تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي والتسعون 91 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
ردت زهرة وهي تعيد رفع الفستان أمامها لتعيد تأمله.
كويس وحلو بس أنا خاېفة يطلع ضيق.
ردت كاميليا وهي تتفحص الفستان معها.
لا ضيق دا إيه كويس، يازهرة وقد مقاسك على فكرة بس هو هايبقى مظبوط حبتين، مش واسع قوي زي بقية هدومك، إحنا عايزين نغير النظام شوية.
عبست زهرة وارتسم الضيق على ملامح وجهها لترد بحدة.
يعني إيه بقى عايزاني أغير اللي اتعودت عليه، أنا مابرتحش غير في الواسع يا كاميليا.
لفتت لهجتها الحادة عاملة المحل التي رمقتها بدهشة.
انتبهت عليها كاميليا فاقتربت منها تخاطبها بهمس.
وطي صوتك يازهرة وبلاش منه انفعالك دي، أنا مش بقولك غيري مبادئك، أنا كل اللي بطلبه حاجة تبقى شيك ومظبوطة عليك، وحشمة عشان لو اتخدت ليك صورة مع الناس دي ماتبقيش أقل منهم أو مختلفة عنهم، فاهماني.
انشحب وجه زهرة لينقلب لعدة ألوان وسألتها بدهشة امتزجت ببرائتها.
معقول! طب وإحنا نتصور ليه معاهم.
هزت رأسها كاميليا بابتسامة يائسة وهي تعطي الفستان لعاملة المحل.
ثم اقتربت من زهرة تخاطبها برقة.
يا زهرة يا حبيبتي افهمي بقى، لقاءات الناس دي أهم ضلع فيها المظاهر، دي ناس مشهورة وفي أي مكان الناس بتاخدلهم صور أو هما نفسهم ياخدوا الصور دي ويعلنوا بيها عن أعمالهم أو شركاتهم، ولا انت مفهمتيش كلمة جاسر الريان لما قالك تجهزي.
أومأت زهرة رأسها بتفهم رغم ترددها.
ليتشعب داخلها القلق ويظهر في نبرة صوتها.
طب أنا حاسة كده إن الموضوع اتصعب عليا أكتر، هاقدر إزاي بقى أسد في الحاجات دي.
وأنا روحت فين يابنتي، اصحي كده وفوقي، صاحبتك مش هتخليك تروحي الحفلة دي وأنت مش أقل من النجمة نفسها، ولا أنت مش واثق فيا ياباشا.
قالتها كاميليا بنبرة مرحة أدخلت على قلبها الاطمئنان.
فلم تملك سوى التعبير عن امتنانها بضمة أخوية استشعرتها كاميليا بكل حب معها.
قبل أن تفك نفسها منها قائلة.
يلا بقى خلينا نستعجل عشان نخلص شرا لبقية الحاجة اللي محتاجينها مع البت غادة اللي صدعتنا بحفلة صاحبتها اللي بتقول عليها مهمة دي، وعشان كمان ألحق خروتي مع كارم.
طب ثواني بس دقيقة.
قالتها زهرة وهي توقفها فجأة عن التحرك.
فقالت بتردد مستغلة انشغال العاملة عنهم.
هو أنت فعلاً بتحبي كارم ده عشان تقبلي بيه.
أمالت رأسها إليها تنظر لها عاقدة الحاجبين باستفسار.
فتابعت زهرة.
أنا آسفة لو هاتدخل في حاجة زي دي بس جاسر حكالي عن طارق دا حالته صعبة أوي.
قلبت كاميليا عيناها تتنهد بسأم.
واستطردت زهرة.
لو بتحبيه بجد تقبلي ليه بكارما.
وقفتها بإشارة من يدها.
بس يازهرة الله يخليك بلاش تفتحي الموضوع ده، أنا تقريباً بقيت مخطوبة دلوقتي ويوم ولا اتنين هتبقي خطوبة رسمي، يعني خلاص خلصت.
قالتها كاميليا بحسم تنهي الجدال وتحركت من أمامها لتسبقها في الخروج.
غمغمت زهرة خلفها وهي تلحق بها.
يارب فعلاً تكون خلصت.
وخارج المحل تلقفتهم غادة بلهفة لتسحبهم من أيديهم مرددة.
أخيراً خرجتوا من دا المحل بسرعة معايا بقى عشان تقولولي رأيكم في اللي اختارتها.
أنت اختارتي إيه.
سألتها كاميليا.
لتفاجأ بعد دقائق بهذه القطعة الخفيفة الغريبة الصغيرة.
وبادرت زهرة بالسؤال.
إيه دا يا غادة انت بتسمي دا فستان.
تخصرت لها ترتد بتهكم.
أمال أنت شايفاه إيه بقى يا ست زهرة، قميص نوم مثلاً.
ماهو فعلاً ما يفرقش عنه.
تمتمت بها زهرة بعفويتها غير مبالية بها.
فاستشاطت الأخرى غاضبة وقبل أن يخطئ لسانها بالرد سبقتها كاميليا قائلة بمهادنة لجنونها.
الفستان دا ماينفعش يا غادة، أنت بتقولي إنك رايحة حفلة لواحدة صاحبتك ودا ماينفعش لفرح شعبي حتى.
ألجمتها كاميليا بحكمتها.
فجعلتها ترد بنبرة متراجعة.
طب أعمل إيه بقى، أنا عايزة حاجة تلفت النظر وتبيني جامدة آخر حاجة قدام صاحبتي وعيلتها.
سألتها زهرة.
صاحبتك دي تبقي مين بقى.
ردت غادة بنزق.
إيه يا ست زهرة، هو أنا لازم أديكي تقرير كمان عن صحابيك.
كظمت زهرة غيظها كالعادة.
وردت كاميليا لتنهي الجدال.
خلاص يا غادة، لا تقولي ولا تعيدي، أنا هانقيلك حاجة جامدة زي ما بتقولي وبنفس الوقت ما يبقاش فيها إسفاف عشان ما حدش يفهمك غلط.
قالتها وتحركت على الفور تبحث في كمية الملابس المعلقة لتنتقي منهم ما يليق.
فقالت غادة من خلفها وقد دب في قلبها الحماس.
نقيه بقى ملعلع ويكون فيه شغل كتير.
سمعت كاميليا فالْتفت لها برأسها فاغرة فاهاها بيأس.
عاد من الخارج بخطوات رتيبة عن عادته.
ألقى التحية على والدته بروتينه غريبة عن مرحه الدائم وارتمى بجوارها جالسا بفكره الشارد.
لكزته والدته تستكشف ما به سائلة.
مالك ياواد مش عوايدك تخش وبوزك مقلوب كده.
أجابها بلهجة فاترة.
لأ عادي شوية مشاكل بس في الشغل، ماتشغليش نفسك انت.
هتفت بعدم تصديق.
مشاكل دي إيه يا عنيا اللي تقلب خلقتك كده، في إيه يا خالد.
تكتفت ذراعيه وارتكزت أنظاره في الفراغ بوجهه الواجم دون أن يجيبها.
فلم تكرر رقية السؤال وقد دب بقلبها القلق من هيئته.
هو ابنها وهي أكثر من تعلم بكل حالاته وردود أفعاله.
سألته بخوف حقيقي.
وهو في إيه بالظبط يا خالد.
تنهد مطولاً ليجيبها بعد عذاب انتظاره.
ما قولتلك ياما مفيش حاجة.
صاحت هادرة بنفاذ صبر.
تاني برضوا هاتنكر، هو أنت قاصد تحرق دمي النهاردة يا خالد، طب أنت جاي من فين أصلاً في الساعة المتأخرة دي، ميعاد شغلك بينتهي من زمان أصلاً.
جاي من عند السمسار.
قالها فجأة وازداد بداخله الشك وهو يشعر بإجفالها السريع وعيناها التي تهربت على الفور من مواجهته بارتباك.
استرعى انتباهه ليميل بجزعه نحوها ويتفرس ملامحها بدقة.
فإن كانت هي تحفظه فهو يحفظ أقل حركة بأصغر عضلة في وجهها ويعلم ما خلفها.
هاتختار إنت ولا أختارلك أنا.
تفوّه بها سائلاً بعد أن أتى بها في أشهر المطاعم الإيطالية في العاصمة.
أجابته وهي تضع القائمة من يدها على الطاولة أمامه.
لا ياسيدي اختار أنت عشان أشوف ذوقك.
رد بابتسامة أظهرت وسامته.
طبعاً ذوقي يجنن، أمال اخترتك إنت إزاي يعني.
بادلته ابتسامته ببعض الخجل صامتة.
فانتقل بعينيه هو نحو القائمة التي بيده ليختار منها الأطعمة التي سيتناولها معها.
أخذتها فرصة لتتأمله وجهه الوسيم والمنحوت بدقة مع أنفه المستقيم بأرستقراطية، جسده الرياضي يظهر مدى حفاظه على صحته، شعر رأسه الكستنائي والمصفف بعناية على مدى تاريخ معرفتها به لا تذكر في مرة أن رأت ولو خصلة صغيرة شاردة أو مشعثة منه.
دائماً منمق وكأنه خارج على الفور من إحدى مجلات الموضة الرجالية.
يرتدي حلته الرمادية وقد كافئها اليوم بتخليه عن ربطة عنقه.
كارم منضبط دائماً في عمله وأيضاً في مظهره.
قطع شرودها صوت النادل الذي تلفظ باللغة الإيطالية.
فلم تفهم منه شيئاً ولكن كارم رفع رأسه عن القائمة يخاطب الرجل بلكنته وكأنه من نفس بلدته.
قطبت وهي تتابعهم حتى انصرف النادل بابتسامة واسعة لكارم بعد أن عرف منه الأصناف التي اختارها.
فالتفت إليها يعطيها انتباهه كاملاً فسألته بدهشة.
مكنتش أعرف إنك بتعرف إيطالي وإسباني وفرنسي مع الإنجليزي طبعاً.
قالتها بنبرة متفاخرة أشعرتها ببعض الضيق ولكنها تمكنت من أخفائه بابتسامة رائعة.
فتملكها الفضول لسؤاله.
هو أنت بتلحق تعمل دا كله إمتى.
هز رأسه باستفسار.
فتابعت بتوضيح.
قصدي يعني.. إزاي وسط مسؤولياتك الكتير مع جاسر الريان بتلحق تهتم بنفسك وبالرياضة عشان جسمك وتتعلم لغات، لأ وكمان بتعرف مطاعم وتروحها.
اتسعت ابتسامته ليردف لها.
النظام يا كاميليا أهم حاجة الواحد يعرف إزاي ينظم وقته، قيمة الوقت هي اللي بتفصل بين الناس الناجحة اللي بتعرف تقدره والناس الفاشلة اللي بتهدره.
أومأت برأسها بتفهم لتقول بتفكه.
بصراحة أنا كنت فاكرة نفسي منظمة بس بعد ما شفتك عرفت إنها هوا.
بس أنت مش فاشلة.
قالها فتمتمت بالحمد.
لتسأله بتفكه.
تفتكر إني لو فاشلة مكنتش هابصلي يا كارم صح.
صمت قليلاً قبل أن يجيبها بجدية.
شوفي يا كاميليا أنا مانكرش طبعاً إني معجب باجتهادك اللي وصلك لمكانة ممتازة في شركة الريان.
بس كمان لو قولت إن دا السبب الوحيد لارتباطي بيك أبقى راجل أعمى أو غبي.
صمت برهة يرمقها بنظرة متفرسة أربكتها.
ثم تابع.
أنت مش ست جميلة وبس يا كاميليا، أنت جميلة بحد الفتنة يعني، جمعتي صفات ملكة الجمال وصفة المرأة الناجحة في ظاهرة نادرة ما بتتكررش كتير.
أنت جوهرة يا كاميليا وعرفت تختار اللي يقدرها.
رغم أن كلمات الإطراء التي ألقاها على سمعها بإمكانها أن تسعد أي امرأة.
لكنه مع تشديده الصريح على كلماته الأخيرة انتابها بعض القلق وهي تشعر أنها تحمل معنى ما منه.
بصدره العاري كان يدخن في سجائر التبغ بنهم.
عل بحريقها تخفف من حريق صدره متكئ بمرفقيه على السور المعدني لشرفة منزله التي تطل من علو على صفحة نهر النيل عن قرب.
فتجعله قبلة للعين صباحاً بحركة البواخر والمراكب الشراعية به وراحة للنفس مساءً بهدوء يعم كل شيء حوله إلا عنه وقلبه الصاخب بداخله مازال يصرخ ويقاوم في معركة ضد مليكته التي تشهر أسلحتها في وجهه بكل شراسة ودون رحمة.
غير عابئة بألمها قبل ألمه تنكر وتصم أذنيها وكأن بذلك تبعده عنها ولا تعلم أن كل محاولاتها تأتي دائماً نتائجها بالعكس.
طارق باشا هو في أمل في ليلتنا دي ولا أمشي أنا ولا إيه بس.
صدرت من خلفه بغمغمة نسائية نزقة.
التفت رأسه نحو الفتاة التي كانت واقفة خلفه بتململ من طول انتظارها بلا فائدة.
وقد نسيها في غمرة شروده الذي لا ينتهي بعد أن أتى بها في فورة غضبه يتنوى الغرق في بئر عشقه للنساء ليتذوق ريحق الزهور من كل لون لينسى حبه اليائس من ذات القلب المتحجر.
ولكن قلبه الشارد عن طاعته كالعادة غلب كبرياءه المجروح.
فمنعه عن لمس الفتاة أو حتى القرب منها بمجرد أن نظر إليها مطولاً وأتت أمامه صورة معذبته.
وضع يده في جيب بنطاله ليخرج لها كمية لا بأس بها من النقود الورقية.
تلقفتها الفتاة بلهفة تقول.
يدوم العز ياباشا بس دول كتير أوي وأنت مقربتش مني نهائي.
أومأ بابتسامة جانبية ساخرة.
معلش بقى اهو من حظك ونصيبك، خديهم وروحي على بيتك.
همت لتنصرف صاغرة لمطلبه ولكن شعرت ببعض التردد.
فقالت.
طب أنت مش عايز مني أي حاجة، أنا ممكن أرقصلك أو أعمل أي حاجة تفرفشك.
تفرفشني.
قالها بسخرية مريرة وهو يشيح بوجهه عنها متابعاً بإشارة كفه لها.
امشي يابنتي امشي.
تنهد بحرقة صامتاً حتى سمع صوت غلق الباب الخارجي.
فغمغم بتحسر.
منها لله بقى توبتني عن كل الستات وهي كمان حرماني منها.
ظل قليلاً على وضعه حتى انتفض فجأة يدفع السيجارة من يده ليردف لنفسه بلهجة حاسمة.
وقد احتدمت عيناه بوميض غريب وغامض.
ماشي يا كاميليا أنا وأنت والزمن طويل.
أنهت عملها سريعاً حتى لا تتأخر عن موعدها مع زهرة في الذهاب معها إلى صالون التجميل بعد اتفاقهم السابق كي تجهزها وتشرف على إطلالتها لحفل المساء الذي سوف تحضره مع زوجها وعائلته في عقد الشراكة الجديد.
أسرعت بالخطوات لتلحق بالمصعد قبل أن ترى وجهه.
وقد تعمدت اليوم بعدم اللقاء به بعد صدمتها برد فعله المجنون بالأمس ولا حتى في أقصى خيالاتها توقعت حجم تطرفه هذا في التعامل معها.
يدعي أنها طعنته بخطبتها لكارم وكأنها أعطته وعداً بالعشق مجنون.
دَلفت لداخل المصعد وقبل أن يُغلق الباب وجدته يلج لينضم معها على آخر لحظة.
فلم يسعفها الحظ بالخروج وتركه.
زفرت بعنف تظهر له تأففها.
ليفاجئها بهذه النظرة الغريبة مع وقفته الأغرب.
وقد قصد الوقوف أمامها مباشرة واضعاً يديه بجيبي بنطاله يناظرها بتمعن وعيناه تتفحصها بجرأة مقصودة ومتعمدة.
حدقته بنظرة زاجرة لينتبه.
فكان ردّه ابتسامة جانبية ساخرة بارتخاء أثار بروده احتقانها.
فهتفت بوجهه.
في إيه.
حرك رأسه باستفهام يدعي عدم الفهم.
فصاحت فاقدة حكمتها.
أنا بسألك بتبصلي كده ليه.
ارتفع حاجبه مع ابتسامة ماكرة اعتلت وجهه لعدة لحظات صامتاً باستمتاع.
فازداد احتقان وجهها حتى اصطبغ بحمرة الانفعال.
وحينما أصابها اليأس من رده دبت بأقدامها تشيح بوجهها عنه وهي تفور من الغيظ.
وهذا كالتمثال واقفا محله يرمقها بسهامه المتفحصة.
وصلها صوته أخيراً بنبرة متسلية.
بتاع نسوان بقى، عايزاني أبص إزاي يعني.
التفت برأسها إليه فاغرة فاهاها وعيناها الجميلة توسعت بذهول من جرأته.
ليجفل على لون القهوة الذي توهج بقوة تغريه بالاستمرار في استفزازها كي يتنعم برؤيتهما المحببة إليه.
لا بل هو على استعداد ليبقى أسير النظر إليهما حتى يفنى عمره.
قطعت شروده هادرة بغضب.
بلاش أسلوبك المستفز ده يا طارق، إحنا ناس محترمين.
بجد.
قالها بسخرية ضاحكاً بدون صوت.
فانفتح باب المصعد الذي توقف فجأة على الطابق المقصود.
تنهدت هي براحة تحرك أقدامها للخروج بسرعة.
ولكنه فاجأها باعتراض طريقها متصدراً بجسده الضخم أمامها.
ارتفعت عيناها إليه فتقابلت بهذا الدفء الغريب في نظرته.
وقد ذهب عن وجهه الهزل ليرتسم محياه بتعبير....
رفضته بقوة لتدفعه بكتفها وتخرج بعنف.
خطواتها وظل هو محله يراقب انصرافها حتى اختفت من أمامه.
ليستدرك أخيراً وضعه بالمصعد والذي ذكره بوضعه معها بين الصعود لسماءها الصافية ودنيا البراح في العشق أو الانسحاب والخروج نهائياً من محيطها.
انتفض فجأة ينتزع نفسه من شرودها وتحركت أقدامه الكبيرة بخطواته الواسعة حتى خرج هو الآخر من المبنى.
فاصطدمت عيناه بغريمه الذي كان في انتظارها واقفا بجوار سيارته بهيئته الآلية وأناقته المبالغ فيها دائماً.
هذا الرجل لا يعجبه حقاً.
كان قد وصل إلى سيارته قبلها.
فتتحرك رأسه نحو هذا المدعو كارم بتحية فاترة.
رد الآخر التحية بروتينية مثلها قبل أن ينشق ثغره بابتسامة متكلفة فور أن اقتربت منه.
ليصدمه بفعل كاد أن يطيح بعقله.
توسعت عيناه وخرج من فمه السباب بكلمات وقحة متوقعاً اعتراضها على تقبيل هذا ال..... لها من وجنتيها.
ولكن لم يحدث.
لو سمحت يا كارم ماتعملش كده تاني.
قالتها أخيراً بعد تحرك السيارة تجاهد لضبط النفس والتحكم بصعوبة في نبرة صوتها الذي كان يهتز من فرط غضبها الذي ازداد بعد رده.
هو إيه بالظبط اللي معملتوش.
أجابته متنهدة بسأم.
إن سلامك ليا يبقى بالبوس على الخدود، أنا مسمحش بالكلام ده حتى لو خطوبة رسمي مش لسه مجرد كلام.
مجرد كلام.
قالها والتفت رأسه إليها بهدوء غريب يكمله.
وهو مش مجرد كلام يا كاميليا، إحنا فعلاً بقينا.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني والتسعون 92 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
هتفت بحدة:
حتى لو كان برضوا ماينفعش، أنا اتربيت على كده يا كارم.
رمقه بابتسامة غامضة ثم قال مغيراً دفة الحديث:
هتخلصي امتى مشوارك مع زهرة عشان أجهز نفسي أنا كمان.
حدقته مندهشة لتعمده تجاهل كلماتها فقالت بامتعاض:
معرفش، هانخرج امتى، ثم إنه كمان مش لازم يوصلني، أنا عارفة ومقدرة مسؤولياتك الكتير مع جاسر الريان.
التف إليها مردفاً بابتسامته الغريبة:
أصلك ما تعرفيش الجديد بقى، أنا وانت كمان معزومين ع الحفلة الليلة.
عقدت حاجبيها بشدة لتسأله باستغراب:
وأنا وانت نروح ليه بقى؟
أجاب بابتسامة ازداد اتساعها:
أنا هاروح بصفتي مدير أعماله في المجموعة كلها، وانت بصفتك خطيبتي.
حركت رأسها بعدم استيعاب لقراراته المفاجئة وقالت بغيظ:
ولما هو كده ما اتصلتش ليه وقولتلي عشان أجهز نفسي ولا أشتريلي حاجة كويسة مع البنات امبارح، جاي دلوقتي تفاجئني يا كارم.
أجابها ببساطة:
عشان بحب المفاجآت ياستي، وعلى العموم أنا برضوا عملت حسابي، اختارت لك أون لاين أحلى فستان يليق بجمالك، وبعد ساعة كدة إن شاء الله هايوصلك على صالون التجميل وانت بتجهزي مع زهرة.
مالت إليه برأسها قائلة باستنكار:
إسلام! عملت حسابك ونقيت الفستان أون لاين من غير ما تقول لي، طب بلغني حتى عشان أقول لأهلي أو أشوف الفستان هايليق عليا ولا لأ.
أردف يذهلها:
أنا اتصلت بوالدك وبلغته يا كاميليا، ولو ع الفستان ياستي ماتقلقيش أبداً من ذوقي، أنا راجل وأعرف أقدر الجمال كويس قوي.
قال الأخيرة بنظرة شملتها من الأعلى للأسفل أثارت بقلبها الرجفة للمرة الثانية منه لتكتشف أخيراً أنها لم تكن تعلم عن هذا الرجل شيئاً على الإطلاق سوى جديته في العمل وصورته البراقة دائماً.
ها ياقمر ماردتيش يعني؟
سألها مقاطعاً شرودها.
أومأت له برأسها كإجابة بالموافقة باستسلام، ثم التفتت برأسها نحو الطريق لتنهي الجدال وقد نفذت طاقتها وأعصابها لم تعد تتحمل مرة من كم المفاجآت التي تتلقاها من هذا الخطيب الغامض، ومرة أخرى بمواقفها مع طارق وهذا الحصار الذي يفرضه عليها وقت حضوره، ثم فعلة كارم بتقبيلها أمامه لترى بأم عينيها اشتعال عينيه وتحفزه للشجار وإحراق الأخضر واليابس دون وجه حق.
بالكرة المطاطية ذات الحجم المتوسط كان يقوم بتنطيطها على الأرض قبل أن يتناولها ليركض بها ثم يقوم بتسديد هدفه في السلة المعلقة عالياً مسجلاً أهدافه المتعددة بتكرار المحاولات ليستعيد شغفه القديم بهذه اللعبة قبل أن يأخذه عالم الأعمال بمشاكله المتعددة.
