تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الأول 1 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة.
وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود المقدرة المادية لشراء كرسي متحرك يساعدها في التنقل والحركة. ورغم ذلك، هي دائمًا ما تنشر السعادة حولها بمزاحها وروحها المرحة على الدوام.
"ياستي خلاص كفاية، انتِ لسة مخلصتيش؟ دا انتِ بقيتي بطيئة أوي."
قالت زهرة لتشاكس جدتها التي نكزتها بخفة خلف كتفها بالمشط الخشبي ترد:
"انا برضوا اللي بطيئة يامقصوفة الرقبة، ولا انتي اللي شعرك دا مابخلصش من طوله."
"كبري في قلبك ياستي، هو انتِ هاتحسديني ولا إيه؟ دا انا حتى غلبانة وماملكش غيره والنبي."
شهقت رقية بصوت أثار ضحك حفيدتها بهسترية وهي تردف بانفعال:
"احسدك دا إيه يابت؟ لهو انتِ فاكرة ان شعرك أحسن من شعري، اشحال إن ما كنتِ ورثاه عن امك، اللي هي في الأصل بنتي وورثاه عني أنا ياقليلة الأصل انتِ."
قهقهت زهرة صامتة مستمتعة بمناكفة جدتها، والتي تابعت بغيظ:
"دا بدل ماتحمدي ربنا إنك ورثتي حاجة مني، أحسن ما كنتِ ورثتي شعر المنيل أبوكي."
"شعر أبويا مين ياستي بس؟ دا طار من زمان ومافضلش فيهم غير شوية على الجانبين فوق ودانه، دا اتبهدل خالص يعيني."
وصل إليها صوت جدتها وهي تردف باستمتاع:
"أيوه ياختي ما أنا واخدة بالي، دا فرق راسه بقى وسع رصيف العربيات ومع ذلك برضوا مش نضيفة ولا بتلمع، فاضلين فيهم ياعيني كام شعرة متنتورين كده في النص، واكنهم زرع شيطاني في صحرا فاضية هههههه."
توقفت زهرة عن الكلام بعد أن أفحمتها جدتها بخفة ظلها، فجعلتها تضحك حتى أدمعت عيناها. حتى أجفلها صوت رنين هاتفها الخلوي الصغير من داخل غرفتها.
"يالهوي ياستي، دا أنا بايني اتأخرت ودي كاميليا اللي بتتصل تستعجلني."
"ولا اتأخرتي ولا حاجة، الوقت لسة في أوله، بدليل إن المنيلة غادة بت احسان لساها مرزوعة مكانها، ومطبتش زي القدر المستعجل فوق راسنا."
أنهت جملتها رقية، لتفاجأ بصوت الجرس المزعج وصوتٍ يهتف بميوعة:
"يالا يازهرة بقى بدال ما نتأخر عن الشغل."
لوحت بكفها زهرة في اتجاه مدخل المنزل لجدتها قائلة:
"شفتي؟ أهي جات عالسيرة أهيه، ياريتنا افتكرنا مليون جنيه."
خطت لتتحرك نحو الباب، ولكن رقية فاجأتها بجذبها من طرف عباءتها متمتمة بهمس وتحذير:
"لمي شعرك الأول قبل ما تفتحي الباب."
فتحت فاهها لتعترض، ولكن أمام إصرار جدتها فعلت مضطرة تلملم شعرها خلف رأسها كدائرة على عجالة، قبل أن تهرول لباب المنزل وتفتحه لغادة التي كانت مائلة على إطار الباب. رمقت زهرة وما تريده قائلة بحنق:
"لسة بعباية البيت؟ هو انتِ عايزاهم يدونا خصم عالتأخير في الشركة يازهرة؟"
"ربنا ما يجيب خصم ياستي ولا حاجة، ادخلي انتِ بس وأنا حالًا هاكون مخلصة."
قالت زهرة وهي تخطو عائدة نحو غرفتها. دلفت خلفها غادة لداخل المنزل تلقي التحية على رقية وهي تنظر بالمرآة الصغيرة التي أخرجتها من حقيبتها لتتأكد من زينتها:
"صباح الخير ياستي، عاملة إيه النهاردة؟"
تفحصتها رقية قليلًا قبل أن ترد بتمهل:
"أهلًا ياغادة، ازيك انت وازاي امك إحسان اللي بطلت ماتسأل عني؟"
"كويسين والحمد لله، هي بس تلاقيها مشغولة حبتين، لكن أول ما تفضى، أكيد هاتجيلك."
أجابت غادة بعدم انتباه، لتفاجأ برد رقية المنتقد وعيناها مرتكزة على ما ترتديه:
"طب ولما انتِ حلوة ومطولة الجيبة على ناحية كده، مش تكملي جميلك وتكملي الناحية التانية، بدال الحيرة دي والواحد مش عارف يشوفها إن كانت طويلة ولا قصيرة!"
عوجت غادة فمها بزاوية وهي تردف من تحت أسنانها:
"دي الموضة ياستي ولا انتِ ماسمعتيش عنها؟"
تبسمت رقية بسخرية أثارت غيظ غادة قائلة:
"موضة برضو يابت؟ ودي جابوها في الجرايد بقى ولا في التليفزيون؟"
صكت غادة على فكها وهي تشيح بوجهها عن هذه العجوز الماكرة، تعلم أنها الخاسرة لو استمرت في الجدال معها، فهي لن تسلم أبدًا من لسانها السليط. ولكن حينما خرجت إليها زهرة من غرفتها وجدت فرصتها في الرد:
"ومكلفة نفسك ليه بس؟ ما كنتِ لبستي شوال أسهل."
"شوال في عينك."
هتفت بها رقية بحدة على الفور. أما زهرة التي أجفلتها السخرية على ملابسها، ففضلت التجاهل وإكمال لف حجابها الطويل، قبل أن تتناول حقيبتها وتخرج معها.
خارج الشقة القديمة في المبنى المتهالك، بررت غادة لزهرة أثناء نزولهما الدرج:
"ماتزعليش مني يازهرة بس أنا بصراحة بضايق لما أشوفك لابسة الدريسات الواسعة قوي دي، حاجة كده ملهاش أي منظر وبتبيّنك تخينة."
ردت زهرة بعتب:
"تخينة ولا رفيعة، مية مرة أقولك إن دا نظامي في اللبس ياغادة، زي انتِ ما بتحبي لبسك يكون محدد جسمك ومبين رشاقته، أنا كمان بحب لبسي يكون حشمة ودا اللي برتاح فيه."
عوجت شفتها قائلة باستخفاف:
"طب عرفنا إنك بتحبي الحشمة وعدم الزواق بالمكياج، طب الحجاب بقى ما ينفعش يبقى حلو كده وعالموضة بدال الكبير ده واللي مخليكِ زي ستي الحجة."
كتمت زهرة ضيقها وردت بحرج:
"حتى دي كمان نبهتك عليها وقولتلك، أنا ماتحملش أي راجل عينه تيجي عليا، يقولوا تخينة يقولوا حجة المهم أكون مستورة وخلاص."
أوقفتها غادة فجأة على إحدى الدرجات، حينما أرسلت ذراعها على درابزين الدرج، تردف بنظرة ذات مغزى أثارت القشعريرة لدى زهرة:
"أقسم بالله أنا أكتر واحدة فاهماكي، بقى ياخايبة لما تبقى الواحدة عندها إمكانيات جامدة كده وجبارة بدال ما تظهرهم للناس وتفرح بيهم، تخبيهم وتدفنهم؟ دا انتِ هبلة أوي."
خرج صوت زهرة الغاضب بنفاذ صبر:
"ابعدي ياغادة خلينا نمشي، وبلاش تلميحاتك المستفزة دي."
ابتعدت عنها تبتسم بسخرية واستخفاف أثار حنق زهرة، التي أجفلت على سماع صوت الصرخات الآتية من شقة أبيها الساكن أسفلهم بزوجته الثانية وأولاده منها.
"يانهار أسود، دا باين أبويا بيضرب واحدة من خواتي وخالتي سمية بتحجز منه، تعالي نخش."
قاطعتها غادة تجذبها من يدها:
"لاهنروح ولا نيجي، اخلصي إحنا متأخرين على الشغل."
"ياغادة بس خواتي."
"انجري يابت مش ناقصين نترفد."
.......................................
بعد ساعة وأمام المبنى الشاهق الارتفاع، توقفت سيارة الأجرة خاصتهم بالقرب منه. كانت تهرول غادة وهي متقدمة بخطواتها عن زهرة المنشغلة بالحديث مع شقيقتها الصغرى في سردها عن الشجار الذي حدث بينها وبين أبيها.
التفتت إليها تخاطبها بحدة:
"يابت مدي رجلك شوية خلينا نعدي الرصيف ونوصل الشركة، دي الساعة خلاص قربت على ٨ وبيننا هانتجازى صح."
أنهت زهرة المكالمة سريعًا وقالت بحدة:
"ماتهدّي بقى ياغادة شوية، مش كفاية جرتيني معاكي زي البهيمة من غير ما أدخل وأحجز عن أختي صفية."
"ومالها ياختي أختك صفية بقى؟ ماتت إن شاء الله ولا خدتها الإسعاف."
قالت غادة وهي متخصرة بوسط الشارع. هتفت زهرة عليها بغضب:
"فال الله ولا فالك ياشيخة، مش تخلي بالك من كلامك، دا اللفظ سعد، والبت أساسًا كانت بتكلمني وهي مفلوقة من العياط، بعد أبويا ماعدمها العافية هي وخالتي سمية معاها عشان بس طلبت منه فلوس الدرس."
مصمصت تلوك فاهها بسخرية:
"وطبعًا طالبة منك انتِ الفلوس، وانتِ وعدتيها إن بعد ما تقبضي النهاردة هاتديها وتأجلي شرا تليفون كويس، بدل عدة النحس اللي ماسكاها من سنين دي، ماهو دا العادي بتاع كل قبض."
صمتت زهرة وملامح وجهها أظهرت صدق توقع غادة، التي هتفت حانقة:
"أنا اتفقعت منك يابت انتِ، هامشي قدامك وانتِ حاصِليني، جاتك خيبة فيكِ وفي هبلك."
"الله يسامحك ياشيخة."
تمتمت بها زهرة وهي تفتح حقيبتها الجلدية كي تضع بها الهاتف، ولكنها تفاجأت بصدمة بجسم معدني كبير أوقعها وسط الطريق وأوقع هاتفها أيضًا. صرخت بجزع، حينما فرق بينها وبين مقدمة السيارة التي كبحت فراملها بحدة أصدرت صريرًا حادًا كي لا تتدهسها والمسافة بينهم لا تتعدى الشبر.
"مش تخلي بالك ياجدع انت."
"أنا برضوا اللي أخلي بالي؟ ولا انتِ اللي سرحانة وكنتِ هاتوديني في مصيبة دلوقتي."
هتف بها بحدة سائق السيارة الذي خرج على الفور لزهرة، والتي دنت تتناول القطعة الأخرى من الهاتف، كي لا تدهسها السيارة. ثم رفعت رأسها إليه دون رد، فتابع السائق بوقاحة:
"امشي غوري اتعتعي بقى من وش العربية، مش ناقص بلاوي أنا على أول الصبح."
"الله يسامحك، أنا مش هأرد عليك."
هتفت بها زهرة وهي تحتجز سيل دموعها بصعوبة جراء الإهانة التي تلقتها. انتقلت عيناها لداخل السيارة الفارهة، فوجدت بها رجلين. أحدهما كان في الأمام بجوار السائق، رجل ضخم يبدو كأبطال المصارعة يحتل المقعد الأمامي. والآخر كان جالسًا في الخلف، يبدو بهيئته المهندمة والبراقة بشدة، كأنه إحدى المسؤولين أو أحد أبطال السينما المشهورين بوسامته الشديدة. أجفلها هذا الرجل حينما ترك مكالمته التليفونية فجأة، وهتف على السائق:
"في إيه ياعبدة؟ خلصنا وفض المهرجان دا بقى؟"
رد السائق ببجاحة وهي يعود لمكانه خلف عجلة القيادة:
"أهي بلاوي وبتتحدف علينا ياباشا."
ابتلعت زهرة الإهانة بصمت وهي تتحرك لتبتعد من أمام السيارة الفارهة، لتفاجأ بعودة غادة التي ظهرت من العدم، تجذبها بغير استئذان نحو السيارة قبل أن تتحرك، والرجل الجالس في الخلف.
"معلش ياجاسر بيه على اللي حصل، بس بنت خالي عندها ظرف وحش، وأكيد ماخدتش بالها وهي معدية قدام عربيتك."
أومأ لها الرجل بكفه بعنجهية قبل أن يشير للسائق بالتحرك، دون أن يلتفت نحوهم، مما جعل إحساس الذل يجتاح زهرة. التي أفلتت ذراعها تصرخ بانهيار:
"انتِ إيه اللي عملتيه ده؟ وايه اللي رجعك أساسًا؟ كنت ناقصاكي وناقصة جنانك مع واحد زي ده، مش كفاية اللي صابني منهم."
وكأنها لم تسمع، ظلت غادة على وضعها مراقبة سير السيارة أمامها، حتى اختفت بمكان موضع السيارات داخل مبنى الشركة. ثم التفتت إليها بابتسامة متسعة:
"أنا مش مصدقة نفسي وربنا، أخيرًا شفته عن قرب وكلمته، يالهوي ياما دا حلو قوي من قريب."
لكزتها بقبضتها غاضبة:
"هو مين اللي حلو يازفتة انتِ؟ ماتفوقي بقى إحنا لسه في نص الطريق، ولا انتِ عايزة عربية تانية تدوسنا؟"
غادة وهي ترد بهيام:
"دا جاسر بيه ابن صاحب الشركة ياهبلة، لهو انتِ معرفتيهوش؟"
"ومش عايزة ياستي أعرفه ولا أعرفك انتِ كمان."
أردفت بها زهرة وهي تعدو مبتعدة عنها، والأخرى تتبعها من خلفها تردد:
"استني يازهرة، يابت استني أنا مش قادرة ألحق خطوتك من الكعب العالي."
.....................................
وبداخل الشركة وأمام المصعد الكهربائي، بعد أن لحقتها بصعوبة، هتفت عليها بلهث:
"ما خلاص بقى يابت افردي بوزك ده، مش كفاية إنك قطعتي نفسي بالجري وراكي."
تكتفت زهرة دون أن ترد عليها، تكبح غضبها حتى لا تلفت إليها أنظار العمال وموظفين الشركة. ولكن مع إصرار غادة الاحتكاك بها ومداعبتها للتصالح، هتفت بعدم سيطرة:
"بس بقى، مش كفاية خليتي منظرنا زي الشحاتين قدام الراجل ده والسواق بتاعه قليل الأدب."
انتبهوا على صوت طرطقة من الفم أتت من خلفهم وصاحبته تخاطبهم:
"إيه دا إيه دا؟ انتوا بتتخانقوا ولا إيه؟ طب مش تستانوني طيب عشان أتفرج ولا أقوم بالواجب معاكم."
"قولي لها ياكاميليا، حتة دي عايزة تعملها فضيحة وتلم علينا الموظفين."
أردفت بها غادة لصاحبة الصوت، فرمقتها زهرة بحدة قائلة:
"أنا برضوا اللي عايزة أعمل فضايح؟ ولا انتِ اللي بتنقصينا قدام اللي يسوى واللي ما يسواش."
شهقت غادة ضاربة على صدرها:
"يخرب بيتك!"
تبعتها كاميليا مستفسرة:
"هي تقصد مين باللي ما يسواش؟"
انفتح أمامهم باب المصعد فجأة ليدلفن الثلاثة به، وردت غادة:
"أنا هاقولك هي تقصد مين وأحكيلك على اللي حصل، عشان بس المجنونة دي لما تقطع عيشك تبقي على علم!"
قطبت كاميليا حاجبيها سائلة بدهشة:
"تقطع عيشي أنا ليه بقى؟ هو انتوا هببتوا إيه بالظبط؟"
...................................
بوقتٍ لاحق وسط اليوم، وأثناء فترة استراحة الموظفين، كانت زهرة جالسة أمام مكتب كاميليا، يتحدثن وبيد كل واحدة منهن شطيرتها.
كاميليا وهي تقضم من شطيرتها ويدها الأخرى تعمل على الحاسب الآلي أمامها:
"ماتزعليش منها يازهرة، بنت عمتك خفيفة وما صدقت تلاقي فرصة عشان تكلم جاسر بيه."
"فرصة!"
أردفت بها زهرة باستنكار وتابعت:
"دا الراجل ما كلفش نفسه حتى يهز لها راسه أو حتى يبصلها، دا يدوبك شاور بإيده كده واكننا دبان قدامه، أنا مش عارفة هي ليه كده؟ تتكبر على أي حد أقل منها أو زيها، إنما قدام واحد زي ده، تقلب كده واكنها شافت ملك قدامها."
تبسمت كاميليا وهي تلتفت إليها:
"ماكدبش عليك، بس هو فعلًا بالشركات والأموال اللي تخص عيلته واللي بيديرها بنفسه، يعتبر ملك. هو انتِ بجد ما تعرفهوش؟"
مطت شفتيها بعدم اهتمام:
"وهاستفيد إيه من معرفته يعني؟ اهو واحد غني زي اللي بنشوفهم في التليفزيون وخلاص، بس هو إزاي ابن صاحب الشركة ودي أول مرة أشوفه فيها؟"
ردت كاميليا بتحليل كعادتها:
"ماهو ما بيجيش غير في الشهر غير مرة أو مرتين تقريبًا، لما يكون في اجتماع مع الباشا الكبير والده، أو لما يكون في حاجة مهمة، وانتِ متعينة يدوب من تلت أشهر، دا غير إنك مش متابعة السوشيال ميديا، فشئ طبيعي إنك متعرفيهوش."
زهرة برد قاطع:
"ولا عايزة أعرفه، أنا كفاية عليا أوي، إن أشتغل في الشركة دي اللي لحقت فرصتها أخيرًا بمساعدتك، عشان أفضل شايلة جميلك فوق راسي طول العمر."
قالت كاميليا باستياء:
"لا ما تقوليش كده يازهرة، الفضل بإيد ربنا وحده، وإحنا يدوب أسباب."
"طبعًا أكيد، بس بجد انتِ تستاهلي كل خير، عمرك ما تكبرتي على حد منا، رغم المكانة اللي وصلتي لها، لا وكمان فضلتِ ورانا لحد ما وظفتينا معاكي في الشركة، بجد أنا مش عارفة أقولك إيه؟"
أردفت بها زهرة بامتنان نحو ابنة حارتهم، التي كافحت بمجهودها وإخلاصها في هذه الشركة العملاقة، حتى وصلت لصفة مدير مكتب رئيس الشركة، ثم مساعدتها هي وغادة في العمل بها. ردت كاميليا متصنعة الحزم:
"بس يابت لا تشكريني ولا زفت، وغوري يلا على شغلك، البريك قرب يخلص، ولا أقولك استني أنا عايزاكي في حاجة."
"عايزاني في إيه؟"
سألت زهرة قبل أن يفتح أمامهم باب المكتب الكبير، ليخرج منه أحد الموظفين الرجال، والذي اقترب يلقي التحية بابتسامة مشرقة نحو زهرة بمجرد أن وقعت عيناه عليها.
"صباح الخير يا آنسة زهرة، عاملة إيه النهاردة؟"
أومأت له برأسها تهمس بخجل أثار التسلية لدى كاميليا التي تركت مابيدها من عمل كي تستمتع بمتابعتهم:
"كويسة والحمد لله، تسلم يا أستاذ عماد."
أردف هو بتساؤل:
"أخبار الكمبيوتر بتاعك إيه؟ شغال كويس ولا فيه أي عطل؟"
حركت رأسها نافية بصوتها الخفيض:
"لا الحمد لله، من ساعة ما صلحته حضرتك، وهو بقى تمام معايا في الشغل."
رد باهتمام:
"طب لو هنج أو قصر معاكي في أي حاجة قوليلي على طول، وأنا تحت أمرك في أي وقت."
"الأمر لله وحده، تسلم."
أومأت بها هامسة، وهو ظل للحظات متسمرًا مكانه لا يريد التحرك، حتى تمكن من جر أقدامه للمغادرة بصعوبة أمام كاميليا التي كانت تتابع بابتسامة على وجهها، حتى إذا ذهب سألتها:
"إيه ده بقى؟ هو عماد عينه منك؟"
"وأنا إيش عرفني."
قالت زهرة تهز بكتفاها ووجهها تورّد بالخجل. جزت كاميليا على أسنانها ضاحكة:
"أموت أنا في الحب البريء وشغل الكسوف ده."
"حب إيه وكلام فارغ إيه بس؟ إيه اللي بتقوليه ده يا كاميليا؟"
غمغمت بها زهرة بخجل، فنهضت كاميليا قائلة بمرح:
"بت انتِ، أنا هاقوم أدخل الكام ملف دول لعامر باشا، استني انتِ هنا حلي المسألة دي على ما أوصلك."
"مسألة إيه؟"
سألت زهرة وهي تتناول الورقة الكبيرة التي وضعتها أمامها كاميليا، والتي أجابتها وهي تعدل من ثيابها قبل التحرك:
"دي مسألة قسمة مطولة، ميدو طالب مني أحلها وأساعده فيها، وانتِ عارفة بقى صاحبتك خيبة في الحساب."
لاحقتها قبل أن تدلف لرئيسها:
"طب والبريك اللي قرب يخلص؟"
"البريك فاضل عليه تلت ساعة يازهرة وأنا ثواني وخارجالك."
أردفت بها كاميليا وهي تنظر لساعة يدها قبل أن تترك زهرة التي انْكفأت على الورقة تركز في مسألة القسمة التي أمامها باهتمام، حتى أجفلت على صيحة من خلفها:
"بتعملي إيه عندك؟"
انتفضت واقفة تلتفت لمصدر الصوت، فجحظت عيناها برعب وسقط قلبها من الخوف وهي تفاجأ هذا الرجل الذي رأته في الصباح داخل السيارة التي كادت أن تدهسها، وهو يتقدم نحوها بوجه متجهم وعنجهية رأتها منه سابقًا، مرددًا بحدة:
"انتِ مين انتِ؟ وايه اللي مقعدك هنا؟"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني 2 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
واقفة باعتدال وأناقة، فاردة ظهرها بعزة. من يراها لا يصدق أنها مولودة في حارة، فملابسها المهندمة وأسلوبها الراقي في التعامل يعطي صورة مثالية لكل فتاة طموحة مثلها. جاهدت وثابرت لكي تصل لهذه المكانة، في شركة عريقة مثل هذه ومع رجل كعامر الريان، لا يرحم ولا يتساهل بعمله، رغم طيبته ومودته الدائمة لها.
كانت ممسكة بإحدى الملفات، تنتظر انتهاء رئيسها ورئيس الشركة كلها من مراجعة إحدى العقود قبل أن يمضي بقلمه عليه.
رفع رأسه إليها سائلًا بملل:
- هو انتِ عايزة الإمضة ضروري النهاردة؟
تبسمت بدهشة قائلة:
- مش أنا اللي عايزة ياعامر بيه، دا الشغل هو اللي عايز!
عوج فمه بفكاهة وهو ينظر لورق العقود أمامه على المكتب قبل أن يعود إليها قائلًا:
- بس النصوص اللي في العقد ده كتير قوى، وحاطين شروط كمان ورغي كتير، لا بقولك إيه؛ أنا زهقت.
ختم جملته وهو يدفع بملف العقد أمامه على المكتب ناحيتها. ضحكت هي بعدم تصديق:
- الله، امال مين بس اللي هايمضي ياعامر بيه؟ اجيب حد من الشارع يعني يمضي مثلًا؟
- وتجيبي من الشارع ليه ياستي؟ هو أنا ماعنديش ولاد بقى عشان يمضوا ويشيلوا عني؟
قطبت سائلة بدهشة:
- ولاد! انت قصدك إيه ياباشا؟
أجابها وهو يخلع نظارته ويجيبها منتهدًا بتفكير:
- قصدي إني كبرت يا كاميليا ومعدتش عندي صحة للضغط زي زمان.
حركت رأسها بعدم فهم فتابع:
- أنا قررت أستسلم لزن مراتي يا كاميليا وأسافر أوروبا آخد لي أجازة طويلة شوية وبالمرة أكمل علاجي في ألمانيا.
- طب والشغل ياعامر بيه، مين اللي هايقوم بيه؟
سألت بحيرة، أجابها:
- ماهو دا اللي كنت عايز أ فاتحك فيه من الأول يا ست كاميليا. بصراحة كدة أنا عايزك تشدي حيلك شوية في الشغل الفترة اللي جاية، لأن الشركة هاتبقى من ضمن المجموعة اللي بيديرها جاسر ابني، وانتِ عارفة ابني بقى وقته قليل ومسؤلياته كتير.
تمتمت كاميليا بذهول أمام الرجل:
- جاسر بيه! بس دا عصبي جدًا والشغل معاه صعب أوي كمان.
ضحك الرجل مخاطبها:
- وافرضي بس إنه عصبي والشغل معاه صعب كمان؛ انتِ قدها يا كاميليا ولا انتِ معندكيش ثقة في نفسك.
أومات له تتصنع الابتسامة وهي تغمغم بداخلها:
- وأنه ثقة دي اللي تنفع مع ابنك؟!
***
تلعثمت الكلمات بفمها بعد أن ضاع تركيزها ونست ما كانت تفعله منذ ثوانٍ قليلة، قبل أن يجفلها هو بدلوفه إليها وسؤالها بتشكك. قلبها يضرب بقوة داخل أضلعها، تشعر ببرودة تجتاح أطرافها خوفًا من هذا الرجل الواقف أمامها بصمت وملامح وجهه المغلفة بغموض وتجهم، تشعرها وكأنها متهمة ويجب عليها إثبات براءتها.
- بتمأمأي ليه ماتردي؟ انتِ مين وبتعملي هنا إيه؟
أجابت سريعًا:
- أنا زهرة سكرتيرة الأستاذ مرتضى حسنين مدير الحسابات، كنت جاية أشوف صاحبتي وماشية على طول أهو والله.
سألها بتجهم رافعًا حاجبيه الأيسر بشر:
- ولما انتِ سكرتيرة مرتضى، بتعملي إيه في الملفات هنا في الشركة وكاميليا مش موجودة؟
- أقسم بالله ماهو ملف ولا مستند حتى!
صرخت بها تدافع عن نفسها وتابعت وهي تناوله الورقة التي تذكرتها أخيرًا بعد أن رأت نفسها في موضع اتهام بالفعل.
نظر هو للورقة سريعًا ثم عاد إليها يردف باستنكار:
- قسمة مطولة! ليه بقى؟ هو إحنا في حصة حساب هنا ولا في شركة محترمة؟ إيه لعب العيال ده؟
صرخته الأخيرة جعلت قلبها يكاد أن يتوقف من الخوف، فخرج صوتها بقوة رغم اهتزازه:
- مش أنا اللي بلعب على فكرة، دي مسألة أدتهاني كاميليا تخص أخوها ميدوا في تالتة ابتدائي، قالتلي أساعدها في حلها عشان تراجعها هي لأخوها بعد كده...
قاطعها بحزم سائلًا:
- وانت بقى سايبة شغلك في الحسابات عشان تيجي تساعدي كاميليا وأخوها هنا؟
هتفت بعدم سيطرة:
- أنا مش سايبة شغلي ولا حاجة، أنا جيت وشوفت صاحبتي في البريك عادي يعني، واديني ماشية أهو قبل ما ينتهي كمان.
- استني عندك!
أوقفها هادرًا بمجرد أن تحركت أقدامها وأكمل:
- تخرج كاميليا الأول واتأكد من صدق كلامك، وبعدها بقى ممكن اسمحلك تنصرفي.
تماسكت تقف محلها كما أمرها هذا الرجل المرعب. تمنع قدميها بصعوبة من السقوط وبداخلها تناجي ربها لخروج كاميليا إليها بسرعة.
سألها فجأة مضيقًا عيناه:
- انتِ البنت اللي اتصدرتِ قدام العربية الصبح واتخانقتي مع عبده السواق؟
رغم دهشتها من تذكره لها ليضيف إليها اتهامًا آخر وهي تجزم بداخلها أنه لم يكلف نفسه عناء الالتفاف نحوها، تمكنت من الإجابة نافية تدافع عن نفسها:
- مش أنا اللي اتصدرت على فكرة، سواقك هو اللي كان هايدوسني وهو اللي شتمني كمان من غير ما أعمله حاجة.
هز برأسه قائلًا بابتسامة مستخفة:
- يعني انتِ كمان بتجيبي اللوم على السواق مش على نفسك. على العموم كاميليا خارجة دلوقتي، واما أشوف حكايتك إيه.
تكتفت بذراعيها ورفعت ذقنها للأمام تنتظر خروج كاميليا بثقة، رغم النيران المشتعلة بداخلها. فرد نفسه هو يضع يديه بجيبي بنطاله وسترته عائدًا للخلف، يحدق بها ويتفحصها جيدًا، من حجابها الطويل على غير عادة الفتيات في شركاته، ملابسها الفضفاضة بشدة، وجهها البيضاوي، ملامح عادية لفتاة جميلة لا تختلف كثيرًا عن معظم الفتيات، سوى أنها لا تضع شيئًا من مساحيق الجمال، حتى كحل عينيها التي لم ترفعهم إليه جيدًا ليتحقق من لونهم، رموشها السوداء الطويلة تبدو طبيعية كباقي ملامح وجهها. انفاسها تعلو وتهبط باضطراب أو غضب لا يعلم، وهي واقفة بتملل من نظراته المتفحصة وعيناها التي لا ترفعهم كالعادة بوجه أي رجل غريب. كانت تتنقل ما بين النظر إلى باب المكتب الكبير، أو الالتفاف نحو أي شيء في الغرفة، إلا هو.
التفت الاثنان فجأة على فتح باب المكتب الكبير وخروج كاميليا التي سألتهم بإجفال من هيئتهم المتخفزة:
- في إيه؟ هو إيه اللي حصل؟
***
بعد قليل:
- ما خلاص يابنتي كفاية بقى، هي حنفية وفتحت؟ كدة الموظفات هاياخدوا بالهم.
همست بها كاميليا لزهرة كي تحثها على التوقف عن البكاء وهي واقفة معها بداخل الغرفة الكبيرة الخاصة بحمام السيدات.
زهرة وهي تمسح بالمحرمة الورقية وصوتها خارج ما بين بكائها:
- مش قادرة يا كاميليا، الراجل ده خوفني قوي، دا كان بيحقق فيا وكأني حرامية أو بنت حرام.
ردت كاميليا بأسف:
- سامحيني يازهرة عشان كنت السبب في الموقف الزبالة اللي حصل معاكي ده، بس أنا كنت هاعرف منين بس إن جاسر الريان هايطب فجأة كدة. بصراحة عامر بيه بكل شدته، ما يجيش نقطة في جاسر ده.
- انتِ بتقولي فيها، دا أنا حاسة برجلي شايلاني بالعافية وجسمي لسة بيتنفض من ساعة ما قابلته وشوفته.
- طب ثواني.
