تحميل رواية «غوي بعصيانه قلبي» PDF
بقلم نهال مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"لا ينبض القلب إلا لعاصٍ" قبل.. أقصد قبل أي رواية أكتبها، كان كل حرف بها موجّه لشخص ما. بالخصوص، كان لدي حبيب أرسل له حبي من خلالكم. واليوم، وبعد انقطاع دام عامًا عن الكتابة حدادًا على حبي، أكتب لكم ولم أملك شخصًا بعينه أخصه بحروفي، بكلماتي، بشوقي الذي يفترسني كل ليلة. فإذا أصابت حروفي قلبك، اعلم أنني كتبت هذا في لحظة حنين. وإن لم تصب كلماتي وأخفق سهمي في طريقه لقلوبكم، اعلموا أنني أحاول أنساه وفشلت محاولاتي كما فشل سهمي. "ما قبل البداية" معذرةً عن ضعفي المبالغ فيه للحد الذي يعجزني عن كتابة كلمة...
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم نهال مصطفي
متى تجمعنا الطرقات معًا، في ليلة شتوية ممطرة والقمر مكتمل كاكتمال أيدينا المتشابكة ويراقبنا من بعيد.
ونستمع لأغنية أم كلثوم "أنت عمري" حتى نصل لنهاية الطريق، ونعانق بعضنا عند مقطع:
"اللي شوفته قبل ما تشوفك عيني
عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّ".
انصرفت شمس بعد ما فجرت قنبلتها الموقوتة برأس الجميع.
صمت تام يعقبه نظرات حائرة تحمل العديد من الأسئلة.
برودة الجو حولهم لا تعني شيء مقارنة ببرودة أجسادهم إثر تلقيهم الخبر الصادم.
حتى ختمته حياة ذاهلة:
"إزاي! أكيد في حاجة غلط، عاصي أنت سمعت اللي قالته شمس؟"
هول الصدمة والخوف من شبح الفقد خيّم على رأسه، فسألها:
"أنتِ كنتِ عارفة؟"
أمسكت برأسها التي كادت أن تنفجر، خاصة مع حلول عذرها الشهري مرتين من آخر لقاء روحي بينهما.
طالعتْه بعينيها المندهشة:
"معرفش، والله ما أعرف. بس إزاي! ممكن تكون شمس اتلخبطت أو... بص هو في حاجة غلط."
وثب قائمًا بملامحه العابثة التي حاول إخفاءها قدر الإمكان وقال:
"قومي يلا."
حياة بتوجس:
"هنروح لأي دكتور نشوف..."
"دلوقتي؟! أنت عارف الساعة كام!"
رد بحِدة:
"هستناكي في العربية."
امتلأت عينيها بدموع القهر إثر معاملته الجافة.
فارقت مخدعها متكئة على عكاز حزنها وارتدت أول شيء قابلها وتابعت خطاه تحت مظلة الهواجس التي تأكل رأسها.
انتهى تميم من أخذ حمامه الدافئ وخرج وهو يجفف رأسه بالمنشفة الصغيرة.
فوجدها تجلس على طرف الأريكة.
لم يطل النظر إليها بل اكتفى قائلًا:
"مرة عاصي مالها!"
ردت باختصار:
"أبدًا، تعب الحمل الطبيعي."
هز رأسه مصدرًا إيماءة خافتة:
"ربنا معاها."
كان عكس عادته التي اعتاد عليها في خلق الأحاديث معها.
أخذت تلوم نفسها عن معاملتها معه فجر اليوم حتى فكرت في الاعتذار عما فعلته، ولكنها أبت وتمردت على حنين قلبها وركضت لتختبئ بالمرحاض.
تنهد تميم بهدوء ثم طالع صورته بالمرآة قائلًا:
"أما نشوف آخرتها معاكي إيه يا شمس."
انتهت الطبيبة بأحد المستشفيات الخاصة بفحص حياة ثم عادت إلى مكتبها.
جالس أمامه عاصي الذي ينتظرها على مراجل من قلق.
لحقت بها حياة وهي ترتدي معطفها وجلست مقابله.
فسبقها بسؤاله:
"خير يا دكتورة، أي سبب المغص اللي عندها؟"
ابتسمت الطبيبة بهدوء:
"مبروك يا مدام حياة، أنتِ حامل."
تمتمت بهمس:
"حامل!"
أكملت الطبيبة:
"كلها أيام وهتدخلي في الشهر التالت، إزاي متعرفيش كل ده!"
خرج صوتها مرتعشًا من بين شفتيها:
"حامل إزاي بس يا دكتور... ممكن تتأكدي تاني، أصل..."
أجابتها الطبيبة:
"مالك مصدومة ليه؟"
ردت محتجة:
"أصل يعني، جوزي كان مسافر له شهرين ولسه راجع، وو..."
"كملي يا مدام، سكتي ليه."
"قصدي أقول يعني أن البريود كانت منتظمة، عشان كده مشكتش! أنا... أنا مش فاهمة أي حاجة."
اتسعت ابتسامة الطبيبة ووضحت:
"ده اسمه حمل غزلاني، طبيعي يكون في طمث أثناء الحمل، بس بيكون قليل، يوم ولا يومين وله أسبابه، وعشان كده استبعدتي فكرة الحمل. وده نفس اللي حصل معاكي النهارده، بسبب الإجهاد اللي حصل وتغيرات هرمونية."
بدأ عاصي أن يهدأ قليلًا رابطًا معاد الحفل المطابق للميعاد الذي حددته الطبيبة.
فتدخل متسائلًا بقلق:
"طيب هي كويسة وصحتها... قصدي أقول في أي خطر عليها؟"
الطبيبة:
"صحة البيبي ومامته زي الفل، ومفيش داعي للقلق ده كله. هناخد بس الحقن والفيتامينات دي وراحة كاملة لمدة أسبوع، وأشوفك بعد أسبوع."
وثبت حياة التي مازالت الصدمة مسيطرة عليها.
أخذ عاصي "الروشتة" من الطبيبة بعد ما شكرها.
سبقته حياة بخطوتين فتوقف إثر نداء الطبيبة:
"عاصي بيه... دقيقة بعد إذنك."
"-لو نازلة أخدك في سكتي-"
قال تميم جملته وهو يرتدي سترته الرمادية على أذان شمس الحائرة والمضطربة والمغمسة في شتات أفكارها.
أجابته بتوجس:
"تمام، هجهز."
أخذت ملابسها من الخزانة واتجهت ناحية المرحاض استعدادًا للنزول معه.
استكمل تميم لبسه حتى فرغ منه فجلس على أحد المقاعد ينتظرها.
دقائق قليلة وخرجت شمس في كامل أناقتها مرتدية بدلة حريمي فضفاضة باللون السماوي، تحته قميصًا باللون الأبيض يتطابق مع لون حجابها.
للحظة انجذب لجمال طلتها ولكنه تعمد تجاهل النظر إليها.
حتى أنها بحثت في عينيه عن تلك النظرة ولكنه كان بارعًا في إخفائها.
أخذ مفاتيحه وهاتفه وسبق خطاها، فتناولت حقيبتها "البالطو" الأبيض ويبدو على وجهها العبوس.
لحقت خطاها وهي تقرأ أحد الرسائل النصية على هاتفها بدهشة وهي تسب حماقتها سرًا.
ثم قالت:
"تميم، عندي مرور النهارده ولسه شايفة الميعاد. ممكن نستعجل بس عشان مفيش وقت."
أومأ بطاعة ولم يظهر أي اهتمام سوى اتساع خطواته.
تقدم لفتح الباب الخشبي الفخم، فطلت منه فتاة بأواخر العشرينات من العمر، ترتدي تنورة قصيرة لا تصل لركبتها، يعلوها سترة ذات أكمام بنفس اللون القاتم.
تحتها قميصًا باللون الأسود.
تبدو الفتاة في كامل زينتها وجاذبيتها.
حيث استقبلت تميم مبتسمة وهي تمد يدها لتصافحه:
"حمدًا لله على سلامتك يا بشمهندس."
رد على جملتها برتابة:
"الله يسلمك يا سهير. إيه جايه لعاصي؟"
اتسعت ابتسامتها:
"بصراحة عاصي بيه هو اللي بعتني لحضرتك؟ بس واضح جيت في ميعاد مش مناسب!"
"لا أبدًا... تعالي اتفضلي."
بدت ملامح الغيرة تقاسم ملامحها، خاصة عندما اتجه تميم إليها فألتهم ضجرها الواضح، فتعمد إثارة غيرتها أكثر وقال:
"شمس... هخلي عم سعيد يوصلك عشان ما تتأخريش."
لم تلتفت إليه شمس التي لم تحرك عينيها عن سهير حتى كرر ندائه عليها فعادت لرشدها:
"إيه يا تميم."
"هخلي عم سعيد يوصلك ويستناكي."
"هااه! لا ملوش داعي."
تميم باستغراب:
"هو إيه اللي ملوش داعي."
"عادي بقى يا تميم."
"مش كنتي مستعجلة!"
تحججت شمس وهي تمسك برأسها:
"فجأة حسيت بدوخة وصداع، أنا مش هقدر أروح في الحالة دي."
ابتلع تميم ضحكته على تصرفاتها الطفولية التي لم يراها من قبل، وتحمحم مسترجعًا ثباته:
"طيب خدي أي مسكن واطلعي ارتاحي. وأنا هخلص مع الأستاذة سهير ولو لسه تعبانة نشوف دكتور."
ثم نظر لسهير:
"اتفضلي يا سهير."
أوقفته شمس بغضب هامسة:
"هتفضل فين!"
"في المكتب يا شمس."
"مالك!"
"هاه... مالي، أنا كويسة أهو، تشربي معايا قهوة!"
ضاقت عينيه بتخابث:
"مش كنتي تعبانة!"
"آه، قلت أشرب قهوة يمكن الصداع يروح."
"ماشي يا شمس، خلي سيدة تعمل ٢ قهوة، وأكدي عليها قهوة سهير سادة عشان هي مانعة السكريات!"
رفعت حاجبها بدهشة:
"يا راجل!!"
"نعم!"
"وأنت عرفت منين أنها مانعة السكريات!"
تميم بمكر:
"آكيد منها... أسيبك عشان متأخرش عليها أكتر من كده!"
انصرف تميم بعد ما فجر الغيرة بصدرها وتركها تعض اغتياظًا على أناملها حتى ذهبت إلى سيدة لتُقررها عن هوية تلك الفتاة التي يهتم لأجلها لهذا الحد.
"بالسيارة"
"-مش هتنزل؟-"
كان السؤال الأول الذي تفوهت به حياة بعد صمت طويل قضاه الاثنان طوال المسافة المقطوعة.
فأجابها بنبرة جافة:
"عندي شغل، انزلي أنتِ."
رمقته طويلًا بأعين مترقرقة بالدموع حتى أغمضت عينيها كي لا يتعرى حزنها أمامه وولّت عائدة إلى غرفتها.
أما عنه انتظر ذهابها وهو يقاوم عقدة الفقد واللحظات العصيبة التي مرت عليه أثناء حمل مها.
صرخة بوجهها إثر حملها الذي حذرها منه الأطباء، وإصرارها على تجسيد ثمرة حبهم حتى ولو سيكون المقابل حياتها.
أشهر الحمل الأخيرة التي وضعت تحت الرعاية الطبية المتكاملة.
أيام عناءه معها بالمشفى.
آخر ضمة يد كانت تحمل رسالة الوداع.
جملة الطبيب الأخيرة وهو يزف له الخبر "اللي حصل لمدام مها ده معجزة، حمدًا لله على سلامتها".
ما اطمئن للقدر فخانه!
خشي أن يعاني من الفقد مرة أخرى، أن تأتي الأيام التالية خالية منها.
هبط من سيارته واتبع خطاها بخطوات أشبه بالركض حتى وصل إلى غرفته.
كانت تتوسط المكان الشاهد على جني ثمار حبهم وتجهش بالبكاء وجسدها الذي ينتفض على ضفة الحسرة، والهواجس التي تسربت إلى رأسها وأنها مجرد لحظات عابرة في حياته سيتخلص منها في أول محطة.
اندفع إليها بلهفة جالسًا على طرف السرير الذي ابتل من ماء حزنها وجذبها عنوة إلى حضنه.
فحاولت الابتعاد والتملص من قبضه عليها فلم تجد حلًا سوى البكاء بين يديه حتى استجمعت قوتها وقالت بصوت باكٍ:
"ابعد يا عاصي."
لم يلبي طلبها بل ازداد من احتواءها وضمها حتى دفعته بكل قوتها صارخة:
"أنت كنت بتتسلى بيا؟ مش كده؟"
رد بصدمة:
"أنتِ إيه اللي بتقوليه ده؟"
جففت دموعها بحرقة:
"أنا مش هنزل البيبي، ومتقلقش مش هعملك أي شوشرة. بس سيبني في حالي. متحاولش تقرب مننا."
مازال عاصي تحت تأثير صدمته من اتهامها الشنيع:
"بيبي إيه اللي ينزل، أنت جبتي التخاريف دي منين؟"
"مش تخاريف يا عاصي، بص على شكلك في المراية وأنت هتعرف أنها مش تخاريف."
شرع أن يمسح على شعرها كي تهدأ ولكنها انتفضت مبتعدة عنه كالملدوغة:
"متقربش مني. كفاية أوي لحد كده!"
"حياة افهمي... مفيش الكلام ده!"
"أنا لو زعلان فأنا زعلان لأخسرك مش عشان التخاريف دي! أنا مش عارف أنتِ جبتي الكلام ده منين!"
توقف عقلها عن استيعاب المزيد، بل علق عند فكرة تخليّه عنها وأنها مجرد نزوة بحياته.
خرجت عن وعيها صارخة بوجهه بقهرة:
"أنا عملت لك إيه عشان تستغلني! مادام مش عايز تخلف مني قربت لي ليه! أنا أنا قولتلك متخلينيش أسلم قلبي وتوجعني! عملت فيا كده ليه! قولي؟"
سيل من الدموع المنهمرة من بحيرة عينيها المحمرة تحت تأثير غيبوبتها القهرية منه.
لم يتحمل المزيد من الاتهامات ولم يستطع إسكاتها ولن تستمع إليه.
فحان الآن لتدخل لغة الحب لتنفض المعركة الناشئة بينهم.
أطفأ بركان حزنها بقبلة جروحه التي انفتحت فجأة حتى تشاركا الدموع التي امتزجت، والتنهيدات المتبخرة من أرواحهم الثائرة.
استسلم صخبها وهي ترتشف من ماء قبله لتنطفئ نارها، لتهدأ.
كانت ترد له القبلة قبلتين كأنها تود الانتقام منه بلغة قلبها.
ضمه إلى صدره ولم يكف عن توزيع قبلاته العشوائية عليها حتى تمدد الاثنان وهما يرتويان من أرواح بعضهم المضطربة ليغرقا في سبات عميق معًا.
أخذت شمس القهوة من سيدة وأصرت أن تدخلها بنفسها لتميم وسهير الجالسين بغرفة المكتب خلف الباب المقفول.
طرقت الباب بخفوت وهي تبلع جمر الغيرة العالق بحلقها ثم فتحت الباب مصدرة ابتسامة مزيفة:
"القهوة؟"
رفع تميم رأسه عن الملفات المنغمس في قراءتها:
"فين سيدة؟"
توقفت شمس على ساقي سهير المتعرية وقالت بضيق:
"مشغولة بقى."
قالت سهير وهي تأخذ قهوتها:
"مرسي... مراتك جميلة يا تميم."
استقبلتها شمس بابتسامة مصطنعة:
"كلك ذوق."
أكملت سهير:
"تميم من زمان كان بيحلم يتجوز واحدة محجبة، وأهو حقق حلمه."
"-كمان!! دا انتوا مع بعض من زمان!!-"
ارتشفت رشفة خفيفة من القهوة:
"إحنا صحاب من أيام ثانوي، بابي كان المستشار القانوني لشركات دويدار."
"-امممممم...-"
ثم طالعت تميم:
"قهوتك هتبرد!"
رد باختصار:
"تسلمي يا شمس."
انغمس الاثنان في شرب قهوتهم وظلت شمس واقفة في مكانها لن تزيح عينيها عن سهير.
طالعها تميم:
"في حاجة يا شمس؟"
"-هاااه!! لا ابدا، مستنية لتكونوا عايزين حاجة.-"
"-بقيّتي أحسن؟-"
انكمشت ملامحها بضجر:
"منا زي الفل أهو، أنت هتتعبني بالعافية ولا إيه؟"
رفع حاجبه مستغربًا متعمدًا ترويض غيرتها:
"الصداع!! مش كنتي مصدعة!"
"آه آه الصداع، لسه شوية.. بس أحسن."
ثم علقت قائلة وهي تأخذ الوسادة الخاصة بالأنتريه وأعطتها لسهير:
"ممكن تحطيها على رجلك.. لو مش مرتاحة، حساكي مش مرتاحة."
سهير براحة:
"إزاي أنا مرتاحة جدًا."
طافت عيني شمس بحيرة وغضب:
"عشان تسندي القهوة والملفات.. جربي."
ابتسمت سهير بهدوء بعد إدراكها بغيرة شمس على زوجها وقالت:
"أنا مرتاحة كده."
غلت مراجل النار برأس شمس التي تشبثت برأسها مفتعلة الدوخة والدوران وهي تتمايل:
"تميم، ااه.. ممكن تسندي."
ترك تميم ما بيده وركض إليها ممسكًا بمعصمها:
"مالك، تعالي اقعدي.. تعالي."
وصلت شمس لما تريده وهو الجلوس معهم وعدم تركهم بمفردهم في هذه الغرفة وتترك عقلها يشع نارًا بالخارج.
جلست على المقعد متحججة بالألم:
"كملوا شغلكم انتوا مش هعطلكم.. تروح الدوخة وأقوم أمشي."
"-يا ابن اللعيبة يا مراد! روحت طلبت إيد عالية من عاصي؟! دا أنت جاحد.-"
بعفوية أردف كريم جملته وهو يقفز من فوق السرير بفرح.
ثم تابع قائلًا:
"سرك في بير، بس هو عاصي قالك إيه؟"
لم يروي مراد تفاصيل كثيرة لأخيه ولكنه اكتفى بسؤاله:
"متعرفش عاصي اتكلم مع عالية ولا لسه؟"
فكر كريم بصوت عالٍ:
"لو كان اتكلم مع عالية كانت هتحكي لنوران ونوران كان هتقول لي! يبقى لسه ما قالش حاجة."
رد مراد بتخابث:
"نوران؟ قلت لي مين نوران!"
هنا فتحت جيهان الباب والتي كانت مقدمة لإيقاظ ابنها الذي أكد عليها أن توقظه للذهاب للجامعة قبل الظهر.
فابتلعت ما استمعت إليه وقالت:
"ده انت صحيت!"
توتر كريم الذي احتج قائلًا:
"باي باي يا نيللي.. هكلمك وقت تاني."
هزت جيهان رأسها بتخابث وقالت:
"طيب يلا عشان تروح جامعتك، وما تنساش تسلم على نيللي!"
ثم خرجت وقفلت الباب ورائها وهي تنتوي لمراد:
"بتثبتي يا ابن المحلاوي؟!!!! طيب أما أوريك."
عادت إلى غرفتها وهاتفت عبلة التي سافرت لأحد الدول الأجنبية لقضاء شهر العسل مع فريد الذي رسم عليها خريطة الحب.
ردت على هاتف أختها بتأفف:
"خير يا جيهان!!"
"إيه ده انتِ لسه نايمة!! معلش صحيتك."
"إيه مخليكي تكلميني الساعة دي!"
"أبارك لك، أنت متعرفيش أن عاصي وافق عالية ومراد ابني يرجعوا لبعض!!"
فزعت عبلة من مرقدها:
"إيه الجنان ده؟!!! مين قال كده؟"
نهضت عبلة من مخدعها وحاولت الاتصال بعاصي مرارًا وتكرارًا ولكنه بدون جدوى.
حتى أدى بها غضبها لمهاتفة مراد الذي انفجرت بوجهه قائلة:
"اسمعني يا مراد، حوار رجوعك لعالية ده على جثتي، انسى."
مراد بهدوء:
"مبروك يا خالتي سمعت إنك اتجوزتي، بالرفاء والبنين."
اشتعل الغضب برأسها:
"متغيرش الموضوع أنت فاهم، ولو عاصي وافق على الجنان ده، أنا مش هوافق. وعالية مش هترجع لك لو انطبقت السما على الأرض."
جلس مراد على مقعد مكتبه قائلًا:
"ما تخليكي فـ الهاني مون وسيبك مني أنا وعالية!"
فاض صبرها من برود مراد وتلاعبه معها حتى قفلت المكالمة بوجهه وأخذت تسبه علنًا.
نهض فريد من نومه وأخذ يقبل كتفها:
"مالك بس يا روح قلبي."
"-مراد عايز يرجع لعالية.-"
"-طيب وانت مضايقة ليه؟-"
"-فريد، أنا مش هخلي جيهان وابنها ينتصروا عليا تاني! جيهان راسمـة على تقيل وطمعانـة في ورث بنتي.-"
اشعل مراد سيجارته:
"سهلة، أخلصك من مراد. ويبقى كده طيرنا أحلام جيهان."
رمقته باستهزاء:
"سبق ووثقت فيك في موضوع البنت شمس وكانت إيه النتيجة! سيبني أنا هتصرف. الدور جاي عليهم واحد واحد."
أخذ مراد يقلب الفكرة في رأسه حتى أتاه مكالمة من رقم مجهول، فرد:
"ألو؟"
أتاه صوت أنثوي:
"أنا سوزان يا مراد."
"-آه أزي حضرتك؟-"
خاضت في الموضوع بدون مقدمات:
"أنت نويت على إيه في موضوع عالية؟"
ظل يضرب في سطح المكتب بمؤخرة قلمه برفق ثم قال:
"هتجوزها؟"
"-أمتى؟-"
"-لما عاصي يوافق، عشان أقدر أكتب كتابنا من أول وجديد.-"
ردت سوزان بضيق:
"وعبلة مش هتخلي عاصي يوافق، لأنها بتخطط تضربك في شغلك عشان تبعدك عن بنتها. خالتك لسه قافلة معايا وأنت لازم تتصرف، عايز عالية حارب عشانها، مش عايز يبقى انسحبت من دلوقتي."
وثب مراد قائمًا وقال بحسم:
"أنا هتصرف."
انتهت مكالمته مع سوزان بعد ما اتفقا الاثنان عما سيفعله مراد للفوز بحبيبته.
فغادر مكتبه وشركته على الفور مستقلًا سيارته حتى وصل أمام الأزهر وطلب مقابلة أحد المشايخ.
جلس مراد أمام الشيخ وروى له مسألته حتى ختم كلامه:
"ينفع أردها ولا لازم أكتب كتابي من جديد؟"
أفتى فضيلة الشيخ قائلًا:
"اسمع يا بني. يجوز رد الزوجة في حالتين إذا تم الدخول بها، أو الخلوة بها خلوة صحيحة. ومصطلح الخلوة الصحيحة هي الخلوة التي يمكن فيها حصول الجماع. بمعنى أنت ومراتك اتقفل عليكم باب واحد، خلوة يمكن فيها الوطء عادة. سواء حصل بينكم أو محصلش فهي قدام الناس مراتك وفي بيتك، يعني ذلك إن لها عدة فبالتالي يجوز ردها بدون كتابة عقد جديد ما دامت أثناء فترة العدة."
فزع مراد من مكانه مشدوهًا وهلل:
"ينصر دينك يا عم الشيخ. كنت فين من زمان."
ثم عاد وجلس على مقعده متلهفًا:
"يعني كده أنا أردها وقلبي مطمئن."
"-اطمن يا بني، وربنا يجمعك على مراتك في خير.-"
بعد مرور ثلاثة ساعات على وجود سهير مع تميم ومناقشة تفاصيل الفروع والاطلاع على المعلومات الخاصة بكل فرع، فختمت اجتماعهم:
"هستنى ردك في أقرب وقت."
زفرت شمس بارتياح لانتهاء اجتماعهم الممل الذي أجبرت على حضوره فقالت بضيق:
"ما أنتِ قاعدة يا سهير، سيدة تجيب غدا!"
صافحتها سهير بامتنان:
"مرة تانية، وفرصة سعيدة إني اتعرف عليكي بجد."
بادلتها بابتسامة زائفة:
"أنا أسعد."
نهض تميم متأوهًا إثر وجع الجرح بكتفه وقال:
"أوصل لك يا سهير."
تدخلت شمس بحدة:
"خليك أنت، هي عارفة الطريق."
تبادلت كل من سهير وتميم النظرات حتى انسحبت بهدوء.
وجه تميم حديثه إلى شمس بعتب:
"ممكن أفهم إيه المعاملة دي؟"
انفجرت بوجهه:
"والله!! عايزني أتعامل إزاي وهي بمنظرها ده وقافلين على نفسكم أوضة واحدة؟"
دنى منها يرمقها بنظراته الخبيثة:
"ده إحنا بنغير بقى!"
رد سهم الجملة بصدرها وهي تتراجع للخلف بملامحها الشاحبة من حقيقة اتهامه الصريح، أجاب بتردد:
"انت دماغك راحت فين!! أنا عملت كده عشان بس أرفع عنك الذنب."
لكت الكلمات في فمها وأكملت:
"ما اجتمع رجل وامرأة إلا وثالثهم الشيطان. وهي لوحدها فتنة بلبسها ده."
اكتفى بنظرة من عينيها أربكتها يوحي بعدم تصديقه لحجتها فتابعت لتفر من تلك النظرات الفاضحة:
"أنا مصدعة أوي، هروح أنام."
الفكرة التي تستحق أن تؤمن بها قطعًا دون تشكيك، هي فكرة أنك من سلالة بني آدم الخطّاءة وأنك على قيد التعلّم، مادمتَ حيًا.
فتحت حياة جفونها إثر حرارة أنفاسه المشتعلة على بطنها بقبلات هادئة.
امتد كفها لتتغلل أناملها بين جدائل شعره متأوهة باسمه:
"عاصي."
عاد إليها بعيون اللهفة والاعتذار:
"آسف صحيتك."
ثم تفقد عينيها المحمرة من كثرة البكاء فطبع فوقهما قبلات أسفه وقال:
"أنا أسعد رجل في الدنيا عشان هخلف طفل أنتِ هتبقي أمه."
رفعت جفونها الذابلة إليه:
"يعني أنت مش زعلان إني حامل!"
كان الأمر الذي مر به أكثر من أن يخرج منه إنسانًا قويًا.
رفع كفها لمستوى ثغره وقبله:
"أنا مش هسمح لحاجة تاخدك مني. أنا ما صدقت لقيتك."
"-هي مش الدكتورة طمنتِك على البيبي وقالت لك كله تمام، زعلان ليه بقا.-"
مسح على شعرها وقال بهدوء:
"من يوم ولادة تاليا وداليا وأنا عندي رعب من أوضة العمليات والولادة. تقدري تقولي صدمة على فرحة على خوف."
اعتدلت حياة من نومتها ووضعت كفها على وجنته بلطف:
"كله هيبقى تمام.. متقلقش."
رد عاصي باضطراب:
"هشوف لك أكبر دكتور برة.. تتابعي معاه وتكوني تحت الملاحظة ٢٤ ساعة، وعايزك متتحركيش من السرير وكل حاجة هتكون عندك.. اتفقنا."
ابتسمت بفرحة والكثير من الدهشة وعدم الاستيعاب وهي تضع يدها على بطنها:
"عاصي، جوايا هنا ابنك.. مش قادرة أستوعب إزاي.. يعني بعد ٦ شهور هحضنه وأشم ريحته.. حاسة إني في حلم.. أنا هبقى أم يا عاصي.. أنا متوترة وحاسة بحاجات كده عكس بعضها."
ضمها بكل قوته وقبل شعرها وهو يقول:
"هتكوني أحلى أم."
"-وأنت كمان هتكون أعظم أب.-"
حين ترتعش الروح إثر دفقةٍ عاتية من العواطف لا بدّ لها أن تنفتح لتسكبها في صدر روحٍ أخرى.
وهذا ما فعلته وهي تعانقه باكية وتهمس:
"شكرًا لأنك عيشتني أحلى إحساس ممكن أي ست تعيشه."
ثم ابتعدت عنه ونظرت بعينيه:
"أنتَ مبسوط صح، يعني مش زعلان..!"
"-مبروك يا روح قلبي.. ربنا يتمم فرحتنا على خير.-"
"-عاصي، أنا عايزة أرجع شقتنا.-"
ضم كفيها بحب:
"هنرجع، وهنعيش لوحدنا بعيد عن عالمهم.. أنا وأنتِ والبنات والباشا اللي جاي في السكة. بس خلي موضوع الحمل ده سر مابينا."
"-حاضر.-"
ثم سندت رأسها على كتفه وسألته:
"بتحبني!"
تسللت يده من تحت ملابسها إلى بطنها:
"لحقتي تنسي اللي حصل ليلة امبارح."
فانتفضت ضاحكة:
"عاصي.. إيدك ساقعة.. وبس بقى عشان بغير."
تذوق شهد ضحكتها ملتهمًا أنفاسها بقبلاته الحنونة وهو يقول:
"منا عارف."
تملصت ضاحكة من مداعبته لها وصقيع يده:
"عاصي بطل بقى."
"-بحبك..♥️😘-"
طالعت بريق عينيه اللامع بحبها وتفوهت:
"بحبك..♥️"
"مساءً"
تركت شمس دفترها وجلبت صندوق الإسعافات الأولية لتخلق مع تميم لغة حوار بدل صمته ومحادثاته الكثيرة التي بدأت تثير شكوكها.
اقتربت منه بوجهها القاطب:
"ممكن تسيب اللاب توب شوية عشان أغير لك على الجرح."
ترك اللاب توب من يده ووضعه بعشوائية بمنتصف السرير.
جلست أمامه وشرعت بفك أزرار قميصه ببطء، فسألته:
"غريبة ما جبتليش سيرة سهير دي قبل كده!"
"-عادي، مجتش مناسبة.-"
لاحظ عبوس وجهها وقال:
"بس لذيذة، بنت جدعة."
"-أمم مرتبطة، قصدي يعني مخطوبة متجوزة!!-"
"-لا.. مركزة في شغلها وبس.-"
نزعت قميصه برفق:
"لا واضح، إنها تيجي لك لحد هنا وتقعد الوقت ده كله!!"
جلست ورائه وشرعت في نزع الشريط اللاصق للجرح وسألته:
"واضح إنكم صحاب أوي!"
"-آه من أيام ثانوي، وبصراحة كانت في مشاعر من ناحيتها بس..-"
توقف عن سرد قصته مع سهير إثر تأوهه بوجع بسبب ضغط شمس على جرحه فأردف:
"خففي إيدك شوية مش كده!"
جزت على فكيها:
"وهتشتغلوا مع بعض كتير!"
رد تميم وهو كاظم لضحكه:
"آيوة، عاصي هو اللي قالها."
فرغت شمس طاقتها بجرحه، كل ما يردف بجملة لم ترق لها تنتقم منه بطريقتها حتى فرغت من عملها قائلة:
"بس أنا مش موافقة."
"-على إيه!!-"
شرعت بلملمة الأدوات الطبية بوجه مكفهر وقالت:
"إنكم تشتغلوا سوا، هي الشركة دي مفيهاش رجالة يعني."
اتسعت ابتسامة تميم:
"فيها، بس الشغل مع الستات أسهل كتير."
رمت بوجهه قميصه بغل وقالت:
"البس."
فتلقى قميصه ضاحكًا:
"ما براحة يا شمس.. أنتِ مالك النهاردة."
في تلك اللحظة جاء صوت طرق الباب وهلت منه سيدة التي قالت:
"تميم بيه، عاصي باشا بيقول لك تعالى تحت أنت وست الدكتورة عشان عازمكم على العشا."
فرد تميم:
"نازلين وراكي على طول يا سيدة."
"بالأسفل"
تلهو حياة مع البنات في ساحة القصر الواسعة وتركض معهن محدثين ضحكات مرتفعة، فخرج عاصي من مكتبه على صوتهم المتعالي فوجدها تركض هنا وهناك.
فأقترب منها بنارٍ متوهجة من شدة الغضب:
"أنتِ بتعملي إيه!! لو سمحتي اقعدي وبلاش حركة كتير."
تدخلت تاليا معارضة:
"يا بابي بنلعب."
رد بحسم:
"العبوا وأنتم قاعدين.. إيه لازمة الجري والتنطيط ده."
حياة بطاعة:
"خلاص خلاص، متزعلش نفسك هنقعد ونلعب."
دنى منها هامسًا في أذانها بحدة:
"حياة.. بلاش جنان متنسيش إنك حامل."
ابتسمت بحب:
"مقدرش أنسى.. خلاص فك التكشيرة دي بقى."
تدخلت داليا:
"يلا نلعب Snakes and ladders."
عاصي بتحدٍ:
"آه حلوة دي مفيهاش تنطيط.. وأنا هجيب اللاب توب وأقعد هنا."
ثم دنى من حياة متوعدًا:
"أما أشوف آخرتها معاكي."
قبلت وجنته بحب كطفلة متعلقة بأبيها وهمست له:
"بحبك."
ثم هربت منه محتمية بالبنات وجلسن جميعًا بالأرض ليلعبن السلم والثعبان.
جاء تميم برفقة شمس من أعلى وجلسا بقربهم.
استغلت شمس لهو تميم في مكالمة فسألتها عن حالتها، ردت حياة قائلة:
"أحسن الحمد لله يا شمس.. الدكتور كتبت لي حقن وفيتامينات."
ردت شمس:
"قوليلي مواعيد الحقن عشان أجي أديهالك."
جاء عاصي وجلس بقربهم ليتابع تحركات حوريته.
انضمت شمس للعب معهن.
وذهب تميم لأخيه ليناقشه في أمور العمل.
مرت قرابة النصف ساعة من الضحك والمزاح واللعب.
فاستغلت حياة انشغال عاصي في مهامه خاصة بارتدائه لنظارته الطبية فأمسكت بهاتفها وأرسلت له رسالة نصية:
"شكلك قمر أوي وأنت بتشتغل، عايزة أحضنك."
انفصل عن تركيزه في عمله والتفت للرسالة النصية التي جاءته.
فتح هاتفه فوجد اسم "Hayaty♥️".
قرأ الرسالة تمددت معالم وجهه.
اكتفى بإرسال نظرة تحذيرية لها ثم عاد لإكمال شغله وحواره الهام مع تميم.
جاء الدور عليها في اللعب.
فأدت دورها وغازلته برسالة جديدة:
"وحشتني أوي."
ألقى نظرة على هاتفه ثم قرأ رسالتها فتنهد بضيق فسأله تميم:
"في حاجة؟"
رد باختصار:
"مشكلة بس وهتتحل."
كبحت حياة ضحكاتها وانغمست في اللعب قليلًا حتى قفزت فكرة رسالة جديدة برأسها وكتبت له:
"حاسة إني بتوحم على بوسة بطعم القهوة، زي الصبح."
أخذ يضرب الأرض بمشط قدمه بغل وهي مازالت مستمرة في إشعال نيران الشوق بقلبه.
فهتف بضجر:
"سيدة كلمي المطعم شوفي الأكل اتأخر ليه."
وضعت كفها على ثغرها لتكتم الضحك الذي لطخ وجهها بحمرة الانتصار عليه فلاحظتها شمس:
"في حاجة؟"
"-لالا معاكم.. العبي.-"
فتحت هاتفها وبحثت في الصور لتجد صورة لها التقطتها في الغردقة عند قياسها لأحد الفساتين.
كان الفستان قصيرًا للغاية بارزًا لتفاصيل حوريته وهي تغازل شعرها الذي يغطي ذراعها بأكمله.
فضغطت على إرسال وسألته:
"إيه رأيك في الفستان ده؟ كنت مشترياه من سنتين ومقررة إني هلبسه للشخص اللي بحبه.. عجبك!"
دق هاتفه بإعلان وصول رسالة جديدة.
فزفر بنفاذ صبر وفتحها.
كبر الصورة وهو يتأمل إبداع الخالق في حسنهـا.
قفل الهاتف واستأذن من تميم:
"هروح المكتب بس نسيت حاجة."
ذهب إلى المكتب ثم نادى على سيدة التي جاءت ركضًا وقال:
"نادي على حياة."
هرولت سيدة إليها وقالت:
"ست حياة، كلمي عاصي بيه.. وبسرعة عشان شكله على آخره."
بللت حلقها الذي جف وحان وقت جني ثمار تمردها وتدليلها.
نهضت بخوف وهي تسألها:
"متعصب أوي يا سيدة!!"
ردت بذعر:
"ربنا يستر!! أنتِ زعلتيه ولا إيه يا ست حياة!! ده بيطلع نار."
"-طيب هروح أشوفه..-"
تقدمت حياة بتردد وخوف إلى مكتبه.
تحركت شمس إلى تميم الجالس أمام الحاسوب، فسألته بتوجس:
"هو في مشكلة مع عاصي وحياة!"
رد بجفاء:
"معرفش."
فأضاءت شاشته باسم سهير.
فنظرت شمس إلى الاسم بعبس وقالت بحنق:
"هي بتكلمك ليه دلوقتي؟"
وصلت حياة إلى الغرفة فتسمرت أمام الباب، فأتاها صوت الأشبه بالرعد:
"اقفلي الباب وتعالى."
نفذت ما طلبه منها واقتربت منه كطالبة مقدمة على العقاب من أستاذها.
وقفت أمام المكتب:
"مالك يا عاصي حصل إيه!"
رد بنفس الحدة وأشار إلى جوار مقعده:
"تعالى هنا وأنا هعرفك حصل إيه!"
بللت حلقها برعب واقتربت منه وهي تطالع جهار الحاسوب باحثة عن المصيبة التي ارتكبتها بدون قصد.
فوقفت بجواره بجزع:
"في إيه يا عاصي؟"
شدها من ذراعها ليجلسها على ساقيه عنوة وهو يمرر كفه على جدار عنقها ويدفن أنفاسه بالجهة الأخرى ويقول:
"حركات العيال دي بلاش منها."
تنهدت بارتياح:
"وقعت قلبي.. حرام عليك."
فابتسم ضاحكًا:
"كده نبقى خالصين."
أعلنت تمردها عليه:
"طيب وسع كده."
"-وسع إيه!! كُنت بتقولي إيه!! وحشتك وعايزة قهوة!!-"
"-كنت بنكشك بس على فكرة..-"
فتسللت يده الباردة تحت سترتها الصوف فتململت صارخة وهي تسند جبهتها فوق جبهته:
"شوفت مين اللي بيعمل حركات العيال.. عاصي بس بغير والله."
جذبها إليه أكثر حتى ذابت بين يديه وبسكر لمساته وقالت قبل أن تبادر بتقبيله:
"بجد بتوحشني وأنت معايا."
كلما أردت أن أعثر على نفسي تذهب إليه.
هكذا تلبي نداء قلبها في الحصول على راحته وسكرها المباح.
لينرنم قلبها في حضرت العشق الملتهب بينهم معترفًا:
"لقد كان يعيدني إلى الحياة مرة أخرى، بشكل أو بآخر يعرف كيف ينتشلني من أكثر المزاجات ضيقًا إلى تلك التي تكون دائمًا مليئة بالدهشة والعشق."
وضعت كلتا كفيها على وجنتيه لتستريح من الركض في حرم هواه.
تنهدت بأنفاس محترقة حتى قالت ضاحكة:
"دلوقتي عرفت سر انجذابي ليك طول الوقت.. هرمونات الحمل دي طلعت مشكلة بجد!"
"-يعني لما تولدي.. هبطل أوحشك.-"
حياة بهيام:
"مفتكرش.. لأنك سكنت جوه روحي واتربعت."
بادر تلك المرة بتوزيع عطر قبلاته الخفيفة عليها ومازالت يده تراوغ خصرها:
"لسه أيدي ساقعة؟"
"-حلاوة الشتا في المطر.-"
ثم تنهدت وشرعت في مسح آثار الحمرة من وجهه:
"هي الدكتورة لما نادت عليك، قالت لك إيه؟"
"-قالت لي أحطك جوه عينيا.. بس..-"
"-بس إيه؟-"
"-كلام عبيط كده.. قالت ممنوع أقربلك الفترة.. دي بتتلكك، وبعدين هي مالها!!-"
ضحكت حياة على طريقته وقالت:
"كله يهون عشان ابننا."
داعب وجنتها برفق:
"طيب ومامته اللي مطيرة النوم من عيني أعمل فيها إيه!"
كادت أن تجيبه فأتاهم صوت سيدة من الخارج:
"الأكل جاهز يا عاصي بيه."
"عندما يشعر الإنسان بالمحبة تتغير جودة الأيام في عينيه للأفضل، تزهو اللحظات، وتتمدد الراحة في كل لحظة، لا يطلب المرء أكثر من هذا.. محبة صادقة دون حاجة أو دافع."
"-اتفضل هديتك؟-"
قالت عالية جملتها بعد ما أنهت يومًا طويلًا بالجامعة ثم اتفقت أن تلقاه مساءً بأحد المقاهي.
فتح مراد العلبة فوجد بها ساعة من ماركة نيوترا بمينا بلون أسود كرونوغراف ستانلس ستيل من فوسيل.
ومعها زجاجة عطر فاخرة من ماركة شانيل بلو دي.
انبهر مراد بهديتها وقال:
"ليه ده كله يا عالية!! حقيقي ذوقك تحفة."
احمر وجهها:
"بصراحة ده ذوق نوران."
ضرب مراد كف على كف:
"يادي نوران!! أنا عايز أتعرف عليها نوران اللي طلعت لي في البخت دي."
ضحكت عالية بصوت خافت:
"حاضر هبقى أعرفك عليها."
نظر إلى قهوتها فوجدها انتهت فقال بحماس:
"يلا قومي."
"-هنروح فين؟-"
"-مفاجأة.-"
ردت بهلع:
"مراد أنا اتأخرت أوي، لازم أروح."
أخرج بعض النقود الورقية من جيبه ووضعهم على الطاولة:
"من غير أسئلة كتير.. قدامي."
نفذت عالية أوامره على مضض واتجهت نحو سيارته، فأشار إليها:
"ارْكبي."
عارضته:
"مراد!!"
فتح لها باب السيارة وأجبرها أن تصعد.
ثم دار وصعد هو الآخر بجوارها.
قفل أبواب السيارة إلكترونيًا ثم قال:
"عالية أنا رديتك.. يعني أنتِ دلوقتي بقيتي مراتي شرعًا وقانونًا.. تسمح لي أخطفك عشان نقضي شهر عسل محصلش."
زم فاهها بذهول:
"يانهار أسود!! مراد متهرجش.. عاصي وماما."
ثم حاولت أن تفتح باب السيارة لتهرب منه:
"مراد افتح بقى."
جذبها من ذراعها عنوة:
"عالية بطلي أنت جنان.. أنتِ مراتي ومحدش هيقدر يبعدك عني."
امسكت هاتفها برعب:
"مراد، عاصي.. والله مينفع."
جذب الهاتف منها وأرسل رسالة صوتية لعاصي قائلًا بها:
"عالية معايا يا عاصي، لأني رديتها النهارده الصبح."
ثم قفل هاتفها ووضعه في جيبه بحسم:
"ممكن تهدي بقى! تنامي وهصحيكي لما نوصل."
"-أهدى إيه!! مراد أنت ولعت الدنيا باللي عملته ده!!"
"-تولع.. المهم إنك من النهارده بتاعتي وبس.-"
أتمنى أن تأخذنا الدنيا جميعًا إلى الأماكن التي نحب بطريقة تليق بهذا العمر من الانتظار.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم نهال مصطفي
بابي دي أول مـرة نتجمع كُلنا عشان نأكل.
أردفت "تاليـا" جملتها بالكثيـر من الفرح وهي تترك ملعقتها بقلب الطبق.
فأجابها عاصي قائلًا:
- بس دي مش فكرتي، دي فكرة حيـاة.
فتدخلت داليـا مقترحة:
- بابي هناكل كل يـوم سوا كده!
فـردت حياة وهي تضع في طبق داليـا القليل من الخضروات:
- أيـوه، وهيكون في مواعيـد ثابته للكـل. جو كل واحد يأكل في أوضته ده مش هينفع.
فقال تميـم:
- والله براڤو عليكي يا حيـاة، عملتي اللي كان نفسي فيه من زمان.
فسألته حياة بغرابة:
- أنتوا بقالكم كتيـر متجمعتوش هنا ولا أيه؟
فـرد بخزى:
- من يوم وفاة بابا الخلافات كترت، فبقينا نتجنب أي تجمعات، وكل واحـد بقا ياكل لوحده.
قالت شمس بحماس:
- وليكم عليـا كل يوم أجازة هعملكم أكل مصري أصيـل.
فأجابتها حيـاة متحمـسة:
- وأي مأكولات بحـرية دي عليـا أنا.
فحدجها عاصي بنظـرة جعلتها تبتلع الباقي من كلامها وقال:
- الدكتـورة قالت راحة تامـة، ولا نسيتي!
فتدخلت تاليـا بفضول:
- ليـه يا بابي.. هي حياة sick!
فتبادلت النظرات الطريفة بينهم حتى رد بشـك مصطنع:
- يعني شوية.. ولازم ترتاح الفترة دي.
داليـا ببراءة:
- هي بتشتكي من أيه؟
نظر لحياة كي يستغيث بها لتلحقه من ذلك الاستجواب.
فقالت بلطف:
- بطني ساعات بتوجعني.
فقالت داليـا مقترحة:
- عشان أكلتي حاجة ملوثة؟
فأسرعت تاليـا قائلة ببراءة:
- أو عشان فيها بيبي!
انطلقت همهمات من الضحكات المكتومـة من الجميع.
حتى تدخلت نوران قائلة بفرحة:
- البنت دي طلعالي.. بتلقطها وهي طايـرة.
انضم لهم كـريم من الوراء وهو يفرك عينيه:
- أنا مصدقتش عيني لمـا شوفت باب أوضـة السفرة مفتوح.
ثم اقترب من المائدة التي تضم أشهى المأكولات:
- الله! مشـاوي وطـرب وكفـته وريش!
فأشار له تميم:
- اسحب الكرسى واقعد قبـل ما اقضى على الأخضـر واليابس.
شد كريم مقعده واشار لنوران بحماس:
- ناوليني طبق فاضي من جمبك، أحسن تميم مابيهزرش في الحاجات دي!
رمقته بلوم ثم مدت له الطبق الأبيض:
- اتفضل.
أخذ منها الطبق ثم أشار على طبق الريش القريب منها:
- وحتة ضلعة بقا من اللي قُدامك دي.
زفرت نوران بضيق:
- أبطل أكل وأخدم على جنابك!
وبختها شمس بنظرة حادة:
- نوران!
فتدخل كريم ضاحكًا:
- عندها حق يا دكتورة.. أنا الـ طلبـاتي كتيرة.
فتفوهت نوران:
- أوي.
فحسم عاصي المعركة:
- أنتوا هتتخانقـوا على الأكل ولا أيه! اتفضلوا كلوا.
ثم وضع لقمة من الكفتـة بفمه وقال:
- هي عاليـة فين؟ معقولة لسـه ما رجعتش!
فتبدلت معالم وجه نوران التي تعلم أنها ذهبت لإعطاء هديـة مراد.
رمقت كريم بتسائل حتى قال بتوجس:
- اليوم عندها كان طويل عندها في الجامعـة. ممكن تكون خرجت تشـم هوا ولا حاجة.
تدخلت حياة:
- هي مش عيلة صغيـرة يا عاصي، سيبها على راحتها. دلوقتِ تيجي.
فاقتراح تميم وهو يخرج هاتفه:
- أنا هكلمها.
***
” بسيـارة مُراد ”
- يامراد عشان خاطري نرجع، أنا مش عايـزة عداوة بينك وبين عاصي.
توسلته عاليـة بنبرة خائفة بعد ما قطع مراد الطريق الصحراوي متجهًا إلى الاسكندريـة.
فأجابها بحسم:
- عاليـة أنتِ ليكي ساعتيـن بتقولي نفس الكلام، وأنا بقول لك انسي.
عارضته بتوجس:
- طيب هات موبايلي اكلمهم فـ البيت.
- لا بردو.
تفوهت بنفاذ صبـر:
- يا مراد بقا.
صمتت للحظات ثم قالت:
- طيب أحنا هنروح فين؟
- هنروح اسكندرية.
عاليـة بدهشـة:
- ليـه!
أمسـك بكفها وطبع قبلـة بداخله:
- حابب أقضي يومين حلوين مع مراتي بعيد عن الدوشـة.
دب الخوف بقلبـها وهي ترمقه بعينيها المرتعدة:
- يعني أيه!
ضحك مراد بصوته المسموع وسألها مغيـرًا مجرى الحديث:
- عاليـة، أنا قولت لك قبل كده إني بحبك وبحب براءتك دي!
- لا ماقولتش.
طالعها بنظـرة مليئة بالحُب:
- بحبـك.
تسمرت ملامح وجهها محاولة استيعاب الكلمـة حتى غمغمت بشـرود:
- شُكـرًا.
لم يكبح نفسـه من أن ينفجـر ضاحكًا ثم ختم صوت قهقهته:
- العفـو.
ثم ألقى نظرة سريعة على ملامحها المتجمدة:
- أيه رأيك تنامي شوية لحد ما نوصـل، عشان سهرتنا طويـلة الليلة دي.
هزت رأسها بعدم فهم وقالت بتشتت:
- اه هنام عشان دوخت شويه.
ثم تكورت لتلتصق بالباب بجابنها وأكملت:
- تصبح على خيـر.
مراد باعتراض:
- خدي هنا، أنتِ ناوية تغرقي للصبح، كلها ساعة وهنوصل.
ردت بتمرد متعمدة الهرب من سطو نظراته وكلماته وقالت:
- صحيني أول ما نوصل. متعملش صـوت بقا خليني أنام.
- نامي يا عالية. نامي، عشان أنا جايب معايا بنت أختى.
***
“عودة إلى القـصر ”
جاءت حياة صحبـة بصحبة شمس التي تحمل بيدها " صنية " من المشروبات الدافئة ووضعتها على الطاولة التي تتوسط مجلسـهم.
جلست حياة بجوار زوجها وقالت بمزاح:
- مش كفـاية كلام في الشُغل!
تدخل كريم الذي خطف مشروبه الدافئ وقال:
- والله بقولهم كده من أول ما قعدنا. ونشوفلنا فيلم رايق كده نشـوفه.
وبخه تميم ممازحًا:
- يابني أنت حياتك كلها عبث.
كريم ممازحًا:
- هو في أحلى من كـده؟
ثم غير مجرى الحديث بعد ما يأس من رد مراد وعالية على رسائلـه وقال بزيف:
- زميلة عالية ردت عليـا وقالت انهم في كافيه ومفيش شبكة لانهم شغالين على المشروع الجديد، ساعة وعالية هتكون في البيت.
قال تميم بارتياح:
- طيب كويس أنها بخيـر.
أعطت حياة كوب السحلب لعاصي ثم تناولت كوبها. فشكرها قائلًا:
- تسلم أيدك.
ارسلت له ضحكة خفيفة:
- يارب يعجبك.
كررت شمس نفس الفعل مع تميم ولكن كان رده مختصـرًا:
- مرسي يا شمس.
تجاهلت شمس شكره وقالت بحدة:
- نوران مش كفاية بقا وتاخدي السحلب بتاعك تشربيه فوق وأنتِ بتذاكري!
تمتمت نوران بضيق:
- يادي المذاكرة.
ثم جهرت متأففة:
- حاضر يا شمس هروح اتنيل اذاكر.
تدخل كريم بنبـرته الاستفزازيـة:
- بلاش تكشري فـ وش الكتاب عشان ميكشرش هو كمان في وشك.
أخذت نوران مشروبها وقالت باختناق:
- ينفع تخليك في حالك!
ضحك الجميع على مناقرات الثنائي المشاكس حتى قال عاصي مناديًا على ابنته:
- تاليـا، هاتي موبايلي من جوه.
كادت حيـاه أن تقوم ولكنه أوقفها:
- تاليـا هتجيبه.
أقبلت تاليـا على أبيها بحماس:
- اتفضل يا بابي.
مسك عاصي هاتفه ولكن وجده مغلقًا إثر فراغ بطاريتـه، فتأفف:
- مش وقتك خالص.
انصرفت نوران لأعلى ثم لحق بها كريم الذي تحجج بدراستـه، ثم تابعه تميـم الذي أمسك هاتفه ومفاتيحه قائلًا:
- أنا نازل ساعتين وراجع.
تدخلت شمس بلهفـة:
- تميم رايح فين؟
رد باختصار:
- شغل يا شمس.
مالت حياة على عاصي ووشوشت له:
- ممكن تاخد البنات تنيمهم وأنا هروح مع شمس عشان تديني الحقنة.
تمتم هامسـًا:
- طيب ما اديهالك أنا.
رمقته بعينيها الفيروزيـه:
- بس بقا عيـب.
صعدت الجميع لأعلى، اتجهت شمس مع عالية لغرفتها وما أن انتهت من أداء عملها قالت:
- ارتاحي اليومين دول يا حياة وبلاش حركة كتيـر.
ابتسمت حياة بطاعة:
- هخلي بالي. عقبالك أنتِ وتميـم.
انكمش وجه شمس بضيق وغمغمت:
- ان شاء الله. اسيبك ترتاحي شوية.
حياة معارضة:
- هنزل معاكي عشان عاصي مش هيعرف ينيم البنات لوحده. ده مش بعيد هما اللي ينيموه.
تبادل الاثنان الضحك والحديث الطريف حتى عادت شمس إلى غرفتها واتجهت حياة إلى غرفة البنات.
فتحت الباب فوجدته كالغارق في شـبر ماء وهو يحاول تمشيط شعره تاليا وقال:
- تعالى شوفي، كل ما أجيبهم الناحية دي، يروحوا الناحيـة التانية.
انفجرت حياة ضاحكة وهي تأخذ منه الفرشاة وتضم تاليا إليها:
- والله قلبي كان حاسس. اتفضل نام جمب داليـا عشان عندهم مدرسة الصبح ومعاد نومهم فات.
اتجه نحو سرير صغيرته التي تداعب عروستها. شد الغطاء عليهم وأخذها بحضنه فأصرت أن تضع العروسة بينهم:
- بابي خليها هنا ما بينا عشان الجو سقعة.
رد ساخرًا:
- سقعة على العروسـة وأنتِ عادي! طيب نامي.
رمقته بعينيها المتسعة:
- احكي لي حدوتـه.
نادى عاصي على حيـاته ومنقذته:
- حياة، الحواديت دي بتتحكي ازاي!
انتهت حياة من طوي شعر تاليـا وقالت ضاحكة وهي تمسك بيده الصغيرة وتتجه نحو مخدعها:
- أنا هحكي لهم.
مددت بجوار تاليـا ساندة رأسها على كفها فتلاقت أعينيه مع عينيـه المتوقـة لسماع قصـة ما قبل النوم. أخذت تداعب جدائل شعر تاليـا بحب وقالت:
- كان يا ما كان.
***
وصل مُراد وعاليـة إلى أحد الفنادق الفاخرة بالأسكندرية.
استلم مراد مفتاح الغرفة ثم عاد إليها:
- يلا!
أخذت المفتاح من يده:
- ده مفتاح أوضتي، فين مفتاح أوضتك؟
- والله عيب على قسيمة الجواز اللي الموظف ده لسـه شايفها!
قال مراد جملته بحنق من اسئلة عالية المتكررة التي أصيبت فجاة بالحماقـة.
طافت عينيهـا بذهول:
- آكيد مش هنقعد في أوضـة واحدة؟ مراد أنا.
وقف أمامها ليعيق خُطاها المتجهة نحو موظف الاستقبال، وقال:
- يلا نحـل الموضوع ده فوق.
- مر اد؟
كانت نبرتها تحمل التوسل أما عنه فكانت طريقة نطقه لاسمها تحمل الكثير من التحذيرات:
- عاليــة. قدامي.
سبقته الخُطى نحو المصعد وهي تتحاشى النظـر إليه كطفل مشاكسـة أعلنت الحرب على أبيها.
اتخذت وجهة خاطئة عن الغرفة الخاصة بيهم فنادى عليها مُشيراً:
- من هنـا.
ضرب الأرض بساقيها وسارت صوب ما أشار إليها حتى وصل الثنائي إلى غرفتهم.
دخلت عاليـة ثم تابعها مراد فتوقفت في منتصف الغرفة تعلن اعتصامها:
- هااه، الأوضة مش فيها غير سرير واحد. والكنة صغيرة، هننام فين بقا؟
نزع مراد معطفه ثم سترة بدلتـه ووضعهم على المقعده ثم فك رابطة عنقه واتجه ناحيـة الثلاجة وسألها:
- تحبي تشربي حاجة؟
- لا مش عايـزه.
أمسك مراد بزجاجة العصير وقفل الثلاجة مرة أخرى فسالها:
- تتعشى؟
- ما أحنا أكلنا في المطعم.
- يعني مش جعانـة؟
- لا يا مراد مش جعانة ولو سمحت متغيرش الموضوع.
دنى منها متسائلًا:
- عاليـة أنتِ متعصبه ليه؟
بدأ التوتر يقاسم تفاصيل وجهها:
- مراد هنام فين؟ انا بجد تعبانة وعايزة انا وانت بتشرب مانجا ولا بتفكر في أيه حاجة.
ثم شدت منه زجاجة العصير:
- وريني! دي ساقعة عليك، لو سمحت سيبها تسخن شوية، أنت مش شايف الجو بره! دي بتمطر تلج!
ارسل لها ابتسامة خفيفة:
- خلاص اتحلت اهي.
- هي أيه؟
- قصدي في التلج ده ينفع انام انا في مكان وأنتِ في مكان!
تراجعت للخلف وهي تتأمل تفاصيل وجهه المُقبلة إليهـا:
- قصدك تقول.
قاطعها مُكملًا:
- ااه هننام على سرير واحد.
لُطخ وجهها بحمرة الخجل:
- بس بقا يا مراد ما تهزرش. وبعدين انا ماجبتش هدوم معايا، الله يسامحك في اللخبطة دي كلها. وسع كده.
دفعته من أمامها وشرعت ان تفتش في الخزانة عن ملابس يمكن أن تنام بهـا لكن بدون جدوى. دارت لتجد نفسها تحت مظلته قائلًا:
- الصبح ننزل نجيب كل اللي تحتاجيـه.
لاحظت اقترابـه منها التدريجي حتى ارتطم ظهرها بأحد ضُلف الخزانـة. فسألته بتوجس:
- مراد أنت بتقرب كده ليـه؟
- بطمن على ابني. فيها حاجة دي!
أغرورقت عينيها بدموع الاضطراب:
- بطل هزار.
شرع بمداعب خُصلة من شعرها متساقطه على وجهها بلطف وقال:
- يبقى ندخل في الجـد على طول.
تنهدت بارتياح:
- ااه خلينـا في الجـد، ابعد بقا.
انخفضت نبرة صوته وهو يقول:
- عارفة أول مرة شوفتك فيها في الحفلة، جالي أحساس أني عايز أحضنك.
- عيب يا مراد أنت بتقول أيه؟
انكمشت ملامحـه:
- هو أيه العيب يا عاليـة عشان شكلك هتغلبيني الليلة دي!
ردت بارتباك:
- اللي أنت بتقوله ده.
وضع يده على خصـرها فعاشت شعور من يفتح النافذة بليلة قارصة البرودة فيرتعش جسده بأكمله. برزت عروق عنقها وكادت أن توبخـه ولكنه أسرع بتقبيل شفتيها المرتعشـة، فهُزم قلبـها خاضعًا لأفعاله التي بثت مشاعر غريبـة بكيانهـا واعترف في استسلامه:
"•أحسستُ بالحُب تجاهك منذُ اليوم الذي لمحتُ فيه الدفء الذي في وجهك و العناق الذي حدث مابين صوتك ومسمعي، احسستُ بك وشعرتُ أنّ هذا القلب الصّغير الذي أحمله في زوايا صدري يتمدد بحبك يومًا بعد يوم، لايتبدد شعُوري لك ولاينقص، بل إنهُ يحتشد في وسط صدري حتّى إنه يفيض من وسط عيني"
كان لقائهم ناعمًا هادئًا كهدوء طباعهـم. هى ما زالت تحت تأثيـر تلك المشاعر المجهولة التي صوبت إليها دفعـة واحدة، وهو كان يتعلـم معها معنى أن يمارس الشخص حبـه لأول مـرة.
ابتعدت عنه بصعوبة وهي تلهث:
- مراد، عاصي.
فك أزرار قميصـه بلهفـة وهو يُقبل على نهرها:
- عاصي مين دلوقتِ؟
وضعت يدها على قلبها تترجاه كي يهدأ وهي تستنذ على الخزانة تأخذ أنفاسها بهدوء حتى عاد إليها رافعًا وجهها إليه:
- ينفع تسيبي لي نفسك خالص!
- أصـل.
سألها بصوت أنفاسه الذي يتسابق مع كلماته:
- بتحبيني يا عاليـة!
ردت بتوجس ونبرة متقطعـة:
- مش عارفـة.
حملها بين يديه معلنـا الحب عليهـا وقال:
- دلوقتِ هتعـرفي.
***
نهض عاصي من جوار ابنته برفق كألا يزعجها ثم فتح باب الغرفة بحرص وعاد إلى حياة النائمة بجوار داليـا قبل أن تنهي قصتها.
حملها بلطفٍ بين يده وغادر الغـرفـة متجهًا إلى غُرفتـه.
تململت حيـاة بين يديه قائلة بصوت نائم:
- عاصي. نزلني، أنا صاحيـة.
مازحها قائلًا:
- طيب فتحي عينك عشان اتأكد أنك صاحيـة.
تنهدت بدلالٍ وهي تعانقـه بكسـل وطلبت منه:
- قولي لي بحبك.
وضع قدمه على أول درجات السُلم وهمس لها:
- بعشقك.
فرسمت ابتسامة على وجهها النائم وقالت:
- وأنا كمان.
ثم استراحت على صدره وسألتـه:
- عندك شغل بكـرة!
رد عليـها قائلًا:
- يومنا طويل بكرة، حفل انطلاق البراند الجديد بالليل. ولازم تكوني موجودة.
- هناخد البنات؟
- مش لازم عشان الحفلات دي بتتأخر.
فتح باب غُرفتهم ثم ركل الباب بقدمه بعد دخوله. وضعها على مخدعه بلطفٍ ما كاد أن يبتعد فتشبثت بيده مع انفراج عينيها وسألته متدللة:
- هتروح فين؟
طبع قُبلة على ثغرها:
- مش هتأخر.
اتجه إلى الحمام ونهضت هي من فراشها فتحت خزانة ملابسها لتبدل " الجينز والصوف " الذي ترتديه بـ " بيجامة " حرير باللون الأسـود ثم عادت إلي مخدعها بسرعة خاصة عندما وصل إلى أذانها صوت فتح الباب.
وقف عاصي أمام المـراة ونثر القليل من العطر حول عنقه ثم على صدره العارٍ مكتفيًا بينطال أسود ثم ضبط درجـة حرارة المدفأة ووصل هاتفه بالكهرباء ثم عاد إليهـا.
اقتربت منه متدللة وهي تداعب ملامحـه:
- اتأخرت على فكـرة.
- الخمس دقايق دول.
اتسعت ابتسامتها وهي تخبره:
- وحشتني.
أمسك كفها المتراقص فوق ملامحه وقبله بحرارة:
- وأنتِ كمان.
- اليوم كان جميل أوي النهاردة. لمة العيلة حلوة أوي، وشمس طيبة أوي، هي اااه تبان شديدة كده بس والله من جواها طيبة.
ضحك عاصي بخفوت وعقب قائلًا:
- ده أنا مش قادر أبص في وشها من وقت ما زعقت فيا الصبح.
تبادل الاثنان الضحك حتى قالت:
- بصراحة أنت كنت محتاج يتزعق فيك.
داعب وجنتها بلطف:
- وأنا كُنت عملت أيه يعني!
- قول ما عملتش أيه؟
قبل أرنبة أنفها وقال بحب:
- كانت أحلى ليلة في عمري.
أحمر وجنتها بخجل ثم قالت:
- تعرف، من زمان وأنا بتخيل وبكتب سيناريوهات كتيـرة لليلة دي مع الشخص اللي بحبه، وأزاي هنقضي أول ليلة لينا مع بعض سوا، بس عمري ما اتخيلت أني أعيش ليلة ولا في الأحلام زي اللي عشته معاك.
انتقلت يدها التي تداعب ملامحه إلى صدره العار وأكملت:
- أول جملة كتبتها في أول مرة مسكت فيها القلم " الحب بيعري القلوب ". معاك أنا عشت الجملة دي بتفاصيلها. ده بيعري القلب والعقل والروح وبيخلينـا نقول كلام ونعمل حاجات عمرنا ما نتخيلها.
سألها بحب:
- زي أيه؟
اقتربت منه أكثر وقالت بجراءة:
- زي ما أنا مستعدة دلوقتِ أحط عيني في عينك وأقول لك إني " ملهوفـة عليك " يا عاصي.
كانت مُفعمة بالحب للحد الذي يجعله أن يشاهد الحياة تركض في وجهها، لم تكن حياةً كانت كارِثةً لا تُغتفر. أمسك بكفها كي يكف عن مغازلتـه كما فعل حديثهـا وقال:
- ما بلاش الكلام اللي يخلي الواحد يتهور ده!
قالت بنبرة خفيضة:
- بس ده مش كلام، دي دعوة صريحة.
اندست يديه تحت سترتـها كعادته في تدليلها:
- ده أحنا اتطورنا جامد.
- قول لك الحُب بيجردنا من كل القيم والمبادىء وبيخليك مش شايف غير حبيبك.
- وأنا مش عارف أشوف غيـرك.
طرقت باب الممنوع لتغويـه. فلبى دعوتها التي كان ينتظرها على رحب وهو في قمة سعادتـه. تشابكت الأيدي وتعانقت الأرواح ولحمت نار العشق الأجساد حتى غمغمت بجملتها الأخيرة قبل أن تسبح معه في بحر الحب بنبرة ناعِمة كأنهَأ منسَوجّة مِنْ الحِرير:
- عاصي ابننا.
- متقلقيش.
***
قضت شمس ليلتهـا على مراجل من نار تتوقد، ساعة وراء الأخرى تنتظر مجيء تميـم ولكن بدون جدوى.
أخذت تجرب الغـرفة ذهابًا وأيابًا. تُطالع رقمه بالهاتف حتى حسمت قرارها أن تُراسله ولكنه مقفولًا. خرجت في الشرفة تراقبـه كي تراه عندمـا يأتي ولكن تاخر الوقت كثيـر حتى غرقت في سباتها على أحد المقاعد.
بالغرفة الثانية تتهامس نوران بالهاتـف:
- يا كريم أنا قلقانة على عاليـة، عاصي لو قام الصبح ومكنتش في البيت حرفيا هيخرب الدنيا.
- طيب أعمل أيه! هي ومراد موبايلاتهم مغلقة!
تسرب وميض الشك إلى نوران:
- ده اللي يقلق أكتر. طيب انزل كده اسأل عليهم فالاقسام ولا في المستشفيات اهو نطمن!
انكمشت ملامح كريم:
- اقسام ومستشفيات وعايزة تطمني! ده انت بومة.
- هتغلط هغلط!
- بس ده مش غلط، ده وصف.
- كريم. أنت مهزأ.
ضحك كريم مستقبلًا أهانتها برحب ثم قال:
- المهم هنعمل أيـه في عالية ومراد! انا شاكك في حاجة.
- حاجة ايه؟
رمى كريم نفسه على السرير وقال:
- مراد خطف عاليـة.
- نهاره مش فايت. أصلا أخوك سوابق ويعملها. انا من الأول مكنتش مرتاحة له، وكل ماافتكر إني جبت له هدية بزعل من نفسي.
ثم وثبت قائمة وقالت مهددة:
- بص يا كريم أخوك لو مظهرش لحد بكرة. أنا هروح احكي لعاصي كل حاجة وهقوله أنت اللي ساعدتهم. وشريك معاهم.
- لا ياشيخة، وأنتِ الملاك اللي بجناحات! ولما يقولك عرفتي منين!
