تحميل رواية «غوي بعصيانه قلبي» PDF
بقلم نهال مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"لا ينبض القلب إلا لعاصٍ" قبل.. أقصد قبل أي رواية أكتبها، كان كل حرف بها موجّه لشخص ما. بالخصوص، كان لدي حبيب أرسل له حبي من خلالكم. واليوم، وبعد انقطاع دام عامًا عن الكتابة حدادًا على حبي، أكتب لكم ولم أملك شخصًا بعينه أخصه بحروفي، بكلماتي، بشوقي الذي يفترسني كل ليلة. فإذا أصابت حروفي قلبك، اعلم أنني كتبت هذا في لحظة حنين. وإن لم تصب كلماتي وأخفق سهمي في طريقه لقلوبكم، اعلموا أنني أحاول أنساه وفشلت محاولاتي كما فشل سهمي. "ما قبل البداية" معذرةً عن ضعفي المبالغ فيه للحد الذي يعجزني عن كتابة كلمة...
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الحادي والستون 61 - بقلم نهال مصطفي
بالمركبة الجديدة التي ابتاعها عاصي بمجرد قدومه إلى الغردقة كي تسهل له الانتقال كيفما يشاء، خاصة عندما قرر أن يسلك مسارًا جديدًا للعمل.
تجلس حياة بحمام المركبة على طرف المرحاض، أصابع قدميها الحافية تتكور بالأرض إثر القلق الشديد بقلبها وهي تراقب نتيجة اختبار الحمل بلهفة غريبة ويد مرتجفة. ترجوه أن يصبغ بالشريطة الحمراء، أن يزف لها خبرًا سعيدًا تلك المرة نيابة عن كل المرات الخائبة.
مرت قرابة الساعة وهي بالحمّام تنتظر، تتأمل أن يندس جنينها تلك المرة بأحشائها. خاب أملها للمرة الثالثة، فرمت الاختبار بنفس القوة التي تفتت بها قلبها المنهزم. اعتصرت بطنها باكية بنحيب منخفض وهي تتحمل الوجع الذي لا تعرف مصدره. ربما بسبب تغير حالتها النفسية، أم تأثير شريطة منع الحمل التي اختبأت بأحشائها بدون علمها. وربما بسبب موعد عذرها الشهري غير المنتظم بالمرة.
توجهت إلى صنبور المياه وغسلت وجهها كثيرًا كي تزول آثار البكاء. جففت وجهها ثم أخذت عدة أنفاس متتالية حتى خرجت من الباب بفستانها الوردي الذي يصل إلى ركبتيها ذو أكمام واسعة. اتجهت لأعلى حيث سطح المركبة الذي يقف فوقها.
يقف كالجبل الصخري كأنه يعلن عدم خوفه منه ومن الحياة بعد الآن. يلفح هواء البحر صدره العارٍ ويطاير قميصه المفتوح بقوة.
اقتربت منه بخطوات متمهلة وبأقدامها الحافية لتطوقه من الخلف بكلتا يديها. استندت رأسها فوق ظهره وأخذت تتنفس باسترخاء.
ألقى سيجارته باليم ثم خاطبها مقترحًا:
- جات في دماغي فكرة مشروع جديد هينقل الغردقة في حتة تانية.
تجاهلت حديثه عن الشغل وقالت بحرقة مكتومة:
- أنا نفسي أخلف يا عاصي.. تعبت من الانتظار.. عندي شغف وحماس رهيب أبقى أم.. وغصب عني مش عارفة أصبر.
طوى جملة مشاعرها التي كانت كالخنجر بقلبه وأكمل مفتعلًا اللامبالاة:
- سلسلة مطاعم متكاملة.. وبدل ما توردوا السمك للتجار نستغله إحنا في مطعمنا دي بجانب المصنع اللي هيكون المصدر الأول لأكبر ثروة سمكية.. أنا متحمس جدًا لافتتاحه.
ارتخت يدها من فوق خصره وتحركت لتقف أمامه:
- أنت مش بترد عليّا ليه؟
- عشان أنتِ مستعجلة أوي يا حياة.. سيبي الموضوع لوقته.
- طيب عايزة أروح لدكتور.. ممكن تيجي معايا؟
أمسكها من كتفيها ليطمئنها:
- حبيبتي.. أنتِ محتاجة بريك، وجسمك يرتاح من الظروف اللي مر عليها.. سيبي موضوع الحمل ده لوقته.. انتِ قلقانة ليه؟
انبثقت عبرة من عينيها بحرقة:
- مش عارفة وحاسة مش مظبوطة ومودي مش متظبط.. والأحساس ده مسيطر عليا أوي.. ومش شايفة مبرر للتأخير ده.
- ممكن تهدي طيب.. أنا مش حابب أشوفك بالحالة دي.. وبعدين هما تاليا وداليا مسدوش نفسك عن الخلفة؟
ابتسمت من وسط حزنها وهي ترمي بحضنه:
- دول أحلى حاجة في حياتي.
رد ممازحًا:
- يا سلام!! وأنا أيه ماليش لازمة يعني.
أجابته بحنو:
- أنت حياتي كلهـا يا عاصي.
طبع قبلة خفيفة على رأسها وأخبرها:
- إحنا مش اتفقنا إن لينا يوم خاص بينا نقضيه سوا من غير نكد.. إحنا بنيجي هنا ننبسط ونستمتع وبس.
- أنت معاك حق، أنا اللي متلخبطة شوية.. تعالى نقعد.
جلس الاثنان بأرض المركبة بعد ما جعلها تتوسط صدره مستمتعًا بمداعبة شعرها بحب يتقاذف عينيه. سألته بشرود تحت مظلة عشقهما:
- شايفة إنك اندمجت هنا وحبيت البلد.
ما زال يغازل أوتار شعرها بأنامله، فأجابها قائلًا:
- البزنس مان الناجح بيندمج في أي مكان ويسلك في أي حاجة.
فمازحته قائلة:
- أي ده!! يعني قلبي بالنسبة لك كان مجرد مشروع!
ضحك بهدوء فوضح قائلًا:
- كان مشروع بس صعب حبتين.. بس على مين!! مفيش حاجة تصعب على عاصي دويدار.
- يا سلام!! بقا كده؟
ثم اعتدلت قائلة:
- ما قولتليش.. ناوي تسمي المصنع إيه؟
استند على ذراعيه فبرزت عضلاته أكثر وهو يقول بثقة:
- مارو.
انعقد حاجباها بدهشة:
- اشمعنا!! يعني إيه أصلًا.
- معقولة تتوه منك دي!
حياة بحماس:
- لا بجد.. يعني إيه واشمعنا الاسم ده!
- مارو يا ستي اسم حيوان من أكبر الأسماك البحرية.
مالت نحوه بدلال وهي تلاطفه:
- اها.. واشمعنا الاسم ده.
غازل أرنبة أنفها بخفة:
- هو ده السر الأخير في حياة عاصي دويدار.
اتسع بؤبؤ عينيها:
- إيه ده!! أنت كمان عندك أسرار مخبيها عليا؟
أسبل عينيه كأنه يطالب بعفوها:
- قولت لك آخر واحد.
هزت كتفيها بتحدٍ:
- على فكرة مش لوحدك اللي عندك أسرار. أنا كمان عندي سر.
رفع حاجبه متعجبًا من أسلوبها المراوغ:
- كمان!! طيب ومسموح لي أعرفه ولا لسه مجاش وقته.
- هو سر رسيل، مش حياة.
- والاتنين ملكي.
زامت شفتيها متدللة:
- حياة بس ملكك.. أما رسيل ملهاش ملكة.. زي السمكة بالظبط.
أصدر إيماءة خافتة:
- ويا ترى قلب حياة يختلف كتير عن قلب رسيل؟
تعمدت أن تطيل النظر بعينيه التي دومًا ما تحمل دعوة صريحة لإحداث الفتنة بقلبه:
- هي رسيل مجنونة شوية عن حياة.. بس الحاجة الوحيدة اللي اتفقت عليها مع رسيل هي "قلبي" اللي حبك.. وقفل عليك بضبة ومفتاح.
فرغم رفضها التام للتورط بالحب بعد تجربتها المؤسفة، كان وقوعها بحبه أجمل حدث بعمرها. أمسكت بياقة قميصه بخفة وقالت:
- حبك كان تأشيرة سفر قلبي للحياة.
اقترب منها حد ارتطام أنفاسه بملامح وجهها وهو يشير إلى قلبها:
- وقلبك ده كل حياتي.
بنفس نبرتها العاشقة أتبعت:
- تيجي أعرفك على آخر سر في ماضي رسيل.
رد بشغف:
- يلا.
رفعت حاجبها لتسأله بدون تفكير:
- تغطس؟
- في البحر ولا في عيونك؟
ضحك وجهها الفاتن وتلألأت عيونها الزرقاء التي لم تكن مجرد عيون بل صورة مصغرة للبحر إن رآها رسام استمد حبر لوحاته من مائها. فردت متباهية بحبه:
- أنت كده كده جوه نن عيني.. حتى شوف كده.
هم لافتراس تلك الملامح التي لم يرتوي منها أبدًا، ولكنها تملصت أبيّة متحمسة للغطس معه لأول مرة وهي تشد يده لتساعده على الوقوف ثم الذهاب لغرفة تبديل الملابس الخاصة بالغطس. ارتدى كل منهما زيه الخاص حاملًا أنبوبة الأوكسجين على ظهره. نظرت بعينيه مفتونة بهما استعدادًا للغطس:
- جاهز!
أمسك بكفها مستعدًا:
- جاهز.
الإنسانُ بغيرِ أنيسٍ تأكله الغربةُ، يهزمُه طولُ الطريقِ.
تغلبُه أهونُ المخاوفِ حتى تقبضَ يدٌ أخرى على يديه، فيطمئن، ويواجهُ، ويرى العالمَ من جديد.
دومًا ما يتكرر أمامي جُملة "ومن الحُب ما قتل".
لِمَ لم يُقال "ومن الحب ما يُحيي". "مـا يُنعش القلب الهالك؟"
مثلمـا أنقذَ قلبي بحبك فلم أعرف معنى الانتصارَ على جيش الحياة إلا عندما أحبَبتني.
حبـك حياة.
كلا؛ بل أحيا بحبـك.
♥️
خلق القلب عصيـًا.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثاني والستون 62 - بقلم نهال مصطفي
بعد مرور ثلاثة أشهر.
توالت الأيام التي تشبه بعضها، ولم يميّزها إلا لون الأمل الذي يصبغ أجنحة الفراشة، تلك التي يمكن رؤية الحياة تركض بين تفاصيل وجهها وخفتها.
بكل مساء، تطوي فيه ساعات الخزي ودقائق انتظارها بكبو اليائس غير المجدي. كشجرة في غابة، يأتي كل مرة حطاب مختلف ليكسر منها غصنًا ليدفأ باحتراقها، ولا يبالي بتلك الشجرة التي تفقد روحها بالبطيء. هذا هو طبع البشر.
بجسد نحيل، لما افترسه الفكر من ثنايا قلبها، وقفت أمام رخام المطبخ وهي تضب خصلات شعرها الأشبـه بجناحي عصفور يريد أن يتحرر، أن ينطلق لعالم الخيال الساكن برأسها لجزيرة الحب التي تود أن تستوطن بها. أطلقت "حياة" زفيرًا قويًا وهي تتفقد المكان حولها بيأس، ثم توجهت إلى الثلاجة لتبدأ في إعداد مربع الغذاء لصغارها، "اللانكش بوكس"، بفتور اعتادت عليه كل صباح.
بدأت في تجهيز الخبز المحشو وتقطيع الخضراوات. ومن الجهة الأخرى، أشعلت الموقد لتحضير طبق البيض بالمشروم والخضار الذي اعتاد أن يتناوله عاصي يوميًا في وجبة إفطاره. ما تركت الوعاء فوق الشعلة، ثم صبت بداخله قطع البصل والمادة الدهنية، فعادت سريعًا إلى حشو الخبز للصغار. تركت ما بيدها بعجلٍ وركضت ناحية الموقد مرة أخرى لتُكمل طهي البيض. وسرعان ما شرعت في تحضير الوجبات الأخرى الخاصة بأخوتها.
حلقة مفرغة من المهام الصباحية أصبحت طقسًا يوميًا في حياتها، تعلق في عنقها مسؤولية رجل بابنتيه، أخوين وابنة عم. سيطرت الواجبات على حياتها حتى تناست نفسها تمامًا.
ضبت صناديق الطعام البلاستيكية وتركتهم جنبًا، ثم عادت للثلاجة وأخرجت منها أنواع الجبن المتنوعة والكثير من الخضار والفواكه. رصت الأطباق على سطح المطبخ وشرعت بملئها.
امتدت أنظارها إلى غرفة المكتب التي لم تطفئ أنوارها طوال الليل. خيم الحزن على أعينها الغارقة في بحور الدمع وعادت لمواصلة عملها.
تناولت "صنية" ورصت الأطباق فوقها، ولم تنس فنجان القهوة الذي يفضله بالمذاق الخاص به. وحملتها وتقدمت بخطوات متحمسة نحو غرفة المكتب المقيم بداخلها لثلاثة أيام متصلة. فتحت بابها بهدوء وتقدمت إلى منتصفها لتضع المائدة فوق الطاولة، ثم غيرت اتجاهها لتتقدم إلى مكتبه الجالس عليه وأعينه الثابتة التي لم ترف بعيدًا عن شاشة الحاسوب.
وقفت خلف مقعده الجلدي، وتدلت أصابعها الناعمة فوق كتفه وقامت بتدليكهما برفق مع نبرة صوتها الخافتة:
"مش كفاية شغل وترتاح شوية؟"
رد غير مكترثٍ لقربها الذي كان يوهجه بنار الحب من قبل، وقال بصوت جاد:
"البروجكت ده مهم أوي بالنسبة لي، وخلاص مفيش وقت ولازم أعمل كل حاجة بنفسي."
ابتلعت غصة لياليها التي باتت ترافقها وقالت بنبرة يحتلها أملًا جديدًا:
"طيب ممكن نفطر سوا النهاردة، مش الساعة دي اللي هتخرب الدنيا؟"
رد بدون اهتمام:
"حاضر حاضر، هخلص الميل ده وهكون معاكي."
جف قاع صبرهـا من معاملتـه المبهمة التي لم تفارقه لمدة شهرين، خاصة بعد انتقالهم لمنزلٍ جديد، واكتراثه بالعمل لدرجة لم تعهدها من قبل، بُعده عنها لأيام كثيرة. نومه بغرفة المكتب وتحولت غرفتهما لمقر سياحي لم يزوره إلا ليبدل ملابسه. انفجرت تلك التراكمات بوجهه وهي تقفل شاشة الحاسوب بضيق وبنبرة منزعجة:
"لا يا عاصي، مش كل مرة تعمل كده لحد الأكل ما يبرد ومحدش بيأكله."
تمددت ملامح وجهه بذهول مشحون بالغضب من تصرفها:
"إيه الجنان ده؟ إيه حصل لكل ده؟"
تقطر الحزن من مقلتيها:
"والله! يعني كمان مش واخد بالك من تصرفاتك الغريبة، ومعاملتك معايا، أنا بقيت أشبه ببترينة عرض رايح جاي قدامها ولا كأنها للفرجة بس."
ثم أخذت نفسًا طويلًا وأطلقته بقوة:
"عاصي أنا ما بقتش متحملة الوضع ده.. آه أول مرة أقولها بس حقيقي أنا تعبت."
وثب قائمًا ليبرر تصرفاته بعنفوان ليدافع عن نفسه وردًا على هجومها غير المبرر:
"أنتِ عارفة إني الفترة دي عامل زي التور اللي بيلف في ساقية.. وفهمتك إني داخل على شغل تقيل وهياخد كل وقتي، فين بقا الغريب في كل ده؟"
وقفت أمامه بثورة متظاهر يطالب بحقوقه:
"وأنا فين؟ أنا شايلة مسؤولية البنات كاملة لوحدي.. ومسؤولية أخواتي.. والبيت وطلباتكم كلها، على أمل كلمة حلوة منك آخر اليوم.. وأنتَ بقى بتعمل إيه!"
تحركت حوله نصف دائرة وأكملت:
"بترجع متأخر، تدخل مكتبك لحد الصبح وأنا مش مهم، ولا بتفكر تسأل عليا ولا عملت إيه ولا عايشة إزاي! تعبانة ولا كويسة!! عاصي أنت إمتى آخر مرة نمت في أوضتنا؟"
زفر بضيق:
"حياة سبق وقولت لك بدل المرة ألف لحد سيدة ما ترجع من الإجازة، أجيب حد يساعدك، رفضتي، أعمل أي تاني؟"
صرخت بوجهه:
"كنت غلطانة، كنت فاكرة إنك هتقدر تعبي ومجهودي لما أعمل لك كل حاجة بنفسي، كنت عايزة أعيش معاك حياة طبيعية، زوج وزوجة، كنت عايزة أعيشك في جو أسري."
ثم وقفت أمهمه وهي تطالعه بخوف:
"عاصي أنت بطلت تحبني؟"
قفل جفونه للحظة ليستوعب حجم الأمر محافظًا على هدوئه وهو يضم كفيها كالصدفة التي تحوي لؤلؤتها:
"واضح إن أعصابك تعبانة شوية."
هبت بوجهه بحرقة إثر أيام الكتمان التي توقدت بصدرها:
"متقولش أعصابك تعبانة دي! لأنك عارف غلطك وأنت مش عاصي اللي عرفته وحبيته.. في حاجة غلط؟"
"طيب ممكن بس تستحمليني اليومين دول وبس!! عارف إني قصرت معاكِ، بس مش لدرجة الجنان اللي في دماغك وبطلت تحبني وكل الأوهام دي!!"
سالت دموعها بعجز:
"طيب في إيه؟ أنت أول مرة الشغل ياخدك للدرجة دي، وأنا من حقي أفهم، عشان مش لاقية مبرر لكل ده؟"
قبل كفيها بحب وكأنه أراد طبع زهور الاعتذار عليهما:
"الفكرة كلها إني ببدأ من أول وجديد في الوقت اللي مفيش فيه مجال للخسارة، فكل خطوة لازم تكون محسوبة."
ثم غير مجرى الحديث ممازحًا ليلطف الأجواء بينهم:
"بس لو أعرف إن الشغل هيزعلك أوي كده، في داهية الشغل اللي يشغلني عنك.. قوليلي أعمل إيه عشان أصالحك."
شرقت شمس ابتسامتها مع شمس مطلع النهار من بين ليل كاحل وقالت:
"شوف أنت بقى!!"
دنى منها خطوة:
"طيب غششيني؟!"
"كمان أغششك!!"
ثم تركت يده وقالت بصوت خافت وهي تمسك بفنجان القهوة وتمدها إليه:
"قهوتك.. حلوة ولا أعمل غيرها؟"
ارتشف رشفة خفيفة من فنجانه وقال بتفكير:
"هي بردت، بس هعاقب وأشربها."
ردت على الفور:
"ليه، هعملك غيرها."
نظر في ساعة يده:
"الساعة جت 6.. يادوب ألحق أنزل عشان أستلم الشحنة الجديدة بنفسي."
انكمشت ملامحها مرة أخرى:
"بردو يا عاصي!!"
ثم شدت فنجان القهوة من يده:
"طيب هات دي، مفيش قهوة أصلًا، روح يلا شوف شغلك."
ضحكت بصوت منخفض ثم مال على أذنها قائلًا:
"هعوضك عن كل اللي فات، بس أخلص من تجهيزات المصنع."
ختم جملته وهو يضم بين شفتيه شفتها السفلية بحنو طابعًا بصمة اعتذار جديدة وقال بتوسل:
"يومين بس؟!"
ثم تركها وغادر المكتب سريعًا بعد ما أخذ سترته السوداء ومسكها وراء ظهره.
في تلك الأثناء التي خرج فيها عاصي من غرفته، اندست خلف الحائط وتوارت أذان "فريال" المتجسسة على حوارهم بنظرات يملأها الشر ودخان الانتقام لأخيها "فريد" وهي تتوعد قائلة:
"ولسه يا رسيل.. مبقاش اسمي فريال لو ما خليت حياتك كلها جحيم."
***
في تمام السابعة صباحًا.
رن جرس جهاز التنبيه بجوار "سوزان" التي اعتادت على غلق هاتفها أثناء فترة النوم وتركه خارج الغرفة كي تنعم بنوم صحي. وثبت قائمة مهام ثم تفحصت خزانة ملابسها وأخرجت منها ما تنوي أن ترتديه ورمته على مخدعها بعشوائية، ثم ارتدت منامتها الحريرية وخرجت من الغرفة منادية على الخادمة:
"قهوتي بسـرعة."
هبطت درجات السلم محدثة صوتًا مسموعًا إثر دق نعالها ثم توجهت ناحية مراد النائم على الأريكة. اقتربت منه بهدوء وجلست بجوار مقعده ونادت عليه بخفوت:
"مراد؟!"
فتح عينيه بسرعة واعتدل في نومته وهو يقاوم ثقل النوم على رأسه متأففًا، فسألته:
"مش هتبطل نوم على الكنبة؟"
رد بضيق:
"طيب قوليلي أعمل إيه؟ كل ما أقرب من الأوضة بنتك تصرخ ولا كأنها شافت عفريت!!"
ثم وثب قائلًا:
"دي خلت الشغالة تنقل كل لبسي أوضة تانية.. بصراحة أنا مبقتش مرتاح للوضع ده."
تدخلت سوزان لتواسيه:
"معلش يا حبيبي شهور الحمل الأولية متعبة، وعالية وحمها غريب شوية، استحمل."
أجابها بامتعاض:
"استحمل لحد إمتى؟ دي داخلة على الشهر الرابع ومش طايقة ريحتي ولا عارف حتى أتكلم معاها؟ حقيقي الوضع بقى لا يطاق."
ربتت على كتفه:
"عدى الكتير مبقاش غير القليل يا مراد.. أكيد غصب عنها."
وقف مزفرًا باختناق وهو يتناول ساعة يده ومفاتيحه:
"براحتها بقى، أنا زهقت."
نادت عليه بيأس:
"طيب استنى أفطر الأول ما تطلعش كده."
رد مختنقًا:
"مش عايز."
شد سترته السوداء من فوق المقعد وغادر المكان بخطواته الواسعة مكتظة بزحام النفور من الوضع القائم الذي زاد عن حده، وزوجته التي باتت لا تتحمل رائحته وكل ما تشمها يصيبها الغثيان وتتقيأ ماء جوفها. قفل الباب بقوة محدثًا صوتًا صاخبًا أيقظ عينيها النائمة، ففارقت فراشها بسرعة وهي تطالعه من أعلى، فتنهدت بحزن وهي تحوي بطنها المنتفخة قليلًا متمتمة:
"ده خرج حتى من غير ما يصبح علينا؟"
هنا اقتحمت سوزان غرفة ابنتهـا بأعين محملة بوهج العتاب فقالت:
"صباح الخير يا حبيبتي."
شدت عالية الستار ودارت إلى أمها وأجابتها بصوت فاتر:
"صباح النور يا مامي."
ثم ذيلت جملتها بسؤالها المتوق:
"مامي مراد قالك حاجة؟"
اقتربت سوزان من ابنتها وربتت على كتفها بحنو:
"حبيبتي مراد تعب من الوضع ده، لازم تشوفي حل يا عالية، مفيش راجل هيتقبل الوضع ده."
أغرورقت العبرات بمقلتيها:
"وأنا كمان تعبت، كل يوم بحاول نرجع زي الأول بس غصب عني بتعب وببقى مش مستحملة أقرب وأجري على الحمام، مامي أنا ضميري واجعني أوي ومش عارفة إزاي ممكن أصلح كل اللي فات."
مسكت كفها برفق وجلسا الاثنين على طرف السرير حيث قالت سوزان ناصحة:
"يبقى تسمعي كلامي!!"
ردت بلهفة:
"هنفذه بالحرف.. بس قولي أنا مش عارفة أعمل إيه!"
أثناء خروج مراد من بوابة "الڤيلا"، عاقت طريقه إحدى السيارات السوداء التي تحجب رؤية سائقها. فرمل سيارته محدثًا صوتًا صاخبًا وهو يسبه علنًا مع نظارته الشمسية. أخفض زجاج السيارة وقبل أن يكمل شريط لعناته على من اعترض طريقه بهذه الاندفاعية الحمقاء، دلفت من المقعد الخلفي للسيارة فتاة في مطلع عقدها الرابع بقوام ممشوق وهي تقترب منه بخطوات واثقة ومبهمة يحاوطها الغموض والإثارة حتى اتكأت على نافذة سيارته:
"سوري يا بشمهندس على الدخلة دي! صباح الخير الأول."
بأعين يتطاير منها الشرار وبصوت مبطن بداخله الامتعاض:
"أنتِ مين؟"
أخرجت بطاقة ورقية من جيبها وقالت بغموض يثير الكثير من التساؤلات:
"هستناك في العنوان ده.. ده لو عايز تعرف إحنا مين؟"
رفع حاجبـه متعجبًا:
"ده أي شغل المافيا ده؟!"
ثم قلب الهوية على وجهيها وقال مندهشًا من وقاحتها:
"ولو مش عايز!"
ردت باختصار بدون الإفصاح عن سبب مجيئها:
"بس إحنا عايزين.. مستنياك.. آه المصلحة واحدة يا بشمهندس."
ولت ظهرها قبل أن تنتظر رده بعد ما ألقت في رأسه بارود الفضول حول هوية تلك السيدة الغامضة وما المصلحة التي ستأتي من ورائها.
تحرك مراد خطوة بسيارته ثم فرمل محدثًا صوتًا مزعجًا حتى بات مجاورًا لها وقال:
"اللي عايزني يجيلي.. أنا ما بروحش لحد."
توقفت للحظة راسمـة على محياها ابتسامة خبيثة مجهولة المغزى ثم مالت على نافذة سيارته مرة أخرى و بثقة عارمة أردفت:
"بس أنا واثقة إنك هتيجي."
رفع حاجبه الأيمن كـ رد معارض لثقتها:
"واضح إنكم الـ محتاجين لي، مش أنا."
اتسعت ابتسامتها التي تعكس وميض الإعجاب:
"النهاردة بالليل، عزمي بيه هيكون مستنيك في مكتبه، متتأخرش.. لو اتأخرت عن 8 بالليل هنزعل وأحنا جماعة زعلهم وحش أوي."
اكتفى برسم ابتسامة ماكرة على محياه وهو يقفل زجاج النافذة ويرتدي نظارته الشمسية ويعاود قيادة سيارته بدون أي جواب منه يبين موافقته على تلبية عرضها المبهم.
وقفت تلك السيدة حائرة للحظات تدرس فيها أسلوبه وتجاهله وقالت معلنة ناقوس الحرب:
"شكلك هتغلبنا؟!"
روي عن أشرف الخلق ذاكرًا: "الريح من روح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب."
ولكن رياح البشر لم تأت صافية أبدًا لا تعرف للرحمة لون، قد يملأها غبار المصالح، ويلوثها رماد الحقد، ويزينها نسيم الهواء المزيف الكائن في صورة حب مزور. المرعب بالأمر إنك لا تعلم حقيقة ما يدور حولك إثر أفعالهم المريبة. ولكن من ولد بقاع العواصف لا يقلقه هبوب الرياح.
***
قيل في وصف رحمة الرحمن، وتقلب أحوال البشر كتقلب الشمس والقمر. منهم من ينشق من جوف العتمة ومنهم من يولد من نسل الضوء. هكذا هي الأقدار: "تضيق كأنها لن تتسع، وتتسع كأنها لن تضيق، يقلب الله الأمور لحكمة تجعلنا نعلم أن الأمر كله بيد الله.. وأن الله على كل شيء قدير."
هذه العبارة التي وقفت "شمس" عندها وهي تتفحص أحد مواقع التواصل الاجتماعي بغرفة الصالون الخاصة بشقتها ذات الطراز الحديث. تذكرت تلك الأيام القاسية التي عاشتها بإحدى المساكن الشعبية ولكنها كانت مليئة برائحة الأمان رغم فقدانها كل شيء. وفي نفس اللحظة تجولت أرجاء منزلها الراقي الذي نعمت فيه بأيام يغمرها رائحة الحب ولكن ينقصه دفء جدتها رغم امتلاكها كل شيء.
دق جرس التنبيه معلنًا تمام الساعة الثامنة صباحًا، وقت نهوض تميم من نومه. تركت هاتفها جبنًا وتعمدت ألا توقظه هذه الساعة لأن عينيه لم تتذوق طعم النوم منذ يومين. تركت مقعدها وهي تعقد حول خصرها شريطة من الحرير الذي قفلت بها منامتها الحريرية واتجهت نحو المطبخ لتعد له إفطارًا مصريًا أصيلًا بنكهة "الفول والفلافل" لتحيي بحياتهما أجواء الماضي مع الحاضر.
فاحت رائحة السمنة الفلاحي حولها لتملأ خزائن هواء المنتجع السكني الراقي الذي تقيم فيه، فتذكرت دفء أيام جدتها وذلك العطر الذي كان يحتويها كل صباح. مسحت دمعة انبثقت من طرف عينيها وقالت بحنين:
"وحشتيني أوي يا فوفا، شفتي شمس اللي كان نفسك تفرحي بيها اتجوزت وبقى مش ناقصها أي حاجة غيرك.. أنا كنت راضية على فكرة؛ راضية إني مخدتش أي حاجة من الدنيا بس أنت تبقي معايا."
هنا رفرف طائر العشق الذي أصاب قلبي ليطوق قلبها الشارد بلهفة وصوت مدجج بحماس العصافير:
"مش معقول أصحى كل يوم على الروايح الحلوة دي.. الجيران هيطفشوا مننا يا بنتي!"
تنهدت بسكينة وهي تترك ما بيدها:
"تميم!!"
"تميم إيه بس؟ دول ناس عايشين على الطاقة الشمسية وأنتِ كل يوم عاملاهم تلوث هوائي بنكهة الفول والفلافل."
"اللي مش عاجبه يعزل من جنبنا."
ثم دارت إليه وما أن تفحصته عينيها بدهشة:
"إيه ده وكمان جهزت؟"
اتكئ على رخامة المطبخ وهو يقضم ثمرة الخيار بفكيه:
"أعمل إيه؟!! قمت مفزوع قلت شمس نامت ونسيت إن عندي ميتنج مهم."
غسلت كفيها بالماء الفاتر وهي تجيبه بلطف ينافس رقة الورد:
"خالص والله.. كل الحكاية قلت أسيبك ترتاح شوية، وبعدين هو الشغل بيخلص! صحتك عندي أهم."
زفر تراكمات أيامه الماضية بكلل:
"معاكي حق.. عاصي ده طلع من جبال إنه متحمل كل ده.. الشغل عامل زي الطاحونة وأنا لازم أراجع كل حاجة بنفسي، وللأسف مفيش حد ممكن أثق فيه."
جففت كفيها وسألته بخيبة:
"لسه عاصي مردش عليك.. أنا مش عارفة هو معاند ليه بعد ما عرف كلام نعمة."
تميم بتعب:
"لسه، وأنا مش عارف هو بيعند ليه.. ومش عارف إيه في دماغه، عاصي الفترة دي ماشي زي القطر، مش عايز حاجة توقفه."
ثم عقد ذراعيه أمام صدره فبرزت عضلاته وأكمل بإعجاب:
"بس ابن اللعيبة عامل شغل دمار في الغردقة كلها.. وسايبني هنا بغرق لوحدي.. ده حتى مشاركة مش راضي يشاركني؟ حقيقي مبقتش عارف إزاي أقنعه يرجع."
لمعت عيناه بأسف:
"شمس أنا عمري ما كرهت عاصي رغم مؤمرات عبلة الله يرحمها، وحقيقي بتمنى يرجع تاني بس المرة دي نشتغل سوا.. من غير عداوة."
اقتربت منه وهي تشيد بمجهوداته العظيمة:
"وأنت كمان طلعت عبقري وأشطر بيزنس مان في الدنيا.. وأنا واثقة فيك إنك قدها ونص كمان."
ختم جملته وهو يشد تلك الشريطة الحريرية الملتفة حول سترتها ويجذبها نحوه عنوة مع شهقة مكتومة منها يملأها الخجل والارتجاف كي تتملص من سيطرته عليها في غرة عين؛ لتعبر عن مخاوفها محذرة:
"تميم بس نوران يا تميم..!"
رد متجاهلًا لمخاوفها التي لم تفارقها أبدًا كل ما يقترب منها. باتت تحت قبضة يديه وعينيه التي تمطر نجومًا. وسألها:
"صداع ليلة امبارح خف؟ عايز أطمن بس؟"
أجابته بصوت خفيض وهي تتملص من قبضته عليها:
"والسؤال ده ماينفعش تقوله من بعيد يعني؟ لازم تجرجرني لعندك كده."
رد مصرًا:
"أعمل إيه؟ أنتِ مش بتيجي غير بالطريقة دي.. وبعدين هو في أحلى من الجرجرة؟"
تنهدت بنفاذ صبر:
"تميم.. نوران لو دخلت علينا وإحنا كده هيبقى شكلنا وحش أوي."
رد مساومًا:
"طيب ارمي بياضك الأول."
انفجرت معبرة وهي تحاول أن تستوعب عرضه الواضح:
"لا.. تميم مش هينفع، عيب بجد والله.. بتكسف بطل الحركات دي بقى."
ثم عقدت حاجبيها بدهشة بعد ما استوعبت حقيقة طلبه، هامسة بفزع:
"يانهار أبيض؟!! تميم الميتنج بتاعك، أنت نسيت ولا إيه؟"
أصدر صوتًا نافيًا:
"تؤ عندي حاجات أهم افتكرتها حالًا."
ردت ببراءة:
"حاجات إيه؟"
ابتسم بمكر:
"هعمل اتفاق مع الصداع، هو يستفرد بيكي بالليل وأنا الصبح."
ردت مسايسة وهي تكتم صوت ضحكها:
"طيب خلاص قول بسرعة عايز إيه عشان نخلص من أم الجنان ده."
عقد حاجبيـه مفتعل الضجر وهي يتفقد لون شفاهها الخوخية:
"إيه ده؟ فين الفراولة اللي بحبها؟ كده مش هينفع.. مين قال لك تلعبي في العداد، كده السيستيم كله وقع، الله يسامحك يا شيخة."
أخيرًا نجحت أن تفر من قبضته عليها وهي تمازحه:
"على فكرة السوق والبزنيس غيروا أخلاقك خالص وبقيت مصطلحاتك غريبة.. لو سمحت ارجع تميم اللي حبيته."
هندم ملابسه مرة أخرى وقال بخبث:
"و أنتِ كمان اتغيرتي أوي على فكرة!"
تركت الصحن من يدها بتعجب:
"أنا؟ خالص، اتغيرت إزاي بقى.. فهمني."
غمز بطرف عينه وهو يساعدها في فتح علبة الجبن:
"لما أرجع بالليل هقول لك."
توسلت إليه:
"تميم بجد، قول اتغيرت إزاي وبلاش أسلوبك ده."
خفض نبرة صوته:
"نوران تسمعنا وشكلنا يبقى وحش أوي.. ميصحش أخلاق البنت!!"
زفرت بنفاذ صبر مع ابتسامة حائرة:
"تميم بقى!!! والله أنت تلاقيك بتقول أي كلام."
وبادر بجذبها إليه مرة أخرى فابتعدت عنه صارخة فدخلت نوران على صوتهم المرتفع فتلون وجه الثنائي بدماء الخجل وكل منهما ينشغل بأي شيء يقابله. رمقتهما نوران بنظرات تحمل الاعتذار والحرج بآن واحد ثم قالت مبررة سبب مجيئها:
"كنت عايزة ميه."
تبادلت النظرات بين تميم وشمس التي تحمل نوعًا من العتاب حيث رد الأول قائلًا ليكسر حاجز الموقف:
"النتيجة إمتى؟"
ردت نوران بعدم اهتمام:
"بيقولوا النهاردة.. أو بكرة بالكتير."
"يالا بقا عايزك تبقي حليفتي في الملاعب، وأشوفك أشطر مهندسة."
قفلت الثلاجة وتقدمت نحوه بوجـه عابث:
"تميم، أنت مردتش عليا في حوار الشغل.. أنتَ لو رفضت أنا هضطر اشتغل عند أي حد."
انكمشت ملامح شمس بضيق:
"الموضوع ده مش وقته يا نوران.. شغل إيه ده وأنتِ لسه 18 سنة."
ردت مدافعة عن وجهة نظرها:
"وفيها إيه؟!! أنتِ نفسك اشتغلتي وأنت أصغر من كده بكتير."
زفرت شمس باختناق:
"الظروف وقتها كانت بتحكم.. وأنا كنت بنزل عشان مكنش حد هيدينا نصرف وإحنا قاعدين في بيتنا."
أجابتها بدون رقابة على كلماتها:
"بالظبط، وأنا مش عايزة آخد المصروف من جوز أختي وأنا قاعدة."
صرخت الكبرى بأختها:
"نوران؟!!"
تدخل تميم في الحال ليهدأ الأمر بينهم:
"ممكن تهدوا طيب ونتكلم بالعقل.. أنتوا الاتنين صح، ومحدش فيكم غلطان، بس ممكن يا نوران نستنى النتيجة عشان نعرف المجال اللي هتختاريه ومنه أعينك في الشركة!!"
ردت بتمرد:
"أنا خلاص عرفت، هدرس جرافيك ديزاين.. وهدخل معهد التمثيل."
أغمضت شمس عينيها بجزع:
"شفت دماغها راحت فين؟!!! دي يا حبيبتي حاجة تدرسيها ترفيه جنب مجال دراستك الأساسية، أما الدلع ده أنا مفهمهوش.. أنت متخيلة عايزة إيه؟!! اتنين مالهمش علاقة ببعض أصلًا!"
تميم:
"شمس ممكن تهدي؟"
ردت الأخيرة بإصرار:
"شوفي يا نوران، أنت لو مدخلتيش هندسة زي ما تيتا الله يرحمها كان نفسها، انسي حوار الشغل عند تميم ده خالص.. فاهمة."
انفجرت نوران بأختها:
"لا مش فاهمة وهدرس الحاجة اللي بحبها يا شمس، وأنتِ مش من حقك تجبريني على حاجة، ولو مشتغلتش في الشركة عند تميم، هنزل اشتغل عند الغريب عشان أنا زهقت واتخنقت من التحكمات دي."
رمت جمر كلماتها والتراكمات المدفونة بصدرها إثر الوحدة القاتلة التي تعاني منها، تغير فئة أصدقائها، وعزلتها التامة بغرفة مكونة من أربعة جدران، انشغال كريم عنها بسبب فترة اختباراته وشغله الخاص الذي ابتدأه بأمريكا. حلقة مفرغة من العناء طوقت قلب تلك المراهقة التي تبحث عن أي شيء يسد فجوة فراغها.
نظرت شمس لتميم بعجز:
"شايف بتتكلم إزاي؟"
ربت على كتفها وقال:
"معلش يا حبيبتي، كل البنات في سنها بتكون دي طريقتهم، استحملي وقربي منها وسيبيها تختار، عشان أنتِ مالكيش حق تجبريها."
اشتعل وجه شمس بالضيق:
"دي عايزة تدرس تمثيل؟!! تمثيل إيه ده اللي هتدخله؟ هي دي وصية ماما وتيتا!!"
ثم صرخت متعمدة أن يصل الصوت لأذان أختها:
"والله يا نوران لو ما فوقتي من الجنان ده لأربيكي من أول وجديد."
دخلت نوران غرفتها وقفلت بابها بقوة لتنفرد بهمومها ووحدانيتها التي باتت كالشبح المرعب الذي خيم على زهرة عمرها. أخذت تتجول ذاهبًا وإيابًا حتى مسكت هاتفها معلنة الحرب على أختها التي تعاني من تحكماتها الزائدة عليها التي ترجمتها لفرض سيطرة وليست خوف. فتشت بعشوائية بشاشة هاتفها وقالت:
"طيب يا شمس، أنا هوريكي كلام مين فينا اللي هيمشي."
***
"عودة إلى الغردقة."
"صباح الخير يا رسيل.. عاصي نزل؟"
وطأت صوت التلفاز لتجيب على سؤال أخيها وقالت باهتمام:
"نزل من ساعتين، وبعت رسالة قال لي لما تصحى روحي له على المينا.. آآه الفطار عندك افطر قبل ما تنزل.. متنزليش كده."
تناول كوب الماء من أمامها وارتشف رشفة ثم وضعه بمكانه متحمسًا:
"ادعي لنا كده يا رسيل عشان الصفقة دي لو ظبطت يبقى جوزك مسك السوق كله بين إيديه."
دارت جهة أخيها وقالت:
"رشيد، في بنات كتير بيشتغلوا معاكم..؟"
"طبيعي يكون في بنات كتير معانا."
تسرب الشك إلى رأسها واكتفت بإصدار إيماءة خافتة ثم غيرت مجرى الحديث قائلة بصوت خفيض:
"رشيد أنت متأكد إنك عايز تتجوز فريال بنت عمنا؟"
وثب قائمًا دون إبداء أي اهتمام:
"وإلا مكنتش خطبتها.. وبعدين مش كل يوم هنتكلم في نفس الموضوع يا رسيل! أنا زهقت."
وقفت أمام أخيها ووبخته بتحذير:
"يا رشيد كفاية اللي عمله فريد معانا، نديها قريشين وابعدها عن طريقنا.. أنا مش مرتاحة لوجودها هنا.. فكر عشان خاطري."
نظر لأخته نظرات تدني:
"رسيل أنت شكل قعدة البيت لحست دماغك!! لو مش واخدة بالك دي تبقى بنت عمنا وملهاش غيرنا.. نسيبها في الشارع يعني؟"
تأفف رشيد باختناق لعدم تقبله للأسلوب الذي تحدثت به أخته عن خطيبته:
"لو مضايقك وجودها أنا ممكن آجرلها أي شقة لحد ما شقتي تخلص.. معلش متقلين عليكِ في بيتك يابنت أمي وأبويا."
تمسكت بساعده بقوة لتبرر كلامها الخارج من بين فكيها المنطبقين:
"أنت إيه الهبل اللي بتقوله ده!! لا طبعًا، بس أنا بحذرك للمرة المليون.. فتح عينيك الاتنين فريال وراها حاجة يا رشيد خلي بالك."
ربت على كتفها قاذفًا قنبلة موقوتة بقلبها لم يقصدها أبدًا:
"خلي بس أنتِ بالك من جوزك وبناته، ومتشليش همي."
تصلبت تعابير وجهها بدهشة:
"قصدك إيه!! رشيد أنت تعرف حاجة عن عاصي؟"
زفر باختناق:
"أنتِ دماغك راحت لفين بس؟!! أنا ماشي يا رسيل."
اشتعلت قناديل الشك برأسها حول جملة أخيها الأخيرة وقالت لنفسها وهي تعض على أناملها:
"يا ترى وراك إيه يا عاصي!!!!"
***
"عودة إلى القاهرة."
"عاصي بيه، كل المعدات وصلت المصنع.. وشحنة السمك دخلت الثلاجات.. وفي حاجة كمان…."
على ضفة البحر الأحمر حيث يطاير الهواء ملابسه واقفًا ليستمع آخر الأخبار من مساعدته الشخصية التي تدعى "ريم". فنظر إليها مهتمًا إثر آخر جملة قائلًا:
"في إيه يا ريم؟"
ردت بأسف وخيم:
"بخصوص المطعم العائم اللي في الشرق، النهاردة في مركبة كمان غرقت، ومعنى كده إن الموضوع مؤامرة مش مجرد صدفة."
انعقد حاجبيه بغضب يكاد ينفجر منه وجهه:
"يعني إيه دي تالت مركبة تغرق في نفس الأسبوع.. مين مسؤول عن صيانة المراكب دي؟!!!"
دنت ريم خطوة منه وقالت بنبرة يخالطها هواء البحر:
"فكرة مجموعة مطاعم عائمة في وسط البحر وكل ترابيزة على لانش خاص بيها بالتنسيق الخرافي ده فكرة قلبت الغردقة كلها، وكسرت الدنيا.. وأحنا عندنا أعداء كتير يا عاصي بيه، كلهم يتمنوا المشروع ما ينجحش."
هز رأسه متفهمًا:
"حد حصله حاجة النهاردة؟"
ردت برسمية:
"لا، فريق الإنقاذ لحقهم في الوقت المناسب وإدارة المطعم قدمت تعويض للعرسان عن اللي حصل والموضوع اتلم قبل ما يوصل للصحافة."
زفر باختناق وهو يخرج لفافة التبغ من جيبه ويقوم بإشعالها:
"طيب روحي شوفي شغلك أنتِ.. وابعتي لي كمال."
هزت رأسه ملبية لأوامره ولكنها ختمت حديثها قائلة:
"في ميتنج مع إدارة المشروعات كمان ساعتين."
"طيب يا ريم."
جاء إليه رشيد متحمسًا وهو يسقف:
"ده اسمه معلمـه يا أبو نسب.. إيه العظمة دي.. الشغل والطلبات علينا زي الرز، إيه مش هنعمل حفلة ترج الغردقة!"
هز رأسه بثقة رجل لا يليق به إلا النجاح:
"هنعمل بس مش دلوقتي، رشيد عايزك تشوف لي حوار المراكب اللي بتغرق دي.. تروح الفرع دلوقتي وتدخل كل اللانشات صيانة مكثفة وتراجع الكاميرات وتشوف مين اللي عايز يوقعنا."
"لسه كنت جاي أقولك.. همشي من هنا وأطلع على هناك، متشلش هم أنت بس."
عاصي بغضب وهو يتحرك إلى مقر شركته الكائنة على البحر:
"لو وصلت لحاجة بلغني."
انحدر رشيد عن مساره بعجل:
"اعتبره حصل."
وصل إلى مكتبه وشرع بنزع سترته السوداء وعلقها فوق الشماعة ثم تناول هاتفه فاتحًا شاشة محادثته مع رسيل وسجل إليها رسالة صوتية:
"حياة اعملي حسابك الليلة عشان هنتعشى أنا وأنتِ بره، حابب نسهر سوا."
آنذاك جاء كمال إليه بعد ما أخذ الإذن بالدخول وسأله:
"ريم قالت لي إنك عايزني يا بص."
قفل شاشة هاتفه ونظر إليه باهتمام:
"مفيش أخبار عن يسري؟"
هز كمال رأسه بأسف:
"الأرض انشقت وبلعته، ملهوش أثر في القاهرة كلها."
مد له ورقة:
"طيب عايزك تدور عليه في المكان ده عشان لازم يظهر."
أخذ كمال الورقة منه بعد ما قرأ العنوان:
"الشرقية؟!!! هو يسري ده عمل إيه يا بص!"
"بعدين، بعدين يا كمال.. بس هو يظهر، اتحرك بنفسك على هناك."
"تمام يا باشا.. مش هرجع إلا بخبره."
***
"عودة إلى القاهرة."
مع مغيب الشمس وصلت عالية إلى مقر مكتب مراد وهي ترتدي فستانًا طويلًا بكمام طويلة وواسعة ولفّت على عنقها وشاحًا من الحرير. وصلت إلى مساعده وسألته:
"البشمهندس مراد في مكتبه؟"
وقف الرجل في استقبالها:
"هو بس نزل الموقع وهيرجع تحبي أكلمه؟"
ابتسمت بلطف:
"هستناه في مكتبه."
"تحبي تشربي حاجة؟"
ردت بهدوء:
"لما مراد يجي."
بسيارته التي صفت تحت مبنى الشركة وقعت عيناه على البطاقة التعريفية لتلك الفتاة التي طاردت صباحه. أخذ يقرأ ما بالبطاقة مرارًا وتكرارًا حتى زفر بحيرة:
"وتطلع مين دي كمان ووراها؟"
ترك "الكارت" بصندوق سيارته قبل أن يهبط منها ويعطي المفتاح لسايس. اتجه نحو بوابة شركته وهو كل ما يدور برأسه عن موعد الأمس. هل يذهب ليرضي فضوله؟ أم يتجاهل إلى أن تتضح الرؤية أمامه؟ جمة من الأسئلة طرحت برأسه ولكنها كانت جميعها عقيم لا ينسل منه جوابًا واحدًا يرضيه ويرضي حيرته.
فُتح باب المصعد أمام الطابق المخصص لمكتبه فوقف الموظف في استقباله وأخبره بوجود المهندسة "عالية" بمكتبه. أسرع الخطى متقدمًا إلى مكتبه متبعًا مسارًا إضافيًا للفضول. ما فتح باب مكتبه تمتم مندهشًا:
"عالية؟!"
وثب قائمًا لتستقبله بابتسامة عريضة:
"إيه رأيك في المفاجأة دي؟"
قفل الباب خلفه، ثم اقترب منها طارحًا جملة الأسئلة:
"في حاجة حصلت؟ طنط كويسة؟ أنتِ كويسة؟"
اقتربت منه أكثر حتى باتت خطوة واحدة تفصلهم عن بعضهم:
"كل الحكاية يا بشمهندس نزلت الصبح من غير ما تصبح عليا."
هز رأسه بسخرية مع انعقاد طفيف لحاجبيه:
"قصدك نزلت من غير ما نتخانق."
زارت شفتيها نسيم الضحكة وهي تلطمه في كتفه برفق:
"عادي على فكرة.. الحامل تعمل كل اللي هي عايزاه."
"وأنا أي ذنبي أعيش في النكد ده كله لوحدي؟"
داعبت وجهه ممازحة:
"خلاص بقى يا مراميرو ميبقاش قلبك أسود، وبعدين زي ما أنت عارف من وقت خبر وفاة عبلة وأنا مش أحسن حاجة. المهم."
ربت على كتفيها بحنو:
"طيب تعالي نقعد إحنا واقفين ليه."
جلس الاثنان على الأريكة وهي تتمسك بيده بقوة ثم قالت:
"تعالى نروح سوا عند الدكتورة النهاردة."
"ليه، وطنط سوزان!"
حدجه معاتبة:
"إيه يا مراد، أنتَ كمان مش عايز تيجي معايا تطمن على ابننا؟!!"
"مش قصدي أكيد بس كل مرة طنط سوزان هي اللي بتصمم لازم تروح معاكي."
أجابته بدلال:
"بس النهاردة حابة نروح سوا، أنا وأنت وبس.. و كمان هتعزمني على العشا عشان وحشني نقعد لوحدنا."
مال نحوها حتى أصبحت أنفاسه مطرًا متساقطًا على ملامحها وهو يهمس معبرًا عن مدى اشتياقه إليها:
"أنتِ كلك على بعضك وحشتيني."
وما أن امتلأت رئتيها برائحته وبات وجهها مقصده لفض شرارة مشاعره المدفونة لمدة شهرين.. أصاب الدوار رأسها وانتاب الغثيان جوفها فأمسكت ببطنها ورقدت نحو المرحاض لتتقيأ عطره الذي يزعج معدتها كثيرًا:
"لا يا مراد مش قادرة."
أطلق زفيرًا قويًا من شدة اختناقه وهو ينزع ساعة يده ويرميها جنبًا بعشوائية:
"دي مش عيشة دي."
***
في تمام الساعة السابعة مساءً بعد مغيب شمس اليوم الأول من شهر أغسطس.
وبعد مرور ساعات مشحونة بالقلق والتوتر بين الأختين، تجلس شمس أمام التلفاز وتقلب القنوات بفتور شديد حتى سمعت صوت فتح باب غرفة أختها التي أقبلت عليها بملامح منزوعة من أي فرحة أو حماس. تركت الهاتف على الطاولة أمام أختها وقالت بملل:
"85%."
بلهفة أم تستقبل خبر نجاح ابنتها البكرية، رمت "الريموت كنترول" من يدها وتناولت الهاتف بفرحة ورعشة قلب وهي تطلع على نتائج أختها بالمرحلة الثانوية بقسم "علمي رياضة". فانعقد حاجبي شمس بتمرد:
"وليه مش 99؟!!"
زفرت نوران بزهق من تمادي أختها معها، فانفجرت قائلة:
"الأرقام دي على أيامكم أنتوا، وبعدين مش كنتي عايزة هندسة؟!! دول يدخلوني هندسة مستريح.. فكك مني بقى يا شمس."
وثبت شمس وحضنت أختها بفرحة عارمة:
"خلاص مش مهم.. المهم هتحققي حلم تيتا وتبقي أحلى مهندسة في الدنيا."
ضمت أختها بحب، حيث تلقت الثانية عناق أختها بفتور لأنها كانت تدعي ربها ألا يرزقها بالنتيجة التي تجبرها على الانسياق لكلية لا تريدها خاصة بعد اهتماماتها الأخيرة بمجال التمثيل والمسرح. طبعت وسام الفرحة بوجنتي أختها ثم تفوهت بحماس:
"هكلم تميم."
سبقها رنين هاتفه فقالت بسعادة:
"أهو جيه على السيرة."
ثم أجابته سريعًا وهي تستأذنه بلهفة:
"تميم هشغل المايك عشان تبارك لنوران."
ضبط السماعة البلوتوثية بأذنه وهو يدور مقود السيارة ويهتف بفرحة:
"حليفتي في الملاعب بقا، ألف مبروك يا هندسة."
ردت بجمود:
"الله يبارك فيك."
ثم أكمل بنفس النبرة المتحمسة:
"اعملي حسابك بكرة تنزلي تختاري أحلى عربية عشان نستغل فترة الإجازة وتتعلمي السواقة."
هللت بمرح وفرحة غطت على ظهور نتيجتها:
"بجد يا تيمووو، هتعلمني السواقة!! أنت أجدع حد شوفته في حياتي."
صاحت شمس بذهول:
"سواقة إيه؟ إحنا اتفقناش على كده."
قهقهه تميم بإصرار:
"لا ده اتفاق قديم كده بيني وبين شمس.. المهم أنا نص ساعة وهكون عندكم، أجهزوا عشان ننزل نحتفل سوا."
قفزت نوران بفرحة وحماس:
"حالًا."
شمس معترضة:
"على فكرة أنت اللي بوظت دماغ نوران."
صف سيارته بهدوء إثر احتشاد مجموعة من الناس بمنتصف الطريق وهو يرد على شمس بدون اهتمام:
"ياستي سيبيها تدلع.. أسيبك تجهزي، سلام دلوقتي."
نزع سماعته وهبط من السيارة ليكتشف سبب امتلاء الطريق بالمارة، متجهًا نحو مصدر صياح أنثوي نتيجة اصطدام سيارتها بواسطة أحد الأشخاص وهي تصيح مهددة:
"أنت شكلك متعرفش أنا مين وبنت مين، وبدل ما تعتذر نازل تبجح!!"
برر الرجل موقفه:
"ياستي أنتِ ليه مش قادرة تفهمي إن الغلط منك.. مفيش حد طبيعي يقف فجأة في نص الطريق."
أخرجت هاتفها وهي تحرك أناملها فوق الشاشة بسرعة:
"أنا هطلب لك البوليس عشان تبجح براحتك."
تأفف الرجل:
"ياستي هو أي مشاكل وخلاص؟!! ما تهدي."
تدخل تميم بينهم بعد ما لقط مضمون المشكلة:
"على فكرة الخبطة مش جامدة والموضوع مش مستاهل كل الدوشة دي."
هبت معترضة دون النظر لوجهه وهي تشير نحو المكان المصاب بالسيارة:
"والله؟ طالما سيادتك شايفه بسيط كده، صلحها أنت؟"
وبخها تميم مذهولًا من وقاحتها:
"أنتِ مالك طايحة في الكل كده، ما الراجل قالك هيصلحها."
ولت "شهد" إليه بتركيز فوجدت نفسها أمام شاب أنيق ذو طابع ملفت، ليس بالجمال الخارق ولكن يمتلك جاذبية لا يمكن أن تقاومها أي فتاة تقع عينيها عليه، فتبدلت نبرة صوتها لنبرة أكثر لينًا محافظة على مظهرها:
"خلاص مفيش داعي، أكيد مش هقبل العوض."
ضرب الجميع كف على كف بتعجب، حتى نفذ صبر الأغلبيـة وانسحبوا بهدوء من حولها حتى فرغت الدائرة على تميم والجاني وتلك الفتاة التي لن تبعد عينيها عن ذلك الوسيم الذي نزل من سيارته المرسيدس.
تحول صوتها لأكثر نعومة:
"خلاص أنا مسامحة، بس قول له يركز بعد كده."
جحظت عينا الرجل:
"أنا اللي أركز؟!! مش لما تتعلموا السواقة الأول."
تدخل تميم على الفور ليهدأ الرجل:
"استهدى بالله يا جدع.. حصل خير خلاص، اتفضل أنت."
انصرف الرجل مجبورًا على أمره وهو يسبها في سره كثيرًا. دارت "شهد" ناحية تميم وقالت محاولة خلق لغة حوار بينهم:
"على فكرة ربنا بيحبه، لولا وجودك أنا مكنتش هتنازل عن محضر."
ثم زفرت بضيق:
"الأشكال دي أنا عارفاها كويس، لازم تدخل القسم عشان تتعلم تحترم بنات الناس زي حضرتك كده."
هز تميم رأسه ليقفل أبواب الحديث التي تتعمد فتحها بوجهه:
"حصل خير يا مدام، بعد إذنك."
اندلعت تلك النيران بوجهها مرة أخرى إثر وصفها بـ (مدام) فجهرت بحرقة وهي تندس بداخل سيارتها:
"مدام؟!! هو ما بيشوفش كمان؟ إيه قلة الذوق دي.. قفلتني منك."
ثم أخذت تتفحص ملامحها بالمرآة:
"قال مدام قال؟!! وأنا اللي افتكرته جنتل مان وبيفهم!!"
قطع وصال تغزلها وإعجابها بنفسها صوت رنين هاتفها باسم أبيها:
"أنتِ فين يا شهد؟!"
أغلقت جفونها بتأفف:
"قولتلك يا بابي بعمل شوبينج وبتعرف على القاهرة."
"طيب ارجعي يالا، أمك وأختك هنا محتاسين لوحدهم."
جزت على فكيها وكأن الأمر لا يروق لها:
"حالًا يا بابي حالًا."
هبط "شاهين" من سيارته الحمراء فلمست أقدامه تراب قصر دويدار الذي استولى عليه قبل ساعات قليلة محتجزًا رجلي الأمن المختصين بحراسته. لفت أعينه في الفضاء الفسيح حوله وقال لنفسه:
"بقا كل الخير ده بتاعك يا خوي وأنا سايبني في الأرض لحد ما قصفت عمري؟!!"
تقدم خطوات معدودة حتى وصل إلى درجات سلم القصر، فظهرت منه زوجته التي تشتعل بنار الانتقام والشماتة:
"أنا خدت أوضة الولية اللي اسمها عبلة، أنا دخلت الأوضة ولقيتها فيها شيء وشويات.. أي المجوهرات والدهب ده كله!! الولية المجنونة فاتحة بترينة مجوهرات عندها."
ثم مالت عليه وهي تعرض أمامه أساور يدها متعمدة إحداث صوت مسموع بهم:
"شايف شايف.. !! طيب سامع صوتهم!! يا حلاوتهم هياكلوا من إيدي حتة يا شاهين."
هز رأسه بحركة رجل مسن يشغله جمة من المهام غير تلك التفاهات التي تملأ رأس النساء وقال:
"انبسطي يا سميرة وخلي بناتك يتبسطوا ده خير أبوهم وعمهم."
