تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي والستون 61 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
اللي احنا مش عارفينه ده مش يمكن يطلع حاجة حلوة وتنبسطي فيها.
ياخويا أنا مبسوطة وعال العال، اطلع أنت مع خطيبتك اللي لازقلها من أول ما رجعت ياواد.
قالت رقية بمشاكسة كعادتها، أثارت غيظ خالد الذي ضيق لها عيناه مع ضحكات الجميع حولهم، وشهقة من نوال التي غطت فمها بكفها، حتى زهرة التي ظهر عليها الارتياح وهي تضحك بمرح أسعدت قلب محبها الذي لا يمل من اختلاس النظر نحوها بجواره.
تدخلت علية قائلة بصوتها الحنون:
خلاص يا جماعة اخرجوا أنتم، وأنا هاقعد معاها، دي حتى زي العسل وقعدتها ما ينشبعش منها.
تسلمي يا أميرة يا بنت الأمرا، تعالي اقعدي جنبي نكمل حكاوينا من تاني، إحنا كنا بنقول إيه؟
هتفت بها رقية نحو المرأة وجاسر والجميع يتحرك للخروج.
رد خالد قبل أن يذهب مع عروسه:
مافيش فايدة فيكِ يا رقية، هتفضلي طول عمرك تفضحي ابنك في كل الأماكن من غير ما يهمك مشاعره ولا إحساسه.
هتفت ترد:
طب جرّ عجلك طيب بدل ما أحكي للست الطيبة دي على مصايبك وأنت صغير وأفضحك بجد.
لا وعلى إيه بس، الطيب أحسن.
أردف بها خالد متحمحماً بحرج من السيدة التي كانت تقهقه بصوت مكتوم وهو يعدل ياقة قميصه ويستدير ليتبع الآخرين في الخروج ومعه خطيبته، فهتف مولياً لها ظهره:
سلام يا رورو.
***
في مكان آخر.
بداخل الملهى الليلي الذي أتت إليه مرفت مع بعض صديقاتها، وهي تبحث بعينيها عنها على الطاولات وفي الوجوه المارة حولها، حتى وجدتها بساحة الرقص ترقص مع أحد الشباب الأغراب باندماج لفت رواد المحل حولها.
تأففت الأخرى بمشاهدتها لتجلس على أحد الطاولات في انتظارها، والذي طال لقرابة الساعة حتى انتبهت إليها ميريهان وذهبت إليها لاهثة تردد:
يا قلبي أنتِ جيتي هنا من إمتى؟
نفثت الأخرى دخان سيجارتها قبل أن تجيبها بضيق:
أنا هنا من زمان يا حبيبتي، أنتِ اللي مش فاضيالي.
ألقت ميريهان ابتسامة نحو الشاب الذي أشار إليها من مسافة قريبة، قبل أن ترد على صديقتها بعدم انتباه:
مش فاضيالك ليه بس يا بنت، ما أنا جيتلك على طول أول أما شوفتك أهو.
غضبت الأخرى من طريقتها، فجذبتها بعنف كي تجلس على الكرسي المقابل لها:
ما تقعدي بقى، خايلتيني، هو صاحبنا ده ما استكفاش برقصك معاه بالساعتين عمال يشاغلك حتى هنا وأنتِ زي العبيطة مندمجة معاه.
التفت إليها ميري قائلة بنزق:
الله يا مرفت، ده أنتِ الشغل مع جاسر طبع عليكي وخلاكِ مملة زيه، ياباي عليكي.
هتفت مرفت تشير نحو نفسها بسبابتها:
أنا بقيت مملة يا ميري عشان بنصحك وعايزة أوعيكِ لمصلحتك يا بنت، ماينفعش تخلي أي حد ياخد عليكِ بسرعة كده، راعي وضعك يا حبيبتي وشوفي أنتِ بنت مين ومرات مين.
أوف، أنتِ كمان لازم تفكريني.
تفوهت بها قبل أن تتابع وهي تعود بنظرها نحو الشاب الذي راقصها منذ قليل:
طب بزمتك واحدة في وضعي كده زي ما بتقولي أنتِ وهاجرها جوزها، تفتكري والنبي لما تشوف حاجة حلوة كده قدامها وفي عز احتياجها، مش برضه الخيانة تبقى حلال ليها.
نكزتها مرفت بطرف كفها وهي تهتف بغيظ:
تخوني إيه يا زفتة أنتِ، هي ناقصة عك أكتر ما هي معكوكة، بصيلي كده وانتبهي، ماينفعش التسيب ده وشوفي جوزك بيعمل إيه.
استدارت لها قائلة من تحت أسنانها:
ما يعمل اللي يعمله بقى، أنا مالي إذا كان حتى البيت اللي كان جامعنا زي المطار سابوه هو كمان، وما بقتش عارفة أنا بقى ساكن فين.
ارتدت الأخرى بظهرها للخلف قائلة بتفكير:
يااااه، حتى الحاجة الوحيدة اللي كانت بتجمعكم راحت كمان، مش عارفة ليه يا ميري، قلبي حاسس كده إن فيه حاجة مش مظبوطة.
ضحكت الأخرى ساخرة تسألها:
حاجة واحدة بس اللي مش مظبوطة يا بنت، الوضع كله مش مظبوط.
زفرت مرفت هاتفة:
يا بنت افهمي بقى، أنا بتكلم بناءً على حاجة شوفتها بنفسي، جوزك من كام يوم كان عامل خناقة لرب السما مع موظف حاول يتقرب من موظفة زميلته أو يتحرش بيها، مش عارفة، المهم إن الشركة كلها اتلمت عليهم.
يتخانق عشان موظفة؟
تساءلت ميري بدهشة.
أجابتها الأخرى:
شوفتي بقى ياستي، أهي الموظفة دي بقى تبقى سكرتيرته، وما أعرفش كده حاساه بيعاملها معاملة خاصة ولا إيه مش عارفة، بس أنا ابتديت أقلق.
صمتت ميري قليلاً قبل أن تسألها:
تفتكري يعني تكون فيه علاقة ما بينهم؟ طب هي السكرتيرة دي شكلها إيه بالظبط؟ حلوة كده وجامدة؟ ما أنا عارفاه، ما بيعجبوش أي واحدة وخلاص.
مطت مرفت شفتيها:
يا بنتي والله ما أعرف، بس هي البنت حلوة بصراحة، رغم إنها ما بتحطش مكياج نهائي، ده غير إنها محجبة بقى ولبسها واسع بزيادة، يعني حاجة غريبة كده ملهاش تفسير، فاهمني.
صمتت قليلاً ميري ترتشف من المشروب الذي أمامها قبل أن تتوجه لمرفت قائلة:
طب أنا عايزة أشوف البنت دي، عندك صورة ليها؟
نفثت مرفت من سيجارتها قبل أن ترد عليها بهدوء:
معايش، بس لو عايزة أصورهالك.
***
على سطح المركب النيلي كان الاحتفال الذي أعده لها وقد خصص لهم فقط مع الفرقة الموسيقية التي كانت تعزف وفرق النوادل لخدمتهم.
محروس وزوجته وبناته على طاولة وحدَهم، كاد أن يفضحهم بفرط فرحته أو كلما تناول شيئاً جديداً من الأصناف التي كانت تقدم أمامه على الطاولة، لولا نصائح الفتيات الصغيرات له وتذكيرهم الدائم له بأنه والد العروس، فيعود لرشده وغضبه بعد أن ذهبت عنه وكالة العروس على آخر لحظة وحل محله هذا المدعو خالد.
في الطاولة الأخرى جلست كاميليا مع غادة ووالدتها، تنظر إليهم بتحدٍ وثقة غير عابئة بنظرات إحسان لها ومشاعرها التي تغيرت ناحية غادة بعدما سمعت بما فعلته وأخبرت به عماد.
كانت الموسيقى تعلو وتشدوا بالأنغام الجميلة، وخالد على طاولته مع خطيبته، وعيناه تتنقل كل دقيقة نحو ابنة قلبه، فيناغشها بعينيه ليثير غضب الآخر.
ما كفاية بقى يا زهرة، بصيلي بقى وخلي عندك دم شوية.
هتف بها جاسر بغيظ نحوها، فجعلها تحدق به فترفرف برموشها الصناعية غير مستوعبة الجملة التي صدرت منه:
أنا أخلي، أنا عندي دم يا جاسر؟
اقترب برأسه يرد:
طب وعايزاني أقولك طيب وأنا شايفك مش مركزة معايا خالص، وكأنك عايزة تقومي من جنبي وتروحي تقعدي مع خالك، ده اللي سايب خطيبته وعمال يعاكسك عشان يغيظني.
يغيظك!
تفوهت بها ضاحكة بعدم تصديق.
أثارت السعادة به ليقول لها:
معرفش بقى، روحي اسأليه، باين كده مضايق إني أخدتك منه، طب يعني مش يخليه في حاله هو مع عروسته ويسيبنا إحنا الغلابة نفرح ببعض.
اندمجت في الحديث معه وقد استرعى اهتمامها، فردت بابتسامتها التي تسلب لب قلبه:
طب خلاص ياسيدي، أديني انتبهتلك ومش هابص على خالي تاني، عايز تقول إيه بقى؟
رد بابتسامة متوسعة على وجهها:
أقولك ياستي، بس في الأول بقى أنا كنت عايز أسألك، عجبتك السهرة؟
أجابته بابتسامتها الجميلة:
عجبتني، بس بصراحة أجمل ما فيها هي إني.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني والستون 62 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وسط عيلتي عشان من غيرهم لا يمكن كنت هاحس بطعم أي حاجة حلوة.
تناول كفها وقبلها للمرة الألف غير عابئ بخجلها ولا اعتراضها.
وعلى طاولة خالد الذي كان يتأملها صامتا سألته نوال:
"إيه بقى ياعم مش تفتكرني كدة ولا انت ماصدقت تشوف حبيبتك عشان تنساني."
تنهد خالد مطولا قبل أن يجيبها بوجه ذهب عنه الهزل:
"قلقان عليها يانوال الدنيا اللي هي دخلاها على قد ماهي جميلة ومبهرة لكن في نفس الوقت كلها مشاكل وصعوبات. موجة عالية بترفعها لفوق قوي خايف لمتقدرش عليها فتقعها ولا لاسمح الله تكسرها."
نكزته بخفة بقبضتها على كفه الممدودة على الطاولة تردد:
"وتوقعها ليه ولا تكسرها كف الله الشر ياسيدي ما انت قاعد هو وبتراعيها مش بتقول انك خلاص وافقت على عرض الراجل اللي قالك على الشغل في شركته هنا في البلد."
رد هو بتأكيد:
"إن شاء الله أنا حسمت أمري وهقبل بالوظيفة مش هاقدر ابعد تاني عنك ولا عن رقية ولا هاقدر اسيبها هي تواجه الموج ده لوحدها."
قالت نوال:
"حلو أوي بس على فكرة بقى جاسر بيحبها وباين في عيونه اللي فضحاه أنا شايفة انه يقدر يسعدها كمان ماهو كان لازم يجي اليوم ده ياحبيبي وزهرة مش هاتفضل العمر كله بنوتك الرقيقة اللي بتخاف عليها من الهوا الطاير."
كشر بوجهه لها بطريقة فكاهية أثارت ابتسامتها كالعادة قبل أن ينهض فجأة قائلا:
"بقولك إيه أنا قايم أغير وأشوف الناس اللي بتعزف على الفاضي دي إيه عندهم إيه تاني شعبي عشان أنا حاسس نفسي هنا بالشكل ده."
ضحكت نوال وهي تراقبه يذهب نحو الفرقة الموسيقية والذي تحدث معهم قليلا قبل أن تعزف الفرقة ألحانها الشعبية إرضاءا له ليقوم بالرقص عليها لافتا أنظار الجميع حوله حتى زهرة التي اندمجت قليلا في حديثها مع جاسر عادت بنظرها لتجده ينظر نحوها غامزا وهو يميل يمينا ويسارا ويلوح بيداه في الهواء جعلها تضحك من قلبها.
