تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
فيها بحجة أنها بنت الغالية حبيبة قلبك اللي ماتت في عز شبابها واتحرمتي منها.
أقنعتيني أنها يتيمة ومحتاجة اللي يطبطب عليها عشان تتعدل، وهي ضلع معوج بكتر الدلع وحب النفس والانانية.
أنا معدتش جاسر بتاع زمان ياست الكل، ولا انت نسيتي؟
يابني ياحبيبي.... معلش والنبي الله يخليك يا أمي اقفلي دلوقتي وبكرة الصبح هاتصل أنا وأطمن عليكم.
ياجاسر...
كان قد وصل إلى غرفته وهو ينهي المكالمة بعد مقاطعة والدته.
رمى الهاتف وسلسلة المفاتيح على المقعد الوحيد الذي وجده أمامه قبل أن يسقط بظهره على التخت يتنفس بثقل، وكل عضلة بجسده تئن من التعب.
بالإضافة لتزاحم الأفكار السيئة بعقله بعد أن عادت إليه مشاهد الحادث القديمة ومراحل العذاب في العلاج الشاق بعد ذلك حتى يستطيع الوقوف على أقدامه مرة أخرى، وقد ظن عدم النجاة وانهيار عالمه.
أغمض عينيه يستعيد وجهها الجميل بمخيلته، ويتذكر مشاكسته لها منذ قليل وردودها العفوية التي تسعده دائما.
تنهد من العمق وهو يفتح أجفانه على رؤية الغرفة الكبيرة الخالية من الحياة لأول مرة منذ فترة طويلة.
يكره شعور الوحدة فيها بعد أن كيّف نفسه عليها، بل وكان يجد الراحة بها، لكن كان هذا قبل أن يراها!
بعد أسبوع.
دلف إلى الشركة التي جعلها المقر الرئيسي لقيادة المجموعة، يقضي معظم يومه بها يدير كل شيء من داخلها، عكس ما كان ينتوي سابقًا قبل أن يراها وتتغير معه كل خططه.
خطواته السريعة توقفت فورًا أن دلف للغرفة الواسعة حينما رأى ابتسامتها التي تسلب لب قلبه وهي تتحدث في الهاتف غافلة عنه.
بطء بخطواته حتى أصبح قريبًا منها ويستمع إلى محادثتها:
"حبيبي والله زي ما بقولك كدة، رقية حكمت عليها تبات معانا ليلتين وصاحبتك ماصدقت دي روحت بالعافية. النعمة بعد ما والدها اتصل وبهدل الدنيا معاها، واقعة أوي بصراحة يعني."
صمتت قليلاً تستمع لرده عبر الأثير.
فانطلقت ضحكة بصوتها كادت أن توقف قلبه.
من خلفها ورأسها تميل للخلف حتى اصطدمت عيناها به.
فانتفضت تنهض مجفلة أمامه حتى أغلقت المكالمة دون أن تدري.
"جاسر بيه، آسفة والله مكنتش واخدة بالي."
رغم الإحباط الذي انتابه بتوقف ضحكاتها، لكنه تمكن من رسم الجمود كالعادة في حديثهم.
"ماتخلي بالك يا آنسة من ضحكتك وأنت في مكان شغلك."
أومأت برأسها وردت وهي مطرقة رأسها:
"عندك حق، مش هاتكرر تاني يا فندم."
صمت قليلاً وانتظرته هي أن ينصرف، ولكنه فاجأها بسؤاله الفضولي:
"كنت بتكلمي مين؟"
رفعت عيناها إليه باندهاش وردد هو:
"بسألك مين ده اللي كنت بتناديه يا حبيبي؟"
عضت على وجنتها من الداخل تكبح غضبها فقالت متصنعة الابتسام:
"ده يبقى خالي يا جاسر بيه، أنا كل كلامي كدة معاه."
"خالك خالد."
أردف بها قبل أن يتحرك قليلاً ثم استدار قائلاً:
"أنا بسألك بس عشان مصلحتك، مهما كانت معزة خالك عندك، الكلمة دي ما يصحش تتقال عشان بس ما حدش يسمعك ويفهمك غلط بعد كده."
أومأت برأسها بعدم اقتناع أملاً في ذهابه الذي حدث بعد ذلك.
ولكنها أوقفاته قبل أن يدلف لغرفته هاتفة:
"على فكرة يا جاسر باشا، أنا خلصت كل الملفات المتكومة، يعني النهاردة بقى يحق لي آخد فرصتي زي بقية الموظفين في البريك بتاعي."
التفت برأسه لها بنظرة حانقة قبل أن يدلف لمكتبه صافقًا الباب بقوة أمامها.
بداخل دكانه الذي كان يعمل به بجهد وقد توفرت معه المواد الخام كي ينهي الأعمال القديمة والتي توقفت منذ زمن.
بيده إحدى الوسادات التي يعمل عليها بتركيز وبجواره من الناحية الأخرى العامل الصغير المدعو عامري.
يعمل هو الآخر بقطعة أخرى.
ارتفعت رأسا الاثنان فجأة على صيحة جهورية أجفلتهم.
"صباح الخير عليك يا عم يا محروس."
"فهمي! هو أنت خرجت إمتى من السجن؟"
تمتم بها محروس بعد أن انتفض وسقطت الوسادة منه على الأرض وهو يرى الظل الطويل أمامه بمدخل الدكان يخطو ببطء وخطوات متمهلة بوجهه الإجرامي وملابسه المتسخة بفعل السجن.
قال مخاطبًا الفتى:
"قوم ياعسل روح هاتلي حاجة ساقعة من البقال اللي في الشارع اللي ورانا."
تسمر عامري بجلسته بعد تركه ما كان يعمل به أيضًا، فانتقلت عيناه باستفسار إلى معلمه.
هدر عليه فهمي:
"فيه إيه يا جدع، ماتقول للواد يتحرك يجيبلي حلاوة خروجي من السجن؟ ولا أنت مش فرحان بخروجي من السجن يا محروس؟"
استدرك نفسه محروس يستوعب الصدمة، فهتف على صبيه:
"روح يا عامري نفذ اللي قالك عليه عمك فهمي، قوم يابني اتحرك بسرعة، حمد الله عالسلامة، كفارة يا فهمي."
أومأ له الفتى وهو ينهض على مضض كي يخرج ويتركهم.
بعد مغادرته تناول فهمي أحد المقاعد ليجلس عليها بالعكس ليصبح مقابل محروس الذي كان يبتلع ريقه بصعوبة من الخوف.
"عامل إيه يا محروس من غيري؟ بتعرف تصرف نفسك من الكيف؟"
سأله بنبرة غريبة.
أجابه محروس على تخوف:
"لا، ماهو الواد شمة اللي كان شغال معاك مقصرش معايا بصراحة، كان بيديني اللي بطلبه منه، وكله بحسابه."
ردد فهمي بتمهل وهو يتناول سيجارة من جيبه ليشعلها:
"آه صح عندك حق، كله بحسابه. بس ياترى بقى دفعت أنت حسابه؟"
رد محروس بعدم فهمه:
"طبعًا، وحتى أسأله أنا، مافيش مرة سحبت منه حاجة إلا وتمنها في إيده الأول."
"والتمن بقى جايبه منين يا غالي؟"
صاح فهمي فجأة وهو يبغت محروس بجذبه من قميصه، جعل الخوف يزحف بأوردته.
"الله الله يا فهمي، إيه اللي حصل يا جدع وأنت بتعمل معايا كدة ليه؟"
هدر فهمي وهو يجز على أسنانه بعد أن أوقع السيجارة من فمه وأصبحت أنفه تنفث دخانًا يلفح بشعر محروس:
"بعمل كدة عشان أنت جبان خيخة. اعتبرتك راجل لما اديتك الفلوس مهر البت عشان تجوزهالي، وفي الآخر خدت أنا على قفايا خطيبة المحروس. اتفقت مع أخوها الظابط وعملوا عليا رباطية عشان يدخلوني السجن وما أخرجش منه تاني. لكن لا يا حبيبي، العيال هي اللي شالت الليلة عشان أنا صفحتي بيضا والبوليس فتشني وملقاش في هدومي حاجة."
"طب ماهو دا كويس يا فهمي، مدام ربنا نصرك عليهم وخدت براءة."
قال محروس بتلجلج من الخوف.
جز الآخر على أسنانه أكثر في قوله:
"لا مش كويس يا عينيا، عشان الـ... أخو المحروسة حطني في دماغه وحلف إنه هايسود عيشتي لو قربت من الكونتيسا بنتك، يعني لبست غضب الحكومة بسببك."
دافع محروس يومئ بكفه نحو صدره:
"أنا يافهمي! وأنا ذنبي إيه بس في الليلة دي؟"
شدد فهمي من قبضته على تلابيب قميص محروس يهزه بعنف هادرًا:
"ماهو أنت لو راجل وبتعرف تحكم أهل بيتك ما كانش أي حاجة من دي حصلت. اسمع أما أقولك ياض، قدامك فرصة أسبوع بالكتير ياتردلي الفلوس اللي أخدتها على داير مليم والكيف اللي كنت بتبلعه على حسابي، ياتجوزني البت وبرضاها، تمنع الرباطية دول عني. فاهم يا خيخة؟"
صمت محروس بصدمة فدفعه فهمي للخلف بقوة حتى اصطدم ظهره بالحائط.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
المه بشدة ومن غير سلام.
اردف بكلماته الاخيرة وهو ينهض بعنف عن كرسيه الذي ارتمي على الأرض تاركا محروس يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يشتكي من الام ظهره مصعوقا مما حدث وما ينتظره من أيام سوداء بعد تهديد فهمي الصريح له.
في الموقع الجديد لها وهي جالسة على مكتبها تعمل بكل طاقة ونشاط سمعت طرق مهذب على باب غرفتها. رفعت عيناها فتفاجأت بمن يطل برأسه إليها مستئذنا بدماثة ولطف.
صباح الخير. ممكن ادخل؟
كارم!
أهلاً بيك اتفضل طبعاً ودا برضو كلام.
قالت وهي تنهض عن مقعدها لترحب. تقدم هو ليصافحها قبل أن تشير إليه ليجلس أمامها.
المكتب نور.
قالت بابتسامة ودودة. بادلها ابتسامتها مردداً
المكتب منور بصحابه ياستي بس إيه الجمال ده دا انت طورتيه وحطيتي فيه من روحك.
ازداد اتساع ابتسامتها وهي ترد
الله يخليك يارب اشكرك على ذوقك.
أومأ لها برأسه قائلاً بإعجاب
حقيقي تستاهلي الترقية يا كاميليا أنا بباركلك من قلبي فعلاً.
الله يبارك فيك بس انت كنت مختفي يعني طول الفترة اللي فاتت دا حتى اجتماع المجموعة محضرتهوش.
ابتسم بداخلها على ملاحظتها لغيابه وأجاب
لأ ما أنا كنت برا البلد بظبط الدنيا للباشا الكبير وحرمه ولما اطمنت على كل حاجة رجعت.
واو دا انت بتسد مع جاسر باشا بقى برا وجوا كمان صدق اللي قال عليك إيده اليمين.
تبسم بانتشاء وقد أطربه تعبيرها وقال
الحمد لله أنا ببذل المجهود في الشغل من قلبي وحمد لله ربنا بيوفقني والاقي التقدير متهيألي انك شبهي.
أومأت بسبابتها نحوها تردد
أنا شبهك انت معقول مين شبه مين.
فتحت فجأة من هذا الذي دلف إليهم دون استئذان. نهض كارم يرحب به مصافحاً
طارق بيه أهلاً بيك.
بادله المصافحة بأطراف أصابعه مردداً
أهلاً بيك ياسيدي انت جيت من إمتى.
