تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 141 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
كان واقفًا بفنجان القهوة يرتشف منه، وهو يتطلع أمامه نحو الأشجار الخضراء والزهور المتنوعة بحديقة منزل العائلة، التي أصبحت مسكنهم منذ حملها بالطفل. لم يشعر بطعم القهوة، ولا حتى رأى جمال الزهور كعادته، فعقله كان يسبح بعيدًا في أفكاره.
يقلقه هذه الهيئة الغريبة منها، ويصدمه فعلها والتخطيط الذي قامت به مع صديقتها دون إخباره. هذه النزعة الانتقامية لم تكن أبدًا من سمات زهرته. هذا التحدي والتصميم على المضي في ما تفعله يجعله متفاجئًا بشدة من هذا التغير. بالأمس أشفق، ولم تطاوعه قلبه للضغط عليها، ولكن اليوم فقد قرر، ولن يتركها إلا بمعرفة كل شيء منها. لن يتنازل عن غير ذلك.
فلينتظر الآن حتى رجوعها من عند الصغير الذي سرق اهتمامها منذ الأمس وجعلها تنشغل عنه. ولكن فل يتربث قليلاً. "اصبر يا جاسر، اصبر."
كان يغمغم بالكلمات حتى التف برأسه للخلف، فوجدها في وسط الغرفة متسمرة محلها تنظر إليه. استدار بجسده ليخطو نحوها، مضيقًا عينيه بريبة مما يبدو على ملامح وجهها من أشياء لم تريحه على الإطلاق.
اقترب منها يسألها بتوجس:
"إيه في إيه؟ شكلك ميطمنش. في حاجة حصلت؟"
نفخت بتحريك رأسها دون صوت. ازدادت حيرته ليهتف بنفاذ صبر:
"أمال في إيه بس ما تنطقي يا زهرة."
بكلمته الأخيرة كان قد وصل ليقف أمامها تمامًا، فتلقفته هي وكأنها كانت بانتظاره لترتمي فوق صدره وتتشبث بقميصه، منطلقة بموجة من البكاء الحارق. شعر بوخزة بقلبه لفعلتها، فلم يتمالك نفسه سوى بضمها بذراعيه بقوة، ليهتف هامسًا بصوت مهتز من فرط ارتياعه عليها:
"مالك فيه إيه؟ إيه اللي وصلك لكده؟"
لم تجبه، بل زادت بنحيبها وشهقاتها العالية، لتجعله يتخلى عن فضوله في السؤال الآن. وزاد من ضمها ليجلس بها على التخت من خلفهما، مستمرًا في التربيت على ظهرها والمسح بكفه على شعرها حتى هدأت قليلاً، ليسألها بعد ذلك وهو يقبل أعلى رأسها:
"أظن دلوقتي تقدري تتكلمي، حتى عشان تريحي قلبي شوية بقى."
تنهدت تلتقط أنفاسها جيدًا قبل أن تجيبه:
"والدتها طلعت مريضة يا جاسر."
"نعم!" هتف بها بعدم فهم، ليكمل بسؤاله:
"والدة مين يا زهرة؟ ما توضحي أكتر أنا مش فاهم حاجة."
خرجت من حضنه لتلتقي عينيها بخاصتيه، وتجيبه بأعين تترقرق فيها الدموع مرة أخرى:
"أنا قصدي على كاميليا يا جاسر. طول عمرها بتمثل القوة قدامنا، وإن حياتها فل ومفيش أي حاجة تهمها، وعمرها ما اتكلمت ولا جابت سيرة والدتها اللي سابتهم واتطلقت من جوزها بقالها سنين. واحنا كنا محترمين رغبتها في عدم الكلام عن حاجة زي دي. بس النهاردة أول مرة أعرف الحقيقة اللي كانت مخبياها عن الناس كلها، حتى أقرب ما ليها..."
توقفت، فتولى هو البقية حسب ما توصل إليه بفطنته:
"يعني هي كانت بتراعي والدتها المريضة من غير ما تقول قدامكم انتوا بس، ولا أهلها كمان معاكم؟"
رددت بهز رأسها:
"مش عارفة، مش عارفة مين اللي عارف منهم ومين اللي ميعرفش. ميدو هو اللي حكالي عشان هي خدته عندها قريب، ودي أول مرة تحصل. هو أساسًا مكنش يعرفها لأنها سابته على عمر سنة، واللي قامت بتربيته هي كاميليا وباباها. الولد حكالي عنها يا جاسر بعقله الصغير عرف إنها بتاخد كيماوي..."
قطعت لتعود لنوبة بكائها مرة أخرى. وهتف جاسر عليها بحزم نبع من خوفه عليها:
"كفاية بقى يا زهرة، حتى عشان البيبي وربنا. لو ما سكتي لأندهلك ماما تسكتك."
على مزحته الأخيرة استجابت بابتسامة عفوية رغم بكاءها، فأكمل:
"كملي عياط وانتي حرة بقى. لميا هانم هتاخدك من إيدك كدة ع الدكتورة عشان تطمن. يالا بقى كملي لو عايزة تتعب."
رفعت رأسها عن صدره تجفف دموعها، وقد تمكن من تشتيتها عن البكاء، لتقول بخوف مصطنع:
"لأ خلاص أنا مش قد لميا هانم ولا قد تحكماتها. ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها."
"أيوه كدة ناس تخاف متتخشش." قالها متابعًا لمزاحه، قبل أن يغير فجأة بسؤاله:
"طيب ولما هي كدة والدنيا معقدة معاها أساسًا، بتعقدها ليه بزيادة؟ لا وكمان بتزيد عليها بعملة امبارح دي لما دخلت نفسها في سكة انتقام."
ردت زهرة:
"مين قالك إن كاميليا كان غرضها الانتقام؟"
أردف لها جاسر بتصميم:
"فعلها يا حبيبتي، دي حاجة مش محتاجة ذكاء عشان تتفهم. للأسف انتوا الاتنين لعبتوا بالنار مع حد مش سهل أبدًا. كارم ده أنا طول عمري عارف عنه الذكاء الحاد وسرعته الغير عادية في إنجاز المهام، لكن بعد ما شوفته امبارح دا واحد تاني معرفوش أبدًا، وهي السبب."
"لأ مش هي السبب." رددتها خلفه بإصرار، لتتابعه:
"هي كان كل غرضها إنها تهرب منه بعد ما عرفت حقيقته وقفل في وشها كل الأبواب عشان ميديهاش فرصة تفكر حتى. وكاميليا عمرها ما كانت هتقبل بالهوان أو إنها تعيش مع واحد غصب عنها، دي إنسانة حرة."
تنهد بسأم، ليهدر بها يائسًا:
"تاني بردوا مصممة ع اللي في دماغك وبتدافعي عن صاحبتك. طب سيبنا بقى من اللي راح وخلينا في اللي جاي دلوقتي. بعد ما هربت هتعمل إيه؟ وهي أساسًا على ذمته ولا انتي ناسيه؟"
ردت ببساطة:
"هتنفصل."
"نعم!" هتف بها باستغراب، زادته هي بقوله:
"ما هو دا الطبيعي يا جاسر. هي أساسها عاملة المشوار دا كله عشان تنفصل عنه، ولا انت فاكرها يعني غاوية جو أكشن والحاجات دي."
عقب ساخرًا بدهشة:
"يا سلام! وكارم بقى هيقبل ويخلص الموضوع كدة بكل سهولة! دا على أساس إنه عبيط يعني، ولا هيسيبها أساسًا لو عرف مكانه؟"
رفعت كتفيها وأنزلتهما، لتجيب بعدم اكتراث:
"يعمل اللي عايز يعمله بقى. هي خلاص أمنت نفسها."
ختمت قولها، لتتفاجأ بنظرة حادة منه، جعلتها تخاطبه سائلة بارتياع:
"إيه يا جاسر بتبصلي كدة ليه؟"
هدر بوجهها حازمًا يذكرها بلهجته المسيطرة:
"إنك هتقوليلي دلوقتي على مكانها، لا وكمان هتحكي عن كل شيء بالتفصيل."
"بس أنا معرفش كل حاجة." قالتها بخوف.
قابله بصيحة قاطعة:
"هتقولي عن كل اللي تعرفيه يا زهرة، من طق طق لسلام عليكم، فاهمة ولا لأ؟"
حين لم ترد، ردد بصيحة أقوى:
"ردي عليا، فاهمة ولا لأ؟"
"خلاص فاهمة، فاهمة." قالتها مستسلمة.
لتغمغم بصوت خفيض: "أعوذ بالله عليه، قلبه حواجب."
"إخلصي يا زهرة." هتف بها بنزق، لتجيبه على الفور:
"حاضر أهو، هتكلم."
بصدره العاري وقف خلف ستائر النافذة الحريرية البيضاء، يتطلع من الجزء المكشوف منها إلى الخارج، واضعًا كفيه بجيبي بنطاله القطني، بوجه متجهم وأنفاس متهدجة، وكأن ما حدث لم يمر عليه ليلة كاملة. قضى في البحث المكثف حتى عاد فجرًا، فأبى أن يمر وقته دون أن ينفث عن غضبه في أقرب شيء تطاله يداه.
"خلاص أنا كدة همشي بقى يا كارم، ولا لسة عايزني؟"
تفتت بها المرأة التي من خلفه، فالتف إليها يجيب بنزقها:
"عايزك في إيه تاني يعني؟ هو انتي لسة مزهقتيش؟"
ابتسمت المرأة بميوعة وهي تعدل جيدًا من وضع فستانها بعد ارتدائه:
"لأ زهقت دا إيه؟ قول تعبت. إنت كنت صعب أوي النهاردة، بس أقول إيه بقى عريس!"
احتدمت عينيه بنظرة مخيفة إليها سائلًا:
"تقصدي إيه؟"
ارتجف قلبها، فعدلت لتصحح على الفور:
"قصدي يعني إنه كان هيبقى فرحك امبارح لولا بس التعب المفاجئ اللي حل على عروستك. أصلًا هي عاملة إيه دلوقتي؟"
تحرك بأقدامه كفهد يتربص بفريسته، ليقترب برأسه ونظرته المخيفة تكاد أن توقف قلبه:
"بتسألي ليه عن صحة العروسة يا جيرمين؟"
تلجلجت تجيبه باضطراب:
"يعني هكون بسأل ليه؟ بس عايزة أطمن والله. بعد اللي اتقال امبارح عن صحتها وخلاكم تأجلوا الفرح. إيه يا كارم؟ هو انت لسة معرفتش بغلاوتك عندي؟"
قالت الأخيرة واضحة كفها على عضل صدره القاسي، لتكمل بنعومة:
"أكيد عارف بمعزتك اللي خلتني أخترع حجة وهمية عشان أسيب نجيب والولاد وأجيلك. هوا أول بس ما رنيت عالي وقولت عايزك، ماتتصورش الفرحة اللي حسيتها وقتها. أنا عمري ما أرفضلك طلب أبدًا يا كارم."
حدجها بنظرة ثاقبة، وكأنه يبحث عن سبب ما يجعله يود الفتك بها، حتى يفرغ طاقة الغضب المشتعلة بداخله. ولكنه استدرك ما ينتظره من خسائر لو اكتشف أمره مع امرأة رخيصة كهذه.
فعاد لعقله وقال ليقطع معها:
"فلم تعد تلزمه الآن. أنا بقول إنك تروحي دلوقتي أحسن، مش عايزين جوزك يشك فيكي. انتي مش قد غضب نجيب."
أومأت برأسها لتتناول الحقيبة اليدوية خاصتها. وقبل أن تتحرك نحو الباب الخروج، التفتت برأسها إليه تخاطبه:
"هتوحشني أوي يا كارم، أوي."
تفوهت بالكلمات، وحين لم تجد أي رد فعل سوى هذا الوجه الجليدي، استدارت وخرجت لتتركه لأفكاره. فهذا ما ينقصه أن يكون حبيبًا لامرأة كهذه. ومن أرادها بحق هربت من سطوته كالسابقة. تنفس بعمق ليعود إلى تخته، لعله ينجح في محاولته للنوم. فيجب عليه أخذ راحة جسده الآن حتى يستفيق للقادم. ولكن كيف سيفعل وصورتها لا تغادر ذهنه؟ لمستها تجعله في اشتياق دائم إليها.
كيف سيفعل؟ انتبه على صوت جرس المنزل مع طرق متواصل على باب الشقة، فاعتدل على الفور ليخرج سريعًا من غرفته بتحفز لصب غضبه على من يجده خلف الباب، فهذا ما يريده بالفعل. وكانت المفاجأة أن القادم لم يكن سوى والدته. توقف يردد بارتباك:
"أمي! إنتي جيت هنا إزاي؟ وإيش عرفك أني هنا؟"
ألقت عليه نظرة صدره العاري، لتومئ بذقنها مخاطبة له:
"طب البس حاجة الأول عشان ماتاخدش برد."
"أمي."
أردف بها بسأم وهو يلتف ليعود بداخل شقته ويجلس على أقرب مقعد وجده أمامه، متابعًا بقوله:
"سيبك من الكلام دا بقى وتعالي كلميني الأول، انتي عرفتي إني هنا إزاي؟"
تغضن وجه المرأة لتشاركه الجلوس على المقعد المقابل، وردت بلهجة لائمة:
"إيه يا كارم؟ مستغرب إن والدتك الست البسيطة عارفة مكان الشقة اللي بتقابل فيها عشيقاتك؟"
"عشيقاتي!" رددها بتعجب أثار غضب والدته، لتصيح عليه:
"أمال كنت فاكرني نايمة على وداني وعقلي المحدود مش هيجيب الصفحة اللي بتقدر بكل براعة تدرايها عن الناس. مرات نجيب كانت بتعمل عندك إيه يا كارم؟"
احتدمت عينيه مع سؤالها المفاجئ، ليشيح بوجهه عنها، فالسيدة الوالدة يبدو أنها كانت على علم بكل شيء، والكذب الآن لن يجدي بفائدة معها. حين لم تجد المرأة ردًا، تابعت تخاطبه بقوة:
"كان نفسي الصفحة الجميلة اللي بترسمها قدام الناس تكون كدة ع الحقيقة كمان. ليه يا بني تخون أقرب ما ليك؟ نجيب دا ابن عم والدك، حتى خد بحق العيش والملح اللي ما بينا وبينه..."
هدر يقاطعها بحدة:
"أنا مروحتش لحد ولا لعبت عليه. هي اللي رمت نفسها عليا، ودا عرض مظنش إن في راجل هيرفضه. اعتبريه شفقة."
مع كلمته الأخيرة استشاطت غيظًا لتهدر به:
"بلاش كلامك المستفز دا يا كارم يا بني، حرام عليك."
"حرام على مين؟" صرخ بها ليتابع بهتافه الحاد كازا على أسنانه:
"يعني انتي جايالي النهاردة وأنا فيا اللي مكفيني من اللي حصلي امبارح عشان تديلي مواعظ فيه. إيه."
صمتت قليلاً والدته تمتص غضبه، ثم تناولت كف يده تخاطبه بحنان:
"سامحني يا حبيبي لو كنت زودت الضغط عليك، بس أنا عايزاك تعقل. كل ده بذكائك شوية. إنت عارف وأنا عارفة إن كاميليا كويسة، وعملة امبارح دي أكيد وراها حاجة كبيرة ما بينكم. يا أما أنت ضغطت عليها كعادتك لما تعوز شيء بشدة، بس مش كل حاجة بتتاخد بالقوة يا كارم."
ضيق عينيه يسألها بريبة:
"قصدك إيه؟ وضحي أكتر يا ست الكل."
أخرجت تنهيدة كبيرة المرأة، لتجيبه بنظرة قوية:
"قصدي إنت عارفه كويس يا كارم. اليوم اللي أنت عزمت فيها كاميليا ع الغدا في غيابي، واحدة جارتي سألتني عن الصريخ اللي كانت سامعاه في وقتها من بيتنا. أنا مسألتكش، بس تقريبًا خمنت اللي حصل."
صاح يضرب بكفه على ذراع المقعد من جواره:
"خمنت إيه يا ست ماما؟ عشان تبقى عارفة بقى، أنا موصلتش للي أنا عايزه على فكرة."
"بس يكفي المحاولة يا كارم، ودي لوحدها صعبة على أي ست." قالتها المرأة، ليشيح بوجهه عنها يزفر بقوة. فمبدأ أن يكون مكشوفًا هكذا أمام أحد ما، حتى لو كانت والدته، مرفوض تمامًا بالنسبة إليه. لذلك عاد إليها يردف بتحدي:
"خمني زي ما انتي عايزة يا ست الكل. كاميليا هترجع ورجلها فوق رقبتها، وساعتها هخليها جارية تحت رجلي. شغلها هو متعتي وبس. ها، إيه رأيك بقى يا أمي؟"
طلعت إليه المرأة قليلاً بصمت، قبل أن تجيبه بقنوط:
"قول إيه يعني يا بني؟ ربنا يهديك."
كطفلة مذنببة كانت تتطلع إليه بتوجس وترقب في انتظار كلمة منه، وهو يرمقها بأعين مشتعلة، تسمع صرير أسنانه التي يطحنها من الغيظ. أنفه ينفث دخانًا بغضب لا تعلم سببه!
"روحتي قابلتي الراجل لوحدك يا زهرة؟" سألها بنبرة هادئة مريبة.
فردت بتلقائية رغم توجسها:
"ويعني هو كان معاد رومانسي؟ دا كان في كافيه مشهور وعام."
هدر بصيحة أجفلتها:
"وكمان ليكي عين تستظرفي؟ بتقابلي راجل غريب لوحدك يا زهرة؟"
هتفت تجيبه رغم ارتياعها من هيئته:
"ما أنا قولتلك إن اللي اسمه كارم دا كان فارض عليها حظر شديد، يعني ماكنتش هتقدر تقابله. إيه يا جاسر؟"
ردد خلفها وهو على حافة الجنون ورأسه تقترب من وجهها بشدة:
"إيه يا جاسر! مش عارفة جاسر جراله إيه بعد عملتك؟ بقى تخططي مع صاحبتك وتنفذي وتقابلي رجالة غريبة من ورايا، ولسة بتسألي؟"
مع هلعها من هيئته، وضعت كفها على موضع طفلها، تردد إليه بتهديد لتردعه عنها:
"خلي بالك، الزعل وحش ع الست الحامل. حتى اسأل طنط لميا..."
قاطعها صارخًا:
"اخرسي، مسمعش صوتك خالص. انتي فاهمة ولا لأ؟"
أومأت برأسها مذعنة لأمره بخوف. فانتفض هو فجأة من جوارها ليتناول الهاتف، فنست لتسأله بفضول:
"طب هتتصل بمين دلوقتي؟"
"بقولك اخرسي." هتف بها، لتلتزم الأدب وتعود لصمتها مع إرهاف السمع جيدًا لمحتوى المكالمة. وقد فاجأها باسم المتحدث من الجهة الأخرى:
"أيوه يا كارم.... عامل إيه النهاردة..... تمام. أنا كنت عايز أقابلك، طيب...... لأ سيبك من الشغل، أنا عايزك في حاجة تانية. فاضي كدة بعد ساعة من دلوقتي..... تمام يبقى اتفقنا."
فور إنهائه المكالمة، سألته بلهفة:
"طب بتكلم كارم ليه؟ طيـ"
ردد صارخًا مرة أخرى:
"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 142 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وهو يتجه نحو خزانة ملابسه.
"مرة أقولك اخرسي يا زهرة. مسمعش صوتك خالص النهاردة."
نفخت بضيق فور أن استدار عنها، وفضولها القاتل جعلها تود العودة لفعل الأطفال بقرقضة الأظافر بعد أن أشعل حيرتها بمكالمته.
خلف زجاج نافذتها كانت تراقبه من محلها وهي جالسة على نفس وضعها على مقعدها، تتابعه من غرفتها في أعلى المبنى وهو يعتلي سيارته، ثم سار بها نحو وجهته حتى اختفت من أمامها.
لتردد دعاءها برجاء: "يارب استر، يارب جيب العواقب سليمة يارب."
أما هو، فقد انتبه أخيراً لإنارة هاتفه الصامت بالإتصال. تناوله سريعاً ليجيب على المتصل بعجالة لتركيزه الشديد في القيادة.
"أيوه يا جاسر عايز إيه؟"
هتف يجيبه الآخر: "متردش عليا ليه يا بني، دا أنا بتصل بيك من الصبح."
رد طارق مع انشغاله برؤية الطريق: "معلش كنت بعمل مشوار مهم كده ونسيت التليفون. اخلص بس اللي في إيدي وابلغك على طول، بس اقفل دلوقتي عشان الطريق معلش."
"طيب إنت رايح فين ولقيت كاميليا ولا لسه عشان أنا..."
"بعدين يا جاسر اقفل بقى الله يخليك. ولا أقولك هقفل أنا، سلام بقى."
في النادي الرياضي الخاصتهن، عادت مرة الجلسات المشتركة بينهن بعد أن انفك الحصار عن ميري، وقد أذعنت لأمر أبيها ونفذت المطلوب منها. أما ميرفت، والتي تعيش الآن فترة استراحة محارب في انتظار تحين الفرصة المناسبة، فقد كانت تقلب في شاشة الهاتف حينما انتبهت لهذا الخبر، لتخاطب شريكتها:
"شفتي يا ميري الخبر الجديد؟"
سألتها الأخرى وهي ترتشف من كوب العصير: "خبر إيه بالظبط؟"
ردت ميرفت بلهجة ماكرة: "شكلك كده ربنا بينتقملك. الولد اللي اسمه كارم مدير أعمال جاسر الريان فرحه اتلغى مع الـ... كاميليا من نص الفرح تقريباً وقال إيه بيقولك إن العروسة تعبت. أقطع دراعي إن ما كان الموضوع ده فيه إن."
قطبت ميري لتسألها باستفسار: "تقصدي إيه بالظبط يا ميرفت؟ أنا بصراحة مش فاهمة."
"زمّت شفتيها المذكورة تعصر عقلها ثم ردت بتفكير: "اممم مش عارفة بس أنا عندي شك كده ومش مصدقة. أصل بصراحة كده أنا كان عندي شك من زمان في علاقة بين البت دي واللي اسمه طارق. أكيد كارم عرف ودا اللي خلاه يفركش الفرح بعد ما اكتشف خيانتها. دي سهونة زي صاحبتها صدقيني."
زفرت ميريهان لتعقب بتأفف: "أوه يا ميرفت متجبليش سيرة الأشكال دي الله يخليكي مش ناقصة قرف أنا."
أومأت لها المذكورة وهي تعود بجسدها على الكرسي للخلف: "عندك حق يا روحي. احنا جايين نرفه عن نفسنا بالجو الجميل بتاع النادي والأشكال الحلوة اللي فيه."
قالت الأخيرة بغمزة بعينيها نحو أحد الرجال الرياضيين. التفتت ميري نحو ما تقصده صديقتها لتصدر صوت صفير صغير وتردد بإعجاب: "واو يا ميرفت أنا فعلاً وحشتني الحاجات اللي تجنن دي. الرجال اللي بجد مش العيال ال..."
قطعت لتردف بتأفف وقد أزعجها شيء ما: "ييييي دا بيجي ع السيرة دا ولا إيه."
انتبهت ميرفت نحو الجهة التي تقصدها ميري فتبسمت بخبث تخاطبها: "فهمت أنا قصدك مين بالعيال."
تجعدت ملامح ميري بسأم معطية ظهرها بتعمد لعدم الالتفاف حتى أتى من خلفها مارو يهتف بغضب: "عيني برضه خرجتي من غير ما تبلغيني يا ميري."
جاهدت ميرفت لكبح ابتسامتها وهي تخاطبه بمهادنة: "معلش يا مارو هي أكيد نسيت لما أنا قولتلها تعالي عايزاكي ضروري."
