تحميل رواية «غوي بعصيانه قلبي» PDF
بقلم نهال مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"لا ينبض القلب إلا لعاصٍ" قبل.. أقصد قبل أي رواية أكتبها، كان كل حرف بها موجّه لشخص ما. بالخصوص، كان لدي حبيب أرسل له حبي من خلالكم. واليوم، وبعد انقطاع دام عامًا عن الكتابة حدادًا على حبي، أكتب لكم ولم أملك شخصًا بعينه أخصه بحروفي، بكلماتي، بشوقي الذي يفترسني كل ليلة. فإذا أصابت حروفي قلبك، اعلم أنني كتبت هذا في لحظة حنين. وإن لم تصب كلماتي وأخفق سهمي في طريقه لقلوبكم، اعلموا أنني أحاول أنساه وفشلت محاولاتي كما فشل سهمي. "ما قبل البداية" معذرةً عن ضعفي المبالغ فيه للحد الذي يعجزني عن كتابة كلمة...
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم نهال مصطفي
🦋الفصـل العاشـر🦋
~ أمام أبواب المحكمـة ..
وبعد صدور حكم نهـائي بالقضـيـة التي حُسمت لصالح عاصي دويدار وإعلانه شرعًا وقانونًا الوريث الشرعي لشهاب دويدار ، وهزيمـة أعمامه في ساحة الحرب الدائرة بينهم ، يقف شاكـر صارخًا ، يتبع خطوات مراد السريعـة كي يحمي أمه من غدرهم ، وجهر مهددًا :
-وشرفي ما هسيبك يا ابن المحلاوي ، ويا أنا يا أنت .. هتشوف مين فينا اللي هيضحك في الاخر .
بخطوات أشبه بالركض وصل مراد وأمه إلى السيارة التي انطلق سائقها على الفور ، أخذت جيهان نفسها بارتياح من جُملة المخاوف التي استرجعتها أمام القاضي :
-وآخيرًا ارتحت .. آخيرًا السـر اتكشف والحق هيرجع لصحابه ..
لم يخل العبوس من وجهه ، بل سألها ممتعضًا :
-أنتِ ازاي قدرتي تخبي سر زي ده السنين دي كلها ! آزاي ؟! للدرجة دي عبلة كانت مسيطرة عليكم ! كان عقلكم فيـن ؟!
أغمضت جفونها بندم ، وغمغمت :
-أنتَ متعرفش حاجـة يا مراد ، عبلة وأمي كانت كل حياتهم مؤامرات وازاي ينهبوا ثروة واحد زي شهاب ، أنا كبرت لقيتهم كده .. وكنت مجبرة امشي في نفس طريقهم عشان أعيش ..
فرت الكلمات من فاهه لعجزه أمام وصف تلك الحالة من السخط التي انتابته ناحية عائلته .. أكتفي بزفيرٍ قوي تخلص فيه من جملة الإحساس المؤلم وقال للسائق :
-اطلع على المطار يا بني ….
~بمكتب عادل الشيمي ..
يجوب ساحة مكتبـه بغضب يتقاذف من حنجرته صارخًا بإمتعاض ، ركل تلك المنضدة الصغيرة بقدمـه بعد ما أبلغه محاميه بما حدث في قضيـة عاصي دويدار ، تدخل عزمي ليبخ سموم الانتقام :
-عاصي دويدار جاب النهاية وكتب شهادة وفاته بنفسه .. عاصي لازم يموت يا عادل عشان مصالحنـا تكمل ، دلوقتي هيبقى هو الشوكة اللي هتقف في طريقنا العمر كله ..
رفع عادل قبضتـه المشدودة بغل وحقد ينبعث لهبًا من حنجرته :
-هو ومراد المحلاوي ، يستاهلوا الموت ألف مرة ، وديني ما هرحمهم .. أحنا يتلعب بينـا ؟!
في تلك اللحظـة فُتح باب مكتبه ليظهر منه عددٍ لابأس فيه من رجال الشرطة ، حيث تقدم الضابط المختص قائلًا :
-أنت متهم بتهمـة الكسب غير المشروع وتضليل المستندات القانونية ، اتفضل معانا أنت وعزمي بيـه …
تصلبت تعابير وجهه قائلًا :
-ازاي !! مين مقدم البلاغ ده ؟!
-النائب العام بناءً عن مستندات وأدلة هامـة تحت أيده ، اتفضلوا معانا من غير شوشرة …
*******
~الغـردقـة ..
-ناوي تعمـل معاه أيه !
ثم تململت على ظهر القلق والخوف :
-عاصي حبيبي لازم تهدأ وتفكر بعقلك ومتزودش المشاكل ، ولادك محتاجين لك .. فكر فيهم قبل أي حاجة …
هز رأسه بعدم اهتمـام غير مبالٍ للأمر ؛ ثم قال :
-أنا هتصرف متشغليش بالك ..
رمقته بنظراتها المتوسلة :
-أحنا يا حبيبي مش اتفقنـا نرمي الماضي ورا ضهرنا .. ونتعامل بحكمة وعقل ، وأنا واثقة فيك ..
ثم داعبت وجنته برفق بكف يدها :
-أقفل صفحات الماضي دي خالص ، خلينا نركز في الجاي .. عشان خاطر ولادنـا ..
قرر أن يغير مجرى الحديث بينهم لأن نيرانه لا تتقبل أي حكم ومواعظ في تلك اللحظة ، تمتم بثبات :
-النهاردة في كام واحدة جايين هيساعدوكي في شغل البيت ، اختاري منهم اللي تعجبك ، عايزة تشغليهم كلهم مفيش مشكلة ، المهم متتحركيش من السرير فاهمة ! وسيـدة كمان جاية ..
أومأت بطاعة ممزوجة بابتسامة خفيفة :
-بجد دي وحشتني أوي .. عاصي أحنا هنقول للبنات أمتى ، دول هيفرحوا أوي .
تأرجحت عينيه متحيرًا :
-مش عارف ، بس لازم يعرفوا عشان يبطلوا شقاوة ولعب معاكي ..
هتفت بحماس :
-هقولهم النهاردة … ما كملتش كلامك ، عملت أيه في القضيـة صحيح ؟!
اتكئ في جلسته للخلف وقال بضيق وهي يحقد على ماضيـه :
-لعبة قذرة راح فيها ٤٠ سنة من عُمري ، حقيقي عمري ما هسامحهم ولو الزمن يرجع هاخد حقي منهم واحد واحد وأولهم شهاب دويدار ..
ردت بأسف على حالته :
-للدرجة دي يا عاصي !!
-أمى هي زهراء خليل دويدار ، أول ست اتجوزها شهاب .. ومن بعدها ربتني تحيـة ، عمة شمس .. وكل الفيلم اللي اتعمل عليـا كان من تخطيط عبلة و أمها ولا مراة أبوها والله ما فاكر ، عشان بس يكوشوا على كل حاجة ..
ملأت عينيها نظرات الشفقة على حالتـه ، احتوت كفوفـه بحزن شديد يندس بين كلماتها :
-الحق لازم ينتصر في الأخر يا حبيبي .. المفروض تفرح ، محدش له عندك حاجة وحقك رجع لك قدام الناس كلها وأنا ملك وناجح ومش محتاج لحد .
هز رأسه بعدم اقتناع :
-الحق المادي بيروح ويرجع يا حياة .. لكن شعور أن في حتة خالية في قلبك مش عارف تداويها !! كنت اتمنى اتربى على أيدين أمي ، أو حتى ست سوية مش هدفها الماديات وبس .. قضيت عمري كله في عك لحد اللحظة دي مش عارف اتخلص منه ..
بدلت جلستها لتقعد على ركبتيها المثنيـة لتقترب منه أكثر :
-حاسة بيك ، بس ده قدر ونصيب .. مكتوب من قبل ما نيجي الدنيـا دي ..
ثم احتوت كفه بحب وأتعبت :
-أنا جمبك ومعاك ووعد مني هنعيش كل المشاعر الجميلة وبس مع بعض ومع ولادنا .. وعمري ما هزعلك ..
رفع كفها لمستوى ثغره وقبله بحب لا يوصف كمن يقبل كفوف القدر الذي أتى بها لعنده في الوقت المناسب، لم يكتفى بقبلة بل سحبها لحضنه ممتننًا لوجودها معه وقال :
-أنت هديـة القدر ليا يا حياة .. ياريتنى قابلتك من زمان كانت حاجات كتيـر أوي هتتغير ..
داعبته ممازحة كي تكسر روتين تلك النبرة السائمة في صوته وقالت بفكاهة :
-زمان ده اللي هو أمتى بالظبط ؟!!
غمغم مفكرًا بعفوية :
-يعني نقول من ٢٠ سنـة كده !!
-يعني أنا وقتها ٧ سنين ، كُنت هتحب طفلة أخرك تجيبلها بونبوني !! أنت ناسي أن الفرق ما بينا ١٣ سنة ولا ايه !!
ثم عقدت حاجبيها مفتعلة الضيق بمزاحٍ :
-كبرت يا عاصي بيه !!
فرغ فاهه في ذهول وقال بعبثٍ :
-أي كبرت دي !! متهزريش ؟! بنت أنتِ اتظبطي كده بدل ما اظبطك على مزاجي الساعة دي !
انفجرت ضاحكة إثر انفعاله العذب ، وتململت بدلالٍ :
-الله !! بكذب يعني ! ١٣ سنة ولا مش ١٣ سنة !!
قال بازدراء وهو يلوم نفسه بندم :
-أنا شكلي اتساهلت أوي معاكِ إمبارح طـ …
سدت فاهه بسرعة كي لا يكمـل جملتـه التي أصابتها بحمرة الخجل ، صارخة بضحكة كبيرة:
-عاصي بـــس !! متكملش ..
ثم اعتدلت بأعجوبة من إثر الضحك عليها وبتلك الأعين المغرورقـة :
-طيب بجد بقا ، لو كُنت قابلتني وأنا طفلة ٧ سنين ، وأنت شاب عشريني كده ، كنت هتتعامل معايا أزاي ؟!
أمعن النظر طويلًا بعيونها وقال بجموحٍ :
-افتكر أني كُنت هحبها بردو ، لأن سحر العيون الحلوة دي مش بتعترف بالسن .
-أيه يا عم أنت هتسرح بيا ؟!! هتحب طفلة ده ازاي يعني ؟! قول كلام أصدقـه ؟!
تلألأت الضحكات في جنباته وأنامله كعصفورة تتنقل هنا وهنـاك فوق غصون ملامحها :
-أنا لو قابلت صاحبة العيون دي زمان كنت هخطفها وأخبيها من كل الناس وأربيها على أيديـا ، وأعلمها أزاي تكون مطيعـة ومش عنيدة ودماغها ناشفـة زيك كدا ، وأدلعها .. لحد ما تكبر وتبقى أجمـل عروسة في الدنيـا ، وتكون مراتي وساعتها مش هتفارق حضني مهما حصـل .
دانت لها مباهج العشق وذابت في موج كلماته العذبـة ، خاصـة عندما امتزجت كلماته بأنفاس القُبل ، ثارت تلك المتمردة على أوتار قلبـه ، وهبت قائمـة من جواره :
-بقيت بياع كلام واتعلمت البكش مني يا عاصي بيه !!
أمسك بكفها كي يمنع رحيلها ، ثم وثب قائمًا ليبقى بمحاذاتها .. تلاقت الأعين المدججة بتنهيدة حارة انبعثت من صدره ، وبنبرة امتنان أردف قائلًا :
-وجودك جمبي قادر ينسيني نفسي ، لدرجة أني قاعد جمبك هنا بهزر وبضحك وأنا مش شايل هم كل المشاكل اللي مستنياني برة الأوضة دي ، كأن الهموم بتهرب من فوق كتافي أول ما أكون معاكي .
ثم داعبت أنامله خصلة من شعرها وأتبع بعرفان :
-قادرة تخطفيني من العالم كله؛ ليكي أنتِ لوحدك وبس ..
هاج قلبها ببلابل العشق المغردة بين أضلعها وقالت :
-لو جينـا للحق ، أنت اللي خطفت قلبي من العالم كلـه ..
فبعض المشـاعر لا يليق بها إلا العناق ، ختمت جملتها وهي ترتمي بين يديـه وتتعلق بحـبه ممتنة لذلك القدر الجميل الذي جمع قلبين مثلهما .. اندس جسدها الرشيق بين صخور أضلع حبـه التي لا ترويها إلا زهورًا .. ابتعدت عنه بعد ما أخذت قسطًا وافيًا من المشاعر يشبع روحها لبقية اليوم وقالت بتنهيدة خفيفة :
-أسيبك تشوف شغلك .. أنت مريح من إمبارح ..كفاية دلع .
كادت أن تفارق ولكن أوقفها ندائه قائلًا :
-بالليل كلهم جايين هنا ..
-كلهم مين ؟! مش فاهمـة ؟!
رد على مضض:
-مراد وجيهان .. وكمان شمس وتميـم ..
حاولت استيعاب ما يلقيه على مسامعها :
-مش فاهمة!! مراد ؟! طيب وعاليـة ؟!
ثم زفرت بكلل من كثرة أسراره :
-عاصي أنتَ مخبي عليـا أيه تاني ؟!!
-أقعدي أحكي لك ….
******
~بالقصـر …
تقف شمس بمنتصف الغُرفـة على مضض متحيـرة ، مترددة في أمرها ، تركت تلك القطعة القطنية الخاصة بـ تميم وقالت بقلق :
-أنتَ متأكد أننا لازم نروح هناك ؟!
ثم جلست بجواره معبرة عن سبب رفضها بتأفف خفيف :
-بصراحة محرجة من حياة وموضوع نوران !! وكمان كريم مش موافق ! حاسة بحاجة مش مظبوطة بـ روحتنا هناك .
هب تمـيم معترضًا :
-كريم مين ده اللي مش موافق !! هو هيمشي كلمته عليا في بيتي ! طيب عند في كريـم بتاعك ده هنروح كلنا يا شمس ..
سئمت من عناده :
-الله يا تميـم !! ما تسيبك من العناد ده وتركز معايا ؟! أنت شايف الموضوع من زاوية وهو أصلًا من زاوية تانية خالص !
ربت على كتفيها بعجلٍ وهو منغمس في هاتفه :
-قومي يا شمس جهزي الشنط .. قومي الله يهديكي.
كادت أن تلبي طلبه بطاعة لانها ادركت ان النقاش معه غير مُجدي ، ولكن تراجعت كمحاولة أخيرة مستخدمة دلالها الأنثوي :
-طيب أنت مش خايف عليـا أنا والبيبي من الطريق والسفر .
ترك الهاتف من يده على الفور ورسى كفه على بطنها المنتفخة :
-حاسة بحاجة ! في حاجة بتوجعك !!
انخفضت نبرة صوتها بدلال مبالغ فيه :
-دلوقتي لا .. بس ممكن مع السفـر والطريق أممم ولا أنت أيه رأيك !!
ثم غيرت نبرة صوتها لتتحول لحماس جارف يتقاذف لمعانه من ملامحها :
-أحنا هنسمي أيه بجد ! أنا نفسي أوي اسميه مصطفى .. مصطفى تميم دويدار ..
مط شفته بعدم اقتناع :
-حلو مصطفى بس مش عاجبني .. ويلا قومي اجهزي عشان أنا عارف الحركات دي كويس لانك مستعدة ترغي كده لحد الطيارة ما تفوتنا ..
انكمشت ملامحها بـضيق شديد:
-يعني مفيش فايدة بردو مصمم على رأيك !! طيب يا تميـم .. خليك فاكرها .
هز رأسه متقبلًا حججها الوهمية وقال :
-هنبـه على الطيار يسوق على مهله ..
~بالأسفـل ..
-بس أنا عايزة أروح الغردقة !!! وبعدين شمس مش هتوافق تسيبني لوحدي هنا ..
بنبرة طفولـية أصرت نوران على موقفها ، قاطعها كريم معارضًا :
-الله الله يا هانم من أولها كدا كلمتي مش بتتسمع !! وكمان صوتك بيعلي عليا !!
وضعت يديها بخصرها وقالت بتمرد انثوي :
-لا شوف أنتَ بقا اللي من أولها بتأمر وتنهي كأنك اشتريتني !! أنا لسه مالبستش الدبـلة على فكرة .. بقول لك أيه أنا مش بحب الجو ده .. ولا بياكل معايا.
جز على فكيـه بنفاذ صبـر :
-نوران ، بلاش تعانديني ، انا قلت اللي عندي وخلصت كلامي ..
أدركت أن الجدال معه لا يؤدي إلا لطرق مسدودة ، ارتدت وشاح المسايسة تلك المرة :
-طيب أنتَ رافض ليه !
انفجر معبرًا عن سبب رفضـه :
-عشان اللي اسمه ونيس ده !! يعني أنتِ مش عارفة؟! مش هستحمل يبص لك ، أنا هعمل خناقة ومش هشتري خاطر حد ..
ضحكة خبيثة ارتسمت على محياها وقالت بدلالٍ :
-قول كده ، أنتَ غيران عليا يا كيمو ، مش تقول كدا من الأول!!
ثم تمردد بغرور :
-ليك حق ، واحدة في جمالي لازم يتغار عليها وتتشال جوه العين كمان ..
ردت باختصار يبطنه النفـور :
-وأديني قولت ، اهدي بقا ولميها يا نوران !!
طافت حوله كدبور عنيد وقالت واعظة:
-أيه لميها دي ؟! وانا كنت عملت ايه .. طيب وأحنا نعكنن ليه على نفسنا !! أنا عندي اقتراح كده ومنها هنخلي يونس ده ..
قاطعها بغضب :
-ما تقوليش اسمه قدامي بتعصب …
كتمت ضحكتها وقالت بحماس مشتعل:
-اخوة حياة ، يووه خليك معايا ، بص مختصر الكلام ايه رأيك نعمل خطوبتنا في الغردقة ، بجد انا نفسي أوي أعمل خطوبتي في مركب على البحـر .. قول موافق بقا عايزة اروح اجهز الشنط ..
يبدو أن الفكرة راقت له ولكنه يأبى الهزيمة أمام إصرارها ، تمتم معاندًا :
-لا مش موافق بردو ابقى نعمله على النيل ماله النيل !! ماهو ميـة بردو .
أتاهم صوت تميم الأجش من الخلف وهو يقول بلوم :
-أنتِ لسه هنا يا نوران !! يلا استجعلي مفيش وقت ..
نظرت له بأعين تلمح بشيء ما أدركه تميم على الفور ، احتدت نبرته بجدية :
-قلت اطلعي جهزي شنطتك ومش عايز كلام كتير ..
كاد كريم أن يعبر عن إعتراضه ولكن تميـم عنفـه آمرًا :
-وأنت كمان جهز نفسك .. الطيارة كمان ساعتين عشان منتأخرش .
غمزت له نوران بسعادة عارمة وهي تقفز وتصفق كالأطفال :
-أنت أجدع تميم في الدنيا ، كنت فين من بدري ، البيه نشف ريقي ..
********
~بأحد الشقق السكنية ..
-ياما قولت لكم ، ياما حذرتكم أنتوا مش أد واحد تربية اللي اسمها عبلة دي ، أنا عارفاها أكتر منكم ، دي ولية سماوية ..
بحرقة الهزيمة صاحت سميـرة بوجه زوجها وأخيه وشرعت في توبيخهم .. ثم أتبعت :
-عاجبكم كده ، لا حصلنا بلح الشام ولا عنب اليمن يا حسرة … أهو طلع الولد وقش كل الورق .. هاا عاجبك كده يا شاكر يافاهم !!
جهر شاكر بغضبٍ :
-ما تسكت مرتك يا شاهين !! وأحنا كُنا هنعرفوا منين أنه ابن زهرة .. ابن المحلاوي لازم يتربي على حركة النقص دي ..
انفجرت بوجهه بحنق وهي تندب على وجنتيها :
-أنتَ ايه مابتحرمش !! عايز تعاديهم تاني !!
هتف شاهين بسخط :
-أحنا اتغدر بيـنا يا سميرة ، عارفة يعني أيه اضحك علينا من شوية عيال !!
-ده أخرة اللي يبص لفوق .. رقبته بتتكسر يا شاهين ، وده بالظبط اللي حصل لك أنت وأخوك .. ياريت تهدوا بقى وترجعوا لعقلكم ، كفاية خساير لحد كده …
في تلك اللحظة رن هاتف شاكر باتصال تليفـون ، أجابـه على الفور :
-وصلت لعزمي بيه ؟!
رد الآخر بيأس :
-عزمي بيه في النيابة بيتحقق معاها هو وعادل الشيمي ..
تمتم بصدمـة :
-أيه ؟!!!
******
~قبل شهرين ..
-أنا مش واحدة تحت التدريب يا بشمهندس عشان يضحك عليـها كده ، الفايلات اللي على اللابتوب سحبتها ليه !!
بأحد المقاهي المُطلة على النيل ، ألتقت روفان بـ مراد بعد علمها بـما سُرق من جهازها الشخصي ، كانت جملتهـا حادة تحمل لهيب المواجهة وصقيع الاتفاق ، بنبرة ممزوجة بهواء النيـل أرفت جملتها الأخيرة ، استقبلها مراد بهدوء تام فـ سألها :
-وأنا ممكن أعرف أنتِ محتفظة بملفات زي دي ليه ؟!
التوى ثغرها بضحكة خبيثة ثم أردفت متعجبة :
-مش شايفة أن السؤال ده من حقـك خالص .. أنا حرة .
أسبل عينـه مسايسًا :
-اعتبريه سؤال فضـولي !!
دنت منه خطوة سُلحفيـة ؛ وقالت :
-مش مجبرة أرضي فضولك ، بس هـ ….
ابتلعت كلماتها ببسمة خفيفة ومريبـة في آنٍ واحد ، ثم قالت بجدية :
-اعتبرها ضمان ، بضمن نفسي ضد أي تهمة .. عادل وعزمي مش كل شغلهم تمام ، عزمي بـ يعك وعادل بيخلي العك ده قانوني .. واللعب مع الناس دي لازم تكون عينك في وسط راسك وتكون متأمن كويس أوي ..
تفقد ملامحها بنظرة أخيرة قبل أن يولي وجهته للبحـر واضعًا كفه في جيب بنطاله وقال :
-وأنا بعمل زيك بالظبط .. عايـز أكون متأمن وأنا بشتغـل معاهم …
وقفت نفس وقفته وعقدت ساعديها وهواء النيل يطاير خصلات شعرها الشقراء :
-كده يبقى هدفنا واحد .. محدش هيعرف بالفايلات دي ، بس بشرط !!
طلت لوجهته وأكملت :
-من دراستي عنك ، عرفت أن مش مراد المحلاوي اللي يبيع قرايبـه وأهل بيته ، واتأكدت لما قابلت عاصي دويدار من يومين فاتوا في وسط النيـل ..
جحظت عيناه بذهول مما وقع على مسامعه ، فهرولت مبررة:
-متقلقش ، محدش عرف ولا هيعرف .. أنا بحترم الناس المخلصة اللي زيك ، لو كنت بعتهم فعلًا كُنت هزعل ، المهـم …
رد بإيجاز وهو يطالع ساعة يده :
-هااه اللي هو ؟!
-عارفة أن عاصي دويدار مش هيسكت ، وآكيد محضر ضربة جامدة للكل ، بس ده مش هيحصل غير لما أطلع من البلد ، وشيك بـ مليون دولار يكون على مكتبي ، ووقتها هسلمك الورق اللي يودي عادل وعزمي ورا الشمس ..لأنهم مش ناويين على خير لأي حد من عيلة دويدار ..
ثم غمرت بطرف عينيها بخبث :
-ده طبعا ولا حاجة في الملفات اللي أنت أخدتها من عندي .. فكر وهستنى ردك …
#بــاك …
عادَ مراد إلى رُشـده عند هبوط عجلات الطائرة لمطار الغـردقـة على صوت أمه المنادية باسمه :
-مراد !! سرحان في أيه طول الطريق ؟!!
غمغم بعدم اهتمام وهو يلملم أغراضه :
-متشغليش بالك .. استعدي عشان ننزل ….
~بـ ڤيلا عاصي دويدار …
استقبلت حياة “سيـدة” استقبالًا حارًا وهي تعانقها بحب واشتياق و تهتف معبرة :
-أيه الغيبة دي كلها ! حقيقي وحشتيني أوي ، والبيت من غيرك ملهوش طعم ..
ربتت سيدة على ظهرها بامتنان :
-والله أنتِ اللي وحشتيني أكتر يا بنتي ..
أردفت حيـاة ممازحة :
-أنا لو وحشتك كُنت هتغيبي الغيبـة دي كلها بردو !!
بررت سيدة سبب غيابها قائلة :
-البلد ومشاكلها يابنتي ، وأديني أهو رجعت لكم ، مقدرش ابعد عنك أنتِ وسي عاصي …
مالت حياة على مسامعهـا هامسة بارتباك بيـن :
-طيب ادخلي بقا المطبخ أقفي مع البنات اللي جوه ، أنا قلقانة منهم أصلا .. فـ دي مسئوليتك ، عارفة إنك تعبانة من السفر ، بس اعذريني عاصي فاجأني بعزومـة قرايبه على العشا و كلهم جايين بالليل وأنا مش عارفة اتصـرف ..
ربتت على كتفها بهدوء كي تطمئن :
-متقلقيش ، ولسه معانا وقت .. متشليش هم وأنا هظبط لك كل حاجـة ..
أرسلت لها ابتسامة امتنان وهي تمتم بحذرٍ كي لا يسمعهم أحد :
-سيدة ، أنا هتجنن على طبق ملوخية من أيدك ، ممكن تعمليها النهاردة ..
-من عينيـا أنتِ تأمري أمر يا ست البنات ..
همت سيدة للذهاب للمطبخ لترؤس تلك الفتيات الجدد الذي أخصهم عاصي بالشغل بمنزله ، أخرجت حياة هاتفهـا وبمشاعر مثقلة اتصلت برشيد الذي بدأت مكالمتها معه بدون بوادر ترحيبية:
-النهاردة أهل عاصي جايين ولازم تكون موجود !!
رد بتأففٍ :
-مش طرديني من بيتك ، أنا مش راجع يا رسيل ..
احتدت نبـرتها وهي توبخه بجبروت رسيل المصري قائلة :
-اللي هقوله يتسمع وهتيجي ، وجهز نفسك هتتجوز فريال الخميس الجاي .. ورحمة أبويا وأمي يا رشيد لو ما صلحت اللي هببته لا هتبقى أخويا ولا أعرفه ..
قفلت المكالمـة بدون استأذن وصعدت لأعلى لـ غرفة فريال تحديدًا ، فتحت الباب عندما عجزت عن تلقياها ردًا يسمح لها بالدخول .. دلفت للغرفة وهي تنادي عليها كي تخبرها بموعد زواجها من أخيها .. طافت بالغرفة دون جدوى فلم يتبقى لها أثر ، طرقت على باب الحمام بخفه منادية باسمها بعد ما تسرب القلق لأوصالها .. فتحت الباب وامتد نظرها للداخل فلـم تجـدها أيضًا .. عقدت حاجبيه بذهول متسائلة :
-هتكون هي راحت فين ؟!!!
تراجعت للخلف وأخذت تفتش فالغرفة التي وجدتها خاليـة من ملابسهـا وكل أغراضها ، اعترتها الحيرة حتى التقمت عينيـها تلك الورقة البيضاء الموجودة فوق الكومود .. أقبلت عليها حياة وفتحتها .. حروف متشابكة بخط اليد وبعض الكلمات التي غمرها الدمع :
-” أنا مشيت يا حيـاة ، مشيت ومحدش يدور عليـا لأني مستاهلش .. من يوم ما دخلت بيتك وأنا كنت ناوية أخليه جحيم ، جاية انتقم وأخد حق فريد أخويا ، بس هدفي مكنش رشيد خالص ، أنا كنت جاية وعيني على جوزك .. كنت عايزة ادمرك و أدمر حياتك ، جوزك للاسف مدانيش سكـة مالقتش قُدامي غير رشيد ، كنت فاكرة كده هنتجوز أسرع ، بس غلطت و أديني بدفع التمن ، أنا مستاهلش إنك تخسري أخوكي عشاني كلامك أثر فيا أوي .. أنا مشيت ورايحة عند خالتي في الصعيد أقعد عندها ..سامحيني وسامحي فريد كمان … فـ﷼ ”
يقال أن الإدراك يُشبه النوم .. كالنوم تمامًا ؛ لا تدري متى جاء ومن أين تسرب إليك ، لكنك تصحو مع ضوء الشمس متسائلاً كيف غبت عن وعيك.. كيف خضعت لجبروتـه .. جلست بهدوء على طرف الفراش وهي تتلقى صدمة جديدة من نوعٍ أخر .. انكمشت ملامح وجهها ولم تردف إلا كلمة واحدة الجميع يعلمها ولكننا نظل تائهين بين دروبها عمرًا كاملًا .. بتنهيدة الأسى :
-ليــه ؟!
~بالأسفـل ..
بخطوات ثقيلة جدًا وببطن منتفخـة في أشهر حملها الأخيرة تسير عاليـة ببطء ناحيـة المطبخ على لحن أنفاسهـا المُتعبـة والمرهقة من عناء الحمل ، اندفعت لعندها سيدة وهي تسندها بلهفة وتجر أحد المقاعد الخشبية كي تجلس فوقه :
-ياست عالية ، وحشتيني والله ، أيه نزلك بس وأنتِ تعبانة كده ..
تحدثت بنبرة تحمل تأوهات الوجع والألم :
-اتخنقت من السرير يا دادة ..
-طيب ارتاحي يا حبيبتي .. كلتي ولا أجيبلك حاجة تسندك ؟!
تمتمت بخفوت :
-لا مش عايزة أكل ، ممكن كوباية عصير برتقال ، عايزة حاجة مسكرة ..
لبت سيدة طلبها على الفور :
-هعملهالك بنفسي .. بس كده !!
******
~فـ مصنـع عاصي ….
وخاصة بالجـزء المحتـرق من المصنع ، يجلس يسـري مربوطًا بأحد المقاعـد الخشبيـة وعلى فمـه شريطًا لاصقًا .. اقتحم عاصي المكان بجبروت يحمل غضبـه الشديد من يسـري ، تابعه كمال وعدد لابأس به من الرجال .. بدأت خطواته السريعة تتمهل عند اقترابه منه وهو يتحدث بتلك النبـرة التي تحمـل عاصفـة يمكن أن تفتـك بـ يسري في الحال .. صرخ بوجهه قائلا بصوته المرعد :
-بتبيعني أنا يا يسـري دا أنت نهايتك على أيدي !!
تدخل كمال ممسكًا به :
-عاصي باشـا أهدى ، وسيبلنا أحنا الطلعة دي ..
سيل من النظرات الغامضـة والمجهولة ممتد بين عيني عاصي ويسري ، أومأ عاصي بهدوء يحتوي على إبهام مريب ، أخذ نفسه بارتياح ثم دار حول المقعد الجالس فوقـه يسري ، طأطأ قليـلًا وشرع بفك الحبل الذي يقيد حركة يده .. تقدم أحد الرجال ليتولى المهمة عنه ولكنه تراجع بنظرة من عيني عاصـي .. فرغ من تحرير يدي يسري المغلولـة ثم رفع الشريط اللاصق عن فمــه .. توجع يسري قليـلًا وعيني تتأرجح بتشتت مترقبًا رد فعل عاصي المنتظر..
وقف عاصي أمامه بعد ما شد السلاح من خصر أخد الرجال الواقفين وصـوبـه نحو رأسه قائلًا :
-هاه ، وقولتلـهم أيه كمان عني !!
ثم رفع حاجبه ممزوجة بضحكة خبيثة ارتسمت على محيـاه عندما قرأ ارتباك يسـري ، تبدل غريب ومهيب من شخص مثله يواجـه عدو له .. لف السلاح بيده ورماه لصاحبـه مبتعدًا خطوة وقال جاهرًا :
-بقى تتجوز ومتعزمنيش على الفرح يا يسري ، عجبتك قعدة الشرقية ولا ارتحت من شغلنا ؟!
زفر يسـري بارتياح وهو ينفض الأحبـال عنه وينهض ضاحكًا ليعانق قائده وهو يقول ممازحًا :
-جت فجأة يا بُص !!
عانق الرفاق بعضـهم تحت أمطار النظرات الضبابيـة من أعين الواقفين .. ضرب عاصي على ظهر مساعده ورفيقـه بامتنان :
-ليك وحشـة يا أخي ، بس بأنامة من يوم ما بعدت عني وأنا حياتي كلها اتعدلت !!
-أدينا رجعنا وهنرجع أيام الشقاوة من تاني ياباشا …
-مع نفسـك .. يلا عندنا شغل يهد جبال !!
تدخل كمال باندهاش لما يراه ، كيف لعدو يلحقه منذ أشهـر وعند العثـور عليـه يتعانقان هكذا :
-عاصي بيه ؟! هو في أيه ؟!
ضحك منه ملء الفم وقال :
-في أن يسري ميبعش عاصي دويدار مهما حصـل ، ولو على رقبته ..
ما زال كمـال تحت سطو اندهاشـه بأعينه الجاحظة :
-طيب كان أيه لزمتها نجيبه متجرجر كده !!
رد ببرود :
-عشان معزمنيش على فرحه ابن الـ****….
#فلاش باك …
قبل عـام …..
بأحد مستشفيات الأمراض النفسـية والعقليـة ، منذ تلك اللحظة التي دخلت فيها عبلة لتلك الغرفة وهي لم تردد إلا اسم عاصي .. تصرخ باسمه كي يأتي لهـا ، ولحسن حظها عرفها واحد من طاقـم التمريض عندما كانت تتبرع بأموالها للأعمال الخيرية ، هنا توصل لرقم ابنها ” عاصي دويدار ” وأبلغـه بأنها تهذي باسمه وعليـه أن يأتي ربمـا يساعدها في تجاوز تلك الحالـة العصيبة … تردد كثيـر في الذهاب إليها حتى قاده فضوله أن يقابلها ربما تُصلح أمرًا ما بحياتـه المنقلبة رأسًا على عقب ..
وبعد تفكيـر طويل …
يجلس على طرف مخدعها يتحمل هذيانهـا وفقدانها لعقلها الذي ذهب مع مهب الريح حتى سئم من تلك الثرثرة الغير مُجدي ، يتأهب للذهاب حتى نادته قائلة بحالة من التيـه :
-أنا كذبت ، ولسه مصدقـة الكذبـة ، أنت مش ابن تحيـة .. تحيـة خطفت جوزي مني ، تحية كانت بتستغلك عشان تاخد جوزي وبس ، أنا قتلتهـا عشان هي تستاهل تموت ، هي خاينـة ، خبت عليا حمل زهرة وراحت تخدمها ولما ماتت خدتك وربتك وحبت جوزي ، أخدتكم أنتوا الاتنين مني كانت هتدمر حياتي وتبقى هي سيدة البيت .. بس على مين قتلتها …
بأعين تهدل على أسوار الحيرة :
-زهرة مين ؟! عبلة أبوس أيدك ركزي ، زهرة دي مراة أبويا وماتت أنا فاكر ، فاكر كل ده .. أي علاقتي بيهـا !!
ضحكة غريبة انشقت من ثغرها وهي تتمتم بهذيان :
-زهرة تبقى أمك ، خالك إبراهيم لو فتح بؤه واتكلم هموته وأحرق قلبه على ولاده .. زهره أمك ، أنا مابخلفش …..
~ بعد عدة أيام من ذلك اليـوم …
اتصال هاتفي من يسري :
-عاصي بيـه أنا لقيت إبراهيم دويدار وأكد كل كلام عبلة وماصدق عشان يشهد .. الرجل تعبان أوي وشكله في آخر أيامه .. لازم نتحرك ونرفع قضيـة عشان نلحقه قبل ما يروح مننا …
هز رأسـه مدبرًا :
-لا يا يسـري ، أنا مش هرفع دعوى إثبات نسب .. أنا هحرك اللي يرفعها وحقي يرجع لي باشا وأنا قاعد في مكاني !
صعد يسـري سيارته قائلًا :
-لا رسيني كده عشان نظبط اللعبـة سوا !!
قفل باب الغرفة كي لا تسمعه حياة وقال :
-لسه بتقابل ولاد دويدار وبتنقلهم أخباري !! عايزك بقا تزود العيار وتشكك في نسبي كمان وكمـان وهديك كل الأدلة.. وأنا هراقب الجو من بعيـد ..
استغـرب يسـري لحديثه قائلًا :
-لا بردو ما فهمتش !!
اختصـر عاصي الحوار قائلًا :
-أنا هسيب الدنيا كلها لتميم بمزاجي وهمشي ، واعرفهم إني بايع ومستغني ، بس عشان لما أرجع يكون على حق ومحدش صاحب فضل عليـا أو يتهمني بالتزويـر وما شابه .. ركز معايـا بالحرف عشان الغلطـة هتودينـا ورا الشمس …
#بــاك …
يسيـر عاصي برفقـة يسـري إلى سيارته السوداء ، ثم وقف مليقًا أوامـره على آذان كمال قائلًا :
-هبعتلك رقم تليفون شيرين دويدار ، عايزها تمسك مديرة العلاقات العامة في فرع الشرقيـة .. وكمـان تروح لشاكر وشاهيـن وتسلمهم إدارة الشـركة مقابل ٤٠٪ من الأرباح ، وتفهمهم أن عاصي دويدار بيفتح معاهم صفحـة جديدة ..
كاد أن يصعـد سيارتـه لكنه تراجع :
-وكلم المحامي ، يقسم أملاك دويدار على الورثـة ويكتب نصيب كل واحد بيع وشرا مني .. وعاليـة تاخد نصيبها بالكامـل ..
مازال كمال في حالة من الذهول لم يستطع تخطيها ، أومأ بالإيجاب مندهشًا بدهاء رجل مثله وقال :
-تمام يا باشا ….
******
~عودة إلى القصـر
-مامي أنتِ بتعيطي ليه ؟! أنتِ مضايقة ؟!
أردفت تاليـا سؤالها الآخيـر عندمـا رأت العبرات تسيل من مقلتي رسيل بدون إرادة منهـا .. جففت دموعها سريعًا وقالت بابتسامة مزيفة محاولة تجاهل أمر فريال وقالت :
-لا يا حبيبتي مش مضايقة ولا حاجة ، بالعكس أنا جاية أقولكم على خبـر هيبسطكم أوي .
تحمست داليا وهي تقترب منها بفرحة :
-يلا قولي بسرعة ..
تأرجحت عيني حياة اللامعة وهي تداعبهم بفرحةً:
-مستعدين !! أقول يعني ؟!
-يس ، قولي بسرعة ..
-جاهزين !!
ثم أخذت نفسًا طويلًا وهي تعانق بطنها وقالت :
-أنتو مش كان نفسكم في بيبي تلعبوا معاه ، أحب أعرفكم أن أخواتكم موجودين هنا وبعد كام شهر هيجوا ويصدعونا ونلعب معاهم كلنا ..
فرحة عارمة قفزت بملامح الصغار وهن يهللن بسعادة تتقاذف من بين كلماتهن .. عانقتهم حياة بحب وضمتهن إلى صدرها وقالت :
-هنكون أسعد عيلة سوا ، وكلنا هنحب بعض .. أنتوا هتحبوهم أوي مش كده !!
تدخلت داليا متسائلة :
-كام بيبي هنا ؟!
أومأت تاليا بسعادة وقالت :
-وهما ولد ولا بنت ؟!
هزت حياة كتفيها بجهل منها :
-لسه معرفش إذا كانوا ولد ولا بنت !!
ثم داعبت انف داليا برقة :
-هما ٢ يا لمضة وبس ، زيك أنتٍ وتوتا كده ..
ضحكت الصغيرة بتلك الضحكة اللذيذة وقالت :
-طيب هيجوا بعد كام يوم !!
-بردو مش عارفة ؟! بس أحنا مستنينهم مش كدا ؟!!
صوت رنيـن جرس البـاب ، فهتفت سيدة قائلة للبنات المنشغلن بالمطبخ :
-ركزوا أنتوا ، هفتح أنا البـاب …
أخذت عاليـة كوب العصـير بيدها واتبعت خطوات سيدة كي ترى هويـة الطارق .. فتحت سيدة الباب ففوجئت بمراد يحمل على عاتقيه باقـة ورد كبيـرة وتقف جيهان ورائه بوجـهٍ عابس ، توزعت نظرات سيدة هنا وهناك بين عالية الواقفة بعيدًا ومراد الذي يقف أمامها ، هتفت عالية قائلة:
-مين الـ جيه يا سيـدة ؟!
ظهر مراد من الباب ليقف ثابتًا أمامها لا يعرف من أين سيبدأ ، سيل جارف من النظرات التي تحمـل العتـاب واللوم والشوق والحب والإعتذار ، جمة مشاعر معقـودة بالقلب لا تقرأها إلا أعين مغرمـة ، بقلب يعتصر ألما متسائلة ؛ وما جدوى الحب إن كان وقت الشدائد غائب !! سقطت كاسـة العصيـر من يدها عندما ألتقت بحبيب قلبـها العاصي .. رمى باقة الورد لسيـدة وهرول لعندهـا كي لا تتأذى قدميـها …
جاءت رسيل من أعلى بصحبـة الفتيات متسائلة من أعلى :
-مين الـ جيه يا سيـدة .. ؟!
قد يحدث وتتصلب قدماك متأملًا بلا أي ردة فعلٍ تُذكر لأن المشهد أصغر من أن يستفزك وأكبر من أن تتجاهله وتمضي .. اخترق الجميع وذهب لعندها وحملـها بعيدًا عن فتات الزجاج المهشم .. مازالت تحت سطو الصدمة التي انستها كيف سيكون العتاب !!
دارت رسيل جهة الفتيات وقالت بحنو :
-ممكن نرجع الأوضة وتلعبوا ، لأن ده كلام كبار مش هيصح نشوفه !! ممكن ؟!
استقبلا طلبها بطاعـة وذهبا تلك الفراشتين ليلعبان بغرفتهم ، قطعت رسيـل دراجات سُلم بيتها وتلاقت عينيها بعيني جيهان التي تحمل تارًا قديمًا ، ولكن خيبت رسيل أملها الشرير واستقبلتها بابتسامة مرغمة :
-أنتِ في بيتي اتفضلي …
جثا مراد على رُكبتيـه تحت أنظار عاليـة التي ترتعش من هول طلته المباغتـة ، وضعت في صراع محتدم بين قلبها المشتاق وعقلها الرافض ، وصغيرتها المتعبـة ، مال على كفوفها وقبلهمـا بحرارة :
-أسف ، وحقك عليـا .. وكل كلام الدنيـا مش كفاية .. سامحيني ياعالية سبتك في أكتر وقت صعب .. وحشتيني أوي ..
سحبت كفـوفهـا المرتعشة ووبخته :
-أبعد عني ، أنا مش طايقـة أبص في وشك يا مراد ..
رفض تمردها قطعًا وهو يجبرها أن تنظر له :
-لالا .. لا يا عاليـة أنتِ فاهمة غلط ، أنا عمري ما بعتك أنتِ وأخواتك، عمري ما اقدر ، كل اللي حصل ده …
هبت صارخة بوجهه :
-كذب تاني ؟! هتكذب تاني ؟!! ومستني اسامحك تاني … مراد أنتَ ..
تدخلت حياة في حوارهم بهدوء :
-حبيبتي ، مراد هو اللي ساعد عاصي يثبت نسبه لباباه .. الموضوع مش زي ما أنتِ فاهـمة ..
اهتزت عينيها بشكٍ عندمـا وقعت جملة حيـاة على مسامعهـا ، فأكملت حياة قائلة وهي تشير نحو غرفة عالية :
-مراد ، أوضة عالية دي .. خد مراتك واتكلموا براحتكم ..
ثم ربتت على كتف عاليـة :
-عشان خاطر بنتكم اسمعيـه يا حبيبتي ..
كادت أن تقف ، ان تهرب ، ألا تواجه حتى ولو كان مقصده خيرًا ، فلا يوجد عذرًا واحدًا لهجر قلب المحب ، ألا تعلم بأنه يحترق شوقًا كل ليلة ؟!! لاحظ عدم اتزانها فحملها بدون تردد ، فنهرته مصرة غير مهتمـة بصدح قلبها المتراقص الذي عاد لموطنه للتو بعد أعوام من الغربـة :
-متلمسنيش !! نزلني يا مراد ..
تجاهل ثرثرتها وعنادها وسار قاصدًا غرفة واحدة تجمع قلوبهم المتفرقة .. تقدمت رسيل لـ جيهان وقالت مشيرة ناحية غرفة بالدور الأرضي :
-أوضة الضيوف هنا ، ممكن تتفضلي ترتاحي شوية ….
~بغُرفـة عاليـة ….
بنظرة مثقـلة تُعلن فيهـا ألا تنتظر اعتذارًا، ولا ردّ اعتبار، ولا استعادة حق، ولا تصحيح مواقف بُترت القلب .. بنظرة تعلن فيها عدم الرغبة بـ عودته .. لقد تعافت منه واكتفت بصغيرتها تمامًا لم تـغفر ، ولكن تعافيت وتعلّمت …. قفل مراد الباب وعاد إليهـا بهدوء .. أمسك بكفيهـا بحنان بالغ وقال :
-عالية .. بصي لي عشان خاطري ، أنا عمري ما كنت هعمل حاجة ازعلك .. عاصي اللي طلب مني أبعد عنك عشان متتأذيش ، محدش يقرب لك ويبعدك عن أي مشاكل ..
صمت للحظات منتظرًا منها أي رد ، ولكنـه يأس من جوابهـا ، فأكمل :
-والدتك كانت عارفـة كل ده ، وهي اللي اكدت عليـا متكلمش .. متصعبيش عليا الدنيا أكتر ماهي صعبة ..
رمقتـه بنظرات متهرية وقالت بصوت متهدج بالبكاء :
-يعني كلكم اتفقتوا عليا !! كلهم اتفقتوا على وجع قلبي .. كلكم فكرتوا في مصلحتى الا انا عيلة صغيرة متعرفش حاجة نخبي عليهـا !! أنت شاركتهم في وجعي ، مجاش في بالك أنا نايمة بالليل لوحدي حاسة بايه ..
سحبت كفيهـا من قبضته بامتعاض وأكملت :
-بلاش دي ، مفكرتش في الطفلة اللي بتكبر في بطني دي يوم بعد يوم وأنت مش موجود وانا مش أقولها أيه لما تيجي الدنيا !! حتى ولو لعبـة ولا اتفاق يا مراد ، أنا عمري ما هسامحك ولا هغفرلك ، أنا محدش عاش معايا وجعي ومش مضطرة أعدي السخافة دي بسهولة كده !!
بذهول من جفائها :
-يعني أيه يا عاليـة ؟!
ردت بحزمٍ :
-يعني اللي سمعته يا مراد ، أنا خلاص رتبت حياتي أنا وبنتي ، وأنتَ ملكش وجود فيها ..
ما زال تحت تأثيـر صدمته من تلك القسـوة المندلعـة من شدقها وقال برفض قاطع :
-مش بمزاجك يا عاليـا .. مش بمزاجك ، الكلام ده مش هيحصل وبنتنا هتتربى وسطنا .. أنا متأكد أن الكلام ده مش من قلبك ..
أغرورقت عينيها بالعبـرات وقالت بحزن :
-خلاص خلصت يا مراد .. خلصت .
-مفيش حاجة ابتدت عشان تخلص يا عالية !!
~بالأسفـل …
-سيدة أخبار الأكل أيه ؟! كله تمام ، في حاجة ناقصـة ؟!
أردفت حياة بقلق وهي تُشرف على الطعام والتحضيرات الخاصة باستقبال ضيوفهـا .. ربتت سيدة على كتفها :
-كله تمام ياحبيبتي ريحي أنتِ واقفة من الصبح على رجليـكِ .. أنا عاصي بيه موصيني عليك ، كده هيزعل مني !
اتسعت ابتسامتها بفرحة :
-هو قال لك !!
-طبعا قال لي ، أنا جيت من البلد طايرة عشان مين يعني ؟! روحي ارتاحي..
تقبلت نصيحتها وقالت :
-لا هروح أجهز عشان خلاص شمس وتميم على وصول ، جهزي السُفرة واستلمي أوردر الحلويات ، الحساب هتلاقيه بره على الترابيزة ..
خرجت من باب المطبخ فألتقت بعاصي العائد للتـو .. ركضت إليـه وعانقته بلهفـة وقالت بعتب :
-كل ده بره !!
مسح خصرها المرسومة بكفيه وقال معتذرًا :
-الشغل مش بيرحم ..
ثم نظر بوجهها :
-رشيد جاي ورايا ..
أومأت بخفوت ثم قالت بهمس :
-مامت مراد قاعدة في الأوضة جوه .. وعالية ومراد في أوضتها فوق ، بس مفيش أي صوت ليـهم ويارب تسامحه بقا ..
ثم اتسعت ضحكتها وأكملت بتلك الأعين اللامعة :
-قلت للبنات إني حامل ، فرحوا أوي ..
وسرعان ما انكمشت ملامحهـا وتفوهت :
-وحاجة كمان بخصوص فـ
قاطعها قائلاً بمزاح :
-أيه كُل ده بالراحة عليا !! المهم أنتِ مش في سريرك ليه !! أنا مأكد على سيدة …
ضحكت بصوت مكتوم وقالت :
-عشان الضيوف ما يصحش ..
ثم تحمست وقالت :
-تعالى خد شاور بسرعة عشان تميم وشمس راح السواق يجيبهم وعلى وصول ..
أمسك بكفهـا وسحبها خلفـه برفق متجهـًا نحو غرفته ، في تلك اللحظة جاء المندوب المختص بتسليم أوردر الحلويات الذي استلمته سيـدة …
مرت قرابـة النصف ساعة فرغ الثنائي من أخذ حمامهم الدافئ معًا ، يقف عاصي أمام المـرآة يختار رابطة عنقـه أما عنها تقف ملتفحة بالمنشفة البيضاء حائرة أمام اختيار أحد الفستانين حتى زفرت ممتعضة وهي تمسك بالفستانين وسألته :
-حبيبي ألبس أيه ؟! الموڤ ولا الازرق ..
ألقى نظرة سريعـة ثم أشار على اللون ” الموڤ ” :
-ده جامد .. واستعجلي يالا ..
تركت الفستانين من يدها ، وتسللت لتكون عازلًا بينه وبين المـرآة ، تدلت يده عن رابطة عنـقه ليتيح لها الفرصة بربطها اتكأت على طرف التسريحة ورفعت بحيرتي عينيها الزرقاء لعنده وسألتـه :
-مبسـوط !! يعني ارتحت بعد حكم المحكمة !!
مط شفته مُفكرًا في السـؤال ثم أردف :
-أنا عمري ما عرفت أكون مبسوط غير معاكي .. بس أقدر أقول لك ارتحت ااه ..
ثم استقر كفه على بطنهـا :
-ارتحت عشان افوق لك أنتِ والجوز الجديد اللي جاي ..
ما حدث أنه أصبح بقلب لم يعد يخاف ، ظفر بوضع المسافات بينه وبين كل من حوله ، مضى كالقطار دون أن يترك شيئًا منه مع أحد ، أطالت النظر بعينيه المقمرة كمن يُناضل من أجل اختطاف لحظة واحدة هادئة وسعيدة يختبئ بقلبهـا .. ما زالت تعبث برابطـة عنـقه ، تنهد بمشاعرها الجياشـة متتوقـه إليه ؛ فسألها بمكـر :
-مش مرتاح للنظرة دي .. مالك !!
ابتدرت عيناها بنظرة اعتراف تفصح عن أنه أكثر الأشياء حبًا لروحها ، قالت :
-بفكر أزاي ممكن أعوض الملامح الجميلة دي ..
ثم وضعت كفها على قلبه وأكملت بنفس النبرة :
-والقلب ده عن كل الأسى والأيام الصعبة اللي شافه .. !
تغلغلت يسارها بجدائل شعـره من الخلف ودنت أنفاسها من تلك الملامح كأنها تود تعطيرها بعبير الحب ، همهمت لـه بمشاعر جياشـة وعظام صدرها تعلو وتهبط تحت أنظاره :
-تعرف ، أنتَ الرجل اللي مسكت قلمي وبدأت اكتب عنه ، أنت اللي كنت رسماك في خيالي وبحلم تكون معايـا العُمر كله ، كنت بتخيـل حاجات كتير أوي مش هينفع تكون غير معاك وبس ، ياما كلمت نجوم الليـل عنك .. ودلوقتِ أنا ممتنة للقدر اللي جمعني بحبيبي الخيالي ، وبقى واقف بين أيديا وليا لوحدي …
كمن غرس نجمةً في خياله فأصبحت قمرًا يضيء عالمها المعتم ..طوق خصرها بساعده لتصبح جزءًا لا يفارقـه ذائبًا في تلك الموجة العاتية التي هجمت على قلبـها دفعـة واحدة .. تفاقمت ضربات قلبهـا وبللت حلقها الذي جف من ولعة تلك المشاعر النارية :
– أقول لك على أخر سـر في قلب رسيل ..
-سر عليا !
بمخالب امراة ثورية اضناها العشق ؛ اعترفت :
-أنا لسـه فاكرة كويسة أول اليوم اللي رميت فيه الفلوس قُدامي مُقابل إني أكون معاك لـ ليلة واحدة ..
بلعت ريقها فبرزت تلك العروق ، تلعثمت ثم أتبعت :
-أنا شوفت الحب في عينيك وقتها بس كنت بتكابر قدامي ، كنت بسأل نفسي طول الوقت يا ترى أي أحساس مشاعر الحب اللي هتطلع من راجل جبروت زي ده ! كان عندي فضول رهيب أعرف ..
ابتسامـة خفيفة شقت ثغره وهو يسألها بخبث :
-ورفضتي ليه وقتهـا ؟!
-عشان أنا طماعة ، كنت عايزاك ليا كُل ليالي عمري ، مش لليلة واحدة وبس .. ولقد كان ..
ثم اندلعت منها ضحكة رقيقـة وهي تعبث بزر قميصـه الأبيض :
-جيت تصطاده اصطادك .. ولا أيه رأيـك ؟!
صعدت أنامله لأعلى ، خاصة لمربط ذلك الوشاح الملتف حول جسدها المُغري لقلبه دومًا ، وهو يقول معترفًا :
-من خمس دقايق بس كنت فاكر نفسي أذكى واحد في الدنيـا دي ، طلع فيه اللي سابقة عاصي دويدار بمراحل …
-تربيتك يا بُص .
بقبلة خفيفة كانت من نصيب وجنتها اعترف :
-أنا بحبك ..
تذكرت حينها اعتراف فريال القاسي ، وتمتمت له بيقين :
-دي الحاجة الوحيدة اللي الزمن بيثبتهالي يوم بعد يوم …
إمرأة قادرة أن تنقل الضـوء من شمعـة لشمعـة ، من قلبه لعقله لجميع جوارحـه ، سُكـر بملاذ القُرب الذي لم يقاومـه ، لأول مرة يراها مُقبـلة عليه بتلك المشاعر الفياضة حد ردها للقبلة بقُبلتين ، لن تدوم سكرات حبهم الأبدي طويـلًا إثر صدور صوت ” التلكسات” التي تُعلن بوصـول أخيه وأسرته .. بشيء يشبـه انفصال الروح عن الجسـد ، انفصل قلبهمـا ، وهي تقاوم ذلك القلب المتراقص والأنفاس المتسابقة منها ، استندت على التسريحة خلفها وقالت بصوت مُتعب ، ومدجج بالإرهاق :
-تميم وصل ، انزل عشان تستقبلهم ، مينفعش تتأخر عليـهم .
فمن يرسل شخصًا إلى أسمى درجات العشق ويتركه بنتصف الطريق كيف يبقى جيدًا في حياته دون اضطراب مما فُتل ، أقبـل إليها وطوقها بيساره وأمسك كفها بيمينـه متسائلًا :
-أنتِ كويسـة طيب ؟!
-لا …
بنظرة تعلن رفضـها ، وأنها لست بحالة جيدة أن يفارقها ويبتعد عنها .. اعتصـرت كفـه كي لا يتركها .. تلاقت أعينهم وكأنها تعزف لحنًا لدرويش :
فـ بعضي لديَّ وبعضي لديك
و بعضي مُشتاقٌ لِبعضي فهلّا أتيت !!
كمن لامس السماء فثارت بالفعل عاصفة في كيانها أنقلبت إلى موجٍ متراقص يرفض بُعده ، جذبها إليـه بضحكـة خفيف ثم قال بصوت خافت :
-كُنا بنقول أيـه ؟!!
*******
~بالأسفـل ….
احتشـد الجميـع ، و هبط مراد بصحبة عالية من الغرفة بوجهٍ عابس بعد ما يأس من كثرة المحاولات معها التي أعلنت عصيانهـا للعودة .. صافحت عالية شمس والبقيـة ثم أمرت سيدة :
-ميـة وعصير يا سيدة بسرعة ..
حضن تميم صديقـه بشوقٍ :
-كُنت متأكد أنك متعملش حاجة زي كده ..
ضحك مراد بثقـل :
-مبروك علينـا كلنـا ..
التفت تميـم متسائلًا :
-أنتَ هنا من بدري ؟! فيـن عاصي ..؟!
همس كريم بأذان نوران الجالسة واضعة ساق فوق الأخرى ، وبتلك النبرة الحادة :
-نزلي رجلك دي ، ومتضحكيش ، ومتسلميش على اللي ما يتسمى ده ، وعدي اليومين دول على خير أحسن ما نعديهم في التخشيبة ..
تمتمت بتمرد تحذيري :
-كريم مش بحب الجو ده !! انبسط وفك كده ، أنت شوفت البحر حلو ازاي !
لكزها بغضب :
-تقولي حاضر وبس ..
حدجت أنظارها بإعتراض :
-ليه !! أنت جايبني من سوق العبيد !! ده بدل ما تسمعني كلام حب وتدلعني ، قاعد بتبيع وتشتري فيا !!
ثم أشارت بسبابتها محذرة بصوت خفيض :
-كريم أنا بحذرك .. تغير أسلوبك ده معايـا وإلا ..
-بالجزمة على دماغك ، عشان أنا لا طايقك ولا طايق اللي اسمه بقدونس ده ولا طايق الغردقة كلها ، فـ لميها يا نوران بدل ما أزعلك ..
وضعت كفها بخصرها كالأطفال :
-ولا تقدر تعمل أي حاجة .. ومش لامة حاجة ، هي و متبعترة كده عاجباني ..
نظرت لهم شمس كي يتوقفان عن ألاعيبهما الطفولية التي لم تهدأ طول الطريق .. هامسة بعتب :
-انتوا مش هتبطلوا جنان !! بطلوا بقا ..
بغُرفـة عاصي ؛ انتهى من ارتداء سترته الرمادية متغاضيًا عن رابطة عنقـه التي سحبته من قلبه لعندها ، ارتدى ساعة يده بعجـل ثم عاد للجالسة بمنتصف مخدعه وقبل رأسها بحنانٍ قائلًا :
-هستناكي تحت ..
ربتت على كتفـه بهدوء ينعكس من دواخلها وقالت بابتسامة خفيفة :
-تمام ياحبيبي .. مش هتأخر ..
خلال نصف ساعـة ؛ احتشد الجميع بساحة البيت الواسعة التي تنتمي لعاصي ، تقف حياة على رأس السفـرة فـ ضجيج من الكؤوس والملاعق والصحون .. خرجت جيهـان من غُرفتها أخيـرًا .. وانضمت حياة إلي أصواتهم الضاحكـة وجمعتهم المميزة التي اهدرت عمرًا كاملًا من الطمع والكراهية بين الأبناء .. اقتربت جيهـان بخطوات ثقيلة بثقل ما تحمله بقلبها ثم قالت حياة :
-العشا جاهز اتفضلوا ..
هتفت جيـهان بتوجسٍ :
-استنـوا … لازم نتكلم .
وقف الأغلبية إثر تلك الملامح الشاحبة التي تتحدث بها جيهان .. مدت صورة لأمراة تحمـل نفس ملامح عاصي وقالت بصوت هدر :
-دي ليـك ..
أخذ الصورة وتفقد ملامحهـا ، فاقتربت حيـاة منه وشهقت بخفوت إثر التشابه الكبير بين عاصي وتلك المرأة ، أكملت جيهان :
-دي زهراء دويدار ، أمك ، سرقت الصورة دي من عبلة قبل ما تحرق كل حاجة ، هي وشهادة الميلاد .. افتكروها ضاعت ، بس أنا احتفظت بيها ، معرفش ليـه ، بس الأكيد كُنت واخداها كـ وسيلة ضمان ضد غدر أختي في أي وقت !!
لم يظهر حزنه إلا بملامحه المنعقدة وتلك القبضـة الحديدية التي ضمها كمن يقبض على جمرٍ ولست حقائق ، احتوت رسيل ذراعـه كي يهدأ ، كي تبلغه بطريقة أكثر لطفًا أنها هنا بجواره ومعـه ..
تأملت جيهان جميع الأوجه وقالت بأسفٍ :
-أنا عارفـة أنك عارف بكل حاجة ، بس وفاة خالك ابراهيم هي اللي لقبت كل حساباتك .. وأنت هنـا عشان تعرف أنا هنـا ليـه !!
أسـرع قائلًا باشمئزارٍ :
-عايـزة تغسلي أيدك من دم مهـا مراتي ، مش كده !!
ثم انفجر جاهرًا :
-مهـا اللي كانت بتصارع المـوت أنتوا قدمتوها قربان له ..
استند بوهن على ظهر المقعد المبطن وقالت بحزم وخيم :
-مهـا مكنش عندها أي سبب يمنع الحمل ، كُنت أنا وعبلة بنحطلهـا أدوية تضعف بطانة الرحم عشان متخلفش .. ولمـا عاندت وخلفت ..
ثم انفجرت باكيـة :
-مها مماتتش من مضاعفات الولادة ، هي ماتت عشان أنا حطيت لها السم في المحلول ..
وقف مراد أمام أمه بنظرات السخط والغضب:
-ليه !! أيه يجبر انسان انه يقتل ليه ؟!!!
صرخت بوجهه مبررة أفعالها :
-كنت فاكرة لو مها مشيت أختك هتتجوز عاصي وتأمن مستقبلنا كلنـا .. الطمع عمي عيوننا يا بني ..
ثم اقتربت من عاليـة بهزلٍ :
-حتى أنتِ ، هدير هي اللي فبركت صورك عشان تتجوزي مراد .. أنا ظلمتكم أنتوا الاتنين وكان لازم أعمل حاجة صح ..
وقفت أمام كريم وهي تبث شكواها لتسند على ساعده :
-ربنـا أخد حق مها وبناتها اللي اتيتموا ، وأخد حق عالية اللي ظلمتها ، وابتلاني في هدير .. هدير بعد يومين هتدخل تعمل عمليـة جديدة وآخر أمل ليها انها ترجع تمشي على رجليهـا .. أنا تخلصت من كل ذنوبي علشان ارجع بس أشوف بنتي بتمشي تاني ..
لم تخل الأعين من سهام الخسة والاستحقار التي انهالت على جيهـان .. استندت عاليـة على رسغ تميم أخيهـا وهي تغمغم ببكاء مكتوم :
-تميم أنا عايزة اطلق ….
ولكن امتزجت عبراتها وأوجاعها بصرخة مرتفعـة أخرست جميع الألسن ، وقطعت سيول النظرات الساخطة وهي تضغط على معصم تميم بطلق الولادة وتتلوى وجعًا وبيدها الأخرى تمسك بطنهـا :
-آه ، الحقوني …….
“••••••••
قيـل بأن الألم هو أعظم مُعلـم ومهذب للنفس البشرية ، لكنه قد يترك بقلوبنـا أعمق الدروس وأغور الجروح التي يمكن أن تظل تنزف عمرًا بأكمله .. خرج كُل من عاصي وتميـم ومعهما شمس وراء مراد الذي حمـل زوجتـه وركض بهـا لأقرب مشفى بمساعدة أحد رجال عاصي .. تبقى كريـم ونوران بحديقـة البيت القريب من البحر الذي يتلاطم أمواجه فتغيري قلوبهـم بالحب ..
جلست حياة بجوار جيهـان المقوسة فوق أحد المقاعد والتي شُلت حركتهـا إثر مواجهتها لمصائب العُمـر ، باتت كمن يقف أمام المرآة متجردًا من ثوب الستـر .. اقتربت منهـا حيـاة وكادت أن تربت على ظهرها ولكنهـا تراجعت إثر ذلك المشهد المهين الذي اتفقن فيه نسوة المحلاوي ، وسددن الضربات القاسيـة لبطنهـا من قبـل .. بتلقائية لمست جوفها الذي ذكرها بالألـم وقالت بهدوء :
-المفروض تفرحي ، لسـه عندك فرصـة ترجعي فيها لربنـا عشان يسامحك على كل اللي فات ..
ثم بللت حلقـهـا بتوجسٍ :
-أنا كمان مسمحاكي على فكرة ، وبجد اتمنى هدير ترجع تمشي تاني وتشوف حياتهـا مع حد يقدرها بجد ..
فهزت كتفيها بقلة حيلة :
-أنا مش عارفة ممكن أساعدك أزاي .. بس حقيقي اتمنى مضيعيش الفرصة من أيدك ومتخسريش ولادك أكتر من كده ..
~بالحديقـة …
-طيب أنت هتفضـل ساكت كده لحد أمتى ؟! كريم بجـد كلنا عارفين أن الموضوع صدمة بالنسبـة لك ، ودي مامتك ، بس هنعمل أيه ، اللي حصل حصل .. زعلك مش هيغـير حاجة ..
جلسـت نوران بالمقعـد المجاور له ثم أردفت قائلة جملتها الأخيـرة كي تهون عليه مرارة وقسوة تلك الـكارثة التي حلت على رأس كريم وأول اختبار فعلي يواجههم معًا .. الحقيقة هي أن الصدمة تضخم غالبية الشعور، تصاعد العاطفة، وتفاقم التعب، وتكبـر من حجم الألم، وهذا ما عانى منـه بصدمتـه في أمه ، الشخص الذي من المفترض ألا يؤذيـه أبدًا .. رد بنبرة مبطنـة بالآسى :
-أنا حتى مش قادر أسألها هي عملت كـده ليه !!
أرتدت ثوب الحكمـة لأول مرة وقالت :
-“كل أفعال المرء مبررة ” سواء كانت خير أو شـر .. تعرف يعني أيه ؟! يعني وقت ما هو عملـوا كدا كان ليهم دافـع عامي عقولهـم عن التفكير للحظة هل ده صح ولا غلط .. الإنسان عبيد حاجته ، فادية الله يرحمها كانت تقول لنـا كده …
كادت أن يعارضها معبـرًا عن مشاعره المضطربـة ، فـ لم تسمح لـه قائلة بإصرارٍ وهي تضع أناملها على فمه :
-كريم .. أحنا لسه هنشوف ياما في الدنيـا دي ، مش مع أول صدمة هنقف عندها كأنها نهاية الدنيا .. ااه دي مامتك ومحدش هيلومك ، بس هل زعلك هيرجع الـ فات !!
