تحميل رواية زهور بنت سلسبيل بقلم منى عبدالعزيز pdf
بقلم منى عبدالعزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحلام تركت سلسبيل ودخلت غرفتها تدور حول نفسها. أحلام: هعمل إيه في المصيبة دي؟ لازم أتصرف قبل ما يحصله حاجة أو يفوق. وساعتها هيِهد الدنيا على دماغي ومش بعيد يستغل ده ويورطني معاه. لأ، لازم أبعد من هنا. تَمد يدها وترفع قدميها تقف على أطراف أصابعها، تجذب حقيبة من فوق خزانة الملابس. تضعها على الفراش وتلتف، تفتح دولابها تجمع ملابسها وأشيائها في حقيبة قديمة. فتحت أحد الأدراج أخرجت ما به من نقود وأوراق، وضعتهم بعشوائية على ملابسها. أغلقت الحقيبة بإهمال من شدة توترها. ورعشة جسدها ظلت تجوب الغرفة تبحث عن...
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الحادي والستون 61 - بقلم منى عبدالعزيز
روؤف: ينظر لها ويحدثها بنفس بروده، أولاً اخفضي صوتك وأنتِ تتحدثين، أنتِ بنت وعيب وحرام صوتك يعلو في الشارع. ثانياً، قبل ما نوصل للسفارة هكون حاجة من الاتنين، يا مقتول يا مخطوف، لأن اللي عمل العملة دي عارف زين إني أول حاجة هعملها هي الذهاب للسفارة أطلب منها الحماية. ثالثاً، ما كان بدي تتورطي معي بتلك الطريقة، بعتذر لكِ على ما حدث، للأسف من فعل بي ذلك لابد أن يكون علم بمساعدتك لي، وأنكِ فككتِ الأوثاق وساعدتيني بالهروب، وسوف ينتقمون منكِ لأنكِ أهدرتِ عليهم مبالغ طائلة بتسليمي لعدو لي.
زهور: أنا مش فاهمة أي حاجة، ولما أنت عارف إن ليك عدو هيعمل فيك كده ليه سكت؟ وكمان مش عاجبك الحسين اللي قلت عليه.
رؤوف: لأن الحسين ده أكتر مكان أعرفه بمصر، وكمان مافيش أحد يتوق.
ليصمت فجأة، يلتفت لزهور ممسكاً بيدها، يجذبها ويخطو بها داخل أحد المحلات، يحدثها بهدوء حتى لا يلفت انتباه أحد لهم، وهو يرى أحد الأشخاص الذين يبحثون عنه يتجه صوب المكان الذي كان يود الذهاب إليه.
راح عن بالي إنه أول مكان هيدوروا عليا فيه هو الحسين.
عبدالرؤوف: غبي، رؤوف غبي، لهاي الدرجة أديت ثقتك مرة تانية وما تعلمت من اللي صار لك.
زهور: برجفة وهي ترى اقتراب واحد من الأشخاص الذين رأته قبل ذلك في الفندق، لتبتسم بسعادة وهي ترى جنازة تمر بالقرب من المكان، لتشير إلى عبدالرؤوف ويخرجا من المحل.
يمشون بمحاذاة المعزين كتف بكتف، يديها بين يديه، يلتف عبدالرؤوف ينظر هل يتابعهم أحد، بين الحين والآخر ليبتعد عن موكب العزاء فور تأكده من عدم تتبع أحد له، يشير إلى عربة أجرة ليهرول تجاهها ويصعد بها وبجواره زهور.
زهور: على محطة رمسيس يا أسطى.
عبدالرؤوف: يلتفت للخلف، يرى هل يتابعه أحد، أم استطاعوا أن يهربوا ممن يراقبونهم.
بعد نصف ساعة أو أكثر وصلا إلى المحطة، تهرول زهور بسرعة غير عابئة بماذا يحدث لها، حتى وقفت بالقرب من أحد منافذ بيع التذاكر تلتقط أنفاسها. رؤوف مد يده من يدها يحدثها بعصبية.
عبدالرؤوف: بتجري، بتجري وساحباني كيف الخروف؟ ولا تجيبين عليّ، وين بدك نروح؟
زهور: صدرها يعلو ويهبط، تتحدث بصعوبة، بما إننا أنا وأنت بمركب واحد والخطر علينا إحنا الاتنين، فمش هقدر أرجع بيتنا، لأنهم ممكن يأذوني أو يأذوا أي حد قريب مني، فما في غير نختفي لفترة في مكان محدش يقدر يوصلنا فيه، وبعدين أنت إزاي تتعصب عليا بالشكل ده، مش كفاية الورطة السودة اللي ورطتني فيها معاك.
عبدالرؤوف: ينظر لها بانبهار، كيف لفتاة بتلك الحجم والطول بالنسبة له، طفلة في الثانية عشر من عمرها، أن تحدثه بتلك الحدة، وأيضاً تشير له بالصمت كلما تحدث.
عبدالرؤوف: قلت لك جبل سابق صوت ما يعلو، وأنتِ بنية وقبل هيك حرام، فهمه.
زهور: بص يا أخ، أنا ممكن أسيبك وأروح بيتنا، ولا يمكن حد يقدر يأذيني في الحتة اللي ساكنة فيها، لأنهم ولاد بلد، واللي يحاول يأذي حد منهم هيقطعوه بسنانهم، أنا بس اللي مش عايزة مشاكل، وقالوا وقلت، وكمان بتقول هيدبحوك، فمن سكات كده تمشي معايا، هوديك مكان محدش يعرفه، تقعد فيه كام يوم لحد ما تدبر أمورك، وأنا هرجع لبيتي وحتتي طوالي، وكل كام يوم هخطف نفسي وأزورك وأجيب لك اللي في النصيب، ما رضيت ولا نفضتها سيرة وتروح لحال سبيلك، وأنا هيكون ضميري مرتاح.
عبد الرؤوف: بالله هيكون ضميرك مرتاح وأنتِ بتتخلي عني، وخابرة إني بخطر.
زهور: تستغفر ربها، بص يا عم، هقولك إيه، أنا وحدة خلقي ضيق، هتمشي معايا من سكات، أوديك للمكان والحق أرد لبيتنا.
عبد الرؤوف: يشير بيده، تفضلي سوي ما بدك، بس أنا لا يمكن أتسبب لك في أي خطر.
زهور: ترحل من أمامه بغضب دون أن تتحدث له، تخطو تجاه مخرج المحطة دون أن تلتفت له، لتتوقف مرة واحدة، تضع يدها على سياج الحديد بجوارها، لتسحب نفس قوي، تحدث نفسها.
زهور: معقولة يا زهور، هتمشي كده وتسبيه؟ ده مهما كان إنسان غريب، ومش مشكلة ضميرك هيكون مرتاح لما تمشي، وممكن الناس دي عايزين يؤذوه، لتتحدث مرة أخرى، ما أنا معرفش إيه حكايته، ولا هو مين وحكايته إيه، بس الشهادة لله قلبي مرتاح له، لتتمسك بالسياج بقوة، ما أنا مش هبقى قليلة الأصل معاه وأسيبه وهو بالوضع ده، وكمان الراجل طول الشهر اللي اشتغلته بالفندق وهو بيكتب لي جوابات شكر ومدح بشغلي وترتيبي له، هسيبه كده لايص ومش عارف يروح فين ولمين، والغريب أعمى، ولو كان بصير مش يمكن معاهوش فلوس يروح لأي مكان، ما إحنا خرجنا بسرعة من الفندق وما جابش أي حاجة معاه، وإنتي اللي بتدفعي أجرة التاكسيات من الصبح، خليكي جدعة يا زوزو وساعدي الراجل، بس لازم تعرفيه إنه يسمع كلامك من غير ما يعترض ولا يتكلم، يمشي معاكي من سكات.