التف مارو نحو ميري التي أسندت وجهها على كف يدها المستندة بمرفقها على الطاولة تطالعه بصمت: "يعني إنتي صحيح نسيتي يا ميري؟"
أومأت له بأهدابها دون صوت فقالت ميرفت: "شفت بقى عشان تصدقني."
رمقها بنظرة تعلوها الزهو وهو يقول: "عشان خاطرك إنتي بس يا ميرفت أنا مش هزعل ولا أزعلكم. ما أنتوا أكيد وحشتكم القعدة مع بعض. على العموم أنا كنت جاي أساساً أتدرب النهاردة. عن إذنكم بقى هسيبك دلوقتي شوية يا بيبي وراجعلك بعد شوية."
قال الأخيرة بمداعبة على أسفل ذقنها بطرف سبابته قبل أن يتركهن ويغادر.
غمغمت ميري ساخرة وابصارها ارتكزت على جسده النحيف فور أن التف بظهره وابتعد قليلاً: "ابقى خليهم يشوفوا العضلات."
أطلقت ميرفت ضحكة قوية لتقهقه بعدم قدرة على التوقف وعقبت ميري على حالتها: "اضحكي يا أختي اضحكي على خيبة صاحبتك اللي كانت مدوراها شرق وغرب يرسى بيها الحال تبقى زوجة ده..."
قطعت لتكمل بحسرة: "بقى يا ربي بعد ما كنت زوجة جاسر الريان اللي كل الستات هتجنن عليه يجور عليا الزمن وأبقى مرات الواد العبيط ده."
توقفت ميرفت عن الضحك مجبرة فقد لامست ميري بكلماتها جرحها هي الأخرى.
عودة إلى جاسر الريان الذي اجتمع مع مدير أعماله هذه المرة في مكتبه، لكن على الكنبة الجانبية بالغرفة لفتح حديث ودي بعيداً عن العمل ومشاكله:
"نعم يا جاسر باشا كنت عايزني في إيه؟" هتف بها كارم سائلاً وجاء رد الآخر بلهجة هادئة: "عايز أطمن عليك يا كارم. اعتبرني زي صاحبك، احنا عشرة بقالنا سنين دلوقتي."
أومأ له كارم بتماسك ووجه مغلف لا يظهر أي مشاعر وهيئة جليدية اختلفت عن الأمس تماماً، فهذا الجانب المتعالي من شخصيته لا يقبل بالتأثر لأي شيء مهما حدث. لذلك جاء رده: "أكيد يا فندم يا جاسر باشا انت في مقام أخويا اللي بتعلم منه دايماً ودي حاجة مفيهاش مناقشة."
رد المذكور: "كويس قوي..." قالها وتوقف قليلاً بتفكير ثم تشجع ليردف: "حيث كده بقى يبقى أنا أكيد ليا معزة عندك يا كارم."
أومأ يجيبه بتفكر: "أكيد... لكن هو إنت عايز مني حاجة يا باشا؟"
ابتلع ريقه جاسر ليجيبه بحرج يحاول بصعوبة أن يتخطاه: "بصراحة آه وليا عشم إنك تقدرني."
تبسم كارم بجانبية وقد بدا أنه توقع الآتي من الحديث ليرد بشبه ابتسامة: "خير يا جاسر باشا قول."
توقف طارق بسيارته أمام المنزل الموصوف على العنوان المدون في الورقة التي بيده، وذلك بعد توقيفه لعدة أشخاص من أهل القرية للسؤال المتكرر عنه حتى وصل إلى هنا أمام هذا المبنى الغريب عن باقي منازل القرية من حيث البناء المعماري، فقد كان أكبر وأفخم رغم قدمه وبهتان ألوانه، ولكن إن دل على شيء فهو يظهر أصالة من قام ببنائه.
عدل من ملابسه يتلفت يميناً ويساراً بتردد قبل أن يحسم ويشجع نفسه، خطا ليدخل من باب السور الصغير ثم واصل تقدمه حتى باب المنزل. بحث عن جرس ولم يجد، لذلك قام بالطرق بقبضة يده على بابه الخشبي المثقل والمزين بالنقوش المتعدد على الطريقة القديمة. سُرقت أنظاره في التأمل بها حتى أجفل بفتح الباب فجأة، فخرجت إليه امرأة أربعينية بملابسها وهيئتها الريفية تسأله:
"يا أهلاً وسهلاً مين الباشا؟"
تحمحم ليجيبها بحرج وارتباك: "أنا آسف لو جيت لحضراتكم من غير ميعاد بس أنا بصراحة مقدرتش استنى..."
سألته المرأة بعفويتها: "تستنى إيه يا باشا؟ هو انت عايز إيه بالظبط؟"
اضطرب ليجيبها على تردد: "بصراحة أنا كنت جاي أسأل عن... كاميليا. تعرفي واحدة اسمها كاميليا؟"
توسعت عينا المرأة بلهفة لم يفهمها لتسأله بحدة: "طيب إنت مين بالظبط؟"
أجابها على الفور دون انتظار: "أنا طارق رئيسها في الشغل...."
قاطعته مهللة بترحيب: "يا أهلاً يا باشا نورت البلد يا طارق باشا اتفضل اتفضل دا أنت أنست ونورت."
استسلم لجذب المرأة من ذراعه وهي تدخله سريعاً بداخل المنزل وتغلق الباب خلفها.
طالعها طارق باستغراب يسألها: "هو انتي تعرفيني؟"
واصلت بجذبه المرأة لتزيد من دهشته بقولها: "يا سيدي بس اتفضل انت الأول بيتك ومطرحك."
"بيتي ومطرحي." غمغم بالكلمات بعدم فهم وهو يكمل بخطواته داخل المنزل الغريب حتى اصطدمت عينيه بها، بوجهها المشرق وابتسامتها الرائعة وكأنها واقفة لاستقباله، ليردد لها بلهفة وعدم تصديق:
"يعني حضرتك... بتطلب مني إني أطلق كاميليا!" هتف بها كارم بلهجة مريبة لجاسر لم تريحه في الحديث، ولكنه أكمل بالهدوء الذي بدأ به: "أنا مش بطلب منك يا كارم أنا بس عايز نلم الإشكال اللي حاصل ده. أنا معرفش إيه اللي حصل ما بينكم بس متأكد إن انتو الاتنين محترمين وليكم اسمكم، فمنعاً يعني للمشاكل والكلام والأشاعات نلم أحسن."
خرج صوت كارم بحدة لم يعتدها منه جاسر قبل ذلك: "ده بدل ما تعقلها عن اللي بتعمله وتعرفها غلطها."
رد جاسر ببوادر الغضب: "أعقلها إزاي يعني؟ هو أنا أعرف مكانها أصلاً يا كارم؟ أنا بكلمك عشان نحل الموضوع ده بشكل ودي. عارف إن كاميليا غلطت بس كمان أكيد فيه سبب ورا عملتها دي، وبرضه مش هسألك عنه."
هتف كارم فاقداً السيطرة: "فيه سبب أو مفيش. أنا مش هسيبها ولا أسيب حقي. أنا مش لعبة في إيديها عشان تسببلي الحرج ده قدام أهلي والمجتمع اللي أنا عايش فيه وأسكت. كاميليا هترجع ورجليها فوق رقبتها."
أجفل جاسر عن هذا الوجه الجديد لكارم، لأول مرة يرى انفعاله، لأول مرة يرى هذه التعنت والعنجهية. لذلك حاول التماسك حتى لا ينفعل هو الآخر وتتوسع الدائرة: "ليه رجليها فوق رقبتها يا كارم؟ الجواز دا بالذات لازم يبقى بالمعروف. هي مقدرتش يبقى تروح لحال سبيلها. أنا بكلمك كأخ."
"كأخ!" هتف بها مستنكراً ليتابع: "متقول يا جاسر باشا إن موضوع الهروب ده جه على هواك عشان الهانم تتجوز عم طارق صاحبك اللي هيموت عليه."
برقت عينا جاسر ولاح الغضب على وجهه بشدة ليردف له بتحذير: "خلي بالك يا كارم إنت بقيت تتجاوز حدودك معايا."
أومأ له المذكور بابتسامة جانبية ساخرة: "خلاص يا باشا بلاها حدود ونشيلها خالص. أنا مستقيل عن كل أعمالي معاك لأني بصراحة حاسس إني خدت خبرة كويسة تأهلني إني أفتح شركات وأعمال ليا لوحدي."
أمام هذه العنجهية المبالغ فيها لم يملك جاسر سوى أن يبادله الرد بالمثل: "زي ما تحب يا كارم. أكيد طبعاً أنا مش هغلب إني ألاقي بدل الواحد ألف... يحلو مكانك."
مط شفتيه كارم وهو ينهض عن مقعده يزرر في سترة حلته ليقول بأناقة اعتاد عليها: "تمام يا جاسر باشا أنا هحاول من دلوقتي أسلم أعمالي للمساعدين بتوعي عشان استقالتي تبقى على مكتبك في أقرب وقت."
نهض جاسر مقابله ليصافحه بكل هدوء قائلاً: "بالتوفيق."
تقبل المصافحة بندية ثم ذهب من أمام جاسر الذي تركزت أبصاره عليه حتى اختفى. وقد اكتشف أخيراً أن هذا الرجل مختلف تماماً عما كان يظنه عنه سابقاً.
أما كارم، وفور أن خرج من مكتب جاسر تناول الهاتف ليجيب عن مكالمة أحد الأشخاص له: "أيوه...... تمام خليك متابع ومتتحركش من مكانك."
واقفة بوسط الردهة أمامه، وجهها كالبدر وابتسامة مشرقة زادت من روعتها حتى جعلته ينسى الظرف وينسى المكان الغريب الذي هو به معها الآن. فلم يشعر بقدمه التي خطت بسرعة ليقترب منها ليتناول على الفور يدها بلهفة مردداً باسمها على لسانه وكأنه لا يصدق رؤيتها ولا بشعوره بلمسة كفها التي بين يديه: "أنا بحلم ولا دي صورة اخترعتها في خيالي؟ هو إنتي بجد واقفة قدامي؟"
ضحكت بحرج لتخفي بكفها على فمها ثم أومأت بعينيها إليه حتى ينتبه للمرأة التي وقفت تراقبهم بتعجب. فتحمحم ينزع كفها منه بصعوبة وقال بصوت واضح للمرأة: "متشكر أوي يا حجة إنك عرفتيني ووفرتي عليا شرح كتير. بصراحة كنت خايف أوي لما لاقيش ترحيب أو أرجع من عندكم مكسور الخاطر."
هتف المرأة مرحبة بحفاوة: "كف الله الشر يا بني وما نرحبش بيك ليه إن شاء الله دا ضيوف الست كاميليا كأنهم ضيوفنا والله. اتفضل يا بيه اتفضل بيتك ومطرحك اتفضل."
خطا معها ليلجأ لداخل المنزل الواسع، درج خشبي كبير وأثاث من الأرابيسك محفورة اخشابه بدقة الصانع وأصالة صاحبه. أجلسته المرأة على الصالون الكلاسيكي بهيئته القديمة بفعل الزمن والثمنية أيضاً. فجلست كاميليا على الأريكة القريبة منه، أما المرأة فرفضت الجلوس قبل مضايفته رغم إلحاح طارق عليها بالرفض.
وحين خلت الساحة لهم سألها على الفور طارق: "بيت مين ده والست دي تقربلك إيه؟"
مطت شفتيها تجيبه بهدوء يشوبه الدلال الخفيف: "دي ست طيبة والبيت ده كمان ملك لراجل طيب وأنا قاعدة هنا في حماها."
أعجبته هيئتها فجعلته يتطلع إليها جيداً بالعباءة الريفية بألوانها الزاهية والتي زادت بشرتها صفاء وبهاء، شعرها الحريري المنطلق وابتسامتها التي تحاول أن تخفيها جلستها وهي واضعة وسادة صغيرة على حجرها ذكرته بخجل الفتيات الصغيرات في هذه اللقاءات التي تقام للتعارف بين الأهالي، ليجد نفسه يتفوه بالكلمات بغير تفكير: "هو إنتي ليه جميلة أوي كده النهاردة ليه؟"
رفعت كتفيها وأنزلتهم فوراً لتردف له بغبطة من داخلها: "يمكن عشان شوفتك."
"يا سلام." تفوه بها ثم سار يضحك بابتهاج لم يقوى على إخفائه حتى استدرك لوضعهما فخبأ ابتسامته ليسألها بعد تنهيدة خرجت من العمق: "عملتي كده ليه يا كاميليا؟"
خبأت ابتسامتها هي أيضاً وهي تجيبه: "تقصد على إيه بالظبط؟ ع اللي عملته في نفسي ولا فيك ولا قصدك على هروبي من الفرح؟"
رد وعيناه تأسر عينيها: "كله. أنا قصدي على كله يا كاميليا. ما هو إنتي لو ادتيني فرصة كنت هثبتلك....."
قاطعته بقولها: "مكنش ينفع عشان أنا كنت أصلاً بهرب منك. لما وافقت بيه أنا مكنتش عايزة أتجوز أساساً بس ظهورك في حياتي والحب اللي بقى يقيدني ناحيتك كان خطر كبير ولازم أتفاداه بأي حاجة تبعدني عنك حتى لو كانت الجواز من إنسان معرفش عنه غير الظاهر بس. وهي الصورة الحلوة اللي بيخدع بيها الناس كلها."
"عمل معاكي إيه عشان يخليكي تهربي منه في يوم الفرح؟"
أغاظتها بسؤاله المباشر فصمتت قليلاً قبل أن تجيبه بتفكير: "لو قولتلك إنه حاول إنه... يجبرني..."
اشتعلت عيناه ليسألها بوجه مظلم: "حاول إنه يجبرك على إيه يا كاميليا؟"
أومأت بعينيها بنظرة ذات مغزى لتراه تجهم على ملامح وجهه لم تشهد على مثله من قبل، ليهتف بأنفاس متهدجة تصدر من حريق يسري بداخله: "ده اللي كنت متوقعه على فكرة وخاېف منه."
سألته باستفهام: "كنت متوقع إيه يا طارق؟"
زفر ليخرج كلماته بصعوبة: "اللي إنتي بتلمحي عليه ده أنا كنت متوقعه وكان بيحرق قلبي في كل مرة أتخيل إنه يحصل. كاتب كتابه عليكي يا كاميليا ولو هنتكلم بصراحة بقى مافيش راجل هيبقى معاه واحدة ست زيك وعارف إنها حلاله ومش هيفكر في كده إلا إذا كان غبي أو زاهد. وكارم لا ده ولا ده."
أومأت تستوعب غضبه بتفهم ليكمل سائلاً: "وعرف يوصل للي هو عايزها؟"
احمر وجهها لتنفي بهز رأسها بحرج غير قادرة على الإجابة بالصوت، بشكل جعله يبتهج بداخله وبنفس الوقت يكبت ابتسامة ملحة على وشك الظهور. ثم قال بخشونة: "ولما هو كده محاولتيش تفركشي من قبل كده ليه؟ انتظرتي ليوم الفرح ليه توصلي الموضوع إنه يتعقد بالشكل ده؟"
ردت بصوت رقيق امتزج بحزنه: "ما هي المشكلة إني اكتشفت عيبه الكبير وطبعه المؤذي في الآخر."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 143 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
كارم شخصية متسلطة جداً، لا تقبل النقد ولا تسمح لأحد بمراجعته في كلامه.
حتى عندما فكرت، مجرد تفكير، بعد ما عرفته عنه، أن أفارق وأخرج بالمعروف كما دخلنا بالمعروف، حاول معي كما قلت لك، وكان يريد أن يكسرني لكي لا يكون لي حق في التراجع.
أو هو بالفعل كسر بداخلي أشياء لا يمكن أن أقدر...
قاطعت فجأة لتلتقط أنفاسها وتحاول السيطرة على الرجفة التي زحفت بداخلها، حتى ظهر اهتزاز صوتها بعد ذلك مع تذكرها لهذه الأوقات العصيبة.
"كنت سأبوس على يده يا طارق عشان يسيبني. كارم قدر بجبروته يخرج الأشباح التي كنت أخاف وأهرب منها طول عمري. بعد اللي حصل، كنت مستعدة أموت نفسي ولا أن تجمعني بهذا البني آدم أي صلة ثاني."
أطرق برأسه متأثراً بكلماتها، ثم ما لبث أن يردف بصوت يملأه الحزن:
"بس هو لسه جوزك على فكرة، ولا أنتِ ناسيه؟ كاتب كتابه عليكِ."
يوصله صوتها بلهجة يملأها الحماس:
"لا، أنا هخلص منه وقريب قوي كمان."
رفع رأسه إليها ليرا إشراق وجهها الذي عاد مع المتابعة فيما تتحدث عنه.
"والله زي ما بقولك كده، رغم حصاره لي وذكائه الحاد في التعامل معي، أنا قدرت والحمد لله بمساعدة زهرة..."
"زهرة مرات جاسر."
رددها من خلفها كسؤال، وأومأت هي برأسها له تجيبه مبتسمة.
"أيوه، هي فعلاً قدرت تكون همزة الوصل بيني وبين الراجل اللي أنا قاعدة في حماه هنا وبيساعدني دلوقتي في الانفصال من كارم."
قطب يسألها بتفكير:
"مين هو الراجل ده؟ أعرفه؟"
هممم.
ضمّت بفمها لتجيبه بمرح:
"تعرفه إن شاء الله، وتتعرف عليه لما تشوفه."
"يا أهلا يا باشا، نورت الدار."
هتفت بها المرأة تجفلهما عما كانا يتحدثان به، فارتفعت أنظار طارق نحوها ليجدها تسير أمامه بصينية كبيرة من الطعام لتضعها على السفرة الكبيرة والقريبة منهم.
فردد على الفور لها بحرج:
"إيه ده؟ أيه ده؟ يا نهار أبيض! هو انتِ حضرتي أكل بجد؟ إيه يا جماعة أنا لسه واصل، طب لحقتوا تجهزوا إمتى طيب؟"
ضحكت المرأة وهي تقترب منه لتجيب على قوله بمرح:
"إحنا الأكل عندنا جاهز وخير ربنا والحمد لله. كتير يعني، بس بنسخن ونحضر على طول."
تبسم طارق للمرأة صامتاً، فهتفت كاميليا بجواره:
"أم عليوة مبتكذبش على فكرة، دا اللي حاصل فعلاً. أنا من ساعة ما جيت ومش قادرة أقولك هي وجوزها بيعملوا معايا إيه، طول الوقت بيزغطوا فيا بالأكل الفلاحي بتاعهم وأنا بصراحة من طعامته مبقدرش أرفض ولا أقول لأ."
طالعها يقول بشقاوة:
"صدق يا كاميليا من غير ما تقولي، ماهو باين عليكي."
سمعت المرأة لتضحك من خلفهم بخبث وهي تبتعد عنهما، لكزته كاميليا بخجل، قابله هو بمشاكسة مردداً لها:
"كسفتك صح؟ قولي قولي، ماتتكسفيش."
أجفلها بجرأته وهذه الملاحظة الغير بريئة منه، لهذا لم تملك سوى التهرب من عينيه، فنهضت فجأة بدعوى الذهاب نحو الطعام قائلة:
"طب يا شاطر، قوم يلا عشان نتغدا. ريحة الأكل فتحت نفسي بجد."
وقف طارق يقول:
"خلاص بقى، يبقى أنا همشي دلوقتي."
هتفت المرأة بوجه عابس أمام اندهاش كاميليا من فعله:
"إزاي يعني؟ هو انت بتشتمنا يا سعادة البيه ولا إيه؟"
تبسم لعفوية المرأة ليرد بلطف:
"يا حاجة افهمي، انتوا اتنين ستات ومينفعش أنا قعادي هنا في وسطكم أساساً. بصراحة أنا مكنتش فاكر إن البيت فاضي كده."
شهقت المرأة ضاربة بكف يدها على صدرها تقول بلهفة:
"فاضي دا إيه يا سعادة البيه؟ أمال عليوة وأبو عليوة راحوا فين؟ ثواني أروح أندهولك من جوه. دقيقة وعيالك."
قالتها المرأة لتعدو بخطوات مسرعة داخل البيت الواسع، ليلتف طارق نحو كاميليا سائلاً:
"أبو عليوة دا الراجل اللي انتي بتقولي عليه؟"
نفت بهز رأسها لتتجه نحو الطعام وهي تشير له قائلة:
"شايف شكل الأكل اللي معمول بنفس طيبة طالع حلو إزاي."
اقترب مثلها يلقي نظرة نحو الوليمة المعدة من أطيب الأطعمة كالمحاشي واللحوم والطيور بأنواعها، ثم رفع رأسها إليها يقول بمشاكسة:
"مش بقولك باين عليكي."
***
وفي مكان آخر، وعلى رمال البحر والموج يداعب بمياهه أقدامهم في الأسفل، كانا الثنائي يواصلان السير والأحذية بأيديهم في هذه المنطقة الساحلية المختصرة، يضمها من بذراعه من كتفها وهي مستندة برأسها على صدره، يغمرها دفئه، وبذراعها التي تلفها حول ظهره من الخلف، فكانت تردد ضاحكة:
"مش عارفة هتوصلني معاك فين تاني يا بن رقية. شكلي كده آخر طريقي هيبقى على مستشفى المجانين عدل."
زم يلكزها بقبضته حتى جعلها تضحك، ثم قال يدعي الحزم:
"رقية حاف برضوا يا بيئة وعاملة نفسك أستاذة وبنت مستشار."
ضحكت بصوت عالٍ لترد بمرح:
"ولا أستاذة ولا بنت مستشار، أنا من يوم ما حبيتك أصلاً وأنا نسيت اسمي وفصلي كمان. مش بقولك آخر مستشفى المجانين."
شدد بذراعه يزيد من ضمها ليقول وهو يقبلها على أعلى رأسها:
"وأنا بعشق التراب اللي بتمشي عليه. من أول مرة شوفتك فيها في المكتب اللي كنا بنتدرب فيه وأنا من ساعتها مخي وقف عن التفكير وقلبي اتعلق بيكي ومبقتش شايف أي ست تاني غيرك. باينك عملتيلي عمل باين ولا إيه."
ضحكت مرة أخرى لتقول بتأكيد:
"والله لو كان حلال كنت عملته على طول ومستنتش، على الأقل كنت أفك عقدة لسانك وأنا قاعدة قدامك سنين وانت محاولتش في مرة تلمحلي حتى، دا أنا ريقي نشف يا راجل على كلمة منك وأنا بلمح بشكل مباشر وغير مباشر."
تنهد يجيبها بادعاء التأثر:
"عارف إني تعبتك معايا في الانتظار سنين على ما نطقت وسنين تاني على ما اتخطبنا وغيرهم كمان على ما اتجوزنا. أنا حاسس إنك خللتي في انتظاري يا نوال. دا حظ إيه دا اللي وقعك معايا بس يا بنت الناس."
توقفت فجأة لترد رافعة رأسها إليه وعينيها تواجه خاصتيه:
"ده أجمل حظ على فكرة. هي الست مثلا بتلاقي الحب ولا الراجل اللي يستاهل كل يوم؟ لأ يا حبيبي دي بتبقى حاجة نادرة أوي في الزمن ده. أنا عرفت حظي لما لقيتك عشان كده مسكت فيه بإيديا واسناني."
ضحك خالد يدفعها بكفه على رأسها بهزار ثقيل يردف:
"وأنا كنت عارف من الأول إن مينفعش معايا غير واحدة مجنونة. العاقلة مكنتش هتعمر معايا أبداً."
قهقهت لترد بمرح:
"يعني مجنونة عشان بحبك؟ طب يا سيدي أنا قابلة. أهم حاجة إني اتجوزتك."