ارتبكت نوران وقالت:
- كُنت بلمع اُوكر وسمعتكم. ولا أنت ناوي تفتن عليـا!
- لا انتٍ تفتني عليا عادي.
- اه عادي.
كريم بمزاح:
- انتِ مش جدعة على فكرة.
ردت بارتباك:
- ولا أنت كمان جدع، ويالا اقفل ومتتصلش هنا تاني.
***
” صبـاحًا ”
وتبقى الذكريات هي الملاذ الوحيد لكل ملحمة جميلة عالقة في الذاكرة، غلب عليها الزمن والحب.
قضت " عاليـة " وقتًا طويلًا تطالع السقف محاولة استيعاب ما كانت عليه وما عاشته للحظات مسروقـة من اشجار الزمن.
حتى صاحت بصرخة مدوية عندما استوعبت حقيقة انها نائمة بين يديه عاريـة:
- يانهار مش فايت! انا ايه جابني هنا. مراد مراد، اصحى.
رفع جفونه مخضوضًا:
- عاليـة! ايه في ايه؟
- عاصي هيدبحني يا مراد.
ثم طافت عينيها بتيـه:
- هو أيه حصل!
تفهم حالتها ثم ردد اسمها مرة أخرى بنبرة هادئة:
- عالية!
أصدرت صوت إيماءة خافتة وهي تتشبث بالغطاء:
- نعم!
- نمت كويس؟
- أيوة نمت.
كاد أن يُزيح الغطاء من فوقها ولكنها صرخت معترضـة وهي تبتعد عنه:
- لا لا لا.
- طيب وريني وشك طيب؟
تدلى الغطاء عن وجهها تدريجيا وهي في قمة خجلها منه حتى عادت لتختبئ تحته مرة أخرى ولكنه منعها تلك المرة وهو يسألها:
- ما أحنا كنـا حلوين! حصل أيه!
- مراد، عاصي هيقضم رقبتي. انا لازم امشي.
مسك كفها كي يمنع حركتها:
- عاصي مين على الصبح!
- انا هنا بعمل أيه؟
تحمحم بخفوت:
- اااممم انت شكلك جالك زهايمـر، أيه رايك نبتدي من أول وجديد!
صرخت بوجهه بحرجٍ:
- بس يا مراد!
- بس أيه يا لولا. خلاص بقا. مش كفاية الاصطباحة اللي تقطع الخلف دي!
تشبثت بالغطاء الذي يستر جسدها العارٍ وبللت حلقها بحياء:
- مراد أنت اتعلمت الحاجات دي فين!
انفجر مراد ضاحكًا على براءتها وجمالها المنصب بملامحها المشرقة، فرمقته باستغراب:
- بتضحك ليـه!
- افهم بس حاجات ايه؟
- خلاص خلاص. أنت عايز أيه دلوقتِ؟
مازحها قائلًا:
- عايز اعرف أنتِ ليه متبتة في الغطا أوي كده؟
ثم مال هامسًا في أذانها:
- أنا شوفت كل حاجة على فكرة.
صرخت في وجهه بحياء وهي تندس تحت الغطاء:
- مراد بس.
نزل معها تحت الغطاء ليلتقى الحبيبان مرة أخرى فوقعت عاليـة في مصيدته من جديد وشرعت أن تهرب منه ولكنها لم تنجح. فسألته بخجل:
- يا مراد بقا عايز!
ضمها إليها من جديد وسألها:
- عايز اعرف بتحبيني ولا لا.
تملصت من حضنه متمردة بدلالٍ:
- لا. ووسع كده.
- وأن موسعتش.
- مراد بقااا.
ضمها إليه من جديد وقال بخبث:
- بس أنا اخدت الجواب منك.
- أمتى ده! أنا ماقولتش حاجة على فكرة.
بدأت يداه تتنقل بحرية على معالمها وقال:
- لغة الجسد كفيلة أنها تقول كُل حاجة.
- مراد أنت قليل الأدب.
انقض شبح حبـه عليها مراوغًا وملاطفًا بقبلات جريئة ومداعبات جعلتها تتوسل إليها ضاحكـة كي يبتعد حتى أصر قائلًا:
- هاا اعترفي. عايز اسمعها.
- هي ايه؟
- قولي كده بحبك يا مراد.
حدجته بعيونها اللامعة في الظلام:
- طيب غمض عينك الأول.
- ياسلام! مش كفاية ضيق التنفس اللي أحنا فيه ده.
- غمض بس وأنا هقول.
غمز بطرف عينه مستنشقًا رائحة الغدر:
- مالكيش أمان. لا.
- ولا أنا مش هقول غير لما تغمض.
- طيب ولو غدرتي.
ردت ببراءة:
- ثق فيا. يالا غمض عينك.
أغمض مراد عينيه ملبيًا لطلبها:
- أما نشوف.
تملصت منه وقالت:
- لا حطت أيدك على عينك. كده أمان أكتـر.
حدجها بشكٍ:
- عالية.
توسلت ببراءة:
- يالا.
وضع مراد يديه فوق عينيه وقال منتظرًا كلمتها:
- هااا مسمعتش.
في تلك اللحظة؛ فرت عالية كالأرنب الهارب من جواره وذهبت إلى الحمام كي تحمي نفسها من نظرات مراد الثاقبـة. قفلت الباب بعناية حتى أتاها صوته قائلًا:
- مش قولتلك شامم ريحة الغدر! بس تخرجي ياعالية عشان مش أنا اللي يتلعب عليا الألاعيب بتاعت اعدادية دي.
تركته يهذي خلف البـاب وهي غاصت في بحر تفاصيـل ليلتها الماضيـة معه. منذ اللحظة التي أخبرها فيها بأنها أرق فتاة بالعالـم. ومطر قبلاته التي خدرت روح التمرد بجسدها وأحيت روح الحب حتى سبح الاثنين في بحر هواهم.
عصرت ذاكرتها كي تتذكر اللحظة التي تجردت من ملابسها أمامه وتفاصيلها ولكن هناك أشياء تسقط من الذاكرة كصعوبة الرحلة ولم تبقى بها إلا لذة الوصول.
غسلت وجهها عدة مرات حتى اتسعت ابتسـامتها عندمـا غرقت بتفاصيـل ليلتهم الأولى معًا.
#فلاش باك
ولت ظهرها مُعلنـة حالة النعااس التي أصابتها وقالت بتعب:
- مراد أنا هنام مش قادرة.
ولى قبلته إلي تفاصيل ظهرها ناصع البياض وأخذ يُغازل فقرات ظهرها ولم يتوقف عن ذلك بل بادر بنثـر العديد من القُبلات على كتفيها ويده التي تُقربها منه شيئا فشيئا. تململت بدلالٍ وهي ثملة من تأثيـر العشق:
- مراد بس بقى، عشان هنام.
رد عليها وهو في مرحلة السُكر:
- الليلة دي مفيش نوم.
سألته بتمـرد:
- أومال في أيه!
- عالية دي أول ليلة لينـا، ولازم تكون ليلة مميـزة.
اعتدلت لتطل بعيونها العسليـة عليه وقالت بدلعٍ:
- مميـزة أزاي.
جذبها إليه وقال:
- تعالي هقول لك.
***
عاد تميم إلى غرفته في تمام الساعة السابعة والنصف صباحا فاستيقظت شمس على صوت صـرير الباب حتى وجدته أمامها. ألقت نظرة سريعة على الساعة ثم تقدمت نحوه بعواصف غضبها عاقدة ذراعيها أمام صدرها:
- والله! ما لسـه بدري. ويا ترى كنت فين ومع مين!
رمقها باستهتار وبداخله سعادة عارمة لأنها نحج في إثارة غضبها وقال:
- كنت في الموقع بتابع كام حاجة كده.
ثم ابتلع بقية كلماته وقال معاتبًا:
- وبعدين هو تحقيق ولا ايه يا شمس.
وقفت شمس أمامـه:
- أيـوة تحقيق، من حقي أعرف جوزي راجع ٧ الصبح منين وكان مع مين.
أخرج ملابسه من الخزانة قائلًا متحججًا:
- معلش يا شمس تعالي شوفي الجرح شادد عليـا.
- روح مكان ما كُنت وخليهم يشوفوا لك الجرح.
ألقى ملابسـه على السريـر بكلل وهو يصدر تأوهات الألم:
- كانت ليلة متعبـة أوي يا شمس. ليا كتير مش واخد على ضغط الشغل بالشكل ده.
ثم أغمض عينيه متأوهًا حتى رق قلبها وأتت بعلبـة الاسعافات الأولية لتغيـر له على جرحه. ما كادت أن تفك أزرار قميصـه فسالته بعتب:
- كان عليك أيه بالتعب ده كله!
- كان لازم أعاين الموقع بنفسي عشان الرسم، وسهير مسابتنيش خالص، البنت دي جدعة أوي يا شمس.
رفعت حاجبها بمكر:
- ااه سهيـر! هي كانت معاك!
- طول الليل نشتغل في العربية يا شمس. لحد ما بقيت مش حاسس بكتفي من الألم.
توقفت شمس عن أداء مهمتها وسألته بغضب:
- وهي الانسـة سهيـر ما غيرتش ليه على الجرح بالمرة!
اشتعلت نيران الغيـرة بوجهها حتى همس لها قائلًا:
- لولا أني عارفك كويس كنت قلت أنك غيرانة من سهير. وأنا شايف كده أن اي ست هتغير منها.
ردت بضيق:
- سهيـر دي واحدة فالصـو. عمرك شوفت دهب بيغيـر من فالصو؟
انفجر تميم ضاحكًا ثم قال مكملًا الضغط على وترها الانثوي المتوق بالغيرة:
- بس انا مش شايف كده!
ارسلت لها أبتسامة زائفـة:
- نام يا تميم، عشان شكل قلة النوم أثرت على عينك.
- طيب والجرح!
- كلم سهيـر تيجي تشوفه.
أمسك تميـم يدها بعد ما استوت على لهب الغيـرة وشرع أن يكذب كل ما قاله ويسألها ما الذي ستفعله مديرة الشئون القانونية في موقع الإنشاءات؟ ولكن جاءت نوران في تلك اللحظة بعدما سمحت لها شمس بالدخول، فتوقفت مترددة:
- عالية مجتش من ليلة امبارح، وأنا قلقانـة عليها أوي.
***
فتحت " حيـاة " جفونها فوجدت نفسها بين يدي عاصي الذي يحاوطها بأمانه. رأسها على ذراعه الأيسر وأنامله متغلغلة في شعرها. ويمينه تربت على بطنها وكأنه يـريد أن يبث الحب بجوف مضغتها الصغيرة المختبئة بين أحشائها.
مررت أصابعها على وجهه بلطف حتى فتح عيونه وقالت بحب:
- صباح الخيـر.
نالت جبهتها قُبلة وكان لثغرها النصيب الأكبـر من القُبل وسألها بتوجس:
- في حاجة بتوجعك.
- أنا والنونو زي الفل ما تقلقش.
داعب أرنبة أنفها بمزاح:
- تاني مرة نبطل شقاوة عشان بتجرجريني لطرق أنا بحبها.
التف ذراعها حول عنقـه وقالت بنبرة مفعمة بالنوم:
- وأنا بحب كل حاجة معاك.
ثم طالعته بنظرة مترددة كمن سيخبـره بشيء:
- عاصي. عايزة اتكلم معاك في موضوع.
- موضوع أيه؟
- هتفهمني ولا هتقوم تخبط وترزع وتزعق.
عقد حاجبيه مستنكراً:
- يا سلام! أنا بعمل الفيلـم العربي ده كله!
- أنتَ مش بتشوف نفسك ولا أيه؟!! بتكون شخص تاني أنا بترعب منه.
داعب خصلات شعرها بحب:
- أنتِ بالذات ماينفعش تخافي مني، لأني بقف قدامك بضعف وبنسى أصلًا مين هو عاصي دويدار.
- تعرف، بفضل أبص لك كتير وافتكر عاصي اللي اتعرفت عليـه قبل كده، وأسال نفسي أزاي حبيبتك!
تنهد عاصى قائلًا:
- عشان اللي معاكِ ده مش عاصي دويدار. ده واحد تاني خالص بكتشفه من جديد معاكي. أقول لك على حاجة.
- قول.
- منكرش إني حبيت مهـا، بس عمري ما اتهزيت قُدامها، كنت معاها نفس الشخص اللي مع الناس بره. اقدر أقول أني عشت مع مهـا الحُب. بس عشت معاكِ الحيـاة.
ضمته بكل ما تملك من حب وقالت:
- وأنا أوعدك هخليك أسعد راجل في الدنيـا كلها.
- وجودك جمبي كفاية يا حياة. ها كنتي عايزة تقولي أيه.
كانت ستحدثه عن عالية وعلاقتها بمراد ولكنها تراجعت في أخر لحظـة وغيرت مجرى الحديث وأخبرته:
- نفسي في مانجـا عويس.
- مانجا في الشتـا يا حياة!
- معرفش بقا اتصـرف.
أصدر إيماءة خافتة ثم قال:
- حاضر هتصرف.
قبلته في وجنته بسرعة واخبرته:
- بحبك.
- معنديش أغلى منك. يلا نقوم كفايـة كسل.
وثبت قبله بحماس:
- أنا مش كسلانة أنت الكسول. يالا قوم.
نهض عاصي وأول شيء فعله فتح هاتفـه. أخرجت حياة ملابسـه من الخزانـة ثم اقتربت نحوه وطوقت ذراعه:
- غلط أول ما تصحى من النـوم تمسك الموبايل.
- معلش مستني بس رسالة مهمة.
فتح تطبيق " الواتساب " ثم انعقد حاجبيه متعجبًا:
- نشوف عاليـة باعتة ايه.
فتح رسالة عاليـة الصوتيـة فأتاه صوت مراد قائلًا:
- أنا رديت مراتي يا عاصي. وهي معايا دلوقت.
اشتعل الغضب بوجهه كاشتعال النيـران بالغابـة. أخذت حياة الهاتف من يده على صوت صرخته:
- ابن المحلاوي بيلوي دراعي.
سحبت حياة عنوة كي يجلس على أقرب المقاعد:
- عاصي قبل ما تتعصب ممكن نتكلم الاول.
- هاتي الموبايل يا حياة، وديني ما هرحمه. مش أنا اللي يتلوي دراعي.
- وأنت ليـه واخد الموضوع كأنه لوي دراع. عاصي هسألك سؤال. لو حصلت ظروف بينا اجبرتنا اننا نبعد، هتتصرف أزاي؟
رد غاضبًا:
- أحنا فـ أيه ولا أيه يا حياة.
- معلش رد. هتسيبني أيعد عنك!
- لا طبعًا.
- هو ده بالظبط اللي عمله مراد، بيدافع عن حبـه، كل شيء فـ الحب مباح يا عاصي. على فكرة.
أغمض جفونه وولى وجهه الناحية الأخرى، فقفزت حياة لتلك الجهة وأكملت:
- ده الموضوع اللي كنت عايزة اكلمك فيه وأجلته لـ بالليل. عاليـة هي كمان بتحبـه، يبقى ليه مصمم تفرق ما بينهم!
جهر قائلًا:
- هما اللي معرفوش يحافظوا على بعض يا حياة، هو هان أختي، ولما جيه وطلب أيدها أنا رفضت، مش عايز أختى تتعرض لـلأهانة تاني.
بررت حياة:
- يعني الراجل دخل البيت من بابه، وأنت رفضت من قبل ما تاخد رأي صاحبة الشأن، وبصراحة انا مش هلومه على اللي عمله، لان ده كان هيبقى نفس تصرفك لو حد فكر يقف بينا.
ثم وضعت كفها على وجنته وقال برقـة:
- مش معقولة عاصي اللي شوفت معاه حُب اسطوري وعشت معاه كل المشاعر الجميلة دي، يقف في طريق اتنين بيحبوا بعض.
كبح غضبه:
- بس مش بلوي الدراع يا حياة، ده بيتحداني.
- قل لك الحب مايعرفش قوانين. أهدى يا عاصي مراته وردها، أنت مزعل نفسك ليـه! عشان خاطري ولو بتحبني بلاش تبوظ فرحتهم ببعض. عشان خاطري.
ثم نظرت في عينيه بترجي:
- أوعدني.
رد بملل:
- خلاص يا حياة.
- عاصي اوعدني أنك مش هتقف في طريقهم.
ثم جذبت كفه ووضعته على بطنها وقالت:
- أحنا مستنين هدية جميلة من ربنا. خليـه يجي في بيئة كلها حب. انسى الكراهية والانتقام. عشان ابننا بلاش تزعل أختك.
جذبها لحضنه وقبل رأسها بحنان ثم قال متعجبًا:
- أنتِ ازاي كده!
- كده ازاي؟
- جميلة.
- ده عشان معاك وبس. هتجيب لي مانجـا.
استغل عاصي الأمر وقال:
- بس ليـا شـرط.
***
حـل المسـاء وذهب عاصي بصُحبة حياة لحضور حفل انطلاق العلامة التجارية الخاصةـ بأحد فروع شركات دويدار المتخصصة بصناعة المجوهرات النفسية.
جلس عاصي وحياة بالصف الأول. وخلفهـم هديـر التي جاءت من سفرها على موعد حضور الحفـل لتشاهد تحطيم " ماركة " دويدار بنفسها ربما يشفى غليـل صـدرها.
وبالصف الأول من الجهة الأخرى جلـس المنافس الاكبـر لعاصي وهو " هاشم مدكور " الذي ينتظر لحظة انتقامه من ذلك العاصي الذي لم يغلبـه أحد لهذه اللحظـة.
وعلى الجهـة الأخرى وصلت عبلة برفقـة فريد إلى القصـر وأخذ السائق يصدر الكثير من " تلكسات " السيارة أمام البوابـة ليفتح له أحد الحراس. حتى ظهر واحد منهم، فهبطت عبلة من سيارتها ونهرته:
- ايه اطرشت! كل ده؟ يالا افتح البوابة دي وحسابك معايا لما ادخل.
أطرق الحارس باسف:
- مش هينفع أفتح يا مدام عبلة!
- يعني ايه؟
ثم صاحت:
- انت اتجننت! بقولك افتح يا *****
ثم جاءه فريد الذي وبخه قائلًا:
- انت آخر يوم ليك هنا عشان تعرف تتكلم مع الهانم ازاي.
رد الحارس مبررًا:
- دي تعليمات عاصي بيه.
سألته عبلة باندهاش:
- يعني ايه تعليمات عاصي بيه؟
رد الحارس:
- مأكد علينا ممنوع دخول حضرتك أنت وجوزك. أنا أسف يا عبلة هانم بس دي أوامر البيـه.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم نهال مصطفي
لم يخلُ القلب الذي اعتاد القلق من طرح الأسئلة الشائكة، ظنًا منه بأن الأمان الذي يعيشه يختبئ خلفه شبحًا مخيفًا كأيامِه السابقة.
ليرسو على ضفة ذلك السؤال حائرًا:
"هل أحببتني حقًا؟ أم أن الدنيا رمتني لك عوضًا عن أحدٍ فقدتُه؟"
***
"عُمرك ما فشلتي تبهريني بجمالك يا حياة!"
مال ناحية أذنيها وقال جملته مغرمًا، متيمًا بجمالها الساحر والخاطف لجميع الأنظار.
أطرقت بخفوت:
"تعرف أن ده كمان له تفسير في علم النفس."
مط عاصي شفته بإعجاب:
"فهميني!"
وضعت ساقًا فوق الأخرى بأناقة وهي تهمس له:
"معنى أنك تشوف حبيبك كل مرة أجمل من اللي قبلها ده معناه أن الحب في قلبك لسه حي ومتجدد."
ثم ضمت كفه بحب وأكملت:
"ودي من أكتر الحاجات اللي كنت بتمناها مع الشخص اللي هيكون جوزي. كنت خايفة من روتين الجواز الملل اللي الكل بيشتكي منه."
رفع كفها لمستوى ثغره وطبع قبلة رقيقة عليه ثم قال:
"اللي يعرفك لازم يحبك كل دقيقة بطريقة مختلفة، مش كل يوم!"
تمتمت بخجل:
"عاصي بيبصوا علينا!"
"سيبك منهم."
على حدة، أرسل هاشم مدكور رسالته لهدير، التي تنتظر معه نتيجة الانتقام من عاصي.
وقال برسـالته:
"أي حكاية البنت اللي معاه دي؟"
ردت هدير كتابة:
"دي مراته."
فأرسل:
"ملهاش سكة يعني؟"
رفعت هدير حاجبها وكتبت له:
"أنت عايز إيه؟"
ارتسمت ضحكة خبيثة على وجه هاشم وكتب لها:
"هبعدها عن طريقك!"
هدير بسخرية:
"كان غيرك أشطر، عبـلة المحلاوي بجلالة قدرها فشلت في ده!"
أشعل هاشم سيجارته بتحدٍ:
"بس متعرفيش هاشم مدكور لما يحط حاجة في دماغه بيعمل إيه!"
في تلك اللحظة، جاءت مكالمة هاتفية لعاصي، فرد مكتفيًا بكلمة:
"معاك."
ثم بعدها الكثير من الإيماءة والكلمات التي لا تُحس على فهم مغزى المكالمة.
حدقته حياة بغرابة على غموضه المثير للذهن.
حتى فتحت هاتفها بعشوائية لتتسلى به وتُلهيه عن التركيز معه.
حتى ختم مكالمته:
"زي ما قولت لك، بهدوء وبدون شوشرة."
قفل هاتفه ثم مده للخلف ليعطيه لحارسه الشخصي، معتدلًا في جلسته وقال:
"العرض هيبدأ."
شُدّت أعصاب من الجميع في انتظار المهرجان السنوي والعالمي للمشغولات الذهبية الفاخرة.
وكل علامة تجارية تتقدم بأحدث عروضها للموسم الجديد والأشكال التي تميزها.
عرض وراء الآخر، والجميع ينتظر أكثر العروض التي ستنال إعجاب الجميع والإقبال عليه.
جاء في المقدمة العرض السينمائي لتصاميم هاشم مدكور، والتي تتطابق مع الفيلم التصويري الذي قامت به هدير.
مع لحظة همهمات الجماهير وإعجابهم بالتصاميم المستوحاة لشركات مدكور، البعيدة كل البعد عن أشغاله القديمة.
في تلك اللحظة، تحولت شكوك عاصي ليقين ناحية عدوه اللدود.
تحولت نظرات هدير لراحة أكبر وهي تراقب شماتة هاشم، الذي وقف بتفاخر يرحب بالضيوف ويشكرهم على ثقتهم بعروضه.
نظرة سريعة كانت من عيني عاصي إلى هدير، التي استقبلتهـا بابتسامة هادئة وغامضة، كأن هناك سر مجهول بينهما.
تفوهت حياة بإعجاب:
"ذوقه حلو.. والتصاميم فيها لمحة تخطف أي حد."
ثم نظرت إليه عندما لاحظت شروده:
"عاصي! أنت معايا؟"
"معاكي.. استعدي عشان دورنا جاي."
جلس هاشم على مقعده بفظاظة، وهو ينتظر سحق خصمه ومنافسه الأكبر بالسوق.
ينتظر تصاميمه المسروقة، التي إن فشلت في تحقيق البلبلة، يكفي بأنها ستفوت الموسم على عدوه.
كتب رسالة نصية لهدير:
"فكريني أحلي لك بؤك."
ردت هدير بغموض:
"لسه الأحلى جاي!"
هنا بدأت بوادر الفيلم التصويري الخاص بـ "حورية البحر"، التي ترتدي أبهر وأفخم المشغولات المميزة والساحرة.
من حيث الوجه الإعلامية وجمالها الخلاب الذي يمنح التصميم رونقًا خاصًا به، إلى براعة وأناقة التصاميم الفنية التي تقوم بعرضها.
صورة وراء الأخرى، ولم يزد الجمهور إلا انهيارًا وتسابقًا على حجز تلك المشغولات الرائعة.
وفي نفس اللحظة، تبدلت نظرات هاشم إلى الغضب والحقد.
ولّى رأسه لهدير وكأنه بتوعد لها، قائلًا في سره:
"آه يا ولاد الـ...!"
"أما أوريكم؟!"
ربتت هدير على كتف عاصي، الذي التفت للوراء فقالت بحفاوة:
"مبروك يا عاصي."
فقال:
"كله بفضلك!"
اكتفت برسم ابتسامة خفيفة:
"البزنس بعيد كل البعد عن المشاكل الأسرية! وأنت عارف أني بعرف أفصل كويس."
انعقد حاجبا حياة باستغراب وتمتمت:
"عاصي!"
ضم عاصي كفها ثم أكمل حديثه مع هدير:
"مشروع العلمين في انتظار إدارتك.. من بكرة لازم تكوني هناك."
ارتدت هدير حقيبتها من ماركة "شانيل" وهمت بالمغادرة:
"تمام.. همشي أنا."
انصرفت هدير ودار الحوار بين عاصي وحياة كالآتي:
"عاصي هو فيه إيه؟"
"زي ما سمعتني."
"فهمني بدل ما أنا مش فاهمة حاجة كده."
تمتم عاصي موضحًا:
"كل العروض اللي انبهرتي بيها لهاشم مدكور دي من تصميمي.. وللأسف هو سرقها مستغل المشاكل بيني وبين هدير، وهي رجعت لي في الأول واتفقنا أنها تنفذ كل كلامه، وده سبب أني استعنت بيكي في التصوير واحنا مسافرين.. لأن مكنش عندي وقت ولا ثقة في حد غيرك."
جاء يسري من الخلف مهللًا:
"مبروك يا بص، الاستثمار مش ملاحق على حجز التصاميم، تقدر تقول بالبلدي أنت الهيرو الليلة!"
تقدم هاشم يجر خيبته وشظايا نيرانه وصافح عاصي بمكر:
"لسه الجولات جاية كتير!"
وقف عاصي مبتسمًا ثم قال:
"يا راجل وأنت لسه فيك صحة تنزل الملاعب! أنت على الدكة!"
انكمشت ملامح وجه هاشم وهو يمد يده لحياة بنظرات نارية:
"أحلى وجه إعلامي شافتُه الكاميرا."
رمقت عاصي بحيرة عن مصافحته، فاقتحمت عاصي كفه مرة أخرى وقال:
"نورت يا هاشم بيه."
رمقه يسري بشماتة وهو يقول:
"عارف الطريق ولا أجي أوصل معاليك؟"
طالع هاشم بسخط:
"لا عارفه."
انصرف هاشم وتلاحقت الصحافة والإعلام على عاصي وحياة بمطر من الأسئلة الاستجوابية حول علاقتهما وجمال التصميم التي خطفت الأنظار والقلوب وتنافس الجميع على اقتنائها.
فوشوشت حياة لعاصي:
"أنا مش بحب الجو ده، يالا بينا."
"ولا أنا."
ثم نظر ليسري نظرة فهم مغزاها وتسلل هو وحياة بخفة.
حيث وقف يسري أمام الصحافة قائلًا:
"أنا هجاوبكم على كل أسئلتكم.. اتفضلوا."
***
"بالقصر"
"الساعة داخلة على واحدة وأنت لسه اللي جاي!"
قالت شمس جملتها وهي تغادر مكتبها وكتابها الذي لم تخرج منه بمعلومة مفيدة، برأسها المشغول بغياب تميم.
نزع سترته البنية وقال:
"إيه بس فهميني!"
شمس بنفاذ صبر:
"أنا اللي عايزة أفهم يا تميم، هو فيه إيه؟ بتخرج وترجع متأخر وتبات بره البيت! أنا من حقي أفهم فيه إيه؟ لو وجودي تقيل عليك قول ونحلها، لكن جو التطنيش ده وتتعامل معايا كأني مش موجودة بصراحة مش عاجبني."
وقف أمامها بهدوء وهو يضع يده على وجنتها بلطف وقال بنبرة خفيفة يملأها الغرور:
"كان ممكن توفري كل المقدمة الطويلة دي، وتقولي إني بوحشك."
لا توجد كلمات سهلة وكلمات ثقيلة، كل الكلمات سواء إلا أن تلمس كلمة واحدة نقطة شائكة بالقلب تعمدنا إخفاءها حتى عن أنفسنا.
توارات شمس خلف ثرثرتها الغريبة:
"أنت فاكر لما تغير الموضوع هنسى وهتهرب من الرد على كلامي!"
"أنا لا غيرت كلامي ولا هربت، أنا بحاول أترجم عصبيتك دي كلها!"
وضعت يديها بخصرها وقالت معترضة:
"كمان!! أنا مش متعصبة ولا حاجة يا بيشمهندس، هو كل ده عشان بقولك اتأخرت ليه؟"
تعمد سن سيف البرود بوجهها وقال:
"أصل سؤالك مش منطقي يا شمس في وضعنا، يعني اللي تسأل السؤال ده تكون واحدة مستنية جوزها بفارغ الصبر عشان يقضوا وقت لطيف مع بعض في نهاية يومهم. أما إحنا مش باين لنا ليل من نهار!"
احمر وجهها بدماء الخجل والغضب معًا حتى قالت بتلقائية:
"تصدق أنت صح، وأنا أصلاً غلطانة إني قلقت عليك وواقفة أعتابك وأنت ولا على بالك، مقضيها هنا وهناك مع ست سهير بتاعتك. وأنا بصريح العبارة كده، النظام ده مش عاجبني."
جلس لينزع على مقعده حذائه وقال بهدوء:
"ولا عاجبني."
دنت منه محاولة إخفاء مشاعرها ولكنها فشلت:
"كويس أننا متفقين. الوضع ده آخره إيه؟"
تميم براحة لا يعلم من أين سكنته:
"أنتِ اخترتي تكوني بعيد وتتجاهلي مشاعري، وأنا كمان اخترت مجبركيش على حاجة."
أكثر ما يثير جنون أي امرأة هو استسلام الرجل في ساحة حبها.
أخذت تعض على أناملها حتى قالت بحنقة وهي تهرب إلى النوم:
"تمام، اقفل النور عشان عايزة أنام."
تأففًا مغلوبًا على أمره:
"نامي يا شمس، نامي."
ثم دنا منها موشوشًا بأذنيها:
"المفروض الست العاقلة متغار، لأن الغيرة اعتراف صريح أن فيه ست أحلى."
***
"أنا! أنا تعمل معايا كده يا عاصي! وديني لأعرفك مين هي عبلة المحلاوي."
تجوب غرفة الفندق ذهابًا وإيابًا وهي تتحدث مع نفسها وثرثرت بغمغמות غير مفهومة.
حتى دخل فريد حاملًا كأسًا من النبيذ:
"روقي دمك يا حبيبتي، مفيش حاجة مستاهلة."
"بقا أنا يمنعني من دخول بيتي اللي بنيت فيه طوبة طوبة؟ هو مش عارف إني ممكن أهد الدنيا فوق دماغه!"
قال فريد:
"اهدئي يا حبيبتي ده مهما كان ابنك وبكرة يتقبل وجودي في حياتك وتتصافوا."
أخذت من الكأس بتردد ثم قالت:
"أنا بدأت معاك اللعبة دي وعملت عبيطة، ولازم نكملها للآخر."
تبدلت ملامحه الحائرة في دروب الأسئلة:
" قصدك إيه يا حبيبتي؟"
"اسمع يا فريد، أنا مش واحدة هبلة هتصدق أنك حبيتها عشان تتجوزها! دا أنا بدور بلاد من مكاني."
ابتسامة باهتة رسمت على محياه:
"ليه بتقولي كده؟"
"ليه وأنا غبية عشان أقول غير كده؟ أنت جيت لسكتي عشان ترجع بنت عمك اللي أنت بتحبها وكنت خاطبها وتنتقم من عاصي."
برر فريد مكذبًا كلامها:
"أنتِ فاهمة غلط أنا..."
قاطعته بحسم:
"فاكرني مغفلة."
"هزعلك، تستغفلني بمزاجي ممكن هعديهالك. اسمعني، أنت عايز بنت عمك وأنا عايزة ابني، وكده حددنا أهدافنا عشان نبقى على نور."
تردد قائلًا:
"عبلة بس..."
ردت مقاطعة:
"إيه لسه مصمم تكذب!! أنت ما بتشوفش نظرتك ليها عاملة إزاي؟ متقلقش، هدفنا واحد.. إحنا مع بعض مش ضد بعض يا فريد."
فريد بتفكير:
"ناوية على إيه؟"
شردت في بحور شرها:
"هقول لك.. بس سيبني أرتبها."
***
"عالية! أنتِ هتباتي في الحمام الليلة دي!"
أردف مراد جملته وهو يقف خلف باب الحمام ويطالع ساعة يده قائلًا جملته بنفاذ صبر.
تفوهت عالية بتردد وهي تقف خلف الباب بقلق:
"خلاص، خلصت أهو!"
فتحت الباب ببطء ثم خرجت إليه بتوجس.
ألقت نظرة سريعة على الشموع والعشاء الرومانسي الذي ينتظرها.
حدجها مراد باستغراب:
"إيه ده؟ أنتِ هتنامي بالجينز والصوف ده.. وأنا اللي فكرت يعني.."
رفعت عيونها اللامعة إليه:
"فكرت إيه؟"
اقترب مراد منها وهو يغازل شعرها البني وقال:
"يعني التأخير ده كله في الحمام وراه مفاجأة كده ولا كده!! أنا في مقام جوزك يعني؟"
ضغطت على شفتيه بإحراج وسألته:
"أنت اتأخرت ليه؟"
"قولي أنك زعلتي عشان سبتك الكام ساعة دول."
قفلت جفونها الفائضة بالحب:
"لا والله مش قصدي، بطمن عليك بس."
"إذا كان كده وبس ماشي، روحت الشركة مضيت شوية أوراق وجيت على طول. إيه هنقضيها كلام وبس؟"
انتفضت بين يديه مذعورة:
"عايزنا نعمل إيه؟"
"إيه الخوف ده كله، قصدي نتعشى ولا هننام بالجوع."
"أها.. تمام نتعشى."
"عالية أنتِ كويسة..؟"
"أنا كويسة ما تقلقش عليا."
طبع قبلة خفيفة على وجنتها وقال:
"معنديش أهم منك عشان أقلق عليه."
كاد أن يسحبها من يدها إلى طاولة العشاء ولكنها أوقفته بشكل مفاجئ وارتمت بحضنه بشوق يقاسم قلبها وهي تتشبث بأصابعها العشرة بملابسه وتخبره:
"أنتَ وحشتني أوي، ممكن متغبش عني تاني."
لقد بدأ جبل الجليد ينصهر في حضرة براكين الحب الملتهبة.
ضمها إليه بحب ليستريح فؤاده من عذرية حبها الذي تتعلم معه كل شيء كأول مرة وقال ممازحًا:
"طلعنا بنعرف نقول كلام حلو أهو."
فارقت حضنه وهي تجفف عبرات شوقها وقالت:
"مراد، أنا عارفة أني ناقصني حاجات كتير، ومش عارفة إزاي ممكن أسعدك، أنا عاملة زي الطفل اللي بيتعلم المشي ومحتاج حد يسند عليه طول الوقت لحد ما يقدر يمشي لوحده."
ثم دنت منه خطوة إضافية:
"اعتبرني الطفل ده، اللي عايز يتعلم كل حاجة منك، قول لي اللي بيسعدك وأنا هعمله. عرفني إزاي أخليك أسعد راجل في الدنيا."
ثم عضت على شفتيها بإحراج وهي تتحاشى النظر إليه:
"أنت أول راجل في حياتي.. وفي حاجات كتير أنا معرفهاش، حتى.. قصدي لما كنا مع بعض وو.."
ثم تنهدت بارتباك وترجته:
"هتستحمل سذاجتي وجهلي؟"
مسح على شعرها بحب:
"عالية أنتِ كده مميزة مش عيب فيكي ولا حاجة. أنا بحبك زي ما أنتِ كده، عالية بقلبها الأبيض وطيبتها وبراءتها. أنا بحبك وهفضل أحبك مهما حصل."
ثم غمّز بطرف عينه ممازحًا:
"وأنا متأكد أنك شطورة وهتتعلمي بسرعة."
فضمها إليه لتقرب وأكمل مداعبتها قائلًا:
"بس بجد، أنتِ مكنتيش تعرفي أي حاجة عن أمور الجواز دي والحياة العاطفية!"
"وأنا هعرف منين؟"
"امم!! الحاجات دي فطرة فينا وغير كده يعني عمرك ما شوفتي فيلم رومانسي مثلاً كده وكده؟"
ردت بعفوية:
"الفرجة على الأفلام دي حرام!"
هز رأسه متحسرًا:
"آه قولت لي حرام. طيب حد من صحابك اتكلم قدامك؟"
"يعني البنات بتحب تتكلم."
ردت بتوجس:
"معنديش صحاب."
ضحك ممازحًا:
"أنتِ متعرفيش حاجة عن الأحياء يا بنتي!"
ابتسمت بحياء:
"أنا كنت علمي رياضة.. مأخدتش أحياء."
أزاح خصلة من شعرها وراء أذنها وقال:
"سيبك من كل ده طيب، نسأل الأسئلة المهمة. حبيتي وقتنا مع بعض؟"
هزت رأسها بإيماءة خفيفة وعيون مقفولة وقالت بخجل وهي تفتح عينها لتطل عليه:
"أنا حبيتك أنت، فطبيعي أحب أي حاجة معاك."
الكلمات الرقيقة، احتواء من نوع آخر.
حملها مراد بشغف ودار بها بالغرفة كلها معبرًا عن فرحته باعترافها الصريح وإعلان الحب عليه، فمن الآن أصبحت ملكًا له بدون أي حواجز أخرى.
اليوم أعلنت قبولها له كحبيب ورفيق لدرب العمر معًا.
رسى الثنائي بجوار طرف مخدعها حيث بدأت يداها تتسلل لتُحررها مما ترتديه.
فسألته بإحراج:
"مراد، أنت بتعمل إيه؟"
"حاسس الصوف ده خانقني وخانقك.. عايز أريح منه."
تراجعت خطوة للخلف وغمغمت باسمه قبل أن يُلبي النداء بقبلة ملتهبة على شفتيها ويعيش معها أجواء أخرى مفعمة بالحياة والحب الذي يرمم القلوب المشروخة.
***
فاض الدّلالُ من الدّلال تخيّلُوا
كيف النّدَى فوقَ الزّهُورِ تكلّلا
القتلُ في شرعِ الإلهِ محرمٌ
وبشرع حُسنِكَ لا يزالُ مُحلّلا.
نزعت حياة حذائها ذا الكعب المرتفع على باب القصر مستندة على ذراع عاصي كي تتخلص من الألم الذي سببه لها.
فمال على أذنيها قائلًا:
"طيب أشيلك بدل التعب ده كله!"
"لا حابة أمشي جنبك وأسند على كتفك.. شعور مختلف وجميل."
فمازحها قائلًا:
"وحضني كان زعلك في حاجة؟"
تبسمت بحب وأقرت معترفة:
"العالم كله يزعلني، وحضنك الوحيد القادر يصالحني."
كاد أن يقبلها امتنانًا عن جمال كلماتها ولكنها تراجعت للوراء رافضة:
"بس بقا عيب، حد يشوفنا على السلم."
أرسل لها نظرة توعد ثم قال:
"أنا الليلة مبسوط ومتحمس أوي."
ضمت ذراعه إلى صدرها بحب:
"وأنا أسعد واحدة في الدنيا مادام أنت فرحان."
لم يكبح رغبته في حملها بين يديه لتكون بقربه أكثر فأكثر.
تعلقت بعنقه ثم قالت:
"غاوي تعب وخلاص!"
أصدر صوتًا نافيًا وهو يقول:
"تؤ!! غاوي قربك."
اكتفت بالتعلق بعنقه أكثر وهي تتنهد بفيض حبها في جدار رقبته ثم همست متسائلة:
"مفيش خبر عن أخواتي يا عاصي؟"
"أنا مش ناسي على فكرة، وقريب أوي هتسمعي خبر يفرحك."
ابتعدت عنه بفرحة:
"بجد!! أنت عرفت حاجة؟"
"رجالي لقوا واحد تبع البلطجية بتوع فريد.. واعترف بالحقيقة وقال إنهم عايشين، وقالوا لفريد إنهم ماتوا عشان يخلصوا من شره. بس لحد اللحظة دي لسه معرفتش مكانهم.. بس قريب أوي هعرف وهجمعكم."
ردت الحياة بوجهها وهي تستقبل خبر وجود أخواتها على قيد الحياة:
"بجد يا عاصي، يعني مفيش احتمال إنهم…."
"أوف الحمد لله، بجد الحمد لله."
ثم طبعت قبلة على وجنته وقالت بلهفة:
"أنا بحبك أوي.. ربنا ما يحرمني منك."
وصل إلى أعتاب غرفتهم فأنزلها برفق كي يفتح الباب.
هبطت من تل حبه ووقفت أمام الباب معاندة:
"أنت ماقلتش ليـه أنك بتحبني أنت كمان!"
ابتسم بوجهها وهو يحاول أن يمسك بمقبض الباب ليفتحه:
"من غير ما أقولها.. المفروض تكون اتأكدتي."
أفشلت محاولته في فتح الباب ووقفت أمامه مترنحة:
"لا أنا بحب أسمعها كل ٣ دقايق. لما أقولك بحبك.. تقول وأنت كمان بتحبني. بتحبني أوي.. بتحبني أوي أوي.. بتحبني خالص."
إنّما باللطفِ تبلغُ في القلوبِ مقامًا.
سند يده على الباب المقفول خلفها وانحنى لتقبيل شفتيها المتقطرة بالعسل.
كان تقبيله لها في هذه المرة مختلفًا كمن وقع على بستان من الزهور وأخذ ينفرد بكل زهرة على حدة، وكأن حدائق بابل التي اختفت وجدها معلقة على امرأة فأقبل عليها لينعم بها.
ذابت بين يديه وتحت سحره حبه المنثور فوق ملامحها كزبد ذائب فوق الخبز الساخن.
حتى ختم جولته من أفعال الحب قائلًا:
"أنا وقعت في حبكِ يا حياتي."
فتحت له باب قصرهم الصغير بعدما روى غرورها الأنثوي وقالت بدلال:
"دلوقتي وبس اسمح لك تتفضل."
"ماشي يا ستي، من حق الجميل يدلع براحته."
ثم أقبل نحوها وقال:
"عندك فكرة هنقضي الليلة إزاي؟"
فكرت لبرهة ثم قالت:
"إيه رأيك ننزل نعمل أكل سوا."
عقد حاجبيه كأنما الفكرة لم ترق له وقال:
"إيه رأيك أنتِ في شاور دافي من إيديكي زي بتاع الصبح."
هزت رأسها متدللة:
"لا مش موافقة."
"ليه بس!"
عانقته بدلال:
"عشان حبيبي محتاج يتربى شوية."
ضحك بصوت مسموع وهي يطوق خصرها:
"كده أنا متربي على فكرة."
ردت ساخرة:
"آه أوي.. هغير وننزل أعزمك على عشا رايق من إيديا وهوت شوكليت واحنا بنسمع أم كلثوم، قلت إيه؟"
"قلت اللي تشوفيه."
غير الثنائي ملابسهما ونزلا إلى المطبخ حيث شرعت حياة في إعداد عشاء لهما.
فتدخل عاصي قائلًا:
"أساعدك في إيه!"
"إيه رأيك في تاكل ريزو بالاستربس الحار."
"أي حاجة من إيديكي هاكلها."
شرعت أن تبحث عن البصل حتى وجدته وقالت له:
"قطع دي.. لحد ما أجهز الرز."
بدأ في تقطيع البصل بدون نزع القشرة الخارجية بأحجام غير متناسقة حيث عكس فشله الذريع بخبرته بأمور الطهي.
دنت منه حياة بدهشة:
"أنت بتعمل إيه؟"
"عملت حاجة غلط!"
"أنت معملتش حاجة صح."
ثم دفعته بجانبها بلطف:
"وسع كده."
تخلصت مما قطعه بصندوق القمامة ثم أحضرت واحدة أخرى وأخذت تعلمه كيف يتم تقطيع البصل بدءًا من تقشيره ثم تقسيمه لحلقات رفيعة وبعدها لمكعبات.
ألقت نظرة سريعة عليه وقالت:
"على فكرة أنت جاي تعطلني مش تساعدني!"
عقد ذراعيه أمام صدره فبرزت عضلاته قائلًا:
"دي مكنتش بصلة يعني!"
ثم سحب منديلًا واقترب منها وأخذ يجفف دموعها المترقرقة بسبب البصل وقال:
"بقا العيون الحلوة دي تعيط!"
فرغت البصل بداخل الإناء ثم أخذت المنديل منه وقالت:
"كله يهون عشانك. ها.. هتعرف تقلب البصل من غير ما تحرقه ولا خايب في دي كمان."
"خلي بالك، أنتِ كده بتقللي من قدراتي ولن أسمح."
"ربنا يستر."
مدت له الملعقة الخشبية بتحدٍ ثم ذهبت إلى المبرد وأخرجت "الاستربس" منه لتحمّره وتعد "صوص الريزو" المميز.
أخذ يراقبها بإعجاب يتقاذف من عينيه حتى سها عنه أمر ما أخصته بحراسته.
ركضت نحوه بلهفة وهي تهدأ النار وتضيف الرز سريعًا قبل أن يغمق لون البصل أكثر وهي تعاتبه:
"شوفت اللي خايفة منه حصل أهو. لو سمحت هاتلي الباربكيو اللي هناك ده."
أحضر لها ما طلبته وأتمت طهي الوجبة وإضافة لمساتها عليها حتى حان وقت ضبط الملح.
تذوقت ماء الرز بعناية حتى رفعت نحو ثغره المعلقة:
"دوق كده تمام!"
تذوق الماء رافعًا حاجبه بإعجاب ثم قال:
"هو حلو.. بس حاسس أنه محتاج يحلو شوية!"
غطت حياة طنجرة الرز والتفتت إليه:
"ده اللي هو إزاي يا عاصي بيه."
جذبها من خصرها ورفعها فوق المطبخ فصرخت مترنحة ورافضة أفعاله الجنونية:
"بتعمل إيه يا عاصي، بطل بقا؟"
لم يكبح مشاعره كي تقاوم امرأة مثلها بأنوثة مجرمة وبراءة طفلة ودلع جميع النساء كان من نصيبها.
ذلك مزيج خطر على قلب رجل مثله.
مال ناحية الورد ليتذوق عبيره حتى شفى عليل قلبه من قربه فقال:
"إيه كده يظبط طعم الرز!"
تدلت برفق وهي تستند على ذراعه وقالت بسعادة متوارية خلف جدار التمرد:
"والله معطلني.. عاصي استناني فوق."
ساعدها في الهبوط وقال:
"انسي."
"طيب اقعد مؤدب بقا."
"انسي برضو دي كمان."
"ياربي منك."
عادت لتكمل العشاء تحت لمساته ومغازلاته وتحججه الدائم في قربها.
مرت الساعة سريعًا عليهما حتى انتهت من إعداد وجبتهما ورصها بالأطباق.
ثم فرغت من صنع المشروب الدافئ ووضعتهم جميعًا على المائدة الخشبية وقالت:
"ناكل هنا ولا فوق!"
"من رأيي ناكل هنا وفوق هناكل برضو بس حاجات تانية!"
توقف جانب الإدراك عندها وقالت:
"يعني إيه؟"
"متاخديش في بالك.. يلا تعالي أقعدي."
جلس الاثنان على المائدة التي تتوسط المطبخ وشرعا في تناول طعامهم على ألحان صوت وردة الجزائرية وهي ترنم بأغنية "طب وأنا مالي".
حتى مال رأسها على كتفه عندما بدأ مقطعًا جديدًا من الغناء:
الحب ومدفينا.. الورد و مغطينا.. الشمس و طالعة لينام
من فرح الدنيا لينا.. من شهدها بتسقينا.. وبكرة مستنينام
ناسيا هنا ناسية.. ايام كانت قاسية.. ناسياها معاك يا عيوني.. و فاكرني بخاف يلوموني
ما يلوموا طب وانا مالي طب وانا مالي !! وانا مالي و انا مالي مالي …
غنوا و حبوا و حبوا و قولوا.. قولوا معانا يا ناس
خليك يا جرح بعيد ده هوانا لسه جديد لسه في اول عيد ..
و سافري يا احزان سافري يا احزان.. مالكيش ما بينا مكان
ساكن قلوبنا امان …
"تعرف بحب الأغنية دي أوي، كنت بحب أسمعها دايما وأنا قدام البحر."
أمسك بكوبه الدافئ وقال:
"وأنا بقيت أحب أسمع كل حاجة قدامك، وجودك بيلون الحياة."
انكمشت ملامحها:
"على فكرة أنت نسيت المانجا."
"مقدرش أنسى.. بس بحاول أجيب لك طلبك."
وضعت يدها على بطنها وقال بدهاء أنثوي:
"على فكرة دي طلبات ابنك يعني، لتكون فاكر أنها طلباتي."
لف ذراعه حول خصرها وقال مراوغًا:
"طيب دي طلبات ابني وعرفناها، مامته بقا إيه طلبها!"
بدأ الدلال يتراقص بنظراتها حتى أطرقت بصوت خفيض:
"طلب مامته هتعرفه فوق مش هنا."
فهم ما تلمح إليه ولكنها أصيب برغبة شديدة في سماعها بأذنيها.
تعمد عدم الفهم وقال:
"لا مش واخد بالي."
"عادي يا عاصي لما نرجع أوضتنا."
"طيب فهميني طيب!"
"عاصي بطل هزار بقا!"
تعمد استفزازها أكثر:
"عشان لو حاجة مش مهمة هروح المكتب اشتغل."
أجبرت على أمرها ثم وشوشت له في أذنه بكلمات لم يسمعها سواهما.
حتى اتسعت ابتسامته بفرحة عارمة وهو يحملها بين يديه متحمسًا لاستقبال جولة جديدة من الحب بينهم قائلًا:
"منا عارف."
***
"صباحًا"
استيقظت نوران مبكرًا كي تحضر كوبًا من القهوة وتبدأ إنجاز ما تراكم عليها من مواد دراسية.
حتى هبطت إلى المطبخ فوجدت سيدة.
فجلست على أقرب مقعد وهي تحت تأثير النوم:
"سيدة ما تعمليلي قهوة كده من إيديكي الحلوين دول."
"من عينيا يا ست نوران."
ثم استندت نوران على الطاولة مستندة على ذراعيها كي تكمل نومها.
فجاء كريم على عجل:
"صباح العسل يا سيدة. ما تعمليلي قهوة."
"حاضر يا سي كريم. هتشربها هنا ولا فوق؟"
"لا فوق."
حتى سقطت عيناه على الفتاة النائمة بجواره والتي يغطي الشاش وجهها وقال:
"دي نوران؟"
"أيوة يا سي كريم!"
تحمس كريم قائلًا:
"خلاص هشرب القهوة هنا يا سيدة."
شد المقعد وجلس بجوارها محاولًا إحداث الكثير من الصخب ولكن دون جدوى، لقد غلبها النعاس من جديد.
حتى تمتم كريم بغيظ:
"دي ماتت شكلها!"
ألقى نظرة على سيدة فوجدها مشغولة في صنع القهوة.
قفزت الفكرة إلى رأسه عندما وجد أبريق الماء يلمع أمامه بأفكار جنونية.
تردد أولًا حتى حسم قراره وقام بسكب كوب الماء فوق رأسها حتى فزعت صارخة:
"يخربيتك!"
انفجر كريم ضاحكًا حتى جاءت سيدة وبخته:
"حقا ما ليك حق يا سي كريم!"
أخذت نوران تجفف الماء من وجهها وهي تسبه سرًا وعلنًا وهو لا يزال غارقًا في بحر ضحكاته.
حتى قالت نوران:
"أنت رخـم على فكرة!"
"وببقى أرخم معاكي.. مش عارف فيكي حاجة بتستفزني."
صرخت نوران:
"شايفة يا سيدة!! عاجبك اللي بيعمله ده!!"
"هو سي كريم كده بيحب يهزر."
برر كريم موقفه:
"بفوقك.. في امتحانات بعد ٤ شهور لو كنتي ناسيه!"
ردت بنفور:
"يابني بس بقا.. بوظت شعري ربنا يسامحك."
"كده أحلى على فكرة."
أحضرت سيدة منشفة ووضعتها على رأسها:
"نشفي عشان متاخديش برد."
أخذت نوران تجفف شعرها ووجهها وهي تلومه:
"مبسوط أنا كده يعني!"
رد بفظاظة:
"جدًا، قلبي ده بيرفرف من الانبساط."
في تلك اللحظة صاحت سيدة بدهشة من فوران القهوة وقالت:
"أهي القهوة فارت اللي يسامحكم هعمل غيرها."
رد كريم:
"على أقل من مهلك يا سوسو."
انشغلت سيدة في إعادة صنع القهوة من جديد حيث انشغل الثنائي في تبادل الحديث:
"فينك محدش شايفك!"
ردت نوران بحنق:
"وياريتك ما شوفتني يا أخي."
رد بعفوية:
"ليه بس!! دا أنا بحبك."
رمقته ساخرة:
"أومال لو بتكرهني كنت هتعمل فيا إيه!"
"نفس اللي عملته بالظبط."
خدجته بتوعد:
"يكون في علمك مش بسيب حقي، يعني ليك واحدة.. خليك فاكر."
"بلاش الجو ده معايا هتخسري."
"كريم، ما تفكك مني."
ارتشف باقي كوب الماء ثم قال:
"سمعتي أغنية عمرو دياب الجديدة."
"مش متابعة."
"هبعتهالك."
"مش هسمعها."
"مبتحبيش عمرو!"
سألته نوران بتمرد:
"أنت بتحبه!"
"حد مش بيحب يسمع عمرو؟!"
ردت معاندة:
"آه أنا."
"هخليكي تحبيـه."
"تؤ! الله.. مش عايزة أنا."
"بس أنا عايز."
"ياسلام.. وأنت مين أصلًا؟"
جذب فنجان القهوة من يد سيدة التي انتهت من صنعه وقال ممازحًا:
"بكرة هتعرفي."
***
انتهت شمس من حمامها الصباحي، حيث لفت المنشفة حول جسدها وشعرها وشرعت في وضع المرطبات على ساقيها وذراعيها.
فتح تميم عينيه فوجدها قرابة الساعة التاسعة فنهض مفزوعًا مرتديًا نعاله بسرعة كي يلحق أول اجتماع له بشركة دويدار للتعرف على رئيس مجلس الإدارة الجديد.
فتح الباب بدون سابق إنذار أو أن يخطر على باله احتمالية وجودها بداخله.
لحظة توقفت بها عقارب الساعة، حينما فتح الباب عن طريق الخطأ يُخيل له كمن أدخل الجنة.
كانت جميلة جدًا رغم البخار الذي كان يشوش الرؤية بينهم إلا أنه لم يستطع حجب شمسها اللامعة عنه.
وقعت علبة المرطب من يدها مرتطمة بالأرض فلا يختلف الوضع كثيرًا عن حال قلبها.
تمسكت أصابعها الخمسة بطرف المنشفة الملتفة حولها وتراجعت خطوتين للوراء.
أما عنه ساقه قلبه إليها، دخل الحمام متجهًا نحو الصنبور الذي فتحه ثم قفله بدون فائدة.
حتى عادت عيناه مرة أخرى لتشفى منها ومراقبة حالتها التي تجمدت كل ما بها.
تحرك ناحية حوض الماء ليملأه ووضع الكثير والكثير من السائل الرغوي، كل ذلك ليصارع شعوره القاتل الذي يتحرك نحوها.
حيث كانت جميلة كقصيدة مبعثرة في عقل شاعر رفضت أن تصاغ.
أخذت تتراجع شيئًا فشيئًا حتى توارت خلف ستارة الحمام تراقب تصرفاته العبثية.
"فالروح للروح تدري من يناغمها
كالطير للطير في الإنشادِ ميالُ."
لقد جف قلم الكبرياء، ورفعت صحف الحب وهو يدنو منها تدريجيًا حيث قال:
"مكنتش أعرف أنك هنا."
ردت بنبرة مرتعشة:
"طيب."
اقترب منها أكثر:
"أمشي؟"
ردت بخفوت:
"امشي."
دنى فأكثر:
"همشي!"
أغمضت جفونها متهيأة لاستقباله:
"تميم امشي."
كانت من رقة مشاعرها المرتجفة يتسول الورد رقتها.
التف ذراعه السليم حول خصرها مغمغمًا بهمهمات حارقة:
"همشي."
عيناها العسليتان، التي تفتحت بلمساته كانتا ألذ من العسل نفسه.
بات الحب بين مشاعرهم المدفونة أكثر شفافية من قطرات المطر.
قبلة تلي الأخرى فتخدر العقل ورحل إلى واقعه وحضر القلب بجبروتـه.
كانت بين يديه دافئة كالشمس، كالحب، كليلة مليئة بالنجوم.
استسلم جبل الجليد تحت شمس الحب فانهـار.
أرخت يدها عن طرف منشفتها وذاب تتراقص كعود الريحان معه.
وصل الاثنان لمرحلة خيم فيها فطر الحب على عجاف مشاعرهم.
كل منهما أصبح عبارة عن كرة ملتهبة من النار لا تنطفئ إلا من غيث الآخر.
حملها بذراعه السليم متجهًا إلى مخدعهم الشاهد على قهر أيامهم، فارتخت سدول منشفتهـا حتى تجردت حبيبتـه من معالم الصلابة والقوة الاتي تسلحت بهما.
"والبَدْرُ من فَرْطِ الجَمالِ دَنا لكِ
فاحْمَرَّ وجْهُ البَدْرِ من شَيء رَأى"
حقل جديد منها انفتح بين عينيها، لا تدري من هي وما وقع عليها وما حل بكيانها لتصبح بهذا الكم المريب من الضعف.
كانت رقتها تنافس رقة الورد كأنها مقتبسة منه.
انفرد بتملكها وهو يرتوي من كل وردة على حدى.
كل وردة كان لها نصيبها من الحب والقبلات.
تترنح من تحت يده كغصن يداعبه الهواء من فرط ما خيم على جسدها من مشاعر لم تعهدها من قبل.
مر الكثير والكثير من الوقت معًا، يرتوي منها وترتوي منه حتى أزفت لحظة امتزاج الأرواح.
فهمس بجدار عنقها بأنفاسه متمتمًا:
"أنتِ إزاي جميلة كده!"
في تلك اللحظة جاء صوت سيدة يصدح خلف الباب ففرق شملهم واستعادوا وعيهم:
"يا تميم بيه مش متعود تنام كل ده.. ست سهير مستنية تحت في المكتب!"
ثم طرقت الباب مرة أخرى:
"يا تميم بيه!!!"
***
"عودة إلى الإسكندرية"
وصل مراد وعالية إلى مكانٍ خلاب، كوخ بالطراز الكلاسيكي تحاوطه حديقة كبيرة من جميع الاتجاهات.
فسألته عالية المتعلقة بذراعه كالطفلة:
"أحنا جينا هنا ليه؟"
"هي دي المفاجأة اللي قولت لك محضرها."
وقفت أمامه معاندة:
"فهمني طيب؟"
أخرج المفتاح الخاص بالكوخ الذي قام بتأجيره:
"حفلة جواز على الضيق مش فيها غير أنا وأنت وفرقة العزف لو ضايقتنا هنمشيها."
ثم تقدم خطوتين إلى الداخل:
"واقفة ليه؟ تعالي."
طافت عينيها بالمكان الخشبي بانبهار وهي تشيد بإعجابها:
"الله يا مراد، المكان يجنن!"
قبل وجنتها سريعًا:
"أدفع عمره كله عشان بس أشوف الضحكة دي!"
طالعته بحب:
"ربنا يخليك ليا."
ضمها إلى صدره وقال:
"هسيبك تجهزي، في طاقم كامل لأمور البنات دي هيجي كمان ساعة، أكون رحت الشغل خلصت كام حاجة ومش هتأخر عليكي."
تشبثت في ذراعه بقلق:
"مراد خليك متسبنيش."
"حبيبتي مش هتأخر، ساعتين بس مش أكتر."
ردت بتوجس:
"مش عارفة، خليك معايا وخلاص!!"
داعب أرنبة أنفها:
"مش هتأخر."
ابتسمت بمرح وهي تلف ذراعيها حول خصره وتسند رأسها على صدره قائلة:
"ربنا يخليك ليا بجد يا مراد.. أنا لأول مرة أحس أني عايشة."
قبل شعرها وقال:
"ويقدرني وأسعدك يا حبيبتي.. يلا أسيبك تجهزي."
فارقته بقلق يأكل قلبها وقالت:
"ماشي.. مستنياك متتأخرش."
انصرف مراد وأخذت عالية تتجول في المكان وتكتشف تفاصيله بانبهار شديد حتى جذب أذانها صوت طرق الباب.
فركضت ملهوفة وهي تقول:
"نسيت إيه يا هندسة."
في اللحظة التي فتحت بها الباب فوجئت بفوج ملثم، ملابسه باللون الأسود تجذب ضوء الشمس أمامها وما هتفت:
"أنتوا مين؟"
فوضع المخدر على أنفها لتسقط نائمة في نفس اللحظة.
تقدم أحدهم وقام بحملها على كتفه وركضوا جميعهم نحو سياراتهم السوداء التي في انتظارهم.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم نهال مصطفي
منذ أن التقينا نبّهني قلبي هامسًا ثم صارخًا بألا أُطيل النظر بك. ليس لهذه الملامح رحمة، إن تسللت إليَّ لن ترحل ولم تكن عابرة أبدًا. ولقد صدق، وصدّق الفؤاد أنه تجرّع أعذب كؤوس الهوى من عيناك.
لا ينبض القلب إلا لعاصٍ.
في أجواء صباحية مميزة كلحظة لقائهما، تقدمت حياة حاملة على يدها معطفه الشتوي باللون الأسود وقالت بحسم:
"الجو صعب أوي بره، ألبسه عشان ما تاخدش برد."
أرسل لها نظرة سريعة بالمرآة ثم ترك فرشاة شعره من يده ودار إليها مغازلًا لخصلات شعرها المتدلية على وجهها:
"أنا هلبسه عشان أنتِ عايزة كده، وأنا مقدرش أرفض لك طلب."
وضعت المعطف على كتفيه بعد ما أرسلت له ابتسامة عريضة وقالت:
"شفت مش أنا عاملة فيهـا كاتبة وروائية ومفيش حد هيعرف يغلبني."
ثم اقتربت منه الخطوة الأخيرة التي أدت بها إلى حضنه وهي تقفل أحد أزرار قميصه:
"بس بقف قدام عينيك بتبرجل، ومبعرفش أتكلم. أأممم يا ترى ده عشان أنا كاتبة مش شاطرة ولا عينيك السبب؟"
طوّق بذراعه خصرها وهو يخفض أنظاره ليُطالع وجهها الذي لم يشبع من رؤيته:
"هو ده له تفسير كنت قريته قبل كده في كتاب فرنسي مش فاكر اسمه، بس فيما معناه.. أن الحب مراحل وأعظم مرحلة هي عجز الكلام عن وصف مشاعرك."
ثم غمز لها بطرف عينيه ليُلاطفها:
"افتكر أنك وصلتي للحالة دي!"
ضحكت ملامح وجهها كطفل تغازله الملائكة في نومه، وهذا هو وقع كلماته على قلبها المتوهج بلهب العشق. صعدت يداها إلى عنقه لتضمه إليه بنفس القوة التي تُضاهي حبها وقالت بنبرة يغلفها وهج الشوق:
"أنت معاك حق، عاصي. أنا لقيت في حضنك ريحة أمي اللي سابتني قبل ما أشبع منها. الدلع والدلال اللي معرفتش أحسه مع بابا، كان طول الوقت يعاملني معاملة ابني الكبير اللي متحمل كل المسؤولية. لقيت فيك صاحبي وأخويا وابني الكبير.. وأخرهم حبيبي وساكن روحي وقلبي، الراجل اللي ما بقتش أعرف أنام غير في حضنه وينّمني كأني بنته الصغيرة."
صمتت للحظات تمنح الفرصة لمقلتيها أن تمطر على كتفه وأكملت:
"حتى وأنت نايم.. بتعيشني أجمل وأحن تفاصيل. إيدك اللي عرفت مكانها.. شعري اللي اتعود على إيدك تعزف عليه كل ليلة.. عينك اللي بتفضل تبص لي لحد ما تنام."
ثم ضحكت بحنية وأكملت:
"حتى الغطا اللي بيجرى مني كل شوية، أنت بتحس بده وبتغطيني تاني."
قبضت أصابعها العشرة على ملابسه وقالت بامتنان:
"أنا عشت معاك مشاعر متتوصفش.. أنت سديت كل الفراغ اللي في قلبي وعوضتني عن كل حاجة. بالمناسبة ليلة امبارح بتفاصيلها هتفضل محفورة جوه قلبي العمر كله."
فخفق قلبها قبل إعلان شدقها بـ:
"بحبـگ.."
ثم يأتي شخص يرى كل جروحك ورغم أنه لم يتسبب في أيًا منها لكنه يحاول - بكل حب - أن يضمد تلك الجروح. حلمها بذراعه كي تلامس قدميها الحب بدلًا من ملامسة الأرض وقال:
"ربنا يقدرني وأسعدك كمان وكمان."
ثم دفن أنفاسه في شعرها معبرًا:
"أنت أعظم حاجة حصلت لي يا حياة."
"وأنت كمان على فكرة."
انتقل الثنائي إلى الأريكة التي يكمن خلفها الحديقة الخاصة بالقصـر وأول سؤال بدأ به هو:
"المفروض نروح للدكتورة أمتى؟"
قالت ممازحة:
"الدكتورة اللي أنت ما سمعتش كلامها؟"
"سيبك دي حافظة كلمتين بتقولهم عشان تحلل فلوسها."
جلست مقابله تمد له قهوته الصباحية بابتسامة واسعة ثم وضعت يدها فوق جنيتها بعيون لامعة. فرفع حاجبه متعجبًا:
"إيه الابتسامة دي بقا؟"
جذبت يده لعندها وقالت بلهفة:
"شوف كدا نبضه! الله إحساس حلو أوي بجد."
استلذ بإحساسه لنبض جنينه ببطنها مما تسرب إليه مشاعر لا يقدر على وصفها، كمن سيصبح أبًا لأول مرة. تعمدت أن تعيش معه أدق تفاصيلهم. رست كل جوارحه على ضفاف ملامحها وابتسامته التي تتسع تدريجيًا حتى انفجر ضاحكًا لم يجد ما يعبر عن فرحته. اقتربت منه قليلًا ثم قالت:
"وأحنا في باريس كنت أحس بحاجة زي كده، ومكنتش فاهمة ولا عارفة ده إيه. فاكر الوجع اللي جالي وإحنا بنرقص سوا في الغردقة، ده كان صوته كان مبسوط بقربك منه، زي ما أنا كمان كنت مبسوطة وأنا بتفرج على ملامحك بالقرب ده."
ابتلع سعادته قائلًا:
"هخلص شغلي هنا ونروح أمريكا نتابع عند أكبر الدكاترة هناك. هجيب لك فريق طبي متكامل هيكون مختص برعايتك."
اكتفى بتقبيل شفتها بقبلة ليست قصيرة ولم تكن بالطول المعهود بل كانت كافية للرد على أعذوبة كلماتها. حتى افترق عنها مرغمًا ولا زالت تحت سطو عشقه:
"مكسب عمري الحقيقي أن كل الفرحة الساكنة قلبي دي منك."
مالت على كتفه وهي تضم ذراعه وقالت:
"أنت لازم تروح الشغل النهارده؟"
"عايزاني أقعد؟"
"مش عايزة، عايزة تفضل هنا."
تبدلت ملامحه لمزيج من الاستغراب والإعجاب:
"تعرفي الأوضة دي كنت أدخلها كام ساعة في يوم وبالأخص وقت النوم وما بصدق أهرب منها. كانت بالنسبة لي زنزانة، حبس انفرادي، لحد ما دخلتيها أنتِ، وحولتيها لأجمل مكان في العالم، مكان مش عايز أخرج منه."
ثم ضم كفها بحنو وأكمل:
"أن جينيا للحق بقا، أنا اللي مش عايز أسيبك."
ارتمت في حضنه بحب:
"ولا أنا والله."
ثم ابتعدت قائلة بنبرة مبطنة بالدلال:
"خلي بالك، أنت ضحكت عليّ في الجوازة دي، يعني اتجوزتني من غير فرح ولا شهر عسل.. وفجأة لقيت نفسي أم لبنتين زي القمر، وكمان حامل في التالت. عاصي أنت كروتني."
