تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 131 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مع نيازي في المستشفى هو حكا.....
قطع مجفلة من هيئته وهو يكاد أن يقع على الأرض من الضحك مرددًا:
طپ بذمتك دا إسم واحد ترتبطي بيه واحدة، حتى اسمه مش لايق عليك، يخرّب عقلك لينا ونيازي ههههه.
أكمل بالضحك غير قادر على التوقف حتى أصابت كاميليا العدوى على الرغم من محاولاتها للكبت أمام لينا التي كانت تفور غيظًا وهي ترمقه محدقة به بعصبية.
حتى التفتت لكاميليا تخاطبها:
عاجبك اللي بيعمله ده وهو بيستهزأ بيا وباختياراتي؟
أجابتها كاميليا بابتسامة تجاهد لكبحها:
أنا متسألنيش يا لينا، سيبيني في حالة الذهول اللي أنا فيها دي. الشقلبة دي اللي انتوا عملتوها في دماغي، أقسم بالله أنا لسة بستوعب أساسًا.
إيه بالظبط؟ ممكن تفهميني.
رمقتها كاميليا من أعلى رأسها حتى أقدامها لتجيبها:
كلك على بعضك يا لينا، اللي يشوفك في الشغل باللبس العصري والمكياج اللي يهبّل ولا الشعر الحرير، عكس اللي شايفاها قدامي خالص. البيجاما دي اللي انتي غرقانة فيها، الشعر المنكوش ولا الشبشب اللي في رجلك دي، مش اللهلوبة خالص يا قلبي.
نيازي بهت عليها.
هتف بها طارق ليشعل غضبها مرة أخرى وهي تجيب كاميليا وتتجاهل استفزازه لها:
أولًا دا أنا عشان عيانة وعملية وانتِ عارفة طبعًا، وثانيًا بقى عشان في فرق بين الشغل وبين البيت. ما أنا قولت امبارح. الشغل ده أكل عيش.
أومأت لها كاميليا تدعي الفهم برغم عدم اقتناعها وتمتم طارق:
وحتى لو مش عيانة برضه نيازي أثر عليكي.
زفرت تنفخ بفمها كالأطفال لتردف لكاميليا:
بصي، شايفة استفزازه؟ قوليله يقعد ساكت أحسن.
لم تتمكن كاميليا فهي أيضًا كانت تضحك ولا تستطيع التوقف.
حتى انتبهت على دخول والدة لينا بصينية كبيرة من المشروبات الساخنة وعدة أطباق من الحلويات تلقي التحية وهي تضعها أمامهم:
ها يا ولاد عاملين إيه؟
فل يا أنسة فل والله.
هتف بها طارق وهو يتناول أحد الأطباق سريعا بلهفة ليقدمه لكاميليا التي حاولت الرفض:
لأ، أنا مش هشرب ولا هاكل أي حاجة.
خاطبتها المرأة بمودة صادقة تشدد:
لأ بقولك إيه، دي عادة وأنا اتعودت عليها مع أحبابي، بس يعني مش مع أي حد. لما تدخلي عندي لازم تشربي الحاجة السخنة أو الساقعة وتاكلي معاها الحلويات، ولا انتِ مش معتبرة نفسك من حبايبي؟
لأ طبعًا، أكيد من حبايبك.
قالتها كاميليا ردًا للمرأة التي أحرجتها بذوقها لتقبل الدعوة وتتناول من طبق الحلوى مع ثلاثتهم طارق ولينا ووالدتها في جلسة عائلية يغمرها الدفء الأسري ومشاكسات طارق ولينا الناقمة عليه لسخريته الدائمة من شاعر قلبها نيازي.
***
في التجمع التجاري الكبير.
وبعد أن انتقلت مع لمياء معظم احتياجات الطفل من ملابس وألعاب وبعض الأشياء التي تزين الغرفة، تبقى فقط آخر محل تدخله معها لاختيار ملابس واسعة لها تناسب وضعها الجديد في الشهور القادمة.
شايفة يا زهرة، أهو ده هيبقى حلو قوي عليكي.
قالتها لمياء وهي تفرد أمامها إحدى القطع بصحبة عاملة المحل.
تناولته منها زهرة تطالعه بتتمعن قبل أن تدلي برأيها:
بس دا ممكن يضايق عليا شوية، حاسة كدة قماشته خفيفة.
ألقت نظرة نحوه لمياء قبل أن ترد:
لأ يا زهرة، أنا مش شايفاه خفيف لدرجة وحشة، بالعكس انتِ هتحتاجي الأنواع دي صدقيني.
تدخلت العاملة:
فعلاً يا فندم، كل ما الحمل بيكبر كل ما كانت الأنواع دي من القماش مطلوبة أكتر، ودا صنف فاخر مصنوع لراحة المدام الحامل خصوصًا في الشهور الأخيرة.
أثنت على كلمات الفتاة لمياء لتردف لزهرة:
عندها حق على فكرة، أنا باخد بالي فعلاً، هو دا النوع اللي سائد كموضة للحوامل الأيام دي وبشوفه كتير. ها إيه رأيك بقى؟
أومأت لها رأسها بتعب:
خلاص يا طنط زي ما تحبي، بس مش كفاية كدة بقى، احنا اشترينا كتير أوي النهاردة.
ردت لمياء بإصرار:
لأ طبعًا، كفاية دا إيه، انتِ لسة عايزالك كام طقم استقبال، ولا انتِ ناسيه إن هتيجي ناس كتير تزورنا؟
آه.
هتفت بها باستسلام رغم اعتراضها من الداخل وذلك لمعرفتها الكبيرة بعدم جدوى النقاش مع لمياء والتي تتعامل مع الوضع وكأنه سيصير غدًا وليس بعد شهور بولادة الطفل. فقالت:
ماشي يا طنط، اختاري مجموعة وأنا هنقي منهم، بس اسمحيلي بخمس دقايق بس أعمل مكالمة تليفون.
تمام، بس متتأخريش.
قالتها لمياء لتتخذها فرصة زهرة وتتناول هاتفها لتتصل به.
و في خارج المحل، وقفت أمام واجهة العرض الزجاجي تنتظر إجابة اتصاله التي أتت بعد وقت بصوت قلق:
ألوو... أيوه يا زهرة، بتتصلي ليه دلوقتي؟ في حاجة؟
أجابته بهدوء:
لأ ما فيش حاجة، أنا قولت بس أطمن عليك، لكن انت بتنهج ليه؟
أجابها على عجالة:
بنهج يا زهرة عشان سبت الإجتماع المهم وخرجت من الجلسة على اتصالك، خفت ليكون حصل حاجة.
ردت بلهجة مطمئنة قبل الوصول لهدفه:
لأ الحمد لله، اطمن، ما فيش حاجة. أنا بس قولت أسألك عن الشركا وعن الجلسة.
بعدين يا زهرة، بعدين هقولك على كل حاجة، سبيني دلوقت أرجع لهم، مصطفى لوحده بيتفاوض معاهم جوا.
هتف بها وهم بإنهاء المكالمة ولكنها لحقته بقولها:
طب دقيقة بس يا جاسر، هاسألك قبل ما تقفل.
تنهد بسأم يجيبها:
قولي يا زهرة وقولي بسرعة.
عضت على شفتيها بحرج قبل أن تسأله بتردد وصوت خفيض:
بعد ما شوفت الوفد كدة بنفسك وقعدت معاهم، هما بينهم ستات؟
شعرت بضحكته رغم صدورها من غير صوت ليردف لها باقتضاب قبل أن يغلق هاتفه:
أبقى أقولك بعدين، سلام بقى.
نظرت لهاتفها الذي انتهت به المكالمة لتتمتم بالكلمات الحانقة عليه وعلى مراوغته الدائمة لها لتختم بتوعد:
ماشي يا جاسر.
قالتها والتفت لتستدير، فارتدت منتفضة للخلف برؤية آخر شخص تود رؤيته الآن وفي أي وقت واقفًا أمامها بهيئته القبيحة ونظراته الوقحة وكأنها تجردها مما ترتديه:
إنت إيه اللي موقفك هنا قصادي يا حيوان؟
قالتها بقوة تدعيها رغم الرعب الذي يسطير عليها بداخلها.
سمع منها وتبسم لها بسنه المكسور ليرد بعدم اكتراث:
أنا واقف بقالي وقت هنا، من ساعة ما شوفتك بصراحة مقدرتش أمنع نفسي، وحشتي عمك فهمي يا زهرة.
***
بداخل السيارة العائدة بهم للشركة كانت ما تزال لا تستطيع التوقف عن الضحك معه كلما تذكرت مشاكساته مع لينا التي تدافع بشراسة عن شاعرها المجنون ولا تتحمل عليه نقدًا.
حرام عليك اللي عملته فيها، والبنت تعبانة أساسًا، دي هتكرهك بجد على فكرة.
مط بشفتيه يدعي التأثر وهو يقود السيارة بجوارها ليقول:
عارف إني زودتها عليها، بس أنا كمان معذور يا كاميليا، نفسي ألاقي ميزة واحدة في الولد ده، لكن مش لاقي. دا حتى اسمه....
توقف على مقاطعتها له مكملة من بين ضحكاته:
لينا ونيازي، ههههه، كل ما افتكر شكلها وهي بتنفخ زي القطة الشرسة اللي عايزة تهجم عليك في أي لحظة، ههههه، فظيعة. بمجرد بس ما تجيب سيرته دي شكلها بتحبه بجد، باينها!
أومأ لها يردف وقد توقفت ضحكاته:
يا خوفي، ليكون بجد يا خوفي.
توقفت هي الأخرى لتسأله:
يا خوفي ليه بقى؟ مش دا اختيارها وهي حرة.
هي فعلاً حرة.
تفوه بها قبل أن يلتف إليها برأسه، متابعًا:
بس بقى لو حصل وأصرت على اختيارها ده، طبعًا أنا مش هقدر أعترض على اختيارها وهضطر أقبل بيه وأرحب. لأ دا كمان ولو وصلت لكتب الكتاب، هبقى وكيلها، بس كل ده هيبقى غصب عني عشان بصراحة مش عاجبني طريقة تفكير الولد، بس لازم أقف جنبها.
تسمرت قليلًا تستوعب كلماته قبل أن تسأله:
لدرجادي انت بتحبها؟
أجابها على الفور بدون تفكير:
ما أنا قولتلك قبل كده يا كاميليا، لينا أختي.
شدتها العبارة وهي تستشعر صدق ما يقوله من واقع ما التمسته بنفسها ورأته في تعامل الاثنين مع بعضهما، بالإضافة إلى حنان المرأة والدة لينا معه وكأنه من الأسرة بالفعل. غلبها الفضول وهمت لتسأله عن طفله الذي يتركه وحده بدون أب تربيه عائلته المهاجرة في دلع أخير كما أخبرها كارم، ولكنها أجلت على توقف السيارة متمتمًا:
خلاص وصلنا.
ليتبع قوله بغمغمة واضحة:
ودا من امتى رجع من سفره؟
انتبهت على جملته فانتقلت عيناها إلى ما ينظر إليه أمامها لتتفاجأ بجلوس زوجها المستقبلي أمامها على مقدمة سيارته بهيئته البراقة دائمًا ونظارة شمسية أكملت المشهد.
تناولت حقيبتها واستأذنت مغادرة على الفور من السيارة، فخطت حتى توقفت أمامه تبادر بإلقاء التحية:
مساء الخير يا كارم، حمدلله ع السلامة، انت رجعت امتى؟
اعتدل عن جلوسه بتأني ليقبلها على وجنتيها بابتسامة مريبة:
الله يسلمك يا روحي، وحشتيني، وحشتيني أوي يا كاميليا.
وانت أكتر، ما قولتش يعني إنك راجع النهاردة.
قالتها بمجاملة قبل سؤاله وهو أجاب:
حبيت أعملهالك مفاجأة، أنا جيت من المطار على هنا على طول.
أومات برأسها ترد بشبه ابتسامة:
حمدلله على سلامتك مرة تانية، طب اطلع معايا المكتب بقى على ما أخلص الحاجات اللي في إيدي.
تبسم لها يلقي نظرة على طارق الذي كان يركن سيارته التي خرجت منها هي منذ قليل ليسألها:
هو أنا غيبتي طولت أوي لدرجادي يا كاميليا؟
***
لم تأتِ بتخطيط ولا حتى عن توقع أن يراها هكذا فجأة وهو يتسوق بداخل المجمع التجاري الشهير. إنه لمن أسعد الأشياء التي قد تمر به بيومه أن يجمعك القدر بمن يحترق قلبك لرؤيته في ترتيب عجيب وهي وحدها ملتهية عنه بالتحدث بالهاتف حتى تعطيه الفرصة للتحديق بها عن قرب وحفظ تفاصيلها التي غابت عنه من زواجها بهذا الملعۏن الذي خطفها منه. إنها بالفعل ما يطلق عليه الصدف الجميلة، لا بل هي التي ينطبق عليها القول الشهير: "رب صدفة خير من ألف ميعاد".
حينما رآها بجوار محل الملابس النسائية، لم يدري بأقدامه التي انساقَت نحوها على غير إرادته حتى وقف خلفها بالضبط في انتظار انتهاء مكالمتها وصدره يصعد ويهبط بقوة ابتهاجًا برؤية من كانت حلم ليله ويقظته، وما تزال حتى الآن. عاشر العديد من النساء في الحلال والحرام ولم تتمكن واحدة منهن أن تنسيه لمستها أو القبلة التي خطفها منها وهي في بداية ازدهارها كورده جميلة تتفتح حديثًا، لم ولن ينساها إلى الأبد.
وحشتي عمك فهمي يا زهرة.
قالها متابعًا التهام تفاصيل وجهها وهذه التغيرات الذي زادت من جمالها لأضعاف مضاعفة بعد أن التفتت إليه لتصعق لرؤيته وتتوسع عيناها برعب تملكها بالفعل لتهتف بشراسة غير لائقة بها وبوضعها الجديد:
إنت إيه اللي موقفك هنا قصادي يا حيوان؟
قالتها بقوة تدعيها رغم الرعب الذي يسطير عليها بداخلها.
أطلق ضحكة خشنة مقيتة ليردف بعدم تصديق لها:
جوزك مين يا برنسيسة؟ اللي يشوفني هو الباشا برضه هيسيب أشغاله وييجي يلف معاكي في المول يدور ع الهدوم اللي تناسب.... الوضع الجديد.
قال الأخيرة متنهدًا وعيناه تركزت على بروز حملها من الفستان الذي ترتديه، مما جعل كفها ترتفع عليه بغريزة أمومية لحماية طفلها.
بتخبي العيل بكفك ليه؟ ولا تكونيش فاكراني هحسدك مثلا؟
قالها ساخرًا ثم أكمل بملامح ارتسم عليها الغل والحقد:
كان هيبقى عيالي أنا ده دلوقتي، لولا غراب البين اللي خطفك مني على آخر لحظة.
هتفت بازدراء للفكرة نفسها وهي غير قابلة بكلمة سوء على زوجها:
غراب في عينك دي مين دي اللي كانت هتشيل طفلك يا حيوان؟ دا أنا كنت أموت نفسي أحسن ولا أتجوزك.
أثارت شياطينه فتقدم نحوها بوجه مظلم وعينان تبرقان بالغضب، ذكرتها بحادثتها القديمة معه لينتفض قلبها من الرعب وهي ترتد بأقدامها للخلف رغم مجاهدتها للتماسك وهي تسمعه يزأر بفحيح:
صوتك يعلى يا بت فهمي وبتدافعي كمان عن الكل... جوزك بعد كل اللي عملوا فيا لما خرج أبوكي وحط اسمي مكانه، أوعي تكوني فاكراني هفوت حقي فيكِ ولا حقي في اللي عمله جوزك فيا، دا أنا مبقاش فهيم صنارة لو معرفتوش مقامه، وانتي...
على وشك السقوط وقلبها يكاد أن يتوقف من الزعر الذي يسببه لها هذا القبيح رغم علمها بموقعها في هذا التجمع التجاري الكبير والذي يضج بالحركة الدائمة للبشر وبالزحام المنتشر حولهم، وأنه حتى لو أراد أن يؤذيها لن يقدر، لكن ومع ذلك لا تضمن بخوفها القديم منه وتهديده لها بحياة زوجها وطفلها....
على خاطرها الأخيرة تشبثت كفيها على موضع جنينها وهي ترتد للخلف وهذا يتقدم نحوها بملامحه البشعة في نظرها يتابع بغل:
مش هفوت حقي فيكي، ومسيرك ترجعيلي يا زهرة، بعد ما أرد لكل واحد قلمه، جوزك وأبوك الهبل، أنا مبنساش حقي يا بت ولا بسيب حاجة نفسي فيها من غير ما أطولها.
زهرة.
أتت كنجدة لها من خلفه لتلتف إليها وتلتف رأسه هو معها، فتراجع للخلف سريعًا حتى يتمكن من الهرب، ولكن زهرة استدركت لتهتف على لمياء بصوت متهدج ومنقطع الأنفاس وهي تشير بيدها على الحارسين الواقفان في جهة أخرى وقد غفلوا عن مراقبتها في غمرة الزحام الكثيف:
قوليلهم يجروا بسرعة يمسكوا الحيوان ده، أرجوكي يا طنط....
قطعت لتقع على الأرض مغشيًا عليها، ولمياء تصرخ باسمها وبأسماء الحراس ليلحقوا بفهمي قبل أن يختفي في الزحام.
***
دلفت لدخل غرفة مكاتبها وهو خلفها، وفور أن انغلق باب الغرفة عليهما أجفلها فجأة بجذبها من ذراعها لترتطم بصدره العريض ويحاصرها بذراعه. شهقت هاتفه بغضب:
إيه اللي انت بتعمله دا يا كارم؟ إبعد إيدك عني وعيب كدة.
تبسم يرد بنبرة هادئة:
عيب إيه؟ انتي مش واخدة بالك إني راجع من السفر ومن حقي عليكي استقبال كويس يليق بيا كزوج مستقبلي.
دفعته بكفيها حتى تستطيع الابتعاد عنه لتردف بلهجة لا تقبل النقاش:
بلاش الأسلوب دا معايا يا كارم، إنت عارف إني مبحبش الكلام ده وكذا مرة أنبهك.
عاد مرددًا بصيغة أخرى:
خلي بالك، أنا راجع من السفر بشوقي ليكي، انتي بقى مشتاقة لي؟
تود قول الأخيرة، ولكن مع وضعها بهذه اللحظة فلا يصح. لذلك أجابته بمرواغة:
حتى لو كان شوقي ليك أضعاف، أنا برضه مبحبش أخالف مبدئي، أرجوك بقى تحترم رغبتي، ثم متنساش كمان إننا في المكتب يعني مينفعش.
ولو كان برا المكتب كنتي هترضي؟
سألها في رد على كلماتها فردت تجيبه بالنفي:
لأ يا كارم، عشان المبدأ زي ما قولت.
صمت قليلًا يتطلع إليها بأنفاس هادئة كانت تشعر بها وغلاف وجهه الغامض يخفي عنها أي شرح لتفاصيل ما يفكر به، ثم ما لبث أن يتركها بدون إنذار ليتحرك.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 132 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
يجلس على كرسيه أمام المكتب وكأن شيئًا لم يكن، ليردف بكل هدوء بعد تنهيدة طويلة أظهرت تحكمًا هائلاً في كبح انفعال جسده بعد فشله في الاقتراب منها:
"إيه أخبارك؟"
رغم الارتياح الذي شعرت به فور تركها له، إلا أن مشاهدته ينقلب فجأة هكذا جعلت حالة من الدهشة تكتنفها بشدة، ولكنها تداركت لتعدل من هندامها وتجلس على المكتب بعملية أمامه، وهي تجيبه:
"الحمد لله بخير، المهم بقى أنت عملت إيه في سفرتك؟"
على نفس الوتيرة الهادئة المريبة كان يجيبها:
"هايلة يا كاميليا، كل حاجة كانت بيرفكت، ماكنش ناقصني غير وجودك بس معايا عشان أحس بطعم النجاح."
تبسمت له بمجاملة لتجده يقرب برأسه يستطرد:
"أنا اخترت الأماكن اللي هنقضي فيها شهر العسل، حاجة كده ولا في الخيال."
ارتدت برأسها للخلف وهي تطالعه بنظرة مجفلة لتردف سائلة بدهشة:
"شهر عسل إيه؟ هو إحنا لسه كملنا شهرين خطوبة؟"
اعتدل عائدًا بجسده للخلف ليقول بابتسامة لم تفهمها:
"وافردي حتى الخطوبة مكملتش أسبوع، مدام كل حاجة جاهزة يبقى ننتظر ليه؟"
كان هذا دورها لتعتدل وتجيبه بقوة:
"عشان الفيلا اللي مخلصتش تشطيب يا أستاذ كارم، ولا أنت نسيت؟"
ازداد اتساع ابتسامته لتزداد بداخلها استغرابًا منه، ويباغتها هو بقوله:
"لا طبعًا منستش، بس أنا فكرت كويس واكتشفت إن مدة الخطوبة هتستمر على الأقل شهور تانية على ما تجهز الفيلا، فعشان كده غيرت رأيي وبقول بقى نتجوز في بيت العيلة على ما تجهز الفيلا براحتها."
همت لتعترض ولكنه تابع:
"بصراحة حسيت بالذنب، أمي ست كبيرة وقاعدة لوحدها والبيت طويل عريض عليها زي ما أنتِ شوفتي بنفسك كده في زيارتك ليها دي، انبسطت قوي على فكرة، بجد أنا مش عارف أشكرك إزاي على الحركة دي يا كاميليا، دي ماما دلوقتي بتقول فيكِ شعر."
طالعته بصدمة تبتلع ريقها الجاف بصعوبة، فبرغم لهجته العادية وترحيبه بزيارة والدته، إلا أن شيئًا ما لا تعرف وجهته لا يجعلها تشعر بالراحة، تماسكت تجلي حلقها ثم قالت باعتراض:
"من غير شكر، والدتك زي والدتي وأنا عملت الواجب، بس بقى حكاية إننا نتجوز معاها في الفيلا دي أنا مفكرتش فيها نهائي، وكمان من حقي إن يبقى لي بيت لوحدي، ده غير كمان إنك فاجأتني بتغيير ميعاد الفرح وأنا برفض الأسلوب ده..."
"براحة شوية يا كاميليا."
قالها بمقاطعة ليكمل:
"مش عايزك تقولي أي رأي دلوقتي، خدي فرصتك في التفكير الأول، المهم بقى."
"إيه هو المهم بقى؟"
سألته عاقدة حاجبيها باستفهام، فرد يجيبها وهو ينهض عن مقعده:
"المهم إنك هتيجي معايا بكرة عشان الست الوالدة بعد زيارتك ليها مصرة إنها تقوم بواجبها معاكي وعازماكي على الغدا احتفالًا كمان برجوعي من السفر."
نهضت تقابله قائلة باعتراض:
"أروح معاك فين يا كارم؟ وهي لازم العزومة تبقى في بيتكم يعني؟"
تبسم يجيبها قبل وهو يرتدي نظارته الشمسية استعدادًا للانصراف:
"وماله يا حبيبتي، البيت ده هيبقى بيتك في الأول والآخر، ولا أنتِ معجبكيش استقبال الست الوالدة بقى في زيارتك ليها؟"
تلجمت تنظر إليه بازبهلال وقد ألجمها بحجته، لترى اتساع ابتسامته مرة أخرى، ليرسل لها قبلة في الهواء قبل أن يغادر ويتركها في حالة من التشتت وحيرة قاسية من الأفكار المتواترة لا تعرف لها حلاً على الإطلاق.
"إيه اللي حصل؟ ما لها زهرة؟"
هتف بها جاسر فور ولوجه للمنزل على أثر المكالمة التي تلقاها من أبيه ليحضر على الفور مع محاولاته المتكررة بالاتصال بها وعدم ردها على أي واحدة منهم.
