تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 111 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أومأ له جاسر يحييه بحرج، اكتنف زهرة هي الأخرى. فذهبت إليها معتذرة بأسف، تقبلته نوال بصدر رحب وتفهم لكل ما يخص خالد.
أما جاسر، والذي انفرد مع خالد قليلاً، فخاطبه بامتنان قائلاً:
"متشكرين أوي يا خالد إنك قبلت العزومة، بس كان نفسي بجد تجيب رقية والبنات معاك."
تبسم خالد يرد باعتزاز اعتاد عليه طوال سنوات عمره دون تأثر بمكانة أو أي شخص كان.
"يا جاسر باشا، أنا قبلت دعوتك المرة دي وأنا ساحب في إيدي خطيبتي، على أساس جملتك امبارح لما قولتلي اعتبرها عزومة من صديق. لكن بقى لو كنت سحبت رقية والبنات، ساعتها كانت هتبقى عائلية. وأنا بصراحة مفضلش إن أول لقاء مع العيلتين يبقى في عزومة عامة، بل بالعكس، أنا أفضل إن العزومة تبقى في بيتنا أولاً، وده الأصح."
أومأ له جاسر بصمت، وقد ألجمته حجة خالد، والذي أصاب في كل كلماته.
ترجل من سيارته بعد أن أوقفها أمام منزل عامر الـريان واصطفها في مكان قريب منه بجوار السيارات العديدة للمدعوين لهذه المأدبة. أحكم إغلاقها واستدار بخطواته السريعة نحو مدخل المنزل ليتفاجأ برؤيتها وهيئتها، التي تنجح في كل مرة بسحب أنفاسه من داخل صدره، حتى أنسته الوعود التي قطعها على نفسه. وعيناه متسمرتان عليها، وقد التقت بخاصتيه، فلم تحِد هي الأخرى بنظراتها عنهما، وكأن حديث اشتياق مطول يدور بينها مع وقع خطواته التي تمهلت دون إرادته.
"اللعنة عليها وعلى كل ما يخصها، لديها القدرة دائماً على تحطيم مقاومته. ولكن رغم ذلك، فهو لن يعود لسابق عهده معها."
استعاد توازنه ليغلف وجهه بهذا القناع الزائف، يدعي التجاهل، وساعده رؤية هذا الغراب الذي أتى خلفها. يومئ له بابتسامة صفراء، بادله طارق بواحدة مثلها، ثم أزاد قاصداً حرق دمه برفع ذراعه ليحاوط كتفيها. قوبل فعله طارق بتغافل تام، وقد أشاح بوجهه على الفور حتى لا يعطيه فرصة للفرح به.
"لا يعلم سر هذا الرجل، ولما يشعر بأفعاله الغريبة، وكأنها تتعدى الغيرة من رجل آخر رآه قبل ذلك يغازل خطيبته، وهذه المثالية، الغيرة العادية التي يبرع دائماً في إظهارها أمام الجميع."
تنهد من حريق يدور بداخله ليغمغم لنفسه وهو يصعد الدرجات الرخامية الكبيرة نحو مدخل المنزل.
"جمد قلبك كده واركز، هو أنت لسه شفت حاجة، ده أنت يا ما هتشوف."
ومن خلفه، شعرت كاميليا بفعل كارم المقصود، فرمقته بنظرة ممتعضة. لم يكترث بها وقبض على كفها ليسحبها معه، متمتماً ببرود.
"إيه يا كاميليا، إحنا هنفضل واقفين الليلة كلها هنا ولا إيه؟ يلا عشان ألحق أروحك بدري لبيتكم بدري كمان. يلا."
أذعنت باستسلام تتبعه، وبداخلها تتاكل غيظاً من أسلوبه اللامبالي.
وفي الداخل، كان لقاء خالد ولمياء بعد أن قدمه إليها جاسر بتحفز، بعد تحذيراته لها بالأمس وقت اتفاقهم على مأدبة العشاء. وقد وضع شرطه نصب أعينها لمقابلة أسرة زهرة بمودة جيدة، وإلا سيفعلها ولن يتهاون بترك المنزل وأخذ أبيه لمنزله. فاضطرت صاغرة لموافقته، وها هي الآن ترحب بخالد وترسم على وجهها ابتسامة رغم احتقانها في الداخل.
"أهلاً يا أستاذ خالد، نورتنا وشرفتنا بوجودك."
قابل خالد تحيتها بابتسامة مرحبة، رافعاً رأسه أمامها يخاطبها باعتزاز.
"الشرف لينا يا هانم، أنا اللي سعيد بالتعرف عليك."
أومأت بابتسامة متكلفة، اتسعت بذهول مع كلمات جاسر وهو يقدم لها نوال.
"دي بقى خطيبته يا ماما، الأستاذة نوال بنت المستشار فتحي رضوان."
"واو، مستشار."
غمغمت بها وهي ترحب بوجه مرتخي قليلاً عن لقائها السابق بخالد.
"أهلاً بيك، نورتينا يا قمر."
رحبت بمصافحتها نوال بابتسامة ودودة.
"البيت منور بأصحابه، ربنا يحفظك."
غلبها الفضول لتسألها على الفور.
"وأنتِ بقى محامية ولا أستاذة في الجامعة؟"
تدخلت زهرة لتجيبها بغبطة وسعادة حقيقية لرؤية أحب الأشخاص على قلبها.
"نوال محامية شاطرة أوي، دي ليها مكتب لوحدها ومافيش قضية بتخسرها."
أومأت لمياء، وقد ارتسمت الحيرة والدهشة على وجهها من هذه العائلة التي رغم فقرهم، يصاهرون أساتذة ومستشارين ورجال أعمال أيضاً!
بداخل سيارته، والتي اصطفها بمكان بعيد نسبياً عن محيط القصر الكبير والحراسة الضخمة له من رجال أشداء، وقع اختياره على واحداً منهم يسير دوماً بهذا الطريق بعد أن انتهت نوبته قبل عودته لمنزله باستقلال إحدى الموصلات العامة في الموقف القريب.
"بس بس، أنت يا أخ."
هتف بها نحو الرجل الذي تعجب في البداية وظن أن النداء على شخص آخر، حتى أصر عليه الآخر وهو يشير بكف يده إليه ليقترب. عقد حاجبيه الحارس الضخم لطلب هذا الصغير لينضم إليه بالسيارة، حتى اقترب يخاطبه بخشونة وعدائية.
"أنت مين وعايزني أركب معاك ليه في العربية؟"
تأفف مارو يزفر حانقاً ورد بسأم مع قلق هذا الضخم لمرفقته.
"يعني هكون عايزك تركب معايا العربية ليه بس، أنت كمان أكيد عايزك في مصلحة."
ارتفعت حاجبيه الرجل وازدادت الريبة على ملامح وجهه وهو يحرك رأسه يسأله باستفهام.
"مصلحة إيه بالظبط، أنا مركبش العربية مع حد غريب من غير ما أعرف غرضه إيه مني الأول."
فاض به مارو وهو قليل الصبر من الأساس، فضرب بغيظ على مقود السيارة قائلاً من تحت أسنانه.
"جسمك اللي زي جسم الوحش دا وخايف مني! ده أنا كل اللي عايزه منك كلمتين بس ع السريع، اركب بسرعة بقى قبل ما يشوفك حد من باقي الحراس، مش عايزين شوشرة."
بدت الحيرة واضحة على وجه الرجل في القبول أو الرفض، ولكنه تذكر الفرق الجسدي الهائل بينه وبين هذا الشاب اليافع بجسده النحيل وشعر رأسه الطويل الذي يعقده من الخلف كذيل حصان قصير كفعل الفتيات. استغفر بداخله وعقله ذهب لأفكار غريبة جعلته يأخذ حذره في جلسته معه بداخل السيارة، فعاجله سريعاً بقوله فور أن ابتعدا عن محيط القصر جيداً وحراسه.
"اتفضل بقى قول اللي أنت عايزه بسرعة عشان ألحق أنا الميكروباص وأروح لأمي وأخواتي."
عبس مارو بضيق من خوف هذا الرجل الضخم منه، فتنهد ليوقف السيارة في ركن منعزل في إحدى الشوارع الجانبية ليزداد الشك بقلب الرجل وهتف يسأله بعينين متوسعتين.
"إنت موقف العربية هنا ليه وعايز مني إيه بالظبط؟"
قلب عينيه بسأم مارو، فلم يأتِ على باله ما يفكر به الرجل، وفضل الدخول مباشرة حتى ينهي اللقاء مع هذا الغبي، ليتناول سريعاً مجموعة من الأوراق النقدية الكثيرة ليلوح بها أمامه قائلاً.
"شايف الفلوس دي كلها هتبقى ليك لو طاوعتني في اللي هقولهولك."
توحش وجه الرجل ليهدر إليه بعدائية على وشك الفتك به، وقد انتشرت بعقله الظنون.
"إيه اللي أنت عايزه يا ده، وديني ما يكون اللي في بالي، لقط ع خبرك النهاردة."
شهق مارو يلكزه بكفه الرفيعة على صدره الضخم، صائحاً باستنكار وقد وصله أخيراً مقصد الرجل.
"تـقطع خبري ليه حيوان أنت! أنا كل اللي عايزه منك هو إن أسألك عن ميري، ولو جاوبت صح هتكون الفلوس دي من نصيبك."
هدأت فورة الرجل وخف قلقه مع توجسه الدائم من هيئته الغريبة والتي تذكره بهيئة النساء، حتى ضرباته منذ قليل على صدره. استغفر بداخله مرة أخرى.
قبل أن يجيبه باستفسار.
"تقصد ميري المطلقة بنت الوزير؟"
شهق مارو رافعاً رأسه للسماء قبل أن يعود قائلاً للرجل بارتياح.
"أخيراً فهمت... أيوه هي يا سيدي، كنت عايز أسألك عنها، أصلها اليومين دول مختفية ومعدتش تحضر مع الشلة في مشاويرهم ولا حتى بترد على تليفوناتي."
اعتدل الرجل بجلسته وقد فك تشجنه القلق منه، فرد مستخفاً وهو يمسح بأنامله على وجنته.
"وعايزها ترد عليك ليه وهي مخطوبة؟ وكتب كتابها كلها أسابيع."
صرخ مارو بنبرة صوته الرفيع، أجفل الرجل قائلاً بانهيار.
"إيييه! مخطوبة يعني بتغدر بيا وعايزة تسيبني؟"
ازداد ضيق الرجل وتمتم فمه بالسباب، يلعن هذا المعتوه وهذه اللحظة التي قرر التنازل فيها لينضم معه بالسيارة، قبل أن ينتبه على صوت مارو الغاضب وهو يأمره ملوحاً بمجموعة من الأوراق النقدية أكبر من سابقتها ليردف له قائلاً بتصميم.
"خد دول وعايزك تحكيلي كل حاجة عنها وعن خطيبها، وليك قدها تاني كتير أوي لو جبتلي كل أخبارها أول بأول."
عودة إلى منزل عامر بعد أن اكتمل بعدد المدعوين لمأدبة العشاء، لينضموا جميعاً على طاولة كبيرة ضمت العديد من الأصناف المبهرة بعد أن طلبتها لمياء مخصوص من إحدى المطاعم الشهيرة بإعدادها، رغم علمها بإجادة العاملين بمنزلها من خدم لصنع هذه الأصناف، ولكنها ركزت على الشكل الجمالي أيضاً والذي يفعله الشيف المشهور بهذا المطعم للفت الأنظار إلى الأطعمة، مما أثار بقلبها الفخر وهي تراعي الجميع بجدية وتوزع ابتسامتها في ضيافتهم.
نوال، والتي جلست بالقرب من خطيبها، كانت عيناها لا تفارق بانبهار نور الممثلة التي لطالما أعجبت بها على الشاشة، بجوار زوجها هذا الرجل الشهير أيضاً بأعماله العملاقة رغم صغر سنه. حتى لفتت أنظار خطيبها.
وانتبه ليسألها بهمس.
"فيه إيه يا أستاذة؟ وقفتي أكل ليه؟"
أجابته بهمس هي الأخرى.
"مستغربة قوي بصراحة، مكنتش أعرف إن هيجي اليوم وأقعد على طاولة واحدة مع ناس مهمة زي دي بشوفهم بس ع الشاشة."
عبس خالد بوجهه إليها يقول متصنعاً الامتعاض بمواصلة همسه.
"غبية وهتفضحينا، أنا مش فاهم أنتِ بنت مستشار إزاي بس بتسلكي؟"
لكمته بخفة فتأوه بصوت مكتوم جعلها تزيد بابتسامتها التي كانت تجاهد لأخفائها. ومن ناحيته، فقد تركزت عيناه نحوها وهي تتناول طعامها وهذا الجاسر يحاوطها برعايته واهتمامه في إطعامها، رغم عدم إغفاله عن مراعاة الحضور بشكل أدخل السرور على قلبه.
وفي الناحية الأخرى، وقد أخذ الجزء الأكبر من اهتمام لمياء لمراعاة ميري وخطيبها المزعوم، وميرفت التي كانت توزع نظراتها على الجميع، حتى أنها لم تغفل عن مبالغة كارم في اهتمامه بكاميليا وتجاهل طارق المقصود لهما، وحديث عامر المتباسط مع شقيقته هذه المدعوة علية، والتي تضحك بعفوية لا تناسب الجلسة وما عليها من حضور بوجهة نظرها.
بعد انتهاء الجميع من طعامهم، توجهوا جميعهم لإحدى الغرف الشاسعة المساحة بناءً على رغبة جاسر. الغرفة كانت مميزة بطرازها المعماري المختلف عن باقي الغرف، جيدة التهوية رغم العدد الكبير بها، بالإضافة إلى هذا الجدار الزجاجي الذي أظهر من الخلف الحديقة البديعة بانوراما الموزعة على الشجيرات بحرفية، وحوض السباحة في الأرض ليزيد من سحر المشهد. انقسمت كل مجموعة حسب ميولهم. جاسر وبجانبه طارق، ومعهم مصطفى عزام. عامر وقد أعجب بخالد من وصف شقيقته علية وكلماتها، وقد أصر على مجالسته لهم. أما كارم، وقد وجد ضالته مع هذا المدعو رائد ليأخذ فرصته ويبهره بمهارته اللغوية وإجادته التامة للغة الإسبانية التي يتحدث بها الآخر، فتثير إعجابه بالأخذ والرد معه، ويعطي لكاميليا المجال للأنفراد مع الفتيات. نوال ونور الجميلة المتواضعة، وزهرة التي انضمت إليهن بعد أن أتت بمشروب آخر لنور.
"تفضلي يا ستي العصير الدايت زي ما قولتي اهو."
قالتها وهي تضع الكوب الزجاجي أمامها قبل جلوسها معهن.
هتفت نور محرجة لفعل زهرة.
"يا نهار أبيض بنفسك يا زهرة جايباه، هو أنتِ قصدك تكسفيني يا بنتي؟"
ردت زهرة بدهشة تشوبها الابتسامة الرائعة منها كالعادة.
"أكسفك ليه بس يا نور، هو أنتِ فاكراني هانم والحاجات دي عشان آمر وأتأمر؟ لا يا عم، أنا بجيب حاجتي بنفسي وبلاقي راحتي في كده."
تجعد وجه نور بمرح امتزج مع دلالها الفطري وهي توجه حديثها للفتيات.
"ما حد فيكم يكلمها يا جماعة، دي مصرة تكسفني حقيقي البنت دي برقتها."
استجبن لها بالرد بالمزاح والضحك أيضاً، حتى قالت كاميليا.
"بس تعرفي يا نور، أحسن عملتيها بجد النهاردة إنك جيتي من غير حماتك العروبة دي، مش معقولة بتعامل الناس كلها من طرف مناخيرها وكأنها من طينة تانية."
افتر ثغر نور بابتسامة حقيقية وهي ترد بتفكه غير مبالية.
"أما لو تشوفيها معايا في البيت، هتكتشفي على طول إنها بتعاملني كمواطن من الدرجة التالتة بعد ولادها ومرات ابنها التركية."
شهقت نوال غير مصدقة ما يحدث مع النجمة التي تراها دائماً ع الشاشة بصورة أخرى غير تلك تتحدث الآن.
"معقول! ليه بقى؟ ولا هي الست بهيرة بتاعتكم دي فاكرة نفسها من الأسرة المالكة مثلاً؟"
ردفت نور مؤكدة وهي تومئ رأسها مغمضة عينيها ببؤس.
"أكتر يا أختي، أكتر! هي من عيلة ليها أصول بشوات وبهوات، فدماغها مخليها بقى متمسكة بالجزء ده بشكل غريب. لما تشوفيها وهي بتتكلم مع عدي أخو مصطفى الصغير ومراته التركية، تكتشفي إنك ولا حاجة وسطيهم. بس أنا والحمد لله مصطفى دايماً بيعوضني وبيعملني كملكة، بدليل إنه جابني النهاردة من غير ما يقولها. لا تشبط فينا زي كل مرة لما تشوفني فيها خارجة معاه. بس أقولكم على حاجة."
قالت الأخيرة تقترب برأسها تهمس.
"قسم بالله أنا حاسة إن اللي اسمه عدي ده هيطلع من وراه بلاوي، وطنط بهيرة دي اللي طايرة بيه وبمراته التركية هتاخد على دماغها منه، أصله مش مظبوط كده ودايماً بحسه بتاع بنات على الرغم إنه لئيم وما بيبانش."
قاطعت وهي تتأمل هذا التركيز الشديد الذي بدا عليهن، لتضيف.
"أنا قولتلكم على السر واللي بحسه، بس بلاش والنبي تطلعوا فتانين زيي وتقولوا لحد تاني."
قالت كلماتها بلهجة بدت جدية، لتصدم الفتيات في البداية قبل أن تنطلق ضحكاتهن بصوت عالٍ أجفل المجموعة الأخرى بالقرب منهن. ميري ولمياء وميرفت، التي عقبت على فعلهن.
"ست الممثلة اندمجت مع صاحبتنا، شكلها كده بيئة زيهم."
أثارت حفيظة لمياء بقولها لترمقها بنظرة معاتبة، ولكن لم تنطق بلسانها ما تود البوح به، فـأضافت ميري على قول قرينتها.
"عندك حق يا ميرفت بكلامك ده، أنا كنت واخدة عنها فكرة تانية خالص الـ... دي."
لم تقوى لمياء على الكتمان أكثر من ذلك، فقالت على حرج.
"خلاص يا بنات بلاش الكلام ده أرجوكم."
استدركت ميرفت خطأها لتردف ملطفة على الفور دون أن تتخلى عن خبثها.
"أنا مقصديش حاجة وحشة يا طنط، أنا بس خدت بالي إنهم مدينك ضهرهم وهاتك يا رغي ولا كأنك صاحبة البيت أساساً!"
كلماتها الـسـامة اخترقت كبرياء لمياء، فبدا التأثر جلياً على ملامح المذكورة لتبادل ميري مع مرفت ابتسامتهن الـخـبيثة وقد أصبن الهدف.
وإلى مصطفى، الذي انتبه على شرود طارق والتغيير الذي حل على شخصيته التي دائماً ما.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 112 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
كانت مرحة، فكان يناكفه بالكلمات عله يعود لعهده معه.
"إيه يا بني، اقسم بالله ملايق عليك دور العقل ده. إيه اللي جراك يا ولد؟"
طارق استجاب بابتسامة شاحبة، وقد أخذ حذره بتغير وضعيته في الجلسة حتى يتجنب النظر إليها. رغم اختراق صوت ضحكاتها النادرة الرائعة لمدينته الآمنة، لتعاد على مسامعه مرارًا وتكرارًا فتعكر صفوه وتزيده تشتتًا، رغم ادعائه العكس.
"ما أنا عقلت بجد يا عم مصطفى، ولا انت فاكرني هفضل طول عمري كده على جناني؟"
ردف مصطفى مصرًا على رأيه بتشدد.
"يا بني، كل الناس تعقل إلا أنت. ما تقولوا حاجة يا أخ، أنا مش قادر أصدقه بصراحة."
قال الأخيرة بإشارة نحو جاسر، الذي كان في عالم آخر، غير مندمج معهما على الإطلاق. نفض رأسه من أفكاره، يربت بكفه على ركبة مصطفى ليرد بعملية.
"سيبك من طارق دلوقتي، ده مشكلته معقدة. وإن شاء الله يجي الحل من عند ربنا. المهم..."
قطع جملته وقد تحفز بجلسته، واللمعت عيناه ببريق غريب أثار فضول صديقيه من هذا التغير الذي طرأ على ملامح وجهه فجأة. فسأله مصطفى مستفسرًا.
"المهم إيه يا جاسر؟"
بمجرد استماعه للسؤال، نهض فجأة يزرر سترته ويعدل من هندامه ليرد عليهما بابتسامة غامضة.
"الموضوع المهم بقى واللي جايبكم مخصوص عشان هتشوفوه دلوقت حالا في العرض اللي هيتم قدامكم."
سأله طارق عاقدًا حاجبيه بشدة.
"عرض إيه يا جاسر؟"
أومأ له الأخير بابتسامة لا توحي أبدًا بالخير، وهو يتحرك مبتعدًا عنهم، وقد حان وقت العرض بالفعل. تقدم بخطواته حتى توسط الغرفة وهتف ليلفت إليه الأنظار، بعد أن حانت اللحظة الحاسمة، وقد أعد عدته سابقًا لكشف الحقيقة.
"يا جماعة بصولي هنا معلش."
تكلم بعد أن استرعى الانتباه، وتعلق الأبصار نحوه بتساؤل.
"ألف شكر ليكم كلكم إنكم لبيتم الدعوة وجيتوا أولًا."
قالها بابتسامة مرحبًا، ليتلقى استجابتهم الممتنة بالابتسامات له أيضًا، مدعومة ببعض الكلمات.
واستطرد يكمل.
"أكيد معظمكم فاكرين إن العزومة دي عشان ربنا طمنا على صحة والدي، بس الحقيقة بقى أنا عندي تلت أسباب. أولها أكيد طبعًا عشان صحة والدي، والتانية بقى..."
توقف قليلًا، وعيناه ذهبت إليها بابتسامة لفتت أنظار الجميع نحوها، قبل أن يخبرهم بسعادة بملء فمه.
"زهرة حياتي، عوض ربنا ليا اللي ردت الروح في قلبي بعد ما جف عن الحياة وكان عايش وكأنه حي وميت في نفس الوقت. دلوقتي شايلة جواها حتة مني، زهرة حامل يا بشر."
قالها مهللًا بمرح طفل صغير، وكأنه ليس جاسر الريان المعروف باتزانه الدائم وهيبته التي كانت تمنعه حتى عن الابتسام إلا في الضرورة. فصخبت الغرفة بالمباركات والعبارات المهنئة بفرحة حقيقية من معظم الموجودين، عدا ميري، التي شعرت وكأن خطابه موجهًا إليها بقصد إهانتها بعد صفعه بكلمات الغزل التي ألقاها نحو هذه المدعوة زهرة، ثم هذا الخبر الذي أوغر صدرها بالحق. أما ميرفت، والتي بدأت تشعر بذبذبات خفية مفعمة بالقلق تنتشر في الهواء حولها، وحدسها ينبئها أن حديث جاسر لم ينته بعد، ولكن استطاعت برسم ابتسامة متصنعة لتهنئة لمياء، التي لمعت عينيها وترقرقرت بها دموع الفرح.
مقت بـغل من طرف عينيها صاحبة الخبر نفسه زهرة، التي كانت تتلقى المباركات بالأحضان والقبلات من الملتفين حولها، وعلية شقيقة عامر الريان، التي كانت تقبل وتهنئ بمبالغة وغبطة حقيقية مع شقيقها وابنه، وحتى هذا المدعو خالد، الذي كان يبدو وكأنه والد العروس. أما جاسر، فلم يراف بـخجل زهرته أمام هذا الجمع الكبير، فقبلها بمرح على وجنتها أمامهم، غير مبالٍ باعتراضها كالعادة، قبل أن ينهض مرة أخرى ليفض حالة الهرج والمرج بالغرفة بهتافه والتصفيق بكفيه.