انفجر ضاحكًا وهو يرتشف آخر رشفة من فنجان قهوته وقال:
"أحلى كروتة في حياتي! وحياتك كمان…"
"أمممم بتضحك، طيب براحتك خالص، المهم قررت تعمل إيه مع عالية؟"
تركت فنجانه على الطاولة ثم عاد إليها قائلًا:
"ما دام عايزين بعض يستحملوا اللي هعمله فيهم!!"
"عاصي متهزرش بقا.. سيبهم في حالهم."
"لما يتربوا الأول، عشان أنا مش باجي بلوي الدراع، وكمان ده نفسه رأي تميم لما اتكلمنا."
زفرت بضيق:
"بطل بقا.. وسيب البنت تعيش لها يومين دي طيبة خالص."
"علشان طيبة، لازم يعرف قيمتها الأول، وأحنا مش لعبة في إيده يطلقها براحته ويرجعها براحته."
قطع حديثهم صوت طرق الباب الذي دخلت منه سيدة وخلفها فتاة من خادمات القصر تحمل قفصًا من المانجو وقالت:
"عاصي بيه، زهير جاب صناديق المانجا دي وأكيد علينا نوصلها لمعاليك. باقي الصناديق في المطبخ تحت."
هز رأسه متفهمًا وهو يشير إلى الطاولة:
"سيبيه هنا يا سيدة."
نفذت سيدة أوامره، أما عن حياة غمرت السعادة كيانها وهي تهتف كالصغار فارحة بالمانجو حتى غادرت سيدة وارتمت بحضنه قائلة بامتنان:
"الله.. أنت جبتها بجد.. أنا فرحانة أوي."
"طلباتك في البيت ده أوامر على الكل وأولهم أنا."
ثم مسح على شعرها وأكمل:
"أسيبك مع المانجا وهروح الشغل. لو احتجتي حاجة كلميني أو كلمي سيدة."
حياة بترجي:
"بس ماتتأخرش عليّ.. ممكن!"
"هحاول والله.. وبعدين تعالى هنا، أنتِ بطلتي تكتبـي ليـه؟!!"
أطرقت بتوجسٍ:
"مش عارفة، زمان كنت بكتب عشان مش عندي اللي أشتكي له، و دلوقتي افتكرت لأنك موجود، فـ أنا مش محتاجة أشتكي للورق."
"وتشتكي ليـه؟ اكتبي إحساسك حتى ولو كان فرح."
بدت معالم الاقتناع على وجهها وقالت:
"آخر رواية كنت بكتبها قبل الحادثة، لا ينبض القلب إلا لعاصٍ.. وكان وقتها في تفكيري أننا مش بنتشد غير للحاجة المستحيلة الصعبة، بس مكنتش أعرف وقتها أن أبواب السما مفتوحة كده، وقابلت العاصي نفسه ووقعت في غرامـه."
رمقها بإعجاب ثم قال:
"خلاص إحنا فيها، اكتبي عن حياتنا سوا."
ردت على الفور:
"أخاف."
"تخافي ليـه؟"
"كل قصة بكتبها بدايتها لو حزن بتنتهي بفرح، وقصتي معاك ابتدت بفرح خفية من نهايته."
تعمد بث وميض الأمان بقلبها وهو يداعب وجنتها:
"طول ما أنا جنبك مش عايزك تخافي من أي حاجة، فاهمة!!"
أومأت بالموافقة وقالت باستسلام:
"هرجع أكتب من النهاردة."
"هستنى أقرأ اللي هتكتبيه لما أرجع."
أن نفيق من نشوة الأحلام التي لا تخضع لجنون قلبٍ ولا لنضوج عقلٍ. أن يمرح الجسد في حدائق الحب بدون قيود تمنعه. أن نأمن للزمان ونصحو على ذعر واقعه.
انتهت شمس من ارتداء ملابسها دون الاكتراث لتجفيف شعرها المُبلل، ثم عادت بحزن وخيمة إلى فراشها وشدت بأصابعها العشرة الغطاء وهي ترتجف، تحاول أن تقنع نفسها بأن كل ما حدث من قليل ما هو إلا حلم لم يكن بإرادة أي منهمـا. وفي الأحلام تُرفع الأقلام والعتب.
تذكرت تلك الليالي التي قضتها بمفردها حتى أكلت الوحدة حبال عواطفها، قتلت رغبتها في الحاجة لمن يسمع صوت قلبها أو يهتم لأمرها. تلك الليالي التي كانت من مرارتها جعلتها تيأس من فكرة أنها ستنقضي حتى استسلمت لانقضاء قلبها بما يحمله، مستسلمة للعيش في متاهاتها كثيرًا. نجت من كل ذلك ولكن الأثر الذي أحدثته بداخلها لا يُنسى لأنه جعلها أكبر من عمرها الحقيقي بمراحل.
خرج تميم من غرفة ملابسه وهو يطلق صفيرًا عاليًا بعد ما انتهى من ارتداء بدلته التي تحمل اللون البيج وأخذ يصفف شعره أمام المرآة دون الاهتمام لوجودها. ألقت عليه الكثير من النظرات التي تحمل السخط والإعجاب ثم تحولت جميعها لرياح عاتية تريد أن تنقض عليه. رمت الغطاء من فوقها واتجهت نحوه حاملة زوابع غضبها وقالت:
"والله!! ده إيه الروقان ده كله؟ ولا كأن في حاجة حصلت!!"
رد ببرود مفتعل:
"وهو كان إيه اللي حصل؟"
"كمان؟"
"غريبة أوي يا شمس!!"
شدت الفرشاة من يده ورمتها بعيدًا حتى أحدث صوت صخب يضاهي صوت ضجيج قلبها:
"تميم كلمني زي ما بكلمك!!"
صمت للحظات كي يظل فيها محافظًا على هدوئه متعمدًا عدم حدوث مشكلة جديدة وقال:
"إيه مزعلك طيب؟ عرفيني؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بحدة:
"تميم ما بحبش الأسلوب ده، وكلمني زي ما بكلمك؟!!"
"وأنا محتاج أسمع منك إيه اللي حصل عشان أعرف أرد عليه."
أخذت تضرب الأرض بقدمها اليمنى بغيظ:
"إنت إيه البرود اللي بتتكلم بيه ده!!"
"أومال عايزاني أتكلم إزاي على حاجة أنا مش عارف إيه هي؟"
حاولت كظم غضبها وقالت بلومٍ وانفعال:
"إحنا كان في بينا اتفاق وأنت محترمتش ده!"
"وأيه هو الاتفاق..؟"
"أنك متقربش مني يا تميم، وأنت احترمت رغبتي وطلبي، بس الواضح أنك مش قد وعودك ولا كلامك ليّا، وأنا مستحيل أقعد مع واحد مش بيحترمني."
زفر باختناق واختار الصمت في تلك الحالة بدلًا من تفاقم الأمر بينهم ثم قال:
"ممكن نأجل الكلام ده لـ بالليل؟"
ردت بحسمٍ:
"لا ليل ولا نهار، لأنك هترجع مش هتلاقيني أصلًا."
ثم بللت حلقها وقالت بعدم رغبة منها في ذلك:
"تميم، أنا عايزة أطلق."
غرزت الكلمة كالخنجر القاتل في صدره. أي طلاق تذكره وتتحدث عنه!! أي ذنب فعله يستحق عليه الانفصال بعد ما وقع في بحور حبها!! كل ما حدث ما كان إلا لحظة ضعف منه أمام المرأة التي امتلكت قلبه الذي رضخ مستسلمًا لطلبه!! هل هذه نتيجة الارتواء من نهر الحب؟ أم غرقه بنهرٍ لم يرغبه؟
هز رأسه متخلصًا من وجع طلبها وقال بهدوء:
"وأنا عايز ألحق معاد شغلي."
مع مرور العمر تصبح لديك قدرة أكبر على كتمان مشاعرك السلبية، ستتعلم كيف تتظاهر أنك في غاية الثبات في أعتق المواقف التي تستدرجك للانهيار، ففي الوقت الذي يدفعك فيه كل شيء للبكاء لن تبكي، بل ستبتسم كما لو أن الكلمات السامة التي أفسدت قلبك لا تعنيك من الأساس.
تركها ورحل دون الالتفات لتبدل ملامح وجهها الصاخبة، اغرورقت العبرات من عينيها وهي ترتمي على مقعد التسريحة وتلوم نفسها على طلبها المفاجئ الذي لا ترغب فيه. لم تنكر انجذابها المستمر نحوه خاصة بعد تعافيه ومغادرته لمقعده المتحرك. لا تعلم أن عصبيتها الزائدة ما هي إلا باندفاع الغيرة عليه بسبب ظهور سهير الطارئ وتغير معاملته الواضحة معها. حيث تعمده بعدم رؤيتها والتعامل كأنها شيء شفاف لا وجود له.
تكدست الأفكار فوق رأسها حتى حسمت قرارها واختارت مصب غضبها الأصلي والسبب وراء تمزق قلبها لأرباب. شدت حجابها ورمته فوق رأسها دون اهتمام لمظهرها وخرجت من الغرفة قاصدة وجهته.
"فكرتي؟!!"
أردف فريد جملته وهو يشد معقد الطاولة الخشبي ليجلس فوقه على أذن عبلة الجالسة ترتشف قهوتها بشرود. تركت الفنجان بقلب الطبق وقالت:
"عايزة أعرف الأول، وياريت تبقى صريح معايا عشان أحدد هعمل إيه."
فريد بشك:
"عايزة تعرفي إيه يا عبلة؟"
"إيه بينك وبين حياة!! أو بصورة أوضح أنت عايز منها إيه؟"
أخذت أصابعه تتراقص فوق سطح الطاولة ثم قال بزيف:
"بحبها، أنا محبتش غيرها."
ردت بيقين:
"شوف غيرها، أنت ما بتحبش غير نفسك يا فريد."
"وليه بتقولي كده؟"
أخذت رشفة أخرى من قهوتها:
"أنت لو بتحبها زي ما بتقول مكنتش هتستحمل تشوفها مع راجل غيرك وتتعامل بالبرود ده. عيب لما تقلل من ذكاء ست زيي."
ثم رفعت عبلة حاجبيها وأكملت:
"أكمل ولا تيجي معايا دوغري؟"
أخذت قدمه تتشاجر مع الأرض تحته حتى حسم جولته من التفكير قائلًا:
"من حوالي 100 سنة في مركبـة كبيرة كانت لشوية تجار ذهب حاولوا يهربوها بره البلد. ومش مجرد دهب وبس دي كانت مشغولات فرعونية نادرة وسبائك، ولسوء حظهم المركبة غرقت ويقال أنه تم البحث عنها كتير بس ملهاش أثر."
انتبهت عبلة لحديث فريد المثير للعقل:
"وبعدين؟"
"رسيل من زمان وهي مجنونة غطس، وتعرف كل تفصيلة تحت البحر، وبالصدفة من عشر سنين لقيت المركب دي والفضول خلاها تدخل وتستكشفها وطلعت بأول سبيكة، وكانت دي وش السعد على أبوها، نقلة في حياتنا كلنا. عشان كده قبل ما يموت كتب كل حاجة باسمها، لأنها صاحبة الفضل عليه."
عبلة بذهول:
"والمركبة دي فين؟"
رد بخزي:
"محدش يعرف طريقها غير رسيل.. دورت كتير أوي لكن موصلتش لأي حاجة. هي وبس."
ثم انكمشت ملامحه:
"وبعد ما العيشة ارتاحت وأبوها اشترى كل المراكب دي، قالت أنها مش هتنزل تاني ورفضت تعرف حد مكانها."
فأحتدت نبرته:
"أنا مستعد أدفع عمري كله مقابل المكان ده. رسيل لازم تتكلم!!"
وضعت عبلة ساق فوق الأخرى وقالت بثقة:
"وأنا هخليها تتكلم، بالذوق بالعافية هتتكلم."
"حلو ده، بالدور كده هنعلم كل واحد فيهم الأدب، لحد ما ترجعي هانم القصر، وأنا معاك ومش هسيبك."
اقتحمت شمس مكتب عاصي بدون إذنٍ وقالت بفوضى:
"عايزة أتكلم معاك."
رفع عاصي رأسه عن دفاتر مندهشًا من طريقة دخولها لمكتبه وقال بهدوء:
"خير، تعالي."
قفلت الباب خلفها وتقدمت بثورة غضبها المندلعة:
"إنت جبتني هنا ليه؟!!! ووو متضحكش عليا وتقولي إيجار ومش إيجار، مش فلوسي اللي كانت هتفقرك!!"
كان يتقبل توبيخها بملامح هادئة ثابتة فشلت في ترجمتها حتى تفوهت بحدة أكثر:
"قول لي، عاصي دويدار جيـه بيتي وأخدني منه ليـه؟ أنا متأكدة أن في سر وراك ولازم أعرفه."
أشار لها بهدوء:
"اقعدي يا شمس."
ردت بضيق:
"مش هقعد ولا زفت، أنا عايزة أعرف."
"وأنا كمان عايز أعرف إيه فكرك بسؤال زي ده بعد الوقت ده كله؟ مش متأخر شوية؟!"
جلست على طرف المقعد المجاور لمكتبه:
"متأخر مش متأخر، مش موضوعنا، أنا سؤالي واضح، أنا هنا ليـه؟ وأنت مين؟ وكنت عايز مننا إيه؟!!"
رد بارتياح:
"وأنا هجاوبك يا شمس.. بس قبل ما أتكلم لازم تعرفي أن الكلام ده لو طلع بره المكتب محدش هيدفعه تمنه غيرك!!"
بث القلق برأسها مما أدى إلى هدوء نبرتها:
"كلام إيه؟"
"بصراحة أنتِ معاك حق في كل الكلام بتاعك، الموضوع مش مستاهل كل الدوشة دي."
شمس بحيرة:
"يعني أنا صح واحساسي صح؟ فين المشكلة طيب..؟"
"من زمان وأنا بدور عليكم، لحد ما شفت اسمك صدفة مع السمسار في الورق اللي كنت بمضيه، شكيت الأول قلت يمكن مش هي.. بس لما اتأكدت، اتفقت معاه يمضيكي على كل الإيجارات دي."
بدأت الحيرة تركض على ملامحها:
"تدور عليا ليه؟ وأنت تعرفني منين..؟! وليه تعمل فيا كده؟ أنا مش فاهمة إيه حاجة من كلامك."
أشار بكفه كي تصمت ثم أتبع:
"سيبيني أكمل.. فعلاً أجرتوا البيت، ووقتها كنت مشغول عنكم وعن قضيتي معاكم، لحد ما خلصت وحسيت أنه جه الوقت اللي انتقم فيه منكم، وأخد حقي."
شمس بارتباك:
"حق إيه اللي ليك عندنا؟"
تجاهل سؤالها وأكمل:
"لما دخلت البيت كنت ناوي على انتقام، كنت جاي أذلكـم وأكسركم، بس مكنتش أعرف أن أبوكي اتوفى. وأول ما شفتكم قلبي حن، نسيت السبب اللي أنا جيت عشانه، اتلخبطت ومبقتش عارفة أقول إيه."
"طيب وأنت تنتقم مننا ليـه؟"
دار ناحية خزانته وأخرج منها شهادة ميلاده ومدها إليها:
"اقري دي؟!!!"
أخذت منه الورقة بكفها المرتعش وشرعت في قراءتها حتى تفوهت بتردد:
"تحية؟ دي عمتي، بس مين محمد عبدالعظيم..؟! الورقة دي وصلتك إزاي؟!"
"دي شهادة ميلادي أنا.. وتحية تبقي أمي."
اتسع بؤبؤ عينيها بذهول:
"طيب إزاي؟ ومين عاصي دويدار اللي قاعد قُدامي؟ أنا مش فاهمة حاجة!!"
"سيبك من كل ده.. وخلينـا في تحية أمي، اللي أبوكي بهدلها وطردها من البلد وذلها، ولما هربت ورجعت له حامل ضربها وطردها والمسكينة مستحملتش، نزلت من عنده وولدت قبل المعاد وده اللي خلى في خطر على حياتها واتوفت بسبب اللي عمله أبوكي. اتربيت على فكرة الانتقام من أبوكي وكنت واخد عهد إني هكسره وأعمل فيه اللي عمله في أخته."
ابتلعت شمس جمر اتهاماته:
"استنى بس أنت شكلك فاهم غلط، الكلام ده كله محصلش!!"
"أومال إيه اللي حصل؟"
"اللي أعرفه أن عمتي تحية هربت مع حبيبها.. وده كان سبب في وفاة جدتي مستحملتش الصدمة، وآخر حاجة وصت أبويا يدور على أخته، وده كان السبب أنه ساب البلد وجيه على القاهرة عشان يدور عليها، بس هي مظهرتش تاني، حتى الشخص اللي هربت معاه اختفى هو كمان."
انعقدت ملامح عاصي باستغراب وضيق وبدأ يقارن بين حديثه وحديثها حتى قال:
"استني يعني أبوكي مش طردها بفضيحة من البلد؟!"
ردد بيقين:
"بابا مستحيل يعمل كده؟!! ده حتى من كتر ما كان يدور عليها نسى نفسه واتجوز أمي على أول الأربعين.. وبردو ما بطلش يدور عليها، بس هي اختفت."
شبك أصابعه ببعضها وقال باختناق:
"في حاجة مش مظبوطة…."
شمس باستغراب:
"ليه ما قولتش الكلام ده من زمان؟!"
"كنت تايه ومحتار يا شمس، قلت أحطكم تحت عيني لحد ما أعرف هتصرف معاكم إزاي. منكرش أني حبيتكم من أول ما شوفتكم، منكرش اني حسيت بحاجة غريبة شدتني ليكم كأنكم أخواتي.. حسيتكم مسؤولين مني."
سألته بإصرار:
"بردو مجاوبتش على سؤالي؟!"
"عشان لو عبلة عرفت كانت هتفكر تتخلص منكم. خبيت عشان أحميكم."
"وهي مالها بينا.. وبعدين يعني عبلة إزاي مش مامتك؟!"
"عبلة هي اللي ربتني بعد وفاة عمتك. حسب كلامها أنها سقطت كذا مرة وفي المرة الأخيرة أبويا هددها هيتجوز لو مجبتش الولد. مكنش قدامها حل غير أنها تكتبني باسمها."
"دي ست شيطانه!!"
عاصي بحزم:
"شمس مش عايز كلمة تطلع بره المكتب ده، أنتِ فاهمة.. لحد ما أتصرف، لأن واضح أن فيه حاجات كتير لازم أعرفها."
شمس بشرود:
"بس شهادة الميلاد دي مع تميم!"
رد مفزوعًا:
"وعرف حاجة؟!"
"لأ أصلًا مبقاش يدور ورا الموضوع زي الأول."
في تلك اللحظة التفت لهاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين بعد وقال متأففًا:
"نعم؟!"
أتاه صوت حارسه:
"عاصي بيه إحنا من إمبارح بنراقب المهندس مراد، لحد من ساعة كده جات عربية قطعت علينا الطريق، ولما خلصنا منها روحنا لقينا جماعة لابسين أسود بيحطوا الست عالية في العربية."
وقف عاصي مشدوهًا:
"إنت بتقول إيه؟ مين دول وخدوا عالية على فين؟"
"حاولنا نلحقها بس ضربوا علينا نار وهربوا. ومن وقتها برن على معاليك."
وقفت شمس بذعر:
"حصل إيه؟!"
شد عاصي سترته وقال بعجلٍ وهو يتأهب للانصراف:
"عالية اتخطفت.. لازم أتحرك.. بلّغ تميم يلحقني."
دخلت حياة حاملة طبق من الحلوى ولكنها فوجئت بالأجواء المشحونة بالغرفة، فتوقفت حائرة:
"حصل إيه؟"
ردت شمس بسرعة:
"حد خطف عالية.. هروح أكلم تميم أقوله."
أما عن حياة فركضت وراء عاصي وهي تهتف باسمه حتى باب القصر صرخ مناديًا على حراسه:
"قولهم يجهزوا ويجهزوا العربيات هنتحرك."
تنفست الصعداء بقربه:
"هتعمل إيه بس؟ استنى نفكر ونوصل لحل."
هجر بغضبٍ:
"مفيش حلول يا حياة.. بقولك أختي اتخطفت ومش عارفين مين خدها."
لكت الكلمات في فمها فعجزت عن مواساته أو إرشاده. حتى دار إليها:
"روحي أوضتك عشان متبرديش."
"لا.. هاجي معاك!"
جز على فكيه:
"هتيجي فين بس؟!"
"مكان ما هتروح.. بس متسبنيش هموت من القلق عليك كده."
أشار بسبابته محذرًا:
"حياة مش هقول الكلمة مرة تانية، اطلعي أوضتك."
ردت بعنادٍ:
"انسى، مش هسيبك لوحدك."
أخذت شمس تعاود الاتصال بتميم أكثر من مرة حتى أجاب بخوف يملأ نبرته بأن تعاود طلبها في طلاقها وقال:
"قلت بالليل نتكلم يا شمس."
ردت ملهوفة:
"تميم، في حد خطف عالية.. وعاصي راح يدور عليها!"
صرخ بفزع:
"إيه؟!!! إزاي الكلام ده؟!!! اقفلي أنا هرجع بسرعة."
"فينك كل ده يا عالية، ردي بقا!!"
أخذ مراد يهرتل مع نفسه بكلمات تعبر عن قلقه لعدم رد عالية على هاتفها الذي لم يكف رنينًا. حتى أتاه صوت آخر قائلًا:
"الو؟!!!"
مراد باستغراب:
"مين معايا!! وبتردي ليه على تليفون عالية؟"
"أنا سندس، مساعدة ميك أب أرتست. حضرتك مراد بيه جوز المدام عالية؟"
"أيوه، هي فين؟"
ردت بتوجس:
"بصراحة يا فندم إحنا هنا لقينا الباب مفتوح والموبايل واقع في الأرض.. وبننادي على المهندسة عالية بس مش موجودة."
نهض مالدوغ من مقعده:
"يعني إيه مش موجودة!! اقفلي اقفلي."
في اللحظة التي قفل المكالمة مع الفتاة جاءه اتصال آخر من عاصي وهي يزمجر غاضبًا:
"أختي راحت فين يا مراد!"
"عاصي أنت عرفت؟"
عاصي بحدة:
"حسابي معاك بعدين.. أختي لو مرجعتش الليل أنا هقتلك بإيدي."
"متقلقش يا عاصي، حقك ولو قلت أكتر من كده بردو حقك، هقلب عليها الدنيا هنا.. ولو وصلت لحاجة هبلغ."
أما عن نوران التي خرجت إلى الشرفة لتستنشق الهواء وتغير من جو الغرفة فوجئت بكريم جالسًا على مقعد الطاولة التي تعلوها. جالسًا بارتياح يتحدث في هاتفه بصوت عالٍ والكثير من الضحكات. اشتعلت نيران الغيرة بقلبها وهي تسأل نفسها:
"هو بيكلم مين الساعة دي وبيضحك معاه كده؟!!!! طيب صبرك عليا."
عادت إلى المرحاض وملأت إناء به الكثير من الماء البارد وعادت إلى الشرفة لتكمل خطتها. نظرت أسفلها لتتأكد من وجوده. ثم حولها لتتأكد من عدم رؤية أحد لهما. وفي آخر لحظة سكبت محتوى الإناء فوق رأسه فصاح صارخًا:
"بتعملي إيه يا مجنونة أنت؟!"
ردت بشماتة:
"البادي أظلم.. وأنت اللي ابتديت!!"
مسح الماء عن وجهه وهو يلعنها سرًا:
"بس مش كده!! أنا هدومي كلها غرقت."
ضحكت بانتصار:
"دش الهنا.. يلا عد الجمايل!!"
هتف متوعدًا:
"عدي أنت اللي هيتعمل فيكي بعد النهاردة."
"وريني.. ونشوف مين اللي هيكسب."
"كريمممم!!!!"
جاءهم صوت جيهان من أعلى التي رأت الحادث من أوله حتى وقفت مشدوهة تراقب حوارهم الذي يعكس طريقة معرفتهم لبعض والأسرار المدفونة بينهم. تحركت الأعين إلى صوت جيهان الغاضب حتى تراجعت نوران خائفة وركضت إلى غرفتها تعض على أصابعها ندمًا!!
أما عن كريم فأجاب أمه:
"نعم؟!"
ردت بجدية:
"روح غير هدومك دي وتعالى عايزاك، يلا بسرعة."
دخل كريم إلى القصر فوجد به ضجة على غير المعتاد فنادى على سيدة التي تركض على عجل:
"سيدة، في إيه هنا؟!"
سيدة بذعر:
"مصيبة يا سي كريم، مصيبة.. الست عالية خطفوها.. يا عيني عليكي يا بنتي."
كريم تحت تأثير الصدمة:
"إزاي حصل الكلام ده، أنا هكلم مراد."
صعد مراد سيارته كالمجنونة وهو يتحرك بسرعة ساحقة وأول شيء قفز في رأسه هي أمه، فهاتفها بدون تردد حتى ردت:
"نعم؟!"
صرخ مراد بوجهها:
"أقسم بالله لو طلعتي أنتِ ورا خطف عالية ولا بنتك.. هنسى أنك أمي."
جيهان بصدمة:
"عالية!! مالها عالية ومين خطفها!! فهمني يا مراد!"
"عالية اتخطفت، ولسه ما عرفناش مين خطفها؟!"
جيهان بقلق:
"وأيه جاب عالية عندك، أنتوا فين أصلًا؟!"
نفذ صبر مراد خاصة بعد تأكده بجهل أمه عن الحادث وأخرج فكرة ارتكابها لما وقع على زوجته، فأغمض جفنيه قائلًا:
"هكلمك تاني…"
ثم قفل هاتفه ورماه بغضب وأخذ يفش غضبه بمقود السيارة ويقول لنفسه بعتب وندم:
"غبي.. غبي إزاي تسيبها لوحدها في مكان زي ده؟!!!"
حل المساء ولا يوجد أي خبر عن عالية. فتش مراد جميع كاميرات المراقبة القريبة منه ولكن بدون جدوى لم يستدل إلا على رقم السيارة التي أخذتها. أبلغ المرور بها ثم قرر العودة إلى القاهرة وبالأخص الي بيت دويدار ليستعين بأخوتها في البحث عنها معه.
هبطت حياة من سيارة عاصي بعد يوم طويل أصرت على وجودها معه أثناء بحثه عن أخته. دخل الثنائي الي المنزل فركضت شمس ثم تميم إليه:
"مفيش أخبار؟!!!"
لم يرد عاصي بل اكتفى بالانسحاب إلى مكتبه. نظرت لهم حياة بيأس:
"للأسف؟!!!"
جاءت سوزان من الخلف تركض ملهوفة وانضمت إليهم:
"عالية حصلها إيه يا تميم؟"
تبادلت حياة وسوزان النظرات التي بث وميض التعجب بين شمس وحياة على قلقها المبالغ فيه وما هي العلاقة الوتدية بينهما. رد تميم:
"مفيش خبر.. أنا هروح لعاصي."
أحست حياة بالدوار في رأسها فاستندت على شمس متوجعة. فتلقتها بخوف:
"حياة!! تعالي ارتاحي.. تعالي."
ردت بوهن:
"معلش يا شمس واضح دوخت شوية!!"
"طيب تعالي اقعدي."
ثم نادت على سيدة:
"اعملي حاجة دافية لحياة يا سيدة."
جاءت جيهان من الخارج:
"مفيش أخبار لسه؟"
دارت إليها سوزان:
"لسه؟"
"حتى عبلة ملهاش أثر، بكلمها مش بترد!!"
تقدمت جيهان وسوزان إلى الأثاث الذي يضم شمس وحياة، فقالت جيهان بمكر:
"شكلك حامل يا عروسة؟"
انتفضت حياة من مكانها:
"إيه.. ليـه بتقولي كده؟"
"باين ياحبيبتي أحنا ستات وبنحس ببعض."
تدخلت شمس في حوارها:
"إنت شايفة أن ده وقت للكلام ده؟"
"الله!! وأنا كنت قلت إيه؟ فكركم مش مضايقة على بنت اختي وهتجنن عليها.. ياترى أنتِ فين يا عالية ياحبيبتي!!"
طالعتها شمس باستهزاء من تمثيلها المزيف وأعطت حياة الماء:
"اشربي مية."
أجرت سوزان مكالمة هاتفية باهتمام لأحد رجالها:
"تقلبـوا اسكندرية كلها فاهمين!! عالية الليلة تكون في بيتها."
دخل مراد راكضًا من باب القصر وخلفه كريم. فركضت إليهم شمس:
"مراد وجودك هنا هيعمل مشكلة.. عاصي وتميم على أخرهم."
رد باختصار:
"هما فين؟"
جاءت حياة خلفها باهتمام:
"شمس عندها حق.. كريم خد مراد وامشوا دلوقتي لأن عاصي على أخره منك."
فتح عاصي باب المكتب وخرج منه ثم تميم وما أن وجد مراد بوجهه انفجر قائلًا:
"وكمان ليك حق تيجي هنا؟!!!! عملت إيه في أختي يا مراد!!"
مراد بأسف:
"معاك حق تقول كل ده.. بس مش وقته، أحنا لازم نلاقيها في أسرع وقت!!"
تميم بغضب:
"هما لما خدوهـا أنت كنت فين؟"
"روحت الشغل ساعة وكنت راجع لحد ما عرفت اللي حصل."
عاصي بغيظ مكتوم منه:
"نلاقيها وحسابك معايا عسير يا مراد!!"
اقتـربت حياة من زوجها ربتت على كتفه ليهدأ:
"هنلاقيها.. اهدى عشان نعرف نفكر."
شمس بتأييد:
"حياة معاها حق."
لاحظت تغير ملامح تميم التي تكتم الوجع وهو يتألم في حركة يده. دنت منه بهدوء وسألته:
"انت كويس؟"
رد بتوجع:
"الجرح شد عليّ بس."
"تحب أشوفه؟"
رد باختصار:
"مش وقته؟"
طافت عيني مراد في البيت باحثًا عن عبلة:
"هي خالتي فين؟"
جيهان بتمايل:
"مسافرة برة مصر في شهر العسل…"
مراد باستغراب:
"بس هي كلمتني من رقم مصري من يومين!! خالتي موجودة في مصر!!"
التفت الجميع إلى مراد حتى سألته جيهان:
"وما رجعتش بيتها ليـه؟!!!!"
عاصي بثبات:
"عشان أنا منعتها ترجع البيت ده طول ما هي على ذمة الأراجوز اللي متجوزاه."
تفوهت شمس باستغراب وهي تنظر لعاصي:
"يعني ممكن هي اللي ورا اختفاء عالية؟"
حياة بذهول:
"أكيد لا.. هتستفيد إيه لما تخطف بنتها يعني؟ أنتوا بتقولوا إيه؟"
نظرت سوزان لمراد وقالت له باهتمام:
"مراد.. تعالي معايا."
تدخل تميم:
"هتروحوا فين؟"
ردت باستعجال:
"هتفهم لما نرجع.. يلا يا مراد."
ضربت جيهان كف على كف ثم نظرت لكريم بخبث:
"عايزاك فوق.. معرفناش نتكلم طول اليوم!!"
تأفف كريم هاربًا من حوار أمه التي كشفت علاقته بنوران:
"مش وقته.. أنا هروح أدور على عالية."
دخل عاصي غرفة مكتبه ثم تابعته حياة التي فكرت قائلة:
"عاصي ما يمكن اللي عمل كده المنافس اللي اسمه هاشم ده، يعني بيردلك اللي عملته؟!"
فكر عاصي برأيها ثم قال:
"مفتكرش.. هاشم لو عايز ينتقم مني هيضربني في شغلي مش هيخطف أختي."
"طيب ممكن أعداء لمراد مثلا.. او حد محتاج فلوس. هو ما ينفعش نعمل محضر غير بكرة الصبح، صح؟"
ضرب مقعد مكتبه بقدمه صارخًا فاقتربت منه وأخذت تربت على كتفه:
"حاسة بيك بس مش كده!!"
"أول مرة أحس بالعجز.. مش عارف مين هو عدوي واللي بيحاربني.. هتجنن يا حياة!!"
"هترجع والله.. اهدي بس عشان تعرف تفكر."
أصرت شمس على رؤية جرحه خاصة بعد اشتداد الألم عليه. اقتربت منه بدون إذنٍ ونزعت سترته ثم أزرار قميصه التي أبى نزعه فصممت معاندة:
"تميم، سيبني أشوف الجرح عشان بينزف."
"قلت لك مش عايز حاجة منك يا شمس."
تأففت بضيق ثم أكملت مهمتها وما أن رأت نزيف جرحه يزداد اتسعت عينيها بقلق:
"خليك هنا هجيب الإسعافات الأولية وأغيرلك على الجرح."
ثم أكدت عليه:
"تميم متتحركش."
ركضت بسرعة لإحضار العلبة الطبية ثم عادت إليه. شرعت في تنظيف الجرح وتعقيمه وضماده مرة أخرى وهي تنهره:
"لما سمحت تبقى تاخد بالك بعد كده من حركة إيدك، ما صدقنا أن الجرح بدأ يلم."
تأفف متجاهلًا لأوامرها وعاد لارتداء ملابسه ولكنه أوقفته:
"استنى اجيبلك غيرهم، القميص كله دم."
"هطلع أغيره فوق."
رمقته بغرابة:
"طيب.. جايه معاك أساعدك!"
"لا خليكي مش عايز أتعبك."
"أنتِ متأكدة أنها هنا؟"
أردف مراد سؤاله على آذان سوزان وهما يدخلون بوابة أحد الفنادق. فقالت:
"ده الفندق اللي عبلة بتحب تنزل فيه لما تحب تهرب من البيت."
تقدم مراد إلى موظف الاستقبال وسأله:
"لو سمحت في حجز باسم عبلة المحلاوي."
ثم نظر إلى سوزان متسائلًا:
"ولا اسمه إيه الأفندي اللي متجوزاه؟"
بحث الموظف عن اسم عبلة على جهاز الحاسوب وقال:
"أيوه يا فندم، عبلة محمود المحلاوي هي وجوزها فريد بيه!"
انكمشت ملامح مراد بغضب فتقدمت سوزان وسألته:
"هي فين.. قصدي موجودة في أوضتها؟"
"للأسف يا فندم.. عبلة هانم بره الأوتيل من الصبح."
ما ختم جملته إلا تبدلت نبرته قائلًا:
"أهي جت!!"
اندفع مراد إليها بنيران غضبه الحارقة:
"عالية فين؟!"
انكمشت ملامحها بتردد:
"عالية! عالية في البيت؟ مالها عالية..؟"
جز على فكيه:
"بقولك عالية فين!"
تدخل فريد غاضبًا:
"اتكلم مع مراتي كويس وإلا…"
قاطعه مراد قائلًا:
"اخرس يلا."
تدخلت سوزان:
"عبلة، عالية الصبح اتخطفت وملهاش أثر.. لو تعرفي عنها حاجة طمنينا."
"إيه؟!!!! عالية راحت فين ومين ده اللي خطفها، الحقني يا فريد!!"
مراد بامتعاض:
"يعني مش أنتِ اللي وراها؟"
انفعلت عبلة:
"وراها يعني إيه؟!! وبعدين أنا هخطف بنتي ليه؟"
رد مراد بعفوية:
"ده لو كانت بنتك بجد!!"
حاولت سوزان أن تكذب ما سمعته وقالت لتتأكد:
"أنت بتقول إيه يا مراد!!"
تجاهل مراد سؤالها:
"آخر مرة بسألك، عالية فين؟!"
خيمت المخاوف على رأسه خشية من انكشاف أمرها وقالت:
"عملت في بنتي إيه مراد!!"
انفجر مراد غاضبًا بوجهها:
"عالية مش بنتك، وكفاية تمثيل بقا لحد كده؟!"
سوزان بصدمة:
"يعني إيه عالية مش بنتك؟ امال بنت مين!"
صرخت عبلة بوجهه:
"انت بتخرف بتقول إيه؟!!"
"بقول الحقيقة اللي خبيتيها على الكل، ولو أنتِ اللي وراها وديني ما هرحمك، فهمتي!!"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم نهال مصطفي
عينك متنزلش عن بيت هاشم.. أنت سامع!
بنبرة يملأها الذعر والإضطراب، أردف عاصي جملته الأخيرة وهو يتحدث مع شخص ما بالهاتف ويلقي عليه جملة أوامره.
اقتربت حياة على مضض وربتت على كتفه بدون إلقاء أي كلمة إضافية.
لم يلتفت إليها بل أجرى مكالمة هاتفية أخيرة وقال بضيق:
يسري؛ في أي أخبار عندك!
يسري برتابة:
للأسف معاليك، قلبت إسكندرية شبر شبر، مفيش أثر.
-الأرض متشقتش وبلعتها يا يسري! اتصرف.
جهر غاضبًا بجملته الأخيرة فاستقبلها يسري بطاعة:
هتصرف.. هتصرف يا عاصي بيه.
انضمت لهم شمس متسائلة:
مفيش جديد عن عالية!
هزت حياة رأسها يمينًا ويسارًا بيأس.
حتى وجه عاصي حديثه إليها:
فين تميم!
-خرج.. ومقالكش راح فين، حاولت ألحقه بس معرفتش.
جاءت نوران تركض من أعلى بخوف يتقاذف من ملامحها:
مفيش خبر عن مراد لقى عالية ولا لسه!
فتدخلت حياة مقترحة:
عاصي كلمه، شوف لو وصل لحاجة.
رد بحدة:
هو السبب في كل المصايب دي.. بس أفوقله.
حياة بهدوء:
مش وقته الكلام ده يا عاصي، نلاقي عالية وكل حاجة هتتحل.. لو سمحت كلمه.
رد بفتور:
مش وقته يا حياة.. هكلم تميم أشوفه فين.
جاء كريم راكضًا وهو يقفل المكالمة مع أحد زملائه:
أنا كلمت واحد صاحبي باباه في الداخلية، وقال هيتصرف لحد ما ينفع نتحرك قانوني.
-تمام يا كريم.
قال عاصي كلمته باهتمام قبل أن تميل حياة على كتفه إثر إصابتها بالدوار المفاجئ.
فتلفت إليها بلهفة:
مالك!
ردت بوهن:
دوخة بس، أنا كويسة متشغلش بالك.
ضمها إليه متجهًا ناحية أقرب مقعد:
طيب تعالي اقعدي.
جاءت شمس إليها وجلست بجوارها وسألتها:
أخدتي أدويتك النهاردة.
رفعت عيونها بتثاقل:
نسيت يا شمس.
تأفف عاصي باختناق ثم نادى على سيدة بصوته الرخيم فجاءت تركض:
أوامرك يا عاصي بيه!
-هاتي أدوية حياة من فوق، وأعملي لها حاجة تاكلها.
فتدخلت شمس قائلة:
روحي هاتي الدواء يا سيدة وأنا هعملها أكل وكوباية كزبرة دافية للدوخة دي.
استغلت نوران فرصة انشغال أختها مع حياة واقتربت من كريم هامسة:
عايزاك.
تمتم بحذر:
هستناكي بره.
بالسيارة
-أنتَ قلت كده لعبلة في ساعة غضب ولا.. مراد، أنت تعرف أيه!
أردفت سوزان جملتها بتردد بعد جولة طويلة من الصمت على أذان مراد الجالس بجوارها والذي لم يكف عن إجراء المكالمات الهاتفية.
ترك الهاتف من يده بتردد وقال:
بخصوص أيه!
ردت على الفور:
بخصوص عالية.. مراد، عبلة وراها أيه!
انكمشت ملامح مراد وتمددت بتوتر حتى قال:
لا عادي، دي كانت لحظة غضب.. المهم دلوقتي نلاقي عالية.
رمقته سوزان بعدم تصديق خاصة عندما لاحظت هروبه وانشغاله بالقيادة.
ساد الصمت بينهم لدقائق معدودة حتى شرعت سوزان في سرد قصتها بدون أي مقدمات بعد ما أخذت سيجارة من علبته واشعلت وقود ماضيها:
أنا وعبلة كُنـا صحاب من زمان.. اتعرفت عليها في النادي كانت بتيجي مع عاصي التمرين، كنت متجوزة عِز الدين وأنا عندي ١٧ سنة.. معرفش دخلت حياتي بسـرعة رهيبة، كنا كل يوم مع بعض حتى لما بقيت حامل هي بعدها باسبوع جات تقولي أنها كمان حامل.
ألقى مراد نظرة تعجب على تلك السيدة المنغمسة في حقول الماضي ثم قال مجاريًا:
وبعدين!
أخذت نفسًا طويلًا من لفافة التبغ ثم قالت:
اتفقنا نسافر أمريكا نولد هناك.. وقتها سمعت بخبر وفاة جوزي.. كنت متعلقة بيه أوي وده كان سبب إني أولد قبل ميعادي.. حالتي الصحية اتدهورت ومحدش وقف جنبي غير عبلة، والنتيجة أن البنت اتولدت ضعيفة جدا وكله أكد أنهـا مش هتعيش.
انخرطت العبرات على وجنتها ولكنها مازالت محافظة على ثباتها ثم أكملت:
أول ما فوقت طلبت أشوفها وأرضعها.. ودي كانت أول وآخر مرة أحضن فيها بنتي وبعد كده جات الممرضة قالت لي أنها ماتت.. مستحملتش الصدمة ودخلت في حالة انهيار عصبي، كنت فاقدة الوعي.. أملي الوحيد اللي عشت عشانه خلاص راحت هي كمان.
دار مراد مقود السيارة وهو يفكر في المغزى من وراء فتح سوزان لبوابات الماضي حتى أكملت:
لما فوقت وبدأت أجمع نفسي ملقتش حد معايا، حتى عبلة عرفت أنها مشيت بعد ما دفنت البنت.. وعدت سنين طويلة دفنت نفسي في البزنس والعلاقات المزيفة عشان أنسى، لحد اليوم اللي كنت قاعدة فيه مع عالية.
ألتفت مراد إليها:
حصل أيه!
بللت حلقها بتردد:
مراد.. على إيد عالية في وحمة صغيرة ودي نفس الوحمة اللي كنت في إيد بنتي لما رضعتها.. للحظة حسيت أن عالية تبقى بنتي.. أنا مش موهومة يا مراد بس بحاول أفكر معاك بصوت عالي.
ثم ختمت حديثها بسؤالها الحائر الذي استقر كالسهم في رأس مراد:
عالية بنت عبلة ولا أنا بعلق نفسي بأمل على الفاضي!
تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا كمن فقد عقله، تهذي بكلمات غير مفهومة ولكنها مسموعة حتى توقفت في منتصف الغرفة صارخة:
معقولة!! عالية هتكون راحت فين يا فريد.
انعكس الكذب من مقلتيه وهو يفك أزرار قميصه بملل:
هتكون راحت فين! بصراحة غريبة، هي مش عيلة صغيرة عشان تتوه.
حدقته بشك:
تفتكر ملعوب من عاصي؟ بس هيعمل كده ليه! لالا في حاجة غلط.
مط فريد شفتيه بتحير مزيف وهو يحك رأسه ثم قال:
عبلة، ابن أختك كان قصده إيه لما قال أنها مش بنتك!
تأففت عبلة بضيق كمن ينفض غبار الماضي عن رأسه:
وده وقته يا فريد!! تلاقيه بيقول أي كلام وخلاص.
رد بعدم تصديق:
بس مراد مكنش بيقول أي كلام يا عبلة.
-يووه يا فريد، أنا دماغي مش رايقة لكل ده، المهم عندي أعرف بنتي راحت فين.
أمسك فريد بذراعها بإصرار:
عبلة أنتِ مخبية عني أيه، قوليلي محدش هيساعدك غيري.
حدقته باستحقار:
أنت نسيت أنا مين ولا أيه!! أنا عبلة المحلاوي يا فريد.. يعني لو عايزة حاجة هعملها مهما كانت هي أيه.
حاول تهدئة الأمر بينهم ثم قال:
مالك قفشتي كده ليه!! أنا قصدي أساعدك بس.
جذبت ذراعها بقوة وهي ترمقه بعينيها الحادة:
ساعد نفسك بس.
-تمام.. بس افتكري إنك رفضتي إيدي اللي اتمدت لك.
نزعت الحلق من أذنها وهي تراقب تحركاته في المرأة حتى التفت متسائلة بثبات:
فريد، أنت متعرفش عالية فين.. مش كده!
عودة إلى القصر
-كريم أنت مقتنع بحوار خطف عالية ده!
توارت نوران خلف إحدى الأشجار وهي تردف سؤالها الأخير على مسامع كريم التي تقاسم الحيرة معالم وجهه.
زفر بضيق ثم قال:
في لغز مش مفهوم يا نوران.. في حاجة غلط.
نوران بشك:
حتى عاصي، هادي كده.. بصراحة حاسة أنه مخبي حاجة، معقولة واحد بمكانته دي كلها ومش عارف أخته فين!
كريم بتفكير:
بس عاصي هيستفاد أيه لو هو اللي عمل كده!
أخذت نوران تقضم في أظافرها بتردد:
معرفش، بس أولهم حب يعاقبهم لأنهم عملوا حاجة من وراه.. كريم هو عاصي يعرف أن عالية من بنت عبلة، يعني مش أخته!
انعقد حاجبي كريم باستغراب:
مظنش.. حتى ولو عارف ده هيفيد بإيه في اختفاء عالية!
-بحاول أفكر معاك.. كريم؛ عاصي وراه لغز كبير ومش هنعرفه غير لما نراقبه.
بدأ الرفض يحتل معالم وجهه:
لا نوران أنتِ بتهزري!! أحنا في أيه ولا أيه!
-اسمع مني بس، أنت لو راقبت عاصي هنفك اللغز ده.
كريم بتساؤل:
نوران.. انت عايزة توصلي لأيه!
-في حاجة في دماغي ولو اتأكدت منها كل الخيوط هتوضح، وهنعرف فين عالية.. اسمع كلامي أنت بس وجرب مش هتخسر حاجة… عاصي ده حوار وأنا لازم أعرفه.
حياة اشربي البرتقال عشان سكرك ميهبطش
قالت شمس جملتها الأخيرة وهي تمد كوب العصير لحياة بعد تجرعها الأدوية فتفوقت متألمة:
مش قادرة والله يا شمس.. كفاية كده.
-اضغطي على نفسك شوية.. البيبي محتاج تغذية.
استسلمت حياة لإصرار شمس وأخذت العصير منها وشرعت في ارتشافه حتى جاءت جيهان من أعلى وهي تحمل حقيبتها الكبيرة:
لسه مفيش أخبار عن عالية!
ردت شمس باختصار:
ربنا يطمنا عليها.
نادت جيهان على سيدة بنبرة آمرة:
سيدة قوليلهم يحطوا الشنط دي في العربية.
سيدة بفضول:
على فين يا ست جيهان!
-رايحة لهدير، هنستقر هناك، طبعًا مش هسيب بنتي لوحدها دي مهما كانت حامل ولازم أكون معاها.
تبادلت النظرات الحائرة بين حياة وشمس التي قالت باختناق:
هشوف عاصي.. بعد إذنكم.
رمقتها شمس بحنق حتى أردفت جيهان بطريقة متعمدة إغضابها:
هو أنا قلت حاجة غلط عشان تتقمص وتمشي!! ماهي بنتي حامل زيها وولادهم هيكونوا أخوات.
طالعتها شمس باختناق ثم قالت:
سيدة فين نوران!
-تلاقيها بتلف ورا كريم ابني.
قالت جيهان جملتها بفظاظة جعلت النيران تتوقد بجوف شمس التي سألتها:
نعم!! مال أختي بابنك! وبعدين إيه بتلف دي!! أنا أختي متربية كويس.
-وأنا كنت قلت مش متربية؟!! هي بس نسيت تتعلم تبص على قدها، خليها تبعد عن ابني وتعرف مقامها كويس.
شمس بضيق:
لولا أنك ست كبيرة أنا كنت عرفت أرد عليكي.
انصرفت شمس بمجرد انتهائها من جملتها الأخيرة وذهبت لتبحث عن نوران التي وجدتها قادمة من باب الحديقة الخلفية.
فسألتها بحدة:
كنتِ فين!
-أبدًا يا شمس كنت بشم هوا.
امتدت أعين شمس للخلف وهي تتفقد المكان حولها باحثة عن شبح طيف كريم فلم تجده.
فقالت بحزم:
طيب اطلعي أوضتك وركزي في مذاكرتك، اتفضلي.
على حدى نهضت جيهان وعلقت حقيبتها بكتفها:
بتحلم بتاعت شبرا!
جاء كريم من الباب الآخر للقصر وهو يراقب الحقائب الخارجة منه:
ماما!! أنتِ رايحة فين!
تحدثت جيهان بنبرة مرتفعة متعمدة أن تصل لأذان نوران وأختها:
كويس أنك جيت.. أختك ظبطت لك موضوع دراستك بره.. جهز نفسك عشان هتسافر بعد كام يوم.
تجمدت نوران في منتصف الدرج متلقية خبر سفره كجمرة ملتهبة سقطت على قلبها ولا تعلم سببها.
تلاقت الأعين المحملة بفيض من العتاب حتى قال كريم:
سفر أيه! أنا مش هسافر.
ارتفع صوت جيهان صارخة:
يعني أيه!! مش بمزاجك واللي بقوله هتنفذه يا كريم.
-بس يا ماما.
ردت بحزم:
كريم.. ورقك خلص وجهز نفسك ومش عايزة كلام كتير.
ثم مدت له حقيبتها:
خد شيل دي وتعالى وصلني للمطار.
ركضت نوران لتحتمي بغرفتها وهي تحمل قلبها على كفها وما أن قفلت باب الغرفة انسكبت دموعها بدون مبرر ولكنه كان شعورًا أشبه بانتزاع الروح.
للحظة أحست بفراغ الحياة حولها وإحساس الوحدة القاتلة الذي تعوده إليه من جديد، أجهشت ببكاء مبهمٍ لا تعلم حقيقته فلا يبكي المرء منا من فرط أحزانه قلبه، بل من فرط يقينه بأنه لا يستحق كل ذلك.
بالمكتب
حبيبي وصلت لحاجة..؟
سألته حياة وهي تقترب منه حيث كان واقفًا بجوار مكتبه يطالع هاتفه كل ثانية والأخرى.
حتى قال بهدوء:
مستني مكالمة أهو.
-أنتَ عرفت هي فين ومع مين!
رمى الهاتف من يده على سطح المكتب وقال بتنهيدة:
هعرف.. أكيد هعرف، انتِ أحسن دلوقتي!
-ربنا يطمنا عليها.
ثم مسكت كفه بحنان وطالعته بعينها اللامعة:
أنا كويسة يا عاصي، متشلش هم.. بس نفسي الكابوس ده يخلص وعالية ترجع بالسـلامة وأرجع أشوفك بتضحك تاني.
هز رأسه بفتور وهو يضم رأسها لصدره مقبلًا جبينها:
كله هيبقى تمام.. اطلعي ارتاحي أنتِ عشان متتعبيش.
رفضت بإصرار:
لأ يا عاصي أنا هفضل هنا معاك مش هروح مكان.
-حياة بلاش عناد، لو مش خايفة على نفسك خافي على ابني هو أمانتك دلوقتي.. معنديش استعداد أخسركم.
ابتعدت عنه مرت كفها على وجنته بحنان:
وأنا معنديش استعداد أخسرك يا عاصي.. طول ما أنتَ تحت عيني أنا مطمنة.. أنا ماليش غيرك.
لم يمنحه هاتفه فرصة للرد عليها بسبب رنينه حيث جاءه اتصال يسري فرد عليه متلهفًا:
هاه يا يسري!
-عبلة هانم متحركتش من الفندق.. والرجالة اتبعوا الكاميرات وجارٍ تحديد مكان العربية اللي أخدت الهانم.
وهاشم مدكور مظهرش من إمبارح وملهوش وجود في القاهرة كلها.
عاصي بحدة:
يسري المكالمة الجاية عايز اسمع صوت عالية وإلا هحاسبكم كلكم نفر نفر.
قفل الهاتف بمجرد ما أردف جملته حتى تدخلت حياة معترضة:
مش كده يا عاصي..!!
رد بغضب:
عشان أغبية.. مأكد عليهم عينهـم متغفلش عن عالية، لسه حسابهم معايا.
-طيب ممكن تهدأ.. هعملك لمون.
-لا ماليش نفس.
أصرت بإلحاح:
عاصي هعملك لمون يهديك عشان تعرف تفكر.. مش هتأخر.
انصرفت حياة من مكتبه متجهة ناحية المطبخ فجاءته رسالة نصية مكتوب بها:
"أختك معانا، عايزين 200 ألف وتيجي لوحدك على العنوان ده"
فتح الموقع المرسل إليه فوجده على بعد 50 كيلومتر منه، فتح خزانة نقوده وأخرج المبلغ بدون تفكير ثم وضع سلاحه بحزام بنطاله وارتدى سترته السوداء وخرج على الفور مفارقًا مكتبه.
ركضت شمس خلفه ولكنها لم تلحق خطوته الواسعة حتى زفرت بفشل وهي تضرب كف على الأخر:
هات العواقب سليمة يا رب.
خرجت حياة من المطبخ حاملة بيدها كوب العصير فاصطدمت بشمس فسألتها:
واقفة هنا ليه.
ردت شمس بقلق:
عاصي خد في وشـه وخرج على طول!
انكمشت ملامح حياة بخوف:
ازاي!
ثم تركت العصير لشمس قبل أن تندفع راكضة للخارج:
خدي ده معلش هلحقه.
خرجت حياة كالمجنونة تبحث عنه وتركض في دهليز القصر وهي تتمتم باسمه حتى لمحت ضوء سيارته يفارق البوابة.
فهولوت مسرعة نحوه.
وعلى الجهة الأخرى يقف عاصي أمام صندوق الأمن الخاص بالقصر:
تفتحوا عيونكم كويس، فاهمين!
-فاهمين معاليك.
دار عاصي سيارته مرة أخرى وانطلق على الفور.
ففشل مخطط حياة في اللحاق به حتى وقفت على أعتاب البوابة صارخة باسمه:
عاصي استنى.
تقدم إليها الحارس:
إيه خدمة يا هانم.
تجاهلت حياة سؤاله وخرجت من باب البوابة الجانبي بذعر يملأها فلحق بها الحارس:
ياهانم ما ينفعش كده لو سمحتِ ادخلي.
-مقالش رايح فين!
أخرجت هاتفها وشرعت في مهاتفة عاصي ولكنها لم تجد ردًا.
فأتاها صوت الحارس:
ياهانم اتفضلي جوه.. وقفتك كده متصحش.
لم يكمل الحارس جملته ففوجئ بمن يضربه على رأسه ويكتم أنفاس حياة بالمخدر ويدفعها بكل قوته داخل السيارة التي تنظره.
فانطلقت على الفور بمجرد نجاح خطتهم.
بالقرب من القصر صف مراد سيارته بناءً على طلب سوزان التي ظلت صامتة أغلب الوقت، ومراد الذي انغمس في ربط الخيوط ببعضها والتفكير فيما سردته والشكوك الدائرة حول خالته التي تخفي الكثير والكثير من الأسرار.
أردفت سوزان بتوسل:
مراد نزلني هنا.
-مش هتيجي القصر!
-لا معلش، هحاول أعمل اتصالاتي.
مراد بتساؤل:
طيب عربيتك.
ردت بفتور:
مش قادرة أسوق.. ابعتهـا مع أي حد.
ثم فتحت باب السيارة متأهبة للذهاب:
لو عرفت حاجة قول لي.
في تلك اللحظة ركن "تميم" سيارته عندما لمح سيارة مراد.
هبط متجهًا إليه بحماس:
وصلت لحاجة!
أجابه بيأس:
للأسف يا تميم.. أنا هتجنن مين له مصلحة في كده!
فرغ تميم غضبه بضربة قوية كانت من نصيب سقف السيارة:
أحنا مش هنقف نتفرج كده!
ختم جملته بصوت رنين هاتفه باتصال من شمس فزفر باختناق وكتم الصوت وقال:
أنا مش قادر أرد!
-يمكن خبر عن عالية رد.
تميم بملل:
كده كده هندخل جوه تعالى.
تأهب تميم أن يغادر فتوقف إثر رنين هاتف مراد الذي تفقد هاتفه بلهفة وهو يقول:
ده رقم مجهول.
تميم بلهفة:
مستنى أيه.. رد بسرعة.
فتح مراد مكبر الصوت فأتاه صوت رجولي خشن وهو يقول:
مراد بيه لو عايز تشوف مراتك تاني تيجي على العنوان ده ومعاك ورق أرض السخنة.
صرخ مراد:
اسمع صوت مراتي الأول.
-معندش تعليمات بكده.. ساعتين وتكون في العنوان ده.. ومش هأكد عليك تيجي لوحدك من غير حراسة ولا حكومة وإلا مش هتشوف مراتك تاني.
قفل الرجل المكالمة ثم تلتها رسالة نصية بها الموقع المحدد للمقابلة.
هرول تميم ليجلس بالمقعد المجاور صارخًا:
يالا يا مراد مفيش وقت.
فكر مراد لبرهة:
معقولة يكون "ممدوح علم" هو اللي عمل كدا!
-مين الراجل ده وإيه حكايته.
دور مراد سيارته مستعدًا للانطلاق:
هقول لك في الطريق.
بالقصر
تقف شمس على مراجل من خاصة بعد ما أخبرها الحارس بما وقع على حياة.
فأخذت تتحرك كالتائه.
ضربت الأرض بقدمها بقلة حيلة:
كلمي عاصي يا سيدة.
سيدة بخوف:
تليفونه مقفول يا ست شمس.
ثم غمغمت بعتب:
إيه خرجك لوحدك الساعة دي بس يا ست حياة!
جاءت نوران تركض من أعلى بعد ما أحضرت هاتفها:
كريم كمان مش بيرد.
أوضحت سيدة:
سي كريم راح يوصل ست جيهان المطار.
نوران بعجز:
هنعمل أيه يا شمس!
أخذت تجوب الأرض ذهابًا وإيابًا حتى خرجت بفكرة وهي تتحدث مع الحارس الممسك برأسه:
مفيش حل تاني.. تعالى ننزل نعمل بلاغ في القسم.
تحمست نوران للاقتراح:
أعملي كده يا شمس وأنا هفضل ورا تميم وعاصي لحد ما يردوا.
شمس بسرعة:
يالا مفيش وقت.
توقف الحارس قائلاً:
بس الرجالة طلعوا ورا العربية اللي خطفت الهانم ويارب يلحقوها.
اعترضت شمس بخوف:
وأنا مش هقعد حاطة إيدي على خدي مستنية!! لازم الشرطة تتصرف.
أقفُ على أطراف أصابعي في غرفة مظلمة كظلام عمري أحاول أن أرى ما لا يرى.
أفتش على يوم خالٍ من العناء.
كم بقي من الطريق والبكاء يا ترى!
بالغرفة التي لم يتسلل إليها إلا ضوء القمر المنعكس من بين فتحات النافذة الخشبية دخلت "عالية" في نوبة من الخوف والقلق وهي تتملص محاولة فك كفيها المكبل بالحبال.
حتى فشلت جميع محاولاتها فنادت صارخة على أمل أن يجدها أحد:
أنتوا مين وأنا هنا بعمل أيه!!
ضربت الأرض بقدميها المكبلة بعجز مهللة بتسبيحات صاحب الحوت حتى ختمت يأسها:
يارب ساعدني.
لحظات قليلة وأصدر الباب المقفول عليها صريرًا مسموعًا فهل منه القليل من الرجال الذين أفسحوا مجالًا لدخول قائدهم.
امتدت أنظار عالية للخارجة لاكتشاف هوية ذلك المجهول الذي قام باحتجازها.
فقالت:
أنت مين وعايز مني أيه.
دخل الرجل المريب وأشار لرجاله أن ينتظروه بالخارج ثم اقترب من عالية وقال بمكر:
بجد بجد أنا بعتذر على قلة ذوق الهمج دول!! هما مش عارفين أنتِ مين ولا أيه!
ثم جر أحد المقاعد الخشبية وجلس مقابلها:
أتمنى تقبلي اعتذاري يا مدام عالية.
علامات من الحيرة والغموض كانت تحوم حوله، فكررت عالية سؤالها بنبرة أحد:
أنت عايز مني أيه!
-بصراحة مش منك، بس أنتِ الأداة اللي هتحقق مطالب البُص الكبير وأنا عبد المأمور.
عالية باستغراب:
أنا مش فاهمة.
-بصراحة يا مدام عالية في أرض مهمة جوزك رافض يبيعها وأنتِ الورقة الرابحة للأرض دي.
انكمشت ملامحها بتوتر:
مراد حر! هو البيع بقا بالبلطجة الأيام دي!
-أنتِ صح.. بس كمان التجارة شطارة، والغاية تبرر الوسيلة.
خرجت عالية عن صمتها:
أنتوا مستحيل تكونوا بني آدميين.
رد المجهول بهدوء:
على فكرة أنتِ كمان مستفيدة.. هنشوف مين بيحبك أكتر جوزك البيشمهندس مراد المحلاوي.. ولا عاصي بيه اللي هيتنازل عن توكيل "كارتييه".
ثم وثب قائمًا بهدوء:
على كل حال أنتِ منورانـا ومحدش هيقدر يزعلك إلا ولووو.. بس مظنش.. بلاش نسبق الأحداث.. اتعشيتي!
رمقته عالية بأسهم الخسة والاحتقار:
أنت مش طبيعي.
هنا صوت تحطيم الزجاج ملأ المكان مما جعل ذلك المجهول يصرخ مستغيثًا بقلق:
أنتوا ياللي بره!!!
وصل عاصي إلى الموقع المحدد له من قبل المجهول الذي يعلم بحقيقة تلاعبه واستغلاله للأمر ولكنه ذهب ليعلمه درسًا لم ينساه.
صف سيارته جنبًا بأحد المناطق الخالية من المارة وأمسك هاتفه فوجده مقفولًا بسبب نفاذ بطاريته، تأفف بضيق وهو يبحث عن الشاحن:
مش وقتك خالص.
وصل الهاتف بالكهرباء السيارة ثم أخرج سلاحه وشد أجزاءه وعاد ليفتح هاتفه.
دقائق معدودة وأضاءت شاشة الهاتف مرة أخرى.
بحث عن آخر رقم أرسل له الرسالة وهاتفه قائلاً:
أنا وصلت.
أتاه صوت البلطجي:
خلصانة يا منجهه.
قفل هاتفه وتفقد كشافات السيارة المركونة على مسافة معقولة منه.
عاد الاتصال بأحد الرجال الجالسين بداخلها وقال بنبرة آمرة:
فتحوا عينيكم.. عايز العيال دي واحد واحد، عشان يتعلموا أزاي يلعبوا مع عاصي دويدار.
في تلك اللحظة داعبت الأضواء عينه لأحد سيارات النقل الواقفة أمامه.
فقال بحذر:
حاوطوهم بهدوء فاهمين! مش عايز رصاصة واحدة تتضرب إلا للضرورة.
اقترب منه أحد الرجال السوابق مستندًا على سيارته بهمجية:
محسوبك نفادي.. فين الفلوس!
وضع عاصي الهاتف بجانبه وقال بثبات:
فين أختي!
حك الرجل ذقنه وقال:
ماهو عدم المؤاخذة مفيش أختك.. بس في القطة دي!
امتدت أنظار عاصي نحو السيارة الأخرى التي أشار إليها الرجل فاتسع بؤبؤ عينيه عندما سلطت الأضواء عليها فظهرت ملامحها وهي تستغيث به تحت سطو السلاح الأبيض للمجرم وتقول:
ألحقني يا عاصي.
لم تكن مجرد صدمة بل إنها ارتطام العقل بالأسفلت، ليست عاصفة لكنه صوت قلبه.
ما هبط من سيارته ليتقدم خطوتين ففوجئ بأربعة من الرجال يحاوطوه من كل صوب وحدب.
فصرخت باسمه:
خلي بالك يا عاصي.
دار لرئيسهم وحاول أن يجاريه:
مراتي بتعمل أيه هنا!
نفادي وهو يقترب منه:
الولا اللي كان قصده من البيت عشان يتأكد أنك جاي لوحدك، لقى السنيورة في وشه، محبش يجي فاضي.. بس أي رأيك في المفاجأة دي!
جرت جمرة الغضب بعروقه وهو يكبح غضبه:
أنت عارف اللي بتعمله ده هيوديك ورا الشمس!
ضحك نفادي ساخرًا:
أحنا كده كده وراها يابيه.. مش فارقة، فين الفلوس.
-قوله يسيبها الأول.
ختم جملته بصوت صرخة استغاثة من صوت حياة عندما لامس مصل السلاح الأبيض عنقها فانخلع قلبه بلهفة:
هديك الفلوس خلاص بس يسيبها.
فتح نفادي مطوته بوجه عاصي ليستعجله:
أخلص يا بيه خلينا نخلصوا الطلعة المهببة دي.
ألقى نظرة سريعة ليطمئن على حياته ثم قال:
في العربية هتلاقي الفلوس.. سيبها بقا.
سار نفادي ناحية السيارة وكان أحد رجال عاصي يحوم بحذر في الظلام حتى تلاقت أعينه بعيني عاصي.
أخرج نفاذي النقود من السيارة وفحصهم سريعًا ثم قال:
مش هعد من وراك يا باشا.
ثم هز رأسه للرجل كي يترك حياة التي اندفعت ملهوفة إليه لترمم خوفها وذعرها بين يديه.
في اللحظة التي احتمت بذراعيه حملها متواريًا خلف سيارته أثناء اقتحام رجاله على البلطجية وهم يركضون للهروب.
واستقرار الرصاصة بساق نفادي الذي سقط صارخًا.
دارت معركة طاحنة انتصروا فيها رجال عاصي لامتلاكهم أسلحة نارية جعلتهم يستسلمون للحياة بدلًا من الموت.
كانت متعلقة بملابسه دافنة وجهها في صدره مستندة بظهرها على مؤخرة السيارة وجسده الذي يحاوطها كليًا كعصفورة تحتمي بقفصها من صخب الحياة.
الوطن الآمن ليس بشرط أن يكون منزلًا بأربع جدران.. ربما ينحصر بمساحة صغيرة جدًا حدودها كتفين.
ما هدأ صوت الرصاص فأمسك بيدها الباردة وفتح باب سيارته وشدها بداخلها.
ثم قفل الباب عليها واتجه نحو الرجال المطأطئين الرأس بالأرض وصرخ بهم:
أنتم قبل ما تلعبوا عرفتوا مين هو عاصي دويدار!
توسل إليه نفادي بصوت المتألم:
حقك علينا يا بيه.. اللي ما يعرفك يجهلك.. ااااه، مراتك عندك إيه مفيهاش خدش بس سيبنا نروح.
تقدم أحد رجال عاصي حاملًا حقيبة النقود:
اتفضل معاليك.
أشار إليه برأسه أن يضعهم بالسيارة ثم هتف أمرًا:
العيال دي سوابق وأنا مش هوسخ إيدي بدمهم.
ابتلع ما تبقى بحلقه من كلمات عندما رست أنظاره على الرجل الذي كان ممسكًا بحياة مصوبًا السلاح على عنقها، فغلت الدماء بعروقه وشد المسدس من الحارس بغتة وبدون مقدمات استقرت الرصاصة بكتف الرجل وهو يصرخ متأملًا ويرتطم بالأرض.
فبرر عاصي فعلته:
الأيد اللي تتمد على مراتي تستاهل تقطع.
ثم أعطى السلاح للرجل وقال بوجه مكفهر:
سلموهم للشرطة.
شرع رجاله بتنفيذ أوامره بينما عنه عاد إليها فوجدها ترتجف وتنكمش بمقعدها.
ما جلس بجوارها ولم يقفل الباب فهبط سريعًا متجهًا إليها.
فتح الباب من ناحيتها وانزلها برفق وهو يمسح على وجنتها لتهدأ:
حياة محصلش حاجة أنا كويس وأنت كمان كويسة.
انفجرت باكية وهي تعانقه وتطفئ لوعة خوفها بحضنه:
كنت خايفة عليك أوي.
ربت على ظهرها بحنو وضم جسدها المرتجف إليه:
محصلش حاجة الحمد لله.. أنا جمبك أهو، اطمني.