"طالعة عامر وهو جالس بتحفز مشبكًا كفيه للأمام، زام شفتيه بخط قاسٍ على وجه مظلم قلما يراه منه حتى لو مع خصومه وأعدائه بسبب طبيعته المتساهلة دائمًا، ولكن معنى أن يصل إلى هذه المرحلة فهذا ينبئه أن الأمر جلل."
"مالها زهرة يا والدي؟ في حاجة حصلتلها؟"
سأله جاسر وقلبه يكاد أن يسقط منه من الړعب.
أجاب عامر بكلمات مقتضبة:
"إن شاء الله ما فيش حاجة، اطمن يا جاسر."
صاح جاسر بعدم تصديق ونفاذ صبر:
"اطمن إزاي بعد اتصالك بيا وأنت شكلك أصلًا ميطمنش؟"
"ما قالك اطمن يا بني، ما فيش حاجة."
قالتها لمياء وهي تهبط الدرج من الطابق الثاني. تقدم نحوها جاسر ليتقفلها فور أن هبطت أقدامها على الأرض ليسألها:
"هو لا بيتكلم ولا بيريحني، اتكلمي أنتِ يا ماما وريّحيني، ولا أطلع أنا بنفسي أطمن عليها؟"
أوقفها والدته بجذبه من ذراعه وهي تخاطبه بمهادنة:
"طب اسمعني بس الأول قبل ما تطلعلها، وأنا أفهمك زي ما أنت عايز، أنا مصدقت إنها نامت أساسًا."
تخشب محله وحديث والدته المبهم زاد من قلقه حد المۏټ، فهتف صارخًا:
"فهميني يا ماما أرجوكي، أنا حاسس قلبي هيوقف من الخۏف على مراتي وابني."
تنهدت بقوة لمياء في محاولة للسيطرة على توترها هي الأخرى، فهذه الساعات العصبية لم تصادفها من وقت مړض زوجها وحاډثة ابنها قبل ذلك. فابتعدت قليلًا حتى جلست على أقرب كرسي وجدته أمامها لتستطيع التماسك وإخراج الكلمات أخيرًا.
"مراتك النهاردة وقعت مني في المول بعد ما اتعرضلها واحد بلطجي، أنا مش عارفة إيه اللي حصل بالظبط لأني كنت داخل المحل بجيب لها كام فستان وهي كانت بتكلمك في التليفون، بس لما اتأخرت وخرجت لها لقيتها صرخت باسمي على طول أنا والحراس عشان ننقذها من الراجل ده اللي بعد ما شافني حاول يهرب على طول..."
"والحرس البهايم راحوا فين وسابوكم؟"
صاح بها بمقاطعة حادة، ردت والدته على الفور لتطمئنه:
"يا حبيبي مكانوش واخدين بالهم من الزحمة وكانوا فاكرينها معايا في المحل، بس لما ندهت باسمي وصرخت على البلطجي ده قدروا والحمد لله يمسكوه."
صمت قليلًا وكأن استيعابه فهمه لكلمات والدته يأتي متأخرًا مع رفض عقله للتصديق، ثم ما لبث أن يردف سائلاً بعدها:
"اسمه إيه البلطجي ده؟"
ردت لمياء:
"أنا معرفش اسمه بالظبط لأني كنت مشغولة مع زهرة، بس هي كانت بتخرف باسم كده..."
أوقفت وهي تحاول التذكر، فتدخل عامر والذي علم بالاسم من التحقيقات الأولية للشرطة:
"اسمه فهمي يا جاسر."
"أيوة فهمي."
هتفت بالاسم من خلفه لتتابع مرددة:
"بس زهرة كانت بتقول عليه فهمي بر شام."
ردد جاسر أيضًا الاسم ولكن بغضب شديد:
"فهمي؟ ذفت! اتجرأ واتعرض لمراتي؟"
"هدر من خلفه عامر: "الواد ده لازم يتربى يا جاسر."
هم أن يرد جاسر ولكنه أجفل مع والديه على صوت صرخة قوية أتت من الطابق الثاني في الأعلى، ليتمتم سريعًا قبل أن يركض إليها في غرفتها:
"زهرة."
وصل إليها وهي تصرخ بهيستيريا مع انطفاء الضوء، ليشعل عليها الأنوار سريعًا وينضم إليها على التخت ليضمها بقوة حتى يمتص ذعرها الذي كان يترجم بالصراخ الدائم والهذيان بالكلمات:
"الضلمة الضلمة لا يا خالي الضلمة لأ يا جاسر، حد فيكم يلحقني، التعابين وفهمي بر شام هيخنقوني تحت بير السلم."
صرخ بصوته العالي مع تشديده بذراعيها:
"اهدي يا زهرة، اهدى، أنا جاسر وأنتِ قاعدة في حضني."
مع صرخته الأخيرة صمت صوتها، ولكنها كانت ترتجف في حضنه وهي تبكي بحرقة، وهو يزيد بضمها ومهادنتها بالكلمات المطمئنة، حتى دلف إليه والديه ليصرخ برؤيتهم:
"مين فيكم اللي طفى عليها النور يا ماما؟ انتوا مش عارفين إن زهرة بتخاف من الضلمة؟"
ردت لمياء بارتياع لمشهدها المؤلم:
"أنا اللي طفيت النور يا جاسر عشان ترتاح، مكنتش أعرف إن عندها فوبيا من النور المطفي."
رد بصوت متحشرج من وجعه قد مس قلبه من الخۏف عليها:
"دي بتترعب يا ماما مش بتخاف وبس، بتترعب."
تسمر عامر وزوجته التي لم تقو على كبح دموعها مع رؤية ابنها الذي يجاهد بشتى الطرق لتهدئة زوجته التي كانت تهذي وتبكي دون توقف، وصوت نشيجها يجعل قلب الحجر يلين لها. ضم عامر المتماسك زوجته بذراعه من كتفيها ليردف لها هامسًا:
"يلا بينا يا لميا خلينا نسيبهم لوحدهم."
اعترضت لمياء قائلة من بين بكائها:
"نسيبهم إزاي؟ أنا خاېفة عليها قوي، نطلب لها دكتور طب يهديها؟"
"هتفت بالأخيرة نحو جاسر الذي تمدد بأقدمه على الفراش ليميل بزهرة بين ذراعيه حتى تتمكن من النوم، فقال بصوت خفيض:
"بعدين يا ماما، بعد ما تصحى، مش دلوقتي."
أومأ له عامر ليسحب زوجته ويخرج بها ضد إرادتها مع رغبتها الشديدة بعدم تركهم.
بعد مدة طويلة من الوقت، وبعد أن غفت لفترة ليست بالقليلة وغفى هو معها أيضًا وذراعه لم تتركها أو تبتعد عنها على الإطلاق، استفاقت أخيرًا على رائحة عطر قميصه التي تخللت حواسها. ظلت لبضع دقائق تتطلع إليه صامتة مستمتعة بدفء جسده الذي كان يبث إليها الأمان بغمرته القوية لها، لا تريد الاستيقاظ وقد وجدت مسكنها بحضنه، تود أن تظل هكذا ولا تفترق عنه أبدًا.
يبدو أنه قد شعر بتحديقها به، فاستيقظ هو الآخر ليقابل عينيها بخاصتيه، ويظل حديث الأعين لعدة لحظات قبل أن يبادر بقوله لها:
"إيه الأخبار؟"
أومأت برأسها له كطفلة صغيرة تجيب أباها. تنهد بصوت عالٍ بارتياح ليقربها إليه حتى يقبلها على جبهتها قبلة طويلة وعميقة حتى ظنت أنها لن تنتهي، ليتركها أخيرًا ويتطلع إليها بحنان بسؤاله لها:
"لسه حاسة نفسك خاېفة برضو؟"
نفت برأسها أيضًا بصمت، لتثير ابتسامة مشاكسة على وجهه في مخاطبتها:
"إيه بقى هي الحلوة هتفضل اليوم كله النهاردة تجاوب بدماغها بس من غير ما تتكلم؟"
ردت بابتسامتها ولكن خرج صوتها باهتزاز متأثرًا بالأحداث السابقة:
"ما خلاص يا جاسر، هو أنا لازم أقوله بلساني يعني؟"
"آه يا روحي، لازم تقولي بلسانك عشان أطمن، أمال إيه؟"
"وعشان كمان تحضري نفسك للاستجواب."
قالها بلهجة عملية عن قصد، مما جعلها تعتدل عنه بجذعها لتسأله باستغراب:
"تستجوبني في إيه بالظبط يا جاسر؟"
اعتدل هو الآخر ليقابلها وليرد على سؤالها:
"أستجوبك في اللي حصل يا قلبي، ما هو مش معقول يعني هنعدي الأمر كده من غير ما أعرف الحيوان ده عمل معاكي إيه وإزاي قدر يسبب لك حالة الړعب الشديدة دي."
اعتدلت متذكرة لتنفض رأسها صائحة بخوف:
"نهار أسود، هو فهمي صحيح راح فين؟"
أوقفها فجأة بوضع كفه على فمها ليخاطبها بلهجة هادئة مطمئنة:
"اهدي يا زهرة، الذفت اتقبض عليه."
سالت دموعها حتى بللت كفه، ليعود بسؤاله مرة أخرى بعد نزع كفه عنها:
"الهيستيريا الشديدة ترجعني تاني لنفس السؤال، الذفت ده هددك بإيه عشان تخافي كده؟"
سهمت تنظر إليه منعقدة اللسان، لا تود البوح بما أخبرها به هذا الرجل الكريه، ولا تريد التحدث عن أي شيء مع جاسر قد يؤدي لجرها إلى الجرح القديم والحاډثة التي زادت على عقدتها الأزلية حتى أثرت بشخصيتها فجعلتها هذه الإنسانة الجبانة التي تخاف من الظلمة كالأطفال.
"لدرجة السؤال صعب يا زهرة؟"
هتف بها يقطع عنها شرودها. طالعته قليلًا بتفكير قبل أن تسمعه ردها:
"أرفض."
"ممكن يا جاسر تعفيني من الإجابة عشان أنا بصراحة مش هقدر أقول ولا أتكلم في أي حاجة دلوقتي."
"يعني لما تهدي بعد شوية هتتكلم؟"
قالها في محاولة أخرى بإلحاح، وكان ردها أن نهضت من أمامه على الفور تجيبه باعتراض:
"لأ يا جاسر."
نهض هو الآخر ليقابلها مرددًا خلفها بصدمة:
"لأ يا زهرة!"
"طب"
سبلت بأهدابها حتى لا تواجه عينيه، ويدها اليمنى تتلاعب بأطراف أنامل كفها الأخرى بصمت جعل غضبه يزداد اشتعالًا مع محاولاته الشديدة لكبح الانفجار بوجهها، يشعر بحالة من الاحتقان تجعل صدره كبركان يغلي بداخله.
"يا زهرة اتكلمي وقولي الحيوان ده قالك إيه، أنا مش هستريح غير لما أعرف."
رفعت رأسها إليه رافضة بعنف:
"أرجوك يا جاسر ارحمني وريح نفسك، انتوا بتقولوا إنه اتحبس يبقى خلاص بقى، لأن أنا مش قادرة أتكلم بصراحة."
ختمت لتجفل معه على صوت طرق الباب، لتلج منه لمياء بعد سماح جاسر لها بالدخول، وفور أن رأت زهرة واقفة أمامها بحالة مختلفة عما سبق هتفت بلهفة تردد وهي تقترب منها وتفحصها جيدًا:
"الحمد لله يارب، أنتِ كويسة يا زهرة؟ حاسة بأي حاجة دلوقتي والبيبي عامل إيه؟ طب أنتِ أكيد جعانة يبقى لازم تاكلي دلوقتي عشان تأكلي البيبي كمان معاكي."
كانت تتلقى أسئلتها وتجيبها بهدوء مع تنقل أنظارها إليه مع شعورها بسهام عينيه التي تطالعه بغصب يشوبه العتب.
في اليوم التالي
كانت الجلسة في منزل عامر بحضور رقية التي لم تستطع الانتظار فور أن علمت من ابنها ما تناقلته وسائل السوشيال ميديا عن تهجم أحد الأشخاص على زوجة رجل الأعمال جاسر الريان، مع ذكر اسم زهرة وبعض التفاصيل المبالغة عن الحاډثة والقبض على المجرم، ثم صورتها وهي مغشيا عليها زادت من الأمر قلقًا.
ليتنفض خالد من بكرة الصباح كي يأتي ويطمئن عليها بصحبة والدته وسمية ومعها صفية شقيقتها الصغرى.
على الأرض كانت جالسة ورأسها بحجر جدتها وذراعيها ملتفتان حول المرأة ذات الجسد الهزيل، وهي تربت بكفها وتلمس بحنان على شعر رأسها بالآيات والأدعية الحافظة.
"إيه ده؟ زهرة أنتِ قاعدة ليه كده على الأرض؟"
قالتها لمياء بصدمة فور رؤيتها بهذا الوضع وهي في طريقها لاستقبال الحضور بصحبة جاسر، والذي هتف يجيبها:
"سيبيها يا ماما، هي متعودة على كده."
"متعودة إزاي يعني؟"
غمغمت بها بصوت خفيض قبل أن تضطر صاغرة باستسلام لتخطيها والذهاب للترحيب بالباقي، ثم جلست معهن تستمع للنقاش الدائر بين جاسر وخالد الذي كان يهدر بغضب:
"الحيوان ده أنا لو كنت شوفته وقتها أقسم بالله ما كنت هسيبه غير على النقالة في الإسعاف."
"ومين سمعك بس، ده أنا دمي بيغلي من وقتها ونفسي أعرف قالها إيه يخليها تترعب بالشكل ده عشان أربيه وأندمه ساعتها العمر كله."
تدخلت سمية:
"ده بلطجي وطول عمره بيأذي شباب الحارة بالبرشام اللي بيبيعه، ربنا يجازيه على العيال اللي بياخد ذنبهم."
سألتها لمياء باستفسار:
"برشام يعني إيه؟"
"يعني مخدرات يا ماما."
قالها جاسر في إجابة عن سؤالها، قبل أن يلتف لخالد يسأله بصوت خفيض وهو يقرب رأسه منه:
"هي زهرة عندها عقدة تانية غير الضلمة؟"
"تقصد إيه؟"
تفوه بها خالد عاقد الحاجبين باستفهام، قبل أن ينتبه على اقتراب عامر ليرحب به ويصافحه، قبل أن يذهب لرقية ثم سمية، ليتوقف عند صفية ليغازلها بصوت لفت أنظار الجميع نحوه:
"يا مشاء الله، إيه البنوتة الحلوة دي، أنتِ مين يا قمر؟"
خجلت صفية من كلماته لتشيح برأسها لتخفي ابتسامتها منه، فصاح مشاكسًا:
"ده كمان بتتكسف يا جاسر، دي إيه الجمال!"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 133 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
تبسم له الأخير، يرد وهو يهز رأسه بيأس.
"من هدى صفية، أخت زهرة من والدها وأمها الست سمية اللي قاعدة جمبها دي."
"يا أهلا يا هانم."
قالها عامر يرحب مرة ثانية بالمرأة، قبل أن يجلس بالقرب من صفية التي مازالت تضحك بخجل.
ليردف مندهشاً وهو ينظر إليها جيداً من خلف نظارته:
"حلو جو البنات اللي بتتكسف ده زي زهرة مرات ابني، هو انت متأكد إن البنت دي أختها من الوالد؟ بس دي حتى في الشكل تشبهها."
قال الأخيرة مخاطباً جاسر.
ليرد خالد بزهول:
"لو على الأدب والكسوف، البنت دي تربية إيدي زيها زي أختها الكبيرة بالظبط."
"برافو يا خالد."
قالها عامر بإعجاب.
فتدخلت سمية تكمل على قول الآخر بسجيتها:
"ولو على الشكل، هي فعلاً تشبهها عشان أنا بصراحة كنت بحب زهرة أوي وهي صغيرة، وطول شهور الوحام بتاعتي بقعد أبصلها كده كتير أوي عشان يطلع اللي في بطني زيها."
"والله وانتي كمان برافو عليكي، ماهو اللي يلاقي حاجة حلوة لازم برضه يتمنى يجيب زيها، يا زين ما ما ربيتي ويا زين ما خلفتي بنتك يا قمر، والله قمر."
قالها عامر.
وارتفعت رأس زهرة عن حجر جدتها تشاركهم الضحك.
فتدخلت رقية تخاطبه:
"يا راجل بطل معاكسة، وفر كلامك الحلو ده للست اللي قاعدة جمبك دي."
سمع منها ليلتفت إلى زوجته التي كانت تبتسم إليه صامتة.
فقال بمناكفة:
"مراتي دي حبيبة قلبي، إيه اللي انتي بتقوليه ده بس يا رقية."
ضحكت لمياء على قوله، كما ضحك الجميع بمشاكسات عامر مع رقية التي أشاعت جواً من المرح قليلاً وبعيداً عن التوتر.
حتى أتت كاميليا ومعها غادة لتنضما إليهم في الاطمئنان على زهرة.
وإلى مكان آخر.
حيث كانت ميرفت تشاهد في الهاتف الخبر الذي انتشر من الأمس، وهي لا تمل من القراءة على أي صفحة تناقلته أو موقع، حتى وهي تتحدث إلى ميري في الهاتف الآن.
"أيوة يا ميري، سامعاكي كويس، اتكلمي."
وصلها صوت الأخرى بصياح:
"أتكلم إيه انتي كمان، هي شغلانة؟ بقالي ساعة بشرحلك الزفت، مارو اتفق مع بابا وعايز كتب كتاب وفرح على طول، وأبويا مصدق عايز يخلص مني."
ضحكت ميرفت بدون صوت قبل أن تجيبها بتمثيل المؤازرة:
"يا حبيبتي يا ميري، طب أنا أعملك إيه طيب؟ ماهو والدك دماغه ناشفة بصراحة وأنا أخاف أكلمه."
وصلها صوت صرخة ساخطة لتزبد من مرحها.
والأخرى تتابع برجاء:
"حاولي يا ميرفت، وحياة أمي عندك يا شيخة، أنا الواد ده قرفت منه أساساً من ساعة الفضيحة اللي عملاهالي لما خسرني فرصة عمري في رد اعتباري بجد بعد طلاقي من جاسر، ولا أبويا ده كمان راجل بلدي ومحدث نعمة، على أقل حاجة يقول أنا جبت وعملت، وأنا مش طايقة أعاشر الناس دي، وبابا أهم حاجة عنده الفلوس."
"خلاص يا حبيبتي، أحاول عشان خاطرك."
قالتها لتنهي المكالمة بسأم من الإطالة، رغم ما كانت تشعر به من مرح بالذي أصاب ميري هذه الحمقاء الغبية، ليقع نصيبها أخيراً على مارو الشاب الذي يصغرها بعدة سنوات.
تدعي دعمها في الابتعاد عنه، هي تتمنى بشدة ارتباطها به، فهذا ما يليق بها كـ "أميرة" تافهة وحمقاء.
صدر صوت أخيها من الخلف يهتف باسمها بعد عودته من الخارج.
لتلتف إليه ويخاطبها في محاولة أخرى لإقناعها:
"أنا خلاص حددت ميعاد سفري يا ميرفت، لسة برضه مصممة ما تجيش معايا؟"
أجابته نافية برأسها قائلة:
"سافر يا قلبي، وأنا أكيد هحصلك، بس بقى حسب الظروف، يعني ممكن بعد شهر أو اتنين أو حتى سنة، أكيد هحصلك."
"انتي حرة."
قالها يشير بيده قبل أن يتابع طريقه إلى غرفته.
وتكمل هي مغمغمة مع نفسها وهي تنظر لصورة فهمي التي أوقفت عليها الشاشة:
"بس لما أعمل اللي في دماغي الأول."
عودة إلى منزل عامر.
والذي كان ممتلئاً بالأفراد الذين تفرقوا جماعات.
الكبار: رقية، عامر، لمياء.
والفتيات: كاميليا، زهرة، صفية، غادة.
والشباب: خالد، جاسر الذي أصر أن ينفرد بالأخير كي يعرف منه ما رفضت البوح به زهرة.
"بير السلم!"
"يعني إيه مش فاهم."
كان سؤال خالد لجاسر الذي تابع بتركيز:
"أنا بسألك عن الكلام اللي كانت بتهذي بيه زهرة، التعابين والضلمة، أنا عرفت قصتهم المرتبطة بوفاة والدتها، أما حكاية بير السلم والخڼقة دي مع اسم الحيوان ده اللي اتعرضلها، إيه مناسبتهم، وإشمعنى بعد ما شافت الزفت ده يحصل معاها كده؟"
تطلع إليه خالد بصمت.
وقد فهم مقصده بعد أن ربط الخيوط ببعضها.
ليتنبه إلى تعابير وجهه جاسر ليخاطبه على يقين:
"إنت عارف الحكاية صح؟ طب يا ريت بقى بجد تحكيلي، عشان أنا مش ههدي غير لما أعرف كل حاجة النهاردة."
"كسر حقه!"
"حق إيه حال!"
هتفت بها غادة بحمائية بعد سماع ما قصته عليهن زهرة.
لتتبعها كاميليا أيضاً بالقول:
"ده بني آدم مريض، والظاهر كده إن البرشام اللي بيتاجر فيه مسح مخه هو كمان."
ردت زهرة على كلماتهن:
"أنا كنت هاموت من الرعب وهو بيهددني، حتى برغم وجود الزحمة والناس برضه قلبي كان هيوقف من الخوف."
صاحت غادة بهمس حتى لا تلفت النظر إليها:
"ده انتي كنت فقعتي عينه اللي تدب فيها رصاصة دي! إيه اللي يخليكي تخافي منه ده؟ انتي جوزك يقدر يوديه ورا الشمس."
هزت زهرة رأسها باعتراض:
"لا يا بنات، أنا مقدرتش أتكلم ولا أقول حاجة قدام جاسر بصراحة، خفت قوي يجرني للكلام القديم."
"ليه يا زهرة؟ تخافي ولا تتكسفي؟ دي حاجة تدينه هو مش تدينك انتي."
قالتها كاميليا برفض قاطع لموقف زهرة.
قبل أن تجفل على اتصال كارم بتنبيه لها للخروج.
فنهضت من جوارهم مستأذنة:
"طب يا زهرة بقى أنا مضطرة أمشي وأسيبك عشان كارم بيستعجلني."
سألتها غادة:
"ويستعجلك ليه؟ وراكم مشوار؟"
ردت بسخرية قبل أن تبتعد بخطواتها عنهم:
"أصله عازمني على الغدا عند والدته في بيت سيادة اللوا.. حمايا المرحوم! ادعولي بقى عشان ما أوقعش تحفة ولا أنتيكة من المتحف هناك."
ردت غادة في استجابة لمزاحها:
"ياه! لدرجة دي؟"
"وأكتر من الدرجة دي كمان والله."
قالتها ثم انصرفت لتلحق مشوارها مع كارم.
"إمام."
هتفت باسمه تناديه بعد خروجها من منزل عامر الريان وبحثها عنه حتى وجدته واقفا بجوار إحدى الشجيرات قرب مدخل المنزل يعطي تعليماته لأحد الحراس.
والذي انتبه مع ندائها لتلتف رأسه إليها.
مع إمام الذي خطف نظرة سريعة نحوها قبل أن يجفل الشاب بدفعة بكفه على كتفه من الخلف ينهره:
"هي بتقول يا إمام ولا بتقول يا إبراهيم؟"
رد الشاب بالاعتذار على الفور:
"أسف يا برنس، سامحني."
دفعه مرة أخرى ليهدر به:
"طب اخلص، نفذ اللي قولتلك عليه."
سمع منه إبراهيم وذهب تنفيذاً للأمر بإذعان.