"يا خوانا يا خونا، أنا لسه ما قلتش عن السبب التالت، انتبهولي بقى."
تدخل طارق، وقد أعادته حالة الفرح لطبيعته المشاكسة.
"سبب إيه تاني يا عم جاسر؟ مصيبة؟ ليكون عرفت نوع الجنين وناوي تعلن لنا دلوقتي عن العضو الجديد في العيلة اللي هيمسك مجموعة الريان؟"
نفى برأسه جاسر بابتسامته تزامنا مع هذه الضحكات الصاخبة حوله، مع هذا الجو الذي تشبعت به الغرفة بالمرح والمزاح.
"لا يا خفيف، استنى بس عليا شهرين وأنا أتحفك بالجديد. خلينا أتكلم في المهم بقى."
قطع لينهي بذكائه مزيدًا من التفكه والمزاح، وقال بصوت عالٍ، موزّعًا أبصاره على كل فرد بالغرفة بوجه جدي، خلى منه العبث.
"السبب التالت يا اخوانا هو إني عرفت الخاين."
وقع الجملة الغريبة أجفلهم، ليسود الصمت على الفور ويحل محله التوتر. تنهد براحة لذلك، ثم التف سريعًا ليدير شاشة التلفاز العملاقة بجهاز التحكم عن بعد. ليقول موضحًا.
"أنا هشرح لكم بالصورة عشان تعرفوا، شوفوا كده القصة قدامكم بدأت من هنا لما زهرة حبيبتي دخلت مطعم مع بنت عمتها بعد جوازي بيها بفترة، كنت لسه ما أعلنتش فيها عن خبر جوازنا، وزي ما أنتم شايفين كده هي قعدت وبنت عمتها جالها تليفون وقامت بعدت عنها تتكلم، جالها الولد ده اللي لابس كمامة وقدملها العصير ده على اعتبار إن بنت عمتها بعتّاه."
قال، والتفت رأسه يراقب ردود أفعالهم المتابعة بتركيز. عدا ميرفت، فهي الوحيدة منهم التي بدا اليقين يسكن قلبها بقرب الخطر. التف جاسر عائدًا لما يفعل بعد أن رمقها بنظرة جعلها عادية كالجميع، ثم أكمل.
"عشان أختصر معاكم، العصير ده كان فيه منوم."
تابع رغم الشهقات التي سمعها من خلفه.
"أيوه زي ما أنتم فهمتوا كده، الموضوع ده كان مدبر بحرفية بحيث إن زهرة يغمى عليها أو جسمها يرتخي ومتقدرش تقوم من مطرحها، عشان لما بنت عمتها تتصل بيا وأروح أنا أشوفها مع قلقي عليها، الصور تتخد لي وأنا شايلها، وبعدها يحصل التريند اللي أنتم فاكرينه طبعًا."
"الولد ده تجيبه من تحت الأرض يا جاسر، وأنا هربيه بنفسي."
هتف بها من عامر الريان من الخلف بقوة أجفلت الجميع واستنفرت معظمهم، خاصة الرجال، ليدلي كل فرد بدلوه حول الولد وعقابه على فعلته. وميرفت صامتة، مضيقة عينيها بتفكير عميق. فجاء رد جاسر.
"للأسف يا والدي، المشكلة كلها مكانتش في الولد، الحكاية كانت في الست دي، أصلها هي اللي كانت زاقة الولد."
قال جملته مرافقة مع وقف الشاشة على صورتها وهي متخفية بالسترة الثقيلة والكمامة على الوجه وغطاء الرأس.
"مين دي يا جاسر؟"
قالتها لمياء وهي متمعنة النظر في الصور، وبجوارها ميرفت ترتجف داخليًا بتحفز.
رد جاسر بوجه بائس ودراما مصطنعة.
"الست دي أنا عملت المستحيل عشان ألاقيها ساعتها، لكن برضو معرفتهاش."
حانت منه نظرة خاطفة نحو ميرفت، أصابتها بالتشتت، قبل أن ينهض فجأة قائلًا.
"لكن بقى لما حصلت المشكلة الأخيرة بيني وبين زهرة ساعة الواد المجنون ده والتريند الأخير، أكيد فاكرينه، ده كمان ما أنا بقيت نجم بقى."
قال الأخيرة بابتسامة متفكها. فجاء سؤال والده إليه.
"تريند إيه يا جاسر؟ أنا مسمعتش عن الأخير ده."
التفت إليه ليغير صورة الشاشة، مرافقًا لقوله.
"في الحقيقة يا والدي، التريند المرة دي حصل في نفس المستشفى اللي كنت أنت موجود فيها. أنا هحكيلك."
قال الأخيرة، ثم قص بعجالة بدءًا من الفتاة العاملة التي أوقفت زهرة قبل خروجها من المشفى إلى نهاية ما حدث معه مع زهرة، قبل أن يكتشف الخطة المرسومة. وهذه الرسائل التي رفع صورتها على الشاشة أمامهم. وكان التعقيب الأول من كاميليا.
"أنا مش مصدقة إن عماد يعمل كده، لأنه بصراحة ميعرفش يخطط، هو واحد مسكين كان فاكر إن زهرة بتحبه، وهم في خياله بقى! لكن تخطيط ميعرفش يخطط."
تداركت حتى لا تلفظ باسم غادة التي وضعت هذا الوهم بعقل عماد، واكتفت بالتعقيب المبهم. وجاء الرد من جاسر.
"ما أنا عرفت المدبر الحقيقي يا كاميليا، واتأكدت من كده كمان."
صمت قليلًا، يتابع وجه ميرفت الذي شحب، رغم الشراسة البادية عليه، فقد تأكدت الآن من معرفته للحقيقة، وهي ليست بالهينة حتى تعطيه لذة الانتصار. واجهته بأعين متحدية استفزت شياطين نفسه بالداخل، ليتعجل على الفور بصور الفتاة العاملة.
"دي صور البنت وهي بتوقف زهرة، ودي صورتها وهي بتعترف بكل حاجة، ودي وهي بتتعرف ع الست اللي حرضتها وحفظتها الكلام، ودي صورة الولد الصحفي بتاع الجريدة الصفرا اياها. وفي الحالتين."
صمت يقطع الشك باليقين، وقد ثبت صورة ميرفت وهي متخفية، والصورة الأخرى التي مع الفتاة بشكل واضح.
ليردف بصوت عالٍ وأنـفاس متهدجة.
"الصورة دي هي دي لنفس الشخصية اللي موجودة وسطنا دلوقتي."
التفت الأبصار حولها، ولكنها وللمفاجأة لم تأبه، فنفسها الخبيثة ترفض الاستسلام أو الظهور بصورة المخطئ، بعد أن فضح شرها أمام كل من يعرفها. فقالت بإنكار.
"كل الكلام ده كذب، وأنا لا يمكن هسكت على اللي انت عملته ده يا جاسر."
الصدمة ألجمت الجميع عن التفوه بحرف، ليبقى الحديث المحتد بينها وبينه فقط، والذي قابل إنكارها. ليرد بابتسامة ساخرة، واضعًا كفيه في جيب بنطاله بعد أن أزاح سترته للخلف.
"تصدقي بإيه؟ أقسم بالله فاجأتيني فعلًا. إنت حقيقي بتبهريني يا ميرفت."
نهضت من مقعدها لتكمل هجومها المضاد بثبات تحسد عليه.
"ده انت اللي أبهرتني يا جاسر بنزول مستواك لدرجة المقرفة دي. ده انت عامل اللعبة دي كلها ومجمعنا عشان تطلعني أنا الشريرة بقصص من تأليفك، عشان تنفي تهم الخيانة اللي اتقالت على مراتك، وانت رافض تصدقها."
تدخلت ميري، رغم وضوح الحقيقة كبزوغ الشمس أمامها، ولكن حقـدها أعمى قلبها، لتصدر صيحتها جاذبة الانتباه نحوها.
"عندك يا ميرفت، صاحبنا ده بقى مريض حقيقي، والظاهر كده إن عشرته مع الأوباش نسّيته معاملة ولاد الأصول."
إهانتها الصريحة لجاسر عززت الثقة بقلب ميرفت، رغم ردود الأفعال المستهجنة حولها. فليس الجميع بغباء ميري، التي أتت هي الأخرى تساند قرينتها.
تطلع جاسر إليهن يرد بهدوء وابتسامة مستخفة، رغم النيران المشتعلة بصدره من كم التبجح الذي يراه أمامه. فـركز خطابه لميرفت.
"صاحبتك مش مصدقة اللي بيتقال عليك، رغم إن كل حاجة قايلها بالدليل. طب أقولها ع السبب الحقيقي اللي غذى كل الحقـد ده في قلبك ناحيتي يا ميرفت، عشان تدمريني، أو بمعنى حقيقي تسعي لتدمير الحاجة الحلوة الحقيقية، وهي الست اللي حبيتها بجد في حياتي."
تابع بصوت أعلى يصل لخارج الغرفة نفسها.
"أقول قدام الناس دي كلها يا ميرفت، سر كرهك الحقيقي لزهرة عشان أنا حبيتها."
صمت، وظل حديث الأعين هو سيد الموقف. ميري عينيها مغشية تمامًا عن الرؤية الصحيحة، وميرفت، التي رغم كل ما تدعيه من ثبات وقوة، فقد كان جسدها يرتجف ويهتز مع تهديده بكشف تفاصيل هذه الليلة المؤلمة لها أمام الجميع، ليسحق كبرياءها واعتزازها بـأنوثتها، وهي التي لم تغفر ولم تنسى له طردها من منزله في وسط الليل في الخفاء ودون علم أحد. أما جاسر، فكانت تحرضه شياطينه بقوة للانتقام لكرامته بفضحها مع فضح الأفعال الإجرامية التي قامت بها في حقه وحق زهرة. ولكن ولوهلة صغيرة لمح مع هذا التحدي البادي في نظرتها إليه رجاء أنثى تخشى تهديده بحق. فما أقسى على المرأة رفضها الصريح من رجل عرضت نفسها عليه، فما بال لو قص التفاصيل المخزية في تحريضها له حتى ينغمس معها في الخطيئة ويخون معها هذه الحمقاء الواقفة تدافع الآن وبكل شراسة عنها.
عند خاطره الأخير، التف كـازا على أسنانه، وقد حسم أمره. فهتف أمام المترقبين بصمت في انتظاره.
"شوفوا يا جماعة من الآخر كده وبدون تفاصيل، أنا الست دي حصل خلاف كبير ما بيني وما بينها، وعلى أثره أنا كنت مصمم إنها تخرج من المجموعة وتسيبها نهائي، لكني اتنازلت لما جت واعتذرت تاني يوم وقالت لي ياريت ننسى اللي حصل وكأنه محصلش. ودي كانت غلطتي عشان معملتش حساب الحية في غدرها."
هتفت ترد وقد عاد إليها صوتها بعد عدم ذكره الحقيقة الكاملة وفضحها.
"أنا برضو حية يا جاسر، ولا انت اللي قلبك الأسود صور لك إن لسه حاطة الخلاف ده قدامي عشان أنتقم وأعمل الهبل اللي انت بتقوله ده."
التف إليها بنظرة هادئة، وقد سأم الجدال والشجار. ثم عاد إلى الحضور يردف بنبرة قاطعة.
"طب يا جماعة، أنا كنت في البداية ذكرت قدامكم عن أسباب العزومة، وأديني بالصوت والصورة شرحت كل شيء قدامكم عن السبب التالت. لذلك بقى، انتوا بقيتوا شهود على قراراتي اللي هاخدها دلوقتي قدامكم. الست دي أنا بلغت عنها، والولد والبنت قدمتهم للشرطة. ده عن حقي وحق مراتي في الأضرار اللي حصلت لنا منها. وقرار خروجها من المجموعة لو ما قامتش هي بالإجراءات المطلوبة من بكرة الصبح، أنا هضطر أعمل اجتماع للجمعية العمومية وأقدم كل الأدلة دي اللي شوفتوها بنفسكم من دقايق."
استمعت منه، فجحظت عيناها بصدمة، وقد باغتها بدهائه حتى وضعها في موقف لا تحسد عليه. التفت تنقل بعينيها علها تجد الدعم من أحدهم، لتصعق بهذه النظرة القاتلة من عامر الريان، فهو لا يقل قوة عن ابنه رغم مرضه. ولمياء رأت على وجهه التصديق بكل كلمة أردف بها ابنها، مع نظرة الازدراء وخيبة الأمل التي تحدجها بها. ولم تقو على الصمود أكثر من ذلك، تناولت حقيبتها وخرجت مسرعة على الفور دون كلمة. فتبعها ميري تسحب رائد الغافل وكأنه كالحقيبة التي علقتها بيدها، لتهتف وتتبعها.
"استني يا ميرفت، أنا جايه معاك. ماشي يا جاسر، وديني لأقول لبابي ع اللي انت عملته ده وخليه يشوف حسابه معاك."
أردفت بالأخيرة بعد أن التفتت إليه برأسها قبل خروجها من الغرفة، لتقابل برده الساخر.
"قولي يا حبيبتي، خليه يوريني شطارته. هو دا كمان انت عقابك الحقيقي هو مرافقتك لواحدة زي ميرفت دي؟ وتفضلي على عماك دايما."
رمقته بنظرة خاطفة وغاضبة، ثم غادرت هي الأخرى.
زفر حانقًا بارتياح نسبي بعد خروج هذه الأفاعي وكشف حقيقتهم. فزفر متعبًا قبل أن يجلس بخطوات متعبة على مقعده، وقد استنزفت طاقته مع هذا النزال الذي خاضه بشراسة، قبل أن ينتقل بعيناه إليها لينهل منهما الدعم الحقيقي، رغم هذه النظرة المعاتبة بهما.
في الملهى الذي أخذت ترتاده بصحبته منذ عدة أيام، حتى أصبحت معروفة بمرافقته من أصدقائه والعاملين به، كانت تتمايل بجلستها مع رتم الأغنية التي تصدح بصخب في قلب المكان، فيتراقص عليها الفتيان والفتيات بساحة الرقص، تدعي اللامبالاة.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 113 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
نظرات عينيه التي تطوف عليها من رأسها إلى أخمص قدميها، بـرغبة تنضح مع هذه النظرات الماكرة. لقد علمت بتأثيرها عليه، وعليها أن تركز جيدًا فيما تفعله باستمرار، دلالها ومنعها الذي يزيده تعلقًا بها. لقد كانت الأيام السابقة بمثابة اختبار له، حينما رفضت عروض السفر معه أو مرافقته لأي مكان آخر. وحـدهم، حتى هذا المكان لا تأتيه إلا لمعرفتها بازدحامه ورفاهية مرتاديه من الطبقة المخملية التي تتمنى أن تصير بينهم قريبًا.
"وبعدين بقى، هتفضلي على وضعك كدة كتير؟" سألها، فالتفتت إليه تدعي الإجفال لقوله.
"وضع إيه بالظبط؟ مش فاهمة."
زفر يرد بشيء آخر غير الذي يقصده بالفعـل.
"قصدي يعني إنك مش منتبهالي على الإطلاق، وبترقصي وكأني مش موجود معاك على الطرابيزة أصلاً."
أشـهقت بدون صوت، لتقول بنعومة متكلفة اعتادتها منها.
"أنا يا ماهر مش منتبهالك؟ لأ طبعًا، أنا بس اتشديت لكلام الأغنية، أصلها حلوة اوي، حتى خد بالك كدة معايا."
أوقفت لتردد كلمات الأغنية بنعومة امتزجت بغنج يكاد يكون إغواءً، لتستمتع بتأثيرها عليه.
"خطوة أمشيلي لو خطوة، ده أنت على القلب ليك سطوة.
نظرة ما بطلبش غير نظرة، وانت فاهم، وليك نظرة.
شوف حالي، شوف إيه بيجرالي، حبيت وبصمت بالعشرة."
"ما تـبـس بقى."
هتفت بها، يوقفها بوجه احتقن بالغضب من تدللها الذي طال معه، وهي تلاعبه بإغواء يعلمه جيدًا، فهو الخبير بأمور النساء، ومن هي حتى تظن أنها تستطيع إيقاعه؟ فقال مردفًا.
"بقولك إيه يا غادة، ما تجيبي من الآخر وقولي أنتِ عايزة إيه وتاخدي كام؟"
تبدلت ملامحها وقطبت، تسأله مستفسرة بقلق.
"تقصد إيه بكلامك ده؟"
زفر يقول بكلمات محددة.
"قصدي كدة بكل وضوح، عايزة ورقي عرفي وتطلبي فيها مبلغ حلو. أنا معاك، نتفق على مدة محددة ويفضلوا معايا عشان لما ييجي الوقت اللي ننفصل فيه، أقطعهم بإيدي."
على الرغم من صـدمتها من كلماته التي أتتها مباغتة وغادرة لكل ما كانت تحلم وتبنيه في خيالها، ولكنها تداركت سريعًا لتهدر بملامح لبؤة مـتوحشة.
"نعم يا عمر، هو أنت فاكراني واحدة من اياهم عشان تطلب مني حاجة زي دي؟ وبالبجاحة دي كمان؟"
هتف من تحت أسنانه يزجرها.
"وطّي صوتك وبطلي كلامك البيئة ده، الناس بدأت تاخد بالها حوالينا."
أكملت على نفس الوتيرة غير آبهة بقوله.
"كنت قول لنفسك الأول قبل ما تعرض عليا الكلام ده يا حبيبي، أنا غادة مش واحدة من الأوباش اللي أنت تعرفهم."
قـابل انفعالها بعند، وقد استفزه صوتها العالي مع لفت أنظار الـبشر نحوه من أناس يعلمهم وآخرين لا يعلمهم، فقال بتعالٍ، ماطـا بشـفتيه.
"وأنا معنديش غير كده، عاجبك العرض، اشطة، مش عاجبك يبقى تمام قوي."
أربكـتها بجملته الأخيرة، فقالت بعدم تركيز.
"تقصد إيه بكلامك ده؟"
اعتدل بجلسته، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، يقول بعنجهية.
"قصدي إن دي فرصة ليك، عجبتك يبقى تقفشي فيها بسرعة عشان أخلص، معجبتكيش يبقى تقولي على طول وألحق بقى أشوف غيرك، أنا معنديش وقت أضيعه في الكلام والـرغي الكتير."
كلماته الـسـامة كانت تتلقاها كصفعات قوية متتالية، تجعلها على وشك الترنح أو السقوط، مع شعور بالرخص أو الدونية منه، جعلها تتمنى لو تـكسر على رأسه كل زجاج في المحل كي تـنتقم لكرامتها منه، ولكن تعلم أنها في كل الأحوال ستكون هي الخاسرة.
تناولت حقيبتها، تحدجه بنظرة قاتلة قبل أن تغادر، دون أن يوقفها بكلمة واحدة.
خرجت سريعًا، تطلق العنان لدموعها التي ظلت حبيسة في وجوده، يغمرها إحساس بالدونية لم تواجهه بحياتها. لقد رفعها في سماء أحلامها حتى كادت تعانق النجوم كي تقطف وتنال ما تتمناه، ثم وبكل وحـشية جذبها لـتسقط في بئر سحيق داخل باطن الأرض، تتجرع ألم المهانة منه، و عدم الاكتراث لها ولمشاعرها.
حتى أنه تركها غير عابئ بحمايتها وما قد يـحدث لفتاة مثلها في هذا الوقت المتأخر من الليل، لتخرج الآن وحيدة، يقتلها إحساس الخـوف من العودة ليلاً لمنزلهم، وما قد تلاقيه في طريقها من مخاطـر.
"يا آنسة غادة، ثواني حضرتك."
التفتت رأسها نحو مصدر الصوت، لتجد الحارس الشخصي لهذا الكريه المدعو رعد. توقف بخطواته فور أن وصل إليها، تخصرت رغم انهيارها، لتسأله بشراسة.
"نعم! عايز إيه أنت كمان؟"
بعد انتهاء العشاء، ومع توديع آخر المدعوين لهذه المأدبة التي فعلها خصيصًا لكشف الحقائق وفضح الوجوه الخائنة، صعد إليها وقد سبقته في الذهاب إلى غرفتها، ولج ليقترب منها وهي جالسة على طرف الـتخت شاردة، ليقابلها على الكرسي الذي أمامها، و يـتفحصها بنظراته. فهو لم يغفل عن رد فعلها وهذه النظرة المعاتبة التي رمقته بها وقت خروج ميري وميرفت من المنزل، وسألها مباشرة.
"إيه بقى، ممكن أعرف سبب الـزعل اللي باين على ملامحك ده؟"
تنهدت تجيبه، مستندة بوجنتها على قبضتها.
"أخـاف أقولك تزعل يا جاسر."
ضيق ما بين حاجبيه بشدة، ليسألها باستغراب.
"وأيه اللي هيخليني أزعل بقى؟ معقول يكون قصدك على اللي حصل النهاردة؟"
رمقته بنظرة معبرة، أنـبـأتـه بصدق تخمينه. فسألها بانفعال ونبرة محتدة.
"ممكن تقولي وتوضحي على طول يا زهرة، عشان بجد أنا عايز أعرف حالا منك اللي مش عاجبك ده."
أجابته على الفور دون مواربة، رغم انتباهها لتحفزه.
"أنا قولتلك من الأول ما تزعلش، عشان بصراحة معجبنيش إنك تفضحها كدة قدام الناس اللي يعرفوها، حتى لو كانت هي تستاهل برضه، كنت قدرت إنها ست واكتفيت بأخذ حقك بعد ما تبلغ عنها زي ما عملت."
قاطعـها ضاحكًا بصخب لمدة ليست قليلة، حتى أدمعت عيناه أمام نظراتها المندهشة، قبل أن يجيبها.
"إنتِ بريئة وطيبة قوي، لدرجة تغيظ بصراحة."
"أنا غيظاك يا جاسر؟"
قالتها بخـضة و عدم استيعاب.
فقال مضيفًا.
"آه طبعًا تغيظي، عشان الست دي اللي صعب عليك منظرها النهاردة، من فترة قليلة ما تعديش الشهر، كانت هتسبب لك أنت في فضيحة بعد ما دَخـلت الشيطان وزرعت الشـك ما بيني وما بينك، ولا أنت نسيت؟"
و كيف لها أن تنسى أصعب اللحظات التي مرت عليها، شعورها بالـظلم لتحاسب على ذنب لم ترتكبه، وفرحتها بحمل طفلها التي خبأتها من بدايتها، ولم تشعر بوقع الجملة المحببة إلى قلبها من الفتاة الممرضة حينما بشرتها بإيجابية النتائج.
أومأت برأسها دون صوت. فقال متابعًا لها.
"حاجة تانية لازم تعرفيها يا زهرة، إيه اللي زي ميرفت عقـابها الحقيقي هو كشفها قدام الناس اللي تعرفها، دا الحل الوحيد ليها، عشان البلاغات اللي أنتِ بتقولي عنها، أنا متأكد إنها بأساليبها الملتوية وبمساعدة أي محامي فاسد، هتخرج بأقل الخسائر، رغم كل الدلايل المتقدمة ضدها."
صمتت لتبدو وكأنها اقتنعت، قبل أن تبـاغته بسؤالها.
"طب ممكن تقولي عن موضوع الـخـنـاقـة اللي حصلت مابينكم وخلتها تكرهك بالشكل ده؟"
بدا على وجهه المفاجأة و عدم توقعه لسؤالها، فرد بلهجة جعلها عادية وهو ينهض من أمامها يدعي تبديل ملابسها.
"عادي يعني، بصراحة أنا مش فاكر السبب كان إيه بالظبط، بس أظن إنها كانت حاجة كبيرة."
"كنتوا على علاقة مع بعض؟"
أوقف ما يفعله، ليسألها مندهشًا لما توصل إليه عقله.
"ليه بتقولي كده يا زهرة؟"
تابعت لتزيد من ذهوله.