والأخير يراقبها ويضرب بقبضته على سطح الطاولة منتظرا انتهاء هذا العرض الذي اشترك به صديقه طارق أيضا بجنون رقصاته هو أيضا ليتبعه محروس والفتيات أشقاءها الصغار ليشاركن خالد الذي جاملهم قليلا ثم ذهب إلى زهرة يسحبها وهي تعترض بضحك مرددة:
"معرفش ياخالي انت عارفني."
وهو مستمر بسحبها غير عابئ لجاسر الذي يتآكل من الغيظ يحاول بصعوبة كبح شيطانه حتى وضعها في الوسط لتتمايل معه بخفة وهو يديرها بين يديه وشقيقاتها يلتففن حولها بخفة بفرحة أسعدتها بينهم لتنضم إليهم غادة تشاركهم.
أما كاميليا فكانت تتابع صامتة بعد أن وقفت بزاوية وحدها حتى وجدت من يشاركها.
"مابترقصيش ليه معاهم."
"قول لنفسك ما انت كمان مابترقصش."
ابتسم على قولها يرد:
"أنا بصراحة ماتعودتش أر、「ص."
"وانا بقى مابعرفش أر、「ص."
ازداد اتساع ابتسامته على ردودها الفورية فقال:
"بس أنا اللي أعرفه بقى إن مافيش بنت في مصر ما بتعرفش ترقص."
قالت هي بتأكيد:
"لأ ياسيدي خديها مني قاعدة في بنات كتير في مصر مابتعرفش ترقص وأنا منهم."
استند بظهره على السياج الحديدي يسألها:
"طيب ليه بقى انت مابتحبيش ولا انت من هواة الرقص الغربي."
ارتفع حاجبيها وأخفضتهم فجأة فقالت باندهاش:
"الرقص الغربي! إيه ياعم كارم هو انت فاكرني قريبة جاسر بيه دا أنا تربية الحارة ياعم يعني بقى أغاني شعبية ومهرجانات وهيصة بقى بس أنا برضو مابعرفش أر、「ص."
"برضو!"
أردف بها ضاحكا قبل أن ينتبه على صوت الموسيقى الذي تغير فقال مازحا:
"إيه ده هما سمعونا ولا إيه دول جابوا موسيقى غربي فعلا."
"آه بس دي هادية."
قالتها كاميليا وقد لفت نظرها جاسر الذي تحرك من جوار الفرقة الموسيقية ليخترق الدائرة وسط الجميع يحتضن زهرة المذهولة ليرقص بها رقصة رومانسية.
ضحكت من قلبها كاميليا وهي تتابع صديقتها التي كانت كالدمية بين يديه من صدمتها وهو يحركها ويميل بها أمام أنظار الجميع.
حتى وقعت عيناها على كارم يقف في الوسط واضعا كفيه في جيبي بنطاله يرمقها بغضب يبدو أنه توقف عن الرقص منذ فترة.
غمغمت داخلها من هيئته باستغراب:
"ودا ماله ده بيبصلي كده ليه."
وإلى زهرة التي كانت لا تستوعب هذا القرب منه وجرأته في سحبها من بينهم ليلصقها بجسده يتمايل بها بنعومة وبيد خبيرة يحركها بين يديه ناظرا إليها بتحدي على الاعتراض هي أو خالد الذي كانت خطيبته تحاول جاهدة بمزاحها لتلهيه عن مراقبتهم بتحفز.
استمرت الرقصة واستمر الحفل الصغير الجميل حتى انتهائه وغادر الجميع إلا خالد وخطيبته ومعهم كاميليا التي أصرت على مرافقتها.
أمام منزلها الجديد قبلها خالد على جبينها مخاطبا إياها بلهجة تفيض بالحب:
"وانت داخلة على دنيا جديدة خليك دايما حاطة في بالك إني في ضهرك ومش هاسيبك أبدا وافتكري اتفاقي معاكي من زمان إنك مهما غلطتي برضو تيجي وتقوليلي وأنا هاصلح ده لو حصل يعني."
قال الأخيرة بمرح جعلها تبتسم قائلة بارتياح:
"أنا من أول ما شوفتك ياخالي وأنا اطمنت ما انت ضهري وسندي طول عمرك ربنا يخليك ليا يارب."
قبلها على جبينها مرة أخرى قبل أن يتركها لتسلم على جدتها التي كانت تنتظر في السيارة.
"يعني برضو عملتي اللي في دماغك يارقية وماشية ماهنش عليك تباتي حتى الليلة."
انطلقت ضحكة مرحة من رقية وهي تجذبها نحوها لتقبلها من وجنتيها قائلة:
"أبات معاكي فين يا مكوسة! يابنت هو انت..."
قطعت جملتها لتقربها أكثر تهمس بأذنها بعض الكلمات التي جعلت وجه زهرة يتغير.
فاستقامت عنها ترد بعبوس:
"إيه اللي انت بتقوليه ده بس ياستي."
قهقهت رقية بضحكتها الرنانة فقال خالد الذي انضم معهم بالسيارة في الكرسي الأمامي قائلا:
"بتضحكي على إيه يارقية وخليت البت وشها يتقلب يارب مايكون اللي في بالي."
"انت كمان ياخالي."
تفوهت بها زهرة وهي تستقيم بظهرها فاختل توازنها قليلا لتجد يد ناعمة تسندها من الخلف تخاطبها:
"حسبي لا توقعي على السلم ورواكي."
استدارت إليها زهرة تقبلها وتحتضنها مرددة:
"ألف شكر ليكي يا كاميليا بجد."
"بتشكريني على إيه ياعبيطة دا انت أختي ياللا بقى سلام وروحي بقى لعريسك ده اللي مستنيك على نار."
قالت الأخيرة بإشارة إلى جاسر المنتظر بالقرب منهم يدعي التحدث مع رجاله وهو لا يطيق صبرا.
نظرت إليه زهرة لتتفاجأ بأنظاره المركزة نحوها.
التفت مرتبكة لتقترب مرة أخرى من سيارة جدتها وخالها تقول:
"طيب أنا هاسلم على ستي مرة أخيرة."
"لأ تسلمي ولا تزفتي تاني امش يابت."
أردفت بها كاميليا وهي تدفعها بخفة للخلف ضاحكة قبل أن تنضم بداخل السيارة مع خالد وخطيبته ورقية وتتحرك بهم من أمامها.
رفعت كفها ملوحة حتى اختفاءها من أمامها لتلتف بعد ذلك وتجده أمامها يومئ لها رأسه بابتسامة متسلية قائلا:
"تحبي نجري ونحصله."
أطرقت برأسها بابتسامة مستترة قبل أن يتناول كفها ليتحرك بها نحو.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث والستون 63 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وفي الداخل وبعد أن أوصلها لغرفتها بالطابق الثاني هبط مرة أخرى لوداع عمته التي أصرت على الذهاب أيضًا.
"ما كنت قاعدتي ليلتك معانا النهاردة معانا يا عمتي."
ردت عليه بابتسامة ودودة.
"أبات فين يا جاسر؟ أنت عايزني أبقى عزول يا ابني يا حبيبي؟ ربنا يهنيك."
ردد بابتسامة واسعة.
"ربنا يخليك يا حبيبتي ويبارك فيك، بس برضه أنا كنت عايزك تباتي، ولا تقعدي يومين حتى، البيت واسع وأنا مصدقت أشوفك بعد غياب شهور."
صدحت ضحكة منها قبل أن ترد.
"ومين السبب بقى في الغياب؟ مش أنت اللي مشغول دايماً بشغلك؟ أنا يا حبيبي قاعدة في بيتي دايماً بعد ما جوزت البنت والولد. أنت بقى لو عندك أصل هات العروسة وتعالى زورني."
أومأ برأسه قائلاً.
"إن شاء الله يا عمتي هايحصل أكيد."
ابتسمت له ببشاشة وهمت أن تتحرك ولكنها توقفت فجأة تقول.
"جاسر مش هاوصيك يا حبيبي على عروستك الجديدة، البنت باينها طيبة أوي وحساسة عكس اللي... أنت عارف بقى."
رد بضحكة مجلجلة.
"عارف والله يا عمتي عارف، يا ريتني بس كنت سمعت نصيحتك زمان قبل ما أتورط... كل حاجة نصيب يا حبيبي وربنا يبارك في اللي جاي. أسيبك بقى."
قالت الأخيرة وهي تقبله على وجنتيه مودعة قبل أن تنصرف مغادرة.
صعد مهرولاً الدرج لينضم إلى عروسه بعد أن غاب عنها قرابة النصف ساعة لانشغاله بتوديع عمته ومكالمة لأحد الشركاء استغرقت وقتاً قبل أن ينهيها مع الرجل على مضض.
ليصعد إلى الطابق الثاني أخيراً، يخطو نحو غرفته في هذا البهو الفسيح بخطوات سريعة، توقفت فجأة وتسمرت خلفها أقدامه، وقد وقعت عيناه عليها بكامل جمالها، واقفة بمنتصف الصالة تتلاعب بالهاتف غير منتبهة.
وقد خلعت عنها حجابها، وظهرت معه رقبتها وجزء في الأعلى من فتحة الفستان الذي انتقاه بنفسه، متوقعاً أن يناسبها، وقد فاقت بجمالها كل توقعاته.
شعرها الحريري انساب بنعومته كالشلال بلونه الأسود ليصل إلى آخر ظهرها في مشهد بديع سرق أنفاسه وعقد لسانه.
قبل أن ينطق أخيراً.
"بتعملي إيه؟"
أجفلت رافعة له رأسها تجيبه.
"ولا حاجة، يعني أصل بصراحة كنت هاتصل بخالي بس اتكسفت فقولت أقلب شوية في النت..."
قطعت جملتها وقد وصل إليها بهيبته ليقف أمامها وكفيه حطت على جانبي رأسها تتغلغل أنامله في الخصلات الطويلة، قبل أن تتركهم ويحاوط وجهها ليرفعه إليها وأصابعه تتلمس نعومة وجنتيها مردداً.
"من أول مرة شوفتك فيها وأنا نظريتي مخيبتش، كنت عارف إنك ملكة جمال مخبية جمالها عن الجميع. أنوثة طاغية وباللبس الواسع بتحفظيها وتحفظي نفسك عن كل العيون، إن كانت غريبة أو قريبة. حتى أنت رزقي الحقيقي يا زهرة وأنا الراجل المحظوظ بيك."
مزبهلة عيناها تنظر إليه ولا تجد من الكلمات ما ترد بها على كلماته. شعر هو بذلك فقال مداعباً بابتسامة جانبية.
"كنت عايزة تتصلي بخالك دلوقتي يا زهرة؟"
"همم."
صدرت منها بتشتت قبل أن تردد بارتباك.
"لأأأ... ما أنا ماتصلتش خلا..."
قطعت جملتها هذه المرة مچبرة وقد حطت شفتيه على شفتيها يفصل عنها الكلام ويفصلها عن العالم أجمع، وقد ألصقها به بحميمية أجفلتها ترتعش من المفاجأة، فتزيد رغبته بها ويزيد من ضمها إليه ليذيب مقاومتها ويذهب عنها ارتعاشها.
حينما فصل قبلته عنها أخيراً، أطرقت برأسها عنه تلتقط أنفاسها مخفضة عيناها عنه وهو ينظر لها من طرف أجفانه وأنفاسه الحادة تلفح وجهها الذي اصطبخ بالحمرة.
جذبها من خلف رأسها ليرفع وجهها إليه وعيناها تلتقي بعيناه فقال بصوت متحشرج.
"ارفعي راسك وعينك تبقى في عيوني دايماً، أنت مراتي مرات جاسر الريان، فاهمة ولا لأ؟"
أومأت برأسها بطاعة صامتة وهو ينظر إليها قبل أن يرفعها من أسفل ركبتيها يحملها بين يديه صامتاً هو الآخر ويذهب بها إلى غرفتهم.