اتبعت خُطاه بفضول مريب:
"أنا قلبي مش مطمن يا شاهين، ولاد أخوك لو شموا خبر مش هيسكتوا."
حدجها بعنفوان:
"اكتبي.. ولا واحد فيهم يتنسب لأخوي.. الاتنين علاقتهم بشهاب دويدار حبر على ورق، وأنا هعرف إزاي اخرسهم، سكتت لهم كتير يا سميرة."
ثم ضرب الأرض بمؤخرة عكازه:
"وكفاية عليهم اللي خدوه."
***
دق ناقوس الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.
ومازالت تنتظر قدومه، تنظر تلك الليلة التي وعدها بها، تتوق اشتياقًا لتلك اللحظات الهادئة بينهم.
بفستان أسود يصل لتحت ركبتيها ينحت تفاصيل جسدها الممشوق ويمنحها مظهرًا طاغي الأنوثة ذو أكمام رفيعة جدًا، تركت طرف سريرها بعد ما هاتفته مرارًا وتكرارًا ولكنه مقفول. نفذ صبرها فوثبت قائمة تترنح بخطى مطوية بالضيق فتعرقلت إثر حذائها ذو الكعب المرتفع، استندت على خزانة الملابس ثم واصلت طريقها ناحية مكتبها، أخرجت دفتر يومياتها وأمسكت بطرف قلمها. القلم الذي يعتبر صديقًا لأصحاب الشعور المفرط. بتنهيدة تشبه شهقة الغريق افتتحت خزانة قلبها كاتبة بتلك اليد المهزوزة:
من أصدق ما قاله نجيب محفوظ: "يا ليت العمر كتابًا، فانرجع للفصل الذي كان يسعدنا."
ما قبل العشق الذي تورطت فيه رغم تحذير جدتي المتواصل وهي تعظ قلبي: "حبي فالحب ينير وجه الصبية ويطيل حبال العمر، ولا تعشقي فالعشق ناره إن مست القلب لم تتركه إلا رمادًا."
أما بعد ذلك.. احتجب عني قمرك لليلة الثالثة والعشرين بتوقيت السماء، أما بتوقيت قلبي فهناك ضبابة من الألم تحوم فوق رأسي الذي كاد أن ينفجر من تفكيره المستمر بك وطيلة بعدك عنه، باتت شوارع روحي منطفأة، ذات أعمدة إنارة بفوانيس محترقة، بقيت منطقة حزينة جدًا ومخيفة منذ رحيل ضوء قمرك عني.
ولكن صدقًا لا أعرف ما يجب أن أقوله لوصف تلك الليلة، كل الليالي الماضية كانت خدوشها بسيطة ولكن هذه الليلة انتكاسة روح جديدة، أشبعني غيابك الليلة حرقة من نوع آخر، ذلك النوع الذي لا يمكنني وصفه ولكنه خطير ومؤلم للحد الذي يقتلني.
إنها الساعة الواحدة من الحنين، بستين دقيقة من الانتظار، بآلاف من الثواني وأنا هنا أناديك كي تنقذ بئر حبنا قبل أن يجف من الهجر. بقلب من الزجاج يقف خائفًا أمام أحجار الغياب يصرخ باسمك برغبة ملحة أن تأتي لعنده. كم أحتاجك لأطمئن!، كم أحتاجك لأنبض من جديد!، كم مشتاقة إليك تلك الليلة لحد الذي لا أريد أن أرى سواك، امرأة تركت الحياة وباتت لا تتمنى غيرك، فيا ليت وصالك بالتمنى ويا ليت حبي لك يرتوي بحلم أو بقلم. أنا التي أتنفس بريق عينيك. أرجوك لا تخذلها.
جف حبر صبرهـا هنا فتركت القلم من يدها ووضعت رأسها في حضن دفترها بحزنٍ وخيم حتى أرهق البكاء عينيها وبقلب انطفأ من وحشة غيابه نامت على سطح مكتبها الخشبي باستسلام تام للوجع الذي يقرض بحواف قلبها.
مرت الساعات حتى عاد "عاصي" منهمكًا إلى بيته بهاتف قد فرغت بطاريته، صعد السلم بخطوات ثقيلة وهو يفك أزرار قميصه بكلل حتى وصل إلى غرفته بتردد يحمل هم لقائها وعتابها وكيف سيصلح ما أفسده هذه الليلة.
فتح الباب بهدوء فأمتد بصره إلى تلك النائمة بحضن دفاترها، رمى سترته السوداء بندم يأكل بقلبه الذي انشغل عنها، تسللت يده لتحت ركبتيها ليحملها بحنو أب لصغيرته فتمتمت بين يديه بصوت سكر:
"استنيتك كتير."
رد بصوت دافئ ينافس دفء المطر:
"بجد آسف يا حبيبتي."
ثم وضعها بمرقدها برفق ونزع حذائها الأنيق من قدميها وتململت من نومتها بهدوء قبل أن تقفل جفونها من جديد. نزع ملابسه ثم ارتمى بجوار بتعب قرر أن يتخلص منه في لفافة التبغ التي أشعلها ورماها بفمه حتى أصبحت كل متاعبه كالسحابة السوداء المنعقدة فوق رأسه.
تدلت أنظاره على تلك النائمة التي امتدت يداه لخصلات شعرها لتغازله بحب حتى أكلت متاعبه نص لفافة التبغ التي تقف بين أصبعيه. ثنى السيجارة بقلب المطفأة ثم دار متخذًا قرار إفاقتها كي يعتذر لها عما شغله عنها تلك الليلة، بصوت مدجج بعبير الاعتذار:
"حياة، ممكن تصحي."
تمادت أنامله في طبع روائح الاعتذار على وجهها حتى تحركت جفونها ببطء وبهدوء عكس المتوقع سألته:
"أكلت ولا أقوم أجيبلك أكل."
طبع وسام اعتذاره على يدها تارة ثم فوق ثغرها طورًا حتى ابتعد قائلًا:
"قومي يالا!"
"ليه؟"
"نخلص خناقة النهاردة قبل ما ننام، مش عايز أبقى نايم وشايل هم خناقة أول ما أصحى."
تأرجحت عينيها فوق ملامحه المرهقة، حيث تلاعب بقلبها أمواج الشوق والحنين:
"بس أنا مش عايزة أتخانق."
تحركت عينيه بدهشة محاولًا استيعاب هدوئها:
"والهدوء ده في حد ذاته يقلق أكتر!! حياة أنا أسف صدقيني غصب عني!! قومي نتكلم."
فاض منها الشوق فأستقبلته بدون وجه للعتاب مستغلة لحظات قربه التي تجاوزت الحدود، كسرت حواجز المسافات بينهم خاصة إثر أنفاسه التي توقدت بنيران الاشتياق والأسف التي كانت تنادي فلبت النداء، سبقت كلماته المدججة بالحب بفتح أبواب العشق بوجهه كأنها تعلنها صراحة لقلبهما لم يعد لي في حبك إلا السرقة. سرقة النظرات والهمهمات ولحظات مسروقة من العناق قبل أن يلتفت لنا الزمن وقبل أن تشرق شمس الأنثى المتمردة برأسي.
بلطف غير معهود منها أصبحت جزء لا يتجزأ من روحه وكأنها أرادت أن تخبره بطريقة أكثر خطورة دعنا من العتاب الآن، لقد تعلمت أن أروي عطشي أولًا قبل ردم البئر. غمغمت حبًا كأنها تعتذر لعقلها:
"سأتبع جميع الدروب معك، درب القلب والعقل وجنونهما، بساحة حبك لم أمارس إلا هواية الطمع، لا يكفيني إلا كل شيء عنك!"
قيل قديمًا "أن المشاعر ليس لها صوت لكنها ذات ملامح جميلة ومثيرة."
ولكن هذا الكلام لا أصدقه؛ المشاعر لها صوت يشبه صوت العصافير، ولها رائحة تنافس رائحة الخبز أن مسته النار. ولكنها تحتاج إلى شخص شجاع ينطق بها.
"صباحًا."
تململت يداه تبحث عنها بجواره بأعين منغلقة فلم يجد إلا فراغًا. فتح جفونه مناديًا باسمها فلم يلقى ردًا، انعقد حاجبيه باستغراب:
"النهاردة الجمعة ومفيش مدرسة للبنات؟!! راحت فين بدري كده."
نهض بتثاقل ناحية الحمام وأخذ حمامًا دافئًا ظنًا منه بأنها تجلس بالأسفل مع أخوتها وما أن فرغ من حمامه هبط للطابق الأرضي وهي يجر في خطواته جرًا، فألتقى بيونس متسائلًا:
"رسيل لسه نايمة؟!! مش بعادتها!!"
"صحيها يا عمنا هنموت من الجوع."
أجابه باستغراب:
"هي مش تحت؟!"
"لا، دي حتى محضرتش فطار.. مش بعادتها يعني؟!"
وقف بمنتصف الدرجة مفكرًا:
"ممكن تكون نايمة مع البنات؟!! هروح أشوفها."
صعقه يونس بجملته الأخيرة:
"البنات بيلعبوا في الجنينة يا عاصي؟!!"
عاصي بقلق:
"إيه؟!! هتكون راحت فين الساعة دي؟!!!!"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثالث والستون 63 - بقلم نهال مصطفي
من المؤسف أن الحياة لم تُخلق بقلب أم، أن وليت عنها ظهرك لا ينفطر فؤادها عليك ولا تنوح ولا تنتظر لقاءك بشغف أو تحترق لأجلك ولا تنشغل لوجودك من عدمه. الحياة خُلقت بطباع أنثى نرجسية متمردة تعرف جيدًا قدر نفسها. يمكن أن تحترق كليًا حولها كي تنال نظرة، بسمة، أي شيء يعبر عن رضاها عنك. تسقيها دلالًا وتبذل قصارى جهدك حتى تفوز بحبها ولكنهـا لا تقع بسهولة في فخ الحب. الحياة أن رضيت وأعطت لا تعطي إلا بقدر محسوب، ولا تملك هواية المشاعر التي تعلم المرء البذخ والسخاء في كل شيء حتى يفنى كليًا لأجل من يحب.
مسحت الغبار عن الإطار الذي يحتفظ بصورة أبيها بعد ما عادت لتفتح وكالته من جديد. عادت تبحث عن حياتها التي فقدتها في رحلتها للحُب. فاض الدمع من عينيها وهي تنظر لأعين أبيها التي تحمل نفس لون مقلتيها.
وقالت بحزن وعتبٍ وخيمة:
"وحشتني أوي يا معلم قنديل.. شوفت من يوم ما روحت وأنا تايهة مش عارفة استقر. بدور على حياة كنت مبسوطة فيها بس فشلت، مش عارفة أوصل."
تحركت خطوتين حتى جلست على مقعده الخشبي المبطن وأكملت بندم:
"أنا أسفة عشان سبت الشغل ومكملتش حلمك وخيبت أملك فيا، أسفة عشان سبت الوكالة مقفولة طول الفترة دي."
تقطرت دمعة حارة على سطح الإطار وأكملت:
"فاكر لما كنت أدلع عليك وأقولك ماليش مزاج أنزل الشغل؟ أنا تعبت! كنت تقول لي العمل عبادة وصحة، متفتحيش بوابة الراحة مش بيدخل منها غير الكسل والفقر. ياريت كنت معايا.. أنا محتاجة حضنك أوي، لأول مرة أحس إني لوحدي."
جاء بندق راكضًا وهو يحمل بيده فنجان القهوة:
"قهوتك يا ست البنات."
رفعت رأسها عن صورة أبيها وأرسلت به ابتسامة شاحبة:
"عايزة حد ينضف الوكالة يا بندق.. وكلم الصنايعية يجوا يشوفوا المراكب.. عشان هننزل نصطاد السمك بنفسنا، زي ما كان المعلم قنديل بيعمل بالظبط."
رد بندق متحمسًا:
"أوامرك يا ست رسيل.. كل طلباتك مجابة."
***
في الجهة الأخرى وخاصة بمنزل عاصي.
احتشد الجميع حول بعضهم يتشاركون في مهمة البحث عن جوابًا لسؤالهم الوحيد: "أين ذهبت رسيل؟!".
بخطوات قليلة خطاها عاصي بساحة البيت، فتراجع متسائلاً طارحًا السؤال على ذهن صغاره:
"محدش فيكم شاف حياة؟!! ولا هي جات تصحيكم؟!"
هز الاثنتان رأسهما بالنفي. زفر عاصي بامتعاض وهو يطالع رشيد:
"هتكون راحت فين يعني؟! مش متوعدة تخرج الوقت ده من غير ما تقول."
تدخلت فريال بحوارهم قائلة بخبث ثعابين:
"أنا عارفة ممكن تكون فين بس مش عارفة ينفع أقول ولا لا!"
احتدت نظرة عاصي لها بعنفٍ:
"ما تنطقي، أنتِ لسه هتفكري؟!"
ألقت نظرة مترددة ناحية رشيد وأكملت:
"في مكان كانت تتقابل عنده هي وفريد أخويا لما ووو."
قاطعها رشيد معاتبًا:
"أنتِ بتقولي أيه؟! وهي هتروح مكان يخص فريد لي؟!"
"الله يا رشيد؟! بقول ممكن اتضايقت من حاجة وراحت هناك."
تدخل يونس معنفًا لها ليزيل الشكوك عن رأس عاصي:
"حتى لو كانت مضايقة، رسيل مش هتروح مكان يفكرها بفريد، لأنها مكنتش بطيق تسمع اسمه."
تدخل رشيد مدافعًا عنها مواجهًا أخيه:
"ما تكلم بنت عمك كويس يا يونس!!"
عارضه يونس متأففًا:
"مش برد على كلامها الـ زي السم؟!!!"
نفضت فريال تراب شجار الأخوة واقتربت من عاصي الذي وقعت بغرامه من أول يوم سقطت عليه أنظارها وقالت بنبرة ناعمة:
"أنتَ زعلتها، أو يعني حصل مشكلة بينكم تخليها تسيب البيت؟!"
قرأ عاصي حروف الثعلبة بعينيها، وشم رائحة المكر بكلماتها بحكم خبرته الجيدة بالنساء وخبثهن، حيث قال مزمجرًا:
"متعودتش أزعل مراتي.."
تعلق جمر الكلمات التي نطقهم عاصي بحلقها واكتفت بابتسامة مهزوزة مترددة. حيث قطع حلقة حيرتهم دخول أحد الحراس قائلًا:
"عاصي بيه، الهانم فـ وكالة المعلم قنديل، لسه بندق مكلم الرجالة عشان ينضفوا المكان."
تقاذفت علامات الاستفهام من أعينهم وكل منهما احتفظ بسؤالٍ لنفسه يود معرفته.. ما بين "سبب ذهابها؟!" وكثير من التساؤلات الحائرة.
تحرك رشيد ناحية الحراس فأوقفه عاصي مستفهمًا:
"رايح فين يا رشيد؟!"
رد الآخر بضيق:
"رايح لرسيل، أشوفها."
بنبرة جادة محاولًا تمالك أعصابه التي جُنت بسبب عدم وجودها وقال بصوت آمر:
"لا، سيبها ترجع براحتها.. المهم اطمنا عليها."
"ازاي يا عاصي؟!"
رد بجدية:
"زي ما سمعت.. اتفضل روح خلص الشغل الـ عندك."
ثم نظر ليونس آمرًا:
"يونس عايزك تقف على رأس العمال في المصنع، آخر الشهر لازم يشتغل، التأخير مش في صالحنا."
رد يونس بطاعة:
"اعتبره حصل."
انصرف رشيد ويونس لعملهما. وعاد عاصي لغرفة مكتبه ليراجع ملفات الميزانية التي أرسلتها "ريـم" عن طريق "الفاكس".
تحركت الفتيات على غرفهن ما عدا فريال التي غيرت مسارها وتوجهت للمطبخ وهي تسير بخطوات الشر والانتقام.
***
على رصيف الحيرة يجرك الفضول إلى طرق غامضة مبهمة، يجبرك أن تواصل السير نحو المجهول لترضي التطفل المندلع بجوفك. يتواجد بجسده معها ولكن ذهنه مشتت حول تلك الحية التي لفت سم أفكارها حول رأسه. مشط جدائل شعره أمام المرآة؛ مرآة غرفته التي حُرمت عليه طويلًا.
اقتربت عالية من مراد حاملة سترته الرمادية وساعدته على ارتدائها وهي تسأله برقة:
"نمت كويس؟!"
"أنا منمتش كويس ليا شهرين.. وبعدين كانت فين الدكتورة دي من زمان، ولا أنا لازم اتمرمط الأول؟!"
"يا حبيبي.. أنت عايز تبقى بابي بالسهل يعني، اتعب شوية."
رسم بسمة الإعجاب برقة ملامحها وهي تقف أمامه متدللة كالطفلة. واصلت حديثها متسائلة:
"شفت البيبي كان قمر إزاي.. قول لي حسيت بأيـه لما شوفته على السونار."
دفن ثغره بجدار عنقها وقام بالتهامه بلهفة تضاهي عطش النيران للماء وهو يوزع عليها عبير الحب بمهارة رجل ماهر يعرف من أين تؤكل الكتف وكيف تروي الأفئدة المغرمة. بصـرخة ممزوجة بضحكة هادئة اندلعت من تلك القطة الشقية التي امتلكها؛ رد مجيبًا على سؤالها:
"كنت عايز أكله زي كده أهو."
تعمقت بكتفه بأعين يتناثر منها نجوم الحب:
"وحشتني أوي، ووحشني كلامنا سوا وكل حاجة فيك وحشتني."
"أعمل أيه في ابن الـ*** من أولها كده بيغير عليكِ وأخدك مني."
وقفت أمامه معترضة:
"ياسلام؟! وليـه مش بنت.. على فكرة أنا حاسة أنهـا بنت، وهتشوف."
رد بثقة:
"لالا الحركات الغتتة دي بتاعت الصبيان، أحنا رجالة وفاهمين بعض، يجي بس وأنا هطلع عليه القديم والجديد."
تحركت خطوة بأقدامها الحافية وسترتها التي لا تصل لمنتصف ركبتها وقالت:
"طيب اتكلم على قدك عشان اللي هيقرب من ابني بقا هزعله."
رفع حاجبه متعجبًا من جرأتها أمامه وقال متيقنًا:
"لا وكمان خلي قلبك جامد وواقفة قدامي وبتهدديني."
ردت بغرور وهي تضع يدها على بطنها المنتفخة قليلًا:
"ذاك الشبل من هذا الأسد."
تلعثم شهد كلماتها وهو يدنو منها أكثر فأكثر هامسًا:
"طيب بالمناسبة.. الأسد لو كمل على كده هيبته هتروح في الغابة.. شوفي حل!"
طافت مقلتيها متحيرة:
"أنا مش فاهمة بجد، يعني عايز أيه؟!"
عض على شفته السفلية وقال بمكرٍ مصطحبًا بغمزة:
"عايز موز بلبن."
رد على الفور وهي تتحرر من تحت قبضته:
"بس كده، مش تقول من الصبح؟!"
أوقفها مندهشًا:
"خدي هنا رايحة فين؟!"
أجابته ببراءة:
"هخلي ماما تعملك يا مراد.. أصل هي بتعمله حلو أوي."
هز رأسه كاظمًا حسرته وهو يقب حوارهم:
"ليه يا عالية هاه.. ليه الفصلان الـ على الصبح ده ليه؟!"
تعجبت من رد فعله فسألته:
"وأنا كنت عملت أيه؟!"
عض على شفتها السفلية ليقطع كلماتها وقال:
"والله ما أنتِ مكملة.. يلا انزلي نفطر."
"مراد؟!!!"
"أشش؛ مش عايز اسمع صوتك لحد ما أنسى الـ حصل.. اتفضلي قدامي."
***
"قصر دويدار"
تسير شيرين صاحبة الثلاثين عامًا على أطراف قدميها نحو الطابق الثالث بالقصـر الذي ينتمي إلى عاصي دويدار. تنظر خلفها يمينًا ويسارًا كاللصوص خشية من أن يراها أحد. وصلت إلى جناحه الخاص، فتحت بابه بحذر شديد ثم دلف إلى الغرفة وأخذت تكتشف تفاصيلها باهتمام شديد.
بدأت بخزانة ملابسه وهي تملأ رئتيها بعطره، أخذت تفتش في كل ركن يخصه حتى الضلفة المخصصة بمها والمعزولة عن الخزانة استكشفتها وبعثرت كل ما فيها. ولم تنج منها باقيا ملابس رسيل التي دبت نيران من الغيرة بصدرها. حتى وقعت أنظارها على الإطار المختبئ بأحد الأدراج الذي يضم صورة لعاصي مع رسيل وبناته. انعقد حاجبي شيرين من شدة الغيرة وقالت:
"مين دي كمان!! مش مراته ماتت؟!!"
دخلت شهد أختها آنذاك عليها وهي تقول بثقة:
"كنت واثقة إني هلاقيكي هنا.. يابنت اتقلي شوية، شيرين أنتِ اطلقتي بسبب حبك الوهمي لعاصي، ده حد مايعرفش إنك عايشة."
انكمشت ملامح شيرين بضيق:
"لا طبعًا.. حب أيه، وبعدين أنا اطلقت عشان مكنتش بحبه."
قاطعتها شهد بسخرية:
"ايوة عشان مش شايفة قدامك غير عاصي، الـ متعرفيش عنه أي حاجة، قوليلي أخر مرة شوفتيه كانت امتى؟ كانت يوم فرحك وهو جاي مع عبلة الحرباية يعملوا الواجب مع بنت عمهم.. فوقي يا شيرين عاصي طريقه مسدود."
ثم جلست على منتصف مخدعه بارتياح وهي تأخذ نفسًا طويلًا:
"اسكتي، أنا إمبارح شوفت حتة ولاه يا خرابي يا شيرين، الولد مستحمي ٤ مرات قبل ما يخرج، انا وقفت قدامه متنحة مش عارفة أقول أيه.. شكل قعدتنا في القاهرة هتجيبلي وجع القلب."
تأفف شيرين ساخرة من حال أختها:
"حبيبتي أنتِ ماشية تحبي على نفسك، أي ولد يعجبك بتعيشي معاه قصة حب في خيالك."
ردت الأخرى مستهزئة:
"شوف مين بيتكلم؟! على الأقل أنا كل شوية بغير، مش زيك ليكي ١٠ سنين مش بتفكري غير في عاصي وبتشمشمي كده على أي خبر عنه."
دارت أعينها بغرفته بلهفة:
"أنتِ شايفة الأوضة الـ عايش فيها؟ رجل فنان عايش في عالم لوحده مع الست الـ يختارها قلبه."
ثم تنهدت بتمنى:
"وأنا عندي إحساس كبير أن الست دي هتكون أنا."
وثبت شهد صاحبة الخامسة والعشرين من العمر وقالت بسخرية:
"معلش اسمحيلي أقطع عنك الأحلام دي كلها وأقولك ماما عايزانا تحت.. يلا ياختي يلا."
"بالأسفل"
حيث اجتماع الأخوة بين "شاكر وشاهين" الأخوين الغير شقيقين لشهاب دويدار. في غرفة المكتب التي تنتمي لعاصي جلس العمان بها ينسجون خيوط الشر حول مخططهم الشيطاني. أردف شاكر قائلًا:
"عرفت هتعمل أيه يا شاهين؟!"
"عارف يا أخويا، وانسى أنهم يطولوا مليـم."
قهقهه بشر:
"كله هيمشي زي ما أحنا عايزين.. الاتنين هنطيرهم بصباع رجلنا الصغير."
***
"عودة إلى الغردقة"
دخلت فريال حاملة فنجان القهوة وطبق يحتوي على قطعتين من "الكيك" مكتب عاصي الذي فرغ كل غضبه من رسيل بالعمل. تسللت إليه ببطء وهي تضع المائدة بجواره وتستند على طرف مكتبه وتقول بنبرة ناعمة:
"أخدت بالي من أول ما صحيت ما أكلتش ولا لقمة."
قالت:
"قلت وورفع عاصي عينيه عن شاشة الحاسوب وهو يتفصح بسخط قربها منه وكسرها لقانون المسافات. تلوي جسدها كالحية محاولة لفت انتباهه إليها، شد جبهته متعجبًا مسايسًا لتصرفاتها:
"قولتي أيه؟!"
تحمحت بخوف:
"قلت أجيبلك حاجة تأكلها، حلو ده ولا أجيب اتنين لمون يهدوا أعصابنا."
رسم ضحكة غامضة على محياه وهو يقفل شاشة الحاسوب وينظر إليها باهتمام:
"كمان لمون؟!"
تحمست بلهفة:
"بعمل عصير مش هدوق أحلى منه تحب تجرب.. قلت أيه؟!"
رد بنبرة مثلجة:
"لا أنا أحب أنك تمشي."
ثم وشوش لها بنبرة خفيضة شرها مدفون:
"أصل عندي شغل كتير."
زم فمها من أسلوبه الجاف ولكنها لم تيأس بل دنت منه أكثر مطلقة ضحكة خافتة:
"تعرف أن دي أول مرة أركز في ملامحك من قريب."
"ولقيتي أيه؟!"
حاولت أن تمرر ظهر كفها على وجهه ولكنه تراجع بالمقعد قليلًا فتلقت رفضه لها ولقربها بابتسامة عريضة:
"كل جزء في ملامحك حوار.. يعني أنا ممكن أفضل اتكلم عن العينين دي للصبح، ولا الدقن الخفيفة الـ مستعدة أعدها واحدة واحدة.. شعره شعره، وأقولك كام واحدة بيضة وكام واحدة سودة.. وكمان ووثم مالت نحوه أكثر متعمدة إظهار أنوثتها بشكل ملفت كي يقع بشباكها و بملامح منكسرة وفي اللحظة التي توقف فيها إبهامها على شفته السفلية لتكمل مدح بها باغتها بقبضة مفاجأة طاوياً ذراعها خلف ظهرها مما أصدرت أنين التأوه وهو يقول بنبرة محذرة:
"رغم اعتراض حياة على وجودك هنا انا وافقت عشان خاطر رشيد.. لكن تعكي وتخبطي هنا وهنا هعرفك مين هو عاصي دويدار."
تلوت متوجعة تحت يده وهي تستغيث:
"سيب أيدي بقولك، أنت اتجننت؟!"
جز على فكيه مكملاً:
"أوعي تكوني فاكرة إني مش قاريكي من أول يوم، دا انا صايع قديم.. لكن كنت مستني لك غلطة ومفيش أنسب من كده."
ثم شد قبضته عليها وقال محذراً:
"أخر فرصة ليكي، ياما تتعدلي ياما هتصحي تلاقي نفسك في الشارع، فكري."
حررها بعنفوان وهو يلملم أشياءه بسرعة ويغادر المكان الذي يحمل أنفاسها وهي يشيعها بنظرات الخسة والحقارة. ظلت ترمم ذراعها الذي يؤلمها كثيرًا وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة وتعاتب نفسها:
"أنا لعبتها غلط ولا ايه؟!"
ثم عضت على شفتها السفلية:
"ومش أنا الـ تلوي ذراعها يا عاصي بيه، وهتشوف.. هتشوف مين فينا هيطلع بره أنا ولا أنتَ."
***
"نازلة رايحة فين الصبح كده؟!"
أردفت شمس سؤالها على آذان أختها التي تغادر المنزل صباحًا. قفلت نوران الباب الموارب وقالت بضيق:
"مخنوقة هنزل اتمشى شوية يا شمس، زهقت من قعدة البيت."
جاء تميم مرتديًا بذلته الرسمية وقال بهدوء:
"أحنا اتفقنا امبارح يا شمس، تعملي الـ عايزاه في حدود العقل.. اخرجي يا نوران براحتك، بس متتأخريش."
"هكلمك كل شوية؟!"
هزت رأسها متفهمة أوامرها وغادرت البيت على الفور. دارت شمس إليه:
"مش مستريحة والله لتصرفاتها، نوران عنيدة ياتميم، وبتقول حاضر وتعمل الـ في دماغها بردو."
مسك كفيها بحب وطبع فوقهم رحيق اعتذاره:
"ممكن تهدي.. ادي البنت مساحتها يا حبيبتي بلا تخنقي عليها."
يبدو أنها اقتنعت قليلاً بكلامه، فغيرت مجرى الحديث:
"بس أنت متشيك كده ورايح فين؟!"
"هندم رابطة عنقه."
"أيه رأيك؟!"
"قمر، بس بردو معرفتش رايح فين للشياكة دي كلها؟!"
طافت عينيه بحيرة حولها ثم لأعلى حتى ثار شكوكها واحتدت نبرتها:
"تميـم.. متحورش وبص لي هنا."
غمز بطرف عينه وهو يتذوق شفتيها بخفة:
"بالليل هتعرفي، يا دوب ألحق أنزل."
أوقفته منادية:
"تميم، تعالى هنا."
ألقى نظرة في ساعة يده:
"حبيبتي، يا دوب الحق.. قلت لما أرجع هتعرفي."
قبلت على مضض ثم قالت:
"هنزل المستشفى الساعة ١٢ وارجع أعمل الغدا، أعمل حسابك عشان متاكلش حاجة بره.. هعمل لك الأكل الـ بتحبه."
"حاضر."
قال جملته وهو يفتح باب الشقة وتشيعه بقلب أم قائلة:
"لا اله إلا الله."
أرسل لها ابتسامة مع قُبلة طائرة في الهواء:
"محمد رسول الله، ادخلي بقا."
هبط تميم بالمصعد وعادت شمس إلى مطبخها لتكمل مهامها، ثم خرجت سريعًا منه متجهة إلى المرحاض كي تظفر بحمام دافئ قبل مرور الوقت. قطع تميم مسافة لا بأس بها من الطريق وهو يستمع لصوت فيروز الصباحي الذي فجر برأسه العديد من الأفكار. فجأة بدون مقدمات ومع أول فرصة للسيارة، قطع الطريق مارًا بالاتجاه المعاكس وهو يتحدث مع نفسه بصوت مسموع:
"يعني نوران مش في البيت، وأنت زي الغبي خدت بعضك ونزلت؟!! مفيش أي أكشن كده؟!! جايلك يا شمس يلي بتخوفيني بنوران.. دانا هسرب نوران كل صبح."
عاد إلى البيت على عجل، فوقف أمام باب الحمام يستمع لصوت الصنبور، أخذ يفرك كفيه ببعضهما متحمسًا:
"كده كل حاجة متيسرة."
هرول إلى غرفته وتخلص من ملابسه العلوية التي تكتف حركته. فتح خزانة الملابس كي يختار لها ما ترتديه بحرية بعيدًا عن قيود نوران التي تكبلهما. وهو يطلق صفيرًا مسموعًا وأخذ يرش قطرات العطر بكثافة.
خرجت شمس مكتفية بلف المنشفة الصغيرة حولها منشغلة بتجفيف شعرها متجهة ناحية غرفتها دون علمها بعودتها. ما أن وقعت عيناه عليها فقال ضاحكًا:
"مش بقول أنا كل حاجة متيسرة؟!"
وقعت منشفة رأسها من يدها وهي تتفوه باسمه بدهشة:
"تميم؟ أنت أي رجعك؟!"
اقترب منها ببطء:
"تصدقي أنا قلبي كان حاسس."
"حاسس بأيه؟ أنت مش عندك شغل؟"
ناول المنشفة الواقعة بالأرض وبدأ في تجفيف شعرها بتأنٍ وهو يدور حولها كما تدور الكواكب حول شمسها. كررت سؤالها بنبرة خفيضة:
"أنت رجعت لي؟!"
رد بعفوية:
"أصلح الـ عملته."
عقدت حاجبيها:
"عملت أيه.. تميم ممكن متتكلمش بالألغاز؟!"
سحبها من خصرها بيديه بقوة حتى ارتطمت بسياج صدره وهمَ باستنشاق عطرها بشراهة مكملاً بنبرة يملأها الهيام:
"نزلت وسبتك لوحدك.. مكنش ينفع أضيع فرصة زي دي؟"
تمسك يدها بطرف المنشفة الملتفة حولها وهي تنادي باسمه:
"تميـم!"
كانت تصرفاته كوريقات خريف محترقة متساقطة على كتفيها وعنقها وهو يرويها بعبير الشوق. أحست بضعفها الذي دومًا ما تنهزم أمامه بقربه بعطره. فتململت معترفة لنفسها بأن "العشق والهوى ابتلاءان يحتاجان إلى جسد قوي كي يتحملهما".
رفع رأسه عنها كي يلتقط القليل من أنفاسه وسألها:
"أنتِ بتعرفي ترقصي؟!"
شهقت بخجلٍ وهي تبتعد عنه:
"لا طبعًا.. أنتَ بتقول أيه؟ تميم أنزل شوف شغلك."
"لا بقول لك أيه ننجز، هي ساعة بالظبط وهرجع عايز أشوف بهلوان في الشقة."
بمخالب امرأة ثورية أضناها العشق صرخت بوجهه:
"لا طبعًا معرفش أنا الحاجات دي.. تميم متهرجش."
دنى منها ضاحكًا وهو يقول:
"كنت عارف بختي.. مايل! تعالى أقول لك بقا رجعت ليه."
***
"مساءً"
عادت "رسيل" بعد يوم طويل وشاق عاشته بالوكالة بين العمال وهي تسترجع أيام أبيها. بعد أيام اعتادت فيها على الراحة عادت إلى منزلها تجر نفسها جرًا من شدة التعب. رمت جسدها فوق الأريكة وهي تتخذ أنفاسها بتثاقل وتعب. لحظات قليلة من الراحة لم تنعم بأكثر منها، هجم الفتات نحوها بشوق وترحاب:
"أنتِ فين يا حياة، كنا هنموت من القلق عليكِ."
فتدخلت داليا معبرة:
"وهنموت من الجوع كمان."
عقدت حاجبيها بلهفة:
"أنتوا مأكلتوش حاجة خالص؟! ازاي؟!"
وثبت قائمة من مكانها مسرعة ناحية المطبخ، فاتبعن الاثنتين خُطاها وهن يسردن أحداث اليوم:
"أنتِ مش قولتي ممنوع نقرب من البوتجاز.. وأنطي فريال رحنا نقولها تعمل أكل قالت متعرفش."
حيث أكملت تاليا:
"وكمان بابي موبايله مقفول."
ضمتهما معتذرة بحنان بالغ:
"أنا أسفة، حقكم عليّا بجد.. بصوا حالاً هعملكم أحلى أكل."
ثم ركضت مسرعة نحو الثلاجة وأخرجت منها ثمرتين من الخيار:
"ممكن تتسلوا في دول لحد ما أخلص.. مش هتأخر."
هز الاثنتان رأسهما بطاعة ثم اندفعت تاليا لتعانفها بحبٍ وأقرت معترفة:
"أنا كنت خايفة أوي وأنتِ مش هنا."
ضمتها بقوة وهي توزع على ملامحها نسمات الاعتذار وردت بحنو:
"مش هسيبكم تاني وحياة ربنا، أنا معاكم أهو، متزعلوش بقا.. ليه العياط طيب."
شرعت في إعداد وجبات سريعة من الغداء المكونة من قطع الدجاج المقلية مع مكرونة. ملأت ثلاثة أطباق، وجلست في أجواء هادئة تأكل معهن كأنها فرغت طاقة الاعتراف بالذنب والأسف بالوقت الجميل الذي قضته معهن. فسألتهم بمرح تقدم اعتذارها بوجبة تسد فراغ معدتهم:
"حلو البانيه؟!"
أردفت تاليا بفرحة وهي تلتهم قطعة اللحم الأبيض:
"حلو أوي أوي.. ده أحلى بانيه."
بأجواء يغمرها الضحك واللطف واللحظات الجميلة التي لم تكتمل، ما فرغت أطباقهم امتلأت بنوع آخر من الحزن. عاد عاصي برفقة أخواتها. مجرد سماعها دكة خُطاهم وشوشت للصغار:
"ممكن تطلعوا فوق وأنا هخلص كلام مع بابي والحقكم."
فر الاثنتان بدون جدال ثم شرعت رسيل في لملمت الأطباق الفارغة من فوق المائدة. تبادلت النظرات بين يونس ورشيد تاركين ساحة النقاش لعاصي الذي جلس على الأريكة بدون أي كلمة. ظلت ترسل نحوهم نظرات من حين لآخر منتظرة اندلاع الحرب عليها. طالت لغة الصمت حتى قطعه رشيد:
"نزلتي الوكالة ليـه يا رسيل."
حدجه عاصي بحدة جعلته يبتلع بقية كلماته:
"أنت هتحاسب مراتي قُدامي يا رشيد؟!"
برر رشيد موقفه:
"عايز أعرف بس ايه طلعها في دماغها فجأة."
نصب قامته القوية وقال بحزم:
"ولو.. الكلام ده قبل ما تبقى مراتي.. لكن مراتي محدش يسألها كانت فين وجات منين غيري.. فاهم."
قطع يونس الحوار المشتد بينهم وقال بلطف:
"عاملة أكل أيه يا رسيل.. أنا على لحم بطني."
نظرت لعاصي طويلًا وكأنها تتحدّاه:
"معملتش، اطلبوا أكل من بره."
ثم تناولت المنشفة وجففت يديها من أثر المياه:
"أنا تعبانة.. طالعة أنام شوية."
اكتفى برفع حاجبه ردًا على جملتها. ضرب يونس كف على الآخر مزمجرًا:
"انا هطلب أكل هتاكلوا معايا؟!"
رد عاصي باختصار:
"أنا لا.. طالع اريح شوية."
همس رشيد في أذن أخيه:
"عاجبك تصرفات اختك وجوزها دي؟!!"
"ياعم وأحنا مالنا.. ها تاكل أيه متخفش هعزمك؟!"
رد رشيد بصوت حائر:
"اعمل حساب فريال معانا."
"وانا مالي، أعمل حساب فريال ليـه، هي خطيبتك ولا خطيبتي."
لكم أخيه بضيق:
"دا أنت غتت.. اقولك متطلبش أنا هطلب أنا وهي وأنت روح شوف اي مكان كل فيه لحد ما رسيل ترجع تحن علينا تاني."
ثم غمغم:
"ميبقاش اسمي رشيد لو ما كان المعلم الـ فوق ده هو الـ منكد عليها وأحنا بتربى بسببه."
حدجه يونس:
"خليك في حالك بردو."
***
وصل مراد إلى مقر المكتب العملاق المذكور عنوانه في البطاقة الورقية التي بيده، وبعد تردد وتفكير طويل دلف من سيارته ليحسم تلك المعركة المندلعة برأسه خاصة عند تلقيه مكالمة هاتفية أخرى من نفس الفتاة المجهولة. صعد درجات سلم المكتب ببطء حتى وصل إلى الطابق الأول الذي يخلو من المارة. دلف نحو طاولة "السكرتيرية" وأخبرها بفظاظة:
"قولي للمشغلينك مراد المحلاوي بره."
مجرد أن رأت "روفان" صورته بالكاميرات هرولت لاستقباله، حيث فتحت الحائط الخشبي الذي انشق لنصفين وهي ترحب به:
"مكتبنا المتواضع نور بيك يا بيشمهندس."
فحصته أعينه الصقرية من أعلى لأسفل ثم قال:
"أنتوا مين بقا؟!"
مدت الفتاة كفها لتصافحه:
"روفان، محامية ومديرة مكتب عادل الشيمي.. غني عن التعريف طبعًا."
رد باختصار وهو يرسل لها ابتسامة باردة:
"أيـوه يعني أنا لسه معرفتش أنا علاقتي أيه."
أشارت بكفها نحو المكتب:
"اتفضل، عادل بيه هيفهمك جوه."
سبقته الخُطى لترشده الطريق حتى وصل إلى ساحة المكتب الفخم الذي ينتمي لـ عادل الشيمي من أكبر وأشهر محامي مصر. جلس مراد على الأريكة منتظرًا قدومه. فسألته روفان:
"تحب تشرب أيـه؟!"
"مش عايز."
"ليه كده يا بيشمهندس أنت عايز تقول عليّا بخيل؟!"
أتاه صوت ذكوري أجش من الخلف ما دار خلفه فوجده ذلك المحامي صاحب الصيت والسمعة الشهيرة. جلس عادل بجواره وقبل أن يكمل كلامه أجابه مراد:
"معنديش وقت أشرب حاجة.. ممكن ندخل في الموضوع على طول؟!"
جلست روفان بجواره، فأكمل عادل قائلًا:
"أنا بحب الناس الـ مركزة في الشغل كده زيك.. عشان كده مش هعطلك."
"أحب اسمع!!"
وضع عادل صاحب الخمسين من العمر قدم فوق الأخرى وقال بتعالي:
"أنا جاي أفتح في وشك طاقة القدر."
تنهد ساخرًا:
"والمقابل؟!"
"قصدي مقابل الطاقة الـ هتتفتح في وشي."
"نصيب مراتك في ورث دويدار كله هيبقى حلال عليك."
وهنا تفرض التساؤلات نفسها في ساحة المصالح. اعتدل مراد في جلسته ليسمع بقية العرض باهتمام، حيث أكمل عادل:
"طبعًا أنت عارف نص ثروة شهاب دويدار مكتوبة باسم مدام عبلة الله يرحمها، والوريث الشرعي ليها عاصي ومراتك."
رفع مراد حاجبه مستفسرًا:
"والمطلوب؟!"
بنبرة ثعلبية:
"دعوى بالحق المدني.. من مدام جيهان أختها تطعن في نسب عاصي وعالية لعبلة المحلاوي وأن اختها مابتخلفش، ولما المحكمة تثبت الحكم، تلتين ثروة عبلة هتروح لمدام جيهان أختها وبعد عمر طويل ليكم طبعًا."
خيم الصمت للحظات أعاد مراد تدوير الكلام برأسه:
"بس نسيت حاجة مهمة لو أنا وافقت وقدرنا نطير عاصي وعالية من قدام المستفيد الـ لسه معرفتوش، هتعملوا أيه في تميم؟!"
"لا دي سهلة، سيبها علينا متشلش همها.. أحنا دلوقتِ عايزين نوصل لجيهان هانم عرفنا أنها سافرت أمريكا فممكن تقنعها تعمل لك توكيل.. وفي كل الحالات أنت مش خسران حاجة."
ضرب الأرض بمقدمة حذائه بلطف ثم سأله مستفسرًا:
"لصالح مين بقا؟!"
"اقصد المستفيد؟"
"شاكر بيه.. شاكر بيه دويدار وأخوه شاهين بيه."
***
قديمًا وبالأخص لما كنت أستمع للمشاكل التي تضرب العلاقات الزوجية وما يصيبها من ملل وفتور، كنت أترجم الموقف على أنه فصل من فصول الحماقة. كيف لفتاة أغرمت برجل يمكن أن تمل منه للحظة، كنت أتساءل كيف تُخمد نار الحب بعد الزواج بدلًا من أن تكون شرارته؟ كيف تتحول الحياة لجدول نمطي تملأه المسئوليات والضغوطات فقط؟ أليس الحب هو مكعب سكر كل شيء؟ ألم يكن مذاق حلوى الأيام المرة بعيون من تحب؟ ربما نحن الآن في فصل الخريف الذي يتساقط فيه كل شيء منا كما يفعل بالشجر؛ ولكن هل لنا موعد جديد مع ربيع العمر يا ترى؟
كانت تجوب بعشوائية في الغرفة حائرة مشتتة، كيف ستواجه ما فعلته، ووتيرة من الندم أصابت رأسها عما فعلته. هل أعطت للأمور أكثر من حجمها وأنها تبالغ كثيرًا؟ أم أنها محقة. كانت تحمل الملابس على معصم يدها حتى أصابها صاعق التوتر والارتباك فسقط كل ما حملته وهي تركض ناحية كوب الماء لترفعه مرتعشاً إلى فمها.
عاد عاصي بهدوء لم يحمل أي عواصف، وجلس على الأريكة بصمت زاد الشكوك برأسها. قاومت عينيها كي لا تنظر له ولكنها فشلت. أشعل لفافة التبغ وهو يقول:
"كان المفروض تحترمي وجودي وتقولي عايزة تعملي أيه، أنا مش همنعك."
لملمت شعرها المتطاير بطريقة فوضوية وهي تستجمع قوتها:
"أنا معملتش حاجة غلط.. وبعدين أنت مش فاضي لي أصلاً عشان تهتم بيا."
رفع قدمه فوق فخذه محاولاً تمالك أعصابه:
"ومين جاب سيرة الغلط، بس لما أصحى وأنا مش عارف مراتي راحت فين ده اسمه ايه."
"تمام، واديك عرفت، وأنا معنديش حاجة أقولها.. وممكن تطفي النور عايزة أنام."
هز ساقه بعصبية مدفونة وجهر مزمجرًا:
"بلاش تخرجيني عن شعوري يا رسيل وكلميني زي ما بكلمك."
هذه أول مرة يناديها بـ رسيل، كان أثر الكلمة على قلبها كوقع الجمر. تمتمت بذهول:
"رسيل!! تمام يا عاصي."
ثم وثبت بضيق وبخطوات سريعة متجهة ناحية المرحاض الذي قفلت بابه بقوة. وصل لأذانه صوت بكائها بداخل فنسي كل ما يزعجه منها ووثب قائماً بعد ما تخلص من سيجارته. حاول فتح الباب ولكنها أحكمت غلقه من الداخل. عاد منادياً:
"طيب افتحي الباب وبلاش حركات العيال دي… حياة افتحي بقولك."
لم تتحمل بقاءها بمفردها كثيراً فسرعان ما تراجعت عن قرار عزلتها وهروبه من قسوته الزائدة، فتحت الباب فجأة وارتمت بين يديه بقوة لم يعهدها من قبل كطفل صغيرة تستقبل أباها أمام بوابة المطار. أجهشت بين يديه وقالت باكية:
"ممكن منتكلمش في أي حاجة."
مسح على شعرها وربت على جسدها المنتفض المصاب بحالة من الذعر:
"طيب أهدي خلاص.. تعالي تعالي نقعد نتكلم."
" بالغرفة المجاورة "
صعد رشيد حاملًا الطعام المغلف لفريال التي تكمن بغرفتها تصنع المكائد والحيل التي يمكن أن تنتقم بها من أبناء عمها. دق رشيد الباب فهرولت لتفتح له واستقبلته بابتسامة مزيفة:
"حبيبي."
رد بتوتر:
"طلبت لنا أكل.. عارف مكلتيش من الصبح."
استقبلته بفرحة عارمة:
"بجد، طيب تعالى جوه ناكل سوا."
فكر للحظات لم يتخيل نتيجة طلبها ولكنها قطعت حبل شكه وهي تسحبه للداخل عنوة وتقفل الباب عليهما. أخذت الحقائب منه وسألته:
"تحت ناكل فين… ؟! في البلكونة ولا قدام التلفزيون؟"
ثم اقتربت منه كاسرة حاجز المسافات بأنوثة طاغية خافضة نبرة صوتها:
"أنا عن نفسي بحب أكل على السرير؛ وأنت؟!"
ذهب العقل لمحله وثار فصل من الجنون، سقطت حقيبة الطعام من يدها، وبدأت جولة أخرى من المخطط الشيطاني الذي حضرت له فريال لتضمن وجود رشيد معها دوماً بعيداً عن تهديدات عاصي.
" عودة لغرفة عاصي "
"يعني أنتِ مش عارفة أن دموعك دي أكتر حاجة بتوجعني."
أردف جملته على رأسها المستندة على صدره. ابتعدت عنه تدريجياً ولكنه سبقها بمسح عبراتها:
"أيه الـ حصل، أنا قولت أيه للعياط ده كله؟!"
أجهشت بنبرة مبطنة بالبكاء:
"أنت مش بتناديني بـ رسيل غير لما تكون زعلان مني."
"مش حكاية زعلان، بس فعلًا الـ بكلمها قدامي رسيل، حياة الـ حبيتها مستحيل تعمل كده، مستحيل تعمل حاجة من ورايا."
كم هو مثير أن تكون بهذه الرقة وهي تشكو ضنى روحها:
"عشان أنا تعبت من كل حاجة، مبقتش عارفة عايزة أيه.. ومش لاقياك معايا، أنا حتى كنت ناوية أعاملك بنفس المعاملة، أقولك عندي شغل وحياة أهم منك.. بس مقدرتش… أنا مش عارفة في أيه، أنت معاك حق أنا أعصابي تعبانة الفترة دي وأنت كمان مش موجود.. عاصي أنا مش قادرة أكمل كده."
أخذت يداه تجفف دموعها المنهمرة بحنو وسألها:
"أنتِ متعرفيش تتكلمي من غير عياط؟!"
ردت بنفاذ صبر:
"أنا بردو عمري ما كنت كده، ولا عمري ما لجأت للعياط.. بس مش قادرة."
"طيب أهدي وقولي كل الـ جواكي وأنا هسمعك."
"كُل حاجة يا عاصي، انا مبقتش فاهمة نفسي.. هي الحياة الـ بتجبرنا على النمطية والملل ولا المشكلة فينا.. تعرف؟!"
قالت كلمتها الأخيرة وهي تدنو منه وتضع كفها فوق وجنته برفق وتشكو منه إليه:
"أنا كنت جاهزة ومستنياك من ٧ بالليل.. وبعد في الساعات عشان تيجي لحد ما يأست، قلبي اتفتت ألف حتة، زعلت منك ومني ومن كل حاجة وخدانا من بعض… قول لي أنا بطلت أوحشك؟"
وضع كفها فوق ثغره ليعطره بـ قُبلة الاعتذار أجاب:
"أنا بعتذرلك عشان معرفتش أوفق بينك وبين الشغل.. ده اعتراف صريح مني ومستعد لأي عقاب أنتِ هتحكمي بيه، عشان أفكر مليون مرة قبل ما أزعل القمر بتاعي."
"أنا مش عايزة حاجة يا عاصي، أنا بس عايزاك تبقى معايا.. مش عايزة أتهمل من حياتك.. وجودك كفاية."
فتح جداول قلبه قائلًا:
"حياة، أنا اكتفيت بيكي عن الدنيا باللي فيها.. عشان بس تطمني أن مفيش غيرك في حياتي ولا هيكون، وبمناسبة الشغل هحاول أنه ما يبعدنيش عنك… المهم!"
جفت الدموع من عينيها وهي تلتفت إليه باهتمام:
"أيه؟!"
"لسه مصممة على حوار الشغل ده؟!"
ردت بثقة:
"أه طبعًا، أنا مستحيل اتراجع عن حاجة بدأتها.. بس ممكن يعني…"
"هااه ممكن أيه؟!"
ردت بلهفة:
"هتراجع في حالة واحدة بس…"
"أعرفها، يمكن أقدر أعملها."
سحبت كفه لبطنها بنعومة وهي تكمل حديثها الذي بات ينعكس بريقه بعينها كبريق النجوم:
"لما يبقى في بيبي هنا.. هسيب الدنيا كلها وأقعد مستنياه، أنا أصلاً هكون خايفة عليه من النسمة."
تبدلت ملامحها ككل مرة تفتح معه موضوع الحمل. يبتلع جمر الحيرة العالق بحلقه، بين فرحتها وخوفه المرضي عليها. شرد بعيداً وهو يراجع شريط الماضي ومعاناته مع مها مرة ومع حياة مرة أخرى. عاد إليها مزفراً:
"إن شاء الله…"
لاحظت عدم تحمسه للفكرة ككل مرة، فسألته بترجٍ:
"مش ناوي نروح لدكتور سوا؟ يعني نعرف سبب التأخير أيه؟!"
رد باختناق:
"أنا نفسي أعرف أنتِ مستعجلة ليه على الخلفة؟ ما نأجله شوية."
"أيه؟ عاصي أحنا لينا سنة مع بعض، المفروض نأجل أد أيه؟ وليه أصلًا.. أنت مش حابب يكون لك أولاد مني… عاصي من فضلك رد عليا."
جاء رنين هاتفها لينقذه من الاستجواب الذي فتحت أبوابه بوجهه، استمر الجرس طويلاً متجاهلة الرد عليه منتظرة رده بفارغ الصبر ولكنها لم تلقى جواباً. ردت على اتصال شمس المفاجئ:
"شمس؟!"
أتاها صوت شمس الباكي:
"حياة عاصي جمبك؟ برن عليه مش بيرد."
"ااه جمبي طيب أهدي، أهو معاكي."
مدت الهاتف لعاصي وهي تلقنه:
"شمس.. شمس عايزاك.. أنت فين موبايلك؟!"
همس لها:
"نسيته تحت."
اعتدل في جلسته:
"أيوة يا شمس."
صاحت شمس بحرقة:
"ألحق يا عاصي، تميم جاله اتصال بـ أن عمامه استولوا على القصر ونزل وهو مش ناوي على خير أبدًا.. عاصي اتصرف أنا خايفة تميم يتهور."
وثب مفزوعًا:
"طيب أنا جاي حالاً يا شمس أهدي."
"حياة بفزعاً:
"في أيه يا عاصي؟!"
شد سترته السوداء بعنفوان وهو يتوعد لعمومته:
"هي بقت كده يا ولاد دويدار؟!!! وديني لأعرفكم مين هو عاصي دويدار."
نادته مسرعة:
"استنى يا عاصي."
فتح الباب بسرعة فصُدم برشيد الخارج من غرفة فريال بملابسه المبعثرة وهو يتفقد المكان حوله بأعين اللصوص محاولاً إخفاء الحمرة النسائية عن وجهه.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع والستون 64 - بقلم نهال مصطفي
وثب مفزوعًا ملدوغًا بذنب الخبر:
"طيب أنا جاي حالًا يا شمس أهدي."
التفتت إلى لهفته:
"في أيه يا عاصي؟!"
شد سترته السوداء بعنفوان وهو يتوعد لعمومته:
"هي بقيت كده يا ولاد دويدار؟!!! وديني ما هرحمكم."
نادته مسرعة:
"استنى يا عاصي.. فهمني."
فتح الباب بسرعة فصُدم برشيد الخارج من غرفة فريال بملابسه المبعثرة وهو يتفقد المكان حوله بأعين اللصوص محاولًا إخفاء الحمرة النسائية عن وجهه. لمحه عاصي فتراجع عن حركته قليلًا وأقفل الباب حرصًا من رؤية حياة لأخيه بتلك الحالة التي كشفت أمامه كل شيء.
حدقته مشدوهة إثر تصرفه الغامض وتراجعه:
"نسيت حاجة..؟ مالك! وشك اتبدل ليه؟"
تكلف الهدوء كي لا يظهر عليه شيء وهو يُداعب وجنتها بلطفٍ وبرر قائلًا:
"ولاد دويدار دخلوا القصر وأعلنوا الحرب علينا، لازم الحق تميم قبل ما يتهور معاهم، مينفعش يكون لوحده."
بنبرة عاشقة مستهامة أجابته يملأها القلق:
"يا خبر؟!!! أجي معاك.. مش هعرف أقعد مستنية وأنا قلقانة كده."
رد بنبرة تحمل وميض العجل:
"مش هينفع، خلي بالك من البنات، وأنا هحل الموضوع وارجع."
فتحت ذراعيها لتحوي رأسه وكتفيه بين يديها كزهرة متعطشة لمجيء النحل ليفوح رحيقها بالمكان. مسحت على شعره بحنانٍ:
"خلي بالك من نفسك، وكلمني كل شوية.. وبلاش تتهور عشان خاطري، أحنا اتفقنا كل حاجة هتبقى بالعقل."
هوى في حفرة عشقها وخوفها المبالغ، فأجابها مسايسًا:
"هعمل كده.. متقلقيش."
ثم قبل جبهتها بجلجلة:
"خلي بالك على نفسك، خليكي نايمة جمب البنات عشان بيخافوا لوحدهم."
ولى ظهره مغادرًا فأوقفته متمسكة بكفه:
"ارجع لي بسرعة.. متتأخرش عليا."
أكتفى بإبداء بسمة خفيفة على ثغره يدثر خلفها غضبه الشديد من رشيد ووقوعه في فخ فريال التي نوت أن تنصبه للجميع. غادر حاملًا همه على كتفيه عما صدر من أعمامه متوعدًا لهم عما فعلوه.. متجهًا إلى الحديقة الخاصة بالمنزل مناديًا على رجاله كي يستعدوا لتلك الحرب القادمة.
تلصصت أعينها من أعلى وهي تراقبـه بإضطراب:
"ناوي على إيه يا عاصي!!"
عاد مُراد متأففًا يحمل ضجيج لقائه الأخير مع عادل الشيمي، وعرضه الذي إن رفضه لم ينجُ من شرهم وإن قبله لن ينجو من أنياب ضميره. فتح باب غرفته بملل، تلك الغرفة التي يعُمها الضوء الخافت، ويفوح منها عبق الحب المتجدد.. وصوت الموسيقى الهادئة مشهد سينمائي يغتال شقاوة الأيام التي مرت عليهما.
سقطت أعينه على عالية التي ترتدي فستانًا جميلًا باللون البنفسجي، وبأقدامها الحافية أقبلت عليه رافعة عيونها لمستوى عينيه:
"مامي راحت شرم عشان المؤتمر، مشيت الشغاليين وقلت نقعد سوا لوحدنا، لينا كتير ما بنتكلمش."
تطاير غبار الهم أمام نسيم الحب والأجواء اللطيفة التي صنعتها، هوى بقاع كل شيء حوله ولكن عند عينيها غرق، فكيف يرى الجمال ولا يغرق به؟ انشرحت غمامته وقال بلطف:
"مش عايز أقطع اللحظة اللي مبتتكررش كتير دي، تسمحي لي بـ شاور دافي ١٠ دقايق بس وأجيلك."
ساومته بدلالٍ:
"١٠ بس؟"
"وأقل كمان…"
ثم تنهد مبتهجًا:
"آخيرًا…"
قال جملته وهو يذوق شهد أرنبة أنفها بعجلة ولهفة كبيرة يفوح منها نكهة الحب. اتجه نحو المرحاض ليتحمم، ليتخلص من آثار يومه المكدس بالضغوط. اتجهت هي الأخرى للخزانة لتخرج له ملابسه وقامت بإعداد طاولة العشاء وإشعال الشموع التي يفح منها رائحة الياسمين.
توقفت عن إشعال الشموع إثر رنين هاتفها. نظرت في الشاشة باستغراب وهي تتساءل:
"شمس؟!!"
لم تهدأ شمس من شدة قلقها على تميم خشية من تهوره. مسكت هاتفها وكلمت مراد الذي نسي محموله على وضع الكاتم للصوت، فانتقلت لعالية كي تستغيث بها.
ردت على هاتفها بصوت يملؤه الحيرة:
"شمس! أزيك؟"
أتاها صوت شمس المضطرب:
"عالية.. مراد عندك؟!"
"أيوة بس مال صوتك؟! حصل حاجة يا شمس؟!"
تجاهلت سؤالها وأكملت:
"معلش ممكن اكلمه."
فتحت عالية الباب ودخلت لمراد حاملة علامات الاستفهام على وجهها. قفل صنبور الماء متسائلًا فقالت:
"شمس عايزة تكلمك.. طمني يا مراد، تميم جراله حاجة؟!"
تناولت يده المبلل الهاتف وقال:
"معاكي يا شمس.. ازيك الأول؟"
حدثه بنفس نبرتها الخائفة:
"أنا اسفة.. اسفة كلمتك في وقت زي ده، محبتش أتكلم قدام عالية عشان الحمل، وعاصي عشان يوصل قُدامه كتير…"
وقاطعها قائلًا:
"ممكن تهدي عشان أفهم.. مالك؟!"