التف فجأة على الصوت الحانق بالقرب منه:
طبعاً قاعد بتلعب ولا على بالك.
تبسم جاسر يعيد التنطيط بالكرة وهو يرد عليه:
وما ألعبش ليه يا أستاذ طارق؟ فيه مصيبة مثلاً ولا حاجة منك جاي تبليني بيها؟
أصدر طارق صوتاً ساخراً وهو يشيح بنظره دون أن يرد. لفت انتباه جاسر بتجهم وجهه وعدم استجابته للحديث أو المزاح.
مال وشك مقلوب كده ليه؟
سأله جاسر.
فقال طارق بنبرة متعبة:
بص يا جاسر والنبي أنا مخنوق وعلى أخري.
شاكسه جاسر:
ولما انت مدايق ومش طايق نفسك جيت ليه؟
التفت طارق إليه قائلاً بانفعال:
يعني أرجع تاني يا جاسر، وديني أعملها فعلاً بجد.
هتف عليه جاسر بحزم:
إيه يابني هو انت اتجننت ولا ما صدقت فعلاً، مش عوايدك دي يا طارق.
زفر طارق متأففاً قبل أن تتركز عيناه على الكرة. فقال جاسر وقد انتبه لشروده:
تعالى نلعب معايا، أقله تشغل عقلك شوية عن اللي مضايقك.
صمت طارق قليلاً بتفكير وجاسر يترقب إجابته قبل أن يجفل من فعله المفاجئ بخلعه ستره حلته ثم القميص لينضم إليه بجذعه العاري على بنطاله فقط.
أطلق جاسر ضحكة مجلجلة وهو يخاطبه:
انت هاتلعب معايا كده يا مجنون؟ طب روح على أوضة اللبس غير بأي حاجة رياضي مريحة بدل ما تبوظ بدلتك.
تناول طارق منه الكرة قائلاً باعتراض:
ملكش دعوة انت، خليها تبوظ ولا تتقطع حتى، أنا طقت في دماغي وهالعب كده.
توقف جاسر يراقبه بابتسامة متوسعة وهو يركض سريعاً ويسدد بالكرة داخل السلة باندفاع وقوة. فانتبهت عيناه على همهمة الفتيات التي كانت تسير بجوار الملعب وأنظارهم معلقة على صاحب الصدر العضلي عاري الجذع وهو يلعب بعنفوانه.
أصدر له صوت صفير ينبهه:
يا عم الحلو عضلاتك اللي مقوية قلبك لفتت نظر الجنس اللطيف عليك.
التفت طارق برأسه ليتطلع نحو الجهة التي يشير إليها جاسر. سهم قليلاً نحوهم ثم عاد إلى جاسر قائلاً بقرف:
سيبك منهم بلا سدة نفس، أنا لا بقيت طايقهم ولا طايق سيرتهم.
قالها ليكمل لعبه بالكرة أمامه بعنف أكبر وكأنه يفرغ طاقة الغيظ في اللعب. وظل جاسر يتابعه بنظرات مذهولة يكتنفها الإشفاق وقد شعر بما يحزن صديقه. ليجفله فجأة بسؤاله الغريب:
هو انت عرفت الزفت ده ازاي لما جيت تشغله عندك؟
ضيق حاجبيه يسأله يتطلع إليها باستفسار. فهتف طارق بانفعال:
الزفت اللي اسمه كارم اتوظف عندك إزاي؟
وأومأ جاسر برأسه متفهماً ثم أجابه بهدوء:
والد كارم اللواء حمدي فخر كان صاحب والدي.
أه يعني اتوظف عندك بواسطة، أنا قلت كده برضو.
قالها بازدراء.
فرد جاسر:
هو فعلاً كان بواسطة بس كارم طلع ممتاز بصراحة، تربيته العسكرية من والده أفادتني كتير بصراحة في شغله معايا وبإنجازه للمهام اللي بكلفه بيها في أقل وقت.
تغضن وجه طارق بالغضب. فخاطبه جاسر ممازحاً:
لو بتفكر تخلص منه أنا معاك.
أصدر ضحكة ساخرة ليس لها معنى قبل أن يتحرك لمعاودة اللعب مردداً:
أبوه كان لواء وتربية عسكرية وأنا أقول عامل زي الإنسان الآلي ليه.
في إحدى صالونات التجميل والمشهورة بسمعتها، دلفت الفتيات بصحبة كاميليا. غادة تتطلع لفخامة المكان بأعين منبهرة. وزهرة المبتهجة لعلمها بذهاب كاميليا إلى الحفل معها أدخلت الطمأنينة بقلبها لأنها ستحظى بدعم أغلى صديقة لديها ولن تكن وحدها وسط هذا العالم الغريب عنها.
انت عرفت المكان ده إزاي يا كاميليا؟ دي حاجة فايف ستار وكله هوانم.
قالتها غادة سائلة وعيناها تحدق في كل شبر وكل فرد حولها.
أجابتها كاميليا بإرهاق:
أعرفه من ناس صحابي يا غادة، ما تشغليش بالك انت.
ما تشغلش بالها إزاي يابنتي دا باين إنه جامد فعلاً وكله ناس محترفين.
تبسمت لها كاميليا صامتة. فاستطردت زهرة بسعادة:
بس أنا فرحانة أوي إنك هاتيجي معانا.
ربتت كاميليا على كتفها بحنان لترد:
مكدبش عليك أنا كنت هارفض وأشدد ع رأيي لما كارم فاجئني، بس افتكرتك انت واتراجعت.
حبيبة قلبي.
قالتها زهرة بامتنان. أما غادة فمطت بشفتها حانقة وهي توعد نفسها بأنها ستكون أجملهم الليلة على الإطلاق.
اتفضلوا يا هوانم.
قالتها الفتاة العاملة بالمحل بابتسامة مرحباً بزي الصالون الموحد.
اقتربت منهم بعد ذلك لتشرح عن قدرات المحل وعرض الطرق العديدة في تجميل السيدات ليختاروا منها.
أمام النيل وعلى سور الكبري المعلق كان مستنداً بمرفقيه شارداً في مشهد مياهه الهادئة في هذا الوقت مثقلاً بهمومه التي تكاد أن تقسم ظهره. ومع ذلك كان يتحمل حتى اكتشف حجم تقزمه وعدم جدوى كل ما فعله طول سنوات عمره التي تخطت السادسة والثلاثون. يشعر بصغر نفسه وعدم احترامها. يشعر أنه وبعد هذا العمر يكتشف الآن فقط أنه غبي!
استفاق من شروده على دفعة بيد من تناساها في غمرة شروده.
في إيه خالد؟ هو انت سرحت مني تاني؟ حتى بعد ما وقفتني معاك هنا في الحتة الزحمة دي؟ دا بدل ما تقولي كلمتين حلوين وتقارن بين جمالي وجمال النيل.
قالتها نوال بتفكه علها تخرجه من حالة الشرود التي تلبسته من وقت لقائها به.
أجابها بشبه ابتسامة:
انت أحلى طبعاً.
كدة انت أحلى وبس؟ فيه إيه يابني لسانك اللي بيرغي ع الفاضي وع المليان حصله إيه النهاردة؟
قالتها تدعي المشاكسة لتخفي شعورها القلق. أما هو فتنهد أمام أنظارها من عمق حزنه قبل أن يقول:
تعبت يانوال، تعبت قوي وما عدتش بقى عندي قدرة على الصمود أو أي شيء، أنا حاسس إني عاجز، عاجز يا نوال.
وضعت كفها على كتف ذراعه تسأله بقلب موجوع على حزنه وألمه الذي يصل إليها بمجرد النظر إليه، فما بالك لو كان بهذا الوضوح الآن. وكأن هموم العالم تآمرت عليه لتتساقط جمعيها فوق رأسه.
مالك يا خالد؟ إيه اللي واجعك كده بالقوة دي؟
اتجه بأنظاره نحو النيل يقول لها بشرود:
كل ما أتقدم خطوتين يانوال وأفتكر نفسي وصلت، ألاقي نفسي رجعت خمسين متر للخلف.
أصابها الارتياع من لهجته الحزينة هذه فقالت تسأله بجزع:
إيه وصلك للحالة دي يا خالد؟ أنا أول مرة أشوفك كده.
صمت قليلاً بتفكير وقبضته تطرق على الحاجز الحديدي ثم التفت إليها يسألها بحسرة:
نوال أنا عايز آخد رأيك في قرار اتخذته.
خرجت من غرفة تبديل الملابس بخطوات مسرعة نحو الفتيات في حجرة الباديكير تهتف سائلة باسم:
زهرة إيه رأيك في الفستان ده؟
قالتها والتفتت أنظار الجميع حولها من زبائن وعاملات بأعين جاحظة بانبهار. صرخت على أثره غادة:
إيه ده يا كاميليا؟ انت جبتي الفستان ده منين؟
تجاهلت الرد عليها لتسأل زهرة بقلق:
ما تقولي رأيك يابنتي بقى.
ألقت زهرة نظرة شاملة متأنية على الفستان الذي انسدل على جسد الأخرى بنعومة فائقة. لونه الأزرق انعكس على بشرتها البيضاء ليزيدها بهاءاً بتفصيلة محكمة من أعلى الجسد وحتى الركبة ليتوسع بعد ذلك ويعطيها حرية في الحركة مع فتحة في الصدر أظهرت جزء من مفاتنها بشكل مغري رغم خلو وجهها من أي مساحيق للتجميل حتى الآن بالإضافة إلى شعرها المتناثر أيضاً ومع ذلك كانت شديدة الفتنة كعهدها دائماً.
همت زهرة لتعطي رأيها ولكن سبقتها السيدة رئيسة المحل والتي كانت متواجدة بالصدفة:
انتي بتسألي على إيه ياقمر؟ وانت بسم الله ماشاء الله قلبتي الصالون كله ناحيتك.
أومأت لها بمجاملة. فالْتفتت بأعين سائلة لزهرة التي أجابت هذه المرة:
الفستان فعلاً يهبل عليك، بس الفتحة اللي فوق دي نازلة لتحت شوية.
ردت بعدم رضى:
شويتين مش شوية، وأنا حاسة الفستان أصلاً من استايلي أوفر كده ومش سيمبل زي ما بحب دايماً.
يابنتي وما يبقى أوفر دي مخلياكي ولا نجوم السينما اللي بتعرض نفسها على السجادة الحمرا في المهرجانات. انتي جبتيه منين؟
هتفت بها غادة للمرة الثانية. فردت كاميليا بنفاذ صبر:
مش أنا اللي جبته يا غادة، كارم هو اللي بعت عليه أون لاين. فهمتي بقى.
أها.
أومأت بها تدعي التفهم ومن داخلها غمغمت:
يا بختك، وكارم ده كمان طلع مصيبة.
قالت كاميليا تخاطب الفتيات:
أنا طالعة في دماغي أعتذر وما أروحش الخروجة اللي جاتني فجأة دي وبلاها من الفستان ده اللي مش مرتاحة فيه أساساً.
تطلعت لها زهرة برجاء تقول:
ليه بس يا كاميليا؟ دا أنا ما صدقت.
ارتسم على وجه كاميليا التراجع. فدخلت المرأة معهم:
أنا ممكن أظبط الفستان من فرق شوية يعني بحيث إننا مانبوظش القصة، أصل بصراحة خسارة.
أوردت غادة باقتراح:
أو ممكن نبدل، أنا وانتي تاخدي فستاني وأنا آخد بتاعك.
عبس وجه كاميليا باعتراض وهي تتذكر فستان غادة القصير. فسبقتها المرأة الفضولية في الرد على غادة:
ماهي مش بالفستان يابنتي، الرك ع القد.
قالتها بإشارة لكاميليا التي حسمت أمرها لترد على المرأة:
طب أنا موافقة على تظبيط الفستان وشاكرة جداً لمساعدتك.
قالت المرأة بترحيب:
من غير شكر ياقمر، أنا تحت أمرك هنا.
تمتمت كاميليا بالشكر مرة ثانية قبل أن تنصرف مع المرأة. فقالت غادة في أثرها:
أما بت كهينة بجد جاية تتفشخر بيه قدامنا وتقولك أنا مخنوقة منه، عايزة تمنع عنها الحسد.
رمقتها زهرة بنظرة مذهولة من كلماتها وفضلت كالعادة بلع اعتراضها متجنبة الدخول في الجدال معها.
بعد عدة ساعات.
كانت غادة أول من خرج من صالون التجميل. ترجلت من السيارة الأجرة التي توقفت على وصفها بمعرفة العنوان الذي قالته لها ميرفت بالقرب من منزلها في المدينة الجديدة. تنفست تلتقط أنفاسها لتلقي نظرة أخيرة على هيئتها وقد جعلها الفستان الذي انتقته لها كاميليا كأميرة رائعة كما قالت لها المرأة اللزجة صاحبة صالون التجميل. أخرجت مرآتها لتلقي نظرة على زينة وجهها والقصة الجديدة لشعرها لتستعيد مرة أخرى ثقتها بنفسها وتتحرك بأناقة متصنعة نحو حلمها.
ومن ناحية أخرى قريبة كان يسير منشغلاً مع محدثه بالهاتف:
أيوه ياعبده والله وصلت أهو، ربع ساعة واكون عندك. ليه؟ هو الباشا الكبير كمان وصل؟ تمام يا سيدي أنا مش هتأخر. خلاص يابني أهو أنا في السكة.
انتبهت عيناه لها فجأة فعرفها من ظهرها بهيئتها التي لا تخفى عليه حتى لو حاولت تغييرها. ضيق حاجبيه وهو يرى اتجاه خطواتها وهذا الفستان الذي يظهر سيقانها مع تطايره بفعل نسمات الهواء العليلة في هذا الوقت. فاتجه بغضبه نحوها ليصل إليه سريعاً ويتصدر أمامها يوقفها:
رايحة فين ياحلوة؟
شهقت صارخة قبل أن تتدارك نفسها لتهتف بوجهه غاضبة:
يخرب بيتك! هاتقطع لي الخلف، هو انت اتجننت يابني آدم انت!
تخصر أمامها بوجه خالٍ من عبثه الدائم معها ليسألها مشدداً على كلماته:
بقولك رايحة فين في الساعة وبهيئتك دي؟
احتقن وجهها بالغيظ من تدخله السافر وإشارة سبابته نحوها بدونية. فصاحت مستنكرة:
وانت مالك انت؟ بتسألني بصفة إيه ها؟
اعتصر عقله قليلاً حتى أتى لها بحجة:
بصفتي شغال عند جوز زهرة بنت خالك، واكيد يعني بخاف عليك وهمها مصلحتك، هي عارفة بقى بمجيئك هنا عند البت الصفرا وأخوها اللي أصفر منها.
كزت على أسنانها تقول بازدراء:
ارجع وأقولك انت مالك! لا انت أخويا ولا قريبي عشان تسأل وتتدخل في خط سيري، واوعى كده بدل ما أنده لك الحرس اللي واقفة قدام باب البيت ولا أتصل بميرفت صاحبتي تبلغ عنك ولا تدخلك السجن يا سي إمام انت.
قالتها ودفعته بيدها لتتخطاه باستعلاء. ردد ساخراً وهو يتبع خطواتها:
ميرفت صاحبتي!
ثم مصمص بشفتيه ليغمغم قائلاً:
عليا النعمة انت عايزة تتربي من أول وجديد عشان تفوقي.
وأمام منزل جاسر الريان وبعد أن توقفت بهم السيارة كانت كاميليا مازالت تعطي النصائح لزهرة:
خلي راسك مرفوعة دايماً وظهرك يبقى مفرود، أوعي تظهري ضيقك ولا تزعلي نفسك من أي تلميح ولا كلمة تتقالك، خدي قوتك من حب جاسر ورعايته ليك وسيبيله هو الرد على أي شئ يضايقك، أنا واثقة إنه مش هيخذلك إن شاء الله.
أومأت لها بتفهم وهي تمسك بمقبض الباب لتترجل وهي خلفها، ولكن مع دوي صوت هاتف كاميليا أشارت لزهرة لتسبقها كي ترد على شقيقتها وتلحق بها.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث والتسعون 93 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
ولجت زهرة إلى منزلها بقلب يخفق بالسعادة والترقب لرؤية جاسر ومعرفة رأيه بزيها وإطلالتها الجديدة، ترجو من الله أن توفق في هذه الليلة. هتفت باسمه فور مرورها بالردهة.
"يا جاسر، إنت فين يا حبي..."
توقفت الجملة بحلقها وقد اصطدمت عيناها برؤية طارق في بهو المنزل ومعه عامر الريان، وبجواره امرأة رائعة الجمال لا يبدو على وجهها ما يثبت عمرها، تحدق به سهامها الخضراء في جلستها على الأريكة الأثيرة، واضعة قدمًا فوق الأخرى.
قال لها عامر ليفك عنها خجلها وصمتها بعد أن تسمرت مكانها:
"وقفتي ليه؟ ماتقدمي يا بنت وسلمي."
لم تدري بنفسها، استدركت تبتلع ريقها بتوجس وهي تجبر أقدامها للتحرك نحوهم. وقف لها عامر يتلقفها بمودة أبوية ليصافحها بحرارة، واضعًا قبلة دافئة على أعلى حجابه.
"بس ماشاء الله، دا أنا معرفتكيش. إيه الحلاوة دي؟"
ردت بابتسامة مضطربة:
"الله يحفظك يا عمي، ربنا يسعدك."
ضحك عامر يشاكسها بكلماته:
"يحفظك ويسعدك إيه الرسمية دي يا ست زهرة؟ هو إحنا في الشركة ولا إيه."
توسعت ابتسامتها بصمت، فقربها عامر ليقدمها نحو لمياء التي كانت تناظرها مضيقة عيناها.
"إيه رأيكم بقى تتعرفوا على بعض؟ دي يا ستي تبقى لمياء مراتي، أو حماتك يعني. وإنت ياقلبي القمر دي تبقى زهرة مرات ابنك. شوفتي ذوقه حلو إزاي."
أومأت له بشبه ابتسامة لمياء وهي تنهض عن كرسيها ببطء، ثم مدت بطرف كفها لزهرة التي لم تصدق، فسارعت بمصافحتها بتوتر.
"أهلاً يا..."
طنت، نورتيني.
رمقتها من أعلى للأسفل قائلة بعد فترة من الوقت مرت على زهرة وكأنها سنوات:
"البيت منور بأهله."
"طبعًا طبعًا، بس إنت نورتي البيت بجد والله."
قالتها زهرة بصدق رغم توترها، لتجفل فجأة على صوته الدافئ وهو يلف ذراعيه حولها من الخلف بعد أن أتى على الفور من غرفة مكتبه وقطع جلسة عمله مع كارم ليؤازرها.
"مارديتيش يعني يا لمياء هانم على سؤال والدي، إيه رأيك في ذوقي؟"
لوت ثغرها تجيبه بحنق:
"حلوة، حلوة يا جاسر. ربنا يسعدكم."
قالتها من تحت أسنانها. والتفتت زهرة برأسها لجاسر الذي دعمها بنظرة مشجعة أدخلت الراحة بقلبها بعد توترها الشديد من لقاء لمياء، والتي هتفت فجأة وأنظارها نحو مدخل المنزل:
"دي كاميليا دي يا عامر؟"
انتقلت أنظار الجميع نحوها، وقبلهم كان طارق الذي جحظت عيناه وقد أوشك قلبه على التوقف من فرط خفاقته العنيفة بين أضلعه، وهي تتقدم نحوهم بثقتها المعهودة دون تكلف. الغبية الغافلة عن سحرها الذي يعبث في قلوب محبيها، أو جمالها الذي يسلب عقول الرجال فيجعل الحكيم منهم كالممسوس بعشقها، ألا من الأجدر أن تكتمل الصورة وتستمع هي أيضًا لصوت قلبها؟ أم هي صماء وأصاب سقييع الجليد إحساسها؟
استفاق من وصلة إعجابه التي تدوي بداخله بصخب، والفتنة ذاتها متجسدة في مالكة قلبه، لتشوش الصورة باقتحام هذا المدعي وهو يقترب منها بتحذلق ويقبل كفها بدماثة مستفزة أثارت بداخله الازدراء والكره نحوه، وهو يتقدم بها نحو لمياء يقدمها إليها بصفته خطيبها. هذا الرجل لا يعجبه حقًا!
"معقول؟ أنا محدش قالي إنك خطبت! لأ ومين كاميليا كمان؟"
قالتها لمياء وهي تصافح كاميليا مع كارم الذي كان يتحدث مع المرأة بمودة.
"معذورين برضوا يا هانم، أصل إحنا لسة معملناش خطوبة رسمي."
ردت لمياء بابتسامة متوسعة.
"لأ بس برافو عليك عرفت تنقي وتختار يا ولد. ما شاء الله عليكم، دا إنتوا تتحسدوا."
قالتها لمياء بفرحة. امقتت زهرة التي لم ترى على وجهها ربع هذا الحماس والإعجاب نحوها. شعرت بها كاميليا لترسل إليها ابتسامة مضطربة، بادلتها زهرة بواحدة مثلها، قبل أن تجفل على جذب جاسر لها فجأة ليبتعد بها عنهم قائلًا:
"سيبك منهم وتعالى معايا."
قالت وهي تسرع بخطواتها معه:
"أجي معاك فين يا جاسر بس؟ ونسيب والدك ووالدتك؟"
"هغير عشان أروح الحفلة."
قالها ببساطة استغربتها وعيناها ارتكزت على الحلة التي يرتديها.
"ومالها البدلة اللي إنت لابسها؟ يعني فيها إيه؟"
أجل الرد عليها لحين إغلاقه باب الغرفة عليهم قائلًا:
"مش تفهمي بقى لوحدك يا مجنونة."
"أفهم إيه؟"
قالت ببلاهة، لتشهق مجفلة على احتضان راحتيه لوجهها مرددًا بمشاكسة:
"عايز أستفرد بالجميل شوية لوحدي. فيها حاجة دي؟"
ضحكت من قلبها وعنفوان مزاحه أذهب عنها التوتر، ليكمل هو بأعين تفيض بالعشق:
"زي القمر والله يا زهرة، وتجنني كمان."
توقفت ضحكتها على أثر جملته التي دخلت على قلبها برداً وسلاماً بعد حزنها منذ قليل من تعامل والدته المتحفظ معها بالمقارنة بترحيبها الحار بكاميليا، ليأتي هو الآن بجملة واحدة منه مع نظرة مشبعة بالعشق تزيح الغيوم، ويهطل مكانها أمطار من الفرح لتنبت زهور الحب في قلبها إليه، مالك قلبها.
انشق ثغرها فجأة بابتسامة ممتنة له وهي تبادر بلف ذراعيها حول جذعه لتقول من قلبها:
"أنا بحبك أوي يا جاسر."