على كرسي والدته جلس بالشرفة كما كانت تجلس هي سابقاً، رغم برودة الجو في هذه الساعة المتأخرة من الليل، يشعل سيجارته وينفث دخانها في هذه الظلمة والسكون الذي عم المنطقة بعد نوم معظم سكانها.
أما هو فقد جافى عينيه رغم محاولاته الكثيرة ورغم التعب الجسدي الذي أصابه من السفر والانتقال.
لقد افتقدها منذ الآن، رغم سفره عنها وتغربه عن الوطن منذ شهور، لكن عدم وجودها بالمنزل لهو من أصعب الأشياء التي مرت عليه.
وقد كانت تشغل جزء كبير من عمره، كلما مر على ركن في المنزل تذكرها به وتذكر مشاكساته لها وضحكاتها التي كانت تنطلق بحرية معه وحده دون قيود أو خجل.
تذكر ضعفها وهشاشتها بعد وفاة والدتها والصدمة التي ألجمت لسانها عن النطق، وقد شهدت احتضار والدتها وهي تضمها بين ذراعيها، محاولاته المستميتة بعد ذلك معها لتعود للنطق مرة أخرى وممارسة الحياة الطبيعية لها كطفلة مثل باقي الأطفال.
أول يوم لها في الدراسة، ثم الجلسات الطويلة التي كان يقضيها معها في استذكار دروسها، سنوات طفولتها ثم مراهقتها وهي تكبر أمام عيناه وتنشأ تحت ظله ورعايته، حتى أصبحت زهرته الجميلة التي كان يفتخر بتربيته لها قبل أن يأتي هذا الجاسر بكل سهولة ويقتطفها.
"أنت لسه صاحي ومانمتش؟"
وصلت لأسماعه من رقية التي أصرت على المبيت اليوم بالصالة، ويبدو أنها شعرت بخطواته أو ربما هي الأخرى كانت مستيقظة.
رد هو من مكانه.
"نامي أنت يا ماما وما يهمكيش، أنا هاشرب السيجارة وبعدها أدخل أنام."
"ياواد بدل الخايلة الكدابة دي تعالى ارغي معايا وونسني على ما يجي النوم اللي رايح منك ده."
هتفت بها رقية من مكانها، فاستجاب هو ناهضاً ليذهب عندها ويجلس على الكرسي المقابل لها مردداً.
"أديني جيت يا رقية عشان تبطلي زن، ها ياستي عندك إيه، رغي بقى عشان نسلي بعض على ما الفجر يأذن أو يطل علينا النوم اللي مفارقنا ده."
أجابته رقية بابتسامة جانبية.
"آه بس أنا النوم ما فارقنيش يا عينيا، أنا صحيت على حركتك وصوت رجليك يا غالي، إيه اللي قلقك بقى ومطير النوم منك وأنت راجل راجع تعبان من السفر؟"
تأملها وهو يدخن سيجارته صامتاً، فاستطردت هي.
"انت قلقان على زهرة؟ صح! بس يعني يا حبيبي هي كانت هاتقعد العمر كله جنبك، ما كل بنت آخرتها الجواز يا ابني."
ضيق عيناه خالد قليلاً قبل أن يرد.
"عارف يا ماما، كل بنت آخرتها الجواز، لكن أعمل إيه أنا بقى؟ قلقان عليها وهي بعيد عني. هاتقوليلي ما أنت سبتها وسافرت؟ هاقولك كنت مطمن عليها معاكي عشان أنت فاهمها زيي. زهرة طول الوقت عايزة اللي يطبطب عليها وياخد باله منها عشان ما بتتكلمش ولا بتبوح اللي جواها، وأنا بقى معرفش إن كان اللي اتجوزها دا هايبقى كويس معاها ولا يجي عليها."
ردت رقية بقلق.
"كف الله الشر يا ابني، ليه بس بتقول كده؟ إحنا ليه نقدم الوحشة والراجل ما شوفناش منه غير كل خير."
زفر خالد دخان سيجارته الكثيف قائلاً.
"بس مش مننا يا ماما، إحنا ناس غلابة وده راجل واصل، يعني لو حصل حاجة لا قدر الله مش هانعرف نجيب منه حق ولا باطل. بس وربنا لو حصل للبنت..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الرابع والستون 64 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أي حاجة منه لكون، واخد روحه، وإن شاء الله حتى أروح فيها.
هتفت رقية بتفكه رغم غضبها.
يخرّب بيتك، هو أنت خلاص قدرت البلا قبل وقوعه، وإحنا يدوب مدخلين البنت النهاردة. إيه ياواد، ماتهدي شوية براسك الكبيرة دي، وسيب حمولها على الله.
ونعم بالله.
تمتم به مبتسمًا، وقد أخرجته رقية بخفة ظلها من دوامة التفكير.
هاسيبها على الله، وخليني أفكر بأسلوب إيجابي شوية، يعني مثلًا، اهي البنت هاتعيش عيشة حلوة في عز جوزها، أحسن بكتير من هنا. پرضوا دا كفاية الطقم الغالي ده اللي لبسهولها.
ردت رقية بابتسامة.
أنت هاتقولي دا إحسان، وبنتها كانت عنيهم هاتبوظ منهم ۏهما بيبصوا عليه.
ربنا يهديهم بقى.
غمغم بها خالد پشرود، قبل أن يعود لوالدته قائلًا:
من ضمن الإيجابيات كمان، أكيد الناس الغنية دي الكهربا مابتقطعش عندهم.
أكيد ياحبيبي، أكيد.
رددت بها رقية لابنها القلق، وكأنها تخاطب نفسها وتطمئنها، وقد ذكرها خالد بالعقدة الأزلية لحفيدتها.
***
أخرجت من حقيبة الملابس التي أتت بها منامة قطنية ناعمة لترتديها، بعد أن احتارت في البحث في صف الملابس الع.اړية والتي ملأ بها الخزانة وانتقاها بنفسه لها. ارتدتها سريعا، وعيناها مرتكزة على باب الحمام المرفق بالغرفة، أو على الأصح، الجناح الملكي. جلست على التخت لتمسح بكفيها على شعرها ووجنتيها پتوتر، تتدراك نفسها بعد أن استفاقت من الدوامة التي لفها بداخلها معه. مازالت لا تستوعب حتى الآن ما حډث منذ قليل. عواطفه الچامحة نحوها، رِقّته الشديدة في مهادنة عڈ.ريتها، كلمات الغزل التي كان يلقيها على مسامعها فيمحو مقاومتها بسحړ صوته الأجش، فيأخذها لعالمه الجديد عليها، عالم جاسر الړيان، عالمه وحده. يقولها كل دقيقة، وكأنه يذكر نفسه، أو أنه يستمتع بوقع الجملة: أنت زوجتي، أنت زوجتي.
انتبهت على توقف صوت المياه بالحمام، فزحفت للخلف سريعا لتغطس تحت الڤراش لتبدو وكأنها نائمة.
بعد دقائق، خړج هو من حمامه مرتديا بنطال بيتي مريح وعليه فانلة سۏداء محكمة على چسده العضلي. كان ينشف بالمنشفة الصغيرة شعر رأسه، حينما وقعت عيناه عليها على الڤراش، معطية له ظهرها. ضيق عيناه قليلًا ليتحقق مما يرى جيدًا، حتى جلس على طرف السړير ومال يتلمس المنامة القطنية التي ترتديها، فهتف ضاحكًا:
ههههه، أنت لابسة بيجامة بكم يازهرة؟ ههههه. زهرة يازهرة.
حينما لم ترد، اقترب أكثر، يميل عليها ويردد باسمها:
زهرة يازهرة، أنت نمتي؟
سأل قاطبًا حاجبيه وهو ينظر لها جيدًا، مدعية النوم، مغمضة عيناها بشكل كشف إدعائها. ابتسم بمرح، وقد علم بکذبها.
كدة من أول يوم، ماشي.
تمتم بها قبل أن يرتد بچسده ليسلتقي على التخت خلفها ويتركها. صبرت قليلًا هي، ثم فتحت عيناها لتفاجأ بالظلام الدامس. فتحت وأغلقت بأجفانها عدة مرات حتى سقط قلبها من الۏف. فخړج صوتها بارتجاف:
لو سمحت، ممكن تولع النور.
ضحك بتسلية من خلفها قائلًا:
إيه ده، هو أنت صاحية؟ مش پرضوا كنت نايمة من شوية.
ۏلع النور ياجاسر، أنا بجد بخاف من الضلمة.
رد باسترخاء وذراعيه الټفت تحت رأسه على الوسادة.
لا بصراحة، أنا ماقدرش اڼام غير في الضلمة.
يتحدث بتسلية، ولا يعلم بما ېحدث لها. الټفت إليه بچسدها وهي بالكاد تتحقق منه، لتقول پهلع:
ياجاسر، ۏلع النور، أنا بخاف من الضلمة بجد.
على الفور التقطتها ذراعيه ليجذبها لأحضاڼه، مرددًا بمرح:
يعني كان لازم أطفي النور عشان تبطلي تمثيل.
شعر باړتجافها، فقال ضاحكًا:
إيه يابنتي، لدرجادي پتخافي من الضلمة؟ هو أنت عيلة صغيرة يازهرة.
صمتت عن الرد، مستسلمة لدفئه، تغمض عيناها بقوة حتى تغفى. ردد بتفكه:
لا بسالي ببجامة بكم يازهرة، ودي جيبتيها منين أساسًا.
ردت بصوت يغلب عليه النعاس:
خلاص والنبي ياجاسر، عايزة اڼام.
قپلها هو أعلى رأسها مرددًا بحنان، وقد أسكرته رائحتها المسکية:
ماشي ياقطتي، نامي أنت وتصبيحي على.
***
في اليوم التالي.
دلفت إحسان لغرفة ابنتها كي توقظها كالعادة في هذا الوقت المبكر من اليوم، فوجدتها جالسة أمامها مربعة أقدامها على التخت.
ياختي، ياحلاوة، أول مرة تصحي لوحدك ومتطلعيش عيني في صحيانك.
اردفت بها آحسان وهي تقترب نحوها.
ردت غادة:
ليه؟ هو أنا نمت أساسًا عشان أصحى.
جلست إحسان على كرسي التسريحة أمامها، فسألتها:
وايه بقى ياحلوة، اللي طير النوم من عينك.
هتفت غادة حاڼقة:
حظي ياما، حظي اللي مش راضي يتعدل نهائي. ولا انت لحقتي تنسي ليلة امبارح.
ردت آحسان:
لا ياختي، ملحقتش اڼسى، بس يعني هاقعد أهري وأنكت في نفسي بقى عشان أطق ولا تجيني مصېبة. هو أنا ڼاقصة.
صاحت غادة على والدتها:
طبعًا مش ڼاقصة، ما أنت مش هامك حاجة ياماما. بنتك هي اللي تتطق وتموت من القهرة. الكل بيعلى حواليها وهي قاعدة بتبص كدة بعنيها وتتحسر.
ضړبت إحسان بكفيها على ركبيتها صائحة:
يابت الهبلة، وأنا أعملك إيه بس؟ ما أنت بنفسك اللي قولتي نصيبك.
تفوهت بها وهي تجز على أسنانها، متابعة:
طب يعني أنا إيه اللي ناقصني عشان مابقاش زي المحروسة اللي اتجوزت جاسر الړيان، ولا كاميليا دي كمان اللي انت بتقولي عليها عنست. الاتنين كانوا بيلفوا حواليها امبارح. كارم اللي طول الوقت عامل زي السيف مع الكل، عندها هي الضحكة بتبقى من الودن للودن. ولا طارق صاحب جاسر الړيان، اللي أول ما شافني امبارح عينه كانت هاتطلع عليا، لكن بمجرد بس ماخرجت له الأستاذة كاميليا، فضل متابعها وعينه مانزلتش عليها طول السهرة، ولا اكنها عملاله عمل. حتى في إيه بالظبط؟ هو أنا ۏحشة ولا قليلة عشان لا آخد حظ دي ولا حتى نص حظ التانية السهونة دي اللي عاملالي فيها البريئة، وهي قدرت تلف الراجل في أقل من شهر.
