أما أوريكِ."
"صباحًا في مطار باريس"
لمست قدمي حياة أرض المطار بعد رحلة طويلة قضتها بمفردها سارحة لا تتحدث معه إلا قليلًا، وبناته اللاتي أهلكهن التعب فناما.
اتجهوا جميعًا إلى السيارة الفارهة التي تنتظرهم ويقف أمامها يسري الذي أمره بأخذ البنات إلى الفندق وسيلحق بهم. وقفت حياة معترضة:
"ما ينفعش يقعدوا لوحدهم في الفندق."
"حياة يسري معاهم وبعدين هما هيناموا."
رفضت قطعًا:
"ما ينفعش.. يناموا في العربية، وبعدين إحنا هنروح فين؟"
أغمض جفونه ملبيًا لطلبها وصعدوا جميعًا السيارة واتجهوا نحو ما يقصده. بعد مرور ساعة صفت السيارة أمام السفارة المصرية فطلب منها:
"انزلي."
ثم وجه كلامه ليسري:
"خلي بالك من البنات، ولا أقولك روح فطرهم في أي مكان قريب من هنا."
"اللي تأمر بيه معاليك."
هبطت حياة من السيارة وانتظرته حتى وقف أمامها صامتًا للحظات، فأشار برأسه:
"يلا."
"يلا فين؟ أحنا هنا ليه؟!"
"عشان أتجوز رسيل المصري."
وقوع الخبر على آذانها أشبهُ بابتلاع كمية من الصخور على معدة فارغة. تفوهت بدهشة:
"إنت بتحطني قدام الأمر الواقع!! فاكر كده هتلوي دراعي؟!"
"حياة افهميني، ده مش وقت لأي جدال، إحنا داخلين حرب، فلازم أضمن ربحها من كل الاتجاهات وأولهم إنك تبقي مراتي قانونًا، لأنك شرعًا مراتي!"
"وإن قلت مش عايزة!"
"هعارضك، لأني شايف اللي إنتِ مش شايفاه. وجوازنا باسم رسيل مش هيغير أي حاجة بينا، إحنا زي ما إحنا ومش مجبرة على حاجة، ولما تقفي على أرض صلبة هيكون ليكي الاختيار، تكملي معايا أو لآ. هااه قلتِ إيه؟"
ركضت نوران كلصوص مستغلة نوم أغلب الموجودين في القصر لتلقي بكريم وتنفذ ما اتفقا عليه الاثنين. ما أن قابلته وهي تأخذ أنفاسها بصوت مرتفع؛ قال كريم ممازحًا:
"اتجمت بسببك، لما أخد دور برد دلوقتي مين هياخد باله مني."
رد بعفوية:
"أمك."
ضحك كريم بصوت مرتفع على تلقائيتها ولسانها الحاد:
"عنيفة أوي إنتِ."
أخرجت من جيبها منديلًا يحتوي على بقايا خصلات شعر عالية المتساقطة ووضعته بيده وقالت:
"اللي اتفقنا عليه أهو."
"تمام، وأنا هجيب عينة من خالتي."
تنهدت بمرارة:
"يارب يا كريم يطلع كل ده مش صح. بجد عالية هتصعب عليا أوي، هي مش مستحملة أي صدمات تانية."
"ربنا يستر يا نوران."
ثم غمز بطرف عينه مازحًا:
"بس جو المفتش كرومبو ده هياخد منك حتة!!"
ضحكت بسخرية:
"ومنك إنت كمان يا لذيذ."
خرج عاصي بصحبة حياة بعد ما أتم زواجهم قانونيًا. كانت خطواتها هادئة ومترددة، عكس خطواته السريعة التي تعرف مقصدها جيدًا. وقف لينتظرها تقترب منه وسألها:
"إنتِ تعبانة؟"
"لأ، أنا تمام."
حاول أن يمازحها كي تخرج من دوامتها وشرودها:
"كده أقدر أقول لك مبروك عليكي أنا!!"
رمقته بتعجب فأكمل:
"أومال!! بقيتِ مرة عاصي دويدار رسمي.. إنتِ كنتي تحلمي!!"
ردت بخفوت:
"طيب!!"
اقترب منها ورفع وجهها إليه حتى تلاقت أعينهم:
"بس لو جينا للحق، مبروك عليا إنتِ، أنا اللي عمري ما كنت أفكر إني أطولك حتى في أحلامي، إنتِ عندي حاجة كبيرة أوي يا حياة."
احتفظت بمشاعرها المتضاربة بجوفها وقالت:
"يلا نروح للبنات."
"في مشوار الأول هنروحه، بس لو مش مستعدة خلاص."
"مشوار إيه؟"
"هتعرفي لما نروح."
ثم مد كفه إليها وسألها:
"واثقة فيا؟!"
منحته الموافقة بعيونها وهي تضع يدها بيده، سحبها برفق ثم صعد السيارة التي كانت في انتظارهم بالخارج وانصرف الثنائي.
وصلوا إلى ميناء للسفن فطلب منها أن تدلف من السيارة فسألت بتوجس:
"إحنا هنا بنعمل إيه؟"
ساعدها في الهبوط من السيارة وأدناها منه قائلًا:
"متقلقيش، مش جايين هنا نقضي شهر العسل، لأن وقتها هيكون مفاجأة تليق بيكي."
ركض الخوف بعيونها:
"عاصي!!"
قبض على كفها بقوة:
"مش وثقتي فيا خلاص. يلا تعالي."
صعد الثنائي "اللانش" الصغير الذي شقت سرعته الماء حتى وصلا إلى مركبة كبيرة "ياخت". قفز عاصي على ظهرها ثم أمسك بيدها ليساعدها:
"تعالي."
وقفت بجواره:
"طيب فهمني.. إحنا هنا بنعمل إيه، وبعدين أنا قلقانة على البنات أوي."
وقف أمامها ليبث بصدرها وميض الاطمئنان:
"إحنا هنا عشان أرجع لك حق يا حياة، حقك اللي اتاخد منك غدر. مش هينفع تكوني مراتي وأسيب اللي جرحك يتنفس على وش الأرض."
أغرورقت عينيها بالدموع:
"إيه حق؟!"
أشار عاصي لرجاله كي يأتون بقاسم المكبل، وما أن استدارت لتقف أمامه تفوهت بصدمة:
"إنتَ!!!"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم نهال مصطفي
"خُلق القلب عصيـًا” لو أنها ورقةً لمزقتها ، لو أنها زجاجةٍ لكسرتها
لو أنهُ جداراً لهدمته .. لكنهُ قلبي.
أن يقف القلب داميًا بالحب والجرح في أنٍ واحد ، أن يقف الماضي بقسوته كالغصة في حلقك ، أن تتحول فراشاتك وأحلامك البكرية إلى طير ذبيح مع أول تجربة طيران له !! أي وسام سيُمنح ؟! الغفـران أم الإنتقام ؟! أي منهما سيشفي الروح المعتلة والمحتلة بجيوش الغدر ؟! أي منهما سيهدي النسيان للأبد ؟! أي منهما الصواب ؟!
كانت نظراتها ثابتـة ، تدرك هدفها جيدًا ، انسكب دلـو الأعوام السابقة فوق رأسهـا ، أخذت تتأمله مُكبلًا مقيدًا .. يعلو وجهه كدمات الإهانـة التي سبق ونثرها طمعـًا على جسدها متواريـًا خلف ستار الحُب المزيف .. بللت حلقهـا وتذكرت وعد سابق بينهم ..
#flash_back
“-ماقولتليش ، أيه أول حاجة هتعملها لما يبقى معاك فلوس كتيـر ؟”
ليقترب منها ويطوق خصرها من الخلف ويسرح بخياله وأكاذيبه معها قائلًا :
“-هشتري يخت ، ونعيش عليـه أحنا الاتنين سوا ، نعيش بعيد عن دوشـة العالم .. عشان محدش يزعجنـا.”
فأجابته هائمة بسُكر خِداعه :
“-كده كده وأنا معاك مش بكون شايفة ولا سامعـة حد غيـرك .”
فاقت من شهد ذكرياتها على واقع حقيقتها المؤلمـة وهى تسقط كالطائر الذبيح بين يديـه وفي فخه الإجرامي ، أغمضت جفونها فاعتصر منها دموع القهر وهي تقترب منه شيئًا فشيئًا ، محاولة استجماع شتات نفسها وقوتها كرسيل المصري .
وقفت أمامه وهي ترمقه بسهام الخسـة والتحقيـر وقالت بعتب :
-أنا ازاي اتخدعت فيك ؟! أزاي ما شوفتش إنك بني آدم حقيـر ولا تسوى ، أزاي مصدقتش بابا !!
ثم صاحت بصرخة عالية :
-أنتَ أزاي تتجرأ و تعمل فيـا كده !!
برر قاسم قائلًا :
-رسيل ، انسي اللي حصل .. أنا بعترف بغلطي ، أنا لسـه بحبك .. تعالي نبدأ من أول وجديد ..
-زال سحرك ياقاسـم بيـه ، أنا أول مرة أشوفك على حقيقتك ، حقيقة دنيـئة .
ثم ألقى نظرة ناحية عاصي يحتشد بها الخوف :
-بلاش يغريكي بفلوسـه !! محدش هيحبك أدي .. رسيل فوقي .
ابتلع بقيـة أكاذيبـه بصفعة قوية من كفها كانت من نصيب وجنته جعلته يجلس على ركبتيه من شدتها .. ونهرته قائلة :
-أنت أي ؟! لسـه هتكذب تاني !! مش كفاية كذب وخداع بقا ؟! يعني وصلت لي عشان توصل لقنديل المصـري وتكون دراعه اليمين .. مش كفاية قطعت الأيد اللي اتمدت لك !!
أخذ يترجاها :
-رسيل اسمعيني .. كانت ساعة شيطان ، أنا كنت شارب وقتها ومكنتش متخيل أن أبوكي يرفضني .. أنا عملت كده من حبي ليكي ، رسيل !
وبخته قائلة بمرارة وحرقـة :
-أنت عملت كده لانك بني آدم ناقص ، خسيس .. بس جيه الوقت اللي هخليك تدوق فيـه مر السنين اللي عشتها .
تدخل عاصي آنذاك وضمها برفق من الخلف كي يهدأ من روعها ، وقال بحدة:
-خلصي حسابك معاه ، لأن حسابه معايا لسه تقيـل ..
سحبت المسدس من خصر أحد الحرس وقالت بقوة :
-حسابـه معايا مش هيخلص غيـر بالدم .
صوبت فوهـة السلاح إليـه بيدها المرتعشة وهي ترمقه بخسة واحتقار ، سألته سؤالهـا الأخيـر :
-أنت عملت فيـا كده ليـه ؟! أنا أذيتك في أيه ؟! قول لي ؟
كاد أن يقف على قدميـه ويديه المنعقدة وراء ظهره ، فألجمـه أحد الحرس بعنف كي يبقي مكانه ، تفوه قاسم بـ شر :
-لانك رسيـل المصري بنت أكبر معلمين الغردقة ، مفيش راجل عينه وقعت عليك إلا وقال هي دي .. خليتك هدفي عشان أوصل وأحقق أحلامي ، بس اللي حصل.
صرخت بوجهه إثر صمته المفاجئ :
-أيه اللي حصل انطق !
أطرق بمكر ثعالب :
-حبيتك يا رسيـل ، حبيتك وكنت عايزك تكوني ليـا ، بس أبوكي قل مني قدام كل الناس، قل مني وطردني .. بقيت بين نارين ، نار حبك ونار انتقامي ، لحد ما خدت القرار اللي اكسر بيه قنديل المصري باقي عمره .
ردت بصوتها المختنق وهي تعيد السلاح إلى رأسه :
-أنت حيـوان .. أنت مستحيل تكون بشـر .
وقف عاصي بجوارها يريد أن يقتله بيديه ولكنه ترك لها الساحة كي يشفي قلبها العليـل ، تفوه بثبات :
-ده خسيس يا حياة ، ومايستاهلش ألا الموت ..
ثار قاسم بوجهه :
-أنت السبب في كل ده ، رسيل بتحبني أنا ، أوعي تفكر أنها ممكن تحبك في يـوم .. لو فاكر بكدة هتكسب قلبها تبقى غلطان ولعبتك خسرانة يا عاصي بيـه !! بس عايزك تفتكر حاجة واحدة كل ما تبص في عينيها .. أنها كانت في حضني قبلك .. أنـا مش هسيبكم تتهنوا ببعض مهما حصل .
خطف السلاح منها بذعـر بعد ما رفسه بقدمه فارتمى ارضًا ، ثم صوب السلاح بوجهه :
-حلال فيك إني اقتلك بأيدي …
فوجئ برد فعل حياة وهي تقف أمامه معترضة ، وتضع كفها المرتعش فوق يده التي تحمل السلاح ، تلاقت أعينهم لبرهـة ثم قالت راجيـة :
-بلاش تلوث أيدك بدم حيوان زي ده ..
اتسعت عينيه مشدوهًا :
-حياة أنتِ نسيتي عمل فيكي أيه ، ده يستاهل الموت !!
-الموت رحمة له يا عاصي .. عشان خاطري بلاش ، سيبه يروح في ستين داهيـة بعيـد عننا ..
رفض بعينيه حديثها الغير مقنع ، ولكنه فكر للحظات ثم رمى السلاح للحراس وأمسك بياقـة قاسم وسدد إليـه الكثير من الضربات حتى سالت الدماء من أنفـه .. فـ أشار لأحد رجاله بإشارة فهم مغزاها .. ابعد عاصي يده عنه وتعمد ضم رسيل إلى صدره كي يعلن أمتلاكها أمامه ويبث وميض الهزيمة بعقله المريض ..
شرع رجاله بتقيده وتكبيله بالحبال وتصلبه على حافـة المركبـة ، اقترب عاصي منه بفظاظـة ثم قال :
-أنا دلوقتِ هاخد روحك بالبطيء ، هعرفك يعني أيه روحك تتسحب منك وأنت متكتف ومش قادر تقاوم وتلحق نفسك ..
ثم ركله بكل قوته ليسقط قاسم بالماء الذي تناثر هنا وهناك ، ركضت حياة إلى عاصي تترجاه ببكاء لعدم قدرتها على تحمل المزيد :
-بلاش ، خليهم يطلعوه .. حسابه عند ربنا ..
مرت الدقيقتين على قاسم بمذاق أمر من مرارة أعوامه الماضيـة ، تسحب الماء جسده وروحه وأنفاسه لأسفل ، تقلبه يمينًا ويسارًا كيفما تشاء .. بات صراخه منقطعًا ، اخذ يصارح الموت والحياة وهو يتذكر فعلته الأخيرة وجريمته الكبرى وهو ينهش ضحيته ، ذاق مرارة ما عانتـه ..
أخرجوه رجاله من الماء عندما سُحب بواسطة الحبـل المُكبل به حتى لفظ قاسم انفاسه صارخًا بالنجدة :
-الحقـوني …..
جذبوه الرجال إلى سطح المركبـة تحت قدمي عاصي وهو يلهـث ويسعل بقوة ، انحنى عاصي لمستواه وقبض على عنقــه بشراسة :
-عرفت يعني أيه تتعلق روحك بين الحياة والموت !!
قهقه قاسم متعمدًا استفزازه وهو يسعل بقوة :
-بس كانت ليـا قبل ما تكون ليـك ، خليك فاكر ده كويس أوي …
بنيران غضبه ألقاه مرة ثانيـة بالماء كي يتجرع أقسى أنواع العقاب ، أخذ يقرر فعلتـه أكثر من مرة حتى أوشكت روح قاسم على الانتهاء .. في المرة الأخيرة التي أخرجوه فيه الرجال وبين توسلات حياه المتعلقه بساعده كالطفلة ، رمقـه بنظراته الساخطـة حتى نادى على رجاله قائلًا :
-سلموه لآندرو .. وهو هيخلص عليـه بمعرفـته …
••••••••
” بالقـصر ”
-يا صبـاح العسل على الهانم .. تصدقي عبلة المحلاوي اتولدت علشان تبقى هانـم وبس .
وضعت ساق فوق الأخرى وهي تستقبل مغازلـة كريـم الخفيفة وقالت :
-طول عمرك بكاش .. مش هتبطل بكش …؟
جذب الكرسي نحوها وجلس فوقـه برشاقة :
-أنتِ مش مقدرة ولا أيه ؟! تعرفي امبارح لسه كنت في سيرتك أنا وواحد صاحبي بيفكر يخطبك لباباه ، يعني لسه شابة وحلوة ويتقدم لها عرسـان !!
قهقهت عبلة بصوت مرتفع إثـر سماعها للكلام المحبب لقلبها ، دائمًا تسعى لسماع كلمات الحُب والغزل والمدح ، تنجذب للحديث الذي تكون محوره ، فردت قائلة :
-وبابا صاحبك ده أمور وغني وعارف هو هيتجوز مين ولا داخل على طمع ؟!
نطق كريم بتلقائية :
-منا طفشـته خلاص !!
انكمشت ملامح عبلة :
-ليـه بس ؟!
-عشان حسيتهم فعلا داخلين على طمع …
ضحكت عبلة بصوتها الأنثوي الرقيع الذي دوى صداه بالقصـر حتى وصل لأذان نوران التي تراقب مسرحيـة كريم من أعلى وهي تقول بتعجب :
-نصاب أوي يا ابن جيهان ؟! اللي يخلي البومة دي تضحك يبقى فعلًا مش سهل وحلنجى !!
غير كريم مجرى الحوار قائلًا :
-أي رأيك نشرب فنجان قهوة سوى واحكي لك على البنت اللي مطيرة النوم من عيني !!
ردت بإعجاب :
-يا سلام !! كمان حب جديد .. احكي لي يلا ومن بكرة اروح اخطبهالك .. بنت مين وباباها بيشتغل أيه ؟
رفع كريم نظراته لأعلى وهو يتأمل الفراشـة الجميلة التي تتراقبهم من الشرفـة وقال مغازلًا :
-عارفـة لما تبصي على السمـا بالليل وتتوهي وسط النجوم وفجأة يظهر القمر فـ تنسي كل ده وتقولي هي دي !!
ثم تنهد بشوق :
-هي في جمالها زي القمـر ، بس عليها لسان يستاهل قصه يا خالتي ..
ضربته على ركبته بغضب حتى استرد أعينه الهائمة وهي توبخه :
-جاك خلع ضروسك … اي خالتي دي ؟! قاعدين في عزبة أحنا !!
تأوه كريم وهو يفرك ركبته مكان الألم :
-عندك حق في دي ، معلش سرحت شوية ، أول مابفتكرها بنسى نفسي …
-اامم المهم باباها بيشتغل أيه ؟!
تململ كريم في جلسته وقال بمكر :
-مدير أمن وعلى أعتاب وزيـر .. حلو ده ؟!
شردت عبلة بدلال وقالت :
-طيب لما يبقى وزيـر ابقى اشوف موضوع بنتـه ..
تحمحم كريم بخفوت وهو يهمس لنفسـه :
-ده أيه الوقعـة المهببـة دي ..
ثم جهر :
-هما ماجابوش القهوة ليـه لحد دلوقتي ؟!!!
••••••
-تعالي عايـز أوريكي كذا تصميـم واختاري اللي يعجبك ..
أردف تميم جملته الأخيـرة خاصـة بعد ما لاحظ تحاشي شمس له ، وتعمدها في الابتعاد عنه .. فرغت من لف حجابها ودنت منه بتوجس حتى جلست بجواره تتفقد ما يُشيـر إليه .. بدأت تدريجيـًا تتناسى أسباب بعدها عنه وانغمست في اختيـار التصاميـم وشرعت في إبداء رأيهـا وإضـافة لمستها الأخيـرة على كل تصميـم حتى استقر الثنائي أخيـرًا على الشكل النهائي .. كادت أن ترحل فأوقفها متسائلًا :
-أنت متغيـرة ليـه ؟!
ردت بارتباك :
-أنا ؟! لا أبدًا .. مفيش .-
-متأكدة ؟!
-ااه متأكدة هكذب ليـه!! أصلًا ما بحبش الكذب .
تغير لون وجهـه وشرد ذهنه في أكبـر حقيقـة كذب فيها وقال :
-يعني أيه ؟!
-عادي ، يعني أنا أصلا بقرف من الشخص اللي بيكذب ، هكذب أنا ازاي ..
-بس ساعات اللي بيكذب بيكون له أسبابه ومبرراته ..
ردت بحسـم :
-مفيش مبرر للكذب يا تميـم غير أن اللي بيكذب ده كذاب فعلًا وضعيف ، ومعندهوش الجرأة أنه يواجه ..
رمقها بنظرة توحي بعدم اتفاقه معها وقال ليجس نبضها :
-يعني لو كذبت عليكي في حاجـة ، هتعملي أيه !!
ردت بسـرعة وبدون تفكيـر :
-همشي وتبقى نهايـة مشوارنا !! لان بعد الكذبة الأولى كل الحقايق شكوك ..
-يعني مش هتديني فرصـة تسمعيني ؟!
فكرت للحظة ثم قالت :
-فرصـة الكذاب يعني كذبة جديدة .. وأنا مش شخص فاضي عشان اسمع مبررات للكذب بكذب جديد ، لاني هكون فقدت الثقـة في الشخص اللي قُدامي ..
ثم رمقته بنظرة استكشافية :
-تميـم أنت مخبي عليـا حاجة …؟
-هاااه ؟! لا أبدًا ، كُنت عايـز أقول لك بس جهزي نفسك هنسافر يومين دهب نغيـر جو ، ابقي قولي لعاليـة ونوران يجهزوا همـا كمان ..
عقدت حاجبيه بشك ثم قالت :
-تمـام ….
فغيرت مجرى الحديث :
-ااه ، نسيت أقول لك الدكتور الألماني بعت رده على التقاريـر و حابب يشـوفك في أسرع وقت .. قُلت أيه ؟!
بدت الحيرة تتنقل على ملامحـه ثم قال ليهرب من ذلك المأزق :
-خليها بعد ما نرجع من السفـر ..
أومأت بالإيجاب :
-تمـام ..
كادت أن تغادر ولكنه أوقفها قائلًا بدون تفكيـر :
-استني ..
ألقت نظرة على كفه المثلج فوق كفها وقالت :
-في حاجـة ؟!
رد بتردد :
-لا ولا حاجـة .. كنت حابب لو خرجنا نفطر سوا بره ، أيه رأيك ؟
•••••••
” بسيارة عاصي ”
أعرف بأنه سَيمر وأن كل ما مررت به مجرد سحابـة صيف ، و لكن ما الذي سَيتركهُ بداخلي ؟!
تسند رأسها على صدره بعد ما أصاب رأسها دوار الذكريات ، فبحثت عن أكثر مكانًا أمانًا يمكنها أن تستريح فـوق ، بعد قضائها لفتـرة طويلة في البحر تلقي به نفايات ماضيها ..
غلغل أصابعـه بفراغات كفها صاحب الأصابع الطويلة والرفيعة الأشبه بيدي الأميرات ، ربت برفق على كتفها وقال :
-هتفضلي طول الطريق ساكتـه !
ردت بكلل :
-أقول أيه ؟
-أي حاجة متسكتيش .. لو تعبانة من حاجة نروح لدكتور .-
-لا ، أنا كويسـة .-
-بس البنات مش هينفع يشوفوكي في الحالة دي ؟!
ردت بتثاقل :
-هبقى كويسـة ..
قرر ألا يحملها عبئًا أضافيًا ويصمت هو الأخر مستلذ باستسلامها بين يديه واتخاذها من حضنه مأوى لأحزانها .. أخذت يداه تتنقل بحرية من فوق رأسها لكتفها كي يشعرها بوجوده معها دائمًا ..
وصل الثنائي إلى الفندق فكان يسـري بانتظارهم .. نزل عاصي أولًا وأخذ يحاوره بهمس بمواضيع مختلفة حتى انتقل إلى أمر صغاره وقال :
-لسـه نايميـن ؟!
-فوق في جناح معاليـك ..
هز رأسه متفهمًا ثم عاد إلى حياة وفتح لها الباب بنفسه ومد يده كي يساعدها ، أعطته يدها بدون تردد وهبطت من السيارة ووقفت بجواره فسألها :
-متأكدة أنك كويسة ؟!
أومأت بخفـوت حتى سارا الاثنين معـًا ناحيـة الاستقبال بالفندق ، أخذ مفتاح جناحه الفاخر المكون من غرفتين ، غُرفـة بها سرير ملكي بطراز حديث ، والأخرى تحوي سريرين صغيرين لبناتـه شاملة الحمام والشُرفـة الخاصـة بالمكان .. بينهم مسافـة يوجد بها ” انتريـة ” وتلفاز تربط بين الغُرفتين .
وصلت حياة إلى الغـرفـة فسألتـه :
-البنات فين ؟!
أشار إلى الغرفـة الخاصه بهم :
-هنـا ، تحبي نطمن عليهم !
هزت رأسها بالموافقـة وسبقت خُطاه ، فتحت الباب بهدوء ثم دلفت إليهم فاتبع خُطاها ، بدأت في شد الغطاء فوق داليـا بحب بعد ما طبعت قُبلة طويلة على جبينها ، وهو الأخر فعل مثلها مع تاليـا ، ثم حرص على تشغيل التكييف على الوضع الساخن للتدفئة .. أشار إليـه كأنه يُتمم على ما فعلـه حتى تلقى منها نظرة القبـول والرحب ..
غادر الثنائي وقفل باب الغـرفة بحذر وسألها :
-تحبي تاخدي شـاور ؟! هيفيدك أوي ..
-تمـام ..
دخلت الحمام لتترك للماء مهمة ذوبان أحزانها ، أما عنـه طلب لها وجبـة الغداء خاصـة طبق ” الباستـا بالجمبري ” الذي تحبذه ..
مرت قرابة النصف ساعـة على حياة تحت الماء حتى استطاعت استجماع نفسهـا حتى خرجت بحالـة أفضـل ، في نفس الوقت وصل الطعام وأخذه عاصي من النادل الطاولة .. ثم عاد إليـها فوجدها تصفف شعرها الثقيـل أمام المرآة ويبدو عليهـا المعاناة الشديدة في ذلك ..
وقف وراءها وتلاقت أعينهم بالمـرآة :
-اساعدك ؟
أخذت وقتـًا طويلًا حتى حسمت قرارها بصمت وهي تمنحه الفرشاة ، استقبـل هدوئها واستسلامهـا بابتسامة خفيفـة وشرع في تصفيف جدائل شعرها الكثيفـة بحب .. ترك الفرشاة من يده ثم أخذ يبحث بالأدراج تحت أنظارها الفضوليـة حتى وجد مصفف الشعـر الكهربائي، وبعد ما وصله بالكهرباء قال :
-هتبردي لو سبتي شعرك كده ، لازم ينشف ..
سالته باستغـراب :
-أنت عرفت الحاجات دي أزاي ؟!
اكتفى بابتسـامة خفيفـة أرسلها إليـها عن طريق المرآة ثم شغل مصفف الشعـر وبدأ في تجفيف شعرها بمهارة فائقـة اثارت إعجابها ودهشـتها ، كيف لرجل فظ غليظ مثله يقف على رأسها مهتمًا بما يجعلها أكثر راحةً ويفعل كل ما بوسعـه لينال رضاها ..
مر الوقت سريعًا حتى أنهى شعرها وجففه بعنايـة حتى أطفأ الجهاز وقال :
-افتكر كده تمام !! ناكل بقا لأني على لحم بطني من إمبارح ..
رفعت عيونها بامتنان لتلتقي بعيناه المتعلقة بالمرآة وقالت بعرفانٍ :
-شكـرًا …
-على أيـه ؟!
-عشان حليت مشكلة شعري … أنا كنت هقصه أصلً
ارد بحماس :
-لا تقصي أيه بس ؟! استهدي بالله ، ولو على شعرك أنا مستعد أحل المشكلة دي كل يوم .. بس بلاش حوار تقصيـه ده ..
-اشمعنـا !!
-بعدين هابقى أقول لك .. يلا تعالى ناكل الأكل برد ..
وثبت مرتدية ” بيجامـة ” بيضـاء فضفاضة واتبعت خُطاه بعد ما شبك يداه بيدها .. وصل الاثنان إلى الطاولة وقال بحماس :
-طلبت لك باستا بالجمبـري ، عارف أنك بتحبيها !!
شكرته بنظرة من عينيها الزرقاء وجلست مقابله على الطاولـة ، بدأت بأكل السلطة الخضراء وما أن رفعت الغطاء عن طبق المكرونـة وتسللت الرائحـة لفمهـا ، أمسكت ببطنها ورقدت إلى المرحاض كي تتقيأ ماء جوفها ، ركض خلفها بلهفـة منتظرها حتى فرغت من تلك اللحظات القاسيـة … ثم عادت إليه بحالتهـا الضعيفـة فسألها :
-حصل أيـه ؟!
-واضح أني أخدت برد .. لو سمحت خرج الأكل من الاوضـة مش مستحملة ريحته ..
-برد أيه !! أنتِ كنتِ كويسـة !! حياة أنا قلقان من حالتك دي ؟! نكلم دكتور !!
ردت بوهن :
-متكبرش الموضوع أنا كـو …
لم تُكمل جملتـها فعادت حالة الغثيان إليها ، رجعت إلى المرحاض وهي تفرغ أحشائها التي لم ينزل بها شيئا من ليلة أمس .. فوجئت بيده تحاوط خصـرها ويقفل بيده الأخرى صنبور المياه ويجفف فمها بالمنشفـة ويقول :
-على أقل من مهلك ..
عندما صافح خصرها زهر قلبـها بنوع جديـد من الورد لم يسبق لها نثره في تربتها .. لأول مرة تراه عن قُرب بهذا الكم الهائل من الحنان الذي يجر قلبها إليه جرًا .. رفعت عيونها المشدوهـة إليه وقالت له بخفوت :
-أنا بقيت أحسن .. مجرد برد ..
ترك المنشفة جنبًا ثم حملها بدون مقدمات بين يديه فتعلقت بجدار عنقـه باستسلام تام تستمع لتعليماته :
-طيب نامي شوية ولـو صحيتي تعبانة هنشوف دكتور ، اتفقنـا ..
أومأت بطاعـة وهي تتأمل ملامحه عن قُربـه ، وكفها الذي غدر بها ورسى فوق قلبـه النابض بعشقٍ لم يعهده من قبل ، يشعره وكأنه يعتني بطفلته الصغيـرة بجسد إمراة مثيـرة للغايـة ، وضعهـا على السـرير برفق وشد الغطاء فوقها وأوصاها :
-اتغطي كويس مش عايز شقاوة .. !
لبت طلبـه بهدوء وأغلقت جفونها على الفور كي تنفرد بجملة الأحاسيس التي ولدت بجوفها وأنستها قسوة ما عانته صباحًا .. ضحك عاصي على تصرفها الذي يبدو طفوليـة بالنسبة له ولكنـه لو يعلم حقيقتـه لتولدت له جناحين يحلق بهما في سماء عينيها بحُريـة تامـة وبدون حواجز …
••••••
” بسيـارة عبلة ”
-بس أيه. سبب الزيارة دي يا مامي ؟!
أردفت عاليـة جملتهـا الأخيـرة بعدما حاصرتها عبلة بالجامعـة عندما انهت يومها الدراسي بحجة تناولهمـا للغداء معـًا .. ردت عبلة بخبث :
-لينـا كتيـر مش بنتكلم ، قلت فرصـة نخرج سـوا .. مستغربـة ليـه ؟!
-لازم استغرب !! دي أول مرة نخرج فيهـا سوا .. بس تعرفي ، أنا مبسوطة اوي .. مامي ممكن اسألك سؤال ؟
قفلت عبلة هاتفها بعد ما قرأت الرسالـة النصية المرسلة وقالت :
-طبعا اتفضلي ؟!
سألتها بتردد :
-حضرتك ليـه بعيد ؟! ليـه أحنا مش صحاب ؟! ليه عمرك ما حاولتي تعرفي أيه مزعلني وأيه يفرحني !! ليـه حياتنا كلها أوامر وتعليمـات ؟!
مر الشريط المُظلم على ذهنها كضوء البرق وهي تتذكر جملتها المؤلمة وهي تدس الخنجر بقلب الام التي لم تفق بعد من عناء الولادة وهي تستفسر بشوق عن حال ابنتها ” أنا مش عارفة أقولك أيه بس للأسف البنت نزلت ميتـة يا سوزان ” .. ثم عادت إلي عاليـة وهي وجهها ابتسامـة خبيثـة :
-معاكي حق ، أحنا فعلا بعيد وده غلطي .. بس لازم تعرفي يا عاليـة إني عشت حياة صعبة أوي ، أنا عانيت مع شهاب دويدار ، عشت سنين بحاول اتعافى من الاذية اللي كانت بسببه ، باباكي وبابايا قتلوني كل ليلة ، أنا بحاول اتعافي لحد النهاردة ، ويمكن ده سبب بعدي عنك ..
نظرت لهـا بأسى :
-أزاي يا مامي فهميني ؟!
غيرت مجرى الحديث :
-مش مهم ، بالليل نرغي سوا ، دلوقتِ قوليلي أنتِ أيه يبسطك وأنا أنفذه !!
فكرت عاليـة طويلًا متعمدة وضع أمها في امتحان صعب كهذا ربما لو نجحت فيـه ، تكسر الحاجز القائم بينهم طول العمر .. أخذت تقضم في أظافرها بتردد حتى قالت بشكٍ :
-ساعديني أرجع لمراد .. مامي أنا بحبه .
كان ردها على الجملة أشبه بصدى رصاصة عندما ضغطت على فرامل السيارة بقوة وهي تصرخ بوجهها :
-أنتِ آكيـد اتجننتي ؟!!!!!!! مراد مين !! أنت تنسي مراد ده نهائيًا وده بمزاجك أو غصب عنك يا عاليـة …
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم نهال مصطفي
“رسيل ، أنتِ سمعاني !”
تلك هي العبارة الأخيرة التي اختتم بها “فريد” جُملة روايته الزائفة التي سردها على آذان تلك التي غاصت في حيرتها أكثر وأكثر.
لم تحتج عليه بالدليل كي لا تكشف حقيقة فُقدانها للذاكرة.
سارت على نهجه مصدقة كل أكاذيبه بدون نقاش.
فجأة دار بها الزمن وحقق سجية شرودها، وآتى بشخص يُدعى إنه قريبها وخطيبها، ويؤلف رواية من مخيلته كي يحقق بها مغانمه.
هزت رأسها بتيهٍ ثم قالت:
- المطلوب مني؟
وقف أمامها كالبهلوان ثم شرع في رسم خطته:
- متقلقيش، أنا هخلصك منه. أنا عارف إنك هنا مش بإرادتك، الشخص ده أنا عارفه كويس يا رسيل. آكيد هددك واتجوزك بالغصب.. صح يا رسيل صح!
تكرار اسم ” رسيل ” على مسامعها كان صداه يزعجها كثيرًا، يُحيي ما بداخلها من مظالم وعيشة تنفرها.
هزت رأسها كي تنفض غُبار ذكريات مؤلمة تتعلق بهذا الاسم وقالت له بنبرة متعمدة كشف ظواهر ما يخفيه عنها:
- أنتَ جاي ليه! عشان تقول الكلمتين دول دلوقتي!
حدجها بتعجبٍ:
- يعني كلامي صح! هو هددك.
رمى لها طُعم إنقاذها الذي استغلته على أتم وجه، وقالت بنفور:
- بالظبط، زي ما قُلت، هو رجل مش سهل وللأسف عرف يقيد حركتي وتفكيري!
مد يده كي يمشط خصلاتها بأنامله ولكنها تراجعت للوراء رافضة ونافرة من قُربه وقالت بحنق:
- المُهم، هتخلصني من هنا إزاي!