اقتربت منها كاميليا تمسك يدها فهتفت مذهولة:
- يانهار أبيض، دا انتِ إيدك متلجة يابنتي، هو لدرجادي اترعبتي منه؟
أومأت برأسها زهرة وازدادت في البكاء فاأكملت كاميليا:
- يابنتِ اهدي بقى، دا مكانتش مقابلة دي؟ امال أنا بقى اللي هايبقى رئيسي في الشغل وتقريبًا ممكن أشوفه يوميًا أعمل إيه؟ أنتحر يعني؟
شهقت زهرة قائلة:
- أنا مش هاعد مكتبك دا تاني أبدًا يا كاميليا، وانتِ لو عايزتيني تبقي تتصلي بيا أو تجيني لكن طول ما الراجل ده رئيسك في الشغل انسى إن أروحلك نهائي.
رتبت كاميليا على ذراعها بحنان:
- خلاص ياحبيبتي ولا يهمك، أجملك أنا ياستي ولا تزعلي، بس اهدي كدة انتِ بقى وانسي. دا النهاردة يوم القبض، يعني هاندلع نفسنا بقى ونروّش زي الشهر اللي فات ولا انتِ نسيتِ؟
أشرق وجهها بابتسامة فهتفت كاميليا:
- أيوه بقى لما جبنا سيرة القبض وشك نور أهو، حبيبتي يازوز اغسلي وشك بقى وفوقي.
***
- في مقر شركته الأصلية، كان منكفئ على مراجعة مجموعة من الأوراق والعقود التي الموضوعة أمامه على سطح المكتب، متناسي كالعادة الوقت رغم حجم الإجهاد الذي يشعر به. رفع رأسه فجأة نحو باب المكتب الذي اندفع فجأة بعد طرقة خفيفة من صاحب عمره والذي هتف بملل:
- انتِ لساك برضوا بتراجع في العقود؟ ارحم نفسك يابني شوية بقى.
تبسم له ناهضًا يتقبل عناقه وترحيبه قبل أن يومئ لها للجلوس على الأريكة الجلدية في إحدى زوايا المكتب وجلس هو بجواره فارداً ذراعيه على أطرافها براحة، وقال:
- أعمل إيه بس ياعم طارق؟ عمك عامر الفترة اللي فاتت وقع على عقود واتفاقيات كتير، وأنا مش عايز أغفل عن حاجة منهم، دا غير إني عايز أفهم كل صغيرة وكبيرة في الشركة مدام خلاص، هاتبقى تحت مسؤوليتي.
- طب إيه؟ انت هاتدير المجموعة من هنا بقى، ولا هاتستمر بنفس الوضع القديم.
سأل عمر باستفسار أجاب عليه جاسر:
- لأ طبعًا دا هايبقى وضع مؤقت على ما أفهم الجو هنا في الشركة الأول وأعرف النظام اللي هاتعامل بيه مع الموظفين.
ربت على ركبة صديقه بدعم:
- ربنا يديك الصحة ياحبيبي ويقويك على المسؤولية الكبيرة دي، بس برضوا؛ انت لازم تراعي لنفسك شوية مش كل حاجة شغل شغل، ألا لبدنك عليك حق ياعم يا جاسر ولا إيه؟
مط شفتيه بعدم اكتراث فتابع طارق سائلًا:
- هو انت لسة برضوا على وضعك انت وميرا؟ مفيش أي تقدم في علاقتكم نهائي؟
غمز بوجنته باستخفاف قبل أن ينهض فجأة قائلًا:
- كبر مخك ياعم طارق وخليني أضيفك في مكتب السيد الوالد، تحب إيه بقى، إنه حاجة ساقعة من دول ولا أجيبلك عصير أحسن؟
قال الأخيرة مشيرًا بيده على مجموعة كبيرة من المشروبات الغازية والعصائر، المطفأة بداخل الثلاجة الصغيرة التي فتحها بجوار المكتب.
أجابه طارق:
- لا دي ولا دي، هاتلي إزازة ميا أشرب منها وخلاص.
***
في نهاية اليوم وبعد أن تسوقوا قليلاً بزيارة بعض محلات الملابس والأحذية والهدايا، فرحين بصرف المرتب الشهري، ابتاعت كاميليا طقمين للخروج وحذاء وبعض البيجامات البيتية المريحة، قلدتها غادة في الشراء وزادت بشراء أنواع عدة مساحيق التجميل والكريمات الخاصة بالبشرة. أما زهرة والتي كانت مقررة شراء هاتف جديد تنازلت تؤجل شراءه للشهر القادم حتى توفر ثمن حصص الدرس لشقيقتها وعلاج جدتها. ولكن مع إصرار كاميليا وغادة، أذعنت لإصرارهم وابتاعت لها فستان واسع بألوان مبهجة مع حجاب من اللون الوردي انعكس على بشرتها الخمرية والمختلطة بحمرة زادها بهاء وجمالًا.
وفي نهاية الجولة لم تسمح لهم ميزانيتهم بتناول وجبة الغداء في مطعم، فاضطروا لشراء شطائرهم من إحدى العربات المصطفة في الشارع، يكملوا التسكع بالسير ومشاهدة المحلات وكل واحدة بيدها شطيرتها وعلبة مياه غازية.
قالت كاميليا بسعادة:
- الله يابنات، دا الخروجة معاكم تطول العمر بجد.
- عشان تندمي إنك مشاغلتناش معاكِ من زمان.
قالت غادة متصنعة المزاح، ردت كاميليا بحرج:
- ويعني هو كان بإيدي بس ياغادة، أنا كنت في كل مرة يطلبوا فيها موظفين ببعتلكم، وأنا موظفة صغيرة، لكن بقى لما وصلت إني أبقى مديرة لمكتب عامر بيه، قدرت وقتها بس إني أتوسط لكم.
رمقتها زهرة بنظرة محذرة قبل أن تخاطب كاميليا بامتنان:
- سيبك منها يا كاميليا هي بتهزر وانتِ عارفة بقى هزارها تقيل، دا انتِ تشكري ياحبيبتي إنك افتكرتينا أصلًا، هو في حد في الزمن ده بيفتكر أصحابه ولا أهله حتى؟
صمتت غادة بخزي قبل أن تغير مجرى الحديث:
- أيوه صح عندك حق يازهرة، طب بقولك إيه يا كاميليا؛ هو انتِ مفكرتيش كدة تشتري عربية أقله عشان ترحمي نفسك من المواصلات وبرضوا عشان الوجاهة وصفتك في الشركة.
تبسمت كاميليا مستجيبة لحديثها وقالت:
- لا ياستي أكيد فكرت طبعًا وبحاول، بس شرا العربية عايز فلوس كتيرة الأيام دي، خصوصًا مع واحدة زيي لساها بتساعد عيلتها، لكن إن شاء الله أقدر أشتري واحدة محندقة على قدنا قريب، عشان آخدكم في المرواح والمجي معايا يابنات.
صفقت غادة مهللة بمرح:
- أيوة بقى خلينا نبان هوانم، زي المضاريب الموظفات اللي في الشركة معانا، حبيبتي والله يا كاميليا.
تبسمت الفتاتين لمزاح غادة قبل أن تنتبه زهرة للوقت:
- طب مش يدوبك بقى نروح، أنا اتأخرت أوي على ستي وقلبي اتوهوهش عليها.
قالت زهرة بقلق، استنكرته غادة قائلة:
- قلبك اتوهوهش إزاي بس يازهرة؟ إشحال إن ماكنتشِ بتتصلي بيها كل شوية، دا غير إن أختك صفية مراعياها حسب ما سمعت منك، ولا انتِ صعبان عليكِ تشمي هوا نضيف برة الجحر اللي حابسة نفسك فيه بقالك سنين.
احتقن وجه زهرة بالغضب فسبقتها كاميليا في الرد:
- هي عندها حق على فكرة إحنا فعلًا اتأخرنا ويدوبك نمشي.
همت غادة تعترض فلم تُعطها كاميليا الفرصة فتابعت:
- السندوتش اللي في إيدي ده ماينفعش أروح بيه، أنا هاديه للراجل اللي هناك ده، شكله غلبان وعلى البركة.
تأففت غادة وهي تتبع الاثنتان حتى توقفوا أمام رجل رث الثياب، جالس على كرتونة من الورق في ركن آمن نسبيًا من السيارات والمارة، يهز برأسه ويضحك للفتاتين ببلاهة. تبسمت قائلة:
- يامشاء الله، دا انتوا اديتوه سندوتشات الكبدة والسجق بتوعكم، وعلبة العصير بتاعتك كمان يازهرة عشان يبلع بيها، يعني ياكل ويحلي براحته كمان.
حذرتها غادة قائلة:
- خلي بالك من كلامك معاه يا غادة، دا راجل على البركة أه؛ بس بيفهم.
- اممم على كدة انت صح على البركة ياعم؟
سألت الرجل باستخفاف، فكان رده أن تلاعب لها بحاجبيه يهز رأسه بابتسامة غير مفهومة، جعلت الفتيات يضحكن على فعله بمرح. شاكسته كاميليا:
- إيه ياعم انت هاتعاكس ولا إيه؟ وأنا اللي قولت عليك طيب وجميل.
ردد بأسلوب أثار ابتسامة مختلطة بالاندهاش على وجه الفتيات:
- ما أنا جميل واسمي جميل وحتى ابني كمان هاسميه جميل.
- طب قولنا بقى يا جميل لو تعرف، مين فينا اللي هاتتجوز الأول، أنا ولا دي ولادي؟
سألته غادة وهي تشير نحوها ونحو زهرة وكاميليا أيضًا. كور هو شفتيه المنغلقة بشكل فكاهي، يهز رأسه بمراوغة وينظر إليهم بتفحص أثار ضحكات الثلاثة. فقال أخيرًا باقتضاب:
- هاتتجوزوا انتوا التلاتة.
شهقت غادة مستنكرة باعتراض:
- بس كدة هو دا اللي ربنا قدرك عليه، طب حتى اعمل بسندوتش الكبدة وعلبة العصير اللي في إيدك وقول حاجة مفيدة تريح قلبنا، مش انت مبروك برضوا؟
لكزتها زهرة لتنبهها بعدم إحراجه ولكنها لم تبالي فوجدته فجأة يجيب والطعام في فمه:
- واحدة فيكم هاتتجوز غفير والتانية هاتتجوز وزير والتالتة هاتتجوز أمير.
انطلقت ضحكات الثلاثة مرة أخرى فخاطبته كاميليا بسخرية:
- غفير ووزير وأمير، إيه الجو القديم ده، هو إحنا في ألف ليلة وليلة ياعم؟
أومأ لها بتأكيد:
- أنا مابقولش قديم أنا بتكلم صح.
رفعت غادة كفيها أمامه قائلة بمرح:
- حلو ياعم، يبقى أنا اللي هاتجوز الأمير.
هز رأسه بنفي وهو يشير بسبابته:
- لا انتِ هاتتجوزي الغفير، دي اللي هاتتجوز الأمير.
شهقت ساخرة وهي ترى وجه سبابته نحو زهرة:
- يخيبك، طب كنت قول كاميليا يمكن كنت أصدق، أنما زهرة...!
قطعت جملتها وهي تشير إلى الفتيات كي يذهبوا:
- امشي يابنتِ امشي، دا باينه راجل خرفان واحنا هبل اللي نصدقه.
تبسمت زهرة كي تخفي حرجها من تلميح غادة الجارح لها:
- قلبك أبيض يا غادة، هو كان جد يعني!
ردت كاميليا بفكاهة وهي تتحرك معهم:
- بس أنا بصراحة انبسطتني لما قال وزير، أهو قدرني وخلاص يا جدعان.
غمغمت غادة بكلام حانق وهي تسير مع الفتيات عائدات لمنزلهن، فنظر الرجل لأثرهم بعد أن ابتعدن وهو يهتف:
- برضوا هي اللي هاتتجوز الأمير وانتِ هاتتجوزي الغفير!
***
حينما عادت زهرة لبنايتهم، دلفت لشقة أبيها أولًا لتطمئن على شقيقاتها وزوجة أبيها سمية المرأة الطبية، البائسة، متعوسة الحظ، كما تسمي نفسها دائمًا. كانت تشتكي وتصف عن ضرب زوجها لها بسبب دفاعها عن ابنتها، والتي تركت آثاره على جسدها كالعادة.
- شوفتِ يازهرة، أهي العلامات اللي في إيدي دي ماتجيش شكة في اللي مزهرين في ضهري من ورا وعلى كتفي، أنا مش عارفة أبوكي دا امتى بس ربنا يهديه ويفهم إني كبرت عالبهدلة وقلة القيمة دي؟ لما أخلص في إيده ولا لما أموت وحدي من القهرة والظلم اللي أنا عايشة فيه؟
ختمت جملتها بشهقة كبيرة وبكاء حارق، أوجع قلب زهرة التي ربتت على كتفها تهون:
- معلش يا خالتي سمية، ربنا يفك كربك، بصراحة أنا مش عارفة أقول إيه؟ أدعي عليه وهو أبويا! ولا أدعيلوا بالهداية عسى إنه يحصل.
- يحصل فين بس يابنتي؟ دا أنا بقالي سنين بدعيها الدعوة دي لحد ما تعبت وقرفت، ولساني تقل عليها، ومابقتش أخرج غير على الدعوة عليه وربنا يسامحني.
صمتت زهرة لا تقوى على مجادلتها فمن وضعت مكانها تملك الحق في قول كل شيء. تابعت سمية:
- عارفة يازهرة، معلش يعني لو هاقولها في وشك، بس حقيقي بجد؛ أنا بحسد الست والدتك إن ربنا لطف بيها ورحمها من عشرة أبوكي.
ابتلعت زهرة الغصة بحلقها تتجرع الألم، تُعطي العذر للمرأة في طيبتها وحسن نيتها، لنبشها عن الجرح القديم بداخلها، وتذكيرها بعقدة حياتها! خرج صوتها بصعوبة وهي تناول المرأة بعض الأوراق المالية:
- خدي يا خالتي، ادي لصفية حق الدرس وتبتي انتي على الباقي بعيد عن أبويا.
اعترضت سمية:
- لا والنبي يابنتي ما أنا واخدة حاجة منك، دا حتى يبقى حرام.
قاطعتها زهرة بإصرار:
- حلفان على حلفانك ها تاخديهم يعني ها تاخديهم.
بعد خروجها من شقة والدها وإعطاء سمية ما تحتاجه من نقود هي وابنتها صعدت زهرة لشقة جدتها في الطابق الأعلى والذي ما أن وطئت أقدامها أقرب درجاته، تفاجأت بأبيها أمامها مستندًا على إطار الباب بجسده النحيف وبيده سيجارته التي يدخن بها:
- أهلًا بالبرنسيسة، أخيرًا افتكرت إن ليكي بيت عشان ترجعيلوا؟
تفوه بها، قبل أن يصمت قليلًا وعيناه أتت على الكيس البلاستيكي الذي يضم فستانها الجديد وبعض الأشياء التي ابتاعتها بصحبة الفتيات. رفع رأسه إليها سائلًا بحدة:
- فضلتي حاجة بقى من مرتبك بعد اللي بعزقتيه وصرفتيه النهاردة يابت فهمية؟
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث 3 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
يسألها عن راتبها وما أنفقته، وبكل صفاقة يذكرها بوالدتها، وكأن له حق عليها.
بعد تركها لخالها وجدتها كل هذه السنوات رغم قرب المسافة التي لا تتعدى الطابق بينهم.
لا نفقة لطعام أو ملبس، ولا حتى مصروف مدرسة أو تعليم.
يتذكرها فقط في كسوة العيد، كحفظٍ لماء الوجه، أو ليتفاخر أمام أهل الحارة بكسوته لها؛ رغم عدم عيشها معه.
تحمد الله أنها لم تحتاج إليه ولو مرة واحدة، فقد أغناها الله برعاية جدتها الحنون وخالها الذي تكفل بتربيتها منذ أن توفت شقيقته.
ورفض تركها مع أبيها الذي لم يصبر على وفاة زوجته أكثر من شهرين ليتزوج، فبقى مكانه الفارغ في حياتها طوال سنوات عمرها، أو بالأصح كخيال ليس له وجود.
ثم يعود إليها الآن وبقوة بعد أن امتلكت الوظيفة التي تدر عليها الراتب الجيد.
وسافر خالها للعمل بإحدى الدول العربية، كي يستطيع جمع المال الذي يمكنه من الزواج وقد تعدى عمره الخامسة والثلاثون من دونه بسبب فقر الحال ورعايته لوالدته وابنة شقيقته المتوفاة.
"متنحة ليه يابت؟ ماتردي."
استفاقت من شرودها بعد أن نبهها بأسلوبه المتهكم، ولكنها لم تعد تخاف.
ردت ظهرها بثقة، تتقدم نحوه تردف ببرود وهي تتخطاه لتدلف داخل الشقة:
"مساء الخير."
"مساء الخير!"
ردد خلفها بدهشة قبل أن يتبعها صائحًا:
"بتزوقيني وتدخلي من غير ما تعبريني يازهرة! إيه يابت فهمية؟ هي الفلوس قوة قلبك وماعدوتيش شايفة حد قدامك حتى أبوكِ؟"
التفتت إليها تردد يهدوء من تحت أسنانها:
"فلوس إيه بس اللي قوة قلبي؟ هو انت شايفني بقيت مديرة بنك؟ دا أنا آخري حتة سكرتيرة لمدير حسابات، لسه ماثبتش رجلي كويس معاه وممكن يغيرني في أي وقت."
"و بتكلميني بقرف كمان؟ دا انتِ على كده مابقتيش شايفاني خالص يابت."
سحبت من الهواء شهيق بقوة كي تتحلى ببعض التماسك ولا تنفجر بوجهه:
"ما بقتش شايفاك ليه بقى؟ عشان بكلمك بهدوء أفهمك وضعي، بدل ما صوتنا يطلع أنا وانت للجيران، ونجيب لنفسنا الفضايح من غير داعي. دا غير إنك بتتبلى عليا وتقول إنّي زقيتك عشان بس عديت من جنبك ودخلت الشقة."
صمت ينظر إليها قليلًا بملامح مبهمة قبل أن يقطع صمته:
"أنا عارف إنك شايلة ومعبية مني من صغرك، بس ما تنسيش إنّي كنت سايبك على راحتك مع جدتك وخالك. وافتكري إنّي ماغصبتش عليكي تعيشي مع مرات أب."
أومأت برأسها تجاريه ثم سالته مباشرة:
"عايز إيه يا والدي من الآخر، بدل اللف والدوران؟"
رد بمسكنة، مصطنع الحرج:
"انتِ عارفة المعايش بقت صعبة إزاي؟ دا غير إن حال الدكان اتدحدر ومابقاش زي الأول، وأنا معدتش قادر أكفي خواتك ومصاريفهم و......"
"معايش فلوس."
قطعت استرساله هامسة، جعلته يرفع رأسه ويتقدم نحوها غاضبًا:
"يعني إيه معاكيش فلوس وانتِ قابضة النهارده."
ارتدت عنه للخلف قائلة بخوف:
"ما انت عارف إن خالي مسافر ومعاش ستي يدوب مقضي علاجها، لما أديك أنا بقى من مرتبى القليل من الأساس، هانقضي الشهر أنا وستي أكل وشرب منين بقى؟"
انقض عليها فجأة يلوي ذراعها خلف ظهرها قائلاً بعنف:
"يابت الكل...... ما أديكي شارية هدوم وصارفة، يعني هي جات على قرشين تساعدي بيهم أبوكي الغلبان؟ ولا عايزاني أترجاكي عشان تحسي على دمك، أنا ما اتخلقتش اللي يذلني يازهرة."
حاولت زهرة كاتمة ألمها تقاوم قبضته القاسية والتي ارتخت على إثر صرخة من جدتها.
والتي تفاجأ الاثنان بظهورها أمامهم آتية من غرفتها زاحفة:
"سيب البنت يامحروس، والنعمة لو ما سيبتها حالاً دلوقتي لاكون صارخة بعلو صوتي عشان ألم عليك أهل الحارة كلهم."
جز على أسنانه، مخرجًا سبة وقحة قبل أن يدفع زهرة بخشونة أوقعتها على الأرض بجوار جدتها التي جذبتها من ذراعها داخل أحضانها، وخرج هو بعد أن رمقهم بنظرة مشتعلة بالغضب.
.......................................
أمام المرآة كانت تلتف بفستانها يميناً ويساراً، حتى للخلف كي ترى جمال قصته على قدها الرشيق ومنحنياتها البارزة.
سألت بلهفة والدتها الجالسة خلفها على التخت وهي تتفحص باقي المشتريات:
"شايفة ياما الفستان على جسمي حلو إزاي؟ دا مخليني زي البرنسيسة."
رمقتها إحسان بملامح ممتعضة قبل أن تجيبها بتردد:
"هو حلو وكل حاجة يعني، بس مش غالي حبيتين ياغادة؟ دا تمنه يساوي مرتب موظف في الحكومة يابنتي."
استدارت إليها بابتسامة تعلو وجهها، قائلة بحماس:
"وماله ياما لما يبقى غالي؟ الغالي تمنه فيه، ولا انتِ ناسيه كلمتك الشهيرة، الغالي بيجيب الغالي."
"أيوة يابت، بس مش بالشكل ده، دا انتِ بعزقتي تقريبًا المرتب كله على فساتين وجزم ومكياجات."
قالت إحسان وهي تلوح بالمشتريات المنتشرة أمامها على التخت بإهمال.
ضحكت غادة وهي تجلس بجوارها تتأملهم بسعادة وأردفت:
"أنا فعلًا بعزقت معظمه، بس مايضرش، أهم حاجة إن أبقى زيها، البس وأتشيك وأبقى أحلى منها كمان."
سألتها إحسان بانتباه:
"هي مين يابت اللي عايزة تبقي زيها وأحسن كمان منها؟"
أجابتها غادة بأعين يملؤها الإنبهار:
"كاميليا ياما، لو تشوفيها وهي ماشية في الشركة كدة وكأنها هانم مش موظفة عادية؛ شياكة إيه؟ ولا أسلوبها في الكلام، عاملة كدة زي البنات اللي بنشوفهم في التليفزيون بالظبط ياماما."
"بس عانس!"
أردفت إحسان وهي تمصمص بشفتيها.
ردت غادة بابتسامة ساخرة:
"بمزاجها ياماما، مش قلة حظ ولا نقص حلاوة."
قطبت إحسان تسألها باستفسار:
"يعني إيه ياغادة؟ مش فاهماكي!"
برقت غادة عيناها وهي تجيب عن السؤال:
"يعني كاميليا رفضت كل اللي اتقدمولها عشان كانوا أقل منها ياما، وهي عارفة ومتأكدة إنها حتى لو كبرت مش هاتقبل غير بواحد في مستواها أو أعلى."
صمتت إحسان قليلًا تستوعب كلمات ابنتها ثم سألت:
"وانتِ بقى عايزة تبقي زيها؟"
"أبقى أحسن منها."
تفوهت بها غادة بتصميم وتابعت:
"أنا أصغر وأحلى منها، يعني ناقصني بس البس وأبقى بنفس شياكتها عشان أقدر أصطاد اللي يرفع من مستوايا ده وأبقى هانم أنا كمان، أصلك ما بتشوفييش الرجالة والستات اللي بييجوا عندنا الشركة ياماما، ولا حتى الموظفات والموظفين، كلهم بيبرقوا كدة وبيلمعوا من النضافة، مش زي الأشكال الضالة اللي في الحارة النحس دي، الواحدة تتجوزلها واحد مصدي ويبقى فاكر نفسه جايبالها الديب من ديله لو دخل عليها بكيس فاكهة أو ربع عكاوي."
قالت الأخيرة بقرف.
أومأت لها إحسان بإعجاب:
"شاطرة ياغادة وبنت أمك على حق، تعجبني دماغك المتكلفة دي، أيوه كدة، تكتكي وخططي على كبير، عشان ماتخبيش خيبة أمك اللي يوم ما اتجوزت أبوكي، كانت فاكراه ياما هنا وياما هناك."
قالت الأخيرة وهي تلوك بشفتيها.
دافعت غادة عن أبيها باستحياء:
"أيوه ياماما، بس أبويا ما بيتأخرش عن طلباتك لما يقبض ولا يبقى معاه فلوس."
قاطعتها بأشمئزاز ملوحة بكفها:
"ياختي افتكريلنا حاجة عدلة."
صمتت غادة فسألتها والدتها بتفكير:
"الا قوليلي صح يابت؛ هي المنيلة زهرة بنت خالك دماغها بتفكر زيك كدة رضوا؟"
انشق ثغر غادة بضحكة ساخرة ترد:
"ههه انتِ عايزة زهرة الهبلة تفكر زيك ياما؟ دي لو لقت شوال بطاطس قدامها، هاتلبسه عادي، بنت أخوكي خيبة ياما هههه."
..................................
على الأرض الباردة كانت ماتزال داخل أحضان جدتها رغم توقفها عن البكاء منذ فترة، مستمتعة بدفء حنانها، مغمورة بإحساس الأمان الذي تستمدّه منها؛ رغم ضعفها.
ورقيقة مشدد عليها بذراع والأخرى تلمس على شعرها وظهرها حتى شعرت بارتخائها فقال متصنعة الحزم:
"إيه يابت انتِ هاتنامي ولا إيه؟ لا اصحي كدة يا أختي أنا مش حملك."
اهتز جسد زهرة، تردف ضاحكة:
"مش حملي إزاي بس؟ دا انتِ خوفتي أبويا ذات نفسه، جايبة الشدة دي منين يارقية؟"
انتفشت رقية قائلة باعتزاز:
"أيوه أمال إيه، عشان يتأكد إن وراكي ناس في ضهرك، وما يظنش إن بسفر خالد ابني هيلاقي فرصته بقى عليكي، أنا مكسحة آه، لكن عندي حنجرة صوت توصل لمدينة العلمين، هو فاكريني هاينة ولا إيه؟"
اهتز جسد زهرة بالضحك مرة أخرى مرددة:
"للعلمين! دا انتِ جامدة أوي بقى يارقية."
"أوي أوي."
تمتمت بها رقية وهي تقبل رأس حفيدتها التي انتفضت فجأة منتزعة نفسها منها وسألت:
"صحيح هو أبويا عرف منين إنّي قبضت النهارده؟"
لوت رقية شفتها بزاوية قائلة بحنق:
"تفتكري هايكون مين يعني يا أم العريف، أكيد من إحسان اللي بنتها شغالة معاكي."
استوعبت قليلاً قبل أن تتنهد قائلة بإحباط:
"عندك حق، بس أنا هالوم على غادة ليه؟ ماهو أكيد طلب فلوس من عمتي وهي قالتله بحسن نية."
رددت خلفها رقية باستهاز:
"بحسن نية! والنبي دا انتِ اللي طيبة وعلى نيتك."
أومأت زهرة ترمي رأسها لتستلقي بحجر جدتها:
"طيبة ولا وحشة، هو أصلًا كان يوم غريب من أوله النهاردة، كله عياط وحرقة دم، رغم الخروجة الحلوة مع البنات."
"ليه يابت؟ هو إيه اللي حصل؟"
سألت رقية بفضول فجاوبتها زهرة:
"هاحكيلك ياستي، بس احنا مش المفروض نقوم بقى؟ الأرض باردة عليكي."
ردت رقية بلهفة أثارت ابتسامة بوجه زهرة:
"ياختي ولا برد ولا حاجة، احكي الأول وبعد كدة نقوم."
.....................................
وفي مكانٍ آخر بداخل منزل كبير تحاوطه الأشجار الكبيرة بكثافة، تدلت أغصانها على السور الخارجي، الذي انتشر جمع من الحراس الأشداء على أطرافه، فلا يجرؤ أحد غير معلوم للقرب منه إلا بإذن مسبق.
كان بصالة الألعاب الرياضية الكبيرة أسفل المنزل، يتساقط العرق على جبهته وصدره بكثافة وهو يركض بسرعة على جهاز الممشى وكأنه في حلبة سباق ويريد الفوز.
صوت انفاسه الهادرة كانت مسموعة، توشك أن تنقطع من فرط إصراره في إفراغ طاقة الغضب المستعرة كحمم البركان بداخله.
لا يدري متى تنطفئ؟ وقد تعقدت فرص الحل؛ حتى أصبح الخلاص هو المعجزة بحد ذاتها!
أجفل فجأة على صرخة نسائية دوت بمحيط صالة الألعاب هاتفة باسمه:
"كفاية بقى يا جاسر، هاتموت نفسك."
وكأنه لم يستمع، مستمر بركضه وعيناه نحوها لم تحيد حتى صرخت بصوتٍ أعلى:
"بقولك كفاية بقى، انت مابتسمعش؟"
أذعن أخيراً يبطئ من سرعة الجهاز حتى أوقفه، ثم حرك جسده يبتعد بصعوبة وصوت لهاث أنفاسه يصدر بحدة.
رفع رأسه أخيراً ليواجه بأعين خضراء قاتمة بلونها، تبرق بالغضب وهي تتقدم نحوه حتى لكزته بقبضتها على كتفه العاري:
"انت مجنون، مش خايف لا قلبك يقف وتموت فيها؟ إيه يابني؟ هي دي برضوا عمايل ناس عاقلين؟"
استقام بجسده يتناول المنشفة يجفف بها العرق المتساقط منه، تجاهلها بصمت.
وما أن تحرك ليذهب، استوقفته تجذبه من ذراعه هاتفة بغضب:
"سايبني وماشي على طول من غير كلام، هو أنا مش بكلمك يابني انتِ؟"
تبسم قائلاً بهدوء، عكس العاصفة الهوجاء الدائرة بداخله:
"نعم ياماما، عايزة إيه؟"
"عايزة أعرف الغضب اللي جواك ده من إيه؟ اتكلم وقول خليني أسمع منك، بدل الحيرة اللي تاعبة قلبي فيها دي."
سألت والدته، فتصنع هو التفكير مضيقاً عيناه بتركيز:
"عايزة تعرفي إيه سبب الغضب اللي جوايا؟ أممم يكونش يعني عشان بنت أخوكي بتسافر وتخرج مع أصحابها رجالة وستات من غير ما تقوللي، ولا يمكن عشان دايرة على حل شعرها في السهر مع ناس تعرفها وناس ماتعرفهاش من غير ما تراعي هي بنت مين ولا مرات مين؟"
شدد على كلماته الأخيرة.
سألته هي:
"طب ولما انت مضايق أوي من عمايلها كده، ماتوقفها وتواجهها، بدل ما انت وهي كده كل واحد في عالم لوحده ولا كأنكم متجوزين."
ضيق عيناه سائلاً هو الآخر:
"أقولها إيه؟"
"قولها على اللي مضايقك، حلو مشاكلكم دي مع بعض، بلاش حالة الجمود اللي مسيطرة على علاقتكم دي."
اهتزت كتفاه ومط شفتيه مردفًا بعدم اكتراث:
"بس أنا مش مهتم أتكلم معاها ولا هاممني حتى حالة الجمود اللي بتقولي عليها دي."
تسمرت تنظر إليه بعدم فهم.
فتحرك هو مغادرًا ولكنه توقف على ندائها فجأة:
"طب ولما انت مش هامك التفاهم ولا الصلح معاها، شحنة الغضب اللي جواك دي بقى، سببها إيه؟"
استدار إليها بملامح قاتمة، ضاغطاً بقبضة يده، يجز على أسنانه ليجيبها بعنف:
"إنها على ذمتي؟!"
١...............................
في اليوم التالي.
على مكتبها الصغير كانت منكفئة على الحاسوب أمامها تعمل عليه بتركيز داخل الحجرة الكبيرة الخالية إلا منها، بعد أن صعد مديرها وكل طاقم المكتب إلى الطابق الرابع، للمشاركة في الاحتفال الصغير بتولي جاسر الريان مسؤولية قيادة الشركة الأم لمجموعة الريان خلفاً لأبيه.