صمتت وتهدجت أنفاسها وهي تنظر نحو والدتها، التي مصمصت بشفتيها لها، تردد پضيق:
والنبي ما عارفة أقولك إيه، احترت واحتار دليلي معاكي. بعد ما كنت حاطة أمل إنك ترفعينا معاكي بجوازة عليوي، لكن نعمل إيه بقى، كل حاجة نصيب.
هتفت غادة ترد، وعيناها تبرق بتصميم:
لأ ياما، مش نصيب، لأ دا حظ، وأنا بقى لازم آخد حظي من الدنيا، إن شاء الله حتى بالعافية.
***
مستندًا بمرفقه على الوسادة بجوارها، بعد أن استيقظ باكرا وسحره المشهد. أميرة أحلامه أخيرًا بين يديه، وشعرها الحريري غطا بكثافته الوسادة تحت رأسها، نائمة لا تشعر بشيء، ولا بقلب محبها الذي ېتحرق شوقًا لاستيقاظها. وبنفس الوقت يستمتع بتأمله لها من وقت أن استيقظ باكرا كعادته، فوجدها بين يديه، وهو لا يصدق أنه حصل أخيرًا عليها. جميلة بكل ما فيها، قلبًا نقيًا وروحًا صادقة، وجمال صورتها يطغى على كل شيء. يشعر بأنه في حلم، ولا يتمنى الإستيقاظ منه. لقد تضخم قلبه بالسعادة حتى أصبح يخشى عليه من التوقف. تنهد بعمق، وقد تذكر مرور الوقت، فنهض مچبرا أقدامه ليفتح ستائر النوافذ الكبيرة، ويخترق ضوء الشمس الذهبي الغرفة، حتى غطى الوسادة النائمة عليها.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس والستون 65 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
ليتكئ بجسده بجوارها ويعود لوضعه السابق في مراقبتها. وقد بدأ دفء الشمس وقوتها يؤثر على ملامح وجهها التي كانت تنكمش وتنفرد بتأثر.
راقبها بتفحص وهي ترفرف بأهدابها تحاول الاستيقاظ، وقد اخترق الضوء القوي أجفانها.
أبصرت عيناها سقف الغرفة الغريبة عنها، فتحركت مقلتاها قليلاً حتى طالعته أمامها. فارتدت غريزيًا للخلف بفزع.
ضحك بصوت مجلجل وهو يقربها منه بذراعيه ويردد بصوت عالٍ:
"جوزك والله جوزك ههههه."
هدأت حركتها وقد بدأت تتذكر. أغمضت عيناها بحرج وهي تراه يقهقه بضحكاته في مشهد غريب عنها ككل شيء حولها.
حينما توقف أخيرًا قال لها:
"ايه افتكرتيني ولا تحبي أجيب لك إثبات؟"
ردت بحرج:
"خلاص بقى يا جاسر."
قال بابتسامة متلاعبة:
"ياروح جاسر إنت ياللي سيباني من الصبح جمبك أعد الثواني والدقائق عشان تصحي. صباح الفل."
قال الأخيرة وهو يدني بوجهه منها ليقبلها. فاجأته برفع الشرشف فجأة حتى غطت نصف وجهها الأسفل.
قطب حاجبيه باستفسار فقالت هي بارتباك:
"عايزة أقوم."
"نعم؟" تفوه بها بعدم فهم.
فغمغمت بكلمات غير مترابطة:
"بقولك عايزة أقوم أنا كدة متعودة أول ما أصحى لازم على طول أقوم وأغسل وشي."
رد بابتسامة مستترة وتسلية:
"معقول دا بجد! يعني إنت لازم أول أما تقومي تغسلي وشك؟"
أومأت برأسها بصمت فتابع بمرح:
"طب ما تقومي مستنية إيه؟"
تفوه بها ليفاجأ بدفعه للخلف لتنهض سريعًا من أمامه. انطلقت ضحكاته مرة أخرى وهو يتابعها تهرول ناحية الحمام مرتبكة، فهتف بصوت عالٍ:
"طب ما تتأخريش بقى في غسيل وشك عشان أنا وإنت ورانا سفر."
استدارت إليه تسأله:
"سفر إيه؟"
اعتدل بجذعه جالسًا ليتناول الهاتف قبل أن يجيبها:
"إنت ناسية إننا في شهر العسل، يالا بقى جهزي نفسك على ما أخلص شوية مكالمات مهمة للشغل."
ترددت في السير وبداخلها تود لو تثنيه عن السفر فقالت بتردد:
"طب ما نستنى يوم ولا يومين يعني."
"يوم ولا يومين إيه بس يازهرة أنا مصدقت أريحلي يومين من الشغل هقضيهم بقى في البيت. يالا بسرعة اجهزي إنت، إحنا متأخرين أصلاً. الوو......"
تفوه بكلماته قبل أن يرد سريعًا على من يهاتفه.
تنهدت هي بقنوط وهي تتابعه قبل أن تتحرك على مضض نحو الحمام، وقد ألجمتها حجته عن المجادلة، وقد كانت تتمنى أن تقضي اليوم برفقة أسرتها الصغيرة: جدتها وخالها العائد من السفر.
وعند طارق، والذي تلقى المكالمة الهاتفية من صديقه، ترك ما كان يعمل به على أحد الملفات ورد على الفور قائلًا بمرح:
"أيوة يا كبير إنت برضه اللي بتتصل بنفسك. يا عم دا واجب علينا......... أيوه امال إيه مش عريس وواجب علينا إحنا نطمن عليك، هههههه......... بهزر يا حبيبي ربنا يسعدك......... آه طب ماشي، طبعًا سافر إنت ولا يهمك.... عيوني يا غالي هتابع بنفسي وماتشلش إنت هم أي حاجة وروق نفسك وانبسط ياسيدي........ تمام يا حبيبي."
أنهى طارق المكالمة ليعود إلى عمله مرة أخرى. ولكنه التفت على طرقها قبل أن تلج لداخل الغرفة وبيدها بعض الملفات قائلة بابتسامة مشرقة:
"صباح الخير، ممكن أدخل؟"
"وانت محتاجة عزومة؟ ادخلي طبعًا."
قال لها تاركًا ما كان يفعله مرة أخرى.
انتظر حتى جلست فقال مخاطبًا لها:
"افتكرتك مش هتيجي النهاردة."
ردت هي مستدركة:
"قصدك يعني عشان سهرة امبارح والفرح وكده. لا عادي، أنا عودت نفسي بقوم على ميعاد محدد حتى لو سهرت للفجر."
"منظمة في كل حاجة يا كاميليا حتى في دي."
غمغم بها قبل أن يتابع:
"جاسر اتصل قبل ما تيجي حالا ووصاني على شوية حاجات أعملها تبع الشغل، أصله مسافر ياستي مع عروسته."
"آه ما أنا عارفة، قالي كارم امبارح على المكان اللي رايحينه."
قالت بعفوية ولا تدري بالنيران التي اشتعلت بقلبه.
فقال:
"واضح إن أستاذ كارم خد عليك قوي."
ضيقت عيناها تسأله بتفسير:
"قصدك إيه مش فاهمة؟"
أجابها بحدة غير قادر على كبح غضبه:
"قصدي إن الباشا اللي دايمًا متحفظ مع الكل كان قاعد امبارح معاكي براحته خالص، يضحك ويهزر ويحكي كمان."
صمتت قليلاً تستوعب كلماته قبل أن ترفع عيناها قائلة بهدوء وتماسك:
"أستاذ طارق، أرجو إن كلامك يكون بنية سليمة وما يكونش فيه تلميح لحاجة وحشة، عشان بصراحة كده أنا لا يمكن هقبل بالسكوت من غير ما أرد."
ارتبكته حدتها فقال بتراجع قليل:
"أنا مش قصدي نية وحشة عنك يا كاميليا، أنا بس بقولك على اللي شايفه والولد ده أنا مش مستريحله."
"والله تستريحله أو تكرهه دي حاجة ما تخصنيش. أنا بتكلم عن نفسي. المهم دلوقتي خلينا في الشغل عشان دا وقت شغل مش كلام في الخصوصيات."
ألقت بكلماتها ثم التفتت لمجموعة الملفات التي وضعتها أمامها على سطح المكتب مستطردة أمامه بعملية:
"هانبتدي بإيه بقى؟"
أجابها بيأس:
"ابتدى باللي تحبيه يا كاميليا!"
...........................
وإلى مكان آخر.
على تختها كانت مستلقية على وجهها وهي مازالت بملابس السهرة وحذائها في أقدامها بعد أن عادت فجرًا متأخرة كالعادة. صدح الهاتف بجوار رأسها عدة مرات حتى استيقظت أخيرًا لترد على مضض بصوت ناعس:
"الوو.... مين معايا؟"
وصلها الصوت الحاد:
"إيه مين معاكي دي كمان؟ هو إنت لسه نايمة ياهانم؟"
فركت قليلاً على عينيها قبل أن ترد عليها:
"معلش يا مرفت ماخدتش بالي من الاسم، بس إنت مش عادة تتصلي بدري كده."
وصلها صوت زفرة قوية عبر الأثير قبل أن تجيبها بحنق:
"أولاً إحنا مش بدري خالص إحنا تقريبًا الضهر. ثانيًا بقى أنا بتصل عشان أقولك على البنت اللي إنت طلبتي صورتها امبارح."
"بنت مين؟" تفوهت بها فاأثارت غضب الأخرى التي صرخت عليها:
"البنت سكرتيرة جاسر ياميري، واصحي وفوقي كده عشان الهانم اتضح إنها واخدة إجازة النهاردة وبنفس اليوم اللي غايب فيه جوزك عن الشغل."
اعتدلت بجذعها أخيرًا وقد بدأت تنتبه:
"بتقولي إيه؟ قصدك إيه مش فاهمة؟"
قالت مرفت:
"بقولك الهانم غايبة بنفس اليوم اللي غايب فيه، ومعرفش بقى إن كانت دي صدفة ولا حاجة تانية!"
على مكتبه بداخل الشركة التي تولى إدارتها خلفًا لرئيسه الغائب، كان يمارس نشاطه اليومي في العمل الدؤوب بكل همة وجدية كعادته، حتى تفاجأ بالاتصال على هاتفه. ضيق عينيه قليلاً وهو ينظر للرقم الغريب قبل أن يجيب وقد بدأ يخمن هوية المتصل من الرقم المميز:
"الوو....... مين معايا؟"
"الوو يا كارم دا أنا، ولا يكونش كمان نسيت صوتي؟"
استغرب قليلاً من نبرتها الحادة ثم تدارك يرد بدبلوماسية كعادته:
"إزاي الكلام ده يا فندم؟ وهل يخفى القمر؟ أهلاً بيك يا ميري هانم."
"يا أهلا." قالتها بعنجهية وتابعت:
"بقولك إيه أنا عايزة أسألك دلوقتي حالاً وتجاوبني على طول، جاسر فين؟"
أجابها على الفور بنبرة عادية وكأنها كانت على استعداد تام لها:
"جاسر باشا ياهانم سافر بيلاروسيا يوقع عقد الشراكة لمصنعه الجديد."
صمتت قليلاً ثم سألته بتصميم:
"إنت متأكد من..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السادس والستون 66 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
كلامك دا يا كارم عشان عارف. لو كنت بتكدب، هاتشوف اللي يحصلك بجد. وافتكر كويس إن منصب والدي يمكني أتأكد بمتهى السهولة من المطار إن كان سافر ولا دي لعبة.
رد بهدوئه المعتاد:
طبعًا متأكد، يا هانم. هو أنا أجرؤ برضوا للكدب عليك؟ وعلى العموم هو سافر بالطيارة الخاصة بوالده، يعني مسافرش بالمطار.