شدد هو أيضًا باحتضانها يقبل أعلى رأسها براحة تنبع من داخله وقد وصله صدق عبارتها وبراءتها التي تزيد من سعادته معها، صاحبة القلب الحنون نعيمه الذي وجده أخيرًا بعد طول انتظار. ورده كان على كلماتها:
"وأنا بموت فيك يا قلب جاسر..."
"اتفضلي يا قلبي بيتك ومطرحك."
تفوهت بها ميرفت وهي تسحب غادة إلى داخل الحفل المقام حول حوض السباحة في منزلها الفخم، وغادة تسير معها تتطلع بأعين منبهرة نحو الرفاهية التي لم تعتد عليها قبل ذلك. موسيقى صاخبة، فتيات بملابس شبه عارية يتمايلن بميوعة مع رجال تنوعت أعمارهم وكؤوس الشراب بأيديهم، ومن ناحية أخرى منصة أقيمت لرقص الفتيات مع بعض الشباب بجرأة لفتت نظرها، حتى وصلت إلى طاولة تجلس عليها امرأة كانت تعطيهم ظهرها، حينما قدمتها ميرفت:
"إنتِ هاتقعدي معانا هنا يا قلبي، أنا و أعز صاحبة ليا."
تبسمت لها بمودة، وفور أن همت لتجلس جحظت عيناها بتوتر وهي تتبين هوية المرأة بعد أن التفت إليها برأسها. لحقتها ميرفت بالقول:
"إيه يا غادة؟ سهمتي كده ليه؟"
"يمكن خافت مني يا فيفي، لما عرفتني."
قالتها المرأة بمكر. فردت ميرفت بابتسامة محفزة:
"يا عبيطة، دي ميري دي عسل."
التوى ثغر ميريهان لتقول بلؤم:
"حتى لو كنت غير كده يا حبيبتي، ما هي بنت خالك خدت جوزي مني، شفتيني عملت إيه يعني؟"
جلست غادة قائلة باعتذار:
"معلش بقى، ربنا يعوض عليكِ، بس أنا مليش دعوة بيها والله."
ربتت ميرفت على ذراعها قائلة بلطف متصنع:
"طبعًا يا قلبي، إحنا عارفين الكلام ده. أمّال أنا ليه حبيتك يا غادة؟ عشان طيبة، وميري كمان قلبها أبيض زيك. أنا ما أحبش أبدًا أصاحب الناس الوحشين أو اللؤمة."
أكملت على قولها ميريهان:
"عندك حق يا فيفي، هو إحنا لو مش طيبين كنا أخدنا على دماغنا بالشكل ده. يالا بقى، كله عند ربنا."
"فعلاً يا حبيبتي، عندك حق."
قالتها ميرفت لميري قبل أن تتجه بابتسامتها المتصنعة لغادة تخاطبها:
"ها يا وزة، تحبي تشربي إيه بقى؟"
وقعت عيناها نحو المشروب الذي بكف ميري وصمتت قليلاً بتفكير قبل أن تحسم أمرها:
"أي حاجة ساقعة وخلاص."
تبادلت ميري وغادة ابتساماتهم الخبيثة، ثم فتحن معها بالأحاديث العادية لتطمئن لهم، حتى أجفلن فجأة على صوت أحدهم وهو يميل على ميرفت قائلًا:
"مش تعرفينا يا فيفي؟"
شهقت ميرفت ضاحكة للشاب قبل أن تعود لغادة تخاطبه:
"دا ماهر أخويا يا غادة، اللي أنا عاملة الحفلة مخصوص عشانه."
توقف قلب غادة عن النبض للحظات، وعيناها تتطلع بالقلوب الحمراء نحو الشاب صاحب العيون الخضراء والشعر الأصفر وبشرته القريبة من بشرة الأجانب، على وسامة نافست نجوم الأفلام التي تشاهدها. استعادت وعيها أخيرًا على قول ميرفت وهي تقدمها للشاب الذي كان ينظر لها بجرأة:
"أهي دي بقى تبقى غادة صاحبتي اللي قولتلك عليها قبل كده يا ماهر، أحلى بنت بلد تقابليها."
توسعت ابتسامة بلهاء على فمها وهي ترد بتلعثم:
"آه، مش لدرجادي يعني يا ميرفت."
"لأ لدرجادي وأكتر كمان."
قالتها ميرفت وشاركها الشاب وهو يجلس بجوارهم على الطاولة:
" عندك حق يا ميرفت، أنا مكنتش أعرف إن مستوى الجمال اتطور لدرجادي في البلد."
"واديك عرفت وشوفت بنفسك يا خويا."
قالتها ميري بمشاكسة، قابلها الشاب بابتسامة متسلية. أما غادة فكانت ترفرف بأهدابها غير مصدقة، ليزيد الشاب بكلمات الغزل نحو عشقه للبلد وفتياتها أيضًا. تبادلت ميري وميرفت نظراتهم بمغزى، قبل أن تستأذن واحدة منهم لتسحب معها الأخرى، تاركين غادة مع المدعو ماهر على الطاولة وحدهم.
"ها بقى، ممكن تعرفيني على نفسك؟"
قالها بابتسامة أربكتها، لتسرد في الحديث عن نفسها بعفوية حمقاء، غافلة عن نظراته التي كانت تتفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها.
وفي مكان آخر، ولجت زهرة متأبطة ذراع زوجها إلى ردهة الفندق الفخم خلف عامر ولمياء في البداية، ليتلقاهم مصطفى عزام بترحيبه الحار مع شقيقه وزوجته الممثلة نور فهمي بابتساماتها المعروفة، ودودة ولطيفة في تعاملها مع زهرة وكاميليا ولمياء، عكس الزوجة الأخرى لشقيق مصطفى وهي ترحب بابتسامة متحفظة ولغة عربية غير متقنة. ثم يتقدمهم مصطفى ليأخذ الجميع معه إلى القاعة المخصصة لكبار الزوار في فندقه الشهير، حيث كانت والدة الشقيقان في انتظارهم.
شهقت لمياء بصوت خفيض محدثة زوجها فور أن رأتها:
"إنهار أسود يا عامر، دي إيه اللي جابها دي؟"
رد عامر بصوته الهامس معها بمشاكسة:
"إيه يا لميا؟ هي لدرجادي بهيرة شوكت بتخوف؟"
تمتمت لمياء بغيظ:
"وما أخافش ليه؟ وأنا أكتر واحدة عارفاها!"
تقدمت المرأة تصافح وترحب بابتسامتها المتعالية مع الجميع، وخصوصًا زهرة.
أجلسهم مصطفى في وسط القاعة المذهبة في كل ركن بها، حتى الأرائك الكلاسيكية بفخامة والثريات الكبرى في الوسط تتدلي منها حبات الكريستال المضيئة لتبعث في الجو مزيدًا من الرقي المبالغ فيه مع موسيقى هادئة تليق بالمناسبة.
توزعت الجلسة لمجموعات. مصطفى وشقيقه مع عامر وجاسر، ومعهم طارق وكارم. لمياء اضطرت لمجالسة بهيرة بحكم معرفتها بها، ومعهم كانت الزوجة التركية لشقيق مصطفى. وانفردت نور مع الفتيات زهرة وكاميليا واندمنجن في الحديث معها.
"شوفوا يا بنات، أنا عايزكم تاخدوا عليا كده وتعتبروني صاحبتكم، ماشي؟ يعني تفكوا وتهزروا معايا."
قالتها نور. وردت كاميليا:
"كده على طول؟ طب مش لما نعرفك الأول وتاخدي علينا وناخد عليك؟"
فغرت فاهاها تدعي الصدمة قبل أن ترد بعتاب مرح:
"خص عليكِ، دي كلمة برضوا تقوليها في وشي كده؟ قال وأنا اللي كنت فاكرة نفسي مشهورة."
ضحكتا الاثنتان لتواضع المرأة معهم. فخاطبتها زهرة ملطفة:
"هي مقصدهاش والله، هي قصدها معرفة شخصية بس إنتِ عسل صراحة، أحلى كمان من التمثيل، حلوة وعلى سجيتك."
"يعني بجد أنا حلوة؟"
قالتها بابتسامة شقية وأكملت:
"وإيه كمان؟ والنبي قولوا قولوا، أنا مشبعش من الكلام ده على فكرة."
عدن للضحك مرة أخرى، فقالت كاميليا:
"إنتِ جميلة قوي يا نور، من برا ومن جوا، عكس ناس كتير بنشوفهم في الوسط بتاعكم."
ردت نور:
"وإنتي كمان يا حبيبتي، بصراحة أنا مبسوطة أوي بيكم يا بنات، حلوين كده ومش مكلكعين زي بعضهم."
قالت الأخيرة بمغزى. وسألتها زهرة ببرائة:
"بعضهم دا يبقى مين؟"
صدرت ضحكة مضطربة مع نظرة ماكرة برفع حاجبيها. فهمتها كاميليا، فهمست لزهرة وهي تتطلع نحو الناحية المقصودة:
"أنا هفهمك يا زهرة وأقولك بعدين."
أومأت لها زهرة برأسها، فقالت نور:
"أنا دلوقتي بس عرفتي سر تمسك جاسر الريان بيكِ، جميلة وبريئة في نفس الوقت. يابخته."
تأثرت بمقولتها زهرة، حتى زحفت على وجهها حمرة الخجل رغم زينتها. هللت نور بمرح:
"الله يا زهرة، وكمان بتتكسفي؟ وكيوت."
أومأت لها كاميليا بتصديق:
"هي فعلاً كده والله، لدرجة إنه أحياناً بيتسفزني جداً خجلها ده."
ردت نور:
"وتستفزك ليه بقى؟ دي تجنن."
صمتت لحظة ثم أكملت بروحها المرحة:
"هتصدقوني بقى؟ أنا النهاردة حبيت مصطفى عشان عرفني بيكم."
قالتها وانطلقت ضحكاتهم، حتى التفتت نور على سهام نظرات حادة مصوبة نحوهم، فغمزت للتنبيه:
"خلوا بالكم يا بنات من صوت الضحك، إحنا مش ناقصين."
ومن الجانب الآخر، التفتت بهيرة برأسها بعد أن حدجتهم بنظرة ممتعضة لتعود مخاطبة لمياء:
"شوفتي بقى ياحبيبتي؟ ادي نتيجة الجواز الغلط، بتضحك بصوت عالي ولا مقدرة شكل جوزها قدام الناس، ولا حتى مراعية أصول الإتيكيت."
أومأت لها لمياء صامتة. وتابعت المرأة بخبث:
"بس على الأقل هي مشهورة واسمها مسمع مع الناس، لكن مرات ابنك إنت بقى..."
ابتعلت ريقها لمياء لتسألها بتوتر:
"ومالها مرات ابني بس يا بهيرة هانم؟ ماهي زي القمر أهي، ولبسها حلو وقعدتها رزينة كمان، وحتى ضحكها صوته واطي."
أشاحت المرأة بعيناها قليلاً ثم عادت ترد بعدم رضى:
"بتضحكي عليا وعلى نفسك يا لميا؟ ولا إنتِ فاكراني مش عارفة بالتريند اللي قلب الدنيا عن جوازها بإبنك، وأصلها وسمعة والدها؟ أنا كبرت شوية في ألسن أه، بس أعرف برضوا في التكنولوجيا."
شعرت لمياء وكأن دلواً من الماء البارد سقط فوق رأسها، فجاهدت حتى خرج صوتها بنبرة طبيعية:
"طبعًا إنتِ عندك حق، بس أنا أعمل إيه بقى؟ والولد حبه."
"حب! حب إيه وكلام فارغ إيه بس يا لميا؟ هو إزاي أساساً يبص لبنت زي دي شغالة عنده سكرتيرة، ويطلق بنت خالته ميري بنت الوزير؟ أهو دا النسب اللي يشرف ويرفع الراس، لكن أقول إيه بقى."
صمتت لمياء ولم تعد بها قدرة على المجادلة مع المرأة التي خاطبت زوجة ابنها الثاني بلغة تركية لم تفهمها لمياء، فانتظرت حتى نهضت الفتاة وانصرفت من جوارهم، ثم التفتت نحو بهيرة ناظرة بتساؤل. وكان جواب الأخرى:
"أنا كلمتها تروح تطمن على حال البوفيه والأكل. مطيعة أوي سوزان أهى. دي بقى كانت اختياري لابني الصغير بعد ما شفت خيبة أخوه الكبير في جوازه بالممثلة دي، بنت من أكبر العائلات في تركيا طبعًا، أمال إيه؟ الواحد لازم يتجوز باللي يليقله."
أومأت لها صامتة، فكلمات المرأة المتعجرفة تضغط بشدة على وترها الحساس نحو المظاهر والتكافؤ بين الزوجين مع فرق الطبقات، فقد أوجعها ابنها في هذا الموضوع بشدة، لتأتي هذه المرأة الآن لتضغط على جرحها. أجفلها فجأة قائلة:
"قوليلي صحيح يا لميا، هي مين البنت اللي زي القمر اللي قاعدة في الوسط دي؟"
أجابتها بنبرة ميتة:
"دي كاميليا اللي كانت مديرة مكتب عامر سابقاً، حالياً هي ماسكة المصنع مع طارق على فكرة، هي مخطوبة لكارم."
"اممم."
زمّرت المرأة بصوتها بتفهم قبل أن تكمل وعيناها على كاميليا:
"ما شاء الله تبارك الرحمن، خلبوص الولد كارم ده عرف ينقي بصحيح."
"عندك حق."
قالتها بقنوط وتحسر على وضعها ونسب ابنها الغير مشرف بنظرها، والذي أفقدها متعة الحفل والاحتفال.
وإلى جلسة الرجال التي كانت صاخبة بأصوات ضحكاتهم وحديثهم المرح.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الرابع والتسعون 94 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مصطفى الذي كان يسرد لهم عن مقابلته للوزير فهمي حيدر الغاضب من شراكته لهم وتوبيخه بكلمات غير لائقة لوضعه أو مركزه الاجتماعي.
"معقول، هو قال لك كده؟ الراجل ده اتجنن ولا إيه؟" قالها جاسر بدهشة.
ورد مصطفى غير مبالٍ: "هو فعلًا اتجنن على فكرة، لما يهدد واحد زيي إنه هيوقف شغلي أو عقودي مع الحكومة. الكلام ده ما يطلعش من عيل صغير يعرف ألف باء في الاقتصاد. أنا شريك كبير مع الحكومة، يعني لو شغلي وقف شغل البلد كمان هيوقف."
تدخل عامر: "سيبك منه، ده بيفرفر بعد ما خسر أهم عقد شراكة بينا وبينه وضاعت عليه فرصة إنه يؤسس كيان يتحدانا بيه."
"لا ولسة كمان،" قالها مصطفى مبهمة.
فسأله طارق باستفهام: "لسة كمان إيه؟"
اقترب مصطفى برأسه منهم ليجيب بهمس: "جاتني معلومات خطيرة من مصدر موثوق فيه إنه هيتشال في التعديل الوزاري الجديد."
انفغرت أفواههم بذهول يشوبه المرح، قبل أن يسأله جاسر: "والمصدر الموثوق ده أنت متأكد من كلامه بقى؟"
"طبعًا يابني، ما أنا اللي كنت مترشح مكانه،" قالها ببساطة.
أطلقت ضحكاتهم لتجلجل في قلب المكان، وتابع مصطفى: "بس والله الحمد رفضت."
عارضه طارق قائلًا: "رفضت ليه يابني؟ ما كنت أخذت مكانه وبدل الضربة تبقى اتنين."
نفى برأسه يقول رافضًا: "لا ياسيدي، أنا مش عايز أضرب ولا أوجع دماغي. أنا راجل كل همي في شغلي اللي بحبه، ماليش بقى في السياسة والكلام الفاضي ده، دي خليها لأصحابها يا عم." قالها مصطفى.
فربت عامر على ركبته بإعجاب مرددًا: "أفرو عليك يابطل، أنا من أول مرة شفتك فيها في بداية مشوارك يا أبو درش ونظرتي فيك ما خيبتش."
ربت بدوره مصطفى على كف الرجل بامتنان، لينتبهوا جميعهم على الفتاة المسؤولة بالفندق وهي تتقدم النادل الذي يقدم لهم المشروبات بملابس العمل القصيرة مع زينة محكمة على وجهها الجميل وشعرها، لتحييهم بابتسامة من واقع عملها.
تناول كل منهم مشروبه، حتى جاء دور جاسر واتسعت ابتسامتها بشكل لفت أنظار الجميع حولها وهي تقدم له المشروب بنفسها.
"الفندق زاد نوره النهارده بوجودك يا جاسر باشا."
تناول منها ورد بابتسامة مرتبكة: "ده نورك يا... شكرًا."
كررت غير مبالية بنظرات الرجال حولها: "أي حاجة تعوزها إحنا تحت أمرك يا فندم."
أومأ لها على حرج، وقد انتبه لنظرات زهرة نحوه.
جاء قول مصطفى الحازم لإنقاذهم: "تشكرين يا ميرنا، لما نعوزك هنبعت لك."
أومأت له بابتسامتها المعتادة، فقالت بنعومة متعمدة وعيناها تلاحق جاسر: "تمام يا فندم، بس أنا كنت جاية أنبهكم إن جلسة التصوير على وشك البدء وكل شيء بقى جاهز."
"خلاص روحي إنت، واحنا قايمين على طول،" قالها مصطفى بعملية، لتنصرف الفتاة بعد أن عكر مجيئها صفو جلسة الرجال.
بعد قليل.
بدأت جلسات التصوير بصورة جمعت عامر الريان وولده مع مصطفى وأخيه، لتصنف تحت عنوان الشراكة الأهم لهذا الموسم بين أهم كيانين في بناء الوحدات السكنية في الدولة. وبعدها أتت الصور تباعًا، صورة لإمضائهم العقد، وصور لأفراد العائلتين جميعهم، وبعض الصور لكل فرد منهم مع زوجته. مصطفى ونور، أو جاسر وزهرة، التي كانت تشجعها كاميليا بقلبها، لترفع رأسها وتتخلى عن خجلها الدائم، حتى ظهرت بأجمل ما يكون. وتوالت الصور للرجال مع بعضهم والنساء، حتى لمياء نالت حظها مع بهيرة المتعجرفة، تجاهد بصعوبة لرسم ابتسامة على شفتيها، فالمرأة لم ترحمها على الإطلاق.
لتنتهي الجلسة أخيرًا بمأدبة عشاء فخمة أقيمت على شرف شراكة وتعاون العائلتين.
جلس مصطفى على رأس الطاولة، لتجاوره على يساره زوجته نور، والتي لم يغلق فمها لو دقيقة عن الابتسام والترحيب بكل ود. لجاسر وزهرة الذين جاورها. وعلى نفس الصف كان عامر وزوجته، وكارم ملتصقًا بكاميليا ليزيد من غيظ طارق الذي كان مقابلهم في الناحية الأخرى، مع شقيق مصطفى وزوجته التركية، وبهيرة شوكت، والتي مازالت تمارس هوايتها في التفاخر المبالغ فيه.
"عارف يا عامر باشا، أنا اللي أصرت على مصطفى على عقد الحفلة هنا، أصل بيني وبينك القصر اليومين دول بنعمل فيه تجديدات للحفاظ على رونقه وأصالته."
تبسم عامر لها قائلًا بذوق: "وماله يا هانم، هنا أو في القصر أو في أي حتة، إحنا موافقين ومرحبين."
أصدرت صوت طقطقة بفمها لتقول باعتراض: "لأ إزاي ياباشا، الفندق هنا فخامة زي القصر، لكن المباني الجديدة زي الفلل ولا حتى القصور، كلها شبه بعض، تفتقر لرقي عائلاتنا الكريمة، سر تميزنا عن الجميع."
أومأ لها بابتسامة ممتعضة عامر، مفضلًا إنهاء حديثها السخيف بتناول الطعام، وقد أطلق تلميحها المستفز ذبذبات التوتر في الأجواء.
مصطفى كان يجاهد بتوزيع ابتساماته مع زوجته على تلطيف الأجواء، وجاسر فضل التعامل بعناد بزيادة رعايته لزهرة وتقديم الطعام أمامها مع كلماته المعسولة التي أثارت غيظ المرأة، فنقلت اهتمامها نحو كاميليا، تجفلها بسؤالها: "وانت بقى يا جميلة، ما فكرتيش تمثلي؟"
توقفت كاميليا عن الطعام وردت قاطبة باندهاش: "أمثل! ليه بقى؟" قالتها وانتبهت على أنظار الجميع المصوبة نحوها بتوتر، خصوصًا نور زوجة مصطفى، فقالت ملطفة: "أنا أقصد يعني إني ما أملكش الموهبة أساسًا، وحتى لو كان، أنا بحب شغلي جدًا وما فيش حاجة تغنيني."
كانت إجابتها دبلوماسية أرضت نور، ومع ذلك استغلتها المرأة: "عندك حق ياقمر، مع إنك لو دخلتي بجمالك ده هتكسبي، ده كفاية إنه جمال طبيعي، لكن أقول إيه بقى، الولد الخلبوص ده هو اللي محظوظ بيك."
شحب وجه كاميليا وتلميحات المرأة الخبيثة لا تريحها. أما كارم فتبسم بسعادة وقد أطربته الكلمات، ليزيد على جرعتها برفع كف كاميليا فجأة يقبلها وهو يقول بزهو: "عندك حق ياهانم، أنا فعلاً بعتبر نفسي محظوظ بيها."
تغضن وجه طارق في الناحية الأخرى بالغيظ من هذا المتحذلق، يود لو يهشم رأسه بأي شيء تطاله يداه حتى يغلق فمه إلى الأبد.
ضحكت بهيرة ضحكتها المتقطعة بتكلف لتردف مخاطبة غروره: "لأ وشاطر كمان وبتعرف ترد، يا بخت والدتك بيك، هي فين صحيح، بقالي فترة طويلة ماشوفتهاش من ساعة ما حضرت جنازة اللوا."
تنهد يرد وهو مطرقًا برأسه: "للأسف والدتي حرّمت على نفسها الخروج من ساعة وفاة المرحوم. خروجها بقى مختصر على المقابر أو المشاوير الضرورية زي خطوبتي لكاميليا كده، أصلها كانت بتحبه أوي."
"يا حبيبتي،" قالتها بهيرة تدعي التأثر، لتجفل فجأة على هتاف طارق بعد أن فاض به: "أنا شبعت يامصطفى خلاص، مش ناوي بقى تفرجنا على باقي الفندق زي ما وعدت؟" قالها بحدة واضحة.
ورد مصطفى كالعادة بذوق: "آه طبعًا يا عم طارق، دقايق بس على ما أخلص أنا أكل مع الجميع."
"تمام، وأنا هانتظركم،" قالها بنزق قبل أن ينصرف، متجاهلًا أنظار بهيرة التي كانت تحدجه بغيظ قبل أن تعود لكارم وحديثهم الممل: "إحنا كنا بنقول إيه بقى يا كارم؟"
أجابها متشدقًا: "كنا بنتكلم على والدتي وزعلها الكبير على وفاة المرحوم والدي."