شرعت في اتخاذ أنفاسها بهدوء وهي تجفف عبراتها وسألته:
أنت كويس طيب!
-أنا زي القرد.. خلاص بقا مش بحب أشوف دموعك دي.. في حاجة بتوجعك!
هزت رأسها بالنفي:
يالا نمشي من هنا.
فتح لها باب السيارة لتصعد ثم دار لجهة القيادة.
فالتفت لهاتفه الذي لم يكف عن الرنين وأخذ يتفقد الأرقام ويقول:
تليفونات كتير من البيت.. هكلمهم أطمنهم.
كاد أن يعاود الاتصال بنوران ولكن جاءه الهاتف المنتظر، فأجاب بلهفة:
نجيب وصلت لحاجة..؟
-عالية هانم معانا يا عاصي بيه.. وكله تمام!
-اديهاني بسرعة.
تحمست حياة بفرحة وهي تهمس له:
عالية!
ما أيد سؤالها برأسها فقالت بشوق:
افتح المايك يا عاصي.
أخذت عالية بكفها المرتعش الهاتف من الرجل الذي اقتحم مزرعة هاشم مدكور بالإسكندرية وتسلل إليها بحذر وأخبرها بأنه تابع لأخيها عاصي دويدار.
تفوهت بذعر ونبرة صوتها المنخفضة:
ألووو.
رد بحماس:
عالية.. أنتِ كويسة.. فيكي حاجة.
ردت بخفوت:
لا.. انا كويسة.
فقالت حياة بفرحة:
الحمد لله أنك بخير يا حبيبتي.. يالا تعالي مستنينك.
جففت عالية عبراتها وقال بهمس:
حاضر.
عاصي:
عالية حبيبتي أدي التليفون لنجيب.
وضع نجيب الهاتف على أذنه:
أوامر معاليك يا باشا.
-اسمعني يا نجيب ما تعرفش حد أنك لقيت عالية، هبعت لك العنوان اللي توصلها فيه، وهتلاقيني هناك مستنيك عشان نشوف هنربي الأوباش دول إزاي.
اتسع بؤبؤ عيني حياة بذهول من تصرفه الغامض:
عاصي!! أنت بتعمل أيه!
وصل مراد وتميم إلى المكان المحدد لهم.
فتح مراد "تابلوه" السيارة وأخرج من الملف.
فأوقفه تميم:
مراد أنت متأكد!! مش يمكن اشتغالة!
رد بقلة حيلة:
عندك حل تاني!
رن هاتفه في هذه اللحظة فأتاه صوت الرجل آمرًا:
مش قولت لك تيجي لوحدك! أنت مش عايز تشوف مراتك تاني ولا أيه!
عنفه مراد قائلاً:
أنت اللي ليك عندي الورق وبس.. سلمني مراتى أسلمك الورق.
-أنت كده بتتحدانا!
كاد مراد أن ينفجر بوجهه.. فأخذ تميم منه الهاتف وقال:
ياريس أنت ليك الورق وأحنا لينا أختنا.. سلم واستلم.
فكر الرجل قليلًا ثم قال:
طيب انزلوا من العربية!
هتف مراد بغل:
عالية فين! وأنت فين أنا مش شايف حد!
قال الرجل باختصار:
قلت انزلوا من العربية.
نفذ الاثنان أوامره على مضض.
نزل تميم ثم مراد الذي شغل كشافات سيارته ووقف الثنائي أمام السيارة منتظرين ذلك الرجل الغامض.
زفر مراد بقلق:
مش مطمن وحاسس بلوش.
-استنى بس يمكن بيطمنوا أن مفيش حكومة في المكان.
-هنشوف!!!
من وسط العتمة بدأ ظهور الرجال ذوي البنية العملاقة واحد وراء الآخر.
فتحمحم تميم هامسًا:
أنت شايف اللي أنا شايفه؟
عقد مراد ذراعيه أمام صدره وهز رأسه قائلاً:
شايف.
حمـلق تميم ببنية الرجال المريبة وقال بقلق:
أنا حاسس إننا هنضرب.
-حاسس بس!
-طيب هنعمل أيه يا مراد!
عقد مراد حاجبيه قائلاً:
نضرب المهم منجريش!
ثم خشن مراد صوته هامسًا:
آخر مرة لعبت بوكس أمتى!
تميم محاولًا أن يتذكر:
من ١٣ سنة.. بس نفسي أرجع ألعب تاني.
-على بركة الله.
هز مراد رأسه متأكدًا من مصيرهم المنتظر حتى جهر بصوته قائلاً:
كابتين!! أومال فين مراتي!
رد الرجل بفظاظة:
فين الملف!
رفع مراد الملف:
اهو.. فين مراتي بقا!
تقدم الرجل كي يأخذ منه الملف ولكنه رفض قطعًا وقال:
مفيش ملف قبل ما أطمن على مراتي.
جهر الرجل بعنفوان:
أنا جاي هنا آخد الملف ويا قاتل يا مقتول.
طافت عيني تميم بتردد وقال:
دي فيها كلام بردو!! قاتل طبعًا.. مراد هات كده الملف ده.
أخذ الملف من مراد وخبأه برابطة ذراعه المعلق برقبته وتبادل النظرات مع مراد الذي أعلن قائلاً:
فاكر السبينينك كيك!
-طبعا فاكر.
حيث باغتـه بركلة دائرية قوية على وجهه ثم استقرت قدمه في منطقة أسفل الحزام في جزء أقل من الثانية.
دارت المعركة بينهم وهجم الرجال على كل من مراد وتميم وكل منهما استخدم مهاراته الرياضية في الدفاع عن النفس.
بالقصر
لم يبق أحد لدي كي أخسره، لذا من الآن فـ أنا متفرغة للبـكاء.
بعد مرور الكثير من الدقائق الصامتة التي تجاهلت فيها نوران الرد على أسئلة كريم العديدة والتي ردت نيابة عنها سيدة.
فقال كريم وهو يجلس بالقرب من نوران:
سيدة ما تجيبيلي حاجة أشربها ولا آكلها.. أي حاجة يعني.
رمقته سيدة بعتب:
ومين له نفس يأكل ولا يشرب بس!
ألقى نظرة سريعة على نوران التي تتحاشى النظر إليه وقال بنفاذ صبر:
ياستي أنا هاكل وأشرب!! دا انتِ غريبة أوي يا سيدة.
نهضت سيدة من جوارهم على مضض وهي تتمتم:
أحنا في أيه ولا أيه بس!
تجلس نوران واضعة ساق فوق الأخرى دافنة وجهها بالهاتف حتى فاض صبر كريم منها.
فركل قدمها بخفة:
إيه الوش الخشب ده!
عارضته بضيق:
إيه ده!! أنت بتعمل إيه!
-أنتِ اللي بتعملي إيه! وإيه مالك!
ردت باختصار:
مفيش.
-لا في.
-الله!! قلت مفيش.
قالت جملتها ثم عادت لتنظر مرة أخرى بالهاتف فسحبه منها بعند:
على فكرة أنا مش هسافر ولا أروح حتة.
تمدت ابتسامتها بدون إدراك ولكنها فاقت لنفسها في آخر لحظة وتعمدت اللامبالاة:
هاه.. وأنا مالي.
-حبيت أعرفك بس إني قاعد على قلبك.
أحمر وجهها بخجل فجاءت شمس في تلك اللحظة لتنقذها من فخ كريم المربك.
ما رأتها فاندفعت نحوها بلهفة:
شمس طمنيني.
ردت بكلل:
عملنا محضر ولسه مفيش أخبار.
ثم طافت عينيها باحثة:
محدش لسه جيـه؟
ردت نوران بيأس:
لسه.. كلهم موبايلاتهم جرس ومحدش بيرد.
ركض كريم إليهم وهو يفتح مكبر الصوت بلهفة:
عاصي أنت فين!
ثم جذبت شمس الهاتف منه وقالت بخوف:
عاصي في حد خطف حياة لازم.
فقاطعهـا عاصي قائلاً:
حياة معايا يا شمس.. اطمنوا.
نوران بقلق:
طيب وعالية!
رد عاصي باختصار وهو يدخل المصعد الكهربي:
إن شاء الله خير.
نوران بضيق:
أيوة يعني لقيتها ولا لسه!
-خير يا نوران.
تأففت نوران بضيق من طريقته:
أنا هشحت منك الكلام!! ماله ده!!
شد كريم الهاتف منها وقال:
طيب أنت فين يا عاصي.
رد براحة لا توصف في صوته:
في فندق كده.. حياة بس عايزة تريح أعصابها!! شمس خلي بالك من البنات.
تبدلت ملامحهم لعلامات استفهام متراقصة على وجوههم حتى اندفعت نوران بسخرية:
نعم!! كويس فاكر عندك بنات.
انفجرت حياة بضحكتها التي كتمها عاصي بيده كي لا ينكشف أمرهم.
فتدخل كريم على الفور:
طيب طيب يا عاصي.. انجوي أنت وحياة وأحنا هنا هنتجنن على عالية.
قفل عاصي الهاتف بسرعة في تلك اللحظة انفتح باب المصعد أمام الطابق المقصود، فنظرت له حياة بعتب:
أنت مستفز على فكرة.
-أهو اللي جيه في بالي.
ساد الصمت للحظات بين الثلاثة حتى قطعه نوران بيقين:
شوفتوا!! والله ما برتاحلو.. بني آدم غريب مريب ملهوش مسكة.. يعني أخته مخطوفة وده رايح فندق عشان يهدي أعصابه.. أنا عقلي مش مستوعب.
أيد كريم كلامها:
فعلًا في حاجة غلط.
نوران بثقة:
أنا متأكدة أنه يعرف مكان عالية ومخبي!! يا جماعة ده مش صوت ولا تصرف واحد عاقل اخته مخطوفة!
تنهدت شمس بحيرة:
في حاجة مش مفهومة فعلًا!! بس هيستفاد أيه لو عارف مكان عالية!
نوران بضيق:
بني آدم غريب تتوقعي منه أي حاجة!! مش أنا قلت لك يا كريم.. عشان تبقى تصدقني بعد كده.
حدقته شمس بنظرات استكشافية:
قولتِ له أيه بقا!
بد التوتر على الثنائي لوقوعهم بفخ شمس الذي لا يرحم، فتحجج كريم وهو ينظر في هاتفه:
هطلع بره أحاول أطمن على مراد.. تقريبا في مشكلة في الشبكة.
تخلى كريم عن نوران وفر هاربًا من نظرات شمس الحادة التي توجهت إلى أختها:
في أيه بينك وبين كريم يا نوران!
تحججت نوران هاربة من استجواب أختها:
هاااه.. هيكون إيه عادي يعني، هروح أطمن على البنات حرام أطفال ملهمش ذنب في عمايل أبوهم العجيبة دي.
وصل عاصي إلى غرفتهم الخاصة بالفندق فهمست له:
عالية قدامها كتير عشان توصل.
نزع سترته السوداء وهو يجيبها:
يعني ساعتين تلاتة بالكتير.
أومأت بالإيجاب ثم اتجهت إلى السرير وضمت ساقيها إلى صدرها وشدت الغطاء فوقها وأخذت تنفخ في كفيها لتستمد من انفاسها الدفء.
فطالعها بتساؤل:
الجو برد!
-أوي.
قام بتشغيل المدفأة الكهربائية ثم نزع حذائه واقترب منها:
وماقولتيش ليه!
-أقول أيه!
-أنك سقعانة.
هزت كتفيها بعدم اهتمام:
عادي.
جلس بقربها ثم جذبهـا لحضنه بحب:
هو أيه اللي عادي!! وأنا هنا بعمل أيه!
رفعت عيونها إليه:
هتدفيني.
رفع حاجبـه قائلاً:
جربيني.
مدت ذراعها حول خصره مستندة برأسها على صدرها مستسلمة لحضنه الذي لم تجد في دفئه.
أخذها بين يديه ومدد الثنائي جسدهما ليرتاحا بعد مرور يومًا قاسيًا عليهم.
أخذت تتملص بين يديه تلتمس منه الدفء وتتعمد دس قدميها به كي يهدأ سقيعهم.
فهمس لها وهو يمسح على شعرها:
للدرجة دي بردانة!
أومأت بالإيجاب وهي تلتصق به أكثر فلم يجد حلًا سوى اندلاع نيران الحب بجسدها ربما تنجح في إخماد برودة جسدها.
تبدل الوضع من محاذاتها لسماء ومطر يعلوها.. بات غيث حبه يبلل تربتها بدفء لم تعهده من قبل حتى زال سقيع جسدها وتحول لنيران تلتهمهم معًا.
فغمغمت بترجى:
عاصي أنا بقيت تمام.
تقابلت أعينهما بفيض من الأسئلة الخاصة بعالمهم.
فتمتمت:
معلش تعبانة شوية.. وآكيد أنت كمان.. ممم.
تفهم حالة الذعر التي تعرضت لها ثم قبل جبينها بقبلة طويلة وفارقها وهو يقول بهدوء:
تمام، تصبحي على خير.
طبعت قبلة خفيفة على كتفه قبل أن تنام عليه وقالت:
بحبك.
اكتفى بضمها إليه واحتواء كفها الراسي فوق بطنه وسألها:
مش هتحكي لي أي خرجك بره القصر!
-قلقت عليك.. عارفة إني غلطت بس انت اللي خرجت من غيري وأنا كنت زي المجنونة عليك.. متزعلش مني.. أنا مكنتش أعرف أن كل ده هيحصل.
لاحظت انغلاق عينيه وغوصه في عالم الأحلام، فنادت عليه:
عاصي!
أصدر إيماءة خافتة وهو تحت سطو سلطان النعاس، فقال بيأس:
وأنت من أهله يا حبيبي!
بالغردقة
مع مطلع فجر نفس الليلة يحوم الرجلين حول منزلهم ليستكشفوا هوية الرجال المحيطة به.. ومن هم؟ ومن أين جاءوا؟
تسلل رشيد بخفة لينقض فوق ظهر الرجل ويكتم أنفاسه على غفلة منه:
أنتوا مين!
حاول الرجل أن يتخلص من هجوم رشيد المفاجئ حتى حمله عكسًا وألقاه بالأرض رافعًا سلاحه بوجهه مهددًا:
أنت اللي مين!
فسقطت العصاة التي بيد يونس فوق رأس الحارس فوقع مرتطمًا بالأرض.
فمد يده لأخيه ليساعده على النهوض ولكنـه فوجئ بفوهة المسدس متوجهة إلى رأسه:
ولا حركة!
دار يونس إلى الرجل وسأله:
أنتوا تبع مين!
-أنتوا اللي مين! حرامية؟
نهض رشيد بحماس:
أحنا مش حرامية، أحنا أصحاب البيت ده!
رد الرجل بحدة:
أحنا هنا بأمر عاصي بيه.. وده بيت مدام حياة مراتـه!
نظر كل منهما للآخر حتى تفوه يونس مثرثرًا:
بقول لك ده بيت أبويا.. قنديـل المصري!!!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم نهال مصطفي
في الفـنـدق .
عاصي بيه ، وصلنـا ..
رد عاصي بصـوت مُفعـم بالنـوم ، منخفض كألا يزعج حوريتـه النائمـة على كتفـه .. فأكتفى بكلمة واحدة :
نازلك ..
ترك هاتفـه على الكومود بجواره .. وسحب ذراعه بحذرٍ وهو يشد الغطاء فوقها .. فتمسـكت بيده بدون وعي ولكن قلبها المتيقظ له دائمًا وسألته :
عاصي ، رايـح فين ؟!
مسح على شعرها برفق وقال بخفوت :
شـويـة وراجع لك .. نامي .
تسلل من جوارها وأخذ يقفل في أزرار قميصـه بهدوء حتى انتهى من ارتداء ملابسـه الموضوعة على مسند الأريكة .. قفل نور ” الأباجورة ” وأخذ هاتفـه ومفاتيحـه ونزل لاستقبال الفندق .
”ما تَعلمته من أيامي الصعبة هو أنها سَتمضي مهما وقفت أمامها بقلة حيلة وعجزٍ .. و أن القوة وحدها هي رَد الفعل الذي لا نَدم بعده مهما كانت عاقبته …وأن الأيام المُعتمه مهما طالت فلابد من شروق الشمس عليها ..وإلى أن يأتي ذلك اليوم ، فلم أعد أنا تلك الفتاة اللينة الرخوة التي تنحني أمام رياح الصعاب ، أن حلت فلن تَجدني أحتضن نفسي خائفة قرب سريري في الظلام بل سأكون في استقبالها بكامل حُلتي وأحسن ضيافتها وأقفل الباب خلفها بصمت .. أصبحت لست بشبح يهابه قلبي ، لقد أعتدتها وأعتدت قسوتها .. ”
تجلس عاليـة على طرف المقعد تفرك كفيها وقدميها ببعضهم حتى رفعت عينيها لنجيب وقال بتردد :
ممكن الموبايل !! عايزة أعمل مكالمة ..
نجيب الواقف بمسافة كبيرة جوارها ، رد برسميـة :
آسف ، معنديش أوامر أن حضرتك تكلمي حد ..
تأففت عالية بضيق وغمغمت باعتراض :
ماله ده كمان !!
فُتح باب المصعد فظهر منه عاصي ، فاندفعت نحوه كاندفاع عطشان على بحيرة الماء حتى ارتمت بين ذراعيـه كمن وجد مأواه .. استقبل أختـه بلهفـة وقبل رأسها وأخذ يربت على ظهرها بحنان :
عاليـة أنتِ كويسـة؟!
دفنت رأسها بصدره ، وحركتها يمينًا ويسارًا ، وكسا البكاء نبرتها :
كنت خايفة أوي يا عاصي ..
أخذ يمسح على رأسها بشفقـة حتى قال :
حقك هيرجع من ولاد ***** دول .
ابتعدت برأسها عنه وسألته :
مين دول يا عاصي ؟!
ربت على كتفيها وقال :
متشغليش بالك .. اطلعي ارتاحي دلوقتِ ..
فأردفت بتوجس :
عاصي .. مراد فين ، عايزة أكلمه اطمنه ، آكيد بيدور عليا ..
رد بنبرة انتقام :
منا عايـزة يدور .. ولا هو فالح في الخطف وبس !
تبدلت نظراتها المرتجفـة إلى نظرات إعتذار حتى قالت باستحياء :
متزعلش مني ، أنا آسف .. بس ..
مش وقته الكلام ده يا عاليـة .. البيبي بخير تحبي نروح لدكتور !
تجمدت الدماء بعروقهـا وصمتت طويلًا لتبتلع عواقب كذبتها ، فاكتفت بأصدار إيماءة خافتـة وقالت :
مفيش داعي ..
طيب يا حبيبتي .. ثم أشار لأحد عاملي الفندق وبأشارة منه فهم الرجل مهمته بتوصيلها لغرفتهـا .. أما عن عاصي فأشار لنجيب أن يتبعه لأحد مقاعد الفندق .. جلس الاثنان يتبادلان الأحاديث المتوارية بينهم حتى حسـم عاصي الحوار الطويل بينهم قائلًا :
عرفت هتعمل أيه !!
رد بطاعة :
تمام معاليـك ..
فوثب عاصي قائمًا وقال :
كل الفلوس اللي هتحتاجها هتكون في حسابك الصبح ، المهم يا نجيب مش عايز دليل واحد علينا ، مفهوم ؟!
وقف نجيب هو الآخر وسأله :
بس هاشم مدكور من أمتى بيتحالف مع ممدوح علم !! وهيستفيدوا أيه من خطف الهانم ، أنا مش مرتاح للموضوع ده كله ..
أجابه عاصي بثبات :
واضح أنه تحالف أعداء .. نفذ أنت بس وبلغني أول بأول .. اطلع ارتاح والصبح هنفوق لولاد الـ*** دول .
تمام معاليك ..
تحرك ” نجيب ” إلى استقبال الفندق .. واتجه عاصي إلى المصعد ، وهو يرد على هاتفه الذي لم يتوقف رنينه ، فأجاب متأففًا :
أيوة !!
آسف معاليك إني بتكلم في وقت زي ده ، بس ياباشـا في اتنين هنا وبيقولوا أن ده بيت أبوهم قنديل المصـري ..
جاءه صوت الحارس محملًا بالإعتذار ، فاستقبل عاصي رسالتـه بحماس :
متأكد !! مش اتنين بيشتغلوكم !!
نتصرف معاهم ازاي معاليك ؟!
فُتح باب المصعد الكهربي أمام الطابق المقصود ، فجهر عاصي قائلًا :
خليهم يدخلو البيت .. وعاملوهم كويس .. وعايزك تتأكد من الصور المتعلقة إنهم نفس الاتنين اللي معاك .. والصبح هقول لك تعمل معاهم أيه ..
اللي تأمر بيه يا باشا ..
تحرك عاصي ناحية غُرفـة عاليـة أولًا ولكنه تردد في إزعاجهـا وتراجع في آخر لحظة عائدًا إلى غُرفته .. دلف بداخلها ونزع حذائه وتجرد من ملابسه بهدوء كي لا يزعجها .. فاقترب منها ووجد الغطاء بالأرض وباتت تتوسط فراشهم كطفلة شقيـة تمرح في نومها .. اشعل النور الخافت وتناول اللحاف المتكوم أرضًا ولكنـه توقف إثر انعكاس الأضواء الصفراء على تفاصيلها العاريـة .. وشعرها المتدلي المُحدث أكبر فتنـة بقلبـه ..
مدد بجوارها وأخذ يداعب شعرها بشـوق يملأه ولهيب من المشاعر المتوقـة إليهـا .. هي أعمق من أن يستحقها شخصٌ سطحي، أكثر حنيّةً من أن يعرف أهميتها شخصٌ قاسٍ، تشبه الكم الهائل من الأحلام التي لا تتحقق في حياة المرء إلا مرةً واحدة…
تدلى ليشفى عليـل روحه منها ، نثر عطر قُبلاته فوقها بحنان زاخر .. تململت في فراشها بخمول متمتمة باسمه :
عاصي !!
قومي ..
في حاجة ؟!
غمغم بلهفة :
وحشتيني ..
ابتسمت بحب وهي تنهض مرغمة من نومهـا واستندت على كتفه .. وسألته :
عالية وصلت ؟!
ااه جات ، وسبتها عشان تنام ..
تمتمت بصوت مفعم بالنوم :
الحمد لله أنها جات بالسلامـة ..
كاد أن يبدأ جولة جديدة من احتياجات قلبـه لتروي مرارة يومه .. فباغتته بسبابتها ترسو على شفتيه وتقول بدلال :
هاخد شاور وأجيلك ..
متتأخريش ..
أجابته بدلالٍ :
مش هتأخر .
نهضت من جواره واتجهت إلى المرحاض لتنهي مهمتها .. أما عنه فنهض وأخذ يتجول بالغُرفة وينثر على جسده الكيثـر من العطر ويعد تصفيف شعره .. فالتفت إلى هاتفه المُضيء .. فـ رد على المتصل قائلًا :
عملت ايه ؟!
رد الحارس قائلًا :
عاصي بيـه ، نفادي مصمم يقابلك ..
عايز أيه ده كمان !
بيقول كلام مهم مش هيقولوا غير لمعاليك .. اعمل أيه ؟! اسلمهم للشرطة ولا تسمعه الأول ..
فكر للحظة ثم قال :
طيب ، الصبح هاته على القصـر .. نشوف وراه أيه ده كمان ..
أوامرك يا باشا ..
جلس عاصي على المقعد الخشبي وظل يتابع بعض الأخبار ويرسـل العديد من الأوامر والتعلميات لـ رجاله .. وأخذ يفكر طويلًا فيما سيفعله وكيف سيتخلص من أعدائه في ضـربة واحدة .. مرت قرابة النصف ساعة فقفله هاتفـه ورماه بملل واتجه ناحية الثلاجة وأخرج منها زجاجة عصيـر وشرع في ارتشافها ..
في تلك اللحظة خرجت ” حياة ” من المرحاض تلف المنشفة البيضاء حول جسدها الممتلىء قليلًا .. وبروز بطنها الأشبه بانتفاخ بسيط .. أخذت تصفف شعرها الجاف من المياه وهي تراقب نظراته وتحركاته بالمـرآة .. حتى تقابلت أعينهم فقالت بإعجاب وهي تتأمل تفاصيل جسده الرياضي :
أيه الحلاوة دي !!
ألقى الزجاجة الفارغة بالسلة .. واقترب منها وضمها من الخلف وأخذ يدس قُبلاته المتلهبة بكتفها وجدار عنقها بهيام سلب عقله .. ظلت تراوغ تحت يده بآهات الشـوق والحب ثم قالت بشجن :
لما فتحت عيني .. فضلت ابص في الوشوش حوليا بدور عليك فيهم ، لأول مـرة أعرف يعني أي خوف من وقت ما قابلتك .. أنا آسفة كان لازم اسمع كلامك ومخرجش من البيت ..
ثم دارت تحته يده وأكملت بكلمات محشوة بأنين اللوعـة وهي تعانقـه :
عمري ما اتخليت إن ممكن يجي اليوم اللي أكون ملهوفـة فيه على حد ، زي ما أنا هتجنن عليك كده .. أنت متعرفش وأنا بين أيديك ببقا طايرة أزاي ..
رغم برودة الشتاء بالخارج إلا أن الاثنين تحولا لجمرتين في موقد الحب نشيعُ دفء هذه الحكاية على الساهرين .. ظل يتراجع الثنائي بخطوات متناسقة ومازال صامتًا يذوب في بحر حبها العميق لم يُجب على شهد كلماتها الأ بالقُبل .. ثم ترجته بقلبها الملتاع بأن يكف عن تلك المشاعر الجنونية التي عصفت بكيانهـا هامسـه باسمه بنبرة يعلمها جيدًا :
عاصي .. !!
حملها في تلك اللحظة بخفـة كي ينال من حبها مثلما يروق له ولكنه في تلك اللحظة تأوه متوجعًا :
اااه ..
فاقت من غيبوبة عشقها وسألته بقلق :
مالك ..؟! ايه بيوجعك ..
تغلفت نظراته بالمكر وهو يمسك بكتفه :
شد عضل في كتفي يا حياة ..
طيب اقعد ارتاح .. ده بيجي لك كتير ؟!
جز على فكيه :
لا دي أول مرة ..
طيب اجيب لك فوطة سخنة .. ممكن اخدت برد ولا حاجة .. طيب هو في الفندق آكيد في دكتور ..
مدد جسده على الفراش مستندًا على الوسادة خلفه بآهات مزيفـة :
هبقى كويس دلوقتِ ، غطيني بس لما أنام وادفى هيفك ..
شدت اللحاف فوقـه بقلق ورفعت الوسادة من خلفـه وقالت :
نام كويس طيب ، بلاش النومة دي ..
هنام أهو … غطيني بس ..
حُقن وجهها بدماء الغضب :
عاصي ، أنت هتنام وتسيبني !
أحتج قائلًا :
ااه يا حبيبتي مش قادر .. كتفي قافش أوي .
زفرت بامتعاض ينبعث من بين فكيها المنطبقة بغلٍ :
طيب ، نام يا عاصي .. نام ..
متزعليش .. غصب عني الوجع صعب أوي ..
أحكمت قفل المنشفة حول جسدها ولبت طلبه ثم قفلت الأنوار وقبلت رأسه قائلة بغضبٍ دفين “لا سلامتك يا حبيبي ” ثم عادت مرة آخرى لتأخذ حمامًا باردًا ربما ينجح في إخماد تلك النيران التي أشعلها رجل الحب بجسدهـا …
••••••••~فجـرًا ..
”كنت أحزن فحسب، الآن أحزن وأخاف، وليس هنالك أرعب من أن تواجه شعورين ليس بمقدور أي منهما إزالة الآخر.”
تحاول شمس مرارًا وتكرارًا الاتصال بتميم ولكن دون جدوى .. وكذلك كريم لم يتوقف عن البحث و مهاتفة أخيه ، أقبل نحو مجلسهم بآسف :
مفيش خبـر ، كأنهم اتبخروا .. أنا بدأت أقلق ..
قفلت نوران كتاب الفيزياء بيدها وقالت بحيرة :
مش طبيعي كلهم يختفـوا كده ..
أمسكت شمس برأسهـا من شدة الصداع :
أنا مابقتش عارفة أفكر .. ولا اتصرف ، في عالية ولا تميم ومراد .. ولا حياة وعاصي ، هما لو عايزين يجننوني مش هيعملوا كل ده ..
تنهد كريم محاولًا تهدئتها :
إن شاء الله خير .. اهدوا بس ..
ختم صوت رنين الجرس جملة كريم الأخيـرة .. فركضوا جميعهم ناحية الباب الذي فتحه كريم فوجد أمامه مراد وتميم وهم في حالة لا توصف .. حيث ذراع مراد الملتف بالشاش والمعلق برقبته .. وعين تميم المتورمة .. وساقه التي تؤلمه كثيـرًا أثناء الحركة .. فشهقت شمس مفزوعة وهي تندفع نحوهم وتفحص عين تميم :
مين عمل فيكم كده ؟!!!
استند تميم على يد شمس وقال متأوهًا :
شوية بلطجية خدونا على خوانة .. بس أسالي مراد أحنا علمنا عليهم كلهم.
ردت شمس بنبرة مبطنة بالسخرية :
ااه ماهو باين أهو ..
ضحك مراد متأوهًا من ألم ذراعه :
طبعا علمنا عليهم .. هو جوزك بس اللي بيحب يدخل الخناقات بوشـه ..
نوران بتلقائية :
ما تقولوا أنكم اضربتوا !! أيه الافلام دي كلها !
حدجها تميـم :
أنتِ منمتيش ليـه لحد دلوقتِ !! روحي نامي..
تدخل مراد وهو ينزع رابطة ذراعه ويحركه ببطء :
مفيش أخبار عن عالية ؟!
تدخلت نوران باندفاع :
يووه دا أنت متأخر أوي حصلت كوارث وأنتوا ببتروقوا .. بص هو بنسبة كبيرة عاصي وصل لعالية بس مش عايز يقولنا ..
مراد بلهفة :
عرفتي منين ؟!
ردت بثقة :
لا دا استنتاج عادي .. أصلـووو ..
فقاطعتها شمس بحدة :
خلاص يا نوران ..
كادت نوران أن تجادلها ولكن صوت رنين الهاتف المنزلي جمع الحشد حوله .. رد كريم بلهفة :
الو ..
حتى صاح فارحًا :
عاليـة .. أنتِ كويسـة ؟!!
مجرد أن سمع اسمها خفق قلبه بلهفـة وهو يشد السماعة من يد أخيه :
عالية .. انت فين ، طمنيني .. انت كويسة !!
انبثقت الدمـوع من طرف عينيهـا وهي تضغط على الهاتف الخاص بالفندق بقـوة :
مراد .. كلمتك كتيـر مش بترد ..
رد مشغوفًا :
عالية ، أنتِ فين هجيلك .. انا هتجنن عليكي من الصبح .. فيكي حاجة طمنيني ..
مسحت عبراتها المتساقطة :
انا مع عاصي متقلقش ..
احتدت نبرته بإصرار :
فين يا عالية !!
توسلت إليه :
عاصي رافض أعرف حد مكاننا .. مراد متزعلش مني ..
تدخل تميم متسائلًا :
في ايه يامراد .. طمني عليهـا هات أكلمها ..
تجاهل مراد طلب تميم وقال بحدة :
أنتِ فاكرة مش هعرف أوصل لك !! بس اشتري خاطري يا عالية وقولي أنت فين ..
سالت الدموع من عينيها وهي تتفوه بنبرة متحشرجة :
أنا محتاجة لك أوي يا مراد ..
حن قلبه لأجلها وقال متوسلًا :
عالية ، أنا هتجنن عليكِ .. قوليلي أنت فين ..
فكرت لبرهة لم يتوقف فيها مراد عن التوسل إليها حتى طاوعته قائلة :
أحنا في فندق ” __” في زايد .
رمى الهاتف في يد تميم وهرول مسرعًا ليُغادر القصـر حاول ان يلحق به كريم ولكن بدون فائدة .. تنهدت نوران بارتياح :
ااه لو تسمعوا لنوران بس .. مش أنا قلت عاصي ده هو رأس الأفعى الكبيرة..ومش مرتحاله !
نهرتها شمس بحدة :
نوران .. عيب كده !
شوحت بيدها وهي تغادر و تجمجم سرًا :
أنا هيجي لي الضغط من ورا حوارات البيت ده ..
ثم جهرت :
سلامتك يا تيمو ، تعيش وتاكل غيرها ..
زفرت شمس بضيق :
شايف !!
تميم بهدوء :
خلاص يا شمس ، يالا عشان أنا كمان محتاج ارتاح ..
••••••••
أبحثُ عنّي، ولا أجدني. لقد أدركتُ، في إلهامٍ خاطفٍ، أنّني لا اتوهج إلا معك ولأجلك ”
وصل مُراد الفندق في تمام السـاعة السادسـة والنصف صباحًا .. كانت عالية قد غفت على مسند الأريكة من شدة التعب .. فتحت عينيها على صوت رنين جرس الباب الواقف خلفه مراد والذي اضطر إلى حجز غرفة إضافية كي يُتاح له دخوله للفندق .. وثبت عالية بتكاسل متناسيـة أمر مراد تمامًا وخمنت بقدوم عاصي للاطمئنان عليها .. فتحت الباب وما أن وجدته أمامها صرخت متعلقـة بعنقه وهي تهتف باسمه باكيـة :
مرااد !!
انزاح شعورها الحارق بتنهيدة قـوية رُدت في صدره وهو يحملها قليلًا لترتفع قدميها عن الأرض متشبثة ملابسـه .. غرزت أصابعها العشرة بجاكته وقالت باكية :
كان كابوس .. كابوس صعب أوي يا مراد ..
في لحظةٍ ما، لابدّ للتعب أن ينجلي وأن يستريح القلب وينعم في شعور آمن ومطمئن .. دلف إلى الغرفة ببطء ولازالت معلقـه بحضنه كالطفلة التي عثرت على والدها للتـو .. ركل الباب بقدمه وطوق خصرها بقوة وهو يملأ صدره من رائحتها :
كنت هتجنن عليكِ .. كنت ماشي من غير عقل ، تايه محتاج حد يقول لي أعمل أيـه وأروح فين ..
أمطرت سُحب حزنها على كتفـه :
كنت أكتر حد بفكر فيـه .. ومحتاجة اطمنه عليـا .. كنت حاسـة أن جوايا فاضي وروحي خايفـة محدش هيطمنها غيرك ، مراد متبعدنيش عنك .
جلس مراد على الأريكة واتخذت عالية من رجليـه مقعدًا ، تراقصت النظرات والتنهيدات بينهم حتى استسلمت واسترخت على كتفـه نائمة .. أخذ يغازل خصلات شعرها بحب ثم قال :
عالية احكي لي كل ده حصـل ازاي ..
استقر كفها الأيمن فوق قلبه النابض بحبها وأجابته :
صدقني مش فاكرة أي حاجة غير إني فتحت عيني على مكان كله ضلمة واصوات رجالة مرعبة .. وكلاب .. بس كان عندي إيمان ويقين أن ربنا معايا وعمره ما هيسيبني ..
طبع قبلة طويلة على جبينها :
طيب قوليلي عرفتي مين دول !
لا .. بس عاصي عرف ..
كان كل شيء به يبض حتى حنجرته التي تخاطبها لم تخلُ من نبرة اللهفة .. أخذ يضرب الأرض بقدمه بثبات تحت سطو تفكيـر ، فتمتمت :
عاصي قال هيتصرف .. متشغلش بالك .
مشغلش بالي ازاي يا عالية ؟! أنتِ مراتي وفي حمايتي وأنا مسئول عنك وعن أي حد يفكر يتعرض لك ..
أنا فاهمة والله .. بس ممكن نأجل كلام في الموضوع ده .. خليك معايا وبس ..
ضمها إليه أكثر وقال :
أنا معاكي وعمري ما هسيبك يا عالية .. لازم تعرفي كده كويس ، أنتِ ليـه مكنتيش عايـزة تعرفيني مكانك !
عاصي عايـز كده ولو جيه هنا ولقاك هتحصل مصيبة ، بس مهنتش عليا وكنت هتجنن عشان أوصلك ..
يحدث أن يخرج شعورك من عينيك لأن داخلك لم يعديتّسع حمله .. انخفضت نبرتها وهي تسأله :
وحشتك !!
تنهد بصوت مسموع وهو يمسك بذقنها ويرفع وجهها إليه :
أنا كنت ضايع من غيرك ..
ثم فرغ العديد من القبلات بداخل كفهـا وبيده الأخرى التي تناسى وجعها لملم شعرها جنبًا ليملأ بأنفاسه الجانب الأخر ، فانخفضت جفونهـا بخجـل وهي يستشعر ضربات قلبها المتسارعة ويعترف :
عاليـة أنا ما صدقت لقيتك ، ومش هسمح لمخلوق يبعدني عنك ..
تقلصت المسافة بينهم وهي تخبره بنبرة خافته ولكنها كانت كافيـة لاشعال النيران بصدره :
وأنا كمان ما صدقت لقيتك ..
رد على جملتها بقُبلتين متتاليتين حتى طرق باب قلبها مستأذنًا :
آسف معرفتش احميكي .. بس سيبيلي نفسك وهنسيكي كل اللي حصلك النهاردة
غمغمت بتمنع :
مراد لازم تمشي .. وجودك هيعمل مشكلة ..
كان لسانها يحمل الرفض وعينيها تترجاه أن يعانقنها كي يُمارسا الحُب كله في ليلةٍ واحِدة ، أن يسدل سِتار القُبلاتِ على روحها المرتعدة للأبد .. لبى نداء عينيها وحملها بين يديـه واتجه إلى فراشها الذي لم تجلس عليـه قط .. فتوسلت إليـه :
طيب حبة صُغيرين وتمشي ..
رد تحت مُخدر سُكرها :
حاضـر .. لما تقوليلي أمشي همشي ..
استسلمت السمكة لصيادها بكامل إرادتها .. تحول حبـه لأول مرة كسائل على جسدها كمن اعتصـر الورد فوقـه .. تتلوى السمكة على شط الهوى محاولة بائسـة منها في البحث عن الماء التي تروي روحها .. فصرحت بأهات ملتاعـة وهي تدفعه للوراء بترجي :
مراد امشي عشان خاطري ..
رفع رأسه الغارقة في شعرها وملامحها ولكنها اندفعت وهي تعانقـه بلهفة يملأها الحنين على الإستحياء كغصن فـ الحديقة يحاول أن يُثمر عن جميع الأغصان حتى يدنو من الكرسي الخشبي أمامه .. بأنين العشق :
لا متبعدش ، خليك ..
وقع بغرام تلك اللحظـة وفزّة العين ولهفة القلب اللي سيطـرت على رُوحها جعلته يحبها أكثر مواصلًا الطريق لامتلاكها وإطفاء لهيب النار التي ظلت تأكل في قلبه لساعات طويلة .. شكل من أشكال مكاسب الحياة أن تعيش الحب مع من يشبهك …
••••••••
” التاسعة صباحًا ”
“لم تكن أنت الغاية في البدء.. لكني وجدتُ فيك ما جعلني أتخلّى عمّا كنت اكتب عنه .. ”
انتهت حياة من إعادة إرتداء ملابسهـا ورفع شعرها على هيئة ذيـل حصان بعد قضائها بقية الليلة بمفردهـا .. ثم عادت إليـه لتوقظه بهدوء ، بدأت أن تمرر أناملها بين جدائل شعره بدلالٍ منادية باسمه :
عاصي .. ممكن تصحى بقى وكفايـة نوم ..
شد كفها الذي يعزف على أجراس شعره إلى ثغره وطبع بداخله قُبلة طويلة فتبسمت :
صباح الخير .. قوم بقا عايز اطمن على عاليـة ومش عارفـة رقم أوضتهـا ..
اعتدل من نومتها بتكاسـل :
هي الساعة كام دلوقتِ ؟!
الساعة ٩ .. قولي كتفك عامل أيه أحسن ؟!
طافت عينيـه بمكر وهو يتصنع الألم :
ااه كتفي !! لسه بيوجعني يا حياة .. معرفش أي حصل فجأة .
تحب نروح لدكتور .
لا هو هياخد وقته ويفك لوحده ..
ثم رفس الغطاء بقدمه ونهض من مكانه متجهًا إلى الطاولة الموضوع فوقها أبريق الماء .. ارتشف القليل منه ثم عاد إليها :
هاخد شاور وهننزل ..
ماشي ، تحب اساعدك ..
لا خليكِ ، عشان هدومك والميـة ..
أخذت تتأمل تفاصيل المنحوتة على يد رسام وهو يتحرك أمامها متجاهلًا النظر إليها ولكنه قرر أن ينتقم لرجولته من تدللها الذي يعيث فسادًا بقلبه النابض بالشوق لها دومًا .. أخذت تفرك كفيها باضطراب واضحٍ وتقلصات ببطنها تعلن شوقها إليها الذي بات لا يُحتمـل .. أحست بالدوار فجأة وانقباض معدتها ، فركضت بسرعة مقتحمـة الحمام للتتقيء .. أخذت تسعل بقوة بالمرحاض وهي تتأوه بألم ظل رفيقًا لها كل صباح .
قفل صنبور المياه … وشد المنشفة التي حاوط بها خصـره ومال إليها :
اطلب لك دكتور !
شدت القليل من المناديـل الورقيـة وجففت ثغرها ، وتلقى عبراتها بابهامه وهي تميل برأسها على صدره :
لا ده طبيعي .. متقلقش .
طيب تعالى ..
حملها بين يديـه وعاد إلى الغرفـة .. أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبـه حتى هدأت تدريجيًا .. تحركت أناملها الرفيعـة فوق صدره القوي وهي ترمقه بعيني تتلهفه .. كمن يراقب قمر السماء في ليلة باردة والشَوق يلَفَحها ، حتى دق قلبهـا مشتهيًا متى تَنقَضِي المَسافات ويَلِف الحُبُ ثَغرِي فَوق ثَغرِك !!
وضعها برفق في منتصف فراشـه وسالها باستغراب :
بتبص لي كده ليـه !
لم تكن امرأةً هشة، ولن تظن يومًا بأن الحب سيهزمها ، انها لستُ من النوع الذي يغلبهُ هواه ولكن الأمر كلهُ أنه هو أمامه تُكسر كل قواعد تمردها .. رفعت حاجبه مستغربة :
أنت مش كان كتفتك واجعك ؟!!
اتسعت ابتسامته الماكرة وقال محتجًا :
تلاقيـه فك من الميـه .. !! أنت كويسة ؟!
يبدو أنها هضمت أكذوبته بمزاجها وأدركت أنه أراد رد الصاع صاعين متعمدًا اللعب بمشاعرها .. كاد أن يفارقها ولكنها أوقفته قائلة :
عاصي .. أنتَ زعلان مني !
ليه بتقولي كده ؟!
شوف أنت ؟!
تحمحم بخفوت :
اطلب لك حاجة دافية ؟!
لا هابقى أخلى سيدة تعملي وصفـه من بتوعها ..
شرع في ارتداء ملابسـه متعمدًا إظهار تفاصيله المغرية لأي فتاة ، فما ستفعله بقلب فتاة تحمل بين أحشائها قطعة منه .. وضعت كفيها على بطنها وهي تفكر في سبب انعدام اللهفة إليها .. وتعمده بتجاهل مشاعرها الفائضة من عينيه ، حتى زفرت متأففة بكللٍ ، فنظر إليها وهو يطالع طفلته التي غلبتها الحيرة وقال :
مالك ؟!
انفعلت بنفاذ صبر :
مفيش ، ويالا عشان نروح لعالية ..
لف الحزام الجلدي حول خصـره وقال :
الأوضة اللي قُدامك على طول ، روحي وأنا هحصل لك ..
ثم توقف وسألته :
أنت هتعمل أيه معاها هي ومراد !!
رد متوعدًا :
هطلع عينه ابن جيهان ، بس افوقله ، وحياة أمه ما هخليـه يلمس منها شعرة .
ليه بس ، عاصي اختك بتحبه !
رد باعتراض :
لو فتحت بؤها هديها على دماغها هي كمان ..
ده بجد !! انت هتعمل كده ؟!
أخذ يقفل أزرار أكمامه وهو يقول بحدة :
عشان يخطفها تاني من ورايا ولا كأن ليها أهل .. ده أنا ناوي له .
ضربت كف على الآخر قبل أن ترحل :
حرام عليك بجد !! ايه ده ؟!
سارت على مضض وتركت الباب مفتوحًا خلفـها .. قفزت عالية من نومها بين ذراعي حبيبها صارخة وهي ترجـه بخوف :
يا خبر أسود ومنيل … مراد مراد قوم بسرعة ..
فتح عينه مصروعًا :
ايه في ايه ؟!
نهضت بسرعة جنونية وأخذت تلملم ملابسه المبعثرة وأشيائه وتثرثر :
البس بسرعه .. عاصي ، عاصي بيخبط !!
نفذ أوامرها بعجـل بدون وعي أو إدراك لما يفعله :
وعاصي جاي هنا يعمل ايه ؟!
أخذت ترتدي ملابسها بسرعة فائقة :
مراد اصحى ، وركز .. عاصي واحنا في الفندق ..
ثم أخذت تهذي وتلوم نفسها :
أحنا أزاي نمنا كده !!
ما فرغت من ارتداء ملابسها لملمت مفاتيحـه وهاتفه :
خد دول بسرعة .. والجزمة الجزمة ..
ثم صرخت مفزوعة وهي تنحني تلملم بقية أشياءه :
مراد ، الشراب .. المحفظة .. اي تاني ..
أتاها صوت حياة من الخارج :
عالية أنت لسه نايمة يا حبيبتي !!
اتسع بؤبؤ عينيها بقلق يتقاذف منهما :
دي حياة !!!
ثم أخذت تدفعه للداخل :
مراد ، استخبي في الحمام يالا ..
عاد مراد لوعيه :
عالية ايه الهبل ده !! أحنا ممسوكين فـ شقة !!
اشش صوتك صوتك ، مراد عشان خاطري ادخل جوه ومتعملش صوت يالا ..
ثم صاحت بصوت مرتفع :
أيوة يا حياة .. جاية أهو .
تأكدت من اختباء مراد بالحمام ثم اتجهت والخوف يتقاذف بين ثنايا ملامحهـا وفتحت الباب .. حضنتها حياة بحب :
كده بردو تقلقينـا عليكي ؟!
غمغمت عالية بشرود :
حيـاة ..!!
الحمد لله أنك بخير يالولي .. ثم جذبتها بعنفوان للداخل حتى نسيت عالية الباب مفتوحًا من إثر الصدمات المتراكمة على رأسها .. جلس الفتاتان على السرير وشرعت حياة في مواساتها ، ولكن مازالت عالية تحت غيمـة شرودها وحالة من التوهان لا توصف .. فمسحت حياة على شعرها :
مالك يا حبيبتي ..؟!
في تلك اللحظـة انقبضت معدة حياة فوضعت يدها على فمها واندفعت نحو الحمام لتتقيأ وهنا كانت الصدمة الكبرى ، أن فرغت ماء جوفها كانت عالية كتجمدة هلى أعتاب الباب ، ومراد جالسًا فوق المرحاض .. وتيرة من النظرات التي تحمل العديد من الأسئلة ، والصمت القاتل الغير مبرر حتى جاء صوت عاصي من الخارج مناديًا :
عاليـة !
انخلع قلب عالية وسقط بين قدميها ، أما عن مراد فوقف لاستقبال عاصي بجراءة فتدخلت حياة راجية :
مراد بلاش .. عاصي مش هيعديها ..
ثم ركضت للخارج وجذبت عالية المتسمرة مكانها وقفلت الباب خلفها وهي توبخها :
مش تقولي يا عالية ..
حتى اصطدمت بعاصي أمامهم قائلًا :
يالا ..
تدخلت حياة وهي تجذبه من يده :
عاصي لحد عالية ما تجهز .. تعالى عايزاك ..
عاصي باستغراب :
عايزة أيه يا حياة ؟!
جذبته باصرارٍ :
تعالى بس ، موضوع مهم ، سيب عالية تخلص لبسها .
نجحت حياة في إخراج عاصي من الغرفة والاشارة لعاليـة بتخفي أن تُخرج مراد فور ذهابهم .. عاد عاصي وحياة إلى غُرفتهم .. حيث تنفست عالية الصعداء وهي تفتح الباب لمراد وتتوسل إليه :
مراد ، يالا .. اخرج بسرعة ..
عارضها قائلًا :
والله بتهرجوا يا عالية !! فيها أيه لو عرف إني هنا ..
أديك شوفت حياة قالت ايه ، يالا بقا قبل ما يخرج .. استعجل يا مراد ..
ذهب على مضض وهو يقول :
هستناكي في القصر ، لحد ما اشوف أخرتها مع اخوكي ده كمان ..
~ بغُرفة ” عاصي ”
نفذ صبره من تحججها بمصطلحات غير مفهومة حتى قال :
حياة ، بتلفي وتدوري على أيه ؟! قولي موضوع أيـه !
كأن عقلها شُل في تلك اللحظة فتعمدت إطالة الحديث قدر المستطاع :
بص ، همـا كذا موضوع مش موضوع واحد ..
عاصي بجزع :
أيوة قولي واحد منهم بدل ماانت تايهة كده !!
أنت مشربتش قهوتك ، تيجي نشربها سوا ؟!
رد باختصار :
مش عايز ..
فركت كفيها بحيرة :
طيب أنا عايزة اشتغل واثبت ذاتي وأحس أن ليا كيان كده في المجتمع ..
رد مسايسًا :
قومي بالسلامة بس أنتِ واللي في بطنك ونشوف موضوع الكيان ده ..
قضمت على اصبعها بحيرة وقالت مقترحة :
طيب أنا عايزاك تعملي فرح كبير ، الدنيا كلها تتحاكي عنه !!
تأفف بضيق :
حياة ، يعني أنتِ مجرجراني وراكي عشان احلام اليقظة دي !!
هتفت معارضة :
مالها أحلامي ان شاء الله !!
اهدي ، اهدي .. يعني بالعقل كده نعمل فرح وتنزلي للمعازيم ببطنك دي ؟! يقولوا علينـا أيه ؟! مضحكيش علينا الناس ..
يبدو أنها اقتنعت برأيه :
اممم معاك حق … مينفعشدنى منها متحديًا :
حياة، ماتقولي عايزة أيه من الآخر عشان واضح أنك بتتلككي !!
ضحكت كالعادة بضحكتها الساحرة وعانقته بدلالٍ :
بصراحة ..
هاه بصراحة .. قولي قولي .
أخذت تداعب أزرار قميصـه متغنجة بين ذراعيـه .. وهي ترمقه بحب فأصبح منتظرًا رد فعلها وما سيأتي بعد تلك النظرات .. حتى بادرت بتقبيله بقوة لهفتها عليـه ونيرانها الخامدة بأحشائها ناحيته .. نجحت في إغراقه ببحرها حتى تبدلت الأدوار .. وأفشلت خطتـه .. طوق خصرها وسألها :
هيجرى حاجة لو اتأخرنا على عالية شوية ..
ابتعدت عنه بدلالٍ :
ده ابنك اللي حب يصبح عليك بس ، لأنك زعلته ..
تأهب لنيل منها ولكنها أوقفته بمكر انثوي :
عندك شد عضل ماينفعش .. صحتك عندي أهم ..
زفر متجاهلًا تمردها عليه مواصلًا رحلته لمدينة حبها فتملصت من يده هاربة وكأنها ترد له ما فعله بهـا :
عاصي بس بقا .. عالية مستنيـة ..
ثم خرجت قبله متجهـة إلى غرفة عالية التي تجلس منتظرة عودتهم .. همست لها بحذرٍ :
مشي !!
أومأت عاليـة بالإيجاب ثم شكرتها :
شكرا يا حياة .. بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل أيه !!
بالخارج التقى عاصي بـ نجيب ، وقف الاثنان يتحدثان طويلًا حتى ختم عاصي الحوار بينهم :
عايزها نار جهنم عليـهم يا نجيب ……
فقط في لغة القلوب :
يحتاجُ كل شخصٍ مناشخصاً واحداً على الأقلأن يخطي معهُ جميع طرقاتهِ ،وإن يمسكَ يدهُ في كل الطقوس .. وكل فصول السنـة ….
••••••••
-خيـر يا نفادي ، قولولي إنك عايـزني ؟!
قال جملتـه وهو ينزع سترته السوداء ويعلقها على الشماعة الخشبيـة .. عرج نفادي وهو يقترب من مكتبه متألمًا من قدمه :
تسمح لي أقعد يا بيـه ؟!
رد عاصي بجحود :
لا .. قول اللي عندك في السريع عشـان مش فاضي ..
هرش نفادي برأسه وهو يستند على ظهر المقعد وقال :
بصراحة كده أنا كُنت بحور عليك لما قولت لك أننا عايزين قرشين والسلام !!
رفع عاصي حاجبـه باستهزاء :
ها .. وايه كمان يا نفادي ..
عدم المؤاخذة يا بيـه ، يعني سيادتك مقامك كبير.. بس التعليمات كانت جايـة من فوق ..
أخذ يلاعب عاصي القلم بيده وقال بهدوء :
والتعليمات دي بتقول أي ومن مين ؟!
كانوا عايـزين نبعدوا جنابك عن المكان .. وندخلـوا ناخدوا الهانم بدون شوشرة .. بس هي سهلت علينـا كتيـر بخروجها بره القصـر ..
مط شفتـه بتفكير :
وتأخدوا الهانم تودوها فين ؟!
كان في واحد هيستلمها مني في مكان في المقطم وبعدها لا من شاف ولا من دري ..
فسأله عاصي :
وبعت ليـه اللي مشغلينك يا نفادي وغيرت كلامهم ؟!
عرج نفادي متألمًا :
يابيـه ده لعب كبار مع بعضيهم ، أما أنا واللي معايا غلابـة .. قلت اطلع بقرشين من سيادتك .. على قرشين منهم وقُضيت المصلحة من غير دم ..
وثب عاصي فجأة فتراجع نفادي بخوف للوراء :
قلت لي مين هما الكُبار دول يا نفادي ..
معرفش يابيـه .. اللي كان بيتواصل معانا اسمه حماد ، بس اختفى ومش عارف أوصله تاني ..
كرر عاصي سؤاله بنبرة أشد :
مين اللي له مصلحة في خطف مراتي يا نفادي !!
ورحمة أمي يابيه مااعرف .. أنا عبد المأمور ، ولو كنت هعرف كنت هبلغك على طول ..
طيب يا نفادي وأنا هصدقك .. المطلوب مني أيه !
توسل إليه نفادي بعينيه :
بلاش موضوع الحكومة ده ، ولو كان على الهانم انا مستعد ابوس راسها ورجليها عشان تسامحني ..
اتظبط يالا ..
بصرخة قويـة اندلعت من جوفـه ليضع حدًا لتوسلات نفادي الذي انتفض مذعورًا من نبرة صوته التي تنافس صوت الرعـد .. صمت عاصي للحظـة ثم قال :
وأنا مش هسلمك يا نفادي ، عشان باين عليك إنك جدع .. بس ده ما يمنعش إنك هتكون تحت عيني لحد ما تسلمني اللي اسمه حماد ..
تلهف نفادي لطلب العفو منه :
وانا خدامك يا بيـه .. كل اوامرك مُجابة ، المهم رضاك .
فتح عاصي خزنتـه وأخرج سلاحه وتعمد أن يشد أجزاءه أمام عيني نفادي ليرعبه :
بس أنا يا نفادي ما ينفعش كلامي مايتسمعش ولا يتلعب عليا من ورا ضهري ؟!
لا يا بيـه .. ماعاش ولا كان اللي يلعب من ورا ضهرك ، أنا رقبتي فداك ..
هنشـوف .. هنشوف يا نفادي، ومتقلقش فلوسك موجودة أول ما تسلمني حماد هسلمك فلوسك ..
هتف نفادي بفرحة :
ده كتير والله ياباشا … يومين ويكون حماد واقف مكاني ..
اجرى عاصي مكالمة هاتفيـة بالرجل المختص بملازمة نفادي أن يأتي ثم ألقى عليـه جُملة أوامره قائلًا :
تاخد نفادي ورجالته مزرعة الفيوم .. هيشتغلوا هناك ، وحقهم يوصل يوم بيوم .. فاهم !!
رحل الرجل بصحبة نفادي الذي لم يكف عن الهتاف والسلامات ..
أمسك عاصي هاتفه واجرى مكالمة هاتفية وقال باختصار :
بكرة الضهر تجيب أخوات رسيـل هنا على القصـر .. وخليهم يعيشـوا عادي ، يعني ينزلوا المرسى ويباشروا شغل أبوهم .. مش عايزهم يحسوا انهم محبوسين ..
ثم وثب عاصي خارجًا من مكتبـه على صـوت مراد المرتفع :
في البيت ده محدش صوتي يعلي علي صوتي ..
دار مراد إليه :
كـويس أنك هنا ، يعني أيـه ممنوع أشوف مراتي ..
تدخل تميـم :
ممكن تهدأ يا مراد .. هنتفاهم ونوصل لحل ..
عاصي بحزم :
هنا مفيش تفاهم .. اللي أقوله هو وبس اللي يمشي ..
خرج مراد عن صمته منفعلًا :
انت بتعمل كده ليـه ؟! وبتدخل في حياتها ليه ؟! ما تشوفها هي عايزة ايه واعمله .. ليه تقرر بلسانها ..
عشان هنا وبس أنا اللي بحدد كل واحد يعمل أيه وميعملش أيه .. وطالما سمحت لك تدخل البيت ده يبقى تحترم كلامي وتنفذه ..
وقف تميم بينهم كالسـد ليثبط من شحنات غضبهم المتفجرة :
والله ما هينفع الجنان اللي أنتـوا فيه ده ؟!!
احتشد الجميـع على صوتهم الجمهوري وتفتحت أبواب الغرف الموصدة .. تكونت حولهم دائرة من اهل القصر ليشاهدوا شجارهم المتصاعد.. حسم عاصي الأمر قائلًا :
وريني هتاخد مراتك أزاي من غير موافقتي يا مراد ..
زي ما أخدتها أول مرة يا عاصي ..
رد عاصي ساخرًا :
ااه عشان تتخطف تاني ، أنت مش مكسوف من نفسك ، مادام معرفتش تحميها خدتها ليـه .. ؟!
عارضه مراد :
وأنت لما مراتك اتاخدت من قُدام بيتك عرفت تحميها ؟!!
تدخلت عالية بينهم صارخة :
بس يا عاصي ، بس يا مراد … بس بقا حرام عليكم .
شد عاصي أخته بقوة لتقف خلفه :
اطلعي فوق يا عالية ..
أرسلت لحياة نظرات التوسل أن تتدخل وتهدأ عاصي .. فاندفعت حياة قائلة :
عاصي .. خلاص بقا ، دي مراته في الأول والأخر وأنت ما ينفعش تمنعها عنه ..
حدجها بنظرة حادة ثم قال بعنف :
اطلعي فوق أنتِ ومتدخليش في اللي ميخصكيش ..
عارضته :
هي كلمة الحق بتزعل !!
احتدت نبرته ليعنفها :
قلت اطلعي فوق يا حياة …
تدخلت شمس وأخذتها بهدوء وهي تهمس لها :
حياة أنت حامل تعالى معايا ..
ثم أكمل بحزم :
خدي عاليـة كمان يا شمس ..
لعنته نوران في سـرها :
ماشي ينطح في البني آدمين !! أنا عارفة ده جنسه ايه !!
قرصتها شمس بذراعها :
اطلعي فوق ..
ضربت الأرض بأقدامها :
منا ساكته اهو بتفرج .. !!
رمقتها شمس بحدة فذهبت على مضض منفذة تعليمات أختها .. فأكمل عاصي :
أنا خلصت كلامي يا مراد .. وده عشان تلوي دراعي وتاخذ أختي من ورانا تاني .. أنا بقا هوريك لوي الدراع الحقيقي …
كاد مراد أن يعنفه فتدخل تميم قائلًا بشدة :
مراد خلاص .. امشي أنت دلوقتِ ..
أنت مش سامع يا تميم ، أخوك شكله اتجنن ..
عاصي بتهديد :
ألزم حدك يا مراد ..
فاض صبر تميم فنهره :
ما خلاص يا عاصي أنت كمان .. وأنت يا مراد امشي دلوقتِ وأنا هتكلم معاه ..
كاد أن يعارضـه ولكن قاطعه تميـم بحزم :
قلت خلاص يا مراد .. أمشي دلوقتي …
••••••••
معظم حياتي، أبدو امرأة مرهقة، وقلبي بائس، وعيناي تتوق للدمع وروحي غريبة، لكني كنت أرجو المستقبل الذي أود الان التخلص منه.. جففت عبراتها بحزن يفيض منهما :
اعمل أي يا نوران!! اختار قلبي وابقى انانيـة وأخسر أخويا، ولا اخسر نفسي ..
كانت نوران تجوب الأرض ذهاباً وإياباً حتى انفجرت معبرة عن حالتها :
انا لو مكانك هنزل اكسر دماغ اللي اسمه عاصي ، اناني ومش شايف غيـر نفسه .. وفي نفس الوقت مش طايقة اللي اسمه مراد ده .. اسفة ياعاليـة ، بس هو كمان أناني ومش بيفكر غير في نفسه .. وميصحش ياخدك كده كأنك ملكيش أهل …
نهضت عالية من فوق الاريكة الجالسة عليها :
مراد حد طيب وحنين يا نوران .. أنا عشت معاه تفاصيل كتير كنت محرومة منها …. تعرفي أول ما بشوفه ببقى عايزة أجري عليه واحضنه زي الطفلة الصغيرة ، انا معرفش حبيته كده أمتى وأزاي .. بس اللي أعرفه بجد إني مش هقدر أعيش منه غيره ..
التوى ثغر نوران معترضًا :
وهو طول ما عفريت علي بابا ده قاعد عندك أمل ترجعي لمراد ..
ثم بررت قائلة :
مش قصدي أحبطك بس هو شكله مفتري ومش هيعديها ..
أنا هقوم اتوضى واصلي وربنا يحلها من عنده بقا ..
تحمست نوران :
اسلـم حل .. وأنا هقعد أمخمخ لك كده يمكن اعتر في حل ..
ثم زفرت بضيق :
الحب وسنينه مش بيجي من وراه غير وجع القلب والدماغ !!
•••••••
~ مساءً
– يُرعبني أنني حتى الآنلازلتُ أشعرُ بعدم الانتماءلأي مكانٍأو أي شخصٍ .. أو أي عيونٍ .. أو أي كتفٍ
لازالت الوحشة تُلازمني حتى أحياناً على وسادتي..؟
حملت ” شمس ” صندوق الإسعافات الأوليـة واقاتربت من تميم الجالس ممسكًا بسلة الثلج ووضعه على عينه المتورمـة .. جلست أمامه وشرعت في ترطيب المكان برفقٍ ثم قالت :
أنتَ كل يوم هترجع لي مضروب كده !! انا مبقتش ملاحقـة أداوي أيه ولا أيـه !!
ضحك تميـم قائلًا :
يكون في علمك أنا الـ بقولهم يضربوني ، تلكيك يعني عشان محدش يعالجني غيـرك ….
فـ لمع شعوره من عينيك لأنّ دآخِله لم يعُد يتّسع الكتمان اقترب منها قليلًا وهو يطالع ملامحها بجراءة وأكمل :
أصلـي مابعرفش أشوف الشمس من قريب غير لما تحصل لي مصيبة .. اتشل ، اضرب بالنار ، أخد علقة سخنة .. يلا كله فدا قُربك ..
ثقلت يديهـا المتحركة دائريًا حول عينه فصرخ متأوهًا :
ما براحة يا ستي ..
ابتسمت بشموخ وقالت :
أنت اللي بتتحرك كتير ، اثبت بقا وخاف على عينك ..
رد مرغمًا :
أهو يا ستي ..
فرغت القليل من المرهم على سبابتها ثم رفعت نفسها قليلًا لتصبح بمستواه وأخذت تغلف الجرح بحرص حول عينه المصابـة .. حتى قطع تميم تركيزها قائلًا :
حلو البرفيـوم اللي حطاه ، ده جديد ؟!
أحس بانتفاضة يدها على جرحه وهي تقول بارتباك :
أنا مش حاطة حاجـة …
ثم تذكرت قائلة :
ااه ، افتكرت .. البرفيوم بتاع حياة لما اتكسـر ، ريحته طبعت فيا ولا حاجة ..
استنشق رائحته بإنتشـاء :
بصراحة يدوخ ..
احتدت نبرتها :
هو ايه ؟!
تحمحم مبررًا :
المرهم اللي بتحطيه .. دوخني و زغلل عيني ..
ردت ساخرة محاولة تصديق أكذوبته :
امم ، سلامتـك ..
ثم أخذت تمسك بقايا الدواء من يديها بالمنديل الورقي وتقول :
المفروض تنام بقا عشان عينك ترتاح ..
طيب وجرح كتفي ..!!
ماله ده كمان ؟!
بيوجعني ..
راق له الدلال ليسلك به دربًا لقُربهـا ثم لقلبها ، شرعت بفك ازاز قميصـه على مضضٍ وهي تتحاشى النظر إليـه وتقول :
لو مكنتش موجودة ، كان مين هيعملك كل ده ؟!
ولو أنت مش موجودة أنا هضرب ليه ؟! منا قلت لك بتلكك ..
ابتسمت بجمود وهي تنتقل خلفه جالسة على ركبتيها وشرعت في تعريـة جرحه الدامي ثم قالت :
عملونا فـ الكلية المريض اللي بيتلكك بناخده على أد عقلـه لحد ما نجيب أخره ..
زيك !! مظنش ؟!
ثم طلبت منه أن يعطيها ضمادًا من الصندوق وأتبعت :
جرحك لازم يشوفه دكتور مختص ..
وأنتِ أيه ؟!
أنا مش متخصصة يا تميـم ..
مش مهم ، أهو اتعلمي فيـا ..
وضعت شمس الشريط اللاصق على جرحه بعد ما فرغت من تعقيمـه .. ثم لمست أقدامها الحافية الأرض وذهبت لتجلب له ملابس ينام بهـا .. وضعت ما أحضرته على طرف السرير ثـم شرعت في لملمة الأدوات الطبية .. فباغتها بنبرة مترددة :
شمس … !!
نظرة له باستغراب :
نعم ؟!
أنا آسف …
تبادلت النظرات بينهم حائرة حتى أكمل موضحًا سبب إعتذاره :
آسف لأني سمحت لنفسي بحاجة من غيـر رضاكي .. أممم حاجة زي دي لازم تكون بموافقتك ، وأنا مشاعري خانتني واتصرفت بناءً …..
فقاطعته بحزم رغم السعادة التي قفزت بقلبها من كلامه :
حصل خيـر يا تميـم ..
يعني مش زعلانـة ؟!
انشغلت بالأدوية في يدها وقالت هاربة :
الكبسولة دي تاخدها قبل النـوم ..
فوثب مصرًا على سؤاله وهو يقترب منها متجاوزًا قانون المسافات :
سؤالي واضح ، مش زعلانة ؟!
رفعت جفونهـا بخجل :
هتفرق معاك ؟!
أخذ يداعب خصلة من شعرها وهو يقف بقُربها بقامته الشامخة مقارنة بطولهـا وقال :
طبعًا ..
سألته بنبرة خافتة :
يعني لـو قلت لا .. يعني لا مش زعلانـة ..؟
رد هائمًا :
يبقى ما يمنعش أكررها تاني !!
بدأ الخوف بعينيها وهي تبتعد عنه :
لا انا أصلًا لسه زعلانة …
كادت أن تفارقه ولكنه جذبها من ذراعها إليـه حتى اصطدمت بسياج صدره العارٍ شاهقـة حتى أردف مُعلنًا بجُرأة :
يبقى سيبيني أصالحك بقا ..
أخذ يدنو تدريجيًا ليحتضن تلك الشفاه المرتعشـة ويطمئنها .. تسمرت في مكانها كمن تعب مِن كثرة الحُروب التي خاضتها ، مُحاولاتها التي تَبوء بالإحباط والفشـل المُتكرر ، مجرد أن ألتف ذراعه حول خصـرها شعرت كأنها سَقطت في حُفرة لا مَخرج مِنها ، رفعت جفونها لتُطالع ملامحه المائلة إليها كميول الورد وضعت كفها فوق كفه الراسي على وجنتها حتى غمغمت بنبرة يملأها الوجع :
تمـيم أنا تايهة ومتلخبطة .. وجوايا ألف حاجة وعكسها ..