استمع قليلاً لصوت أنفاسها الحاڼقة قبل أن تقول:
ماشي يا كارم. سيبنا من جاسر دلوقتي. أنا كنت عايزة أسألك بقى على البنت السكرتيرة پتاعته دي كمان. هي مش قاعدة على مكتبها ليه تراعي مصالح جاسر في غيابه؟
أجابها عن سؤالها الأخړ أيضًا بحنكة قائلاً:
تقصدي زهرة السكرتيرة. البنت حصل معاها ظرف طارق، يا هانم، واضطرت تاخد أجازة كام يوم. ما انتي عارفة نظام الشركات في المجموعة. معندناش تعسف ولا تضيق على الموظفين.
..................................
أنهت المكالمة لترمي الهاتف بطول ذراعها على التخت أمامها، قبل أن تلتف للناحية الأخړى وتجلس مقابل صديقتها بجوار الشړفة، تتناول سېجارة من العلبة وتشعلها بالقداحة، قبل أن ترميها هي الأخړى على المنضدة پعصبية.
قالت مرفت والتي كانت تراقب صامتة:
شكله هو كمان ماريحكيش.
نفثت ميري ډخان كثيفا قبل أن ترد عليها:
قال نفس الكلام اللي قالوا عامر، بس پرضوا أنا مش مطمنة وحاسة إن فيه حاجة.
سألتها مرفت:
قال لك إيه طيب عن البنت السكرتيرة؟
أجابتها ميري بتهكم:
بيقولي قال إن حصل عندها ظرف طارق. وقال إيه الشركة بتاعتهم شركة محترمة مابتضيقش على الموظفين ولا تتعسف معاهم.
مطت مرفت بشڤتيها ولم تعقب، فهتفت عليها ميريهان:
سکتي ليه يا انت كمان؟ ماتقولي إيه رأيك في الكلام اللي اتقال ده.
ردت مرفت بلهجة هادئة:
يعني عايزاني أقولك إيه يعني؟ مش يمكن يكون كلامه صح والبنت فعلا عندها ظرف طارق.
في نفس الوقت اللي مسافر فيه جاسر.
قالت ميري بتشكك:
فردت مرفت بمكر:
حد عارف بقى. يمكن صدفة.
صاحت الأخړى بانفعال:
هي إيه اللي صدفة يابت انت؟ هو انت عايزة ټحرقي ډمي بكلامك وبعدها تقولي يمكن ومش يمكن.
ردت مرفت حاڼقة:
الله يا ميري هي دي جازاتي يعني إن بقولك على اللي بشوفه عشان تاخدي بالك وتحرسي.
هتفت ميري بعدم سيطرة:
أحرس فين ولا آخد بالي من إيه؟ هو مديني فرصة لأي حاجة. جاسر بايع، وأتوقع منه أي فعل.
..................................
بداخل سيارته والتي كانت ټقطع المدينة الساحلية، كان يتحدث في الهاتف مع والده:
يعني هي اتصلت بيك النهاردة وسألتك؟ طپ وانت قولتلها إيه بقى؟
أجابه عامر عبر الهاتف:
أيوه يا جاسر، زي ما بقولك كدة يا ابني. وحمد لله إن والدتك مكانتش موجودة، وإلا ماكنتش هاخلص من تحقيقها معايا دي كمان. على العموم، أنا رديت عليها وقولت إنك مسافر، بس بصراحة أنا استغربت قوي.
رد جاسر بابتسامة ساخړة:
وانت استغربت من إيه بقى يا والدي؟ على السرعة ولا إن الهانم افتكرت إن ليها جوز؟
وصله صوت أبيه القلق:
من الاتنين يا جاسر. واضح كدة إنها متابعة وليها عيون في الشركة، ودي نفسها حاجة تقلق.
رد جاسر باستخفاف:
لا يا والدي ما تقلقش. أنا عارف مين اللي متابع معاها أساسًا. وعلى العموم، أنا كنت عامل حسابي.
عامل حسابك! طپ ياسيدي ربنا يهنيك بعروستك. إلا قولي هي فين صحيح عشان أبارك لها؟
تزينت زواية فمه بابتسامة سعيدة وهو يلتف لها ليعطيها الهاتف، فوجدها غفت بجواره في الكنبة الخلفية للسيارة. هدهدها بصوت خفيض:
زهرة، يازهرة.
انتفضت مستفيقة تردد له:
أيوه جاسر. معلش خدتني نومة، بس أنا بصراحة مش متعودة على السهر.
رد بابتسامة مستترة وعيناه انتقلت نحو السائق وحارسه الشخصي في الأمام بحرج:
خلي بالك من كلامك يا زهرة، وفوقي كويس عشان تكلمي والدي.
بتقول والدك!
أردفت بها وهي تتناول الهاتف بعد أن أومأ لها برأسه، فخرج صوتها برهبة:
الو.... عامر بيه.
وصلها صوت ضحكة كبيرة من الرجل مرددًا:
بيه إيه بس يازهرة، ما خلاص بقى. ألف مبروك يابنتي.
شعرت بالدفء في صوت الرجل الذي جعلها تكمل المكالمة معه بارتياح.
.....................................
بعد قليل، توقفت السيارة أمام مبنى رائع بتصميمه المميز والذي لفت نظرها من غرابته. فالجزء الأمامي، والذي بدا كسور، كان مبني من الحجارة والجزء الآخر ظهر أمامها وهي تدلف معه للداخل بشكل هندسي كالمثلثات. كانت كالتائهة وهو تخطو معه ويدها الصغيرة ټضمھا كفه الكبيرة نحو مدخل المبنى، وأقدامها تدب في الأسفل على الأرض المرتصفة بأحجار دقيقة وصغيرة. انتبهت على مسبح عملاق وحوله عدة شمسيات تبدو وكأنها صنعت من سعف النخل أو شئ أخر يشبهه، بالإضافة إلى الطولات البلاستيكية والمقاعد. دارت رأسها لتسأله پحيرة:
هو انتوا عاملين هنا حوض سباحة والبحر قدامكم على طول.
الټفت رأسها اليها بابتسامة رائعة قائلاً بتفكهع:
عشان لما نزهق من البحر نغطس في البسين، ولو زهقنا من البسين نروح للبحر. إيه رأيك بقى؟ مش لعبة حلوة.
ختم جملته بغمزة بوجنته أربكتها، ثم تمتمت بداخلها:
ناس فاضية.
حينما ولجت للداخل افتغر فاهاها وتوسعت عيناها پانبهار. على الرغم من بساطة الأثاث، إلا أنه كان رائع مع الأشكال الڠريبة في الديكور، عكس منزله بالقاهرة الذي يتميز بالفخامة والكلاسكية بشكل عصري. انتابها الۏخف من هذا العالم الڠريب عنها والتي لم تطمح ولا حتى حلمت في القرب منهم، لتجد نفسها الآن بينهم ولا تعلم إن كانت ستظل بموقعها هذا أم أنها سترتد بالخلف للعودة لبيئتها التي أتت منها. شھقت فجأة حينما وجدته يرفعها پغتة بذراع واحدة سائلاً:
سرحانة في إيه؟
هتفت بجزع:
إيه اللي بتعملوا ده يا جاسر؟ مش خاېف لحد يشوفنا؟
ضحك متسليًا:
لا، ماهو مافيش حد معانا ياعيون جاسر. الشاليه والمنطقة كلها خاصة، يعني حتى الخدامين هايجوا في وقت محدد وينصرفوا ويروحوا.
قالت بعدم فهم:
إزاي يعني خاصة؟ طپ والبحر القريب دا كمان تبعكم پرضوا؟
اااه.
قهقه مرددًا بتأوه حارق وهو يضغط بأسنانه على شفته السفلى ضاحكًا بسعادة، وأسئلتها العفوية دائمًا ماتذكره ببرائة الأطفال.
هاتعملي فيا إيه تاني يابنت محروس.
.............................
خړجت من عملها متأففة وهي تدب بكعبها ذا الصوت العالي بعدم اكتراث لانتباه المارة حولها والتي تتلفت اليها بدهشة، حتى التقت عيناها به واقفا تحت ظل شجرة قريبة منها. تقدمت بخطواتها حتى وصلت اليه، فخاطبته:
انت واقف عندك بتعمل ايه يا عماد؟
صافحها بالتحية أولاً قبل أن يجيبها وعيناه تتلفت خلفها:
أنا واقف ياستي مستني واحد صاحبي، بس انت إيه أخبارك؟
قالت رافعة حاجبها الرفيع بمكر:
واحد صاحبك پرضوا، وبتتهرب مني بسؤالك عن أخباري يا عماد؟
أومأ برأسه قائلاً پاستسلام:
امال يعني عايزاني أقولك إيه بس، وانا شايفك خارجة لوحدك. هي زهرة مخرجتش معاكي ليه؟
ردت بابتسامة جانبية:
لا ياسيدي مخرجتش معايا زهرة، عشان هي مجاتش النهاردة الشغل أساسًا.
قطب يسألها پقلق:
ليه مجاتش بقى؟ دا حتى امبارح انتظرتها كتير، وپرضوا مجاتش. هي ټعبانة ولا حاجة؟
تنهدت مطولا قبل أن تقول بخپث:
اه ياعماد، دا انت باينك طيب.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع والستون 67 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بحرج، طب أعمل إيه بس يا خالي مع جاسر، واخد إجازة لنفسه يومين بس ومش عايز يقعدهم في البيت، بس بصراحة بقى أنت وجدتي وحشتوني قوي.
قال خالد بسعادة: يا حبيبة خالك أنتِ يابت، أنا ملحقتش أشبع منكِ، وغراب البين دا طار بيكِ، حاولي بقى ماتتأخروش، عايز أقعد معاكي ونحكي في تفاصيل حياتك من وقت ما سافرت أنا وطول فترة غيابي.
ردت هي بتأكيد: طبعًا يا خالي، دا أنا واحشني الرغي والهزار معاك قوي، يمكن أكتر منك كمان.
تابعت زهرة حديثها الممتع مع خالد ورقية التي كانت تناكشها ببعض الكلمات الجريئة التي كانت تجعل زهرة تغضب حرجا منها، وبنفس تتحدث بابتسامة مستترة تصل إليهم رغم عدم رؤيتهم لها، حتى أثارت انتباه جاسر، فخرج لها من البحر بجسده العضلي وقطعة السباحة يرتديها، والتي جعلتها تشيح بوجهها خجلا منه، حتى وصل إليها يدنو بجذعه يتطلع إليها بجرأة أربكتها، فنهت المكالمة معهم بتوتر.
قال متسليًا بصوته الأجش: كنتِ بتكلمي مين؟
رمقته بعينيها سريعًا قبل تجيبه على وضعها بارتباك: كنت بكلم خالي وجدتي، طبعًا أصلهم اتصلوا عشان يطمنوا عليا.
مال إليها قائلًا بابتسامة عبثية: ها بقى وطمنتيهم؟
ضيقت عينيها قليلًا حتى فهمت مغزى سؤاله، ثم التوى ثغرها بحنق، تغير مجرى حديثهم: على فكرة بقى هما سألوا عليك، وأنا قولتلهم إنك بتعوم في البحر ومش فاضي تكلمهم.
مط شفتيه قائلًا بتنهيدة: على كده بقى قولتلهم إني بعوم وحيد في بحر طويل عريض وعروستي مش معبراني ولا هاين عليها حتى تشاركني العوم.
التفتت إليه قائلة بحدة: في إيه يا جاسر، يعني عايزني أعوم إزاي بس وأنا أساسًا مبعرفش.
أعلمك!
أردف بها سريعًا قبل أن يجفلها بحمله لها بين ذراعيه، لتصرخ زهرة بخوف: واخدني ورايح بيا فين، بقولك معرفش.
قهقه ضاحكًا يردد: وأنا قولتلك هاعرفك، يبقى لزوموا إيه بقى الخوف.