لتتنفس عدة مرات، تشجع نفسها وتهدأ من ثورتها، وتلتف مرة واحدة وتعاود أدراجها، وتتجه ناحية الواقف الذي يقف موضع ما تركته ينظر في آثارها بذهول.
عبد الرؤوف: بابتسامة تخطف القلوب، كنت متأكد بعودتك.
زهور: دون أن تتحدث إليه، أشارت له بالصمت وتوجهت إلى نافذة بيع التذاكر.
زهور: تذكرتين طنطا لو سمحت.
لتحصل على التذاكر وتعود للواقف مكانه، تشير بيدها له بأن يتبعها، حتى وصلت لمكان القطار المزدحم، ليوقفها متحدثاً بصوت عالٍ من شدة الضوضاء بالمكان، وصاعدة إليه وهو خلفها، يبتسم على طريقتها بالتعامل معه.
زهور: تبحث بعينها عن مكان فارغ للجلوس به، حتى وجدت، التفت له وأشارت إليه مرة أخرى باتباعها، لتجلس على أحد المقاعد وهو جوارها. بعد قليل رحل القطار، يتوقف كل حين والآخر، والجالس جوارها يتأفف من كثرة التوقف ونزول وهبوط الركاب، وهؤلاء الباعة الجائلين، كلما هب يعترض، تنظر له بامتعاض وتبعد نظرها عنه.
عبد الرؤوف: ذبحتني والله، إيش هذا؟ والله لو طفل صغير مع مامته معاقب ما هيكون مثل ما تعاقب، إيش سويت لكل هذا؟
زهور: كما هي، تشير له بالصمت دون أن تتحدث.
عبد الرؤوف: ينفخ بضيق، إيش هذا ياربي؟ حسبي الله على الظالم، ويش سويت لهاي المجنونة؟ والله مجنونة هاي الصغيرة مجنونة.
ليصمت باقي الطريق وهو يعقد يديه، ينظر تجاهها بين الحين والآخر بطرف عينه، وهي على نفس هيئتها، تنظر تجاه النافذة ولا تلتفت تجاهه.
زهور: تجلس شاردة، تحدث نفسها: هو أنتي ليه رجعتي ليه تاني؟ مكنتي مشيتي وخلاص، واحد لا تعرفيه ولا تعرفي وراه إيه؟ مش يمكن عامل مصيبة؟ إيه اللي رجعك مرة تانية؟ ولا بتهربي من اللي حصلك واللي عرفتيه؟ ليه تعرضي نفسك للخطر مع واحد متعرفوهوش؟ وكمان ما أنتِ عارفة اللي وراه؟ كام مرة بعت لك شكر في ورقة، تقومي تهربيه؟ وكمان رايحة معاه برجليكي، مش كفاية اللي أنتِ فيه وعرفتي؟ وأبوكي اللي عرفتي حكايتك وحكايته؟ لتكمل حديثها، أمكن بهرب من نفسي من شوقي لحضن أبويا، لاحتياجي لضمته، واللهفة لحضنه، محتاجة لأب يلمس على ظهري بحنانه، ولا بتهربي من نفسك من سنين عذاب وقهر وكل يوم بتلعني فيه وتتهميه بأشد الاتهامات؟ ولا هربتي خايفة تتصدمي بحاجة تانية؟ وسلسبيل تظهر وخايفة توجهيها؟ لتتحدث بصوت مسموع وهي تهز رأسها.
زهور: معرفش، معرفش.
لتصمت وتنظر تجاه النافذة، بعد أن رأت نظرات الجميع لها.
انقض وقت، بدأ من يجلسون حولهم يهبطون في أماكن وصولهم، لتفرغ العربة إلا من عدد قليل متباعدين عن بعضهم، لتسند زهور رأسها على زجاج النافذة المغلق، لتغفو بعد دقائق، ليقترب منها عبد الرؤوف، يحاول إفاقتها خوفاً من إصابتها بمكروه.
لتفيق زهور، وجدته قريب منها، يجلس بجوارها بعد أن كان أمامها.
زهور: تعتدل بسرعة وتضم شفتاها وتكشر أنيابها، تحدثه بغضب: أنت إزاي تيجي تقعد كده جنبي؟ روح اقعد مكانك، ميصحش اللي بتعمله ده.
رؤوف بذهول من ردة فعلها: إيش عملت؟ هذا جزاتي؟ إن خفت عليك راسك تخبط وتنجرحي، قلت أفيقك بدل ما تصابي!
زهور: كان فيك تعمل ده من غير ما تقوم من مكانك، ومين قالك إني كنت نايمة؟ أنا مغمضة عيني بس.
عبدالرؤوف: انتقل ليجلس مكانه، يستغفر ربه.
جصيرة ومش ظاهرة من الأرض بس جبارة، عليها لسان يستاهل قطعه، ليعتدل في جلسته، ينظر إلى زهور التي عادت تضع رأسها على النافذة، ينظر لها.
والله أنتِ قوية يا زهور، بنية وصغيرة بس عملتي اللي رجال كثير يخافون منه، ينظر لها بتمعن، والله شبه الفرسة العربية الأصيلة، حرة وقوية وما تهاب أحد.
ليتنهد بشوق جارف، يغمض عينيه، يتذكر حياته قبل ثلاث سنوات، ليعود بذاكرته.
عبدالرؤوف يمتطي ظهر إحدى جياده، تلك الفرسة الجميلة الشكل القوية التي اشتراها من عدة أيام، يراوضها بعد فشل مدربها والسيس وخوفهم من الاقتراب منها، لينجح هو في ترويضها وإمتطائها برشاقة والجلوس فوقها، يجري بها ساحات التدريب.
يضحك بصوت عالٍ على ربعه من الشباب وهم يصورونه بهواتفهم ويحدثونه.
أحد ربعه (صديقه): شو اسم هاي الفرسة المزيونة هاي؟
عبدالرؤوف: اممم، والله محتار ما بين غزالة ومابين سبحة.
صديق آخر: لا هذا ولا ذاك، ما عليك إلا تسميها اقتناص، بعد ما أخدتها من بين مخالب الضبع. ما تعرف بحال صديقك دحين، تراه وشة أسود غطيس ورأسه عفرها بالتراب بعد ما أخدتها منه على آخر لحظة.
عبدالرؤوف: بضحكة مجلجلة، ههههههه، صحبك صار له سنين بيحاول ينافسني ويأخذ أي شي أنا أحبه أو أشاور عليه، يسبقني يلحقه، لكن بعد ما تصير في فمه، سبحان الله تجسم إلي، خمس سنوات من وقت زواجي من زوجتي وهو على دا الحال، ما بدي يفهم ويبطل كبر راس، إن كل شي قدر ونصيب، بس نقول مين يميز ومين يفهم ومين يعقل.
آخر يسلط الهاتف على وجهه، وهو يحدثه.
رؤوف: من اليوم فيك تخرع بعد ما راح قائد للحرس الملكي. وكلمته مسموعة.