"تميم جاله اتصال أن عمامه استولوا على القصر، ونزل راح لوحده.. وأنا قلقانة عليه، لو سمحت يا مراد الحقـه قبل ما المشكلة تكبر.. تميم متهور."
لبى ندائها سريعًا:
"أهدي طيب وأنا هنزل أشوفه، متقلقيش، كويس أنك كلمتيني."
قفل المكالمة بعجلٍ تحت تكرار أسئلة عالية:
"حصل أيه؟! شمس مالها؟!"
ربت على كتفها مهرولًا كي لا يعطيها فرصة لطرح المزيد من الأسئلة:
"مفيش ياعالية، ارتاحي أنتِ بس."
اقتحم "تميم" قصر دويدار الذي استولى عليه عمه. دفع رجل الأمن التابع لشاكر وصرخ بوجهه بغضب يتطاير كذرات الدقيق:
"فين الـ مشغلك؟!!"
ثم زمجر محذرًا:
"أنت فاكرها وكالة من غير بواب؟!! شهاب دويدار مخلف رجالة يفوتوا في الحديد."
حاول رجل الأمن أن يعوقوا خُطاه حتى ظهر شاكر من الباب وهو يقول بهدوء:
"عامل غاغة لي الساعة دي يا ابن أخويا."
تقدم إليه تميم بنيران غضبه:
"طيب كويس والله، لسه فاكر إني ابن أخوك والبيت ده بتاعنا ومش من حق أي حد يخطيه إلا بأذننا."
التقى العدوان وجهًا لوجهِ، فسأله شاكر متخابثًا:
"أنتوا الـ هما مين؟!"
أجابه بحنق:
"عاصي أخويا.. وأنا وعالية أختي.. الـ أبوهم رفعكم وخلى ليكم كلمة وقيمة وسط البلد."
امتلأت أعين شاكر بالسخرية المبطنة بأشواك الانتقام:
"ما كلنا عارفين أن أخويا راجل مزاجنجي، ويحب الستات زيه عينيه، والنتيجة كانت.. عاصي ابن مش شرعي لـ شهاب.. وعالية لا هي أختكم ولا دمها دويدار من أصله، اااه وأنت يا بشمهندس يابن الشغالة، عبلة لما وافقت تثبت نسبك لأبوك كان مقابل نصيبك في الميراث.. قلت لي مين يستجرى ويفتح بؤه قُدامنـا!!"
ثم مال نحوه هامسًا:
"اللعبة خلصت يا ابن أخويا الغالي، وبلاش شوشرة وفضايح قُدام الحرس، ووقت ما يوحشك البيت تقدر تدخله في أي وقت وتاخد واجبك كمان، ده مهما كان بيت عمك وهيفضل مفتوح لك."
"اثبت!!! عايزك تثبت الحدوتة دي قدام أي حاجة عاقل ومش هيتهمك وقتها بالجنان؟!"
أدرك تميم أن شاكر يسعى لاستفزازه، لتخدير تمرده أمام تلك الحقائق التي يعلمها. هز رأسه متفهمًا وهو يخرج هاتفه مواصلًا:
"طيب أنا بقول اكلم الشرطة ونخلي الإجراء قانوني، ولحد ما تقدر تثبت كل التهيؤات دي للمحكمة وتحكم لك وقتها هديك أنا مفتاح البيت بنفسي.. قُلت أيه؟!"
قهقهة شاكر بصوته الأشبه بغضب الرعد:
"ده عشان اللي ما يعرفش يعرف، وسرتنا تبقى على كل لسان؟!"
أطلق تميم ضحكة ساخرة:
"لا اله إلا الله!! وهو مين بيسعى للفضايح دي غيركم، وفضايح بفضايح بقا."
ثم أرخى شاكر سدول الحرب بينهم ودنى منه:
"ما تخلينـا حبايب ورجعوا الحق لصحابـه من غير دوشة قلت إيـه يا هندسة؟"
رد بتحدٍ يتوقد من مقلتيه:
"قُلت ده بعينك.. وبعين أي حد يفكـر ياخد شبـر غصب عننـا.. شهاب أخوك كان مزاجنجي فعلًا بس خلف رجالـة تاكل الزلط."
ثم شرع لطلب شرطة النجدة متخذًا إجراءاته القانونية المسايرة للقضاء والحصول على حقهم بدون عنفوان. زغللت فوانيس سيارة مراد عينيه وهو يقتحم موقفهم ويفرق شملهم، دلف مراد من سيارة بخفة ودنى من تميم قائلًا:
"تميم!!"
رمقه تميم بدهشة:
"مراد أنت بتعمل إيه هنـا؟"
كان لشاكر نصيبًا من النظرات الساخطـة المتقاذفة من عيني مراد، ثم ولى نحو تميم قائلًا:
"تعالى معايا."
رد تميم بحزم:
"أنا مش هتحرك من هنـا غير لما يسيبـوا القصر ويرجعوا مكان ما جـم.. هما فاكرينها مسرح!!"
أخفض مراد صوته هامسًا بحذر:
"تميم تعالى نفكر بالعقل.. عاصي جاي وهو هيتصرف معاهم."
قاطعهم شاكر ساخرًا بعد ما ألقى نظرة لأعلى ناحية أخيه شاهين الذي يراقبهم من شرفة الغرفة الخاصة بعبلة قديمًا:
"طيب أنا شايف تكملو وشوشة في مكان تاني، عشان ده وقت نومي ونوم صحاب القصر."
غلت الدماء في عروقه وهو يهب منزعجًا لم يقف أمامه إلا أيدي مراد:
"لولا إنك راجل كبير كنت عرفتك مقامك!"
عاقته يد مراد القوية لتقف سدًا منيعًا لتفصل نيرانهم:
"يلا يا تميم سيبك منه."
برقت أعين تميم متوعدًا وهو يشير بسبابته:
"راجع لك تاني.. والحرب اللي أنتـوا بدأتوها دي مش هتحرق غيـركم.. فاهم!"
اكتفى شاكر برسم بسمة خبيثة على محياه:
"نورت يا ابن أخويا."
سحبه مراد عنوة وهو يسدد أسهم غضبه الحارقة لـ عمه شاكر الذي إن طالته يداه لم ترحمه. جهر مراد بحزم:
"يلا يا تميم."
انصرف تميم ومراد كل منهما مستلـقي سيارته وعلى الجهة المعاكسة هبط شاهين من غرفته بخطوات متهملة مستندًا على عكازه الخشبي بظهره المنصوب ليستند عليه بكفيه متنهدًا:
"مش مطمن لهم."
ربت شاكر على كتف أخيه الكبير قائلًا:
"بدأنـا حاجة نكملها لآخرها، متقلقش مقفـل عليـهم كُل السكك."
تقدمت شهد بخطوات مهزوزة وأعين حائرة تحمل قفة الأسئلة نحو هوية ذات المعجب السري الذي لفت انتباهها:
"بابي هو مين دول وعايزين أيه؟"
ربت شاهين على كتف ابنته:
"دول جايين يمنعوا شرع ربنا يا حبيبتي، بس متقلقيش؛ أبوكي وعمك في ضهركم لآخر نفس."
خرجت حياة من غرفتها تتجول أنحـاء المنزل مندهشة من كن الهدوء الذي يعمه. طرقت باب الغرفة الخاصة بيونس ثم فتحت بابها عند عدم تلقيها لأي رد. طافت عينيها المتجولة:
"الله؟! روحت فين يا يونس؟"
قفلت باب الغرفة متجهة نحو غرفة رشيد التي تجولت بها حتى سمعت صوت صنبور الماء يتدفق من داخل المرحاض. طرقت بخفة متسائلة:
"رشيد، ما تعرفش يونس فين؟"
قفل رشيد الصنبور مرتبكًا:
"لا، معرفش."
ثم تناول منشفته وأخذ يجفف جسده من قطرات الماء، فأتاه صوتها قائلًا:
"طيب لو خلصت ممكن تخرج، عايزة اتكلم معاك."
زفر بامتعاض وهو يرتدي ملابسه القطنية:
"خارج، خارج أهو يا رسيل."
ثم أخذ يتمتم:
"بيت مفيهوش اسم الراحة."
جلست "حياة" على طرف مخدعه وهي تتفقد محتويات الغرفة بملل منتظرة خروج أخيهـا. ثنى مقبض الباب وطل عليها رشيد صاحب الأعين المرتعدة التي تحمل ضباب أثر جريمة ما:
"في أيه السـاعـة دي يا رسيـل؟"
عقدت حاجبيها باندهاش وهي تفز من مجلسها:
"بتطردني بالذوق صح؟"
أخذ يجفف جدائل شعره المبلل متحاشيًا النظر بعين توأمه التي تقرأه من عينيه وقال:
"هتطردك من بيتك ودي تعقل؟ خير، عاصي مشي ولا أيه!"
هزت رأسها كأنها أرادت رمي كل تلميحاته وقالت باختصار:
"عاصي نزل القاهرة، وكنت جايه أقولك تخلي بالك من الشغل اليومين دول لحد ما يرجع، يعني بلاش كسل وتروح أخر واحد.. فاهمني!"
انكمشت ملامحه:
"نزل القاهرة فجأة كده؟"
خيم فطر اليأس على معالمها:
"لا، في مشكلة مع عمامه وكان لازم يروح يحلها بنفسه."
ثم اقتربت منه أكثر:
"المهـم عـايزاك تـ…"
انتباهها لأثر أسنان أنثى مطبوعًا على عنقه جعلها تبتلع كلماتها وتنسى ما ستقوله. امتدت سبابتها متسائلة بقلق:
"أيه ده اللي على رقبتك يا رشيـد؟"
هرول صوب المرأة ليتفقد ما تشير إليه أخته بارتباك مرددًا:
"اااه دي…"
قطعته بحدة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها كمحقق قانوني:
"أيوة دي أيـه؟ رشيـد أوعي يكون اللي في بالي!!"
ثم دارته إليها وأكملت بحدة:
"أنت بتخون فريال؟!"
أطلق ضحكة ليتوارى خلفها ويخفي أثار جريمته وهو يفرك طابع شفتيها من فوق جلده:
"متكبريش الموضوع يا رسيل، دي قطة البنات، رخمت عليها شوية وأدي اللي خدته منها."
تأرجحت عينيها بشكٍ:
"قطة؟!! تمام يا رشيد، عرفت هتعمل أيـه بكرة، هصحيك الساعـة ٥، وأسيبك تنام شوية."
ثم أطالت النظر بأعينه محاولة أن تقرأ ما بهما حتى عارضها رشيد بفوضى:
"في أيـه تاني يا رسيـل؟ ما بلاش النظرة دي!"
ربتت على كتفه بقوة تنافس قوة أعينها المحذرة:
"تاني مرة متلعبش مع القطط طالما مش أدها."
ثم انصرفت وهي تحمل على عاتقها جبال الشك حول أخيها. ما أن غادرت رسيل غرفته ألقى المنشفة أرضًا وهو يسب حظه ويلعن ما جعله موطنًا للشك في رأس أخته. انتقلت عينه للمرآة وهو يتفقد معالم وجهه وتفاصيل جسده الرياضي بتباهٍ ثم أردف بإعجاب:
"دي حتة قطة شرسـة…"
"هناك دائمًا ضياع يحل بكل فتاة غاب عنها من تحب."
وهكذا كان حال حياة وهي تتفقد المنزل الخالي من طيف ذلك الرجل العاصي الذي دومًا ما يشغلها بغيابه وحضوره. أخذت تقفل أبواب "الڤيلا" حتى تناولت وشاحًا خفيفًا ووضعته على كتفيها وخرجت بالحديقة لتستنشق القليل من الهواء.
ركض إليها واحد من الحرس:
"تأمري بحاجة يا حياة هانم؟"
هزت رأسها بامتنان:
"لا، هتمشى شويـة في الجنينة."
أطرق الحارس عينيه أرضًا متراجعًا:
"تمام."
أخذت تتجول بالحديقة بخطوات متمهلة هادئة تحمل وطأة الهموم. توقفت عند البيت الخشبي الصغير الذي ينتمي لصغار الكلاب. توقفت وأخذت تراقب حنان الأم على صغارها ومداعبتهم فلا مناص من عاصفة الأمومة التي باتت تراودها في كل صوب وحدب. جثت على ركبتيها وشرعت بمداعبة ذاك الصغير ثم حملته ووضعته بمنزلهم الخاص برقة تنافس رقة الفراشات.
اتجهت ناحية المقعد الخشبي ولفت الوشاح حول كتفيها متنهدة ثم عاودت الاتصال بعاصٍ بتردد. ثمة شيء كان يمنعها ولكن حسم قلبها القرار جاءت لتهاتفه ولكن خذلها جوالها بتفاذ بطاريته. عم الأسى بملاحمها:
"أيـه الحظ ده؟"
ثم جذب انتباهها الأجواء الأسرية التي تطوف حول الحيوان الأليف وصغاره. بأعين براقة تنافس لمعان النجوم نظرت لأعلى بحماس وهي تضع يدها على جوفها وكأن فكرة ما راقت لها:
"ليـه لا!! ما أجرب…."
أقبلت تاليا مسرعة من الخلف وبيدها الهاتف وهي تقول:
"حياة، بابي عايز يكلمك."
تناولت الهاتف من تلك الحورية وقالت بنبرة مبطنة بالاعتذار:
"كنت هكلمك بس موبايلي فصل، وصلت فين؟"
رد بثبات:
"لسه يا حياة.. بقول لك، ريم هتيجي بكرة في أوراق مهمة لازم تتختم.. طبعا عارفة مكانه."
ردت على مضض:
"تمام يا عاصي."
ثم بللت حلقها وسألته:
"عاصي ممكن تطمني لما توصل، في أي وقت كلمني وطمني."
"حاضر يا حياة، ارتاحي أنتِ بس وأنا مش هتأخر.. اسيبك عشان داخل على منطقة السيجنل واقعة."
"ماشي يـا عاصي.. خلي بالك من نفسك."
انقطع الصوت عنها فالتوى ثغرها بإحباط:
"مفيش صوت."
ثم ولت نحو تاليا ممازحة:
"أنتِ لسه سهرانة للساعة دي يا توتا؟!! مش في مدرسة الصبح."
ضحكت الصغيرة وردت ببراءة:
"بابي مش موجود، ممكن نغيب بكرة عادي.. وحضرتك مش هتقوليلو صح!"
نظرة خبيثة اندلعت من عيني حياة يندس من بينهم الضحك:
"أممم من أولها كده!!"
ثم وثبت قائمة وحملتها بلطفٍ:
"طبعا مفيش الكلام ده، انسى؛ ويلا بقا نبطلع دلع.. أحنا قولنا أيه؟ مش عايزين دلع من أولها."
عانقتها تاليا بحماس والقليل من الضجر:
"يعني هنروح، ماشي بس تحكي لي حدوته."
لمست أقدامها درجات السلم:
"هحكيلك حدوته يا ستي."
"صباحًا."
"تعالى على هنـا يا عاصي كُلنا مستنينك في بيت تمـيم."
بعد مكالمات ومحاولات عديدة من الجميع أخيرًا أجاب عاصي على اتصالاتهم، فهاتفه مراد قائلًا جملته الأخيرة التي استقبلها عاصي بضجر:
"أنا هروح اهد القصر على دماغهم يا مراد، أحنا لسه هنتفاوض!"
شدت عالية الهاتف من زوجها الواقف بشرفة المنزل الخاص بتميم وقالت بنبرة حنونة وهي تترجاه:
"عاصي بلاش تتهور، لو سمحت تعالى ومتروحش لوحدك.. تعالى نتفق الأول بلاش كل واحد يمشي في طريق متفرق."
ثم أخفضت نبرتها متوسلة:
"عاصي عشان خاطري."
رد على مضض:
"تمام يا عالية، نص ساعة وهكون عندكم."
بدأ الارتياح بصوتها:
"كلنا مستنينك."
ثم قفلت الهاتف وقالت لمراد بفرحة:
"جاي، قال نص ساعة وهيكون هنا."
"طيب تعالي نشوف تميم ناوي على أيه!"
"بسيارة عاصي."
أمر السائق بالوقوف على أحد جانبي الطريق، ثم هبط من سيارته ليوزع أوامره على رجاله الذين هبطوا من سياراتهم عند رؤيته. احتشد الرجال بقربه حتى هتف عاصي أمرًا:
"بكر، تاخد الرجالة وتروحوا القصر، من بعيد لبعيد كده عايزك تنقل الأخبار وايه اللي بيحصل بالظبط."
أومأ بالإيجاب وهو يشاور لبضعة من الرجال مستلـقي سيارتهم الخاصة وتحرك ناحية تنفيذ أوامر قائده. التفت عاصي إلى "جميـل" وألقى على مسامعه بقية أوامره:
"جميل تروح الفرع الرئيسي في الشركة وتبلغ مجلس الادارة، السـاعة ١٢ في اجتماع والكل لازم يبقى موجود، وأي حركة غريبة أو ظهور لولاد دويدار بلغني.. يالا."
"تمام معاليـك، حالًا."
استقل عاصي سيارته أمرًا السائق:
"على بيت تميم."
انتهت حياة من إعداد الحقائب المدرسية للفتيات وتصفيف شعرهم ثم سألتها أمام المرآة:
"دودو، تمام كده؟ تعرفي أنا فضلت سهرانة طول الليل اتعلم أزاي اعمل الضفيرة دي، أي رايك؟"
شهقت داليا بفرحة:
"دي زي الڤيديو بالظبط."
ثم عبرت عن فرحتها بعناق طويل:
"مرسيي أوي يا حياة، أنا بحبـك أوي."
تدخلت تاليا بينهن لتنضم لحضن حياة ثم قالت بتردد:
"حياة.. ينفع نقول لك يا مامي..؟"
تزلزلت الأرض من تحت قدميها إثر وقع السؤال على قلبها، هربت الكلمات من فوق شفتيها وبرقت عينيها بذهول يحمل فيض من الأسئلة. فتدخلت داليا:
"أنتِ عارفة أن مامي عند ربنا، يعني أحنا مش عندنا مامي غيرك بيحبنا وبيخاف عليـنا."
تلقت تاليا دمعة هاربة من طرف عيني حياة التي لم تكن مستعدة لتلقي عرضهم ذو المسؤولية الثقيلة وأكملت:
"هتبقي مبسـوطة لما نقول لك مامي؟"
دموعها اختصرت الحكاية وهي تفتش فيهن عن رائحة أمها، عن كفها الصغير الذي أحس ببرودة الموت بين يدي أغز إنسانة على قلبها. انفطر فؤادها وهي تأخذهم بين ذراعيها وتعانقهم عناقًا حارًا وتبدر بسيل الدموع الذي انفجر بداخلها وهي تعترف:
"أنا بحبكم أوي، ومش هسيبكم أبدًا."
"بغُرفة رشيد."
أبريق الماء الفاتر انسكب فوق رأسه النائمة فنهض مفزوعًا إثر ما حدث وهو يصرخ بضجر دون علمه بهوية الفاعل:
"أيه الجنان ده؟!!"
أخذ يفرك عينيه ويجفف أثر المياه عن وجهه وهو يسب الفاعل سرًا وعلنًا ظنًا منه أنها رسيل ولكنه فوجئ بـ "فريال" تقف بمحاذاته بوجهٍ عابث، لتوبخه:
"طبعا نايم ولا على بالك اللي حصل امبارح."
نهض رشيد بتكاسل وهو يجفف الماء عليه، ليجيبها بضجر:
"الله يخربيت تفكيرك!! فاكر ايه بس!! حد يصحى حد كده!!"
شدته بعنفوان وهي تفتعل الحزن والغضب في آنٍ واحد:
"رشيد فوق كده، أنا معرفتش أنام من امبارح بسبب اللي حصل."
ثم شرعت بإلقاء بعض الاتهامات على عاتقه:
"أنت السبب، أنت حطيت لي أيـه في العصيـر، أنا أنا مكنتش في وعيي، اعترف أنت شربتني!"
أخذ يسب في نفسه سرًا ويخرج زفير أزمته علنًا:
"جرى أيه لكل ده؟!! مالك متنشنة ليه؟ كانت ليلة حلو وانبسطنا!! والمفروض النهاردة صباحيتنا بس بالبوز ده شكله لا في صباحية ولا زفت على دماغي.. هاااه نعم يا فريال!!"
اتسعت أعينها بهول الذهول:
"أنتَ جايب البرود ده كله منين؟!!"
ثم رفعت سبابتها محذرة:
"اسمع يا رشيد يا تنزل تبلغ أخواتك بمعاد فرحنا أخر الاسبوع ياما هروح أنا احكي لها على كل حاجة.. قلت أيه؟!"
هب بوجهها منفعلًا:
"قلت إنك غبية، ولو عملتي كده رسيل عمرها ما هتقف معاكي؛ بالعكس هتلاقي حجة عشان تقفلنا في الجوازة."
ثم دنى منها أكثر فأكثر متعمدًا ملامستها بوقاحة:
"أما لو عقلتي وأدينا بننبسط لحد شقتنا ما تخلص، كل اللي عايزاه هيحصل.. ولا أنتِ مش واثقـة فيا؟!"
التقت أعين الذئب بعيون الذنب وقالت بتردد:
"لا طبعا."
ثم وثبت كالملدوغة:
"بس يكون في علمك اللي حصل ده مستحيل يتكرر تاني، أنت فاهم."
"وهو كان إيه الـ حصل؟?"
نهض من مرقده بنفس اللهفة متجاهلًا فرمان قرارها ليستعيد ذكريات ليلة أمس ولكن جاء صوت رسيل كالناقوس الذي دق في وقته المناسب:
"رشيد مش معقول كده؟!!! كل ده نوووم!!"
صرخ رشيد بقلق وهو يخبأ فريال بالمرحاض ويجيب أخته بنبرة مهزوزة:
"ايوة، استنى يا رسيل بغير ونازل أهو."
ردت باستسلام:
"طيب متتأخرش."
التفت موبخًا لفريال:
"عاجبك كده؟!!!!!"
بعد ما ختمت الأوراق التي تحملها ريم وانصرفت فور انتهاء مهمتها، ألقت آخر نظرة على هاتفها متأملة أن تجد اتصالًا منه ليبث وميض الأمل بقلبها ويأكد لها أنها مازالت تراود فكره ولكن سرعان ما خاب ظنها. عقدت حزام فستانها القصير حول خصرها ورفعت شعرها بمقبض الشعر متقبلة الأمر بتصالح تام مع واقعها الذي يزيد ظلمته شيئًا فشيئًا. تناولت مفتاح أحد السيارات التي تنتمي له متبعة مسار خطتها. استقلت السيارة البيضاء متجهة ناحية "وكالة المصري" وتوسدت مقعد أبيها بشموخ تلك الفتاة التي زرعها بقلبها قنديل المصري من قبل.
وضع "بندق" قهوتها أقصى يسار المكتب وقال بسعادة:
"نورتي مكانك ياست الستات."
"تسلم يا بندق."
ثم اعتدلت في جلستها وأكملت:
"قولي مراكب المعلم قنديل فين دلوقتي؟"
نصب بندق قامته وانكمشت ملامح وجهه وهو يتذكر:
"كل المراكب دخلت في شغل عاصي بيه."
هتفت بضيق:
"يعني الوكالة كلها مفيش فيها ولا مركبة؟!"
"لا طبعا فيه.. المركبة رسيل موجودة بس محتاجة صيانة ومصاريف كتير. وفي كمان اتنين ودول كمان محتاجين صيانة."
هزت رأسها بخفوت ثم قالت:
"تكلم المهندس يجي يشوفهم ويقدر التكلفة.. وتبعت حد لادارة عاصي تطلب منه استرداد كل السفن الخاصة بالوكالة."
تردد بندق في تنفيذ الأمر:
"بس يا ست رسيـل لو عاصي بيه وافق وادانا المراكب، الوكالة مفيش فيها مليم يكفي الصيانة وتحريك السفن دي!"
وثبت قائمة بجبروت:
"ما انت هتطالب بتمن تأجير المراكب دي من ادارتهم طول السنة اللي استغلوا فيها المراكب، وبكده هيدخلنا مبلغ كويس نقدر نوقف بيه الوكالة على رجلها."
رد بندق بعدم اقتناع:
"اللي تشوفيه يا بنتي انا تحت أمرك واخدم المكان ده بعينيا."
بادلته بنظرة امتنان ثم أكملت:
"وحاجة كمان، اجمع لي كل تجار السمك بكرة وارمي لهم كلام من تحت لتحت أننا هنديهم الطلبيات اللي عايزينها بنص التمن."
"بس بس ده تعدي على شغل جوزك يابنتي وممكن يعمل مشاكل وو، دا أنتِ كده بتدوري الحرب عليكي!"
قاطعته بحزم:
"الشغل شغل، ووكالة قنديل المصري اسمها هيرجع يرن في الغردقة كلها.. ومتقلقش مفيش حرب ولا حاجة عاصي مش هيكره نجاحي."
ثم رفعت أنظارها ناحية الساعة المعلقة على الحائط:
"هغيب ساعتين وارجع تكون بلغت التجار، مش هوصيك يا عم بندق."
"طيب يا جماعـة ممكن نشوف عاصي ساكت ليه؟!"
عبرت شمس عن رغبتها الملحة لتدخل عاصي بالحوارات المتبادلة والمشحونة بينهم كي يحسم الأمر بدلًا من انشغاله بالهاتف. دارت الأنظار جميعها نحوه منتظرين رأيه. قفل شاشة هاتفه وضب أشيائه ورد باختصار وحزم:
"هما كلمتين ملهمش تالت.. تميم تاخد مراتك وترجع القصر حالًا، لازم يفهموا أن هما اللي ضيوف عندنا مش صحاب بيت."
ثم ولى نظره نحو عالية:
"وأنتِ يا عالية خليكي بعيد عن الحوار ده كله عشان حملك."
بلل حلقه واتبع:
"وأنا هتولى أمر الشركات والشغل واللي يقرب منه هكسرله رجله."
ساد الصمت للحظات حتى قطعته نوران منازحة وبانبهار:
"ياجماعة الباشا باشا بردو، دماغ متكيفـه."
تبسم عاصي إثر مغازلتها اللطيفة وأكمل:
"وتاخد ام نص لسان دي معاكم، هي اللي هطفش سميرة وبناتها."
تفاخرت ملبية طلبه:
"يا زين مااخترت."
وقف تميم معترضًا:
"بس ده مش حل يا عاصي..!"
رد بإيجاز:
"هو بدايـة الحل والباقي عندي.. اجهزوا ورجالتي هتستناكم تحت."
تدخلت عالية بلهفة:
"أنت هتروح على فين كده..؟"
"عندي ميتنج في الشركة.. هخلصه وهاجي لكم على القصر يا تميم."
تدخل مراد بأعينه المكدسة بحيرة:
"عاليـة يالا عشان اوصلك ترتاحي أنتِ كمان."
تقدم ساق وتؤخر الأخرى. بتردد يتقاذف من أعينها وينعكس بخطواتها المهزوزة تقف حياة أمام عيادة طبيبة "النساء والولادة". خطت قدمها اليمنى عتبة المكان وأخذت عينيها تتطلع على النساء اللواتي يملأن العيادة ذوات البطون المنتفخة وغيرهن.
تقدمت إلى مكتب السكرتارية التي بادرتها بالسؤال:
"اتفضلي؟"
بللت حلقها الذي جف من هول المكان:
"كنت عايزة أحجز كشف."
طالعت الفتاة جهاز الحاسوب لتسجل الموعد:
"على أمتى؟"
ردت بلهفة:
"النهاردة."
انكمشت ملامح الفتاة بعبث:
"للاسف الأسبوع ده كله كومبليت.. ينفع السبت."
ردت بإصرار يبطنه الترجي:
"لا صعب، شوفي أي معاد عندك، أنا ممكن اقعد استنى أخر كشف، بس النهاردة لازم.. اتصرفي من فضلك."
كررت الفتاة اعتذارها:
"للأسف يا مدام."
أغرورقت العبرات بعينيها وخيم على صدرها شعور العجز والفشل. طوت أنظارها عن الفتاة وولت ظهرها حيث سقطت أعينها على تلك السيدة التي تمارس دلال طقوس الحمل اللطيفة مع زوجها. طالعتهم ببهار وتمنت ذلك اليوم الذي تعيش فيه هذه اللحظات الجميلة مع الرجل الذي أحبته. ما لبثت أن تقدمت خطوتين فتوقفت إثر نداء الفتاة قائلة:
"يا مدام يا مدام."
دارت للخلف تتأكد من صدى النداء، هل تقصدها أم تنادي على أخرى غيرها. أشارت لها الفتاة:
"ايوة حضرتك."
أقبلت عليها كإقبال الظمآن:
"بتنادي عليا أنا؟"
"في مدام كنسلت الحجز بتاعها، لو حابة ممكن اسجل اسمك مكانها.. اسم حضرتك؟"
ردت بلهفة يغلفها الحماس:
"ااه طبعًا، حياة، اسمي حياة المصري."
سجلت الفتاة الاسم على الشاشة الصغيرة أمامها وهي تتعجب من ملامح حياة الثائرة كطفل عثر على ضالته للتو. كررت سؤالها ملهوفة:
"تمام؟"
عادت الفتاة لتسألها:
"السن كام؟"
"٢٧.. لالا ٢٨، اكتبي أي حاجة مش هتفرق."
ابتسمت الفتاة بلطف وقالت:
"اتفضلي استنى معادك كمان ساعة."
"تمام."
ثم قالت بعرفان:
"بجد مرسي أوي، أنا مش عارفة اشكرك أزاي."
جلست حياة على أقرب مقعد وهي تفرك كفيها ببعضهما. هذه أول مرة تزور فيها العيادة المختصة بالنساء والتوليد. تفقدت أعين الجميع الذين يناظرونها بإعجاب على حالتها وخوفها وارتباكها الذي يتطاير من أعينها حتى ثارت الفضول في قلب السيدة التي تجلس بجوارها:
"أنتِ خايفة ليه يا حبيبتي؟ هي دي أول مرة تكشفي."
"لا كشفت قبل كده بس جوزي كان معايا، بس قلقانة شوية عشان لوحدي."
كانت كلماتها متقطعة تحتلها أنفاس القلق والذهول. تعاني من رهبة أول تجربة. أكملت السيدة أسئلتها الفضولية:
"جوزك مش معاكي ليه؟"
دب الخوف بأوصالها وقالت بتحير:
"عنده شغل.. قصدي مسافر عنده شغل."
"ليكي كتير متجوزة؟"
"هااه؟! اه من سنة؟"
تعجبت السيدة بذهول:
"ومستعجلة على أيه؟ أنتِ لسه صغيرة، عيشي أيامك واتبسطي لسه بدري."
أحست بالورطة التي وقعت فيها وهي جلوسها بجوار تلك السيدة صاحبة الأسئلة الكثيرة التي تزيد من ارتباكها فوثبت مستأذنة لتجلس بعيدًا وبالأخص بعيدًا عنها وعن الأعين التي توهمت أنها تحرقها ولا ترحم.
مرت الساعة ببطء حتى نادت الممرضة عليها فهرولت إليها كصغيرة تجيب معلمتها:
"أوي أنا حياة."
"تعالي اتفضلي."
تابعت خُطى الممرضة إلى غرفة كشف الطبيبة بخطوات تعج بالهيبة والقلق. جلست على المقعد منتظرة مجيء الطبيبة إلى مكتبها وهي تتلفت حولها في جميع الاتجاهات. أتت الطبيبة صاحبة الثغر المبتسم مرحبة بها:
"أزيك يا مدام حياة؟"
"بخيـر الحمد لله."
جلست الطبيبة على مقعدها وهي تسألها:
"قوليلي بقا أي مشكلتك؟"
أخذت نفسًا طويلًا ثم شرعت تروي للطبيبة قصتها من بداية حملها الأول وعملية الإجهاض التي مرت بها حتى مرور أكثر من ستة أشهر بدون حمل. ختمت حديثها قائلًا:
"بصراحة أنا قلقت، قلقت يكون الإجهاض أثر على الحمل.. أو عمل مشكلة قلت ألحق أحلها.. يعني قبل ما الأمر يكون صعب وكده."
هزت الطبيبة رأسها بتفهم:
"إن شاء الله مفيش غير كل خير، ومدام حصل حمل أول مرة يبقى مفيش داعي للقلق.. ممكن تتفضلي هنا."
ثم أشارت للممرضة:
"ساعدي مدام حياة."
تمددت حياة على السرير الجلدي منتظرة قدوم الطبيبة وهي تحملق بغرفة الكشف وتسترجع تفاصيل حملها الأول وفرحتها بصورته التلفزيونية. حشرت ذكرياتها بقلبها عندما جاءت الطبيبة وشرعت بالكشف على بطنها وهي تدقق النظر بالشاشة. ارتفع صوت دقات قلبها وهي تراقب تبدل ملامح الطبيبة التي تحمل الدهشة والغرابة:
"في حاجة يا دكتور."
اتسعت ابتسامة الطبيبة وهي ترفع الجهاز من فوق جوفها:
"ولا أي حاجة، أنتِ ازاي مستنية تحملي وأنتِ مركبة IUD."
ارتفع ظهرها عن الفراش متعجبة:
"أنا؟! لا ازاي."
"أهو ظاهر بالسونار قُدامي، لو حابة ممكن اشيله."
دارت رأسها في زحمة الأسئلة التي لا تعرف لها ردًا، تاهت في فضاء الحيرة والضياع حتى أنها لم تلتفت لنداءات الطبيبة المتكررة:
"مدام حياة.. روحي فين؟"
نظرت للطبيبة بصدمة شديدة لا توصف وسألها:
"يعني ممكن الدكتور الـ عمل العملية هو اللي حط الجهاز ده بالغلط؟"
أجابتها الطبيبة بثقة:
"مستحيـل، الدكتور ما يقدرش يعمل كده إلا بناءً على طلب الزوج أو الزوجة.. هاه تحبي اشيله؟"
تأرجحت عيني حياة الحائرة:
"يعني لو اتشال هيحصل حمل، قصدي هيحصل حمل بسهولة؟"
تبسمت الطبيبة على عفويتها وقالت:
"طبيعي، بالأخص مش شايفة قدامي أي حاجة تمنع.. تحبي ارفع الوسيلة!"
دارت الأفكار برأسها وهي تطرح المزيد والمزيد من التساؤلات حول الموضوع وترتب جمل الطبيبة بعقلها حتى فاضت الحيرة بدموعها السائلة التي اختصرت الحكاية وما ورائها وهي رغبة عاصي في عدم الإنجاب منها، فأغمضت عينيها مستسلمة بحزن وخيم:
"اتفضلي شوفي شغلك."
"بسيارة مراد."
"تفتكر عاصي ناوي يعمل أيه؟"
أردفت عالية سؤال بتحير وقلق على أخيها، فأجابها مراد قائلًا:
"صدقيني مش عارف اتوقع رد فعله، بس الأكيد ان عاصي مايتخافش عليه."
ردت بقلق:
"هكذب لو قولت مش قلقانـة، عاصي وتميم ارضهم مش صلبـة زي زمان.. بس."
قاطعها مراد قائلًا:
"بس لو حطوا حاجة في دماغهم هيعملوها، أنا واثق."
وختم جملته بصرخة مدوية من فاه عالية وهي تحذيره:
"مراد حاسب!!"
دار موقد السيارة بحذر لقرب الرصيف إثر انفجار إطار سيارته المفاجئ وسألها بلهفة:
"أنتِ كويسه؟"
بوجهها الشاحب وأنفاسها المتصاعدة أومأت بالإيجاب ثم استجمعت شتات صوتها وسألته:
"هو فيه أيه؟"
مسح على رأسها بحنو وبيده الأخرى احتوى جوفها المنتفخ، وبث بنظراته الأمان بقلبها:
"أنتوا بخير مش كده؟ في حاجة بتوجعك؟!"
وضعت كفها على صدرها المتراقص لأعلى ولأسفل:
"لا ياحبيبي اطمن.. بس حصل أيه؟"
فك حزام الأمان وهو يقول:
"العجلات واضح في مشكلة هشوفها وارجع لك، خليكي مكانك متتحركيش."
"طيب مراد خلي بالك."
هبط من سيارته لفحص الإطار النائم أرضًا، جثى على ركبته ليستكشف سبب انفجاره المفاجئ ولكنه صُدم بورقة مثبتة بحديد الإطار. فتح الورقة بفضول ليقرأ ما بها، إذًا برسالة تهديد جديدة:
"مضطر تمشي في طريقنا لو يهمك حياة مراتك وابنك."
لم تطق عالية الانتظار فهبطت إليه بعجلة:
"مراد!!"
"هتعرف تحلها؟"
قفل قبضته على الورقة ووثب ملهوفًا وهي يفحص المكان بعينيه ويحاصرها بمرفقيه وهو يفتح لها باب السيارة بنفسه:
"تعالى تعالى جوه العربية نطلب أوبر لحد ما يجي حد من الشباب ياخدها."
ترأس طاولة اجتماع مجلس إدارة مجموعات دويدار بشموخ وكبرياء يخشاه الحجر. اتكأ بمرفقيه على سطح المنضدة وقال بحزم:
"الأوامر هنا بتتاخد مني أنا، وبعد مني البشمهندس تميم."
تدخل الرجل الغامض التابع لشاكر:
"طيب وشاكر بيه يا…"
بنظرة صقرية اندلعت من عيني عاصي جعلت الرجل يبتلع باقي الكلمات بحلقه، أكمل عاصي موضحًا:
"اظن عرفتوا مين الكبير هنـا؟!"
ثم عاد النظر إلى نفس الرجل:
"ومفيش حاجة اسمها شاكر بيه هنا، ده سوء تفاهم وهيتحل النهاردة."
تدخل مسؤول الحسابات:
"طيب والاوامر اللي صدرت!!"
رد بحسم:
"معدووومة.. ومش عايز كلام زيادة، وأي أمر يترجع لي فيه، مش عايز حد يتصرف من دماغه، مفهوم!"
اقتحم "شاكر" مجلسهم بجمرات غضبه من مجيء عاصي. هب منفعلًا:
"أنت فاكر أن المجموعة مفهاش كبير عشان تعقد اجتماعات من وراه؟!"
تراجع بمقعده للخلف واضعًا ساق فوق الأخرى ليجيبه بتمرد:
"لا ازاي ملهاش كبير، منا قُدامك أهو!"
اقترب "شاكر" معلنًا الحرب عليه:
"بصفتك مين!"
نهض كالجبال الشامخ من مقعده جاهرًا:
"عاصي شهاب دويدار المالك الفعلي لكل مجموعات دويدار واللي ينوبه تميم دويدار."
ثم خفض نبرته قائلًا:
"قلت لي أنت هنـا بصفتك مين؟!"
ثم أشار بعينيه لأحد رجاله كي يفض الاجتماع. تسللوا واحد وراء الآخر حتى قفل الباب خلف آخر شخص منهم. عاد عاصي لعمه بنفس النظرة الحادة:
"مسمعتش صوتك يعني؟"
تحداه شاكر قائلًا:
"بلاش تنفش ريشك علينا، كلنا عارفين أن حربك خسرانة يا عاصي."
"وأنت حكمت على نتيجة الحرب دي من قبل ما نبتدي، طيب سيبني امسك سيفي ونشوف!!"
ثم دنى منه خطوة أخرى واتبع:
"واللي انت شايفه ريش ده، أحب أقولك أنه سور من حديد يا ويل اللي يفكر يجي عليه."
باغته عاصي بقبضة قوية حاصرت قصبته الهوائية فجأة وبنبرة أقوى من الأخرى:
"عبلة الله يرحمها فضلت شايلة هم اليوم ده سنين وسنين، ولسوء حظكم ربت وزرعت فيا عداوتكم نفر نفر.. متخيلة مصيركم أيه؟!"
انقطعت أنفاس شاكر وهو يتلوى متأملًا محاولًا أخذ النجاة بآخر لحظات عمره. أكمل عاصي ولكن تلك المرة كانت نبرته منخفضة ولكنها حادة:
"لأخر مرة بقولهالك ارجعوا مكان ما جيتوا وألا هرجعكم أنا بس على مدافن العيلة مش بيوتكم."
دفعه عاصي بكل قوته للوراء وحرره من قبضته الحديدية وأكمل:
"٤٨ ساعة، وملمحش طيف واحد منكم هنا."
أصاب السعال حنجرته إثر القبضة القوية عليها ولكنه لم يستسلم ولن ينسحب من معركته بل أشار متوعدًا وهي يهرول ليهرب من نظرات النمر أثناء صيد فريسته:
"هتشوف!! هتشوف يا عاصي."
طاحت يد عاصي بالمقعد الجلدي فسقط أرضًا. لم ينغمس كثيراً في توعده لأعمامه ولكنه انصت لصوت جرس هاتفه حيث أجاب متأففًا:
"في ايه!!"
أتاه الصوت مترددًا:
"عاصي بيه، حصلت حاجة ولازم يكون عندك علم بيها."
بنفاذ صبر وهو يجلس على اقرب مقعد:
"انجز."
"الموضوع بخصوص رسيل هانم."
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس والستون 65 - بقلم نهال مصطفي
لا مناص من عواصف الحُب.
هذه كانت أول جُملـة كتبتها بدفتر يومياتها قبل أن تعلن حُبها وشغفها المتوقد للكتـابـة. جملة عفوية كُتبت بسن قلم فتاة مراهقـة واجهت أول خلاف مع حبيبها بسبب فستانها القصير الذي لم يرق له. كانت الكارثة كلها في شُحـه بكلمات المغازلة عند إقبالها إليه بلهفـة. صفعها بندبة النقد وأنه لا يليق بحبيبته أن ترتدي فستانا مثل هذا وأعلن الخصام بينهما إثر عنادها وتمسكها برأيهـا وعزتها التي تمنعها من الرضوخ لأوامر بشـر. انها ابنة المعلم قنديل المصري.
وبعد ثلاثة أيام من وقتها و بما تشمله من ساعات جمح الشوق والحزن بقلبها الذي هُجر، ولم تجد وسيلة لإرضاء كبريائها و للتعبير عن تلك النيران الحارقة بفؤادها إلا بالكتابـة. ولقد كان.
باتت تعاني من نفس الألم مع اختلاف الموقف.
"عودة للوقت الحالي"
تسير بالشوارع بأعينها الضبابية التي لا ترى إلا الخذلان والهزيمة. لقد كسرت عواصف الحُب جناحي الفراشة التي ظلت طويلًا تحافظ عليهما. حلقة مفرغة من مزيج أحداث الماضي والحاضر للحد الذي تمنت فيـه لو لم تكبر أبدًا وظلت سجينة ذلك الفستان القصير وملازمة الشُرفة لتلصص النظر من حبيبها السري.
أصابها دوار الانكسار فجلست على أقرب مقعد عام قابلها وأخرجت هاتفها كمحاولة أخيرة لإنقاذ حُبها. تفقدت قائمة الأسماء حتى عثرت على مبتغاها. صوت رنين الاتصال كان يتناسب طرديًا مع دقات قلبها.
حتى ردت متلهفة:
"حنان !! معاكي حياة المصري فاكراني!! كنتِ متابعة حالتي من ٦ شهور."
عقدت الممرضة حاجبيها محاولة منها للتذكر:
"مدام حياة !! مش حضرتك مراة عاصي بيه صديق الدكتور فكري!"
ردت ملهوفـة:
"ايوة أنا .. الحمدلله إنك افتكرتي."
جاملتها الممرضة قائلة:
"أحنا مانقدرش ننسى الناس الحلوة زي حضرتك .. أومري.."
صمتت لبرهة وكأنها تريد أن تغتال صوت القلق بداخلها:
"قوليلي ؛ أنتوا الطبيعي في المستشفى عندكم بعد عملية الإجهاض ، الدكتور بيعلق وسيلة منع حمل للمريضة عشان … عشان صحتها وكده لحد ما تسترد عافيتها الأول .."
ثم زاحت خصلات شعرها عن وجهها بارتباك ملحوظ:
"كنت سمعت حاجة زي كده !!"
قلبت الممرضة في سجل المرضى اللاتي تابعن حالتهن حتى عثرت على التقارير الخاصة بحالة حياة. أخذت تتطلع عليها بأعينها الصامتة ثم قالت بتلقائية:
"لا يافندم ، المستشفى متقدرش تعمل حاجة زي كده بدون رغبة المريضة .."
تأرجحت أعينها المسابحة في الدموع:
"كنت لسه عند دكتورة النسـا واتفاجأت بالموضوع ده ، عشان كده بسألك ؛ ممكن تكون حاجة طبيعية او سيستم المستشفى .."
قلبت الممرضة حنان الصفحة التاليه على الشاشة الالكترونية أمامهـا:
"هو هنا في إقرار وإخلاء مسئولية من المستشفى بوسيلة منع حمل والإقرار ماضي عليـه عاصي بيه .. يعني المستشفى ملهاش دخل .."
طحن خنجر الحقيقة بقلبهـا وبتر أرجل أملها الأخير. سالت العبرات المختبأة بمقلتيها لتحفر وديانًا على وجنتيها وانساب الحزن الجارف بجوفها.
ردت بخفوت:
"تمام ، تمام يا حنان .. مرسيي .."
تفوهت حنان وكأنها تذكرت شيء ما:
"افتكرت حاجة كمان ، أصل أنا كنت مستغربة الإقرار ده ، بس لما دكتور فكري أكد علينـا محدش يجيب لك سيرة ، قولت عشان كدا … وو مدام حياة!!"
سقط الهاتف من يدها المرتعشة وهي تنحب بصمت. فكانت الهزيمة ساحقة حتى صوتها هُزم وفقدتها بجملة خساراتها. دفنت ملامحها بين راحتي يدها غارقة في بحر الاسئلة العقيمة التي لا تنجب جوابًا واحدًا يصلح الأمر.
تمر الأيام وتتوالى الصدمات ونظن أن كل شيء قد مضى معها ولكن ها هي جذور الحزن دومًا ما تنجو من جميع التقلبات المناخية ولكننا لم ننج من ألمها أبدًا. فهي راسخة ثابتة بقلوبنا لاتزول.
ليتني لم أحبك، حبك الذي ظننته عوضًا تحول لعقابٍ.
ليتني لم ألقاك حتى ولو صدفة لأنه حتمًا كُنت سأقع ببئرك رغمًا عني.
ليتني لم أتعثر بتلك الأعين الماكرة التي راوغت حارس قلبي ليفتح لهما ألف باب وباب.
ياليتني لم استرجع ذاكرتي أبداً واتمنى ولو افقدها كل يوم وكل ساعة كنت فيها جارك.
ليتني لم أتذوق ملاذ قُربك الذي رفع سقف طموح الحب بقلبي حتى بات لن يرضيه سواك.
ليتني لم أعيش لحظات سعادتي المحدودة معك فقد تحول كل شيء لوجع دائم لا ينتهي.
ياليت الليت يكن فيرحمني من قسوة كل ما هو آتٍ بدونك.
تفاقمت الآلام بها حتى ملأت أرض وسماء روحها، وباتت عبراتها ما هي إلا قطرات من مطر على أرض قاحلة لا تُجدي نفعًا وأن تسرب النهر كله إليها. تقبلت فكرة هزيمتها الأبدية للحب، وأنه لم يُخلق لها وعليها أن تتقبل الأمر بكامل الرضا كي تصمـد. ولكن توقفت على شفا القرار متسائلة كيف ستبدأ من جديد! كيف ستبدأ من جديد بدونـه!
لم ينته التساؤل حتى ملأ اسمه شاشة هاتفها المرمى جار قدمها ذو الأصبع المتكورة. بنظرة وداع أخيرة هزمت جيوش قلبها تناولت الهاتف وبزر القفل أسودت الشاشة التي تعلن باتصاله كما أسودت حياتهـا بأنانيتـه. أغمضت جفونها متوعدة وعائدة من ساحة الهزيمة للتـو.
"خلصت خلاص يا عاصي."
عجبًا لأمر الحب، تارة يخلق لنا أجنحة لم تسعها براح العالم، وطورًا ما يجعلنا نخطو الأيام زحفًا كي تمضي!
*******
تقدمت سيـارة تميـم لداخل دهليـز قصـر دويدار وخلفـه سيارة سوداء تحمل بعض الرجال الذين أخصهم عاصي بحراسة أخيه وعائلتـه. رمقته شمس بأخر نظراتها الرافضة للأمر وقالت:
"مش حاسة إنه صح !! بس عشان خاطري حاول تكون هادي .. تمام !"
تدخلت نوران بحماس وهي تربت على كتفه:
"سيبك من شمس دي خوافة ، أنا في ضهرك متقلقش ."
دارت شمس لأختها التي تجلس بالمقعد الخلفى:
"أنتِ بالذات مالكيش دعوة بحد ، إحنا مش عارفين الناس اللي جوه دول طبعهم أيه ولا ناويين لنـا على أيـه ."
عارضتها نوران بإصرارٍ:
"أنا جاية هنا بتوصية من القيادة العليـا ، يعني اللي يقف قدامي مش هسمي عليه .."
تأففت شمس بتهكم وهي تطالع تميم:
"قابل بقا ، مش هنخلص .."
رد تميم ممازحًا:
"وتوصية مني كمان ، يعني خدي راحتك يا نور ."
"-أنتَ كمان يا تميـم !!"
انقطع الحديث الدائر بينهم إثر الصخب الناشئ خلفهم، إذا برجال شاهين يتشاجرون مع رجال عاصي ويمنعونهم من الدخول. هبط تميم من سيارته مسرعًا وهو يصيح معترضًا:
"في ايه هنـا ؟!"
تحدث أحد الرجال التابعين لعاصٍ:
"مش راضيين يدخلونـا يا تميم باشا ."
جهر تمـيم بصيغة آمرة:
"وسع يا بني وافتح البوابـة دي .."
اعترض أحد الحرس التابعين لشاهين:
"الاوامر كده يا باشـا ، ودي أوامر شاهين بيه ، سمح بدخولك لكن دخول الحرس لا ."
هز رأسه كابحًا غضيه الذي انتشـر بوجهه كحمرة قانية:
"وأنا هنا صاحب البيت وبقولك افتح البوابة.."
طأطأ الحارس وجهه لأسفل كأعتراض ضمني على أوامر تميم الذي انفجر بداخله ترمومتر الغضب وشد السلاح من خصر أحد الحرس صارخًا:
"أنا هعلمك أزاي تعصى أوامري .."
بنفس الصرخة الرجولية اندلعت صرختها الأنثوية باسمه وكأنها تتراجاه ألا يفعل ذلك:
"تميـم لا …"
حلقة من الاسلحة المصوبة من الفريقين كل منهما محاولًا تأمين الجانب الأخر. تجاهل نداء رجائها وهو يشد أجزاء السلاح بيده:
"تحب تشوف نتيجة اللي يكسـر كلامي !!"
تبادلت النظرات الحائرة بين أوامر شاهين وتهديد تميم الواقع لا محالة. في تلك الاثناء خرجوا جميع من بالقصر إثر تلك الضجة التي ختمها شاهين بمجيئه من الخلف وهو يقول ساخرًا عند هبوطه من سيارته:
"الله ، الله ، الله !! السلاح يطول يا أبن أخويا وأنتَ لسه في عز شبـابك !"
انتقلت فوهـة السلاح لرأس شاهين بدلًا من رأس الحارس:
"طيب وكده !"
ثم أخذ نفسًا طويلًا وأكمل:
"أنا جاي هنا وبايع الدنيا كلها ، ولو الرصاصة اللي هنا هتريح الكُل مش هتردد للحظة ، قولت أيه !"
تقف شمس ونوران بمحاذاة السيارة البارقة تحت أشعة الشمس. القلق جعلها تفقد صوابها حتى انتفضت مذعورة وهي تعود للسيارة متحدثة مع نفسها:
"عاصي لازم يلحق المصيبة دي ! أدي اللي كنت عاملة حسابه ."
جاءت سميرة وابنتيها يركضن من بعيدٍ عند رؤيتهن لفوهة السلاح المسددة صوب رأس زوجها. لوح شاهين لرجالته أن يخفضون أسلحتهم وبالتالي انحنت أسلحة الطرف الأخر فجهر قائلًا بسخرية:
"أوامر ابن أخويا تمشي في البيت ده زيها زيي بالظبط .."
ثم أمسك بيده سلاح تميم بجراءة محدقًا النظر به وأكمل:
"ده بردو ضيفنـا !"
رفع تميم حاجبـه وهو يترك السلاح من يده ويرمقه بنفس ذات النظرة الحادة:
"لا أنا هنا صاحب بيت ، الضيوف عارفين نفسهم كويس أوي .."
جاءت شهد تعنفه من الخلف:
"أنت مجنون !! بتتهجم على الناس في بيتهم ، أنت فاكر البلد مفيهاش قانون !"
"-القانون ده لو دخلناه ما بينا محدش هيزعل غيركم ."
دار تميم صوب مصدر الصـوت ليتفاجئ بهوية نفس الفتاة التي التقى بها على الطريق. ابتلع ما بقي من كلماته قائلًا بذهول:
"أنتِ ؟!!!"
تدخلت سميرة لتكمل حديث ابنتها وهي تقف أمام زوجها وتنهر تميم:
"أنت كمان ليك عين تيجي تاني!! رجعت ليه .. خلاص مبقاش ليكم حاجة هنا .."
ركضت شمس إليها بعد ما انهت حوارها مع عاصي متمسكة بيد تمـيم برعب يتقاذف من مقلتيها:
"تميم سيبك منهم ، تعالى ندخل جوه .."
انفجرت سميرة بوجهه موبخة:
"جوة فين يا حلوة !! أنتوا تاخد بعضكم كده وتورونا جمال خطوتكم .."
عض تميم على شفته السفليـة وهي يأكلها بعينيه التي يتقاذف منها الشر، فأشار بسبابته محذرًا لشاهين:
"أنا ومراتي هندخل جوه ، بيتنا وبيت أبونا وأنتوا هنا ضيوف مضطرين نستحملهم لحد ما تمشوا ولو مكنش بالذوق هيبقى بالعافية .."
ثم أحكم قبضته على كف الشمس المثلج وسحبها بقوة عاتيـة لا يمكن هزيمتهـا. ما كاد أن يخطو خطوة فتراجع ليُشير لأحد رجاله:
"نزلوا الشُنط من العربيـة .. يالا يا شمس ."
لصقت شيرين بأختها شهد متهامسـة:
"أنا قولت مجيتنا هنا هتعمل مشاكل كتير .."
شردت شهد بأعين الانتقام:
"لا مشاكل ولا غيرو ، دا أحنا هنتسلى أوي ."
"بمجموعة دويدار"
" تروح تتكلم مع أختك يا رشيد وتخليها تتراجع عن اللي في دماغها مفهـوم ، أنا مش ناقص مشاكل "
هب عاصي بصحيفة أوامره بصوته الرخيم وهو يستقل مصعد الشركة متحدثا مع أخيها بالهاتف إثر فشله للوصول إليهـا. زفر رشيد باختناق وقال:
"وأنت مضايق ليـه سيبهـا تلعب ، رسيـل مش خطر ولا عدو لينـا يا عاصي !"
جهر قائلًا وهو يضغط على رقم المصعد:
"العيار اللي مايصبش يدوش ، رسيل عارفة مفاتيحنا يا رشيد وهتحاربنـا بيهـا ، بالإضافة هتعمل بلبلة في السوق وألف واحد هيستغل الفرصـة دي. ومش بعد التعب ده كله اقع بسبب مراتي !"
صعد رشيد سيارته:
"طيب ممكن تهدا ، أنا هتكلم معاهـا وخليها تتراجع ، خلص أنت شغلك وارجعلنا ."
فُتح الباب عند وصوله الطابق الأرضي وقال:
"راجع ، ساعتين وهركب الطيارة .. أعمل اللي قولت لك عليـه يارشيـد ."
******
"-منورين يا معلميـن ؟!"
أردفت رسيل جُملتـها بثبات مستمد من جبال الألم وهي تقتحم طاولة اجتماعات كبار معلمين السوق متوسدة مقعد أبيهـا وأكملت:
"مش هطول عليكم ، كلمتين أبرك من عشرة ."
هتف أحد الرجال:
"فين أيامك يا بتي وأيام أبوكي المعلم قنديـل .. كانت أيام كلها سعد وخير ."
قطعته بيقين:
"والأيام دي هترجع من تاني .. أنا هنا عشان ارجع أيام المعلم قنديل ."
هتف الآخر معترضًا:
"ازاي يابنتي وأنتِ عارفة أن أغلبنـا قعد في بيته وبطل يشتغل بس ظهور عاصي بيه ، محدش بقا محتاج للمعلمين اللي زينا .."
ردت وكأن المذكور عدوًا لها:
"وجيه الوقت أن بيوتكم ترجع تتفتح تاني يا معلم .. عاصي احتكر السوق استراد وتصدير ، بس أنا أوعدكم لو وقفتوا معايـا خلال ٦ شهور شغلنا هيستولى على جميع محافظات مصر مش الغردقة وبس !!"
رد الاخر بنبرة خائفة:
"ازاي وإحنا ماضيين على شروط جزائية مع عاصي بيه !! وبأمانة الراجل مقصرش ومهيتنا بتوصلنـا كل أول شهر ؟!"
ألقت نظرة صقرية على صورة أبيها المُعلقـة ثم عادت إليه متحدثة بنفس قوة أبيهـا:
"اللي راضي بمهيته اللي بتوصله كل أول شهر من عاصي بيه في ظل المكاسب اللي بيحققها من وراكم يبقى الاجتماع ده مايلزمهوش .. أما اللي فارق معاه محلاته ومراكبـه وعايز يرجع يشغل وكالاته من جديد هو بس اللي يستاهل أحط أيدي في ايده !"
تتقاذف الحيرة من الأعين الجالسة حول الطاولة حتى تفوه أحدهم:
"الشغل والبحر وحشنا ، أحنا زي السمك لو طلعنا منه هنموت ، بس هنعمل أيه حكم المضطر ."
ردت بثقة مبطنة بالانتقام:
"محدش مضطر من بعد النهاردة… أنا بالنسبة لي هضمنكم عدم المساءلة القانونية .. وأنتوا عليكم تستردوا مراكبكم من ادارة مارو جروب التابعة لعاصي عشان نبدا شهر من الاسبوع الجاي .."
ثم وثبت قائمة بجبروت المراة التي لا يمكن هزيمتها من اليـوم:
"عم حسين بلغت إدارة مجموعات مارو بطلباتنا ."
رد العم حسين صديق والدها اللدود:
"بعتلهم يا رسيـل ، بس مفيش اي رد لحد دلوقتي ."
هزت رأسها متفهمة ومتأكدة:
"هيردوا .."
******
"عودة إلى القصر"
"-استنوا هنـا أنتوا رايحين على فين !! دي أوضتي وفيها حاجتي ."
هتفت شهد التي قطعت درجات السلم ركضت بنبرتها الاعتراضية على عودة شمس لغُرفتهـا. توقفت خطواتها إثر صوت ثرثرتها، فـ دارت لها شمس معترضة:
"اوضتك أزاي !! دي أوضتنا أنا وتميم !"
تقدمت لها شهد بأعين تنتوي الشـر وقالت:
"وأنا هعرف أزاي أنها أوضتكم ؟!"
جزت على فكيها من شدة الغضب الذي تواري خلف ابتسامتها الساخرة:
"عشان بسهولة أنتوا لو دخلتوا البيوت من بابها كُنتوا هتعرفوا أن الأوضة دي ليها صحاب .."