"مش محتاجة تفكير يا جاسر، الإحساس ده وصلني من طريقة كلامكم، واللي أظهر الخلاف اللي ما بينكم وكأنه سر ما ينفعش حد يتكلم عنه."
"وأكيد طبعًا الإحساس ده ما وصلنيش أنا لوحدي."
قطب يستوعب ما تفوهت به، لقد غاب عنه ولم يصل في حسابه أن يأتي هذا الخاطر لها أو لأي فرد آخر من الحضور. تمعن النظر إليها وإلى ملامح وجهها التي أظهرت المعاناة، معاناة امرأة يساورها الشك في علاقة لزوجها من امرأة أخرى، جعلت الانتقام منها كوسيلة لرد اعتبارها. تنهد مطولًا بتعب، وقد أرهقه ظنها بالفعل، مع إشفاقه على حالتها، فعاد إليها ليضمها بذراعه من كتفه، واليد الأخرى تولت رفع وجهها إليه لترى الصدق في عينيه، وبقوة.
"أقسملك بالله يا زهرة إن الست دي عمرها ما هزت فيا شعرة واحدة، ولا شوفتها أكتر من صديقة لمراتي السابقة، عشان يبقالي علاقة بيها من أي نوع."
"بس هي كانت بتحبك يا جاسر."
قالتها ببساطة، أجـفلته من فراسة تتمتع بها رغم براءتها الشديدة. وتابعت.
"على فكرة دي مش أول مرة يجيني الشك ده، أنا ست وأفهم نظرة الست اللي زيي كويس قوي، خصوصًا لو كانت بتحب."
ازداد اتساع ابتسامته، وقد اكتنفه شعور بالفخر امتزج بفرحه، فقال بصوت متخم بعاطفته نحوها.
"حتى لو كان كده زي ما بتقولي، المهم أنا بحب مين."
ردت بابتسامة زينت ثغرها الجميل، وكأنها تجيبه على معرفة بثقة لمقصده، ليؤكد هو بالفعل. فتناول شـفـتـيها بـقـبلة نهمة، وذراعه تشتد بضمها، متخللة أنامله خطوط رأسها في الخلف بيده الأخرى، فيزيد ولا يرتوي أبداً من شهد شـفـتـيها. طالت القـبلة حتى مال بها على الـفـراش خلفهم، ولكنها استدركت سريعًا فور تذكرها قبل أن يغمرها في بحر عشقه، لـتـنزع نفسها عنه لاهثة، تخاطبه.
"ثواني يا جاسر، أنا كنت عايزة أطلب منك طلب."
سألها بنزق وانفاس متهدجة.
"عايزة إيه دلوقتي يا زهرة؟"
بسـردت وهي تربت بكفها على ساعده بقصد تهدئته.
"كنت عايزة ألحق أروح لستي بكرة قبل ما أنشغل مع كاميليا في تجهيزها للخطوبة وكتب الكتاب."
على كرسيه بجوار صديقه عبده، كان يتناول وجبة عشائه المكونة من بعض الشطائر والمشروب الغازي، حينما جاءه الاتصال المنتظر.
"الوو يا غالي، اممم، وأيه كمان يعني وصلتها بنفسك؟ تشكر يا حبيبي، مش هنسالك أنا جمايلك والله معايا، طبعًا يا حبيبي ربنا يحفظ لك ولاياك يا رب، ماشي سلام يا غالي وروح شوف شغلك."
أنهى مكالمته، يغمغم بالسباب والكلمات الـوقحة بكثافة، حتى لفت انتباه عبده بجواره، فقال يخاطبه ضاحكًا.
"أصلي على النبي يا إمام، إيه يا راجل كل الشتيمة دي بس ومين المقصود بيها؟"
زفر متأففًا، ينفض كفيه من الطعام، وقال كـازا على أسنانه.
"ما فيش داعي أقول ولا أحكي عن ناس وسـ خة في هيئة بني آدمين ولابسين نضيف، ياما نفسي أفش غليلي فيهم."
أطلق ضحكة مجلجلة عبده، وهو يرفع الأوراق التي تناثرت عليها فضلات الطعام، ليلقيها في سلة المهملات القريبة، مردفًا وهو يبتعد.
"أنت كده يا صاحبي، إيدك بتوزك دايما على الضـرب."
سمع منه إمام، ولم يستجب بابتسامة أو حتى بالرد، فمزاجـه المتعكر دائمًا بسيرة ما يسمعه عنها، يجعله يفكر فقط في ضـربها بعصا غليظة لفترة طويلة من الزمن، حتى يخرج من رأسها الشـياطين التي تسكن بداخلها، وبعدها تعتدل إلى الطريق المستقيم.
فغمغم بصوت حانق، يستغل انشغال صاحبه عنه.
"روحي يا غادة يا بت أم غادة، إللهي يا رب يدوسك قطر، ولا تغبطك عربية بسواق أعمى، أو حتى تنشفي بماس كهـربائي بسلكة عـريانة في بيتكم، لو ما اتعدلتي وعرفت إن الله حق."
عاد من سهرته في وقت متأخر من الليل، بعد أن استطاع تعويضها مع فتاة أخرى أكثر جمالاً ومرونة، فلم تكلفه سوى بعض الكلمات وزجاجة باهظة الثمن من الـخـمـر، ليكمل معها السهرة بمنزلها، ويلعن الوقت الذي ضيعه في الصبر على هذه الـمـعـتـوهة، فقد جذبه الشراسة بها كنوع جديد لم يجربه قبل ذلك، وهو رجل دائم التجديد.
دلف يترنح بخطواته بفضل المجهود وتعب السهر، بداخل المنزل الساكن بظلامه الآن في هذا الوقت المتأخر، ارتد منتفضًا فور أن تفاجأ بشبحها في الإضاءة الخـاڤـتة من الردهة، جالسة متكتفة الذراعين بـجسدها النحيل.
ثم تمالك بإدراك، ليردف باسمها مندهشًا.
"إيه دا ميرفت؟ إيه اللي مقعدك هنا في الضلمة؟"
رمقته بعينيها صامتة، بعد إشعاله الإضاءة بشكل أظهر ملامحها البائسة.
فـخطا ليجلس مقابلها، وقد أقلقه هيئتها الـغـريبة.
"إيه اللي حصل معاك وقلبك بالشكل ده؟ حد زعلـك في العزومة؟"
تبسمت ساخـرة من سؤاله العفوي، فشقيقها لا يدري أن ابن الـريان جعلها ضيفة الشرف لهذا الحفل كي يـهينها ويخبر الـجميع عما فعلته، فتشوهت صورتها الـلامعة، لتتلقى نظرات الـاحـتقار والـشـمـاتة بها.
عاد بترديد سؤاله، عله يجد الإجابة.
"يا بنتي ساكتة ليه؟ ما تردي، وإيه سر الابتسامة الـغـريبة دي؟"
تجاهلت عن عمد، حتى لا تزيد على نفسها بالحديث المرهق لكرامتها، والـقـاتـل لكبريائها، وقالت.
"ما تشغلش نفسك، دي حالة من الـخـنـقة كدة بتجيني من غير أسباب."
"من غير أسباب؟"
ردد خلفها بعدم تصديق. وتابعت هي.
"أيوه كدة زي ما بقولك، المهم بقى ما قولتليش أخبار البت غادة معاك إيه؟"
تـغـضـن وجهه فور سماعه بالاسم، حتى نسي استفساره عن حال شقيقته، وقال بضيق.
"ما تجيبليش سيرة البنت دي، دي غـبـية وكانت هتفضحني النهاردة بأسلوبها الـبيئة ده، أنا انفصلت عنها خلاص بقى، بلا قـرف."
التفتت إليه منتبهة، تسأله باستغراب.
"قـرف ليه؟ مش كنت بتقول إنها عاجـباك؟ إيه اللي حصل بقى؟"
أجابها متأففًا.
"هي فعلاً كانت عاجـباني بدليل إني صبرت عليها كمان، لكن بقى تـشـرشـحـلي بعد ما عرضت عليها فرصة عمرها بجوازة بورقتين وقرشين حلوين كمان، أعمل لها إيه تاني بقى؟ هي كانت بتحلم أصلاً."
اعتدلت بجلستها لتسريح بـجسدها للخلف، وقد عادت إليها روحها الـخـبـيثة والتفكير الـشـيـطـاني.
"أنا ممكن أقولك تعمل إيه لو البنت دي لسه عاجـباك."
اهتزت رأسه باستفسار، يسألها.
"أعمل إيه؟"
بوسط الصالة، المكان الأصلي لـرقية، جلس على كرسيه، مندهشًا أو مأخوذًا كطفل صغير تائه في مكان لأول مرة تطئه قدميه، لا يصدق ما يراه ولا يستوعب أن هذا المكان الآيل للسقوط، ولا يـصلح للسكن الآدمي حسب ما يرى بوجهة نظره، كان هو المقر الأصلي والذي تربت وعاشت فيه زهرته القابعة بـحضن جدتها الآن. يناظرنه بتسلية وتفكه.
"عجبك المكان يا جاسر؟"
صـحـت، لتخرجه من شروده بـمشاكسة أحرجته. فهز محركًا رأسه بالكذب يجيبها.
"آه طبعًا أكيد، ده جميل."
"جا إيه؟"
قالتها لتنفجر ضاحكة، مخاطبة حفيدتها.
"جوزك يا عيني، وشه مخطوف ومش مصدق اللي شايفه، واحنا مقعدينه في أنضف حتة، اللي هي الصالة، امال لو شاف الحمام هيعمل إيه؟ ههههه."
حاولت زهرة السيطرة على ضحكاتها حتى لا تغضب جاسر، والذي كان يبدو خائفًا بالفعل. فقالت ملطفة.
"ما تزعلش منها يا جاسر، بس أنت عارف رقية بقى وعارف هزارها."
رد متبسمًا بود لمزاح رقية.
"وأنا مش زعلان طبعًا، دي هزارها على قلبي زي العسل."
ردت رقية مهللة بمرح.
"يا خويا دا أنت اللي عسل وسكر كمان، إيه يا واد."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 114 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
نعيمي وجحيمها
الفصل المائة وأربعة عشر
يا ستي بقى.
هتفت بها بحرج وبنظرة محذرة لرقية التي واصلت بضحكاتها ومناغشتها للأثنين.
حتى أتت سمية وشقيقات زهرة ليندمجن معهن في حديث دافئ ومرح.
لهذه الأسرة المتكاتفة رغم شرود كبيرها وهو الأب الفاسد الأناني، ولكن بفضل رقية رغم ضعفها وخالد الذي يشمل الجميع برعايته دون استثناء.
بعد قليل، كان قد أخذ على الجو قليلا وخف توتره لتعرفه على باقي المنزل.
حتى وصلت لغرفتها والتي تفاجأ بذوقها الجميل والمختلف عن باقي الغرف.
فقد كانت الحوائط المطلية باللون الوردي مزينة بالأشياء الأنثوية للفتيات.
تختها مرتب ونظيف يغريه للإستلقاء عليه رغم صغر حجمه.
صور عديدة معلقة على الجدار لأفراد الأسرة في مراحل عمرية مختلفة.
رقية وخالد وزهرة ووالدتها أيضاً التي تصادف ورأى صورتها قبل ذلك.
"مريحة وشكلها حلو أوي."
غمغم بها بصوت واضح وعينيه مازالت تطوف على أنحائها.
فتحمست لتسأله:
"عجبتك بجد يا جاسر ولا انت بتجاملني؟"
أجابها بصدق:
"من غير مجاملة الأوضة فعلاً جميلة وخصوصاً اللون الوردي واضح أوي في كل ركن فيها، بس أنا حاسس بزيادة أوي ولا دي عشان أول مرة أدخل فيها أوضة لبنت؟"
"لأ هو فعلاً بزيادة ومقصودة كمان يا جاسر."
قالتها وتنهدت مطولاً قبل أن تكمل:
"خالي كان قاصد كدة عشان خوفي من الضلمة، ما انت عارف بقى."
صمت جاسر بتأثر وقد ذكرته بعقدتها وحادثها المأساوي مع والدتها.
فقال ليلهي عقلها عن الخوض في ذكراها:
"بقولك إيه، أنا عاجبني السرير دا قوي."
قالها وجلس ليربت على فراشه متابعاً كلماته بمغزى تفهمه:
"السرير دا يتحمل صح؟"
ردت مستفسرة ضاحكة:
"يتحمل إيه؟"
تناول كفها يردف ببرائة وهو يحاول بجذبها:
"ما يبقاش نيتك وحشة، أنا قصدي نريح شوية، تعالي بقى."
تخشبت محلها وتشبثت أقدامها باعتراض ضاحكة:
"لأ طبعاً ماينفعش، هنسيب الناس برا وننام ههههه، سيب يا جاسر."
"وطي صوتك يا زهرة واسمعي الكلام، هنجرب بس دقيقتين."
قالها بصوت ادعى به الحزم قبل أن يجفل على صوت حمحمة قريبة.
انتفضت زهرة تنزع كفها بخجل وهي ترى خالد الذي دلّف إليهم عائداً بملابس العمل يلوح بكفيه بحركات غير مفهومة قبل أن يتفوه بقوله:
"إيه الحكاية؟ أنا جيت في وقت غير مناسب ولا إيه؟"
وقف جاسر ليتلقفه مرحباً:
"عم خالد ازيك يا باشا، منور بيتك."
قهقه الآخر ليرد عليها بمزاح قبل أن يرحب بزهرة التي كادت تموت من الحرج وخرجت على الفور هاربة تتحجج بالاتصال على كاميليا.
خرجت من المصعد بخطواتها السريعة والهاتف بيدها وهي تتحدث:
"أيوة يازهرة أنا معاك والله بس خرجت دلوقتي في مشوار مهم، ملف لصفقة مهمة نسيت ما أراجعه ولا أبعته لطارق، ربنا يستر بقى، أنا جيت هنا والمكان فاضي زي ما انت عارفة عشان إجازة، قولت أجهزه وأحاول أتصرف بقى وأبعتهولوا..."
قطعت وصوت لهاثها ظهر بوضوح مع قرب اقترابها من غرفتها وتابعت قبل أن تنهي الاتصال:
"تمام يا قلبي، هخلص ونتقابل في البيوتي سنتر بقى إن شاء الله."
أنهت المكالمة وهمت بوضع المفتاح في كالون الباب إلا أنها وجدته يفتح وحده دون مجهود.
دفعته قليلاً بتوجس خيفة من وجود لص ما او شيء آخر.
ولكنها تفاجأت به على مكتبها جالس وأمام إحدى الإطارات الصغيرة للصور تركزت عينيه على واحدة تخصها بملابس التخرج وهي تضحك بملء فمها والسعادة تشرق من عينيها الساحرتين.
فبادرها بقوله دون أن يرفع أنظاره إليها:
"حلوة أوي الصورة دي، بتضحك فيها كدة من قلبك، واحدة دايسة في الدنيا ومافيش حاجة تهمها ولا شايلة هم لبكرة ولا عاملة اعتبارات لأي حد."
ختم جملته لتلتقي عينيه بخاصتيها ولون قهوتها المتوهج بحذر أمامه.
فقالت بصوت حاولت تغليفه بالحزم وقد أجلته قليلاً من توتر اكتنفه بمجرد رؤيته:
"إيه اللي جابك هنا يا طارق؟ أنا مش نبهت عليك قبل كدة إنك ما تدخلش المكتب في غيابي ولا تقتحم خصوصياتي؟"
صمت مدة من الوقت يرمقها بنظراته الثاقبة ليزيد بداخلها الاضطراب قبل أن يجيبها بكل هدوء وتمهل بكلماته:
"نفس اللي جابني هو اللي جابك يا كاميليا.... مش انت جيتي عشان الملف اللي في إيدي ده؟"
قالها بإشارة إلى ما يحمله أمامها.
أومأت برأسها تزدرد ريقها بقلق:
"أيوة بس أنا كنت جاية أخلصه ع السريع وبعدها أبعته مع أي حد يسلمهولك، يعني مكانش في داعي إنك تيجي هنا من غير ما تبلغني."
شبك كفيه أمامها على سطح المكتب يرد بنفس الرتابة:
"العميل نفسه اتصل بيا يا كاميليا، وأنا زي ما انت عارفة بقى بطلت أتصل بيك ولا أزعجك، دا غير إن حضرتك مش فاضية حسب ما أسمع، مش بيقولوا برضو إن كتب كتابك النهاردة؟"
أطرقت برأسها غير قادرة على مواجهته حتى أغمضت جفنيها تتنهد بصمت وأفعاله معها تزلزل كيانها بغير رأفة ولا رحمة.
تمالكت لتخاطبه بعملية تتجاهل بها الرد على سؤاله:
"معلش يا طارق، أنا كنت عايزة ألقي نظرة سريعة على الملف اللي معاك."
أومأ له بذقنه نحو سطح المكتب:
"الملف قدامك اهو."
جسرت نفسها لتقترب وتناولته لترى ما دون به من بنود واتفاقات تدعي التركيز وسهام أنظاره تزيدها تشتتا حتى أصبحت لا تعي أي حرف تقرأه.
فتركته فجأة تلقيه بعنف تبتغي الهروب:
"خلاص مش مهم، أنا عندي ثقة فيك بجد والله!"
صاح بها مقاطعاً أجفلها ونهض فجأة ليعترض طريقها مردف ساخراً بضحكة تقطر بالمرارة:
"تصدقي حقيقي فرحتيني، اصل الموضوع دا كان تعبني قوي الأيام اللي فاتت، إن يبقى عندك ثقة فيا دي حاجة كبيرة أوي ولا في أحلامي حتى تخيلتها يا كاميليا."
ترقرق مقلتيها بالدموع أمامه ولم تعد به طاقة لما يفعله معها يكفيها ما تعانيه بداخلها.
فقالت تخاطبه برجاء:
"انت ليه بتصعبها عليا وعليك يا طارق؟ ما تسيبني بقى أمشي في حالي وعيش انت حياتك."
مال برأسه نحوها يقترب أكثر بوجهه منها ليرد بشبه ابتسامة ليس لها معنى:
"حياة إيه اللي عايزاني أعيشها يا كاميليا؟ ما أنا حياتي باظت خلاص من ساعة ما شفتك، لا أنا عارف أرجع طارق بتاع زمان ولا قادر حتى أكون إنسان طبيعي وأنسى، أنا مش عارف أنساكي يا كاميليا."
إلا هنا وانهار كل تماسكها.
فلم تدري بنفسها وهي ترتد بأقدامها للخلف لتغلق بكفها على فمها تكتم شهقات بكاءها التي ازداد فجأة بحرقة أوجعت قلبه.
حتى زادته تشتتا ليهدر صارخاً بغير سيطرة على انفعاله:
"انت عايزة تجننيني معاك يا كاميليا؟ بتبكي ليه وانت اللي اخترتي بنفسك وفضلتيه عليا، هو انت حد غصبك عليه؟"
نفت برأسها دون صوت مع بكاءها الذي لا يتوقف.
فتابع بحيرة كادت أن تشطر رأسه نصفين وصړخ يجذب شعر رأسه بيديه:
"ولما هو كدة بتبتئسي نفسك وتعذبيني معاك ليه؟ إنت إيه حكايتك بالظبط؟"
أوقفت تتطلع إليه بعجز صامتة وهو كالغريق يترقب رداً ولو بكلمة واحدة تطفئ نيرانه أو على الأقل ترحمه من عواصف تدور برأسه بحثاً عن حل لهذه العنيدة التي بعثرت كيانه بعد أن امتلكت وحدها زمام هذا القلب الذي يتنفس برؤياها وتضخ الدماء به ليحيا من أجلها هي فقط.
تصلبت ملامحها فجأة وذهب هذا الضعف الذي صدر منها منذ قليل ليفاجئ بملامحها التي ارتسم عليها التصميم وكأنها قد أخذت القرار.
فمسحت بيداها لتجفف سريعاً أثر دموعها وعدلت من نفسها لتتركه وتتخطاه مغادرة دون كلمة واحدة.
نظر في أثرها كالعاجز وقد زادته بفعلها تخبطاً وحيرة.
فلم يجد أمامه سوى طاولة صغيرة يضع همه في تكسيرها بصراخه الذي ضج في قلب المكان حتى وصلها في المصعد الذي وصلت إليه راكضة هرباً منه.
هو يدفعه ألم قلبه وهي يدفعها الخوف من مجهول تترقبه ولا تريد وضعه في الاختبار الصعب!
في المساء
وداخل القاعة التي ضمت بداخلها لحفل عقد القران رجال أعمال واستاذة جامعات ورتب مهمة من رجال الأمن من عائلة العريس الذي تأنق بحلة أتت خصيصياً له من أرقى بيوت الأزياء الرجالية في باريس.
وعروسه التي فاقت بجمالها الأميرات كان يراقصها على نغم شهير لإحدى الأغاني الرومانسية بين ذراعيه ولا يحيد بانظارها ولو قليلاً عن جمالها المبهر.
"جميلة أوي يا كاميليا، مش لاقي وصف أوصفك بيه."
همس بكلماته بجانب أذنها.
فتطلعت إليه بثبات تحسد عليه بعد وصلة بكاؤها وانهياره قبل الحفل وقد تجاوزتهم بصعوبة وإصرار على تنفيذ قرارها.
وردت بابتسامة مغتصبة:
"وانت كمان جميل يا كارم، جميل ووسيم."
صمت قليلاً يأسرها بأنظاره الثاقبة وذراعيه تشتد عليها بضمها.
ثم قال:
"أمال ليه حاسس عيونك دبلانة؟ ما فيهاش التمرد اللي بعشقه دايماً فيه."
ما سبّلت أهدابها عنه قليلاً قبل أن ترفعهم تقول بمرح زائف:
"شئ طبيعي طبعاً، مش أخيراً سلمت حصوني بعد ما كنت مصرة إني أكمل الطريق وأحارب في الحياة دي لوحدي، أنا رفعتلك الراية البيضا يا كارم."
"وانا عمري ما هخليكي تندمي."
هتف بها قبل أن يباغتها برفعها بين ذراعيه ليدور بها وسط أصوات التصفيق والتهليل من الشباب والفتيات الذين التفوا حولهم على ساحة الرقص بوسط القاعة.
وهناك وعلى طاولة لهم وحدها كانت تراقب وتنظر بأعين حزينة نحو صديقتها التي لم ترى بعينيها أثر فرح لعروس في يوم كهذا.
وبداخلها تزداد الحيرة.
من فعلها كم وددت ولو في مرة واحدة تفتح قلبها لتخبرها عما يتعبها وما تشعر به طوال عمرها.
تحترم هذا التكتم الذي فرضته كاميليا على تفاصيل حياتها معهن رغم حنانها الذي يفيض للجميع.
ولكن وبما تراه الآن تتمنى لو استطاعت هزها بعنف حتى تخرج لها بما تحمله بداخل هذا العقل اليابس.
"وبعدين بقى ما ترد يا أخي."
استفاقت من شرودها لتلتف على غمغمة جاسر الذي لا يتوقف بالاتصال على البائس الآخر دون فائدة من إجابته.
"لسة برضو مردش عليك؟"
نفى برأسه يجيبه:
"بقالي ساعتين بتصل بيه عايز أعرف مكانه فين أو حاله إيه دلوقتي، والژفت ولا معبرني مرة واحدة في الرد."
أومأت برأسها ترد بتأثر لحالة المذكور:
"معلش تلاقيه عايز يقعد مع نفسه شوية، الله يكون في عونه."
في داخل سيارته
كان مستنداً برأسه على عجلة القيادة وقد أرهقه الحزن والسير في شوارع العاصمة دون وجهة يقصدها.
حتى استنفذ ولم يعد به طاقة لفعل أي شيء حتى الرد على هاتفه الملقي بجواره أو طمأنة جاسر وهو الأعلم بقلقه عليه الآن.
لو لم يرى دموعها التي هطلت في الصباح أمامه حين واجهها.
لو لم يعلم تمام العلم أنه يحبها كما يحبها.
لو لم يسمع بنفسه نداء قلبها باسمه ورجاء عينيها في كل نظرة منه إليه.