ليخفض صوته وهو ينطق بآخر كلماته: (ومنه لولي العهد).
عبدالرؤوف: والله ولا يهمني لو صار إيش، ولا منصب إيش، ولله لو صار ولا بلاش، الله ييسر طريقه بعيد عنا.
نفس الشخص: بحقد، وليش الثقة بكلامك؟ حلك تخاف وتفزع وأنت شايف بعيونك إيش صار للشاب اللي تقدم لأخته.
هو: أنا عبدالرؤوف العقبي، ولا يهز مني طرف، يا أخي، يعني قائد ديوان الملك، إيش بيسوي؟
ليقوم الشخص بقص كلمات رؤوف: (الملك).
رؤوف: ويحدثه مرة أخرى: يا أخي بالله غير هاد الحديث، مليت والله مليت يا الحبيب.
لتمر أيام، وفجأة وأثناء ما كان عبدالرؤوف في أحد اجتماعاته مع بعض الشركاء الأجانب، يتفقون على مجموعة صفقات معهم، يتفاجأ بمداهمة عدة أشخاص عليه المكتب، ويتم القبض عليه بتهم لا تعد ولا تحصى. ويتم وضعه بالسجن لأكثر من عام ومصادرة كل ما يملك.
ليبق في محبسه يعاني عام كامل، ليستسلم لأمر الواقع ويقبل بما يطلب منه تنفيذه، حتى ذلك اليوم الذي طلب منه اختيار بلد يرحل لها بعد صدور عفو ملكي عنه، بشرط ترك المملكة نهائياً، الإقامة ببلد له علاقة قوية بالمملكة، لا يتحدث بالسياسة، يترك كل ما يملك ويرحل بعد نزع الجنسية السعودية عنه.
ليختار مصر ويرحل بعد أن خسر كل شيء، وترفض زوجته الرحيل معه ويتم الطلاق، ليرحل بحقيبة ملابسه وجواز سفر فقط ومبلغ مالي صغير يساعده لأيام. يصل مصر بقلب يكاد يقطر دمًا من صديق غدر به وزيف الحقائق.
ليأتي مصر ويبدأ مشوار معاناته، آخر فراق الأحباب، وخاصة عند وصول خبر وفاة وحيدة ابنه الذي حرم من وداعه ذو الأربع سنوات بعد أيام من رحيله من المملكة.
يمر عام آخر على رؤوف وهو هزل حزين على ما مر به. يضع كل همه في عمله في إحدى شركاته التي خارج المملكة ولم يتم مصادرتها، ليعمل بجد ويقوم ببيع كافة أصوله بالبلدان الأخرى وتزويد حجم شركته بمصر.
فخلال تلك السنة، فوجئ بطلب زوجته بأنها تريد أن تعود له ويتزوجا مرة أخرى، ليكون أسعد خبر سمعه منذ ترحيله. ليعودا مرة أخرى، عاشا معًا زوج وزوجة، حتى أخبرته في يوم بحملها، لتكون أكثر لحظات سعادة. لم تدم كثيرًا فقط لأيام بعد تعثر شركاتها ودخولها في صفقات هزت وضعه المادي.
ليهمل نفسه ويكد بالعمل حتى يعوض تلك العثرات، ليعود يومًا من عمله الطويل ليجدها زبلة ومريضة وتجلس بجوارها حقيبة ملابسها. يجري عليها يسألها ماذا بها، ليصعق من ردها بأنها أجرت إجهاضًا وتود الطلاق، فهي لا تشعر براحة بالبعد عن أهلها، وأنها تود استكمال دراستها وإنهاء مناقشة الدكتوراه التي تعبت في دراستها وأبحاثها. وأنها لا تستطيع تحمل عمله الذي بدأ بخسارته.
ليتم الطلاق للثانية، وبعد أشهر ترسل له بالعودة، يرفض مرارًا وتكرارًا، وخاصة بعد إذاع صيته بين رجال الأعمال بعد تغلبه ونجاحه بتلك الصفقات ويربح منها أموالًا طائلة. وأصبحت شركة العقبي للبرمجيات والأجهزة الحديثة من أكبر شركات البرمجيات العالمية.
وقبل أن تنتهي السنة، فوجئ بقدوم زوجته وطلبت منه أن يعودوا إلى بعضهم، ليرفض رفضًا قاطعًا ويقسم بأن لا يعود إليها، حتى أنه ترك مكان إقامته واستأجر سكنًا دائمًا بفندق.
جزبه في أحد الأيام كان يحضر به احتفال دعاه له أحد رجال الأعمال. لتمر الأيام ويعلم بطلب زوجته مرة أخرى بالعودة بعد طلاقها ممن تزوجته منذ رفضه. راجعها قبل سنة، ولكن الإصرار على الرجوع جعله يتأكد أنه بسبب عودة أمواله وليس محبة له كما يقال، وخاصة وأنه أصبح كعهده السابق من أغنى رجال الأعمال العرب وهو ابن الثلاثين عامًا.
ليفيق من دوامته على صوت زهور تنادي عليه.
زهور: يا أستاذ يا أخ، أنت نايم مفتح عنيك ولا إيه؟
رؤوف: ينظر لها ويسألها ماذا تريد.
زهور: يلا ننزل، القطار وصل.
لتهب واقفة وتجذب حقيبتها لا إراديًا لصدرها، تشتد بضمها وتهبط من القطار وهو خلفها، كطفل يخطو خلف أمه خائفًا من أن يتوه.
لتشير إلى عربة توكتك وتصعد بها، وتخبره باسم مكان وهو جوارها، لازال على حاله يحاول أن يكبت بداخله تلك النيران، حتى أفاق مرة أخرى على يد زهور تهزه وتشير له بالهبوط، ليهبط ويتجه جوارها.
وهو يلتفت حوله وهو ينظر للمكان الذي بدأ الظلام يداهم الأجواء، ولكن جمال الطبيعة الخلاب والأشجار الكثيفة وأصوات زقزقة العصافير وهي تعود لأعشاشها فوق تلك الأشجار، جعله يبتسم بتلقائية. ليلتف إلى زهور يحدثها، يبتر كلماته وهو يراها تبتعد عنه وتسير باتجاه منزل صغير تحيطه أرض زراعية من جميع الجهات، وهناك ممشى صغير يوصل للبيت، والذي يكسوه شجرة متفرعة ممتدة عليه تكسوه باللون الأخضر تتدلى منها. ليسرع خلفها.
زهور فور نزولها من التوكتوك ذهبت تجاه البيت، وقفت بالقرب من الباب وظلت تمسد بيدها على جزء منه، وابتعدت قليلًا للخلف لتصدم بالواقف خلفها كظلها، لتزيحه بيدها وتذهب تبحث عن شيء بعينها غير عابئة بذلك الذي يسألها عما تفعل. حتى وقعت عينها على ضلتها وتنحني تلتقطها وتذهب مرة أخرى تجاه الباب تمسد عليه وتدخل ما بيدها وتخرجها، ليسقط مفتاح به سلسال قصير يسقط أرضًا، تلتقطه وتفتح الباب المغلق وتدخل وتشير إلى الواقف يكاد يجن منها.
رؤوف يدخل للمنزل يضرب كفًا بالآخر يحدث نفسه، ما هذا الذي يحدث له وكيف هو صابر على أفعال تلك القصيرة بالنسبة لطوله الفارع وجسده الممتلئ.
زهور: ادخل واقفل الباب وراك.