الذي صرف لجميع موظفي الشركة مكافأة وأعطى لهم إجازة نصف يوم.
احتفاءً، ولكي يتعرفوا على القائد الجديد للشركة.
انتبهت على صوت هاتفها الذي كان يصدح بورود مكالمة من غادة التي فتحت ترد عليها بتأفف:
"أيوه ياغادة عايزة إيه تاني؟ ماقولتلك يابنتي مش طالعة."
وصلها صوت غادة المتحمس:
"ليه بس يامنيلة؟ دي الدنيا هنا بتشغي بالموظفين، وبيوزعوا جاتوه وحاجات حلوة كده وغريبة، في حياتك ماشوفتيها ولا هاتشوفيها يافقر."
"ما انتِ قلتي فقر."
همست بها وتابعت بحزن:
"والنبي بس حاولي ماتتأخريش عشان نمشي بدري."
"ونمشى بدري ليه من الأساس دا انت...."
وصلت إلى أسماعها من غادة هاتفة بحنق، قبل أن تنقطع كلماتها وتتولى كاميليا الباقي.
"أيوه يازهرة، اطلعي يابنتي وبلاش اللي في دماغك ده، هو انت زهقتيش من الشغل ولا نفسك تفكي شوية."
جاوبت، وعيناها تدور في أركان المكتب الخالي:
"هو مش زهق قد ماهو خوف، أصل المكتب فاضي خالص من الموظفين، كلهم سابوني يا كاميليا وطلعوا عندك."
"يخرب عقلك ياشيخة، اخلصي وتعالي يالا زهرة، وبلاش شغل العيال بتاعك ده، هو عفريت يابنتي ها ياكلك."
بعد قليل صعدت زهرة مضطرة تحت إصرار الفتيات، لتنضم إلى جمع العمال والموظفين المجتمعين للاحتفاء بالرئيس الجديد لشركتهم.
ارتخت أعصابها المشدودة قليلاً، حينما اختلطت في الزحام، فالردهة الواسعة للشركة والتي تضم العدد الأكبر لمكاتب الموظفين، كانت ممتلئة عن آخرها بالمهنئين.
بعد أن قدم الرجل الكبير خليفته في الرئاسة ووزعت الحلوى والمشروبات الغازية.
شعرت زهرة بالخوف حينما رأته بجوار أبيه ومجموعة من رؤساء الأقسام ومعهم مديرها، يتحدثون ببعض التبسط لظرف المناسبة.
سرعت بخطواتها حتى وجدت كاميليا مع إحدى الزميلات تضحك وتتسامر معها.
رأتها هي الأخرى فاستأذنت من الفتاة وتقدمت إليها بابتسامة واسعة وأنيقة مثلها:
"أخيراً جيتي يابنتي دا أنا خوفت لا ترجعي في رأيك وبرضوا ماتجيش."
قالت زهرة بتردد:
"انتِ بتقولي فيها؟ والنبي دا أنا على آخر لحظة قبل ما أطلع الأسانسير كنت هاغير رأيي وأمشي على الشارع."
"ياجبانة!! طب والله تعمليها."
شاكستها كاميليا ضاحكة.
أومأت زهرة برأسها موافقة بابتسامة قبل أن تسألها:
"هي البت غادة فين صح؟ مش شايفة ها يعني."
أشارت لها بعينيها نحو زاوية قريبة من جاسر الريان ومجموعته، كانت تقف بها غادة هناك، وقد عدلت من هيئتها وزادت من مساحيق وجهها كي تلفت إليها الأنظار وتشارك مع الفتيات في توزيع الحلوى والمشروبات.
فغرت زهرة فاهاها وعادت لكاميليا هامسة بدهشة:
"هي عاملة كده ليه؟"
أجابتها كاميليا بابتسامة ماكرة:
"باينها فاكراه فرح بلدي وعايزة تظهر في الكاميرا لما تقرب من الكوشة والعرسان."
استجابت زهرة لمزحة كاميليا ضاحكة، وهي تغطي بكفها على فمها باستحياء.
لتندمج بعد ذلك في الحديث المرح معها وتنسى ما كان يخيفها، وما كان يقلقها في الصعود.
وفي الناحية الأخرى كان يتحدث ويتلقى التحية على مضض بداخله، بعد أن فاجأه أبيه بهذه الفعلة، بحجة زرع المودة بينه وبين الموظفين.
يبتسم بتكلف ومجاملة، مراعاةً لشعور أبيه، فكم هي ثقيلة عليه المناسبات الاجتماعية وتملق الناس إليه.
كان يحتسب الثواني والدقائق حتى يصرفهم وينتهي من هذه المهزلة.
حتى وقعت عيناه عليها بالصدفة، واقفة في آخر الردهة تتحدث وتتسامر مع كاميليا، بفستان واسع كالأمس، ولكن هذه المرة بألوان مفرحة وجميلة وليس باهت كالأمس.
حجابها الطويل بلونه الوردي انعكس على صفاء بشرتها الرباني مع ابتسامتها الساحرة التي فاجأته بروعتها.
أسرت عيناه نحوها، حتى أصبح يومئ برأسه لمن يتحدث إليه دون انتباه.
لا يعلم سر هذه الهالة الغريبة التي تحاوط هذه الفتاة وتجذبه إليها، وبلفتة نادراً ما تصدر عنه، وجده نفسه دون أن يدري يشملها بنظرة رجولية خالصة؛ أنبأته بما قد يخفى على الجميع إلا عنه؛ كرجلٍ اختبر ورأى من أصناف النساء الكثير.
طالت نظرته حتى شرد بها، وتذكر لقاءه بالأمس معها، حياءها الشديد وحشمتها النادر ما يجدها في فتيات هذا العصر.
نسي الزمان والظرف وكل ما حوله، فاحتلت جميع تفكيره في هذه اللحظة، فخرج اسمها من بين شفتيه وكأنه يخاطب نفسه:
"زهرة!!"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الرابع 4 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
ممسكة بطبق الحلوى الذي أعطته لها كاميليا؛ تتناول منه نادرًا، مع اندماجها في الحديث المرح مع ابنة حارتها والتي كانت جارتها سابقًا، قبل ان تنتقل مع عائلتها الي شقة أجمل وبمنطقة أهدى عن منطقتهم الشعبية العتيقة، بحديث مسلي انساها ماأخافها سابقًا وتسبب في توترها.
انتفضت فجأة تكتم شهقة كادت أن تخرج منها حينما أجفلتها غادة بوضع يدها على خصرها من الخلف، هامسة بميوعة اثارت الحنق لدى زهرة:
- اَخيرًا جيتي يازوزو؟
طافت زهرة بعيناها على باقي الموظفين حولها بقلق قبل أن تعود إلى غادة قائلة من تحت أسنانها:
- دي عملة تعمليها؟ عايزاني اصرخ من الخضة واتفضح وسط الناس اللي ماليها اول ولا اَخر دي؟
ردت غادة بسماجة أذهلتها:
- وماله ياقلبي، على الأقل بكدة هانبقى نجوم الحفلة بدال ما احنا تايهين كدة في الزحمة وماحدش شايفنا، ولا إيه ياكاميليا؟
كاميليا وهي تنظر اليها بدهشة وابتسامة اعتلت وجهها:
- يخرب عقلك، دا انتِ مجنونة بجد، بقى هي دي فكرتك عن لفت الإنتباه؟
- اعمل إيه بس يابنات ماانا غُلبت.
هتفت بها قبل ان تتدراك نفسها وتخفض صوتها وكأنها تخبرهم سرًا:
- بقى مش صعبان عليكم بالذمة؟ الصالة اللي بتشغي بالبهوات والناس النضيفة دي، نطلع منها كدة من غير مانستلقط واحد منهم .
كتمت زهرة بكف يدها شهقة أخرى كادت ان تخرج منها، مصعوقة من جرأة ابنة عمتها، أما كاميليا فالتي ارتفع حاجبيها واهتزت رأسها رددت بعدم استيعاب:
- انا قولت مجنونة وربنا، انتِ فعلًا مجنونة يابنتي.
لوت فمها مرددة هي الأخرى:
- مجنونة مجنونة، بس انول اللي في بالي .
استسلمن الفتاتين لعدم الجدال معها وفضلن الرد عليها بالصمت؛ يبتسمن لها بيأس، حتى أنتبهن على من أتى بالقرب يلقي التحية عليهن.
- مساء الخير يابنات .
ردت زهرة و رددت كاميليا خلفها التحية لعماد، الذي رمقته غادة من منبت شعره حتى أخمص أقدامه وهو يتحدث الى زهرة بلطف كعادته مع بعض التلجلج:
- ااا أنا قولت اشوفكم يعني، لو محتاجين أي حاجة في الدنيا الزحمة دي؟
قالت زهرة بخجل:
- لا متشكرين ياأستاذ عماد، ربنا يخليك.
- يعني بجد مش محتاجين أي حاجة؟ أنا تحت الخدمة؟
كرر عماد متمعنًا النظر الى خجلها باستمتاع، فقطعت غادة عليه اللحظة قائلة بحدة:
- ماقالتلك مش محتاجين حاجة ياأستاذ، متشكرين ياسيدي، ولما نحتاجك هانبقى نقولك .
انسحب مرددًا بإحراج:
- طيب تمام، اَسف ياجماعة لو ازعجتكم .
نظرت الفتاتين في أثره وهو يبتعد عنهم بأسف، فخاطبتها كاميليا بلوم:
- حرام عليكِ ياغادة، ليه أحرجتي الراجل، كان يكفي أنك تردي عليه ببعض الزوق .
- هي كدة غادة، اي حد طيب او غلبان بتعتبره مايستهلش التعبير حتى.
قالتها زهرة بحزن، لم يؤثر في غادة التي مصمصت بشفتيها مستنكرة:
- قال غلبان وطيب! هي ناقصة تلزيق وتناحة يااختي انتِ وهي، اقولكم؛ أنا ماشية وسايبهالكم، اروح لزميلات الفرفشة احسن، البنات الحلوة اللي بتقدم الحلويات والساقع هناك دي، بلا وكسة.
راقبنها وهي تبتعد عنهم وتذهب لتنضم لفريق البنات المضيفات، كي تقترب وتحتك بالموظفين الكبار ، فقالت كاميليا:
- ماتزعليش منها يازهرة، بنت عمتك طاقه وانتِ عارفاها.
- عارفة والله انها طاقة، بس انا بيصعب عليا الناس اللي بتحرجهم؛ خصوصًا لما يكون راجل محترم زي استاذ عماد و.......
قطعت جملتها وهي ترتد بعيناها نحو كاميليا مرددة:
- ياساتر يارب الراجل ده بيبصلي كدة ليه؟
- راجل مين؟
سألت كاميليا وهي تشرئب بأنظارها نحو الجهة التي اشارت اليها زهرة، فوجدت رئيسها الجديد ينظر نحوهم بتجهم ووجه عابس، قطبت مندهشة فقالت:
- تلاقيه بس عايز مني انا حاجة، مش لازم تكوني انتِ المقصودة يعني؛ انا هاروح اشوفه.
اوقفتها متشبثة بذراعها تردف بخوف:
- لا والنبي ياكاميليا ماتسيبنيش لوحدي، ثم ان هو لو عايزك هايبعتلك، عشان خاطري ماتمشيش، دا انا حاسة بنظراته بتخترق ضهري من ورا، انا مش فاهمة هو بيعمل معايا كدة ليه؟
ربتت كاميليا على كف يدها المطبقة على ذراعها بغرض تهدئتها:
- طب خلاص اهدي كدة وماتكبريش الموضوع، جاسر بيه هو دا طبعه من الأساس على فكرة؛ دايمًا مكشر وحواجبه كدة مقلوبة تمانية، على العموم هو بِعد بنظره وجاتله مكالمة تلهيه عننا.
- والنبي بجد؟
قالت زهرة وهي تلتفت مرة أخرى نحوه، تنفست الصعداء فور أن رأته أعطى ظهره لها، أردفت مخاطبة كاميليا:
- طب خلينا نمشي بقى!
....................................
وفي الجهة الأخرى ابتعد عن باقي الموظفين ودلف لمكتبه حتى يستطيع أن يتابع المكالمة التي أتته بغتةً من والدته، صفق باب الغرفة بقوة وخرج صوته بحرية:
- كنتِ بتقولي إيه بقى ياماما؟ سمعيني تاني كدة.
- بقولك ياحبيبي ميرا رجعت النهاردة الصبح من رحلتها.
اومأ برأسه وكأنها أمامه قائلًا بسخرية:
- ااه ، طب وانا مالي بقى ان كانت رجعت ولا مرجعتش حتى، بتتصلي بيا ليه؟
وصله صوت والدته المصدومة:
- ازاي بس انت مالك يابني؟ دي مش مراتك دي؟ طب حتى عشان تتفاهموا.....
قاطعها بحدة سائلًا:
- ممكن اعرف انتِ بتتصلي تبلغيني ليه ياماما؟
- ياحبيبي انا باتصل عشان بس تعمل حسابك وماترجعش متأخر زي كل يوم.
ضغط على شفتيه يهز برأسه يائسًا قبل أن يرد منهيًا الجدال:
- تمام انا فهمت ياماما، اقفلي بقى دلوقتي انتِ عشان انا معايا شغل.
- يعني هاتتصالحوا ياجاسر؟
ضغط على أسنانه كابحًا غضبه:
- طب معلش ياماما قفلي بقى وانا هابقى أكلمك من تاني ماشي، سلام بقا.
نهى المكالمة وخرج سريعًا من غرفة مكتبه لينضم الى والده ومن يعملون معه بالشركة في تجمعهم للإحتفاء به، بمناسبة تقلده لمنصب ادارتها، ذهبت انظاره تلاقئيًا لمكانها على الفور فلم يجدها ثم طاف بعيناه على جميع الوجوه فلم يجدها أيضًا، اقترب من والده يهمس سائلًا:
- هي كاميليا راحت فين ياوالدي؟ أنا مش شايفها يعني.
اجابه عامر:
- كاميليا استأذنت ومشيت، هو انت كنت عايز منها حاجة؟
لوح بكفه نافيًا بصمت وهو يتراجع للخلف، وقد أصابه الإحباط بعد أن فقد اللون الوردي بزهرته التي بعثت على يومه بعض البهجة التي افتقد الشعور بها منذ سنوات.
..................................
وفي مكانٍ اَخر تحت اليافطة المدون بها بخطوطٍ باهتة قديمة( المعلم محروس الشربتلي للتنجيد) والتي اعتلت الدكان المتواضع في الحارة الضيقة، كان جالسًا على كنبته الصغيرة يرتشف من كوب الشاي الذي بيده والسيجارة في فمه، قطع القطن واكياس الوسادات القديمة البالية تحت اقدامه، وعدته التي يعمل بها مرمية على الارض بإهمال.
انتبه على صوت الصبي الذي يعمل بركن وحده في الداخل وهو يهتف عليه:
- انا خلصت الحتة اللي في آيدي ياعم محروس هاتيجي تشوفها بقى وتقولي رايك.
- اترزع ياد مكانك وشوفلك حاجة تانية اشتغل فيها عبال ما اجيلك اطل عليك.
ردد الفتى بتردد:
- اشتغل ازاي بس يامعلمي؟ وشوية القطن اللي في الشوال الجديد مايكفوش مخدة حتى.
- طب نجدلك في حتة قديمة ياخويا وماسمعش نفسك تاني، فاهم .
غمغم الفتى من الداخل بحنق على اهمال معلمه وعدم مراعاته لصنعة قد ياكل منها الشهد كما يتصور الفتى، لو انتبه لها محروس وحرص على الأنتهاء من الأعمال المتراكمة بداخل الدكان من وسادات ومراتب جديدة أو بالية وبحاجة لتجديد، ولكن كيف؟ وقد سيطرت المكفيات على عقله، وألهته عن صنعته وعن العالم اجمع.
دوى الصوت القبيح في الخارج:
- محروس باشا، قاعد عالكنبة ومسلطن ياعم؛ طب مش تندهلي عشان اَخد مكاني جمبك.
تمتم الفتى بغيظ:
- وادي كمان صاحب السوء وأوس البلاوي كلها وصل، كملت!
وعند محروس الذي رد بتأفف:
- عايز ايه يافهمي؟ ومالك بقى ان كنت اقعد متسلطن ولا اقعد على دماغي حتى، مش خلاص فاضيناها احنا وخلصنا.
اقترب فهمي يجلس بجواره على الكنبة قائلًا بسماجة:
- ومين بس اللي قال ان احنا خلصنا ياعم محروس؟ دا انت حبيبي والنعمة.
نفض محروس كف فهمي التي استندت على ركبته يبعده عنه بتأفف:
- انت اللي قولت يافهمي، لما مشتني امبارح من عندك وقفايا يقمر عيش، من غير ماتبل ريقي بحتة صغيرة حتى ولا انت نسيت .
بضحكة متوسعة اظهرت أسنانه الصفراء، اخرج فهمي من جيبه قطعة ملفوفة صغيرة يضعها بكف محروس الذي تلاقاها بلهفة:
- طب كدة بقى احنا بقينا متصالحين ياعم.
قبض على القطعة محروس داخل كفه يردف بعدم تصديق:
- بس انت مرديتش تديني أمبارح عشان الفلوس اللي معايا مكنتش مقضية، وخلتني ابات ليلتي اخبط في الحيطان من الصداع اللي مسك راسي يافهمي، هونت عليك وانت عارفني، دا انا مش بقصر معاك غير في الشديد القوي.
اتعوج فهمي بجلستة يضع قدمًا فوق قدم بميل وهو يردف بسيطرة:
- عارف ياعم محروس عارف، بس انا عايزك تنسي الليلة دي خالص، عشان من هنا ورايح، انا مش هاخليك تحتاج لأي حاجة ولا تتعب، كل طلباتك من الصنف هاتوصلك من قبل ماتشاور .
- بتتكلم جد يافهمي ولا انت جاي تتضحك عليا؟
سأل محروس بتشكك وارتياب، اخرج فهمي من جيبه علبة السجائر وقداحته ، يتحدث بتمهل:
- لا صدق ياعم محروس، انا مش بضحك عليك ولا بثبتك، مانت عارفني بعزك قد ايه، هي بس حاجة صغيرة اوي اللي طالبها منك .
حرك رأسه محروس يسأله بتفسير:
- هي إيه الحاجة دي؟ قول.
وضع فهمي السيجارة بفمه وهم لإشعالها ولكنها سقطت من فمه بعد أن تدلى فكه فور رؤيتها وهي تقطع الشارع امامهم، دون ان توجه نظرة نحوه او حتى تلقي السلام لوالدها، تنهد قائلًا لمحروس:
- هاقولك على طلبي وعلى الله بقى ماتنفذهوش.
..................................
فتحت زهرة باب الشقة بالمفتاح ثم دلفت تهرول بسعادة للداخل نحو جدتها الجالسة بمحلها على ارض الشرفة من وقت أن تركتها زهرة وذهبت للعمل:
- ستي ياستي، قومي ياستي ، شوفي انا جيبالك ايه؟
اعتلت السعادة ملامح وجه المرأة المجعدة بدلوف زهرة اليها بهذا الحماس، فسألتها بلهفة:
- جايبة إيه بقى ياعين ستك انتِ؟
افترشت بجوارها على الارض غير مبالية بفستانها الجديد، تخرج من حقيبتها لفة أصناف الحلويات الجميلة والغريبة عنهم، تقطع بيدها قطعة صغيرة تضعها في فمها:
- شوفي كدة ياستي ودوقي الحاجات اللي تهبل ديلوكت.
رقية داخل فمها تستطعم الطعم الجديد عنها:
- اممم دي حلوة اوي يابت، جبتيها من فين دي؟ ولا اشترتيها بكام يامقصوفة الرقبة؟
ضحكت زهرة وهي تناولها قطعة اخرى بفمها:
- هههههه اطمني يارقية مقربتش على حق الدوا والعلاج بتوعك، انا مشترتهمش اساسًا .
لوكت رقية بفمها مضيقة عيناها بمكرها المحبب على قلب زهرة:
- امال انتِ جيباهم منين يابت؟ قولي على طول وقري بدل ما لف شعرك بإيدي، قولي يابت .
قهقهت زهرة وهي تجد كف جدتها التي حطت على رأسها تحاول الأمساك بها فقالت من بين ضحكاتها:
- خلاص ياستي هاقول، هاقول يارقية خلاص والنبي .
- طب ياللا قولي وسمعيني.
قالت رقية متصنعة الحزم ، ردت زهرة بعد ان هدأت ضحكاتها:
- ياستي النهاردة كانوا في الشركة عاملين احتفال بتولي المدير الجديد اللي هو يبقى ابن رئيس الشركة، إدو الموظفين اجازة نص يوم، وفرقوا علينا بقى ساقع والحلويات الغريبة اللي انتِ شايفاها دي، دا غير كمان المكافأت .
اومأت رقية بتفهم، وتابعت زهرة:
- وعارفة مين اللي مسك ياستي، الراجل الكشر اللي نشف ريقي امبارح في مكتب زهرة اعوذ بالله .
- هو شكله وحش اوي لدرجادي يابت؟
سألتها رقية بتوجس، اجابتها زهرة بابتسامتها المعهودة:
- شكل ايه بس ياستي اللي بتتكلمي عنه؟ الناس النضيفة دي برضوا فيها حد وحش، دا بالعكس كمان، الراجل دا لما تشوفيه من بعيد تفتكريه كدة زي نجوم السيما. لكن في الحقيقة بقى هو يخوف بجد.
- مايخوف اللي يخوفه يابت واحنا مالنا، مش هو ماسك قي حتة وانتِ بتشغلي في حتة تانية.
رفعت زهرة حاجبيها تردف بابتسامة واندهاش:
- اه والله صح يارقية، اينعم هو رئيس الشركة، بس انا والحمد لله شغلي بعيد عنه، حبيبتي انتِ ياروكا.
........................ ........
بعد انتهاء اليوم وانصراف الجميع من عملهم، سارت غادة تطرقع بكعبها العالي على ارض الرواق المؤدي الى الباب الرئيسي، في طريقها للمغادرة وحدها، بعد ان تركتها الفتيات كاميليا وزهرة وغادروا مبكرًا دونها، كانت تغمغم بداخلها حانقة ومحبطة، بعد أن فشلت كل محاولاتها في جذب انتباه جاسر الريان؛ الذي تصدرت أمامه بجوار فتيات التقديم، ولم يرمقها حتى بنظرة عادية، حتى الرجال الأفاضل رؤساء الأقسام او موظفين الشركة الكبار، لم ترى من أحدهم فعل واحد يريح قلبها ويبعث في نفسها ماتستحقه من تدليل، كل مانالته هو نظرات الاعجاب التي تبعث في نفسها بعض الثقة الوقتية، ثم تعود لإحباطها فور انتهاء اللحظة، خرجت متأففة تنزل الدرج الرخامي بخطواتٍ مسرعة خففتها فور ان رأت سيارة جاسر الريان المصطفة امام الشركة بسائقها الذي تشاجر مع زهرة، يبدوا انها في انتظار خروجه، تباطئت خطواتها أكثر وهي تلتفت خلفها كل دقيقة، علٌه يخرج وتراه حتى وقفت بزواية قريبة تراقب؛ عقلها يدور بدون هوادة تريد التقاط ولو فكرة صغيرة، تجعله يلتفت اليها أو يراها.
- أخ بس عايزاه يشوفني، يمكن يحصل.
هو ايه اللي هايحصل؟
شهقت مرتدة للخلف واضعة يدها على قلبها حينما دوت هذه الجملة المفاجئة بجوار أذنها بخفوت وحينما التفت نحو صاحب الصوت ارتعبت بحق، من هيئة الرجل الأسمر، ضخم الجسد بلحية حول فكيه ورأسه الكبيرة صلعاء تمامًا من الشعر، غمز لها بعيناه قائلًا:
- ايه ياحلوة اتخضيتي؟ سلامة قلبك .
رفعت شفتها قائلًا بازدراء:
- وماتخضش ليه بقى وانا شايفة عفريت قدامي .
فتح فمه بضحكة مجلجلة فقال:
- عفريت عفريت بس اعيش، بس لعلمك بقى، انا عفريت في كله.
ختم جملته المبهمة بغمزة بعيناه قبل ان يتركها راكضًا نحو سيارة جاسر الريان بمجرد رؤيته وهو يقترب منها، راقبته وهو ينضم اليه بداخلها ثم تحركت السيارة وغادرت، تمتمت بسبة بذيئة نحوه قائلة:
- ابو شكلك يا بعيد، وقفت قلبي وقطعتلي الخلف، بشكلك اللي يخوف ده، ياساتر.
.................................
حينما عاد جاسر الى منزله مع والديه، بمجرد دلوفه لداخل المنزل الكبير، هتفت عليه والدته غاضبة توقفه قبل ان يصعد الدرج:
- استنى عندك ياجاسر.
استدار اليها مرددًا بهدوء:
- نعم يا أمي، في حاجة؟
اقتربت منه بوجه مكفهر تتحدث جازة على أسنانها:
- ممكن اعرف انت أتأخرت ليه في الشركة، وانا حسب ما سمعت من والدك ان الموظفين انصرفوا من نص اليوم.
مط شفتيه قائلًا ببساطة:
- عادي يعني، الموظفين انصرفوا بس انا كملت شغل مع نفسي في مراجعة ملفات الشركة وعقود الصفقات اللي مضاها والدي .
ردت بأنفاسٍ لاهثة تكتم غيظها:
- النهاردة ياجاسر، وبعد مانبهت عليك برجوع ميرا، في ايه يابني؟
- وماترجع ميرا ولا تزفت حتى، اسيب الشغل وارجعلها بدري ليه انا؟ هاعملها استقبال مثلًا؟
قال بعدم اكتراث اثار استياء والدته التي هتفت بصوتٍ خفيض:
- انت هاتجنني ياولد انت؟ هو احنا مش اتفقنا انك تتكلم معاها وتحاول عشان تقدر تصفي اللي ما بينك معاها .
لوح بكفيه أمامها نافيًا:
- انتِ اللي قولتي، انا ماقولتش حاجة، عن اذنك بقى ياست الكل عشان عايز اطلع اغير هدومي واَخد شاور.
نهى جملته والتف ليصعد الدرج أمامها غير مبالي بصدمة المرأة التي ظلت متسمرة دقائق تستوعب مواقف ابنها الغير مفهومة.
.................................
وفي الأعلى وبعد أن دلف لغرفته، وجدها مستلقية على فراشه بملابس شبه عارية، تفحصها قليلًا والتوت شفته بابتسامة ساخرة وهو يتناول المقعد يقربه من رأسها حتى جلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى، فرك بيده على فكه الأسفل قائلًا:
- ممكن تفهميني ايه اللي منيمك على سريري وانا مش موجود؟ وجاوبي على طول عشان انا معنديش خلق للأستهبال والتمثيل.
فتحت عيناها على الفور تعتدل بفراشها زافرة بقوة تنظر اليه حانقة:
- اعوذ بالله منك ياأخي، هو انت على طول كدة قطر، مافيش وقت للتفاهم .
اعتدل بظهره لخلف المقعد قائلًا:
- وليه ماتقوليش اني مليت من تمثلياتك الخايبة، وانت مفكرة ان ممكن انطس في عقلي واتأثر بكتف ولا رجل عريانة منك، ايه ياميرا هو انت لسه عايشة في الوهم.؟
شحب وجهها للحظات من مفعول كلماته القاسية لها، لكن سرعان مااستعادت توزانها فتبسمت وهي تعبث بشعرها تعيده للخلف:
- جلف وبترمي دبش من بوقك على أساس اني هاتأثر يعني ولا هاتهز ثقتي في نفسي، لكن لا ياحبيبي، انا عارفة كويس اني مرغوبة، مش محتاجة شهادتك.
تسأل رافعًا حاجبه:
- اااه ومين بقى اللي عرفك انك مرغوبة؟ يكونش الرجالة الأغراب اللي كنتِ بتسهري معاهم يوميًا في رحلة المسخرة اللي عمليتها انتِ وصحباتك الفاشلين، ولا في حاجات تانية أنا معرفهاش؟
مالت اليه برأسها مرددة:
- إيه ياجاسر؟ أسميها غيرة دي بقى ولا إيه بالظبط؟
برقت عيناه هاتفًا بغضب:
- فوقي لنفسك يامريهان، غيرة ايه دي اللي اغيرها انا على واحدة زيك؟ أنا كل اللي هاممني هو اسمي واسم العيلة، اسم حضرة الوزير والدك، اللي ممرطاه مع اللي يسوي واللي مايسواش بعمد؛ عشان تستفزيني وتخرجي مني رد فعل يرضي جنونك، لكن لا يا مريهان ، انا برضوا هاسيبك كدة مع نفسك، لعل بغباءك ده تشيلي والدك من كرسي الوزارة يمكن ساعتها يحس على دمه ويشوف عمايلك.
بصق كلماته ثم خرج مغادرًا دون حتى الإلتفاف نحوها، ورؤية أثرهم عليها وعلى جسدها الذي كان ينتفض من الغيظ والغضب.
..........................
في اليوم التالي
وفور أن دلف لداخل الشركة بهيبته المعتادة والخاطفة للإنفاس، حزمه وصرامته رغم مظهره البراق، لمحها واقفة أمام المصعد الخاص بالموظفين ، ممسكة ببعض الملفات دون أن انتباه لم تترد اقدامه في السير نحوها مفاجًأ كارم ذراعه الأيمن في جميع اعماله والذي تسمر محله مزبهلاً وهو يرى رئيسه يتجاهل مصعده الخاص كرئيس الشركة ليلحق بمصعد الموظفين على اخر لحظة قبل تحركه.
وفي الناحية الأخرى كانت زهرة منكفئة، تراجع الأوراق التي بيدها حينمأ أجفلت على دخول أحد الأشخاص، شهقت مرتدة للخلف حينما تبينت هويته، يقف أمامها واضعًا كفيه على داخل جيبي بنطاله، ونظرة عيناه التي وجهها على الفور نحوها، تثير بقلبها الشك والإرتياب.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس 5 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
برقت عيناها التي أشاحتها عنه بارتباك فور أن دلف المصعد معها. تكاد أن تلتصق بمرآة المصعد كي تبتعد بقدر الإمكان عنه في هذه المساحة الضيقة التي جمعتها به. تشعر بانسحاب الهواء من حولها وقد شلت المفاجأة تفكيرها. تذكر جيدًا أنها كانت تقف وحدها في انتظار المصعد. إذن متى أتى لينحشر معها في مصعد الموظفين ويترك المصعد الخاص به كرئيس الشركة؟ قلبها يضرب بصدرها كالطبول بين أضلعها. تنظر للوحة الإلكترونية وكأن حياتها تعلقت بالأرقام الحمراء.
"طالعة الدور الكام؟"
هاتفت بها إليه بعدم تركيز. اعتلت ابتسامة ساخرة بزاوية فمه وهو يردد:
"بسألك أنتِ طالعة الدور الكام، إيه مافيش تركيز؟"
ازدردت ريقها وهي تحاول أن تبتلع توترها في وجود هذا الرجل المخيف. رغم تعجبها من السؤال، جاهدت حتى يخرج صوتها ببعض الثبات:
"ا الملفات اللي في إيدي دي هاطلعها للإدارة فوق في الدور السادس."