- لا يا رسيل، افهميني وفتحي دماغك معايا. اسمها هتخلصني من هنا بإيه! أنتِ تحت أيدك كنز! مال قارون، تغرفي منه وتهربي.
ألتوى ثغرها بخيبة أمل:
- يعني أنتَ جاي هنا عشان المصلحة! مش عشاني زي ما بتقول؟
تبدلت نبرة فريد الخبيثة إلى آخرى مُخادعة وهو يرقق في صوته حتى بات كفحيح الأفعى وقال:
- لا طبعًا، جاي عشانك وهو أنا حبيت غيرك! بس مادام البحر وقعك على كنز زي ده! يبقى نستغله وناخد منه اللي يأمن مستقبلنا أحنا وولادنا..
احتبست الدموع بمقلتيها وعاتبت نفسها بحسرة ودندنت:
- هو ده الماضي اللي زعلتي إنك مش فاكراه! ده طلع النسيان نعمة فعلًا!
ثم عقدت ذراعيها مُتسائلة برتابة:
- وفين أهلى! اشمعنا أنتَ اللي بتدور عليـا! زي ما بتقول يعني.
- عشان أنا الوحيد اللي متأكد أنك لسه عايشة يا رسيل. كلهم سلموكي للموت بس أنا قلبي كذب كل ده! لسه معشناش الحُب اللي رسمناه سوا عشان الموت ياخدك مني كده!
- بس أنا رجعت أهو وواقف قدامك.
شمت رائحة الكذب بكلماته المنمقة الغامضة.
قارنت روايته برواية قاسم، شتان بين الاثنين ولكن التشابه الوحيد بينهم أن هناك ثمة رواية صادقة بقلبها بعيدًا عن أحاديثهم المُخادعة.
اختنق قلبها من دُخان أكاذيبه وقالت بجزعٍ:
- والمطلوب مني!
- مُفاتيح عاصي دويدار الشخصية، وسيبي الباقي عليـا.
***
“في أحد الملاهي الليلية بالفندق”
كانت نظراته للساعة أكثر من كلماته إليها، أحست ” سارة ” بـ إجباره للاستماع لها.
لم تيأس من التحاور معه رغم يقينها بـ ملله من وجودها الغير مرغوب به.
ختمت سارة حديثها:
- عاصي مفيش غيرك ممكن أثق فيه، وأثق أني أدي له فلوسي يشغلهم، هيرجعولي الضعف!
هز رأسه بعدم اهتمام وهو يرتشف أخر رشفة من كأس النبيذ أمامه وسحب مفاتيحه الشخصية وقال:
- تمام يا سارة، اتواصلي مع يسري وهو هيعمل لك اللازم.
تشبثت بيده كي تعوق خطة رحيله:
- أنا جاية اتكلم مع عاصي دويدار، تقولي يسري! بطل طريقتك الرسمية دي، مش بحبها.
ثم افتعلت الدلال عليه محاولة إحاطة كتفه المنتفخ بعضلات القوة:
- وبعدين أنا سارة يا عاصي، أنتَ مابقتش تحبني زي الأول ولا أيه!
شد ذراعه عنوة كي يبتعد عنها وقال بحزمٍ:
- أي خدمات تانية!
- أيه مش هنسهر مع بعض النهاردة!
مط شفته باعتراض و لملم أغراضه قائلًا بثقة:
- مراتي مستنياني، سلام.
تركها قبل ما يستمع لردها، أو منحها فرصة لتعطيله أكثر من ذلك.
ضربت الأرض بقدمها بغل وقالت بتوعد:
- طيب يا أنا يا هي يا عاصي!
ثم اخرجت هاتفها وأرسلت رسالة نصية لـ فريد:
- عاصي راجع أوضته، أمشي من عندك.
قرأ فريد رسالتها في التو وسرعان ما ختم مخططه الدنيء قائلًا:
- همشي دلوقتِ، بس راجع لك تاني!
ثم دنى منها محاولًا لمسها ومواساتها بحركاته الزائفة التي تلقتها مُتراجعة رافعة كفيها كـ حد فاصل بينهم مُعلنة عدم قبوله ورفضه، ورفض محاولاته الداهنة قالت باشمئزاز مغمضة جفونها:
- لو سمحت متقربش مني….
هز رأسه وطالعها بعيون لامعة بالمكر وانسحب بعدها بهدوء تام دون إبداء أي اعتراض يفسد مخططه.
ارتمت ” حياة ” على الأريكة خلفها لثِقل أحمال الهم التي تلاحقها من كل صوب وحدب.
ضمت ركبتيها إلى صدرها كالقرفصاء، والغريب من الأمر أنها فقدت دموع عينيها من كثرة توالي الصدمات، لم تذرف جفونها ولا ينبح صوتها بأنين الوجع، اكتفت بالصمت، الصمت الذي أن تخلت عنه لجف البحر إسهابًا لما امتصه من همومٍ.
“كيف يُمكنها طي صفحات الماضي وما زالت دروسه تُلاحقها وتفسد عليها لحظات حاضرها المُغلفة بالنسيان!”
***
يقول جلال الدين الرومي:
“الرُّوح التي فيها شيءٌ من روحك، تعرفُ كيفَ تخاطبكَ بلا كلمات.”
كانت نظرات مُراد ثاقبة ثابتة تدرك هدفها المحدد، أما عنها فكانت نظراتها المُغلفة بالحياء، والخجل، تتحاشى النظر إليه بصعوبة.
عاصفة مُربكة نزلت على قلبها فأطاحت بها، لم يتوه عن مخيلتها ذلك القُرب الساحر المُباغت الذي اغتنمه بدون مُقدمات.
ما أن مر طيف التلاقي القصير بينهم ارتعد فؤادها بضربات غير مفهومة ولكنها ذات مذاق خاص.
تركت ” عالية ” الشوكة من يدها بالطبق الذي لم تأكل منه إلا قليـل، ووثبت لـ تغادر طاولة الطعام التي تضم مراد الشارد بملامحها الخجولة وأمه التي تراقبهم بعيون صقرية.
طالعها بنظرة استفهامية أدركت مغزها فورًا وقالت برتابة كي تهرب من أسره:
- الحمد لله شبعت.
فرت هاربة ناحية المطبخ وتركت طبقها وعادت بسرعة إلى غرفتها وهى تتنفس الصعداء.
قفلت الباب خلفها ممسكة في قلبها الذي أوشك على الانخلاع من كثرة تضاربه وأخذت تهدأ من روعها:
- عالية فوقي يا عالية.. فوقي كده، هو لازم يعرف أن اللي عمله ده مش صح، وإنه كان لازم يأخد أذنك الأول!
اعترض صوت قلبها المُتيـم:
- أذن أيه اللي ياخده كمان! ده جوزك يا هانم واللي بتقوليه ده حرام أصلًا!
زفرت بتمردٍ وصدح صوت عقلها:
- بس بردو ملهوش حق يعمل كده، أنا مستحيل أقعد معاه في نفس الأوضة ده مجنون وملهوش أمان!
تحركت ببطء لتقف أمام المرآة ومررت إبهامها على شفتيها التي غُلفت بسُكر قُربه.
لم تكبح ابتسامتها المبدئية ولكن تفجرت قُبلته تلك إلى قُنبلة موقوتة برأسها وهي تختم حيرتها بالسؤال الأكثر رُعبـا:
- معقولة يكون بيعمل كل ده عشان يوصل لنصيبي! أصل التغيير المُفاجئ ده يخض!
مسحت على رأسها بتنهيدة ذعرٍ وقالت بصوت مسموع:
- سيبك من جِنان المُراهقات ده يا عالية وفوقي لنفسك، مراد اتجوزك مصلحة، وهيعمل أي حاجة عشان يحقق مصلحته، حرصي أنتِ لسه متعرفهوش!
“إن أشد ما يُمر على الإنسان في هذه الحياة هو إجباره على دفن القلب حيًا واعتيادهُ على ظُلمة القبر وهو بربيع زهوته، عندما يتعطّل عنده ميزان الخير والشر، الحُب والكراهية، فلا يُميّز الأول فـ يفعله ولا الآخر فيتوقّاه، بل يسير الطرقات خائفًا مُرغمًا بقية عُمره.”
بالخارج؛ مالت ” جيهان ” على مسامع ابنها متهامسة:
- حالك مش عاجبني يا ابن بطني!
تحمحم مرتسم الجدية على ملامحه ثم قال:
- منا زي الفل أهو، مالك بس!
- عدى شهر يعني على جوازتك من الهانم، ولا شوفنا من وشها خير ولا خيرة! وكأنها زي الهم على القلب.
لكت اللقُمة بفمه حتى ابتلعها برشفة ماء وقال بتردد:
- قصدك أيه!
- على الأساس أنك هتمضي البنت دي وتقف لعاصي زي الشوكة فـ الزور في شركته، ولا أنت نسيت!
هز رأسه بعدم اقتناع وأردف مُنجزًا للحوار:
- نبقى نشوف، أحنا هنستعجل ليه، بعد اذنك هنام عشان عندي شُغل الصُبح بدري.
رحل من أمام أمه بعد ما قفز فأر الشك برأسها، رمقته بأسهم اليقين من شكوكها وقالت سرًا:
- أنت لازم لك وقفة يا ابن المحلاوي.
اكتفى مُراد بطرقة خفيفة على الباب جعلتها تسمح له بالدخول مفزعة دون إعداد ما تقوله.
دخل مُراد وقفل الباب خلفه بهدوء.
وجدتها تتوسط غُرفته ويبدو عليها معالم الرهبة.
عقد حاجبيه مُتسائلًا بعيونه قبل لسانه:
- مالك، حاسس فيكي حاجة..
رد بإرتعابٍ:
- هيكون مالي! أنا.. ما أنا زي الفل أهو.
ارتسم بسمة خفيفة على ثغره موضحًا بها عدم تصديقه وسألها بشكٍ:
- مُتأكدة!
- اه متأكدة..
- تمام، هنـام أنا بقى.
وقاطعته بوقوفها أمامه كالطفلة العنيدة وقالت بتوجسٍ:
- استنى هنا..
عصفت رياح عقلها الحائر وأكملت بارتياعٍ حد البُكاء المكتوم:
- لو سمحت ممكن يكون تعاملك معايا بحساب بعد كده، وما تعملش كده تاني.
افتعل التجاهل متراقصًا على أوتار ارتباكها العذب الذي راق له، وقال بتسائلٍ:
- عملت أيه!
- أنت عارف عملت أيه كويس.!
حاول أمامها تذكر ما حدث بينهم رغم إنه لم يفارق ذهنه للحظة وقال بكبرياء:
- عشان أخدت منك اللوليتا! على فكرة أنا خايف عـ صحتك، وماينفعش تكتري منها.
- لا أنا مش قصدي على دي!
دنى منها خطوة وما زال محتفظًا بابتسامته الخبيثة وسألها:
- ااه، قصدك عشان عاكستك وقلت لك إنك جميلة أوي! بس دي حقيقة فعلًا مش مُجاملة ولا مُعاكسة.
انتفض قلبها إثر مداعبته اللطيفة وتحشرجت نبرة صوتها ما بين الترجي والحيرة:
- ممكن متقربش مني تاني، بعد إذنك!
- ليـه!
- هو إيه الـ ليه! هو كده وخلاص، ممكن.
عادت ملامحه القاطبة مرة أخرى وقال محاولًا احتماء شموخه ورجولته أمامها:
- بس أنتِ.. أممم متهيألي يعني مش ممانعة!
فاض صبرها من بروده وتحمله الزائد على أعصابها المرتبكة:
- وهو أنتَ سألتني عشان تعرف!
- ماهي الحاجات دي بتتحس بردو يا لولو!
انتفض إثر تدليله لها وسخريته من حديثها.
تراجعت خطوة للخلف وقالت بنيرة محذرة:
- على فكرة أنا بتكلم بجد، مش بهزر.
هز كتفيه برزانة و رد:
- وأنا كمان بتكلم بجد مش بهزر.
ثم دنى منها بعد ما رأي تيه المشاعر ببريق عيونها، وبات وجهها هو اللافتة الوحيدة التي ترشده وتدله على الطريق لقلبه بدون سيطرة منه.
ألفت ذراعه حول خصرها وطبع على وجنتها قُبلة خفيفة اذابت جسدها وروت قلبه ثم مال على آذانها قائلًا بهمس وهو يداعب خصرها بأنامله التي تدرك عاقبة ما تفعله جيدًا:
- تصبحي على خير يا عاليـة.
بعد ما طار بعقلها المُعارض له بشدة لأفق الخيال، عاد إلى واقعه وهو يتسلح بالجمود والثبات وغير نبرة صوته الرقيقة إلى آخرى حادة:
- يعني مثلا لما أحب أعمل كده، أجي استأذنك وأقول ممكن يا عالية أقول لك تصبحي على خير بطريقتي!! دي دماغي هنجت لمُجرد الفكرة!
تتأمله بعيون اليقظ للتو من غيبوبته تحت مظلة العاطفة والعاصفة التي حولت داخله الحرير إلى خارجهُ الشرس هذا.
لم تدرك ما ستقوله وما سيكون ردها على رجل مراوغ مثله يتلاعب بمشاعرها ” كالأستك” الذي يرتد عليها ولم يؤلم غيرها.
عادت نبرته الناعمة مرة أخرى وقال بعنجهية مفرطة:
- الحاجات دي بتتخطف خطف، في لحظتها كده! وانا رجل استغلالي بالذات في اللحظات دي.
ما أن رمى جُملته الأخيرة ذهب نحو مخدعه مستعدًا للنوم بعد ما لعب جولة قوية بمشاعرها المُتخبطة.
وضاعت بخيالها معه كمن يُضيع ليله بـ قمر الشتاء الذي لا يسهر معه أحدٌ لبرودة الجو.
موجود ويراوغ ولن يداوي عواقب عبثيته وقُربه المُربك بفتاة رقيقة مثلها، هائفًا لجُملة المشاعر التي تُحسسها بكيانها ووجودها.
***
“أعتقد أني في يومٍ ما تمنيت شراء النسيان هروبًا من ذلك الواقع المرير الذي يُطارد مُخيلتي يومًا بعد يوم، وبعد ما قدمه إلىّ البحر كـ لقمة سائغة، علمت أنه لم يكن حلًا، والحل الوحيد الذي يمكنه إنقاذي من قسوة الماضي، وجبروت الحاضر هو بيع الذاكرة بما تحمله من مآسٍ، أريد تغيير جلدي الذي إتسخ بغبار الأيام السابقة، والسؤال هنا؛ ماذا يحوي صندوق النسيان الذي أهداه لي البحر!”
مضت رياح الجزع بكُل شيء يسكنها، فارقت دفترها وقلمها وطاولة أحزانها، وثبت قائمة وهي تلُف الوشاح فوق ذراعيها وتطالع البحر من وراء الزجاج.
لمع طيف الرسائل بقلبها، وكبرت ظُلمة الماضي والحاضر بذاكرتها، وأصبح البحر بريد شكواها.
أخذت نفس وراء الأخر وهي تسترجع حديث فريد المُضل أو المرشد على حسب! ولكن حدسها يُنفيه دون دليل بينّ، لم يصدقه ولم يكترث له أي أهمية، ولم يزيدها ظهوره إلا شكرٌ لمرآيا النسيان التي تعكس لها مرارة واقعها وماضيها.
رمقت البحر بأعين شاكرة على وسام النسيان، و مرسى إنقاذها الذي لم تصل لبره حتى الآن.
قطع شرودها صوت فتح الباب، ودخوله، دارت نحوه وهو يقفل الباب ويتقدم نحوها ببطء ويبدو عليه معالم الصخب.
تعمدت ألا تُطيل الفحص في ملامحه كي لا يترجم حيرتها ويضعها في مأزق الاستجواب لأسئلة لم تمتلك لها ردًا.
عادت مرة أخرى تبث حُزنها للبحر.
وقف بجوارها وهو يضع كفه بجيب بنطاله وينصب قامته بشموخ وقال بأسفٍ:
- متقلقيش اللي اسمه قاسم ده، هنلاقيه، وحقك هيرجع تالت ومتلت!
ثم تحمحم بخفوت وأعقب:
- حبيت اطمنك بس، أنا مش ناسي.
عقدت ذراعيها بأسى وعقبت على جملته ساخرة بنبرتها المبحوحة:
- تطمني! من يوم ما قابلتك وأنا مش عايشة غير كل مشاعر الخوف والرعب.
لم يتحرك به ساكن غير رأسه التي دارت باستقامة ليستمع إلى حديثها المُهين لشموخه ومجده.
توقفت عند عقدة الفزع التي ربطتها الحياة بداخلها وأكملت هذيان:
- عايشة في صراع بين الماضي الحاضر، أهرب من أيه فيهم؟! وأروح فين؟
دنت خطوة منه حتى داعبت أنفاسه رائحة عطرها وعطنها المحُزن.
ورفعت عيونها الذابلة إليه وأكملت سرد مخاوفها ومعاناتها:
- عارف لما تقعد على سُفرة عليها ديك رومي كبير وشكله جميل، واقفه حوله ناس كتيرة وغريبة، وكل واحد منهم مهتم أزاي ينهش منه على أد ما يقدر! أهو ده بالظبط نفس أحساسي..
قبضت على معصمه بقوة كي يستدير أمامها، وصرخت صرخة استغاثة بوجهه وهي على مشارف الانهيار:
- بقيت مقسومة نصين! نص بينبش ورا رسيل وحدوتها المُخيفة اللي أنا شخصية بقيت خايفة أعرفها، والنص التاني أنت زرعتني فيه! زرعتني في أرض واحدة اسمها ” حياة ” وفجأة بقى الكُل بيهاجمها! قول لي أنا مين فيهم! أنا مابقتش عايزة لا رسيل ولا حياة!
فجاة تحولت أحلامها الوردية، وعناقيد ضفائرها العنبية إلى كومة رماد وهي تسح بدموعٍ لا تعلم من أي جهة تسربت.
هل من جهة البحر الشاهد على ظُلمة ماضيها! أم منبع الكربة المجهولة النابضة بـ صدرها!
طوق كتفيها الذي تدلى الوشاح عن أحدهما وقال بسيل من الكلمات المُطمئنة وهو يجلسها على أقرب مقعد كي لا تنهار بين يديه:
- ممكن تهدي وبلاش توصلي نفسك للحالة دي! أهدي واللي عايزاه أنا هعمله! لو وجودي مضايقك همشي.
رفعت جفونها المُحمضة من كثرة البكاء وقالت بنبرة كلها عتب ورعشة ذعر:
- حتى أنت فشلت تطمني! وكنت طمعان فيا زيهم! أنا مبقتش لاقية مَرسى.. مبقتش أعرف طريق واحد يدلني!
جثا على رُكبتيه أمامها مما يدل على الأثر الذي حفره عتابها بقلبه وأخذ يمسح على رأسها بحنو يخالف قسوة شخصيته وقال بنبرة لم تسمعها منه من قبل ولكنها لامست نقطة عميقة بروحها:
- ممكن تثقي فيا المرة دي، ووعد مش هخذلك، مش هقول لك آسف ولا أقدم اعتذارات ملهاش لازمة، بس أديني فرصة اخلي أفعالي هي اللي تعتذر لك؛ ممكن!
أطالت النظرة به كمن يبحث عن الثقة بين وريقات وردتها الحمراء التى تنزف بدماء الحياة والحرب وقالت بخزى:
- يا ريتك ستبتني للبحر وحيتانه وغضبه، كان هيبقى أحن عليا من كل ده.
وثب قائمًا فجأة، فلم يتحمل ذبول وحمرة عينيها، وجمر حزنها المُتقد وقال:
- لا حالتك دي ما تنفعش، أنا هنادي الدكتور فورًا.
ما تأهب أن يخطو خطوة واحدة فتوقف إثر تغلغل أصابعها الصغيرة بين يديه، تسمر بمكانه وهو يطالع ببطء ذلك الحدث الغامض الذي رج قلبه وأحيا ما به من صبا.
اندمج صقيع خوفها بدفء وجوده، حتى رسى على جفون عينيها المصبوغة بحُمرة التوت التي لطخت قميص قلبه الأبيض بجُملتها الأخيرة وهي تترجاهُ:
- خليك هنا بعد إذنك، متروحش لمكان، أنا خايفة أوي.
***
“صبـاحًا”
- شمس، قومي الساعة بقيت 9.. عشان أدوية تميم.
أردفت ” نوران ” جُملتها الأخيرة وهى تزيح الستار ليسطع النور بالغرفة.
تحركت جفون شمس التي لم تنم إلا بعد الفجر وقالت بتكاسلٍ:
- هقـوم أهو، حد يصحي حد كده؟!
قفزت نوران بجوارها وهي تراوغها بمكـرٍ:
- في عروسة تسيب عريسها وتيجي تنام جمبي! بت يا شمس أنا مش مرتاحة لك؟ فيكِ أيه!
زفرت شمس بنفاذ صبرٍ ووثبت بكسلٍ:
- يووه! أنتِ جايبة الطاقة دي على الصبح منين! ده جزاتي يعني عشان جيت اذاكر لك!
حدجتها بعدم تصديق:
- وهو حنان الأخت ده ما شتغلش غير في أول أسبوع جواز!
هرب شمس من حصار اسئلة أختها الشديد وقالت مُغيرة مجرى الحديث:
- ذاكري يا نوران وانا هجيب لك فطار لحد هنا.
ركضت نوران لتقف أمامها وسألتها بفضولٍ:
- شمس أنتِ بتحبي تميـم! قصدي يعني أيه مشاعرك ناحيته.
صمتت شمس من صاعقة السؤال التي حلت فوق رأسها، فكم من اسئلة يقتلنا جهل الرد عليهـا، أو حقيقة الجواب التي نهرب منها خشية من مواجهتها.
أتبعت نوران سرد ما يجول بخاطرها وقالت:
- أنا وأنت عارفين سبب موافقتك على تميم، بس لما تعاملت معاه وعرفت أد أيه هو طيب وفعلًا شخص يستاهل كل خير، ضميري وجعني يا شمس، مش أحنا اللي نستغل معروف حد لينا عشان مصلحتنا.. فكري بقلبك المرة دي هتعرفي أنك غلط، وظُلم لتميم ولينا، طريق الشر والانتقام قصير.
شردت شمس في تلك المتاهة التي فتحتها أختها برأسها وقالت بعجزٍ:
- فكرك أنا مرتاحة كده؟! أنا جوايا كل حاجة بتحارب بعضها..
- حاسة بيكي، بس طلعي تميم من الحسبة دي خالص يا شمس، هو ملهوش ذنب.
اكتفت بإصدار إيماءة خافتة ثم قال هاربة:
- سيبيها على ربنا.. هروح اشوفه.
تمسكت بمعصم أختها بتردد لتوقفها وقالت بحياء:
- شمس استني، أنا عارفة أنه مش من حقي، بس أنا عايزة مصلحتك ومصلحتنا والله، وأنا عارفة كويس أن تميم لحد دلوقتِ ماشافش حتى شعرك، وأن جوازكم على ورق وبس، حاولي شوفيه بعيون قلبك ولو لمرة، سيبي قلبك المرة دي يختار نيابة عن عقلك الـ دايما قراراته قاسية عليكي.
لم يكن لديها ردًا واحدًا عن تلك الكلمات التي عبثت برأسها، أحست بدوران قلبها، وحيرتها المتضاعفة.
اكتفت بالتربيت على كتفي أختها وقالت بهربٍ:
- ركزي في مذاكرتك ممكن، عشان تيتا كان نفسها تفرح بيكي.
- وكان نفسها تفرح بولادك أنتِ كمان يا شمس.
انغرست الكلمة كالخنجر بـ صدرها، أدبرت عن حديث أختها المؤلم ورحلت دون الرد وقول أي شيء يمكنه نفي صدق الأحاسيس التي تولدت برحمها ناحيته.
غادرت شمس الغرفة، فتفوهت نوران بتنهيدة طويلة:
- ربنا يصلح حالك يا شمس يابنت حواء وآدم.
مرت عدة دقائق وهي ترتب كتبها استعدادًا للمذاكرة حتى سمعت صوت دق الباب.
تركت ما بيدها ظنًا منها بأنها أحدى الخادمات، فتحت الباب ففوجئت بـ ” كريم ” أمامها.
شهقت بذُعر:
- يخربيتك! أنت بتعمل أيه هنا!
اتكئ على جدار الباب عاقدًا ذراعيه أمام صدره وقال:
- عايز أقول للقمر سوري! ومايزعلش مني!
مدت نوران أنظارها للخارج تفحص المكان كي لا يراهم أحد وقالت بتحذيرٍ:
- أمشي من هنا حالًا شمس لو شافتك هتخلي يومك أسود.
- واضح أنها قُطة بتخربش زي أختها.
فاض صبر نوران حتى خبطت الباب بوجهه بدون سابق إنذار كي لا يراهم أحد وهمست لنفسها:
- ما هي ناقصاك أنت كمان!
نصب كريم قامته بحرج وهو يتلفت حوله بغيظٍ:
- بنت المجانين….
“في غرفة تميـم”
- قصدك دول؟
قالت شمس جملتها وهي تحضر ملابس تميـم كي يستعد للخروج.
هز رأسه مؤيدًا كلامها.
هنا توقفت شمس على شفا حيرتها بين نصائح نوران التي انصبت بقلبها، وبين اعتراضها على الألوان التي سيرتديها.
رفع حاجبه متعجبًا:
- واقفة عندك ليه!
- أبدًا بس ممكن أقول رأيي؟ حاسة أن اللونين دول على بعض مش أحلى حاجة.
تبسم تميم بإعجاب وقال مُرحبًا بالفكرة:
- طيب ما تختاري اللي يعجبك! وأنا مش هعترض.
اتسعت ابتسابتها للُطفه ثم تفقدت خزانته سريعًا وأخرجت الألوان المُحببة لقلبها.
عادت إليه حاملة ملابسه على معصمها وقالت بحماس:
- يا رب ذوقي يعجبك..
أشاد بإعجابه الشديد بما اختارته، فرحت شمس لأن ذوقها راق إليه.
وضعت ما بيدها جنبًا ثم عادت إليه بعيون معتذرة:
- أسفة لأني نمت مع نوران، بس…
وضع أصابعه على شدقها وقال مُتفهمًا:
- مش مضطرة تقولي مبررات، وكمان مفيش حاجة ممكن تخليكي تنامي بره الأوضة علشان يا دكتورة شمس أنا رجل وبفهم في الأوصول كويس أوي، وعند وعدي وكلمتي ليكِ، آكيد فاهمة ولا تحبي أوضح أكتر!
- هاااه..
- قصدي أقول لك أن خوفك ده كله على الفاضي، وملهوش أساس من الصحة، تمام كده؟!
اطمئن قلبها لهدوئه ونبرته الحنونة، ثم وثبت قائمة:
- أسيبك عشان تلبس وتلحق معادك..
- استني هنا..
- نعم!
- يعني بقولك الدار أمان، واطمنك، ومعرفش أيه وفي الأخر يجي عثمان يلبسني! مفيش رد جميل خالص!
جحظت عينيها ببلاهة:
- نعم!
- بهزر يا شمس، بهزر، روحي شوفي هتعملي أيه شكلك هتغلبيني، ولو نازلة الجامعة هوصلك في سكتي.
- لا النهاردة مفيش محاضرات، أجازة.
هز رأسه مُرغمًا:
- أحسن بردو.
ما كادت أن تحطو خطوة فتراجعت نادمة، فحدجها بنظرات الامل:
- غيرتي رأيك صح!
- تميم، أنا عايزة اعترف لك بحاجة واتمنى تسامحني…
***
تبدو كفراشة رقيقة وحزينة اختارت ساقه غصنًا لها حتى قضت ليلها في سُبات أمان من ضجر لياليها الماضي.
مرت ليلته جلسًا على الأريكة دون أن يتحرك خاصة بعد ما أمنت له وغفت على فخذه.
ظل يتأمل خريطة وجهها وكأنها الحياة وهو جميع المُتأملين، متعجبًا من الحالة التي وصل إليها بجوارها، مُتسائلًا:
“كيف سيطرتي على قلبي الذي ظننته صلبًا واختنقت الحياة بعنقه منذ زمان.. كيف يكون معك بكل هذا الليّن؟”
قضى ليلة ساحرة بقُربها وعِطرها، ليلة أجمل ما يُقال لوصفها أنها صفحة مقطوعة من كتاب ألف ليلة وليلة.
ظل يتأملها ويدقق بجمالها ورقتها التي لم يراها نُقشت على وجه إمراة من قبل كأنها كتاب أسطوري عريق، كل تفصيلة بها مُغرية لقلبه حتى نوى التسلل إلى روحها كقارئ فضولي.
تململت بخفة فتوقفت أنامله عن العبث بشعرها الذي أسره طوال الليل.
استيقظت بعد ما نامت بعمق بمحاذاته، أول شيء فتحت عيونها عليه كان حذائه اللامع.
اعتدلت من نومتها وجرت ذيول شعرها الحريري معها وقال بخجل:
- يا خبر! أنت أزاي نمت هنا! هو أيه اللي حصل أنا مش فاكرة حاجة.
هز رأسه بثبات:
- طيب كويس، حاسة إنك أحسن دلوقتِ!
- ااه، صداع خفيف بس..
لكت بقية الكلمات بشدقها وقالت بتيـهٍ:
- بس أنا ازاي نمت محستش بحاجة كده!
نزع ساعته الفخمه من معصمه وقال برزانة:
- كُنت مُجبر ادوب لك حباية مهدئة في العصير حسب تعليمات الدكتور، لأنك كنتي مرهقة حبتين.
أطرقت بحياء من تلك الحالة الفوضوية التي كانت عليها ليلة أمس وثرثرتها المُبالغة، وهدوئه في الاستماع إليها وصبره عليها.
تأهب أن ينهض فـ تشبثت بكفه مُتسائلة:
- رايح فين!
تدلت أنظاره إلى كفها المرتعش الذي يحوي كفه وقال بتحيرٍ:
- هغير عشان عندي اجتماع مهم، وكمان في كذا حاجة عايز أخلصها قبل ما نرجع القاهرة..
- استنى.
هرب اللفظ من شدقها بدون رقابة منها، لقد فقدت السيطرة على حالتها وباتت جميع تصرفاتها طفولية.
رفع حاجبه مندهشًا من تصرفاتها الغامضة وسألها:
- في حاجـة!
أومأت بالإيجاب ثم قالت بضعف حطم حصون قلبه القوية:
- مش عايزة أبقى لوحدي.. خليك هنا وأنا مش هتكلم خالص.
- أنتِ مالك من امبارح! احكي لي.
ترجته بعيونها الذابلة:
- لو سمحت خليك معايا، أنا خايفة أوي.
- خايفة من أيه طيب، قوليلي! مفيش حاجة هتحصل أنا بوعدك.
ضغطت على يده بقوة مما ثارت نيران الجنون بقلبه وهي تذرف بالدموع وتتوسل إليه إثر حالة الذعر التي خيمت عليها:
- لو سمحت خليك..
لم يمنحها أي رد على طلبها الغريب والغامض بل اكتفى بإخراج هاتفه وكلم يسري قائلًا بحزم:
- يسري ألغي كل حاجة النهاردة!
ثم احتدت نبرته:
- من غير كلام كتير، اسمع اللي بقول لك عليـه.
قفل هاتفه ثم نظر إليها ليرى بسمة الاطمئنان مرسومة على وجهها ثم نظر الشكر التي أرسلها بعيونها إليه.
رفع حاجبيه قائلًا:
- تمام كده! .. تحبي نطلع رحلة البحر تغيري جو!
ردت بصوت مبحوح:
- تمـام مفيش مشكلة.
سحب كفه برفق بعد ما ربت على كفها بحنو وقال:
- هاخد شاور وأغير هدومي تكوني جهزتي.
توجه عاصي إلى المرحاض وتوجهت ذاكرتها نحو ذلك اليوم الذي سافرت معه عندما فوجئت بوقوفه أمام أحد مكاتب الزواج بالغردقة.
#فلاش_باك
وهو يخرج بها من المكتب ويجرها خلفه بتجبر ضاغطًا بكُل قوته على معصمها، صرخت بوجهه معترضة:
- أنت مصدق نفسك! بشوية شهود ووكيل مزيف وكمان اسم مزيف.. فاكر إنك كده جوزي.
قـتٰلها بابتسامته الباردة وهو يقول:
- أهم رُكنين في الجواز القبول والإشهار.. ولقد كان.
أطلقت ضحكة ساخرة:
- هااه! قبول! لا ده أنت مصدق نفسك على الأخر!
حاول شدها ليُكمل خُطاه نحو سيارته ولكنها وقفتها مُعاندة أمامه وقالت بغضبٍ:
- طيب افرض طلعت متجوزة، هتعمل أيه يا عاصي بيه! ها حلني بقا!
جز على أسنانه بنفاذ صبر وقال:
- ساعتها هطلقك منه واتجوزك من تاني بردو.
رمقته بنظرة ساخرة كمن يجمع الحطب من غابة لا خشب بها وقالت باستهزاء وهي تشير على رأسه:
- دي طارت منك خالص.
نفذ صبره من ثرثرتها العبثية وقال بشدة:
- افهميني عشان مش هكرر كلامي تاني، بالورقة دي أنا بحميكي من نفسي قبل أي حد.. ومش عشان حد يجي يقول لك أنتِ قريبتي ولا اختي اسلمك له، أنا عايز اوصلك لبر الأمان ويكون ليـا الحق في ده، مش مجرد حياتي معاكي فندق تلمي منه شُنطك وتطيري، لانك مش حِمل بهدلة والعالم بره غابة ما بيرحمش! فهمتي؟
تبادلت النظرات الحائرة بينهم، هو يحاول إقناعها بحديث لم يقنعه وهي تحاول العثور على حقيقة حججه وتمسكه بها.
زفر عاصي بجزع وقطع حبل النظرات بينهم وهو يشدها من مُعصمها:
- ولا متفهميش! مش مهم! أنا أصلاً بتكلم معاكِ ليه!
بالكتهيج القلب برفقة الذاكرة المُتشتتة والتي تُراجع تصرفاتها الجنونية معه، وحبل الوصال الخفي الكامن خلف عنادهم، أحست بلدغة قُبلته في قلبها وسرعان ما تناولت دفترها ودونت ما يتجول بداخلها:
“لم يعد التيه يُرعبني بقدر تلك المشاعر التي لم أقع بها عنوة بل سرت إليها بخُطى ثابتة وعينين لامعتين!”
***
“- طيب قولي صباح الخير”
كانت جُملة مُراد خبيثة مُراوغة وهو يرش عطره قبل الخروج.
ظل الصمت سائدًا بينهم حتى قطعه بجملته الاخيرة.
انكمشت ملامح عالية مُتعمدة وقالت بحدة:
- الساعة ١٢ هنزل الجامعة.. قلت أعرفك بس.
- خدي هنا! أيه الطريقة دي!
- هي دي طريقتي.. عايزة أعدى ممكن توسع!
تأفف بحنقٍ:
- عاليـة..
وضعت حدًا للنقاش بينهم وقالت بحزم:
- من فضلك مش حابة اتكلم..
ثم فارقت الغرفة بعد ما قفلت الباب خلفها بقوة.
ضرب مراد كف على الأخر مزفرًا:
- أهو كده وبالبوز ده تبقى عالية دويدار بجد.
اصطدمت عالية بهدير التي فتحت باب شقتها ودخلت كأنها صاحبة بيت.
لم تكترث للأمر بل اقتطبت بوجهها وتركتها بدون ترحيب.
ثار الموقف غضب هدير التي جهرت معترضة:
- ماهي قلة الذوق مش جديدة عليكِ، طيب حتى ارمي السلام.
تجاهلتها ” عالية ” لان الثورة الناشبة بصدرها أضخم من الالتفات لمشاجرات هدير.