بعد انتهاء مأدبة العذاب كما أسمتها كاميليا، استأذنت متعللة بالاتصال على والدها كي تهرب من جولتهم بداخل أروقة الفندق العريق كي تختلي بنفسها منهم. أما زهرة هي الأخرى فلم تكمل نصف الجولة برفقة نور التي صاحبتها كصديقة مقربة رغم معرفتها الجديدة بها، واستأذنت منها الذهاب نحو أقرب حمام وصفته إليها، وقد أصبحت إحدى عاداتها حديثًا كثرة ارتياده.
خطت حتى الرواق المؤدي إلى حمام السيدات، وقبل أن تصل إلى مدخله سمعت بحديث الفتيات الصاخب من الداخل واسمه يذكر بينهم.
"يابنتي بقولك جاسر الريان هو بذات نفسه، ده أحلو قوي يازفتة."
دوى صوت ضحكة رقيعة لفتاة أخرى قبل أن تردف لها: "أيوه بقى اللي كنتي بتحكيلي عنه ليل نهار وعن الليلة اياها، ههههه."
ردت الأولى: "يا أختي الليلة اياها، اللي بعدها الراجل طفش وقال عدولي قوم أنا ما أشوفش وشه تاني غير النهارده بعد ما اتجوز البت السكرتيرة بتاعته وطلق بنت الوزير، طب لما هو ناوي على الطلاق من الأول مش كان اتجوزني أنا وكسب فيا ثواب."
دوت الضحكات الصاخبة مرة أخرى، وإحدى الفتيات تجيبها: "تلاقيه ما انبسطش معاكي ياميرنا."
ضحكت بدورها لتزيد من عبث ضحكاتهم الماجنة بقولها: "مش مهم، كفاية أنا انبسطت، ههههه."
لم تحتمل أكثر من ذلك لترتد مغادرة، وقد اكتفت بهذا القدر.
بشرفة داخلية للقاعة تطل على حديقة ضخمة للفندق، وقفت تتنفس الصعداء أخيرًا بعد أن ضاق صدرها ولم تعد بها طاقة لكل ما يحدث حولها. الآن هي ليست غبية حتى تغفل عن سلوك كارم معها وتفاخره بها أمام الجميع وكأنه دمية جميلة بيده، كما لم تغفل بذكائها عن التلميحات الخبيثة للمرأة، والدة مصطفى عزام، كي تزرع الغيرة بقلب زوجة ابنها، المرأة الجميلة منها، والأفعال اللئيمة لتقليل من شأن زهرة صديقتها أمامها. تلعن مجيئها وهذا الدور الذي تلبسها عكس شخصيتها التي أسستها منذ سنوات بجهدها وتميزها دون النظر لوجهها إن كانت جميلة أو قبيحة حتى. تنهدت بتعب تبتغي الراحة والخروج من هذه الدائرة، هي إنسانة محبة للحياة نفسها وليس لمظاهر كاذبة خادعة.
"عاجبك شخصيتك الجديدة مع الباشا ابن اللوا؟" قالها وكأنه قرأ ما تفكر به.
التفتت برأسها إليه بنظرة حادة متسائلة، فاستطرد وهو يكمل بتقدمه نحوها: "ما تستغربيش يا كاميليا، أنا فاهمك أكتر ما إنتي فاهمة نفسك."
زفرت بضيق تشيح بوجهها عنه وكأنها تعلم ببقية حديثه، فاقترب أكثر حتى وقف أمامها ليتابع: "مهما حاولت تنكري وتكذبي وتدعي عكس اللي في قلبك، برضوا أنا فاهمك وعارف اللي جواكي."
قلبت عيناها ترد بسأم على كلماته: "آه، وإيه بقى هو اللي جوايا يا أستاذ طارق، يا اللي عارفني أكتر من نفسي."
اعتلى وجهه ابتسامة رأتها ولا أجمل في ظل الإضاءة الخافتة حولهم، ليقول: "بتحبيني." قالها ببساطة.
قابلتها بضيق صائحة: "يووووه، مش هانخلص بقى إحنا من الكلام ده."
ازداد اتساع ابتسامته ليردف بتأكيد ووجهه يزداد قربًا منها: "ونخلص ليه يا كاميليا، ده أنا لو عليا لا أكتبها على الحيطان وأحفرها على جذوع الشجر زي العيال المراهقين، ولا أعلقها بيافطة على صدري عشان الكل يعرفها ويعرفني بيها. كاميليا بتحب طارق وطارق بيحب كاميليا، لنفسها بس، مش لشكلها ولا لأي شيء عنها تاني. حب اتعدى في قلبي كل الحدود وجعلني أتنازل عن كل عادة وحشة فيا عشانك. حب معرفتوش ولا افتكر إني هألاقي في حياتي كلها اللي يعوضه."
صمت قليلًا وعيناه تأسر عيناها حبيبتيه، ليردف بحزن من أعماق ندمه: "عارف إن تاريخي ما يشرفش، بس أنا مستعد أغير شهادة ميلادي لو يرضيك. انسى الماضي يا كاميليا، وخلينا نعيش مع بعض بعهد جديد وحياة نرسمها أنا وإنتي ما فيهاش أي شيء يزعجك. حاولي ولو في مرة واحدة تسمعي لصوت قلبك."
صمت وظل حديث الأعين بينهم سيد الموقف، هو يتطلع إليها باستجداء لتوافق، وهي أخذها سحر اللحظة ونسيت كبرياءها وعنادها الدائم معه، متأثرة بصدق كلماته التي اخترقت حصونها فجعلتها تسقط أدرعها وأسلحتها التي تشهرها دائمًا في وجهه، ولكنها كانت كاستراحة محارب، وقد استفاقت فجأة على نبرة الصوت المألوف.
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
التفت رأسا الأثنان نحوه، واقفًا بمسافة ليست بعيدة عنهم، عيناه الصقرية تقذف بشرارات الغضب، وجهه مظلم على غير طبيعته المعتادة، كرر مرة أخرى مشددًا على كلماته: "أنا بسأل إيه اللي بيحصل هنا."
انتبهت كاميليا على وضعها وقرب طارق الكبير منها، فارتدت للخلف تبتعد عنها لترد بدفاعية: "ما تفهمش غلط يا كارم، ده كان بيسألني سؤال عادي."
رمقها طارق بنظرة غامضة قبل أن يتحرك ليقترب من كارم قائلًا: "لأ يا عم كارم، وهي بتنكر، أنا كنت بقولها إني بحبها وإنها لازم تسمع لصوت قلبها، ما تضيعش نفسها بجوازها منك."
شهقت مصدومة من فعلته وردت بدفاعية: "يا نهار أسود، ما تصدقوش يا كارم."
حدجها بنظرة نارية قبل أن يعود لطارق الذي كان يناظره بتحدي لرد فعله الذي بدا واضحًا في اهتزاز جسده رغم جموده، لتشتعل بينهم حرب النظرات، فتابع طارق: "ساكت ليه يا عم الحلو، ولا إنت عايز تفهمني إنك ما أخذتش بالك."
انشق ثغر الآخر بابتسامة قاسية أظهرت مدى كبته لغضبه ليقول: "أنا مش هاحسبك على كلامك، ماهو واحد بأخلاقك أتوقع منه أي حاجة."
مال طارق برأسه إليه قائلًا باستخفاف: "يا راجل، هو دا بقى ردك على كلامي."
"بطل بقى كلامك المستفز ده يا طارق،" قالتها كاميليا تنهره غاضبة وهي تدفعه بقبضة من يدها لم تؤثر فيه، لتفاجأ بصيحة هادرة من كارم: "إنت تخرسي خالص وتخرجي من هنا حالا دلوقتي."
انتفضت محلها بارتياع من هيئته المخيفة وشرار عيناه المشعلة ببركان غضبه تبعث في قلبها الرعب، لتجفل فجأة على رد طارق الذي هدر بدوره، يدفعه بقبضتيه على صدرها: "ياك تعاملها بالأسلوب ده تاني، وخلي كلامك معايا أنا."
صمد كارم عن الرد رغم احتقانه، ليعود إليها كاز على أسنانه: "بقولك اخرجي يامحترمة، بدال ما سيرتك تبقى على كل لسان."
سمعت جملته القاسية لتفر منهارة من أمامهم، تاركة معركة على وشك البدء.
وفي الداخل، وبعد أن راقب انصرافها بقلب ملتاع لهروبها باكية من أمامه، التفت نحو كارم الواقف أمامه كالتمثال بلا حركة، واضعًا يديه بجيبي بنطاله دون اكتراث لخصمه، مصوبًا سهامه النارية نحوه دون أن ترف أجفانه ولو بهفوة، ليساهم جموده في اشتعال غضب الآخر الذي عاد بقبضتين فولاذيتين على صدره الحجري، فلم يؤثر بدفعه إلا قليلًا للخلف، ليهدر بعنف: "إنت إيه، عينك يا جدع إنت مصنوع من إيه بالظبط؟"
لم يرد واكتفى بنفس الابتسامة على فمه المطبق بخط قاسٍ ومشدد.
صاح طارق بضربات أشد مرددًا: "بلاش برودك ده معايا، إنت مش قد جناني."
انفرج فمه أخيرًا ليميل برأسه يقول كاز على أسنانه: "هو دا بقى اللي إنت عايزه، أقابل جنانك بجناني ونشوف مين اللي يفوز، بس لأ أستاذ طارق، أنا كده كده فايز، يعني ما فيش داعي أعصب نفسي في معركة إنت خاسرها من البداية."
برقت عيناه طارق واحتقن وجهه يستوعب الكلمات غير المفهومة، فقال بانفعال فقد السيطرة عليه: "معركة إيه يا حقير، إنت يعني إنت واخد الموضوع تحدي رغم علمك بمشاعري ومشاعرها."
رد بهدوء غريب: "ومين قالك بقى إنها بتبادلك نفس المشاعر، وحتى لو حصل وصدق كلامك، هي خلاص اختارت وما فيش رجوع."
"ما فيش رجوع إزاي، هو إنت هتحدد من مكانك قرارها، ما تفوق لنفسك يا عم الطاوس إنت، ولا عايزني أفوقك." هتف.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس والتسعون 95 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
انتفض الآخر وانتفخت أوداجه رافعاً قبضته في الهواء ليزأر كوحش انغلق عليه باب قفصه. صرخة أجفلت طارق عن الرد بصدمة، ليستفيق على هتاف جاسر الذي أتى ليفصل بينهم.
"مالكم في إيه؟"
التفت رأسا الاثنان نحوه، وكان السبق لكارم في الرد بتحول أدهش طارق.
"تفضل حضرتك وشوف بنفسك يا جاسر باشا. أنا بذلت المستحيل عشان الخناقة ما تكبرش، ونضر باسم حضرتك."
مالت رأس طارق وهو يتطلع إليه بتشتت، وجاسر يربت على ذراعه مردداً ليشكر بامتنان، قبل أن يتناول ذراع طارق ليسحبه معه.
"تعالى معايا يا طارق."
لم يتحرك، وتسمرت أقدامه بالأرض ليزيد جاسر من جذبه، وغلطة حتى تمكن بالإبتعاد به عن محيط كارم. وقبل أن يخرج من الشرفة نهائياً، التفت رأسه للخلف فوجده يعدل من هيئته ورابطة عنقه، قبل أن يمرر كفيه على شعر رأسه ليعيد على أناقته وكأن شيئاً لم يكن.
عاد برأسه قائلاً لجاسر المستمر في سحبه:
"هو الواد ده جنسه إيه دا؟ لوح تلج. البعيد ولا كأنه بيحس نهائي يا جاسر."
ربت جاسر على ذراعه بمؤازرة هامساً:
"بغضبك، كفاية بقى بلاش فضايح. واحمد ربنا إنه مسك نفسه من جنانك قبل ما تبقى مصيبة. وتفرج الناس علينا مش كده يا طارق؟ أنا راسي كانت هتبقى في الأرض منك."
صمت الآخر قليلاً يحاول تمالك نفسه، قبل أن يعود إليه سائلاً بدهشة:
"هو انت عرفت مكاني ازاي؟"
أجابه بغضب مكتوم:
"ماميليا هي اللي اتصلت بيا قبل ما الموضوع..."
"طب هي راحت فين دلوقتي؟"
سأله طارق بمقاطعة، ورد جاسر:
"فوق مع نور وزهرة في جناح مع نفسهم."
هم ليزيد بأسئلته، ولكنه توقف على انشغال جاسر باتصال هاتفي. أوقفه في وسط الفندق ليستمع لمحدثه قليلاً، ثم ترتخي ملامح وجهه تدريجياً حتى تحولت لابتسامة واسعة، قبل أن يغلق المكالمة. فسأله طارق باندهاش:
"إيه سر الابتسامة دي بقى؟"
ربت على وجنته مردداً بمشاكسة مرحة:
"كل خير يا عم طارق، كل خير إن شاء الله."
بخطواتها السريعة أمامه، تقدمته لداخل المنزل لترمي الحقيبة من يدها، وينطلق لسانها أخيراً بعد كبت غضبها طوال الساعات الماضية.
"كانت خروجة زفت وأسوأ سهرة عدت عليا في عمري كله."
قطب حاجبيه من خلفها قائلاً بدهشة:
"ياساتر يارب! إيه اللي حصل يا لميا لكل ده؟"
استدارت إليه بكليتها صائحة بحنقه:
"وانت لسة هاتسأل؟ كل دا وماخدتش بالك يا عامر؟ النهاردة ماكنتش قادرة أرفع راسي في وش حد. عملتك انت وابنك كسرت عيني."
احتدمت عيناه فهتف بدوره أمامها:
"خلي بالك من كلامك يا لميا. ما حدش فينا جابلك العار عشان نكسر عينك. هو في إيه بالظبط؟"
"فيه إن بهيرة شوكت النهاردة ماسحت بكرامتي التراب. وهي كل شوية تفكرني بنسيبك اللي مشرف في السجن. بقى بعد ما كنا مناسبين وزير، يدحدر بينا الحال ويبقى دا نسبنا."
قالتها بازدراء يثير الشفقة، مع انسياب دموعها التي أرهقت عامر، فقال بحزم:
"بقى هو دا كل اللي هامك؟ نسب الوزير اللي في يوم وليلة ممكن يتشال؟ ومش هامك ضحكة ابنك اللي رجعت تنور وشه أخيراً بعد ما كان حي وميت في نفس الوقت، وبنت اختك بترقص في النوادي ومش هاممها حاجة."
هتفت تقاطعه بعند:
"بلاش تجرنا للسكة دي يا عامر. دي ظروف وبتعدي على ناس كتير. مش معنى كده إنهم ينطسوا ولا يخيبوا خيبة ابنك."
هدر عليها بغضب حارق:
"خيبة ابني! ماتنقي كلامك يالميا، ولا انت عايزة تحرقي دمي وبس؟"
ردت لتزيد من اشتعال غضبه:
"لأ يا عامر، انت اللي من حقك تحرق دمي على كيفك وتشوهوا صورتي وصورة العيلة بجوازة زفت دي. بقى كارم مدير أعماله ياخد الأضواء كلها هو وخطيبته النهاردة في السهرة، وابنك يقعد لازق للبنت دي ولا أكأن الحفلة كلها معمولة عشانها."
تجمدت ملامح عامر بيأس، تعدي خيبة الأمل، فقال مخاطباً إياها بإحباط:
"ياخسارة يا لميا، كنت فاكرك كبرتي وعقلتي. بقى متأثرة بكلام ست قرشانة مريضة بحب المظاهر الكدابة زيك، ونظرك عمي على اللي حققناه وانجزناه. أظاهر كده إن كتر الدلع للست بينقص عقلها."
"أنا عقلي ناقص يا عامر؟ يعني بعد اللي عملتوه وهببتوه من ورا ضهري كمان، في الآخر أطلع أنا اللي غلطانة؟"
صرخت بها وتابعت بانفعالها وهي تنصرف لغرفة أخرى غير غرفتها معه:
"بس يكون في علمك، مش مسامحاك لا انت ولا ابنك."
قالتها وانصرفت، غافلة عن وجه زوجها الذي تغير وبدا على التعب جلياً عليه.
ارتدت منامتها سريعاً، مستغلة انشغاله المستمر على الهاتف ببعض المكالمات المبهمة، كي تهرب بنومها منه، فعقلها مازال حتى الآن يضج بحديث الفتيات وضحكاتهم الماجنة عن خيانته. تحمد الله أنها فهمت من كلمات الفتاة عن انتهاء علاقته به منذ فترة طويلة، أي ليست وهي زوجته الآن، لكان الأمر تطور معها لشيء آخر.
"زهرة."
هتف بها بمرح وهو يلج إليها بداخل الغرفة. أشاحت بوجهها عنه تدعي الانشغال بلف شعرها، لتتفاجأ به يصل إليها بسرعة خاطفة ويزيح كفيها لينثر بيده شلال حريرها بسواده الحالك، مردداً:
"سيبيه كده ياقلب جاسر، خليني أملي عيني بجماله دايماً."
أومأت بابتسامة فاترة، لتتحرك، ولكنه أجفلها بالقبض على ذراعيها ليقبلها على وجنتيها قائلاً بنبرة مغوية:
"ماشية كده على طول؟ إيه بقى، هو أنا موحشتكيش؟"
وصلها مغزى حديثه الذي ترافق مع لف ذراعيه حول جذعها، فتململت لتفك نفسها من حصاره، وقد بدأت قبلاته تزداد حرارة.
"معلش يا جاسر، والنبي سيبني دلوقتي عشان تعبانة."
نزع نفسه ليتفحصها بقلق سائلاً:
"تعبانة إزاي يعني؟ حاسة بإيه بالظبط؟"
ابتعدت عنه لتجيبه بتلعثم وهي متجهة لغرفتها:
"ما فيش داعي للقلق، أنا بس أنام وهبقى كويسة."
عقد حاجبيه يتبعها حتى ارتمي بجوارها على الفراش يلح بسؤاله:
"طمنيني يا زهرة لو حاسة بأي شيء، أنا أبعت وأجيب الدكتور حالا."
ردت وهي تتدثر بالغطاء حتى شعر رأسها:
"يا جاسر بقولك عايزة أنام وراسي تقيلة، يعني ما فيش داعي للدكتور."
زفر أنفاس حارة بالقرب منها حتى شعرت بسخونتها على بصيلات شعرها، وهي متشبثة بالغطاء تدعي الدخول في النوم، فخرج صوته بإحباط:
"انتي مش ملاحظة إنك بتنامي كتير قوي اليومين دول؟"
لم تجب، وهي تشعر بطرق أصابعه بانفعال على الجزء الخشبي الظاهر من تختها، لتصل إلى أسماعها وكأن فرقة شعبية تدوي برأسها، فاستمرت على تجاهله حتى نهض من جوارها يتمتم:
"ماشي يا زهرة، وأنا اللي كنت جاي أبشرك، بس معلش إن غداً لناظره قريب."
صامتة مترقبة، تتلفت برأسها نحوه كل دقيقة لتحاول بيأس قراءة في صفحة وجهه المغلقة بدقة، وهو يقود السيارة بجموده من وقت أن انضمت إليه بداخلها، وفمه المطبق لم ينبت ببنت شفاة، حتى خرجت عن صمتها أخيراً هاتفة:
"والله لو مضايق أوي كده، ما كانش في داعي أبداً لتوصيلي. كان ممكن جداً أجي في عربية جاسر وزهرة."
التفت برأسه نحوها فجأة يقول بحدة:
"الكلام دا يتقال لواحد تاني مش أنا. انتي خارجة معايا على مسؤوليتي، يبقى توصلي بالسلامة وأطمن عمي عليك بنفسي."
"كتر خيرك."
قالتها باقتضاب والتفت برأسها لتنظر للخارج من نافذة السيارة، وصلها صوته بعدها بلحظات:
"كنت فاكرك أذكى من كده."
عادت إليه عاقدة حاجبيها مرددة بدهشة:
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السادس والتسعون 96 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أفندم! معناه إيه كلامك دا بقى؟
أزاح وجهه عن القيادة أمامه ليواجه عيناها المتسائلة بعينيه الحادة قائلاً بلهجة هادئة مريبة:
بما إني جيت بالصدفة وسمعت كلام البني آدم دا ومحاولاته البجحة معاك عشان تسبيني، فكده بقى من حقي أسألك. دي أول مرة ولا حاول معاك قبل كده؟
أربكها السؤال قليلاً ولكنها تماسكت تجيبه بحدة هي الأخرى:
أظن يا أستاذ كارم إني لو كنت عايزاه هو، كنت هاختاره من الأول وأوفر عليا وعليك الصدام ده. يعني مافيش داعي لسؤالك من الأساس.
ارتفع حاجبه متفاجئاً من ردها القوي ونظرة التحدي التي تطل من عينيها لتزيده تمسكاً بها، فقال يقارعها:
لأ يا كاميليا، السؤال له داعي وضروري كمان، خصوصاً لما تكوني انت وهو شغلكم اليوم كله مع بعض في موقع واحد...
كارم لو سمحت لحد هنا وقف، عشان أنا ما اسمحلكش.
قالتها مقاطعة بحدة أجفلته، لتكمل بحزم:
أظن من الأول كده، أنت عارف بأخلاقي كويس وعارف إني زي القطر في شغلي. ودا اللي يخصك. أما بقى بالنسبة لطارق ولا غيره، فـ أنا كفاءة أوي إني أوقف كل واحد عند حده لو اطاول معايا في كلمة واحدة، ولا إنت إيه رأيك؟
حدجها بنظرة ڼارية ثم التف أمامها يصك على فكيه وظل صامتاً حتى وصل أسفل بنايتهم وتوقف.
لملمت حقيبتها والهاتف مستعدة للترجل. وفور أن وضعت يدها على مقبض الباب سمعته يوقفها سائلاً:
بما إنك جامدة كده زي ما بتقولي، ياريت تسأليه عن ابنه من الست الأجنبية اللي راميها لوالده ووالدته يربوه في كندا!
التفت رأسها بحدة إليه بتساؤل. فعلت زاوية فمه بابتسامة متسلية يستطرد:
هو أنت متعرفش إنه عايش لوحده هنا عشان عيلته مهاجرة بقالها سنين في كندا، ولا مكنتش تعرف إنه مخلف عيال من أساسه؟
بهتت ملامح وجهها وبدا جلياً حجم التأثر والصدمة عليها، حتى أنها أكملت ترجلها من السيارة بجواره ولسانها وكأنه انعقد عن الكلام نهائياً.
أخرج لها رأسه يودعها:
تصبحي على خير يا كاميليا.
أومأت له برأسها والتفت تعدوا بسرعة لداخل بنايتها. ظل متابعاً لها حتى اختفت عن أنظاره، فتناول هاتفه ليجري المكالمة وهو يزفر پعنف. وما أن وصله الصوت من الناحية الأخرى:
الوو. أيوة ياعمي......... اطمنت على رجوع بنتك بقى؟ جيبتها اهو في الميعاد زي ما قولت. ........ الله يحفظك يارب. طب أنا كنت عايز أجي أقابلك بكرة!