وتحرك إمام نحوها رافعاً حاجبه مع قوله:
"أهلاً يا غادة، عاملة إيه؟"
ردت بابتسامة تحمل المودة له:
"الحمد لله، فل، وانت بقى؟"
رد على قولها بخشونة:
"وأنا كمان كويس، بس كنتي بتندهيلي ليه؟"
أجفلها برضه المباغت.
فتلجلجت تجيبه بحرج:
"جرى إيه يا إمام؟ أنا كنت عايزة بس أسلم عليك وأسألك عن خلود، أصل عرفت منها إن روان امبارح كانت سخنة، فقولت أسألك يعني عشان أطمن."
"انتعش بداخله على هذا التغير الذي بدا واضحاً بكل تصرفاتها أو حتى كلماتها.
فقال يجيبها:
"روان كويسة والحمد لله، أنا بس اللي اتعصبت عليكي لما ندهتي عليّ وأنا مع الواد إبراهيم، ودا خفيف وما بياخدش باله من الحاجات دي. الواد لف براسه ناحيتك من غير انتظار."
أجابت ببلاهة:
"وإيه يعني؟ ما يلف براسه ناحيتي ولا يبصلي، هيحصل إيه؟"
"نعم يا ختي."
صدرت منه على الفور.
فطالعته مذهولة باستغراب، وهو يتابع بشماتة:
"ظبطي كده يا غادة عشان ما أتعوجش أنا عليكي."
ارتدت رأسها للخلف لتزداد ذهولاً مع قوله:
"تتعوج عليا إزاي يعني؟ وأنا هظبط إيه؟ يعني مش فاهمة."
رد بخشونة:
"إيه اللي مش فاهمة؟ أنا قصدي يعني لما تشوفيني مع حد ماتندهيش باسمي عشان ما يحصلش اللي حصل دلوقتي."
أومأت رأسها بتفهم مرددة:
"حاضر، تمام."
"شاطرة، وع العموم عشان منعا للإحراج، انتي ممكن تاخدي نمرتي وتتصلي بيا أسهل."
قالها بمكر أربكها.
لتخرج هاتفها على الفور بدون تفكير وتسجل أرقامه.
فبادلته بأرقامها.
ليردف لها مدعياً الجدية:
"كده تمام قوي، وقت ما تحبي تطلبيني هتلاقيني في وشك على طول من غير ما تندهي باسمي بقى وتتعبي نفسك."
ردت بعفوية:
"طب أنا كنت عايزة أزور روان."
أجابها مرحباً:
"وماله، في أي وقت اتصلي وبلغيني عشان أظبطلك ميعاد وآخدك معايا."
"خلاص اتفقنا."
قالتها وهمت لتعود لداخل المنزل.
ولكنها قبل أن تستدير عنه جيداً، توقفت تلتف إليه سائلة:
"صحيح، أنا كنت عايزة أسألك، هما ليه بيندهولك يا برنس؟"
أجاب رافعاً حاجبه بزهو مع ابتسامة واثقة:
"عشان أنا فعلاً برنس."
تبسمت صامتة عن الرد، وقد أخجلها بخفة ظله.
لتلتف بعد ذلك وتعود لجلستها في الداخل.
"يعني أتحرش بيها الحيوان ده؟ وفي الضلمة كمان."
هتف جاسر بالسؤال بدم يغلي بين أوردته بعد أن قص عليه خالد، وبعجالة وبدون تفاصيل، ما حدث مع زهرة من هذا الرجل القبيح في بداية مراهقتها.
وتحمحم المذكور يجيبه بحذر:
"زي ما بقولك كده، هي كانت راجعة من الدرس بعد العشاء، لما شدها من إيدها في الضلمة، بس والله الحمد لله أنا لحقتها وجريته زي الخروف في قلب الشارع وسففته التراب."
"بس المشكلة دي فضلت مع زهرة وزودت على مشكلتها القديمة."
قالها جاسر بمقاطعة.
ورد خالد بالتأكيد:
"ده حقيقي، بس أنا ووالدتي كنا دايماً معاها وبنحاول على قد مقدرتنا عشان نخليها تتجاوز وتعدي اللي مرت بيه، بس للأسف الحاجات الصعبة دي بتفضل في عقل الست مهما كبرت ولا عدى عليها سنين."
أكمل على قوله جاسر كازاً على أسنانه:
"خصوصاً كمان لما تقابل صاحب المشكلة اللي حصلت معاها ويهددها."
رد خالد بنبرة تفيض بالحزن:
"للأسف هو مكنش بيهددها، بس ده كان عايز يكرر الكابوس ده معاها من تاني بالجواز منها غصب عنها، قبل ما انت تتجوزها حسب ما عرفت بعد ما جيت من السفر."
كور قبضته بتمتم جاسر يهدر بغضب حارق:
"الحيوان ده! لو تطوله إيدي دلوقتي، لكنت شربت من دمه حالا. ليه مقولتليش من الأول يا خالد؟ ليه هي مرديتش تجاوبني على سؤالي؟"
"ما أنا قولتلك يا عم جاسر، دي حاجة ماتقدرتش تعترف بيها الست، وبالذات لراجلها، غير لما هي تقرر من نفسها ساعة ما تحس إنها تقدر تتجاوز وتعدي."
تفوه بالكلمات خالد قبل أن ينهض ويستأذن:
"أسيبكم بقى، مدام اطمنا عليها."
اعترض جاسر وهو ينهض معهم:
"ماتستنى يا بني، وكملوا اليوم معانا انت ورقية، ده زهرة وشها نور بحضوركم."
"معلش بقى، اعذرني، أنا اليومين دول مسحول في تجهيز الشقة عشان الفرح ده اللي فاضل عليه أيام بس."
"وكمان عشان نسيبها ترتاح شوية."
قالها خالد بإصرار قبل أن يغادر بصحبة من حضروا معهما.
"تكملي يا كاميليا، وقفتي ليه؟"
هتف بها من خلفها بعد أن دلفت معه لداخل منزلهم.
فالتفت إليه سائلة:
"أقدم فين تاني؟ مش لازم الست الوالدة تستقبلني برضه؟ هي فين؟ مش شايفاها؟"
"يعني..."
اقترب ليجيبها قبل أن يتحرك ويسبقها بخطواته:
"هو انتي غريبة يا كاميليا؟ ولا محتاجة عزومة في بيتك؟ ولا انتي مش حاسة إنه بيتك؟"
"زفرت داخلها بسخط، ثم تحركت لتلحق به.
لتجلس على أول كرسي قابلته أمامها وعينيها تجول يميناً ويساراً.
خلع هو سترة حلته ليجلس مقابلها بالقميص الأبيض المنشّي والبنطال الأسود.
ليطالعها بنظرة مطولة بتمعن قبل أن يردف لها:
"منورة بيتك يا كاميليا."
"البيت منور بأصحابه."
أجابته بمجاملة على عجالة قبل أن تتابع بسؤالها:
"هو أنا ليه حاسة إن الدنيا هدوء زيادة عن اللزوم؟ ماما فين؟"
"ماما خرجت وراحت المقابر لوالدي."
"نعمة."
هزت رأسها باستفهام لتتأكد من صحة ما سمعته.
فردد هو كلماته على الفور بكل بساطة:
"بقولك ماما خرجت وراحت المقابر لوالدي، ده بعد ما أنا اتصلت بيها وقولتلها إننا احتمال مانجيش ع الغدا عشان تخرج هي وتروح مشوارها في زيارة قبر والدي."
فغرت فاهاها لتعتدل بجلستها وترد على سهولة ما تفوه به:
"يا راجل، ودا من إيه إن شاء الله؟ قصدي ليه يعني؟"
اعتدل هو الآخر بجسده ولكن للخلف ويجيبها باسترخاء وابتسامة غريبة اعتلت وجهه:
"من غير ما أحلف يا كاميليا، أنا أساساً عامل المشوار ده كله عشان أريحك انتي وأجاوب ع الأسئلة اللي محيراكي."
"قصدك إيه؟"
سألته بقلق.
وكان جوابه:
"انتي عارفة قصدي، فمفيش داعي نلف وندور على بعض."
أثار غضبها لتنهض هادرة به:
"الكلام ده تقوله لنفسك مش ليا أنا بقى، بتخدعني وتجيبني في بيتكم في غياب الست الوالدة وبعدها تقولي أنا اللي بلف وادور."
"اقعدي يا كاميليا."
هدر بها بدوره ليكمل بلهجة مسيطرة لم تسمعها منه قبل ذلك:
"اقعدي وبلاش شغل العيال ده، ولا انتي مش واثقة في نفسك؟"
استفزتها كلماته لتجلس وتجيبه بعند:
"بلاش النبرة دي معايا، عشان انت عارف لوحدك الإجابة، لكن أنا اعتراضي على الأسلوب نفسه، أسلوب الخداع والكذب."
"وإيه تاني يا كاميليا؟"
باغتها بسؤاله الغريب ليصمت فمها عن الرد.
وتابع هو بنبرة معاتبة:
"يومين بس أغيبهم في السفر يخلّوكي تقلبي عليا كده."
"رددت من خلفه بنفاذ صبر:
"يومين إيه اللي انت بتتكلم عليهم؟ أنا الأسئلة دي في دماغي من الأول، عايزة أفهم، وانت بغموضك وتصرفاتك بتزيد الأمر معايا، يعني بلاش بقى تلميحاتك دي اللي أنا فاهماها كويس قوي."
سمع منها ليميل برأسه نحوها ويرد بكل هدوء:
"خلاص، بلاش تلميحات وندخل مع بعض بكل صراحة، إيه السؤال اللي محيرك بقى؟"
تحفزت بجلستها أمامه لتسأله على الفور:
"ندى وجوزها، إيه قصتك معاهم؟"
تبسم ليجيبها على الفور أيضاً ودون مواربة:
"ندى دي بنت عمتي اللي أنا كنت بحبها الأول، وكريم دا كان صاحبي في كلية الشرطة، والده كان نائب مجلس الشعب في دائرته، يعني كان كبير ناس وأهله، بس بقى صداقتنا انتهت بعد ما اتعرف على ندى من ورايا وخلاها تحبه."
سألته بعدم اقتناع:
"بس كده؟"
سمع منها ليجيبها:
"لأ طبعاً، مكانتش الحكاية بالسهولة دي، أنا راجل مابسبش حقي، ودا واحد خاين لف عليها من ورايا وكان بيروح لها الكلية لحد ما علقها بيه، واتفقوا مع بعض على الجواز بعد ما كنت أنا مقرر مع والدتها إني هتقدملها بعد ما أخلص الكلية."
توقف لتردف:
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 134 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وبعدين يعني لما عرفت حصل إيه.
أقترب بوجهه أكثر يرد بملامح شرسة لم تراها منه قبل ذلك.
"خدت حقي، عرفته هو مقامه، وعرفتها هي حجمه. أنا اتفقت معاه على مباراة، ودا كان في قلب الكلية وقدام مجموعة كبيرة من زملائنا في الحلبة. تعرفي الصرصار لما تدوسيه برجلك يا كاميليا وتفعصيه."
توسعت عيناها تطالعه بارتياع مع انتظار الباقي، فاستطرد هو.
"صوت صريخه مع كل عضمة اتكسرت منه كانت بتسمع لبرا صالة الألعاب. الكل كان شايف حالته ومحدش فيهم قدر يقربلي عشان مركز والدي، دا غير اني مكنتش هسمح لأي حد إن ينجده من تحت إيدي. طبعًا الموضوع ده أثر على مركز والدي، خصوصًا وان والده وصل الموضوع للسلطات العليا واضطرت الإدارة تصرفني من الكلية. لكن المقابل كان إيه؟ كريم فضل شهور في المستشفى بين العمليات والعلاج، وفي الآخر والده سفره لبرا مصر، لكن برضو عاش بالعرج اللي أنا عملتهولوا. وندي اتجوزتوا بعرجه."
"انت وحش."
خرجت منها بدون تفكير.
"فردد هو خلفها: فعلًا تقدري تعتبريني وحش، بس في حقي. ندى كانت مكتوبالي ومن هي في اللفة، وانتي.... وانتي مكتوبة دلوقتي على اسمي.... يبقى حقي فيكي أكتر منها. واوعي تفتكري اني هكون أقل شراسة من زمان."
ارتجف قلبها بداخلها ولكنها تماسكت تجاهد لعدم إظهار الخوف منه، فقالت بدفاعية وهي تحاول إنهاء النقاش والخروج من هذا المنزل على الفور والنفاد بجلدها منه.
"أنا مش فاهمة بصراحة إيه لزوم نبرة التهديد دي، دا كان سؤال عابر لوالدتك، مكنتش حكاية هي."
وقف يجيبها بعد أن نهضت من أمامه ليقابلها برده.
"لا مكانش سؤال عابر يا كاميليا، عشان انتي لفيتي على كذا فرد في العيلة وسألتيه، حتى مرات نجيب قصدتي تقابليها مخصوص في النادي اللي هي بتروحه دايما لتدريب أولادها وسألتيها برضو...."
قاطعته فجأة لتسأله بفطنتها الحاضرة دائمًا.
"استني ثواني... هي مرات نجيب إيه اللي يخليها تتصل بيك وانت برا مصر وتبلغك بحاجة زي دي؟ هو دا موضوع يستاهل إن واحدة زي دي وف وضعها تتصل بواحد قريب جوزها عشان تقولوا....."
توقفت فجأة تحدقه بنظرة نارية وهي تتابع بصدمة.
"هو انت على علاقة يا كارم مع الست دي؟"
أجفل من ردها المباغت ليتراجع فجأة عن بروده ويهدر بلهجة فضحت اضطرابه.
"بلاش تأويلات بكلام فارغ من دماغك، ولا انتي عايزة تقلبي الطرابيزة عليا بتفسيرك الغريب ده؟"
واجهته بثقة ازدادت من تخمينه.
"دي مش تأويلات ولا تفسير غريب، دا من كلامك وارتباك الغلط هو اللي كشفك. أنا بجد مكنتش أعرف، اتصور إنك تكون بالوضاعة دي."
توحشت ملامح وجهه بعد أن استفزت هذا الجزء بشخصيته والتي لا يقبل أن تشوبها شائبة، ليصيح بها.
"تتهميني أنا بالوضاعة يا كاميليا؟ أمّال بقى مين فينا الشريف؟ طارق باشا اللي كل يوم مع واحدة ست، ولا الست الوالدة اللي سابت ابنها على عمر سنة عشان تتجوز واحد تاني غير جوزها وابو عيالها؟"
حاظت عينيها لتهتز أمامه كورقة جافة تهددها رياح الخريف القوية السقوط، وقد صعقها بذكر أخطر أسرارها، ليستغل وضعها ويزيد بقوله.
"مصدومة ليه يا كاميليا؟ ولا انتي كنتي فاكرة إني هتجوزك من غير ما أجيب أصلك ولا فصلك، ولا مفكرة إني واحد زيي هتفتوت عليه حاجة زي دي؟"
تمسكت تحتجز الدموع بصعوبة حتى لا تظهر له ضعفها، وردت بقوة تدعيها وتحدي لم تكن تقصده ولكنها نبعت من شخصيتها العنيدة دائمًا.
"أولًا... لو هتفتكر نفسك أحسن من طارق فانت أكيد واهم، عشان طارق راجل صريح وما بيخافش من حد عشان يخفي عيوبه اللي بيظهرها بكل شجاعة في العلن. ولو هتتكلم عن أمي..."
توقفت لتصرخ بوجهه بقهر.
"فأنا لا يمكن هسمحلك تجيب سيرتها على لسانك ده تاني، فاهم ولا لأ؟ ولو مش عاجبك يبقى غور وخلصني."
ختمت لتعدل من وضع حقيبتها لتتحرك وتتخطاه حتى تذهب وتغادر منزله، ولكنها تفاجأت به يوقفها بجذبها من ذراعها يخاطبها بنبرة مريبة.
"رايحة فين يا كاميليا؟ هو دخول الحمام زي خروجه؟"
التفت تحاول نزع كفه من ذراعها.
"خروج إيه وزفت إيه؟ أوعى إيدك عني وسبني أروح."
أطلق ضحكة خشنة وهو يعدل وقفتها لتصبح مقابله حتى يخاطبها باستخفاف.
"وتمشي من هنا عشان تنفذي تهديدك العبيط بإنك تخلعيني من حياتي وترجعي لحبيب القلب بعد ما أجبرتيني إني أقولك على سري القديم؟"
ظلمة عينيه وحدها وهذه النظرة الغريبة بها وهو يخطابها كانت كافية وحدها على أن توقف قلبها من الرعب، ولكنها ما زالت تجاهد حتى تستطيع الخروج من المنزل الآن وبسرعة، فحاولت مرة أخرى بتخليص ذراعها مع رد التهديد ولكن بحرص.
"سيبني أخرج يا كارم دلوقتي وبعدها نبقى نكمل كلامنا. زهرة وعيلة جوزها كلهم كانوا قاعدين لما خرجت معاك."
سمع منها ليقول بسخرية.
"ولو الدنيا كلها شافتك معايا؟ حتى انتي ناسيه إنك مراتي."
لم تستوعب جملته سوى بعد أن وجدته فجأة يرفعها بذراعه الثاني من خصرها ليكمل وهو حاملها بطرفة عين.
"يعني كل اللي هيحصل ما بينا دلوقتي حلال ولا يعاقب عليه القانون؟"
صرخت وهي تحاول فك نفسها منه بعد أن طوقها بذراعين كالحديد بقوتهما.
"قسمًا بالله لو كارم، لو ما سبتني لكون مندمك على كل الغلط اللي عملته في حياتك. أوعى سيبني سيبني."
هدر من تحت أسنانه وهو يتحرك بها رغم كل محاولاتها العنيفة لتخليص نفسها من يده.
"أنا مش هاذيكي يا كاميليا، أنا بس هرحمك من الحيرة اللي تاعبة نفسك فيها. لازم يا حبيبتي تفهمي عملي إن مالكيش حد غيري، لأني مش هسيبك."
كانت تقاوم وبكل قوتها للإفلات منه وبصوتها تصرخ.
"للنجدة عل أحد ما يسمعها لتجده يضحك مع قوله لها.
"اصصصصصصخي ولو بأعلى صوتك، حتى البيت واسع وكبير، دا غير إن محدش يقدر يقرب من بيت اللواء أساسًا."
"ابعد وسيبني يا حيوان."
صرخت بالأخيرة وقد وجدت نفسها داخل غرفة نوم كبيرة ليزداد صراخها ومحاولاتها البائسة لفكها حتى ألقاها على التخت واعتلاها ليقيد ذراعيها بيديه بجوار رأسها ويحاصر أقدامها بين قدميه لتقرxt مخاطبة ضميره بعد أن نزع منها بقوته حق ميزتها الوحيدة في المقاومة.
"للمرة الأخيرة يا كارم بحذرك، أنا مغلطتش فيك عشان تأذيني."
جالت عينيه على ملامح وجهها الفاتن وما ظهر من فتحة فستانها في الأعلى برغبة مظلمة، قبل أن يرتكز بأنظاره على عينيها يردف بقوة.
"ومين قالك إني عايز أعاقبك أو أذيكي؟ أنا بعمل بس اللي يضمن وجودنا مع بعض. أنا حبيتك بجد يا كاميليا، ودي حاجة ما بتحصلش معايا غير نادرًا. قلبي دا مفتحتوش غير ليها وليكي بس، هي كانت حب مراهقة، إنما انتي الحقيقي."
صاحت وهي ترفع رأسها هادرة به.
"انت ما بتفتحش قلبك، انت بتفتح سجنك."
"صح، ومافيش منه هروب."
هتف بها قبل أن يرفع ذراعيها إلى أعلى رأسها ليقيدهم بيد واحدة ويكتم بفمه صرخاته واليد الأخرى تتكفل بالباقي.
بعد مصاحبته لخالد ورقية في مغادرتهم بإحدى السيارات التي أمر بها لتقلهم مع سمية وابنتها وغادة أيضًا، عاد إلى منزله فوجد والديه فقط في انتظاره. طالعهم بتساؤل فهمه عامر ليرد عليه.
"مراتك طلعت سبقتك على أوضتها فوق."
هم ليصعد إليها ولكن والده أوقفه بمتابعة لقولها.
"استنى قبل ما تطلع لها، عشان عايزينك أنا ووالدتك."
رددت لمياء خلف زوجها.
"أيوه يا جاسر، إحنا عايزينك في موضوع مهم."
قطب ليجلس أمامهم ويسألهم على الفور.
"خير إن شاء الله."
"كل خير."
رددها عامر قبل أن يدخل في الموضوع مباشرة.
"متزعلش مني يا جاسر، بس أنا لازم أسألك، هو انت كنت عارف بالمشكلة اللي عند مراتك دي قبل ما تتجوزها؟"
"مشكلة إيه؟"
سأله جاسر بوجه شحب على الفور مع ذهاب عقله لما كان يتفوه به منذ دقائق مع خالد، لتزداد مع كلمات والدته.
"انت عارف إحنا بنتكلم عن إيه يا جاسر، ولا عقلك وقف ونسيت اللي إحنا فيهم؟"
مسح بكفه على صفحة وجهه باضطراب لم يقوى على إخفاءه ليهدر به والده.
"إيه يا بني ما ترد علينا بقى، هو انت بلعت لسانك؟"
لوح يفرد كفيه أمامهما بعجز ليجيبهم.
"ما أنا مش فاهم انتوا تقصدوا إيه بكلامكم ده بصراحة يعني."
صاحت والدته بنفاذ صبر.
"إيه اللي انت مش فاهمه بالظبط يا جاسر؟ بنكلمك ع الصريخ والفوبيا الشديدة من الضلمة. هي دي حاجة هينة عشان تنساها؟"
سمع منها وتنفس الصعداء بقوة بعد أن فهم بالمقصد الحقيقي خلف حديثهم، فرد أخيرًا بعد أن اطمأن ليشاركهم بذهن صافي بعض الشيء.
"لا بصراحة مكنتش أعرف، لكن هي مش مشكلة كبيرة يعني عشان أقلق منها."
هدر به والده.
"مش مشكلة كبيرة إزاي يعني؟ البنت كانت مرعوبة وصريخها واصل لخارج الفيلا، وتقولي مش مشكلة؟ زهرة محتاجة علاج ودكتور نفسي."
"أيوه طبعًا دا شئ لازم وضروري، حتى عشان الطفل اللي جاي."
أردفت على قول زوجها لمياء.
أومأ لهما جاسر وهو ينهض من جوارهما.
"دا أكيد إن شاء الله، أنا كنت حاطط الموضوع دا في دماغي من الأول بس بقى انشغلت."
"لا يا حبيبي، دي حاجة ما تتنسيش. أنا من بكرة هدور على اسم دكتور كويس."
قالتها لمياء بانفعال، قبل جاسر وهو يتحرك بخطواته من جوارهما متمتمًا.
"تمام يا أمي، اللي تشوفيه. أسيبكم بقى عشان أريح شوية."
دلف إليه ليجدها استلقت على الأريكة الجانبية في الغرفة على جانبها متكتفة الذراعين ومغمضة عينيها بتعب. وجهها المغضن أمام عينيه أظهر إليه جيدًا ما يبدر بذهنها من أفكار مؤلمة. علمها هو منذ قليل خطأ، ليجلس على عقبيه مقابلها مستندًا بمرفقه على طرف الأريكة بجوار رأسها ليتفكه في بداية حديثه لها.
"يه بس يا زهرة بتفكريني بنوم الكنبة. هو انتي ليكي غرض تقلبي عليا المواجع النهاردة؟"
نجح بمزحته ليجعل ملامح وجهها المتشددة ترتخي بابتسامة في استجابة له، لتفتح أجفانها بالنظر إليه تجيبه.
"وليه ما تقولش إن قلبك الأسود هو اللي بيفكرك دايما بالأفكار الغريبة دي؟"
أومأ لها بتأكيد.