أشششش …
تجاهل الرد على اعترافها الحزين ، ولكنه لجأ لمداواته بنثـر قُبلاته ببطء على شفتيها المنتفضة كليلة شتاء والرياح خلف النوافذ تعزف صمّت الشوارع حنينها .. رضخت لشـوقه ولقُربه ليُرصع جروحها بنجوم الحب ربما تشفيـه ..
فارق شفتيها وانتقل إلى أذنها هامسًا بنبرة ملتهبـة :
مش عارف أشيلك من قلبي ولا من عقلي .. بقيت بحلم باليـوم اللي هتكوني لي فيه بدون حواجز ..
ثم أخذت فوهة حبه تلتهم ملامحها بلهفـة اغتالت كل أشباح تمردها حتى أكمل متنهدًا :
تتجوزيني ؟!
غربت شمسها وحل ليلها الهاديء والحالم بمشاعرٍ تعمدت دفنها .. فجأته بعناق خفيفٍ وهي تتحدث بنبرة خفيضة :
تميم .. وجرحك ، أنت لسه تعبان ..
رد بلهفة :
أنت دوايا .. تتجوزيني !!
غمغمت وهي تحت سُكر خمر الحب :
لا ..
طاحت العين بالعين .. والقبلة منها كانت تُرد إليها قُبلتين .. واحترقت المسافات بينهما وارتفعت راية الحُب التي لفحت قلوب كانت مقبرة للهوى .. فـلا يؤنس الرًُوح إلا روحًا تألفُها .. في تلك اللحظة ارتفع صوت رنين هاتفـه وبرغم محاولة الثنائي في تجاهله إلا أنه لم يكف عن الرنين .. ابتعدت شمس عنه بصعوبـة وهي تركض لتحضر له هاتفـه فسقطت عينيها على اسم المتصل :
سُهيـر ؟!!! وهي بتكلمك في وقت زي ده ليـه ؟!
برر موقفه قائلًا :
يمكن شغل يا شمس .. هاتي الموبايل.
انفعلت بغضبٍ مُغلف بالغيرة :
لا والله ؟!! بقا كده .. اتفضل موبايلك كلم الست سهير براحتك ، وأنا هسيب لك الأوضة خالص عشان تاخد راحتك !!
تناولت حجابها من فوق الأريكة ورمتها على رأسها وهي تغمغم بكلماتٍ غير مفهومة حتى أوقفها :
خدي هنا ، رايحة فين .
شدت ذراعها بقوة :
هسيب لك الأوضة .. عشان الجو يخلا لك مع ست سهير ..
شمس ؟!
كاد أن يلحق بها ولكنه توقف ليرتدي ملابسـه .. ركضت شمس متجهة إلى غرفة تاليا وداليـا لتحتمي من مكر قلبها الذي خانها وساقها إليه بدون وعي .. أما عنه أخذ يلعن الحظ الذي يفرق بينهم في كل مرة يحاول امتلاكها .. ويقول لنفسه :
مرة سيدة ومرة سهير .. !! دي مش عيشة دي !! أنا مين بص لي في الجوازة دي ؟!!
•••••••
“دومـًا ما أخشى أن تأتي تلك اللحظة التي أرغب فيها بالمجيء إليك ويقف كبريائي كالسـد المنيع بيننـا .. ”
تتوسط فراشهـا وتعض على أصابعهـا غضبًا ومحبـةً منتظـرة مجيئـه بعـد مرور ساعـات طويـلة بدون رسالة واحدة منه كعادته يطمئن عليها .. تسارعت ضربات قلبهـا بمجرد رؤية الباب يُفتح فتحاشت النظـر إليـه وولت وجهها الجهة الأخرى..دخل عاصي الغـرفة تاركًا باب الغُرفـة مفتوحًا على عكس عادتـه وتقدم ناحيـة خزانة نقوده وفتحها وأخرج منها ورقـة تهمـه ، تجاهله لوجودها أشعل نوعًا آخرًا من الجنون برأسها .. فاندفعت إليه لتخلق معه لغـة حوار حتى ولو كانت شجارًا .. بخطواتها المتسعة وقفت خلفه واضعة ذراعيها بخصرها وقالت معاتبـة :
أنت أزاي تكلمني بالطريقـة دي قُدامهم !!
أخذ يقفل باب خزانته وقال ببرود :
أي طريقة !!
تأففت بضيق :
عاصي لو سمحت بلاش الطريقة دي ، وبص لي كده وكلمني زي ما بكلمك .
دار إليها على مضض :
حيـاة أنا ما بحبش حد يجادلني ولا يخالف أوامري .
حتى ولو كانت غلط وكلها أنانية ؟!
ترك الورقـة على التسريحة وأخذ يفك أزرار قميصه الأبيض :
حتى ولو غلط .. متعودتش حد يكسـر كلمتي ..
وده من أمتى ؟!! ما أنت طول عمرك بتسمع لي وبنتتاقش ، أيه اللي جد ؟!
رد بحدة :
طول ما الموضوع مش متعلق بيكي مش مسموح لك تناقشيني فيه !
يبدو أنها تسرعت في الحكـم بمعرفتـه وأن هناك تفاصيل كثيرة لم تكتشفها بهويته بعد .. طافت عينيها بحيرة وقالت بعناد :
لا مش صح ، أنا مراتك وواجب عليا أول ما اشوفك بتغلط انبهك وواجب عليك تقنعني بوجهة نظـرك ياما تقتنع بكلامي، ده اللي أعرفه ، لكن اللي أنت بتقوله ده كله ميلزمنيش ..
نزع قميصـه ورماه بالأرض وقال بنبرة مبطنة بالغضب :
وأنا مفيش ست اتخلقت تقولي أعمل أيه ومعملش أيـه !!
رمقته بنظرة ساخطة :
ده لما تكون متجوز واحدة من الأوباش اللي عرفتهم مش أنا يا عاصي بيـه !
ثم دنت منه متحديـة :
وحط في دماغك أنا هنا زيي زيك بالظبط ، وكلمتي محدش هيقدر يتجاهلها حتى ولو كنت أنت ..
رفع حاجبه معجبًا بشجاعتها :
بأي حق ؟!
رفعت رأسها بشمـوخٍ :
مراتك .. يعني كلمتي في البيت ده متقلش عن كلمتك ..
أخرج شحنات غضبه في زفيرًا قويا وهو يحتوى كتفيها ثم قال :
حياة ممكن تخلي بالك من نفسك ومن اللي في بطنك ومتشغليش نفسك بأي حاجة تاني !
ردت ساخرة :
أنت شايفني بقرة تأكل وتشرب وتخلف بس !! ولما تيجي تتكلم مش مسموح لها !!
ثم رفعت يديه من فوقها وقالت بحنق :
مش أنا اللي ترضي بالوضع ده ..
حياة بلاش تكبري الموضوع .. أنا في دماغي ألف حاجة أهم من الجنان ده ..
جنان ؟!!
ثم بدأ صوتها يعلـو تدريجيـًا وهي ترتدي روبًا طويلًا فوق منامتها القصيرة :
أنا هوريك الجنان بقا ..
خدي هنا رايحة فين !!
أوقفها قليلًا بسؤاله التعجبي من تصرفاتها ، فأجابتـه بعناد :
أنا مستحيـل أقعد معاك في مكان واحد بعد النهاردة .. حد أناني مش بيفكر غير في برستيجه والإيجو بتاعه وبس ..
حياة استني هنـا ..
حاول أن يوقفهـا ولكن بدون جدوى فتحت الباب وفرت هاربة من غُرفتها تحمل إهانته واستهزاءه بمشاعرها … ضرب كف على الأخر وأخذ يجمع ملابسه بملل كي يذوب ملوحة يومـه بحمامٍ دافئ ينسيـه ما مر بيومه …
••••••••
حتى لو إقتضى الأمر أن تخلع قلبك وتمضي من دونه، المهم ألا تبقى مرهونًا بالمشاعر التي تمرر لجوفك القلق والأذى وتبقيك بائسًا ومحبطًا …
وصلت ” حياة ” إلى غُرفة البنات اللاتي يحتفلن بميجيء شمس إليهم حتى انضمت لهم حياة فأصبح الأحتفال احتفالين .. هللت تاليا فارحة :
الله وكمـان حياة هتبات معانا .. ده أيه اليوم الحلو ده !!
فاقترحت داليـا :
كده هنلعب للصبح ..
جلست حياة بجوار شمس وهمست لها :
انتِ كمان متخانقـة مع تميـم !!
غمغمت شمس بغيرة واضحة :
خلي ست سهيـر تنفعه ..
مين دي ؟!
دي واحدة كده بنت مش مظبوطة كانت بتحبه زمان ودلوقتِ ماسكه لة الشغل .. وهو شكل الموضوع عاجبه أوي ..
ثم شرعت بفك حجابها وسألتها :
وأنتوا اتخانقتوا ليـه ..
كل يوم بكتشف فيه حاجة جديدة .. مش عارفة اتأقلم على التحول اللي في شخصيته ، وبسبب عاليـة .. من ده على ده ..
زفرت شمس بضيق :
كل يوم بسأل نفسي سؤال واحد ؛ أنا أيه جابني هنا ؟! واحد دلوقتِ مالقتش الجواب .. تعرفي أول مرة جيت فيها هنا عالية حذرتني وقالت لي القصر ده كله أسرار .. عالم جوه العالم ، وطلع عنـدها حق ..
أيدت حياة كلامها :
فعلًا .. العيون كلها أسرار وكل ما افتكر إني فهمتهم بطلع مفهمتش حاجة ..
جاءت تاليا حاملة الألعاب بيدها :
هنلعب أيه بقا ؟!
اعترضت حياة بلطف :
مش في مدرسة بكرة يا توتي ، والمفروض نكون نايمين من ساعة !!
بس أنا عايزه ألعب معاكم ..
مسحت حياة على شعرها :
في الويك آند هنلعب كلنـا .. دلوقت وقت نوم ، أي رايك تنامي في حضني النهاردة !!
رمت الألعاب من يدها بحماس وارتمت بحضنها بفرحة :
موافقة …
حملتها حياة كعادتها ووضعتها على فراشها فنهرتها شمس محذرة :
حياة ماينفعش تشيلي حاجة تقيلة ..
ردت بفتور :
بنسى والله يا شمس ..
ثم اقتربت من المرآة وكشفت بطنها البارزة بفرحة لاتوصف :
كل يوم بطني بتكبر وبيكبر جوايا شعور جميل أوي يا شمس ، تعرفي أن أحلى شعور بعد الحب هو أنك تبقى حامل ..
ثم غمزت لها بطرف عينها :
بكرة لما ربنا يرزقك هتعرفي معنى كلامي ..
نهضت داليـا بفرحة :
حياة ، أنتِ هنا في بيبي .. يعني هيجي ويلعب معانا !
جلست حياة على ركبتيها وحضنتها :
أيوة يا روحي .. جوه هنا في بيبي وهيبقى أخوكم او اختكم .. مش أنتوا كان نفسكم في نونو صغنن نلعب بيه ..
أومأت الصغيرة بسعادة تلمع بعيونها وعانقت حياة :
انا مبسوطة أوي .. امتى بقا هيجي !!
قبلتها حياة بحب :
بعد كام شهر هيجي ومحدش هيختار اسمه غيركم ، اتفقنا ..
طبعا اتفقنا ..
ثم اشارت لشمس :
يالا يا شموسة .. خدي دودو في حضنك عشان تنام هي كمان ..
حملتها شمس بحماس وهي تداعبها بخفة :
يلا نستخبى من البرد تحت البطانيـة ..
يالا ..
في الخارج هبط عاصي من غُرفتـه فتعثر بتميم الذي يطوف ذهابًا وأيابًا بالطابق ، فطالعه عاصي باستغراب :
انت بتلف كده ليه !!
اندفع تميم نحوه :
ابن حلال .. كويس إنك جيت ، اصل شمس نايمة جوه ، ومراتك كمان جوه ، وانا خايف ادخل نشد سوا ويبقى شكلي وحش ..
هز عاصي رأسه مفكرًا :
وانت كمان مراتك جوه ؟! ده أيه الحظ ده !
بص أنت تدخل تسيطر كده وتاخد مراتك ، وانا بعدك .. ولا نعدي الليلة ونروح ننام بسكات !!
حك عاصي ذقنـه بتفكيـر :
منا لو عرفت أنام من غيرها مكنتش نزلت ؟!
ربت تميم على كتف أخيه بحسرة :
طيب والعمل ..
تحمحم عاصي بثقة :
اتعلم من أخوك المدرسـة وشوف هيعمل أيه … تعالى ورايـا ..
••••••
-جايـة الساعة دي ليـه يا سوزان ؟!
أردفت عبلة سؤالها وهي تستقبـل سوزان بساحة الفندق ، فسألتها الأخيرة بقوة :
تفتكري كذبتك هتفضل مداريـة لحد أمتى ؟! متعرفيش أن الحقيقة مسيرها تتكشف !!
كذبة اي وكلام فاضي ؟! سوزان انا مش فاضيـة للف والدوران ؟! وأي حقيقـة !!
تقدمت سوزان إليها بقوة :
حقيقة أن عاليـة بنتي ، مش بنتك يا عبلة …
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم نهال مصطفي
في الصباح الباكر، دلفت سوزان غرفتها وهي تربط حزام منامتها الطويلة عندما أخبرتها الخادمة بمجيء مراد لعندها. انقلبت ملهوفة إليه وهي تسأله:
"عرفت حاجة عن عالية يا مراد؟!"
ثم اقتربت منه ومسكت كفيه برفق وهي تشير نحو الصالون:
"تعالى أقعد واقف عندك ليـه.. طمني، وصلت لعالية؟"
"عالية بخيـر، ورجعت بيتها كمان.. قلت أجي أطمنك بنفسي."
تنفست سوزان الصعداء وقالت:
"الف الحمد لله على سلامتها.. فرحتني يا مُراد."
ثم أكملت بنفس ذات اللهفة:
"طيب هي فين، أنا عايزة اكلمها اطمن عليها."
رد بتريث:
"هتكون في القصـر، ممكن بالليل تروحي تزوريهـا."
عقدت حاجبيها بتسائل:
"مراد، أنت عايـز تقول حاجة! مش عارفـة حاسـة مجيتك وراها سبب تاني."
"بصراحة أيـوة."
"خير يا مراد، أحكي."
شرع مُراد في سرد ما حدث، حتى ختم مراد حديثه الطويل الذي تلقتـه سوزان كقطرات من الغيث على تُربة قلبها:
"حسيت أنك لازم تعرفي حاجـة زي دي، خالتي عبلة بير أسرار.. وبصراحة مش عارفـة وراها أيه تاني."
فاقت سوزان من شرودها أثناء مواجهتها للأفعى التي تتلوى باعتراضات ساخرة:
"أنتِ آكيد اتجننتِ يا سوزان!! مين طلع في دماغك الهبـل ده!! أنتِ فكراني هسكت وأعديها…"
خيم على ذاكرتها عطر ذكرى صغيرتها التي رضعت منها عند مجيئها وبعدها فقدت رائحتها للأبد. فباغتت عبلة بصفعة قـوية هبطت على وجنتها بكل قوتها حيث انفجرت صارخة:
"أنتِ فكراني هخاف من الشويتين بتوعك.. أنت خلاص يا عبلة أيامك بقيت محدودة أوي."
ثم اقتربت منها بشموخ:
"عالية وهعرف أرجعها لحضني وأقولك إني مش هسيبك يا عبلة.. وهدفعك تمن كل دقيقة حرمتيني فيها من بنتي."
برزت هزيمتها في صوتها المرتفع المبحوح:
"وأنتِ بقا جاية لحد هنـا عشان تقوليلي الكلمتين الفاضيين دول.. أنت واحدة تعبانة في دماغها يا سوزان، عايزة تاخد كُل حاجة."
"أنا ياستي زي ما بتقولي، بس اللي عايزه أفهمه بجد.. ليه كنتِ مكبرة في دماغك جوازي من عاصي ابنك!! كنتِ هتستفادي أيه.. أنا بجد نفسي افهم دماغك وتفكيرك المريض."
خرجت عبلة عن صدمتها فأخذت تدفعها للوراء بجنون:
"امشي، امشي من هنا مش عايزة أشوفك، أنتِ واحدة طماعة عايزة تاخد ولادي مني، بس مش هسمح لك يا سوزان."
"مش هرحمك يا عبلة، اتأكد بس وأنا هقتلك بأيدي."
جاء فريد راكضًا عندما كان يراقب حديثهم من بعيدٍ عندما اشتدت نبـرة الصوت بينهم، فانصرفت سوزان على الفور واقترب فريد من عبلة:
"حصل ايه مالك."
ردت بصوت هستيري:
"طماعة.. واحدة أنانيـة عايـزة تاخد ولادي مني!!"
"طيب أهدي أهدي.. تعالى تعالى نشرب حاجة وأحكي لي."
***
كانت الساعاتُ تمر بِصعوبة جبال الأرض فوق قلبهـا.. دقائق بليدة وفارغةَ لا تعرف ما يمكن أن تفعله فيها لطالما كانت خاليـة من نور عينيه.. فكيف ستصرف شحوب ليلتها هذه الذي يجتاحُ روحها.
"منمتيـش ليـه؟!"
أحست "شمس" بحركة "حياة" المُفرطة بجوارهـا، فإن حل الليل جنح العناد للسـلم.. ويبدو أن حالـة من حالات الندم خيمت على قلبـها. اعتدلت شمس على ظهرهـا وألقت سؤالها السابق بنبرة خفيضة بحيث لا تزعج أحد، فتنهدت حياة بحيـرة واضحة:
"دي أول مـرة أبات فيهـا بعيد عنـه.. قلبي نفسـه يطير ونروحله."
ثم نظرت للسقف بتمني:
"عايز يكسر السقف الفاصل ما بينـا."
انقلبت شمس للجهـة المُطلة عليها:
"للدرجـة دي بتحبيـه…!!"
ابتسمت حياة بدهشـة:
"ليكِ حق تستغـربي، أنا كمـان مستغربة.. عمري ما اتخيلت إني أحبـه، تعرفي؛ عاصي من بعيـد عامل زي البيت الفخم اللي كله أزاز.. بس لما تقربي منـه هتعرفي أد أيـه هو حنين لدرجة أن طوبـة صغيـرة قادرة تكسـره."
بللت شمس حلقهـا الذي جف متأثرًا بلوعـة العشق المدجج بكلمات حيـاة:
"ازاي عرفتِ أنك بتحبيـه؟!"
سبقت ضربات القلب كلمات اللسان.. فأمسكت حياة قلبها المتراقص تحت عظامهـا وقالت شاردة:
"معنديش فكـرة أمتى قلبي دق له أول مرة.. أنا فجأة لقيتني مش قادرة استغنى عنـه، روحي متعلقـة بروحـه، ببقى معاه طفلة مدلعـة بتعرف عليها وأنا معاه وبس."
ابتسمت شمس باستغراب:
"عمري ما اتخيلت أن شخص زي عاصي تطلع منه المشاعر دي كلها… !!"
"الحب بيخلق مننـا أشخاص تانيـة مابنتعرفش عليهم غير مع الشخص المناسب."
شرعت شمس في البدء بحوارٍ جديد ولكنـها ابتلعت الكلمات بحلقها إثر صوت دق الباب. نهضت حيـاة بتعجب لتفتح وانشغلت شمس في إلقاء الوشاح على رأسها، تحت مظلة الاسئلة الحائرة الدائرة بينهم حول هويـة الطارق. فوجئت حياة بعاصٍ يقف أمام الباب بملامحه الجافـة الخاليـة من أي تعبيرات يمكن أن ترضي حيرتها، فاندفعت حاسمة قرارها:
"عاصي، انسى أني اطلع معاك.. أنا هنام هنـا."
رد بجمود:
"اللي يريحك، بس كنت عايز اسألك فين السـاعة الجولد بتاعتي؟!"
اتسع بؤبؤ عينيها بدهشة:
"والله!! حبكت دلوقت؟!"
"عندي ميتنج مهم الصبح، ولازم أحضرله من بالليل."
ردت بغرابة:
"كان ممكن تختار أي واحدة غيـرها."
رد ببراءة مفتعلة:
"مينفعش، أصلي بتفائل بالسـاعة دي أوي."
رفعت حاجبها بعدم تصديق ثم قالت متأففة بعد ما خيب ظنها في مجيئه لأجلها وهي تتأهب لقفل الباب:
"معرفش.. شوف أنت حطيتها فين!!"
اتكئ تميم على السور الحديدي خلفه يراقب من بعيـد خطـة أخيـه. وعلى المقابل منعت يد عاصي حياة من قفل الباب وقال بجدية:
"حياة الساعة دي مهمة أوي بالنسبـة لي، لو سمحتي تعالي دوري عليهـا وبعدين انزلي تاني براحتك."
همست بنبرة خفيضة بحيث لا تصل لآذان صغاره:
"عاصي أنت بتهرج صح!! ماتشوف حطيتها فين، من أمتى أنا بقرب من حاجتك."
"حياة مش وقت عناد، تعالى شوفي لي السـاعة فين وانزلي كملي نومك."
أغمضت جفونها متأففة وهي تنظر لشمس خلفها فقالت بخفوت:
"هروح أدورله عليها وراجعـة."
ثم تركت الباب مواربًا خلفهـا وسبقتـه الخُطى وهي تضرب الأرض بقدميهـا كالأطفال. سار عاصي ورائها وهو يغمـز لأخيه ثم همس له بتفاخـر:
"هفضل أعلم فيك لأمتى!!"
أشاد تميم انبهار بخدعة أخيه قائلًا:
"مدرسة مدرسـة مفيش كلام!!"
شمر عاصي أكمامه بحماس ثم اكمل طريقـه لغُرفتـه. وتحرك تميم هو الآخر لزوجته كي يُطبق خطة أخيـه. طرق الباب بخفوت ثم فتحه ببطء فوثبت شمس متقدمـة نحوه عاقدة ذراعيها أمام صدرها وقالت متأففة:
"نعم!! أنت كمان في ساعة ضايعة منك مش لاقيهـا؟!"
حك رأسه قائلًا:
"كان عندي شراب رمادي بخطين سود، فينـه؟!"
حدجته ساخرة:
"تميم.. أنت فاكرني هبلة زي حياة وهيدخل دماغها الكلام الفارغ ده؟!"
رد باندفاع:
"ومتبقيش هبلة ليه؟!!! قصدي ما هي دخلت على حيـاة، مش أنتوا كبنات كل أفكاركم واحدة..!!"
هتفت بتمرد:
"تميـم عايز أيه!!"
تقدم خطوة إليها وقال:
"ممكن نتكلم شوية!!"
"هنتكلم في أيه؟!"
تميـم متعمدًا إثارة غيرتها:
"يعني مش عايـزة تعرفي سُهيـر كانت عايزة أيه؟!"
"والله!!"
ختمت كلمتها بصوت قفل الباب بقـوة بوجهه بدون سابق إنذار مما جعله يتلفت حوله يتأكد من رحيـل عاصي كألا يكون محلًا لابتزازه. وقفت شمس وراء الباب تكتم ضحكتها التي نجحت في إخفاءها عنه ثم قالت بنصر:
"خلي ست سهيـر تنفعـه."
***
"بالطابق الأعلى"
فتحت حيـاة الدرج المخصص للساعات فوجدت ما يتسائل عنه أمامها، فأغمضت جفـونهـا معترفة بحماقتهـا وهضمها لأكذوبته. قفلت الدرج بهدوء ودارت إليه بنيـران غضبها الملتهبـة فوجدته يحكم غلق الباب بالمفتـاح. اندفعت إليـه باعتراض:
"فاكر أنك لمـا تقفل عليـا بالمفتاح مش هعرف اخرج."
تجاهل جمر غضبها المتناثر وتقدم بهدوء ناحيـة الشرفـة والقى منها المفتاح:
"وريني هتخرجي أزاي؟"
وضعت يديهـا في خصرها وهي تُراقب هدوئه وبروده.. وتجاهله المفتعل لوجودها خاصـة بعد فتحه لجهاز الحاسوب مواصلًا عملـه. أخذت تفرغ غيظهـا المتوقد بساقها المهتزة بسرعـة. أطلقت ثاني أكسيد كمدها ولجأت لاستنشاق أوكسجين كيدها الأنثـوي. استقبلت هدوءه برجاحـه.. وتغافلت عن تجاهله المصطنع.. ونوت أن ترد له الصاع صاعين.
فتحت خزانـة ملابسها وأخرجت منها منامة من الستان متكونة من سروال قصير للغايـة، وسترة من نفس اللون بدون أكمـام. ثم استكملت جمـع مستلزمات زينهـا وهي تدندن ببعض الأغانٍ الغير مفهومة بالنسـبة له، فانقلبت نظرات الشماتـة لأسهام من الفضول عما ستنتـويه. فتململ في جلستـه قائلًا في نفسه:
"أنا اللي جبتـه لنفسي."
حملت حيـاة أغراضها وتوجهت نحو المرحاض بصمت مريب بثّ التساؤل بقلبـه وهو يشجع نفسـه:
"أجمد كده عشان شكلها أعلنت عليك الحرب."
***
"بالطابق السُفلي"
دقت شمـس باب غُرفـة تميـم بعد حيـرة طويلة وتفكيـر متقلب، استقر طقسها أخيرًا على فصـل الإنصات. ومنحه فرصـة جديدة.
كان جالسًا على الأريكة غارقًا في تفكيـره حولها حتى أشرقت شمسها على غرفتـه مرة ثانية. تقدمت بخطوات مترددة بعد قفلها للباب بهدوء حتى جلست بجواره بتشتت ينبعث من ملامحها المهزوزة:
"كانت عايزة أيـه سهيـر؟"
تحجرت ملامح تميم تحت تراب الصدمة محاولًا استيعاب حقيقـة مجيئها، ما بين مد وجزر شفتيه قال:
"كانت بتأكد علي حضور ميتنج بكرة."
رفعت حاجبها بعدم تصديق:
"وبس؟!"
رد بتلقائيـة:
"اه والله العظيم."
ضحكت بهدوء على طريقته:
"من غير ما تحلف.. هصدقك."
ثم أخذت تفرك في كفيها منتظرة إقباله على فتح المزيد من الحديث ولكن دون جدوى، فبادرت قائلة:
"لقيت الشراب؟!"
"-ااه كان مستخبي في الدرج."
ثم تنهد متحمسًا وهو يميل ناحيتهـا:
"أسف يا شمس لو بستعجل حاجـة أنتِ مش مستعدة ليهـا.. بس مش عارف أزاي ممكن أهدم السور اللي مابينـا وأنا مش عارف أنتِ عايـزة أيه!"
ثم مسح على رأسهـا معتذرًا:
"مش هعمـل حاجة ممكن تضايقك تاني.. تصبحي على خيـر."
طوى جرائد اشتياقه لها في صدره ولجأ للنـوم كي يحميه من نفسـه. وثب قائمًا نحو فراشـه بعد ما رمى الكرة في ملعبـها وتركها فريسـة بين فكي الندم وجلد الذات. مرت دقائق طويلة حتى نزعت حجابها وتخلصت من سترتها الطويلة التي تخفي منامتها القطنيـة. اقتربت منه ثم قفلت باقي الأنوار ومددت على ظهرها بجواره بهدوء لا يتناسب مع صخبهـا.
أخذت تطالع السقف بدمعـة منثقة من طرف ماضيهـا وقالت:
"أنا اتربيت في بيت بيتعامل مع الحُب كأنه وصمة عـار هتفضل ملازمانا طول العمـر.. بابا طول الوقت كان عنده هواجس أننا لما نكبـر ممكن نكرر خطأ عمتي اللي لمـا كانت سيرتها تيجي الكل بيتكهرب، يعني أيه تحب وتهرب مع حبيبها!! لكن تتجوز راجل أكبر منها بعشرين سنـة هو اللي عادي!!"
اعتدل تميـم على جنبه المطل عليهـا مستمعًا إليها باهتمام يلمع بعينيـه، فأكملت:
"أنا معرفش يعني أيه حب ومشـاعر، حتى ماما كانت طول الوقت بتتعامل معانا على أن بابا ده الرجل المخيف اللي لازم نعمله حساب في كل كلمـة، الصوت، الكلام، اللبس لازم يكون واسع، ولمـا كبرت شوية وبدأت تظهر عليـا التغيرات الطبيعية بتاعت البنات بقيت تتعامل معايا على أن ده جريمـة لازم أخجل منهـا."
كسا البكاء نبرتها وأكملت:
"ماما كانت من الستات اللي لازم طرحة وعبايـة في البيت، وبقيت تدخل في دماغي أني كمان لازم أبقى زيهـا.. كانت بتربينا على خوفنا من بابا مش احترامه.. طفلة زيي مكملتش ١٢ سنـة كانت بتتحجب برة وجوة البيت، متخيل! كنت دايمـا بدفع تمن حُب عمتي وأنا معملتش حاجة."
جاءت لتكفكف عبراتها فسبقتها أنامل تميـم الدافئة، تنهدت بحرقة وأتبعت:
"لما اتوفـوا بقيت نسخة مصغرة من ماما، بقيت بعمل مع نوران كل اللي اتعمل فيا بس تيتا الله يرحمهـا كانت تعارضني دايمـا وكويس أنها عملت كده.. نظرتي لكل الرجالة كأنهم أعدائي يا تميـم، أنت جوزي بس أنا غصب عني جوايا مخاوف كتيـر مش عارفة اتخلص منها.. أنا واحدة معرفتش الحب غيـر من الكُتب واستكفيت بيـه كده."
ضم كفها بحنو:
"ليـه ما قولتيش كده يا شمس!! ليـه مفتحتيش قلبـگ واتكلمنـا وحاولنـا ننسى الموضوع ده مع بعض."
ردت بشفاه مرتعشـة وهي تنقلب على جانبها تجاهه:
"حالتـي ملهاش علاج يا تمـيم.. أنا بقيت خايـفة، وكل الرجالة في نظري هما بابا وجوز عمتي."
فسألها:
"بس وأنتِ معايا أنا محستش إنك خايفـة مني، بالعكس."
اتسع بؤبؤ عينيها بدهشـة:
"أزاي!!"
أخذ يداعب وجنتها بحب حتى جذبهـا إلى حضنه كي تتخذ منه متكئًا لوجعها:
"مش مهم، المهم دلوقتِ أنك تبقي أحسن.. وأنا معاكي لحـد ما توصلي لبـر الأمان."
***
"عودة إلى غُرفـة عاصي بالطابق الثالث."
خرجت حياة في كامل أناقتها وزينتـها من المرحاض متجهة ناحيـة المرآة لتدلل خيوط شعرها أمامه وترفعه على هيئة "كعكة" بحجم رأسها. تسللت أنظاره إليها من وراء شاشة الحاسـوب فتحمحم مرتابـًا مندهشًا من جمالها الساحر:
"شكل ليلتنـا صباحي."
قفل الحاسوب مزفرًا بحماس ووثب يتجول حولها كدبور يدور حولة زهرة الزعفران. نظرات متأرجحـة كانت من نصيبها فاستقبلتها بتجاهل تام وهي تمسك بطلاء الشفاة الأحمر القاتـم وتمرره فوق ثغرها ليصبح عبارة عن ثمرة كزر تزيدها فتنـة.
وقف بجوارها محافظًا على ثباتـه بصعوبـة. سحب جرار معطفه القُطني فبرزت عضلات صدره المنحوتة فوق عظامـه. نزع سترته ووضعها على المقعد الذي تجلس عليـه. أمسك بزجاجة عطره ونثـر القليل منها على جسده ثم بين راحتي يده وحكهم ببعض ثم مسح على وجهه.
ألقى عليها نظرة خبيثة فلم يجـد منها أي اهتمـام. نهضت من مقعدها متأففة متجهة صوب السرير. وقفت حائرة للحظات ثم غيرت اتجاهها وهي تسير متدللة تحت عينيـه وأخرجت من الخزانة لحافًا ووسادة إضافيـة. وقامت بافتراشهم بالأرض بجوار مخدعـه. ثم مددت فوق ما فرشتـه فبرزت صحن بطنها المنتفخ قليلًا بصورة مغريـة تتناسب مع قوامها الفاتن. وضعت كفيها فوق بطنهـا وقفلت جفونهـا بدون إلقاء نظرة واحدة عليه.
عقد حاجبيه متحسرًا وهو يقتنصها بعدسته الملتهبـة:
"يعني الحلاوة دي كلها للأرض في الأخر."
تململت في فراشها قليلًا متأففة بضيق ولم تجيبه، اكتفى بابتسـامة خبيثـة وهو يرقد في مخدعه متعمدًا إثارة غضبها:
"تعرفي أن نوم الأرض مفيد للحوامل اللي زيك."
انفلقت عينيها بنظرة مطولة حادة تعمد تجاهلها مطلقًا صفيـرًا قويًا وهو يتفقد هاتفـه. أخذت تنتظر قدومه لإرضائها ولكنـه خيب ظنها. نهضت فجأة وأمسكت وسادتها وعادت إلى مكانها الخاص بجواره. وضعت الوسادة كالحد الفاصل بينهم ونامت على طرف السـرير بجانبـه. أطلق ضحكة مسموعة:
"يعني المخدة دي اللي هتحميكي مني؟!"
ردت بضيق:
"مش بكلمك."
ترك الهاتف من يده ووضعه بجواره على الكمود وقال:
"مش مهم، المهم إنك تحت عيني."
زفرت بضيق ثم وثبت مقتربـة منه حد تلامس أنفاسه لعظام ترقوتها قاصدة أخذ هاتفـه بدون إذنه ثم عادت لمرقدها مرة أخرى. رمى الوسادة الفاصلة بينهم أرضًا ثم قال هامسًا:
"وبعدين في فـرك القُطط ده!! عايز أنام."
"-براحتي."
"-يعني مش تحرش!"
"-قُلت مش بكلمك!!"
ردت بتجاهل وهي تُقلب في هاتفه باحثة عن شيءٍ ما حتى عثرت عليـه، فعلت ما أخذت الهاتف لأجله ثم أرجعت الهاتف كما كان بنفسه الطريقـة التي أشعلت حممه البركانيـة أكثر.
أخذت تتقلب بجواره حتى نفذ صبـره فلم يعد يتحمل المزيد من كبت حبهـا، ولكن لكبريائه رأي آخر.
ألقت عليـه نظـرة فوجدته مغلق العينين. انثنت أصابع قدميهـا وهي تتحسس بطنهـا ثم سألتـه:
"مش متعود تنام بدري كده!"
رد بجمود:
"مفيش حاجة أسهـر عشـانها. . وأنتِ مش بتكلميني، هسهر أعد نجوم الليل لوحدي؟!"
تقلبت كأن ما تنام فوقه لهبًا ولست قطنًا:
"متأكد!"
أصدر إيماءة خافتـة جعلت تزفر باختناق، رفعت ثوبها قليلًا وشرعت في مداعبة بطنهـا التى تتوق شوقًا لقُربه حتى نفذ صبرها فلكزته بعتب:
"طيب مش هتصالحني؟!"
اتسعت ابتسامتـه وهو يفتح عينيه بلهفة:
"لو صالحتك هتزعلي.. فخليني ساكت أحسن."
مالت عينيها نحوه باستغراب:
"ده اللي هو أزاي!!"
اقترب منها أكثـر:
"طالعة تجنني الليلة دي."
"-الليلة دي وبس؟! وبعدين وسع كده أنت فهمت غلط."
عاصي بجفون متدليـة وهو يداعب أرنبـة أنفها:
"وأيه الصح؟!"
"-قصدي تتكلم معايا وتعتذرلي وتعترف بخطأك.. وأنا هحاول انسى واسامحك."
"-لا أنا مابفهمش في الكلام ده، أنا راجل دوغري."
مد يده لشعرى المطوي وحرره كحريتها في بين ذراعيـه، أخذ يدنو منها تدريجيًا صارخة بدلالٍ:
"لا .. لسـه زعلانـة منك."
"-سيبيني أشوف شغلي واصالحك بقا!"
استقبلته بأنفاس محرقـة فسألتـه وهي تندس تحت خيمته بصوتها الطفولي بنظرات تستقبله برجاءٍ لـ يأخذها في نزهة لدهاليز خيالهما اللذيذ:
"ليك كذا يوم بعيـد عني، أنت بطلت تحبي؟!"
رد متيمًا بمخدر قُربها:
"خوف عليكي مني مش أكتر.. بس واضح كده مفيش مفـر منك."
اندست أناملها بين جدائل شعره بهيام:
"عاصي أنت وحشتني بجد."
"-وأنتِ كمـان."
انحنى فوق رائحة عطرها الذي يعد بالنسـبة له نبيذٌ يُسْكِر رئتيهليحتسيـه شهيقًا شهيق.. أغمِضا الثنائي عيونهما، شرع بمسك خصرها لتراقصه يداه.. مع ألقِاه بكلماتٍ على مسامعها لا يعيش سحرها غيرهم.. ظلت تسقط بين يديه شيئًا فشيئًا، لم يكف عن شدها إليه.. عن الاندساس بين تفاصيلها التي تسحره.. جعلها تتوه بين يديه، تسافر بعيدًا إلى عالمها بصرخـة مكتومة بين شطي حبه كأنها تريد تدوين هذه الليلة التي ستطلق عليها اسم "ليلة التعافي" وهي تروي روحها منه، وكأنها تخبـره بلغة جسدها المتحرر في مجرى عشقه: "أريد جُرعتيّ مِن حُبگ وعينيك الآن."
***
"كأس من الخمـر وراء الآخر كانت تتجرعـه عبلة بجنـون مغيبة عن الوعى تهذى بكلمات غير مفهومة فاستغل فريد سُكرها وقال:
"هي ازاي المجنونة دي تكلمك كده، أنا هوديها في داهيـه الست دي."
تمايلت عبلة بسُكر:
"أنا لازم أرجع القصر، مش هسيبه لشـوية عيال يمرحوا فيه."
شجعها فريد:
"طبعا ده بيتك ومحدش يقدر يخرجك منه.. بس قوليلي قصدك أيه بتخطف عيالك!"
تجرعت عبلة كأس آخر من النبيذ وقالت ضاحكة:
"فاكرة بعد ما ربيت عاليـة وكبرتها هتيجي هي وتاخدها على الجاهز."
"-وتاخد عالية منك ليه."
ردت عبلة بدون وعى:
"عشان بنتها.. عالية بنت سوزان وانا أخدتها وكبرتهـا وبقيت بنتي أنا مش بنتها هي."
شد فريد مقعده واقترب من عبلة ليكمل فقرة استدراجها:
"يعني عالية مش بنتك؟!"
خرت عبلة ضاحكة بتغيب عن الواقع:
"وعاصي كمان مش ابني.. بس أنا ربيتهم وكبرتهم يافريد عشان يبقوا الورقة الرابحة اللي أخد بيها كل حاجة في الأخر.. سوزان بقا جاية تهد كل ده على دماغي."
تحمس فريد بمكـر وهو يفتح تسجيل هاتفه:
"قولي كده من الأول أيه حكاية عاصي وعالية."
***
"في كل مرّةٍ أكون فيها بجوارك، يخجل القلب أن يفكر في الغد وما يحمِله من هموم، لقد اجتمعت فيك معاني الرفقة الحقيقيّة، وكنت أرى شعوري الخائف، يزول باطمئنانٍ وهو يتآلف مع خدشٍ سبّبته له الحياة، يزول سريعًا لأنك برفقته.” بَيننا وَرد وَ أغصان وَ شوارِع وَ حُبّ ."
خرج عاصي من الحمام برفقتها بعد ما أخذوا حمامهم الدافئ سويـًا.. وشرعت في ارتداء ثياب جديدة وكان هو الأخر مرتديا "برنصًا" باللون الأزرق ويقف امام المدفأة يدخن سيجارتـه.
اقتربت منه ودفنت أنفاسها بجدار عنقـه معبرة عن حالة العشق التي عاشتها تحت ظله. فشد يدها لمستوى ثغره وقبلها بحب، فهمست إليـه:
"قوم ألبس حاجة تقيلة عشان متاخدش برد."
ثنى لفافة تبغـه بمنتصف المطفأة وجذبها لعنده كي تجلس بجواره وأخبرها:
"أعملي حسابك بكرة في ميعاد عند الدكتورة عشان نطمن عليكي أنتِ والبيبي."
اقتربت منـه وسألته:
"عاصي أنت بجد متحمس للبيبي ده ونفسك تشـوفه وتحضنه زيي بالظبط."
"-وأكتر كمـان، كفاية إنه منك."
"-طيب سؤال تاني ومعلش استحملني."
طبع قبلة بنتصف جبينها وقال:
"أنا كلي ليكِ."
طالعته بامتنان:
"مفيش أخبـار تطمني على أخواتي؟ يعني…"
أمسك بذقنها بحب لتلتقي أعينهم:
"أخواتك بخيـر وأعملي حسابك قُريب أوي هتشوفيهم."
"-أوعي تكون بتقول كدة يا عاصي عشان اطمن وخلاص."
"عاصي دويدار كلمتـه سيف يا سيلا."
عقدت حاجبيها باستغراب:
"أول مرة تقولي سيلا!!"
"-لأنك النهاردة شبه البحـر، وأنا غرقان في كل تفاصيلك.. ده غير التقلبات المزاجيـة اللي أنت فيها، فـ أنا حاسس أن رسيـل هي اللي قُدامي."
داهمته بتغنج:
"ياسلام.. وأنت بتحب رسيل أكتر ولا حياة."
شرد بعيونها غارقًا:
"رسيـل البنت الشقيـة المجنونة اللي قادرة تبهرني كل مرة.. وحيـاة هي الحضن الدافيء اللي بهرب له من دوشة العالم بره.. يعني نقدر نقول إني واقع في غرام الاتنين."
***
"بادرت بتقبيله كـرد على مدحه فقطعهم صوت رنين هاتفه الذي كان من أمن القصر:
"في أيه؟!"
"-عاصي باشا، في أوردر أكل هنا باسم معاليـك؟!"
يبدو عليه الاندهاش:
"أنا مطلبتش أكل."
فتدخلت في حواره بهمس:
"انا طلبت سمك من شوية."
طالعها باستغراب فبررت بهدوء:
"نفسي فيه، الله!!"
رد على الحارس:
"حاسبه وخده منـه."
"-بس يا فندم ده بـ٩٠٠٠ جنيـه."
رد متعجبًا:
"ليـه؟!"
ثم سألها:
"أنتِ طلبتي أيه؟!! يعني ده بجد؟!"
حياة بدلالٍ:
"مش كتير، هي صنيـة كان عليها أوفـر."
قفل عاصي مع حارسه باختصار:
"نازلك.. خليه يدخل لجوه."
أخرج المفتاح البديل من خزانتـه ثم هبط لأسفل ليتسلم طلبهـا الغامض والمفاجئ. ظلت تستعد لاستقبال وجبة الأسماك البحريـة بفرحة عارمـة حتى عاد عاصي حاملًا بيده العديد من الحقائب. وضعهم فوق الطاولة مذهولًا:
"حياة أنتِ مقتنعة أنك هتاكلي كله ده؟"
أخذت تفتح في الحقائب وتتلهف الأكل بحماس:
"ااه أنا والبيبي.. أصلي جعانة أوي."
"-هنا وشفا يا حبيبتي، بس ده أكل يكفي ١٦ فرد.. وأنتوا اتنين؟!"
تجاهلت تعليقه وجلست على الطاولة لتلتهم الأسماك بانتشاء رهيب جعله يجلس في الزاويـة يُراقبهـا. طريقة تناولها للجمبري الذي تعشقه.. والاستاكوزا والأسماك المختلفة التي تعشقها. ظل يتابعها بصمت حتى تجاوزت الحد الطبيعي للطعام فاقترب منها:
"حياتي الأكل موجود بس كفايـة عشان متتعبيش."
"-جعانة يا عاصي.. بص دوق الجمبري هيعجبك أوي."
"-حياة كلتي زيادة، بكرة هجيب لك تاني بس عشان كده أوڤر."
تجاهلت أوامره ثم عادت لالتهام شوربة "السي فود" بجنون:
"دي أحلى شوربة أكلتها بجد."
***
"ظهرًا"
دخلت "شمس" الغُرفـة الخاصة بعاليـة وأختها وظلت تفتعل العديد من الأحاديث الغيـر منمقـة حتى غادرت نوران، فانفردت بعالية جنبًا وقالت لها:
"عاليـة، أنا محتاجـة مساعدتك!"
"-خيـر يا شمس، مالك؟!"
لُطخت وجنتها بحمـرة الخجل:
"كنت عايزة أروح أي بيوتي سنتـر، ومفيش غيـرك ممكن يسـاعدني في ده."
اتسعت ابتسامـة عاليـة بحماس:
"بس كده من عينيـا، حابة نروح أمتى."
"-بصي عاصي أخد مراته وخرجوا وتميـم كمان خرج، تيجي نروح دلوقت."
فكرت عاليـة طويلًا:
"مش عارفة، عاصي هيوافق طيب؟ بصراحة خايفـة يعمل مشكلة ماصدقت أقنع مراد يهدا لحد عاصي ما يغير رأيه.. مش عايزاه يعند معايا أكتر."
"-أنا هكلمه ونشـوف رأيه."
رمقتها عالية بنظرة خبيثة:
"طيب لو وافق يعني.. فلنفترض مثلا يعني، اكلم مراد أقضي معاه وقت لحد ما تخلصي."
تمايل الفتيـات بمرحٍ:
"ماشي ياستي، هداري عليكِ أهو."
"-طيب يلا يلا كلمي عاصي بسـرعة نشوف رأيـه."
***
"بالمطبخ-"
"كوباية قهوة يا سيدة."
دارت نوران إليه بغضب لخلو المطبخ من الخدم ولن يوجد غيرها:
"للدرجة دي مفيش نظـر!!"
جلس كريم على طرف المقعد الخشبي:
"نوران.. عاش من شافك."
ردت بثقـة:
"طبعًا.. ده يعيش ويرقص كمان، هو أنا شوية."
"-لا شويتين تلاتـة.. المهم هشرب قهوة مظبوطة من أيدك ولا واقعة في ده كمان؟"
ردت بحزم:
"قوم أعمـل لنفسـك، ولا اتشليت؟!"
تمتم متعجبًا:
"اتشليت؟!"
"-ااه لما تتشل هابقى اكسب فيك ثواب وأعمل لك."
نهض كريم واقترب منهـا بخفة وهو يبحث عن القهوة ولكنـه باغتها بهجومه المفاجئ وهو يدنو منها لتصبح تحت أنفاسه ظهرها للحائط قائلًا بتلقائية:
"من غير لف ودوران وكلام كتيـر، أنا شكلي وقعت على عيني وأعجبت بيكي، لو موافقـة قوليلي وهكلم تميم واطلب أيدك منه."
هاجمته قائلًا:
"أنت قليل الأدب.. وابعد كده أنت ازاي تقرب مني كده، لما تميم يرجع أنا هقوله على فكرة.. أنت فاكرني أيـه واحدة من البنات اللي تعرفهم!!"
وضع كفه على ثغرها لتكف عن الثرثرة:
"ايه بوتجاز؟! نوران افهميني انا الدنيا ملخبطة معايـا وعايز أعرف راسي من رجليـا، فلو سمحتي نتكلم كلام ناس كبيرة وعاقلة.. ها قولتي أيـه؟!"
ثم رفع يده من فوق فمها منتظرًا ردها:
"عايز تقول أيه؟!"
"-في مشاعر جواكِ ناحيتي ولا لا؟"
ارتبكت قائلة متجاهلة قلبها الذي يصدح:
"كريم أنا لسه صغيرة ومش بفكر في المواضيع دي."
"-نعم ياختي؟ أنت لسان بس يعني؟!!! نوران اتظبطي بدل ما اظبطك."
انفجرت بوجهه مستلذة بتمرد الأنثى المراهقـة بداخلها:
"واضح أنك مش جاي تاخد رأيي، أنت جاي تسمع اللي على هواك وبس."
رد بخزى:
"افهم من كده أنك رافضـة يكون ما بينـا حاجة رسمي بعد امتحاناتك!"
ردت مشدوهة:
"هااه؟!"
مسح على وجهه بنفاذ صبر:
"هي بتطلب معاكِ غبـاء في أهم سؤال؟!!!"
بللت حلقهـا الذي جف وأخذت تلوح بيدها لتطفيء لوعة وجهها الذي يشع نارًا ونورًا.. فكان ينتظر ردها على أحر من الجمـر ففرقت جمعهم سيدة وهي تهتف بصوت مرتفع:
"تأمر بحاجة يا سي كريم!"
***
وصلت عاليـة وشمس إلى صالون التجميل النسائي، حيث استأذنت عاليـة منها بذهابها مع مراد إلى أن ينقضي عملهـا. تقدمت شمس إلى الداخل بخطوات خائفة مهزوزة فأول مرة تأتي لمكان مثل هذا حتى جاءت الموظفـة وأشارت لها على الغرفة، فأوقفتها شمس بخوف وهي تراقب حرية السيدات بالداخل:
"استنى، أنا مش هقدر ألبس كده زي الستات دي، لو سمحتِ عايزة أوضة خاصة بيـا."
ابتسمت لها الفتاة بهدوء:
"متقلقيش.. المحجبات بيكونوا لوحدهم في مكان مقفول.. اتفضلي."
خرجت عاليـة لمراد الذي ينتظرها بالخارج وقفزت بداخل سيارته معبرة عن فرحتها:
"مبسوطة أنك جيت!"
حرك مراد السيارة ولف مقود السيارة متأهبًا للذهاب:
"لغيت ميتنج مهم عندي عشان عيونك.. تحبي نروح فين؟"
"-ممكن نلف حبـة كده بالعربيـة، أيه رأيك؟"
"-يا سلام بس كده!! أنتِ تؤمري أمر."
مسكت يده بامتنان ثم أخبرته بحياء يتقاذف بحمرته من وجنتيها:
"وحشتني على فكرة."
أجابها ممازحًا:
"ما بلاش الكلام اللي يخلي الواحد يروح يدغدغ راس عاصي أخوكي.. أنا محترمه بس عشانك."
اكفهر وجهها بعتب:
"اتكلم على أخويا كويس."
"-سكتنا خالص، وغيري السيرة دي بقا.. ااه بالمناسبة هقابل تميـم النهاردة عشان نحكي في موضوعنا!"
زفرت بتمنى:
"يارب بقا يعرف يقنعه.. مراد عايزة اسالك سؤال."
"-قولي؟"
"-أنت وتميم كنتوا صُحاب أوي.. وافتكر عاصي كمان كان الكبير وكنتوا عاملين عصابة في النادي، أنتوا اتفرقتوا ليـه؟!"
تنهد مراد متذكرًا مرارة خسارته لرفاق عُمره ثم قال بوجع:
"في بيتنا هابقى أحكي لك."
"-وليـه مش دلوقتِ؟!"
"-عشان مش حابب افتكر حاجة تضايقني.. ممكن."
"-لا خلاص براحتك."
ثم غيرت مجرى الحديث متدللة:
"هتعزمني على أيه بقا؟!"
"-كل اللي نفسك فيـه.. شاوري بس."
ختمت جملته بصرخة حماس منها وهي تهتف بسرعة:
"مراد اقف اقف هنا."
صف سيارته جنبًا:
"اي الجنان ده؟!! في ايه."
"-تعالى انزل."
"-هنروح فين؟!"
"-انزل بس."
سبقتـه الخُطى لتدخل إلى أحد المتجرات الخاصـة ببيع ملابس للمحجبات. دخل خلفها متسائلًا:
"أحنا هنا ليـه؟!"
طافت عينيها اللامعـة بالمكان بحماس رهيب ثم دنت منه قائلة:
"في خطوة أجلتها كتيـر في حياتي، تسمح تشجعني وناخدها سوا؟!"
"-خطوة أيه دي؟!"
دنت منه خطوك إضافية وهي تمسك كفيه:
"مراد، أنا عايـزة اتحجب."
***
"لم يصدق مراد مسامعه حتى كررت حديثها مرة ثانيـة فضمها إلى صدره ودفن أنفاسه بشعرها معبرًا عن فرحته:
"حقيقي ده هيبقى أحلى خبـر؟!"
"-يعني موافق؟!"
"-وأنا بردو ينفع أرفض حاجة زي دي!! أنا الود ودي اخبيكي جوه قلبي والله عشان محدش يشوفك غيري."
"-طيب يالا بقا تعالى ساعدني نختار سوا."
***
"يقود عاصي سيارته عائدًا من عند الطبيبـة وتجلس حياة بجواره تحمل صورة جنينها بسعادة لا توصف، فسألتها بشغف:
"سمعت صوته النهاردة.. أنا كنت فرحانة أوي وهو بينبض كده جوه بطني."
ثم أمسك بكفه وأكملت:
"عاصي أنا النهاردة شوفت لمعة في عيونك حلوة أوي أول مرة أشوفها.. ده بجد ولا متهيألي؟!"
ابتسامة خفيفة شقت ثغره وقال متأثرًا:
"أنا بعيش معاكِ كل حاجة وكأنها أول مرة يا حيـاة.. أول مرة أعيش لحظة إني هبقى أب من غير خوف، أن يكون لي ابن من البنت اللي هربت من خيالي واستخبت في حضني.. أنا حاسس إني ملكت الدنيا بيكي."
"-لا استنى كده، عاصي أيه الكلام الحلو ده؟!! أنا مش مصدقة."
رفع كفها لمستوى ثغره وقبلها ثم قال:
"الكلام كله طالع من جوايا، حتى لو مش مترتب بس أنتِ حساه."
"-طيب بالنسبة أنك فرحان وكده ينفع استغلك ومتأكد أنك مش هتزعلني وترفض."
"-طلب أيه ده؟ سمك تاني؟!"
عاتبته:
"بس بقا متفكرنيش عشان انت وزعته على رجالتك وأنا كان نفسي فيه."
"-هجيب لك تاني."
"-بس بصراحة مش هو ده طلبي."
"-اومال؟!"
غمغمت بصوت خفيض:
"عاليـة."
احتدت نبرته:
"حيـاة؟!!!!!!"
"-عاصي، اسمعها واسمعه واديهم فرصه أخيرة، متقفش في طريق سعادة انسان بيحب.. الحب رزق ربنا لقلوبنا على الأرض.. هتيجي أنت وتمنع ده!"
رد مسايسًا:
"ااه هشوف ان شاء الله."
"-عاصي.."
رد بحدة:
"قلت هابقى أشوف يا حياة."
"-بحبك."
ثم عادت لتحضن الصورة الضوئية التي بيده وهي ترمقه بأعين متوهجة كالنجوم بصحبة رجل مثير مثله. جاءه اتصال هاتفي من رجاله، فأجاب بحرص:
"فينكم؟!"
"-أخوات الهانم كلها نص ساعة ويكونوا في القصـر."
"عظيم.. وأنا في انتظاركم."
أمام بوابـة القصـر تقف عبلة مثرثرة على رأس موظف الأمن:
"أنت لو مفتحتش الباب ده دلوقتِ أن هقتلك."
"-ياهانم دي تعليمات."
جاء كريم من الداخل على صدى صوتهم بالخارج، فـتسللت عبلة لقلبه:
"يرضيك وقفتي دي يا كريم؟"
اشار كريم للموظف:
"انت مش بتفتح الباب ليه؟!"
"-دي أوامر عاصي بيه."
فتحيرت نظرات كريم حتى استقر على رأيه قائلًا:
"افتح الباب ده."
حاول الحارس أن يجادله ولكنه أصر:
"متشلش هم على مسئوليتي.. افتح الباب."
صعدت عبلة السيارة بجوار فريد وهي تنتوي شرًا:
"أنا هعرفكم مين هي عبلة المحلاوي.. اتلقـوا اللي جاي مني."
عادت عبلة برفقة فريد الذي أحكم خطته معها. وعلى جهتين متقابلتين يتقترب عاصٍ من القصـر. وتقترب السيارة التي يجلس بداخلها رشيد ويونس. أخوة حيـاة.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم نهال مصطفي
أتساءل دومًا …!!
هل هذا الفيلم القصير المسمّى “بالحياة” يستحقُّ منّا كلّ هذا العناء؟ وكلّ تلك التّضحيات؟
وهذا الكم الهائل من البكاء ؟!
هل يستحق أن نخلع الحقيقة عن أنفسنا لنرتدي وهمًا قاسيًا ؟!
أن نكذِب؟ أن نكسر القوانين ونحرّف القواعد لنعيش .. لنعيش بمشاعر مزيفة ، وضحكات مزورة ؟!
~ خُلق القلب عصيًا 💥
” بالسيـارة ”
- عاصي ، أحنا متفقنـاش لحد دلوقتي هنسمي البيبي أيه ؟!
بثغرٍ بسـام هبت عاصفـة حماسها بوجهه لتلقي على أذنيـه سؤالها الأخيـر ، ليرتسم على محياه ضحكة خفيفـة ويجيب :-
أنا واثق في ذوقك .. اختاري الاسم اللي يعجبـك .
ألقت نظرة على الصورة التلفزيونية بيدها وقالت بحنـو :-
لو ولد ناويه اسميه ريان .. لأن باباه روى قلبي بعد عطش سنين ..
ثم غمغمت مع نفسها لسماع إيقاع الاسم :-
ريـان عاصي دويدار .. حلو ؟!
ثم عادت إلى نبرة صوتها المفعمـة بالحماس :-
ولو بنوتة هسميها سلسبيـل .. بمعنى المـاء العذب زي اسم رسيل .. وعين من عيون الجنـة ..
ثم فزعت من مكانهـا بعفوية :-
أيه رأيك ؟!
صارت النظرات تتعانق وتقبل بعضهـا:-
قُلت لك واثق في ذوقك ..
ردت بتغطرس يملأها الدلال :-
طبعا لازم تثق ، كفايـة إني اخترتك ..
ضم كفها ورفعه لمستوى ثغره ليعطره بالقُبل ثم قال :-
بس أنا ليـا طلب ؟!
- طلب أيه !! قول ..
دار بمقود السيارة حتى اعتدلت مرة أخرى ثم قال :-
لو مش مكتوب لي أشوفه ، خليه يعرف أني بحبـه وو
وضعت كفها المرتجف فوق فمـه ليكف عن سرد قدر لا تتحمله بصوتٍ رافض :-
عاصي بس ، أنت بتقول كده ليـه لو سمحت متقولش كده ..
ثم انبثقت من طرف عينيها دمعة حارة وأكملت :-
أنت عايز تسيبني لوحدي بعد ما لقيتك ؟!!
مد ذراعه ليضم رأسها إلى صدره وأخذ يداعب كتفها بحنان زاخر وقال :-
بطلي جنـان …
كادت أن تعارضه بعد ما كفكفت عبراتها ولكن صوت رنين هاتفـه جعلها تبتلع كلماتها وتواصل نحيبها المكتوم ، وضع السماعة بأذنه وقال باختصار :-
في أيه ؟!
فأخبره حارس الأمن :-
عاصي باشـا ، عبلة هانم وجوزها هنـا وكريم بيه سمح لهم بالدخول على مسئوليتـه ..
فجر غضبه الدفين بمقود السيارة وهو يضربه بقوة ثم قال بحدة قبل أن ينهى المكالمة معه :-
طيب بس أجيلك …
برر الحارس قائلًا :-
والله ياباشـا أنا ماليش ذنب ..
نهرته بعنفوان وهي يصف سيارته جنبًا ثم لف مقود السيارة لاخره وغيـر مسار اتجاهه مما جعلهـا تتفوه صارخة :-
عاصي !! على مهلك ..
ثم تفقدت مساره :-
أحنـا رايحين فين ؟!
رد بجمود وهو يجري مكالمـة أخرى :-
شوية وهتعرفي ..
ثم ألقى أوامره بالهاتف قائلًا :-
تعالى على العنـوان اللي هبعتهولك ..
انتظرت حتى فرغ من مكالمتـه وقالت متحيرة :-
عاصي ، فهمني .. !!
- حياة !! قولت شوية وهتعرفي ..
كان رده جافيـًا خشنًا جعلها تطوى الآسى بداخلها وتنكمش بباب السيارة وتتجاهل النظر إليـه قائلة بعناد :-
مش عايزة أعرف…
اكتفى بإلقاء نظرة عليها ثم عاد ليفرغ غضبه بالطريق وبسباق السيارات حذاه وهو يقود بسرعة جنونيـة مُحكمـة ..
••••••••
بعد مرور سـاعـة بمتجر الملابس الاسلاميـة خرجت عاليـة وهي تحمل العديد من الحقائب بيدها والحال لم يختلف كثيرًا بالنسبة لمراد الذي يحمل ضعفهم .
خرج الاثنان في أجواء يملأها المرح والضحكات لحياة جديدة تجمعهم .
فاقترح مراد قائلًا وهو يفتح السيارة:-
أيه رأيـك نروح نوديهم على شقتنـا على طول ؟!
وقفت مترددة :-
بس كده هتأخر على شمـس ..
ترك الحقائب بداخل السيارة وقال :-
وهي شمس صغيرة !! هنوديهم وارجعك بسرعة.
أعطته بقية الشنط المعلقة بيدها وقال بتوجس :-
خليهم في عربيتك ، ولما تروح حطهم في الشقة براحتك .. ولا أيه ؟!
- على فكرة أنتِ كده بتضيعي وقت ، البيت مسافة نص ساعـة من هنـا ، هنروح نوصلهم ونرجع ..
أجابتـه على مضض :-
طيب ، بس منتأخرش ..
راقت له فكرة اصطيادها وقال :-
طبعًا طبعًا .. مسافة الطريق… اركبي …
صعد الثنائي سيارتـه ، تأففت عالية بصوت مسموع حين مطالعة هاتفهـا :-
مش وقتك خالص ..
ثم نظرت إلى مراد متسائلة :-
معاك USB هنـا ، موبايلي هيفصـل !
فتح صندوق السـيارة وأخرج منه الناقل الكهربي ووصله بهاتفها ثم سألهـا وهو يعيد النظر إلى الطريق أمامه :-
خالتي محاولتش تطمن عليكي ؟!
خيم فطر الحزن على وجههـا وقالت :-
ممكن تكون اتصلت على رقمي التاني ..
ثم احتبست العبرات بحلقها وأكملت :-
بس لا .. هي محاولتش حتى تطمن عليـا .. ومعرفش هي فين كل ده ..
تكدرت صفوة أجواءهم ثم قالت بحرقة :-
هي بعيدة أوي كده ليـه ؟! طيب ما بيخطرش على بالها اني محتاجها ؟! أنت تعبت من شعور الوحدة .
انهارت فلسفة الكلمات أمام مواساتهـا ، ضم كفها بحب وقال ملطفًا :-
و أنا روحت فين !! سايب شغلي ولغيت كل الميتنج اللي عندي وبلف معاك في الشـارع زي المراهقين !! وفي الآخر مفيش حتى شكرًا ..
لمعت عينيها بنجوم الامتنان وقالت :-
بجد شكرًا يا مراد ، شكرًا على وجودك وعلى وقفتك جمبي وعلى كل المشاعر الجميلة اللي بحسها وأنا جمبـك ..
- أيوة كده ، أنا كراجل بحب اسمع كلام حلو كتيـر .. على أد ما تقدري حبي فيـا عشان أحنا كرجالة بنتلكك ..
قال جملته الأخيـرة بكبرياء الطاووس .. فاستقبلتهـا مترنحة :-
أيه ؟!! تعالى هنـا .. أنت ممكن تخوني ؟!
رد بغطرسـة :-
جايـز ، كله في أيدك يا لولا ..
ردت بانفعال طفولي :-
يعني أيه بقا ان شاء الله ؟!
- يعني عاصي أخوكي مثلا لو فضل مصمم على موقفـه اللي زي الزفت ده .. اممم يوم رجعت بيتي ولقيتك أقل حلاوة من اليوم اللي قبله .. يوم نسيتي تقوليلي كلام حلو .. وكده يعني !!
رفعت حاجبه معترضة :-
والله ، بقى كده ؟!! طيب أنت تعرف أني عندي وش تاني بيخوف ، فخاف مني بقا ؟!
انفجر ضاحكًا على براءتها وقال :-
سوبر حماس أني أشوفه ..
حدجته بتأنٍ :-
مراد ، اتظبط …
أجاب بطاعـة :-
اتظبطت ..
- أيوة كده ..
ثم صمتت لحظات وأكملت بشكٍ :-
هي المهندسة بتول عاملة أيـه ؟!
شبح ابتسامة خفيفة استقر على ثغره وقال :-
بتول زي القمر ..
نهرته بحدة مبطنة بالغيرة :-
مراد …
فصحح مغرى جملته قائلًا :-
قصدي أنها كويسة … في أيـه يا عاليـة !!
- أنا اللي في أيه يا مراد ؟!!!
ألقى نظرة على ملامحـها الملطخة بحمرة الغيرة ، فغمز بطرف عينـه قائلًا :-
ملامحك تجنن وهي غيرانه ..
- أف ، انت جبت الرخامة دي كلها منين !
رد بتفاخر :-
لا دي موهبـة .
- مش هرد عليك .. وبطل بقا .
- أنتِ الخسرانة ..
صف سيارته جنبًا أمام البناية التي تقع بهـا شقتـه وقال :-
وصلنـا .. يلا انزلي ..
- طيب اطلع أنتَ ، وأنا هستناك هنـا .
شد مفتاح سيارته وقال بجدية :-
عاليـة آكيد بتهزري ، وفيها أيه ؟! عشان تحطيهم بنفسك جوة الدولاب ..
- يامراد عشان متأخرش على شمس ..
غمغم :-
يادي شمس !! شمس دي مش عندها جوز !!
- اي دخل دي في دي ؟!! يلا بقا خلينـا نكسب وقت .
- هي الشقـة مش وحشتك !
ابتسمت وهي تتنهد بحنين :-
لا طبعـًا وحشتني ..
- خلاص ، يلا انزلي يا عاليـة .
دلف من سيارته وتحرك إليها وفتح الباب من عندها موشيرًا بعينيـه أن تهبط من مكانها .. وأكمل هو في إخراج الحقائب من داخل السيارة حيث همت لمساعدته في حملهم .
قفل سيارته بالريموت عن بعد ثم دخل الاثنان معًا لدهليـز البنايـة .
وصلا إلى الطابق المعني لشقتهم .. فتح مُراد الباب فدخلت عاليـة بأنفاسهـا المضطربة وهي تتأمل زواية الشقة بحنين ولحظات من التفاصيل التي عاشتها بداخلها .. قطعها مراد معترضًا :-
هتفضلي واقفة عندك كده كتيـر ؟!
- هااه ، لا بس سرحت شويـة !
ثم وبختـه بعينيها :-
مراد الشقـة مكركبـة كده ليه !!
ترك الحقائب على السفرة ثم قال ممازحًا :-
رجل أعزب وعايش لوحده ، مستنيـة شقتـه يكون شكلها أيه !! بس أوعدك يوم ما تنوريهـا هخليها حاجة تانية ..
اكتفت بابتسامة خفيفة وقالت له :-
طيب هدخل دول جوه ..
- هعمل مكالمـة واحصلك ..
- براحتك ..
دخلت إلى غرفتـه المنقلبة رأسًا على عقب ، لا يوجد بها شيئًا بمكانه .
ملابسـه مبعثرة في كل صوب وحدب .. الوسائد مُلقاه بعشوائية هنا وهناك .. خزانتـه مفتوحة على مصرعيهـا ..
أخذت تجوب بالمكان بصدمة كبيرة:-
يانهار يا مراد ؟!! أيـه ده !! دي ما بقيتش أوضة نوم !!
تركت ما بيدها وشرعت في إعادة ترتيب الغُرفـة بسـرعة .
لملمت ملابسه المتسخة ووضعتها بالغسالة .
بدلت مفارش السرير ووضعت الوسائد بمكانهـا .
وقفت أمام الخزانة حائرة لا تعلم من أين ستبدأ ، فزفرت بضيق :-
والله حرام عليك ؟! هيحصل أيه لو اتعلمت النظام يعني ..
نزعت سترتها الخضراء مكتفية بالـ “تي شيرت” الداخلي والبنطال الفضفاض من خامة ” الجينز ” .