ثم دنت منها أكثر وأكملت:
"لكن أنتوا دخلتو من الشباك للأسف .."
عقدت شهد ذراعيها أمام صدرها بتوعد وهي تشير على الغرفة:
"ماليش فيـه ، الأوضة اللي جوه دي عجبتني وفيها حاجتي .. وبما أننا ضيوف هنـا يبقى احترامنا واجب على حسب كلامكم ، تقدروا تشوفولكم أوضة غيرها ."
ضحكة ساخرة اندلعت من قعر القهر:
"بجد ما شوفتش بجاحـة كده ؟!"
ثم احتدت نبرتها وأكملت:
"بقولك أوضتي أنا وجوزي ، أيه مفيش دم خالص !!"
هزت شهد رأسهـا وقالت بسخرية:
"اااه خدت بالي ، بس ده قبل ما أنضفها ، بالمناسبة حاجتك كلها هتلاقيها في كرتونة في الجنينة تحت ، أنا كنت ناوية أطلعهم للفقرا بس طالما صحبتهم جات هي أولى بيهم ."
تكورت قبضة يد شمس محاولة السيطرة على انفعالها من وقاحة شهد. بعد تنهيدة طويلة قالت:
"على فكرة أنا ولا أعرفك ولا أنتِ تعرفيني عشان تكلميني بالأسلوب ده ، أنا هنا جاية عشان أنهي العداوة ، مش أعمل عداوات جديد .. فلو سمحتي اتفضلي لمي حاجتك من جوه ."
عاندتها شهد معلنـة الحرب عليهـا:
"كلامك جميل ومقنع ، بس مش عليا الشويتين دول .."
ثم أخفضت نبرتها بتحدٍ:
"وأنا مش هسيب أوضتي !"
ما كادت شهد لتتقدم خطوة نحو الغرفة التي استولت عليها عنوة، ففوجئت بنوران تخرج من بابها حاملة بين يديها أغراضها الخاصة متأففة وهي تلقيهم أمام الغُرفة أرضًا وتقول بعفوية:
"شمس نادي حد يجي يرمي الزبالة دي بره ، لسه في زيهم كتير جوة …"
"بالأسفـل"
يقف تميم مع رجاله يفكرون في كيفية تأمين القصـر من جديد في تلك الأثناء وصل عاصي إليهم ودلف من سيارته بهيبته المروعـة ووجهه الذي يشاجر الهواء. أقبل عليه تميم فسبقه الحديث:
"شاهين لسه جوه !"
رد تميم متأففًا:
"دخل جوه ، بس مظنش أنهم هيعدوها !!"
انصرف عاصي من أمامه بخطواته الواسعـة التي لم تر إلا الشر قصاده، حتى تميم فشل أن يواكبه سيرًا فأتبعه ركضًا حتى أوقفه نداء أحد الحرس فأجبر على العودة. أثناء اقتحامـه من باب القصـر ودخوله الأشبه برياح الخماسين ليصطدم كليـًا بشيرين التي تحمل مائدة العصير والأدوية الخاصة بأبيها. كان المشهد أشبه بالتقاء قطارين. هب صوته المرعد وهو ينثر العصير من فوق قميصه الأبيض:
"أنتِ غبيـة !! مش تحاسبي !"
التقت الأعين الهائمة بحبيبها المسافر طويلًا. غمغمت بشفتيها همسًا وهي تبتلعه كليًا بأعينها:
"عاصي !!"
لم يتكفل النظر إليهـا بل كان مشغولًا بنظيف ملابسه. ركضت إليه بدون أدراك وتناولت طرف وشاحها المعلق على كتفيها وشرعت في تجفيفه معتذرة. استقبل قربها بالنفور وقال ساخطًا وهو يدفها عنه:
"وسعي كده !! الارف ده؟!"
مازالت أعينها راسية على شواطئه، فقالت:
"أنا ممكن أغسله حالًا .."
ما رفع أنظاره لعندها فانعقد حاجبيـه مندهشًا:
"أنتِ شيرين ؟!!"
اتسعت ابتسامتها بفرحة طفل:
"أيوه ، أنت فاكرني مش كده !!"
ثم أقلبت إليه:
"ممكن تديني القميص ، دقيقة بس وهيبقى زي الفل .."
قرأتها عيناه الصقرية وقرأ لهفتها المبالغة عليـه. ردت بجفاء:
"أبوكي فين !"
أشارت ناحية أحد الغُرفة التي سار تجاهها على الفور، فغمغمت:
"القميص طيب !!"
اقتحم عاصي غُرفـة المعيشة التي كان الثنائي بها. فزع شاهين من مكانه وسميرة التي هبت معارضة:
"أحنا مش هنخلص منكم !! طلعت لنـا منين أنتَ كمان !"
تجاهل حديثهـا واقترب من عمه المرتعد لرؤيته. شرع عاصي في تفجر طاقة شره المدفونة وهو يدفع الطاولة الصغيرة بقدمه كي يقف أمامه:
"اسمعني عشان الوضع ده لو طال محدش هيتأذى غيرك .. أنا هديكم فرصة ٤٨ ساعة تلموا فيها حاجاتكم وترجعوا بلدكم .. لو عدوا اليومين وأنتوا لسه هنا ، صدقني هحرق القصر باللي فيه .."
تدخلت سميـرة لتعنفه:
"حيلك حيلك .. أيه مالك طايح في الكل كده .. طيب الأول أعرف اللي ليك واللي عليك ، أنت لو ناسي أصلك افكرك ."
كبح غضبه كي لايفرغه بإمراة:
"انا عشان عارف الأصول كويس مش هرميكم برة القصـر ده .. عيب تطلعوا من بيت شهاب دويدار بفضيحـة .. عشان كده هديكم مُهلة .."
ثم عادت لعمه وأكمل بنفس النبرة:
"مهلة ترجعوا فيها عن اللي في دماغكم .. وخلال الفترة دي أنتوا هنا ضيوف في بيتنا وتميم هو صاحب البيت يعني كلمته اللي تمشي .. اتمنى قبل ال٤٨ ساعة تكونوا اختفيتوا من القاهرة كلها …"
تقف شيرين على أعتاب الباب تراقب الشجار القائم بينهم. رد شاهين على ابن أخيه بسخرية:
"خلاص زمنك انتهى يا عاصي ، لازم تفهم إن كل ساعة هتعدي عليك وأنت بتعدينـا هتكون نهايتك فيهـا بتقرب ."
استقبل حديثه بسخرية وتغاضي الرد عنها، فأكمل محذرًا:
"سمعت ٤٨ ساعة .. دقيقة زيادة هنقرأ اسماءكم في صفحة الوفيات .."
صوت صرخات انثويـة تستغيث انتشر في جميع ارجاء القصر. هتفت شيرين خائفة:
"ماما ده صوت شهد !!!"
ركضت شيرين لترى ما حل بأختهـا. لحقت بها سميرة مهرولة:
"الحقي أختك يا شيرين ، ليكونوا عملوا فيها حاجة الحرامية دول …..."
رمق عاصي عمه بآخر نظراته الانتقامية ثم قال:
"اقصروا شري ، أنا لسه معملتش حاجة ."
"بالأعلى"
برحاية الحرب الدائرة بين نوران وشهد اللاتي أشد عليهما المعركة، فنفذ صبر نوران التي خرجت عن السيطرة واشتبكت معها بالأيدي. حاولت شمس أن تفض اشتباكهم ولكنها فشلت حتى جاءن أمها وأختها. صرخت سميرة عند رؤية تلك الفتاة تلف شعر ابنتها حول مرفقها وكلهن يتشاجران كالاطفال. تدخلت شيرين لتنقذ أختها من شر نوران:
"أنتِ مجنونة !!! بقولك سبيها .."
جهرت نوران بعنفوان:
"لما تتعلم الأدب الأول عشان تعرف هي بتتكلم مع مين .."
صرخت شمس بأختها بجزع:
"خلاص بقا يا نوران كفاية كده !!"
*******
"-ارتاحي يا عاليـة ، أنتِ منمتيش من إمبارح ."
ساعد زوجتـه في التمدد على فراشها بعد ليلة طويلة قضاها الجميع في جهد وإرهاق. ثم شد الغطاء فوقها وطبع قُبلة خفيف على جبينها. تنهدت كمن روي من ماء النهر، وكأن قلبها كان بحاجة للمسـة حنونة منه لتزول آثار الأمس.
أمسكت عاليـة بيده:
"وأنت مش هترتاح شوية ؟!!"
أجابهـا بفتور:
"نامي أنتِ وأنا هنزل أعملك حاجة تاكليها .."
"-وتتعب ليه !! ممكن نطلب أكل من بره !"
مسح على شعرها المتدلى على ملامحهـا وقال:
"مش صح عشان صحتك أنتِ والبيبي .. وبعدين أنا عايز أعملكم أكل بنفسي .."
ثم نصب قامته وتفقد المُبرد:
"شايف الجو حلو !! تحبي أقفله ؟!"
"-لا مش بعرف أنام من غيره .."
أومئ بالايجاب:
"طيب يالا ارتاحي .."
قفل إضاءة الغرفـة وهبط لأسفل متحيرًا بأمر تلك الرسالة التهديدية التي قلبت حياته رأسًا على عقب. بخطوات متمهـلة توجه ناحيـة المطبخ ليعد وجبة الغداء لزوجته وصغيرها وقف متحيرًا أمام الثلاجة ماذا سيفعل. فجأة فقد رغبته في كل شيء، قفل باب الثلاجة وأخرج هاتفه قائلًا:
"أيـوة يا بني ، عايز أعمل أوردر …"
انتهى مراد من طلب الطعام ثم اتجه إلى المرحاض ليزيل بقايا التفكير من فوق كتفيـه. مرت قرابة السـاعة حتى وصل الطعام الذي طلبه، فتح الباب وأخذ الحقائب من الرجل ومنحه بعض النقود الورقيـة. تحرك ناحية المطبخ وشرع برص الأطباق ولكنـه فوجئ بورقة تحمل نفس الخط الذي يراوده وهو يحذره بسخرية:
"صحة على قلبك وقلب المدام ، بس حبيت احذرك ؛ مش هنستى كتير …."
زأر بعصبية طاحت بكل الاطباق في سلة القمامـة وهو يلعنهم جهرًا:
"ااااه يا ولاد الـ***********"
"مساءً"
يتربع على عرش أحد المقاعد بساحـة منزله، منتظرًا قدومهـا على أحر من جمر مشتعل. ألقى نظرة أخيرة على ساعة يده ليجـدها في تمام الحاديـة عشر مساءً. جلس رشيد بجواره قائلًا بضيق:
"عاصي ، أنت ورسيل أختي في خلاف بينكم يخليهـا تتصرف كدا .. أصل بالعقل دي أكتر واحدة وقفت جمبـك ازاي هتهد كل ده في يوم وليلة !"
رد بإيجاز كإنه أراد أن يوفر طاقتـه في الحوار لوحدها:
"تيجي ونفهـم منهـا ."
بالخارج تحت سماء حُبلى بالضباب لا يختلف كثيرًا عن الأجواء المشحونة بالداخل، هبطت رسيـل من سيارتها ثم تركت المفتاح لأحد رجالـه كي يصفها مكانها. شدت ذراعيها للأمام حركة حماسـية واستعداديـة لمواجهة التيـار. فتحت الباب ودخلت بثبات غير مكترثة لوجود أحد حتى عاصي التي باتت ليلتها تنتظره على مراجل من نار أمس تحول بركانها لجبل جليدي. تركت المفاتيح وحقيبة يدها على أحدى الطاولات ونزعت معهما ثوب الحزن وممارسة دور الضحية ثم سارت تجاه الثلاجة وأخرجت منهـا دورق العصير وصبت لنفسها كوبًا، جميعها حركات مبتكرة لتؤخر المواجهة بينهم.
امتدت أنظارها لأعين رشيد المتسلطة عليها فقالت ببرود:
"تشرب ؟!"
تأرجحت عينيـه بذهول من عندها لعاصي قائلًا بتوجس:
"أيه الروقان ده كله ؟! تعالي تعالي يا رسيل عشان نفهم بس !"
فارقت بار المطبخ واتجهت نحوهم متجاهلة النظر إليـه عمدًا وهي تجلس على أحد ذراعي الاريكة وبيدها كأس العصير:
"طبعا رايقـة عشان كل حاجة في الشغـل ماشية زي ما أنا عايزة .."
لم تفارقها أعين النمر المتسلطة عليها بنظراته الحارقة، تدلت ساقه من فوق الأخرى رافعًا حاجبـه بهدوء مفتعل يتوارى خلفه عواصف من نار:
"الشغـل !! احكي لي بقا ناويـة على أيه في الشغل ده .. على الأقل عشان مسمعش أخبار مراتي من بره ."
بنظرة شخص توقفت رغبته عن كل شيء بالحيـاة بما فيها هو، أجابت دون أن تناظره:
"عادي ، شغل بابا ولازم ارجعه .. دي حاجة تزعلك !"
ثم أطلقت ضحكة متفجرة من قاع الاسى وقالت بسخرية:
"ولا أنت خايف أنافسك ، ويبقى ليك أعداء في السوق !"
رد بجفاء:
"بتعصي التُجار عليا يا رسيل وعايزة تهدي كل تعبي على الأرض !!"
وضعت ساق فوق الأخرى بجبروت معلنة عدم خوفها منه وقالت بنبرة استفزازية:
"اسمها تجارة وشطارة ، غريبة متوقعتش إنك هتخاف من وجودي في السوق .. ثم أطلقت ضحكة ساخرة :-أنت من الرجالة اللي بتخاف من نجاح مراتتهم !! مش معقولة !!"
عض على شفته السُفليـة:
"أنتِ عارفة مش أنا ده ، وقولت لك بدل المرة ألف تعالى انزلي اشتغلي معايـا .."
ردت بنبرة استفزازية:
"متعودتش يكونلي رئيس في الشغل بعد المعلم قنديـل .."
تدخل رشيد موضحًا:
"رسيل التجار دول لو سحبوا محلاتهم ومراكبهم أحنا مش هتقوملنا قومة في السوق !! أنتِ بتحاربي أهل بيتك وده مش عقل .."
"-مكنتش متخيلة أن نزولي السوق هيخوفكم أوي كده .. عمومًا سيبوني أجرب مش يمكن أخسر ووقتها هنسحب من الساحة كلها !"
رد رشيد بيقين:
"أنا وأنتِ عارفين كويس أوي يا رسيـل .. مش أنتِ بالذات اللي هتقبلي الهزيمة .."
أشار عاصي بيده لرشيد كي يصمت، وأتبع:
"واشمعنا دلوقتِ اللي عايزة ترجعي الشغل !! أيه اللي جد !!"
احتدت نبرتها التي سيطرت عليها روح الانتقام منه:
"والله لقيت شغل ستان البيوت ده مش طموحي ، حسيت أن جيـه الوقت اللي ارجع فيه لشغلي وحياتي ولا أنت فاكر إني هعيش اخدمك أنت وبناتك العمر كله يا عاصي بيه !!!"
ختمت جملتها بوضع النار في حقل الغار، بسرعة حبة فِشار فارق مقعده منقضًا على ذراعها بهيئته المروعة التي خخرجت عن سيطرته، تهشم كوب العصير من يدها محدثًا صوتًا لم يختلف كثيرًا عن صوت قلبها، انفجرت الكلمات من شدقه:
"واضح أنها هربت منك على الأخر !! ومش واعية لكلامك"
ثم صرخ بوجه أخيها بوبخًا:
"أختك طايحة في الكل ومحدش هاممها .."
ثم عاد ليعتصر ذراعها الذي طُبعت فيه أثار أصبعه:
"شكلي دلعتك ، كلمتين ملهمش تالت يا رسيل عايزة تقولي راجل رجعي متخلف هسبهالك مفتوحة .. واسمعي مفيش شغل ومفيش نزول الوكالة ، وهتقعدي في بيتك وهجيبلك أسطول خدم ، حتى البنات هعفيكي من مسئوليتهم ."
خنجر جديد من الألم سببه الندم الذي رسخ بقلبها إثر شكواها التي لم تقصدها. سرعان ما أدركت أن ما بينهم حرب ولا يصح أن نتهزم في أول جولة، رفعت أعينها الانتقاميه بعينيه ووبخته بحرقة مبطنة بالسخرية:
"ااه يعني اقعد مستنية معاليك لحد ما تفتكر أن ليك ست وبيت عشان تحن عليها اخر اليوم وترجع لها !!"
بنبرة كالرعد عنفها:
"بالظبط ، تقعدي تستنيني لحد ما ارجع .. ومتشتكيش ، واللي عايزو وبس هو اللي هيحصل .."
احتد الحوار بينهم وتفاقم غضبها منه ؛ فـعارضته:
"الكلام ده لما تكون مشتريني من سوق الجواري ، أنا رسيل المصري يا عاصي .. وواضح أن دور الحنية والطبطبة خلاك متاخدش بالك إن ورا الطيبة دي كلها بنت بمليون راجل متخلقش اللي يمشي كلمته عليها حد لو كنت أنتَ .."
"-مش كده يا عاصي وانتي يا رسيل إهدي .. كله بالعقل"
تدخل رشيد بينهم محاولًا تخليص أخته من قبضته ولكن دفعه عاصي بدون وعي وعاد إليها ولشجارهم قائلًا:
"بلاش نجرح بعض أكتر من كده يا رسيل عشان شكلك مش في وعيك .. الصبح اسمع قرارك ، يا أنا يا الشغل ده ؟!"
فشلت في إخفاء دموعها أكثر مش ذلك وهي تلقي نظرة أخيرة على قبضته التي تعتصر ذراعها ثم عادت لعينيه التي مازالت تحمل الحُب رغم فوضي الغضب وردت بثبات:
"مفيش داعي تستنى للصبح .."
ثم قطعت بقدميها أخر خطوة تفصل بين جسدهما وأعلنت الحرب عليها قائلة:
"أنا مش هسيب شغل الوكالة ، وأنت بقا اللي عليك تختار .. يا إما تقبلني زي ما أنا ، يا كل واحد فينا من طريق !!"
يقال أن الكيمياء اكتشفت كل شيء إلا أنها لم تتوصل لحقيقة كون انسان بعد ما يحترق يتجمد، اختبار جديد وقاسي لحبهما واجهه الثنائي، سيفان من الكبرياء من ياترى سيرضخ أمامه، الأكثر حُبًا أم الأكثر عنادًا !! وهنا تفرض التساؤلات نفسها في ساحة العتاب بين أعينهم المتعلقة ببعض، كيف لقلبين امتزجا بماء الحب يمكن أن يفترقا ؟!!!
تتلاعب برأسه شياطين ابن دويدار الذي يدمر كل من يقف بطريقـه ولكن كان الحُب هو الفرامل الذي أوقف كل شيء. دفعها برفق على الأريكة وتبدلت نظرته للحدة وهو يقول:
"اللي عندي قولتـه .."
تسلطت أسهم العتاب من عيني أخيها وهو يتمتم:
"ليـه كده يا رسيل ؟!!"
*******
"عودة للقصـر"
"-البنت نوران دي مجرمـة ، كلمة في التانية جابت البنت من شعرها .."
أردفت شمس جملتها الأخيـرة وهي تمد له سترته. نزع تميم المنشفة التي كان يرتديها بعد ما فرغ من حمامه الدافئ. شرع في قفل أزازها وقال:
"بتجيب من الأخر ، على البنت شهد دي شكلها بتاعت مشاكل . أنا شوفتها قبل كده ووو"
تبدلت ملامحها في الحـال وتلبست الغيرة بنبرتها:
"نعم نعم ، وأنتَ شوفتها فين قبل كده يا تميـم .. ها اتفضل ساكت ليـه ماترد !"
لم يكبح ضحكاتـه العاليـة المندلع إثر غيرتها وقال:
"طيب اسكتي عشان أرد !!"
"-سكتت أهو اتفضل جاوب .. يالا بتبصلي كده ليـه؟!"
بإعجاب شديد امتدت يداه تحت شعرها وقال بحنو:
"عشان دي أول مرة أشوف الغيرة في عيونك .."
بإيماءة كبرياء تخفي ابتسامتها وتقول ساخرة:
"لا يا شيخ !! طيب وأيـه ، متاخدنيش في دوكـة .."
"-ماشي يا ستي هريحك ، يوم نتيجة نوران كنت ماشي على الطريق عادي ، ولقيتها ماسكة راجل على الطريق ولامة عليه الناس ومصممة أنه غلط .. وأنا اضطريت ادخل عشان افض الليلة دي ، وبصراحة أكتر الراجل صعب عليا .."
أسبلت عينيها بعدم تصديق:
"أممم وبس كده !!"
دنى منها خطوة:
"وبس كده ، وبعدين أنا مبسوط أوي !!"
رفعت حاجبها متعجبة:
"وسط النار اللي إحنا فيها دي ومبسوط !! أنتَ الانبساط بيجي معاك عكسي .."
ألتف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه قائلًا بحنان:
"ما أنتِ لو تديني فرصة بس اكمل كلامي !! هتعرفي أن أول ما دخلت الأوضة افتكرت ذكرياتنا فيها سوا ، وافتكرت حاجات كتير أوي اخرهم أول ليلة كنتِ ملكي فيها ."
لُطخت الحُمرة ملامحها واطرقت أعينها أرضًا:
"تميم أنت في أيه ولا أيه !! "
مرر أنفه فوق جدائل شعرها المسدول ورد هائمًا:
"سيبك من أيه وخلينا في أيه تانية خالص !!"
طالعته بتردد:
"أنتَ مش قولت نازل لعمك تحت تتفاوض معاه !!"
مازال تحت سطو سكره بقربها:
"تلاقيه مات .. الصبح أبقى نشوف كل المواضيـع دي !!"
انفجر ضاحكة متناسية أمر أهل القصر ولكنها فوجئت بيده تسد ثغرها الضاحك:
"هتفضحينا .. وطي صوتك .."
أغرورقت عبرات الضحك المدفون من عينيها فطالعها معاتبًا:
"أنتِ شكلك مش هتستري أبدا !!"
فرغت من غيبوبة ضحكتها وشرعت في عناقه متدللة بوجهه براق من كثرة الضحك:
"خلاص سكتت أهو ، كنت بتقول أيه بقا!!"
"-أهو ده المهم .. بصي يا ستي …."
ما كاد ليظفر بمراده فباغته انقطاع الكهرباء المفاجئ. تباعد الاثنان عن بعضهما وكل منهم يتساءل:
"هو في أيه ؟!!!"
تناول تميم هاتفه وأضاء كشافه:
"هطلع اشوف في ايه خليكي !!"
فتح تميم باب الغرفة وكان الغريب بوجود الأنوار مشتعلة في بقية القصر. في تلك الاثناء خرجت نوران من غرفتها متسائلة:
"تميم الكهربا قطعت ؟!!"
سألها:
"شايف أنها موجودة اشمعنا الاوضتين دول بس !!"
اقتربت منه نوران:
"فعلا حاجة غريبة !! الجو حر أوي جوه وأنا مش هعرف أنام كده !!"
ارتدت شمس وشاحهها وخرجت لهم:
"في أيه ؟!!!"
في تلك اللحظة جاءت شهد من الخارج بخطوات النصر تتقاذف منها بعد ما قفلت الكهرباء عن غرفهم. سألها تميم بجفاء:
"هي كهربة الاوضتين فيهم مشكله !!"
نزعت السماعات عن أذنها وقالت ببرود:
"بتكلمني !!"
زفر تميم بضيق:
"الكهربا قاطعة عندنا ، في مشكلة في الكهربا !!"
ألقت شهد على نوران نظرة انتقاميـة وقالت بكيد:
"وأنا هعرف منين !!"
عقدت نوران ساعديها بغل بعد ما قرأت نوايا الانتقام بأعينها:
"شوف ازاي!!!"
تجاهلت شهد تخابث نوران عليها وعادت لوضع السماعات بأذنيها. تفهم تميم الأمر سريعا:
"تمام تمام ، أنا هنزل اشوف سكينة الكهربا .. استنوني جوه أنتوا .."
هبت نوران باندفاع:
"على فكرة البنت الصفرا دي هي اللي لعبت في الكهربا ."
******
مرت الساعـة على صمتها القاتل، لا تري ولا تسمع إلا صـوت رأسها الصاخب بالغضب والكلمات المؤلمـة. بصرخة متقنة الإخفاء في مكان خالٍ ارتمت على السرير مستسلمة للألم ففوجئت بتاليا وداليا يتخذن من ذراعيها مخبئًا لرؤوسهن. ضمتهم إلى صدرها بحنان أم وهتفت بحرقة ودموع جارفة:
"أنا بحبكم أوي ، بحبكم أكتر من أي حاجة في الدنيا كلها .."
فصفعتها تلك الصغيرة بسؤالها البريء:
"أكتر من بابي ؟!"
طبعت قُبلة خفيفـة على جبينها ورت بأسى:
"أكتر من بابي .."
تفوهت تاليـا:
"مامي أنتِ مخاصمـة بابي مش كده ."
اعتصرت عينيها بماء الوجع وبعدم اقتناع:
"هو زعلني شوية ، بس هيرجع تاني ويصالحني .."
"-طيب أحنا كمان هنخاصمه زيك لحد ما يجي ويصالحك .."
وثبت قائمـة كالملدوغة:
"لا أنتوا ملكمش حق عشان ده باباكم وأكتر حد بيحبكم في الدنيـا .."
ردت الأخرى باصرار:
"بس هو زعلك ، وإحنا كمان زعلانين عشان زعلك .."
قبل أن تجيبها سمعت لصوت سيارته تفارق المنزل، ركضت للشرفه لتتأكد ثم عادت إليهن:
"باباكم خرج .. أنا هرجع أوضتي عشان أجيب حاجاتي وأرجع لكم .. تمام !"
هتفت تاليا:
"وهتحكي لنا حدوته !!"
تأملتها حياة بنظرات الأمومة المليئة بالحب وقبلت رأسها بلطف تطفى به نار قلبها المتقدة بسبب أبيهم:
"اللي أنتوا عايزينه .. هروح بقا قبل بابي ما يرجع .."
غادرت غرفتهم وهي تتشبث بقلبها الدامي متجهـة نحو غرفتهما التي شهدت على أجمل لحظاتهم معًا. قفلت الباب خلفها وظلت تتأمل كل ركن به يحمل عطر الذكريات ولحظاتٍ ظنت أنها ملكت فيها الكون من غمر السعادة. تراقصت أنفاسها متهيأة للبكاء وهي تتساءل نفسها:
"ليه كده يا عاصي ليه !!!!! بأي حق تقرر تمنعني أبقى أم ؟! ليه تعمل فينا كدا !!"
ضبت حقائب الذكريات المتكدسة بالسعادة، وفتحت الباب لضيف الحزن الثقيل ليقيم بقلبها إقامة شاملة. اتجهت نحو المرآة وهي تسال نفسها عما ستفعله معه ؟! اتحاربه بشغله ؟! أم تطلب الانفصال عنـه ؟! أم تواجهه ؟! أي حل منهما قادر على أن يطفىء نيران قلبها الثائرة ؟! كيف لقلب إمراة مثلها يحمل هذا الكم الهائل من الألم؟!!
غسلت وجهها بالماء البارد ثم أمسك بالمرطب الخاص بها وفي الوقت الذي خرجت فيه من المرحاض صُدمت بعودته !! توقفت عقارب الساعة حينها كل منهما يطالع الأخر بعيني الحب والعتاب. ركل عاصي الباب خلفه بفتور متجاهلًا وجودها تمامـا. ولم يختلف الحال عنها انغمست هي الأخرى في البحث عن ملابسهـا. ضبابة من الألم تحوم فوق رأسي الثنائي الذي كاد أن ينفجران من تفكيرهم المستمر ببعضهم.
يقف أمام خزنته يطالع بعض الأوراق وتقف أمام خزانتها تطالع التفكير به محاولة التمـاس عذر واحد يشفع له. تناولت ملابسها بفوضوية وما كادت أن تخطو خطوة ولكنها تراجعت. تركت الملابس من يدها وذهبت لعنده بتردد:
"أنا اسفة .."
لم يتكفل بالنظر إليها، ولكنها تجاهلت تجاهله وأكملت:
"لما كنا نتكلم تحت ، أنا مكنش قصدي أبدا اشتكي من البنات ، بالعكس دول مصبريني على حاجات كتير .."
صمتت للحظات منتظرة رده ولكنه خيب ظنها، ختمت كلامها وقالت:
"حبيت بس أوضح سوء الفهم اللي حصل .."
قفل الملف المفتوح بيده، ورماه بملل بالخزنة ودار نحوها فتراجعت خطوة للوراء، سدد أنظاره إليها:
"بس أنتِ محتاجة تعتذري عن حاجات تانية كتير غير دي ؟!"
ردت بجفاء وهي تقاوم ألا نتاظره:
"لا مفتكرش أني غلطت في حاجة تانية استاهل الاعتذار غير دي .. بعد إذنك ."
ختم جملتها بصياح عاق خُطاها وانتفض إثره قلبها:
"استني هنا !"
ثم اقترب منها أكثر في أكثر عاقدًا حاجبيه مستفهمًا:
"مالك ، متغيرة ليه !!"
ردت بذعر مبطن بالخوف:
"انا قولت الـ عندي ، مستحيل اسيب الشغل .."
انفجر بوجهها بنيرة قفلت جفونها من شدتها:
"ما يولع الشغل ولا يروح في ستين داهية .. أنا عايز أعرف مراتي فيها أيه ؟!"
ثم سحبها من معصمها ليضعها بين فيكين متخذًا من الحائط مسندًا لظهرها وعينيها أسيرة له. كرر السؤال بصيغة مختلفة:
"فهميني .. أيه شقلب حالك كده .."
أغرورقت عينيها بسحب الحزن لتسأله بشفاة مرتعشه وصوت هامس:
"ليه !!"
حاول أن يقرأ عينيها الغارقة في بحر الحزن:
"هو أيه اللي ليه ؟!"
ابتلعت جمر عتابها رغم أنه كان صعبًا أمام عينين تعشقهما. حاولت الفرار من تحت قبضته ولكنه أفشل مخططها بأصرار وهو يسألها:
"أيه اللي ليه ؟! جاوبيني !!"
انخرطت عبراتها التي حفرت حمم بركانيه بقلبه فزادت عصبيته:
"متعيطيش وجاوبيني .. انا مش معترض على شغلك ، ولا خايف منك ولا من نجاحك .. بس ليه ننزل سوق ونحارب بعض !! ليه يا حياة ليه ؟! عايز افهم ؟!"
خرجت عن صمتها:
"وأنا ليه اعيش مستنية رضاك عني ، انا لما قررت أنزل الشغل ، نزلت عشان لقيتك مش مالي حياتي ، نزلت من الزهق والتعب وكل ليلة وانا مستنياك .. ومستنية أشوف لهفتك عليا اللي قربت انساها .. قررت أن لازم يكون عندي حياة بعيد عنك .."
انطفىء القلب من وحشة الغياب البارد، ظل طويلًا يتأمل ملامحها الذابلة المحطمة التي أهمها صاحب البستان. تنهد بقوة ثم قال:
"طيب كده عرفنا سبب المشكلة ، ممكن نهدا ونحلها بالعقل !!"
بقلب معطوب بأحجار الخزى:
"أنا خدت قراري خلاص .."
دنى منها أكثر وأكثر متعمدًا خنقها بعطره الذي يسكرها محاولًا إرضائها وكمحاولة جديدة لاقناعها بانتشال فكرة الشغل من رأسها. ذاب بعينيها متكئًا على عكاز حبها له:
"يعني كل الدوشة دي عشان بوحشك !"
تحاشت النظر إليه:
"عاصي لو سمحت ، أنا خلصت كلامي ."
أمسك بذراعيها الاثنين والتصقت أنفاسه الحارة بجدار عنقها مع صوت أنفاسه موضحًا:
"أنا الدنيا كلها مقلوبة عليـا ، مش عايزك أنتِ كمان تتقلي الحِمل .."
ثم اعتصر خصرها بقبضة ذراعه الذي التف حولها كما تلتف الافعى حول جذع الشجر، فاندلعت منها صرخة مدوية بدموعٍ فياضة وأكمل:
"تيجي نهرب من كل ده وننسى كل اللي فات ونبدأ حياة جديدة .. مش كنتِ عايزانا نخلف !! وأنا موافق .. من بكرة هحجزلك عند دكتور ونتابع معاه سوا .. حياة أرجوكي متبقيش أنتِ والأيام عليا ."
ختم جملتها بسيل من القُبلات المكتومة التي كانت من نصيب ملامحها وشعرها. قبلات اعتصرت الدمع من عينيها الاتي سبحن على كتفيه، امتزج الشوق مع الحزن بدون صوت ولكن كانت ملامحهما واضحة جدًا. تحولت هزيمتها من الحب لمناحة وضعف، لا تمتلك القوة لرفضه ولا تمتلك الحب الكافي لمجاراته. ما بين النار والجليد عصر كفها ذراعه المُلتف حولها وتخشب جسدها يعكس عدم رغبته بالمزيد. فارقتها أنفاسه عنوة حتى أطالت النظر بعينيه وألقت قذيفـة اعترافها قبل أن تفارقـه:
"بس أنا مبقتش عايزة أخلف منك يا عاصي ."
يتبع…
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السادس والستون 66 - بقلم نهال مصطفي
“بس أنا مبقتش عايزة أخلف منك يا عاصي.”
بعض الكلمات تسقط على القلب نارًا لتدفئه أو لتحرقه. فاض الدمع من عينيها اللتين انغلقتا كي لا ترى الهزيمة بملامحه التي مازالت تغرم بها. لم يكن سهلًا على قلبها كامرأة أن تجرح من تحب.
فجأة تتحول جميع الكلمات غير كافية لوصف مدى المعاناة. خُلط نار الغضب بماء الحب مع عواصف الخذلان التي حطمت كل شيء ولم يبق منها إلا جملة واحدة. هل هو سهل على رجل اختار فتاته بكامل قواه العقلية أن يسمع منها عدم رغبتها بالإنجاب منه؟ عدم رغبتها فيه عمومًا؟
هزة خفيفة من رأسه وكأنه يحاول تكذيب ما وقع على أذنيه. خرج عن صمته وممارسته لدور العاشق لترى أمامه شبحًا لم تواجهه من قبل. اعتصر ذراعيها بقبضته القاسية ورجها أمامه كأنه يتوسل لها أن تكذب مسامعه، ليتفوه مشدوهًا وهو يلهث:
“يعني إيه الكلام ده؟ يعني إيه مش عايزة تخلفي؟ من يومين كنتِ متحمسة، إيه جد!”
فتحت جفونها متحررة من انكسارها ومعلنة ظهور حياة جديدة غير التي أحبها وقالت بنبرة متمهلة وهي تطالعه بجراءة:
“أنا مش عايزة أخلف منك يا عاصي.. والولد اللي نزل ده كان ربنا بيحبه.”
نبرته الرعدية:
“بتعيديها تاني! يعني إيه؟ فهميني.. فجأة نمتي صحيتي قررتي مش عايزة تخلفي مني؟!”
حررت ذراعيها من قبضته صارخة خارجة عن صمتها:
“أيوة، اكتشفت إنك لا تنفع زوج ولا أب.. أجيب ولد للدنيا عشان يبقى مصيره زي مصير بناتك؟ أجيب ولد وأشيل مسئوليته لوحدي عشان أبوه همه الوحيد الشغل.. أجيب ولد لأب أناني مش بيفكر غير في نفسه!”
ثم عادت لتبقى تحت مظلة عينيه المنفرجة وغلبها البكاء وهي تقول بضعف:
“أجيب ولد عشان يعرف إن باباه كان بيتسلى بمامته!”
ثم دوت صرختها وكأنها تعاتبه وأتبعت:
“أجيبه يتعذب في الدنيا ليه؟ ليه أظلمه بأب زيك.. ليه؟”
ثم أخذت نفسًا طويلًا:
“شفت إن عندي حق؟ للأسف حبك ما كانش بمزاجي، بس إني أجيب ولد للدنيا دي بمزاجي.. وأنا مش هشـارك في الجريمة دي.”
بأعين مصدومة، حائرة عاجزة عن الرد، بادلها بنظراته الغاضبة التي إن تسربت لعندها ستنهيها وتنهي علاقتهما للأبد. رمقها بأسهم الخزي وقال بحزن:
“اللي واقفة قدامي دي واحدة تانية غير حياة مراتي.. شكل أعصابك تعبانة.. اتمنى تراجعي نفسك قبل فوات الأوان.”
تقطر الحزن من عينيها المحمرة وقالت بوهنٍ:
“مفيش حاجة هترجع زي ما كانت.. أنتَ هديت كل حاجة!”
حطمت قلبه الذي لم يفتح إلا لها بكلماتها القاسية وقال:
“يبقى أنتِ اللي اخترتي!”
دنت منه وكل ما بها محطم، وسألته:
“إيه، هتطلقني؟ سهلتها لك أهي.”
انصب سواد عينيه المصدومة من جبروتها بزرقتها وقال بحسم:
“مش متجوزك عشان أطلقك.”
ثم جذبها من ذراعها عنوة وأكمل بنبرة الساحر:
“بس أوعدك لو مرجعتيش على اللي في دماغي، هوريكِ اللي أصعب من كده.”
بنبرة مهزوزة سألته:
“هتعمل إيه يعني!”
“خليها مفاجأة.”
دفعها بكل قوته على مرقدها يائسًا مخذولًا من امرأة اتخذها كجيشه الوحيد ولكنها انقلبت عليه وحولته لأكبر عدو لها.
كانت أذني فريال تتجسس على شجارهم الذي تسربت نيرانه خارج الجدران، وما أن سمعت صوت خطوات عاصي ركضت سريعًا لتحتمي بأحد الأعمدة كي لا يراها وهي تقول لنفسها بشماتة:
“كده اللعب ابتدى يحلو.”
***
مرت ليلة مشحونة بالأسى والحزن على قلبي عاصي وحياة، ومثلها ليلة مليئة بالمؤامرات والألاعيب الخبيثة تحت سقف قصر دويدار. وهناك رؤوس تكاد أن تنفجر من تفكيرها حول جملة الرسائل التي تهدده بحياة زوجته.
“صباح اليوم التالي”
نهضت عالية من نومها وعينيها تبحث عن مراد الذي وجدت مكانه فارغًا بجوارها. نادت باسمه مرتين متتاليتين ولكن بدون رد. عادت إلى هاتفها كي تستفسر عن سبب مغادرته في تلك الساعة. ولكن قطع مخططها دخول والدتها التي انتبهت لإضاءة الغرفة. تراجعت عما كانت تنويه والتفتت إليها وهي تعانقها:
“مامي؟ جيتي إمتى؟!”
“من ساعة كده، فطرت مع مراد قبل ما يروح الشغل.”
~بقصر دويدار~
دخلت سميرة على زوجها وهي تحمل مائدة الطعام وكوب الشاي ووضعتهم على الطاولة أمامه وقالت بتوجس:
“شاهين لو أنت وأخوك مش قد عاصي وأخوه نمشي بكرامتنا أحسن.”
هب شاهين معترضًا:
“إيه الكلام ده يا سميرة! أحنا هنا عشان نثبت حقنا وحق أخونا بدل ما يروح في إيدين ناس غريبة.”
تنهدت بكلل:
“بس أحنا مش قد هم.. موقفهم أقوى لحد دلوقتي، وشاكر ممسكش دليل واحد يواجه بيه عاصي ويثبت إن وجودنا هنا على حق.”
ثم توسلت إليه:
“تعالى نرجعوا وناخد البنات ونراعي أرضنا في البلد.. العيشة الذواتي دي مش توبي ومش قادرة أتعود عليها.”
فمالت على أذانه بنبرة ناصحة:
“شاكر أخوك لا وراه عيل ولا تيل.. وبايع الدنيا من زمان، لكن أحنا خلينا نربي البنات اللي في رقبتنا بعيد عن المشاكل. عاصي شراني ومش بيعمل حساب لحد.”
عارضها شاهين بحزم:
“وأنا مش هتحرك من هنا غير وأنا واخد حقي.”
زفرت سميرة بضيق:
“ماشي يا شاهين، خليك ماشي ورا أخوك، وافتكر إني حذرتك قبل الفأس ما تقع في الراس.”
صوت دق الباب قطع حديثهم. أذن بصوت شاكر يناديه من الخارج، فنظرت له سميرة بامتعاض:
“شوفه عايز إيه؟ شكله هيغرقنا كلنا.. ولا أقولك خليك أنا نازلة وسيباكم.”
نهضت سميرة وفارقت الغرفة فالتقطت بشاكر بالخارج. وقفت أمامه بنظراتها المحذرة وقالت:
“أتمنى متودينـاش في داهية أنت وأخوك.”
تجاهل شاكر الرد على جملتها الأخيرة ودلف الغرفة عند أخيه متعجبًا:
“مراتك مالها!”
“سيبك منها.. كنت جاي ليك، أنت فين من امبارح.”
جلس شاكر بجوار أخيه وهو يرمي الملف الذي بيده على سطح الطاولة ويتنهد تنهيدة انتصار:
“كنت بجيب الدليل اللي هنخلص بيه على اللي اسمهم ولاد أخوك.”
بشهقة الغريق الذي تعلق في قشة النجاة:
“وصلت لحاجة.. قول!”
وضع شاكر ساق فوق الأخرى:
“كلمت يسري، ودلني على المحامي الشمال اللي كان بيداري على كل جرائم عبلة.. وطلع شمال فعلًا، بقرشين سلمني رقبتهم بين إيدي.”
ثم تناول الملف وشرع بإخراج الأوراق منه:
“أول ورقة.. دي تنازل تميم ابن شهاب عن نصيبه في التركة، وكله كان بيع وشرا لعبلة.”
ثم أطلق ضحكة ساخرة:
“بنت الحرام ساومته، يا إما تطعن في نسبه لدويدار وتفضح أمه، أو يتنازلها عن نصيبه في الورث.”
ضحكة شريرة اندلعت من جوف شاهين وهي يستمع لأخيه باهتمام:
“يعني كده طار تميم!”
هز شاكر رأسه غير متأكدًا:
“مش بالظبط.. لأن البت عالية متنازلة عن نصيبها بيع وشرا لتميـم. وبكده تميم مش هيطلع من الحسبة دي غير لما نثبت إن عالية مش بنت شهاب، واتصرف في شيء لا تملكه.”
فتسقط نقل الملكية لتميم.
انكمشت ملامح شاهين:
“ودي نثبتها إزاي!”
“سهلة، مراد لو مطعنش في نسب عاصي وعاليا لخالته.. إحنا نطعن ونثبت. كده كده مش بنت أخونا والتحاليل هتأكد كلامنا.”
“طيب دي واتحلت، ناوي تعمل إيه مع عاصي.”
حك شاكر ذقنه القصير وقال بحيرة:
“أهو ده بقا الهم الكبير. في حلين، في حالة مراد قدم طعنه للمحكمة إحنا كمان صحاب مصلحة، نرد على الطعن ده ونأكده وإنه من أم تانية بس الست دي مش زوجة شرعية لأخونا وشهادة ميلاده معانا. وبكده طار عاصي من وشنا للأبد.”
ساد الصمت للحظات وكأن شاهين يفكر في الأمر وسأله بشك:
“المحاكم حبالها طويلة، أنت عارف بتتكلم في سنين!”
أيده شاكر:
“عارف.. عشان كده لازم الحل التاني.”
“الـ هو؟!”
رد شاكر بتخابث:
“ده هتعرفـه لما يجي.. هخلي أخوه يكلمه ونشوف رأيه بعد ما روحهم بقت في إيدينا. بس لحد ما ده يحصل، لازم نعطله شوية يمكن نقع على دليل يجيب أجلهم.”
ثم أطال النظر بعيني أخيه:
“أنا وعدتك مش هنرجع من هنا إيدينا فاضية.”
~بغرفة تميم~
“شمس أنتِ مجبتيش شرباتي؟!”
ما انتهى من جولة التفتيش عن ملابسه حتى يأس تمامًا، أردف سؤاله الأخير على أذنها. فتحت جفونها بتثاقل:
“يالله يا تميم! نسيت خالص.”
ثم اعتدلت في نومتها:
“مفيش خالص عندك.”
رد متأففًا:
“مفيش يا شمس.”
فركت عينيها بكسل شديد:
“أنتَ رايح فين وهتسيبنا مع الناس دول.”
“في ميتنج مهم هخلصه وارجع، معلش مضطر.”
قال جملته وهو يرتدي حذائه بدون جوارب وقال بعجل:
“أنتِ هنا صاحبة بيت وعايزك تتعاملي على الأساس ده.. هما اللي لازم يفهموا إنهم ضيوف هنا.”
رد بيأس:
“ربنا يستر يا تميم.. ارجع بسرعة.”
ما كاد أن يخطو خطوتين ولكنه تراجع:
“أنتِ مش نازلة المستشفى!”
“مش عارفة، حاسة إني عايزة أرتاح وحاسة بإرهاق شديد ومش متظبطة، لو اتحسنت هنزل.”
طبع قبلة خفيفة على رأسها ثم قال:
“سلامتك، هسيبك عشان مستعجل.”
خرج تميم بعجل من غرفته وما وطأت أقدامه أعتاب السلم فوجئ بشهد تناديه وتعرقله. اقتربت منه بأعين لا تنوي الخير:
“تميم…”
ثم تراجعت معتذرة:
“تسمح لي أقولك تميم كده، أحنا بردو أولاد عم ومفيش ما بينا تكليف.. ولا إيه!”
ألقى نظرة سريعة على ساعة يده ورد بفتور:
“اللي تشوفيه.. استأذن.”
تشبث بذراعه بعفوية وسرعان ما تراجعت عن لمسه:
“استنى.. أنتَ خارج، هعطلك لو قولت لك تاخدني في طريقك!! أنت عارف عربيتي اتخبطت و…”
انكمشت ملامحه باعتذار:
“عندي ميتنج مهم، ولازم ألحقه.. شوفي حد من الحرس يوصلك.”
عقدت حاجبيها مفتعلة الأسف:
“لسه بقولك إننا أولاد عم وكده تكسف في أول طلب.. ياسيدي اعتبره معاهدة سلام عشان نعرف بعض أكتر، ده إحنا أهل.”
ثم رمقته بأعينها المتخابثة:
“كنت حاسة إننا هنبقى صحاب.. بس واضح إنك واخدني عداوة بابا وعمو، على العموم مش هعطلك.. هبقى آخد أوبر.”
تأفف تميم بحرج ثم سألها:
“عايزة تروحي فين!”
انفرج شدقها بضحكة واسعة:
“بجد!! يعني موافق.. أنا كنت عايزة أروح الجامعة أسأل على الدراسات العليا.. بجد مرسي أوي يا تميم، مش قولت لك هنبقى صحاب.”
فتحت شمس الباب بعجل وهي تبحث عنه ولكن كانت صدمتها عندما وجدته واقفًا مع شهد. اقتربت بخطوات مثقلة بالشك وقالت وهي تحدق النظر بتلك الفتاة:
“تميم، نسيت موبايلك ومش مبطل رن.”
أخذه منها:
“معلش يا شمس صحيت، الاستعجال يعمل أكتر من كده.”
تدخلت شهد في حوارهم بطريقة متعمدة لإثارة غيرة شمس:
“تميم هجيب شنطتي وأحصلك، مش هتأخر.”
بنظرات محشوة بالغضب والغيرة عقدت ساعديها أمام صدرها:
“ده اسمه إيه!! مش المفروض إنك مستعجل!”
وشوش لها:
“قصدتني أوصلها، ومعرفتش أخلع منها.”
هبت بوجهه بصوتها المرتفع:
“وانت مالك أنتَ!! توصلها ليه، وهي تعرفك من امتى عشان توصلها.”
كتم أنفاسها متوسلًا:
“صوتك.. أنتِ نسيتي إحنا مش في بيتنا.”
أعلنت الحرب عليه:
“مش هوصلها يا تميم.”
“شمس.. أنتِ كبيرة وعاقلة وعارفة إن ماينفعش أقولها لا بعد ما وافقت.”
أدركت أن الجدال غير مجدي فاضطرت مجبورة للجوء للحيل. كادت أن تجيبه ولكن فجأة افتعلت الإحساس بالدوار متمسكة برأسها وهي تتمايل نحوه. تعجب من تبدل حالها بتلك السرعة فسألها بشك:
“شمس، بلاش الحركات دي أنتِ كبيرة.”
ووفقاطعته وهي تتمسك ببطنها وتسد فاهه وتركض على الحمام للتقيؤ. ركض خلفها بلهفة وهو يتمتم:
“ده بجد ولا إيه..!!”
ثم جهر:
“مالك ياشمس؟!”
لحق بها عائدًا إلى غرفته متأثرًا بصوت تقيؤها منتظرًا خروجها من المرحاض. خرجت بوجه شاحب وأعين دامعة. أمسك بالمنشفة وأخذ يجفف قطرات العرق من فوق جبينها:
“بقيتي أحسن..؟”
سندت رأسها على صدره متخذة أنفاسها بصوت مسموع:
“مش عارفة مالي.. ليا كذا يوم بيجي لي إحساس عايزة أرجع بس مفيش حاجة.. ممكن أكون خدت برد.”
سحب برفق ناحية السرير:
“طيب تعالي نامي وادفي كويس.”
تمسكت بيده متوسلة:
“تميم خليك جمبي بلاش تنزل النهاردة.”
“إزاي يعني ياشمس.”
تأففت بامتعاضٍ:
“ألغيه يا تميم.. معقولة هتسيبني وأنا كده!”
جاءت شهد في تلك اللحظة فسقطت عينيها على لحظات اقتراب الثنائي من بعضهما. اقتحمت الغرفة المفتوحة بدون حياء وقالت:
“تميم مش يالا!”
رمقته شمس بنظراتها الصقرية التي توعد له إن اتبعها. تعلقت أعينه المترددة بحيرة:
“هاااه…”
تركت شمس يده وعادت صوب الحمام بسبب نفس الشعور الوهمي الذي جاء بوقتـه. وقف تميم معتذرًا من شهد:
“سوري يا شهد.. أديكي شايفة مش هينفع أسيب شمس فالحالة دي.”
انطفأت ملامحها فجأة وقالت:
“هااه لا عادي.. أنا هتصرف.”
تسربت آذان شمس للخارج فانتابتها حالة من السرور والانتصار وهي تحيي نفسها:
“يس!! قال يوصلها كمان…”
***
“الغردقة”
“تعلم ما هو أقسى شعور على الإنسان!! أن ينهزم وينكسر ثم يقف من أجل اللحظة التالية مجبرًا دون أن يشعر به أحد، وأحيانًا دون أن يشعر هو بنفسه، فيكمل دون سند عاطفي ودون أن يتحدث لأحد عما يمر به، هو مستمر؛ لأن الحياة مستمرة هكذا لا تكترث لعواطفك الآدمية.”
انتهت من ارتداء ملابسها وأخذت تداوي آثار البكاء بالحمرة النسائية. تطالعت ملامحها الشاحبة بالمرآة وتساءلت:
“ناوية على إيه؟ يا ترى أي مبرره لو واجهته هيقنعني!! ولا أنا مستنية أي عذر حتى ولو مش مقنع عشان أسامحه!! طيب لو طلقنا مش هرتاح؟ ولو بقينا مع بعض بالشكل ده بردو مش هرتاح؟”
تناولت يدها قلم الكحل وشرعت برسم عينيها للمرة الأولى من زمن. رسمت عينيها باللون الأسود فانعكست صورة بالمرآة لامرأة أقوى وأكثر شراسة. تناولت حقيبة يدها وفارقت الغرفة بخطوات امرأة لا تُهزم أبدًا مهما كانت الريح قوية.
ظلت فريال منتظرة خروجها حتى سنحت لها الفرصة فركضت إليها بفضولها:
“صباح الخير يا رسيل.”
ردت عليها بجفاء:
“شكرًا.”
تابعت خُطاها مستفسرة:
“هو أنتِ وعاصي متخانقين؟ أصل استغربت لما لقيته نايم في أوضة المكتب!”
توقفت رسيل عن خُطاها ونظرت لها بحدة:
“لا، وخليكِ في حالك.”
عقدت فريال ذراعيها وقالت ناصحة:
“أنا عايزة مصلحتك.. بنات الغردقة كلهم عينهم على جوزك.. بلاش تضيعيه من إيدك لأنه راجل ما يتسبش.”
تأففت رسيل باختناق ولكنها مازالت محافظة على هدوئها وكبريائها:
“ينفع تخليكِ في حالك، وتبعدي عن جوزي خالص.”
ختمت جملتها بصوت رنين جرس الباب، تحركت حياة لتفتح ففوجئت بامرأة ثلاثينية بيدها حقيبة يد كبيرة. سألتها بفضول:
“مين!”
“أنا مروة.. البيبي سيتر للبنات. عاصي بيه بعتني مع السواق.”
رفعت حاجبها غاضبة:
“والله!! بقا كده…”
سألتها الفتاة:
“أدخل يا هانم؟!”
لم تجبها بل دفعتها من أمامها وغادرت بخطوات تنافس الهواء وهي تتوعد له، استقلت سيارتها بموجة الغضب التي تحركها متجهة إلى مقر شركته:
“طيب يا عاصي…”
“بالشركة”
“ريم.. خدي عنوان البيت ده وقدمي طلب إزالة وترخيص بالبنا.”
أردف عاصي جملته الأخيرة وهو يجلس على مكتبه بهيبة ووقار. قرأت ريم العنوان متعجبة:
“الشرقية؟!! البيت ده تبع شغلنا أو حاجة تخصه.”
“لا يا ريم.. ابعتي لأي محامي هناك وهو هيتصرف. في أسرع وقت عايز البيت يبقى كله في الأرض.”
ردت ريم بطاعة:
“اللي تشوفه يا بيه.”
ما كادت أن تخطو ولكنها تراجعت:
“عاصي بيه.. بخصوص طلب مدام رسيل.. هنعمل إيه؟!”
هنا اتاهم صوتها الفوضوي من الخارج وهي تعارض مساعدته للتدخل وبالفعل فتحت الباب بدون اهتمام لأوامر أحد واقتحمت المكتب مجمهرة:
“بتتحداني يا عاصي؟!”
أشار بعينه لريم أن تنصرف وقال:
“اقفلي الباب وراكي يا ريم.”
انتظر حتى فارقت ريم المكتب ونهض إليها بضيق:
“متنسيش إننا في مكان شغل.. مالك.”
دنت منه خطوتين رافعة جفونها المحاصر بالكحل الملفت وقالت بعتب:
“بتلوي دراعي يا عاصي!! مين قالك أنا محتاجة مساعدة للبنات، سبق واتفقنا إننا مش هنسيب البنات لواحدة غريبة تربيهم.. أنت بتعاند مين، هااه فهمني!!”
لم يتذكر أي كلمة من حديثها الثائر. كحلها الفاتن سرق عقله وغضبه منه. تأرجحت عينيها بضجر:
“والله!! أنا بكلمك على فكرة.”
رد بهدوء تحت سطو تلك الأعين التي يراها وكأنها أول مرة يلتقي بها:
“يعني فين المشكلة؟!”
ثارت بوجهه:
“عاصي متجننينيش.. الست اللي جات دي أنا هطردها.. وتاني مرة متعملش حاجة من غير ما ترجع لي بالأخص لو تتعلق بالبنات.”
عقد حاجبيه بهدوء عجيب كمن سُكر بخمر الأعين:
“هتطردي مين!”
أدركت أن سحر عينيها أصابه في مقتل. فقفلت جفونها محاولة تمالك أعصابها من بروده المفرط. في الحال عاد له رشده عندما غاب قمرين أعينها وقال بنبرة خشنة بعض الشيء:
“متعصبة ليه؟!”
ولت ظهرها عنه وقالت:
“الست اللي مع البنات دي، جات ليه!”
عاد إلى مكتبه وهو يلملم ما بعثرته عينين بقلبه، وقال:
“بما إنك هتشتغلي، أكيد مش هتكوني فاضية، شايف إن الفترة الجاية عقلك هيبقى مشغول بحاجات أهم من بيتك وجوزك.. مش ده اللي أنتِ عايزاه!! متعصبة ليه!”
أشعل المزيد من النار بجوفها خاصة وهو يتحاشى النظر إليها فشعرت بالغضب الشديد أو الشوق لتأمل ملامحه عن قرب حتى ولو يتشاجران. اقتربت من مكتبه محاولة تمالك أعصابها مائلة قليلًا على مكتبه:
“أنتَ شايف كده؟!”
فارقت أعينه شاشة الحاسوب لتعود لموطنها:
“مش شايف غير كده!!”
صمت قاتل ساد بينهم فتولت أعينهم تلك المهمة لبث شكوى القلوب المختنقة إثر عناد الاثنين. تحولت نظرته من العتاب للرغبة فيها. تحولت بسرعة البرق ورفعت سترتها القطنية التي كشفت معالم جمالها مما جعلها تردف بارتباك:
“الطلب اللي قدمته متردش لحد دلوقتي!”
هجم شبح ليلة أمس وكلماتها على خاطره فتراجع محافظًا على هيبته مواريًا شوفه خلف الشاشة الإلكترونية بصمت وبيده تناول سماعة الهاتف:
“ريم.. مدام رسيل جيالك دلوقتي.. كل طلباتها تخلص، وأنا هتواصل مع مدير الحسابات.”
ثم قفل السماعة ولم يتكفل بالنظر إليها تعمد تجاهلها تمامًا.
فتحت درع اللامبالاة، يكمن الجرح الغائر والعميق والحب العظيم.
ثارت النار بجوفها ولا تعلم من أين أتت بكم الحرائق الهائل. ألقت عليه نظراتها الأخيرة التي كانت تنتظر منه مبادرة بالحب حتى ولو بشق كلمة ولكنه قرر أن يحاربها بنفس سلاحها رغم جهله بسبب العداوة الكائنة بينهم. شدت حقيبتها وغادرت مكتبه على الفور مكتفية بتأفف مسموع. ما أن غادرت فرغ كبته بشاشة الحاسوب وقفلـه بضيق وهو يلعن ذلك الحظ علنًا:
“أنا مش فاهم في إيه لكل ده!!!!”
رن هاتفه باتصال من تميم فاجابه سريعا حتى ختم مكالمتهم قائلا:
“هو قالك كدا.. تمام وانا جاي لهم……”
في تلك الأثناء لفت نظره خروج عاصي من مكتبه. شاحت بأعينها نحوه بفضول لم يرضيها ثم تراجعت لريم:
“تعرفي عاصي رايح فين؟!”
ردت ريم بتخمين:
“هو كان قايل لي هينزل القاهرة.. بس مش متأكدة.”
***
“بقيت أحسن دلوقتي!”
أردف تميم سؤاله على شمس التي قلبت لعبتها لحقيقة. شعور الإعياء والهزل. ترك المشروب الدافي من يده أكمل متعجبًا:
“ما أنتِ كنتي كويسة!! أكلمك دكتور طيب.”
ردت بضعف:
“لا يا تميم، ده برد التكييف بس ضربني في دماغي.. هاخد حباية للصداع وهبقى كويسة.”
شد الغطاء فوقها:
“طيب ارتاحي شوية، حاولي تنامي.”
اتخذت وضع الاسترخاء وسألته:
“هي نوران فين؟ معقولة مصحيتش إحنا بقيت الضهر.”