رؤوف: أغلق الباب واقترب منها، يسألها بفضول: بيت مين ده وليش جبتنا لهنا؟
زهور: بيتي وجبتك لهنا عشان تقعد هنا لحد ما تلاقي مكان تستخبى فيه من الناس اللي عاوزين يدبحوك.
رؤوف: مدام بيتك مش ممكن يعرفوه ويوصلوا لينا من أوراقك بالفندق.
زهور: لا طبعًا، لأن أنا مش ساكنة هنا وعنوان سكني اللي بشتغل بيه بمصر مش هنا.
رؤوف: بمصر إزاي، أمال هنا فين؟ قالها بزهول واستغراب.
زهور: القاهرة، إحنا بنقول على القاهرة مصر، وممكن بقى تسكت شوية، البيت عتمة مافيش غير لمبة واحدة اللي شغالة مش هتنور كل البيت ومينفعش أفتح الشبابيك دلوقتي، فبقي تاخد جنب كده لحد ما أتصرف وأدخل أشوف لمبة أوضة من الأوض شغالة تنور باقي البيت.
رؤوف أومأ برأسه، فهو لم يعد لديه جهد لمناقشتها.
تدخل زهور غرفة نومها هي وأحلام، تضع يدها على قابس الإضاءة ليشتعل، لتدخل الغرفة تضع حقيبتها على الفراش، تنظر للمكان بوجع وحزن دفين تسأل نفسها.
زهور: ياترى ليه جيتي هنا؟ وكان فيكي تروحي على الحارة؟ واستحالة كان قدروا يلمسوكي ويلمسوه، ليه جيتي يازهور للبيت ده؟ البيت اللي عشتي فيه سنين طويلة ليلك زي نهارك كنتي بتنامي معيطة، ليه هربتي وجيتي على هنا؟ هتستفادي إيه بجيتك دي؟ لتعاود الكلام بصوت عالٍ: عشان موجوعة قلبي بيتعصر من الوجع، ياريتني ما كنت عرفت، ياريتني كنت لسه فاكرة أبويا عايش، حتى لو كنت شايفاه ظالم، ياريتني ما عرفت الحقيقة، ياريتني ما كنت عرفت إنه مات. لتصمت وتخرج من الغرفة عند سماعها صوت مناداة عليها.
رؤوف ظل واقفًا مكانه لم يتحرك، ظل وقت طويل كما هو عينه على الغرفة التي دخلتها زهور، يسأل نفسه.
رؤوف: ليه جيت معاها وماشي طول الطريق مش بتعترض على حاجة، حتى تركت حالك واستسلمت، تمشي خلفها مثل البعير الصغير، ليلوم نفسه بشدة، يحدث نفسه بهمس مسموع وهو يلوم نفسه ويكز على أسنانه.
رؤوف: معقولة يا رؤوف تتحمى في ست؟ معقولة تعرض تلك البريئة للخطر وأنت عارف إنك مش هتخرج منها عايش، من أمتى كنت أناني؟ من أمت كنت بلا وعي.
ليتحدث مرة أخرى بألم: مش عارف، مش عارف، فيه حاجة جوايا هي اللي بتحركني، عمر ما كان حد ليه تأثير عليا، حتى حصة سبب المشاكل لها، ما كان ليها الـ تأثير القوي من يوم ما رأيتها لأول مرة وهي بالسويت ويا رفقتها وأنا حاسس بقلبي طار مجعد مكانه، عقلي صار عندها على رأي الإخوة المصريين، قلبي وعقلي طاروا من مكانهم عندها، هالة وطلة تأثر القلب، بالله لولا فرق السن بيننا والـ مشكلة اللي أنا بيها كنت طلبتها للزواج، والله لو هتخسر كل ما أملك ما ترددت.
رؤوف يتنهد بحزن يشعر بضيق في أنفاسه، يضع يده على قلبه، أمتى هترتاح؟ ليش مصمم تعذبني وتعذب حالك وتتعلق بمن ليس لك به نصيب؟ يشعر بألم في جسده وثقل على كتفيه، كأن روحه تخرج منه وشعور قوي بالغثيان، ليستند على الحائط بجواره لدقائق يهدا من روعه، يتحسس ملابسه ويغمض عينه بألم ويهمس: أخذ كل شيء، الكلب، الهاتف، المصاري، الباسبور. آه يا رؤوف لمت هتفضل تنخدع في اللي حواليك؟ أكثر اثنين قريبين منك خانوك وباعوك بحفنة ريالات، ياترى ده عيب فيك ولا فيهم؟ هو كده بقي الغدر عادي؟ فين الوفاء والمحبة؟ بقت الفلوس أهم؟ آآآه يا زمن، الأخ بيقتل أخوه عشان الفلوس، الصاحب بيخون صاحبه! عجبي عليك يا زمن، الوفاء والصدق بقى عملة نادرة، آه يا زمن، جعلت من الخسيس أمير ومن ندل سلطان!
ليتنهد بحسرة ويضرب كف يده على الحائط بجواره، يعاتب نفسه وينهارها بصوت عالٍ، لم يفق من حالته إلا على يد زهور ترجعه وتنادي عليه، ليبلع ريقه بخجل منها.
رؤوف: أعذريني يا زهور، فقدت أعصابي بعد اللي صار اليوم، بعد إذنك وين الحمام، بدي أتغسل وأتوضأ.
زهور: بشفقة على حالته تومي برأسها وتشير بيدها: اتفضل الحمام من هنا.
ليدخل إلى الحمام، يقف ينظر حوله بزهول مما يرى، حمام بدائي أرضي وصنبور مياه موصل به جزء قطعة بلاستيكية لا تتجاوز النصف متر، وحوض صغير وبه صنبور مياه بلون أصفر نحاسي، وبالقرب منه يوجد قطعة حديدية موصل بها قطعة دائرية بها ثقوب، استشف أنه الدش. التفت يمينًا ويسارًا، يغمض عينه يهمس.
رؤوف: متعجبًا، هذا حمام؟ أوصلتك الخيانة أن ترى ما لا يمكن أن تتخيله، حمام لا يتجاوز نصف متر في متر؟ هههه، نصف حوض الاستحمام الذي تغتسل به! دارت الأيام وأوصلتك تظل مرتدٍ جلبابك ليوم كامل بعد ما كنت تبدلها بعد أقل من ساعة واحدة، هههه، لا تطمح أن تبدلها لأيام، بدل ما تفوح ريحة عطرك لأميال ستفوح منك رائحة ملابسك المتسخة المتعرقّة من الآن وقد فاحت رائحتها، ماذا تتوقع يحدث ليوم آخر؟ ليصرخ صرخة مكتومة: لعنة عليك يا زمن، لعنة على صاحب غدار، لعنة على رفيق خوان.
ليقترب من الصنبور ويفتحه، ينظر إلى الماء الذي يسقط منه نقاط ضعيفة بلون أصفر قليلاً، وعاد الماء للونه الشفاف، يضع يده أسفله يملأ كفيه ويضرب الماء بوجهه بقوة لعلها يفيق من صدمته عدة مرات، وتوضأ وخرج وقد زاد على كاهله حزن أشد وهو يرى زهور تقف تنفض الأتربة من على الأريكة وتضع عليها كسوة نظيفة، يبتسم بتهكم ويهمس: ماذا تسوى زهور؟ ماذا تسوى؟ هل سيفرق مفرش نظيف من غيره؟
ليتحمحم لتعدل زهور سريعًا، تمد يدها له وهي تلتفت بمنشفة كانت تضعها على كتفها وتشير له على مصلى أعدتها له تجاه القبلة ليقيم فرضه. وتغادر هي تجاه الحمام تتوضأ وتخرج تجده جالسًا على المصلى بوجه وجم.