ما كان حزن كل هذا الحزن.
تنهد بعمق ما يحمله بقلبه نحوها وعقله الساخن بأفكاره لا يهدأ ولا يكف عن السؤال.
لماذا كل هذا العند والإصرار على عذابها وعذابه معها.
عاد برأسه يتطلع لأضواء هاتفه في عتمة الظلام داخل السيارة بفضل الاتصالات المتكررة عليه.
فاستدرك فجأة ليتناوله ويتصل بالرقم الذي حفظه بعقله رغم مرور مدة طويلة على معرفته.
ضغط بالاتصال بعد أن دون الرقم وانتظر حتى أتاه الرد.
"الوو، مين معايا؟"
أجابها على الفور ودون تعريف:
"أنا اللي ظلمتيه بظلمها، أنا ضحيتك زيها بالظبط، أنا مش مسامحك."
ردت المرأة من جانبها وجاء صوتها بحيرة:
"مين اللي بيكلمني؟ إنت مين يا جدع انت؟"
استمر على حديثه المبهم ليخرج ما يحمله بقلبه من غضب وحقد نحوها:
"وعايزة تسألي ولا تعرفي ليه؟ ما أنا قولتلك إني ضحيتك زيها، انت السبب في كل اللي بيحصل دلوقتي، انت السبب في العذاب اللي أنا عايشه، إنت عملتي فيها إيه؟ خليتيها تكره نفسها وتكرهني."
"إنت طارق!"
باغتته مقاطعة بلفظ اسمه لينتبه صائحاً يسألها:
"إنت عرفتي إزاي... مين قالك على اسمي؟ ما تردي عليا وجاوبيني."
وصله صوت أنفاس لم يعرف لها تفسير وهي صامتة لا تجيبه عن سؤاله الذي كرره عليها.
وكأنها تداركت خطأها بعد لفظ الاسم حتى أغلقت الهاتف.
لتزيده تخبطاً وحيرة:
"هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟ ودي عرفت صوتي إزاي؟ ولا هي حكيالي عني؟"
زاد بضرب كفيه على عجلة القيادة يردف بتشتت:
"مخبية عني إيه تاني يا كاميليا؟ وحكيتي لوالدتك عني إيه بالظبط؟"
تفتكروا صراع الثلاثي كاميليا وطارق وكارم هينتهي على إيه؟
دلفت تسبق والدتها في الدخول إلى المنزل لترتمي سريعاً على أقرب مقعد وجدته أمامها وترمت حقيبتها على المقعد الآخر لتستند بوجنتها على قبضة يدها زامة شفتيها بوجه واجم ومتجهم.
انتبهت عليها إحسان وهي تتأنى بخطواتها الثقيلة بجسدها البدين لداخل المنزل:
"يا مشاء الله ع السنيورة قالبة وشك ليه يا بت؟"
زفرت غادة بقوة تحدقها وهي تتأكل من الغيظ بداخلها.
فالمرأة لم تكف عن معايرتها من وقت أن غادرن حفل عقد قران كاميليا التي ارتبطت بهذا المدعو كارم وعائلته الممتلئة بالرتب العالية من رجال الأمن بالإضافة لرجال الأعمال والأستاذة.
بالإضافة لرؤية زهرة وهذا التغير طرأ عليها لتبدو في ملابسها والهيئة الجديدة لها بجوار عامر الريان وزوجته الهانم وقد تصالحا وأصبحت زوجة ابنهم في العلن وتجلس بحوارهم الآن وكأنها واحدة منهن.
"أفندم يا ست غادة؟ بتبصيلي كدة وكأنك هتاكليني؟ في إيه يا بت؟"
هتفت بها إحسان فور أن جلست على الكنبة المقابلة لها.
لتخرج الأخرى عن صمتها وتصيح بوجهها:
"كل ده ولسة بتسألي ياما؟ دا انت بوقك مقفلش من ساعة ما خرجنا من القاعة! إيشي مرة ع الست كاميليا، وإيشي مرة ع البرنسيسة التانية بنت أخوكي اللي وصلوا والدنيا ضحكت لهم وأنا بس اللي فضلت محلي مع خيبتي؟ ها يا ست ماما لسة عندك كلام تاني تسممي بدني بيه؟"
لوكت بفمها تمصمص بشفتيها لترد وهي تلوح بكفيها بعدم رضا:
"شوفي يا خويا البت وعمايلها، هو أنا جبت حاجة من عندي يا بت؟ ولا يكونش بفتري ولا بقول حاجة مش شايفاها؟ انتي بنفسك جوز المصايب مسكوا إيد بعض وطلعوا لوحدهم لفوق وسابوكي انتي لوحدك، واخده بالك يا غندورة؟"
أغمضت عينيها بعدم احتمال.
فكلمات والدتها تلسع كالسياط لتصيبها في كرامتها المهدورة بيد هذا الملعون الذي أشعرها بالرخص وحظها الذي تشعر بانتقاصه دائماً.
وقد تأخرت بالفعل عن اللحاق بركب الملعونتين زهرة وكاميليا التي تصالحت معها بعد آخر شجار بينهم ثم دعتها بمودة.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 115 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
علمت هي جيدًا الآن بعد أن رأت بنفسها هذه الفخامة المبالغ فيها لحفل عقد قران وخطوبة، وهذا الكارم لم تتصور ولو في أقصى خيالها أن يكون بهذه الهيئة الراقية، ليجعل كاميليا كالأميرات في الحفل.
لتزداد الحسرة بقلبها، وتأتي والدتها لتذكرها الآن بخيبتها، ضاغطة بعنف على جرحها الغائر.
خرج صوتها بعتاب نحو والدتها:
"ماشي يا ست الكل، أنا اللي فضلت لوحدي، واضحك عليا من الاتنين، استريحتِ كدة بقى؟"
شهقت إحسان فاغرة فاها، لتردف برفع شفتها:
"وارتاح ليه بقى يا اختي؟ كنتِ شوفتيني عدوتك ولا عدوتك؟ يا بت دا أنا أمك اللي باكية على مصلحتك ونفسي، بقى تقبّي زي الناس دي، ولا هي جات عندك أنتِ ووقفتِ يعني؟"
همت غادة لترد، فسبقها أبوها ليتدخل بقوله الساخر بعد أن استمع لحديثهن:
"يا فرحتي بيكم وأنتم بتتخانقوا كدة طول الوقت، تخطيط وتظبيط ومصاريف ع الفاضي، وفي الآخر تمسكوا في بعض."
زجرته إحسان بنظرة محذرة لتصرفه بغضب:
"بقولك إيه يا شعبان؟ أنا العفاريت بتنطط في وشي، والنعمة الشريفة لو ما اتزحزحت دلوقت من قدامي لكون سايبة البت وماسكة في خناقك أنت."
انتفض الرجل ليرتد بأقدامه للعودة نحو باب المنزل الخارجي ليتفادى الشجار، فقوته لا تقوى على مجابهة غضب زوجته المدمر، وتمتم ذاهبًا:
"وأنا مالي ومالكم يا عم؟ هو أنتِ لما تغلبي في الحمار تقومي تتشطري على البردعة، دا إيه النيلة دي."
ختم بصفقة الباب بقوة، تاركًا المجال لزوجته التي التفتت لابنتها على الفور سائلة بقلق:
"يا غادة، هو البيه أخو صاحبتك لسه برضه ما فتحكيش ولا قالك حاجة عن جوازك بيه؟"
أفزعتها السؤال الذي كانت تخشاه، فآخر ما ينقصها الآن هو أخبار والدتها بنية هذا المدعو ماهر وما عرضه عليها من عرض دنيء لا يليق سوى بامرأة تبيع نفسها، وهي ليست كذلك.
انتفضت بدفاعية تهتف بوجه المذكورة:
"تاني بتسأليني وتحققي معايا ياما؟ مش ناوية بقى تسيبني وتفرجي عني في الليلة المهببة دي؟ دا إيه الغلب دا بس يا ربي؟ أنا سايبالك وقايمة عشان تستريحي، ياساتر يا رب."
قالتها وخطت سريعًا نحو غرفتها لتهرب من نقاش والدتها المرهق، حتى إذا أغلقت باب الغرفة عالياً، تركت العنان لهذه الدمعات الحبيسة وتبكي بحرقة.
الله، حتى رفعت رأسها على صوت الهاتف الذي دوى بجانبها، فتبينت هويته، صرخت تلعن الساعة التي رأته بها، وهي تدفع الهاتف بعيداً عنها بعنف.
بعد ساعات من البحث والاتصالات المتكررة بدون فائدة، حتى قارب على اليأس وغلبه الخوف والقلق من أن يُحدث أو يضر نفسه بشيء ما، يتفاجأ برؤيته الآن هنا، وعلى مدخل المنزل، جالساً على الدرجات الرخامية بصورة مزرية، ليخفي حزنه بصعوبة.
حينما اقترب منه عامر الريان وزوجته، الذين سبقوا جاسر وزهرة إليه:
"إيه يا بني، قاعد كدة ع السلم ليه؟ ومدخلتش الفيلا على طول؟ هو أنت غريب يا طارق؟"
بابتسامة مغتصبة رد وهو ينفض ملابسه في النهوض لمصافحة الزوجين بمرح مزيف:
"معلش يا عمي بقى، راسي تقيلة ومقدرتش أروح ولا أستنى في البيت لوحدي، قولت أنتظر جاسر هنا، أسهل."
قالت لمياء باستغراب لحالته:
"تقصد إن أنت شارب يعني؟ بس مش باين عليك إنك سكران. يا طارق، هو أنت مجيتش ليه؟ صحيح، خطوبة كاميليا، مش هي شريكتك برضه في الشغل؟"
أفزعته لمياء بأسئلتها المتتالية المباغتة، فافتَر فاهُ يفكر ليأتي لها بحجة كاذبة، ولكن جاسر لحق به لينقذه سريعاً بترحيبه بعد أن وصل إليه:
"إنت موجود هنا يا مجنون أنت، وأنا بدور عليك. عن إذنك يا ماما، عن إذنك يا بابا، أصل عايز أنفرد بيه لوحدي."
قالها ليسحبه سريعاً أمام أنظارهم المندهشة، حتى التفوا إلى زهرة بتساؤل، والتي قد وصلت إليهم متأخرة بعد أن سبقها زوجها للحاق بصديقه للانفراد به. حركت كتفيها ومطت بشفتيها تدعي عدم المعرفة، قائلة براءة:
"معرفش."
في الداخل، وفور أن اختلى بصديقه بالغرفة التي أغلقها عليهما وحدهما، هتف يود لكمه على فكه بعد ساعات من القلق كادت أن تقضي عليه، مع تعمد الآخر لعدم الإجابة عن اتصالاته المتكررة للاطمئنان عليه:
"كدة برضه يا زفت أنت؟ تسيبني أموت من القلق والخوف وأنت زي الطور مستني هنا على سلم البيت؟"
تجاهل طارق صياحه ليرتمي على الأريكة التي وجدها أمامه ليستلقي عليها بظهره، ورد بلهجة ميتة:
"معلش يا جاسر، بس أنا بصراحة مكنتش قادر أتكلم ولا أرد على أي حد."
تنهد جاسر بعمق، وعيناه اتجهت للسماء، فهذا المنحوس أرهق قلبه بالحزن على حالته التي لا يجد لها حل، ولا يعلم أين تكمن العقدة بالضبط.
خطا ليجلس على الكرسي المجاور له، وربت بكفه القوي على ركبته يقول بتحفيز:
"اصحى وفوق كدة، الزعل مفيش منه نتيجة غير أنه بيجيب التعب والمرض لصاحبه. فوق يالا، وارجع لي طارق بتاع زمان."
تبسم بجانبية ليرد ساخراً دون أن يلتف نحوه:
"طارق بتاع زمان! يا سلام يا جاسر، دا أنا كنت ضاربها جزمة وكل يوم مع واحدة شكل، ولا أعرف هم ولا زعل. حتى كانت أيام بقى."
صمت جاسر، فقد أجمته مرارة الحديث، ولم يعد به قدرة على مجاراته، فتابع الآخر يفاجئه بطلبه:
"على فكرة يا جاسر، أنا كنت جايلك النهاردة مخصوص عشان أبلغك بقراري."
"قرار إيه؟"
سأله جاسر مستفسراً، فالتف الآخر يعتدل إليه بجسده على جنبه يخبره:
"أنا قررت أسيب الشغل عندك وأرجع لكندا أكمل فيها هناك مع أهلي."
"نعم!"
هتف بها جاسر، ليتبع قوله بلكمة بقبضته ناهراً بحزن:
"اتجننت ولا عقلك طار منك؟ ولا يكونش فاكرني هسمحلك؟ أقسم بالله ما هسمحلك يا طارق."
هم الآخر ليجادله، ولكن أوقفه صوت طرق على باب الغرفة، الذي دلفت منه زهرة بعد ذلك بصينية عليها كوبين كبيرين من مشروب الليمون. تلقفها جاسر قائلاً بغضب لها:
"وإنتي كمان شايلة الصينية بنفسك ليه؟ ما فيش خدامين يجيبوا بدالك؟"
"الخدامين نايمين، وأنا صعب عليا بصراحة أصحيهم."
تمتمت بها وهي تخطو لداخل الغرفة خلفه، حتى إذا وصلت إلى طارق سألته بقلق:
"عامل إيه دلوقت؟ كويس؟"
أجابها بهز رأسه وابتسامة ليس لها معنى، لا تصل إلى عيناه، قبل أن يعتدل بجذعه ويتناول كوب العصير الكبير من جاسر ليرتشف منه، فقال الأخير:
"تعالي وشوفي المجنون دا اللي عايز يسيب البلد ويهاجر، لكن وربنا ما هسمحله."
توجهت إليه تسأله بخضة:
"دا بجد يا طارق؟"
أومأ لها دون صوت، فردت بانفعال اختلط بغضبها وهي تجلس لتنضم معهما:
"ما تزعلش مني، بس أنت كدة بقى هتبقى جبان وهربت وسيبتها له."
أصابت الصدمة جاسر قبلها، فقال ملطفاً رغم نظراته المحذرة إليها:
"زهرة حبيبتي، اهدى شوية وخلي بالك من كلامك. كذا مرة أقولك حاولي ما تظهريش اللي جواك."
تجاهلت تحذيره المبطن والتفتت لطارق تكمل بتأكيد:
"زي ما بقولك كدة يا طارق، أوعى تسافر وتستلم كاميليا بتكابر وهي بتتقطع من جواها، وأكيد الوضع دا مش هيستمر معاها كتير."
نبت بقلبه الأمل، ولكن رفض أن يحارب طواحين الهواء دون فائدة بيأسه، فقال يذكرها:
"عايز أفكرك إن اللي بتتكلمي عليها دي كتبت كتابها، يعني الموضوع خلص."
"لا مخلصش."
قالتها بعند أثار استغراب زوجها، الذي تمتم غير مستوعب:
"أنت جايبة الثقة دي منين بس؟ بلاش خيالك البريء ده يا زهرة، في حاجة كبيرة زي دي وغير مضمونة كمان."
سمعت منه لتكمل لطارق غير مكترثة:
"اسمعها مني يا طارق، حتى لو كان كلامي خيال زي ما بيقول صاحبنا ده، أنا مبقولكش إنك تفرق ما بينهم ولا تعمل لها مصايب، يكفي إنك تفضل قاعد قدامها وقصادها، أنا مش طالبة منك حاجة تاني."
حديثها العفوي جعله يعيد التفكير بجدية، حتى أنه عاد بجلسته للخلف، وبدت ملامح وجهه تتغير باهتمام، ورغم أن بداخله لا يريد الانتظار لشيء قد لا يتحقق، مع رفض كرامته أن يأخذ مكان الاحتياط في حياة المرأة الوحيدة التي أحبها وسلم إليها قلبه، ولكن وما الضرر في الانتظار؟ هو بالفعل يحترق بداخله، كما أنه لن يجد الراحة أبداً في البعد عنها، والأهم أنه يعلم تمام العلم بعشقها له، ولكن تظل هذه الألغاز التي تحاوط بها نفسها هي ما يقلق راحته. إذن فاليظل هنا، وربما توصل لحلها في يوم ما.
قطع شروده ليلتف نحو زهرة يسألها عن هذا الشيء الخفي في حياة العنيدة محبوبته:
"زهرة، معلش كنت عايز أسألك، تعرفي حاجة عن والدة كاميليا؟"
بدا على جاسر الاستغراب، كما قطب للسؤال مفكرة قبل أن تجيبه:
"أنا اللي أعرفه إنها اتطلقت من والد كاميليا زمان، من أيام ما كانوا ساكنين جيرانا في الحتة. بصراحة الناس كلها استغربوا إزاي واحدة تسيب طفلها ميدو اللي عمره وقتها كان يدوبك يجيب سنة، وتربيه بنتها. بس كمان كلنا خمنا إن أكيد خالتي نبيلة هترجع تاني لجوزها، بس اللي حصل إنها ما رجعتش وفضلت كاميليا تربي ميدو بمساعدة والدها."
تابع يسألها مرة أخرى:
"طب هي كاميليا كانت بتزورها؟"
صمتت قليلاً زهرة بتفكير، رغم اندهاشها الكبير من أسئلته، ثم أجابته بتذكر:
"بيتهيألي كانت بتروح لها وهي كبيرة كمان. أنا فاكرة في مرة اختفت يومين، ولما سألتها قالتلي إنها كانت عند والدتها."
تمتم وقد ازداد اندهاشه:
"قعدت عند والدتها يومين؟ طب إزاي؟"
تدخل جاسر بقوله لهم:
"ما تفهموني، أنتم بتتكلموا عن إيه؟"
أجابته زهرة بسجيتها:
"أنا بجاوب على أسئلته، لكن والله ما فاهمة."
ردد خلفها بعد أن لاحظ نظرات جاسر المستفهمة:
"وأنا بسألها، وأقسم بالله برضه ما فاهم حاجة."
تطلع إليها جاسر بازبهلال بعد أن أثاروا فضوله بأسئلتهم الغريبة، فقطع يسأله:
"طب أنت قررت إيه دلوقتي؟"
ارتشف طارق من كوبه قليلاً بصمت وتفكير عميق قبل أن يجيبه:
"أنا قررت إجازة دلوقتي، أريح فيها أعصابي، وأسافر أطمن على أهلي بالمرة، حتى عشان آخدها فرصة كمان أفكر بقى براحتي."
"حلو أوي ده."
غمغمت بها زهرة، ليحدقها جاسر بغيظ قبل أن يتابع بسؤالها:
"يعني كام المدة اللي هتاخدها في إجازتك دي؟"
في الأعلى، في غرفة عامر ولمياء، التي بدلت ملابسها ثم جلست شاردة، حتى انتبه لها زوجها الذي سألها بريبة:
"إيه يا لميا، شايفك سرحتي يعني وكأنك روحتي لدنيا تانية غير اللي إحنا فيها."
التفت إليه برأسها بوجه متسائل، فقالت بتردد:
"بصراحة خاېفة أتكلم لا تزعل."
تبسم لها عامر وقد بدا أنه فهم ما يدور برأسها، وقال يستحثها على الكلام:
"لا، قولي يا حبيبتي ومش هازعل، ما أنا خلاص اتعودت بقى."
رغم انتباهها لنبرته المتهكمة، ولكنها لم تقوى على الكتمان لتردف سريعاً له:
"بصراحة بقى، أنا كنت هأتجنن على حفل النهاردة اللي كان يهوس، وكنت أتمنى من قلبي دا يبقى فرح ابني."
أصدر تنهيدة طويلة بقنوط يتطلع إلى زوجته وطبعها الذي لن يتغير أبداً، واستطردت هي مواصلة:
"بلاش البصة دي والنبي، عشان عارفاها كويس. أنا أم، وشيء طبيعي لما أفكر كدة، دا ابني وحيدي يا عامر، وكان نفسي أفرح بيه."
فاض به عامر ليرد وهو يضرب بكفه على ذراع المقعد الذي يجلس عليه:
"يا شيخة، حړام عليك، دا أنت عملتي ما بدالك في جوازته الأولى بميري بنت اختك، امال زهرة تعمل اللي ما تعملهاش نص اللي اتعمل لصاحبتها حتى، ودي جوازتها الأولى."
غمغمت باعترض وصل إلى عامر، وهي تشيح بوجهها عنهما:
"هي اللي قبلت بالوضع معاها، إحنا مالنا؟ هي كانت تتطول أساساً؟"
"اللهم ما أطولك يا روح."
هتف بها عامر بزفرة طويلة كي ترتجع زوجته عما تفكر به. شعرت لمياء ببوادر غضبه، ففضلت أن تنهي حتى لا تزيد ويصل النقاش بينهم إلى خلاف، وقالت مغيرة:
"بس أنا ما كنتش أعرف إن كارم عيلته كلها رتب مهمة للدرجادي، دا أنا جاني إحساس إني في مقر أمني من كتر الرتب اللي شوفتها."
اعتدل بجلسته ليندمج في حديثها مقدراً تفهمها بتغير مجرى الحديث:
"بس أنا عارف من الأول على فكرة، ومستغربتش إنه يعزمهم. والد كارم الله يرحمه كان أول واحد يدخل المجال الأمني منهم، وبعدها ناس كتير من عيلته قلدوه عشان السطوة والهيبة. كارم نفسه كان من ضمنهم، بس للأسف حصلت معاه مشكلة كبيرة أدت لفصله من السنة التالتة في الأكاديمية."
هتفت مندهشة بعدم تصديق:
"إيه؟ انفصل من سنة تالتة؟ إزاي يعني ينفصل ووالده رتبة مهمة في الدولة؟ هو عمل إيه بالظبط؟"
بهزة بسيطة من كتفيه أجابها بعدم معرفة:
"بصراحة مش فاكر، أصل والده ساعتها حكالي الموضوع على عجالة من غير تفاصيل."
"آه، الحمد لله يا ربي، أخيراً شوفت اليوم ده."
هتفت بها المرأة فور دخولها منزلهم بعد عودتها مع ابنها من حفل عقد قرانه، والذي تقدم منها ليقبلها أعلى رأسها مخاطباً إياها مبتسماً:
"وأنا مبسوط قوي لفرحتك يا ست الكل. ما قولتليش بقى، ها، عجبتك الحفلة؟"
تبسمت الوالدة بغبطة جعلت دقات قلبها تخفق بتسارع مع حجم السعادة التي تشعر بها، حتى أردفت له بفخر:
"كلمة عجبتني دي شوية يا كارم، الحفل بتاعك كان روعة يا حبيبي، أنا كل الناس كانت بتحسدني عليك النهاردة، أنت وعروستك دي كمان كانت تجنن. لو هقولك إني خاېفة قلبي يوقف من الفرحة يبقى لازم تصدقني، على فكرة."
"سلامة قلبك يا قمري، خليك جامدة، لأنك لسه ما شوفتيش حاجة. فكرة، دا أنا ناوي أخلي حفل الزفاف أسطوري على حق، ومصر كلها تحلف بيه."
هلت بداخلها والدتها، ولم تجد من الكلمات ما يوصف السعادة التي تشعر بها، فردت بقبلة كبيرة على وجنته قائلة:
"براحة عليا شوية بقى، خليني أتمتع بفرحة النهاردة عشان أقدر أستوعب اللي جاي. ربنا يزيد من فرحتك يا قلبي، أنا هروح أريح وأنام بقى عشان هلكت بجد."
قالتها ليفك ذراعه عنها ويتركها لتذهب نحو غرفتها، وخطا لداخل الصالة الفسيحة حتى وصل إلى الصورة المؤطرة والمعلقة على الحائط أمامه بالحجم الكبيرة، يتطلع إلى الرجل المهيب بالزي الرسمي لعمله، ثم ألقى نظرة على هذه الأوسمة والمادليات الذهبية والدروع الكثيرة التي تراصت في جانب وحدها، فلا يستطيع أحد ما من الاقتراب منها سوى لتنظيفها، والذي لا تفعله سوى والدته، ليعود إلى صاحب الصورة مرة أخرى يخاطبه:
"ازيك؟"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 116 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
إزيك يا باشا؟ النهاردة أكيد مبسوط صح؟ ولا زعلان عشان ما شوفتش اليوم ده؟ بعد ما خيبت أملك وقطعت حلمك، أديني اثبت نفسي في مجال الأعمال والفلوس مع السلطة اللي وارثها منك.