“سيبك من نوران وارتاحي.. يالا عشان لو مقومتيش كويسة هنشوف دكتور.”
طبعت قبلة خفيفة بداخل كفه ثم قالت بمزاح يختبئ ورائه تعبها:
“اللي اسمها شهد دي دعت عليا ولا إيه، واللعبة قلبت بجد.”
داعب ارنبة أنفها وقال:
“عشان الف مرة أقولك حركات البنات دي مش تبعك يا شموسة.”
ردت بانتصار:
“مش مهم المهم إنك موصلتهاش.”
“أنتِ قعادك مع نوران بقا خطر.. نامي نامي.”
“بالغرفة الثانية”
“هتفضلي سرحانة كده ومش دريانة بحاجة!! شيرين فوقي لنفسك.”
أردفت شهد جملتها بضيق مشحون من شمس وزادته شيرين أختها. تنهدت شيرين قائلة:
“صورته ووقفته وكلامه مش مفارقين بالي يا شهد.. أنا حاسة إني قربت أتجنن خلاص.”
صرخت شهد بوجهها بنفاذ صبر:
“لا أنتِ اتجننتي خلاص.”
اعتدلت شيرين في جلستها بحماس وقالت:
“بحبه، بحبه يا شهودة.. ولما قابلته حبيته أكتر، عارفة أنا لو اتجوزته مستحيب أزعله لدقيقة واحدة.. ده أصلا يجي لي قلب أزعله إزاي!! بس هو يجي…”
ردت شهد بأسف:
“يعني أنتِ سبتي رجالة الدنيا كلها وجاية تحبي عاصي دويدار!!! ده بينا وبينهم مصانع الحداد!! اختياراتك دايما بتبهرني…”
“طيب وبعدين، اتصرفي بدل ما أقوله بحبك وأفضحكم.”
فزعت شهد بذهول:
“يخربيتك.. يا شيخة يخربيتك وبيت جنانك!! خبط لزق كده بحبك!! أنتِ بتفكري إزاي ولا ما بتفكريش أصلا!! بصي أحنا ممكن نحاول.. كمحاولة كده بس تسمعي كلامي، وأنا هجيبلك عاصي ده متكتف.”
شهقت نوران بالخارج بدهشة وسرعان ما تحولت لتوعدٍ:
“آه يا ولاد الـ**** أنا مكنتش مرتاحة للي اسمها شيرين دي، ساهتانة كده ومسهوكة… ماشي أما أوريتك يا ست شهد وهتشوفي خطة مين فينا اللي هتنجح.”
سارت على طراطيف قدمها بحذر كي لا يراها أحد ثم قفلت باب الغرفة برفق كلصة وركضت نحو هاتفها باحثة عن رقم حياة:
“أنا هوريكم…”
***
“عصرًا”
لمست عجلات الطائرة الخاصة التي يستقلها عاصي أرض مطار القاهرة حيث كانت وجهته إلى قصر دويدار. ما أن وصل وجد تميم في استقباله آخر ممر القصر. هبط من سيارته متجهًا نحو أخيه ونزع نظارته الشمسية:
“طمني عاملين معاكم إيه اللي جوه دول.”
تنهد تميم بكلل:
“بحاول أتجنب المشاكل على قد ما أقدر.. بس حاسس بحاجة مش مريحة.”
سأله باستغراب:
“زي إيه؟!”
رد تميم بقلق:
“مش عارف.. شكلهم ما يطمنش.”
رد عاصي بحزم:
“أعلى ما في خيلهم يركبوه.. مهلتهم هتخلص بكرة، وقتها هتشوف هعمل فيهم إيه.”
ثم ربت على كتف أخيه:
“هما جوه!”
“لا من أول الصبح خرجوا ومحدش فيهم ظهر، مش بقولك بيخططوا لحاجة!”
عض على شفته مفكرًا:
“هنشوف هنشوف.. خليهم يتقلوا حسابهم كمان وكمان..! هتمشى في الجنينة أعمل كام تليفون شغل، تكون شفتهم فين.”
سار عاصي ناحية الحديقة يجري العديد من الاتصالات التي تخص شغله قرابة الساعة تحت أعين شيرين المراقبة له باهتمام بالغ. بعد إلحاح من أختها وافقتها الرأي وأقبلت نحوه حامل فنجانين من القهوة ووضعتهما أمامه على الطاولة. تحيرت أعينه وتشتت تركيزه عن إجراء المكالمة التي بيده. جلست شيرين على المقعد المجاور له حتى أنهى مكالمته.
فبل أن يسألها بادرت قائلة:
“واخدة بالي إنك بتشتغل من الصبح، قلت أكيد محتاج قهوة.. معرفش قهوتك إيه بس عملتها مظبوطة ويارب تعجبك.”
رفع حاجبه مشدوهًا، فأسرعت معللة:
“اعتبره اعتذار عن امبارح.. وعربون صلح.”
إثر حاجته الملحة لفنجان القهوة، أرتشف منه رشفة وقال:
“بصراحة جه في وقته.”
فركت كفيها ببعض يوحي بارتباكها:
“كان نفسي نتقابل ونتعرف على بعض في ظروف أحسن من كده!”
التقطت نظراته الاستفهامية، فبررت موقفها قائلة:
“يعني كعيلة وسند لبعض…”
كاد أن يجيبها ولكن توقف إثر رنين هاتفه، استأذن منها ليرد وبعد بضعة دقائق عاد إليها:
“هااه يا ستي كنت بتقولي إيه!”
“أنا ممكن أطلب طلب؟!”
سمح لها بعينيه ثم فتحت هاتفها بلهفة وقالت:
“إحنا ممكن ناخد صورة سوا مش كده!”
مط شفته معجبًا:
“اشمعنى.. السبب؟!”
توترت قليلاً:
“هو ينفع نكون أهل وملناش صورة مع بعض.. تعرف لينا صورة سوا زمان أوي، على موبايلي، ممكن أبعتهالك.. اديني نمرتك..!”
لم تمهله الفرصة ليعترض، فارقت مكانها بسرعة واقتربت منه مشغلة الكاميرا وقالت مداعبة بلطف:
“ابتسم بقا أكيد مش هصورك وأنت مكشر كده.”
وعلى الناحية الأخرى التقطتهم عدسة هاتف نوران وهي تلطم على وجهها وتصيح:
“دا أنت ليلتك مش فايتة يا عاصي.”
في تلك اللحظة ضغطت على زر إرسال لحياة ثالث رسالة صوتية:
“شوفي بنفسك أهو، مش قولت لك دي حية ومش هتسيبه في حاله، اتجوزي جوزك يا بنتي دي شكلها ناوية تلهفه منك.”
“بالوكالة”
“بعيدًا عن العاطفة، أحيانًا تستحق ما يحدث لك، كي تغير تفكيرك وتفيق من غبائك قليلاً.”
تجوب خطوات الأرض وكأن النيران تهب من تحت قدميها. ما بين غضبها وغيرتها هناك حب عظيم يعلن بملكيتـه لقلبها بقية العمر. لملمت شعرها الفوضوي وهي تعيد نصائح نوران كلمة كلمة وتتأمل الصور التي أرسلتها لها. ما بين امرأة متمردة وأخرى متيمة أيتها ستنصر في ساحة تلك المعركة؟
أخذت تهتف مع نفسها:
“كده يا عاصي؟ هي دي المشاكل اللي أنتَ نازل القاهرة جري عليها!!”
ثم ضربت الأرض بقدميها بغل:
“كله كذب في كذب.. طيب وبعدين!! هسيبه كده!! وبعدين أنا لسه على ذمته المفروض يحترمني شوية! ده رايح يدور على البديل بالسرعة دي؟!”
ثم أخذت نفسًا عميقًا ليُريحها من قسوة الغيرة المشتعلة بقلبها:
“أهدي أهدي يا حياة أهدي.”
ثم أمسكت هاتفها وبحثت عن اسمه الذي يتصدر أول القائمة وهو تقول بصوت عالي وهي تمنح المبررات والأعذار لنفسها:
“أنا أكلمه دلوقتي وأقوله أنا عرفت كل حاجة وإنك مش عايزني أخلف.. وطلقني دلوقتي!!”
ذرفت دموع العجز من مقلتيها وهي تزفر بقوة:
“لالا.. تليفون مش هينفع.. أنا أطب عليه في القاهرة وأقوله طلقني.. أنا مش هفضل قاعدة كده وهو بيخوني.. أنا لازم أروح لعنده وأقوله عايزة أطلق حالًا.”
تناولت حقيبتها وغادرت الوكالة بعجل وهي تفتعل السبل برأسها كي تخلق عذرًا يجمعها به. أخرجت هاتفها:
“يونس شوف لي أي طيران تبعكم على القاهرة.. حالاً يا يونس…”
مهما كانت الخلافات بين الطرفين هناك زاوية ما في قلب الأنثى العاشقة لا تقبل الفراق، لا تقبل أن يكون حبيبها من نصيب امرأة أخرى.
***
“مساء”
هبط عاصي من جناحه الخاص بالقصـر بعد ما أخذ حمامه الدافئ وبدل ملابسه. أقبل إليه تميم بأسفٍ:
“كأن الأرض انشقت وبلعتهم، هما راحوا فين كل ده!”
تأفف عاصي بضيق:
“دول بيلعبوا بينا وأنا مش فاضي للعب العيال ده!”
“طيب هدي نفسك.”
انفجر عاصي عن صمته:
“الساعة ١١، المفروض أستناهم لأمتى؟ لالا دول في حاجة في دماغهم وأنا لازم أعرفها.”
صوت رنين الجرس منحهم الأمل في عودتهم. اخترقت نوران صفوفهم بمرح لتفتح الباب، سرعان ما خاب ظنهم إثر ظهور حياة المفاجئ. عانقتها نوران بفرحة وهمست لها:
“أنا عيني عليهم من الصبح، البنت بتحاول تقرب بس جوزك منفض لها!”
نظر عاصي لتميم باستغراب:
“دي جت الساعة دي إزاي!”
اندفع نحو زوجته بفضول ووجه عابث:
“أنتِ جاية من الغردقة الساعة دي لوحدك!”
ثم اضطربت ملامحهم:
“البنات حصلهم حاجة!! حياة انطقي ساكتة ليه!”
نظرت لنوران بتحير ثم قالت بارتباك:
“عرفت من ريم إنك هتقعد هنا يومين، وبالصدفة طلع عندي شغل مهم فالقاهرة.. قلت…”
أنقذتها نوران وواصلت حديثها:
“قالت تستغل الفرصة وتقعدوا سوا!”
نظرات الشك تتطاير من عينيه إثر أمر ما مبهم يطوف حول الاثنين. جز عاصي على فكيه:
“حياة حصل إيه يجيبك من الغردقة لـ القاهرة.”
أمعن تميم النظر بنوران ولكنها هزت كتفيها معلنة جهلها عن السبب وفرت من أمامهم تاركة حياة بوجه الريح بمفردها:
“وأنا مالي.. هعرف منين!! هو كله نوران نوران.. أنا هروح أنام.”
مال تميم على أذن أخيه:
“خد مراتك في الجنينة واتكلموا.. وأنا هعمل محاولة أخيرة أشوفهم راحوا فين.”
سحبها من يدها عنوة صوب الحديقة تحت عيني شهد وشيرين اللاتي يتابعن الموقف من أعلى. أغرورقت عيني الأخيرة متسائلة:
“هي دي تبقى مراته!”
مطت شهد شفتها قائلة:
“واضح كده.. وواضح كمان إن في مشكلة ما بينهم.”
بلهفة الغريق سألتها:
“إزاي؟!”
“دنيا هنشوف…”
“بالأسفل”
كرر سؤاله مرارًا وتكرارًا حتى جزع من جوابها وهو يقول بحدة:
“لآخر مرة بسألك، أنتِ هنا ليه؟!!!!!!”
استجمعت نبرة صوتها المرتجفة ودموعها التي فجرتها الغيرة وقالت:
“عايزة أعرف إجابة سؤالي… أنت عملت فيا كده ليه؟!”
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السابع والستون 67 - بقلم نهال مصطفي
مش مرتاح لك يا نوران …!! اعترفي .
أردف تميم جملته الأخيرة عندما صعد وراء نوران التي أبرأت ذمتها من كل شيء كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب .. وهذا الأمر لم يمر مرور الكرام على دهاء تميم ومعرفته الجيدة لأفكار نوران ..
تركت الهاتف من يدها:
الله يا تميم اعترف بحاجة معملتهاش يعني ؟!
ابتلع تميـم ابتسامته وقال:
قولتِ أيه لحيـاة خلاها تيجي على ملا وشها كده !
تنهدت بنفاذ صبر:
ده كان عمل خيري ، أنت ليـه حاططني في موضع اتهام كده !
عض على شفته ثم أتبع:
أيوة .. ويطلع أيه العمـل الخيري ده !!
ردت بهدوء كأنها لم تفعل شيء:
يرضيك أشوف حيـة بتلف على راجل متجوز واسكت .. تؤ !! ده حتى يبقى حرام عليـا يا تيمو .
أجابها مسايسًا:
طيبة قلبك دي هي الـ هتغرقنـا .. هااه وتطلع مين الحية دي ..
دنت منـه هامسة بصوت خفيض كي لا أحد يسمعها وسردت على آذانه ما حدث بالتفصيل الممل ، حتى حتمت حديثها قائلة:
غلطت أنا كده !!
أجابهـا بنظراته الانتقاميـة التي لا تعي ما ستفعله معها:
لا خالص ، أنتِ ولعتي الدنيا بس ..
ثم غير نبرته واعظًا:
وبعدين بدل ما تحذرى عاصي ، روحتي فتنتي لحياة !! أنت ياشيخة منك لله ..
اتسع بؤبؤ عينيها ببراءة:
أنا دايما في صف المرأة ومناصرة لها لأخر نفس !! ده جزاتي عشان خايفـة عليها لتخطفه منها اللي ما تتسمى دي !!
انفعل تميم قائلًا بتعجبٍ:
وهو عيل صغير !! أي واحدة تشاورله هيروح لها !!
-دي حركات بنات !! مايقدرش عليها غير البنات اللي زينا .. وأنتوا كرجالة على الله حكايتكم ، سيبنا نحافظ عليكم بطريقتنا ..
ثم زفرت باختناق من التفاوض معه:
تميم شكلك مش مقتنع .. روح شوف مراتك اللي نايمة غيبوبة دي وسيبني بقا عشان بفكر في حاجة كده ..
حدجها بأعينه العاجزة:
ما هي الكارثة كلها في انك بتفكري … عارفة لو مابتفكريش كنت عذرتك .. ربنا يهديكي على دماغك دي اللي مسوحاكي ومسوحانا معاها ..
انكمشت ملامحها المعارضة بعتبٍ:
كده !! دي جزاتي وأنا بلم وراكم !! هي دي متشكرين يا نوران يا عاقلة !! هو الخير راح فين الزمن ده !!
-أنا همشي قبل ما اتهور وازعلك ..
بالأسفل …
-“أدينـا بقينـا لوحدينـا .. اتفضلي اتكلمي يلا ، سامعك ومش هقاطعك .. وبلاش لف ودوران يا حياة .. أنا خلاص مبقتش متحمل الطريقة دي . ”
نفذت قدرته على التحمل من صمتهـا القاتل الذي اغتال صبره ، فقال جملته الأخيرة بتنهيدة قوية اندلعت من صدره ..
وضعت في موقفٍ لا تُحسـد عليه .. لم تضع في حسبانها تلك اللحظة وذلك السؤال الذي يجعلها واقفة أمامه كتلميذة بليدة ، الغيرة سيطرت على فكرها حتى بات المجيئ إليه هدفها الأساسي والباقي سهلًا ..
بللت حلقها وقالت بصوت متهدج ململة شتـات قوتها بالحجج الفارغة:
انتَ بتزعق ليه ! أنا عمري ما هعرف اتكلم مع حد بالأسلوب ده ! وده بقا أسلوبك الفترة الأخيرة.. وجاي تحاسبني أنا على أسلوبي قال أيه مش عاجبك .. عاصي أنا عايزة أروح .
لم تكن حياةً كانت كارِثةً لا تُغتفر في عنادها ..
جز على فكيـه بجزعٍ:
حياة ، متختبريش صبري أكتر من كده .. وبطلي لف ودوران ، الحركات دي أنا حافظها كويس أوي ..
ثم دنى خطوة واحدة لعندها وأخفض نبرته اليقينية:
مخبيـة عني أيه يا حياة؟!!
ردت على مضضٍ:
مش مخبية حاجة !!
انفجر بوجهها بحدة:
لا مخبية ..
فـزفر غاضبًا ثم عاد مسايسًا:
طيب تقصدي أيه بأخر حاجة قولتيها .. عملت أيه أنا مشقلب حالك للدرجة دي !
احتدت نبرة صوتها معاندة أكثر:
ما بلاش اللعبة دي وتعالى نبدل الأدوار ، وتقول لي أنت اللي مخبي عليا أيه يا عاصي ؟
ثم اقتربت منه حتى امتزجت أنفاسهم المشحونة بالحب والحنق:
يمكن تكون دي آخر فرصة عشان اسامحك !
-يعني فعلا زعلانة ومخبية ! والمفروض أنا أنجم ولا أوشوش الودع عشان أعرف سيادتك زعلانة ليه !!
كور يده حتى برزت عروقه كي لا يغلبَه الغضب فيفعل ما يستقبحه ، فشلت عينيه في قراءة مقلتيها الدامعـة حيث خرج عن صمته قائلًا:
شوفي يا حياة، يا أما تيجي معايا دوغري واديكي عذر واحد على كل الجنان اللي معيشنا فيه من يومين .. يا إما هضطر أحاسبك على كل كلمة قولتيها !! وساعتها محدش هيزعل بجد غيرك .
لم أدرك يومًا أن في الجسد جسدان إلا عندما احترتُ بين الرحيل و البقاء ، بين عقلي وقلبي .. لم املك القدرة على الكراهية وأنا مُغرمة .. أقف أمامك وأنا اسأل كيف أعيش معك أو بدونك ؟!
أخشى أن أفتش لك أثر طعنتك بقلبي فاخسرك للأبد ، أعلم أن مواجهة الأحبة فراق حتمى وأنا وقلبي لن نهيأ لتلك المعركة بعد ، كل ما أنا عليه هو محاولة آخيرة للحفاظ على حبنا ..
أخذت تعض على شفتها حتى قالت متأففـة وهي تفتح هاتفها وبالأخص صورته مع شيرين كي تهرب من مأزق استجوابـه:
تقدر تقول لي إيه المسخرة دي !! ازاي أصلا سامح لها تقف جمبك كده !!
ثم غرزت سبابتها بصدره:
جيت اقولك لو حابب ترجع للتصرفات الز**بالة دي ، ارجع لها بس وانا مش على ذمتك ..
لكن فشلت كفه وشاورت على محبس زواجهما:
طول ما أنتَ لابس دبلتي يبقى تحترمني .. وتخلي بالك من كل تصرفاتك ، عشان انا مش الست المغفلة اللي تشوف العك ده وتعديه !! انا رسيـل ، رسيل المصري يا عاصي ..
اضطر أن يبتعد خطـوة ليفسح مجالًا للصدمـة من سذاجتها ثم قنبلة الضحك المتفجرة من شدقه ، عاد ليتحدث ولكن فشل إثر سيطرة الضحك عليه الذي اشعل نيران غضبها:
والله !! يا ترى أيه في كلامي يضحك كده ..
ثم تأهبت للمغادرة:
تمام ، انا ماشية عشان يخلى لك الجو مع الهانم ولينا بيت نتكلم فيه .
أمسك بمرفقها كي يمنع رحيلها بوجهه الضاحك:
لا .. حياة خدي هنا بس تعالى ..
توقفت على مضض متأففة:
افندم !!!
قال في حدة مندهشًا ليؤكد ظنونه:
حياة أنتِ الغيرة جابتك من الغردقة لحد هنا الساعة دي ؟!!
جحظت عينيها بغرور التمرد:
ايه !! لا طبعـا .. غيرة أيه ؟! ومين قالك إني غيرانة ولا جاية عشانك !!
ثم وقفت أمامه بثبات:
أنا جاية هنا شغل .. بلاش عقلك يوهمك بحاجات مش موجودة .. وقولت بالمرة أعدي عليك وأفكرك أنك متجوز وفي واحدة ست على ذمتك !
لمعت عينيه عندما لمست الغيرة قلبه المنطفئ نحوها فأصبح قمرًا ساطعًا:
حياة .. دا أنتِ مغيرتيش حتى هدوم الصُبح !! لا بجد مش متخيل أن عقلك طلع صغيرة للدرجة دي ؟!
ثم عقد حاجبيه متحيرًا:
بس اللي عايز افهمه ، إمبارح مش عايزة اخلف ومش طايقاني !! والنهاردة جاية جري من الغردقة لمجرد صورة شوفتيها !!
ثم وضع يده على جبهتها:
طيب أنتِ سخنة ولا دي هرمونات ولا ده اسمه ايه !! انا عايز افهم .. عشان اعرف اتعامل !!
انهزم كبريائها أمامه ، فأصرت على موقفها قائلة:
قلت مش بغير عليك وأنت فعلا ولا تهمني ، ومجيتي هنا ملهاش علاقة بيك .. افهم بقى .. بقول لك شغل .
أصر بتحدٍ:
والغيـرة اللي هتطق من عيونك دي ! دي هتحرقني وانا واقف قصادك !
ضجرت من اصراره ، فجزت على فكيها بضعف موقف:
مش غيرانة ! وعشان اثبت لك ماشية أهو عشان تاخد راحتك .
وقف أمامها ليعوق خُطاها ، مستسلما:
خلاص يا ستي مش غيرانة وانا مش بشوف ولا بفهم ولا بقرأ العيون اللي زي القمر دي ..
ثم مال نحوها:
فين الشغل ده بقا عشان نروحه سوا الصبح .. يعني أوصل لك .
تأرجحت عينيها بتوتر إثر وقوعها في فخ أكاذيبها:
وأنت مالك !! .. مش المفروض اننا أخصام في سوق واحد ، عايز تعرف خط سير شغلي ليه !! ولا خايف تخسر قُدامي .. لا ألعب غيرها .. أنا بنت سوق وعارفة الحركات دي كويس أوي .
أسبل عيونه الماكرة وقال مسايسـًا:
أنتِ صح .. في دي عندك حق ، أسرق أفكارك واستغلها !!.. بس من حقي كزوج أعرف الشغل ده هتروحي له امتى !
ردت بتوجس:
الصبح ..
أومأ بالإيجاب:
طيب وقررتي هتباتي فين للصبح !!
-ميخصكش .. أنا هتصرف .
ثم رمقته بتوعد:
خليك مع مشاكل عمامك وبناتهم وانا متشلش همي مش هعطلك .. اوعا من طريقي يا عاصي .
جاءه اتصال تميـم في تلك اللحظة ؛ أمسك كفها بقوة كي لا تهرب منه ورمقها بنظراته التحذيرية وهو يرد على أخيه قائلا بتوجس:
أيوة يا تميم ..
يراقبه من أعلى وقال ممازحًا:
شايف الموضوع كبير ومعصلج ، تحب أي تدخل قيادي !! أنا في الخدمة !
ابتسم بخفوت ثم تحولت نظرته التحذيرية لأخرى ماكرة:
مفيش حاجة تعصلج مع عاصي دويدار ، حتى ولو كانت سمكة قرش ..
-منك نتعلم .. عموما أنا مكلمك عشان اقولك هنام .. مش هستناهم أكتر من كده ، وانت كمان نام والصبح نشوف أخرتهـم …
لم تتحرك عينيها الغاضبـة عنّه منتظرة أن ينهي مكالمته .. فصرخت بوجهه كالطفل الثرثارة:
سمكة القرش دي اللي هي انا صح !! طيب وسع كده من قدامي. ..
ثم شدت ذراعها بقوة وهي توبخه صارخة:
انا غلطانة اصلا ، وبعدين متمسكش ايدي كده مرة تانية ، بتوجعني يا أخى !!!
نفذ صبره منها ومن عنادها .. وثرثرتها الغير مبررة ، فحملها بغتة بين يديه كي يتمكن من السيطرة عليها ..
حركت قدميها في الهواء متمردة:
عاصي نزلني !! أنت بتعمل أيه !! بقولك مش هينفع كده !!
-عشان أنتِ الكلام مش نافع معاكي ..
هناك أعين متلصصة تقتنصهم من أعلى ، لمعت عيني نوران بفرحة وهي تخرج لسانها للاختين الواقفتين بالشرفة المجاورة ثم قالت بشماتة:
هي ماما ماقالتش كيخ عيب ناخد الحاجة اللي مش بتاعتنا … يلا يا حبيبتي روحي نامي وخدي فوار .
تحول قلب شيرين لجمرة من النار عند رؤيتهما معًا .. ونفس النيران الغاضبة انصبت بقلب شهد التي أحست بانتصار نوران عليها ، تمتمت بتوعد:
البنت دي لازم تتربى !!!!! ويا أنا يا هي .
فتح عاصي باب سيارته ووضع بداخلها حياة وقفل الباب بقوة قائلًا بنبرة لا تقبل الجدال:
تستنيني هنا ، هجيب حاجتي وجاي .. متتحركيش .
ثم رمقها بأعينه المحذرة:
عشان الجنان بتاعك ده لازم اعرف اخرته النهاردة ..
كادت أن تعارضه ولكنه ألجمها ناهيًا بكفه وأعينه الحادة:
ولا كلمة …
انصرف من أمامها قبل أن يمنحها الفرصـة للرد .. جلست بالسيارة وهي تضرب ارضها بقوة وتعاتب نفسها و قالت بعبط المغرور:
غبية !! يعني ازاي مفكرتيش أنه هيكشفك بسهولة ! وبعدين انا مش غيرانة ولا حاجة تشبع بيه !! الله يسامحك يا نوران ، طيرتي عقلي لحد ما جيت على ملا وشي وبوظت الدنيا .. طيب هو بيحبني ولا لا ؟؟ أنا لازم أعرف مش هفضل بين نارين كده !!
-بتتخانقي مع نفسك ليه ؟!
قال جملته وهو يستقل السيارة بجوارها ، فهبت بوجهه:
ليه مجنونة عشان اتخانق مع نفسي كمان !! قول إني مجنونة !! .
شرع بتشغيل سيارته ثم قال ساخرا:
انا شفت معاكي كل فصول السنة في يوم بس .. مش مستبعد أي حاجة الصراحة .
حدجته بضيق:
طيب .. أحنا رايحين على فين كده !!
دار بموقد السيارة وأجابها:
هوصلك على أقرب فندق ..
ثم ناظرها بأعينه المتخابثة:
عشان تلحقي شغلك الصبح !
اتكأت للوراء وشدت حزام الأمان مقررة أن تلاعبه بنفس ألاعيبه:
تمام .. هتوصلني وترجع مش كده !
عشان أنا مش حابة اروح معاك أي مكان معاك .
رفع حاجبه بخبث:
اللي أنتِ عايزاه انا هعمله .. آكيد مش هجبرك .
ثارت بوجهه وكأن قلبها يعلن براءته مما يقوله لسانها العاصي له:
توصلني وترجع .. حابة اقعد لوحدي وكمان عشان الهانم متستناش كتير ..
-أي هانم !! قصدك على شيرين !!
حياة بغل وهي تسحب هاتفـه بدون اذنه بهدوء ملحوظ:
وهو في غيرها !! هي ست شيرين دي اللي طلعت لي في البخت ..
فتحت الهاتف باحثه عن تطبيق ” الواتس آب ” ، فسألها بحيرة:
بتدوري على أيه في موبايلي !
تجاهلت النظر إليـه وجهرت صارخة:
ركز في السواقـة بس وياريت ما تتكلمش معايا من أصلو يا عاصي عشان أنا مش طايقاك النهاردة ..
رد ساخرًا:
وبالنسبة لإمبارح كنتي وخداني بالحضن !
ثم تغيرت نبرة صوتها من الشكوى للتوبيخ:
الله؟!!! وكمان اخدتوا ارقام بعض .. وبتجددوا الذكريات ، وبتبعتلكم صوركم القديمة سوا .. وتقول لي فاهمة غلط .. باقي أيه كمان يا عاصي بيه ، بص لي كده !! انا عايزة اطلق دلوقتي وكل كلمة قلتها كانت في محلها .. انا مش عايزة اعيش مع واحد خاين زيك .
دارت إليه وأتبعت:
طبعا وبعدتني عن القصر عشان يخلى لكم الجو .. البنت دي يتعملها بلوك يا عاصي ياما مش هتشوف وشي تاني .. وتلكيك اااه انا بتلككك .. انت مش بتتكلم ليه بص لي هنا .. ومتزودش سرعة العربية عشان بتوتر ……
احتدت ملامحه وجحظت عيناه وهو يحاول ان يسيطر علي موقد السيارة ويقول بارتباك:
حياة .. فرامل العربية فلت ..
تحول صراخ غضبها منه لـ صراخ خوفها عليه:
يعني ايه ؟! عاصي خلى بالك ..
صاح خوفا عليها:
ارجعي بالكرسي لروا ..
قفز الرعب من عينيها وهي تراقب معه الطريق بثرثرة:
خلي بالك يا عاصي .. دي هتقف ازاي !!
هتف بحدة وهو يخترق صفوف السيارات بحرفية:
بقولك ارجعي لورا عشان متتأذيش ..
بكل قوته دار بيساره موقد السيارة وكانت يمينه سدًا منيعًا أمام صدرها ليضمن سلامتها .. في لحظة واحدة دخل بوجه سيارته في أحد صفائح القمامة عندما استسلمت هي للقدر الواقع لا محالة مغمضة عينيها فليحدث ما يحدث لقد انتهت حلول المرء نحن الآن معلقون بحبال القدر ..
اصطدمت السيارة بالصندوق الحديدي ، مرت لحظات حتى أدركت ما حدث ، فتحت جفونها بتثاقل إثر ازدحام المارة حول السيارة ، فأول ما بحثت عنه كان عاصي الذي فقد وعيه إثر الاصطدام ..
فكت الحزام بفرغ متناسية جملة غضبها منه وهي تصرخ باسمه:
عاصي … عاصي انت ما بتردش ليه !! عشان خاطري رد عليا..
ثم اخرجت رأسها من النافذة تستغيـث وهي تلهث باكية:
ياناس حد يلحقنا .. هو ما بيردش ليه !! عاصي عشان خاطري فتح عينك انا اسفة والله مش هزعلك تاني .. عاصي قوم متعملش فيا كده ..
صاحت مرة ثانية وهى تهبط من السيارة لتركض عنده:
حد يطلب الاسعاف بسرعة ..
ثم تراجعت وأخذت زجاجة الماء من أحدى الفتيات ، فتحت باب سيارته وأخذت تمسح فوق ملامحه بالماء البارد بكفوف مرتعشـة لا تختلف عن رعشة انفاسها .. توقف ابهامها على جرحه الدامي فوق حاجبه فجن جنونها وشعرت بأنها ستفقد للأبد ..
حالة من الضعف والعجز والخوف خيمت على صرخاتها وهي تطلب المساعدة من أحد الرجال ، ضمتها السيدة لحضنها وفسحت مجالًا للرجلين:
هو ما بيتكلمش ليه ؟! ده مش بيرد عليا !! عاصي قوم بقا وبطل الحركات دي ؟!!!
تراقصت جفونه بتثاقل وهو يهذى باسمها ، فصاح الرجل قائلًا:
فاق فاق ، انت حياة ؟!
ركضت لعنده بحالة من الانهيار لا توصف وهي تجفف الماء عن وجهه ، فتتقطر مياه دموعها فوقهم مرة ثانية:
حبيبي انا هنـا .. انت كويس مش كده !!
فتح جفونه الضبابية وحاول أن يعتدل في جلسته متأوهًا ، فسبقته:
قول لي فين بيوجعك !! حبيبي أنت كويس ! شايفني ..
تنهد بكلل وهزل:
أنتِ كويسة مش كده !!
تدخل أحد الرجال مقترحًا:
المستشفى قريبة من هنا .. تعالو اوصلكم ….
*******
-أنتِ هتفضلي تندبي كده زي المطلقين ! مالك ما أحنا عارفين أنه متنيل على عينـه ومتجوز .. بس البنت السموية اللي اسمها نوران دي هي اللي بعتت لمراتـه ، أنا متأكدة
تجوب شهد الغرفة ذهابًا وإيابًا بغضب يحترق من بين خطواتها ، انفجرت شهد بأختها الصامتـة التي تجلس بجوارها تندم حظها ، حتى ختمت جملتها قائلة:
يعني الراجل مراته ميته ليها اكتر من ٦ سنين وكان مقضيها سداح مداح ، كنت فين طول الفترة دي !! جاية تحبيه بعد ما اتجوز ..
رفعت شيرين جفونها الباكية وسألتها بيأس:
آكيد بيحبها .. الست اللي تقنع رجل زي عاصى إنه يتجوزها ويسيب مكانه وبيته ويعيش معاها في بلدها يبقى أكيد بيعشقها كمان ..
ثم انخرطت دموعها:
أنا بجد بحسدها .. شوفتي ده مستحملش زعلها ولا أنه يسيبها تمشي زعلانة ..
ردت شهد بضيق:
شفت يا اختى راح لافحها على أيده وواخدها ومشيوا ..
ثم تبدلت نظرتها للشفقة:
شيرين ما تفكك منه بجد .. حاسة أن طريقه متقفل ضبه ومفتاح .. وكل محاولاتنا هتنزل على فشوش .
ردت الأخرى بانفعال:
متقوليش كده ، أنا وافقت بس بابا وعمو شاكر عشان دي فرصتي الأخيرة اثبت فيها لعاصي حبي .. انا مبقاش عندي فرص تانية ..
ثم وقفت أمام أختها وقالت بـ يقين:
أنا قررت اعترف لعاصي .. المواجهة هي أسلم حل .
قفلت شهد جفونها بإغتياظ:
انا همشي قبل ما اتشل ….
******
السـاعـة الثالثـة فجرًا
-يعني هو كويس يا دكتور !
ابتسم الطبيب بـانبهار واندهاش لدرجة حبها التى جننته طوال فترة فحصه بالمشفى.. وجه الطبيب حديثـه لعاصي الجالس ذو اليد المعلقة بشريطة طبية برقبته وقال:
المدام كانت هتتجنن عليك وجنتت كل الممرضات اللي في النبطشية ، واضح أنها بتحبك أوي .
رفع جفونه اللامعة إليها .. فباغتته متسائلة:
ينفع يخرج دلوقتي !!
رد الطبيب برتابة:
إحنا عملنا كل الفوحصات ، والجزع اللي في أيده بسيط الحمد لله ، المهم يرتاح في البيت .. تقدروا تتفضلو ..
اقتربت من سريره الطبي الجالس فوقـه واحتوت وجهه بكفوفها الناعمة وهي تفيض حبًا وخوفًا بين يديه وسالته:
في حاجة بتوجعك ، اجيبلك دكتور ! طيب أنتَ كويس مش كده !
ضمها من خصرها بيمينه وقال بهدوء:
الدكتور طمنك أهو .. يلا نمشي !
ردت ملهفوفة:
طيب هتقدر تمشي ولا اجيبلك كرسي مـ …
قاطعها مندهشًا وهو يقف على قدميه أمامها:
في أيه يا حياة ! منا زي الحصان قدامك أهو .. يالا .
لفت ذراعه حول عنقـها وضمت خصره:
طيب أسند عليـا .. وامشى بالراحة ، على مهلك .. خطوة خطوة .
نفذ صبره من رعايتها المبالغة حتى مال على مسامعها وقال:
حياتي أنا زي الفل قدامك أهو ، مفيش لازمة لكل ده .
ردت بحدة لا تقبل الاعتراض:
عاصي اسمع الكلام ومش من أولها هتعاند وتقاوح كده والله اخلي الدكتور يحجزك شهر في المستشفى …
أجابها مستسلمًا:
وعلى أيه .. الطيب أحسن .
وصل الثنائي إلى أحد الغُرف بالفنـدق ، أخذت تفحص الأدوية باهتمام ثم سألته:
في حاجة بتوجعك !
اتكأ على وسادته متلذذًا باهتمامها الزائد به وقال بدلال:
اه ..
تركت ما بيدها واندفعت نحوه:
اكلم الدكتور، انا اخدت رقمـه ..
ضحك منه ملء الفم وسألها وهو يُطيل النظر بتلك الأعين التي تجذبه كمغناطيس قوي و ليقضى على كل شكوكه:
خايفة عليـا للدرجة دي ؟!
مسحت على جبهته وشعره بكفها المنتفض وأجابته باكية:
كنت هتجنن عليك .. فجاة لقيت نفسي لوحدي ، بدور عليك عشان تستندي بس أنت مش موجود ، ودكاترة وممرضين بيفحصوك .. عقلى كان هيشت مني .
ثم جففت عِبراتها سريعـًا واردفت بارتباك:
تحب أعملك أيه !! تحب تاخد شاور الأول أساعدك .. ولا تحب تاكل تاني اطلبك أكل ؟! لالا أنت ممكن تنام شوية عشان ترتاح .. صح .
ما كادت أن تنهض ولكنـه منع رحيلها وسألها:
على فين ؟!
-أنا موجودة جمبك مش هتحرك ، مش هروح مكان يعني .
تغللت أنامله في شعرها المنساب وفي عينيه نظرة متحفزة:
أنا عايز حاجة واحد وبس .
ثم شد كفها لثغره ليعطره بعبير القُبلات وعاود التطلع إليها:
عايز أنام الليلة دي في حضن مراتي اللي مطلعة عيني ليها فترة .
رق شيء ما في صدرها شيء يشبه فتح النوافـذ لترى شروق الشمس في ليلة باردة .. تغيرت جودة الأيام بعينيها عن لمسها لنظرة حب صادقـة من عينيـه .. تمددت الراحة بقلبها المضطرب ، احتشد الحب بين ثنايا صدرها حتى فاض من عينيها وهي تكرر سؤالها:
في حاجة بتوجعك ؟!
رد بإختصار:
أنا كويس ..
هزت رأسها بخفوت ونهضت لتلملم شعرها المنساب وتتخلص من ملابسها الخارجيـة مستعينة بأحد الملابس بالغرفة … ارتدت زي النـوم القصير واقتربت من مرقده … رفعت الغطاء وجلست بهدوء ثم بسطت كفها إليه وأشارت له أن يأتى لحضنها كما أعتاد أن ينام بداخلـه .. قبل ندائها براحة تامة ولكنها تراجع للحظة عاد فيها ليحرر شعرها الذي يلفت حول قلبه فيمنحـه شعورًا بالدفء ..
بادلته بابتسامة خفيفة متناسية كل ما يغضبها منه واستقبلته في حضنها بضمة أم .. شرعت أناملها تتحرك بين جدائل شعـره فتبث بجروحه زهورًا طاردة لكل طباعه القاسية التي تخلص منها يومًا بعض يومًا تحت مظلة حنانها المفرط .. قرر الاثنان أن يعيشـا ليلة صامتة خالية من العتاب والشجار ولا يحاصرها إلا عطر الحُب والكثير من القُبلات .
******
صباحًا .
-شمس يلا قومي افطري .. أنا بعتت أجيبلك الفطار اللي بتحبيـه ..
أخذ يفتح في الحقائب المغلفـة التي يوجد بداخلهـا الفول والفلافل بالأطعمة التي تفضلها … يأس من عدم ردها ترك ما بيده وذهب لعندهـا … شد الغطاء من فوقها فتأوهت بصوت يملأه النعاس:
تميم بقا .. سيبني نايمة شوية كمان !
حملها عنوة متجاهلًا توسلها إليه ورغبتها المُلحة في النـوم … ذهب إلى الحمام وغسلها وجهها جبرًا وهو يقول:
أنتِ نايمة من إمبارح العصر ، نوم أيه تاني ..
ابتسمت بدلال وهي تشد المنشفة وتجفف الماء من فوق ملامحها:
طيب وفيها أيه ، هو النوم على جمرك !!
ثم رمت المنشفـة على كتفه وقالت:
بذمتك مش مرتاح من صداعي طول منا نايمة !
رد مداعبًا:
منا زهقت ، مش لاقي حد اناكف فيه طول الليل ، والهانم غيبوبة جمبي ..
ثم زفر بعجلٍ:
لا بقولك أيه كده ، هنقضيها رغي ، الفلافل اللي جبتها هتبرد .. يلا ناكل وبعدين نشوف حل للنـوم ده ..
جذبها من يدها بالإجبار حتى لم يهتم لرغبتها لأخذ حمامًا دافئًا … جلست معه بجوار الشرفة المُطلة على الحديقة وبلهفة فتشت الحقائب منبهرة:
الله وكمان الطحينة اللي بحبها !
مد لها الخبز المحشـو بأقراص الطعمية وما أن وصلت الرائحة لجوفها تركتها وركضت واضعة كفها على فمها لتتقيأ بالمرحاض … تسرب القلق إلى قلبه وترك الطعام مضطربًا:
ده أيه ده بقا ..
ثم ذهب إليهـا وهتف:
لا كده الموضوع زاد عن حده !! في أيه !
جففت فمها وهي تتصبب عرقًا ثم قالت بشكٍ:
مش عارفـة .. أنا شاكـة في حاجة كده وبحاول اتجاهل ليا فترة ، بس ..
انعقدت ملامحه بقلق وهو يجفف قطرات العرق من فوق جبهتها:
في أيه يا شمس !! شاكة في أيه يا حبيبتي .. تحبي ننزل نعمل تشيك آب ؟!
-لالا يا تميـم ، الموضوع مش مستاهل القلق ده كله ..
ثم زفر على مضض وتردد:
مش عارفة أقول لك ولا لا .. بس
-شمس اتكلمي على طول في أيه ؟!
اتسعت ابتسامتها العريضة ولمعت عينيها بحماس وهي تخبره:
تمـيم أنا حاسة أن الأعراض دي كلها ، أعراض حمـل .. بص أنا مش متأكدة بس في حاجة توحي بكده ..
توقف عقله عن الادراك وقال ببلاهة:
أيوة يعني ده حاجة تقلق !! المرض ده خطر ..
اطلقت ضحكة ساخرة وهي تداعب ملامحه:
مرض أيه يا تيمو .. بقول لك أعراض حمـل ..
تأرجحت عينيها منتظرة رد فعله ، تسمر بمكانه محاول إدراك تلك الفرحة العارمة التي هبطت فوق رأسه من السماء، بلل حلقه الذي جف من هول الفرحة وأخذ يمرر كفه على بطنها ويتأكد مما قالته:
يعني ايه حمل حمل !! يعني جوه هنا في بيبي صغير !!
برجلت الفرحة ملامحه التي تحولت لضياء منبعث ينافس المصابيح فوقـه … يتصبب عرقًا وحماسًا ، تارة يضحك وطورًا ما يبتلع الكلمات بقلبه ، تنهد بسرور بالغ:
شمس أنتِ حامل بجد !!
عانقته بحبٍ متدللة وهي تحاول أن تهدئه:
تميم استنى ، بقول لك احتمال ، أحنا لسه متأكدناش ..
سيل من التنهيدات المتتالية وهو يجمع الحديث بفمه:
ونتأكد ازاي ؟! والمفروض النتيجة تطلع أمتى ..
ثم شدها من يدها:
تعالى نروح لدكتور حالاً ..
-استنى بس .. أحنا ممكن نجيب test من الصيدلية الأول .. وبعدين نروح لدكتور .
هب ملهوفًا بعد ما نالت ملامحها قبلتين متتاليتين وقال بحماس:
طيب اقعدي ارتاحي .. هروح أجيبه وارجع .. حالا مش هتاخر ..
تحرك ليأخذ حافظة نقوده ولكن العجلة غيبت رشده فأخذ بدلًا منها ريموت التليفزيون … عاد مرة أخرى ليصحح اختياره تحت مظلة نظرات شمس الضاحكة على لهفته وفرحته التي أسكرت علقه وقالت:
حبيبي مش كده ركز ..
-متشغليش بالك أنا هتصرف ، ارتاحي هااه ارتاحي .
قال جملته وهو يغادر الغرفة ركضًا لا يمكن لأحد أن يوقفـه أو يقف بوجه صاروخ سعادته …
بإمكان المرء أن يتحمل الألاف من كلمة ” أحبك ” بصوت حبيبه .. ولكنه لا ينسى تلك الرعشـة التي مصدرها صوت سعادتك لا تنسى أبدًا ..
-ماله ده زي القطر واخد في وشه وماشي !
أردفت سميرة جملتها الاعتراضية على مسامع ابنتها شهد التي تتساير معها … طافت عيني الابنة بتخبث:
في حاجة بتحصل في البيت ده وأنا لازم أعرفها !!
ثم جهرت قائلة:
بابا وعمو فين من إمبارح مالهمش أثر !
تنهدت سميرة برتابة:
والله أنا خايـفة وحاطة أيدي على قلبي من اللي هيجرالنا من ورا أبوكي وعمك .
******
عودة إلى الفندق
أدق ما قيل في وصف الحُب :
لم أحبّك لجوعي الشديد للحب، و لم أحبّك لتسد فراغات أيامي الكئيبة .. لم أحبّك لأنني وحيدة و أريد ظلاً أُستظلّ به تحت شمس الحياة المحرقة ..
بل أحببتك لأنك أنت، لأنك المكان الآمن، لأن الخوف معك يتلاشى كأنه لم يكن، أحببتك بسجيتك و بعيوبك و ندوبك حتى في اللحظات التي لم تُحبّ نفسك بها أحببتك كثيرًا و رغبت بك كثيرًا دون توقف ..
يتقطر الماء الفاتر من فوق وجهها وهي تحدق النظر بملامحها الشاحبة بالمراة ، تلك الملامح التي عكرت صفوتها الحيرة … تذكرت تفاصيل حادث ليلة أمس وخوفها الشديد من أنها تفقده للأبـد تلك الخسارة التي لا يمكن أن يعوضها جيش من الرجال بعده !! ماذا ستفعلين يا رسيل ؟! ستختارين الحُب أم رائحته ؟! أخشى أن اختار حبك فأندم !! وأخشى أن اختار رائحته بطفلٍ منك لا يُكفيني !!
كل يوم اتأكد من حبك لي الذي تملأه الفجوات ولكن المرأة ذكية تشم رائحة الحب عن بعد أميال ؟!
وتدرك نظرة الخداع من بين الف وجه ؟!
ما دمت تحبني ؟! لمَ فعلت هذا؟!لما تركتي في وجه الحيرة أحارب الحياة لوحدي .. !
أمام مرآة الحمام ؛ قفلت جفونها الباكية ونحبت ببكاء مكتوب كي لا يصل صوته لقلبـه … ثم حررت خفافيش الغضب من قلبها وقالت بصوت متهدج لنفسها:
وأنا قررت اختار حبك حتى ولو هطلع منه خسرانة .. وهحترم رغبتك يا عاصي ..
تناولت هاتفها وكتبت رسالة نصية لمساعدة الطبيبة تطلب منها اسم دواء لمنع الحمـل بأطراف يدها المرتعشة … فُتح باب الحمام في نفس اللحظة التي أرسلت فيها الرسالة فقلت هاتفها بسرعة وعادت لتغسل وجهها مرة أخرى كي تمحو آثار الألم..
طوقتها يداه من الخلف وهي تتنقل على سطح بطنها بحُرية تامـة … قفلت ماء الصنبور وجففت وجهها بالمناديل الورقية وهي تشاهد انعكاس صورتهما بالمرآة ، هناك رجل غارق ببحر الحب حتى الموت وهناك فتـاة يتقاذفها الموج هنا وهناك بدون شفقـة .. بللت حلقـه الجاف وسألته:
عامل أيه النهاردة ! أحسن ؟!
ردت بنبرة رجل سكير تجرع زجاجة خمر الحب لقعرها وقال:
بقيت أحسن ..
أومأ بخفوت لاجئة إلى الصمت الذي قطعه بكلمات اعتذاره:
اعذريني عشان مقدرتش خوفك وقلقك من حادثة امبارح ووقفلت جفونها متذكرة تفاصيل الساعات الماضية التي مضت على قلبها المحترق وهو يطفئه بالحب قُبلة قُبلة ، فقاطعته قائلة:
متعتذرش ..
واجه عيونها المنكسرة بالمرآة:
يعني نفسيتك بقيت أحسن دلوقتي ؟!
تنهدت مجمعة شتاتها وهى تدور كالفراشة حول حصار يده راسمـة ابتسامة من قعر الجرح وسألته:
دراعك بيوجعك !!
نفذ صبره من اسئلتها المتكررة عن أوجاع ، فنزع رابطة ذراعه الطبية وألقاها بالأرض وقال بمزاح:
ياستي وادي الشريطة اللي مضايقاكي ومفهماكي طول الوقت إني موجوع ..
بادلته بابتسامة خفيفة وقالت معتذرة:
اسفة على كل كلمة قولتها في ساعة غضب ، أنت عارف أنا بحبك أد أيه .. ممكن تنسى اليومين اللي فاتوا خالص .. وانا خدت وعد على نفسي مش هزعلك أبدًا ..
-ياسيدي !! وايه اللي حصل عشان اسمع الكلام الحلو ده !
تنهدت وهي تمرر يدها على شريطة الجروح الموجودة فوق حاجبه وقالت بأعين دامعـة:
حادثة إمبارح فوقتني .. واثبتت لي إني مستحيل اخسرك أو اضحى بحبنا لأي سبب .. عاصي أنتَ طلعتني من البحر وعلى أيدك اكتب لي عُمر جديد ، وانا قررت إني اوهب لك قلبي من وقت ما دق .. اسفـة أنا مهما حصل والله مش هزعلك تاني …
تلقي بإبهامه دمعة منبثقة من طرف عينيها وقال معاتبًا:
طيب في حد يعيط وهو في حضن حبيبه !
اجهشت ببكاء شديد وهي تعانقه:
بتخيل لو حصلك حاجة انا كنت هعمل ايه؟!! أنا خلاص مبقتش عايـزة حاجة من الحياة غير وجودك جمبي ..
ثم همست له راجية:
هطلب منك طلب .. أياك يوم توافق نكون فيه مش مع بعض ..
رجل مثله دومًا ما تخدعه الكلمات وتفر منه في الوقت الذي هو بحاجة لهـا ، لقد كَانت لَحظَة غرق أكثَر مِن كونِهَا لحظة اعتراف .. أدرك وقتها معنى أن المرء خُلق من روحٍ ، روح يعود إليها ليشعـر بالسكينة .. جولة جديدة من الحب بدأت بين قلوبهم ولكن تلك المرة خالية من الحزن والعبرات التي استبدلتها بقبلات جمـة … وفي تلك الأثناء المليئة باللذة واعتراف الحب ، ضاءت شاشتها بوصل رسالة نصيبة من الطبيبة تصف لها اسم الدواء:
كل يوم حباية يا مدام حياة ……
*********
يجوب خطاوي الغرفة بقلق وخيم وكل خطوة يليها بصوت دقة خفيفة على الباب منتظرًا نتيجة اختبار الحمل الجديد:
هاه يا شمس لسه ؟!! أنتِ جوه كل ده بتعملي أيه !!
عاد ليضرب كفوفه ببعضهمـا بتوتر:
يعني ليه كل ده !!
فتحت الباب بقلق يتقاذف من مقلتيها تركت الاختبار فوق المنضدة وقالت بعد تنهيدة قوية:
أنا قلقانة ..
أخذها لحضنه ومسح على شعرها وهو في أشد الحالة لمن يواسيه:
المفروض نعرف أمتى !!
-شويـة كده ..
ثم أشارت ناحية الجهاز وقالت:
بعد الساعة بالكتير لو ظهر خط أحمر كمان يبقى …
طالعته ببريق لامع من أعينها:
يبقى كده حامل يا تميم ….
شد المقعد الخشبي أمامه وقال بلهفة:
قاعد له أهو ساعة اتنين لا اخر اليوم .. لحد ما اشوف الخط الاحمر التاني.. انا فاضي له أهو مش ورايا حاجة ..
صوت دق الباب قطع حماسهم .. تحرك تميـم ليفتحه فوجدها شهد تخبره:
الحارس تحت بيبلغك أن عاصي أخوك امبارح بالليل عمل حادثه هو ومراتـه …..
في تلك اللحظة التي لم يستطع فيها إدراك الأمر رن هاتفه من المحامي الخاص بشركاتهم وأخبره:
تميم بيه .. في حاجة غريبة حصلت ،النهاردة مراد المحلاوي رفع دعوى فيها بيطعن بنسب عالية وعاصي لخال
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثامن والستون 68 - بقلم نهال مصطفي
مبروك عليك مناقصة مراسي يا هندسة .. كده أنتَ حبيبنـا
يتطاير الغضب من بين ثنايـا وجهه إثر فعله واستسلامـه لجملة التهديدات المتتالية التي انهالت فوق رأسه ، تجنب الأذى المهني والعاطفي الذي كان يحاصـر زوجته وصغيرها منفذًا أوامـرهم حتى ولو كانت تخالف مبادئه ، فتحت عالية باب الغرفـة التي يقطن بها منذ ساعات والسخط يحاوطها، وهتفت صارخة :-
أنت عملت كده ؟! انطق يا مراد ، اللي قاله تميم ده صح ؟!!
فارق مقعده الهزاز واضعًا يده بجيبه وقال مبررًا :-
عملت الصح .. وأهدي يا عالية وأنا هفهمك .
انفجر بركان غضبها بوجهه بصرخة مبطنة بالعجز والذهول:-
صح أيه !! أنتَ بتقول أيه ؟! ومين فهمك أن ده الصح ؟! أنت مصدق نفسك !!
حاول الإمساك بذراعيها لتهدأ ولكنها ثارت أكثر بوجهه لتتهمه :-
أنت معملتش الصح ، أنت رجعت لأصلك واللي كنت مخطط له من الاول !! بان وشك الحقيقي اللي حاولت شهور أنساه يا مراد .
ثم رمقته بنظرات السخط والاستنكار :-
أنا ازاي اتخدعت فيك للمرة التانية !! أنت عملت كل ده عشان الفلوس ؟! بتحارب أخواتي بدل ما تقف معاهم ! بتجر عداوتهم ليه ، كفاية اللي هما فيه ، حرام عليك .
ثم انفجرت مشدوهة وهي تضرب صدره بانفعال:-
أنتَ ازاي طلعت كده !! ليه تعمل فيا كده !
أمسك بمعصمي يدها كي تكف عن حالة الانهيار التي انغمست فيها بدون سيطرة :-
عالية أنتِ مش فاهمة حاجة .. متعمليش فيا كده .. أهدي أهدي عشان ابننا ! أهدي عشان نعرف نتكلم .
تصرخ متوسلة متضرعة له كى يصمت :-
بس بقا كفاية كذب .. أنتَ واحد كذاب يا مراد ، أناني مش بيفكر غير في نفسه وبس .
ثم أخذت تهذي فى كلمات انطوت فى ثنايا صراخها :-
ومتقولش ابننا دي !! ده ابني لوحدي وهربيه لوحدي ، أنت مجرد اسم وبس ! فاهم … اسم وبس ويارب ابني يسامحني على الغلطة دي .. غلطة إني مخترتش رجل ينفع يكون له أب .
كانت الكلمات سكاكين حادة تنهش بقلبه نهشًا .. دخلت سوزان إثر صوت صراخ ابنتها متسائلة :-
في ايه ؟!! مالكم .. في ايه ياعالية .. ما تتكلم يا مراد ..
انفلتت من أمامه وفتحت خزانة الملابس والحقيبة الكبيرة وأخذت تلملم ملابسه بجنون وهي تهذي مع نفسها :-
قولها !! قولها إنك خدعتني للمرة التانية .. قولها أد أيه أنت ندل وحقيــر !
ثم رمت بعض ملابسه بالأرض ووجهت الحديث لأمها :-
البيه اللي بينام على سريري راح رفع دعوى عليا أنا وعاصي ، بيطعن في نسبنا عشان يورث خالته .. شوفتي البجاحة وصلت لفين !!
ضربت الأرض بقدميها في حالة من الغضب والعجز :-
أنت ازاي تعمل فيا كل ده ! هونت عليك طيب ؟!
واجهته سوزان بأعينها المتسعة التي تحمل التوبيخ :-
صحيح الكلام اللي عالية بتقوله ده يا مراد ! أنت عملت كده ! لا آكيد في حاجة غلط !!
لم تمهله الرد اندفعت نحـوه وانهالت عليه بالضربات الجنونية وهي تدفعه للخارج :-
اطلع بره .. بره ، مش طايقة اشوفك ! مش عايزة اشوفك تاني ..
ركضت سوزان خلفهم تحاول منع ابنتها عما تفعله :-
استنى يا عالية نسمعه .
ردت بصراخٍ :-
مش عايزة اسمع حاجة ولا عايزة أشوفه قُدامي بره يا مراد بره .. عمري ما هسامحك .
وصلوا الثلاثة إلى الطابق الأسفـل حتى وقف مراد مستجمعًا شتاته ووقف أمامها بأعين يحاصرها الحزن وقال مبررًا :-
أنا مقدر رد فعلك ، بس أنا عمري ما جرحت ولا هقدر أجرحك يا عالية .. بس الريح المرة دي أقوى مننا كلنا فـ كان لازم ..
قاطعته صارخة بنبرة قوية اخترقت طبقات السحاب :-
كان لازم تفضحنا وتكشف سرنا قدام الناس وتخلي رأسنا في الأرض ، أنا رفضت اتكتب على اسم بابا عشان عاصي وتميم مفيش حاجة تمسهم ولا حد يستغل موضوعي ويعكر عليهم حياتهم ..
ثم فاض الدمع من عينيها :-
يا خسارة يا مراد ، يا خسارة ..
فأشارت ناحية الباب بسبابتها وقالت بحرقة:-
اطلع بره ومش عايزة أشـوف وشك تاني مهما حصل .. أنت انتهيت بالنسبة لي .
عارضها بحسم :-
مش رايح في مكان غير لما نتكلم وتسمعيني يا عالية، أنا مقدرش اسيبك كده .. ولا هقدر أبعد عنك .
رن جرس الباب في تلك اللحظة التي جاءت الخادمة ركضًا لتفحه فظهر منه كريم بوجهه المبتسـم وقال بترحاب :-
وحشتوني يا جدعان والله !! فينكم من زمان. ؟!
جففت عالية عبراتها بسرعة وقالت بندم :-
كنت عاملالك مفاجأة مع كريم .. وليا أسبوع بجهز تفاصيل اليوم ده ، بس أنت خربتها وخربت كل حاجة .. عاجبك كده ؟!
أحس كريم بأن هناك شك بالأمر ، فأقبل إليهم بعيون جاحظة :-
مالكم يا جماعة ، هو في حاجة ولا أنا متهيألي !!
تنهدت عالية بألمٍ :-
أقول لك ، خليك أنت هنا ، أنا أصلا مش طايقة البيت كله .. أنا راجعة لأخواتي يا مراد .. وأول واحدة هتقف في وشك هي أنا .. فاهم !
وقف كريم أمامها كي يمنع رحيلها :-
ماتستنى يا عاليـة !! آكيد في سوء تفاهم .. ما تتكلم يا مراد .. مراتك مالها؟!
تجاهلت حديث كريم وانصرفت من أمامه ركضًا ، كاد مراد أن يلحق بها فأوقفته سوازن بحزم وأشارت لكريم :-
روح ورا عاليـة يا كريم .. وأنت يا مراد تعالى عايزاك .. أنا لازم أفهم في أيه ..