سكبت محتويات الخزانة على السرير وأخذت تعيد تنظيمها من جديد وهي تغمغم مع نفسها بكلمـات متنوعة تدل على إعتراضها على حالته :-
هو لما كمل على الحال ده أنا هعيش معاه أزاي ؟! هو في كده طيب !! حقيقي هيجنني ، لازم يشوف حل في العبث ده !!
قطع صوت همهماتهـا وحنقها من عنه يداها المُلتفة حول خصرهـا وهو يضمها إليـه بشوقٍ ليذوق طعم الشجرة المحللة متفوهًا :-
بتكلمي نفسك ؟!!
ظهرت رجفـة جسدها بتبرتها المهزوزة وقالت :-
أنت ازاي عايش في الأوضـة بالشـكل ده !
دفن أنفاسها بجدار عنقها مُقبلًا على تذوق شفافهُ من شهدها فأردف :-
وحشتيني ..
توقف عقلها عن ترجمة الكلمات فأكملت وهي تحت مظلة عشقـة :-
مراد بجد إحنـا لازم نحط قوانين لحياتنـا ، أنا مش بعرف أعيش في مكان مش مترتب ..
استولى على صوته همهمات اللهفـة :-
وحشتـك !!
ما زالت ملابسه مستقرة بين راحتي كفيها فقالت :-
اوعدني تكون شخص مهندم .. وتحط كل حاجة بمكانها بعد كده ..
- عالية ، بقولك وحشتيني ..
- هااه !!
تقدم درجات في سلم حبهـا فهوت بحفرة العشق كما هوت الملابس من يدها .. فتسلطن عليهمـا الحب والحنين كبلبل يتنقل هنا وهناك .
وهي نائمـة على كتفـه متكلفة الاسترخاء تستمتع بألحان العشق المعزوفـة على أوتار مشاعرها بصمت لم يقطعه إلا صوت أنفاسهما الحارقـة .
في زاوية ما بهذا العالم الواسع القاسي ستقابل شخصًا واحدًا ليكون هو أحن خطواتك المؤجلة حينها ستقف بجواره ولن تتحرك وإن فاتك العالم أنه الشخص المناسب.
•••••••
”لا تَستطيع أيّ ضوضَاء أن تخلقَ فزعًا مُساويًا لمَا يخلقهُ الصَمت المُمتَدّ بينَ مُتحابَّين.”
تجلس”حياة ” على أريكة شقتها التي جاءت إليها بشكلٍ مُفاجيء ولسببٍ مجهولٍ ، بصمت مريب بين الطرفين ، هي لم تسأل وهو لم يتكفل ويجيب ليروي فضولهـا .. بل اكتفى بالجلوس في صالون الشقة وإجراء الكثير من المكالمات ..
ضاءت شاشة هاتفهـا برسـالة نصية من جليسـة الصغار وهي تُخبرها :-
حياة هانم ، جبت البنات من المدرسة ورايحين التمرين ..
ردت حياة باهتمام :-
تمام يا رشـا ، خلي بالك منهم .. وقولي للسواق يسوق براحة عشان تاليـا بتعب من السرعة ..
- حاضر ..
قفلت حياة شاشـة هاتفها ثم تركته بجانبها ووثبت قائمة نحوه بملامح منكمشـة :-
هتفضل سايبني وقاعد هنا كتيـر ..
كتب أخر رسالة نصيـة لمن يراسله ثم ترك ما بيده ونهض إليها بقامته المهيبة .. وضع يديه على كتفيها بهدوء :-
مالك بس ؟! وأيه البوز ده كمان !! مش متعود منك على كده .
تخشبت معالم وجهها بضيق :-
عاصي أحنا جينـا هنا ليه ؟!
ما زال محافظًا على هدوئه :-
فلنفترض حابب أقعد معاكِ لوحدنا ، دي حاجة تزعلك ؟!
تحاشت النظر إلى عينيها وأطرقت بعيدًا :-
طيب ..
مسك ذقنها ورفع وجهها إليه :-
حياة بصي لي ..
أطرقت أرضًا بعيونها المُحملة بالدموع :-
لا ..
أصر أن يرفع عينيها إليه لتلتقي بعينيـه ثم سألها متحيراً:-
مالك ؟! أنتِ معيطة ؟!
سؤاله كان بمثابة شرارة النار التي سقطت على حقل أحزانها ، فانفجرت باكيـة وهي تتمرد وتعاند :-
لا ..
عقد حاجبيـه متعجبًا :-
والدموع دي ؟!
- مفيش يا عاصي .. عادي ..
شرع بمداعبـة خصلات شعرها المبعثرة بأنامله وهو يسألها بطريقة أكثر حنانًا :-
أيه مزعلك ؟!
ابتعدت عنه بانفعال غير مبرر ، وهتفتت ببكاء غزيـر :-
قلت مفيش ومش حابة اتكلم وكمان متقربش مني ..
– كيف لمجرد فكرة رحيل شخصٍ واحدٍ أن يُخلِّف هذا الألم الكبير والمرهق في قلبك، وكأن الأرض خاليةٌ من كل البشر واكتفيت به عما سواه من البشر؟!
جذبها عنوة إلى صدره وحاوطها بكلتا ذراعيـه ، ارتجفت في هدأة حضنه من فرط خوفها مثل محمومٍ بدون حمّى .. أخذ يربت على ظهرها بحنيـة تتساقط في حديثه :-
أشش .. ليـه ده كله ؟! بس بس روقي واهدي ..
عانقتـه بغتة متعلقة برقبته كطفلة صغيرة تخشى مغادرة أبيها وهي تضربه بقبضـة يدها كعقاب يستحقه عمـا قاله :-
أول وأخر مرة كلامك معايا يكون في مجرد احتمال أن بكرة يجي وأحنـا مش سوا ..
ثم انتفضت مذعورة بين يديه بنيرة مغلفة ببحة طائر مدْبوح :-
من وقت ما قولت كده وأنا عاملة زي اللي اضرب على دماغـه .. عاصي أنتَ مخبي عليـا أيه ؟!
ضحك بصوت مسموع على سذاجتها وقال :-
يعني ده اللي مزعلك !! مكنتش متخيل أن عقلك صُغير كده ..
دفنت وجهها الباكي في صدره وهي تضـربه بقبضتها مرة أخرى برفق :-
أنا مش هقدر أعيش يوم واحد من غيرك ..
تدلى ليحملها بين يديه بحنو ويجلس على أقرب أريكة وهي متخذة من جسده مأوى .. جلس وشرع بمداعب خصلات شعرها :-
طيب بصي لي ..
هزت رأسها نافيةً هي تندس بضلوعـه وتقول بتمرد :-
لا .. عشان لسـه زعلانة ..
هَل تعلم ما معنى أن تبنيَ عالمًا زاهيًا لك داخِل عينَي ؟! فلا تطفئه بغيابك .. كن لي حبيبًا لآخر عُمري ..
واصل مغازلـة تفاصيلها الذى وقع ضحيتهم .
أمرأة قوامُها لطيف حَتى أبتسامتهَا قادرة على ترميم روحك ، أخذ يسـرد شجن قلبـه :-
منكتش متصـور أن هيجي اليوم وأحب فيـه واحدة زي ما حبيتك ، تعرفي .. اليـوم الـ كنتِ نايمة فيه جمب البنات ، معرفتش أنام في الأوضـة ، حاولت كتيـر بس قلبي مقدرش .
“في كل مرّةٍ أكون فيها بجوارك، يخجل القلب أن يفكر في الغد وما يحمِله من هموم، لقد اجتمعت فيك معاني الرفقة الحقيقيّة، وكنت أرى شعوري الخائف، يزول باطمئنانٍ وهو يتآلف مع خدشٍ سبّبته له الحياة، يزول سريعًا لأنك برفقته .”
محى حزنها باعترافه فطالعته بعيونها الذابلة من كثـرة البكاء وأخذت تمرر كفيها على وجنتـه حتى أقرت منتشيـة لقُربه :-
وقلبي وقتها كان مراهنني عليـك .. وكسب الرهان..
بدأ في كفكفة عبراتها بلوم :-
بقا العيون الحلوة دي تعيط ؟!
ثم نهض وشدها خلفها ناحيـة المرحاض وشرع في غسل وجهها بالماء الفاتر حتى هدأت حُمرة عينيهـا .. تناول المنشفة وجفف ملامحها المبللة وهو يقول :-
نسيت أقولك أن في مفاجأة كمان خمس دقايق ..
سطع وجهها ببهجة طفولية :-
مفاجأة أيه ؟!
- قولت بعد خمس دقايق .. ومتحاوليش ..
وقفت على أطراف أصابعها لتُقبله سريعًا بوجنته :-
طيب وكده ؟!
- تؤ ، وبعدين أيه دي ؟! دي تضحكي بيها على تاليا وداليـا .
- عاصي !! عشان خاطري قول بقا ..
- طيب ادفعي عربون يستاهل الأول ..
زامت فاهها بدلالٍ :-
لو مفاجأة حلوة هعملك اللي أنت تطلبه .. يلا ..
في تلك اللحظة رن جرس الباب مُقاطعًا لحديثهم ، فقال :-
روحي افتحي ..
- اشمعنـا ؟!
- عشان تعرفي المفاجأة…
•••••••••
خرجت شمس من صالون التجميـل وهي تكرر اتصالها بعاليـة التي اختفت فجأة .
على مراجل من قلق أخذت تجوب حائرة وهي تهذى مع نفسها حتى يائست أن تجد حلًا فهاتفت تميم لتستغيث به .
ما أن أتاها صوته قائلًا :-
خيـر يا شمس ؟!
جاءه صوتها مضطربًا :-
تميم .. أنت فين ؟!
- في الشُغل .. في حاجة؟!
زفرت بحيرةٍ :-
ايوة ..
- قولـي ..
ردت بصخب يملأها :-
عاليـة ، قصدي أنها راحت تزور واحدة صحبتها ، ومش عارفة أوصلها .
فزع تميم من مجلسها بلهفـة وهي يطرحة عريضة من الاسئلة لم تجب عليها شمس حتى ختم تساؤلاته قائلًا :-
أنتِ فين ؟!
وصفت له العنوان بتخبط في تفاصيله حتى قطعها :-
ابعتي اللوكيشن يا شمس ، جايلك .
توسلت إليه :-
بسـرعة يا تميـم …
••••••••
فُتح الباب وفتح معه عينيها وفاهها ، أزفت لحظة اللقاء المنتظر أخذت تَتلعثم مكذبة ما تراه .
تجمدت الدماء بعروقها من هول الصدمة فخانها التعبيـر مكتفية بتوزيع نظرات تحمل الكثير من الدهشة .
فهمهمت باسمي أخوتها :-
رشيـد .. يونس .. !!
ناظر الإخوة بعضهم البعض في استفهامات متشتتة ختى تفوه يونس بحماس وهو يبادر بمعانقـة أخته الكُبرى :-
رسيـل !!!
تعلقت بحضن أخيها بشوق مدججٍ وهي تهتف باسمه :-
يونس !! معقولة !!
فأخذت تبتهل بشكر :-
الحمد لله ، الف حمد وشكر ليك يارب .. وحشتني وحشتني أوي يا حبيبي ..
أمطرت سُحب شوقها على كتفي أخيها وهي تستنشق به رائحة والدها :-
قلبي كان حاسس والله ..
فارقت جسد أخيها بعناء لتطوق رشيد ، توأمها وتقول ببكاء :-
رشيـد ، تعالى تعالى في حضني .. وحشتني يابن الأيه ..
ضم أخته بلهفة اللقاء وهو يخبرها :-
انا مش مصدق ، مش مصدق أنك قدامي ، انا كنت يأست خلاص وقلت البحر غدر بينـا .. زي ما غدر بقنديل المصـري ..
هتفت بنحيب دفين :-
الله يرحمه .. هو آكيد فرحان بلمتنـا دلوقتِ ، أنا حاسس ببابا ..
من الخلف أشار عاصي لرجاله أن ينتظروا بالأسفل .
انسحبوا بهدوء فتدخل عاصي قائلًا :-
طيب ادخلوا جوة ..
رمقه يونس بحيرة حول هويته :-
مين ده يا رسيل ؟!
ابتعدت عن حضن أخيها وهي تجفف دموعها السائلة ، طالعته بتفاجر وهي تُجيب أخيها :-
عاصي دويدار ، جوزي..
قفل رشيـد الباب وعاد إليـه ليفحصه بعنايـة :-
ده أمتى وأزاي ..
أجابهم عاصي :-
هتعرفـوا كل حاجة ، بس الأول اتفضلوا ارتاحوا من السفـر ..
تغلغلت أصابعـها بفراغ كفه لتسير بمحاذاته نحو الأريكة .
اتبع اخوتها الخُطى حتى وصلوا إلى غرفة الجلوس .
جلس عاصي على مقعد منفرد .. وأقبلت حياة إلى يونس وأخذته بحضنها مرة أخرى وهي تُقبله بقبلات مدججة بالشوق والهفة أثارت غيرة عاصي .. فقال مقترحًا :-
حبيبتي ، أخواتك أكيد جعانين .. شوفي ياكلوا أيه ؟!
طوق يونس أخته الكبرى بحب ثم قبل كفها :-
أنا النهاردة أسعد واحد في الدنيـا .. وحشتيني ووحشتني رواياتك وكلامك يا رسيـل .. أنا كنت تايه من غيرك..
ردت القبلة بقُبلتين وقالت بفرحة :-
عاصي معاه حق ، تاكلو أيه ؟! هعملكم كل الأكل اللي تحبوه ، وحشكم أكلي مش كده !
تحمس يونس :-
أنا وحشتني الصياديـة بتاعتك ..
- بس كده ، حالًا أقوم أعملك أحلى صيادية ..
تدخل عاصي باسمًا :-
استني بس .. ارتاحي هنطلب الأكل من بره .
عارضته :-
عاصي …
فبرر قائلًا :-
أكيد يونس مش هيوافق يتعبك وأنتِ حامل!! ولا أيه يا يونس ..
هتف يونس بفرحة وهي يضمها :-
الله ؟!! ده بجد ؟! يعني هابقى خالو .. لا جوزك معاه حق ارتاحي خالص ..
طالع عاصي رشيـد بملامحه الصاخبة حيث سأله :-
واضح أن رشيد مش مبسوط أنه هيبقى خال هو كمان ..!!
تفوه بحنق واضح :-
أنتَ عرفت أختي ازاي ؟!
عارضه يونس :-
رشيد ، ده وقته ..
عاصي متفهمـًا :-
سيبه يا يونس .. هاا عايز تعرف أيه يا رشيد ؟!
••••••••
- أحنا ليـا نص سـاعة بنلف ولحد دلوقتى ماقولتيش معلومة واحدة مفيدة يا شمس ..!!
بنبرة أجشة هتف تميم قائلًا جُملته الأخيرة ثم أتبع :-
يعني هتكون راحت فين ؟! وأنتوا أيه خرجكم أصلًا ؟!!
انتفضت شمس من مكانها :-
طيب ممكن تهدى ؟!
- اهدى أيه في الظروف دي ؟!! أنتـوا عارفيـن الظروف ومش عارفين مين بيعادينـا وكمان خرجتوا و أدي النتيجة !!
ثم أمسـك هاتفـه بعجـل فسألته :-
هتكلم مين ؟! بلاش عاصي ، هيتخانق معايـا وهتحصل مـشـ ..
فقاطعهـا مزمجرًا :-
مش هكلم عاصي ، ده مراد ..
باندفاع أجابته :-
هـو كمان مش بيرد ..
- كلمتيـه ؟!
- ااه كلمته كتير ، مابيردش ..؟!
زفر بضيق وهو يفكـر ثم تراجع إليها :-
وأنتِ كلمتي مراد ليـه؟!
بدأ الاضطراب يتراكم فوق معالم وجهها وهي تتراجع للوراء حتى ارتطم ظهرها بباب السيـارة :-
أصل … عاليـة .
اخفض تميم سرعة السيارة بعدما أدرك أنها تخفي شيئا:-
اتكلمي على طـول يا شمس ..
- أصلها خرجت عشان تقابل مراد .. وقالت ساعة وهترجع .
- وماقولتيش كده ليـه من الصبح؟!
كان سؤاله مغلف بالتوبيخ حتى بررت :-
أصل ده سـر ..
ثم اندفعت محذرة :-
بص قُدامك ..
عض تميم على شفته السُفليـة وهو يراقب الطريق أمامه ويهمهم مع نفسه بكلمـات غير مفهومة حتى قطعتها حائرة :-
تمـيم ، أنا مش فاهمة حاجة من اللي أنت بتقوله !!
جهر بجزع فاض في نبرته الغاضبة :-
بكلم نفسي يا شمس، اتجننت فبقيت بكلم نفسي ..
- طيب براحة ، وأنا مالي بتزعق فيـا ليـه ؟!
- عشان تكذبي تاني !!
- انا مكذبتش …
اكتفى بإرسال نظرة حادة إليها ثم أكمل تجوله بالطرقات متجنبـًا الحوار معها وهو يتوعد في نفسه لمراد وعاليـة وشمس التي كذبت عليـه ، وصل الاثنان تحت البناية التي تقع بها شقة مُراد فهتف تميـم بضيق فاض :-
اهي عربيـة البيه اهي ..
شمس بحرج :-
يعني همـا فوق !!
- اكيد ..
هبطت شمس من سيارته وتحركت كالمخبرين حول سيارة مراد ثم عادت إلى تحت نظرات التعجب من فعلها :-
أنت نزلتي ليه ؟!
- عالية موبايلها جوة العربية .. يبقى فعلًا هي فوق ..
ثم تنهدت بارتيـاح :-
الحمد لله أنهـا بخير ..
فتح تميم نوافـذ سيارته ثم ولى تجاهها ليبدأ في فقرة استجوابها :-
هااه بقا خرجتوا ليـه ؟!
ردت بخجـل مشحون بالتوتـر :-
شويينج يا تميـم ..
لم ترق عليـه كذبتها :-
شمس هناك مفيش ولا محل تشتري منه ..
- لا طبعا في !
رد بتخابث :-
طيب فين اللي جبتيـه بقا ؟!
- هااه ؟! ااه مفيش حاجة عجبتني ..
شبح ابتسامة خفيفة ظهرت على وجهه وسألها بمكـر :-
شمس .. أنتِ كُنتِ في بيوتي سنتر ؟!
لُطخ وجهها بحُمرة الحياء :-
أيه !! لا طبعـًا .. أنا هروح الأماكن ده ليـه .. لالا مفيش الكلام ده خالص .
- طيب أهدي .. عادي ده مجرد سؤال .. مش مستاهل التوتر ده كله .
هزت كتفيها باضطراب :-
أنا مش متوترة .. أنا عادي .
ثم غيرت مجرى الحوار بينهـم :-
طيب أيه ؛ أحنا مش هنطلع لهم ولا هنستنى هنـا ؟!
مط شفته السفليـة متحيرًا :-
والله شايف نستنى …
أيدته قائلة :-
كده أحسن ..
ثم ترنحت بتخابث ممزوج بالفكاهة :-
براڤو طلعت بتفهـم ..
رد مندفعًا :-
عشان لو طلعت فوق هكسر الشقة على دماغهم .
انفرج فاهها :-
أيــه !!
~ بشـقة مراد ~
جلست عاليـة على المقعد لتنتعل حذائها بتوتـرٍ ساطع من ملامحها وهي تطلب منه :-
مراد معلش كلم شمس ، قولها نص ساعة ونكون عندها .. أحنا اتأخرنا أوي ..
- مش معايا رقمها .
- أنا أزاي سمعت كلامك بس .. انت السبب يا مراد في كل ده .
رد وهو يرتدي ساعته :-
يا سلام ! أنا السبب دلوقتِ ؟!
ثم وثبت لتتهمـه مُشيرة بسبابتها :-
على فكرة أنت من أول ما كُنا تحت وأنت ناوي على حاجات مش تمام .. هاه تنكر ؟!
- بصـراحة أه ..
ثم ضحك بصوت مسموع وهو يقترب منها :-
أنت متوترة كده ليه !!
جهرت باضطراب وهي تخرج راكضـة من غرفتهم التي هبت بداخلها عواصف العشق فانقلبت مجددًا رأسًا على عقبٍ :-
مش متوترة يا مراد وبلاش تأخير أكتر من كده.
~ بسيارة تمـيم ~
شمس محاولة خلق لغة حوار بينهم :-
مبروك ، على فك الرُباط .. بقيت أحسن !
- احسن ..
ثم نظر إليها بكامل وجهه :-
أخبار البونيـة اللي في وشي أيه ؟!
تمدد محياها بهدوء وهي تمرر سبابتها فوق الكدمة المستقرة تحت عينه :-
شايفة أنها بقيت أحسن كتير .. أنت مش حاسس بتحسن ؟!
في روضـة حُسنها وجمالها الخلاب غرق بسحر تعامد أشعة الشمس على مُقلتيها ، فتبلور قلب تميم عندمـا سطعت شمسها :-
عينيكِ حلوة أوي ..
لم تستطع الـرد بسبب تراجعه فجأة عن قربها بعد رؤيته لعاليـة ومراد يتراكضان نحو السيارة :-
أهو الباشا ظهر ..
هبطت شمس بسرعة لتهرب من أسر مغازلته التي رجت فؤادها من مكانه واندفعت إليها معاتبة :-
كده ياعاليـة !! قلقتيني عليكي ..
عالية باعتذار شديد :-
بجد أسفة يا شمس ، اشتريت حاجات كتير ومراد صمم نجيبها فـوق ، والأستاذ شقتـه خرابة هو ده اللي عطلني .. متزعليش مني بجد ..
تقدم تميـم إليهم بوجهه المكفهر :-
طلع عاصي عنده حق لمـا قال أنك بتلوي دراعنا !! أنت محدش مالي عينك يعني ؟!
- أيـه الدخلة دي يا تميـم !!
- كمان مش عاجبك !! لما تكسر كلام أخوها الكبير وتقابله من وراها مش ده اسمه شغل حرامية ؟!
وقفت عاليـة بينهم :-
أنتَ معاك حق يا تميم .. وأنا غلطانة بس متزعلش مني ..
شدها مراد ورائه ، ووقف في مواجهة تميم :-
متكبرش الموضوع يا تميم ..
- لا هو كبير فعلًا ..
رد ببرود :-
ولا كبير ولا حاجة ، مراتي وحشتني .. فيهـا حاجة دي !
عض تميم على شفته السُفليـة كاظمًا غضبـه :-
شكلك مش هترتاح غير لما اختم على وشك زي البونية دي ..
تدخلت شمس بهدوء :-
خلاص يا تميم عشان الشارع والناس بدأت تاخد بالهـا ..
هتف بغضب مزعوم :-
مفيش خلاص .. لازم يعرف يحترم كلام أهل مراته ، وعشان ترحم اتفضل بقا اعزمنـا على الغدا في المكان اللي اختاره ..
تنفس الجميع الصعداء خاصة عند تحول نبرة تميم من الجديـة للمرح ، فرفع مراد قبضته ليلكمه بالعين الأخرى ممازحًا :-
حرام أعورك في التانية ..
- اتكلم على أدك يا لاه .
••••••••
خرجت من المطبخ حاملة بيدها طبقًا كبيـرًا من الفـواكه ، فطافت عينيهـا باحثة عنه .. حتى سألت أخوتها :-
عاصي فين .. ؟!
وثب يونس ليحمل عنها الطبق وقال :-
جاله تليفـون ونزل ..
لف انتباهها جلوس رشيـد بعيدًا عنهم :-
رشيد أنت قاعد بعيـد ليـه ؟!
دنى منها متأففًا :-
مش مرتاح يا رسيـل .. بحاول استوعب كل اللي حصلنا ده ..
ثم جلس بجوارها :-
يعني في يوم واحد اتفرقنا ، أبونا مات ، انتِ اختفيتي ، فريد استولى على حقنـا وحاول يقتلنـا ؟!!! وكمان لما نتجمع تاني تطلعي متجوزة وحامل !!
ثم أطال النظر بعينيها :-
وبعدين الراجل ده مش مرتاحله .. سر الغناء الفاحش اللي هو فيـه .. الحرس ورجالته .. هدوئه ، كلامه ؛ رسيل أنتِ واثقة أنك تعرفيه !!
أجابته مشدوهة :-
رشيد أنت عايز توصلي أيه ؟!
- أنتِ ازاي تسلمي نفسك لراجل غامض زي ده ، وشه كله أسرار ؟!
تناولت ثمرة التفاح وشقتها لنصفين وقالت :-
بردو مش هتتغيـر يا رشيد ، زي ما بابا بيقول عنك .. ما بتبصش تحت وجليك قبل ما ترمي صنارتك بعيد ..
- قصدك أيه ؟!
- قصدي أنك ركنت اللي عمله فريد ، ومحاولة أنه يخلص منكم .. وياعالم عمل أي كمان ، وبقيت شغال محلل نفسي لعاصي !!
أيد يونس حديث أخته :-
على فكرة رسيل بتتكلم صح .. وبعدين ماله الراجل !! هيبته ونفوذه يسدوا عين الشمس !! وواضح أنه بيحب أختك وشاريها .. أنت مزعل نفسك ليه ؟!
رشيد بسخط :-
بردو أنا اللي طلعت غلط في الأخر !! عمومًا خليكم فاكرين كلامي ، وان الراجل ده هيطلع وراه حوار كبير.
أعطت أخيها ثمرة فاكهة:-
رشيد .. طلع عاصي من دماغك وخليك في ابن عمك اللي معملش حساب لصلة الدم ..
تأفف رشيد بحنق :-
يامين يناولني زُمارة رقبتـه … بس هيروح مني فين .
••••••••
~ بسيارة عاصي ~
أشعل سيجارتـه وهي يُكرر سؤاله بصيغة مغايرة على أذان ” حماد ” الجالس أمامه يرتجف ..
- تحب تحكي أنتَ .. ولا أحكي أنا ..
قطعت سيوف الخوف الكلمات على طرف لسانه :-
اللي تشوفه معاليك .. اللي أنت عايـزو انا خدامك .
- يبقى احكي لي كده من الأول كُل اللي تعرفه ..
طافت عينيه حول السيارة المحيطة بالرجال الذين يحرسونه فدب الرعب إلى أوصاله وسأله :-
بخصوص أيه ياباشـا ..
كظم غيظه بصعوبة وقال
- أي علاقتك بنفادي ..
- كـ كانت مصلحة هاخد منها قرشين حلوين .. بس هو غدر بالاتفاق ..
عاصي بثبات :-
وأيـه هي المصلحة ..
- نبعدك القصر ورجالته يأخدوا الهانـم ويوديها للباشا ..
زفر باختناق :-
جميل .. مين الباشا بتاعكم .. وياريت بسرعة عشان معنديش وقت ..
- اللي كان بيتواصل معايا واحد من الغردقـة شغال في المينا تبع واحد اسمـه فريد المصـري .. هو اللي كان عارض نص مليون على اللي هيجيب له بنت عمه ..
احتدت نظرة عاصي فهب الرعب بصدر حماد :-
خدت أنا نص الـ 300 ألف ونفادي ورجالته الـ 200 الباقيين .. ومن وقتها ورجالة فريد بتدور عليـا لأن نفادي خلف الاتفاق واداني عنوان غلط اللي استلم فيه الهانم .. بس مجاش ..
أغمض عينيه متحكمًا في غضبه :-
فريد المصري !! حفرت قبرك بأيدك يا *** .
ثم نزل من سيارتـه فجأة وهو يُشير لرجاله :-
خدوه من هنـا ..
عاد عاصي إلى شقته محاولًا طي عبوث وجهه محافظًا على هدوئه وثباته ، في اللحظة التي أحست حيـاة فيها بصوت مفاتيحه ، أثناء جلوسها بحضن يونس ، حدجت أخيها رشيد آمرة :-
افرد التكشيرة دي ..
أتاهم صوت عاصي وهو يلقي مفاتيحه على الطاولـة :-
مش هترتاحوا شوية يا شباب ولا أيه ؟!
قَبل يونس رأس أخته :-
ومين هيجيلوا نـوم الليلة دي ..
- أنا مقدر والله .. بس رسيل قاعدة أهي ، قوموا ارتاحوا شويـة عشان عايزكم فايقين بالليل ..
تحمست حياة وهي تنهض بسرعة وتُشير إلى أحد الغرف :-
قوم يا رشيد ، وأنت كمان يا يونس ..
نهض رشيد على مضض نحو الغرفة المقصودة وأما عن يونس فهتف قائلًا :-
طيب بعد اذنكم بقى ..
مع صوت قفل باب غرفتهم ألتفت حياة إلى عاصٍ :-
وأنت مش هترتاح شوية ؟!
مد ذراعه إليها ليتمسك بها مستعينًا بقوتها للوقوف ثم تحرك الاثنان نحو غرفتهم التي عند قفل بابها ارتمت بحضنه بعرفان :-
عاصي أنت النهاردة رديت لي روحي .. كل كلام الشُكـر مش هيوفي حقك .
طوق زوجته بحب :-
كفاية عليـا فرحتك دي ..
- حاسة إني في حلم جميـل أوي .. أنت وأخواتي واطمننا على صحة ابننا .. حقيقي قلبي بيطير من الفرحة ..
ثم ابتعدت عنه متدللة وهي تعبث بأزرار قميصـه :-
أطلب مني أي حاجة وأنا هنفذها فورًا ..
أخذ يفكر قليلًا فاستعجلتـه :-
يلا قبل ما أرجع في كلامي ..
أمسك بذقنها مداعبـًا :-
متحرمنيش من ضحكتك الحلوة دي أبدًا .. ممكن !
عادت مرة آخرى لحضنه وهي تطوق خصره معترفـة بشوق يفيض من جسدها :-
بحبـگ .
••••••••
على طاولة منفردة بعيدًا عن عاليـة وشمس وتهامسهم ، جلس مراد وتميـم في الجانب الآخر من ” الكافيه ” المتخصص بالتدخين .
فوبخه تميم بتهامس :-
جبتنا هنـا ليه !! وبعدين أنا مش بدخن ؟
زفر مراد بحذر :-
وأنا كمان بطلتها .. بس معلش لازم نتكلم ..
تميم باهتمام:-
انجز قبل ما تلاقيهم فوق دماغنـا ..
- تميم .. الكلام ده كبير وأنا بسألك عشان تساعدني ونشوف حل ، وفي الأول والأخر لمصلحة عالية .
نفذ صبر تميم :-
ما تنجز !! مكنتش عزومـة للذل ده كُله !!
ألقى مراد نظرة سريعة إلى عاليـة ثم قال :-
أنت تعرف أن عالية مش بنت خالتي عبلة !
طاحت يد تميم بالكوب الزجاجي الذي ارتطم بالأرض متهامسًا تحت سحابة الصدمة :-
انت مستوعب بتقول أيه ؟! مراد أيه الهبل ده ؟!
انكمشت ملامح مُراد إثر الضجة التي أحدثها تميم لحظة تلقيـه الخبر ثم قال بحذرٍ :-
اهدي يا تميـم متخليش حد ياخد بالـه ..
جاء النادل ليقطع تهامسهم وينظف الأرض من حُطام فتات الزجاج الذي لا يختلف كثيـرًا عن قلب تميم المهشـم .
انتظر إلى أن رحل النادل ثم عاد متسائلًا :-
مراد مين قالك كده ؟! ولا ده استنتاج !! فهمني ؟!
- هحكي لك يا تميم بس أهدى واسمعني ..
•••••••
في تمـام التاسعة مساءً .. تتهامس نوران في الهاتف مع كريم الذي تحجج بأمر فريد وتحكماته المبالغـة بالقصـر .
فأردفت نوران بعتب :-
مكنش لازم تكسر كلام عاصي .. اكيد عارف أن ورا الجدع ده مصيبة عشان كده منعـه من دخول البيت ..
خرج كريم إلى شرفة غرفتـه ليتنفس القليل من الهواء :-
أهـو اللي حصـل بقى يا نوران .. مش حلوة خالتي تبقى واقفة على البوابة قدام اللي رايح واللي جاي .
وبعدين غيري الموضوع أحسن ما انزل اكسر صف سنان الأراجوز اللي تحت ..
التوى ثغر نـوران بحنق :-
أهي خالتك دي علامة الاستفهام الكبيرة في البيت ؟!
كريم من رأيك مادام مش هي أم عاليـة ، يا ترى مين تبقى مامتهـا ؟!
رفع أنظاره للسماء متنهدًا بحيرة :-
اجابة السؤال ده عند خالتي وبس !
- طيب تفتكر لما قالت لعاصي أنها مش أختـه ، معنى كده أنهم مشتركين في الجريمـة ؟! وياعالم أيه تاني وراهم .. !!
زام ثغر كريم بجزع :-
هو مفيش مواضيع تانية عندك تفك الواحد !! كله نكد في نكد كده ؟!
عقدت حاجبيها بذهول :-
أصلًا أنتَ بتكلمني ليـه ؟! ماينفعش نتكلم تاني بعد اللي حصل النهاردة !
- ليـه يعني ؟! وأنا كُنت عملت ايه؟؟
- شوف أنت بقا .. وياريت متحاولش تكلمني تاني عشان عندي مذاكرة ومن غير سلام ..
فوجئ كريم من قفلها للمكالمة بهذه السرعة ثم تفوه مندهشًا :-
مالها بنت المجانين دي ؟!!!!
~بالأسفـل ~
يجهر فريد بنبرة فظة غليظـة بأحدى الخادمات الاتي تُقدم له القهوة :-
دي من غير وش ؟! أنتِ ازاي تجيبي القهوة بالمنظر ده ؟!
- سوري هعملك غيرها ؟!
طاحت يده بالمائدة التي تحملها الفتاة بتغطرس لتتهاوى أرضًا :-
مش عايز حاجة من وشك …
فتدخلت عبلة بكبرياء:-
أوامر فريد بيه تتنفذ بالحرف .. فاهمة !
أخذت الخادمة تنظف مكان القهوة المسكوبـة بضيق يملأها هي وبقية الخدم .
انتقل فريد من مكانه ليجلس لجوار عبلة حيث جهر آمرًا وعينيه تقتنص الفتاة بوقاحة :-
انجزي يا بتاعة أنتِ ..
ثم مال على أذن عبلة :-
مخلصنـاش كلامنـا .
تركت الهاتف من يدها :-
أي كلام ؟!
- عاصي …
تحولت ملامحه الهادئة إلى آخرى يملأها الانتقام :-
أنا هدفعه التمن غالي أوي .. هعرفه يعني أيه يلعب مع عبلة المحلاوي ..
شرع فريد ببخ سمه برأسها :-
بس أنا شايف غير كده ..
- ازاي ؟!
- شايف أن كيان عاصي دويدار أنتِ اللي عملتيـه ، وزي ما عملتيه في أيدك تهديه ..
- يعني ؟!
تجولت أنظاره الشريرة بالمكان ليتأكد من خلوه ثم قال بحذر :-
عاصي عض الأيد اللي اتمدت له ، يعني خان .. والخاين جزاته رصاصـة تخلصنـا منه .. هو اللي كتب نهايتـه بنفسـه ..
اتسعت أعين عبلة بذهول :-
قصدك اقتل ابني ؟!
ابتسم بمكر :-
مش ابنك يا عبلة ، ده كان الطُعم لصيد أحلام عبلة هانم .. بس غدر .. والصبي اتمرد على معلمه يبقى ……
في تلك اللحظـة اقتحـم عاصي القصر بزعابيب غضبه بخطوات سريعة ركضت حياة لتواكبهـا .. وثب فريد والخوف يملأ عينيه خاصة عند رؤيته لأبناء عمومته وكل منهما ينوي أن يرد له الصاع صاعين ..
جهر عاصي بصوته المُرعـد :-
أنا لما أمنع دخول حد بيتي .. ويدخل يبقى يستاهل كُل اللي يجراله ..
مع ختام جملته فُتحت أبواب الغرف وخرج منها سُكانها .. تبادل كلًا من نوران وكريم النظرات ثم تقلصت المسافة بينهم حتى استقرا في نقطة واحدة وهي تتهامس :-
عاصي مش هيعديها … اتفرج اتفرج .
حدجها بدهشة :-
أيه السعادة دي يابت ؟!!!
- بس بقا ..
اقتربت عبلة من عاصي وهي تحمي فريد ورائهـا :-
وأنت لما تمنعني أدخل بيتي المفروض أقف من بعيد اسقف لك وأقول براڤو طردت أمك !
بغطرسة :-
أنا حر .. أقول مين يقعد هنا ومين لا وأنتِ مش عليكي غير تنفيذ أوامري وبس ..
عارضته بحرقة :-
لا يا عاصي ألا أنك تبعدني عن القصر اللي بنيته بسنين عمري .. أنا مش هخرج من البيت ده غير جثـة ..
رد بقسوة :-
وده المصير المتوقع لأي حد يكسر كلامي ..
كادت حياة أن تتقدم إلى زوجها لتهدئه ولكنها توقفت إثر منع يونس لها .. تدخل فريد في حوارهم قائلًا وهو يخفي صدمته بلقاء أخوة رسيل :-
عين وصابتكم يا جماعة مش كده !! وبعدين ده النهاردة يوم عيد .. ولاد عمي بخير يا جدعان وواقفين قدامي .. تعالو تعالو في حضن ابن عمكم ..
تقدم رشيد ببطء وهو يحضنه ثم قال :-
ولادك قنديل المصري بسبعة أرواح .. مايتخافش عليهم ..
كتم عاصي غضبـه بصدره وهو يقاوم مشـاعره الثائرة نحو فريد .
اتسع بؤبؤ عيني حياة بذهول :-
أيه اللي أخوك بيعمله ده !! يونس ألحقني !!
- استنى يا رسيل ..
هبطت نوران درجتين من أعلى بحماس وهي تقول لكريم :-
مش قولت لك هتولع ..
- مفيش دم خالص !!! اللي بيجري في عروقك ده ميه ساقعة !!
تركت حياة كف يونس وتقدمت ناحية عاصي وضمت ذراعه هامسـة :-
عاصي أنا مش فاهمـة حاجة ..
ارتفع صوت رشيد قائلًا :-
فريد ابن عمي وأخويا الكبيـر اللي اتعلمت منه الصنعة ، وخطيب رسيـل أختى ..
خرج عاصي عن صمته :-
ما تفوق لنفسك يا رشيد وتعرف أنت بتقول أيه ؟!
فريد بشماتة :-
سيبوا يا رشيد .. هي كدة كلمة الحق بتزعل ..
- كلمة كمان وهدفنك حي مكانك …
تقدم يونس معترضًا على موقف أخيه :-
رشيد أنت بتعمل أيه ؟!
قهقهت عبلة وهي ترمق حياة بسخريـة :-
كُنتِ مخطوبة لجوزي !! وأول ما شوفتي ابني بعتيه !! يعني خطافة رجالة !
صرخت حياة بوجهها :-
أنا مش خطيبة حد ، والموت عندي أهون من جوازي من فريد .
عارضها رشيد :-
والفاتحة اللي قراها قنديل المصري !! اتنست !
- اه اتمسحت من دماغي .. لأن عمري ما كنت هتجوزه أصلا ..
تقدم فريد ليرد كرامته قائلًا بخبث :-
أنتِ عمرك ما كُنتِ هتتجوزي أصلًا يا رسيل .. عارفة ليـه ؟! عشان مين المُغفل اللي هيحاسب على مشاريب غيـره ..
ثم نظر لعبلة وأكمل :-
بس شكل ابنك اللي طلع المغفل ده وقبل بواحدة نامت في حضن حد قبله … قاسم فاكراه ؟!!!
في تلك اللحظة انفجر بركان عاصي المدفون بوجه فريد الذي التهمه بجنون ليسدد لوجهه العديد والعديذ من اللكمات القوية والمصحوبة باللعنات الخارجة حتى رقد فريد تحت قدميه لا حول له ولا قوة … تقطرت الدماء من وجهه الذي كان ساحة لتفريغ غضب عاصي .
هنا جاء تميم ومراد يركضون من الخلف على أصوات الصرخات والاستغاثات المنبعثة من الأفواه .
بصعوبة استطاع كل من مراد وتميم ورشيد أن ينقذوا فريد من قبضة يـده الحديدية ، أخذ يسبه بأبشع المصطلحات :-
مبقاش عاصي دويدار لو خرجت من هنا على رجليك ..
ركضت حياة لتثبط من نيران زوجها صارخة بحرقة :-
عاصي بس خلاص كفاية .. كفاية عشان خاطري ..
- وديني نهايتك هتكون على أيدي ..
جاءت عبلة صارخة بوجهه :-
ده بدل ما تدفنها جاي تتشطر على فريد !! روح شوف ماضي الهانم اللي أنت اتجوزتها ..
- اللي هيقول حرف في حق مراتي هقتله بأيدي ..
- وأنا مايشرفنيش واحدة شمال زيها تربي بناتك وتتكتب على اسمك ..
تدخل رشيد بغضبه المنثور :-
وأحنا مايشرفناش نسب ابنك .. وأختي هاخدها معايـا وأمشي ..
حياة بذهول من موقف اخيها السلبي :-
رشيد أنت بتقول أيه !! بس بس بقا ..
عارضها رشيد بحزم :-
فاتحة قنديل المصري عهد ..
ثم جهـر مُعلنـًا :-
فريد .. لسـه عند كلمتك وعايز تتجوز أختى ؟!
وثب فريد بمعاناة تحت أنظار الجميـع وهي يستند على المقعد ، طالعته عبلة بفضول منتظرة رده .
وضعت عاليـة كفيها على فمها من هول الصدمات المتدلية فوقهم .
أما عن شمس فكان همها هو أمر حياة وسلامة حملها .
أعلنها فريد بأنانيـة :-
محدش غيري يستر عار بنت عمي ..
نهره رشيد بصوته القوي :-
عايز تتجوزها ولا لا ؟!
اتسعت ابتسامة فريد وهو يلهث :-
ااه .. رسيل أنا لسه بحبك ..
توقف مراد كالسد المنيع أمام جيوش عاصي التي تريد أن تغتال فريد في الحال .
جهر تميم موبخًا :-
أنت ضارب أيه يابني آدم على آخر الليل !! ما تخاف على عُمرك ..
بنفس النبرة القوية قال رشيد :-
بس أنا ليا شرط ، أختي ما تتجوزش على ضُرة ، تطلق مراتك هسلمك أختى ..
اقترب فريد مت عبلة بقلب يتراقص على أوتار الفرحة وهى يقول بحماس وحماقة معًا :-
وأنا موافق .. عبلة أنت طالق ..
شهقات متتاليـة من الجميع اندلعت من أفواههم حتى ختمها رشيد بحزمه وهو يشد حياة من يد عاصي لتقف خلفه عنوة :-
بالتلاتة …
دنى فريد من رسيل ذات الوجه الشاحب والمشدوه من هول الحدث الصادم لعقلها .
تقف امام سيفين سيف تجبر أخيها وسيف الحُب حاولت التملص من قبضة يد رشيد ونظرات فريد المُرعبـة حتى نطق كلمته بسعادة :-
عبلة أنتِ طالق بالتلاتة …..
استولى على صوتها الأسى والجوى:-
رشيـد أنت رجعت عشان تدمرلي حياتي ؟!! أنا عملت لك أيه ! ليه القسوة دي !! مش كفاية عمري اللي ضيعته على تربيتكم .. بقيت لكم أم في الوقت اللي كانوا في سني بيلعبوا بالعرايس ؟! أنت مين أداك الحق في كل ده ؟!
ثم دارت في اللحظة التي همّ فيها على احتضانها بين ذراعيه وهو يقبل رأسها وجسدها المرتجف :-
محدش هياخدك مني يا حياة .. اهدي اهدي دي لعبـة !! مفيش حاجة هتحصل ..
كاد يونس أن ينفجر بأخيه ولكن أوقفته كلمة عاصي الأخيرة ، وإقبال رشيد على ضم أخته كاعتذار على قسوته معها ولكن هذا كان اتفاقه مع عاصي .
بات فريد يتضور حوله كالمجنون ، فجأة خسر كل شيء ، أصبح ورقة محرقة يُطاير الهواء رمادها .
وقفت عبلة أمامه وهي ترمقه بسهام الخسه :-
أنتَ حقير .. وأنا غلطانة إني وثقت في واحد خسيس زيك ..
أخذ يتفقد الوجوه الشامتة ونظرات الحقد التي تنهال فوق رأسه .
أصبح يهذى كمن فقد عقله وهو يقول :-
أنتوا اتفقتوا عليـا ؟!!! لا ده أنا فريد المصري ، حوت البحر الأحمر .. ومش أنا اللي يتلعب بيـا ..
ثم أشار بسبابته نحو عاصي ورسيل التي تنتفض في حضن أخيها :-
طيب اسمعوني كلكم .. عشان أنا ناوي أهد البيت ده على اللي فيـه ..
أخرسه عاصي قائلًا :-
اظبط ساعتك على دقايق عمرك ، أنت خلاص في عداد الأموات …
ثم اقترب منه خطوة :-
سؤال عايز أسمع اجابته منك .. عايز أيه من مراتي !! عايز أيه يخليك عشانه تأجر بلطجيـة عشان يخطفوها ..
انفجر فريد بضحكات هسترية تحت تأثير الصدمة والوجع المُنصب على جسده وبلهجة المُتعربد قال :-
ما بلاش فردة الصدر دي .. وما دام كده ميت وكده ميت .. عايزكم تسمعوا كلكم التسجيـل ده .. عشان تعرفوا حقيقة عاصي بيه المُزيف .. وعبلة هانم المحلاوي ..
توسلت عبلة إلى عاصي بخوف :-
عاصي نادي رجالتك يجوا يرموا الحيوان ده بره .. عاصي عشان خاطري انا اسفة .. انا ماليش غيرك و
قاطعها فريد بسخرية وهو يضغط على زر التشغيل :-
باقي أخر لقطة من الفيلم ..
لقد دانت المصائر وتعرت الحقائق بتسلل صوت اعتراف عبلة لفريد بحقيقة بنوتها لعاصي وعاليـة واعترافها الصريحة الواضح بأنها سيدة عقيم لا تُنجب …
أول من فكر فيه مراد كانت عالية التي هرول لضمها وترميم ضعفها وهي ترتعش فاقدة النطق من شدة الصدمة .
ما بين الصواعق النازلة على الحشد العظيم تسللت عالية من بينهم بعد ما فارقت حضن مراد بصعوبة ووقفت أمام عبلة بثبات يعقبه جبال من الانهيار .
تكلفت الهدوء بمعجزة إلهية .
بصوت مشج متهدج :-
أنا كُنت حاسـة على فكرة ..
قوليلي مين تبقى أمي !!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم نهال مصطفي
الحياة علمتني قبل ما أحكم على أي حد، أحط نفسي مكانه. وبصراحة لو كنت مكانك ورجعت لقيت أختي المفقودة متجوزة راجل غريب وكمان حامل، طبيعي مش هبقى مرتاح.
انفرد عاصي برشيد أثناء انشغال رسيل مع أخيه يونس بأحد الغرف، وقرر كسب ثقته شراءً لخاطر زوجته كي تنعم بحياة هادئة برفقة أحبابه.
ترك رشيد كأس الشاي من يده فوق المنضدة وقال بجمود:
كده نبقى متفقين.
أيده عاصي مقاطعًا قبل أن يواصل حديثه:
أحنا لازم نتفق يا رشيد، لأن عدونا واحد. أنا عارف إن فريد هو اللي وراء اختفائكم وحاول يخلص منكم، وحاول يخطف رسيل. وكمان اللي متعرفهوش هو اللي ورا حادثة المركب اللي راح فيها أبوكم واتنين من العمال.
انصبت الصدمة بقدمي رشيد فوثب فجأة ليستوعب ما قاله:
أنت بتقول أيه؟
أجابه عاصي بثقة:
اللي سمعته. شفت بقا إن عدونا واحد ويا عالم بيخطط لأي دلوقتي!
سبه رشيد في سره وعاد ليجلس مكانه:
فريد ده لازم يتربى ويدفع تمن عمايله دي كلها.
عاصي بثبات:
يبقى نتفق!
يقال إن المرء يموت في نهاية المطاف، من تراكُم الأيام وقسوتها التي ابتلعها طوال سنوات عمره.
تحملت عالية على حُطام أيامها الهاوية فوق رأسها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة وتقترب من عبلة أكثر وأكثر وبنبرة أكثر شراسة:
أنا من حقي أعرف مين هي أمي، انطقي. قولي أنا مبن وبنت مين؟
ثم اندفعت صارخة بجزع:
متسكُتيش. مش وقت سكوت وتعيشي دور الضحية.
فمن يرسل شخصًا إلى الحزن العميق وتحطيم حياته كيف يبقى كاملًا في حياته دون خوف مما فعل؟
تقدمت خطوات مراد لعندها كمحاولة فاشلة منه بأن يهدأ جسدها المتقلقل:
عالية ممكن تهدي.
انضم عاصي إلى مجمعهم تحت تأثير صدمته الشديدة:
وكمان عالية مش بنتك! ومفهماني طول الوقت ده إنها بنتك وأنا الشرير الوحيد في البيت ده؟
فانضم إليهم تميم مشدوهًا مذهولًا:
يعني عيشتينا كلنا في كذبة السنين دي كلها!! مفهمة الكل إني ابن زنا وأنا الوحيد اللي من صلب شهاب دويدار والوريث الشرعي لكل ده؟ وكمان أختي طلعت مش أختي ولا هي بنتك أصلا؟
أطلق من شدقه ضحكة استهزاء:
لا وكمان البيـه الكبير المكوش على الليلة دي كلها لا هو ابنك ولا ابن دويدار؟ أنتِ جنسك أيه؟
حلقة من خطايا الماضي طوقت عبلة التي تقف مرتعدة تتلقى زعابيب الرياح قبل أن تستعد لاستقبالها. وضعت يديها على أذنيها صارخة كي تفيق من ذلك الكابوس المروع بصرخة هستيرية:
كفاية كفاية بقا. اخرسوا كلكم.
وبختها عالية بحقد:
مفيش مبرر واحد يشفع لك إنك تعملي فينا أحنا التلاتة كده غير إنك ست مريضة ولازم تتعالجي.
خرجت عبلة عن صمتها باعترافات مرعبة:
هما اللي عملوا فيا كده. لما أبويـا ومراته باعوني لشهاب دويدار وأنا عيلة مش فاهمة حاجة. كنت كل ليلة بعيش فيلم رعب لما يتقفل عليا الباب مع راجل زي شهاب. في الوقت اللي كل اللي في سني بيلعبوا ويستمتعوا بحياتهم. أنا كنت بتعذب.
ثم تحركت لتقف أمام عالية مواصلة سرد أحزانها:
لما ألقى نفسي حامل وأنا عيلة مكملتش الـ 14 سنة، ومن قسوته ووحشيته معايا كان السبب إنه يخليني عقيمة طول حياتي، حرمني أكون أم.
ثم تقطعت الكلمات بفمها وبكفها المرتعش وقفت أمام عاصي باكية:
لما سابني مرمية في المستشفى وحب عليـا الخياطة بتاعته وعاش معاها اللي حرمني منه. كان يعاملها هي ست البيت وأنا اللي خدامة عنده. كل ده عشان يذل أبويـا اللي خسر كل فلوسه وشغله. وكمان مش أنا الست اللي تكفي احتياجات رجل زيه!
حيث أشارت إلى مراد:
أمك طول الوقت كانت بتشوف نفسها أحسن مني. عشان هي عندها أم وأنا أمي ماتت. هي كل طلباتها مجابة وأنا بنت ضرتها اللي يا تقبل بخدمتهم يا أما تتجوز راجل أد أبوها. كان لازم أكسرها وأخليها دايما محتاجة لي.
ثم انشق ثغر الحية بضحكة خبيثة:
وأنا السبب في العداوة اللي بينك وبين عاصي وتميم. عشان أنت رفضت تكون تحت سلطتي ومشيت فكان لازم أهدك يا مراد. بس لما لقيتك بتنجح وبترجع تقف على رجلك قلت لازم أجوزك عالية. اللي ماتعرفش تهده صاحبه. وأهو خيره يعم على الكل!
فوجهت أنظارها ناحية عالية المنهارة:
يعني أنتِ اتجوزتيه بمزاجي أنا، وبسبب خطتي أنا. بس طلعتي خايبة.
فدارت نحو تميم وأكملت حملة صراخها بوجهه:
ومش بس كدا. بعد ما ماتت تحية، فضل يبات في أوضة لوحده خمس سنين من حزنه عليها. وأنا زيي زي عفش البيت ماليش لازمة، بقيت أم لطفل وأنا مش عارفة اتعامل معاه ازاي. بدفع تمن إفلاس أبويـا وأنانية شهاب. لحد بقا ما قابل أمك، أصله كان غاوي خدامين.
ثم غرزت سبابته في كتف تميم وأكملت لومه كأنها تنتقم من أبيه:
سابني كمان سنين وهو عايش مع أمك في السر لحد ما رجعت القصر معاه وأنت على كتفها والمفروض أقبل بالذل ده؟
فصاحت معلنة بحرقة تمزق قلبها إربابًا:
يعني بصريح العبارة كلنا كده ضحايا شهاب دويدار.
شدها عاصي إليه بقوة وسألها بحدة:
أنا ابن دويدار ولا عبد العظيم؟
ثم خفض نبرته ليلتقط أنفاسه المحملة بالغضب:
جه الوقت تكشفي فيه كل الورق. اتكلمي.
تدخل فريد مصفقًا بغل:
أنا شايف تحلوا مشاكلكم العائلية دي بينكم، بلاش فضايح أكتر من كده. ميصحش.
ثم تأهب أن يغادر:
استأذنكم أنا.
دار عاصي إليه برياح غضبه وهو ينادي على سيدة:
سيدة نادي على الرجالة يجوا ياخدوه في أي داهية لحد ما أفوق له ده كمان.
بنبـرة متحشرجة وسحب الحزن متقطرة على وجنتيها انفجرت عالية متوسلة إليها:
اعملي حاجة واحدة صح في حياتك وانطقي قولي فين أمي وأبويـا. أنا بنت مين؟
كادت عبلة أن تحضنها بلهفة معلنة:
بنتي أنا. أنتِ مش بنت حد غيري. وعاصي كمـ.
دفعتها عالية بعيدًا عنها برفض قاطع:
كفاية تمثيل بقا أنت ما بتزهقيش؟
عاصي مهدئًا أخته وهو يشيع عبلة بنظرات استنكار:
سيبيها يا عالية، هي هتتكلم بس مش دلـ.
في اللحظة التي انشغل فيها الجميع عن الشرارة المتوقدة بين عالية و عبلة وثرثرتهم الصاخبة، استغل فريد الفرصة ليسحب السكين المتروكة فوق صحن الفاكهة وهو يشد حياة إليه عنوة في لحظة غفل فيها الجميع واستغلها خصمهم لصالحه كمحاولة أخيرة لنجاته من براثن الموت، صرخة قوية تحمل إشارة استغاثة انطلقت من جوف حياة إثر ملامسة حد السكين لرقبتها.
في لحظة مباغتة اختارت الكلمات الهرب من الأفواه تلاشت الأصوات أصبحت دواخلهم فراغٍ واسع باتساع صدمتهم. بأعين متسعة تكاد تهرب من الوجوه من هول ما تراه. قلة حيلة كانت بسبب الخوف على ألا يصيب حياة بمكروه.
اقترب عاصي خطوة عفوية بانفعال شديد:
لو لمست منها شعرة هدفنك مكانك.
بنفس النبرة المرتفعة التي يكسوها الرعب وهو يشد حد السكين على رقبتها. عج فريد وهو يدور حول نفسه:
متقربش، خطوة كمان وهصفيها قدامكم كلكم.
هاجت ثورة الغضب برأس أخوتها فتقدم رشيد موبخًا:
سيبها وخلي حسابك مع الرجالة، بدل ما بتتشطر على الستات.
قهقه فريد بضحكة مستهزئة:
دي مش أي ست، دي رسيل بنت المعلم قنديل المصري. يعني بنت بمليون راجل!
ثم لهث قائلًا بوشوشة:
فاكرة يا رسيل!
نهره يونس محذرًا بصوت مشحون:
ورحمة أبويا لو ما سبتها لأقتلك بأيدي يا فريد.
فاندفع تميم مزمجرًا:
ولاه سيب السكينة دي! أنت محدش مالي عينك يعني! واللي عايزه هنعمله.
فريد بنبرة المجنون الذي فقد عقله وهو يضم مقبض السكينة؛ ليقول لاهثًا:
أيوه. كلكم كده هتنفذوا كل اللي أقوله بالحرف. ده لو تهمكم سلامة الحلوة. أنا كده كده مبقتش باقي على حاجة.
تلاقت أعينها المتراقصة فوق حد السكين بأعين عاصي المضطربة، فقرر مسايرته بدون تفكير وهو يناظرها بعجز:
كل اللي عايزه هيحصل، وده وعد من عاصي دويدار بس سيبها. سيبها وخلى كلامك معايا.
فريد مستنصحًا:
لا أنا مش غبي عشان أبلع الطعم مرتين، أنا هوريكم إزاي تلعبوا عليا.
احتدت نبرة عاصي بنفاذ صبر:
بقولك سيب الزفت اللي في إيدك ده وخرج حياة بره.
طافت عينيه في كل الاتجاهات وهو يتراجع للخلف حيث قال وهو ينهج:
لا. لسه شغلي مع بنت عمي مخلصش. ولا أيه؟
ثم غمغم في أذنها بجحود:
الدهب؛ الدهب فين يا رسيل؟
رفع نبرة صوته محذرًا:
قول لرجالتك بره يوسعوا الطريق. وأي حركة غدر السكينة هتمشي على رقبتها. يلا!
حتى هرول كالسكيـر مغمعمًا:
عشان تعرفي مفيش مفر مني لا دنيا ولا آخرة.
تحرك الحشد متبعًا خطوات فريد المتراجعة للخلف، إلا عالية التي تمسكت بكف مراد تترجاه ألا يتركها. وضعت كفها المرتعش فوق فمها وهي تراقب جنان فريد التي تخطت الحدود. أجبر مراد أن يترك كفها البارد ويندفع نحو ذلك المجنون. ارتفعت عيني عالية المحملة بالعتاب واللوم نحو عبلة الجالسة على طرف المقعد مغيبة عن الصخب الذي يحدث حولها:
عاجبك! كل ده بسببك أنتِ، أهو البيت اللي عشتي عمرك كله تبنيه اتهد على رأس الكل وأولهم أنتِ.
ركضت شمس إليها واحتوت كتفيها المنتفضة بشفقة:
عالية مش وقته الكلام ده. أهدي يا حبيبتي!
صرخت عالية بوجهها بعجز:
خليها تشوف نتيجة أنانيتها وطمعها. أهو كلنا بندفع تمن أفعالها. مبسوطة كده؟ هو ده اللي سعيت له يا عبلة هانم؟ كنتِ مستنية تحصدي أيه من الحقد والشر اللي زرعتيه.
تسلل مراد من بين الحشد المتكتل حول فريد الذي سن أنيابه انتقامه على رقبة رسيل وجهر قائلًا:
أنت فاكر هتطلع من هنا على رجليك! بلاش تزود حسابك وسيبها. بلاش دم يا فريد وكله هيتحل.
دحرج جسدها من فوق درجات السلم فالتوت ساقها عقب عنها صرخة قوية منها فتت قلب ورأس عاصي وهي تتشبث بساعد فريد المتلف حول كتفيها وقالت متألمة وهي على أبواب الهلع ألا يصاب جنينها بأذى:
هقولك مكان الدهب، بس سيبني يا فريد. سيبني.
اشتدت قبضته عليها وهو يقول بصوت مخيف:
أنتِ كده كده هتقولي. وهتيجي معايا. عاجبك كده! كل ده آخرة عنادك وتمردك يا بنت المصري.
ثم أشار إلى عاصي محذرًا وهو يتأمل فوهات أسلحة رجاله المحيطة بفريد:
قولهم ينزلوا سلاحهم. وإلا مش هتشوف مراتك تاني.
خرجت رسيل عن وعيها صارخة بذعر لتستعطفه:
فريد كفاية. كفاية غباء وأنانية لحد كده. أعقل ياخي وبطل تهور! فكر في فريال أختك؟
أخذ يطوف بها حول نفسه برعب وهو يقر اعترافه:
أنانية! أنتِ آخر واحدة تتكلمي عن الأنانيـة. عشت عمري كله محبتش غيرك وأنت ولا شيفاني ولا عايزة تديني فرصة ورحتي اترميتي في حضن صبي من بتوعنا.
تقطرت عبراتها على كفه الذي يحمل السكين وأكمل سرد مبررات أفعاله الدنيئة:
كنت شغال مرمطون عند قنديل المصري وفي الآخر يرميلي ملاليم كل آخر شهر. أبويـا لما كان بيصارع الموت وأبوكي استخسر فيه يبيع مركبة من بتوعه عشان يسفره يعمل العملية. وفي الآخر أطلع من المولد بلا حمص! لا مش أنا يا رسيل اللي يتضحك عليا!
ثم أطلق ضحكة مفعمة بالشر:
جيه وقت سداد ديونكم يا ولاد قنديل المصري. وأنتِ اللي هتدفعي التمن ده، زي ما حرقتي قلبي وقررتي تغمضي عينك عن حبي ليكي، أنا هقتلك، حتى عشان يبقى لك قبر أزورك فيه براحتي.
حملة من المشاعر الثائرة هاجمت القلوب. ما بين عاصي العاجز عن إحداث أي حركة غير محسوبة فيكون ثمنها روح حياته. وتميم المهزوز ما بين الحقائق التي رفعت الستائر عنها وأخوته ليست بأخوته، للتو أدرك حقيقة ثلاثين عامًا من الكذب عاشهم في كنف خداع عبلة. وإخوتها الذين يشاهدون شبح الموت يحيط بأختهم الكبرى بعجز تام منهم.
الشخص الوحيد المتحكم بأعصابه كان مراد وهو يفحص المكان حوله بعينيه الثاقبة حتى تلاقت بأعين حارس كامن خلف الشجرة مصوبًا سلاحه نحوه محاولًا إصابة الهدف. حاوره مراد بعينيه أن ينتظر اللحظة المناسبة ثم تدخل ليُلاغيه:
أنت عايز أيه دلوقتي؟ خلي كلامك معايا.
رد فريد بنبرة الخوف الساكن بجوفه:
عربية بالسواق توصلني للمكان اللي هقوله عليه. بس هاخد رسيل معايا.
جهر عاصي رافضًا وهو يسحب السلاح من حرسه ويوجهه نحو فريد:
رسيل مش هتخطي خطوة واحدة بره. وأنت حياتك مش كفاية لـ عمايلك دي يا فريد.
ضحك فريد بجنون وقال متفاخرًا:
السلاح معايا وعلى رقبتها. قبل ما تدوس على زنادك هتلاقيها سافرت تستناني فوق.
ثم وشوش بأذنها كمجنون ليلى:
مش كده يا سيلا!
صرخت بنبرتها المرتجفة وقطرات العرق تتصبب من وجهها بملامح عجوز على أعتاب السبعين:
بكرهك. بكرهك يا فريد.
صرخ فريد بنفاذ صبر:
فين العربية؟
تدخل مراد مطاوعًا وهو يقترب منه بخفة:
هاتوله عربية يا بني.
ثم رفع يديه مستسلمًا:
هيجيبولك عربية، وهنفذلك طلباتك.
وقاطعه فريد منذرًا:
متقربش. خليك مكانك. ولا حركة بقولكم هدبحها قدامكم!
مد عاصي ذراعه أمام مراد ليمنعه من الاقتراب بتلقائية:
خلاص أهدى. خلاص يا مراد، هنفذلك اللي عايزه.
تمسك مراد بساعد عاصي الممتد أمامه وهو يطيل النظر بأعين حياة التي التفتت بصعوبة لنظراته المرشدة بالطريقة التي تحمي بها نفسها من أذية فريد. ضم على ذراع عاصي بكفيه مغيرا نبرة صوته التي تحولت فجأة وما زالت عينيه متعلقة بعيون حياة المتراقصة حتى دفع ذراع عاصي بكل قوته لأسفل كأنه يرشد حياة أن تقالده:
أنت هتسيب المجنون ده يمشي كلامه علينا!
شرعت حياة بتنفيذ أوامر وتسللت أصابعها الرفيعة لتلتف حول معصم يد فريد كوجهة دفاع عن نفسها في أبعاد حد السلاح الأبيض عنها. اختلق مراد مشكلة وهمية مع عاصي ليشتت انتباه فريد. في تلك اللحظة التي أحست فيها رسيل بارتخاء يده عن عنقها وهي يقول:
وفروا خلافاتكم العائلية دي لحد ما أمشي صدعتوني؟
في تلك اللحظة استجمعت رسيل قوتها ليعطي مراد نظرة آمرة للحارس الذي يراقبهم في الخفاء بأن يطلق رصاصته في نفس الثانية التي تعلقت فيها رسيل بساعد فريد لتخفضه بعيدًا عنها؛ مع صدى صوت الرصاصة التي امتزجت بصوت صرخة رسيل التي شدها مراد من كفها لترتمي كالحمامة المذبوحة في حضن عاصي، استقرت الرصاصة بجمجمة رأس فريد الذي لقي حتفه في الحال.
كانت لقاء أرواحهم قبل أجسادهم، ككرة ملتهبة عانقت ماء البحر. رغم شدة العناق إلا أنها بدأت تهدأ وتستكين تدريجيًا بين يديه التي أسرتها بحضنه. مسح على وجهها المتصبب بمياه الفزع:
أنتِ كويسة.
انعقدت حلقة البقية حول فريد الذي التقى بمصيره الذي يستحقه. بصق رشيد على جثمانه ثم قال مستنكرًا:
كان نفسي أخلص عليك بإيدي يا ***.
تفوه يونس بهدوء ليمارس مهنة المحاماة التي يدرسها:
كلموا الشرطة وجهزوا الكاميرات عشان نثبت إنه دفاع عن النفس.
ثم قال تميم بهدوء مريب وهو يشير لكبير الحرس:
نفذ الأوامر بسرعة.
خرجت شمس راكضة أثر صوت الرصاص الذي أعجزها عن ممارسة مهمتها لمداواة عالية التي غرقت في حالة من الانهيار العصبي المفزع. رفعت حياة مقلتيها التي اعتلاها كرب ثقيل وهي تتمسك ببطنها، فسألها ملهوفة:
أنتِ كويسة؟
بصمت مريبة انصب بمقلتيها السابحة بدموع الألم طالعة بعجز قفز الرعب بقلبه فكرر سؤاله ملهوفًا:
حياة!
قولي حاسة بأيه؟
انكمش قميصه حول قبضة يدها المتعلقة به كأنه آخر ما تملك بالحياة وهي تجيب بصوت مشج متهدج:
عـا صي. بطنــي. ابننا.
ثم انغلقت جفونها وهي تتلوى بوجع صامت بين يديه، فوقعت أنظاره على القليل من قطرات الدماء الممطرة من رحمها، فاتسع بؤبؤ عينيها بصدمة لا توصف:
حيـاة! ردي عليا.
حملها بدون تفكير صارخًا باستغاثة:
هاتوا عربية بسرعة.
اندفعت شمس نحو مراد الواقف في وسط الحادث مستغيثة:
مراد، تعالى بسرعة شوف عالية.
- مالها عالية؟
- تعالى.
استوطن اليأس بقلبها إثر أنانية عبلة وعدم جوابها على أهم سؤال وأبسط حقوق المرء أن يعرفه "من أنا؟". شعرت بأنها لا تريد من الحياة سوى أن تهرب من هذا الشعور القاتل. فهو يشبه النار التي تشتعل في جسدها وتلتهم روحها. طاحت يدها بالفازة التي تتوسط المنضدة لينتشر فتات زجاجها مثلما تفتت قلب عالية وهي تترجاه تارة وتصرخ بوجهها طورًا:
أنتِ ساكتة ليه؟ قولي أي حاجة طيب؟ أنا أذيتك في أيه عشان تحرمي طفلة من أهلها!
ثم جلست أمام ركبتي عبلة المهزوزة وتوسلت إليها:
طيب ماما عايشة ولا ماتت؟ لو عايشة قوللي تلحق تعوضني عن سنين القسوة اللي عشتهم معاكي.