أوقف يتنفس بعمق قبل أن يتابع حديثه للصورة التي أمامهما.
كنت عايزك تموت قبل ما تشوف نجاحي، بعد ما حصرت عليا لما انفصلت عن الكلية بضغط من رؤسائك. وقتها بس بصراحة يا والدي، أنا مندمتش على اللي عملته.
قال الأخيرة بابتسامة متوسعة ليكمل:
أديني وصلت للي أنا عايزه، وفوزت باللي أحلى منها ومن غير أذية المرة دي.
بفستان الخطبة الذي لم تبدله، كانت مستلقية بظهرها على تختها تتطلع بسقف الغرفة بعد انتهاء الحفل وانتهاء كل شيء لها. لقد تم ما أصرت عليه بعد اتخاذها القرار المصيري. لم يكن في نيتها الزواج ولكنها اضطرت لذلك. تعلم بخطورة ما ارتكبته في حق نفسها وفي حقه هو الآخر. ومع ذلك، فهذا هو الأفضل له ولها. لقد رأت اللوم في نظرات زهرة وزوجها لها رغم ادعائهم العكس، ولكن من منهم يرى الصورة الكاملة ويعلم الحقيقة ليأخذوا الحق بلومها؟ حتى ميدو حبيبها الصغير، لم ترى الفرحة بوجهه رغم كل محاولتها لاقناعه، رأسه الصلب يرفض التصديق أو القبول به زوجاً لشقيقته.
تنهدت بعمق.
ما يجيش بص درها، ثم اعتدلت فجأة لتتناول الهاتف من فوق الكمود وتتصل بها. فجاءها الرد سريعاً.
"ألو يا كاميليا؟ أخيراً اتصلتي يا حبيبتي! إيه الأخبار؟"
"الحمد لله كويسة. انت بقى عاملة إيه؟"
"تمام يا قلبي. المهم طمنيني انت."
"عندك وقت تسمعيني ولا أختصر لو هتنامي؟"
"يلا يا حبيبتي، عندي كل الوقت. قولي براحتك واتكلمي."
بعد مرور شهر.
داخل منزلها، كانت تصيح بصوتها الغاضب على محدثها في الهاتف.
"إزاي يعني مش لاقي صرفة؟ انت لازم تخلصني من الموضوع ده بقى في أقرب وقت عشان قرفت."
"ماليش دعوة، أنا أتصرف مع الولد ده وأديله اللي هو عايزه، خليني أخلص."
"قصدك إنه يلاوعك عشان ياخد مبلغ كبير. الكلب الحقير بيستغل الظرف. خلاص يا عابد اتصرف واقفل بقه."
"بالفلوس اللي هو عايزها أنا عارفاه. طماع صحفي الغبرة ده كمان، بس خليك ناصح ومتخليهوش يشطح فيها. ارسى معاه على مبلغ كويس وبلغني تمام."
أنهت المكالمة لتدفع بالهاتف غير آبهة بكسره، وجلست على كرسيها لتنفخ غيظها بسيجارة. التقطها من علبتها لتنفث دخاناً يخرج مع حريقها هي الأخرى بالداخل. فقد أرهقتها هذه القضايا التي ورطها بها جاسر الريان، بالإضافة إلى الخسائر الكبيرة التي تتكبدها في دفعها لأتعاب المحامي الفاسد، وهذه الفتاة عاملة المشفى لتغلق فمها عن ذكر اسمها، ثم هذا الحقير فاضل الصحفي المستغل الذي يلاعبها بحنكة لينال أكبر قدر من الأموال حتى يوافق ويغير أقوال تدينها في قضية المطعم والتشهير بجاسر الريان.
رفعت رأسها نحو شقيقها بوجهه الوجم بعد أن هبط الدرج واستمع لصراخها في الهاتف، فبادرته بقولها له:
"بتبصلي وأنت ساكت ليه؟ اتكلم وخرج اللي جواك."
زفر قبل أن يجلس بجوارها ليخاطبها بلهجة لينة حتى يمتص غضبها.
"يعني عايزاني أقول إيه بس؟ القضايا دي اللي عليك وخروجك من مجموعة الريان دول كلهم عليهم علامة استفهام. بس أنا يا قلبي ماليش حق أحاسبك."
التفت إليه برأسها تنتظر البقية وقد أراحها منطقه في الحديث.
أردف يكمل:
"أنا بس عايزك تهدي شوية وتبطلي حرق في أعصابك كدة طول الوقت. ده غلط يا حبيبتي على صحتك."
تغيرت ملامحها وعاد الغضب يرتسم عليها بوضوح لتهتف كازة على أسنانها:
"عايزني أهدى إزاي؟ والزفت ده خسرني كل شيء. ده غير مصالحي مع ناس وقفوا تعاملهم معايا عشان ما يطولهمش غضب بني الريان. ده غير سمعتي المهددة بالقضايا المرفوعة عليا لو اتحكم فيها. وأنت لسه بتقولي هدي أعصابك."
ندم على مشاركتها الحديث لينال منها هذه الحدة المبالغ بها بوجهه. فنهض مستأذناً على تردد.
"طب أقوم أنا أشوف اللي ورايا عشان بصراحة عندي مشوار مهم."
أوقفْته قبل أن يبتعد عنها بقولها:
"لسه برضه ما لقيتش سكة مع البنت دي؟"
سألها بعدم تركيز:
"تقصدي مين؟"
نهضت لتصيح بانفعال وتعصب تجيبه:
"غادة يا ماهر! لحقت تنسى اللي طلبته منك؟"
افتَكَرَه وأغلقه على الفور فور تذكره ليمسح بأنامله على جبهته يرد بحرج:
"آسف يا قلبي لو انشغلت عن طلبك بجد، بس أنا بصراحة عملت اللي عليا واتصلت بيها كذا مرة وهي ما ردتش. أعمل لها إيه؟"
تأتي دي بستصلب محلها تهدر بأنفاسها مضيقة عينيها بتفكير عميق قبل أن ترد:
"تمام، أنا هتصرف وألاقي طريقة حلوة معاها. ما أنا مش هسكت من غير ما أرد."
"هتتأخري النهاردة في شغلك؟"
سألها مخاطباً لها بجواره وهو يقود سيارته، وأجابت بعملية وهي تراجع على بعض الأوراق سريعاً:
"اممم بصراحة مش عارفة. هبقى أشوف."
"لأ، هتشوفي إيه؟ انت لازم تفضي نفسك عشان مشوارنا."
قالها بحزم أثار انتباهها لتترك ما كانت تتطلع به وتسأله بنزق:
"ليه بقى لازم يا كارم؟ دا مشوار عائلي لمناسبة سعيدة في عيلتكم، وأنا لسه ع البر يا كارم."
"لأ، مش ع البر يا كاميليا."
هتف بها وهو يضغط بقوة ليوقف السيارة فجأة، فجعلها تهتز بجسدها للأمام بعنف قبل أن ترتد سريعاً بفعل حزام الأمان. رفعت رأسها تواجهه مخضوضة.
"ليه كده يا كارم؟ أنت خضتني بجد على فكرة."
لانت لهجته ليرد باعتذار:
"أنا آسف، بس أنت اللي اضطرتيني لكده."
"أنا برضه اللي اضطريتك لكده؟ طب إزاي؟"
تفت بها بعدم استيعاب لتجده ينظر لها مؤكداً بقوة:
"أيوه، أنت يا كاميليا. عشان الكلام ده في كل مرة بتقوليه أطلب منك ترافقيني في مشوار لعيلتي. أنا مش فاهم إيه سر رفضك الدائم لكل خروجة أطلبك فيها."
حاولت كبح غضبها لتجيبه بنبرة هادئة نسبياً حتى لا تثير غضبه:
"بسببك يا كارم، وبسبب تدخلك حتى في اللي هلبسه. دا أنت بتختار الفستان وتختار الكوافير اللي هروحله. دا غير طقم الألماظ اللي لازم ألبسه وأنا ما بحبش التكلف. أنا واحدة بميل للبساطة."
سمعها ليرد بعدم اكتراث:
"أه والبساطة دي هتنفعك بإيه بقى لما تظهري أقل من أي واحدة من بنات العيلة؟ الكلام اللي أنت بتقوليه ده يا كاميليا خيالي أوي ومالوش دعوة أبداً بالواقع اللي إحنا عايشينه."
رددت وهي تشير بسبابتها نحوه:
"أنا كلامي خيالي يا كارم؟"
أومأ بعينيه قبل أن يقول ملطفاً في محاولة لإقناعها:
"كاميليا، عايزك تفهميني. أنا فخور بيكي وعايز الدنيا كلها تشوف اختياري الصح. ست جميلة وناجحة في شغلها، يبقى فاضل بس إنها تبقى سيدة مجتمع راقية، وأنت تصلحي للدور ده. حرام ترضيني في حاجة زي دي."
صمتت بعدم رضا فلم يعجبها حديثه ولكنها فضلت عدم الاصطدام.
علم هو بما يدور برأسها فتناول كفها يقبلها ليقول برقة:
"حبيبتي، أنا ماليش غيرك. لا عندي أخوات بنات ولا ولاد. أنت دنيتي كلها بعد أمي، وأنا مصدقت لقيتك."
وصلت لمقر عملها لتجد هذه الزحمة بالطابق الموجود به غرفة المكتب الخاص بها. عمال وموظفين لم تعتد رؤيتهم، أعدادهم تتزايد بكثرة كلما تقدمت بداخل الرواق حتى تفاجأت بالتجمع الكبير أمام غرفته وهو الغائب لأكثر من شهر في إجازة لم يحدد مدتها. إذن أيكون قد عاد من سفره؟ فقد أخبرتها زهرة بذهابه إلى عائلته بكندا. أم من الجائز أن يكون قد احتل غيره مكانه، أو ربما استقال من منصبه بعد مأساته معها ومعاناته التي شهدتها بنفسها وأوجعت قلبها معه.
وصلت إلى التجمع أمام الغرفة المذكورة فانتبه الرجال متزحزحين عن أماكنهم كي يسمحوا لها بالدخول. لتدلها ضحكته المجلجلة عنه في قلب المساحة المزدحمة، بجسده الطويل يرتدي حلة سوداء فاخرة، يعطيها ظهره وهو يتحدث مع رئيس العمال الذين أتوا لتحيته بعد رجوعه من غيبته في حدث لا يتكرر مع غيره، وذلك لتقربه من الجميع وبساطته في الحديث مع كل العمال دون تفرقة.
ضخ قلبها بقوة ليصير نبضه قوياً وسريعاً دون هوادة وكأنه في سباق للعدو. لقد اشتاقت له ولرؤيته ولصوته ومزاحه ومشاكسته، حتى عتابه ولومه لها. هذا شيء تأكدت منه جيداً في الأيام التي قضتها في العمل بدونه.
"أستاذة كاميليا، وصلت أهي. تعالي احضرينا بقى يا ست."
هتف بها رئيس العمال فاستدار بجسده إليها لتشعر بتوقف قلبها عن النبض للوهلة الأولى قبل أن يستعيد توازنه وتتمالك نفسها وهو يقترب ليصافحها بنبرة عادية:
"أهلاً يا كاميليا، عاملة إيه؟"
ابتعلت لتجلي حلقها كي ترد:
"أهلاً بيك يا طارق. حمد الله على السلامة. أنت وصلت امتى؟"
"أنا وصلت من امبارح يا ستي."
قالها والتف للعمال متجاهلاً النظر إليها وكأنه تركها بالأمس وليس ثلاثين يوماً. لم يشعر ولم يصبه ألم الاشتياق الذي مزق قلبها وجعلها الآن تنسى نفسها مستغلة انشغاله بالتحدث مع العمال الذين يطالبون بمكافأة استثنائية فرحة رجوعه للعمل، وتتأمل ملامحه المشرقة بنهم وقد زادت وسامة على وسامته وعاد لمرحه القديم في حديثه معهم.
"سايبين شغلكم وعاملين مظاهرة؟ عشان لما أفتن عليكم لجاسر الريان محدش فيكم يجي يشتكي ولا يزعل."
هتف بها فانطلقت الضحكات مع ردود أفراد من العمال بتفكه من واقع عشمهم في كرمه وطبيعته السمحة حتى انتهى النقاش بصرف المكافأة التي أصروا عليه. لينصرفوا بعدها مهللين بانتصار مع قول الدعوات له. فلم يتبقى سوى هو وهي التي عادت لعمليتها في مخاطبته.
"على فكرة، أنا منظمة وموثقة لكل حاجة اتعملت في غيابك ومستعدة أبعتلك حالا الملفات تراجع فيهم براحتك."
وعلى عكس ما كانت تفعل دائماً، هذه المرة كانت تخرج الكلمات من فمها سريعة وبلهفة وعينيها تتحاشى النظر إليه، ولا تعلم إن كان السبب هو هذا الخجل في مواجهته بعد الذي صار بينهم آخر مرة، أم هو الخوف من أن ينتبه بعينيه الجريئة التي إذا أمعنت النظر بخاصيتها فسوف يرى هذا الشوق الذي يفضح ما بداخلها الآن وبقوة.
"تمام يا كاميليا، ابعتيهم للسكرتيرة بتاعتي بقى واحنا نظبط."
رفعت رأسها باستفهام متعجبة لسماع الجملة فرد هو بابتسامة متوسعة وقد قرأ استفسارها فهتف بالاسم:
"لينا، تعالي سلمي على رئيستك الجديدة في الشغل."
التفت كاميليا لخلف ظهرها نحو الجهة التي كان يتحدث إليها طارق لتجد الفتاة خلفها بالقرب منها. ضيقت عينيها وهي تتأمل بها جيداً بشعرها الأصفر والمسترسل بنعومة فائقة على جانبي وجهها الشديد البياض وعيناها ذات اللون الفيروزي الرائع بجمال خلاب، وملابس فوق ركبتيها أظهرت عن ساقيها الطويلة بسخاء ورائحتها التي كانت تزكم أنفاً منذ فترة، وهي التي تصورت بغبائها أنها كانت عالقة بأحد العمال.
"أهلاً وسهلاً، حضرتك تشرفنا."
قالتها الفتاة بابتسامة رائعة من ثغرها الجميل. تجاهلتها بعدم ذوق لتتوجه بالسؤال إليه بلهجة جافة:
"ودي امتى لحقت توظفها وأنت مسافر؟"
أجابها واضعاً كفيه في جيبي بنطاله وابتسامة موجهة للفتاة:
"لينا مش محتاجة اختبار، دا معرفة من زمان بس إيه لهلوبة."
"لهلوبة!"
رددتها خلفه قبل أن تلتف إلى الفتاة ترمقها بنظرة من أعلى لأسفل بتفحص ثم تابعت بازدراء:
"أه صحيح، واضح فعلاً إنها لهلوبة."
في انتظار خروج رئيسه من الشركة، كان واقفاً بعملية لتأدية مهامه في حمايته بحكم وظيفته في العمل. وقعت عينه عليها وهي تخرج من الباب الرئيسي ثم تقطع المسافة الفاصلة حتى وصلت للدرج الرخامي والذي هبطته بعد ذلك. يتابعها بدقة وتفحص. يبدو أن بها شيئاً ما تغير، أم أنه يتوهم ذلك برأسه بحماقة جديدة يقنع بها نفسه بعد أن تعلق قلبه بها رغم كل ما علمه من عيوبها مع نفورها الدائم منه، وهذه النظرة المتعالية التي تحدجه بها دائماً. ولكن يظل صوت برأسه دائماً ما يهمس له بأن هناك نقطة بيضاء تستحق التفتيش والبحث عنها. لربما وجدها وربما غلب الطبع السيء ليطمس بسواده ويمحو حتى هذه النقطة الخفية للخير. ارتفعت عينيها لتلتقي بخاصتيه بنظرة خاوية لا تحمل أي شيء من التعالي والعنجهية الكاذبة وهذا التمرد الذي يجذبه بها، مما جعله يتمنى لو استطاع ترك عمله واللحاق بها حتى لو اضطر لمشاكستها كالعادة، ولينال سخطها بعد ذلك كما تريد. ومنذ متى هو اهتم لغضبها أو صياحها بوجهه وصرخها.
اعتدل بوقفته على وضع الاستعداد كعادته فور أن رأى جاسر الريان من مسافة ليست بقريبة يعدو بخطواته السريعة للمغادرة.
أما هي، وبعد أن تخطته لتقطع المسافة المؤدية إلى الرصيف الآخر حتى تلحق بوسيلة للمواصلات العامة، بأقدام ثقيلة وشعور الإحباط أهبط كل عزيمة لها في القتال والمعافرة بشراسة لتنال حقها من الدنيا كما وعدت نفسها كثيراً وفشلت. لقد صدقت والدتها حينما قالت أن الجميع تقدموا للأمام ونالوا حظهم الجيد وظلت هي وحدها في الخلف في بيتها مع والدتها وأبيها تستقل الأتوبيس الحكومي أو الميكروباص الشعبي، وغيرها يسكن القصور ويتحلى بالألماظ ويستقل السيارات ذات الماركات الحديثة رفاهية لطالما داعبت خيالها حتى شعرت أنها تقترب منها وصعدت محلقة حتى كادت أن تصل إليها قبل أن تضرب على رأسها بقوة لتهبط إلى قاع الأرض مع وجع الكرامة وهي تشعر بالدونية الآن وقد ظنت نفسها أكبر من التفكير فيها بهذه الصورة.
انتفضت فجأة تقطع شرودها على الصوت المستفز لمكابح السيارة التي توقفت عنوة بالقرب منها. توقفت. قطبت بغضب وتحفز لسانها أن يمطر صاحب السيارة السباب بوصلة من السباب تخرج بها شحنة غضبها من الداخل، ولكن مع الرؤية الجيدة لمن يقود السيارة توقفت كلماتها على طرف لسانها لتزم فمها بتنهيدة عالية أخرجتها وهي تشيح بوجهها للناحية الأخرى.
"بتبعدي وشك عني ليه؟ هو أنا اللي زعلتك؟"
هتفت بها ميرفت من داخل السيارة لتلف إليها غادة وترد بشراسة:
"مش انتي اللي عرفتيني بيه يا ست الحلو المسبسب وفهمتيني إنه عايزني في الحلال؟ اهو ظهر على أصله وعرفت غرضه كويس أوي دلوقتي."
مالت برأسها إليها من أمام المقود لترد بصوت هادئ:
"طب اركبي الأول واحنا نشوف بعدها سبب الإشكال ده إيه."
غلبها طبعها غادة وردت بصوت أعلى من المعقول:
"إشكال وزفت إيه اللي هنتكلم فيه؟ الباشا أخوكي كان عايز يتجوزني بورقة يا ست الهوانم، ولا أكني واحدة من إياهم حتى أو بت هبلة هيضحك عليها بقرشين."
كظمت غيظها ميرفت وتفادت الرد عن حماقة هذه المعتوهة التي تنتوي.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 117 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
ضحكتها وأهلها بصوتها العالي في منتصف الشارع العمومي.
وردت كازة على أسنانها بحزم:
"طب اتدخلي اركبي معايا يا غادة. مينفعش الكلام في الشارع كدة. أنا بقولك نتفاهم، هو انت شايفاني هكلك يعني؟"
زفرت الأخرى قليلاً بتفكير قبل أن تحسم أمرها وتنضم إليها داخل السيارة.
***
منكفئة على الأوراق التي أمامها تدعي التركيز وهي لا تفقه مما تقرأه شيئاً على الإطلاق. لقد حاولت مراراً وتكراراً بالعودة عليهم ومراجعتهم، ولكن لا فائدة. فمنذ رؤيتها له صباحاً وعقلها تشتت بصورة غريبة وغير معتادة. ولا تعلم إن كان بسبب هذا الاشتياق الكبير الذي شعرت به وقت رؤيته المفاجأة، أم هي الحيرة التي انتابتها مع معاملته الباردة لها وكأنها امرأة عادية بالنسبة إليه، ولم يجمعهم هذا النزال الطويل قبل سفره مع إصرارها على تكملة الارتباط بكارم.
نفضت رأسها لتستجمع نفسها مع تذكرها لهذا الرجل الذي ارتبطت به وتم عقد قرانه عليه، فلا يصح التفكير في غيره. عادت بهز رأسها عدة مرات لفرك بكفيها على شعرها في محاولة بائسة لتستفيق. دنت برأسها تقرأ البنود التي أمامها في المستند، فأتت على الفور صورة هذه الفتاة الجديدة وهذه الهيئة المبالغ وكأنها إحدى عارضات الأزياء، ثم هذه الصفة التي أطلقها عليها: "لهلوبة!".
غمغمت بالأسم ثم انتبهت على صوت طرق على باب غرفتها لتتفاجأ بهذه الملعۏڼة أمامها وكأنها أتت على النداء، مع ابتسامة ساحرة بثغرها الذي لونته باللون الوردي ليتناسب بشدة على بشرتها البيضاء.
وهي تخاطبها:
"هاي يا فندم. ممكن أدخل؟"
كظمت غيظها الغير مبرر لترحب بها على مضض:
"اتفضلي يا..."
"لينا يا فندم."
قالتها على الفور لتكمل بتهذيب لا يناسب ما ترتديه من ملابس محكمة بشدة على قدها الممشوق وهذه الجيبة التي لا تصل حتى لركبتيها لتظهر عن ساقيها الرائعتين.
"استاذة كاميليا."
أردفت بالأسم الفتاة لتلفت انتباهها وقد بدا أنها شردت في النظر إليها. استدركت كاميليا متحمحمة تظهر الجدية بقولها:
"نعم يا... لينا. كنت عايزة إيه بقى؟"
ردت وهي تتقدم إليها تتهادى بخطواتها وبطرف كفها أزاحت شعرها الذهبي للخلف وابتسامتها الرائعة لم تغادر ثغرها:
"كنت عايزة من حضرتك باقي المستندات والعقود يا فندم."
سألتها بجمود وهي تشير لها على الساعة الملتفة على رسغها:
"عايزاهم ليه دلوقتي؟ وميعاد الانصراف من الشغل خلاص على وشك. ثم انت لحقتي تخلصي اللي فاتوا أصلا؟"
ردت لينا بابتسامة ازدادت اتساعا:
"أنا فعلا خلصتهم يا فندم ودلوقتي كنت عايزة الباقيين عشان اخدهم معايا البيت واشتغل عليهم براحتي."
صمتت كاميليا يكتنفها الذهول بفعل هذه الفتاة وسرعتها في إنجاز عملها مع هذا الجمال المبهر الذي تتميز به، فقالت تشير لها بذقنها دون أن تكلف نفسها عناء رفعهم بيدها:
"اهم دول اللي قدامك. خديهم."
دنت الفتاة تتناولهم، فتساقط معها الشعر الحريري قبل أن ترفعه على الفور وتستقيم بظهرها مستئذنة لتخرج، وقد تركت خلفها رائحة عطرها القوية التي غمرت الغرفة.
لتغمغم كاميليا بصدمة:
"يانهار أسود. ودي بيتعامل معاها طارق ازاي؟"
فركت على رأسها بيأس مقررة المغادرة وترك ما بيدها من عمل وقد ضاق بها وأرهقها التفكير، لتتفاجأ بدفع الباب فجأة قبل أن يلج منه خطيبها المزعوم كارم.
تطلعت إليه قليلا بدهشة لتسأله:
"انت مخبطتش ليه يا كارم ع الباب قبل ما تدخل؟"
أكمل بخطواته نحوها حتى أقترب يقبلها على وجنتها:
"وهاخبط ليه وأنا داخل عند مراتي."
قالها والتف بوجهه ينتوي تقبيلها في الأمام، فارتدت سريعا للخلف مبتعدة قائلة باعتراض:
"خلي بالك يا كارم. احنا في المكتب."