أخذت تصرخ معترضة وهي ترفس بأقدامها حتى أدخلها معه وهي تصرخ تناجيه بتركها، فما كان منه إلا أنه فلت أقدامها فقط، واحتفظت ذراعيه بضمها من الخصر بقوة وهو يقول لها بمرح: سيبِك معايا وما تخافيش، أنا لسه ما دخلتش بيكِ في الغويط، استمتعي يا زهرة وخلي عندك ثقة فيا.
قالت مرتجفة بخوف وقد غطتها المياه إلى أسفل كتفيها: يا جاسر ماتستهونش بخوفي دا، ممكن يغرقني بجد.
بقولك ثقي فيا، بقولك ثقي فيا.
هتف بها حازمًا وهو يميل بها لتغطيها المياه حتى رأسها وشعرها، فشھقت مجفلة بلهث بعد أن أعادها سريعًا: حرام عليك يا جاسر، والله بجد حرام اللي بتعمله فيا ده.
حرام على مين بس يا زهرة بحلاوتك دي.
ردد بها بعدم تركيز وهو ينظر لهيئتها الشهية بعد أن ابتل جميع شعرها وسقطت خصلاته الطويلة السوداء على وجهها، فكان يزيحها بكفه من وجنتيها التي تخضبت بالحمرة مع انفعالها، أهدابها الكثيفة والتي أسبلتها مع لهاثها خوفًا من المياه، انتبهت هي على اشتعال عينيه فقالت بتوتر: طب كفاية النهاردة وخلينا...
قطع جملتها بقبلة مباغتة، اعترضت عليها تدفعه عنها حتى نزع نفسه عنها ينظر إليها باستغراب، فهتف غاضبًا: مش تخلي بالك لحد يشوفنا؟
رد بانفعال: أخلي بالي من إيه يابنتي، بقولك دي منطقة خاصة ومحدش يجرؤ يقرب منها، عشان دي ملك العيلة أساسًا.
هتفت متشدقة: وافترض أن ماحدش يقدر يقرب، ما هو ممكن حد يشوفنا من عمارة بعيدة ولا عيل طايش يبص علينا بالميكروسكوب واحنا مش واخدين بالنا.
ميكروسكوب إيه؟
سأل بعدم استيعاب، فقالت هي بحنق: عدسة مكبرة يا جاسر، بتقرب البعيد وتكبره، هو أنا هافهمك برضو يعني إيه ميكروسكوب.
سُهِم من مقولتها الغريبة، فجعله يلتفت بعينيه للبعيد، استغلت هي ارتخاء ذراعيه لتفلت نفسها منها وتخرج من البحر هاربة، انتبه هو فقال متوعدًا وهو يخرج للحاق بها: يا مجنونة، طب ودايني ما أنا سايبك النهاردة يا زهرة...
في المساء.
كانت ترتدي فستان آخر من التشكيلة التي أتى بها من سفرته، يناسب لخروجها معه إلى أشهر المطاعم في هذه المنطقة الساحلية، الفستان كان طويل حتى الكاحل، منتفش في أكمامه ليتنهي عند الرسغ بحلقة صغيرة، وضعت عليه أسورته لتبرز جمالها، الصدر كان مغطى بالتطريزات الخفيفة والتي تنتهي عند الخصر بحزام التف حول جسدها، وحذاء في الأسفل ناسب لونه الأرجواني وحجابها في الأعلى لفته على رأسها بشكل عصري، أشعرها بالرضا عن نفسها وقد نال إعجابها حقًا، لم تكن تظن أنه يملك خبرة أيضًا في ملابس النساء.
أجلسها على طاولتهم بعد أن رحب بهم النادل ودلهم عليها، أشار له جاسر على عدة مأكولات بحرية من القائمة يتميز بها المطعم هنا، قبل أن يصرفه، ثم التفت إليها سائلًا: إيه رأيك بقى يا زهرتي، عجبك المطعم؟
ردت بابتسامة منبهرة: طبعًا عجبني، دا شكله فخم ومشهور قوي.
ولسه كمان لما تجربي أكلهم هاتنبهري بجد، عليهم طريقة تخليكِ تشتاقي للمكان وتزوريه في السنة كذا مرة.
ابتسمت بحرج وعيناها تلتف حولها: بس شكله غالي قوي، بدليل الناس اللي حوالينا كلهم بهوات وهوانم.
ما إحنا بهوات وهوانم برضو، ولا انتِ نسيتي يا زهرة هانم يا حرم جاسر بيه.
قال ببساطة، أجفلتها لتعود برأسها بتفكير بما يذكرها به، أنها بالفعل أصبحت منهم بانتمائها إليه، وهل هذا حقًا؟
تناول كفها يخرجها من شرودها قائلًا: الجميل سرحان في إيه؟
انتبهت إليه نظراته المحدقة بها بتفحص لتقول: لا عادي يعني، بس انت عارف بقى إني لسه باخد على الجو وبحاول أستوعب النقلة الغريبة دي.
رفع كفها يقبلها بحنان: استوعبي يا قلبي براحتك، بس ياريت بقى في وقت تاني، عشان طول ما انتِ معايا عايز تركيزك وعقلك وتفكيرك كله معايا أنا لوحدي، ماشي يا روح جاسر.
أومأت برأسها بتشتت، فكيف تنفذ ما يقوله لها وعقلها مازال لا يستوعبه هو نفسه بأفعاله معها وهذه الشخصية المعاكسة لهيئته الأولى على الإطلاق.
استطرد متابعًا لها: عارفة يا زهرة أنا طول عمري ما فرحتش أوي كدة، على قد ما سافرت وروحت وحققت إنجازات وفرحت بيها، لكن كل ده جمب فرحتي بيكِ لا يسوى شيئ، بجد بجد أول مرة أعرف يعني إيه سعادة.
طب وجوزاتك الأولى ما فرحتش بعروستك؟
تمتمت به بداخلها تود لو تستطيع البوح بهذا السؤال لتعرف الإجابة منه، ولكنه لم يعطها فرصة وهو يشرح لها عن المطعم وتاريخ إنشائه ومعرفته به وهو وعائلته، حتى انتبه الاثنان على وقوف طفلة رائعة الجمال بالقرب منهم تتطلع بابتسامة شقية إليهم.
اقتربت برأسها منها تسألها زهرة: إنتِ مين يا قمر واسمك إيه؟
أجابتها الفتاة: أنا تاليا.
الله اسمك حلو أوي يا تاليا.
رددت بها زهرة، وتدخل جاسر بسؤاله للصغيرة والتي تبدو في الرابعة من عمرها: انتِ حلوة أوي يا تاليا، في حد كبير بقى معاكِ؟
أسبلت عيناها الصغيرة بانتشاء وقد أعجبها ثناؤه لها، فمالت برأسها تتلاعب في خصلات شعرها قائلة بغنج أثار الضحك لدى الاثنين: جيت مع والدي ووالدتي.
ياروحي أنا يابنتي إيه الحلاوة دي.
أردفت بها زهرة.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثامن والستون 68 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بقلب يقفز بالفرح لهذه الطفلة الرائعة والتي أثارت الحنين بقلب جاسر أيضاً في الحصول على طفلة مثلها من محبوبته، وقد نبت بداخله الأمل بعد زواجه منها.
"مساء الخير، إحنا آسفين يا جماعة."
انتبهت لها فجأة الاثنان من امرأة شديدة الجاذبية والجمال وهي تتناول الصغيرة وترفعها إليها. قالت زهرة وهي تنهض لترحب بالمرأة:
"مساء النور، بتعتذري ليه طيب وتاخديها دي زي القمر وما أزعجتناش خالص والله."
ردت المرأة بابتسامة رائعة كطفلتها:
"يا حبيبتي ربنا يرزقكم بواحدة زيها بس تبقى أهدى شوية عشان دي مطلعة عيني. انتوا هنا وأنا بدور عليكم."
صدرت بالقرب منهم بصوت رجولي. انتبه على صاحبه جاسر فنهض مرحباً بالرجل بتهليل:
"رؤوف الصيرفي! انت فين يا عم."
"جاااسر."
أردف بها الرجل قبل أن يجلبه جاسر بعناق أخوي وهو يبادله الترحيب بحرارة، هو الآخر مع بعض كلمات العتاب والمزاح أيضاً.
خاطبت زهرة المرأة:
"طب ما تتفضلي حضرتك اقعدوا معانا، مدام طلعوا أصحاب وبيعرفوا بعض."
ردت المرأة بمودة:
"يا ريت كنت أقدر والله بس إحنا مستعجلين وعندنا مشوار ضروري ومتأخرين عنه بسبب العفريتة دي."
انتبهت زهرة على لكنة المرأة المختلطة ببعض الكلمات الصعيدية قبل أن ترد بمزاح للطفلة:
"قصدك العفريتة اللي اسمها تاليا."
أجابتها المرأة بضحكة:
"أيوه هي اللي جايبالنا الكلام على طول. بس اسمها حلو قوي، مين سبب التسمية انت ولا والدها؟"
سألتها زهرة، فأجابت المرأة:
"لا أنا ولا والدها، جدها أصلُه فنان وشاعر وحكاية الأسماء عنده لازم تبقى بمعنى وحكاية من وراه."
سمرا...
قطعت جملتها لتلتف لزوجها الذي ألقى بالتحية لزهرة برأسه قبل أن يلتفت لزوجته ويشير لها بالانصراف. فاستأذنت منها مودعة لتغادر. وعاد جاسر لمقعده بعد أن أنهى لقاءه الصغير مع صديقه. وعادت زهرة هي الأخرى لمقعدها تسأله:
"ما مسكتش فيهم ليه عشان يكملوا السهرة معانا، مدام طلع صاحبك ومراته."
رد جاسر:
"مسكت فيه والله بالجامد كمان، بس المجنون ده بيقولي إن وراهم مشوار مهم. والعفريتة بنته هي اللي غفلته ساعة ما راح يشتريلها آيس كريم. وحشني بجد ابن اللذينة بقالي زمن ماشوفتهوش."
انتبهت على نبرته السعيدة في الحديث عن صديقه، ليستطرد قائلاً:
"عارفة بقى يا زهرة، أهي مراته دي كانت شغالة في البداية عندهم جليسة لجدته قبل ما يحبها ويتجوزها. وقتها أنا كنت مستغرب قوي، لكن دلوقتي بس قدرت موقفه لما جربت."
"هو عرف إني مراتك؟"
أجفلته زهرة بسؤالها، فقال هو باستدراك:
"تصدقي أخدنا الكلام ونسيت أقوله، بس هو لو سألني كنت أكيد ها أجاوب على طول. ده صاحبي وغالي عندي قوي."
أومأت برأسها لتخفي ما انضمر بصدرها من إجابته، والتفت برأسها لتتابع ذهاب الرجل وامرأته مستغلة اندماج جاسر مع النادل الذي أتى بالطعام. لفت نظرها رعاية الرجل لزوجته بتناوله للطفلة ليحملها عنها، ثم نظرته الولهة لها وكأنه لا يرى من النساء غيرها. متأبطة ذراعه الحرة بثقة في جمالها وعشق زوجها الذي يبدو للأعمى كم هو فخور بها وهي تستحق. كما لفت نظرها أيضاً هذا الرجل الذي يتابعهم بعينيه ورأسه مغطى بالكاب من ناحية غير مرئية لهم مع الإضاءة الخفية.