فتحت بمفتاحها باب المنزل الخارجي لتلج بالداخل وتخلع حذائها ثم تتسحب على أطراف أصابعها مستغلة هذا السكون مع اختفاء الحركة فيه بنوم الجميع. دلفت لداخل حجرتها تضيء المصباح وترمي الحذاء من يدها على الأرض لتتنفس الصعداء مغمضة العينان يكتنفها الارتياح بعد نجاتها من حساب والديها على تأخرها حتى هذا الوقت في الخارج. فتحت أجفانها أخيراً لتطلق العنان لجسدها كي يتمايل بنعومة مع حركة شفتيها بالغناء تستعيد كل لحظة مرت بها منذ قليل محلقة في سماءه، لا تصدق هذه السعادة التي كانت تشعر بها في قربه. لفتات وصفه لجمالها، رقصتها معه، وضمه الجريء لها برقصة رومانسية لأول مرة تقوم بها في دفء رجل وليس أي رجل، إنه كأمير من قصص العشق في مدن خيالها. الآن فقط تطمئن أنها سوف تأخذ مكانها الذي تستحقه لتلحق بركب الحظ الذي انتشل زهرة وقبلها كاميليا، بل هي ستتفوق عليهم بوسامة العيون الخضراء والشعر الأصفر.
براد بيت ياناس.
قالتها بضحكة بلهاء قبل أن تصطدم عيناها بالجالسة متربعة بقدميها على الفراش.
عاااا ياما!
صرخت بها مړتعبة تتطلع پخوف نحو والدتها التي كانت تحدقها بنظرات تقذف شرراً وملامح وجهها المعقدة پغضب. مع تشعث شعرها من أثر النوم جعلتها مخيفة حقاً.
إيه ياختي؟ شوفتي عفريت؟
قالتها إحسان بتهكم. قابلته غادة صائحة:
لأ أكتر. ياما أنت كدة هاتخليني أقطع الخلف بعمايلك دي معايا.
شهقت إحسان مستنكرة وهي تنزل بأقدامها على الأرض مرددة بحدة:
عمايلي! عمايل مين يابت ال..... وأنت راجعة لي على ١٢ نص الليل؟ اتجننتي ولا عيارك فلت يابنت شعبان عشان تتأخري برا البيت للوقت ده؟
انتفضت غادة للخلف مرتدة بأقدامها للتحاشي اقتراب والدتها منها بهذه الهيئة المخيفة وخرج صوتها بتلعثم:
المواصلات ياما هي اللي أخرتني للوقت ده. أنا أساساً خارجة من هناك على حداشر.
هتفت ببأس إحسان:
وتقعدي لحد حداشر ليه؟ لو بنت ناس ومتربية يابت ماتخلينيش أقلب عليك ياغادة. مش معنى إني موافقة ع اللي بتعمليه ابقى هاسكتلك ع الغلط يا عنيا. اصحي لنفسك يابت.
يووووه.
هتفت بها لتدب بأقدامها على الأرض وتكمل باعتراض:
فيه إيه؟ ما تهدي شوية ياما. دا أنا راجعة من نص الحفلة عشان خاطرك، وأنت بدل ما تسأليني عملت إيه بتفتحيلي تحقيق.
مصمصت بشفتيها إحسان تسألها ساخرة:
طيب ياحلوة، قولي واشجيني. ياترى بقى ياختي عرفتي تسجلي جون؟
رددت غادة بمرح مبالغ فيه:
وفي الدوري الأوروبي كمان ياما!
رمقتها إحسان بنظرة غريبة رافعة طرف شفتها بدهشة. فاقتربت غادة تخاطبها بلهفة وهي تسحبها من يدها:
تعالي هاحكيلك، تعالي.
وسط الظلام الدامس كانت تعدوا وتركض دون هوادة للبحث عن مخرج أو بقعة ضوء تنفذ إليها. يزداد ركضها وقلبها يضرب بين جنابتها بقوة تكاد أن تقضي عليه. تخرج من طريق وتلج بالاخر فتصدم بنفس المكان ونفس الظلام وكأنها لم تتحرك من محلها. أصابها اليأس وضاقت أنفاسها وهي تجول بعيناها في الظلام حتى وقعت عيناها عليه، يسطع جلده الذهبي رغم الظلمة الحالكة حتى كاد أن يضيء المكان حولها. شهقت بړعب وهي تجده يزحف بنعومة نحوها وازداد خفقان قلبها لترتد بأقدامها كي تهرب من أمامه، ولكن أقدامها لم تطعها وهي ترى صاحب الجلد الذهبي يلفظ من فمه واحد آخر والاخر نفس الأمر يلفظ بالاخر حتى تحولوا لمجموعة أمامها. هنا ذعرها وصل لآخره فلم تملك سوى صرخة قوية خرجت من أعماقها حتى جرحت حلقها.
أميييييي.
زهرة مالك؟ إيه اللي حصل؟
هتفت بها جاسر بعد أن هب مستيقظاً بفزع على صرختها القوية ليجدها اعتدلت بجذعها تصرخ وتبكي بهستريا، دافنة وجهها بين راحتيها. جذ
بها إلى صدره يهدهدها بالآيات الحافظة والأدعية وهي تنتفض بين يديه.
ناولها كوب ماء اجترعته كاملاً تروي عطشها وكأنها عادت من صحراء جافة خالية من الماء. لتعود بحضنه وارتجافها لا يهدأ.
يا زهرة يا حبيبتي، دا كان حلم أو كابوس. أكيد. اهدى، أنتِ دلوقتي في حضني.
هتف بها ليطمئنها وهي وكأنها لا تسمع أو ليست معه على أرض الواقع. ارتعاش جسدها بهذه الصورة يكاد أن يقتله هلعاً عليها. ظل على وضعه في مهادتنها للحظات طويلة يمسح بكفيه على ظهرها وشعرها يغمرها بحنانه حتى شعر بهدوئها قليلاً، فقبل أعلى رأسها قائلاً برقة:
تقدري دلوقتي تتكلمي؟ مدام هديتي أنا معاك ومش هسيبك ولا أنام إلا بعد أنت ما تنامي.
صرخت تجفله بهذيانه:
لأ أنا مش عايزة أنام، مش عايز أشوفهم، مش عايزة أشوفهم تاني يا جاسر والنبي.
خلاص، اهدي، اهدي.
خاطبها بهدوء ليمتص انفعالها، ثم سألها بفضوله:
هما مين اللي مش عايزة تشوفيهم؟
هتفت وخيط الدموع يسبق كلماتها:
الضلمة، الضلمة يا جاسر والتعبان. بس المرة دي مكانش واحد، لأ، دول كانوا مجموعة بتحاصرني.
يا جاسر، مجموعة....
قطعت كلماته پبكاء مزق نياط قلبه بالحزن على حالتها. عاد لضمها مرة أخرى حتى انتظمت انفاسها قليلاً، فنهض ليسحبها معه قائلاً:
تعالي معايا، إحنا مش هنام هنا خالص.
استسلمت لسحبه لها، ثم ألقى عليها مئزراً يغطي على منامتها القصيرة وخرج بها إلى تراس المنزل في الهواء الطلق. أجلسها معه على كنبة جانبية به، ضمها إليه يحاوطها بذراعيه ونسمات الهواء العليلة تساهم معه في تهدئتها، فقال أخيراً بعتب:
مكنش لازم توصفي اللي شوفتيه يا زهرة. كنتِ قلتي كابوس وخلاص. أنا أسمع إن الحاجات دي ماينفعش نحكي بيها.
ردت دافنة رأسها بصدره:
ده مكانش حلم، دا حقيقة.
ابتلع ريقه الجاف يسألها بتوجس:
حقيقي إزاي يعني؟ مش فاهم. هو التعبان ده طلعلك قبل كده؟
مش أنا وبس، أنا وأمي.
قالتها ثم صمتت وهو يحترق لسماع الباقي، يكبح نفسه بالألحاح عليها لتحكي. وهي أطالت بسكوتها حتى ظنها لن تجيب. وفي الأخير قالت:
كانت أول سنة ليا في الدراسة ورحت مع أبويا وأمي نجيب لبس المدرسة. أبويا اتخانق مع أمي عند البياع وسابنا ومشي. أمي كملت واشترت لي كل اللبس وشنطة المدرسة اللي علقتها من فرحتي على ضهري. وبعدها حبينا نرجع بس كانت الدنيا ليلت وللأسف في اليوم ده الكهربا كانت قاطعة عمومي في المنطقة وكذا حتة جمبها. أمي مع الضلمة الشديدة اتلخبطت في الشارع، فلقينا نفسنا في مكان غير مكانا. حبت تسأل أي حد أمي، لكنها اتفاجأت بشوية شباب بيضربوا واحد وبيعدموه العافية مع ألفاظ وكلام قبيح. أمي اتخضت أوي بعد ما عرفت إنها منطقة خطر، فرجعت بيا تدخلني لشارع تاني، بس للأسف كان مقفول وكأنه مقلب زبالة.
ردد مقاطعها باستفسار:
مقلب زبالة إزاي يعني؟
أجابته زهرة لتكمل سردها:
يعني شارع مهجور وناس الحتة جعلته لرمي زبالتها. المهم إن أمي لما لقت كده وقفت بيا شوية ونبهت عليا ماطلعش صوت في انتظار الناس البلطجية دول مايمشوا. وأنا من الخۏف فضلت ساكتة مستخبية ومتبتة فيها لحد أما شفته تعبان كبير وجلده بيلمع في الضلمة. همست پخوف وأنا بنفضفض أنبه أمي اللي أول ما شفته رفعتني وشالتني على إيديها خوفاً عليا.
هدأت انفاسها وكأن الباقي ثقيل على لسانها. فشجعها جاسر:
قولي يا زهرة وكملي.
تنفست بعمق تستعيد تماسكها قليلاً ثم قالت:
أمي كانت مابين نارين، يا أما تصرخ وتجيب البلطجية ينقذوها من التعبان وساعتها تقع في إيديهم هما، يا أما تدافع وتحاول مع نفسها وهي شايلاني على إيديها عشان تحميني منه. بخشبة كبيرة كانت بتضرب فيه لكنه كان قوي ونفد من الضړب يستخبى في كوم الزبالة. افتكرته أمي مشي، ومكانتش عاملة حساب إنه هايلدغها في ضهر رجلها.
توقفت لتبكي مستعيدة مشهد والدتها التي تغضن وجهها بالألم وهي تتمسك بها بكل قوتها حتى لا تنزلق منها ويصيبها الغادر هي أيضاً، فكل همها تركز في هذه اللحظة بحماية ابنتها. ترجف من هول ما تشعر به من ألم ويزداد تشبثها بابنتها، وحينما شعرت بذهاب الرجال ركضت بعرج قدمها المصابة حتى وصلت على أول طريق عام لتقع بابنتها التي شهدت على آخر لحظات احتضار والدتها داخل أحضانها. ولم تشعر بالبشر التي التفت حولهم وكلمات الأسى وهم يتفحصون المرأة التي سلمت روحها أخيراً بعد أن اطمأنت على ابنتها.
عادت ترتجف بتذكرها ما حدث. وجاسر الذي تهاوت من داخله كل قوته أصابه الذعر أيضاً وهو يتخيل المشهد أمامه ورؤيتها طفلة تتعرض لهذا الړعب لتفقد بعدها أعز مالديها. شدد عليها بين ذراعيه وأصابه عدوى الارتجاف هو الآخر، ولكنه كان تأثراً وانفعالاً بما حدث لها. يوزع قبلاته على رأسها وما يصل إليه من وجهها حتى إذا هدأ قليلاً سألها:
محدش خدك لدكتور يشوف حالتك دي؟
خالي طبعاً لف بيا ع الدكاترة كتير أوي بعدها عشان ساعتها كنت فاقدة النطق. بس بعد محاولاته المستمرة معايا هو وستي ربنا فك عقدة لساني. ربنا ما يحرمني منهم يارب.
أمّ خلفها من قلبه وتابعت هي:
الكابوس دا في الأول مكانش بيفارقني والصورة في دماغي ليل ونهار. لكن بعد كده بقيت أندمج في الدراسة والحياة وشوية شوية بقى يروح من دماغي. حتى إنه مابقاش يجيني غير لما أزعل قوي أو أضايق.
استدرك منتبهاً على عبارتها الأخيرة ليخرجها من حضنه فجأة ويتطلع إليها عاقداً حاجبيه بشدة يسألها:
يعني الليلة دي نمت وأنتِ زعلانة يا زهرة؟ طب ليه؟ وإيه اللي يوصلك لكده؟
أسبلت أهدابها تحاول الهرب بعيناها عنه، ولكنه لم يستسلم ورفع وجهها إليه يحاصرها بعينيه قائلاً بحدة:
قولي يا زهرة عشان أنا مش هسيبك من غير ما تردي النهاردة وتريحني.
أمام إلحاحه اضطرت صاغرة للرد فسألته مباشرة:
أنت ممكن تخوني يا جاسر؟
إيه؟
هتف بها مندهشاً ليتابع بسؤاله:
إيه اللي حط الفكرة دي في دماغك؟ مين اللي قالك يابنتي إن ممكن أعمل حاجة زي دي؟ أصل...
عقدت شفتيها لتجيبه بتوتر:
بصراحة بقى البنت دي اللي.. كانت بتغازلك قدامنا كلنا في قاعة الفندق. سمعتها وأنا رايحة الحمام كانت بتتكلم عن ليلة قضتها معاك. هي كلامها صح يا جاسر؟
استمع منها ثم أشاح بوجهه عنها يزفر بضيق وتابعت بالسؤال مرة أخرى بإلحاح رغم تنامي شعورها بصدق الفتاة، والذي أكده هو بقوله:
حصل فعلاً يا زهرة، بس الموضوع ده عدى عليه كتير أوي، ييجي أكتر من سنة، يعني قبل ما أشوفك ولا أعرفك حتى.
تطلعت إليه قائلة پصدمة:
بس خونت مراتك يا جاسر، يعني ممكن تخوني أنا كمان؟
قطع جملتها بوضع كفه على فمه:
بس بقى ماتكمليش وافهمي. ميريهان غيرك أنت خالص. يعني هي أخونها وتستاهل الخېانة كمان، لكن أنت لو خنتك أبقى بخون نفسي. علاقتي مع البنت دي تمت في ليلة وانتهت في نفس الليلة زي ما عملت مع غيرها كتير. دي كانت فترة صعبة في حياتي وأنا حرمت بعدها وزهدت في كل الستات لحد ما شفتك وروحي رجعت لي من تاني. أنا يوم ما هأذيكي يا زهرة روحي هاتتأذي قبلك، فهمتي بقى؟
وصلها صدق حديث عينيه مع ما تفوهت بها شفتيه لينبت بقلبها الراحة والاطمئنان. همت لتريحه هو الآخر، ولكن غلبها فضول النساء لتسأله:
طب أنت شفتها ولا عرفتها فينا؟
اعتلت شفتيه ابتسامة متسلية:
وأنتِ عايزة تعرفي...
اضطربت تجيبه وهي تتلاعب بقماش مئزرها تقول:
يعني يا جاسر، اهو عايزة اعرف وخلاص.
جذبها لتعود لمسكنها بداخل أحضانه وأجاب:
ياستي شوفتها في نايت كلاب. وامبارح اتفاجأت بوضعها داخل فندق كبير زي ده. بس أنا متأكد من أخلاق مصطفى. لكن اللي زي دي ما تغلبش، أكيد لافت على مسؤول مهم في الفندق.
استغفر الله العظيم يارب. ماتقولش كده، مش يمكن وصلت بمجهودها؟
أطلق ضحكة مجلجلة في قلب السكون يقول مقهقها بشقاوة:
مجهودها اه! عارفه أنا مجهودها ده.
فهمت مغزى كلماته، فلكمته على ذراعه تنهره بغضب:
بطل بقى قلة أدب.
استمر بضحكاته يشاكسها بقوله:
من عيوني ياقلبي، هابطل أدب هههههه.
مع بزوغ الصباح وانتشار الخيوط الذهبية حولهم تململت في طريقها للاستيقاظ حتى فتحت أجفانها لترفع الغطاء من عليها وارتفعت رأسها عنه لتعي على وضعها نائمة بين ذراعيه في تراس المنزل.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع والتسعون 97 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
اعتدلت بجذعها جواره بحرج، رغم أمانها. بصعوبة، تلصصت من أي أحد ما ورؤيتهم.
تحمحمت، تجلي حلقها، لتوقظه من سبات نومه العميق.
"جاسر يا جاسر."
زمجر بصوته معترضاً، لينقلب على جانبه الآخر. فاستمرت هي بمحاولتها.
"يا جاسر يا جاسر قوم بقى، إحنا بينا اتأخرنا قوي في نومتنا يا جاسر يا جاسر."
"عايزة إيه يازهرة؟"
صدرت منه بحشرجة خشنة. قابلتها بقبلة رقيقة على وجنته، جعلته يستفيق على الفور ويعتدل بنومته على ظهره، لتواجه عيناه عيناها. وابتسامة مشرقة منها وهي تشرف عليه من علو.
"صباح الخير."
بادلها بابتسامة، ليقربها منه، يرد إليها هديتها، مردفاً براحة.
"صباح الجمال."
استقامت لتبتعد عنه، ولكنه منعها بتشبثه بها وقوله:
"إيه بس رايحة فين؟ هو لحقنا نصبح؟"
لكزته بقبضة خفيفة على ذراعه، تدعي الحزم.
"كفاية بقى، إحنا اتأخرنا بجد والله ع الشغل."
"ليه، هي الساعة كام دلوقتي؟"
سألها وعيناه تتلفت حولها. فاستغلت إنشغاله لتفلت نفسها منه، وتنهض من جواره، تدعوه بجدية.
"يللا قوم بقى وبلاش كسل، أنا هاسبقك عشان ألبس هدومي، وانت حصلني."
نظر في أثرها قليلاً، وهم ليعاود النوم مرة أخرى، ولكنها أجفلته بندائها.
"قوم يا جاسر بقى، بقولك اتأخرنا."
ولجت لداخل غرفتها، وانتبهت على دوي صوت ورود مكالمة على هاتفها. توقفت قبل أن تصل إلى الهاتف، لتتناوله وترى جهة المتصل. لتتفاجأ بكم اتصالات هائلة من عدة أشخاص. أكثرهم كانت كاميليا، والتي عاودت المحاولة مرة. وفتحت زهرة لترد عليها بقلق.
"الوو."
"يا كاميليا، إيه اللي حصل للمكالمات دي كلها؟"
وصلها هتاف الأخرى.
"انت اللي بتسألي برضوا يا زهرة؟ دا أنا من الصبح عمالة أتصل يجي مية مرة، وانت مافيش مرة تتفضلي وتردي غير دلوقتي."
قالت زهرة بدهشة يشوبها القلق.
"أيوه يابنتي، ما أنا كنت نايمة. إنت بقى بتتصلي كدة ليه؟"
ردت كاميليا بمرح.
"تاني برضوا بتسأليني يازهرة؟ طب أنا بتصل عشان الضجة اللي ع النت بسبب بيان جوزك ياستي."
"جوزي أنا طلع بيان؟"
قالتها باستغراب. قابلته الأخرى بهتاف.
"لااا، دا انت باينك نايمة على ودانك. اقفلي يابت شوفي صفحة جوزك وبعدها كلميني."
"صفحة جوزي كمان؟ ماتفهميني يا كاميليا، انت قصدك إيه؟"
ضحكت الأخرى من محلها، ترد بمشاكسة.
"أنا برضوا الغلبانة افهمك؟ دا انت معاك أستاذ ورئيس قسم يابنتي. هاقفل بقى وأتصل بيك بعد شوية تكوني استوعبت!"
قالتها وأنهت المكالمة، لتترك زهرة تتخبط في تخميناتها، قبل أن تنفذ ما قالته وتلقي نظرة على حساب زوجها في أحد المواقع الشهيرة. فتفاجأت بصورتها التي جمعتهما معا من حفل الأمس، وهو يضمها إليه من خصرها، مقرباً وجهها من وجهه، وهي تبادله ابتسامة سعيدة. التقطها المصور رغم خجلها. وفوقها كانت كلمات البيان. ابتداها بمقدمة مقتضبة، وبعده كان نص البيان.
"عن ما انتشر منذ فترة، والتقطته صفحات الأخبار والسوشيال ميديا، وتناولته بعض الأقلام المغرضة بزرع الإشاعات عن زواجي من سكرتيرتي، والتهمة التي كتبت عن أباها. أما عن الرجل، فقد ثبت بالدليل القاطع براءته من تهمة تم تلفيقها إليه. وعنها هي نفسها، فيسرني أن أعلنها بملء فمي، لتصل إلى الطير في كبد السماء، وإلى الجنين ببطن أمه. هذه المرأة هي زوجتي، زوجتي، زوجتي. حلم عمري الذي تحقق أخيراً، لينشر بساتين من البهجة في قلبي الذي كان مصاباً بالعطب والجفاف قبل لقياها. حبيبتي التي كافأني الله برزقها، رغم عصياني له، كي أعود لصوابي وأحسن عبادتي له بالحمد والشكر. سكرتيرة كانت أو عاملة نظافة، أنا فخور لارتباطي بها، ولا أقبل أو أتهاون بأي تقليل منها أو التدخل في اختياري لها. هذا إعلاني وتحذيري أيضاً."
أنهت القراءة، مغلقة فمها بكف يدها، تكتم شهقاتها، ودموع الفرح تسيل منها دون توقف. حتى شعرت بحركة من خلفها. استدارت إليه، سائلة بصوت متقطع.
"إنت اللي كاتب المنشور دا يا جاسر؟"
أومأ لها مراقصاً حاجبيه بمرح، وهو يقترب منها. فارتمت بين ذراعيه تعانقه، مرددة بهذيان.
"ومخبي عليا من امبارح؟ انت إيه يا أخي، معندكش قلب؟"
أطلق ضحكة مدوية، متفاجئاً بردها.
"ههههه، أنا برضوا اللي معنديش قلب؟ ولا انت يا جاحدة يا اللي سبتيني ونمتي!"
أصبحت تدفن رأسها بصدره، لتداري ضحكاتها الغريبة مع البكاء. وصار هو يقلد صوتها بقهقهة مرحة، استفزتها لضربه بقبضتها على ظهره.
"بس بقى، وربنا هازعل صح."
بطرف سبابته وابهامه، رفع وجهها الذي أصبح كتلة ملتهبة حمراء بشكل فكاهي من صخب انفعالاتها بالبكاء والفرح معا، وقال بغيظ.
"لازم تعوضيني عن ليلة امبارح اللي انقلبت بكوابيس بعد ما كنت مخطط لها بالإحتفال."
ردت ضاحكة.
"يعني انت كل غايظك دلوقتي هي الليلة اللي ضاعت عليك؟"
أومأ له بحماس يطل من عينيه. همت تجاريه في الحديث، ولكنها تذكرت فجأة.
"اه صحيح، انت قولت في البيان إن والدي خد براءة. ماهو فعلاً خد براءة."
أجابها ببساطة. قابلتها هي هاتفة بصياح.
"حتى يا جاسر بقى! أنا عايزة أفهم."
تنهد مطولاً، واضعاً يديه في جيبي بنطاله البيتي، ليشرح.