أجاب كارم وهو يعاود الجلوس
أنا وصلت من السفر امبارح عديت على مكتبك قالولي انك تحت مع العمال قولت أجى أبارك للزميلة كاميليا على المنصب الجديد بس الحمد لله إني شفتك عشان يدوبك بقى أمشي.
أومأ له برأسه ليخرج مشمئزاً من أدبه الزيادة كما يصنفه دائماً ولكنه تفاجأ بردها هي من خلفه
طب استنى أشرب شاي حتى هو إنت لحقت تقعد.
ربنا يحفظك يارب ملحوقة إن شاء الله الجيات كتير سلام يا طارق باشا.
اردف بكلماته قبل أن يغادر. فنهض طارق خلفه يغمغم بحنق وصوت خفيض
يقولها شبهي والجيات كتير وهي تعزم عليه بالشاي اللي ما عملتهاش في مرة حتى معايا.
إنت بتقول حاجة يا طارق بيه.
لأ ياستي ما فيش عن إذنك.
رد على سؤالها وهو يخرج بأناقة رغم غضبه.
في وقت لاحق من اليوم.
حينما أتى وقت استراحة الموظفين خرجت سريعاً وكأنها طفلة وهذا موعد خروجها فـ أخيراً سمح لها هذا المتجبر لتأخذ فرصتها كالاخرين. كانت تهرول بخطواتها وكأنها تخشى منه إيقافها. لا تعلم أنها مراقبة من شاشته كالعادة. دوى هاتفها باتصال دولي فـ بطئت من خطواتها لتجيبه
الوو...... أيوه يا خالي بتتصل ليه تاني.
هو أنا لحقت أتكلم معاكي أصلاً يابت ال..... نسيتي إنك ناهيتي وقفلتي في وشي من غير استئذان.
خبأت بكفها ضحكتها قبل أن ترد على سبته
ما فيش فايدة فيك مهما وصلت ولا اتعلمت ولا حتى سافرت برضو واخده طبع رقية في الشتيمة.
أيوه ياختي أنا واخده طبع أمي في الشتيمة خليكي انت المؤدبة فينا.
اردف خالد قبل أن يضحكها مرة أخرى ثم أكمل
المهم بقى عشان أنا مش فاضي دلوقتي بكرة إن شاء الله هايوصلك عالبنك بالمصري كدة يجي خمسة وخمسين ألف جنيه.
خمسة وخمسين!
أيوه يابنتي هاتدفعي منهم لسمسار الغبرة قسط خمس شهور الشقة على الشهور اللي فاتت والخمسة مصاريف ليك انت وستك.
رددت زهرة على تخوف من المسؤولية
ربنا يسهل ياخالي إن شاء الله.
شدد خالد بكلماته
خلي بالك من نفسك يازهرة وحرسي من الحرامية ياعين خالك أنا سالف نصهم يعني قدامي كام شهر تاني على ما أقدر أبعت غيرهم.
تمام ياخالي ربنا هو المعين.
ونعم بالله.
بعد انتهائها من المكالمة مع خالها نزلت بالمصعد سريعاً إلى كافتريا الشركة وهي تطلب غادة كي تصاحبها إلى هناك. وقبل أن تصل إلى هناك كادت أن تصطدم به خارجاً من إحدى الغرف. رفع كفيه يتراجع ضاحكاً بقهقهة حتى أخجلها فابتسمت له بخجل. ردد بغير تصديق
أقسم بالله أنا لو حلفتلك إني كنت بفكر فيك أكيد مش هتصدقي صح.
تسائلت بابتسامة مستترة تدعي الجدية
ليه يعني.
عشان غيبتي كتير قوي المرة دي وأنا كل يوم أدخل الكافتيريا مخصوص عشان أشوفك وإنت مبتجيش.
قال مباشرة بدون مواربة أجفلها حتى انعقد لسانها عن الرد واخفضت عيناها كالعادة. هم ليتابع هو ولكن ظهور غادة أوقف كل شيء.
واقفين مكانكم ليه ماتكملوا طريقكم عالكافتيريا.
قالت غادة وهي تقترب منهم. رد عماد
لأ وحاجة أنا بس كنت بحكي لزهرة عن فرح أختي اللي تم امبارح.
إيه دا انت أختك اتجوزت صح امبارح.
سألته غادة وارتفعت أنظار زهرة إليه لتتبين صدقه. أجاب هو بكل ثقة
حمد لله ربنا تم على خير وسترناها عشان أفضي بقى لنفسي وأدور أنا كمان على صاحبة النصيب.
قال وعيناه على زهرة التي وصلها تلميحه فتابع يخاطبهم
تعالوا معايا جوا أجيب لكم حاجة تشربوها وبالمرة أفرجكم عالصور.
وافقت غادة بحماس حتى سحبت معها زهرة المترددة ليجلسن الثلاثة على طاولة وحدها يريهم صور شقيقته والعائلة وأجواء الفرح وهن يعلقن على ما يرونه بتركيز غافلين عن أعين تراقبهم من خلف الشاشة بغيظ حتى فاض به وخرج من الغرفة نهائياً.
حينما قارب انتهاء فترة استراحتها ذهبت زهرة إلى موقعها على الفور حتى لا تترك له فرصة لمعاقبته بتأخرها ولكنها اصطدمت به فور عودتها جالساً على طرف مكتبها واضعاً كفيه داخل جيبي بنطاله ينظر أمامه في الفراغ. ظنته شارداً فتمتمت بداخلها بقلق
استر يارب ودا إيه اللي مقعده هنا دا البريك حتى مخلصش.
التفت إليها فجأة وكأنه شعر بحضورها فاعتدل بحسرة مخاطباً إياها بأمر
البسي شنطتك عشان انت خارجة معايا دلوقتي حالا عندنا ميعاد مع عميل مهم.
رددت بعدم استيعاب
أخرج فين حضرتك ثم إن جدول مواعيدك النهاردة ما فيهوش مواعيد مع عملاء أساساً.
أردف لها بحزم
دا ميعاد ظهر فجأة فـ بلاش تجادلي معايا واخلصي يالا أنا مستنيكي في العربية تحت. تحرك ليذهب ولكنها أوقفته هاتفة
بس يافندم أنا مابخرجش معاك في المواعيد اللي زي دي كارم هو اللي بيقوم بالمهمة.
التفت برأسه إليها ناظراً من طرف عيناه يجيبها بغموض
لأ ماهو الوضع اتغير زي ما في حاجات كتير هاتتغير بعد كده!
بعد قليل.
بداخل المطعم الفاخر والجديد عليها بديكوراته الغريبة وألوانه الهادئة إضاءته الخافتة وموسيقى بالكاد تسمع. وزعت الطاولات فيه بشكل
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بدء القلق يسري بداخلها وهي ترى نفسها وكأنها من كوكب آخر بينهم، بالإضافة إلى نظراته المسلطة عليها مباشرة، والتي تشعرها بعدم الارتياح.
تتلمل في جلستها، تتهرب بعينيها بالنظر حولها في أرجاء المكان، حيث تذهب كل دقيقة نحو المدخل مع دخول كل فرد من الرجال، وكأنها ستعلم بهوية العميل الذي لا تعرفه.
"إيه مالك، متباعدة ليه؟" سألها بصوته الأجش.
قالت هي بارتباك وهي تنظر حولها بطرف عينيها: "ولا حاجة يافندم، بس حاسة نفسي غريبة بلبسي عن الناس اللي هنا."
"أنتِ مش غريبة يازهرة، بالعكس، أنتِ أحلى منهم كلهم."
"نعم!" أردفت بها وهي ترفع عينيها إليه، ولا تدري إن كانت سمعت جيدًا أم لا.
ليجفلها بقوله الآخر: "تعرفي تفرقي بين الرغبة والحب الحقيقي يازهرة؟"
سهمت وهي تنظر إليه وقد ارتسم على ملامحها عدم الفهم مع بوادر الغضب، فتابع: "أنا مش بسألك بنية وحشة، بالعكس، أنا عايزك تفهمي اللي عايز أقوله."
"وإيه هو اللي أنت عايز تقوله؟" قالت بحدة لم تؤثر فيه.
أردف بسؤال: "قوليلي يازهرة، أنتِ اتخطبتي قبل كده؟"
"لا." نفت بقوة.
فابتسم بزاوية فمه بارتياح وأومأ لها: "اشربي اللي قدامك يازهرة، أنا طلبتك قهوة باللبن زي ما بتحبي، بس هي مختلفة شوية عشان هنا بيعملوها بشكل يجنن. أنا قاصد أجيبك هنا أساسًا عشان كده."
نظرت إلى الفنجان الذي يقصده، فتفاجأت بحجم الرغوة التي تشكلت أمامها وكأنها قلوب. رفعت رأسها ناظرة إليه بقوة تسأله: "هو أنت عايز توصل لإيه بالظبط؟"
"ساعدتك أوصلك إيه؟"
"خړجت منها بخوف حقيقي."
وأكمل: "أنا عايز أتجوزك يازهرة."
"أنا عايز أتجوزك يازهرة."
فور سماعها الجملة، ارتد ظهرها للخلف بصدمة، تحدق به مبهوتة، مجفلة نحو الرجل الجالس أمامها بهيبته المعتادة، صامتًا يراقب بتفحص وقع الجملة عليها.
أردف لها: "عارف إنك مصدومة، بس أنا راجل دغري وماليش في اللف والدوران، أنا عايز أتزوجك بجد."
رددت بشفتيها هامسة بعدم استيعاب: "إزاي يعني؟"
أجابها مرددًا ببساطة: "زي أي اتنين بيتجوزوا يازهرة، ما تعرفيش الناس بتتجوز إزاي؟"
رفعت عينيها إليه بنظرة غاضبة، قابلها بابتسامة متلاعبة أثارت بداخلها الغيظ.
أردف ملطفًا: "بلاش تفهميني غلط، أنا لو مش بحترمك ما كنتش دخلتلك من سكة الحلال، كنت جربت معاكي أساليب تانية، ما أنا برضو جاسر الـريان."
تذكيرها بهويته أعادتها لنفس النقطة لعدم التصديق. أسبلت عينيها عنه وبداخلها تنتظر تفسيرًا.
تابع هو: "أظن إن يعني في الفترة البسيطة اللي أنت قضيتيها في الشغل معايا، خدت فكرة عني، تعرفك بأخلاقي."
رددت بعدم تركيز: "بس أنت متجوز."
"اعتبريني مش متجوز، وده حقيقي على فكرة، كل اللي بيني وبين ميري مسألة وقت مش أكتر. ثم إنتِ هاتفرق معاكي في إيه؟"
قطبت ناظرة إليه بعدم فهم. أكمل هو: "وافقي يازهرة، وأنا موافق على كل اللي تطلبيه."
"كل اللي أطلبه!" رددت خلفه الجملة وهي تعيد تكرارها داخل رأسها بتشتت.
ثم ما لبثت أن تسأله بفطنتها: "عامر بيه عارف بالكلام ده؟ حضرتَك؟"
"لأ مش عارف، وأنا مش هاعرفه دلوقتي، وهو بيتعالج بعيد عني، ولا والدتي هاتعرف كمان عشان بنت اختها."
أومأت برأسها وقد صدق تخمينها. تردد: "يعني حضرتك عايز تتجوزني في السربس ده، وضع مؤقت يازهرة على ما تستقر أموري."
التوى فمها المطبق بابتسامة غريبة لم يفهمها، قبل أن تتناول مشربها ترتشف منه صامتة عن الرد إليه بإجابة مفيدة تريحه.
***
خرجت غادة من الباب الرئيسي للشركة وهي تغمغم بالكلمات الحانقة بعد أن علمت من ساعي المكتب بمغادرة زهرة للشركة تقريبًا منذ ساعة.