قلبي في الحب صادق جدًا وجميل للحد الذي يمكن أن تغار منه الفراشات ، أشعر بأن ذلك القلب خُلق ليعطي الحُب واللحن وكل الأشياء التي تمد الحياة بالسعادة ، ولكن مَعك فقط أحببت طريقتي في إعطاء هذا الحُب .. معك بات الحُب حُبين .. والقلب قلبين أحدهما أن غضب رق الثاني فورًا ، ألا أخبرك بأنني أحببت الحُب معك !!
انتهت حياة من لف الضماد الطبي حول مرفقـه بعناية بعد ما وضعت الكريم المُسكن فوقه حتى تلاقت أعينهم وسألته :-
تمام كده !! لسه بيوجعك !
هز رأسه متبسمًا ليطمئنها :-
ياستي متكبريش الموضوع بقا .. عادي بتحصل .
عاتبته بعينيها التي يتقاذف منها الخوف :-
أنتَ اللي حملت عليها طيب ومُصر تتعب نفسك بزيادة ، تاني مرة تخلي بالك .. مش كل شوية هتخض عليك كده .
لمعت عيناه بلائلئ حبها وهو يداعب وجنتها :-
وأنا معاكي بنسى الدنيـا بحالها ..
ثم انكمشت عينيـه متسائلًا بتخابث :-
أحنا بقينا الضهر ، أنت نسيتي شغلك !! مش عندك ميعاد بردو !
أرجعت خصلة من شعرها وراء أذنها بتوتر وأخذت تلملم في حقيبة الإسعافات الأوليـة :-
هااه !! ااه منا لغيته ، مش هقدر اسيبك في الحالة دي وانزل .
ابتسامة ماكرة اندلعت من شدقـه وهو يراقبها بعينيه الصقرية ويراقب تصرفاتها العشوائية عندما تريد أن تخفي شيئا ، اتكأ على مسند الأريكـة وبسط ساقيه واضعا واحدة فوق الآخرى وقال بخبث :-
أول وآخر مرة تعملي كدا !! لو عايزة تنجحي في البزنس يبقى مشاكلك الشخصية متأثرش على مواعيدك وشغلك فاهمة .. الشغل شغل !
وضعت صندوق الاسعافات بمكانه وعادت إليه بعد ما لملمت شتات فوضويتها قليلًا وقالت بتوجس :-
اللي حصل حصل .. أوعدك المرة الجاية هعمل كده..
ثم جلست على طرف الأريكة بجوار لتكون أمام مرمى عينيـه بالضبط وقالت :-
غريبة !! بقيت متحمس لشغلي أكتر مني وبتديني نصايح كمان !!.. مش شغلي ده كان مسبب لك أزمـة من يومين اتنين بس .
اعتدل في جلستـه واقترب منها قائلًا بنظرات مشحونة بالتحدي :-
بصراحة لما فكرت فيهـا ، قلت ليه لا ؟! أنا كعاصي مش بحب اشتغل في مكان من غير منافسـة .. فيها أي لو المنافس بتاعي بقا بالحلاوة دي .. كده هحب الشغـل أكتر ..
ثم غمز لها بطرف عينه بعمزة ساحرة :-
المهم الخصم ميستسلمش من أول جولة ويكون نفسه طويل زيي .. عشان يحلو اللعب .. ويحلو المكسب .
كل يوم أتأكد أن رغبتي فيك صادقـة جدًا لم أكن عندهاتحت تأثير أغنية أو فترة اضطرابية ، كنت بكامل قوايا العقلية والقلبية أريدك بطريقة أعمق مما أظن، وتظن وأي حد يظن .. تأرجحت عينيها بريبة وشك وهي تحاول إدراك ما يشر إليه بكلماته العذبة ، فسألته بشفاة مرتجفة :-
ومش هتزعل مني لما أخسرك !
ارتسمت ابتسامه واسعه على محياه والتف ذراعه حول خصرها العارٍ وهمهمَ بثبات:-
هرجع بالليل وأخد حقي منك ، وأعوض خسارتي .. نبقى كده خالصين 1:1 ، والصبح نبدأ من جديد !
فتلك المرة حالت نظراتها من القلق الى الحماس ؛ فسألته :-
طيب على فكرة في دي كمان أنا ممكن أغلبك ؛ كده هنبقى 2:0 يا عاصي بيـه .. قول لي هتعوض خساراتك الكتير إزاي .
أصدر صوتًا اعتراضيًا وهي يتذوق ملاذ الشهد من كلماتها وقال :-
تؤ .. خسارة الشغل شطارة منك ، أما الحاجات التانيـة مستحيل ، بس لو حصل هيبقى بمزاجي .
ختم جملته بتذوق ثمرة ثغرها المرتعش بقُبلة خفيفـة وأخذ بعدها نفسًا طويلًا ثم قال :-
موبايلي فين ، نشوف شغلنـا بقا ..
تلعثمت شفتيها التي طُعمت بسكر الحب وقالت بخفوت :-
زهقت مني بالسرعة دي !
-اسمها بهرب منك عشان عمري لو خلص جمبك مش هحس بيه .
وضعت أناملها فوق شدقه ليصمت ، متوسلة له:-
ما تقولش كده تاني .. بعد الشر عنك .
تعانقت الأعين للحظات ثم انصرفت من أمامه وركضت نحو حقيبتها وأخرجت هاتفـه ، أخذت تبحث بالغرفة عن شاحن كهربائي حتى وجدته .. وضعت الهاتف بجواره وأخبرته بهدوء :-
هاخد شاور وجاية ، تكون شوفت شغلك .
فتح عاصي هاتفه الذي انهالت عليه الإشعارات الصوتية واحدة تلو الآخر ، والرسائل النصية التي تخبره بهويـة المتصـل .. انكمشت ملامحه متعجبًا :-
أيه الاتصالات دي كلها !!
دارت إليه وهي تحمل المنشفة القطنيـة وقالت :-
كلم تميم طيب ، اطمن عليهم الاول .. بالمناسبـة ، كلمت البنات الصبح وقولتلهم إني راجعة بالليل ..
تجاهل جملتها ورفع حاجبه مندهشًا :-
شيرين بتتصل !!
رمت ما بيدها وتبدلت ملامحها فجأة واندفعت نحوه :-
والله !! ودي بتكلمك ليه ! رد ..
ابتلع ابتسامته المندلعة من نيران غيرتها الحارقة ، وكان أن يُجيبها ، فأشارت له بحدة:-
افتح المايك ..
لبى طلبها مطيعًا ، أجاب بنبرته الخشنة التي لا تميل إلا مع حياته :-
شيرين !! خيـر .
اتاه صوتها المرتجف من شدة القلق وقالت بلهفة اشعلت حقلًا من النيران بجوفها :-
عاصي أنتَ كويس أنت فين !! أنا عايزة اجيلك اطمن عليك ..
كادت أن تنفجر بوجهه ولكنه حدجها بنظرته الحادة وقال :-
جات سليمة ياشيرين ..
أصرت بإلحاح :-
أنا لازم اشوفك عشان اطمن ، أنت في أي مستشفى ؟!
رد برسمية :-
مفيش داعي ، أنا ساعة وهكون في القصـر ..
انخفضت نبرتها بحنو :-
هستناك ..
شدت حياة الهاتف من يده وأنهت المكالمة بغلٍ :-
ايه المسخرة دي !! عاصي البنت دي عينها منك و مش ناوية تجيبها لبر ، ولحد دلوقتِ أنا ساكتة بس عشانك .. ياما تنهي المسخرة دي ، يااما هنهيها أنا .. اتفضل اعملها بلوك حالا .
عارضها بإصرار :-
ليه ليه يا حياة ، معاكي أن ابوها وعمها مش ناويين على خير ، لكن البنت معملتش حاجة وحشة عشان أعاديها زيهم .
أقفلت جفونها بتحدٍ وعناد وبنبرة غير قابلة للجدال :-
اعملها بلوك يا عاصي .-
لا يا حياة ، واتفضلي اجهزي عشان السواق هيوديكي المطار .
شدت الهاتف من يده بعنفوان وابتعت عنه وحظرت رقم شيرين من عنده وهي تتمتم :-
انا بتكلم معاك ليه اصلا .. طيب أهو .
ثم اقبلت إليه :-
ولو البلوك اتلغى يا عاصي ورحمة قنديل المصري ما هتشوف وشي تاني .. فاهم !
حدجها بذهول :-
أنتِ اتجننتي خالص .. يالا يا حياة خليني اشوف المصايب اللي مستنياني .
ردت بنبرة منهية للحديث :-
يلا على فين ؟! أنا رجلي على رجلك ….!!
تحولت لقطة شرسة تحمي حبيبها من أي خطر ، قررت ترافقه كظله لا تود أن تفارقه أبدًا كفتاة تشارك حبيبها معطف صوف يحتميان فيه من برد الشتاء ، أن تستمد الدفئ والحنان والحب من قربه و أن يبقى دومًا هنا في بقعة بين قلبها وعيّنها كي يطمئن قلبها المتيـم …
يتحدث تميم مع العسـكري القادم من قسم الشرطة يطلب بحضور المجنى عليـه عاصي دويدار للأدلاء بأقواله ، زفر تميم بغضب :-
يعني الحادثة طلعت بفعل فاعل ومدبرة ، مش قضاء وقدر .
أجابه العسكري :-
لازم عاصي بيه يجي عشان نقفل المحضر ..
ربت تميم على كتفه :-
اول ما اوصله هبلغه ، حاليـا محدش فاهم حاجة وبكلمه مش بيرد .. اتفضل انت .
انصرف العسكري فـ جاءت شمس التى تراقبهم بعيـد وسألته بقلق :-
وصلت لحاجة ؟! عاصي كويس ؟!
-كلمته وجاي …
انضمت لهما نوران باضطراب :-
صحيح الكلام اللي قالته البنت الصفرا دي !! عاصي عمل حادثة ؟!!
أومأت شمس بالإيجاب، فأردفت نوران بحماس:-
طيب هو وحياة فين ؟!! حصلهم حاجة؟!
توقف السيارة الأجرة أمامهم فدلفت منها عالية المنهارة التي اندفعت بكل قوتها ناحية تميم ، دفع كريم الأجرة وتابع خُطاها ، فتمتمت نوران بحنق :-
كريم !!!!!!!
تحاشت النظر إليـه تمـامًا واقترب من عالية التي تتضور حزنًا وهي تمسك بيدي تميم وتقول باستياء :-
أنا أسفة يا تميم .. والله ما كنت أعرف حاجة ، معرفش أنه خاين وكذاب كده .. انا مستحيل أرجع له ..
كارثة الإنسان الحنون هو إعتقاده بأن الجميع مثله ، الجميع صادق لا يكذب ، لا يبخل ولا يخدع حينها يفوق على صفعـة مثل التى فاقت عليها عالية ..
تدخل كريم مدافعًا عن أخيه :-
يا جماعة أكيد في حاجة غلط .. مراد مستحيل يعمل كده .. وانتِ كمان يا عالية اهدي ، المفروض إنك أكتر حد عارف مراد .
انفجر تميم بوجهه بعد ما ضم عالية لحضنه وقال :-
أخوك هيفضل طول عمره ندل وعمره ما هينهي بحور العداوة ما بينـا .. وديني ما هرحمه .
تدخلت شمس لتلطف الموقف بإحراج :-
كريم ذنبه أيه بس يا تميم !!
ثم دارت بأعينها المعتذرة إليه :-
معلش يا كريم ، اعصابهم تعبانة شوية ، حمد لله على سلامتك .
رد مرغمًا :-
الله يسلمك يا شمس …
عادت شمس لعالية وأخذتها من حضن تميم لعندها وعانقتها بحنان :-
اهدي يا حبيبتي عشان صحة البيبي .. كله هيتحل ..
تجاهلت نوران الغاضبـة وجود كريم ونظراته المتوقة إليها وقالت لعالية بحنق :-
متزعلش يا عالية، واضح أن العيلة كلها ناقصة .. ومش عند كلمتها ..
اقتحمت سيارات عاصي برجاله القصـر في تلك اللحظـة فتشتت شمل الجميـع ، هبط عاصي من سيارته وتابعته حياة التي رفضت العودة قطعًا بدونـه .. أشار لرجاله بنظرة لم يفهمها سواهم .. أسرعت حيـاة لعالية الباكيـة ، فضمتها لتهون عليهـا عناء الخذلان :-
روقي يا عالية ، سوء تفاهم وهيتحل .
خرجت عائلة شاهين من القصـر عند سماعهم لصوت الضوضاء بالخارج .. ركضت شيرين ناحيـة عاصي بلهفـة :-
عاصي! سلامتك كنت هتجنن لو حصل لك حاجة .
عادت حياة لعند زوجها الذي لم توجه له بنت شفة طول الطريق ، تغلغلت أصابعها بفراغات يده وطالعت شيرين بغضب :-
سلامتك من الجنان ، عاصي حبيبي بخير وزي الفل .. متقلقيش ..
ثم تدخلت نوران لتنتقم منهن وقالت بدلالٍ يحمل الكيد :-
سلامتك يا باشـا ، معلش العين فلقت الحجر ، ودي كانت عين تنين أصفر وقصير .
ثم مالت لعنده بصوت مسموع وأكملت :-
وبعدين بلاش الحركات الحلوة دي في الجنينة ، أديك شوفت عنيهم بتوصل لفين !
أنهت حديثها بغمزة بسيطة لحياة التي أكملت قائلة بخبث :-
عندك حق يا نوران والله .. أنا مش عارفة الناس الوحشة عايزة مننا أيه !
هتفت شمس بامتعاض من ألاعيب اختها وقالت بحدة :-
نوران !!
زمجرت رياح غضب عاصي وقال لأحد رجاله :-
مراد المحلاوي يكون عندي النهاردة .. لو كان في بطن الحوت تجيبوه ، يلا اتحركوا .
تدخل كريم موضحًا :-
عاصي مش كده ، سيبني أنا هتكلم مع مراد وافهم منه .
رد باختصار :-
أخوك جاب أخري اللي ما ينفعش فيه كلام !!
ثم دار ليلتقى بشاكر وشاهين الأخوين وافقين بجوار بعضهم البعض .. تحرك عاصي بخطواته الواسعة واتبعه الجميع إلا نوران وكريم الذي أردف قائلًا :-
مفيش حمدلله على السلامة يا كريم ؟!
تمتمت بإمتعاض :-
هي فين السلامة دي !! أنت جاي بمصايب الدنيا في أيدك ولا مش شايف !
عقد حاجبيـه مندهشًا :-
ليه بس ، وأنا كنت عملت أيه .. أنا سايبهم مولعين في بعض ورجعت بردو لقيتهم على ده الحال.
ثم مال هامسًا :-
أنا سبت الدنيا كلها ورجعت عشانك يا نوران .. وحشتنى نار الجماعة اللي عايشين هنا ..
دارت إليه فدار معها شعرها المعلق على هيئة ذيل حصـان وقالت :-
ارجع مكان ما جيت يا كريم .. لو راجع عشاني فـ أنت رجعت متأخر ، راجع بعد ما بطلت استناك .
كادت أن تنصرف ولكنـه وقف أمامها ليمنع خُطاها :-
نوران استنى ، أحنا لازم نتكلم .
احتشدت العبرات بمقلتيها :-
مفيش ما بينا كلام ممكن يتقال بعد ما دموعي خلصت عليك ..
ثم بللت شفتيها التي جفت من حرارة الذكرى وقسوتها عليها :-
أنت سافرت وسبتني في أصعب وقت ، وأكتر وقت محتاجة لك فيه .. بس دلوقتِ أنا مش محتاجة لك ولا عايزة أشوفك تاني .
ثم تأرجحت عينيها الباكية ، تردف بصوت متهدج :-
ابعد عن طريقي قبل ما حد ياخد باله .. كفاية أوي لحد كده .
-ليه كل ده يا نوران !! أنا أهو رجعت .. ليه القسوة دي ؟!
مرارة أن تشرح لشخصٍ أن موقفك الجاف كان دفاعًا عن قلبك وعن قسوة ما عانيته خلال فترة غيابه .. والعلقم المرير أن يكون هذا الشخص شخص تحبه كثيرا ولا يمكنك البعد عنه !! غزا قلبـه صداع عنيف من صمتها ودموعها وسألها بمرارة:-
يعني بطلتي تحبيني ! بطلت أجي على بالك كل يوم قبل ما تنامي ؟! دانتي حتى بطلتي تردي على اتصالاتي .. أنا وعدتك إني عمري ما هسيبك .. بتسيبني أنتِ !!
أسقط قلبه بين يديها ، اغرورقت عينيها وسرعان ما التقمت عبراتها إثر رؤيتها لشهد ، فابتعدت عنه جبرًا :-
خلاص يا كريم …..
في ساحة القصـر ..
جهر عاصي مُعلنـاً وهو ينزع سترته السوداء ويرميها على المقعد ، أخذ يثني أكمامه بهدوء يـبث القلق برؤوس الجميع:-
الـ 48 ساعة خلصـوا .. كده عداني العيب !
قهقهه شاكر باستهزاء :-
نعـم ، سبق وقلت لك أحنا مش هنمشي من هنا غير لما الحق يظهـر والمال يرجع لصحابه !!
أصدر إيماءة قوية وهو يقتـرب منه بتحدٍ :-
بمناسبـة المال وصحابه .. البيت اللي شهاب دويدار خلاني اشتريه من 17 سنة مع المحامي ، عشان يعملكم قيمة بين الناس .. بيتهد حاليـا .. ده لو مكنش بقا كوم حجارة …!!
ارتفعت الهمهمات وتعالت النفوس المشوهه بـ داء التمرد إثر ما سقط على مسامعهم ، فجهر واثقًا :-
زي ما سمعتوا .. البيت مكتوب باسمي وهديته ، وناوي اسيبه كده .. بس أحنا دلوقتِ قدام مشكلة بسيطة ..
ثم مال على أذني شاهين وأكمل :-
لما تطردوا من هنا هتروحوا على فين …!! قصدي لو فشلتوا أنكم تاخدو شبر واحد من أملاك دويدار هتعملوا ايه !! نصيحتي كلموا للأخر عشان لو مخدونش البيت ده هتقضوا باقي عمركم فالشارع .
تدخلت شيرين صارخة :-
عاصي !! أنت هتطرد أهلك مـأخرسها بإشارة واحدة من يده لتتحول كلماتها لعبرات مترقرقة .. تدخلت شهد التي ثارت من نظرات نوران الشامتـة :-
ما تقول حاجة يا عمو ..؟! ده بيبجح فينا كده قدام اللي يسوى واللي ما يسواش !
هز شاكر رأسـه بـ غضب مدفون ولكنه قرر بنصب فخه بوجه عاصي ، وقال بعد ما أخرج دفترًا من حقيبته السوداء :-
ده كان زمـان ، قبل مـا ….
ثم أخرج الورقـة التي تثبت تنازل تميم عن نصيبـه :-
شوف دي !! دي ورقة تنازل تميم عن نصيب .. بيع وشرا لعبلة ..
بدأت علامات النصر ترتسم على ملامح آل دويدار ، أكمل شاكر موضحًا :-
ودي الورقة اللي تثبت أن عبلة عمرها ما هتخلف ، لانها شايلة الرحم من قبل ما تتولد …
تمددت ابتسامة شاكر بشر دفين واخرج ورقة آخرى :-
ودي ورقة كمان ثبت أن عاصي ابن تحية ، اللي مفيش بينها وبين شهاب أخويا ألا ….
ثم غمز بطرف عينه :-
كلنا عارفين ..
ثم أخرج آخر ورقة وقال :-
ودي صورة من المحضر اللي عمله مراد المحلاوي صاحب المصلحة اللي بيطالب بنصيبه في ورث خالته .. ومن بكرة هيطلبوا عاليـة ويتعملها تحليـل DNA ..
ثم تدخل شاهين بحوارهم المشحون :-
أنتَ اللي طلبت عداوتنـا يا ابن أخويـا .. أحنا بس عايزين الحق .. بس أنت اللي غاوي محاكم وفضايح ..
تدخلت شيرين الباكية وهي تتوسل لأبيها:-
بابا أنتوا بتعملوا أيه ؟!! على أخر الزمن ولاد دويدار بيقطعوا في بعض !!
شدت سميرة ابنتها كي تفسح مجالًا لأبيها للحديث .. تدخل شاكر قائلًا بدهاء :-
بس في حل وهنعيش حبايب طول عمرنا وعيلة وعزوة …
تبادلت الأعين الحائرة حتى هتف تميم قائلًا :-
عايز تقول أيه !! حابب اسمع .. يمكن يعجبنا
تأرجحت عيني شاكر بتردد :-
طيب ما نتكلم لوحدنا من غير حريم !! عشان الكلام اللي هقوله هيزعل .
اتسعت الأعين المتجولة والحائرة بينهم ، تمسكت حياة بيد زوجها لتتحامى به ، فأجابه عاصي :-
هات اللي عندك ..
هتف شاكر بحماس :-
نتراضى ونحط ايدنا في ايدين بعض … المحاضر تتلغى والفضايح تتلم .. في سبيل وواقترب خطوتين منه وأكمل بتخابث :-
شاهين أخويا كده كده كل فلوسه هتروح لبناته ، وأنا زي ما أنتو عارفين لا عيل ولا تيـل .. هاخد بس الشركة والمصنع اللي ف الشرقية وكده مرضى ، وكل واحد فيكم يتجوز واحدة من بنات أخويا ويأمن مستقبلها ، ونعيش أسرة سعيدة مع بعضينـا .. أيه قولك؟! من غير شوشرة وفضايح .. ونخلط الزيت في الدقيق .
شهقة مرتفعة اندلعت من أفواه الجميـع وملأت الهواجس أعينهم .. ثار الجميع إلا عاصي وقف ثابتًا يطالع كل من حوله بأعين حازمـة ، تمسكت شمس بزوجها كإعلان ملكية ، واقتربت حياة من زوجها أكثر وهي تنفجر بوجه شاكر :-
أنت مجنون !! جواز أيه اللي بتتكلم عنه ؟! ما تقول حاجة يا عاصي ..!
أجابها شاكر :-
شرع ربنا يا مدام ، وكله بالشـرع .. وأهو بدل ما تطلعوا بجرس وفضايح بحاول نفكر بصوت عالي ونلم الموضوع ..
تدخلت سميرة ساخطة :-
وانا مش هجوز بناتي لولاد دويدار ، على جثتي .
لمع بريق الأمل بأعين شيرين وقالت بحماس :-
عمو شاكر بيتكلم صح … بدل العداوة والكراهية وولكزتها شهد لتصمت فابتلعت بقية الكلمات بجوفها .. هبت الكلمات من فم الجميع كل منهما يعبر عن اعتراضه بطريقة مختلف حتى حسم صوت الرعد الامر وجهر بجبروت رُجت له الجدران :-
خلصتـوا !!!
هتف شاكر متحمسًا منتظرًا رد عاصي الذي غمغم بهدوء ما يسبق العاصفة :-
هجاوبك متستعجلش ..
ثم أشار لبكر إشارة فهم مغزاها جيدًا ، عاد عاصي لعمه وقال :-
بصراحة ديل ما يترفضش .. لو فكرت بالعقل هنطلع أحنا الكسبانين منه ، هدوان سر وفلوس وبنتين حلوين !!
تمتمت حياة بتوجس :-
عاصي !!
ضغط على كفها وكأنه يخبرها بأن تثق به .. زفر بضيق ثم قال :-
ومن اللحظـة دي لحد ما تثبتـوا أن ليكم حق هنـا ، محدش يقعد في بيتي ..
ثم طالع محشد الرجال بالخلف وآمرهم بنبرة لا تقبل نقاشًا :-
نضفوا البيت من اللي فيه بالقوة …..
🦋 الفصل السابع 🦋
شيءٌ واحدٌ يمكنُ أن يجعل الحلم مستحيلاً، إنه الخوفُ من الفشل-باولو كويلو.••••••••حول طاولة الاجتماعات الخاصة الاي لا يجلس حولها إلا مراد وروفان ، نظر مراد على ساعة يده ثم أردف متسائلًا :-
أنا من حقي أعرف دلوقتي ، عزمي بيه وعادل بيه الشيمي هيستفادوا أيه من ورا حرب ولاد دويدار !! في لغز محتاج أفهمـه .
تزحزحت أعين ” روفان ” عن شاشة الحاسوب الإلكترونية وتركت القلم من يدها قائلة :-
المكتب اللي أنت شايفه ده عبارة عن دايرة معارف ، كلها مصالح .. فـ وجود أي حد في اللعبة دي كله بدافع المصلحة وبس ..
ثم فارقت مقعدها وجلست بالمقعد المجاور له وأكملت :-
كل واحد له مصلحة غير التـاني .. زيك أنت مثلا مناقصة على أرض بـ ١٢٠ مليون جنيه بعتت مقابلها مراتك وأخواتها .. وكان ممكن تخسر أكتر عشان تكسبها .
ابتلع أشواك إهانتها بابتسامة خبيثة وسألها ليشتت تركيزها عن ذلك الموضوع :-
اشمعنا أنا ؟!
ابتسامة انتصار ارتسمت على شدقها وقالت :-
أنتَ الوحيد اللي مدام جيهان بتثق فيه ، والوحيد اللي قدر يقنعها تعمله التوكيل عشان يرفع دعوى باسمها .. ونرجع لنفس النقطة ألا وهي المصلحة يا بشمهندس !!
ثم بسطت كفها أمام عينيـه وقالت بدهاء :-
المصلحة بتجمع الأشخاص في كفة واحدة ..
امتدت سبابته ليزيح عن وجهها خصلة متطايرة وأكمل بنفس الابتسامة الماكرة :-
وروفان هانم معقولة متعرفش أيه نوعية المصلحة اللي تجمع كل دول في كفة واحدة !
أصدرت صوتًا نافيـا وبشفاه ممتدة ؛ هتفت ببطء :-
تؤ ..
-تؤ ، متعرفيش ؟! ولا مش عايزة تعرفينى ؟!
بعدت أنامله عن خصلات شعرها المتدلية وردت بمياعة وهي تنهض من جواره :-
الاتنين مع بعض .. عزمي بيه مستنيك جوه .. اتفضل .
وثب خلفها ممسكًا بمعصمها ومال هامسًا :-
أفتحي موبايلك هتلاقي فيه مسدج باللوكيشن و بالميعاد ، هستناكي نتعشى سوا .
تأرجحت عينيها بريبة ولكن فضولها نحر جذور الشك وقالت :-
بمناسبـة !
تعمد أن يقترب منها أكثـر مداعبًا تلك الخصلة التي تتدلى على وجهها وقال :-
المناقصة الجديدة ومعنديش حد احتفل معاه .. يرضيكي احتفل لوحدي !!
اتسعت ابتسامتها الماكرة :-
آه يرضيني ..
عقد حاجبيـه معارضًا :-
هستناكي متتأخريش .
********
-“مرتاح كده !! عملت اللي في دماغك وطردهم من البيت . ”
اقتربت منـه بخطوات متمهلة أثناء وقوفه بحديقة القصر .. رمى السيجارة من يده وعصرها بمشط حذائه وقال متوعدًا :-
ولسـه ، هوريهم النجوم في عز الضهر .. هما اللي ابتدوا
تحركت من جواره تتقف أمامه بنظرات إعتراضية :-
عاصي للأسف موقفكم ضعيف جدًا .. اتمنى تفكر بهدوء اللي عايزة أوصله ليه كل ده !! أحنا مش كُنا سبنا كل حاجة هنا وابتدينا من اول وجديد لحد ما بقى ليك مركزك واسمك ؟! ليه العداوة دي كلها ؟!
رد بإختصار :-
ده رد على حادثة امبارح وبس ..
ضاقت عينيها على غصون الدهشة:-
حادثة إمبارح!! ازاي ؟!
انفجر بوجهه بغضب يتطاير كحبات الدقيق :-
فكوا فرامل العربية ، من حسن حظهم بس أنها جات فيا ، ورحمة مهـا لو كان جرالك حاجة ما كانوا هيشوفوا الشمس تاني .
صدقًا ما يُقال أن في بعض عيون العشاق حكايات لم تروى بعد .. وتكدست العبرات بعينيها من شدة الحزن الذي وقع على قلبها تمتمت :-
مهـا !!
أدرك حجم المصيبـة التي ذُل بها لسانه ، تنهد بعجز مبررًا :-
مش قصدي يا حياة ، حقك عليا ذلة لسان ووقفلت جفونها رافضة سماع أي شيء إضافي :-
خلاص يا عاصي مش عايزة اسمع حاجة ..
ثم تحولت نبرتها الباكية لآخرى حادة وقالت :-
على العموم عايزة الفت نظرك لحاجة .. أنتَ معاك بنات والشوشرة والمحاكم والفضايح مش كويسة عشانهم .. حاول تلم الموضوع بعيـد عن البلطجة وفكر في بناتك بكرة وبعده وشكلهم قدام الناس ..
سالت بعض العبرات التي لم تسيطر عليها وأكملت بحسم :-
خلص مشاكلك بسرعة عشان لازم نتكلم .. لازم النقط تتحط فوق الحروف .. مش هزود عليك الحِمل أكتر من كده الله يعينك .
كادت أن تنصرف ولكنه منعها قائلًا بنبرة خجل :-
حياة قولتلك ذلة لسان ..
أخذت نفسًا طويلًا ثم قال بإيجاز :-
عاليـة هترجع معانا الغردقة عشان تغير جو شوية ..
ثم شدت ذراعها المتمسك بها وقالت بصوت خافت:-
ابعد أيدك يا عاصي ….
أن يُجرح القلب مرّة في العمر جرحًا أليمًا لكنه يصبر بعده كي لا يُجرح خشية من جرح أعمق ، كأنك لم تكن ترى قبل أن تُجرح هذا الجرح كأن أحدًا شقّ شفتا عينيك بموس حادٍ فبات نازفًا وداميًا لكنك تُبصر لكنك تَرى لكنك لا تتحدث !!
******
~بأحدى الغرف الفندقية ..
-اسمع يا شاكر أنتَ تبعد عن جوزي وبناتي وكفاية، كفاية فضايح لحد كده .
هبت رياح غضب سميرة بوجه شاكر بعد مرور ساعات مشحـونـة من القهر والخزى ، والطريقة التي خرجا بها الجميع من القصر .. وثب شاكر جاهرًا :-
منتهتش ، وأحنا لسه بنبدأ .. واحد ابن زنا والتاني ملهوش ورث عندنا والتالتة مش من دمنا !! وجبل من الفلوس متتعدش .. نسيب كل ده ليهم ؟! بصفتهم مين ، دول لا شرع ولا قانون في صفهم.
أشارت بسبابتها بوجهه بحدة أكثر :-
هقولها لآخر مرة ابعد عن جوزي وبناتي يا شاكر أحنا مش عايزين حاجة .. كفاية ، عاجبك بهدلتنا دي !! نازلين في لوكاندة وياعالم هنروح على فين .. حتى بيتنا اتهد .
زمجر شاهين غاضبًا :-
اسكتي يا سميرة ، وحق خرجتكم من البيت ده لكل اللي جاي على عاصي واهله دمار .. أنا هنسفهم من على وش الأرض ..
ضربت سميرة كف على الآخر :-
أنتوا الاتنين اتجننتوا رسمي خلاص!! خلاص مبقاش في منكم رجا .. اسمع يا شاهين ياما تتراجع عن اللي أخوك بيعمله .. يإما هاخد بناتي ومش هتعرف لنا طريق .
نهضت شهد التي امتصت داء الطمع من أبيها وعمها :-
بابا وعمو معاهم حق ، دول محترموش الدم بينا ولا عملوا حساب لحد .. لازم يندموا آخر ندم …
جهرت شيرين الباكية :-
ما كفاية بقا !! أنتوا أيه مش بتزهقوا، أحنا معانا اللي يكفينا ويعيشنا كويس ، ليه الطمع !
وليه العداوة ..
أنتوا أكتر حد عارف أن عاصي مش بيرحم اللي يقف قدامه ! واقفين قدام القطر ومش عايزينه يدوسكم !!
هبت شهد بوجهها معارضة :-
خلاص يا شيرين ، طريقك مع عاصي مسدود ، بلاش تدافعي عنه أكتر من كده .
رمقت أختها بنظرات العتاب الدامية وانصرفت على الفور ، تدخل شاكر قائلًا بغل :-
من بكرة هقدم كل الاوراق دي في المحكمة ، ومش هيبقى في وجود لعاصي دويدار تاني .
******
~بالقصـر ..
ربت تميم على كتف كريم بعد وداعهم لعاصي وعائلتـه وقال :-
انتَ رايح فين ، أطلع أوضتك فوق استريح من السفر ..
أحس كريم بالحـرج وقال :-
بلاش يا تميم .. كفاية أوي المشاكل اللي بتحصل أنا هـشوف أوتيل ووقاطعه تميم بحزمٍ :-
بطل جنان .. أطلع أوضتك أنتَ ماسمعتش عاصي قال أيه !!
ضحك كريم ضحكة من قلب النيران وقال :-
قالي اخليني جمبك ، قصده احرسك يعني و بسأصر تميـم ناهيـًا للحوار بينهم :-
يبقى اطلع كده وفوق تكون شمس جهزت لنـا العشا .. وأنا هلف على الرجالة عشان يتأكدوا من تأمين القصـر ..
عانقه كريم باشتياق :-
مكنتش عارف إني بحبكم أوي كده .. أنتوا عيلتي يا تميـم ..
ربت تميم على ظهره :-
نورت بيتك ، متسافرش تاني .. خليك هنا وهنكسر الدنيا سوا .
غادر كريم تجاه غُرفـته ، وشمس ونوران يعدان الطعام بالمطبخ ، لم تتزحزح أعين شمس الفاحصة عن أختها ، فأردفت بشدة لا تقبل المعارضة :-
كريم هيقعد معانا هنـا .. تخلي بالك من تصرفاتك ، وبلاش كلام كتير والأحسن مايبقاش فيه كلام خالص .. أديكي شوفتي أخوه عمـل أيه في عالية ..
فزعت نوران مدافعة عنه رغم غضبها منه :-
بس كريم مش زي مراد يا شمس ..
شرعت شمس بتقطيع السلطـة :-
بس أخوه يا قلب أختك ، وجايين من نفس البطن .. يبقى نسمع الكلام ونبعد عن الشر ونغني له كمان ..
تمتمت بعدم اقتناع وقالت :-
طيب يا شمس ، متقلقيش ..
“~بالطائرة الخاصة التابعة لممتلكات عاصي ”
أن تغزو القلب المخاوف والهواجس فتصبح المسافة نحو الاطمئنان تستغرق عمرًا كاملًا كي يهدأ قلبك كي يستقر نبضه كي يدرك ملاذ الحياة الحقيقي أن يتخلص من كل الشكوك التي تمزق بعينه ثوب الحب .. تجلس ” حياة ” بجوار النافذة صامتـة شاردة رافضة حتى التطلع إليه .. القوة ليست دائمًا في ما نقول ونفعل ونصرخ وجعًا أحيانًا تكون فيما نصمت عنه، فيما نتركه بإرادتنا وفيما نتجاهله ، قطعت عالية حبال الصمت الممتدة بينهم وقالت متسائلة :-
عاصي مفيش خبر عن …
ثم بللت حلقها وتمتمت اسمه بحنق :-
مـ مراد !
قفل هاتفـه ونظر لعالية قائلًا :-
هيروح فين ، رجالتي قابلة الدنيا عليه ..
ثم مسح على رأس أختـه وقال :-
عالية متفكريش في حاجة خالص .. أنت جاية معايا عشان تغيري جو وبس .. أهم حاجة عندي صحتك أنتِ والبيبي .. تمام يا حبيبتي .
تكدست مقلتيها بالعبـرات وضمت كفه قائلة بترجي :-
لو ألف ورق وألف حكم اثبت اننا مش أخوات ، بس أنا عمري ما هبطل أشوفك غير أخويا الكبير وأبويا اللي مشوفتوش ..
رفع كفها لمستوى ثغره وطبع فوقه قُبلة رقيقة :-
وأنا عمري ما هشوفك غير بنتي الصغيرة .. اللي قسيت عليها كتير أوي بس لسه بتحبي .. أنتِ من اير ما تحسي علمتيني أهم درس في الحياة يا عالية ..
-ولا عمري هزعل منك يا عاصي .. أنا ماليش غيرك أنت وتميم ..
ثم سألته متحيرة :-
بس الهدوء اللي أنتَ فيه ده قالقني ..
ارسل لها ابتسامـة خفيف بثت الأمان بجوفها وقال :-
أخوكي جبـل ، محدش هيقدر يأخد منه حاجة غصب عنه .. عشان كده بقولك أهدى ومتشليش هم حاجة ، كله هيتحل .-
أنا واثقـة فيك .. ومتأكدة من كل ده ..
ثم شاحت بنظرها لحياة التي تجلس بعيدًا عنهم وقالت راجية :-
حياة مش كويسة وفيها حاجة ، لو مزعلها قوم راضيها عشان خاطري .
أومأ بالإيجاب وانتقل لعندها ، لم يجلس جارها بل جثى على ركبتيه أمامها وأخذ يدفيء بروده كفها المُثلج بقبلاته الخفيفة ورفع عيناه المعتذرة لعندها وقال :-
هتفضلي مكشـرة كده كتير !
سحبت كفيها بتردد وقالت له بصوت متهدج بالحزن :-
عاصي مش حابة اتكلم .-
وأنا مش حابب أشوفك بالشكل ده .. كل ده عشان ذلة لسان !!
كانت أن تجهر بالحديث الذي جذب أنظار عاليـة فتراجعت قائلة بتأفف :-
عاصي قولتلك مش حابة اتكلم …
وثب قائمًا ثم سحبها من كفها عنـوة وراءه إلى الركن الخاص بحمام الطائرة .. وقفت تحت ظل عينيه فبادر بالحديث قائلًا :-
هتغيري من واحدة تحت التراب !
أغرورقت العبرات بعينيها وقالت بحزن وخيم :-
اللي تحت التراب دي محفورة هنا ، هنا في قلبك .. وللأسف وجودي في حياتك بديل ليها .. أنا عرفت سبب كل حاجة دلوقتي ..
انعقد حاجبيه مستفهمًا :-
كل حاجة اللي هي أيه ؟!! حياة بلاش اسلوبك ده بيجنني !! دي ماكنتش كلمة !
تطلعت إليه بتلك الأعين التي مزقها القهر وسألته بشفاه مرتعشة :-
عاصي أنتَ بتحبي … !!
زفر دخان ما يحمله على عاتقه بوجهها بملامح حمراء ينفجر منها براكين الغضب .. وقف أمام مقلتيها عاجزًا متحيرًا عن إجابته .. حتى أردف بتعب وهو يشير إلى قلبها :-
أسالي ده وهو هيجاوبك….
ثم تركها وغادر مشحونًا بهمٍ يضاهي كل هموم عائلته بمشاكلهم ، جلس بجوار عاليـة متأففًا فسألته :-
حصل حاجة ؟!
رد بفتور :-
كبري دماغك يا عالية .. حياة ربنا يعينها على دماغها الفترة دي غريبة ومش فاهمها ومش عارف اتصرف معاها .. ساعة تبقى كويسة وساعة تقلب .. بجد مش فاهم ..
ابتسمت عالية بحماس وهي تتمتم له بحذر :-
طيب ممكن تكون حامل ودي لخبطة هرمونات يا عاصي ، اسألني أنا كنت زيها كده واضرب x عشرة .
شُلت خلايا مخه إثر وقع الكلمة على مسامعـه .. فتمتم معارضًا :-
لالا حمل أيه !! أصلا مأجلين الموضوع ده شوية لحد الدنيا ماتستقر .
لاحظت عالية عدم رغبته في الحديث بشأن هذا الموضوع ، فاختصرت الكلام قائلة :-
ربنا يهدي سركم يا حبيبي …..
~عودة إلى القصـر ..
دخلت شمس الغُرفة بخطوات بطيئة جدًا وهي تتألم من قسوة اليـوم حيث ارتمت بمنتصف الفراش متنهدة بارتياح ، تابعها تميم وقفل الباب خلفهم وشرع في نزع ملابسه بكلل وتعب تأوهه جهرًا .. حيث أردف :-
أنا بس أخد شاور وعايز أنام شهر بحاله ..
غمغمت بتعبٍ وهي تتنفس ببطء :-
أنت بتقول فيهـا !! أنا هسبقك من دلوقتِ ..
فتح خزانة ملابسـه باحثًا عما سيرتديـه وقال متسائلًا :-
هدوء عاصي مريب وقالقني !!
اعتدلت شمس من نومتها لتنزع حذائها :-
عاصي ما يتخفش عليـه يا تيمو ..
قفل الخزانة معترفًا :-
عارف أن دماغه داهية !! بس صدقيني بقلبها في دماغي بكل الأساليب ملهاش مخرج يا شمس !! مقفولة ضبـة ومفتاح .
-أنا متأكدة أنه هيطلع بحاجة هتخرس الكل …
شرع بنزع ساعة يده متجهًا ناحية الطاولة ليتركها فسقطت عيناه على جهاز اختبار الحمـل .. تسمر في مكانـه وهو يتأكد مما تراه عينه .. جهر قائلًا بحماس طفولي :-
الخط الأحمر يا شمس..خطين لونهم أحمر تعالى شوفي أهو ..
لقد تناست أمر ذاك الاختبار تمامًا ، فزعت من مرقدها إليه تفحص النتيجة وبفاه متفرغٍ :-
تميم، أنا حامل ..
هجر بأنفاس متقطعة من صاعق الفرحة :-
أيوة أيوة الخطين أهم !! أقولك مش أنا أهلاوي !! من النهاردة مش هشجع غير الزمالك بعد الخطين دول ، دي إشارة ليا !!
خرت ضاحكة بحضنه فرحة ممزوجة بالدموع :-
تميم بجد أنا مش مصدقة !! يعني هبقى مامي ازاي أنا!!! الله ؟! معقولة ؟
ضمها إلى صدرها بفرحة لا يمكن وصفها وقال :-
وأحلى مامي ..
ثم أدرك أمرًا ما وانحنى كي يحملها :-
أنتِ واقفة ليه ؟!! من النهاردة رجلك دي متلمسش الأرض ، فاهمة ..
ثم عقد ملامحه متعجبًا وهو يحركها بين يديه :-
وكمان خاسة !! لالا أنتِ لازم تتغذي كويس من النهاردة هخلي البنت نوران تأكلك وبس …
وضعها برفق في مرقدها فتمسكت به رافضه بعده لتقـول بهمسٍ:-
أول مرة أشوفك بتضحك ومبسوط كده .
طبع قُبلة على أرنبة أنفها وقال :-
عشان النهاردة حلمي اكتمل .. في سريري أرق بنت في الدنيا وبعد كام شهر هكون أب .. أنا ملكت الحياة بيكم ياشمس ..
تمسكت بياقـة قميصـه وقالت بحنو :-
اعترف لك اعتراف كمان بمناسبـة الخبر الحلو ده .. أنا حبيتك من أول يوم شوفتك فيه .. حسيت أن أهم حكاية في عمري هتبدأ من العيون الحلوة دي .. ولقد كان يا بيشمهندس …
غمر الحب فؤاده وقال معترفًا :-
نفس أحساسي بالظبط ….
أؤمن بأن القلب لا يضخ حبًا لقلبٍ لم يتبادل نفس الشعور معه بل ويفوقـه .. القلوب أرواح أخرى تسكن أقصى يسارنا .. توجهنـا ، تنير لنا الطريق ، تقرأ عيون البشر .. وتراسل نجوم السماء ، القلوب لا تعترف بتقدم التكنولوجيات وأساليبها ، فقط يمكنك على فراشك أن تلمس قلبك بعمق وتهمس للقلب الذي تود إبلاغه بحبك ، أنك تحبه ، حتمًا سينهض مفزوعًا من مرقده يبحث عنك ..
*******
“~صباحًا ”
فارق مُراد فراشـه بصدره العارٍ لتمتد أنظاره لـ ” روفان ” النائمـة بملابس خفيفة بجواره .. تناول سترته البيضاء ليرتديهـا ثم تحرك نحو الثلاجة وأخرج منها قارورة الماء .. نهضت روفان من نومتها بتكاسل وألم يضرب برأسها وسألتـه :-
أحنا فين ؟!
ركل الثلاجة الصغيرة بقدمـه ثم أقبل إليها قائلًا :-
قولي صباح الخير الأول ؟!
تمسكت برأسهـا بذهولٍ :-
مراد !!! هو أيه اللي حصل ، أنا مش فاكرة حاجة ..
ثم تجولت حولها بصدمة :-
فين شنطتي واللاب توب بتاعي ؟!! أنا أنا أخر حاجة فاكراها أنك جيت خدتني من قدام المكتب ..
ثم رفعت الغطاء عنها وقالت :-
لازم امشي ..
وقف أمامها لمنعها :-
هتمشي تروحي فين !! النهاردة أجازة من المكتب ، ومفيش خروج ..
زاحت شعرها عن وجهها وقالت بقلق لا يعلم مصدره :-
معلش يا مراد ، هنتفق ونتقابل كتير ، دلوقتى لازم امشي عندي شغل مهم .
ما كادت لتخطو خطوة ثم تراجعت :-
أنت أخدت ورق المناقصة ؟! مش كده !!
طوقها بمكرٍ لتقع آسيرة بين مخالب يديه وقال :-
طيب ليه الاستعجال ده ؟! مش هنفطر سوا على الأقل .
اتسعت ابتسامتها مجاملة :-
هنفطر ونتغدى كمان ، بس مش النهاردة .. خليك معايا وأنا هخليك من أغنى رجال الأعمال في البلد دي ..
-أنا كده كده معاكي خلاص !!
كاد أن يُبادرها الحب الزائف ولكنه تراجع إير رنين هاتفـه ، فهربت روفان من بين يده متحججة :-
موبايلك بيرن ..
******
~الغردقة ..
فزعت عاليـة من نومتها صارخة إثر رؤيتها لكابوس كان شعورها أشبه بمن خلا فمه من الأسنان ولكنه يخشى مواجهة المرآة كي لا تُصبت له تلك الحقيقة المروعة ، ركضت إليها تاليـا التي تشاهد فيلمًا كرتونيًا على ” الأي باد” وقالت بلهفة :-
مالك يا عاليـة !! عمتو حضرتك كويسة !
تناولت كأس الماء من جوارها بكفها المرتعش وشرعت بأخذ أنفاسها الأخيرة التي هدأت تدريجيًا ، وضعت يدها على جوفها الذي يحمل صغيرها وسألته بتوجس وهي تتحسس حركته:-
مالك أنت كمان !!
أردفت تاليـا ببراءة :-
عمتو أقول لبابي يكلم الدكتور !!
ربتت عاليـة على كتف الصغيرة بحب :-
لا ياحبيبتي أنا كويسه .. روحي كملي لعب ..
فتحت حياة الغرفة في تلك اللحظة ، ما أن رأتها تاليـا ارتمت بحضنها :-
مامي وحشتيني أووي .
عانقت صغارها بحب واطمأنت عليهن ثم سألتهم :-
عاملين أيه مع الناني الجديدة ، نمشيها !!
هتفت تاليـا قائلة :-
هي طيبة وبتحكي لنا حواديت قبل ما ننام وبتلعب معانا .. بلاش تمشي .
رمقتها حياة مفتعلة الزعل :-
افهم من كده هتحبوها أكتر مني !!
اعترضت داليا بحماس :-
أنتِ مامي لكن هي الناني بتاعتنا ..
قبلت صغيرتها بحب :-
طيب خلاص هي هتقعد معاكم فترة صغيرة عشان أنا هكون مشغولة شوية عنكم .. وأول ما أخلص الشغل نمشيها .. وكمان عالية هتقعد معانا كتير ..
مرح الفتيات بحماس وهن يعانقونها .. تحركت حياة لعند عالية وسألتها :-
مآلك ياحبيبتي مش كنا اتفقنا مش هنفكر في حاجة !
-لا كويسة يا حياة .. كابوس بس وراح لحاله ..
مسحت حياة على رأسها وقالت :-
كل حاجة هتبقى زي الفل .. كلمت محل الموبيليا ومن بكرة أوضتك هتبقى جاهزة .. أنا هروح الشغل وبالليل لو حابة ممكن نخرج .
عالية باستغراب :-
شغل إيه يا حيـاة ؟!
-بعدين هقولك …
ثم أوقفتها بسؤالها الأخير :-
عاصي فين !
ردت بخزى :-
عاصي مجاش من إمبارح، وصلنا ومرجعش من ساعتها .. متشغليش بالك ..
صوت طرق خافت للباب .. شدت عالية حجابها فنهضت حياة لتتفاجئ بيونس أمامها ، سألته بامتعاض :-
خير يا حبيبي ..
تحمس يونس قائلًا :-
مش نازلة الشغل ؟! يلا بينا ..
-يلا على فين ؟! أنت مش ماسك ادارة المطاعم لعاصي ؟!
رد بيقين :-
أنا هسيب شغلي مع عاصي ، وهنزل معاكي الوكالة .. مش هسيبك لوحدك …
~بالغرفة الثانيـة..
-أنا المفروض استنى لحد أمتى ؟! قولي ؟!
أردفت فريال جُمتلها بتلك النبرة الغاضبة بوجه رشيد الذي لم يلتف لوجودها .. أحكم قفل الباب من الداخل كي لا يراهم أحد ، وأجابها متأففًا :-
عايزة أيه يا فريال ؟! قولتلك لما الشقة تجهز ، أعمل أيه يعني!!
انفجرت بوجهه :-
وأنا اعمل ايه يعني بعد اللي عملته .. طيب نكتب الكتاب والفرح براحتك ، طمن قلبي يا رشيد .
دنى منها مرتديًا قناع الوجه الملائكي :-
حبيبتي ، أنتِ خلاص مراتي ومفيش قوة هتفرقنـا ، اطمني أنا مش ندل عشان اسيب البنت اللي بحبها في نص الطريق ..
أسبلت عينيها بمكر أنثوي وهي تعانقه بنبرتها الكاذبة :-
انا قلقانة يا رشيد وكل يوم بضعف وبجيلك زي الحراميـة في نص الليل ، لازم يكون لها آخر .. أنا من حقي أقول إنك جوزي قدام كل الناس .
هز رأسه بخبث مسايسًا :-
هيحصل يا حبيبتي، ومتنكديش علينا بقا ، ما أحنا زي الفل أهو ..
في تلك اللحظة اشتعلت شاشة هاتفه بوصل رسالة نصية من ريم :-
حبيبي ، أنا رايحة المينـا أخلص شغل هناك ، هستناك نتغدى سوا ….
*******
-هنفضل مصدرين الوش الخشب ده كتير ! بتعصب أنا .
أردف كريم جملته على تلك الفتاة التي تنظف بساتين الورد بالحديقة الخلفية الخاصة بالقصـر ، لم تتكفل بالنظر له وقالت :-
ارجع مكان ماجيت يا كريم ، و أنت هترتاح منه !
شد أبريق الماء من يدها :-
نوران بطلي بقا وكلميني زي ما بكلمك ، أنا قبل ما اسافر اتقدمت لك واترفضت وأنت أول واحدة رفضتي !! ولما رجعت بردو بتعاقب .. في أيه ؟!!
شدت منه الإبريق الذي تروى به الزرع :-
أنت عايز مني أيه ؟!
-أنا راجع عشانك، عشان اطلب ايدك مرة واتنين وعشرة ، ليه العنـاد ده !! اقفي جمبي .
فتاة متمردة مثلها لا تعرف بلسعة نيران الحب ، جهرت معاندة :-
أنا عندي أحلام كتير أهم من الجواز والحب اللي بتتكلم عنه .
رد بنفاذ صبر :-
سمعيني، عايز اسمع .
تركت الإبريق من يدها وطالعت السماء بشغفٍ :-
عايزة ادخل معهد تمثيل وأبقى ممثلة كبيرة وأمثل مع أكبر النجوم ، أعيش كل يوم قصة حب جديدة ومختلفة بدل ما اتسجن في قصة حب واحدة وجواز ..
تعالت الدهشة ملامحه مما ترويه على مسامعه وهو يشاهد تلك الفراشات الوهمية التي تتطاير من فمها ، لم يجد إلا إبريق الماء وسكبه فوق رأسها لتصحو من تلك الأوهام .. شهقت كالغريق :-
انت بتعمل أيه !
رد بحزمٍ-
بفوقك … عشان واضح أنها هبت منك على الآخر ، تمثيل ومسخرة أيه يا نوران !
انفجرت بوجهه :-
واحد مش مقدر حتى أحلامي ولا معترف بيها ، ارتبط بيه ازاي ؟!
-أحلامك اللي هي كل ليلة اجيبك من حضن فنان مختلف ؟!! أنتِ اتهطلتي ؟!!!!!!
صرخت بوجهه معاندة :-
أنت بتكلمني كده ليه !! انا حرة وبراحتي وهعمل اللي عايزاه .. وأنت ملكش كلمة عليـا .
عاندها بحزمٍ :-
هتشوفي يا نوران ، هتشوفي .. دي مش أحلام دي كوابيس على دماغك .
*********
حل مساء يوم الجمعة بدون أي أحداث تذكر .. صمت مريب من شاكر وأخيـه ، الأجواء جميعها على ما يرام ، يتجول عاصي بحديقـة منزلـه وهو يتحدث بالهاتف والسعادة تنحت ملامحه :-
لا عفارم ! ولا أجدعها ضربة معلم .. ولسـه ، يتلقوا وعدهم مني .. الجاي سواد على دماغهم ..
جاءت تاليا في تلك اللحظة فأنهى المكالمة على الفور وعاد لصغيرته وضمها لقلبـه بعد ما قبلها ، سألته بجزل طفولى :-
بابي وحشتني أوي .. حضرتك مش بتيجي تنام جمبنا زي زمان ليه !
عقد حاجبه مفكرًا ليخرج من ذلك المأزق :-
هي مش عالية معاكم في الأوضة ؟! لو جيت هيبقى ليا مكان جمبكم .
أيدت ببراءة :-
طبعا في مكان .. مامي حياة كمان قالت هتنام معانا النهاردة ..
-يعني أيه تنام معاكم ؟! وأنا انام لوحدي ؟!!
هزت كتفيها ببراءة ساحرة :-
حضرتك كبير مش بتخاف ، لكن أحنا لسه صغيرين وبنخاف ..
رد بنفس نبرتها الطفولية :-
لا أنا كمان بخاف ، الإنسان مهما كبر لازم يخاف يا حبيبتي .
اتسع بؤبؤ عيني تلك الصغيرة :-
يعني حضرتك بتخاف زينا !!
-آكيد ، بس بخاف اخسركم ، بخاف حد منكم يتأذى ، أنا بخاف عليكم وبس ، لكن غير كده مش بخاف من أي حاجة تانية ..
تاليا بلطفٍ :-
وأنا لما أكبر ، مش هخاف زي حضرتك !
رد بثقة :-
ماينفعش تخافي أبدًا ، لأنك بنت عاصي دويدار .. فاهمة يا حبيبتي ..
ثم وشوش لصغيرته متبعًا :-
ممكن تنادي حياة ، قوليلها بابي جرحه بيوجعه أوي ولازم تيجي بسرعة .
هزت رأسها نافية :-
بس حضرتك مش تعبان يا بابي ومفيش حاجة بتوجعك!
تمددت ملامحه بمزاح :-
هتعرفي اكتر مني يعني !! يلا أجري قوليلها كده وهجيبلك حاجة حلوة الصبح ..
غمزت له صغيرته :-
يعني كده وكده ؟!
داعب ارنبة أنفها :-
أيوة كده وكده .
~بالغُرفـة ..
تجلس عالية مع حياة يتسامرا بتلك الليلـة الممتلئة بالحزن الذي فاض من عينيها ، تفوهت عالية بمرارة :-
كل شوية بدور عليه ، بفتح موبايلي ، مفكرش حتى يتصل يا حياة .. طيب هو وحش فعلا وأنا اللي اتخدعت فيه .. دماغي هتشت .
ربتت حياة على كتفها بعجز :-
حقيقي مش عارفة أواسيكي ولا أواسي نفسي .. الحياة فجأة كشرت في وش الكُل .. بس لازم يكون في حل ..
جاءت تاليا تركض من الباب بلهفـة مصطنعة :-
مامي ، بابي جرحه تعبان أوي ، ومستنيكي في الاوضة ..
فزع الاثنتان بقلق فربتت حياة على كتف عالية :-
خليكي ، وأنا هشوفه ..
ركضت كالهائمة وهي تتسابق مع الهواء حتى وصلت لغُرفته فوجدته يعبث بضماد ذراعه ، اندفعت لعنده بغضب :-
أنت بتعمل أيه !! بتجيب الأذى لنفسك !!
ابتسم بمكر لنجاح خطته :-
مش بحب حاجة تكتفني !
وبخته بحرقة وهي تفك الضماد برفق :-
هو يعني بمزاجك !! ما تبطل دلع بقا يا عاصي ؟!
خطوات هادئه يخطوها إليها فتستقبلها بخطواتٍ أخرى تتراجع فيها للخلف .. تعمدت تجاهل تلك النظرات الحادة والأنفاس المحرقة التي تنفرد بمشاعرها حتى ارتطم ظهرها بالحائط فأدركت ما حل بها ؛ معارضة :-
عاصي أنت بتدلع مش كده ! دي حركة من بتوعك !
حاوطها بكلتا ذراعيه مستغلًا قوته وفرق الطول بينهما وقال :-
سمعت إنك ناوية تباتي مع البنات !! استأذنتي ؟!
ألقت نظرة على ذراعه المُصاب لتكتشف حقيقة ألاعيبـه وقالت بعتب :-
بتعلم البنت الكذب يا عاصي !! طيب لو سمحت وسع !
عقد حاجبيه ساخطًا :-
وفين الكذب!! ، أنا تعبان فعلًا .. تعبان وبنادي على الوحيدة اللي عندها دوايا .
رمقته بعدم تصديق :-
فين ده ؟!! عاصي أنت صحتك أحسن مني ؟!
ثم زفرت باختناق :-
عاصي مش هينفع كده !
-أيه اللي مش هينفع !! لسه زعلانة ..؟! زعلانة عشان جبت سيرة أم بناتي !!
أن يناضل الشخص ليظهر عكس شعوره ، رفعت حاجبها بأعين تغمرها الغيرة :-
هي أم بناتك ؟! وأنا ؟! أنا مليش وجود في حياتك يا عاصي .. أنا ولا حاجة ..
-مين قال كده ؟!!! أنتِ كل حياتي يا حياة ، وقت الحادثة أنا كنت خايف عليكي وبس ، حتى مفكرتش في نفسي .. انا بعاني من وهم إني اخسرك لأي سبب .
ثم زفر ممتعضًا :-
البنت اللي تشقلب حياة راجل بالشكل ده تبقى أيه بالنسبة له ؟! أنا سبت الدنيا كلها وجيت جمبك ابتدينا من الصفر ، بعدت عن كل الحاجات اللي ممكن تزعلك ، استغنيت عن عالم عاصي دويدار اللي أنتِ اكتر واحدة عارفة كان عامل ازاي ؟!! واكتفيت بيكي ..
انتقلت يده من الحائط لترسو على كتفيها :-
سيبك من كل ده !! قلبك معايا عمره شم ريحة واحدة غيره بتشاركه في حبك !! أنا كل يوم بحاول اطلع مني افضل نسخة عشان أرضيكي وبس ؟! لكن أنتِ دماغك سيباها تسوحك يمين وشمال .