هذه المرة لف ذراعه على عنقها ليقبل أعلى رأسها ويسير بها مرة أخرى، فاستدركت فجأة متذكرة:
"أه صحيح يا خالد، عرفت أن فرح كاميليا وكارم ماتمش."
عقد حاجبيه يسألها بقلق:
"ليه؟ يعني حصل حاجة لا قدر الله؟"
ردت نوال تجيبهم:
"مش عارفة، بس أنا سألت زهرة وقالتلي خير إن شاء الله، متقلقيش."
سمع منها خالد ليردد خلفها رغم استغرابه:
"يارب يكون خير."
***
بداخل الشقة التي شهدت مولد شخصيتها الجديدة كما شهدت على انهيارها ودموع الندم التي ذرفتها بعد الهزة القوية التي ضربتها بمعرفة الحقيقة وعلمها بالطريق الخطر الذي كانت تسير فيه والمصير الذي كان ينتظرها لو استمرت، قبل أن تستفيق منه.
أحضرها إمام معه في زيارة إلى شقيقته التي استقبلتها بالمودة الصادقة كعادتها، قبل أن يجلسوا ثلاثتهم في صالة المنزل وبصحبتهم الصغيرة روان التي تعلقت بغادة ولا تريد تركها، حتى هتفت عليها والدتها:
"يا بنتي قومي من على حجر البنت كفاية بقى."
"الله يا ماما، ماتسبيني قاعدة شوية، ما أنا قاعدة ساكتة أهو ومبعدش شقاوة زي عمر."
تدخلت غادة على قول الصغيرة:
"ما هي قالتلك أهي يا خلود، مبتعملش شقاوة. لزومه إيه بس تمشيها؟ دي حتى زي قمر وكيوتة."
قالتها وختمت لتطبع قبلة على وجنتها، بادلتها الطفلة بواحدة مثلها على الفور، ليعقب إمام على فعلهم:
"معناها يعني إنهم اتفقوا يا خلود، واطلعي انتي منها."
ردت غادة ضاحكة:
"حرام عليك، متفتنش ما بينا. أوعى تكوني بتاخدي على كلامه يا خلود، دا انتي حبيبتي."
تبسمت لها المذكورة هي الأخرى تقول:
"وانتي أكتر كمان يا غادة، بس معلش بقى خلي البت دي تقوم من جنبنا عايزين نقعد مع بعض شوية يا قلبي."
أومأت لها غادة بطاعة قبل أن تعود لتقبيل الطفلة ومهادنتها ببعض الكلمات حتى اقتنعت روان لتنهض عنها تستأذن والدتها:
"طب عن إذنك بقى يا ماما، أنا هدخل ألعب جوه مع عمر في أوضته."
"إذنك معاكي يا حبيبتي."
قالتها خلود لتعقب فور انصرافها:
"قال، وبتستأذن كمان يا ختي! ع الأدب!"
رددت غادة مستنكرة بالضحك:
"يعني ولا هو كده عاجب ولا كده عاجب."
لوحت خلود بكفيها في الهواء أمامها تقول بدراما:
"يا ستي والله عاجبنا، هو في حد في الدنيا يكره الأدب؟ بس إحنا عايزينك في كلمتين ضروري دلوقتي يا غدودة، يعني مكنش ينفع يتقالوا قدام مقصوفة الرقبة اللي مشيت دي."
قطبت تسألهما باستفهام:
"كلمتين إيه بالظبط؟"
أجابها إمام بلهجة صارمة جادة:
"عن موضوع جوازنا يا غادة، أنا كلمت الست الوالدة وعايزين ناخد معاد بقى يا بنت الناس."
أضافت على قوله خلود ممازحة:
"أيوه يا غادة، وحياتي عندك عايزن نفرح بالواد المسكين ده بقى، دا غلبان والله واحنا مصدقنا نلاقي واحدة ترضى بيه."
سمع قول شقيقته ليعلق:
"الله يستر."
ضحكت غادة من قول الشقيقين قبل أن تعي لمطلبهم جيداً، فتنهدت بشرود حتى بدا عليها الهم مما أثار القلق بقلب خلود لتسألها:
"إيه يا غادة؟ شكلك اتغير ليه كده؟ هو في مشكلة تمنع ولا حاجة؟"
جاءتها الإجابة من إمام الذي خمنها وحده:
"أكيد أمك، صح؟ هو انتي فتحتيها ورفضت ولا لسه مقولتيش؟"
تنهدت باضطراب وهي تردف:
"بصراحة خايفة، لأنها قالبة عليا ومش طايقة مني أي كلام اليومين دول، خصوصاً بعد اللي شافته في فرح خالد، وزود كمان فرح كاميليا اللي ماتمش امبارح ده بالحاجات الخيالية اللي كان عاملها الأستاذ كارم. هتموت على عريس من العينة دي. طب أهي العروسة هربت ومفرقش معاها كل اللي تعمل."
أومأت لها خلود عن اقتناع:
"فعلاً يا غادة عندك حق، مش بالأفراح ولا بالتكلفة العالية هي الأهم، هو الحب اللي بيجمع الطرفين، أو زي ما بيقولوا بالبلدي كده الوفق، إن ربنا يوفق قلبين. بس انتي برضو لازم تحاولي معاها شوية شوية كده، وحاولي تبقي مصممة على رأيك ومتضعفيش معاها عشان ما تزيدش بالضغط عليكي. اللي زي والدتك بتبقى عايزة الشخصية القوية قدامها."
بدا على غادة أنها تستوعب الكلمات جيداً من ملامح وجهها التي بدت شديدة التركيز، فتدخل إمام سائلاً:
"بس انتي معرفتيش كاميليا راحت فين ولا حتى عرفتي السبب اللي خلاها هربت من كارم؟"
ردت تهز كتفيها:
"لا معرفتش أبداً، لأنها مقالتش قدامي خالص، رغم إحساسي الأكيد أنها معرفة زهرة، بس أنا عاذراها بصراحة، دا أنا عملت معاهم بلاوي."
قالت الأخيرة بلهجة ساخرة ممتزجة بالندم الذي تحاول تخفيه.
تبسم إمام يقول لها بلهجة مطمئنة ونظرة لا تفشل أبداً في دعمها بالأمان:
"شوية شوية وهترجع ثقتهم فيكي يا غادة، متقلقيش."
***
في حديقة المنزل كانت تتابع ضحكات ميدو مع عامل الحديقة الذي كان يسقي الزهور وهو يلاعبه بخرطوم المياه، وذلك بوجود عامر ولمياء التي كانت تتحرق بداخلها للسؤال، ولكن بأفعال الصغير ومشاغباته الدائمة كانت دائما ما تتراجع، خصوصاً مع ضحكات عامر الذي بدا مستمعاً برفقة الصغير وبأقواله أيضاً:
"الواد ده عفريت أوي يا زهرة، غلبني النهارده يجي مية مرة واحنا بنلعب البلاي ستيشن، لأ وحلنجي وبيعرف يوقعني."
ضحكت زهرة وعقبت لمياء:
"ذكي زي أخته ما شاء الله، رغم إنه ميشبهاش غير في لون البشرة الفاتحة، لكنه مدي على أخته التانية دي اللي شوفتها امبارح، هي اسمها رباب باين."
أومأت لها زهرة بارتباك، ثم عادت سريعاً نحوه، وقد قرأت في عين لمياء التساؤل، فقالت لتشتيتها:
"هو فعلاً فيه شبه من رباب.. بس على فكرة يا طنط أنا كنت عايزة أقولك على حاجة كده."
"حاجة إيه؟"
سألتها لمياء لتجيبها الأخرى:
"يعني كده حاسة إن سرير البيبي فيه حاجة مش مظبوطة، خاېفة إن يكون فيه عيب في رجله من تحت ولا.. بصراحة مش عارفة."
ظهر الفزع على وجه لمياء لتهتف غاضبة:
"انتي بتتكلمي جد؟ طب ولما هو كده مقولتيش من الأول ليه؟ مستنية لما يجي البيبي وميرتحش فيه؟ أنا قايمة أشوفه بنفسي ولو كان زي ما بتقولي كده هرجعه وأشتري واحد النهاردة."
قالت كلماتها ونهضت لتعدو للداخل على الفور، أخفت زهرة ابتسامة ملحة عرفها عامر والذي كان متابعاً بصمت ليردف لها بمغزى:
"بقيتي مش سهلة يا مرات جاسر، شكلك كده اتعلمتي منه يا حفيدة رقية."
ردت له ضاحكة ببرائة:
"الله يسامحك يا عمي، مش هرد عليك."
زم بفمه بنظرة ماكرة قبل أن ينتبه على جاسر الذي وصل من الناحية القريبة يعدو سريعاً نحو الدخول للمنزل، يومئ بتحية بكف يده في الهواء لوالده قبل أن يلتف نحو زهرة بوجه متجهم ونظرة صامتة، ثم أكمل وتجاهلها دون تحية أو أي شيء.
انتبه عامر لهذا التغير فتوجه لزهرة سائلاً:
"مش عادة يعني، هو جاسر زعلان منك؟"
ارتبكت واصفر وجهها لتنهض مستأذنة بالانصراف:
"معلش يا عمي، ممكن تخلي بالك من ميدو عشان أروح أشوف جاسر."
أومأ عامر رادداً له:
"روحي يا بنتي روحي، وأنا هفضل مع ميدو متقلقيش."
بحثت عنه في غرفتهما، وحينما لم تجده وصلت لغرفة المكتب فوجدته مستلقياً على الأريكة بعد أن خلع سترته ليظل بالبنطال الأسود والقميص الأبيض المنشّي.
شعر بوجودها فور أن ولجت للغرفة فالتف على الفور يعطيها ظهره، غمرها الحزن على الفور لعدم توقعها لفعله، جسرت قلبها وخطت لتجلس بقربه على الأريكة، تحمحمت لتخرج جملة مفيدة رغم الغصة التي شقت حلقها:
"هو انت لسه زعلان مني يا جاسر؟"
لم تحصل منه على رد لتتابع بصوت مختنق:
"بلاش تقسي قلبك عليا يا جاسر، أنا عارفة إنك زعلان عشان مبلغتكش باللي هعمله مع كاميليا، بس انت خليك مكاني، صاحبتي وطلبت المساعدة في أمر يخص حياتها كلها والوقت ضيق، بالاضافة كمان لوضعك الحساس مع اللي اسمه كارم بشغله معاك."
وضعت كفها على ظهره لتتفاجأ بتشنج عضلاته من الخلف، فتابعت بإصرار:
"يا جاسر، قدر بقى ومتقساش عليا. أبوس إيدك، أنا روحت بالحراس ومقعدتش مع الراجل غير دقايق قليلة في المكان العام سلمته فيها الورق اللي يخص كاميليا ورديت على كام سؤال وقومت بسرعة، دا غير إنه راجل محترم وكبير في السن."
"أنا مبتكلمش عن سنه أو شكله، أنا بتكلم على إنك معبرتنيش."
قالها بعد أن التف إليها بحدة، أجفلتها في البداية، ثم ما لبثت أن يتخلل قلبها الارتياح، فيكفيها استجابته للحديث معها حتى لو قسا بكلماته عليها.
"كان لازم تديني فكرة يا زهرة، مش تعيشي معايا جو البرود وانتي بتخططي وبتنفذي من ورايا."
ظلت على وضعها تتأمله.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 144 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بصمت ليتابع بلهجة تفيض باللوم:
"متخبي عني أنا يا زهرة؟ في أمر جلل زي ده؟"
أيضاً لم ترد، ولكنها فاجأته بتناول كف يده لتقبلها وتقول برقة:
"سامحني، وأنا مش هعملها تاني أبداً. ارجع لطبيعتك معايا، وأنا أنفذ كل اللي تأمرني بيه وكل اللي تقوله يتنفذ."
فعلتها العفوية مرت عليه كسحابة أمطرت فجأة لتطفئ نيران مشتعلة منذ عقود. لقد أخمدت حريق قلبه وأنسته بلفتتها البسيطة جذوة الغضب التي أشعلت رأسه نحوها. ولكنه ومع ذلك، لن يرفع راية الصلح هكذا على الفور وبكل سهولة. لذلك كان الصمت هذه المرة من نصيبه هو، رغم استمرارها بالرجاء والإلحاح:
"رد بقى يا جاسر، والنبي بلا سكاتك دا بقى."
تنهد ثقلاً يجيبها:
"عايزني أقول إيه؟"
اقتربت برأسها منه لتردف بمرح:
"تقول سامحتك، وتسامحني بجد وتنسى بقى."
أومأ برأسه مسبلاً أهدابه بتفكير قبل أن يرد:
"أقول مسامحك، بس هنسى إزاي بقى وأنا قلقان وخايف من اللي جاي."
قطبت لتسأله باستفهام:
"وتخاف ليه بقى؟ ما أنا قولتك عن الراجل دا اللي بيحمي كاميليا وهيساعدها في الطلاق، ولا اللي اسمه كارم ده، قالك حاجة زعلتك؟"
تجمد بنظرته الغامضة لها للحظات أثارت بقلبها القلق، قبل أن يجيبها أخيراً:
"أنا حاولت مع كارم النهاردة، كان نفسي يبقى الموضوع من ناحيته عشان أضمن الأمان بجد، بس للأسف كارم فاجأني برضه..."
صمت برهة أمام ترقبها، ثم تابع:
"كارم قدم استقالته."
وعند كاميليا، التي تركت طارق مع عليوة الصغير وأسرته بعد أن انتهت وجبة الغداء ليتسامر ويتحدث معهم، بعد أن صعدت هي لغرفتها وبدلت عباءتها، ثم قامت بتصفيف شعرها أمام المرآة حتى تعود وتقضي هذه الدقائق المتبقية معه قبل مغادرته. ألقت نظرة أخيرة على هيئتها في المرآة وهمت أن تعود، قبل أن تفاجأ بدفعة عنيفة للباب. صرخت على إثرها، قبل أن تفاجأ بعدوها أمامها بهيئته المخيفة بابتسامة قاسية، يردف لها:
"زوجتي العزيزة، أخبارك إيه دلوقت؟"
مع فرط فزعها واستيعابها السريع للأمر، افتر فمها لإطلاق صرخة كتمها هو سريعاً بعد أن وثب إليها بثانية واحدة كفهد بري ليهدر بفحيح وهو يقيد حركتها عن المقاومة أيضاً:
"بتهربي مني في يوم فرحنا يا كاميليا؟ عايزة تذليني قدام أهلي ومصر كلها؟"
حاولت نزع نفسها عنه ونزع قبضته على وجنتيها وفكيها، ليزيد هو بضغطه بعنف قائلاً:
"وكمان معرفة طارق طريقك عشان تخونيني معاه؟ دا أنا أموتك ولا تبقي لحد غيري."
مع الأخيرة، استطاعت نزع قبضته لتصيح بتحدي:
"وأنا الموت عندي أهون من إني أتجوز واحد مجنون زيك. إنت مكانك في السرايا الصفرا مش بين الناس العاقلين."
سمعها واتسعت ابتسامة مستخفة بخط رفيع على وجهه، ليرد بهدوء مريب وهو يمسح بأنامله على وجنتيها وشفتيها:
"أنا مجنون حقيقي... وإنتي بقى تستاهلي جناني."
أردف الأخيرة، ثم باغتها بقبلة قاسية، حتى إذا نزع نفسه عنها صرخت بوجهه:
"إنت مش بس مجنون، إنت كمان حيوان."
تجاهل نعتها له، ثم تناول شعرها يلف الخصلات على يديه يردد لها:
"إنتي لسه شفتي حاجة، دي مجرد عينة، لسه اللي مستنيكي كتير يا حبيبتي. دا أنا هخليكي جارية تحت رجلي."
أردف الأخيرة، ليتحرك مغادراً وهو يسحبها بعنف من شعرها، مستمتعاً بصرخها ومقاومتها الضعيفة بضربه بقبضتيها بعشوائية، ليستمر حتى هبط بها إلى الطابق الأرضي. فتفاجأت بكم الرجال المدججين بالسلاح في قلب الردهة الأمامية والصالة، وعليوة الصغير محاصر ومثبت كوالديه من قبل الرجال الضخام وأسلحتهم. ثم تفاجأ بصياح طارق وقد قيدت حركته بصعوبة من قبل مجموعة من الرجال:
"سيبها يا حيوان وقابلني راجل لراجل بدل ما تجبر واحدة عليك غصب عنها."
بابتسامة ذئب، التف له، ثم عاد إليها قائلاً:
"صاحبك فارض عضلاته وأخذاه الشجاعة، متفهميه يا حلوة، آخر واحد عملها معايا كان مصيره إيه؟ قولها إنت مصيره إيه يا كارم."
جاءت إليه من الأعلى بصوت جهوري تعلمه الأذن جيداً، واخترق أسماعها العديد من المرات. التف يرفع رأسه للأعلى ليصدق تخمينه برؤية صاحب الوجه المألوف إليه سابقاً، رغم التجعد الكبير على البشرة وعامل الزمن الذي ترك أثره عليه بقوة، ليتمتم هو على الفور بعدم استيعاب:
"فوزي البحيري والد كريم."
"...إيه يا كارم؟ أوعى تقول إنك نسيتني ولا نسيت وشي، دا أنا كنت أزعل بجد يا راجل."
قالها الرجل المهيب بلهجة ساخرة بوجه جامد مشتد الملامح وهو يهبط درجات السلم بتأنٍ رتيب مع صوت عصاه التي كانت تطرق مع كل خطوة منه. والآخر يراقبه بأعين صقرية ضيقها بتفكير واستيعاب سريع، وقبضته الحديدية اشتدت أكثر على كاميليا، فقد وضحت الآن الصورة التي كانت مبهمة أمامه منذ الأمس، هروبها المتقن يوم حفل الزفاف الذي كان ينتظره بفارغ الصبر، ثم اختفاؤها تماماً بشكل غريب أعجزه هو ورجال الأمن أقرباءه الذين تولوا مهمة البحث في سرية تامة معه، ثم اكتشافه عنوانها في هذه القرية الريفية البعيدة بعد مراقبة جيدة لهذا المدعو طارق، لتأخذه الحماسة ويأتي بالرجال المدججين بالسلاح بقصد مباغتتهم حتى يعطي هذا المدعو طارق ومن يأويها الدرس القاسي بمعاقبتهم قبل أن يأخذها هي عنوة ويأتي تأديبها بعد ذلك على مراحل من العذاب وضعها في خياله بالترتيب.
"ساكت يعني ومبتردش؟"
هتفت بها الرجل مرة أخرى، وقدمه تهبط للأرض ليواجه بلهيب عينيه المتجعدة الزاوية وميض القسوة بخاصتي الآخر، وهو يزيد بتشديده على كاميليا حتى تأوهت من الألم، وتجاهل هو ليهدر من تحت أسنانه للرجل:
"أكيد طبعاً، لازم المفاجأة تخليني أقف شوية وأستوعب. ما أنا كان لازم أعرف إن حركة وضيعة زي دي لما تعملها زوجتي العزيزة، يبقى لقت اللي يحميها ويخطط لها عشان يضربني في ضهري بخسة، ولا إنتي إيه رأيك يا روح قلبي؟"
قالها وشدد على قبضة شعرها لصرخ من بين يديه كاميليا، وصرخ على أثرها من الخلف طارق:
"سيبها يا حيوان، إنت بتتشطر بس على الستات."
التفت رأسه إليه بحدة يحدجه بنظرة نارية خاطفة، قبل أن يتغاضى ويتجاهل من أجل أن ينتبه للرجل الآخر بعد أن عاد إليه يتابع له بازدراء:
"مكنتش أعرف إن الزمن اتدحدر بيك لدرجادي عشان تستخدم حيلة رخيصة أوي كدة في انتقامك مني؟ ويا ترى بقى إنت لوحدك ولا معاك كمان... ابنك العاجز؟"
قال الأخيرة مشدداً على الأحرف بقصد الضغط على جرح الرجل، والذي تمالك رغم سريان الحمم التي تغلي بأوردته، ليرد بضربة حازمة بعصاه على الأرض:
"سيب كاميليا واخرج على سكات، ولم الحوش بتوعك."
تبسم كارم بزاوية فمه مستهزئاً بقوله:
"طب وإن مسبتهاش هتعمل إيه؟"
لم يجبه الرجل، بل ظل صامتاً هادئاً، حتى أومأ بذقنه للأمام، ففوجئ كارم بفوج من الرجال تلج من الخارج أو تأتي من داخل المنزل وأسلحتهم في أيديهم أضعاف، ليجبروا الآخرين اتباع كارم على إسقاط أسلحتهم عنوة. رأى ذلك المذكور فاشتعلت عينيه ليخرج سلاحه ويرفعه بوجه الرجل، يصيح بتهديد:
"أبعد رجالتك عن رجالتى وخليني أخرج بمراتي يا فوزي يا بحيري، إنت مش قد غضبي ولا عايز التاريخ يعيد نفسه من تاني؟ أنا المرة دي مش هكتفي غير إني أحصرك على حياتك."
تبسم ساخراً الرجل، ليردف كلماته بمرارة:
"هو إنت لسه هتحصرني على حياتي يا كارم؟ يا راجل دا أنا كنت في عزي وكبير ناسي ونائب عن دايرة فيها آلاف البشر، وأبوك بجبروتكم كسروا ابني وكسروني معاه، لما معرفتش أجيب حقه، إنت لسه هتحصرني على حياتي! يا ابني دا أنا مت من يوميها، ولا إنت لسه مخدتش بالك؟"
توقف فجأة فوزي وبرقت عينيه بنظرة عاصفة، ليردف بلهجة مشتدة قوية:
"كاميليا وصلت أرضي وفي حمايا يا كارم، يعني هجيب لها حقها منك وأحميها ولو بموتي. سيب البنت واخرج برا يا ابن اللوا وغاور من البلد على رجليك بدل ما تخرج منها على نقالة."
سمع منه كارم واشتد بالضغط على كاميليا يهزهزها مع فرط انفعاله المستعر:
"يعني اللي معرفتش تعملوه زمان فاكر بغبائك إنك هتقدر تعملوه دلوقتي؟ طب زمان أنا عرفت ابنك مقامه ع الحلبة وهو قدام الدفعة كلها وخليته يصرخ زي النسوان. إنت بقى جاي دلوقتي بعد ما راحت منك النيابة وراح منك شبابك وعايز تتحداني وبمراتي كمان؟ دا باينك خرفت وراحت منك. وريني هتقدر توقفني إزاي."
قالها وتحرك بأقدامه للخلف يحاول السير بها. ومن الخلف كان طارق يتابع بعد أن انفك الحصار عنه، يحاول بتأنٍ وينتظر اقتناص الفرصة، يقتله الخوف خشية أن يؤذي كاميليا هذا المجنون بسلاحه. أما فوزي فلم يكن يرى السلاح أو أي شيء آخر، وقد تذكر سيل من ذكريات الألم والقهر حينما عجز بكل سلطته أن يأتي بحق ابنه الذي ظل على سريره في المشفى يتعالج بالشهور ولم تعد قدمه للسير الطبيعي رغم كل العمليات الجراحية التي أجريت لها بفضل الكسور المضاعفة التي فعلها عن قصد هذا الوحش الذي يتحداه الآن. لذلك لم يتردد في التفكير بأن يقترب بجسده بتحدي هو الآخر، ليردد:
"زمان لما اتحديت ابني على ماتش المصارعة مكنش كريم عامل حسابه ساعتها ع الغدر. كان بيتحمل الضربات القوية منك ويعديها مرة في مرة على أساس أنها لعبة، وإنت اللي سيطرت فيها لحد أما فاجئته بالنهية لما مسكت في رجله تكسر فيها بدون رحمة. أنا بقى دلوقتي بواجهك بصدري وعارف إني ممكن أضيع فيها، لكن مش هاممني. سيب البنت بقولك."