لا بأس بإعادة تقييم بعض العلاقات ، بتلك النظرات التي تبدلت من مُقلتيـه لهذه المجنـونة والتي تبنى أمرها مهمـا كانت العواقب ، إلا إنه بالفعل اختار الشخص الصحيح الذي يشاركه الضحك والشجار ، ويهون عليـه حِدة أسهم المصائب .. أحست بالقليـل من التوتر إثر نظراته الإعجاب .. فأدركت أمر سبابتها الراسية على شِدقـه فـ سرعان ما اهتزت متراجعة وسألته :
-بتبص لي كده لي !!
ما قبل سؤالها بدقائق قليلة كانت ” حياة ” تقف عن بُعد تراقبـهم وتراقب تلك النظرات المتبادلة بين الاثنين والتي لا تخلـو من صاعق العشق الواضح للأعمى .. تحمحمت بخفـوت وبابتسامة خفيفة ثم قالت :
-أيه يا حلوين !! مش هنقوم نروح لعاليـة ؟!
وثبت نوران بحماس :
-وأنا بقول كده ، متحمسة أوي أشوف البيبي ..
شجعتها حياة مردفة :
-طيب يالا بينـا ..
ثم نظرت لكريم وقالت بـ إحراج :
-مامتك مصممة تمشي ، بتقول عندها طيارة بكرة .. ممكن تكلمـها ..
ثم أخذت نفسًا طويلًا وأخرجت به زفيـر الماضي :
-دي مامتك يا كريم ، حاول تنسـى ، محدش هيقدر يغير الماضي ده قدر ومكتوب ، خليك جمبها على الأقل .. هي موجـوعة بجد ..
هتفت نوران مؤكدة كلام حياة:
-بقوله كده من الصبح ، وزي ما شايفة .. البيـة ودن من طين والتانيـة من عجين !!
ثم ضربت برفق على كتفـه كي توصل لحياة رسالة مـا :
-متخيلة إني هعيش مع البـوزالممدود ده باقي عمري !!
ناظرتها حياة بتلك النظرات الفضولية :
-مش فاهمة؟!
ردت نوران بخفة روح تنفي علمها بطلب حياة السابق و قالت :
-أنتِ متعرفيش أن كريم اتقدملي ، وشمس وتميم وافقوا .. ازاي متعرفيش بجد ؟!
ثم شهقت مفتعلة الدهشة :
-وعاصي كمان ميعرفش ؟!!
تقبلت حياة الأمر على الرحب والسعة وقالت بفرحة :
-ألف مبروك ليكم ، أيه يا عم كريم حد يبقى معاه القمر دي ويكشر كده .. المهم حددوا ميعاد الخطوبة عشان نعملها هنـا بعيد عن زحمة القاهرة ..
هبت نوران متمسكة باقتراحهـا :
-عين العقل والله يا بنتي ، لسه كنت بقوله كده ..
نهض كريم مختصـرًا حبال تحاورهم الممتد :
-طيب هروح أقف مع مراد ، عشان مايبقاش لوحده ..
حياة بتلقائية :
-هجيب مفتاح عربيتي ونروح كلنـا ، دقيقة بس .
انصرفت حيـاة من جوارهم ثم تدخلت نوران هامسـة بلطفٍ ربما يُلهيـه عن أحزانـه ولو قليلاً :
-أيه رأيك فيا وانا بقولها خطوبتنا وكريم اتقدملي وكلنا موافقين .. عجبتك !
عض كريم على شفته السُفلية :
-أنتِ مصيبة حياتي.. أمشي أمشي لما أشوف أخرتها معاكي أيه !!
*******
~بالمشفـى …
يقف عاصي وتميـم بالخارج لا يستمعون إلا أصوات صرخات عاليـة التي تعاني من آلام الوضع وعناء الطلق الطبيعي مع تلك الإبر التي تزيد من حدة الألم الذي سحب روحهـا مع تلك الصرخات المندلعة من رحمها ، صرخ عاصي بتوتر شديد خيم ذكريات الماضي على عقله متسائلًا وهو يضرب الحائط :
-هما بيعذبوها ليـه كل ده ؟! أنا مش فاهم ؟! ما يولدوها وبخلصـوا .
خرجت شمس من الغرفـة وهي تزيل الماسك الطبي وترمقهم بأعينيها العسليـن ، فاندفع تميم نحوها :
-شمس هي هتفضل تعبانة كده لأمتى ؟!
ربتت شمس على كتفـه قائلة :
-حبيبي ده الطبيعي ، وكمان لأن جالها الطلق الدكتور مش هينفع معاها Cesarean delivery .. الدكتور مديها حقن عشان تسهل الولادة .. هتبقى بخير متقلقش ..
ثم ربتت على كفه وقالت :
-طمن عاصي ، أنا هدخل أقف مع مراد جوه ..
جاءت حيـاة بصحبة نوران وكريـم .. أقبلوا عليـهم بلهفة :
-عالية عاملة أيه ؟!
قرأت حياة ملامح زوجها المرتبكة التي تعاني من هاجس الفقد .. من شبح ذلك المشهد العصيب .. تجاهلت الجميع وسؤالها عن عالية ودنت منه ممسكة بكفه المثلجـة الذي أخذت تدلكهما بحرارة كي تدفأ حتى تفوهت باضطراب :
-حبيبي ، تعالى معايا ممكن .. يلا ياعاصي .
أعظم ما قيـل فـ وصف الحب ، هناك شخصان مليئان بالأضرار والخسائر يَترُكان العالم جانبًا و يُحاولان ترميم بعضهما البعض بُهدوء و لُطف .. أجبرته أن يسيـر معها مرغمـًا ولم تفلت يده أبدًا حتى وصل الثنائي إلى أعتاب المشفى التي يفصلها عن البحر سور حديدي .. اتجهت إلى أحد المقاعد العامـة بصمت حتى تلاقت أعينهم ، أعينه المدججة بلعنـة الماضي ، وعينيها المُمطرة بغيث الحنيـة ..
بدون أي مقدمات عانقـته عانقًا حارًا وهي تمسح على رأسه تارة وعلى ظهره طورًا .. حضنها كان لقلبـه كمكان آمن يهرب إليه بإستمرار كي يرتاح من أسفار هذا العُمر التي تُلاحقه .. عندما تضيق الحياة على قلب المرء منا فلا يريد سوى أن يضع رأسه في حجر دافئ قرب شخص يخبره دائما أن الأمور على أحسن ما يرام أن تسد يد القبل أُذن قلبه عن صوت رصاص الهموم أن تنسيه طراوة الحب ضراوة الآلام ، ماذا يأمل الإنسان سوى أن يستريح في حضن من يحب حين يفر مِن حزن مرعب ..
كأنها تريد أن تخبره بطريقة أكثر لُطفًا وحبًا :
-ها أنا هُنا بجانبك حينَ يكون العالمُ قاسياً سأطوي يديَّ لحمايتك ، انا سلامُكَ حينَ تشتعل حروب ذاتكَ ياحبيب عُمري ..
بثت وميض الكلمات الهادئة بمسامعـه وهو مازال بين يديها الأمنه ، لتقول بـ هدوء :
-حبيبي أنا حاسـة بيك ، أهدى عشان خاطري ، أول مرة قلبك يتنفض كده في حضني .. أنا جمبك ومعاك ، متقلقش عالية هتبقى كويسة ، عاصي عاصي .. بص لي ..
فارقت حضنـه بصعوبة لتخاطب عينيه الجاحظة ، مررت كفوفها فوق ملامحـه وقالت :
-حبيبي لازم تتخطى أزمة مها .. مها اتوفت عشان في حد دبر لده .. مش بسبب الولادة .. كل الستات بتمر بالحالة دي طبيعي ، وأنا يوم هكون منهم ، مش عايزة أقلق عليك وأشيل همك .. عالية هتبقى كويسة ، وساعة وهتشيل بنتها بين أيدك وهتبقى أحن خالو في الدنيا دي .. ممكن تهدى عشان خاطري.. أهدى ..
مسحت على ملامحـه بكفوفها وأكملت :
-أول مرة أشوفك كده ، لا متهزرش أنا مستقوية بيك .. بص أعمل زيي ، خد نفس طويل وخرجه من بؤك بهدوء .. جرب ، صدقني هتهدى …
امتزجت به مرة آخرى وصار عطره عطرها ، تلك المرة ضمهـا بقـوة وباح عن وجعـه :
-نفس الشعور يا حيـاة ، نفس العجز .. نفس كل المشاعر اللي بكرهها حاسسها .. كأن كل ده كان إمبارح .
جذبته كي يجلس على المقعد الخشبي .. وأخذت تربت على كافة أجزاء جسده بلهفة أم تحوط على صغارها من برودة الذكريات المؤلمة .. وقالت بنبرة حنونة :
-يا روح قلبي كل ده ماضي .. خلاص ماضي وراح ، ممكن تهدا وتنساه ..
ثم أغرورقت عينيها بالعبرات وقالت :
-أنتَ كده قلقتني ، أنا هدخل ازاي عمليات وأسيبك بالحالة دي .. عاصي مش عايزة أشيـل همك من دلوقتي .. عشاني فك كده ، مفيش حاجة كله هيبقى تمام ياحبيبي والله .
ثم اندست بحضنه وضمت كفه :
-أي رأيك أعزمك على قهوة ونقعد قُدام البحـر نشربها سوا .. رد عليا بقا متسبنيش هتجنن كده ..
ثم رفعت جفونها مع ابتسامة ساحرة :
-هجيب قهوة وفشار وبطاطا سخنـة !! موافق .
كادت أن تنهض ولكنه أمسك بها مشيرًا بعينه كي تجلس ، مع همسة خفيفة منه :
-ارتاحي ..
ثم أشار لصاحب الكُشك المجاور لهم الذي أقبل مُلبـا وقال :
-أومرني يا بيـه … معاك مسعود .
سبقت حياة مردفـة وقالت بشغفٍ :
-شامة ريحة قهوة جامدة جدًا ، ممكن تجيب لنا اتنين ..
-تحت أمرك يا هانم …
كاد أن ينصرف ولكنها أوقفته متبعة شهوة وحمها :
-استنى يا مسعود رايح على فين .. عربية البطاطا والدرة الـ هناك دي تبعك !
-دي تبع أخويا ، بس أومري ..
ردت بحماس واشتهاء :
-هاتلنا بطاطا سخنة كتير .. و درة مشوية كتيـر بردو ، وشيبسي بالخل والملح .. كيس جامبو .. وزيه كمان بطعم الفراخ عشان بحبه ..
حدجها عاصي بنظـرة غامضة تعني تسأله ” هل ستأكلين كل هذا ” تجاهلت نظرته وأكملت :
-بعد كل ده بقا تجيب لنا كونو أيسكريم بالشكولا نختم بيهم .. ووو
تدخل عاصي حاسمًا :
-روح هات القهوة والبطاطا أنتَ يا مسعود ..
ثم انتقلت عينيه لعندها بعتبِ :
-هتاكلي كل ده !! وياريت حاجات مفيدة ، حياة مش عايز عك ابوس دماغك دي !
أسبلت عينيها بنظرات طفوليـة قاصدة تشتيت مخاوفه وانشغاله بها ؛ وقالت بمهارة :
-عاصي ، أنا حامل .. يعني أكل اللي عايزاه .. وبعدين كنا هناكل سوا .. أحنا تلاتة في واحد !
رد بضيق :
-كلي حاجات مفيدة، لكن شيبسي وايس كريم ومش عارف أيه !! أيه الطلبات الغريبة دي ؟! وبعدين أنا مضمنش جودة الحاجات اللي هنا ، بكرة أجيب لك الـ عايزاه .
زاغت عينيها بعيـدًا متجاهلة صياحه حتى رست على عربة الكبدة الواقفـة بعيدًا عنهم وقالت باشتهاء :
-الله!! عاصي قوم هات لي كبدة وحواوشي ..
نفذ صبـره من دلالها وطلباتها الزائدة قال متأففًا :
-قومي روحي يا حيـاة أنتِ أيه جابك ..
تشبثت بذراعه الذي ضمته إلى صدره وقالت بدلالٍ مبالغ :
-الله !! أنت نسيت إني حامل ، والمفروض آكل أي حاجة نفسي تروح عليها ، ده اسمه وحم يعني مش بمزاجي ..
-تمام ، اتوحمي على حاجات عليها القيمة ، اخرتها عربية كبدة يا حياة !!
هزت كتفيها ببراءة كي تخلي مسئوليتها :
-ولادك وطلباتهم ، بتزعق لي أنا ليـه .. ولا انا الحيطة المايلة بتاعتكم !! مش كده !!
دومًا ما تفوز أحاديثها بالحب والدلال ، لديها موهبة جبارة في جعل الأفئدة تنسى همومها كأنها لم تكن .. شعرت ببدء نجاح مخططها وهو تشتيته عن الماضي وعن أكر عالية ، استسلم لرغباتها قائلًا :
-وبيتوحموا على أيه كمان ، أما نشوف أخرتهم .. ؟!
مالت برأسها على كتفه وتملأ أصابعها فراغات كفه وقالت بهيام :
-حاجات كتير .. لو قولتهم هتنفذهم !
هز رأسه مدركًا أن جولة التمرد الانثوي الخاصة بها بدأت للتـو ، زفر بدون صوت وقال بضيق:
-قـولي على طول ياحياة..
بعد رأسها عنه لتثني ركبتيها وتتكور تحت أبطه وتقول بنبرة طفولية :
-دي مش طلباتي ، لازم تعرف أن دي طلبات ولادك مش أنا خالص ..
لامست وجهه كي يطل عليها ، يطل على نور قلبه وقالت :
-عايزين يشوفوا ابتسامة باباهم ، مش بيحبوا الوش المكشر ده ..
شبح ابتسامة خفيفة بدا على محياه وهو يقول :
-والله أنتِ مالكيش حل !! شايفة أن ده وقتـه يعني !.
-شوفت أديك رفضت أول طلب ليهم ..
ثم أشاحت ببصرها نحو مسعود المقبل عليهم وأكملت :
-أومال لو عرفت باقي طلباتهم … ؟!
أخذ عاصي القهوة والبطاطا الساخنة من يدي مسعود وشكره ، ووضع في يده بعض النقود الورقية التي لا تقارن بثمن القهوة قائلًا :
-والباقي عشانك يا مسعود ..
نظر لقيمة الفئات الورقة بيده وقال :
-بس ده كتير يا بيه والله !! ربنا يكرمك ويخليك لك الهانم ..
ما فرغ من حواره الروتيني والمعتاد مع مسعود والكثير من الرجال العاملين الذين لا ينسى حقهم ، عاد إليها فوجدتها تلتهم قطع البطاطا الصفراء بشراهة .. غمغم قلقًا :
-طيب على مهلك أقوم أجيب لك تاني ؟!
اكتفت بإصدار إيماءة خافتة وهي تأكل البطاطا كالأطفال ، أخذ يراقبها بعيون معجبـة حتى ضرب كف على الأخر مع ضحكة خفيفة وقال :
-أنا ربنا يصبرني ..
سقطت أعينها على ابتسامته الهادئة وهو يرتشف القهوة ، فبادلتـه ببسمة انتصار وقالت :
-تعرف أن ضحكتك دي عندي أحلى حاجة في الدنيا !
سألها مداعبًا :
-أحلى من البطاطا ؟!!
رمقت البطاطا بشك ثم قالت بجدية مفتعلة :
-تعرف أن ضحكتك دي احلى تاني حاجة في الدنيا بعد كوز البطاطا ده…
لم يتمالك نفسه إلا وهو ينفجـر بضحكة عاليـة وصلت لمسامع قلبها قبل آذانها، تضاعفت سعادتها لفرحة لا توصف ، فلم تنسى يومًا اعترافه بأن الهموم تهرب من فوق عاتقه عندما يكون برفقتهـا .. لمعت عينيها بضياء العشق الذي وقعت فيه من جديد ، صافحت ضحكاته قلبها ، فتبعثـر منها كامل رشدها وإدراكها لتقول بشرودٍ :
-بحبك ….
-ايه ؟!
ثم مسحت على وجهها بخجل وبررت :
-أنت عشان ترضى ولادك ، تزلزل قلبي !!.. أنا مش أد الضحكة دي ياعم أنتَ !! لا ارجع كشر تاني كده لحد ما نرجع بيتنـا ..
سحبها لحضنه ، فمالت برأسهـا على صدره وبعد ما قبـل رأسهـا قال :
-كملي طيب .. أي طلبات البهوات دول كمان .. ؟!
ثم لحق نفسه :
-غير الكبدة عشان دي مستحيل ..
مجرد حضن منه يملأها بشعور لذيذ ، أحساس بمذاق الونس والحنين وكأن الطمأنينة تحلق فوق ظلها والأمان كعصفور على أكتافها المُتعبة .. رفعت عيونها المدججة بالحب لعنده وقالت بتمنى :
-عايزين يبقوا بحضنك طول العُمر ، متتصورش وأنا ساندة عليك أنا حاسه بايه ..؟!
رغم بخبث :
-هما بردو ؟! تعالى هنا ؛ أنتٍ ليكي فترة كده شقية بزيادة ، أيه الحوار ؟!
شعور احتوائك لمن تحب ، و الحاضن لِفرحته ودقات قلبه وحُزنه وحبه ، كمن يقدم ميثاقًا بأنّك رُكنه الآمن من ضجيج العالـم .. كادت تجيبه بوجهها المحمر ولكن قطعهم أحد حراسه لينقذها من دهائه قائلًا :
-عاصي بيه ، آسف بس قعدتك هنـا والمدام مش صح ، أحنا مش عارفين نأمنك والمكان مفتوح من كل النواحي ..
هز رأسه متفهمـًا :
-عندك حق يا بكر .. يلا ياحياة ..
هنا جاءهم اتصال هاتفي من شمس تبلغهم بخبر ولادة عاليـة ، فاستقبلته حياة بفرحة كبيرة ألقت بها بين يديه صارخة :
-عالية والبيبي بخير .. يالا نشوفهم ..
همس بمسامعها قائلًا وهو ينهض ليسير بمحاذاتـها :
-على فكرة ، كل مرة بتبهريني أزاي قادرة تشتتي همومي بذكائك ..
ثم أمسك بكفها بقوة مسرعًا الخُطا :
-مش بحبك من فراغ ….
********
~عـودة لڤيلا عاصي ..
بعض الأخطاء لا تُغفر حتى ولو عض صاحبها على قلبـه ندمًا ودمًا ، لأنها بسهـولة لا يمكن لها أن تُصلح شيء ، لا يمكن أن ترمم شروخ الماضي .. لا يمكن أن تعيد الحياة للحياة بعد ما سُلبت منها ؛ حملت جيهـان حقيبتها الجلديـة وهي تتعكـز على أثاث الغُرفـة متأهبة للرحيل ، للعودة لتلك الفتاة التي ربتها على سُم الأنانيـة والطمع ، واستباح كل ما تريد حتى ولو كان بطُرقٍ غير مشروعة .. تلك الفتاة المحتجزة بالمشفى متهيئة لعمليتها الجديدة ..
جلست على طرف التخت للمرة الأخيـرة وبأيدي منتفضة مسكت جوالهـا لتكتب رسالة نصيـة أخيرة لابنها التي أشبعته قسوة ، كادت أناملها ان تتنقل فوق الحروف ولكن ثمـة شعور تعجز عن وصفه الكلمات ..
غيرت رأيها وحذفت كل ما كُتب ثم ضغطت على زر التسجيـل الصوتي :
-مراد حبيبي أنا راجعة لأختك ، كان نفسي أشوف بنتك وأحضنها ، عارفة أن وجودي هيعكر عليكم فرحتكم عشان كده همشي .. هستناك تبعتلي صورتهـا ..
ثم سالت دموعها وأكملت بحرقة :
-احكي لها عني كُل خير حتى ولو بالكذب ، قولهـا إني بحبها حتى من قبل ما أشوفها .. هتوحشوني كلكم .. قولهم يسامحوني وأنت كمان سامحني .
فرغت من تسجيل الصوت لابنها وقامت بارساله ، ثم انتقلت لمحادثة كريم وقالت :
-أنا عارفة إنك مش طايق تبص في وشي .. وأنا مش هلومك ، حبيت أقول لك أنا موافقة تتجوز من البنت اللي بتحبها ، ولو عايـزني احضر فرحك هستنى دعوتي .. هتوحشني يا حبيبي ربنا يسعدك .. وسامحني أنتَ كمان عشان بعدتك عن البنت الـ بتحبها ..
انتهت من رسالتهـا التي عادت لمصر من أجلهـا ، ألقت الهاتف بحقيبتها بفتور وحملت حقيبتها وغادرت تلك الغُرفـة تاركة عالمهم اللذين دفعوا فيه سنوات العمر كي يناولوا قسطًا من السلام والحب ..
الحياة ستكون جميـلة أن لم يُخلق الصراع والأذى ، كان الجميع سيعيش بسلامٍ لو تمتع كل منا بسلامه النفسي وتقبل شعور الهزيمة بنفسٍ راضية ، ولكن كيف ؟! كيف وبناء الأرض جاء كعقوبة لبني آدم لعصيانه !!
بنيت الأرض كمنفى ، كساحـة قتاليـة لا تُرحم ؟
كيف نبحث عن السلام وأول قصـة في تاريخ البشرية كانت هي قتـل الأخ لأخيه !! عن أي سلام تأمل قلوبنا الحمقاء !!!!
*******
~عودة للمشفى …
-طيب يا جماعـة أنا شايف أن قعدتنا هنـا ملهاش لازمـة ، ولا أيه ؟!نسيب عالية ترتاح .
هتف كريم بجملته الأخيرة والجميع ملتف حول عاليه شبه مغيبة عنهم إثر المخدر .. طبع عاصي قُبلة طويلة على جبين أخته النائمـة ثم اقتربت منه حيـاة وربتت على كتفه :
-قلت لك هتبقى زي الفـل ..
ثم نظرت لجميعهم وقالت :
-طيب أيه أنتوا ناويين تباتوا هنا ، كفاية مراد معاها ، نمشي ونرجع لهم الصبح ..
أيدتها شمس قائلة :
-معاكي حق ، بس مراد يرجع ، أخد البنوتة هو وتميم للدكتور ..
أخذت تهذي عالية بكلماتٍ غير مفهومة جعلت عاصي يجثو على ركبته كي يمكنه سماعها قائلًا بلهفة :
-عايزة أيه يا حبيبتي ، أنا جمبك ..
أخذت تهذي بدون وعي :
-فين ماما ؟! مراد ، أنا .. خليه يطلقني ..
تدخلت شمس موضحة :
-عاصي هي مش في وعيها ، ده تأثير البنج .. والأحسن نسيبها ترتاح وخلوا مراد بس معاها ، يمكن يحاول يصلح اللي حصـل ..
تفهم حديث شمس مرحبًا ثم قال :
-تمام ، يالا يا كريم أنتَ ونوران عشان نروح البيت .. وأنتِ يا شمس السواق مستنيكم تحت ، تعالى مع تميم ..
فأكملت حياة :
-أنا مجهزة أوضتكم وكل حاجة تمام ، أعملـوا حسابكم هتقعدوا معانا كام يـوم ..
فُتح الباب فطل منه تميم ومراد بدون صغيرته ، فتلهفت نوران متسائلة :
-هي فين ؟!
رد تميم :
-في الحضانـة بس عشان البنت اتولدت قبل معادها ..
اخترق مراد صفوفهم وجثا بجوار عاليـا وأخذ يمسح على رأسها بعد ما غطى ذلك الجزء المكشوف من شعرها ، أخذ يهمس ببلابل العشق وهو يقبل أناملها :
-يالا فوقي بقـا ، فوقي عشان تشوفي بنتنا ، عايـز أقولها أنها زي القمر ، كلها أنتِ ..
ربت تميم على كتفـه :
-حمدلله عـ سلامتهم يا مراد ..
فأكمل عاصي بنبـرة جازمة :
-شيلها في عينك لحد الصبح ، ولو زعلتها وغلاوة عالية ما هطلعك من الغردقة على رجلك ، عايز أجي ألاقيك مصالح مراتك ومخليها مغيرة فكرة الطلاق دي ، عشان لو رجعت لقيتها مصرة على رأيها هنفذه .. فاهم .
لكزته حياة بخفة ، وهمست :
-بالراحة عليه مش كده !!
ثم رفعت صوتها :
-يالا بينـا أحنـا ..
أمسك كريم يد نوران وخرج الثنائي أول واحد كي يستفرد بها مُلقيًا قائمـة مطالبه :
-اسمعيني ، هنروح عند عاصي ، تباتي مع بناته ، مفيش حاجة اسمها أوضة لوحدك ، ومتنزليش الصبح غير لما أكلمـك وأقولك انزلي ..
فاض صبرها من تحكماته :
-من يوم ما خطبتني وأنت بقيت خنيق موت ، ايه يا كريم !! فين كيمو الروش بتاع زمان !!
داعبت أنفاسه ملامح وجهها وقال :
-لما يتقفل علينا باب واحد هتشوفيه .. أما دلوقتِ تسمعي كلامي لحد ما نمشي من هنا ..
خرج عاصي وحياة خلفهم ، فتمتمت حياة له بفضول :
-عرفت أن كريم خطب نوران !
عقد حاجبه مشدوهًا :
-ده أمتى ده !! أنا سمعت حاجة زي كدا قبل ما يسافر ، هو جد جديد !
ضمت ذراعه وهما يغادران المشفى وقالت :
-هى قالت لي النهاردة ، وكنت فاكرة اعتذر من شمس عشان موضوع يونس ، بس مالقتش الوقت المناسب .. المهم طمني عليك دلوقتِ .. أحسن !
على أعتاب المشفى أعطاه أحد رجاله مفتاح السيارة المصفـوفة ، ثم همس لها وطوى همومه عنها :
-أنتِ جمبي لازم أكون أحسن ..
ثم جهر مناديًا على كريم :
-كريم ، هتركب معايا !!
تدخلت حياة قائلة كي تتيح لهم الفرصة للعشاق الجدد أن يبقى معًا ، ثم قالت مقترحة :
-كريم أنتَ معاك مفتاح عربيتي ، ارجعوا أنت ونوران سوا ، وأنا وعاصي هنتحرك قدامكم …
اقترحت نوران قائلة :
-طيب نستنى تمـيم وشمس ناخدهم معانا ..
-ماشي يا نوران ..
جزت حياة على فكيها وسحبت عاصي ليصعدا السيارة :
-البنت دي غبية أوي ؟!
ما أن جلست بالمقعد الأمامي بجواره ، وهي تعقد الحزام أكملت :
-تبان ذكية وفاهمة كل حاجة ، وهي بتغرق في شبـر ميه …
كاد أن يدور سيارته ولكنه تراجع متذكرًا أمرًا هامًا وقال بـ حسم :
-انزلي …….
*******
~السـاعة الثالثـة فجـرًا
بغُرفـة الضيوف الخاصـة بتميـم وشمس ، تتمدد في منتصف فراشها وهي تدلك بنطنها المنتفـخـة برقـة كي تستريـح من مشقـة اليوم .. فرغ تميم من أداء الصلوات المتراكمـة عليـه ، وما طوى سجادة الصلاة تحرك لعندها متوليـًا المهـمة بدلًا منهـا .. أعطت له أنبوبة الدهان الطبي واسترخت تمامًا وهي تتنفس بارتيـاح ، همس قائلًا وهي يحرك يده بحركات دائرية :
-لازم الطفل يحس بوجود وحب أبوه كمان ..
أخذت أنفاسها تهبط وتصعد بهدوء تام، منتشية بإحساس الحنان المنبثعة نحو صغيرهما :
-مكملناش كلامنـا ، أنا عايز اسميه اسم جديد ، وفخم ..
اعتدلت بهدوء ثم قالت :
-زي أيه ؟!
-معـز .. معز تميم دويدار ..
انقعدت ملامحها باعتراض :
-لا طبعًا .. مفيش الكلام ده ، ومحدش هيسمي ابني غيـري !!
-وانا مش أبوه وليا حق اسميـه ؟! ولا أنا ضيف شرف معاكم هنـا ..
عاندته بإصرار:
-لمـا تبقى تحمل وتتعب وتطلع عينك ، ابقى سميـه انت .. مش هسمي ابني معز انا !!
ساد الصمت لبرهة أحست بـ خطأها وانفعالها ، فبررت معتذرة :
-سوري ، نسيت أننـا مش في بيتنـا ، ممكن نأجل الكلام في الموضوع ده لما نروح !
رد بحـزم :
-الموضوع منتهى ، هو معز خلاص ..ومش عايز كلمة زيادة يا شمس ..
رفعت حاجبـها متعرضة :
-والله ، تصدق أنا غلطانـة ، طول الطريق قاعدة بفكر ازاي استغل الجـو الحلو ونسهر سوا وننبسط ، لكن الظاهر أنك مش وش نعـمة ..
ثم شدت الوسـادة وقفلت نور الأباجورة وقالت بجدية :
-نام يا تميـم ..
لوهلة تراجع عن عناده نادمًا :
-ايه نام يا تميم دي ؟! قومي يا شمس وقوليلي كنت ناوية على ايه ..
-قولت نام يا تمـيم !!
حاول استعطافها واستلطاف الأجواء بينهـما وقال :
-طيب بلاش معز مش لازم ، وقومي متضربيش أم الليلة دي ، أنا غلطان ياستي …
******
~بغُرفـة عاصي ..
يسود الظلام الغـرفة إلا أشعـة ضياء القمر المنصبة بغرفتهم ، أبت ان تقفل الشبابيك والنوافذ تلك الليـلة وفضـلت أن تنام على عطره وضوء القمـر .. اعتدلت في نومتها لتجعل وجهه مقصد رؤيتها ، فتلاقت أعينـهم التي فر منهـا النـوم لأسباب كثيـرة ، اندست بين ذراعيـه وسألته :
-منمتش يبقى بتفكـر في حاجـة .. أيه مطير النوم من عينك ..
-عيونك الحلوة دي ..
من أجمل سمات الحب لأي قلبين أنهما يقاسمان كُل شيء ، كُل شيء حرفيًّا لن يفعل أحدهم شيئًا بمُفرده ، يتشاركان البيت والأريكة والطعام ولحظات الحب والأرق وكافة التفاصيل ، الاثنان أمان بعضهم البعض ، يهرب الخوف تمامًا من بينهـما ، وحينما ترهقهم الحياة ، يختبئان بين أذرُع بعضهما طالبين الراحة فقط .. في كنف الحُب تُشيع جنازة الحزن والقلق لأنـك ستكون برفقة مَن يبث السعادة في كُل أرجاء روحك …. جذبها لعنده لتكون أقرب وأقرب وبعد تقبيله لكفها قال :
-اليوم مكنش سهـل النهاردة خالص .. بحاول انسى وأنام ومش عارف ..
-حبيبي أحنا مش اتفقـنا ، جيهان وصلحت جزء من أخطائها وسافرت ، وعاليـة قامت بالسـلامة .. وأنت نايم في حضن الست اللي بتحبها وهي بتموت فيك ، وكل الـ بتحبهم معاك في البيت ، أيه ممكن يزعلك تاني ؟!
تسللتت كفوف تحت ملابسها الخفيفـة ليتحسس نبض صغاره وقال :
-بفكر في دول .. وأزاي ممكن احميكم من المعركة اللي مستنية توقع عاصي دويدار بره .. حياة ؛ أنا أعدائي في السـوق كتير ، وخايف تـحصلي حاجة ااا …
سدت ثغره بأناملها كي لا يكمل جملتـه المتشائمة ، وقالت :
-أنتَ وعدتني أنك هتكون بخير عشان ولادنا ، دول ٤ ولاد مش هعرف أربيهم لوحدي .. أنا مش هسمح لك تروح مني لأي سبب .. انا روحي دي تروح معاك فيها..
قبل وجنتها بلطفٍ ثم قال مغيرًا مجرى الحديث :
-المهـم أن الدكتور طمني عليكِ وبس..
-صممت بردو أننا ننزل ونكشف ، شوفت صورتهم كانت حلوة ازاي في السونار .. عاصي تتوقع هيكونوا ولاد ولا بنات .. ولا الاتنين !! أنتَ عايـز ايه !
-صدقيني مش بفكر غير في سلامتك ..
ثم رفع تلك الحمالة المتدلية عن كتفها وقال :
-المهم منمتيش ليه ؟!
-بصراحة ، جعانـة أوي ، وسيدة عاملة شوية جمبري ومكرونة وهـم ، تيجـي ننزل ناكل !
عقد حاجبيـه متسائلًا :
-الساعة دي !
تحمست أكثر ونهضت بخفة من حصار حضنـه وشدته بإصرارٍ :
-عاصي أنا حامل ، وأكل في أي وقت .. افكرك تاني ، أنا تلاتة في واحد !!
طاوعها ووثبت معهـا وهو يتناول سترته القطنيـة ليرتديها وقال :
-البسي حاجة متنسيش أحنـا مش لوحدنا هنـا ..
أومأت بطاعة ثم عادت له متسائلة :
-عاصي ، أنتَ والدكتور كنتوا بتتوشوشوا في أيه ؟!
غمز بطرف عينه :
-كلام رجالة بقا ، مالكيش دعوة انتِ ..
رمقتـه بعناد :
-هاكل وأقررك .. دلوقتي جعانة مش هقدر اجادل معاك ..
*******
~بالمشفى …
-بنتي فيـن ؟! حياة ، عاصي … آه .
بصـوت وهن تمتمت عاليـة بجُملتـها بعد ما فاقت من نومها وتعبها .. نهض مراد على عجل وفتح النـور بلهفة :
-أنتِ صحيتي ؟!
تأوهت في فراشهـا محاولة الاعتدال وهي تلهث من عناء رحلتها ؛ رحلة وهن على وهن .. استعانت بكفه كي تعتدل من نومتها :
-بنتي فين ، عايزة أشوفها.. مش المفروض أرضعها ، هما خدوها فين ..
ربت على كتفها بحنان :
-بنتنا زي القمـر ، أهدي وهعمـل لك كل الـ عايزاه ..
سحبت كفها من كفه الخشن الذي ذكرها بقسـوة غيابه وقالت بضيق :
-عايزة أشوف بنتي ..
-حاضـر .. هجيبهالك حالًا ..
لم يكاد يتحرك من مكانـه فأتت الممرضة حاملة الصغيرة بين راحتي يديها بعد ما طرقت الباب وقالت :
-لازم ترضع من الأم ..
ارتجف قلبها الذي اغتسل بالثلج ، لم تجد سواه لتطلب مساعدتـه .. وضع الوسادة خلف ظهرها ثم أخذ الصغيرة من يدي الممرضة فقالت :
-أنا بره لو احتجتوا أيه حاجـة ..
اقترب منها كي يضع الفتاة بيدها برقة تنافس رقة النسيم وهو يدندن بخوف :
-على مهلك ، خلي بالك ..
حاولت مرات كثيرة أن تعدل وضعية يدها وتحمل صغيرتها بحكمة .. ساعدها في ضبط رأس الطفلة .. تبادل الثنائي النظرات الحائرة التي قطعها مراد قائلًا :
-يالا يا حبيبتي رضعيهـا ..
أحست بهيبة الارتباك والعجز وقالت بقلق :
-أزاي ؟! انا مش عارفة ..
مال إليها ووضع كفه فوق ظهرها لتستريح في جلستها وقال وهو لا يعلم أي شيء ولكن فطرة الأبوة كانت تقوده :
-يالا وأنا هساعدك ..
عانت كثيرًا من الكيس الطبي الذي ترتديه حتى تدخل هو الآخر وحل الأمر .. فك عنها ذلك الرداء وشرعت في عملها وغريزة الأمومة تتدفق من قلبها .. لامست تلك الجائعـة حليب أمها بلهفـة وهي تصارع كي تنال منه قدر المستطاع .. أغرورقت عيني عالية بالعبرات والضحك متناسيـة كل شيء وقالت بصوت متعطش للسعادة :
-مراد ، الله دي بترضع .. شايف !!
لم يتمالك نفسه وزمام حبـه فانحني ليُقبل الاثنين ، قبلة كانت من نصيب وجنتهـا والأخرى كانت من نصيب ذلك الجزء الذي يمد الصغيرة بالحياة والحب …أحمرت وجنتيها بخجـل انفجر من بين ملامحها الفارحة ، تلاقت أعينـهم المتعطشة للحب حتى ختمه قائلًا :
-وحشتيني أوي .. كل حاجة فيكي وحشتني .. عاليـة عشان خاطري تعالى ننسى الـ فات ..
ثم داعب وجه صغيرته وقال :
-عايز غالية بنتنـا تتربي في حضننا ، أنا مبقاش ليا حد غيركم بعد النهاردة !
تمتمت باندهاش :
-غاليـة ، أنتَ هتسميها غاليـة يا مراد .. !!
-أنا بالفعل كتبتها غالية وبكرة هسجلها ؟! عشان يبقى عندي بنتين عالية وغالية .. غالية مراد المحلاوي..
اتسعت ابتسامتهـا متقبلة الاسم على الرحب والسعة :
-جميل غالية ، عجبني..
طبع قُبلة اعتذار أخيرة بداخل راحت يدها وقال:
-اتفقنا .. مفيش زعل تاني وهنفتح صفحة جديـد ..؟!
منذ أول لقاء بيننا أدركت أن هناك قصة جديدة يسطرها القدر على جدار قلوبنا ، أن وجودك معي سيشكل فارقًا عظيماً في حياتي شعرت بأنني معك سأكون أقرب للكمال وبأنك وبطريقة ما ستخلق أثراً عظيماً في قلبي .. بللت حلقهـا معترفة ببكاء :
-وأنا كمان ماليش غيرك .. بس …
اندفع قائلًا وهو يتلقى عِبراتها على ابهامه :
-أشش من أولها نكد وزعل والبنت بترضع كده !! لا بقولك أيه أنا مش عايز بنتي تطلع نكدية الغي العياط ده من حياتك خالص ..! سيبك من الكلام وتعالى نتفرج على غاليـة ..
غير مكانه من أمامها ليبقى بجوارها ، وبالأخص لتبقى جار قلبـه الذي عاد له النبض مرة أخرى بوجودها … حوط كتفيها فتلقائياً استندت برأسها على كتفـه وقالت :
-أنتَ كمان وحشتني أوي …
******
~عودة للقصـر ..
انتهت حياة من وضع الطعام بـ ” الميكرويڤ” ثم اقتربت منه الجالس على أحد المقاعد الخاصـة بالطاولة التي تتوسط ساحة المطبخ .. تدلت كفوفها الرقيقة من فوق كتفـه بـ هدوء ، ساندة ذقنـها على كتفـه وقالت بهمس :
-أنت كويس !!
ترك الهاتف من يده إثر لسمات تلك القطة الشقية التي لا يقاوم قربها رجل يافع مثله وقال :
-معاكِ أهو .. أنتِ اللي مش مبطلة حركة وده مضايقني ، ممكن تريحي نفسك ؟!
بقبلات دافئة متوزعة بجدار عنقه تعلن فيها اعتراف قلبها بإنه امسك بيد الرجلَ المناسب ، الرجل الذي تستحقه .. ثم قالت بخفوت:
-أنتَ ليه ماقولتش أن فريال حاولت تقرب منك .. !
هز رأسه متفهمـًا :
-لو قُلت لك كان هيحصل أيه ؟! أنا هقولك ، هتنكر وتقلب الترابيزة عليا وأخسر أخوكي والشك يدخل ما بينـا .. وبالتالي علاقتنا هتتهز فـ هنحقق لها الـ عايزاه ..
ثم شد كفها لمستوى ثغره ليقبله وأكمل :
-أنا عارف الأشكال دي ، دي حلها تتساب لحد ما تفضح نفسها بنفسها ، وأهو الـ عملت حسابه حصل ..
لفت ذراعيها حول عنقـه وقالت :
-على فكرة هي مشيت ، راحت عند خالتها وقالت مش هترجع تاني .. واعتذرت عن كُل حاجة .. وكانت كاتبه في كلامها أنها فعلًا جاية تنتقم مني فيك .. بس أنت صديتها ..
ثم ضمته إليـه وقالت بامتنان :
-عاصي ، شكرًا ليك .. شكرًا ليك لأن للحظة دي مفيش واحدة عرفت تنتصر عليا ، شكرًا لأنك مدتش واحدة الفرصة تهيني وتقلل مني …
دار بمقعده الجلدي لتتبدل الأدوار ، وبدلًا من احتوائها لكتفيه ، باتت كلها بداخله جسده ، وتحت حصاره ، رفع جفونـه لعندها وقال بنظرة تُقر باكتفائه بهـا :
-أعمل أيه في قلبي ؟! اكتفى بيكِ وقفل عليكِ بضبة ومفتاح .
مالت بكُل جسدها لعنده وقالت :
-تعرف أن مفيش أجمل منك بعيني .. ولا حد أسعد مِني وأنا معاك ..
ثم اندفعت بكل مشاعرها لتزرع زهورًا وليست قُبلًا على كافة ملامحـه ، كانت قبلاتها هادئة ، بتأن تعرف أين ستذهب ، وما ستفعل بقلبـه ؟! كادت أن تفجر عشقها الأكبر بملاذ قلبها ولكن جرس الفرن الكهربي قطع عليـهم تلك اللحظة الهنيـة .. ابتعدت عنه بدلالٍ وبعتبٍ مفتعـل :
-عاصي ، بطل بقا الحركات دي .. عندنا ضيوف في البيت ، أحنـا مش لوحدنا !!
-ده أنا بردو ؟!
ثم فرت كالأرنب العنيد من حضـنه لتُخرج الأكل ، رصت الجمبري بالأطباق ، ثم فتحت الثلاجة فوجدت قطع الحلوى المغرية وسألته :
-تاكل جاتوه معايـا ؟!
لازال يقاوم رغبتـه فيها ، تلك الهشية التي تنفتح وتقفل لرؤيتها فقط ، تحمحم مستجمعًا شتاتـه وقال ساخرًا :
-هاتي اللي عندك ياحياة خلينا ناكل وننام ، عشان شكلك مش ناوية تجيبها لبر …
رصت الأطباق أمامه بفرحة لا توصف ، ثم جلست وشرعت في التهام الطعام بشراهـة وكأنها في سباق مع أحد .. رفع حاجبـه متعجبًا ثم تناول شوكته وشرع في تناول وجبته ببطء .. لم يمض وقت طويل حتى انتهت من طبقها كاملًا وواصلت فقرة الحلويات .. وما فرغت من تناول قطع الكيك ، أمسكت مرة أخرى بشوكتها لتشارك عاصي في طبقـه ، وقالت :
-شوية جمبري وهم !
-أنتِ شهر كمان بالحال ده ، مش هعرف أشيلك تاني!!
عقدت حاجبيها مندهشة :
-ده ليـه بقا ! ياحبيبي افهم أحنا تلاتة .. قدامك دي تلاتة فالأكل بتاعي وبتاعهم .. وبعدين تعالى هنـا هو أنا تخنت ؟!
القى نظرة فاحصة عليها وقال بإعجاب :
-بصراحة ، أنتِ احلويتي أكتر وو .. بعدين أقول لك ..
لملمت الأطباق سريعًا مفتعلة الزعل :
-بعد أيه ! وسع كده ، وبعدين حتى لو تخنت كله فدا ولادي حبايبي ..
اتجهت ناحيـة الحوض ووضعت الأطباق بداخله وغسلت يدها بفتور فباغتها بحضن طويلٍ من الخلف ، وهو يعتذر عما قاله :
-متقلقيش معاكي لـ١٠٠ كيلو زيادة .. فكُلي براحتك ..أنا كده كده بحبك ..
ثم أزاح شعـرها عن ظهرها ليتأمل الحوت المرسوم فوق كتفهـا وقال :
-أنا كل ما أشوف الحوت ده ببقا عايز أكلك وأكله ..
تململت بدلالٍ :
-عاصي بطل بقـا ، وابعد عشان بجد قفلتني ..
لمس حوتها المرسوم بشدقه الهائم لثوانٍ فشعرت أنّ نجومًا صغيرة هبطت من السّماء وتحلّقت حول أثر لمساته ، لمس عنقها لثوانٍ معدودة . . فصار وجهها قمرًا منيرًا .. نسيت صنبور المـاء مفتوحًا وهي تذوب معـه كعود من الريحان يتمايل على لحن الهوى .. أفرط بمداعبتها وهو يخبرها بأنفاسـه المحترقـة :
-أنتِ أزاي قادرة تكون أم وأخت وبنت وصاحبة وزوجة وعشيقة سرية بقابلها كل ليلة .. أزاي قادرة تكوني كل دول في شخص واحد ..
كادت أن تجيبـه ولكن من فرط المشاعر التي تسربت لروحها فقدت القدرة على النطق .. اعتصرت معصم يده كي يتوقف بث اللمسات الحنونة لجوفها ، ثم دارت بصعوبة بين قبضة يده والتفت ذراعيها حول عنقه وهي تلهث من جملة المشاعر العذبة التي تروي فؤادها :
-عاصي .. أنتَ حبي اللي عشت أرسمه في خيالي سنين طويلة ، أنا هنا عشان أكملك .. اسد فراغات قلبك ، انضفه من فضلات الماضي .. أنا حبيتك بقلب كل الستات اللي أنتَ شايفهم فيـا .. أنا مستعدة أكون أي حاجة تسعدك ..
ثم طوقتـه بوهن وأكملت وشوشة لقلبه :
-أنت الحُب الـ عمري ما هندم عليه أبداً، أنت بالنسبة لي أعظم حاجة دخلت قلبي ..
ثورة صاخبـة من العشق اندلعت في كيان الحبيبان اللذان يكملان بعضهما البعض ، آهات مكتومة وصوتًا واحدًا ينبعث وترين مختلفين ، تلك اليتيمة التي وجدت فيه حنان الأم وأمان الأب وشقاوة الأخوة ، ليغمدها بجسده كأنه متعمدًا ترميم شروخ روحه بحب تلك الفتاة التي تذوق معها كيف سيكون حنان الأم ، وخوف الأخت .. واحتواء الزوجة .. ضمها معصمـه ورفعها عن الأرض قليلًا كي تجلس على سطح الطاولة .. في تلك اللحظـة سمع صوت صخب بالخارج ، فعاد له رشده وشدها من كفها وقفل صنبور الماء قائلًا بحذر :
-في صوت بره .. ظبطي نفسك ..
عقدت حزام منامتها الطويلة حول خصرها وشربت كوب من الماء ظنًا منها بانطفاء نار الحب بكيانهـا .. سحبهـا برفق للخارج بعد ما أشار لها أن تحتفظ بهدوئها، تمددت أنظاره للخارج كي يفحص المكان ، فوجدها قطة دخلت من النافذة المفتوحة وتعبث بالمنزل ، نظر لها بضحكٍ :
-القطة دي انقذتنا .
ثم سحبها عنوة خلفه :
-تعالي تعالي ، أنا نسيت إنك حامل أصلًا .. كنتِ هتودينا في داهية ..
توقفت على أعتاب السلم لتأخذ نفسًا عميقاً ويهدأ روعها قليلًا ، ثم أشاحت بنظرها معلنة عجزها :
-عاصي بجد مش قادرة اتحرك .. أعصابي كلها بايظة ..
انحنى قليلًا وحملها بين يديه محذرًا :
-طيب متعمليش صوت ..
بحذرٍ شديد عاد الثنائي لغرفتهما ، ركل الباب خلفه ووضعها برفق بمنتصف فراشهما كاد أن يفارقها ولكنها تمسك بملابسـه قائلة :
-بتبعد عينك عني ليـه ! مش مجبر على فكرة .
تمتم ضاحكًا :
-حياتي أنتِ هرمونات الحمل دي مبوظة الدنيـا معاكِ .. أنا خايف عليكِ .. لحد ما نعدي الشهر التالت بس ..
-مش الدكتور طمنك !
-طمنني …
ثم تململت في نومتها بهدوء وهي تضمـه إليهـا ببطء وكأن هناك علة بروحها لا يداويهـا غيره :
-وقالك أيه كمان ؟!
غاب عن وعيه ذائبًا بسحر عينيها وهو يتأقلم على امتلاكها وامتزاج أرواحهم بلغات العشق التي لا يفهمها سواهم :
-هو مين !!
طمأنينة القلوب الحَقيقة هى تلك الروح التي تمتزج بروحي فتداوي كافة الأوجاع وتجدد خلايا الحب من جديد ، فهو موطني الذي يقبلني ويتقبلني رغم كُل شيء ،ويعود إلي وأعودُ إليهِ مهما حدث ، نحن الاثنان داء ودواء بعضنا لأخر العمـر …..
~صبـاحًا
فتـح عينيـه إثر لمسـاتها الحنونة التي تغلف القلب بالسعادة والحيـاة ، آخيـرًا أشرقت شمسها برؤية عينيـه اللاتي استقبلتهما بابتسامة :
-صباح الخيـر يا حبيبي ..
أردف بصوته النائم :
-لسه ما نمتيش لحد دلوقتِ يا حيـاة ؟!
-لا نمت شوية ، ومعرفش ليـه حسيت بإنك واحشني وعايزة أشبع من ملامحك ، فصحيت .. ومعرفتش أنام تاني ..
رفع رأسه النائمة ليستند على الوسـادة وقال معاتبًا :
-وبعدين فيكي !! مش هتبطلي دلع !!
ثم نظر لها بلهفة بعد تذكره لطيف تفاصيل الفجر بينهم ووضع يده فوق بطنها :
-أنتِ كويسة !
سئمت من خوفه المتكرر عليها ، حيث أجابت بمزاح :
-كويسـة جدًا كمان .. وبعدين أيه بطلي دلع دي !! اعتبرها تعويض عن الليالي اللي كنت تباتها في الشغل وناسيني خالص ..
رد بعفوية :
-عشان كنت غبي ..
-لا ماتقولش كده ، أنت أعظم راجل في الدنيا .. قوم يلا عشان نروح لعالية نطمن عليها ونجيبهم..
رفع الغطاء من فوقه وقال :
-حاضر يا ستـي ..
هرول إلى الحمام ، ونهضت هي بحماس لتختار له بدلتـه .. ثم وضعت ملابسه القطنية على معصمها وعادت لعنـده .. وضعت تلك الملابس في مكانها المعتاد ثم دخلت ذلك الصندوق الزجاجي وأخذت منه تلك الفرشاة لتساعده ، فأردف متعجبًا:
-ده أيه الرضـا ده كله !!
عبرت عن مشاعرها بحيرة :
-مش عارفة .. بس أحساس جوايا مش عايز يفارقك للحظة ، ممكن نروح نجيب عالية وترجع متروحش الشغل النهاردة .. خليك قاعد معايا ..
دار لوجهها وشدها تحت الماء معه وقال :
-أنا جمبك أهو ، هروح فين ؟!
-لا خليك جمبي على طول ..
-ومش هتزهقي ؟
-عمري ما أزهق منك ..
مرت قرابـة الساعة ؛ فكانا عاصي وحياته بالسيارة في طريقهم للمشفـي ، طول الطريق متشبثـه بكفـه كأم تخشى أن تفقد صغيرها وسط الزحمة .. بين كل كلمة والأخرى تأخذ نفسًا طويلًا تطرد فيـه شبح المخاوف التي تحيط بقلبها ولم تفهمها .. كل فترة والثانية تتقابل أعينهم وسرعان ما تنفصل عن بعضهـا .. عند بوابـة المشفى طلبت منه أن يصف سيارته جنبًا وهبطت راكضة من جواره تتقيأ .. هبط خلفها بلهفة وضمها تحت شجرة بالطريق :
-طيب مفيش أي حل للترجيع بتاع كل صبح ده !! بالراحة طيب ..
جفف ثغرها بالمناديل الورقية ، فأجابته بصوت متعب :
-طبيعي يا حبيبي متقلقش ..
من الخلف هناك شعاع ليـزر مصوبًا لمنتصف ظهـر حيـاة ، وفي تلك اللحظة التي ضمها إليـه كي تهدأ من صوت أنفاسها المتصاعدة .. خرجت تلك الرصاصة العدائيـة عن مخبأها لترسـو بمنتصف جسد أحدهما ….
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم نهال مصطفي
🦋الفصل الحادي عشـر 🦋
<الجزء الاول من الفصل >
الأزمات النفسـية المفاجئة مرعبـة ، لا تُبيح لك حرية التصرف كما ينبغي ، لا يمكنك أن تصرخ ، تعترض ، تضحك ..على حين غُرة تتكبـل وينعقد لسانك وتُشل حركتك ، تتجمد بمكانك لدرجة أنك لا ترى ما ترى ..
ضرب الدوار رأسها وانصب بمعدتها فاستندت على جذع الشجرة لتعيد الكرة .. في تلك اللحظة التي توسط فيها شعاع الليزر منتصف ظهرها وبمهارة قاتل محترف يعرف من أين تُسلم الأرواح لملك المـوت ؛ ضغط على زر بندقية القنص في نفس اللحظة التي تكورت فيهـا حيـاة بداخل حضنـه لتتقيأ..
صوت مروع .. مرعب ، صوت رصاصة خرجت من سلاح أحدهم فجرت صرخات عدة من أجواف المارة .. برعب طفلـة بالغابة استمعت لصوت حيوان متفرس ، صرخت متحاميـة بصدره متشبثة بملابسـه ..
أخترقت رصاصة العدو كتفـه ولكن ذلك لا يحرك أنش بجسده كي يظل يحميها ، كي تظل آمنـه في سربـه .. اندست حوريته بين سياج صدره كي لا ترى العالم المخيف وراء حصنها المنيع ..
لحظات مرت ببطء سنوات على قلبها المرتعد حتى شعرت بارتخاء قبضته عليـها ، وزمجرة أصوات الحشد الجمهوري من خلفهـما .. تراجعت ببطء مخيف ، بطء مثقل بمخاوف الفقـد ، بطء يرفض مواجهة الحقائق.. انسحبت يدها المرتجفـة من وراء ظهرها وقبل أن تراها ارتفعت عينيها لعينيه المكدسـة العِبرات وكانها تتوسل إليه أن ينفس أحساسها ، أن يطمئن قلبها المرتعدة .. بتلك الشفاه المرتعشة غمغمت باسـمه وهي تفحص ملامحه المنكمشة من قسوة الوجع :
-عاصي ..
خدعه جسده من شدة الخفقان في تلك اللحظة جعلته يضطر إلى الإتكاء على جذع الشجرة .. احتد الألم عليه حتى شعور ببتر ذراعها ، انعقد الجميع خلفهم فواجهـت حينها الحقائق عندما رأت دمائـه تكسو كفها .. كانت الرصاصـة بكتفه ولكن الآلم يُغرز بقلبها غرزة غرزة .. اهتزت رأسها بالرفض ، رفضًا قاطعًا أن يصيبه مكروهًا ، رفضًا لبعده عنها ، رفضًا لجميع الأحداث المروعة .. تأوهة متحملًا الألم يتكأ على الشجـرة ، آمرًا :
-كلميهم في القصـر يجوا يأخدوكي ..
تقطعت الكلمات في شِدقـه وهو ينهزم أمام الألم :
-مطلعيش من البيت يا حياة ..
-لا ، انا مستحيل أسيبك ..
لم تجد نفسها إلا تضمه إليها وتتوسل صارخة :
-ألحقوني .. حد يلحقنا ..
ثم أخذت تضرب الارض بقدميها من شدة عجزها ، وتواسيه :
-عاصي .. لا ، انتَ مش هتسيبني كده !! عاصي لااا .. ده مش اتفاقنا ..
فتزلزل كيانها بصرخة مندلعـة :
-ساعدوني …
حدث عمره الزمني لا يتجاوز الثلاث دقائق ولكن صداه الألمي سيظل ملازمًا لعمر المرء كظله .. جاء عدد من طاقم التمريـض وهو يركض بالـسرير المتنقـل عندما أبلغ موظفي الأمن أدارة المشفى على الفـور .. حملوا عاصي منبطحًا على بطنـه وهروله به لأعتاب المشفى ..
خرت قواها الجسديـة للحد الذي لم يتبقى منه شيئا حتى أنها عجزت على الإلحاق به .. سير خطوة وتسقط الخطـوة الثانيـة حتى تقدمت لها أحد السيدات بالمكان وساندها في الذهاب خلفه ….
******
~ڤيلا عاصي ..
أزاح تميـم ستـائر الغرفة المُطلة على البحـر مباشـرة متعمـدًا إيقاظ تلك النائمة التي افسدت عليه ليلة الأمس إثـر عنادها .. فتح نافذة الغرفة فداعب هواء البـحر البارد ملامحه المغبـرة بزحام القاهرة .. كان الموج يتلاطم هنا وهناك .. طافت عينيه المنبهرة بروعة وجمال موقع البيت فأغرى الموج ذاكرته فـ تذكـر حدثًا قديمًا بينـه وبين أمه :
-تمـيم ، الموج عالي بلاش تنزل البحر النهاردة ..أنتوا داخلين على ٣ث ومش عايزين أي أصابات تعطلكم .
توسلت إليه أمه كي يتوقف عن نزوله للبحـر ولكنه أجابها بطيش مراهقيـن وهو يتمسك بيدي مراد :
-متخافيش علينـا ، المفروض الموج هو الـ يخاف مننا ..
فتدخل مراد معبرًا عن تأييده لحديث صديقـه :
-متعـة الحياة الحقيقية في موجها العالي ..
ابتسمت مديـحة وهي تتفقد تمسك الرفيقين ببعضهما ثم قالت بنبرة واعظـة :
-متعة الحياة الـ بجد أنكم تواجهوا موجها وصعوباتها وأيديكم في أيدين بعض كده ..
غريب أمر الذاكرة ، يمكنها أن تسافر بك عبر الزمن للحظات تمنيت ولو لم تنته أبدًا ، بنفس الشعور وبنفس اللهفة الماضية .. تعلق في ذيل المستحيل ، ذلك المستحيل الذي لا يمكن تكراره .. وأيضًا تخدعك وتلهيـك وتنسيك أكثر الأشخاص حبًا لقلبك ، أناسٍ بات لقائهم يجتاح إلى الذهاب للعالم الآخر بدون عودة ..
عاد إلي رشده إثر نداء صوت شمس المفعم بالنـوم ؛ تتسائل :
-هي السـاعة بقيت كام دلوقتِ !
رد باختصار بعد ما أخذ نفسًا طويلًا كالعائد من سفره البعيد وقال :
-لسـه ٩ .. كملي نوم .
لاحظت شحوب ملامحـه ، فرفعت الغطاء من فوقها وتحركت نحوه ، مررت أناملها فوق ملامحه المتغيرة وسألته بلهفـة :
-تميم ، فيك حاجة ..؟!
دومًا ما ينقـم المرء منا على تلك الصعوبات التي اغتالت براءته وأيامه الجميـلة ، أجبرتنا أن نكون أشخاصًا غير الذين نتمناهم .. خلقت منا قناع مزيف لا يمكننا انتزاعه ؛ ولى وجهه للبحر وقال بترجي :
-لو كانت أمي عايشة !! ولو كان مراد فضل صاحبي طول السنين الـ فاتت !! ولو مكنتش ضيعت سنين عمري متكتف على كرسي عشان أنجو من شر عبلة .. ولو فعلا طلعت عالية أختى ومن دمي وأحضنها براحتي زي ما كنت .. ولو ..
تأملت وجهه المليء بالدفء ، تلك الملامح الحنونة التي تطمئن قلبها بأن كل شيء سيبقى على ما يُرام .. فقاطعته ناصحـة :
-لو كانت مامتك عايشة كُنت مسيرك هتفقدها في يوم ما جاي وهتعيش نفس الوجع من جديد ..
ولو مكنتش قضيت عمرك متكتف على كرسي عمرنا ما كنا هنتقابل .. وكان ممكن حياتك وقلبك يعصوك وتغويك الدنيا زي ما غوت عاصي ..
ثم استقر كفها فوق كتفـه وأكملت مواسية :
-ولو على عاليـة ، في أختكم حتى ولو الشرع والقانون أنكر .. بس مفيش سلطان ممكن يتحكم في هوى القلب والحب الأخوي الجميل الـ بينكم ..
فـ بللت حلقهـا وأكملت لتختم حديثها :
-كل حاجة بتحصل في حياتنا آكيد وراها حكمة .. وآكيد هيجي الوقت ونعرفها .. ده اسمه” قدر المرء من قبل أن يولد” ، يعني سهم نفذ لطريقه ومفيش حد يقدر يوقفه .. بس نقدر نهون صعوبته على بعض .. ملناش حق نعترض ، بس نقبله زي ما هـو .
زفـر مآسي سنوات عمـره وقال باقتناع :
-معاكِ حق ..
قررت أن تلطف الأجواء المشحونة بعينيـه قليلًا وقالت :
-وبعدين أنتَ بتفكر في كل الحاجات اللي مضايقك .. وناسي أن في ضيف جديد هينور حياتنا كمان كام شهـر !!
فعقدت حاجبيها ممازحة :
-ممكن أعرف فين ابني من تفكيرك !
ابتسـم رغم عنه وولى إليها مصدرًا ظهره للبحر وذكرياته التي لا تَرحم ؛ مسح على شعرها المنسدل بـ كفيـه ثم تربعت قبلتـه على جبينها وقال معترفًا :
-أنتـوا في قلبي وكل ما ليـا يا شمس .. أنت الحاجة الصح الـ جات في الوقت الصح بالتمام ..
ولكن طيف ليلـة أمس حل كالضيف الثقيل برأسـه،غمز بعينيـه مداعبًا :
-تعالى هنا ! أنتِ ازاي ياهانم تستجري وتنامي قبلي ليلة إمبارح ؟!
-الله !! مش أنت اللي صممت على مُعز !! وبعدين اسم ابني هيكون بالاتفاق ما بينـا ..
تجاهل مبررهـا بإصرار :
-ايوة بردو ، ازاي تنامي قبلي وتسبيني كده دماغي تودي وتجيب !
-كُل ما تزعلنـي هسيبك وأنام ، عشان تعمل حساب زعلي من هنا ورايح ..
ثم انكمشت أعينها بنبرة تهديـديـة :
-خد هنا ، دماغك دي كانت بتودي وتجيب في أيه بالظبط ؟! عشان شكلي هسيبك وأكمل نوم ..
أقبـل نحو شمسـه بشغف متجمـد يلتمس الدفء من نورها وقربهـا .. كانت بين حضـنه بغتـة وبدون إذن مسبق توحد ضربات قلبهمـا ، تمسكت أناملها بياقـة منامته وقالت بهمس :
-تميم بطل جنان ، أحنا مش في بيتـنا ..
اقترب منها حد تولى أنفاس مهمة القبـل بدلًا من شفتيـه .. شرعت يداه بالتنقل بحُرية فوق شمسـه الدافئة دومًا وقال بنبرة مبطنـة بالسخرية والهيـام :
-مرة نوران بره ، مرة تقولي تميم أحنا مش في بيتنا .. مرة لازم انزل المستشفى .. وأنا فين من كل ده ؟!
تحولت يديهـا منكمشة فوق صدره لِعناق لطيف وكأنها رفعت يديها مستسلمة ومتنازلة عن جميـع أسلحة منعـه .. سند جبهتـه فوق جبهتها فامتزجت الأنفاس وتوحدت الرؤية فكل منهما لا يرى إلا ملاذه بوجه الآخر .. بادر ببسيل من القُبلات الخفيفـة وكأنه يمهد لعاصفـة عاتيـة .. ذابت شمس في حضن قمرها مستسلمة ، ومستمتعة بمذاق الحُب الشهي الذي يروي قلوبهما المتعطشـة .. كل منهما يعرف طريقه جيدًا في اسعاد قلب الأخر .. فهو لا يميـل إلا لكل ما هو حنون ، كذكريات أمه والقهوة ويديهـا ، فكان حضنها ملجأه الأمان دومًا .. أما عنها فكان يغمرها بقسوته التي تستمد منها القوة لجسدها الهشـم ، فيتسلل لداخلها شعور الأمان كمن يعانق سورًا حديدياً … فجأة تتحول جميعُ الأشياء ناعمة على قلبك بجوار مَن تُحب .. تراجع الجسدان بمهلٍ للوراء حتى لمست ساقيها ذلك التخـت .. جلست فوقـه ببطء متبعًا جميـع خطواتهـا بآهات ملتاعـة تعكس تلك المشاعر المحترقة .. افترق الجسدان المتخدران بسُكر حبهما لبرهـة تمنحه الفرصة لتحرر من كل ما يعيق لقائهـم ، ولكن بعض المشاعر كُتب عليها ألا تَكتمـل ؛ صوت مضطرب وخائف يبنعث من أمام باب غُرفتـه :
-الحق يا تميـم بيـه ..
كمن سكب دلو مثلج فوق جسده وهو يقول نادمًا وهو يتناول سترته :
-أنا لو كنت عارف أن سيدة هنا مكنتش عملت حاجة .. قومي ياشمس ، قومي ، حاسس أني متجوزك مع سيده ..
بنيرانه فتح الباب وهو يعض على شفتيـه :
-هلحق أيه ياسيـدة ! دا انا عايز الـ يلحقني منك ..
بنبـرتها المرتعدة أخبرته :
-عاصي بيه اضرب بالنار قُدام المستشفى .. الحق أخوك بيموت ..
حاول استيعاب ما ترويـه حتى تسائلة مذهولاً :
-ازاي يعني ؟! عاصي !!
*******
~بالمشفــى ..
وخاصـة بغُرفة عاليـة وهي تتناول وجبتها جبرًا إثر إلحاح مراد الذي هتف قائلًا :
-عاليـة الأكل ده كله لازم يخلص .. يلا ..
تمنعت بإصرار ممزوج المزاح :
-مراد ؛ بجد مفيش حد بيفطر فراخ مشوية .. حرام عليك ..
-أنتِ والدة ولازم تتغذي كويس .. كملي دي بس .
تلاقت أعينـهم المغمورة بأسمى أنواع الحب وألطفهـا .. حيث غيرت محور الحديث متسائلة :
-كان يجي لك نوم وأحنا بعيد عنك ! طيب مش بيجي في بالك الحمل تابعني أد أيه ومحتاجة حضنك عشان يهون عليـا الرحلة !!
ثم أغرورقت عينيها بالعبرات :
-قسيت عليـا أوي يا مراد ..
خربشت بأهدابها المبتلة من كثرة الدموع فوق قلبـه .. فهز رأسه متفهمـًا :
-عالية أنت كنت متراقب ، وكمان عمري ما كنت هسامح نفسي لو جرالك حاجة ومعرفتش أحميكي .. التهديدات كانت بتوصل لبيتنا .. كان لازم أبعدك عني عشان اشتت تركيزهم .. ومفيش غير عاصي اللي هيعرف يحميكي ..
ثم مال إلى كفوفها ليغمرهمـا بقبلات إعتذاره وقال :
-وعد مني مش هبعد عنك أبدًا ، وهعوضك أنتِ وغالية عن كل الأيام الـ كنت فيها بعيد .. أنا ماليش غيركم دلوقتِ ، سامحوني عشان نعرف نكمل ..
ردت بنبرة حنونة يحاوطها الغفران :
-أنا عمري ما عرفت أزعل منك .. بس بفضفض ، بسألك بس ..
ابتلعت غصـة أوجاعها وقالت مغيرة مجرى الحوار :
-هما فين لحد دلوقتِ محدش جيه منهم ، وكمان مامي لسه موصلتش!! دي وحشتني أوي .. تعرف كانت تيجي كام ساعة كل اسبوعين وتمشي مابلحقش أشبع منها ..