خرج مراد على صوت أخته العالي التي استغلت الأمر وطاحت بوجهه:
- والله لو الست مراتك مش حابة وجودنا قول، بدل الإهانة دي!
- اقصري الشـر يا هدير وقولي يا صبح!
صاحت هدير وهي تلوح بذراعيها:
- طبعًا! ما أنت لازم تعوم على عومها.. وأيه كمان! تعالي يا ماما شوفي ابنك اللي بيطردنا بالذوق هو وبنت أختك!
خرجت جيهان راكضة على صياح ابنتها التي تنادي على الشر باسمه، اقتربت منها وربتت على كتفها:
- مين مزعلك يا حبيبة أمك بس!
- الهانم بنت اختك ضاربة بوز وكأنها مش طايقانا!
فاض الأمر بعالية التي لأول مرة يسمع لها صوتًا عاليًا:
- هو مش اخوكي قال لك تقصري الشـر يا هدير! ولا هتبقي مبسوطة لما ادخل أنا وأكسر دماغك!
شهقت هدير وأمها في نفسٍ واحد أما عن مراد وقف مُعجبًا بتلك النسخة الجديدة التي تسلحت بها.
وبختها جيهان بحدة:
- هي حصلت تكلمي بنتي بالطريقة دي يا بنت دويدار!
- وأعلمها الأدب كمان لو مطلعتنيش من دماغها.
ثم قربت منها وأشارت بسبابتها محذرة:
- ولأخر مرة بقولهالك يا هدير طلعيني من دماغك!
ردت هدير بخبث:
- للاسف، أنتِ بقيتي قدري وأنا بقيت قدرك، لإنك هتكون عمة اللي في بطني، وعشان اطمنك سايبة لك الشقة كلها بس هطلع على قصر دويدار.. بيتي وبيت اللي في بطني، أما أنت خليكِ هتعيشي مطرودة من بيت أبوكي، وحتى جوزك متجوزك مصلحة.. يعني يومين وهو كمان هيرميكي في الشارع.
تدخل مُراد مُزمجرًا:
- اسكتي يا هدير!
انفجرت نيران الغل بشدقها:
- اسكت! أيه هي الحقيقة بتوجع! أيوه يا عالية مُراد أخويا متجوزك مصلحة.. عشان بس متعشيش في الدور أوي وأنا ولم تكمل جُملتها ففوجئت بلطمة قوية نزلت على وجنتها شلت لسانها من أخيها وهو ينهرها:
- قلت لك اخرسي.. للاسف هتفضلي طول عمرك سودة من جواكي مش شايفة غير سواد، وبتحاولي تبوظي حياتي كل ما اصلحها.. كل ما أحاول اصفى لك تيجي تعكيها أكتر، أنا بقيت بقرف منك ومن ألاعيبك.
- مُراد..
نطق اسمه بنبرة مرتعشة وعيون نازفة بدماء الحزن وما أن دار نحوها قائلًا:
- عالية، هفهمك!
- مش عايزة أفهم حاجة، طلقني……
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم نهال مصطفي
ما يُرهقني بالأمر أننا لم نقل وداعًا ولن نتفق على موعدٍ للقاء آخر، حمل كلٌ منا ما بقلبه ورحل تاركين للقدر مهمة جمعنا ولو لصدفة على رصيف الأيام.. وها نحن الآن بعد ما بلغ الغياب منا مبلغه، وطوت الأعوام قلوبنا، تركت قلمي ليس لجفاف حبر الأمل به، ولكن أي كلام يمكن أن يُكتب أو يبقى بعد جفاف العينين من الحزن!
••••••
لم تكمل جملتها ففوجئت بلطمة قوية نزلت على وجنتها شلت لسانها من أخيها وهو ينهرها لتصمت:
- قلت لك اخرسي.. للأسف هتفضلي طول عمرك سودة من جواكي مش شايفة غير سواد، وبتحاولي تبوظي حياتي كل ما أصلحها.. كل ما أحاول أصفى لك تيجي تعكيها أكتر، أنا بقيت بقرف منك ومن ألاعيبك.
- مراد..
نطقت اسمه بنبرة مرتعشة وعيون نازفة بدماء الحزن وما أن دار نحوها قائلًا:
- عالية، هفهمك!
- مش عايزة أفهم حاجة، طلقني.
امتلأت أعين هدير بالشماتة والانتصار على عكس جيهان التي تراقب مخططها المشيد ينهار فوق رأسها، ابتعدت عن ابنتها واقتربت من عالية محاولة إصلاح ما أفسدته هدير وقالت بذعر مغلف بالحنية الكاذبة:
- عالية يا حبيبتي وحدي الله، دي هدير بس بتحاول توقع ما بينكم، ما أنتِ عارفة جنانها وأنها ساعات بتقول أي كلام عشان تضايق اللي قدامها وخلاص.
أوشكت رأسها على الانفجار، فلم تعد تتحمل المزيد من الكذب والخداع والمسرحيات المزيفة، طالعتها باشمئزاز ثم قالت:
- انتوا إزاي كده! إزاي كل حياتكم بتكذبوا وبتصدقوا كذبكم! إزاي بتناموا بالليل وأنتم جواكم السواد والغِل ده كله.
تحاشت الوقوف أمام خالتها واقتربت خطوة من هدير بعد ما ارتدت عالية ثوب آل دويدار الذي يفتك بكل من يقترب لمجده وقالت بتحدٍ:
- أنتِ فاكرة إني طلبت الطلاق عشان الكلمتين الفارغين بتوعك دول.. حقيقة أخوكي كانت مكشوفة قدامي من أول يوم وقالها صريحة في وشي.
ألتفتت إليه بنظرة مؤكدة:
- فاكر!
ثم عادت إليها وأكملت:
- بس الفرق إني لمست جواه حتة نضيفة وقررت أشتغل عليها، قلت يمكن ربنا ساقني لعنده لسبب ما، قررت أرد له جميل أنه أنقذ حياتي في يوم، وأكون له طاقة نور تطلع الشخص النضيف اللي جواه..
ذرفت دمعة الفشل من طرف مقلتيها وتحولت نبرتها لنحيب مكتوم وأردفت بندم:
- بس واضح إني كنت غلطانة.
ودارت لتوجه جملتها المغلفة بالعتـاب والاتهام لخالتها وقالت:
- إن للأسف الشديد الحداية مبتحدفش كتاكيت!
صاحت هدير بوجهها:
- أنتِ مالك طايحة في الكل كده! ده جزاء أخويا أنه ستر عليكي بعد مصيبتك دي! أنتِ فاكرة كان في حد هيبص في وشك لو معملش كده.. دور ستنا الشيخة دي مش علينا يا عالية أنا أكتر حد عارفاك وعارف مسكنتك!
انفجر مراد بوجه أخته بعد ما انقض على معصمها وهو يرجها أمامه موبخًا:
- أنتِ إيه فاكرة كل الناس زيك! بس الغلط مني رجعتك بيتي تاني بعد ما طردتك منه زمان، افتكرتك كبرتي وعقلتي..
عالية بكللٍ:
- متتعبش نفسك معاها، أنا هدخل أغير هدومي عشان نروح للمأذون..
بمجرد ما رمت كلماتها انصرفت نحو غرفتها لتنفيذ ما طلبته، اندفعت جيهان نحو ابنها متوسلة:
- أوعى تسمع كلامها يا مراد، أحنا مش هنطلع من المولد بلا حمص كده.
رمقها بأسهم الخسة ثم قال جملته قبل أن يتبع خُطى عالية:
- ما بس بقا! أنتوا مصنوعين من إيه!! كفاية لحد كده أنتِ وبنتك كفاية..
رحل مراد خلفها وما أن دخل غرفته باغتت جيهان ابنتها بقرصة مؤلمة في ذراعها:
- عاجبك كده! هديتي اللي بخطط له من سنين.
- أصلًا عالية دي بنت صفره أوي، لا هتاخدوا منها أبيض ولا أسود، متحلميش أنتِ وابنك.
في الغُرفة:
- عالية ممكن نتكلم طيب.
كانت جملة مراد الأخيرة مليئة بالأسى والحزن، لا يعرف ما الذي سيقوله ولكن أراد أن يخلق بينهم أي لغة حوار، رمت عالية ملابسها التي أخرجتها من الخزانة وبدون ما تطالع وجهه أردفت بحدة:
- مفيش منه فايدة الكلام يا مراد، خلصت لحد كده.
- ما خلصتش يا عالية، ولو سمحتِ اقفي وكلميني زي ما بكلمك.
لبت طلبه بسخرية وقالت:
- أيه هتخترع كذبة جديدة! متحاولش يا مراد خطتك فشلت والسبب اللي اتجوزتني عشانه بح، شوف لك طريقة تانية تنتقم بيها من عاصي دويدار غيري.
- دي مش طريقة للكلام..
عالية بأسف مليء بالسخرية:
- والله هي دي طريقتي، وأسفة عشان طريقتي مش ملونة بالكذب والخداع بتاعكم..
أحست بنغزة مجهولة بقلبها ولكن عنادها كان أقوى من الانتباه إليها وأكملت:
- أظن بعد اللي اتقال أنا مش هقبل أعيش على ذمتك ساعة زيادة، لأن جوازنا في الأساس باطل.. كفاية لحد كده..
صعق بوجهها معارضًا وهو يمسك معصمها بقوة:
- جواز إيه اللي باطل أنتِ بتقولي إيه؟
أزاحت يده عنها بعيدًا وقالت:
- أيوه باطل لأنه في حكم جواز المتعة، يعني وجودي معاك أصلًا حرام شرعًا..
ثم رمقته بحزن على حاله:
- يا خسارة يا مراد كان عندي أمل أنشلك من العالم اللي أنت عايش فيه، بس طلعت بضحك على نفسي.
تجاهل كل ما قالته ووقف عند عقدة الفزع التي ربطها رحيلها المفاجئ عنه، أكتفى بهز رأسه متقبلًا اتهامها بهدوء وما أن غربت وجهها عنه لتُخرج بقية ملابسها من الخزانة تسلل ببطء حتى صدمت بقفل باب الغرفة عليها بالمفتاح، ركضت نحو الباب المغلق وصرخت:
- كده بتقل حسابك يا مراد، فاكر لما تحبسني هو ده الحل!
ثم ضربت على الباب صارخة بقوة:
- افتح الباب ده، أنا مش طايقة أتفسح حتى في بيتك.
وضع المفتاح في جيب بنطاله ثم قال صراحة:
- وأنا معنديش استعداد أخسرك بعد ما لقيتك يا عالية.. سامحيني بس هو ده الحل لحد ما تهدي ونتكلم.
••••••••
- اليوم هيخلص وأنتِ بتبسبسي يا شمس! قولي مالك! ليه التوتر ده كله!
بعد ما طالع ساعته أردف تميم جملته الأخيرة لشمس التي كانت تماطل في سرد ما تخفيه عنه، أحست بالارتباك الشديد ثم قالت:
- خلاص وقت تاني، شكلك مستعجل مش حابة أعطلك.
جذبها من كفها المرتعش وقال بحزم:
- قولي يا شمس، بلاش تهربي زي كل مرة.
هنا صوت طرق الباب أنقذ شمس من الورطة التي وضعت بها نفسها، سحبت يدها بسرعة وقالت بصوت مرتعش:
- اتفضل..
دخلت إحدى الخادمات بعجل يبدو عليها الذعر:
- تميم بيه، في بوليس تحت وبيسأل على الدكتور شمس وأختها!
تجمدت نظرات الثنائي لبعضهم، حتى نفض غبار الشرود عن رأسه متسائلًا:
- في إيه، تعرفي حاجة يا شمس..
شمس بدهشة:
- معرفش، هنزل أشوف فيه إيه..
- استنى هنا، أنا جاي معاكِ.
هبط الجميع إلى أسفل بين انتشار حركة المخبرين والأمناء في جميع أرجاء القصر وكل منهم يبحث عما جاء لأجله، خرجت نوران من الغرفة بقلق وهي تشاهد المنظر المرعب بالأسفل، اقترب تميم من الضابط قائلًا:
- أنا المهندس تميم دويدار، جوز الدكتورة شمس، ممكن أفهم في إيه!
أخرج الضابط إذن النيابة من جيبه وقال:
- ده إذن النيابة بتفتيش البيت، لأن في بلاغ مقدم من عبلة المحلاوي تتهم فيه الدكتورة وأختها بسرقة مجوهراتها ومجوهرات عالية دويدار.
وضعت نوران كفها على شدقها وتوقفت في منتصف الدرج إثر ما وقع على آذانها، أما عن شمس تمسكت فجأة بيد تميم ورمقته بعيونها النافية لكل هذا قائلة:
- تميم ده افتراء، الكلام ده كله محصلش..
تدخل الضابط متسائلًا:
- أوضتكم فين وأوضة أخت المدام؟
أشار تميم عما سأله، فأمر الضابط أحد العساكر بتفتيش الغرفة، وهنا أتت عبلة من الخارج وقالت باتهام واضح:
- أهي، هي دي يا حضرة الظابط اللي سرقت دهبي ودهب بنتي.
أومأ الضابط متفهمًا:
- هنشوف دلوقتي يا هانم.
أصعب دقائق مرت على الجميع في انتظار بينة الاتهام الشنيع الذي وجهته عبلة لشمس وأختها كي تتخلص من وجودهم بمنزلها، أتى العسكري برفقة أصدقائه حاملًا بيده صندوقًا خشبيًا:
- لقينا ده في أوضة تميم بيه يا فندم.
لما رأته عبلة صاحت بلهفة:
- هو الصندوق ده يا حضرة الظابط..
ثم رمقت شمس بنظرات الشماتة:
- شفت اللي جايبهالنا من الحواري عملت إيه!
أكد الضابط سؤاله الموجه لعبلة:
- متأكدة! يعني ده دهبك يا مدام عبلة!
- هو، هو يا سيادة النقيب.
هز الضابط رأسه قائلًا:
- تمام أحنا هنرفع البصمات من عليه..
ثم وجه جملته الأخيرة لتميم:
- والدكتورة وأختها هيشرفونا في القسم.
حل الذعر على ملامح شمس وأختها وهن ينفيان التهمة عنهم، طالعت شمس تميم بتوسل:
- تميم أنا والله ما أخدت حاجة، أنت طبعًا مش مصدق الكلام ده.
أمسك العساكر بكل من شمس ونوران نحو عربة الشرطة، أما عن تميم جُن علقه كي يحل تلك الورطة التي يثق من تلفيقها، صعد على الممر المبسط الذي صنعه عاصي خصيصًا لأجله بجوار السلم كي يتحرك بين الطوابق بحرية، دخل الغرفة وهاتف محاميه الخاص قائلًا:
- اسبقني على هناك يا متر وشوف حل لحد ما أجلك، مراتي مش هتقعد ساعة واحدة في القسم.
قفل الهاتف عندما أدرف كلماته وأخذ يقلب الأفكار في رأسه حتى عزم أمره وفارق غرفته متجها إلى غرفة عبلة التي اقتحمها بدون استئذان، كانت في تلك اللحظة تتحدث مع محاميها كي يرجع لها المشغولات الذهبية وما أن رأت تميم شهقت بذعر:
- طيب سلام أنت دلوقتي يا متر.
قفل تميم الباب خلفه بشدة رجته كما رجت قلبها وكانت الصدمة الكبرى إليها عندما رأته واقفًا على قدميه تطالعه بأعين متسعة تشع بلهب الدهشة والذهول، شهقت بذعر وهي تتراجع للخلف:
- أنتَ، أنتَ بتمشي!
اقترب تميم منها وهو يشع بجمرات الغضب:
- عملتي ليه كده! انطقي.
غلفت صدمتها بنبرة الحنية المزيفة التي تلونت بها فجأة كالحرباء ودنت منه بلهفة:
- أنا فرحانة بيك أوي يا تميم، أنا أنا كنت حاسة إنـ إنك بخير، أنتَ خبيت عني ليه وشرعت أن تعانقه الحية بمكرها ولكنه باغتها بقبضة قوية على عنقها مهددًا بنرة تحرقها من شدة الغضب، تحول أمامها من الشخص المسلم إلى آخر شرس يود حرق العالم بنظرة من عيناه الثائرة:
- مكر التعابين ده مش عليا يا بنت المحلاوي، أنا سكتت لك كتير ولحد هنا وكفاية..
ثم أطلق نتهيدات غضبه ممزوجة بأنين روحها التي أوشكت على مغادرة جسدها واحمرار وجهها بحمرة التوسل:
- هموت يا تميم في إيدك.. سيبني.
بغل دفعها للوراء حتى ارتمت على الأريكة تتخذ أنفاسها بصعوبة وتسعل بشدة، لم يكف تميم عن ذلك ولن يمنحها الفرصة الكافية للاستراحة، أزاحها للوراء حتى ارتطم ظهرها بمسند الأريكة ورفع ساقه اليمنى فوق المنضدة وأخرج هاتفه وفاتح الشاشة على صورة ما، ولى الهاتف إليها قائلًا بصوت عاصف:
- شوفي كده، فاكرة الورقة دي! بصي وملي عينك منها كويس أوي! مش أنا ولد الخدامة، أهو ولد الخدامة ده هينيمك على البروش، هي ساعة واحدة لو مراتي ما رجعتش هحرق قصر دويدار ده كله باللي فيه!
بعيون متسعة حد الانخلاع وشفاه مزمومة تقطعت الكلمات بفمها:
- أنت جبت الورقة دي منين، أنتَ…
قفل هاتفه ووضعه بجيبه قائلًا:
- ومش بس الورقة دي، فيها غيرها كتير أوي، بس كل ده ولا حاجة مقابل انك تسمعي كلامي وتقولي أمين، وكلمة كده ولو محاولة قتل زي اللي حصلت وراحت فيها أمي أنا هنسفك من على وش الأرض.
وقفت مرتعدة وهي تترجاه:
- تميم، افهم بس دا أنا بحبك، كل ده مش لمصلحتنا، أعقل يا حبيبي ودي بنت حرامية خليها تروح في داهية وأنا من بكرة هجوزك ست ستها بس بلاش بلاش الورق ده حد يشوفه، عشان خاطر أخواتك يا تميم، أنا متأكدة أنك بتحبهم ومش هتأذيهم، تميم..
مسك معصمها بقوة وقال كلمته النافية:
- كلمة واحدة تروحي تخرجي شمس وأختها حالًا زي ما دخلتيهم، ماشي يا مراة أبويا… اااه ومش محتاج أفكرك، أني واقف على رجليا ده لو حد عرفه يبقي أنتِ اللي اخترت الوش التاني لتميم دويدار.
مجرد ما أنهي تهديداته القاسية التي تلعن باقتراب الحرب تحرك نحو مقعده المتحرك وجلس عليها وهو يرمقها بنظراته القاسية وتمتم بتوعد:
- مش عايز الشيطان يوزك كده ولا كده، طول ما أنتِ حاطة لسانك ده جوه بؤك أنا ساكت وببعد عن الشر وأغني له كمان.
••••••••
- اليوم هيخلص وأنتِ بتبسبسي يا شمس! قولي مالك! ليه التوتر ده كله!
بعد ما طالع ساعته أردف تميم جملته الأخيرة لشمس التي كانت تماطل في سرد ما تخفيه عنه، أحست بالارتباك الشديد ثم قالت:
- خلاص وقت تاني، شكلك مستعجل مش حابة أعطلك.
جذبها من كفها المرتعش وقال بحزم:
- قولي يا شمس، بلاش تهربي زي كل مرة.
هنا صوت طرق الباب أنقذ شمس من الورطة التي وضعت بها نفسها، سحبت يدها بسرعة وقالت بصوت مرتعش:
- اتفضل..
دخلت إحدى الخادمات بعجل يبدو عليها الذعر:
- تميم بيه، في بوليس تحت وبيسأل على الدكتور شمس وأختها!
تجمدت نظرات الثنائي لبعضهم، حتى نفض غبار الشرود عن رأسه متسائلًا:
- في إيه، تعرفي حاجة يا شمس..
شمس بدهشة:
- معرفش، هنزل أشوف فيه إيه..
- استنى هنا، أنا جاي معاكِ.
هبط الجميع إلى أسفل بين انتشار حركة المخبرين والأمناء في جميع أرجاء القصر وكل منهم يبحث عما جاء لأجله، خرجت نوران من الغرفة بقلق وهي تشاهد المنظر المرعب بالأسفل، اقترب تميم من الضابط قائلًا:
- أنا المهندس تميم دويدار، جوز الدكتورة شمس، ممكن أفهم في إيه!
أخرج الضابط إذن النيابة من جيبه وقال:
- ده إذن النيابة بتفتيش البيت، لأن في بلاغ مقدم من عبلة المحلاوي تتهم فيه الدكتورة وأختها بسرقة مجوهراتها ومجوهرات عالية دويدار.
وضعت نوران كفها على شدقها وتوقفت في منتصف الدرج إثر ما وقع على آذانها، أما عن شمس تمسكت فجأة بيد تميم ورمقته بعيونها النافية لكل هذا قائلة:
- تميم ده افتراء، الكلام ده كله محصلش..
تدخل الضابط متسائلًا:
- أوضتكم فين وأوضة أخت المدام؟
أشار تميم عما سأله، فأمر الضابط أحد العساكر بتفتيش الغرفة، وهنا أتت عبلة من الخارج وقالت باتهام واضح:
- أهي، هي دي يا حضرة الظابط اللي سرقت دهبي ودهب بنتي.
أومأ الضابط متفهمًا:
- هنشوف دلوقتي يا هانم.
أصعب دقائق مرت على الجميع في انتظار بينة الاتهام الشنيع الذي وجهته عبلة لشمس وأختها كي تتخلص من وجودهم بمنزلها، أتى العسكري برفقة أصدقائه حاملًا بيده صندوقًا خشبيًا:
- لقينا ده في أوضة تميم بيه يا فندم.
لما رأته عبلة صاحت بلهفة:
- هو الصندوق ده يا حضرة الظابط..
ثم رمقت شمس بنظرات الشماتة:
- شفت اللي جايبهالنا من الحواري عملت إيه!
أكد الضابط سؤاله الموجه لعبلة:
- متأكدة! يعني ده دهبك يا مدام عبلة!
- هو، هو يا سيادة النقيب.
هز الضابط رأسه قائلًا:
- تمام أحنا هنرفع البصمات من عليه..
ثم وجه جملته الأخيرة لتميم:
- والدكتورة وأختها هيشرفونا في القسم.
حل الذعر على ملامح شمس وأختها وهن ينفيان التهمة عنهم، طالعت شمس تميم بتوسل:
- تميم أنا والله ما أخدت حاجة، أنت طبعًا مش مصدق الكلام ده.
أمسك العساكر بكل من شمس ونوران نحو عربة الشرطة، أما عن تميم جُن علقه كي يحل تلك الورطة التي يثق من تلفيقها، صعد على الممر المبسط الذي صنعه عاصي خصيصًا لأجله بجوار السلم كي يتحرك بين الطوابق بحرية، دخل الغرفة وهاتف محاميه الخاص قائلًا:
- اسبقني على هناك يا متر وشوف حل لحد ما أجلك، مراتي مش هتقعد ساعة واحدة في القسم.
قفل الهاتف عندما أدرف كلماته وأخذ يقلب الأفكار في رأسه حتى عزم أمره وفارق غرفته متجها إلى غرفة عبلة التي اقتحمها بدون استئذان، كانت في تلك اللحظة تتحدث مع محاميها كي يرجع لها المشغولات الذهبية وما أن رأت تميم شهقت بذعر:
- طيب سلام أنت دلوقتي يا متر.
قفل تميم الباب خلفه بشدة رجته كما رجت قلبها وكانت الصدمة الكبرى إليها عندما رأته واقفًا على قدميه تطالعه بأعين متسعة تشع بلهب الدهشة والذهول، شهقت بذعر وهي تتراجع للخلف:
- أنتَ، أنتَ بتمشي!
اقترب تميم منها وهو يشع بجمرات الغضب:
- عملتي ليه كده! انطقي.
غلفت صدمتها بنبرة الحنية المزيفة التي تلونت بها فجأة كالحرباء ودنت منه بلهفة:
- أنا فرحانة بيك أوي يا تميم، أنا أنا كنت حاسة إنـ إنك بخير، أنتَ خبيت عني ليه وشرعت أن تعانقه الحية بمكرها ولكنه باغتها بقبضة قوية على عنقها مهددًا بنرة تحرقها من شدة الغضب، تحول أمامها من الشخص المسلم إلى آخر شرس يود حرق العالم بنظرة من عيناه الثائرة:
- مكر التعابين ده مش عليا يا بنت المحلاوي، أنا سكتت لك كتير ولحد هنا وكفاية..
ثم أطلق نتهيدات غضبه ممزوجة بأنين روحها التي أوشكت على مغادرة جسدها واحمرار وجهها بحمرة التوسل:
- هموت يا تميم في إيدك.. سيبني.
بغل دفعها للوراء حتى ارتمت على الأريكة تتخذ أنفاسها بصعوبة وتسعل بشدة، لم يكف تميم عن ذلك ولن يمنحها الفرصة الكافية للاستراحة، أزاحها للوراء حتى ارتطم ظهرها بمسند الأريكة ورفع ساقه اليمنى فوق المنضدة وأخرج هاتفه وفاتح الشاشة على صورة ما، ولى الهاتف إليها قائلًا بصوت عاصف:
- شوفي كده، فاكرة الورقة دي! بصي وملي عينك منها كويس أوي! مش أنا ولد الخدامة، أهو ولد الخدامة ده هينيمك على البروش، هي ساعة واحدة لو مراتي ما رجعتش هحرق قصر دويدار ده كله باللي فيه!
بعيون متسعة حد الانخلاع وشفاه مزمومة تقطعت الكلمات بفمها:
- أنت جبت الورقة دي منين، أنتَ…
قفل هاتفه ووضعه بجيبه قائلًا:
- ومش بس الورقة دي، فيها غيرها كتير أوي، بس كل ده ولا حاجة مقابل انك تسمعي كلامي وتقولي أمين، وكلمة كده ولو محاولة قتل زي اللي حصلت وراحت فيها أمي أنا هنسفك من على وش الأرض.
وقفت مرتعدة وهي تترجاه:
- تميم، افهم بس دا أنا بحبك، كل ده مش لمصلحتنا، أعقل يا حبيبي ودي بنت حرامية خليها تروح في داهية وأنا من بكرة هجوزك ست ستها بس بلاش بلاش الورق ده حد يشوفه، عشان خاطر أخواتك يا تميم، أنا متأكدة أنك بتحبهم ومش هتأذيهم، تميم..
مسك معصمها بقوة وقال كلمته النافية:
- كلمة واحدة تروحي تخرجي شمس وأختها حالًا زي ما دخلتيهم، ماشي يا مراة أبويا… اااه ومش محتاج أفكرك، أني واقف على رجليا ده لو حد عرفه يبقي أنتِ اللي اخترت الوش التاني لتميم دويدار.
مجرد ما أنهي تهديداته القاسية التي تلعن باقتراب الحرب تحرك نحو مقعده المتحرك وجلس عليها وهو يرمقها بنظراته القاسية وتمتم بتوعد:
- مش عايز الشيطان يوزك كده ولا كده، طول ما أنتِ حاطة لسانك ده جوه بؤك أنا ساكت وببعد عن الشر وأغني له كمان.
••••••••
- يُسري أنا عايز خبر مش محاولات! اللي ما يتسمى ده لو مظهر لحد بكرة أنا اللي هحاسبكم بنفسي.. واوصل لفرع الشركة في أيطاليا وفض معاهم الشركة دي خالص مهما كان التمن يا يسري.
على اليخت الخاص به في منتصف البحر يقف عاصي بعيدًا عن تلك العصفورة الشاردة ويتحدث بالهاتف، أمهل يسري أن يوضح له نتائج سعيهم، ولكنه غير مجرى الحديث بسرعة وقال:
- لقيت أخوات رسيل؟
- فص ملح وداب سعاتك، بعد ما ابن عمهم استولى على كل حاجة هما اختفوا، ومش عارفين نوصل لحد فيهم.
زفر بضيق وهواء البحر يداعب ملامحه الغاضبة:
- عايزك تجيب لي كل المعلومات عن الواد ده، وتعرف لي طريق أخواتها في أسرع وقت.
قفل الهاتف ثم عاد إليها بخطواته الهادئة تائهًا مع خصلات شعرها التي يمازحها الهواء فتصبح كموج البحر المتقلب، دني منها حتى جلس بجوارها متسائلًا:
- شايف أنك بقيتِ أحسن دلوقتي.
- عرفت أزاي.
انكمشت ملامح وجهه بإعجاب ثم قال:
- لمعة عيونك رجعت من تاني.
- شايفة أنك حفظتني وبقيت تفهمني بسرعة.. أنت بتعمل معايا كده ليه؟
- مش فاهم!
- يعني ورطت نفسك معايا، وبتحاول تساعدني عشان أعدي الفترة دي، لغيت كل شغلك عشاني، وحاجات تانية كتير، ليه؟
كلمة "لماذا" تلك الكلمة التي تناشد كل تصرفاته الغامضة، لأول مرة يقف أمامها وجهًا لوجه وعليه أن يضع جوابًا مقنعًا لأفعاله الغريبة، شرد طويلًا حتى رد بدهاء:
- رد جميل..
- جميل إيه! أنا ما عملتش حاجة أستاهل عليها كل ده!
أحس نفسه إنه وقع بمأزق جديد لا يعرف طريق النجاة منه، تحمحم بخفوت وقال:
- إزاي! لا طبعًا عملتي واخرهم أنقذتيني من الورطة اللي كنت هقع فيها مع الوفد الإيطالي، وترجمتي الاجتماع أحسن من كل المترجمين اللي اتعاملت معاهم.
طالعته بعدم تصدق ثم قالت:
- طيب وقبل كده، قصدي قبل الاجتماع، تمسكك بيا، إصرارك إني لازم أبقى بخير، وقوفك قدام مامتي عشاني.
لو لم يكن صدره مغارة جليد، لقال شيئًا عذبًا يشبه كلمة "أحبك"، نفض غبار تلك الهواجس عن رأسه وقال:
- ما تغيري الموضوع..
- ما دام دي رغبتك تمام..
ثم أصابتها رغبة شديدة في التحدث معه بعد ساعات من الصمت:
- تعرف أنك بتشبه البحر.
ألتفت إليها باهتمام:
- إزاي؟
- ملامحك بتتغير حسب الظرف اللي حوالي، يعني البحر بالنهار لونه أزرق، ووقت الغروب أحمر، وبالليل أسود، اللون الأزرق ده لما تبقى مبسوط أو مرتاح عمومًا، شوفت ده بوضوح في الاجتماع، اللون الأسود لما تبقى غضبان، بحس أن في إعصار هيدمر الدنيا نتيجة غضبك، بس بعيدًا عن كل ده جواك أسرار وعالم خفي محدش يعرف عنه أي حاجة، زي جوف البحر كده.
كان مستمتعًا بتحليل شخصيته على لسانها حتى تمددت شفتيه بابتسامة خفيفة وقال:
- طيب دي ميزة ولا عيب!
فكرت قبل أن تجيبه حتى أردفت بارتياح:
- كل واحد جواه شيء مميز وشيء بيسعى عشان يصلحه! الإنسان وحده اللي بيلمس حقيقة الاثنين جواه.
- وأنتِ شايفة إيه أكتر شيء مميز فيكي.
ضحكت بحسرة مبطنة بالسخرية على سؤاله وقالت ممازحة:
- لما ترجع لي الذاكرة وأفتكر هبقى أقولك، بس ممكن أعرف ردك على نفس ده دلوقتي!
تناول حبة "كاجو" من الطاولة أمامه واستغرق وقتًا لا بأس به ليفكر في جوابًا لسؤالها الذي يفتش في دواخله، ارتشف رشفة من كوب الماء ثم أطال النظر بعيونها اللامعة وقال بنبرة ينصهر لأجلها الحديد:
- بعيدًا عن وجه عاصي دويدار المزيف اللي كل الناس عارفاه، بس لو حصل وقلبي دق لـ ست بعيشها فوق السحاب، لأني بسلمها عمري كله.
لا تعلم لماذا ردت الكلمة بصدرها بهذه القوة للدرجة التي أحست أن قلبها أوشك على الانخلاع، توترت قليلًا ثم قالت بتخابث:
- وواضح أنك لسه ملقتش الست دي!
- عرفتي منين؟
- عادي، شايفة إنك بتدور لسه عليها في كل الستات!
كل مدى ينبهر بفطنتها وذكائها، رفع حاجبه بإعجاب ثم قال:
- تفتكري ممكن أقابلها بعد العمر ده؟
- لو ليك نصيب هتقابلها أكيد هيحصل!
ساد الصمت بينهم للحظات حتى أردف بتردد:
- حياة..
- نعم..
كان سيقول شيئًا ما ولكنه تراجع في آخر لحظة وقال بحيرة:
- الفجر هنرجع القاهرة.
•••••••
” صباحًا ”
” في قصر آل دويدار ”
يجلس تميم على مقعده المتحرك أمام الأريكة التي تغفو عليها شمس حتى امتدت أنامله لمسح تلك الدمعة الهاربة من طرف عينيها، وثبت كالملدوغة من نومتها عندما أحست بيده متمتمة:
- تميم!
حاول أن يهدأ من روعها:
- أششش أهدي مفيش حاجة أنا جنبك، أنتِ كويسة!
كفكفت عبراتها بأسف:
- حاسة إني في صدمة من امبارح، مش قادرة أستوعب كل ده! هي ليه عملت فينا كده؟ مش كفاية اللي عملته! هي عايزة مننا إيه!
مسح على شعرها الذي نسيت أن تُغطيه من شدة التعب ونامت بدون أن تشعر، ربّت على كتفها بحنو ثم قال:
- أنا محبتش أتكلم معاكي في أي حاجة امبارح وسبتك ترتاحي، ممكن تهدي ومحصلش حاجة!
انخرطت دموعها بعجز:
- تميم أنتَ لازم تعرف الست دي عملت فينا إيه! الست دي بسببها جدتي ماتت بقهرتها، لو هندور على الحق فـ أنا اللي ليا عندها كتير!
- شمس ممكن تهدي وتحكي لي! أنا مش فاهم حاجة؟
أطرقت شمس بخفوت:
- حاضر هحكي لك كل حاجة، بس وعد متزعلش مني.
••••••••
بعيون بهتت من رحب الحياة حتى بات كل ما يحيطها من نعم ونقم بلون واحد وبمذاق النسيان الذي حل في وقته المناسب، كانت تراقب العالم من وراء النافذة، تتفقد الطرقات بشـرود يقف ملحًا على أبواب الأقدار ربما يلحظ منه وميضًا يغير مجرى حياتها.
صفت سيارته الفارهة أمام مدخل قصرهم الفخم وتبعته من الوراء ثلاث سيارات مليئة بالحراسة، كانت عيناه تقتنصها طوال الرحلة الطويلة بدون ملل، حتى عندما غفت رغم عنها منحها كتفه ليكون لها مسندًا، قفل جهاز الحاسوب وأردف جملته الأولى بعد رحلة الصمت الطويلة:
- أنتِ كويسة؟
ولت رأسها إليه بعد ما قرأ بعيونها وميض الألفة التي باتت تظلل عليها بقربه وقالت بصوت خفيض:
- ااه كويسة..
فتح له الحارس الباب كي يدلف من سيارته، وما أن تأهب للهبوط تمسكت بكفه بتردد لينتظر، تراجع عما كان سيفعله وطالعها بحيرة:
- عايزة تقولي حاجة!
هزت رأسها بتوجس ثم بللت حلقها وسألته بوهن:
- أنا لو وثقت فيك، هتخذلني!