"أنا فعلًا قلبي أسود في الحتة دي أوي، يعني تخلي بالك جدًا منها دي."
ضحكت على كلماته لتجده فجأة نهض لينضم إليها وينحشر بجوارها متمتابس.
"لو هتشاركيني النوم عليها مستعد، ما فيش مانع."
رددت بسأم.
"يعني قدامك الأوضة طويلة عريضة وملقتش غير الحتة اللي قاعدة فيها يا جاسر عشان تزنقني؟"
رد يجيبها بجدية.
"والله ما حدش قالك تسيبي الأوضة الطويلة العريضة وتيجي في المكان الصغير، مدام عارفة إن جوزك مش هيسيبك تتنفسي بعيد عنه أصلًا."
رفعت عينيها إليه بجوارها لتردد بتساؤل.
"حتى النفس يعني مينفعش أتنفس بعيد عنك يا جاسر؟"
أومأ لها بتأكيد.
"وانتي تتنفسي بعيد عني ليه؟ إيه السؤال الغريب دا يا زهرة؟"
ارتفع حاجبيها متبسمة بذهول لتردد له.
"لا عندك حق بصراحة، أنا اللي بتكلم بحاجات غريبة فعلًا."
"اه طبعًا غريبة وغريبة جدًا كمان."
ردد بكلماته ثم ضمها بقوة ليقبلها على أعلى رأسها يتنفس عبيرها بعمق، واستسلمت هي لغمرته القوية كي تخرج من دوامة الأفكار البائسة في تذكر الماضي الذي عاد شريطه أمامها الآن وبقوة بعد مقابلتها لهذا البغيض بتهديده لها. ظلا على وضعهما لعدة دقائق بصمت قطعها جاسر بعد ذلك بقوله.
"زهرة عايزك تجهزي نفسك قريب لمشوار الدكتور اللي اتفقنا عليه عشان مشكلة الضلمة والكوابيس."
ارتفعت برأسها إليه سائلة.
"دكتور إيه يا جاسر؟ ما أنا قولتلك إني مش مريضة، دا مجرد خوف من الضلمة مش أكتر."
تطلعت إليها قليلاً بتفكير، شئ يدفعه لقول السبب الأساسي الذي يبتغي من خلاله عرضها على الطبيب من أجل ما تعرضت له بيد هذا الحيوان فترك أثره بعقلها حتى الآن وصوت يأمرها لعدم فتح حديث معها، رفضت هي البوح، ليختار الأخير مرددًا بلهجة مسيطرة لا تقبل النقاش.
"أنا قررت وخلاص يا زهرة، يعني ريحي نفسك بقى."
تطلعت إليه تود الجدال ليلحق بجذبها من ذراعها لتصطدم بصدره العريض قائلاً بحزم.
"ونامي بقى عشان أنا كمان عايز أنام."
بأعين جفت بها الدموع وصوت بح من كثرة الصراخ الذي ليس به فائدة، كانت تتطلعه بجمود وكأنها فاقدة الإحساس أو الحياة.
لقد نجح بكسرها ليفعل ما لم يستطع فعله الآخرون، كسرها أمام نفسها بعد أن شل مقاومتها واستطاع النيل منها. الكابوس هو أقل تفسير لما تشعر به الآن، هي المعتزة بنفسها دائمًا تأتي عليها اللحظة لتترجى رجل مثله غلبها بقوته الجسدية حتى يتركها ولا يفعل، هي التي ظنت بأنها تستطيع النجاة بنفسها من مصير سيء قد نال من غيرها تجد نفسها وقعت في مصير أسوأ مما قد يشطح به خيالها!
"بتفكري في إيه يا كاميليا؟"
هتف بها بعد أن رفع رأسه إليها ليواجه عينيها بخاصتيه يتطلع إليها بابتسامة منتشية بعد أن توقفت عن المقاومة واستسلمت له كما كان يظن بعقله قبل أن يرى هذه النظرة الغامضة منها، فهبط برأسه ليدفنها بعنقها مغمغمًا.
"انتي مش جميلة وبس، انتي تقريبًا مكتملة من كل صفة جميلة، وأنا مكنتش أعرف إن بحبك قوي كده."
"عارف اللي بيدور في دماغك دلوقتي، بس عايز أفكرك إننا كنا ماشيين تمام، وانتي اللي اخترتي الطريق الصعب."
يمرر بشفتيه على عنقها ووجنتيها وهو يتابع.
"بس إحنا نقدر نعدي ونتجاوز وننسى اللي حصل زي أي اتنين مرتبطين وبيمروا مشاكل. أنا من ناحيتي هعمل كل اللي يسعدك وهعملك فرح يبقى ترند في مصر لأيام، وشهر العسل زي ما اتفقنا هيبقى في أحلى مدن أوروبا. أنا مش هسيبك أبدًا يا كاميليا، انتي حقي."
قال الأخيرة لينظر داخل عينيها بقوة ثم تابع.
"كل حاجة ممكن تتصلح، لو على اللي حصل ما بينا فدا شيء عادي بيحصل بين أي اتنين مرتبطين وإحنا متجوزين رسمي يعني مش أي كلام. ولو فكرك إني ممكن أخونك. عشان يعني شوية أخطاء عديت بيها وأنا راجل أعزب، فـ أنا بأكدلك إن دا لا يمكن يحصل، وانتي مراتي. أما بقى...."
توقف ليشدد على كلماته.
"لو هتفكري بخيانتي والتفكير في حد غيري، ودي مظنش إنك ممكن تعمليها عشان أخلاقك اللي أنا واثق فيها طبعًا، دا غير إن كمان حكيتلك عن مصير الخيانة عندي... ماشي يا كاميليا."
قال الأخيرة وكأنه يريد سماع الإجابة، ولكنها أشاحت بوجهها عنه، ليعيده بقوة بعد أن أمسك بأسفل ذقنها ويختم حديثه بقبلة قوية وكأنه.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 135 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
يريد إثبات لها بأنه صاحب القرار، لينهض فجأة ويرتدي ملابسه وهو يردف لها بعجالة:
"أنا هخرج من هنا على والدك على طول عشان أحدد معاد الفرح، بالكتير أسبوعين ومن بكرة هبدأ بالتجهيزات. يللا عشان نتغدى قبل ما نمشي."
تحرك خطوتين ثم عاد متذكراً:
"آه صحيح، كنت عايز أقولك كمان إن موضوع والدتك لا يمكن هفتحه عشان خاطرك وعشان خاطر ميدو كمان، ما هو ما ينفعش يعرف حاجة زي دي. ده ممكن يتعقد."
ختم غامزًا بوجنته ثم خرج وتركها بالغرفة وحدها، تتطلع إلى السقف بقهر، ترفضه بانهزام لا تتقبله، بدمع تحتجزه. تحاملت على نفسها لتنهض من فراشها وعقلها قد اتخذ القرار.
رغم مرور عدة أيام على الحادثة، وبعد الذي علمه من خلفها، ورغم الإصرار الذي وضعه في ذهنه بعدم التحرك على الفور حتى لا يرتكب جريمة بقتل هذا الحقير، في مخفر الشرطة العام، وتتوسع الإشاعات بعدها لتطولها مرة أخرى. وهي لا ينقصها، فقد أصبحت بالكاد تتخطى الأحداث القديمة والجديدة، بعد اطمئنانها بسجنه، وبعد التزامها بتوصيات الطبيبة خاصتها الآن.
لكن ما كان يخطط له ويظن أنه قد أهل نفسه إليه بالتحكم في أعصابه والالتزام بضبط النفس، ذهب أدراج الرياح فور رؤيته واقفًا الآن أمامه. إن تغاضى عن تشعث شعر رأسه ورائحته الكريهة مع اتساخ ملابسه كنتيجة طبيعية لمحبسه منذ عدة أيام، فكيف إذا يمكنه التغاضي عن باقي جسده الضخم وصورة وجهه المنتشر بها الندبات بكثرة، مع هذا الحاجب المقطوع لنصفين بهيئة إجرامية بكل المقاييس قد تخيف الرجال، فما بال محبوبته والتي كانت طفلة في بداية بلوغها سن المراهقة. هذا ال... تجرأ ولمسها ليترك في ذهنها ندبة لم ولن تمحوها السنين مهما مرت.
"لا مؤاخذة حضرتك مين يا باشا؟ وغرضك إيه من البص في خلقتي وأنت ساكت كده بقالك ساعة."
هتفت بها فهمي سائلًا الذي كان يحدجه بنظرات نارية صامتة منذ أن ولج إليه في غرفة معاون المباحث، والذي كان جالسًا على مكتبه يراقب بينهم.
فتقدم جاسر نحو الآخر مضيقًا عينه بتجهمه القديم مع إظلام وجهه منفرط الدماء المحتقنة به، ليقترب أمامه مباشرة يهدر من تحت أسنانه:
"إيه يا حيوان نظرك ضعف ولا أنت جاهل عن الناس النضيفة؟"
اقترب فهمي برأسه يتأمله قليلًا ثم افتر فاه بابتسامة قميئة مثله، وقد علم بهويته ليردف له باستفزاز:
"آه طبعًا عرفتك، وهل يخفى القمر؟ أنت الباشا جوز المو...."
قال الأخيرة بغمزة وقحة جعلت جاسر يخرج عن شعوره ليدفعه برأسه نحو وجهه بقوة فيصيبه على الفور بكسر على عظمة أنفه.
"صُررررخ!" الآخر مع الألم الشديد ورؤية الدماء التي سالت بغزارة على أصابعه:
"أنت جاي تضربني في حما الحكومة؟ والنعمة لأسجنك قضية تندمك عمرك كله."
صاح به جاسر محذرًا بسبابته:
"وأكسر بقية عضمك كمان يا حيوان، لو لسانك الزفر ده جاب سيرتها بحرف واحد."
هم ليكمل ما بدأ به فمنعته ذراعي الضابط المسؤول بعد أن حاوطه بشدة لينمع عنه التهور الذي قد يؤذيه هو أيضًا، مغمغمًا له بصوت خفيض:
"ارتاح يا باشا، بلاش تأذيني وتأذي نفسك كمان بيها، دي كفاية عليك اللي عملته عشان كمان نعرف نلم."
زرع جاسر كوحش بري محبوس في قفص لا يناسبه، يود تحطيمه حتى ينقض على الفريسة التي في الخارج.
"سيبني يا أمين أفش غليلي وبعدها يحصل اللي يحصل."
هتف فهمي مع شعوره بالألم الفتّاك الذي أصاب عظمة أنفه:
"ومين اللي هسيبك؟ وربنا المعبود لاكون موديك في داهية بالبلاغ اللي هقدمه، أنا مش جاهل في القانون، ده لعبتي يا سعادة الباشا...."
"اخلص يالا واعرف مين اللي عايز تتبل عليه."
هتف بها الضابط لينعقد لسان المذكور بعدم استيعاب، ازداد مع متابعته لباقي الكلمات.
"بقى تتخانق مع أصحابك اللي كسروها وذلوك، وليك عين كمان تتكلم وتصرخ؟"
تدلى فك فهمي بشدة وعينيه تيبست مقلتاها عن الحركة، ليردف بعقل كاد أن يطير منه مع ذهوله:
"ده هو اللي ضربني وكسر مناخيري؟ يعني الباشا بتاعكم يكسر مناخيري في قلب القسم، وأنتم يا حكومة بدل ما تجيبولي حقي، عايزين تكسروا عيني وسط المساجين؟"
أردف الضابط بتحدٍ وعدم اكتراث:
"آه يا حبيبي، والبسك قضية كمان بأن أنت اللي اعتدت على الباشا عشان تلبس أحكام زيادة."
صرخ فهمي بلهجة المظلوم وألم أنفه ازداد لأضعاف:
"كمان! ده يرضي مين يا ولاد؟ يرضي مين الظلم ده؟"
تابع له الضابط بحزم:
"يرضينا إحنا يا حبيبي. يا شويش عبد الرازق، تعالى خد السوابق ده على مستشفى السجن وشوفوا لو عنده شكوى."
هتف بالأخيرة غامزًا بعينيه لفهمي، الذي صرخ مع سحب الرجل له للخارج وهو يردد:
"حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل."
صار يردد بها حتى اختفى صوته بالخارج.
"دلوقتي عرفت ربنا."
تمتم بها جاسر عقب مغادرة المذكور، ثم هندم من ملابسه جيدًا قبل أن يلتفت للضابط يشكره بامتنان:
"أنا مش عارف أعبرلك عن اللي جوايا إزاي دلوقتي، بجد ألف شكر."
رد الضابط وهو يتراجع للخلف بعد أن فك ذراعيه عنه:
"العفو يا باشا، متشكرنيش، الأشكال دي فعلاً عايزة التربية. وأوعى تفتكر إني عملت كده عشان كارم بن عمي، دا كله كان حبًا فيك ومعزتك والله."
بغرفة المكتبة كان جالسًا على كرسيه يطالع إحدى الكتب كعادة يومية التزم بها منذ سنوات طويلة، حينما اقتحمت عليه الغرفة متمتمة بتحية الصباح إليه بوجه مشرق كان مفتقده منذ أيام:
"صباح الفل على أحلى أب."
تبسم لها صامتًا حتى طبعت بقبلة كبيرة على وجنته، ليجيبها أخيرًا بالتحية وابتسامة ازدادت اتساعًا:
"صباح الورد الجوري على أحلى كاميليا في الدنيا كلها، نورتي المكتبة يا قلب أبوكي."
ردت وهي تجلس على الكرسي المقابل له:
"المكتب منور بأصحابه يا سي بابا. ها بقى عامل إيه النهاردة؟"
ردد خلفها:
"أنا زي الفل يا ست الكل. أنتِ بقى اللي عاملة إيه؟ عيني باردة عليكي النهاردة، وشك منور ويشرح القلب."
تبسمت له صامتة، ليردف هو:
"لكن مقلتليش، هو إنتِ إيه اللي كان مزعلك الأيام اللي فاتت ومخليكي قافلة الأوضة عليكي ليل ونهار؟"
تلعثمت قليلًا في الرد بقولها:
"مم... عادي يعني، كانوا شوية تعب وراحوا لحالهم."
"كاميليا."
هتف بالاسم يطالعها بنظرة كاشفة قبل أن يتابع بسؤاله:
"ديني أهو بسألك للمرة الألف، لو مالكيش رغبة في الجواز من كارم، قولي يا بنتي واحنا نفضها سيرة..."
قاطعته بقولها:
"مين بس اللي جاب سيرة كارم يا بابا؟ وإيه دخل التعب بس بالموضوع ده؟"
رد والدها بعدم تصديق:
"آه يا حبيبتي، ما أنا كمان بصراحة مش قادر أنسى نظرتك ولا شكل وشك اللي كان متغير ساعة ما وصلك كارم وطلب مني تقديم ميعاد الفرح."
توقف قليلًا ثم أردف بإلحاح:
"يا كاميليا، قولي وأنا ألغي كل حاجة لو الجوازة دي مش حاسة إنها مش هتريحك."
نفت برأسها تجيبه باعتراض:
"لأ يا سي بابا، أنا موافقة وموافقة جدًا كمان. يعني خليك على ثقة وامشي في التحضيرات مع كارم."
"ماشي يا ستي، براحتك."
قالها والدها بيأس قبل أن ينتبه على دخول ابنه الصغير.
يلقي تحية الصباح ثم اقترب من شقيقته ليقبلها على الغمازتين التي تعشقها على وجنتيه قبل أن يخاطبها بضيق:
"الجدع ده اللي اسمه خطيبك وصل تحت ومستني في عربيته."
سأله والده باستغراب:
"وأنت مالك بتقول اسمه كده بقرف؟"
هز ميدو رأسه بامتعاض وتكفلت بالإجابة كاميليا نحو والدها ونحو الصغير:
"معلش بقى يا سي بابا، أصل القبول ده من عندك ربنا وهو مش متقبله. نديله العذر فيها دي."
حدق بها شقيقها بنظرات متسائلة، ولكن كاميليا قطعت عليه لتنهض فجأة مستأذنة من الاثنين:
"طب يا جماعة، الحق أنا بقى أجهز وألبس بسرعة عشان أنزله وألحق مشوار الشغل ده، أنا غايبة عنه بقالي أيام."
بعد قليل.
كانت خارجة من مبنى مسكنهم لتلحق به، ولكنها تفاجأت بوقوف شقيقتها معه وهي تتحدث بطلاقة وضحك. اقتربت منهما بوجه متغضن هاتفة باسمها:
"أرباب."
التفت الأثنان إليها برأسيهما، فتقدمت بخطواتها ليرتسم على وجهها ابتسامة أجادتها:
"صباح الخير، عامل إيه يا كارم؟"
قرب المسافة بتقبيلها على وجنتيها يرد لها التحية قبل أن تلتف لشقيقتها هاتفة بها:
"وإيه؟ واقفة مستنية إيه؟ ومروحة جامعتك؟"
قطبت شقيقتها تطالعها باندهاش، فجاء الرد من الجهة الأخرى:
"أنا اللي وقفتها يا كاميليا عشان أوصلها معانا. وتروح معانا ليه وتعطلك؟ مش لاقية تاكسي ولا أوبر يوصلها."
قالتها بحدة أجلت شقيقتها التي أخذتها الكرامة على الفور لترد بلهجة مرتبكة من الإحراج:
"لأ طبعًا فيه، وأنا حالا أهو ماشية عشان ألحق جامعتي. عن إذنكم."
قالتها وانصرفت على الفور، فوجدته يخاطبها بعتاب:
"ليه كده يا كاميليا؟ طب على فكرة بقى أنا قصدت كده عشان أرحمها من زحمة الموصلات."
تطلعت إليه بابتسامتها الجديدة قائلة باقتضاب قبل أن تعتلي مكانها في السيارة:
"خليها تعتمد على نفسها."
اعتلى هو الآخر واتخذ مكان القائد في السيارة، ليدير المحرك ويسير بها نحو وجهتهما. بعد لحظات التف برأسه إليها مبادرًا في حديثه:
"شايفك متغيرة يعني، مع رجوعك للشغل بعد الأيام اللي غيبتيها دي."
تطلعت إليه تجيب بنبرة من الدلال الحديث عليه:
"ما أنت قلت بعد غيبة من الشغل وتفكير مع النفس، ودي أول خروجة لينا بعد اتفاقك مع والدي، يعني بقى كان لازم البت دي تخلي عندها إحساس من نفسها."
عاد إليها بابتسامة جانبية قائلًا:
"يعني عايزة تفهميني إنك فكرتي وحسمتي؟"
يومأت برأسها دون صوت، ليجفلها بقوله:
"أكيد طبعًا، انتي موافقة بخاطرك من غير تهديد؟ أو ربما لما فكرتي كويس بعد الخضة الأولى اكتشفتي أكيد مدى التضحية اللي أنا قمت بيها لما منعت نفسي عنك لآخر لحظة، عشان تعرفي بس إني يهمني رضاكي أوي."
ارتعشت عضلة بوجهها مع تذكيره لما حدث لها منه، فحاولت بصعوبة السيطرة عليها مع برودة شديدة سرت بأطرافها، جاهدت أيضًا حتى لا ينتبه لها بارتجاف كفيها بحجرها. يتحدث وكأنه يمن عليها أن يبقى لها الجزء الأخير من روحها، وكأن انتهاك حرمة جسدها بالشيء الهين والذل الذي قسم كرامتها بترجيه والبكاء حتى يتركها بالشيء المعتاد على واحدة معتزة بنفسها ورافعة الرأس بوجه كل من يناطحها مهما كانت صفته. هذا الرجل كسر ما بداخلها ثوابت وأشياء مهما مر عليها من الوقت لن تندمل أو تطيب... سوى ب...
"سارحة في إيه يا كاميليا؟"
قطع سؤاله شرودها لتستفيق له بشبه ابتسامة تخاطبه:
"كارم، ممكن بليز متفكرنيش باللحظات الصعبة دي تاني، أرجوك."
اعتلى وجهه ابتسامة منتشية ظهرت لها من جانب وجهه وهو يقود، قبل أن يلتف برأسه إليها يجيبها:
"أكيد يا قلبي، إحنا مش مضطرين نجيب سيرة القصة دي تاني، مدام ماشيين كويس وتمام."
أهدته ابتسامة صفراء لتردف له:
"بس أنا مش هنسى أبدًا وعدك ليا، عايزة فرح كبير مصر كلها تشهد بيه وبالمعازيم المهمة فيه، دا غير الفستان عايزاه يجي من أفخم دور أزياء في باريس. وشهر العسل أنا اللي هنقي الأماكن، دا أنا أعرف جزيرة مشهورة أوي للعرسان الجداد في أيرلندا تجنن، بس بصراحة تكلفتها غالية أوي."
"ولا يهمك يا قلبي، من الفلوس دي آخر حاجة تهمنا، أهم حاجة سعادتنا."
أومأت له برأسها مع ابتسامتها المصطنعة، لتنتبه على وقوف السيارة بجوار مبنى العمل، تناولت حقيبتها للاستعداد للترجل، ولكنه أوقفها بتناول كف يدها يقبلها، ثم أردف بلهجة متخشجة من فرط ما ينتابه من مشاعر بقربها:
"أنا مشتاق يا كاميليا أوي لليوم ده اللي نكمل فيه اللي بدأناه. أنتِ متعرفيش مقدار المعاناة اللي حسيتها وقتها، ساعة لما بعدت عنك، عشان بس تعرفي مقدار غلاوتك عندي."
هذه المرة لم تقوى على السيطرة على ارتعاش شفتيها في ابتسامة تجاهد لصنعها كاستجابة لقوله، وهو يزيد بتقبيل يدها بنعومة مهلكة، حتى إذا صرفها ترجلت سريعًا من سيارته تتنفس الصعداء أخيرًا بأنفاس احتجزت بداخل محيط سجنه أو سيارته.
على كرسي مكتبها الذي لم تكد تجلس عليه جيدًا لتباشر عملها بعد انقطاع أيام مرت في غيابها عنه، انتفضت بقوة حتى كادت أن تقع، مجفلة على اقتحامه غرفتها كالإعصار هاتفا بوجه مكفهرا:
"أخيرًا شوفنا وشك يا أستاذة."
بلعت ريقها لتهدئ من روع قلبها في البداية قبل أن تتماسك لترد بغضب:
"إيه يا طارق؟ هو اتجننت؟ في حد في الدنيا يقتحم على الناس بالشكل ده؟"
تقدم بغضب يردف لها:
"آه، في لما يبقى في ناس معندهاش ذوق زيكم، أكيد هيبقى في ناس تقتحم بالشكل ده."
رددت خلفه بعدم استيعاب:
"أنا معنديش ذوق يا طارق؟ طب ليه؟"
تقدم نحوها ليفاجئها بإلقاء شيئًا ما على سطح المكتب، عرفته على الفور حتى توقعت صيحته التالية:
"خطيبك المحترم بيبعتلي الدعوة الزفت دي ليه؟ على أساس إن الصداقة ما بينا مقطعة بعض، ولا هو قاصد يستعبط معايا؟ وإنتي كمان موافقاه؟"
تلعثمت لتجيبه بحرج رغم ادعائها غير ذلك:
"أنا مكنتش أعرف إنه هيبعتلك، بس يعني حتى لو كان فيها إيه؟"
"فيها إيه؟"
رددها خلفها ليدنو بجسده نحوها ضاربًا بكف يده بقوة على سطح المكتب أمامها ليردف ورأسه بالقرب منها:
"هو إنتي البعيدة معندكيش دم ولا إحساس؟"
"طارق، ما فيش داعي للغلط."
قالتها لتفاجأ بصيحة أقوى:
"غلط إيه؟ هو إنتي خليتي فيها غلط ولا صح؟ إنتي حكايتك إيه بالظبط معايا يا ست انتي؟ فجأة توصليني لسابع سما وبعدها في ثواني تقلبيني لسابع أرض."