كان الوقت يقترب من الظهيرة حينما استيقظت من نومها في هذه الغرفة التي بدأت تعتاد عليها وعلى هذا الجو اللطيف الساحر بها. ونسمات البحر العليلة تطير الستائر البيضاء أمامها. فردت ذراعيها تتمطع بكسل محبب بدأت تعتاد عليه. انتبهت تنظر بجانبها عليه فلم تجده كالعادة يستيقظ مبكراً قبلها كي يتابع أعماله على حاسبه. نهضت من التخت نحو النافذة لتتطلع أمامها على البحر بلونه الأزرق الذي يبعث على الصفاء النفسي داخلها. أمواجه العتيدة تضرب بقوة في دعوة صريحة لمجابهتها واللحاق بالسباحة ومصارعتها قبل أن تزداد قوتها مع دخول الشتاء وقد قارب الصيف على الرحيل. أغمضت عيناها تستقبل هذه البرودة اللذيذة على وجهها وشعرها. وشعور بالراحة والسعادة يدغدغ قلبها مع هذا الرجل الذي يغمرها بالعشق وهو يعلمها قواعده بتمهل وصبر حتى جعلها تسقط في فخه. يسقيها من حنانه بإغداق ليثير بقلبها الامتنان نحوه. سعادة لم تكن في بالها ولم تخطط لها، ولكنها تتمنى أن تدوم.
ابتعدت عن النافذة لتخرج إليه فتذكرت هيئتها وهي ترتدي المنامة الحريرية القصيرة جداً ذات الحمالات الرفيعة. شهقت بدون صوت تتذكر حشمتها قبل زواجه به، وهي تتناول بيجامة بيتية مريحة لترتديها من خزانة الملابس مرددة:
"فينك يا رقية تشوفي بنت بنتك بقت تلبس إيه!"
وجدته كالعادة في صالة الطابق الأول منكفئاً على حاسبه والهاتف على أذنه. أكملت لتهبط الدرج بخطوات تقصدت أن تجعلها خفيفة. وفور أن هبطت للأرض سارت على أطراف أصابعها لتقترب بخفة رويداً رويداً تريد مفاجأته بوضع كفيها على عيناه بحركة طفولية معروفة وهي مستغلة انشغاله. وفور أن وصلت لتصبح خلفه تماماً وهمت لترفع كفيها، وجدته يميل برأسه للخلف ناظراً نحوها ليسألها بمكر:
"انتي بتعملي إيه؟"
ضربت كفيها ببعضهم تجيبه بإحباط:
"وأنا لحقت أعمل يا حسرة، ما باظت اللعبة والبركة فيك."
ضحك مجلجلاً بصوته وهو يتناول كفها ليجعلها تلتف حول الكرسي الجالس عليه ويجلسها على قدميه مردداً:
"طب يعني انت كنت عايزة تخدعي مين بس، ده أنا حسيت بيكي من أول ما طليتي تبصي عليا من الدور الثاني واتأكدت من حضورك من أول ما نزلتي السلم بخطوتك الخفيفة اللي زي الحرامية دي. وانت ما تعرفيش بقى إن ريحتك الحلوة زغزغت روحي من جوا. صباح الفل."
قال الأخيرة قبل أن يقبلها على وجنتيها.
ردت زهرة: "الصباح." ثم قالت بمرح:
"حلوة قوي يا جاسر حكاية زغزغت روحي دي وجديدة، جايباها منين؟"
قربها يسحب من أنفه رائحتها بقوة قبل أن يجيبها بهيام:
"جايباها منك يا زهرة جاسر، أنا روحي بتتردلي وبحس بانتعاشها لما أشّم ريحتك الطبيعية دي. مش بيقولوا كل إنسان له نصيب في اسمه؟ انت بقى خدت من اسمك المعنى كله."
ألجمته كلماته الرائعة عن الجدال، فمن هي لتجاريه وهو الأستاذ والمعلم. صمتت تتلقى منه قُبلاته العاشقة بحب وهو يردف لها بكلمات الغزل التي تخدر أعصابها. كالعادة، لتبادله الاستجابة على استحياء. بعد قليل نزعت نفسها فجأة تسأله:
"آه ياصح، يا جاسر إنت ما قولتليش هنروح إمتى عشان ألم هدومي وحاجتي."
ضيق عينيه قائلاً بخبث:
"ومين قال إننا مروحين؟"
توسعت عيناها تجيبه باندهاش:
"انت يا جاسر اللي قولت يومين عسل واليومين كملوا أسبوع، ولما سألتلك بعدها قولتلي هانقعد يومين كمان. إحنا كده مكملين عشر تيام."
رد ببساطة أذهلتها:
"وماله لما العشر تيام يكملوا أسبوعين ولا نزود عليهم تاني كمان. ده حتى بيقولوا عليه شهر عسل."
قال الأخيرة ليدفن رأسه في عنقها. هتفت بعدم تصديق:
"طب ومصالحك وشركاتك دي اللي انت سايبها، وشغلي أنا كسكرتيرة في شركتك، هابرر للي في الشركة غيابي إزاي؟"
رفع رأسها إليها يجيبها بضيق:
"إن كان على شغلي أنا بتابعه يوماتي مع كارم، وإن كان على وضعك انت أنا هاخليهم يقيدوا إجازتك مسببة بجوازك، ودا على الأقل حتى عشان الكل يعرف."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التاسع والستون 69 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
انك مش متاحة.
شدد في الأخيرة قبل أن يستطرد:
"وهي الموظفة لما بتتجوز مش بتاخد أجازة برضوا ولا بتحضر تاني يوم؟"
"طب وجدتي وخالي؟ دا اللي من ساعة ما رجع ماشفتوش تاني وهو كلها يوم ولا يومين ويرجع يسافر."
توسعت ابتسامته وهو يرد عليها بمكر:
"قولي كده من الأول. انت هاتموتي عشان ترجعي لخالك وجدتك؟ على العموم يعني خالك دا اللي كل يوم بيزن على دماغك بالرجوع عشان وحشاه مش قادر بقى يميز إنك في شهر عسل مع جوزك. ثم حكاية سفره دي كمان، دول كلهم يومين هيخلص فيهم مستحقاته وأوراقه عشان يرجع يستقر هنا في الشغل الجديد."
سألته زهرة بانتباه:
"وانت عرفت منين إنه هايشتغل هنا ويستقر؟"
سهم قليلاً لها باستدراك ثم أجابها بذكاء:
"عرفت منك، ما انتي قلتي قبل كده قدامي."
قالت زهرة بتفكير:
"لأ بس أنا مش فاكرة خالص إني قولت قدامك الموضوع ده."
رد بتصميم وهو ينهض وينهضها معه:
"لأ قولتي يازهرة بس انتي مش فاكرة. ويالا بقى عشان نفطر، أنا هاموت من الجوع."
ألتهت زهرة بجملته الأخيرة فقالت بإشفاق وهي تتحرك معه نحو المطبخ:
"طب وما فطرتش ليه من الصبح ياجاسر؟ دا إحنا بقينا الظهرية!"
ضمها بذراعه إليه ليقبلها من وجنتها قائلاً بهمس:
"وأفطر من غير زهرتي يرضيك برضوا!"
***
دَلفت سمية تلقي التحية بابتسامة مشرقة على رقية والتي كانت جالسة بقلب الصالة في مكانها المعتاد:
"مساء الخير يا خالتي، عاملة إيه النهارده؟"
ردت رقية بابتسامتها المعتادة:
"مساء الخير ياختي، وشك ولا القمر. توك ما افتكرت تيجي تطلي عليا؟"
اقتربت منها سمية تكشف عن طبق بيدها وهي ترد عليها بحماس:
"معلش بقى، مانا كان لازم أخلص اللي بعمله الأول قبل ما أجيلك عشان آخد رأيك بنفسي في اللي عملاه."
دنت برأسها رقية تنظر جيداً للطبق قبل أن تتناول ملعقة فقالت وهي تتذوق الطعم:
"دا طبق رز بلبن يا بت صح، بس ماله كده شكله متغير على اللي بنعمله دايماً."
ردت سمية وهي تجلس بجوارها:
"أصل أنا المرة دي عملاه بطريقة جديدة شوفتها في التليفزيون، اهو بقى قولنا نجدد."
قالت رقية وهي تتذوق في المكسرات اللي على الوجه:
"وماله ياختي جددي مدام بتعرفي تقلدي، لكن انتي جايبة طبق واحد يا بت؟"
ردت سمية على سؤالها بوجه ضاحك:
"ودا برضوا كلام يا خالتي؟ أنا محضرالك انت وسي الأستاذ خالد حلة صغيرة ليكم تاكلوا منها براحتكم. حكم أنا عملت كمية كبيرة. ياما كان نفسي زهرة تدوق منه. حكم دي كذا مرة تعيب على طريقتي."
"حقها ياختي تعيب، وهو انت تعرفي تعملي الطبق اللي بتعمله هي مهما اتعلمت ولا شوفتي في التليفزيون." قالتها رقية بتفاخر ومرح.
تقبلته سمية بالضحك قبل أن تسألها:
"طب هي عاملة إيه دلوقتي؟ بتتصلوا بيها وبتكلموها يا خالتي؟"
أجابتها رقية:
"طبعاً بنتصل بيها وبنكلمها يوماتي. هي تقدر تفوت يوم عشان كان خالد يطب عليها هي وجوزها في المطرح اللي هما قاعدين فيه."
شهقت سمية تضع كفها على فمها ضاحكة على طبع رقية اللي لا يتغير أبداً في المزاح.
***
"ماشي يا جاسر يا ريان، وديني ماهافوتهالك." تفوه بها خالد بغيظ وهو ينفض سيجارته قبل أن يعيدها إلى فمه ليدخنها وهو جالس بإحدى المقاهي الشعبية الشهيرة في خارجها.
أمامه في الناحية الأخرى من الطاولة خطيبته نوال التي ردت باستغراب:
"وكان عملك إيه بس يا خالد؟ واحد في شهر العسل مع عروسته فيها إيه دي بقى؟"
ردها حانقاً:
"فيها إيه برضوا؟ دا قاصد يحرق دمي يعني. أنا دلوقتي أسافر من غير ما أشوفها؟"
ردت نوال بابتسامة هادئة:
"طب وإيه يعني برضوا؟ ما هما كلهم يومين ولا تلاتة ولا حتى أسبوع وبعدها هاترجع وتشبع منها. مش انت خالها وحبيبها يبقى لازم تفرح لها إنها مبسوطة مع جوزها مش تتقمص وتزعل."
"يختهم." قالت الأخيرة بمغزى وهي تنظر إليه بمكر. فهم فردد بغيظ:
"فلاش الأسلوب ده يانوال عشان أنا مش هاضم موضوع جوازها ده من أساسه."
قالت بانفعال:
"آه وبعدين بقى؟ نطلق البنت يعني عشان تستريح؟"
"انتي عوذ بالله اللي بتقوليه ده يانوال." أردف بها على الفور بوجه متغير.
فعادت إليها ابتسامتها ترد عليه:
"عارف يا خالد أنا لولا إني فاهماك كويس وفاهمة علاقتك الأبوية بزهرة لكنت سبتك من زمان وفسخت خطوبتي منك بسببها."
ارتفع حاجبه بخطأ فقال بتهديد وهو يجذبها من أطراف أصابع كفها المستندة على الطاولة بينهم:
"تسيبي مين يا أبلة؟ كرري الجملة كده عشان أنا ماسمعتش كويس. ولا يمكن عايز أتأكد من اللي سمعته؟ ما تكرري."
ضحكت تداري فمها بقبضتها وعيناها تتنقل على البشر حولها:
"الناس بتبص علينا يا خالد، بلاش جنانك ده."
أكمل بوجهه العابس:
"وانت لسه شفتي جنان؟ والنعمة أفرجهم عليك بجد وأشهر بوالدك المحترم كمان."
أومأت بكفها الحرة باستسلام أمامه مرددة:
"لأ وعلى إيه يا عم الطيب أحسن خلاص بقى كده، يرضيك؟"
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة مستترة قائلاً لها:
"أيوة كده اتعدلي. ما عنديش أنا حريم تعترض ولا يبقى ليها رأي تاني بعد ماوافقت إنها تدخل القفص دا. تنبيه من أولها عشان دماغك ماتلفش بعدين."
ترك يدها لتشيح بوجهها عنه مغمغمة بكلمات غير مفهومة. فتابع يسألها بشر:
"بتبرطمي بتقولي إيه؟"
التفت إليها برأسها قائلة بمهدانة:
"لأ ياراجل، وأنا هاشتمك برضوا؟ دا أنا بقول عليك عسل."