ثم قبلت يدها بترجى ودموعها التي تغسل وجهها:
عشان خاطري لو بتحبيني. والله مش هسيبك ولا هبعد عنك بس مين أمي.
لم تتفوه عبلة إلا بجملتين كأنها لم تتعلم غيرهم:
أنتِ وعاصي ولادي. أنتوا مش ولاد حد تاني!
ركض مراد إليها وهو يشاهد موقفهم المثير للقلب والعاطفة. مكث على ركبتيه:
عالية، قومي. مش هتتكلم، هي لو عايزة تتكلم كانت اتكلمت من زمان!
طالعته بأعينها الذابلة:
مراد قولها تتكلم. أنا عايزة أعرف مين هي أمي. مراد أعمل حاجة لو بتحبني.
أمسك برسغها ليساعدها على النهوض:
قومي يا عالية مفيش فايدة. قومي.
تعلقت بملابسه كالطفلة وهي على أعتاب حالة من الانهيار العصبي:
أنا عشت أسوأ أيامي في البيت ده! ومش عايزة أسمع اعتذار من حد، قولها بس تقولي مين أمي وأنا هسامحها والله.
لم يجد حلًا سوى حملها بين يديه متجهًا إلى غرفتها. فتدخلت شمس مقترحة:
هجيب لها مهدئ تاخده عشان تنام.
مراد باهتمام:
بسرعة يا شمس. جسمها كله بيترعش.
ردت بعجل:
حاضر حاضر. هكلم الصيدلية حالًا.
انضمت نوران إلى أختها بملامح يخيم عليها الأسى:
مسكينة يا عالية.
تنهدت شمس بحزن:
وربنا يستر على حياة التانية هي والبيبي.
حدجت نوران بأعينها الصقرية عبلة الجالسة مطأطأة الرأس بخزى:
أهو كله من العجوزة دي!
زفرت شمس باختناق في وجه أختها واتجهت ناحية الهاتف لتطلب دواء لعالية حيث جهرت آمرة قبل أن تتلقى ردا بالهاتف:
سيدة اعملي لمون لعالية بسرعة.
ضربت سيدة كف على الآخر:
كان مستخبي لكم فين كل ده بس؟
بنهاية كل أزمة الأشياء والشعور بداخل المرء، ولم يبق منه إلا الذكريات المغبرة على رف النسيان الذي تمرر مذاق الحياة بفمه. يصبح كل شيء باردًا وهادئًا ومريبًا. تكاد تكون كالجثة متبلد الأطراف والشعور تستقبل المزيد والمزيد من الصدمات بدون أي رد فعل.
شد مراد الغطاء فوق جسد عالية البارد فتشبثت بيده راجية:
مراد. خليك معايا.
مال ليطبع قبلة خفيفة على جبهتها ليطمئنها بوجوده:
جمبك متقلقيش.
ثم ابتعد عنها وزاح الغطاء ليعري قدميها وينزع الحذاء منهما برفق وهي تتلوى على مراجل الحزن كأن ما ترقد فوقه جمر مشتعل وليست بقطن. انتهى مراد من فعله ثم نزع هو الآخر حذائه ورقد بجوارها فتعلقت بعنقه وهي تتمتم:
يعني أنا ماليش أهل يا مراد؟ هعيش طول عمري منسوبة لعيلة أنا مش بنتهم! أنا ليه بيحصل فيا كل ده؟
أخذ يمسح على رأسها كي تهدأ:
حبيبتي ممكن تهدي ومتفكريش في حاجات سلبية! أنتِ مليكيش ذنب في كل اللي حصل يا عالية!
رفعت جفونه المحمرة إليه:
يعني أنتَ مش هتسبني بعد اللي عرفته!
- وايه يعيبك في كل اللي عرفته أسيبك عشانه!
انخرطت العبرات من مقلتيها وبشفاه مرتعشة:
هي عملت فيا كده ليه؟ أنا أستاهل القسوة دي!
- عالية اهدي أنتِ جسمك كله بترعش! أهدي وأنا جمبك أهو. مش هسيبك.
أطالت النظر بوجهه لتتأكد من وجوده وأنه خير ما أتى بظلمة أعوامها. أخذت ترتجف وتأن وجعًا حتى طلبت منه بتوسل ينزف دمعًا:
ممكن تحضني أوي. خدني في حضنك يا مراد أنا ماليش غيرك دلوقتي.
حملها بين يديه ودخل استقبال المشفى ينادي بحنجرته القوية:
فين الدكاترة اللي هنا؟
تابعه أخوتها بنفس السرعة التي يسير بها. تحرك رشيد ناحية الاستقبال مندفعًا:
اختي حامل وبتنزف، عايزين دكتور بسـرعة.
أمسك يونس بكف أخته التي تتضور وجعًا من تقلصات رحمها المميتة:
استحملي يا رسيل، إن شاء الله مفيش حاجة!
انفجرت صوتها الباكي الممزق من شدة الألم:
مش قادرة. وجع فظيع.
كاد عاصي أن ينفجر بموظفي المشفى إلا أن جاء طاقم التمريض بالسرير المتحرك بعجل. وضعها فوقه وركضوا بها ناحية غرفة العمليات. أمسك بكفها ليطمئنها بالمصعد:
متخافيش. اهدي اهدي التوتر مش في صالحنا يا حياة.
ضغطت على كفه باكية وكأنها تفقد روحها:
ابني يا عاصي. ابني بيروح مني. مش قادرة.
رد ملهوفًا:
سلامتك أهم. عشان خاطري اهدي، مفيش حاجة! أنتِ عندي بالدنيا.
ثم نهر طاقم التمريض:
فين الدكتور اللي هنا؟
فُتح باب المصعد وأجابته الممرضة بسرعة وهي تركض بالسرير المتحرك:
جاي حالًا. لو سمحت ماينفعش تدخل العمليات استناها هنا.
انضم إليه رشيد ويونس ركضًا من ناحية السلم حيث سأله رشيد:
فين؟ رسيل خدوهـا فين؟
رد بثقل وهو يعاصر نفس الحالة ونفس الألم الذي عاشه من قبل. فرغ طاقته المكبوتة وهو يضرب الحائط بقبضة يده:
العمليات. دخلت جوه.
ربت يونس على كتفه:
مفيش حاجة إن شاء الله تخرج بالسـلامة هي والبيبي.
أخذ يجوب المكان بعجز تام وقلة حيلة يعد الدقائق كي تعود إليه كي ينظر بعينيها فيستمـد قوته من جديد ليواجه جمة المصائب التي تنتظره. كي يتقلص إحباطه ويغتال هزائمه ويختفي كل هذا الظلام بداخله.
اشتعلت ملامحه بجمر الغضب الذي توقد بملامحه. رفع ساعده على الحائط وسند جبهته عليه وهو يلوم نفسه التي فشلت أن تحميها. عن عجزه في تنفيذ وعده لها في ليلة ملأ عطر الحب صدورهم، فأخذ على عينيها عهدًا عندما سألته: هل تحبني؟
فطبع وسام العشق بقبلة طويلة بين عينيها وقال:
مهمتي في الحياة العيش لأحبك أولاً والحراسة المشددة لقلبك من كل حزن وألم. لقد تجاوزت فيكِ الحب وأصبحت عاشقًا لكِ.
بعد مرور الساعة خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يخلع "الماسك" عن وجهه. هرول عاصي وأخوته نحوه فسأله ملهوفًا:
مراتي عاملة أيه!
بملامح حزينة أردف الطبيب:
بنحاول بكل جهدنا نحافظ على الجنين. ولازم تبقى تحت الملاحظة والأجهزة الـ 24 ساعة الجايين، واللي عايزه ربنا هيكون.
عارضه ملهوفًا:
دكتور لو الجنين هيأثر على حياتها نزله، المهم هي.
- أنا هتابع الحالة بنفسي، واتأكد صحة الأم عندنا أهم. بعد إذنك.
ركل المقعد المعدني بساقه وهو يجهر صارخًا معترضًا:
ليـه! ليـه عشان آخد حاجة لازم أخسر حاجة قدامها!
ثم لجأ للزجاج الفاصل بينهم ليراقب ملامحها النائمة ويترجاها بملامحه المنكسرة وكأنه يشكو من فكرة غيابها:
هل تعي حجم الألم الذي سيسكنني إن ضب العمر حقائبه معك تلك المرة، وتلك النظرة المميتة التي سترافقني بقية أيامي بعد بُعدم! وتلك الدموع التي سترهقني وكل الليالي المؤلمة التي سأقضيها بدونك؟ هل تعي ما سأكون عليه إن غربت شمسك؟
"كلما لملم جرح قلبهُ، زارهُ الألم قديم:
حياة متهزريش. قومي، أنا اللي كنت هسيبك ودلوقتي بقولك متسبنيش!"
انفلق الصباح بعد ليلة من كثرة الأتربة التي نفضت من فوق صناديق الحقائق ظنوا أنها ستحجب عنهم أشعة الشمس لسنوات. خرجت شمس عن صمتها الطويل منذ رحيلهم من المشفى فسألته:
تميـم! هنفضل نلف كتير كده بالعربية؟
رد بفتور:
مش عايز أروح.
أطرقت بحنو مقدرة الحالة التي يعاني منها:
عايز تروح فين طيب.
زفر باختناق:
مش عارف. مش عارف يا شمس.
وضعت يدها على كتفه لتحسسه بوجودها معه:
تحب نروح مكان هادي نفطر فيه. ومنه تفضفض براحتك.
رد بملل يقتل رغبته بالحياة:
ماليش نفس لأي حاجة.
تأملته بحيرة مفكرة كيف يمكنها أن تساعده على تجاوز تلك الفترة القاسية. فاقتـرحت قائلة مشيرة على مكان هادئ:
ممكن تقف هنا؟
تنهد بتعب:
شمـس.
بررت طلبها:
مش لازم تتكلم على فكرة، ممكن ننزل وتفضل ساكت وتبص للنيل، وأنا مش هضايقك. ها ننزل!
لبى طلبها وصف سيارته جنبًا ثم هبط منها ووقفت بانتظاره حتى أحكم إغلاقها. اقترب منها وهو يرتدي نظارته السوداء فتلقت قربه بابتسامة خفيفة استقبلها بهزة امتنان من رأسه. تقدم عنها خطوة أثناء سيره فطوت المسافة الفاصلة بينهم وهي تسد فراغات يده بحركة غير متوقعة أشعلت نيران الاستفهام في رأسه. دخل الثنائي معًا للمكان ثم أشارت له على الطاولة:
نقعد هناك. على النيل.
وافقها الرأي بصمت تمام. جلس بتراخٍ وهو يلقي المفاتيح من يده بدون اهتمام. جاء النادل ووضع الدفتر أمامه ثم انصرف بهدوء. التزمت شمس الصمت وأخذت تطلع على قائمة الطلبات لتفسح له مجالا من الاختلاء بأفكاره.
مرت دقائق عديدة حتى قطعت حبل الصمت المتصل بينهم بجملتها:
هطلب لك فطار على ذوقي!
- افطري أنتِ.
ردت بعناد:
لو مش هتاكل أنا كمان مش هاكل. هااه؟ ولعلمك أنا هموت من الجوع، بس براحتك!
رد بإبطاء وبنبرة يكسوها الإجبار:
تمام. اللي عايزاه.
أشارت للنادل وألقت عليه قائمة طلباتها مؤكدة على القهوة بالمذاق الذي يحبذه تميم. انسحب الرجل بهدوء، وغيرت هي مقعدها لتنتقل للمقعد المجاور له. طالعها بنظرة سريعة ولكنها تعمدت أن تطيل الوقت لرؤيته. فسألته بصوت خافت:
تتكلم!
هوى في حفرة الماضي بشرود:
تعرفي كنت حاسب كل حاجة، ومستعد أواجه أي حاجة وكنت حاسس بسـر كبير مداري ورا حيطان القصر ده؛ بس اللي مكنتش عامل حسابه بجد أن عاصي وعالية ما يبقوش أخواتي. فجأة لقيت نفسي وحيد. مش متخيل القصر من غيرهم يا شمس.
بللت حلقها وهي تطلعه بعيون يلمع بداخلها الدمع كالنجوم:
عارفة أنها صعبة. بس أنت ليه افترضت بعدهم؟
- عاصي مش هيقبل يقعد في مكان مش بتاعه بعد ما كل الورق اتكشف.
فقاطعته:
أنت بتحب عاصي يا تميم؟ يعني أقصد…
رد متفهمًا:
أنا فاهم تقصدي أيه. للأسف عبلة بفكرها المريض نجحت تبني جسر طويل بينا، طلعتني ابن زنا عشان تكسرني، وفهمت عاصي إني عدوه اللي لازم يحطه تحت المراقبة طول الوقت. ربنا جوانا عداوة وللأسف أحنا عشنا الوهم معاها.
غمغمت شمس بصوت خفيض:
دي مستحيل تكون بشر زينا. طيب أنت ناوي على أيه؟
- دماغي واقفة مش عارف أفكر يا شمس. واللي هيجنني عاصي كان عارف، وهما الاتنين لعبوها علينا.
ثم تنهد بحرقة:
طيب عالية؟!! أنا مش مصدق إني مش هعرف أحضنها تاني! طيب هي فين أهلها وهتعمل أيه وهيعيشوا إزاي؟
ساد الصمت بين أفواههم للحظات ولكن أعينهم لم تتوقف بعد. أخذت تفكر بتردد حتى حسمت قرارها لتخبره:
تميم. في حاجة جيـه الآوان تعرفها.
- حاجة أيه يا شمس.
- عاصي…!!
- ماله عاصي يا شمس؟
تكلفت الهدوء وهي تخبره:
عاصي هو محمد عبد العظيم. ابن تحية، تحية عمتي.
تدفقت الكلمات من عينيه بأسئلة جمة حتى راضت فضوله وقالت:
هحكي لك كل حاجة.
يقف كريم في شرفة غرفته يتحدث بالهاتف مع أمه وأخته هدير التي أخبرته بنبرة تعني انقضاء الأمر دون نقاش:
مصاريف جامعتك دفعتها. والمفروض الميل يكون وصل على موبايلك. سافر يا كريم وشوف مستقبلك، وأبعد عن فلوس دويدار، أنا كنت غلط من الأول لما شغلتك عندهم. بس أهو بصلح غلطي وأقولك سافر.
وقعت عينه على نوران التي تجوب ساحة الحديقة حائرة بنظرة محبطة توضح ما معنى أن ينظر المرء بخيبة لذات الأمور التي حدق فيها بأمل. فقال بتوجس:
أنتِ معاكِ حق، بعد اللي عملته خالتك أنا ماليش حق أقعد هنا. كل ده بقا من حق تميم.
أطرقت هدير بأسف:
عاصي عامل أيه؟
- عاصي مع مراته في المستشفى. هلبس وأروح لهم، وهجهز نفسي للسفر.
علقت غصة حبها لعاصي بحلقها ولكنها تجاهلت صدح قلبها الدامي باسمه وقالت:
ده أنسب حل. وأنا وماما هنحصلك على هناك.
كادت أن تنهي مكالمتها مع أخيها ولكنها توقفت فجأة:
كريم. استنى، أنت شوفت الأخبار الصبح؟
- لا ماشوفتش حاجة؟ في أيه؟
فتحت هدير الحاسوب أمامها وأخذت تقرأ عليه الأخبار المنتشرة صباح اليوم:
مزرعة الطريق الصحراوي التابعة لهاشم مدكور ولعت وبيقولوا أنها اتحولت لخرابة ومحدش عرف يلحقها. وكمان ده نفس اللي حصل في مصنع ممدوح علم، والخسارة بالملايين. معقولة عاصي يكون وراها؟
فكر كريم للحظة ثم قال:
هو فاضي لكل ده؟ بس تصدقي ممكن، مش دول اللي ورا خطف عالية!
أشادت هدير بإعجاب:
لو كان عاصي عملها تبقى ضربة معلم بصحيح. ومتطلعش غير منه.
- لو هو أكيد هنعرف.
ثم قفل معها المكالمة ليهرول مسرعًا إلى تلك الفراشة التي تتنقل بعشوائية فوق بساتين قلبه الذي اتبعه ليعرف ما بها. ارتدى معطفه الأسود وهبط لعندها، فأول سؤال أردفه:
أنتِ بتعملي أيه هنا الساعة دي؟
ردت بقلق وهي ترمي الهاتف من يدها فوق الطاولة:
شمس وتميم من امبارح مختفيين مش بيردوا. وأنا قلقانة عليها.
رد بهدوء:
تميم مش معاها! قلقانة ليه. سيبيهم الصدمة على تميم مش سهلة.
- الله يكون في عونه الصراحة.
اقترب منها خطوتين وهو يضع يديه في جيوبه:
أنتِ نمتي فين النهاردة؟ قصدي إن مراد لسه فوق؟
- ااه، لسه مع عالية. وأنا نمت مع البنات لقيتهم خايفين حرام وقاعدين تحت المكتب من الخوف لما سمعوا ضرب النار، حضنتهم ونمنا.
تنهد كريم بحزن:
مظلومين البنات دول.
- أوي.
ساد الصمت بينهم طويلًا، كل منهما يلقي نظرة سريعة على الآخر ثم يلجأ إلى السماء ليعلق عينه بها. حتى تلاقت أعينهم أخيرًا، فسألته نوران بارتباك:
بتبص لي كده ليه؟
- نوران أنتِ عارفة أنا ماينفعش أقعد هنا بعد اللي حصل، ووجودي مش لطيف.
تفوهت بلهفة:
ليه! قصدي يعني أنت مالك بكل اللي حصل؟
- ده الصح يا نوران، كفاية أوي لحد كده، حتى شغلي في الشركة هسيبه.
خفق قلبها بفزع وهي يلقي عليها شظايا الوداع:
هتروح فين طيب؟
- هسافر. ساعات الحياة بتجبرنا على حاجات مش عايزينها، بس مفيش حل.
احتبست العبرات في عينيها وهي توبخه بحرقة:
والحل إنك تهرب وتسافر! أنت كده ناجح؟ على فكرة بقا الإنسان اللي مايعرفش يبني نفسه في البلد دي هيفضل طول عمره فاشل. سافر يا كريم عشان أنت بتلجأ للسهل مش عايز تحاول وتنجح.
ثم وقفت أمامه باعتراض:
مراد ده مش أخوك؟!! مسافرش ليه! بالعكس أهو قدر ينجح ويثبت نفسه في البلد دي.
رد بيأس:
الموضوع بالنسبة لي انتهى خلاص يا نوران. عشان كده جيت معاكي دوغري، وقلت لك أنا عايز أبقى معاكِ ولولا الظروف دي أنا كنت طلبت إيدك من تميم بس أنت مش مريحة قلبي.
ثم اقترب منها بعيون يملأها الرجاء:
أنا قلت اللي جوايا وأنت بتكابري، أو يمكن حبي ليكِ من طرف واحد. أنتِ مخلياني تايه ومتكتف مش عارف أعمل أيه.
خبر رحيله من البيت والبلد كان بمثابة حد السيف الذي بتر تفكيرها وجعلها تهذي بدون وعي:
أعمل اللي يريحك يا كريم. أنا هنجح في البلد دي وهبني نفسي هنا، مش ههرب زيك.
ثم اعتصرت قلبها المضطرب:
وأنت صح، حبك من طرف واحد. أنت كنت بالنسبة لي صديق بيساعدني، أنت فهمت كل ده غلط دي مشكلتك.
أوشك دمع عينيها أن يفضح كذبها، فألقت على مسامعه آخر جملة ثم فرت هاربة كالأرنب من أمامه:
سافر يا كريم.
رفعت عالية جفونها المحملة بصخور من الحزن بعد ليلة طويلة قضتها بنوم متقطع بصرخات مدفونة بصدر مراد الذي آنس وحشة ليلتها. أحست بصقيع جسدها لغيابه عنها. تحسست وجوده بجوارها ولكن بدون جدوى، ففزعت من نومه تتفوه باسمه، فوجدته يهل عليها من الباب حاملًا إفطارها. هدأ هياج قلبها تدريجيًا عند رؤيته فسألته:
أنت كنت فين؟
ترك المائدة التي بيده على الطاولة:
جبت لك تفطري. يلا.
ردت بثقل:
أجيب نفس منين بس يا مراد.
جلس بجوارها:
عالية مش هنوقف حياتنا على أخطاء الماضي، اللي حصل حصل، زعلك هيصلحه!
أجابته بخفوت:
لا.
- يبقى اتعلمي تتعاملي مع الصدمات كأنها أمر واقع، نتقبله بس ميأثرش فينا بالسلب.
ثم غير مجرى الحوار قائلًا:
هتقومي تفطري ولا أجيب الأكل هنا وأكلك بالإجبار؟
- خلاص هفطر.
ثم تراجعت متسائلة:
حياة عاملة أيه. وفين عاصي وتميم؟
- للأسف حياة خسرت الجنين، بس أكيد ربنا هيعوضهم خير المهم أنها كويسة. لسه مكلم عاصي ورد عليا أخوها.
تفوهت بتأثر يحمل الحزن:
يا حبيبتي يا حياة. طيب وديني عندهم يا مراد. أنا مش عايزة أقعد هنا تاني. البيت ده بقا بيخنقني.
- هوديكي مكان ما أنتِ تحبي. بس قومي فوقي وخدي شاور وكله هيتحل. سهليها عشان تسهل.
رمقته بأمل:
هلاقي أمي!! أنا حاسة أنها موجودة وهلاقيها قريب.
- هنلاقيها اطمني أنا جنبك. يلا بقا قومي.
بصوت خفيض تحت تأثير المخدر الطبي غمغمت حياة بضعف:
عاصي! عاصي أنا فين؟
فزع من الأريكة التي يجلس فوقها باندفاع وفرحة تملأ وجهه وهو يمسح على شعرها بحنان:
أنا جمبك أهو. متقلقيش.
رفعت عينيها لمستواه وسألته:
أحنا فين وبنعمل أيه هنا؟
ثم طافت عينيها محاولة استيعاب المكان:
دي مستشفى!
جملتها جعلتها تفزع بلهفة وهي تتحسس بطنها:
عاصي ابني حصله حاجة.
ثم مرت يدها على بطنها تبحث عن نبضه بقلق:
عاصي هو ما بيتحركش ليه؟ أنا مش حاسة بوجوده.
ثم سحبت كفه فوق بطنها طاردة جميع الأفكار السوداوية التي هاجمت رأسها:
شوف أنت كده!! نبض البيبي فين، حاسس بحاجة؟
جلس على طرف مخدعها بعجز يمنعه من تفجير قنبلة مثل هذه على رأس امرأة جنت ثمار العشق بأحشائها. هربت الكلمات من شدقه وهي تتأمله بعينيها الذابلة وبخوف بدأ يبث وميضه بقلبها:
حبيبي. أنتَ مخبي عني حاجة؟ ابننا بخير مش كده؟ هو كويس طيب. عاصي اتكلم.
فتح كفوفها وطبع بداخل كل واحد منهم قبلة اعتذار ثم رفع عينيه إليها وقال بحزن وندم:
شكله مش عايزني أبقى باباه.
بفاه مزموم وأعين دامعة، عارضته مستفهمة:
ماتقولش كده! هو بيحبك وكان طول الوقت عايزني أبقى معاك. أنا واثقة لما يجي وتشوفه هــ.
ثم ابتلعت غصة وجعها بسيل منهمر من الدموع الذي صنع من وجنتيها مجرى:
البيبي نزل. يعني هو مش موجود في بطني دلوقتي!! قول لا. قولي فهمت غلط، قولي هو تعب شوية بس لحقناه. قول أي حاجة تانية غير أنه مبقاش موجود.
ثم مرت كفها المرتعش على وجنته بترجى:
عاصي عشان خاطري ما تقولش كده. أنا كنت بعد الأيام عشان أحضنه ويكون معايا. أنا كنت بختار اسمه معاك امبارح!!
دخلت في حالة اضطراب نفسي وهي تهذي بجنون غير مستوعبة الحدث:
بس دي غلطتي أنا؟!! أنا اللي ماينفعش أحب ولا أتعلق بحاجة زيادة عن اللزوم. أنا مش قولت لك قبل كده، كل حاجة بحبها بتروح مني؟!! أنا ليه بيحصل معايا كده!! يعني خلاص كده!! مش هحس بنبضه ولا شقاوته تاني!! أنا ملحقتش أفرح والله. صورته لسه كانت معايا. خليتهم ليه ينزلوا يا عاصي، ليه معملوش المستحيل عشان ابني.
- حياة اهدي اهدي مش كده. حياتك عندي أهم من كل ده، وأنا مش عايز أطفال ولا عايز غيرك.
فضمها لصدره عنوة كأنها بالنسبة له زمنًا كاملاً. وأي شيء آخر مجرد أوقات مستقطعة من العمر. أخبرها بصوت متهدج:
أنتِ عندي أهم. اهدي عشان خاطري.
صرحت باكية بحرقة تأكلها بأحشائها:
أنا كنت مستنية أخلد بداية حبنا معاه. كنت عايزة أشوف في عيونه أحلى أيام عشتها جنبك. كله راح خلاص.
- بس أنا موجود وجمبك ومش هسيبك. أهدي عشان خاطري، أهدي. أهدي يا حياة مفيش في إيدينا حاجة نعملها.
جاءت الدكتورة ركضًا إليهم عند رنين جرس الإنذار وهي تفحصها بلهفة خاصة عندما أحس ببرودة جسدها بين يديه. وتراجعها للخلف فاقدة الوعي. وثبت مفزوعًا وهي يسأل الطبيبة:
هي مالها!
ردت الطبيبة بسرعة:
محتاجة حقنة مهدئة حالًا.
ثم صرخت بالممرضة:
كلمي دكتور جمال بسرعة.
ثم نظرت لعاصي:
لو سمحت استنى بره.
بهدوء بدون أي جهد، أو مقاومة، وبشكل مفاجئ ولكنه مريب ومثير لخلق الكثير من المخاوف، خرج من الغرفة وهو يراقبها من وراء الزجاج وكأن أحدهم قد سكب الماء على البارود فتوقف تمامًا عن الاشتعال. جاء أخوته إليه بلهفة فسأله رشيد:
فاقت؟
لم يجب إلا بإيماءة خفيفة وهو يطالع قلة حيلتها وضعفها وارتعاش شفتيها بكلمات مزقت قلبه. خرج الطبيب من عندها فذهب إليه بذعر:
هي حصلها أيه يا دكتور.
- هي عرفت أن الجنين نزل؟
- للأسف. معرفتش أخبي عليها.
- متوقع. كتير من الستات بتدخل في الحالة دي، مش بتستحمل. هي نايمة دلوقتي، ولما تصحى خليك جمبها هي محتاجة لك أكتر من أي حد. بعد إذنكم.
رافق عاصي خُطاه مبتعدًا عن أخوته وأخذ يطرح عليه العديد من الأسئلة حتى ختمهم بطلب:
لو سمحت لي طلب.
- طبعًا اتفضل يا عاصي بيه.
تذكر معاناته مع مها قبل أن يخسرها. مخاوفه من خسارته وتعلقها الشديد بذلك الطفل. قسوة الليلة الماضية التي قضاها متقلبًا في لهب هواجسه. فاق على نداء الطبيب:
عاصي بيه اتفضل.
رد بثبات:
كنت عايز حضرتك تعلق لها pills.
عقد الطبيب حاجبيه باستغراب:
ليه؟ بالعكس دي فرصة كويسة إنكم تعوضوا الطفل ده عشان تنسى وتطلع من الحالة اللي هي فيها.
رد بإصرار:
معلش يا دكتور. مش حابب نعيش نفس الوجع تاني، ولا حابب أطفال الوقت الحالي، فوسيلة منع الحمل أنسب حل.
- تمام. مفيش مشكلة.
اندفع عاصي طالبًا:
بس ليا طلب كمان! مش عايزها تعرف.
ثم برر موقفه للطبيب:
لحد ما أمهد لها الفكرة وزي ما أنت شايف حالتها، محتاجة ترتاح شوية. ممكن!
- اللي تشوفه.
- هو إزاي الإنسان المفروض يمسح كل سنين عمره وذكرياته من المكان؟ إزاي ينسى عمر كامل مش شخص ولا ذكرى سيئة!
أردفت عالية جملتها وهي تجمع ما تحتاجه من خزانة ملابسها خاصة بعد ما أخبرت مراد بعدم تحملها لهذا المكان وهذه الجدران تضغط على قلبها. اقترب مراد منها وطبع قبلة خفيفة على كتفها وقال:
اللي هيقف في شارع الماضي، هيفوته جمال العالم بره يا غالية.
دارت إليه باستغراب:
غالية! أول مرة تقولي كده؟
- لأنك كده فعلًا بالنسبة لي! غالية. وأغلى حاجة في الدنيا.
ثم تعمد ملاطفة الأجواء كي تتغاضى قليلا عن حزنها الذي أذبل ملامحها:
بصرف النظر عن كل المصايب اللي حصلت دي، بس أنا مبسوط. هاخدك في حضني كده ولا عاصي ولا غيره هيفتحوا بؤهم.
ثم تبسم مجاملة:
النهاردة بس عرفت معنى "مصائب قوم عند قوم فوائد".
خيم فطر الحزن مرة ثانية على ملامحها، فانبثقت دمعة واحدة من طرف عينيها وباتت تسرد همها:
يعني خلاص كده؟ عاصي وتميم مش هعرف أشوفهم تاني؟ منكرش إني شفت قسوة من عاصي بس عمري ما كرهته ولا عرفته. كنت دايما بشوف فيه الأب اللي لازم يقسى عشان نتربى.
كفكفت عبراتها بحزن وخيم:
ولا في سهر مع تميم ودردشة طول الليل. أنا كنت مستنية الوضع بيننا يتحسن، مش يسوء بالطريقة دي.
ثم رفعت عينيها الباكية إليه وسألته:
طيب أنتَ لما تزعلني، أنا هتحامى في مين، وهشتكيك لمين.
- بس أنا عمري ما هـزعلك يا ستي. وده وعدي ليكي.
- مفيش راجل وست مفيش بينهم مشاكل. واللي يقول غير كده يبقى بيكذب.
مسك كفوفها بحب:
وأنا متفق معاك. بس اتأكدي إني عمري ما هـزعلك.
ثم قبل رأسها بحنان وقال:
هشوف كريم وأرجع لك تكوني خلصتِ.
غادر الغرفة باحثًا عن كريم حتى وجده بالحديقة يفتش بالهاتف، جلس على المقعد المجاور له وأخبره:
أنت عارف أن وجودك هنا مابقاش ينفع. تعالى اقعد في شقتي لحد ما تشوف هتعمل أيه.
رد كريم بضيق:
عارف يا مراد. وجهزت حاجاتي وماشي، مسافر.
- مسافر فين؟ من أمتى ده؟
ترك كريم هاتفه وانتبه لحواره مع أخيه وأجابه بملل:
مفيش حاجة أقعد عشانها. هسافر أمريكا أكمل دراستي واشتغل. ومش هرجع هنا غير وأنا واقف على رجليا.
- ليه يا كريم؟ ما تيجي وتشتغل معايا ونكبر سوا؟
جاكر أخيه ممازحًا:
أنت خايف أنافسك ولا أيه؟ أطمن كده كده هيحصل.
ضحك الأخوة معًا ثم سأله مراد باهتمام:
أنت مقتنع أنك عايز تعمل كده؟
تجاهل لصدح مشاعره الرافضة لذلك وقال:
كده أحسن.
- اللي يريحك. المهم خالتك مختفية من القصر وسألت الحرس قالوا إنها مشيت بالليل ومن غير عربية ولا حاجة.
رد كريم بامتعاض:
أعمل أيه يعني؟ وبعدين هي عيلة صغيرة يا مراد؟ دي عليها جبروت عدى جبروت هتلر.
- يلا خلي عندك دم. وانزل دور على خالتك. وأنا هوصل عالية عند عاصي في المستشفى وهنزل أدور عليها.
ثم أخفض نبرته قائلًا:
كريم دي خالتك ومن دمنا، محدش هنا من دمها عشان يهتم بيها. لو سمحت قوم شوفها راحت فين. على الأقل نطمن عليها ياخي.
لبى طلبه على مضض:
طيب هدور عليها. حاجة تاني!
جاءت سيدة بتردد وبعينيها أسرارًا تفيض، فسألته باضطراب:
سي مراد، هو عاصي بيه مش هيجي هنا تاني؟
- معرفش والله يا سيدة. خلي بس بالك من القصر الفترة دي.
حكت كفوفها ببعض ويبدو عليها القلق:
طيب أنا كنت عايزة أشوف عاصي بيه ضروري.
- خير يا سيدة؟ في حاجة أقدر أساعدك فيها؟
بللت سيدة حلقها الجاف من كثرة التفكير ليلا:
تعيش يا سي مراد. دي حاجة تخص عاصي بيه ولازم يعرفها بنفسه.
بنهاية كل أزمة الأشياء والشعور بداخل المرء، ولم يبق منه إلا الذكريات المغبرة على رف النسيان الذي تمرر مذاق الحياة بفمه. يصبح كل شيء باردًا وهادئًا ومريبًا. تكاد تكون كالجثة متبلد الأطراف والشعور تستقبل المزيد والمزيد من الصدمات بدون أي رد فعل.
شد مراد الغطاء فوق جسد عالية البارد فتشبثت بيده راجية:
مراد. خليك معايا.
مال ليطبع قبلة خفيفة على جبهتها ليطمئنها بوجوده:
جمبك متقلقيش.
ثم ابتعد عنها وزاح الغطاء ليعري قدميها وينزع الحذاء منهما برفق وهي تتلوى على مراجل الحزن كأن ما ترقد فوقه جمر مشتعل وليست بقطن. انتهى مراد من فعله ثم نزع هو الآخر حذائه ورقد بجوارها فتعلقت بعنقه وهي تتمتم:
يعني أنا ماليش أهل يا مراد؟ هعيش طول عمري منسوبة لعيلة أنا مش بنتهم! أنا ليه بيحصل فيا كل ده؟
أخذ يمسح على رأسها كي تهدأ:
حبيبتي ممكن تهدي ومتفكريش في حاجات سلبية! أنتِ مليكيش ذنب في كل اللي حصل يا عالية!
رفعت جفونه المحمرة إليه:
يعني أنتَ مش هتسبني بعد اللي عرفته!
- وايه يعيبك في كل اللي عرفته أسيبك عشانه!
انخرطت العبرات من مقلتيها وبشفاه مرتعشة:
هي عملت فيا كده ليه؟ أنا أستاهل القسوة دي!
- عالية اهدي أنتِ جسمك كله بترعش! أهدي وأنا جمبك أهو. مش هسيبك.
أطالت النظر بوجهه لتتأكد من وجوده وأنه خير ما أتى بظلمة أعوامها. أخذت ترتجف وتأن وجعًا حتى طلبت منه بتوسل ينزف دمعًا:
ممكن تحضني أوي. خدني في حضنك يا مراد أنا ماليش غيرك دلوقتي.
حملها بين يديه ودخل استقبال المشفى ينادي بحنجرته القوية:
فين الدكاترة اللي هنا؟
تابعه أخوتها بنفس السرعة التي يسير بها. تحرك رشيد ناحية الاستقبال مندفعًا:
اختي حامل وبتنزف، عايزين دكتور بسـرعة.
أمسك يونس بكف أخته التي تتضور وجعًا من تقلصات رحمها المميتة:
استحملي يا رسيل، إن شاء الله مفيش حاجة!
انفجرت صوتها الباكي الممزق من شدة الألم:
مش قادرة. وجع فظيع.
كاد عاصي أن ينفجر بموظفي المشفى إلا أن جاء طاقم التمريض بالسرير المتحرك بعجل. وضعها فوقه وركضوا بها ناحية غرفة العمليات. أمسك بكفها ليطمئنها بالمصعد:
متخافيش. اهدي اهدي التوتر مش في صالحنا يا حياة.
ضغطت على كفه باكية وكأنها تفقد روحها:
ابني يا عاصي. ابني بيروح مني. مش قادرة.
رد ملهوفًا:
سلامتك أهم. عشان خاطري اهدي، مفيش حاجة! أنتِ عندي بالدنيا.
ثم نهر طاقم التمريض:
فين الدكتور اللي هنا؟
فُتح باب المصعد وأجابته الممرضة بسرعة وهي تركض بالسرير المتحرك:
جاي حالًا. لو سمحت ماينفعش تدخل العمليات استناها هنا.
انضم إليه رشيد ويونس ركضًا من ناحية السلم حيث سأله رشيد:
فين؟ رسيل خدوهـا فين؟
رد بثقل وهو يعاصر نفس الحالة ونفس الألم الذي عاشه من قبل. فرغ طاقته المكبوتة وهو يضرب الحائط بقبضة يده:
العمليات. دخلت جوه.
ربت يونس على كتفه:
مفيش حاجة إن شاء الله تخرج بالسـلامة هي والبيبي.
أخذ يجوب المكان بعجز تام وقلة حيلة يعد الدقائق كي تعود إليه كي ينظر بعينيها فيستمـد قوته من جديد ليواجه جمة المصائب التي تنتظره. كي يتقلص إحباطه ويغتال هزائمه ويختفي كل هذا الظلام بداخله.
اشتعلت ملامحه بجمر الغضب الذي توقد بملامحه. رفع ساعده على الحائط وسند جبهته عليه وهو يلوم نفسه التي فشلت أن تحميها. عن عجزه في تنفيذ وعده لها في ليلة ملأ عطر الحب صدورهم، فأخذ على عينيها عهدًا عندما سألته: هل تحبني؟
فطبع وسام العشق بقبلة طويلة بين عينيها وقال:
مهمتي في الحياة العيش لأحبك أولاً والحراسة المشددة لقلبك من كل حزن وألم. لقد تجاوزت فيكِ الحب وأصبحت عاشقًا لكِ.
بعد مرور الساعة خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يخلع "الماسك" عن وجهه. هرول عاصي وأخوته نحوه فسأله ملهوفًا:
مراتي عاملة أيه!
بملامح حزينة أردف الطبيب:
بنحاول بكل جهدنا نحافظ على الجنين. ولازم تبقى تحت الملاحظة والأجهزة الـ 24 ساعة الجايين، واللي عايزه ربنا هيكون.
عارضه ملهوفًا:
دكتور لو الجنين هيأثر على حياتها نزله، المهم هي.
- أنا هتابع الحالة بنفسي، واتأكد صحة الأم عندنا أهم. بعد إذنك.
ركل المقعد المعدني بساقه وهو يجهر صارخًا معترضًا:
ليـه! ليـه عشان آخد حاجة لازم أخسر حاجة قدامها!
ثم لجأ للزجاج الفاصل بينهم ليراقب ملامحها النائمة ويترجاها بملامحه المنكسرة وكأنه يشكو من فكرة غيابها:
هل تعي حجم الألم الذي سيسكنني إن ضب العمر حقائبه معك تلك المرة، وتلك النظرة المميتة التي سترافقني بقية أيامي بعد بُعدم! وتلك الدموع التي سترهقني وكل الليالي المؤلمة التي سأقضيها بدونك؟ هل تعي ما سأكون عليه إن غربت شمسك؟
"كلما لملم جرح قلبهُ، زارهُ الألم قديم:
حياة متهزريش. قومي، أنا اللي كنت هسيبك ودلوقتي بقولك متسبنيش!"
انفلق الصباح بعد ليلة من كثرة الأتربة التي نفضت من فوق صناديق الحقائق ظنوا أنها ستحجب عنهم أشعة الشمس لسنوات. خرجت شمس عن صمتها الطويل منذ رحيلهم من المشفى فسألته:
تميـم! هنفضل نلف كتير كده بالعربية؟
رد بفتور:
مش عايز أروح.
أطرقت بحنو مقدرة الحالة التي يعاني منها:
عايز تروح فين طيب.
زفر باختناق:
مش عارف. مش عارف يا شمس.
وضعت يدها على كتفه لتحسسه بوجودها معه:
تحب نروح مكان هادي نفطر فيه. ومنه تفضفض براحتك.
رد بملل يقتل رغبته بالحياة:
ماليش نفس لأي حاجة.
تأملته بحيرة مفكرة كيف يمكنها أن تساعده على تجاوز تلك الفترة القاسية. فاقتـرحت قائلة مشيرة على مكان هادئ:
ممكن تقف هنا؟
تنهد بتعب:
شمـس.
بررت طلبها:
مش لازم تتكلم على فكرة، ممكن ننزل وتفضل ساكت وتبص للنيل، وأنا مش هضايقك. ها ننزل!
لبى طلبها وصف سيارته جنبًا ثم هبط منها ووقفت بانتظاره حتى أحكم إغلاقها. اقترب منها وهو يرتدي نظارته السوداء فتلقت قربه بابتسامة خفيفة استقبلها بهزة امتنان من رأسه. تقدم عنها خطوة أثناء سيره فطوت المسافة الفاصلة بينهم وهي تسد فراغات يده بحركة غير متوقعة أشعلت نيران الاستفهام في رأسه. دخل الثنائي معًا للمكان ثم أشارت له على الطاولة:
نقعد هناك. على النيل.
وافقها الرأي بصمت تمام. جلس بتراخٍ وهو يلقي المفاتيح من يده بدون اهتمام. جاء النادل ووضع الدفتر أمامه ثم انصرف بهدوء. التزمت شمس الصمت وأخذت تطلع على قائمة الطلبات لتفسح له مجالا من الاختلاء بأفكاره.
مرت دقائق عديدة حتى قطعت حبل الصمت المتصل بينهم بجملتها:
هطلب لك فطار على ذوقي!
- افطري أنتِ.
ردت بعناد:
لو مش هتاكل أنا كمان مش هاكل. هااه؟ ولعلمك أنا هموت من الجوع، بس براحتك!
رد بإبطاء وبنبرة يكسوها الإجبار:
تمام. اللي عايزاه.
أشارت للنادل وألقت عليه قائمة طلباتها مؤكدة على القهوة بالمذاق الذي يحبذه تميم. انسحب الرجل بهدوء، وغيرت هي مقعدها لتنتقل للمقعد المجاور له. طالعها بنظرة سريعة ولكنها تعمدت أن تطيل الوقت لرؤيته. فسألته بصوت خافت:
تتكلم!
هوى في حفرة الماضي بشرود:
تعرفي كنت حاسب كل حاجة، ومستعد أواجه أي حاجة وكنت حاسس بسـر كبير مداري ورا حيطان القصر ده؛ بس اللي مكنتش عامل حسابه بجد أن عاصي وعالية ما يبقوش أخواتي. فجأة لقيت نفسي وحيد. مش متخيل القصر من غيرهم يا شمس.
بللت حلقها وهي تطلعه بعيون يلمع بداخلها الدمع كالنجوم:
عارفة أنها صعبة. بس أنت ليه افترضت بعدهم؟
- عاصي مش هيقبل يقعد في مكان مش بتاعه بعد ما كل الورق اتكشف.
فقاطعته:
أنت بتحب عاصي يا تميم؟ يعني أقصد…
رد متفهمًا:
أنا فاهم تقصدي أيه. للأسف عبلة بفكرها المريض نجحت تبني جسر طويل بينا، طلعتني ابن زنا عشان تكسرني، وفهمت عاصي إني عدوه اللي لازم يحطه تحت المراقبة طول الوقت. ربنا جوانا عداوة وللأسف أحنا عشنا الوهم معاها.
غمغمت شمس بصوت خفيض:
دي مستحيل تكون بشر زينا. طيب أنت ناوي على أيه؟
- دماغي واقفة مش عارف أفكر يا شمس. واللي هيجنني عاصي كان عارف، وهما الاتنين لعبوها علينا.
ثم تنهد بحرقة:
طيب عالية؟!! أنا مش مصدق إني مش هعرف أحضنها تاني! طيب هي فين أهلها وهتعمل أيه وهيعيشوا إزاي؟
ساد الصمت بين أفواههم للحظات ولكن أعينهم لم تتوقف بعد. أخذت تفكر بتردد حتى حسمت قرارها لتخبره:
تميم. في حاجة جيـه الآوان تعرفها.
- حاجة أيه يا شمس.
- عاصي…!!
- ماله عاصي يا شمس؟
تكلفت الهدوء وهي تخبره:
عاصي هو محمد عبد العظيم. ابن تحية، تحية عمتي.
تدفقت الكلمات من عينيه بأسئلة جمة حتى راضت فضوله وقالت:
هحكي لك كل حاجة.
يقف كريم في شرفة غرفته يتحدث بالهاتف مع أمه وأخته هدير التي أخبرته بنبرة تعني انقضاء الأمر دون نقاش:
مصاريف جامعتك دفعتها. والمفروض الميل يكون وصل على موبايلك. سافر يا كريم وشوف مستقبلك، وأبعد عن فلوس دويدار، أنا كنت غلط من الأول لما شغلتك عندهم. بس أهو بصلح غلطي وأقولك سافر.
وقعت عينه على نوران التي تجوب ساحة الحديقة حائرة بنظرة محبطة توضح ما معنى أن ينظر المرء بخيبة لذات الأمور التي حدق فيها بأمل. فقال بتوجس:
أنتِ معاكِ حق، بعد اللي عملته خالتك أنا ماليش حق أقعد هنا. كل ده بقا من حق تميم.
أطرقت هدير بأسف:
عاصي عامل أيه؟
- عاصي مع مراته في المستشفى. هلبس وأروح لهم، وهجهز نفسي للسفر.
علقت غصة حبها لعاصي بحلقها ولكنها تجاهلت صدح قلبها الدامي باسمه وقالت:
ده أنسب حل. وأنا وماما هنحصلك على هناك.
كادت أن تنهي مكالمتها مع أخيها ولكنها توقفت فجأة:
كريم. استنى، أنت شوفت الأخبار الصبح؟
- لا ماشوفتش حاجة؟ في أيه؟
فتحت هدير الحاسوب أمامها وأخذت تقرأ عليه الأخبار المنتشرة صباح اليوم:
مزرعة الطريق الصحراوي التابعة لهاشم مدكور ولعت وبيقولوا أنها اتحولت لخرابة ومحدش عرف يلحقها. وكمان ده نفس اللي حصل في مصنع ممدوح علم، والخسارة بالملايين. معقولة عاصي يكون وراها؟
فكر كريم للحظة ثم قال:
هو فاضي لكل ده؟ بس تصدقي ممكن، مش دول اللي ورا خطف عالية!
أشادت هدير
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الستون 60 - بقلم نهال مصطفي
لا أعـرف من أين يمكن أن أبدأ وكيـف ؟!!
من تلك النهـايـة التي جنيت فيها ثمار صبري !!
أم من ذلك الجرح الغائر الذي ما زال يستقطب إليه نعيـم كل أيامي ويمررها !
أبدا من عينيـه التي أستهللت عندها وانطفأت !!
أم من الأمان الذي طوق قلبي بصحبته !!
أم بصبره علىّ وتحمله مخاوفي وسعيه الدائم لهدمهـا !!
أم من شكوى مرارة الحيـرة التي ما زلت أعاني منها وأكبرها
معاناة وقوفي الدائم بالمنتصف .. من حملي لرومانة الميزان حائرة بين كفتي العقل والقلب ، اجهاد كي أعدل بينهم ورغم رُجحان كفـه العقل واتزانها إلا أن كفة القلب خُلقت مائلة عن الأعراف والمتاح والمُمكن وهذا هو سـر عنائي المستمر .. أنني أميـل دائمًا إليهـا …. إلى قلبي الذي لم يُخلق إلا عاصيًا .
•••••••
” قبـل ست سنوات ”
تأرجحت وتراقصت أفاعي الانتقام أمام الغرفة التي ترقد بداخلها ” مهـا ” التي فارقت غُرفـة العنايـة للتو ، تتمدد وتتطلع إلى السقف تستوعب حقيقـة كونها ما زالت على قيـد الحيـاة .. صحة هروبهـا من الموت بأعجوبة!!
تتذكر كيف صارعت المـوت بكل قوتها !!
وكيف نجت من براثنه الطائلة بمعجزة إلهيـة ، أو بدعوة صادقة عانقت أبواب السماء ، فاستجاب لها القدر !!
تنفست بارتياح وهي تتصالح مع الحيـاة التي ابتسمت لها من جديد بعد ثلاثة أعوام من المعاناة ؟!!
كيف منحتها فرصة آخرى لتنعم بحياة هادئة مع حبيب أيامها وبناته !! تخيلت كيف سيكون لون الليالٍ برفقتهم يا ترى ! هل مثلمـا تمنت أم أعظم بكثيرٍ !!
دخلت جيهان وعبلة عليها الغرفـة تاركين هدير تلهـو عاصي بالأسفـل ، عيون انتقاميـة يملؤها لهيب الثأر والحقد غمرت الغرفة .. تململت مها في فراشها بوهنٍ :
-فين بناتي ؟! وعاصى كمان ، قال لي هيخلص حسـاب المستشفى وجاي .. اتأخر ليـه ؟!
ألتوى ثغر الحيـة بضحكة شريرة :
-بردو اتحدتيني وعملتِ اللي في دماغك ؟!!
انكمشت ملامح مهـا التي تفهم جيدًا مغرى الشر من وراء كلمات عبلة الخبيثـة .. حاولت أن تنهض ولكن بطنها المجروحة ألمتها كثيرًا ، تأوهت متوجعة وهي تكرر بحدة :
-فين عاصي ؟! أنا عايزة جوزي ..
مالت عبلة إليها وقالت :
-أنتِ فاكرة لما تتحديني كده هتكسبي ؟!! أنا سبتك تتجوزي ابني بمزاجي ، لأنه صمم عليكِ ، كنت فاكرة الموضوع شهرين وقرشين وتروحي في ستين داهيـة !! بس أنتِ اتمسكنتي لحد ما اتمكنتي ..
غمضت مهـا جفـونها بصرامة وضيق :
-أنا عايزة عاصي .. مش طايقة أبص في وشك ..سيبيني في حالي بقى .
قهقهت الساحرة الشريرة فوق أذانها وأكملت بنبرة تشبه فحيح الأفعى وهي تداعب خصلات شعرها:
-على فكرة أنتِ مكنش عندك مشكلة في الحمـل ، بس اجبرتيني على كده .. قهوتك الزيادة بتاعت كل صبح كُنت أعملها بنفسي ، واحط لك فيها حبوب تضعف بطانة الرحم عندك ، يمكن عاصي يزهق ويطلقك .. بس طلعتي عنيدة وحملتي وكمان فوقتي ..
تأملت مهـا في نومتها :
-كفاية ، ابعدي عني .. أنتِ شيطانـة ..
ثم شرعت في إصدار صرخات الاستغاثـة في تلك اللحظة توترت الأجواء .. دفنت عبلة وجه مهـا بالوسادة كي تكتم صوت استغاثتها ، وفي نفس الوقت فرغت جيهـان الأبرة السامة بالمحلول المائي المعلق .. حتى رفعت عبلة رأسها تسأل اختها :
-خلاص …
أومأت جيهان بهلع وهي تتخلص من الأبرة :
-خلاص ..
شرعت عبلة في رفع الوسادة عن وجهها وأخذت تتأمل ملامحها المتجمدة والنائمة في سلام .. مررت سبابتها أمام أنفها تتحسس أنفاسها حتى اتسعت ابتسامتها وقالت :
-وهي كمان خلاص ..يالا يالا ..
توارت سيـدة التي تراقبهم من وراء الزجاج خلف الحائط بملامح يملأها الذعر والخوف .. لم تحملها قدميها من هول ما رأته وهي ترتعش .. ضمت تلك الصغيرة التي أحضرتها لترضعها أمها وأخذت تنحب بأنين العجز وقلة الحيلة …..
فزعت سيدة صارخة من نومها المتقلقل والسـر الذي تعمدت دفنه لسنواتٍ كي تحافظ على مصدر دخلها الوحيد ، بات يطاردها من جديدٍ كالشبح .. فتحت نور الأباجورة بجوارها وهي تلهث باحثـة عن أقراص الدواء المهدئة التي استمرت في تناولها منذ تلك اللحظة التي شاهدت فيها شر بنات المحلاوي على أرض الواقع … ومن وقتها اتخذت قرارها أن تكون كالملاك الحارث لعاصي وبناته وأخرهم حيـاة التي حاولت بكل جهدها أن تحميها من مكرهن ….
•••••••••
~ بعد مرور أسبـوع ~
أحيانًا لا يبكي المرء بسبب ضعفـه فقط ، بل لشـدة مقاومتـه ، أن قوته لست كافيـة ليتجاوز الأمر .. يبكي لدرجة الانهيـار لأن ثمن تلك القوة صعب جدًا …
سبعة أيـام مروا عليهـا بقسوة سنوات عمرها بأكمله .. دائمًا صامتة شاردة ، نسيت كيف تنطق الكلمـات ، حالة من التيهِ والحزن سكنت رأسهـا ، مستلقيـة على فراشهـا وهي تمرر أصبعها على رحمها من حين لآخر تستيقن حقيقة خلوه من بذور الحُب التي جنت ثمارها لأشهر مضت وتجيب أعينها بمدامع الحسرة ..
بشقته التي حبذا أن يعود إليها بدلًا من قصر دويدار الذي بات لا ينتمي إليه .. دخل عاصي حاملًا مائدة الإفطار وبعض الأدوية التي حان موعدها .. ترك ما بيده جنبًا ثم توجه نحوها قائلًا بهدوء :
-حياة ممكن تطلعي من الحالة دي ؟!
طالعته بأعينها التي تملأها الحسـرة ثم انصرف أنظارها للسقف مرة آخرى .. مرر كفه على وجنتها مطمئنًا :
-حبيبتي حزنك مش هيرجع اللي حصـل ، بس في أيدنا نصلح اللي جاي .. قومي يلا ..
وثبت بتثاقل وهي تضم ركبتيها إلى صدرها :
-حاسـة بوجع شديد بيأكل في جسمي كله ، ومش عارفة أسكنه إزاي … !
تلقى على أبهامه عِبراتها المنهمرة وقال :
-بعد الشـر عليـك .. مش متعود عليكي ضعيفة كده ..
حضنت كفه ومالت رأسها عليه وشكت همـهـا :
-صدقني مش قادرة ..
ثم بللت حلقهـا الجاف وسألته :
-البنات فين ؟! مش سامعة صوتهم ..
-لسـه نايميـن .. ممكن تفوقي كده عشان نفطـر سوا ، وحشني الكلام معاكي ..
أستسلمت لرغبته مجبرة ونهضت ببطء متجهة نحو المرحاض لتزيل عن وجهها أثر الدمـوع ثم عادت إليه .. تحرك من مكانه ممسكًا بيدهـا وسار معها نحو الأريكة .. جلست بجموحٍ ثم سألته بصوت شامس :
-أنتَ نازل ؟!
مد لها كأس العصير لترتشف وأجابها :
-اطمنت عليكِ ، هنزل اقابل عالية وتميـم ونتكلم ، وبعدين هرجع عشان عندنا سفر بالليل ..
ارتعشت يدها القابضة على كوب العصير:
-أنت متأكد من قرارك ده يا عاصي !! هتقدر تستقر في الغردقة ..
فرد الجبن فوق قطعة الخبـز وقال :
-أنا خلاص اتفقت على كل حاجة مع أخواتك، هبدأ البزنس بتاعي هناك .. أنا محتاج أبعد يا حياة ، ولو توافقي هنطلع بره مصـر خالص .. أنتِ اللي رافضة .
ثم دقق النظر في ملامحها العابثة :
-أنتِ مش مبسوطة ولا أيه عشان هترجعي المكان اللي بتحبيـه ؟!!
ردت بفتور :
-أنا ما بقتش عايزة حاجة ..
طبع قبلة طويلة على كفها ثم ناظرها بأعينه المواسيـة والتي ظلت تحرسها طوال الأسبوع المنصرم :
-حيـاة اللي عرفتها كانت أقوى من حياة اللي شايفهـا قُدامي .. متعودتش منك على كده .
بررت ضعفهـا :
-عارف لمـا تسرق حاجة من بين سنان الدنيـا ، وتحس للحظة إنك انتصرت عليـها وفجاة تخسرها .. أنا كنت مستنيـة البيبي ده أوي ، حسيته عوض ربنا ليـا .. بس راح مني يا عاصي .
ثم مالت على كتفـه وهي تحتوي ذراعه وتضمه إلى صدرها :
-أنا عُمري ما هسامح اللي كان السبب ..
فك ذراعه من أسرها وتبدلت الأدوار ليطوقها به ليحضنها بقوى ، ترك الاثنان زمام الحوار لمشاعرهم التي تترمم ببعضهـا .. استمر صمت الألسن طويلًا حتى قطعته متأملة :
-هنعـوض البيبي مش كده .. نفسي يكون لي طفل شبهك ، أنا وحامل في ابنك كنت زي الفراشة طايرة مش حاسة برجليـا ، عايزة أعيش الأحساس ده تاني وألف معاك يا عاصي ..
ثم مررت كفها المرتعش على وجنته وقالت :
-أنا واثقـة أنك هتقدر تنسيني كل ده .. واثقة فيك وفي حبك ليـا .
كلماتها كانت بمثابـة خناجـر تطعن في قلبـه حاول تسكين مشاعره بأن كل شيء سيهون إلا أنه يخسرها للأبد .. لا يعرف صحة من خيبة قراره ولكن تلك المرة لم يغامر ويخاطر بحياتها من جديد حتى ولو كان أنانيـًا بقراره معها ..
نثر العديد من قُبلات اعتذاره فوق ملامحها ليسكن غضبهـا ويهدأ روعهـا ، استقبلت قُربه بلهف وشغف الظمأن حتى انتهى بها الأمر أن تعانقـه بعناق طويل يملأه الضعف وكأنها أرادت أن تعيد بناء نفسها من قُربه .. مسح على ظهرها بحنو ثم قال :
-اسيبك تجهزي عشان بالليل هنتحرك .
ابتعدت عنه بتحيـرٍ ثم قالت له :
-قبل ما نسافر ، خلي البنات يزوروا مامتهـم ياعاصي .
ثم ابتلعت غصة أحزانها وأكملت :
-آكيد هي مفتقدة وجودهم ، جات في بالي الفترة اللي فاتت ، كنت قبل كده مستغربة ازاي واحدة تخاطر بحياتها عشان تبقى أم .. أنا حسيت بمها من بعد خسارتي لابني ..
••••••••••
“”أرهقني القلق تجاه كل شيء اتسأل كيف يكون شعور الإنسان وهو بعيد عن القلقِ والحذرِ في كل خطوة يخطي لها أو حتى يفكر ،راحة البال أصبحت مطلبي ولكني أعلم جيدًا أن نيل المطالب لست بالتمنّي.””
تململت ” عاليـة ” من فوق فراشها على صوت رنين هاتفه بتثاقلٍ وهي تفتش عن مراد بجوارها فلم تجده .. ألقت نظرة على الكمود وقفلت صوته ثم عادت مُلقاة بإهارق على مخدهـا ، تفقدت تفاصيـل الغُرفة حولها بشعور مضطرب لا يمكن وصفه، شعور مسموم، يشقُ في الروح كدمة لا يستطيع المرء أن يضمدها ، كدمة بالغ آثرها لا يمكن زوالها بسهولة .
~~ قبـل أسبـوع ~~
وصل مراد برفقة عاليـة إلى المشفى التى ترقد بها حياة ، فاندفعت ناحية عاصي وسألته :
-حياة عاملة أيه يا عاصي ؟! طمني .
رد تحت تأثيـر صدمتـه :
-حالتها مطمنش يا عاليـة ..
ربتت على كتفـه بحنان :
-متقلقش إن شاء الله هترجع أحسن من الأول .. ومتزعلش نفسك ربنا يعوضك خير عن البيبي .
جلس مهمومًا على المقعد المعدني وسألها :
-أنتِ أحسن دلوقتِ ؟!
تعلقت غصة الحزن بحلقها :
-ممكن أسأل سؤال، عارفة مش وقته .. بس لازم أعرفه .
أجابها بتعب وهو يُقاوم :
-قولي يا عالية ؟!
-أنت كنت تعرف إن عبلة مش أمي .
حك كفيه ببعضهما مزفرًا عند سماعه لاسمها وكأنه يجاهد ليخفي حُمرة الغضب المشتعل من بين ملامحه :
-لا .. كانت مفهماني أنك بنتها الوحيـدة اللي لازم تحميها من غدر عيلة دويدار ، كانت بتبرر عملتها وأنها أخدت طفل وكتبته باسمها عشان تبقى هي أم الولد الكبيـر وكل الثروة دي تبقى ليها ..
أغرورقت عينيها بالعبرات وهي تسأله :
-ليـه طاوعتها وكملت في مسرحيتها .. ليه ؟
وثب قائمًا متحركًا إلى الزجاج الذي يفصل بينه وبين حياة الراقدة أمامه .. تابعت خُطاه وهي ترمق زوجته بشفقة ثم قالت مواسية:
-ربنا يقومها بالسـلامة ..
هز رأسه بجمود خارجي داخله فراغ وقرر أن يُجيبها على سؤالها :
-لما عرفت كنت طفل ١٥ سنـه ، لسه فاكر كلامها وتهديدها .. سابت عزاء شهاب دويدار وقفلت المكتب علينـا .. ادتني شهادة ميلاد وقالت لي إني مش ابن دويدار ولا ابنها ، وأمك خياطة وأبوك جنايني .. وأنها انقذتني من الفقر ، و رد الجميل لتعبها ده إني اسكت وأكمل وإلا مصيرك هيبقى زي مصير أمك وأبوك .. هتعيش وتموت عامل ..
ثم ألقى نظرة طويلة مطوية بالاعتذار لعالية :
-كنت مجبر أوافق ، مش بعد النعيم ده كله هترمي في الشـارع !! كملت في مسرحيتها لحد ما بقيت زي العروسة الخشب .. تحركها زي ما هي عايزة ، كنت فرحان بلقب عاصي بيـه سلطة نفوذ وخدم ، خلتني أشك في صوابع أيدي ، حتى تميم بقيت أراقبه طول الوقت منا خايف سري ينكشف وأطلع خسران .. مين الغبي اللي يسيب كُل ده !!
ردت عاليـة بحزن بالغ :
-عرفت تلوي دراعك … !!
هز رأسه بأسف ثم أتبع :
-الوحيدة اللي عرفت السـر ده مها .. وعشان كده صممت يكوني عيلة وأولاد اتسند عليهم ، قالت لي السر هيجي له يوم ويتكشف .. من يومها خدت عهد على نفسي أحافظ على فلوسك أنتِ وتميـم ، وابتدي أعمل بيزنس لنفسي بعيد عن فلوس دويدار ..
بلعت غِصة أحزانها وأخبرته بنبرة مبطنة بالبكاء :
-على فكرة ، كل ده مش فارق لي .. أنا هفضل طول عمري معتبراك أخويـا أنت وتميم ، أنا ماليش غيركم ولا أنت ناوي تستغنى عني ؟!!!
ضم رأسهـا إلى صدره بعد ما وضع قبلة خفيفة فوق شعرها المبعثـر وقال بحب :
-أنتِ كُنتِ بنتي الأولى يا عاليـة ، سامحيني لو كنت قسيت عليكِ وظلمتك ، بيت وحضن أخوكي مفتوحين لك في أي وقت ..
ربتت على كتفه بتودد :
-ربنا يخليك ليـا .. انا مش زعلانة منك بالعكس والله ..
ثم امتدت أنظارها لأخر الممر وأخبرته :
-طنط سوزان جاية مع مراد …
تحركت عاليـة لاستقبلها فضمتها سوزان بكل حُب بعد ما أخبرها مراد سرًا عما حدث ليلة أمس بقصـر دويدار وحقيقة نسب عاليـة المجهول ، فوضعت معه الخطة سِرًا لاستكمال كشف الحقائق .. صافحت عالية سوزان وأخذت تشاركها الحديث ، أم عن مراد وقف بجوار عاصي وقال له بهدوء:
-شـد حيلك..
أومأ رأسه متقبلًا تعازيه فابتعد مراد وعاصي عن موقف سوزان و عاليـة ، أخبره مراد :
-لسه كنت مع الدكتور وطمننا أن حياة حالتها مستقرة وعلى بكرة ممكن تخرج ..
اكتفى بكلمـة ” خير” وهو يُقلب في أحدى الرسائل على هاتفـه ، أكمل مُراد قائلًا بخجلٍ :
-أنا عارف أنه مش وقتـه بس ..
قاطعه عاصي ممتنًا لمعروفه لإنقاذ حيـاة :
-شكرًا على اللي عملته مع حياة .. لولا وجودك مش عارف كان حصل أيه ..
-أنا معملتش غير الصح في الوقت اللي كان لازم ادخل فيه ، لأن عواطفك كان سابقة عقلك أنا متفهم .. بس مش موضوعنـا ..
رمق عالية بنظرة سريعـة ثم قال :
-عاليـة ماينفعش تبقى لوحدها الفترة دي ، ولازم أكون جمبها .. وأنت أخوها محدش يقدر ينكر فلو تسمح يعني ….
قاطعه متفهمًا طلبـه ولكن بنبرة حادة :
-لسه فاكر أن عندها أخ !! مراد أنت لو فاكرني نايم على وداني ومش دريان بمقابلاتك أنتَ وعاليـة تبقى غلطان .. من أول مجيتك ليها الفندق وعارف أنكم بتتقابلوا ..
تراجع مراد بخجـل لا يمكن تبريره ، تقطعت الكلمات الحائرة :
– أنا مش قصدي أكسر كلمتك بس عالية مراتي وو
-فاهم ، بس في أوصول .. وعشان وقفتك مع حياة أنا هنسى كل اللي حصـل ..
ثم ربت على كتفه وقال :
-خلي بالك منها ، أنت أقرب حد ليهـا دلوقت ..
لأول مرة وبعد مضي عشرين عاماً مال مراد على عاصي ليحضنه كحضن أول فوز لهم في بطولة النادي .. حضن كل منهما الآخر بالصُلح فعادوا الرفاق رفاق ، وانقشعت غمامة الكراهيـة عنهم .. أقبلت عالية وسوزان إليها بنظرات يعلوها العجب والتعجب .. تعلقت عيني عالية بمراد وكأنه تستفسر منه عما حدث.. حتى سألته بذهول :
-هو في أيه ؟!
مازال يعتصر قبله بالحزن ولكنه دفنه للحظات بقلبه وسألها ممازحًا :
-جوزك بيحايلني عشان يرجعك !! أنتِ أيـه رأيك ؟!
بهتت ملامحها الحائرة :
-معرفش ، اللي تشوفـه يا عاصي !!
-أهي مش راضية يا عم ..
تدخل لينقذ الموقف :
-دي بتتقل علينا بس … سيبني أنا هفهمها .
لحقت عالية نفسها وقالت :
-أنا موافقة لو عاصي وافق ..
رمقها بتخابث :
-وقال يعني فارق معاكي أوي موافقة عاصي !
-هااه ؟!
همس مراد بتحذير :
-اسكتي بقا عشان طلع كاشفنا وشكلنا وحش ..
فرحت سوزان بعودة العلاقات بينهم ثم رفعت أنظارها لعاصي وطلبت منه بخجلٍ :
-عاصي ممكن كلمتين بس ..
اتخذت معه جنبـًا تستجمع فيه كلماتها التي بدأتهم :
-البقاء لله في البيبي .. أنتوا لسـه صغيرين والعمر قدامكم طويل .
رد باختصار :
-شكرًا …
غيرت مجرى الحديث ووضحت موقفها :
-أنا عارفـة أنه مش وقته وأنا الزعل باين عليك .. بس هقول كلمتين يريحوا ضميري .. أنا أسفة يا عاصي على كل حاجة ، منكرش أن عبلة كانت بتبخ في دماغي أفكارها السـم وأكيد أنت عارف من غير ما أوضح … أنا عايزاك تنسى اللي فات وتعتبرني في مقام أختك الكبيـرة وو
وفر عليها سرد المزيد من الأعذار:
-مشكلتي مش معاكي ، واللي حصل مفيش داعي نقلب فيه .. كلنا بنغلط محدش معصوم .. بعد أذنك هشوف مراتي …
~~عودة للوقت الحالي ~~
في ڤيلا سوزان التي أصرت على مراد وعالية أن يعودوا معها لتعتني بها أثناء فترة غياب زوجها اضطرات عالية أن توافق خاصة بعد نفورها التام من عالم دويدار المزيف .. ووافق مراد على مضض استكمالا لمخططهم ..