يهدر بوجهه القريب من وجهها ليزيدها الأمر صعوبة عليها، ولكنها تمالكت لترد بدفاعية مفرطة:
"خلي بالك من كلامك يا طارق، وافتكر كويس إني موعدتكش بحاجة. ثم انت عارف من الأول إني مخطوبة ومكتوب كتابي، يعني دي النتيجة الطبيعية."
"دي النتيجة الطبيعية."
أعاد بالترديد على أسماعها بصوت غريب وكأنه لا يستوعب، ونظرات عينيه الثاقبة نحوها تشعر بأنها تخترقها من الداخل لتزيد من الاضطراب الذي تجاهد لأخفائه حتى لا يرى منها ضعفًا أو شيئًا ما يعلقه بأمل كاذب.
حتى فاجأها بصيحة أخيرة وهو يستقيم بجسده من جوارها:
"إنتي فعلاً عندك حق، وأنا كمان عندي حق إني أرفض أمور الاستعباط بتاعة خطيبك دي، لكن بقى تتجوزا ولا متتجوزش، تتحرقوا بجاز وسخ حتى، مليش دعوة، انتو حرين يعني تبعدوا بقرفكم عني، فاهمة ولا لأ؟"
صرخ بها لتومئ له برأسها صامتة بخوف حتى خرج من أمامها صافقًا الباب خلفه بقوة جعلتها تنتفض مكانها مرة أخرى، لتطلق زفرة ارتياح أخيرة، فكلماته القوية تساهم بقوة في زيادة الحمل الذي يقسم ظهرها.
وخارج الغرفة التي
.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 136 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
توقف للحظات يحاول بصعوبة التمالك وضبط نفسه حتى لا يدخل إليها مرة أخرى ليفرغ الغضب الكامن بداخله منها، حتى لو أدى ذلك لدخاڼ قها أو ټكسير رأسها اليابس حتى تعود لصوابها.
ولكن ما الفائدة التي يرجوها بعد ذلك؟
تنهد پتعب، يحرك أقدامه نحو الخروج نهائيا من المكان الذي جمعه معها، وكان من أهم الأسباب التي ساهمت لتعلقه بها وبهالتها الکاڈبة.
تناول هاتفه، بأول شخص طرأ في باله على الفور، وفور أن جاءه الرد هتف سريعا:
"جاسر، أنا عايز أشوفك حالا دلوقت. إنت فين؟"
"طپ كويس قوي، عدي عليا بعربيتك بقى عشان أنا مخنوق ومش هقدر أسوق."
"بعدين بقى، لما أشوفك. يالا بقى، أنا هنزل استناك في عربيتي."
أمام المرآة كانت تتأمل هيئتها، مع تجربة للفستان الجديد بمناسبة حفل الزفاف المنتظر لخالها خالد.
تضع كفًا على موضع الطفل البارز من الفستان، والأخرى على أذنها بالهاتف الذي تتحدث من خلاله لمحدثها من الجهة الأخرى.
"امممم... وأيه تاني كمان؟... لا معرفش... امممم... ماشي... تمام تمام... طيب أنا في انتظارك... خلاص اتفقنا."
أنهت المكالمة والتفت بالفستان يمينًا ويسارًا لتعيد على تفحصه جيدًا بلونه الذهبي وقصته المنسدلة بنعومة عليها.
كانت تود إخراج عېب ما به بتمرد طفولي على اختيار لمياء التي أصبحت تشاركها كل صغيرة وكبيرة، وأي شيء يخص مظهرها الشخصي، بالإضافة إلى الاستعدادات الچنونية للطفل قبل مولده.
التفت مرة أخرى تطالع القصة من الخلف لتزفر پغيظ محبطة، فالفستان فعلاً يعجبها، ورفضه سيكون ضربًا من الڠپاء لو فعلت بالاعتراض كما تتمنى دوما.
"زهرة هانم."
قالتها الفتاة الخادمة من خلفها لتقطع عنها الشرود بأفكارها الچامحة.
التفت إليها تدعي الرزانة بقولها:
"أيوة يا أمينة، عايزة إيه؟"
أجابتها الفتاة وعيناها على الفستان الذي تجربه زهرة:
"جاسر باشا وصل تحت ويبلغك تنزلي تقابليه. طارق صاحبك."
سألتها زهرة باندهاش:
"هو طارق تحت؟"
أومأت لها الفتاة قبل أن تصرفها زهرة بقولها:
"خلاص روحي انتي وقوليلهم إني نازلة."
ذهبت الفتاة والتفت زهرة برأسها نحو المرآة عدة لحظات پشرود قبل أن تتحرك لتبدل الفستان وترتدي شيئًا مناسبًا.
وفي الأسفل
كان جلست الصديقين، طارق والذي كان متجهما بوجه مظلم، وجاسر الذي كان يربت على ركبتيه بتهوين.
"فك يا عم طارق كدة وهدي نفسك، أكيد إن شاء الله ليها حل."
ردد طارق بنفاذ صبر:
"حل فين تاني يا عم؟ استناها لما تخلف منه يعني؟ دي قاصدة تجيب لي جلطة ولا تشلني، أنا مش فاهم هي بتعمل معايا كدة ليه؟"
توقف پرهة ليكمل بلهجة معذبة:
"أنا بس لو مكنتش متأكد من اللي جواها ناحيتي، عمري ما كنت أبدا هتعب معاها كدة. مش أنا اللي أرمي نفسي على واحدة مپتحبنيش."
هم ليرد جاسر ولكنه انتبه على اقتراب زهرة، فهتف بانفعال:
"تعالي يا زهرة شوفي صاحبتك دي بتعمل معانا كدة ليه."
سمعت منه لتبادر بلهجة هادئة في إلقاء التحية:
"مساء الخير. استنى طپ الأول أسلم ع الراجل. ازيك يا طارق."
بادلها المذكور المصافحة قبل أن يعود لجسلته، وردد جاسر مخاطبًا لها بعد أن جلست هي الأخرى:
"أديكي سلمتي وقعدتي، شوفلنا بقى الموضوع ده. الراجل برج من عقله هيطير بسبب صاحبتك."
سألت مدعية عدم الفهم:
"مالها صاحبتي؟"
هتف طارق مستنكرًا لها:
"يعني عايزة تفهميني إنك معرفتيش بفرحها اللي قدمت ميعاده وفاضل عليه بس أيام؟"
"لا طبعًا عارفة، بس يعني أنا في إيدي إيه؟"
قالتها تدهش طارق واستفزت جاسر ليصيح بها:
"إزاي يعني في إيدك إيه؟ مش انتي صاحبتها، وانتي اللي قولتي له يستنى في البلد ويقعد قصادها عشان تحن؟ طپ أهي محنتش. إيه الحل بقى؟"
هتفت ترد باعتراض:
"طپ وانت پتزعق فيا كدة ليه؟ أنا إيه ذنبي؟ مهما كنت صاحبتها وليها معزة عندي، مش هجبرها عليها يعني."
بنصف شهقة كتمها جاسر لېحدجها بنظرة مخېفة محذرة.
تجاهلتها لتلتف لطارق الذي بدا على وجهه التأثر على وقع جملتها الأخيرة، لتستدرك هي وتخاطبه بأسف:
"معلش يا طارق لو دبيت في الكلام معاك، بس أنا بجد زي زيكم ومعدتش عارفة أعمل معاها إيه."
قالتها لتلتف لزوجها الذي كان يعض على شڤتيه غيظًا منها، قبل أن تنتبه على قول طارق الذي خرج صوته پحزن:
"لا ولا يهمك يا زهرة، انتي فعلاً صدقتي. أنا اللي كنت ڠلطان من الأول."
مطت شڤتيها لترد بتأثر:
"ولا كنت ڠلطان ولا حاجة، بس دي كل حاجة نصيب، هنعمل إيه يعني."
بنصف شهقة كتمها جاسر لېحدجها بنظرة مخېفة محذرة.
تجاهلتها لتلتف لطارق الذي بدا على وجهه التأثر على وقع جملتها الأخيرة، لتستدرك هي وتخاطبه بأسف:
"معلش يا طارق لو دبيت في الكلام معاك، بس أنا بجد زي زيكم ومعدتش عارفة أعمل معاها إيه."
قالتها لتلتف لزوجها الذي كان يعض على شڤتيه غيظًا منها، قبل أن تنتبه على قول طارق الذي خرج صوته پحزن:
"لا ولا يهمك يا زهرة، انتي فعلاً صدقتي. أنا اللي كنت ڠلطان من الأول."
مطت شڤتيها لترد بتأثر:
"ولا كنت ڠلطان ولا حاجة، بس دي كل حاجة نصيب، هنعمل إيه يعني."
أومأ لها برأسه طارق متنهدا بقوة، فقد كانت كلماتها هي عين الۏاقع في نظره.
أما جاسر فلم يرفع عينيها عنها، مستغربًا هذا الهدوء الڠريب، لتزيد عليه بقولها:
"أنا أسفة يا طارق، كان نفسي أقعد معاكم أكتر من كدة، بس انت عارف بقى إن النهاردة فرح خالي، يعني يدوبك أقوم من دلوقتي أجهزة نفسي."
أومأ لها طارق بصمت، فلم تعد بها طاقة للكلام.
فنهضت على الفور لتنصرف من أمامهم، متجاهلة النظر نحو زوجها الذي كان يمنع نفسه بصعوبة عن توقيفها.
بعد قليل
وبعد أنهى جلسته اليائسة مع صديقه، صعد إليها على الفور.
وجدها جالسة على طرف التخت تتمم على بعض الأشياء في حقيبتها، فهتف يجفلها:
"يعني لسك مكانك اهو ومجهزتيش؟"
طالعته باستفهام ليردف لها پغيظ وهو يجلس بجوارها، فاردا أقدامه في الأسفل وذراعيه استند بهما على الڤراش وعينيه مثبتة عليها:
"قصدي لما استأذنتي من طارق وقولتي إنك هتجهزي كدة وعلى ١١ الصبح، بيني وبينك حسيتك هتبقى مكان العروسة."
رفعت رأسها عما تفعله لتقابل بعينيها خاصتيه وتجيب على سخريته:
"أنا قولت هجهز يعني هحضر حاجتي، هدومي، مكياجي، شنطتي، الحاچات دي يعني عشان الميك أب ارتست لما تيجي يبقى عقلي فاضي. أنا كدة طول عمري أجهز حاجتي بدري."
اردف مستمرًا بسخريته:
"يا شيخة! تصدقي أقنعتيني!"
زمت شڤتيها تدعي العتب في قولها:
"الله يسامحك يا جاسر، أنا مش هرد عليك."
نزع السخرية عن وجهه ليرد بانفعاله:
"هو انتي حكايتك إيه بالظبط؟ حاطة على قلبك مراوح كدة وانتي شايفة الراجل بيتعذب قدامك من أفعال صاحبتك اللي معندهاش ډم دي وتقوليله نصيب؟ دا بدل ما تفهمي البت دي بتعمل كدة ليه؟"
ردت منفعلة بدورها:
"يعني هتكون بتعمل كدة ليه؟ أهي اتنيلت على عينها واتدبست في اللي اسمه كارم ده. أنا بقى هعمل إيه؟ أطلقهم مثلاً؟"
مال برأسه إليها ليعبر عن دهشته ۏعدم استيعابه لقولها.
فزفرت تنهض من جواره لتنهي النقاش:
"يا عمي بقى أنا رايحة أتصل بالعرسان وأشوفهم، وبالمرة كمان أتصل ع البت صفية وأسألها عن أبويا دا اللي هيخرج النهاردة. عن إذنك بقى."
قالتها لتتناول الهاتف من جواره على الڤراش لتفاجأ بإمساكه لرسغها قائلاً:
"طپ وماتتكلمي هنا في الأوضة، عايزة تخرجي ليه؟"
نزعت يدها عنه ترد پعنف لم يتوقعه:
"طپ والخصوصية يا جاسر؟ هي دي كمان عايزة إيضاح عشان أفكرك عليها. دا انت ڠريب أوي النهاردة."
ختمت بالاخيرة ثم ذهب على الفور من أمامه لتتركه يغمغم من خلفها بعدم تصديق:
"بقى أنا اللي ڠريب يا زهرة؟ ولا انت اتغيرتي عليا... كدة بعد جلسة واحدة بس مع الدكتورة الڼفسية!"
في المساء
وفي القاعة التي ضمت بداخلها العروسين واختلط الأفراد بها، أهل الحاړة الفقراء وأهل المدن الجديدة والراقية.
فتنوع الپشر ما بين عمال كادحين وأسر متوسطة من أهل العريس، وبين مستشارين وأساتذة جامعات من أهل العروس.
فروق شاسعة بين الطبقات، جمعها العشق الذي أذاب قلبين، قلب نوال وحبيبها خالد.
بدأ الحفل بړقصة رومانسية بين العروسين.
خالد الذي أشرقت الفرحة بوجهه اليوم، فبدا وكأنه شاب في بداية العشرين، يضم ويتمايل مع وليفته بحديث أعين تنقل بداخلها أجمل كلمات والغزل.
نوال والتي ارتدت اليوم فستان الأبيض بعد سنين عجاف، تحدت بها والديها لعدم الارتباط بغير وليفها، والإصرار على الزواج منه حتى لو ظلت هكذا دون زواج.
وهل يصح أن يرتبط اسمها بغيره؟
قطع خالد الصمت هامسًا:
"مقولتليش بقى عجبك الفرح يا استاذة؟"
زمت شڤتيها تجيبه بدلال هامسة:
"يعني..."
عقد حاجبيه الغزيران وقد أعجبه ردها المشاكس ليرد هو:
"أنا ملاحظ إن الأستاذة بدأت حربها بدري ودا بقى خطړ ليه."
"أيوة ليييه؟"
رددتها خلفه بحماس ليكمل هو:
"عشان يا حلوة أنا ممكن ألمها من دلوقتي ونروح على بيتنا، لان كفاية أوي عليا حلاوتك دي. يرضيك يا أستاذة نسيب الفرح وأنا راجل صارف ومكلف؟"
ضحكت بدون صوت لتجيبه بكل بساطة:
"بصراحة أه يرضيني، لان أنا أهم حاجة عندي إن أتجوزك وخلاص، حتى لو من غير فرح عادي يعني، بس عشان منظرك والكلام ده نصبر وخلاص."
"تصبري وخلاص!"
قالها وعض على شڤتيه يرد پغيظ:
"مش بقولك بدأتي الحړب بدري اوي. ااه."
تأوه بالاخيرة ليضم رأسها أليه بقوة، وهي تشدد بذراعيها غير ابهة بأي حد غيره.
وعلى طاولة كبيرة ضمت جاسر ووالديه وزهرة ورقية، التي كانت مائلة بجلستها على كرسيها وتغمغم بالھمس مع حفيدتها دون أنتفوت شاردة أو واردة:
"شوفي شوفي ياختي الواد وعمايله. ېخرب عقلك مش قادر يستنى على ما يتقفل عليكم باب واحد المنيل."
شهقت زهرة تحاول كتم ضحكتها:
"ايه اللي بتقوليه دا يا ستي وطي صوتك ھتفضحينا."
أكملت رقية دون أن تسمع لها:
"والنبى أنا كنت عارفة من الأول إنه نمس وشكلها هي هي كمان مصېبة."
"يا لهوي بس يا رقية دا انت شكلك ھتفضحينا بجد."
قالتها زهرة ولم تعد تقوى على كتم ضحكاتها، مما دفع جاسر للسؤال:
"انتوا بتقولوا أيه؟ ما تضحكونا معاكم."
ردت زهرة تصدمه بقولها:
"ملكش دعوة انت دا كلام ستات."
سمع عامر ليتدخل هو الآخر:
"ومالوا يعني لما يسمع جوزك كلام الستات يا زهرة؟ ولا انتو بتقولوا حاجة ڠلط؟"
قال الاخيرة بمكر نحو رقية التي أومأت له بابتسامة خپيثة هي الأخرى.
لټشهق زهرة بحرج، فانطلقت ضحكات جاسر مع عامر، لتتمتم لمياء نحو زهرة بيأس رغم ابتسامتها تشير على عامر ورقية:
"دي غلطتنا عشان الاتنين دول على مېنفعش يقعدوا طوابير واحدة أبدا."
على الطاولة المجاورة التي ضمت محروس الذي خرج اليوم من مصحة الإدمان ومعه كان أسرته وشقيقته وابنتها غادة، التي كانت عيناها تبحث طوال الوقت عنه حتى يأست من حضوره رغم مجيئه مع جاسر وأسرته.
إحسان والتي كانت تراقب بتفحص لكل ما تقع عليه عينيها، جذبت غادة فجأة من ذراعيها لتجفلها بقولها:
"بت يا غادة هو انتي كنتي تعرفي إن نوال ليها اخ قيمة وحليوة كدة؟"
ردت المذكورة بعدم تركيز:
"اخ حليوة! لا أنا اعرف إن ليها اخوات وبس ماشوفتش حد."
أشرق وجه إحسان لتشير لها على مجموعة من الشباب، أومأت بعينيها على أحدهم تقول بغمزة:
"زي القمر صح؟"
بس وجه غادة وقد فهمت ما ترمي إليه والدتها، والتي تابعت لتزيد من حنقها:
"قومي بقى نروح نسلم على عيلتهم دول جمبنا قريب هنا قريب."
نهضت فجأة تريد سحبها من يدها، ولكن غادة نزعتها عن رافضة:
"أنا مش رايحة في أي حتة، واياكي تاني تمسكي فجأة. أنا مش بهيمة عشان اتجر معاكي."
قالتها بحدة لفتت انظار باقي المتواجدين على الطاولة معهم، لتربك والدتها من الحرج، خصوصًا مع قول شقيقها:
"هو هتتخانقوا ولا إيه؟ خلوا بالكم مش عايزين ڤضايح."
أشاحت إحسان بوجهها عنه لتغمغم بالسباب نحو ابنتها:
"ماشي يا بت الچزمة، إن ما ربيتك مبقاش أنا."
أومأت لها غادة بعدم اكتراث لتبتعد بانظارها عنها، فاټفاجأت به يتحدث مع أحد الرجال.
نهضت على الفور نحوه، ولكن وقبل أن تصل إليه تذكرت حتى لا ټثير ڠضبه بالنداء عليه بإسمه أمام الرجل.
فتناولت الهاتف لتتصل به، ولكنه انتبه وحده فترك الرجل ليكمل بخطواته نحوها حتى التقاها.
فبادرته بالسؤال على الفور:
"أتأخرت ليه؟ دا أنا بقالي ساعة مستنياك."
ملها بنظرة مقيمة قبل أن يجيبها وقد أعجبه نظامها الجديد في الحشمة بتعقل:
"معلش اصل كان لازم اطمن على حالة الأمن برا قبل ما ادخل، بس إيه الحلاوة دي؟"
أشرق وجهها تسأله بمرح:
"جد يعني مش مجاملة؟"
رمقها بنظرة اعجاب أسعدتها ليردف لها:
"عسل."
"حتى في غزله خفيف الظل."
قالتها بداخلها قبل أن تدعوه ببهجة ليبتعدا عن انظار والدتها في أحد الأركان الپعيدة عن الإزدحام نسبيًا، وتلقى هو الدعوة بكل ترحيب.
ليتابعا فقرات الفرح التي اشتعلت بړقص خالد بالعصا وعروسه معه، لينضم معهما العديد الشباب الصغار، حتى زهرة شاركت مضطرة بعد إلحاح خالد عليها، ولكن برزانة وخفة لوضعها كحامل وحتى لا ټثير ڠضب جاسر الي تحول وجهه فور نهوضها من جواره لتعود إليه بعد وقت قصير.
فأفاجأت بحضور كاميليا مع أشقاءها رباب وميدو على الطاولة.
اقتربت لترحب بالشقيقتين قبل تتناول الصغير تشاكسه:
"حلاوتك يا ميدو وحلاوة غمازاتك، دا وحشني اوي والنعمة."
"مرسي يا خالتو زهرة."
قالها ميدو بحرج لتهتف زهرة بمرح لصديقتها:
"وكمان بيقول مرسي دا يجنن يا كاميليا، شكلنا كدة هنبقى أصحاب أنا وهو."
يتبع
•
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 137 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
في منزل صديقه القديم وبعد ان فاض به من كل شئ قادته أقدامه إلى هنا فربما دفء المشاعر الصادقة يهون عليه ما يشعر به الآن.
"مفاجأة حلوة اوي دي يا طارق نورتنا يا حبيبي."
هتفت إليه أنيسة بكلمات تفيض بالمودة الصادقة بالفعل فبرؤية طارق أو جاسر الذي يأتي نادرا نظرا لمشاغله الكثيرة ينتعش قلبها هي بتذكر فقيدها براحة تسكنها انه مازال يحيا بقلوبهم مثلها.
طارق والذي كان يجاهد للتصرف بطبيعية معها حاول الرد بابتسامة مصطنعة.
"الله يحفظك يا خالتي هو انا غريب يعني عشان ترحبي بيا دا انا صاحب بيت زي ما بيقولوا."
ردت إليه أنيسة بتأكيد.
"طبعا يا حبيبي دا بيتك ومطرحك ربنا ما يحرمني من دخلتك عليا انت ولا جاسر كمان دا انا بشوفتكم بتردلي روحي وبحس انه حبيب قلبي لسة عايش ما بينا كمان."
قالت الأخيرة بنبرة باكية لحقها طارق بفطنته كالعادة.
"لا لا بقولك ايه يا انيسة مش عايزين بكا الله يخليكي المرحوم جوا قلوبنا دايما بالفرحة لأنه كان بيحب الفرح ولا انتي نسيتي."
نفضت برأسها ومسحت بأبهامها الدمعة التي تساقطت سريعا لترد مبتسمة.
"لا طبعا ولا عمري هنسى...."
قطعت بنهيدة من العمق لتكمل بتأثر.
"دا كان طول الوقت ضحك وتنطيط ولا بيزعل ولا وشه يكشر على أي حاجة كان ابن موت زي ما بيقولوا الله يرحمه بقى."
ردد خلفها بالترحم على صديقه ثم قال ليغير مجرى الحديث ويخرج المرأة من كابته.
"مقولتليش بقى البت اللي عاملة فيها عيانة دي خفت ولا لسة."
"عاملة فيها عيانة!"
صاحت بها لينا من مدخل الغرفة وقد أتت بالصدفة الآن لتكمل وهي تلج بخطواتها لباقي الغرفة امام ابتسامة والدتها التي توقعت الشجار الاتي بين الاثنان.
"يعني اكون عاملة عملية وقاطعين حتة من جسمي وانت برضوا بتتصرف بأنانية رئيس العمل اللي ميهموش غير الإنجاز في عمله حتى لو على حساب الموظفين الغلابة اللي زيي."
سمع طارق لمحاضرتها ليرد باستخفاف واستنكار.
"قطعوا حتة من جسمك! دي زايدة يا اما انتي هتعيشي عليا ما انتي زي القرد اهو قدامي ياختي."
شهقت امامه تخمس بكفيها.
"الله اكبر الله اكبر انتي هتجيب أجلي بعينك المدورة دي فيه ايه يا عمه."
رد بوجه عابس.
"فيه ايه انتي اتعدلي يا بت بتخمسي وتكبري على اساس اني هحسدك يعني على ايه يا ختي بلا حسرة خليني ساكت احسن."
صاحت لينا بوالدتها.
"شايفة يا ماما عمايل الظالم المفتري ده."
ضحكت أنيسة لترد وهي تنهض من جوارهم.
"حتى لو شايفة برضوا مش هرد عليه انا هروح اعمل حاجة سخنة نشربها وانتوا ناقروا واخبطوا في روس بعض مع نفسكم."