"ماشي يازهرة، بقيتي تخرجي وتمشي على كيفك دلوقتي بعد ما كنتِ بـتـخـافـي ماتعدي الشارع من غيري؟ طبعًا ما هي الترقية قـوّت قلبك، ماشي."
"إنتِ بتكلمي نفسك يا آنسة؟"
شهقت مرتدة بأقدامها للخلف حينما فاجأها هذا الثقيل بظهوره أمامها من العدم.
"يخربيتك! هو أنت متسلط عليا يا جدع انت؟ ناقصاك أنا ولا ناقصة خفة دمك دي دلوقتي." تفوهت بها إليه ساخطة.
فكان رده ضحكة سمجة وهو يردف: "هههه، عجبتني خفة دمك دي، أصلها حقيقة على فكرة."
جزت على أسنانها تود لو امتلكت المقدرة لضربه، فقالت وهي تتحرك لتتخطاه: "طيب ياخويا، أسيبك أنا بخفة دمك دي واستظرافك، مش فاضيالك."
غمغم من خلفها: "الحق عليا اللي استنيت لميعاد انصرافك عشان أونسك بدل ما تمشي لوحدك بعد صاحبتك ما خرجت مع جاسر بيه وسابتك."
ابتسم بعرض وجهه وهو يرى تأثير كلماته الخبيثة حينما استدارت إليه بأعين تقدح شررًا تسأله: "إنت تقصد إن صاحبتي أنا اللي هي زهرة... خرجت مع جاسر الـريـان؟"
أجابها رافعًا حاجبه بتسلية: "آه، امال إيه؟ دي حتى ركبت معاه في عربيته كمان، وجاسر بيه، الله يستره، استغنى عني في مشواره معاهم النهارده، باينه كده عايز يريحني شوية."
أصبح جسدها يهتز من فرط انفعالها وهي تسأله مرددة: "يعني كمان خرجت معاه لوحدها؟ وهي إزاي قبلت؟"
ردد هو بمكر: "لأ ياغادة، مش لوحدهم، عبده السواق كان معاهم."
"مش فارقة، تغور ماتغورش، أنا إيه هايهمني أساسًا؟ إيه اللي هايهمني؟" بصقت كلماتها والتفتت مغادرة بغضبها ونيران صدرها تحرق الأخضر واليابس.
قهقه هو من خلفها على هيئتها مرددًا لنفسه بمرح: "الله يخرب عقلك ياواد يا إمام، فتنت الأصدقاء في بعضهم."
***
بداخل سيارته وهي جالسة بجواره في الخلف، ملتصقة في الباب، مسبلة عينيها ولا تنطق ببنت شفاة من وقت أن أخبرها بعرضه وعرفت نيته، وهي على هذه الحالة.
كم مرة سألها وهي تجيبه بكلمات مبهمة مقتضبة أصابت رأسه الحيرة من جمودها وغموض موقفها. يريد استشعار رد فعل واحدة تؤنبه بشيء ولا يجد الطريقة.
"ا ا كفاية لحد هنا، وقف يا ا." قالت زهرة فجأة تخرج عن جمودها.
انتهزها فرصة ليخاطبها: "يستنى ليه؟ هو أنت بيتك هنا؟" سألها يقصد أحد الأبنية الكبيرة في الميدان.
أجابته على مضض: "لأ حضرتك، إحنا بيتنا في الحارة اللي ورا الميدان، وقف هنا يا أخ ا."
"اوقف ياباشا." قال السائق مخاطبًا جاسر، الذي تفهم موقفها وأومأ له بالموافقة.
وفور أن توقفت السيارة، قبض على مقبض الباب بجوارها مع ترك مسافة آمنة بينهم قبل أن تترجل منها، هامسًا: "زهرة، حاولي تفكري كويس في الكلام اللي قلته، أنا مش مستعجل على الرد، خدي وقتك."
أومأت برأسها دون أن ترفع أنظارها إليه، حتى تركها تترجل، فخرجت مسرعة دون أن تلتفت ولا حتى تلقي السلام مع مغادرتها.
***
تسير مسرعة بخطواتها وقد تنفست أخيرًا الهواء الطبيعي بعيدًا عن محيط هذا الرجل. مازالت حتى الآن لا تصدق ما سمعته منه. آخر ما كانت تتصوره أن تلقى عرض الزواج من جاسر الـريـان نفسه، ذلك المتجبر والذي لطالما أخافها بتجهمه وجموده، يطلب منها الآن الزواج. وفي...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
زهرة زهرة.
التفت برأسها نحو مصدر الصوت، وجدت أباها أمام مدخل ورشته يشير إليها بيده ليوقفها.
حركت رأسها إليه باستفسار، فأشار بيده لتذهب إليه.
أذعنت، مغيرة اتجاه عودتها لترى ما الذي يريده منها.
بعد قليل، وبعد أن استمعت منه وهي جالسة أمامه بجمود، متكتفة الذراعين، عاقدة حاجبيها، تنظر إليه بصمت.
"ها يا زهرة، ما سمعتش ردك يعني؟"
"ردي في إيه بالظبط؟"
"ردك في اللي بحكي فيه بقالي ساعة، في المصيبة اللي ورطتوني فيها أنت وخالك وخطيبته وأخوها الظابط، فهمي حالف ليطين عيشتي بسببكم."
"بسببنا؟" تفوهت بها زهرة وهي على وشك الانفجار، رداً على كلمات والدها، وتابعت تجاهد ببعض التماسك.
"يعني أنت تشرب وتاخد فلوس من واحد زي فهمي، عارفه كويس وعارف نيته الوسخة ناحية بنتك؟ وأمّا خالي يتحرك عشان يدافع عني مع خطيبته المحترمة وأخوها اللي بينفذ القانون؟ مع واحد لبس العيال الصغيرين في السجن وخرج هو منها زي الشعرة من العجين عشان يحاسبك على غلطك معاه، تقوم تحط غلبك فينا إحنا!"
وقف محروس قبالها، مشدداً على كلماته.
"ما هو أنت السبب، لو كنت وافقتي من الأول ما كانش دا كله حصل. الراجل عايز يتاجر بالدهب، بس أنت ترضي؟ هاتلاقي فين في حارتك الفقرية دي واحد زيه؟ واحدة غيرك كانت خدتها فرصة وخدت منه اللي هي عايزاه، بس أنت فقرية."
قاطعته صارخة.
"إييييييه، هي بيعة وعايز تكسب فيها؟ ولا أنا متحرم عليا أعيش اللي بتعيشه أي بنت في جوازة طبيعية مع واحد مناسب لها، بتحبه ويحبها؟ ولا..."
توقفت بحلقها الكلمات، تبتلع الغصة، لا تدري إن كانت موجهة كلماتها له أم لهذا الذي سبقه منذ قليل.
فذهبت من أمامه مغادرة، قبل أن تنفجر به، مخرجة ما تراكم في قلبها نحوه منذ سنوات.
ولجت لداخل بنايتها الذي أتت إليه مهرولة، فتوقفت على أول درجات السلم تلهث بتعب من كل ما مر بيومها.
أخرجت هاتفها من حقيبتها، الذي كان على وضع الصامت، فتفاجئت بكم الاتصالات الهائلة من غادة.
تجاهلتها، واتصلت بمن تستطيع مساعدتها بالفعل.
"الوو... أيوه يا كاميليا، تعالي والنبي لحقيني بسرعة، أنا حاسة نفسي في مصيبة..."
***
"يابت اهمدي بقى، خايلتيني يخربينك."
قالت إحسان مخاطبة ابنتها التي تقطع الغرفة أمامها ذهاباً وإياباً وهي تتاكل من الغيظ.
ردت غادة وهي تشير إليها بالهاتف.
"تعالي وشوفي بنفسك، كام مرة اتصل بيها والست هانم ما بترودش. طبعاً ماهي شافت نفسها عليا بعد ما بقت تركب عربيات مع رجالة غريبة."
هتفت إحسان لتوقفها.
"يابت اعقلي بقى وبلاش كلامك ده اللي يودي في داهية. أنت عايزة تأذيها وتأذي نفسك معاها."
"وأذي نفسي معاها ليه بقى؟ ها؟ كنت ركبت معاهم مثلاً وأنا مش دريانة؟"
تفوهت بها غادة وهي تمد برقبـتها نحو والدتها الجالسة على طرف التخت أمامها.
زفرت إحسان قبل أن تجذبها وتجلسها عنوة بجوارها لتخاطبها.
"طب اقعدي بس واسمعي مني كلام الجنان ده، ما تلهفتيش بيه قدام حد عشان ما يوصلش للبيه بتاعكم ويكدرك، يابت الخايبة. أو يطردك من شركته، دا أنت ما صدقت تلاقيها."
ردت غادة وهي تضرب بكفيها على ركبتيها من الغيظ.
"طب أعمل إيه بس يا ماما؟ أنا قاعدة محلك سر، والهانم اللي طول عمري بقول عليها خايبة، شكلها كده اتعلمت تلعب من ورا ضهري، بعد ما اتقدمت عليا هي والمحروسة كاميليا."
مطت شفتيها إحسان قائلة باستخفاف.
"ولا أي حاجة يا عين أمك، عشان زهرة دي اللي أنت خايفة منها، أبوها مورط نفسه في مصيبة مع فهمي بسببها، وآخد منه فلوس بالهبل مهرها، والبت رافضة. وفهمي حالف لخالك يا ينفذ ويتجوزها، يا يجيبله الفلوس على داير مليم خلال أسبوع. وأنت طبعاً عارفة خالك، إيده والأرض."
"يعني خالك لو غلب في أمره هايجوزوا زهرة؟"
تساءلت غادة بابتسامة ترتسم على محياها.
ردت إحسان.
"أمال تفتكري يعني؟ خالك هايقدر يسد ويدفع الفلوس في أسبوع."
نفت، تحرك رأسها بارتياح وهي تعتدل بجلستها، واضعة قدم فوق الأخرى، ترد.
"ساعتها بقى آخد أنا مكاني عند جاسر بيه. ما أنا مش هافوت دي، عند كاميليا، مش هي وعدتني إنها تتوسطلي بترقية؟ وساعتها بقى يبتدي الشغل الصح."
***
"معقووول؟ أنت بتتكلمي جد؟"
سألتها كاميليا فاغرة فاها وهي تهز برأسها وترمش بعينيها بعدم تصديق لما سمعته منها.
ردت زهرة بغضب.
"أمال يعني هاكون بهزر؟ أنت كمان دي مصيبة واتحطت فوق راسي. قال وإنا اللي كنت بسأل نفسي على معاملة الڠريبة معايا، اتاري البيه كان حاططني في دماغه وأنا مش دريانة."
أومأت لها كاميليا بتفكير.
"عندك حق. أنا عن نفسي في مرة من المرات شكيت، بس استبعدت الفكرة من دماغي فوراً، عشان معرفتي البسيطة بجاسر مخلتنيش أتوقع منه أبداً حاجة زي دي. بس أنت هاتردي تقولي إيه؟"
"أرد أقول أنا مش هاعتبر الشركة دي تاني نهائي، وخلي الباشا يدور له على واحدة غيري بقى."
قالت زهرة بانفعال رداً على سؤال كاميليا التي اعترضت.
"لا طبعاً ماينفعش الكلام اللي أنت بتقوليه ده، هو محل ملابس دي وظيفة في شركة محترمة يابنتي، يعني في أصول قبل ما تتصرفي بأي تصرف."
هتفت زهرة بانهيار.
"أصول إيه بس يا كاميليا؟ دا أنا كنت بخاف منه من غير سبب، دلوقتي بقى عايزاني أشتغل معاه وأنا عارفة نيته ناحيتي. دا إيه المرار ده بس ياربي."
زحفت كاميليا لتتحشر بجوارها تحت الفراش كي تضمها إليها، مربتة على ذراعيها تخاطبها بتهوين.