قال الأخيرة بصيحة مترافقة لدفع السلاح الناري بالعصا التي رفعها فجأة لتحطب ضربة قوية مؤلمة على رسغ كارم، فيسقط السلاح على الأرض بعيداً عنه بحركة مباغتة، وقبل أن يستدرك جيداً، فاجأه طارق بتقييده من تحت إبطيه من الخلف ليحاول نزع كاميليا من بين يديه، وذلك يقاوم بالسباب، فھجم فوزي ليشترك معه ليخلصها، وهذا يصيح بصوته العالي:
"ما حدش يقرب مننا وخلوها لراجل لراجل."
استطاع كارم بخبرته القتالية السابقة أن يبدل الوضع ويقلب طارق على الأرض، فيهتف بابتسامة شرسة:
"كدة بقى يبقى إنت اللي جيبته نفسك، وشكلي كده هعيد الدرس مرتين. استلقي وعدك يا حبيبي."
قالها ليكيل بالضربات المركزة على وجه طارق وخصره بقصد الأذية الواضحة. كتمت كاميليا فمها وهي تبكي بوجع، وكأن الضربات تصيب جسدها هي. أما فوزي فصرخ على طارق:
"خلي بالك من رجلك يا ابني، متخليهوش يلمسها، دا خاين وبيستغل الفرصة عشان يضرب بخسة."
سمع كارم فالتفت رأسه نحو الرجل بحدة، ليستغل هفوته طارق فيدفعه عنه، ثم يباغته بضربة قوية برأسه على جبهته أخلت بتوازنه، فلحقها بواحدة أخرى أشد جعلته يسقط على الأرض مستقلياً بدوار شديد، أعطى الفرصة لطارق ليكمل بعدة ضربات أخرى ويصير الوضع لصالحه.
وفور أن شعر بارتخاء جسده تركه، لينهض عنه هاتفاق:
"قوم يا حبيبي قوم، متخلينيش أزيد عليك وأخرج بالحوش بتوعك على رأي الراجل الكبير."
تطلع إليه قليلاً يستعيد وعيه الذي كاد يفقده، فضربات الرأس القوية جعلت جسده ثقيل، حتى أنه تمكن من الاعتدال بجذعه عن الأرض بصعوبة، ليرى الصورة جيداً، وقد اقتربت كاميليا من طارق لتطمئن عليه بنظرات متلهفة زادت من حريقه، ليردد وهو ينهض بأقدامه:
"طمني واشبعي منه كويس، عشان بكرة هحصرك عليه، وخلي الراجل الخايف ده ينفعك لما تبقي تحت رحمتي في شقة الزوجية يا ست الحسن والجمال."
ردت هي هاتفة بصوت قوي توقفه فور أن استدار عنها:
"كلها أسبوعين تلاتة آخدهم هنا إجازة في بيت الراجل الطيب ده على ما المحكمة تخلصني منك. قضية الطلاق رفعتها، وبكرة إنت تتفاجأ بالإعلان على بيتك."
برقت عينيه بنظرة غير مفهومة أمامها بعد سماعه للكلمات، قبل أن يستدير عنها بغرض المغادرة، وقد سبقه رجاله، ولكنه وقبل أن يبتعد عنهم، باغت رجل من أتباع فوزي البحيري بخطف السلاح منه، والتف يوجهه نحو طارق في أقل من اللحظة، لتخرج منها الرصاصة بلمحة سريعة. انتبه بها فوزي البحيري، فدفع طارق بقوة أوقعته أرضاً مع كاميليا، التي صرخت برؤيتها الرصاصة تخترق ذراع العم فوزي، والذي تصرف بسرعة وأخرج سلاحه من جلبابه ليوقف كارم برصاصة على ركبته في الأسفل. سقط على أثرها يصرخ المذكور:
"آه رجلي يا حيوان، وفي ركبتي كمان! جايب الرصاصة دا أنا هوديك في داهية وأخليك تقضي بقية عمرك في السجن."
نهض الرجل بمساعدة طارق وكاميليا، ليرد بتحدي:
"وهتوديني في داهية إزاي بقى يا بن اللوا؟ وإنت اللي داخل عليا بيتي ومتعدي برجالتك وسلاحك؟ ولا إنت ناسي إنك في أرضي؟ بس حتى لو كان دا هيحصل، إياك تفتكر إني هخاف. دا بالعكس، أنا خدت حق ابني اللي متأجل من سنين، يعني العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم."
بعد عدة ساعات، وداخل المشفى، دلف الاثنان يخترقون الرواق بخطوات مسرعة حتى وصلوا إلى الغرفة الموصوفة بعد عدة اتصالات مكثفة حتى علموا بما حدث.
"إيه اللي حصل؟"
سأل جاسر لاهثاً بقلق فور أن ولج إليهما مع زوجته التي اقتربت من صديقتها تحتضنها باشتياق وخوف، فرد طارق المستلقي على سريره الطبي بصوت ضعيف:
"لا ولا حاجة يا حبيبي، متقلقش."
هتف جاسر بغضب وهو يومئ بكفه على الجروح المتفرقة بشدة على وجه صديقه بالإضافة إلى هذا الوهن الغريب عليه، فجاء الرد من كاميليا:
"ما إحنا مرضناش نقولكم على كل الحقيقة في التليفون. كارم كان مراقب طارق بعد ما زار والدتي وعرف مكاني، فطبلنا برجالة بلطجية في بيت فوزي البحيري وحصل..."
توقفت بلهث وتعب، لتربت زهرة بكفها على ساعدها بدعم، وصاح جاسر بهلع امتزج بغضبه:
"يعني هو اللي عمل كده في طارق؟"
"ملحقش يا جاسر، ملحقش."
هتف بها طارق رغم ضعفه، لتكمل على قوله كاميليا بارتجاف:
"الموضوع كان كبير أوي يا جاسر، عم فوزي..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 145 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أصيب عم فوزي في ذراعه، وكارم نفسه أُصيب برصاصة في ركبته، وطارق كما ترى، كلها إصابات وكدمات شديدة ومتفرقة في الجسم كله، بس الحمد لله أن الأمر رسى على ذلك.
عقبت زهرة على قولها: "فزعة من مجرد التخيّل! يا نهار أسود، على كده كانت حرب."
توقفت لتطالع وجه صديقتها بتمعن قبل أن تردف لها بتساؤل: "وأنتِ كمان شكلك مش طبيعي، هو عمل لكِ حاجة؟"
نفت بهز رأسها، لكنها لم تتمالك كبت دموعها، لتتلقفها ذراعي زهرة وتضمها إليها بشدة تهدف لتهدئة روعها. فتوجه جاسر نحو المستلقي على سريره، وقد تعلقت عيناه بمحبوبته التي كانت ترتجف في أحضان زهرة.
"طيب هو كارم ولا فوزي البحيري، فينهم دلوقتي؟"
أجابه على مضض: "في الدور الثاني، تحت الحراسة الشديدة من الأمن، عشان التحقيقات والنيابة."
هنا فاض به جاسر ليضرب كفيه ببعضهما يقول: "يعني كل ده يحصل وأنا زي الأطرش في الزفة، ما حدش فيكم يديني خبر؟"
نزعت نفسها كاميليا من حضن صديقتها لترد على قوله: "يعني كنا هنديك خبر إزاي بس؟ ده كل اللي حصل تم بسرعة غريبة، ما حدش فينا لحق يتصرف. لولا بس عم فوزي كان عامل حسابه، لكنا روحنا في خبر كان. كارم كان زي المجنون برد فعله العنيف معانا."
أومأ جاسر بتفهم رغم استغرابه باكتشاف الوجه الجديد لمدير أعماله السابق. واستدرك طارق ليسأل كاميليا: "لكن أنتِ إيه اللي عرفك بـ فوزي ده؟ وعرفتي منين حكايته مع كارم؟"
تبسمت كاميليا تومئ بكفيها: "دي حكاية طويلة قوي وعايزة رغي كتير."
أكملت على قولها زهرة وهي تجلس على أقرب المقاعد بمساعدة زوجها: "قوي قوي، ده اسم الراجل نفسه خد منا بحث على ما عرفناه وعرفنا طريقه وقدرنا نتواصل معاه. بس ربنا يخلي السوشيال ميديا بقى."
مال برأسه إليها جاسر يردد بغيظ: "قولي يا حلوة، قولي وطلعي الأسرار، ما أنا قولت من الأول، كنت نايم على وداني."
ضغطت شفتيها تبتعد عن سهام عينيه المتسلطة عليها، حتى كاميليا ظهر على وجهها الحرج، فتدخل طارق بقوله: "اعذرهم يا جاسر، وكمان قدر من نفسك إن تخطيطهم السري جاب نتيجة كويسة أهي، والحمد لله إنها جات على خير."
تفهم جاسر ليردد بكلمات الحمد. أما كاميليا فقد تلقت دعمها للمرة الثانية بضغطة من كف طارق على كفها، مع وقفتها المجاورة لتخت الطّبّي لتهدئه. ابتسامة امتنان بعشق تلقفها هو بابتهاج يتوسع بصدره رويدًا رويدًا، وعقله ما زال لا يستوعب حتى الآن أن ما زالت هناك فرصة معها، وهو الذي كان يظن أمله في القرب منها ذهب بغير رجعة.
"كاميليا."
انتبه الاثنان على مصدر الصوت في مدخل الغرفة، لتجد أسرتها تلج لداخل الغرفة خلف والدها، فنزعت كفها من يده لتتحرك سريعا وترتمي في حضن والداها الذي فتح لها ذراعيه بكل ترحيب رغم عتبه وغضبه منها.
"كده برضه يا كاميليا؟ دي تعمليها فيا يا بنتي."
شددت بذراعيها تردد باشتقاق وتعب: "سامحني يا حبيبي، أنا كنت مضطرة، وما كانش عندي وقت. أنت هفهمك على كل حاجة بعدين، مش هخبي عنك حاجة أبدا."
قالتها وانتبهت على هتاف شقيقها الأصغر وهو يجذبها من قماش عباءتها التي أتت بها معلقًا: "حلوة أوي الجلابية دي يا كاميليا، إنتي اشتريتيها امتى؟"
التفت إليه مرددة باشتقاق شديد وهي تقبله على وجنتيه: "ده أنت اللي قمر يا قلب كاميليا، دي جلابية فلاحي، جيت بيها مضطرة بسرعة عشان الظرف اللي كنت فيه."
تدخلت رباب تسألها بفضول: "ظرف إيه؟"
"البيت رجع يفضي علينا من تاني يا لمياء."
قالها عامر منتهداً بضيق وهو يشير على أرجاء المنزل الخاوية حولهما. وردت لمياء على الفور باعتراضها: "يا ساتر يا رب! ليه بتقول كده يا عامر؟ ما الأولاد لسه قاعدين... ولا يكونش هما بيفكروا يسيبونا يا عامر؟ يا نهار أبيض، معقول ده قصدك؟"
هتفت بالاخيرة بارتياع جعل عامر يتأفف غيظًا لبّها على عجالة: "ومين بس قال الكلام ده يا ست انتي؟ أنا قصدي على ميدو اللي عمل حركة وحيوية في البيت..."
صمت برهة ليكمل متنهدًا من الأعماق: "أنا من زمان أوي وأنا في نفسي إن البيت ده يتملي بالأولاد يا لميا، مش بس من ساعة ما اتجوز جاسر، لا ده من زمان بكتير أوي."
تأثرت زوجته حتى ظهر على وجهها الحرج فيما تتفوه به: "أنا عارفة إني ظلمتك معايا يا عامر، لما وقفت على خلفة جاسر، وما رضيتيش أكشف ولا أسعى عشان أجيب أولاد تاني."
رمقها بنظرة خاطفة ثم التف بوجهه عنها حتى لا ترى ما يفيض بالأعين من لوم سعى بكل الطرق لإخفائه عبر السنوات. وهي علمت بذلك فسألته بفضول: "ليه ما حاولتِش ولا اتخانقتِ معايا؟ ليه ما اتجوزتش زي بقية الرجالة ما بيعملوا؟"
مطّ شفتيه ليجيبها بتفكير: "ما كانش ينفع اتجوز غيرك يا لميا. الراجل اللي بيحب بجد بيهمّه بس إنه يخلف من الست اللي بيحبها، وإنتي كنتِ مخلفة جاسر، مالي عليا الدنيا. دا غير إن الشغل كان واخد معظم وقتي، بس ماكدبش عليكي، كنت بغير أوي وروحي تطير مني في كل مرة أزور فيها أختي علية وأشوف ولادها اللي مالين البيت عليها، دا غير كمان لما خلفوا وبقى زيادة بالأحفاد..."
قطع ليعود لشروده، وهي صمتت ترمقه بامتنان مشبع بندمها في عدم إعطاء الفرصة لنفسها في التفكير ولو لدقائق في السعي لإسعاد هذا الرجل في تحقيق ما كان يتمناه ويروجوه منها، وهو يستحق، فكم سعى لإسعادها وكم تغاضى بخلقه الكريم عن أخطائها، لذلك وجدت نفسها تسأله برجاء: "أعمل لك إيه يا عامر عشان أعوضك؟"
تطلّع إليها عاقدًا حاجبيه باستفهام، فتابعت لهم: "ما تبصليش كده، أنا بجد والله نفسي أرضيك، بس مش عارفة إزاي، عارفة إن الكلام ده جه بعد فوات الأوان، بس أعمل إيه؟"
أومأ لها برأسه يجيبها: "ما تعمليش أي حاجة يا لميا، إنتي بس خليكي كويسة مع مرات ابنك وابنك اللي بيحبها. مش بقولك الراجل لما يحب ست بيحب يخلف منها، أهو ابنك بقى نفس شخصيتي، قعد مع ميري قد ما قعد، لكنه عمره ما فكر يخلف منها، العكس بقى مع زهرة، يعني إحنا دلوقتي أملنا فيها يا لميا."
هزت رأسها بعدم استيعاب ليكمل موضحًا لها بخبث: "افهمي يا قلبي، أنا عايز البيت ده يتملي بعيالهم، يعني يتشطروا كده ويشدوا حيلهم."
تبسمت لميا لتجيبه بابتهاج يسري بداخلها: "عندك حق يا عامر، أنا فعلاً هموت على الأمنية دي وبتمنى من قلبي إنه يحصل... يارب."
في شرفة منزلهم، وبعد أن جمعت أبويها الاثنين لتفاتحهم بجرأة فيما انتوت عليه منذ فترة، بعد أن جسرت نفسها للقادم مع والدتها، متوقعة الأسوأ منها، والذي ظهر مع أول كلماتها حينما بصقت المرأة من فمها كمية من الشاي الذي كانت ترتشف منه لتهدر بغير تصديق: "مين يا بت؟ قولي تاني يا ختي وسمعيني."
ردت غادة وهي أيضا ترتشف من كوبها بكل هدوء: "ما أنا قولتلك يا أمي، اسمه إمام، كام مرة يعني هقول؟ الاسم هو أنا كنت بسأل عن اسمه يابتي."
هتفت بها إحسان وهي تضع كوبها بعنف على الطاولة الصغيرة أمامها لتكمل بغضبها: "أنا كنت شاكة من الأول، من ساعة أما شفت وقفتك معاه في فرح خالد، بس كنت بكدب عنيا على أساس إن انتي لسه فيكي عقل وبتفكري بيه."
"إيه يا بت؟ خلاص يا ختي، داقت بيكي وما عدتش في رجالة عليها القيمة عشان يتدحدر بيكي الزمن، وما تلاقيش غير المحروس ده تتجوزيه."
أردفت غادة على نفس النبرة الهادئة: "وافرضي يعني كان فيه غيره، حتى ماله إمام بقى؟ ماهو راجل محترم، عليه القيمة وفل كمان، إيه اللي ناقصه بقى؟"
سمعت الكلمات إحسان واحتدّت عينيها بلهيب الحقد لتصيح بها: "إنتِ يا بت انتي عايزة تشليني يعني؟ تقعدي ترسمي وتخططي وتعشميني معاكي إنك مش هتقعي أقل من زهرة ولا كاميليا دي؟ وش الفقر اللي سابت ابن البهوات عشان تيجي في الآخر انتي وتجيبلي حارس الأمن بتاع جاسر جوز بنت خالك وتقولي هو ده اللي عليه القيمة؟ طب بأمارة إيه؟ فهميني."
حاولت غادة الحفاظ على رباط جأشها، فالتفت نحو والدها الذي كان يتابع بصمت كعادته، لتوجه له الحديث: "طيب احضرنا انت يا والدي، راجل محترم ومجهز نفسه من مجاميع اخته، ما شاء الله دكتورة، ووالدته ست حجّت بيت ربنا، دا غير إنه مرتبه في الشهر يقضي بيتين مش واحد، بس دا من غير مرتب يبقى قيمة بقى ولا مش قيمة؟"
أجاب شعبان على سجيته بدون تقدير لعواقب ما ينتظرهم: "دام راجل وبيكفي بيته زي ما قولتي، يبقى قيمة طبعًا."
افترّ ثغرها بنصف ابتسامة مع بعض الارتياح، قبل أن تنتفض مع أباها على الصيحة القوية لإحسان وهي تضرب بعنف على سطح الطاولة: "يعني بتتفقي انتي وابوكي عليا؟ طب أنا مش موافقة يا غادة على النسب اللي يفرح ده، وريني بقى مين اللي هيمشي الجوازة، وإن كان أبوكي يقدر من غيري، خليه يعملها."
قالت الأخيرة بتهديد صريح لـ شعبان الذي ابتلع ريقه بخوف من هيئتها التي لا تفشل أبدًا في إخافته. لتنهض بعد ذلك من أمامهم غير مكترثة بحال ابنتها الذي تبدل على الفور من البرود إلى الغضب الشديد، حتى نهضت لتلحق بها بتحدٍ، ولا برجاء زوجها وهو يردد من خلفها: "دي كلمة طلعت مني كده من غير قصد، ما تاخديش على كلامي يا إحسان."
وبداخل غرفة والدتها التي ولجتها كالعاصفة لتجفلها بصفق الباب خلفها بعنف، فالتفت إليها إحسان تنهرها بازدراء: "جاية ورايا ليه يا سنيورة؟ ولا يكونش في علمك إني عندي مرارة اسمعلك، لا يا حبيبتي، ذوقي عقلك ياما وهوينا، امشي يا بت."
صاحت بالأخيرة لتواجه بصيحة أشد من غادة: "لأ ياما مش ماشية، مش متحركة غير لما أجاوبك على السؤال اللي كذا مرة تلحي وتسأليني عليه.... مش انتي كل شوية تسأليني صاحبتك الهانم اللي كانت عايزة تجوزك أخوها راحت فين؟"
ردت إحسان بخشونة: "ما انتي بتقولي إنها سافرت مع أخوها، ومعدتيش بتشوفيها تاني، ولا في حاجة أنا معرفهاش؟"
ردت غادة بلهجة متحدية: "آه ياما، في، في إن صاحبتي اللي كنت بكلمك عليها قاعدة وما سافرتش، اللي سافر أخوها، بس عارفة ليه ياما؟ عشان متحملش اللي عملوا فيه إمام بعد ما أخد لي حقي منه."
انقلب وجه إحسان فجأة، فاانقبض جبينها باضطراب، لتنهض على الفور تسألها بتوجس: "حقي في إيه يا بت؟ هو الواد ده عمل معاكي إيه بالظبط؟"
تبسمت غادة تجيبها ساخرة بمرارة، لترفع أمامها الهاتف فجأة بعد أن تلاعبت بشاشته قليلاً لتردف لها: "بصي كده، شوفي الفيديو ده، شوفي كده ياما بنتك كان شكلها إزاي..."
أوقفت لترا رد فعل والدتها وهي تشاهد الفيديو، عاقدة الحاجبين بعدم تصديق، فاستطردت: "شوفي كده شكل بنتك بعد ما صاحبتها حطت لها حبوب هلوسة في العصير......"
ارتفعت عيناها فجأة إحسان لتهتف بإجفال مرتاعة، وقد وصلها تفسير آخر بشع تخشاه أكثر من الموت، لتلقي الهاتف على الأرض، ثم تناولت ذراع ابنتها بعنف صارخة: "معناته إيه الكلام ده يا بت الكل.... وديني ما يكون عملتي حاجة غلط لدفنك مكانك، قولي يا بنت اللذينة واعترفي."
صمتت غادة قليلاً تطالع وجه والدتها المرتاع بشماتة، وأنفاسها تتلاحق بذعر وعلى وشك الانهيار، لتجيبها أخيرا: "شفتي اتخضيتي إزاي ياما من مجرد بس ما جبتلك الفكرة؟ تخيلي بقى إنه كان هيحصل بجد لولا إمام، الله يستره، دخل وأنقذني من بين إيديهم. ولو مش مصدقاني، افتكري الليلة اللي قضيتها برا البيت وجت معايا تاني يوم الدكتورة خلود، آه دي بقى ما كانتش صاحبتي زي ما قولنالك ساعتها، لا يا أمي، دي تبقى أخت إمام اللي نيمتني في بيتها بعد أخوها ما ستر عليا."
زادت إحسان تهزها بعنف وتسألها بتشكك: "الكلام صح ولا انتي بتكدبي عليا يا بنت؟ ولا يكونش ده تم بجد والواد ده هو اللي هيسترك بجوازك منه يا بنت شعبان... ولا عمري كنت هقبلها."
قالتها بمقاطعة حادة لتكمل: "لوالدتها: أنا برضه بنتك ياما، وحكاية الشرف دي عندي بالموت. ربنا كان رحيم بيا لما أنقذني عشان أنا ما كنتش هرحم نفسي لو حصل، ولا برضه كنت هقبل إن عيني تكون مكسورة لحد تاني، حتى لو كان جوزي. ربنا ما يكتبها على حد ويستر على كل الولايا."
نزعت إحسان قبضتها عن ابنتها بعنف وارتدت لتجلس على سريرها بتعب أحل بجميع أعضاء جسدها، وقد هدأت نوعًا ما عاصفتها، ولكن ما خلفته الكلمات في النفس صعب عليها استيعابه، لذلك ظلت على حالها بوجه واجم وجمود يقارب التخشب. اقتربت منها غادة لتردف بقوة رغم إشفاقها على هيئتها المزرية: "أنا بعد اللي حصل معايا ده ياما فقت، وما بقتش غادة اللي انتي تعرفيها. عشان كده بقولك، أنا موافقة على إمام، حتى لو طلبني في عشة، ربنا كان بيحبني لما وقعني في واحد زيه، وأنا مش هضيع فرصتي بإيدي. أنا خارجة وهسيبك تريحي جثتك وتفكري كويس عشان لما تصحي تحددي ميعاد مناسب لمجيئه هو ووالدته. عن إذنك يا ست الكل."
قالتها وخرجت على الفور، تاركة والدتها على حالها، وقد سقطت الكلمات فوق رأسها كصاعقة قوية زلزلتها من جذورها بقسوة شديدة.
عاد من عمله متأخرًا ليلاً ليرتمي على أريكته بتعب جعله يخلع حذائه بصعوبة. استيقظت من نومها على تحركاتها حولها، فنهضت إليه على الفور لتساعده في خلع سترته. انتبه على مجيئها من خلفه ليصدر صوت اعتراض مع قوله: "إيه اللي صحاكي بس؟ روحي نامي يا زهرة."
سحبت السترة منه بحزم قائلة: "أنام إيه؟ هو انت شايفني جبلة قدامك؟"
ردد خلفها بعدم رضا: "جبلة إيه بس والكلام الفارغ ده؟ إيه لزوم الغلط؟"
جلست أمامه لتساعده في خلع القميص الأبيض أيضًا لتعقب على كلماته: "طبعًا أغلط وأضرب نفسي بالجزمة كمان لو ما حسيتش بيك. إيه يا أبو الغالي؟ أنا لسه برضه عندي شوية نظر عشان آخد بالي منك، ولا انت شاكك؟"
تبسم ليداعب غمازة ذقنها يستجيب لحديثها المرح رغم تعبه: "شاكك إيه بس؟ دا انتي أحلى حاجة فيكي نظرة عينيكي وغمازة الدقن دي اللي شدتني ليكي من أول مرة شوفتك فيها."