تقدم ليكرر المحاولة بجذبها من ذراعها، يرد بثقة:
"وإيه يعني؟ ما هو مكتبك يعني مش مكتب حد غريب."
نزعت يده عنها بعنف قائلة بحدة:
"بلاش الأسلوب دا يا كارم معايا أحسنلك."
توقف يضع كفيه في جيبي بنطاله يتطلع إليها بغموض صامتا، مما جعلها تتراجع عن حدتها:
"اسفة لو اتعصبت عليك بس معلش يعني ياريت متكررهاش تاني."
رد بوجه جامد لا يظهر تقبله للاعتذار:
"ومكررش ليه؟ هو انت مش مراتي برضه؟"
"مراتي ع الورق يا كارم. لسة مبقتش في بيتك."
هتفت بها بوجهه ليقابل ردها بصمت مرة أخرى قبل أن يخاطبها بنبرة هادئة مريبة:
"أجهزي يا كاميليا عشان أروحك."
ابتعلت ريقها، فهذا التحول الغريب بشخصيته دائما ما يثير بداخلها القلق، بالإضافة لإصراره في توصيلها في الذهاب والعودة ومحاصرته الدائمة لها باتصالاته العديدة طوال الوقت.
أنهت سريعا وخرجت خلفه من غرفتها، لتصطدم عينيها على الفور بهذه الفتاة وهي تخرج من الغرفة المقابلة ومعها طارق.
"وآدي امتى رجع ده؟"
غمغم بالسؤال كارم ليفاجأ بالمذكور يبعث إليه التحية بابتسامة عريضة وهو يقطع الرواق مع هذه الفتاة التي تسير بجواره كطفلة فرحة مع والدها، ليسبقا باللحاق بالمصعد.
تبسم كارم بجانبية ساخرة يقول لها عن قصد:
"مابيعملش وقت."
***
"انت جايباني هنا ليه؟"
هتفت بها غادة غاضبة نحو ميرفت التي ردت بهدوء تمتص غضبها:
"أنا جايباكي هنا في بيتنا عشان نتفاهم يا غادة، ولا هي دي أول مرة تدخلي بيتنا؟"
حدقتها بنظرة ساخطة قبل أن تجيبها بنزق:
"لأ يا ستي دي مش أول أدخله، بس أنا حكالك اللي فيها وعن اللي أخوكي عمله معايا، يعني مينفعش أدخل لا يفتكرني وافقت ع اللي قالوه ولا بتمحك على جنابه وعايزة يصالحني."
أطفأت محرك السيارة ميرفت لترد بنبرتها الناعمة والتي دائما ما تنجح في إقناع الآخرين:
"اسمعي مني يا غادة زي ما سمعت أنا منك كل كلامك اللي فات. أنا عارفة ليك حق، وأنا بقى جايباك هنا بعيد عن عيون الناس عشان نتفاهم ونتكلم براحتنا."
صمتت غادة ترمقها بأعين متشككة، فتابعت الأخرى:
"أوعدك يا قلبي إن مش هعمل إلا إللي يرضيك. انت صاحبتي يا غادة ولا لسة معرفتيش الكلام ده؟"
رغم عدم شعورها بالارتياح لمغزى هذه الزيارة معها لداخل بيت هذا الرجل الذي تركها في نصف الليل تعود وحدها لمنزلها بعد عرضه الدنيء لها، ولكن النفس الضعيفة بداخلها أبت أن تفوت ما تظنه فرصة للعودة. وهذه الميرفت تطمئنها بنظراتها التي ترسل لها مئات من الوعود والأمال التي تود تحقيقها، حتى رضخت لتترجل وتدلف معها لداخل المنزل.
"أنا جيتلك اهو بسرعة ومتأخرتش عليك."
هتفت بها ميرفت وهي تتقدم إليها تحمل صينية من المشروب لتضيفها بها.
ردت غادة وهي تهز بقدميها بالأسفل بعصبية مع جلوسها متكتفة الذراعين بتشنج يكتنفها التوتر مع هذا الشعور المتزايد بالقلق بدون سبب:
"لو كنت اتأخرتي دقيقة تاني كنت هاسحب شنطتي وامشي على طول."
"ليه بقى؟ وراك مشوار مهم؟"
تفوّه بها المدعو ماهر وهو يهبط الدرج بالقرب منها. انتبهت عليه غادة لتنهض على الفور ترد بعنف:
"لأ طبعاً. دا عشان مشوفش وشك."
أوقفتها سريعا ميرفت تجذبها من قماش سترتها تخاطبها بمحايلة:
"اهدي عشان تتفاهموا يا غادة، وبلاش شغل العيال الصغيرين ده."
هدرت بها بعنف:
"أنا بعمل شغل عيال صغيرين؟"
رد ماهر من الناحية الأخرى ببرود وهو يجلس مسترخيا على أريكته:
"طبعاً أكيد. مدام بتشوفييني وتجري ولا أكني هاكلك، حتى."
غلت الدماء بعروقها لتنفض ذراع ميرفت عنها وتتجه إليه قائلة بعنف:
"وعايز رد فعلي يبقى إيه ان شاء الله معاك؟ لما تعرض عليها اتجوزك بورقة وبعدها تسيبني ارجع في نص الليل من غير ما تفكر حتى في اللي ممكن يحصلي وانا راجعة لوحدي."
تدخلت ميرفت تدعي قول الحكمة في مخاطبة أخيه:
"أه، في دي عندها حق يا ماهر. إنت إزاي تعمل كدة؟"
جاري الأخير شقيقته في التمثيل:
"ما هي السبب يا ميرفت. زعقتلي وفضحتني قدام كل أصحابي اللي عرفوني على الطلب اللي طلبته منها في لحظة سكر مكنتش فيها بوعيي."
صاحت عليه غادة بعدم تصديق:
"نعم؟ مكنتش في وعيك؟ إزاي بقى يا حبيبي؟ دا انت تبلع المحيط ولا يأثر فيك. إنت هتعملهم عليا؟"
"صك على فكه."
ماهر يكتم غضبه بمواجهة هذه المعټوهة ولسانها الذي يردف بالخطأ. وتمالك يشاهد شقيقته وهي تهادنها بالكلمات الناعمة حتى أقنعتها بالجلوس:
"أنا جايبكم يا غادة عشان تتفاهموا. خدي اشربي العصير يا قلبي يهديك ويروق مزاجك شوية."
تناولت منها تجترع الكوب سريعا لتهدأ قليلا من ثورة غضبها، ولم تدري بهذه الابتسامات والنظرات التي يتبادلها الشقيقان.
***
على أريكته الأثيرة بوسط الصالة الكبيرة التي توسطت المنزل كان مستلقيا عليها بنصف نومة ونصف جلسة، واضعا حاسوبه على أقدامه يتابع أعماله وأخبار البورصة من محله هنا بالمنزل، بعد أن حرم بأمر مباشر من الأطباء من الإجهاد في الذهاب إلى مقر أعماله. وقد تولى ابنه المسؤولية عنه بالإضافة إلى شركائه الجدد من الشباب كمصطفى عزام، حتى رفع عن كاهله حملا ثقيلا، ولكنه عقله لا يهدأ عن المتابعة بنفسه. لقد تعود على ذلك، يعشق عمله ولا يستطيع التوقف عنه أبدا.
"يا عامر يا عامر."
التف برأسه للخلف نحو الدرج الذي كانت تهبط منه زوجته، والتي واصلت بهتافها بعد أن استرعت انتباهه:
"إيه رأيك يا عامر ده ولا ده؟"
أسقط نظارته على عينيه لينظر جيدا لما تشير إليه، ليرى فستانين بعلاقاتهم ممسكة بهم ترفعهما أمامه بمستوى نظره. حرك رأسه يخاطبها بعدم فهم:
"قصدك إيه؟ مش فاهم؟"
زمّت فمها بعدم رضا لتهبط الدرجات المتبقية وهي ترد مع اقترابها منه:
"بأسألك يا عامر عن رأيك. تفتكر أي واحد فيهم هايلقلي أكتر من دول؟ دا اللي لونه أزرق."
قالتها وهي تشير بأحدهم قبل أن تبدل لتشير بالآخر:
"ولا دا اللي لونه تركواز؟"
تمعن النظر في الفستانين جيدا قبل أن يجيبها:
"هما الاتنين حلوين يا لميا، وانت أي حاجة بتليق عليك أصلا. المهم بقى انت عايزة تلبسيهم في إيه؟"
قضمت شفتيها السفلى لتقول بحرج قد كسا وجهها قبل أن تجيبه بتردد:
"ما هو دا اللي كنت جاية أكلمك فيه بصراحة كدة. بقى النهاردة كتب كتاب ميري، وهي اتصلت بيا عشان أروح لها وأحضر معاها."
عقد حاجبيه وتجعد جبينه بشدة ليسألها بصدمة تعلو ملامحه:
"بعد كل اللي حصل منها يا لميا في حقنا وحق ابنك مع اللي اسمها ميرفت دي، وانت لسة برضه على تواصل معاها؟ لأ وبيتعزمك كمان على فرحها؟"
أخذت شهيقا طويلا تجسر نفسها قبل أن تجلس بجواره على ذراع الأريكة لترد على قوله بالقرب منه:
"على فكرة يا عامر، أنا عارفة كل اللي بتقوله ده. وأوعى تفتكر إني ناسيه ولا سهيت عن اللي حصل. أنا بقالي فترة طويلة لا بكلمها ولا برضى أرد عليها، بس بقى لما قابلتني من كام يوم في النادي وكلمتني عن كتب كتابها وإن مالهاش حد تقريبا يقف معاها في المناسبة دي، بصراحة صعبت عليا أوي.. أنا عارفة إنها مجنونة ومافيهاش عقل يميز الصح من الغلط."
هتفت بالأخيرة توقفه قبل أن يقاطعها لتتابع بلهجة لينة:
"هي فعلا مالهاش حد غيري يا عامر. دا غير إن والدتها وصتني عليها قبل ما تموت."
صمت يتطلع إليها بوجه متجهم، ثم ارتخى تشنجه قليلا قبل أن يردف إليها عن اقتناع بضرورة فعل كل إنسان بأصله، حتى لو كان هذا المعروف لا يقدره الآخرون:
"ماشي يا لميا. روحي واعملي اللي عليك. مش همنعك."
سمعت منه لتهلل بمرح وهي تقبله على وجنته قائلة:
"ربنا يخليك ليا ولا يحرمني منك أبدا يا أحلى عامر انت."
استجاب لها بابتسامة صفراء حتى انتهت ونهضت من جواره، ليغمغم من خلفها بصوت خفيض مستغلا أنها ولت عنه بظهرها:
"على الله بس تعمر في الجوازة دي بعد ما لفت ع الواد الأجنبي الغلبان ده."
***
انتبه فجأة على أصوات الجلبة التي أصدرها جاسر بدفوله للمنزل بصحبة زهرة بعد عودتهما من الطبيبة النسائية التي تتابع معها الحمل. تهلل وجه عامر وارتسم عليه السرور، فهتف بلهفة بعد أن ضاق من انتظاره لهما:
"أخيرا وصلتوا. هو انتوا اتأخرتوا كده ليه؟"
توقفت لمياء عن الذهاب هي الأخرى لتتابع رد جاسر وهو يقترب بزوجته من أبيه:
"اتأخرناش ولا حاجة يا عم، دا بالعكس بقى. إحنا دخلنا على طول. انت بس اللي معندكش صبر يا عامر باشا."
"أيوه يا أخويا معنديش ولو كان عاجبك."
تفوه بها عامر نحو ابنه بامتعاض، قبل أن يلتف لزهرة التي جلست بالقرب منه يخاطبها:
"وانت بقى يا قمر قوليلي إيه الأخبار؟"
ابتسمت له زهرة بصمت لتخرج له من حقيبتها صور للجنين وقد أتم الآن شهره الرابع. تناول منها عامر ليسأل بعدم تصديق:
"يا ولاد الأيه دي صورة النونو صح؟"
أومأ له الاثنان برأسهم مع تبادلهما الابتسامات المرحة، فهتف عامر بفرحة تصدرت بقوة في نبرة صوته:
"يا حبيب قلب جدك انت دا. حلو أوي يا جاسر."
جلس جاسر بجوار زوجته يضمها من كتفها بذراعه وهو يتابع الفرحة على وجه أبيه، غافلين عن لمياء التي اقتربت تشب بأقدامها من محلها لترى الصورة التي يقبلها زوجها. تدفعها الحاجة الشديدة لمشاركتهم اللهفة والفرح، ولكن يوقفها هذا الشيء بداخلها، فهي لا تريد إظهار ضعفاً ولا تنازلاً عن موقفها أمامهم. تحركت قدماها فوجدت نفسها تبادر بحديث مختلف عما يدور بداخلها:
"على فكرة يا جاسر، أنا شفت صاحبك النهاردة. هو رجع امتى من سفره؟"
التف إليها جاسر يجاريها في الحديث رغم تركيزه لاتجاه أبصارها:
"قصدك طارق؟ ما هو فعلا رجع امبارح."
هتف عامر من بينهم:
"بس الواد صغير أوي. هو انت ما بتتغذيش كويس يا بنت انت ولا إيه؟"
قالها لزهرة التي ضحكت تجيبه:
"لأ والله يا عمي بتغذى كويس. واسأل ابنك كمان. بس هو دا حجمه الطبيعي على فكرة. دا عمره أربع شهور."
"برضه لازم تهتمي أكتر من كده. أنا عايزاه ينزل للدنيا حلو ومقلوظ كده، فاهمة ولا لأ؟"
شدد على قوله بإصرار أثار مرحها لتومئ له برأسها تنفيذا لمطلبه. وتابعت لمياء بالحديث المختلف ويدها تتحرق لتتناول الصورة من عامر:
"دا حتى كان معاه لينا يا جاسر، سكرتيرتك القديمة. فاكرها؟"
أجابها جاسر بتذكره:
"طبعاً فاكرها. دا أنا حتى كنت ناوي أرجعها تاني تمسك بدال زهرة في شهور حملها، لكن عم طارق بقى سبق."
تدخل عامر وقد تذكر هو أيضا:
"أوبا. انتو تقصدوا لينا أم عيون فيروزي؟ ينهار أبيض. دي صاروخ أرض جو يا جاسر."
التفتت إلى زوجها زهرة بحدة وملامح وجهها تحولت كقطة متوحشة تنتظر الهجوم لتنبش مخالبها به، لتسأل:
"..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 118 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
هي مين دي اللي صا اروخ أرض جو وكنت هاتجيبها مكاني يا جاسر.
تحمحم الأخير يحرك مقلتيه حولها بقلق حتى تنتبه لأبويه.
ورد بلهجة جعلها رزينة حفاظا على هيبته:
أنا كنت هجيبها عشان شطارتها مش لأنها ص اروخ أرض جو زي ما بيقول والدي.
رد عامر بنبرة خبيثة يدعي التغافل عن شرود لمياء بتركيز في صورة الجنين التي بيده:
صدقيه يا زهرة هي فعلًا بنت شاطرة وممتازة دي لهلوبة.
تنظر للأعلى نحو السقف بإعجاب وانبهار يكاد يخرج بعينيها التي توسعت بشدة:
يا لهوي دي النجفة بتاعتكم كبيرة قوي قد الحيطة واللمض اللي فيها كتير. مين اللي عملها؟
وجهت السؤال لهذا الذي يتطلع إليها بابتسامة تعلو فمه قبل أن تصدمه بالسؤال التالي:
لكن أنتم عندكم برص بيقف ع الحيطة زي اللي في بيتنا برضو؟
توقف قليلًا مضيقًا حاجبيه يستوعب السؤال قبل أن ينفي برأسه ضاحكًا:
معندناش، ابقى تجيبلنا من عندكم. هههه.
أومأت، تحرك رأسها بعدم فهم لتكمل في التجول على كل ركن بالمنزل بخطوات غير متزنة كانت تضطره في بعض الأوقات لمساندتها كي يستمع لما تلقيه إليه من ملاحظات تزيد من مرحه ليواصل بضحكاته حتى هتفت عليه شقيقته بعد أن ارتدت ملابسها سريعًا:
طب أنا همشي بقى يا ماهر.
ترك غادة ليقترب من الأخرى يسألها:
أنت هتمشي وتسبيني لوحدي معاها يا فيفي؟
ألقت عليه نظرة ساخرة قبل أن تعود إليه قائلة:
وما تقعد معاها لوحدك يا سيدي، هو أنت هتخاف؟ دي حتى عاملة دماغ زي الفل وهتسليك.
رد بابتسامة مضطربة رغم مرحه:
تمام يا ستي أنا موافقك والله، بس بصراحة بقى خاېف لا يجي من وراها قلق.
ضحكت بقوة حتى مالت رأسها للخلف قبل أن تجيبه:
هيجي القلق إزاي بس ياقلبي، وهي داخلة ببرجليها بيتنا يعني محدش ضربها على إيدها. وحتى لو حاولت زي أنت ما بتقول مش هتضر غير نفسها برضو.
أومأ لها ماهر بابتسامة مقتنعة لتكمل هي:
عيش أنت بس اللحظة وسجل عشان هو ده المهم ليا أنا.
أشار لها بسبّابته على عينيه بمعنى الموافقة، فتحركت للذهاب مردفة:
تمام أوي أروح أنا ألحق كتب كتاب ميري دي أكيد هتقتلني لو اتأخرت أكتر من كده.
أنهت بقبلة تبادلتها معه في الهواء قبل أن تغادر بخطواتها السريعة لتتركها فريسة سهلة المنال مع شقيقها حتى تحقق بعد ذلك الهدف من وراء كل ذلك.
وصلت لتعتلي سيارتها وقادتها بسرعة تختفي بها نحو وجهتها.
لإثارة الشك بقلب هذا الحارس الخاص لشقيقها المدعو رعد والذي تسمر محله ينتقل بعينيه كل ثانية نحو مدخل المنزل ينتظر خروج هذه الفتاة التي دلفت معها منذ قليل وقد بدأ يساوره القلق.
أنهى مكالمة خاصة بعمله قبل أن يعود إليها يشاركها هذا الوقت القليل في مشاهدة التلفاز قبل خروجه لحضور لقاء مهم مع أحد العملاء.
خلصتي المسلسل بتاعك.
أردف بها وهو يتكئ بجوارها على أريكتها لتتوقف الكلمات بحلقه مع انتباهه لهذه النظرة الغريبة التي ترمقه بها.
زهرة، هو أنت تعبانة ولا في حاجة مضايقاكي؟
ظلت على صمتها وهذه السكون يثير قلقه فتابع بقوله:
يا بنتي ما تردي عليا وأنا بكلمك، ساكتة ليه؟
تكتفت فجأة تأخذ وقتًا في التفكير بعمق قبل أن تسأله بصوتها الخفيض على تردده:
هي اللي اسمها إيه دي... أم عيون فيروزي حلوة قوي كده زي ما بيبي يوصفها عمي.
ارتفع حاجبيه وانخفضا سريعًا باستدراك فتحمحم يحاول انتقاء الكلمات حتى لا يسهو بكلمة ويقع في الخطأ:
حلوة ولا وحشة يا زهرة، دي في الأول والآخر كانت موظفة عندي زيها زي أي واحدة بتشتغل في المجموعة، أنا مليش دعوة بشكلها.
كانت تستمع إليه فاغرة فاها بتحفز حتى إذا انتهى سألته على الفور:
طب بصراحة كده ومن غير زعل، هي البنت دي كانت من ضمن البنات اللي... مشيت معاهم.
اعتدل بجلسته على الفور ينفي لها برأسه:
لا يا زهرة، لينا مش كده خالص، دي بنت أصول أساسًا وهمها غير في شغلها وبس. ده غير إنها في وقت ما كانت بتشتغل عندي كانت لسه بتكمل تعليمها الجامعي. لينا محترمة وممتازة و....
ولهلوبة.
أردفت بها تضيف على قوله قبل أن تتغير ملامح وجهها لتكمل هاتفه بغضب:
انت ناقص تقول فيها شعر يا جاسر!
تلجم ينظر لها بازبهلال يراجع بذاكرته إن كان أخطأ في قوله لها وتابعت هي بلوم:
ما ترد يا جاسر على كلامي، سكت ليه؟
تردد يبحث عن إجابة جيدة وقد انتابته حيرة الاختيار، لا هو بقادر على ذم الفتاة ولا المدح فيها، وطبع زوجته المتغير هذه الأيام لا يسهو عن كلمة واحدة حتى ارتفعت عينيه إليها فجأة ليجد هذا الترقب في خاصتيها، لي انفجر ضاحكًا مما زاد باشتعال غضبها وهي تهتف بالكلمات الحانقة عليه وعلى بروده قبل أن يحاوطها بذراعيه مرددًا بين ضحكاته:
يخرب بيت الهرمونات يا شيخة.
بفستان أبيض طويل انساب على جسدها الرشيق بنعومة مفتوح من الأمام أعلى الركبة ويغطي هذا الجزء المكشوف طبقة كبيرة من الشيفون المطرز بالورود ومثله كان في أعلى الظهر من الخلف مع فتحة كبيرة في الأمام بذراعين مكشوفين التفت حول المرآة شاعرة بالزهو، فبرغم كل حذرها مع رائد ولكن غلبها طبعها لتختار هذا الفستان ضمن مجموعة راقية لأشهر المصممين في أوروبا لترى هيئتها الآن وهي تشبه النجمات مع قصة شعرها الجديدة ومكياج كلفها آلاف الجنيهات شعور بالفرح يغمرها ليس له مثيل.
ها إيه رأيك بقى يا خالتو؟
هتفت بها نحو لمياء التي تسمرت عينيها فوقها بإعجاب، وقد داعبت ميري بهيئتها هذه الجزء المتحكم بها دائمًا وهي المظاهر المبالغ فيها، تداركت الوضع الجديد معها فردت ببعض التكلف:
جميل يا ميري، ربنا يتمم بخير.
لم تعجبها المذكورة هذه الإجابة المقتضبة فهتف مرة أخرى تلتف إليها تتابع بقولها:
جميل وبس يا خالتو، طب ما قولتش يعني رأيك في التسريحة ولا المكياج simple مثلا، طب خدتي بالك من العقد ده من الطقم الجديد اللي جبهولي رائد هدية.
أومأت لها لمياء تردد على مضض وهي ترى فعل ميري للفت نظرها لهذه الأشياء غير مستحب:
ما أنا قولتلك يا ميري، ربنا يوفقك يا حبيبتي.
تدخلت ميرفت متحدية لمياء التي تتعمد تجاهلها منذ أن أتت:
إنت مش محتاجة شهادة يا ميري، انت كل حاجة فيكي روعة النهاردة.
التفت إليها ميري تقول بدلال مع هز أكتافها:
مرسي يا قلبي، عقبالك يا ميرفت، ما هو زي ما أنا ربنا عوض عليا بالجوازة اللي تجنن دي أكيد أنت كمان هتلاقي اللي يقدرك ويبوس التراب اللي بتمشي عليه.
سمعت منها الأخرى لتقترب وتبادلها قبلة لم تتطال وجنتها جيدًا من خفتها لتردف لها:
يا حبيبة قلبي، أنت ما يحرمنيش منك يارب.
أشاحت لمياء بوجهها عن ميوعة الاثنتين بالتمثيل الذي يصيبها بالتقزز بعد أن شاركتهن غرفة واحدة مع تجهيز ميري فقالت تقطع وصلة العواطف لهن:
طب ممكن توقفوا شوية عشان نشوف العريس وأهله وصلوا ولا لسه، ولا نعرف حتى ميعاد كتب الكتاب مع المأذون.
همت ميري لتهتف على الخادمة ولكن ميرفت أوقفتها:
أنا هروح أشوف وأطمن بنفسي، خليكي مكانك يا ميري.
تمام ياقلبي.