"طب وخايفة وانتِ بتكلميني ليه؟ حد قالك إني هاخطفك مثلًا؟"
يسألها بتسلية وعيناه المتفحصة تلاحق كل تفصيلة بوجهها دون حياء. تقسم بداخلها أن هذا الرجل سيقتلها رعبًا بأفعاله معها. وبكذبة مفضوحة، نفت برأسها تنكر:
"لا حضرتك أنا مش خايفة."
"بجد!"
تفوه بها وانفرج ثغره بابتسامة شيطانية حينما تحركت أقدامه نحوها بخطوة واحدة جعلتها ترتد للخلف شاهقة برعب. دوت ضحكة رجولية صاخبة منه في قلب المساحة الضيقة، مستمتعًا برد فعلها والرعب الذي ارتسم على ملامح وجهها. ثم من دون كلمة أخرى التف ليخرج مغادرًا المصعد حينما انفتح الباب الإلكتروني على الطابق الذي يقصده. تسمرت زهرة محلها فاغرة فاهها بأعين متوسعة بجزع، تراقب خروجه بهيبته المعتادة وكأن شيئًا لم يكن. حتى انغلق الباب أوتوماتيكيًا حاجبًا رؤيته أمامها. مصدومة مذهولة، لا تجد تفسيرًا لفعل هذا الرجل معها؟ هل هذه كانت مشاكسة لموظفة عادية تعمل بشركته؟ كرئيس يتمتع بروح الفكاهة وليس أنه رجل كشري ومقلوب الحاجبين دائمًا كما تصفه كاميليا؟ أم يكون متعاطيًا لإحدى المخدرات ولا يعي ما يفعل؟ كأبيها الذي يصبح يوميًا متقلب الأحوال حسب الصنف الذي يتجرعه؟!
رفعت هاتفها الذي بيدها لتضغط على الرقم الذي تعرفه جيدًا وتتصل. أتتها الإجابة على الفور.
"الو... أيوه يا زهرة عايزة إيه يا قلبي؟"
"نعم بتقولي إيه؟"
تفوهت بها كاميليا وهي تحدث زهرة في الهاتف والتي أردفت:
"زي ما بقولك كده والله يا كاميليا. لا قدمت حرف ولا أخرت حرف، ده فكرني بالعيال الصيع في حارتنا لما يحبوا يغلسوا على بنت معدية في الشارع."
شهقت كاميليا التي انتزعت النظارة من فوق عينيها وهي تضحك بدهشة أثارت استياء زهرة التي صاحت عليها في الهاتف غاضبة:
"إنتِ بتضحكي على كلامي يا كاميليا، هو إنتِ سمعاني بقول نكتة مثلًا؟"
حاولت كاميليا كبت ضحكها وهي ترد بأسف:
"أنا آسفة يا زهرة، بس التشبيه بتاعك ضحكني من قلبي فعلًا وأنا بتخيل جاسر الريان بجلالة قدره يعمل زي ما قولتي كده، دي حاجة كده ولا الخيال. بس هو بيعمل معاكي كده ليه؟"
وصلها الصوت الساخط:
"هو انتِ بتسأليني يا كاميليا؟ أشحال إن ما كنت أنا بنفسي سألاكي السؤال ده امبارح. ده راجل غريب والله."
مطت كاميليا بشفتيها واهتزت كتفاها لا تستوعب فعل ما تذكره زهرة عن جاسر الريان وهي بنفس الوقت لا تكذبها. انتفضت في جلستها بعد سماعها تردد اسمه من قريب لتنهي المكالمة على عجالة:
"زهرة اقفلي دلوقتي وهابقى أكلمك بعدين أنا، ماشي."
انتصبت واقفة حينما رأته على الفور أمامها آتيًا وخلفه كارم مدير أعماله ويده اليمنى في مجموعة شركاته.
"صباح الخير يا جاسر بيه."
أومأ برأسه لها كتحية بوجهه المتجهم كالعادة. راقبته حتى دلف لداخل المكتب وأغلق كارم الباب. فتمتمت بصوت خفيض تتساءل مع نفسها:
"أيوه كده صح، هو ده جاسر الريان؛ أمّال اللي بتتكلم عليه زهرة ده يبقى مين؟"
عاد محروس لمنزله ليلاً، يتبختر بخطواته منتشيًا أمام زوجته التي كانت تشاهد باهتمام إحدى حلقات المسلسل الهندي. فسرق انتباهها عنه حينما التفت على الغناء بصوته لمطرب شعبي مشهور. وضع اللفة التي بيده على الطاولة التي توسطت المنزل ثم تقدم حتى يجلس بجوارها على الكنبة المنجدة بيده سابقًا. خاطبها وهو ينحني ليخلع عنه حذائه:
"مساء الخير يا أم البنات."
رددت خلفه بدهشة:
"مساء الخير يا محروس، مش بعادة يعني ترجع بدري كده والغزالة تبقى رايقة؟"
انفرج فاهه بابتسامة متوسعة أظهرت خلوه من بعض الأسنان:
"لا ما أنا روقت بدري على نفسي النهاردة، يعني مش محتاج أروح لغرزة الواد يماني وخمرته المضروبة."
صمت قليلًا يجوب بعينيه في أرجاء المنزل، وتابع سائلًا:
"هما البنات راحوا فين؟ مش شايفهم يعني."
أجابته بريبة:
"سلمى ومنى ناموا بدري عشان ميعاد المدرسة، وصفية بقى بتذاكر فوق عند أختها وجدتها، ما أنت عارفها بتقضي معظم الوقت معاهم دلوقتي، من ساعة ما خالد خال زهرة سافر الخليج."
أومأ بابتسامة غير مفهومة:
"طب كويس أوي، عشان الجو يخلالنا أنا وانتِ، وناكل كيلو الكباب اللي هناك ده لوحدنا أنا وانتِ."
قطبت تنظر نحو اللفة الموضوعة على الطاولة ذات الرائحة النفاذة وعادت مرددة خلفه بدهشة:
"سمسمتي! وكمان جايب كباب! هو إيه اللي حصل؟ وجبت تمن الكباب منين يا محروس؟"
ارتفع طرف شفته وذهب عن وجهه العبث، ينكزها بقبضة يده:
"وإنتِ مالك جبته ولا زفت منين؟ ده بدل ما تفرحي إني بدلعك يا بوز الفقر إنتِ."
"طب خلاص خف إيدك دي شوية يا محروس، أنا جسمي لسه موجوع من العلقة اللي فاتت."
قالت سمية وهي ترتد بجذعها تبتعد عنه. توقف يأمرها بصوت حازم:
"طب اخلصي قومي يلا حضريهم والبسي إنتِ هدوم كويسة بدل المقرحة اللي إنتِ لبساها."
نهضت تنفذ أمره على مضض وهي تمتم بقهر:
"ربنا ياخدني يا شيخ، عشان أخلص منك ومن خلقتك العكرة دي."
في اليوم التالي وكالعادة بكل يوم جمعة، استيقظت زهرة مبكرًا بكل نشاط لتنهي كل أعمال المنزل سريعًا حتى تجد الوقت الكافي كي تحمم جدتها قبل صلاة الجمعة، حتى لا تحرم رقية من عادة لم تقصر فيها طوال السنوات التي كانت فيها بصحتها.
بعد أن ساعدتها شقيقتها صفية وأجلسن رقية بوسط الصالة متلفحة ببشكير صغير فوق رأسها بعد الاستحمام، كانت صفية تقلم لها أظافرها في انتظار زهرة التي كانت تنشف الأرضية بعد أن قامت بغسل الملابس التي خلعتها عن جدتها.
"براحة يا بت، القصافة هاتأكل صباعي."
صاحت بها رقية على صفية التي ردت لها مبتسمة:
"بطلي إنتِ دلع وتحريك في إيديكي طيب عشان القصافة ما تفوتش عن الضفر."
"أنا برضه اللي بتدلع يا مقصوفة الرقبة، أنا برضه."
قهقهت صفية تبتعد عن مرمى كف رقية الحرة وهي تمتد لتضربها على كتفها. ثم جذبتها من تلباب بلوزتها تسألها رافعة حاجبها:
"خدي هنا يا بت، وديتي فين المنوكير اللي كنتِ حطاه على ضوافرك امبارح؟"
ردت صفية بتوجس:
"شيلته يا ستي عشان أعرف أصلي، بس إنتِ بتسألي ليه؟"
ضيقت رقية عينيها تسألها بتركيز:
"لا إنتِ بتحطي المنوكير وتطلعيه وقت الصلاة كده عادي."
أومأت لها برأسها:
"أيوه يا ستي ده بينشال على طول عشان إسلامي، أنا بحطه بس وأنا خارجة كده تفاريح يعني."
تركتها وهي تأمرها:
"طب قومي هاتي وحطيلي على ضوافري."
"أحطلك على إيدك بس إزاي يا ستي؟"
هتفت بها صفية قبل أن تضربها رقية على كتفها:
"هو أنا ها علمك يا مقصوفة الرقبة، زي ما بتحطي لنفسك يا أختي حطيلي، قومي يلا."
نهضت عنها صفية مبتعدة تردد بعدم تصديق:
"يا ستي ماينفعش، ده لونه أحمر فاقع."
قالت رقية وهي تعبر بيدها بما جعل صفية تطلق ضحكتها بصوت عالٍ:
"وماهو يا بت لما يبقى أحمر فاقع، لهو أنا هارقص بيه. ولا يكونش هارقص بيه؟"
"حطيلها يا صفية وأنا أبقى أشيلهولها وقت الصلاة."
تفوهت بها زهرة وهي تقطع الصالة أمامهم وتحمل على يدها كوم الملابس المغسولة على طبق بلاستيكي صغير، كي تنشرها على منشر الشرفة. انتبهت عليها صفية وهي تتابع سيرها:
"حاسبي يا صفية، شعرك كله خارج من الحجاب."
ارتدت زهرة فور سماعها الملحوظة كي تلملم شعرها جيدًا قبل أن تضع الحجاب الطويل لتخفيه. تكلمت شقيقتها صفية بأعين يملأها الانبهار:
"الله يا زهرة، شعرك طويل وحلو أوي، كان نفسي شعري يبقى زيه، هو إنتِ ليه دايمًا مخبياه؟"
تبسمت لها زهرة تجيب سؤالها:
"اتعودت بقى يا صفية، من ساعة ما كبرت وخالي خالد قالي إن البنت مدام بلغت يبقى تلتزم بالحجاب، وأنا بقيت بلبسه حتى في البيت."
استفاقت صفية من تركيزها مع كلام شقيقتها وانبهارها لرؤية شعرها على نغزة بالعصا على أسفل قدمها وصوت رقية يصدح بجوارها:
"كبري في قلبك يا بت سمية."
صرخت صفية متألمة:
"براحة يا ستي، هو أنا هأحسدها يعني؟"
تجاهلتها رقية وهي تردف لزهرة بجدية:
"اتصلي على خالد النهاردة يا زهرة مدام جيتِ سيرته، خليني أطمن عليه."
وفي مكان آخر.
تقدم عامر بخطواته البطيئة حتى اقترب من حوض السباحة الكبير، يهتف على ابنه الذي استغل يوم إجازته لممارسة هوايته المفضلة في السباحة:
"جاسر باشا، ممكن والنبي دقيقتين من وقتك يعني لو تسمح وتخرج من باب الحمام."
ظل على وضعه بداخل الماء، صامتًا للحظات قبل أن يردف باقتضاب:
"لازم يعني، ماينفعش تكلمني على كده؟"
صاح عليه عامر بحزم:
"ما تخرج بقى يا ولد وتعبرني، هي المية هاتطير."
أومأ بعينيه ثم سبح نحو الخروج على مضض، حتى خرج إلى والده يجفف بمنشفة قطنية بيضاء جسده المبتل، قبل أن يجلس أمام والده، الذي أشعل سيجارًا كوبيًا من التبغ الفاخر. تفحصه قليلًا ثم أردف:
"ما شاء الله، أنا شايف إن عضلاتك زادوا واتنحتوا أكتر من الأول، شكلك مهتم أوي بمشوار الجيم ولعب الرياضة بانتظام."
نزل بعينيه نحو ما يقصده والده ورد:
"الحمد لله، أنا فعلًا بقيت منتظم."
أومأ برأسه عامر يغمغم بعدم رضا:
"طبعًا أمّال إيه، مش بتوفر الوقت اللي بتفضاه من شغلك للرياضة وبس، شيء طبيعي إن دي تبقى النتيجة."
ضيق عينيه سائلًا بتفسير:
"تقصد إيه مش فاهم."
تنهد عامر يجيبه وهو يقرب رأسه منه:
"قصدي إنت فاهمه كويس يا جاسر، بلاش تلف وتدور معايا."
أشاح بوجهه عنه يخفي امتعاضه وقد وصل إليه ما يرمي إليه والده. تابع عامر:
"بتبعد بوشك عني ليه؟ يا ابني اتكلم معايا، أنا مش حد غريب. هو إنت لدرجادي السكك بقت مسدودة بينك وبين ميرهان؟"
عاد بوجهه إليه رافعًا إحدى حاجبيه سائلًا:
"حضرتك بتسألني على أساس إنك متعرفش يعني؟"
قلب عيناه الرجل الكبير وقال متأففًا:
"لا ياسيدي عارف، اتجوزتها عشان ترضي والدتك، وترضيني أنا بمشاركة والدها بسلطته ونفوذه عشان نكبر المجموعة، بس كمان احنا كنا فاكرين إنكم هاتتفاهموا زي أي اتنين متجوزين، خصوصًا وإنت يعني حسب ما أعرف، شوفت قبلها ومشيت مع كتير فشئ طبيعي إنك تهدى وتعقل بالجواز وهي..."
"هي إيه؟"
سأل والده من تحت أسنانه، جاوبه عامر وكلماته خرجت بتعلثم وتفكير:
"هي.... مش وحشة على فكرة، أينعم هي متحررة في لبسها وطريقة حياتها، بس ده بقى شيء منتشر كتير في طبقتنا، ولو عايز ممكن أذكرلك أسماء لناس كتير في عائلات أعرفهم..."
"مش عايز أعرف."
قاطعه بحدة وأكمل:
"أنا مبقتش طايقها من الأساس، هي بتتجاهلني وتعمل اللي هي عايزاه وأنا مش بعبرها أساسًا، تتفلق."
رجع عامر بظهره للمقعد وارتفعت حاجبيه يستوعب البساطة التي يتكلم بها ابنه عن شيء كهذا، وقال أخيرًا:
"هو إنت ليه محسسني إنك بتتكلم عن واحدة غريبة، يا ابني دي مراتك، يعني لازم يبقى فيه مودة مابينكم، أمّال بقى لو حصل وخلفتوا عيل هايعيش مابينكم إزاي بس؟"
"عايزني أنا أخلف من ميرا؟"
قال وأطلق ضحكة ساخرة أثارت استهجان والده الذي هتف بحزم ليوقفه:
"بطل ضحكك المستفز ده وما تحرقش دمي، هو فيه إيه بالظبط؟"
رد جاسر بحدة:
"فيه إن جوازي الفعلي من ميرا منتهي من فترة طويلة، أنا عن نفسي مش متذكرها، يعني مابقربلهاش نهائي يبقى هاخلف منها إزاي بقى؟"
تعقد لسان عامر عن الرد بعدما أصابته الصدمة من كلمات ابنه الذي تابع:
"إيه ياباشا؟ آسف لو كنت صدمتك بكلامي، بس بصراحة أنا كان عندي ظن إنك فاهم لوحدك."
"أفهم إيه؟ وهي الحاجات اللي مابين الراجل ومراته الناس هاتعرف ولا تفهمها إزاي بس، طب بالنسبة لها هي ساكتة إزاي عن حاجة زي دي؟ وإنت نفسك عايز تفهمني إنك قاعد كده راهب من غير ست؟ ولا يكونش فيه حد في حياتك يا ولد؟"
تساءل عامر بهذه المجموعة من الأسئلة والتي تلقاها جاسر يجيب عنهم بالترتيب:
"أولًا إنها ساكتة إزاي دي حاجة تخصها هي، لأني كذا مرة عرضت عليها الطلاق لكن هي بقى متبتة زي اللزقة، وحكاية إني قاعد من غير ست، فدي أنا كنت بتصرف فيها الأول مع أي واحدة تعجبني، قبل ما نفسي تقفل من الصنف خالص وأتفرغ لشغلي وبس، أما بخصوص وجود ست في حياتي، فاديك فهمت لوحدك."
نهى جملته الأخيرة لوالده الذي شحب وجهه وتسمر كالتمثال أو كأن أصابه الشلل المؤقت يحدق صامتًا نحو جاسر الذي التهى عن حالته وقد طاف بعقله اللون الوردي ورائحة الزهور.
كالطفل الصغير الفرح بلعبته الجديدة، كانت رقية تنظر على اللون الأحمر القاني على أظافر يدها الصغيرة.
"ههي يا حلاوة يا ولاد، والله وحطيتي منكير يا بت رقية، فاضل بقى أروح الكوافير وأعمل شعري كمان هههيييي."
قبلتها زهرة على رأسها كاتمة ضحكتها وهاتفها على أذنها في انتظار الرد من الجهة الأخرى، فأتى الجواب بعد قليل:
"الوو.. أيوه يا زهرة."
"الوو... أيوه يا خالي، عامل إيه يا حبيبي؟"
"يا قلب خالك إنتِ، الحمد لله يا بنت الغالية، اديني بقاوح مع المعايش وربنا المعين."
"آمين يارب، يعينك ويقدرك. طب والعيشة عندك يا خالي، ده أنا بشوف شكل البلد اللي إنت قاعد فيها في التليفزيون، دي تهبل يا خالي."
"أنا في الصحرا يا حبيبة خالك، البلد اللي بتتكلمي عليها دي أنا ما بشوفهاش نهائي، الصحرا هنا صعبة والشغل اللي فيها يحد الحيل."
صمتت زهرة متأثرة بالمرارة التي تقطر من صوت خالها العابر عبر الأثير. أردف يسألها:
"عامل إيه أبوكي معاكي؟ بيجي يطل عليكم زي أنا ما وصيته ولا لسه على وضعه؟"
صمتت رافعة حاجبيها تلوي ثغرها دون رد، فقال خالد:
"مدام سكتي يبقى لسه على وضعه، كان قلبي حاسس والله."
ردت زهرة مغيرة مجرى الحديث:
"سيبك منه يا خالي وخلينا فيك، المهم بقى، امتى كده هتنزل إجازة عشان تحدد ميعاد مع الأستاذة نوال حبيبة القلب."
وصلها صوت خالها الذي تالق بالفرح رغم انكاره:
"بس يابت أنا ما فيش في قلبي غيرك، والأستاذة نوال دي مجرد واحدة أنا خطبتها ويعلم الجواز ها يكمل بقى ولا لأ."
هتفت عليه بجزع:
"ما تقوليش يا خالي وقول إن شاء الله لا حسن وربنا ها أزعل بجد."
ردد يراضيها بابتسامة:
"حاضر يا ستي هاقول إن شاء الله، المهم بقى اديني رقية دي وحشتني أوي."
"مش أكتر مني يا خالد يا ابن قلبي."
هتفت بها رقية وهي تتناول الهاتف، فأتـاها صوته الضاحك:
"إيه يا رقية لحقتي تمسكي الفون وتردي بالسرعة دي؟"
"ياواد سمعتك عشان زهرة معلية السماعة، وحشتني يا مضروب."
"وإنت كمان يا أمي، وحشتيني قوي ووحشني كلامك وضربك على راسي لما أحطها على رجلك."
"يخربيتك هو ده اللي وحشك مني، ينيلك يا بعيد براسك الكبيرة دي."
انطلقت منه مجلجلة في الهاتف جعل الاثنتين تضحكان على ضحكته، قبل أن تتذكر زهرة لشئ ما فتناولت الهاتف تردف سريعًا:
"آسفة يا خالي سامحني لو ها أقطع ضحكتك، بس أنا بصراحة خايفة لانسى، وماهر بركات مشدد عليا أقولك..."
"عايز إيه سمسار الزفت؟"
سأل بغضب وأجابت زهرة:
"بيقولك إننا بالشهر اللي إحنا فيه ده، يبقى هانكمل ٥ شهور على قسط الشقة المتأخر، وإنه يعني مش ها يقدر يصبر أكتر من كده."
"يعني ممكن ياخد الشقة؟"
تمتم حانقًا يستغفر ربه قبل أن يردف لزهرة:
"كلها شهر بالكتير وأكون باعتلك على البنك كام قسط كده، أنا الشهور اللي فاتت دي كلها كنت بسد ديني عند الراجل اللي طلعني السفرية، بس هانت."
"معلش يا خالي ربنا يقدرك ويقويك، بقولك إيه خد بقى رقية خليها تروقك!"
بعد أن انتهت المكالمة مع خالد نهضت زهرة كي ترتب فراش جدتها بالغرفة وتغير الملاءة القماشية لها، ولكنها توقفت على طرق على باب منزلهم مصاحبًا لصيحة رجولية معروفة لديها.
"افتحي يا زهرة الباب."
"مين يا بت؟"
سألت رقية وهي توقفها قبل الخروج من الغرفة، وردت زهرة:
"ده أبويا يا ستي، ثواني ها أروح أفتحه وأرجعلك تاني هنا."
تمتمت رقية بقلق وهي تنظر في أثر حفيدتها التي خرجت لتفتح باب المنزل لوالدها:
"ياترى إيه اللي جايبك في الوقت ده يا محروس؟ حق أنا عارفاك ما تطلعش عندي إلا في المصلحة."
"أبوكي! ودا إيه اللي جابه عندك؟"
"معرفش والله يا ماما، اديله شوية وهو قاعد جوه في أوضة ستي رقية بيتكلم معاها ومع زهرة بصوت واطي، أنا مش سامعة منه كلمة."
كانت إجابة صفية على سؤال والدتها في الهاتف وهي واقفة بها على إطار غرفة زهرة تشرئب بأنظارها وتراقب ما يحدث بغرفة رقية في الناحية الأخرى، وتابعت:
"تفتكري يا ماما ها يكون عايز منهم إيه؟ أصلي بصراحة يعني أنا عمري ما شفته جاي يطمن وخلاص."
"والله يا بنتي ما عارفة، بس أبوكي من امبارح وأنا حاسة دماغه فيها حاجة، ربنا يستر بقى، اتصلي بيا بعد ما يمشي وطمنيني."
شاحبة الوجه مزبهلة تنظر نحو والدها بعدم تصديق وهو يردف بكلماته أمامها وهي لا تستوعب جديته. انتبهت تستفيق من صدمتها على سؤال رقية:
"فهمي ده يبقى ابن مين؟"
"فهمي ده يبقى صاحبه يا ستي."
رددت زهرة تجيب جدتها بحدة أثارت غضب والدها الذي تشدق قائلًا:
"مش قد سني يا بت، ده يدوبك مقفل الـ 36 في يونيو اللي فات، يعني في عز شبابه."
سألته رقية متخصرة:
"وابو 36 تلاتين ده بقى يا عنيا، اسمه إيه بالكامل عشان أعرفه؟"
أجاب محروس:
"اسمه بالكامل فهمي متولي الشبراوي."
شهقت رقية ضاربة بكفها على صدرها:
"ابن متولي الشبراوي يعني أمه شوقية، نهار أسود يا محروس، بقى عايز تجوز بنتك للواد الأهبل ده اللي كان بيمشي في الحارة بالبربور على وشه والعيال تحطله التلج في قفاه!"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السادس 6 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مع ارتفاع الأصوات وازدياد وتيرة حدتها، اقتربت صفية أكثر من الغرفة الصاخبة بشجارهم، حتى أصبحت تقف ملتصقة بإطار باب الغرفة، تشاهد ما يحدث صامتة، في ظل انشغال الجميع عنها.
"هي دي بقى تربيتك يارقية اللي فرحانة بيها، البت بتهب في وش أبوها من غير خيشا ولا حيا."
هتف بها محروس غاضبًا بأعين حمراء لم تهابها زهرة التي كانت تقف مقابله بالند، بشراسة نادرًا ماتصدر منها، حينما يصل غضبها لأشده وهي الآن تشعر بأنه قد فاض بها من هذا الرجل المدعو أباها ومن أفعاله.
هتفت جدتها ترد عليه:
"ومالها بقى ياخويا تربية رقية؟ عشان البت ماهي رافضة الواد أبو بربور بتاعك؛ تبقى مش متربية وبتهب فيك؟"
"أبو بربور أبو بربور في إيه يا ولية؟ هو انت مخك وقف على شكل الواد وهو صغير، ماتعرفيش إنه كبر وبقى راجل وملو هدوموا دلوقتي."
صاح بها محروس على رقية، فجاء الرد من زهرة بتكملة:
"وبياع برشام وأخلاقه زفت ومتجوز قبلي تلاتة كمان."
"وماله لما يبقى متجوز ومطلق، نقص منه حتة يعني ولا نقص منه حتة، ثم حكاية بيع البرشام دي إشاعات والناس بتطلعها عليه عشان ماهو راجل كسيب وجيبه دايمًا عمران."
رد محروس بتشدق، فقربت منه زهرة رأسها تنظر داخل عينيه بحدة غير مبالية بالحمم المشتعلة بها.
"بزمتك ياشيخ انت مصدق كلامك ده؟ ولا انت فاكرني هبلة ونايمة على وداني عشان معرفش فهمي واللي بيعمله، سمعة فهمي مسمعة زي الطبل في الحارة يا والدي، بالظبط زي سمعتك انت ما مسمعة في الدنيا كلها."
"آه!"
صرخت بها مجفلة حينما حطت كفه على وجنتها بلطمة قوية دوى صوتها في محيط الغرفة تتبعه صرختها وصرخة صفية من الناحية الأخرى، فخرج صوت رقية بخشونة بعيدة تمامًا عن رقتها وحديثها اللطيف دائمًا:
"اطلع برة يامحروس بكرامتك أحسن، بدل ما أفرج عليك الحارة كلها، وإن كنت فاكر إن بسفر خالد ابني زهرة هتبقى لقمة سهلة في إيدك، يبقى انت لسة معرفتناش وعايز تعيد معانا القديم من تاني."
هتف جازًا على أسنانه:
"زهرة بنتي يارقية وإن كنت سيبتهالكوا زمان فده مش هايلغي إنها بنتي وليا حق عليها."
"حق مين يا أبو حق؟ حاول بس تقرب منها وأنت تشوف مين يقفلك، ابني قبل مايمشي كان عامل حسابه، حاول بس تلمس شعرة من زهرة ولا تقرب لها، وأنا أكون فاتحة القديم والجديد ومودياك في ستين داهية."
"أنا خارج دلوقتي وراجع لكوا تاني، ماهو أنا مش كروديا ها مش كروديا، أوعي يابت."
صاح بها يدفع صفية بعيدًا عنه ليتخطاها ويخرج مغادرًا، مغمغما بالكلمات النابية.
اقتربت صفية من شقيقتها التي مازالت واضعة كفها على مكان اللطمة، متسمرة محلها، يبدو أنها مازالت لم تستفق بعد من الصدمة.
"معلش يازهرة، ما انتِ عارفة بابا."
أومأت لها بمرارة وأعين غائمة تأبى البكاء:
"عارفاه، وعارفاه قوي لما يحط حاجة في دماغه."
رددت خلفها رقية بتحدي:
"يحط ولا ما يحطش بابت، انت ها يهمك في إيه؟ أعلى ما في خيله يركبه!"
***
بفستان أسود التصق بجلدها كجلد ثانٍ، طوله لم يصل حتى إلى الركبة، ليظهر طول سيقانها ونحافتها، كانت عائدة من حفلة حضرتها مع أصدقائها، تتلاعب بمفتاحها وتدندن بالغناء غير مبالية لأي شيء، غافلة عن أربع عيون كانت تراقبها من وقت أن دلفت للمنزل، وقبل أن تصل للدرج كي تصعد للطابق الذي غرفتها به؛ أجفلت على صيحة قوية من الخلف.
"ميرهان."
استدارت ترد على صاحب الصوت وقد علمت هويته:
"نعم يا انكل عايز حاجة؟"
ظل صامتًا على هيئته المتحفزة ولم يرد، نزلت عيناها نحو الجالسة بجواره وجدت خالتها تنظر لها بجمود هي الأخرى فقالت مرتبكة:
"ا ا مساء الخير أولًا هو في حاجة؟"
***
واضعة رأسها على أقدام جدتها مستكينة هادئة؛ تتلقى حنان المرأة العجوز وهي تلمس بكفها على شعرها، تلقي على أسماعها الكلمات اللطيفة والمشجعة:
"عجبتيني أوي النهاردة لما وقفتي وفي وشه ترفضي الجوازة الزفت دي يازهرة، أيوة كدة ياعين ستك، خليكي قوية زي مابيقولك خالك دايمًا."
"بس أبويا مش هايسكت ياستي."
قالت زهرة بنبرة هادئة، سألتها رقية باستفهام:
"يعني هايعمل إيه يعني؟ خليه يوريني شطارته ويشوف بقى ساعتها رد فعلي هايبقى إيه؟"
"أنا عارفاه ياستي، مش هايعدي الرفض كدة بالساهل، أكيد فهمي أغراه بالكيف بتاعه، ماهو الحماس ده ما يجيش من شوية."
صمتت زهرة قليلًا تتنهد بثقل، ثم تابعت:
"يعني مش كفاية عليه إنه منع عني بسمعته المهببة كل الفرص الكويسة، مش كفاية عليه إنه حرم عليا الحلم الطبيعي لأي بنت في الجواز والفرحة؛ وأنا عارفة ومتاكدة إني مش هلاقي اللي هايجهزني ولا يرفع راسي قدام أي راجل يتقدملي."
"وخالك بقى راح فين يامقصوفة الرقبة؟"
قالت رقية منفعلة وهي تلكزها بقبضتها على كتفها، تأوهت زهرة قليلًا ثم تابعت بجدية:
"آه، خالي خالد ربنا يخليهولي ياستي، ضهري وسندي دايمًا، لكن بقى اللي مايشوفش من الغربال يبقى أعمى، هو ضيع جزء كبير أوي من شبابه في تربيتي والصرف عليا، آن الأوان بقى إنه يشوف مصلحته ويحوش قرشين يتجوز بيهم الست اللي بيحبها، هو أنا يعني هافضل كاتمة على نفسه كدة على طول، ده حتى يبقى حرام."
"قومي يابت من على حجري قوي."
قالت وهي تدفعها بكف يدها بعنف، مما جعل زهرة ترفع عنها رأسها وتعتدل بجذعها لتقابل الغضب العاصف على ملامح جدتها، والتي وجهت إليها كلماتها بحدة:
"إياكي أسمعك تاني بتقولي الكلام ده فاهمة، أوعي تفتكري يابت إن خالك سافر عشان يحوش لجوازته هو وبس، لا ياحبيبتي؛ خالك حلفلي إنه مش راجع من سفره، إلا ومعاه تمن جهازك من الألف للياء."
"كمان ياستي، يعني يعول همي حتى في دي؛ مش كفاية عليه الهم اللي هو فيه."
هتفت رقية عليه بحدة:
"وأنت مالك ياستي، هو على قلبه زي العسل."
صمتت قليلة تخفف حدة حديثها:
"ياحبيبتي ده خالك كان بيتقطع من جوا لما كان بيأجل في جوازك مع كل عريس بيتقدملك؛ لو كان بإيده لكان جوزك لأول واحد اتقدملك من وقت ماخلصتي المعهد، لكن بقى كل حاجة نصيب وإن شاء الجاي أحسن من اللي فات، ولا إيه؟ مش برضك بيقولوا كدة يابت في التليفزيون؟"
أومأت لها بابتسامة:
"بيقولوا ياستي."