استغرب من قسوة ولين جملتها التي قيلت بنبرة العجز لشخص لا يحترف السباحة فـ نجا من الغرق على ظهر حوتًا! أ يأمن للبحر الذي كان سيغرقه أم للحوت الذي أنقذه! أصدر عاصي إيماءة خافتة وقال بهدوء بعد أن استغرق وقتًا طويلًا في التفكير:
- عندك اختيار تاني غير انك تثقي فيا!
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بحسرة وأطبقت جفونها بأسف:
- لو كان عندي حل تاني كنت هختاره!
- أهو السؤال وإجابته عندك..
اكتفى بجملته القصيرة وولى وجهه مغادرًا، كانت تنتظر منه الكثير من الكلمات التي تهدأ من روعها، والوعود التي تتكئ عليها الأيام المقبلة، ولكن رغم رده الشحيح والفقير من أي عهد إلا أن هناك سيل جارف من الأمان انصب بصدرها.
رجل مثله اعتاد الصمت، كانت خطواته أكثر من وعوده وكلماته، لم يتعلم الثرثرة إلا حدها ولكن في هذا الموقف خصيصًا ارتدى ثوب عاصي دويدار الحقيقي عندما تعلق الأمر بمجده الشامخ، توقف أمام سيارته ثم أشار لأحد الحراس أن يفتح لها الباب، أدلفت من سيارته بتوجس وخطوات مترددة حتى استقرت بجواره تخاطبه بعيونها الخائفة، ارتفعت عينيه لأعلى بتباهٍ ثم تعمد أن يغلغل أصابعه بين فراغات يدها ويضغط عليه بقوة أجبرت كل أنش مرتعب بها أن يسكن ويأنس إجلالًا لهيبته.
تقدمت خطواته بثبات وهيبة وكانت حركتها بمحاذاته تستمد الثقة منه، دخل من باب القصر بعد ما رحبت به سيدة الخدم وخلفها اثنان من الفتيات لتنفيذ أوامرها، ما توسط عاصي وحياة ساحة القصر فـ جاءت "عبلة" من الباب الخلفي مرحبة بسخرية:
- يا أهلا والله، كويس أن عاصي بيه لسه فاكر أن له بيت يرجع له.
ثم اقتربت منه وتعمدت أن تعانقه:
- ليك عندي مفاجأة..
ابتعدت عنه وأخذت ترمق "حياة" بشماتة:
- متأكدة أنه هيفرق في حياتنا كلنا..
تحوم الأسئلة والدهشة حولهم وهم يتبادلون الحيرة من طريقة "عبلة" المثيرة للفضول، أردف عاصى متسائلًا:
- في إيه!
طالعت "حياة" بتصغير ثم قالت بفرحة عارمة:
- هتعرف دلوقتي.
تشبثت "حياة" تلك المرة بيده بقوة وتبدلت الأدوار، أحس برهبتها، وخوفها وهي تلتصق بكتفه، مال على أذنها قائلًا:
- تحبي تسبقيني على الأوضة، شكلك مرهق.
تدخلت عبلة بخبث:
- لا خليها، لازم تسمع الخبر الجديد.
في تلك اللحظة؛ حل ضباب وجود "هدير" التي قطعت درجات السلم بهدوء مرتدية "روبًا" من الحرير باللون الأزرق مرصعًا بالريش، جاءت من الخلف جاهرة:
- وحشتني أوي.
أحست بعناقه كمن يضم جذع شجرة صلبة، خالية من أي مشاعر، أطرقت "حياة" وجهها أرضًا باستيحاء ثم أفلتت يده ولكنه لم يمنحها الفرصة لذلك بل تمسك بها أكثر، وهتف غاضبًا:
- سيدة، أنا مش قلت محدش يدخل البيت ده غير بإذني!
خرجت شمس وتميم من غرفتهم، ثم نوران إثر صوت الصخب الذي حل بالوسط، لم تمهله استكمال زمجرته وقاطعته بعيون التحدي التي لم تترحزح عن "حياة":
- أنا ما بقتش محتاجة إذن يا عاصي عشان أدخل بيت دويدار..
جز على فكيه بجزع:
- رجعتي هنا ليه يا هدير!
وضعت يدها على بطنها وقالت بتغنج:
- أنا حامل يا عاصي..
ثم وضعت كفها على وجنته واطلقت تنهيداتها المنتصرة وأكملت:
- ابنك في بطني، وبيتنفس حبك زي ما أنا بتنفسه، هجيب لك الولد، الولد اللي هيخرس كل الناس اللي طمعانة فيك.. حلمي اتحقق خلاص وبقيت شايلة ابنك واسمك لاخر عمري!
ثم سحبت يدها عنه وهي تتفقد ملامح حياة المرتبكة، وتحولت نظرات الانتصار بعينها لانتقام، خشنت نبرة صوتها وقالت بحقد:
- دلوقتي بقا، وبما أني سيدة البيت فـ من حقي أقول مين يقعد فيه ومين لا..
وضعت يديها بخصرها وجهرت:
- وأنا دلوقتي اللي بخيرك يا عاصي ما بين ابنك اللي في بطني ووريث آل دويدار وبين اللي جايبها من الشارع دي.
صرخ بنبرة راعدة بوجهها ليخرسها:
- هديــر.. متنسيش نفسك.
بنفس النبرة طاحت بوجهه:
- أنتَ اللي متنساش نفسك، أنا اللي مراتك وأم ابنك وعايزة مصلحتك، الهانم لا هي حامل ولا حاجة، دي بتخدعك، أنا روحت المستشفى وشوفت تقاريرها بنفسي، البنت دي كذابة وعايزة تقلبك في قرشين.
صدمة تلو الأخرى لم تكن بحسبانه، ما لبث أن رمت خيوط شباك مكرها فوقه، فأحكمت ربطها بجملتها الأخيرة التي قالتها بنبرة لاهثة مبطنة بالغل وهي تتوسله:
- شوفت، شوفت مين بيحبك ومين اللي بتغشك، عاصي طلقها، طلقها وارميها بره وأنا هخليك أسعد راجل على وش الأرض..
ثم شدت يده عنوة ووضعتها على بطنها وأخذت تستعطفه:
- ابنك هنا في بطني، طمنه.. طمنه وقوله إنك مش هتتخلى عنه ولا عن مامته عشان واحدة زي دي.. طلقها عشاننا وعشان حياتنا سوا يا عاصي… عاصي البنت دي والله ما حامل وبنتصب عليك.
كرمق حياة بعيونه الصقرية وقال بنبرة جادة:
- أنتِ صحيح مش حامل!
طالعته بنظرة اندهاش وهزت رأسها بالنفي عاجزًا لسانها أن يتفوه بكلمة، قطب عاصي حاجبيه قائلًا لهدير ببرود:
- مش مشكلة، قريب هتكون حامل.
انفجرت هدير بوجهه صارخة:
- أنت بتقول إيه! بقول لك البنت دي نصابة ويا أنا وابنك في البيت ده يا هي يا عاصي.
أغمض جفونه للحظات قبل أن يفجر مفاجأته بوجهها:
- ما تتحسبش كده يا هدير، مش عاصي دويدار اللي يتخير في البيت ده كلمتي وبس هي اللي بتمشي على الكبير والصغير، ودلوقتي اسمعي كويس كلامي، فلنفترض أنك حامل لقدر الله، يبقى قدامك حل من الاتنين، هتعيشي مدة حملك هنا معززة مكرمة لحد ما تولدي، وبعدها ابني هتربيه حياة وأنتِ هتختفي من حياته خالص ده لو حابة تحتفظي بالطفل….
تمسك بيد حياة بشدة كأنه يعلن امتلاكها له في العلن وأكمل بصرامة:
- ياما تروحي تنزلي الطفل ده ويا دار ما دخلك شر، وافتكري أنه مفيش مشكلة على حياتك لو ده حصل دلوقتي..
ثم صاح جاهرًا وهو يطالع شمس بالطابق العلوي:
- ونشوف رأي الطب إيه! أنتِ إيه رأيك يا دكتورة شمس؟
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم نهال مصطفي
السلام عليك وعلى قلبك الجافي الذي لم يلن بهدير حبي.
بتاريخ العشرين من أيار للعام الذي صفعتني بحقيقة رحيلك الأبدي، أما بعد السلام، وبعد الانتظار، وما بعد الشوق؛
أنا افتقدك كثيراً، وألقاك في أحلامي كثيراً، وأتودد للأيام أن تجمعنا بصدفة لا يعقبها فراق، صدفة تأتي بك إلى هنا، فلا جدوى من صُدفٍ تملأني بك في ثانية أو اثنتين إن طال الأمر، ويعقب خلفها الغياب الطويل، والحب العليل الذي لا يداويه سوى قربك.
ولكن، دعنا من صياح القلب، فالعقل ضب حقائبه.
حان الآن موعد انسحاب قلبي من ساحة حربك التي لم تخط فيها خطوة واحدة لأجلي، لم أعد أكتب لك مرة أخرى، ولم أعد أنتظرك، ولم أسلك طريقي عنوة باحثة عنك.
ذلك عقاب تمردك السخيف ورحيلك المبهم!
سأتوقف عن كل هذا، أعدك بذلك.
ولكن ... لن أتوقف عن حبك أبداً.
لم يكن يعلم أن ظلها ما يُخفف عليه ثقل الليالي، ويؤنس روحه التي اعتادت على سنوات عمره البربرية.
لأول مرة يستشعر صقيع الوحدة، ونيران العجز.
لا يعرف ما مصدر تلك الأحاسيس التي نشبت بداخله عند لحظة خروجه من الحمام، فوجد المكان خالياً من وجودها، ولن يخلو بعد من رائحتها.
أحس بحمل جبل انهار على عاتقيه، حتى أثرت بالخمول على خطواته التي استسلمت لرحيلها ما دام بإرادتها.
لذا، ارتمى على الفراش كي يهرب من كابوس يومه، ربما يقابلها ولو صدفة في عالم الحلم.
غرد عصفور الصباح فوق قلبها الثائر، والعاجز على أخذ القرار.
أخذت تطالع عش الطيور من خلف النافذة، وتتذكر تلك اللحظة التي وقفت فيها أمام الباب لتغادر ولم تفعل.
ولم تدرك سبب ترددها فيما سعت إليه، بعد ما قفلت الباب بخفة، ثم توجهت إلى أبعد ركن في الصالة، وقضت ليلها في صمت إن نطقت به، لدوى بصرخة تُحيي القلب الميت.
تقوست عالية حول نفسها، وهي تتذكر تلك القبلة التي سلبها منها على سهوة، والمرحلة المتدهورة التي وصلت إليه تحت يديه.
أن ترى نفسها بهذا الكم من الضعف!
واللعنة الكبرى في أنها أحبت ضعفها لأول مرة، حتى أفصح قلبها صراحة: "يا هناء قلبي تحت مظلة خيمتك".
مسحت على رأسها متنهدة، لتطرد تلك الأفكار السوداوية من رأسها، مستعيذة بالله من الشيطان الرجيم، وقالت لنفسها:
"لا، مش هينفع كده يا عالية. وبعدين، أنا قلبي بيدق بسرعة كده ليه؟ يا رب ساعدني."
انتعلت خفها الجلدي، ولملمت شعرها، وتأهبت للذهاب نحو المرحاض.
وما أن وصلت إلى مقدمة الممر الذي تؤدي نهايته إلى غرفته، تسمرت أقدامها، وتفاقمت ضربات قلبها الذي لا يريد الحب، بل يريد أن يطمئن.
تمنى ألا يعود لمغارة الخوف من جديد!
تباطأت خطواتها حتى رست على أعتاب الغرفة، لتجده نائماً بعشوائية، متحرراً من ملابسه العلوية، تحت صقيع المبرد الكهربي، وكأن همومه كافية أن تحرقه لأيام عديدة.
تحرك قلبها بدماء الأمومة، واقتربت منه لتشد الغطاء عليه، كي لا يكن فريسة للهواء المثلج.
وما أن امتلأ صدره برائحتها، تفتحت عيناه كمن داعبهم شعاع الشمس، ليهمس شدقه مذهولاً:
"عالية؟"
ابتعدت عنه بشهقة مرتفعة، تشبه النفس العميق بعد النجاة من الغرق، وقالت بفزع:
"كده هتاخد برد، كنت بس بغطيك."
وثب من مكانه، فلم يصدق عينيه، وكأن الحلم الذي هرب إليه أصبح أمامه حقيقة.
وقف أمامها متسائلاً:
"أنتِ ممشيتيش!"
ابتعدت عنه خطوة كي تجمع الكلمات بثغرها، وقالت:
"الوقت كان متأخر، قُلت الصبح بقى."
انكمشت ملامحه معترضاً:
"ومنمتيش هنا ليه! أنا خرجت مالقتش حد، قولت أكيد مشيت!"
"كُنت... كُنت برة على الكنبة."
ثم أخذت نفساً جديداً لتهدأ، وسألته:
"هي خالتو جيهان فين!"
"مشيت مع هدير..."
"هااه! ليـه!"
دنى منها خطوة، وهو يعلن رغبته في وجودها ببريق عينيه، وبنبرة حنونة أردف:
"مكنتش حابب حد يضايقك."
اقترب منها أكثر وهمس بلهب لم يتحكم في إخماده:
"ممكن نتكلم، أنا... أنا..."
انتفض قلبها لقربه، وأخذ يترجاها بإلحاح أن تُلبي نداء عينيه الساطعة.
أن هذه فرصتها الوحيدة للعناق كي تنقذه من نار الشوق التي ستتغمده لمدة طويلة.
عاد إليها وعيها وعنادها في اللحظة المناسبة، وهبت بوجهه متحججة:
"أنا هغير هدومي عشان أمشي."
استرد مراد وعيه، ووضع برأسه أن هذه إرادتها، وهو لم يحق له إجبارها على الإقامة معه.
هز رأسه بضيق، وقال:
"تمام، اجهزي وأنا هوصلك."
"ملهوش لزوم، أنا هاخد أوبر."
رد باختناق:
"عالية، مش عايز جدال، قلت هوصلك."
"أنا مش فاهمة حاجة، أخوك شخص غامض جداً، معرفش هو طيب ولا شرير. بحسه طول الوقت عايش في حرب، بس حرب مع نفسه قبل ما تكون مع اللي حواليه."
تلك الكلمات التي تفوهت بها شمس، وهي تعد الأدوات الطبية كي يبدأ تميم جلسته العلاجية، حتى سقط حجابها أرضاً ولم تكترث لوضعه من جديد.
ربما اعتادت وجوده، فلم يعد بداخلها شعور الغربة نحوه، أو تناست الأمر لكثرة ما يشغلها.
انتقل من عقد حياته لتلك العقدة التي انفلتت وراء ظهرها، فتمنى ولو تنحل مشاكل بهذه السلاسة.
دارت إليه وأكملت:
"أنت وعاصي علاقتكم عاملة إزاي؟"
بدأت حروفه من قلبه هذه المرة، وهو يردف بتيه:
"عاصي غامض، ومحدش يقدر يتوقع خطواته، وده سبب خلافنا طول الوقت. أنا بكون مرتب حياتي وعارف هعمل إيه بالظبط، لكنه غير تحركاته كلها وليدة الساعة ومفاجئة."
اقتربت منه وجلست على طرف الفراش بقربه، وأتبعت:
"طيب، بالنسبة لحياة، أنا حاسة وراها لغز كبير أوي، في حاجة تلخبط، حتى أخدت بالك لما عاصي عرف أنها مش حامل، ميتفاجئش ولا أدى رد فعل."
"ممكن نسيبنا من عاصي ومراته، وتقوليلي كنتِ عايزة تقولي إيه؟ ومال عبله بيكي!"
تشوشت رأسها كثيرة بسبب استخدامها لجميع الحجج التي تمكنها الهرب من تلك الورطة.
أخذت نفسها بصوت مسموع، وردت:
"ممكن نكمل كلامنا بالليل!"
"زي ما تحبي، أنا جاهز أسمعك في أي وقت."
تنفست بارتياح، ثم وثبت لتساعده في تمارين العلاج الطبيعي التي قصرت بها كثيراً:
"بما إنك ألغيت الخروج، نستغل الوقت في جلسة، طبعاً عارف هتعمل إيه!"
حركت المقعد أمام الممر الحديدي الذي يبلغ امتداده مترين، ووقفت بجواره متسائلة:
"هتقدر!"
التزم الصمت الذي ترجمه عقلها لعجز، فقالت بحماس:
"ولا يهمك، انت بس حاول تقف بس ومش مهم تتحرك، كله هيجي مع الوقت. ممكن تسند عليا أساعدك."
مدت رسغها وأشارت له بخفة، وقالت بصوت خفيض:
"ممكن نحاول."
طالع ذراعها الممتد إليه بالمساعدة، فتسرب بداخله شعور الأمان.
أنه أخيراً امتدت له يد العون بعد أعوام من أيادي العداء.
أحس أنه في حاجة للاتكاء عليها كي يصلح خراب ما أفسدته المحن به.
طمأنته بعيونها كي يأخذ هذه الخطوة، وبالفعل مد كفه واستند عليها، شاردًا بعيونها العسلية، ولأول مرة يتمنى أن يكون عاجزاً بالفعل.
كانت تلك أقوى لحظة بينهم، لحظة تخاطب الأجساد والأرواح التي لا تميز ألوان الكذب.
أعمق لحظة تأكد فيها تميم أنه مع الشخص الصائب، الذي سيقف كحصن منيع إن تحطم عكاز صبره.
يحتم على بعض البشر الإدراك الجيد أن الحياة كلها رحلة، ليتخلصوا من حمولات المشاعر، وحمل أسلحة العداوة، وضجيج التنازع والمؤامرات، وكراكيب المساحة، ومواريث الحزن.
وتلطفوا!
"أنتِ ساكتة ليه يا خالتو! عاجبك عمايل ابنك؟ أنتِ لازم تتصرفي!"
وضعت عبلة فنجان القهوة على الطاولة الخشبية، ثم قالت بقلة حيلة:
"أنا مش عارفة أحلها منين ولا منين! كل شوية بتتعقد أكتر."
هدير بسخط: "نعم! أنا مش هنزل ابني مهما حصل! وأنتِ لازم تشوفي حل مع ابنك."
عبلة بتفكير: "ولا ينفع تسيبيه للحرباية اللي فوق! الحرباية اللي دخلها وسطنا في يوم وليلة."
انتقلت هدير من مقعدها إلى الأريكة التي تجلس عبلة فوقها، وقالت بصوت خفيض:
"يبقى نخلص منها ونستريح، وكده عاصي مش هيبقى له غيري أنا وابنه."
رمقتها عبلة بشك: "هدير، أنتِ بجد حامل!"
"أيه يا خالتو، أنتِ كمان هتشككي زي ابنك! لا مش معقولة!"
بررت عبلة موقفها: "مش ده السبب اللي أطلقتي عشانه! هو إنك مش بتخلفي!!"
"أنا أطلقت عشان كنت باخد موانع للحمل من وراه وفهمته إني مبخلفش، وأنتِ عارفة أنا اتجوزت ليه، اتجوزت عند في ابنك لما اتجوز مها، بس أهو القدر مد لي إيده، وربنا أراد أبقى أم ابنه."
هزت عبلة رأسها باقتناع، ثم قالت بخبث وهي تخرج لفافة التبغ من العلبة وتشعلها:
"هنخلص، هنخلص من كل حد هيفكر بس يقف قدامنا، أنتِ بس اصبري وحافظي على ابنك، هو الكلبش الوحيد اللي بينك وبين عاصي."
"في الطابق الأعلى"
يبدو كمن يحتسي في صمته غضبه المحير، للحد الذي يجعلك تتسائل هل يعاني مصائبه أم يشتكي عناءه!
هدوؤه الذي يحمل عواصف من نار.
دخل غرفته بصمت غامض، بدون ما ينوه عن فرحه أم تعاسته للأمر.
تعامل كالمعتاد، كأن لم يحدث شيء يزعجه.
أما عنها، كانت عبارة عن كرة نار ملتهبة من شدة الحيرة والغضب والتشتت.
تمزقت رأسها لأشلاء، كل شلو منه يناطح الآخر، حتى فجرت ضجرها صارخة:
"ممكن أفهم كنت تقصد إيه بكلامك؟"
قالت حياة جملتها، وهي تتبع خطاه نحو الخزانة التي يخرج منها ملابسه، ويجيبها ببرود:
"أي كلام بالظبط!"
صاحت بوجهه معترضة:
"أنت بجد هتموت ابنك! ويعني إيه حياة تربيه دي! وأنت إزاي عايز تحرم أم من ابنها! واشمعنا أنا، أنت ناوي تقعدني هنا كتير! لو سمحت بص لي هنا وكلمني زي ما بكلمك!"
رمى المنشفة على كتفه بفتور، ثم دار ناظراً إليها، وسألها بجدية:
"ده يعني بس اللي وقفتي عنده في كل كلامي!"
"مش فاهمة، هو في كلام أهم من كده!"
غمز بطرف عينه متسائلاً:
"وأنك هتبقي حامل قريب ده عادي!"
كرصاصة طائشة أصابت صميمها، ارتجف داخلها، حتى لمح الذعر بعينيها.
أرخى حباله ولانت نبرته قائلاً:
"متخافيش أوي كده، أنا خدت وعد على نفسي، إني مش هقرب منك مهما حصل، اطمني."
"أومال قلت كده ليه؟!"
عاصي موضحاً:
"قصدي أقول لك أنه كله كلام في الهوا."
لا زالت تحت صدمة جملته التي أصابت نيشانها، وقالت بهذيان:
"ياما تقاتل يا إما تخاطف! أنا حقيقي مش قادرة أستوعب. أنت بجد هتعمل كده في ابنك طيب؟"
تنهد بنفاذ صبر:
"يا ستي أنا مش عايز حاجة تربطني بيها، ومش حتة ولد اللي يخلي عاصي دويدار يذل نفسه عشانه!"
"واتجوزتها ليه من الأول!"
"وطلقتها الصبح! ارتحتي؟"
كاد أن يخطو خطوة، ولكنها وقفت أمامه معاندة:
"والله! أنت كده طبيعي يعني؟ بجد نفسي أفهمك، حياتك كلها غموض في غموض، بس لعلمك أنا مش هسمح لك تعمل كده."
"أوف... حياة، أنتِ عايزة إيه دلوقتي."
فكرت للحظة، ثم قالت بعدم اقتناع:
"ترد مامته، والطفل يتربى بينكم في استقرار."
"هتوافقي تبقي زوجة تانية؟"
شل تفكيرها من غرابة السؤال، وزاغت عيونها بدهشة:
"هااه... وأنا مالي!!"
اقترب منها وتعمد إرجاع شعرها للخلف، ووضع كفه على عنقها بخفة، ودندن هامساً في أذانها بنبرة أرعبتها:
"مالك إزاي! أنتِ نسيتي أنك مراة عاصي دويدار، تحبي أخليكي فاكرة ده بطريقة متنسيهاش طول عمرك!"
ابتعدت عنه كالملدوغة بوجهها الشاحب، وهي تعاتبه بعيونها المنتفضة قبل شدقها:
"أنت مش لسه قايل عمرك ما هقرب منك!"
رفع حاجبه مؤيداً، ثم قال بثبات يُحافظ على بقايا هيبته:
"أنتِ فكرتي إيه! أنا كنت هلبسك أسورة عليها اسمي بس، عشان كل ما تبصي لها تفتكريني..."
رمقته بتكذيب وعدم اقتناع، ثم قالت بشك:
"آه أسورة!!"
بتخابث سألها:
"أومال كنتِ فاكرة إيه!"
"هااه!"
هنا أنقذها صوت طرق الباب، الذي دلفت منه سيدة، وهي تخبره:
"عاصي بيه، الست عالية وجوزها تحت عايز يقابلك ضروري."
"أنت عايز عاصي ليه!"
أردفت عالية سؤالها الأخير، بعد جولة الحيرة والصمت التي خيمت فوقهم، حتى وصل الثنائي إلى قصر دويدار.
تململ قليلاً في جلسته، ورد بصوت خفيض:
"مش أنا أخدتك منه! لازم أرجع الأمانة لصاحبها بنفسي."
تدخلت عبلة في حوارهم المتهامس، وتسألت:
"أخبار الـ Honeymoon إيه يا لولي؟"
انكمش وجه عالية بسبب استقبال أمها الجافي الخالي من أي سيل بالدفء والحنان، وقالت بحسرة:
"حضرتك لو سألتي عليا، كنت هتعرفي حاجات كتير أوي، أولهم أني مخرجتش بره شقتي."
ترنحت عبلة في جلستها، ووجهت أسهم اللوم نحو مراد:
"إزاي الكلام ده يا مراد، أنت إزاي متقضيش شهر العسل مع عروستك!"
تبادل الثنائي النظرات والحيرة بينهم، حتى أنقذهم قدوم عاصي، وقدماه تلمس آخر درجة من السلم.
تحمحم بخفوت، ثم قال مرحباً:
"نورتي بيتك يا عالية."
وقفت عالية لتستقبل أخيها بامتنان، وما أن عانقته بضعف، وابتعدت عنه متسائلة بحنو:
"طمنيني عليك، والبنات أخبارهم إيه!"
ثم خفضت صوتها وأكملت بشك:
"ومراتك!"
ربت على كتفها بخفة، ثم قال بهدوء:
"كلنا كويسين يا عالية."
ثم امتدت أنظاره إلى مراد الجالس على الأريكة، يتفقد ساعته باستمرار.
رمق عالية بنظرة لم تفهم مغزاها، ولكنه حافظ على اعتبار أخته، واقترب منه ومد يده كي يبدأ بالسلام.
لم يصدق مراد ما حدث، بل سددت أعين الجميع نحو يد عاصي الممتدة لألد أعدائه ومنافسيه.
أرسلت له عالية نظرة ترجي بألا يسبب حرجاً لأخيها، وسرعان ما لبى طلبها واقفاً، وهو يصافحه بقوة.
تبادلت الأنظار بينهم، حتى قطعها عاصي متسائلاً:
"خير، طلبت تشوفني!"
قال جملتها وهو يجلس بالقرب منه، بعد ما فتح زر سترته.
مال مراد مستنداً بمرفقيه على ركبتيه برزانة، وقال:
"هدخل في الموضوع على طول، مش هعطلك."
"سامعك..."
انقبض قلب عالية وهي تجلس بجواره بجسد منتفض.
بدأ مراد حديثه متسائلاً:
"أنت جوزتني عالية ليه يا عاصي!"
سرت الحيرة مجرى الدم بعروق الجميع، كما أن النظرات تنقلت هنا وهناك لم تجد مبرراً لتقوله.
تفهم مراد الوضع الحرج الذي به الجميع، وأكمل:
"أنا عارف كل حاجة، وعارف أنت جوزتني لأختك كنوع من أنواع العقاب لما شوفت لها كام صورة على كام فيديو لابن واحد من المنافسين بتوعك، فكان لازم تخرس الكل وتقول أنها متجوزة، حتى ولو كان الشخص اللي هتتجوزه ده هو أنا..."
فوجئ بكف عالية المرتعش يلامس معصمه بترجي أن يصمت ولا يفتح تلك المواضيع التي علقت في قلبها غصة لم تنساها عمراً.
تجاهل مراد طلبها بإصرار، وأكمل:
"اللي أعرفه عنك مش بتخطى خطوة من غير ما تدرسها كويس أوي، وكان لازم تتأكد من أختك قبل ما تعاقبها كده."
تدخلت عبلة بحرج:
"عالية هي اللي حكت لك..."
"الصور والفيديوهات وصلتني يوم كتب الكتاب، وأنا كغريب عنها عرفت أن الصور دي متفبركة وبعتها لمتخصص في نفس اليوم وأثبت كلامي..."
نست بين حروف كلماته رحلة الأيام القاسية، ذرفت الدموع من عينيها متسائلة:
"أنت كنت عارف قبل ما أحكي لك..."
هز رأسه مؤكداً: "آه يا عالية كنت عارف ومتأكد أن الصور دي كيدية، وكان لازم يتاخد عشانها إجراء قانوني، ولو سمحت لي أنا هعمل كده، لازم اللي عمل عملته دي يتعاقب."
ثم حملق إلى عاصي وكأن يوبخه:
"مش أنت اللي تتعاقب وتدفع تمن حاجة ملكيش فيها ذنب لمجرد أنك أخت عاصي دويدار."
أحمر وجه عاصي بغضب عارم، وقال:
"ومين قال لك أنا معملتش كده. أنا فعلاً خليت حد من رجالي يتأكد من الموضوع."
هز مراد رأسه بسخرية، وبادلها بنظرة شفقة:
"لما الموضوع يتعلق بأختك وشرفك يا عاصي بيه، يبقى لازم تسعى ورا الموضوع بنفسك مش تثق في شوية رجالة أنت مشغلهم!"
ما ألقى قذيفته في صدر عاصي، فنصب قامته متأهباً للذهاب، وهو يكمل:
"أنا عملت اللي يريح ضميري، عشان أي إهانة لعالية بعد كده أنا اللي هقف لها."
وثبت عالية خلفه كالملدوغة، وهي تغلغل أصابعها بين فراغات يديه.
لم تمنحه عالية الفرصة للاندهاش، بل تدخلت بصدمة:
"أنا مش مصدقة، ومين له مصلحة في كده يا عاصي، لازم تشوف مين ورا المهزلة دي يا عاصي وترجع حق أختك."
أخرج عاصي هاتفه، وحدث يسري بحدة:
"يسري اسبقني على المكتب حالاً."
حاول أن يسحب مراد يده قائلاً:
"طيب استأذن أنا..."
اندفعت عبلة بحماس:
"يعني أنت جيت عشان كده! لازم تتغدى معانا ونفكر هنعمل إيه سوا!"
تبدلت نبرته من الجمود إلى الحزن:
"أنا جاي عشان..."
قاطعته عالية بسرعة:
"عشان نسلم عليكم، قصدي قبل ما نسافر، أصل مراد كان عنده شغل وأجل سفرنا لحد ما يخلصوا."
شعر مراد بجبل الكبرياء والعناد الأنثوي قد تهاوى فوقه.
أطبقت عالية جفونها محاولة استجماع شتات فوضاها لتقارن مدى تفاهة كل تلك الأشياء التي عانتها بهذا القصر، والأيام التي عاشتها بقربه.
هذا الأسى لا يمكن شرحه، ولكنه من النوع الذي يجعلها صامتة للأبد.
أطلقت زفيراً قوياً وهي تضغط على كفه:
"ممكن نمشي..."
لا زال مراد تحت تأثير صدمته من قرارها المفاجئ، اكتفى بهز رأسه قائلاً:
"اللي تشوفيه."
وثب عاصي بجميع الشحنات المتكتلة في رأسه، منادياً على سائقه بقوة:
"خليهم بره يجهزوا، هنروح مقر الشركة..."
أطرق مراد باستغراب:
"بعد إذنك يا خالتو..."
ثم سحب عالية، تلك التي ضبت حقائب قرارها وأصرت على الانفصال.
فما الشيء الذي قلب رأسها وألغى قرارها فجأة!
أما عن عبلة، جلست على الأريكة تضرب كفاً على كف، حتى تمتمت بنبرة عدوانية:
"نخلص بس من تميم، والباقي سهل."
ثم أجرت مكالمة هاتفية:
"سوزي أزيك، محتاجة أقابلك في أسرع وقت."
تسلل كريم بخفة، وهو يمسح المكان بعينيه كي يتأكد من خلوه تماماً، حتى وصلت أقدامه إلى أعتاب هدفه.
أطرق بخفوت وهو يتلفت حوله كلصوص، حتى فتحت له نوران.
بمجرد ما رأته زفرت بضيق، وقالت بنفاذ صبر:
"مش ناقصاك خالص بصراحة."
عقد كريم حاجبيه بغرابة:
"ليه بس! ده أنا أول ما عرفت باللي خالتي عملته، قلت لازم أعتذر لك. أحنا بيت يمتاز بقلة الذوق."
كانت مرتعدة في حضرته لتراهم شمس.
تأففت باختناق، ثم قالت:
"تصدق من أول ما جيت البيت ده وأنا مقابلتش حد طبيعي! حتى خالتك دي مكانها العباسية، وأنت السرير اللي جمبها بالظبط."
ما أن نفخت دخان حنقها بوجهه، شرعت لتقفل الباب، ولكنه أوقفها قائلاً:
"استني بس..."
"أف! نعم..."
"أنا لما أروح هناك، يعني العباسية، هتيجي تزوريني!"
نوران بجزع:
"أنت بس اتوكل على الله، وماتشلش هم!"
ختمت كلماتها بقفل الباب بوجهه، وهي تسب في نفسها سراً وعلناً، حتى هتفت بغل:
"أي الوقعة المنيلة دي بس يا ربي!"
غمغم كريم بصخب:
"متغمضالهاش عين لو مقفلتش الباب في وشي!"
تحمحم بهدوء، وما أن تأهب ليعود لغرفته، ألقى بحياة تتجه نحو غرفة الفتيات.
وقف أمامها ليعيق طريقها قائلاً بغزل:
"القصر اليومين دول بقى فيه حاجات حلوة أوي! كان ناشف أوي زمان."
بث الرعب في قلب حياة لطريقته العفوية، حدقته بنظرة ساخطة، ثم خطت خطوة لتتجنبه.
وقف أمامها معانداً:
"يصح بردو نكون في بيت واحد ومنتعرفش!"
زفرت بوجهه بنفاذ صبر:
"آه يصح عادي."
هز كتفيه بثقة:
"هو ده نفس رأيي، أنا كريم، أبقى ابن خالة عاصي، وأخو هدير الصغير."
بادلته بابتسامة جافة:
"تشرفنا... ممكن أعدي بقا."
قفز أمامها كالبهلوان ليمنع خُطاها، وقال بثرثرة:
"ينفع أقول لك على سر...!"
حياة بحدة:
"مش عايزة أسمع حاجة."
"ليه!"
تعصبت بوجهه بجزع، وهي تجز على فكيها:
"أنت تعرفني عشان تتكلم معايا، وتقولي أسرار!!"
تبسم كريم، ثم أتبع:
"بصراحة، اللي يقف قدام عينيكي مستعد يحكي لك تاريخ الهكسوس من أوله."
"لا أنت فاضي بقى!"
ما كادت أن تخطو خطوة، فوقف بوجهها قائلاً:
"تعرفي أنك أحلى واحدة عاصي دخلها القصر!"
"والله!!"
"آه، أصل عاصي ابن خالتي ده لعيب! كل يوم كل بينزل منتج جديد القصر، بس بصراحة أنت غير... أنت ماكينة الإنتاج نفسها."
عصف بها الضيق، فصاحت قائلة:
"لما ييجي ابن خالتك أبقى نشوف رأيه في الكلام ده."
فزع من مطرحه مبرراً:
"يعرف إيه، أنا بهزر والله، اعتبريني أخوكي الصغير، كله إلا عاصي، يا رب تحلوي كمان وكمان، بس بلاش عاصي."
كتمت الضحك بداخلها على حالته العبثية، والطريقة التي يتوسل بها إليها، ولكنها تعمدت أن تظهر ملامح الجفاء.
اكتفت بنظرة ثاقبة أرعبته، وذهبت من أمامه بخطوات ثابتة.
طالعها كريم بإعجاب:
"يابن المحظوظة يا ابن خالتي!"
(مساءاً)
"أنا مبسوطة أوي بالنتيجة اللي وصلنا لها. تميم... ممكن نروح بكرة لدكتور شاطر أوي، يفحصك ويطمنا عليك."
تلك الجملة التي اقترحتها شمس، وهي تضع مائدة العشاء أمامه، ثم تحررت من حجابها لشعورها بالحر الشديد، ووضعت شالها على كتفها قائلة:
"بصراحة، في حاجة في التقارير مش مظبوطة."