هنـا وصلت سوزان التي قطعت المسافات كي تكون مع ابنتها .. فتحت الباب بدون استئذان وارتمت في حضنها وهي ترحب بسلامتها .. غمر الشوق قلب الأم وابنتها ولكن جاء اتصال تميم لمراد ليخبره بحذر وهو يركض مغادرًا البيت برفقة يونس ورشيد :
-مراد ، عاصي اضرب بالنار عندك قدام المستشفى.. بلاش عالية تاخد بالها ، روحلهم وأنا جاي في الطريق .
وثبت مراد مفزوعًا وبدون أي مقدمات غادر الغرفة بعجـل كل لا تلاحظ زوجته سبب تعكر ملامحه فينفضح سرهم …
ألقت ” شمس ” آخر أوامرها على مسامع اختها :
-أنتِ وكريم خليكم هنا عشان البنات ، البنات ميحسوش بحاجة يا نوران .. وأنا هروح أقف مع حياه ..
ثم نظرت لسيدة بعجلٍ :
-يلا بينا يا سيدة ….
جاء كريم راكضًا من أعلى وهو يقفل في أزرار قميصـه ملهوفًا حتى وقف أمام نوران متسائلًا :
-حصل أمتى الكلام ده ؟! وعاصي أخباره أيه ؟!
هزت كتفيها بعجز عن جاوبها :
-معرفش معرفش أيه حاجة يا كريم .. أنا قلبي واجعني أوي وخايفة يحصله حاجة، دي حياة تروح فيها .
انتهى من قفل أزرار قميصـه وقال بحماس :
-أنا هروح لهم .. متتحركيش من البيت ..
تشبثت فـ ذراعه قائلة بتوسل :
-شمس قالت نقعد مع البنات .. وأنا بجد خايفـة ، كريم متمشيش ، متروحش مكان خليك هنا .. خليك هنا معايـا .
ثم تأرجحت عينيها بتوجس وهي تعاتب الظروف :
-كريم ، كل الكوارث الـ بتحصل دي عشان بس قررنـا نتخطب !!
قرر أن يهون صعوبة الموقف عليها وهو يدنو منها مداعبًا تلك الخصلة المتدلية من شعرها وقال :
-لو انطبقت السمـا على الأرض .. بردو هنتجوز ، الكوارث معاكِ تهون يا نوري .
ضربته برفقٍ على كتفه بضحكة متفجرة من جُب حزنها :
-خف نحنحة ، الراجل بيموت فالمستشفى ..
*******
~عودة للمشـفى ..
“أنتِ كالبحـر وأنا المُبحر بِك وفيكِ والغريق ”
أهـم جـملة قيلت من قلبـه عندما أخبرته يومًا بأنها تود العودة للكتابة من جديد ، ولكنها طلبت مساعدته في أول جملـة يمكنها أن تفتتح بها قصـة جديدة ، جملة تخصهم وتصفهم لأنـها حتمًا ستكون عنهمـا ..
يجلس أمام مقعد القيادة الخاص ” بـ يخته ” حيث استند على عجلة القيادة بعد ما طافت عينيه بالماء والسماء ثم رست عند عينيها المصبوغة بلون البحر والسماء .. وثبت من مكانه والهواء يطاير قميصه كما تفـعل عيناها بقلبه ، وأمعن نظر بتلك الأعين التي آسرته وقال :
-“أنا المبحـر بكِ وفيكِ والغريق ..
أنت مزيج رسيلي وبحري ..
فيكِ الفرات والأجاج ..
وأن أحبك قبيلة من معشر الرجال ..
فلن يحبوكِ إلا نقطة من بحري ”
رمقتـه بانبهـار يتقاذف من مُقلتيهـا :
-أيه الجمال ده !! أنتَ اتعلمت الشعر فين !
-من عينيكِ ، الـ لو شافهم أكبر شاعر؛ صدقيني هيفضل يكتب عنهم لحد ما يموت ..
رست أناملها فوق وجهـه المحترق من لهيب الشمس أم الحب ؛ أيهمـا أقرب .. وقالت :
-لما بمسك القلـم واكتب بحس أني أقوى واحدة فـ الدنيا ، واحدة مفيش مخلوق ممكن يغلبها في الحوار .. لكن وأنا واقفة قصادك كل الكلام بيهرب مني ، ويتخلى عني .. اللحظة دي بس عرفت إنه مش بيهرب ، هو بيعجز قدام وصف حُبي ليك ..
بصـرخة وجع يضاهي ألف طلق ولادة وألفي حرق بالنار تكورت حياة الجالسة أرضًا أمام غرفة العمليـات حول نفسها كالقرفصـاء .. بانتفاضة روح وانهيار قلب فكيف سيكون حال الجسد الذي يحوى جملة تلك المشاعر القاتلة ..
لاحظ مراد حالة الانهيار التي تدق على أبواب تلك المسكينة فجثا على ركبتيه متفوهًا بهدوء:
-حياة مش هينفع كده ، أجمدي .. عاصي هيبقى كويس .
لم تتكفل بالنظر إليه بل فضلت البقاء في ظلمتها، وبقاء وجهها مدفونًا بين ركبتيهـا ، يأس مراد من حالتهـا ولكن تعلق ببريق الأمل عندما جاءت شمس بصحبة تميم وأخواتها..
جلست شمس بجوارها وضمتها إلى صدرها وأخذت تربت على كتفها بحنان زاخر .. تدخل تميم متسائلًا بصخب :
-أيه اللي حصل يا حياة ومين عمل كده !!
تدخل مراد وسحبه بهدوء بعيدًا عنهم وقال :
-اهدى مش وقته ، نطمن بس على أخوك وكله هيتحل .. أنا عارف مين الـ عمل كده ..
-مين يا مراد ؟!!!
عودة لشمس التي تحاول بشتى الطرق أن تواسي تلك المسكينـة التي تتساقط قواها شيئا فشيئا.. حاولت أن تخرجها عن صمتها :
-طيب حبيبتي اتكلمي ، بلاش تسكتي ، طلعي كل الـ جواكي .. السكوت ده غلط عليكِ ..
رفعت وجهها الشاحب ببطء وهي تطالعها بضباب عينيها :
-كنت بتحامى فيه من شدة الصوت يا شمس ، معرفش أن الرصاصـة في جسمـه هو ..
سيدة مواسية :
-هيبقى زي الفل ياحبيبتي اهدي ..
أمسكت بقلبها وهي تكمل سـرد الحادث المروع وترى بقايا دمه بيدها :
-كنت .. كنت في حضنـه من دقايق .. ودلوقتِ بقيت ما بينا حيطان وفواصل وأوضة عمليات .. شمس أنا مش هعرف أعيش من بعده ، انا ، أنا اصلا حاسة أن هيجرالي حاجة ..
ضمتها شمس مرة آخرى وأخذت تربت على كتفها بحنو ؛ تهامست مقترحة :
-طيب أيه رايك قومي معايا نتوضى ونصلي وندعي له ، هو محتاج دعواتنـا دلوقتِ .. قومي معايا يلا ..
كتائه في الضباب يبحث عن شعاع واحد للنـور فلـم ، اتكأت على المقعد الحديدي المجاور لهـا ومستندة بكوعهـا على شمس وما انتصب طولها اختل اتزانها فـ خرت ساقطـة مغشيًا عليهـا ؛ صرحت شمس مستغيثة :
-الحقيني يا سيدة ، تميم تعالى بسرعة ..
ركض الجميع لـ تلك الفتاة المحبة التي غاب عنها وعيهـا لمجرد تخيلها لفكـرة غياب طيف عشقها عن عالمها ، نزع رشيد سترته السوداء وانحنى ليحمل أختـه جاهرًا :
-فين الدكتور الـ هنا ..
ركض يونس خلف أخته المُغيبـة ، هتفت شمس بخوف :
-انا هروح اشوفها ، خليك هنا مع عاصي …
مرت قرابـة الساعـة وأصعب ساعة على الجميـع ؛ خرجت شمس من الغرفـة التي حُجزت بها حياة في الطابق الأخر متجهة للطابق الخاص بالعمليات وهي تنزع الماسك الطبي عن وجهها متسائلة :
-مفيش أخبار عن عاصي !!
أجابها مراد :
-احتاجوا نقل دم والحمد لله عينته كانت متوفرة فالـمستشفى .. بس لسه الدكتور مخرجش ..
ثم تدخل تميم متسائلًا :
-حياة عاملة ايه !!
أجابت بحزن وخيم :
-للاسف طلعت حامـل و ضغطها واطي جدًا وحالتها النفسية صعـبة أوي ، والدكتور رفض يديها أي مهدئات قبل استشارة طبيب مختص .. والقلق والتوتر غلط على حملها .. علقوا لها محاليـل ودكتور النسـا جوة معاها ..
ثم ضرب الدوار رأس شمس من شدة الإرهاق فاستندت على زوجهـا بضعفٍ ، تلقاها بلهفـة وهو يساعدها فـ الجلوس فوق المقـعد :
-حبيبتي ارتاحي .. هنزل أجيبلك عصيـر ..
-لا أنا تمام ، شوية إرهاق بس ، نطمن على عاصي بس ..
في تلك الأثناء ؛ خرج الطبيب من غرفة العمليات، فأقبـل الجميع نحوه بلهفـة ، فتفوه الطبيب قائلًا :
-الحمد لله اتكتب له عمر جديد ، الرصاص كانت على بُعد لا يذكر من العمود الفقري ، بس ربنا ستر والعملية عدت على خير ..
تدخل تميم متسائلًا بلهفـة على أخيه :
-يعني مفيش خطر على حياته يا دكتور !! هيبقى كويس .
-إن شاء الله …
~بغُرفة عاليـة ..
تجلس سوزان حاملة حفيدتها بين يديها وتلاعبها ، تراودها تلك المشاعر الممزوجة بين حملها لصغيرتها التي لم تراها بعد ذلك الحضن ، وتلك الملاك الصغير الذي يحمل ملامح امه الرقيقـة .. أرفت عالية بقلق :
-مامـا هو مراد اختفى فين ، ده له ساعتين مختفي ..
ردت سوزان بصوت خفيض كي لا يزعج ملاكها النائم :
-آكيد سابنا على راحتنا ، دلوقتِ يجي ..
تمتمت عالية بقلق:
-ربنا يستر ، قلبي مش مطمن .. مامي حضرتك كُنت تعرفي الـ بيعملوا مراد .؟!
أطرقت سوزان بأسف:
-كنت عارفـة ياحبيبتي ، وخبيت لمصلحتك ، حياة البزنيس مطحنة مابترحمش ، بنتحول فيها ١٨٠ درجة ، لازم نتخلى عن اي عواطف ومشاعر عشان نكمل .. أنا فاهمة عاصي ومراد عملوا كده ليه ، وأن دا الصح .. بكرة لما تنزلي سوق الشغل وتشوفي الديابة الـ مستنياكِ هتعرفي هما عملوا كده ليه ، مش قسوة منهم ، بس خوف عليكِ ..
فكرت طويلًا في حديث أمها وأدركت أن ما حدث كان بدافع خوفهم عليها .. تجردت من أحزانها وقالت :
-عارفة لمـا صحيت بالليل ومالقتش غيره معايـا ، حسيت أن فعلا ملناش غير بعض .. مراد دنيته مع مامته وأهله مش أحسن حاجة، فـ بلاش ازود عليه الحمل مش كدا .
ربتت الأم على ساق ابنتها وقالت بإعجاب :
-عين العقل يا حبيبتي ، هو ده الكلام الصح ..
تأرجحت عيني عاليـة بحرج وقالت :
-مامي ، ممكن اسال سؤال ، بس لو هيضايقك بلاش تجاوبي ؟!
-قولي يا قلبي ..
بللت حلقها بتردد ثم سألتها :
-حضرتك لسـه بتحبي عاصي؟! .. أنا كل مرة بشوف نظراتك وطريقة كلامك عنـه ، حتى التسهيلات في شغله الـ بتساعديه فيها طول الوقت ، ده اسمه ايه !
اتسعت ابتسامة الخزى من وجهها وأخذت نفسًا طويلًا يعني أن الحديث لمس جزءًا عميقًا بروحها وقالت :
-أنا حبيت عاصي ، مش هنكر .. فرق السن ما بينـا مش كبير على فكرة متتخضيش ، وحاولت كتير نتجوز ، ويكون معايا راجل زيه يملا حياتي وننجح سوا ، وعبلة كانت تتمادى في إقناعي بـده .. لكن لما رجعتِ لي ومليتي عليـا حياتي ، قلبي استغنى عن كل المشاعر مقابل وجودك ..
مش هكذب وأقولك مش بحبه ، بس اقتعنت أن عمره ما هيكون ليـا ، هو مع الـ اختارها قلبـه …
أشفقت عالية على حال أمها ووجع قلبها وقالت :
-حبيبتي يا مامي ، أنت تستاهلي أعظم راجل في الدنيا يحبك وتحبيـه وأنا واثقـة إنك هتتقابلوا قريب ..
-أنا اكتفيت بيكم ياحبيبتي ، وبغاليـة خلاص ، هعيش معاها الباقي من عمري وأعيش لها كل المشاعر الـ اتحرمت منها فيكي.
*******
~ مسـاءً ..
-عاصي اضرب بالنار ، أنتوا ورا المصيبـة دي ؟!
خرجت شيرين من غُرفتـها بعد معرفتها من كمال مساعد عاصي الشخصي بـ خبر إصابته ؛ قفلت مكالمتها معه فجأة وخرجت منفجرة بأبيها وعمها ، هاتفـة بآخر جُملة ، وثبت سميرة من مجلسها واقتربت منها مندهشـة :
-ازاي الكلام ده ؟! لا طبعا أبوكي وعمك ملهمش دخل !
ثم نظرت لزوجها بأعين تتوسل له أن ينفي ما حدث :
-مش كده يا شاهين ..
تبادل كل. من شاهين وشاكر النظرات الحائرة التي تعكس جهلهم بما وقع على ابن أخيهم .. لم تملهم شيرين الفرصة لتبرئة أنفسهم بل صاحت معاتبة :
-ليه تعملوا كدا !! مفكرتوش في بناته هيبقوا من غير أب وأم ، طيب مش بعتلكم كمال وسابلكم إدارة شركة الشرقيـة !! أنتوا ازاي تعملوا كده في حد من لحمكم ازاي ..
استند شاهيـن على عكازه ليواجه ابنته قائلًا :
-كله إلا الدم يا بنتي ، أنا وعمك مش قتاليين قتلى ، وغير كده موت عاصي من حياته مش هيعود علينا بحاجة ..
اقتربت منه بأعينها الداميـة من أثر البكاء :
-أومال مين ؟! مين له مصلحة في موته غيركم !!
تدخل شاكر ليحسم حلقة الاتهامات الدائرة حوله وحول أخيه :
-انتِ فاكرة واحد زي عاصي ده ملهوش أعداء غيرنا ، دا ألف واحد مستني موته النهاردة قبل بكرة .. إحنـا منعرفش حاجة عنه غير منك دلوقتِ ..
فأكمل شاهيـن متبرئًا من دم ابن أخيه :
-أنا عن نفسي صفحتي اتقفلت مع ابن اخويا وراجع البلد ادير ارضي .. أخويا شاكر لو عايز يكمل في العداوة يكمل ، يكمل بعيـد عني ..
اقتربت شيرين من أبيها مكررة سؤالها للمرة الأخيرة :
-يعني يا بابا حضرتك بعيد عن الـ حصل لعاصي مش كده !! طيب لو كده فعلاً يبقى روح واطمن عليه وانهوا العداوة دي بقا .. عشان خاطرنا يابابا ، أنتَ ماخلفتش ولد نتسند عليه أنا وشهد ، على الأقل يبقى لنـا أولاد عم نلجألهم في أي وقت …
تدخل شاكر معترضًا :
-ده جنان رسمي …
يبدو أن سميرة اقتنعت بحديث ابنتها ، ثم أردفت قائلة :
-بنتك عندها حق يا شاهيـن …
******
~بالمشفــى ..
يسٱلني الليل ٱياا قمري
ٱتغيب حبيبي عن نظري
يسٱلني فتفيض دموعي
في فطري ونسيم السحر
تجلس فوق فراشـها الطبي بمنتصف تلك الغرفة الكئيبة لم تكُف عن البكاء بعـد ، لكل منا نقاط ضعف مهما بلغت قوتنا .. هناك نقطة نقف عندها نرى فيها كم خلق الانسان هشًا .. هشًا جدًا .. كان السبيـل الوحيد لمواساتها صغارها المختبئون بجوفها من وحشـة هذا العالــم ، بكفها المُعلق بإبرة المحلول الطبي ، تجهش باكيـة لا حول ولا قوة لقلبها المنفطر عليـه ، سالت دموع عينيها وهي تتنتفض وتشكو همها لصغارهـا :
-أنا مش قادرة اتخيل يعني أنا وأنتوا كُنا بنودعه إمبارح ، أنا قلبي كان حاسس ، حاسس أن في حاجة هتحصل له وهو كمان كان حاسـس .. يا ترى هو عامل أيه دلوقتِ .. فعلًا كويس زي ما شمس بتقول ، ولا بتصبرني ..
صمتت لبرهة كي تعطي المجال لعينيها أن تخر دموع حزنها وأكملت بنفس النبرة الوهنة المنهارة :
-محدش مهون عليا غيركم ، أنا مش هقدر أخسر كل حاجة مرة واحدة .. أنتوا أمانة عاصي عندي لازم أحافظ عليها .. سـامحني يا حبيبي مش عارفة أبقى جمبك ، بس أنت آكيد حاسس بقلبي ..
أعلم أن كل منا يسكنُ الآخر مهما حالَ بيننا كلَ شيء ، ولكن اليوم أنا عاريـة تمامًا ، متجردة من كل شيء ، بتُ فريسة للخوف ، ابحث عنك بأعين تائه شريد ، كل شيء يرعبني حتى نسيم البحر غاز قاتل بدونك يخنقني .. أين أنتَ ؟! وأين حضنك الذي يحميني من هذا الشعور الحارق .. ؟! أين الطريق إليك !!
دلني أرجوك .. كأنك تدلُّ قمرًا تائهًا إلى مداره
أو كطائر مُهاجر إِلى بلاده .. دلني كعبد عاصٍ إلى إيمانه.. دل قلبي الشريد وروحي الضائعة كضياع ليـل طويل إلى شمس نهاره !!
أدركت أن جميع الأشياء الجميـلة ، فجمالها الحقيقي وجودك .. لا جمال بدونك ولا لروح روح في غيابك ….
جاءت شمس حاملـة بعض ” السندوتشـات ” لـ حيـاة كي تسترد قوتهـا ، ببسمة لطيفـة أردفت :
-الله !! اسيبك شوية أرجع ألقاكي بتعيطي بردو ؟! أحنا مش اتفقنا عشان ولادك يا حبيبتي !
ودت بضعف :
-مش قادرة يا شمس ، طمنيني عاصي فاق ولا لسه ، هتجنن وأشوفه ، حتى أبص عليـه من بعيـد بس ..
جلست شمس بجوارهـا ، ومددت لها الخبر المحشـو :
-طيب عشان خاطري كلي ده ، وأنا هشوف الدكتور وأخدك ونروح ، بس كلي عشان صحتك والحمل ، أنتوا محتاجيـن تغذية ..
ردت بشهقة المستغيث :
-اطمن عليـه بس وأنا والله هاكل .. بس اطمن عليـه يا شمس …
~بغُرفـة عاصي..
بعد مرور أكثر من ١٢ سـاعة على عمليـته حرك عاصي جفـون مغمغمًا بكلمـات غيـر مفهـومـة .. اقترب منه تمـيم بلهفـة :
-عاصي أنتَ كويس .. متقلقش العملية عدت على خير وأنتَ كويس .. اطمن ..
تنهد بصـوت متهدج بالكلل :
-حياة فين يا تمـيم .. ؟!
هبط تميم لمستواه وربت على كفه ليطمئنه :
-اطمن حياة زي الفل ، ونزلت تتعشى مع شمس .. شوية وهتلاقيهـا داخلة علينا ..
ارتفعت عيناه المكسـورة معترضًا حديث تميم :
-تميم حيـاة فين ؟! حياة جرالها حاجة ؟! هي مستحيل تسيبني وتروح لمكان ، مراتي فين يا تميم ..
ربت تميم على كتفه :
-طيب أهدى وهفهمك !! حياة كويسة وشمس معاها ، زي ما قولت لك شوية وهتلاقيها داخلة علينا ..
تمتم بصوت متقطعـم وهو يكرر سؤاله :
-مراتي حامل ، حياة والولاد حصلهم حاجة ، قولي يا تميـم !!
-والله حياة والحمـل كمان زي الفل ، أنت بس روق كده وخلي بالك من نفسـك عشان ترجع لنا في أسرع وقت يابطل ..
في تلك اللحظة لم تستطع شمس منع حيـاة من المجيء إليـه وكأن هناك اتصال روحي بقلوبهـم ، ظهرت شمس من الباب ثم تابعتها حيـاة المحملة بالحزن الوخيم ، عند رؤيتها جفونه المتحركة دفعت شمس دون الالتفات لحمل الاثنان .. تناسي الجميع ولم يبقى ألا هو مقصدها ووجهتها .. اندفعت بكلها وبكل ما تحمله من مآسي نحـوه .. جلست على طرف تخته انهارت فوق كفـه السليم متجنبة ناحية كتفه المُصاب ، عدد لا نهائي من القُبلات كانت من نصيب كفـه .. قبلات ممزوجـه بالحب والبكاء .. غمغم بصوت خافت وهو يشعر بارتعاش جسدها :
-حياة أهدي أنا كويس ..
نظرت شمس لتميـم بقلة حيلة :
-مقدرتش أمنعها ..
رفعت وجهها المحمرة إليـه وهي تتفقده بأعين أعمي عاد له بصره للتو :
-في حاجة بتوجعك .. طمني عليك ، أنا كنت هتجنن من الخوف .. روحي كانت بتروح وراك ..
واصلت سيل القُبلات المنهمر منها لكفه ثم عادت مرة آخرى تهذى :
-بعد الشـر عليك يا روح قلبي وعقلي وحياتي كلها .. اتكلم معايا ، قول لي كده حاسس بأيه .. طمن قلبي يا نور عيني ..
لكز تميم شمس واعظًا بهمس :
-ياللي ما عمرك قولتِ لي يا نور عيني دي ! ولا هو الواحد لازم يضرب برصاصة عشان يشوف الشحتفة دي .
لكزته بحذر :
-بس بقا ، ملناش دعوة ..
مدت كفها المُعلق بها إبرة ” الكانولا” لتتحسس درجة حرارته فلم يكفيها ذلك بل مالت بشدقيها وقبلت جبينـه قبلة طويلة وبعدها تدلت على كل عين من عينيه وقبلتهما بتأنٍ .. أوقفها قائلًا عندما لاحظ الضماد الطبي بكفها :
-أيه الـ في أيدك ده !! أنت كويسة ؟!
تدخلت شمس موضحـة :
-حياة ضغطها وطي بس من القلق عليك ، والدكتور علق لها محاليل .. مفيش حاجة تقلق ..
تدخلت حياة مواصلة :
-شوفتك بقيت كويسة والله .. قولي لي أعمل لك .. مرتاح ، قاعد كويس ..
لم تمهله فرصة للتعبير بل شردت بعيناه قائلة :
-انا اتكتب لي عمـر جديد بشوفتك ، تعرف ولادك في بطني هما الـ صبروني لولاهم كنت روحت فيها والله ..
مال تميـم على آذان شمس هامسًا :
-هي حامل في كام واحد ؟! سامع كلمة ولادك دي كتير !
تمتمت بحرص وبصوت خفيض :
-حامل في تؤام ، واسكت بقا .. أقولك تعالى نطلع بره أنت مش هتسكت أصلا ..
غمغم متعجبًا وفارحًا لأخيــه :
-ماشاء الله ، ابقى فكريني نسمي بعد كده ، يمكن تلضم معانا زيهم كده ..
-وده وقته !!
سمعه عاصي المتعب وقال بخفوت ممزوج بسُعال خفيف قاصدًا تميم :
-نهدأ بقا عشان في عين ديناصور هو سبب رقدتي دي ..
تدخل تميم مبررًا بضحك :
-أبدًا والله ، دانا بقولها نسمي ونصلي بس عشان متتحسدوش .. أنا بردو أحسدك ! دانا هبقى عم لأربع عيال مرة واحدة !
تمتم بضحك هدر مبطن بالالم :
-خدي جوزك وأطلعوا يا شمس دا شكلو ناوي يرقدني هنا ..
أردف تميم معترضًا :
-ونخرج ليه !! خلي الـ جبل الجليد يتعلم .. أوعدك مش هنعمل صوت .
نفذ صبرها من مزاحه المتكرر فبعدت عنـه لتقترب من حياة النائمة على صدره :
-حياة كفاية بقا ، عاصي لسه جرحة مفتوح ، قومي ارتاحي شوية ..
ربت على كتفها :
-حياتي ..
ردت بلهفة وعفوية :
– نور عيني ..
-اسمعي كلام شمس ..
قال جملته وهو يقبل أطراف أناملها فـ تلاقت عيني تميم وشمس الضاحكـة ، رفضت بإصرار :
-لا مستحيل أنا مش هتحرك من هنا وأسيبه .. لا ..
ثم توسلت له قائلة :
-عشان خاطري خليني معاك .. أنا مش هقدر أبعد .. اطلب مني أي حاجة غير أني اسيبك ..
*********
” بعد مرور خمسة عشـر يوم ”
خرج عاصي من المشفى وقضـى اسبوع كامل تحت رعاية حياة التي كانت ترعاه كطفل صغير ليست برجل يافع مثـله .. عاد تميـم وأسرته إلى القاهـرة ليباشـر عملـه من جديـد .. وأيضًا عادت عالية بعد ما اطمئنت على سلامة أخيها لبيت أمها التي اتفقت مع مراد أنهمها سيعيشان فيه بقية عمرهما .. شرع كريم ونوران في إعداد حفل خطوبتهما بعد قبوله لجميع شروط شمس المتعسفـة ورفضها التام للزواج إلا بعد عاميين ..
أجرت هديـر عمليتهـا الأخيـرة ومازالت تحت وطأة العلاج الطبيعي بأكبر المستشفيات التي تولى مراد مصاريفها بالكامل …
في الصباح الباكر وقبل شروق الشمس جاءت حياة حاملـة صندوق الإسعافات الأولية وجلست أمامـه على الأريكـه المبطنة التي يجلس عليهـا متكئًا على مسندها .. ربتت على ساقه بحنان :
-حبيبي نغيـر على الجرح !
رد عاصي بملل من تلك الأجواء :
-بقيت كويس حيـاة ، كفاية تعبتك .. ارتاحي أنتِ..
شرعت في فك أزرار منامتـه السوداء متجاهلة مجاملاته الغير منطقية وقالت بحزم :
-كل يوم هنتخانق على الغيـار زي العيـال الصغيرة وبردو كلامي أنا اللي بيمشي !!
ثم وضعت سبابتها فوق ثغره متدللة :
-أنتَ ما بتزهقش !
-أنا زهقت من حاجة واحدة بس ، وهي قعدتي دي وكمان حاسس نفسي متكتف ..
فـ طوقت يمينه خصرها وأكمل بكلل وشوق يحركه بعفوية :
-وضيفي عليـهم كمان أن مراتي وحشتني أوي .
برقت له محذرة :
-بلاش الحركات دي ، كتفـك أهم .. وبعدين نشوف حوار مراتك وحشتك ده ، عشان أنت كمان وحشتها أوي ..
تأرجحت عينيـه بلوم وهو يسحبها إليه لتقتـرب من أكثر فأكثـر :
-أيه مفيش أحساس خالص ، معقولة مش حاسة بيـا ؟! ليه الجحود ده ؟!
جحظت عينيها بحزم :
-عاصي وبعدين بقا ؟!!
ثم غيرت مجرى الحديث قائلة بفرحة :
-النهاردة بدأت في الشهـر التالت ..كده باقي ٦ شهور بالظبط ونشوف ولادنـا .. بجد متحمسـة أوي ..
انتهت من فك أزرار سترته ثم شرعت في نزعها ببطء وحذر شديـد ، برزت أمامها تفاصيل جسده الرياضي فأحس بارتباكها وتعمدها بألا تناظره ، كادت أن تنهض جواره ولكنه أبى ، فأعترضت منزعجـة :
-عاصي !! الجرح ..
ضاقت ملامحه وقال :
-وأنتِ لازم تقومي من حضني عشان تغيري ، خليك كده وشوفي شغلك ..
بد الاعتراض بملامحـهـا ووثبت رافضة اقتراحه :
-ازاي يعني ؟! بطل بقا الحركات دي ، قولتلك لا ..
تأهبت في تضميـد جرحـه برقة الفـراشـه حتى أردفت فارحه :
-الجرح لم كتير عن الأول ..
ثم ختمت جملتها بقبلة طويلة جوار موضع ألمـه فعلت بقلبه ما لم يفعله معادٍ ، وأكملت مهمتها حتى فرغت تمامًا بوضع الشريط اللاصق فوقـه .. نزعت الجوارب الطبيـة وأثناء انشغالهـا بلملمة الادوات باغتهـا بشدة قويـه لتتوسط ساقه المثنيـة فوق الأريكة والأخرى ممتدة بالأرض .. شهقة معاتبـة :
-عاصي راعي إني حامل !!
-وراعي أني على أخري !
أخذت يداه تتنقل بحـرية تامة فوق ظهـرها محاولًا ترويض قطته الشقيـة .. غمغمت بإعتراض محب :
-أنا خايفـة عليك يا عاصي .. نعدي الفترة دي على خير بس ..
داعب أنفها بأنفه بلطف قائلًا :
-بس أنا بقيت كويس على فكرة ..وهثبت لك .
-لا يا عاصي ، كتفك !
شرع في نثر عبير اشتياقـه فوق ملامحهـا الأبيـة التي لانت تدريجيـا وهو يتمتم :
-سيبك من كتفي وركزي معـايـا ..
بدأت أنفاسها في الصعود والهبوط متخدرة بسطو مشاعرهما التي طال صبـرها .. حاوطت كفوفها وجهه وهي تهوى شيئا فشيئا في بحر هواه الذي نصبـه .. ترنحت بجملة معارضـة لمشاعرها الغارقـة :
-عاصي هتتعب والجرح عشان خاطري بلاش ..
ثم فارقته فراق ليست بهين على قلبها المتوق له ومددت كفوفها قائلة بتوسـل :
-قوم ننام كفاية سهر ، أحنا مطبقين من إمبارح..
عض على شفتيـه السفلية ووثب قائمًا بمساعدة كفيهـا ، إلى أن سنحت له الفرصة فجذبها لحضـنـه ليلتقى النجمان لقاءً حارًا لا مثيل له وكأن بقربها ردت الحياة بفؤاده ،أخيرًا باتت ملاكه بين يديـه ساعيـًا لتبديل الكاف لذال ..
مرت قرابـة نصف ساعة من سحر القمر المحوط بقلبهمـا حتى استكانت حرائق قلبها القلقة عليـه لأيام كثيرة .. مررت أناملها على وجهه متنهدة أخيرًا بارتياح لأن حبيبها بجانبهـا ، معبرة عن شعورها :
-كُنت واحشني جدًا .. ووحشني كل ليلة أنام في حضنك كده زي البنت الصغيرة المتشعبطة في حضن باباها ..
-طيب وأيه لازمتها المقاوحة من الأول !
-خوف عليك بس .. أنتَ تمـام ، كتفك فيه ألم أو اي حاجة ! أنت كويس يعني؟!
انفجر ضاحكًا لتذكره أمرًا ما ثار فضولها :
-الله! بتضحك ليه ..
-أصلي اتسألت السؤال ده للمرة التلاتين في نص ساعة بس ..
ثم مال على مسامعهـا هامسًا بشيء ما ثار حمرة الخجل بوجهها لضربته برفق فوق صدره ليكف عن مزاحه :
-بس بقا .. عيب .
لم يكف عن الضحك بل أكمل قائلًا بسخرية يمتزج معها الدهاء :
-يعني المفروض أنا اللي أسأل سؤال زي ده ، الجواب عندك أنتِ يا هانم !!
شعرت ببرودة الخجـل تأكل بملامح وجهها ثم قالت بجزع يبطنه الضحك :
-بطل بقـا .. أقولك ، أنا هسيبك وأنام ..
هز كتفها برفقٍ شديد وهو يسألها متعجبًا :
-مش المفروض كبرنا على كسوف وخجل كل مرة ده !! أنتِ بتتحولي ليـه !
ظلت أناملها تتحرك بخفه وبحركات دائرية فوق صدره العاري وقالت بتوجس :
-مش عارفة.. بكون معاك واحدة مغيبة ، مش أنا .. وبعد ما يرجعي عقلي افضل أقول هو أيه اللي حصل !
-أنا مش عايز عقلك ده يعتب باب الأوضة دي .. فاهمة ..
رفعت رأسهـا مستنده فوق صدره على ذقنها وقالت :
-لا مش فاهمة .. فهمني !!
-عايزك بـ قلبك وبس ..
أرسلت له قُبلة طائرة في الهواء وهمست له :
-بحبك على فكـرة ..
ثم عادت لتستريح على سياج صدره مرة ثانية وسألته :
-مسكوا الـ عمل فيك كده ولا لسه ..
رد باختصار :
-هيتمسك هيروح فين يعني !!
أردفت بنبرة لا تقبل الجدال :
-طبعا مفيش خروج من الباب ده لحد ما يتمسك ، فاهمني .. وده أمر مني أنا وولادك .
عقد حاجبيه بدهاء غير مقتنع ولكنه أراد أن تمضي خلوتهم بسلام :
-الـ تقوليه أنتِ وولادي سيف على رقبتي .
-أيوة كده !!
ثم أوصته قائلة :
-عاصي بليز متتحركش ولو احتجت ميـه صحيني أجيبلك .. أنت تمام مش كده مش محتاج مني أي حاجة !
ابتسامة جميلة على محيـاه وهي بين يديه :
-انا تمام أوي ..
ثم تثاوبت بإرهاق :
-أنا خلاص مش قادرة ولازم انام .. صحيني هااه في أي وقت .
ربت على كتفها العارٍ بحنو مفرط ملبيًا لجميع طلبـاتها .. ظلت بحضنه حوالي ساعـة من هناء الحيـاة .. كل منهما يأمن بالآخر .. طالع ساعة هاتفه فوجدها السادسة صباحًا .. سحب نفسـه بحرص شديد كي لا تيقظ .. وبخطوات متهملـة دخل الحمام ليأخذ حمامه الدافئ ثم خرج بعدها بهدوء شديد وفتح خزانة ملابسـه ، ارتدى بذلته السـوداء بحذر وتجنب رش عطره كي لا يفيق قلبهـا .. أخذ هاتفه بهدوء ثم غادر الغرفة على الفـور ..
استقل سيارتـه السوداء من ماركة مرسيدس وما أن استراح في جلسته أخبر السائق قائلًا :
-أطلع على المطار يا بني …
ثلاثـة ساعات بالضبط ؛ كان عاصـي جالسـًا بالنيـابة بعد تقديمه طلبـًا لـ رؤية عادل وعزمي .. يجلس بشموخ واضعًا ساق الأخرى وبفظاظة قال ساخرًا :
-البدلة البيضـا هتأكل منكم حتـة ..
أردف عادل بسخط :
-عايز ايه يا عاصي ؟! وجاي عشان تشمت مش كده !! بس أحب أقولك إني مش مطول هنا ، مسألـة وقت بس وخارج ..
ضرب على ساقه برفق ثم قال بهيبة :
-بس أنا هنا عشان أعرفكم أن رصاصتكم فشلت في الـ انتوا عايزينه !
ثم أطلق ضحكة ساخرة :
-بقا يا أغبية لما تحبوا تخلصوا من واحد ، تضربوه بالنـار قدام مستشفى ؟! حقيقي مشفق عليكم ..
وفجأة تحول الدب الساخر لوحش كاسر وهو يركل الطاولة بقدمه ويزمجـر مهددًا :
-الرصاصة الـ في كتفي دي ، هحتسبها رد اعتبار ، اللي عملته فيكم بردو مش سهل ، لكن ورب العزة لو اتكررت ولا ألاعيبكم القذرة دي فكرة بس تطول أهل بيتي .. ما هرحم حد منكم أنتوا وأهلكم .. هحسركوا على عيالكم واحد واحد ..
ثم مال ليزرع عينيه الحاحظة بوجه عزمي :
-لازم تعرف أن مراتك وعيال تحت عيني ، حركة غدر واحد هتسمع خبرهم ، وأنتَ أكتر واحد عارف عاصي دويدار ما بيهددش ، بينفذ ……
🦋الفصـل الحادي عشر 🦋
-الجزء الثاني من الفصـل .
“كن لي كما أهوى ”
اليـوم أسطـر نهايـة روايـة جديدة نسجتك من بين سطورها وحروفها كبطل جديد ، وبصورة مختلفة لقلبي وللعالم الذي
يشاركني الحُب فيك ..
يا ترى من تكون في جملة أبطالي !!
ذلك الشخص المحب حد الجنون ، أم ذلك المتعجرف الذي لا يفكر إلا بنفسـهِ !!
أم ذلك التائه الذي لم يجد موطنه لتلك اللحظـة ؟! أم ذلك المحب الذي وعد وأوفى وسلك دروب الهوى كما هوى ؟!
أي منهم تكون ؟!
طرزت من ثوب نظراتك العديـد من الرجال ولكني لا أرى أي واحد منهم يكفيك ويكفي حبي الشديد لك..
أود ولو أكتب لكَ كل يوم وكل ساعـة وكل لحظة أنتَ فيهـا تراود وتروض بالي على حبك ، وكأن الكتابة عنك ولك هي الهواء الذي أتنفسه وأحيا بهِ ..
اعتقد بأنني ساكتب وأسهب بِحبـك وكلامي عنك ولا أخشى أن تكتشف يومًا كم أنا ضعيفة وهشة في كلماتي وفي حبي الذي زرعه الله بقلبي .. تلك الحوريـة التي وصفتها ذات مرة بالجبروت ومرة أخرى بأنها قطعة أثرية نادرة جدًا ، فهي أرق من نسيم الفجر في كنف وكلف عشقك …..
رسيـل المصـري …✍🏻
*******
“~ بعـد مرور عام ”
•بقصـر دويدار ..
اجتمعت العائلـة بأكملهـا لإعداد مراسـم زواج الثنائي الأكثر جنونـًا ، وبعد إلحاح مريب من كريم استطاع أن يأخذ موافقة شمس بقيـام حفـل الزفـاف بعد انتهاء العام الدارسي الأول ؛ بشرط حصولها على تقـدير يرضيهـا ، فوضى عارمـة بالقصـر من أهل البيت لـ طاقم العمـل الخاص بتجهيزات الحفـل ، غير ذلك طاقم الطهاه اللذين يقومون بإعداد جميع وصفاتهم على الفحم في أحد أركان الحديقة ..
كانت البدايـة عند تلك العروسـة المرتبكـة التي لا تضبط خطـواتهـا ، ظلت تجوب ذهابًا وإيابًا بقلق يتقاذف من معالم وجهها وهي تهاتف كـريم بإضطراب وتوتـر حتى تجاهـل مكالماتـها وفوجئت بهِ يفتح باب الغرفة منزعجًا :
-الف مكالمة في الدقيقة !! حصل أيه لكل ده ؟!
ضربت الأرض بساقها الأيمن وقالت بـ صوت متهدج للبكاء :
-انا عايزة ألغي الفرح ، ممكن نأجله لبكرة !!
-نعـم يا روح خالتك ؟! وأنا واخدك المراجيـج !!
قفل الباب خلفه ثم اقترب منها وربت على كتفها بضيق :
-استهدي بالله كده واخزي الشيطان !!
-يا كـريم اسمعني بس .. حاسة اني متوترة وكل حاجة ناقصة ، الميك ارتست عربيتها عطلت على الطريق ، الفسـتان عايز يضيق ، انا حاسة أن دي مؤامرة عشان الفرح يبوظ !
هز رأسه مستخفًا بمشاكلها وهو يرمقها من رأسها للكاحل :
-بلاش فستان وميك اب .. البيجامة البيضـة دي حلوة ..
انفجرت بانزعاج :
-كريم متهزرش !! أنتَ مش حاسس ليـه بالورطـة الـ أنا فيهـا ! طبعًا وأنت عليك بأيه هي بدلة بتلبسها وشكرا على كده .
-عايزاني أعمـل لك أيه طيب !! هبعت حد يروح يجيب الكوافيرة مـ ..
قاطعته بوجهٍ عابث :
-اسمها ميك اب ارتست .
زفر باختناق وهو يكور قبضـة يده من كبحه لمشاعر الغضب وتمـتم بضيق :
-فرقت يعني !!
-اه فرقت حد بيقول كوافيـرة الزمن ده !! أنت عايش فين ؟!
جز على فكيـه بجزعٍ :
-هبعت حد يجيب الست هانم .. ومشكلة الفستان أنا مش عارف المفروض أعمـل فيها أيه !!
ثم صمت لبـرهة وكأنه تذكر شيء ما :
-نوران ، استني .. أنتِ كل الـ شاغل دماغك دي الفستان والميكاب وبس !!
تراجعت خطوة للخلف لتجيبـه بملامحهـا المنكمشة :
-اه ، هي العروسة المفروض أي يشغل دماغها غير شكلها اليوم ده ..
كل يوم يتأكد من حجـم الكارثة التي تنهار فوق عاتقه ولكنه مازال مكملًا السير بصدر رحب .. رفع حاجبه الأيمن مستفهمًا :
-وبس !!
-ما تتكلـم على طول يا كريم ، أنا دماغي مش فاضية تحل في ألغاز دلوقتِ !!
دنى منهـا نفس الخطوة التي ابتعدتها عنه ولكن بنبرة أكثـر هدوءًا وأعين يتوقد منهـا اللهفـة :
-يعني مفيش حاجة تاني خايفة منها ، اطمنك متوترة مثلًا .. وكده .
هزت كتفيها بعدم فهم لمغرى تلميحاتـه :
-لا مفيش ، هتوتر من أيـه ، المهم شكلي يكون حلو النهاردة وبس ..
ضاقت عيني كريم بنظـرة ماكرة وغير سؤاله بنبرة أكثر لينًا :
-طيب أنتِ بعد الفرح والفستان وكل الأجواء الجميـلة ، عارفة هيحصل ايه !
زفرت بوجه ثم قالت بإمتعاض مصحوبًا بالثقة :
-أيه يا كريم أنتَ بتتكلم مع عيلة صغيرة!
تنهد بارتياح :
-أنا ربنا نصرني ، فلوس الجوازة دي حلال..
تأرجحت عينيهـا بحيرة وأكملت ببلاهة :
-هنروح بيتنـا نتعشى ، وننام بقا لإني تعبانة وحاسة إني محتاجة أنام لمدة أسبوع ..
تسمرت معالم وجهه بصدمة محاولاً إدراك جملتهـا .. خيم فطر الحزن فوق ملامحـه وقال ممتعضًا وهو يتأهب للرحيل :
-مش كُنتِ عايزانا نأجل الفرح ، أنا شايـف إننا نلغي الجوازة كلها ….
ثم أخرج هاتفـه بعجـل و أجرى لها حظرًا من كافة مواقع التواصل الإجتماعي:
-وادي بلوك عشان ومش عايز اسمع صوتك النهاردة .
صرخت مناديـة باسمـه ثم عاندت قائلة:
-كريم .. دي اخر مرة صوتك يعلى عليا.. اقولك ، إحنا نلغي الجوازة دي كلها ونرتاح ..
لم يلتفت إليها بل أكمل سيره مغادرًا الغرفة ، فثرثرت قائلة :
-مش كل مرة تسيبني كده وتمشي ، ده مش اسلوب ده على فكـرة !!!
******
“قـبـل أحد عشـر شهرًا ..”
عاد مُراد بعد مرور يوم طويـل في عمـله .. أكل خطوات السُلم ركضـًا متجهـًا إلى غرفتهما التي تحوي قمـرًا جديـدًا نـور حياتهمـا ، فتح البـاب بلهفــة وبعـد ما رمى سترته السوداء على فراشـه اندفع ملهـوفًا ناحية تخت صغيرتـه المصبوغ باللون الوردي .. تبدلت ملامحه عن رؤيتـه للسرير خاليـًا من غاليتــه ..
جهر مراد بصخب مُناديًا بنبرة مرصعة بالقلق والحب :
-عاليـه ، عاليـة ..
ثم طرق باب الحمـام بخفوت وكرر ندائه :
-عاليـة أنتِ جوه !!
فتحت عاليـة الباب وخرجت منـه في كامل أناقتـها وبريقهـا .. بفستانٍ قصير باللون الأبيض يصل لركبتيها ، وشعرها المموج والمتدلى فوق كتفهـا مع الحُمرة الوردية التي تصبغ شيفاها ، قطمت شفتهـا السُفلية بخجـل وهي تقترب نحـوه وقالت بنبرة رقيقة :
-رجعت قبل معادك يعني ..؟!
لم يلتفت لجمالها بعد مازال مشغولًا بفك أزرار قميصه ، فسألها بحماس :
-غالية فين ؟!
لم يمهلها الفرصة لتُجيب وأكمل بنفس الحماس :
-روحي يا عالية هاتيها من عند مامتـك عشان وحشتني أوي .
رفعت حاجبهـا ويبدو أن الغيرة لمست قلبهـا ، أدركت بأنهـا جاءت بضُرة جديدة تشاركها في حبيبها .. خطت قدميهـا لتقف أمامه واضعــة يديها في خصرها بدلالٍ :
-أنت جاي ملهوف كده عشان خاطر غاليـة وبس !!
تعالت جفونها تدريجـيًا لتتأمل جمال كاحلهـا لوجهها مُطلقـًا زفيـرًا قويـًا وبنظرات تلمع إعجابك ، فأردف متنهدًا :
-الحلاوة دي كلها على فين !
ما زالت نبرتها سائمة منه ، فأردفت بجزل طفولي :
-هتكون على فين مثلًا !! هنزل كده الشارع لسمـح الله ؟!
أطلق ضحكـة بإملاق يخـلو من الإدراك :
-لا بجد ، الشياكة دي كلهـا ليـه ؟!
ثم ضاقت عينيـه محاولاً استيعاب الأمـر :
-أنتِ لقيتي نفسك تخنتي شوية قولتي تجربي الفستان وتشوفي المقاس ؛ صــح !
ملأت نظرات الاستياء ملامحها وهي تعض على شفتها السُفليـة لتكبـح غضبها منــه :
-مـراد متجننيش !!
تنهد بملل :
-مالك يا عاليـة ، روحي هاتي غالية عشان ألعب معاها شوية قبل ما أنـام ..
عقدت حاجبيها بإمتعـاض :
-تنام !! يعني يا تلعب مع غاليـة يا إما تنام .. مفيش أوبنشن تالت يعني ؟!
ثم اقتربت منـه بخطوات سُلحفيـة وهي تُطيـل النظر بعينيه الشاردة فـ جمالها السـاحر ، صعد كفيها بهدوء ليستقرا فوق كتفيـه ، باتت حمـرة الخجـل تكسو بقية ملامحـها وكملت بنفس النبرة المنخفضة:
-يعني مفيش وقت لمراتك البعيدة عنك ليها أكتر من٦ شهور .. ولا أنا خلاص هتنسي ..
قفلت جفونها لبرهة ثم فتحها بذهول :
-هما الـ٤٠ يوم عدوا !!
ردت بدلالٍ :
-شوفت !
ختم سؤاله بضحكة خبيثة :
-وأنا اللي مليت من كتر ما بسألك و تقوليلي لسـه لسه !!
ثم تنهد بارتياح :
-ده الواحد نسى إنه متجوز يا شيخة !!
حدجت عينيها بحدة ، مناديـة باسمه ؛ فلحق نفسه قائلًا ؛
-أيوه بردو غالية فين !!
ابتعدت عنه بضيق وهي تدفعه برفق وتقول بإمتعاض وهي تنزل حذائها ذو الكعب المرتفع :
-والله ؟! غالية مع ماما يا مراد ، روح هاتها والعب معاها وأنا أصلا غلطانة إني بفكر فيك وبرتب لليوم ده من اسبوع ..
ألتف ذراعه حول خصرها ليجذبها لحضنه مرة ثانيـة محاولًا ترميم الحدث ، مال على مسامعها وهمهم :
-بهزر معاكِ .. روقي بس ؛ دا اليـوم يوم عيد بالنسبة لي .
تملصت من قبضتـه متمنعـة عنـه :
-وسع كده ، روح قضي أعيادك مع بنتك .. وأنا هحتفل لوحدي ..
أحكم قبضة ذراعيـه على خصرهـا ، ووقف الاثنان أمام المرآة ليردف بهمس بأذانهـا بعد ما رواهم بقُبلة خفيفة :
-وده ينفع بردو ؟!
ردت بتمرد أنثوي وهي تتمايـل كطير ظمأن يطلب من صاحبه أن يرويـه ببعض الحُب :
-قول لنفسك ..
غمغم بكلماته المُدججة بسُكر الشـوق وهو يتنقل فوق ملامحها كفراشة تتنقل في البستان وقال :
-هقولها إنك وحشتيني وإني بحبك وبحب القدر الـ جمعني بأرق ست فـ الدنيا .. وإن الليـلة دي حاسس أنها ليلة فرحنـا ..
وضعت كفيها فوق ذراعيـة الملتفين حول خصـرها وبنبرة سكيرة تحت تأثيـر خمر حضنـه وكلماتـه :
-أنتَ كمان وحشتني أوي ، ووحشني كل لحظه لينا مع بعض .. أقولـك على سـر ، أنا عمري ما عرفت أكون سعيدة غير وأنا معاك ، وفي حضنك ..
لفهـا تحت يديه كالفراشـة الكرنب البيضاء ليلتقيا وجهـا لوجه وتمتزجـا أنفاسهما المدججة بعبيـر الشـوق .. كاد أن يرتشف من مائها ليروي عطش الشهور السابقـة ولكنهـا أوقفته واضعة أناملها فوق شدقه كحاجز بينهمـا :
-مراد ، تتعشى الأول ونتفرج على فيلم سوا ..
قبض على معصم كفها الفاصل بينه وبينها وباليـد الأخـرى شد سحاب فستانهـا حاسمًا قرار اقتراحاتهـا بسياسة :
-وماله …
#بــاك ..
عودة للوقت الحالي ؛ فاق مراد من شروده على صوت نداء عالية المتكرر :
-مـــراد !! أنا بكلمـك ، روحت فيـن ؟
شد ستائر النافـذة التي كان يراقب منها تجهيـزات فرح أخيـه وقال بمزاح وهو يدنو منها معلنـًا رغبتـه فيـها :
-عايزة تعرفي روحت فين ؟!
تراجعت معترضة عن تلمحياته:
-مراد !!
بأعين متلصصة قبـل ذراعيه التي تطوقهـا وقال ليتأكد :
-قولتِ لي غاليـه فين !!
نبس ببنت شفة :
-مراد !!
********
~بالطابـق العلوي ..
#فلاش باك ..
” قبـل سبعة أشهـر ”
بعيـادة النسا والتوليـد ، فرغت الطبيـبة من فحص بطن حياة المنتفخة كالبلون الكبيـر ؛ ففارقت تخت الفحص بعناء وحركة بطيـئة إثر ساقيهـا المتورمة من أسفل ، جلست بصعوبة فوق المقعد المجاور لمكتب الطبية وسالتهـا بتوجسٍ :
-في حاجة يا دكتور ؟!
ردت الطبية بأسفٍ :
-للاسف في ضغط جامد من البيبيز على عُنق الرحـم ، وهو سبب الالم الـ حساه ..
ثم فرغت من تحديد التحاليـل المطلوبة وأكملت :
-حياة ، لازم تعملي التحاليل دي في أسرع وقت ، على يوم الاتنين بالكتيـر لازم تولدي قيصري ..
جف حلقهـا من شدة الخوف وهي تعانق بطنها بقلق وقالت بذهولٍ :
-بس أنا لسه في نص السابع وو
قاطعتها الطبيبة مكملة :
-في حالات طارئة بتواجهنا وخصوصًا للستات الحامل في توأم ، أغلبهم بيولدوا قبل معادهم .. تخلصي التحاليل دي وأشوفك السبت !
أخذت الورقة من الطبيبة بيدها المرتعشة وأردفت بتساءل :
-ممكن حتى نأخرها لأخر الاسبوع ..
ثم بررت موضحة :
-دكتور ، جوزي مسافر الأربع ، وأنا مش حابــة أعرفه بميعاد الولادة .. فممكن من الأربع الجاي نبتدي الإجراءات اللازمـة .. هيكون في خطورة !
تمتمت الطبيبة بدون إقناع :
-طيب مش هوصيكي الراحة التامـة ، متتحركيش من السرير ، ولو حسيتي بأي حاجة غريبة تعالي فورًا ..
حـل المسـاء ؛ فعاد عاصي إلى منزله بالغـردقة ، فوجد صغاره يجلسن باهتمام بصُحبة حياة عارية البطن في منتصف تختـه .. قفل الباب خلفه وهو يحدق بمدى استمتاعهما برؤية قدمي الأجنة تسبح بجوف حياتهمـا ..هتف مستفسرًا :
-في أيه هنا ؟!
تحمست تاليا بفرحة :
-تعالى شوف رجل البيبي يا بابي وهو بيعوم جوه ..
عقد حاجبيه مندهشًا ورمي سترته البنيـة على أقرب مقعد وانضم لمجلسهـم بفضول :
-بيبي أيه اللي بيعوم جوه ؟!
بملامح وجهها الضاحك نادته :
-تعالى كده ، اقعد جمبي ..
ثم سحبت انامل يديـه وحركتهم بصورة دائرية فوق بطنها .. فتلاقت أعينهـم اللامعـة بوهج الحُب وخُتمت ببروز قدم أحد المراوغين ببطنها فانفجرت ضاحكة بتنهيدة متعبة :
-شوفت ..
جملة من المشاعر تغلغلت بقلبه ولا يعلم كيف يمكن التعبير عنها .. شعـور مبهم من الانتماء لروح إمراة ليست من دمه ولكنها خُلقت من جزء مـا بجوار قلبـه .. راقت له اللعبـة فكرر مداعبـة صغاره مراتٍ متكررة متبعًا توجيهات صغاره الذي بات يشاجرهن كأشخاص كبيرة معترضًا بأن لا يمكن لأحد غيره ملامسة بطنها .. حتى فاض صبره منهن فحمل واحدة على كتفه والأخرى أمسك بملابسـها ممزاحًا :
-وبعدين فيكم ؟!!
صاحت حياة معترضة :
-بالراحة عليهم يا عاصي هما مش أدك..
واصل مداعبـة فتياته الضاحكات برفقة أبيهم ويدللهم بحـب ومرح حتى هتف قائلًا وهو يداعب بطن صغيرته المتراقصة بالضحك والتوسل بأن يتركها :
-سبيني أخلص حقي منهـم ..
ثم خفض الأخرى من فوق كتفه لتتمدد بجوار أختها وواصل في تقبيل وتدليـل قطتيه الصغيرتين .. تدخلت حياة بينهم وهي تتمسك بكتفه :
-بس بقا كفاية ، حرام البنات ..
جففن صغاره أعنيهم المغرورقة بدموع الضحك الهستيري اللاتي انخرطن فيه إثر مداعبات ولادهم الظريفـة ، رمقهم بأعين محذرة بضحك :
-عشان يتحدوني تاني ، محدش يقرب من مراتي غيري فاهمين !
جذبتهم حيـاة لحضنها باحتواء أم وقبلت كُل منهما وقالت :
-دول حبايب قلبـي .. ولا تقدر تعملهم حاجة ..
ثم همست بمسامعهما :
-أحنا ٣ يبقى أحنا أقوى مش كده !!
هتفا معًا :
-كده ..
في تلك اللحظة جاء طرق صوت الباب من المربية الخاصـة بيهما ، فتح لها عاصي الباب ، فقالت بهدوء :
-عاصي بيـه ؛ ميعاد نوم البنات جيه ..
تنهد بارتياح وقال بمزاح :
-تصدقي جيتي في وقتك ..
قبلت حياة كل منهما بدفء ومشاعر صادقة وقالت برقة :
-يلا نِدي بابي البوسة بتاعته ونقوله جود نايت !
قبلوهن الاثنتان في نفس اللحظة فكان لكل وجنة منها نصيبٍ بالقُبلة ، ودع عاصي صغاره بحنان زاخر ثم قفل الباب وعاد لحيـاته المتكئة على ظهر السرير .. جلس بجوارها ليطبع قُبلة الشوق فوق ثغرها الوردي .. فبادلتـه نفس القُبلة ولكنها ممزوجة بأنفاس التعب المخفي عنه .. مسح على شعرها ثم انتقل بشدقـه لجبهتها يطبع قبلة آخر أكثر طولًا .. غمغمت كي تلتهي عن الألم :
-أخبار الشُغل أيه .
شرع بفك ساعة يده ثم أزرار قميصـه التي تقيد حركته و أجابها :
-كُله تمام .. أنا ظبطت كل حاجـة هرجع بس من سفرية ألمانيـا ، وهنسافر كلنا أمريكا ، حجزت لك في أكبر مستشفى هناك .. هتقعدي فيها لحد ما تولدي ..
تأرجحت عينيهـا بتردد على أوتار اعترافها أم تصمت !! اكتفت بصدور إيماءة خافتـة ثم سحبت يده لترسو فوق بطنها وأخذت وضعية النوم والاسترخاء وقالت بكلل :
-ممكن تعمل لي مساج لحد ما أنام ..أصل ولادك مش مبطلين شقاوة جوه .. طالعين لباباهم!!
ضاقت عينيه ممازحًا :
-يعني مش لمامتهم !!
#بـــاك …
بـ الطابق الذي يقع فيه جناح عاصي بالقصـر ..
تقف حيـاة شاردة في ذكرياتهما الجميلة أمـام المـراة مرتدية بذلة نسائيـة بيضـاء وتعلق أقراط آذانها المرصعة بأحجـار الماس الملونـة .. وهي تدندن مع الأغنيـة التي علقت برأسهـا الفتـرة الأخيـرة وكأنها كُتبت خصيصًا لأجلهمـا .. وتمتمت بهمسٍ وهي تراقب صورته المنعكسـة بالمـرآة أثناء انشغاله بصغارهمـا بمقلتيها اللامعـة :
-ليه تبقى مين علشان تزورني تقوم تبات
جوا في سواد العين …وأخبيك بالسنين..
يجلس بجوار صغاره اللذين وثقا عهد العشق بين فرس البحر حوريـته .. ويتأملهمـا بشجن وعيون مكدسـة بالحب الأبوي الممزوج بالندم وهو يلامس وجه ريان الأشبه بالقطن الأبيض الناعم :
-أنا أزاي كنت عايز احرم نفسي من النعمـة دي .. !!
ثم هتف مقاطعًا لخلوتها وهو يقرأ الاسم المحفور على الأساور التي يرتديها التوأم المتشابه :
-حيـاة !! راكان نام ..
دارت إليه بابتسامـة خفيفـة وقالت :
-طيب كويس ، دقيقة كمان وهتلاقي ريـان حصله .
قبل كَف ملاكه النـائم ثم ألتفت للآخر فوجده يغرق بالنـوم هو الأخر .. ربت بهدوء عليه ثم قبـل قدمه الرقيقـة وتراجع بحذر ، لقد كان يرتدي قميصه الأبيض و بنطاله الأسود مع رابطة عنقه المنقوشـة .. أقبـل لعندها وهي تغرق بكلمـات الأغنيـة وتتراقص كعود ريحان يغازله الهوى ، تولى مهمـة قفـل عُقدها مصحوبًا بقبلة حارة بجواره كانت سببًا في اندلاع تنهيدة خفيفة من قلبها ثم سألها بصوت خافت:
-بس أيه الروقان ده كله !!
دارت إليـه وهي تروغ كفيـه بأناملها الناعمة وقالت بشجن :
-أنغام منزلة أغنيـة جديدة، وهم ؛ حاسـة أن الأغنية اتكتبت عشاننا ..
ثم خطت آخر خطوة لتبقى بين يديه تحديدًا وقالت :
-في وقت نسمعها سوا ؟!
ضبط مظهر عُقدها الماسي المُلتف حول رقبتها وقال :
-المستعجـل يتأجـل عشانك يا حياة .
أومات بحمـاس وهي تدور لتعيد تشغيل الأغنيـة من جديـد ، رفعت أهدابـها إليه وقالت بصيغة آمرة :
-حاول تحفظ الكلمـات بقا عشان دي هتبقى أغنيتنا المفضلة خلاص..
تركت الهاتف ذو الصوت الهادئ على التسريحـة وعادت لتتوسط يديـه وتتقاسمه ضربات قلبـه ، ثم همت لتعانقـه بخفـة النسـيم كما يعانق الزهور وهي تحاور عينيـه بسيـل متدفق من عشقهـمـا وتردد مع الأغنيـة :
-ھو إنت مين!! علشان في ثانية تشيل حاجات
وتهد رصة ذكريات .. وتلخص العمر في يومين..
ابتسامة رقيقة رُسمت على محيـاه وكأن الأمر راق له ، تسللت يداه تحت سترتها البيضـاء وضمها إليـه أكثر وهو يراقب زهوة تلك الملامح التي تغرد بحبه كعصفور مغرد ؛ مررت ظهر أناملهـا فوق وجنتـه وملامح وجهه وأكملت تمتمـة بصوت خافت جدًا :
-ليه تبقى مين؟! علشان تزورني تقوم تبات
جوا في سواد العين .. وأخبيك بالسنين..
بخطوات بطيئة متمهلة تحركا الاثنان على أوتار الموسيقـى وهو يُراقصـها ببراعـة رجـل مُغرم يعرف من أين تُدلل الأميـرات ، صرخت أنغـام بسؤالها التعجيزي لوصف مدى جرعة الحب بينهمـا :
-يا أخي الشوق ليك واخدني لفين ؟! ومين عنك يرجعني!
قليل منك ما يرويش عين .. ولا كتيرك مشبعني؟!
فتسلطن عليهمـا الحـب والهيـام حتى ختمت المقطع الغنائي بقبـلة خفيفة رست فوق شِدقـه وبالأخص شِفته السُفلية ، ثم تابعتها بغمزة عين من مقلتيها المتيمة قبل أن يُديرها أمامه كالفراشـة ليجذبها بلطف مرة ثانية لتعود لموطنها .. لتعـود بين يديـه .. عادت لمعانقته من جديد ولكن تلك المرة توقفت فيها على طراطيف أصابعهـا وضمته كما تضع الأم ابنها العائد من الغُربـة .. امتزجت خُطى الجسدين وكأنه جسد واحد وهما يستمعان لبقيـة الأغنيـة :
-یا قلبك لو عينيك نايمين
وعن نوم عيني تمنعني
بحبك كل يوم حبين
وأجيب قلبين منين يعني
افترقت رأسها المستندة على كتفه لتلقى بعينيـه من جديد وقالت بولهٍ :
-ساعات فعلاً بحس إني محتاجـة قلبين ، لان قلب واحد في حبك مش مكفي .. قولي الأغنية عجبتك مش كده ؟!
انهارت فلسفة الكلمات أمام جمالها ودلالهـا وأنوثتها الساحرة التي ينهار أمامها سلطان الغرام .. شرع بفـك رابطـة عُنقــه بهدوء فسألته :
-عاصي جميلة ! أنت ليه هتغيرها .. هنتأخر كده والوفد الإيطالي ده مواعيدهم مظبوطـة بالثانيـة ..
فـك أول زر من قميصـه ومال إليها ليفرغ بثغرها طاقة الكلمات التي تسربت لقلبـه فكانت آخر كلمـة قالها وهو ينزع عنها سترتها البيضاء لتقع تحت قدميهـا بهدوء ؛ وارتمت معها تلك المواعيد المهمة عند قدميها صرعًا لا حراك لهم :
-براحتنـا !
شرعت أن تعارضـه بإصرار ؛ فكتم أنفاس تمردها بقبلاته الهادئـة التي كانت من نصيـب ملامحها الغارق بهما كبلبل يتنقل هنا وهناك في روضـة جمالها ، فلـم يمهلها لحظة واحدة تتفوه ببنت شفـة وتعرقل غيث اشتياقـه لها بل أجبرها أن تنبض في قلبـه بنار عشقٍ تلتهـم غابـة بأكملهـا .. ليذوبا الثنائي في براعـة وجمال صوت أنغام وهي تسأله بأخر سؤال قبل أن يُسلب عقلهـا وكأن ذلك السؤال هو مفتاح بوابة الحب بينهما في كل مرة يجمعهما الهوى و بـغنجات من لواحظ :
-بتحبني أد أيه ؟!
بتنهيدة تتهدج حنانًا وحُبًا وهو يزيح تلك الخُصلة عن وجهها النائم تحت عينيـه وجدها ترخي سدول عقلها تحت مرمى أنظاره مستسلمة لموج الحب كما اعتادت أن تستسلم لموج البحر فأخذ يتأمل تلك الملامح الهائمة في سكرة لقاءهم المتجدد كل مرة كأنها أول مرة من اللهفة والحنين والخجل ، فظل قلبه مُعلقًا بطرف السؤال ويتأملها بعجز وحيرة ؛ هل الحب العظيم الذي يتوهج في داخلي كيف يُحشر في كلمة واحدة وهي نعم أحبك ؟!
في تلك اللحظة جاء صوت رنيـن هاتفـه القاطع لتلك اللحظة العذبة التي لم ينعم بها بعد .. فأفترق عنها بصوت مختنق وهو يجيب على الهاتف بمضض ، حتى تفوه بغاز غضبه :
-قُولت جاي ، مسافة السِكة …
وضع الهاتف بجيبـه ثم أمسك بكف تلك الحورية النائمـة على الأريكة والتي تأخذ أنفاسها بهدوء ولكن صداها واصلًا لمسامعه ، شدها من كفها لتفيق من جملة المشاعر التي تكسوها وتُغرقها .. ثم انحنى ليأخذ ” جاكت ” بذلتها المرمي بالأرض وقال بعجـل :
-ألبسي يلا خلينـا نخلص الزفـت ده …
شرعت بارتداء سترتها باختناق وبلـوم :
-عاجبك كده يعني ؟! هتبطل أمتى تصرفات المراهقين دي !
فجر غضبه بوجهها صارخًا :
-حياة أنا مش طايق نـ ..
برقت محذرة وهي تضع كفها فوق فمه :
-أشش الولاد نايميـن !! صوتك يا عاصي ..؟!
عض على شفته السفلية بغضب دفين ثم أخذ حافظة نقوده ومفاتيحه وقال بضيق :
-هستناكي في العربية ، استعجلي مش كل مرة كده تأخرينا .
وبخته بإعتراض وهي تهندم ملابسهـا :
-بردو أنا السبب فـ الأخر !! وأنا الغلطانة .. عادتك ولا هتشتريها !
شدت حقيبتهـا بفتـور وهندمت شعرها بعجـل ثم تابعت خُطاه متوجهة إلى غرفة عاليه ، طرقت الباب بخفوت حتى فتحت لها ، اعتذرت حياة بخجل ، خاصـة عندما لمحت مراد بالغُرفة وعالية التي تتوارى خلف الباب إثر ملابسها القصيرة ، غمغمت بإحراج :
-عاليـة ، ريان وركان نايمين فوق .. ممكن تخلي بالك منهم ، في ميتنج مهم ساعتين بس وراجعة ..