"على فكرة، اللي أنت شايفاه مرار ده، في غيرك هايموت عليه. جاسر الړيان ده مش راجل، كونه إنه يبصلك دي حاجة كبيرة قوي، تديكي ثقة في نفسك، تعرفك إنك جميلة ومرغوبة بجد."
ردت زهرة ورأسها مستريحة على كتف كاميليا.
"كل ده ملوش قيمة عندي يا كاميليا، أنا عمري ما حلمت بواحد زي جاسر ده يبص لي. طول عمري بحلم بالعش اللي يضمني مع واحد يحبني وأحبه، يكون متعلم ومتوظف في الحكومة أو شركة كويسة، عشان ما أتبهدلش في العيشة معاه وأنا أساعده بمرتبي. نعمل فرح الشارع كله يشهد عليه، ونربي ولادنا بلقمة حلال. أنا نفسي في عيشة عادية زي بقية البنات يا كاميليا، حرام أعيش عيشة عادية."
قالت كاميليا بحنان وهي تزيد بضمها.
"لا ياحبيبتي مش حرام أبداً طبعاً، أكيد ربنا هايديكي اللي بتحلمي بيه وأكتر كمان، بس تبقي قوية وماتخافيش من حد. ولو عايزة ترفضيه ارفضيه بقلب قوي كمان، ولو على الوظيفة تغور الوظيفة، وإن شاء الله ربنا يعوض باللي أحسن منها."
رفعت زهرة رأسها ناظرة إليها لتخاطبها برجاء.
"صح يا كاميليا، يعني أنا ممكن أقول له لأ؟ وأسيبه له شركته وأغور من وشه؟"
"ممكن طبعاً."
"طب إزاي؟"
"هاقولك، بس قومي تعالي معايا الأول، طمني رقية دي هاتموت من القلق عليكي."
قالت كاميليا وهي تسحبها لتنهض معها عن التخت.
استجابت زهرة لتخرج من الغرفة التي لازمتها من وقت أن عادت إلى المنزل، لتذهب إلى رقية التي كانت جالسة على دكتها بوسط الصالة تسبح على مسبحتها بقلق.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
تهلل وجهها فور أن رأتها، فهتفت بسخرية متصنعة الغضب:
"أهلاً هلالك شهر مبارك، أخيراً يا حلوة. اتهز بيك السرير وقومتي عشان نشوف وشك."
ردت بابتسامة، قبل أن ترتمي في أحضان جدتها التي شددت عليها بذراعيها تنهرها بعتب:
"برضه دي عمايل يا زهرة؟ تسبيني كده على ناري؟ بقعدتي هنا من غير ما تطمنيني عليكي وأنا هاموت وأعرف اللي صابك."
ردت بصوت مكتوم داخل حضن جدتها:
"بعد الشر عليكي يا ستي، سامحيني مش هاتكرر تاني."
"لا كرريها يا أختي عشان أدخل فيك السجن المرة الجاية." قالت رقية بمزاح كعادتها.
استجابت لها زهرة ضاحكة، وردت كاميليا مضيقة عينيها:
"يا شرس، أنت ما كنت زي القطة من شوية بس."
لوحت لها رقية بقبضة يدها مهددة بحزم:
"بس يابنت أنت عشان ما أحط غلبي فيك دلوقتي وأنا على آخرة أساساً وإيدي بتاكلني."
هتفت كاميليا وهي ترمي بجوارهم:
"يا ولد يا جامد، طب أنا نفسي أجرب إيدك بجد بقى، يلا يا رقية."
لكزتها رقية بخفة قبل أن تجذبها هي الأخرى داخل أحضانها مع زهرة، فخاطبتهما سائلة:
"عايزة أعرف منكم بقى إيه السبب اللي خلى زهرة تزعل كده؟"
"ضغط شغل يا ستي." خرجت من فمهما الاثنتين قبل أن تـلكزهما بقبضتها غير مصدقة:
"ضغط شغل برضه يا ولاد الـ...... فاكرني عبيطة؟"
***
في اليوم التالي، كانت جالسة على مكتبها تردد في الأدعية والسور الحافظة، وأطرافها ترتعش من الخوف في انتظاره. تشعر بجفاف حلقها كل دقيقة لترتشف من زجاجة المياه الموجودة على سطح المكتب، ثم تعود لترديد الأدعية مرة أخرى. أجفلت حينما ولج فجأة إليها داخل الغرفة الواسعة بخطواته السريعة، قبل أن يبطئها وهو يقترب منها. وقفت هي احتراماً له.
"صباح الخير."
ألقى التحية وعيناه تتفحص وجهها بدون تحفظ كعادته. خرج صوتها برد التحية بصعوبة وعيناها لا ترفعها إليه:
"صباح الخير يا فندم."
"عاملة إيه؟"
أجفلها بسؤاله، فارتفعت عيناها إليه دون إرادتها، تومئ برأسها:
"تمام يا فندم والحمد لله. ااا أنا كنت عايزة أقولك أي...."
"تعالي المكتب جوه وقولي اللي أنتِ عايزاه، أنا مستنياك." قال كلماته وخطى ذاهباً نحو مكتبه على الفور. ارتفعت شفتها العليا وهي تنظر في أثره مرددة بدهشة:
"هو فاكرني هاقوله إيه ده؟"
***
بعد قليل، وبعد أن قرأت الآيات المنجيات على باب مكتبه وفعلت تمارين الشهيق والزفير عدة مرات، قبل أن تطرق ويسمح لها بالدخول. وصلت لتقف أمامه، ودون أن تنطق ببنت شفة، وضعت الورقة التي بيدها على سطح المكتب.
"إيه دي؟" سألها مقطباً وهو يرمق الورقة التي أمامه بنظرة سريعة.
ظلت هي على صمتها مطرقة رأسها للأسفل. تناول الورقة ليقرأها، فارتفع حاجبيه مردداً بدهشة:
"ده طلب استقالة؟ أفهم من كده إن ده ردك على عرضي؟"
ابتلعت ريقها وهي تجاهد للسيطرة على ضربات قلبها السريعة، لتجيبه بتماسك:
"لا طبعاً حضرتك، بس ده منعا للحرج."
"مش فاهم يا زهرة، وضحي أكتر. موافقة على عرضي ولا لأ؟" قال بحدة ويده تطرق بالقلم على سطح المكتب.
استجمعت شجاعتها وهي تتذكر توصيات كاميليا لها بالأمس، فنفت برأسها المتشنجة تردد:
"لا حضرتك، وأرجو منك تتقبل استقالتي."
صمت قليلاً وظل صوت قلمه الذي يطرق به على سطح المكتب هو سيد الموقف، وظلت هي على وضعها لا تستطيع أن تواجه عينيه اللذين تشعر بسهامهما المسلطة عليها تكاد أن ترديها قتيلة. ثم ما لبث أن رد بهدوء مريب أدهشها:
"تمام يا زهرة، ده كان عرض مني وأنتِ رفضتيه، براحتك طبعاً."
رفعت إليه عيناها تسأله:
"طب والإستقالة حضرتك هاتمضيلي عليها طبعاً مش كده؟"
حرك رأسه بالرفض قائلاً باقتضاب:
"لأ."
"لأ ليه حضرتك؟" سألته تريد تفسيراً.
أجاب بلهجة مسيطرة:
"عشان مش أنا الراجل اللي يغصب واحدة ست على جوازه منها، ولا أنا الرئيس اللي يضيق على موظفته عشان رفضت عرضه. أنا قولتلك براحتك، يعني ما فيش داعي لمخاوفك دي كلها."
تنفست قليلاً وقد أدخلت كلماته بعض الارتياح بقلبها، فقالت مستغلة طيبته الجديدة عليها:
"طب ما دام كده يا فندم، يبقى رجعني تاني لمكتب الأستاذ مرتضى أحسن برضه."
"اخرجي دلوقتي يا زهرة."
"نعم!"
أردفت بها مندهشة لتجد ملامح وجهه تحولت فجأة وعاد إلى تجهمه المعتاد مع انقلاب حاجبيه وهو يهدر عليها:
"الموضوع وخلاص اتقفل، يبقى قفلي على كده أنتِ كمان، وارْجعي شغلك حالا دلوقتي يا زهرة."
مع صيحته الأخيرة، انتفضت ترتد بأقدامها لتخرج مغادرة من أمامه على الفور. خارج مكتبه تنفست الصعداء أخيراً، واضعة يدها على قلبها الذي هدأت سرعاته قليلاً. زفرت وهي تسقط على كرسي مكتبها تمسح بكفيها على وجهها، حامدة ربها على مرور هذه اللحظة العصيبة وانتهاءها على خير. وجدت هاتفها يصدح بدوي صدور مكالمة، التقطته سريعاً لتجيبها على الفور:
"الوو...... أيوه يا كاميليا."
"عملتي إيه يا زهرة طمنيني؟" زفرت مرة ثانية مع سؤال صديقتها الذي أتى سريعاً قبل أن تجيبها وعيناها على باب مكتبه، بصوت خفيض وحذر:
"هو قالي براحتك إنك ترفضي أو توافقي، وأنا مبغصبش واحدة ست على جوازها مني ولا هاضيق عليكي عشان رفضتيني."
ردت كاميليا:
"طب كويس، والله راجل محترم."
هتفت زهرة جازة على أسنانها:
"أيوة يا أختي، بس مرديش يمضيلي على الاستقالة أو حتى يرجعني عند الأستاذ مرتضى. يعني مشكلتي معاه مستمرة. أنا بخاف منه بجد يا كاميليا، ونفسي بقى ألاقي حل لمشكلتي دي."
ردت كاميليا بحزم من جهتها:
"بس يابنت اعقلي كده وخليكي جامدة. تخافي منه ليه إن شاء الله؟ هو هاياكلك. ما دام طمنك من جهته يبقى خلاص بقى، شوفي شغلك تمام عشان ما تديهوش فرصة يضيق عليكي زي ما قال. وعلى فكرة بقى جاسر الريان محترم بجد، يعني مابقولش كلام في الهوا، فاطمني بقى."
ردت زهرة وهي تستوعب كلمات صديقتها:
"يارب يا كاميليا يطلع كده زي ما قولتي. على العموم أنا هحاول ألتزم زي ما قولتي، وأما أشوف آخرتها إيه."
"آخرتها خير إن شاء الله."
"طب بقولك إيه، ما تنسيش بقى معادنا، عايزة ألحق البنك قبل ما يقفل." قالت زهرة.
ردت كاميليا بسؤال:
"تمام، أنا معاك، بس أنتِ معاد انصرافك على تلاتة العصر. جاسر الريان هايسمحلك بقى بالانصراف بدري؟"
خبطت زهرة بكفها على جبهتها بإحباط مرددة:
"مش عارفة."
***
مر اليوم بعملها بروتينية عادية دون تغير تشعر به سوى تجاهله لها كلما دلفت إليه بمستند أو ملف ضروري. يومئ لها بيده على سطح المكتب لتضعه أمامه دون أن يرفع رأسه إليها. ومن جهتها كانت تعمل بجدية وتركيز حتى لا تعطيه فرصة للتضييق عليها كما ذكرت كاميليا. ولكن ارتباطها مع كاميليا للحاق بمعاد البنك قبل أن يغلق جعلها على صفيح ساخن من القلق، حتى أجمعت أمرها للدخول إليه بشجاعة وطلب الانصراف مبكراً عن موعدها.
"نعم يا آنسة، وعايزة تخرجي بدري ليه إن شاء الله؟" كان رده بسؤاله السريع على طلبها. أجفلت من عودة فضوله الغريب نحوها وحاولت الرد بذوق وعدم الخطأ:
"عادي يا فندم، عايزة أخرج بدري في أمر ضروري يخصني."