"طب اتخمدي بقى خليني ألعبلك في شعرك مدام فكرتيني بالواد خالد وحركاته معايا."
استسلمت زهرة لمزاح جدتها وهي تجذبها من شعرها لتعود برأسها مرة أخرى بحجر رقية التي هتفت بعد ذلك:
"يالا يابت محروس اللي أقرع انتِ."
***
"انت بتقولي أنا الكلام ده يا انكل؟"
سألت بأعين متسعة أظهرت جمال عدساتها اللاصقة ذات اللون الرمادي على عينيها.
صاح عليها عامر بقوة:
"أيوه انتِ يا مريهان، أنا بنصحك انتِ عشان عليكي الدور الأكبر في الموضوع، يابنتي ماينفعش النظام اللي انتوا عايشين بيه ده، ده ماسموش جواز ده حاجة تانية خالص ملهاش أي تفسير."
"طيب وأنا ذنبي إيه؟"
هتفت بها تخاطب الاثنان وتابعت:
"ابنك هو اللي بعد عني يا خالتوا، ابنك هو اللي كان بينتقدني ليل ونهار في لبسي وطريقة حياتي من غير تفاهم يا انكل، وأنا كرد فعل عادي برد له، امال يعني أفضل ساكتة له لحد ما يلغي شخصيتي وأبقى تابعة ليه."
تدخلت خالتها وتدعى لمياء:
"يابنتي ماحدش قالك ابقي تابعة ليه، احنا بس بنقولك بطلي تتحديه وخففي نبرة التعالي عليه، جاسر الريان مش قليل عشان يتقبل معاملتك دي، ابني مابيجيش بالعند يا مريهان."
مطت شفتيها قائلة باستعلاء:
"وأنا كمان مش أي حد عشان أتقبل وأرضى بأسلوبه ده معايا، وكفاية أوي إني جاية على نفسي وقابلة بعيشتي مع واحد مش معتبرني مراته أساسًا."
"آه، جينا بقى في المفيد واللي عايز أفهمه أنا بالظبط."
أردف بها عامر وتابع:
"هو انتوا من امتى بالظبط عايشين مع بعض بالنظام ده؟ وانتِ إزاي متقبلة كدة ومابتحاوليش معاه."
فغرت فاهها بملامح ممتعضة تستنكر:
"نعم، انت عايزني أنا أحاول؟ وهو بقى دوره إيه عشان أفهم؟ ابنك يا انكل بقاله سنتين ما قربليش، سنتين من تلت سنين جواز، عايشين في بيت واحد، ما بنشوفش بعض غير بالصدفة، أنا كان ممكن أوافقه في أول مرة طلب مني إننا نتطلق، بس أنا بقى عملت بأصلي وموافقتش على طلبه، عشان مقدرة كويس حجم الكوارث اللي هاتترتب في انفصالنا على المجموعة واندماج العيلتين، وفضلت ساكتة ومابتكلمش."
تنهد عامر بتعب قائلاً:
"طب وبعدين ياميري؟ يابنتي احنا جاين مخصوص نقضي اليومين الفاضلين معاكم قبل ما نسافر، نقوم نكتشف الكوارث دي كلها."
أكملت على قوله لمياء:
"لا واحنا اللي كنا عاملين حسابنا قبل ما نيجي عشان نعرف إيه السبب في تأخير الخلفة؟ هه."
اعتدلت في جلستها لتضع قدمًا فوق الأخرى، وتتكلم بعنجهية:
"على العموم يا انكل، ابنكوا عندكم، كلموه وشوفوا هايقولكم إيه، وأنا عن نفسي كبادرة طيبة مني مستعدة أخف الخروجات وأتساهل شوية في اللبس عشانه، المهم بقى إنه يفهم إني مراته."
تبادل الرجل وزوجته النظرات بينهم والتي تحمل في طياتها الأمل، غافلين عنها وقد لمعت عيناها بالشوق والرغبة لمجرد الفكرة.
***
في اليوم التالي في الشركة، وعلى طاولة مستديرة امتلأ سطحها بالملفات والمستندات كان يبحث ويعمل مع مدير أعماله كارم على مجموع الأعمال التي تم إنشاؤها والتي مازالت في طور التنفيذ، ومعدل الجدول الزمني المحدد للانتهاء من كل واحدة منهم.
عاد جاسر بظهره للخلف المقعد، يفرد ذراعيه عاليا وقد تمكن منه الإرهاق:
"أنا تعبت يا كارم هو إحنا لسة قدامنا كتير؟"
قال جاسر، وأجابه الشاب الثلاثيني بجدية كعادته وهو يبحث في الملفات:
"للأسف ياباشا لسة فيه كتير، تحب نأجل شوية ولا نكمل عادي."
"لا نكمل إيه؟ أنا فصلت."
هتف بها ونهض على الفور ليخطو نحو الأريكة الجلدية الكبيرة الموجودة في ركن المكتب ليفرد عليها جسده ويستريح قليلاً. تبعه كارم وهو يلملم في الملفات قائلاً:
"تمام ياباشا، تحب أطلبلك حاجة تشربها ولا تأمر بأي حاجة تاني؟"
لوح بكفه إليه بعد أن استلقى يغمض عينيه:
"لا انصرف أنت دلوقتي، بس نص ساعة كدة وتخلي كاميليا تدخلي بأوراق المناقصة الجديدة، ماتنساش."
"أمرك ياباشا."
أردف بها كارم وانصرف يغلق باب المكتب بهدوء. خرج إلى كاميليا التي انتبهت إليه بفطنتها وتجاهلت حديث غادة الجالسة أمامها على المكتب في الناحية الأخرى. اقترب من مكتبها بعملية يضع الملف على سطحه:
"نص ساعة يا كاميليا وتدخلي الأوراق للباشا جوا."
أومأت برأسها وهي تتفحصهم جيدًا:
"تمام."
تحرك قليلاً ثم استدار ممازحاً بابتسامة:
"بس أوعي تنسي الله يخليكي، إحنا مش قد عواصف غضبه."
نفت تهز برأسها ضاحكة:
"لا اطمن ياسيدي، مش هانسى أكيد."
تدخلت غادة التي كانت مزبهلة نحو الرجل بانبهار قائلة بمزاح هي الأخرى:
"أيوه صح ده ممكن يعلق الكل هنا ههههه."
لم يستجب كارم لمزاحها وتحرك مغادرًا وكأنه لم يسمع شيئًا، أما كاميليا فاتجهت لحاسوبها تعمل عليه هي الأخرى.
"يالهوي ياما عالرجالة اللي تهبل يا كاميليا، بتعرفي تجاري الناس دي إزاي؟"
التفتت إليه تسألها بانتباه:
"أجاريهم في إيه بالظبط مش فاهمة؟"
ردت غادة بلهفة:
"قصدي يعني بتعرفي تتكلمي وتهزري معاهم، من غير ما تتلبخي ولا تتلغبطي معاهم."
"واتلبخ ولا أتألغط ليه؟"
هتفت بها كاميليا وهي تلتفت لها بجذعها تخاطبها بجدية:
"أنا مابهزرش مع حد منهم يا غادة عشان ده يحصل، أنا كل معاملاتي معاهم في حدود العمل وبس، لو زودت معاهم ولا لغيت بيني وبينهم الحدود، يبقى أستاهل بقى اللي يطولني منهم!"
نظراتها الحادة وكلماتها القوية لم يخفى مضمونها عن غادة التي تظاهرت بعدم الفهم وغيرت دفة حديثهم:
"الا صحيح شوفتي البت زهرة، الكمبيوتر بتاعها باظ تاني وبتقول عليه شغل مهم أوي الخايبة دي."
ردت كاميليا وهي تلتف عائدة للحاسوب مرة أخرى لتعمل عليه:
"آه ما أنا قولتلها تشوف حد يصلحه بسرعة، أكيد عماد هايعرف دي شغلته أساسًا."
"عماااد!"
هتف بها غادة عاوجة زاوية فمها بسخرية واكملت:
"ده ماهيصدق يلاقيها فرصة، عيل لازقة صحيح."
زفرت كاميليا بيأس من طريقتها وفضلت عدم التجادل معها.
***
وبالداخل وهو مستلقي على أريكته، بتعب كان مغمض العينان عله يحظى ببعض الراحة قبل أن يعود لأعماله التي لا تنتهي أبدًا، يريد السكينة ولو قليلاً لهذه الماكينات الدائرة بعقله في التفكير المستمر، لا شيء جديد يحدث عن اليوم الذي يسبقه، لا شيء أصبح يفرحه أو يعطيه الطاقة في الاستمرار، وما أشبه اليوم بالبارحة، روتين يومي ومعدل من النتائج لابد من الركض والسعي الدائم للوصول إليها، كالثور المعصوبة عيناه يدور في ساقية ولا يشعر بلذة النتائج، يفتقد الفرحة من القلب، يفتقد السعادة التي لا يشعر بها أبداً، يفتقد الشغف لشيء جميل يخطف لب قلبه فيعيد إليه الحياة بلمسة أو القرب منه يفتقد الشعور بمعنى الألوان المفرحة يفتقد الرائحة... رائحة الزهور.
انتفض فجأة يعتدل بجذعه وعقله يتذكرها الآن بإلحاح، يومان مرا عليه من وقت أن شاكسها بالمصعد وضحك من قلبه على خجلها والرعب الذي اجتاح قلبها منه، مر يومان ودائماً ما تداعب خياله باللون الوردي والرائحة الطيبة، مر يومان.... ولم يرها!
نهض فجأة بدون تفكير وقدماه تقوده لخارج المكتب. انتفضت كاميليا برؤيته خارجاً أمامها ومعها غادة التي تفاجأت برؤيته أيضاً.
"عايز حاجة يا جاسر بيه؟"
هتفت عليه كاميليا تسأله، أومأ لها بكفه دون رد وأكمل سيره للخارج.
"ايه ده؟ هو ماشي ولا إيه؟"
سألتها غادة بفضول، فجاوبتها كاميليا بحيرة وعيناها تتبع أثره:
"لا طبعاً هايمشي إزاي انتِ كمان كدة بالقميص الأبيض والبنطلون من غير الجاكت؟ بس ده هايكون رايح فين بس؟"
غمغمت كاميليا بصوت خفيض لنفسها.
***
وفي الناحية الأخرى بجوار مكتبها الصغير كانت تقف في انتظار إصلاح الحاسوب الذي كاد يفقدها عقلها حينما توقف وقت عملها لإحدى الملفات المهمة التي أمرها مديرها بسرعة تجهيزها. سألت بقلق:
"ها في أمل إنه يتصلح دلوقتي ولا هايعك في الوقت؟"
رفع رأسه إليها عماد بابتسامة واسعة:
"انت عايزاه يخلص امتى؟ لو عايزاه دلوقتي، فا أنا شغال عليه، ولو عندك صبر، ممكن آخده معايا وأجيبه بكرة زي الفل."
ردت سريعًا بلهفة:
"لا طبعاً دلوقتي يا عماد، انت عايز الأستاذ مرتضى يبهدلني ولا إيه؟"
بابتسامة ازدادت اتساعًا قال:
"بعد الشر عليكي من البهدلة يازهرة، تصدقي أول مرة أعرف إن اسمي حلو كدة."
كالعادة ازدادت خجلاً وتوردت وجنتاها تخفض عيناها عنه دون رد، جعلته يردف بقلب يرفرف بالسعادة:
"أقسم بالله نفسي أشكر الكمبيوتر ياشيخة."
"وعايز تشكر إيه تاني كمان؟"
أجفل الاثنان على الصوت الخشن الذي دوى بالقرب، على باب الغرفة الواسعة، انتفضت زهرة حينما رأته بهيئته المتجهمة دائماً يتقدم نحوهم وحاجباه المقلوبان ازداد تعقدهما بشر.
"ايه اللي بيحصل هنا ده؟"
سأل بجمود، أجابه عماد الواقف أمامه باحترام:
"أبداً يافندم، دي الآنسة زهرة الكمبيوتر بتاعها حصل فيه عطل وأنا جيت أصلحه."
"آنسة زهرة!"
غمغم بها بحنق وتابع يسأله:
"وانت شغلتك إيه بقى عشان تصلح الكمبيوتر للآنسة؟"
أجابه عماد:
"يافندم دي شغلتى هنا في الشركة."
"اممم."
أردف بها ينتقل بعينيه نحو زهرة التي جف حلقها من أفعال هذا الرجل الغريبة معها، وعماد الذي كان يقف بعدم فهم لما يحدث.
"والكمبيوتر اتصلح ولا لأ؟"
سأله جاسر من تحت أسنانه.
نفى عماد يهز برأسه:
"لا يافندم أنا لسة بحاول فيه."
"اطلب اخلص أخرج بيه على مكتبك صلحه عندك."
لوح له بإبهامه للخلف آمراً، تسمر عماد محله قليلاً بعدم استيعاب فعاد إليه بنبرة أقوى:
"بقولك اخلص يالا خد الكمبيوتر وصلحه عندك."
أذعن مضطراً عماد يتناول الحاسب وحقيبته ليخرج. خرج صوت زهرة الضعيف بصعوبة من فرط ارتباكها:
"طب أنا عايزة الكمبيوتر بسرعة يا عماد عشان الملف اللي قولتلك عليه."
"هايخلصه تصليح ويجيبه."
هدر به بحدة جعلتها تبتلع الباقي من كلماتها:
"مش هاتأخر عليكي يازهرة، هاصلحه وأجيبه."
هتف بها عماد قبل أن يخرج من الغرفة مغادراً، فالتفت رأس جاسر بسرعة نحوه ينظر في أثره بملامح متوحشة، حتى عاد إليها بنفس الملامح المخيفة وتقدم بخطواته البطيئة والمريبة نحوها، فجعلها ترتد للخلف حتى التصقت بالحائط خلفها، تتمنى لو يعود إليها عماد أو أن تخرج مغادرة هي الأخرى، قبل أن يتوقف قلبها من الخوف. سألها فجأة:
"صفته إيه دا عندك؟"
قطبت جبهتها ترد باستفسار:
"نعم."
هدر بصوت أعلى مائلاً بوجهه نحوها:
"بأسألك تجاوبي، صفته إيه اللي اسمه عماد دا عندك؟"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع 7 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
اهتز جسدها بصيحته دون إرادتها، كما ازداد جزعها وهي تنظر إليه بعدم فهم، تردد وكأنها تتحدث إلى رجل فاقدًا لعقله.
- مممالهوش صفة والله، دا دا زميلي وبس، يعني مش خطيبي ولا جوزي عشان يبقالوا صفة.
ضيق عينيه متحدثًا بنبرة منخفضة مثيرة للشك:
- ولما هو مش جوزك ولا خطيبك ولا ليه أي صفة غير إنه زميلك وبس، بيتكلم ويهزر معاكي ليه؟ وانتِ تتقبلي هزاره وتتجاوبي معاه ليه؟
توسعت عيناها تنظر إليه بصدمة لما وصل إلى ذهنها من فحوى كلماته إليها، فردت بأعين غائمة تأبى السكوت عن اتهامه:
- حضرتك أنا كنت واقفة باحترامي مستنية الكمبيوتر بتاعي يصلحه زميلي في العمل، وإن كان على ابتسامة ولا حتى ضحكة صدرت مني فده شيء عادي بيحصل بين الزملة، وعماد شخص في منتهى الاحترام.
قاطعها بحدة هادرًا:
- وإيه كمان ياأستاذة؟ ماتقولي فيه شعر أحسن.
انعقد لسانها عن الرد تمامًا، وهي تجزم بداخلها أن هذا الرجل فاقدًا لعقله حقًا وليس تخمين، فما فائدة الجدال مع رجلٍ كهذا؛ لا تجد لأفعاله معها تفسير.
حل الصمت بينهم وهو ينظر إليها بأعين مشتعلة وملامح وجهه المعقدة بغموض، تنبئُها بحجم تطرفه، وهي تبادله النظر بخوف على أمل أن يتزحزح من أمامها ويتركها تُدخل نفسًا طبيعيًا داخل صدرها، وقد شعرت بانسحاب الهواء من حولها في قلب الغرفة بحضوره، ولم يضل سوى الرائحة الطاغية لعطره فيها.
- في حاجة ياجاسر بيه؟
دوت قريبًا من ناحية باب الغرفة الخاصة بمديرها الذي استمعت لسؤاله وكأنه النجدة التي أتت إليها من السماء. التف جاسر يبعد أنظاره عنها ويستدير ببطء نحو الرجل ليجيبه وكأن شيئًا لم يحدث منذ قليل، واضعًا يديه بجيبي بنطاله بهدوء:
- كنت عايز حسابات الشركة عن السنة اللي فاتت كلها يامرتضى.
قطب الرجل قليلًا بدهشة قبل أن يرد مرحبًا به رغم غرابة الموقف، يشير إليه بيديه:
- أنت تؤمر يافندم، تعالى جوا شرف مكتبي المتواضع وأنا أجهزهم حالًا قدامك.
- لا أنا مش داخل، أنا جاي أبلغك وبس.
أردف بها وانسحب مغادرًا على الفور دون استئذان، جعل الرجل ينظر في أثره لفترة مندهشًا قبل أن يعود بنظره إلى زهرة التي تسمرت محلها بوجهٍ مخطوف وأعين جاحظة، وهي مازالت لا تستوعب ماحدث.
- بيضطهدني وحياة النعمة الشريفة بيضطهدني.
تمتمت بها زهرة وقد تمالكت نفسها أخيرًا وهي واقفة بجوار كاميليا في الطرقة المؤدية إلى حمام النساء، في انتظار غادة التي كالعادة تعيد الاهتمام بزينتها قبل أن تغادر معهن الشركة. ردت كاميليا مستنكرة رغم تعجبها هي الأخرى:
- اضطهاد وكلام فارغ إيه بس اللي بتقوليه ده يازهرة؟ هو إحنا في عهد العبودية يابنتي؟
رفعت إليها عينيها قائلة بغضب:
- لا ماهو جاسر الريان هايرجعه تاني ياكاميليا ماتقلقيش، الراجل مش طايقلي كلمة، وكل مايشوفني يطلعلي بتهمة شكل، طب تقدري تفسريلي كدة اللي قولتهولك أنا من شوية ده معناه إيه؟
كاميليا وقد انتابها الشك هي الأخرى ولكنها حاولت أن تصرف هذه الأفكار عن رأسها والعودة لتحليل الأحداث بمنطقية كعادتها:
- بصراحة أنا معرفش تفسيره إيه؟ بس هو أكيد اتعصب يعني من عماد وافتكره بيهزر في شغله، وده واحد دايمًا وقته زي السيف وما يقتنعش بهزار ولا ضحك أثناء العمل.
- طب وأنا إيه دخلي يابنتي؟ بيشخط فيا وبيوقف قلبي ليه؟ ده بني آدم غريب، كتر خير أهله عليه في البيت ويكون في عون الست اللي هاتتجوزه ده هايطلع عليها عقدة ويكرهها في نفسها.
تبسمت كاميليا قائلة:
- لا من الناحية دي اطمني، أصله متجوز بنت خالته اللي أبوها يبقى الوزير، وعلى فكرة هي عايشة حياتها بالطول والعرض.
- حقها تعيش وتضربها بالجزمة كمان، وده راجل يتعاشر ده؟ بقولك إيه ياكاميليا البت غادة جاية علينا أهي، أوعي تبلغيها والنبي بالكلام اللي بقولهولك ده، دي بت خفيفة وأنا مضمنش أي رد فعل منها.
قالت زهرة وهي تومئ بعينيها بذكاء نحو غادة التي خرجت إليهم تتمختر بخطواتها. تمتمت كاميليا بصوتٍ خفيض قبل أن تصل إليهم:
- مش محتاجة وصاية يازهرة، أنا أكتر واحدة عارفة غادة والظن اللي هاتظنه في الكلام ده.
- هاي اتأخرت عليكم.
قالت غادة بزهو فور أن وصلت إليهم. ردت زهرة ترمقها بدهشة:
- إنتي عيدتي على وشك بالمكياج من تاني وغرقتي نفسك بالريحة على مشوار المواصلات؟
مطت غادة بشفتيها قائلة:
- ولو خارجة من باب البيت عالشارع بس، لازم برضوا أتمكيج وألبس نضيف، ده اسمه اهتمام بالنفس ياماما؛ انت أكيد متعرفوش.
أومأت لها زهرة تتجاهل سخريتها بعدم الرد، أما كاميليا فقالت لها بيأس:
- ماشي ياست البرنسيسة إنتِ، ممكن بقى نمشي في يومنا ده ولا لسه هاتعيدي تاني على ميكاجك ولبسك؟
- لا ياقلبي أنا كده فل خالص، بينا يابنات.
قالت غادة وتقدمت تسبقهم في الخطوات. تبادلت زهرة وكاميليا النظر فيما بينهم بيأس كالعادة ثم لحقنها بالسير.
***
وفي مكانٍ آخر بداخل دكان محروس الذي عاد العمل فيه مرة أخرى بشكل جدي، بعد أن توفرت المتطلبات الأساسية لإنجاز الأعمال المتراكمة من مواد خام وغيرها من الأشياء.
- نننعم! سمعني تاني كده يامحروس بتقول إيه؟
تفوه بها فهمي بحدة أربكت محروس فجعلته يردف بتلعثم:
- اايه دا مش كلامي أنا يافهمي، ده كلام البت وستها، إنما لو عليا أنا أجوزهالك من الليلة، ما إنت عارف معزتك عندي.
رد فهمي رافعًا حاجبه المقطوع بنصفه:
- وأنا مالي بمعزتي عندك ولا حتى موافقتك، مدام إنت راجل ملكش كلمة على بنتك.
هتف محروس غاضبًا وقد أصابته الكلمات السامة في كرامته:
- ماتقولش الكلام ده يافهمي أنا مش راجل هفية عشان أقبل بيه.
أكمل فهمي في بخ سمّه:
- لا هفية، مدام جاي بالفم المليان كده تقولي إن البنت هي اللي رافضة وإنت ملكش حكم عليها.
استشاط محروس غاضبًا فقال بأعين تقدح شررًا:
- أنا مش عايز أغلط فيك يافهمي عشان إنت هنا في منطقتي وفي دكاني، إنما والنعمة الشريفة لو كررتها تاني لأكون شاقق بطنك نصين وملكش عندي دية، طب ماهي البت مكدبتش لما قالت عليك بتاع نسوان وبتبيع برشام، ده غير إنك أكبر منها بـ 11 سنة على الأقل، في إيه يابا إنت هتعيش عليا.
ضغط فهمي بأسنانه على شفته يكبح خروج الكلمات النابية من فمه، بعد أن شعر بفقد سيطرته على محروس.
صمت، يخرج سيجارة من جيبه ويشعلها لينفخ منها قليلًا أمام محروس الذي ينتظر رده بتحفز. أجفله فهمي بعطيه السيجارة التي في يده، وأخرج هو واحدة أخرى لنفسه، ثم قال بهدوء:
- أنا مقدر إن كلامي وجعك يامحروس بس أنا مش عايز أخسرك.
سأله باستفسار:
- يعني إيه مش فاهم؟
أومأ له فهمي بصوت خبيث:
- قصدي إن هابلع تهديدك ولخبطتك في الكلام كأني ماسمعتش الحوار كله من بدايته، يعني عشان ماتتعبش نفسك في التفكير، تعمل قرد وتجوزني البت يامحروس، يا أما من غير حلفان هاتشوف مني الوش الوحش اللي إنت أكيد عارفه، عشان أنا ماهسكتش عن حقي في الفلوس اللي شغلت بيها الدكان ولا الكيف اللي بتبلبع فيه بقالك سبوع ببلاش.
***
بعد قليل وحينما عادت زهرة وهي تحمل أكياس الخضروات والفاكهة التي ابتاعتها في طريق عودتها للمنزل، تسمرت واقفة فور دلوفها لمدخل البناية التي تقطنها حينما وجدت من يقف أمامها في وسطه. تبسم بسماجة يلقي إليها التحية:
- حمد الله السلامة، أخيرًا وصلتي ياعروسة.
تنهدت قانطة تستغفر ربها قبل أن تهم لتتجاهله وتتخطيه، ولكنه تصدر أمامها يمنع تقدمها:
- طب حتى ردي السلام، ولا إنتِ مكسوفة مني.
دفعته بيدها الحرة على صدره قائلة بعنف:
- ابعد عن طريقي ياجدع إنت، لأحسن وديني ألم عليك أهل الحارة وأفضحك هنا في العمارة.
رد بتشدق:
- تفضحيني ليه بقى؟ واحد و جاي يقابل عروسته فيها حاجة دي؟
رفعت شفتها قائلة بازدراء:
- عروسة مين يا برشامجي يا خرفان إنت؟ في إيه يافهمي؟ هو إنت فاكرني بقيت لقمة سهلة بعد خالي ماسافر؟ لأ فوق لنفسك يابابا، خالي اللي سففك التراب زمان لما حاولت تتعرضلي، أقدر في دقيقة أخليه يرجعلك من تاني.
انشق ثغره بابتسامة مردفًا بمكر:
- طبعًا فاكر العلقة يازهرة، بس فاكر اللي قبلها أكتر، إنتِ بقى فاكرة؟
ارتدت أقدامها للخلف بفزع وهو يتقدم نحوها يلوح لها بأبشع ذكرياتها، فتابع يشير بإبهامه:
- فاكرة يازهرة هنا تحت بير السلم، لما كنتي جاية من الدرس بلبس المدرسة اللي كان هاياكل منك حتة وإنت لسه خراط البنات خارطك جديد، بشعرك اللي كان مغطي ضهرك وجسم...
- إنت راجل مش محترم.
قاطعته صارخة تتخطاه صاعدة الدرج بسرعة، غير قادرة على تحمل سماع الباقي. ولكنه لم ييأس، جذبها من مرفقها لتلتف بجذعها إليه، فاردف متابعًا بفحيح:
- بتجري ليه مش إنتِ اللي فكرتيني بالعلقة؟ شكلك إنت كمان لسه مانستيش. الحضن ولا الب...
- أوعى سيبني ياحيوان.
صرخت تنتزع ذراعها منه وتصعد بسرعة من أمامه وكأنها تهرب من الموت، حتى إذا وصلت أخيرًا لشقتهم، فتحت الباب بخفة ثم وضعت أكياس الخضروات والفاكهة على الأرض بحذر حتى لا تشعر بها جدتها الجالسة في الصالة تشاهد التلفاز ومعها صفية. تحركت زهرة على أطراف أصابعها حتى دلفت لغرفتها، تغلق الباب عليها جيدًا قبل أن ترتمي على التخت وتشقق أخيرًا باكية، ترتجف وقد أعاد إليها هذا الرجل الكريه الذكرى التي خلفت بداخلها ندبة مازالت تؤلمها حتى اليوم، حينما كان عمرها لا يتعدى الخامسة عشر وكان هذا الرجل صديقًا جديدًا لأباها، في كل مرة رأته فيها لم تريحها أبدًا نظراته المريبة لها، ولكن صغر سنها لم يمكنها من تفهمها، حتى جاء هذا اليوم حينما كانت عائدة من دراستها التي استمرت لبعد صلاة العشاء بفضل مجموعات التقوية التي حضرتها أيضًا، رأته بالصدفة على الدرج أمامها كان هو نازلًا وهي صاعدة:
- ازيك يازهرة عاملة إيه؟
خاطبها وهو متصدر بجسده أمامها، اضطرت لرد التحية له على مضض، حتى تتخطاه وتصعد لجدتها وخالها.
- اهلًا ياعمي، أنا كويسة والحمد لله.
قال مداعبًا:
- إيه يازهرة؟ هو إنتِ شايفاني قد أبوكي عشان تندهيلي بعمي، بصيلي كويس كده أنا لسة في بداية شبابي ده أنا مجيش قد خالك حتى.
رفعت عينيها إليه مندهشة من كلماته، فتقابلت بعينيه وهذا الوميض الغريب بها، أومأت له برأسها دون اقتناع.
- حاضر تمام، عن إذنك بقى.
تخطته لتصعد ولكنها تفاجأت بصرخته فور أن أعطته ظهرها، استدارت إليه فوجدته ملقى على الأرض ممسكًا بقدمه:
- اااه، الحقيني يازهرة، أنا رجلي باينها اتكسرت من سلمكم المكسور.
ردت بخوف:
- طب أنا هاعملك إيه؟ هاروح أندهلك خالي.
صرخ بصوت أعلى:
- قبل ماتندهي خالك تعالي بس ساعديني أقوم بجسمي من عليها الأول، بدل الكسر مايتضاعف معايا، اااه، بسرعة يازهرة.
همت لتتجاهله وتصعد ولكن مع ازدياد أنينه وتألمه اضطرت لتنزل إليه. وقبل أن تقترب هتفت:
- طب أروح لندهلك حد من الشارع.
صرخ ضاربًا بقبضته على عتبة الدرج:
- إنت لسة هاتدوري وتندهي، يازهرة بقولك عايز أزيح تقل جسمي بس، مش طالب منك حاجة تاني.
أذعنت تقترب منه على حذر وهو يقبض على ذراعها بقوة حتى نهض متصنعًا الألم يتأوه:
- ااه يارجلي ااه.
تململت لتنزع قبضته من ذراعها:
- طب ثواني كده وأنا هاروح أندهلك خالي.
رفع رأسه إليها بنظرة لن تنساها أبدًا، وفاجأها بوقفه القدمين السليمة والتي ظنت أنها مصابة أيضًا، وقبل أن يخرج السؤال من فمها وجدته يحط بذراعها على خصرها والأخرى كممت فاهها فسحبها بسرعة البرق في الزاوية المظلمة أسفل الدرج، صرخت بصوت مكتوم وقاومت بكل قوتها الجسد الضخم، فما كان منه إلا أن زاد بضغطه يمرر شفتيه على وجنتيها ويتلمسها بوقاحة.
حينها ظهر خالها من العدم، وفلته عنها بلكمة أطارت سن من مقدمة فمه، ممطره بوابل من الشتائم والألفاظ النابية وهو يسحبه كالبهيمة في وسط الشارع يوسعه ضربًا حتى كاد أن يزهق روحه. لن تنسى أبدًا رائحته الكريهة، أنفاسه الساخنة التي كانت تحرق بشرتها، قوة كفه التي كانت تقبض على فمها حتى كادت أن تشعر بانسحاب روحها، في بضع لحظات لا تتعدى الدقائق القليلة، لكنها كانت كافية لتضع الخوف بقلب زهرة مهما مر من السنوات ومهما تطورت بحياتها.
***
في المساء وبعد أن استرخى قليلًا في حمام من الماء الدافئ ليصفي ذهنه ويزيح عن جسده قليلًا من إرهاق اليوم، خرج من حمامه بالسروال التحتي فقط يجفف شعر رأسه بالمنشفة الصغيرة، ولكنه انتبه يرفع رأسه على صوت صفير من الخلف، فتفاجأ بانعكاس صورتها أمامه في المرآة، جالسة بميل على طرف تخته مرددة بإعجاب:
- واوو جسم رياضي فعلًا زي ما قال الكتاب.
التف إليها برأسه ورمقها من تحت أجنحته قبل أن يعود ليصفف شعره قائلًا من تحت أسنانه:
- هي بقت عادة ولا إيه؟ أنا مش منبه عليكي، الأوضة دي ماتعتبيهاش تاني.