قالتها ميري تبادلها ابتسامة فرحة قبل أن تخرج الأخرى لتتابع من أعلى الدرج في الطابق الثاني وصول الضيوف الذين أتو مع العريس وأبيه السفير وبعض الرجال والنساء من أسرهم وأبيها الذي اتخذ مكانه بجوار المأذون وبجواره بعض الرجال الذين تبقوا لمصلحتهم معه وقد ذهبت عنه الوزارة وذهب الصخب وصيت اسمه الذي كان يملأ العالم.
ثم توقفت عينيها فجأة على أحد الأشخاص والذي جلس بزاوية وحده بعيدًا عن الجميع.. لتكتم شهقة مفاجأة تحولت بعد ذلك لضحكات خبيثة بعد أن تبينت بهوية الشاب رغم ارتدائه لحلة بعيدة عن مظهره في العادة لتردد مندهشة بابتسامة متسلية:
مارو! وده عرف يدخل هنا إزاي.
أقصى سرعة كان يقود سيارة رئيسه جاسر الريان بعد أن استأذنه متعللًا بحجة التعب الشديد الذي ألم بوالدته مريضة السكر ويود اللحاق كي يصل بها إلى أقرب مشفى من وقت أن أخبره رعد صديقه والذي كلفه بالمتابعة عن قرب لهذه المجنونة وهذا الفاسق رئيسه الأصفر شقيق الصفراء ليجعل الدماء تفور برأسه فتحركت أقدامه دون استئذانه حتى للتفكير وهذا الأحسن لأنه لو فكر أو حسبها جيدًا سيعلم أن ليس له صفة ليفعل ما ينتوي بفعله الآن، هي ضلع أعوج ولابد له من تقييم لكي يعتدل، متعالية بتخلف يعلمه جيدًا حمقاء ولا تعرف التمييز بين الذهب قشرة الذهب الأصلي غبية وتستحق الطرق بمطرقة قاسية على رأسها حتى تستفيق وترى الصورة كاملة دون تشويش أو بهرجة خادعة ورغم كل ذلك فهي لا تستحق... لا تستحق أن تنال مصيرًا سيئًا وهو الأحمق لأنه يكلف نفسه بهذا العناء الذي لا يأتي من خلفه بنتيجة تذكر وربما أيضًا قد ينال الأذى أو العقاب الشديد ولكنه مضطر ولن يغض الطرف عن فعل ما يراه صحيحًا وليحدث بعدها ما يحدث.
جلست متربعة بقدميها على الأرض الرخامية تتابعه بابتسامة بلهاء وأعين منبهرة وهو يصب من الزجاجة الغريبة الشراب في كأسين احتفظ لنفسه بكأس ودنى يجثو أمامها بقدم واحدة ليقدم إليها الكأس الآخر مردفًا بمرح:
عارف إن ميرفت ظبطت دماغك باللي حطته في العصير بس أنا برضو عايزك توصلي للقمة عشان تحلوي أكتر وأكتر كمان.
تناولت منه الكأس لتتطلع إليه مرددة بدهشة:
إيه ده هو شكله غريب كده ليه، أوعى تكون بتقدملي حاجة صفرا.
اسمع منها ليطلق ضحكة مجلجلة في قلب البهو قبل أن ينضم إليها متربعًا على الأرض أمامها هو الآخر فتابعت هي بحال الذهول المرسم على ملامحها المغيبة بقوة:
إنت ما بترودش عليا ليه؟ لأ قول وجاوب أحسن أمي تيجي وتديك على دماغك أصل انت متعرفش إحسان والنعمة دي شديدة قوي.
ارتشف من كأسه قبل أن يقول بتسلية متصنع الخوف:
هي صعبة قوي للدرجادي إحسان؟
صعبة وبس.
هتفت به لتكمل بالتلويح بكفيها في الهواء أمامه بعد أن وضعت الكأس بجوارها:
يا ختييييي دي في مرة ضربتني وأنا صغيرة بالكف على شيء صوابع إيديها فضلت معلمة في وشي بعدها ليومين والنعمة زي ما بقولك كده يوميين، يوميين ودا كله بسبب إيه، عشان بس شافتني واقفة مع فهمي بتاع البرشام.
افتر فاهه لعدة لحظات وعقله الخبيث ذهب لأفكاره غير سوية فسألها بمكر هامسًا:
هو فهمي ده بقى كان حبيبك؟
أجفل فجأة على صيحة قوية أطلقتها رافضة:
حبيب مين يابا، ده طول عمره أساسًا هييموت على زهرة بنت خالي، طب أنت عارف لو مكنش جاسر الريان اتجوزها لكان اتجوزها هو غصب عنها. أنا أعرف أنه هييموت عليها من زمان من ساعة ما اتحرش بيها وهي بنت خمسة عشر وأكل العلقة من خالها خالد ده سففه التراب والنعمة الشريفة انا شوفته بيتف السنة المكسورة من بقه اللي املى بالدم والتراب.
ردد خلفها بفضول انتابه بشدة مع الهذيان الذي تتفوه به من كلمات ليسألها:
هي زهرة دي حلوة أوي كده؟
ولا حلوة ولا حاجة.
صرخت بها قبل أن ترتشف من كأسها جرعة لذعة الطعم الغريب بعدم اكتراث ثم ردت متراجعة عن حدتها:
بس هي ممكن تكون حلوة أو الناس هي اللي شايفاها كده، أما أنا بقى اللي عارفاها على حقيقتها بت هبلة وبتخاف من خيالها لو الكهربا اتقطعت تجري زي العيلة الصغيرة على خالها وجدتها أنا بقى ولو شافت تعبان مش بعيد تجيلها أزمة قلبية من الخوف.... بس هي طيبة.... وهبلة أصل هي كده الدنيا حظوظ.
صمتت لتنتقل بأبصارها إليه فوجدته يتطلع نحوها ويصغي باهتمام فتوقفت عن كل شيء تتطلع إلى ملامحه وتوسعت ابتسامة جميلة على ثغرها جعلته ينتبه إليها بخاصتيها وهي تردف بهذيانه:
بس انت حلو قوي وعنيك خضرا أوي.
أيوة بقى الكاس اشتغل.
هتف بها مصفقًا بكفيه متابعًا:
كملي بقى يا قمر مدام رجعتي للمود من تاني.
تجعدت ملامحها فجأة وعقدت حاجبيها بشدة لتسند على كفيها وهي تحاول النهوض برأسها الثقيلة:
أعيد وازيد في إيه انت كمان، أنا لازم أروح بيتنا وأقفل على العشة فوق في السطح بعد ما أكل الفراخ وأسحب من تحتهم البيض لأمي تطين عيشتي.
استمر بضحكه ثم نهض خلفها يراقب اهتزازها وترنحها في وقفتها غير المتزنة ليقف مقابلها ينتظر اللحظة الحاسمة وهي تمسك برأسها ترفرف بأهدابها وكأن تريد معرفة هويته أو الصورة نفسها مغشيا على عينيها التي تكرر بغلقها وفتحها عدة مرات علها ترى جيدًا ليزداد التشوش ويزداد الاهتزاز حتى سقطت لتتلقفها ذراعيه قبل وقوعها على الأرض ليحملها بعد ذلك وهو يخاطبها:
هخليكي تعيشي ليلة ولا في الأحلام يا غادة عشان بعدها تجيلي برجلي ولا نحتاج لورقة ولا كلام فارغ.
تذمرت بفطرتها رغم غياب عقلها معبرة عن اعتراضها بتحريك أقدامها بضعف لتحثه على تركها:
سايلني ورايح بيا فين يا جدع انت سيبني انزل وأروح عند أمي بقى سيبني أروح لإحسان.
تابع اعتراضها ومحاولاتها بتسلية كبيرة وهو يسير بها باتجاه غرفته في الأعلى وما أن وضع قدمه على الدرج حتى شعر بضړبة قوية على رأسه قبل أن يلتف ساعد كبير على رقبته وصوت غليظ يهتف هامسًا:
انزل البت من إيدك حالا ومن غير ما تضرها، لا كسر رقبتك بإيدي في نفس ذات الوقت على طول.
اضطر صاغرًا لإنزالها بحرص تنفيذًا لأمر هذا الرجل الغريب رغم صعوبة الفعل فالساعد القوي كان مطبقًا على رأسه ورقبته بقوة مع شعوره بثقل الجسد الضخم من خلفه.
وما أن انتهى حتى شعر بسحبه للخلف بقوة ليستدير بجسده فيرى هذا الضخم ملثمًا بغطاء أخفى معظم وجهه ولم يظهر منه سوى عينان واسعتان تبرقان بقوة أثارت بقلبه الارتياع وقبل أن يستوعب جيدًا تفاجأ بضړبة قوية من رأس الملثم على جبهته أفقدته اتزانه ليسقط صريعًا على الأرض كالچثة.
انتقل بعينيه نحوها ليجدها التصقت رأسها بسور الدرج تغمغم بهذيان وهيئة غريبة أثارت تعجبه فاقترب منها على حذر عاقدًا حاجبيه بشدة فزاد اندهاشه مع عدم انتباهها إليه وما حدث منذ قليل زفر بقوة يغمغم بالسباب قبل أن يرفعها على كتفه كطفلة صغيرة غلبها النعاس وسار بها يكمل طريقه رغم ما ورد برأسه من ظنون تكاد تفتك به ليتخذ وجهته نحو الباب الخلفي من المنزل ويخرج كما دخل بهدوئه وقد تولى صديقه شغل باقي الحراس والعمال.
فاردة ظهرها بزهو وفرحة تغمرها بلا حدود في جلستها أمام هذا الحشد الكبير من علية القوم من معارف أبيها كوزراء سابقين أو رجال أعمال وزوجاتهم ومعارف زوجها المستقبلي من سفراء أجانب وغيرهم كثير في الحفل المحدود على الطبقة المخملية التي تنتمي إليها أمامها العريس بوجاهته المبهجة من وسامة وأناقة لا تقارن وبجواره أبيه الرجل الذي ينظر إليها بأعين فرحة كزوجة تمناها لابنه العزيز وفي الوسط المأذون الذي كان يقوم بتحضيرات البدء في مراسم.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 119 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
نظرت نحو أبيها لترى على ملامح وجهه وكأنه على وشك التخلص من حمل ثقيل. تغاضت عن هذا حتى لا تعكر على نفسها.
ثم انتقلت نحو خالتها العزيزة لمياء، تشعر نحوها ببعض الإشفاق بعد أن تحايلت عليها حتى ترى بنفسها فرق المستوى الهائل بين نسبها القديم والجديد. بهذه السكرتيرة، ابنة خريج السجون، جالسة أمامها بوجه مضطرب تحاول السيطرة على انفعالها.
طرطرت صوت الأسف بداخلها، مغمغمة:
"مسكينة يا خالتو!"
انتهت منها لترفع رأسها نحو ميرفت التي كانت تلقي إليها بالقُبلات في الهواء بفرحة مبالغة لم تعهدها منها قبل ذلك. رددت بداخلها، رغم الابتسامة التي ترسمها على وجهها نحوها:
"إنتِ كمان تلاقي الغيرة بتنهشك وأنا ببدل من جاسر الريان لواحد أحلى منه، وإنتِ زي الأرض البور بقالك سنين على حالتك من ساعة ما اطلقتي من جوزك. أكيد هتعرفي دلوقتي إن مش حظ وبس لأ دا بسبب جمالي."
قطعَت خاطرها فجأة على صوت المأذون الذي أعلن بمكبر الصوت:
"طيب يا إخوانا صلوا على النبي كده عشان نبدأ، بسم الله."
غمغم المدعوين تنفيذاً لمقولة الشيخ، والذي هم بالبدء بخطبة قصيرة موجزة كفعل روتيني يقوم به بفعله دائماً قبل عقد القران.
"بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين..."
"بليز يا عمو الشيخ، ممكن ثواني توقف."
صدرت بالقرب مقاطعة لقول الرجل، فالتف الجميع نحو الشاب النحيف بحلته الأنيقة، وقد اتخذ موقعه في الوسط كي يراه ويستمع إليه جميع المدعوين. جحظت عيناها مريهان بشدة وشحب وجهها رغم زينته حتى قارب شحوبه. لتغمغم بصدمة لم تتوقعها ولو بأقصى كوابيسها:
"مارو..."
انتفضت فجأة على قول الشيخ لها:
"أيوة يا بني، إنت بتوقفني ليه؟"
ألقى نحوها نظرة خاطفة بابتسامة غير مفهومة، قبل أن يقترب من الرجل يجفله بتناول المكبر من يده قائلاً:
"آسف معلش لو هزعجك، هي دقيقة مش هتأخر عليك."
"إنت جاي هنا ليه وعايز إيه يا مارو؟"
صدرت منها بصعوبة تحاول إخفاء ارتباكها الذي ظهر في اهتزاز صوتها. ليجيبها المذكور:
"جاي أعملك مفاجأة يا قلبي."
تدخل والدها بقوله له:
"مين إنت يا بني إنت وتعرف ميري منين؟"
"دلوقتي هتعرف يا أنكل."
قالها كإجابة سريعة لأبيها، لتضرب ميري بكفها على جبهتها بإحباط. ثم تفاجأت ببدء حديثه الذي كان يوجهه للجميع:
"أنا جاي أهنئ العريس والعروسة النهاردة، رغم إن محدش عزمني منهم على فكرة. بس أنا عاذرهم، يعني مثلاً رائد ميعرفنيش، مش كده برضه يا عريس؟"
وجهها للاخير والذي هز برأسه بعدم فهم والتف لأبيه بجواره ليفهم منه. فتابع مارو بقوله:
"دا بالنسبة للعريس، أما ميري بقى..."
توقف ليرى رد فعل كلماته على ملامح وجهها المخطوفة، وقد باغتها بانتقاء الوقت المناسب أمام المأذون. فلم يعطها فرصة التصرف لصرفه بذكائها لو علمت بقدومه قبل ذلك. لكن الآن فهي كالمشلول، لا تستطيع التحرك ولا فعل أي شيء معه وهي محاصرة بالأعين المتربصة لها من الجميع. تدعو بداخلها ألا يتهور بقول شيء يضر بسمعتها.
فقالت في محاولة بائسة وهي ترجوه بنظراتها عله يستجيب وسوف تراضيه بعد ذلك بأي شيء يطلبه:
"ألف شكر ليك يا مارو، ربنا يبارك فيك لأنك قدرت وجاي تبارك رغم إني نسيتك فعلاً. ممكن بقى تدي الميكروفون لعمو الشيخ عشان يكمل."
توقف يرمقها بابتسامة أربكتها، يومئ لها برأسه قائلاً بعجالة:
"تمام يا ميري، حاضر."
قالها وتراجع لخطواته نحو الرجل الشيخ، لتلتقط هي أنفاسها بسماعه الكلام وتراجعه عن فعل ما بباله. وقبل أن تفرح بفعله، وجدته يضع ورقة أمام المأذون قائلاً عبر الميكروفون:
"ممكن يا عمو الشيخ تقرأ الورقة دي قبل ما تبدأ."
دب الخوف بصدرها، تتطلع بتوجس نحو ما يشير إليه، لتجد الرجل الشيخ يهتف عبر المايك الذي قربه منه مارو:
"دي ورقة جواز عرفي باسم العروسة."
ساد الهرج بين الجميع، فانتفض أبوها صارخاً به:
"إنت مين يا حيوان، إنت ومين اللي مسلطك عليا من أعدائي عشان تخرب فرح بنتي؟"
أجابه بهدوء يحسد عليه:
"أنا جوزها يا أنكل، وجيت أنبه العريس. طب نفترض يعني..."
سكت، وسيبتها تتجوز. البيي بقى لو كانت حامل مني، هيتسمى بإسم مين؟"
قالها ليصمت مضطراً على صوت الصرخة التي صدرت من لمياء بالخوف على ميري التي أُغشي عليها من بينهم. لتردد ميرفت وهي تحتضنها:
"ميري حبيبتي، أيه اللي جرالك؟"
أنقذت بهذا الشكل الذي يرضيه، رغم عدم شعورها بالراحة لذلك. فتدخله المبالغ فيه في كل صغيرة وكبيرة تخصها أصبح يرهقها بالفعل. تستغرب كيف يجد دائماً الوقت لذلك رغم حجم المسؤولية الكبيرة والملقاة على عاتقه بعمله مع جاسر الريان. في الطبيعي كانت ستسميه، أو كما يبدو في العادي أنه اهتمام، ولكن في الحقيقة هي تشعر به وكأنه حصار.
"استني دقيقة يا كاميليا."
تفوه بها يوقفها فور خروجهما من المصعد الكهربائي في هذه البناية الحديثة الفاخرة، وقبل أن يصلا لباب الشقة المقصودة. تطلعت إليه بتساؤل، لتجد هذه النظرة الغامضة وهو يلتهم ملامحها قبل أن تهبط عيناه للأسفل على ما ترتديه بتأنٍ بطيء جعل القشعريرة تسري بجسدها. فارتعشت غريزياً، تنبهه بقولها:
"في إيه يا كارم، وإيه لا لزوم النظرات دي؟"
ارتفعت عيناه إليها بابتسامة واسعة يغمرها الزهو، بدون رد. وجذبها فجأة بكفه من خصرها، يسير بها الخطوات المتبقية غير مبالٍ باعتراضها الذي بدا مرسماً على ملامح وجهها بوضوح، حتى توقفا أمام الشقة المقصودة. وفتحت لاستقبالهما إحدى السيدات مرحبة به:
"كارم باشا، أخيراً شفناك يا عم. دي رنيم هتفرح قوي لما تعرف إنك جيت."
"ولسة كمان لما تشوف الهدايا اللي جايبنها هتفرح بزيادة."
قالها رداً على تحيتها، ثم استطرد بالكلمات المنمقة ليعرفها على خطيبته ويتابع بعد ذلك رد فعل المرأة التي هللت تبارك له بمبالغة. شعرت بها كاميليا، فاستجابت لها بابتسامة مغتصبة تهنئ وتتمنى للصغيرة بالعام السعيد، قبل أن يلجأ الاثنان معها لداخل المنزل الذي كان مزدحماً بالعديد من الأفراد، رجالاً ونساءً من العائلة والأصحاب القريبين للفتاة الصغيرة صاحبة الحفل. وكانت المقابلة الأولى مع والد الصغيرة:
"كارم وصل بنفسه النهاردة عندنا يا نجيب، وجايب خطيبته كمان معاه."
قالتها المرأة تنبه زوجها الذي كان مشغولاً بالحديث مع أحد الأفراد، فاستدار إليهما يرحب بعناق رجولي لكارم، قبل أن يتجه لكاميليا ويصافحها، والتي كانت تبادله الترحاب بصدمة تعلو ملامحها. فالرجل الأب كان يبدو في عقده السادس، وزوجته بالكاد تتخطى عقدها الثالث، وهذا الاحتفال بميلاد ابنتهما الصغيرة وقد دخلت بعامها السادس.
بعد الانتهاء والترحيب بمعظم الموجودين بالحفل وتهنئة الصغيرة بتقديم الهدايا لها والتقاط الصور معها ومع والديها وباقي الأطفال.
وفور أن انفردت به قليلاً، سألته هامسة على الفور بفضول:
"كارم، هو قريبك دا صاحب الحفلة عنده كام سنة بالظبط؟"
على حاجبيه بابتسامة أظهرت فهمه لمغزى سؤالها، فقال يجيبها:
"عنده ثلاثة وستين، ومراته اثنين وثلاثين سنة."
تدلى فكها وتوسعت عينيها بذهول بتأكيد ما خمنته بنفسها منذ دقائق، لتردد خلفه:
"اثنين وثلاثين وستين يا نهار أبيض! يعني الفرق ما بينهم يزيد عن الضعف، ودي اتجوزته وهي عندها كام سنة؟"
تابع اندهاشها بابتسامة متسلية ليجيبها:
"اتجوزها يجي من عشر سنين، يعني تقريباً كان عندها اثنين وعشرين سنة. بس السؤال بقى، إنتِ إيه اللي مضايقك مادام صاحبة الشأن نفسها مبسوطة؟ وكان الجواز باختيارها، مش أحسن ما تتجوز موظف كحيان مرتبه ينتهي على أول الشهر في سداد الديون اللي عليه."
قالها ببساطة أظهرت قناعة ما يتفوه به، لتشعر هي باهتزاز الأرض من تحتها، أو يكون الاهتزاز برأسها هي نفسها لا تدري. ولكن ما بدا من وقع كلماته عليها جعله يدرك سريعاً هفوته، ليردف لها مصححاً:
"أنا قصدي إن دي حرية شخصية في تحديد كل إنسان لاختياراته في الحياة، ومدام الست مبسوطة في جوازها يا كاميليا، يبقى دا المهم."
أومأت برأسها بوجه جامد، زامة شفتيها التي عجزت عن الرد. فقال بلطف بعد طبعه قبلة كبيرة على ظهر كفها:
"أنا هروح أجيبلك عصير فريش يروق أعصابك، مش هتأخر عليك."
ذهب من أمامها، وظلت هي تنظر في أثره بشرود عما أردف به من كلمات. كيف غفلت عن هذا الجزء بشخصيته، النظرة الفوقية والتي لا ترى سوى من يشبهها، وما دون ذلك لا يستحق الالتفات. حتى تنهدت بقوة، تمسح بأنامل أصابعها على جبهتها لتخفف من هذا الصداع الذي ألم برأسها. على الفور، قبل أن تنتبه على هذه الأعين التي تحدقها بنظرات غريبة تقارب الكراهية!
"اتفضلي يا قلبي."
انتفضت تستدير إليه، وقد أتى لها بكوب كبير من العصير. فتناولته باضطراب، لترتشف منه على الفور. وعادت بعينيها مرة أخرى للمرأة، لتفاجأ بقول كارم وقد انتبه للجهة التي تنظر إليه:
"إيه دا، ندى؟"
غمغمت بالاسم مندهشة، لتجده يسحبها من خصرها ويقربها من المرأة الجميلة والتي تبدو وكأنها تماثلها في العمر، ليصافحها مرحباً:
"أخبارك إيه يا ندى، عاش من شافك."
استجابت تبادله التحية على مضض، شعرت به كاميليا وردت بكلمات مقصودة:
"الحمد لله يا كارم، أنا كويسة قوي."
تابع انفعالها مبتسماً بعدم اكتراث، يقول:
"يارب دايماً كده. اتعرفتي على كاميليا خطيبتي بقى؟"
ألقت المرأة نظرة خاطفة نحو كاميليا التي تسمرت محلها صامتة، لترد بأغرب تهنئة تسمعها كاميليا:
"ألف مبروك، جميلة وحلوة، أكيد ما جمع إلا ما وفق."
استفزها الرد، كاميليا واستفزتها الابتسامة الباردة منه. فهمت، لترد على الاثنين، ولكن ندى سبقت باعتذارها:
"معلش هسيبكم بقى وأمشي، أصل جوزي حبيبي مستنيني."
قالتها لتذهب على الفور دون انتظار ردهم. والتف رأس كارم بابتسامة عريضة للرجل الذي كان واقفاً بالقرب منهم ونظرات الكره بعينيه لا تقل عن زوجته. لينصرفا الاثنان تاركين الحفل حتى قبل إطفاء الشموع والاحتفال. فانتبهت كاميليا على هذا العرج الواضح في خطواته. التفت لتعود لأجواء الحفل، لتفاجأ بهذه الابتسامة الغريبة على وجه كارم وعينيه التي لم يرفعها عن تتبع الرجل والمرأة حتى الخروج.
عادت أخيراً من سهرتها وهذه الأحداث المفاجئة التي قلبت الطاولة فوق رأسي ميري، التي كانت تتمختر أمامها بزهو عروس امتلكت الدنيا بكف يدها بهذا العريس الذي يكاد مكتملاً بجميع المميزات التي تتمناها كل امرأة. ضحكت بداخلها وهي تتذكر خروجه المؤسف مع أباه وعائلته، وقد تأكد الجميع من صدق مارو، هذا الداهية الصغير الذي علم بخطط ميري فدبر لها فخاً وقعت به بغبائها المعهود، فوقعت على ورقة الزواج العرفي وهي سكرانة لا تدري بشيء، كما أخبرها بتفاخر كرد فعل طبيعي على خداعها له. حتى الآن لا تستطيع التوقف عن الضحك بداخلها، فهذا التشويق والأفعال المباغتة لم تكن تتوقعها على الإطلاق. مشهد ميري وهي مرتمية في حضن خالتها لمياء التي شهدت على فضيحتها كالجميع، ومشهد أباها الوزير السابق.