أهدأته ابتسامة رائعة وقد أسعدها غزله لتبادله الرد: "وأنا أكتر حاجة شدتني فيك، رغم الخوف الكبير اللي كنت بحسه في كل مرة أشوفك فيها، هو صوتك الأجش ده، مش فاهمة ليه كان بيتردد في وداني دايما."
"يا ولد يعني كان فيا حاجة بتعجبك؟ اهو حلو ده، اهو الواحد كده ياخد..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 146 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
قال پمشاكسة استفزتها لترد إليه بڠيظها:
"وتاخد ثقة في نفسك ليه يا حبيبي هو انت عايز تعجب مين تاني كمان؟"
لعب بحاجبيه ليزيد ڠيظها بتسليته، ولكن غلبه الإرهاق ليمسك بكفيه على أعلى كتفيه متأوهاً.
انتفضت پقلق لتلتف خلفه وتدلك بأناملها عليهما علها ټنزع قليلا من تعبه، مع تساؤلها:
"هو انت لسة ملقتش حد ينفع يحل مكان كارم؟"
تأوه مستجيباً مغمض العينين ليجيبها:
"كل المساعدين والناس اللي بختبرهم يوميا مڤيش حد فيهم قدر يسد زيه. كان عنده قدرة ڠريبة انه ينجز عدة اعمال بسرعة رهيبة. انا عارف ان في زيه كتير بس المشکلة معايا في الوقت، عايز حد يكون خبرة ويشيل على طول ميخدتش بقى مدة في التعليم. انا تعبت."
ردت برقة مشفقة على حالته:
"طپ ارجع انا شغلي عشان اساعد معاك على قد ما اقدر. اكيد يعني هخفف ولو جزء بسيط."
قال:
"يا ستي متشكرين على الزوق والإحساس العالي منك."
توقف يتناول كف يدها لېقپلها ثم يردف وهو يعيدها للجلوس بجواره:
"انا يكفيني بس الايدين الناعمة دي ومعاها الابتسامة الحلوة منك مش طالب منك أكتر من كدة."
استجابت بابتسامتها إليه قبل أن تعود لنفس السؤال:
"بس پرضوا احنا كدة في نفس المشکلة. انت بتقول انك عايز واحد خبرة بسرعة. طپ هي كاميليا ولا طارق حد فيهم ينفع يسد معاك دلوقتي على ما تلاقي اللي نفسك فيه ده؟"
نفى بهز رأسه ليجيبها:
"الاتنين ما شاء الله عليهم، بس انا لو شيلت حد منهم هبقى عايز اللي يسد مكانهم يعني نفس الدايرة. بس ع الأقل دلوقتي هما مريحني من هم المصنع. بس سيبك انتي وريحي مخك. اكيد هلاقي طلبي. اديني بحاول مع رؤساء الأقسام يمكن الاقي حد كفء معاهم."
قالها واڼتفض فجأة ليذهب نحو حمامه، وما أن استدار عنها بخطوتين حتى التف إليها يسألها بتذكره:
"هو خالد رجع من شهر العسل ولا لسة؟"
"خالي خالد رجع من يومين." قالتها بعفوية قبل أن تجفل على هذه النظرة منه لتسأله باستدارك:
"هو انت بتفكر في خالي يا جاسر؟"
بشړفة المنزل الجديد وعلى كرسييه الوحيد كان جالساً ېدخن بشړاهة ۏعدم توقف حتى أثارت ضيق زوجته التي أتت إليه بكوب الشاي للمرة العاشرة منذ الصباح بعد طلبه لهم.
"مش كفاية بقى يا محروس سچاير وشاي سچاير وشاي. خف شوية يا حبيبي عشان ص درك حتى."
نفث بوجهها الډخان الكثيف ليرد على كلماتها پضيق:
"وانتي مالك يا ختي ومال صحتي؟ ولا يكونش مزعلاكي المصاريف بعد ما بقيتي بتصرفي وتبقششي من جيبك. عجبت لك يا زمن."
قال الأخبرة بضړپة قوية من كفه على ڤخذه هزت هي رأسها بسأم تقول له:
"حړام عليك. هو انت مبتشبعش من النكد يا راجل انت؟ يعني هو انا كنت بصرف على نفسي ولا الفسح والفساتين؟ يا حسرة دا الفلوس كلها رايحة على مصاريف البنات وتعليمهم ولا الأكل والشرب بتاعنا واللي يعوزا البيت. وانت ما شاء الله كل اللي بتعوزوا بيجيلك بدليل السچاير اللي بټحرق فيها بالهبل دي. مش فاهمة انا عايز ايه تاني بالظبط عشان تحمده."
برقت عينيه نحوها بنظرة عاصفة ليحتد بحديثه:
"انتي كمان بتجبي عليا يا ست البرنسيسة. طبعا عندك حق تعملي ما بدالك بعد ما سيبتلك الجمل بما حمل وريحتك من خلقتي شهور وانا في المصحة. اتشال واتحط من قهرتي وانت تصرفي وتدلعي مع بناتك. اعملي ما بدالك يا سمية حقك."
كبتت ڠيظها حتى لا تنفجر بوجهه صاړخة وفضلت الرد بصوتها الرزين:
"طپ انت فهمني يا محروس إيه اللي مزعلك دلوقتي؟ هي المصحة دي مش هي السبب پرضوا في انك تبطل الژفت اللي كنت بتشربه وټأذي نفسك؟ يعني جات بألفايدة يمكن تكون تعبت على ما خړج lلسم من جسمك بس كدة أحسن مية مرة من الاول. كمان بقى لو اتشطرت وسيبت السچاير يبقى رضا من عند ربنا ونحمده على فضله."
برغم رقة كلماتها إلا أنها لم تزده إلا حنقا وعنادا بفضل رأسه المتحجر وڠباءه الفطري الممتزج بأنانيته المڤرطة دائما وأبداً، لذلك لم يكن ڠريباً أن يهتف باعتراض:
"لا يا ست سمية انا مش قاپل بالوضع دا كله. انا راجل حر نفسي طول عمري كلمتي من مخي. اشتغل واصرف واروق دماغي. دماغي اللي هتنفچر دلوقتي من الصداع والقړف. عايزاني اصفى وارضى عنك يبقى ارجع انا راجل البيت وكل قرش بيوصلك من المحروسة بت ال...... اللي مش معبرة ابوها باتصال حتى تدهوني انا الأولى بفلوس البت زهرة. أنا أبوها لكن انت حيالله مرات ابوها وبناتك يبقوا خواتها مني انا."
طحنت على أسنانها حتى لا يخرج لساڼها بسبة هو يستحقها بالفعل، ولكن أخلاقها وما تربت عليه من مبادئ قديمة لتوقير الزوج حتى لو كان مخطئ تمنعها من الرد، لذلك فضلت الانسحاب. فنهضت من أمامه تقول بكلمات مقتضبة:
"اللي زرعته الأيام من حب زهرة مع اخوتها اقوى من صلة الډم اللي بتتكلم عنها انت دلوقت. وانت اول من يقطعها بقسوتك. ربنا يقويك على شېطانك يا محروس. ربنا يقويك."
بصقت كلماتها وخطت تغادر من أمامه، ليغمغم هو من خلفها بتهكم:
"قال زرعته الأيام قال. هه. قولي زرعته الفلوس يا ختي اللي ملت عنيكي انتي وبناتك وقوة قلب المحروسة على ابوها بنت ال...... ."
على مدخل الغرفة توقفت عن التقدم تتطلع إلى هيئته وهو مستلقي على سريره الطپي مغمض العينين بعد إجراءه لعملية جراحية بركبته خلف الأولى التي كانت لأخراج الرصاصة. وكأن الزمان يعيد نفسه لكن بصورة أخرى، بعد أن دارت الدائرة نفس هذا المشهد رأته سابقاً حينما ذهبت لزيارة كريم صديق ابنها قديماً، فنالها من والدته كلمات كالسهام اخترقت قلبها من وقتها وجعلتها تخرج مطئطئة الرأس بخزي مع ۏجع الضمير الذي ظل مرافقها رغم مرور السنوات. لتأتي الآن القاسمة بإصابة هو أيضاً بركبته أي بقدمه.
"قاعدة واقفة عندك على باب الأوضة ليه يا ماما؟ سرحانة في إيه؟" تفوه بها كارم نحو والدته يجفلها عن شرودها بعد أن شعر بها أثناء غفوته الصغيرة. استفاقت هي لتكمل بخطواتها وتلج إليه بالغرفة حتى اقتربت منه لتقبله فوق رأسه متسائلة:
"عامل إيه النهاردة يا حبيبي؟ يارب تكون كويس."
تبسم ساخراً يجيبها:
"ومبقاش ليا كويس والحال عال العال. دا انا ھمۏت من الانبساط حتى شوفي."
قال الأخبرة مع ابتسامة صفراء ليس لها أي معنى زادت من حزن المرأة لتردف بتأثر لحالته:
"معلش يا حبيبي بكرة ترجع تقف على رجلك وترجع كل حاجة لطبيعتها من تاني."
صاح يرد عليها بسخط:
"هي إيه اللي ترجع من تاني؟ رجلي اللي اتصابت في حتة صعبة في الركبة وحتى بعد العملية دي مش مضمون المشي عليها. ولا الست هانم اللي رفعت عليا قضية طلاق وزمانها كسبتها دلوقتي؟ ولا هيبتي اللي راحت مع اللي حصل؟ إيه اللي فاضل عشان ارجعه لطبيعته؟ قولي."
لم تؤثر فيها صيحته بل زادتها تحدياً في مواجهته بقولها:
"كل اللي حصل كان بايديك يا كارم. عنفك في أول مشكلة قابلتها في البداية هو نفسه كان السبب في اللي أدى للنهاية دي."
اشتعلت عينيه نحوها فاستطردت غير مبالية:
"أيوه يا كارم. انا هقول اللي في قلبي حتى لو هتغضب. مش كل حاجة بتيجي بالقوة يا حبيبي. ومحدش فينا بياخد كل اللي هو عايزه مهما وصل ولا كان يملك الدنيا وما فيها. انت ربنا إداك جمال الشكل ودا خلقة ربنا. ورثت السلطة وقوة الشخصية من والدك. ورثت المال مني ومن والدك دا غير اللي عملته انت بنفسك. لكن الحب دا بإيد ربنا رزق تاني مش كل الناس بتتوفق فيه."
"ومين قالك إني عايز حب؟" صرخ بها مقاطعاً ليتابع هادراً:
"انا عايزها هي نفسها. ليه كل ما اعوز واحدة من قلبي تروح لغيري؟ أنا عېبي إيه؟ أنا أحسن من الاتنين اللي فضولهم عليا. أنا ممتاز في كل حاجة. لكن هما إيه؟"
حلت والدته بالحلم في سماعه حتى انتهى ثم قالت:
"بس الحكاية دي ملهاش دعوة بالكويس ولا الۏحش يا كارم. دي حاجة من عند ربنا. ياريت يا حبيبي تنسى بقى وتعيش حياتك. إنت في بينك وبينها قضايا دلوقتي يعني مېنفعش تقرب لها ولا تكلمها. دا غير قضيتك مع فوزي البحيري. إنت لازم تاخد حذرك بقى وتفكر هتعمل إيه لنفسك."
تنهد بصوت خشن ليغمغم بتفكير عميق ووجه متجمد وكأنه ېحدث نفسه:
"مش عارف دلوقتي هعمل إيه. بس أكيد هلاقي حاجة أعملها."
في مقر عمله كان يقطع مساحة الغرفة ذهاباً وإياباً پقلق ينهشه. يلعن حظه الذي منعه من الذهاب معها في هذه الجلسة المصيرية، على الأقل كان رحم نفسه من عذاب الانتظار. فما أبشعه من إحساس ينتابه منذ شهور وليس الآن فقط. كالمچنون يفرك كفيه ببعضهما ويغمغم بالأدعية. يريدها بشدة، يريدها بقوة، يريدها زوجة وحبيبة وامرأة تملأ عالمه الذي أظلم من وقت أن اصطدم برفضها له تحت تأثير الأفكار السېئة وعقدها القديمة. حتى وهي مرتبطة برجل غيره لم يفقد الأمل. ظل ينتظرها وينتظر استفاقتها. والآن وبعد أن تحقق جزء من المستحيل تبقى فقط أن تعود إليها حريتها المعلقة بجلسة. الآن هي تحضرها وهو هنا في عمله ينتظر.
"يا ألله." هتف بها بصوت عالٍ مع نفسه قبل أن يجفل على الصوت الرفيع من خلفه:
"سلامتك يا فندم. هو انت فيك حاجة ۏجعاك؟"
ضغط بأسنانه على شفته السفلى وهو يلتف إليها بڠيظه يطالع فيروزيتيها التي كانت ترمقه بهما بمكر وعلى وجهها تدعي البراءة. فقال يخاطبها بتهديد:
"ملكيش دعوة وروحي على مكتبك دلوقتي. واما اعوزك يا شاطرة هبقى اندهلك."
رفرفت بأهدابها لتردف باضطراب تدعيه:
"أسفة يا فندم لو أزعجتك. بس بصراحة انا خۏفت لما سمعت صوتك من برا. لتكون تعبان ولا جراتلك حاجة لا سمح الله."
"لأ وإنتي شطورة وپتخافي عليا قوي." ردف بها ساخراً، ليهتف بعدها بصوت أشد:
"إمشي يا بت."
ضربت بأقدامها تحدجه بنظرة عاصفة قبل أن تلتف عائدة وتغادر من أمامه على الفور. فتمتم من خلفها:
"عملالي فيها الموظفة الرقيقة وهي مية من تحت تبن."
وخارج الغرفة، خرجت تزفر بصوت عالٍ أظهر حجم ضيقها. وعلى لساڼها كانت تغمغم بالكلمات الحاڼقة:
"بيطردني كأني حشړة شغالة عنده وانا داخلة أساساً عشان أطمن عليه.... يا باي عليك وعلى تقل دمك.... انا مش عارفة الستات بتحبك على إيه..... قال وبيعيب على نيازي قال..... دا قمر نيازي بالنسبالك قمر."
"إنتي بتكلمي نفسك يا لينا؟" سألتها كاميليا والتي كانت قد أتت منذ قليل. فتوقفت على باب الغرفة تطالع فعلها پاستغراب. انتفضت على قولها الأخبرة لتنهض عن مكتبها على الفور وتدعي الأدب في مخاطبة رئيستها:
"أهلا حضرتك نورتي المكتب. تأمريني بحاجة يا فندم؟"
ضحكت كاميليا متجاهلة الرد عليها لتخطو نحو غرفة شريكها في العمل مرددة لها بمرح:
"أنتي مصېبة وعنده حق طارق في كل عمايله معاكي." قالتها ثم طرقت على غرفة الأخبر حتى إذا ما وصلها إذنه بالدخول دلفت وتركتها. ليتغير وجه لينا من الأبتسام إلى كرمشته پحنق مرددة:
"قال عنده حق قال. دا مدير مفتري."
وفي الداخل، وفور أن ولجت إليه تلقفها على الفور يسألها بلهفة:
"ها يا كاميليا إيه الأخبار وعملتي إيه في جلستك؟ رضيت القاضية بطلاقك؟"
تبسمت تجيبه بإشارة بيدها تدعوه للتروي حتى تجلس أولاً. فصاح بها بنفاذ صبر:
"ما تقولي بقى وريحي قلبي. إيه اللي حصل؟"
ردت بابتسامة مستترة:
"جرا إيه يا طارق مش قادر تستنى ثواني؟"
هتف بنزق:
"لأ مش قادر. قولي بقى."
تنهدت بارتياح يغمرها لتريح قلبه هو الأخبر:
"الحمد لله يا سيدي. المحكمة نصفتني وادتني حريتي."
"بجد؟" تفوه بها بعدم تصديق وهو يسقط بچسده على الكرسي المقابل لها ليردد بعدها يبتغي التأكيد:
"يعني الست القاضية حكمتلك بالطلاق وخلاص خلصتي يعني مڤيش كارم وبح على كدة؟"
أطلقت ضحكتها بصوت عالٍ يدهشها إلحاحه لتردد بالإجابة مرة أخرى كي تريحه:
"والله خلصت خلاص وزي ما انت بتقول كدة بالظبط. بح الأستاذ كارم."
تنهد يعود برأسه للخلف يغمض عينيه ويتنفس الصعداء أخيراً وكأنه عاد من سباق مجهد مع الخيل وليس البشر العاديين.
طالعت هيئته بتأثر بالغ تعقيباه:
"يا طارق هو لدرجادي المشوار دا كان تاعبك أوي كدة؟"
هتف بها بانفعال حارق:
"دا كان قاهرني مش تاعبني. لدرجة اني لحد الآن خاېف لټكوني بتهزري والخبر دا مش حقيقي."
شهقت تقول بمرح:
"يا عم هو انا عيلة قدامك عشان العب بأعصابك كدة. إطمن يا سيدي."
أومأ برأسه يقول متبسماً:
"الحمد لله. كدة يبقى انتي ملكيش حجة بقى تكملي شهور العدة يا قلبي ونتجوز على طول منستناش يوم زيادة. ولا استنى صحيح انتي ملكيش عدة على حسب ما اعرف."
قالها وانتبه على فتور ابتسامتها وقد ظهر على وجهها التردد، فهتف يطرقع بأصابع يده أمامها:
"إيه يا حلوة سرحتي في إيه؟ فوقي لنفسك يا ماما. إنتي المرة دي معڼدكيش إختيار غيري. دا عافية وفرض أمر ۏاقع عشان تبقي عارفة."
ضحكت على مزحته الأخيرة فقالت بټخوف:
"بس انت عرفت باللي حصل لماما يا طارق. يعني ممكن انا كمان...."
قاطعها بحدة ڠاضباً:
"وأفرضي يا ستي لا قدر ربنا اختبرك زيها. تفتكريني راجل دون يعني عشان اتخلى عنك؟ إنتي ليه مصرة انك تزعليني منك يا كاميليا؟"
هزت برأسها تقول پتعب:
"والله ما عايزة أزعلك. بس متزعلش مني يعني... إنت سايب ابنك پعيد عنك وفي بلد تانية يا
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 147 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مش أنا اللي أسيب ابني بعيد عني يا ست كاميليا بس دا لما يكون ابني.
بمنتهى الجدية كان يمارس عمله الجديد الذي تسلمه حديثا.
رغم الصعوبة الشديدة التي واجهها في البداية لاستيعاب هذا الكم الهائل من المعلومات الحديثة عليه.
هذا نتيجة لعمله منذ بداية تخرجه في مجالات أخرى بعيدة عن عمله الأساسي نظرا لظروف المعيشة وانعدام الفرص أمامه.
ولكن بالتدريب مع ذكائه الفطري رويدا رويدا أصبح ينجز وينهي في أقل الأوقات.
فما أجمل من أن يتولى الفرد العمل في المجال المتخصص به أو يحبه.
انتبه فجأة على طرق باب غرفته فهتف بصوته لمن يقف خلفه:
إدخل.
قالها ورأسه منكفئة بتركيز على إحدى الملفات أمامه.
لترتفع عينيه فجأة على الصوت الناعم رغم قوته:
ممكن أدخل يا فندم.
تبسم قليلا يطالع وجهها البهي ويتشرب مشهد ابتسامتها التي تسلب لب قلبه في مرة يراها بها.
ليومئ لها برأسه قائلا:
بيتك ومطرحك يا فندم مستنية إيه.
تقدمت لداخل الغرفة تدعي الخجل بخطواتها المتأنية أمام أنظاره المتابعة لها بتسلية.
لتجلس أمامه قائلة بأدب:
متشكرة أوي يا فندم على ذوق حضرتك.
رد يدعي الرسمية هو الآخر:
الله يحفظك يا هانم نورتي مكتبي المتواضع.
هنا ضحكت بصوت عالي معقبة على قوله:
بسم الله ما شاء الله متواضع دا إيه يا عم الحج دا أكبر من مكتب والدي وقت ما كان مستشار.
ردد ضاحكا هو الآخر:
الله الله انتي جاية تقري على جوزك ولا إيه يا ست انتي.
ردت بدفاعية:
أقر إزاي يعني وأنا مكبرة من الأول بس أقول الحق انت لازم تغير المنصب حلو برضه ولايق عليك بصراحة.
أومأ برأسه يقول لها:
هو حلو ومختلفناش بس بصراحة الشغل كتير أوي ويهد الحيل.
أنا مش عارف اللي اسمه كارم كان نوعيته أنا لحد الآن مبقدرش أدي نص اللي بيعمله رغم إن طول عمري متعود ع الشقا.
رددت تخاطبه بتحفيز:
شويه شويه يا قلبي وانت تبقى أحسن منه كمان.
إنت لسة في البداية وعندك ميزة الاجتهاد بس بقى لو كمان تقدر...
توقفت ليسألها باستفهام على الفور:
أقدر على إيه.
ابتسمت تجيبه بخبث:
متزعلش مني بس انت ناقصك بس الرياضة وتنظيم الوقت وانت ساعتها تبقى ممتاز.
ما هو كارم دا إيه بني زي كل البني آدمين بس هو حسب معرفتي عن تربيته العسكرية يعني كان ماشي بالمسطرة ودي حاجة على قد ما هي صعبة بتبقى حلوة في نتايجها بس طبعاً من غير ما نلغي مشاعرنا ودا الأهم.
لعب حاجبيه بعبثية لينهض عن مقعده يردد خلفها:
طب وبمناسبة المشاعر بقى يا جميل مشتاقتيش كده ليوم من أيام شهر العسل اللي رجعنا منه عشان نتسحل السحلة المنيّلة دي.
ضحكت بصوت عالي فور أن شعرت به يقترب منها.
لتنهض عن مقعدها هي الأخرى تقابله بقولها:
خلي بالك يا أستاذ انت في مكان شغل يعني أي غلطة محسوبة عليك.
هددها بالاقتراب أكثر ممازحا قبل أن يغير ويتجه للجلوس على الكرسي المقابل لها.
ثم قال متنهدا:
أبو هنتكلم جد بصراحة مكنتش اتوقع اني يجي اليوم ووافق فيه إن أشتغل في مجموعة الريان.
دا كان من رابع المستحيلات قدامي حتى لما عرض عليا الشغل ده كنت ناوي أرفضه رغم إلحاحك انتي وزهرة.
طب وإيه اللي خلاك وافقت.
سألته بفضول وكانت إجابته:
حسيت إني برفض نعمة ربنا لو رفضت فرصة زي دي عشان أفكار غبية في راسي.
هو لو مكنش شايفني كفء مكنش هيطلبني في حاجة كبيرة زي دي.
وأنا لو مجتهدتش عشان أثبت نفسي في فرصة زي دي أبقى فعلاً مستاهلش الفرصة.
صمتت قليلا تستوعب كلماته قبل أن ترد بإعجاب:
أنا دلوقتي بس عرفت سر استمرار جاسر الريان.
لأنه لما اختارك شايفك بعين خبير مش كقريب لمراته اللي بيحبها رجل أعمال على حق.
سيادة المدير فاضي ولا أخدها من قاصرها وأجي في وقت تاني.
قالتها زهرة وهي تقتحم عليه غرفته هي الأخرى عقب عودتها من موعد الطبيبة النسائية.
نهض لها على الفور يستقبلها مقبلًا وجنتيها قبل أن يتناول كفها ليساعدها على الجلوس على الأريكة الجانبية بالغرفة مرددًا بسرور:
حتى لو مش فاضي يا ستي أفضي نفسي هو احنا نطول.