استقامت تنهض عن جلستها فوق التخت لتُظهر طول منامتها القصيرة وفتحاتها التي كشفت عن معظم جسدها، تتمايل بخطواتها أمام نظراته الثاقبة في المرآة، حتى اقتربت لتجفله بوضع كفيها على عضلات ظهره من الخلف تتلمسها ببطء وهي تردف بصوت ناعم:
- ممكن تسيبني ألمسهم؟ أصلي بصراحة عندي رغبة غير طبيعية إني أشوف قوتهم.
تركها تفعل دون أن يرفض، فاعتبرته استجابة لتكمل بكفيها حتى ذراعه ثم استقرت على العضلات الأمامية بتركيز. خرج عن سكوته يسألها باقتضاب وعيناه نحو انعكاسها في المرآة:
- عجبتك؟
همست بأعين تملؤها الرغبة:
- أوي، أصل آخر مرة لمستهم فيها مكانوش بالقوة دي.
ضيق عينيه ليلتف نحوها يسألها بتفكير:
- هي إمتى كانت آخر مرة بالظبط؟
أجابته بصوت يحمل في طياته العتاب:
- من كتير، كتير أوي يا جاسر، تقريبًا يجي أكتر من سنة.
- اممم.
زم بفمه الذي أطبقه واخفض عينيه عنها بتأثر شجعها لتردف سائلة:
- طول الفترة اللي عدت دي كلها ياجاسر، ماوحشتكش فيها ولا يوم؟
ارتفعت عيناه إليها، تتحرك شفتاه وكأنه يبحث عن إجابته ثم مالبث أن يجيبها بكل بساطة:
- لأ.
وكأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسها وأفاقها من غفوتها، رددت بعدم تصديق:
- إنت بتقول إيه؟
- بقولك لأ.
أردف بها مرة أخرى واستدار ليكمل تصفيف شعره بكل برود ليجعل نيران الغضب تشتعل داخلها، فقالت بشراسة:
- هو إنت فاكر نفسك إيه؟ لتكون فاكرني دايبة في دلال حضرتك وهاتعيش الدور عليا، لأ فوق ياجاسر، أنا ميرا.
قالت وهي تلوح له بسبابتها جعلته يعود إليها مردفًا بابتسامة اعتلت فمه:
- أيوه بقى يابرنسيس ميرا، طب أنا برفض كل محاولاتك معايا من ييجي أكتر من سنة، باقية ليه إنتِ عليا ورافضة الطلاق؟
قالت جازة على أسنانها:
- عشان أنا عاقلة كويس قوي، ومقدرة حجم الكوارث اللي هاتوقع فوق راسك وراس والدك لو انفصلت المجموعة.
رد غامزًا بعينيه:
- أنا متقبل وراضي بالكوارث، بس إنتِ وافقي ومايهمكيش.
زفرت تخرج من أنفها أنفاسًا حارة كالدخان وهي تنظر إليه تود لو إحراقه حيًا، ثم مالبثت أن تذهب ضاربة الأرض بقدميها من الغيظ، التف هو ينظر للمرآة يكمل ما يفعله بلا اكتراث.
***
في اليوم التالي بداخل الشركة وفي وقت استراحة الموظفين التقت زهرة في طريق ذهابها إلى الكافتيريا الخاصة بالشركة، بعماد الذي كان عائدًا منها ممسكًا بيده فنجانان من القهوة الساخنة. قال بابتسامته المعهودة:
- صباح الورد ورائحة الزهورة، رايحة فين؟
بادلته ابتسامته قائلة:
- صباح الفل ياسيدي، أنا رايحة الكافتيريا أشربلي حاجة سخنة.
- والحاجة السخنة دي بقى، تبقى قهوة باللبن.
قال وهو يناولها أحدى الفناجين التي بيده. تناولته منه ضاحكة:
- أيوه بس كده اللي كان طالبه منك هايزعل لما يلاقيك راجع من غير طلبه.
- وإنتِ مين قالك إني جايبه لحد غيرك؟ أنا جايبهولك إنتِ أساسًا.
رد ببساطة أثارت دهشتها، فسألته غير مصدقة:
- أيوه إزاي يعني؟
ارتشف من فنجانه قليلًا ثم أجابها بابتسامة:
- أصل أنا بقى عارف كويس أوي إن ده طلبك في كل مرة بتدخلي فيها الكافتيريا، فقولت في نفسي بقى أوفر عليكي المشوار وبالمرة أبقى خدت الثواب.
بابتسامة واسعة أنارت وجهها بادلته مزاحه:
- لا بصراحة كتر خيرك يااستاذ عماد، حضرتك وفرت عليا مشوار كنت هاتعب فيه قوي.
أكمل بمزاحه:
- لا داعي للشكر يازهرة، الحاجات البسيطة إحنا بنعملها عشان ربنا يبارك في صحتنا.
- كمان!
أردفت بها وضحكت من قلبها معه.
***
وعند كاميليا التي كانت مندمجة في عملها بتركيز كالعادة، شعرت بظل طويل بالقرب منها، رفعت رأسها فوجدت أمامها رجل وسيم بابتسامة أنيقة خاطبها:
- صباح الخير، جاسر موجود جوا.
خلعت نظارتها تعتدل في جلستها وردت بعملية:
- صباح الفل يافندم، جاسر باشا موجود فعلًا بس حضرتك يعني بتسأل في ميعاد مسبق؟
نفى بتحريك رأسه قائلًا بابتسامة:
- لا بصراحة مافيش، بس أنا هقابله برضوا.
خبئت ابتسامتها من رده الغريب فتابع قائلًا:
- إيه يا آنسة اتخضيتي كده ليه؟ اتصلي وبلغيه باسمي وريحي نفسك.
ردت بغيظ وهي تتناول هاتف المكتب تسأله:
- تمام يافندم، اسم حضرتك إيه بقى عشان أبلغه بحضورك؟
رد متسليًا لرد فعلها:
- قولي له طارق، طارق وبس.
أردفت من تحت أسنانها:
- وبس!
ردد خلفها بابتسامة مرحة:
- وبس!
***
وفي الداخل وأمام الشاشة الكبيرة التي تأتي بصور الكاميرات لمعظم أنحاء الشركة، تركزت أنظاره نحو الصورة التي أتت بصورتها وهي تبتسم بمرح مع الشخص الواقف أمامها، وقد علمه هو من وقفته، كان مستندًا بوجنته على أطراف أصابعه متابعًا بتركيز، والكف الأخرى تطرق بالقلم الذهبي على سطح المكتب، حينها آتاه اتصال كاميليا بحضور صديقه، أمرها بإدخاله على الفور.
- جاسر باشا.
أردف بها صديقه وهو يفتح باب المكتب على مصراعيه، نهض جاسر يستقبله بحفاوة:
- طارق الوكيل، اتفضل ياعم إنت محتاج عزومة.
دلف صديقه مهللًا:
- مش حكاية عزومة ياكبير، بس إنت راجل مهم والواحد لازم يستأذن قبل مايدخل عندك.
تصافح الاثنان بحرارة قبل أن يُجلسه أمامه.
واردف طارق مازحًا:
- دي مديرة مكتبك كان هاين عليها تاكلني أكل عشان بس نطقت جاسر حاف من غير باشا.
رد جاسر بدعابة:
- تاكلك إيه بس ياعم بحجمك ده؟ هو إنت مش شايف نفسك؟
أطلق طارق ضحكة مجلجلة بمرح:
- هههههه يخرب عقلك ياجاسر، لما تفك شوية كده بيطلع منك درر.
حينما هدأت ضحكات طارق سأله جاسر بجدية:
- وإيه أخبار المشروع الجديد بقى معاك؟ كويس كده ولا لسة فيه عقبات بتواجهك.
- لا ياسيدي الحمد لله المشروع تمام، بس بقى مهلك جدًا، ده أنا بالعافية فضيت نفسي النهارده عشان بس أزورك بعد مازهقت.
رد جاسر وهو مستند بمرفقيه على سطح المكتب يفرك بالقلم بين كفيه بتفكير وعيناه تتنقل كل ثانية نحو الشاشة:
- الله يكون في عونك وإنت فعلًا مش متعود على الشغل الكتير والمسؤولية، تحب أجيبلك حد يساعدك؟
***
- أنا يافندم معقول الكلام ده؟
تفوهت بها كاميليا بفرحة لا تصدق ما سمعته. أردف لها بتأكيد وهو يمضي على بعض الأوراق:
- أيوه إنتِ ياكاميليا، مش مصدقة ليه؟ إنتِ مجتهدة وتستاهلي كل خير.
- أيوه يافندم بس إنت بتمسكني مسؤولية كبيرة قوي.
رفع رأسه إليها مردفًا بعملية:
- يابنتي صدقي بقى إنت قدها، أنا خلاص مضيت القرار.
- بالسرعة دي كمان مضيت القرار؟ طب إحنا هنلاقي إمتى حد ياخد مكاني في الشغل هنا دلوقتي؟
اعتدل في كرسيه يجيبها بهدوء:
- لا ما أنا مش هجيب مديرة للمكتب، أنا عندي كارم المدير بتاع المجموعة بيسد معايا في كل حاجة، أنا بس هحتاج لسكرتيرة.
ردت كاميليا بلهفة:
- كويس أوي يافندم، أنا مستعدة أعمل مسابقة وحضرتك تختار بقى السكرتيرة اللي تعجبك وتريحك قبل أنا ما أسيب مكاني.
أجفلها برده الهادئ وهو يهتز بكرسيه:
- لا ما أنا مش هعمل مسابقة لسة وأوجع دماغي، أنا سألت رؤساء الأقسام هنا ورسيت على اسم سكرتيرة لواحد فيهم، وخلاص بقى أصدرت قراري الإداري.
لوح بالورقة الكبيرة أمامها على سطح المكتب فتناولتها بسرعة ولهفة قائلة:
- يارب أكون أعرفها.
قطعت جملتها حينما صعقت من رؤية الاسم، زاغت عيناها في النظر نحو الورقة ونحوه بصدمة بعدم تصديق، شفتيها تتحرك باضطراب، وهو ينظر إليها بتحدي، حتى غمغمت مع نفسها:
- يانهار أسود، دي كان عندها حق بقى.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثامن 8 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
على الكرسي الخشبي القديم الخاص بجدتها كانت جالسة بالشرفة الإسمنتية ومرفقها مستند على السور، تتأمل بزوغ اشراق الصباح، وزحف الأشعة الذهبية للشمس نحو الأرض والأبنية، ثم سرب الحمام الخاص بجارهم العم سعيد مصطف بخط مستقيم على طول سور المبني المجاور أمامها، تتنهد بسأم وقد عادت مرة أخرى لروتينها اليومي الممل من وقت أن تركت الدراسة، وكأن الثلاثة أشهر التي قضتهم في العمل الجديد بمرح ونشاط هو حلم وكان لابد من انتهائه، طموحها الذي بنته في خيالها للتقدم والتدرج الوظيفي، سعادتها بقبض الراتب في أول الشهر والتسكع مع الفتيات لتبتاع ماتحتاجه وتمنته.
كله حلم وانتهى بفضل هذا الرجل الكريه، زفرت من انفها بغيظ تعيد بذهنها هذه اللحظة التي اخبرها فيها رئيسها بالخبر المشئوم.
- نعم! حضرتك يافندم بتقول ايه معلش؟
اردفت بها بوجه شاحب اللون انسحبت منه الدماء على الفور، تحدق بالرجل الذي تبسم لها ظنًا منه ان ذلك من فرط فرحها.
حركت رأسها بعدم الإستيعاب او الفهم، مازالت حتى الاَن لا تصدق ماسمعته من الرجل أو على الأصح هي تكذب أذنها.
- مرتضى بيه، ممكن والنبي تقول من تاني، اصل انا بايني سمعت غلط.
ازداد اتساع ابتسامة الرجل قائلًا بتفكه:
- وانتِ من امتى بس كانت ودانك تقيلة يازهره؟ يابنتي بقولك اترقيتي وبقيتي سكرتيرة جاسر بيه، يعني اكبر راس في الشركة، دا انتِ حظك من السما.
اومأت بسبابتها نحوها بصدمة وهي شاعرة بأن الأرض بدأت تميد بها وقد تأكدت من الخبر المشئوم:
- انا حظي من السما؟
- طبعًا يابنتي حظك من السما، انتِ يدوبك متعينة هنا من كام شهر قليلين وحتى كمان ملحقتيش تثبتي رجلك كويس، قوم كدة الحظ يضرب معاكي وتبقي سكرتيرة جاسر بيه مرة واحدة، ماشاء الله يعني عشان ماحسدكيش، بس انتِ أكيد امك دعيالك صح؟
تبسمت بزاوية فمها ابتسامة ساخرة، تومئ برأسها دون رد فتابع هو:
- شوفي رغم زعلي انك هاتسبيني بعد ماعرفتي نظامي وريحتيني في الشغل، لكن انا برضوا اتمنالك الخير.
ابتعلت الغصة بحلقها وخرج صوتها برجاء:
- لكن انا عايزة افضل هنا، بصراحة لقيت راحتي في المكان ده.
تبسم الرجل لها بمودة قائلًا:
- يابنتي ماانا بقولك فراقك على عيني، بس اعمل ايه بقى، دا ألأمر الإداري صدر خلاص، لكن الصراحة بقى، انت لازم تشكري اللي دلوا عليا.
فاقت من صدمتها تسأله بحدة:
- ومين اللي دله عليا بقى؟
اجاب رئيسها يحرك كتفاه:
- بصراحة معرفش، بس هو لما طلبك مني، قالي ان في ناس شكرتلوا فيكي وفي شطارتك، ياللا شدي حيلك بقى عشان تبقي زي كاميليا، ماهي اترقت هي كمان، امال انتِ هاتبقي مكانها ازاي؟
عادت زهرة لواقعها تعض على شفتيها بغيظ، نحو من تسبب في قطع عيشها واثار الفتنة بينها وبين صديقتها التي تشاجرت معها، تصب عليها جام غضبها وكأنها المتسببة فيما حدث، تمتمت زهرة تستغفر ربها، ثم عادت برأسها للخلف تتسائل مع نفسها:
- هلاقي فين شغل تاني بس ياربي؟ دا انا مصدقت!
صدح صوت جرس المنزل وبعده اتى صوت رقية التي هتفت عليها من داخل غرفتها:
- شوفي مين اللي عالباب يازهره.
نهضت زهرة على مضض لتتحرك نحو باب المنزل، فتفاجأت بها أمامها:
- صباح الخير يازهره، ممكن ادخل.
تفوهت كاميليا بابتسامة جميلة مثلها، بادلتها زهرة بابتسامة شاحبة.
- صباح النور ياكاميليا، طبعًا تدخلي، دا البيت بيتك.
دلفت كاميليا خلفها لداخل المنزل تغلق الباب وهي تخاطبها:
- افردي وشك شوية، وقدري اني قاطعة المسافة البعيدة دي كلها وصاحية بدري كمان عن ميعادي رغم خناقتك الهبلة وهلفتك بالكلام معايا يامجنونة.
اشارت اليها زهرة لتجلس على احد المقاعد قائلة بحرج:
- ماانا كان لازم احط غلبي في حد بقى وقتها ولقيتك في وشي، معلش سمحيني.
جلست كاميليا على مضض مردفة لها:
- يابنتي والله مسمحاكي، وعارفة ان حالتك وقتها مكنتش طبيعية، بس دلوقتي بقا خلينا في المهم، واللي حصل ده نستغله لمصلحتنا مش نخاف ونقعد في البيت.
اتسعت عيناها وانفغر فاهاها تستوعب الكلمات فهتفت حانقة:
- نهار اسود؛ لتكوني جاية تكلمني في موضوع الشغل تاني ياكاميليا؟
اومأت لها برأسها بتأكيد:
- ايوة يازهره جاية اكلمك في الشغل تاني، عشان ارجعك لعقلك ياماما، لهو انتِ فعلًا ناوية تسبيه؟
- وماسيبهوش ليه بقى؟ اشحال ان ما كنت حكايالك قبل كدة وقايلالك على عمايل الراجل ده معايا، وانا متأكدة انه عايزني سكرتيرته عشان يكرهني في عيشتي ويخليني اطفش بخاطري من الشغل، وعلى ايه بقى؟ اخدها انا من قاصرها احسن.
ردت كاميليا تحادثها بالمنطق:
- زهرة ياحبيبتي، خدي الأمور كدة بعقل وبلاش العصبية دي، انت حكيالي وانا مبكدبكيش على فكرة، بس احنا ليه نسبق الأحداث، انتِ لما تمسكي هاتتحسبي سكرتيرة لرئيس الشركة ودي في حد ذاتها حلوة اوي في ال cv بتاعك، يعني لو حط عليكي وطفشك زي مابتقولي، يبقى ليكي فرصة ان شاء الله في شركة غيرها، لكن قطع رزقك كدة من الباب للطاق ماينفعش ياماما.
صمتت زهرة وعلى وجهها ارتسمت الحيرة فتابعت كاميليا:
- قومي يازهره البسي هدومك واستهدي بالله تعالي معايا بلاش دلع.
- ياكاميليا والله مادلع، الراجل ده بخاف منه فعلًا؛ يبقى ازاي بقى اشتغل معاه واتحمل اوامره ليا وزعيقه فيا لو حصل وغلطت مثلًا، دي حاجة صعبة اوي والنعمة.
تفوهت بها زهرة من خوف حقيقي نبع بقلبها، تبسمت لها كاميليا قائلة بتحفيز:
- وايه في الدنيا مش صعب، كل حاجة في حياتنا دي صعبة وخصوصًا في لقمة العيش، انتِ مجربتيش المرمطة ولا البهدلة يازهره عشان خالك ربنا يحفظه كان دايمًا محاوط عليكِ من النسمة الطايرة، ودي تعتبر اول فرصة تثبتي فيها نفسك لوحدك، زيحي من دماغك حكاية الخوف دي وجربي ولو مارتحتيش يبقى خلاص بقى.
- مش هاقدر همست بها وهي تحرك رأسها تردد:
- حقيقي بجد مش هاقدر ياكاميليا.
همت لتتكلم كاميليا ولكنها توقفت على نداء رقية من الداخل وصوت جرس المنزل من الناحية الأخرى.
- قاعدة مع مين يابت بقالك ساعة وسيباني لوحدي؟ مخبية على ستك ايه يا مقصوفة الرقبة؟
انشق ثغر كاميليا بضحكة مرحة تردف لزهرة:
- روحي انتِ شوفي مين، وانا هادخل لرقية جوا اسلم عليها.
فعلت زهرة وفتحت الباب لغادة التي هتفت حانقة:
- وبعدين بقى، تاني برضوا بلبس البيت واحنا متأخرين اساسًا، في ايه ياما؟ ليكونش ناوية تغيبي النهاردة كمان؟
ردت زهرة وهي تدلف معها للداخل:
- عادي يعني لما اغيب تاني كمان، اصلي لسة حاسة بتعب.
- والنبي! لتكونيش فاكرة انها شركة ابونا ياست زهرة؟
- من غير قلة ادب، انا بقولك تعبانة يبقى تقدري بقى، على العموم اهي كاميليا قاعدة جوا عشان تلاقي حد تمشي معاه.
اردفت بها زهرة وهي تسبق للداخل، غمغمت غادة خلفها:
- ودي ايه اللي جابها عالصبح عندك؟
***
في الداخل عند رقية والتي كانت تغازل في كاميليا الجالسة بجوارها على كنبتها تتلمس شعرها وثيابها:
- ياختي عليكِ وعلى حلاوتك يابت ياكاميليا، دا انتِ بقيتي ولا الهوانم يامضروبة الدم، ايشي اللبس الحلو ولا الشعر الملولو، لحقتي امتي تلولويه كدة يابت؟
ضحكت كاميليا تردد لرقية:
- عجبك ياستي اعملك انتِ شعرك؟
برقت عيناها رقية والتمعت بالحماس وقبل ان ترد سبقتها غادة وهي تدلف اليهم:
- طب اعمليلنا احنا شعرنا الأول وبعدها فكري في الست الكبيرة.
- كبيرة في عينك قطع لسانك قليلة الحياة هتفت بها رقية مسرعة وتابعت مخاطبة كاميليا التي لم تتوقف عن الضحك.
- عايزاكي يابت تفضي في يوم كدة وتيجي تعمليلي شعري.
- حاضر ياستي.
أومأت لها كاميليا مقهقهة وهمت لتقف مغادرة ولكن رقية جذبتها من ملابسها تسألها:
- الاقوليلي يابت، ماتجوزتيش ليه لحد دلوقتي؟ هي الرجالة عميت؟
اجابتها كاميليا بمسكنة:
- النصيب ياستي، اعمل ايه بقى وانا ملقتش نصيبي؟
لوحت لها رقية بكفها امام نظرات غادة المحتقنة:
- هتلاقيه ياختي وهايبقى لازقلك كدة ليل نهار زي ضلك، هو في حد برضوا يبقى معاه الحلاوة دي ويسيبها، دا يبقى مفغل!
***
في وقتٍ لاحق خرجت زهرة لتبتاع بعض الخضر والبقالة من السوق لسد احتياجات المنزل، وعلى إحدى درجات السلم في الطابق أسفلهم توقفت، حينما اصطدمت عيناها برؤية أبيها وهو خارج من باب شقتهم، في ميعاد ذهابه الى عمله الى ورشته، ترددت قليلًا قبل أن تحسم أمرها لتلقي التحية عليه ثم تكمل طريقها في المغادرة.
- صباح الخير.
انتبه محروس يرفع انظاره اليها ثم انطلقت ضحكة مستخفة منه نحوها يردد:
- ياصباح الهنا والسرور على الحلوة اللي سابت شغلها ورجعت تبلط من تاني في البيت..
رمقته زهرة مصدومة من شماتته وهمت لتخطيه وتجاهله ولكنه تصدر يقف أمامها متابعًا:
- ايه يادلوعة خالك، كدة بسرعة صرفوكي واستغنوا عنك لدرجادي انتِ خايبة، طب كنتِ قلدي غادة بنت اختى، اهي بت زي الوحش وتسد في أي موضوع؛ مش خايبة وهبلة زيك.
خرجت عن صمتها هاتفة بوجهه:
- وانت مين قالك اني سيبت الشغل أساسًا؟ عشان توقفني وتضحك من قلبك كدة على خيبتي زي مابتقول، دا بدل ما توقف جمبي وتقويني لو كان حصل فعلًا.
رفع شفته قائلًا لها:
- واقف جمبك ليه بقى؟ عشان تتنقعري وتشوفي نفسك عليا بزيادة، ما انتِ لو كان قلبك على ابوكي وبتسمعي كلامي مكانش ربنا جزاكي بعملك.
هبت صارخة متناسية وقفتها على الدرج بعد ان فقدت السيطرة على غضبها:
- انا عملتلك ايه ياعم عشان ربنا يجازيني؟ أذيتك في أيه انا عشان تطلع السواد اللي قلبك دا كله من ناحيتي.
- زهرة ياحبيبتي، هدي اعصابك شوية كدة الجيران هاتتلم على خناقكم واحنا مش ناقصين فضايح.
صدرت من سمية زوجة ابيها برجاء بعد أن أتت من داخل المنزل على أصوات شجارهم.
سمعت قولها زهرة وهمت للذهاب وترك اباها والشجار معه ولكنه اوقفها يقبض على رسغ يدها يقول:
- اسمعي يازهره، انا بقالي يومين سايبك تفكري براحتك، واهي جات من عند ربنا اهي عشان تعرفي بقى مصلحتك، فهمي راجل كسيب ومشتريكي، دا بيقولي لو طلبت نجوم السما هاجيبهالها، واديكي شوفتي بنفسك، دلع خالك ليكي خلاكي خبتي في كله، بلاش كمان تخيبي وتضيعي منك فرصة هاتخليكي هانم على حق.
- هانم مين ياعم اوعى سيب.
هدرت بها وهي تنزع رسغها من قبضته بعنف، ثم ركضت للعودة للمنزل وتركه.
وفي الأعلى وبعد أن صعدت زهرة لمنزلها مرة أخرى، تلقي حقيبة الخضروات الفارغة بعنف وغضب مما حدث.
- ايه اللي رجعك من تاني يازهره؟ وشك مقلوب كدة ليه يابت.
هتفت بها رقية بجزع وهي تنظر لحفيدتها التي اصطبغ وجهها باللون الأحمر القاني من الغضب وانفاسها تتلاحق بصدرها الذي يصعد ويهبط بسرعة وكأنها على وشك الانفجار، لم ترد زهرة على جدتها بل بادلتها النظر فقط حتى التفتت رأسها بحدة على فتح باب المنزل ودلوف سمية وخلفها شقيقتها صفية؛ التي هتفت صارخة عليها زهرة بحدة:
- انتِ برضوا اللي تعمليها ياصفية؛ وتروحي تبلغيه اني سيبت الشغل عشان يفرح فيا.
دافعت صفية تنفي بقوة:
- والله ماانا، والله ما قولتله حاجة، انا معرفش هو عرف منين أساسًا.
- ياسلااام، يعني انتِ اللي بتسألي كمان؟ على اساس اني مسمعة حد تاني غيرك انتِ وستي، اللي مابتخرجش من البيت ولا بتشوفه أساسًا.
جاء الرد من سمية على اتهام زهرة وشكها:
- والله ما صفية يابنتي، دا البت منى اختها الصغيرة، كانت جاية تاخد من عندكم شوية بهارات للأكل وسمعتك بالصدفة وانتِ بتقولي لستك، فنزلت بلغتنا واكنه خبر الموسم واحنا بناكل، ما انتِ عارفاها لسانها فالت ومابتبلش في بقها فولة.
سمعت منها زهرة وانتقلت عيناها التي اغشتها الدموع نحو شقيقتها التي اطرقت رأسها بحزن، ثم خطت لتسقط على الكنبة الخشبية بجوار جدتها تبكي بحرقة، جذبتها جدتها من قماش بلوزتها لتضمها اليها داخل أحضانها تسألهم:
- هو في ايه بالظبط؟ وماله محروس دا كمان بزهرة؟
جلست سمية هي الأخرى بجوارهم تربت بكفها على ظهر زهرة:
- معلش يابنتي سامحينا، بس دا ابوكِ بقى وانتِ عارفاه.
هتفت رقية بنفاذ صبر ونشيج بكاء حفيدتها يصل بحرقة لأسمعاها:
- ماله الزفت ابوها ماتقلولي عمل ايه معاها بالظبط؟ عشان يجبلي البت مقطعة نفسها كدة من البكا.
أجابتها صفية بتأثر هي الأخرى:
- عايرها بقعدتها من الشغل وزن عليها تاني في موضوع جوازها من فهمي.
- عايرها بإيه؟
صرخت بها رقية وتابعت بلهجة قوية:
- هو ليه عين دا كمان يعاير ويستعبط عالبت؟ ليه هو مش حاسس بنفسه ولا بالخيبة اللي هو فيها؟ ونعمة ربنا يا سمية جوزك لو ما لم نفسه عن البت ليشوف مني الوش التاني هو عارفه كويس وجربه، إلا زهرة ياسمية، فاهمة، إلا زهرة.
ردت سمية بقلة حيلة:
- وانا ايه اللي في إيدي بس ياخالتي؟ ما انت عارفاه البرشام لحس عقله، والزفت فهمي اليومين دول بقى مغرقه بيه، دا غير الفلوس الكتير اللي بقيت اشوفها معاه، وانا متأكدة انها برضوا منه...
هدرت رقية مقاطعة:
- ماليش فيه الكلام دا انا ياسمية، انتِ تنبهي عليه وخلاص.
- حاضر ياخالتي، حاضر هاقول.
اومأت لها سمية بطاعة، وظلت بجوارها هي وصفية ثم استأذنوا للمغادرة، وحينما هدأ بكاء زهرة قليلًا نزعتها جدتها من أحضانها تنهرها بقوة:
- فوقي يابت كدة واصحي، انتِ مش ضعيفة ولا قليلة عشان تنهاري من كلمة خايبة قالها ابوكي، ابوكي دا بالذات لازم تبقي قوية قصاده عشان مايحطش ولا يجي عليكِ ويستغلك فاهمة ولا لأ.
رفعت اليها زهرة انظارها تسألها برجاء:
- ستي، هو ابويا ممكن يعملها ويغصبني على جوازي من فهمي، والنعمة دا كنت اموت نفسي لو حصل.
- وتموتي نفسك ليه يابت ال.........
ردت رقية بسبة بذيئة اخجلت زهرة وهي تتابع خطابها لها بغضب:
- لا ابوكي ولا أي حد في الدنيا يقدر يغصبك على حاجة، خليكي قوية وماتخافيش من حد، الدنيا دي ياما هاتشوفي منها، ان ماكنتيش تواجهي وتدافعي عن حقك، هاتتفعصي بالرجلين ومش هاتحققي اي حاجة نفسك فيها، فاهماني.
اومأت لها زهرة برأسها وكلمات المرأة مازالت تترد بداخل عقلها بصخب، تستوعب معانيها وتعيها جيدًا.
أجفلت من شرودها على صوت هاتفها بمكالمة برقم دولي، امسكت به سريعًا ترد بلهفة ولهجة باكية:
- الوو ايوة ياخالي... ازيك ياحبيبي وحشتني او.
يرد خالها من جهته بصوت رجلِ انتابه القلق:
- الوو يازهره.....مالك ياحبيبتي؟ انتِ تعبانة ولا إيه؟
تدراكت نفسها فقالت نافية بالكذب:
- لا ياخالي مافيش حاجة، دا بس عشان انت وحشتني.
وصلها لهجته الحازمة:
- بلاش تكدبي عليا يابت، انت عارفاني، قوليلي ايه اللي مزعلك وخلاكي مفلوقة كدة من العياط؟
تلعثمت تنفي مرة أخرى وخالد من جهته يهتف بحزم وصوت جهوري يصل لجدتها التي جذبت الهاتف من يدها تختطفه منها قائلة بملل:
- اقولك انا ياخالد، بنت اختك معيطة عشان ابوها بيزن وعايز يجوزها من فهمي البرشامجي، عرفت بقى هي معيطة ليه؟
- فهمي تاني برضوا، طب وحياة امي لاربيه.
قالها بصرخة عبر الاَثير افزعت زهرة التي اختطفت الهاتف من جدتها تسأله بخوف:
- هاتعمل ايه ياخالي وانت في الغربة دلوقتي؟ انا مش عايزاك تأذي نفسك.
رد بلهجة هادئة نسبيًا مطمئنة:
- لا مش هأذي نفسي ياعين خالك، انا هاوقفه عند حده هنا من مكاني، دا ديته سهلة أساسًا!
***
في صباح اليوم التالي.
حسمت امرها زهرة بعد ليلة طويلة من السهر والتفكير فيما حدث ومافعله اباها معها مما جعل نوعًا جديدًا من التحدي لمواجهة الخوف ينبت بداخلها لخوض التجربة، وذهبت لتستلم مكانها الجديد في شركة الريان، بعد أن حفظته لها كاميليا مدعية غياب زهرة لسبب قهري، خلف المكتب وأمام الحاسب الاَلي، وقفت بجوارها كاميليا تشرح طريقة العمل وملفات العمل المطلوبة والمؤجلة، وهي مندمجة معها بكل تركيز؛ حتى شعرت بخطوات سريعة تقتحم الغرفة الواسعة؛ توقفت فجأة أمامها.