تعمد إخفاء معارضته، وقال بهدوء وهو يتناول رغيف الخبز:
"اللي عايزاه أنا هعمله يا شمس. المهم نوران عاملة إيه دلوقتِ؟"
فركت كفوفها بقلق:
"مخنوقة وملهاش نفس تذاكر بعد اللي حصل. اللي عايزة أفهمه بجد، هي فعلاً عالية أدتك المجوهرات عشان تبيعها!"
قضم لقمة صغيرة من رغيف الخبز المحشو، وقال:
"هي قالت كده عشان أنا عايز كده، خلينا متفقين أن محضر عبلة كيدي، عايزة تنتقم منك وترد لك القلم بتاع الحبس."
بلعت غصة أحزانها، وقالت:
"مش كفاية اللي عملته."
"احكي لي اللي عملته بالظبط، متخبيش عليا حاجة."
شرعت شمس في رواية قصتها المحزنة، منذ اللحظة التي قابلت فيها عاصي دويدار، للحظة التي أعلنت فيها الموافقة بالزواج منه.
كانت كلماتها حزينة، متقطعة، مبللة بالعبرات الحارة، والعديد من الشهقات.
حتى ختمت حكايتها الطويلة بـ:
"لو أنت مكاني كنت هتتصرف إزاي!"
أحس تميم بالغضب مما قالت، ولكن دموعها لانت الصخر الذي يسكنه.
ارتشف رشفة من الماء، وقال باختناق:
"عشان كده وافقتي تتجوزيني! عشان تنتقمي من عبلة!"
جاءت تنكر اتهامه الصحيح، ولكنها تراجعت عندما التقت أعينهم للحظات طويلة.
أحست شمس بالحرج مما قاله، فلم تملك فصاحة الاعتذار ولا شجاعة الاعتراف.
بللت حلقها، وقالت:
"أنا حكيت وخلصت ضميري، والقرار ليك. بعد إذنك."
"استني يا شمس...!"
تراجعت عن فكرة هروبها من أمامه، بل عادت تطالعه بجفونها المرتعدة:
"نعم!"
"أيه علاقتك بعاصي...!"
انعقد جبينها بدهشة:
"ولا أي حاجة، مفتكرش إني اتكلمت معاه مرتين تلاتة، وكلهم كانوا خناق وشد."
بعدم تصديق:
"وبس! خناق وشد وبس!!"
لمست في حديثه لغة إهانة بالغة لا يمكن تقبلها من واحدة مثلها.
صخب وجهها بضجر:
"تميم، لو سمحت لحد هنا وخط أحمر! أنت بتلمح لإيه... أنا غلطانة إني وثقت فيك."
رجة العتاب اختلجت صدره، ما أن حاول أن ينادي عليها، لكنها لم تسمح وفارقت الغرفة بعد لغة الاتهام الصريحة التي وجهها لها.
زفر تميم بضيق، وهو يوبخ نفسه:
"غبي!"
"هديتي شوية!"
تلك الجملة التي نطق بها مراد، بعد ساعات طويلة من الصمت، تعمد ألا يحملها المزيد من الآهات المكبوتة بصدرها والنيران الحارقة.
جلس بجوارها على الفراش في الغرفة التي لم تخرج منها طوال النهار، حتى حلت ظلمة الليل التي تناغمت مع حالة الحزن التي تعيشها.
أطرق بخفوت:
"قلت أسيبك تاخدي وقتك وتفكري."
جففت عالية دموعها، وأطرقت بوهن:
"أنت مستغرب أنا ليه عملت كده!"
فكر في سؤالها لمدة معقولة كي يجد رداً مناسباً، ثم أردف:
"المهم أنك مرتاحة، ده أهم حاجة عندي."
ساد الصمت بينهم لدقائق معدودة، حتى نطقت من دوامة شرودها:
"كأنه كابوس، كل يوم مر عليا في البيت ده كان جحيم. دايمًا كله بيجري ورا حاجة مش عارف إيه هي. عمري ما عشت شعور العيلة والعزوة، حتى مامي كل همها الشياكة ومظهرها قصاد صحابها وألبس ماركة كذا. مفيش حد حاول يقرب مني ويعرف أنا بحب إيه ولا بكره إيه."
تلك الكلمات التي أفصحت عالية عما تحمله بقلبها لسنوات طويلة.
ثم طالعته بعيونها المتهالكة، وأكملت:
"لما دخلت بوابة القصر حسيت بضيقة، لا... أنا مش عايزة أرجع للمكان ده تاني، ده سجن. المكان ده مفيهوش ذكرى واحدة حلوة تستاهل أرجع له عشان. كنت عايزة أهرب منه تاني، أقولك على سر...!"
دنى منها مراد بشفقة، واحتوى كفها بطيب خاطر:
"ممكن تهدي، بلاش تفتشي في الماضي ما دام مفيهوش حاجة تفرحك."
كفكفت دموعها بكلتا كفوفها، وأكملت:
"لما كنت أشوف كابوس وحش، مكنتش عارفة أروح لمين يطمني. كنت أفضل أترعش وأعيط لوحدي وأنا ببص للسما مستنية الشمس تطلع بسرعة عشان أطمن. دورت في جميع الاتجاهات ملقتش غير طريق ربنا هو الوحيد اللي هيطبطب على قلبي، ويحميني من كل المتاهة دي."
"عالية فوقي!"
تبسمت من صميم أوجاعها، وقالت بهزل:
"أنا كويسة متقلقش، بس أنت ليه مقولتليش على حوار الصور، وأنك عملت كل ده؟"
"عشان الماضي ميهمنيش، والموضوع كان لازم يتقفل عشان أنتِ تنسيه."
رمقته باستغراب:
"وفتحته تاني ليه! عشان هدفك مخططك مش كده، ده اللي يهمك، طيب ليه ما طمنت قلبي!"
"كان لازم يتفتح وكان لازم عاصي يعرف أنه ظلمك. أنتِ طلبتي ترجعي وأنا احترمت رغبتك، وكمان مش هسمح لحد يضايقك."
احتلتها نظرات التيه، وانفجرت باكية:
"أنت بتعمل كل ده ليه! أقصد أنت عايز مني إيه يا مراد.. عايز فلوس! عايز تكسر عاصي، أنت عايز إيه مني، سيبوني في حالي حرام عليكم دخلتوني في حرب مش بتاعتي ولا ليا ذنب فيها."
أخذ يمسح على رأسها مرات عديدة، حتى يأس، فلم يجد وسيلة أمامه إلا احتضانها.
جذبها لـ صدره بغتة، في لحظة فقدت بها عقلها وتعطشت ليد تربت عليها بحنو تنسيها مرارة الأيام، حتى غفت بين يديه:
"عالية... فوقي لنفسك متعمليش كده. ممكن تهدي... اهدي وهعمل لك كل اللي عايزاه."
عاد عاصي إلى غرفته بعد ما انتعل على الباب خُف يومه المؤسف، وتحرر من كل مفاجئات اليوم المباغتة.
وما أن دخل، وجدها تتكور حول نفسها على الأريكة.
قفلت دفترها بسرعة، ودلت أقدامها العارية لما ترتديه من فستان قطني يصل لأسفل ركبتيها.
ظلت تراقبه بصمت، حتى جلس بقربها وأخذ يحرر رابطة عنقه.
سألها متحيرًا:
"سهرانة ليه!"
أخذت تأكل في شفتيها بتوتر، تلك الحركة التي أشغلت نيران أخرى بجوفه، ولكنه سيطر عليها بقبضة يده التي ضمها حتى برزت عروقه.
بررت حياة سبب استيقاظها:
"عشان أقول آسفة، آسفة لو شديت معاك شوية الصبح، بس الموقف كان غريب وغامض، كنت بفكر معاك بصوت عالي مش أكتر."
اكتفى بهز رأسه على تلك العريضة التي سردتها.
رفعت حاجبها باستغراب منتظرة رده.
تعجبت من صمته، وهي تصفه "رجل تحتله الغرابة، لم يستطع أحد أن يقترب من هيكل أحزانه، وما يتجول في خاطره لا يظهره."
تحرش الفضول برأسها، وسألته:
"شكلك مضايق!"
"العادي يعني... متاخديش في بالك! قريب هتسمعي أخبار حلوة."
هزت رأسها بعدم حماس هذه المرة:
"أنا بطلت أسألك عن حاجة لاني واثقة فيك. وأنت وعدتني."
خيم الصمت عليهما مرة أخرى.
في تلك اللحظة أصابتها لعنة الثرثرة كي تفش بدواخله أكثر، ربما تعثر على سبب واضح لعبوس وجهه:
"قضيت يوم جميل أوي مع البنات النهاردة، ولعبنا كوتشينا وللأسف خسرت واتحكم عليا إني أقنعك نروح ملاهي بكرة، وأنا مش عارفة إذا كنت هقدر أقوم بالمهمة المستحيلة دي ولا لا!"
أخذت تراقب تعابير وجهه الغامضة التي لا تتحرك بالاعتراض أو بالقبول.
لم تستطع صبرًا على صمته، حتى تفوهت بحماس كي تصلح ما أفسدته منذ قليل:
"حاسة إني جعانة! وأنتَ..."
تلك الجملة التي تفوهت بها حياة لتغير مجرى الحديث المشحون بينهما.
ثم رفعت حاجبها وسألته:
"تاكل معايا! أي رأيك!"
نظر نظرة سريعة في ساعة يده، ثم قال مندهشاً:
"دلوقتي؟!"
"فين المشكلة... لو مش جعان خلاص مش هجبرك."
تمدد شدقه بابتسامة خفيفة، ثم قال:
"شكلك لسه متعرفتيش على تعليمات عبلة هانم، واللي هي ممنوع منعاً باتاً حد يدخل المطبخ من بعد 12... ممنوع!"
اتسع بؤبؤ عينيها باعتراض:
"نعم! طيب والـ يجوع بعد الساعة دي يعمل إيه!"
"يكمل نوم يا حياة."
فركت كفيها بحيرة، ثم سألته في توجس:
"يعني لو نزلت بشويش ومامتك قفشتني أنت مش هتدافع عني!"
كان تارة ما يتحدث، وطوراً ما يصغي لثرثرتها اللذيذة.
أسبل عيناه بتخابث، وما زال محافظاً على ابتسامته الساحرة:
"والله على حسب هتعشينا إيه!"
فزعت من مكانها بحماس، لتجلس بجواره وتخبره:
"شوف أنت عايز إيه وأنا هعمله حالاً."
"لا دي هسيبهالك أنت بقا، أكون أخدت شاور خلصت كام حاجة تبع الشغل."
نهضت من مكانها متحمسة بعد ما ضمنت حمايته لها.
سارت راكضة نحو الباب، حتى أوقفها منادياً:
"حياة... بشويش هااه... متنسيش."
ابتلعت ضحكتها، وأومأت بالإيجاب، وهي تفتح الباب بهدوء، وتوجهت نحو المطبخ كلصة تتسلل بحذر شديد:
"فاهمة فاهمة."
ضحك وجهه لحركاتها الطفولية، وخفة روحها التي طيرت ثقل همومه التي كانت تلاحقه طيلة اليوم.
لملم شتات فكره الذي بعثرته فتاة الربع قرن، وتوجه نحو المرحاض كي لا يترك تفكيره ضحية لجمال حضورها الطاغي على كيانه.
أخذت تفتش بالثلاجة عن وجبة سريعة يمكن إعدادها.
وجدت طبقاً مغلفاً من الجمبري، لا ينقصه سوى القلي.
تتردد في اختياره، ثم ظلت تبحث عن المكرونة.
جثت على ركبتيها، وفتحت أحد الضلف، فوجدت العديد من أنواع المكرونة المفضلة.
اختارت النوع الذي تبحث عنه، ثم اتجهت نحو الموقد بحماس، بعد ما حددت هدفها بأنها ستقوم بصنع "مكرونة بالوايت صوص".
لم يستغرق إعداد الطعام أكثر من نصف ساعة.
شرعت في تنظيف المكان بعدها، وإخفاء آثار جريمتها.
وما أن جاءت لتتنفس بارتياح، وتسكب الطعام بالأطباق، إذ بصوت سقفة من الخلف.
وما أن دارت، فوجئت بهدير أمامها تهتف بمكر:
"لا برافو... حلو الشغل ده!"
انكمشت ملامح حياة بتوجس:
"أنتِ!"
"آه أنا... هدير المحلاوي، وأم ولي العهد لعاصي دويدار. أما أنتِ بقى حتة بنت مجرد يومين بيتسلى بيكي، وبعدين يرميكي في أقرب مقلب زبالة."
افتعلت حياة كيد النساء لترد على أسلوبها السخيف، وتسترد كرامتها التي تتعدى عليها تلك الحية، وقالت ببرود:
"مادام أنتِ متأكدة أوي إني مجرد يومين وراجع لك، خلاص بقا سيبيني أعيشهم معاه من غير ما تحرقي في دمك."
دنت منها هدير وهي تخفي غيظها الحارق:
"حبيت بس أفكرك، عشان متتغريش في حنية عاصي وتصدقيه، وتطلعي أنتِ الخسرانة في الآخر يا حرام."
وضعت حياة الأطباق على المائدة الخشبية، وقالت بثقة، ولن يخلو ثغرها من رسم الابتسامة:
"حبيبتي أنا مدخلتش حرب مع حد عشان أطلع منها خسرانة أو كسبانة، أنتِ اللي عايزة تاخدي حاجة مش بتاعتك ومش عايزة بالعافية، شايفة أنك تراجعي عقلك وهو هيقول لك كده مش صح."
تلون وجه هدير بجمر الغضب، وقالت:
"متأمنيش لعاصي، هو ذكي جداً وبيعرف دخلة كل واحدة فينا. وبيحسسها أنها ملكت الدنيا، وبعدين بيقولها باي باي ياحلوة."
"أنتِ ليه مش مستوعبة أني غيرك، مش أنا الست اللي تطلق من أول يوم، أنا مش مغفلة زيك."
ثم حملت مائدة الطعام وتدللت قائلة:
"الأكل هيبرد، ومينفعش أتأخر على جوزي أكتر من كده. نكمل كلامنا بعدين يا هدير، ده لو كان عندك كلام، ومرسي أوي على النصيحة."
لم تعرف حياة سبب الطريقة الملاوعة للحوار التي تحدثت بها مع هدير، إلا أنها تعمدت الضغط على أوتار كيدها الأنثوي، فقبلت الحرب بوضوح، ونزلت مقابلها في ساحة المعركة، متأهبة للقتال الذي لا تدرك عما تحارب لتناله!
أمسكت هدير بالسكين وفشت غضبها متمتمة:
"أنتِ اللي اخترتي يا ست حياة! يا أنا يا أنتِ في القصر ده."
(صباحاً)
نهضت عبلة من نومها قبل الخدم، ونزلت على المطبخ بعد ما أعدت قهوتها وارتشفتها.
خلالها بدأت تجهز في خطتها الشريرة.
ضبت أحزمة حقدها وعزمت على البدء، وقالت لنفسها:
"-مش هسمح لك تهد كل اللي عملته طول السنين دي يا تميم، لازم واحد فينا يموت عشان التاني يعيش، وآكيد الشخص ده مش هيكون أنا."
فتحت الثلاجة، وأخذت تعد له مائدة الإفطار وأشهى المأكولات.
وما أن رصت الأطباق فوق الصينية، ووضعت قطرات السم في العسل الأبيض، الوجبة المفضلة لتميم.
جاءت سيدة وهي تعقد أشرب رأسها بخمول، ففوجئت:
"ست عبلة! صاحية بدري يعني؟!"
انتفضت عبلة وهي تخفي زجاجة السم وراء ظهرها، وقالت:
"آه، عملت فطار العرسان بقا. بصي يا ستي، دي صينية تميم، ودي صينية عاصي. ركزي يا سيدة."
"يادي العيبة يا هانم، بنفسك! لا مالكيش حق."
تبسمت بمكر الأفاعي المخفي وراء وجهها الملائكي:
"وأنا عندي أغلى منهم. ودي أنتِ دي لتميم، وبعدها تعالي خدي التانية لعاصي، فهمتي يا سيدة ولا أقول تاني؟"
"ارتاحي بس وأنا هنفذ كل حاجة وهدلع عرساننا آخر دلع. أوامرك يا ست عبلة. وأحنا عندنا أغلى من عاصي وتميم بيه، بالحق يا ست عبلة، مراة سي عاصي الجديدة دي باين عليها بنت حلال وحتة قشطة كده، ربنا يسعدها مع البيه."
انتفخت ملامح عبلة بالغضب:
"ينفع تخليكي في حالك يا سيدة!"
"آه وماله يا هانم."
ثم تهامست إليها بفضول:
"بس ست الدكتورة دي باين عليها ناصحة وتميم بيه طيب وعلى نياته، بس من جوها بنت حلال بردو قلبي ارتاح لها وحبها."
"كلمة كمان يا سيدة وهخرسك العمر كله. اتفضلي يلا نفذي اللي قلت لك عليه."
قالت عبلة جملتها بغيظ من ثرثرة تلك العجوز التي لم تمر عليها مرور النملة بهذا القصر.
وقفت سيدة حائرة أمام الطعام، وأخذت تتساءل:
"هي قالت دي لتميم بيه ولا دي لعاصي بيه! ولا العكس!"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم نهال مصطفي
- وأعترف رغم كل هذا الحب الذي كنّا نعيشه ، و رغم كل الوعود بالثبات كنت أعرف أنني سأمضي في الطريق وحدي وسأجيب على كل الأسئلة بمفردي وسأحلم من جديد بدونك ، كنت أعرف أنك ستفلت قلبي ويدي معًا ومع ذلك لم أفرّط في لحظة حب واحدة معك..
الوقت غير مناسب كي أعرفك، أنت شخص رائع على مايبدو، وأنا متهالكة ، أو في حياة متهالكة ، أعيش بعالم لا انتمي إليه ، لا أدري و لكني أشفق عليك مني ، رُبما لو تقابلنا بزمان آخر لكان هناك فرصة جديدة للحياة معًا .
تنزهت أصابعها فوق سياج صدره الصلب بتردد ، بمحاولة فاشلة منها لتذكر أي ريح أتت بها إلى هنا ! أغتنمت نظرة طويلة من ملامحه النائمة ، وأنامله المُتغلغلة بشعرها كمن يهدأ من قلق صغيرته ويحسسها بوجوده ، كانت أنفاسه خارجة بارتياح شخص حقق مقاصده حتى خلد في نومه أمنًا .
فزعت “عالية” كالملدوغة من جوار ذلك الجسد الذي لم يفصله الهواء وهى ترجع شعرها المُبعثر للخلف ، نهض ” مراد ” إثر حركتها الغريبة عكس الهدوء الذي كانت عليه بقربه ، ما أن تفتحت جفونه بثقلٍ :-
صباح الخير !
- أي خير ده ! أنا بعمل أيه هنا !
كانت ملامحها مُغلفة بالتيـه ، والشرود ، تصمت للحظات بين كل جُملة والثانية ، تبدلت نبرتها لأعلى :-
هو أيه اللي حصل أنا مش فاكرة أي حاجة !
اعتدل ” مراد ” من نومته بضيق :-
ممكن تهدي طيب ، وانا هفهمك ، أنتِ مكبرة الموضوع ليه ، أهدي ممكن !
- أنت استغليت الحالة اللي أنا كنت فيها امبارح ، وقلت …. قلت أما ..
ثم صرخت جازعة :-
أنتَ ازاي تعمل كده ، وازاي سمحت لنفسك تقرب مني وأنا مش في وعيي !
كتم سيل الاتهامات المتدفق من شدقها بأصابع كفه المُلتصقة ببعضهم ، وبرقت عيونها التي لم تكف عن العتاب ، اطلق زفيرًا قويًا كي يتخلص من الشحنات السلبية التي شُحن بها وأشار بعينه ثم تفوه متسائلًا :-
أنتِ أيه مزعلك دلوقتِ ! أنا عملت أي حرام ولا غلط للعصبية دي كلها ؟! هاه !
ثم رفع كفه عن ثغرها كي تتحدث ، أحست بالقلق قبل أن تسرد أوهام رأسها الغريبة :-
استغلتني ! استغليت الحالة اللي كُنت فيها ، ويا عالم ايه اللي حصل بعد كده !
هز رأسه مشفقًا على الحالة التي وصلت إليها حيث أردف بحنو مجبرًا ألا يثير رياح غضبها أكثر :-
استغليت أيه بس ! شوفي هو ياما أنتِ حلمتي بحاجات محصلتش أصلًا ، أو لسه نايمة وده كله تخاريف !
- كمان ! قصدك تقول إني اتجننت !
ربت على كتفها كي يفض تلك الحملة التي شنت عليه فجأة :-
لا أنتِ عاقلة وست البنات ، بس أنا مش عارف أنتِ مكبرة الموضوع ليه ؟
- والله ! لما اصحى وألقى نفسي في حضنك ده عادي !
- اه عادي يا عالية ، فين المشكلة !
زفرت باختناق حد البكاء ، حيث لا تجد سببًا مقنعًا لتلك الحالة التي بها غير وصف الجنـون ، ولكن الأمر خرج عن السيطرة ، حيث ثارت بوجهه :-
الاستغلال ! أنت سمحت لنفسك تعمل حاجة بدون رضايا !
تمتم لنفسه سرًا :-
هو يوم مش فايت ، أنا حاسس .
ثم مسح على شعرها برفق وهو يشير لها ناحية المرآة :-
عالية ، ممكن تبصي على نفسك في المرايا ! دا أنتِ حتى لسه بهدومك !
تفقدت صورتها المعكوسة بالمرآة مما أحست بسنابل الخجل تترعرع بداخلها ، طالعته بنظرة الهزيمة والاعتذار ولكن غرور الأنثى التي خلقن منه بنات حواء ، باغتته بعتب أخر :-
وتبرر أيه وجودك جمبي ! مش ده بردو استغلال يا بيشمهندس !
- أنتِ شكلك مش فاكرة كُنتِ عاملة ازاي بالليل ، وبعدين أنا جمبك لانك أنتِ اللي طلبتي ده ، ورفضتي إني امشي عشان اسيبك على راحتك .
لطخت وجنتيها بحمرة الخجل مع الإنكار :-
أنا مستحيل أعمل كده ! أنت بس بتحاول تبرأ نفسك قدامي .
- والله أنا مش محتاج أبرئ نفسي عشان أدي أسباب واضحة تقنع مراتي انها صحيت لقيتني نايم جمبها !
قال جملته وهو يتأهب ليغادر الفراش التي شنت فيه الحروب النفسية بدل من الجسدية ، ولكنها لم تمنحه الفرصة وتمسكت بذراعه ، لتسائله بخفوت :-
يعني أنتَ نمت جمبي وبس ! محصلش حاجة مش كده !
أسبل عيونه بحماقة مفتعلة :-
حاجة زي أيه مثلًا !
شعرت بالارتباك ثم بررت بحسم :-
طيب دي أول واخر مرة ده يحصل ، ولو حصل تاني أنا مش هعديها .
تحمحم بخفوت متعمدًا العزف على ثورتها المشتعلة بدون سبب :-
هتعملي أيه يعني ؟
تردد كثيرًا حتى قالت :-
انا مستحيل أقعد معاك في نفس الأوضة ، ومن هنا ورايح كل واحد في حاله لحد ما أحدد أنا عايزة أيه !
- بس أنا عارف إنتي عايزة أيه بحالتك دي ؟!
ألتفتت إليه باهتمام :-
أزاي ؟!
- عايزة مختص لحالة التهيؤات الغريبة اللي بتجيلك دي ! ولا أقولك خليها ممكن تنفع في يوم من الأيام .
توقف عقلها عن الاستيعاب للحظات أردفت فيها بحيرة طفلة :-
يعني أيه !
غير مجرى الحديث كي لا يزداد الأمر سوءًا:-
قصدي تسافري أي بلد يومين تغيري جو !
تشبثت برأسها التي طقطقت بوجع الصداع :-
حاسة دماغي هتتفجر ، أنا مالي ! مش مظبوطة في حاجة غلط .
تبسم مراد قائلًا في سره :-
لسه اللي واخدة بالك !!
ثم وثب قائمًا :-
هعملك قهوة معايا واشوف لك حاجة للصداع ده ، ارتاحي بس دلوقتِ .. أحم وبلاش تهيؤات من اللي بتجيب صداع دي .
“ليه يا قلبي ليه ليه ياقلبى ليه .. بتحلفنى ليه أخبي الحكايه .. و أداري عليه ماوصفلوش عذابي .. وحيرة شبابى وحبه الـ خدنى .. من اهلى وصحابى ”
تلك كانت الكلمات المُغردة بصوت فايزة أحمد من شاشة التلفاز الذي أضاءته ” حياة ” ثم توجهت إلى ركن صناعة القهوة بجناحه الكبير ، أخذت تدندن مع الموسيقى بانسيجام تام حتى تذكرت تفاصيل ليلة أمس ..
- أنا مستنية رأيك في المكرونة على فكرة !
أردفت بتلك الكلمات بعد انتظار طويل لرأيه ولكنه احتفظ به لنفسه دون الكشف عن إعجابه الشديد بصنع يديها ، خاصة أنها احترفت أكثر الأنواع المُحببة لنفسه وهو الجمبري ، اكتفى بهز رأسه مرغمًا :-
اه عادي ..
رمقته بخيبة أمل :-
قصدك أكلي مش حلو ! يعني مش عاجباك ؟! طيب بتاكل منها ليه !
- بجبـر بخاطرك ..
تناول بالشوكة قطعة من الجمبري ووضعها بفمه وما أن مضغها كإنه يريد أن يبتلع بقية كلماته التي يظنها تعبر عن ضعفه ، قطب حاجبيه متعمدًا تجاهل النظر إليها وبمجرد ما ارتشف من كوب الماء فاجئته بسحب المائدة من أمامه بعناد طفلة :-
مش مجبر تاكل حاجة مش عاجباك ، تقدر تتبع قوانين الست عبلة هانم وتكمل نوم .
رأى بعيونها شرارة التحدي ، فأخمدها بغيث التجاهل :-
براحتك ! زي ما تحبي .
ثارت زعابيب غضبها أكثر ، حملت المائدة الخشبية ووثبت قائمة وما أن خطت خطوتين ثم توقفت لأنها تذكرت ما تقوله :-
ولعلمك بقى أنا مش مستنية جبر خواطر من حد ..
وجوده في حياتها مثل القمر ، قادر على أن يحرك بحر غضبها ورضاها حسب حالته المزاجية ، فاقت من شرودها على صوته الذي يطاردها أينما ذهبت وهو يقول :-
ده أيه الروقان ده على الصبح !
- ومبقاش رايقة ليـه ، أصلًا محدش يقدر ينكد عليـا .
أغلقت التلفاز ثم وثبت قائمةً بعد ما تركت فنجان قهوتها فوق الطاولة الزجاجية وخربشت على باب التشاجر معه ، كأنها تريد الانتقام منه والثأر كبريائها الذي أهانه وقالت بحدة :-
بعد كده تلبس هدومك جوه ، وتراعي أنك في الأوضة دي مش لوحدك .
كانت سجيته قلة الكلام ، قفل زر بنطاله ثم دار إليها بهيئته الفخمة وعضلاته البارزة :-
خايفة تضعفي !
تمالكت أعصابها بأعجوبة ثم قالت بسخرية :-
لا خايفة أحسن تستهوى .
اكتفى بابتسامة خبيثة طرف شفته ثم عاد ليكمل لبسه ، زفرت باختناق كي تتخلص من وجهها الغاضب وترتسم وجهًا مُزيفًا :-
تحب أعمل لك قهوة !
تبدلت ملامحه للدهشة وهو يلقى عليها نظرة سريعة من طرف عينه ، بعدها أكمل ارتداء قميصه ، فركت ” حياة ” كفيها بإحراج ثم قالت بعصبية :-
طيب على فكرة أنا قدمت لك خدمة بتاعة الوفد الإيطالي ، فاكر !
- مش فاهم !
عقدت ذراعيها أمام صدرها بتوجس :-
يعني بقول اني مخدتش مُقابل وكده !
أخذ يقفل في زر قميصه ثم قال :-
وأيه المُقابل اللي عايزاه !
دنت منه خطوة ثم أردفت :-
توافق على خروجة الملاهي ، وأنا أوعدك مش هطلب منك حاجة تاني !
- أمممم ، لما أفضى هشوف الموضوع ده !
وقفت أمامه معاندة :-
هما عايزينه النهاردة فـ الويك آند !
- أنا في دماغي ألف حاجة لازم احلها وقلت لما أفضى !
هزت كتفيها بلا مبالاة :-
خلاص ، هاخدهم أنا ونخرج سوا ، عشان واضح أنك مش فاضي تفرح بناتك !
قبض على معصمها بشدة :-
لو فكرتي تخطي خطوة بره البيت ده من غير أذني هتبقى أنتِ اللي اخترتي تشوفي الوش التاني !
ثم ترك معصمها عندما رأي بريق الدمع بعينيها واخفض نبرة صوته :-
أنا بقول فكك من الجو ده وتنزلي تشتغلي معايا ! على الأقل عيني هتبقى عليكِ ٢٤ ساعة .. بدل ما شايفك فاضية كده .
تمسكت بمعصمها بتأوهٍ وهي ترمقه بسخط ، ثم زفرت :-
انا بعد الأيام هنا يوم بعد يوم عشان أخلص من طريقتك المتعجرفة والمستبدة دي !
تجاهل تلفظها به ووقف أمام المرآة لعقد رابطة عنقه وقال باختصار :-
قبل ما انسى ، معادك عند الدكتورة يوم السبت .
- دكتورة أيه ؟!
- أنتِ لازم متابعة وعلاجات تساعدك أنك تفتكري بسرعة .. خليت مديرة مكتبي تحجزلك ، وهنروح سوا .
هنا طَرقت ” سيدة ” الباب ، فسمح لها بالدخول ، تقدمت إليه حاملة مائدة الإفطار :-
فطورك يا سعادت البيه .
- حطيه عندك يا سيدة .
وضعت “سيدة” الطعام مكان ما أشار إليها ثم دنت منه تلك العجوز وقالت بانبهار كمن يطالع حورية البحر خارجة من عالم كرتوني :-
تسمح لي يا بيه أقول لك ، إن ست حياة زي القمر ويا زين ما اخترت والله ، هي الست مها كانت جميلة بس الست حاجة حاجة تانية خالص ..
ثم اندفعت نحوها بغزل :-
يا طعامتك !!
أتاها صوت عاصي المتعجرف :-
سيدة ، انزلي قولي لهدير تجهز عشان في اجتماع مهم النهاردة .
انكمش وجه سيدة حتى غمغمت لنفسها سرًا :-
حد يسيب المهلبية دي ويروح للملوخية !
ثم ارتفعت نبرتها بارتباك :-
حاضر حاضر يا بيه …
هزت حياة رأسها بغضبٍ تسرب من شقوق حروف جملته وقالت باستهتار :-
اااممم هدير ! أحم أنت ناوي تسمع كلامي وترجعها ، يعني مجرد سؤال مش أكتر ! أنا يهمني مصلحة ابنك فـ الأول والآخر .
ارتدى ” جاكت ” بدلته السوداء وقال بخبث بعد ما قرأ سطور الغيرة بعيونها :-
يمكن وليه لا !
لسه بفكر .
ثم اتجه نحو المائدة وقال بمكر :-
تعالي نفطر ، ولا أنتِ مالكيش غير في الجمبري !
أحتلت الغيرة والغرابة رأسها فقالت بضيقٍ:-
وأنت مزعلك في أيه الجمبري !
رفع حاجبه مع ابتسامة خفيفة وهو يبدأ في تناول طعامه الصحي :-
مش مزعلني في حاجة ، بس ممكن يزعلك أنت بعدين !
- سيدة ، سيدة !
تلك الكلمات خرجت من شدق ” كريم ” بهمسٍ وهو يركض إليها ، ألتفتت نحوه حتى اقترب منها :-
الفطار ده لمين ؟
- ده بتاع سي تميـم ، دي الست عبلة بنفسها اللي حضرته !
حك ذقنه للحظات ثم قال :-
طيب هاتيه واجري أعمله غيره ! بس يكون سر يا سيدة .
هزت رأسها بالرفض :-
لا طبعـًا ، ست عبلة مأكدة عليـا أني لازم أوصله لأوضة سي تمـيم .
عقد كريم حاجبيه بامتعاض :-
طيب هاتيها وأنا هقنع خالتي بأسبوع أجازة تروحي لأختك بورسعيد ، وأنا بنفسي اللي هوصلك !
ردت الروح بوجه سيدة بحماس :-
ده أنت تأمر .. خد أنتَ الصنية دي وأنا هنزل اعمل غيرها لتميم بيه ، صحة وعافية علي قلبك ..
حمل المائدة عنها ثم انتظر أن تهبط لأسفل حتى تفقد الساحة حوله بحذر وهو يتسلل نحو الغرفـة التي تُقيـم بها ” نوران ” ، دق الباب برفق كانت نوران خارجة من المرحاض تنشف وجهها ، ثم فتحت الباب شاهقة :-
يخرب بيتك هو أنتَ !
- هي دي صباح الخير ! أنتوا الذوق ما عداش عليكِ يا بنتي !
ارتبكت نوران بخوفٍ:-
أش وطي صوتك ، شمس أختى نايمة جوه !
غمز بطرف عينه وسألها بفضول:-
هي مش المفروض تنام فـ أوضة جوزها ولا هما متخانقين ! قولي لي أي الحوار !
زفرت نوران باختناق :-
أنتَ بترغي كتير ومش هتستريح غير لما حد يشوفنـا ! امشي بقى .
مد لها صينية الفطور قائلًا :-
ده أنا جايب لك الأكل بنفسي وقلت نفطر سوا .
أتاها صوت شمس من الداخل المُفعم بالنوم :-
نورا ، واقفة عندك بتعملي أيه !
حملت نوران المائدة منه وهي تدفعه لبعيدٍ ثم عادت إلى الغرفة وقالت بتردد :-
دي الست اللي بتشتغل ، قصدي تمـيم باعت معاها الفطار ووصاها أنك لازم تاكلي كويس .
اعتدلت شمس من نومتها وهي تطوي شعرها على هيئة كعكة عبثية :-
نورا ، أحنا ملناش عيش بعد النهاردة في البيت ده !
- بصي سيبيني أفطر كده الأول عشان أعرف اتناقش مع قراراتك المفاجأة دي ، وبعدين نشوف .
- الصبر ، الصبر وهتبقي ليا لأخر العمر يا رسيل ، وعاصي بتاعك ده أنا هفرمه !
يقف كطائر النورس على الشط يتلذذ بضحاياه ، واحد تلـو الأخر ، ينفث دخان سيجارته حتى أصبحت كغيمة مُنعقدة من الظُلم فوق رأسه ، اقترب أحد رجاله قائلًا :-
فريد بيه المراكب هتتحرك كمان نص ساعة .
أومئ رأسه بالإيجاب وهو يدهس عقب سيجارته بمقدمة حذائه :-
عايز اسم فريد المصري يغرق البحر والبر .. مش عايز مركب واحدة تنزل تصطاد غير بإذني .
- أوامرك يا بيه ، اه والمحامي اللي طلبته مستنيك في المكتب .
- قدم له حاجة يشربها ، لحد ما أجي له !
ثم ألقى نظرة في شاشة هاتفه كأنه ينتظر أمرًا هامًا وقال :-
يلا جر عجلك أنتَ .
انصرف المساعد الخاص به وآتى قاسم من الخلف قائلًا :-
يعني فات يوم والتاني ومفيش لا حس ولا خبر يا ابن المصري !
عقد فريد ذراعيه وراء ظهره وهو يفرد قامته ويملأ صدره من هواء البحر وأجاب :-
مش كُل حاجة هتتحل بسرعة ! في حاجة اسمها حكمة !