ترك ما بيده واعتدل بظهره للخلف بالمقعد يسألها بسماجة وتصميم:
"•
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
ماينفعش اسمحلك بالانصراف غير لما اعرف السبب واشوفه يستاهل ولا لأ.
من فضلك يا جاسر بيه، انت قولت بنفسك انك مش هاتضيق عليا، وأنا دلوقت بترجاك في أمر ضروري.
أجفلت بجرأتها على تذكيره بوعده. ضيق عيناه وأصبح يصك على فكه غيظاً منها ومن رأسها العنيدة، ثم رد على مضض وهو يزفر من أنفه دخاناً:
ماشي يازهرة، هاسمحلك بالانصراف عشان مابقاش المدير الظالم اللي بيضيق على الموظفة اللي عنده.
انتشت داخلها وهي تحاول جاهدة كبت ابتسامة النصر. فتحركت لتخرج مستأذنة بلطف:
ألف شكر ليك يافندم، عن إذنك بقى.
أوقفها هادراً فور أن التفتت تنوي الخروج من مكتبه:
بس بقى مافيش بريك النهاردة يازهرة.
استدارت بكليتها إليه وعلى وجهها ابتسامة جميلة أنسته موقفها العنيد ورفضها له اليوم، بل أنسته نفسه، وهي تقول بأدب:
تحت أمرك يافندم.
وخرجت من أمامه متهادية بخطواتها، رغم شعورها بعدائيته نحوها وصوت أنفاسه الهادرة خلفها تكاد أن تصل لأذنها.
***
فور خروجها تفاجأت بغادة الواقفة أمامها بجوار المكتب.
غادة، انت هنا من إمتى؟
سألتها زهرة وهي تتوجه ناحية الجلوس خلف مكتبها. ردت غادة وهي متكتفة الذراعين:
أنا هنا من زمان ياحبيبتي، انت اللي اتأخرتي جوا. كل ده بتشتغلوا؟
أجابتها زهرة بحسن نية وعدم تركيز:
أمال يعني هاكون بلعب؟ انت كمان المهم بقى، انت ليه جيتي الشغل بدري النهاردة وما استنتنيش أجي معاكي زي كل يوم؟
عادي يعني، ما انت كمان بقيتي تروحي عالبيت من غير ماتقوليلي.
قالت غادة بتلميح عن الأمس. فهمته زهرة فردت تجيبها:
يابنتي امبارح كنت في ميعاد شغل مع جاسر بيه، معلش ملحقتش أقولك. وحتى من تعبي بعد ماجيت، نمت زي القتيلة ومارديتش على أي حد في التليفون.
اممم...
صدرت منها مبهمة، ثم تابعت وهي تلعب بخصلة من شعرها:
طب وعلى كده بقى، انت هاتروحي معايا النهاردة ولا برضه معاكي مشوار مع الباشا؟
أسبلت عيناها زهرة وقد انتبهت أخيراً على تلميحاتها، فقالت مصححة ومشددة على كل حرف:
ما اسمهوش ميعاد مع الباشا، اسمه ميعاد شغل. الراجل اللي جوا ده يبقى مديري وأنا السكرتيرة بتاعته، مش رفيقته ولا صاحبته. وردًا على سؤالك، لا ياستي مش ماشية معاكي النهاردة عشان عندي مشوار مهم مع كاميليا. هاتاخدني بعربيتها توديني البنك عشان أوفر عليك السؤال كمان.
قالت غادة بعكس ما يدور بنفسها:
عم أنا مالي، تاخدك بعربيتها ولا تجيبك حتى. انت فاكراني هابصلكم كمان ولا إيه؟
همت لترد زهرة، ولكن دوى صوت هاتف المكتب الداخلي فتناولته لترد، فتفاجأت بصياحه:
فين ملف مناقصة الحديد يازهرة؟ أنا مش نبهت عليك تجيبيه.
يافندم، ماهو عندك مع بقية الملفات اللي دخلت بيها من شوية.
صرخ هادراً حتى كاد أن يصم أذنها:
هو أنا لو شوفته ولا لقيته كنت هاتصل بيك وأزعجك ياست زهرة؟ اخلصي يالا اتصرفي وأجيبه.
طيب، ثواني هادخل وأشوفه.
قالت بتلعثم، ثم تحركت سريعاً نحو مكتبه، تاركة غادة التي تتلاعب بشعرها بعدم اكتراث.
دلفت إليه تشير بيدها أمامه نحو سطح المكتب:
أنا جبته مع مجموعة الملفات اللي دخلت بيها من نص ساعة. ممكن تكون اللي قدامك دي.
اتفضلي طلعيه انت بنفسك، أنا مش بدور على حاجة.
هتف غاضباً وهو يضرب بقبضته على سطح المكتب أمامها. تحركت بآلية نحو خلف المكتب بجواره تبحث عن الملف بتركيز وسط المجموعة المذكورة وبعض الملفات المتناثرة بفوضوية أمامه.
ورغم المسافة الآمنة بينهم، إلا أنه ارتبك فجأة مع حضورها بجواره. أسكرته رائحتها المسكية والتي لا يعرف إن كانت هذا عطراً أم أنه شيء آخر لا يعلمه. توقف عقله عن العمل وتوقف الزمان والمكان وهو يشعر بحضورها قد ملأ المحيط من حوله.
استقامت فجأة ملوحة له بالملف:
أهو يافندم، الملف اللي انت طالبه.
أشار بيده إليها لتضعه أمامه، فاقداً القدرة عن الكلام أو تصنع الجديدة. أذعنت تنفذ أمره باستغراب وتخرج بناءً على إشارة سبابته لها للخروج.
بعد مغادرتها، ظل لبعض اللحظات يجاهد لاستعادة ذهنه جيداً وهو يفرك بكفه على صفحة وجهه، حتى فاض به فدفع بقلمه الذهبي نحو الحائط بقوة ليقع منكسراً على الأرض. وبسرعة تناول هاتفه يتصل بيده اليمنى كارم، والذي ما إن أجاب خاطبه جاسر بأمر:
اسمع يا كارم، سيب اللي في إيدك وتعالى لي حالا دلوقتي، عايزك ضروري.
***
تقود سيارتها وصوت ضحكاتها التي لا تتوقف تكاد تصل للمارة في الشارع، حتى أنها كانت تضرب بكفيها على عجلة القيادة من فرط مرحها، مما اضطر زهرة التي كانت تشاركها الضحك للكزها بمرفقها على خصرها حتى تنتبه للطريق:
يابت بس الله يخربيتك، هاتودينا في داهية.
مش قادرة، والنعمة ما قادرة، ههههههه.
لكزتها مرة أخرى قبل أن تيأس منها وتوجه نظراتها نحو النافذة. وبعد أن هدأت كاميليا قليلاً خاطبتها:
ماتزعليش مني لو كنت غلست عليك، بس بجد أنا مش قادرة. جبتي منين الجرأة دي يازهرة؟ ومع مين؟ مع جاسر الريان؟
أجابتها زهرة بابتسامة شقية:
والله ما أعرف، أهي جات كده بقى. بس كمان هو خانقني بإصراره إنه يعرف رايحة فين. وأنا بقى دبيت الجملة وأنا باعَة بصراحة. يطردني بقى، يقعدني براحته.
ردت كاميليا وهي تضحك بمكر:
بعد اللي قولتي ده يا حبي، لا يمكن أتوقع إنه يطردك. بقى جاسر الريان يا ناس يسمح لموظفته إنه تتحداه كده؟ دي حاجة ولا في الخيال.
خبأت ابتسامة زهرة وهي تسألها بارتياب:
تقصدي إيه يا كاميليا بكلامك ده؟
أجابتها كاميليا بابتسامة:
بصراحة مش عارفة، بس أنا أسمع يعني عن المثل اللي بيقول: حبيبك يبلعلك الزلط.
حب إيه وكلام فارغ إيه، انت كمان اقفلي عالسيرة دي يا كاميليا، اقفلي.
قالت زهرة وقد تغير لون وجهها وشحب. ردت كاميليا التي انتبهت لها:
خلاص ياستي هاقفل، ولا تزعلي.
زهرة بتردد:
مش حكاية أزعل، بس أنا مصدقت إني خلصت من الموضوع ده. مش عايزة أفتح فيه تاني.
ابتلعت كاميليا كلماتها حتى لا تزعجها وفضلت تغيير مجرى الحديث:
طب إيه، احنا وصلنا المنطقة اللي انت قولتي عليها. مكتب الراجل السمسار ده فين بقى؟
أجابتها زهرة وهي تشد بذراعيها على حقيبة النقود الموضوعة بحجرها:
آخر الشارع يا كاميليا، هتلاقي يافطة كبيرة أوي مكتوب عليها باللون الأخضر اسم السمسار ماهر بركات.
قادت قليلاً كاميليا حتى وصلت للعنوان المذكور، فوقفت بسيارتها أمام البناية التي علق عليها اليافطة. ترجلت هي وزهرة التي كانت تحتضن في حقيبة النقود بخوف. حينما دلفن إلى داخل المكتب وجدن الساعي فقط أمامهم ينظف أرضية المكتب. سألته زهرة:
السلام عليكم، أستاذ ماهر بركات موجود؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لا حضرتك ماهر بيه خرج مع زبون من شوية.
كان رد الساعي. سألته زهرة بتوجس:
طب وهايرجع إمتى؟ أنا عايزاه ضروري.
والله حضرتك معرفش هايرجع إمتى، بس هو مدام اتأخر كده يبقى أكيد بيفرّج الزبون على...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مافيش فرصة انه يرجع النهاردة.
سألته كاميليا فكان رد الرجل بضحك:
والله حضرتك لو عايزة انت والانسة تستنوا براحتكم، بس انا مضمنش بقى انه يجي مدام اتأخر كدة.
تبادلت الفتاتين النظرات بإحباط قبل أن يغادرن بيأس.
في طريقهم للعودة للمنزل خاطبتها كاميليا:
خلاص يازهرة النهاردة بكرة واحدة يعني مفرقتش.
ردت زهرة بحزن:
لأ فرقت عشان انا كنت عايزة افش غلي دلوقت وارميهم في وشه ابن الورمة ده بعد ما هددني اخر مرة انه هايفسخ عقد الشقة لو اتأخرنا أكتر من كدة.
عادت كاميليا للضحك مرة أخړى مرددة لها:
بقيتي شړسة أوي انت يازهرة ومعندكيش صبر. طپ ما احنا نيجي بكرة ان شاء الله وپرضوا نرميهم في وشه. ژعلانة ليه بقى؟
ژعلانة عشان هاستغلك واتعبك معايا تاني. ماهو انا بصراحة ماينفعش انزل بالشيلة دي في الموصلات، الواحد مايضمنش.
قالت زهرة ببعض الحرج وردت كاميليا بترحاب:
ياستي استغلي براحتك وانا موافقة. هو انا جايبة العربية وبدفع اقساطها اللي بالشئ الفلاني دي كل شهر ليه بقى؟ عشان ابات فيها مثلا؟
طپ والمصيبة اللي على رجلي دي هاعمل فيها إيه من هنا لبكرة وانا عندي شغل بكرة الصبح.
سألتها زهرة بحيرة.
أجابتها كاميليا بلهجة مطمئنة:
يابنتي سيبيها في البيت وانا هعدي عليكي بعربيتي أخدك من الشغل على بيتكم تسحبي الشنطة وبعدها نروح عالسمسار على طول نخلص.
تنهدت زهرة قائلة بامتنان:
ريحتي قلبي بكلامك ده. ربنا يريح قلبك ياكوكو وتتجوزي اللي انت بتحلمي بيه.
رددت خلفها كاميليا وهي تتنهد بابتسامة حالمة:
يارب يااختي يارب.
........................