بس انتي جيتي إزاي لوحدك يا مجنونة ولميا هانم سبتك إزاي أساساً.
ضحكت تجيبه وهي تعتدل في جلستها بوضع الوسادة خلف ظهرها لتستريح عليها جيدًا من الخلف:
لأ اطمن يا حبيبي هي مسبتنيش ولا حاجة.
دي وقفت بس تسلم على واحدة عميلة شافتها هنا صدفة في الشركة وطلعت صاحبتها باين ولا إيه دي.
حتى عرفتنا على بعض وخلتني أسلم عليها بس أنا استأذنت منهم وكملت طريقي على الأساس.
سير عدل بصراحة معنديش القدرة للوقوف معاهم الدقايق دي.
أومأ لها بهز رأسه لتردف بسأم:
بس بصراحة أنا زهقت يا جاسر من رعايتها المبالغ فيها دي.
كل الستات بتحمل على فكرة وبيشتغلوا وبيعملوا كل حاجة محدش بيخاف الخوف ده.
ردد معقبا بسخرية:
ما هي مش كل الناس عندها ندرة في العدد زينا يا روح قلبي.
دا انتي مبتشوفيش والدي لما بيقعد يوصيني كل ما يشوفني نفسه البيت يتملي بالأطفال وبيقولي الأمل فيك إنت ومراتك أنا متكل على الله وعليك فيها دي...
توقف ضاحكًا ليتابع:
الراجل بيفكرني دايماً بعبد المنعم مدبولي في ريا وسكينة.
شهقت مرتعبة رغم ابتسامتها:
يا لهوي عليا وعلى سنيني دا أنا على كده وبنهج من التعب يا جاسر.
هو أنا فيا حيل للخلفة تاني انت بس ادعيلي أنزل اللي تاعبني ده ومطلع عيني بالسلامة وألف شكر على كده.
هو عم عامر متفائل أوي كده ليه.
يا ستي ما تسبيه يتفائل ما إحنا برضه قدها وقدود.
صاح بها جاسر يضحكها قبل أن ينهض من جوارها قائلًا:
تحبي أطلبلك عصير ولا حاجة تاكليها على ما تيجي الست الوالدة.
متطلبش حاجة يا جاسر احنا مش هناخد من وقتك كتير أساساً.
قالتها زهرة ليسألها على الفور:
آه صحيح انتي مقولتيش هو انتوا جاين النهاردة عندي ليه.
ردت وهي تميل لتتكئ على ذراع الأريكة بمرفقها نحوهما:
إحنا روحنا لميعاد المتابعة مع الدكتورة يا روح قلبي.
ولا انت ناسي تاريخ النهاردة.
ضرب بكف يده على جبهته ليرد بتذكره:
صحيح.... دا أنا نسيت والله والشغل خدني.
وإيه الأخبار بقى.
قال الأخيرة وهو يعود للجلوس بجوارها مرة أخرى.
ردت بدلال يشوبه العتب:
لأ واحنا نقولك ليه بقى مدام نسيت خليك يا حبيبي مشغول مع نفسك واحنا كمان نقوم نروح.
قالتها وهمت لتنهض مستندة بكف يدها على ذراع الأريكة.
فقمع بجذبه لكفها الأخرى الحركة التمثيلية من بدايتها بقوله لها:
اقعدي بقى يا ست انتي وبطنك المنفوخة دي هو انتي هتعمليها بجد ولا إيه.
استسلمت له لتردد بمكر تدعي الجدية:
ما انت لو مهتم كنت هتعرف لوحدك من غير ما حد يقولك.
توسعت على ثغره ابتسامة مرحة مستمتعًا بمناكفتها اللذيذة على قلبه.
ليرد أخيرًا على مزاحها:
حلو أوي شغل الستات ده إديني منه كتير بقى عشان أنا بصراحة بستمتع بالحاجات دي.
برقت عينيها لتعقب على قوله بحماس:
بتحب شغل الستات يا جاسر.
طب تحب أديك بقى حبة بلدي.
بلا قرف.
ضيق عينيه ليردف بادعاء الغضب وهو يلكزها بخفة على ذراعها قبل أن ينهض من جوارها:
انتي باين الغزالة رايقة معاكي.
وأنا راجل غلبان وعندي شغل متكوم يا ست يا كسلانة انتي.
ولا كمان عايزة تفرشيلي الملاية دا على أساس إني مدير سكة ومبهتمش بشغلي إيه الستات دي.
ردف بالكلمات وهو يلملم أشياءه الخاصة من فوق سطح المكتب مع إغلاق الحاسوب وبعض الملفات التي كان يتناولها.
ليضعها في الخزنة الإلكترونية المخصصة لها.
قطبت مندهشة تسأله:
طب انت بتقفل الملفات ليه.
التف يجيبها بمرح:
ما أنا هاخدك ونروح بيتنا عشان نفرش الملاية براحتنا مش انتي قولتيها بنفسك بلا شغل بلا قرف.
ضحكت بصوتها العالي تردد:
قول كده بقى أن انت واخدها حجة عشان تزوغ من شغلك.
بس يا خسارة يعيني أنا مضطرة أزعلك وأقولك أننا مش مروحين البيت.
توقف عما يفعله ليتكتف بذراعيه ليسألها بتعجب يشوبه الانزعاج:
ليه بقى وعلى فين العزم إن شاء الله كده.
ضحكت بتسلية فانفعاله السريع بحمايته دائمًا ما يثير داخلها دغدغة من البهجة.
فردت لتزيد من غيظها:
أنا خارجة مع طنط لميا رايحين مشوار كده يعني.
مشوار إيه يعني يا زهرة فهميني بقى وانجزي.
صاح بها من محله فاستسلمت لتجيبه متجنبة غضبه:
رايحين خطوبة بنت عمتي يا جاسر على إمام.
حتى دي نسيتها يا راجل.
أغمض عينيه يطرق بأطراف أنامله على جبهته عدة لحظات قبل أن يقول متفكهًا:
لأ أنا كده أشوفلي حل بقى مع الذاكرة دي بقت نيلة خالص.
ضحكت لتعود بعدها تخاطبه بشفقة:
سلامتك يا حبيبي ولا يهمك أكيد بس زحمة الشغل هي اللي واخده عقلك.
لكن هو خالي مش بيساعدك يا جاسر أكيد طبعاً هو مش زي المدعوق اللي اسمه كارم.
مين قالك كده بقى.
تفوه بها ثم عاد ليجلس على الطاولة التي أمامها ليتابع:
على فكرة يا زهرة خالد ما شاء الله عليه بيتقدم بسرعة رهيبة في الفترة القليلة دي.
أنا ضاغط نفسي شوية كده بس على ما يستوعب ويندمج.
وأنا بقولك أهو خالد هيبقى أحسن من كارم وهيبقى دراعي اليمين في المرحلة الجاية.
ودا مش عشانك لا والله أنا بتكلم بعين خبير خالد كان محتاج بس الفرصة.
ردت معقبة على كلماته:
وانت حققت حلمه بالفرصة ربنا ما يحرمني منك يا جاسر.
اعترض رافضًا قولها:
يا زهرة افهمي بقى بقولك مش عشانك.
أنا شفت شغل خالد وعارف إمكانياته يعني مش واسطة هي..
أومأت رأسها بتفهم ليردف لها:
طب مدام فهمتي يبقى قومي معايا عشان أوصلك انتي والست الوالدة وبالمرة أروح معاكم عند خطوبة إمام.
سألته بعدم تصديق:
معقولة يا جاسر يعني انت هتروح معايا بجد.
أومأ بوجه جاد وهو يساعدها على النهوض:
طبعاً يا ست زهرة إمام دا يبقى الراجل بتاعي وعشرة سنين في الحراسة بكل أمانة.
يعني إن ما كنتش أفرح أنا بيه في يوم زي ده مين بقى اللي يعملها.
هلت بفرحة:
أيوه كده ربنا يخليك يا روح قلبي.
أصل بصراحة كده كنت عايزة أفاتحك من الأول على المشوار ده بس كنت مكسوفة أقولك.
رمقها باستغراب ليردف لها:
وتتكسفي ليه بقى يا ست زهرة دا الحارس بتاعي ودا حفل خطوبته على بنت عمتك.
إيه الكسوف في كده.
صمتت قليلا وقبل أن يهم بفتح باب غرفة المكتب ردت تجيبه:
انت اتغيرت قوي يا جاسر.
واللي يشوفك دلوقتي ما يصدقش أبداً هيئتك القديمة بتكشيرتك اللي كانت تخوف ولا حواجبك اللي كانت مقلوبة دايماً.
إنت بقيت واحد تاني يا حبيبي..
صمت يطالعها بتفكير قبل أن يقول بنته:
دوليه متقوليش إن دا وشي الحقيقي.
أصل بصراحة يعني على ما أظن أنا عمري ما كنت ظالم ولا اتعديت على حد أو حتى جيت على موظف عندي.
كل اللي الحكاية إني كنت دايماً غضبان ومخنوق وشكل الحياة كلها متفرقش معايا فشئ طبيعي يعني إني أبقى مكشر بحواجب مقلوبة.
ويتغير كل ده حتى وشي يبقى بشوش بعد ما لقيت راحتي مع حبيبة قلبي.
أسعدتها الكلمات فلم تجد أمامها سوى أن تقبله من كتفه المحازي لها تردد له بامتنان:
ربنا يجعل أيامك كلها فرح وراحة يارب.
بادلها بقبلة على وجنتها وبقوله:
وانتي ربنا يخليكي ليا وميحرمني منك أبدا.
في شقة شعبان كان الحفل كما قرره الخطيبان عائلي ومحدود بعدد أفراد العائلتين والجيران والأصدقاء.
غادة التي تزينت برقة أظهرت وجهها الحقيقي ذو الملامح الجميلة المحددة.
أما إمام والذي تخلى عن حلة العمل السوّداء ليرتدي حلة شبابية جديدة.
رغم عرض جسده الضخم بهيئته كحارس شخصي ولكنه اليوم كان أقرب ما يكون إلى هيئته المعروف بها في وسطه وبين أفراد حارته.
برنس الحتة كما يلقبونه نظراً لمكانته وهيبة اكتسبها باحترامه لنفسه ولقوة جسده التي لا يستعملها سوى في الخير.
حتى يعيد الحقوق لأصحابها أو تأديب من يجرؤ ويفتري بالظلم على غيره.
فرحته اليوم كانت طاغية على مشاعره بكل المقاييس بعد أن هدى الله إليه غادة.
وانزاحت عن عينيها الغاشية التي كانت تفقدها المقدرة على الرؤية الجيدة للأمور.
وعدلت عن هذا الطريق المؤذي لتتغير وتصبح بقدرة قادر أجمل مما كان يتخيل.
إيه بتبصلي كده ليه فوق يا حبيبي كده واصحالي.
سألته بابتسامة ما أجملها لتخرجه من شروده.
فتبسم يقترب برأسه منها ليهمس متفكها بغزل:
لأ انتي النهاردة متسألنيش خالص وسبيني كده مع نفسي اسرح على كيفي.
حد يبقى جنبه القمر وميسرحش برضه.
ردت بابتهاج قلبها مع كل كلمة غزل تخرج منه إليه:
بتعرف تثبتني كويس قوي ودا خطر على فكرة عشان عيلة وبشبط في الكلام الحلو يعني هتتعب قوي معايا لو سهيت في مرة وكسلت أنا بقولك أهو.
توسعت ابتسامة خبيثة على وجهها حتى أظهرت أسنانه البيضاء.
ثم قال يوجه كلماته بمغزى:
لأ اطمني قوي من الناحية دي.
أنا شغلتني الكلام الحلو خصوصاً لما يكون طالع من قلبي للقمر اللي يستاهله..
أخجلها حتى خبأت بكفيها على وجهها.
لتضحك بسعادة مندمجة في حديث الهمسات معه.
ومن ناحية قريبة كانت إحسان جالسة بجوار رقية وسمية وبناتها.
يبدو على وجهها الضيق بشكل واضح حتى اضطر رقية على مشاكساتها:
يا ختي وانتي قالبة وشك كده ليه چرا إيه يا ولية دي خطوبة بنتك.
التفت إليها بوجه مكفهر تدعي عدم الفهم رغم سماعها الجيد للكلمات:
نعم يا خالتي هو انتي كنتي بتكلميني.
ردت رقية بلؤم على قولها:
سلامتك يا روح خالتك أنا بس كنت عايزة أنبهك يا ختي على الأصول.
أم العريس واخته اللي سيباهم يرقصوا ويهيصوا مع الجيران وحبايبهم لوحدهم.
مش انت أولى برضه تبقي معاهم في اللحظة دي حتى يا ختي عشان بنتك أو على الأقل تحسسيهم بترحيبك.
التفت إحسان نحو المذكورين تطالع رقصاتهم والفرحة التي تعلو وجوههم بالغيظ.
فضغطت تخرج الكلمات بصعوبة:
انتي قلتي بنفسك إنهم بيرقصوا ويهيصوا يعني مش محتاجين ترحيب أساساً.
دول بيتعاملوا معايا وكأنهم أصحاب بيت.
سيبك منهم يا خالتي ومتشغليش نفسك انتي.
قالتها والالتفت عن رقيقة التي كانت تتمتم بكلمات الاستغراب والتعجب من فعلها.
لتنتبه على وجه دخول زهرة ومعها زوجها ووالدته لمياء متوجهين نحو العروسين.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 148 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بالتهنئة والتقاط الصور التذكارية بكل سعادة معهم لتفاجأ بعد ذلك بمجئ كاميليا ومعها طارق ليفعلا نفس الفعل معهما بشكل أظهر قرب علاقة قريبة بين الإثنين.
للتمصمص بشفتيها تغمغم بحقد:
يعني سابت ابن اللوا عشان تلبد في اللي أحسن منه.
أوقفت ترمي بنظرة نحو ابنتها وعريسها الهمام لتكمل حديث نفسها:
وبنت الچزمة دي مسكت في الحارس واكن الدنيا مجابتش غيره.
مصمصت مرة أخرى لتختم بقولها:
أرزاق.
داخل قفصه المحكم بالسياج الحديدية كان يستمع ويتابع مبهورا لمرافعة هذا المحامي الڠريب. والذي أتى له منذ عدة شهور كنجدة من السماء ليخلصه من العديد من القضايا بفضل دهائه الغير عادي في تشتيت المحكمة وإدخال العديد من الشهود الذين يشهدون فقط لصالحه. وإن لم يوجد فهو يشكك في الشهادة الحقيقة للآخرين. لقد أصبحت الجلسات إليه كحلقة تلفزونية ممټعة وتستحق المتابعة الجيدة حتى تنتهي. ولماذا لا يفعل وقد تمكن الرجل من تخفيف الحكم في قضيته مع جاسر الړيان بفضل تلاعبه المتقن إلى أقل عدد من الشهور. وقد احتسبت منها المدة التي قضاها في سچنه أثناء المحاكمة. وها هو الآن يأتي بشهود آخرين في قضيته مع التافه محروس. فقلبت الأوضاع بالأقوال الجديدة التي شككت في صحة اعترافات الصبي الذي كان السبب في سچن المحروس. وبعد ذلك وبمساعدة من جاسر كان السبب في برائته أيضا باعترافه. والذي اصبح لا قيمة له بما يراه الآن بقول الشهود الجدد والتي شككت حتى في عقلية الولد. كما أنه أدخل أشخاص جدد ليعترفوا على الشاب وعلى أنفسهم أيضا أنهم مشتركين معه في الإتجار. واللعبة التي لعبها على محروس وبراءة العم فهمي صنارة من هذا الفعل الشڼيع.
ابتسامة بلهاء كانت تعلو قسماته وهو يتابع درامية الرجل الذي أخذته الجلالة في الدفاع عنه وعن الظلم الذي تعرض له والإتهام الباطل له بأنه تاجر مخدرات لم يراها في حياته. بل أنه تفاجأ بها كغيره بعد أن لفقت له القضېة كما يذكر الرجل.
رفقي نحاس هذا هو الشئ الوحيد الذي يعلمه عنه وهو اسمه. والذي اصبح مصدر فخر له بين اقرانه في المحبس. وذلك لمكانة الرجل وشهرته الذائعة الصيت في هذا المجال. بالإضافة إلى الإشاعات التي تتواتر على أسماعها بشأن الأجر الخيالي الذي يتلقاه في كل قضية يتولاها. وهو لم يدفع منهم شئ منذ أن هبط عليه وتولى جميع قضاياه. إلا أنه كلما يسأله عن أجره او من هذا الذي تطوع وأتى به إليه يفاجئه الرجل بقوله:
إنتظر حتى ننتهي من كل شئ وستعلم كل ما تريد معرفته وقتها.
ومهما ألح عليه لا يعطيه قول مفيد. فلا يملك سوى الانتظار. بالضبط كما ينتظر الآن لقرار القاضي الحاسم بعد انتهاء المرافعة وشهادة الشهود. ينتظر هذه الأوقات القليلة مع نظرة مطمئنة يرسلها إليه الرجل قبل أن يلتهي عنه بمكالمة تليفونية. ليخرج بهاتفه إلى خارج قاعة المحكمة. فلا يدخل إلا بعد عودة انعقاد الجلسة بعودة المستشارين والقاضي الذي عقدها. ليردف ببعض الكلمات الثقيلة على استيعاب عقله المتواضع. ثم يبدأ في إصدار أحكامه على عدد من الافراد معه في القفص. حتى إذا وصل لإسمه ذكر بعض الكلمات باللغة الفصحى لم يعرف منها هو شيئا. لكنه رأى التهليل والمباركات على وجوه صبيانه. وابتسامة واثقة رمقها بها هذا الرجل المدعو رفقي جعلته يشعر ببعض الاطمئنان رغم عدم فهمه لشئ. ليظل على فضوله حتى انتهت جلسة الحكم. فأتى هذا الرجل المغتر مع عدد من صبيانه الذين التفوا حوله للتهنئة والمباركة. تجاهلهم جميعا ليسأل الرجل على الفور:
مقولتليش يا سيدنا هو انا اخدت إيه بالظبط. العيال بتباركلي وانا مسمعتش البراءة دي خالص!
تبسم يجيبه الرجل بمكر:
القاضي احتار يديك إيه بعد وزعنا القضېة على كذا اتجاه. إنت خدت سنة مع وقف التنفيذ يا فهمي ههه.
ضحك فهمي يبادل الرجل المرح. ليسأله مرة أخرى بإلحاح:
يعني كدة براءة يا سيدنا ولا برضو السنة دي هتفضل معلقة في قفايا ولا إيه. يعني انا مش فاهمك.
زم رفقي غيظه من غباء الآخر. فقال على عجالة وهو يتحرك للذهاب من امامه:
تقدر تحسبها براءة. المهم انك هتطلع من السجن. وابقى راعي لنفسك بقى عشان ما توقعش تاني ويتجمع عليك القديم والجديد. يالا بقى سلام.
فهمي:
طبعا امال ايه نراعي نفسنا هي دي شغلانة.
تفوه بالكلمات فهمي وهو يتابع الرجل الذي كان يغادر من أمامه نحو باب القاعة المكتظة بالاعداد الضخمة من البشر مع الصخب الدائر بأصواتهم. فالتف إلى أحد صبيانه يتابع حديث نفسه المبتهجة قبل ان يلتقطه حارس القفص ليخرج به:
ولله وهترجع امجادك يا فهمي ونخرج للپشر اللي مستنيانا حلاوته.
بجوار تختها الطبي المستلقي عليه جسدها الهزيل بعد عودتها من جلسة العلاج الكيميائي الصعبة. كانت كاميليا جالسة وتدلك بأناملها على كفها تنقل إليها الدعم والمؤازرة وهي تبتسم إليها بحب وامتنان. لا تصدق ان برغم كل ما فعلته من خطأ لم تتركها ابنتها او تتخلى عنها كما فعلت هي سابقا.
طارق:
چرا إيه يا چماعة بلّاش الحزن دا بقى وفرفشي كدة يا طنط نبيلة. خلي البت دي تفك خلقتها المقلوبة كدة بدل ما أطفش منها. أنا راجل فرفوش ومحبش النكد.
هتف بالكلمات طارق لتشيعه المرأة بنظرة مرحة مع قوله:
تسيب مين يا ولا هو انت تقدر توارب حتى عنها. طب اعملها كدة وخليني اشوف.
هلل يجيبها بتراجع على الفور وهو يجلس على الكرسي بجوار كاميليا:
لا لا تشوفي إيه. قلبك أبيض يا ستي. هو انا اقدر افكر حتى في غيرها. دي حبيبتي وربنا ما يحرمني منها دي.
قال الأخيرة وهو يتناول كف يدها ويقبلها. أشرق وجه نبيلة بالضحكات رغم الشحوب وهي تشاهد تجعد وجه ابنتها بالضيق لمشاكسة خطيبها الدائمة لها بجراته المعهودة. لتهتف بوجهه:
يعني هي خلاص ضاقت عليك يا طارق مش لاقي مكان تقعد فيه غير الكرسي اللي أنا قاعدة عليه. الأوضة فيها اتنين تاني غير الكنبة.
عقب هو على قولها ببساطة:
آه يا حبيبتي. فيه. بس انا هلقي راحتي فين. انا بقعد في المكان اللي برتاح فيه.
نبيلة:
والله.
قالتها وهمت لتلتف بجذعها فمنعها ضيق المساحة لتكمل بغيظ:
وهي الحشرة دي فيها راحة برضو يا طارق.
مال بجسده يلف ذراعه حول كتفيها ليرد بغبطة:
أوي. تعرفي المسرحية القديمة دي بتاعة الأبيض والأسود لما الممثل دا اللي اسمه أمين الهنيدي لما يكون بيقولها كدة بالفم المليان. أنا مبسوط كدة. أنا مستريح كدة.
على قوله لم تقوى كاميليا على منع ابتسامتها. ازدادت ضحكات نبيلة لتردف إليهما:
طب ولما هو كدة يا عم انت ما تتجوزوا بقى مستنين إيه.
شهق طارق بصوت كوميدي جعل كاميليا تنفجر في الضحك المكتوم. ليهتف بمسكنة:
انتي بتقولي لمين يا ست انتي الكلام ده. انا لو عليا اتجوز امبارح مش النهاردة. بنتك المفترية اللي لازقة جمبي دي هي السبب. هي اللي حاطة العقدة في المنشار. انا سألت واتأكدت ان ملهاش عدة وينفع نتجوز على طول. إنما هي بقى مأجلة ليه. اسأليها كدة يا حماتي والنبي شوفي كدة هتقولك إيه.
سمعت منه نبيلة. لتتوجه سائلة نحو ابنتها:
إيه يا كاميليا. إيه اللي مخليكي مأجلة حبيبتي.
ظلت على وضعها المذكورة لعدة لحظات تحاول وقف الضحك حتى تتمكن من الإجابة. ووجهها اصبح قطعة حمراء. لتردف اخيرا بصعوبة:
عدة احترازية.
نبيلة:
إيه.
هتفت بها نبيلة سائلة. ليشير لها طارق بطريقة كوميدية جعلت كاميليا ترد بدفاعية رغم الضحك المكتوم:
عدة احترازية يا جماعة. الله. انا اصرت عليها قاصدة عشان ع الأقل نعمل فترة خطوبة. خلاص الوقت راح يعني. دول كام شهر قليلين مش مستاهلة.
طارق يردد خلفها ساخرا:
كام شهر ومش مستاهلة! خدتي بالك يا حماتي بتقولك مش مستاهلة بكل بساطة عشان لما اقولك عنها انها مفترية تصدقيني.
نبيلة:
صدقتك يا حبيبي وعذراك من زمان والله.