"ياستي، إحنا لقينا الولد اللي ورط أبوكي في الموضوع. ضغطنا عليه أنا ورجالتي، وعرفنا منه إن اللي سلطه واحد من عندكم اسمه فهمي... فهمي سنارة."
قالتها زهرة بلهفة. فقال مستغرباً.
"أيوه هو ده؟ شكلي كدة موعود بيهم. فهمي حيدر الوزير، وفهمي سنارة بياع البرشام دا كمان. المهم بقى، عرفنا نلاقي تفاهم مع الولد يخرج السيد الوالد براءة، وأنا وصيت عليه جمعية محترمة تراعيه في سجنه، وبعد ما يخرج من السجن كمان إن شاء الله. فهمتي بقى؟"
ردت بنظرة عشق يغمرها الامتنان.
"كل ده عملته عشاني يا جاسر؟"
"وأعمل قدّه أضعاف كمان، ولا أشوفش نظرة حزن واحدة منك."
قالها مقبلاً أعلى رأسها، متنفساً عبيرها بعمق. تقبلته هي بكل حب، وارتفعت كفها بالهاتف، تتطلع فيه قليلاً، لتقول.
"بس الصورة حلوة أوي يا جاسر، انت نقيت أحلى واحدة فيهم صح؟"
اعتدل ليرد وهو يشاركها التطلع في الهاتف.
"لأ طبعاً، كل الصورة كانت حلوة. انت أصلاً كنت تجنني امبارح."
"بجد؟"
قالتها بتساؤل وهي تنقل نظرها إليه، لتكمل برجاء.
"أمال ليه والدتك امبارح كانت هاتجنن على كاميليا، وأنا كانت نظرتها عادية ليا؟"
أجابها بابتسامة ساحرة.
"أقسم بالله كانت عينها هاتطلع عليك، بس هي كدة. ماتحبش تبين عشان شوية الڠضب اللي في قلبها مني. أما عن إعجابها بكاميليا، فدا شئ طبيعي. دي أول مرة تشوفها بإطلالة مختلفة عن الإطلالة العملية ليها دايماً في الشغل.... شغل! يانهار أسود، صحيح إحنا اتأخرنا جداً ع الشغل."
قالتها بلهفة صارخة، وهي تركض من أمامه نحو خزانة ملابسها.
غمغم في أثرها بتعجب.
"وما نتأخر وماله يعني؟ ما أنا المدير أساساً."
التفت مستدركاً، يرد بتفكه مع نفسها.
"صحيح، دا أنا نسيت إنها لسة پتخاف من مديرها القديم! هههه."
وفي الناحية الأخرى، وبعد أن أنهت اتصالها مع زهرة، وهي في طريقها نحو غرفته، وقفت قليلاً تأخذ شهيقاً مطولاً، قبل أن تطرق على بابه مستأذنة بالدخول. والذي أتاها في صوته مرحباً. فدلفت إليه بهيئتها العملية.
"صباح الخير يا فندم."
قالتها بروتينية. لفتت نظره، فقال يرد تحيتها.
"صباح الفل يا كاميليا، اتفضلي واقفة ليه؟"
سمعت منه، لتقترب، واضعة مجموعة من الملفات على سطح المكتب أمامه، تقول.
"دي ملفات بعض العقود الأخيرة، أرجو إن حضرتك تراجعها وتبلغني برأيك عن الملاحظات اللي ارفقتها بكل ملف، عشان نصلح وضعنا في العقود الجديدة."
ألقى نظرة نحو ما تشير إليه، قبل أن يرفع رأسه إليها قائلاً بدهشة.
"هو أنا ليه حاسس بجفاف في لهجتك؟ هو انت زعلتي مني على موقف امبارح؟"
مطت بشفتيها، تقول بنبرة مبهمة.
"أزعل منك! لا حضرتك ماتزعجش نفسك، أنا نسيت الكلام. واعتبره موقف وعدى."
انتفض مستقيماً عن مقعده، قائلاً بغضب من كلماتها.
"موقف وعدى إزاي يعني؟ هي الحاجات دي فيها هزار يا كاميليا؟"
قابلت غضبه، تقول بنبرة هادئة ساهمت في إشعاله أكثر.
"أومال عايزني أقولك إيه؟ هو انت نسيت إني مخطوبة؟"
التف من خلف مكتبه ليواجهه.
"لأ مانسيتش يا كاميليا، زي ما أنا فاكر كويس إنها لسة مابقتش رسمي، يعني عندك فرصة لسة."
تكتفت بذراعيها لتقول بحدة.
"فرصة لإيه بالظبط؟ اني أفكر فيك يعني؟ طب أنا أعرف عنك إيه غير الصورة الأنيقة بتاعتك؟ قولتلي مثلاً إن عندك ابن من صديقتك الأجنبية، سايبه لأهلك في كندا يربوه هناك."
تغضن وجهه يسألها هادراً.
"وانت عرفتي منين الكلام ده؟ هو اللي قالهولك صح؟"
"سمعت منه أو من غيره، الكلام دا صح ولا غلط؟"
سألته بقوة، تبينت الإجابة على أثرها من ملامح وجهه المرتبكة، مع قوله.
"الموضوع مش زي ما انت فاهمة."
بابتسامة لم تصل لعيناها رسمتها، لتخبئ من خلفها صدمتها، ردت بتماسك.
"مافيش داعي لارتباكك دا، أنا ماليش حق إني أحقق معاك ولا أقررك أصلاً. حضرتك حر في اللي انت تعمله، وأنا كمان حرة في اختياري. عن إذنك."
قالتها وتركته مغادرة، ليسقط بثقله على المقعد من خلفه، وكأن هموم العالم أجمع سقطت فوق رأسه.
برأس مثقلة، رفعتها عن الوسادة. تطلعت حولها في الغرفة الغريبة عن غرفتها، الأثاث الغير مرتب، مع الفوضى المنتشرة في كل شيء حولها. حتى وقعت عيناها على فستان سهرتها بالأمس، وهو ملقى على الأرض بإهمال. فتذكرت جميع أحداث ليلتها، من وقت رقصها الجامح في الملهى مع مارو، حتى مجيئها إلى هنا بصحبته. تأوهت لترفع جسدها وتشد الغطاء عليها، وخرج صوتها المتحشرج من أثر النوم.
"مارو يا مارو."
لم تنتظر كثيراً، وسمعت صوته على الفور وهو يلج إليها لداخل الغرفة، قائلاً.
"هاي ياقلبي، هو انت صحيت؟"
ردت وهي تخرج لها سيجارة من العلبة لتضعها بفمها.
"انت كنت فين كدة ع الصبح وسايبني؟"
أجابها على الفور بحماس.
"كنت ع الفون وبكلم والدي عن قصة حبنا، دا فرح قوي وسألني بقى عن ميعاد جوازنا."
فغرت فاهاها حتى سقطت السيجارة من شفتيها، وقالت بدهشة.
"جوازنا؟ إزاي يعني؟ هو انت بتتكلم بجد؟"
"طبعاً ياميري، هو الكلام دا برضوا فيه هزار؟ ولا انت فاكراني عيل صغير عشان ماتخديش بكلامى؟ لأ يا ست ميري، لازم تفهمي إني راجل أوي."
قال كلماته بجدية كادت أن تضحكها، ولكنها تماسكت لتجيبه بمهادنة.
"لأ طبعاً ياحبيبي، أنا عارفاك راجل وسيد الرجالة كمان، بس انت عارف إن ظروفي متلخبطة، دا غير إني لسة في شهور العدة كمان، ولا انت نسيت؟"
مط بشفتيه، يقول بتفكير.
"لأ طبعاً مانسيتش، أنا عارف إن الست بيبقى ليها عدة بعد ما تطلق أو جوزها ېموت، تقريباً في حدود أربع أو خمس الشهر باين."
اعتلى ثغرها ابتسامة متسلية، وهي تومئ برأسها إليه كي تجاريه دون أن تصحح له معلوماته. ولكنه أجفلها بقوله.
"الفترة دي هاتبقى يدوب على ماجهزنا عش الزوجية بتاعنا، إن كان هايبقى عندي ولا عندك. دا بابا مصمم إن فرحنا يبقى أكبر حدث في مصر."
مسحت بباطن أناملها على عظام فكها بتوتر، ثم قالت وهي تجاهد لتخفي ضيقها.
"وإيه اللي دخل والدك معانا بس، واحنا لسة مدخلناش في حاجة رسمي؟ ثم إنه إزاي يوافق على جوازك قبل ما تخلص جامعتك أساساً؟"
اعتدل في جلسته، واضعاً قدم فوق الأخرى، يقول بزهو.
"مش محتاجة تفكير ياقلبي، هو عارف ومتأكد إن ابنه جامد، وشهادة الجامعة دي خدتها أو مخدتهاش مش هاتفرق معايا. أنا مش فقير عشان أبني مستقبلي على وظيفة بيها. والحقيقة كمان، اسم والدك وفر عليا كتير أوي في إقناعه."
"اممم."
زمجرت بها، وهي تشيح بوجهها حانقة، ثم التفت بابتسامة صفراء تقول.
"آه، هي المشكلة بقى يا مارو في والدي، لأني عارفة ومتأكدة كويس إنه لا يمكن هايقبل يجوزني طالب في الجامعة وأصغر مني بست سنين."
شددت على عبارتها الأخيرة، فانتفض أمامها بانفعال أجفلها.
"وافرضي يعني ياميري، ما وافقش؟ انت برضوا ما ينفعش تستلمي. قومي وافرضي رأيك عليه، لازم يفهم إننا بنحب بعض، ويوافق على كدة."
عادت لرسم ابتسامة صفراء على وجهها، وقد علمت بعقم الجدال معه. فيبدو أن جموح جنونه، الذي كان من أهم أسباب انجذابها إليه في البداية، هو نفسه ما يجعلها اليوم تشعر بالقلق منه. مالت تتصنع النعومة في صوتها، لتنهي الحديث بقولها.
"طب ممكن ياقلبي نأجل الكلام في الموضوع دا بعدين، عشان دلوقتي الصداع هايفرتك دماغي، ونفسي في مج كببر من الكوفي الجميل بتاعك تعملهولي؟ ممكن؟"
"أميرة حياتي، كل اللي تطلبه مجاب."
قالها بحماس، ونهض على الفور يلثم شفتيها بقبلة خاطفة، وأكمل وهو يخطو لخارج الغرفة.
"ثواني واحضرلك الفنجان تشربيه عشان تفوقي كدة معايا."
تابعته حتى انصرف، لتزفر بارتياح مع خروجه. ثم تناولت الهاتف لتلقي نظرة به. توسعت عيناها متفاجئة بكم الإشعارات التي عليه، لتجد أمامها الخبر الأهم، وبيان جاسر الريان عن زوجته، يتناقل في الصفحات بصورة غير طبيعية. قرأت نص البيان بأنفاس متهدجة من الڠضب مع كل كلمة به. ثم الآراء المشجعة، والتي تثني على جرأة الرجل في اختيار زوجته دون النظر إلى الفارق المادي. واستشاط عقلها بنيرانه، وهي تقرأ كم التعليقات الساخرة من زوجته الأولى. فلم تشعر بصرختها المدوية، وهي تخرج من عمق حلقها، ولا بالهاتف الذي دفعته بطول ذراعها حتى اصطدم بالحائط، ليقع على الأرض متهشماً لعدة قطع متناثرة. ولا بشهقة الزعر التي صدرت من مارو، وسقط على أثرها فنجان قهوتها الكبير من يده، ليكمل على فوضى الغرفة، وخروجه مهرولاً خوفاً هيئتها.
تتابع الأخبار وما يتناقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهاتفها، وهي تهبط الدرج، وابتسامة تعتلي محياها مع كل كلمة تقرأها. فقالت بإعجاب وهي تتجه نحو طاولة السفرة، التي يتناول عليها زوجها وجبة إفطاره.
"يانهار أبيض يا عامر! ابنك المچنون طلع بيان قالب الدنيا، وخلي معظم الناس في صفه. ابن اللذينة جاب الفكرة المچنونة دي منين؟"
ظل صامتاً على وضعه. فتابعت غير منتبهة.
"يخرب عقله، دا إسمه النهاردة بقى ترند. لكن انت كنت على علم باللي عمله دا ياعامر!"
رمقها بنظرة غامضة، وهو يرتشف من فنجانه لعدة لحظات، ثم رد باقتضاب.
"عايزاني أقولك ليه؟ وانت مالك؟"
أجفلها رده المباغت، فتلعثمت تجيبه بحرج، وقد وصلها مقصده حينما تذكرت شجارها معه بالأمس.
"أنا مالي إزاي بس يا عامر؟ مش معنى إن معجبنيش تصرف ابني في الأول، يبقى مش هافرح له لما إسمه يعلى من تاني."
رد وسهام عيناه القوية تخترقها بقوة.
"يعني حضرتك كنت حاسة بالعار امبارح عشان كسرناك أنا وابني بجوازته اللي عرتك قدام بهيرة."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثامن والتسعون 98 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
شوكت بنت سلطح باشا.
والنهاردة بقى رفعتي راسك لما شلة المنافقين اللي حواليك بعتولك يمشوا مع الموجة ويعبروا عن جرأة ابنك وحكمته في اختيار البنت الفقيرة وقصة الحب الجميلة مابينهم.
صمت برهة وعيناه اشتدت حدتها.
يكمل: وبرضوا في الحالتين انت مايهمكيش غير مظهرك وشكلك قدام الناس وسعادة ابنك ولا زعل جوزك في المرتبة التانية بعد الناس.
ابتعلت ريقها بتوتر لم يخفى عليه، وعيناها لا تقوى على مواجهته، ولا تجد من الكلمات التي تصلح للرد، فلا هي تملك تبرير موقفها لتمتص غضب زوجها الذي تعلم علم اليقين أنه تعدى أقصى مراحله منها، ولا هي تقوى على الاعتذار عن شيء توقن في قرارة نفسها أنه لديها كل الحق فيه.
وكأن صفحة وجهها الشفافة أنبأته بصراعها من الداخل وقرأ عليها ما لم تبوح به بلسانها.
زفر من أعماقه مطولاً، ثم نهض ينهي حديثه ليرحمها من صراع نفسها، تاركاً إياها محلها كالطفل المذنب، وحزنه هو يزداد أضعافاً.
كف يدها بين يديه يغمرها دفء راحته، والسعادة تشرق منها فتبدو ظاهرة لكل من يراها.
خرج بها من مصعده الخاص، وقد أصبح مكانها جواره في أي خطوة تخطوها معه، يسير بها في رواق الشركة وابتسامة على وجهه بعرض وجهه تزيد من غرابة الاستيعاب لكل من يعلمه سابقاً.
لا يهمه ثرثرة الموظفين وهمهماتهم المتعجبة من حال رئيسهم الذي كان دائماً متجهم الوجه، جامد الطبع، خشن المعاملة سابقاً في تحوله الغريب إلى هذا الشخص المخالف تماماً له.
ومن الطابق الأعلى كانت تتابع عرضهم ويدها مستندة على الحاجز الزجاجي، مضيقة عيناها بغموض صامتة، وهي تستمع إلى الأصوات خلفها.
بعض الموظفات التي يحسدن زهرة عليه وإعجابهم بشطارتها التي أوقعت رجل بحجم جاسر الريان نفسه.
"يالهوي على الكهن! فضلت راسمى فيها دور المؤدبة لحد ما جابت الراجل على بوزو."
"لا وتخطيط تمام، مشيت معاه في السر لحد ما اتمكنت وبعدها نترت بنت وزير عشان تمد وتدلدل رجليها على كيفها."
"أيوه ياختي أيوه، جاتنا نيلة في حظنا الهباب."
التفت بطرف عيناه على السيدتين لبعض اللحظات، ثم تحركت لتتركهم في ثرثرتهم حتى وصلت لغرفتها.
صدرها يصعد ويهبط بعنف، بريق عيناها الذي يومض بشكل مخيف ينبئ عن حجم النيران المستعرة بداخلها.
على نفس هدوئها المريب، توجهت للنافذة الكبيرة خلف مكتبها تتطلع في الفضاء الواسع أمامها بأعين شاردة في ذكراها البعيدة معه منذ أكثر من سنة.
ولجت لداخل الملهى الليلي مع أحد أصدقائها القدامى، فلمحت عيناها شبح جسده من الخلف جالساً أمام رجل البار يجترع في كؤوس الشراب بلا توقف.
اقتربت تحيه بلمسة على ظهره.
"هاي يا جاسر، إنت هنا من امتى؟"
رد التحية بشبه ابتسامة فاترة.
"أهلاً يا ميرفت."
"قاعدة لوحدك يعني النهاردة؟ طارق صاحبك مش موجود ولا إيه؟"
قالتها وهي تجلس بجواره على البار.
فرد يجيبها باقتضاب وهو يتناول من طبق المسليات أمامه.
"لأ، عشان سافر لعيلته."
"اممم."
صدرت منها بارتياح، لتجدها فرصة لتكمل الجلسة معه، متخلية عن الجلسة مع صديقها الذي وجد صحبة أخرى ليندمج معهم.
منعت بأسلوبها الجاف تقرب أي فتاة من عاملات الملهى إليه، وهو يزيد من شربه في الخمر، وهي لا تكف عن الحديث معه في شتى المواضيع، حتى نهض فجأة مقرراً العودة لمنزله.
أصرت على مرافقته مستغلة عدم اتزان رأسه باهتزاز جسده من تأثير الخمر، مع علمها الأكيد بسفر ميري برحلة سفاري مع أصدقائها في الشمال.
دلفت معه لداخل المنزل وأصبحوا وحدهم مع انصراف الخادمة ووجود الحراس في الخارج.
سقط هو من تعبه على أقرب كنبة وجدها أمامه يمسك برأسه بين راحتيه.
فاقتربت هي تجلس بجواره لتلمس براحتها على ظهر كفه تدعي القلق.
"ألف سلامة عليك، هي لدرجادي دماغك بتوجعك؟"
أومأ برأسه دون أن يرفع عيناه إليها.
فزادت من قربها حتى أصبحت ملتصقة به وقالت بمسكنة.
"يا قلبي يا جاسر، حاسة بيك وتعبانة على تعبك، أنا أكتر واحدة تعرف باللي يألمك."
انتبه على جملتها والتي كانت تحمل في طياتها عدة معاني، فرمقها بنظرة متفحصة يستنبط مقصدها مع قربها الغريب، فقد كان وجهها لا يفرق عن وجهه سوى مسافة قليلة جداً.
واستطردت هي بحديث عادي ولكن بنبرة مغوية.
"إنت مستغرب ليه؟ أنا بتكلم عن تجربتي في جواز فاشل مع راجل شخصيته ضعيفة وغبي يفتقر للرجولة اللي بتتمناها أي واحدة ست. مش أنا شخصيتي قوية، لكن أحب جوزي يبقى هو المسيطر والقائد."
أكملت بنعومة أكثر.
"الرجالة اللي بالصفات دي بقوا نادرين قوي، والست المحظوظة هي اللي بتقع على واحد فيهم، لكن لو ما حافظتش عليه وأهملت يبقى تستاهل كل اللي يجرالها."
قالت الأخيرة وهي تقرب وجهها أكثر لتفعل ما تمنته كثيراً.
انتفض جاسر يدفعها عنه واستقام واقفاً، يمسح بكف يده أثر قبلتها على فمه وهتف غاضباً.
"اسكرتي ولا إيه يا ميرفت؟ إنت مش دريانة باللي بتعمليه؟"
وقفت تقابله قائلة بثقة.
"إيه اللي أنا بعمله بقى؟ شئ عادي جدا بيتم بين أي اتنين بينجذبوا لبعض، ولا إنت مجربتش؟"
عقد حاجبيه يسألها بريبة.
"جربت إيه؟"
أكملت وهي تقترب بحذر.
"مش محتاجة أوضح يا جاسر، ولا إنت عايز تفهمني إن البنات اللي بتسحبهم يومياً معاك وتيجي بيهم هنا في غياب ميري بتجيبهم عشان ينظفوا البيت؟"
كلماتها السامة جعلته يستفيق حتى محت كل أثر للخمر من رأسه، فقال يرد عليها بهدوء.
"لأ يا ميرفت، أنا بسحبهم فعلاً على هنا أو أروح بيهم الفندق عشان غرض معروف جدا بالنسبالي، بس تفتكري يعني إن أخلاقي تسمحلي أعمل كدة معاك إنت صاحبة مراتي؟"
"وفيها إيه؟"
قالتها ببساطة وأكملت.
"مدام إنت عاجبني وأنا عجباك، إيه اللي يمنع؟ مراتك غبية وما تستهلش نظرة واحدة منك حتى، لا عمرها حست بيك ولا حتى هاتفهمك، يبقى ليه نعمل حسابها بقى؟"
أومأ برأسه ورد مضيقاً عيناه بتفكير.
"هي فعلاً غبية عشان مصاحبة واحدة زيك، بس تعرفي بقى أنا ممكن أمشي على كلامك على فكرة، وأكمل الليلة معاك، بس من البداية كدة أنا ما أحبش آخد حاجة من غير تمن."
قطبت جبينها تسأله باستفسار.
"قصدك إيه؟"
مال نحوها بابتسامة قاسية يجيبها.
"قصدي مدام جبتي سيرة البنات، فا أنا على استعداد إن أحل إشكال ميري اللي واقفة مابينا، بإنك تاخدي حق الليلة زيهم، إيه رأيك بقى؟"
احتدمت عيناها وتوحشت ملامحها بشراسة، تهتف غاضبة بوجهه.
"إنت قد كلامك ده يا جاسر؟ بقى بتشبهني أنا بشوية الحثالة أولاد الشوارع دولت؟"
توسعت ابتسامته يقول بتأكيد.
"شوية الحثالة دول عندهم مبرر عشان يبيعوا نفسهم، إنما إنت بقى مبررك إيه للخيانة؟ اخرجى من هنا دلوقتي وروحي على بيتكم يا ميرفت."
تسمرت محلها وهي ما تزال لم تستوعب الصدمة، فتخصر جاسر يشيح بوجهه عنها، وكرر مطلبه غير عابئ بهيئتها.
"بقولك برا يا ميرفت، واخرجي حالا."
مع صيحتها الهادرة تحركت أقدامها للمغادرة من منزله وشعور بالذل اكتنفها لم تقابله في حياتها.
حتى وصلت لسيارتها لتسيل من عيناها دموع عزيزة بل نادرة، مسحتها سريعاً لتعود لطبيعتها القاسية على الفور.
تردد لنفسها وهي تهم بتدوير المحرك.
"ماشي يا جاسر، يا ريان، مسيري أرد حق كرامتي منك."
عادت لواقعها الآن على طرقة خفيفة على باب غرفتها، أصبحت تعلمها وتعلم بصاحبتها.
حركت رأسها لتجلى عنها ذكريات الأمس ومرارتها بحلقها، وخطت لتجلس خلف مكتبها تدعي الثبات قائلة.
"ادخل."