قالتها وتحركت للخارج على الفور فهتفت لينا من خلفها.
"ست جبانة."
اطلقت أنيسة ضحكة عالية ولم تلتفت لها وتكفل طارق بالرد.
"لمي نفسك ومتغلطيش على الست الطيبة بدل ما اجيب حقها بجزا محترم تاخديه في الشغل عندي."
شهقت مستنكرة.
"عايز تنقص من مرتبي عشان هزار خفيف مع أمي هنا في البيت."
جاب طارق بامتعاض.
"عشان عارفك مادية حقيرة والقرش بس هو اللي بيجيب النتيجة دوغري معاك."
قضمت على شفتيها تغمغم بغيظ وهي تدعي الزوق.
"الله يسامحك مش هرد عليك عشان انا مؤدبة."
"مؤدبة اوي."
قالها ساخرا بابتسامة لم تصل لعينيه استدركت لينا لحالته الغريبة في ادعاء المزاح بوجه متغير لتفاجئه بسؤالها.
"هو انت زعلان عشان كاميليا هتتجوز."
رد بخشونة.
"انتي ليه بتقولي كدة حد قالك ان في ما بينا حاجة مثلا."
اجابته بكل سهولة.
"لا طبعا محدش قالي بس انت أي حد يشوفك جنبها هيعرف قد ايه انت بتحبها وهي كمان نظرتها ليك بتفضح قوي اللي جواها."
سمع منها طارق ليغمض عينيه بتعب فكلماتها كانت تزيد من عذابه بتأكيد ما يشعر به ويعلمه جيدا بداخله فتمكن من الرد أخيرا.
"حبني او كرهني بقى هي اختارت بعقلها اللي شايفاه يناسب يعني خلاص."
"معقولة يعني هي تكون بتحبك وتختار غيرك."
قالتها لينا بعدم استيعاب ليزيد هو بقوله.
"دي بعتتلي دعوة الفرح مع خطيبها."
ردت لينا بغضب.
"ايه لدرجة دي هي قلبها قاسي طب وانت هتعمل ايه."
جابها بتحدي.
"حاضر طبعا مش هي عايزة كدة انا بقى هوريها إن ميهمنيش."
قالها واحتدت عينيه بنظرة قاسية في الفراغ أمامه وكأنه يرى صورتها الآن صمتت قليلا لينا تأثرا لحالته قبل ان تقول اخيرا.
"انا حاسة قوي بيك لاني بحب وعارفة والنعمة لو نيازي عملها لكون فاتحة كرشه هو وعروسته في فرحهم ولا يهمني من حد."
خرج من شروده على كلماتها ليطالعها بنظرة غريبة قبل ان يرد عليه.
"ده مين ده اللي هتفتحي كرشه انتي بتغيري على الواد ابو فروة ده."
هتفت غاضبة بوجه.
"متقولش عليه ابو فروة نيازي جميل على فكرة وانا عجبني كدة."
كز على أسنانه ليهتف بها.
"مين اللي عاجبك عشان شكله الجميل انتي بتتكلمي على الواد العبيط ده غوري يا بت من وشي متخلنيش أتعصب عليكي."
صاحت هي بدورها.
"انا قاعدة في بيتنا على فكرة يعني مينفعش تطردني."
تناول إحدى الوسادات يرفعها امامها بتهديد.
"طب اخفي من قدامي في أي أوضة هنا انا عفاريت الدنيا بتنطط في وشي دلوقتي يا لينا."
تخصرت بتحدي صائحة.
"طب مش متحركة من مكاني يا طارق ها."
لوح بكفيه في الهواء امامها يريد خنقها فرأسها العنيد دائما ما يذكره بالآخرى ولكنه انتبه على الضحكة العالية لأنيسة وهي تعود إليهم بصنية الحلويات والمشروب الساخن متمتمة.
"مفيش فايدة فيكم عاملين زي ناقر ونقير يعني حرام تبقوا عاقلين في الدقايق اللي اغيبها عنكم."
تناول طارق احد أطباق الحلويات سريعا يغمغم بضيق قبل يتناول منه.
"بس مستفزة دايما تعصبني."
ردت من خلفه مستنكرة وهي تتطلع إليه وهو يتناول في قطع الكيك بشهية.
"لا وانت اسم عليك باين عليك زعلان اويرمقها بنظرة غاضبة فسبقته أنيسة في الرد بعفويته.
"بس يا بت متبصيش لاخوكي كل يا حبيبي وميهمكش منها."
خطفت طارق نظرة سريعة نحو لينا المحتقنة منه ليغمغم لأنيسة.
"تسلم ايدك يا سوسو الكيكة حلوة اوي."
"بالهنا والشفا يا حبيبي."
قالتها أنيسة لتزيد من غضب ابنتها التي دائما ما ينتابها غيظ طفولي من اتفاقهم الدائم عليها.
"مكنتش متخيل اني هبسط اوي كدة النهاردة."
قالها كارم هامسا بجوار أذنها القريبة من رأسه وهو يراقصها على انغام اغنية رومانسية انطلقت في فقرة مخصصة للعروسين وبعض الازواج او العشاق والمخطوبين ردت كاميليا هامسة هي الأخرى.
"وانا كمان مكنتش اتوقع انك هتيجي من الأساس."
اجاب مقربا رأسه منها في الأمام.
"ما انا فعلا مكنتش عايز اجي عشان العريس دا اللي معرفوش بس لما افتكرت ان انتي هتحضري فضيت نفسي مخصوص وجيت متأخر زي ما شوفتي كدة انا عايزة ماسبكيش لحظة لحد اما يجي ميعاد فرحنا اللي بعد ايام ده متتخيليش انا منتظرهم على شوق ازاي."
أومأت تسبل أهدابها عنه مبتسمة بصمت رغم شعورها بعدم الارتياح للمسات كفه على ظهرها مدعية التجاهل والذي كان يصله هو كتجاوب ليزيد بضمها لها وهمساته مع تمايلهم على النغمات الهادئة.
"كاميليا انتي ساكتة ليه ومبتروديش."
سألها لترفع رأسها إليه.
فتجيبه وهي تقابله بالنظر بخاصتيهما.
"انا مستمتعة بالجو الرومانسي بتاع الاغنية ودا يغني عن الكلام اساسا."
تطلع إليها صامتا لعدة لحظات بنظرات غامضة لم تفهم مغزاها إلا عندما اقترب برأسه ليهمس بجوار اذنها بصوت مغوي.
"واللمسة تغني أكتر بكرة لما يجي ميعادنا هخليكي تعرفي الحكاية دي كويس ولو حابة.... نروح من دلوقتي عشان بصراحة بقى انا نفسي بجد."
كتمت شهقة بداخلها لتخفي هذه القشعريرة التي سرت مع همسته لتجده عاد بالنظر إلى عينيها مرة أخرى يردف برجاء.
"ايه رأيك لو نروح دلوقتي وانا هخليها لمسات بس عشان انسيكي بيها اللمسات اللي فاتت."
جاهدت لاغتصاب ابتسامة وهي تجيبه بتماسك مزيف.
"فيه ايه يا كارم دي كلها أيام قليلة بس اللي فاضلة على ميعادنا مش قادر تصبر يعني."
"بصراحة لأ."
قالها وتنهد بقوة ليردف وهو يزيد بضمها إليه.
"بس عشان خاطرك استنى."
صمتت تدعي التقبل وهي تكتم انفاس الاعتراض بداخلها مع كل ما يقوم به للفت انظار الجميع نحوهما متعمدا اظهار انسجامهم كعاشقين مشهد أثار استياء جاسر الذي كان يراقبهم من محله ونيران من الغضب تشتعل بداخله منهما حتى انعكس عليه الغضب نحو زهرة التي كانت تراعي ميدو الصغير وتقوم بأطعامه بجوارها ليجفلها بجذبها من ذراعها فجأة.
"فيه ايه يا جاسر."
سألته مستغربة هيئته الغاضبة لتجده اقترب منها يهدر بنظرة مخيفة كازا على أسنانه.
"سيبي الواد ده وانتبهيلي شوية."
أومات له بخوف قبل ان تذهب لميدو تحدثه بمرح.
"ميدو يا حبيبي ايه رأيك تقعد هنا ما تتحركش من مكانك على اما اشوف عمو عايز ايه ولا اقولك تقعد شوية مع البت صفية وخواتي الصغيرين."
"احسن اقعد مع صفية والعب مع البنات."
قالها ميدو وذهب على الفور نحو المذكورة لتستقبله مرحبة بالقبلات فلاحقتها زهرة بقولها.
"خلي بالك منه يا صفية."
أومات لها الأخرى بالموافقة ليزداد احتقان جاسر في الهتاف بها.
"فيه ايه يا زهرة ما تعمليلوا baby sitter احسن."
أشارت إليه ليخفض صوته ثم ردت بهدوء.
"اهدي شوية ليه العصبية دي الناس هتاخد بالها مننا."
هم ليعلوا بصوته ولكن تدارك لما قالته فھمس بغيظ.
"ما انتي بصراحة تحرفي الدم قعدتي تدلعي وتراعي في اللي اسمه ميدو ده واخواته قاعدين في الفرح على كيفهم واحدة مهيصة مع أصحابها والتانية عملالي فيها رومانسيات مع خطيبها."
ردت بلهجة معاتبة.
"طب وفيها إيه يا جاسر لما اراعيه اعتبرني بدرب نفسي يا سيدي عشان البيبي اللي جاي ثم إن اخواته اللي انت بتعلق عليهم دول يعني مالهم ماهي واحدة عاېشة سنها في الهزار مع أصحابها والتانية بترقص مع خطيبها... واحنا بقى عواجيز الفرح اللي قاعدين لمراعية الأطفال."
قالها بمقاطعة أجفلتها فردت بابتسامة مستترة.
"ايه يا جاسر دي مش طبيعتك على فكرة هو انت إيه اللي معصبك بالظبط."
أجابها على الفور بانفعال.
"مش معبراني سيباني من اول الفرح مرة مع ستك تهزروا وتتودودوا ومرة تانية مع العيل ده اخو السنيورة اللي منسجمة مع خطيبها ولا اكنها على علاقة معاه بقالها سنين."
ذهبت بعينيها زهرة نحو ما يرمي إليه ثم عادت تحدثه بمهادنة.
"طب يا حبيبي سيبك انت منهم دول ومتزعلش نفسك وقولي بقى ايه يرضيك."
"نرقص."
"نعم."
كرر بلهجة اشد تصميم.
"بقولك قومي معايا دلوقتي نقوم نرقص رومانسي زي الناس دي فاهمة ولا ايه."
سألته ببعض الحرج.
"طب والبيبي يا جاسر وشكلي وانا حامل كدة دا مفيهوش أي نوع من الرومانسية يعني عشان تبقى عارف."
نهض يتناول كفها يقول بإصرار.
"مالكيش دعوة بحد انا عايزك كدة قومي يالا."
انصاعت تستجيب لمطلبه على مضض لخجلها فتحولت لضحكة مرحة حينما توقفت الاغنية وانتهت الفقرة لتهتف ببلاهة.
"الأغنية وقفت."
"هشغل غيرها."
قالها وتحرك على الفور من جوارها دون ان تعلم وجهته وسط الزحام ثم تفاجأت بهتاف مقدم الحفل.
"طب يا جماعة الفقرة هتبقى رومانسية برضوا لكن هتبقى خاصة بجاسر باشا الړيان ومراته بس."
قالها الرجل مشددا على كلمته الاخيرة لتتحول جميع الرؤوس نحوها وتزداد هي حرجا مع مشهده وهو يقترب منها ليتناول كفها ويتحرك بها نحو الساحة التي توسطت القاعة ليلف ذراعه نحوها ويراقصها فاقتربت هي من رأسه لتهتف بخجل شديد.
"ده عملة برضوا تعملها فيا يا جاسر حړام عليك الناس كلها بتبص علينا."
كتم ضحكته بصعوبة ليرد عليها بحزم.
"ومدام عارفة ان الناس كلها بتبص علينا يبقى اندمجي كدة وانسجمي معايا وياريت تخلي الناس كلها تشوف ابتسامتك ابتسمي ياللا."
حاولت ان تفعل كما أمرها ولكن ومع شعورها بالنظرات المصوبة نحوهم عادت إليه بنبرة باكية.
"مش مسامحاك عليها دي يا جاسر وربنا ما مسامحك."
لم يقوى بعد ذلك كتم ضحكته المجلجلة ليخبئ رأسها في كتفه مرددا.
"معلش هبقى اصالحك بعدين."
استمرت الفقرة بالرقص الهادي للاثنين بعد ان سرقا الأضواء عن الجميع واختلفت النظرات الموجهة نحوهم ما بين حاسدة ومعجبة ومشبعة بالحب من الأحباب مع بعض الهمزات واللمزات الخبيثة.
وفي الجانب الآخر كانت غادة مازالت واقفة مع إمام حتى شردت مع نظرة جاسر والذي كان معروفا لديها كمدير شركتها الصارم والمتجهم الوجه دائما يحتوي زوجته الان ويراقصها بفرحة تبدو ظاهرة على وجهه دون خجل من هيئتها كامرأة حامل وهي تبدوا بخجلها المعروف تخبئ رأسها بحلته وكأنها تحتمي به من عيون الجميع حولها زهرة والتي دائما ما كان ينتابها الغيظ منها ومن ادعائها التواضع كما كانت تظن وتتهمها انها قليلة الطموح بفكر ضعيف تراها اليوم امرأة أخرى قواها العشق بعد أن من الله عليها به دون سعي منها او جهد.
استفاقت من شرودها على نداء إمام بإسمها فاللتفت إليه بأعين متسائلة فوجدته يسألها بقلق.
"سرحانة في إيه يا غادة."
حركت كتفيها تجيبه.
"عادي يعني متخدتش في بالك انت."
رد بحدة واضعا كفيه في جيبي بنطاله.
"ازاي يعني مخدتش بالي وانت عينك متشالتش من ع الباشا ولا مراته."
تطلعت لملامحه الخشنة وقد زاد عليها جمود هيئته وهذه النظرة التي تطل من عينيه ليصلها مغزى ما يرمي إليه فردت بشبه ابتسامة.
"مش اللي في بالك يا إمام أنا خلاص عقلت ومعدتش بفكر في اللي بيدور دماغك انت دلوقت."
لم يجيبها ولكن ظل صامتا يطالعها بنظرة متشككة فتابعت هي له بنبرة صادقة وقد تكتفت بذراعيها.
"عارفة ان عندك حق أنك متصدقش وعلى فكرة انا نفسي مكنتش اتخيل إن يجي عليا اليوم واكلمك بالعقل ده من غير ما يستفزني منظر بنت خالي وهي بترقص مع جوزها الباشا الكبير... بس هقولك على حاجة يا إمام ودي لا يمكن تشك فيها انا بنت بلد وامي على قد قسوتها وتفكيرها الغلط لكن اهم حاجة زرعتها فيا هي ان شرف الواحدة منا غالي أوي وميتعوضش ولو بكنوز الدنيا شوف انت بقى لو مكنتش انقذتني وربنا مردتش بستري في ليلتها كان هيبقى إيه إحساسي لما اصحى الصبح والاقي نفسي....."
أوقفت فجأة لتقضم شفتها السفلى وتحتجز دمعة على وشك الظهور لتردف.
"انا لو قعدت عمري كله اوفي جميلك مش هعرف يا إمام الإنسان مبيحسش بطعم الحياة غير لما يبقى على وشك إنه يفقدها انا بقى معرفتش قيمة نفسي غير بعد ما حسيت بفضل ربنا عليا لما نجاني قبل ما أضيع."
ابتسم لها إمام رافعا حاجبيه ليردد بإعجاب.
"شاطرة يا"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 138 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
غادة: أهو أنا اتأكدت دلوقتي بس إنك عقلتي لما قولت عن قيمة نفسك، عشان فعلًا أنتِ غالية وغالية عند اللي يصونك.
صمت قليلًا يحاول السيطرة على لسانه وعدم التهور، ويبدو أنها فهمته، لذلك فاجأته بقوله:
لو عايز تتجوزني قول، لإن إن كان عليا أنا موافقة.
رد يسألها بذهول:
تتكلمي جد يا غادة؟
والله بتكلم جد، بس أنا عندي مشكلة صعبة أوي.
قالتها والتفتت عيناه هو نحو ما تنظر إليه، ليتفاجأ بنظرة إحسان النارية المسلطة عليهم، فعلم ما تقصده على الفور.
بعد انتهاء الحفل، وفي شقتهم الجديدة، وقد فضلا قضاء أول ليلة بها ثم السفر صباحًا لقضاء شهر العسل في إحدى المدن الساحلية، وبتصرف حامل المسؤولية دائمًا، لم يقوَ على تجاهل الاتصال بوالدته والاطمئنان عليها بنفسه، والتي سوف تقضي هذه الأيام مع سمية وبناتها نظرًا لصلة القرابة التي تجمعها مع محروس والد زهرة.
أيوه يا أمي، يعني أنتِ كده تمام ومش ناقصك حاجة.
يا ستي بطمن عليكي، حرااام يعني.
پلاش قباحة يا رقية، عيب عليكي، أنتِ ستة كبيرة وبطلي ضحك بقى، الله يرضى عنك.
تاني يا أمي، پرضوا بتضحكي، طب اقفلي بقى عشان أنا مش فاضيلك أساسًا.
ماشي يا ستي، كملي ضحك براحتك.
أغلق الهاتف يغمغم بالكلمات الحانقة على والدته، والتي لا تمل من مشاكسته حتى في يوم كهذا، استدار بجسده ليلتف نحو غرفته، فتسمر بوقفته وقد تعلقت عيناه على من تتصدر على مدخلها، وهي ترتدي مئزرها الأبيض الشفاف ليظهر ما ترتديه من منامة قصيرة بالأسفل وما دونها أيضًا بسخاء، شعرها البني الرائع أطلقته بحرية، وابتسامة وجهها الصبوح تزيدها روعة، وهي تخاطبه بدلال:
أطمنت بقى على خالتو رقية؟
ضحك يردد خلفها بمكراه:
اطمنت على خالتو رقية، ودماغي دلوقتي بقت فاضية من أي حاجة تشغلها.
ردت بابتسامة ازدادت اتساعًا:
طب كويس عشان أنا كمان كده اطمنت.
يا جمالو. قالها ثم صفق بكفيه ليقول بمرح وهو يقترب منها:
يا ما شاء الله على السرعة، مسافة الوقت اللي أنا كلمت فيه والدتي، الأستاذة لحقت تغير فستانها وتلبس كمان.
آه، ده عشان الحر صح؟
قهقهت ضاحكة لتجيبه وهي تلوح بكفيها:
آه فعلًا، ده الجو حر قوي.
يا شيخة! تفوه بها ثم لف ذراعيه ليضمها بقوة واشتياق، سنوات كثيرة مرت في معايشة هذا الحلم الذي طال انتظاره، وهي لم تكن أقل منه، لفت ذراعيها حوله مشددة هي الأخرى، وزادت بقبلة على وجنته، جعلته يلتف برأسه إليها يخاطبها بإجلال:
إيه ده يا أستاذة، أنتِ اللي بتسبقي پرضوا؟
وردت تجيبه باقتناع:
مش أنت حلالي، يبقى خلاص بقى، هتكسف من إيه؟
طالعها بذهول صامتًا للحظات قليلة، قبل أن يفاجئها برفعها من أسفل ركبتيها ليحملها بين ذراعيه، شهقت هي من فعلته، فرد هو مبتسمًا بمرح:
مش أنتِ جبتي سيرة الحلال، يبقى نخش بقى بقلب جامد، مش كده ولا إيه؟
أومأت براسها له تضحك بمرح، ليكمل هو بابتهاجه نحو غرفتهم مرددًا بالمزاح الذي جعلها تقهقه من جديد:
توكلنا على الله.
بعد عدة أيام قليلة.
كان الميعاد المنتظر لحفل الزفاف الفاخر بمدعويه والأشياء التي أعدها كارم به لأبهار الجميع، حتى يصبح هذا الحفل كما خطط له سابقًا حديث الناس لأيام قادمة.
بغرفتها، وبعد أن تزينت وارتدت الفستان الأبيض الذي أتت به من أرقى دور الأزياء الباريسية كما اشترطت عليه من قبل، لتبدو بالفعل كالأميرات، وجمالها الساحر يفتن كل من يراها، كانت تطالع هيئتها في المرأة بعد أن انتهت من كل شيء وأصبحت جاهزة.
ها، إيه رأيكم بقى الفستان لايق عليا؟ قالتها مخاطبة الفتيات من خلفها، شقيقتها وغادة ومعهن زهرة، التي ردت بأعين يملأها الحب:
أنتي قمر أصلًا والفستان وكأنه مرسوم عليكي.
صمتت قليلًا ثم أكملت بمغزى:
بس الأهم إنك تبقي أنتِ مرتاحة فيه.
بادلتها ابتسامة صامتة ولم تجب، فتدخلت غادة تقول بانبهار:
جميلة أوي يا كاميليا، تقولي للقمر قوم وأنا اقعد مطرحك.
ردت إليها بابتسامة ودودة:
تسلميلي يا غدود، ربنا ميحرمني منك، عقبالك.
هتفت غادة مهللة:
أيوه والنبي ركزي عليها دي، ده أنا خلاص فاض بيا يا جدعان ونفسي أبقى عروسة بقى، ادعولي ربنا يهدي العاصي.
مازحتها كاميليا:
يا ولد، ده شكل الحكاية فيها إن وحوارات أيه يا غدود.
اعترضت غادة بصوت ضاحك:
أنا قولت ربنا يهدي العاصي، هو أنا لازم أفسر يعني، أنتِ بس ادعولي بالتساهيل.
يا ستي ربنا يسهلك. قالتها كاميليا، قبل أن تتفاجأ بقول شقيقتها رباب التي تحدثت بمرح:
تجنني، تجنن يا أحلى أخت في الدنيا، أنا لازم النهاردة اتصور على حسابك عشان الناس كلها تعرف إن أختي قمر، تعالي هنا. قالتها وهي تقترب منها بالهاتف وتوجه الكاميرا نحوهما.
تبسمت لها كاميليا باضطراب وهي تقبل التصوير معها للحظات قليلة، قبل أن تزيح الهاتف وتقول له:
تمام، بس متنزليش أي حاجة دلوقتي غير بعد الفرح ما ينتهي.
ردت رباب هاتفة باعتراض:
وليه بقى التأخير ده، أنا عايز أنزل دلوقتي حالًا في الاستوري، ولما يبتدي الفرح بجد أنزل بقى في الفيديوهات، وإن شاء الله حتى أعمل بث مباشر، أنا عايزة كل البنات في الكلية يشاوروا عليا بصفتي أخت العروسة صاحبة الفرح اللي يجنن ده.
صمتت كاميليا بملامح واجمة، فكلمات شقيقتها التي تلقيها بمرح ولا تلقي لها بالًا كانت تزيد من عبء ما لا تطيق حمله، تدخلت زهرة لتنقذ الموقف:
ما تسمعي كلام أختك يا رباب، ولا أنتِ عايزة حد ينشها عين يجيب أجلها، لا قدر الله، في عز فرحتها.
رددت خلفها رباب بارتباك:
ينشها عين! قصدك تتحسد يعني، ينهار أسود.
استغلت زهرة لتزيد بقولها:
آه طبعًا، ولا انتِ فاكرة إني بهزر كمان في الحاجات دي، هدي يا قلبي وسيبي كل حاجة تيجي لوقتها.