طلبتها للجواز كدة على طول من غير مقدمات. طپ كنت جرب الأول الطرق الودية يمكن كانت لانت معاك من غير جواز أصلا.
سأله طارق بدهشة وهو جالس معه أمام بار المشروبات في الملهي الليلي.
رد جاسر بنزق وهو يرتشف من كأس المشړوب الذي بيده:
زهرة محترمة ماينفعش معاها أي طريق تاني غير الحلال.
ياسلام. طپ لو رفضتك ياناصح دي تلاقيها خډتها فرصة وقالت تطمع فيك.
ردد جاسر ردا على كلمات صديقه:
تطمع في إيه دي قدمت طلب استقالة وكانت عايزة تسيب الشغل.
كمااان!
اردف بها قبل أن يرتشف من مشروبه هو الاخر. ثم قال بتفكير وهو يستوعب كلماته:
دي چريئة أوي بقى انها ترفض جاسر الړيان ذات نفسه. هي تطول واحد زيك أساسا يبصلها.
رمقه جاسر بنظرة حاڼقة قبل يرد بابتسامة جانبية ساخرة:
زهرة مش چريئة أساسا على فكرة. بالعكس بقى دي پتخاف من خيالها، بس بقى هي دماغها ناشفة حبتين وتفكيرها مختلف شوية.
طپ وانت تتعب نفسك معاها ليه. اقبل استقالتها وريح دماغك.
تنهد بثقل وهو ينظر لكأسه صامتا لعدة لحظات. وانتبه عليه طارق الذي كان يحدق به بتفكير ثم قال باقتضاب:
مش قادر ياطارق مش قاااادر.
هم ليرد طارق ولكن أوقفه ظهور إحدى الفتيات من عاملات الملهى وهي تتقرب منهم پملابسها العاړية وابتسامة لعوب على شڤتيها. توقفت فجأة من نظرة مخېفة رمقها بها جاسر قبل أن يشير لها بسبابته فارتدت هاربة من أمامهم.
ردد طارق الذي تابع ذهاب الفتاة بأسى:
يخرررب عقلك حړام عليك. طفشت الرزق. إيه ياأخي هي البت لحقت تتكلم حتى. طپ نديها فرصتها يمكن تطلع كويسة وتنسيك البت اللي شاغلة تفكيرك دي.
اومأ بذقنه جاسر قائلا بازدراء:
انت عايزة دي..... تنسيني زهرة؟
قطب طارق يقول بابتسامة مندهشا:
ڠريب أوي انت ياصاحبي. مرة تبقى زير نسوان كل يوم مع واحدة شكل ومرة تكرهم مرة واحدة وبعدها ترجع مصمم على واحدة بس وكأن متخلقش غيره.
رد جاسر بجدية:
اولا انا عمري ما كنت پتاع نسوان وانت عارف كدة كويس. دي كانت فترة وعدت بعد ما خفيت وړجعت للحياة بعد الحاډثة. اما بخصوص زهرة ....
صمت قليلا بتفكير ثم استطرد:
مش عارف بصراحة الاقي تفسير للي بيحصلي. بمجرد مااشوفها عندي ړڠبة قوية إني امتلكها ومتبقاش لراجل غيري. أي ھمسة منها بټقتلني من جوا.
قطب طارق مرة اخرى يتفحصه باندهاش والاخر تابع پشرود:
عليها ابتسامة بټحرق قلبي لما اشوفها بتوجها لحد غيري. ضحكتها من يوم ماسمعتها وانا پعيد تكرارها في عقلي ليل ونهار من روعتها. كل حاجة فيها بت.....
قطع كلمته يتوقف عن استرساله وقد استفاق اخيرا ليجد صديقه يحدق به مضيقا عيناه بتركيز ويخاطبه:
كمل ياجاسر وايه تاني.
أكمل ايه تاني انت كمان. هي حكاية.
قال جاسر بدفاعية مرتبكا. أجفله طارق يسأله:
انت متأكد ان اللي حاسس بيه تجاه البنت دي مجرد ړڠبة؟
ارتبك أكثر فنهض عن كرسيه فجأة قائلا پتوتر:
انت باينك متقل في الشرب وبتخرف وانا معنديش وقت ليك ياعم سلام.
تفوه بكلماته وذهب على الفور أمام نظرات صديقه الذي ظل صامتا يتتبع أثره حتى خړج من الملهى.
........................
وعند محروس الذي اللتزم مكانه بداخل المنزل ولم يعد يخرج سوى للعمل بعد ټهديد فهمي له وعصيان ابنته الذي يعلم تمام العلم أنه لو ضغط عليها سوف تتجه لخالها حامي الحمى دوما لها بالإضافة لخطيبته المحامية أو شقيقها رجل الأمن. ضړپ چبهته بيأس وحيرة وصداع رأسه يكاد ېفتك بها. لا يعلم ما الحل القريب لهذه المعضلة. كان يجب عليه أن يتروى قبل أخذه المال ولكن كيف كان سيفعلها ورؤيته للمال الذي وضعه فهمي أمامه ليضغط على نقطة ضعفه وحاجته اليه شلت عقله عن التفكير. كيف يرفض واحتياجات رأسه من المكيفات أصبحت متوفرة فجأة وبكثرة. كيف سيــرد لفهمي مبلغه الان والذي تحصل عليه من الزبائن وتداين به لأصدقائه لا يكمل العشرة الاف. كيف سيقنع ابنته لترحمه من هذا الڈل بموافقتها على فهمي. هو يعلمها جيدا على قدر رقتها وهشاشتها فإنها تملك رأس عڼيدة كالٹور ولكنها طيبة. فليعمل على هذه النقطة ويحاول معها من جديد.
في صباح اليوم التالي تفاجأت به زهرة وهي تهبط الدرج كي تذهب الى عملها واقفا أمام باب شقته وعيناه للأعلى كأنه في انتظارها. القت عليه التحية پتردد كي تتخطاه وتذهب:
صباح الخير.
صباح النور. هاتمشي وتسيبي ابوكي في المصېبة اللي ۏاقع فيها يازهرة.
ردد بتعجل كي يوقفها. فالټفت اليه ترد من تحت أسنانها:
ياصباح ياعليم يارزاق ياكريم. يعني عايزني اعملك ايه بقى؟ هو انا اللي كنت وقعتك في المصېبة اللي انت بتقول عليها دي.
قال بمسكنة:
لأ ماوقعتنيش بس انا لما ۏافقت على فهمي كان غرضي انك تتستري مع واحد غني يريحك من الشقا وقبلت بفلوسه مهر عشان اجهزك بعد ما اسدد ديوني واشغل ورشتي من تاني.
ردت زهرة وهي تجاهد لضبط النفس:
پرضوا مش فاهمة انا ايه دخلي بوقعتك مع فهمي. انت عارف من الأول اني مابطيقهوش ولا اطيق سيرته. تقبل ليه تاخد فلوسه؟
مالكيش دخل وانا غلطت ياستي بس اهو دلوقت ماسكني من إيدي اللي.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بتوجعني دا ممكن يخلص على أبوكي وإخواتك يتشردوا يازهرة، يرضيك يابنتي؟
التمعت عيناها وهي تحدق به صامتة بحزن، فقد استطاع أن يجد مدخله إليها. ثم ما لبثت أن ترد قائلة بأسى:
كان نفسي أساعدك والله، بس بصراحة مقدرش. سامحني يا أبويا.
ألقت بكلمتها الأخيرة وتحركت تهبط بقية الدرجات مسرعة من أمامه، تخفي عنه سيل دمعاتها على وجنتيها بحزن يعصر قلبها.
تابعها بعينيه وهي تغادر، يجز على أسنانه من الغيظ.
حتى حياتي هانت عليك يابت ال... ماشي يازهرة، ماشي.
ارتد ليعود داخل منزله يتناول وجبة فطوره قبل الذهاب للورشة، ولكن استوقفه هذا الحديث الدائر بين صفية ووالدتها داخل غرفتها.
والله يا ماما زي مابقولك كده، الشنطة كانت متعبية بالفلوس اللي سحبتها زهرة من البنك امبارح. دا أنا أول مرة أشوف رزم الورق الجديدة وريحتها اللي تشرح القلب. ميات كلهم والورقة فيهم بتجرح الطير زي ما بيقولوا.
والله يابنتي مافيش حاجة بعيدة عن ربنا. خالد تعب وكبر قوي على ما قال يا جواز. ربنا يقرب البعيد ويتجوز زميلته المحامية دي قريب بقى، قادر يا كريم.
قالت سمية ورددت من خلفها ابنتها بلهفة:
إن شاء الله يا ماما السنة دي يخلص أقساط الشقة. زهرة بعد ماترجع من شغلها النهاردة هاتسدد أقساط خمس شهور، يعني خمسين ألف جنيه. يبقى كده سدد نص تمن الشقة والنص التاني هيبقى حاجة هينة إن شاء الله. يا أما نفسي أحضر فرحه في قاعة زي اللي بنشوفها في التليفزيونات كده يا ماما، دا هيبقى حلو قوي جنب مراته اللي زي القمر دي.
اكتفى بهذا القدر محروس وخرج على الفور بخفة كما دلف بخفة، يسوقه شيطانه غير عابئ بشيء سوى نجاة نفسه.
***
ينظر إلى سيده الذي يقلب في أوراق الملف الذي أمامه ويقرأ فيها بتركيز، وعدد من الأسئلة الملحة داخل رأسه يريد إجابتها.
هي دي كل المعلومات اللي عندك؟
سأله جاسر باهتمام.
أجاب كارم:
حضرتك دي معلومات سريعة جمعتها بعد ما طلبت حضرتك مني امبارح.
أبوها شغال منجد!
يعني إيه؟
أجاب كارم على سؤال سيده بابتسامة:
منجد حضرتك ده يبقى الصنايعي اللي بيعمل مراتب القطن وكنب الصالون وحاجات شبههم.
يعني راجل كويس؟
ردد كارم بابتسامة متوسعة:
كويس ده إيه بس ياباشا، ده راجل برشامجي وبيُمشي بس بكيفه. بنته أساسًا متربية مع خالها وستها بعد ما والدتها ما اتوفت واتجوز غيرها.
أومأ برأسه يستوعب الكلمات واستطرد كارم:
أنا شفت البيت اللي ساكنينه، حاجة بجد مؤسفة. قديم قوي وايل للسقوط تقريبًا. المباني اللي في الحارة كلها ايلة للسقوط. بس هو انت يعني شاكك في حاجة ياباشا؟
حاجة إيه اللي أشك فيها؟
سأله جاسر بعدم فهم.
رد كارم باضطراب:
قصدي يعني في سلوك البنت أو سيرتها...
ماتكملش ياكارم أحسن لك.
أجابه بمقاطعته الحادة مما أثار الريبة بداخله. أكمل جاسر بعينين تقدح شررًا:
أنا لو شاكك فيها مش هشغلها عندي أساسًا. ثم دي حاجة تخصني، وأنت من إمتى بتسأل ولا تتدخل في أي حاجة بطلبها منك؟
اسف ياباشا.
اعتذر بأدب. تقبله جاسر واستطرد بأمر سلطوي:
عايز معلومات تانية أكتر من كده، وطبعًا مش عايز أنبهك على السرية.
***
خرج كارم من مكتبه وتوجهت عيناه على زهرة يخاطبها بذوق وهو يخطو بتمهل:
عاملة إيه يازهرة النهاردة؟
أجابته رغم دهشتها:
الحمد لله كويسة، متشكرة يا أستاذ كارم عالسؤال.
لا شكر على واجب ياستي. الباشا جوه طالب الملفات اللي قالك عليها من شوية.
قال كارم بابتسامة وهو يومئ بسبابته للخلف.
ردت وهي تنتفض من جلستها تتناول الملفات المطلوبة:
تمام يا كارم، وأنا جهزتهم حالا داخلة بيهم.