زهور: أحم، البيت بقاله شهور مقفول ومليان تراب والفرشة مش نظيفة، أنا نضفتلك الكنبة دي تنام عليها مؤقت للصبح، وكمان البيت ما فيهوش حاجة للأكل، هنصبر للصبح، هصرف وأجيب أكل يكفيك لكام يوم، أنا مليت كباية ماية على الطربيزة لو عطشان ولا حاجة، بعد إذنك هدخل أصلي وأرتاح، اليوم كان طويل.
رؤوف: ينظر في أثرها وهي تدخل الغرفة ليحدثها قبل غلق الباب: زهور أنا أسف ورطتك معي و...
لتقاطعه زهور.
زهور: تصبح على خير، متفكرش كتير ونام، اللي حصل ده مقدر ومكتوب وكل حاجة ميسرة وإحنا يدوب بننفذ المكتوب علينا، ارضى بقضاء ربنا هترتاح.
لتغلق خلفها الباب تستند عليه لتتنهد قليلا وتخطو تجاه قطعة قماش فرشتها أرضا لتصلي فروضها.
جلست قليلا وقامت بتبديل ملابسها بملابس قديمة لها بالدولاب وجلست على السرير وجذبت حقيبتها لتتذكر شيئاً.
تهبط من على الفراش سريعا تتجه إلى التسريحة وتفتح أحد أدراجها وتخرج مجموعة من كراستها المدرسية وتعود للجلوس على الفراش.
تفتحها بيد ترتعش تنظر إلى رسمتها لوالدها.
بعد ما وصفتها أحلام لها تغور عينها بالدموع.
تزيحها بيدها وتضعهم جانباً وتخرج من حقيبتها ذلك المظروف وتخرج الخطاب الذي تركه لها والدها.
تقرأه بصوت موجوع وعيون تفيض منها الدموع مع كل كلمة تنطقها.
"ابنتي قلبي على الأرض برعمتي الصغيرة أخط لكِ تلك الكلمات لا أعلم أن وصلتك يوماً أم ستكون حبيسة تلك الورقات.
أقص عليكِ حكاياتي من بدايتها لا أعلم متى الأجل لأخطه في تلك السطور ما يواسيني أني أعلم بطيبة قلب والدتك وأنها ستخبرك عني وعن حبي لها.
برعمتي زهرتي الجميلة نبتت حبي وهيامي وعشقي لأجمل وأحن قلب على وجه البرية.
بنيتي قبل أن أبدأ سرد كلماتي أود إخبارك بلوع قلبي بكسر روحي بجرح غائر ينهش جسدي يمزقني أشلاء صغيرة.
أعلمي أنني كتبت تلك الكلمات ليس دفاعاً عن نفسي ولكن لتعلمي أنني لم أتخل عنكن بل حرمت أنا أيضاً منكن.
أنفاسي الذي أتنفسها تشتم رائحتك عيون معشوقتي لا تفارق عيناي.
إذا قدر الله اللقاء أعلمي أنني ما عشت إلا لرؤياكِ وإذا قدر الله الرحيل واختارني للجوار فاعلمي أنني رحلت مشتاقاً للقائكِ ترحمي علي حتى يصلني فأنا سأنتظر رحماتك.
الآن أقص عليكِ حكاياتي."
لتغلق المذكرات قبل أن تكمل ما كتبه والدها تعيد مرة ومرات كلماته.
زهور: ترحمي عليا ترحمي عليا ترحمي عليا.
لا لا لا ليه توجعني بالشكل ده بعد كلامك ده قلبي مش متحمل.
كل اللي عشته كوم واللحظة دي غير.
حرام حرام إنك تموت وتسيبني حرام حنيتك دي اتحرم منها.
ليه تطلب مني الطلب الموجع ده؟
ليه ليه يا بابا ليه لييييييييه؟
أترحم عليك أترحم عليك.
آه يا رب ارحمني يارب ارحمني من الوجع اللي بيعصر قلبي.
ارحمني يارب لا ارحم بابا ارحمه يارب.
هو ده الطلب الوحيد اللي طلبه مني مني مني.
ارحمه يارب يارب ارحم بابا بابا بابا.
ليزيد نحيبها مع آخر كلماته وتعلو صوت صرخاتها وهي تضم مذكرات والدها لصدرها منادية بعلو صوتها.
زهور: ليه مشيت وسبتني ليه يحصلي كل ده.
لما الدنيا تضحكلي وأعرف بوجود أبويا في نفس اليوم اتحرم منه.
أتحرم من كلمة تمنيتها اتحرم من نطقها بدل ما أنادي وأقول بابا بااااابااااا.
أترحم عليك حرام والله حرام.
ذنبي إيه أنا قولي قولي يا بابا قولي ذنبي إيه.
بدل ما أنادي وأقول بابا زياد بابا أترحم عليك.
بالشكل ده ليه توجعني بكلامك تحملني اللي مش قادرة أتحمله.
لتصرخ بصوت عالي وهي تطيح ما بيدها تسقطه أرضاً وتسرع بالهبوط أرضاً تجثو على ركبتها تلملم الأوراق وتضمها لصدرها وهي تصرخ.
لا لا حرام عليكي يا زهور انتي اتجننتي.
ذنبهم إيه الأوراق ترميها بالشكل ده دي مهما كان آخر ذكرى منه.
بدل ما تحطيها جوه قلبك وتخبيها برموش عنيكي ترمي آخر ذكرى ليه بالشكل ده.
تصرخ بصوت مخنوق وهي ترفع صورة لوالدها كانت رسمتها بخط يدها.
لتفاجأ بمن يجثو أمامها يحدثها بخوف وصوت.
لا تسمع ولا كلمة منه ليقترب منها يهزها لتفيق.
لترتمي بأحضانها تبكي وتبكي تنتفض من شدة بكاها.
تحدثه بدون وعي.
رؤوف: ظل وقت جالس مكانه على سجادة الصلاة يردد كلمات زهور بداخله يتساءل بينه وبين نفسه.
لما هو حزين بتلك الصورة.
ليه مضيق ومجبر بدل ما تحمد ربك أنه نجاك من موت محتم.
ولا سجن تعرفش تخرج منه.
دول جردوك من كل حاجة حتى ساعة يدك جردوك منها.
ليغمض عينيه بقهر ويضرب الأرض بيده.
آه من الغدر والغدرين حسبي الله عليهم ربي ينتقم منهم.
بعد ما وثقت فيهم وجعلتهم كييف إخواتي وتسامرت معهم وخالتهم ربعي وعرفتهم أسرار عملي يغدروا فيني ليه ولاجل مين وعشان إيه.
إيه اللي وعدهم بيه يخليهم يخونوا العيش والملح يغدروا بولي نعمتهم.
الله يحرق المال ويحرق الجاه والنفوذ حسبي الله على الظالم حسبي الله عليه.
ليتنفس بسرعة وأنفاس متلاحقة ونيران تخرج من جوفه وهو يظفر تلك الأنفاس الحبيسة بصدره تكاد تمزقه.