أومأت بسعة صدر:
-من عينيـا يا حبيبتي … هغير هدومي بس واطلع اقعد معاهم ..
ردت بامتنان :
-بجد شكرا يا عاليـة .. وكمان البنات راجعين من النادي بعد شوية .. خلي بالك عشان بيحبوا يشيلوا الولاد وممكن يوقعوهم ..
كادت أن تنصرف ولكنها تراجعت قائلة :
-انا مجهزة كل حاجة ، فساتين البنات وبدل الولاد .. لو اتاخرت خلي سيدة تساعدك .. أنتِ عارفة شمس آكيد مشغولة مع نوران ..
-اطمني يا حبيبتي .. هخلي بالي منهم لحد ما ترجعي .
*******
~بغُرفـة تمـيم ..
-تمـيم تميـم ، ممكن تركز معايا بقا وكفاية لعب مع مصطفى .. يا تمــيم !!
ضربت الأرض بقدميها بجزع إثر اهتمام تميم المبالغ بصغيره الذي بلغ شهره الثامن .. سيل متدفق من القُبلات كان من نصيب وجهه الدائري ناصع البياض قبل أن يضعـه في فراشه ، قائلًا :
-الولا ابن الـ*** مهما قعدت معاه مش بشبع منه .. هو المفروض هيمشي امتى يا شموسة ؟!
برقت عينيهـا بذهولٍ :
-والله ؟!!!
ثم صرخت بوجهه :
-تميم أنا بكلمك .. !! وأنتَ بتقول لي مصطفى هيمشي أمتى ؟! لا بجد !! تصدق أنا غلطانة ؟!!
قالت جملتهـا وتأهبت أن تنصرف من أمامه فأمسك بمعصمها متسائلا:
-رايحة فيـن ؟! استنى هنا .
فجر كبت يومها بوجهه :
-الفستان طلع ضيق عليـا ، وكمان لسه عايزة اروح أقف مع نوران وكمان شقتها عايزة تظبيطات .. وسيدة بتجهز في أكل العرسان تحت ومش هقدر اطلب منها أي مساعدة.. وسيادتك قاعد هنا وبتسألني مصطفى المفروض هيمشي أمتى ؟! انا محدش بيفكر فيا ولا شايل همي خالص ولا بقيت باجي على بالك ..!
ثم انبثقت من عينيها دمعـة تدل على عجزها وقلة حيلتها :
-حقيقي أنا تعبت …تعبت وأنت مش حاسس بيـا ..!!
مسك كفها بهـدوء ليجلسا الاثنان على طرف الفراش وجهًا لوجه ، تلقي تلك الدمعة على طرف إبهامه ثم قال ليهدأ من روعها :
-بس بس .. محصلش حاجة لكل ده .. لو على الفستان متشليش همـه أصلًا فستانك على وصول .. بصراحة فستنانك ده مش عاجبني ، فـ طلبت لك من أسبوع واحد على ذوقي وهيوصل كمان شوية ..
تفرغ فاهها بذهول :
-ايه ؟!!
ثم احتوى كفوفهـا وأكمل :
-والحاجات الـ عايزة توديها الشقة عند نوران ، سيبي مصطفى مع عالية وتعالي هوصلك .. ونخلصها سوا ياستي ..
ثم تنهد بارتياح :
-باقي أيه تاني !!
شاحت أعينها بحيرة وتساؤلات :
-أنتَ حليت أزاي كل حاجة كده بسهولة !!
بادلها بابتسامة خفيفـة :
-عشان تعرفِ إن في حد هنا شايل همك وبيفكر فيكي طول الوقت ، ومش زي ما أنتِ مفكـرة ..
بنظرات إعتراف لتلقي على عينيـه بأنسب وصف يصفه :
-انت بقعة الأمان الوحيدة بهذا العالم ، في كل المرات
التي أرغب فيها الهروب من كل شيء.
لم تجد نفسهـا إلا بحضـنه وهي تتنفس عطره ممتنة لوجوده بجانبها :
-أسفة او عليت صوتي عليك ، ممكن متزعلش مني ، أنا بجد مضغوطـة ومش متحملة .
ربت على ظهرها بعرفان وحب :
-عمري ما أقدر أزعل منك .. أنتِ كل دنيتي يا شموسة ..
فارقت حضنه بابتسامة ارتياح يغمرها :
-ربنا يخليك ليـا ..
رفع كفيها لمستوى ثغره ليطبع فوقهم زهور عشقه ولم يتوقف بهذا القدر بل رمق عينيها بعتبٍ :
-يصح بردو العينين الحلـوة دي تعيط ..
ثم مال نحو عيونها وقبل كل واحدة منهما بتأنٍ ومثلمهما كانا من نصيب وجنتيهـا .. وآخرى فوق رأسهــا وختم صك اعتذاره بواحدة هادئة ليُهدأ من ارتعاشـة شفتيها المنتفضة ، ثم تفوه قائلًا بتشجيع :
-يلا بينـا ….
استقبلت اقتراحه بابتسامة امتنان :
-يلا بينـا …..
******
~بالشـركة …
ظلت تكتب في بعد البنـود المقترحة بالعقـد الجديـد بتركيـز شديـد ينافس تركيزه معهـا وإشاده بأنها أمراة متكاملة حتى بالعمـل لا يفوتها شيء ، رمقته بنظرة معاتبـة وكأنه تسأله : ” لمَ تنظر لي هكذا ؟! ” ثم تحمحمت وقالت بهدوء مترجمة نهايـة اجتماعهم :
-مستر رافايل بيقولك إنه موافق على كل شروطنـا ..
بنظرات تلفت نظر الأعمى وهو يرمقها بإعجاب شديد ممزوجًا ببسمـة خفيفة واضعًا سبابته فوق فمه وقال بثقـة :
-ما هو لازم يوافق ؟!
شاحت عينيها بعيدًا عنه والتفتت إلى الوفد الإيطالي بامتنان :” مبارك لنـا مستر رافايل ”
-Congratulazioni a noi, professor Rafael
تقاذفت نظرات الرضا العرفان من الوفـد الإيطالي وشرعوا بجمع أوراقهم ملقيين رسائل الشكر والتقدير والسعادة البالغة لانضمامهم لهذا الاتفاق ؛ انصرف الوفد واحد تلو الآخر بانتظـام حتى أشار عاصي لمساعدته أن تقفل البـاب ورائها .. تأكدت حياة من خلاء الغرفة عليهما ، فوثبت بضيق يتقاذف من بين كلماتها وهي تفتح تستعد لارتشاف الماء :
-عاصي جرالك أيه !! أنت مش مركز خالص طول الاجتماع وكل ما أسألك على حاجة تقولي اللي تشوفيه ، وطول الميتنج باصص لي وبس ..
فرغت من شُرب الماء ثم وضعت الكوب بغل فوق الطاولة وأكملت بنفس النبرة :
-أدي اللي كُنت خايفة منه ، انا شكلي كده هفض الشراكة معاك ، أنا مش هعرف اشتغل كده ..؟!
وثب بوقار ساطع مفارقًا مقعده الذي يرأس طاولة الاجتماعات ودنى منهـا واضعًا يده بجيبـه وبنظرات بإعجابه قال :
-كده مش عارفة تشتغلي !! دا أنتِ اقنعتيني أنا شخصيًا في ربع ساعة بكل البنود الـ في العقد والـ كلها لصالحنا.. أنا كنت قاعد بتعلم منك وبس ..
حاولت إخفاء ابتسامتها عنه محتفظـة بوجهها الغاضب الذي قرأه بنظرة ، فقالت بثقـة زائدة :
-عاصي أنـا مش هعرف اشتغل في الجو ده .
ثم زفرت بامتعاض :
-عينيك بتربكني يا أخي !!
أمعن النظر بتلك العيون التي كانت بمثابة وطن صغير يرغي بالانتماء إليّه ، دنى منهـا أكثر وقال بجدية مفتعلـة :
-المهم ..
تنهدت بارتياح :
-آخيرًا هتقول حاجة مهمـة ..؟!
-أنا كُنت مركز في حاجة واحدة وبس طول الميتنج ..
ثم لملم شعرها المنسدل على هيئة كعكة دائرية وأكمل :
-الـَ وهي ، الميتنج ده هيخصل أمتى !
كمن يقف بثبات على أرض تهتز من تحتها محاولة إدراك ما يشير إليه وقالت ساخرة:
-والله تعبت نفسك !!
عقد حاجبيه متسائلًا باهتمام :
-أحنا كنا بنقول أيه قبل التليفون ما يرن ؟!
تاهت أفكارها في زحمة تفاصيل يومهم بجهـل ، ثم غمغمت بدهشة :
-أنتَ بتقول أيه ؟!
تنهد بـ اشتيهاء وهو ينحني إليها :
-نكمـل كلامنـا بقا.
ابتعدت عنه بإصرارٍ :
-لا ده جنان، أنا مستحيـل أطاوعك في الجنان ده ، وفي الاخر بطلع أنا السبب في كل الكوارث الكونية الـ هتحصل ..
سُدت مسامعه عن كلمات إعتراضها ، فركت ذلك المقعد الجلدي بقدمه وحملها لتجلس على طرف الطاولـة وبأنفاس عاليـة تتمنى ولو أنَّ الحُب منارة تُرى ، لرأيت في قلبِي مدينة مخصصة لكِ .. هبت معارضـة في حرب تعلم هزيمتها فيها :
-عاصي مش هينفع ، أحنا ف الشركة ..
زفر بضيق ثم رفع سماعة مكتبه آمرًا المساعدة بغضب :
-عندي شغل مهم لازم أخلصه مع مدام حياة ، مش عايز تليفونات ..
ثم قفل الهاتف بضيق ليعود سابحًا في موجهـا العاتي وهو يتمتم بشـوق :
-تعرفي عن عاصي دويدار أنه مش بكمل حاجة بدأها للآخر ..؟!
هناك شخص واحد يخطو معك الصِعاب مؤنساً تتلطَّفُ الأيامُ به وينزع كل أشواك روحك ويستبدلها بورد لا يعرف مذاقـه غيركمـا .. في تلك اللحظة التي شرعت بالتناغم معه متجردة من سترتها البيضاء ووشاح إعتراضها متناسية الزمان والمكان بين يديه ، فـ رن هاتفها بصوته العالي كمن حقن الدماء برأسه فزفر مختنقًا بامتعاض :
-لا مش عيشة دي !!!
تناولت هاتفها بأيدي مرتجفه وقالت :
-دي الناني بتاعت البنات .. هرد .
تبدلت ملامحها سريعًا ثم قالت بعجلٍ :
-جايين حالًا ..
هبطت من فوق الطاولة ومسكت سترتها بيدها وقالت بلهفة :
-عاصي فـ مشكلة مع البنات فـ النادي .. تعالى نروح لهم بسرعة ..
*******
~بغُرفـة عاليـة .
تقف بمنتصف غُرفتها متشبـثة برأسها التي تكاد أن تنفجـر .. من صغاري عاصي اللذان لم يكُفان عن البكاء .. وابن شمس الذي يحبو هُنا وهناك وتساعده غاليـة التي تقف مستندة على المنضدة التي تتوسط الغُرفـة .. وتشد كُل ما يقابلها ليقع أرضًا .. صرخت بصوت فاض منه الصبر :
-غالية بليـز كفايـة كده !!
ثم جلست على طرف السرير وحملت ريان وأخذت تربت على كتفه وهي تعاتبهم :
-أنتوا بتفتكروا العياط مع بعض !!
هدأ ريان قليلًا ولكن زادت ثورة ركان ، تأففت بجزع فـ وثبت ووضعت ريان الذي يصغر ابن شمس بشهرٍ واحد ووضعت حوله وسادة لحمايته ، وترجته :
-أن مش هتقعد مؤدب ومش هتعيط ، عشان خاطري بلاش عياط ..
ثم فزعت راكضـة وحملت راكان على كتفها وأخذت تجوب به الغُرفة ذهاباً وإياباً وهي تربت على كتفه ، ثارت غيرة ريان عندمـا وجد نفسه بالأرض مقيدًا بين الوسادات وأخيه مدللًا على كتفه عاليـة ، رفع الصغير كفها وانفجر بالصراخ ففتحت شهيـة مصطفى الأخر على البكاء .. فتابعتهم غالية وهي تهبط على الأرض باكيـة ولكن كان الشعور مختلفًا عند راكان الذي اسعده صوت بكاء من حوله واتسعت شدقه الصغير بابتسامـة واسعة وهو يتراقص على أصوات بكائهم ، رمقته عالية بقلة حيلة وجثت على الأرض موشكة على البكاء :
-أنتوا لو عايـزين تجننوني مش هتعملـوا كده صح !
فتح مراد الباب وتفقد الغرفة المكدسـة بالأطفال وتتوسطهم زوجته ، ضحك معبرًا :
-ده ايه المهرجان ده !!!
صاحت عاليـة متوسلة :
-مراد تعالى الحقني ….
******
وصل عاصي بِصُحبة حيـاة إلى النادي بوجهه المكفهر ، هبط من سيارته فـ خبط بابها بعنفوان ، لحقت به حياة بخطواتٍ اشبه بالركض :
-حبيبي ، ممكن تهدأ ، نفهم بس فين المشكلة وبلاش عصبيتك دي .
مرتديًا نظارته السوداء مواصلًا سيره بخطواته الثابتـة تجاهل رده عليها فكل همه يصل لتلك السيدة التي أهانة ابنته .. أقبلت المربية عليهم ؛ وبدون بوادر :
-فين السـت الـ استجرت تمـد أيدها على بنتي !!
بنظرات مستاءة كانت من نصيـبه ثم تسللت بينهم بهدوء ووجهت حديثها للمربية :
-قوليلي حصل ايه وأنتِ كُنت فين ؟!
-أنتوا بقا أهل البنات دول !
أردفت تلك السيدة صاحبة الشعر الأصفر جملتها الأخيرة بنبرة تحفز على الشجار بينهم ، رمقها بنظرات ساخطة وأشار بسبابته بنبرة حازمة ساخطة :
-أنتِ قبـل ما تمدي أيدك عليها ، عرفتي هي تبقى بنت مين !!
جثت حياة على ركبتيها وضمت تاليـا الباكية لحضنها وأخذت تـواسيهـا بحنان على هيئة قُبلات دافئة لتهدأ من جسد الفتاة المرتعش :
-خلاص يامامي أهدي !! انا جمبك أهو ..
ترنحت تلك السيدة التي تراقبـه بكبرياء :
-مادام هنمشيها بنت مين ومش بنت مين ، يبقى أعرفك بنفسي ، أا
قاطعها مزمجرًا :
-مش عايز أعرف عشان مش هيفرق لي ..
وبنفس النبرة وجه الحديث لابنته داليا :
-داليـا ، احكي أي اللي حصل بالتفصيل..
شرعت داليـا أن تروي لأبيها القصة بمنتهى الجراءة :
-انا وتوتا كنا بنلعب ، وجيه الباد بوي ده وعايز يلعب معانا وأحنا رفضنا .. وانا وقفت له وقولتله مامي قالت لنا مش نلعب مع حد غريب ..
أصدر إيماءة خافتة وهو يأكل تلك المرأة بعينيها :
-كملي يا روحي ..
ألقت داليا نظرة اخذ فيها أذن حياة وقالت :
-هو بقا يرخم علينـا طول الجيـم ، وانا زعقت له .. راح يا بابي زقني كده ووقعت على الأرض ..
شرعت الفتاة بتمثيـل ما حدث بالضبط ، ثم انحنت وجلبت حجرًا من الأرض وأكملت :
-توتا لما شافتني وقعت مسكت الـstone وضربته !
اطلقت السيدة ضحكة ساخرة :
-دا أنتوا مخلفين بلطجيـة بقا !! والله شايفـة إنكم تهتموا بتربية ولادكـم قبل ما تدخلوهم نادي له اسمه ومكانته زي ده ويضربوا ولاد الناس بالحجارة ..
مالت حياة على المربية:
-أنتِ كنتي فين ؟!
بررت موقفها :
-كنت بجيبلهم أكل ..
أكملت داليـا بجراءة وهي تحكي لوالدها :
-وبعدين يا بابي جات طنت وزعقت جامد ومدت أيدها على توتـا .. ضربتها بالقلم وهي بقيت تعيط ..
توترت السيدة قليلًا وقالت :
-البنت دي بتكذب .. أنـا
أشار بيده ليخرسها وقال بنبرة تهديديـة :
-بنتي مش بتكذب ، وكلمة زيادة في حق بناتي هنسى إنك واحدة ست ..
تدخلت حياة بغضب لتوجه لها العتب واللوم :
-أنتِ ازاي تمدي أيدك على طفل في العمر ده !! أنتِ مجنونة !!
صاحت السيدة بصوتها العالي كي تهرب من ذلك الموقف :
-انتوا شكلكم روباطية بقا !! فين المسئول عن النادي هنا ، الأشكال دي ازاي بيدخلوها كده !!
ركض أحد رجال الأمن نحوهم :
-في حاجة يا عاصي بيه ، أحنا خلاص حلينا المشكلة ؟!
دار إلى موظف الأمن موبخًا بصوته المرعد :
-موضوع أيه الـ اتحل ؟! ازاي بنت عاصي دويدار حد يمد أيده عليهـا وتقول لي الموضوع اتحل ؟!!
ثم مال ناحية ابنها ونزع هويتها ورماها بيد موظف الأمن :
-عضويته تتغلى من النادي هو وأهله ، روح بلغ سامح بيه بكلامي ..
صرخت السيدة بإعتراض ، فقاطعها بحدة:
– أنتِ لسه حسابك مجاش .. اتفضلي اعتذري لبنتي زي ما أيدك اتمدت عليها ، رغم أنه مش كفاية ..
ترنحت السيدة بكبرياء وتمرد وهي تخرج هاتفها :
-لالا ، أنت أكيد مجنون ، أنا هجيب لك الـ يتفاهم معاك ..
رد بفظاظة :
-ياريت ، بدل ما أنا مش قادر اتصرف معاكي بالطريقة اللي تستاهليها .. ااه وياريت الـ هتكلميه عرفيه دول يبقوا بنات مين !! قوليلو بنات عاصي دويدار وبس ..
ثم ربت بغضب دفين على عنق الولد :
-تاني مرة اتعلم تسمع الكلام ومترخمش على بنات الناس ..
ابتعدت السيدة قليلا وهي تتحدث مع زوجها ، غمغمت حياة بعتب :
-خلاص يا عاصي، بلاش تلغي العضوية ، أحنا كده كده راجعين الغردقـة .. كفاية كده !
رد بإختصار :
-إحنا مش هنرجع الغردقـة تاني .. مكاننا هنا والقصر ..
-أيه ؟!!
جاءت السيدة على استحياء وهي تطرق أنظارها أرضًا ولم تسطع مواجهة عاصي صاحب الملامح المرعبة ، نظرت لتاليا بإعتذارٍ :
-متزعليش مني ، أنا لما شوفت ابني بيعيط اتعصبت عليكي ..
كادت حياة أن تتدخل لتقبل اعتذارها ولكن أوقفها عاصي سابقًا الحديث :
-وأحنا مش قابلينه ..ثم انحني وحمل صغيرته وقال باعتزاز:-الـ يفكر يزعلك تاني افتحي دماغه هو والـ خلفوه !! سامعة ، بنت عاصي دويدار مابتخفش من حد ..
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم نهال مصطفي
🦋الفصـل الثاني عشر 🦋
ألطف ما قيـل فـ وصف العلاقات المُريحـة :
-لم يشقيني في صحبته أتى إلى عمري ضمادًا لأيامي الجارحة..
وصل كلٌ من تميـم وشمس لـ شقـة نوران الكائنـة بأحد المنتجعات السكنيـة الراقيـة .. ترك تميم الحقائب من يده وأطرق متسائلًا :
-المفروض نعمـل دلوقتٍ .. !!
بدّ على وجهها الشحوب والهزل وقالت بصوت مُتعب :
-اقعد هنا وأنا هدخل الحاجات دي الفريزر وأبخر الشـقة وأشوف أيه كمـان ناقص وهعمـله …
أسـدل جفـونه ممسكًا بيـدها كي يردف متسائلًا :
-حبيبتي ؛ متأكدة أنك كويسة !!
قفلت أناملها الناعمة على راحة كفه الخشن فانبثقت دمعـة من طرف عينيها وقالت بحزن وخيم :
-تميـم .. أنتَ آكيد واخد بالك الفترة دي أنا أد أيه متوترة وعصبية حتى مقصـرة في حقك أنتَ ومصطفى ..
كانت عيونه تشع بريق الاهتمام وهو يستمع إليها بتركيز شديد ، زحزحت أنظارها عن حزنهـا لترفعهما لسُحب عينيه الدافئة وأكملت منفجرة بالبكـاء :
-أنا حامل .. ومعرفش ده حصل أمتى وازاي وأنا مش مستعدة لطفل تاني دلوقتِ وو
قاطعهـا بلهفـة ممزوجة ببوادر الفرح :
-قولي تاني كده !! أنتِ أيه .. ؟
تقلصت أنظارها وهي تُشاهد السعادة المتنقلة في عينـيه غير مبالٍ لحُزنها ؛ فأتبع وهو يضم كفيها ويدنوها منه :
-أنا سمعت صح !! أنتِ حامل مش كده !!
أردفت بتيـهٍ :
-أنتَ مبسوط !! تميم فوق !! بقول لك أنا حامل ولسه ابننا مكملش الـ٨ شهور !!
انبسطت أساريـر وجههُ وتهادى صوته متحمسًا وهو يجثو على رُكبتيه ويضع مسامعـه فوق بطنهـا وكأن الخبـر هبط على صحراء قلبـه فـنبت زهرًا ، افترّ ثغره بضحكة خفيفة وهو يكرر سؤاله بصيغ مختلفة :
-يعني هنا جوه في أخ او أخت لمصطفى .. وأنا هابقى أبوهم ..
ثم غير وجهة الحديث ليُخاطب جنينها :
-صباح الخير يا بن الـ ** أنا أبوك عشان تحفظ ده الصوت كويس ، مش عايزك تتعب مامي لحد ما تيجي وتنور حياتنا ولما نروح هعرفك على أخوك صاصـا ..
ارتجفت أعينها ارتجاف ورق الشجر الذي يُداعبه المطر .. غرست أناملها في جدائل شعره الراسية عند بطنها وقالت بخوف :
-تميم أنا مش هقدر على حمل تاني الفترة دي ومش عارفة المفروض اعمل ايه ..
ثم زفرت كأنه صعب الأمر عليها :
-تميم ممكن نتكلم بالعقل ..!
وثب قائمًا بحماس متجاهلًا حزنها تمامًا .. سحبها من كفها لتستريح على أقرب مقعـد ثم طبع قُبلتين فوق رأسها وقال بصوت يملأه الحماس :
-ولا حركة .. بصي انا هعمل كل حاجة ابخر الشقة و اشيل الحاجات فالتلاجة المهم أنتِ تقعدي هنا متتحركيش ..
قيـد فرحه لسانهـا فاكتفت ببث النظرات إليه .. ما كاد أن يخطو خطوة فتراجع مستفسرًا :
-هو هيكون ولا ولا بنت ؟!
ثم رفع جفونها للسقف داعيًا وهي يلهث رحيق السعادة :
-إن شاء الله تكون بنت .. هي بنت .. وبعدها نجيب ولد تاني عشان يسند أخوه .. آه وبعدها بنوتة عشان البنت يكون لها أخت ..
غمغمت بذهول :
-تميـم !!
فلوح بسبابته أمرًا :
-اقعدي مكانك متتحركيش .. أنا هخلص كل حاجة..
******
~بسـيارة عاصي ..
تجلس حيـاة بالمقعد الأمامي وبحضنـها تاليـا التي هزمها النوم من كثـرة البُكاء .. لم تتوقف حياة عن بث القُبلات الحنونـة لجبيـن الطفلة والكثير من اللمسات الدافئة كي تطمئنهـا حتى أردفت منزعجـة وهي تضمها لحضنها أكثر :
-يا روحي جسمها كله بيترعش ..
ضرب مقود السيارة بعـٰنف ودخان الغضب يتطاير من عينيـه ؛ وانتفخت أوداجـه قائلًا :
-متخلنيش أرجع ادفن الست دي هي وابنها دلوقتِ ..
عارضتـه بلوم :
-والله !! مش مكفيك الـ عملته في جوزها ، وعضوية النادي الـ اتسحبت منهم !
رد مغلولًا وهو يتسابق مع السيارات المارة بطريقه :
-مش كفاية ، مش كفاية عشان تمد أيدها على طفلة في العُمر ده ! دي ست عايزة تتربى من أول وجديد .
تدخلت داليـا الجالسة بالمقعد الخلفي في حوارهم :
-بابي المرة الجاية الـ هيزعلنـا هنكسر دماغـه بالحجر زي ما قولت لنا ..
كاد أن يؤيد صغيرته فأوقفته نظرة حياة الممزوجة بالعتاب :
-عاجبك كده !!
ثم دارت لـ داليـا بنبرة لطيفة وقالت :
-حبيبتي أحنا مش بلطجيـة عشان نعمل كده ، لو حد زعلنـا مرة تانية نروح نشتكي لناني وهي هتتصرف .. لكن ما يصحش نرد الإساءة بالسـوء ..
ثم أشاحت بنظرها لعنده وقالت متسائلة :
-ولا أيه يا بابي !!
أردف مقطب الجبين بملل :
-مش زمن حكم مواعظ يا حياة .. اسكتي .
عبست ملامحها بضيق وهي تولى وجهها الناحية الأخرى :
-والله!! تمام هـ سكت خالص يا عاصي ….
******
~مع غـروب الشمـس ..
تقف عاليـة أمـام المرآة تراقب تفاصيل فستانها الأسود الطويل وحجابهـا الذي يزيد من جمالهـا .. ثم أكملت جمال إطلالتها بلف الإسوارة التي سبق وأهداها لها عاصي .. مع عقد هادئ من نفس اللون الفضي .. وختمت إطلالتها باللون الوردي الرقيق الذي صبغ فاهها .. خرج مراد من الحمام بعد أن قام بأخذ حمامه الدافئ مع صفيـر إعجابه برقتها وهو يُديـرها أمامه :
-سبقتيني !! بس أيـه الحلاوة دي كُلهـا .. ؟!
ترنحت أمامه بدلالٍ وهى تسد فراغـات أصابعه :
-بجـد !! يعني مفيش أي كومنت !!
اكتفى بتقبيـل أرنبـة أنفها بقُبلة ناعمـة وقال :
-طبعـًا فيه !!
زاد اهتمامهـا لسماعه :
-ايه مش عاجبـك وأنا أغيره .. !!
ارتسمت الابتسامة الخفيـفة على محياه قائلًا بلُطف :
-أن حلاوتك زيادة النهاردة وكده مش هعرف اركز مع حد غيرك طول الفرح !
تقاسم الفرح معالـم وجههـا ،فأضافت متبسمة :
-ومين قال لك إني عايزاك تركز مع حد غيري طول الفـرح !!
عقد حاجبيه وهو ذائب في جمالها الرقيق وملامحها التي تبث قلبـه بالحب ؛ وبنبرة جدية مبطنـة بالمزاح متنهدًا :
-أنا قولت لك بحـبك النهاردة ولا نسيت !!
بغنج إمراة رواها نهر الحُب ، أردفت قائلة :
-لا قولتها .. بس أحب اسمعهـا تاني ..
تمتم بنبـرة تُكاد لا تُسمع غيرهـا :
-بحبك ؛ وأعملي حسابك هتسمعيها كتيـر أوي النهاردة ..
ثم اتسعت ابتسامته متمنيًا :
-هو اليوم ده هيخلص أمتى !!
عبس وجهها بمزاحٍ :
-هنبتدي !! مراد الساعة بقيت ٨ وسيادتك بترغي ، يلا اجهز قبل المعازيم ما يوصـلوا ، أنتَ أخو العريس على فكرة ….
ما كادت ان تفارق يديـه ثم تراجعت متسائلة :
-مامتك رفضت تيجي بردو !!
شرع بارتداء ملابسه الخاصة بالزفاف بيأسٍ :
-قالت مش حابـة تعكر فرحتهم .. ورفضت تنزل بس بعتت له هديته إمبارح ..
ربتت على كتفه بحنـو :
-كله هيتصلح ويرجع أحسن من الأول ..
هز رأسه متأملًا أن يتحسن الوضع ثم غير مجرى الحديث قائلًا :
-حكم المحكمة طلع النهاردة ، ونسبك ثبت لـ عزالدين وطنت سوزان ، يعني الموضوع انتهى ..
خيم فطر الحزن على ملامحهـا ، حيث أومأت بخفـوت :
-عاصي عرف !
-آكيد المحامي بلغـه ..
أغرورقت عينيها بعبرات الحزن وخسارتها الأبدية لأخوتها :
-تمـام .. حاول اتكلم معاه يا مراد ، وقوله إني مش هاخد حاجة ، ده مش ورثي ومش حقي ..
عقد حزامه الجلدي المُلتف حول خصـره وقال :
-نخلص من دوشـة الفرح وحلي معاهم كل المواضيع دي ، أنا ماليش حق ادخل ..
ثم ربت بحنان على ظهرها:
-بلاش الزعل ده .. وعايز أشوف وشك دايمًا بيضحك ..
*****
~بـغرفـة عاصي ..
يتجول بالغـرفـة هو يُكمل إرتداء ملابسـه متجاهلًا حالة البؤس التي تملأ أركان الغُرفة وطريقـة تجاهلها لوجوده .. وقف أمام المرآة وهو يعقد رابطة عُنقه ممتلئًا بصورتها المعكوسـة بالمرآة :
-البوز ده مكمل معانا لحد أمتى ؟!
اردف جملتـه بتوغر وغضب إثـر تجاهلها التام لوجوده وتعاملها بجفاء على عكس عادتها التي لا تخلو من المرح ومداعبته باستمرار خلال فترة وجوده معها ، ثم دار إليها مكملًا :
-وبردو هفضل أكلم نفسي كده كتير ؟؟!
انتهت من قفل زر بنطال صغيرها ومسحت على شعره بكفها العطوف وقالت دون أن تطالعه ، مصدرة وجه النساء النكدي :
-بما أن كلامي مش عاجبك ، قلت لي اسكتِ فسكتت!
ثم تركت صغيرها يحبو على الفراش ويداعب أخيه بلطفٍ وصرخات تملأ المكان بهجـة أشبه بتغريد عصافير الصباح ، تحركت لعنده بخطوات واسعـة فوق رياح الغضب وأكملت :
-لأن حتى لو اتكلمت ، أنت هو أنتَ مش هتتغير ودايمًا شايف إنك صح وكلنـا غلط !! يبقى السكوت معاك هو الحل .
هَمّ بعقد رابطة عنقه مرة آخرى قائلًا بهدوء يحسد عليه :
-وأنا كُنت عملت أيه لده كله !! بدافع عن بناتي !! عايزهم يبقوا أقويا زيك !
يبدو أن حديثه رق له قلبها .. هدأت عواصفها قليلًا فـ دارت لتقف أمامه وتعاتبه بهدوء :
-ياحبيبي تربيتك للبنات غلط وبتبوظ كل الـ بعمله معاهم ..
ثم أمسكت بمعصمه وأكملت توبيخه بنفس النبرة :
-في أب يقول لبنته افتحي دماغ الـ يزعلك هو والـ جابوه !! ده كلام ده !! بنربي جيل سوي ولا بلطجية ! يأخدوا حقهم بالطريقة الصح ..
ردت بإقتناع تام لمبادئه :
-هو ده الصح بالنسبة لي !! متعرفيش حاجة أنتِ ، البنت لازم تطلع قوية وتجيب حقها بنفسها ، مش عايزها تخاف من حد ولا تعمل حساب لحد !!
ثم مال على آذانها وأتبع :
-تكسـر وهروح أكسر معاها !!بناتي وولادي خط أحمر .
جحظت عينيها بذهولٍ محاولة استيعاب جبروته :
-لا مش طبيعي !! أنتَ الكلام معاك مفيش منه فايـدة !.
ثم أشارت بسبابتها وأكملت محذرة :
-سيبني أربي الأولاد براحتي ، أنا أدرى بمصلحتهم .. ممكن متدخلش بينـا !!
ذاع بوجهها مترنحًا وبنبرة مبطنـة بالاعتراض :
-الله !! أنتِ ناوية تربي ولادي كمان التربية المايعة دي !! لا انسي .. ولادي أنا هربيهم بمعرفتي .. أنتِ الـ متتدخليش .
رفعت حاجبها مذهولة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها متمنعـة ؛ وبسخرية أردفت :
-ااه ولادك!! ، ودول هتربيهم على البلطجة ، مش كده !
عاد إلى المـرآة ليكمل ضبط ملابسه وقال بثبات :
-والله ولادي وأنا حُر .. محدش يدخل مابينـا ، أنا عايز أطلع رجالة يفوتوا فـ الحديد ويكملوا مجـد أبوهم عاصي دويدار ..
اكتفت بزفيـرٍ قوي بوجهه ثم عادت لصغارها وهي تهزي بكلمات غير مفهـوم ، فجهر ناصحًا :
-أفردي البوز ده بدل ما أجي أفرده بطريقتـي ..
اكتفت بإرسال نظرة حادة إليه بالمـرآة ، حتى رأته يتناول ستـرته السوداء ، حملت ركان وعادت إليه قائلة :
-أنت شكلك خلصت ، خد كده ركان وأنا هلبس وانزل بريان .. يلا يا عاصي مفيش وقت ..
رمت صغيره على كتفـه متبعـة خطتها في حفـر أساس الأبوة بصدره .. سار خلفها معترضًا :
-خدي هنا !! مش هنزل بعيل تحت ! بقولك فرح وهستقبل أكبر رجال الأعمال و غيرهم ! اشيل ركان ازاي ؟! حياة متهزريش متعودتش على كده ؟!
أخفت ضحكتها بصعوبة محافظة على تلك الملامح الصارمة :
-وفيها أيه !! ابنك ده ولا جايبه من الشارع أنا!!
ثم غمغمت بعجلٍ :
-يلا ياعاصي عايزة ألبس .. لبست البنات والولاد وأنت كمان جهزت .. مش باقي غيري ..
ألقى نظرة ساخطة على ملامح ركان الضاحك له ؛ فتمتم :
-حياة !! مش هينفع ..
أخرجت ملابسها من الخزانـة متجاهلة اعتراضه ، كادت أن تخطو للمرحاض ثم تراجعت راكضة وهي تحضر زجاجـة العِطر الخاصة بصغارها:
-استنى استنى كُنت هنسى ..
رشت القليـل من العطر الفواح على ياقة صغيرها ثم قبلت كفوفه بحبٍ حتى نظرت لعيني عاصي المُلتهبة بجمر الغضب :
-عاصي تاخد ريان كمان .. أصلو هيعيط لو ملقاش أخوه جمبه !
رفع أكتافه احتجاجًا ، فـ عض على شفته السُفلية كاظمًا غضبه بعد ما لمح بريق الانتصار بملامحهـا ، رفع حاجبه معاندًا في صغيـره :
-وأنا !! البرفيوم بتاعي هناك على فكرة ..
ظلت تهندم في ملابس صغيره متعمدة تجاهله :
-هاته بنفسـك ..
ألتف ذراعه حول خصرها بغتـة لتصرخ شاهقة بحضنـه ، فقال معاتبًا :
-قولت نفرد البوز ده والا ..
حاملًا صغيـره بيساره ومالكًا أنثاه المُدللة بيمينـه ليراوغها بكل معانٍ الحُب .. تملصت من قبضتـه متدللة :
-عاصي ، الفرح والمعازيم ..
لم يتنازل عن حقـه إلا بترك بصمته على ثغرها المًنكمش ليُمدده بقُبلة طويلـة كتمت أنفاسها المتمردة على شطي بحرها الذي لم يكن أول عشق له بل كان أول حياة لقلبـه .. فاق الثنائي على صوت صرخة ركان الضاحك الذي لا يُدرك شيء ولكن يبدو أن رائحة الحب أصابت نشوة الفرح بقلبـه .. افترقت عنه مجمعـة شتاتها الذي بعثره مكتفيـة بضربـة خفيفة على كتفه ثم ركضت لتحمل ريان وتضعه بيمينـه وقالت :
-كده تاخد الاتنين معاك وتنزل …
ما فرغت من سرد عارضة طلباتها ركضت للمرحاض هاربة من شر أعينـه التي كادت أن تحرقها بمكانها .. تأرجحت عيني عاصي على صغاره يمينًا ويسـارًا بحسرة :
-أنا أيه الـ بعمله في نفسي ده بس !!
خرج عاصي من غُرفتـه حاملًا صغاره على يديـه وهي يشاجر أنفاسـه حتى وصل إلى الطابق الثاني بالقصـر فألتقي بتميـم الخارج من غُرفتـه حاملًا مصطفى بفرحة تتقاذف من عينيـه ، اقترب الأخوة من بعضهما حيث عبر عاصي عن سخطه قائلًا بهمس :
-عاجبك البهدلة دي !! تميـم أنا اتورطت ولأول مرة مش عارف أخلع !
انفجر تميم ضاحكًا وهو يربت برفق على كتفه أخيه :
-كلنـا لها يا أبو ريان ..
-ياعم اسكت بقا !! المهم مفيش صرفة للعيال دي !! اوديهم فين ..
ركز تميم في ملامح التوأم متسائلًا :
-ده مين الأول !!
رد عاصي بضيق :
-استنى بص على الاسورة .. ده ركان .
ثم ماله ليعطيه لأخيه :
-ده هادي ده وطيب زي أمه بالظبط .. أمسك كده بس ..
في تلك الأثناء خرج مراد من غُرفة عاليـة منضمًا لمجمعهم معبرًا بفرحة :
-التوأم الجامد ده !! تصدق بيوحشوني .
بتنهيدة استغاثة دار إليه عاصي :
-ابن حلال .. لسه ريان كان في سيرتك .. امسكه كده !!
ثم غمغم :
-بنتك أكيد مع جدتها .. يبقى تخلي ريان معاك .
رماه بحضن مراد وتفوه قائلًا :
-حياة لو سألتكم قولولها أنكم ألحيتوا عليـا ..
فهندل ملابسـه سريعًا وقفل زر بذلته مستردًا لهيبته :
-هروح استقبل ضيوفي …
••••••••
~بالحـفل …
حفـل زفاف عملاق أُقيم بقصـر دويدار الذي حاوطته الإنارة من جميع الجهات مع صـوت الغنـاء ومفرقعات الأفراح .. انتشرن رجال عاصي بالحفل لتأمينـه على أتـم وجـه ووقف عاصي وحيـاة على البوابـة لاستقبال ضيوفهم من صفوة مجتمعهم .. مالت حياة على آذانه :
-الولاد فين !
رد بهدوء وهو يُرحب بأحد الرجال :
-شبطوا في تميم ومراد ..
حدجتـه بشكٍ :
-والله !!
جاء احد رجال الأعمال وزوجته اللذان استقبلهما عاصي بود وترحاب ، صافحت حياة السيدة ورحبت بمجيئهـا ما خطت تلك السيدة خطوتين فتمايلت على زوجها قائلة بصوت وصل لمسامع حياة :
-مراته جميلة أوي !
-ده عاصي دويدار ، مابيقعش إلا واقف ..
سماعها للجملة أدخل السعادة على قلبـها حيث مالت لعنده وسألته بعتبٍ :
-ماقولتش رأيك في الفُستان !
جذبها من خصرها لتقرب منه أكثر وأردف بثقة دون التطلع لعندها :
-أنتِ محليـاه ..
حدجته بلومٍ :
-طيب بص لي ..
انضم مُراد لموقفهم فقال بعتبٍ :
-ابنك بهدل البدلة وخلاني أغيرها ، عاجبك عمايل جوزك دي يا حياة !
تأرجحت عينيها الخبيثة لعنده وقالت بشكٍ :
-متأكد أن هما الـ شبطوا في مراد وتميم !!
ثم ربتت على كتفـه بتوعدٍ متأهبة للرحيـل:
-هدخل جوه ومراد جيه أهو يقف معاك ..
بادلها بابتسامة خفيفة وآخرى متوعدة لمُراد .. فـ تلك اللحظة جاء رشيـد بصُحبـة ريم خطيبته ومساعدة عاصي .. تبادل السلامات والمباركات .. مال عاصي معاتبًا :
-ابقى قابلني لو ليلتي عدت النهاردة !!
لكزه مراد ضاحكًا :
-أيه الكلام ده !! فيـن أيام عاصي دويدار ؛ أنا عايز أرفع القُبعة لمراتك ..
نصب قامته خافيًا ضحكتـه وقال :
-قول حاضـر وأعمل الـ في دماغك ، أنا بشتري راحة بالي مش أكتر..
أردف بإعجاب :
-منك نستفيد يا مدرسة ..
أنضم لهم تميم قائلًا :
-أنتـوا سايبين المعازيـم وواقفين هنـا !
ثم نظر لمراد معاتبًا :
-وأخوك شوفه فين قال هياخدها الفوتوسيشن ويرجع ، اتأخروا ليـه …
~بداخل الحفلة ..
تدور كل من حياة وشمس وعاليـة حول المعازيم وتقدم لهمـا أشهى وأغلى أنواع الحلوى بصحبة مساعدين البوفيـه .. ركضت تاليـا لـ حياة هاتفـه :
-مامي مامي !!
دار حياة لصغيرتها مُلبيـة ندائها :
-نعم يا قلبي ؟
استأذنتها تاليا قائلة :
-ممكن أكل وان بيس أف شكوليت كمان !
فتوسلت لها :
-بليـز يا مامي وافقي ! بليز !
قبلت وجنتها بحُب وقالت :
-واحدة كمان وبس .. بروميس ؟!
ثم أشارت لمربية :
-خليك معاهم ..
فجاءت سيدة حاملة صغارها وقالت :
-ست حياة ، بيعيطوا ومش عارفة أعمل معاهم أيه !!
أغرورقت عيني حياة بقلة حيـلة وهي تأخذ واحد منهم وقالت :
-تعالي يا سيـدة معايا ننيمهم ..
تهامسن أحدى السيدات اللاتي يُراقبن الوضع ، فقالت أحداهن بنظرات حاقدة :
-هي مخلفة كل دول ومش باين عليها دي ولا بنت ١٥ سنة !
فهتفت الأخرى بغلٍ :
-متجوزة واحد زي عاصي دويدار وعايزاها تبقى أزاي يعني !! كل ده عمليات وفلوس ، ميغركيش ولازم تعمل كده أحسن جوزها يطير منها ! دي البنات حوليه زي الرز .
فهتف الأخرى بسخط وهي تفحصن شمس وعاليـة :
-البنت الـ هناك دي كمان مراة تميم اخوه ، بيقولوا البنت دكتورة وبنى لها مستشفى كبيرة باسمها ومسميها مستشفى الشمس ..
ثم تمصمصت مكملة :
-بنات حظها من نار !
أخذت سوزان حفيدتها من يد عالية وقالت :
-حبيبتي ركزي مع ضيوفك وأنا هقعد مع لوزة حبيبة قلب آنـة ..
نظرت لها عالية بامتنان:
-مرسي أوي يا مامي .. هروح أشوف مُراد فين ..
أمام البوابة التي يقف عندها الثلاثة رجاء .. يتهامس فأقبل يسري لعنده قائلًا :
-عاصي بيه تأمين المكان على أعلى مستوى ..
-عفارم عليك يا يسري ..
جاء كمال بصُحبة شيرين ابنة عمهما الفرح ، فوقف عاصي لاستقبالهم :
-كده بردو تقطعوا شهر العسل وتيجوا !
أردف كمال بامتنان :
-معاليك عارف مقدرش اتأخر على حضرتك ..
ربت عاصي على كتفه :
-عارف يا كمال ..
ثم وجه حديثه لشيرين فارحًا:
-مبروك يا عروسة ..
منذ بداية معرفة كمال بشيرين وتوليه مهمة عملها بالشركة ، نشأت شراشرة الحب بين الثنائي حتى تأكد أن جميع مشاعرها لعاصٍ ما هي إلا أوهام تراودها .. صافحت ابن عمها وردت له التهنئة:
-الله يبارك فيـك ياعاصي ..
مال يسري على آذان عاصي قائلًا :
-في مفاجأة هتعجبك أوي ..
-مش بخاف غيـر من مفاجئاتك !!
أتت حياة في تلك اللحظة بعد ما التقت بشيرين وكمال ورحبت بهمـا ثم أقبلت إليهما حيث تبدلت ملامحها بصجـر عند رؤيتها ليسـري ، أشاحت له بنظرة ساخطة ثم قالت لعاصي بهدوء :
-حبيبي لو سمحت عايزاك !
لبى دعوتها ووقف الثنائي بمكان بعيد عن الضوضاء ، فعاتبها قائلًا :
-لسـه بردو هتقلبي وشك كل ما تشوفي يسري !
جحظت عينيها بعتاب :
-والله !! مش ده الـ كان بينظم لك سهراتك المشبوهة !!
عقد حاجبيه مذهولًا :
-يسري !! ده حبيبي !
تأففت بضيق ثم قالت :
-سيب مراد وتميم هنا عشان صفوت علام بيسأل عليـك جوة ..
-صفوت علام !! فكرتي في موضوعه !
تأرجحت عينها بتوتر :
-مش عارفة؛ أنت ليه مقلق من شراكتـه ؟!
هنا .. ارتفع صـوت الغنـاء وقرع الطبول وقدوم الفرقـة الموسيقية التي تُلعن بمجيء كريم ونوران .. اتسعت ابتسامة حياة وهي تُراقب دخولهم وتمسكت بيده وقال بسعادة :
-العرسان جم ..
هبط كريم من سيارته وساعد نوران صاحبة الفستان الكبير أن تخرج من السيارة .. تمسك بذراعه .. احتشد الجميع حولهم فطوقت شمس أختها بفرحة وانفجرت باكيـة :
-زي القمـر يا روح قلبي ..
حيث احتضن مراد أخيه وبارك له على تمام زواجه متمنيًا لهما السعادة .. تقدم تميـم وعانق كريم ثم طبع قُبلة خفيفة على رأسه نوران وقال ناصحًا :
-لو زعلتها هتشوف شغلك ..
تقدم عاصي بصحبة حياة ورحب بالعروسين ، تدخل كريم ليجفف عِبرات نوران المُترقرقة وهمس قائلًا :
-روقي بقا محضرلك مفاجأة هتعجبك أوي جوه ..
زُفَ العرسان على أجمل الأغانٍ المصرية القديمة حتى وصل إلى الكـوشة ، مالت نوران على آذانه وسألته :
-أيه هي المفاجأة!
أشار كريم لُيسري ففهم مغزى إشارته ، فلوح له أن يتمهل قليـلًا .. تقف حيـاة بمحاذاة عاصي بوجه ضاحك وعبرت عن فرحتها قائلة :
-شكلهم حلو أوي ..
ضمها من خصرها المرسوم الذي يغطيه شعرها المتدلى ليطبع قُبلة خفيفة على وجنتها وقال :
-مفيش في حلاوتك !
تقتنصهم عيني السيدات الناقمات لتقول إحدهن للآخرى وهي تلكزها بحذر :
-بصي بصي !! شايفة الدلع والحب !!
أقبل فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها لتصافح عاصي قائلة بامتنان :
-عاصي بيه ، أنا سعيدة أوي إني قابلت حضرتك ، أنا رنا بنت المهندس حجازي الشيخ ..
تفحصت عيناه رقة الفتاة وقال بابتسامة عريضة :
-أهلًا أهلًا يا رنا ، طبعًا باباكي غني عن التعريف ..
مدت يدها حياة عندما لاحظت أن هناك شيء غريب بالأمر وقالت :
-هاي !! انا حياة مراة عاصي بيه ..
صافحت رنا زوجته بعدم اهتمام ثم قالت موجهة حديثها لعاصٍ :
-متتصورش بابي بيحبك أد ايه ومن كلامه عنك بقيت قدوتي في عالم البزنيس .. عشان كده بتمنى لو حضرتك تشوف لي أي شغل كتدريب فالشركة لان حقيقي هيشرفني أوي استفيد من خبرتك ..
رد مُرحبًا :
-طبعا تنورينا يا رنا …
أصدرت حياة ايماءة اعتراضية وهي تُراقب نظرات إعجاب الفتاة بزوجها ، فتدخلت منادية على يسري لتقطع اتصالها بعاصي خاصة بعد طلبها لرقمـه الشخصي:
-الأستاذ يسري ، تقدري تستفسري منه عن كل حاجة ، هيفيدك أكتر من عاصي بيه ، لان للاسف مش من مهام عاصي تشغيل الموظفين ..
ثم سحبته عنوة فعارضهـا قائلًا :
-حياة أيه ده !! أزاي تكلمي البنت كده !
تأففت بضيقٍ :
-أنتَ مش شايف بتبص لك أزاي ! عاصي ممكن تعدي اليوم على خير ، بجد كفاية كده ، أنا بجد مش عارفة مالي !!
قفل جفونه لبرهة محاولًا تمالك اعصابه :
-أنا هروح أخد درينج يفوقني .. وأنت أهدي !!
ما كاد أن يخطو خطوة فتراجع متحسسًا درجة حرارتها ؛ وسألها بشك كاسرًا حاجز الشجار بينهما :
-الهرمونات دي مش غريبة عليا !! أنتِ حامل طيب !!
زفرت في وجهه بملل وقالت قبل أن تنصرف من أمامه :
-والله أنت فايق ورايق .. !!
لم تهن عليه أن يتركها في حرائق غيرتها المشتعلة .. منع ذهابها فاقترب منهـا مداعبًا خصلات شعرها وقال بحُب :
-وبعدين هتغيري من عيلة صغيرة زي دي !! وأنتِ عارفة أن عيني عمرها ما هتشوف غيرك !! روقي بقا وكفاية نكد بقى ، أنا مش عارف اليوم ده مش ناوي يخلص له ..
تجولت عينيه فـ المكان سريعًا ثم سرق قُبلة من جوار ثغرها فتبسمت وقال:
-تيجي نشرب حاجة سوا !
تنهدت بارتياح :
-لا ياحبيبي .. هروح أشوف البنات عشان يناموا .. كفاية سهر عليهم كده .
*******
~بعد مرور نصف ساعة..
-مراد ، عاصي فين ؟!
تدخلت عالية متسائلة بأعين تبحث عن أخيها ، فأردف:
-كان مع حيـاة !! شوفي كده ..
اقتربت من حيـاة وسألتها :
-عاصي فين !! المأذون على وصول وعاصي مختفي !
تمتمت حياة بحيرة وهي تطوف بأعينها باحثة عنه :
-مش عارفة ، قالي هياخد درينج ويرجع .. !! هشوفه فين آكيد مع ضيوفه !
تفقدت الحفل والمعازيم باحثـة عنه ولكن بدون جدوى حتى وصلت للبـار المخصص للحفل ، وهتفت :
-عاصي أنتَ هنا سايبنا بندور عليك ؟!
ثم اقتربت منه و :
-تاني يا عاصي !! مش اتفقنا هتبطل الهباب ده !
جاءت من الخلف تجر في ذيل فستانها بخطوات حثيثة ، فهبت بجُملتها الأخيرة وهي تشد كأس النبيذ من يده ، فبـرر قائلًا :
-من غيـر كحُول !! وبعدين ده فرح !!
جزت على فكيها وهي تراقب الحشد حولها وأطرقت بصوت دفين :
-عاصي ؛ متنرفزنيش .. فيه زفت كحول ولا لا .. أنتَ وعدتني هتبطل .. وخلاص .
لعن حظه سرًا ثم تمتمَ مغلوبـًا على أمره :
-هات يا بني قهوة سادة !!
لم تُكف عن إرسال نظرات العتـاب إليـه .. مما جعله يتفوه بإغتياظ :
-في إعتراض كمان على القهوة !!
سكبت محتوى الكأس بالأرض بنظراتها الحارقة ثم وضعته على سطح البار محدثًا صوتًا مزعجًا وقالت بتأفف :
-تخلص قهوتك وتيجي تُقف معايـا المأذون على وصول .
-دقيقتين بشـم فيهم هوا يا حياة بعيد عن الدوشة دي ..
ثم استسلم لرغبتها متجنبًا غضبها :
-هشرب حاجـة تفوقني وأجي لك .. حاضر .
انصرفت على مضضٍ وهي تهذي مع نفسها سرًا .. فـ دار إلى النادل المختص بالبـار مستردًا هيبته :
-وأنت على كده متجوز يـا سعيد!!
رد الآخر بتمنى :
-دعواتك يا بيـه ..
رد عاصي متحسرًا :
-قول لي أدعي عليك .. بص أنا جيالك من المستقبل وبقول لك أنتَ كده زي الفل ..
ثم هز رأسه متبعًا :
-الـ قدامك ده مفيش حد استجرى وقدر يمشي كلمتـه عليـه ، بس تقول أيه .. غدار الزمن !
فرمقـه بحسرة :
-اتجوزت وزي ما أنت شايف ..
فأخذ نفسًا عميقًا وأتبع بنبرة ناصحة :
-نصيحة مني لو هتتجوز ، متقولش غير حاضر وبس .. متجادلش ياسعيـد ..نفذ كلام مراتك بالحـرف هتعيش ملك ..
أرسل له النادل ابتسامة خفيفة ووضع فنجان القهـوة أمامه قائلًا :
-قهوتك يا باشا ..
عقد حاجبه بإمتعاض من حماقة سعيد وقال :
-وأنا الـ افتكرتك فاهم !! بقول لك مفيش حد يقدر يمشي كلمته عليـا .. ادلق القهوة دي وحط لي فيه الـ كنت بشربه .. استعجل يا سعيد قبل ما ترجع ….
نفذ سعيـد أوامره بالحرف وسكب له النبيذ بفنجان القهوة ، ما كاد أن يلامس فاهه فعادت حياة لعنده مرة ثانية وقالت بجزع :
-عاصي !!
رمن الفنجان من يده على الأرض ووثب مُلبيـًا طلبها :
-جيت أهو !!
زفرت بإمتعاض وتوسلت له :
-ممكن نعدي اليوم على خير !! حاسة في حاجة غلط!
مسك كفها وقال على مضض وهو يسحبها لساحة الفرح مرة آخرى :
-محسودين ، شكلنا محسودين ، النحس ده مش طبيعي .. تعالي ..
على ساحـة الرقص وثب الثنائي لتراقصان على الأغاني الرومانسية فتمتم نوران التي تعانقه وتتمايل على صوت الموسيقى:
-أيه هي المفاجأة !!
غمز بطرف عينيـه :
-ثواني وهتعرفي ..
مالت حياة نحو عاصي الواقف يشاهد العرسان معها وسألته :
-نرقص!!
غمغم برفض :
-بقولك محسودين يعني تسكتي !
في تلك اللحظة التي نطق رجل الدي جي معلنـًا عن تقديم الراقصة مُهرة جاء يسري من الخلف هامسًا لصديقه :
-أيه رأيك في المفاجأة دي؟!
حك عاصي ذقنـه لاعنًا حظه وتمتم :
-مالقتش غير مُهرة !! هو يوم باين من أوله !
برقت عيني نوران بصدمة عندما سألها كريم عن رأيها بمفاجأة، فتفوهت متوعدة :
-رقاصة !! رقاصة يا كريم !! دا أنت ليلتك مش فايتة ؟!! أقول لك طلقني !!
< الجزء الثـاني من الفصل ..>
في تلك اللحظة التي نطق عندها رجل ” الدي جي” معلنـًا عن تقديم الراقصة ” مُهرة ” للحفل جاء يسري من الخلف هامسًا لصديقه بفرحٍ :
-أيه رأيك في المفاجأة دي؟! من الآخر .
حك عاصي ذقنـه وهو يلعن ذلك الحظ متمتمًا :
-مالقتش غير مُهرة !! هو يوم باين من أوله !
برقت عيني نوران بصدمة عندما سألها كريم عن رأيها بمفاجأته لهـا ، فتفوهت متوعدة :
-رقاصة !! رقاصة يا كريم !! دا أنت ليلتك مش فايتة ؟!! أقول لك طلقني !!
وبخها كريم قائلًا كمن لا يقترف أثمًا :
-مش لما اتجوزك الأول !! بس أزاي الرقاصة تنزل قبل المأذون !
وضعت كفيها بخصرها :
-والله ، ده كُل الـ هامك يعني !!
غمز بطرف عينـه متمايلًا لعندها :
-افرضي غيرت رأيي كده !!
-أنا قاعدة أهو وأنتَ كمان وقابلني لو الجوازة دي تمت ، أنا عايزة شمس !!
طافت عيني نوران باحثـة عن أختها كي تنقذها من تلك الورطـة .. جاءت الراقصة رافعة وشاحها الشيفون كفراشة مُتطايرة تخترق ساحة الحفـل .. انضم مراد لتميم هامسًا باندهاش وهو يحملق بتلك التي تُظهر أكثر ما تُغطي :
-اوعى ، رقاصة؟! الواد كريم ده طلع بيفهم ..
عقد تميـم ذراعيه أمـام صدر متكئًا على كتف مراد قائلًا بشرود :
-تصدق عمري ما شُفت رقاصـة لا فـ تلفزيون ولا واقع .. أنا ممتن لكريم أنه حقق لي حلم زي ده ! أحنا طلعنا مش عايشيـن ..
عقـد عاصي كفيه أمام بطنه وهو يعانق السحب متحاشيًا النظـر عن تلك التي ترسل له العديد من الغمزات والقُبل بالهـواء ، غمغم معاتبًا :
-الله يحرقك يا يسري ويحرق سنينك السودة !
مال يسري على آذانه معترفًا :
-دي مش مصدقة نفسها لمـا قولت لها معاليـك طالبها بالاسم .
حدج عينـه معاتبًا :
-أنا عرفت ليـه حياة مصممة تبعدك عني ، قلبها حاسس..محدش بيضلني غيرك ..
أخذت مهرة تتمايل وتتراقص على صوت قرع الطبـول ولم تتحرك عينيها عن عاصي رفيق لياليها الماضيـة .. انسجم يسري مع حركات مهرة المثيـرة مثلما انسجم تميم ومراد والذي انضم لهمـا كريم بعد ما تركته نوران وصعدت للـ كوشة .. صُوبت الأعين ناحيـة الراقصـة وتجمهر المعازيم ولكنها لم تغازل إلا عاصي الواقف بجوار حيـاة يبتهل بأدعية كي تمر ليلته على خيـر .
انتبهت حياة لتلك النظرات الغريبة المنبعثـة من عيني الراقصة وطالعتـه بنبرة مُحقق قانوني :
-أنتَ تعرفها !
رفع وجهه بالسمـاء متحمحمًا ، رفع كتفيه مبرئًا ذمته :
-هعرفهـا منين يعني يا حياة !! أنا جمبك أهو متحركتش .
احتدت نبرتهـا بأعينها المُتلصصة :
-عاصي !
-معرفة قديمة يا حياة !! ارتحتي ؟!
اعترف على الفور وهو يلقى نظرة تحذيرية لمهرة أن تكُف عن تصرفاتها الجنونية ..فأكملت تحقيقها :
-ودي جاية تعمل أيـه هنا !!
-وأنا مالي ! اسألي كريم هو الـ جابها .
قرصته بمعصمه بحذر وأكملت بنبرة خارجة من وراء فكيها المنطبقين :
-والله كريم يجيب رقاصة تطلع معرفة قديمة !! ودي صُدفة عادي ولا كُل راقصات البلد يعرفوك وتعرفهم !!
غمغم بثبات مُقرًا حيث لا مفر من التلوين الذي يقف على مراجل تغلي :
-كل راقصات البلد يعرفوني وأعرفهم.. واسكتي أنتِ كمان .
-طبعا يا أهلًا بالتـاريخ !!
عقدت ذراعيهـا أمام صدرها لتخمد ذلك البركان المندلع بداخله وأكملت استجواب ذلك الغارق مع حركات مهرة الجنونية والتي لم تتوقف عنهـا :
-ياجامد!! ودي أيه حكايتها بقى !! أحكي لي !
فاق لنفسه مؤخرًا ، فطالعها :
-في أيه يا حيـاة !! منا واقف جمبك أهو ومبحلق في السما !! عملت أيه للأسلـوب ده !
نظراته لعندها لم تزيدها إلا قُربًا .. جاءت راكضة ببراعة على طراطيف أصابعها تتمايل وتتراقص وأخذت تلف حوله ، أغمض جفونه الاثنين وتمتم :
-ياستي مش كده يا ستي ابعدي عني .. مش أنا توبت !! قولت توبت .
ألقت مهـرة وشاحهها على كتفيه وأخذت تتدلل وتتمايل ، فـ تفاقمت النيران بقلب حياة التي رغم علمها بماضيـه لكن نيران الغيرة لم تنجٌ منها فقدت قُدرتها على التحمـل أكثر من ذلك ، فتمتمت له بغلٍ وهي تربت على كتفـه بقوة :
-انبسط يا حبيبي .. وخد وقتك .. ولا كإني موجودة .
دار رأسه للوراء ليرى أين ذهبت تلك المجنـونة فحاصرته مُهرة بوشاحها هامسة :
-وحشتني يابـاشا !! فينك من زمان !
ضغط عاصي على قدم يسري المتراقص بجواره :
-أنتَ يا زفت ، خلصني من الورطة دي .. دانا هطلع عينك يا يسري 🤌🏻
ثم دفعها برفق لتبتعد عنه ليلحق زوجته التي فارقـت الحفل واتجهت لداخل القصـر .. بالجهـة الأخرى يتراقص كُل من مراد وتميم وكريم على الغناء فجاءت الراقصة لعندهم لتشاركهم الرقصة وتتمايل عليهمـا ولكن حذرة من أي تلامس عكس ما تعمدت أن تفعل مع عاصي .. جاءت كل من عالية وشمس بعواصف غضبهما فهتفت شمس لزوجها :
-مش كفاية كده !! المسخرة دي هتنتهي أمتى ! المأذون جيه بره ..
فأكملت عالية وهي تسحب زوجها من حقلة مرحهم :
-قول لأخوك يمشي البتاعة دي من هنا ، وأنتَ حسابك معايا بعدين .. هاا عشان ترقص معاها تاني .
برر مراد موقفه :
-وأنا مالي هي الـ جت عندنا !!
-مراد!!!
اندفعت شمس نحو كريم واشتدت معه :
-روح اقعد جمب نوران وعدي ليلتك يا كريم .. دي لو نوران عدتها أصلًا .
جمد تميم قلبه وجهر معارضًا عائدًا لرُشده :
-أيه المهزلة دي !! كريم مشي البتاعة دي من هنا دي ليلة مباركة يا جدع والواحد فـ عرض حسنة !!
رمقته شمس بنظرة حادة لا توحي بأن هناك خيرًا سيراه بعدها ، فبلل حلقه قائلًا بتردد :
-وأنا عملت ايه !! دا أنا بنصحـه … شمس خدي هنا هفهمك ..
على أعتـات السُلم التي كادت أن تلمسه أقدام حيــاة تمسك بكفهـا كي يمنع رحيلهـا :
-هو يصـح تسيبي المعازيـم وتطلعي !! حيـاة أنتِ أعقل من كده .
ردت بهدوء تُحسد عليه :
-عشان تنبسط وتاخد راحتك .
جذبهـا لعنـده كي تقف بين يديه تحديدًا ؛ وقرر أن يشتري عُمره قائلًا بحنان زاخر :
-راحتي جمبك ، ومش أنا الـ هقول لك كده .. يلا عشان محدش ياخد باله من غياب صاحبـة البيت ..
ثم ختم جُملتـه بتقبيل كفيهـا بلطف متنهدًا :
-هاه يلا وفُكي التكشيرة دي !!
أومأت على مضض ثم قالت مستسلمـة :
-ده عشان شمس ونوران بس .. أمـا كلامنا لسه مخلصش ..
~حول طاولة كتب الكتـاب ..
شرع المأذون ببدء مراسم الزواج على الطريقـة الاسلامية المعتـادة .. كان كريم جالسـًا ويده بيـد تميم وكيـل العروس .. تدخلت نوران قائلة :
-بس أنا مش موافقـة .. ومش عايزة اتجوز
دارت جميع الأعين لعندها ، فوثب كريم معارضًا كالبوتجاز :
-نعم ياختي !! هو لعب عيال ..؟!
ثم نظر للمأذون قائلًا :
-متسمعش منها يا مولانـا .. دي اصلا فاقدة الأهلية ، هناخد على كلام واحدة فاقدة الأهلية زيها !
-لا يجوز يا عريس !
وثبت نوران معارضـة :
-شايف يا مولانا !! ده أسلوب واحد ينفع اتجوزه ..
تمتم المأذون قائلا:
-لا اله إلا الله.. استهدوا بالله كده ده أكيد شيطان ودخل ما بينكم ..
-رقاصة مش شيطان وو
ثم ضربت على سطح الطاولة وأتبعت :
-مش أنا فاقدة الأهلية !! هل يجوز حد مجنون يتجوز يا عمو !
رفع الشيخ حاجبه :
-عمـو !! الله الله الله !!
تدخلت شمس لتهدأ الأمر وتعاتب أختها :
-نوران ما يصحش كده ! أقعدي .
-لا مش هقعد .. وأنا مش عايزة الجوازة دي ؟!أنا عيلة ورجعت في كلامي .
نظر المأذون لعاصي فتدخل عاصي قائلًا :
-ماتبطلوا لعب عيال وخلي اليوم المهبب ده يعدي !!
ربت كريم على ظهر الشيخ وهو يستريح على طرف الكُرسي موضحًا الأمر بهدوء :
-أنت عارف يا مولانا أن كُل الدوشة دي عشان بس حبيت أعملها مفاجأة وابسطها وأجيب لها رقاصة ..
هلل الشيخ قائلًا :
-لا اله إلا الله، راقصة في يوم مبارك يا بني !!
انفجرت نوران معارضة :
-أنا رقاصة هتبسطني ليه !! قول أنتَ جايبها لنفسك .. كريم و…
رمق بعينيه كي تصمت وأردف بحدة:
-نوران ؛ ولا كلمة ، لينـا بيت نكمل خناق فيه ! شوف شغلك يا مولانا .. وسيبك منها دي تعبانة في دماغها .
-استنى يا مولانا ..
هبت عواصف غضبها وقالت بلوم :
-أولاً متزعقليش كده قدام الناس ، ثانيـا كان المفروض تاخد رأيي في حاجة زي دي الأول !! ثالثـا أنا كان نفسي نجيب رقاصة محترمة بَدرة أو جوهرة أما دي واحدة مشبوهة !! جايب واحدة مشبوهة الفرح يا عمو !! يرضيك ؟
هز رأسه موضحًا ملوحًا بكفيـه :
-أعمل ايه طيب مش فاضيين !! جبت أي واحدة تطري الليلة الناشفة دي وخلاص .
غمغمت شمس بذهول وهي تطالع تميم كي ينقذ الموقف :
-لا ، أنا دماغي هتتشل ، أنا تعبت منهم .. لالالا ده جنان رسمي ! الاتنين دول أنسب عقاب لبعض، تميم اتصرف أنتَ .
أتكأ مراد على كتف زوجته وقال متمنيًا :
-ياسلام لو جاب جوهرة ولا بدرة ، كانوا ردوا الروح فـ قلب الواحد !!
لكزته عالية متوعدة :
-استنى عليا أنتَ كمان !