ثم ألتوى ثغره ساخرًا :-
نسيت ! الحكمة دي من ثمة القادة اللي زيي ، مش الشيالين اللي زيك .
لعق قاسم شفتيه متقبلًا شعور الإهانة كي يصل لمراده وبعد ذلك كل شخص سينال عقابه :-
أنا لازم ارجع إيطاليا أول الشهر ! ومش هينفع أرجع من غير رسيل .
شرع فريد أن يجيبه ولكن توقف إثر رنين هاتفه بالاتصال المنتظر ، رد بلهفة حتى آتاه خبر اليقين :-
يونس ورشيد المصري تعيش أنت يا حوت ، ومن الساعة دي أنت الكبير يا كبير .. أنت حوت البحر الأحمر .
اتسعت ابتسامته لما اخترق آذانه ثم هتف فارحًا :-
عفارم عليك يا مرسي ، عدي عليـا عشان أديك حلاوتك .
قاسم باستغراب :-
ماتفرحني معاك !
ضحك فريد بانتصار :-
بهد كل الحيطان اللي ممكن رسيل تتسند عليها ، عشان اسلمها لك لوزة مقشرة ، شوفت أنا بفكر في مصلحتك أزاي !
ثم ربت على كتفه وأتبع :-
تعالى نشوف المحامي عشان نبدأ مشروعنـا الجديد .
تطالعه من وراء النافذة بعيون نرجسية ، وبدهشة من رماد ، وبشهقة البحر التي ثارت بجوفها عندما رأته بصحبة ” هدير ” وصعودها السيارة بجواره ، أخذت تقطم في أظافرها بغلٍ وتقول لنفسها :-
وأنا مالي ! مالي أزاي ! ده شخص نرجسي عايز يمتلك كل حاجة لنفسـه ! هو مش وصل للي عايزه واتجوزني ! دلوقتِ بقى يروح يجر ناعم مع الهانـم ! وقال أيه مش عايز حاجة تربطه بيها !
أطلقت زفيرًا قويًا وأكملت :-
الشهر المتفقين عليه قرب يخلص ، وخلاص كل واحد فينا هيروح لحاله ! استحملي .
شدت الستائر وعادت إلى التلفاز وأمسكت بالريموت :-
وبعدين هو عرض عليـا الشغل ! فيها أيه لو نزلت اشتغلت معاه ! فرصة كويسة بردو ، جايز أعرف أفهمه … وبعدين أنتِ مالك مركزة معاه كده ليـه هو حر ! عايزة تفهميه ليـه خليكِ في حالك .
اختلط الأمر برأسها حتى رمت الريموت بضجر وتفوهت محتجة :-
وقال أيه أكلي مش عاجبه ! ومتخرجيش ومتروحيش ! طيب يا سي عاصي هوريك أنتَ بتتعامل مع مين ، عشان أنا مش الجارية بتاعتك .
نيران مندلعة بأعلى ونيران نشبت بالأسفل ، حيث أخذت نوران تتلوى كالطائر الذييح من شدة الوجع مستغيثة بأختها :-
ألحقيني يا شمس ، بطني بتتقطع .
ركضت شمس نحو أختها بلهفة :-
نورا مالك ؟! ردي عليـا في أيه !
صرخت نوران بألم :-
سكاكين في بطني يا شمس الحقيني !
تناولت شمس كوب المياة من فوق المائدة وأخذت لمونة عصرتها بالماء وبكف مرتعش قالت :-
آكيد من اللانشون اللي أكلتيه ، اشربي الليمون يفسد مفعول أي حاجة متسممة دخلت جسمك ، هكلم الإسعاف حالًا …
ركضت شمس كالمجنونة مقتحمة غُرفة تمـيم الغارق في عقد اتفاقيات شغله المجهول ، عند دخولها قفل جهاز الحاسوب ، فلم تمنحه الفرصة ليسألها عما بها ولكنها سبقته قائلة :-
نورا أكلت حاجة متسممة كلم الإسعاف بسرعة .
هنا أحس كريم الذي يترقبها من بعيدٍ بحركة مريبة خاصة صوت نوران المتعالي ، ركض إلى الغرفة فوجدها تتلوى وجعًا ، اندفع إليها بلهفة وحملها بين يده ، خرجت شمس وتميم من الغرفة فالتقى الجميع في ساحة الطابق ، هتف تميم :-
كريم خدها على اقرب مستشفى وانا جاي وراكم .
ركض كريم على الفور ثم تابعته شمس وهي تناجي ربها أن لا يُريها سوءًا بأختها ، خرجت عبلة من غُرفتها إثر ذلك الصخب المنتشر بساحة القصر ، فـ تبدلت ملامحها عندمـا رأت تميم يصيح مُناديًا على ” سيدة ” كي تخبر السائق أن يأتي إليه ، دوما ما يحوم القاتٰل حول مسرح الجريمة ، اقتربت منه عبلة حائرة تتمايل مُتسائلة بخبث :-
هو في أيه !
رد مجبورًا :-
أخت شمس أكلت حاجة متسممة ..
ثم صاح بجزعٍ :-
يلا يا سيدة ..
ازدرى أعينها وهي تلعن ذلك الحظ في نفسها سرًا حيث صاح بوق شيطانها الآثم بداخلها :-
فلتت منها المرة دي يا تمـيم بس على مين !
انتظرت حتى رحيل تميـم ثم هرولت إلى غرفة ” عاليـة ” وسرقت طبق العسل من فوق المائدة وعادت إلى غرفتها كي تسكب محتواه وتمحو آثار جريمتها ..
في تلك اللحظة نزلت ” حياة ” إلى غُرفة الفتيات ، دخلت الغرفة بهدوء فوجدتهن غائصات بسبات عميق ، شرعت في إيقاظهن ومداعبتهن حتى تسألت تاليا بصوتها النائم :-
أنطي ! هنروح الملاهي زي ما وعدتينا!
فكرت حياة للحظات ثم قالت بتوجس :-
هنروح يا روحي ، أنا جايه أصحيكم عشان نكسب وقت وناخد اليوم من أوله ..
انقض عليها الفتيات بحماس ثم هتفت أحداهن :-
يس ، تحيا أنطي حياة … بابي جاي معانا صح ؟
أطرقت بخفوت :-
هو بيعتذر منكم لانه عنده شغل ، بس قال لي إنه معندوش مانع نخرج سوا ، وكمان ساب لنا فلوس كتير عشان نجيب كل اللي نفسنا فيه …
داليـا بفرحة وهي تعانقها :-
أنطي أنا بحبك أوي ، ممكن متمشيش تاني ، خليكي معانا هنا .
تاليا بتوسل :-
بليـز يا أنطي خليكي معانا ، متمشيش خالص …
لم تمنحها داليا فرصة للوعود الكاذبة بل أطرقت بحماس طفولي :-
هنروح فين ..؟؟
تشجعت تاليا وقالت :-
نروح الأول الملاهي نلعب كتير ، وبعدين نروح المول نشتري حاجات كتيرة وألعاب ، وبعدين نروح ماك نتغدى ، وبالليل نروح سينما .. أيه رأيك يا أنطي !
تحمحمت حياة بقلق وتمتمت :-
اتفقنا وربنا يستر على اللي هيعمله أبوكم فيـا …
اقتحمت عبلة الغُرفة ، فتبدلت ملامحها إلى آخرى غاضبة عندما رأت حركة عجيبة بالغرفة ، تسللت للداخل متسائلة :-
علي فين كده !
هتفت داليـا :-
هنخرج نروح الملاهي .. بس سوري حضرتك مش هينفع تيجي معانا .
طالعت حياة بحقد ثم رسمت ابتسامة مزيفة :-
ليه يا حبيبتي !
تقدمت تاليا واضعة كفيها في خصرها بجزل طفولي :-
عشان أحنا حابين نكون بنات مع بعض وهنلعب سوا ، وحضرتك ست كبيرة مش هينفع .
كتمت حياة فم الصغيرة برفق ثم قالت مبررة لعبلة التي بدا الانزعاج عليها :-
أممم قصدها هنتحرك كتير وممكن تتعبي .
رمقتها عبلة بحقد :-
عاصي يعرف أنكم خارجين ..؟
أجابتها بثقة :-
أكيد يعرف ، مش هخرج من غير أذن جوزي يا عبلة هانم أنا بردو بفهم في الاصول ..
هزت رأس الحية أفكارها ثم اقتربت من حياة وسألتها :-
قوليلي يا حياة ، باباكي بيشتغل أيه ! حد معروف في الوسط يعني ! أعرفه .
تخبطت أطرافها بلون الحيرة وظُلمة الاستجواب الذي وقعت فريسته بدون سابق إنذار ، كادت أن تجيبها بأي قصة وهمية ولكن أنقذتها تاليا قائلة بعفوية :-
ناناه أحنا مستعجلين أوي ، ممكن نأجل الكلام دا لوقت تاني !
ثم شدت حياة من كفها وقالت بمرح :-
تعالي يا أنطي قوليلي ألبس أيه ، يلا يلا مش عايزين نتأخر .
- أحنا جينا هنـا ليـه ؟!
ذلك السؤال الأخير الذي أردفته ” هدير ” بعد وقوف السيارة أمام المشفى ، رفع عاصي حاجبه بهدوء :-
محتاجين نطمن على صحة البيبي ..
تعربدت الغصة بصدرها:-
ولا قصدك تتأكد إذا كُنت حامل ولا لا !
تحمحم برزانة وثبات :-
أنتِ مالك خايفـة كده ليـه !
للكلمة وقع أحد من السيفِ على قلبها ، انفجرت هدير بوجهه :-
أنتَ مكذبني وكمان مستغرب أنا كده ليـه ! مش بعيـد لما تتأكد تقول مش ابنك ..
- أنا كلامي واضح يا هدير ! أنتِ اللي بتلفي وتدوري .. ومتعصبة من مفيش ..
وقفت على نصل كلماته الحادة :-
الهانـم بتاعتك امبارح تغلط فيـا ، وأنت جاي دلوقتِ تتهمني في شرفي وإني بتبلى عليك ، وعايزني مبقاش متعصبـة !
تجاهل كل ما قالته وتوقف على أعتاب جُملتها الأولى :-
قصدك حياة ! وهي حياة مالها بيكي ؟
- مالها ؟!!
أردفت كلمتها ثم أتبعتها بضحكة ساخرة وأكلمت :-
أنت بس دلعتها لحد ما ملكت البيت وعملت نفسها صاحبة مكان ، وبعدين أنتَ اللي متلفش وتدور عليـا ، أكيد حكت لك هي قالت أيه بالليل !
هز رأسه وبداخله فضول لا يوصف خاصة إن تعلق الأمر بتلك القطة المُشاكسة ، زفرت هدير باختناق :-
يلا يا عاصي ، أنا همشي معاك للأخر لحد ما تعرف مين اللي بتحبك ومين اللي جاية تغفلك !
قالت جملتها ثم هبطت من السيارة بغضب فرغته في بابها وهي تدفعه بقوة وانتقام ، دلف الأخير من سيارته مُتبعًا خُطاها حتى وصلت إلى قسم النسا والتوليد بالمشفى ، مجرد ما أدلى اسمه للممرضة ، سمحت له بالدخول على الفور .
مرت عدة دقائق على الفحص وإجراء التحاليل اللازمة ، كان يجلس على فوهة بركان ثائر ، يتوسل إلى ربه أن يكون خبر حملها أكذوبة من صنعها ، مرت العديد من الدقائق حتى جاءت الطبيبة وبعدها هدير بوجهها الضاحك ، أردفت الطبيبة برسمية :-
هو الحمل مش مستقر ، فلابد من حقن التثبيت دي ، ومع الراحة التـامة طبعًا ، بس متقلقيش ، وأسبوعين كده وأشوفك تاني ، أهم حاجة الراحة ثم الراحة ، مش هوصيك بقى يا عاصي بيه ، دلع المدام ونفسيتها أهم شيء ..
وضعت هدير ساق فوق الأخرى وقالت بانتصار :-
وصيه عليـا بقى يا دكتور ، عشان دايمًا مزعلني ، ولا أيه يا حبيبي !
بات كلماتها تغتصب غضبه المكبوت ، حتى فزع فجأة متأهبًا للرحيل بدون أي مقدمات ، أخذت هدير ” الروشتة ” من الطبيبة ثم لحقت بخطواته الواسعة ، فلم يتحمل سماع المزيد حول موضوع حملها ، هنـا جاءه اتصالًا من عبلة وهو توبخه :-
أنتَ أزاي تسمح بالمهزلة دي ياعاصي !
- حصل أيه !
- يعني أيه الهانم تاخذ البنات ويخرجوا مع السواق لوحدهم ! أنت ناسي أن أعدائك في كل حتة ! يا خسارة فكرتك أذكى من كده ! اتحمل بقى نتيجة ثقتك العمياء في الهانم بتاعتك .
الفصل الثامن والعشرون
“ الجزء ٢ من الفصل ”
“رسائل لن تصل لـ صاحبها ”
-استوعبـت كل مصائبي في الحياة إلا لوعة رحيلك ، ما زلت أقاتـل في مرحلة اللا تصديق ، أنه لكابوس مـا حتمـا سينتهى بـ صوتك وعيناك ، ما زلت انتظر اتصالك في مواعيدنـا اليوميـة ، مع كل رنة لهاتفي انتفض كما كنت ، ما زلت اتوهم بأن كل رقم مجهول .. هو أنت ..
أنت رحلت ، لِمَ لا يرحل شبح انتظارك المُقيـم بي !
سيأتي نهار يُغير كل خرائط فكرك ، وقراراتك ، وأيامك ، قد تظن يومًا أن جميع مصائر حياتك بيدك وحدك ولكن فجأة قد تكتشف ضعفك وأن المرء مهما ركض في شتى الطُرق إلا أنه مسير ، قانون الاختيار خدعة ابتكرها غرور النفس البشرية .
تتوالى المصائب فوق رأسها ، كل يوم بكارثـة أثقل من الأخرى تحلُ على بُنيتها الهشة ، المتحطمة من جمة الحوادث بحياتها ، مرت عقارب الساعة على قلبها ببطء ، حتى خرج الطبيب من غُرفة العمليات ، اندفعت شمس نحوه متلهفة لأخبار أختها :-
طمني يا دكتور ، أختى جوه عاملة أيه .
وقف كريم وتميم بجوارها حتى سرق الأول مجرى الحديث :-
هي مالها يا دكتور كانت كويسة !
نزع الطبيب المسك الطبي من وجهه وقال :-
حالة تسمم ، أكلت حاجة مسممة ، بس نسبة بسيطة اللي دخلت معدتها ،وكمان لحقناها بسرعة ..
ذرفت العبرات من عيني شمس :-
طيب هي كويسة دلوقتِ !
- عملناها غسيل معدة ، ساعتين وهتفوق ، اطمنوا .
تتفست شمس الصعداء وهى تضع يدها على صدرها ، أردف تمـيم :-
في خطر على حياتها يا دكتور ؟
الدكتور برتابة قبل أن ينصرف :-
هي تجاوزت مرحلة الخطر ، بس هتبقى تحت عينيا يومين كده لحد ما نطمن عليها .
ذهب الطبيب بينما شمس التي لم تستطع التحمل على ساقيها أكثر جلست على أقرب مقعد ، تحدث تميـم إلى كريم وهو يمد له بطاقته البنكية :-
كريم انزل احجز أوضة عشان شمس ترتاح فيها ، وخلص مصاريف المستشفى ، واطلبنا غدا لانها مأكلتش حاجة من الصبح .
غادر كريم لينفذ ما طلبه بطاعةٍ ، ثم ولى تميم وجهه ناحية شمس وأخذ يربت على كتفها بحنو :-
استهدي بالله يا شمس .. هتبقى زي الفل .
كفكفت دموعها المنهمرة وقالت بقلة حيلة :-
أنا ماليش غيرها يا تميم ، نورا بنتي قبل ما تبقى أختى ، بابا وماما سابوها وهي ست شهور أنا اللي كُنت بعملها كل حاجة ، أنا مش متخيلة ، مش متخيلة اني ممكن اخسرها في يوم ، أنا مابقتش حِمل خسائر تانية .
لأول مرة تمتد أنامله لوجنتيها ويتلقى أبهامه عبرات حزنها المُتقطرة ، مسح دموعها برفق وقال بنبرة خفيضة :-
كل حاجة هتبقى كويسة ، أنا جمبگ يا شمـس ومش هسيبك مهمـا حصل .
بداخل كُل أنثى طفلة صغيرة ، فراشة ، مجرد ما تقع على بستان ورودها تحلق هنا وهناك وكأنها ملكت زمام الحياة ، ومنحت للورد ألوانه .. قضت حياة مع الفتيات ساعات من المرح والسعادة ، أخذت تتنقل معهن في كل مكان وتركض وتمرح وتضحك كطفلة غير مكترثة بالعشرين عام الفارق بينهم .. اقترحت تاليا بحماس :-
حياة ، تعالى نجرب دي كمان .
رمقت حياة لعبة قطار الموت فانقبض قلبها ورفضت رفضًا قاطعًا :-
مستحيل يا حبيبتي ، دي مرعبة أوي ، أحنا خلينا في الحاجات السهلة ، تيجوا نركب العربيات تاني !
تنهدت داليـا بأسف :-
يا خسارة ! بابي لو كان موجود مكنش هيرفض خالص .
انكمش ملامح حياة بقلق وتمتمت :-
أيه لازمتها السيرة دي دلوقتِ !
- أنتِ بتكلمي نفسك يا حياة !
- هااه لا معاكم ، أنتوا مش جعانين ولا أيه !
قالت حياة جملتها وهي تنكث على ركبتيها كي تبقى في مستواهم ، تمسكت الصغيرة ببنطها وأردفت بعفوية :-
أنا عصافير بطني بتزقزق من الجوع .
قبلت وجنتها بحب :-
يا روحي أنتِ ! هناكل فين بقا ؟
وضعت داليا سبابتها على ثغرها المزموم وأصدرت إيماءة خافتة :-
برجر ..
ولت وجهها لتاليـا :-
توتي موافقة ؟!
ردت بحماس :-
يس !
- اتفقنا ، يبقى برجـر .
ما كادت أن تقف وتستدير خلفها فأرتطمت بجلادها ، بحصنها المنيع ، وسور سجنها ، لحظة توقف فيها الزمن وعقلها عن التفكير ، تصلبت تعابيـر وجهها ، وأصيبت شفتيها بداء الارتعاش ، رفـع حاجبـه بملامحـه الغاضبـة :-
بتتحـديني يا حياة !
تهيج قلبـها بوجوده ، اخذت نفسًا طويلًا مع ابتسامـة مخادعة وقالت ببرود مزيف وقالت بنيرة خافتـة :-
كُنت متأكدة أنك هتيجي !
ثم جهرت بصوتها :-
مش قولت لكم يا بنات أن بابي حنيـن وهيخلص شغله بسرعة ويجي يقضـي معانا اليـوم ! ولا أيه يا بـ.. بـابي !
هلل الفتيات بفرحةٍ وهن يمدحن في ما فعلتـه حياة وكم السعادة البالغة المتدفقة من أعينهـم ، ثرثرتهم العبثـية جعلته يبتلـع ما يرقد على لسانه من شتائم ، لاحظت حياة ملامحه المكتظة بالغضب ، وقالت بقلق :-
مش نفسكـم في فشـار ، يلا نجيـب !
أفشـل مُخططها فـ الفرار منه عندما غرز أنامله في ذراعها المُتعري وقال بجفاء وبنظراته الثاقبة :-
روحوا أنتو هاتوا الفشار يا بنات ..
حدجته بتوجسٍ :-
أروح معاهم !!
ألجمها بنظرة حادة أخرستها ، ركضوا الفتيات نحو بائع الذرة وتركوها لوحدها في مواجهة الأسد ، بللت حلقها الذي جف وقال بتوسل :-
ممكن اتكلم !
جز على فكيه بامتعاض :-
أنا مش قلت لا مفيش خروج !
حاولت أن تهدئ الأمر وألا تثير عواصف غضبه ، تكلمت بصوتها الخفيض :-
ممكن نأجل أي خناق لـ بالليل ! يعني ننبسط دلوقتِ ونفرح وكأن مفيش حاجة حصلت ، ولمـا نروح هسيبك تتخانق براحتك وتنكد عليـا وكل اللي نفسك فيه !
عض على شفته بجزعٍ :-
بتستفزيني !
- خالص والله ! بس حرام تكسر بخاطر البنات ، أديك شايف هما مبسوطين أزاي ، يعني قصدي عديها المرة دي عشان ميبقاش شكلي وحش ، بليـز وافق ! وليك عليـا أول ما نروح هنقوم خناقة من اللي قلبگ يحبها .. قلت أيه !
كان أسلوبها في التحاور كطفلة لم تبلغ السبع سنوات ، خفوت صوتها ، توسلها إليه ، رقتها في تهدئة ثورتها العارمة ، تسرب وميض من الضحك لقلبه أخمد تلك النيران المتوهجة ، حتى أمطرت بغيث قُبلتها المباغتة على وجنته عندما رأت الفتيات يقتربن منهم وقالت بترجي :-
بليـز خليك لطيف قدام البنات ، بلاش تخوفهم منك أكتر من كده .. خليك طبيعي .
رفع حاجبه بإعجاب :-
طبيعي ! أفتكري أنتِ اللي اخترتي .
هتفت تاليـا بسعادة :-
بابي ، هتتغدى معانا مش كده !
داعبت حياة شعر الصغيرة وقالت بتردد :-
طبعًا يا حبيبتي وهيروح معانا المول كمان نشتري كل اللي نفسكم فيه ، مش كده يا بابي !
صاحت داليـا :-
بابي عيد ميلاد ناناه الاسبـوع الجاي ، لازم نجيب لها هدية .
ارتدى نظارته الشمسية وقال بفظاظة مزيفة :-
تمـام ، يلا بينـا .
ركضوا الفتيات خلفهم ولكنها فوجئت به يمسك بكفها رغم عنها بعد ما كانت ستسبقه الخطى ولكنه أفشـل مُخططها ، همس في آذانها قائلًا :-
حسابك بالليـل .. متنسيش !
تبسمت بقلق :-
المهم متنساش أنت …
تحرك الجميع نحو السيارة ، أشار عاصي للسائق أن يعود للقصر ، وأخذ منه المفاتيح ، فتح الباب لبناته ثم فتح الباب الأمامي لها برسميـة ، تعجبت من فعله ولكنها صعدت بدون استفسار ، دار الناحية الأخرى وجلس بجوارها وشرع في قيادة سيارته ، بدأ الفتيات يأكلن في الفشار حتى تفوهت داليـا :-
كويس يا بابي أنك جيت ، عشان أنطي حياة محدش يعاكسها تاني ..
برقت حياة عيونها لداليـا كي تصمت ولكن أكملت تاليـا سرد الأحداث باندفاع :-
تعرف يا بابي كل حد يعدي من جمبنا كان لازم يقولها أيه القمر ده ، لحد ما زهقنـا وسبنـا المكان ومشينا .
لاحظت جمر الغضب توقد بوجهه ، فأخذت تبرر له :-
عادي يعني البنات بيبالغوا بس ، أطفال هناخد على كلامهم !
تجاهل حديثها وركز مع البنات وقال بغلٍ :-
وأيه كمان ! أحكوا احكوا ..
اندفعت تاليـا :-
بس أنا يابابي كُنت بزعق لهم وأقولهم أنتوا متعرفوش دي مجوزة مين ولا ايه ، بابي هيضربكم جامد لو شافكم .
ضرب موقد السيارة بكفه من شدة الغضب ، ألتصق كتف حياة بالبـاب وهي تغمغم :-
ليلتي سودة أنـا عارفة …
-دخلت مديرة مكتبه إلى يسري وهي تطلع على بعض الرسائل بالحاسوب وتقول :-
مستر يسري ، بكلم عاصي بيه مش عارفة أوصله وفي إيميلات مهمة لازم يشوفها .
تناول يسري الجهاز من يدها بعد ما اطلع على الرسائل والاتفاقيات ، رفع رأسه :-
ابعتي لي كل الفايلات دي على الايميل بتاعي ..
- طيب وعاصي بيه !
- أنا هعرفـه .. أمشي أنتِ دلوقتِ .
أردف يسري جُملته الأخيـرة بعد ما رأى اتصالا تليفونيـا باسم ” عبلة ” انتظر حتى انصرفت الفتاة حتى رد قائلًا :-
اتفضلي يا هانـم ..
جلست أمام التسريحة وهى تتأمل التجاعيـد عن طرف عينيها إثر زوال العمليات التجميلية وقالت بضيق :-
مش عاجبني يا يسري !
- أزاي بس معاليكِ أنا في الخدمة ..
- البنت اللي اسمها حياة دي ، هي مطولة ولا أيه !
تحمحم يسري بخفوت :-
القلب وما يريد يا هانم ، وشكلها عاجبه البيـه ..
وضعت ساق فوق الأخرى وقالت بخبث :-
بس مش عاجباني ، وما دام مش عجباني يبقى ملهاش عيش في بيتي !
- والله يا هانم أنا عبد المأمور !
أومأت بمكر ثم غيرت مجرى الحديث :-
سيبك منها دلوقتِ ، وقولي أيه أخبار الشغل !
- مش خير معاليكِ ، عاصي بيه مُصر يفض الشركة مع آندرو وبنته ، ودي خسارة لينا في جميع الحالات ..
فزعت عبلة كالملدوغة وهي تفارق مقعدها :-
ده اتجنن ولا أيه!
- أهو كله من تحت راس اللي اسمها حياة دي !
رفعت حاجبها بتخابث :-
لا أنتَ تحكي لي الموضوع بالتفصيل …
انتهوا الجميع من تناول وجبة الغدا مع تبادل الضحكات والمرح بينهم ، ظل يراقب تصرفات حياة العفوية وهي تعتني ببناته والأُلفة العجيبة بينهن ، مسحت فم داليـا المُلطخ ” بالكاتشب ” وقالت بمزاح :-
نوال لو شافت العبث ده هتنيمنا في الجنينة !
انطلقت داليا مقترحة :-
بابي ممكن ميس نوال دي متجيش تاني ، وأنطي حياة هي اللي تذاكرلنـا .
أشعل سيجارته وقال بهدوء :-
بس حياة مش فاضية يا حبيبتي ..
تاليـا ببراءة :-
لا هي فاضيـة .. مش حضرتك فاضية !
- طيب وأنا مين يذاكرلي !
جملة أردفها عاصي فـ نزلت على رأسها كدلو الماء المُثلج ، أمتزجت نظرتها المندهشة مع نظرته الماكرة ، حتى قطعت داليـا صمتهم بذهول :-
حضرتك بتذاكر زينا يا بابي ! الله بجد ! ممكن نيجي نذاكر معاكم ..
تحمحمت حياة وقالت مبررة :-
بابي بيهزر يا حبيبتي ، قصده أننا بنشتغل بالليل تبع الشركة وكده !
ثم اقترحت :-
يلا مش هنشتري فساتين عشان عيد الميلاد .. !
لم يعرف السبب وراء اتباعها والهدوء الحال بكيانه ! كان أمرًا مستحيلًا حتى مسّه طيفها ووجودها الخفيف على الروح ، فصار ممكنًا وسهلًا .. فـكم من جدارٍ جامدٍ تهاوى أمام دفءٍ صادق وحنون .
وثب الجميع للتنقل بالمـول ، كان متعمدًا أن يوازي خطواته بخطواتها ، الإمساك بيدها بدون مبرر ، ربما كان يوجه رسالة واضحة للعالم أنه تخصه ، أثناء تنقلهم ألتقى عاصي بشخص يعرفه ، فوقف وتبادل السلامات حتى قدمها له :-
دي حياة مراتي ..
ثم ولى وجهه إليها وأكمل :-
هاشم بيه مدكور ، أشطر بيزنس مان في الوطن العربي .
- بنتعلم منك يا عاصي بيه ..
رمق ” هاشم” حياة بنظرة غير مريحة ثم تبسم بمكر :-
تشـرفنـا يا هانم .
بادلته بابتسامة مُجاملة ثم بعدت أنظارها المُربكة عنه ، سلم هاشم على داليا وشرع في تقبيلها ولكن فزعت حياة من تصرفه وشدت الفتاة إليها وقالت بحدة :-
سوري حضرتك ، بس ممنوع حد يسـلم على البنات بالطريقة دي !
أحمر وجه هاشم بغضب أخفاه وراء ابتسامته المصطنعة :-
سوري يا هانـم بس دول أطفال وفي مقام أحفادي !
- بس مش أحفادك !
تشبثت بيد الفتيات وقالت بصرامة لعاصي :-
هندخل المحل هنـا ، ماتتأخرش عليـنا .
لم ينكر اندهاشه بتصرفها الغامض ، وطريقة حمايتها للفتيات ، تسرب بداخله شعور المسئولية نحوهم والفخر إليها ، فاق من بحرها وعاد إلي هاشم قائلًا :-
هنشوفك أكيد في عيد ميلاد عبلة هانـم .
- الدّعوة وصلتني إمبارح ، وطبعا شرف ليـا !
صافحه عاصي برسميـة ثم استأذن منه لينصرف ويلحق بعائلته ، لعق هاشم شفتيـه بمكرٍ :-
قدرك الحلو وقعك في طريقي مرتين ! استحملي يا حلوة .
-“أنتِ عملتي كده ليـه ؟!”
أتاها صوته الرخيـم من الخلف وهي تتفقد الفساتين المُعلقة بإعجاب ، أغمضت جفونها إثر الخضة ثم دارت إليه وقالت بعتاب :-
مش صح أي حد كده يبوس ويحضن البنات ! ده هيأثر على نفسيتهم بالسـلب !
عقد حاجبيه بامتعاض :-
بس ده راجل أد جدهم ، يعني عادي !
جزت على فكيها بغضب :-
لا مش عادي ! أنت مدخلتش جوه نيته عشان تعرفه ، ولو سمحت ابعد بناتك عن العك اللي أنت عايش فيه ، أنا مش هسمح لك تأذي براءة روحهم وقلبهم بالمجتمع العقيم اللي أنتوا فيه !
مجرد ما أنتهت جملتها عادت إلى تفقد الفساتين مرة أخرى ولكن الفارق هنا أن مزاجها بات معكرًا مما جعلها ترى الجميع بلون واحد ، أخذت تقلبهم بملل لاحظه عاصي في نفس اللحظة التي خطفه فستانًا فُصل خصيصًا إليها ، همس لفتياته ببعض الكلمات حتى صاحت داليـا بعفوية وهي تشير على الفستان :-
شوفي دي يا حياة ! يجنن .
اقتربت من الفستان المُعلق باندهاش شادرة في سحر ألوانه وجماله وقفت أمامه طويلًا حتى أتاها صوته قائلًا :-
هينطق عليكي !
رجت رأسها بعدم اهتمام :-
عادي ، أصلًا مش حابة اشتري حاجة أنا بتفرج بس !
- وهتحضري الحفلة بأيه ؟
انكمش وجهها بغرور أنثوي :-
مش لازم أحضر ، كفاية هديـر هتحضر .
ابتلع ابتسامته عندما لمح وميض الغيـرة معلقًا بحروف كلماتها ، أشار للفتاة بالمحل أن تحضر الفستان كي تقيسه ، مرت دقيقتين حتى جاءت المساعدة إليها :-
اتفضلي قيسي الفستان يا هانم !
- فستان أيه ! أنا مخترتش حاجـة !
أردفت حياة جملتها بإنكار حتى أشارت الفتاة إليه وقالت :-
البيـه اللي اختار .
زفرت مجبرة وتحركت نحو ” البروڤا ” كي تقيس الفستان ، مرت العديد من الدقائق وهو ينتظرها بلهفـة لا يعلم سببها ، خرجت المساعدة من الغرفـة فاستغل الأمر واقتحم الغُرفة ، أدلى الستار خلفه وأخذ يتأمل تفاصيل ظهرها الساحرة المُغطاة بجدائل شعرها، أحست بوجوده من رائحته والعجيب بالأمر أنها اعتادت وجوده حتى بات حضوره لا يرعبها ، دارت نحو الجهة التي بها المرآة وشرعت في تأمل نظراته إليها ، حتى ألتقطت أنظارهم بالمرآة ، خفق قلبها واشتهتها جوارحه خاصة عندما ارتدت الفستان الفاتن لجمالها !
لملم شعرها المبعثر ناحية كتفها فبرز ” التاتو” المرسوم على هيئة حوت بكتفها ، هندلت الفستان من الأمام فلـم يتبقى لها سوى جراره كي ترى صورته بوضوح ، لمعت عيناه ولم يتحكم في شهوة يده للمس الحوت المقيـم بظهرها ، أبدى إعجابه به :-
جميـل الحوت المرسوم !
أخذ يداعبـه بإبهامه بلطف بدون أي إعتراض منها حتى تسللت أنامله بخفة دبت القشعريرة بكيانها ، كان يريد أن يرمي عليها نظرة فضولية ولكنه ومن غير قصد رمى قلبه بجوار حوتها ، رست أنامله عند جرار فستانها الكائن بأخر ظهرها وسحبه لأعلى برفق حتى أغمضت جفونها من شدة الأحاسيس المباغتة التي هجمت عليها للحد الذي خنق أنفاسها ..
ما انتهى من قفل الفستان فأرجع أوتار شعرها مرة أخرة بهيام ألتف حول قلبـه .. ثم طالعها بالمرآة قائلًا :-
الفستان الحلو ولا أنتِ اللي محلياه !
كانت تقاوم كي تغتال تلك المشاعر المجهولة التي تعلقت بروحها ، ضربات قلبها السريعة التي أرخت أعصابها وحطمت عنادها ، اكتفت بهز رأسها بمعاناة كي لا ينكشف أمرها أمام رجل مثله ، يعلم بخبايا وظواهر الأنثى ببراعة ، جاءت المساعدة إليها ففوجئت بوجود ” عاصي ” فأطرقت بأسف :-
حضرتك ممنوع تدخل البروڤا ..
تبسم بتفهم :-
متزعليـش ، بس عشان مراتي متعودة إني بساعدها في كل لبسها ، فـحسيت أنها محتاجاني !
برقت حياة بنفي وعلى المقابل تبسمت الفتاة بإحراج :-
ربنا يخليكم لبعض يا فندم بس دي تعليمات .
-فاهم فاهم ، المهم مش هوصيكي ، أحلى وأغلى حاجه عندك تطلع للهانـم .. هثق فيكي يااااااثم طالع اسمها على بطاقة التعريف وأكمل :-
يا عبيـر ..
لم يمنحها فرصـة للاعتراض بل انصرف سريعًا إثر نداء الفتيات عليه ، تقدمت إليه داليـا :-
بابي تعالي شوف إحنا اخترنا أيه .
الأمر أشبه بأحدٍ قذف حجرًا بالخطأ فـ أصاب كل جروحك المحشوة بقلبك .. تكورت حول نفسها وضمت ساقيها إلى صدرها ونطقت بسؤال يتـيم لنفسهـا :-
أنتِ عايزة أيه يا عاليـة ! ليه رجعتي مع مراد ! وليـه تصرفات العيـال دي ! أنتِ عمرك ما كنتِ كده ، ومراد شخص ناضج لو اتحمل الهبل بتاعك ده يوم ، مش هيتحمله التاني !