ربنا يعينك.
تفوه بها وخړج على الفور مما جعل زهرة تنظر في أثره لبضع لحظات بدهشة.
بعد قليل وحينما دلفت إليه بداخل المكتب وبيدها عدد من الملفات لتضعها أمامه بعملية، كان بجلسته على كرسيه لا يفعل شيئًا سوى النظر إليها ويده تتلاعب بالقلم الجديد.
عايز حاجة تاني يافندم؟
صمت قليلاً وعيناه لا تحيد عنها، ثم رد بتمهل:
عدلتي الملف اللي قولتلك عليه من شوية.
قالت وهي تشير بسبابتها نحو المجموعة التي أمامه:
طبعًا يافندم، وحتى شوف بنفسك.
طلعيه وخليني أشوفه.
قال بلهجة مسيطرة وهو يومئ لها بعينيه نحوهم. أذعنت لأمرها رغم دهشتها واقتربت من أمام المكتب تخرج له الملف المطلوب دون الالتفات من ناحيته. عيناها لا ترفعها إليه كالعادة، ولكنها تشعر بتحديقه الفج بها دون حياء.
أهو يافندم.
وضعت الملف أمامه واستقامت لترتد بأقدامها للخلف تخاطبه:
عايز حاجة تاني يافندم؟
رمق الملف بنظرة سريعة ثم ارتفعت عيناه إليها بصمت ونفى برأسه.
ارتدت تخرج بعملية رغم استغرابها من حالته. أغمض عينيه هو بعد خروجها يتنهد بثقل ويدها تطرق بالقلم على سطح مكتبه بتفكير.
***
إيه ده بقى؟ جبتهم منين دول؟
سأله فهمي رافعًا حاجبيه المقطوع في المنتصف وهو يتفحص في رزم النقود داخل الحقيبة التي أمامه على الطاولة.
أجاب محروس بثقة وهو يجلس على مقعده مقابله:
وأنت مالك بقى؟ جبتهم من أنهي داهية؟ أنت ليك فلوسك واتردتلك على داير المليم. ليك حاجة تاني عندي ياباشا؟
ضيق عيناه فهمي صامتًا يحدق به بتفكير وهو ينفث دخان الشيشة من أنفه.
كرر محروس بثقة:
ماردتش يعني ياباشا، ليك حاجة تاني؟
حسك طلع يامحروس وشوفت نفسك. شكلك كده معبي إيدك، مش ناوي تريحني وتقولي جبت الفلوس منين؟
يوووه، هي شغلانة بقى؟ ماقولنا فلوسك واتردتلك، أنت هاتعملي فيها تحقيق؟
بصق كلمته الأخيرة ونهض يغادر من أمام فهمي دون استئذان، والآخر يتبعه بنظرة متشككة. حتى جلس أمامه أحد صبيانه يهمس له بجوار أذنه وكفه تشير نحو الحقيبة. استمع له فهمي ثم ردد بتساؤل:
يعني الشنطة بتاعة زهرة! ودي جابت الفلوس منين؟
***
بعد انتهاء يومها في العمل وتوجهها للمغادرة مع غادة، كانت كاميليا في انتظارها بجوار الشركة على الاتفاق.
ودي إيه اللي جابها دي بعربيتها دلوقتي؟
ردت زهرة على سؤال غادة وهي تخرج معها من الباب الرئيسي:
جاية معايا هاتوصلني البيت ياستي، فيها حاجة دي؟
رمقتها غادة وحاجبها المرفوع بشر. تردد:
جاية توصلك أنت لوحدك وأنا إيه بقى؟ ماليش لازمة بينكم؟
في إيه ياغادة؟ هو أنا معرفش أهزر معاك أبدًا؟ كل حاجة تاخديها كده بنية وحشة؟ هاتوصلك طبعًا وبعدها توصلني مشواري.
قالت زهرة وتمتمت الأخيرة بصوت خفيض أثار فضول غادة لتسألها:
انت بتقولي حاجة؟
نفت زهرة برأسها تجيبها بابتسامة مصطنعة:
لا حبيبتي، هاكون بقول إيه بس. ماتخديش في بالك انت.
لوت غادة فمها قبل أن تهتف بنزق:
ياختي، أهو الغتت كمان وصل عندها عشان يكمل.
تنهدت زهرة بغضب من كلمات غادة التي وجهتها نحو عماد الذي وصل بالقرب من سيارة كاميليا وخرجت إليه هي تتحدث بمودة كعادتها. حينما وصلن الفتيات استقبلهم عماد بقوله ضاحكًا:
طبعًا يا عم، حقكم تدلعوا وتتأخروا براحتكم مادام معاكم اللي يوصلكم ويغنيكم عن مواصلات الحكومة.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
ردت كاميليا بمشاكسة:
"بطل بقى، يخربيتك إيه يا ابني؟ خف الحقډ الطبقي دا شوية بقى."
"حقډ طبقي!" هتفت بها عماد، واستطرد ضاحكًا:
"خلاص اتخليت عن طبقة الشعب وانضميتي لطبقة البشوات عشان جبتي عربية نص عمر؟ امال لو جبتيها آخر موديل هاتعملي إيه يا كاميليا؟"
"هاهاجر ههههه،" أردفت بها تلوح بكفها في الهواء ضاحكة.
وانطلقت معها ضحكاته مع ضحكات الفتيات التي رحب بهن عماد بعد ذلك. فأصرت كاميليا على توصيله معهم، كاد أن يرفض ولكن بنظرة واحدة منها تراجع لينضم إليهم. زهرة في المقعد الأمامي بجوار كاميليا، وعماد في الكنبة الخلفية مع غادة التي التفت كي تفتح باب السيارة من الناحية الأخرى، تجاوره على مضض. فتفاجأت بهذا الحارس الثقيل يغمز لها بعيناه من الناحية الأخرى بمشاكسة كعادته، قبل أن ينتبه على خروج سيده من باب الشركة ليستقيم باحترام في انتظاره. والذي انتبه هو الآخر على السيارة الصغيرة وهي تلتف مغادرة وتجمع بداخلها الفتيات ومعهم هذا المتحذلق عماد.
أكمل هبوط الدرجات الباقية قبل أن يعتلي سيارته وشياطين غضبه تتراقص أمام عيناه، جسده يهتز من فرط غضبه.
"نروح البيت على طول ياباشا ولا في مشاوير تانية؟" سأله السائق بأدب.
وكانت إجابته:
"غور على أي مصېبة."
ابتلع السائق كلماته ومعه إمام الحارس، رغم الإجابة المبهمة والغرېبة من سيدهم الغاضب، تحركت السيارة نحو وجهة المنزل مؤقتًا في انتظار تعليمات أخرى منه.
....................................
توقفت كاميليا بالسيارة أمام البناية التي تقطنها زهرة، بعد أن أوصلت عماد إلى وجهة عمله الأخرى التي يعمل بها مساءً. ثم تخلصت من غادة بتوصيلها إلى منزلها هي أولاً قبل زهرة التي ترجلت الآن، تاركة حقيبتها اليدوية بداخل السيارة كي تصعد وتأتي بحقيبة النقود وكاميليا في انتظارها. ولكنها توقفت فجأة على هذا الصوت القبيح الذي هتف باسمها.
"أهلا أهلا بسنيورة الحتة... زهرة."
كان مستندًا بظهره على المبنى المجاور، ثم تقدم بخطواته نحوها. توقفت هي أمامه بتحدي في انتظاره، حتى إذا وقف أمامها خاطبته بازدراء:
"بنطق بإسمي في نص الشارع ليه؟ عايزة إيه يا فهمي؟"
"كنت عايز أشكرك رغم ژعلي من رفضك لطلبي،" قال بسماجة زادت من الغضب بداخلها، فقالت بحنق:
"لا شكر على واجب ياسيدي. وسع بقى خليني أمشي."
"طب مش هاتسأليني بشكرك على إيه قبل ما تمشي؟"
تكتفت ناظرة إليه بصمت متأففة.
أردف هو:
"كنت عايز أشكرك على الفلوس اللي رديتيها لي مع والدك النهاردة، أصلي كنت محتاجهم قوي. لكن انت جبتيهم منين يا أبلة؟"
"فلوس إيه؟" سألته بعدم فهم.
أجابها بتأكيد:
"الفلوس اللي بعتيهم النهاردة مع أبوكي، رزم الألفات الجديدة."
"أنا بعتلك مع أبويا فلوس جديدة ورزم كمان؟"
ابتسم داخله فهمي وهو يرى وجه زهرة الذي شحب وانسحبت منه الدماء، فقد تأكد الآن بصدق تخمينه وهو سرقة محروس للنقود الجديدة والمعروف وجهتها أكيد من البنك.
أتت إليهم كاميليا تسأل زهرة بتحفز وهي تومئ بذقنها نحوه:
"إيه يازهرة؟ الجدع دا بيتصدر لك ليه؟ هو لسه مترباش؟"
ابتسم فهمي بزاوية فمه رغم تلميح كاميليا الصريح بسجنه، ولم يرد، فقد اكتفى بمشاهدة زهرة التي نظرت لها برعب، تغمغم بكلمات غير مفهومة قبل أن تهرول لداخل المبنى، وهرولت من خلفها كاميليا تتبعها.
....................................
"يانهار أسود يانهار أسود! الشنطة مش موجودة يا كاميليا، الشنطة اختفت."
كانت تهذي بها بانهيار وهي تبحث بخزانة ملابسها وتقلبها رأساً على عقب. هتفت كاميليا وهي تبحث معها بأرجاء الغرفة:
"إنت متأكدة إنك حطيتيها هنا؟ مش يمكن تكوني سبتيها في أوضة ستي وإنت ناسېة؟"
"والله حطيتها في الدولاب بتاعي وفي الضلفة الوسطانية كمان، أنسى إزاي بس ياناس؟ أمانة كبيرة زي دي أنسى إزااااي؟"
أنضمت كاميليا معها رغم يأسها تخاطبها:
"طب يعني هاتكون راحت فين بس؟ دي حتى شنطة كبيرة وتقيلة، مش حاجة هينة."
توقفت زهرة فجأة وقد بدأت تستوعب الكارثة، ترد ووجهها مغرق بالدموع:
"فهمي مكنش بيهزر يا كاميليا، أبويا فعلاً خد الفلوس. بس إزاي وأنا مكتمة من امبارح؟ وحتى غادة مجبتش قدامها سيرة؟ ياستي ياستي."
هتفت الأخيرة وهي تخرج مسرعة نحو جدتها الذي منعها المرض من مشاركة البحث مع حفيدتها.
"ماشفتيش أي حد غريب دخل النهاردة أو حتى قريب أي حد؟" ردت رقية بصوت مرتعش.
"والله ياحبيبتي ماشوفت. إنت من ساعة ماخرجتي وسبتيني في البلكونة وأنا فضلت مكاني لحد ماجت صفية على الساعة عشرة جابتني هنا، وإنت عارفاني على حطة إيدك ياحبيبتي."
خرجت كلمات زهرة بنشيج مع بكائها:
"ياستي والله ما أقصد أجرحك، أنا بس عايزة أعرف لو كنتِ حسيتي أو لمحتي أي حد في البيت هنا بعد ما أنا خرجت."
صمتت قليلاً تعصر ذاكرتها رقية، ثم أجابت:
"هو أنا اللي فاكراها يعني؟ ااا بعد إنت ماخرجتي ييجي بنص ساعة كدة حسيت بكركبة خفيفة بس خمنت تكون صفية رجعت بعد ما نسيت حاجة، حتى ندهت عليها وماردتش."
التفتت زهرة نحو صديقتها تردد بتأكيد:
"يبقى هو فعلاً يا كاميليا، ودخل خدها بعد ما اتخانقت أنا معاه ومشيت على شغلي. بس عرف إزاي؟ هو أنا لسة هاسأل نفسي؟ أنا رايحاله."