-بقول لو ، لو يا عالية بفضفض معاكِ ، فُكي كده ..
على الجهة الأخرى مال عاصي الغارق في ضحكه المكتوم على جنون الاثنين، وهمس لحيـاة قائلًا بإعتراف :
-البنت نوران دي ولا تفهم حاجة ، مهرة برقبة الاتنين دول .. تيجي تسألني أنا ..
اكتفت بغرست كعب حذائها بقدمه وقالت بإمتعاض :
-تصدق غلطانة ، كانت جات اخدت رأي انتصارات التاريخ .. !
طوق خصرها بخفاء ليدنوها إليـه وغمغم قائلًا :
-هحكي لها عنك ، لان أنتِ أعظم تاريخ في حياة عاصي دويدار ..
-بكاش موت بردو لينا كلام تاني فوق..
ثم تبدلت نبرة صوته ليجهر قائلًا :
-شوف شغلك يا مولانا وجوزهم واقفل اليوم الـ مش عايز يخلص على الجريمة دي .. دي القفلة الوحيدة الـ تليق بيه .
طالع المأذون نوران الجالسة جنبًا :
-ها يا عروسة !!
أطرقت بدلال وغنج :
-خلاص جوزنا ياعمو .. بس قوله ما يعملش حاجة من ورايا مرة تانية ..
توسل كريم للشيخ قائلًا :
-اكتب يا مولانا قبل ما تغير رأيها ، دي طايرة منها أنا عارفها …
فتح الشيخ دفتره وقال :
-لا اله إلا الله؛ بسـم الله …….
*******
مع نهـايـة هذه الليلة المكدسة بالأحداث ، وخاصـة في تمـام الساعة الثانيـة بعـد منتصف الليل ، أخذ كريم زوجتـه لـ منزلهمـا الجديد .. وفُضت مراسم الزفـاف ولملم العُمال مستلزمات الفرش وغيـرها .. ربت عاصي على كتف أخيه قائلًا :
-يلا عشان ترتاح شوية .. بكرة هتحضر اجتماع منصور الشيخ وقول لي رأيك في عرضـه ..
دار لأخيـه متسائلًا :
-وأنتَ مش هتحضره ليه !!
رد بإيجاز :
-عنـدي شغل كتير بكرة .. هقابل لك بالليل ونتكلم .
-ماشي يا عاصي مش مشكلة ، سهلة .
نادى على أحد الخدم وقال :
-قفلوا البيت كويس .. واتأكدوا أن كُل الشبابيك مقفولـة ..
سار الأخوان معًا كُل منهمـا باتجـاه غُرفتـه .. دخـل تميم لـ غرفته فوجد شمس تبدل ملابس صغيرهـا .. فأندفع لعنـده بكل مشاعره المتوقة :
-هو صاحي !! ولاه يا طاطا .. أنا جيت قوم نلعب ..
مجرد أن سمع صـوت أبيه صرخ الرضيع في مهده متحمسًا لمجيئه ، جلس على رُكبتيـه مستندًا بمرفقيه على الفراش وهمّ بحمل صغيرهُ ولكنهـا أبت وضمت صغيرها بعيدًا عنه :
-تؤ مفيش مصطفى النهاردة .. أنتَ متعاقب .
وقف على نصل عيونها الحادة وقال مداعبًا بطريقة يستجدي رضاها :
-والعقاب بردو يشمل أم مصطفى .. ؟!
ردت بجمـود وهي مشغولة مع غيار صغيرها :
-اه الليلة مفيش لا مصطفى ولا أم مصطفى ..
عقد حاجبه مستفسرًا، متعمدًا لمس وجنتها التي بعدتها عنـه :
-طيب وأنا هنام ازاي من غيـر حضن مصطفى ومامته..
ردت بجفاء ممزوجًا بالابتسامة الانتقامية :
-أنتَ مش هتنام معانا في الأوضة أصلًا ..
-نعم !! أومال هنام فين. !! شمس متهزريـش أنا عملت أيه !!
دارت إليه بوجههـا المتصلب :
-مش رقصت وانبسطت !! يلا شوف لك مكان غير هنـا ..
-استهدي بالله كـده وروقي يا شمس ، دي ساعة شيطان بس ..
أصرت على رأيها بحدة :
-تميـم هي كلمة واحدة مش هنام معاك في أوضـة واحدة ، ولو مخرجتش أنت ؛ هاخد ابني وامشي أنا ، ها قلت أيه ؟!
-وعلى أيه !! الطيب أحسن.. أغير طيب ولا هطرد كده !!
~أمام غُرفـة عاليـة ..
يقف مراد مُترجيـًا بصوت خفيض :
-عالية افتحي الباب بلاش الحركات دي أحنا مش في بيتنا !!
فرغت من ارتداء ملابس نومها لف شعرها قائلة :
-مش كانت عاجبك الرقاصة ومستنى بدرة وجوهرة !! روحلهم تصريحك مفتوح ..
دق الباب بخفوت ، وتمتم :
-طيب افتحي نتفاهـم !! طيب كريم الـ جابها أنا اطرد ليه !
أبت بإصرارٍ وهي تقول :
-وأنت وأخوك أيه !! نفس العينـة ..
جز على فكيـه بضيق :
-عاليـة ، طيب افتحي أخد موبايلي ..
غلقت أنوار الغُرفـة متأهبة للنوم وقالت :
-أشش غالية نامت وأنا كمان هنام ، متعملش صوت ..
خرج تميـم من الغرفة مرتديـا منامته الخاصة فألتقى بمـراد الواقف أمام الباب وأشار له :
-تعالي تعالى كلنا لهـا ، كان لازم نفرح اوي ونرقص!!
برر مراد موقفه وهو يحاول فتح مقبض الباب ؛ مردفًا :
-مش عارف الباب مش راضي يفتح ليه!! شكله فـ مشكلة !!
اقترب تميم منه ضاحكًا متفهمة محاولة مراد لتغاضيه عن أمر طرده ؛ غمغم مواسيًا وهو يربت على كتفه:
-ومش هيفتح يلا حبيبي يلا نشوف لنا مكان ننام فيه.
قطب مراد حاجبيـه ضاحكًا :
-مطرود زيي !! طيب ما تقول من بدري ! جوازة أخويا دي جوازة شُؤم ..
رفع تميم رأسه لأعلى وقال:
-عاصي اي نظامه ! هو مش هيطرد زينـا !!
-لو منزلش هو ، هنطلع له يقولنـا عملها أزاي ..
~ بغُرفـة عاصي …..
خرج من المرحاض بعد استحمامـه بالماء الفاتر متلفحًا بالمنشفة البيضاء حول خصره ، تعرقل بصغاره الذي يحبو كل منهما بجهة مختلفة في أرجاء الغُرفة تأملهما للحظات قليـلة فـ بثت روح الحياة بقلبـه ثم انتقلت عينـاه لتلك الحورية التي تزيل أثار مستحضرات التجميل عن وجههـا .. دنى منهـا ووقف خَلفهـا شاردًا بجمالهـا الساحر الذي طمس عينيه عن بقية بنـات حواء .. رفـع شعرها باحثًا عن شيء يخصه فأقطب قائلًا وهو يشير على جزء ما برقبتها :
-كان في حبـة بن هنا راحت فين !
اكتفت بإرسال نظرة حادة بالمرآة وهى تضع مرطب البشرة على وجهها .. مال لعندها وخصيصًا عند الجزء المراد تقبيلـه ليطبع فوقها الكثير من حبوب البن .. انسجم في فعل ما يُريده وتركتـه يفعل ما يشاء بدون وجه إعتراض حتى أصابها بلسعـة حب جعلتها تتأوه متألمة وسرعان ما أخفت وجعها عنه وسألتـه ، ذلك الغائص في ملاذه منهـا :
-ممكن أفهم يعني أيـه مش هنرجع الغردقـة تاني!! ومن أمتى القرارات المفاجئة دي ؟! وكمان من غير حتى ما تاخد رأيي ؟!
ثم تملصت من بين يديه وفضت اشتباكه بها وأكملت:
-مش المفروض إننا شُركا في كل حاجة !
نظر للمـرآة وشرع بتصفيف شعره المتدلى على جبهتـه وقال :
-هنا الرأس مال الأكبر والأهـم ، شغل هناك يمشي بمكالمة تليفون ..
يقال أن ما بين الأنانية والعنـاد ضاعت القلوب ، وقفت أمامه محاولة المحافظة على هدوئهـا :
-أنتَ شايف كده !! طيب مفكرتش في بناتك وأنا وبيتنا !! طيب مسألتش نفسك هكون مبسوطة بقرارك ده ؟
رد بثقة :
-راحتك فـ المكان الـ هكون فيـه ومعايا ؟!
زفرت باختناق وهي تدور حول نفسها مفكرة بخلق حجة واحدة تُقنعه بالعودة ، فقالت :
-طيب وشغلي !
-يونس أخوكي مش مقصـر !
-طيب وشغلنـا سوا ؟!
رد بنفس نبرته الباردة التي لفحت قلبها بجمر يحترق:
-أرباحك هتوصلك كُل أول شهـر وأنتِ قاعدة في بيتك ..
تأزمت حالة عقلها من جُملـة قراراته المفاجأة :
-عاصي!! لا بجد أنا مش عارفة المفروض اتكلم أقول أيه ! أنت قلة الكلام معاك أحسن ..
كادت أن تنصرف من أمامه فأمسك بمعصمها كي تتوقف عن رحيلها .. وقفت بين يديه فأردف بنبرته الهادئة :
-جمالك بيربكني ، ومابعرفش اركز مع حد غيرك طول فترة الشغـل ..
ثم شق ثغره بضحكة خفيفة وقال ممازحًا :
-عايزين ناكل عيش ياستي .. !
قنطت من عناده فأغمضت جفونها بكلل وهي تطرد دخان غضبها بزفيرٍ قوي :
-عاصي بجد أنا مش قادرة اجادل معاك ولا عندي طاقة أواجه قراراتك المفاجئة دي ، ممكن نأجل كلامنا لبكرة ..
-ياريت !!
ثم مال على مسامعها وقال بهمس :
-العيال دي هتنام أمتى !!
ردت بتعبٍ وإرهاق :
-يخلصوا أكلهم بس وهينيمهم ..
ثم انسحبت من تحت يديه بخطوات ثقيلة ، انحنت لتحمل توأمهـا برفق وقربتهما من بعض جلست بالأرض وأخذت تناولهم طعامهما بمنتهى الدفء والحركات الطفولية التي تشجع فيهـا أطفالها لإنهاء اكلهمـا … ظل هو الآخر يتجول بالغُرفة على مراجل من نـار منتظرًا قدومهـا لعنـده .. بدل ملابسه وأخذ يراجع بعض المهام المتأخرة في عمله حتى نفذ صبره وقفل جهاز الحاسوب .. قائلًا :
-المفروض يناموا أمتى يعني !!
حملت ريان ووضعته بين ذراعي أبيه وقالت :
-اتفضل خُد ريان نيمـه ، لحد ما أكمل اكل ركان عشان ينام هو كمان ..
عقد حاجبـه متحيرًا :
-أنيمه أزاي يا حياة !!
زفرت بجـزعٍ :
-نيمه يا عاصي زي الناس !!
ثم وضعته على كتفـه وقالت بمللٍ :
-اتكلم معاه بهدوء .. وحسس على ضهره هتلاقيه نام ..
فـ بللت حلقهـا مواصلة وهي تطيل النظر بعينيه :
-زي مـا كُنت تنيمني .. !!
ارتسمت ابتسامة عريضة على محياه وتمتم مداعبًا :
-طيب ما تنيمي ريان وركان ، وأنا أنيمك أنتِ بطريقتي .. ونبقي خالصين .
أخفت ابتسامتها عنه بإعجوبة متوارية خلف ملامحها المنكمشة وقالت بحزم :
-أنت هتنام عـ الكنبة أصلًا ..
-نعم !! أيه القرارات المفاجأة دي ؟!
باغتـته بابتسامة ماكرة :
-بتعلم منك ..
ثم دنت منه وهي تقفل أزرار منامته المفتوحة وقالت بخبث يبطنه الانتقام :
-عشان حبيبي أنتَ من النهاردة متعاقب، ومش عارفة لحد أمتى ؟! بس قول لحد ما انسى إنك خلفت وعدك معايا وشربت .. وقراراتك الـ جات فجأة دي !
ثم أخذت تداعب حشائش صدره بحركات دائرية جذابة وقالت بأعين تحمل التهديد :
-ومش هفتح معاك موضوع الرقاصة عشان ده كان ماضي ، واتمنى إنك حتى متفتكروش في خيالك عشان هعرف بردو ..
-أنا عملت كُل ده أمتى !!
تحمحم بخفوت وهو يربت على ظهره صغيره والضحكة تملأ محياه :
-هنيم ريان حاضـر ..
عادت إلى ركان وتركته يتجول بالغُرفـة حتى طالع النافذة فسقطت عيناه على تميم ومراد الجالسـان بالحديقة ، جهر مناديًا :
-بتعملوا أيـه عندكم !
أقر مراد قائلًا بمزاحٍ :
-بناخد تان على ضوء القمـر ..
فوضح تميم معترفـًا :
-هو بس محرج يقول لك أن عالية طردته ..
انفجر عاصي ضاحكـًا حيث باغته مراد قائلًا :
-ما أنتَ كمان شمس طردتك !! وماتقولش مطرود دي قدامي !!
غمغم تميم متسائلًا :
-وأنتَ يا سيطرة ! على أيه الكلام ؟!
رمقهم بنظرات هُزء ، وقال بتفاخر :
-وهو أنا زيكم بردو !! أنا التاريخ يا بني !
ثم شد ستائر الشُرفة وعاد ضاحكًا وكان أن يجلس على طرف التخت :
-أنا مطردتش ليه زيهم ، أهون من زن ريان!!
ردت بجبروت :
-لا ياحبيبي ، أنت هتقعد هنا تحت عيني ..
ثم أتبعت :
-عاصي الكنبـة ..
عاد على مضض إلى الكنبـة وشرع في بث شكواه بآذان صغيره وقال بهمس وهو يتمدد على الأريكة ويأخذ ابنه فوق صدره العريض :
-تعرف أنتَ فاتتك أهم فقرة في اليوم وهي الرقاصة .. كانت فقرة رجعت أبوك عشر سنين لورا ..أنت لو شوفتها كُنت هتنزل تجري زي الحُصان كده ..
تساءلت بشكِ :
-أنت بتقوله أيه !
-أسرار مع ابني يا ستي !! مدخلة نفسك في كلام الرجالة ليه !!!
-بقا كده يا عاصي !! طيب نام ! نام ربنا يهديك..
******
~بسـيارة كـريم
تجلس بالمقعد الأمامي المجاور له ويبدو عليهـا الكثير من القلق الذي فشلت في إخفاءه ، خفضت صوت الغناء وولت وجهها لعنده فقرأ الخوف على ملامحها ، هدأ سرعة السيارة وقال بشـكٍ :
-أي الوش ده !! مالك تاني ، أنا بدأت أقلق .
تأملت خلاء المكان عليهما فلم يبقى سواها معه ولا يوجد مفر، أدركت للتـو صعوبة الأمر وتورطها فيه ، فركت كفيها بتوتر وقالت :
-أحنا رايحين على بيتنا ؛ صح !
رد بارتياح :
-أنا ماشي على ١٢٠ عشان نوصل .. الود ودي نطير للبيت ..
رفعت جفونها لعنده بتثاقل وغمغمت :
-وهيتقفل علينا باب واحـد وهنكون فـ الشقة أنا وأنت وبس !! يعني مفيش شمس ولا تميم ولا طاطا ..
ثم انخفضت نبرتها برعب وأكملت :
-مفيش حد غيرنا خالص !!
أطلق ضحكة خفيفة وقال :
-أنا وأنتِ وبس .. يااه آخيرًا ، أنا هطلع عينك على الخطوبة الناشفة دي الـ قرفتيني فيها أنتِ وطاطا أفندي .. أنا كيمو يتعمل فيا كده .
تراجعت بظهرها للوراء لتختبئ بالباب وقالت بخوف :
-أيه يعني هتعمل أيه !! كريم أنا بجد قلقانة وخايفة ومش عايزة اروح معاك ممكن ترجعني عند شمس وتميـم .. لالا أنا حقيقي مش قادرة ..
صف سيـارته جنبًا ثم دار لها كي يتمتص شحنات الخوف المنبعثة منها، مسك كفها المثلج وقال :
-أنا بهزر !! ليه ليه الخوف ده ، أنا كريم مش بُعبع !!
بللت حلقها فظهرت عروق رقبتها وقالت :
-كريم ممكن تقول لي أحنا أول ما نروح هنعمل أيه بالظبط ..
ارتسمت ضحكة خبيثه على محياه ثم قال بنبرة هادئة :
-هنروح نتفرج عـ شقتنا سوا ، نتعشى قدام الفيلم الـ هتختاريه ، وبعدين ننام والصبح هنطلع الطيارة عشان الهاني مون ..
تأرجحت عينيـها بشكٍ :
-يعني هنتعشى ونتفرج عـ فيلم وبس كده ، مفيش أي حاجة تاني !
رد بثبات يُحسد عليه يخالطه الخُبث ودهاء الرجال :
-بس كده .. أنتِ خايفة ليه ؟! ومن أيه ؟!
نفضت غُبار القلق من فوق كفيها وتمتمت مؤكدة :
-يعني مفيش أي حاجـة تانية من بتاعت الشباب الوحشة !
كتم ضحكتـه بأعجوبة ولكن انعكس بريقها بلمعان عينيـه :
-ولا أي حاجة !! اطمني خالص .. أحنا اتنين صُحاب بيحبوا بعض عايشين في شقة واحدة عشان يضحكوا ويهزروا ويخرجوا سوا وبس كده !
تحمست بشغف طفولي :
-طيب يالا سوق بسرعـة عشان نوصـل بيتـنا في دماغي كام فيـلم حكاية .. مش هتبطل ضحك ..
عاد كريم لقيادة سيارتـه وهو يغمغم في سره :
-دا أنا هشوف أيام سودة مع المجنونة دي !!
******
~بـ غُرفة عاصي ..
عادت حياة لغُرفتهـا بعد ما اطمئنت على حال البنات وشدت الغطاء فوقهن وضبطت درجة برودة المبـرد وطبعت قبلتها الليلية والسرية على جبين كل واحدة منهن .. قفلت الباب بحذر ثم تقدمت لـ عاصي النائم الذي يحضن ريان وغارقًا معه في سُباتهمـا .. حملت صغيرها بعد طبعـها قُبلة رقيقة على جبينه ثـم وضعته بجوار أخيه في مهدهمـا ..
وقفت أمام المـرآة ورفعت شعرها على هيئة ذيل حُصان ونثرت القليـل من العطـر .. ثم تدلت كفوفها لتحرر رباط خصرها الحريري وتنزع سترتها الطويـلة ليظهر تحتها أنثى غايـة في الجمال مرتدية سروالًا قصيـرًا بنفس خامـة ولون الرداء السماوي الطويـل الذي يتناسب مع لوني عينيها ، ويعلوه سترة قصيـرة ذات حمالات رفيعة .. تدلى كفها برفق على تفاصيل جسدها الأنثوي فائق الجمال خاصـة بعد إجراءها للعديد من عمليات نحت القوام بعد الولادة..
فتحت أحد أدراج التسريحة وأخرجت خُلخالًا من الذهب الأبيض ولم تنس تلك الحُمرة الوردية التي برزت جمالها بشكـلٍ أوضح .. تحركت لركن القهوة الكائن بأحد زوايـا الغُرفة وأحضرت فنجانـًا لها وهي ترتدي سماعات هاتفهـا وتستمع لـ ميادة الحناوي بصوت هادئ ” أنا بعشقك أنـا “
فرغت من صُنع قوتها على نور القمر المكتمل والمتسلسل لغرفتهما من وراء الستار الذي يداعبه هواء الخريف .. حملت فنجانها وتناولت دفترها وقلمها وتكروت على أحد المقاعد .. فتمتمت ميادة لقلبها بإعتراف راق لها :
-يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه
الأمر لك طول الحياة، طول الحياة
الماضي لك وبكرة لك وبعده لك
ارتشفت رشفة خفيفة من قهوتهـا وكتبت عنوانًا :
-“كن لي كمـا أهوى “
-عشتُ ليالٍ طويلة كل ما اتمنـاه هو أن أتعافى مما حفرتـه الأيام الصعبة فوق جسدي وبين ثنايـا روحي .. ركضت وركضت كثيـرًا كي أجد مشفى لأثار تلك الجروح العميقة بداخلي .. فشـل البحر أن يُنسيني ما أبكاني ومن قتلنـي حية على شطيه ، أين المفـر من كل الذي حدث لي، حتى استسلمت وغمر اليأس حوافر يدي التي تشق الصخـر متأملة في إيجاد الزهر بين شقوقه ، كساني القنوط حتى قدمني قُربانًا للحب على كفوف يديك بعد ما ذوب ملوحة المـاضي تمامًا ، وها هنـا كانت البداية مع ذلك الرجل المُحيـر للعقل والقلب ! ذلك اللغز المستحيـل الذي لم أتوقف عن طرحي لسؤالي المستمر عنه !! من أنتَ ؟! ولمَ أخصك البحـر بتلك المهمة الصعبـة !! لماذا أنت تحديدًا …. !!
من أنتَ يا رجل !!
ذلك العاصي الذي التقيت بعينيـه في حقل النيران !!
أم ذلك اللص الذي استغل غياب عقلي وسلبني لعالمـه الخاص بدون إرادة مني ؟!
أم ذلك السجـان الذي أسرني تحت عينيـه !!
أم ذلك الهـش الذي يرمم فراغات قلبـه بين يدي !!
أم ذلك الطفـل المتدلل الذي يعاندني ويجادلني دومًا !
أم ذلك الولد البكري لأمه والتي لا تستطيع معاقبته مهما فعل !!
أم ذلك الرجل الحنون الذي لم يكف عن بث المشاعر الصادقة لروحي !
أم ذلك الأب لـ ثلاثـة فتيات وطفلين !!
أم ذلك الزوج الرائع الذي أصل معـه لسُحب العشق !!
أم ذلك العصي عن الترويض والإرشاد ولا يفعل إلا ما يروق إليه !!
أم ذلك المحبوب السـري لروحي الذي سأقفل دفتـري الآن وأذهب لعنـده لإيجاد جوابي ، كلا ؛ لإيجاد نفسي تحت سمائه!!
~رسيـل المصري ..
~حياة العاصي …..
أم تلك العاصيـة لحياة تأتي بدونك !!
قفلت دفتـرها مع انتهاء الموسيقى ونزعت سماعات أذنها وسارت بقدمين أخمصيتان يزينهما خُلخالًا لا يزيدهما إلا إثارة .. جلست على طرف الأريكة وأخذت تتأمل ملامحـه النائمـة ، مررت أناملها فوق وجهها كأنها تبحث عن النور والحياة بين تفاصيله ، انحنت لعِندهم أكثر وهي تُسقيهم بأنفاس حُبها المشتعلة حتى هممت بصوتٍ دافىء:
-حبيبي ، قـوم نام في السـريـر ..
تمسك بمرفقي يدها الراسيان فوق صدره كي لا تهرب منه وقال بصـوت مفعـم بالنوم :
-بس أنا مرتاح كده !
غمغمت :
-بس أنا مش مرتاحـة ، ومش هعرف أنام ومكانك جمبي فاضي ..
أفسح لها مكانًا بالأريكة كي تتوسد يديه وهو يحييا برائحة عِطرها وقُربها ويضمها أكثر فأكثر إليه كـ أب يغلغل صغيرته لحضنه:
-منمتيش ليـه ..
تسللت أناملهـا لتقاسيم صدره الصلب وقالت بصوت يملأه الشجن :
-كُنت بفكـر شوية ..
ثم أكملت بنفـس النبرة الخافتـة تحت ضوء القمر المنعكس فوقهما كمن يروي أوجاعه لرفيق عمره :
-تعـرف أن أول كُل حاجة دايما تتسرق مني .. زي مثلًا .. فرحة فستان الفرحة ورهبة أول ليلة مع الشخص الـ اختاره قلبي فرحة أول حضن وأول لمسة .. فستان نوران النهاردة صحى جوايا مشاعر كتير أوي افتقدتها .. وكمان فرحة أول ليلة معاك كنت مغيبة ومش فاكرة حاجـة خالص منها .. فرحة أول طفل لينـا سابنا ومشي .. فرحة وجودك معايا في ولادتي اتحرمت منها .. حاسة في فراغات كتير جوايا ، مش بتوجعني بس مش بتفارقني .. أنت فاهم !
أردف بتلك النبرة الجياشة :
-مش كفاية أنك أعظم حاجة حصلت في حياة شخص كان فاقد الحياة كلها !
قبلت أنامل يـده التي ابتلت بماء حزنه فـ رد لها القُبلة بعانق طويلٍ سكنت وآمنت بين ثنايـا ، غمغم بتلك النبرة الدافئة :
-قوليلي أيه ممكن يسعـدك وأنا أعمله حالًا .. !!
-أنا بخيـر ، حبيت بس أفضفض معاك شوية .. مش أحنا صُحاب !
-أنتِ حياتي كُلها .
مسح على شعرها الحريري وقال :
-طيب منمتيش ليـه !
-شربت قهـوة وطيرت النوم .
عاتبها بنبرة حنونة :
-حد يشرب قهوة بالليل !!
بررت :
-قولت أنت كمان شربت ، فممكن نسهر سوا ..
رد ممازحًا :
-بس قهوتك غير قهوتي !!
نظرت إليه باهتمام :
-أزاي ؟!
تحمحم خافيًا جريمتـه ؛ وقال :
-ولا حاجـة .. ومتبصليش بالعيون الحلوة عشان عشان بتوه في حلاوتهم وبعترف من قبل أول قلم ..
-مش فاهمه حاجة ، بس ….
بادلته بابتسامـه خفيفة وقالت :
-في هديـة ليك !!
رد بدون تفكير :
-ايه !! حامل ؟!
ضربته برفق على صدره كي يتراجع عما يقوله :
-بس بقا ، أنا حرمت خلاص .. ولادك علموني الأدب ، حمل تاني مستحيـل ..
-أيه هي الهدية ، أنا بحب الهدايا أوي خاصة لو منك.
انسحبت من حضنـه بغنـج فسقطت عيناه على قوامها المرسوم على يد رسام ماهر ، اعتدل من نومته مغمغمًا :
-مفيش نـوم الليلة دي … شكلك ناوياها يابنت قنديل المصري ..
فتحت الخزانـة وأخرجت منها إطار متوسط الحجـم وعادت إلـيه بخطوات هادئـه ، جلست بجواره ونزعت الغلاف الذي يُغطي الصـورة المرسـوم فظهرت صورة لأمـه مرسومة بشكـل أوضح أقرب للصورة القديمة التي لا تحمل إلا لونين ؛ الأبيض والأسود..تأرجحت عينيها بينه وبين تفاصيل الصـورة وقالت :
-لازم تحفظ ملامحهـا وتكون موجوده في حياتك حتى ولو فـ صورة .. لازم تحس بيك وبدعواتك ليها طول الوقت .. ده أبسط حق ليها عن كل السنين الـ فاتت .. أيه رأيك نسافر سوا ونعمل عمرة باسمها .. ! حاسة إننا محتاجين المكان ده أوي!
-ربنا يسهل ..
ثم مالت برأسها على كتفه وسألته :
-عجبتك ؟!
كان وحيدًا كإبهام اليـد لا يُشارك بقية الأصبع في طرق أي باب حتى جاءت لعالمـه وغزلت خيوطها حوله وبنت مدينة كاملة من البشـر بداخل قلبـه ، معها أدرك عناء الوحدة ولذة الحياة المشتركة .. تأمل تفاصيل المرآة الضاحكة التي يحمل الكثير من ملامحهـا .. مرر أناملها فوق صورة أمه وقال شاردًا :
-تعرفي أنا لقيت مبرر عن كل العلاقات اللي كنت بهرب لها .. كُنت بدور على حضن الست دي وأنا غبي مش فاهم ولا عارف .. يمكن لو كانت حضنتي لمـرة واحدة فـ العمر ما كنت عشت تايه كده ..
مررت أناملها بين جدائل شعره وقالت بحب :
-أنا معاك .. وجمبك ، ربنا يقدرني وأعوضك عن كل ده ..
ثم سحبت الصـورة ووضعتها جنبًا وأكلمت :
-مش أنا حبيبتك وأختك ومامتك وبنتك وكل حاجة بالنسـبة لك ..
فلطفت الحوار بينهمـا مكملة :
-ولو حابب أنـا ممكن أبقى لك ست مُهرة دي كمان !!
ـمهرة ؟؟وسعت منك حبتين دي .
تعمد إثارة استفزازها بمدحة لإمراة آخرى .. تبدلت معالم وجهها بغضب يتقاذف من مقلتيها وهي تلكزه بعتب يخالطه الضحك :
-هي ست مهرة دي عملت أي أنا معرفتش أعمله ؟؟ اتفضل اعترف كدا .
رفع حاجبه مستفهمًا :
-أتكلم يعني والجنان مش هيضرب في وشي ؟
هزت رأسها متقبلة الأمر:
-اديتك الأمان .. يلا احكي ، مهرة دي كانت تعمل أيه أنا مش بعرف أعمله ..
اعتدل في جلسته لتكون قبلته ومقبله مستندًا على ظهر الأريكة :
-هي وغيرها عملوا كل حاجة تتخيليها إلا حاجة واحدة بس محدش عرف يعملها غيرك ..
-حاجة أيه دي ؟
-أني أحبك .
لم تنكر أثر وقوع الكلمـة على قلبها ولكنها أبت التغاضي عن سؤالها وقالت :
-مش هتثبت لا .. عايزة أعرف طيب من حقي .
-يعني هتعملي الـ كانت بتعمله ؟؟
احتوت كفه وقالت بنبرة حنونة :
-أنا قولت لك قبل كده وهكررها تاني .. أنا مستعدة أكون لك أي شيء ممكن يسعدك ..
داعب وجنتها بأنامله وقال :
-عـ فكرة أنا بهزر معاكِ وبنكشك ومستني عصبية وزعيق ، مش متعود عـ الهدوء والعقل ده ..
-عشان أحنا دلوقت بنتكلم كاتنين صحاب ، مش رجل ومراته .. عشان لو بتعامل كمراتك كان زمانك تحت قاعد جمب تميم ومراد
ثم بللت حلقها وأتبعت :
-عاصي أنا متصالحـة مع ماضيك جدا ومتقبلة كل أخطائك .. ماليش حق ألومك عليها بس واجبي اوفر لك العالم ده معايـا وبس .. لاني حلالك ومش هسمح بخطوة ترجعك لورا ، لا .. أنا مستعدة اتعلم كل حاجة بس أنت تكون راضي ومبسوط ..
داعب ركبتها العارية بإعجاب يتقاذف من عينيه وقال شاردًا:
-ومين قال لك إني مش راضي ومش مبسوط !! البصة الواحدة في العيون دي كفيلة ترد فيا الروح ..انت مش مضطرة تبذلي مجهود علشان تعجبيني .. لان أبسط ما فيكي مجنني ..
-طيب استنى ..
قالت جملتها وهي تركض أمامه كغزالة شاردة .. احضرت شيء ما وعادت له بحماس مالت قليلا لمستوى اذنه ووضعت أحد طرفي السماعة بها والأخرى بأذنها .. فسألها :
-هتعملي ايه !!
أخذت تقلب بسرعة في هاتفها وقالت بصوت خفيض :
-ضوء القمر يجنن .. وكنت قريت في أسطورة بتقول أي اتنين بيحبوا بعض لازم يرقصوا تحت ضوء القمر في ليلة تمامه والمطر عشان حبهم يزيد ومايفترقوش ابدا ..
ثم شدته بشغف :
-يلا نرقص .. بس متعملش صوت عشان الولاد نايمين .. خلي بالك لو صحيوا هتنيمهم أنت ..
-أنت بتعرفي ترقصي أصلا !!
-هو في ست متعرفش ترقص !!
شرع صوت الموسيقى بآذانهم وقال بعتب :
-ماشوفتش قبل كده يعني !!
حكمت ربط حزام الرقص حول خصرها وقالت بدلال وهي تعانقه بحركة ذراعيها المتطايران ببراعة :
-مرة ست عجوزة قالتلي .. لما تحبي رجل متدلقيش عليه بكل الـ عندك .. حسسيه دايما أن عندك كل جديد بس بوقته وبكيفك ..
-مش سهلة أنت!!
-بتعلم منك !!
******
-مش قادرة خلاص أنا أكلت اكل جمل ..
أردفت نوران جملتها بصوت ضاحك بعد ما فرغت كل طاقتها بالأكل ..نظر لها كريم وقال :
-هنا وشفا .. اجيب لك تاني ؟
-لا تاني ايه !! انا مش قادرة اتحرك من مكاني ..اول مرة اكل كدا بجد ..
مسح كفيه وفمه بالفوطة الصغيرة ثم قال بملامح يُخالطها الحزن المفتعل :
-طيب اسيبك تاخدي راحتك في الشقة واقوم أنام !!
-أحنا مش هنشوف فيلم الأول ..
رد بيأس :
-ماليش نفس بجد يا نوران وو
قاطعته متسائلة باهتمام :
-استنى بس .. أحنا كنا بنهزر حصل ايه غيرك كده !!أنا قولت حاجة زعلتك ..
وثبت ببطء وهو يروي بدايات مسرحيته وقال بتوجس :
-بصراحة في سر جيه الوقت تعرفيه ..
نهض من مكانها بقلق :
-كريم متقلقنيش ؟ سر أيه ؟ طيب احكي لي !!أنا سامعة أهو .
طأطأ رأسه بأسف مبالغ فيه .. وهمَ بالذهاب لغرفته وهو يتمتم :
-بصراحة مش عارف أقولك أيه ..! بس .
وصل الثنائي لغرفة نومهما ، جلس كريم عـ طرف الفراش فجلس أمامه بجزع :
-كريم هعيط .. بجد أنت زعلان من أيه ! مش بحب أشوف الوش ده ..احكي لي طيب أنا بقيت مراتك يعني المفروض مش نخبي عن بعض حاجة ..
أسبل عينيه مرددا بسره :
-“طيب كويس أنك لسه فاكرة إني جوزك يا بت الـــ “
ثم تحمحم بخجل وقال :
-مش عارف اجيبها لك أزاي !! بس
-ممكن تتكلم على طول ؟!
فتح صورة لنتائج تحاليـل على هاتفه وقال لها :
-بصي على الصورة دي ؟
-دي تحاليل ؟! بس أنا مش فاهمة حاجة .. ممكن ابعتها لشمس تقولنا فيها ايه .
هز رأسه باسف :
-بس أنا عارف فيها أيه..نوران أنا الدكتور قال لي أن …..
ثم فرك كفيه ببعضهما ومال على أذنها هامسًا ببعض الكلمات التي ختمتهم بشهقة عالية وهي تضع كفيها على فمها وبأعين جاحظة :
-يعني ايه ؟!
أكمل تمثيل مسرحيته :
-يعني زي ما سمعتي .. قال ل كده بالنص .. وده السبب الـ خلاني أجيب رقاصة الفرح ..
تمتمت وهي تحت تأثير صدمتها :
-يعني مش تغيظني ؟!
-لا خالص !!الرقاصة جات لسبب سامي وعلاجي ..
ربتت على كتفه وقالت :
-خلاص متزعلش .. عادي أصلا مش مهم الحاجات دي صح !! أنا عمري ما هسيبك عشان سبب تافه زي ده .. مضايقش نفسك !
برقت عيناه بصدمة إثر ادراكه للتو انه أمام طفلة بالفعل : “مالها بنت المجنونة دي !!مصيبة لو مش فاهمة أنا بتكلم عن أيه أصلا”
ثم عاد إليها ليقول :
-الفكرة إني عايز اتاكد من كلام الدكتور .. هو قال لي كام حاجة كده أجربها فلو يعني ..
ثم صمت لبرهة وقال :
-متقلقيش مش هيحصل أي حاجة ..غير وبس عشان اطمن ..
تأرجحت عينيها بتردد :
-أنا المفروض أعمل أي طيب عشان أساعدك ؟!انا بجد مش عارفة ..تحب أكلم شمس نأخد رأيها ؟
بسره “الله يفضحك ياشيخة !!ماتسكتي بقا ”
مُدت يده لقفل إضاءة الأباجورة قائلا:
-أنتٍ متعمليش حاجة خالص .. أنا الـ هعمل …
*******
~غُرفـة عاصي …
“بيقولولي توبي توبي توبي توبي
ازاي بس ازاي !! تتوبي يا عيني ازاي؟! “
ما في شيء يُعادل جمال فكـرة أن تضيء مع من تُحب في ليـلة يشهد عليهـا القمـر والمغنى وكأنك ملكت العالـم بيـن راحتي يديك .. شرعت ” صباح ” في شدو كلمات أغنيتهـا التي التفت حول خصـر ” حياة ” كفراشـة تغازل الزهـر قبـل أن تُقبلهـا .. بين يديه أخذت تتمايل بتلك الحركات التي لا يتحملـها رجل مثله يهوى دلال النساء .. حتى عادت متمسكـة بسترته القطنيـة بخفـة وهي تتلوى كـ تحت عينيه كسنابل القمح التي يُداعبها الهواء بل الهوى متناغمة مع كلمات الموسيقى.. وتمتمت لعينيـه معترفة بتنهيدة تشُق قلبهـا :
-عاشقـة وغلبانة والنبي !! مقدرش أفوته والنبي ..
دانا كُل حتة فـ توبي ، دايبـة .. دايبـة فـ هوا محبـوبي ..
كاد أن يُجيب على اعترافها بقُبلة مسروقـة ولكنها أبت متغجنـة وهي تلف وجهها عنـه وتهز كتفيهـا بحركات دائرية مُغريـة رست كفوفه فـوق جناحيها المتمايلة ببراعة وأمهر من أعظم راقصـة .. تفاقمت حركاتها المفعمة بالأغواء عندمـا أحست باقتراب أنفاسه منها .. فطارت خطوتين للأمام هاربة من حصار يديه وهي تبدل الأدوار لتواصل حركة كتفيها الجذابـة والتي تعكس غنج ودلال أنثاه .. أشارت له بسبابتها وبين مساف ذراعه وتمتمت :
-عيني يا قلبي علينا انا وانت مساكين يا عيني
مبقاش فاضل لينا غير دمعك يا عين ..
أحدثت فتنة بقلـبه جعلتـه يلامس أناملها ويديرها كالفراشة تحت عينيـه لتقع فريسـة بين يديه .. لم تتوقف عن الرقص متدللة بحضـنه متمردة على أوتار الهوى وهي تغازله بعينيهـا التي فاض منهما ضوء القمر المنعكس والحُب .. رغم وقوعها تحت حصار يديـه لم تُكف عن الترويض والمغازلة حتى فقد السيطرة على ذلك الجسد الأشبه بحوت يسبح في بحر تشويـقه أكثر فأكثر .. انتهى بها المطاف مستنـدة بذقنها على كتفه وهي تهمس لها بآخر كلمات الأغنيـة مع عناق مُغرٍ :
-أزاي بس أزاي !! تتوبي يا عيني ازاي !!
نزع السمـاعة من أذنـه كي يلتفت لتلك الهائمـة بين يديه والتي أحدثت بجسده ثورة وانقلاب لا تؤدي إلا لتحرير جيوش الهوى بكامـل قوتهـا .. نزع أيضـًا السماعة من أذنهـا وانحنى ليحملها بين يـديه مُشيدًا بجمالها :
-أيه الجمال ده كله !
تعلقت بعنقه وسألته بدلالٍ :
-يعني عجبتك !!
-جبارة !! المواهب دي كانت فين من زمان !
وضعهـا برفق لتتوسط حوريتـه تختـه بركبتين مثنيـة قليـلًا ، جلس أمامها وبدء فرد شعرها المُقيـد وكأنه يُقدم طلبًا أن تفرد له قلبها .. شرعت أصابعـه تعزف على أوتار شعرها المنُسدل بأعين فاض منهـا الشـوق تجلس أمامه بأنفاس هادئة وأعين تترقب مبادرتـه بأسمى درجات الحب التي تصعدها واحدة تلو الآخرى في هواه ولكن كساها التوتر قليـلا في قضمها المستمر لشفتها السُفليـة بنظرات تتأرجح ما بين الخجل والفتنـة وغمغمت :
-عاصـي ..
-أششش !!
دفن تلك الهمهمات المليئة بالشجن تحت مظلة شعرها المنسدل موزعًا زهور حُبه حول عظام الترقـوة ..ألتف ذراعه حول خصرها فدبت قشعريـرة خفيفة بكيانها وهي تهـم بعناق حنون .. بدأت يدها تتنقل مُعلنة خطواته المستقبلية وكأنه يفصح عن نوايـاه مقترحًا ، ما رأيك أن نذهب الـ لا زمان .. ونتذق فاكـهة الحُب النادرة .. ونسير نحـو الأبدية معًا إلى عُمق اللهفة وإلى عمق الحياة بل إلى أعمق أعماقـك ..
ضمتـه لصدرها المليء بالحب والحنين وهي تتراجع للوراء شيئًا فشيء كأنها تـود الإعتذار عن جميع كلماتها ورواياتها وقصائدها التي عجزت عن وصف لحظـة واحدة بقُربـه الذي بات لـ روحها كإدمان …
لن تدوم طويلا تلك اللحظات الجميلة حيث قطعهـا صوت بُكاء ريـان الذي أخمد ثورة الحب وأشعل ثورة الغضب .. تململت مفارقة يديـه :
-ده صوت ريـان ..
-ولا حركة .. اثبتي مكانك وأنا هتصـرف ..
بخطوات مثقلة الغضب ذهب لابنه الباكي وقال له مُعاتبًا :
-الحركة دي مفيش حد استجرى وعملها معايا !! أنت أدها !!
تمتمت حياة ناصحـة وهو يحمله :
-خلي بالك يا عاصي !!
هنـا نهض ركان من نومته هو الأخر باكيـًا ؛ ألقى نظرة من النافذة فوجد مراد وتميم على حالتهـم .. هز رأسه وكأنه علم ما يجب فعلـه .. عاد مرة أخرى لمهد صغيره وحمل ركان وقال بنبرة آمرة :
-متتحركيش من هنا !!
-عاصي الولاد !! أنتَ رايح فين ؟! خد تعالى هنا !!
لم يُلبي ندائها بل غادر الغرفة بخطواته السريعة وهو يعاتب في أطفاله قائلًا :
-دي مش مرجلة على فكـرة .. وأنا هعلمكم الأدب عشان الحركات دي متتعملش مع عاصي دويدار ..
وصل للحديقة فتلقاه الاثنين بسخرية وضحك :
-أهو اطرد هو وولاده ، على الأقل أحنا اطردنا خفيف خفيف ..ايه حصل للتاريخ ؟!
هتف مراد ساخرًا منه بشماتة :
-بمناسبة التاريخ ببطليموس الـ١٣ .. كان فاكر نفسه أذكي واحد هو وبيهرب نط فـ الميه بـ الدرع الحديد ، فـ غرق !! وشرف جمب أخواته الأبطال..
ثم ضاقت عينيـه لتميم وأتبع :
-وطبعًا الكلام مش عـ بطليموس خالص ..
رد ممتعضًا :
-لا يا خفيف منك له ..
ثم رمى كل رضيع بيد واحد منهمـا وقال بنبرة يتطاير منها الغضب :
-عقابًا ليكـم هتقعدوا بالعيال دول كمان .. عشان ترقصوا تاني .. رقاصة يا خونة !!
تميم بذهول :
-عاصي !! متهزرش .. ولادك أشقية وو
حسم الأمر مردفًا قبل أن ينصـرف :
-ولا كلمة .. أنا طالع أنام فوق ومش عايز دبة نملة .. رضعوهم كمان ليكونوا جعانين .. اتعاملوا المهم ملمحهمش فوق ..
انفجرت حياة بالضحك وهي تُراقبهم من أعلى وتغمغم :
-والله مجنون !!!
تمتم مراد معارضًا :
-ياعم أنتَ .. عاصي خد هنا انتَ نسيت عيالك !! طيب هي الرقاصة دي مش مجايب يسري وتبعك !! أنت تجيب وأحنا نتعاقب ليه !! أحنا بنحاسب على مشاريب مش بتاعتنا وده مش عدل..
******
-طيب أنتِ بتعيطي ليـه دلوقـتي ؟!!!
أردف كريم سؤاله الأخير بعد ما خرج من الحمام وفرغ من حمامـه الدافئ ، كانت تجلـس على الأرض مستندة على السرير وهي تبكي كالأطفال ، فأجابته :
-أنتَ ضحكت عليـا ومطلعتش أد كلمتك معايا .. أنا غلطانة إني وثقت فيك !
وقف أمام المرآة وهو يصفف شعره المبلل مرتديًا بنطالًا باللون الأسود فقط وهو يمازحها قائلًا :
-بصراحة هبلك سهل عليـا المهمة أوي .. أيه يا نوري يا حبيبتي ليه النكد ده ..
وثبت قائمة لتضربه على كتفـه بعتب :
-اتفضل كده رجعني زي الأول ، صلح غلطتك يا استاذ !
-لا اله إلا الله !!
ترك الفرشاة من يده وقال بضحك :
-دي حاجة زي عود الكبريت .. وبعدين ما أنا صلحت الغلطة بمصيبة أهو واتجوزتك !! أعمل أيه تاني؟
عارضته بإصرارٍ وهي تخر باكيـة :
-روحني .. أنا عايزة أروح ؛ مستحيـل أعيش مع واحد كذاب زيك !!
مسح على رأسهـا بحنان زاخـر ليهدأ من حالة الجنون التي أصابتها :
-ولما أروحك هتقوليلهم أيه .. حبيبتي مش عايز اصدمك وأقول لك أن كل الناس عارفة إحنا هنـا ليه !! استهدي بالله كده وتعالي نكمل موضوعنا!!
-ايه !!!!
-قصدي ننام ونعدي يومنا …
طأطأت وجهها بالأرض وانفجرت باكية جعلته يتمتم :
-دي أيه الوقعة المهببة دي !!
ثم أردف بملل :
-طيب بتعيطي ليه تاني !!
أجهشت بالبكاء وهي تشكو إليه :
-عشان أنتَ وجعتني أوي …
-حقك عليـا يا ستي .. قوليلي أعمل أيه عشان أرضيكي !!
شبح ابتسامـة خفيفة بدّ على محيـاه وقال مسايسًا :
-طيب بصي لي ، أنتِ باصة في الأرض ليه !
هزت رأسها نافيـة وهي تتذكر تفاصيل شحيحة من لقاءهم بأول ليلة خاصة بعد تجردها من كافة المشاعر المعنوية والمادية :
-لا مش هعرف أبص لك تاني بعد الـ حصـل ..
أمسك بذقنهـا ليتأمل تلك الشفاة التي ترتجف من الخجـل والحزن وقالت ممازحًا :
-نحدد طيب عشان أعرف اتعامل ، أنتِ موجوعة ولا مكسوفة !
-الاتنين مع بعض …
-طيب ما تيجي اصلح غلطتي ..
غمـر المـكر أنظاره وهو يدنوها منه أكثر متأهبًا لجولة ثانية بمشاعر مختلفـة كي يهدم جدران الحرج الذي يفصل بينهما في ليلة مثل هذه .. رغم عنادها وتمردها وجنونها إلا أنها بين يديه تغلبها فطـرة النسـاء ولهفة تذوق ثمار الشجرة المُحللة التي زينها القدر للقلوب المجتمعة في كنفه وحلاله بأرق واسمى تفاصيـل المودة والرحمة التي خُلقنا عليهـا التي لا يختلف عليـها اثنان…
******
~صباحـاً …
على صوت زقزقة العصافير التي تملأ الكون والغُرفة وقلوبهمـا المرتوية من أنهار الحب حتى نبتت زهورًا .. بصفعة حنونة من يدي ركان هبطت على وجه عاصي النائم فتراقصت جفونه وهو يسب في نفسن سرًا حتى تلاقي بتلك الضحكة البريئة التي ورثها من أمه ، فـ رد على مضضٍ :
-طيب يا سيدي صباح النور ..
مد أنظاره لـ حياة النائمة على طرف السرير من الجهة الأخرى وتوأمهما اللذان يفرقان بين أجسادهما رغم تعانق القلوب .. وجد ريان يلهو ويداعب قدميه الصغيـرة بالهواء فارحًا ويغمغم بكثيـر من الضحكات ؛ فتمتم عاصي بحسرة :
-أيوة يا بن المحظوظة ما أنت نايم في حضن مراتي !!أرقص أرقص ..
تسلق ركان صدر أبيـه العاري وأخذ يـ مازحه. ويلهو معه حيث كان يعيش تفاصيل الأبوة لأول مرة معهمـا .. استيقظت حياة على صوت لعبهما بابتسامة واسعة وهي تردف بنبرتها المفعمة بالنوم :
-صبـاح الخيـر ..
ثم انضمت لهمـا وهي تزحف بكتفها وتقرب ريان إليهمـا وقالت متدللة وهي تستند على كتفـه وشعرها كالستارة السوداء المفروشة ورائها :
-العب مع الاتنين مع بعض .. بلاش تركز مع واحد بس ..
بدأت جولـة لطيف من الضحكات بينهمـا وهما يُشاهدان تصرفات توأمها الجميـل ، صوت طرق البـاب الخافت والذي يعلن هوية صاحبه .. فتمتمت حياة بحماس :
-دي خبطة تاليـا …
ركضت بخفة ورشاقة لتفتح البـاب حيث جثت على ركبتيهـا وعانقتهما بلهفة وهن يلقين تحية الصباح :
-good morning mamy ..
سيل من القُبلات المتدفقة كانت من نصيب ملامحهما وهي ترد لهم التحية بطريقتها المُعتادة ، هتفت داليا بفرح وهي تتلوى ضاحكـة بين ذراعي أمها :
-النونو صحى .. نلعب معاه بقا ..
ركضن للداخـل وارتمن على صدر أبيهما الذي انحصرت حياته في تلك الغُرفة المكونة من أربعة جدران وباقة مغرية من الورد كائنة في صورة امرأة فاتنة مثلهـا .. قفلت الباب ثم عادت لوطنهـا الذي تنتمي إليـه .. أجواء من المرح ملأت المكان بجو ربيعي بعد أجواء قارسة مرت عليهمـا .. بمنامتها القطنية القصيرة التي لا تصل لرُكبتيها شغلت موسيقى عاليـة لـ ” بهاء سلطان ” ( الدلع ) .. جذبت البنات إليها وصعدت معهما على السرير وأخذت تراقصهن بفكاهة طفلة في جسد امرأة مثيرة للغاية وهي تُعلم بناته كيف يكون الرقص متدللة على أوتار إغوائه بدهاء إمراة ملكت مفاتيح رجلها بمهارة .. وقف مستندًا على الحائط وهو يراقب ذلك المشهد المنعش للقلب بأعين ينفجر منها الإعجاب وهي تتدلل مع الفتيات الصغيرات اللواتي يجدن سعادتهما برفقتها .. ولكن كانت عيناه لا تتزحزح عن تلك النحلة التي تحترف في لدغ قلبـه ..
انتهت الأغنيـة فارتمن الثلاثة على السرير يضحكن حيث أشادت تاليـا بإعجاب :
-بترقصي حلو أوي يامامي .. أحنا نرقص كدا كل يوم ..
عصفها ألفي خَريف و ما زالت تحمِل بستانًا مِن الورد في روحها .. تتمايل بغنج في منتصف تختهـا وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة :
-نرقص كل يوم .. موافقة
ثم وثبت بخفة ودنت منه بغمزة عين خفيفة :
-بقا عندك ٣ رقاصات أهو .. عشان لا تقولي مهرة ولا غيرها ..
-أنا كفاية عليـا واحدة وبس ..
كاد أن يطوقها ولكنها تمردت بحذرٍ :
-تؤ البنات موجودين ..
ثم سحبته لركن القهوة :
-تعالى نعمل قهـوة مع بعض ..
وقف الثنائي أمام ركن القهوة ذو الطراز الإيطالي وشرعت بإعداد فنجانين من القهوة أما عنه اكتفى بمراقبتها بأعين تأكلها أكلًا .. أردفت بفضول مصحوبًا بابتسامـة :
-بردو ما جاوبتش عـ سؤالي على فكرة ..؟!
-أي سؤال !!
-مُهرة دي وأشكالها .. أيه كان يعجبك فيهـا يعني !! هنتكلم كصحاب .. انسى أننا متجوزين .
عقد ذراعيه أمام صدره مبتسمًا :
-مصممة أنتِ !!
أصرت بإلحاح :
-جدًا .. فضول يا سيدي .
هز كتفيه مُجيبًا باختصار :
-عادي .. أنت بتدفع عشان واحدة تشوف شُغلها !
-بيأخدوا فلوس كتير !
أصدر إيماءة خافتة :
-من٢٠٠٠لـ٥٠٠٠ دولار فـ الليـلة ..
برقت عينيها بذهول لا يختلف كثيرًا عن فوران القهوة خلفها :
-ياخبر !! معقول !! لا بتهزر ، حد بيدفع المبالغ دي أصلا !!
مد يده كي يرفع وعاء القهوة من فوق النار وقال:
-أنتِ فاكرة أيه !! ده العادي … والـ غاوي يدفع .
تخابثت متسائلة وهي تدور لتعد صُنع القهوة من جديد :
-وكانت تستاهل المبالغ دي !! يعني بصراحة مش شايفـة فرق ، ولا هو فـ فرق .. أنا بحاول استوعب بس!
شبح ابتسامة خفيفة رُسم على محياه وقال :
-أنتِ عايزة توصلـي لنقطة معينة وأنا هارشها بس مش هناولهالك .. بس هختصرلك الموضوع .. ده بزنيس زي عقد خدمة ومقابـل .. خالية من أي مجاملات أو مشاعر .. بعض الرجالة بتلجألها لغرض معيـن مش هيقدروا يحققوه في بيتهم ..
دارت باهتمام بعد ما سكبت القهوة بالكوب :
-ده ليه إن شاء الله !!
فكر لبرهة ثم قال بشكٍ :
-يمكن عشان الحب والاحترام بيكون موجود بين الطرفين !!
حملت فنجاني القهـوة منحته واحد منهما وسار الاثنين لشُرفة الغُرفة تاركين صغارهم يلهون معًا وما جلست على المقعد الخشبي أردفت متعجبـة :
-بردو مش فاهمة ، أيه ممكن يحتاجه الرجل من واحدة تانية غير مراتـه ..
أخذ رشفة خفيـفة من قهوته ثم وضعها على الطاولة ، فنهضت واقفًا خلف سور الشُرفة يتفقد روعة الحديقة وقال بشرود :
-بصي يا حياة ، عالم الرجالة ده بسيط أوي ، بس كله عك .. في رجالة مش بتحب صورتها تتهز قدام شريكة حياته ، فتضطر تلجأ للموضوع ده مادام مش هيأثر على استقرار بيته ..
تركت ما بيدها ثم وقفت بمحاذاته قائلة بدلالٍ :
-أنا مش فاهمة بس معنديش مانع لو أنتَ حابب كده .. بس تديني ٥٠٠٠ دولار ..
دار لعندها بأعين تحمل الرفض وهو ربت على كتفيها :
-أولًا متهونيش عليــا .. ثانيـا أنتِ أغلى كتيـر من إنك تحطي نفسك في مقارنة مع ناس زيهم ..
-مش قصـدي ، عاصي أنا مراتك وأظن اني بمارس دور نكد الزوجة على أتم وجه .. بس ساعات بحس إني عايزة أبقي صاحبتك أكتر وتفتح لي قلبـك أكتر .. وساعات كمان بحس أني لازم أبقي مامتك وأكسر دماغك الناشفـة الـ مش بتسمع كلامي دي .. وبردو معنديش مانـع ألعب دور أي ست أنتَ بتدور عليـها ..
بتهيدة حارة أتبع معترفًا :
-أنتِ عارفـة أني كُنت بدور عليـك فـ كُل الستات الـ عرفتها دي !! متخيلة ولا واحدة فيهم كانت تشبهك !!
ثم عقد حاجبيه ممتعضًا بنبرة تحمل الهزار:
-ممكن أعرف كُنتِ فين يا هانم طول السنين دي وأنا محتاس كده بدور عليكِ!
أحتوت كفوفه الخشنة برقتها وطالعت عيناه بحب مردفة:
-كُنت قاعدة على البحـر ، بكتب عنك .. لحد ما خدني ليـك ..
ما رقـة ذلك الشعور وهو أن تطأ أقدامك حدائق الجنـة فتدرك أنك آخيرًا وصلت لمكانـك الصحيح بعدما قضيت نصف عمرك تركض في اتجاهاتٍ خاطئة ومُضلة .. مال على مسامعها قائلًا بمزاح :
-كده خلصنا الجزء النظري ، ما تطرقي العيال دول بـره ، وتيجي أكملك الجزء العملي !!
لمعت عينيها بحنيـن :
-أنتَ شايف كده !!
ألقى نظرة في ساعة يديه وهو يتمتم :
-نشوف بس الساعة كام !!
ثم خيم الاسى على ملامحه وقال:
-للاسف يادوب نتحرك .. مفيش وقت.
-على فين !!
داعب خصلات شعرها بحنان وقال :
-مشوار مهم جدًا مش هيتم غير بوجودك فلازم نخلصه .. والساعة ١٢ الضهـر هعرفك على أكبر سـر فـ حياة عاصي دويدار …..
*****
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم نهال مصطفي
-ينفع نأجل أي مشاوير النهاردة ونقعد سوا نتكلم، أنا بحب وقتنا مع بعض أوي، الوقت معاك بيطير أصلًا.
ربت على ظهرها برفق وقال:
- بس ده مشوار ضروري، مش هينفع نأجله، بس ممكن بعد ما نخلصه نروح نقعد ونتكلم في المكان اللي تختاريـه.
فارقت حضنه وهي تجفف آثار الدموع متفهمة:
- تمام، هلبس بسـرعة وننزل، مش هتأخر عليك.
ما كادت أن تبتعد عنه ثم تحركت بعجل نحو الكومود وسكبت القليل من الماء لتتناول جُرعتها اليومية من أقراص منع الحمل وقالت بنبرة مازحة:
- أهم حاجة قبل ما أنسى.
***
بغُرفة مُراد:
- فين غالية؟!
تلك كانت جملته الأولى بعدما تفتحت عيناه فوجد الفراش خاليًا من صغيرته المدللة التي كانت تفصل بينهما طول الليل.
فارقت عالية النافذة وأجابت على مضض:
- والله! غالية بقيت واخدة كل تفكيرك وأنا اتركنت على الرف خلاص.
ثم دنت منه بخطواتٍ مُثقلة وهي تقفل صوت المنبه:
- مع سيدة قاعدة بالولاد في الجنينة عشان الشمس، قالت إنهم لازم يتعرضوا للشمس كتير الفترة دي.
ثم زفرت بامتعاض وهي تجلس على طرف التخت:
- قوم يلا روح شغلك وأنا هجهز الشنط عشان نمشي بالليل.
اعتدل من نومته بابتسامته العريضة التي تنير وجهه وأخذت يداه تداعب وجنتها بلطف:
- أنتِ لسه زعلانة! ما يبقاش قلبك أسود يا عالية.
تمادت في إظهار غضبها لتنال الكثير من الدلال:
- لسه حسابك ما خلصش، أنت بس نمت هنا عشان عاصي اتدخل، غير كده أنا لسه زعلانة!
- طيب أنا ما يرضيني زعلك!
ثم رفع رأسه ليضع قبلة على جبهتها وقال:
- وأدي راسك أهي ياستي.
زم ثغرها وبأعين ضائقة قالت:
- والله! خالتك أنا ببوس راسها! قوم يا مراد قوم شوف شغلك، قوم يا بتاع الرقاصة.
انفجر ضاحكًا وهي يعاتبها ويقول:
- أهو أنا نسيت وأنتِ بتفكريني! أنا بريء.
- أنت! أنت وأخوك طلعتوا مشكلة كبيرة، أنا إيه وقعني في العيلة دي بس ياربي!
- قدري الحلو.
كادت أن تنهض من جواره ولكنه منعها عنوة لتجلس بمكانها وهو يقترب منها مداعبًا خصلات شعرها ويقول:
- أنتِ عارفة مفيش واحدة تملأ عيني زيك.
تململت مدللة:
- أهو كله كلام!
- طيب إيه!
تأرجحت عينيها التي تتأمل ملامحه المتوقة لها وقالت بغنج:
- إيه!
سافرت يداه من أرضها السوداء لتضاريس إقليمها المزدهر ومن الخصر للردف باتت يده المتوقة تنشر بذور نواياه، ليردف بذلك النبرة التي تحمل باقة من الحب لتنضم لتلال أراضيها المدججة بالمشاعر:
- إحنا هنخاوي غالية أمتى!
بللت حلقها الذي جف إثر لمساته الحنونة التي سلبت عقلها وحزنها وتسألت بحماقة:
- أمتى!
- دلوقتي.
سلبها من عالمها المنزعج منه إلى عالمه المليء بالمشاعر والأحاسيس الجميلة التي لا توصف حيث جنحت الشمس نحو المغيب لتذوب في بحر الهوى مع ذلك الرجل الذي اخترق حصونها حتى باتت جزء لا يتجزأ منه.
***
بغُرفة تميم:
- مش شمس حامل، والله زي ما بقول لك، أمك حامل. أنا كنت متنح زيك كده لما سمعت، أبسط يا عم جاي لك أخت أو أخ في السكة.
يجلس على الأريكة يبث أخباره السعيدة لصغيره الذي يستمع له بإنصات وكأنه يعي كل كلمة يقولها.
لملمت شمس سجادة الصلاة لتفرغ من ركعتي الضحى وقالت باستهزاء:
- أنت ليه مش مستوعب إن مصطفى ٨ شهور مش ٨ سنين!
ثم تركت السجادة على الأريكة وقالت بنبرة جافة تحمل العتاب الساخر:
- وبعدين إيه أمك حامل دي!
ضحك تميم بهدوء ثم قال:
- أنا وابني فاهمين بعض كويس، ولاه يا طاطا أنت مش فاهم؟ ثانيًا أومال أقوله إيه! ما أمه حامل فعلًا، دي مفيهاش شكلليات.
اكتفت بإرسال نظرة حادة لعنده مع زفير قوي:
- قول أي حاجة غير أمك حامل دي! كده ابني ياخد عني فكرة مش كويسة!
رفع حاجبيه متعجبًا:
- لا إله إلا الله! أنتِ هتكفرينا ليه يا ستي! ما هو أخوه جاي بنفس الطريقة اللي جه بيها! بقول لك إيه تزويق في الثوابت مش عايز الله يراضيكِ! أحنا بنتشعبط في رضا ربنا.
شرعت تلملم الملابس المبعثرة وهي تقول بلوم:
- والله! وكان فين رضا ربنا ده وأنت بتملي عينك من الرقاصة امبارح! هااه ولا نسيت؟
خر ضاحكًا وهو يوجه حديثه لصغيره قاصدًا أن يعاتبها بطريقة لطيفة وقال:
- أمك مش بترقص لي يا طاطا يرضيك أنت الكلام ده!
ثم طالعها:
- حتى الولد مش عاجبه وتنح.
- أنا دكتورة! إزاي عايزني أرقص والكلام الفارغ ده؟
- متعصبش يا طاطا، سيب لي أنا الطلعة دي!
وضع صغيره على الأريكة إثر اندلاع صرخة لطيفة منه، مصدومًا بعد ما ألقى جملته. ثم وثب قائمًا لعندها:
- وأيه يعني دكتورة! وأنا متجوزك من مكتب تنسيق! لا بقول لك إيه الجو ده ما ياكلش معايا، دكتورة برة الأوضة دي!
ثم طوق خصرها ليقربها لعنده وقال هامسًا:
- لكن جوه الأوضة دي أنا عايزك مهرة.
تملصت من قبضته بخجل جعلها ترتبك وتحتد نبرتها:
- تميم! أنت بتقول إيه؟ عيب كده، وبعدين إيه الرقاصة دي اللي بتشبهني بيها! أنت متجوز دكتورة محترمة يا أستاذ!
رفع حاجبه مستنكرًا وبنظرة خبيثة أردف:
- وهي الدكتورة تتمرمغ في حضني عادي لكن مترقصش! دا أنتِ يومك مش معدي! الموضوع ده لازم له وقفة حالًا.
صرخت بوجهه كي يصمت كي يكف عن إحراجها أكثر فأخذت تدفعه للخارج:
- تميم روح شوف شغلك، يلا يلا عشان أنت شكلك فايق ورايق على الصبح، يلا اخرج من هنا أنا غلطانة إني سمحت لك تدخل أصلًا.
باغتها وهي يحملها عنوة ليجلسها بجوار صغيره وقال طالبًا:
- ولاه يا طاطا عقل أمك لحد ما أرجع من الشغل، عشان هبت منها على الآخر.
ثم أخرج هاتفه وقال:
- أما اطمن على كريم الغلبان أشوف أضحك عليه زيي ولا أنا خدت المقلب كله لوحدي!
هبت معترضة وهي تشد الهاتف منه:
- لا أنا هكلم نوران اطمن عليها، وسع كده.
أجرت مكالمة هاتفية مع أختها فجلس بجوارها قائلًا:
- افتحي المايك.
عاندته قائلة بدلال:
- لا، ومتقعدش جنبي وسع يا بتاع ست مهرة!
غمز بطرف عينيه قائلاً بتخابث:
- يا ريت كل الناس تتعلم من مهرة.
اكتفت بقرصه مغلولة بذراعه وهي ترد على أختها:
- نوران، صباح الخير يا حبيبتي، عاملة إيه؟
هتفت نوران الجالسة أمام التلفاز بلهفة:
- شموسة أنتِ صحيتي، عايزة أكلمك من أول الصبح بس خايفة أزعجك.
- لا يا حبيبتي مفيش إزعاج، طمنيني عنكم أنتِ وكريم كويسين.
صمتت لبرهة ثم غمغمت:
- شمس تعالي خديني من هنا، أنا مش عايزة أتجوز لا، أنتوا وطاطا وحشتوني أوي.
ضاقت عيني شمس بغرابة وهي تهمس لزوجها:
- مش مبسوطة، فـ حاجة غلط!
- طيب افتحي المايك.
ثم جهر مناديًا:
- عروستنا الحلوة، أوعي يكون الواد كريم ده زعلك أجي أكسر لك دماغه.
تمتمت بإنكار:
- لا هو نايم معملش حاجة خالص، بس أنا زهقت ومش عايزة أقعد هنا، تعالوا خدوني.
تميم بـ سخرية:
- الله يكسفك!
تبادل الثنائي النظرات المدججة بالحيرة، فكتم تميم ضحكتها فلكزته شمس ليصمت وواصلت الحديث مع أختها:
- أهدي طيب، ووو يعني مادام محصلش أي حاجة أي حاجة خالص من كريم أنتِ زعلانة ليه؟
- مش عارفة يا شمس، مضايقة وخلاص ومستغربة المكان.
غمغمت شمس بحكمة ما:
- طيب شغلي سورة البقرة يا حبيبتي يمكن محسودين، أو لعنة الرقاصة بتاعت امبارح.