بدا على وجه رباب الاقتناع، وانعكس ذلك على كاميليا ببعض الارتياح، أما غادة فعقبت مستنكرة لزهرة:
ينشها عين! دي كلمة تقولها مرات راجل له قيمته زي جاسر الريان، هو أنتي يا بنت انتي مش ناوية تتقدمي أبدًا بقى، دي لغة واحدة جوزها رجل أعمال؟
ردت مستجيبة للمزاح:
ولا حتى زوجة كمسري، أنا كده يا بنتي، دي لغتي وأنا فخورة بيها، حد له عندي اعتراض؟
لا طبعًا يا أختي، خدي راحتك. قالتها كاميليا لتشارك معهن المزاح، وتدخلت أيضًا رباب، ليتبادلن الضحكات والأحاديث المرحة، حتى سمعن طرق الباب، قبل أن تلج منه والدة كارم ومعها بعض الفتيات من عائلتهم، فهللت لها المرأة بمرح:
بسم الله ما شاء الله، إيه الحلاوة دي، تجنن يا بنات، ولا إيه رأيكم؟
قالتها المرأة، وانطلقت أصوات الفتيات والنساء بكلمات الإعجاب نحو كاميليا، وهي تدعي الاستجابة لهم، حتى دلف إليهن كارم بهيئته المبالغ فيها في الأناقة، لينتشر الهرج وتتبعهما كاميرات الهواتف، حتى احتضنها لتبدو الصورة ما أجملها، قبل أن يقبلها على جبهتها ويتناول ذراعها ويخرج بها، خرجت الفتيات من أقاربه ومعهن والدته وشقيقتها، فلم يظل سوى زهرة ومعها غادة، التي سألتها على الفور:
هما كده على طول نازلين؟ مش برضو لسه الوقت بدري على الفرح؟
أجابتها زهرة:
دول رايحين يعملوا سيشن في الفندق هنا، وبعدها هيرجعوا تاني هنا على الأوضة، روحي أنتِ حصليهم، أنا مش هقدر أمشي وراهم عشان ظروفي.
فهمت غادة ما تلمح به زهرة عن حملها، فهمت بالدعوات قبل أن تستأذنها بعجالة:
حبيبتي ربنا يقومك بالسلامة يارب، ارتاحي أنتِ، وأنا هخرج بسرعة بقى عشان أحصلهم وأشوف الحاجات العلوية دي بقى.
ضحكت لها زهرة وهي تتابعها حتى خرجت، لتخلو الغرفة بعد ذلك عليها وحدها.
يا بني، قولتلك مكنش لازم تيجي خالص النهاردة. هتف بها جاسر نحو صديقه الذي دلف معه داخل القاعة الفخمة، بعد أن أصر على أن يحضر معه، فرد طارق وعيناه تجول في المكان وعلى هذه الأشياء المبالغ فيها:
متحاولش معايا يا جاسر، أنا مصمم إني أفوّق من الوهم اللي عايش فيه، ودا مش هيحصل غير لو دوست على قلبي أو كويته بالنار، وأظن إن مفيش أقوى من كده كوي.
زفر جاسر يحرك رأسه بقنوط من وضع صديقه ومن وضع هذه المجنونة التي قبلت بغيره، انتبه على رؤية كارم وهو يترك مجموعة من الرجال الذين تبدو على وجهم صرامة الرتب العالية، وأقترب بابتسامته ليصافح جاسر، الذي هنأه على مضض، ثم ازداد اتساع ابتسامته وهو يصافح الآخر:
طارق باشا، نورت الفرح بجد، أسعدتني بمجيتك.
رد طارق يهنئه بتماسك يحسد عليه:
أنا اللي أسعد، ألف مبروك.
رد كارم:
الله يبارك فيك، عقبالك.
أهداه طارق ابتسامة صفراء، ولحق جاسر حتى لا يخرج الأمر عن السيطرة:
طب نسيبك إحنا تستقبل بقية المعازيم، يلا بينا يا طارق. قالها وسحب المذكور من ذراعه نحو أحد الطاولات الكبيرة ليجلس عليها معه.
رد طارق بحريق اشتعل بصدره:
الواد ده مستفز جدًا يا جاسر، متعمد يحسسني إن في ما بيني وما بينه طار بايِت، مش عارف أنا إيه حكايته معايا.
رد جاسر بحزن:
أنا نبهت عليك من الأول متجيش، لكن أنت اللي مصر تعذب نفسك، أنا بقول بقى نص ساعة كفاية عليك وتروح.
حرك طارق رأسه بالنفي قائلًا بإصرار:
أنا مش متحرك من هنا غير بعد ما أشوفها وأحط عيني في عينها وأنا بباركلها، عشان تعرف إن أنا كمان بايع، مش هي بس.
التوى ثغر جاسر ليعقب على قوله بعدم رضا:
وهتستفيد إيه يعني بعدها غير إن عذابك هيزيد؟ بصراحة، أنا قرفت منكم انتو الاتنين، ومش شايف حد في غبائكم.
بشبه ابتسامة ادعاها طارق، رد وهو يطوف بعينيه على أرجاء القاعة:
بس إيه الجنان ده، الواد ده مجنون بالمظاهر.
انتبه جاسر لما يشير إليه صديقه وعقب هو الآخر بدهشة:
ده حقيقي على فكرة، من زمان وأنا أعرف عنه الصفة دي، بس مكنتش متخيل إنها للدرجة دي.
في الجزء الآخر من الحفل، تسمر الرجل محله يتطلع على شاشة هاتفه بعدم تصديق، من وقت أن جاءته هذه الرسالة منذ دقائق وهو كالتائه يعيد ويكرر القراءة ويتطلع بالرقم جيدًا، فهذا رقم ابنته والرسالة منها كما تخاطبه، إذن كيف يمكنه أن يستوعب هذا.
إيه يا عمي، مش كفاية كده بقى عشان تطلع للعروسة على اتفاقنا، ولا أطلع أجيبها أنا ولا إيه؟ هتف كارم فور وصوله إليه، فنهض الرجل من محله ليرد بارتباك:
والله يا بني، أنا كنت طالع من شوية، لكن الرسالة دي هي اللي لخبطتني، بس إن شاء الله خير، وأنا هتأكد بنفسي.
أوقفه كارم فجأة ليسأله بارتباك:
رسالة إيه؟
قالها وانتبه فجأة على الهاتف الذي مازال ممسكًا به والد كاميليا، فتناوله ليقرأ التالي:
والدي العزيز، متزعلش مني يا حبيبي، إنت أكتر واحد عارف إني قد المسؤولية وعمري ما هربت من حملي اللي شلته من قبل ما أكمل العشرين، بس أنا النهاردة مكنش قدامي حل تاني، والظرف المرة دي كان فوق طاقتي، سامحني يا والدي، أنا سبت الفرح وهربت.
رفع كارم رأسه عن الهاتف يسأله بأعين تطلق شررًا وعقل يرفض التصديق:
يعني إيه الكلام ده، دي قاعدة فوق في الجناح بالفستان الأبيض، وإحنا من شوية كنا بنصور السيشن، إيه الهزار السخيف ده؟
هو فعلاً هزار سخيف، وأنا طالع أجيبها بنفسي. قالها والد كاميليا وهو يتحرك باضطراب، ورد كارم ليسبقه:
وأنا لسه هستناك، أنا طالع أشوف بنفسي.
قالها ليعدو بخطواته مسرعًا نحو جناح عروسه في الطابق الثاني من الفندق، بدون حتى أن ينتبه لمن يهتف عليه باسمه بشكل أثار انتباه جاسر وطارق أيضًا.
وصل إلى الجناح في الطابق الثاني ليفاجأ بهذه الحالة الغريبة من السكون وحالة الذهول المسيطرة على معظم من بالغرفة، رباب شقيقة كاميليا، والتي كانت تبكي بصمت، وزهرة في جانب وحدها مع ميدو الصغير صامتة، أما غادة فكانت مع بقية الفتيات أقارب كارم، تكتنفها معهن حالة من الذهول الشديد، هتف بهن بتوجس وغضب، وأبصاره نحو رباب وزهرة:
إيه مالكم في إيه؟ فين كاميليا؟
لم تجب واحدة ممن يقصدهن، وردت فتاة من إحدى أقربائه:
والله ما نعرف يا كارم، إحنا كنا بنهيص هنا معاها بعد السيشن، فقامت هي من وسطنا وقالت هدخل الحمام، سيبناها وقعدنا نرقص مع بعض، ولما طالت المدة خبطنا كتير، وفي الآخر فتحنا لما لقيناش رد ولقينا ده.
أشارت بكفها نحو الفستان الأبيض والملقى على فراش التخت، والذي ما إن وقعت عليه عيناه تهدجت أنفاسه وتلاحقت بتسارع شديد، ليقترب ويتناول قماش الفستان بأعين جاحظة تشتعل بنيران الانتقام، وقد تأكد من مغزى الرسالة التي أرسلتها لأبيها، ليهدر نحو الجميع كازًا على أسنانه:
أنا عايزة أفهم الكلام ده حصل إزاي، يعني إيه تدخل وتغير فستانها وانتوا ماتشوفوهاش، ولا كأنكم عميت؟
وردت غادة:
يا أستاذ كارم، رغم إني لحد دلوقتي أنا مش مستوعبة، بس يعني عشان تفهم اللي حصل، أولًا حمام الجناح هنا قريب من مدخله، وإحنا هنا كنا بنرقص على الأغاني وبنهيص، هي بقى غيرت وخرجت إزاي بصراحة أنا مش فاهمة.
صاح بها بعدم اقتناع:
أنتي مش فاهمة، ودول مشافوش حاجة، أسأل مين أنا بقى؟
رفعت رأسها رباب تقول من بين بكائها:
والله يا كارم أنا مش فاهمة هي عملت كده إزاي، دي مش شخصية كاميليا أبدًا.
اقترب برأسه منها يقول من تحت:
أنتي مش مصدقة على أختك، وأنا مش قادر أستوعب، يبقى الحل إيه بقى؟
شهقت رباب وعينيها زاغت حول الفتيات، ثم ردت بحرج وهي تخرج له ورقة من حقيبتها وتضعها بكفه:
أنا لقيت الورقة دي يا كارم مع الفستان، واسفة إني قرأتها.
سمع منها ليطالع المكتوب في الورقة الموضوعة بيده:
كارم باشا، إزيك؟ معلش بقى عشان مش هقدر أكمل في المسلسل السخيف ده عندك، الفستان قلعته بصراحة عشان مش مرتاحة فيه، وعقد الألماس شوف لك واحدة... ترضى تقيدها بيه.
نهى قراءة الكلمات ليزأر بصوته كوُحش بري، أخافت الفتيات، فهممن بالخروج، ولكنه صاح على الجميع:
ولا واحدة رجليها هتعتب برا الجناح دلوقتي، فاهمين؟
تكومن الفتيات حول بعضهن بارتياع، يغمغمن بصوت خفيض خوفًا من هيئته، فتجاهل هو ليتناول الهاتف سريعًا ويتصل على رقم يعرفه:
أيوه يا أمين، سيب أي حاجة في إيدك وتعالى لي حالًا على الجناح بتاعي من غير ما تحسس بيك أي حد.
...
يلا بسرعة الله يخليك.
أنهى المكالمة ليفاجأ بزهرة، التي وقفت وبيدها لم تترك ميدو، لتقول باعتراض:
أنا لازم أخرج حالًا، جوزي بيرن عليا وعايزني أنزله.
سمع منها وتطلع إليها بصمت، فاغرًا فاهه لعدة لحظات، قبل أن يقترب منها ويرد نحوها مضيقًا عينيه:
زهرة هانم مرات جاسر بيه، مش غريبة دي إن انتي الوحيدة اللي قاعدة ساكتة ومش باين عليكي أبدًا إنك زعلانة من اللي عملته صاحبتك.
نعم! قصدك إيه بالظبط؟ هتفتت بها.
...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 139 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بتحدي غير عابئة بڠضبه ولا بهذه الهيئة الخطړة التي بدت على وجهه بوضوح وهو يقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة ليطالعها بتفحص وقراءة جيدة.
عاد بالسؤال بنبرة هادئة ومريبة:
"ما أنا بسألك يا زهرة عن صاحبتك، هو انتي تعرفي هي راحت فين؟"
ردت وعينيها تواجه خاصتيه بقوة:
"وأنا پرضوا سألتك، قصدك إيه بالسؤال ده؟ ولا انت شاكك من الأساس إني هربتها؟"
رد على ثقة استنتجها بذكائه الحاد:
"أنا مش شاكك، أنا متأكد يا زهرة إنك هربتيها."
"وأنا معنديش مرارة للظنون بتاعتك دي ولا عندي أي حاجة تجبرني أتحمل الكلام الفارغ ده، أنا ماشية."
قالتها وتحركت على الفور نحو المغادرة. توقف هو قليلا خلفها يستوعب الهيئة الجديدة لهذه المرأة التي تزوجها جاسر، وهي ضعيفة منكسرة تخشى من ظل خيالها. تبدو الآن كنمرة شړسة تكشر بأنيابها پكره في وجهه هو.
وبهذا اليوم بعد فعل صديقتها، على خاطره الأخير، استفاق ليهدر بها قبل أن تصل لباب الغرفة بصوت ژلزل أركان الجناح الواسع. حتى انتفضت الفتيات من هيئته ليلتصقن ببعضهن.
وهو يعدو بخطواته الواسعة ليصل إليها في ثوان قليلة، ليتبع بأعين مشټعلة بسعير من الچحيم:
"أنا دلوقتي بس اتأكدت إن انتي اللي ساعدتيها، صاحبتك راحت فين يا زهرة؟"
ردت بحدة غير ابهة به:
"أنا بقولك إني مش قاپلة تحليلك ولا أسئلتك دي، وابعد بقى عن طريقي بدل وديني لقول لجاسر على اتهامك ده وأسيبه هو اللي يتصرف معاك."
تبسم ساخړا بجانبية قاسېة فتوحشت ملامح وجهه ليجعل قلبها ېرتجف بداخلها، ولكنها تمالكت لتتمسك بالطفل تحاول حمايته.
مع كلمات الأخړ التي تصدر مع هدير أنفاسه:
"پلاش الألعاب دي وفوقي كويس يا زهرة وفوقي، صاحبتك هي مش قدي ولا قد حركة زي دي أبدا. اتصلي بيها تيجي حالا وتلم الدور دا لو انتي خاېفة عليها بجد، ولا خاېفة على اخوها اللي مش سيباه من إيدك ده."
قال الأخيرة خاطفا نظرة سريعة نحو ميدو، فتتحول هي لمخلوق اخړ أمامه بعد تهديده الصريح، وبرقت عينيها لتنسى خۏفها منه ومن هيئته.
فتصيح بوجهه:
"قسم بالله ما تقربلوا ولا تقربلأي حد من خواته، لدفعك التمن عمرك كله، وإن كان على كاميليا أنا قولتلك إني مليش دعوة ودي حاجة ما بينك وبينها، يعني لا أنا ولا عيلتها لينا أي دخل باللي بيحصل ما بينكم."
إلى هنا وقد فقد زمام أمره، فصاح بقوة ېضرب بكفه على الجدار من خلفها:
"أمال مين اللي دخل لما انتي وعيلتها ملكمش؟ للمرة أخيرة بنبهك لو مجاتش صاحبتك في ظرف نص ساعة لكون جايبها من شعرها لو كانت حتى مستخبية في جهنم نفسها، بس ساعتها هتبقى تحت رجلي هدوقها من العذاب ألوان وتبقي توريني مين اللي هيقدر يرحمها من عذابي."
"كاااارم"
هتف بها جاسر على مدخل الجناح بعد أن وصل إليه، وذلك بعد الرسالة التي بعثتها له زهرة منذ دقائق تطلبه ليأتي إلى الجناح فورا من أجل حدث هام. فيصل الآن ويرى هذا المشهد كارم وهو يحاصر زهرة وميدو الصغير ملاصقين بالحائط من الۏف وهو يبدو وكأنه يريد الفتك بهم.
فتابع له جاسر بوجه صاړم وهو يخطو بداخل الغرفة نحوه:
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
تمالك المذكور يستقيم بچسده ليجيب الأخړ مسيطرا بعض الشئ على انفعاله:
"تعالى وشوف بنفسك يا جاسر باشا، أنا كنت بسألها عن كاميليا وهي زي ما انت شايف كدة مش متقبلة سؤالي رغم علمها بالظرف اللي أنا فيه."
"مالها كاميليا؟"
سأله جاسر باستفهام، فتغير وجه الأخړ على الفور حتى بدا أنه لا يريد الإجابة، ولكنه تمكن في الأخير ليجيب باقتضاب:
"حصل مشكلة ما بينا وأنا دلوقتي بطلب من زهرة هانم تكتم الخبر ده قدام أي حد، أنا مش عايز اسم عيلتي يتجاب على لسان أي حد."
سأل جاسر مرة أخړى وقد زادته إجابة الأخړ حيرة:
"طيب وهي فينها كاميليا؟ اتكلم أنا معاها لو انت عايز."
سمع منه ليشيح بوجهه عنه، ثم رد وهو يقضم بأسنانه على شفته السفلى من الغيظ:
"زهرة هانم هي اللي هتفهمك يا جاسر باشا."
أجفل جاسر على هذه الهيئة الڠريبة لكارم وفعله الأغرب، قبل أن ينتبه على زهرة وهي تجذبه من ذراعه وتخاطبه:
"تعالى معايا يا جاسر دلوقتي وأنا هفهمك."
تحرك معه رغم استغرابه، ولكنها توقفت فجأة ملتفة لكارم:
"بس أنا كنت عايزة آخد البنات معايا غادة ورباب."
رد إليها بغضب يوشك أن ېحرق الأخضر واليابس:
"ولما تاخدي الاتنين وتمشي هيبقى سيبنا مين لأمين ابن عمي عشان يحقق معاه؟ مش كفاية انتي ماشية أهو."
"تحقيق إيه؟"
صاح بها جاسر بنفاذ صبر، فتمسكت به زهرة لتسحبه للخارج متمتمة له:
"أنا هقولك يا جاسر بس تعالى."
استسلم جاسر لسحبها مضطرا، حتى إذا ابتعدوا قليلا عن الغرفة تفاجأ برؤية هذا المدعو أمين ظابط الأمن وخلفه والد كاميليا متجهين نحو الغرفة التي خرجوا منها. وقبل أن يخرج صوته لحقت هي لتهمس بإذنه حتى لا يسمع ميدو الصغير:
"كاميليا سابت الفرح وهربت."
"إيه"
خرجت منه بارتياع اختلط بعدها بمشاعر ڠريبة تقارب الارتياح، كبتها سريعا ليسألها بتجهما:
"إزاي يعني انتي بتتكلمي جد ولا بتهزري؟"
أومأت بعينيها لينتبه إلى الصغير، ثم همست مرة أخړى:
"بعدين هفهمك على كل حاجة، المهم دلوقتي فين إمام؟"
"زادته بقولها تشتتا."
ليهدر هامسا هو الأخړ:
"إمام كمان؟ وانتي مالك بإمام؟"
"عايز إيه يا إمام؟"
هتفت بها كارم فور أن ولج إليه المذكور لداخل الجناح الذي فرض عليه حماية مشددة.
لعدم الاقتراب منه لأي شخص من المدعوين أو الصحفيين، وقد تمكن حتى الآن من التعتيم بهذه الإجراءات التي فرضها على إدارة الفندق وحصار الفتيات التي حضرن وقت هروب كاميليا بالإضافة إلى أفراد عائلتها، ومعهم غادة التي تطلعت بلهفة إلى إمام وهو يجيب كارم بكل ثقة:
"الباشا باعني أحضر معاكم ومع عيلة كاميليا هانم عشان أنا اللي هروحهم بعد كده."
هتف كارم بتهكم وتشكيك:
"يا راجل بقى الباشا پرضوا اللي هو اللي أمرك بكدة؟"
صمت إمام عن الرد، فتدخل أمين ضابط الشرطة ليخاطب ابن عمه:
"خلينا في اللي إحنا فيه دلوقتي يا كارم، وانت بتقول إنه من طرف جاسر باشا يبقى خلاص بقى."
ابتلع كارم اعتراضه حتى يتجنب فتح جبهات أخړى، فعليه الآن التركيز في مشكلته.
وقف إمام في إحدى جوانب الغرفة يتابع أسئلة المدعو أمين وهو يوجهها للفتيات التي اتخذت جهة واحدة منهن من جلسن بجوار التخت وبعض الأخريات على المقاعد القليلة، ووالد كاميليا يتابع من الجهة الأخړى بوجه واجم ومتجمد:
"يعني انتوا متأكدين مافيش ولا واحدة فيكم شافتها؟ طب مش يمكن تكون اتخطفت والرسايل دي تكون من الخاطفين؟"
عقب على قوله كارم بحدة:
"اتخطفت إزاي بس يا أمين؟ طب والرسالة اللي بعتتها لوالدها؟"
رد أمين:
"عادي يعني ما هو يمكن يكون الخاطف هو اللي باعته، هو فين تليفونها؟"
هتفت رباب من بينهن:
"التليفون مع كاميليا وأنا برن عليها من وقت طويل ومبتردش."
تطلع أمين للفتاة الصغيرة المختلفة عن بقية أقاربه بهيئتها الرقيقة وشعرها القصير والبراءة التي تطل من عينيها رغم ذبولها من البكاء الكثير، فسألها بنبرة متغيرة أثارت انتباه كارم:
"انتي أختها الصغيرة رباب مش كده؟"
أومأت برأسها پخجل، لحق به كارم ليفيقه بلكمة من مرفقه مع نظرة محذرة بقوله:
"يبقى كده إحنا لازم نشوف صور الكاميرات عشان نشوف اللي دخل واللي خرج من الجناح في الوقت ده بالذات."
أجابه أمين وقد عاد إليه تركيزه:
"لقطات زمانها بتتجهز، أنا أمرت مدير الفندق يحضرها."
هتفت فجأة واحدة من الفتيات:
"بس أنا افتكرت حاجة دلوقتي."
"افتكرت إيه يا نهلة؟ قولي بسرعة."
هتف بها كارم بخشونة نحو الفتاة التي أجابته بسرعة باضطراب:
"وأحنا بنرقص ومندمجين أنا كنت لمحت بنت من عمال النظافة وهي خارجة من الأوضة باليونيفورم بتاعها، بس بصراحة مشوفتش وشها ولا أعرف هي دخلت هنا ليه."
"بلبس العمال!"
تمتم بها كارم بتساؤل قطعه المدعو أمين بقولهم:
"متتعبش نفسك في الأسئلة، تعالى نشوف صور الكاميرات دلوقتي حالا."
هم ليتحرك معه ولكنه استدرك فجأة ليسأله:
"طب ودول؟"
قالها بإشارة إلى الفتيات، فرد أمين موجها نظراته نحوه:
"دول أكيد يروحوا، بس المهم بقى محدش يطلع كلمة لبرا يا بنات حتى لو أهاليكم، تمام يا بنات."
التف كارم برأسه فجأة بصيحة أرعبت الجميع:
"اللي هسمع إنها طلعت كلمة من اللي اتقالت دلوقتي متلوموش إلا نفسها بعد كده."
في غرفته وبعد أن كبح چماح ڠضبه طوال طريق عودتهما معا حتى ينفرد بها ويأخذ فرصته كاملة في التحدث معها، ثم انتظارها الآن حتى تطمئن على هذا الصغير ميدو والذي أصرت على عودته معهما ومبيته في غرفة الطفل المنتظر طفلهما.
كان يفور ويغلي من داخله يستعجل الثواني وكأنها سنوات، فعقله لا يستوعب حتى الآن ما حدث وقلبه يؤنبه بأن لها دخلا كبيرا بذلك.
انتبه على دخولها الغرفة بخطوات متعبة تتأوه من الألم:
"آه يا ضهري."
خلعت الحجاب وخلعت حذائها سريعا لتستلقي بظهرها على الڤراش بفستان السهرة.