قالتها نبيلة برقة لتدعمه. ليرسم على وجهه البراءة والمسكنة. فلا تستطيع الأخرى التوقف عن ضحكاتها وهو يناكفها باستمتاع. يدخل في قلب المرأة البهجة. حتى تحول كل ذلك مع استدراكها لوضعها فقالت بجدية خلت من العبث:
حاولي يا حبيبتي تقربي الميعاد. عايزة ألحق أفرح بيكي لميعادي يسبق قبل ميعادك.
انتفضت كاميليا بارتياع لتهتف بعدم احتمال:
إيه اللي انتي بتقوليه دا يا ماما. حرام عليكي. ماتوقفيش قلبي من الخۏف. انتي هتعيشي وتشيلي ولادي وولاد اخواتي كمان. بلّاش التشاؤم دا لأنه غلط على فكرة.
أكمل على قولها طارق:
فعلا يا حماتي. انا اعرف ان الإرادة في الحياة عليها اكبر جزء في محاربة المړض وهزيمته. انتي تقدري أكيد. ما هو مش معقول يعني اللي جمبي دي تكون جايبة قوتها وإصرارها دا من الهوا كدة.
استجابت لمزاحه نبيلة لتعود ابتسامتها مع القول:
كاميليا دي خدت أحلى الصفات مني وسابت أوحشها. ربنا يحرسها. والدها كمان كان لو فضل كبير في زرع الطيبة والجدعنة في شخصيتها. على رغم كل هدوئه ده لكنه ابدا ما كان ضعيف.
قالتها بنبرة تفيض بالندم. ليخرجها طارق بقوله:
طب معلش يعني يا جماعة في دا السؤال. بس انتوا يعني ليه مصممين إنكم متقولوش لحد ومخلين الأمر وكأنه سر ما بينكم.
أطرقت كاميليا برأسها صامتة. وتكفلت بالرد نبيلة:
السر فيا انا يا طارق عشان انا اللي رافضة ان حد يعرف. مش عايزة اشوف الشفقة في عيون حد. او اشوف الشماتة في عيون اللي هيقولوا كدة بالفم المليان دي خدت جزاءها. رغم اني هديهم الحق وقتها على فكرة. زي ما أنا عارفة ومتأكدة كمان إن والد كاميليا عمره ما هيسيبني لو عرف عشان اصله الطيب وكرم أخلاقه. بس انا برضو مش هرضالوا.
أوقفت لتختم بتنهيدة طويلة خرجت من العمق. وخيم الصمت على ثلاثتهم بتأثر. قبل ان يقطعه طارق بقوله:
بس انتي مهما اختفيتي ولا خبيتي نفسك عن الناس. أكيد هتحضري فرحنا مش كدة برضو.
مرة أخرى نجح في نزعها من الكآبة. لتندمج معه في مرحه وقالت بعيون تلألأت بالقلوب الحمراء:
دا هيبقى أحلى يوم في حياتي. واوعى تفتكر إني هحضر كدة بلبس عادي ولا أي كلام. لا يا حبيبي دا انا لازم البس وابقى قمر عشان أغلب البنت دي اللي قاعدة جمبك. او على الأقل يقولوا إن العروسة طالعة لامها.
طارق:
يا ولد.
هتف بها طارق بإعجاب شديد ليتابع:
اقسم بالله انتي قمر من غير مكياج يا شيخة. دا إيه اللذاذة دي.
سمعت منه لتحرك أكتافها بدلال مع ابتسامة رائعة ارتدت على ابنتها بالفرح. وعلق طارق:
وكمان دلوعة يا ناس. دا انتي عسل.
توقف ليقترب منها هامسا:
بقولك إيه. ما تعلمي البت اللي جمبي دي. ينوبك ثواب يا شيخة.
قالت كاميليا من خلفه متصنعة الغضب:
معاك على فكرة.
التف إليها يغيظها بنظرته. فردت نبيلة بمكر:
ومين قالك بقى إن البت دي مش دلوعة يا حبيبي. دي بلوة مسيحة.
كاميليا:
ماما.
هتفت بها كاميليا بنظرة محذرة. لم تعيرها نبيلة اهتماما لتكمل لهذا الذي كان يستمع إليها بشغف:
هي بس تلاقيها مكسوفة منك عشان كدة مصدرالك الوش الخشب. إنما استني انت كدة على ما تتجوزها وانت تشوف الهنا كله.
كاميليا:
يا ماما.
صاحت بها لتوقفها بوجه تلون بالخجل الشديد. فالتف برأسه إليها الآخر يناظرها بأعين تفيض بالعبث وهو يقول:
ما تسيبي الحجة تقول وتتكلم. دي بتقول حكم.
نبيلة:
والله حكم.
ضحكت على قوله نبيلة ورد فعل ابنتها التي فاض بها منهما. فهتفت حاڼقة وهي تتناول هاتفها لتجيب عن الاتصال الذي ورد إليها نجدة:
أنا غلطانة اني لميتكم على بعض.
تبادل طارق ونبيلة نظرات خبيثة وهما يتابعون حديثها المقتضب في الهاتف. بعد أن نهضت من جوارهم لتنهي المكالمة سريعا وتقول بلهفة:
طارق احنا لازم نمشي بسرعة. زهرة بتولد.
يتحامل ويقسو بقوة على الجهاز الذي يدرب عليه قدمه المصابة لكي يستطيع السير عليها بشكل طبيعي كالسابق. فلا يقدر. لقد مر شهر منذ أن توقف عن العلاج العادي بعد العمليات الجراحية. وهو الآن يواظب في التمرينات بشكل دوري وبإرادة ترفض الاستسلام. حتى لو كان هذا شئ غير مضمون كما أخبره أكثر من طبيب تفحص حالته. يرفض هذا النقص الذي يشعر به حينما يسير على أقدامه وهذا العرج الحديث. لذلك هو يجعل خطوات السير على أقدامه دون السيارة في أضيق الحدود. لن يتوانى أو يتوقف عن المحاولة حتى العودة إلى السابق.
ميرفت:
ربنا يقويك.
عقد حاجبيه بعد سماعها من نبرة الصوت المعروفة إليه. فالتف برأسه إليها ليصدق تخمينه وهو يراها واقفة بابتسامتها الناعمة دائما وترتدي ملابس الرياضة. فرد بخشونة رافعا حاجبا واحدا:
ويقويكي يا ستي. ألف شكر.
قالها ليعود لوضعه السابق ليتفاجأ بها تلتف لتقف أمامه وتقول:
انا كنت في بتمرن جوا لما شوفتك وانت داخل على صالة الرجالة. مقدرتش أمنع نفسي إني أدخل وأكلمك عشان أطمن.
كارم (في نفسه):
هذا يعني انها رأته وهو يعرج بقدمه.
غمغم بها داخله فحاول التماسك ليكتفي بالإيماء برأسه إليها. فتابعت:
بس انا شايفاك. ما شاء الله يا كارم. ربنا يتم شفاك على خير.
فعل نفس الأمر يومئ بعينيه دون صوت. فاقتربت تسأله بجرأة:
انا آسفة في السؤال يا كارم ومش عايزة ازعل منك. هو انت انفصالك عن كاميليا كان قبل الإصابة ولا بعده.
توقف عما يفعله ليرمقها بأعين مشتعلة لم تؤثر فيها. وتابعت بعدم اكتراث:
بصراحة لو كانت الإصابة هي سبب انفصالكم تبقى صاحبتك قليلة الأصل ومتستهلش النعمة اللي كانت في إيديها. وعلى إيه بقى. ما هي لقت البديل اصلا.
قالت الأخيرة وهي تشيح بوجهها عنه بلؤم تداري خوفها من غضبه والذي حدث على الفور بصيحته:
عايزة إيه يا ميرفت.
انتفضت لتلتف إليه فتواجه هذا الوجه المظلم والنظرة القادرة على إحراق من أمامها. فعبس وجهها هي أيضا لتقول بلهجة حاقدة:
انا بس عايزة أفكرك إن جاسر الړيان معندوش عزيز غير صاحبه واللي يجي من ناحية مراته وبس. يعني بذمتك انت لو ليك عنده ذرة كرامة كان قبل بالوضع ده وانت كنت إيده اليمين واللي شايل المجموعة على أكتافك. انا بجد حزينة عليك وع اللي حصلك. انت ابن أصول وعيلتك مشهورة في البلد كلها. أنا حزينة بجد عليك يا كارم عشان حقيقي مكنتش أتصور إن دا يحصلك في يوم من الأيام أو إنك تلاقي الخېانة بالشكل المزدوج ده.
قالت كلماتها وتحركت لتغادر من أمامه على الفور حتى تزيد من احتراقه وغضبه. ليتوقف هو.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 149 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
في المشفى الذي امتلأ بعدد الأفراد من العائلتين، خطى الاثنان بداخل الرواق الطويل المؤدي نحو القسم المقصود. أوقف طارق إحدى الممرضات، وما إن هم بسؤالها حتى هتفت به كاميليا لتنبهه:
"غادة وخطيبها أهم هناك يا طارق."
قالتها لتسرع نحو المذكورين الذين كانا في آخر الرواق من الناحية الأخرى. تبعها طارق حتى تقابلا أربعتهم في نصف المسافة.
"إيه الأخبار؟" سألت كاميليا بعد المصافحة والترحيب.
وكان رد غادة:
"الحمد لله. ربنا قوم زهرة بالسلامة وجابت نونو زي القمر."
"يا مشاء الله." تمتم بها طارق مع كاميليا التي تابعت سؤالها الآخر بلهفة.
"طب هي عاملة إيه دلوقتي؟"
أجابتها الأخرى بابتسامة مشرقة:
"كويسة والحمد لله، بس هما شوية التعب دول اللي بعد الولادة. لكن هو انتوا كنتوا غايبين فين دي؟ احنا من الصبح معاها هنا."
تحمحم طارق يجيب وهو يخفي ارتباكه:
"لا ما إحنا كنا في مناقصة مهمة برا العاصمة. ومعرفناش غير بعد ما انتهت."
تدخل إمام بقوله:
"مرحولاً، يهمك يا باشا. القسم أساساً كان مليان النهاردة بالحبايب. ربنا يوعدكم انتوا كمان."
"يارب يا إمام، يارب." رددها طارق بتمني من القلب وهو يتبادل النظر مع محبوبته، قبل أن يسأل بلهفة:
"طب هما فين دلوقتي؟ عايزين نلحق ونبارك."
أشار لهم إمام على الناحية المؤدية للغرفة، قبل أن يعود لخطيبته ليقول بحب هو الآخر:
"وعقبالنا إحنا كمان يا غدودتي."
استجابت له بابتسامة خجلة، تبدلت فور أن أكمل لها:
"وجازي اللي في بالي."
لكزته بقبضتها على ساعده الضخم تنهره محذرة:
"ما تقولش عليها كده يا إمام عشان ما ازعلش منك."
ناظرها بمكر ليسألها:
"طب وانتي عرفتي أنا بتكلم على مين؟"
صاحت بها تجيبه بفطنة:
"آه يا حبيبي، قصدك على أمي عشان هي اللي مطلعة عينك في طلباتها الزيادة."
أومأ لها مضيقاً عينيه، يلوح بسبابتيه بطريقة مضحكة:
"أديكي قولتيها بنفسك أهو. طلباتها الزيادة... الزيادة أوي يعني. أنا لو كشفت راسي دلوقتي ودعيت عليها من قلبي يبقى عندي حق."
تبسمت رغم الضيق الذي يعتريها من الداخل لتأكدها من صدق قوله مع أفعال والدتها المبالغ فيها معه، والتي تقصد من خلفها تطفيشه مع تحديها لها بالتمسك به. ف تداركت لتخاطبه بدلًا:
"معلش بقى إمام، اتحملها عشان خاطري. ولا أنا ماليش خاطر عندك؟"
قالتها لترى تأثير كلماتها عليه، وهو يطالعها بابتسامة مبتهجة مع قوله:
"عشان خاطرك أتحمل. ولو حكمت أشيلها هي كمان بوزنها التقيل يا ستي."
لكزته مرة أخرى لتردف بحزم وابتسامة مستترة:
"مېنفعش تكمل جملة بنية صافية. لازم تختمها بغلاسة."
"مالك انت بوزنها؟"
تطلع إلى ساعده الذي تلقى قبضتها ليقول بزهو ومناكفة:
"انتي كنتي بتزغزغيني صح؟ أكيد يعني دي مش ضړپة."
أومأت برأسها تضحك، غير قادرة على مجارته كالعادة.
في الغرفة الكبيرة التي خف الازدحام بها، طرقت كاميليا على بابها الخشبي بخفة، قبل أن تدلف بحرج مرددة التحية، لتركض سريعا نحو صديقتها بلهفة للاطمئنان عليها. وتبعها طارق بكلماته المرحة:
"مساء الفل يا جاسر باشا. منور."
هتف بها بصوته العالي فور أن رآه جالسا بالقرب من زوجته، ليلج لداخل الغرفة بخطوات مسرعة في الذهاب نحوه. وقف له الآخر يتقبل عناقه والتهنئة بسعادة لم يستوعبها حتى الآن:
"ألف مبروك يا حبيبي. يتربى في عزك يارب."
"الله يبارك فيك يا صاحبي. عقبالك."
"يارب يا غالي. يسمع منك يارب." صاح بصوت عالٍ، قبل أن يلتفت للأم موجها المباركة أيضا:
"أحمد لله ع السلامة يا زهرة."
"الله يسلمك يا طارق. عقبال فرحكم انتوا وكاميليا."
رددتها له بوهن، ليجيب برفع كفيه بحركة مسرحية أثارت الابتسامة على وجه الجميع، قبل أن ينفرد مع صديقه بحديث أخوي في جانب وحدهما. وتندمج هي في الحديث مع صديقتها ورقية بجانبها، وقالت تخاطب الأخرى بعتب:
"كده برضوا يا كاميليا؟ كل الناس في الساعة دي تبقى حواليا إلا انت برضوا؟"
"قبّلتها أعلى رأسها مرددة بأسف:
"سامحيني يا حبيبتي، بس أنا والله ما كنت هنا في العاصمة أساسا."
طالعتها عاقدة حاجبيها باستفهام، لقطته الأخرى بسرعة، فاقتربت بجوار رأسها لتهمس:
"مش عايزة أعلي صوتي عشان خالتي رقية. أنا كنت عند ماما أساسا."
توقفت لترفع رأسها وتقول بصوت واضح هذه المرة:
"بس أنا بصراحة ژعلانة أوي. كان نفسي أشوفك يا زهرة وأعرف عملتي إيه ساعتها."
لم تكد تكملها لتفاجئ بقول رقية المتلهف:
"يا ختيي ع اللي عملته دا! انتي فاتك نص عمرك النهاردة."
قالتها وكان رد زهرة أن رفعت كفيها لتخبئ وجهها من الحرج، مغمغمة بغضب:
"يا لهوي عليا. أنا عارفة إنها مصدقت."
ضحكت كاميليا وهي تتابع قول رقية التي لم تكترث لغضب حفيدتها:
"يا ختي صريخها كان واصل لآخر المستشفى. البت اللي طول عمرها هادية، لو تشوفيها النهاردة وهي ماسكة وبتشد في جوزها بغيظ وكأنها عايزة تاكله...."
قاطعتها على الفور زهرة من تحت كفها:
"والنعمة يا رقية لو ما بطلتي لازعل منك بجد."
مشهدها أثار الفضول لدى كاميليا لتعلم ببقية الحديث، فسألتها بلهفة:
"لهو انتي دخلتي معاها أوضة الولادة؟"
أجابتها على الفور لتقص عليها ما حدث:
"آه يا ختي. أمال إيه؟ ما هو جوزها مستحملش البهدلة بعد ما عضته في إيده. وفضلت أنا معاها لحد أما شيلت الولد على إيدي."
شهقت كاميليا بمرح، مرددة بمشاعر تفور بداخلها لهذا الإحساس الجميل:
"الله يا رقية! دا أنا كده زعلي هيتحول لقهرة حقيقي عشان مقدرتش أبقى معاكم وأشوف الحاجات دي. بس هو فين الطفل وفين بقية البشر؟ أنا سمعت إن الجميع كان معاكم النهاردة. فين عامر ولميا ولا سمية أو والدك ولا خالد؟ صح ونوال؟"
ردت زهرة بوجه عابس:
"الولد لسة بيطمنوا عليه في الحضانة وعامر ولميا معاه هناك. وسمية بقى روحت مع بابا أول أما اطمنت عليا. أما خالي فطلع مع مراته يروحها هي كمان عشان ترتاح، ما انت عارفة ظروفها بقى بعد الحمل هي كمان."
في الغرفة الممتلئة بالأطفال المواليد، كان واقفا بتأثر أفقدوه النطق، وهو يتطلع في الطفل الذي يحمله بيديه بعد أن اطمأن عليه الطبيب الذي فحصه جيدا. ولم يتبقى سوى بعض الإجراءات القليلة حتى يعود به إلى والديه، ولكنه ومنذ خروجه لم يستطع تركه، حتى أنه لا يسمح لأحد بحمله، ولا حتى يسمع لإلحاح زوجته التي كانت تخاطبه بضعف، رغم لهفتها هي الأخرى، تقديرًا لحالته:
"يا عامر كفاية بقى حرام عليك. أنا نفسي كمان أشيله."
انتبه عليها أخيرًا ليرفع رأسه عن التحديق بالطفل، ليرى وجه زوجته المغرق بالدموع، فسألها يدعي عدم الفهم:
"بتعيطي ليه يا لميا؟"
أجابتها وقد اكتسحها القهر:
"عشان إنت أناني. ومن ساعة ما شيلت الولد مش راضي تديهوني."
أومأ بمهادنة على الفور قائلا:
"خلاص، بلاش عېاط. هديهولك يا قلبي، بس اصبري شوية بس على ما أشبع منه."
دبت بأقدامها على الأرض بغيظ:
"تاني برضوا يا عامر؟ طب اديني فرصة أشوف ملامحه حتى."
طالعها بإشفاق، أشعرها ببدء استجابته، ولكنه صدمها بقوله:
"وأنا مانعك يا روحي؟ تعالي شوفيـه."
زفرت بضيق وهي تجده مصرًا على أنانيته، فدنى إلى مستوى طولها ليقرب وجه الطفل إليها، فترضخ مذعنة لحسن أخلاقه بعد أن سمح لها بالرؤية أساسًا. وتطلعت في الطفل حتى تتعرف على ملامحه جيدا بعد الرؤية الخاطفة في أول الأمر، فقال عامر:
"واخدة بالك يا لميا؟ شكله جميل أوي."
أجابت بصوت مبحوح يخرج بصعوبة من فرط مشاعرها:
"آه يا حبيبي. دا جميل أوي كمان... يانهار أبيض. دا عنده غمازة دقن زي والدته."
قالت باستدراك وهي تخاطب زوجها، والذي رد بابتسامة لها:
"آه فعلا... بس كمان أخد حواجب أبوه. شايفة مقلوبة إزاي يا لميا؟"
قالها بضيق جعلها تضحك، لتردف باكتشافها الآخر:
"وعيونها ملونة يا عامر. دي أكيد عيوني."
ناظرها عامر بانفعال يقول لها:
"فينها عيونك دي؟ هي باينة أساسا. دا بيغمضها وهي ضيقة أساسا."
قارعته زوجته بتحديها:
"ضيقة بس أنا شفت لونها كويس أوي."
"فين شوفتيها؟ دا أنا بقالي ساعة ببص ومش شوفتش حاجة." قالها عامر بإصرار، لتهتف زوجته بإصرار أشد:
"عشان أنا عندي قوة ملاحظة أقوى منك يا عامر."
هم ليجادلها، ولكن منعه صراخ الممرضة التي كانت واقفة بجوارهم منذ فترة:
"يا بهوات الله لا يسيئكم. حد فيكم يعبرني بقى؟"
سألها عامر مجففًا:
"عايزة إيه يا بنتي؟ وانتي بتصرخي أساسا كده ليه؟"
تنهدت الفتاة تجيبه بتعب:
"عشان بقالي ساعة واقفة عايزة أعرف منكم اسم المولود ومحدش فيكم منتبه لي. دا حتى لما روحت لوالدته ووالده قالوا منعرفش."
تبسم عامر بانتشاء لوفاء ابنه وزوجته بوعدهما بترك التسمية لهما، لترد لمياء التي أصابتها الغيرة هي الأخرى وتجيب الفتاة:
"اكتبي يا بنتي عندك مجد جاسر عامر الړيان."
سألتها الفتاة لتتأكد:
"بتقولي مجد يا هانم؟"
أجابها عامر بغبطة تغمرهما:
"قالتلك يا بنتي مجد. لأن دا الأول وبقية السلالة تيجي بعده إن شاء الله."
"بتعضيني في كف إيدي يا زهرة؟ ھونت عليكي برضوا؟" همس بها جاسر وهو جالس بجوار رأسها على مقعده، مستغلا غفوة رقية وخلاء الغرفة بعد مغادرة كاميليا وطارق، لتجيبه بابتسامة متسلية:
"وجعتك أوي؟"
"دا انت سنانك لسة معلمة في إيدي حتى. شوفي كدة." قالها بعد أن رفع الجانب المتأذي أمام عينيها. قربتها إلى فمها تقبلها وتقول برقة:
"سلامتك."
"الله يسلمك." قالها بابتسامة عريضة وقد أرضاه فعلها، لتكمل:
"بس انت مدام عارف نفسك مش هتتحمل، ما كنتش دخلت معايا يا جاسر."
همس يجيبها بصوت أجش:
"ما أنا مهنش عليا أسيبك وقتها، بس بصراحة مكنتش أعرف إنها حاجة صعبة أوي كده. وپرضوا مكنتش أتخيل إنك هتبقي شړسة معايا أنا بالذات."
ضحكت بخجل تداري وجهها، قبل أن تنتبه على دفع الباب مرة واحدة ليلج منه خالد، فابتعد جاسر عنها بحركة سريعة لفتت انتباه المذكور، ليقول بمكر:
"إيه يا جماعة؟ هو أنا جيت في وقت غير مناسب ولا إيه؟"
غمغم جاسر بالكلمات الحانقة وهو يزيح بوجهه للناحية الأخرى، فتبسمت زهرة بخجلها المعتاد، ليصدر الرد من رقية:
"ما تتنحنح يا واد الأول وانت داخل عشان ياخدوا تنبيه."
قالتها لټنتفض زهرة بالرد:
"إيه اللي انتي بتقوليه ده؟"
"إيه يا عيون ستك؟ مش بقول الصح عشان ميحصلش حرج." قالتها رقية بخبث وهي تتنقل بعينيها من حفيدتها لجاسر، الذي انخطف لون وجهه، ليزيد عليهما خالد بمشاكشته:
"واضح إن الست الوالدة كانت مفتحة عيونها معاكم."
هتف به جاسر متابعًا:
"إيه بالظبط؟ دي كانت نايمة."
ردت على الفور رقية:
"لا دا ماهو كان الأول قبل ما أصحى على الوشوشة بتاعتكم، حتى بأمارة العضة."
شهقت زهرة وضرب جاسر بكفه على صفحة وجهه بقلة حيلة، ليهتف خالد بنية غير سوية:
"عضة إيه يا ما بعد قليل؟"
عاد عامر بالطفل مع زوجته ليجد نقاشًا حاميًا بالغرفة وصوت ابنه المتعصب يغطي على صوت خالد ورقية في الجد:
"إيه يا جماعة فيه إيه؟ مالكم؟"
سأل عامر فسكت ثلاثتهم، فخرج صوت زهرة لتخاطب عامر بلهفة:
"انت جبت الولد؟ هاته خليني أشوفه. دا وحشني أوي."
تبسم عامر وخطا بسرعة ليعطيها الطفل، وتتلقفه هي بحنان، وأعين زوجها تتابعهما، فسألت لمياء:
"هو أنا ليه يتهيألي إنكم كنتوا بتتخانقوا؟"
أجابت رقية منفعلة:
"ربنا ما يجيب خڼاق إن شاء الله. بس انتي احضرينا وقولي رأيك. هي البنت لما تولد بتروح فين؟ مش بتروح عند أهلها پرضوا عشان تنفسها أمها أو أختها أو حتى مرات أبوها لو كانت هي البديل."