جاءهما صوت كريم مناديًا باسمها وبدلال:
- نونو! أنتِ إزاي تقومي من جمبي من أولها بنبوظ الاتفاق.
صاحت نوران بقلق:
- هاه، كريم أنا فـ الصالون هنا بكلم شمس وتميم.
تهامس كل من تميم وشمس الذي قال متأكدًا:
- استني هنفهم من كريم أهو.
أغمضت نوران عينيها عندما وجدته متجردًا من سترته العلوية حيث شدت مفرش الطاولة وألقته فوق صدره العاري أثناء جلوسه بجانبها، وجحظت عيناها معترضة:
- عيب كده!
جذب كريم الهاتف من يدها ضاحكًا:
- إيه الصباح ده يا عم تميم، حد يزعج العرسان كده يوم صباحيتهم!
برر تميم قائلًا:
- هنعمل إيه فـ قلق الأخوات، حاولت أمنع شمس مقدرتش.
رمقته متعودة ثم هتفت قائلة:
- مبروك يا كريم، أنتوا كويسين.
برقت نوران محذرة كي لا يردف بشيء ثم حانت نظرتها للتوسل، فأردف كريم جاهرًا بمكر:
- كله حلاوة طحنية، وأهي نوران في حضني وفي عنيا كمان متقلقيش.
ضربته نوران بغل ثم ركضت لتختبئ من نظراته وفضيحتها الكبرى أمام أختها. غمغمت شمس بإحراج:
- تمام يا كريم، أنا كنت بس حابة أطمن عليكم، ربنا يسعدكم.
فتدخل تميم واعظًا وبنظراته الخبيثة اليائسة التي كانت من نصيب شمس:
- كيمو عايزك تنبسط على الآخر يا عريس وافتري في العسل على قد ما تقدر، لأنه مش بيدوم كتير.
- دانا مبلبط فـ العسل، ربنا يوعدك بالعسل اللي أنا فيه.
تحمحم تميم مبتسمًا وهو يرمق زوجته بقهر:
- عندي البلاص كله يا حبيبي.
ضربته على قدمه متوعدة ثم تدخلت شمس:
- أنتوا هتسافروا أمتى!
- بالليل ميعاد طيارتنا، هنكلمكم قبلها.
انتهت المكالمة ثم عادت شمس لتميم متسائلة:
- أنت مصدق مين!
رد بثقة:
- أختك دي بتحور باين أوي، الواد كريم مش سهل ومش هيعدي الليلة كده. أنا عارفه.
ردت بشك:
- مش حاسة، في حاجة مش مظبوطة!
رد مغمغمًا متأهبًا للرحيل:
- والله هي مظبوطة مع الكل إلا معايا، أنا ماشي يا شمس.
جهر مناديًا:
- استنى هنا، لسه هنتخانق.
لوح بيده وهو يسحب سترته بفتور:
- أجليها لخناقة قبل النوم.
***
بشقـة كريم:
- على فكرة أنا اتخدعت فيك وطلعت شخص مش قد كلمتك وأنا مش هسمع كلامك مرة تاني.
قالت نوران جملتها وهي تجلس على طرف السرير بغيظ من اعتراف كريم الصريح لأختها.
فجلس بقربها مندهشًا:
- أنا عملت إيه لكل ده!
أشارت بسبابتها معاتبة وبارتباك:
- أنت إزاي تقولها نوران فـ حضني وهي مضايقتش! وعدت الموضوع كده عادي.
حاول بإعجوبة إخفاء ضحكته عنها ليطمئنها:
- عشان ده الطبيعي يا روح قلبي، أومال عايزاني أقولها إننا طول الليل بنلعب عسكر وحرامي! عيب في حقي والله!
انفجرت ضاحكة إثر ذكره لوصف العسكر والحرامي والذي يعكس حالتهما طول الليل وهو يسايس تلك الصغيرة، فأشاد بإعجاب:
- ياستي اضحكي كده وكفاية نكد أنا فـ عرضك! طيب حتى أجليـه لبعد شهر العسل.
تأرجحت عينيها بخجل وهي تحاول التطلع بملامحه ولكن دوما ما تنتهي محاولاتها بالفشل ثم قالت بتوجس:
- كريم أنا آسفة، أنا يتيمة وشمس وفوفا كانوا قافلين عليا أوي. أقصى أفكاري كانت إزاي آخد حقي من بنات الحارة واللي تدوس لي على طرف أعرفها مقامها. فجأة كل ده اتغير والحال اتشقلب. مفيش حد قعد معايا وفهمني المفروض يحصل إيه! وأنا واقفة فـ النص ما بين تربيتي المغلقة وبيـن أن ده حقك فيـا والصح.
قدر تلك المشاعر ومصارحتها واعترافها به وهو يدنوها منه بحنان ويمسك بذقنها ليتأمل ملامحها البريئة:
- أنا عارف ومقدر كل ده، دا أنا طول الليل بأكل بعلقك حلاوة عشان تطمنيني ونكسر حاجز الخوف ده. وبعدين هو أنتِ مش مبسوطة معايا!
أشاحت بنظرها عنه للحظة فعارضها:
- لالا بصي لي كده! مش عايز عينك تروح كده ولا كده، أنا قدامك أهو، مبسوطة!
لطخت ملامحها بحمرة الخجل وهزت رأسها ببراءة معلنة رضاها عن وجوده معها وأكملت بسعادة:
- وكمان لعبة عسكر وحرامي دي لذيذة أوي، نلعبها كل يوم!
قطب حاجبيه متحسرًا:
- أنتِ كل يوم ناوية تفرهديني فـ الجري وراكي! إيه إهدار الصحة ده هو مال سايب!
- يعني إيه! مش فاهمة؟ مش أنت الـ قلت كده!
عض على شفته بجزعٍ وهو يضرب على كتفها برفق:
- طيب قومي أجري هنلعب.
هزت رأسها نافية وقالت:
- لا مش هجري أنتَ كده كده بتمسكني.
تأرجحت عينيه محاولًا إدراك نواياها الخفية وهو يدنو منها تدريجيًا:
- يعني نلغي الشوط الأول، ونبدأ بالتاني على طول!
رقيقة كسُنبلة مالت بها رياح حبه العاصف وهو يمازحها بضحكات خفية جعلتها تختبأ خجلًا بكتفه حتى أصبحت تحت يداه وهي تضحك وتزلزل قلبه المتيم بتلك الصغيرة التي تتعلم أسمى معانٍ الحب على يديه حتى عبرت عن سعادتها قائلة:
- تعرف أن حضنك بطعم المانجا؟
خمدت شرارة شوقه وهو يسألها بنبرة متحيرة وهو يشم رائحته:
- أبو فصلانك يا شيخة! يعني ده حلو ولا وحش وأيه طعم المانجا ده كمان! فاكرة نفسك متجوزة فكهاني!
تململت بدلال أنثوي وهي تقر بحياء متدفق من مقلتيها يغمره الضحك:
- قصدي بأنها لذيذة ومتعرفش تشبع منها.
- يا وعدك يا كريم!
"الألفة العقلية توجب الحب في أغلب الأحيان"
بسيارته "الرانج روڤر" شديدة السواد، ومن المرات القليلة التي يستقل فيها تلك السيارة ومن المرات الشحيحة التي يذهب لمكان بدون سائقه الخاص ورجاله.
تجلس حياة بجواره عاقدة ذراعيها أمام صدرها وتتأمله بملامح متوهجة بالحب تنافس حرارة الشمس وكأنها تفصح معلنة أن وجهك كافيًا ليحوّل مُر العالم.
أردفت متسائلة:
- تحب تسمع إيه؟
أخذ نفسًا طويلًا من سيجارته الإلكترونية التي تحول دخانها لسحابة كبيرة تملأ السيارة وغمغم:
- أي حاجة على ذوقك.
- الأول مشوارنا طويل ولا؟
- يعني حركة ساعة كمان من دلوقتي.
أومأت متفهمة وهي تبحث بالهاتف:
- يبقى أم كلثوم، رفيقة مشاوير الطويلة وحبك.
ثم تنهدت كأنها تود إهداء الكلمات إليه:
- أنتَ عُمــــريّ.
تركت الهاتف من يدها متسلطنة بالموسيقى وهي تطالع الطريق من النافذة وبين كل دقيقة والأخرى تنهيدة طويلة كأنها تتنفس حبه، فينظر لها وكأنه يملأ قلبه من تلك المرأة التي تشبه نرد الحظ كل شيء بها فائز.
شردت بالطريق الصحراوي أغلبه والمُدن الجديدة التي ما زالت تحت الإنشاء والكثير من القصور والڤلل الرائعة التي تقابلها، فذهبت لتفاصيل ذلك اليوم، وهو يوم ولادتها.
***
فـ الماضي:
ضبت حقائب سفره ثم ذهبت لعنده ببطن منتفخ كالبلون وأقدام متورمة من ثقل عبء آلام الوضع وهي تتخذ أنفاسها بصعوبة.
تسلل كفها لأعلى كتفه وسألته:
- أول ما توصل كلمني، ولو موبايلي كان مقفول أعرف إني روحت المينا، بس ابعت لي رسائل كتير.
دار لها متعجبًا:
- شغل تاني يا حياة! حبيبتي أنا عايز راحتك وأنتِ مصممة تتعبي نفسك؟ يعني أنا بتعب عشان مين ما هو كله عشانكم أنتوا.
بصعوبة بالغة أخفت مشقة الألم عنه وقالت بابتسامة تخفي ألف طعنة خنجر بجوفها:
- آخر يوم ومش هنزل من بكرة، هرتاح في السرير لحد ما ترجع لنا بالسلامة.
ثم نفضت ياقته برفق:
- المهم تخلي بالك من نفسك وتفكر فيا كتير عشان قلبي بيحس.
وأكملت ممازحة:
- وبلاش سهرات وحفلات وعينك متروحش كده ولا كده، عشان قلبي هيعرف بردو.
فـ رفعت كفه لقلبها وقالت:
- خاف منه، ده مخبري السري!
ضحك بطاعة وهو يقبل كفها:
- من الشغل للبيت متقلقيش مفيش وقت لأي سهرات أصلًا، يادوب أخلص بسرعة عشان أرجع لك.
طالعته بحبٍ وأكملت بأعين معتذرة:
- أنا عارفة إني مقصرة جامد الفترة دي ومش عارفة أكون معاك، بس وعد هعوضك عن كل الأيام اللي فاتت، وارجع لي بسرعة عشان أنت بتوحشني.
مسح على رأسها بحنان مفرط:
وقال:
- لولا الحمل كنتِ جيتي معايا، المهـم كل حاجة جاهزة هرجع ونسافر على طول على المستشفى.
تمتمت بخفوت:
- تمام يا حبيبي.
رحل عاصي بعد جولة طويلة من الوداع والتوصيات على صحتها وما أن غادرت سيارته، فارقت النافذة وفتحت الخزانة وأخرجت حقيبتها المجهزة للوضع.
جاءت سيدة ركضًا وفتحت الباب:
- تمام يا ست حياة! عاصي بيه مشي.
كانت ترتدي فستانًا طويلًا وواسعًا باللون الأصفر المنقوش فقالت بوهن:
- خلي يونس يحط الشنطة في عربيته وأنتِ روحي معاه، وأنا هطلع بعربيتي عادي عشان الحرس ما ياخدوش بالهم.
ثم اقتربت من سيدة التي تأهبت لحمل الحقيبة وأوصتها:
- سيدة لو جرالي حاجة تــ.
قاطعتها بلوم:
- استهدي بالله يا بنتي، كلها ساعتين وهترجعي تنوري بيتك أنتِ وولادك.
تشبثت بيدها راجية:
- البنات يا دادة، وصي المربية عليهم وميخرجوش بره البيت الجو سقعة، وأكلهم في وقته، وتخلي بالها من تاليا عشان نوبة الحساسية.
- يا حبيبتي ريحي بالك أنتِ بس ويلا بينا.
لحظة من أصعب اللحظات التي تمنيت أن تكون فيها بجانبي، أن أتشبث بيدك أن تعانقني أن تطمئني، أن تكون آخر صورة بعيني هي وجهك الجميل.
أود أن أخبرك بأن كل شيء هنا مرعب بدونك، المكان يملأه البرد والخوف وكأن بغيابك غربت معك الشمس.
أنفض داخلها وهي بغرفة المشفى تستعد للتجهيزات الأولية للوضع وفي اللحظة التي جاءت فيها طبيبة التخدير ارتجف قلبها وانكمشت وأخذت ترتعد حيث تطلعت لسيدة الواقفة بجوارها ترتب على ظهرها وتمتمت وهي تحضن أجنتها:
- لا، سيدة كلمي عاصي، عشان خاطري محدش غيره هيطمني، لا أنا مش قادرة أنا خايفة أوي، أنا عايزاه هو.
ثم انفجرت باكية بوهن:
- مش عايزة أولد، أنا هفضل متحملة الوجع لغاية ما يرجع، بس لا أنا خايفة، كلميه يرجع.
تدخلت الطبيبة ناصحة:
- مادام حياة اهدئي عشان الضغط، بلاش توتري نفسك، لو سمحتي ممكن تهدي.
بأعينها المحمرة أشاحت إليها:
- طيب أكلمه بس فـ التليفون أطمن عليه، هسمع صوته بس، هاتي الموبايل يا دادة، اسمع صوته.
عارضتها سيدة:
- يا حبيبتي هيحس صوتك فيه حاجة وهتقلقيه، استهدي بالله وأنت هتنامي وتصحي تلاقي ولادك في حضنك، شوفي شغلك يا دكتورة.
جاءت طبيبة النساء وتدخلت كي تسيطر على الأمر:
- حياة، إحنا اتفقنا وأنتِ الـ صممتي، أهدي عشان صحة ولادك، ممكن تمددي مددي بس وأنتِ هتأخدي حقنة البنج ومش هتحسي بأي حاجة، المهم تهدي عشان العملية وضغط الدم.
قررت أن تستسلم للأمر وهي تتراجع للوراء وتبسط ذراعها لطبيبة التخدير وهي في أشد لحظات احتياجها إليه. تنخرط العبرات من مقلتيها حتى حفرت وديانًا على وجنتيها والمخدر الطبي يسري بجسدها شيئًا فشيئًا أخذت تراجع شريط حياتهما مع من تلك اللحظة التي اجتمع فيها الثنائي بمنتصف البحر لهذه اللحظة التي تحوي مضغتي حبهما بين أحشائهما.
شيئًا فشيئًا أرخت قبضتها على يد سيدة وباتت جفونها تتغلق ببطء وآخر ما سمعته هو أمر الطبيبة بنقلها لغرفة العمليات فورًا.
بالخارج، جاء رشيد راكضًا وهي يعاتب أخيه:
- يعني إيه قررت تولد وعاصي مسافر! أختك اتجننت؟ هي بتعاند مين!
انفجر يونس بوجهه الذي انفطر قلبه على أخته:
- اسكت بقا يا رشيد وادعي لها، أنا مش مكلمك عشان تتخانق معايا.
شرع أن يخرج هاتفه ويبلغ عاصي ولكن يونس منعه بإصرار:
- أنت هتعمل إيه! حياة مؤكدة عاصي ما يعرفش، رشيد بلاش تتصرف من دماغك.
وبخه رشيد خائفًا على أخته:
- أنت عارف لما يعرف هيعمل فينا إيه! أختك بتتصرف من دماغها والرجل مجهز لها جناح كامل في أمريكا تولد فيه وله شهور مرتب لليوم ده، وفي الآخر ما يشوفش ولاده.
صمم يونس:
- بردو مش هينفع تكلمه، وأهدى هي جوه فـ العمليات مفيش فايدة.
في تلك اللحظة أتاه صوت مسجل يعلن بغلق هاتفه، فزمجر رشيد غاضبًا:
- أكيد ركب الطيارة، مقفول.
- يبقى تعقل وتدعي لها وبلاش توترني عشان أنا أصلا على أخري.
على متن طائرته الخاصة قدمت له المضيفة مشروب القهوة الساخنة فلم يلتفت له لما كان يشغله ويسلب عقله بالهاتف. يقلب بصورها كفتى بعمر الطيش وبابتسامة ساحرة تتدفق من معالمه. توقف عن صورتهم معًا بالبحر فأخذ يكبر حجم الصورة كأنه يتأمل تفاصيل أيامه الجميلة التي رسمت على وجهها ثم انتقل إلى الإعدادات وجعلها خلفية هاتفه وهو يتذكر تفاصيل ذلك اليوم وعيناه تعانق السحاب وأرجله تطير فوق الماء وقلبه يعانق قمر لياليه وشمس نهاره.
شرد قليلًا في تفاصيل ذلك اليوم وخاصة بقريته السياحية بالغردقة والتي كانت أول مكانًا نزلت فيه من قبل والذي يعتبر خاصًا بعاصي فقط ولا تطأه أي قدم بشرية. نائمة على الرمل مرتدية ملابس السباحة المختصة وما يسمى بـ "مايوه" يعلوه وشاحًا من الشيفون مربوطًا حول خصرها. بنظارة شمس تأكل نصف وجهها، مرتخية تمامًا والموج يداعب أقدامها الحافية مستمتعة بدرجة حرارة الشمس حتى جاءها هاتفًا بإعجاب:
- كتير بنسمع عن حورية البحر، بس أول مرة أشوفها!
ثم جلس بجوارها مستندًا على كفه وبيده الأخرى كان يداعب تقاسيم بطنها المنحوتة على يد فنان:
- بس محدش قال لي أنها جميلة أوي كده وتاخد العقل.
- ما أنت سبتها ورحت تشوف شغلك.
ثم تململت بغنج وهي ترفع القبعة عن رأسها وسألته:
- خلصت مكالمات شغلك ولا لسه؟ أنا بقيت حاسة إن الشغل ده هو ضرتي اللي مشاركاني فيك.
أومأ قائلًا وهو يمرر ظهر كفه على تفاصيلها المتعرية:
- فضيت لك أهو.
تناولت هاتفه ووضعته على وضع طيران ثم اعتدلت في نومتها:
- كده أضمن إن محدش هياخدك مني بعد كده، يلا ننزل البحر.
طالعها بحب مبطن بالفضول:
- هتعلميني إيه جديد النهارده!
داعبت أرنبة أنفه بمرح وقالت:
- هعلمك إزاي حورية البحر بترقص مع حبيبها في المية على لحن الموج.
عبث بملامحها بحب وقال:
- وبعد كده ممكن حورية البحر تسيب لي نفسها خالص عشان ناوي أنا كمان أعلمها كام حاجة بس فـ البر مش البحر.
- أنا كلي ملكك أصلًا.
كانت امرأة متجددة كل يوم تأتي في صورة جميلة متنوعة تجعله لا يمل بل يقع في حبها من جديد. وقبل أن يتحرك الثنائي أوقفته طالبة منه التقاط صورة لهما معًا على البحر لتوثيق ذلك اليوم بتفاصيله المميزة والذي يعد من أهم الأيام المطبوعة بذاكرة قلبيهما لهذه اللحظة.
مرت الساعات بسرعة حتى فرغت حياة من عمليتها المتيسرة وتم أخذوا صغارها لطبيب الأطفال ليفحصهما ثم تم احتجازهما بالعناية لصغر عمرهما ولادتهم المبكرة.
أما عنها استردت وعيها وهي تفتش عن صغارها، طمأنتها سيدة على صحتهما ولم تهدأ إلا عندما جاءوا لعندها وارتووا من نهر أمومتها الجارية.
انتهى اليوم وسمحت الطبيبة بخروج رسيل بدون صغارها. عادت للبيت وهي تعاني من فراغ جوفها وقلبها معًا. ما أن هبطت من السيارة لم يتحمل يونس أن يستمع لآهات وجعها فحملها بين يديه لغرفتها.
لاحظ أحد الحرس حالة حياة وسرعان ما أبلغ عاصي برسالة مسجلة:
- عاصي بيه، واضح أن مدام حياة تعبانة.
ثم شرع بسرد التفاصيل التي رآها. هنا جن جنون عاصي وفارق اجتماعه وأخذ يهاتف أخواتها وهو يتشاجر مع الهواء الذي يتنفسه. جميع الهواتف خانته ما بين رشيد الذي يراعي صغار أخته، ويونس الذي يهتم بأخته المتألمة، وهاتف المنزل الذي لم يرد عليه أحد، حتى هاتف المربية فأخبرته بخبر ولادة زوجته وأن فتياته بجانبها.
هاج قلبه بنيران العجز وعدم استيعاب الخبر تفجرت حمرة الغضب والخوف من ملامحه واكتفى بسؤاله الأخير:
- إزاي! طيب حياة كويسة!
هتفت المربية بفرحة:
- زي الفل يا عاصي بيه، تحب أديها التليفون.
أردف بحزم:
- لا أنا جاي، ومش عايزها تعرف إني عرفت.
مع فجر اليوم التالي.
كانت تستند على ظهر فراشها وتعد الأيام الباقية لعودته على مراجل من نار. تناولت هاتفها وحاولت الاتصال به على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ترددت قليلًا ولكن شوقها أجبرها أن تسمع صوته في هذه اللحظة.
الكثير من الاتصالات التي لا تحمل ردًا حتى كتبت له قائلًا:
- أول ما تصحى كلمني، بليز يا عاصي.
هنا فُتح الباب فظهر منه سقط الهاتف من يدها وهي تراقب عودته ومجيئه بقلب يكاد أن ينخلع منها. ما أن رأته فانفجرت بالبكاء وكأنها تصف له بصورة أعمق عن درجة معاناتها بدونه.
اندفع لها بكل مشاعره الفياضة ليأخذها بين يديه ولم تمنحه الفرصة لمعاتبتها فقالت باكية:
- أنا كنت هموت من الخوف، كنت محتاجالك أوي، أنا آسفة محبتش أقلقك عليا، بس كنت غبية واتحملت صعوبة يوم زي ده لوحدي. اتمنيت كتير تكون معايا، بس مش هين عليا أشوفك موجوع. عدى كله عدى واحنا سوا مع بعض.
لخبطة من مشاعره المضطربة وهو يمسح بكفيه على ظهرها بنبرة خالية من عتاب:
- أنتِ كويسة! في حاجة بتوجعك!
بملامحها اللاهثة من كثرة البكاء:
- غيابك اللي كان تاعبني وأنتَ رجعت أهو، أنا بقيت كويسة خلاص.
تمتمت ملهوفة لرؤية صغاره:
- هما فين!
بنبرة يخالطها أنفاس الألم تمتمت:
- الدكتور حجزهم فـ الرعاية، بكرة نروح نشوفهم.
ثم ضغطت على كفوفها معبرة عن ألمها:
- الرحلة كلها كانت صعبة يا عاصي، آخر ٣ شهور أنا كنت بموت من الوجع والتعب، وببذل مجهود أكبر عشان متأخذش بالك وأقلقك أكتر.
ثم ارتجفت مكملة:
- مش مهم، فرحة ولادنا بالدنيا، أنا أول ما شوفتهم نسيت كل التعب، هتحبهم أوي.
مال على كفوفها ليقبلهما بلهفة عجزت الكلمات أن تعبر عنها، لا يعلم أيعاتبها أم يعانقها أم ينهرها عن مخالفة أوامره. كل ما فعله أنه ظل صامتًا وساكتًا وهى أخيرًا آمنت فنمت بحضنه بعد يوم شاق انقسم من روحها.
لكن ظل متيقظًا لمطلع النهار وهو يمطر سيل قبلات متوزعة فوق ملامحها النائمة كي يتأكد من سلامتها.
تململت بوهن وهي تصدر بعض التأوهات الخفيفة فسألها ملهوفًا:
- أجيب لك دكتور!
تمتمت بصوت متهدج متعب وهي ترفع رأسها عن صدره الذي كان مسند رأسها:
- أنت لسه صاحي!
- أكلم دكتور يا حياة! طمنيني عليكِ حاسة إيه.
ضمت كفه بتوسل:
- لا يا حبيبي تعب الجرح بس متقلقش، أنا بس عايزة آخد شاور حاسة هيفوقني، ممكن تساعدني بس للحمام.
حملها بين يديه وقال بلهفة:
- هعمل لك كل حاجة بنفسي متشليش هم، أنا جمبك ومش هسيبك.
أجلسها فوق أحد المقاعد بالحمام ثم شرع بنزع الجزء العلوي من بدلته وقال متحيرًا:
- المفروض نعمل إيه!
ترجته بوهن:
- عاصي بليز اخرج، أنا هعرف أتعامل، بس بلاش بلاش مش حابة إنك تشوف شكل الجرح وجسمي كده، اخرج.
جثا على ركبتيها رافضًا طلبها الغريب وقال بحنو:
- مفيش الكلام ده! أنا مش هسيبك.
ثم رفع كفها لمستوى شعرها ولفه وبعدها غطى رأسها بـ "تربون" الاستحمام فتدلت يداه لسحاب فستانها الواسع وسحبه لآخر ظهرها. كانت جميعها تفاصيل يعيشها لأول مرة ولكنه كان متبعًا بوصلة حبه التي كانت دومًا ما ترشده.
تمسكت بفستانها كي لا يكشف ستر آثار عمليتها الجراحية وتمدد بطنها المترهلة من الحمل. ترجته لآخر مرة:
- أخرج عشان خاطري.
سحب كفها لعند شدقه وطبع تلك القبلة الخفيفة الرافضة ثم أتبع بحنان أم مع جنينها الأول بنزع تلك الملابس عنها.
تعرت أمامه وهي تراقب تعابير وجهه التي انكمشت إثر رؤيتها لجرحها وتمتم بمعاناة كانت تعتصر بقلبه:
- المية لو جات عليه مش هيوجعك!
ردت بجهل تام:
- مش عارفة!
ثم وثب وفتح الخزانة التي تحوي الفوط بالحمام وأخرج منها واحدة. فتح صنبور الماء الدافئ وضبط حرارة الماء ثم عاد لها لتستند عليه وتجلس على حائط حوض السباحة "البانيو". بلل المنشفة بالماء الجاري ثم جر المقعد الذي كانت تجلس عليه بقربها وهمّ بكفكفة القماشة على جدار عنقها بحنية مفرطة.
كانت تراقب حنانه بأعين لامعة يفيض منها الانبهار. عاد ليغسل القماشة من جديد مواصلًا مهمته في إزالة آثار المخدر عن جسدها ولكنـه لم يمنع مشاعره المدججة من قطف ثمار حبه.
بههمهمات الحب المرتدة بجدار عنقها همس:
- حمدلله على سلامتك يا روحي، سلامتك عندي بالدنيا واللي فيها.
بحب متسرب في تلك القبلات الناعمة التي كانت من نصيب عظام ترقوتها، رست أناملها فوق أذنيه وهي تبادله بنفس المشاعر المدججة التي ختمتها بسؤالها:
- عاصي، هنسمي الولاد إيه، حابة أنت اللي تختار أسماءهم!
- مش بتفكري في حاجة معينة!
- لا عايزة باباهم يختار الأسماء، هتسميهم إيه يا حبيبي؟
تأمل عينيها الفائضـة من اللهفة وشرع في مداعبة تفاصيل روحها التي آسرته. يبدو أنه أحبها للحد الذي تأكد بأن جمال الكون نُسج من عيونها، فتمتم متهامسًا:
- لو هتختار، يبقى ريان، نهر حبك اللي روى قلبي.
تغنجت بألم يعطره الحب وهي تتشبث بمعصمه كي تعتدل في جلستها وقالت معجبة:
- حبيت.
ثم انحنى ليبث شوقه المتدفق بوجهه وأكمل بنفس النبرة التي تحمل صبابته لتلك المرأة التي خُلقت من لهيب الحب:
- وركان، السكينة والهدوء اللي بحسهم في حضنك.
لا يوجد منزل أدفأ من صدر رجل أحبك من حشاشة قلبه. مسحت على شعره بمشاعر يفيض منها الحب وقالت دامعة وبتنهيدة طويلة:
- أنتَ حبيب عمري.
***
~عودة للحاضر:
صالحت بيك أيامي سامحت بيك الزمن
نسيتني بيك آلامي ونسيت معاك، معاك الشجن.
كانت مثيرة للحد الذي يجبره كل برهة بأن يقبل يداها فاقت على كلمات أم كلثوم الأخيرة وقبلته الرقيقة وهي تتنفس حبه وحنيته وتتأمله بأعين يفيض منها العشق:
- عيد ميلادك الأربعين بعد كام يوم، أنا متحمسة أوي، وعد هيكون أحلى يوم، يوم عمرنا ما هننساه ياحبيبي.
كانت نبرتها دافئة حنونة يملأها الحماس عكسه تمامًا؛ شاردًا قليل الكلام ولأول مرة يشغله الطريق عنها، اكتفى بإصدار إيماءة خافتة وقال بملل:
- عادي يا حياة، مش هتفرق، المهم أنك معايا.
قطبت حاجبيها بإمتعاض ودارت للخلف تبحث عن شيء ما ثم قالت بنبرة يتسرب إليها الشك:
- عاصي مالك ساكت من أول الطريق! وبعدين دي أول مرة تروح مكان من غير رجالتك والحرس.
ثم تأرجحت عينيها بتوجس وأكملت:
- مش شايف إننا بعدنا أوي عن القاهرة! إحنا رايحين على فين!
صف سيارته أمام مبنى عملاق ولكن لا يبدو عليه أي تفاصيل ترضي فضولها:
- خلاص وصلنا!
أردفت بقلق:
- وصلنا فين! عاصي إيه المكان ده!
سحب مفاتيح سيارته وقال بهدوء:
- انزلي.
ترددت:
- أخد شنطتي وموبايلي؟
- مش لازم.
رد بفتور وهو يأخذ سترته المعلقة بالخلف ويهبط من السيارة تابعته بخطوات مترددة حتى وقف ومد يده لها كي تشبث بها وقالت:
- مش هسألك رايحين فين، بس أنا واثقة فيك.
اكتفى بضم كفها وسحبها برفق نحو بوابة ذلك المبنى المشيد. استقل المصعد فكانت بجواره ترافقه حتى ذلك النفس الذي كان يخرج من جفوفه كانت تستنشقه. فُتح الباب عند الطابق المطلوب تبادل الاثنان النظرات ثم دخل لقسم الاستقبال فرحبت به الفتاة عالمة بخبر مجيئه لهذا المكان الذي يتردد عليه سرًا مرة كل شهر:
- عاصي بيه، اتفضل استريح.
تمتمت له بعتب يخالطه المزاح:
- أنت كل الستات كده تعرفك! أعمل فيك إيه!
اكتفى بهز رأسه بهدوء مع ابتسامة مثقلة بالقلق:
- تعالي اقعدي.
جلست على الأريكة وأخذت تفرك كفيها وهي تفحص المكان الخالي من أي بيانات ترشدها. لاحظ الارتباك بكفوفها المتراقصة فأكتفى بضمهما كي تهدأ. تفهمت حركته التي أراد أن يطمئنها بها فأومأت متفهمة.
دقائق محدودة حتى خرجت الفتاة من أحد الغرف وأشارت:
- مدام حياة، اتفضلي!
بللت حلقها الذي جف من شدة الحيرة وطالعته كأنها تسأله كيف يمكنها أن تدخل غرفة لا تعلم خباياها بدونه. أردف بهدوء وهو يطبطب على كفها:
- روحي معاها وهتفهمي كل حاجة!
انهارت فلسفة الكلمات أمام هدوئه، فتحركت على مضض ودخلت الغرفة المقصودة، أشارت لها الفتاة على أحد المقاعد على الطاولة المتوسطة التي تضم ثمانية مقاعد:
- اقعدي هنا.
ثم قفلت الباب وعادت لعاصي المتسائل بقلق ينفطر فيه قلبه:
- تمام!
هزت الفتاة رأسها وعادت لمقعدها. أما بالغرفة التي تجلس بها حياة على مراجل تغلي فوق نيران القلق والتي تحتوي على طاولة فقط والعديد من المقاعد وهناك باب آخر للغرفة ظهرت منه فتاة ثانية ورحبت بها قائلة:
- مدام حياة، إزيك؟
توقد القلق في خدها:
- أنتِ تعرفيني؟ أنا فين!
اقتربت منها الفتاة بثغر مبتسم وقالت:
- هتفهمي كل حاجة دلوقتي.
ثم استأذنت منها أن تضع تلك الشريطة السوداء على عينيها، فتراجعت بالمقعد للخلف رافضة بخوف:
- نعم! ليه؟ لو سمحتي فهميني فـ إيه، وعاصي فين!
حافظت الفتاة على هدوئها:
- ممكن تهدي طيب.
كادت أن تنهض لتغادر الغرفة بصوت مرتفع:
- أنا عايزة أمشي، في حاجة غلط، حد يفهمني!
ظهر رجل في الخمسين من عمره مرتديًا بذلة سوداء، قامته طويلة وبشعر يخالطه المشيب، يرتدي نظارة طبية وقال بهدوء وهو يجلس على المقعد الأمامي للطاولة:
- اقعدي يا مدام حياة، وهتفهمي.
تكلفت العبوس فجلست على مضض متأففة. فقدم نفسه قائلًا:
- أنا دكتور عمر الوكيل، ممكن تهدي!
تسرب القلق لجوفها وتمتمت:
- دكتور! دكتور إيه؟ لو سمحت عاصي راح فين مش حلو التهريج ده والله!
أشار الطبيب لمساعدته ريهام أن ترحل وقال:
- لو عايزة تعرفي كل حاجة تهدي ونتكلم مع بعض بهدوء.
تأرجحت عينيها بتوجسٍ وتمتمت:
- عاصي فين، أنا عايزة جوزي.
رد الطبيب بنبرة هادئة:
- مشي.
ردت بيقين ممزوجًا بالهدوء التام:
- مستحيل يمشي ويسيبني هنا.
استند الطبيب على سطح الطاولة بمرفقيه:
- ليه مستحيل! هو عمل كده فعلًا، سابك ومشي.
أصدرت صوتًا نافيًا وبيقين لا يخالطه شك:
- تؤ، مستحيل.
ثم أطلقت ضحكة ساخرة:
- بطلوا هزار بقا، ممكن تقولي أنت دكتور إيه وأنا هنا بعمل إيه؟
- عاصي قبل ما يجيبك هنا، قال لك رايحين على فين؟
هزت رأسها نافية:
- لا، ما قالش.
- وأنتِ جيتي معاه من غير ما تعرفي!
ردت بثبات:
- طبعًا، أنا بثق فيه.
- حتى ولو عرفتي إنه جابك هنا عشان هو مقرر يسافر ويمشي، قرر ياخد بناته يبدأوا حياة جديدة بره مصر، ولأنه خايف عليكي جابك هنا عشان متتعبيش في بعده.
انفجرت ضاحكة وهي تضرب كف على الكف بضحكة لا تتناسب مع صعوبة الموقف؛ فأردفت:
- أنا شايفة إن المفروض يتعالج بجد حضرتك! إيه التخاريف دي! ممكن موبايلك أكلم جوزي عشان يجي ياخدني من الجنان ده.
أصر الطبيب على موقفه:
- بقولك مشي يا حياة. مش عايزة ليه تصدقي إنه مشي.
- وأنت ليه مش عايز تصدق إنه ما يعملش كده!
شبح ابتسامة خفيفة ارتسمت على محياه وأتبع:
- للدرجة دي بتحبيه.
ردت باختصار:
- بعشقه.
ثم وثبت قائمة لتغادر الغرفة ولكنها فؤجئت بأن الباب مقفولًا، عادت له بنبرة آمرة:
- قول لهم يفتحوا الباب ده!
لم يتحرك الطبيب من مجلسه، فأكمل:
- مش هيتفتح غير بأمري، وأنا مخلصتش كلامي عشان اسمح لك تمشي.
وبخته ساخرة:
- وأنا مش مجبرة أسمع التخاريف بتاعتك، قول لهم يفتحوا الباب عايزة أروح لولادي اتأخرت عليهم.
ببرود لا يتناسب مع الموقف قال:
- ولادك كمان مش موجودين، سافروا معاه.
شدت أحد المقاعد وجلست وهي تقاوم إحساسها المضطرب:
- قعدت أهو، اتفضل كمل خرافات لحد ما أشوف آخرتها إيه.
- أعرفك بنفسي، دكتور عمر الوكيل مختص في الأمراض النفسية والعصبية ودكتور جوزك عاصي دويدار.
برقت عينيها بذهول:
- وهو عاصي بيجي لك ليه! وأنا إزاي معرفش حاجة زي دي!
ثم تنهدت بحرقة تأكل بقلبها:
- أف! أنت عايز مني إيه دلوقتي.
- عايز أواجهك بالحقيقة اللي أنتِ مش مقتنعة بيها.
هزت رأسها يمينًا ويسارًا وهي تنفي حديثه:
- قول أي حاجة غير إنه مشي، عاصي بيحبني ومستحيل يعمل كده، أنا عارفة بقول لك إيه كويس أوي.
- قُلتِ بيحبك! والـ يحب حد يخونه وكل ليلة مع واحدة تانية.
استولى على صوتها الأسى والجوى وقالت:
- هو مستحيل يعمل كده، أنا واثقة فيه.
- إيه دليلك!
- قلبي.
رفع الطبيب حاجبه مستنكرًا:
- وقلبك معرفش إن بيتعالج عند مختص نفسي له سنة ونص؟!
لقد كان الأمر مرهقًا لقلبها الرقيق. كان الموقف يتطلب عشرة قلوب لتحمل جملة السخافات هذه. ولكنها بقلب واحد فعلت وواجهت. يبدو على ملامحه التعب والكدر:
- دي غير دي!
رد الطبيب متعمدًا أن يسرب الشك لجوفها:
- لا دي هي دي، معنى كده إن في حياة عاصي أسرار كتير أنتِ لسه معرفتيهاش.
ثم ختم جملته عندما لاحظ تأثرها بجملته:
- المنطق سُم المشاعر، ودي الحقيقة اللي لازم تتقبليها.
ثم توغر في حرق جروحها المخدوشة إثر عبث بها باستمرار:
- أول أيامكم في الغردقة مش كان بعيد عنك لمدة شهرين، تفتكري ممكن يكون ليه! طيب خلال فترة حملك شخص زي عاصي وعلاقاته النسائية المتعددة كان يا ترى... أنا وأنتِ عارفين طباع عاصي كويس.
تعمدت أن تتظاهر باللامبالاة، وقلبها يحترق. لوحت بكفها كي تضع حدًا للأمر، وقالت بيقين وهدوء تحسد عليه:
- الحقيقة الوحيدة اللي قلبي مصدقها إن عاصي مستحيل يعمل أي حاجة تزعلني، ممكن ما تتدخلش في علاقتي الخاصة مع جوزي أكتر من كده!
بملامح عجوز على أعتاب السبعين ثم زفرت بملل وتعب أعصاب انعكس بكفها المرتجف:
- وممكن ننهي السخافات دي بقا عشان أنا بجد تعبت.
ومش عايزة أسمع حاجة.
ثم هبت واقفة وكأن عقرب لدغها متجهة ناحية الباب وأخذت تطرق بقوة، وتصيح:
- افتحوا الباب ده وإلا هكسره! عاصي!
يجلس بالغرفة الأخرى يراقبها من وراء الشاشة مصدومًا من تصرفات وحديث الطبيب معها، كاد أن يجن جنونه حيث نهض ليغادر الغرفة معترضًا:
- ده مش اتفاقنا، دكتور عمر بيعمل إيه!
تدخلت الفتاة متوسلة له:
- دكتور عمر بيعمل شغله، لو سمحت يا عاصي بيه اهدى وكمل الجلسة للآخر.
ألقى نظرة خاطفة على الحالة التي أصبحت عليها وهي تجوب الغرفة كالسكير الذي تاه رشده وقال بقلب يتمزق:
- حياة أضعف من أنها تتحمل كل ده هي بتقارح بس أنا عارفها، ريهام كلمي دكتور عمر قوليله كفاية كده.
حاولت الطبيبة المساعدة أن تقنعه كي يجلس ويهدأ راجية أن ينتظر حتى السؤال القادم فقط. جلس عاصي على مضض وهو يتذكر ثاني جلسة مع طبيبه عندما أمره قائلًا:
- أول خطوة في مشوار علاجنا هي المنع للطرفين، فاهمني يا عاصي بيه!
رد بعد اقتناع:
- يعني إزاي، لا مستحيل يا دكتور عمر، طيب ومراتي!
أجاب مصرًا على طلبه:
- دي بالذات لازم تبعد عنها وتحارب نفسك كمان، ومن غير ما تحس بحاجة، الأمور طبيعية جدًا. ومش بس كده، أنت كمان هتبطل تروح أي مكان سابق كنت تتردد عليه، حفلات، سهر، نايت كلاب، أنا عايز شخص حياته كلها شغل وبس، وقتك كله ليك لوحدك.
ارتفعت جفونه لتلك الشاشة التي يراقبها منها عند سؤال الطبيب الأخير:
- قولي لي ناويـة تكملي حياتك إزاي من غيره.
ملت من تلك الطريقة التي تخنق في روحها بالبطيء، تشبثت بجدار عنقها لتعكس تلك الحالة النفسية السيئة التي وصلت لها وقالت بإصرار:
- أفكر في أوهام وأصدقها؟ أنا أعقل من كده بكتير!
ثم ضربت على سطح الطاولة معبرة عن حالة الجزع التي أصابتها:
- أنت بتحاول توصل لأيه! وأصلًا عاصي بيشتكي من إيه عشان يجي لدكتور مريض زيك!
تقبل إهانتها بصدر رحب مقدرًا ذلك الوضع السيء التي وصلت إليه، أشار بهدوء ناحية زجاجة الماء:
- اشربي ميه!
نظرت في ساعة يدها وقالت بيأس:
- مش هشرب حاجة، أنا عايزة المسرحية السخيفة دي تنتهي، ممكن تكلمه! كلمه قوله يجي عشان نروح لولادنا.
- ولو أثبتت لك بالدليل والساعة خيانة جوزك! هتصدقي!
وتقتنعي!
مالت لعنده بتحدٍ، وأردفت:
- لو شفته بعيني هكذبهم وأصدقه هو، جوزي مستحيل يلمس ست غيري.
بدأ الانشراح على محياه وقال مستمتعًا بحواره مع تلك السيدة الواثقة بنفسها قبل زوجهـا وقال:
- ده عشق ولا جنان؟
ردت بملل وهي تضغط على فكيها بغل:
- دي حاجة ماتخصش حضرتك!
- لو الزمن رجع واتقابلتوا بطريقة تانية كنتِ بردو هتحبيه؟
سئمت من برود أعصاب الطبيب ولكنها قررت أن تحاربه بنفس أسلحته وقالت بسخط:
- مفيش زمن بيرجع، أنا حبيت عاصي بالقدر المكتوب لنا وبس.
ثم فرغت القليل من الماء بالكوب الزجاجي بتلك اليد المرتعشة وقالت:
- خلصت كلامك، أنا لازم أروح اتأخرت على ولادي.
- تفتكري عاصي جابك هنا ليه؟
ثم برر قائلًا:
- يعني مش مصدقة كلامي وماشية ورا وهم، بس اسألي نفسك لدقيقة هو جابك هنا ليه؟
ردت بثبات لا يهزم بعد ما تجرعت كوب الماء:
- مش هسأل نفسي وأقع ضحية أوهام، لما هقابله بره هسأله وهو هيجاوبني.
لن يهزم الشخص الذي وثق بالطرف الآخر مهما حدث. مد لها ملفًا وقال:
- ممكن تبصي في ده!
رفعت حاجبها ساخرة:
- كذبة جديدة؟! وبعدين مش عيب رجل كبير زيك كده يكذب!
بيدها كوب الماء الزجاجي وباليد الأخرى همت بفحص الملف المقدم لها. قرأت الاسم من أعلى فوجدته باسم عاصي شهاب دويدار. تدلت عينيها لتفحص التقرير الطبية بأعين مهتمة للغاية ورقة وراء الأخرى حتى رفعت جفونها متسائلة:
- التحاليل دي بتاعت عاصي!
- أنتِ شايفة إيه!
ثم وثب قائمًا وشرع في سرد حالته الصحية:
- أنتِ صح، أنا حاولت كتير أشكك في جوزك عشان العلاقة دي تنتهي بأقل وجع حسب رغبته. كان هيمشي ويسيبك عشان متتوجعيش بعد فراقه. عاصي ياحياة عنده مشاكل صعبة فـ القلب والتحاليل والفحوصات معاكِ. وأيامه الباقية معدودة، ممكن فـ لحظة يبقى مش موجود. وهو خايف عليكِ من بعده.
هل هي ساعة باردة أم أنّ فكرة غيابك لامست قلبي فارتجفت. أشاحت بأعينها المدججة بالعبرات وحمرة الألم بعد ما فقدت سيطرتها على كوب الماء الذي اصطدم بالأرض فتحطم مثل قلبها تمام:
- أنت بتكذب تاني! مستحيل، عاصي صحته كويسة جدًا.
رد بتلك النبرة التي تساعد في انهيارها:
- أنتِ هنا عشان نعالج الموضوع ده مع بعض.
غمغمت بحالة من الانهيار التي شلت مدارك عقلها وهي تفتش بالأوراق:
- لا، عاصي عمره ما اشتكى من وجع، الورق ده كله مزور، هو فين! أنا عايزة أكلمه.
ثم انفجرت صارخة وهي تخبط على الباب بوجع وتضرب الأرض بقدميها:
- افتحوا الباب كفاية كفاية كده.
بحالة تشبه ظلمة البيت المهجور، بل ساءت حالتها كنافذة صغيرة تختنق في ظلام زنزانةٍ ممتلئة بالمساجين لا ترى ضوء الشمس أبدًا. عادت لعند الطبيب عمر وهي تنفطر من البكاء وتتوسل إليه:
- قول أنك بتكذب متعملش في قلبي كده! طيب خرجني من هنا هموت في حضنه بدل ما هتجرالي حاجة هنا من خوفي عليه. هو وعدني أن عمره ما هيسيبني.
في تلك اللحظة لم يتحمل، انخرط قلبه وهو لا يرى أحد أمامه. تجاهل نداءات ريهام المتكررة واخترق درجات السلم ركضًا وبنفس اللهفة التي تحركه فتح الباب فوجدها فقدت وعيها تمامًا وسقطت مغشيًا عليها.
أشار الطبيب لمساعدته:
- ريهام حقنة مهدئة حالًا، دي حالة انهيار عصبي.
لم يرى غيرها انحنى وحملها بصعوبة لثقل الصدمة على ساقيه التي عجزت أن تحمله. أشار له الطبيب أن يدخلها الغرفة الثانية الخاصة به وهو يلهث من وقع الصدمة على صدره. وضعها على الأريكة فتمددت بوهن وهي تهذي بدون وعي:
- هو مستحيل يسيبني، عاصي بيحبني، أنت كذاب.
انخرط على كفوفها ليقبلهما معتذرًا عما حدث منه ويقسم لها بأنه لم يعلم عنه شيئًا طالبًا منها العفو. جاءت ريهام لتقيس ضغطتها وكان الطبيب يعد تلك الحقنة المهدئة لتسترد وعيها.
شرعت ريهام في قياس الضغط وسار عاصي لعمر قائلًا بغضب:
- ده مش اتفاقنا، أنت إزاي تعمل في مراتي كده، أنت وعدتني هتفهمها حالتي وبس.
رد عمر بهدوء:
- أنا عارف أنا بعمل إيه يا عاصي، في أقل من ساعة هتبقى كويسة.
ضرب على سطح مكتبه بغضب عارم:
- أنا غلطان إني سمعت كلامك، اتفضل فوقها وإلا ههد المركز ده على اللي فيه.
تجاهل الطبيب تهديداته وضرب الحقنة بذراعها ومازالت تهذي بكلمات غير مفهوم وعبراتها تتساقط بسرعة هستيرية. أمره قائلًا:
- خدها في حضنك لحد ما تهدأ.
سارت ريهام مع معلمها وجلس الاثنان على المكتب. تمتمت ريهام بصوت منخفض:
- دكتور حضرتك شايف إيه! عاصي خلاص كده!
تأرجحت عينه عليها وهو يحتويها كطفلته الصغيرة ويقبل كفوفها وملامحها النائمة وقال من خلال خبرته بقانون العلاقات:
- أنا عمري ما قابلت الحب ده في حياتي، كنت دائمًا بقول لك واحد زي عاصي كونه يأخذ خطوة زي دي أنه يجي عند طبيب نفسي عشان يحافظ على مراته من نفسه دا أكيد بيحبها، بس مكنتش متوقع أنها بتعشقه كده!
رمقتهما ريهام متعجبة وقالت:
- كان قاعد فـ الأوضة هيتجنن عليها، أنا كنت مرعوبة. طيب الخطوة اللي بعد دي إيه!
- دي الخطوة الأخيرة اللي فضلت مأجلها سنة ونص، مفتكرتش أن عاصي ممكن يرجع لدقيقة واحدة لماضيه بعد اللي شافه. وشاف حالتها دي أنا كنت متعمد أخليه يشوف انهيارها وحبها في نفس الوقت. عاصي كان عنده إرادة أنه يفوق من المجتمع اللي كان مغروس جواه وإنه مش عارف يكتفي بواحدة وبس، وساعدنا كتير وهي كمان ساعدته كتير من غير ما تحس.
تمتمت ريهام بتساؤل:
- يعني هو خلاص كده! تعافى تمامًا؟
- الخطوة الجاية بتاعتها هي وبس.
ثم أتبع قائلًا:
- كان لازم يا ريهام ياخذ الصدمة دي عشان تفضل محفورة في قلبه العمر كله. أنتِ عارفة إنه من أصعب الحالات اللي مرت عليا، أنا فضلت أذاكر في شخصيته دي أسابيع وأفكر إزاي أعالج شخص زيه قادر يشتري كل حاجة يهواها بفلوسه، شخص كانت دي حياته لمدة ٢٠ سنة، اتربى على السيطرة والأنانية من ست انتقامية استخدمته كسلاح لدوافعها، لأب دي حياته أصلًا. أنت قدامك مبنى منهار هتعيدي بناءه من جديد.
نظرة سريعة من عيني ريهام المفعمة بالشفقة على تلك الحالة المزرية التي وصل لها الاثنان وقالت بإعجاب:
- مراته شخصيتها جميلة أوي، وعرفت إزاي تحتوي طير حر زيه.
اتكأ عمر على مقعده مستريحًا لنجاح خطته العلاجية:
- أهي دي الست اللي يترفع لها القبعة صحيح.
قد يكلفك خدشًا واحدًا في الطفولة، عمرًا كاملًا من الخوف والتخبط بدروب الحياة ولكن لا ندرك ذلك إلا بعد أن يصبح ذلك الخدش صدعًا غائرًا. كانت مميزة جدًا ونادرة كالجواهر مما جعل لها تفاصيل لا تغادر الذاكرة أبدًا. يضمها لقلبه ويعتني بتلك الحورية التي تتقوس بحضنه كعصفور بنى عشه بين يديه. برضوض ثقيلة من يدي الألم يحنو عليها راجيًا بهمس:
- حياة، افتحي عينك عشان خاطري، قومي أنا جمبك أهو، حياة.
كانت حياته جرحًا لم يكف نزيفه فضمده مجيئها لعالمه. قبل كفها المثلج بنفس لوامة وتأنيب ضمير وبنبرة لاذعة:
- قومي مش هقدر أشوفك كده، حقك عليا.
تتراقص جفونها السابحة في موج الحزن وهي ترى صورته المشوشة هامسة باسمه:
- عاصي!
- حياة عاصي، أنا جمبك.
تغلغلت أصابعهما ببعض بطريقة ما تعبر عنها القلوب عن صعوبة شعور لا يوصف، شعور لا يمكن تجسيده بكلمات وحروف، بل هو شعور تائه يتتضور جوعًا عن الأمان، شعور يونسه ويتناغم مع تلك الروح المشتتة. تململت على شوك الألم وسألته:
- هو إيه اللي حصل؟
- فوقي كده وهتفهمي كل حاجة أنا جمبك أهو ومش هسيبك أبدًا.
هناك نصًا قديمًا احتفظت به بين ثنايا دفترها قبل أعوام وهي تناشد القدر أن يأتي برجل أحلامها: "أن يكون حنونًا يعرف كيف يجعلني أطمئن بجواره، كأنني لم أعرف معنى الخوف أبدًا، أن لا يهون عليه حزني، يصبح الونس لقلبي بعد سنوات من الوحدة، أن يكون شخصًا؛ أستطيع أن أقول عنه لقد وجدت ما كنت أبحث عنه دائمًا".
اعتدلت من نومتها بمعاناة وأخذت تتفقد ملامحه كأعمى يرى ضوء الشمس لأول مرة. مرت كفوفها الصغيرة على وجهه وسألته بعتب:
- أنت سبتني ومشيت ليه؟ عاصي إحنا جينا هنا ليه، يلا بينا من هنا، الدكتور ده كل كلامه كذب مش كده!
ثم توسلت له بأعين باكية وهو تحوى وجهه بكفيها:
- أنت عمرك ما كذبت عليا، قول لي أن كل كلامه كذب.
لم تمهله الفرصة كي يجيبها ولكن شدته لحضنهـا بقوة عاتية وهي تعتصر حزنًا وألمًا بين يديه تتأوه ترتجف. تبكي طويلًا فتعود لتقبيله محاولة تكذيب ذلك الأمر، تتوسل له أن ينهي هذا الكابوس في أسرع وقت ممكن؛ ثم عادت له وطالعت عينيه المدمعة وسألته:
- أنت كويس! مش تعبان، وغلاوة حياة عندك قول لي.
ثم وضعت كفها الذي يضخ حبًا على قلبه لتتحسس نبضه وأردفت بثرثرة لم تمهله الرد:
- قلبك لو كان فـ شكة برد أنا كنت هحس بيها، لكن مفيش الكلام ده! صح صح! طيب قوم قوم نروح لدكتور غير الكذاب ده، لالا نسافر بره نعمل شيك آب كامل.
لم يتحمل رؤيتها لهذه الدرجة من الضعف فشدها لحضنه مرة ثانية ودفن رأسها بصدره وقال متأملًا:
- عمري ما اتخيلت أنك بتحبيني كده، أنتِ زلزلتي كل ساكن جوايا، أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان تكوني أنت فيها.
فارقت حضنه وهي ترتجف كالمصاب بحمى وأخذت كفوفها المرتعشة تجفف عبراته المترقرقـة التي رآها لأول مرة. فسألته وهي تلهث:
- خلاص اهدى طيب، أنت كويس!
- أنا عمري ما كنت كويس غير النهاردة، حد يشوف واحدة زي القمر كده زيك بتحبه الحب ده كله وميبقاش كويس!
عانقته مرة أخرى وهي تمسح على شعره بحنان زاخر وسألته:
- أنت قلبك سليم، هو كان بيكذب عليا مش كده!
مسح على ظهرها بحنو ثم قال ممازحًا كي يلطف تلك الأجواء المشحونة بينهما:
- في حد قلبه بيوجعه يخلف بالجوز كده! طيب أعقلي الكلام!
رغم عنها انفجرت بضحكة مكتومة مبطنة بنشيج البكاء وضربته في ظهره برفق بأنين:
- كنت هموت عليك... هو عمل فيا كده ليه!
غادر عمر مكتبه برفقة الطبيبة ريهام متجهًا لعندهم ثم قال بمازح:
- أنا لو لقيت ست تحبني كده، هعتزل مهنة الطب والعالم كله وأقعد جمبها.
اعتدلت حياة بجلستها وهي ترمقه بنظرات ساخطة وقالت بعتب:
- أنت عملت فيا كده ليه! وعاصي فيه إيه.
أشار عمر للطبيبة ريهام أن تغادر ليكسر حواجز الخجل بين الاثنين قائلًا بلطف:
- نجيب لمون للمدام حياة يا دكتورة ريهام، أنتِ عايزاها تقول علينا بخلا!
تفهمت ريهام على الرحب والسعة:
- حالًا يا دكتور.
انتظر حتى غادرت ريهام ثم قال عمر متسائلًا:
- أحسن دلوقتي يا مدام حياة!
نظرت لعاصي مضطربة وتمتمت:
- فهمني طيب!
احتوى كفها بحنان وقال:
- الدكتور هيفهمك.
بدأ عمر الحديث عن حالته قائلًا:
- أول يوم شفت فيها جوزك، فضل ساكت لربع ساعة مش بيتكلم لحد ما قام ولف فـ الأوضة دي ولقيته صرخ وقال "أنا كنت بحب مها مراتي، بس كنت بخونها عادي، لكن دي لا، حياة مش الست اللي تتخان، أنا عايز أتخلص من العالم بتاعي كله، عايز أبقى صفحة بيضا معاها هي وبس! أنا مش عايز أخسرها بسبب غبائي وأنانتي".
طالعته بأعين تحمل الكثير من الحب وقلب ينتفض حزنًا على عناء تلك الرحلة التي قطعها لوحده، ثم عادت لحديث الطبيب باهتمام وأكمل:
- من أول جلسة لحد النهاردة السؤال الوحيد اللي شاغلني هي الست دي عملت فيه إيه خلته بالحالة الجنونية دي! ولما قابلتك عرفت إنه معاه حق يخاف يخسرك.
خفق قلبها حزنًا وهي تضم على يده، فأتبع الطبيب:
- بدون فلسفة طبية هكلمك بوضوح عاصي كانت مشكلته كلها إنه عاش حياته بطريقة ونهج معين وفجأة قابل اللي فاقته، فـ بقى خايف يرجع للماضي ده تاني ويخسر كل شيء. هي جملة مشاعر متراكمة أدت لظهور لتكون شخصيته النرجسية دي!
تمتمت بإعتراض:
- أنا من وقت ما قابلته وهو شخص حنين، شوفت الحب والحنية فـ عيونه، قصدي أقول إنه عمره ما لمح لي إنه شخص بيعاني من أي مشاكل نفسية!
برر الطبيب قائلًا:
- لو كنتِ قبلتي عرضه في الليلة أياها كنتِ هتشوفي شخص تاني خالص، أنتِ خدتيه على الهادي لحد ما وصلتي بيه لبر الأمان! الأمان اللي مبقاش قادر يستغنى عنه.
لاحظ الطبيب لهفتها الممزوجة بالخوف وأكمل:
- متقلقيش كده، عاصي مش بيعاني من أي اضطراب نفسي ممكن أوصفه بيه، هو مش شخص سام مش مؤذي، بس هو نتاج تربية خاطئة علمته أن أي حاجة يدفع فيها فلوسه دي بقت بتاعته ويرميها أول ما يزهق منها... بقيت دي حياته اللي مش عارف هيغيرها إزاي!
غمغمت بحيرة وسألته:
- ليه ماقلتش كده، كنا عدينا المرحلة دي سوا!
قبل رأسها كإعتذار بسيط منه وقال:
- مش حابب
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم نهال مصطفي
🔥الخاتمـــــة🔥
لقـد شبه قيس ليلته بضوء الشمس، تشبيه دافئ وحنون ومتجدد بقلبـه ككل نهار تطلع بهِ شمسه :
”وإن متُ من داءِ الصبابةِ أبلغا شبيهةَ ضوء الشمسِ مني سلامِيا ”
ولكـن حُبـه بات يُنافس عشق قيس ، وأطلق عليـها الحيـاة بأكملهـا مهما فر منها فهو في فضائهـا آيضًا ، لم يمت بداء حُبها بل حيا به :
” لقـد عصى قلبي وغوت مذاهبـه ،
وعلى خدي البحـر كُتبت نجانتي و سُلميِ ،
وبـكِ تركتُ الماضي بمـا يحملـهُ
وجئت تائبًا
مُرحبًا بحُبك
الذى أغوى قلبًا مُذنبًا
يريد جنتـهُ
فـ لم يمت ليصـل
بل أغرم بـ إمراة منسوجة من حرير الفردوس
فباتت حياته وحلوهُ ”
#نهال_مصطفى .
*******
وصـل عاصي لمنزلـه بالغردقـة بصُحبـة أطفالـه وزوجتـه .. كانت تحمـل ريان على كتفها وهو الأخر يحمل ركان وكل منهما مُمسكًا بفتـاة .. جاءت سيدة تركض من المطبخ مرحبة بعودتهم وأخذت تذيع كآبة المنزل بدونهم .. في تلك اللحظـة حضر رشيد ويونس وتعلو ملامحهم علامات الحيرة والفضول .. فتدخل رشيـد متسائلًا :
-عاصي أيه الموضوع الـ مينفعش يتأجل ده !!
أشار لسيدة آمرًا :
-نادي حد يطلع الشُنط دي فوق يا سيدة ..
ثم أتبع :
-تعالو نقعد في المكتب جـوة نتكلم !
تدخلت تاليا المتشبثة بيده متسائلة بفضول طفولي:
-هنيجي معـاكم يابابي !!
بادل صغيرته بابتسامـة خفيفة وقال:
-هتيجـو معانـا يا روحي ..
مالت لعنده متحيرة :
-عاصي فـ ايه ؟!!
-تعالي هتعرفي ..
جلس الجميع بغرفة مكتبه فوق الطقم الاسود الجلدي اللامع .. وضعت حياة صغارهـا بالعجلة الخاصة بهم وجلست بجوار الفتيات .. تدخل يونس متسائلًا :
-قعدنا !! وبعدين ؟!
رمى لعندها ابتسـامة خفيفـة ثم عاد مرتسمًا ملامح الجدية على وجهه متحمحمًا :
-رشيـد بمـا إنك توأم رسيـل ، وأخوهـا الكبيـر .. تسمح لي اطلب أيدها منك ..
باتت علامات الاستفهام تتقاذف فوق روؤسهم وتتأرجح الأعين المتحيـرة والتي تحاول استيعاب ذلك الطلب الغريب !! بملامحها التي زينها الحُب مثل القمر تضيء الكونَ بجمالها ، ضحكت بخفوت ممزوج بالتعجب وهي تهز رأسهـا باندهاش :
-عاصي !! أنتَ بتعمل أيه يا حبيبي؟!
فأكمل يونس متعجبًا :
-بجد هو في أيه !! أبو ريان إحنا قربنا نجوز ولادكم !!
تبدلت ملامح رشيـد مستمتعًا بدوره كوكيـل لأختـه .. متخذًا دور وليهـا ، اتكئ على مقعده للخلف وقال بجدية :
-والله يا عاصي أنتَ فاجئتني بطلبك ده ، زي ما أنت شايف أنا أختي مش بتفكر حاليـا فـ الجواز ، بس ..
فقاطعـه عاصي متوسلًا متقنًا دور العريس :
-لا أبوس أيدك أسالها أهي ، أنا ممكن أقعد معاها وأقنعها بيا كعريس لُقطة مترفضش ..
ثم دار لعندها بعد ما انزلقت غمزة خفيفة من عينيه لعندها وقال :
-ولا أيـه يا عروسـة!!
برقت عينيها بذهول :
-عاصي بتتكلم بجد !!
رد بثقة :
-طبعا بجـد .. مش نفسك في فرح وفستان واطلب أيدك ونعيش جو المخطوبين ده !! وأنا اشتريت ..
ثم نظر لرشيد محافظًا على ابتسامته اللطيفة وأكمل :
-شوف يا أبو نسب ، أختك هتجي لها الشبكة الـ تعجبها وهيتعملها أكبر فرح ، وهيتكتب لها قايمة جديدة وكل طلباتك أنا جاهز لها ..
هز رشيد رأسـه وقال :
-والبيت ؟!
عاتبته رسيل بمزاح :
-رشيـد !!
رد الأخير بطاعة :
-نغير العفش والديكور ، ولو حابة بيت جديد خالص أنا موافق ..
عقد رشيـد حاجبيه :
-طيب نفكر ونسأل عليك كويس ونشوف ..
ضرب يونس كف على الآخر وهو يطالع أخته :
-دول اتجننوا رسمي !
كتمت حياة ضحكتها وهي مستمتعة بهذه الأجواء ثم نظر لها عاصي متسائلًا :
-وانتِ كمان هتفكري يا عروسة !!
هزت رأسها بالنفي حيث طالعت فتياته وقالت بدلال :
-هاخد رأي حبايب قلبي الأول ..
ثم داعبتهم بلطف وقالت بخجل يغمره الضحك :
-بنات ، بابكم طالب إيدي وعايـز يتجوزني .. أيه رأيكم ؟! شايفين إنه عريس لُقطة يعني ميترفضش ولا نرفضه يمكن يجي الأحسن منه !!
انكمشت جبهته معترضًا :
-حياة ، اظبطي نفسك !!
-الله !! ده كلام بنات أنتَ مضايق ليه ؟! سيبني اتكلم مع صحابي براحتي .
ثم نظرت لهن الغارقن فـ الضحك وقالت مستعينة برأيهم :
-هاه يا حلويــن !! ايه رايك يا توتا !
هتفت تاليـا بحماس طفولي يتدفق من عينيها ولوحت بذراعيها :
-أنا موافقة عشان بابي أحسن واحد في الدنيا كلها .
أشاد عاصي فارحًا :
-بنت أبوها بصحيح ، البنت دي بتفهم ، تربيتي .
ثم نظرت لداليا بعد ما طبعت قُبلة رقيقة بجدار عنق تاليـا :
-ورأيك يا دودو !!
وضعت الصغيرة سبابتها بفمها وقالت بشـكٍ :
-مش عارفة ، بس ممكن تستنى وتتجوزي واحد تاني ولو مش عجبك أهو بابي موجود ..
-استبن يعني!!!
ثم هتف عاصي مستنكرًا :
-البنت دي بنت كـ***
انفجر الجميع بالضحك وأخذت حياة داليـا بحضنها وغمرتها بالقُبل وقالت متدللة :
-دودو دي تربيتي ..
رد معترضًا :
-انجزي ، مش هكرر عرضي مرتين !! هشخب كلامي في دقيقة!!
ظلت تتهامس مع داليـا كأنها صديقة من عُمرها لبرهة من الزمن حتى اتفق الاثنان على رأي واحد .. فتفوهت داليـا مردده بثقة :
-خلاص أنا موافقة عشان مامي قالت لي انها بتحبك مش هتعرف تتجوز حد غير بابي .
كست الفرحة معالم وجه الجميـع ، فأردف عاصي بسؤاله الأخيـر :
-هااه وأنت يا يونس !
رد هو الأخر متعجبًا وبنبرة مزاح :
-يعني مهم أوي رأيي يعني مثلا لو قولت لا هيجرى أيه !! عاصي أنت أخر القعدة دي هتاخد مراتك وتطلعوا أوضتكم !! يبقى أيه لازمته رأيي !!
رد مبررًا :
-لا مش هيحصل ، أنا جيت لحد هنا عشان أطلب أيدها منكم فـ بلدها ونقرأ الفاتحة .. وزي ما أنتوا عارفين باقي شهرين عـ مدرسة البنات ، ومش هعرف أنقلهم القاهرة الا بعد السنة ما تخلص ..
تدخلت مستفسرة :
-عاصي أنتَ ناوي على أيه !
أشار لها متفهمًا حيرتها وأتبع :
-أنا وتميم ومراد داخلين مشروع جديد وتقيل ، ولازم أكون موجود فـ القاهرة ٢٤ ساعة .. وأنتِ يا حياة هتكوني قاعدة هنـا مع الولاد واعتبرينا مخطوبين بجد .. وحتى زياراتي ليكـم هتكون في وجود أخواتك ..
ثم أشار لأخيها راجيًا :
-رشيد ، مش هوصيك ، أختك خطيبتي وبس من الساعة دي !! أنت فاهمني ؟!