رد بابتسامته منتشية:
"أيوه كده اتعدلي بحسب كمان."
صمتت تدعي الطاعة وقلبها يقفز من السعادة لمزاجه الثقيل. فهي أعلم الناس به وبما يكنه نحوها رغم انشغاله دوماً بالقلق على ابنة شقيقته. فعلاقتهما تعدت التفاهم والحب، بل هي أصبحت تؤأمة بين روحين يشغلها ما يشغله ويقلقه ما يقلقه.
***
بداخل سيارتها التي كانت تحاول في محركها عدة مرات. ضربت بكفيها على المقود بحنق وقد تعبت من تكرار المحاولات في تحريكها لتقابل بهذا الصوت الغريب للموتور وعدم الاستجابة.
رددت بغضب وهي تتناول حقيبتها وسلسلة المفاتيح قبل أن تخرج منها:
"أدي جزاة اللي يجيبلوا عربية نص عمر تعطل منه كل شوية ويفضل بس مداوم على مشوار الميكانيكي والصنايعية."
صفقت بابها بعنف ثم التفتت تضع النظارة الشمسية على عينيها قبل أن تتجه بخطواتها نحو الرصيف لتشير لإحدى سيارات الأجرة. ولكن السائق لم يستجيب. وأشارت لأخرى وفعل أيضاً سائقها نفس الأمر.
حتى تفاجأت بالسيارة الضخمة العالية السوداء وهي تقف أمامها. ليترجل منها صاحبها ويخاطبها:
"بتشاوري على تاكسي ليه يا كاميليا؟ وعربيتك دي؟"
زفرت تجيبه بضيق:
"عربيتي باظت يا طارق ومش بتدور ولا بتتحرك. يبقى هاتوصلني ازاي؟"
عرض المساعدة قائلاً:
"تحبي أدورها وأشوف العطل اللي فيها؟"
اعترضت تهز برأسها:
"لأ لأ، ولا تشوف ولا تحاول. أنا قرفت منها أساساً. اركبلي تاكسي أرحم."
"وتروحي تاكسي ليه وعربيتي موجودة؟ تعالي أوصلك معايا في طريقي." قال عارضاً عليها بذوق.
فردت هي بالرفض:
"لأ يا طارق، روح انت وشوف وراك."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السبعون 70 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
عبس يرد على كلماتها:
"عطلة إيه يا كاميليا اللي هاتجيلي من مشوارك؟ هو أنا هاخدك وأسافر بيكي يعني، ولا انت عندك الركوب مع سواق غريب آمن من الركوب معايا في عربيتي؟"
أحرجها بكلماته، فتحركت أليًا لتنضم معه في الأمام بجواره. اعتلى السيارة ليدير المحرك ويقودها بجوارها صامتًا حتى لا يزعجها. بنهج اتخذه منذ مدة حينما لاحظ جفاء ردها معه كلما حاول التقرب. فمهما حرق قلبه ناحيتها، لن يسمح بامتهان كرامته في عشق امرأة لا تبادله نفس المشاعر.
قطعت هي شروده بسؤال:
"خارجت بدري أوي النهاردة وسيبت الشغل، مش عادتك يعني."
ارتفع حاجبيه لسؤالها المفاجئ، ثم رد بروتينية يمنع نبضة الأمل التي تبذر بداخله لاهتمامها:
"خرجت أساوي شوية مصالح كدة لجاسر، اداني أوردر بيهم امبارح."
قالت مبتسمة:
"وجاسر الريان دا استحلاها باينه، دا كان قايل يدوب يومين واحنا دلوقت هانكمل أسبوعين في غيابه."
التفت إليها قائلاً بمغزى:
"وما يقعد أسبوعين ولا شهر حتى، الراجل مبسوط مع مراته، وأظن هي كمان مبسوطة معاه، وأيام العسل دي مابتتعوضش. ولا انت مكلمتهاش وعرفت منها؟"
أجابت كاميليا:
"طبعًا كلمتها وعرفت منها إنها مبسوطة، بس دا الطبيعي على فكرة في البداية مع الدنيا الجديدة اللي اتحطت فيها فجأة بكل الإبهار والرفاهية اللي مكنتش تخطر على بالها."
صمتت قليلاً، تضحك بدون صوت وهي تنظر للخارج من نافذة السيارة بجواره. واستطردت ساخرة:
"بس أقسم بالله الراجل ده ذكي بشكل يخوف، خد البنت في مكان منعزل ليهم لوحدهم عشان تتعود عليه، وعمل على عقلها حصار بحيث إن ما يدهاش فرصة للتفكير وتحبه مضطرة مع إلحاح عواطفه ناحيتها. والبنت بريئة ياعيني، عجينة طرية يشكلها بإيده."
التفت طارق إليها مضيقًا عينيه بتفكير، وقد أثارت فضوله ليسألها مباشرة بدون تحفظ:
"هو انت إيه اللي أخرك في الجواز لحد دلوقتي يا كاميليا؟ وما تقوليش نصيب عشان أنا عارف إن السبب منك."
أفزعها بسؤاله المفاجئ، فخرج صوتها إليه بحدة:
"لاحظ إن سؤالك ده فيه جرأة أنا ماسمحش بيها. يا أستاذ طارق، اتجوز ما اتجوزش دي حاجة تخصني."
أكمل غير مبالٍ:
"لأ يخصني يا كاميليا، لما أشوف تعاملك الجاف معايا من غير سبب. كل ما أقرب خطوة ناحيتك وكلامك دلوقتي على جاسر وتحاملك عليه زود الشك في دماغي. انت عندك سبب غامض جواك ومش عايزة تبوحي بيه قدام حد."
قالت بتحدي:
"وافرض عندي سبب صحيح، أنا مش ملزمة أقولك انت بالذات عليه."
صمت ينظر إليها بغيظ وهو يعض على فكيه من رأسها العنيد. فتابعت هي:
"ممكن بقى تنزلني هنا على جنب الطريق؟"
"لأ مش ممكن يا كاميليا، أنا هاوصلك لحد باب بيتك وهالتزم مكاني من غير ما أكلمك زي ما عملت الأيام اللي فاتت، مدام دا اللي يريحك."
قال بقوة قبل أن يلتفت للطريق يتابع في قيادة السيارة بصمت متجنبًا الحديث والنظر إليها. تأملته قليلاً ببركان غضبها، وقد نجح بجرأته في النبش عن المنطقة الخطرة برأسها في سابقة لم تحدث معها أبداً قبل ذلك، وهي التي نجحت وتخطت هذه المرحلة إلى أن وصلت لما هي عليه الآن دون مساعدة من أحد. التفتت للطريق من نافذة السيارة تدعي اللامبالاة وبداخلها تفور غيظًا.
***
"هي دي الحارة اللي فيها العنوان؟"
تساءلت ميريهان بقرف وهي تتأمل المباني القديمة والجدران المقشرة بفعل مياه الصرف الصحي التي غطت نصف الحوائط. أجابت صديقتها وهي تسير بسيارتها بتأنٍ وتتطلع حولها جيدًا هي الأخرى:
"شكلها هي بس أظن يعني... بصراحة مش عارفة. المباني هنا شبه بعض وأنا مش قادرة أعرف هي ساكنة في أنه عمارة في هنا، بس العنوان هو نفسه اللي مكتوب في أوراق الشركة."
قالت ميري باشمئزاز:
"ياي يا مرفت، معقول في ناس ساكنة هنا وبتاكل وبتنام كمان؟ دي كلها عمارات آيلة للسقوط ومياه الصرف الصحي مبهدلاها."
ردت ميرفت بتركيز في الطريق:
"عودوا يا ميري على العيشة فيها عادي يعني، المهم أنا هوقف العربية قبل ما نغوط في الحارة. عايزين نسأل من غير ماحد يحس بينا."
أومأت برأسها ميري بموافقة. وأوقفت مرفت السيارة لتلتفت إليها فوجدتها تداري رأسها بطاقية وتغطي عينيها بنظارة شمس. سألتها باستغراب:
"ليه بتخبي نفسك أوي كدة؟ دا إحنا لسة في العربية ومخرجناش."
أجابت ميري على الفور:
"لازم يابنتي، مش يمكن حد يعرفني؟ أنا شخصية عامة غيرك."
عوجت مرفت فمها على زاوية تردد حانقًا:
"شخصية عامة في إيه بقى؟ والدك وزير ومعروف آه، لكن انت بقى الناس هاتعرفك منين؟"
قالت ميري بانفعال:
"إزاي مايعرفونيش بقى وأنا عندي صفحة عليها آلاف المتابعين؟ مش يمكن ألاقي حد فيهم هنا."
صمتت مرفت تكتم غيظها من هذه التافهة، فتابعت ميري غير مبالية:
"يالا بقى انزلي اسألي أي حد هنا عنها."
ردت مرفت من تحت أسنانها:
"أسأل مين كمان؟ وأنا لوحدي هنا في المنطقة الغريبة دي. لو عايزاني أسأل يبقى تنزلي معايا."
"أنااا؟ أنزل بجزمتي Brand هنا؟"
هتفت بها ميري بمبالغة. حركت كتفيها مرفت بعدم اكتراث تتلفت أمامها وترد وهي تهم لتدير السيارة:
"خلاص ياحبيبتي، ولا يهمك خليك بجزمتك Brand ونرجع عادي."
أوقفتها ميري حانقة:
"خلاص خلاص، هانزل معاكي وابقى أضحي بقى بجزمتي."
تبسمت مرفت بانتصار وهي تخاطبها قبل أن تترجل من السيارة:
"طب يالا بقى عشان مانتأخرش."
ترجلت ميري خلف الأخرى بتأفف. تتطلعان حولهن بتشتت في الوجوه المارة حولهن والتي تتطلع لهيئتهم باستغراب. حتى وجدوا صبيًا يبدو في الثالثة عشر من عمره. أوقفته مرفت وهو يمر بجوارهم:
"ثواني ياحبيبي، ممكن خدمة؟"
أجاب الفتى وهو يتطلع إليهم باندهاش:
"نعم يا أبلة، عايزين إيه؟"
تدخلت ميري تجيبه على الفور:
"عايزين نسأل على واحدة ولو جاوبت كويس ليك مني حاجة حلوة."
"عايزين تسألوا على مين يا أبلة؟"
صدرت بالقرب منهم بصوت خشن. انتفضت ميري ومرفت يلتصقن ببعض خوفًا فور أن رأين صاحب الصوت بهيئته الضخمة وهو يقترب بخطواته إليهم.
تلجلجت ميري وهي تجيبه:
"إحنا مش قاصدين حاجة وحشة، إحنا بس عايزين نسأل عن واحدة وهانمشي على طول."
قيمهم فهمي بنظرة شاملة من رؤوسهم إلى أقدامهم في الأسفل، وقد خاب ظنه بعد أن اعتقد هم ممن يأتين بقصد شراء الكيف والمواد المخدرة منه. ثم سألهم بهدوء مريب:
"ومين هي دي بقى اللي مكلفين نفسكم وجايين الحارة مخصوص تسألوا عليها؟"
أجابت مرفت:
"إحنا بس كنا عايزين نسأل على واحدة اسمها زهرة محروس. بيقولوا إنها ساكنة في الحارة. هي زميلتنا في الشغل واحنا عايزين نطمن بس ونعرف سبب غيابها."
صمت قليلاً يرعبهم بنظراته الغامضة المخيفة قبل أن يرد:
"هي فعلاً كانت ساكنة هنا في العمارة اللي في آخر الحارة اللي في وشكم دي، بس هي دلوقتي ماتت ومعدتش موجودة."
انتقلت أنظارهم نحو المبنى المتهالك قبل أن يعودن إليه، فسألته ميري:
"ماتت إزاي يعني؟ عايزين نفهم كلامك."
بصق من فمه على الأرض.