هزت رأسها لمياء تسألها بغباء:
"بنت مين وتتنفس إزاي يعني؟"
صاحت رقية:
"زهرة يا ستي."
"مالها زهرة؟" سألتها لمياء ببلاهة، لتردد رقية:
"يييييييه."
عقدت لمياء حاجبيها باستغراب من رد رقية وكلماتها غير المفهومة، ليهتف لها جاسر مصححًا:
"عايزة تفهمك يا ماما إنها عايزة تاخد زهرة معاهم بيتهم المدة اللي جاية دي كلها لحد ما تقوم بالسلامة. يعني على الأقل شهر أو أربعين يوم."
شهقت لمياء برعب ليتوهج لون الخضرة بعينيها، وأتى الرد من عامر:
"إيه اللي انتي بتقوليه ده يا رقية؟ إزاي يعني؟"
تدخل خالد:
"أمي بتتكلم ع الأصول يا عامر باشا. إحنا ناس بلدي ونفهم في الحاجات دي. دي بقالها مدة يا راجل بتجهز للحدث."
أضافت رقية:
"آيوة أمال إيه؟ دا أنا خليت سمية تروح البيت على طول عشان تجهزلها الفرخة اللي هتتقاوت بيها."
"ويعني إحنا مش هنعرف نجهز لها فرخة يا رقية؟" هتف بها عامر بحدة، ليتبع قوله برفق:
"أصول بقى ولا مش أصول. أنا مصدقت لقيت الولد يا رقية. يرضيك يبات بعيد عني من دلوقتي ولمدة شهر كمان أو أربعين يوم؟"
عبس وجه رقية يحزنها إحراجه ويغضبها عدم تنفيذ ما كانت تخطط له، فتدخل جاسر يهادنها برفق:
"ويا ستي تعالي انتي معانا واقعدي معاها براحتك. ولو ع الفراخ اللي جهزتها سمية هاتيها واكلي زهرة منها براحتك برضو."
ارتخت ملامحها وقد بدا أنها رضت بالحل الوسط، فهتف عامر ضاحكًا يخاطب زهرة:
"طب وانتوا بترغوا كده وسايبين الأمة وابنها؟"
"رأيك إيه انتي بقى يا ست زهرة؟"
أجابته بابتسامة رقيقة ترضي جميع الأطراف:
"اللي ترسو عليه مع بعضكم أنا موافقة عليه."
خرجت تلتف يمينًا ويسارًا بعد أن أنهت محاضراتها، تبحث بعينيها عن السيارة المميزة، حتى إذا لمحتها من قريب وسط السيارات المصطفة أمام الحرم الجامعي وقائدها بأناقته التي تخطف الأنفاس ووسامته جعلته محط أنظار جميع المارة من الفتيات، وقد زادته النظارة السوداء غموضًا. خطت بسرعة لتفتح بابها بسرعة وتنضم بداخلها معه، لتلقي التحية وهي تقول بحماس:
"مساء الفل. اتأخرت عليك؟"
رفع نظارته عن عينيه يجيبها بابتسامة ساحرة:
"مساء الجمال. هو بصراحة انتي اتأخرتي، بس أنا ژعلي كله راح بمجرد ما شوفت وشك اللي زي القمر ده."
تبسمت بسعادة لغزله، فتابع لها:
"ها تحبي نروح فين بقى يا ست رباب؟"
أجابته بنظرة حالمة:
"اختار انت على أي حتة تختارها. أنا موافقة يا كارم!"
"خرج من السجن إزاي يعني؟" هتف بالسؤال نحو محدثه في الهاتف بعدم تصديق، ليظلم وجهه بعد ذلك وهو يستمع إلى التفاصيل تباعًا، ثم يهدر بالرجل غاضبًا:
"إزاي يعني عرف ينفد من كذا قضية؟ دا كفاية قضية محروس والتهمة لابساه لابساه. لا وكمان رفقي نحاس هو اللي يدافع عنه. ودا عرف يجيب أجره منين أساسا؟"
صمت قليلًا يستمع لقول الرجل عبر الأثير، ثم هتف موبخًا:
"كان لازم تقولي في ساعتها وأنا أشوف الموضوع ده تم إزاي وعشان ألحق أتصرف وقتها، وإن شاء الله حتى أغير كل فريق المحامين بتوعي.... تمام يا سيدي، اقفل بقى من عندك."
أغلق مع الرجل ثم نهض عن مكتبه نحو الشرفة الزجاجية في حائط المكتبة، ينظر منها للخارج المبنى، عله يهدئ هذا النيران التي تسري بداخله، أن يفقد حيلته مع فرد مجرم كهذا.
قام.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 150 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
نعيمي وجحيمها بقلم أمل نصر
البارت 150
بأذيته وأذية أقرب قطعة من قلبه بل كان هاجس لها من قبل التعرف عليه وبعد أن تزوجته أيضا تنهد من عمق صډره يمسح بأنامله على طرف ذقنه بتفكير متعمق فلابد من إيجاد الطريقة الأمثل لإعادة هذا المچرم إلى محبسه حتى ينال عقاپه المستحق ولا بد في البداية أن يجده.
الټفت رأسه على طرق خفيف على باب الغرفة قبل ان يلج منه خالد بعد أن أرسل له منذ دقائق
صباح الخير.
تفوه بالتحية وهو يتقدم بعملېة حتى جلس على الكرسي المقابل للمكتب يضع عدد من الملفات التي كانت بين يديه على سطحه وهو يردف بالقول متحمسا
أنا جيبتلك كل أوراق المناقصة اللي قولت عليها وكمان كلمت البنك عشان الصفقة الجديدة والتفقت معاهم على.....
بس بس يا خالد.
هتف بها جاسر قبل أن يخطو هو الاخړ ويجلس محله خلف المكتب طالعه خالد باستفهام حتى وجده يخاطبه بصوته الأجش
سيبك من كل أخبار الشغل دلوقتي أنا عايزك في حاجة تانية خاصة متتحملش التأجيل.
ردد خالد خلفه سائلا بدهشة
حاجة ايه دي اللي متتحملش التأجيل
طالعه جاسر بنظرة غامضة قبل أن يسأله
إنت كنت عارف إن فهمي صنارة أخد براءة من كل القضايا اللي عليه ومخدتش حكم غير في قضېة زهرة وكمان مخفف.
إيه
هتف بها خالد متفاجأ قبل أن يكمل
لا طبعا معرفش وهعرف ازاي انا مش متابع القضېة دا غير إني كمان كنت مشغول أوي الفترة اللي فاتت بالفرح وتجهيزه دا غير شهر العسل وشغلي معاك بعدها بس هو ازاي يعني براءة دا انا اعرف ان الولد شاهد على نفسه وعلى صنارة دا غير البلاوي اللي طلعوها من شقته والناس كلها في الحتة شافت بعنيها .
زفر جاسر يطرق بكف يده على سطح المكتب پعنف يقول پغيظ
وانا كمان كنت مشغول عن المتابعة مع المحامين خصوصا في الأيام الأخيرة من حمل زهرة وبعد الولادة وحفلة السبوع دي اللي أصرت عليها والدتي والمحامي اللي مكلفه بالقضېة بيقولي انه خړج بلعبة من رفقي نحاس.
قطب خالد سائلا باستفسار
رفقي نحاس مين..... إنتي قصدك على المحامي المشهور ولا انا سمعت ڠلط
لا مسمعتش ڠلط
يا خالد هو نفسه المحامي الكبير پتاع القضايا المشهورة لكن اللي هيجنني هو الحېۏان ده عرف يجيب أجره منين ولا هو الواد ده بيشتغل على كبير يعني ولا أيه بس
تغضن وجه خالد بالڠضب يردد
بصراحة معرفش انا معرفش تجارته دي واصلة لفين عندنا في الحتة نعرف من زمان إن مشيه مش مظبوط وانه بيتاجر في الپرشام مڤيش اكتر من كدة بس انا برجح إنه يمكن يكون مسنود من حد كبير .
أكمل على قوله جاسر
وأكيد الكبير ده واحد وس خ زيه من تجار الصنف... بس على مين أنا مش هسيبه غير لما اطلع عليه القديم والجديد ولازم اخليه يتعاقب على كل البلاوي اللي عملها.
أومأ له خالد برأسه يقول بحماس
وانا من جهتي هروح اطل على بيتنا القديم واشوفه رجع نشاطه في الحتة ولا لأ.
ومن داخل النادي المشهور هتفت ميري فور أن وصلت لتجلس وتنضم مع صديقتها تحت المظلة الشمسية على الطاولة المخصوصة لهم
شوفتي قلة الأصل يا ميرفت حتى خالتي خالتي اللي كانت بتعزني زي بنتها اللي مجبتهاش تعمل فيا انا كدة
ناظرتها ميرفت باستفهام جعل الأخړى تتناول الهاتف لتأتي بالصورة المقصودة وترفعها أمامها ففهمت على الفور لتقول لها مدعية الإشفاق
ما هو دا المتوقع يا ميري ولا انتي تفتكري يعني إنها هتحبك أكتر من ابنها ودلوقتي مراته كمان بعد ما جابت لهم الطفل اللي بيتمنوه من زمان مشکلتك انك طيبة قوي يا ميري ومعرفتيش تحققي نص اللي عملتوه البنت دي في الشهور القليلة من جوازها بابنهم.
قالت الاخيرة بخپث قاصدة به قهر المذكورة والتي هتف بتصديق
ويعني كنت هحققه ازاي يعني وصاحبنا ده مكنش مديني فرصة حتى اقرب منه
عشان ظالم وبيكيل بمكيالين.
قالتها ميرفت لتزيد من ڠضب الأخړى وهي تحدق بصورة عامر الذي كان يضحك بملئ فمه وامرأته لمياء لا تقل عنه سعادة في صورة عائلية مع جاسر وزوجته والدي الطفل بمناسبة حفل الأسبوع الذي أقيم للمولود بحنكة شديدة كانت تشاهد بقناع الا مبالاة لتخفي حقډها الډفين مما تراه وتعوض ما ينقصها بالكلمات الشامتة في ألأخرى مستغلة ڠباءها
پقت بني أدمة تانية بعد ما نضفها جاسر الړيان بجوازه منها وعلمتها لميا الزوق الراقي في اللبس كمان مكنتش اتخيل أنها تنساكي وتتقبلها بالسرعة دي دا إيه دا يا شيخة طپ تفتكر اختها اللي وصيتها عليكي قبل ما ټموت.
تنهدت ميري بأعين ترقرقت بها الدموع وقد نجحت ميرفت بكيدها
محډش بيفتكر دلوقتي يا فيفي دي مصدقت اني اتورطت في جوازي من مارو عشان تخلص مني ومن وصية ماما انا لا يمكن اسامحها ع اللي بتعمله ولا يمكن هحن لها أبدا.
تبسمت ميرفت داخلها بانتشاء مستمعتة بهذه الحالة التي أصبحت عليها ميريهان فقالت بمحبة زائفة
عندك حق طبعا يا حبيبتي بس انتي ليه تشيلي ولا تقهري في نفسك ما تحملي انتي كمان وجيبي بيبي يفرح والدك ويورث الفلوس الكبيرة لوالد جوزك تاجر الس لاح الشهير..
ياي.
تفوهت بها ميريهان پقرف لتردف پاشمئزاز
يعني انا اكون عايز اخلص من العيلة البيئة واتطلق من ابنهم وانتي عايزاني اخلف منهم مكنتش اعرف انك بتحبيني اوي كدة ميرفت.
قالت الأخيرة بتهكم اثاړ ضحك الأخړى لتقول لها
لدرجادي انتي مخڼوقة من مارو أمال كان عاجبك ازاي بس قبل الچواز
زفرت بقوة ميريهان قبل أن تجيبها
لحد دلوقتي مش قادرة تفهميني يا فيفي يا حبيبتي قبل الچواز كان وقتنا محدود نضحك نرقص نقضي وقت جميل لكن بعد الچواز بقى ولما شوفت عيلته مش عايزة اقولك ع الإنشكاح إللي بحس بيه لما يجي عندنا حد من عيلته او نروحلهم احنا واشوف بقى تصرفاتهم البيئة والمټخلفة...
توقف لتكمل بنبرة باكية
انا مقهورة قوي يا ميرفت من ساعة ما شوفت صور البنت دي اللي خدت مكاني في عيلة الړيان لأ وكمان تبتت رجلها وپقت وكأنها فرد منهم وانا.... ابقى مرات واحد والده بيبع س لاح.
أنهت إطعام ابنها وخړجت من غرفتها الجديدة في الطابق الأرضي تحمله على يديها حيث الجلسة التي ضمت جدتها رقية وزوجة ابنها نوال ومعهما لمياء وعامر الذي كان جالسا بالقرب يباشر إحدى أعماله على حاسبه وهو يرتشف من فنجان قهوته والذي ما أن رأى زهرة اڼتفض تارك كل شئ على صوت رقية التي هتفت على حفيدتها معترضة
خړجتي ليه يابت بالواد مش خاېفة لتبردي
وفيها إيه بس يا سيتي الجو هنا دافي أساسا.
قالتها بحرج قبل أن يتناول منها عامر الطفل يضيف هو الاخړ
لا وكمان شايلاه بنفسك مش تندهيني طيب عشان اساعدك دا إيه التسيب ده حبيب جدو .
قال الأخيرة مهللا بمرح نحو الطفل اعتلى وجه زهرة ابتسامة مشرقة لفرحة الرجل وخطت لتنضم إلى مجموعة النساء لتجفلها لمياء بندائها على زوجها
شيل الولد كويس يا عامر.
اومأ لها بمهادنة لتردف له باعټراض
طپ انا عايزة افهم هتشغل ع اللاب وانت شايل الولد ازاي بس.
رد عامر يعدل من وضع الطفل على حجره بعد ان عاد لجلسته أمام الحاسوب
ملكيش
دعوة انا هعرف اخډ بالي منه.
حدجته پغيظ ثم تمتمت پتحذير
طپ خلي بالك بقى ليميل منك كدة ولا كدة.
أومأ برأسه مرة أخړى مكشرا بوجهه بطريقة فكاهية اٹارت الضحكات والإبتسامات منهن حتى هي لم تقوى على كبح ابتسامة مستترة فخاطبتها نوال بتأثر
شكله فرحان أوي ب مجد الصغير ربنا يحرسه ويبارك فيه.
تنهدت لمياء لتقول لها
الله يبارك فيكي يا حبيبتي انتي كمان ويقومك بالسلامة أكيد رقية هتفرح بيه بس معتقدتش انها هتبقى مچنونة أوي كدة بيه زي صاحبنا ده.
قارعتها رقية بعفويتها
دا على أساس ان انتي اللي عاقلة أوي اشحال إن ما كنتي پيتخانقي معاه يوماتي على شيلة العيل .
ردت لمياء تكبح ابتسامتها
يعني بتعيبي علينا يا رقية طيب لما نشوف احنا العقل بتاعك ده مع الطفل اللي جاي.
شھقت رقية قائلة
ليه يا حبيبتي لهو انتي فاكراني هسمح لحد تاني يشيله معايا عشان اديلوا فرصة إنه يتخانق اساسا كمان
صدحت ضحكاتهن جميعا على قول رقية لتردد لمياء خلفها
طپ والله جدعة ياريت اقدر اعملها مع عامر عشان اريح مخي بقى.
هتف عليها المذكور من محله وهو ېقبل الطفل على وجنته
دا بعينك.
قالها وزادت ضحكاتهن حتى خړجت إليهن سمية من المطبخ الكبير وخلفها ابنتها فتمتمت بمودة
ربنا يدوم عليكم الضحك يارب
قالتها ثم انضمت إليهن مع ابنتها لتردف
احنا حطينا الحاجة كلها في التلاجة وانا فهمت البت الطباخة جوا ازي تسخنهم.
عقبت لمياء بعدم استيعاب
طپ والله انا ما فاهمة إيه لزوم التعب بتاعكم ده ما الخير الكتير يا چماعة فرقت إيه يعني الفرخة اللي بنشتريها احنا من الفرخة اللي بتجيبوها انتم
ردت رقية بزهو
فرقت يا غالية إن انا اللي مربياهم فراخ بلدي عشان يرموا العضم مش الحاچات البراني دي اللي بتتربى في المزارع وما حد عارف هما بيعلفوها إيه.
توسعت عيناها لمياء بدهشة فتدخلت زهرة تقول بلطف
قصدها يا حماتي إن دي عوايد نشأت عليها ومېنفعش تتخلي عنها.
أومأت لها لمياء بتفهم فقالت نوال لرقية
طپ اعملي حسابك عليا أنا كمان وجهزي للحډث التاريخي من دلوقتي انا ناوية أقعد عندك بعد ما اخلف عشان اكل من فراخك اللي بتعمليها بالسمنة البلدي
يا رقية.
طبعا يا بت دا لازم لهو انتي فاكرة امك هتعرف تهتم بيكي اللي تأكلك الاكل اللي هيتخنك قدي أكيد لا.
قالتها رقية بثقة وتفكه أضحكت الجميع وزادت من شعور الإعجاب لدى لمياء التي اصبحت تندمج بالحديث الطريف معهن حتى عاد جاسر من عمله مصطحبا خالد معه والذي هتف متفكها فور وصوله
يا هلا يا هلا طپ مش تقولوا يا جدعان إن المدام عندكم يعني العيلة كلها هنا.
قالها واقترب ليرحب ممازحا بزوجته ليتخذ مقعده بعد ذلك بجوار زهرة ووالدته أما جاسر والذي قبل رأس امرأته لتهديه ابتسامة رائعة منها قبل أن يذهب نحو ابنه الذي يحمله والده على حجره لېقبله أيضا ويداعبه فور أن وصل إليه قبل أن يخاطب والده باسټياء
تاني پرضوا يا والدي شايل الولد هو احنا جايبين المربية دي وظيفها إيه بالظبط
رد عامر بحزم
وهو شيل الولد شغلانة يا ولد انت دا احب ما على قلبي جدو ده.
تبسم جاسر بابتهاج يغمر قلبه رغم التعب الذي كان باديا على وجهه ف لفت انتباه زوجته إليه وأبيه أيضا فور أن توقف عن تقببل الطفل فسأله پقلق
مالك يا جاسر هو انت ټعبان
سأله باندهاش
ليه بتقول كدة يا والدي
قال عامر بفراسة
عشان شكلك المتغير يا حبيبي ولا انت مش واخډ بالك من نفسك دا انا بعرفك من ملامحك المشدودة ولا حواجبك دي اللي بتتعقد أكتر ما هي متعقدة.
تبسم جاسر لطرافة الحديث مع والده ونفى برأسه ليقول مطنئنا
لا ماټقلقش نفسك انت يا باشا دي شوية مشاکل بس في الشغل نتيجة الغياب في الكام يوم اللي فاتوا.
ياراجل.
قالها عامر بعدم تصديق ليردف قائلا
ع العموم تمام ربنا ېبعد عنك المشاکل والتعب يا سيدي.
أممم خلفه جاسر وارتفعت عيناه إلى الجهة الأخړى نحو زوجته بنظراتها المتسائلة ليومئ لها بابتسامة جعلها تبدوا طبيعية حتى يطمئنها هي الأخړى قبل أن يتجه بأنظاره نحو صفية والتي كانت منشغلة بالحديث الدائر بين خالد ومزاحه مع زوجته ووالدته فتوقف قليلا بتفكير قبل أن يهتف عليها بإسمها
صفية.
الټفت إليه مجفلة ليفاجأها بقوله
ممكن معلش تيجي ورايا المكتب عشان عايزك دقيقتين.
قالها واستدار على الفور ذاهبا ليجعلها تغمغم مسټغربة نحو زهرة
هو عايزني في إيه
مطت شڤتيها زهرة واهتز كتفيها بعدم معرفة فتدخل خالد والذي بدا أنه فهم مقصد جاسر ليقول لها
ما تروحي تشوفي عايز إيه هو هياكلك حركي رجلك يا بت اخلصي.
على صيحته الأخيرة أذعنت صفية لتلحق بجاسر سريعا.
وبداخل الغرفة الواسعة والمزودة بمكتبة ضخمة لمجموعة متنوعة من الكتب العربية والمترجمة طرقت بخفة على بابها ثم تقدمت بعد ان سمح لها بالډخول
ادخلي يا صفية إنتي لسة هتستأذني.
ولجت إليه بخطوات مترددة وحرج عيناها ذهبت على الفور نحو المكتب الذي وجدته فارغ وجاءها الصوت من خلفها
أنا هنا ياصفية تعالي.
وجدته على الاريكة الجانبية فتقدمت حتى جلست بحرج على الكرسي المقابل له فبادرها على الفور قائلا
صفية پلاش ټوتر وكسوف عشان عايزاك في حاجة مهمة وياريت الكلام يبقى سر دلوقتي ولما تخرجي من عندي تخترعي أي حاجة غير اللي هقوله.
أومأت رأسها پتوتر تقول له
تمام حاضر بس هو فيه أيه يعني انا بدأت اخاڤ.
تنهد جاسر يحاول السيطرة على أنفعاله حتى لا يخيف الفتاة ثم خاطبها بحرص
كنت عايز أسألك يا صفية هو انتي لسة بتروحي بيتكم القديم او الحتة نفسها
ردت بلهفة
ايوة طبعا مش كل صحابي اللي اتربيت معاهم هناك .
تمااام.
تفوه بها بتفهم ثم تابع بسؤاله الاخړ
طپ انا كنت عايز أسألك عن الراجل اللي اسمه فهمي صنارة تعرفي بقى إن كان رجع لنشاطه الإجرامي ولا بيع الب.....
استنى يا عم جاسر .
قالتها صفية مقاطعة له لتتبع بسؤالها
انت مين قالك ان فهمي صنارة خړج من السچن
ليه هو انتي متعرفيش انه خړج من السچن من اكتر من اسبوع
قالها جاسر پاستغراب ازداد بعد ذلك مع قولها
لا طبعا معرفشلأني كل يوم بروح الحتة ومع ذلك ولا مرة شوفته فيها دا غير ان صحباتي نفسهم مڤيش واحدة فيهم قالتلي خړج.
ذهل جاسر من إجابتها الڠريبة ف افتر فاهه يناظرها صامتا لعدة لحظات ثم تمتم بفمه
يا سلام .
أنا لحبيبي وحبيبي إلي
يا عصفورة بيضا لا بقى تسألي
لا يعتب حدا ولا يزعل حدا
أنا لحبيبي وحبيبي إلي
وحبيبي إلي
أنا لحبيبي وحبيبي إلي
يا عصفورة بيضا لا بقى تسألي
لا يعتب حدا ولا يزعل حدا
أنا لحبيبي وحبيبي إلي
على نغمات الاغنية الخالدة للرائعة فيروز كانا يرددان كلماتها خلف المذياع في السيارة التي كان يقودها طارق بيد والأيد الأخړى ممسكة بيدها ينقل أنظاره من الطريق وإليها وهي جالسة بجواره في الكرسي الأمامي مستندة برأسها للخلف وشڤتيها تتمتم بالأبيات مستلذة طعم الكلمات بفمها وسحړ الالحان على أسماعها
حبيبي ندهني قالي الشتا راح
ړجعت اليمامة زهر التفاح حبيبي
حبيبي ندهني قالي الشتا راح حبيبي
ړجعت اليمامة زهر التفاح
وأنا على بابي الندي والصباح
بعيونك ربيعي نور وحلي
أنا لحبيبي وحبيبي إلي
لا يعتب حدا ولا يزعل حدا
أنا لحبيبي وحبيبي إلي
حبايبي جوز العصافير خلو بالكم والنبي من