انهمرت العبرات من مقلتيها فتلقاهم بابهامـه :-
مش بقول لك كده عشان تعيطي ، بقول لك كده عشان تواجهيني .. تيجي تقوليلي عاصي أنا زعلانة وحصل كذا وكذا ، لكن تصرفات العيال دي أنا مش مسئول عنها ، ولا مسئول اتحمل عقابهـا وانا مش فاهم حاجة ..
أثر الكلمات الصادقة ليس في رواجها وكم التناغم فيها ولكن في قوتها ومضائها ورجّة وقعها على القلب .. انشق وادٍ جديد للحزن بقلبها كي تهرب من تلك الهزيمة الساحقة تحت عيني رجل حبه يرج الفؤاد رجّا … دائمًا ما يعود المرء لنفس الطريق كي يحدد مصيره .. أردفت بتردد :-
عاصي ، أحنا هنفضل مأخرين موضوع الخلفة ده لأمتى ، أنا فعلا عايزة حاجة تشغلني عنك لان حتى الشغل أنت بتكون فيه قدامي !!
ارتجف قلبه للعنة فقد جديدة ولكنه بلع مخاوفه قائلا:-
طيب ممكن تستنى لحد الدنيا ما تستقـر معايا ، وبعدين هاخدك ونسافر أمريكا عند أكبر دكتور هناك .. ممكن يا حياة .
ردت بإصرار كي تضغط عليه أكثر :-
لا ، أنا هروح لدكتور بكرة .. ولا أنت عندك مانع !
زفر باختناق :-
طيب هحجزلك عند دكتور ونروح سوا ، تمام كده !!
ردت بحزم وهي تتأهب للانصراف:-
لا أنا هروح لوحدي ..
-حياة عشان خاطري ، شهرين بس اظبط فيهم الدنيا وهنتكلم وهعمل لك كل اللي عايزاه ..
بللت حلقها متسائلة :-
هتفرق أيه ؟!
رد بكلل :-
ياستي كده هكون مرتاح أكتـر .. والحال يكون اتظبط .
رمقته بأعينها الدامعة :-
شهرين يا عاصي !
-وعد شهرين ، وهنسافر أمريكا وأعملك كل اللي تطلبيه ، عايز أبقى مطمن عليكي أكتر .-
تمام ..
فأوقفها بيده الحديدية ، فتلاقت أعينهم فقال بحسم :-
رايحة فين ؟!
-راجعة للبنات ..
-أنتِ مش هتتحركي من هنا ؟!
اتسع بؤبؤ عينيها :-
ده ليـه بقى ؟!
جذبها إليه عنوة لتلتحم أنفاسهما وعطورهمـا وتمتزج قلوبهما المتشابكة في فخ الحب الذى يخدر الأوجاع والألم وينسي المرء من يكون وما يحمله بقلبـه من عداوة ، مردفًا :-
عشان أنا عايز كده ….
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل التاسع والستون 69 - بقلم نهال مصطفي
ركل شاكر الطاولة الصغيرة التي تتوسط الحجرة جاهرًا بإغتيظ وغضب يتقاذف هنا وهناك:
دول ما بيحضروش ولا جلسة، ولا حتى المحامي بتاعهم! ده غير أنه مقضيها مؤتمرات وسفر ومحدش فيكم قادر يعمله حاجة! ابن دويدار بيحرق دمنا كأن مفيش غيره في الساحة.
ثم أشار لاهثًا للموجودين وهو يشير بسبابته:
اسمعوا، أنتوا وعدتوني تقفوا جمبي لحد ما نجيبه الأرض، فين ده أنا مش شايف!
كل مصيبة ندبرها بيطلع منها زي الشعرة من العجين.
تابع بتسديد الضربات على سطح الطاولة الكبيرة كأنه يفرغ كبته بها:
معقول عاصي ده ملاك نازل من السما! محدش عارف يمسك عليه غلطة توديه في ستين داهية؟
لُطخت وجوه الجميع بحمرة الغضب والانتقام.
تدخل مراد معللًا:
شاكر بيه، الجلسة الجاية بعد يومين. ودي اللي هيصدر فيها حكم مبدئي. حضرتك متعصب ليه! خلاص هانت.
يومين وهتتمكنوا على الأقل من البيت.
أيده عزمي مردفًا:
بالظبط زي ما مراد بيتكلم. نشوف حكم المحكمة وبعدها المصايب مش هيلاحق عليها! دلوقتي مش قدامنا غير الصبر.
عدة اتصالات متكررة تصل لمراد يستقبلها بالرفض. حتى تدخل معتذرًا وهو يتأهب للذهاب:
بيكلموني من الشغل. أنا لازم أتحرك. وأي جديد هبلغكم.
انصرف مراد على عجل بينما أكمل مثلث الشر أفكارهم الانتقامية.
حيث وجه شاكر سؤاله لعادل الشيمي:
أنت ساكت ليه؟
وضع الأخير ساق فوق الأرض وقال بنظرات غير مبشرة:
نقطة ضعف عاصي دويدار الوحيدة مراته وبناته! أحنا لو عرفنا نوصل لدول. هتبقى روحه في إيدنا. هنشكله زي ما أحنا عايزين.
أقبل شاكر إليه باهتمام واعتدل عزمي في جلسته بأعينه الحائرة:
قصدك إيه؟ نخطف مراته. بس ده مش شغلنا.
وقاطعه عادل قائلًا:
مع واحد زي عاصي لازم يبقى شغلنا. هي دي الطريقة الوحيدة اللي هتخليه يركع قدامنا.
سيل من النظرات التي تحمل العديد من الأسئلة يتبادل بين ثلاثي الشر.
وصل مراد لسيارته وهو يتجول بعينه في كافة الاتجاهات خشية من أن يراه أحد. جلس بسيارته مجيبًا على هاتفه:
أيوة يا عاصي، حبايبك فوق مولعين نار. بالذات بعد أخر حملة عملتها وانطلاق المجموعة الجديدة. ضربة معلم في مجال المجوهرات والعقارات.
رد عاصي بهدوء وهو يشد مقعده الفخم ويجلس فوقه:
كان لازم شغل شهاب دويدار يتحرك زي الأول ويكسر الدنيا من تاني. المهم.
قاطعه مراد بنبرة مختنقة:
المهم اللي بجد. عالية يا عاصي عاملة إيه. أنا مراتي وحشتني يا أخى وشلة الحرامية اللي فوق دول مش باين لهم آخر.
اتكئ على مقعده بتباهٍ:
لا اتقل كده، عالية زي الفل وأنا بحاول أحسن صورتك الزبالة دي على قد ما أقدر يمكن تحن. وكمان أخدت على الحياة هنا وبقيت مش عايزة ترجع القاهرة ولا بتجيب سيرتك أصلًا. نركز في شغلنا بقا وخف نحنحة!
هب مراد معارضًا لحديثه:
المفروض أفرح يعني أنها مش جايبة سيرتي! وبعدين إيه ريحة الشماتة اللي وصلاني دي! لا بقولك أيه احنا اتفقنا على شهرين وبس. أنا مجنون وممكن تلاقيني عندك حالًا.
ابتسم بخفوت ثم أردف بتلك النبرة المتجمدة التي لا تقبل النقاش:
تنور، أعملها وتعالى وتبقى وفرت عليا وكده كده أنت مطلوب عندي حي أو ميت. وقتها مش هسمي عليك.
اعتصر مقود سيارته بغلٍ وجهر بندمٍ:
آه أنا وقعت مع اللي مش بيرحم. طيب يا عاصي أما أشوف آخرتها معاكم يا ولاد دويدار.
***
اتسعت ابتسامتها مجاملة:
هنفطر ونتغدى كمان، بس مش النهاردة. خليك معايا وأنا هخليك من أغنى رجال الأعمال في البلد دي.
-أنا كده كده معاكي خلاص.
كاد أن يبادرها الحب الزائف ولكنه تراجع إثر رنين هاتفه.
فهربت روفان من بين يده متحججة:
موبايلك بيرن.
انتظر حتى ذهبت للحمام فرد هامسًا:
خير يا عاصي البنت لسه هنا. عايز إيه!
جاءه صوته الرخيم والذي يحمل التوعد والتهديد:
عايزك تتلم وأفكرك أنك من متجوز أختي، يعني لو فكرت تخونها هاجي أطير دماغك.
-تصدق أنا غلطان إني رديت عليك.
ثم التفت للوراء وأكمل:
كل الفايلات اللي عن عزمي وعادل هتلاقيها عندك على الميل.
***
دخلت ريم في تلك اللحظة لتنهي مكالمتهم.
فاختصر عاصي الحديث مع مراد قائلًا:
هكلمك بعدين. اقفل أنت.
ثم اعتدل في جلسته:
خير يا ريم.
تركت بعض الملفات على مكتبه وقالت برسمية:
عاصي بيه دول محتاجين يتمضوا. وكمان المزاد النهاردة رسي على مدام رسيل زي ما حضرتك كنت عايز بالظبط.
كست السعادة ملامحه وهو يتمتم:
عظيم. عظيم.
تأرجحت عيني ريم بغرابة:
أنا عارفة أن حضرتك كنت محتاج الأرض دي أوي، وأنها ترسى على مدام رسيل ده مش في صالحنا.
رد على الفور قائلًا ممازحًا:
تقدري تقولي بشتري النكد من اليوم.
ثم غير نبرة صوته قائلًا:
تبعتي بوكيه ورد كبير وتهنئة خاصة مني.
أومأت ريم بطاعة:
تمام. اعتبره حصل.
ثم غيرت مجرى الحديث قائلة:
في واحدة اسمها شيرين بره عايزة تقابلك.
عقد حاجبه متعجبًا:
شيرين! طيب شوية كده ودخليها. هعمل مكالمة بس.
انصرفت ريم على الفور. فتناول هاتفه متصلًا بحياة التي ردت بسعادة بالغة:
عاصي بيه بنفسه بيكلمني! نقول هاردلك المرة القادمة يا باشا.
ابتسامة عريضة ارتسمت على محياه وهو يفارق مقعده واضعًا كفه بجيب بنطاله متحركًا ناحية النافذة وقال:
لا نقول مبروك لأشطر بزنس ومن قابلتها في حياتي.
أعطت إشارة قابل أن تكسر يسارًا وقالت بسخرية يغمرها السعادة:
ده إيه الروح الرياضية دي! عمومًا نقطة لصالحك تحترم.
-مبسوطة!
هتفت بسعادة بالغة تتقاذف من شدقها:
أوي أوي يا عاصي. متتصورش مبسوطة قد إيه. وآخيرًا!
تبدلت نبرته مفتعلًا تلك النبرة الخائبة:
أفرحي أنت وانبسطي، وأنا أروح أعوض خسارتي اللي بسببك يا هانم.
ضحك منها ملء الفم وقالت بلطفٍ:
خلي بالك هتشوف من ده كتير. قابل بقا.
-متحمس جدًا. المهم هشوفك بالليل؟
برقت عينيها بسعادة وقالت بنبرة متوقة بالحنين:
آكيد هكون مستنياك. متتأخرش عليا!
أردف ممازحًا:
طيب مينفعش دلوقتي!
-عاصي! قلت بالليل، ويالا بقى عشان عندي شغل كتير وأنت معطلني.
انتهت المكالمة بالضحك بينهم وببريق الحماس.
صفت سيارتها جنبًا وفتحت حقيبتها وأخرجت تلك الكبسولة الصغيرة التي دومًا ما تتناسها. فرغت قرصًا على كفها وتناولتها بالقليل من المياه لتحتفظ بالوعد الذي سبق وقطعته معه بتأجيل الأمر لفترة محددة.
بـ تلك اللحظة التي شردت فيها لتستريح من جملة أفكارها أصابها الدوار والشعور بالغثيان للمرة الثانية في نفس اليوم. فهبطت من السيارة ركضًا لتتقيأ ماء جوفها بأحد أصص الزرع العامة. جلست جنبًا لتهدأ لتأخذ أنفاسها بهدوء وتدق الحيرة رأسها.
فارقت مكانها عائدة إلى سيارتها مرة أخرى. فتحت تطبيق ” صحة ” على هاتفها بكفها المرتعش لتتطلع على آخر موعد لفترة عذرها الشهري وكانت الصدمة أنها تجاوزت الستين يومًا!
خفق قلبها برتابة وهي تلوم نفسها كيف تغاضت عن الأمر! كيف انغمست بالعمل حتى تناست ذلك؟!!
أخذت تقطم في شفتيها بتردد وتتصبب الخوف عرقًا. سقطت أنظارها على صيدلية بالجهة الثانية من الطريق. تحركت بسيارتها بسرعة متجهة إليها وهي تردد مع نفسها:
إن شاء الله مفيش حاجة. أهدى يا حياة موترة نفسك ليـه! ممكن تكون أعراض الحباية دي.
دخلت الصيدلية وتحدثت مع الطبيبة ثم استأذنت منها بدخول الحمام. خرجت بعد فترة وجيزة وعادت لسيارتها. وضعت المختبر أمامها وجلست تترقب النتيجة بأعين مضطربة حائرة يحاوطها العجز والضعف والحماس في آن واحد.
***
بمكتب عاصي.
-اتفضلي يا شيرين! خير؟
تجلس على مراجل من التوتر ينعكس بملامحها ونظراتها المشتتة. لوح بكفه أمام عينيها المهزوزة وقال:
شيرين أنتِ كويسة!
أومأت بخفوت ثم طلبت منه وهي تشير إلى الأريكة:
ممكن نقعد هنا، بدل قعدة المكتب، حاسة أنها موتراني.
وثب قائمًا بفظاظة متحركًا نحو ما أشارت إليه:
لو هتكوني مرتاحة كده مفيش مانع. بس يا رب يكون خير.
تابعت خُطاه وجلست بجواره وهي تفرك كفيها بقلق:
العداوة بينك وبين بابا وعمو هتنتهي إمتى؟ مش كفاية كده!
أجابها بهدوء:
شوفي يا شيرين محدش بيروح للساكت ويجر شكله! أنتوا كنتوا عايشين ملوك والرباح بتوصلكم سنوية. هما بقا الطمع عماهم وجايين يفتروا.
ثم زفر باختناق:
وأنا مش هسكت لحد اشترى عداوتي. وعايز يخسرني ويكسر اسمي.
خيم على قلبها شعور الخواء. ألا يوجد شيء ممكن أن يأمنك ويأمن ضجيج قلبك.
هبت معترضة بحزن يحمل عدد أيام صبرها على عداد العمر:
وأخرتها!
رد بإيجاز:
خراب على دماغهم.
تحولت أحلامها التي تجمعهم وحكاياتها الوردية في الحب معه لكومة رماد. بيدها المرتعشة تمسكت بكفه وقررت أن تخرج عن صمتها لما فاض الحب من صدرها وقالت بنبرة مهزوزة:
عاصي. أنا بحبك.
خلا فمه من الكلمات ولكن لم تخل عينيه من تلك النظرات المتكلمة. بللت حلقها وسالت الدموع من عينيها وأكملت:
متستغربش. بس أنا فعلا بحبك ومن زمان. أنا اتطلقت بسبب إني مش عارفة أنساك. كل يوم حبي بيزيد أكتر وأكتر. والمشاكل والعداوة بتقفل طريق الأمل قدامي. أنا وافقت أجي بس مع بابا وعمو عشان أكون قريبة منك.
ثم أجهشت بالبكاء:
أنا عمري ما خططت للحب ده، بس اتورطت اتورطت ومش عارفة أخرج. أنا جاية لك هنا مخصوص عشان نشوف حل في الحب ده. أنا قلبي بيتحرق كل يوم.
آخر شيء كان يتوقعه هو الإفصاح عن مشاعر بهذا الكم الهائل من الجراءة والضعف.
سحب كفه بهدوء وقدم لها بعض المناديل الورقية كي تُجفف دموعها بصمت يحاول أن ينتقي به أبسط الكلمات كي لا يسبب لها أذى من نوع آخر.
أخذ نفسًا طويلًا وقال:
بس أنتِ عارفة إني متجوز يا شيرين، وبحب مراتي.
ردت بصوت يملأه البكاء:
عارفة والله وأنا مش جاية أخرب عليك حياتك. أنا جاية هنا عشان نشوف حل. أنا بقيت مش عارفة أعيش ولا شايفة حد قدامي غيرك.
طأطأ رأسه بالأرض وهو يتنفس ببطء متحاشيًا النظر لعينيها وقال بصوت خافت:
عارفة لو أخدتي الخطوة دي قبل ما أقابل حياة. صدقيني كنتِ هتكرهي حاجة اسمها عاصي دويدار. أنتِ جاية في الوقت اللي أنا حاسس فيه بكل كلمة بتقوليها لدرجة أني بفكر أزاي أساعدك مش عارف.
فرك كفيه ببعضهما ثم أكمل:
لما قابلت مها وحبيتها افتكرت أن ده الحب. ودي أعلى درجاته واكتفيت بذكريات مها لسنين وأنا حالف ما هحب ست تانية بعدها. لحد ما قابلت حياة، أنا سميتها حياة لأنها حياتي الجديدة اللي بدأت على أيديها.
ألتفت إليه باهتمام وسألته بحزن وخيم:
حسيت بإيه؟
امتد ثغره بنص ابتسامة ساحرة وقال بشرود:
كلنا بنسمع عن الجنة وجمالها. لكن عمرك اتخيلتي يعني إيه شباك تبصي منه تشوفي الجنة! دي بالظبط النظرة الواحدة في عيون حياة.
ثم نظر إليها:
على فكرة أنا بغبائي كنت هضيعها في فترة من الفترات. غروري كان مانعني اعترف بأني حبيتها. كنت بسعى عشان أوصل لنقطة معينة معاها ترضي كبريائي وبعدها هقولها بالسلامة. مكنتش أعرف أن النقطة دي هي نقطة التحول في حياتي كلها.
قفلت جفونها بقلة حيلة وأدركت أن حالها لا يختلف كثيرًا عمن يجمع الحطب من غابة لا خشب بها.
ربت على كتفها بخفوت ثم أكمل:
مش بحكي لك عشان تعيطي. بس كلامك خلاني أواجه نفسي بالكلام ده اللي عمري ما قولته بين وبين نفسي. بحكي لك عشان تعرفي قصة الشخص اللي أنتِ متعلقة بيه.
ثم تنهد قائلًا:
هقولك على حاجة كمان محدش يعرفها خالص حتى حياة.
صمت لبرهة حتى قطعت صمته متسائلة:
حاجة إيه؟
-اضطريت أمنعها من الخلفة من خوفي عليها من غير ما تعرف. مش عايزها تتوجع ولا تتأذى عشان تجيب طفل ممكن أخسرها بسببه. أنا مش عايز أشوفها بتتوجع لأي سبب من الأسباب. تفتكري واحد بيحب واحدة للدرجة دي ممكن يأذيها ويجرحها بواحدة تانية.
بررت موقفها موضحة:
لا. أنا عمري ما هقول لك سيب مراتك عشاني.
-فاهم يا شيرين، بس آخرة الحب اللي مفيهوش لقاء ده إيه غير العذاب؟ صدقيني الحب لما يكون متبادل إحساسه مايتوصفش.
حفرت دموعها وادي جديد من الأحزان على وجنتيها، فأردف مواسيًا:
لا العياط مش الحل. الموقف ده يعلمك حاجة واحدة وبس، شيرين أنتِ بنت عمي ولولا الظروف كان ممكن نكون لبعض. بس ده نصيب، بس درس من أخ كبير اوعي تصرحي بمشاعرك بعد كده لأي حد مش متأكدة من مشاعره مهما كان حبك له! فاهمة؟
لكل منا صراع مع القلب يجعل الصمت بداخلنا صراع أبدي.
جففت عبراتها متفهمة الأمر وقالت بصوت متهدج:
فاهمة وأوعدك أنها مش هتحصل تاني، ومن الساعة دي أنتَ أخ كبير ليا وبس، أنا مش أنانية عشان أفرق بين اتنين بيحبوا بعض.
بس ليا طلبين.
رد بامتنان:
تحت أمرك.
-أنا محتاجة اشتغل وأطلع من البيت والمشاكل. ممكن تشوف لي أي شغل هنا؟ على الأقل أكون جنبك وأتعلم منك.
هز رأسه متفهمًا:
مسألة الشغل سهلة. بس مش هنا ومش جمبي، وده أحسن ليكي. الطلب التاني؟
ابتلعت خطيئة قلبها بمرارة وقالت:
قلت أن حياة متعرفش بحوار منع الحمل. بس دي أنانية يا عاصي ولو مراتك عرفت هتهد الثقة ما بينكم. الست لما بتحب بتكون عايز تخلف دستة من الراجل اللي بتحبه. نصيحة من أختك الصغيرة بقا حاول تصارحها واتفقوا على الأقل الموضوع يبقى برضاها.
هز رأسه مؤيدًا:
معاكي حق، فكرت كتير أقولها. بس لسه محان الوقت المناسب.
-لازم يجي قبل ما تعرف من بره.
ثم تنهدت كمن ينفض غبار الحب من قلبه وقالت:
أسفة عطلتك. استأذن أنا.
-استنى أكلم السواق يوصلك. ماينفعش ترجعي لوحدك.
***
بعيادة طبيبة النساء والولادة.
-خير يا دكتور! مفيش حمل والتيست كان بيكذب؟
تمرر الطبيبة السونار على بطنها الممتلئة قليلًا بثغر مبتسم عكس الحالة المروعة التي انهالت على قلب حياة.
طلعتها الطبيبة بفرحة عارمة:
مبروك، أنتِ حامل.
ركضت على أرفف الهذيان بصدمة:
نعم! أزاي؟ أنا كنت باخد الأقراص.
وقاطعتها الطبيبة بيقين:
حبيبتي الأقراص دي مفعولها مش 100%. بالعكس. أنتِ لو نسيتيها يوم متوقع يحصل حمل.
تمتمت بشرود:
أنا كنت بنساها كتير بس كـنا. قصدي كنت ببقى مشغولة فالشغل ومش في البيت. فقلت عادي يعني لو متاخدتش.
نزلت الطبيبة جوارب يدها وقالت:
اللي حصل حصل. دلوقتي أفرحي وانبسطي وخلي بالك من حركتك عشانهم.
اعتدلت من نومتها محاولة استيعاب ما أردفته الطبيبة:
عشان مين؟ البيبي؟
التقطت الطبيبة بعض الصور الضوئية لجنينيها وقالت:
ما هو ده الخبر التاني، هما توأم مش واحد.
صفعات الحياة مدت مخالبها لعقلها فلقنتها درسًا لا يمكن نسيانه. لا نعلم من تعاقب ومن تعاند؟ هل الحياة تتحدى عاصي لتعلمه ألا يواجه القدر مرة ثانية! أم تعاقبها هي لأنها ساعدته في جريمته! أو جاءت تلك المرة تحنو على قبل تلك الفتاة التي طال صبرها ومنحتها بدل العوض عوضين؟
اعتدلت من نومتها ولقد تهفهف خصرها وكأنه غصنٌ يشابه رقة الريحان بما يحوي بداخلها من لحظات حبهم التي لا تُنسى. مزيج من دموع الفرح والحيرة والدهشة سالت من عينيها محاولة استيعاب الأمر المفاجئ.
عادت للطبيبة وسألتها برتابة:
دكتور. المفروض أعمل إيه دلوقتي؟
انتهت الطبيبة من طباعة الروشتة وقالت بسعادة:
ولا أي حاجة، تاخدي الفيتامينات دي. ومنتحركش كتير. ومشي حياتك عادي خالص، الحمل مستقر ومفيش أي داعي للقلق ولا الخوف.
-تمام. مرسي يا دكتور.
الدموع ما هي إلا خطة الذي يريد أن يتحدث ولكنه يخشى. يخشى كل شيء. لم تكن تلك الفتاة المرتبة كما يُشاع عنها والتي تهتم بأبسط التفاصيل. وإنما كان لديها همًا خاصًا ويائسًا لتبدو هكذا. إنها فقط تخفي فوضاها وحيرتها ببراعة.
غادرت العيادة وهي تحمل ذلك الخير الذي انتظرته لمدة عام. وتحمل معه كيفية المواجهة وتخمين كيف سيكون رد الفعل عنه؟!!!
***
القاهرة.
-كده يا ستي كل حاجة تمام، قدّمنا الملف في كلية الهندسة زي ما شمس قالت بالحرف.
أردف كريم جملته وهو يفتح لها باب السيارة بسعادة بالغة عكسها بعد ما قدم لها الأوراق في نفس الجامعة الخاصة التي كان ينتمي إليها. دار من أمام السيارة ليجلس على مقعده الخاص بالقيادة وقال:
طيب وبعدين في البوز ده؟ ممكن أفهم مكشرة ليه؟
انفجرت بوجهه معبرة عن غضبها:
أنا لا بحب الهندسة ولا المهندسين ولا حابة أكون منهم.
أحس بالإحراج المصطنع وقال بمزاح:
ماشي يا ستي شكرًا على ذوقك. وبعدين مش مهم تحبيبهم، كفاية هما بيحبوكي.
دارت إليه كمحاولة أخيرة للإقناع:
كريم أنت مش بتحبني وعايزني أسامحك ونرجع زي الأول؟
تأفف بضيق:
أنا سبت الدنيا كلها وجيت جنبك أهو مستني الفرج.
تحمست قائلة:
طيب أنا عندي ميعاد النهاردة في مكتب كاستينج. ممكن نجي نجرب ومش هنخسر حاجة. كريم بليز اقف جمبي وتعالى نجرب ولو الحال مش عجبك صدقني هنسى موضوع التمثيل ده خالص.
فكر للحظات ثم قال على مضضٍ:
تمام يا نوران موافق. ومش عشان أنتِ صح، لا عشان متأكد لو رفضت هتروحي هناك لوحدك.
ثم زفر باختناق:
فين مكانه الزفت ده!
***
-تميـم، أنا بكلم نوران وكريم محدش فيهم بيرد. وقلقانة أوي. بجد أنا ندمت إني وافقت يروحوا سوا.
ترك تميم الاجتماع ووقف بأحد زوايا الغرفة وتكلم همسًا:
حبيبتي ممكن تريحي نفسك، أنا لو مش واثق في كريم مش هسيب نوران معاه. ممكن تستريحي.
جلست على مقعد مكتبها الخاص بالمشفى بكلل حيث وضعت كفها على بطنها المنتفخة كالبالون الصغيرة يعلن بهلال الشهر الخامس:
أنتَ بتكلمني كده ليه! أنا غلطانة إني كلمتك يا تميم.
أحس بآهات التعب بصوتها:
شمس أنتي كويسة!
انفجرت باكية وهي تشكو له:
لا. البيبي بيتحرك جامد وعندي شغل كتير مش عارفة أخلص، ورجليا وجعاني ونفسيتي وحشة. وأنت بتزعق فيا! أنا والله تعبت من كل حاجة.
عض على شفتيه محاولًا تمالك أعصابه وهو يتكلم خلف فكيه المنطبقين:
مليون مرة قولتلك ارتاحي يا شمس. ارتاحي وبلاش شغل مش معقول عنادك ده! والمفروض أسيب كل الشغل اللي هنا وأجي أقنعك للمرة الألف.
اختصرت الحديث معه:
خلاص يا تميم، مش عايزة حاجة. روح شوف شغلك الأهم مني ومن ابنك.
-ماشي يا شمس. هبعتلك السواق يروحك ويولع الشغل، تروحي ترتاحي وأنا هخلص وأجيلك.
ردت بعناد وهي تتشدق بقناعات لا تريدها:
مش عايزة حاجة خالص، وملكش دعوة بيا.
***
وصل كريم برفقة نوران لذلك المكتب الذي على موعد معه. جلست على الأريكة بجواره منتظرة ميعاد دخولها بحماس. طافت عيني كريم بشك فأردف هامسًا:
هو المكتب ده محدش جاي يقدم فيه غيرك؟
ردت بفتور كي تطمئنه:
لا طبعًا تلقى كل الناس خلصت ومشيت، ده عشان حضرتك جايبنا متأخر ساعة.
تعربد بكلمات تشير لعدم موافقته للأمر:
أنتِ تحمدي ربنا أني جبتك أصلاً.
أجابته بعناد تشير فيه باستغنائها عن خدمته:
كنت هاجي لوحدي على فكرة.
رد بغلٍ:
طيب اسكتي بدل ما آخدك ونمشي.
-ولا تقدر.
جاءت السكرتيرة ونادت باسمها:
آنسة نوران اتفضلي.
وثب الاثنان متأهبين للدخول ولكن أوقفته المساعدة قائلة:
سوري يا فندم. الآنسة لوحدها.
عارضها بحدة:
يعني إيه؟
هزت كتفيها بجهل:
هي الشروط كده يا فندم.
دارت له كي يمر اليوم بسلام مستخدمة اساليبها الناعمة كي لا يحدث شيء:
معلش يا كيمو. لو اتاخرت عن 5 دقايق بس جوه ابقى تعال خدني وأنا مش هتأخر. هي دي الشروط بقى، عشان خاطري طول بالك.
قدرت نوران أن تقنعه في دخولها بمفردها ذلك المكتب المجهول. تقدمت بخطوات مترددة على سقطت عينيها على ذلك الرجل الأسمر اللون ذو النظرات الغامضة.
اقتربت نوران منه وسمح لها بالجلوس بتلك الأعين الثعلبية طلب منها أن تؤدي مشهدًا سينمائيًا تفضل.
وقفت نوران متحمسة لأداء مشهدها المفضل من أحد الأفلام القديمة متجاهلة نظرات ذلك الرجل الخبيثة. في تلك اللحظة كتب عنوانا بورقة وفارق مقعده ودار حولها كدبور يطوف حلو الزهور قبل أن يغدر بها.
لمعت عيني الذئب بعثوره على ضحية جديدة ومد لها الورقة:
ده عنوان الشقة بتاعتي بالليل في حفلة صغيرة فيها كبار المخرجين والمنتجين هستناكي أعرفك عليهم.
شدت الورقة من يده بفرحة عارفة وهي تقفز كالأطفال:
بجد يعني تمثيلي عجبك!
تطاولت يد الرجل لخصلات شعرها المتدلية بمزيج من اللمسات والنظرات المقززة وهو يقترب منها ويقول بوقاحة:
بس أنتِ رفيعة أوي، أنت مش بتاكلي؟
في تلك لحظة اندلعت ثورة الغضب برأس كريم وأخذ يوبخ نفسه كيف طاوعها على ذلك الفصل من الجنون. حسمت خطواته الأمر وبدون ما يهتم لأحد اقتحم المكتب ليتفاجأ بتلك النظرات واللمسات المخلة من ذلك الرجل. لم يتمالك نفسه إلا بعد ما انهال على وجهه ببعض اللكمات صارخًا بوجهه:
أنتَ مجنون! ازاي تستجرى تحط إيدك عليها كده!
لم يمهل الرجل فرصة ليدافع عن نفسه، بل اكتفي بسقوطه أرضًا وصرخ بوجهه:
أنا هقفلهولك المكتب الزبالة ده!
ثم شد نوران من يدها عنوة وسحبها خلفه كما تجر الأغنام متجاهلًا ندائها عليه وصوت تمردها المتزايد.
***
ببسمة ترتسم رغم كل الآلام والحطام الساكن بقلبها، تبتسم لكل بوجه ثمرتي الحب المقبلين للحياة بعد القليل من الأشهر. تركت العناء فوق دواسة بابها وسارت حاملة تلك المضغتين برحمها، ليس لأنها لا تعاني بل لأنها لا تريد أن تزيد الحمل على عاتقها. تريد أن تفرح مرة واحدة دون أن تطولها مخالب الحياة القاسية.
وصلت لغرفتها لوقت متأخر بعد ما قضت نصف يومها مع البحر تستكمل له تلك القصة التي حذفها موج لعندها. عادت في تمام الساعة الحادية عشر في ظل هدوء تام بالمنزل رغم ازدحامه.
وصلت إلى غرفتها ونزعت ” جاكتها ” الأزرق. اقتربت من المرآة ببنطالها الأبيض وتلك السترة البيضاء ذات الحمالات الرفيعة. رفعتها لتكشف عن بطنها التي تحمل حياة جديدة لطفلين رغم انتظارها لواحد فقط.
أخذت تربت على تلك البطن التي لا توحي إلا بعشاء دسم لا أكثر. مع مزيج من العبرات والضحكات ونبض قلب الأمومة بقلبها ظلت تحاورهم كالمجنونة.
” ظننت أن الحب عقد بين قلبين ولكن الحمل أيضًا أسمى عقد بين روحين جمعهما سحر الحب، كل منهما يكمل بعضه بعضا إن زال شرطًا يبطله كما يبطل قلبي كل يوم عند شحنه بالمزيد من الأوهام نحو حقيقة حبك لي !! يا ترى كيف ستتقبل حقيقة ذلك العقد الأبدي الذي ربط أرواحنا ليوم القيامة ”
بخطوات متمهلة وصل عاصي لمنزله. قطع خطاوي السلم بهدوء ووقف في آخره، أيتبع مسار اليمين أم اليسار؟
حسمت أرجله الموقف وتحرك ناحية اليسار وبالأخص إلى الغرفة التي تقطن بها عالية.
دق الباب بتردد حتى أتاها صوتها الخافت وسمحت له بالدخول. فتح الباب فوجدتها تزيل أثر الدموع عن وجهها. جلس على طرف مخدعها ومسح عبراتها بدلًا منها وقال عندما لاحظ إضاءة هاتفها:
كنتِ بتكلمي مين؟
ردت بصوت باكي:
دي مامي، بتحاول تقنعني أرجع. وأنا مش حابة.
رد مقترحًا:
قوليلها تيجي تقعد معاكي. وبعدين هو ده السبب اللي مخليكي بتعيطي كده؟
علقت غصة حبها بحلقها وقالت:
مفيش خبر عن مراد!
ضرب كف على كف متسلحًا بالغضب:
بس اجيبه، الأرض انشقت وبلعته ابن جيهان. لكن على مين؟ وعد مني هجيبهولك لحد عندك راكع كمان.
-لالا أنا مش عايزة حتى أسمع صوته. ولا طايقة أشوفه، ده حتى مفكرش يكلمني.
هز رأسه مؤكدًا:
ده من بيت المحلاوي! مستنية منه إيه يعني. كبري دماغك منه وركزي بس مع البيبي.
ثم تنهد وكأنه أراد أن ينزع قناع الكذب عن وجهه وأشار على بطنها المنتفخة:
الهانم الصغيرة دي هتشرفنا إمتى؟
مررت كفها الصغير فوق بطنها وقالت:
هبدأ في التامن بكرة.
أخرج علبة قطنية سوداء من جيب سترته وهو يقول:
بكرة تنزلي أنتِ وحياة وتجيبي كل اللي ناقصك. وكل حاجة محتاجاها.
ربتت على كتفه:
حبيبي ربنا ما يحرمني منك.
كادت أن تقول شيء عن ماضيهما سويا ولكنها تراجعت متوصلة للجواب، أنها لعنة الحب السحرية التي فجرت من الحجر الصخري ينبوعًا من الماء العذب.
فتح العلبة الصغيرة وأخرج منها انسيالًا من رقيقًا من الماس ولفه حول معصم يدها ثم رفعه لمستوى ثغره ليقبله، فسألته بحيرة:
إيه ده يا عاصي؟
-دي من ضمن المجموعة الجديدة اللي نزلها تميم امبارح. وحسيت أنه يشبهلك أوي ومحدش ينفع يلبسه غيرك. اشتريته.
أخذت تتأمل تلك التحفة الفنية المعلقة بمعصمها بانبهار:
يا حبيبي تحفة. طول عمري بقول محدش ينفع يشتغل في المجوهرات دي غيرك. ده تصميمك صح! أنا عارفة شغلك كويس أوي.
-عجبك.
-تحفة بجد.
لم تمنع نفسها من معانقته وهي تشكره:
بجد مش عارفة أقول لك إيه. متتصورش أنت فرحتني قد إيه. ربنا يخليكم ليا يا رب.
قبل جبين أخته ثم تأهب مغادرًا:
هروح ألحق حياة قبل ما تنام.
ثم تراجع متسائلًا:
البنات ناموا؟
-آه الناني الجديدة بتنيمهم من 9. بلاش تصحيهم عندهم مدرسة الصبح.
-تمام. يلا تصبحي على خير. نامي ومتفكريش في حاجة.
غادر غرفة أخته بعد ما أدخل وميض من السعادة على قلبها، تحرك بخطوات ثابتة إلى غرفته. طرق الباب بهدوء ثم دخل قبل أن تسمح له. أخفضت السترة البيضاء كي تداري بطنها النابضة بروح عشقهما. اقترب منها مبتسمًا وطوقها من الخلف وضمها لصدرها وبات الثنائي يشاهدان صورتهما المنعكسة بالمرآة.
بللت حلقها الذي جف من هول مجيئه وسألته:
متأخرتش يعني!
رست كفوفه على بطنها حيث ما تنتمي وقال:
أنا كنت بسابق الوقت عشان أرجع. وكويس عرفت أهرب من الشغل. عشان أجلك.
أحست بنبض غريب وجديد بجوفها فوضعت كفوفها فوق كفيه وقالت بخفوت:
كل ده ليـه؟
غمز لها بالمراة غمزة تفصح عن حقيقة رؤيتها التي تزيل غبار حزن الساعات بدونها. تعلق ببريق عينيها المنعكسة وقال:
وحشتيني يا ستي. وبعدين أحنا مش في بينا اتفاق.
ردت بصوت هدر:
اتفاق إيه.
فرت أنفاسه لمخابئها لتطبع تلك القبلات الصغيرة على أغصانها. تمتم قائلًا:
هتخسريني في الشغل. هرجع أعوض خسارتي.
ابتسمت بفتور وهي تذوب بين يديه لم تستطع إيقافه ولن يكون لديها القدرة الكافية لتبتعد عن تلك المشاعر التي تعيشها معه. أغمضت تلك الجفـون المرهقة متمتمة باسمه فقط كي يتوقف عما يفعله بقلبه الغارق بحبه حتى الموت.
ابتعد عنها عنوة كي يخرج لها عقدًا مرصعًا بالماس ولفه حول عنقه بعد ما سقاه بماء الورد. فتحت عينيها ببطء شديد وهي تتحسسه وتفحصه بالمرآه:
ده ليا بمناسبة إيه؟
-هو لازم يكون في مناسبة؟ وبعدين ياستي اعتبريها احتفال بسيط عشان مزاد النهاردة.
رفعت عينيها معترفة:
بس أنت بعت ورد.
عاد ليضمها إليه مرة أخرى ليراقب العقد عليها ذلك الذي توهج جمال عندما لمس رقبتها. أقر بحب:
قادرة تخلي الجماد ينطق. أي حاجة بتلمسها بتدبي فيها الحياة. زي ما عملتِ بقلبي بالظبط.
ثم سند ذقنه على كتفها وقال:
العقد ده الوجهة الإعلامية بتاعت المجموعة. وأكتر عقد جاه عليه الطلب. بس محدش ينفع يلبسه غيرك. المهم، حابة نسهر هنا ولا تيجي ننزل البحر ونبات الليلة دي على اليخت.
ردت بملل يملأه الخوف:
اللي تشوفه معاك فيه. عاصي عايزين نتكلم شوية ممكن.
-بصراحة وأنا كمان. في حاجة كنت مخبيها عليك لازم تعرفيها. جيه وقتها يعني.
خفق قلبها حول ذلك السر وقالت:
وأنا كمان محتاجة أتكلم معاك في حاجة مهمة.
مط شفته بتفكير:
الحاجة دي ينفع تتأجل لبكرة طيب؟
هزت رأسها بالنفي وقالت:
لا مش هينفع تتأجل.
-طيب أخد شاور بس ومعاكِ للصبح.
أومأت بالإيجاب ثم قالت:
ماشي ادخل أنت وهجيبلك هدومك.
اتجه عاصي إلى الحمام ووقفت هي بمنتصف الغرفة تأخذ نفسًا طويلًا ليهدأ قلبها من تلك الثورة. أخرجت بعض ملابسه من الخزانة ثم فتحت الباب بهدوء ووضعتهم بمكانهم المخصص بالحمام. ألقت نظرة سريعة على ذلك الزجاج الفاصل بينهم ثم خرجت.
التفت لصوت دق الباب بالخارج. فتحت بلهفة عند سماعها صوت عالية:
عالية! مالك؟ في حاجة بتوجعك؟ اكلم الدكتور.
ربتت عالية على كتفها:
حياة اهدي أنا كويسة. مفيش حاجة اطمني.
تنفست الصعداء وقالت بمزاح:
خضتيني قولت هتولدي.
-لا لسه بدري.
ثم اضطربت عينيها بخجل:
في حاجة تانية زادت عن حدها ولازم تعرفيها.
-حاجة إيه يا عالية؟
أشاحت بنظرها ناحية الغرفة التي تنتمي لرشيد أخيها وقلت بخجل:
أنا أسفة. في حاجة مش مظبوطة لازم تعرفيها، وأنا مش هعرف اسكت أكتر من كده.
تسرب القلق إليه:
مالك يا عالية.
نطقت عالية أخيرًا بنبرة أشبه بالهمس:
فريال كل يوم بتروح الأوضة لفريد في الوقت ده، ومش بتخرج غير الفجر. أنا حاولت كتير أخيب ظنوني، بس الأمر فعلًا يقلق.
في تلك اللحظة رن هاتف عاصي، فتناوله بيده المبللة وقال بملل:
أيوة.
-عاصي بيه، في حريق جامد في المصنع وإصابات كتير ومش عارفين نسيطر عليه.
***
قصر دويدار.
تأكل النيران بقلبها حتى شتت أفكارها ومبادئها. أخذت تهاتفه للمرة المئة ولكن دون جدوى. ضربت الأرض بقدميها إثر شعورها بالإهانة والعجز. فتحت باب الغرفة وحسمت قرارها لتذهب إليه.
بدون إذن فتحت الباب وقفلته خلفها وقالت موبخة والدموع تتطاير من عينيها:
مابتردش على تليفوناتي ليه؟
فزع من مرقده بارتباك واضح:
نوران أنتِ بتعملي إيه هنا؟
ردت بإصرار:
مش هتحرك من هنا غير لما تسمعني يا كريم.
رد بحزم وهو يحاول يمسك يدها بيخرجها من غرفته:
نوران لو سمحتي اتفضلي اخرجي، ومش عايز أسمع حاجة خلاص خلصنا.
شدت يدها بإلحاح:
أنا كنت هعرف منين أنه شخص زبالة وبيضحكوا على البنات!
صرخ بوجهه ليعنفها:
عشان هي شغلانة كلها عوج وبيستغلوا البنات العبيطة اللي زيك.
ضرب الأرض بقدميها بعجز والعبرات تتقطر من عينيها المحمرة:
طيب كلمني كويس، متزعقش وكفاية اللي قولته وأنا سكتت عليه. وأنا غلطانة إني عبرتك وجيت عشان أطيب بخاطرك.
وقف متأففًا:
نوران اخرجي بره ماينفعش حد يشوفك هنا.
تمتمت بدموعها الجارية وهي تتمسك بيده:
طيب سامحتني! كريم بلاش الأسلوب ده مش أنت والزمن عليا!
في تلك اللحظة سحبها من يدها ليخرجا معًا من الغرفة وهو يقول:
تعالى نتكلم تحت، هنا مش هينفع.
في نفس اللحظة التي خرج فيها الثنائي من الغرفة كانت شمس تحمل دورقًا من المياه وتتجه إلى غرفتها. ما إن رأتهم معًا سقط ما بيدها وجحظت مقلتيها:
نوران! أنتِ بتعملي إيه هنا؟
***
الفصل الثامن.
الحقائق كالنار مهما حاولت إخفائها يكشفك دخانها.
وقفت عقارب الساعة عند نوران وكريم إثر سؤال شمس الأخير. تلك التي تدنو منهم بخطوات مثقلة بالهواجس التي يرفضها عقلها والتي لا تخلو من تهويل الأمور والأفكار الشيطانية. قبضت على معصم أختها بعنفوان وهي ترجها بقوة وهي تكاد تنفجر من وجه أختها الشاحب الذي لا يشير إلا بوقوع مصيبة كارثية:
انطقي!
لم تكف عن البكاء ولكنها جهر متوسلة:
مفيش حاجة يا شمس، سيبي أيدي. أنتِ فاهمة غلط.
لم تستمع لتوسلات أختها بل زادت من تعنيفها:
طالعة من أوضة الشاب الساعة دي والمنظر ده وتقولي فاهمة غلط؟ فهميني أنتِ الصح عشان أنا بقيت مش شايفة ومش فاهمة.
تدخل كريم كي يحل الأمر ويهدأ من الفوضى الناشبة:
شمس، ممكن تهدي.
فقاطعته صارخة بأعين ينفجر منها الشرار:
أنت تخرس خالص، تميم يجي يتصرف معاك.
صرخت نوران بنفاذ صبر من تلك الاتهامات الحادة التي وجهتها أختها وهي تتملص من وجع يدها:
شمس بقول لك مفيش حاجة، كانت مشكلة واتحلت، بطلي بقى الأسلوب ده.
جاء تميم من غرفته ركضًا إثر تلك الفوضى والنقاشات المحتدة بينهم، فأردف قائلاً وهو يقبل عليهم:
إيه هنا؟ مالكم.
ثم وجه سؤاله لكريم عندما لم يتلقى ردًا منهن:
اتكلم انت طيب يا كريم.
رد بإيجاز:
تميم تعالى نتكلم لوحدنا.
تفوهت شمس بانفعال والقليل من العبرات المتقطرة:
لوحدكم ليه؟ اتفضل قول لتميم أختي كانت في أوضتك الساعة دي بتعمل إيه!
دار نصف دورة حول نفسه وهو يتنفس الصعداء من حدة تلك الاتهامات الموجهة إليه.
طافت عيني تميم بعدم تصديق محاولًا استيعاب ما وقع على مسامعه:
إيه الجنان ده؟ أكيد أنتِ فاهمة غلط يا شمس. ممكن تهدي طيب وكله هيتحل.
هبت شمس معارضة؛ وهي ترمق كريم بتلك النظرات الساخطة:
تميم أنا وأختي هنرجع شقتنا، وأنت شوف لك حل مع قريبك، لو كان في بيتي كان هيبقى ليا تصرف تاني.
سحبت نوران يدها بقوة وهي تبرأ نفسها صارخة:
ما كفاية بقى يا شمس، كل ده ليه يعني؟ لو عايزة تعاقبي حد يبقى أنا، كريم ملهوش دعوة بأي حاجة. بالعكس ده كان بيساعدني.
قاطعها كريم رافضًا اعترافها:
خلاص يا نوران. محصلش حاجة، وأختك عندها حق. أنا همشي.
تدخل تميم بينهم وهو يمسك بيده:
أهدى أنت كمان، ونشوف فين المشكلة عشان نحلها.
طالعت أختها بتلك الأعين المحمرة من كثرة البكاء، وشرعت بتجفيف وجهها من آثار الدموع وسألتها بتوجس:
نوران. بصي لي، عشان خاطري وطمني قلبي، إيه المشكلة اللي بينك وبين كريم، حصل إيه ما بينكم انطقي.
ردت بنبرة غارقة بالبكاء:
مفيش حاجة من اللي في دماغك يا شمس، اطمني.
ثم نظرت لكريم بعجز وقلة حيلة:
هقول لهم. ماينفعش نخبي أكتر من كده. أنا غلطت ولازم أتعاقب.
***
يرتدي حذائه بعجل غير مكترث لعقد رابطة عنقه المتدلية على كتفيه. تجوب حوله بفوضوية واضطراب لتهدأ من روعه:
عاصي عشان خاطري أهدى وركز. اهدى عشان تعرف تفكر.
ثم جست على ركبتيها أرضًا لتعقد له شريط حذائه بسرعة وأتبعت:
في إصابات كتير؟
ردت بقلق يتقاذف من بين حروف كلماته:
مش عارف يا حياة. ربنا يسترها.
نهضت عالية الجالسة على طرف السرير بارتباك:
طيب خلي بالك يا عاصي. انتبه يا حبيبي.
ربت على كتفها مهرولًا وهو يتأهب للرحيل:
متقلقيش.
صاحت حياة موصية:
ابقى طمني يا عاصي.
اكتفي بهز رأسه حيث تناول مفاتيحه وحافظة نقوده وهاتفه ورحل على الفور.
اقتربت عالية من حياة بأعين يحاصرها الشك المختوم بتساؤل:
عرفتي هتعملي إيه مع رشيد!
-لازم أحلها قبل عاصي ما يرجع.
لملمت شعرها بـ ” التوكة ” المعدنية وهزت رأسها كمن يدرك خطواته جيدًا، غادرت عالية الغرفة عائدة لغرفتها كي تتجنب رؤية تلك المواجهة العائلية، انصرفت حياة من الغرفة بخطى سريعة متجهـة نحو غرفة أخيه التي طرقت بابهـا بقوة حتى أتاها صوت الأخير مهزوزًا خائفًا:
رسيل!
قفز من مخدعه وشرع بارتداء ملابسه بسرعة فائقة وهو يتهامس مع فريال صارخًا بهمس:
ادخلي الحمام ولا اختفي من الأوضة. اتحركي.
بنظرات الانتصار تُطيل معه الحديث، وكأن أخيرًا ظفرت خطتها التي تعمدت أن تظهرها أمام عيني عالية لتكشف سرهم. اتاهم صوت رسيل من الخلف بنبرة حادة تحمل نيران الغضب:
افتح يا رشيد!
قفز بداخل بنطاله قائلًا:
بغيـر يا رسيل استني.
لم تتمهل بل زادت من قوة صفع الباب. مرت الدقيقة على حقل شائكة حتى ظهر أخيرًا أمامها بثغر مبتسم يحمل عتبًا:
في حد يصحي حد كده! مش هتلم.
تمنحه فرصة للبث ببنت شفة، حيث باغتته بصفعة قوية تردد صداها بغرفته عندما تأكدت من وجود آثار الحمرة المنتوزعة على وجهه. جحظت عينيه بغضب ينافس غضب الرياح:
أنتِ بتعملي إيه يا رسيل! إيه الجنان بتاعك ده!
دفعته بكل ما أوتيت من غضب لتقتحم غرفته وهي تهذى وتبحث كالمجنونة عن فريال حتى عثرت عليها متوارية خلف باب الحمام. وقفت لبرهة تتلقى الصدمة مع ابتسامة عجز وقلة حيلة. سحبتها من معصمها للخارج و ردعتها بعنفٍ وقالت بسخرية:
إيه ده؟ الأرف ده بيحصل في بيتي أنا؟
ثم وقفت أمام أخيها مسددة إليه تلك النظرات النارية:
أنطق! ليـه كده؟ ما تتجوزوا وبعدين تغوروا في ستين داهية، لكن تتقابلوا زي الحرامية كده وكمان في بيتي اللي فتحتهولكم!
لم يمتلك الوقاحة الكافية ليواجه أخته، حيث غمغم موضحًا:
رسيل أنتِ فاهمة غلط.
-غلط! وهو فين الصح في اللي أنا شوفته؟ الهانم بلبسها المقرف ده؟ ولا سيادتك ومنظرك ده. بص في المراية وأنت تشوف الغلط الحقيقي.
بنبرة أقرب للهذيان أردفت كلماتها الأخيرة، ثم نظرت لفريال لتوبخها:
أنت إزاي تعملي في نفسك كده! إزاي تخونيني في بيتي! أنتِ. أنتِ.
أصيبت ملامحها بلعنة الاشمئزاز من مجرد النظر إليها. فأدركت أن الحديث لوحده جهد مهدور. ابتلعت ما بقي من كلمات بجوفها ولكنها لم تتخلص من تلك النظرات الساخطة.
فر الحياء من مضجعه فأردفت بوقاحة:
أنا ورشيد بنحب بعض، حصل إيه يعني؟ مش أنتِ سبق وقعدتي مع رجل غريب في أوضة واحدة ومحـ.
-اخرسي بقا وكمان ليكي عين تبجحي!
صفعة جديدة كانت من نصيب وجنتها تلك الوقحة التي لم تعترف للحظة بخطأها، ثم انفجرت موضحة:
أنا الظروف هي اللي رمتني أقعد مع راجل غريب في أوضة واحدة. بس الرجل ده ملمسش مني شعرة واحدة من غير عقد جواز. أنا مش رخيصة ولا زبالة زيك عشان أوافق بالإهانة دي.
ثم دارت إلى أخيها الذي حاول أن يستجدي رضاها، ولكنها قاطعته بحزم:
تأخد الزبالة دي وتطلعوا بره بيتي. تتجوزوا بقا، تقضوها أرف. المهم مشوفش طيف حد فيكم هنا.
تحركت فريال لتتشبث بكتف رشيد ثم قالت بانتصار:
أحنا كده كده هنتجوز ومش هنقعد هنا، مش كده يا رشيد!
تأرجحت عينيه بحيرة تعلت تورطه ثم سحب ذراعه برفق وقال لأخته وهو يطالعها بصوت خافت:
بس أنا مش هتجوزك يا فريال.
صدمة جديدة حلت على رأس حياة التي لم تتوقع رد أخيها، وانسكب الجمر فوق قلب فريال التي أعلن عن أنانيته وتخليه عنها جهر. انكمشت ملامحها بذهول:
يعني إيه مش هنتجوز! كنت بتضحك عليا يا رشيد! كُنت.
قاطعته رسيل بنظرات استحقار لتدافع عن فتاة مثلها:
يعني إيه مش هتجوزها! جاي دلوقتي تقول مش هتجوزها! أنتَ كده راجل يعني ومحدش هيقدر يقف لك.
اختصر الجدال مع أخته وقال بنبرة نهائية:
أنا خلاص لقيت اللي هكمل معاها حياتي، وبالنسبة لفريال أنا مغصبتش حد على حاجة.
تأزمت الحالة عليها فلم تحد نفسها إلا بتسديد الضربات إليه وتدفعه للخارج لخارج بيتها وهي تهذى بكلمات محملة بوجع الخزي والخذلان لأخيها. حتى وصلت لنهاية السلم استسلمت لضعفها وجلست تنزف دموعها وتشكو من ثقل الحمل:
متجيش هنا تاني. مش عايزة أشوفك يا رشيد. أنت من النهاردة لا أخويا ولا أعرفه.
انتظرت عالية حتى خرج رشيد من البيت، فأسرعت نحو رسيل الجالسة على أول درجات السلم لتساندها:
حياة قومي. اهدي يا حبيبتي متعمليش في نفسك كده. قومي معايا.
سندت حياة عليها وهي تنهض بعناء، أخذت تجفف عبراتها لتستجمع قوتها، ثم سقطت عينيها على فريال الجالسة أمام أعتاب الغرفة. اقتربت منها بنظرات ممزوجة بالعطف والسخط:
قومي ادخلي أوضتك ومش عايزة أشوف وشك لحد ما نشوف حل للمصيبة دي.
***
-أظن الأمور وضحت يا شمس. نهدا بقى ونحمد ربنا محصلش حاجة!
أردف تميم جملته الأخيرة بعد ما روت نوران القصة كاملة ثم ختمت جملتها بـ:
أنا روحت اعتذر له بس عشان كان مايردش عليا، وهو طردني من الأوضة عشان ماينفعش.
ثم انفجرت بركة الدموع من عينيها. تحرك تميم وضمها إليه بحب أخوي وقال:
هنستفاد إيه من العياط. المفروض نتعلم الدرس.
ثم نظر لشمس المصدومة التي نسيت كيف تنطق الكلمات وقال:
مش عايزة تقولي حاجة يا شمس لكريم!
بأعين شاردة تأرجحت بتردد وحيرة ثم بللت حلقها بخجل وقالت معتذرة:
آسفة يا كريم.
ثم شدت نوران من يدها وقالت بخفوت:
معلش يا تميم، هستأذنك أبـات مع نوران الليلة.
فتلاقت عيني الأختين حتى قالت:
يلا يا نوران.
***
في تمام الرابعة فجرًا عاد عاصي لمنزله وهو يجر ذيول خساراته جرًا خاصة بعد تأكده أن تلك الحادث مدبر وورائه رسالة تهديدية.
قفل الباب بهدوء ثم تحرك نحو غرفته التي فتح بابهـا فأول ما سقطت عليه عيناه ” حياة ” الجالسة تحت النافذة كالقرفصاء. رمى سترته من يده وجلس بكلل بجوارها مستندًا على الحائط.
رفعت عينيها الدامية ببطء ثم اعتدلت في جلسته لتطل عليه وسألته بصوت مبحوح:
طمني عملت إيه؟
ثنى ركبته ليسند مرفقه عليها وأجابها بكلل:
في كذا موظف حالتهم مطمئنش. مش فارق معايا كل الخساير دي. بس ليه ناس سهرانة على أكل عيشها تتأذي.
مسحت على فخذه برفق:
كله هيتحل، أهدى بس. مش بحب أشوفك كده.
تراجع برأسه للوراء وأطلق تنهيدة عالية:
لأول مرة أحس أني تعبت ومش قادر أكمل. زهقت من الشغل ومن الحروب طول الوقت. بقيت بدور على السلام النفسي وبس. ومش عارف أوصله.
تبدلت جلستها لتجسو على ركبتيها أخذت تربت عليه بالكثير من اللمسات الحنونة بأعين دامعة:
ما تقولش كده، أنا مسنودة عليك يا عاصي. ماينفعش تستسلم وتقول مش قادر أكمل. كل ما تضعف افتكر إني متقوية بيك وبوجودك جمبي.
زرع قبله طويلة بداخل كفها ثم لاحظ بكائها الغزير فسألها باهتمام:
حصل حاجة؟ مالك؟
هزت رأسها بخفوت ثم قالت بحرج شديد:
في حاجة حصلت ولازم تعرفها.
أخذت تفرك في كفي يدها بارتباك ملحوظ. اعتدل من جلسته وسالها:
حاجة إيه؟ اتكلمي يا حياة.
خشيت أن تلقي أعينهم، خشيت أن يرى الخجل بمقلتيها، فاعتدلت من جلستها الأخيرة لتعود لنفس المكان ونفس الوضع الذي كانت عليه عند دخوله وقال بنبرة خافتة:
رشيد وفريال على علاقة ببعض.
و.
ثم بللت حلقها:
طردت رشيد من البيت، ومقدرتش أطرد البنت. صعبت عليا ملهاش مكان غير هنا خاصة بعد ما اتخلى عنها وسابها ومشي.
لم يتفاجئ بالخبر، اكتفى بهز رأسه متفهمًا الأمر ثم دار إليها وأمسك بكفيه بحنو:
ده اللي مزعلك؟
أومأت بالإيجاب بدموعها المنخرطة من مقلتيها وأكملت:
كل يوم بيجي أصعب من اللي قبله، خسرت أخويا الكبير، وأنت المشاكل مش راضية تسيبك في حالك، كل يوم مشكلة. كل يوم كارثة جديدة. قلبي مبقاش متحمل العيشة دي يا عاصي! هل أنا ضعيفة ولا الحياة بتستقوى عليا!
مسح دموعها بكلتا كفيه ثم جذبها حضنه وأخذ يربت عليها برفق ويبث وميض من الأمان بقلبها:
وأنا موجود ليه؟ أنا هنا جنبك اسندي وحملي كل همومك، مش عايزك تشيلي هم حاجة في الدنيا. اهدي. مش بحب أشوف دموعك دي.