يقف من جلسته يدور حول نفسه ينظر لحوائط المنزل بحزن.
والله كيف حيطان السجن ما ينقصك غير السجان.
آه رؤوف آه دارت الأيام ورحعت لنفس الحزن.
ليتنهد مرة أخرى ويجلس على الأريكة بضعف ويسأل حاله مرة أخرى.
ليش مقهور وحزين هل السبب ضياع حلالك بعد اللي سووه فيك وغدرهم عليك ولا لضياع حلالك ومالك وتعب سنين.
ليهب واقفاً وهو يستمع لصرخات وصوت قادم من غرفة زهور ليخطو تجاه الغرفة يفتح الباب بخوف وحذر يصدم وهو يرى زهور تجلس أرضاً تضم لصدرها أوراق وتتحدث بصراخ وعينها ممتلئة بالدموع.
ليقترب منها بحذر ينادي عليها لا تجيبه.
ليجثو أمامها يهزها ليزهل مما تقوله وترتمي بأحضانها.
كاد يسقط أرضاً من ارتمائها بحضنه بتلك الطريقة يبعد يده عنها مع تزايد ضمها له ليغمض عينيه بحزن وهو يستمع لكلماتها.
زهور: بابا ما تسبنيش أخيراً شفتك أخيراً اترميت في حضنك متسبنيش.
حضنك اللي حلمت سنين بضمته وإيدك تبطبطب عليا وتمسح على شعري.
قالتها وهي تتمسك بملابسه.
عايزة أفضل في حضنك أشبع منه وأعوض سنين بعدك عني.
لتغمض عينها.
عايزة صورتك تفضل جوه عيني مش هفتحها أبداً عشان متروحش منها.
ليشعر بارتخاء يدها وابتعدها عنه ليجذبها له محاوطها بيده التي جذبتها قبل أن تسقط أرضاً مستسلمة لفقدان وعيها.
ليساعدها ويضعها أرضاً ويهرول تجاه الفراش يجذب الوسادة من فوقه ويرفع رأسها بروية ويضعها فوقها.
ليسارع لخارج الغرفة يحضر كوب الماء الذي أخبرته به من على الطاولة تزامناً مع سماع خبطات على الباب وصوت شخص ينادي خارجاً.
رؤوف: يبلع ريقه بخوف وقلب يرتجف وهو لا يعلم ماذا يفعل.
أيذهب ليفتح الباب؟
أم يترك الطارق الذي لا يتوقف على الطرق؟
أم يذهب لإفاقة زهور الممددة؟
ليزيد الطرق على الباب بقوة ليحسم أمره ويتجه لفتح الباب.
ليجد شاباً يقف أمام الباب يرتدي جلباباً وعليه عباءة سوداء ويضع على رأسه غترة ولديه لحية شديدة السواد.
رؤوف: بحده بسيطة.
ويش تريد؟
ليغير لهجته سريعاً.
إيه يا أخي وضع يدك على الباب ما بترفعها ما مراع حرمة البيت واللي فيه.
الشاب: بذهول.
انت مين وإزاي دخلت هنا؟
وفين زهور؟
أنا سمعت صوتها من شوية.
رؤوف: مين أنت وإيش دخلك بزهور وسمعت صوتها وين.
الشاب: ينظر لرؤوف بريبة ويزيحه من أمامه ويدخل للمنزل منادياً عليها.
زهور زهور زهور.
ليفزع على صوت أنين خافت من الغرفة ليهرول تجاهها بعد أن جال بخاطره أفكار موحشة.
ليدخل الغرفة يقف مصدوماً زهور ممددة على الأرض وهناك أوراق متناثرة حولها وتضم بعض منها.
ليلتف إلى الواقف بالقرب منه ينظر له بغضب ويسأله.
زهور مالها حصل إيه عملت للبنت إيه.
عبد الرؤوف: استغفر الله.
تعوذ من إبليس أخي تعوذ ما فعلت شيء هي فجأة.
ليصمت وهو يستمع لأننينها وبكاها.
الشاب: ينحني جاثياً أمامها ينادي عليها.
زهور زهور زهور.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني والستون 62 - بقلم منى عبدالعزيز
الدنيا رغم اتساعها إلا أنها صغيرة كما قال الله عز وجل لا تساوي جناح بعوضة.
رغم كبرها إنها صغيرة، رغم ازدحامها إلا إنها فارغة.
هكذا الدنيا ندخلها فارغي الأيدي وسنخرج منها فارغي الأيدي، مهما جمعنا وادخرنا فلن نحمل معنا إلا الصالح من أعمالنا، فلا تجعل همك الدنيا.
أحلام كادت تسقط أرضا بعد اختلال توازنها لولا استنادها على يحيى الذي أحاط خصرها بإحدى يديه.
جذبها له برفق وابتعَد بها عن الباب وأشار بيده الأخرى للواقفين بأن يدخلوا.
خطا بها حتى ساعدها بالجلوس على أول كرسي قابلته.
يحي وهو يشير للجميع بالجلوس:
"اتفضلوا اقعدوا في الأول، ياريت تفهموني مين حضراتكم."
زايد بحدة:
"قلنا لحضرتك برة إحنا أهلها، فياريت تعرفنا هي موجودة ولا لا."
زهور الأم تهب واقفة تتجه ناحية أحلام التي تجلس، بوادي آخر دموعها تسيل بصمت تهمس بصوت خافت:
"زياد مات مات، يا حرقة قلبك يا زهور آه يا وجع قلبي على حلمك اللي ضاع يا بنتي، سنين وأنا بسمع وأشوف رسوماتك ليه وكلامك اللي بتفضلي تردديه لنفسك وأنتي واقفة قدام المرايا، ولا مخدتك اللي بتكون غرقانة بدموعك وإنتي صاحية وإنتي نايمة، ياعيني على أمل راح ووجع ملازمك.
من يوم يومك وإنتي الأسي والحزن ملازمك، فعز فرحتك القدر مستكترها عليكي.
وياتري إنتي فين يا سلسبيل؟ عايشة ولا ميتة؟ ياتري إيه اللي حصلك؟ ليه قلبي بينغزني كل ما تيجي سيرتك؟ بس المرة دي نار ودبت فيه، ليه اللهفة دي عليكي؟ ياتري عرفتي بموت زياد ولا لا؟ طيب لو عرفتي رحتي فين ولا إيه اللي حصلك؟ فضلت بالبلد، خفت أمشي إنتي ترجعي، استسلمت وفضلت، وال دفعت التمن المسكينة زهور، الزهرة البريئة اللي مشفتش يوم واحد حلو بحياتها.
يارب يارب هون عليها يارب، ياترى فين أراضيكي دلوقتي يا زهور؟ زمان واحنا بالبلد لم تتوجعي بتفكي نفسك في رسمة من رسماتك لأبوكي أو لأمك، دلوقتي هتفكي نفسك فين؟ والخبر اللي متأكدة قسم وسطك هتروحي منه فين."
لتفيق من شرودها على لمسة أحد ليدها، ترفع عينها لأعلى ترى زهور الجدة تنحني لتصير بمستواها.