توقفت عن السير، فهذا الرجل كاد أن يوقعها على الأرض من الضحك بصرخته المجنون وجسده النحيل الصغير وهو يريد الفتك بميري، ابتلاء الله له كما شبهها أمامهم. ومارو الذي لم يقدر على الانتقام منه بعد حضور أبيه تاجر السلاح المشهور ودفاعه عن ولده، ثم طلب الصلح بزواج ميري بابنه طالب الجامعة الصغير.
تقسم بداخلها أن هذه الإثارة التي شعرت بها اليوم ستنعش ذاكرتها بالضحك لسنوات طويلة قادمة.
توقفت فجأة وقد ذهب الهزل ليحل شيء آخر على ملامح وجهها:
"مين اللي عمل فيك كدة يا ماهر؟"
قالتها بارتياع وهي تخطو نحو شقيقها الذي كان جالساً أمام الخادمة العجوز وهي تلف على رأسه بالأربطة الطبية لتضمد جرح رأسه في الأمام. بادل شقيقته بنظرة غاضبة ولم يجب. لتكرر وهي تقترب لتفحصه:
"يا بني رد عليا، مين اللي عمل فيك كدة؟ وراسك بس المتعورة ولا فيك حاجة تانية؟"
توقف لتجول بعينيه على باقي المنزل لتكمل بتساءله:
"هي البت غادة راحت فين؟"
رمقها بنظرة محذرة قبل أن يصرف الخادمة ورعد حارسه الشخصي الذي حقق معه ولم يصل لشيء. فرد بعد خروج الجميع:
"خلي بالك من كلامك قدام الخدم يا ميري، أنا مش عايز تشويه لصورتي، كفاية اللي حصلي."
"وإيه هو اللي حصلك؟"
سألته باهتمام وهي تجلس بجواره على الأريكة وقال يجيبها:
"مش غادة هي اللي أذتني، دا بني آدم زي الوحش، شكله زي لعبة المصارعة. هو اللي خبطتني بالروسية القوية دي بعد ما شل حركتي وأمرني أسيبها."
ضيقت ما بين حاجبيها بشدة لتقول بعدم تصديق:
"مين دا اللي زي الوحش؟ ووصفته إيه بغادة أساساً عشان يجي وياخدها من هنا؟"
زفر بقوة ليلتف إليها قائلاً بضيق:
"يا ستي تغور في داهية هي واللي يعرفها، أنا مالي أنا بالناس البيئة دي، أنا راجل بدور على مزاجي وبس يا ميرفت. إن ماكنش عند غادة يبقى في ألف غيرها."
ربتت على كتفه تقول بتهوين:
"خلاص يا حبيبي، ولا يهمك. لكن ما حفظتش شكل البني آدم ده؟"
رد ينفخ من أنفه أنفاس حارقة كالـدخـان:
"ما هو دا اللي هيشلني بجد بقى، لأنه كان مخبي وشه وتقريباً ما شوفتش غير عينيه. دا غير إني لما حققت مع كل الحراس والعمال في البيت، كلهم أنكروا إنهم حسوا بأي حركة غير طبيعية في البيت ولا حد شافه حتى وهو خارج بيها الـزفت. واكنه حافظ المداخل والمخارج، دخل وخرج من باب الجنينة الخلفي، أنا شوفته بنفسي بتصوير الكاميرات."
تسمرت تتطلع إليه بدهشة تكاد تذهب بعقلها لما يخبرها به من معلومات غريبة لا تستوعب حتى حدوثها. فقطعت لتسأله فجأة:
"طب أنت سجلت للبنت دي زي ما قولتلك؟"
"لأ، هو أنا لحقت يا ميرفت؟ دا أنا مصدقت البنت دماغها علت وكانت هتبقى فل، وقبل ما اطلع بيها لاوضتي طلعلي دا زي العفريت."
في اليوم التالي.
بشروده الدائم كان جالساً على كرسي مكتبه يتأرجح به في حركة ملازمة له دائماً. انفتح باب غرفته لتدلف إليه السكرتيرة الجديدة له، تقدمت لتلقي إليه التحية بابتسامة رائعة بثغرها الوردي:
"صباح الخير يا فندم."
بادلها الابتسام، يرد إليها التحية:
"صباح الفل."
اقتربت منه لتضع أمامه الملفات المطلوب التوقيع عليها. ألقى نظرة سريعة ليرفع رأسه إليها سائلاً:
"كاميليا وصلت؟"
"وأومأت برأسها كإجابة، فتابع بسؤاله الثاني:
"بلغتيها طيب بالاجتماع اللي هيتم مع جاسر الريان؟"
أجابته بابتسامة متوسعة:
"قولتلها يا..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 120 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
فندم، وهي بقى وشها اتقلب معرفش ليه.
رد الآخر يبادلها الابتسام:
يمكن عشان مكنتش تتوقع إن انت اللي تبلغيه.
زمّت شفتيها بشقاوة ترد بهز أكتافها.
فتنهد قائلاً لها:
طب خلاص يا لينا، روحي انت خلصي شغلك بسرعة عشان كلها ساعة وتروحي معانا.
تمام يافندم.
هتفت بها تستدير عنه لتخرج، ولكنها توقفت فجأة على ندائه من خلفها وقبل أن تصل لباب الغرفة:
استني عندك يا بنت انت، تعالي هنا.
التفتت إليه لتجده رافعاً أمامها إحدى الأوراق هاتفا:
إيه دا يا أستاذة، حطالي ديوان شعر في وسط ورق العمل.
غمغمت بالاعتذار تدعي الحرج:
أسفة يا فندم، ماكنتش أقصد، اتلخبطت معايا في الورق. لو مش عايزها ممكن آخدها.
اممم.
زمّ بها ساخراً قبل أن يدنو ليقرأ المدون في الورقة من كلمات العشق الملتهبة، فصاح بضحكاتها عالياً وهو يقرأ:
يا همّي.
أطرقت هي برأسها تخفي ابتسامتها، ثم قالت:
ممكن الورقة يا فندم.
رفع عينيه إليها بنظرة فهمتها جيداً قبل أن يهتف بها حازماً:
امشي يا بت من قدامي حالا.
سمعت لتركض على الفور من أمامه، فغمغم خلفها ضاحكاً وهو يعود لقراءة متأنية لأبيات الشعر القديمة:
يخرب بيت شيطانك يا شيخة.
في المقر الأساسي للشركة، وبداخل غرفة مكتبه، كانت جالسة أمامه منتظرة انتهائه من مراجعة الأوراق التي أمامها، تتابعه دون ملل حتى رفع رأسه إليها مخاطباً:
يا زهرة، هتفضلي مستنياني لمتى بس، روحي يا قلبي وأنا هبلغك بكل القرارات اللي هتتاخد في الإجتماع.
ردت بمرواغة وبإشارة للقسم الذي تولت مسؤليته حديثاً بعد أن عينها به ووضع محلها سكرتير رجل بناءً على رغبته:
لأ برضو يا جاسر، أنا عايزة أشارك بنفسي في أي قرار يخص القسم بتاعي.
أجابها جاسر بتغافل تام عما يدور برأسها من أفكار حول هذه اللهلوبة! وقد أخذت صورة جيدة عنها من وصف كاميليا في الإتصال الذي تم بينهن في الأمس:
والله أنا مش عارف إيه لزوم إصرارك القوي، وإنتي بتفرفري أساساً من أقل مشوار في حملك الغريب ده. أنا شكلي كده هسلط والدي عليك.
قالت بتراجع مع ابتسامة اعتلت وجهه، تذكرها لعامر وما يفعله معها من تدليل ضارباً بعرض الحائط لغضب زوجته الدائم ونظراتها الساخطة نحوهم:
لأ بلاش والنبي، دا ممكن يحكم عليا ويقعدني من الشغل نهائي.
رفع رأسه لها فاغراً فاهه بصدمة قائلاً:
إيه دا، انت بتخافي من بابا وتعملي له حساب أكتر مني يا ست إنتِ؟
أومأت تحرك له رأسها بتأكيد، ليترك ما بيده ناهضاً يرمقها بنظرات تحذيرية:
يعني كمان بتقولي وتأكدي انت قد كلامك دا يا زهرة.
علمت بنيته مسبقاً، فنهضت تحذره هامسة فور أن وصل إليه:
لأ جاسر، بقولك إيه، أوعى بجد، وربنا هزعل لو صوتي طلع.
اقترب برأسه منها يسألها بخبث وقد ارتاحت كفاه على خصرها:
وصوتك بقى يطلع ليه؟ هو أنا هعذبك؟
ضحكت بصوت مكتوم وهي تحاول دفعه عنها ليبتعد، مرددة بحزم مصطنع:
لأ، انت فاهم كويس أنا قصدي على إيه، إحنا مبقيناش لوحدنا، في سكرتير راجل برا الأوضة ودانه تسمع دبة النملة.
كشّر بوجهه يرد على كلماتها:
ودا على أساس بقى إنك كنت مطيعة واحنا لوحدنا ومافيش سكرتير؟
ضحكت ترد بمشاكسة:
ولا عمري هعملها، انت أساساً قليل أدب.
افتر فاهه بصدمة وهم ليرد بالفعل وهو يقربها إليه أكثر، ليجفل على طرق الباب لتناظره هي بشماتة، فرد بنظرة متوعدة قبل أن يتركها ليبتعد مضطراً كي ينتبه للطارق:
ادخل.
دلف الشاب الثلاثيني سكرتيره الحديث يقول بعملية:
الإجتماع على وشك البدء يا فندم، وكل الحضور في انتظارك.
تمام يا سليم، روح انت وأنا جاي وراك.
خرج الرجل وعاد جاسر ليرتدي سترته سريعاً قبل أن يخرج مع زهرة.
وعند غرفة الإجتماعات، وقد سبقها جاسر بالدخول واتخاذ موقعه، توقفت زهرة لترحب بصديقتها والتي كانت واقفة محلها قبل بدء الإجتماع الفعلي على مدخل الغرفة متكتفة الذراعين وكأنها لا تحتمل الجلوس على الطاولة، فسألتها:
هو كارم لسه محضرتش؟
أجابتها كاميليا ناظرة بالساعة الملتفة حول رسغها:
كلها خمس دقايق ويوصل، على ما الإجتماع ما يبدأ.
تابعت بالسؤال زهرة:
طب وإنتي واقفة هنا ليه، مش تروحي تقعدي في مكانك أحسن.
أشارت لها بابتسامة صفراء ترد بسخرية:
لأ، اتفضلي انت يا حبيبتي، اسبقيني، أنا معنديش مرارة.
مرارة إيه؟
رددتها زهرة بعدم فهم، قبل أن تلتف نحو طاولة الإجتماعات الكبيرة، فتوسعت عينيها بازبهلال وهي ترى هذه الصغيرة والتي خمنت هويتها من المواصفات المسبقة، تطوف كال فراشة وتوزع الأوراق وزجاجات المياه مع النادل، وقد سرقت أعين الجميع بنشاطها وجمالها، فخرج صوت زهرة بتساؤل لكاميليا:
يا نهار أسود، دي مين دي؟
جابتها الأخرى بلهجة يملؤها الغيظ:
دي يا قلبي اللي انت اتصلتي تسأليني عليها امبارح مخصوص، دي اللهلوبة!
بعض الأشياء لا تظهر قيمتها إلا بعد أن تفقدها، أو لا تشعر بجمالها إلا من بعد أن ترى القبح في الأشياء الأخرى، حينما تنجلي العين من كل الشوائب التي أمامها، وقتها فقط ترى الصورة كاملة وتشعر بالجمال الحقيقي.
أصوات متواترة وصخب لا تعلم وجهته يطرق أسماعها بخفة مع ثقل شديد برأسها، التي كانت تحركها يميناً ويساراً بصعوبة، حتى انكشف النور أمامها مع فتح عينيها لترى صور رسوم كرتونية بألوان زاهية غريبة عنها وعن لون جدران غرفتها المعروفة، قلبت عينيها قليلاً في طريق استعادته لوعيها، لتتفاجأ بزوجين من الوجوه الصغيرة يحدقان إليها براءة، فقال أحدهما:
دي فتحت عينيها يا عمر.
ورد الآخر:
وبتـبصـلنا كمان وشايفانا، أنا هروح أقول لماما.
تفوه بها الصغير الآخر ثم اختفى من جوارها، ليظل الوجه الآخر بملامح أنثوية صغيرة وجميلة وضفيرتين على جانبي وجهها تتطلع إليها دون كلل أو ملل.
تأوهت من صداع رأسها التي كانت تجاهد لرفعها، لتزداد دهشتها كلما عاد إليها وعيها جيداً عن هوية الأطفال وشكل الرسوم الكرتونية والألوان الوردية التي ملأت الأنحاء حولها، حتى خرج صوتها أخيراً مخاطبة الصغيرة:
إنتِ مين؟
هتفت الطفلة مشيرة بحماس صدر مع صوتها:
أنا روان.
روان مين؟
رددت خلفها الاسم بعدم استيعاب بملامح متجعدة وهي تحاول النهوض مع آلام رأسها المتزايدة بقوة، تعصر عقلها إن كانت بحلم أو بشيء آخر آخر لا تتذكره.
صباح الفل، إنتِ صحيتي يا قمر.
صدر الصوت من مدخل الغرفة لهذه المرأة الثلاثينية ذات الملامح هادئة ونظارة طبية تغطي عينيها، ترتدي بجامة بيتية مريحة على قدها الرشيق، لفتت نظر غادة التي تأملتها من الأعلى للأسفل حتى سألتها باستغراب وقد تمكنت من الاعتدال بجذعها على الفراش بالاستناد على ذراعيها:
إنتِ مين وأنا إيه اللي جابني هنا؟ هو في إيه بالظبط؟
ابتسمت لها المرأة بحرج قبل أن تتناول صغيرتها لترفعها من جوارها وتصرفها بأمر:
اطلعي انتِ يا روان وانديهي خالك من الأوضة التانية.
عبس وجه الطفلة وهمت بالاعتراض، فحدقتها والدتها بنظرة محذرة متابعة بقولها:
اسمعي الكلام، ولو لقيتيه نايم صحيه، وبعدها تروحي تلعبي مع أخوكي في أوضته ومتعتبيش هنا غير لما أنده لك، اخلصي يلا.
دبت الطفلة بقدميها على الأرض، زامة شفتيها بغضب طفولي محبب، قبل أن تستدير مذعنة لأمر الوالدة.
عقب انصرافها هتفت غادة على المرأة التي جلست بجوارها مكان الطفلة:
انتوا مين وأنا إيه اللي جابني عندكم هنا؟ هو في إيه بالظبط؟
عادت لوجه المرأة ابتسامتها التي زادها الاضطراب هذه المرة قبل أن ترد:
طب قبل كل شيء، أنا حابة أعرفك على نفسي الأول، أنا الدكتورة سما، استشاري أمراض الباطنة، وجوزي يبقى هشام منصور، مهندس إنشاءات في الخليج، والأطفال اللي شوفتيهم من شوية دول يبقوا أولادي عمر وروان، اللي خرجتها أنا حالا من أوضتها وانتِ نايمة دلوقتي على سريرها.
إيه!
هتفت بها لتعتدل مستقيمة وقد هبت بها القوة متناسية آلام رأسها:
انتي بتقولي إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة، جاوبيني على طول ومن غير لف ولا دوران، أنا إيه اللي جابني هنا؟
أنا.
قالها خشنة بصوته الغليظ، ليجفلها منتفضة، شهقت بارتياع ازداد مع رؤيتها لملامح وجهه المتجهمة وهو يتقدم بخطواته لداخل الغرفة باتجاهها، فصاحت صارخة:
انت اللي جبتني هنا يا نهارك أسود! هو انت عملت فيا إيه بالظبط؟ دا أنا هاوديك في داهية.
تدخلت المرأة تخاطبه:
هاوديه في داهية ليه بس يا بنتي، بعد الشر دا هو اللي أنقذك ونجاكي.
التفت إليها غادة برأسها بنظرة خاطفة، قبل أن ترتد على الفور إثر صيحتها:
اخرجي برا دلوقتي يا خلود، وسيبنا لوحدنا.
تخرج فينهتفت بها غادة تتشبث بالمرأة التي نهضت على الفور، فتابع إمام مشدداً:
قلت اخرجي برا يا خلود، واسمعي الكلام.
همت غادة بالرد باعتراض آخر، ابتعلته على الفور مع هذه النظرة المخيفة التي حدجها بها، فقالت خلود فور تحركها نحو باب الغرفة:
طب أنا هروح كمان أحضر لكم الفطار.
تابع خروج شقيقته، ثم التف برأسه نحو غادة التي تراجعت تتكوم على نفسها حتى آخر التخت، تنظر إليه والرعب ينضح من عينيها، زفر من أنفه طويلاً ليصك على فكه بقوة تكاد أن تهشمه، وبداخله المشاعر متناحرة ما بين إشفاقه عليها وهذه الهيئة المرتعبة لها الآن كالطفلة صغيرة خائفة من عقاب والدها بعد فعلها للخطأ، تثير بداخله رغبة الحماية والصفح عنها حتى تتعقل وتعرف الصواب وتفعله، ثم هذه الرغبة الأخرى والتي تحثه على عقابها بتكسير رأسها اليابس ثم إعادة برمجته من جديد، ولكن هذا بأي صفة، على خاطره الأخير استفاق يزفر أنفه أنفاس حارقة قبل أن يصل إليها ليجلس على التخت المقابل مبادراً بالحديث:
طبعاً انت مخك هيشت منك ونفسك تعرفي إيه اللي جابك هنا، بس يا حلوة بقى قبل ما أجاوبك عايزك كده تعصري دماغك وتقوليلي آخر مرة تفتكريها كنت فين بالظبط، يعني في بيتكم ولا في الشغل ولا في خروجة مع صاحباتك.
رغم احتقانها من مراوغته لها في الرد على السؤال وهذا القلق الذي يكاد أن يصيب رأسها بالشلل الفكري لعدم الفهم، ولكنها حاولت التماسك والتركيز علها تعرف من نفسها ولا تحتاج لتفسيره، صمتت تستعيد التذكر لتأتي صورة مرفت فوراً أمامها وانضمامها معها بالسيارة ثم الذهاب للمنزلهم ولقاء ماهر ومشاجرتها معه ثم...
رفعت رأسها إليه بعد تفكير عميق وقالت بتردد:
أنا كنت عند واحدة صاحبتي ومش فاكرة حاجة تاني.
الحمقاء تجيبه باقتضاب وبعبارة مبهمة وكأنه لا يعرف:
اقترب برأسه منها يقول كازاً على أسنانه بغيظ:
يعني مش فاكرة اسم صاحبتك الست ميرفت كمان، ولا فاكرة قعدتك مع أخوها الأصفر والعصير اللي شربتيه قبل ما تروحي عن الدنيا وتعملي دماغ، ولا في حاجة تاني وتاهت عني؟
توسعت عينيها بدهشة لمعرفته بكل هذه الأمور، ولكن مهلاً، لقد ذكر لها عن العصير، ارتجفت بداخلها تعاود التفكير بتركيز لترى ثمة صورة واحدة تذكرها بما حدث بعد ارتشافها هذا العصير، ولكن بلا فائدة، فهمست سائلة وكأنها تحدث نفسها:
هو انت ليه بتقول كده؟ هو العصير كان فيه حاجة؟
اشتد احتداد نظراته إليها، يطحن على أسنانه بداخل فمه حتى ارتفعت سبابته أمام وجهها بتهديد أثار فزعها لترتد للخلف قبل أن يجيبها:
قسماً بالله يا غادة، لولا بس إني فاهمك كويس وعارف إن مشكلتك بس في دماغك اللي عايزة تتنضف من الوَسَخ اللي عليها، أو لو كان عندي شك ولو واحد في المية بس في أخلاقك، ما كنت أبداً هخاطر بنفسي ولا أجيبك من هناك.
تجيبني من هناك!
تفوهت بها بتشتت وعدم فهم، ليقوم بإخراج هاتفه ووضعه أمامها معقباً:
عايزك تفتحي الفيديو ده وتتفرجي على نفسك كويس بقى عشان تشوفي الهانم اللي دخلتك بيتها كانت عايزة منك إيه، هي وأخوها، وياريت كمان تسألي نفسك هي الست دي غرضها إيه كل في عمايلها معاك.
بصق كلماته ونهض على الفور ذاهباً من أمامها، فتناولت هي الهاتف بيد مرتعشة لترى ما يتحدث عنه.
كم مر على الإجتماع لا تدري، وما هي الموضوعات التي يتم مناقشتها في هذه الدائرة المغلقة وعلى الطاولة المستديرة وهذا الجمع الكبير من الأفراد رجالاً ونساءً بهيئاتهم الأنيقة، وثرثرة لا تنتهي من المباحثات التي لم تفقه منها شيئاً، وكيف تفعل وقد ذهب التركيز بغير رجعة، وهذه الفتاة بحركتها المستمرة في الذهاب والإياب حولها وفي جميع الأنحاء وكأنها احتلت الغرفة وشغلتها بالكامل بنشاطها الدؤوب بشكل مستفز وجمال صورتها المبهر الذي يخطف الأبصار نحوها كساحرة لجذب العيون، لقد شتتها بالكامل ما بين النظر إليها والانتقال إلى زوجها حتى ترى إن كانت تشغله كما شغلتها هي أيضاً أم لا، وهي تراقبه بتحفز إن فعلها، ثم تعود إلى الإجتماع فتقع عينيها على طارق لترى هذه الهمة في الإدلاء برأيه والجدية التامة، فينتابها الفضول كيف فعلها واستطاع تخطي أزمته وهذه الهيئة المزرية التي رأته عليها منذ شهر بعد لوعته وعقد قران كاميليا، ليعود بهذه الصبية لترفع من ضغط دمها في الحمل وهي لا ينقصها، أم هو يقصد كاميليا؟ ذهبت عينيها نحو المذكورة لتجدها تجاهد للاندماج في الإجتماع بتجهم لم تعهده عليها من قبل يعلو ملامح وجهها، أأتراك تحترقين بالغيرة أنتِ أيضاً يا كاميليا؟ وعلى من؟ على طارق وقد دهست على قلبك وقلبه معاً حينما قبلت برجل غيره ولم يعد لديك حق الآن حتى بالتفكير؟ أم هي الغيرة على الزوج المستقبلي كارم؟ لأول مرة منذ استلامها الوظيفة بهذه الشركة تجد نفسها تنظر إليه جيداً، أنيق بشكل مبالغ فيه، يعمل كالآلة بلا تفكير أو توقف أو حتى يصيبه التعب أو الإرهاق كالبشر العاديين، ولكن مهلاً... ما هذه النظرة التي خطفها نحو الفتاة منذ قليل حينما دنت لتتناول أحد الملفات من أمام إحدى مديري الأقسام؟ إنه يبدو كخبير بأربع أعين قد التقط هفوة الفتاة كالبرق، مع أنه لا يفتر عن عمله ولا يغفل لثانية عن كاميليا التي بدأت تشفق عليها بالفعل بعد رفضها العديدة من الرجال لتوافق عليه متوسمة الخير بأخلاقه، وعلى الرغم من خبرتها القليلة في عالم الرجال انتابها إحساس قوي أن طارق وبكل ما يشاع عنه وعن مغامراته مع النساء لا يأتي نقطة في بحر هذا الرجل!
قلت لك من الأول بلاش تتعبي نفسك وروحي أحسن.
همس بها جاسر يجفلها عن شرودها لتلتف إليه سائلة بعدم تركيز:
تقصد إيه يا جاسر؟ مش...