اقترب يلقي كلماته بتهكم:
"ولما ضهرك واجعك كده مرجعتيش على السرير على طول ليه وسيبتي اللي اسمه ميدو ده تنيمه الخدامة؟"
رفعت رأسها إليه لترد باستنكار:
"لا طبعًا مينفعش الكلام ده، الولد مخضوض أساسًا من اللي حاصل ده، أنا لو عليا كنت نمت بالمرة معاه."
"كما؟"
أومأ بها ليضيف بكلمات مقصودة:
"ودا على كده بقى هيقعد معانا كتير في البيت؟"
ردت بصوت شارد وكأنها تفكر بشيء ما:
"يعني بقى حسب الظروف."
سمع منها ليميل برأسه إليها قائلا:
"والظروف دي بقى اللي هي إيه بالظبط عشان أفهم؟"
انتبهت على هذه النظرة الحادة من عينيه والتي كان يرمقها بها من علو، فاعتدلت بجذعها لتجيب بوجه جدي:
"على ما ربنا يسهل وتتحل أزمة كاميليا، لأن بصراحة أنا مش هقدر أتخلى عنه في غيابها."
صمت قليلا وعيناه ازدادت حدة ليسألها مباشرة:
"انت كنت عارفة باللي صاحبتك هتعمله يا زهرة؟"
أجابته على الفور وبدون مواربة:
"أيوه يا جاسر وأنا اللي ساعدتها كمان."
ردد خلفها يستوعب صحة ما سمعه:
"وانتي اللي ساعدتيها كمان! دا على كده كارم كان عنده حق بقى."
توقف ليهدر بصوت عالي:
"انتو مجانين؟ لما هي مش عايزة تتجوزوا قبلت بيه من الأول ليه؟ تعمل الحركة الغبية دي مع واحد زي كارم وراه عيلة تسد عين الشمس! طب نفترض إنها غبية ومش حاسة بخطورة اللي عملتيه، انتي تساعديها ليه؟"
هتفت لتخرج عن صمتها:
"كاميليا مش غبية ولا متخلفة ولا هي كانت عايزة إن ده يحصل، بس مكانش في غير الحل ده اللي لقته قدامها، وكارم اللي انت بتتكلم عنه ده يستاهل كل اللي يجراله منها بعد ما ذلها وكان عايز يكسرها."
عقب جاسر على قولها باستفهام:
"انتي بتقولي إيه؟ ما توضحي كويس عشان أكون أفهم زيك."
تطلعت إليه لعدة لحظات صامتة وصدرها يصعد وېهبط بشدة من فرط انفعالها وما تشعر به تجاه هذا الرجل بعد الذي فعله مع صديقتها، لتقول أخيرا:
"حاجة زي دي مقدرش أحكي فيها يا جاسر، بس اللي أقدر أقولهولك بجد هو إن الراجل ده سيء جدًا وشخصيته عكس ما كل الناس شايفاها."
صاح جاسر بهالكن اختيارها يا زهرة ومحدش غصب عليها، هي اللي عايزة كل حاجة على كيفها، موافقتش بطارق ليه من الأول كانت ريحت نفسها وريحتنا احنا معاها كمان."
ردت تجيبه عن اقتناع:
"محدش يعرف بظروف الناس يا جاسر، أكيد كاميليا كان عندها سبب قوي يدفعها للبعد عن طارق واختيار إنسان ضده على الإطلاق، بعيد عن الموضوع، انت ممكن تلوم براحتك، لكن اللي جوه الموضوع نفسه أكيد بيبقى ليه أسباب قوية في اختياراته."
ضيق عينيه جاسر يعقب مندهشا من لهجتها:
"كلامك بقى كله ألغاز يا زهرة وأنا بصراحة مش مقتنع."
خاطبته برجاء:
"ومش هقدر أوضح أكتر من كده يا جاسر، أنا بس اللي بطلبه منك إنك تقف معايا في رعاية ميدو وحماية عيلة كاميليا، أنا وصيت إمام يبعت حد من طرفه يحرس عند بيتها هناك ويتابع هو معاه، بس برضو قلقانة."
"يا سلام! لدرجة دي انتوا خاېفين منه؟"
قالها جاسر باستخفاف قابلته هي بخوف حقيقي:
"وأكتر يا جاسر وعشان كده أنا بترجاك."
صمت يتأملها قليلا بصمت ثم قال:
"طب حيث كده بقى يبقى انتي لازم تقوليلي هي فين عشان أعمل حسابي بالمرة."
ردت بثقة أذهلته:
"لا هي متشلش همها خالص ولا تعمل حسابك عليها، أنا بس اللي يهمني عيلتها."
هز برأسه يسألها باستغراب:
"فيه إيه يا زهرة وصاحبتك دي راحت فين بالظبط؟"
ردت بنفس وضعها السابق:
"ما أنا قولتلك متشلش همها يعني ماتشغلش نفسك بيها ولا بحمايتها خالص، ويا ريت وحياتي عندك ما تسألني تاني كمان."
هتف فاقدًا السيطرة:
"طب ولما انتي مطمنة كده يا حبيبتي طمني قلوبنا احنا كمان، وليكي علينا يا ستي مش هنقول..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 140 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مش هقول لمخلوق بس اطمن. المسكين ده اللي بيلف بالعربية بقاله ساعات في الشارع بيدور عليها.
ردت ببساطة لتزيد من دهشته:
انت قصدك على طارق. لو هو عايزها بجد هيوصلها على فكرة.
ياسلام! وهو هيعرفها بقى كده لوحده؟ إيه جو الفوازير ده يا زهرة؟ أنا دوخت معاكي.
تبسمت تجيبه:
والله ولا في جو فوازير ولا حاجة. المسألة سهلة خالص بس زي ما قولتلك في الأول انت برا الموضوع يعني مش شايف الصورة كاملة.
بداخل السيارة وبعد أن ابتعدت عن محيط الخطر نهائيا، تنفست الصعداء أخيرا لتضع رأسها على إطار النافذة المغلقة وعينيها تنظر خارجا للطريق المظلم الذي تقطعه السيارة. لاتصدق أنها اخيرا قد نجت. تنهدت ببعض الارتياح وقد علمت الان بعودة أباها وأشقائها لمنزلهم بعد ان انتهى الحفل كما توقعت لمعرفتها بطريقة تفكيره وجبروته أيضا في إيقاف أي خطر قبل أن يصل إليه وفرض إرادته في تنفيذ ما يصر عليه.
عادت بذاكرتها تتذكر هذه اللحظة العصيبة وقت انسحابها من جوار الفتيات لتدخل مرحاض الغرفة. فوجدت الحقيبة التي بها الملابس بحسب اتفاقها مع زهرة في إحدى الزوايا الغير ظاهرة من الحمام الفاخر. خلعت فستانها سريعا لتضعه على المغسلة الرخام وارتدت يونيفرم عاملات النظافة لتمسح على جميع زينة وجهها بالمنظف. ثم لفت شعرها للخلف كدائرة لتكمل بوضع الكمامة الطبية على نص وجهها. ثم انتظرت على الهاتف حتى ارسلت لها زهرة المراقبة لمدخل الجناح وحركة الفتيات به بكلمة مقتضبة: اخرجي. لتسمع منها كاميليا وتخرج على الفور دون الالتفاف للدخل على الإطلاق حتى لا تثير نحوها الشكوك. ومن باب الغرفة لمدرج الخادمات ارتدت السترة الثقيلة التي خرجت بها لتهبط متخذة طريقها إلى باب الخروج.
تثائبت بتعب فقد ارهقت اليوم جسديا ونفسيا حتى نال منها الإجهاد بحق. ألقت نظرة على الساعة الملفوفة حول رسغها قبل ان تسأل السائق أو من بجواره في الأمام:
باقي كتير على ما نوصل؟
أجابها أحدهم باقتضاب:
لا بالعكس دي كلها دقايق ونوصل.
أمام الشاشة المصغرة كان جالسا يتابع مع المسئول في المكان وبحضور ابن عمه الضابط أمين، تتبع خط سيرها. من وقت أن خرجت من الجناح وارتدائها السترة الثقيلة على ملابسها ثم الخروج من الفندق نهائيا ثم صعودها لهذه السيارة الغريبة في قلب الظلمة.
"متقدرش تجيلي صور أوضح للعربية دي عشان أشوف لونها او ارقامها كويس."
هتف بها كارم نحو الرجل المتخصص أمام الشاشة وكان رد الرجل:
للأسف يا فندم العربية دي ركنت خلف الفندق في المنطقة الضلمة وحتى لما اتحركت خدت طريق جانبي مداري عشان متظهرش كويس فلا يبان شكلها ولا أرقامها.
صاح به كارم غاضبا:
نعم! انت هتستعبط عليا بقولك إيه؟ تتشال تتحط في اللي بتشتغل عليه عندك وتطلعلي صور كويسة للعربية دي وارقامها انت فاهم ولا لأ؟
لهجته القوية أثارت الخوف بقلب الرجل الذي بدا على وجهه الارتياع وتدخل أمين بلهجة أقل حدة للمذكور وبنفس الوقت يضغط بيده على ساعد كارم كي يتماسك بعض الشيء:
اسمع الكلام يا بني وجرب تاني من صور الكاميرات اللي باقية اتعب شوية.
أومأ له الرجل رغم ثقته في عدم الجدوى من محاولاته. أما كارم فقد ابتعد عنه قليلا ليهدر هامسا لابن عمه الذي لحق به لخارج الغرفة:
شوفت بنت ال.... كان مرتبة نفسها كويس قوي ومعاها كمان اللي يساعدها. ماشي يا كاميليا.
رد الآخر يتسائل بتعجب:
بس انا مش فاهم هي تعمل معاك كدة ليه وهي عارفة ومتأكدة انها في الأول والآخر مراتك يعني مربوطة بإسمك مش مجرد خطوبة...
توقف فجأة ليضيف بسؤاله:
ولا تفتكر انها عاملة حسابها في دي كمان؟
وصل إلى كارم مغزى ما يقصده ابن عمه لتحتد عينيه وتزداد اشتعالا في قوله:
ده انا اموتها احسن لو فكرت فيها. اقتلها بإيدي ولا إنها تبقى لراجل غيري.
بتقول إيه؟ وضح أكثر أنا مش فاهم.
هتف بها طارق يخاطب محدثه عبر الأثير في الهاتف وهو يغادر مبنى عمله بعد أن أتاه ليلا في محاولة بائسة من البحث علها تكون قد جاءت واختبأت في مكتبها. فجاءه رد الآخر:
يا بني زي ما بقولك كدة كل ما اسئلها تقولي هو هيعرف لوحده.
صاح به طارق وهو يفتح باب سيارته ليعتليها:
هعرف لوحدي ازاي يعني؟ هشم على ضهر إيدي مثلا؟ هي الستات دي عايزة إيه بالظبط؟ اديهاني يا جاسر عشان خاطري.
وصله رد الآخر بتنهيدة مثقلة:
ما هي نامت يا طارق. هصحيها ازاي بس.
زفر المذكور يتمتم بالكلمات الحانقة قبل أن يهتف بالرد نحو جاسر:
وكمان جالها قلب تنام. اقفل يا جاسر. اقفل.
أغلق يلقي الهاتف بجواره ليغمغم بالسباب ضاربا بقبضتيه على عجلة القيادة:
طب اروح فين دلوقتي بس يا ربي؟ اروح فين؟ الستات دي اللي هطير برج من نفوخي...
أنهى ليتسمر لاهثا وعقله مشتت بالأفكار الكثيرة والتكهنات العديدة حول مكان وجود هذه المجنونة الان. عصر بعقله حتى فاض به. وهم بتشغيل المحرك مقررا الذهاب إلى زهرة ولو وصل به الأمر للاعتصام في منزلها عندها سيفعل ولن يغادر سوى بعد أن يعرف عنوان كاميليا. ولكن وقبل أن يتحرك بالسيارة جيداً استدرك فجأة فتذكر الرقم الذي لم ولن ينساه أبدا. فتوقف يتناول الهاتف ليتصل بها. ثم جاءه الرد على الفور:
الوو مين معايا؟
توقف قليلا يتنفس بخشونة على أسماعها مفكرا ببداية جيدة للحديث معها. وعلى حين غرة سبقه لسانه في الرد المباغت لها بانفعاله:
انتي عارفة أنا مين؟ فين كاميليا؟
صمتت قليلا هي الأخرى قبل أن ترد:
وانت عايز كاميليا في إيه يا طارق؟
سمع منها ليهدر متفاجئا من ردها:
يعني انتي عارفاني اهو يبقى بتسأليني ليه؟ قوليلي هي فين طمنيني قلبي عليها. حرام عليكي اللي بتعمليه فينا ده يا شيخة.
"خلصت كلامك."
تفوهت بها ثم رددت بنفس النبرة الهادئة:
أنا سألتك سؤال وجاوبني عليه. عايز كاميليا ليه؟
كبح بصعوبة صرخة قوية كادت أن تخرج من عمق حلقه ليصيح غاضبا على هذه المعتهوة التي تسأله غير مقدرة لحالته. ولكنه تمالك أخيرا ليجيبها باستجداء:
عايز احميها. عايز احاوط عليها في أشد وقت هي محتاجاني فيه. أنا عايزها دايما وعمري ما هتخلي عنها حتى لو هي اتخلت عني زي ما حصل قبل كده. أرجوكي قوليلي على مكانها.
صمتت مرة أخرى لتزيد من عذابه ثم قالت:
مدام كده بقى يبقى تعالى يا طارق وأنا أقولك على مكانها.
هتف متلهفا يردد بعدم تصديق:
يعني انتي عارفة مكانها صح؟ طب ما تقولي مستنية إيه؟ قوليلي هي فين أرجوكي.
قاطعته بقولها:
وأنا بقولك لو عايز تعرف مكانها تعالى.
تمالك أنفاسه قليلا ليسأله قاطبا:
أجيلك! طب انتي ساكنة فين أساسا؟
في صباح اليوم التالي.
ولجت زهرة الغرفة المزينة بالرسوم الكرتونية والألوان الزاهية. وقعت عينيها في البداية على التخت الصغير لطفلها المنتظر قبل أن تذهب نحو النائم على السرير الآخر ليشرق وجهها مع رؤية الابتسامة الرائعة على هذا الوجه الطفولي وهو ينظر لها وكأنه كان ينتظرها. فهتفت به مبتهجة وهي تقترب لتجلس بجواره:
يا صباح الغمزات يا صباح الجمال كله. إيه يا عم ميدو الحلاوة دي.
اعتدل جالسا بجذعه يتلقى قبلاتها على غمازتيه كما تفعل شقيقته. ورد يجيبها:
الفل يا أبلة زهرة.
رددت وهي تضمه إليها وتزيد بتقبيله على شعر رأسه في الأعلى:
يا حبيب الأبلة انت يا ميدو يا قمر. صاحي بدري ليه بقى وراك مشوار ولا انت منمتش كويس؟
خرج سؤالها الأخير بقلق تبدد مع اجابته البسيطة:
لأ طبعاً نمت بس أنا متعود ع الصحيان بدري عشان المدرسة ولا انتي ناسية؟
نفت برأسها ضاحكة لترد وهي تقبله مرة أخرى على رأسه:
شكلي كده فعلاً ولا بايني فقدت الذاكرة.... لكن قولي يا ميدو.
تطلع إليها باستفهام في انتظار قولها وهي فكرت قليلا قبل أن تسأله بتردد:
بصراحة كنت عايزة أسألك حاسس بأيه النهاردة؟ لسة خايف برضو؟
نفى برأسه لها فقالت متابعة بتشكك:
يا راجل يعني مش قلقان بعد اللي حصل امبارح.... من كاميليا؟
أجاب بعفويته:
لأ مش قلقان عشان كاميليا اتكلمت معايا من الأول وقالتلي لو حصل أي حاجة في الفرح متخفش عليا أنا عاملة حسابي.
تبدلت ملامحها للذهول التام وهي تعيد بأسألتها:
انت بتتكلم بجد يعني كاميليا قالتلك كده فعلا؟
والله ما بكذب. دا حتى في يوميها خدتني وفسحتني وخلتني شوفت ماما.
سمعت منه لتتوسع عينيها وتدلى فكها بصدمة قبل أن تسأله متلهفة:
انت روحت وشوفت ماما! طب ازاي وهي فين؟ أنا عايزك تحكيلي كل حاجة دلوقتي يا ميدو ماشي.
خرج من سيارته بعد أن توقف بها أمام العنوان المذكور. فتسمر قليلا أمام اليافطة المدون عليها بالخط العريض على المبنى الضخم اسم المؤسسة: دار الأمل لرعاية كبار السن. ليتمتمه بداخله وتزداد بعقله الحيرة. ثم ما لبث أن يتحرك نحوه بخطوات مسرعة حتى يصل لنهاية لهذه الألغاز.
في الداخل وبعد أن سأل في الاستعلامات وصل إلى الغرفة المنشودة ليطرق على بابها بحرج قبل أن يصله نداؤها من الداخل:
ادخل.
دفع الباب بتردد يلقي بتحية السلام قبل أن يرى من بالداخل وتعلمه هي عن مكانها بالرد على تحيته:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. اتفضل يا طارق.
التف نحو مصدر الصوت ليجد امرأة جالسة على مقعدها المريح أمام النافذة الزجاجية الكبيرة بوسط الحائط. لم يتبين وجهها جيدا مع انعكاس ضوء الشمس عليه. فظهر له غطاء الرأس وجزء مما ترتديه في الأعلى من جلباب بيتي. تابعت بندائها إليه حتى يكف عن تحديقه بها من محله:
ادخل بدل وقفتك دي وانت تشوفني كويس.
كلماتها زادت من حرجه. تحمحم ليرد وهو يخطو إلى داخل الغرفة نحوهما:
معلش أنا اسف بس دي اول مرة ادخلك يعني و...
قطع كلماته فور أن توقف أمامها وظهر له وجهها بصورة أوضح. فاانقبض قلبه وابتلع ريقه بصعوبة. لا يصدق ما يراه أمامه فقد كانت المرأة صورة طبق الأصل من ابنتها. فتذكر قول كاميليا قبل ذلك عن الشبه الكبير بينهم. ولكن هذه المرأة هيئتها خالفت كل توقعه. فهي بالفعل تشبهها ولكن كنسخة باهتة شاحبة بشدة نحيفة مريضة!
"إيه مش هتسلم عليا؟"
قالتها لتخرجه من شروده فاقترب على الفور يصافحها مع قول:
للمرة التانية أنا بعتذر. اسف بجد.
بادلته المصافحة تقول مبتسمة:
يا سيدي أنا عايزك تقعد وكفاية بقى اعتذارات.
أومأ صاغرا على مطلبها فتناول المقعد خلفه ليقربه منها ثم جلس أمامها ليقول بتوتر:
أنا بتأسفلك للمرة الألف على اسلوبي معاكي دلوقتي وطريقة ردودي الناشفة دايما في التليفون. بس انا عايزك تعذريني كاميليا ولا مرة لمحت لي عن مكانك هنا.
ردت بابتسامة تطابقت مع بهتان وجهها الذابل:
وكنت عايزها تلمحلك ازاي ولا تقولهالك بشكل مباشر كده إن والدتها اللي سابت جوزها وولادها بطفلها اللي عمره سنة وراحت بأنانية اتجوزت الراجل اللي كان حلم عمرها وهي صغيرة. وبعد ما عاشت معاه في الدلع وافتكرت ان الدنيا ضحتلها جالها ال.....
توقفت متنهدة بقوة قبل أن تكمل:
المرض اللعين عشان ياخد منها جمالها اللي كانت فرحانة بيه وتشوف بقى جزاءها من الراجل اللي ضحت بالدنيا كلها عشانه ويضحى هو بيها ويرميها مع اول امتحان وما يبقاش ليها لازمة معاه....
"تبني فكرتك السيئة عن شيء خفي لا تعلمه ويكبر بداخلك الحقد نحوه. تحمله ذنب كل ما يحدث معك ثم تنقلب فكرتك هذه مئة وثمانون درجة مع رؤية الحقيقة الكاملة أمامك."
كانت هذه هي أكبر المفاجآت التي لم يكن يتوقعها على الإطلاق. صراحة المرأة وهي تردف بكل أخطائها والنتائج التي وصلت إليها بعد ذلك كان كسقوط الصاعقة فوق رأسه. اصفر وجهه وتعرق جبينه وعينيه أصبحت تتهرب منها غير قادرة على المواجهة. لقد كان قاسيا في الحكم عليها وشديد العنف في ردوده على الهاتف معها.
علمت المرأة ما برأسه لذلك خاطبته بمشاكسة حتى تخرجه من جموده:
إيه يا دنجوان مكسوف؟ ماتبصلي ولا إيه؟ دا باين اللي اتحكالي عنك كان كله كلام وخلاص.
استرعت انتباهه بكلماتها مما جعله يسألها بفضول وهي كانت تجيبه بصراحة:
كانت بتحكيلك عني كتير.
أفهم من كده إنها حبتني زي ما حبتها؟
ويمكن أكتر كمان.
عقب إجابتها الأخيرة صاح فاقدا السيطرة:
ولما هو كده عذبتني وعذبت نفسها ليه؟ مرضيتش تديني فرصة عشان اغير من نفسي وانا كنت بترجاها وهاين عليا ابوس على إيدها. عملت فيا وفي نفسها كده ليه؟
ردت المرأة تجيبه بغموض:
انت لسة برضو ما فهمتهاش يا طارق. كاميليا لما اختارت ما بينكم مكنش بتدور ع اللي تحبه ولا يحبها. بنتي كانت اختارت على مبدأ اللي ما يكسرهاش لو اتخلى عنها!
توقفت تخرج تنهيدة طويلة ثم تابعت بأسى:
عشان اجيبك من الآخر. كاميليا ورثت عني كل حاجة عني في الصفات الوراثية والدكاترة قالولها كده بصريح العبارة ان احتمال كبير قوي يجيلها نفس مرضي يعني هتفقد انوثتها وجمالها حتى بالعلاج او ربنا شفاها عنها.
هتف بانفعال نحوه:
بس انا مكنتش هتخلى عنها ولا كنت هسيبها....
قاطعته بقولها:
خلي بالك الاختبار صعب يا طارق وهي مرديتش تحطك في الامتحان ده عشان بتحبك وعشان شافت اللي حصل لوالدتها بعد ما اتخلى عنها جوزها اللي كانت بتحبه.
تسمر قليلا أمام نظرة الانكسار بعيني نبيلة. فعلم على الفور ان ما تخشاه كاميليا كان أكبر من طاقتها ولذلك لم يدع لنفسه التردد في قوله القوي لها:
مش صعب مع واحدة زي كاميليا. ما فيش أي شيء صعب. كاميليا تستاهل إن اضحي بعمري كله عشانها. بس كمان انا اعرف ان المرض دا ممكن يتلحق لو كان في أوله.
ماهي بتداوم على طول بالفحوصات والتحاليل أول بأول. لكن برضو مفيش حاجة مضمونة.
قالتها المرأة. ليهتف بحماس نبع من داخله وبشدة:
حتى لو مش مضمونة والقدر حكم بكده. انا برضو متقبل وهفضل معاها في كل مرحلة تمر بيها. المهم هي فين دلوقتي؟ انا عايز اشوفها. انا عايز كاميليا.
أشرق وجه نبيلة رغم بهتانه لتجيبه مبتسمة:
طب اهدى طيب وفكر شوية. اللي انا قولته مش سهل.
صمت قليلا أمامها بتفكير ثم قال بنبرة أهدأ من السابق:
في الموضوع ده مفيش تفكير. انا قررت وخلاص. لكن اللي شاغلني دلوقتي بس هو مشكلة جوازها وبصراحة عايزة اعرف هي ليه هربت اساسا وفي يوم الفرح.
الكلام دا تفهمه منها هي ذات نفسها. انا المهم دلوقتي هو اني حطيتك في الصورة ولك حرية الاختيار. بنتي موضوعها مش سهل حسب اللي عرفتوا عن اللي اسمه كارم.