فتحت غادة بهيئتها المبالغة في الأناقة والزينة، وابتسامة تفضح ما يدور برأسها، وهي تجيبها برقة.
"صباح الخير، أنا قولت أجي أطل عليك فاضية."
ردت برسم ابتسامة لتخفي حزنها.
"حتى لو مش فاضية، أفضيلك نفسي، اتفضلي يا غادة."
دخلت بخطواتها المتأنية لتجلس أمامها بأدب قائلة.
"كنت عايزة أشكرك على حفلة امبارح، أصل بصراحة انبسطت فيها جدا."
هنا صدرت منها ابتسامة حقيقية لترد على كلمات غادة.
"إيه يابنتي اللي بتقوليه ده؟ بتشكريني على حفلة كنت عاملاها عشان صحابي وحبايبي؟ ولا إنت مش معتبرة نفسك صاحبتي؟"
ردت بلهفة على الفور.
"لأ أبداً والله، دا إنت قلبي من جوا."
اعتدلت ميرفت في جلستها تعود لطبيعتها وهي تخاطب الأخرى قائلة.
"بس إيه الحلاوة دي؟ دا ماهر أخويا كان هايتجنن عليك امبارح، الولد اتفاجئ بحلاوتك حرفياً."
كتمت شهقة بحلقها وهي ترد بقلب يرتجف بالفرحة.
"مش لدرجادي يعني يا ميرفت، دا البنات الحلوين كانوا مالين الحفلة امبارح."
"لأ لدرجادي وأكتر كمان، خليك واثقة من نفسك ومن جمالك، دي ناس أقل منك بكتير أهي واخدة حظها والدنيا كلها بتتكلم عنها."
قالتها بمكر لم تفهمه غادة، فظهر على وجهها التساؤل.
فتابعت ميرفت.
"إيه بقى؟ هو إنت ما شفتيش البروباجندا اللي عاملها النهاردة جاسر الريان بإعلان جوازه من بنت خالك؟"
استدركت غادة ترد وهي تلوي بثغرها.
"ما أنا قولتها من زمان يا حبيبتي، حظوظ."
وكأن كلمتها جاءت على موضع الجرح، رددتها من خلفها تقصد كل حرف منها.
"هي فعلاً حظوظ."
داخل غرفة مكتبه، دلفت بابتسامة توسعت فور أن رأت إشراق وجهه نحوها.
فتقدمت ترسم الجدية لتضع الملفات أمامه تقول برسمية.
"الملفات دي عايزة إمضتك حضرتك."
"حضرتك!"
ردد خلفها ضاحكاً وتابع يشير لها بيده.
"طب تعالي تعالي وبلاها من الرسمية دلوقتي."
التفت لخلف المكتب تطيعه وهي تخاطبه بتعجب.
"طب عايزني في إيه طيب فهمني؟"
فور وصولها إليه نهض فجأة ليرفعها من خصرها ويجلسها على سطح المكتب أمامه.
فركست بأقدامها باعتراض.
"يا جاسر ما يصحش، نزلني، ماينفعش كدة."
شدد عليها بين يديه يقول بحزم.
"بس بقى اهدي كدة، يصح ولا ما يصحش، دا مكتبنا واحنا حرين فيه، اهدي عشان تسمعي عايز أقول إيه."
توقفت عن مقاومتها واضطرت صاغرة لمطلبه على مضض، فشاكسها بمرح.
"افردي بوزك ده عشان أعرف أكلمك كويس."
أومأت ترسم ابتسامة مضطربة، فاستطرد يسألها.
"عرفتي إني أمرت بصرف مكافأة نص شهر لكل الموظفين بمناسبة الشراكة الجديدة؟"
أومأت برأسها تقول.
"آه عرفت، دي البت غادة كانت هاتموت من الفرحة وهي بتكلمني."
تبسم يسألها.
"وإنت بقى مسألتيش عن مكافأتك ليه؟"
هزت بأكتافها تجيبه.
"واسأل ليه بقى؟ هو إنت مخليني محتاجة حاجة ولا بصرف قرش حتى من مرتب؟"
تطلع إليها صامتاً يتأملها للحظات، ثم تناول كف يدها ليسألها برقة.
"طب أنا عايز أكافئك بحاجة مختلفة عن الفلوس، نفسك في إيه بقى؟"
عقدت حاجبيها قليلاً بتفكير، ثم قالت ومقلتاها يتراقصان أمامه بحيرة.
"مممم مش عارفة يا جاسر، أصلك مش منقصني من أي شيء، شالله يخليك ليا يارب."
ضحك من قلبه يقبل كفها بعمق، فهذه المرأة ستذهب بعقله يوماً ما بردودها الغير متوقعة.
ثم تنهد مطولاً ليقول.
"طب بقولك إيه؟ أنا هاجيبلك من الآخر وأقولك إني قررت ياستي أرقيك..."
شهقت متفاجئة تردد بتساؤل غير مصدقة.
"أرقيني أنا يا جاسر؟ طب ليه وازاي ده بقى؟"
أجابها مرة أخرى ضاحكاً.
"ليه إيه؟ أنا صاحب الشغل يابنتي، يعني أرقّي وأوظف على كيفي، المهم بقى جيبي إنت اسم الإدارة اللي عايزاها وأنا أخليك تمسكيها."
"كده على طول!"
قالتها لتقهقه غير مستوعبة، ثم تذكرت وخبأت ابتسامتها وهي ترد بقلق.
"بس الموظفين كده ممكن يكرهوني ويقولوا دي اترقت بواسطة جوزها، لا بلاش يا عم."
تغير مرح وجهه لينقلب لتجهمه القديم، ورد بصرامة على كلماتها.
"وما يقوله اللي يقوله يازهرة، إنت هاتوقفي حياتنا بقى عشان كلام الناس؟ أنا لو عندي شك واحد في المية إنك مش كفاءة، ماكنتش سألتك، سيبك بقى من العالم الوردي بتاعك ده يا قلبي وخليك معايا، الناس ما بتسيبش حد في حاله، يعني ماتجيش على نفسك ولا توقفي طموحك عشان حد."
صمت برهة يتابع رد فعلها على كلماته، وقد بدا على وجهها الإقتناع، فاستطرد.
"يلا بقى جاوبي على سؤالي وقولي ع اللي نفسك فيه."
همت لتجيبه على الفور عن إدارة الحسابات، ولكن تذكرت رئيسها السابق، فقالت بتهرب.
"طب ممكن تخليها وقت تاني على ما أفكر."
"تمام."
تفوه بها بعملية، ثم أردف.
"خدي وقتك براحتك في التفكير عشان تختاري كويس الإدارة اللي تحسي إنك هاتثبتي نفسك فيها، أهم حاجة ماتبعديش عن الشركة وعني، وعلى فكرة أنا حطيتلك مبلغ كدة في حسابك مكافأة مؤقتة."
هتفت معترضة.
"تاني يا جاسر؟ وأنا مالي بالفلوس دي كلها أساساً؟"
عض أنفه يمازحها بقوله.
"مزاجي كده ياستي، فيها حاجة دي؟ يلا قومي بقى شوفي شغلك، ولا إنت استحليتي قعدة المكتب؟"
شهقت محرجة تنزل بأقدامها على الأرض بابتسامة مستترة، لكزته بقبضتها على كتفه.
تأوه ضاحكاً يقول بسخرية.
"دي كانت ضړبة دي ولا زغزغة؟"
"بس بقى."
قالتها وهي تستدير لتغادر، ولكنها تذكرت سبب دخولها الأساسي، فالتفتت تخاطبه.
"صحيح يا جاسر، أنا كنت عايزة أروح النهاردة عند ستي عشان خالي اتصل بيا وقالي عايزك ضروري."
سألها قاطعاً.
"عايزك في إيه يعني؟"
مطت بشفتيها تقول بابتسامتها.
"هو مقالش، بس ممكن يكون بسبب اللي انتشر عني وعنك، ما إحنا بقينا نجوم خلاص."
هز رأسه بعدم اقتناع يقول.
"يمكن! بس استني هنا يا زهرة."
"إيه؟"
قالتها باستفسار، فأجاب يحاول اختيار كلماته.
"حاولي تقنعيهم بالبيت اللي قولتلك عليه، أنا ببقى حاطط إيدي على قلبي في كل مرة تزوريهم، حتى عشان تبقى المسافة قريبة مابينا."
أومأت برأسها صامتة بحرج قبل أن تتركه وتذهب لعملها.
دلفت لمنزلهم وقد فتحت بمفتاحها بعد عودتها من العمل مرهقة وتشكو من صداع رأسها.
لقد كان يوماً عصيباً بحق، منذ مواجهتها له في بداية اليوم التي استنزفت طاقتها بشدة، ثم ادعائها القوة أمامه في كل مرة التقت به بعدها خلال اليوم، بالإضافة إلى سهرها طول الليلة السابقة.
أقصى أمنياتها الآن هي أن تستلقي على سريرها لتنام ولو لأسبوع قادم.
انتبهت على الأصوات الصادرة من غرفة المعيشة، وما هي إلا خطوتين إلا وتفاجأت به أمامها.
"كارم."
قالتها بدهشة، قابلها هو بابتسامة منمقة صامتاً.
فقال والدها الذي كان جالساً معه.
"طب مش تسلمي الأول يابنتي، وبعد كده اسألي."
شعرت بالحرج فخطت متقدمة إليه لترحب به قبل أن تنضم معهم في الجلسة.
تسامرت بالكلمات الودودة قبل أن تسأله هامسة حتى لا يسمع والده.
"ما اتصلتش يعني تبلغني بحضورك؟"
أجابها بهمس هو الآخر.
"اتصلت بيك من ساعة وإنت ما رديتيش، أعملك إيه بقى؟ وأنا متفق مع عمي من امبارح على الميعاد ده، أخلف ميعادي معاه يعني؟"
همت لتجادله ولكن قطع عليها والدها بقوله.
"بس كان لازم والدتك تيجي النهاردة يا بني، حتى عشان يبقالها كلمة معانا."
أجابه كارم.
"خليها بعدين."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التاسع والتسعون 99 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
يا عمي أمي ملهاش في الاتفاقات والكلام ده، دي بتخرج بالعافية أساسًا.
"اتفاق إيه بالظبط؟" سألته مقاطعة كلماته.
فجاءها الرد من والدها: "كارم النهاردة جاي يتفق على ميعاد الخطوبة الرسمي، وبيِقترح يخليها كتب كتاب بالمرة."
"إيه؟" صدرت منها متفاجئة.
فقال كارم يخاطبها: "بيقولك كتب كتاب يا كاميليا. غريبة دي!"
وإلى زهرة التي تَمَكّنت من الوصول إلى شقة جدتها بصعوبة للازدحام الشديد في الشارع بالمهنئين من أهل وسكان المنطقة، والذين تجمعوا بمجرد رؤية السيارة. ولولا حماية الحرس ما استطاعت تخطيهم ودخول المبنى إطلاقًا.
تَلَقّفتها سمية وشقيقاتها بالترحيب الحار والقبلات، قبل أن تصل بصحبتهم إلى جدتها التي أطبقت عليها بذراعيها تضمها إليها بشدة.
تعجبت لها زهرة: "براحة ياستي شوية، هو أنا كنت مسافرة؟"
لم ترد رقية بل زادت من تشبثها بها، ثم قبلتها على وجنتيها ورأسها، حتى هتفت حفيدتها ضاحكة: "هههههه يا رقية، حتى دماغي كمان! دا أنا بايني وحشتك قوي قوي قوي يا حبيبة ستك انتي."
تَمْتَمَت بها رقية بحرقة وهي تزيد من ضمها وقبلاتها.
وهتفت سمية من خلفها: "آه والله يا أبلة، دا أكيد كمان من كتر فرحتها بيك يا زهرة. بعد ربنا ما نصَفَك ونَصَفَنا إحنا معاك، حد كان يصدق إن محروس يطلع براءة ياناس! دا أنا عقلي لحد الآن مش مستوعب."
"آه والله يا أبلة، جاسر باشا طلع باشا على حق، دا كفاية اعتراف الولد على فهمي الزفت اللي كان دايما بيخرج منها زي الشعرة من العجين. كان نفسي تشوفي امبارح لما البوليس كبس فجأة وخرجوا بلاوي من شقته."
سألتها زهرة بلهفة: "يعني قبضوا عليه يا صفية؟"
حركت المذكورة رأسها بالنفي تقول: "للأسف هرب، أكيد وصله الخبر والحكومة في الطريق، بس إن شاء الله البوليس مش هايسيبه."
"إن شاء الله." تَمْتَمَت بها زهرة بتمني.
فسألتها رقية: "جوزك كويس معاكي؟"
أومأت لها بسعادة أشرقت على وجهها بصخب. فقالت صفية من خلفها بمرح: "آه لسة بتسألي ياستي، دا جاسر باشا طلع صورتهم ع النت وقال: دي مراتي واللي يقرب منها هاديله بالجزمة."
"بالجزمة!" قالتها سمية بتعجب أثار ضحك زهرة مع شقيقاتها، قبل أن تصحح للمرأة: "ما قالش كدة بالظبط، دي البت دي بتزود من دماغها ياسوسو، هو قال بس إني مراته وما يقبلش أي حد يقلل مني."
قالت الأخيرة بلمعة الفرح في عيناها. فَهَلّلَت صفية وبناتها بالكلمات المشاكسة التي أخجلتها، حتى هتفت تدعي الغضب: "خلاص بقى يا جماعة بلاش إحراج."
"ياختي إحراج ليه بس، ربنا يهنيكم ببعض. جاسر باشا ونعم الرجال، أنا مش عارفة أكفي جمايله معانا إزاي، لما اتمسك بيك، لا ويتحدى الناس ويقف مع والدك لحد أما يخرجه من سجنه، وبعدها يدخله على مصحة يتعالج فيها عشان ما يعودش للطريق دا تاني، ربنا يخليهولك يارب." تَمْتَمَت بها من قلبها.
ثم غيرت مباشرة نحو الموضوع الذي تقصده: "كويس قوي عشان انتوا كلامكم دا شجعني أقولكم على اقتراح جاسر."
سألته رقية بفضول: "إيه هو بقى اقتراح جاسر؟"
ردت زهرة بحماس: "بيت كبير ياستي وقريب من المنطقة اللي إحنا عايشين فيها، الدور الأول هايبقى لابويا وخواتي مع خالتي سمية."
هَلّلوا الفتيات يصفقن بحماس وصراخ. أضحكتها، ثم استطردت: "الدور التاني هايبقى ليك انت ياستي مع خالي وعروسته كدة بعد ما يِتَمّ فرحهم، دا غير كمان الدور التالت دا بقى فاضي يصلح لأي حاجة في المستقبل لعيال خالي إن شاء الله، أو لو حب يعمله مكتب لشغله كدة أو شغل مراته."
"وايه تاني ياقلب خالك كمان؟" قالها من خلفهم وقد أتى بالصدفة واستمع لحديثها.
شهقت هي برؤيته لتقفز من محلها نحوه وترتمي عليه كعادتها في كل لقاءاتها به: "خالي حبيبي، اخيرا وصلت! دا انت وحشتني أوي."
تقبل قبلاتها الخفيفة على وجنتيه دون أن يبادلها ككل مرة. شعرت بفتور ترحيبه فسألته بريبة: "إيه مالك ياخالي؟ هو انت تعبان؟"
تطلع لها بوجه مغلف صامتا للحظات، قبل أن يقطع صمته بوضع قبلة صغيرة على رأسها ورد قبل أن يحرك قدميه نحو غرفته: "حصليني جوا، عايزك في موضوع مهم."
نظرت في أثره مندهشة جفاف كلماته، فانتقلت عيناها نحو جدتها بتساؤل. وكانت إجابة رقية وهي تلوح أمامها فارده كفيها بعدم معرفتها مع نظرة قلقة تطل من عيناها.
"إنت عرفت منين ولا مين اللي قالك؟" ستيت، تفوهت بها سائلة بصدمة.
ليزداد تخمينه بصدق ما علم به، فتابع يسألها بهدوء ما يسبق العاصفة: "يعني الكلام دا حصل فعلا يازهرة؟"
تلعثمت وخرجت كلماتها بارتباك: "ممم مش بالظبط ياخالي..."
قاطعها يضغط بإلحاح: "يعني جاسر ما رقدش الراجل في المستشفى بعد ما مد إيده عليك؟"
صرخت نافية تلوح أمامه بسبابته: "لا والله ما لحق يمد إيده، دا أنا كنت هارمي نفسي من الشباك عشان مايعرفش يقرب مني، بس جاسر دخل ولحقني."
أكمل لها: "لحقك لما دخل بالحارس بتاعه كسر له إيديه وخرج بيك من العمارة وهو شايلك على إيديه، صح؟"
شحب وجهها وانسحبت الډماء منه وشفتيها تتحرك أمامه في محاولة للبحث عن رد لا تجده. فاشتعلت الډماء برأسه ولم يشعر بنفسه وهو يقبض على مرفقها هادراً: "الراجل ده استغلك يابت عشان تتجوزيه!"
صرخت تجيبه: "لا والله ياخالي، دا ملمسش شعري من راسي غير بعد ما بقيت مراته على سنة ورسوله."
"طب وشقتي أنا كانت هي مهرك يازهرة؟" باغتها بالسؤال الذي لم تحسب حسابه كباقي حديثه المفاجئ لها.
"لأ يا خالي، لأ." قالتها على الفور تنفي.
فصاح هو بأعين مشتعلة: "أمال دفع باقي الأقساط وجابلك عقد مخالصة كدة ع الفاضي من غير تمن؟"
"ياخالي اسمع مني الأول بس عشان تفهمني." هتفت بها باستجداء تخاطب حكمته التي كان أبعد ما يكون عنها الآن. وجهه المحتقن بالڠضب بأعين حمراء وصدره يعلو ويهبط بشدة. فترك مرفقها يقول بحدة: "تمام يازهرة، اتكلمي عشان أسمع."
مسحت بيداها سريعا الدموع المتساقطة منها بغزارة تجاهد للتماسك جيدا أمامه.
"اتكلمي يازهرة." رددها مرة أخرى متخصرا بوقفته المتحفزة. فتكلمت لتحكي له عن ما حدث وقد أصبح لا مفر من الكذب أو الإخفاء.
"الدنيا هديت جوا ومحدش بقى سامع لهم صوت." تفوهت بها سمية وهي تخاطب رقية بترقب مع إنصاتهم لأصوات الشجار التي تصل إليهم من غرفة خالد ومعه زهرة الآن.
ردت رقية بقلق: "يعني خلاص اتصالحوا على كده؟"
أجابتها صفية: "محدش عارف يا ستي، لكن مدام الصوت هدي يبقى أكيد بيتفاهموا، لكن انتي ماتعرفيش سبب الخناقة إيه بقى؟"
ردت رقية بحزن: "حتى لو عارفة إيه فايدة الكلام، مدام صاحب المشكلة شايف إن معاه الحق وهو فعلا معاه الحق، لكنه أكيد مش شايف الصورة كاملة."
ربتت سمية على ركبة رقية بتهوين لتقول وهي ترى حجم الحزن البادي على وجه المرأة العجوز: "أكيد مهما حصل مابينهم لازم يتصالحوا ويتصافوا، دا الاتنين روحهم في بعض."
تَمْتَمَت رقية بالدعاء من قلبها حتى يمر الأمر على خير بين ابنها وحفيدتها، حتى رفعت رأسها على قول صفية: "بس دي أول مرة أشوف فيها خالي خالد بالهيئة الصعبة دي، وفي حياتي كلها ما سمعت ژعيقه على زهرة بالشكل ده، عندي إحساس إن الموضوع كبير أوي مابينهم."
أومأت رقية رأسها بأسى، فهي تعلم تمام العلم بصحة ما تقوله صفية لما رأته من ڠضب واضح على وجه ابنها منذ أيام، وبعد أن ذكر لها عن زيارته لسمسار الڼحس وحاول بكل إلحاح بعدها أن يوقعها أو يأخذ منها معلومات، ولكنها كانت تدعي دائما عدم المعرفة وبداخلها تعلم تمام العلم أنه لا يصدقها. إذن وهو الآن معها، ماذا أخبرته وكيف كان ردها عليه؟
وفي داخل الغرفة كان الوضع هادئ بينهم بشكل غريب. هو بوقفته مستندا بظهره على الحائط بجوار النافذة الخشبية يستمع لها بإنصات وهي تردف وتحكي له عن ما حدث من سړقة أباه لأمواله المرسلة من الخارج، وابتزازها من قبل فهمي بائع الپرشام كي تقبل بالزواج منه حتى يرد لها الأموال التي أخذها من أبيها، ثم لقاءها بهذا السمسار في مكتبه ومحاولاته الدنيئة لاستغلالها والتحرش بها، ثم انقاذ جاسر لها برفقة حارسه حتى إغماءتها من مشهد ضړپ الحارس لهذا السمسار وإفاقتها بعد ذلك في منزل جاسر الذي عرض عليها الزواج بعد سداده لأقساط المتبقية من الشقة.
"بس هو دا كل اللي حصل يا خالي، يعني مستغلنيش؟ لا بالعكس، دا أجبرني بكرمه إني أحترمه وأفكر في عرضه." كانت هذه آخر جملة قالتها وهي تنهض من مقعدها بلهجة يكتنفها قلق ازداد مع كلمته المقتضبة.
"أجبرك!" قالها وتوجه للنظر من النافذة للخارج. ارتابت هي من كلمته لتردف دون تفكير على الفور في محاولة للتصحيح: "مش قصدي غصب، لأ، هو يعني زي ما تقول كده أحرجني بزوقه أو ااا يا خالي إنت ما فاهمني بقى."
التف إليها عائدا فجأة مرددا خلفها: "فاهمك! تصدقي دا كان اعتقادي فعلا في السابق يا علېون خالك، لكن دلوقتي أبقى عبيط لو قلت كده."
هتفت بغصة موجعة من الحزن البادي على صفحة وجهه كصدمة وخيبة أمل فيه: "ما تقولش كده يا خالي، أبوس إيدك، أنا أياميها كنت متلخبطة والدنيا بتقلب وتحط عليا، جاسر هو اللي خد بإيدي وطمن قلبي من كل خۏفي ناحيته، واديك شوفت بنفسك العمايل اللي بيعملها عشاني."
أومأ يمُط بشفتيه ليفاجئها بقولها: "صحيح، دا كفاية اللي عمله مع أبوكي ولا اللي عمله النهاردة كمان عشانك وجعل قصة حبكم ترند ع السوشيال ميديا والعيال المراهقين ياخدوها كنموذج عن الباشا اللي حب البنت الفقيرة. بصراحة لو قلت في حقه ولو نص كلمة أبقى راجل ناقص، بقى يدفع لي أقساط الشقة وبعدها يبقالي عين أكلمه أساسا. دي إيه البجاحة دي؟"
غمضت عيناها بالدموع مع الشحوب الذي غطى وجهها، وقد علمت من خلف سخرية كلماته مرارة ما يكنه الآن بداخله، فقالت برجاء: "بلاش دا يبقى تفكيرك فيا يا خالي، دا أنا تربيتك وحافظني زي ما انت حافظ خطوط كف إيدك."