هتفت كاميليا لتقف على الفور وجذبتها هي من مرفقها معها تردد بتحيته:
- صباح الخير يافندم.
وصل لأسماعها صوته برد التحية على كاميليا وهي ترفع عيناها الخجلة اليه بتردد، فاصطدمت بعيناه المتصيدة، بابتسامة جانبية يردف لها بصوته الأجش:
- ياهلًا بالسكرتيرة الجديدة.
همست مرددة:
- ياأهلًا يافندم، حضرتك تؤمر بحاجة؟
- علي صوتك.
اردف بها فرفعت عيناها اليه باستفسار على جملته المقتضبة، أكمل هو:
- اتعلمي ترفعي صوتك شوية وانتِ بتكلميني.
اومأت برأسها فتابع وهو يخطو نحو مكتبه:
- شوية كدة وخليها تدخلي بالملفات ياكاميليا بعد ماتفهميها النظام.
فور أن اختفى داخل مكتبه شهقت تدخل بعض الأكسجين لصدرها:
- ياساتر يارب، هكمل ازاي انا معه ده؟
قالت مخاطبة كاميليا التي تسمرت محلها في التفكير لحظات قبل ان تردد لزهرة:
- طب ماهو كويس يابنتي أهو، مش وحش معاكي يعني للدرجة اللي انتِ بتوصفيها.
- والنبي ايه؟ ماخدتيش بالك انتِ بقى لما قرص على كلامه وهو بيقولي علي صوتك وانتِ بتكلميني.
- بس ابتسم، ودي حاجة نادرة اوي لجاسر الريان على فكرة.
انتبهت زهرة على جملة صديقتها ببعض الحيرة قبل أن تنتفض على صيحة انثوية بالقرب منهم.
- هي دي بقى الترقية الجديدة ياأبلوات؟
- يخرب بيتك وبيت صوتك ياشيخة.
اردفت بها كاميليا وهي تقترب سريعًا من غادة التي كان جسدها يهتز من فرط غضبها وعيناها وكأنها بداخلها براكينِ مشتعلة.
- بقى بتخبوا عليا، ياخاينة انتِ وهي ياقلالاة الأصل.
صمتت زهرة عن الرد، فهي ليست بحاجة لزيادة التوتر والخوف بداخلها، أومأت لها كاميليا نحو عدد الملفات الموجودة بركنٍ وحدهم على سطح المكتب وهي تضع كفها على فم غادة:
- خودي انتِ الملفات ودخليهم لجاسر بيه وانا هاتفاهم مع البت دي.
اذعنت زهرة لطلب كاميليا متجاهلة غضب غادة وهي تزوم نحوها ببعض الكلمات القاسية، وتحركت ببطء تمارس تمارين التنفس في إخراج الشهيق والزفير، قبل أن تطرق بخفة على باب مكتبه، فوصلها صوته الأجش:
- ادخل.
فتحت لتدلف متحاشية النظر نحوه رغم شعورها بنظراته التي تخترقها وهو يهتز بكرسيه بغير عمل، اقتربت لتضع الملفات امامه:
- اتفضل يافندم، دي مستندات مطلوب فيها امضتك.
- قولتلك علي صوتك.
اردف بها وهو بنفس جلسته على كرسيه، تنهدت بداخلها تناجي من ربها الصبر وهي تكرر ما قالته سابقُا بنبرة أعلى، رد هو متجاهلًا ما قالته:
- غيبتي وماجتيش ليه من اول يوم؟
اجفلها بسؤاله فرددت الحجة التي ذكرتها لها كاميليا سابقًا:
- ستي كانت تعبانة اوي، وانا ماقدرتش اسيبها لوحدها.
- اممم زام متنهدًا يتناول قلمه الذهبي من فوق سطح المكتب، فخاطبته هي تستأذن:
- طب اخرج انا يافندم ولو عوزت حاجة تندهلي.
استدارت تنوي المغادرة سريعاً، ولكنه اوقفها هاتفًا من خلفها.
- زهرة.
ضغطت تعض شفتيها بغيظ قبل ان تستدير عائدة اليه قائلة بأدب ولطف:
- نعم يافندم تؤمر بإيه؟
عاد بظهره للخلف مستندًا بأريحيه على كرسيه قائلًا بتسلي:
- عايز اشرب.
احتدت عيناها سريعًا قبل ان تتدارك نفسها، تتمنى داخلها لو اطلقت نحوه السباب وافراغ غضبها المكبوت منه، فقالت بزوق عكس مايدور بعقلها:
- تحب اجيبلك حاجة معينة تشربها يافندم؟
هز رأسه قليلًا قبل أن يشير اليها بسبابته على احدى اركان المكتب:
- التلاجة اللي هناك دي، جبيلي منها علبة عصير.
تحركت على مضض نحو المذكورة، وقبل ان تخرج له واحدة من المجموعة المكدسة أمامها سمعته يهتف:
- عصير مانجة..يازهره.
هذه المرة استغلت بعد المسافة وغمغمت بسبة عليه قبل ان تلتف اليه عائدة متصنعة الإبتسام.
- اتفضل يافندم.
قبض الزجاجة بكفه التي ما ان لمست كفها نزعتها بسرعة انتبه لها، فوجدته يتكلم بحزم ارعبها:
- تاني مرة مافيش غياب غير بإذن مني انا شخصيًا ولا أي حد يجي وبهزر معاكي طول مدة العمل، حتى لو في البريك.
اردفت بعدم تصديق:
- نعم!
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التاسع 9 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
نعم!
غمغمت بها بعدم تصديق وهي واقفة أمامه.
أردف هو بتأكيد وتشديد على كل حرف يخرج من فمه، وملامح وجهه الصارمة تخبرها بكل وضوح عن مدى جديته:
ـ خوديها قاعدة من دلوقتي يازهرة، أنا مبعدتش كلامي مرتين، وأنتِ سمعتِ كويس أوي أنا قولت إيه؟ فاستوعبي بقى براحتك.
هتفت متوخية الحذر في نبرة صوتها رغم الغضب الذي عصف برأسها وجعل الدماء على الفور تغلي بداخلها:
ـ يافندم أنا مش فاهمة يعني، حضرتك لو تقصد عن غيابي اليومين اللي فاتوا، فا أنا قولتك السبب هو مرض جدتي. أما عن حكاية الهزار ولا الضحك، فا أظن حضرتك يعني قبل ما ترقيني عندك، بالتأكيد طبعًا عرفت نبذة عن أخلاقي وشطارتي في الشغل، ولا أنا هنا على أساس إيه بالظبط؟
اعتلت شفته ابتسامة غير مفهومة وهو يلتفت مائلًا بجذعه نحوها مرددًا:
ـ طبعًا عشان شطارتك يازهرة، أمال هايكون عشان إيه تاني كمان!
توقفت قليلًا تنظر إليه بعدم فهم، وهو يبادلها النظرة بغموض. تود الجدال معه ولكن لا تملك الحيلة أو الطريقة أمام تحكمه وسيطرته. ثم مالبثت أن تتحرك لتجر أحباطها معها، وتستأذنه مغادرة:
ـ طب عن إذنك يافندم.
ذهبت من أمامه وهي تجزم بداخلها أن نظراته القوية نحوها تخترق ظهرها من الخلف. حينما خرجت ولم تجد الفتيات سقطت على كرسيها الجديد تنفخ بعنف مرددة:
ـ أووووف ياساتر، دا إيه ابني آدم ده؟
استغفرت قليلًا قبل أن تستدرك عدم وجود الفتيات، فالتفت برأسها تبحث في أنحاء المكتب مغمغة:
ـ ودول راحوا فين كمان؟
***
ـ خاينة، ونعمة ربنا طلعتي خاينة.
هتفت بها غادة نحو كاميليا بالغرفة الكبيرة الخاصة بحمام النساء، بعد أن أغلقنه عليهن. زفرت كاميليا ترد على اتهامها متحلية بضبط النفس:
ـ بلاش كلامك المستفز ده ياغادة، يابنت الناس أنا مش عايزة أخسرك. ساعة دلوقتي بحايل فيكي عشان أفهمك وأنتِ البعيدة دماغك فيها جزمة قديمة، بتهلفطي في الكلام، ومش مدياني فرصة آخد نفسي حتى.
هتفت غادة ببكاء تنتحب أمامها:
ـ يعني حتى الكلام اللي طالع من قهري مش متحملاه مني ياكاميليا؟ لدرجادي أنا تقيلة عليكم، تطبخوها مع بعض، أنتِ تترقي وتسحبيها هي مكانك وأنا زي الأطرش في الزفة تخبوا عليا عشان أعرف زيي زي الغريب، وبعد دا كله أطلع أنا برضوا الوحشة.
هزت برأسها كاميليا تستوعب رد فعل غادة الغريب فقالت بدهشة:
ـ أطرش إيه وزفة إيه اللي بتتكلمي عنهم؟ وليه البكا من الأساس؟ بنت خالك صدر قرار ترقيتها مع قرار ترقيتي، في وقت واحد، يعني محدش فينا اتدخل مع رئيس الشركة وهو بيمضي على القرار.
اقتربت برأسها منها تردف بتشكك:
ـ ياسلااام، وأنتِ بقى عايزاني أصدق الكلام ده؟ طيب ترقيتك أنتِ ومعروفة، عادي يعني وبتحصل. لكن ترقية زهرة في إنها تتحط مكانك، تيجي إزاي دي بقى؟ يعرفها منين هو؟ حتة موظفة صغيرة مكملتش أربع شهور في الشركة.
ـ معرفش!
اردفت بها كاميليا وتابعت بقوة نحو غادة:
ـ صغيرة ولا كبيرة حتة، دي كلها حاجات تخص رئيس الشركة، وأنتِ مش من حقك على فكرة إنك تزعلي في حاجة زي دي، لأنها ماخدتش مكانك ولا جارت حقك.
ـ لا حقي ياكاميليا.
صاحت بها غادة مقاطعة بحدة وأكملت:
ـ حقي عشان أنا اللي أستحق، أنا شغالة في العلاقات العامة يعني أنفع واجهة، أنا زكية ولبقة مع الكل، مش خيبة وبتكسف من خيالي زي صاحبتنا دي اللي بتتكعبل في هدومها لو حد كلمها.
أجفلت كاميليا وهي تعود برأسها للخلف تنظر إليها جيدًا بتمعن، مصدومة من ملامح وجهها التي أظلمت أمامها وتغيرت، وكأنها واحدة أخرى. سألتها غادة بنفس الحدة:
ـ إيه؟ بتبصيلي كده ليه وكأني واحدة مجنونة قدامك؟
صمتت كاميليا قليلًا ثم ردت بهدوء مع ابتسامة مستخفة:
ـ بصراحة مستغربة، أنتِ معصبة نفسك وقالبة الدنيا، على وظيفة زهرة كانت رافضها بكل قوتها، وقبلت بيها بالعافية في الآخر بعد ضغط.
ـ ننننعم!
صدرت من غادة رافعة طرف شفتها بازدراء أثار التسلية لدى كاميليا.
ـ والله زي ما بقولك كده ياقلبي، أنا عن نفسي بقالي يومين بحايل فيها عشان تقبل وأقدر أنا بعدها أمشي بقى وأستلم وظيفتي الجديدة!
اردفت بها كاميليا مستمتعة بمشهد غادة التي توسعت عيناها بشدة وهي تنظر إليها بذهول مع تجمد ملامح وجهها بشكل يثير الضحك.
أجفلن الاثنتان على طرقة خفيفة قبل أن يندفع الباب وتدلف زهرة إليهم. قالت مخاطبة إياهم رغم اندهاشها من هيئتهم:
ـ إيه الأخبار؟ كل دا قافلين عليكم الباب وبتتخانقوا؟
أومأت لها كاميليا بتعب وقبل أن ترد سبقتها غادة وهي تسأل زهرة رافعة حاجبها المرسوم بدقة:
ـ أنتِ فعلًا يابت كنتِ رافضة الشغل مع جاسر الريان؟
أجابتها زهرة غير مبالية:
ـ أه ياختي، وكان عندي استعداد كمان أسيب الشغل، بس أعمل إيه بقى؟ قبلت عشان ما يتقطعش عيشي في المخروبة دي.
صرخت غادة بحريق اشتعل بداخلها نحوهم:
ـ ولما هو كده والبرنسيسة بتدلع عالشغل، محدش قال اسمي أنا ليه؟ خبيتوا انتوا الاتنين عليا لييييه؟
انتفضت زهرة تلتصق بالباب خلفها واقتربت كاميليا منها تهتف بنفاذ صبر:
ـ وطي صوتك الله يخرب بيتك هاتفضحينا، أنتِ إيه يابنت أنتِ مجنونة؟ ارسي على حيلك بقى وليكي عليا في أقرب فرصة ححاول أنا بنفسي أتوسطلك على ترقية كويسة، حلو كده؟
صمتت غادة تكتم غيظها مع استمرار تلاحق أنفاسها الغاضبة وهي تحدق بهم. أجفلن فجأة على دوي صوت هاتف زهرة والتي فتحت بسرعة هروبًا من غادة على الرغم من عدم معرفتها بصاحب الرقم.
ـ الوو... مين معايا؟
ـ الوو.. يازهرة انتِ فين؟
فغرت فاهاها بصمت وهي تشير بسبابتها لكاميليا بدهشة نحو الرقم، وقد علمت صاحبه من صوته الأجش.
أجفلها مرة أخرى بصيحته:
ـ بقولك انتِ فين يازهرة ما تردي؟
انتفضت ترد سريعًا بتعلثم:
ـ أنا في حمام السيدات يافندم، انت عايز حاجة؟
ـ لا تمام، بس حاولي متتأخريش.
أنهى المكالمة بعد أن ختمها بجملته الهادئة. فالتفتت زهرة قائلة بحدة:
ـ ودي عرف رقمي منين ده؟ هو أنا لحقت أغيب دقيقتين عشان يتصل بيا يندهلي؟
لوحت لها كاميليا بكفها قائلة:
ـ دا شيء عادي يازهرة، رقمك بيبقى عنده في الملف بتاعك ولا أنتِ ناسيه، واحنا كده كده لازم نخرج بقى ونمشي، أنا أساسًا متأخرة على الوظيفة الجديدة.
تحركن للخروج ثلاثتهم فغمغمت من خلفهم غادة بحنق:
ـ اتحركي ياختي أنتِ وهي على وظايفكم الجديدة، الله يسهل لعبيده.
التفت إليها كاميليا برأسها ناظرة بيأس من طريقتها. أما زهرة فهتفت مرددة لها:
ـ خديها ياختي الوظيفة الجديدة مش عايزاها، قال اللي خدوا القرعة ياخدوا أم الشعور بلا هم.
***
في طريق عودة الفتيات نحو المقر الجديد لعمل زهرة، بعد تفرق غادة عنهن وعودتها لمحلها في العمل، توقفن على هتاف عماد الذي هلل أمامهن بمرح:
ـ ياهلا ياهلا بالناس اللي اترقت وهاتتكبر علينا ياهلا.
تبسمت زهرة تكتم ضحكها أمامه، وصدر الرد من كاميليا التي قالت بمزاح:
ـ آه نتكبر عليكم ونشوف نفسنا كمان، حقنا ياأخي مش اترقينا.
رد هو الآخر على مزاحها يلوح بسبابته لزهرة نحو الأخرى:
ـ شوفتي بقى يازهرة، أنا كان قلبي حاسس من الأول إن البت دي مستنية بس فرصة، واخدة بالك؛ فرصة بس عشان تنزع بقى الوش الناعم ويظهر وشها الحقيقي.
قالتها كاميليا ردًا على مزاحه:
ـ أنا برضوا ياعماد، ولا أنت اللي السواد بقى مالي قلبك ياجدع.
ـ أنا برضوا اللي السواد مالي قلبي؟ ولا أنتِ اللي طلعتي صفرا واحنا مكناش واخدين بالنا ولا إيه بس.
أصبح هو وهي يتبادلان المزاح، وزهرة تضحك بينهم بخجل كالعادة، غير قادرة بحيائها الدائم على مجاراتهم في الحديث المرح، حتى انتفضت على دوي هاتفها برقمه مرة أخرى، فهتفت على كاميليا قبل أن تهرول إليه:
ـ دا بيتصل بيا يستعجلني من تاني، أنا ماشية بقى وانتِ ابقي حصليني.
نظر عماد في أثر زهرة يغمغم سائلًا لكاميليا:
ـ مين ده اللي بيتصل يتسعجلها من تاني؟
ـ قصدها على رئيسها الجديد جاسر بيه طبعًا، أمال هايكون مين يعني؟
قالت كاميليا قبل أن تستأذن هي الأخرى لتلحق بها قبل أن تغادر الشركة، وتذهب لمحل عملها الجديد.
***
ـ اتأخرتي ليه؟
هتف بها بأعين حمراء من الغضب، فور أن دلفت إليه. خرج هي صوتها بارتعاش من هيئته:
ـ أنا كنت في الحمام، يعني شيء عادي لو حصل واتأخرت يافندم.
ضرب بكفه على سطح المكتب هادرًا بقوة جعلها تنتفض مجفلة:
ـ متأكدة يا زهرة إن تأخيرك كان في الحمام وبس؟ يعني ما وقفتيش تضحكي ولا تهزري مع حد مثلًا؟
قطبت جبينها تسأله بدهشة:
ـ قصدك إيه يافندم؟ أنا مش فاهمة.
ضغط يجز على أسنانه وهو يتناول في الملفات يرميها نحوها على سطح المكتب بغيظ:
ـ أقصد ولا مقصدتش، اتفضلي الملفات دي كلها تراجعيها وتعملي تقارير مفصلة عنها فاهمة.
أومأت برأسها بقهر وهي تتناولهم بفزع من حجمهم وعلمها الأكيد بالساعات المرهقة التي ستقضيها في العمل حتى الانتهاء منهم.
فور أن استدارت سمعته يهتف من خلفها:
ـ ومافيش بريك النهاردة يازهرة.
أومأت برأسها مرة ثانية، تحتجز الدموع بعينيها.
تابع خروجها الحزين دون أسف، فور تذكره رؤيته لها بالشاشة وضحكاتها مع كاميليا وهذا الفتى ثقيل الظل وهو يتباسط في حديثه معهم، لدرجة جعلته يتمنى التخلي عن وقاره، ليذهب إليهم فارضًا الخصومات والجزءات عليهم، حتى لا يلتقوا مرة أخرى. تمتم فور خروجها بغيظ:
ـ ماشي يازهرة، ماشي ياعماد ال...
***
في الخارج كانت كاميليا تلملم في متعلقاتها وأشيائها الخاصة من فوق سطح المكتب والأدراج، قبل مغادرتها الشركة نهائيًا، لاستلام وظيفتها الجديدة. أجفلت على خروج زهرة بوجهها العابس وهذا الكم الهائل من الملفات التي أسقطتهم على سطح المكتب بعنف.
ـ إيه ده؟
سألتها كاميليا قاطعة وهي تشير بعينيها نحوهم. أجابتها زهرة بابتسامة صفراء:
ـ دا الهم التقيل اللي أمرني الباشا أشتغل فيهم بعيد عنك، أنا قولتلك الراجل ده مشغلني عنده عشان يطفشني ويطلع عليا عقدة مصدقتنيش.
مطت شفتاها واهتزت كتفاها كاميليا بعدم معرفة تجيبها:
ـ مش حكاية مصدقتكيش، بس هو أساسًا نظام الشغل هنا بالشكل ده، دول عددهم كبير، امتى بس هاتلحقي تخلصيهم؟
سقطت زهرة على مكتبها تردد بغيظ:
ـ لما هو بيعمل معايا كده من أول يوم، أمال بقية الأيام هايعمل إيه بس؟ أنا مش عارفة إيه طبيعة الراجل ده بصراحة؟ دا كل اللي عليه، بتضحكي وتهزري، بتضحكي وتهزري، فيه إيه هو هايكتم نفسي ولا إيه؟
تسمرت كاميليا وتوقفت عما تفعل وهي تنظر إليها مضيقة عينيها بتفكير مرددة:
ـ تضحكي ولا تهزري! وهو ماله أساسًا؟
رفعت زهرة إليها أنظارها تهتف حانقة:
ـ أنا الدنيا اسودت في عنيا يا كاميليا وبقيت حاسة نفسي هاطرد قريب بسببه، تصدقي بالله دا منع عني حتى البريك العادي بتاع الموظفين هنا في الشركة.
هتفت كاميليا مرددة خلفها:
ـ كماااان!
***
وفي الناحية الأخرى، على مكتبها كانت تتلاعب بقلمها، مطبقة شفتاها، وعيناها تنظر في الفراغ بشرود، من وقت أن تركت الفتيات، ونيران صدرها مازالت مشتعلة ولم تهدأ بعد. عقلها يدور بلا هوادة نحو خيانتهم لها، وخططهم التي يدبرونها من خلف ظهرها، وهي التي كانت تظن أنها أذكى من الاثنتين في التدبير والتخطيط؛ تستفيق الآن على هذه الحقيقة المرة، أنها كانت مغيبة في اللعب مع نفسها دون مساعدة، في مقابل اتفاق كاميليا مع زهرة من خلف ظهرها، ليصبحن أعلى منها في التدرج، بالإضافة إلى راتبهم والذي سوف يزداد لضِعف راتبها هي، بالإضافة لزيادة فرصهم في العثور على العريس الذي تحلم أو "اللقطة" كما تتخيل. جزت على أسنانها وهي تردف لنفسها بصوت مسموع:
ـ لا وبيشقوطني لبعض ويقولولي إن البرنسيسة كانت رافضة كمان! ماشي، بقى أنا أفضل موظفة كحاينة في مكاني هنا، وهما يسبقوني بمراحل في كله، ماشي ياكاميليا، ماشي يازهرة.
ـ غادة.
التفت رأسها بحدة نحو زميلتها في الغرفة التي هتفت باسمها تنظر لها بصمت فتابعت الفتاة:
ـ أنتِ بتكلمي نفسك ياغادة؟
ـ أكلم نفسي ولا أتجنن حتى، أنتِ مالك أنتِ؟
بها في وجه الفتاة جعلتها تتركها بخوف قائلة:
ـ خلاص ياأختي، اعملي أنتِ عايزاه وأنا مالي.
عادت غادة لنفسها وخططها توعد داخلها بالتقدم عليهم وسبقهم، مهما حدث ومهما كان الثمن.
***
في مكتب الرئيس الجديد كانت واقفة مكانها برهبة في انتظاره، تنظر من النافذة الزجاجية الكبيرة نحو المناطق الصناعية حولها، وحركة المارة من العمال والموظفين؛ وهم يبدون كالنمل أسفل المبني الشاهق الارتفاع. التفت رأسها فجأة على صوت الباب الجانبي الذي فُتح على آخره ليدلف إليها هذا الرجل الذي رأته قريبًا يطول جسده الغريب، بالإضافة إلى وسامة وجهه الغريبة.
ـ مساء الفل، اتأخرت عليكي صح.
أردفت خلفه ترد التحية:
ـ مساء الخير يافندم، عادي ولا يهمك.
جلس بحماس على كرسيه يردد وهو يشير لها لتجلس أمامه:
ـ أعملك إيه بقى؟ ما أنت لو جيتي من أول يوم، كان زمانك حاضرة معانا الاجتماع دلوقتي.
أومأت بابتسامة مجاملة:
ـ تتعوض يافندم، الجيات أكتر من الرايحات. المهم أنا كنت عايزة أعرف فين مكتبي عشان أحاول أفهم النظام من دلوقتي.
أطلق ضحكة مدوية أجفلت من غرابتها قبل أن يردف لها:
ـ كده على الحامي على طول، دا صدق بقى جاسر لما قال إنك زي القطر في الشغل.
لم تستجب لدعابته وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها وجهها وهي لا تدري إن كان هذا مدح أو سخرية. انتبه هو فقال مصححًا:
ـ على فكرة أنا مش بتريق، أنا قصدي إنك بيرفكت يعني ودي حاجة ممتازة طبعًا ولا إيه؟
أومأ غامزًا بعينيه الجريئة بنظرتها، وابتسامة ماكرة جعلتها تتوتر في حضوره. حركت هي رأسها بموافقة مدعية الجدية كعادتها وقالت:
ـ تمام يافندم ممكن بقى أعرف مكتبي فين؟
ـ تاني برضوا.
أردف بها مطقًا ضحكة أخرى يردد معها ٦٦:
ـ طب خدي نفسك حتى وقدريني شوية؛ تشربي معايا حاجة ساقعة أو سخنة، مش إحنا ها نبقى معظم الشغل بينا الأيام اللي جاية برضوا.
أومأت بالموافقة وقد أربكها بكلماته للمرة الثانية.
***
وعودة إلى زهرة التي كانت منكفئة على الملفات المكدسة أمامها بتركيزٍ قد أوشك على النفاذ منها؛ بعد قضاءها عدة ساعات في العمل بها، وهي لم تنهي نصفها بعد حتى. رفعت رأسها عنهم بتأفف وقد اشتد الألم في رقبتها وظهرها.
ـ روح ياجاسر ياريان الهي ما توعى تبربش بعينيك ياشيخ.
تمتمت بها بغيظ وهي تتناول هاتفها تتصل على جدتها:
ـ الوو... أيوه ياستي عاملة إيه دلوقتي؟
ـ ... البت صفية مرعياكي ولا سابتك؟
ـ ... طب كويس أوي، اتغدّيتي بقى ولا لسة؟
ـ .... ليه بس ياستي ما أنا قايلالك من الأول إني هاتأخر.
ـ .... والنبي ياشيخة ماتتعبي قلبي، أنا قولتلك إني هاتأخر يبقى خلاص بقى.
ـ .... لا ما أضمنش هرجع الساعة كام؟
ـ .... تمام ياقلبي ولا يهمك بس ماتنسيش تدعيلي والنبي.
ـ ... ياروح قلبي، حاضر من عيوني هاجيبلك بسبوسة تحلي بقك بيها، أنتِ تؤمري ياقمر.
أنهت المكالمة بابتسامة كالعادة، تدخلها عليها رقية بخفة ظلها الدائمة، ولكنها اختفت فور أن اصطدمت عيناها به، واقفًا بجوار باب مكتبه المفتوح، واضعًا كفيه بجيبي بنطاله، وكأنه يراقبها!
قطبت تنهض عن كرسيها بامتعاض وقالت على مضض:
ـ حضرتك عايز حاجة يافندم؟
تقدم بخطواته ليصل إليها قبل أن يرد بسؤال:
ـ كنتِ بتكلمي مين؟
ـ نعم!
قالتها باستنكار، فقال مبررًا:
ـ أنا أقصد طبعًا، عشان الشغل اللي سيباه وراكي متكوم ده.
قال وهو يومئ بعينيه نحو الملفات، ردت هي تجاهد للتحكم في غضبها:
ـ يافندم ما أنا شغالة أهو وما بطلتش دقيقة، جات يعني على اتصال صغير أطمن بيه على ستي؟ دا أنا حتى ما أخدتش البريك بتاعي، ولا ريحت نهائي.
ـ صمت يحدق بها قليلًا بملامحه الصارمة ثم أومأ بعينيه نحو المكتب قائلًا:
ـ ماهي السندوتشات قدامك أهي، ما أكلتيش ليه أنتِ بقى؟
رمقت زهرة الشطائر التي وضعها عامل الكافتيريا أمامها على سطح المكتب منذ ساعات في خطوة غريبة، جعلتها تسأل العامل عنها فاأجابها، بأنه أتى بأمر مباشر من رئيسها؛ رئيس الشركة.
ـ ما بترديش ليه؟ أنا بكلمك.
سألها بصوته الأجش، ردت زهرة كاذبة:
ـ متشكرة يافندم، أنا مش باكل حاجة برة البيت.
مال برأسه ساخرًا يقول:
ـ غريبة يعني، مع إن أول مرة شوفتك فيها هنا في المكتب؛ وكان السندوتش في إيدك ساعتها!
احتلت عيناها وازداد توترها، لتذكيرها بها اللقاء الكارثي مع تذكره لتفصيلة صغيرة كهذه، فقالت باعتزاز:
ـ بتحصل يافندم، بس لما أبقى جعانة بقى؛ لكن أنا دلوقتي مش جعانة ولا ليا نفس نهائي.
صمت مرة أخرى يعاود التحديق بها وهي واقفة بتملل، من سهام نظراته المصوبة نحوها. ثم مالبث أن يرد بلهجة غامضة:
ـ تمام يازهرة، روحي أنتِ دلوقتي وكملي بقى بكرة.
رفعت عيناها إليه تسأله بعدم تصديق:
ـ صح يافندم، يعني أنا ممكن أروح دلوقتي؟
انتظرته قليلًا قبل أن يجيبها بتمهل وهو يضغط على كلماته:
ـ كام مرة هأقولك إني مبركررش كلامي يازهرة.
ـ تمااام.
أردفت بها مقتضبة وهي تومي برأسها بتفهم وعيناها تخفضها عن النظر نحوه. أجفلها بسؤاله:
ـ هاتروحي مع مين دلوقتي وكاميليا مش موجودة؟
ـ هاتروح معايا أنا ياجاسر باشا.
صدرت بغتة من الخلف جعلتهم ينتبهون على دلوفها إليهم، وتابعت:
ـ أنا غادة بنت عمتها ياجاسر ياباشا، هو أنت مش فاكرني؟
اكتفى بأن يلوح لها بكفه وهو يرتد عائدًا إلى مكتبه دون أن يرد عليها. تسمرت غادة قليلًا تتابعه حتى اختفى داخل مكتبه، تغمغم بانبهار:
ـ القميص الأبيض هاياكل منه حتة وهو متقسم مظبوط على العضلات والجسم المفرود، يخرررب بيت حلاوتك.
بعد انتهائها التفت لزهرة وجدتها جالسة ووجنتها مستريحة على قبضتها المستندة بها على سطح المكتب، تحدق بها مضيقة عينيها.
ـ ننعم!! بتبصيلي كده ليه بقى؟
تجاهلت زهرة السؤال وردت بسؤال من عندها:
ـ أنتِ برضوا لحقتي تظبطي مكياجك؟ لا وتغيريه بالكامل كمان، لهو أنتِ بتقضي يومك كله في الحمام يابنتي؟
تبسمت غادة باستخفاف وهي تجلس أمامها:
ـ مافيش داعي إني أشرحلك وأتعب نفسي، عشان دي حاجات صعب عليكي تتعلميها ياروحي، يللا بقى خلصينا عشان نعرف نروح، عشان كمان تعرفي إني بعمل بأصلي رغم خستك وندالتك معايا، أنتِ والمحروسة كاميليا، لكني جيتلك اهو عشان آخدك تروحي معايا.
ردت زهرة بابتسامة ساخرة:
ـ كتر خيرك ياست غادة، اخجلتيني بتواضعك حقيقي يعني، على العموم أنا خمس دقايق كده وهاخلص الملف اللي في إيدي، مش هاخليكي تتأخري أكتر كتير يعني.
مطت شفتيها وهي تومئ لها بعينيها بعدم اكتراث، ومن داخلها تمتم:
ـ أصبر نفسي معلش وماله، مش يمكن يطلع من وراها المصلحة ولا الشبكة تلقط بسببها! ويجي الخير اللي بحلم بيه.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل العاشر 10 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أمام مراَتها كانت تمرر الفرشاة على وجهها وهي تضع في مساحيق التجميل المتعددة ببطء وتمهل، متجاهلة عن قصد دوي هاتفها بمجموعة هائلة من الإتصالات التي كانت تنظر لها باستخفاف ثم تعود لما تفعله بعدم اكتراث للوقت أو مايتبعه من عواقب في التأخير.