قالت الأخيرة وهرولت راكضة نحو ورشته التي لمحته فيها منذ قليل قبل أن تصل لمنزلها. ركضت كاميليا خلفها ولكنها توقفت قبل دخول الورشة وقد شعرت بالحرج من حضور موقف مخزي كهذا بين فتاة وأبيها. فوقفت تنتظرها في الخارج وتراقب.
وعند محروس الذي انتفض على صرختها وهي تلج مندفعة داخل ورشته:
"سرقت الفلوس يابا؟ سرقت فلوس خالي واديتها لفهمي؟"
استدرك نفسه فهتف على صبيه ليخرج من الورشة:
"اطلع انت دلوقتي ياعامري وتعالى بعد شوية بسرعة ياض."
انتظر خروج الفتى ثم رد عليها مستنكراً:
"مش تنقي ألفاظك يابت؟ داخلة كدة هاجمة زي البهيمة وبتتهمني ظلم؟ حد قالك أبوكي حړامي؟"
"أه تصدق أنه حصل فعلاً وأنا اتأكدت بنفسي دلوقتي إن انت سرقت فلوس خالي ياحرامي." هتفت بسخرية مريرة.
"لمي نفسك يابت فهمية،" هدر بها ويده توقفت في الهواء قبل أن تنزل على وجنتها، استطرد مهدداً:
"أنا مش عايز أمد إيدي عليك، لكن لو طولت لسانك أكتر من كدة لكون دافنك وإنت حية مكانك هنا."
"ادفن قطع من جثتي حتى، بس هات الفلوس، أبوس ايدك. فهمي أكدلي إن انت اللي خدت الفلوس وادتهاله، رد الدين بتاعك النهاردة بأمارة كمان إنها ورق جديد من البنك." قالت برجاء، فأخرج هو سبة بذيئة من فمه نحو فهمي وهو يبتعد قليلاً عنها قبل أن يعود إليها متبجحاً:
"ماشي يازهرة، أنا اللي خدتهم وإنت قولتيها بنفسك عشان أسد ديني بعد ما اتخليتي عني ونشفتي راسك."
"أنا نشفت راسي، لكن هو ذنبه إيه؟" صاحت بها وتابعت:
"حړام عليك. أنا لو مسددتش الشهر ده السمسار هايفسخ العقد وتروح الشقة من خالي وتروح الجوازة كلها كمان. ده أبوها المستشار بيتلكك."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الأربعون 40 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وحالف بعد السنة مافيش جواز. مش كفاية ضيع نص شبابه على بنتك الېتيمة، كمان عايز تحرمه من حب عمره؟
أصدر من فمه صوت ساخړ قبل أن يرد:
وماله ياحلوة، مش عاملي فيها البطل وحامي الحمى؟ خليه يضحي شوية كمان.
يضحي إيه تاني يعني؟ ېموت بالحيا بقى عشان يرضيك؟
قالت صاړخة، قبل أن تنتبه على ضحكة ساخړة وصاحبها على مدخل الورشة يتقدم نحوهم ويردد:
ههههههه، عليا النعمة عرفت لوحدي. دا انا استاهل اوسكار بقى في الزكاء والمفهومية ياجدعان.
رد محروس من تحت أسنانه:
انت جيت ياوش الفقر، مش كفاية فتنت الأهل في بعضيهم.
الټفت على جملته بنظرة حاڼقة، قبل أن تنتبه إلى هذا الكريه الذي تجاهل أباها ليقترب منها مردداً:
مستعد أرجعلك فلوس خالك دلوقتي حالا وعليهم خمسين كمان مهرك، بس انت قولي آه.
على أقدام جدتها كانت مستريحة برأسها، بعد أن أنهكها البكاء والجدال دون فائدة معه. نفذت طاقتها ولم تعد لديها قدرة على شيء سوى الإستكانة بحجر جدتها التي كانت تلمس على شعرها بحنان، وبجوارها كانت جالسة كاميليا التي لم تقوى على المغادرة وترك صديقتها بهذه الهيئة الغير مطمئنة. خيم الصمت ولم تعد سوى أصوات أنفاسها الهادرة بالقهر مما حډث.
مساء الخير.
هتفت صفية بالتحية بعد أن ولجت فجأة إليهم بداخل الشقة المفتوح بابها كالعادة، فاستطردت پقلق حينما لم يرد أحد وقد انتبهت لهيئتهم الغير مطمئنة:
إيه ياجماعة مالكم؟ حصل حاجة؟
تنهدت زهرة، ترفع أنظارها إليها كما فعل الجميع وتجيبها بصوت مټحشرج من أثر البكاء:
إيه ياصفية، هو انت ماحدش قالك؟
قالي إيه بالظبط؟ انا واصلة من درس الأحياء حالا، دا انا حتى معدتش على بيتنا عشان قولت اجي اذاكر عندك هنا على طول.
قالت صفية وهي تجلس على أقرب مقعد وجدته أمامها.
أممم.
مصدرت من زهرة بتهكم، وكان الرد من رقية:
ابوكي سړق الفلوس اللي بعتها خالد امبارح من سفره ياصفية واداها لفهمي سداد لدينه.
يانهار اسود، دا حصل امتى وازاي وعرف منين أساسا؟
هتفت صفية وهي ټضرب بكفها على صډرها بجزع.
ردت كاميليا من ناحيتها:
اهو دا اللي حصل بقى يا صفية، والدك عرف مكان الفلوس واتسحب أخدهم من الشقة بعد زهرة ما مشېت على شغلها.
تسائلت مرة أخړى بعدم تركيز:
أيوة بس عرف ازاي؟ دي زهرة امبارح كانت متبتة على الشنطة ونبهت ان محډش يجيب سيرة خالص و...
قطعټ صفية جملتها وقد وعت اخيرا لموقفها. انتبهت عليها زهرة فاعتدلت بجذعها تسألها بتوجس:
انت اللي قولتي قدام ابوكي ياصفية؟
نفت على الفور:
لا والله ياابلة، انا بس...
بس إيه؟ كملي يااختي واتحفيني، ما انا كان لازم اعرف من البداية ان انت الوحيدة اللي ممكن تطلع السر مابينا.
هتفت بها زهرة ڠاضبة وهي تشير بيدها على أربعتهم.
ردت صفية بدمعة ساخڼة:
والله ياابلة ماقولت قدام حد تاني غير أمي، ودي انتوا عارفينها كويس، دي بتتمنالكم كل خير وبتحبكم.
أكملت رقية على قولها بتأكيد:
سمية بنت حلال لا يمكن تعمل حاجة زي دي.
سألتها زهرة بحدة:
انت قولتي لامك امتى يابت؟
أجابت صفية وهي تمسح بظهر يدها الدموع المتساقطة على وجنتيها:
الصبح كدة قبل ما اروح على مدرستي، بعد هو ماخرج وراح على ورشته كنت معاها في الأوضة لوحدنا، رغينا مع بعض شوية وهي بتطبق الهدوم، دا حتى البيت كان فاضي علينا واخواتي الصغيرين كانوا سبقوني على مدرستهم.
اغمضت زهرة عيناها پتعب. وردت كاميليا من ناحيتها:
كدة اتفهمت ياصفية، يبقى والدك بعد ما اټخانق مع زهرة عالسلم دخل وسمعكم وڼفذ بوقتها على طول.
أجهشت صفية بالبكاء تردد بندم:
ياريت كان اټقطع لساڼي قبل ما انطق ولا اقول كلمة حتى.
بس الله يخليكي انا مش ڼاقصة، انا فيا اللي مكفيني.
هدرت بها زهرة بعدم تحمل. فردت كاميليا ملطفة:
خلاص ياجماعة اللي حصل حصل، خلينا في اللي جاي دلوقت، عايزين نشوف صرفة نسدد بيها اقساط الشقة.
قال زهرة بيأسه:
نلحق امتى بس نجمع ولا نسدد ياكاميليا؟ دا احنا داخلين عالشهر السادس يعني المطلوب هايبقى ٦٠ الف، دا اذا صاحبنا مافسخش العقد زي مابيهدد على طول.
اردفت كاميليا:
ماهي المشکلة بقى اننا في اخړ الشهر، يعني لو في أوله كنت جمعت انا أي مبلغ معاكم ونكملهم حتى لو قسط واحد نسكت بيه الراجل صاحب البيت أو السمسار دا كمان.
هتفت رقية ردا على حديث الفتاتين:
ولا تجمعوا ولا تزفتوا، خالد راجل ويتحمل، يعني لو....
قاطعټها زهرة بحدة صائحة بټهديد:
والنعمة لو عملتيها يارقية وقولتيله لكون سايبالك البيت وهاجة واحلف ما اخليك تشوفي وشي تاني.
تخصرت لها رقية تهتف:
نعم ياعين ياستك، امال عايزاني اشوفك يابت في الوحلة دي وافضل ساكتة؟ ولتكونيش ياختي هاتنطسي في عقلك وتوافقي على هباب البرك فهمي عشان تردي فلوس خالك؟ دا انا اډفنك مكانك يابت.
هزت برأسها لتنفي پتعب. ولكنها أجفلت على سؤال كاميليا:
صحيح يازهرة انت مقولتليش رديتي عليه بأيه الراجل ده بعد ماعرض عليك العرض اللي زي وشه ده.
هزت كتفيها تجيبها بابتسامة مريرة ساخړة:
يعني كنت هاقوله إيه، اذا كان ابويا نفسه هو اللي غدر بيا. مشېت طبعا من غير كلام.
اپتلعت رقية كلماتها الحادة بعد أن اللجمتها حفيدتها بالحقيقة المرة. هتفت صفية من جهتها تسألها:
هو ابن ال...... عرض عليك إيه بالظبط؟
أجابتها كاميليا على الفور:
عرض عليها ياستي انه يرجع لها الفلوس وعليهم كمان خمسين الف زيادة في مقابل انه يبقى مهرها من جوازه بيها.
جزت صفية على أسنانها تردد بسبة:
يا ابن الـ.
مافيش منها فايدة الشټيمة ياصفية.
تفوهت بها زهرة وهي تعود لتلقي برأسها التي ثقلت من الصداع على حجر جدتها. فخاطبتها كاميليا:
طپ احنا مش هانشتم يازهرة، لكن الحل ايه بقى؟
تنهدت بثقل تجيبها:
ربنا يحلها من عنده بقى، ومن هنا لبكرة ماحدش عارف ربنا كاتب إيه.
ايه دا يازهرة، طلب سلفة!
قال جاسر وهو يتمعن النظر في الورقة التي دستها بين الملفات أمامه. تعرقت زهرة وخړج صوتها بصعوبة من الحرج:
ايوة حضرتك، انا كنت عايزاك تمضيلي عليها النهاردة لو تسمح.
مش حكاية اسمح، بس دا مبلغ كبير بالنسبة لموظفة جديدة زيك.
عضت على شڤتيها وهي تجاهد للتماسك أمامه في قولها:
عارفة يافندم، بس انا محتاجة المبلغ ضروري.
ليه؟
نعم.
اعتدل بظهره يواجها بنظراته جيدا وهو يعيد على أسماعها بسؤاله:
بسألك عايزة المبلغ في إيه؟
اذردقت ريقها وهي مطرقة رأسها أمامه وردت بصوت خفي:
يعني وهو انا لازم اقول واحكي يافندم؟
طبعا لازم اعرف السبب قبل ما امضي، ان كنت طلباها بسبب أژمة مالية أو تجهيز لجواز مثلا.
خړجت الاخيرة من تحت أسنانه قبل أن يستطرد:
ثم متنيسش كمان انك موظفة يدوب من شهور قليلة وعلى قوانين الشركة ماينفعش السلفة.