"يا شيخة!" قالها وأكمل بحدة: "يعني انت زعلانة عشان فكرتي اتغيرت عنك وأنا مش حقي أزعل لما غفلتيني وخبيتي عني موضوع الشقة واللي حصل؟"
توقف قليلا ثم تابع بلهجة لائمة تنبع من ألمه: "إنتِ خبيتي عشان صعبت عليك يا زهرة صح؟ صعب عليك خالك اللي راح اتغرب في بلاد الله وساب اتنين ولايا من غيره بعد ما عدى الستة والتلاتين من غير جواز، يِنصدم لما يعرف باللي حصل، لما الشقة تروح منه ومعاها حب عمره كمان."
أسبلت بأهدابها وعيناها لا تقوى على مواجهته، لقد كشف بقراءة جيدة منه كل ما كان يدور برأسها بالفعل، وهذا ما زاد من وجعها عليه، وانشق قلبها أضعاف حينما صدر صوته ببحة خرجت من عمق كرامته المجروحة: "بس لا يا بنت اختي، مش أنا اللي أقبلها ولو على موتي حتى، مش جواز ولا خسارة لحب عمري."
رفعت عيناها إليه بتساؤل لتجده فجأة تحرك نحو خزانة ملابسه ليعود إليها سريعا يتناول كفها ويضع بها ورقة كبيرة. من نظرة واحدة علمت ما بها، فهتف بارتياع: "إيه ده يا خالي؟ انت ازاي تعمل كدة؟"
ناظرها يرد بشراسة: "ليه؟ كنت عايزاني آخد إذن منك الأول، ولا فاكراني ما هصدق وأعمل نفسي مش واخد بالي، ولا أبوس إيدي بقى وش وضهر على حسنة جاسر باشا عليا وعلى أهلي."
هتفت وصوتها يخرج بانهيار: "وطب وشقى عمرك في الفلوس اللي سددت نص تمن الشقة بيها ما صعبش عليك دا كمان وانت بتروح وتسجلها باسمي؟"
اعتلى ثغره بابتسامة جانبية يقول: "ما أنا خسرت قبلها نص عمري معاك، هتيجي ع الفلوس؟ يلا بجملة."
هنا انهيارها وصل لأخره فسقطت على الأرض تبكي بحرقة تناديه للتراجع بكلمات غير مترابطة مع شهقاتها العالية في مشهد اخترق صدره كنصال حادة تغرز فيه، ولكنه ربط على قلبه مستمرا على موقفه وقام بفتح باب غرفته يهتف مناديا على سمية وابنتها صفية لرؤيتها.
"كتب كتاب!" هتفت بها بعدم تصديق أو استيعاب أو رفض. شعر به هو من علامات الاندهاش التي ارتسمت على ملامح وجهها فجأة. وتابعت: "إزاي يعني كده؟ خبط لزق من قراية الفاتحة لكتب كتاب على طول."
اعتدل كارم في جلسته ناحيتها رافعا حاجبا واحدا أمامها. وجاء الرد من أبيها الذي شعر بالحرج يخاطبها بنظرات تحذيرية لتنتبه: "خبط لزق إيه بس يا كاميليا، خلي بالك يابنتي من كلامك، كارم راجل محترم وثقة وإنتِ عارفاه من زمان من شغلك معاه، ولا إيه؟"
وصلها مقصد أبيها، فقالت بدفاعية: "أنا ماقولتش حاجة عنه ولا غلطت فيه، أنا بس مستغربة ع السرعة."
تحدث هو يقول بهدوء: "أنا شرحت لعمي أسباب قراري، أنا وإنتي ناضجين كفاية، يعني مش كتب الكتاب اللي ممكن يسبب ما بينا مشاكل في فترة مهمة زي الخطوبة، دا غير إني هاعمل حفلة كبيرة وهاعزم ناس وترتيب مهم من عيلة والدي."
"مهمين ولا مش مهمين أنا مالي!" قالتها بحدة أجفلته أمام والدها الذي هتف باسمها: "كاميليا."
استدركت فقالت بحرج: "يا بابا افهمني، أنا بتكلم عن اتخاذه لقرار مهم زي ده كده فجأة وبدون علمي."
هم أن يرد والدها ولكن توقف على قول:
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 100 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
معلش يا عمي، ممكن تسيبنا لوحدنا؟
صابر تلفت إليهم قليلا بتردد، ثم نهض مستأذنا للانصراف.
تركهم، فبقيت هي معه وحدها.
تحاشى النظر في عينيه التي تناظرها بحدة، وفاجأها بقوله:
قلقانة ليه من كتب الكتاب؟ ولا تكوني بتفكري تغيري رأيك يا كاميليا؟
اشتعلت عيناها لترد بتحدي:
لما بقرر مش بستنى أفكر يا أستاذ كارم، يعني لو في دماغي أغير رأيي مكنتش هاوافق بيك من الأول.
أمال خاېفة من كتب الكتاب ليه؟
سألها بهدوء ليزيد من غضبها:
هو إنت كل اللي عليكي خاېفة؟ خاېفة إيه اللي يخوفني أنا منك؟ ها! لا كتب كتاب ولا ألف ورقة حتى تقدر تمنعني ساعة ما أقرر. ولا أكتب كلمة النهاية.
صمت قليلا هو أمام هذه الشراسة التي تصدر منها بصخب، يتأملها باستمتاع. فبرغم عنف كلماتها معه، لكنها لا تدري بكم المشاعر التي تحييها بداخله مرة أخرى لتعيده لحلبة الصراع والتحدي من جديد.
إنت سرحت في إيه؟ ما تتكلم.
قاطعته بقولها. ورد هو:
تمام يا ست كاميليا، إنت قولتيها بنفسك إن ما فيش حاجة تقدر توقفك لو حبيتي تنهي الحكاية. وأنا بقى هاجيبلك من الآخر. بصراحة كده، أنا عايز بكتب الكتاب أقطع السكة عن أي حد يحاول يقربلك، وإنت فاهماني.
التفت بغضب، ضاربة بكف يدها على ذراع المقعد بجواره:
تاني هاتكلمني عن فلان ولا علان؟ ما قولتلك الموضوع عندي أنا! ولا حضرتك شايفني عيلة صغيرة ولا شخصية تافهة أتأثر بأي كلام يتقالي؟
على صوته يرد بصيحة لها:
ومدام الموضوع عندك إنت، قلقانة من إيه بقى؟
همت لترد، ولكنه منعها ليكمل بنبرة أهدأ قليلا:
عارف كل الكلام اللي بتقوليه، بس أنا برضه بكلمك من منطق قوتك اللي إنتي بتصرخي بيها دلوقتي. الخطوبة هتبقى ما بينا بكتب الكتاب على ما أخلص تشطيب الفيلا بتاعتنا. ده طلبي منك. ده لو إنت واثقة في نفسك. وأظن يعني إنك فهمتي كويس أخلاق الناس اللي إنت شغالة معاها.
فتحت باب السيارة لتلج بداخلها، ثم قامت بصفقه بعنف مرددة بتأفف:
أووف يا ساتر.
ردت الأخرى وهي تتحرك بالسيارة التي تقودها:
ليه كده بس؟ هو إنت لدرجادي مخنوقة؟
مخنوقة بس! دا أنا هاطق من القرف.
قالتها بصرخة أجلت ميرفت التي خاطبتها بدهشة:
وطي صوتك شوية يا ميري. إحنا في العربية يعني أي حد ها يسمع صرختك دي.
عاندتها الأخرى بقولها:
وما يسمعوا ولا يتفلقوا حتى! هو أنا ها يهمني رأي الناس دي كمان؟ مش كفاية اللي أنا فيه.
إيه هو اللي إنت فيه بقى؟
سألتها ميرفت وهي تحيد بنظرها عن الطريق إليها، فقالت الأخرى تحكي شكواها:
الزفت اللي اسمه مارو بقى قارفني وواقفلي على الوحدة. روحت فين؟ خرجت ليه من غيري؟ بتتكلمي مع مين في الفون الوقت كله؟ عشان يديني مشغول.
التفت إليها تسألها:
بيسألك وبيقرر فيكي ليه دا كمان؟ هو ليه إيه عندك أساسا؟
لوت ثغرها ميري تجيبها بابتسامة سمجة:
الباشا عايشلي في دور الحبيب!
إيييه؟
قالتها ميرفت لتنطلق في نوبة من الضحك الهستيري لتردف ميري بغيظ:
بتضحكي يروحي؟ أمال لو تشوفي معاملته ليا ولا غيرته من أي حد يكلمني في النايت ولا النادي. تقولي إيه؟ دا مقتنع إن اللي ما بينا قصة حب وآخرته الجواز.
ما سمعت ميرفت وازدادت ضحكاتها وهي تميل برأسها للخلف حتى تمكنت من القول تمازحها بتفكه:
طب وآخرتها إيه بقى؟ هاتتجوزوا صح؟
اتجوزوا! دا إيه؟ إنت كمان؟
هتفت بها ميري وهي تدفع من يدها علبة السجائر على تابلوه السيارة أمامها بعد أن أخرجت منها واحدة لها وتابعت:
اتجوزوا إزاي دا بعقله العيالي؟ هو ينفع معايا للفسح والقعدة الحلوة؟ أه يسليني بدمه الخفيف أو يرقص معايا في النايت نخربها أو يعني... إنت فاهمة.
فاهمة فاهمة أوي كمان.
أردفت بها ميرفت بابتسامة خبيثة وغمزة من عينيها وتابعت ميري بتفكير:
ولا والدي كمان دا ممكن يخلص عليا لو عرف بعلاقتنا، خصوصا وأنا حاساه اليومين دول من معاملته الكويسة ليا إنه بيدبرلي حاجة كده أنا مش فاهماها.
ها يكون بيدبرلك إيه يعني؟
قالتها ميرفت بتساؤل قبل أن تتوسع عيناها بمرح تردف:
يا نهار أبيض يا ميري! ليكون بيدبرلك جوازة جديدة؟ هههه دا مارو ها يقلب الدنيا.
افغر فمها ميري ببلاهة مع قول الأخرى، ثم ضربت بكف يدها على جبهتها تشعر بالدوار من مجرد التخيل.
ولج لداخل الملهى الذي حرمه على نفسه منذ زواجه بها، عيناه تجول في أرجائه حتى وجده أمامه على مقعده القديم أمام رجل البار يرتشف شرابه بشرود.
إنت رجعت تاني للشرب يا طارق؟ دا أنا مصدقت إنك عقلت.
قالها جاسر وهو يجلس على المقعد المجاور له، فالتفت رأس الآخر إليه يقول بسخرية:
واعقل ليه بس وأتعب نفسي؟ مدام كده كده ما فيش فايدة.
تفهم جاسر حالته، فاقترب يربت على كتفه قائلا بحزم:
بلاش نبرة اليأس دي يا عم طارق، ماحدش عارف بكرة مكتوب فيه.
تبسم يرد عليه بنبرة تقطر بالمرارة:
ما أنا خلاص عرفت وسلمت. هي حكمت، ما تدخلني جنتها عشان شايفاني وحش وما أستحقهاش. وأنا بدفع تمن ذنوبي وحساباتي القديمة. يبقى أنتظر إيه بقى؟ خلصت.
زفر جاسر بتعب، يمسح بكف يده على شعر رأسه للخلف، يكنه الحزن على حال صديقه وهو يعلم ويشعر بما يعانيه الآن وما أوصله لهذه الحالة، فقال وهو يستقيم بطوله ينهض عن كرسيه:
لا ما خلصتش يا طارق، وقوم بقى من هنا وكفاية شرب.
حرك رأسه طارق باعتراض مرددا:
يا بني بقولك ما فيش أمل، أنا انكتب عليا أعيش بذنوبي واتحرمت عليا الجنة.
ضاق ذرعا جاسر بفعله، فلم يجد سوى جذبه بعنف يوقفه جبرا وهو يقول بحزم:
فوق بقى واصحى لنفسك! الإحباط ده هو اللي ها يأخرك بزيادة. اعقل يا طارق واصبر شوية.
قال عبارته الأخيرة برجاء، فمس قلب الآخر، فترك الكأس التي بيده، واستطرد جاسر مستغلا انصات الآخر:
إنت بنفسك قايللي عن شخصيتها العندية. اصبر وشوف آخرتها إيه. وارجع وأقولك ما حدش عارف بكرة مكتوب فيه إيه.
أطبق ثغره طارق، وبدا على وجهه الاقتناع، فتناول سترته ليدفع حساب النادل استعدادا للذهاب. وتناول جاسر هاتفه ليهاتف زهرة. وقبل أن تجيبه، وجد طارق يسأله بعتاب:
لكن الواد ده عرف منين بحكاية ابني من كلوديا؟
عقد حاجبيه جاسر يسأله بدهشة:
قصدك كارم يعني؟ مش عارف أو مش فاكر صراحة، بس ممكن يكون عرف بالصدفة.
صدفة إيه؟
سأله طارق، وهم أن يجيبه جاسر، ولكنه انتبه يرد على الصوت المتغير في الهاتف عن صوتها.
الوو! مين معايا؟ كاميليا؟ مالها زهرة يا كاميليا؟ إيه؟ طب أنا جاي حالا.
أنهى المكالمة وخړج سريعا دون أن ينتظر طارق الذي اتبعه بالهتاف بعد ارتيابه من هيئته المقلقة.
دثرتها وانضمت جوارها على الأريكة التي كانت متكورة بجسدها عليها، لتنضم إليها وتحتضنها بقوة مرددة بلهجة حانية:
خلاص ياقلبي بقى، إهدي. خالك لا يمكن يتخلى عنك ولا يسيبك.
عصرت زهرة بعينيها التي ذبلت من كثرة البكاء تقول بصوت بح من فرط نشيجها:
أنا مش واجعني إنه اتخلى عني، أنا موجوعة على وجعهم. مكنتش أعرف إنه هياخد الموضوع على كرامته كده. أنا عارفة خالى لما يوصل للمرحلة دي يبقى جاب آخره مني. بس أنا غبية، أنا غبية عشان ما قلتلوش. أنا غبية.
خلاص يا بنتي، مش كده. يا زهرة بقى هاتضيعي نفسك بجد.
هتفت بها كاميليا بحزم لتوقفها، ولكن زهرة لم تسمعها وهي مازالت تردد بهذيان:
شوفتي بقى يا كاميليا! أنا بخوفي وجبني عملت زي الدبة اللي قتلت صاحبها. مش عارفة عقلي كان فين ساعتها. هأفضل كده طول عمري ضعيفة وغايبة أو جبانة زي ما كانت غادة بتقولي زمان. أيوة أنا المتخلفة! أزاي أقرب حد ليا في كرامته...
صاحت عليها هذه المرة تقاطعها بغضب وتهزها لتفيقها:
بس بقى! هاتضيعي صحتك. ارحمي نفسك شوية، يخر'ب عقلك.
إيه اللي حصل يا كاميليا؟
صدرت من جاسر الذي ولج فجأة داخل المنزل، يخطو مهرولا بقلق نحوهن. وصل إليهن لينضم بجوارها على الأريكة من الناحية الأخرى، وجذبها من ذراعها ليرفع رأسها إليه ليرى وجهها الذي تبدلت ملامحه بشكل يثير الشفقة. فهتف بارتياع:
إيه اللي حصل معاها عشان توصل للحالة دي؟
تنهدت كاميليا بأسى، وجاء الرد من زهرة التي اعتدلت فجأة أمامه لتخرج له من تحت الغطاء عقد تمليك الشقة التي سجلها خالد باسمها. تناولها وتطلع بها سريعا، فارتفعت عيناه إليها يناظرها بأسف مع تفهمه لحالتها، وجذبها إليه ليُدفن رأسها بصدره. وعادت هي لنوبة بكائها الحارق بنشيح مكتوم يمزق نياط قلبه تمزيقا، فقال مخاطبا كاميليا:
المجنون دا عمل كده ليه؟ طب مش يسألنا الأول ويفهم مننا؟
ردت كاميليا بحزن على حالته:
ماهي المشكلة إنه عرف بنص الكلام. ولما ضغط عليها النهاردة حكت له هي من طق طق لسلام عليكم، فطلع لها العقد اللي كان مجهزه من وقت ما عرف. ودا اللي قهرها.
مجنون.
قالها جاسر بعنف وغضب، وذراعيه تشتد على زهرة التي تنتفض بشاهقاتها ودموعها أغرقت قميصه الأبيض. ثم ارتفعت رأسه نحو طارق الذي أتى خلفه بسيارته يردد بخطواته السريعة نحوهم ببهو المنزل:
إيه الأخبار يا جاسر؟ طمني.
أومأ له بعينيه غير قادر على الرد. أما كاميليا فتمسكت تجبر نفسها لعدم الالتفاف برأسها للخلف بعد أن اخترق صوته أسماعها، وخاطبت جاسر بلهجة جعلتها عادية لتهرب من مشاعر غريبة تنتابها الآن بقدومه وتتزايد مع اقترابه منهم:
بس إحنا لازم حقيقي نلاقي حل لمشكلة خالد اللي رمى تعبه وشقاه في لحظة تهور ودفاع عن كرامته.
ماله خالد؟
سأل طارق بدهشة مستغربا ما يحدث أمامه، وعيناه التي تنقلت بين ثلاثتهم توقفت عليها وهو يرى تعمدها بعدم النظر إليه، لتجفله حينما نهضت فجأة تقول لجاسر:
طب أنا أعرف إن الخدامة مشيت. هاروح أسخن لها أي حاجة تاكلها دي من الصبح على لقمة الفطار.
ألقى جاسر نظرة حانقة على المدفون وجهها بصدره وقد هدأت قليلا بحضنه، ثم ارتفعت رأسه إلى كاميليا بامتنان قائلا:
متشكر أوي بجد. أنا مش عارف أوفي جمايلك معايا ومعاها إزاي يا كاميليا.
جميل إيه بس يا جاسر باشا. دي أختي على فكرة.
قالتها بجدية صادقة، ثم انصرفت على الفور تاركة الآخر ينظر في أثرها بلهفة معذبة.
كنت قاسي معايا أوي يا خالد.
قالتها نوال بجلستها معه في أحد الكافيهات المعروفة. رمقه هو بنظرة مبهمة قبل أن يشيح بوجهه عنها متنهدا بثقل، وتابعت بقولها:
أنا مصدقتش كاميليا لما قالتلي على حالتها دي. روحها فيك يا خالد، واللي بينك وبينها أقوى من المعزة وأقوى من الأبوة حتى.
أديك قولتيها بنفسك.
قالها مقاطعا بحدة، ثم أردف بنبرة أهدأ من سابقتها:
أكتر من أبوها وهي عارفة كده، يبقى كان لازم تفكر شوية فيا وتعرف باللي يوجعني على حق. بيقولوا العتب على قد المحبة، وأنا زعلي منها اتعدى العتب على قد صدمتي فيها.
ردت في محاولة لإقناعه:
هي فكرت بعواطفها لما خبّت عنك حبها الشديد ليك. جعلها ما خدتش بالها من اللي إنت بتقوله ده. زهرة لا يمكن تقصد تقلل من كرامتك ولا عزة نفسك.
كرامتي وعزة نفسي.
رددها بابتسامة ساخرة وهو يحرك رأسه بحركة غير مفهومة، وأردف:
كرامة إيه بس؟ وبنت اختي كانت هاتضيع ما بين واحد بيبتزها بالفلوس اللي اتسرقت عشان يتجوزها، والتاني كان عايز يعتدي عليها في مكتبه. والتالت اللي أنقذها منهم خد مكافأته بجوازه منها. لا ودفعلها أقساط شقة خالها اللي كان هاتضيع بسببه. ههههه.
قبضت براحتها على كفه يده تحاول دعمه رغم حزنها على حالته، فكلماته التي تقطر بالمرارة كانت موجعة لها بقسوة. رفع عيناه إليها، فقالت له بمهادنة:
حاول تهون على نفسك شوية يا خالد. اللي إنت بتعمله ده صعب أوي عليك وعليها. وراجع موقفك معاها شوية.
نفى وهو يحرك رأسه لها:
ما قدرش يا نوال. على قد حبي ليها كان قد الوجع. شوفي بقى أحلاها إزاي دي.
صمتت تزيد من ضغطها على كفه، واستطرد هو:
طب أنا هاقولك على حاجة. طبعًا أنا حاكيتلك قبل كده عن أبشع حادثتين مرت بيهم زهرة. في المرة الأولى أنا كنت لسه صغير وكبرت لما شلت مسؤوليتها بعد وفاة والدتها اللي هي أختي. في المرة الثانية بقى كانت كبرت هي في رعايتي ونشأ بينا الرابط العجيب ده. أنا معرفش اسمه إيه بصراحة. بس اللي فاكره كويس قوي إن الزفت فهمي ساعة ما زنقها في بير السلم وكتم نفسها. أنا سمعت همهمتها المكتومة في ودني وأنا نايم في بيتنا اللي في الدور التالت. هاتصدقيها دي؟ ساعتها جريت نازل على السلم مفزوع ورجلي هي اللي حركتني لغاية عندها وشوفتها بين إيديه ونفسها منحاش ومكتوم. سحبته منها وجريته من قفاه زي البهيمة على الأرض. ما ارتحتش غير والدم بيشخّب من كل حتة في جسمه.
أنهت تسخين الطعام في الفرن الكهربائي لتضع آخر الأطباق على الصينية. وفور أن همت برفعها، تفاجأت به يخترق المطبخ الشاسع المساحة معها بطوله المهيب ورائحة عطره الطاغية التي غطت على رائحة المأكولات. بيدها وقال مخاطبا إياها:
ما فيش داعي توصليلها الأكل. هي خلاص نامت أساسا.
نامت.
قالتها بإحباط وهي ترمي بفوطة المطبخ الصغيرة بيدها ترد:
وسابها إزاي تنام كده دي؟ شكلها تعبانة أوي.
تقدم بخطواته نحوها ويداه في جيبي بنطاله يقول:
ماهي صعبت عليه وما هانش عليه يصيحها. بتقل رأسها على صدره قالي بقى أبلغك وهو هايفضل جنبها مش ها يسيبها.
تمام.
قالتها متنهدة بيأس، لتتناول في أطباق الطعام والفاكهة وتعيد وضعهم في البراد أو ثلاجة الطعام. انشغلت بهم متحاشية النظر إليه، حتى ظنته خرج، قبل أن تصطدم رأسها من الخلف فجأة بجسده الصلب، فالْتفتت مجفلة تهتف بشراسة نحوه:
إنت إيه اللي جابك هنا؟
أجابها ببساطة وهو يميل أمامها بجسده ليتناول الطعام خلفها من فوق رخامة المطبخ:
بساعدك يا كاميليا.
فغر فاهاها بدهشة شديدة من جرأته، وهي تدري بوضعها في هذه المساحة الضيقة وقد انحسر جسدها بينه وبين المطبخ خلفها. هتفت بقوة تدعيها رغم اهتزاز صوتها:
وسع كده يا طارق وابعد عني. ولا إنت قاصد ولا إيه؟