زهور:
"ست أحلام أرجوكي، فين سلسبيل وزهروان؟ مش شايفة أي حد فيهم، روحي هتخرج وأضم بنت ابني، قوليلي يا ست أحلام شبه مين سلسبيل ولا زياد؟ طبعها زي مين فيهم؟"
أحلام تقف سريعا وهي تكفكف دمعاتها:
"زهور جمالها ما يتوصفش، أخدت من أبوها وأمها ملامحهم، طبعها صعب أوي، لا عمري شفته في سلسبيل وزياد. الفترة اللي اتعاملت معاها فيها ما أخدتش منه حاجة، طبعها صعب، تشوفيها تقولي طفلة، تتعاملي معاها ليها هيبة وشخصية، مش على رجالة بشنبات."
لتقاطعها الجدة:
"شوقتيني ليها، هي فين وسلسبيل فين؟"
أحلام بحزن وبكاء:
"معرفش معرفش، سلسبيل فين؟ سلسبيل لغز ومنعرفش عنها حاجة، نار مش بتنطفي، لا عرفناها عايشة ولا ميتة، وزهور مفروض في شغلها في فندق."
الجميع يستمع لها بزهول عما تقوله، زايد كأنه جالس على جمر نيران تشتعل بداخله، فور سماعه اسم معشوقته عينيه غامت بالدمع، نظر إلى أسفل ونكس رأسه حتى لا يلفت انتباه أحد، يمسك حافة الكرسي بيده يضغط عليها يكاد يكسرها بيده، ليخرج من حالته على اهتزاز هاتفه معلنًا بورود اتصال.
ليستأذن من الجميع ويرحل قبل أن يكتشف أمره، لكن هيهات فهناك من لاحظ كل ما مر به وتلك الدمعة المتدرجة من عينها جففها على ابنه الذي عشق وذاب من العشق حتى بعد مرور سنوات على وفاتها، حبيبه لم يرتوي بعشقها ولكن ذاق مرارة فراقها، حسرة وندم على ظلمة لابنه الذي لا يزال يظلمه.
ليرفع رأسه على صوت حسن صديق ابنه الوفي الذي أبرأ بعهده وظل على العهد ونفذ وصية صديقه، ينظر له بعين ممتنة بالرغم عدم معرفته بمكان حفيدته، إلا ما فعله جعله ممتن منه، فقد رفع عنه أخبار حفيدته بموت أبيها.
حسن:
"ست أحلام، زهروان فين؟ البنت تحت صدمة، ممكن تعمل في نفسها حاجة."
أحلام بجلجلة وخوف من كلمات حسن:
"زهور زهور، تلقيها راحت الشغل اللي بتروحه بعد الجامعة، في فندق."
لتلتف ليحي بعد محاولاتها تذكر اسم الفندق.
أحلام:
"يحي، هو اسم الفندق إيه اللي بتشتغل فيه ألينا بنت ماجد؟"
يحي:
"اسمه اسمه."
ليصمتوا جميعًا على صوت تعالي رنات هاتف أحد الجالسين، ليلتف الجد له يحدثه بدجر.
عبد الرحيم:
"حازم، إقفل الزفت ده أو اطلع بره، رد على اللي بيتصل."
حازم أخرج هاتفه ونظر به ليفتح الاتصال ويهب واقفًا، يخرج من المنزل يستمع إلى المتحدث بزهول وغضب ويسرع بالعودة للداخل يحدثهم.
حازم:
"آسف يا جماعة أنا مضطر أمشي، في مشكلة جامدة بالفندق ولازم أروح أشوف حصل إيه."
الجد أشار له بالرحيل وتحدث ببعض الحدة لأحلام ويحي.
"إزاي متعرفوش البنت بتشتغل فين؟ معقولة اللي بسمعه ده، ده تسيب واستهتار."
يحي بنفس حدته:
"أولًا حضرتك تتكلم عدل، وقبل ما تتهمنا بالتسيب والاستهتار، أكيد شايف الصدمة اللي فيها مراتي."
أحلام مقاطعته تمسك يده ترجوه بعينها أن يهدأ.
"إهدي يا يحي، قبل أي كلام نشوف زهور راحت فين، البنت أخدت صدمة عمرها، أصل محدش يعرف قد إيه كانت بتحلم باليوم اللي هتقابل أبوها فيه."
لتتركهم وتدخل غرفة نومها تحضر هاتفها وتقوم بالاتصال على زهور مرة تلو الأخرى تتلقى نفس الإجابة.
"الرقم الذي طلبته غير موجود بالخدمة."
لتخرج من الغرفة هلعة تتحدث بخوف وهلع.
"الحقني يا يحي، بتصل على زهورتلفونها مقفول، أنا هروح لماجد ونفين يتصلوا على ألينا يسألوها زهور معاها بالفندق ولا لا."
لتهم بالخروج من الشقة.
يحي:
"تعالي يا أحلام، ماجد ونفين وألينا وامه سافروا من الفجر البلد عند إلينا بنتهم."
أحلام:
"طيب اتصل عليه أسأله على اسم الفندق نروح للبنت نشوفها."
حسن يتحدث بسرعة:
"إيه اللي يوديها مكان شغلها وهي منهارة ومصدومة باللي عرفته."
أحلام تنظر له بحزن:
"ياريتك ما كنت عرفتها موت أبوها، قلبي وجعني عليها عشان أنا متأكدة إنها مش بس مصدومة ولا منهارة، دي موجوعة مدبوحة، وأنت كملت عليها بسكينة تلمه وعرفتها موت أكتر إنسان عاشت سنين بتحلم بيوم لقاه."
لتكمل أحلام:
"زهور فيها عادة لما تتوجع بتهرب من وجعها وهمها بالشغل، بتشغل نفسها بيه عشان متفكرش بالوجع، مع إن المرة دي مش أي وجع، دي صدمة عمرها."
زاهر وحمزة ينظرون إلى بعض بحزن ليهبا واقفين.
زاهر:
"إحنا هنفضل قاعدين كده مش عارفين البنت فين ولا عملة إيه، أنا هروح أدور عليها."
حمزة توجه ناحية الباب أثناء حديث زاهر يتحدث بعصبية:
"إنت لسه هتتكلم؟ أنا نازل أدور في كل فنادق البلد."
يخرج حمزة وخلفه زاهر يهبطون الدرج خلف بعضهما بسرعة، يصعدا سيارة زاهر الذي انطلق بها، يضرب يده بالمقود ويلتف لحمزة بغضب يعاتبه بنظرات عينيه ويعاود ضرب المقود بيده، وحمزة مغمض عينه ودمعة تتدحرج على وجنتيه تتلوها أخريات وهو يتذكر خطاب عمه زياد تركه له واستلمه يد بيد من المحامي الخاص بالمرحوم عمه، يتذكر محتواه يعاود نطق كل كلمة خطها عمه بيده وزاهر على نفس وتيرته يتذكر كلمات عمه الذي يحفظها عن ظهر قلب.
حمزة:
"آسف يا عمي، أنا مطلعش قد الثقة اللي إدتهالي لما قلتلي إن هكون ضلع من الأضلاع اللي هتحمي بنتك، آسف إني خزلتك، آسف إني ضيعت ثقتك فيا."
زاهر:
"معقولة بعد سنين طويلة أرجع في الوقت ده عشان أنفذ وصية عمي، ولما خلاص نوصل للبنت أقف عاجز مش عارف أعمل إيه ولا أتصرِف إزاي دلوقتي، عامل زي اللي بيدور على إبرة في كوم قش."
ليقف بسيارته عند أول فندق قابله بالطريق.