ملت عالية من رنين هاتفـه المتكرر ، فغادرت فراشهـا بكلل وارتدت معطفها الحريري فوق منامتها وهبطت لأسفل وهي تفتـش عنه ..
” بغرفة المكتب ”
-مفيش أخبار عن عبلة يا مراد ؟!
رد بضيق :
-قلبت عليها الدنيا مفيش .. والشرطة كمان بتدور .. المهم أي أخبار التحليل؟!
أجابته سوزان بحماس وهي تفارق مقعد مكتبها :
-النتيجة النهاردة .. متتصورش أنا مرعوبة أزاي ؟! قلبي بيقول لي ان عاليـة بنتي بس بردو في خوف .. قلبي مش هيرتاح غير لما أشوف النتيجة بعيني …
في تلك اللحظة اقتحمت عاليـة عليهم المكتب فـ عمّت الحيرة والارتباك على سوزان ومراد خشية من سماعها شيئًا .. وقف مراد ليقطع وتيرة الأسئلة المعقدة وقال :
-في حاجة يا حبيبتي ؟!
ردت بهدوءٍ :
-موبايلك مش مبطل رن ..
أخذ الهاتف منها فوجده رقمًا مجهولًا ، عاود الاتصال به فأتاه صوت العسكري يبلغه بعثوره على إمراة تشبه المواصفات التي سبق وأبلغ عنهـا .. رد مراد ملهوفًا :
-أنا جاي لك حالًا ..
سالته عالية بقلق :
-في أيه يا مراد ؟!
رد بعجلٍ :
-عالية اجهزي عشان معادنا مع عاصي وتميم .. هوصل مشوار ساعة وراجع ..
-طيب فهمني في أيه ؟!!
هتف بسـرعة وهي يغادر الغرفة :
-لما ارجع ..
••••••••
-بابي ، أحنـا فيـن ؟!
صف عاصي سيارته أمام مدافن آل دويدار .. أردفت تاليـا سؤالها مشدوهًا وهي تحاول أن تستفسـر عن ذلك المكان .. شد مفتاح السيارة وقال بهدوء :
-أحنـا هنـا عشان نودع مامي .. لان الفترة اللي جاية هنكون بعيـد عنهـا شوية ..
أغرورقت عيني تاليـا بعبرات البراءة :
-مامي ؟! هي مامي موجوده هنـا .. يعني مش في السمـاء زي ما حضرتك قلت ..
تابعت داليـا حلقة أسئلتها :
-يعني مامي موجودة ورا الباب ده ؟! طيب هي ليه مش عايشة معانـا يا بابي .. سابتنا لوحدنا ليـه !!
أخذت عينيه المكدسة بالدموع التي ظن أنها جفت من بعد موت مها تنقل من واحدة للآخرى بوجع يعتصر قلبـه .. يُدقق النظر في عيني تاليـا التي تُشبه عيني أمها كثيرًا .. وأنف داليـا المدببة التي نُسخت من وجه أمها .. والحفـرة المستقرة بخدها التي سبق ووقع بها وبسحر غمازتها .. لملم شتات نفسـه وداعب شعر صغيرته :
-هنتكلم كتيـر !! يالا انزلوا وقولوا لمامي كل اللي نفسكم تقولوه .
هبط من السيارة ليقف أمام المكان الذي لم تطأه أقدامه منذ أربع سنوات ماضية .. ارتدى نظارته الشمسية وهو يمرر عينيـه على جدران المقابر التي ضمت حبـه الأول .. تقدم بخطوات مثقلة بالحزن وأمسك يدي صغاره ، تاليا على يساره وداليا على يمينـه .. وتقدم نحو درجات المبنى المهيب فاستقبله الحارس بترحاب وهو يفتح له الباب ..
تقدم عاصي وبناته للداخل حتى وقف الثلاثة أمام قبرها المنثور بالبذور والذي تحاوطه الطيور من جميع الاتجاهات .. كوصيتها الأخيرة له حيث أمر الحارس بنثر تلك البذور يوميـا على قبرها .. تذكر جملتها الأخيرة وهي تترجاه :
((-قلوب البني آدمين بتتقلب ، والحب مع الأيام بيقل ، واللهفـة بتموت مع موت صحابها ، وأنا بخاف يا عاصي وأنت غصب عنك هتتلهي عني وتنساني ، عايزة أحس بالونس .. عايزة صوت يونسني .. عشان كده عايزاك توصي الحارس يرمي القمح فوق قبري عشان الطيور تزورني كل يوم … ))
جلس عاصي على رُكبتيه ليبقى بمستوى صغاره ، ابتلع غصـة وجعه المدفون لأعوام وقال بنبرة هادئة :
-حافظين الفاتحة مش كده !
أومأ الفتيات بصمت وأخذن يفعلن مثل ما فعل عاصي ، وشرعوا في قراءة سورة الفاتحة في كفوفهم المقعرة .. ما انتهى مسح على وجهه ففعلا الفتاتين مثله .. مرر كفه على سقف قبـرها وقالت عينيه بحزن وخيـم :
((-ياريت كنتِ لسـه موجودة ، أنا عارف أنك زعلانة مني .. بس مكنتش هقدر أزورك وأنا كده !! أنا عملت كُل حاجة غلط في غيابك يا مها ، كُنت بعوضني عن غيابك لحد ما ضعت وجات حياة لحقتني من نفسي .. سامحيني ، على فكرة حياة هي اللي أصرت أجيلك وأودعك ، وأخد البنات معايـا ، آكيد وحشوكي .. سامحيني يا مها عن كل حاجة ، حتى إني معرفتش أخافظ على بناتنا من بعدك ، كنت محملهم ذنب غيابك .. ودلوقتِ بعد ما ظهرت الحقيقة جاي أوعدك أصلح غلطي معاهم .. هما الحاجة الأخيرة اللي باقية لي منك ..))
استقر كف تاليـا على كتفه لتسأله بنبرة متحشرجة :
-بابي هي مامي بتسمعنـا ؟!
-أكيد يا حبيبتي ..
تاليـا ببكاءٍ :
-طيب مش بترد علينـا ليـه ؟!
ضم صغيرتـه لحضنـه لمواساتها فانضمت داليـا إليهم وهي تلوم على غدر الزمان وتقول :
-يا ريت كانت معانا بجد …
أردف بحب :
-أنا معاكم أهو وبقيت فاضي .. هنلعب وهنخرج وهنعمل كل حاجة سوا ..
••••••••
يقال أن “المشاعر ليس لها صوت لكنها ذات ملامح”
ولكني أرى أن هذا الكلام غير صحيح ، المشاعر لها صوت و لكنها تحتاج الى شخص شجاع عاشق ينطق بها ..
انتهت شمس من أداء سُنة الصبـاح ثم نزعت سترتها المخصصة للصلاة وتوجهت ناحيـة تميـم الذي فر النوم من عينه لقُرب الفجر حائرًا عما سيفعله بهذا الكم الهائل من الأملاك الذي سلمها له عاصي .. عن رأسه التي أوشكت أن تنفجر من ثقل المسؤوليات المُلقاة على عاتقـه .. جلست على طرف الفراش تدقق النظر بملامحه النائمـة .. أنفه المدبب ، لحيته القصيرة .. حاجبيه الكثيفتان .. شعرت بخفقان قلبـها الشديد ورغبتها الجامحة في الإقبال نحوه إقبالًا يليق بصبره عليها ومشاعرها المتقدة التي لا تعلم من أي جهة تسربت إليهـا ..
صدق الرافعي في وصفه للشوق قائلًا :
”هو حبلٌ من الحنين التفَّ حول القلب، فكُلّما نبض القلب نبضةً اشتدّ حبلُ الحنين على القلب وضاق عليه”
نفضت دخان مشاعرها وهمست له بصوت مدجج بالحنان :
-تميم .. السـاعة عشرة .
رد بصوتٍ نائم :
-ساعة يا شمس ..
شدت الغطاء من فوقه بإصرارٍ :
-تميم عاصي وعالية جايين الساعة ١٢ ، أنت نسيت ولا أيه ..
اعتدل متأففًا :
-أهو صحيت يا شمس .. حاجة تانيـة ؟!
ضحكت بصـوت مسموع ثم نبشته ملاطفـة :
-لسـة زعلان مني ؟!
تنهد بحيرة :
-أحنـا مش اتصافينـا وخلاص !!
-ااه يا تميم ، أنا فضلت متكلمنيش ٣ أيام ، وكمان كلامك بقا قليل معانا حتى بعد ما اتصالحنـا .. وأنا قولتلك ألف مرة أسفـة وعاصي كان مأكد عليا أن الموضوع سر ، حط نفسك مكاني بقا ؟!
قسم الصداع رأسه من صباحها المزعج :
-شوفتي أنتِ أهو اللي بتنبشي في القديم .. ومش مدياني فرصة انساه .
ربما أصدق طريقة للتعبير عن المحبّةتجاه الآخر
هي الرغبة في قضاء أكبر وقت معه وبما أن الوقت جزء من العمرفأنت تود لو تُعطيه عُمرك بأكملِه .. عارضتـه بانزعاج :
-شفت يعني لسه زعلان ، يعني كلامي صح ؟!
رد بنفاذ صبـر :
-مش زعلان يا شمس ، بس الموضوع ضايقني في وقتها وكنت محتاج وقت عشان افصل فيـه .. أعمل أيه تاني ؟!
تعمدت أن تطيل حبال الحديث بينهم مفتعلة الكثير من الحجج والأقوال الحمقاء كي لا ينتهي حوارها معه :
-شفت حتى طريقتك بتقول أنك مش طايق تسمع صوتي .. وأنا قولتلك ممكن أمشي وانت رفضت ..
رمقها بأعينه الماكرة التي عجزت في فهمها .. فـ رد باندفاع وهو ينهض جالسًا على رُكبتيـه :
-تصدقي أن الكلام مش نافع معاكي ..
أن قرر أن يصوم عن حبهـا فقلبـه يأتي أبيًا عنيدًا مسافرًا إلى عينيها قسرًا ليُفطره .. جذبها بكل قوته لترتمي في منتصف فراشـه صارخـة ممانعة :
-تميم ..
فك أزرار منامته وألقاها أرضًا ، فكادت أن تفر منه هاربة ولكنه أفشل مخططها ففتحت نوافذ صدره لاستقبال حبها وإقباله نحوها .. وقال محتجًا :
-مفيش هروب ..
خفق قلبها بمشاعر لا يمكن وصفها خاصة بعد ما كبل ذراعيها ببعضهما بكفه المنقبض على معصمها ورفعهما لأعلى .. فسألته باضطراب ممزوجٍ ببحة شجار العصآفير في صوتها :
-أنت هتعمل أيه ؟! تميم …..!!
-هسكتك بس بطريقتي …
انطبق فاهه على ملامحها المتوترة بلهفـة بحار ضائع وقارب قلبـه يتعذب بين الموج والإعصار .. يقاوم هروبها تارة ويقاوم لهفتها إليه طورًا .. لم تكن لحظات عابرة من الحب بل كانت نجوم تضيء ظلام أعوامهم ، ووهب الحب نفسه للأذرع المفتوحة لا للقلوب المتمردة .. ما بين جزم ورفع وضم حروف اللغة بادر الحُب بأفعاله المجونة حتى عرفت المشاعر طريقها وسكن الفؤاد عن لوعتـه وتحول الحب المدفون بينهم لصرخات مكتومـة بروح كل منهما الأخر .. حتى تفوهت مُقرة تحت سطوة الحب وبأنفاس محترقة:
-تمـيم ، أنا بحبك .. حبيتك من أول يوم قابلتك فيه .. بس كنت بكابـر .
قالت شفتيها كلمات ، وغنت عينيها بمواويل معترفة بهما :
•أحسستُ بالحُب تجاهك منذُ اليوم الذي لمحتُ فيه الدفء الذي في وجهك و العناق الذي حدث مابين صوتك ومسمعي ، احسستُ بك وشعرتُ أنّ هذا القلب الصّغير الذي أحمله في زوايا صدري يتمدد بحُبك يومًا بعد يوم ، لايتبدد شعُوري لك ولاينقص ، بل إنهُ يحتشد في وسط صدري حتّى إنه يفيض من وسط عيني ..
كَانَت الشمس فِي الخَارج سَاطِعَة وحارة وكلّ الأشياءِ تَشعّ نورًا أم عن شمسه فكانت تنافسها في الإشراق والتلألأ والحرارة كَما لَو أنها هِيَ الَّتِي تُضِيءُ .. أن تشرق في قَلبه من حيثّ لا غُروب لها بعد الآن .. تنهد بجدار عنقها ليُجيب على اعترافها بلهفة قاتلة بقلب كالسنبلة مائلة دومًا نحو شمسه ووشوش إليها :
-آخيرًا !! بحبك .
••••••••
وصلت عالية برفقة كريم إلى قصـر دويدار بعد تعذر مراد عن مجيئه .. هبطت عالية من السيارة فلحق بها كريم قائلًا :
-تميم ليه أصر أنك تحضري ، مش المفروض خلاص .
ردت بشرود ورأس منشغل بألف موضوع :
-معرفش والله يا كريم .. أدينـا هنشـوف .
دخل الاثنان من باب القصر فاستقبلتها سيدة بترحاب وأحضانٍ :
-وحشتيني يا ست عالية .. والله البيت ما له حس من غيركم أنت وسي عاصي ..
ربتت عالية على كتفها :
-تسلمي يا سيدة .. هابقى أكلمك على طول .. قوليلي عاصي لسـه مجاش ؟!
-لا ، بس سي تميم فوق ، هروح أناديه ..
-تمام .. وأنا هستناهم في المكتب .
نظرت إلى كريم الذي احتج قائلًا :
-هعمل مكالمة فالجنينة وأجيلك ..
~بالأعلى~
يقف تميم أمام المرآة يعد رابطة عنقـه وهو يطلق صوت صفير مسموع بعد ما روى شرايين حبه الظمأنة .. ثم هتف ممازحًا بصوت مرتفع كي يصل لأذان شمس التي اندست بالحمام :
-طيب ناوية تباتي جوه !!
ردت باضطراب وصخب يملأ روحها :
-خليك في حالك …
ضحك بانتصار ثم قال :
-طيب حبيت أقول لك نازل .
ردت باختصار وهي تحضن قلبها المتراقص:
-طيب…
ثم تحمحم بخفوت مداعبًا :
-هتوحشيني ..
ردت بفيض من الخجل :
-تميم روح شوف شغلك .. الله !!
أخذ سترته السوداء وغادر الغرفة بضحكة واسعة مرسومة على محياه ومازال محافظًا على روقان مزاجه حتى التقى بسيدة التي رمقته بدهشة :
-خير اللهم أجعله خير يا تميم يابني !!
رسم الجدية على ملامحه :
-في أيه يا سيدة !!
ردت بتخابث وهي تدور حوله :
-وشك ولا البدر المنور .. اللي يشوفك النهاردة ما يقولش ده تميم بيه اللي كان من يومين !!
رد متبسمًا :
-سبحان مغير الأحوال بقا يا سيدة ..
ضاقت عيني سيدة الخبيثة بثغر مبتسم :
-يديمها عليك الأحوال اللي تخليك رايق كده يا بني ..
-أحم .. هي عالية جات !!
-ااه جات ، جوه مستنياك .. أعملك قهوة ولا فطار ؟!
أجابه بفظاظة قبل أن ينصرف:
-أي حاجة مسكرة عندك ياسيدة .
رمقت سيدة ظهره بنظرات التيقن :
-وماله ؟!!!
مرت الدقائق حيث آتى عاصي وانضم إلى اجتماعهم وبالخارج يجوب كريم ذهابًا وإيابًا منتظرًا مجيء نوران الذي ألح عليها كي تلتقي به .. جاءت خائفة متفقدة المكان حولها بحرصٍ خشية من أن يراهم أحـد .. هبت في وجهه معترضة :
-أنتَ عايز مني أيه ؟!!
-عايز أودعك قبل ما أسافر ..
جمرة متقدة استقرت بحلقها فأدت إلى انفراج كل ملامحها :
-أيه ؟! هتسافر بجد ! أمتى .
استند على جدار الشجرة عاقدًا ذراعيه أمام صدره :
-طيارتي ١٢بالليل ..
ملأت الدموع عينيها ولكنها أبت الهزيمة تمردت على أعراف واعتراف قلبهـا .. أجابته بشفتين مرتعشتين :
-طيب وأنا مالي ..
نفذ صبـره من كبريائها :
-مالك ازاي !! نوران أنا بحبك لو مش واخدة بالك .. ومعنديش مانع اطلب أيدك دلوقتي.. بس أنتِ وافقي .
أحست بحبل العشق يلتف حول رقبتها فأصبحت تعاني من اتخاذ انفاسها بحرية وكأن ثقل الخبر أنصب على صدرها .. بنبرة فائض منها الحزن :
-قولتلك مش وقته الكلام ده ، أحنا لسه صغيرين .. وأنت هتسافر وتقابل غيري ووقتها هتعرف حقيقة مشاعرك .. دلوقتِ أحنا منقدرش نحدد إذا كانت المشاعر دي صادقة ولا …
الغريق تعلق بقشاية الحروف :
-نوران يعني جواكي مشاعر ناحيتي !! قوليلي وإحنا ندي قلبنا فرصة .. طيب قصدك أيه بأخر جملة .. يعني …
تذكرت تهديد جيهان لهـا وتحذيراتها بأن تبتعد عن ابنها .. فقالت :
-الحب حباله طويلة يا كريم .. ركز في طريقك ودراستك ..
ثم دارت لتخفي عيونها الدامعة عنه :
-وإن شاء الله اسمع عنك كل خيـر ..
رمقته بآخر نظرة كأنها تودعه وتودع قلبها المنخلع معه ثم ركضت هاربة من سطو عينيه وألم قلبها المميت .. ركل الطوبة بقدمه وهو يلعن حظه ويعلن هزيمته وخسارته لحبها المدجج بصميم قلبه .
~~بغرفـة المكتب ~~
ردت عاليـة بإصرارٍ :
-لا وألف لأ يا تميم .. أنا مش هاخد مليم واحد في الفلوس دي ..
عارضها تميم :
-عالية ده حقك وحق حرمانك من أهلك السنين دي كلها ونصيبك القانوني في ورث دويدار .
-وأنا اتنازلت عنه يا تميم .. ومتقلقش عليـا أنا في عصمة راجل وهو مسئول عني دلوقتِ .
تميم بعدم اقتناع :
-مال دي بدي !! ورث دويدار هيتوزع علينا بالحق.. ريحيني يا عاليـة لحد ما نشوف الباشا الكبير ..
اتكئ على المقعد الجلدي واضعًا سبابته فوق فمه وقال :
-الموضوع بالنسبة لي منتهي يا تميـم .. أنا حافظت على ورثكم وعملت البزنس بتاعي يعني مش محتاج الفلوس دي !!
فاض صبر تميم :
-عاصي الشيلة تقيلة عليـا وأنا مش هقدر ، وبعدين أنت مرجعتش ليه القصر !! عاصي سيبك من كل الهبل ده ، أنت أخويا الكبير والوحيد الفاهم في الشغل .. يرضيك بعدم خبرتي أهد كل ده !!
ثم وقف موضحًا :
-أحنا زي ما أحنا ، أنت كمل في شغلك ، وأنا هكمل في الجزء اللي افهم فيه والمركب هتمشي .. قولت أيه ؟!
صوت دق الباب قطع حديثهم ، فدخل منه مراد مستأذنًا :
-لو حاجة شخصية أنا ممكن استنى بره ..
تعلق تميم بقدومه :
-تعالى يا سيدي شاركنـا .. وشوف الاتنين دول قبل ما اتجنن ..
قفل مراد الباب وجلس بجوار زوجتـه ، فأجابه عاصي بهدوء مُريب :
-أنا رتبت حياتي ومش هينفع يا تميم .. موضوع وجودي هنا منتهى ..
تدخل مراد قائلًا :
-بس وجودك مهم الفترة دي يا عاصي .. أنا عارف أنك ورا الضربة اللي حصل لممدوح علم وهاشم ، وسمعت انهم مش هيعدوها ، فلازم نبقى أيد واحدة .. التشتت مش في صالحنـا ..
تنهد تميم بارتياح وهو يجلس على مقعده :
-ينصـر دينك يا مراد .. اقنعه عشان أنا تعبت ..
عاصي بإصرار وهو يتحرك ليفتح باب الخزنة ويخرج منها بعض المجوهرات الخاصة بمهـا :
-كلام منطقي ، بس أنا عارف بعمل أي .. وأنت يا تميم هتتعب شوية في الشغل لحد ما تفهم الدنيا ماشيـة ازاي ..
تدخل تميم مقترحًا :
-وفيها أيه .. مراد هيمسك نصيب عالية ويديره لحد ما تتخرج وتديره هي .. وأنت تفضل رئيس مجلس الإدارة وتكمل ونكبر سـوا ، السوق مليان ديابـة يا عاصي وآكيد مش هتسيبني وتمشي …
جهر بغضب:
-وأنا مش هكمل يا تميم .. ولو سمحت سيبني على راحتي .. وبكرة هتفهم أنا عملت كده ليـه ..
ثم هدأت نبرته :
-متقلقش عيني هتفضل عليك وهفضل في ضهرك حتى لو مش مكمل هنا …
احتج مراد معترضًا :
-وعاليـة براحتها عايزة تستلم نصيبها تستلمه لكن أنا اعذرني يا تميم …
رمقهم تميم بخيبة :
-تصدقوا أن كلكم شويـة عيال وأنا أصلًا غلطان إني بتكلم معاكم…
وثب مراد بملامح وجهه المترددة والحزينة :
-هو في خبـر لازم تعرفوه .. الشرطة لقيت خالتي عبلة ولما شافتني متعرفتش عليا .. وهما وشكوا في قواها العقليـة .. وللاسف حولوها على المستشفى وو
تدخلت عالية بقسوة لم تعهدها :
-كل واحد بياخد العقاب اللي يستحقه يا مراد….
رمق مراد عاصي بنظرة كاشفة :
-عاصي ..
رد بجحود وهو يلملم متعلقاته الخاصة بالصندوق :
-زي مـا عالية قالت ، كل واحد بياخد العقاب اللي يستحقـه … أشوفكـم بخير ..
انتهى اجتماعهم وتبادلوا الأحضان والسلامات والدموع المحبوسة في قلوبهم قبل أعينهم .. خرج عاصي من الغرفة وهو يودع إمبراطورية دويدار التي قضى بها تسعة وثلاثين عامًا … ركضت سيدة نحوه بلهفـة :
-عاصي بيـه ، عايزاك في كلمتين..
-قولي يا سيـدة .
شدته لأحد أركان القصـر وقالت له بفزع :
-بصراحة في سر جيه أوانه عشان تعرفه ..
-سر !! سر أيه يا سيدة .
-بخصوص ست مهـا ..
ثم رفعت عينيها المذعورة وأكملت :
-ست مهـا اتقتلت ، مماتتش قضاء وقدر .
الإنسانُ بغيرِ أنيسٍ تأكله الغربةُ ، يهزمُه طولُ الطريقِ
تغلبُه أهونُ المخاوفِ حتى تقبضَ يدٌ أخرى على يديه ، فيطمئن ، ويواجهُ ، ويرى العالمَ من جديد …
دومًا ما يتكرر أمامي جُملة ” ومن الحُب ما قتل ”
لِمَ لم يُقال ” ومن الحب ما يُحيي ” ، ” مـا ينعش القلب الهالك ؟؟”
مثلمـا أُنقذَ قلبي بحبك فلم أعرف معنى الانتصارَ على جيش الحياة إلا عندما أحبَبتني ..
حبـك حيـاة …
كلا ؛ بل أحيا بحبـك ….. ♥️
~خلق القلب عصيـًا ..
••••••••
-سر !! سر أيه يا سيدة .
-بخصوص ست مهـا ..
ثم رفعت عينيها المذعورة وأكملت :
-ست مهـا اتقتلت ، مش موتة ربنا .
لم ير إلا عتمـة سوداء تُشبه فَراغ روحه وظله المفقود .. عقـد حاجبيـه مشدوهًا :
-يعني أيه ؟! ازاي .. مها ماتت لأنها كانت تعبانة ..
ردت على الفور بأسف :
-محصلش ..
-وأيه اللي حصـل يا سيدة ؟!
-هحكي لك .. بس الأول لازم تعرف إني والله سكتت من خوفي عليك وعلى أهلى ، كنت هتجنن أكمل واسكت ولا أمشي واستنى مصيري ..
بلهفة لسماع الحقيقة قال :
-ادخلي في الموضوع يا سيدة….
شرعت سيدة في سـرد ما رأتـه قبل ست سنوات بارتباك يتقاذف من بين كلماتهـا .. والنبش في مقبرة ذكرتها الأليمة مع سيدات المحلاوي ذواتا المكانة المرموقة بالمجتمع ..
بالزاويـة الأخرى لملتقى عاصي وسيدة ، يقف مُراد مع عاليـة يتبادلن الحديث الهامس بينهم وهي تسأله :
-عشان كده نزلت ؟!
رد بنبرة يملأها الاضطرار :
-خالتي يـا عاليـة ..
بلعت غصة قسوتها الثقيلة على قلبها :
-طيب هي فين ؟! أنا عايزة أشوفها .. يمكن تتكلم ولا تقول حاجة يا مراد ..
رد بأسف وهو يتلقى بإبهام العبرة المنبثقة من طرف عينيها :
-مش هتستفيدي حاجة يا عاليـة .. دي مكنتش عارفاني ولا فاكرة هي مين ..
ثم زفـر ليتخلص من نار الحزن :
-الحادثـة أثرت على عقلهـا ..
فاقترب من زوجتـه خطوة إضافيـة وهو يمسح على شعرها مواسيًا :
-وعد أول ما تتحسن هاخدك ونروح لهـا ..
استندت برأسها على صدره حيث ملجأها ومأمنهـا الوحيدة بالحيـاة التي جردتها من كل معالم العائلة .. همست بخفوت :
-أحنا مش هنرجع بيتـنا وكفايـة كده عند طنط سـوزان !
~عودة لعاصي وسيدة ~
دلو مثلج انسكب فوق رأسه وهو يتلقى بحقيقة جريمة آخرى لعبلة التي كان يثق بها يومًا ما ثقة عميـاء .. كل الجروح تطيب وتندمل ولها آخر وموعد مع الزمان لتنتهي إلّا جرح واحد مهما هربت منه يلحقك أينمـا ذهبت ، فلا مفر من الهرب وتضطر حتمًا لمواجهته ، مواجهة قلب لسيف قاتل ، تعرف أنها حرب ليست عادلة ولكن تلك هي ساحة الحياة الحقيقية يا عزيزي .. ويستمر القتال بينهما فلم يكُف نصل السيف عن تمزقه ولم يُنبت لقلبك درعًا واقيًا ليحميه من تلك التسديدات المؤلمة ، ويبقى الحال مثل ما هو إلى أجلٍ غير معلومٍ .
طافت عيني سيدة حائرة في بحر شرود وهدوء عاصي حتى تمتمت بخوفٍ :
-عاصي بيـه !! أنت سامعني ؟
رد بثبات مريب :
-وأنتِ سكتي ليـه كل ده يا سيدة ؟!
-قولتلك خُفت عليك ، عارفة لو كنت اتكلمت وقتها غضبك كان هيعميك ، والبنات هيتربوا من غير أب ولا أم .. أنا فكرت فيك وفيهم …
هز رأسه متفهمـًا وهو يُطالع مُراد بأعين ثاقبـة ، ويراقب حنانـه ولطفـه مع عاليـة .. بلع غصة وجعـه وقال :
-لو كنت عرفت وقتها كان البيت ده هيبقى رماد ، كنت همحي نسـل المحلاوي من على وش الأرض .. بس جيتي متأخر أوي يا سيـدة ، جيتي في الوقت اللي أخدت فيه القرار إني أحافظ على اللي ليـا من مهـا وبس ..
تمددت ملامحه المكدسـة بشحنات الغضب وكأنه يقاومها أن اهدأ :
-عاليـة قالت جملة واحدة كافيـة أنها تصبرني بقيت عُمري ، ” كل واحد هياخد العقاب اللي يستحقه ” بس الصبـر ..
ألقى نظرة أخيرة على مراد الذي لم يكف عن مواساة زوجتـه وتنهد قائلًا :
-العداوة دلوقتِ هيكون تمنها قلوب كتيـر ملهاش ذنب ..
تقدمت سيدة إليـه بعويناتها المحمرة وهي تربت على كتفه :
-سامحني يابني ، أنا ست قليلة الحيلة وبتجرى على لقمـة عيشـها .. بس العمر مش مضمون وأنا تعبت من دفن السر ده ..
تقبـل جمر الأمر بنفس راضية وهو يدسه بقلبـه وقال :
-وهيكمل سـر ما بينـا يا سيدة … مش مستعد لخطأ جديد بناتي هما اللي يدفعـوا تمنه ..
اقتربت منه سيدة راجية :
-طيب أنا ليا طلب ومتكسفنيش فيه يا بني ..
توقف عاصي عن مغادرته ووأشار بمقلتيه كي تكمل طلبها على الرحب، فأكملت بترجي :
-خدني معاك ، عايـزة أكمل اللي باقي من عمري معاكم .. هعيش أخدمكم برموش عيني والله ، متكسفنيش .
فكر للحظات وهو يفكـر في خطّته المستقبلية للاستقرار بالغردقة وأنه بحاجة إلى شخصٍ أمين يأمنه على بناتـه وزوجته .. رد بتقبـل :
-موافق .. بس الأول خدي إذن تميـم ، وجهزي حاجتك وخلي السواق يوصلك لشقتي ..
هللت سيدة بفـرحة :
-الله يكرمك يا عاصي يابني .. حالًا هروح اجهز وادي خبر لتميم بيه ..
~بالطابق الأعلى~
ثمة أشياء على المرء أن يتخطاها إجبارًا دون أن يخبر بها أحد .. تقف نوران في شرفة الغُرفة وهي تعاني ألم النقصان ، الفراغ والخلو الذي ملىء صدرها للتـو .. تقف عاجـزة بأيدٍ مغلولة مكبلة ، حائرة ، تنزف من مقلتيها دمًا يحفر وديانًا بوجنتيها .. ألقت نظرة طويلة على صورته بهاتفها وهي تكبرها لترسو فوق ملامحه بكف مرتعش .. وقررت أن تعترف لصورتـه قائلة بنبرة يرتجف فيها قَلبها کـ طفلٍ إغتَسل بماءٍ بارد في فَصل الشِّتاء :
-أنا كمان مش عايزاك تمشي .. خليك جمبي ، أنا حاسة بحاجات كتير كلها عكس بعض ومش فاهمـة ، ومش عايزة أجرى ورا عواطفي وأقول لك عايزك معايـا .. طيب هو مفيش حل تاني غير السفـر !! طيب قول لي أنا هكلم مين أول ما اقع في أي مشكلة !! أنت متعرفش أنا اتعودت على وجودك طيب !! ههون على قلبك يسيبني ويسافر !! طيب حتى لو لساني مقالش الكلمة اللي مستنيهـا ، معقولة عيوني عرفت تداري عنك مشاعري !!
أسوأ شعور يمكن أن يواجه المرء على الإطلاق هو عدم معرفتك إذا ما كان عليك الانتظار أو الإستسلام .. وذلك الوميض الذي لمعت به أعين كريم وهو يرفع رأسه لأعلى ليقلي نظراته الأخيرة على الغرفة التي أعتاد عليها أن يطل منها قمره كل ليـلة .. تراجعت نوران للخلف كي تتواري عنه وتختبأ من جرف نظراته التي تلومها حتى باتت رؤيتها له سرابًا ، صعد سيارته مرغمًا على الانسحاب من أول معركة قادها قلبـه ، لم يتقبل الهزيمة ولكن لا يوجد ما يمكنه المحاربة لأجله …
(كُلنا هارِبون يا صديقي مِن الحُب ومِن الأماكن التي تحمل رائحته ومِن الأشخاص الذين هزمونـا من قبل وربما من أنفسنـا المحملة بمذاق الخيبات .. كُل مِنا لديه سببٌ للهروب مُختلف عنّ الآخر ولكِن نحنُ مجتمعون في الهربّ مِن شيءٍ ما.)
~~بغُرفة تميـم~~
قررت أن تغتـال جمـة المشاعر المتضاربة التي أحدثها الحُب قبل قليـل .. تجاهلت خرائط الحب المطبوعة على لوحة جِرمها والتي أدت بهـا للوصـول لأعذب نهـر بالحب ألا وهو الارتواء .. لم تصدق ما حدث وكيف للحظـات معدودة حالت بها لكل تلك الأحداث.. فجأة تحولت من مجرد معجبـة تختلس النظرات منه سهوة لـ مملوكـة لهذا الرجل الذي مال له قلبـها ..
تذكرت اعترافها الصريح لحبـه وهي تحت مخدره المسـكر فخجلت من نفسها كثيرًا ولجأت لصنبور المياه لتغسل وجهها عدة مرات ربما يزول عنها الالتباس .. جففت وجهها وبالمنشفة وعادت إلى مخدعها الذي طاحت بمنتصفه فلم تتذكر أي شيء إلا جملة المشاعر التي ملئتها ..
شرعت في تبديل كسوة السـرير ، حيث أتت بمفرش أخر غير الذي خُتم بوسام زهرة الحب بارتباك يبدو بخطواتها العشوائية .. ألتوى مقبض الباب يعلن قدومه خاصـةً اقتحامه للغرفة بدون أذنٍ مسبق كعادته .. رتبت الوسائد متحاشيـة النظر إليـه تمامًا ، اتسعت ابتسامته عندمـا التقم تصرفهـا الطفولي وقال ممازحًا :
-أيه ده ؟!! أنتِ لحقتي تلبسي !
وثبت مهزوزة وهي باستحياء لا تجرؤ أن تطالعه .. أن تتقابـل أعينهم من جديد .. كادت أن تنصرف من وجهه ولكنه عاق طريقـه ببنيته الصلبة وهو يقف أمامها :
-على فيـن !! مش بكلمك ؟!
ملامحها تعج بالحياء وهي تنظر في كُل الاتجاهات إلا الجهة المؤديـة لعينيـه .. فأمسك بذقنها وثبت وجهها نحوه قائلًا بهيبة :
-شمس !
تمتمت بخفوت وصوت مبحوح :
-نعم !
بنبرة عاشق مستهام أردف :
-مبروك يـا أحلى عروسة ..
-هاه ؟!
بضحكة رزينـة مبطنة بالهدوء أكمل ملاطفًا :
-هاه أيه بس دلوقتِ ؟!! أنتِ معايا الأول ؟
اختصرت قائلة :
-شكرًا ..
-شكرًا !! شكرًا على أيـه .. لا دي ما يتقالش عليها شكرًا خالص ..
لمعت عينيها العضو الوحيد المتحرك بجسدها المتصلب أمامه وسألته :
-عايزني أقول أيـه ؟!
بخُطى وئيدة منجذبًا إليها وهو يقبل على تذوق شجرته المحللة :
-أي حاجة غير شكرًا دي .. وبعدين فين لسان شمس اللي أطول منها ، السكوت ده مش معقول!
همست شفتيها باسمه بتقطع حرك جوارحـه من جديد وهو يراوغ عن قرب قطعة التوت التي جملت حروف اسمه وقال متيمًا :
-تعرفي كنت برتب كتير باليـوم ده .. كنت عايز كل تفصيلة فيه مترتبـة ، بس اكتشفت أنها حاجات ماينفعش يترتبلها ، زي الورد نخطفه خطف ونجري قبل ما حد يشوفنا ..
تعالت أنفاسها وهي تُرحب بقربه الذي أنعس عقلها المتقلب في بعده .. فأوقفته متحججة بقلقل :
-تميـم ..
تنهد بعودة للواقع :
-نعم يا شمس ..
-أنتَ عملت أيـه مع عاصي وعاليـة … ؟!
-وده وقتـه يا شمس !!
ثم غمغم متقبلًا :
-هي جات على دي !! أنتِ كل المواعيد معاكي بالعكس ..
-مش فاهمة حاجة !! بتقول أيـه ؟!
دنى منها الخطوة الفاصلة وقال :
-عايـز اسمع واحدة كمان بحبـك !
اتسع بؤبؤ عينيها بدهشة من جرأته :
-تميم بس بقا .. وبعدين سيبني دلوقتِ أحاول استوعب اللي حصل ووو بص أنا هروح اشوف نوران …
أمسك ساعدها ليوقفهـا معاتبًا :
-خدي هنـا ، بقا أنا جاي اطمن عليكِ .. وأنتِ تقولي نوران ؟!
بللت حلقها حتى برزت عروقها :
-أنا .. أنا كويسة ..
اندس كفه تحت شعرهـا وسألها بنبرة أحن :
-كويسـة كويسـة … ولا كويسـة ومش كويسة ؟!
-أنااا .. !! ااه كويسة ؟
-يعني نكمل كلامنـا بتاع الصبح ؟!
ثم ضاقت عيني محتجًا وهو يتراجع بها للخلف :
-كنـا وصلنـا لـ ” قولتلك ممكن أمشي وانت رفضت ” وبعدها حصل أيه ؟!!
فعقد حاجبيه مستفسرًا بمكر ثعلبي :
-فاكرة ؟!!
تبسمت باستحيـاء وهي تهوده بدون تمرد بل معجبـة بطريقة تسلله لقلبها ولقربه ، فـ ردت عليه بتأن :
-تؤ .. مش واخدة بالي ..
-بس أنا فاكر ومعنديش مانع أفكرك …
استهل أن تشرق على صدره والشمس للآخرين فتبلور قلب تميم عندمـا سطعت شمسها أمامه بملامحها المتمدة التي تستقبله بلهفـة ممزوجة بعطر الحياء الذي يجمل أي أنثى .. صارت النظرات بينهم تتعانق وتقبل بعضهـا البعض ، وهاجت القلوب لتبدأ فصلًا جديدًا من الحياة بصوت ببلابل العشق .. في تلك اللحظة جاءت العاصفـة لتشتت سِرب الطير ، فتفرق الجمعان فجأة ، لعن تميم ذلك الحظ فتقدم مندفعًا إلى الباب مكتظًا بالغضب فإذنٍ بسيدة تقف أمامه مبتسمة :
-تميم بيه ، هو أنا ممكن امشي اشتغل عن عاصي بيه ..
ما زال تحت سطوة عواطفه وعواصفه الغاضبة محاولًا العودة من بلدة الحُب وقال مندفعًا :
-روحي يا سيدة .. بصي تصريحك مفتوح مكان ما عايزة تروحي روحي ..
هللت فارحة وهي تركض على الدرج :
-بجد يا تميم بيـه .. حاضر حاضر .. ربنا يكرمك ويخليك ويسعدك دنيا وآخرة ..
خبط الباب خلفها بامتعاض وما ألتف خلفه فوجدها اختفت من الغرفـة مختبأة بالحمام ، ضرب كف على الآخر وقال وهو يأخذ سترته السوداء :
-مبدهاش بقا نشوف شغلنـا …
ثم جهر مزمجرًا :
-وانتِ خلي الحمام ينفعك ..
ضحكت بصوت مكتوم وهى تراقب ملامحها المشرقة بالمرآة بعد ما عانقتها نجوم السماء .. فتم هلالها وأصبح بدرًا ساطعًا بتميـم روحها التي أكتملت بوجوده …
•••••••••
~~ بالسيـارة ~~
بعد شرود وتفكيـرٍ طويـل قطعت عالية الصمت السائد بينهم وقالت بتوجس :
-على فكرة أنا سمعت كلامك مع طنط سوزان .. وبحاول افهمه بس مش عارفـة ، مراد أنت مخبي عني أيه .. وتحليل أيه اللي منتظرين نتيجته .. !
ثم ابتلعت حيرتها وأتبعت :
-مراد أنت مخبي عليـا أيه ؟!
بهدوء تام صف سيارتـه جنبـا مستغرقًا أطول وقت ممكن في التفكيـر :
-وأنتِ سكتتي ليه !
-معرفش ، حسيت إني لازم أفهم منك الأول ، كنت تايهة ومتلخبطة ..
ثم مسكت يده متوسلة :
-أنتَ وطنط سوزان مخبيين عليـا أيـه !! أنا حاسة بحاجة غريبـة وبحاول أكذب نفسي بس الشعور ده مش مفارقني …
سألتها مستفهمًا :
-حاسـة بإيـه يا عاليـة ؟!
-وقفتها جمبي ، إصرارها نكون معاها في الوقت ده ، اهتمامها بيـا وبكل تفاصيلي لبس وأكل ونظراتها طول الوقت .. عيونها فيها كلام كتير ملخبطني .. طيب هي علاقتها كانت بعبلة إيه يخليها تعمل معايا أنا كده !!
فك حزام الأمان الذي يكتفه ودار إليها قائلًا :
-مش من فراغ يا عاليـة ، أنتِ معاكي حق طبعـا ..
-حق في أيه يا مراد ..
-بصي أنا مكنتش ناوي أقول لك حاجة غير لما نتأكد ، محبتش أعلقك بأمل وهمي.. كنت مستني نتأكد ووقتها هقول لك كل حاجة ..
امتلأت عينيها بالدموع :
-في أيه يا مراد ؟!
-أهدى وهحكي ليك كل حاجة يا عاليـة ..
••••••••
~ مساءً ~
-خلاص يا يونس .. خلصنـا كُل حاجة ونازلين أهو .
قالت ” حياة ” جُملتهـا وهي تتحدث في الهاتف مع أخيها بعد ما انتهت من ضب حقائبها واستعدادهم للعودة للغـردقة .. دخل عاصي الغرفة فسألها بهدوء :
-نسيتي حاجة ..؟!
-لا ده يونس كان معايا على التليفون .. أنا تمام .. وأنتَ ..
رد بتلقائية :
-مستنيكي ..
اقتربت منه بخطوات وئيدة :
-عاصي أنتَ متأكد أنك كويس ، مش عاصي اللي أعرفه .. فيك حاجة متغيرة من وقت ما رجعت .. !!
تجاهل الكم الهائل من اسئلتها واكتفى قائلًا :
-سيدة والبنات تحت في العريبة ، يلا عشان منتأخرش عليـهم ..
أوقفته بشكٍ :
-طيب أنتَ متأكد أنك عايز تعمل كده !! إحنا فيها ممكن …
فقاطعها قائلًا :
-لا أنا تمام .. يلا ننزل ..
خرج الثنائي معًا وهما يطفئان الأنوار مع خطواتهم متشابكين الأيدي حتى قُفل الباب على الشقة التي جمعت شملهم من جديـد متجهين إلى عالم آخر وحدوتـة جديد ، يا ترى ما الذي تحمله بين طياتها ..
••••••••
~بقصـر دويدار~
تجلس نوران تائهه كنجوم فقدت ليلهـا أمام التلفاز .. جاءت إليها شمس من باب القصر متعجبة من قرار تميم المفاجئ .. قعدت بجوار أختها متعجبة :
-نوران هو مفيش مذاكرة ، شايفة أن ده وقت تليفزيون ؟!! مالك ، أيه مزعلك .
ردت بفتور :
-مالي .. مخنوقـة شوية ..
-طبيعي كل ما تقرب الامتحانات هتحسي بالضيق بس مش معنى كده تستسلمي لده وتمشي ورا هواكي؟!
-شوية وهبقى كويسة ياشمس ، متشغليش بالك ..
شمس بعدم تصديق :
-طيب أنا عايزة أقول لك حاجة ..
-قولي ، بس الله يكرمك بلاش نجيبلي سيرة المذاكرة ..
اقترب منها شمس قليلًا وسألتها :
-فاكرة عمتك تحيـة .. عمتك اللي أحنا عشنا بنتحاسب على غلطها عمرنا كله ..
ردت نوران بتأفف :
-الله يرحمها مكان ما راحت يا شمس تلاقيها ماتت وشبعت موت .. ليه بس السيرة دي؟!
-هي فعلت اتوفت .. بس عمتك تحيـة تبقى هي أم عاصي ..
انفرج فاه نوران بصدمة عقبتها ثرثرة زائدة :
-أيه ؟! ازاي ؟! استني يعني عاصي يبقى ابن تحية اللي هي أخت بابا اللي هربت ، يعني عاصي اللي مش ببلعه ده يبقى ابن عمتي .. شمس انا دماغي لفت بيا !!
ردت شمس باختصارٍ :
-أيوة .. عاصي يبقى ابن عمتنـا ، وده السبب الـ جابنا عشانه هنا ..
أكملت نوران بتعجب :
-يعني مش موضوع إيجار وفردة الصدر الـ دخل علينا بيها دي ؟!! يخرب عقله د…..
قاطعتها شمس بحدة :
-عيب ، اتكلمي عنه كويس ..
-شمس أنتِ مستوعبة أحنا مرينا بأيه وهو عمل أيه ، وليه أصلًا ؟!!!
بررت شمس تصرفاته موضحة :
-كانت عايز يحمينا من عبلة ، لانها لو عرفت مش بعيد تأذينـا ..
اندفعت معارضة :
-وهو كده حمانا ؟!!! بصي أنا مستحيل أصدق أن في صلة قرابة تربطني باللي اسمه عاصي ده .. يابنتي أنا مش بطيقه ، بشوفه كإني شوفت عفريت .. دا أنا كنت بعصر على نفسي شجرة لمون لما باجي أكلمه !!
-اللي حصل بقا ، أنا قولت أعرفك بس عشان متقوليش بخبي عليكِ حاجة …
آتى تميم مع نهاية جملتها وانضم إليهم قائلًا :
-أيه قولتي لها يا شمس !!
ردت نوران بدون تفكير :
-قالت لي ، آخر حاجة كنت اتخيلها عاصي ده ..
صححت شمس وجهة النظر وبررت :
-لا لسـه ، تميم بيسألنا عشان مشى كل الشغالين اللي هنا .. وهنسكن في شقـة تانيـة ؟!
-نعم !! أيه القرارات المفاجأة دي ؟! ليه كده .
وضح تميم مغزى قراره :
-القصر كبير عليـنا والشقة أأمن لينا .. متقلقيش أوضتك جاهزة ومش عليكي غير تاخدي كتبك ونروح هناك ..
فأتبعت شمس :
-هنمشي أمتى ؟!
-وقت ما تجهزوا .. على مهلكم .. بكرة بعده ، آخر الأسبوع ، زي ما تحبـوا .
•••••••
بأجواء مشحونة تجلس سوزان على مقعدٍ منفرد أمام الأريكـة التي تجلس عليها عاليـة مستندة على كتف مراد .. صمت مريب يملأه الخوف والأمـل .. والكثيـر من الذهـول .. عندما روى مراد القصة كاملة لعالية خضعت تحت صاعق الصدمة لساعاتٍ .. تجنبت أي حديث مع سوزان ، اكتفى مراد بتوضيح الأمر مكتفيًا بعلمها بالحقيقة ..
بنظرات تائهه جداً للحد الذي إن أشعل شخص حولها عود الثقاب فلم تسطع أن تفرق بين من يُضيء لها الطريق ،ومن يسّعى لاحتراقها .. رفعت أنظارها لمراد بأعين مدججة بالقلق :
-لسـه ؟!
ألقى نظرة طويلة ناحية سوزان ثم قال :
-قالوا هيبعتوا التقرير الساعة 9 .
ابتعدت أعينها عنه لتلقي بأعين سوزان التي تفيض دمعًا وقلقًا حيث وضعت كفها فوق قلبها ونظرت لأعلى وكأنها تناجي ربها بألا يخيب أملهـا ..
أمسك مراد بيد زوجته الباردة بقـوة ثم قال :
-أنا جمبك ….
في تلك الاثناء جاء صوت الرسالة على هاتف سوزان و الذي كان أشبه برصـاصة ضاعفت الخوف بداخلهم .. سكن كل منهما بمكان بدون حراك .. يناظر كل منهما الأخر حتى قال مراد بصوت خافت:
-طيب مش هتفتحي الرسالـة ..
بأيدي مرتعشـة مدت سوزان ذراعهـا لتأخذ هاتفهـا .. أخذت عالية تقضم في أناملها بما يعكس حالة التوتر والهلع التي أصابتهـا .. ضمها مراد إلى حضنه عندما أحس بذعرهـا .. هنا فتحت سوزان صورة نتيجة التحليل، بقلب مرتعش وأعين دامية كبرت حجم الصـورة وبدأت في قراءة النتيجة لفحص الحمض النووي الصبغي ..
ساءت الحالة المزاجية لسوزان وهي ترتعش وتبكي بصورة مفزعة .. وثب مراد بلهفة إليها أما عن عالية تسمرت في مكانها بخيبة أمل كبيرة.. أخذ مراد الهاتف منها واطلع على نتيجة التحليل، حيث حلت النازلة فوقـه هو الآخر .. تطلع إلى عاليـة طويلًا وهي لم تفهم شيء .. تخشى أن تستفسـر فيصيبها خنجر الحقيقة المرة من جديد ..
نهضت بصعوبة وكأن جبال الألب استقرت على كتفيها وتحركت نحوه بشفاه مرتعشـة وسألته بأعينها فلم تجده إلا صامتًا يحضتنها فقط بقوة .. نظرت له ناطقة :
-في ايه ..
شدها من ذراعها وجلس معها أمام ركبتي سوزان المنهارة وقال بفرحة كبيرة وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة :
-النتيجة إيجابيـة ياعاليـة .. بتأكد إنك بنتها ..
-مامـا ؟!
هنا انفجرت سوزان باكية وهي تضمها حيث هبطت لمستواها وأخذتها بين يديها بعطش شديد لقُربها .. أخذت تلهث بعدم تصديق وتقبل كل إنش بهـا ، وتهذي :
-أنا كنت متأكدة .. والله كنت عارفة من يوم ما شوفت الشامة على إيدك .. معقولة طول العمر ده قُدامي وأنا معرفش ..
ثم أخذت توزع قبلات جنونية وعشوائية على جسدها .. دخلت في حالة هستيرية وهي تلتقي بابنتها التي فقدتها قبـل ثلاثة وعشرين عامّا .. تشعر وأنها ولدت من جديد بين يدي أمها ، بدأت تستوعب شيئا فشيئاً حتى ارتمت بين ذراعيها بصمت يحكي العديد من التفاصيل التي تعجز الكلمات عن وصفها .. ابتهلت سوزان بلهفة :
-الحمد لله .. بنتي عايشة يا مراد .. الحمد لله ، مش أنا قولت لك أحساسي ما يخيبش أبدًا ؟!!
حدثًا مبهرًا بحياتها محى كل الانطفاء الساكن بروحهـا .. أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة ثم أردفت بنبرة مزيج من الضحك والبكاء:
-يعني أنا مش وحيدة .. وحضرتك أمي ؟!!!
-أيوة أيوة يا حبيبتي .. أنتِ مش هتبعدي عندي دقيقة واحدة.. بصي أنتوا هتعيشوا معايا هنـا .. أنا لازم أعوضك عن كل الأيام اللي مكنتش فيها معاكي ..
ربت مراد على كتفي الاثنين وقال بسعادة :
-بالمناسبـة الحلوة دي ، أنا عازمكم بره ..
عارضته سوزان التي تتحدث بلهفة :
-لا .. أنا هقوم أعملها كل الاكل اللي بتحبـه ، هقوم اطبخ لكم بنفسي ، قوليلي عايزة أيه وأنا اجيبهولك حالًا ..
ردت عليها بمشاعرها المتضاربة:
-مش عايزة حاجة ، خديني في حضنك وبس ..
-تعالي يا روح قلبي ، تعالي في حضن مامتك ..
••••••••
~~بمدينـة العلمين الجديدة ~~
تحركت ” هديـر ” بسيارتهـا من مقر شغلها وهي تتحدث مع أمها على الهاتف فسألتها :
-مامي ، أنا في الطريق وجاية أهو ، محتاجة حاجة أجيبها معايـا ..
ردت جيهان :
-عدي على السوبر ماركت ، وهبعتلك مسـدج بالطلبات اللي محتاجتها..
ردت هدير متأففة :
-ما تطلبي من عندك يامامي .. هو لازم أروح يعني ؟!
-بطلي كسـل يا هديـر ، أنا رجلي وجعاني كنت نزلت جبتهم بنفسي ولا احتجت لك .
ردت على مضض :
-حاضر ياماما حاضر … بالمناسبة لسه قافلة مع كريم وهو في المطار مستني الطيارة ..
-اه ماهو قال لي .. وكان زعلان أوي قولت له كلها كام شهر وهنحصلك .. صحيح عايزة أروح أزور خالتك عبلة ، كريم قال لي على اللي حصلهـا ..
ردت هدير بشرود :
-مامي استنى البس الإير بوت عشان اسمعك كويس ..
فتحت صندوق السيارة تبحث عن السماعات اللاسلكية فوجدت ورقة بيضـاء مكتوب عليها باللون الأحمر ” عشان تفكري تلعبي معايـا تاني ” في تلك اللحظة اتسع بؤبؤ عينيها لتنطلق صارخة :
-ماما الحقيني العربية مفيهاش فرامل ..
فارتفع صوت صرختها وهي تحاول إيقاف السيارة :
-بوقفها ما بتقفش …
فزعت جيهان من مجلسها :
-يعني ايه ؟! هدير هدير خلى بالك .. ألو ..
ثم انفجرت صارخة على صوت الاصطدام والصدح المزعج هاتفة بذعـرٍ :
-بنتــــــي !!!!!!!
•••••••••
{{ بعـد مرور ثلاثـة أشهـر }}
ثلاثة وعشرون عامًا عجزوا عن ترتيب فوضى روحي وشتات نفسي مثلمـا فعلوا آخر ثلاثـة أشهـر .. عودت فيهم للحياة بعد سنوات من التكدر وانطفاء الروح ، حياة يملأها الهدوء والكثير من الضحكات ..
يمر يومي بسلام تـام .. صباح برائحة قبلات أمي ونظرات من أحب ، لحظات يملأها الأمان والسكينة.. مثلما ارتوى قلبي بفيضهم ، زوج حنون وأم جميلة ماذا ينقص بعد ؟!!
شدت ستائر غُرفتها فتسللت أشعـة الشمس إلى الغرفة وشرعت بمداعبة جفون مراد النائم .. ذهبت إليـه لتوقظه بلطفهت الذي اعتاد عليه كل صباح .. ولكن تلك المرة سبقها ونهض قبل أن تبدأ بإيقاظه .. ضحكت قائلة :
-لحقت نفسك قبل ما استخدم أساليبي معاك ..
دفن قبلته المسموعة بجدار عنقها وقال :
-للاسف عندي اجتماع مهم أوي النهاردة .. ولازم اروح الشركة ..
ثم رفع حاجبه معبراً :
-شايفك أحسن النهاردة!!
-كتير .. قولت لك هو دور كده بيجي لي كل فترة وبيروح لوحده أنت ومامي كبرتوا الموضوع .. المهم ..
رفع الغطاء من فوق وقال :
-تعالي احكي لي المهم ده وأنا بحلق عشان مفيش وقت ..
تابعت خُطاه إلى الحمـام وشرعت في سرد ما يتجول بخاطرها :
-قولي الأول كلمت هديـر ؟!!
رد بأسف :
-كلمتها وهتبدأ جلسات العلاج الطبيعي من النهاردة ..
تمتمت بحزن :
-ربنا يرجعها بالسلامة .. على فكرة عاصي وحياة كلموني إمبارح !
-في حاجة ؟!
شرعت في وضع رغوة الحلاقة على ذقنه وقالت :
-ولا حاجة بيطمنوا عليـا .. و بيشوف إذا كنت مزعلني ولا لا .. ااه وكان عايز يكلم مامي ، بيقول فكرة مشروع جديد وعايز يشاركها ..
-طيب جميـل ..
شرعت في حلق ذقنـه وتمرير حد الماكينة على وجهه وقالت :
-أنا بفكر أأجل السنة دي .. أنا مش مستعدة لأي امتحانات يا مراد ، وحابة اتخرج بتقديـر كويس زي ما أنا متعودة ..
ضمها إليـه من خصـرها لترتطم بجسده قائلًا :
-أنا معاكي في أي قرار في صالحك ..
تملصت من حضنه متدللة :
-بطل بقا الحركات دي عندك ميتنج مهم ، الله … !!
-مفيش أهم من الميتنج معاكِ ..
انتهت من حلق ذقنـه ثم مدت يدها تتناول المنشفة وتمحو آثار الصابون .. وفي تلك اللحظة شحب وجهها مرة آخرى وركضت لتتقيأ بالمرحاض .. ركض إليها بلهفة :
-أنا غلطت لما سمعت كلامك امبارح ووافقتك متروحيش لدكتور.. يلا قومي دلوقتِ نروح نكشف ..
ردت متنهدة بتعبٍ :
-لما نشوف نتيجة التحاليل الأول .. ممكن برد من التكييف يا مراد ..
-عالية بطلي عِناد .. قومي يلا هنروح لدكتور ..
خرجت معه وهي يسندها مطوقًا خصرها :
-روح شغلك يا مراد وبالليل ننزل لدكتور .. بجد حاسة عايزة أنام أوي ..
أجلسها برفق على طرف السرير وما كاد أن يعارضها فأتاهم صوت طرق على الباب بحماس ، فتفوهت عالية بقلق :
-دي ماما .. بتخبط كده ليـه ؟!
هرول مراد ليفتح لها الباب فاندفعت لداخل الغـرفة بفرحة تتقاذف من وجهها .. وقفت عالية باستغراب :
-مامي حصل أيـه .. ؟!
ضمتها سوزان بفرحة شديدة :
-مبروك يا حبيبتي.. مبروك ، أنتِ حامل يا عاليـة .. حامل ..
تسمر مراد في مكانه يتلقى خبر حملها بمزيج من الفرحة والحيـرة والارتباك ونفس المشاعر سكنت بدن عالية التي لم تستوعب جملة خبر مثل هذا .. ذهب سوزان وحضنت مراد بسعادة :
-ألف مبروك يا حبيبي ..
سألتها عالية بارتباك شديد:
-حضرتك عرفتي أزاي !!
حاولت سوزان أن تلتقط أنفاسها من جمة السعادة :
-الدكتورة بعتت التحاليل اللي عملناها بالليل متأخر .. لسه شايفاها مصدقتش عينيا وجيت جري .. قلبي وعقلي طاروا بالخبـر .. الف مبروك يا حبيبتي .
اقترب مراد من زوجته وقبل رأسهـا بحنو فطوقته بكلا ذراعيها :
-هتكوني أحلى مامي في الدنيا ..
-وأنتَ كمان ، هتكون أعظم وأحن بابي ….
شعرت سوزان بوجوب انسحابها ليحتفلو معًا ، فقالت بسعادة:
-هنزل أحضرلكم فطار .. وأدور على دكتور كويس عشان نتابع عنده يا لولي ..
ذهبت سوزان حامله على كتفيها عبير سعادتها بابنتها التي ستجعلها جدة بعد عدة أشهر .. انفرد مراد بزوجته التي لم تفارق حضنه لتحاوره بعيونها التي تفيض نورًا :
-أنا مش مصدقـة ..
داعب أرنبـة أنفها بلطف :
-أنا النهاردة أسعد بني آدم على وش الأرض ..
هبت مفزوعة :
-مراد ؟!!!! الميتنج ؟!
-أنا هكسنل الدنيـا كلها عشانك ..
-يعني أيـه ؟!
قطف من زهرة وجهها عدة قبلات خفيفة وقال :
-قاعد مع ابني ..
-مراد متهزرش .. وشغلك .
-أنتوا شغلي من هنا ورايح ..
عانقته بحبٍ وأعلنت :
-أنا بحبك أوي .. عارف كده !
ليجيبها تحت سيطرة مشاعره المتراقصة والهائمة :
-تؤ ، لا مش عارف .. بس حاسس ..
ضمته بقوة تضاهي فرحتها بحملها لسنابل الحب الناتجة من التقاء الأمان بفارس العشق .. كان يدهشها باستثنائه لها الدائم ، ومدى اتسّاع صدره لتقبل مزاجيتها ، كان ملجأها الوحيد لتقلباتها الحياتية والمزاجيـة .
•••••••
” بشقة تميـم الجديـدة ”
الجميع حول مائدة الإفطار يتناولون طعامهم ، وضع تميم قطعة الجُبن بفمه ثم وجه حديثه لنوران متسائلاً:
-عندك دروس النهاردة ..
نوران وهي تلقي نظرة أخيرة على هاتفها وهي تستمع لأحد مدرسي الثانوية العامة بجانبها على المائدة :
-بعد العصـر في مستر بيدي مراجعـة بيقولوا كويس هنزل أحضر الحصة معاهم ..
-وتنزلي ليـه ، ما يجي يديكي الحصة هنـا ؟!
ردت موضحة :
-للأسف مش بيدي برايفت ..
تدخلت شمس مقترحة :
-طيب السواق هيستناكي عشان مضيعيش وقت ..
-متقلقيش يا شمـس ..
فلفت انتباهها وصول رسالة نصيـة غير متوقعـة على هاتفها من رقم أمريكي ، فتحت الرسالة باهتمام لتقرأ ما بها :
(( عارف أن امتحاناتك الأسبوع الجاي .. ومش عايز أشتت تركيزك ، بس عايز أعرفك إني مش عارف انساكي .. وغيابي عنك كان محاولة فاشلة مني .. وحبيتك أكتر ومش عارف أبطل افكر فيكي .. وحشتيني ووحشني الخناق معاكِ .. شدي حيلك وأنا واثق أنك أدها وهتحققي حلمك .. كلميني في أي وقت ، هستناكي ))
~كريـم ….
مراراً وتكرارًا تناديها شمس ولكن رسالة منه أحيت كل ما تعمدت طويه بقلبهـا .. اتسعت ابتسامتها وهي ترد على أختهـا :
-هااه بتكلميني ياشمس ؟!!
رمقتها بشكٍ :
-سيبك من الموبايل وكملي أكلك ..
ثم عادت إلى تميم وسألته :
-بردو عاصي رافض يرجع ؟!
-تعبت معاه يا شمس ، ده حتى عرضت عليه يشاركني ، بس مفيش فايـدة اللي في دماغه في دماغه .. ساب لي الشيلة كلها وخلع ..
ثم أمسك كفها باعتذار :
-أنا مقصـر معاكي الفترة دي عارف .. وعارف إنك مستحملة كتيـر .. بس طولي بالك بس تخلص نوران امتحانات وهنسافر للمكان اللي تختاروه ..
تقبلت اعتذاره بلطف :
-كفاية وجودك يا حبيبي .. ربنا يقدرك ويهدي عاصي ويرجع يشيل عنك شـوية ..
لم يتمكن من ردها فجاءهم صوت رنين الجرس قطع حديثهم ، فقال تميم بتلقائية :
-هشوف مين ..
أخذت نوران هاتفه وهي لم تشعر بقدميها الطائرة من الأرض هاربة لغرفتها وهي تقرأ رسالته مرارًا وتكرارًا حتى حولها الحب والمشاعر التي ايقظها فجأة لفراشـة تتنقل هنا وهناك .. انتقلت سريعا إلى صورته المحفوظة على هاتفه وأخذت تخاطبه بصوت متحمس كمن عاد للحياة من جديد :
-كنت خايفة تكون نسيتي .. وأكون مجرد وقت وعدى في حياتك ، أنت كمان وحشتني أوي ..
حضنت الصورة بمشاعرها المتحركة لأول مرة بحب المراهقة الذي يعد أعظم حب في مرحلة أي فتاة وقالت لنفسها :
-متزعلش مني يا كريم .. كله بوقته .
توجهت شمس إلى تميم الواقف مندهشا أمام الباب عند رؤيته للطارق فهمهمت بتعجب :
-نعمة ؟!! اتفضلي تعالي واقفة ليه ؟!!
دخلت نعمة مع شمس فقل تميم الباب ولحق بهم ، جلسوا جميعهم في غرفة الجلوس الواسعة ذات الأثاث الأنيق والفاخر .. سألتها شمس :
-تشربي أيه يا نعمـة ؟!
-ولا حاجة .. السواق مستنيني تحت ومش هتأخر ..
تبدلت نظرات كل من تميم وشمس بحيرة فسألها تميم مباشرة:
-خير يا نعمة … ؟!
-أسفة جيت كده فجأة .. أنا ليا شهر بدور على عنوانكم الجديد لحد ما وصلت ..
كررت شمس نفس السؤال حائرة :
-حصل أيه لكل ده يا نعمـة ..
أخرجت نعمة ظرفًا من حقيبتها ووضعته على الطاولة وقالت :
-دي أمانة عمي حسين ليكم .. موصيني لو جرت له حاجة أدي الظرف ده لعاصي بيه بنفسه بس معرفتش أوصل له .. أسفة عارفة اتأخرت بسبب ظروف ولادتي ..
شمس بتلقائيـة :
-حمد لله على سلامتك يا حبيبتي ..
تميم بتعجب :
-في أيه الظرف ده يا نعمة ..
ردت بثقة :
-في دليل كلامي ..
تنهدت للحظة ثم أكملت :
-طبعا عارفين أن مراة عم حسين كانت بتشتغل معاه في القصـر ، بس هو خبى عليكم أنه يعرف ست اسمها تحيـة .. لانه خاف تحصل فتنة بين الأخوات بسببه ..
تميم بشغف لكلامها:
-وضحي يا نعمة ..
-الست اللي اسمها تحيـة كانت بتشتغل خياطة في قصر البيه الكبير ، الـ للأسف ضحك عليها وسافر .. ووقعت في ورطة وهي حامل ومش عارفة تتصرف .. اللي حصل بقا ..
قاطعها تميم بلهفـة :
-بالراحة بس .. تحيـة وشهاب دويدار أبويا ؟!!
أيدت كلامه ثم أكملت :
-بالظبط .. والولد اللي خلفته تحيـة هو نفسه البيه أخوك الكبير .. اللي عبلة هانم استغلت ضعف الست تحية وكتبت الولد باسمها ..
ترجمت شمس معنى حديثها :
-استنى يا تميم ، أنا فاكرة أن عبلة قالت حاجة زي كده .. الخياطة اللي حبها جوزها .. ووو
ثم اندفعت قائلة :
-يعني كده عاصي ابن شهاب دويدار مش ابن عبدالعظيم زي ما عبلة فهمته … تميم انت مستوعب !!
تعلق تميم بحوارها كالغريق :
-نعمه أنتِ مدركة بتقولي أيه ؟!
مدت له الظرف وقالت :
-هنا الجواب اللي كتبته الست تحية وادته لمراة عمي حسين عشان توصله لشهاب بيه .. بس للأسف عمي حسين خاف من الست عبلة على مراته لو كشفت سرها وسابوا القصر ومشيوا .. ممكن توصل الأمانة دي لعاصي بيه بنفسه ..
•••••••••
~بالشـرقيـة~
صفت سيارة سوداء أمام المنزل العريق المنتمي لـ آل دويدار حيث هبط منها يسري وهو يقفل زرار بذلتـه ، فتقدم أحد الرجال لاستقباله :
-اتفضل اتفضل يا استاذ يسري .. شاكر بيه مستنية في المندره ..
تقدم يسري بخطوات حذائه الأسود اللامع إلى داخل المنزل وخاصة إلى المكان الذي ينتظره به شاكر دويدار .. صافحه شاكر بصوته جمهوري وهتف قائلًا للخفير :
-قولهم يجهزوا الغذا يا ولد ..
جلس الاثنان على الأريكة الخشبية فبادر شاكر قائلًا :
-فينك من زمان يا راجل ؟؟
-في الخدمة يا شاكر بيـه .. بس المرة دي جاي وقاصدلك الخيـر ..
-خير يا يسري .. انقطعت أخبارك عننا من زمان ، ومبقناش عارفين حاجة عن ولاد أخوي شهاب ..
ابتسم الثعلب المكار بابتسامة الغدر وقال :
-هما مين ؟!! أنت متعرفش اللي حصل ؟!
-أيه اللي حصل يا يسري ؟!
-أن عاصي مش ابن شهاب .. وعالية مش بنتك أخوك .. وتميـم ابن زنـا .. وأنت الوريث الشـرعي لكل الأملاك دي …..
-أنت بتخرف بتقول أيه ؟!!!!!
-زي ما سمعت ، وأنا جاي هنا أوعيـك واساعدك ترجع حقك …. قولت أيه ؟!
-وهو الحق في كلام يتقال بعده !!!! ورث أخويا لازم يرجع للورثة الحقيقيين ….
يتبع…