ثم مسحت عبراتها المنكبة من عينيها :-
أنتِ اللي نمتِ في حضنه بإرادتك لانك كنتِ مرعوبة من الوحدة ، ما صدقتي تلاقي حد يطبطب عليكِ ، طيب بتلوميه ليـه ، ما هي حاجة واحدة هتريحك ، مراد بالنسبـة لك أيه ! هل مجرد ونس لوحدتك ولا حاجة مهمـة وكبريائك ناكر ده ؟
نهضت من فراشها بتكاسـل وتذكرت أحد المحاضرات الدينية التي حضرتها:– «إِذَا بَاتَتِ المَرْأَةُ، هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا المَلَائِكَةُ حتَّى تُصْبِحَ»
خفق قلبها خشية من غضب الله وهي تتفقد هيئتها بالمرآة :-
يا رب أنت عارف إني تايهة ، ومش عارفة أنا عايزة أيه ! أنا متأكدة أنه شخص كويس بس أنا خايفة ، خايفة اسلم له قلبي اتوجع ، يا ربي أنا مش حمل الذنب ده .. أنا اللي قررت أكمل يبقى اتحمل ، مراد رجل وله عذره ومفيش راجل يتحمل المعاملة دي ! ومش ده جزاته انه برأني قدام أهلى ..
تمددت يدها إلى رابطة شعرها وسحبتها ببطء حتى حررت خصلاتها المموجة ثم تحركت نحو الخزانـة وأخرجت فستانًا قصيرًا للغايـة وقالت مبررة :-
اتحملي نتيجة اختيارك يا عاليـة ، حتى ولو مراد مش شخص كويس وطمعان فيـا ، أنا كمان طمعانـة في سند ليا في الحياة دي ، محتاجة ولد يملى فراغ حياتي ، لازم اطلع من العلاقة دي كسبانة بدل ما اطلع منها وحيدة وارجع لمكان ما كُنت .
بدلت ملابسها وهي ترتجف ، ولكن ما تنتظره يستحق التضحية ، جلست أمام التسريحة لتضع بعض مستحضرات التجميل وتخفي آثار البكاء وهي تمرر حُمرة قلبها فداء طفلٍ تختلسه من بين أنياب الحيـاة ، عندما انهت عملها أنارت هاتفها وحدثته بنبرة خائفـة مرتعشة :-
مراد ، أنت فين !
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم نهال مصطفي
خُلق القلب عصيــًا :-
“كان يلزمنا قلوبٌ أكبر كي تتّسع لكل هذا الحُب ”
قالتها ذات مرةٍ جدّتي ولم أفهم كلامها إلا بعد زمن طويل وبالأخص عندما ألتقيت بك ..
~رسيـل المصـري ♥️
••••••••
دبت أرجل تمـيم أعتاب القصـر لأول مرة بعد مرور أثنى عشر عاما على دخوله من هذا الباب واقفًا.
ركضت سيـدة المستيقظـة للتو نحوه مهللة بكلمات الترحيب حتى ابتلعت ما تبقى من حديثها بثغرٍ مزموم وأعين منفرجة عادت لتفركهم وهي تفحص تميم واقفًا.
فاندفع لسانها بزغاريد متقطعة من هول الصدمـة.
فاندفعت إليها شمس:
– سيـدة !! انتِ اتجننتي ؟! الساعة ٦ الصبح !
ردت بذهول:
– تميـم بيه أنت خفيت !! يا صلاة النبي ، يالف نهار أبيض ..
ثم ركضت إليه وضمته بين ذراعيها:
– حمدلله على سلامتك ، عشت وشفتك واقف على رجليك ..
ما أن ابتعدت عنه انفجرت بزغرودة سدها تميم ضاحكًا:
– اهدي يا سيدة .. استنى يصحـوا وزغردي براحتك ..
ظلت تحسس على كتفيه ورأسه وتدور حوله بفرحة مبطنة بالدهشة:
– والنبي ما حلم .. ياالف بركة ، يا ما أنت كريم يارب ..
تقدمت شمس إليها:
– طيب ممكن بقا تحضري الفطار عشان تميـم يأخد أدويته ..
قفزت بحماس:
– فُوريرة …..
ثم ركضت نحو المطبخ وهي تلهث بفرحة:
– فينـك يا ست مديحة تشوفي اليوم ده !! يا فرحة قلبي …
أشارت له شمس بملامحها الجادة وهي تتقدم إليه لتسنده من ذراعـه السليم:
– يالا ..
وصل الثنائي إلى غرفتهم قبل ان يراهم أحد.
أجلسته على طرف السـرير وأخرجت صندوق الإسعافات الأولية من الحقيبـة الواسعة المُعلقة بكتفها وقالت برسميـة:
– لازم أغيـر على الجرح ..
فتحت عُلبة الاسعافات وجلست أمامه وشرعت في فتح أزرار قميصه بيدها المهزوزة وعينيها التي تتحاشى النظـر إليـه عكسه تمـامًا ..
أحست بالاختناق من الحجاب الذي يغطى رأسها وطرفه الطويل الذي يتابع حركتها فنزعته بتلقائية وحررت شعرها من تحت الحجاب مما أحس ثورة جديدة بقلبـه ..
حررته من قميصـه بحرصٍ فتأوه متألمـًا إثر حركة يديه الخفيفـة فاعتذرت بلهفـة:
– أنا أسفـة ..
تلاقت أعينهم للحظة فأربكتها نظراته المشتاقـه حيث عادت مرة أخرى لكتفـه وشرعت في رفع الشريط اللاصق من عليه بحرصٍ شديد وهي تُراقب تقلص ملامحه المتألمـة وتقول:
– معلش هو بس عشان لسه طري هيوجعك ، هحاول أخفف أيدي ..
رد معاتبـًا:
– مش الجرح بس بيوجعني يا شمس ..
طالعته بعدم فهم حتى أكمل بحنو:
– زعلك مني أقوى من ألف رصاصـة !
– هاااه ؟!!
أحمرت وجنتيها بخجل ثم غيرت مجرى الحديث:
– الظابط متكلمش تاني عشان يعرفوا مين اللي عمل كده ..
– بصراحة أنا هتجنن وأعرفه ، عشان أشكره أنه ضربني عشان أجمل دكتورة في الدنيـا تراعيني بنفسها ..
انتفضت يدها التي تطهر جرحه فصاح متأوهًا، رفعت كفها معتذرة:
– يووه ، أنا أسفـه .. مش قصدي ، ممكن تسيبني أركز !!!
••••••••
“و كأن قلبيَّ تخلى عني و أصبحَ ملكاً له .”
أول ما فعلته عندمـا فتحت عيـونها فتشت عنه بجوارها فلم تجده.
اعتدلت من نومتها وطافت عينيها حائرة تبحث عن طيفه ولكن بدون جدوى ..
تناولت سترتها المُلقـاه لترتديهـا ثم اتجهت نحو المرحاض ودقت الباب بخفوت:
– عاصي ، أنت جـوه ؟
لم تعثـر على ردٍ فتحت الباب وامتدت أنظارها للداخل فكان فارغـًا تمامـًا.
مدت شفتيها بشك:
– مش معقولة نزل الشُغل بدري كـده !!
تراجعت عائدة إلى الغرفة ثم إلى النافذة التي أزاحت الستار من عليهـا ثم تفقدت المكان حولها فوجدتـه يعوم بداخل حوض المياه الخاص بالقصر.
حدجته بعتب:
– والله بيهرج ؟! حد ينزل البول في السقعـة دي ؟!!!!
قفلت الشُرفة ثم اتجهت نحو الخزانـة وأخرجت منهـا منشفـة كبيـرة.
كادت أن تتحرك نحو الباب ولكنها تراجعت ووضعت على كتفيها شالًا للتدفئة ثم غادرت حاملة على ذراعها منشفته الخاصـة.
هبطت لأسفل وجرت أحد المقاعد وجلست بجوار الحوض تُراقبه ولم يخل فمها من كلمات اللوم:
– أنت مش خايف تاخد برد !!
وقف بمحاذاتها ساندًا ذراعيـه ذي العضلات البارزة على سطح الحـوض:
– متعود على كده .. تحبي تيجي !!
أشاحت بنظرها سريعًا في أركان المكان حولهم وقالت:
– مش هينفع .. وبعدين فعلًا الجو برد ، يلا أخرج كفاية كده.
– بس لسـه مخلصتش ..
أصرت بعيونها التي لا تختلف عن لون السماء فوقهـم:
– عاصي !!
استسلم لطبلها وخرج في الحال فأسرعت بوضع المنشفة فوق كتفيـه وشرعت في تجفيف قطرات الماء من فوق جسده وهي تعاتبه:
– والله بجد ، حرام عليك نفسـك .. يلا نطلع فوق عشان متاخدش برد ..
جذبها إليها عنوة طابعًا قُبلة طويلة على جدار عنقها قائلًا:
– صباح الخيـر ..
تملصت من قبضته بخجل:
– أنت بتعمل أيه .. حد يشـوفنا !!
– أنا أعمل زي ما أنا عايـز ، مكان ما أحب ..
– طيب يلا اتفضل خُد شاور وأنا هعملنا كابتشينو وأحصلك ..
عارضها قائلًا:
– سيدة صحيت ، قوليلها تعملنا .
أجابته بدلال:
– حابة أعمله بنفسي .. يلا بقا اطلع فوق وبطل غلبـة ..
تعمد العزف على أوتارها:
– طيب متتأخريش عشان عايـزك في موضوع مهم جدًا ..
سار الثنائي معًا حتى افترقا عند بداية الدرج ، صعد عاصي لأعلى بينما حياة اتجهت إلى المطبخ فألقت التحيـة على سيدة التي كانت تخمـر المخبوزات الصباحيـة.
استقبلتها مهللة:
– يا صباح العسـل ، وشك ولا وش البدر المنور ، تعالى تعالى ..
تقدمت حياة نحوها:
– أنا عايـزة أعمـل كابتشينو ، قوليلي بس مكان الحاجات ..
– ارتاحي انتِ بس وأنا هعملك كل حاجة.
– لا معلش ، مش هتعبك .. حابة اعمله بنفسي ..
أحضرت لها سيدة كل ما طلبتـه وشرعت حياة في إعداد القهوة المميزة التي تحضرها وفي تلك الاثناء أخرجت سيدة بعض الفطائر من الفرن فشهقت بإعجاب:
– الله يا سيدة ريحتها تجنن .. حاسة إني عايزة أكل الصينية كلها ..
– يألف هنا وشفا على قلبك يا ست الستات .. أيوة كده ارجعي بيتك ونوري القصـر وبلاها بعد وفرقة ..
جلبت حياة طبقًا وشرعت في وضع بعض الفطائر بداخله حتى سخن الحليب وسكبته ” بالمـج ” ..
في هذه اللحظة جاءت شمس وفوجئت بوجود حياة.
اقتربت منها بوجه مبتسم:
– أيه المفاجأة الحلـوة دي ؟!!!
حضن الفتاتان بعضهم بحب وتبادلن كلمات الترحيب حتى تدخلت سيدة بينهم:
– فطار سي تميم جهز باقي بس البيض هجهزوا حالًا ..
شكرتها شمس بعرفان:
– تسلم أيدك يا سيدة ..
ثم وجهت حديثها لحياة:
– بجد مبسوطة أوي أنك رجعتي القصر ..
– مرسي بجد يا شمس ، وقت ما تكون فاضيـة أبقى تعالى الأوضة عندي ندردش سـوا ..
– إن شاء الله ..
جاءت حياة تحمل ” الصنيـة ” فأصابتها رائحة السمن الفلاحي والبيض المقلي فتركت ما بيدها بعجل واتجهت نحو الحوض لتفرغ ما بأحشائها ..
ركضت شمس إليها بلهفة:
– أنتِ كويسـة ؟!!
في تلك اللحظة أطلقت سيدة صوت زغاريد وهللت:
– يالف نهار أبيض ، يالف مبروك يا ست حياة ..
حدجته شمس بحدة كي تصمت:
– سيدة !!
غسلت حياة شدقها ووجهها وتناولت المناديل الورقية من يد شمس وجففت الماء من عليها وهي تتنفس بصعـوبة.
مدت لها شمس كوب الماء بالليمون:
– اشربي ده هيهدي معاكي لو واخدة برد ..
تدخلت سيدة معلنـة:
– برد أيـه يا ست الدكتورة ، دي حامل ..
سألتها شمس:
– دي حقيقي يا حياة ؟
– حقيقي أيه بس ، سيدة بتقول أي كلام !!
تدخلت سيدة باعتراض:
– اي كلام أيه بس .. طيب ست الدكتورة أهي وتكشف عليها ولو ما طلعتي حامل أبقى قولي سيدة دي ما تفهمش حاجة !!
ردت حياة ساخرة:
– الله يهديكي يا سيدة بلاش تقولي الكلام ده ، عشان أنا مش حامل ولا حاجة ..
– ليه بقا ؟! وشك باهت ومخطوف وكل ما تشمي حاجة حرشة ترجعي !! دي كلها أعراض حمل اسمعي مني !!
تدخلت شمس مقترحة:
– طيب ما تعملي اختبار يا حياة مش هتخسري حاجة !! ولو حابة أنا ممكن اكشف عليكي ..
– حتى أنتِ يا شمس !!
ثم تقدمت نحو مائدة القهوة:
– انا هاخد القهوة لعاصي قبل ما تبـرد ..
غادرت حياة من المطبخ فاقتربت سيدة من شمس ووشوشت لها بفرحة وهي تمسك شعرها:
– وحياة دول هتطلع حامل وابقي قولي سيدة كلمتها ما تنزلش الأرض أبدا …
صدرت شمس الوجه الخشب وقالت بحدة:
– خليكي في شغلك يا سيدة وهاتي يلا الفطار عشان تميم ياخد علاجه …
هلت بفرحة:
– دانتِ دخلتك عليا وسي تميم كده واقف على رجله ردت فيا الروح .. انت ليه مخلتنيش أزغرد !!!!
شرعت شمس في وضع الأطباق على الصينية الخشبية بسبب نفاذ صبرها من ثرثرة سيدة الغير مجدية وقالت:
– هنعيده تاني يا سيـدة ؟!
••••••
– يا خبـر !! أنا أزاي نمـت هنـا ؟!!
تفوهت “عاليـة ” بجملتها الأخيرة عندما نهضت وجدت نفسهـا بمكتبـه نائمـة طول الليـل ووجدته جالسـًا على مكتبـه ينهي بقيـة تصاميمه الهندسية.
ترك ما بيده وذهب إليـها بابتسامـة واسعـة:
– صباح الخـير ..
مسحت على وجهها بكفيها وقالت بلوم:
– خير أيه بس ؟!! أزاي متصحنيش يا مراد !! أنا نمت من غير ما أحس والله …
جلس على المقعد المجاور لهـا و قال ممازحًا:
– وأنا ادبست في البيتـزا لوحدي ..
ظلت تبحث عن حذائهـا بإحراج:
– أنا دربكت الدنيـا بجد أنا أسفـة .. لازم أمشي
– أهدي بس وروقي ، لسـه الموظفين بيجوا الساعة ٩ ، أعملك قهوة تفوقك وبعدين ننزل ..
– بس …
– مفيش بس ، اتفضلي الحمام هناك ، اكون خلصت القهوة ..
لبت طلبه على مضض وتحرك هو لإعداد القهوة حتى فرغ كل منهما من عمله وجاء إليها حاملًا الكأسين ووضعهم على الطاولة ثم اتجه نحو الثلاجـة وأخرج منها مخبوزات ” الكوكيـز ” التي تنتمى لأشهر المحلات وجلس بجوارها:
– آكيد مش هعزم عليكي !!
ظلت تراقبـه بعيون محبـة حتى ختمت جملته بابتسامة خفيفة:
– بجد شُكرًا يا مراد .. شكرا على كل حاجـة .
رد ممازحًا لكسر سور الخجل بينهم:
– بتشكريني على أيـه بس !! دانا في مقام أبو ابنك أو بنتك .. أحنا متفقناش هنسمي أيه !!
ضحكت بقلة حيلة:
– يا ربي منك !! أحنا هنكذب الكذبة ونصدقها كمان ؟!!!
– أومال ؟! لازم نصدقها عشان كل اللي حولينـا يصدقوها ..
ارتشفت رشفـة من القهوة ثم أبدت إعجابها بها:
– لذيذة …
– أنتِ ولا القهوة !
انشغلت في فتح عُلبة الحلويات:
– مش هرد عليك …
فانفجـر ضاحكًا بصوت مسموع في تلك اللحظـة جاءت بتول وفتحت المكتب بدون سابق إذن وكانت صدمتها ومفاجأتها بوجود عالية ومراد معًا وصوت ضحكاتهم يملأ المكان ..
تجمدت بمكانها:
– سوري ، مكنتش أعرف أن في حد هنـا ..
رمقتها عاليـة بسيل من الغيرة ثم نظرت لمراد الذي سألها:
– بتول !! جاية بدري ليه ؟
– أبدًا عندي شغل متأخر قلت أجي أخلصـه ، بس يظهر جيت في وقت مش مناسب ..
فاندفعت عاليـة:
– بصراحة آه ..
طالعها مراد باستغراب فبررت:
– قصدي لا .. أنا أصلًا كُنت ماشيـة ..
دنت منهم بتول تتمايل وتشاهد اللحاف المكوم وراء عالية:
– ما لسـه بدري ، أنتِ لحقتي تقعدي !! ولا كُنتِ أصلًا بايتـة هنا ؟
وقفت عاليـة معلنـة الحرب عليها وقالت ببرود:
– لا كُنت بايتـة ، بصراحة الكلام أخدنا أنا ومراد وأحنا بنختار اسم البيبي اللي جاي ، فنمت محستش ..
وثب مراد من مكانه واقفًا بين القطتين المشاكستين ، فكل منهمن تستخدم أسلحتها للفـوز به.
طالعتها بتول بضيق معبأ بملامحها ثم نظرت لمراد وسألته:
– مراتك ؟!!
مالت عاليـة وأخذت حقيبتها بعد ما أعلنت صك ملكيتها له صراحـة وقالت:
– اسيبك بقا يا مراد تشوف شغلك .. ابقى نكمل كلامنا بعدين ..
– طيب استنى اوصلك ..
– لا مفيش داعي ، عربيتي تحت ..
••••••••
وصلت حيـاة إلى الغُرفـة ويبدو عليهـا ملامح التعب والإرهاق.
وضعت ما بيدها على الطاولـة ثم اقتربت منه حيث كان واقفًا أمام المرآة يرتدي قميصـه الأبيض.
وضعت كوب القهوة على التسـريحة ودنت منه وأخذت تقفل أزرار القميص بأناملها الناعمـة.
فرفعت عينيها إليه:
– الجو برد ، ممكن تلبس حاجـة تحت القميص ..
بد شبح ابتسامـة خفيفـة على ثغره ولكنها سرعان ما ذابت في بحر لهفته:
– مال وشك !! أنتِ تعبانة ؟
دنت منه خطوة سُلحفيـة وقالت بصوت خافت:
– لما صحيت ومش لقيتك اتخضيت بس !
وضع كفه فوق خصـرها بحب:
– ليـه ؟!
تدللت بأنظارها إلى قميصـه وهي منغمسـه في قفله:
– أبدًا ، كنت هزعل أوي لو نزلت الشغل من غيـر ما تصبح عليـا ..
جذبها إليه عنوة فارتطمت بعظام صدره القويـة:
– مقدرش أعمل كده ..
بللت حلقها الذي جف من كثرة عطشها إليـه:
– قهوتك هتبـرد !!
جُـر من قلبـه إلى نواة الـ قهـوة التي تتوسط صحن وجهها ، وما أن لُدغت بحرارة أنفاسـه همست باسمه بتوجس:
– عاصي !!
– أيه !!
– هتتأخر على شغلك ..
ابتعد عنها متحمحمًا بكبرياء متذكرًا ألاعيبها ، فبرر قُربه قائلًا:
– كنت بطمن على ضهرك بس ؟!
– هااه !! لا بقا كويس ..
غمز بطرف عينه وهو يضع “الكرافت” حول عنقـه في اللحظة التي همت بربطها:
– طيب بقا بلاش الحركات المُخلة دي بالليل عشان أوضتي مينفعش يحصل فيها كده .. دي أوضـة شخص محترم يا هانم ..
أحمر وجهها خجلًا فعاقبتـه بضغطها على رابطة عنقه:
– الحركات المخلة دي بتاعت ناس تانيين هما عارفين نفسهم كويس ..
استقبل توترها وخجلها بابتسامة عريضة زادت من اضطرابها فتركت ما بيدها وقالت بعناد طفولي:
– أنا غلطانـة أصلًا إني بساعدك ، أقول لك ألبس لوحدك ..
ثم ركضت من أمامه كالأرنب الخائف نجو جحره وأخذت قهوتها وتقوست فوق المقعد الكائن بأحد زوايا الغـرفة.
نظر للمـرآة حتى فرغ من لبسـه ، فأمسك كوب القهوة وعاد إليها بهيئته ووسامته التي أحدثت فتنة جديدة بقلبها الذي رحب بإقامته عمـرًا.
حاولت تحاشي النظر إليـه كي لا تقع ضحية رجولتـه القاتلة بمشاعرها.
جلس بجوارها:
– أي البوز ده !!
– مايخصكش ..
أخذ رشفة من كوب القهوة ثم أبدى إعجابه قائلًا:
– دي أحلى مـرة اشرب فيها كابتشينو ..
ردت بحماس أنساها غضبها منه:
– بجد عجبك !!
اتسعت ابتسامته ليترك الكوب من يده على الطاولة وينهض ويجذبها بإصرارٍ كي تقف بين يديـه ، فانكمشت ملامحها كالطفلة المدللة منتظرة أن يُراضيها.
أمسك بذقنهـا وقال بعتب:
– التكشيرة دي لو شوفتها تاني محدش هيزعل غيرك ..
كادت أن تُعارضـه بتمرد ، فأخرسها بسد الهواء عن ثغـرها بضم شفتها العلويـة بين طبقتي شوقـه.
ظلت لثوانٍ محاولة استيعاب ما سرى بكيانها فجأة وعن مصدر تلك العاصفة التي هبت من تحت قدميها حتى سلبها من عالمها إلى عالمـه بضمها إلى حضنـه ونالت مطامعـه تلتهم بوابـة مشاعرها بدون رأفة بقلبها الواهن.
رست كفوفها فوق لوحي كتفه حتى ذابت تحت منعطف حبـه كعود الريحان الذي يراقصـه الهواء.
احتلها حبـه كأنه يقبل قلبها بكل قواه.
كل شيء يتجمد في الشتاء إلا العطر والشوق ، كل منهما ينتشر باحثًا عن مصدر للتدفئة ، بينما يحاول إضرام النيران بحقل مشاعرها المتوهجـة يدفأ قلبـه أكثر فـأكثر.
ثمل من نهرها العذب وتحرر من كل همومه على ضفتي ثغرها.
افترق عنها كي يتنهد ، كي يأخذ أنفاسه المنقطعـة ولكنه لم يُفارق جسدها المنتفض بعد ، ضم رأسهـا إلى صدره كي يهدأ قلبه المتراقص وتهدأ ثورة جسدها التي أسهم في اشعالهـا.
استراحت على صوت ضربات قلبه مستسلمـة لحركة كفه الحنونة على ظهرها.
طبع قُبلة أخيرة على شعرها ثم همس مداعبًا:
– أنا كده أخدت قهوتي وزيادة ..
رفعت عينيها المنهكة إليه فباغتها ممازحًا:
– مش قولنا بلاش الحركات المُخلة دي في أوضتي !!
اتسعت عينيها بذهول من وقاحته وكادت أن تنفجر بوجهه فابتعد ضاحكًا وأخذ سترته السوداء ورحل قبل أن تفيق من غيوبتها العاطفية التي ما زالت تحت ظلها.
ثم صاحت متوعدة:
– ماشي بس ترجع لي ….
••••••••
– هتعرفهـم أمتى ؟!
أردفت شمس سؤالها بعد ما أنهى تميم إفطاره.
فنهض ليغسل يده ثم عاد إليها قائلًا:
– نرتاح شوية يا شمس ويكون الكل اتجمع ..
لملمت المائدة ووضعتها على الطاولة:
– تميم زي ما تحب .. هروح أصحى نوران ..
أمسك برسغها:
– الساعة لسه ٨ ونوران آكيد سهرانـة بتذاكر طول الليل ، سيبيها لما تصحى براحتها ..
ألقت نظرة سريعة على قبضة يده حول ذراعها وقالت بصوت خافت:
– طيب ..
– هتعملي أيه ؟!
ردت بعشوائية:
– مش عارفة ، هاخد شاور وافضي الشنط ، نام انت عشان جرحك ..
دنى منها خطوة:
– شمس مش هينفع نقعد مع بعض تحت سقف واحد وأنتِ زعلانة ، سيبيني على الأقل اشرح لك ..
– الكذب مفيهوش شـرح يا تمـيم !
– وأنا مكذبتش يا شمس ، أنا خبيت حقيقة حاجة تخصني ولأسباب بردو تخصني ..
انفجـرت عن صمتهـا:
– ولما رميت نفسي في الميـة عشان ألحقك وانا مش بعرف أعوم ، وأنت كنت قادر تنقذ نفسك وتخرج ، مصعبتش عليك ..
تنهد تميم بنفاذ صبـر:
– أهي عبلة عملت كده مخصوص ووقعتني في الميـة عشان تثبت للكل اني بمشي .. وكنت مجبـر اسكت عشان متنتصرش عليا !!
اتسعت عينيها بذهول:
– هي عارفـة أنك بتمشي !!
– ااه يا ستي تعرف ، وانا متأكد انها هي السبب في ضرب النار علينا عشان تخلص مني .. وأنتِ سايبـة كل المصايب دي ومركزة بس إني كذبت عليكِ ..
تفوه ثغـرها بدهشة:
– يانهار أبيض !! معقولة تكون هي ورا اللي حصل ؟!
– مين غيرها له مصلحـة !!
اقترب منها أكثر خافضًا نبرة صـوته وهو يداعب خصلات شعرها بيمينه:
– أنا اللي اتفقت مع نوران ترفض تيجي معانا عشان كنت ناوي اقول لك هناك ، ونقضي وقت حلو في دهب ونخرج براحتنا ، بس شكلو كده نوران بصت في السفرية واضربت ..
رغم عنها خرجت عن عبوس وجهها بضحكة هادئـة وقالت معاتبـة:
– عشان تتفقوا عليـا تاني ..
– هو هيحصل ، خليكي جاهزة لأي مفاجئات بعد كده ..
ثم انحنى إلى وجنتها وطبع قُبلة طويلة شفت عليل قلبه ومحت آثار غضبها منه.
ابتعدت عنه كالملدوغـة خشية من تطور أمر لم تستعد له وقالت متحججة:
– تمام ، أنا هروح أشوف ورايا أيه عشان أعمله ..
•••••••
انتصف النهـار بعد ساعات طويلة قضتها حياة بملل في غُرفتها، تنام تارة وتتطوف بأرجاء الغرفـة طورًا ، حتى نهضت وتحممت ثم ارتدت فستانًا باللون الأسود يخالطه اللون الأحمر يصل إلى ركبتها وحذاءً برقبـة طويلة ” بوت ” باللون الأسود يغطى نصف عضلة الساق.
رافعـة شعرها على صورة ذيل حصان ووضعت شالًا شتويا باللون الأحمر على كتفيها والقليل من اللمسات التجميلية التي برزت جمالها أكثر.
مع نفث القليل من العطر الذي قدمه لها في باريس.
فارقت التسريحة بعد ما دققت النظر في هيئتها واتجهت نحو هاتفها وكلمته بضيق:
– على فكرة أنا هموت من الزهق ، أنت فين ؟!
أجابها بهدوء:
– طيب انزلي استنيني في المكتب ، ١٠ دقايق بالظبط وهوصل ..
فسألتها مقترحة:
– هنزل اطمن على البنات عشان وحشوني ولما تيجي عرفني ، تمام !
فسألها ممداعبًا بحذرٍ إثر تواجد السائق والحارس معه بالسيارة:
– البنات بس ؟!
– ااه البنات بس !!
تحمحم بجديـة:
– جاي أشوف الموضـوع ده حالًا ..
قفلت بوجهه بدون أي انذار فاشعل روح الانتقام المحبب لقلبـه منها راسمًا ابتسامة واسعة انكمشت على الفور عندما لاحظ تركيـز السائق معه فقال بجدية:
– شد شوية يا عم محمد …
وصلت حياة إلى غرفة البنات اللاتي استقبلوها بشوق وفرحة.
وبعد تقبيلهم وعناقهم سألتهم:
– هااا بتعملـو أيه يا حلوين !!
ردت تاليـا:
– الهوم ورك ..
– طيب تحبـوا اساعدكم !!
– أحنا قربنا نخلص ..
فسألتها داليـا:
– حياة .. هنخرج تاني أمتى مع بابي ..
– أنتوا عايـزين تخرجوا ؟!
– yes ..
أخفضت نبـرة صوتها وقالت بوشوشة:
– طيب سيبوني كده اقنع بابي واشوفه فاضي أمتى ونخرج كلنـا .. اتفقـنا ؟
هلل البنات بفرحة فجاءها في الحال صوت رنين هاتفها يعلن اتصاله.
فقالت بخفوت:
– أهو بابي جيـه ، هنزل اقنعـه واجي أقولكم ، اتفقنا !
ركضت حياة بعجـل حتى تصل لعنده وتروي قلبها العطش من سويعات غيابه ، لا تعلم السبب وراء لهفتها الطفوليـة وحماسها الشديد في رؤيتها ولكنها كانت تشعر بأنها فتاة في السادسـة عشـر من عمرها وستلتقي بحبيبها لأول مرة سرًا.
طرقت باب مكتبـه بهدوء ثم دخلت وقفلت الباب ورائها.
وجدته ينزع سترته السوداء ويعلقـها على الشماعـة الخشبيـة اقتربت منه بشغف مشتعل محاولة السيطرة على إخفائه ولكن المحب تفضحه عيناه مهما أخفى ذلك ، لملمت شتات قلبها المبعثر وقالت:
– على فكرة مينفعش كده ..
دار إليها:
– هو أيه ؟!
– أنا بزهق من القعدة لوحدي وووخطفـها بين ذرعيها على غفلـة دافنًا أنفاسه لينطفئ شوفه بجدار عنقها بقبلات كثيـرة وببطء جعلها تئن ضعفًا وهزيمة بين يديـه ، ثم إنك تعانق أحدهم فتتمنى لو أنه لا ينتهي لا ينتهي هذا الشعور أبدًا..
لف ذراعيهِ حول خصرها فانثَنيتُ نحوه مثل شجرةٍ فيَ مهبّ الريح وهي ترجوه:
– عاصي !!!
– وحشتيني الكام ساعه دول ..
”هل الحبُّ هوَ هذا الاحتياجُ المُضلِّلُ لأن يكونا المحبين بـ جِوار بعضهم معظمَ الوقت بل أغلبه ويزيد !! ”
ظلت تعبث بأناملها برابطة عنقـه:
– كنت ناويـة اتخانق معاك ، بس أنت صالحتني خلاص ..
– منا شميت ريحة خناقـة قلت ألحق نفسي .. هاا نيجي للمهم !
– أيـه ؟!
– وحشتك ؟!
تدللت بين يديـه:
– ريحة البرفيوم بتاعك بس اللي وحشتني ..
– بس كده !!
– ااه بس كده ، وبعدين أنت جيت هنا ليـه ، تعالى فوق !
– عندي شُغل متراكم وحاجات لازم اراجعها بنفسي ..
– أمممم ، أنا ممكن أساعدك لو حابب يعني !
– أحب جدًا ..
قال كلمته الأخيرة وهو يهم بتقبيل الجهة الأخرى من جدار رقبتها فاطلقت ضحكـة عاليـة بين يديه مختـومة باسمه ، في تلك اللحظـة دخلت عبلة بدون إذن لتشاهدهم في اسمى لحظاتهم الخاصـة.
انتفضت حياة مبتعدة عنه أما هو فلم يكترث للأمر وجذبها لقربه مرة ثانية ويوبخ عبلة قائلًا:
– بعد كده نخبط قبل ندخل ..
ردت عبلة غاضبة:
– مكنتش أعرف أن اوضة المكتب اتقلبت كازينو !!
رد ببرود:
– وأديكي عرفتي ..
زفر بضيق:
– عالية اختك من امبارح مرجعتش البيت وموبايلها مقفول ومش عند سوزان ومش عارفة اوصلها ؟!
رد بعصبية:
– ازاي يعني ؟! هتكون راحت فين ؟!
– أنا جيت لك عشان تشوف أنت بقا ..
خرجت عبلة ثم تابعها عاصي فحياة من باب المكتب ، فجهر عاصي مناديًا:
– كريم رجع من الجامعة ولا لسـه ؟!
جاءت هدير من الخارج وهي تمقت حياة بنظرات حاقدة:
– هما بيظهروا أمتى ؟!
دار نحوها آمرًا:
– شوفي كريم أخوكي فين ؟!
ربتت على ذراعه بهدوء:
– ممكن تهدى .. العصبية مش حل ، ممكن تكون عند حد من صُحابها ..
رد بنفاذ صبر:
– عالية عمرها ما عملتها وباتت برة البيت..
هنا جاءت عاليـة من الباب وهي تراقب الحشد المريب حولها فسألتهم:
– في أيه !!
ركضت عبلة إليـها:
– انطقي كنتِ فين من امبارح !!
ابعد عاصي عبلة عنها وصرخ بوجهها ممسكًا بمعصمها بقوة:
– أنت أزاي تباتي بره البيت ؟! كُنت فين من امبارح !!
تدخلت حياة بينهم وترجته:
– عاصي شيل أيدك من عليها ماينفعش كده !
ردت عالية بجمود:
– كنت عند طنط سوزان وووتدخلت عبلة:
– انتي بتكذبي ، أنا لسه قافلة مع سوزان ..
تحولت ملامح عاصي لذئب مفترس وهو يبعد حياة عن طريقه ويشد عالية بقوة إليه:
– كنت فين يا عاليـة ؟!
انخرطت دموعها وقالت:
– في ايه يا عاصي أنا عمري مااعمل حاجة غلط لاسلوبك ده !!
– وعايزة اسلوبي يكون عامل ازاي واختي بايتة برة بيتها ومعرفش طريقها ؟!
تدخلت عبلة لتزيد الأمر سوءًا:
– انتِ كنتِ عند مُراد ؟!
– وهي هتروح لمراد ليه ؟!
ضحكت عبلة بسخـرية:
– ااه البيه مش دريان بحاجة ، أختك حامل يا عاصي بيه !!
فك قبضته من عليها بصدمة ويسألها:
– حامل ازاي ؟! يعني ايه حامل !!!
ردت عبلة:
– حامل من جوزها والهانم عايزة ترجع له ..
اندفعت الدموع من مقلتيها بغزارة:
– عايز تعرف أنا كنت فين ؟! كنت بلف طول الليل بالعربية مش قادرة ارجع واشم ريحة راجل غريب في البيت بعد بابي الله يرحمه .. وأول ما طلع النهار روحت كملت اليوم في الجامعـة ، ولسه راجعة عشان للاسف معنديش مكان تاني أروحه ..
قالت جملتها واندفعت لأعلى بسرعة البرق وهي تلعن وحدتها وقسوة الأيام حولها.
وقّفت حياة أمام عاصي بنظرات عتاب وقالت بترجي:
– لو سمحت روح صالحها ..
ثم قربت منه:
– عاصي عشان خاطري دي حامل وباين عليها التعب ، وأنت كنت قاسي أوي معاها ..
تلاقت أعينهم للحظات حتى اقنعته بتفيذ طلبها:
– يالا ، وأنا هروح اعملكم اتنين لمون ..
نفذ ما ترجته لأجله بهدوء واتبع خطاوي أخته وهو يلوم نفسـه عن انفعاله.
اقتربت عبلة من حياة بنظرات الغل:
– شكلك مش سهلة.. بس ليكي صِرفة معايا ، ووعد مني في اسرع وقت هتختفي من حياة عاصي …
تجنبت حياة شرها وتجاهلت الرد على سفهها وركضت ناحية المطبخ لتعد عصيـرًا لعاصي وعالية.