وثبت من مكانها لعنده بإعتراض فوقف أمامها ليهدأ حيرتها :
-عاصي !! أنت عايز تسيبنا هنا وتزورنا بس !! لا أنا مش موافقة طبعًا ، بطل هزار .
قَبل جبينها بحنيـة وأخذ يمسح على رأسها بلطف :
-مش عايزة فرح !! اعتبرينا هنتجوز من أول وجديد .. والجواز ده له شروط معينة .. أنا عايزك تعيشي كل التفاصيـل الـ بتحلمي بيها ، هاجي أزوركم ، وعلى طول هنتكلم في التليفون ..
ثم مال متهامسًا بأذانها :
-عايز أجدد حُبنا ونبدأ من جديد !!
غمغمت متسائلة بدلالها الذي صهر الحديد بنبرة خفيضة :
-هتقدر تبعـد عني !!
تدخل رشيـد آنذاك متحمحمًا ليقطع حوارهما وهو يسحب أخته من حضن زوجها وقال بنبرته الأجشة :
-طيب بس نحترم المسافات !! تعالى كده يا رسيل ، وأنت نورتنا يا عاصي بيه ! هنفكر ونرد عليك .
اتسعت ابتسامة عاصي وهو يطالعه بامتنان :
-أنا عايز من ده طول فترة الخطوبة ، عايزك الشوكة الـ هتقف فى زوري كل ما أقرب من أختك ..
ثم توسل له ممازحًا :
-رشيد أنا أملي فيك !!
ربت رشيد على كتفـه بتفاخر :
-بس كده !! دانا هطلع عليكم القديم والجديد!
فانضم لهما يونس قائلًا بجدية مصطنعة:
-تمام يا عاصي بيه ، قبل ما تيجي تشوف ولادك وأختي اتمنى تبلغنا قبلها ونقولك مواعيدك تناسبنا ولا لا .. ومفيش زيارات بعد ١٠ بالليـل ، عشان أحنا بننام بدري .
فتدخل رشيـد واكمل وهو يطالع ساعته :
-السـاعة بقيت ١٠ وماينفعش تقعد أكتر من كده !
عض على شفته متحسرًا لشروط أخوتها حتى مال معاتبًا :
-عاجبك الـ بيحصـل فيـا ده !!
تحامت بظهر أخيها وقالت :
-مش أنتَ الـ عايز ، اتفضل استحمل .
ثم هز رأسه متقبلًا على مضض طقوس لعبتهم الجديدة فجثا على ركبتيه ليُقبـل صِغاره ويودعهما .. ثم عانق فتياته وقبلهما بحب ودفء وقال ناصحًا :
-مش عايز شقاوة ونسمع كلام مامي .. اتفقنا ..
كانت تنظر دورها على أحر من الجـمر ، جاء لعندها ثم سحبها من كفها لتقترب ، أول ما فعله نزع خاتم جوازهما من يسارها ووضعه بيمينها ثم قبل ظهر كفها بدفء .. اتسعت ابتسامتها وهي تعيش منه لحظة جديدة من الجنون كادت أن تطير أخر ذرة من عقلـها .. بادرت مرتمية بين ذراعيـه وعانقته بشـدة وهو تهمس له عن مدى اشتياقها له.. فتدخل رشيد جاهرًا بامتعاض :
-أحنا اتفقنا على أيه !! يونس وصل عاصي بيه لحد الباب ..
ابتعدت عنـه ضاحكة وهي تجفف دموعها وقال راجية :
-هكلمك كل شوية اطمن عليك ..
اكتفى بطبع قُبلة على رأسها قبل أن يرحل ثم سار مع يونس لباب وهو يطلب منه متوسلًا خائفًا من أن يهزمه الحنين :
-يونس مش هوصيك ، لو لمحتني جيت هنا ورجعت عن كلامي اضربني بالنار .
غمر الضحك الاثنان فعاتبه يونس بمزاح :
-والله طول عمري بقول حياة أختي الكتابة والروايات أكلت عقلها ، بس واضح انها أثرت عليك أنت كمان .
ربت عاصي على ظهره قائلًا وهو يتأهب لصعود سيارته :
-بكرة لما تحب مش هنعرف نفوقك ، ليك يوم يا بطل …
•••••••••••••
مـر شهران على هذا الاتفاق ..
انغمست رسيـل بحياتها الجديدة مع صغارها ، وامتحانات البنات والاهتمـام بشغلها الذي أصرت عليه بعد محاولات كثيرة حتى اقتنع .. وبآخر اليـوم تقفل باب غُرفتـها لتنفرد بـ تلك المُكالمة التى تنام عليها كل ليلة حتى تستشعر بأنفاسه ووجوده معها .. مكالمة يملأها الضحك والهزار وسرد أحداث اليوم الطويل وكيف مر اليوم بدون عناق بعضهما لبعض .. والكثير من رسائل الحُب التي كانت تتغلغل ساعات عمله فتشق تلك الابتسامة على محيـاه .. عاد الاثنان بالعمر لعشر سنوات ماضية ، هناك فتاة مراهقة صاحبة الثامنة عشر عامًا تُغازل حبيبها الذي ينتظر كلماتها على أحر من الجمـر ..
وفي تلك الليلـة التي تسبق ليلة زفاف العرسان وألتقاءهم بعد أشهر الغياب .. شدت الغطاء فوق صغارها النيام بمهدهما ، ثم عادت لتختها وتأكدت من غطاء الفتيات اللاتي يرقدن مكان أبيهم بجوارها .. سحبت هاتفـها وسارت على طراطيف أصابعها نحو الشُرفة التي فتحت بابها بحذرٍ وقفلته بنفس الحذر ، جلست على مقعدها وهاتفته ، فاستقبـل مكالمتها بلهفة ممزوجة بالعتاب :
-فينك طول اليـوم وبرن ومش بتردي !! حياة أي حركات العيال دي !
كتمت الضحك وهي تبرر له :
-الله ! مش عروسـة وبجهز عشان الفرح .
جز على فكيـه كي لا يسمعه السائق :
-تردي عليـا وتقوليلي أنا فـ المكان الفلاني ..
ظلت تأكل بطرف شفتها السُفلية متدللة :
-وصلت ولا لسه !!
زفر دخان غضبه وقال :
-نزلت من الطيارة وفي طريقي للفنـدق أهو ..
غمغمت بنفس النبرة الخفيضة :
-وأنا جهزت كُل حاجة عشان الفرح ..
ثم تنهدت بارتيـاحٍ :
-وآخيرًا بكرة هنكون مع بعض ، أنا بجد مش مصدقة ، شهرين يا عاصي !! عملتها أزاي دي ؟!
تحمحم بخفـوت وهو يُراقب الطريق حولـه ثم قال مغيرًا مجرى الحديث:
-متناميش ، نص ساعة وهقول لك تنزلي ..
تمتمت بمزاحٍ :
-ومش خايف أخواتي يشوفك !!
جز على فكيه متوعدًا :
-أخواتك دول أنا هربيهم عـ الـ عملوه فيا ، نعدي بكرة بس .. مش هرحمهم .
وضعت ساق فوق الأخرى وهي تضحك بصـوتها الدفين :
-طيب جاي ليـه !! ولادي نايمين ومش هعرف أسيبهم وانزل أشوفك .
رد بإيجاز:
-خلاص هطلع لك ، وتبقي أنتِ الـ اخترتي ..
ردت معترضة على تهديده :
-لالا خلاص ، فات الكتيـر مش باقي غير كام ساعة ونكون مع بعض .
-أيـوة كده ، اتظبطي ! أقفلي ، معايـا مكالمة شغل وأرجع اكلمك ..
أردفت متدللة :
-هستناك ..
قفلت معه المُكالمـة ثـم فتحت ” نوت ” هاتفها الحديث من ماركة ” جلاكسي Z fold5 ” الذي أحضره لها قبـل شهريـن ممسكة بالقلم الألكتروني وشـرعت في تدوين دقات قلبها المفعمـة بسعادة تعجز الكلمات عن وصفهـا .. أخذت تفكر للحظات قبل أن تكتب حرفًا ، أخذت نفسًا طويـلًا وبدأت بالكتابة :
“”كل ما أتذكره من بعد موت أمي أنني كنت أركض ، اختبأ باحتياجات أبي وأخوتي ، انشغل بها عن تقبُلي فكرة رحيلها وأنا نائمة بحضنها ، عبثي وراء رجل وقعت فريسة لمكايده ، يعد رحيل أمي مثل الكابوس الذي عشت لسنوات طويلة أعاني منه ومن لعنته التي أصابت قلبي ، لذلك أبذل قصارى جهدي كي أعتني بطفلتيه حتى يحين اللقاء بأمهـا واسلمها تلك الأمانة بنـفس راضيـة تمامًا ..
ولكني لم أتوقف إلى الآن عن تذكر ما يؤلمني من حين لآخر ..جاء ذلك العاصي لقلبـي بوقته المناسب ، تجرعت معه أسمى معانٍ الحُب وأجملهـا .. كانت كل محاولاتي فقط، أريدُ أن أنجو بهذا الأحمرِ الرّطْب”قلبي” فكانت النجاة على كفيـه ..
بالغـد ستكون أول ليلة بعد ستون يومًا من الغياب وفراغ جيوب قلبي منـه .. لم أنكر بروعة تلك التفاصيل التي عيشتها معه ونحن ننسج نوعًا جديدًا من الحب تحاوطه تلك اللهفة المؤجلة .. كيف سيكون مذاق اللقاء الأول بعـد أيام الشوق والحنين !! كيف سأعبر له عن مدى شوقي لعينيه بعد ما عجزت كلماتي عن الوصف !! كيف سيكون لقاء الشمس بالقمـر بعد عصور من الفُرقة !! ”
أخذت نفسًا طويلـة وهي تتحسس نبض قلبها المتراقص وتعض في شفتها السُفلية بتلك الخفة التي ترفرف بها روحها .. مررت عينيها عما كتبته ثم عادت لتواصل تدوين كلماتها :
“تتجلى أعظم صور الحُب في غيابٍ وافـر الحضـور .. لم أنكر خلاء جسدك من الغُرفة ولكنك دومًا موجود، دومًا ما تحاوطني من كُل صوب وحدب .. أشم عطرك فتُسكر أنفاسي كمثل لحظة فريدة تجمعنا معًا .. ارتدى ملابسك وأنا أحادثك بالهاتف فيصاب جسدي بتلك القشعريرة الدافئة التي تنتابني عند رؤيتك بالضبط .. وعندما يبلغ بي الشوق مبلغه لتقبيلك لدي بدل قمرك أربعـة جميعهم يحملون تفاصيلك .. أ لم أخبرك بأن قلبي مُحاط بك أينما كُنت !! إنك رجل مصنوع من ذكرياتي فلا تُراهن ”
تركت الهاتف من يدها وهي تتنفس بارتياح وتراقب شاشتها المُضيئة بابتسامة هادئة تغمرها اللهفة والحماس وأعين ينعكس بها لمعة النجوم ولكنها لم تكُف عن ذلك ، تناولت أصابعها الهاتف وأخذت تُسجل جملة جديدة لتنضم لدولاب كتاباتها :
-“” نسيت أمرًا هامًا ، نسيت أن أحدثكم عن ذلك الرجل .. الذي أيقظني وجهَه مُنذ اللقاءِ الأول وأيقنت أن هُناك حكايات كثيرة ستُنسج من عينيه اللاتي اتخذتهن مصدرًا لهيامي وإلهامي ..
كان لعوبًا ذكيًا وحاسمًا لا يتراجع أبدًا .. لم يَبدُ كأي رجلٍ إعتاده هذا العالم لقد كان مميزًا منذُ البداية حتى قسوته كانت مميزة وشهية آيضًا ، وفي تلك اللحظة التي اكتب بها آمنت خلالها بأنه وطن دافئ لغُربتي “”
مع آخر كلمـة لوصفه ظهر اسمه على شاشـة هاتفهـا ، بحماس سحبت الشاشة وهي تقول بنبرة مفعمة بالحيوية :
-حبيبي وصلت فين ؟!
-انزلي .. بس البـاب الخلفي مش حابب حد يشوفني ..
وثبت من فوق مقعدها :
-حالًا ..
عادت للغُرفة ثم تناولت وشاحها الصوفي الذي رمته على كتفها ليُغطي سترتها القطنية ذات الحمالات الرفيعة التي تعلو بنطالهـا الواسع الفضفاض .. ركضت بخفة فتاة مراهقة لتُقابل حبيبها السـري في ساعة متأخرة من الليل .. فتحت الباب الصغير بالمنزل لتصبح بالحديقة الخلفية للبيت ، ثم همت راكضة نحو الباب الحديدي الصغير الذي يقف وراءه .. سحبت ترباسه بحذرٍ حتى هلّ هلاله أمامه ، تناست كُل شيء وكأرتطام سباح ماهر بموج البحر ارتمت هي بين يديه بقفزة مفعمة بالتودد واللهفة صارخة بخفوت بحضنه وشعرها الطويل الذي يطوق أكتافهما :
-وحشتني !!
ما أن عادت لمكانها بقلبـه فأسقطت عنه عنـاء البُعد ومشقة عمله ، وخف حِمل الدنيا من فوق رأسه ، حاوط خصرها بذراعيه القوية القابضين عليـه وهو يذوب بذلك العطر الذي ملأ منه جيـوب صدره .. لامست أقدامها الأرض من جديد لتُملي عينيها من رؤيته التي كانت قبل عشرة أيام وهي تبث الحب بأناملها بين ثنايا ملامحـه مردفة بتلك التنهيدة المدججة :
-أخيرًا .. يعني خلاص دي أخر ليلة هنام فيها بعيد عنك .. تعرف أن البُعد ده خلاني أحبك أكتر واكتشفت تفاصيل مهمة أوي مخدتش بالي منها قبل كده .
اكتفى بقطف ثمرة التوت من فوق فمها القُرمزي وهو يربت على ظهرها وقال محذرًا :
-طيب نأجل كل الكلام ده لبكرة ؟!
-ليه يعني ؟!
عقد حاجبه مداعبًا :
-خايف يخلص ..
-متقلقش عندي غيره كتير فوق ما تتخيل .. قدرك وقعك من واحدة كاتبة مدمنة تفاصيل..ومدمنة لوجودك ..
تحمحم مستردًا رشُده كي لا تُسكره بعذوبة كلماتها أكثر ، وقال ممازحًا وهو يتفتنها :
-واضح أن هواكِ جاي على غيابي !! ملينـا وأحلوينا شوية .
تقلصت ملامحها بضحك معترفة بجريمتها الكُبرى التي اقترفتها طوال فترة غيابه وقالت بتفاخر :
-وكمان فـ كرش صغير أد كده .. عشان مش مبطلة أكل .. انا بقيت أكل ورا أربع عيال ياعاصي .. متخيل!!
رفع حاجبه مندهشًا :
-كمان !! كده يقولوا عليـا كنت مجوعك !!
أردفت متدللة :
-تؤ .. هقولهم وأنا جمبك بنسى الأكل والشُرب ، وجودك مشبعني .
طبع قُبلة جديدة بين حاجبيها مفعمة بأنفاس الشوق التي لسعت قلبها ثم سحبها برقة للسيـارة وأخرج صندوقًا متوسط الحجم وفوقه عِلبة سوداء قطيفة ومعه باقة حمراء من الورد وأهداهم لها قائلًا :
-كُل سنة وأنتِ معايـا ..
عقدت حاجبيهـا مندهشة ومنبهرة بما رأته :
-عاصي !! كل ده ليا بمناسبة أيه ؟!
-بجد مش فاكرة !!
-لا النهاردة كام ؟!! أنا مش عارفة أفكـر فـ أي حاجة غير يومنا بكرة !!
قفل زر بذلته متكئًا على باب سيارته المقفول وقال بصوت المتمهل :
-زي النهاردة مـن تلات سنين بالظبط ، خرجت لي حورية البحر من المية !
هبت شاهقة غير مستوعبة مرور الأيام بهذه السُرعـة تركت العُلب بالأرض بتلك المشاعر التي احتاجها طوفان الهوى وهي تتعلق برقبته غير مصدقة :
-ياخبـر !! أنا ازاي نسيت اليوم ده !! تعرف أن ده يوم ولادتي الحقيقية .. أنا على أيديك اتكتب لي عمر جديد وحياة جديـدة يا أحلى قدر حصل لي ..
-طول العمر وأنتِ جمبي ..
كانت تنبض بحضنه تفيض حُب وسعادة ، كان عليه أن يضمها إليه أكثر ليستمع لنبض قلبها بصدره أكثر وأكثر .. فأسدل الليل وشـاح نجومه على أكتافهم المُتعانقة .. ثم همس لها قائلًا :
-البوكس الكبير فيـه شوكليت جاية مخصوص من سويسرا عشانك .. والورد للورد طبعا .. والـnecklace عايز أشوفه عليكِ بكرة ..
لم يكن احتضانه كافيـا لوصف سعادتها فوضعت الكثير من القُبلات على وجنتيه كما إعتادت أن تُقبل صغارها وقالت وهي ترتجف من فرط الفرحة :
-عاصي بجد ، هحبك أكتر من كده أيه تاني !!
مال متهامسًا على آذانها بعد ما أغواه شبح حبها وقال متيمًا :
-ما تفكك من هنا وتعالى نهرب سوا …
فـ تلك اللحظة جاء رشيد من الخلف وهو يضرب كف على الآخر وهو يصيح معترضًا بعواصف غضبه :
-كمان بتستغفلوني !! أنت هنا بتعمل أيه ؟
تحمحم عاصي مستردًا وعيـه وهو يتمتم :
-انت طلعت لي منين بس !!
ثم زفر معتذرًا :
-حقك عليا يا سيدي ، أختك عندك أهي وأنا ماشي .
-استنى هنا !! هي وكالة من غير بواب !! أحنا مش متفقين أن مفيش مجي بعد ١٠ بالليل ، وكمان فـ السر !! مفيش احترام لكلمتي خالص ! لما أبوظ الجواز هتنبسط!
كتمت حياة ضحكتها وهي تُراقب تمتمات عاصي التي ختمها قائلًا بتوعدٍ :
-وحياة أختك الـ واقفة تضحك دي لهطلع عينك .. استنى عليا بس ..
تدخلت حياة راجية :
-معلش يا رشيد ده جايب لي بس هدية ، سامحه المرة دي !
أسبل عينيه متوعدًا لهـا وهو يتأهب ليصعد سيارته السوداء :
-واستنى عليا أنتِ كمان .. خلي رشيد ينفعك .
•••••••••
كانت تنتظر مرور السـاعات حتى ارتفعت صيحات الفرح وتجاوبت مهللة بكل الأرجـاء .. انقلب حال البيت الهادئ الذي لا يعرف إلا صوت ضجيج ولعب صغاره إلى معلب كورة قدم ، الجميع يركض خلف الساعات كي ينجز مهامه ..
وصلت العائلة بأكملهـا لمنزله وكل منهما بات منجزًا لمهامه واستعداداته قبل غروب الشمس .. ونفس الحال للعمالة اللذين يتسابقون كي ينتهوا من تجهيزات الحفـل .. وجاءت مختصة التجميـل لتزين العروس ..
تجلس حيـاة أمام المراة مرتدية قميصها الأبيض القصير مستسلمة لشغل الفتيات بشعرها ووجهها .. وبين كُل لحظة والأخرى تلقى أنظارها على صغارها اللذين يلهون بالخلف وحولها ويصيحون بلعب وسعادة ..
شرعت الفتـاة بوضـع مستحضرات التجميل علي وجهها ولكن أوقفتها حياة للمرة الثالثة مترجية :
-بليـز .. أرضع ريـان الأول وهرجع لك نكمل ، هو لازم ياكل دلوقتي..
ثم صاحت منادية لأحدى الخادمات :
-شوفي لاما تشرب أيه يا صابرين …
تناولت صغيرها من الأرض متجاهلة ضجر فتاة التجميـل وتعطيلها كل فترة .. أخذت تُقبل صغيرها بمشاعر فياضـة وهو تلهو معه وتضاحكه معبرة عن حبها الجياش .. جلسه بأحد الزوايا وشرعت في إطعام صغيرها الذي يقبل على صدر إمه بالضحك والحماس الذي يزين وجوههم ..
انتهت لاما من شُرب العصيـر ثم ذهبت لعندها :
-مادام حيـاة يلا !!
فرغت حياة من إطعام ريان وقالت بتوسل :
-بصي باقي ركان ، متقلقيش ريان بس الـ بيحب يرضع طبيعي لكن ركان بيرضع من الببرونة عادي ، بس لازم أنا أرضعه بنفسي عشان ما يغرش من أخوه ، أصل النفسيات دي مهمة أوي عند البيبز وهي الـ بتطلع أشخاص سوية أو غير سويـة ..
ثم غمغمت بإحراج يغمره الضحك :
-أجيب لك تتغدي !!
جزت الفتاة على فكها راسمة ابتسامة مزيفة وهي تتوقد غضبًا وقالت :
-لا خالص ، على أقل من مهلك …
••••••••
~بغُرفـة كـريم .
-كيـمو أحنا ممكن بعـد فترة كده نعمل زيهم ، بصراحة الفكرة مجنونـة مـوت وعجبتني ..
أردفت نوران جُملتهـا وهي تفرد فستانها فوق السرير ثم اتجهت نحو كريم الجالس على الأريكـة وأكملت حديثها بإعجاب :
-عاصي ده من وقت ما شوفته وأنا انبهرت بجمال أمه ، رجل زي ما قال الكتاب ، عارف أزاي يبسط الست الـ معاه !
قفل شاشة هاتفـه وعلى محياه ابتسامة شاحبة :
-وأنا بجلدك في البيت !! ما تلمي نفسك ..
تنهدت بتمنى وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها :
-مضطرة أعرفك سر كمان عني ، أنا بقع في عزام الرجل الأربعيني بسرعة .. السن ده له سحر خاص ، نضج وحلاوة وشياكة ووقار ، باشا في نفسـه ..
عمز بطرف عينه متقبلًا جنانها الذي اعتاد عليه وتناغم معـه قائلًا بمزاح :
-طيب وبتوع العشرينات ، مالهمش من الحُب جانب !!
ردت بتدلل :
-لما تبقى أربعيني هحبـك أكتر ..
ربت على ركبتها برفق :
-قومي طيـب خليني أكلم لامار !
ضاقت عينيهـا متدكزة :
-مش دي البنت السورية صحبتك ، المضيفة !! صح ؟
-اه هي ، جايـة الأسبوع الجاي ، وعايزة تجيب لك هدية ، بفكر معاها .
زامت فمها وبملامح متقلصة يكسوها الضحك :
-أنا حاسة إنك بتخوني وأني المفروض أخد موقف جدي وكده ، بس مادام هتجيب لي هدايـا كلمها كلمها ..
كانت أن تنهض ولكنها تراجعت متذكرة :
-كيمو قولها تجيب لي بادي لوشن معاها ..
جذبها عنوة لعنده وانحنى بقُربها :
-يعني مش خايفة أنها تخطفني منك .
أصدرت صوتنا نافيـا يكسوه الدلال المفرط وقالت :
-تؤ ، عشان أنتَ مش بتحب حد غيري ..
داعب بأنفـه أنفها وقال بملامحها الضاحكة لحياتهم التي يملأها الهزار والضحك مع هذه الفتاة المفعمة بالمرح وهو يغمز بطرف عينه :
-ما تيجي نأكل مانجـا ..
واندس الجمال بينهما في كلمات لا يدركها غيرهما ، عالم خاص بهمـا وبلغته المميزة التي لا يتحدث بها سواهم .. خرت ضاحكة بين يديـه بملامحها المتقلصة من برودة نسيم الحُِب بينهم وهي تقضم شفتها السُفلية بغنج :
-تعالى ناكل مانجا ..
نوع خفي من اللطف بين زوجين يُسهلان الحيـاة على بعضهمـا حتى ينطبق عليهمـا المثل ، تزوجت لأرتاح لا لحمـل متاعب جديدة وقيود آخرى، الزواج أن لم يكن راحة ومتسع ورفيق روح لم يحضر الضحك الا بينهما فلا تتزوج ..
•••••••••
~بغُرفـة تمـيـم ..
يجثو على ركبتيه يسنـد كفـوف صغيرهُ ليعاونه على السيـر المتعرج ويشجعه هاتفًا :
-عاش يا طاطا خلاص وصلنا وصلنا يا بطـل .. متتهزش أثبت يا طاطا ..عاااش .
حتى انتهت مسافة مفرش الأرضية التي يخطو مثلها يوميًا ليدربه على السيـر ، هلل فارحًا بابنه وهو يحمله ويرميه بالهواء ثم يتلقاه فارحًا :
-أيه الحلاوة دي !!
غمر الضحك أرجاء الغُرفة بين الأب وابنه المُشاكس فتلقاه على ساعده وهو يقبله ويلقى أنظاره على تلك النائمـة بكلل صاحبة البطن المنتفخة ذات الخمسة أشهر ، فقال :
-تيجي نشـوف شمس مالها عشان شكلها تعبـانـة .
وضع صغيره فوق السرير بجوار أمه ، وشرع بالمسح على شعرها متسائلة بحنو :
-مالك يا شموسـة ؟!
تمتمت بهزل وهي ترفع جفونها لعنده :
-مرهقة بس من السفر والحمـل .. بجد يا تميم تعبت ، لا عارفة أكون معاك أنتَ ومصطفى ولا عارفة اركز فـ شغلي .. حاسة بتعب وإرهاق شديد ، أنا متعبتش فـ حمل مصطفى كده .. البنت دي متعبة أوي .
-ممكن متشليش هـم أي حاجة وارتاحي بس .. أنا ومصطفى زي الفل أهو ومستنين شمس الصغيرة كمان تيجي بالسلامة ..
قبلة أشبه بقطرة مطر كبيرة وقعت على جبهتها كانت أشبه بيد حنونة تربت على روحها .. تنفس بارتياح وهي تتمسك بكفه :
-تمـيم أنتَ أحن أب في الدنيا ، فعلًا يا بخت ولادي بيك .. ويابخت قلبي بحنيتك دي ..
قبل طراطيف أصابعها بنعومة وقال :
-أنتوا عيلتي يا شمس ، أنا ماليش غيركم ، أنا مش هكون بس أبو العيال دي ، أنا أخوهم الكبير وصاحبهم وابنهم الـ اتولد على أيدهم أول ما جم .. أن جينـا للحق أنا الـ يابختي بيكم .. لإنكم مليتوا عليـا حياتي .
اعتدلت من نومتهـا لتسند على صدره وهي تحمل صغيرهما ليتوسط مجلسهم وقالت بحب :
-ربنا يخليكم ليـا وكل أيامنا تبقى جميلة ..
نيابة عن ليالٍ الماضي المُظلمة ، أهلاً بالغد الذي سينبت في جبين القلوب نجمات جديدة وستشرق الشمس من رحم الليل فـ تُضيء عتمتنا .. ومن اليوم تتورق في ليالٍ الوحدة أيام مكدسـة بالحب والدفء …
•••••••
~بغُرفة مراد ..
-مراد ، بليـز أمسك غالية.. مش مبطلة عياط وأنا تعبت وهي مش مبطلة ، دماغي دي هتنفجـر خلاص مش قادرة ..
ترك الهاتف من يـده وأخذ صغيرته بحنيـة وشرع في مداعبتها حتى هدأ صوت بُكائهـا في دقائق معدودة ثارت اندهاش عاليـة :
-أنتَ عملت فيها أيه !! أنا من الصبح بحاول معاها لحد ما خلتني أنا الـ عيطت .
لفح ابنته على كتفـه وأمسك ذقن عالية التي تقف أمامه متحيرة وقال بمزاح :
-هي كانت عايـزة حضن باباها بس .. وأهو أول ما جات هديت ..
ثم غمر بطرف عينه :
-طالعالك .
داعبت الابتسامة ثغرها وقالت :
-انا زنانة زيها كده !! لا ..
-ومين قال إنك زنانة !! بس لما بوحشك بتعملي زيها كده بالظبط.
ضربته برفق على كتفه معاتبـة:
-أنتَ بتقول أيـه !! بطل بقا ..
طوق خصـرها لتصبح جزء لا يتجزأ منه وقال مغازلاً:
-أبطل أيه !! أنكري ..؟! لما أقول لك عندي شغل بتفضلي تلفي حوليـا زي النحلة كده .
كتمت صوت ضحكتها كي لا تُزعج صغيرتها النائمة :
-مراد ، أنتَ بكاش موت .. أنا بس بكون زهقـانة ومش لاقية حد يسليني غيرك ..
عقد حاجبيه ممتعضًا :
-يسليكِ !! وكمان قرطاس لب ماشي ياستي ..
ضحك الثنائي معًا حتى مال على مسامعها متهامسًا:
-افتحي الشنطة دي هتلاقي هدية هتعجبك ..
لمعت عينيها على لحن اسم الهدية التي قادرة أن تسعد كُل اثنى حتى ولو كانت تملك ميراث العالم .. ركضت كالطفل لتفتح تلك الحقيبة الصغيرة فوجدت عبلة صغيرة ، فتحتها بلهفة فوجدت ظرفًا وبجواره قِلادة من الماس مكتوب عليها ” غاليـة” انبهرت بجمالها وهي تقفز كالأطفال ثم تابعت بفتح الظرف وهي تسأله:
-ده بردو تبع المفاجأة!!
-افتحي؟!
فتحت الظرف فوجدت بداخله ست تذاكر سفـر ، الأولى تحمل تأشير السفر لمكـة لأداء مناسك العُمرة ، والثانية للمالديف .. افتر ثغرها وشعرت بفيضٍ من السعادة عانق قلبها واشتعلت نظراتها بفرحة ناطقة :
-مراد!!! لا ؟! معقولة ؟! هنسافر سوا !!
ثم مدت ذراعية لتحضنه بعرفان وهي تقفز كـ حبة الفشار على مسرح فرحتها ، فتمتم بصوت حنون ناطقًا :
-بصراحة فكرت نقلد عاصي ونعمل فرح ، ولا نسافر .. فلقيت السفـر أنسب لينا وأهو بداية جديدة لحياتنا ننسى فيهـا كُل الـ فات ..
أعلنت مشدوهة :
-مراد ، أنا بحبـك ….
•••••••••
مرت ساعـات اليـوم حتى حلت الساعـة الثامنـة مساءً ، جاء عاصي برفقـة رجاله ، كل من يسري وبكر وكمال الذين يتفقدون بالحفل بأعين متسعـة .. ترك الجميـع بأسفـل وصعد لغُرفتها ليحضر عروستـه .. دخل من باب الغُرفة وهو يتفقد ذيل الفستان الذي يجسد تفاصيل جسدها الممشـوق والمحدث بقلبه فتنة كبرى حتى وصل لتلك الطرحة البيضاء التي تكسوها من رأسها للكاحـل .. أشار لأخر فتاة بالغُرفة أن تُغادر .. شرعت عيناه تتأمل تلك الحوريـة الواقفـة ممسكة بباقة الورد .. يقترب منها شيئًا فشيئًا بتلك الخطوات التي تعمدت الهرب من الحب لسنوات .. ليُقبل بلهفة الكون نحو حورية البحر التي لا تغوص إلا في أعماق بحور الحُب ..
وقف أمامها ورفع الطرحـة التي تُغطي وجهها و لا تمكنه من رؤيـة ملامحهـا بحرية ، رُفعت الطرحة فرفعت معها جفونها فتنهد تنهيدة شاعرًا سيبدأ بكتابة قصيدة مولودة من رحم عينيها تلك التي حفظت خرائط السماء من كثرة التطلع بها ، حتى استدلت على مخابئ الغيـوم ومنازل القمر .. في تلك اللحظة علم من أي بحر تستمدُّ النجوم لونها الزجاجيّ الفاتن ، آآه من عينيها .
قال حكيم ذات مرة :
عندما نكتبُ عن النساء، علينا أن نغمس الريشة في قوس المطر ونزرع سطورها بنثار أجنحة الفراشات ..
يبدو أنه كتب ذلك النص لكِ وحدك ..
تفتحت بروحها زهور الربيع و تراقصت الفراشات التي رفرفت على قلبها لأجل نظراته الهائمـة ، وحل النور على أيامها برفقته، تقاسمت الطيور حصتها من صوتها العازف على أوتار تلك المشاعر التي غمرت كيانها وهي تقف متوجـة لملكها وملك فؤادها ، فتمتمت :
-شكلي حلو !
تأملها بتلك النظرة التي عجزت عن وصف جمالها ، لقد كان من الاولى أن تكوني كحمامة بيضاء، رسالة مُعطّرة من يدي شاعر مُغرم أو وردة ياسمين في وسط باقة من الورد ، فمن الظلم أن تكوني أنتِ بشرًا قد يَحزن أو يُجرح أو يتألم .. جف حلقـه من تكدس الكلمات به فلمس تلك الشفاة القرمزيـة التي افترق عنها لمدة شهرين كاملين ، شرع أن يفضي ما بقلبـه من شوقٍ فداعب طرمة فمها الكرزيـة مساومًا لثغرها على القُبل المتعطش إليها.. فـ همّ بقطف الكرز من فوقهـا بهدوء وتهمـل كمن يروض الفراشة قبل الإمساك بها .. كُل جزء من ثغرها نال حَقه عِوضًا عن أيام البُعد والجفاء ، وكأنه أراد أن يُخبرها بطريقة مـا أو بأخرى تلك للصدفـة التي جمعتني بكِ وأتت بكِ لهنـا ، وهذه لإنك أنتِ ، وهذه أيضا لابتسامتك الساحرة ، و هذه لجمالك الذي خضع له الحُب ، وأيضًا هذه للملامح التي لا يليق بها إلا القُبل .. وآخرهم كانت كـ دعوة صريحة من رجل ظمآن أراد أن يروي حلقه من فُراتك العذب … فلقد كان لهـدوئه الساحر آثار البركان ببدنها يفوق مائة ثورة مندلعـة ..
أصاب الدوران رأسها فاهتزت بين يديـه فستندها بكفه الراسي على ظهرها متسائلًا بخوف :
-مالك !!
تشبثت برأسها ضاحكة وهي تتنفس بارتياح :
-أنا كويسة ، دوخت فجاة بس !! مش عارفة في ايـه .. ؟!
رفع حاجبـه مستنكرًا :
-دايخة أيه بس من أولها !! متهزريش .. اليوم لسه هيبتدى ..
ثم أمسك بكفها وسحبها برفق :
-يلا ننزل !!
تابعت خطاه لمنتصف الغرفـة حتى تكرر ذات الدوران الذي لم يفارق رأسها منذ بضعة أيام ولكنه مصحوبًا تلك المـرة بالرغبـة في التقيؤ .. تركت يده وركضت للحمام متألمـة وهي تحاول التخلص من ذلك الشعور المؤلم .. لحق بها قلقًا :
-حياة أنتِ كويسة !!
مسحت فمها بالمناديل الورقية وهزت رأسها :
-واضح خدني برد من البلكونة إمبارح .. بقيت أحسن متقلقش !
نظر لها بشـك :
-متأكدة !!
ردت بثقة :
-تمام والله خلاص .. يلا ننزل .
وصل العرسـان لسـاحة الحفل تحت جمهرة الأصوات وتصفير كريم ونوران وصراخ عاليـة وحماس شمس وتميم وكل منهما يصفق بحرارة .. أرسلت لهما حياة الكثير من القُبلات بالهواء وهي تقف بجوار الرجل الذي اتفق عليه عقلها وقلبهـا وبناته الممسكين بالورد .. حتى شرعت صوت الموسيقى لأحدى الأغنيات الأجنبية ..
على طاولة العائلة ، مالت نوران نحو مسامع زوجها متهامسة :
-كيمو !! أيه كُل الفساتين الحلوة دي !! إحنا هنعاكس للصبح ..
لكزها معترضًا بضحك :
-أنا راجل وأعاكس براحتي ، أنتِ تعاكسي بنات ليـه !!
قفلت عين وفتحت الأخرى وقالت معترفة بخطأها :
-يعني أعاكس رجالة !!
هز كتفيـه غير معترضًا :
-اذا كان كده ماشي ..
أطلقت صفيرًا ناعمًا وهي تتفقد مجلس الرجال خلفها :
-أيه كُل البدل السودة الجامدة دي!!
ألقى نظرة للوراء ثم عاد معارضًا :
-دول كلهم مخلفين أدك ، بقول لك تعالى عاكسي معايا بنات أرحم ..
تمايلت على كتفـه وهي تضربه برفق ويضحكا معًا حتى تدخل تميـم متسائلًا :
-ضحكونا معاكم ..
تنهـد كـريم قائلًا بخبث :
-هقولك يا تيمو ، أنتَ مش غريب بردو ، كان في مرة قُطة بتخربش اه بس بتتكسف من خيالهـا ، ومن وقت ما علمتها أزاي تأكل أيس كريم مانجـا ، بقيت قُطة شيرازي وبتعض كمان ..
شهقت بخجل وهو تشير بسبابتها نافية ما يقوله :
-كريم أنت بتقول ايه !! لالا تميم متصدقهوش ، الجدع ده بيقول أي كلام وخلاص .. أنت ازاي تطلع كلمات السر بتاعتنا بره !!
-ما تحترمي نفسك ، أنا جوزك على فكرة !!
تبادل كل من شمس وتميم الابتسامات الخفيفة حتى تحمحم تميم قائلًا بتوسـل :
-الطريقة لتيمو حبيتك ، أنا جبت كل فواكه الموسـم وزي ما أنت شايف ! نفس البوز .
تدخلت شمس معترضة :
-وايـه بقا الـ مش عاجبك يا بيشمهندس !!
لحق تميم نفسـه ويقبل يدها قائلًا :
-ماليش بعد أم طاطا .. هو أنا ليا غيرك ..
ثم مال على آذانها متهامسًا :
-بغزي العين يا عبيطة !! كلهم عملوها مرة إلا أحنا عملناها مرتين !
تدخل مراد قائلًا :
-الواد كريم ده من وقت ما اتجوز وكل أفكاره بقيت زي ما أنت شايف .. مش عارفين نلمه ..
فتعمد تميم أن يثير استفزازه :
-وعلى أيه يا مارو ، أهو كله كلام مفيش أي نتيجة خالص !! أنتَ حد قالك هتبقى عم قُريب !!
لكز نوران معاتبًا :
-عاجبك كده أهي الحفلة بقيت علينـا .. أنت يا حلو منك له مش كده ، دي منطقة أعراض ..
-تستاهل ، عشان تقول عليا قطة تاني !!
لفت أنظارهم ركض حيـاة لبعيد ووقوفها بأي جنب لتتقيىء مرة أخرى ، أسرعت شمس وعالية لترى ما بهـا أما عن كريم مال متهامسًا لزوجته بضحك مقلدًا صوت ” القرموطي ”
-واضح أن كرستين حامل يا جون يا أخويا ..
بضحكة رقيعـة انفجرت من جوف نوران إثر جملته الأخيرة التي لاحظها مراد قائلًا بعتب :
-هتموت والع أنتَ ومراتك من التنمر بتاعكم ..
التفتت الأعين صوب حياة التي بدّ عليها التعب والإرهاق حتى تدخل عاصي متسائلًا :
-حياة أنتِ حامل !!
جحظت عينيها بذهول :
-لا طبعا يا عاصي ، مش حامل لا .. قولت لك دور برد .
ربتت شمس على كتفها وقالت له :
-عاصي طيب اقعدوا وأنا هخلي سيدة تعملها حاجة دافئـة .. عشان بس محدش ياخد باله ..
ركضت تاليا وداليـا لعندها بلهفة :
-مامي are you okay !!
مسحت حياة على روؤسهن :
-لا يا حبايبي .. أنا بخير ، خلو بالكم بس من ريان وركان مع الناني .. وأنا هابقي كويسة .
استمرت الأجواء بالحفل ما بين سخرية نوران وكريم الغير منتهيـة ، وحالة حياة المُتقلبة من كل حين للآخر ، واهتمام شمس وعاليـة بالمعازيم وما بين رقص العائلة والأجواء الأسرية التي خيمت على المكان وفرحة الجميع والأهم سعادة حياة التي كانت عروس الحفـل .. حتى مرت أجواء الحفل بسلام ولم يبقى الا أهل بيتـه .. أمسك بكفها وقبل وقال :
-يلا بينـا !!
-عاصي على فين !!؟
أطلق زفيرا تحمسي :
-هنروح اليخت !
-والولاد !!
-نوران هتبات معاهم .. حياة مش عايز كلام كتير يلا .
تشبثت بكفه متوسلة :
-طيب بليز استنى أرضع ريان ، وأنيمهم واطمن على البنات ونمشي .. بليز يا عاصي عشان قلبـي يكون مطمن ..
وافق على مضض :
-طيب يا ستي .. اتفضلي .
تركته وذهبت للمربية وحملت ريان ثم طلبت منها أن تأتي بـ ركان والبنات .. تحركت صوب غرفة نومهـا وهي لم تكف عن تقبيل صغيرها الذي فارقته ليوم كامل ولم تكف عن سيل الاعتذارات المتواصل له .. ما كادت أن تجلس على طرف مخدعها فجاء عاصي من الباب فطلبت منه :
-عاصي ، ممكن تساعدني افتح الفستان بس ..
عض على شفته وذهب لعندها ليشد سحاب الفستان كي تتمكن من إطعام صغيرها .. جاءت المربية حاملة ركان وخلفها الفتيـات يركضن ، أخذ عاصي صغيره منها وأمرها أن تنتظر بالخارج .. وضع ركان بجوارها ثم سار ناحية النافذة ليُدخن سيجارته ربما تستطيع أن تحرق غضبه أخذ يترقب حنانها المفرط على الجميع .. رغم أنها مازالت مرتدية فستان الزفاف الا أنها كانت ذات قدرة فائق للاعتناء بالأربعة أطفال .. رغم عنه وهو يراقب جنونها وخفة ظلها وتلك الطفلة الخامسة بينهم تبسم وهو يلتقط لها صورة بعدسة هاتفـه وهي تركض خلفهم .. ما لبثت أن تغير ملابس الفتيات فتراجعت إثر بكاء ريان الذي لا يرتوي إلا من ثدي أمه.. عادت صارخة بكلل وهي تشرح له العلة:
-ريان مش بيرضع غير طبيعي .. عكس ركان خالص..بجد تعبني معاه.
اتسعت ابتسامته وقال بغمز :
-بيفهم زي أبوه ..
أحضرت عُلبة اللبن الخاصة بركان وطلبت منه ان يرضعه حتى تُطعم ريان وهي تصيح منادية :
-تاليا أنتِ ودودو يلا نوم .. كفاية سهر لحد كده ..
مرت قرابـة الساعة وهو ينتظر أن تنيم صغارها .. حتى تنهدت بارتياح وهي تضع ركان بمهده :
-وآخيرًا !!!
اتجه هو ليشد الغطاء فوق البنات بعد تقلبيهن ثم أغلق النور العالي مكتفيًا بنور الأباجورة .. جاءت لعنده وهي تجر ذيل طرحتها وقالت :
-خلصت ..
اكتفي بضحكة طفيفة على هيئتها وقال :
-يلا بينـا…
ما كادت لتخطو خطوة فتراجعت راكضة لتأخذ أقراص منع الحمل قائلة :
-قبـل ما أنسى …
-يلا يا ستي ..
وصل الاثنان للأسفل فظل باحثًا عن نوران حتى وجدها هي وكريم أمام ” البوفيه ” يتغزلان بالأطعمة الشهيـة .. فجهر من الخلف بنبرته الحازمة :
-نوران .. تباتي مع البنات فوق في الأوضة ..
تدخل كريم معترضًا :
-نعم!! وكريم رجل كنبة واقف ! أنا لسه عريس ومش موافق.
ربت عاصي على كتفـه وبنبرته الجدية المبطنة بالضحك:
-كُل عيش في البيت ده يا حبيبي ..
فتدخلت حياة موصية نوران على صغارها وهي تشرح لها ما تفعله بالضبط .. اتسعت عيني الأخيرة بذهول وهي تشد كريم الذي يتشاجر مع عاصي وقالت :
-تعالى احفظ معايـا ..
استقل عاصي وحياة السيارة التي قادها بسرعة فائقة وكأنه يتسابق مع ضوء الشمس قبل أن يفسد ليلتهما .. بعد عدة دقائق صف سيارته جنبًا ونزل منها بدون أي كلمة تترجم تصرفه .. انتظرت عودته بفضول قاتل حتى عاد بعد قليل فسألته :
-أنتَ نزلت الصيدلية ليه !!
مد لها العُلبة الصغيرة وشرع بقيادة سيارته من جديد ، فتشت بمحتوى العلبة مندهشة :
-ده تيست حمل !! ليه !!
رد بإمتعاض :
-نوصل اليخت وتعمله !!
-عاصي بس أنا مش حامل ، آكيد كُنت هعرف يعني!!أنا مش غبية للدرجة دي؟!
جز على فكيـه :
-بردو تعمليـه ..
ردت مجبرة :
-حاضر ، سوق بالراحة بس ..
سُئل أحد الحكمـاء ذات مرة :
-متى يبــدأُ الحُب ؟!
فأجاب بتلك اللمعة التي لا تُفارق الأعين عنـد ذكر مصطلح الحُب الذي لم يُخلق قلبٍ إلا ولُسع بناره :
-يبـدأ الحُب يا ولدي عندمـا ينتهي الحماس .. فـ لهفة البدايـات ليسـت حُب ، فالإنسـان لا يُحب بإسبوعٍ أو شهـرٍ ، لا يمكنك أن تقول إنك تُحب البحر وأنتَ تقف على الشاطئ ، لهذا يجب أن تخوض في أعماقه ، وتضـربك أمواجـه ، تشـرب من مياهه المالحـة ، تجرح أقدامك بصخره .. فتلمس عيوبه ، وترى ظُلماته وقسوته ، وتعرف كيف يكون غضبـه ، وبعدها فقط إما أن تُحبه كله .. أو تكرهه كُله .
#لقائلها ..
•••••••
وصل عاصي وحيـاة للمينـاء الذي تُرص فيه العديد من المراكب الفاخرة التي تنتمي لملكيـة عاصي دويدار جميعهم ينزينهم الأضواء ومعالم الاحتفال بقدومـها إلا مركبة واحدة كانت الأجمل والأكثر تميزا من بينهم ” يخت الحيــاة ” ، ذلك المرسى الذي ستبدأ عنده حياتهـم الجديدة بكُل معالم الفرح والسعادة كما ابتدت من قبـل ، فكان مرسى لبدايتهما ونهايتهما .. وقفت شاهقة وهي تتأمل هذا الفصل الساحر من الجمال ، والمفرقعات والألعاب النارية الملونة التي تزين السماء .. تركت كُل شيء ولجأت لحضنه كي تعبر عن سيل المشاعر العظيمة التي سرت بقلبها ، عانقته بكل لهفة وحماس وأعلنت انبهارها :
-أيه الجمال ده ، يجنن يا عاصي .. يجنن .
لأول مرة يراها بهذا الحماس الطفولي الجميل الذي غمر قلبه بأسمى معاني الحب .. فحاورها قائلًا وهو يتأهب لحملها بين يديه :
-أنا مستعد أدفع عمري كُله مقابل الضحكة الحلوة دي بس ..
تغنجت بين راحتي يده وهي تعانقه بضحكة أحدثت أكبر الفتـن بقلبه وتمتمت بهيام وهي تشبث بهِ أكثر :
-وأنا عمري ما هعرف أضحك من قلبي كده غير معاك ..
بعض الخطوات التي قطعها كي يقترب من مرسى المركبة ، رفعها قليلًا بذراعيه وكأنه يُقيم وزنها من جديد ، حيث قال ممازحًا بحاجبيه المنعقدة :
-دول أكتر من عشرة كيلو زيادة ؟!
أطلقت ضحكة عالية مدفـونة بحضنه وهي تضربه برفق :
-ده الفستان مش أنا .. وبعدين شيل وأنت ساكت ، الحاجات دي بتتنظر .
بحرصٍ شديد قطع المسافة الفاصلة بين الميناء والمركبة بخطوته الواسـعة حتى رست أقدامـه على سطح المركبة وقال مُداعبًا بنبرة متخابثة:
-لا وعلى أيه !! كله ليـا وبتاعي فـ الأخر ..
تغنجت بخفة وقالت بثغرها الذي لم تُفارقـه الابتسامة:
-نزلني !!
لبى طلبها بدون جدال ثم تهامس قائلًا :
-نتعشى !!
أومأت بالموافقة وهى تتمسك بكفه مُتبعـة خُطاه للطابق العلوي من المركبة .. رجل أنيق كالصخرة وكانت تُزينه غيمـة شتاء لا تُمطر إلا فوقها .. بخطوات خفيفة صعدت السُلم وهي تمارس طقوس مختلفة تمامًا وكأنها بالفعـل أول ليـلة لهمـا معًا بالعمر .. وقفت أمام الطاولة المرشوشة بالورد الأحمـر والشموع وصوت الكَمان الذي يطرب قلبهـا وقالت مشدوهة :
-واااو !! أيـه الجمال ده !! عاصي أنا بجد مش مصدقة نفسي حاسة إني طايرة ، دا لو حلم أنا مش هكون مبسوطة كـده .
وقف أمامها وهو يداعب تفاصيل وجهها السعيد وقال بلطفٍ :
-وأنا جمبـك كُل يوم هيعدي لازم يكون مميز .. يالا نأكل .
أبت متدللة وهى تبسط ذراعيها البضة على كتفيه :
-مش جعانـة أوي ، ممكن نرقص الأول .. القمر في ليلة تمامـه والنجوم بتضحك ، والبحر هاديء ومتسلطن بحبنـا ، وبيني وبينك مرة نفس الست العجوزة قالت لي ، الرقص تحت القمـر في ليلة تمامه مثياق أبدية للقلوب ..
طوق خصرها الذي يداعبه شعرها متوليًا هذه المهمة الممتعة ، وفي أحد زوايا فمها قطف تلك القُبلة الشهية وهو يتمايل معها على صوت الكمان ، متسائلًا :
-وقالت لك أيه كمان الست دي !!
رفعت ذقنها حد كتفه ليتجاور ثغرها المنتفخ من القُبل بمسامع قلبه وقالت مُغرمة :
-قالت كمان في أسطورة بتقول أن الانسان لمـا بيتولد حياته زي الهلال بالظبـط بيكون لوحده تايـه في الكون بيـدور عـ نصـه التاني لحد ما يلاقيه فـ مكان ما ووقت معين .. فيـظهرلنـا قمر مُكتمـل زي ما بنشـوف … وعـارف ده معنـاه أيه !!! أن مع اكتمال القـمر مرة كُل شهر في اتنين عُشاق بيتجمعـوا .. ومع رجوعه لهـلال مرة تانيــة فـ اتنين عشـاق بيتفرقوا ..
ضمها أكثر لحضنه يذراعه الذي يراقصها بهِ وكأنه يدعوها بلغة جسده إليه كي يسد فراغات روحه متهامسًا بعد ما رفع أنظار لذلك البدر المنير فوقهما وقال:
-شكلي هبتدى أصدق كلامها ..
ثم حاصر خصرها بمرفقـه الأخر وشـرع في ترتيـل كلمـات الأغنيـة الأقرب لقلبه والذي قرر أن تُهدى لها في مثـل هذا اليوم ، كاشفًا هوايته الجديدة والتي لا يلجأ عندها إلا عندما يتوقد الحب والشـوق بقلبـه .. على لحن الكمـان بدأ في ترنيم كلماته بصوته العذب مغنيًا ” يا كُل العُمـر يا عمري ” .. اتسعت حدقة عينيها من وقع الصدمة وذلك الصوت الجميل الذي اندلع من جوفه اكتفت بتنهيدة طويلة انفضت بحضنـه وهي تعانقه أكثر مستمتعة ببراعة أحساسه وصوت مُغنيـًا لهاني شاكر :
-يا كل العمر يا عمري يدوب عمري
ولا يغلى يا روحي عليك
بحبك لو قريب مني
وأحبك لو بعيد عني
وأحب أسهر ليالي هواك
وأحب أنده لبكرة معاك
وتوحشني وأنا وياك
وڪأنّ جسدها قد عتق بالخمر أينما حضنها ثملـت ، قبل أن يبـوح بهوى قلبـه بآخر مقطع من الأغنية ضمها أكثر ليرفع قدميها عن الأرض فتُحلق في هواء هواه .. وأكمـل :
-أصاحب مين وغير حبك ماليش أصحاب
وأكلم مين وغير قلبك ماليش أحباب
أصاحب مين وغير حبك ماليش أصحاب
وأكلم مين وغير قلبك ماليش أحباب
فارق وجهها كتفه مشدوهًا ليتلقى بمنطبة على طير الحب الحاضر بقلبه ، ففتحهما ببطء على صوت صياحها المتحمس :
-أنا أزاي معرفش أن صوتك حلو أوي كده ؟! أنت أصلًا أزاي تخبي عني حاجة زي دي !!
عقد حاجبيه متستمتعًا بالتحدي المتبادل بينهم وقال وهو يقلد نبرتها :
-أصل مرة ست عجوزة قالتلي لما تحب واحدة يابني متحرقش كل ورقك قدامها ، لازم كل فترة تكتشف أن لسه في جديد عندك ..
انفجرت ضاحكة وهي تتذكر نفس الجملة التي قالت من قبل عند كشفها لهواية الرقص أمامه ، فختم جملته متسائلًا :
-كده كـام كام ؟!
-بطلت أعد ، أنا موافقـة إنك تغلبني على طول كده ، خلاص أنا استسلمت يا عاصي بيـه .
هام بسحر حوريته التي طوقها القمر بهالة الحب فزادت جمالًا فوق جمالها ، فهامس قائلًا بولهٍ :
-أنا مش قادر أصبر دقيقة كمان .. تعالى ننزل .
قبل أن ينتظر رأيها سحبها خلفه متدليـًا لأسفل حيث اتجاه غرفتهمـا وبخطواتـه الواسعة التي كانت تتبعها ركضًا وهي تضحك طالبة منه :
-عاصي الفستان ضيق ، استنى طيب هقع ..
فتح باب الغُرفـة بكُل ما يحمله من شـوق دام لستين يوم ، فالـيوم جاء وقت النحر ، نحر فيه جميـع الجسور بينـا ، الليلة أنا وأنتِ والحُب بغرفة واحدة .. جذبهـا كمن لم يتلقي بنساء من قبل كي يفض براكين حبه بها فارتطمت بسياج صدره صارخـه بضحـك متعجبة من لهفته المراهقة التي أحدثت زلزالا بكيانها معاتبة بدلالٍ :
-عاصي !!
امتدت يده لسحاب فستـانها وهي يتوقـد حُبًا بأنفاسه التي تعلن بأن ما يكمن داخله حريقة لم تكفيها ليلة واحدة لتخمد ، فجأة انسكب دلو الشك فوق رأسـه وفأصاب بالتجمـد قائلًا بغـلٍ يملأه :
-فين الـtest الـ جبته ؟!
قطمت على شفتها بإعتذار :
-نسيته في العربية ، سوري !!
كور قبضـة يده بغيـظ وقفل جفونه متخذًا نفسًا طويلًا كي يهدأ وهي يعض على شفته السفلية بإغتياظ ، فقال :
-غيري لحد ما أروح أجيبه ..
وقفت أمامه رافضة ذهابـه :
-عاصي أنتَ مش واثق فيـا ليه !! بقول لك مفيش حاجة صدقني!
-لا مش مصدقك ..
فضاقت عينيه بعدم تصديق وهو يقول :
-مش مستعد نقضي باقي الليلة في المستشفى .. غيري ومش هتأخر ..
فأوقفتـه قائلة :
-طيب هات شنطتي معاك ، عشان شريط الحبوب فيهـا ونسيته هو كمان ..
رفع حاجبه مندهشًا :
-كمان !!
بررت موقفها :
-الله ، نسيت .. ليا شهرين مش باخد حاجة ..
أومئ متفهمـًا :
-تمام يا حيـاة ..
خرج عاصي من الغرفة وهي يلعن حظه سرًا أما عنها ركضت للتأمل تفاصيل هيئتها أمام المرآة بفرحة تتقاذف من أعينها .. ذلك الفستان الرقيق الذي ينحت تفاصيل جسدها الممتلىء قليلًا وأصبح أكثر جاذبية وفتنة وتعلوه طرحة زفافها البيضاء التي تكنس الأرض ورائها ، والعقد الماسي الرقيق كإطلالتها والتي يزين فراغ فستانها المتعري من أعلى .. ظلت تقفز وتتنقل بالغرفة كفراشة تدلل على بستان من الورد .. ثم ركضت لـ تفتح خزانة ملابسـه وشرعت بالحيرة فـ اختيار ما سترتديـه .. مجموعة من ملابس النوم البيضاء ، أمسك بقميص قصير للغاية ويعلوه ” روبًا ” يصل لركبتها ولكنها تراجعت ، وأخرجت منامتها البيضاء الحريرية المتكونة من بنطال فضفاض وستره واسعـة من نفس النوع .. رفعت حاجبها بإعجاب :
-هي دي !! ونخلي التاني كمان شـوية ..
نزعت وشاح رأسها الطويل وألقتـه على السرير ثم أخذت ملابسها واتجهت للحمام كي تستعد لمجيئه .. مرت دقائق معدودة حتى عاد عاصي حاملا بيده بعض الحقائب .. في اللحظة التي فتح فيها باب الغرفـة ، فتحت هي الأخرى باب الحمـام بشعرها المنساب الذي استمد سواده من ظُلمة الليل والذي يكسو ظهرها بأكمله ويتجاوزه .. ما أن سقطت أعينها عليها تنهد بشرود متحيرًا من أيد تؤكل الكتـف ، فسُرعان ما عاد لرشده وهو يمد له جهاز اختبار الحمل وقال :
-قبل أي كلمة ، اتفضلي أعمل ده ..
أخذته من يده ضاحكـة وعادت للحمام مرة ثانية ، أما عنه بدأ في خلع ملابسـه وألقاه بعشوائية على عكس كونه شخصًا منمقًا للغاية ولكنه أراد أن يتحرر تلك الليلة من كل القيود .. فتح خزانة ملابسه وأخرج منها بنطالًا لونه أبيض فضفاض ثم تناول سيجارة وأشعلها بجوار أحد نوافذ ” اليخت ” .. خرجت حيـاة من الحمام وهي تسير على طراطيف أصابعها المطلية باللون الأحمر القاتم الذي يشبه حمرة شفاهها وهى تخطو بدلال فيتراقص خُلخالها .. تركت الاختبار على الطاولة الخشبية وذهبت لعنده وهي تتمايل بشعرها الحريري يمينًا ويسارًا .. وبثغرها المبتسم وشدت السيجارة من يده :
-مش حابة ريحتها النهاردة ..
دارت أمامه لتطفئ السيجارة بقلب المطفأة فعادت لتجد نفسها بين ذراعيـه وتحت عينيه المقمرة بحبهـا .. لُطخت ملامحها بحُمرة الخجل وقال بخفوت :
-وحشتك !!
رد مشدوها بجمالها وهي ينثر بذور حبه على ملامحها :
-فوق ما تتخيلي !
-تفتكر اليوم الـ صحيتك فيه من النوم لإني مش عارفة أنام من كتر ما أنتَ واحشني !! أنا الشيطان كان بيقولي قومي يابنت اهربي وروحي لعنده ويحصل الـ يحصل .
كان يذوب بين تفاصيلها الساحرة فتمتم :
-من النهاردة مش هبعد عنك تاني ، والليلة دي وعد من عاصي دويدار هتنسي فيها كُل الـ فات ..
كادت أن تستسلم لدعوته الصريحة ولكنها ترنحت متدللة :
-استنى !!
رد بملل :
-في أيه تاني ؟!!
وشوشت له :
-نتيجة التيست لسه .. بس ممكن نعمل حاجة أحلى لحد ما يظهر ..
-حاجة أيه الـ هتكون أحلى منك ؟!!
أردفت بتلك النبرة الحنونة وهي تمرر كفوفها على وجنته :
-أنتَ شربت النهاردة ؟!
ألقى نظرة على كفها الذي يستقر على وجنته وقال بنفس النبرة الهادئة التي ما زال محافظًا عليها :
-أنا وعدتك .
ارتسمت الضحكة على محياهها لصدقه معها ، فأتبعت متسائلة :
-بتعرف تصلي .. قصدي أننا نصلي سوا ..!!
مال ثغره بابتسامة مبطنـة بالحسـرة واعترف :
-بعرف أصلي يا حيـاة ..
ثم أمسك بكفهـا ليجلسا معًا على طرف فراشهم و أكمل :
-وهتصدقيني لو قُولت لك إني كُنت حافظ أجزاء من القرآن !!
بعينين تتوهج بالغرابة ، مع حاجبين منعقدين :
-ده بجـد !!
أكمـل متذكرًا تفاصيـل ماضيـه المُشتتة :
-سنـة ٩٩ دخلت كُلية التجارة ، وهناك كُنت شاب مراهق وطايش .. تعرفت على جماعة من الأحزاب الدينية المتشددة .. و الـ للأسف بنسميهم أخو..ان ، فضلت معاهم سنـة وشهرين مجالس وخُطب وتحفيظ قران ، لحد الخبـر ما وصل لعبلة …
بد اليائس على ملامحه مع تنهيدة طويلة تحمل الأسف :
-مش عجبها الحال ، بلغت عن الشباب دول ومعرفش خرجتني ازاي ، وكان أول تهديد ليها أننا مش هينفع نعرف شهاب دويدار ، ده سر ما بينـا ..
تمتمت مستوفرةً :
-وبعدين !!!
شد عُلبة السجائر المركونة على سطح الكومود ورمى واحدة بفمه كأنه يود حرق بعض التفاصيل التي تذكرها ولكنه تراجع إثر رغبتها في عدم حبها لتلك الرائحة ، فأتبع بنبرة مؤسفـة :
-ركبت معاها العربية وخدتني على بار ، كباريـه ، وقالت لي ده مكانك ومكاننا وسط الناس الهاي .. بلاش تنزل من مستواك وتقعد مع ولاد الحارات الشعبية والمُتخلفيـن ..
تعالى جؤجؤ صدره الممتلىء بدخان الماضي وهو يواصل ذكرياته المؤلمة :
-يومها شربت أول كأس واتعرفت على ولاد الناس الأكابر زي ما هي مفهماني .. تاني يوم روحت لوحدي وحبيت الجـو والانبساط الـ فـ المكان ، خلاص ده مكاننا أنا كُنت غلطان !! ماهي عملت لي غسيـل مُخ .
رشح جبينه ثم أطرق بأسف ليزحزح عينيها من عندها وبدّ عليه الارتباك وهو يتمتم :
-يومها لمست أول بنت يا حـياة .. وبقيت واحد تاني ، أخدت الكُلية في ست سنين او سبعة مش فاكر منا مش فاضي حياتي بقيت سفر وسهر وشُرب وستات متعديش ..
برح به الماضي فأخرجه في صورة زفيرًا قويًا من الدخان الذي يحرق صدره ونظر لها :
-لحد ما توفي شهاب دويدار .. افتريت يا حياة بمعنى الكلمة ، سُلطة وفلوس وستات زي الرز لحد ما تميت ٣٢ سنـه واتعرفت على مهـا ..
غادرت مكانها وجثت تحت مظلة عينيه ممسكة بيدها وكأنها تذكره بها وبسعادتهما معًا وأن كل ما مر كان ماضٍ ، فأطرقت بخفوت :
-حابب تكمــل ؟! لو هتضايق بلاش ..!
رد وكأنه بحاجة للبوح :
-خلتني أحبها بس مخلتنيش اتغير عشانها ، كانت بتحبني كـده زي منا ، وتقبلت أن دي حياتي خلاص ومش هتقيدني ، فاتمديت بقا ومابقتش عامل حساب لحد … لحد ما جيتِ أنتِ !
اتسعت ابتسـامتها وتلألأت عينيها ، وقالت بغنج :
-عملت أيه مميز عشان تقرر أنك هتتغيـر عشاني .
مسح على رأسهـا وقال معترفًا :
-لقيت نفسي معاكِ .. طير حُر شاف السما بعد سنين طويلة كان مسجون جوه قفص ..
ثم رفعها لتتخذ من ساقيه مجلسًا وهو ينظر إليها مأخوذًا وأردف متسائلًا :
-عايز أعرف رأي حضرة الروائيـة مراتي ، أيه هو الحُب الـ يخلي رجل يحب ست واحدة من بين كُل الستات دي !!
أحست بالفخر بسبب أعتزازه بموهبتها وحماسه لمعرفة رأيها .. طوقته بحنان زاخـر وقالت بهزار :
-يمكن أنا وأنت اتقابلنـا في زمانٍ تاني غير ده ، وكُنا بنحب بعض .. ولما التقينا في الدنيـا الحُب ده اتجدد من تاني وحسينا أننـا نعرف بعض من زمن ! ده رأيي الروائي ، تحب تسمع رأيي الشخصي ؟!!
كان كفه متوليًا مهمة ملاعبة خصرها بحرافيـة وكأنه يُخدر فراغ الأيام الخالية منه ، كـ يد لامست آلتها الموسيقي العتيقة بتعطش وهو يتابعها باهتمام ويركز في حركة ثغرها المثير الذي يخشى أن يؤذيه بقُبلة متهورة منه ؛ وقال :
-أنا دايمـا بحب اسمع لك .. قولي .
اكتفت بترك قُبلة برقة النسيم على أرنبـة أنفه وشعرها كالستارة التي تُظلل عليهما ثم سندت جبهتها فوق جبهته وبنفس النبرة التي تحمل حرارة الشوق وهي تعبث بأناملها الناعمة بعظام كتفه :
-أنتَ عارف أن حواء مخلـوقة من ضلع آدم .. من ضلع جمب قلبه بالظبط ، وكانوا عايشـين مع بعض فـ الجنـة .. لمـا نزلوا الأرض ، ليه ربنـا نزل كل واحد منهم في مكان مختلف ؟! وتعبـوا عشان يلاقوا بعض .. ليه منزلوش سوا !!
-ليـه ؟!
أكملت بنفس النبرة المتغنجة :
-دي كانت إشارة للحيـاة يا عاصي وده قانونهـا الـ هتكمـل عليـه لنهاية الزمان ، لكُل آدم حواء خُلقت من ضلعـه فـ السماء .. بس لما بنلمس الأرض تعرف أيه بيحصل ؟!
اعتدلت فـ جلستها لتُطلع عينيه بالأخص وأكملت بنفـس النبرة الهادئة :
-بنتوه من بعض ، كُل واحد بيفضـل تايـه في الحياة ودروبها بيدور عـ الجزء الناقص جواه ، والجزء الـ ينتمي له ، فـ الـ ربنا مقدرلهم لُقاء فبيتلاقوا وبيعيشوا أجمل معاني الحُب ، حب من الجنة .. وفـ الـ بيتلاقوا بس بيكملوا حياتهم مع ناس تانيـين مش شبههم وبيتقتل الحُب على إيدهم .. وفـ الـ بيقضي عمره كله بيدور ومابيـوصلش .
ثم عانقته وكأنها تعانق الصدفة التي جمعتهمـا :
-وإحنا كُنا محظوظين ولقينا بعض ، حتى ولو متأخر .. المهم اتلاقينا .