ركزت بدقة على كل تفصيلة بوجهها غطتها وجملتها بحرفية عن خبرة سنوات؛ لما تفعله منذ أن تخرجت من المعهد مع زهرة.
ثم انتقلت للعمل بالمحلات كبائعة او المطاعم كنادلة، فاكتسبت خبرة في الإحتكاك والتعامل مع جميع اصناف البشر، عكس ابنة خالها التي ظلت محتبسة البيت بعد تخرجها، معتمدة اعتمادًا كليًا على خالها الذي كان يُحاوطها برعاية وحمائية مثيرة للإستفزاز قبل أن تأتيهم الفرصة معاً في الإلتحاق بالعمل مع كاميليا بشركتها.
وتساوت الرؤوس بينها صاحبة الخبرة والممارسة العملية وبين ابنة خالها المحظوظة والتي خرجت من منزلهم على مقعد السكرتارية مباشرةً؛ فلم ينل منها تعب المناهدة مع الزبائن في المحلات أو تتوجع اقدامها من الوقوف طوال اليوم كنادلة في المطاعم الرخيصة.
انتبهت هذه المرة على صوت اَخر لجرس المنزل، توقفت قليلًا تستمع لبعض الأصوات التي تداخلت مع صوت والدتها التي فتحت الباب، ثم تفاجأت بها بانعكاس صورتها في المراَة وهي تقف خلفها بوجه متجهم وعابس.
"انتِ لسة واقفة قصاد المراية وبتتمكيجي ياغادة؟ مش واخدة بالك ياهانم من الساعة ولا بالتأخير اللي اتأخرناه، دا انا بقالي ساعة برن عليكي وانتِ حتى مكلفتيش نفسك تردي عليا؟ يعجبك كدة عمايلها البت دي ياعمتي؟"
"يرضيني بقا ولا مايرضنيش، هاعملها ايه انا بقى؟ اهي قدامك اهي؛ اتصافوا مع بعض."
قالت إحسان وكأن الأمر لا يعنيها، ثم تحركت تخطو للخارج بهدوءٍ غريب اندهشت له زهرة.
ثم انتبهت على قول غادة التي تحدثت هي الأخرى ترد عليها.
"ياستي مرة في التاريخ تتحسب فيها مجيتك ليا عشان تستعجليني عالشغل زي ما بعمل انا كل يوم، وبتحمل كلام رقية وتريقتها من غير ما اشتكي."
"مجية ايه وهباب ايه؟ في ايه يابنتي احنا متأخرين بجد والله، اخلصي الله يخليكي مش عايزة اخدلي كلمتين من جاسر الريان لو اتأخرت."
لوت ثغرها وهي تغمغم أمامها.
"ايوة بقى عايريني بالشغل الجديد والترقية، ماانا عارفه وفاهمة لوحدي مش محتاجة تفكريني يعني."
"أفكرك بإيه يابني أدمه انت بقولك متأخرين، دا وقته كلامك ده؟"
هتفت بها زهرة حانقة نحوها.
ردت غادة وهي تدنوا نحو على الأرض.
"ثواني طيب هالبس الجزمة بتاعتي."
صرخت زهرة بعدم سيطرة.
"كمااان، لسة هاستناكي على ما تلبسي الجزمة؟ دا شكلي انا اللي هالبس النهاردة وانول غضب هولاكو!"
بعد مايقارب الساعة كانت زهرة تقف على أعصابها بجوار غادة في مصعد الشركة وهي تنظر للساعة كل دقيقة، تتمتم بقلق.
"يا نهار اسود المواصلات عكت معانا وزودت التأخير، مصيبة بقى لو كان وصل هو قبلي، دا مش بعيد يطرني اصل انا عارفاه دا بيتلككلي."
مصمصت غادة بشفتيها تردف لها بصوت مسموع.
"ياسلااام، على أساس بقى ان الراجل حاطك في دماغه؟ هو فاضي يفتكرك اساسًا؟"
لم ترد زهرة وتجاهلت تهكمها للتندمج في النظر نحو العداد الإلكتروني في انتظار الوصول لطابقها، حتى اذا توقف المصعد خرجت سريعًا وخلفها غادة التي تقابلت عيناها فور خروجها بهذا الرجل ثقيل الظل الأسمر، يغمز لها بعيناه قبل ان يدلف لداخل المصعد في الجهة الأخرى تقبلتها بتكشيرة بوجهها أمامه.
ولكن عقلها تيقظ فور ان تذكرت انه حارس جاسر الريان الشخصي.
نظرت نحو زهرة التي كانت تهرول مسرعة بالرواق الطويل، فومضت برأسها فكرة خبيثة، لتنفذها بدون تأخير.
وبحركة مفاجئة صرخت على زهرة توقفها.
"اَه، الحقيتي يازهرة."
استدارت اليها زهرة مجفلة على صوتها فوجدتها متكورة على نفسها بجانب الحائط، واضعة كفها على رأسها، تأن بألم.
"اللحقيني يازهرة، حاسة نفسي مش قادرة اكمل."
ارتدت عائدة اليها تسألها بخوف مختلط بالأندهاش وهي تقترب منها.
"مالك يابنتي؟ ايه اللي حصل ماكنتي كويسة."
ردت غادة متصنعة الألم.
"مش عارفة يازهرة، فجأة كدة حسيت بدوخة جامدة اوي، ااه، دا بابنه ضغط دا ولا إيه؟ انا حاسة نفسي هاقع اسنديني يازهرة."
"طب يعني اروحك دلوقتِ ولا اعمل معاكي ايه بس؟"
قالت زهرة بتوتر وهي تسندها بيديها الاثنتان.
تشبثت بها غادة أكثر تجيبها.
"لا يازهرة انتِ بس وصليني مكتبي، ولا اقولك وصليني على مكتبك اقرب، اخد نفسي بس الاول وبعدين نشوف."
"طب تعالي بقى وربنا يستر."
أذعنت زهرة توافق على طلبها على مضض وهي تعود لساعة يدها كل دقيقة تحتسب الدقائق التي تمر على تأخيرها عن ميعادها وهي تسير بخطواتِ بطيئة مع غادة التي تتحامل بثقل جسدها عليها.
حينما وصلت للغرفة الواسعة توقفت على مدخلها بأعين جاحظة من الخوف، وهي تراه أمامه متكئ بجسده على طرف مكتبها وكأنه في انتظارها، بوجه متجهم عاقد حاجبيه المقلوبان وهو ينظر نحوها بتحفز.
ابتلعت ريقها الذي جف على الفور من الخوف فقالت لغادة وهي تتركها.
"استني هنا ماينفعش تدخلي دلوقتِ."
حاولت غادة التفوه بكلمة ولكن زهرة لم تعطيها فرصة وهي تخطو بتردد وخوف نحوه.
حتى اذا وصلت قالت بأدب.
"صباح الخير يافندم."
رفع حاجبه الشرير يجيبها بنبرة مريبة باعثة للخوف أكثر بقلبها.
"صباح الخير!! دا على أساس انك واصلة في ميعادك مش قريب على ادان الضهر."
"أدان الضهر ازاي بس يافندم الساعة لسة ماتمتش تسع......"
قالت ببرائة لتنتفض فجأة على مقاطعتهِ لها بصحية قوية جعلت جميع جسدها يهتز مرتدُا لخلف.
"وليكِ عين تقوليها كمان قدامي، بعد ماسبتيني انتظرك بالنص ساعة."
ارتعشت شفتها وتلعثمت وهي لا تقوى على تجميع كلمة مفيدة أمامه.
"ممم ماهي بنت عمتي..."
دوى صوت غادة من ناحية الباب تردف له متصنعة اللهاث.
"هي ملهاش ذنب يا جاسر باشا، انا اللي أخرتها لما تعبت ودوخت فجأة وهي كانت بتسندني."
انتبه لها فرمقها بنظرة مخيفة قبل أن يصيح بصوتِ جهوري اهتزت له أركان المكتب.
"ارجعي على مكتبك يا اَنسة ولو تعبانة روحي على ببتكم، معنديش انا وقت للكلام وللتفسير."
فغرت غادة فاهاها ببلاهة وعدم استيعاب فهدر عليها بقو اكبر.
"بسرعة يالا."
انتفضت تهرول بجزع أمامهم، متناسية ادعاءها المرض، فعاد جاسر يومئ بسبابته لزهرة نحو اثرها.
"هي دي اللي كانت تعبانة وبتسنديها؟"
صمتت زهرة لا تقوى على جداله، فخاطبها يجز غلى أسنانه.
"موضوع التأخير ده ما يتكررش تاني، اوصل انا المكتب الاقيكي في انتظاري، فاهمة."
اومأت برأسها بألية وتابع هو.
"انا داخل مكتبي، عشر دقائق والاقيكي داخلة بملفات مصنع الأسمنت."
اومأت مرة أخرى وهي لم ترفع عيناها اليه فذهب لغرفة مكتبه لتسقُط هي على مقعدها مطلقة السراح لدماعاتها التي كانت تهطل بغزارة، وهي تكتم شهقاتها وتفعل ما أمرها به بقهر.
في وسط الحارة التي تقطنها زهرة علقت اعقاد الزينه والمكبرات الصوتية وانتصب الخشب في التحضير لحفل زفاف احدى فتيات الحارة.
كان محروس جالسًا مع احد اقارب العروس بتابع الاستعدادت حينما اتى فجأة فهمي ليلجلس بجواره يحيه.
"عم محروس ازيك ياحبيب قلبي وحشني."
"اهلًا يافهمي ماتشوفش وحش."
قال محروس على مضض امام الرجل الذي انسحب بزوق من جوارهم.
"طب عن اذنكم ياجماعة انا رايح اشوف البنات حضروا الغدا ولا لسة."
قالها الرجل وهو يذهب متهربًا من الجلسة معهم، نظر في اثره فهمي يردد من خلفه بسماجة.
"اذنك معاك ياعم عادل، ربنا يتمم جواز بنتكم بخير يارب."
نكزه محروس بكف يده ليسأله.
"عايز ايه يافهمي؟ بعد ما قطعت قعدتي مع الراجل واحنا بنتفق على الفلوس اللي بقيالي عنده من جهاز بنته؟"
اصدر صفيرًا بصوته فهمي يردد.
"أوعى أوعى بقى، ورجعنا اهو لجهاز العرايس كمان، دا انت بشبشت معاك ياعم بقى وزهزهزت."
"بشبشت وزهزهت ايه انت كمان؟ دا انا عاملهم بالتقسيط، يعني هايطلع عين امي على ما اخلص حسابي معاهم، انت جاي تقر بقى ولا ايه."
رد فهمي ضاحكًا.
"أَقر دا بس ياعم، دا انت الخير اللي بتحط في عبك كانه اتحط في عبي على طول، انا وانت واحد ياابو نسب ولا انت نسيت ان انا السبب في دا كله؟"
شدد على كلماته الأخيرة فرد محروس بتوتر.
"ياعم منستش والله فلوسك، بس اديك شايف بنفسك اللي خدتهم منك باليمين راحوا في تسديد الديون القديمة وشرا قطن وقماش اشتغل بيه، هي الورشة اتحركت شوية، بس بقى فايدتها عايزة صبر."
"ههههه"
صدرت منه بسخرية فااكمل.
"انا مالي بالهليلة دي كلها يابرنس، انا اديتك الفلوس على اساس انها مهر البت، يبقى ليه التعب بقي في شرح مأساتك؟"
تعرق محروس وانعقد لسانه عن الرد بعد أن ذكره هذا الملعون باتفاقهم.
"سكت ليه يا قلبي ماترد؟"
سأله فهمي بخبث فرد محروس بتلجلج.
"يااافهمي..مماانا قولتلك.. ان البت هي اللي رافصة."
"وانا قولتلك ماليش فيه."
هتف بها بقوة اجفلت محروس وتابع رافعًا حاحبه المقطوع بنصفه.
"انا ساكت يامحروس وصابر عشان انت تميل دماغها، مش عايز أذيك عشان عيلة عقلها طاقق، ماتعرفش مصلحتها ولا مصلحة والدها فين؟ دا انا قاطعت صنف النسوان ياجدع يجي من ٣ اشهر دلوقتي في انتظار البطل...."
"عيب يافهمي كلامك البارد ده، انت بتتكلم عن بنتي."
قالها محروس بمقاطعة حادة لم تؤثر في فهمي الذي اردف بسماجته.
"خلاص ياعم ماتبقاش حنبلي، انا بس عايزك تحس بيا وتفهم؛ ان البت فارقة قوي معايا، واخد بالك انت، فارقة ومعششة في نفوخي."
اومأ له محروس برأسه وقد عصفت بعقله الأفكار، بعد تورطه مع رجل كفهمي هذا.
"ادخل."
اردف بها مقتضبة وهو منكفئ بتركيز على مجموعة من العقود أمامه، دلفت اليه لتضع الملفات التي أمرها بها على سطح المكتب أمامه قائلة بعملية.
"الملفات يافندم اللي انت أمرت بيها."
تناولها وقبل ان ينظر بهم، رفع رأسه اليها فقطب يسألها.
"انت معيطة؟"
نفت تهز برأسها بقوة وكذب مفضوح.
"لا حضرتك انا مكنتش بعيط."
اعتلت وجهه ابتسامة وقد ترك من يده كل الاوراق وفرغ اليها قائلًا بتسلية.
"ولما انت مش معيطة، شكل وشك بقى كدة ليه؟"
"مالي وشي يافندم؟"
ردت بدفاعية جعلته ينهض ليقف مقابلها، مقربًا المسافة بينهم ليشرح.
"عنيكِ دبلانة اوي عكس ما شوفتها من شوية، الحمار اللي انتشر في بعض مناطق وشك بزيادة، دا غير كمان مناخيرك اللي بقى شكلها يضحك."
"انا شكلي يضحك؟"
سألته تومئ بسبابتها نحوها فردد هو.
"انا بقول مناخيرك."
اخفضت عيناها صامتة بتوتر من وقوفه بهذا القرب أمامها، وهو يدقق بوجهها وكأنه يحفظها، فقالت بجدية.
"طب انا أمشي دلوقتي يافندم ولا استنى حضرتك على ما تمضي على الأوراق؟"
تحمحم يعود لرشده بعد اندماجه في تفاصيلها، وعاد لمقعده يتصنع الجمود.
"على العموم تمام يعني لو مش عايزة تعترفي، بس المهم دلوقتِ بقى انا عايز انبه عليكِ ان في تأخير النهاردة عشان في اجتماع لرؤساء المجموعة ومديري الأقسام، يعني تعملي حسابك."
"اعمل حسابي ازاي يافندم؟ هو انتوا هاتتأخروا لإمتى بالظبط؟"
سالته فمط شفتيه قائلًا بهدوء.
"مقدرش احدد بالظبط امتى، بس احنا اجتماعتنا بتبقى بالساعات يعني ممكن نجر لبعد تسعة كمان."
"نهار اسود ازاي بقى؟ دا كدة ستي ممكن تطين عيشتي."
دلفت بكلماتها بعفوية اثارت بداخله ابتسامة مستترة، جاهد لعدم إظهارها، فقال متصنعًا الحزم.
"الأمور العائلية دي مش في الشغل يازهرة، خلي بالك من كلامك، واتفضلي بقى عشان انا هاراجع في الملفات قبل ما امضي."
اتم جملته ودنى برأسه ليعود لعمله وينشغل عنها، تحركت هي بتردد ثم استدارت عائدة اليه تهتف بتصميم.
"يافندم معلش بقى حتى لو هاتقولي امور عائلية، بس انا ماينفعش اتأخر النهاردة بالذات."
التفت اليها يسألها بحدة واهتمام.
"ليه بقى ياست زهرة ماينفعش النهاردة بالذات؟"
فركت أمامه بكفيها وأجابت بتوتر.
"بصراحة بقى النهاردة عندنا فرح في الحارة، ودا بيبقى فيه شرب وحاجات كدة، وانا اخاف اعدي عالشباب هناك وهما بحالتهم دي، انا مضمنش الظروف."
"وانتِ عرفتي منين انهم بشربوا؟"
سألها مضيقًا عيناه، اجابته على الفور دون تفكير.
"خالي خالد هو اللي كان بيقولي كدة، وكان بيمنعني اروح اي فرح غير وانا معاه، وهو دلوقتِ مش موجود يبقى انا اخلي بالي من نفسي بقى."
ظل صامتًا يحدق بها بغموض، فسألته هي بنفاذ صبر.
"قولت ايه يافندم بقى؟ اروح على ميعادي؟"
نفى برأسه قائلًا بإصرار.
"لا يازهرة مش هاتروحي على ميعادك."
اصابها الإحباط فهمت تجادل ولكنه أوقفهًا مردفًا.
"بس انا هاتصرف واخلي السواق والحارس بتاعي يوصلوكي لحد باب البيت، مبسوطة كدة؟"
اومأت برأسها صامتة بجمود قبل أن تنصرف من أمامه، بداخلها تود الصراخ بوجهه والرفض بشكل قاطع، ولكنه لا يترك لها فرصة بجبروته، ومن الناحية الأخرى وصله اعتراضها مرتسمًا على ملامح وجهها المتجهمة، التي تفضح مابداخلها حتى لو هي اظهرت العكس.
كم ود لو يطيل حديثه معها فتفصح أكثر عن عائلتها وعن حياتها، تنهد بثقل وهو يهز برأسه ليتسفيق الى عمله، والذي ما ان اتجه إليه تذكرها، فرفع رأسه يتمتم بداخله.
"عايزالك دارسة لوحدك يازهرة."
طرق بخفة على باب غرفتها وحينما لم ترد، دلف للداخل يتطلع بأرجاء المكان وهي غير موجودة فيه.
ابتسم بداخله وهو يرى الديكورات الحديثة وقد اتخذت الطابع الانثوي بها، اصدر صفيرًا إعجاب على زوقها الرفيع في انتقاء المقاعد العصرية والتفاصيل الصغيرة التي زينت بها الاركان.
مكتبها الجديد الذي تراصت عليه إطارات الصور والاقلام الملونة؛ كان مرتب بعناية.
تقدم بفضول ليجلس محلها فتناول الصور ليتأملها.
الصورة الأولى كانت بزي التخرج من الجامعة، يبدوا ان التفوق كان حليفها دائمًا وليس الاَن فقط.
الثانية لرجل عجوز من رسمة عيناه ولونها البني خمن انه أباها.
أما الأخرى فهى لشاب وسيم يضمها بذراعه بحميمية مع فتاة أصغر في الجهة الأخرى.
انتبه فجأة على فتح الباب ودلوفها اليه قاطبة الحاجبين بدهشة، سبقها في الحديث سائلًا ببرود.
"حلوة اوي الصورة دي، دا خطيبك؟"
فغرت فاهاها تسأله بعدم استيعاب.
"استاذ طارق، حضرتك قاعد على مكتبي وانا مش موجودة!"
"اه صحيح، معلش بقى مخدتش بالي."
قال بتصنع وهو ينهض من أمامها ويترك المكتب، حتى وقف أمامها واردف.
"بصراحة انا كنت جاي اشوفك لو محتاجة حاجة او في أي شئ ناقصك، بس انشديت بقى للديكور الجديدة ونسيت نفسي وانا بتفرج عالصور."
اومأت برأسها بتفهم حتى تنهي الجدال.
"تمام حضرتك، والف شكر طبعًا انك كلفت نفسك وجيت تسألني من غير ما اتكلم."
"مافيش داعي للشكر ياكاميليا، احنا خلاص بقينا زملة، هو انتِ كنتِ فين صح؟"
أجفلها بسؤاله الفضولي فتماسكت تجيبه بضبط نفس.
"حضرتك انا كنت بعمل جولة في المكان عشان استكشف حركة العمل وشغل العمال."
قال بإعجاب.
"ماشاء الله مابتضيعيش وقت انتِ، تعجبني الروح العملية، عالعموم انا تحت أمرك في أي سؤال لو حبيتي."
اومأت بموافقة دون ان تعزم ولو بالمجاملة عليه بالجلوس، تحمحم هو ليستأذن ولكنه توقف فجأة.
"صحيح انتِ مجاوبتيش على سؤالي."
هزت رأسها اليه باستفسار.
"سؤال ايه يافندم معلش؟"
"الشاب الوسيم اللي سالتك عنه في الصورة؟"
قال بابتسامة غريبة اثارت استفزازها، أجابته بابتسامة صفراء.
"دا اخويا حضرتك، والبنت اللي معانا تبقى اختي الصغيرة."
"امممم."
تفوه يردف بابتسامة متوسعة وهو يهم بالخروج.
"حلوين ماشاء ربنا يحفظهم، بس انتِ أحلى."
اومأ غامزًا بوجنته كالمرة السابقة ثم خرج بأناقة من امامها، جعلها تنظر في اثره بمزبهله لحظات و مشدوهة من جرأته.
والى زهرة التي كانت تتحدث برجاء مع جدتها التي كانت تمطرها بالسباب في الهاتف.
"شغل ايه دا يابت اللي بيأخر لتسعة؟ ماتباتي برة أحسن."
"ياستي افهميني بقى، انا قاعدة اساسًا غصب عني، يعني ارحميني والنبي."
"وايه اللي غاصبك ياختي؟"
اجابتها على الفور بصوتِ خفيض.
"الراجل المفتري صاحب الشغل، قال ايه عامل اجتماع، طب وربنا انا اترجيته ان امشي واتحايلت بيكي لكن برضوا مرديش."
زامت رقية قليلًا ثم سألتها باعتراض.
"طب وهاترجعي ازاي ياناصحة وتعدي عالرجالة اللي هاتترشق في الشارع تسكر وتشرب في الفرح؟"
ردت زهرة.
"ما انا قولتله عليها دي كمان وقالي انه هايخلي السواق والحارس بتاعه يوصلوني لحد البيت يعني ما تقلقيش ان شاء الله."
صمتت قليلًا رقية قبل ان تردف لها على مضض.
"ماشي يازهرة اما نشوف اخرتها ايه الشغلانة المهببة دي."
فور انهائها المكالمة وقبل ان تعود لعملها جيدًا وجدت عامل البوفيه يدلف اليه ملقيًا التحية قبل ان يضع أمامها علبة عصير ومعها شطائر لحم على سطح المكتب.
"ايه دا يابلال؟ ساندوتشات بورجر!"
سألت وهي ترمق الشطائر بذهول، اجابها الفتى بابتسامة.
"جاسر بيه هو اللي أمر بالطلب زي امبارح."
القت نظرة ممتعضة على باب غرفته قبل ان تعود للفتى قائلة.
"خدهم يابلال، بدل ما يترموا زي اللي فاتوا."
اتسعت ابتسامة الفتي وهو يتحرك بأقدامه للخلف قائلًا.
"اسف يازهرة، انا اللي عليا اني اجيب وبس، وانتِ بقى حرة في انك تاكليه أو ترميه."
عبست بوجهها وهي تعود لعملها وتتمتم بغيظ.
"جايبلي ساندوتشات لحمة فاكرني مفجوعة وما هاصدق، والنعمة ما مقربة منهم، ان شالله اموت حتى من الجوع."
"زهرة حبيبتي."
تأففت بسأم وهي ترفع رأسها لصاحبة الصوت التي أتت فجأة.
"عايزة ايه؟ مش خفيتي بقى وجريتي زي الحصان اول اما زعق فيكِ البيه، ولا اكنك كنتِ عيانة اساسًا."
ردت غادة بصوت ملهوف وهي تجلس أمامها.
"والنعمة كنت عيانة صدق مش تمثيل، بس اعمل ايه بقى؟ جاسر الريان لما شخط فيا واكنه وحش وهاياكلني، القوة هبت فيا ان اجري منه هربانة بجلدي لحد اما وصلت مكتبي واترميت عليه زي الجثة، لولا البنت زميلتي ما قامت بالشغل بدالي وجابتلي برشام يرفع الضغط، ماكنت ابدًا هارفع راسي ولا اقدر اخطي برجلي واجيلك هنا واكلمك."
استمعت لها زهرة ثم لوت ثغرها تتجاهلها دون رد وهي تعود لعملها.
خرج صوت غادة بأسف.
"لا تكوني زعلانة مني يازهرة عشان أخرتك النهاردة، بس والنعمة ياشيخة ماكنت اعرف ان كل دا هايحصل ويطلع رئيسك شديد قوي كدة."
"واديكِ عرفتي."
تفوهت بها مقتضبة زهرة، فسألتها غادة بتردد.
"هو عمل معاكي ايه؟ اداكي جزا ولا خصم منك؟"
رفعت اليها رأسها ترد بحدة.
"عمل اللي عمله ياستي، اديني خدت اللي فيه النصيب وخلاص."
عضت غادة على باطن وجنتها بغيظ بعد ان الجمتها بكلماتها، وهي التي كانت تتحرق شوقًا لتعلم العقاب الذي نالته زهرة.
"ماشي يابنت خالي زي ما تحبي، الا صحيح هي سندوتشات البرجر دي بتاعة مين."
سألت الاَخيرة وهي تلعق شفتيها في النظر نحوهم، اجفلتها زهرة قائلة.
"بتاعة اللي بتاعته بقى، كُليهم يا غادة وعلى مسؤليتي."
"بجد، انا فعلًا تعبانة وعايزة حاجة تقوتني."
اردفت بلهفة بها وهي تتناولهم بنهم وشهية مفتوحة.
رمقتها زهرة غير مبالية قبل ان تعود لعملها ولكنه أجفلها باتصاله، يباغتها بقوله الغريب.
"مابتكليش ليه؟"
اردف بحزم جعلها تنتبه تلقائيًا نحو الكاميرا الملتصقة أمامها في أعلى الحائط، ردت بتحفظ أمام غادة.
"عادي يعني يافندم، مش مشكلة."
"مش مشكلة ازاي وانت هاتقعدي اليوم كله في الشغل، دا غير اني مش هاسمحلك بالبريك النهاردة يازهرة عشان الشغل المتكوم قصادك."
قال بنبرة حادة تلقتها هي بعند وهي تنظر نحو الكاميرا وترد بهدوء عكس ما بداخلها.
"تمام يافندم برضوا مش مشكلة."
اتاها الرد وهو يجز على اسنانه غاضبًا.
"ماشي يازهرة انتِ حرة."
وعودة الى الحارة كان فهمي يستمع الى اصوات الغناء العالية الصادرة من السماعات الكبيرة وهو مندمج، يلوح بيداه ويميل بجسده على ألحان الموسيقى الشعبية، يراقب بعيناه افراد من صبيانه الذي يعملون معه بالقرب منه منتشرين بين الشباب، يوزعون المواد المخدرة بأثمانها المرتفعة.
اجفل فجأة على دوي هاتفه برقم غريب، نظر الى الشاشة مرددًا بدهشة.
"رقم دولي! ودا من مين دا كمان؟"
"الو، مين معايا؟"
اتاه الصوت الغاضب.
"دا انا يافهمي، اوعى تكون نستني ياراجل."
قطب قليلًا ثم اصدر ضحكة ساخرة يردد.
"خالد باشا! لا انساك ازاي ياغاي دا انت حبيبي، مكلف نفسك وبتتصل بيا دولي، لدرجادي انا وحشتك؟"
هدر خالد بصوت قوي.
"اسمع ياض انت، انا معنديش وقت للوع بتاعك، ولا عندي طاقة عشان اهددك انك تبعد عن زهرة اللي افتكرت انها بقت لقمة سهلة بعد خالها ماسافر، انا بس ببلغك بردي اللي هاتشوفه دلوقتي حالاً، عشان تتاكد ان بنت اختي تحت عنيا وتحت رعايتي حتى لو فرقت مابينا بلاد، ونجوم السما اقربلك منها."
"يعني ايه مش فاهم؟"
اردف فهمي فجاءه الرد من خالد.
"اقفل دلوقتِ وانت تفهم."
قالها وانهى خالد على الفور المكالمة، جعل فهمي ينظر دقائق للهاتف بعدم استيعاب حتى انتبه على اصوات الصراخ العالية وربكة في قلب الحارة مع سيارات باللون الكحلي تدخل بكثافة تطارد صبيانه، حتى توقفت واحدة أمامه وخرج منها الرجال الأشداء يردف أحدهم بسخرية على وجهه المتجهم.
"فهمي باشا ممكن تنورنا بحضورك."
غمغم فهمي بغضب.
"ياولاد ال........ طب وديني ما انا سايب حقي."
على الطاولة الكبيرة والمستطيلة، كانت توزع نسخ من ملف الاجتماع على اعداد الحاضرين والمفترض حضورهم، تتحرك بألية وقد انهكها التعب، وضعف تركيزها مع الصداع واحساسها الشديد بالجوع.
"ايه مالك؟ تعبانة ولا جعانة بقى؟"
رفعت رأسها وجدته أمامها يهندم في سترته التي يرتديها، فتابع وهو ينظر لها بغيظ.
"ابعتي جيبالك حاجة تاكليها بدل ماتوقعي في نص الأجتماع، انا مش ناقص عطلة."
"لا شكرًا."
اردفت بها فجعلته يستشيط غضبًا، نفث من انفه دخان وهو يشير للنادل الذي كان يوزع هو الاَخر زجاجات المياه على الطاولة بعدد الحضور.
"انت يابني روح جيبلها حاجة تاكلها."
"يافندم مش جعانة، انا بس اللي عندي شوية صداع."
كذبت بإصرار وحرج فسبقه الفتي في الرد بعفوية.
"انا عارف طلبك يازهرة، انت اكيد مصدعة عشان ماخدتيش طلب القهوة باللبن بتاعتك زي كل يوم، تحبي انزل اروح اجيبلك؟"
انشق ثغرها بابتسامة جميلة نحو الفتي اثارت غضب الاَخر.
"متشكرة يابلال ربنا يخليك، مش عايزة اتعبك."
"لاتعب دا ايه؟ دا انت تؤم..........."
"ماتخلص تشوف شغلك ولا تجيبلها اللي هي عايزاه، انت لسة هاترغي."
قال بحدة مقاطعًا الفتي الذي انتفض من صيحته وهرول من أمامه على الفور، فرمقها بنظرة مخيفة وهو يجلس محله على رأس الطاولة، زفرت بداخلها بيأس من هذا الرجل الغريب وأفعاله الأغرب.
"مساء الخير يازهرة."
قال مديرها السابق وهو يخطو نحو الطاولة، بابتسامة ودودة، استجابت تبادله ابتسامته وهي تردد خلفه التحية وتضع امامه ملف الاحتماع.
"مساء الخير يااستاذ مرتضى، ربنا يخليك."
"عاملة ايه بقى في شغلك الجديد، دا المكتب ضلم من غيرك."
"لدرجادي! لا طبعًا المكتب دايمًا منور باصحابه."
"زهرة."
هتف بها بحزم، فتحركت على مضض تقترب منه.
"نعم يافندم عايز حاجة؟"
اشار لها بكف يده فدنت تقترب برأسها منه، لتجده يردف لها من تحت أسنانه.
"بطلي توزعي في ابتساماتك كدة في الرايحة والجاية، احنا في اجتماع مهم، مش حفل تعارف."
اومأت له بابتسامة صفراء وهي تعتدل مستقيمة، غمغمت بغيظ وهي تبتعد عنه.
"اعوذ بالله منك يااخي، دا انت مش بني أدم طبيعي، ياسااااتر."