أيقظ فيها وطنًا تتمناه. وطن محيط بالأمان والحب. سندت رأسها على صدره وتشبثت بملابسه وغاصت في سبات عميق. فلا يأمن الإنسان إلا بحبيبه وكل امرئٍ يصبو لمن يعشقه.
***
جاء الصباح ليداعب تلك الملامح المرهقة من تراكم الليالي الحزينة. فتح عاصي جفونه التي يغازلها شعاع الشمس، ثم تدلت أنظاره على تلك الجميلة التي تتوسد صدره. رغم عنه ارتسمت البسمة على محياه برؤيتها. ذلك الوجه الذي يحمل شمسه وقمره في آن واحد.
نهض برفق من الأرض وحملها، ففتحت جفونها بتثاقل وهي ترى ملامحه بصورة ضبابية. فتمتمت:
خليك معايا.
وضعها في فراشها برفق تام ثم شد الغطاء عليها، تمدد بجوارها وأخذ يرتشف ملامح وجهها ليحسن مزاجه. اعتاد على تلصص النظرات منها كمن يراقب نجوم السماء. باتت أنامله تتنقل بين جدائل شعرها الناعمة، حتى عادت لرشدها وفتحت جفونها المرهقة:
صباح الخير. هي الساعة كام؟
عصر من شفتيها نبيذ صباحه وقال:
مالك بالساعة. نامي بس وارتاحي.
أول شيء وضعت فوقه كفوفها كانت بطنها وكأنها تلقي عطر الصباح على صغارها. اعتدلت قليلًا ثم طالعته بشغف:
نمت ولا طول الليل بتبص عليا كده.
فارقت أنامله شعرها وانتقلت لوجنتها وقال:
للاسف النوم سرقني وملحقتش أملي عينيـا.
ملك مفاتيح تعرية قلبها. فتنهدت بهدوء:
عملت إيه في المصنع. هتنزل الشغل؟
-كلمت الشباب وهما هيتصرفوا. النهاردة مش عايز اطلع من بره الأوضة دي. حاسس إني محتاج أفصل عن العالم والدوشة.
رأت في عيونه هزائم ساطعة. ثم قالت:
زي ما تحب، وأنا كمان مش هروح مكان وهقعد معاك. أحنا محتاجين نفصل عن الدوشة شوية. حتى مش حابة أتكلم في أي حاجة ممكن تزعلنا.
ثم نهضت من مرقدها وقالت بحماس يلهيها عن خيبات أمس:
هنزل أعمل فطار وناكل سوا، وكمان عشان عالية محتاجة تتغذى.
فارق هو الأخير مكانه متبعًا وجهتها حيث باغتها بضمة قوية اليه من خصرها جعلها تتراجع عن خطواتها ملقاة بحضنه وقال هامسًا:
أنا مش ناسي إنك عايزانا نتكلم. عشان كده اعتبري اليوم كله بتاعك النهاردة.
منذ أن عرفته فلم يملأها إلا حبًا وعشقًا متجددًا. بادلتـه بابتسامة خفيفة وقالت:
اتفقنا. لحد ما تاخد الشاور بتاعك أكون خلصت الفطار.
***
القصـر.
-كنت هتجنن يا تميم، أنت ما شفتش حالتها كانت عاملة إزاي وهما الاتنين طالعين من الأوضة. قلبي وقع وماعرفتش أنا بقول إيه.
وبساحة القصر الواسعة، يجلس تميم مع شمس التى سحبها لحضنه وربت على كتفها وقال:
اللي حصل حصل، وأنا مقدرش موقفك، المهم حاول تتكلمي مع كريم لأنه مصمم يمشي. كويس أقنعته يستنى لغاية الصبح.
أومأت بطاعة وهي تمسح دموعها:
ماشي، يصحى من النوم بس وهتكلم معاه.
في تلك اللحظة قُفل باب غرفة كريم، همس تميم لزوجته قائلًا:
اتكلمي بشويش وبالعقل.
جزت على فكيها باعتراض:
قصدك إني مجنونة يا تميم!
قبل على رأسها مشتريًا هدوءها:
ماعاش ولا كان. نهدا ماشي.
ثم جهر بصوته منادياً على كريم الذي يحمل حقائب سفره:
تعالى يا عم أنت، تعالى أقعد شوية.
ثم وثب قائمًا وقال:
كان نفسي أقول لك أعزمك على شاي من أيدين شمس، بس شهادة لله الشاي بتاعها متمنوش لألد أعدائي.
لكمته بركبته كي يكف عن سخريته، استقبل تمردها بضحكة خفيفة وقال:
فمضطر أعمل شاي بنفسي.
أشار لكريم إشارة لم يفهمها غيره ورحل كي يفسح لهم مجالًا للحديث، نادته شمس قائلة بتردد:
كريم، ممكن نتكلم شوية.
ترك حقائبه جنبًا ثم أقبل إليها بفتور ليجلس على المقعد المجاور؛ شرعت شمس بالحديث:
على فكرة حقك تزعل، وحقك كمان متبصش في وشي تاني. بس أنا ماليش غير نوران يا كريم دي أمانة بابا وماما، أنا بخاف عليها فوق ما تتخيلي بكتير.
ثم أخذت نفسًا طويلاً:
ماما وبابا سابوها طفلة صغيرة اتعلمت المشي على أيديا. أنا أبقى ليها أم وأب وأخت وعيلتها كلها. كريم أنا بقول لك كده عشان تقدر موقفي ومتزعلش مني.
هز رأسه متفهمًا ثم قال:
عمومًا أنا نسيت اللي حصل ومقدر خوفك، أي حد كان هيتصرف زيك كده، وخوفك ده ما يقلش عن خوفي عليها. أنا مستحيل أضرها، أنا سبت الدنيا كلها ورجعت لها، رجعت عشان أشوف آخرة موضوعي معاها.
انعقد حاجبيها باستغراب:
آخر إيه، مش فاهمة!
صمت لبـرهة ثم قال بثبات:
شمس أنا بطلب منك إيد نوران للمرة الثانية. عشان أن فعلاً بحبـها ومحدش هيحب نوران أدي.
***
بخطوات ثقيلة كمن يسبح عكس التيار تحمل فنجان القهوة وتتجه نحو غرفتهما حاملة على عاتقها حقائب الحقيقة المدفونة بأحشائها. فتحت الباب بخفوت ثم اقتربت منه وجدته يجري مكالمة هاتفيـة حيث اختتمها قائلًا:
تابع الحالات بنفسك يا بكر، وأصرف تعويضات مادية لأهالي المصابين لحد ما يقوموا بالسلامة.
تركت الفنجان على المنضدة ثم جلست بجواره، ما أن أنهى مكالمته سألته:
حد حصله حاجة.
رد بارتياح:
حالتهم مستقرة دلوقتي، احسن من بالليل.
تمتمت بخفوت:
ربنا يشفيهم يارب.
ثم بللت حلقها:
قهوتك قبل ما تبرد.
مال ليتناول فنجان قهوته متسائلًا:
وأنتِ فين قهوتك؟
أجابته بتردد:
لا ماليش نفس. عاصي.
دار إليها باهتمام:
أومري.
تأرجحت عينيها بارتباك كمن يبتلع غصة الحقيقة بحلقه:
هنتصرف إزاي مع رشيد، والبنت دي اللي اتخلى عنها! على قد ما أنا قرفانة منها. بس هي بنت زيي وحرام اللي حصلها ده دي لوحدها في الدنيا.
يعتبر أكثر شخص على علم تام بحقيقة فريال، منذ تلك المحاولة التي قطعتها مع عاصي ليكون لها، لتلك الأمور الشنيعة التي خاضتها مع رشيد، حتمًا امرأة مثلها يا إما فاقدة لأهليتها أو تنتوي شرًا لابد الحذر منه.
داعب وجنتها بإبهامه وقال:
أنتِ طيبة أوي يا حياة، وأنا مش عايزك كده. مش عايزك تشوفي الأمور كلها بقلبك.
ثم أشار بسبابته لعقلها:
حطي هنا أن كل حاجة بتحصلنا أحنا نستحقها. يعني فريال لو كان جواها خير مكنش هيحصل فيها كده.
أتاه صوتها شاردًا:
مصدومة في أخويا! طيب طالما مش بيحبها إزاي قدر يكون معاها كده.
فرفعت عينيها متسائلة وكأن السؤال موجه له خصيصًا:
إزاي الرجل بيقبل يكون مع ست مش بيحبها، أو نزوة مثلا! إزاي؟
ابتسامة خفيفة داعبت ثغره، ترك فنجان القهوة من يده وقال:
أنا ليه حاسس أن السؤال موجه ليـا؟ وبعدين وأنتِ مالك بينا؟ عايزة إيه دلوقتي؟
-بجد عايزة أعرف أنتوا بتفكروا إزاي؟
ثم تنهد بحماس وقال:
كل الرجالة كلنا عينهم فارغة، بيحبوا يدوقوا جميع الأصناف، لحد ما يقرروا هناكل إيه!
جحظت عينيها بنظرة استجوابية:
والله! وأنت من الرجالة دي؟
بضحكة خفيفة داعبت ثغره قال بثبات رافعًا كفيه ليبرئ نفسه:
كنت، بس تبت خلاص.
حتى التقى بعينيها الكاشفة فأمسك بكفيها عائدًا لصوابه وخاطب قلبها معترفًا:
شوفي يا حياة، أنا في فترة كنت كده وأسوأ، كنت بملي فراغ معين في حياتي أو بعوض غياب حد معين، كنت كل ليلة مع واحدة لمجرد سد الفراغ ده. ومفيش مرة نجحت أداويه، فشلت، لأن الراجل ممكن يحب في ثانية وممكن يقعد سنين علشان ينسي الحب ده وميقدرش.
ساومت أنفاسه ثغرها على القُبل، فأكمل قائلًا تحت سطو تلك الأعين التي لا تُقاوم:
لحد ما قابلتك.
-حصل لك إيه؟
أردف بحب انعكس بريقه بعينه:
كل رغباتي في الحياة تلاشت. بقيت مش شايف غيرك رغبتي الوحيدة حتى ولو هفضل قدامك ساكت أبص لك وبس.
ثم تزحزحت عيناه من عندها وأطلق ضحكة خفيفة وقال:
عارفة شعور الشخص اللي مقضيها مُقبلات ومشاريب. وكان مفكر أنه كده شبع، لحد ما أتفاجئ بوجبة عشاء لا تقاوم. ده إحساسي بالظبط.
دب حب كلماته ونظراته برحمها بألمٍ خفيف جعلها ترتعش مغمضة العينين. فلبي نداء جسدها بقبلة طويلة فتحت شهيته على وجبته الدسمة. لم تمهله فرصة الاغتنام بها، ففزعت راكضة من مكانها ناحية الحمام واضعة يدها على فمها، هرول خلفها ومنعها من قفل باب الحمام، لملم شعرها المنساب وضم كتفها إليه. أخذت تفرغ ماء جوفها بمعاناة.
رفعت وجهها عن المرحاض لتأخذ أنفاسها بارتياح، سقطت عيناه على صدرها الذي يرتفع ويهبط من شدة الجهد. جفف قطرات العرق من وجهها وسألها بخوف:
مالك؟ حاسة بإيه!
ردت بتعب وهي تتنهد بصوت مسموع:
مش عارفة، مستحملتش ريحة القهوة.
-مش غريبة دي؟ أنت مش بتحبي غيرها!
ردت بملل:
اللي حصل بقا يا عاصي. لو سمحت اخرج.
ختمت جملتها بجولة جديدة من التقيئ وهي تسعل بقوة مما جعلها يهتف بقلق:
لا ده أكيد برد في معدتك؟ هكلم لك دكتور.
تشبثت بيده كي يتوقف، رافعة عينيها المغرورقة لعنده، تدبر بخشوع عيونها الزهرية. لحظة صمت كانت بمثابة عمر آخر من الألم. اترعشت شفتيها وهي تقر معترفة:
استنى. عاصي، أنا حامل.
تصلبت تعابير وجهه كتفريغ الثلج على جسده، كررت كلمتها بنفس النبرة المهزوزة:
حامل في شهرين.
عرفت الخبر إمبارح، وتمتم مشدوهاً مصدوماً محاولاً نفي الأمر من رأسه:
ازاي!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السبعون 70 - بقلم نهال مصطفي
-إيه رأيك يا تميم؟
كل مرة تشعر فيها بالحيـرة وعدم القدرة على التصرف، تلجأ له لتتحامى به. جلس تميم بجوارها بعد ما ترك كوب الشاي على المنضدة، مع ابتسامة خفيفة ارتسمت على محياه. رد متنهدًا:
- والله الرد الأول والأخيـر لنوران. أما لو بتسأليني على رأيي في كريم، فهو أخويا الصغير ومتربي معانا.
ثم تبدلت نبرتها الهادئة لأخرى تحمل المزاح، بغمزة خفيفة رف بها طرف عينه:
- وشكله بيحب والحب مبهدلهُ. فلو على رأيي اللي ملهوش أي لازمة، موافق.
كانت تتطلع إليه بنظرات تحمل وميض الإعجاب، مع ابتسامـة خفيفة. حتى أومأت هي الأخرى بارتياح:
- وأنا شايفـة أنك فعلاً شهم وبتحبها، وطبعًا مفيش كلمة تعلى على كلام تميم. أنا كمان موافقة، بس مفيش جواز غير بعد سنة.
التفت إليها تميم معاتبًا وعقد حاجبيه كأنه يتسائل عن السبب. فلم تترجم نظراته إلا أن المهلة غير كافية. فتردد قائلة:
- سنتين؟!!! لما تخلص جامعة صح، كده صح!!
تدخل كريم معترضًا:
- إيه الأرقام دي!! ما تقول حاجة يا تميم.
هز تميم كتفيه بإبراء ذمته ممازحًا:
- أنتَ اللي اخترت، قابل بقا شوف أخوك مستحمل إيه.
جاءت نوران في تلك اللحظة وهي تقطع الخطاوي بثقلٍ بوجه عابث وملامح تحمل الضجـر. تفحصت أوجه الجميع فرأت الابتسامة تشع نورًا من وجوههم. تبدلت ملامحها الصاخبة لأخرى حائرة، حتى هتف تميم قائلًا:
- وأدي العروسـة جت هي كمان.
تباطأت خطواتها وهي تحاول فهم ما يقصـده تميم، وبأعينها المتأرجحة تطالعه:
- في أيه هنـا!
كاد تميم أن يتفـوه فباغتـه شمس وكتمت أنفاسـه قائلة:
- استنى أنا هقولهـا.
تفاقمت الحيرة والجزع بعقلها، فردت متأففة:
- ما تقولوا في ايه!! مالكم؟
بسعادة عارمـة أردفت شمـس:
- نونو، كريم طلب أيدك وأنا موافقـة… وتميم كمان موافق.
قرقرة بطنها معلنة توترها. كل ما بيها يتحرك، لا يوجد شيء ثابت. أعينها التي تذهب لعنده تارة ثم تطوف البيت. يدها التي تتكور ثم تنبسط. قضمها المتكرر في شفتيها وحلقها الذي تبلله باستمرار من كثرة جفاه. صدرها يعلو ويهبط بأنفاس الارتباك والحيـرة. فارق كريم مقعده وأحس بلزوم تدخله في تلك اللحظة كي يرفع عنها الحرج. وقف أمامها وهو ينصب قامته وبضحكة لا تفارق وجهه وقال بحماس:
- تتجوزيني يا نوران.
ضحكة رقيقة لكسر ما سببه إليها من احراج، وقال متعجبًا وهو يلامس أنامل كفها المرتعش:
- هاه، كله موافق… مش باقي غيـرك.
همست شمس لزوجهـا بإعتياظ:
- قريبك بدأ في النحنحة، شوفت أهو ده اللي خايفـة منه.
مال على أذنها هامسًا قبل أن يغادر مجلسه بقربه:
- ما أنا ياما اتحنحنت وادلعت عليكي، سيبي الرجل يعيش أيامه بقا.
ثم ذهب لعندها وهو يربت على كتف تميـم:
- أي رايك يا نوران؟!! عريس لقطة وزي القمر أهو.
بتنهيدة تشبه شهقة الغريق وهي تُطيل النظر بأعين كريم المتلهفـة، ليخالف اللسان ميول الهوى وتقول بفوضى واضطراب:
- لا، أنا مش موافقـة… مش عايزة.
كادت أن تنصـرف ولكنه أسرع ممسكًا يدها ليمنع هروبها ككل مرة:
- يعني أيه لا!! أنتِ مش المفروض بتحبيني؟ ولا أنا فاهم غلط ولا هو هبل وخلاص؟!!!
تدخل تميم بينهم وركضت شمس ملهوفـة لأختهـا وبعينيها مليوني سؤال:
- استنى نفهم منها يا كريم، رافضة ليه!
انفجـرت عيني نوران بالعِبرات، وقالت بنبرة مهزوزة مشحونة بالبكاء:
- لا، عشان أنتوا حاسين أني بقيت عالة عليكم، عايزين تجوزوني عشان ترتاحوا من همي. عشان بتتريقوا على أحلامي وشايفينها مصايب. قولتوا بقا أما نجوزها ونخلص منها هي ومشاكلها. لا عشان أنا مش هتجوز لما أنتوا تحددوا.
ثم صمتت لبرهه تستجمع فيها نفسها ورمقته بأعينها الملتهبـة:
- أنتَ تستاهل واحدة أحسن مني يا كريم.
أنهت جملتها بالهرب من أمام نظراته الحادة التي تمزق قلبها إربابًا. فرت كأرنب خائف يخشى المواجهة أكثـر من ذلك، تعرقلت في أول خطوتين مثلما تعرقلت بنطراته العتابيـة التي لا تتحملهـا. تدخل تميم ليهدأ الأمر ويوقف كريم الذي تأهب ليلحق بها:
- سيبها تهدي بس وهتهدى وتفهم.
ثم أشار لشمس:
- روحي يا شمس أقعدي معاها.
تمتمت شمس بعجلٍ يحمل الاعتذار:
- متزعلش منها يا كريم، نوران طايشة ولسه صغيـرة.
شده تميم عنـوة:
- تعالى نشـم هوا نضيف بره. تعالى يلا.
******
~الغـردقـة
-هتفضل ساكت كده كتيـر؟
يجلس على أقرب مقعد محاولًا استيعاب تلك الصدمة التي لا تقارن بسابقتها. اقتربت منه على مضض و ببطء خبيث وهي تحمـل السعادة بجوفها وتبذل مجهودًا جبارًا كي تخفيه عليه، ولكن هناك شيئًا مثل النار لا يمكن إخفائه أبدًا، ألا وهو الفرح. جلست على ساقه المهزوزة بتوتر من جمة المشاعر التي حلت به دفعة واحدة. وكررت سؤالها ولكن بنبرة حنونة لا تستقر إلا بقلبه:
- أيه!! هتفضل ساكت كده كتيـر؟
زفر دخل غضبه بتنهيدة عالية وقال مشدوهًا بعجزٍ:
- يعني أيه اتنين مش واحد يا حياة!! يعني التاريخ بيتعاد قدامي وأنا متكتف!
عقدت حاجبيه مبتلعة ضحكتها عنه إحترامًا لمخاوفه المتزايدة. أجابته بهدوء وهي تلمس بطنها برفق:
- يعني توأم يا حبيبي.
رمقها بنظرة مرعبة متفوهًا بغضب:
- يعني أزاي اتنين يعني؟!!
- الله يا عاصي!! وأنا اللي كنت حطيتهم بنفسي. أنا كنت عايزة واحد وبس، وربنا كريم وطلعوا اتنين. هنعترض!
قرأ لمعة السعادة بعينيها، تلك السعادة التي لا يراها إلا عندما ينغلق عليهما باب غرفة واحدة. تأرجحت عينيه بغل:
- طبعًا أنتِ ولا على بالك بالنار اللي جوايـا.
ثم قفل جفونه كي لا يتفاقم غضبه:
- حياة.. روحي نامي لحد ما أشوف هتصرف إزاي في المصيبة دي!
انكمشت ملامحهـا بضيق وهي توبخه:
- حملي بقا مصيبـة بالنسبـة لك يا عاصي!!
ثم وثبت قائمة وجهرت بعنادٍ:
- أنا قولت لك نبعد، وده لمصلحتك عشان طول ما أنا قدامك هتشوف نفس التاريخ، ونفس حوار مها. وأنا مش هتحمل كل ده. مش هعيش شهور حملي في خوف.
- أنا بجد مبقتش عارف أزاي اتعامل مع دماغك الناشفة دي!
لقـد نفذ صبره من عنادها وجدالها المستمر، فجهر بصوتٍ مرتفع ناطقًا جملته الأخيرة التي استقبلتها بنفس ذات النبرة العالية والأبية، وقالت صارخة:
- عاصي متزعقليش كده.
تلاقت أعينهم المدججة بالنيـران، حتى انخفضت نبرتها وقالت مبررة بتوجسٍ وهي تضع يدها على بطنها بدلالٍ:
- أنا حامل، والصوت العالي غلط على نفسيتي أنا و البيبيز.
شُلت مدارك عقله عن مبرراتها الغريبة التي لا تُعقل:
- حياة، أنتِ بتقولي أيه؟ هو أي هبل والسلام!!
وقفت أمامه بثبات و دمدمت شبه مقتنعة:
- لا، الصوت العالي فعلًا بيوترهم ويطلعهم عصبيين.
ثم انتقلت عينيها البراقة لتُعانق أعينه المشدوهة إثر ما يسمعه وأكملت بخفوت:
- وكفاية عليا واحد، مش هيكونوا هما وباباهم.
بملامح تعج بالإضطراب، تمتم ليتمالك غضبه:
- أنا هسيب لك الأوضـة كلها، استفردي بيها أنتِ والبيبيز بتوعك.
ما كاد أن يخطو خطوتين ثم أشار لها بسبابتـه بنبرة حاسمة:
- جهزي نفسك، هظبط أمور السفـر ونسافر في أي لحظة. وتقعدي على السرير متتحركيش والأكل هيجي لحد عندك، مفهوم.
تداعب الابتسامة شفتيها من تلك المزيج الذي يراوضه. تلك المشاعر المضطربة، تارة يغضب وآخرى يحب. وقفت في منتصف الغُرفة تُراقب ظهره حتى وصله لبابها. ما كان أن يفتحه ثم قفله ببطء وعاد إليها عندما عاتبه قلبه نادمًا. تأرجحت عينيها منتظرة سبب عودته وتراجعه عن المغادرة.
ففاجأها بحضن طويـل ليطفئ بعذوبتها ملوحـه مخاوفــه بقلب مرتجف من فرط القلق كمحموم بدون حمى. فلا شك أن النفوس تتغير طبقًا لاحتياجاتها ومطالبها. عانفته بنفس اللهفـة وهي توغل أناملها بجدائل شعره القصيرة وتتلوى بين يديه كعود الريحان المتراقص على أوتار الحب. همست بقرب مسامعه بتلك النبرة المرتعشة:
- أنا جمبـك وعمري ما هبعد عنك. بحبك أوي.
اكتفي بالتربيت على ظهرها وتلك القبلة الحارقة على جدار عنقها وقال بخوف وهو يجذبها نحو مرقدهما:
- متقفيش كتيـر، تعالي ارتاحي.
نفذت أوامره بدون اعتراض. شد الغطاء فوقها وضبط درجة حرارة المبرد، ثم ولى إليها متسائلًا:
- محتاجة حاجة؟
أجابتها بحماس طفلة وهي تومئ بالإيجاب:
- عايزة مانجـا. مانجا كتير.
لبى طلبهـا مستسلمًا لأحكام القدر كي لا يهزم تلك السعادة المرصوصة على ملامحهـا. وقال بحب:
- حاضر. حاجـة تاني؟
- لا لحد دلوقتيِ. أنت هتروح فين؟
- هبعت حد يجيب لك المانجا، وهخلص شغل في المكتب. كلميني لو حسيت بأي حاجة.
في تلك اللحظة اتاهم صوت طرق الباب، إذن بيونس يستأذن للدخول. أردف عاصي قائلًا بعد ما قَبل جبهتها:
- اسيبك مع يونس. وأنا قاعد تحت تمام.
غادر عاصي ليتركها مع أخيهـا. اعتدلت حياة بنومتها، جلس يونس على طرف مخدعها وفتح معها موضوع أخيه رشيد، الذي طوت صفحته وقالت:
- أنا عارفة هعمل معاه إيه. المهم أخبار الشغل، كل تمام؟
- كله تمام وزي ما أنتِ عايزة بالظبط.
تنهدت بارتياح ثم طلبت منه:
- حبيبي أنا مش هعرف انزل الشغل الفترة دي.
وقاطعها قائلًا بقلق:
- ده ليه؟
أمسك بكفه بحماس:
- عشان حضرتك هتبقى خالو بعد كام شهر.
هلل يونس بفرحة عارمة وهي يعانق أخته بفوضى:
- آخيرا، الف مبروك يا رسيل. لا أنتِ ارتاحي خالص وانسي حوار الشغل ده خالص.
ثم غير مجرى الحديث بنفس الحماس وقال:
- طيب بمناسبـة الخبر، أنا هجمد قلبي واطلب طلب.
- طلب أيه؟
- أنا كُنت عايز أخطب.
لم تخفي سعادتها عن أخيها:
- ياجامد. طيب حلو ده، اخترت العروسة ولا لسه؟
أجاب بتردد:
- هو ده الموضوع. أنا بفكر في نوران أخت شمس. البنت باين عليها لذيذه.
ورددت حياة الاسم بسعادة:
- نوران!! هي لذيذة فعلًا، بس من أمتى بقا وأنتَ مركز مع نوران؟
هتف بتوتر ملحوظ:
- من اول ما شوفتها، وكنت مستني بس تخلص ثانوية عامة، و افاتحك في الموضوع. هتشوفي أختها أمتى، ولا المفروض اطلبها من عاصي عشان ابن عمتها، ولا اكلم تميم. انا مش عارف أبدا من فين، ممكن تساعديني؟
******
“~عودة للقصـر ”
-طيب فهميني، أنتِ رافضة كريم لشخصه ولا رافضة فكرة الارتباط عمومًا.
لقد نفذ صبر شمس في مسايسة أختها التي لا تتحدث إلا جهـرًا وبثرثرة غير مفهومـة. ضربت الأرض بقدميها وسألتها متمردة:
- أنتِ مش كنتِ رافضة كريم، وطول الوقت بتخوفيني منه؟ إيه غير رأيك كده؟
اقتربت من أختها لتقف بمحاذاتها:
- صح معاكي حق، بس اكتشفت اني ظلماه وفعلًا طلع بني آدم كويس، واتقدم تاني ودخل بالأصول. يبقى نرفضه ليه؟
طاحت بأختها متمردة بشقاوة المراهقين:
- أنا هقول لك نوافق عليه ليه؟ عشان تلموا الفضيحة بتاعت امبارح.
وكاد الجنون ينفجر من مقلتي شمس التي لا تستوعب سذاجة أختها:
- فضيحة أيه!! أنت هبلة؟ كلنا عارفين أنه كان سوء تفاهم، والغلط عندك مش عنده. أنتِ اللي روحت أوضة شاب من غير ما تفكري، وخلاص غلطة وانتهت والموضوع خلص.
ثم أمسكت بمعصمها ودارتها أمامها بنظرات المحقق:
- وواضح أن زعله كان يهمك أوي لدرجة خلتك تنسي فيها الصح. جاية ترفضيه ليه دلوقتي، نوران أنتِ بتدلعي، أنا أكتـر واحدة فهماكي.
قالت بعبط المغرور الذي أوشك أن يُفضح:
- أنا! لا خالص. أنا حرة. أنا واحدة مش عايزة تتجوز يا ستي. وبعدين.
صوت رنين هاتفهـا جعلها تبتلع الباقي من كلماتها الفاضحة والغير منطقية. ضرب الأرض بيمينها كتمرد الأحصنة ثم سارت لتتقوقع حول نفسها على المقعد المبـطن. ردت شمس على مضض:
- حيـاة، أزيك يا حبيبي.
اتكأت حياة على الوسادة وقالت بخفوت:
- بخير يا شموسة، أزيك أنتِ.
~بالأسفـل
-أنت تقنع مراتك، عايزين تعملوا خطوبة والجو ده، اخركم معايا ٣ شهور ونتجوز. لكن الأرقام اللي قالتها دي، متلزمنيش.
أردف كريم جملته الأخيرة بتوتر بالغ يجعله متذبذبًا بجلوسـه. ضحك تميم على حماسه قائلًا:
- المشكلة مش في مراتي، العروسة نفسها رافضة لو كنت ناسي.
لوح بيده غير مبالٍ:
- لا دي عيلة مناخدش على كلامها.
بنظرات خبيثة طالعه تميم:
- يا راجل!!
- والله زي ما بقولك، هي كان قصدها تقول موافقة، فاتخضت وقالت مش موافقة.
ثم غير مجرى الحديث:
- تمـيـم، أمي جاية بكرة. عايزين نخلص الموضوع قبل ما تمشي.
لم يمهله الحديث حيث غمغم:
- وكمان سي مراد المختفي ده، ده حتى مش بيكلمني.
وضع تميم سبابته على فمه متسائلًا:
- جيهـان جاية بكرة ليـه؟
- أنا عارف بقا يا تميم، خلينا في موضوعنا!! كده أيه معطلنا؟
ثم ضربت على جبهته كمن تذكر شيئًا للتو:
- تميم.. أنا نسيت الشقة؟ أحنا هنسكن فين؟
******
~الغـردقـة
بخطوات مترددة فارقت رسيل غرفتها بعد ما أنهت مكالمتها مع شمس. تحركت نحو غرفة فريـال وبتردد. قاومت أشباح الغضب بقلبهـا وفتحت الباب، فوجدتهـا تجلس في منتصف غُرفتها متوارية خلف الجدران وبنظرات مهزومة تطلعت فيها. قفلت رسيل الباب خلفـها وجلست بقربها. ظلت صامته لبرهة لا تعرف من أين ستبدأ. أخذت نفسًا طويـلًا وقالت معتذرة:
- أنا أسفـة ليكي عن كل اللي عمله رشيـد. أنا معرفش هو عمل كده ليه. بصي يا فريال مش هكذب عليكي وأقولك إني بحبك وكنت اتمناكي عروسة لأخويا، أخوكي فريد مزرعش غير كُره جوايا لاي حاجة فيها ريحته.
ثم مسحت دموع ابنة عمها وقالت بوهن:
- ومش معنى كلامي ده اني هتخلى عنك. رشيد هيتجوزك ورجله فوق رقبتـه. أنا بنت زيك ومش هسيبك تدفعي تمن غلطة زي دي لوحدك. لازم رشيد هو كمان يتحمل نتيجة غلطه.
كادت ان تتحدث ولكن منعتها رسيل متفهمة:
- مش عايزة اسمع حاجة، انا جيت اطمنك وأقول لك إني مش هسيبـك. ارتاحي وأنا هتصـرف مع أخويـا.
انتهت رسيل من حديثها ثم وثبت مغادرة الغـرفة بهدوء. كادت أن تُقبل على عالية لتزف لها خبـر حملهـا ولكنها تراجعت في آخر لحظه:
- أشوف عاصي الاول.
تدلت إلى الطابق الأرضي متجهة لغُرفة مكتبه. ولأول مرة تطرق الباب منتظرة الإذن بالدخـول. ما أن سمح لها فأقبلت بخطى متمهلة وقالت بشك عندما وجدته جالسًا على الأريكة شاردًا:
- يعني مفيش شغل وقاعد كده لوحدك وسايبنا لوحدنا فوق.
رفع حاجبـه متسائلًا:
- أنتوا مين؟ البنات رجعوا من المدرسة؟
انعقدت ملامحها بضجر وهي تلكمه برفق:
- عاصي بقا!!
أدرك الأمر سريعًا وقال متفهمًا:
- ااه من النهاردة الكلام هيبقى بصيغـة الجمع. تمام.
فغيـر مجرى حديثه قائلًا:
- سبتي سريرك ليـه؟
جلست بجواره وهي تداعب ملامحه برقة:
- عشان أعرف حبيبي سرحان في أيه!
أسبل عينـه متخابثًا:
- حبيبي!! دلوقتي حبيبي. وليكي ٣ شهور مطلعة عيني ومش شايف غير الوش الخشب.
ابتسمت بخفوت وتطلعت للنيل منه طمعًا:
- طبعًا حبيبي ونور عيني، وأغلى حد في الدنيا. كنت سرحان في أيه بقا.
- عادي يا ستي، تواصلت مع دكتور كبير في أمريكا، عشان تتابعي عنده. وقولت لهم يجهزوا لك إقامة متكاملة طول فترة الحمل.
هزت رأسه نفيًا:
- لا ياعاصي، مش نقدر أبعد عنك ولا عن البنات. بص أنا هقولك على حاجة.
كاد أن يقاطعها ولكنها أصرت قائلة:
- اسمعني بس، أحنا نتابع هنا مع دكتور كبير، وفي الشهر التاسع، نسافر أولد هناك. أيه رأيك، بلاش سفرة وغربة أنا مش حابة كده.
رد بحسم:
- حياة سبيني اتصرف تمام، متشغليش بالك بأي حاجة لحد ما تقومي أنتِ هما بالسلامة.
هزت رأسهـا بطاعة:
- في حاجة عايزة أقولك عليها. يونس معجب بنوران أخت شمس. وأنا كلمت شمس ولمحت لها، حسيت أنها مش مبسوطة. ممكن تتكلم مع تميم وتشوف.
أصدر إيماءة غامضة وتمتم:
- يونس ونوران!! تمام هشوف أيه الدنيا وأقولك.
احتوى كفه بأناملها وقالت بتنهيدة عالية:
- تخيـل لو كُنا اتقابلنا في ظروف غير دي، يعني مثـلًا لو اتقابلنا صدفة في البحر، وعجبتك من أول نظرة، كنت هتيجي تتقدملي وتقعد مع بابا وألبس فستان ونتكلم سوا، واتعرف عليك من أول وجديد!! حاسة أن في جزء كبير أوي فاتنا مع بعض.
أحس درجة حرارتها مندهشًا وقال مبررًا:
- دي هرمونات حمل مش كده؟
ضربته برفق وهي توبخه:
- عاصي أنت رخم على فكرة.
وقاطعها قائلًا:
- أيوة أخرة الاوهام دي كلها ايه يعني!!
ثم أشار لبـطنها قاصدًا أمر الحمل:
- هو دا نتيجة كل المقدمات اللي بتحلمي بيها. وأنا راجل دوغري بحب أجيب من الآخر.
بضحكة يغار من ثغرها الورد إذا تبسمت قالت بدلال:
- ياخسارة طلع تفكيرك سطحي زي كل الرجالة.
- هكذب عليكِ يعني!! حياتي، أحنا مش كنا هنتجوز ونكون مع بعض غير بالطريقة اللي جمعنا بيها القدر، غير كده.
ثم غمز بطرف عينه بغرور:
- كُنت هتكملي عمرك كله معايا في رواياتك وخيالك وبس.
- يا سلام؟ ده أيه الغرور ده بقا. مين قال لك إني كنت هكتب عنك أصلا.
لملم شعرها ليكون كله على كتفها وقال بإفصاح:
- ليه، مينفعش أكون بطل رواية؟ رجل غني ووسيم وكل البنات بتجري وراه، بس هو بيحب واحدة بس.
ثم جذبها برفق من يدهـا:
- ولازم تقوم ترتاح دلوقتي. عشان الحركة الكتيرة غلط عليها.
ما كاد أن يخطو خطوة فأوقفته بأعين يفيض منها العشق وقالت:
- ما ينفعش تبقى بطل ولا رواية لإنك بطلي الحقيقي، وحبيب قلبي، مستحيل أشاركك مع حد تاني عشان يحبك معايا حتى ولو في خياله. أنتَ ليا لوحدي وبس.
بنظرة تائهة في بحيرة العشق وهي تتساءل أين الملجأ حينما نود الإفصاح عن مشاعرنا. استقر بها الحال لشاطىء ثغرهُ لتُقبلـه بقُبلة حنونة تحمل لهب مشاعرها المتوقة له. انتهى بها الحال بمذاق الحلوى يملأ قلبها وبأعينها البراقة تطالعه وتطالع محاولته وجهده المبذول في عدم مجاراتها. زفر بقوة ثم شدها خلفها بسرعة متناسيًا أمر حملها:
- طيب تعالي يلا وبطلي دلع!
أوقفته بإصرار وهي تهتف باسمه بصوت حاد:
- عاصي.
- في أيه تاني؟
تأرجحت تلك الأعين المتدللة على أوتار حبه:
- أنا حامل. يعني أمشي بشويش.
- بشويش!!!
عض على شفته السُفليـة بنفاذ صبر جعله ينحي ليحملها بين يديها ويخرج من باب مكتبه، قائلًا:
- أما نشوف أخرتها معاكي أيه.
وصل بها لمنتصف لأعتاب السُلم ففوجئ بعودة طفلتيه بفرحة وهتاف وهن يركضن عليهما. رمن حقائبهم المدرسيـة وصرحن بشغف كي يحملهن مثل حبيبته:
- و أحنا كمان شيلنا يابابي.
لكزته بخجل:
- عاصي نزلني خلاص. ومتزعلش البنات.
جاءت المربية تعتذر منه:
- يلا يا بنات نطلع أوضتنا.
أشار لها بنظرة منه أن تنصرف، ثم دلى حياته برفق وحذر شديد، وانحنى ليحمل صغيرتيه مجبرًا ويقول:
- أنا أيه اللي جبته لنفسي ده بس.
******
~القصـر
-ويطلع مين يونس ده كمان! وشافها فين؟
تدخلت شمس لتوضح الصورة لكريم الذي أخبرته هو وتميم بطلب حياة. ثم قالت:
- أنا غلطانة إني عرفتك ياكريم، ممكن تهدى عشان نفكر.
رد بانفعال:
- نفكر في أيه يا شمس، ودي محتاجة تفكير، ارفضي واعتذري وخلاص، قوليلها نوران اتجوزت.
كتم تميم ضحكته لانفعال كريم الغير مبرر وكأنه بركان الغيرة. وقال ليثير غيرته أكثر:
- بس يونس جدع، الولد ده اتعاملت معاه لما سافرت لعاصي، ذوق أوي ومجدع.
هب كريم بوجهه:
- أنتَ بتقول أيه أنت كمان!! أنا مالي بونيس بتاعكم ده.
تدلت نوران بخطوات سريعة إثر صوت كريم المرتفع:
- أنت بتزعق كده ليه؟ كل ده عشان عرفت أن في عريس تاني متقدم لي؟
ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها بغرور:
- وبعدين أنا ألف شخص يتمناني وكل يوم برفض عريس. هو مش من حقي ولا ايه؟
- كسر حُقك أنتِ كمان.
ثارت نوران متحججة:
- شايفة يا شمس بيغلط فيا ازاي!
تدخل تميم بجزع:
- ما خلاص يا كريم، اعملي اعتبار يااخي.
أخذ يتمالك في غضبه قدر الإمكان حتى رفع سبابته قائلًا بنفاذ صبر:
- بصي يا نوران تقرري حالًا، عشان أنا لو مشيت من الباب ده مش.
قاطعته بخوف قفز في قلبها مرة واحدة من فكرة رحيله وقالت بعناد:
- هتعمل أيه يعني؟
تنهد بكلل:
- دي تاني مرة اتقدملك فيها. ولو رفضتيني يا نوران أنا.
قاطعته بلهفة خشية من أن ينقلب السحر على الساحر وقالت:
- خلاص خلاص موافقة، أنا أصلا اتوترت الصبح وكان قصدي أقول موافقة بس طلعت من بؤي مش موافقة.
انفجر الجميع بضحك ملء الفم من طفولتها ودلالها. هلل كريم فارحًا وهو يحضن تميم:
- اهي مش قولت لك!! بقول لك أنا حافظها وحافظ دماغها. اهي قالت موافقة أهي. نجيب دبل بقا ونلبس من بكرة.
اقتربت منه متسائلة كمن تذكر شيء:
- لحظة بس، أنا لو كنت رفضت تاني كنت هتعمل أيه بقا عشان عندي فضول أعرف.
مال تميم على مسامع شمس هامسًا:
- أختك أختك يعني، هي هتجيب النكد منين يعني غير منك.
قهقهه كريم فارحًا وبعيونه الدامعة من شدة الفرحة:
- ولا حاجة، كنت هاجي اتقدملك تالت ورابع لحد ما تصدعي مني وتوافقي.
ثم خطف كفها وسحبها قبل ما يمنحها فرصة للرد:
- شمس، بمناسبة الخبر ده، تسمحيلنا نتعشى بره النهاردة.
طالعت زوجها بأعين حائرة حتى تدخل تميم قائلًا:
- طبعا انا موافق.
لكزته شمس بعتاب خفي، فهمس قائلًا:
- عايز استفرد بيكي شوية.
ثم رفع صوته:
- اتعشـوا ولفوا على الدبل براحتكم. وأنا هنا هقعد مع شمس عشان متقعدش لوحدها.
ثم غمز بطرف عينه:
- ولا ايه!!!!
*******
~مساءً
-خايفة أعيش عمري كله وانا بحبك. وأنا مش عارفة انساك.
لنجوم الليـل تشكـو عالية همها الذي فاض من جوارحها وهي تضم صغيرتها التي أوشكت أن تأتي للحياة بدون أب. وقلبها الذي ينفطر من الوجع بـدون حُب. يؤلم القلب المغرم كثرة الإفراط في صدق المشاعر لمن لا يقدّرها ولا يمنحها ثمنًا. انبثقت العبرات من طرف عينها فأضاءت الشاشـة باتصال أمها الذي يهون عليها الكثـير. ردت بحزن وخيم:
- أزيك يا حبيبتي.
~عاد عاصي إلى غُرفته بعد ما اطمئن على صغاره حتى غاصا بالنوم العميق ثم عاد لحوريته. فتح الباب برفق فوجدها تسبح بصندوق المانجو الذي أحضره إليهـا. جلس بجوارها وهي يراقب بقايا ما أكلته فقال:
- هي الأملاح الكتيرة دي مش غلط ولا أنا متهيألي؟
عقدت حاجبيها وهي تلتهب المانجو وقالت:
- معاك حق، أنا خلي نص الصندوق لبكرة. على فكرة طعمها حلو أوي!! تدوق!!
تفقد حالتها وانتشار المانجو على ملامحها وملابسـها. ويديها التي تسبح بحقل من المانجو. اندلعت منه ضحكة خفيفة وتدلى بشدقه ليتذوق تلك القطعة التي سقطت على ثغرها ثم قال:
- جميلة فعلًا.
تركت بقايا المانجو من يدها وأخذت تتفحص ملابسهـا بإحراجٍ حتى قالت بـ خجل:
- لازم شاور حالًا، مش كده!
ثم ذهبت ركضًا للحمام كي تتخلص من صورتها المزعجة بالنسبة له. نادى باسمها ولكنها لم تمنحه الفرصة. ذهبت لتتحمم على الفـور. مرت دقائق محدودة لملم فيها عاصي بقايا المانجو، ووضع ما تبقى من الصندوق بالثلاجة الصغيـرة، ونظف مكانها بابتسامة حُب لم تفارقه. ما انتهى من كل هذا، فتح خزانة ملابسـها وأخذ يتفقدها بأعينـه المغرمة حتى تناولت يده قميصـًا باللون الأحمر الداكن قصيرًا للغايـة ولكنه تذكر أمر حملها فوضعه مكانه بفتور شديد وقال:
- ماهي بايظة.
أشعل التلفاز ثم تمدد على مخدعه كي يقلب القنوات بملل حتى خرجت متلفحة بالمنشفة البيضاء بعد ما زالت آثار المانجـو من عنها. فتح الخزانـة فوقعت عينيها على ذلك القميص الذي أمسك به من قبـل، تناولته وأخذت باقي ما تحتاجه ثم عادت للحمام مرة آخرى. دقائق معدودة وخرجت تلك الحرية بشعرها المنساب، واللون الأحمر الداكن الذي يغمـر شفتيها وذلك القميص ذو الحمالات المتدليـة. اكتفي في وصف جمالها بتنهيدة طويلة قالت كل شيء.
اقتربت منه ومددت بجواره وهي تسأله:
- تمام كده، انسى بقا لحوسة المانجا اللي من شوية.
ما زال متخدرًا بذلك الجمال الذي لا يمكن أن يقاومـه رجل مثله، اكتفى بإيماءة خافتة ثم عاد ليقلب قنوات التلفاز متأملًا ان يلهييه قليلًا عن جمالها الفاتن. قطعت الصمت الذي اتخذه قائلة:
- على فكرة، أنا مش هنزل الشغل تاني. بس هرجع للكتابة.
رد كالمسطول من سُكر عطرها وهو لا يطالعها:
- عظيـم.
- مش خايف من جلسة بكرة مع عمامك، يا ترى المحكمة هتحكم بأيه؟
رد بهدوء تام:
- متشغليش بالك.
رفعت الوسادة من خلفها ووضعتها جنبًا لتستريح على ظهرها وهي تراقب السقف بتحيـر وتتفنن في كيفية خلق حوار بينهم ينتهي بالشجار كالعادة. نادت باسمه بخفوت:
- عاصي.
اكتفى بإصدار إيماءة خافتـة، فسألته:
- أنتَ عمرك اتمنيت واحدة شبهي، أو بصيغة تانية، في اسطورة بتقول أن كل شخص على مدار عمره لازم يحلم بشريك حياته حتى ولو مرة واحدة قبل ما يتلاقوا. عمرك حلمت بيا!
أجابها بإختصار وهو يتحاشى النظر إليها:
- لا كنت بشتغل. مكنتش فاضي أحلم.
التوى ثغرها بضيق وقالت:
- كنت بتشتغل ولا كُنت مشغول مع الستات التانيـة!! ولا مهـا كانت واخدة كل تفكيرك!!
ارتسم على ثغره ضحكة هادئة تحمل السخرية وقال:
- تعرفي أيه الفرق بينك وبين مها؟
فكر لبرهة متذكريًا ماضيهم وقال:
- مها كانت تستقبلني وهي عارفة أنا كنت في حضن كام بنت قبل ما أرجع لها، وكنت بحبها بس معنديش مشكلة مع السهر والحفلات، ألف واحدة تدخل حياتي بس في أخر اليوم أنا ماليش غير مراتي وبيتي.
ترك الريموت من يده ووضعه جنبًا وأخذ نفسًا طويلًا وقال:
- من لحظة ما ظهرت لي جنية البحر وأنا عرفت يعني أيه هتقابل واحدة مش هتعرف تلمس ست بعدها، عينيها قلبت كياني، من وقتها وأنا عيني مرفتش على ست تانية، أصلًا مش شايفهم، مش شايف نفسي غير معاكِ وبس.
ثم تنهد بعمق:
- عندك تفسيـر للحالة دي؟
تململت في نومتها على نغم عزف عشقه. مدت يدها لترسو فوق قلبه وقالت:
- عشان جنيـة البحر طلعت وفي أيدها مفتاح القلب ده. الجنية دي هي اللي قلبك كان مستنيها.
- ولقد كان.
ساد الصمت للحظات تتقلب في أشواك هرمونات الحمل التي تعبث برأسها، فسألته بخوف:
- هو ممكن يجي اليوم اللي تحن فيه لعاصي القديم!
فكر طويلًا ثم هزم لغـة الحوار الجدي بينـهم وقال بضحك:
- والله أنتِ وشطارتك بقا.
جحظت عينيها بصدمة:
- يعني أيه؟
مال لعندها وهو يقاوم تلك الحمالة المتدلية عن كتفها وقال بمزاج:
- عايـز أشوف كل الستات فيكي، عشان مزهقش، أنا راجل بيحب التجديد.
رفعت حاجبـها بغضب وقفزت من نومتها:
- والله!! انت شوفت النكدية مني صح، بس لسه ماشوفتش المفتريـة. ولو عايز تشوفها معنديش مانع على فكرة.
بنظرة تعكس نواياه بقلبه كأنْ يرسم على مفاتنها وردة فيرويها بالقُبَل. اقترب منها واخبرها:
- بردو هحبهـا.
شرعت أنامله في مداعبة زهورها المتفتحة التي تطير عقله. امتقع وجهها ولكن سرعان ما ذاب حزنها في مسرح حبه الفتاك، أغمضت جفونها وأسقطت رأسها مستسلمـة. أقبل على شجرته المحللة بشراهة وكأنه يخبرها بطريقة ما أن بقربك حياة الهوى وما حوى. تمتمت تحت قبضته محذرة:
- أنت عارف لو شميت بس ريحة واحدة غيري في حضنك يا عاصي، أنا هقتلك.
هاج قلبه ببلابل العشق، وقال هامسًا:
- هكون موتت أصلا قبل ما أفكر أعملها.
- بعد الشر عنك، ما تقولش كده.
صارت النظرات تتعانق وتقبل بعضهـا، والأنفاس تثير الدفئ بهما. قالت مدارية خجلها:
- عايز مني أيه بقى؟
بنظرة يعلن رغبتـه في سماع حبه الذي ينبض بقلبها ورحمهـا قال وهو يلامس ثغرها الكريزي:
- أنا بعشقك يا حياة. وعيني مش شايفة ست غيرك في الدنيا.
رددت بتأنٍ هامس بشفتيها:
- بحبك.
للحظة عاد رشدها لتضع أناملها حدًا فاصلًا بين حبهما المتلاحم، فقالت بفزع:
- عاصي، أنا حامل.!! مش هينفع!
أصبح لا يستطع مقاومة قربها الشافٍ لغليل قلبه العليل، وقال بهيام:
- ده عز الطلب، أرحب بولادي بقى.
تراوغ من تحته كأنها ثعلب مكار رافضة عرضه الذي يفيض من عينيها لهبًا:
- عاصي لا. عاصي مش وقته.
لقد حسم الحب والجمال الحرب بينهم، تغلغلت أصابعه بين فراغات أصابعها قائلًا بحزم يعبر عن توقانه إليـها:
- أششششش، ترحيب على الهادي.
أقبل على وجهها الوافٍ لمقاصد باب الهوى، إمراة بحرية كل ما فيها يغري للغرق والعشق، بصرخة التمرد التي انفضت بـجوفـه امتزج البحرين ماء يعانق ماء فتثور الأمواج جنونًا لحبهم الجارف، بحر الهوى وبحر المشاعر لينتقلا لعالم خاص لا يدرك ملاذه إلا قلبين عشقا حد الغرق.
********
~صبـاحًا
أمام بوابـة أحد المحاكم بالقـاهرة، وصلوا أعمامـه برفقة مُحاميـهم النصاب. فهتف شـاهين بحماس:
- يعني خلاص يا متر، الحكم هيصدر النهاردة.
قهقهه شاكر بمكـر:
- طبعـا، خلاص اللعبـة بقيت بتاعتنا، والليلة هتبات في قصر شهاب دويدار.
تدخل المحامي قائلًا:
- اطمنوا يا بهوات، كل الأدلـة في صفنـا، وعاصي لو طلع الفضاء عشان يلاقي حل، هينزل على جدور رقبتـه.
تقدم ثلاثي الشـر إلى ساحة المحكمة الخاصـة بالمناقشة القضـية. جلس كل منهم بجوار الأخر. جاء مراد برفقة محاميه وصافحهم مرحبًا ثم قال:
- أنا جاي أبارك قبل صدور الحـكم. مبروك عليكم يا بشوات.
ربت شاكر على كتفـه:
- كله بفضلك يا أبن المحلاوي، جميلك ده مش هننساه طول عمـرنا.
بنظرة خبيثة تدلت من مقلتي مراد ممزوجة بابتسامة عريضة تحمل النهاية التي ظل ينتظرها لأشهر. جلسوا القضاة على منصة الحُكـم، ونادى الرجل على رقم القضيـة الخاصـة بهمـا. تقدم محامي مراد رافعـًا يده وقال:
- حاضر مع المدعي مراد المحلاوي.
سمح له القاضي إذا لديه أي أدلة آخرى، فأجابه المحامي قائلًا وهو يقدم بعض الأوراق:
- نعم يا فنـدم، أحنـا معانـا الطرف الأهم في القضيـة، وهي جيهان المحلاوي. أخت المرحومة عبلة المحلاوي وأم المهندس مراد المحلاوي.
صدمـة شديدة حلت على الجميع، لا أحد يعلم ما الذي يحدث وما الذي سيتـم الإدلاء به. تقدمت جيهـان بهدوء مقدمة نفسها للقاضي بعد ما سمح لها بالتحدث:
- أنا جيهان المحلاوي. ورفعت دعوى انفي فيها نسب عاصي دويدار وعالية دويدار لأختي عبلة دويدار.
سألها القاضي:
- في أي حاجة حابة تقوليها؟
ألقت نظرة على شاكر وشاهين ثم أكملت:
- أنا هنا عشان اثبت الحق، عبلة أختي مش بتخلف، وعاصي مش ابنها، وعالية مش بنتها ولا بنت شهاب دويدار. بس اللي يخصنا دلوقتِ نسب عاصي لدويدار.
تدخل المحامي التابع لهم:
- سبق وقدمنا الدليـل على كلام موكلتي يا فندم. وأن عاصي دويدار ابن تحية التي لا يربطها بالمدعي عليـه أي رابطة شرعيـة.
تحير القاضي متسائلًا:
- تمام، لا داعي لتكرار نفس الكلام وتضيع وقت المحكمة.
تدخلت جيهـان وأخرجت ورقة من حقيبتها وقالت:
- بس عاصي شهاب دويدار، وبقول الاسم ثلاثي لأن عاصي يكون الابن الشرعي لزهراء عبدالحي دويدار ابنة عم ومراة شهاب دويدار الشرعية والأولى.
هاجت المحكمة بهمهمات واعتراضات وصوت جمهوري من شاكر وأخوه. أطرق القاضي كي يلتزموا الصمت محذرًا بالحبس، وقال:
- كملي يا مدام جيهان.
- زهراء كانت مريضة كانسر، وماتت بعد ولادتها لعاصي بأيام، ووصت تحيـة مساعدتها عليـه، ومن هنا نشأة علاقة تعلق بين شهاب دويدار وتحية، وقتها كان في مصالح تربط شغل المحلاوي أبويا بشهاب دويدار، المصالح دي اجبرته يتجوز عبلة أختى. بس لما عبلة عرفت بكل ده وأصبحت فرصتها في الخلفة معدومة. اقنعت شهاب يسجل الولد باسمها، وبتاريخ ميلاد جديد، وطلعوا شهادة وفاة مزورة باسم ابن زهراء اللي هو عاصي.
ثم اخذت نفسًا طويلًا وأكملت:
- الطمع غوى أختى وأمي وخلاهم يخططوا ازاي يستولوا على كل ده، زوروا ورق كتيـر ومستندات كتير عشان يحتكروا عاصي لصفهم ويستولوا على كل الأملاك. ودلوقتي أنا جايـة أقدم شهادة الميلاد الأصليـة اللي تثبت أن عاصي ابن زهراء عبدالحي.
ثم تدخل محامٍ عاصي وقال:
- ولو تسمح لي يا ريس، الورقة دي فيها تنازل تام عن كل ما تملكه عبلة باسم عاصي دويدار.
ثم قالت جيهان التي تزرف العبرات من مقلتيهـا:
- التنازل ده بتاريخ ٣/٦/٢٠٢١، يوم تاريخ جواز بنتي هدير من عاصي دويدار. كان ده الاتفاق ما بينهم وبالفعل عبلة اختى اتنازلت لعاصي عن كل ما تملك، بس للاسف ملحقتش تسجل التنازل في الشهر العقاري، بس في شهود يقدروا يثبتوا ده.
جهر شاكر غضبانًا:
- انت بتبيعني يا ابن المحلاوي… وشرفي لاروح فيكم في ستين داهية.
******
~الغردقـة
انتهى عاصي من ارتداء ملابسـه بحذر شديد كي لا يزعج حوريته النائمـة. كل دقيقة يطالع عقارب السـاعة في انتظار الخبـر المنتظر الذي سيعلن نسبـه للعالم بأنه الابن الشرعي والوريث الوحيد لشهاب دويدار. شردت رأسه إلى ذلك اليوم الذي أخبره مراد برغبـة أمه في محادثته، حينها هاتفها بنفور شديد وقال.
#فلاش باك
-أي مساعدة تيجي من وراكي أنتِ وأختك، أنتوا دمرتونا بألاعيبكم وطمعكم.
نظرت جيهان للحالة المزريـة التي بها ابنتها التي تتحرك بمعقد متحرك، منذ حادثتها الأخيرة وفقدت قدرها على السير مرة أخرى. ردت بأسف:
- وجيه الوقت اللي نصلح فيه كل ده ياعاصي، الكذب عمره قصير ولازم الحقيقة تبان للنور.
رد ساخرًا:
- وفجاة كدا ضمير الأفعى صحي والمفروض إني اثق فيكي.
- مش قدامك حل تاني، هبعتلك كل الأوراق اللي تثبت نسبك الشرعي لشهاب، وهنزل اعترف في المحكمة، وهفضح كل أكاذيب عبلة أختي، وأخرس لسان عمامك.
ثار الفضول برأسه متسائلًا:
- و وكل ده ليه؟
أغمضت جفونها بحرقة:
- اليوم اللي يثبت فيه نسبك الشرعي لدويدار، هعرفك أنا هعمل كده ليه؟!!!!
عودة للوقت الحال الذي فاق فيه عاصي من شرود على سقط ساعـة يده، ففزعت حياة من نومها ترتجف:
- عاصي في ايه؟
غمغم معتذرًا:
- اسف يا حبيبتي، سرحت شوية بس، كملي نوم.
رفعت الغطاء من عليها ووثبت قائمة بنظرات معاتبـة:
- تاني مرة ممكن تخلي بالك، عشان كده غلط عليا.
ثم تفوهت بملل:
- عاصي، أنا حامل، وهما ممكن يكونوا نايمين، كده أنت بتزعجهم.
مسح همومه بكفه مع ضحكة خافتـة أصابت ثغره، ثم قبل رأسها قائلًا:
- حقك عليا أنتِ وهما.
ثم تمتم:
- أنا ربنا يصبرني الشهور اللي جايـة.
تناست على الفور غضبها منه ثم قالت مبتسمه وهي تقلل وجنته وهي تقف على طراطيف أصابعها كي تبقى بمستواه:
- حبيبي صباح الخيـر.
رد بـ فتور:
- أنتِ لسه فاكرة؟
ثم مسح على شعرها بحنان:
- نمتي كويس؟
ردت بخجـل خفيف:
- أصلًا مش بعرف أنام غير في حضنك.
ثم تحمست قائلة:
- تيجي نفطر بره؟ ولا عندك شغل مهم؟
لم تمهله الفرصة ليعترض أو يقبل، فقرأت التييه على ملامحه:
- عاصي، فيك حاجة صح؟ وشك متغير.
شدها من كفها ليجلسا معًا على الأريكة ممتنًا لتلك النظرة التي تقرأه قبل أن يتحدث، هز رأسه مؤيدًا شكوكها وقال:
- النهاردة اثبات نسبي لشهاب دويدار.
ووقاطعه رنين هاتفـه، فرد على عجلٍ:
- كمال، في جديد؟
هتف كمال بانتصار:
- يسري معانا يا عاصي بيه، تحب نجيبه فين؟