ينظر إليها مأخوذًا حتى أنها لم تمهله الفرصة للرد متسائلة :
-لكن السؤال هنا ، هل هتفضل تحبني للأبد ؟!
كانت مداعباتها الحنونة وأنفاسها الهادئة تتسرب لبدنه كـ ذبذبات كهربائية ، حتى قال:
-افتكر الـ زيك مش هيليق بيها غير الحُب الأبدي .
بنبرة هادئة غارقة في غيبوبتها السعيدة قبل توهج الجمرة بينهما ، وهي تقفز بشغف :
-هنقوم نصلي الأول .. يلا .. حابة أوي أجرب الشعور ده معاك .. زي مشاعر كتير لسه هنجربها سوا الليلة دي ..
فرغ الاثنان من طقوس الوضوء بضربات قلبهما الهادئه وحمامات السلام التي عششت فوق قلوبهما .. ارتدت حياة روبًا طويلًا يغطي قدميها وظلت تبحث عن وشاحًا تغطي به رأسها حتى استعانت بأحد مفارش الطاولة البيضاء .. وهو الأخر كانت حركاته هادئه عكس قلبه الذي يرتجف .. يرتجف من هول اللقاء الأول بينه وبين ربه بعد فراق عشرين عامًا .. فرشت حياة مفرشًا أبيضًا نظيفًا بالأرض بدلًا من سجادة الصلاة بعد ما ضبطت اتجاه القِبلة مستعينة بجواله .. ثم أشاحت بعينيها الزرقاء له وقالت بتوجس مبطن بالحماس :
-يلا !!
قفل أزرار قميصـه الأبيض وشد أكمامه وهو يقترب ببطء شديد وقلب متراقص .. وقف كإمام لها ووقف على يمينه تبعد عنه بمسافة خطوة للخلف .. رست أقدامه الوردية التي تبرز منها العروق القوية متأهبًا للصلاة .. وقف مشدوهًا لبضعة دقايق يستوعب هول الموقف حتى رفع كفيـه لعند آذنيه مُعلنًا الصلاة بخجل من لقاءه الأول مع المولى عز وجل :
-الله أكبـر ..
رفعت كفيها فوق عظام صدرها بوجهها الباسـم وعينيها الممتلئة بالعبِرات خاصة عندما تذكرت ذلك الموقف وصلاة الفجر وراء أبيها وكل المشاعر الآمنة التي كانت تغمرها حلت اليـوم على دكة خُطاه .. لم يكن صوته عذبًا فقط بالغناء ولكن كان أجمل بالقـرآن خاصة وهو يرتل الآيات الصغيـرة المترسخة في عقولنـا مهما مرت الأعوام ، ولكن لحظة الوقف خلفه تضاهي جميع أعوام العُمـر ..
مارس طقوس الصلاة كإنه لم يُفارقها يوم ، نفس شعور الرهبة الذي سكن فؤاده قبل عشرين عامًا وبنفس ذكريات ذلك المسجـد القديم الذي كان يجمع صُحبتهمـا .. ولكن اليوم تقف خلفه أحد حوريات الجنـة تلك التي هذبت قلبه بأرقى أنواع التربية .. ما فرغ من صلاته حتى إنه لم يلتفت إليها فعاد ليُطيل السجـود كانت لا تسمع إلا صوته همهماته مع ربـه ، ربما إنه يطرق بابًا جديدًا للتوبه !! أم يعتذر عن سنوات الغياب !! أم يعد ربه بإنه لم يكن أخر لقاء وسيتردد على بابه كثيرًا ؟! ربما كان يدعو بأن يهدي قلبه العاصي؟! أم يبارك له في حياته الجديدة وحبه !! أم يحفظ صغاره !!! لا تدري ولكنها لم تقطع خلوته ، تركته ساجدًا ثم انسحبت بهدوء وألقت نظرة على اختبار الحمـل فلـم تجد إلا خطًا واحدًا باللون الأحمر .. ابتسمت برضا ثم تركته وتناولت قرصًا من أقراص منع الحمـل قبل بدء ليلتهما وتركت الشريط أيضًا بجوار المختبـر .. تحررت من ملابسها حتى عادت لعنـده وجلست بمكانها نتظر قدومـه .. بعد سجوده الطويـل رفع رأسـه آخيرا فتحركت لتجلس بمحاذاته واضعـة كفيها على ركبتيه المثنيـة بامتنان :
-تقبـل الله يا حبيبي !! صوتك كان جميل أوي .. أنا كل يوم مش هصلي غير معاك ..
قَبل جبهتها :
-يا ريت بجـد ، لو يوم لقتيني نسيت أو انشغلت فكريني .. اتفقنا .
-حاسس بإيه !!
تنهد بارتياحٍ :
-أنا عُمري ما كُنت مرتاح زي كده ، عارفة زي غيمة سودة كانت فوق قلبي لسنين طويلة وفجاة مابقيتش موجودة .. عارفة أحساس الـ اتولد من أول وجديــد ؟!
تأرجحت عينيـها بإعجاب :
-وأنا أول مرة أشوفك مرتاح كدا .. ربنا يريح قلبك وبالك العمر كله ..
أومأت بحماسٍ مع ابتسامتها الخلابة وقالت بمزاحٍ :
-التسيت بيقول أن مفيش حمل ولا حاجة .. عشان تثق فيـا بعـد كده .. أنا خلاص بقيت خبرة فـ المواضيع دي !!
شعر بالارتياح وهو يطبع قُبلة جديدة على وجنتها :
-الليلة لو كانت اتضربت كُنت هزعلك .. يعني كده الدار أمان !
أطرقت بخفوت :
-الدار مش أمان .. الدار مشتاقـه لسُكانها .
كاد أن يغتنم الفرصة لينعم بها ولكنها قاطعته بسرعة :
-عاصي أنتَ ليـه صممت نبعد عن بعض الفترة دي كُلها ، يعني فيها أيه لو كنا مع بعض وعملنا فرح وكل ده الحاجات دي وأحنا سوا ؟!
عقد حاجبيه معترضًا :
-وده ينفع بردو !! دي حسابات تخصنا إحنا كرجالة ، متشغليش بالك أنتِ؟
تاهت في بحر ألغازه :
-يعني أيـه !! مش فاهمة ؟
تجاهل سؤالها الأحمق ودقت سـاعة اللقاء فلم يعد يتحمل دقيقة أخرى في سنوات البُعد عنها .. فترك الزمام لعينيه أن يتحدثا ، هل يمكنني أن أدخل الحياة من باب عينيكِ الآن .. أن أهزم التنهيدة بعناقك ، أمشي إليكِ بقدمين سليمتين دون تردد وبكامل رغبتي إلى حتفي بين يديكِ ، أدرك جيدًا أنني إن دخلت حجرتك الصغيرة سوف أخرج منها مقتولاً بكل أساليب الحب ؟!
كانت أنامله تعزف بالكلمات على أوتار قلبها ، ونفس الحال لأناملها التي تدلك تقاطيع صدره الظاهرة ، تدلك برفق فيتوقد جسده أكثر وأكثر وتتوهج منارات قِبلاته أكثر فأكثـر .. معها تحرر من قيود الزمان والمكان والأرض التي تجمعهما .. كانت تتراجع للخلف سَكرة لا تعى أين هي وما ستفعله !! ، باهتمام جذب الوسادة ووضعها خلف ظهرها كي لا تصطدم بالطاولة الصغيرة .. كانت تتراقص تحت يديه كروضة اقحوان تحت المطر وهو كان بارعًا في تفجير كل زهور الشوق المنكمشة بكيانـها .. فدبت أول رجفة بقلبها والتي تتذكرها أكثر من طريق بيتها ..فلا تعلم أكانت تلك الرجفة خاصة بـحلاوة الحب أمِ الأحلى من الحُبّ الحبيبُ ؟!! كان ذكيًا للغاية يُغني حبًا ..ويعزف قصائدًا على أوتار جسدها .. يرسم ثمرات الشوق على وديان قُربها ، وكأنه يمنحهـا بصورة أو بأخرى وطنًا لا يعرف معنى الهجران بعـد تلك اللحظـة .. شعر بهزيمتها واستسلامها ففسح مجالًا لتسترد أنفاسها من بين القُبل الطويلة .. تسلل كفــه لتحت ركبتيها المثنيـة والأخر وراء ظهرهـا وحملها بين يديـه وهي هزلـة تتشبث بحضنـه كطفلة نائمة تتمتم بهمهمات حبه المتوقد .. وضعها برفق على ذلك التخت .. الذي سيشهـد على حرب أبدية لحياة الحُب الأزلية والتي سيوقع عليها الآن بختم سلطان الهوى .. تراقصت جفونـها فتلاقت أعينهم الفائضة من اللهفة لتخبره بطريقة خاصة بهما أن ” أيها العصي حياتك فاقها الشوق! ” ومن هنـا بدأت طقوس المعركـة الروحية على خدود الحُب الذي طوق قلوبهـما .. لتُخبره بجملتها الأخيرة قبل أن يذهبا لعالم الحُلم سويًا :
-ولو كَـان ليا الف حيَاة ، بردو هحبك فـ كّـل حـَياة الَف مـرة .
••••••••
~بغُرفــة عاصي .
تنام ” نوران ” بجوار تاليـا وداليـا ، وأجبرت كريم أن يقيم معها بنفس الغرفة ، فرشت له مرتبة بجوار السرير عمومًا وبجوارها خصوصًا .. استيقظت داليـا من نومها وهي تتفقد هويـة النائمة بجوارها ، وربتت على كتفها لتوقظها:
-نوران ، مامي فين ؟!
ردت نوران بصوت مفعم بالنوم :
-نامي يا حبيبتي الصبح هتيجي ..
زفرت داليـا بملل :
-طيب قومي هاتي لي ميـه .
تململت نوران بنومتها رافضة :
-الصبح بردو ، يلا نامي !
أصرت داليا بإلحاح :
-نوران عايزة أشرب ميه قومي هاتي لي .
مدت نوران كفها لكريم النائم تحتها بالأرض وقالت بضيق :
-كريم قوم هات ميـه للبنت ..
ربت على كفه بكللٍ وهو يتقلب في نومتـه :
-قوليلها الصبح …
فلكزته بإلحاح :
-قوم بجد أنا مش قـادرة ..
تأفف كريـم وهو يضع الوسادة على رأسه :
-نامي ربنا يهديكي !!
وثبت نوران بجزعٍ وهي تجر في أقدامها جرًا :
-يعني يا دودو هنزل تحت أجيب ميه !! ما تنامي بجد .
أشارت داليا على الثلاجة الصغيـرة :
-في ميـه هنـا ..
سارت نوران بأعينها المقفولة وفتحت الثلاجة لتُخرج قارورة الماء الزجاجية وهي تحت سطو نومها فانسابت الزجاجة من يدها لترتطم بالأرض وينتشر فتات زجاجها بكُل مكان ، فزع كريم على مصدر الصوت وهي يلومها :
-يخرب بيتك !!
في تلك اللحظة جاء صوت بكاء صغاره النيام ، فأغرورقت عيني نوران بعتب وهي تقف في منتصف قطع الزجاج المنثور :
-لا كريم الحقني دول كمان صحيـوا !!
وثب كريم حائرًا بين صوت بكاء الصبيان وخوف الفتيات وتلك التي تقع في بئر الزجاج لا يمكنها التحرك .. ارتدى نعاله الخشبي وذهب لعندها ليحملها كي لا تؤذى قدميها .. و تركها على طرف السرير مؤكدًا :
-متقربيش عشان الإزاز !!
ثم دار حائرًا تائهًا بالغرفة :
-ده ننضفه ازاي ؟!
نهضت تاليا مقترحة وهي تُشير لأحد الضلف :
-أونكل كريم المكنسة هنـا ، ماما دايمًا بتنضف بيها لما نوقع أكل !
أخرج المكنسـة الكهربائية من مكانها وقال بتحير :
-سكتي العيال دي !! أنتِ هتتفرجي عليـا ؟!
شغل كريم المكنسـة وشرع في تنظيف الأرض من فتات الزجاج بعنايـة كي لا يؤذى أحد .. حملت نوران ريان وتركتـه على الفراش ثم جاء بركان ووضعته بجواره وسالت البنات :
-بيسكتوا ازاي !!
جاءت تاليـا مقترحة :
-مامي بتنيمهم على بطنهم كده وبتطبطب عليهم بشويش ..
فتدخلت داليا مقترحة :
-لا يا نوران هما جعانين ، عايزين ياكلو .. أكليهم ، بس ريان لازم يرضع طبيعي زي ما مامي بتقول ! رضعيه بقا .
انعقد حاجبي نوران باندهاش وهي موشكة على البكاء :
-دي أعملها ازاي !! كريم تعالى ألحقني .
فرغ كريم من كنس الأرضية ورجع المكسنة لمكانها .. ثم أقبل لعندهم وهو يقول :
-حياة مجهزة الرضعة لكُل واحد أهو .
توترت نوران وهي تدور حول نفسها بارتباك :
-طيب أنت امسك واحد وانا همسك التاني .. صح كده .. وأنتِ يا توتا اقعدي جمب أونكل كريم ولغوشي عليه عشـان ميعيطش .. وأنتِ يا دودو تعالى جمبي ..
حملت ريان وشرعت أن تُطعمه ولكنها توترت خائفة :
-كريم انزل اصحى شمس تتصرف معاهم ، أنا بجد خايفة ..
زفر كريم بأعتراض :
-لا يا نوران .. اعتمدي على نفسك في حاجة بقا .. أعملي زيي أهو .
رمقته بتوجس :
-ركان هادي .. خد ريان وهات ركان ..
جز كريم على فكيـه :
-نوران متعصبنيش !!
-أنتَ بتزعق لي ليه !! أنت السبب في كل ده ، لو قمت جبت مية بسكات ، مكنش كل ده هيحصل ..
ثم زفرت بامتعاض :
-أقول لك عقابًا ليك ، هترضع الاتنين ، اتفضل .
تدخلت تاليـا قائلة :
-نوران أنا جعانة عايزة أكل .
فأكملت داليا :
-وأنا عايزة أشرب ميه يا نوران .
رمقتها بذهول وهي تلعن حظها :
-يادي نوران والـ جابوا نوران .. هي حياة ازاي بعقلها كُل ده ! اكل وشُرب ورضاعة !! أنا دماغي هتطير خلاص .
أصرت تاليـا :
-جعانة يا نوران ، اتصرفي .. أعمليلي أي ساندوتش .
-أنتِ بتقومي كده في نص الليل بتاكلي عادي !! وحياة بتأكلك .
ردت تاليا بفرحة :
-اه ، وهي كمان بتاكل معايا .. بتقول عشان ريان بيأكل أكلها فهي بتجوع بسرعة زيي .. وبتعملنا باستا بالجمبري والوايت صوص تجنن !!
-ده الفجر !!؟؟
ردت تاليا ببساطة :
-في كل وقت .. مامي الـ يهمها نكون مبسوطين وبس .
تأرجحت عيني نوران بحسرة خاصة عندما شرع ربان في البكاء مرة ثانية وقالت لكريم :
-أحنا مش هنأجل الخلفة لحد ما أخلص جامعة ، أحنا هنلغي المشروع كله ، كريم أنا أعصابي تعبت بجـد .
ما كادت أن تنهض ولكنها تراجعت بسرعة :
-كريم أقول لك روح اتجوز عليا أنا مش هنفع في أي حاجة بجد !
••••••••
~ مع شـروق الشمـس .
خرج عاصي من الحمـام بعد ما ابترد للمرة الثانيـة وهو يجفف شعرها بالفوطة الصغيرة التي رماها فوق بطنها ممازحًا :
-لسه متحركتيش ، قومي بطلي كسـل .
تغنجت صارخة بدلال :
-بس بقـا ، مش قادرة بجـد .. أنتَ عملت فيا ايه ؟!
هز كتفيه لا مباليًا بذنبٍ :
-أنا معملتش حاجـة ، أنتِ الـ قلبك بقا خفيف من الركنة .
وثبت مفزوعة وهي تعارضه وتتبع خُطاه للمرآة :
-أنتَ بتقول أيه !! لا بص لي كده ، حاسة في إهانة وتلقيح عليا !
شرع بتصفيف شعره وهو يغمز بطرف عينه:
-لا مش حيـاة الـ أعرفهـا ..
ضربته بقضبـة يدها بغلٍ وقالت موبخة :
-والله رخم ، وبتكذب كمان .. ومش هتعصبني لا .. أنا واثقة في نفسي جدًا .
أطلق صفيرًا خافتًا وهو يتحاشى النظر إليهـا ، فتأوهت غاضبة :
-عشان الرخامة دي هسيبك وأنام ..
رد بثقة :
-هصحيكي ..
تحدته بدلال :
-مش هصحى .. مش أنا قلبي خفيف !! طيب استحمل بقا ..
كادت أن تركض فأمسك بمرفقها بسرعة لتعود لعنده ففي تلك اللحظة أصاب الدوار رأسهـا فتأوهت متوجعة :
-آآآه !!
-مالك .
رفعت جفونهـا بتكاسل :
-دوخت تاني !! لا لا في حاجة غلط ، أنا مش مظبوطة .
طوق خصرها وتمسك بها جيدًا ثم قال :
-طيب تعالى ارتاحي .. على مهلك.
مددت على طرف السريـر ، فانحنى ليضع الوسادة وراء ظهرها ، فلم يخلٌ من مداعبتها متهامسًا :
-بجد قلبك الـ بقا خفيف ولا الجولة كانت تقيلة عليكِ !!
لكمتـه في كتفه بغيظٍ:
-بس بقـا .. بطل رخامـة .
اكتفى برسم ابتسامة واسعة على محياه وهو يقـول :
-هعملك حاجة دافيـة تشربيهـا .
ردت ساخرة :
-أيه الحنيـة دي كُلها !
رد بمكر وهو يسير ناحية ركن القهوة :
-برمى شبك يمكن يطلع بسمك .
ردت متعبة متفهمة مغرى تلميحاته :
-لا انسى .. روحني لولادي !!
رد مستنكرًا :
-ولادك مين !! مفيش خروج من هنا غير لما أرضى عنك .
ثم ولى رأسه لعندها وقال :
-أنتِ شيلتي التاتوه ليه !
ردت بارتياح :
-شوفت فيديـو إنه حرام .. والفترة الأخيرة رجعت انتظم في الصلاة تاني عشان البنات يتعلموا ده وميغلطوش غلطتنا ، عشان كده شيلتـه .. بس لو يهمك أوي أنا ممكن أرسـم حنة .
شعرت ببعض التقلصات ببطنها فلم تنتظر رده بل أسرعت راكضة نحو الحمام ولم يصله له إلا صوت تقيؤها .. ترك ما بيده كي يلحق بها ولكنه توقـف بجانب الطاولة التي كان عليها جهاز اختبار الحمل .. تجمد فكره لجزء من الثانية وهو يتأمله حتى لاحظ وجود الخطيـن الذي يعلن حملهـا .. عض على شفتـه ساخرًا :
-بقول في حاجة غلط !!
ثم صاح مناديًا :
-أنتِ يا ست خبرة ..
تركه مكانه ثم عاد إليها وسندها وهي تخرج من الحمام ويبدو عليها الإرهاق :
-عاصي بجـد أنا مش مظبوط ، معقولة أخدت برد !
هز رأسه مستنكرًا وهو يوصلها للفراش مرة ثانية :
-أو حامل مثلًا !!
ترنحت بتمـرد :
-يووه بقا يا عاصي !! بردو مصمم ؟!
أطلق ضحكة ساخرة والقى لها اختبار الحمل قائلًا :
-لحد ما تشوفي ده ، هستناكي فوق عشان نفطر .
امتدت أناملهـا لتفحص النتيجة الإيجابية مرة ثانية فصرخت متمردة على ذلك الحدث :
-عاصي لا !!! خد هنا أنتَ سايبني مع الكارثة دي لوحدي !! عاصي طيب إزاي !!!
لكنه غادر الغرفة وهو يضحك ويضرب كف على الأخر متمتمًا وهو يشعل سيجارته :
-أهم حاجة الثقـة الـ بتتكلم بيها ! وأنا مُغفل وبلعت الطُعم !!
ارتدت فستانها الأزرق الطويل ولملمت شعرها بعشوائية وسارت خلفه وبيدها الاختبار وحبوب منع الحمـل .. ركضت لأعلى وهي توبخه :
-أنتَ ازاي تسيبني وأنا بكلمك !!
ثنى سيجارته بقلب المطفأة وهو غارق فـ الضحك :
-الهانم بتاعت الثقة !! أنا نفسي أعرف ، الحاجات دي كل الستات بتعرفها ؟! أنتِ فين من كل الستات دي !
جحظت عينيها وهي تجلس بجواره :
-عاصي أنا مصدومة بجد !! أنا كنت بأخد الحبوب في ميعادها .. وكمان الـبـ….
فابتلعت بقية حديثها متذكرة قصة حملها الأول:
-استنى ، بدأت أفهم ، معقولة قصة الحمل الأول اتكررت .. الدكتورة قالت لي ده اسمه حمل غزلاني .
ثم تشبثت برأسها :
-لالا ، الجهاز ده غلط .. طول ما أحنا مع بعض أنا كنت بأخد الحبوب في وقتها .. حتى شوف الشريط فاضي ازاي !
خطف الشريط من يدها ورماه بالبحر ، فوبختـه :
-أنتَ بتعمل أيه !!
-ملهوش لازمة بقا ، حياة حبيبتي أنتِ بتستهبلي !!
-عاصي أنتَ بتقول ايه !! أنا بجد مصدومة !
عقد حاجبيه بخبث :
-مش ريان وركان لما جم كنتي بردو بتاخدي نفس الحبـوب دي !!
غمغمت :
-اه بس كنت ساعات بنسى ، لكن أنا ليا ٨ شهور منستش ولا يوم !
انفجر ضاحكًا على ملامحها المشدوهة من إثر الصدمة ، فقال مداعبًا :
-عارفة ليه بتستهبلي ؟!! عشان جوزك ما تنفعش معاه الحبوب دي ، مشروع فاشل .
رمقته بذهول يحمل الشكوى:
-عاصي !! أنت بجد مبسوط ؟! أنتَ متخيل أنا داخلة على أيه؟! خمس عيال يا عاصي .. هتجنن يالهوي !!!
ردّ ببرود متعمدًا إثارة غيرتها :
-وممكن يبقوا ستـة .. أنتِ وحظك ! أصل أنا مش بخلف غير بالجوز .
وضعت أناملها على فمه متحسرة :
-لا .. ما تقولش !! حرام عليك بجـد .. أنا أيه الـ عملته في نفسي ده ياربي ..
ثم ربتت على كتفه بترجي :
-أنتَ كنت رميتني للسمك يومها أرحم ليـا من الـ بيحصل ده ..
لم تهن على قلبـه أن يُلقيها فريسة للأسماك وضمها لحضنه وهو يتنفس رائحتها وقال :
-أعملي حسابك ، كل سنـة من ده ، كل سنة عايز ضيوف جديدة تنور أوضتنا .
ردت مستنكرة :
-أنتَ مش متجوز أرنبة !!
سند ذقنـه على كتفها وقال هامسًا :
-بس أنتِ متجوزة عاصي دويدار ..
حدجته معاتبة :
-عاصي !! أنتَ بتتكلم بجد !!
-وجد الجد كمان .
ثم وضع تلك الخصلة المتطايرة وراء أذنها وقال بشموخ :
-حياة أنا كنت غلطان لم منعتك تخلفي طول الفترة دي ، أنا بكبر وعايز اسمى يتمد كمان وكمان .. أنا مش عايز أمشي بحراسـة .. أنا عايز أمشي بولادي ، ولاد عاصي دويدار .
ثم ختم جُملته بقبلة خفيفة على جدار عنقها وأكمل ممازحًا :
-هتقدري ولا أجيب الـ تساعدك!!
غازلتـه متدللة وهي تتكئ بظهرها على سياج صدره وهى تخفض كفيه لمستوى بطنها التي تضم مضغة جديدة من حبهما وقالت :
-أنت هتقدر تخلف من واحدة غيري !!
رد متعمدًا إثارة غيرتها :
-ما أنتِ الـ هتربيهم .
سايسته قائلة بمزاح :
-لما أقتل أمهم !! اذا كان كده ماشي .
-شوفتي فاهمك ازاي!
دارت إليه بنيران غيرتها وهي تتمسك بياقه قميصه المفتوح:
-سؤالي واضح ياعاصي بيـه ، هتقدر تخلف من واحدة غيري !
-أنا لو حابب أخلف دستة ، فعشان بس أنتِ هتكوني أمهم .. غير كده ميلزمنيش .
اتسعت الضحكة على محيـاها وغمغمت :
-بحـبك ..
قبل جبينها ثم ضمها إليه لتستند برأسها على صدره قائلًا :
-مبروك الحمـل يا أم ريان .. عايزك ترتاحي خالص .. وكُل طلباتك مُجابـة .
-الله يبارك فيك يا أبو ريـان .
وبنفس الابتسامة رفعت عيونها لعنـده وقالت :
-الولاد وحشوني ، يلا نرجع لهم .
-نطمن الأول على الحمل ونروح .. يلا قومي .
كادت أن تقف متمسكة بيده وهي تقول بسعادة :
-اليخت ده كل ما أجي فيه لازم أكون حامل !! أنا بدأت اتوغوش !مش هاجي هنا تاني .
انحنى متهامسًا بتحدٍ :
-أنتٍ مش هتيجي غير هنا ..
ثم غمز بطرف عينه :
-أششش عندنا فريق كورة لازم نكمله .
”كل الشعراء قبلي، كل القصائد قبلك، كل قصص الغرام قبلنا، لم تكن إلا مقدمات لقصتنا، وكل ساعةٍ مرت من الدهر ليست إلا تنبيه على اقتراب موعدنا.”
#لقائلها ..
~مساءً …
رجع عاصي وحيـاة لمنزلهمـا الممتلىء بـ العائلة بعد ما ذهب للمشفى وتأكد من صحة الحمل الذي أيدته الطبيبة والذي يبلغ عمره التسـعة أسابيـع .. منحت حياة طاقم الخدم إجارة هذا اليـوم لقضاء وقت عائلي مميـز وخاص بهم .. قضت ساعات طويلة من صغارها وهي تتمم على مطلباتهم من مأكل ومشـرب وملابس واستحمام وغيرها .. وكان عاصي جالسًا مع تميـم ومراد يتناقشون في تفاصيل مشروعهم الجديد والضخم حتى مالت الشمس إلى المغيب ..
~بغُرفة عاصي .
تجثو حياة على رُكبتيها تصفف شعر تاليا بعد ما فرغت من ضبط شعر داليـا .. مررت الفرشاة على شعرها الناعـم وهي تضع ” التوكة ” المتناسقة مع ملابسها وهي تدندن ببعض الألحان حتى جهرت متحمسة بعد ما ضبت فورمة رأسها :
-توتا ، بصي عليـا كده !!
دارت تاليـا لعندها فشرعت حياة بضبط قُصة شعرها المتدلية على جبهتها وقالت بإعجاب وهي تقبلها :
-ده ايه الطعامة والجمال ده كله .. ياروحي أنا على القمر بتاعي .. !
ثم ركضت بسـرعة وأحضرت قلم حُمرة الشفاة الوردية وجثت مقابلها وهي تلون ثغرها بذلك اللون اللامع فـ زامت تاليا ثغرها بفرحة ثم تابعتها داليـا لتزين وجهها بنفس الحمرة وقالت بشغف :
-أحكولي ، نوران عملت فيكو أيه وأنا مش موجودة .
شرعت تاليا بسرد تفاصيل أمس وهي تضحك وتقلد كلمات نوران بالضبط ، فأتبعت داليا رواية أحداث الليلة بنفس المرح والزجاج المهشم الذي نظفه كريم ، وبكاءها طول الليـل وشجارها المتواصل مع زوجها الذي كلفته المسئولية كاملة، فختمت جملتـها بترجي :
-مامي ، ممكن مش تسيبينا تاني ..
انكمشت ملامح حياة المعتذرة وهي تقبلها بحنو زاخر :
-ده كان يوم واحد بس .. خلاص أوعدكم مش هيحصل تاني أبدًا ، وأي مكان نروحـه هتكونوا معانا .. اتفقنا ..
عانقتها داليـا بامتنان:
-أنا بحبك أوي أوي يا مامي ..
فُتح باب الغُرفـة فهّل منه عاصي وهو يشيد بإعجاب :
-ده أيه الأحضان دي كُلها من غيري ؟!
أقبل عليه ريان الذي يحبو بحماس مرحبًا بعودة أبيـه فانحنى في الأرض ليحمل طفله وهو يقبله :
-ريان باشـا .. وحشتني يا ولاه .
ثم ركل الباب ودلف للداخل متسائلًا :
-ركان فين ؟!
طافت عيني حياة بالغرفة تبحث عنه ثم وثبت كالملدوغـة وهي تلوم نفسها :
-يا خبر !! في الحمام ..
ركضت بلهفة لتأتي بصغيرها الذي يعشق اللعب بالماء وهي تحمله صارخة بعتاب يبطنه الشكوى عندما وجدت ملابسه مبللة بالماء :
-ركان !! حرام عليك بجد .. أنتَ بتعمل فيا كدا ليه بجد !! طيب أنا مش بصعب عليـك !! أنا بنت ناس والله عـ المرمطة دي كلها ..
ثم خرجت به بعد ما قفلت الصنبور وملابسه يتقطر منها الماء وتشكو همها لزوجها :
-شايف ابنك !! عاصي أنا لسه محمياه !! عاجبك كده عناده !!
رد ضاحكًا وهي يجلس صغيرته على ساقـه :
-هيطلع عنيد لمين غير مامته يعني !!
ردت بنبرة مبطنة بالضحك والعتب معًا وهي تخرج ملابس جديدة له :
-وليه مش لباباه !!
-عشان أنا عمري ما كُنت عنيد ، بس اتعلمته منك .
-علمتك حاجة أهو ، عد الجمايـل .
انشغلت في تغير ملابس ركان وانشغل هو في محاورة بناته ، شرعت تاليا متسائلة :
-بابي أنتوا سبتونا ومشيتوا بالليل ، روحتوا فين !!
أصدر إيماءة طويلة حائرًا باحثًا عن رد مناسب :
-كان عندنا شغل مهم أنا وحياة .. وأدينا رجعنا أهو ..
فغمغمت بفضول :
-أحنا هنسافر أمتى ، خلاص أخدنا الأجازة .
ضم صغيرته بحُب وهو يختلس النظر من تلك المتقوسة على الفراش أمامه تبدل ملابس ركان كلؤلؤة بداخل صدفتها وقال :
-نسـافر ، عايزين نروح فين ؟!
فكرت طويلًا ثم قالت :
-مش عارفة ، المهم نسافر كُلنا وخلاص.
-خلاص سيبوني أرتبها وهنسافر مع بعض ..
تدللت صغيرته متسائلة :
-بابي ، شعري حلو !
أطلق صفير انبهاره :
-يجنن ..
فتساءلت الأخرى بنفس الدلال وهي تزوم ثغرها :
-اللب ستيك لايق عليا ..؟!
ضاقت عينيه وهو يطلع رسيل بنظرة حائرة وبعد ما قطف قبلة بطعم الورد من فاه صغيرته :
-ده لايق جدًا كمان .. بس أنا عايز أقول لكم خبر دلوقتِ .
اتسعت أعينهـم بحماس :
-خبر أيه ، قولنا بسرعة ؟!
ضاقت عينيه إثر تلك الضحكة الواسعة التي رُسمت على محياه بعد ما خطف نظرة سريعة من ملامحها :
-مامي حامـل ، يعني بعد كام شهر فـ بيبي جديد هيجي يلعب معاكم .. مش عايزين نتعبها وأي حاجة نطلبهـا من الناني ! ممكن .
صاحا الاثنتان بفرح وقالت أحداهما :
-واو !! بجد يا بابي ؟! يارب يكون البيبي girl عشان تلعب معانا .
فرغت حيـاة من ملابس ركان فحملته وضعته بالأرض ليلهو مع أخيه ، وركضت لتقفل باب الحمام جيدًا وانضمت حوارهم وهي تأخذ داليـا من حضنه وتضعها على قدميها برفق :
-لو girl أنتوا الـ هتختارو اسمها .. مش كده يا بابي .
فسألت تاليا الجالسة على ساق أبيها :
-ولو boy ؟!
أردفت بصوت دافئ وهي تناظره :
-بابي هو هيختار اسمه .
قبل وجنة صغيرته ثم قال :
-يلا انزلوا ألعبوا تحت مع طاطا وغاليـة .. وأنا ومامي هنغير ونحصلكم .
ردت تاليـا بطاعة :
-okay ..
كادت أن ترحل مع أختها ولكن أوقفتهما حياة قائلة :
-استنوا ، فين حضن بابي الأول ، أحنا اتفقنا على أيه .
ارتمن الاثنتان بحضن أبيهما بعد تذكرهما لهذا الاتفاق الذي عقدته حياة معهما كي تجعل وصال الحب دائمًا بقلوبهما .. انتظرت حتى انصرفا البنات فنظرت له مبررة :
-على أد ما تقدر أحضنهم وأملى قلوبهم حُب يا عاصي .. وهما كمان لازم يتعودوا أن حضنك ملجأهم في كل وقت .. حتى بعد ما يكبروا .. ده أجمل وأقوى حب ممكن تقدمه ليهم في الحياة ..
لمعت عينيه ببريق الانبهار وهو يتساءل متعجبًا :
-المفروض أحبك أد أيه تاني !!
-أنا طماعـة ومن حبك مش بشبع ..
ثم غيرت مجرى الحديث متسائلة :
-الشغل تمام !!
قبـل كفوفها بحب :
-كله تمام وزي ما أنا عايز بالظبط .. ودي أهم حاجة .
-طيب يلا خد الشاور بتاعك .. أكون رضعت ريـان .
ما كادت أن تتحرك فتراجعت تشكو منه :
-ابنك اتعلم يعض على فكرة .
عقد حاجبيه مستنكرًا :
-بيعض فين بالظبط عشان كده هنقطع على بعض !!
لكمة كتفه بقبضه يدها بغلٍ :
-بطل بقا القاها منك ولا من ابنك .. وسع كده عايزة أنزل تحت .
أحكم قبضته عليها بعد ما قطف قبلة خفيفة من أرنبة أنفها وقال متخابثًا :
-معرفتش بردو بيعض فين ؟!
انفجرت بضحكة مُلطخة بحُمرة الخجل :
-عاصي ، وبعدين فيك !!
داعب بأنفه أرنبة أنفها قائلًا بمزاح :
-بطمن بس .
اتسعت ابتسامتها معترفة :
-لا اطمن .. وسيبني بقا عشان انزل للبنات اجهز معاهم العشـا .
لم يبتعد إنشًا عنها بل زاد قُربه :
-تمام امشي !!
تسارعت ضربات قلبها وهي تعارض قُربه :
-عاصي همشي ازاي وأنت ماسكني كده !
عقد حاجبيه راسمًا ملامح الجدية على وجهه:
-حياة أنا عملت أيـه غلط المرة دي !
اعتدلت في جلستها المائلة وقالت باهتمام :
-ليه يا حبيبي بتقول كده !! حصل ايه ؟!
ما زال محافظًا على ملامحه الجادة وقال :
-ليه المرة دي واحد مش توأم !!
اتسعت عينيها بذهول لجديته المبالغة بالأمر وقالت بعدم تصديق :
-لا استنى !! أنتَ بتتكلم بجد ؟!
ثم تأففت بارتياح :
-والله خضتني .. انا غلطانة إني قاعدة بتساير معاك أصلًا ..
ثم وثبت قائمة متجاهلة ضحكته الخفيفة على لهفتها :
-هات الولاد معاك مش هقدر أشيلهم ..
فغمغمت :
-هيجنني هو وولاده يا ربي .. أنا بنت ناس على فكرة .
هبطت حياة لأسفـل وهي تضرب كف على الأخر تضحك تارة وتصمت طورًا على أسلوبه وكلماته التي دومًا ما يراوغ بها .. اتجهت للمطبخ فوجدت شمس وعالية يجهز قطع اللحم للشوي .. فقالت معتذرة :
-أسفة يا بنات اتأخرت عليكم .. عندي ٤ قطط فوق ونمر كبير هيجننوني قُريب خلاص .
ضحكا الاثنتان عليها فأردفت عاليـة قـائلة :
-أنتِ كفاية عليك عاصي .. بالذات وهو رايق ، كُنت بشوف معاملته مع عبلة كان مجننها .. أنتِ من جبال يا بنتي والله .
فتدخلت شمس واعظة :
-لا خليكي مسيطرة كده ، بلاش دلع عشان الرجالة دول لو ادلعوا مش هنعرف نكلمهم بعدين .
حدجتها حياة ضاحكة :
-الله يكون فـ عونك يا تميم .. بالراحة يا حبيبتي ، كله بالدلع والكلمة الحلوة بيمشي .. وبعدين لو مدلعتوش أنا مين هيدلعه يا دكتورة ؟!
جلست عاليـة على أحد المقاعد بفضول يغلفه التردد :
-حياة ، أنتِ تعرفي أنا كُنت فاقدة الأمل في عاصي ، حاولت معاه كتير يتغير معرفتش .. عندي فضول أعرف أنتِ عملتي أيه !
كانت تغسل يديها بالماء الفاتر فأطلقت ضحكة خافتة وتنهدت بارتياح مردفة :
-حبيته من قلبي يا عالية ..
فعارضتها مستفهمة :
-مها كمان حبته بس متغيرش !!
كشفت على إناء الرز المطهي وتذوقت القليل منه ثم قالت :
-الحُب لوحده من غير ذكاء مش كفايـة .. يعني مثلًا الرجالة دول زي الطيور المُهاجرة بالظبط ، مش بيحبوا يعيشوا فـ أرض واحدة ، بيتنقلوا من مكان لمكان مع فصول السنة وبعدين يرجعوا لوطنهم .. أزاي بقا تطمني أنه هيرجع تاني لوطنه !! ماهو آكيد هيشوف الأحلى في مكان ما .
ترك الاثنتان ما بيدهما وانتبهن لنصائحها ، فجلست على طرف المقعد وأكملت :
-كوني له الفصول الأربعـة من غير ما تحسسيه بده .. خليه فاكرة نفسه طير حر محدش مقيده بس فالحقيقة هو بيطير في فضاءك أنتِ ..أبسط مِثال يا هانم أنتِ وهي .. يوم موضوع الرقاصة ؛ الـ حصل أن كل واحدة فيكم طردت جوزها وأعلنت عليه الحرب ، مع أن الرجالة ما أجرموش يعني ، ربنا خلقهم كده بيميلوا لكل حاجة حلوة لازم هيبصوا .. عايزينهم يخالفوا الفطرة يعني !!
كادت شمس أن تعارضها ولكن حياة أصرت أن تُكمل حديثها ومعتذرة بشياكة :
-عارفين أنا عملت أيـه !! قومت ورقصت له ورقصنا سوا وقضينا ليلة من أحلى أيامنا مع بعض .. صحى الصبح مش فاكر الرقاصة دي ، كل الـ بيدور في دماغه تفاصيل الليلة اللي فاتت وبس .. وأنا متأكدة لو جبت له سيرة فرح نوران مش هيكون فاكر حاجة غير وقتنا الحلو مع بعض .. اتعلمي عالجي المواقف بينكم بالضحك والهزار وحبة دلع .. يا ستي ما تدلعي هتكسبي ثواب والله .
ثم نظرت لشمس :
-اتفضلي يا شمس .. عايزة تقولي أيه .. ؟!
غمغمت بتوجس :
-أنتِ معاكِ حق ، أنا الـ بقيت مسجونـة في قيود الماضي والتربية ومش عارفة أطلع منها .. اتربيت على الغلط غلط والصح الصح .. محدش فهمني أن الغلط دلوقتي صح بعدين مع شريك حياتك .. وده الفخ الـ أغلبنا وقع فيه .
أردفت حياة متفهمة :
-البيئة بتفرق فـ التربية جدًا ومش هقدر ألومك والمفروض تميم يتفهم كده ، أنا عشت حياتي كلها وسط أجانب وحياتهم والبساطة الـ بيتعاملوا بيها ..الناس دول بيعرفوا يبسطوا نفسهم بجد .. أنا اتكلمت مع مختلف الثقافات والعقليـات لحد ما كونت شخصيتي.. بقيت عايشة بشخصيتين ، بنت السوق الجامدة مع باباها ، والفراشة الـ مش بتحلم غير بريحة الورد مع كتبها .. لحد ما قابلت عاصي ..
ثم أطلقت ضحكة خفيفة وأتبعت :
-اصطادته بذكاء رسيـل ، وكلبشته بحُب حياة .
دخلت نوران تصيح من الخارج :
-الاكل يا جدعان ، الرجالة الـ بره دول لو مأكلوش هيتعشوا بينا .. ما تنجزوا بقا .
تبادلن الضحكات فتقدمت حياة قائلة لهم :
-طيب أنتوا أشووا اللحمة برة وأنا هنا هعملكم شوية سلطات للمشاوي مش هدوقوا أحلى منهم ..
ثم أتبعت :
-نوران عاصي لو بره بليز نادي عليه عشان يساعدني .
تقدمت نوران مستعدة للمساعدة :
-ما أساعدك أنا ، أنا فاضية .
طالعت شمس وعالية بنظراتها الإرشادية :
-هي ماسمتعش الكلام من اوله ..
ثم نظرت لنوران ممازحة :
-ياستـي أنا عايزة جوزي يساعدني الله!!
تأرجحت عيني نوران بعدم فهم :
-أنا غلطانة ، متزوقيش طيب .
بعد مرور عدة دقائق جاء عاصي مرتديًا ملابسه الرياضية السوداء وأول ما فعله فتح الثلاجة وسكب كوبًا من العصير وقال لها :
-نوران قالت لي إنك عاوزاني .
فرغت من غسل الخُضار بالمصفى ثم قالت متدللة :
-هعمل سلطات كتير ، ممكن تساعدني وتقطع دول .. وكمان بتلكك عشان نقعد مع بعض .
شد المقعد ولبى طلبها مرحبًا :
-بدل ما أنا قاعد في وش تميم ومراد ، زهقوني شُغل .
ضحكت متدللة وهي تجهز له و أدوات السلطة وقالت :
-شوفت بحس بيـك إزاي .
~بالخـارج .
يلعب كريم ونوران بالكرة مع البنات في أجواء يملأها المرح والضحك .. وعلى الجهة الثانية يقف مراد بجوار عاليـة يشوى معها قطع اللحم على الفحم ويذوقان طعمها باستمرار .. أما عن شمس وتميم يجهزان مائدة الطعام ويقومان برص الأطباق أمام المقاعد الخشبية بالحديقـة ، فأردفت تميم مقترحًا :
-بفكر نشتري بيت هنـا .. الجو مع صوت البحر عالم تاني ، جنة على الأرض .. أيه رأيك ؟!
تركت ما بيدها متحررة من قيود الماضي متبعة نصائح حياة ودنت منه بأعين لامعة:
-أي مكان هنكون فيه سـوا ، هيكون جنة يا حبيبي.
انكمشت ملامح تميم بذهول لتلك النبرة الجميلة التي لم يعتادها ، تحسس درجة حرارتها بصدمة :
-شمس !! أنتِ سخنة ؟!
ضحكت بخفوت وهي تتمسك بملابسه برفق :
-لا متقلقش أنا كويسـة .. وكمان عندي فكـرة لو عجبتك نعملها .
ما زال تحت صاعق صدمته :
-كمان !! لا في حاجة غلط ، هوا البحر ضربك في دماغك تحبي نشوف دكتور !
لكمته برفق معاتبة :
-بس بقا .. هرجع في كلامي عشان الطريقة دي .
-لالا أنا فـ عرضك ، اثبتي .. قولي فكرة أيه ؟!
بللت حلقها وهو تقضم في طرف شفتها السُفلية وقالت :
-بفكر نسيب طاطا مع نوران ، ونروح أي أوتيل أو القرية السياحية بتاعتكم هنا نقضي ليلة هاديـة سوا بعيد عن الدوشة .. أيه رأيك ؟!
رد بحماس شديد وهو يحاوط كتفيها:
-ودي عايزة رأي !! المهم الليلة الهادية دي فيها رقص !
انكمشت ملامح وجهها وهي تبعد عنه :
-اسكت يا تميم .
رد مشدوهًا :
-أسكت ايه !! أنا غلطت في أيه طيب.!!
انشغلت برص الأطباق عنه وهي تقول :
-انسى كل الـ قـولته !
رد بحسرة :
-انسى ليه ؟! أنا ملحقتش أفرح !! ياشمس استنى بس .
~بالجهـة الأخرى ..
-مراد ، هنمشي بالليـل ولا الصبـح !
كان يهوي فوق اللحم بالمروحة اليدوية ، فتفقد المكان حوله وقال متهامسًا :
-أيه رأيك نسيب غالية مع كريم ونوران ، وافسحك شوية في الغردقة !!
لمعت عينيها بسعادة :
-بلاش نرخم عليهـم حرام ، كفاية ولاد عاصي إمبارح .
وشوش لها معترضًا :
-عاصي إمبارح وإحنا النهاردة !! فين المشكلة ؟!
ابتلعت ضحكتها بغنج وعاتبه :
-مراد ، كريم لسه عريس مترخمش بقا ..
حسمت ملامحه الأمر :
-تؤ .. أنا هتصرف ، متقلقيش أنتِ .
~بالمطبخ .
-وكده كُل سلطات المشاوي خلصت.. وطبعا أنتَ لسـه مخلصتش سلطة الخُضار .
قالت جملتها بنبرة موبخـة وهي تشد السكينة من يده وشرعت بتقطيع الخيار ولكزته بمداعبة لطيفة ، فأكملت :
-لأن طبعـًا عاصي باشا مش مركز خالص ، مرة بيبص عليا مرة بيتكلم في التليفون مرة يفتش فالتلاجة .. وكده مش هنتعشى .. أعمل فيك أيه !!
مسك قطعة من الخيار ووضعها بـ فمهـا متسائلًا:
-أنا عملت كُل ده !!
تناولت الخيار من يده وقالت بمزاح :
-شايف أنا خلصت كام نوع سلطة !! وأنتَ لسه بتقطع فـ الخيار !! أنا معرفش اعتمد عليك خالص كده .
داعب خصرها من تحت شعرها المنساب برفق وقربها منه وهو يتأملها بإعجاب معترفًا :
-كُنت بتلكك عشان تيجي تقفي جمبي نفس الوقفة دي !
باغته بدهاء :
-أنا أصلاً ناديت عليك ، عشان الوقفة دي !
لا أحد يعرف تفسيرًا دقيقًا للحب ، أ هو حرب طاحنة من المشاعر التي يعيشها الإنسان، أم أرضًا مقدسـة خُلقت للسلام لا تطأها إلا قدمي العاشق ؟!! أم أنه فصلاً رائعًا من الجنون يشبـه فصول السنة الأربعـة ، بكُل فصل يحوي طقوسه الخاصة ؟! أم أنه مباراة كرة قدم الجميع يركض وراء شيء لا يعرفه على أملٍ أن يأتي بجول الفوز ؟!!
وثب قائمًا ليحوط عليها بذراعيه المستندة على سطح الطاولة وتغرق أعينه في ظُلمة شعرها .. وقال :
-لعبـة القط والفار دي هتنتهي أمتى !!
تململت متغنجة :
-وتنتهي ليه !! ولا عشان توم دايمًا بيخسر زيك !!
لكز كتفها بكتفه القوي بمزاح وقال :
-ده بمزاجي بس ..
تأوهت قليلًا من كتفها وقالت بدلال وهي تلف بين يديه لتضع قطعة من الفلفل الحار بفمه مستغلية تركيزه الشديد معها ظناً منه بإنه خيارًا :
-مش كل حاجة بالعضلات على فكرة !!
كاد أن يجيبها وهو يمضغ الخضار الذي وضعته بفمه فـ برقت عينيه مندهشًا وهو يركض ناحية كوب العصير :
-حياة أنتِ اكلتيني ايه !! ده فلفل !! يخرب عقلك !!
انفجرت ضاحكـة وهي تعود لتُكمل السلطة وتقول :
-شوفت انها مش بالعضلات خالص على فكرة !!
وضع الكوب على سطح الطاولة بغلٍ :
-صبرك عليا ..
أخذت قطعة من الخيار ودنت منه وكأنها تقدم صك اعتذارها ، ما أن رمتها بفمه وضعت ذراعها فوق كتفه متدللة :
-الخيار هيبرد بؤك .. المهم ، هتقولهم برة إني حامل ولا نستنى شوية ؟!
لكت اللقمة بفمه :
-والله عايز أقول بس خايف من العين .
-مادام قلت للبنات واجب نعرفهم .. البنات ممكن يتكلموا بصفي نية !
ضاقت عينيه متوعدًا :
-بمناسبة صفي النية ، ليلتك مش فايتة النهاردة معايا عشان تأكليني فلفل تاني .
راودت فمه على القُبل وقالت باعتذار :
-بالغلط !
عاصي بعدم تصديق :
-لا يا شيخـة !!
ثم تهامس متوعدًا :
-فتحتِ باب تكوني أده .
-أنتَ ناوي على أيه !!
ثم تمسكنت بدلال مفرط :
-عاصي أنا حامل !!
-ابتدينا بقا !!!!
هنا جاءت تاليا ركضًا لعندهما ففرقت تقاربهم وقالت :
-بابي يلا عشان الاكل جهز .
حدجته بعتب :
-شوفت ، بتيجي عشان تعطلني وبس !
احتشـد الجميـع حول الطاولـة الممتدة والتي تحتوى على أشهى أنواع اللحوم المشـويـة والسلطات اللذيذة التي أعدتها حيـاة .. كل واحد جلس بمقعـده وقف عاصي على مقدمة الطاولة التي يرأسها بجوار حيـاة وقال :
-قبل ما تأكلوا ، في خبر حلو..
أطرقت بخجـل ثم مسك كفها مُعلنًا :
-حياة حامل !!
تعالت أصوات الفرحـة والمباركات إلا تميم الذي تدخل مستفهمًا :
-من يوم يا جاحد !! عملتها ازاي دي ؟!
لكزته شمس بعتب كي يصمت ولكنه تهامس مبررًا :
-أهو سبقنا أهو .. ارتحتي؟
تدخلت نوران مستفسرة :
-نسأل الأسئلة المهمة ، المرة دي اتنين ولا واحد !
مازحها كريم ضاحكًا :
-سؤال مهم فعلًا ، أصل عاصي بيجيب بالجوز !! كام المرة دي يا قائد !!
تدخل تميم مازحًا :
-هما ممكن يكونوا أكتر من اتنين !! عاصي أخويا ويعملها .
فهتف مراد قائلًا بلطف :
-ما كفاية قـر على الراجل .. قولوا ماشاء الله !
ثم نظر إليه قائلًا بترجي :
-ما تقولي الطريقـة عايزين نخاوي غالية !
فباغته كريم قائلًا وهو يرمي بعض الكلمات على نوران :
-بندخل من بوابات غلط طيب !!
لم تتوقف حياة عن الضحك الهستيري من نكات الجميع حولها ، فتدخل عاصي بهدوء وهو يجلس على مقعده :
-احترم نفسك منك له !! أنا قولت هي عين ورشقت .. عموما بعد كام شهر هيبقى عندنا خمس عيال ها ، خمس عيال عشان نزيح العين دي !
ثم مال إليها وقال :
-الغلط طلع مش مني عموما !! المرة الجاية فكريني نبخر قبل ما نعملها !
ضغطت على يده كي يصمت وهي تجلس بجاوره
تدخلت عالية مباركة :
-مبروك يا حياة .. يتربوا في عزك أنتِ وعاصي ..
ثم نظرت لأخيها قائلة :
-مبروك يا حبيبي ، وأبقي بخري كتير بقا عشان العين هنا كلها عليكم .
ضحك الجميع وتدخلت شمس لتهنئها :
-مبروك يا حيويـة .. ربنا يقومك بالسلامة .
مال كريم ناحية نوران متمتمًا :
-وأحنا هيباركولنا أمتى !
شرعت بأكل اللحمة بشراهة وقالت بلا اهتمام :
-بعد ما أخلص جامعـة ..
-بعينك !! أنا خلاص عايز أبقى أب زيهم .. اتصرفي ولا اتجوز عليكِ .
طالعته بابتسامة كبيرة وهي تضع اللحمة بفمه :
-اتجوز عليـا …
على الجهة الأخرى مال مراد ناحية آذان عاصي الجالس بجواره قائلًا بحذر عن أمور الشغل :
-صاحبك استوى وبقا على آخره !!
وضع عاصي قطعة اللحمة بفمـه ثم قال بنبرة انتصار :
-يستاهل ، عشان يقف قصاد عاصي دويدار تاني !
استند مراد بمرفقه على سطح المائدة وأكمل :
-تفتكر هيسكت ويعدي خسارته !
رد الأخر باختصار :
-أنا جاهز لأي ردة فعل .. مراد انزل بالسعر من بكرة .. واضرب على الحديد وهو سخن .
تدخلت عالية متسائلة :
-حياة ، أخواتك فين !! مش معانا يعني .
انتهت حياة من ملء طبق تاليا وداليـا والتفت لعالية لتجيب على سؤالها :
-يونس بيستلم شُنحة من الجمارك .. ورشيد مشغول مع خطيبته في تجهيزات البيت والفرح .
أبدت شمس إعجابها بسلطة الدقوس الباردة :
-حياة السلطة رهيبة !! ملهاش حل .
-بجـد !! بالهنا يارب .. هابقى أقولك طريقتها .
ثم دارت لتملأ طبق عاصي الذي وجدته يحوي كمية قليلة من الطعام ، وقالت بحبٍ :
-بالهنـا يا حبيبي .
اكتفى باحتواء كفها بامتنان ثم قال بهدوء :
-يلا كُلي أنتِ كمان ..
مرت دقائق معدودة من الأكل والضحك والمداعبات وبعض الأحاديث الجانبية عن العمل والكثير من نظرات الحب المتطايرة بالمكان .. حتى جاءت فكرة مجنونـة برأس نوران ووثبت قائمـة وهي تربت على كتف كريم :
-كيمـو ، تعالى معايـا ..
تعالت الحيرة وجوههم حول تصرف نوران الجنوني .. حتى تساءل تميم قائلًا :
-المجنونة دي هتعمل أيه !!
مرت دقائق قليلة ثم جاء كريم حاملًا ” سماعة ” كبيرة ووصلتها نوران بهاتفهـا وقالت بحماس :
-هشغلكم أغنية والكل يقوم يرقص ..
حدجتها شمس بعتب :
-نوران !! كريم ما تشوف مراتك !
هز كريم رأسه متفهمًا وهي يشد الهاتف من يدها :
-حاضر هشوفها هتشغل أيه !! وريني كده !!
زفرت شمس بضيق لتشكو لتميم :
-والله الاتنين أجن من بعض ..
صاحت نوران بحماس وهي تختار الأغنية :
-دي دي يا كريم …
وقع اختيارها على أغنية عامر منيب ” بينـا نعيش ”
-من أول يوم فـ لقانا، خدني هواك ، عشت معاك .. أحلى سنين عمري يا غالي ..
تركت الهاتف من يدها فوق السماعة وشد زوجها لساحة الرقص معًا .. ثم تابعها عاصي وحياة اللذين تشاورا بأعينهم .. مال مراد لعاليـة :
-تيجي !!
لبت دعوته على الفور بحماس :
-يلا !!
نظر تميم لشمس الجالسة خائفًا من رد فعلها :
-نسقف لهم طيب !!
لم تمنع نفسها من الضحك فمدت له كفها وقالت :
-لا مش هنسقف ، هنرقص معاهم ..
ومع دقة صوت عامر وهو يقول :
-بان على طول أيه جوانا لمـا العين جات في العين ولا حسيت باللي جرالي ..
كانت تُطيل النظر اليه وهي تشاور بسبابتها لعينيه وتردد كلمات الأغنية بكل مشاعرها وكأنها تهدي الكلمات إليه .. فجهر صوت الغناء الذي قرب الأحبة من بعضهما :
-بينـا نعيش ، ده العمر ليلة ما تقوليش نستنى ليلة دي الأيام جمبك جميـلة وعمري يا غالي لقيته معاك ..
الجميع يُراقص حبيبه حتى توأميه لدغ الحب قلوبهما فوقفا يتراقصان مثلهمـا ببراءة الطفولة .. حتى أشارت حياة لعاصي أن يلتفت لهن ثم ارتمت على كتفه ضاحكة ، فأشار إليهن كي يقتربان ويرقصان معهما .. كان يراقص ثلاث جميلات في آنٍ واحد ..
أما عن مراد فكان لديه عاليته وغاليتـه اللاتي اكتملت حياتـه بوجودهمـا .. كانت ابنته على كتفه وبالكف الأخر يراقص زوجته التي أخبرها همسًا :
-أنتوا أحلى حاجة فـ حياتي ..
جاء صوت الغناء ناطقًا في اللحظة التي دار تميم شمس فيها تحت يده لتعود لحضنه :
-قربلي كمان يا حبيبي ، سيبني أعيش .. نفسي أعيش ليلة ما كانت على بالي .
ما أن عادت لحضنه همس لشمس حياته المظلمة قائلًا :
-هنهرب الليلة دي ولاا .
اتسعت ضحكتها بحماس وهي تنظر لصغيرها الذي يلهو مع أطفال عاصي :
-نهرب ..
كانت رقصات كريم مثيرة للضحك مع زوجته التي جذبها لحضنه قائلًا :
-الليلة هناكل مانجا للصبح .. آخيرًا لا فيه عيال عاصي ولا زنهم.
ما كاد أن ينهي جملتـه فجاءت شمس لعند أختها المتراقصة والتي تحلم مع حبيبها بليلة هادئة عوضًا عن ليلة أمس ، فقال راجية بعجل لتلحق بتميم :
-نوران، هسيب طاطا معاكي الليلة دي .. أصل تميم عنده شغل مهم برة ومش هعرف اسيبه لوحده .
أردفت جملتهـا وهرولت خلف زوجها .. ما كادت نوران أن تتلقى الصدمة فجاء مراد لعنده معتذرًا وهي يرمي بحضنه غالية :
-كيمو أخويا الجدع ، غالية ضيفتك النهاردة .. هاخد عالية افسحها والصبح هتلاقينا هنا ..
ثم ربت على كتفه :
-الأخوات لبعضيها وأنتَ عمها بردو .
لم يمهله مراد الفرصة كي يفيق من صدمته فلوح بيده لعاصي الواقف مع حورياته معلنًا رحيله .. برقت عيني نوران وكريم بذهولٍ لينطقان في نبرة واحدة :
-هو في اي !!
فأتبعت كريم مُكملًا :
-عليا النعمة الجوازة دي منظورة !! خدي كده البنت دي .. انا ماشي .
هتفت منادية بترجي :
-كريم متسبنيش لوحدي ، تعالى هنا !!
••••••••
فـ الثالثـة فجــرًا .
نهضت حياة بهدوء شديـد من حضن زوجهـا النائم بجوارها وبعد ما طبعت قُبلة خفيفة على كتفـه العاري انسحبت بخفـة وهى تمسك بكفها روبها الحريري الطـويل الذي كان يلامس الأرض ويُجر وراءها وهي تسير على أطراف أقدامها الحافية الوردية التي يُزينها خُلخالًا من الذهب .. وصلت أمام باب الشُرفة وارتدت ذلك الروب فوق منامتها القصيرة للغاية قبل فتح باب ” البلكونة ” لفت الحزام الناعم حول خصـرها وربطته جيدًا ثم وقفت أمام البحر لتودعه قبل عودتها للقاهرة في الصباح الباكر ..
لاشيء يبقى حبيسًا لدينا .. حتى الذكريات في دواخلنا أن حلت علينا أيامنا الجميلة تنجلي لتصبح كأنها شيئًا لم يكن إلا ما أردنا نحن أن نتمسك بها بقوة كالتي يعصف بها الموج ويتضارب مع بعضه البعض الآن ..تلك القوة التي حتما ستضعف لكي تجعلنا نترك ما كنا نتمسك به ليُعكر صفوانا كما يهدأ الموج ويكف عن التلاطم ليبقى البحر ساكنًا أمنًا نبقى نحن فارغين من الداخل من شبح الماضي اللعين فدعه يذهب حرًا طليقًا لقد حل بنا الحب فلا حاجة لنا بتفاصيله المُخيفة .
مع صوت تلاطم الموج صدح برأسها صوت الطفلة التي تركض نحو أبيها قائلة بحماس لتهتف بجملته المميزة والتي حفظتها :
– يا معلم .. البحر عالي والموج بينادي علينـا والسمك مستنيننا.. مش يالا بينـا قبل الصيادين ما ياخدوا رزقنا !
وضعت كفيها على قلبها النابض بمرارة الذكرى الأليمة وهي تتعلق بيد أبيها متحمسـة لنزول البحر ككل يوم بدون ملل ، نظرت للسماء التي تحضن جسد أبيها ثم للبحر الذي غدر بها بعد ما منحته كل الثقة كأن طباع البشر تسربت له .. تنهدت وكأنها تتمنى حقا أن يعود بها الماضي لتضم أبيها بحنانٍ ، بلهفة الغريق الذي وجد كمشةً من الهواء في رئة الموت ، أن تمحو شمس النهار الذي غادر فيه أبيها ، مَن سواها يستعذبُ هذه المشقّةَ ، ويشتعلُ من شدة الأسى ، وسط هذا الكوكب الظالم والمظلم والذي يحاوطه غلاف جوي من الغدر .. عانقت أعينها السماء وقال باشتياق:
-وحشتني يا معلم قنديل .. كنت اتمنى تكون معايا وتشوف أحفادك .. كنت هتبقى أعظم جدو ، زي ما كنت أعظم أب ..
فاقت من كومة أحزانها على احتوائه لها وهو يدفن القُبل المُعطرة بجدار عنقها متسائلًا :
-منمتيش ليـه ؟!
ابتلعت أخر عبرة بعينيها وقالت :
-بودع البحـر وحياتي هنا وبابا .. كُل حاجة هنا ليها ذكريات معايا .. تفتكر هقدر أعيش بعيد عن الغردقة والبحر ؟!
أردف بجدية :
-حابـة تقعدي ؟!
-حابة أكون في المكان الـ هتكون فيه وبس .
ثم تنهدت وطالعت نجوم السماء بشغف :
-اليوم كان جميل ، ولمة العيلة والفرحة .. حقيقي أنا هبذل كل جهدي عشان أحافظ على اللمة دي لحد أخر يوم في عمري.. لازم ولادنا وولاد تميم يطلعوا وأيديهم فـ ايدين بعض .. مش عايزة أكرر خطأ عبلة وجيهان !! العيلة حلوة .. مش عايزة ولادي يتربوا لوحدهم .
تأوه بمرارة وهو يؤيد حديثها :
-عبلة وجيهان !! حقدهم هو الـ فرقنا ، حتى لو كنا مع بعض .. كانت النفوس مش صافية .
-الـ فات مات يا حبيبي .. أحنا لسه العمر قِدامنا وهنصلح كُل ده ..
ثم ابتعد عنه بخفة فراشة وقالت :
-أنا خلصت روايتي الجديدة .. وهتنزل المعرض الجاي .
-وأنا هعملك حملة دعايا محصلتش .. لازم العالم كله يعرف هي مين حياة المصري .
تمسكت بكفوفه بامتنان وقالت بحماسٍ :
-تحب أحكي لك عنها !
شد أحد المقاعد بالشُرفة وجلس عليها وأخذها لعنده وهو ينصت لها باهتمام :
-احكي يا شهرزاد .
جلست على ساقـه وأخذت نفسًا طويلًا ثم شرعت قائلة :
-البطل والبطلة اتقابلوا على مركب ..
رفع حاجبه مندهشًا بتصنع :
-وكان اسمهم عاصي وحياة!!
ضحكت بخفوت ثم أكملت :
-اسمهم عاصي ورسيل ، هو سماها حياة بعدين .. عاصي ده كان حظه من اسمه ، مفيش حاجة في حياته كانت صح .. لحد ما قابل حورية البحـر وابتدت قصة حبهم بين اتنين بينهم اختلاف السما والأرض ..
ثم أتبعت بتركيز:
-وبعدين ؟!
-محدش فيهم كان ينفع يروح لعالم التاني .. لا هو كان هيتأقلم ويعيش معاها في البحر .. ولا هي كانت هتقدر تعيش في العالم بتاعـه .. تعرف أيه الـ حصل بعد كده !
-ياريت !!
-رغم اختلافهم الشديد الا أن الحُب كان منطقة أمان لقلوبهم .. هو مشي خطوة وهي كمان مشيت له خطوة لحد ما تلاقوا في نقطة واحدة والاتنين اتأكدوا أنهم مش هينفع يرجعوا لحياتهم مرة تاني .. حياتهم بدأت مع بعض من هنا .
ألقى تحية الحُب على جنينها براحة يده الراسية على بطنها :
-وبعدين ؟!
تنهدت بحماس :
-من هنا بدأت حيـاة العاصي ..
بس واجهتهم مشكلة صغيـرة أد كده ؟!
انكمشت ملامحه :
-ياساتر !! مشكلة أيه ؟!
عانقت كتفيـه بحُب يفيض من مُقلتيها :
-حياة كانت طماعة فـ حبها .. وكانت عايزة عاصي يبقى ليها وبس .
اعترف قائلًا :
-هو كان ليها وبس على فكرة !
أصدرت صوتًا نافيًا :
-كانت عايزاه زي أبطال رواياتها،زي ما كتبت كده ..
كُن
لــي
كمـــا
أهـــوى .. 🤍
كان هناك شيء ما في عَينيها أو وَجهُها أو كُلها يفتح لَك أبواب الجنة أو تخرجك منْ عتمة سجنك إلى الحياة الزاهية .. فأردف مستمتعًا بحديثهما معًا :
-وحصل أيه !
-أنها عاشت معاه حُب الروايات والخيال ، وأجمل ما كانت بتتمنى كمان .. وهو ؟!
تنهد كأنه يعيش ويتنفس الحب معها :
-هو رجع للحيـاة على إيديها ..
حبك كان لي بطعم الحياة .
كل الشعراء قبلي، كل القصائد قبلك، كل قصص الغرام قبلنا، لم تكن إلا مقدمات لقصتنا، وكل ساعةٍ مرت من الدهر ليست إلا تنبيه على اقتراب موعدنا …..عن موعد لقاءنا الذي تهيأت له السماء بنجومها وأفلاكها ، ونفذ البحر خطة القدر المكتوبة من قبل أن تأتي لهنـا:
-عشان كده وثقت قصتنا ، أحنا هنمشي بس الحُب عمره أطول مننا .. لازم العالم كله يعرف قصة العاصي و حيـاته .. زي ما لسه بيحلف بقصة القيس وليلته ..
ثم مالت برأسها على كتفه وقرأت على مسامعـه جملتها الأخيرة التي ختمت بها روايتها :
-تعلم إنني كتبتُ عنك كثيراً لدرجة أنّي جعلت الجميع يُصاب بالفضول لمعرفة من أنتَ يا رجل !!
من أنتَ الذي فُتحت لحبه أبواب حبي الموصدة التي لم تُفتح لأنسٍ قبله أو بعده..
وها هو القدر الحنون ، لقد جاء بك لعندي واليوم ساكتب لك بدلًا عنك .. أحبك كثيرًا .