زفرت عبلة بتوعد:
– هتشوفي يا بنت المصري ….
وقفت نوران أمام عاصي معاتبة بجراءة:
– وكمان ليك عين تيجي لهنا !! عاجبك الحالة اللي وصلت لها دي ؟! دلوقت لو حصل حاجة للي في بطنها هتشيل ذنبـه العمر كله !! انت هتروح من ربنا فين .. دانا يابني آدم كنت ابتديت أغير وجهة نظري عنك لما مأذتش حياة ، تقوم تعامل اختك كده ! على فكرة تميم أول ما يصحى انا هقوله وهو هيتصرف معاك … اممممم خليك ساكت كده طبعا هتقول أيه ؟!!! مش لاقي حاجة تبرر اللي عملته ..
ربت على كتفها بإعجاب لقوتها:
– روحي شوفيلك حاجة العبي فيها يا شاطرة ..
ثم تركها وجلس بجوار عالية المنهارة من شدة البكاء.
اقتربت منه نوران:
– شاطرة دي تقولها لبناتك ، انا عندي 18 سنة ..
– انتِ بترغي كتير ليه ، عكس شمس خالص !!
ثم نظر لعالية ممازحًا:
– مستحملة رغيها ازاي البنت دي !! دي صداع !
ابتسمت عاليـة ببراءة فشدها عاصي إلى حضنه وقبل رأسها وقال معتذرًا:
– حقك عليـا ، انا بس كنت خايف عليكي .. انت بنتي الأولى يا عالية مش اختى ، وقسوتي عليكِ خوف والله ..
أجهشت بالبكاء في حضنه:
– انت اكتر حد عارف يا عاصي إني معملش حاجة غلط .. ومكنتش متوقعة منك تكلمني كده ..
– خلاص بقا قولتلك حقك عليا ويا ستي شوفي أيه يراضيكي وانا هعمله .. امسحي دموعك دي وبطلي هبل ..
جففت عالية دموعهـا وقالت بصوت باكي:
– خلاص مش زعلانة .
تدخلت نوران معارضة:
– هو ضحك عليكي بكلمتين !! لا طبعا متسكتيش وخلي عندك شخصية كده وعرفيه غلطه ..
فاض صبر عاصي منها فـ جاكرها قائلًا:
– واحد واخته انتِ مزعلة نفسك ليه يا حقنة أنتِ ؟!
– عشان اللي يزعل صحبتي أكسر دماغه ..
– معنى كده عايزة تكسري دماغي ؟!
تراجعت نوران للوراء بتردد ثم قالت:
– مش قصدي بس يوووه ، عالية على فكرة انا استاهل اني بدافع عنك وانت تتصالحي كده بكلمتين وبوسة ..
جاءت حياة حاملة العصير وقدمته لهم وهي تقول:
– عارفة لو مكنش صالحك ، كنت هقيم الحد على أخوكي ..
عاصي باستنكار:
– انتوا اتفقتوا عليـا ولا ايه ؟! ابسطي يا ست عاليـة كل دول أعلنوا الحرب عليـا عشانك .
حياة بمزاح:
– هاا يا عاليـة ، سامحتيه ولا اتعامل أنا ؟!
تدخل عاصي:
– ياستي انتِ بتتلككي عشان تتخانقي ، اهي بتضحك وبتشرب العصيـر كمان !!
احتوتها حياة بحب:
– حقك عليا أنا ، أخوكي يعني لازم تكوني اتعودتي ..
ثم جففت اثار الدموع من فوق وجنتيها وهمست:
– استغلي الفرصـة يلا واطلبي منه أي حاجة عايزاها بسرعة ، خليكي استغلاليـة ..
تدخلت نوران:
– اهو تطلعي أي مصلحة وخلاص ..
وبخها عاصي ضاحكًا:
– انتِ لسه هنا بتعملي ايه !!
أخذت كوب العصير الثالت وقالت متحججة:
– بشرب العصير أهو …
تجمهر صوت ضحكاتهم فجاءت شمس في تلك اللحظة وهي تراقبهم بنظرات استفهامية حتى قالت:
– عالية .. تميم عايزك أنتِ وعاصي بيـه تحت ..
عالية بتعجب:
– في حاجة يا شمس ..
– هتعرفي لما تنزلي .. يالا .
ساعد عاصي اخته في القيام وضمها لحضنه كإعتذار جديد منه عما فعلـه وتحركوا جميعًا إلى أسفل في انتظار ما سيخبرهم به تميـم.
احتشد الجميع بالأسفل حتى طل عليهم تميم يهبض درجات السلم برفقة شمس فتحولت نظراتهم إلى اسهم ثاقبة من شدة الدهشة.
صرخت عالية فارحة باسمهم فلم تنتظر قدومه إليهم فاندفعت نحوه بفرحة عارمـة:
– تَمـيم ، انت واقف .. انت انت خفيت امتى !! حمد لله على سلامتك يا حبيب قلبي ..
ثم ابتعدت عنه وأخذت تفحصه:
– حمدلله على سلامتك ياحبيبي انا مش مصدقة !! بجد حاسة إني بحلم ؟! ياااه يا تميم اخيرًا رجعت وسطينا يا حبيبي !! بس دراعك ماله !
رد بهدوء:
– عادي حادثة خفيفة كده ..
ما خطت قدميه نهاية السُلم فاستقبله عاصي بحضنٍ طويل وهو يربت على كتفيه بتشجيع:
– حمدلله على سلامتك يا بطل .. والله زمان !!
ثم قبل جبينه معبرا عن فرحته:
– وحشتنا كلنا يا حبيبي .. يلا بقا عشان نرجع نلعب كورة زي زمان ، انا ليا ١٢ سنة ملعبتش بسببك ..
ربت تميم على كتف أخيه:
– تسلم يا عاصي ..
ضمت عاليـة اخوتها بكل حب وهي تقول:
– انا النهاردة مش عايزة حاجة من الدنيـا ..
أقدمت عبلة وهي تقول بجمود:
– مفاجاة حلو يا تميم ..
فتدخلت حياة بفرحة:
– حمدلله على السلامة يا تميم .. مبروك يا شمس ..
– تسلمي يا حياة ..
تدخلت نوران ممازحة:
– انا سترت عليك أهو ومعرفش مسكت لساني ازاي ..
نظرت لها شمس بتوعد:
– انتِ استنى عليا بس ..
جاء كريم من الخارج فقز بحضن تميم بهمجية جعله يتأوه قائلًا بصوت جمهوري:
– تميم !! والله زمان ياابني وحشتنا والله …
رد تميم بصوت مختنق:
– يبني أنا كده هوحشك للابد ..
انضمت لهم سيدة وهي تستشير شمس:
– ازغرد يا دكتورة !!!
– زغردي يا سيدة …
تعالت ضحكات الجميع حتى مال كريم على آذان نوران معاتبًا:
– فاتني كتيـر !!
– متعدش !!
– ماقولتيش ليه ؟!
– لا بقا شوف لك مخبـر غيري انا مابقتش لاحقة اشاهد ولا اخبرك …
– ايه يابنتي الندالة دي ..
نادت شمس على اختها بحدة وهي تنظر لكريم بضيق:
– نوران ، تعالى معايا نساعد سيدة في الشربات …
– الصلاة عـ الصلاة ، متجمعين عند النبي يا حضرات ؟!
في تلك الاثناء جاء فريـد من أعلى مرتديا ملابس تنتمي للبحر ، طالعه تميم بدهشة متسائلًا:
– مين فُرقع لوز ؟!!!!!!
وقفت عبلة لاستقبال فريد وقالت بتباهٍ:
– فريد ، جوزي ..
مالت هدير على أمها وقالت بهمس قبل أن تغادر:
– أختك طارت منها على الأخر ..
فزع عاصي من مجلسها وبيده حياة قائلًا بحزم:
– تعالى ..
مالت شمس على نوران بتسائل:
– ده طلع منين ؟!
شرعت نوران ان تقص عليها بثرثرة ولكنها ألجمتها:
– اييه افصلي ، اطلعي فوق دلوقتِ ..
ثم سارت نحو تميم وأخبرته:
– ميعاد علاجك يلا ..
أخذ فريد يُراقب تسلل الجميع من حوله ، فقال معترضًا:
– أيه هو إذا حضـرت الشياطين انصرفت الملايكـة ؟!!!!!
وصل عاصي إلى غرفته التي قفل بابها بقوة جعلتها تنتفض بجواره.
جلس على أقرب أريكة وتناول سيجارة رماها بفمه واشعلها بغضب يتبخر في دخان تبغـه.
جلست حياة بجواره وربتت على ساقه قائلة:
– عاصي وبعدين فين ، خلاص اتقبل وجوده وانا واثقة ان الجوازة دي مش هتكمل يومين كمان ..
– قفلنا اليوم ابن الـ***.
– خلاص بقا مش هنقضي اليـوم كله نتكلم عليـه ، ولا كأنه موجود ..
ساد الصمت بينهم للحظات حتى قطعتنه بقبلة كانت من نصيب وجنتـه وقالت:
– دي عشان سمعت كلامي وصالحت عالية ..
– عالية طيبة اوي يا حياة وبتصدق أي حد ..
– مش مبرر إنك تكلمها بالطريقـة دي ، بس موضوع وخلص المهم فك كده .. اعمل لك أيه عشان تفك ، ارقص لك ؟!
رفع حاجبه وكأن الفكرة راقت له:
– بتعرفي !
ضحكت بصوت عالٍ:
– ياربي منك .. ااه بعرف بس آكيد مش هرقص يعني ..
ضاقت عينيه بتخابث:
– اصلا مكنتش هوافق ترقصي دي حركات مُخلة ، ميصحش تحصل في أوضتي ..
– عاصي على فكرة أنت رخم ، أنا بحاول اخرجك من المود مش أكتر ..
تصنع الغضب:
– وانا لسـه مخرجتش .. اتصرفي !
– الله اعمل أيه تاني !!
قال بمكـر:
– شوفي بقا يا بتاعت الروايات والخيال…!
فكرت بصوت مسموع حتى قالت بتفاخر:
– على فكرة أنا لو شغلت خيالي عليك هجننك ، ده رأفة بيك بس بتعامل عادي ..
نفث دخان تبغـه متحسرًا على الحالة التي وصل اليها في حضرة عشقها ومازالت لم تستخدم اسلحتها الانثوية الجبارة ، فماذا ستفعل بعقله إن فعلت ؟!
وثبت من مكانها وجلست على فخذه ثم شدت لفافة التبغ من يده وثنتها بقلب المطفأة ، عقد حاجبيه متعجبًا:
– أيه !!!!
– أنا عُمري ما كنت اتخيل إني هعمل مع حد اللي بعمله معاك ، انا معرفش ليـه قلبي مسلم ليك أوي كده وبيتصرف بجنان .. بقا يتشد ليـك وبس ، أنت عملت فيـه أيه ؟!
– عشقـته !
باردت بتقبيله تلك المـرة كمحاولة إرضاء لغضبه ولشوقها الثائر إليـه.
غرقت معه بعالم الخيال والحب ، استلذ بقربها كبستان تساقط عليه وردًا نديـًا.
اغرقتـه بذكائها كأنها تريد أن تثبت له نصًا قديمًا دونته في أحد كُتبها ” أنا الحوريـة التَي جاءت من قاع البحر وسرقتَ عقل الأمير حتى بات يَنطق اسمها في الليلِ الباردِ او في الدَروب ويفتش عنها بين الشعوب ، احتلت عقلهُ وبتفكيرهِ بها الدائم غيرتِ المَكتوبُ وجَاء اليهَا وقَسم انهُ سوف يتوبَ ..أن تُحب أحدهم يعني أنك حصلت على فرصـة جديدة للحيـاة.
كانت يديه تتحرك على خصرها ذهابًا وأيابًا حتى اسكرته من شهـد حبها ، كلاهما غرقا ببحر الشوق فمن سينتشلهم !!
تحرر في فنائها واخترق قوانينها فهمست إليه:
– كده 2:2 يا عاصي بيـه ، متعادلين .
ما أن ألقت جمـر كلمتها فرت من بين يديه لتحتمي بالحمـام من ثأره الذي سينالها.
أطلق تنهيدة عالية استرد بها وعيـه وقوته وتحرك ناحيـة الحمام هاتفًا:
– مسيـرك يا بلح تقع من غير ما أهزك ..
••••••••
”إنَّ الحُبّ هو الإحساس الذي يشملُ كلّ شيء، ولأجلِ ذلكَ حينَ يعشقُ المرء ينتقلُ العالم إلى داخلِه، من أصغرِ الأشياء إلى أكبرها، دونَ أيّ فرق.”
– بس حوار الحمل ده ، ضربة معلم ، جبتيها ازاي ؟!!!!
قالت نوران جملتها بحماس لعالية فاجابتها:
– حبيت اخلص من اللي اسمه وليد ده ، كذبت والكذبة كبرت مني.
– اي الحظ ده !! بس كده لازم الاخ التاني يتلحلح ..
– اكيد مش هروح اقوله تعالى اتقدملي ده عاصي يولع فينا.
نوران بتفكير:
– ده كان زمان ، قبل حوار الحمل ده .. انما دلوقت خال العيال هيرحب بيه ومش هيقدر يتكلم .. لا واستنى كمان احنا ممكن نستغل حياة تاثر على عاصي وباين عليها اصلا مسيطرة على أخوكي .. والله عاش يا نوران ياام الافكار ..
ضحكت عالية على خفتها:
– بصراحة فكرة حلوة ..
ركضت نوران ناحيـة النافذة إثر سماعها لصوت سيارة ، فقالت:
– عاصي مشي .. بصي هروح لحياة وانزلك ..
– هتقوليلها ايه ؟! استنى أما اتكلم مع مراد الاول ..
– مش هقول متقلقيش ..
ماكادت ان تخطو خطوتين فتراجعت:
– لولا هو ليلة كاملة نايمة في مكتب الجدع ده محاولش مثلا يقول كلمة كده ولا يحاول يمسك ايدك مثلا ، اي اونطة ..
احمر وجه عالية خجلًا:
– مراد محترم يا نوران مفيش الكلام ده ..
غمغمت ساخرة:
– دي امه جيهان واخته هدير العقربة !! يالا اللي مصبرني عليه انك واقعة وبتحبيـه ..
ضحكت عالية:
– طيب امشي …
انصرفت نوران وصعدت لأعلى لغُرفة حياة وما ان طرقت الباب دب الخوف في قلب حياة خشيـة من عودته ، فركضت ناحية الباب وقالت:
– مين ؟!
– انا نوران ..
فتحت الباب بسرعة وهي تقول:
– تعالى يا نوران .. تعالى ..
قفلت نوران الباب وجاءت معتذرة من حياة معترفة بجريمتها السابقة بحقها وحقيقة إبلاغ عاصي عن محاولة هروبها من القصر حتى ختمت حديثها:
– انا كنت خايفة عليكِ اوي والله ، ومتتصوريش فرحت ازاي لما شوفتك ..
ضمتها حياة بامتنان:
– لا يا نوران ، انتِ عملتي أصح حاجة في حياتي ، ياعالم لو كنت هربت كان هيحصل فيا ايه ، انا اللي المفروض اشكرك ..
هتفت نوران بفرح:
– يعني مش زعلانة !!
تقمصت حياة دور الصخب:
– شوية بس أنتِ ممكن تصلحيها ..
– ازاي ..
مسكتها من كفّها وسحبتها خلفها وجلس الاثنان على الأريكة وقالت لها حياة مستغلة الأمر:
– زي ما انتِ عارفة بكرة اخر يوم في السنـة ، وكنت حابة احتفل وأعمل مفاجأة لعاصي ، وبحكم انك بتخرجي ممكن استغلك تجيبي لي حاجات من بره وكده .. ده لو هينفع يعني ..
– أممم استغلال !!
ثم ارتسمت على ثغرها ضحكة عريضة:
– انا مش عارفة من غيري كان مين هيظبط لكم حياتكم العاطفية .. قولي قولي عايزة أيه ..
تحمست حياة:
– كتب لك ورقة عدي عليا الصبح خديها .. معلش يا نوران هتعبك معايا ، ومش عايزة اطلب أوردر القصر كله هيعرف ..
– لا وعلى أيه نوران ستر وغطى … أي اوامر تانية !
ردت حياة بحماس:
– بجد مرسي .. بحبك اوي..
– طيب انا هنزل قبل ما يجي جوزك واتخانق معاه تاني ..
ضحكت حياة على عفويتها وقالت:
– ممكن تعدي على اوضة تاليا وداليا وتقوليلهم يجوا ..
– حاضـر يا ستي ..
حل منتصف الليل حتى تفرغ عاصي من قضـاء اشغاله بالشـركة والتجهيـز للحفل السنوي الخاص بالعلامة التجارية الجديدة حتى قرر أن يعود لينتقم من حوريتـه.
وكانت صدمته عندما عاد وجدها نائمـة بين بناته وكأنها تحتمي بهن من غدره كألا ينفرد بها بالليل.
عض على شفته متوعدًا وهمس لنفسه سرا وهو يبدل ملابسه بضيق:
– ماشي ، أما نشوف هترهبي لحد أمتى …
نام عاصي على الأريكـة حتى اطمئن قلب حياة التي تمثل أنها تحت سطوة النوم فعلى ثغرها ضحكة انتصار وخلدت لنوم عميق …
حل الصباح فتعمدت حيـاة ألا تواجهه كي تنفذ مخططها الليلي بنجاح وانتظرت حتى فاق وارتدى ملابسه الرسمية وخرج لعمله.
ذهب عاصي إلى الشركـة وبعد ساعات من العمل المتواصل جاءت مديرة مكتبـه وأخبرته:
– عاصي بيه ، المهندس مراد المحلاوي عايز يقابلك ..
ترك القلم من يده ونزع نظارته الطبيه:
– مراد !!! ده أيه جايه ؟!
ثم رفع صوته:
– دخليـه .
دخل مراد مرتديًا بدلتـه السوداء وجلس على المقعد المُقابل لمكتب عاصي الذي سأله:
– خير ياابن خالتي ؟!
– تمام هدخل في الموضوع على طول ..
– يا ريت ؟!
– عاصي انا جاي اطلب منك أيد عاليـة ..
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخمسون 50 - بقلم نهال مصطفي
دخل مراد مرتديًا بدلته السوداء وجلس على المقعد المقابل لمكتب عاصي.
سأله عاصي: خير يا ابن خالتي؟
أجاب مراد: تمام، هدخل في الموضوع على طول.
قال عاصي: يا ريت.
قال مراد: عاصي، أنا جاي أطلب منك إيد عالية.
ترك عاصي القلم من يديه وهو يطالعه بملامحه المتقلصة بالغضب.
قبل أن ينفجر بركانه في وجه مراد، استكمل مراد قائلًا: قبل أي حاجة، أتمنى تركن الخلافات اللي بينا على جنب. وأنا هنا جيت بالأصول ومحبتش أعمل أي حاجة قبل ما أرجع لك. كان ممكن أردها وأحط الكل قدام الأمر الواقع، بس أنا مصمم إني أبدأ معاها حياة صح وجديدة.
أخذ عاصي نفسًا عميقًا وهو يفكر في الأمر ويدرس حقيقة ملامح مراد الصادقة، ولكنه باغتـه قائلًا بحسم: موضوعك أنت وعالية انتهى، ومش عايزه يتفتح مرة تانية. شرفت.
ما زال محافظًا على ثباته واتزانه، ثم قال مراد: ليه؟
رد عاصي بحدة: عشان اللي في بالك عمره ما هيحصل يا مراد. واطمن، ابن اختي في عيني.
هز مراد رأسه ثم قال: مهما قدمت لابني، مستحيل تعوضه عن غياب أبوه.
كور عاصي قبضته بغضب مكتوم: ومش ابنك اللي هيخليني أرمي لك أختي عشان تهينها مرة تانية. لأن المرة دي فيها حياتك يا مراد.
قال مراد: أنت بأي حق تحكم عليا؟ عاصي، أنا بحب عالية فعلًا وجيت لك بالأصول.
اتسعت ابتسامة عاصي الساخرة وهو يفارق مقعده ويقول: ما سيبك من كلام العواطف ده وتعالى نكشف ورقنا لبعض. أنت عايز ترجع عالية عشان ورثها اللي هيكون نقلة كبيرة في البيزنس بتاعك، فبلاش نلف وندور على بعض.
وثب مراد قائمًا وهو يقفل زرار بدلته بشموخ: عالية اتنازلت عن نصيبها في ورث دويدار لتميم لأنها شايفة إنكم ظلمتوه. يعني أنا لو طمعان في ورث عالية زي ما بتقول، ما كنتش هاجي وأقعد معاك القعدة دي.
ثم اقترب منه متحديًا: أنا هعتبر نفسي مسمعتش ردك، وهسيبك تفكر. وياريت تاخد رأي عالية، جايز ليها رأي تاني.
فربت على كتفه برفق: سلام يا ابن خالتي.
رمى مراد القنبلة في صدر عاصي وولى مغادرًا مكتبه. اشتعلت حمرة الدهشة بوجهه وهو يبلغ مديرة مكتبه: ابعتي لي سهير مديرة الشئون القانونية.
نوران، ممكن تفكري معايا؟
ابتعدت عالية عن لوحة التصميم الهندسي وأردفت طلبها الأخير على آذان نوران المنغمسة في دراستها.
تركت نوران القلم من يدها: أيه شاغلك؟
اقتربت منها عالية وجلست على طرف المكتب: بفكر أجيب هدية لمراد، عيد ميلاده 1/1. أيه رأيك ممكن أجيب له إيه؟
فكرت نوران طويلًا: ده بكرة! أنت ما قولتيش قبل كده ليه؟
قالت عالية: كنت ناسياها يا نور. المهم أجيب له؟ والمشكلة بكرة عندي تسليم الرسومات وأنا لسه مخلصتش ومش هقدر أخرج النهاردة خالص.
أصدرت نوران إيماءة خافتة: ورطة بصحيح.
حدجتها عالية بمكر: بس لو اتفقنا نجيب له إيه، ممكن تشتريه إنتِ وجاية، بعد الدرس بقا.
أطلقت نوران ضحكة لطيفة: باين مفيش درس النهاردة. أيه رأيك في ساعة؟
قالت عالية: تقليدي أوي.
سألت نوران: طيب قولي أنتِ الجديد.
ردت عالية: الله! أديني بفكر معاكِ، استنى بقا.
بالخارج، تقف حياة مع البنات وتؤكد تعليماتها على آذان الجليسة الجديدة بدلًا من نوال.
وتقول بنبرة آمرة: عينك متروحش كده ولا كده، يخلصوا التمرين وترجعوا على طول، والحارس معاكم. أي حاجة يحتاجوها هو يروح يجيبها. أنتِ ركزي مع البنات وبس.
ردت المربية: متقلقيش يا هانم.
جلست حياة على ركبتيها وقبلت الاثنين بحب ثم طلبت منهم راجية: بلاش شقاوة وتسمعوا الكلام. اتفقنا.
ردوا في نفس واحد: اتفقنا.
ضمتهم بدفء وهي تستمد منهما طاقة الحب: هتوحشوني أوي، يلا عشان متتأخروش.
مسكت المربية أيديهن وهن بملابس الكارتيـه، ظلت تلاحظهم حتى غادرن البيت.
ثم تحركت قليلًا وطرقت باب غرفة عالية بهدوء. فتحت الباب عندما سمحت لها وقالت: صباح الخير.
ردوا في نفس واحد: صباح النور.
ثم قالت عالية: تعالي يا حياة، اتفضلي.
اقتربت منهم حياة بخجل: مش هعطلكم، كنت جايه بس أدي نوران الورقة دي.
مدت الورقة لنوران ومعها الكثير من النقود الورقية وقالت: نوران، كل حاجة مكتوبة هنا، معلش هتعبك معايا.
أخذت نوران الورقة والنقود منها وقالت: مفيش تعب، بعد العصر كل حاجة هتكون عندك.
تدخلت عالية: هبقى فضولية لو سألت حاجات إيه.
ابتسمت حياة بخفة ظل: دي شوية طلبات، كنت بفكر أجهز احتفال بسيط كده أنا وعاصي بمناسبة إننا هنبدأ سنة جديدة سوا. ولو خرجت هيقول لي رايحة فين والمفاجأة هتبوظ.
بدلتها عالية بابتسامة عريضة: يا بختك يا عم عاصي. طيب بالمناسبة، أنا ممكن استغلك تفكري معانا.
تدخلت نوران في حديثهم: آآه اتفقوا عشان أنا لفتي طويلة النهاردة.
ختمت نوران جملتها بصوت طرق خفيف على الباب الموارب الذي هلَ منه تميم وقال معتذرًا: آسف. نوران عايزك.
نهضت نوران من فوق مقعدها وهي تقول: أسيبكم تفكروا لحد ما أشوف تميم عايز إيه.
رحلت نوران خلف تميم. وبعد ما قفلت الباب خلفها، شرعت عالية بالحديث: كنت بفكر في هدية لمراد عشان عيد ميلاده وكده.
أصدرت حياة إيماءة ماكرة: ااااممم مراد. وماله نفكر.
احمر وجه عالية بخجل من نظرات حياة اللامعة بنجوم الحب، فتنهدت: أجيب له إيه؟
قالت حياة: بفكر أهو.
ردت عالية: طيب لحد ما تفكري، ممكن أطلب منك طلب رخـم شوية.
قالت حياة بحب: طبعًا من غير كسوف.
قالت عالية: بصي يا حياة، أنا من زمان ما شفتش عاصي أخويا بالحالة دي إلا لما جيتِ هنا. عاصي كان حد تاني من وقت وفاة مها. المهم، اللي حاسة إنك فعلًا حد مهم بالنسبة له، فمش هوصيكي عليه. كفاية لمعة الحب في عيونك، وواضح كمان إنه بيسمع لك وبيسمع كلامك.
مسحت حياة على كتفها وقالت بحب: أنا معرفش إزاي اتشديت له بسرعة كده! المهم، إيه سبب المقدمة الطويلة دي؟
قالت عالية: هقولك.
فركت كفيها برتباك ثم تنهدت بنفاذ صبر: عايزكِ تجسي نبضه من ناحية مراد، عشان معلقش نفسي بحبال دايبة وفي الآخر يرفض.
قالت حياة: بصي يا عالية، حاربي عشان قلبك. متخليش حد يقف بينك وبين سعادتك مهما كان مين. إحنا هنعيش مرة واحدة بس. وبردو متقلقيش، أنا هتكلم مع عاصي وأعرف لك هو ناوي على إيه وهقول لك.
ردت عالية بامتنان: بجد شكراً يا حياة، حقيقي عاصي له حق يحبك بالشكل ده.
بالخارج.
قال تميم: فكري يا نوران، آكيد عارفة أختك إيه أكتر حاجة بتبسطها.
أردف تميم جملته بحرص كي لا يسمعه أحد.
فقالت نوران بحسرة: هو كله بيجي على دماغ نوران كده يا ربي!!
ثم نظرت إليه: طيب أنت بتفكر في إيه؟
قال تميم: أنا موصي على سلسلة شمس ☀️، خلصت النهاردة. هديكي العنوان تروحي تجيبيها. بس عايز أجيب لها حاجة كمان تكون مميزة.
انكمشت ملامح نوران أسى: عيني عليكِ وعلى حظك يا نوران.
سألت نوران: بتقولي إيه؟
قالت نوران: بقول هات عنوان المحل أجيب منه السلسلة.
انتهت حياة من حوارها الخفيف مع عالية ثم خرجت من الغرفة متجهة ناحية المطبخ بالدور الأرضي. فوجدت سيدة تتوسط الخدم وتوزع أوامرها عليهم، فنادت عليها حياة: سيدة، عايزاكي.
ركضت سيدة إليه بحب: أومري يا ست الستات.
سحبتها حياة بعيدًا عن المطبخ وقالت لها بحذرٍ: بصي، كنت عايزة كده عشـا خفيف بالليل. شوفي أكتر حاجة بيحبها عاصي، وأعمليها.
ردت سيدة بقلق: بس أنتِ عارفة، ست عبلة مانع حد يدخل المطبخ من بعد العشا.
قالت حياة: اتصرفي بقا يا سيدة، المهم محدش يعرف خالص.
سألت سيدة: بس ليه يا ست حياة؟ أصلاً عاصي بيه مش بيحب يتعشى.
ردت حياة بهمس: النهاردة ليلة مميزة وكنت عايزة أعمل احتفال بسيط كده، وطبعًا لازم عشا من إيديكي الحلوين دول.
تمددت ملامح سيدة بفرحة: لا يبقى لزوم الليلة دكر بط وجوزين حمام وحبة طُرب وريش، وشُوربة كوارع.
اتسعت عينا حياة بدهشة: بط وكوارع إيه يا سيدة!! بقولك عشـا خفيف.
قالت سيدة: خفيف ليه؟ اسمعي كلامي أنت بس وسيدة هتدلعك.
ردت حياة: لا يا سيدة مش هينفع. بصي، حبة باستا مع بانيه، أو كفتة مشوية وحبة رز، أكل خفيف.
أصرت سيدة على رأيها: ده إيه الأكل اللي ينشف المعدة ده!! ست حياة، سيبي حوار العشا ده عليـا أنا.
في تلك الأثناء، توقفت سيدة عن الحديث إثر رؤيتها لإحدى الخادمات يصعدن لأعلى فسألتها بحدة: رايحة فين وسايبة شغلك؟
قالت الخادمة: ست عبلة عايزة حد يساعدها في تجهيز شنطتها لأنها مسافرة.
قالت سيدة: طيب روحي وشهلي عشان عندنا شغل كتير.
ثم نظرت لحياة بحماس وفرحة: أنتِ بنت حلال. هي تمشي من هنا وهدي البنات إجازة نص يوم النهاردة وهجهز لك عشـا ملوكي.
حدجتها حياة بقلق: ربنا يستر منك يا سيدة.
اتفضل يا عاصي بيه.
لم يرفع عاصي عينيه من الملف أمامه بل أشار بكفه: اقعدي يا سهير.
جلست سهير منتظرة معرفة ما دعاها لأجله حتى فرغ تمامًا من عمله وقال: ييجي بس المدير المالي وهكون معاكم.
في نفس اللحظة، دخل عوني المدير المالي المسؤول عن شركاته. ومجرد جلوسه مقابل سهير، سأله عاصي: عوني، أرباح الشركة السنوية بتوصل في حساب تميم وعالية؟
أجاب عوني: أيوه يا فندم، وكل ده بيكون في كشف حساب على مكتبك كل سنة.
قال عاصي: جميل، لسه مطلع عليهم. المهم، سهير بكرة هتروحي القصر لتميم تتكلمي معاه، والفرع اللي يحب يمسكه خلصي له ورقه على طول.
قالت سهير: تمام يا فندم، أي أوامر تانية؟
قال عاصي: لا اتفضلي أنتِ دلوقتي.
ثم نظر لعوني: عايزك تعمل لي جرد برأس مال الشركة وكل الفروع في مصر وبره مصر، عايز كشف مفصل على مكتبي. وحاجة كمان.
قال عوني: اتفضل معاليـك.
فرغت حياة من الحديث مع سيدة ثم ولت عائدة إلى غرفتها. فأوقفها فريد قائلًا: يعني يصح نكون في بيت واحد يا بنت عمي وما نتكلمش؟
زفر فريد باختناق: بلاش عشان لو اتكلمنا هزعلك.
سألته حياة: ليه بس؟ دا أنا عملت المستحيل عشانك. كل ده عشان بحبك.
رمقته حياة بأسهم الخسة: أنت مش بتحب غير نفسك يا فريد.
تفحص الوضع حولهم. فاقترب منها هامسًا: حياة، ركزي معايا. إحنا لازم نطلع من هنا بأكبر مصلحة. ده قصر على بابا وأحنا نبقى أغبياء لو مشغلناش دماغنا.
جزت حياة على فكيها مكبحة غضبها. اتسعت عينيها بلهب التوعد: ابعد عني وعن عاصي يا فريد. أنا لحد دلوقتي مجبتلهوش سيرة عن زيارتك ليا في الفندق. بس ورحمة أبويا وأمي لو قربت منه لأقتلك بإيدي. فاهم.
قطعهم صوت نداء عبلة التي صُدمت برؤيتهم معًا. اقتربت منهم وقالت متلونة كالحية: عايزة إيه من جوزي؟
قال فريد: هو اللي عايز. حتى اسأليه كده!!
رمقته عبلة بلهب التحذير ثم عادت إلى حياة: أنا عارفة لعبتك كويس أوي، ومش هخليكي تتهني بعاصي ابني ولا فلوسه. أنتِ فاهمة!!
تحدتها حياة بقوة قبل أن ترحل: ولا تقدري تعملي أي حاجة.
عادت عبلة لتفجر غضبها بفريد: أنت إيه موقفك معاها؟
قال فريد: دي هي ياروح قلبي اللي نادت عليا؟
سألته عبلة: وكانت عايزة إيه؟
توتر فريد قائلًا: طبعًا خايفة تطلع سرها عشان متتكشفش قدام عاصي. المهم، الشنط جهزت ولا لسه!
حدجته عبلة بعدم تصديق: جهزت يا فريد. يلا قدامي.
غادرت نوران القصر منتظرة قدوم الأوبر. فأتى كريم في هذه اللحظة بسيارته واقفًا أمامها وهاتفًا مغازلًا: الجميل واقف لوحده ليه؟
ردت نوران بضيق: مش فاضية أتخانق معاك النهاردة، تعالى بكرة نشوف الموضوع ده.
نزل كريم من سيارته ضاحكًا: إيه ده، طلعت ما تعرفش أعاكس!!
قالت نوران: كريم، أنت مش نافع في أي حاجة. ووسع كده خليني أراجع كويس عشان أعرف هتصرف إزاي.
ألقى كريم نظرة على الورقة التي تقرأ منها، فقال ساخرًا: إيه ده؟ الجدول الدوري؟
ضحكت نوران ساخرة: يا خفة!! إيه اللطافة دي!!
نزع كريم نظارته الشمسية بتباهٍ: طول عمري. بردو ما قولتيش إيه ده؟
قالت نوران: دي الورقة اللي هتلففني القاهرة كلها. حياة عاملة مفاجأة لعاصي عشان يقضوا رأس السنة سوا. تميم موصي على هدية لشمس وعايزني أروح أجيبها، عالية جايبة هدية للثقيل أخوك وعايزاني أروح أجيبها. وحاجة كده آخر ما ينول الطبال غير وجع صوابعه!!
خر كريم ضاحكًا على لطافتها: ينهار اسوح!! دا أنتِ هتتشلوحي.
هبت نوران هاتفة: الأوبر جه وسع كده!!
قال كريم: أوبر إيه، خدي هنا.
توقفت نوران متأففة: عايز إيه؟ بقول لك الراجل مستني.
شاور كريم لسائق السيارة: اتكل على الله أنت يا عمنا. خلاص غيرت رأيي مش رايحة مكان.
نهرته نوران بلوم: أنت بتعمل إيه يا مجنون أنت؟
قال كريم: إيه، هوصلك.
ردت نوران بإصرار: لا.
قال كريم: اعتبريني أوبر ومش هعمل صوت. يلا اخلصي.
قالت نوران: كريم متهزرش، شمس ممكن تولع فيا لو عرفت.
وقف أمامها معلنًا: مش هينفع أسيبك تروحي كل الأماكن دي لوحدك، بطلي رغي واركبي.
ردت نوران: مش بياكل معايا أنا الجو ده. وسع كده.
قال كريم: بطلي نشف دماغ ويالا عشان تكسبي وقت.
وقفت نوران مفكرة للحظات ثم قالت: طيب خد إذن تميم الأول.