حازم وصل الفندق واتجه إلى المصعد مباشرة متجها إلى الجناح الخاص بعبد الرؤوف بعد تلقيه اتصال من مسئول الأمن بضرورة الحضور للفندق لحدوث أمر هام، ليدخل الجناح يجد مسئول الهوس كيبر والمدير المسئول عن الأمن وبعض العاملين وهناك شخصان لا يعرفهما.
مدير الأمن اتجه إليه يحدثه.
"حازم باشا، كارثة حصلت بالأوتيل، هتجيب سمعته الأرض لو اتنشر الخبر بين النزلاء أو البوليس أخد خبر بيها."
حازم باستغراب:
"حصل إيه لكل ده؟ ومين حضراتكم؟"
أحد الأشخاص بلا مبالاة:
"إنت جاي تطق حنك ولا جاي ترى فعل موظفينك وإهمالهم وتسيبهم بالعمل؟ تري بإم عينك الفوضى اللي بيه، السويت حق مديرنا السيد عبد الرؤوف العقبي واختفاءه وسرقة محتويات السويت."
حازم:
"مين مديركم ده واختفي إزاي؟ طفل صغير وتاه، ومال موظفيني ومال اختفاء مديرك؟ أما بالنسبة للفوضى دي فده هيتجازى عليها المسئول عن تنظيف السويت، بس اللي أنا شايفه ده تعمد لبعثرة أغراض الغرفة، مش إهمال موظف."
الشخص:
"لمسئول الأمن، هاد مديركم اللي هيحل المعضلة."
الشخص الآخر:
"قلتلك من الأول نبلغ البوليس والسفارة، سمعت كلام الأستاذة لما قالوا مديرهم هيصرف ويحلها، بلاش نبلغ عشان السياحة وسمعة الفندق."
حازم ينظر لمسئول الأمن بغضب يعاتبه:
"ممكن بقي تشرحلي الوضع ومين حضرته اللي اختفي وإيه دخل الفندق والموظفين في اللي حصل."
الشخص:
"إنت لسه مو فاهم؟ بإختصار شديد، في بنت عاملة نظافة سرقت محتويات الغرفة ومش بس هيك، لا دي تجرأت وخطفت مديرنا السيد عبد الرؤوف العقبي، وأكيد بدها تساوم على إرجاعه بالمال."
حازم باستغراب:
"هو عمرو مديركم ده قد إيه؟"
الشخص بعصبية:
"وهو عمره هيفرق وياك بإيه؟ ومن غير كتر كلام، عمره فوق الثلاثين عام."
حازم بدهشة:
"كم أنت بتقول كم! فوق الثلاثين، وده بقي عاملة النضافة اللي بتتفتش وهي داخلة وهي خارجة هتخفيه إزاي وهتخرج بيه إزاي؟ من بتوع الأمن ومن كاميرات المراقبة."
الشخص بعصبية:
"مش تسألني أنا، هيك اسأل موظفيك."
لتحدث بتهديد:
"لو مش رايد سمعة فندق بين رواده تتأثر وتسقط نجمة من السبع نجوم، مكنش كلهم، إصرف وجيب البنت دي من تحت الأرض."
حازم بعصبية:
"أنا مبتهددش، وعلى العموم أنا بنفسي هحقق في الموضوع ده بنفسي، مش عشان تهديد سيدتك، لا ده عشان أنا عاوز أعرف مين المسئول عن التسيب اللي حصل وإزاي بتوع الأمن ما لاحظوش كل اللي حصل، سواء بوقفتهم أو مراقبة الكاميرات."
حازم متوجها لمسئول الهوس كيبر:
"مين البنت اللي بيقولوا عليها وازاي ما فيش ريس عليها يتابع شغلها ويراجع وراها شغلها."
المسئول:
"دي دي موظفة جديدة اتعينت من شهر، والبنت ممتازة، وأنا بنفسي براجع شغلها، حتى السيد عبد الرؤوف بنفسه هو اللي طلب إنها هي اللي تكون مسؤولة عن السويت بغيابه، وكمان أداني بنفسه مبلغ كبير مكافأة على أمانتها ونظافتها، وأنا بنفسي سلمتهولها بنفسي."
حازم:
"اسمها إيه البنت دي وعنوانها إيه؟"
ليل تلتف لمسئول الأمن:
"وانت بنفسك تروح عنوان البنت دي وتجبهالي من تحت تقاطير الأرض."
ليعود للاخر:
"اديني اسم البنت وعنوانها."
المسئول:
"البنت اسمها زهروان زياد وشهرتها زهور، ساكنة حارة."
ليقاطعه حازم بغضب.
حازم
إنت بتقول إيه؟ زهروان شغالة هنا من شهر.
المسئول
أيوة يا فندم ومفروض كانت هتمضي العقد النهاردة بعد ما تقابل سيادتك زي ما حضرتك أمرت. كل الموظفين الجداد هتقابلهم وتمضيهم.
حازم
حسابكم معايا بعدين. دلوقتي عاوز بتوع الأمن حالا عندي في المكتب. وأنا هراجع كاميرات المراقبة داخل وخارج الفندق بنفسي.
يلتفت للشخصين الواقفين.
اطمنوا حضراتكم. هنحقق بالموضوع حالا وهبلغ حضرتكم فور معرفة أي معلومة نوصل ليها.
ليتركهم ويهبط بالمصعد ويخرج هاتفه ويجري اتصال هاتفي.
زايد خرج وترك الجميع. هبط السلم بترنح، كاد يسقط عدة مرات لولا تمسكه بحافة الدرج. عينه لا ترى من كثرة تدفق الدمع بها. ليخرج من البناية وهو يتنفس بصعوبة، يشعر بصخر ضاغط على صدره. اقترب من سيارته، يضع رأسه على حافتها العلوية ويفك رابطة عنقه. يلتقط أنفاسه. ليعاود مرة أخرى برفع رأسه ويركل أجنحة السيارة بقدمه عدة مرات. ويتجه للجهة الأخرى ويصعد لسيارته وينطلق بها مسرعًا. ليصل بعد مدة من القيادة السريعة إلى مقابر عائلته. يسير بينها حتى وصل إلى قبر وقف أمامه قليلاً. ثم جثا على قدميه يتلمس شاهده بيده. يتلو بعض آيات القرآن بصوت مهتز وسط نحيبه. ليحني رأسه واضعاً إياها على حافة القبر يحدثه.
زايد
آسف يا نبض قلبي. آسف على غيابي الشهور اللي فاتت وما زرتكيش فيهم. آسف على كل اللي حصل واللي هيحصل. سامحيني يا نبع الحياة. سامحيني. معتش قادر أتحمل أي حد يجيب اسمك حتى ولو بسأل عن حالك. تعرفي إني أنا تسعة عشر سنة خايف من لحظة كشف حقيقة غيابك. عمري ما خفت قد ما أنا خايف دلوقتي. خايف أقول الحقيقة والكل يعرف قد إيه أنا أعشقك. وقد إيه بموت فيها وإنتي بعيدة عني. تعرفي يا حبيبتي لولا سيليا اللي بتهون عليا حرمانك مني. أنا لو عليا هقول بعلو حسي إني عشقتك وحبيتك من أول لحظة عيني جات في عينك. الحاجة الوحيدة اللي تخليني أمنع نفسي هو نظرة الناس ليكي اللي لا يمكن أتحملها ولا أتحمل أي حد يشك فيكي حتى لو كان أقرب حد ليكي.
سلسبيل. آسف إني خبيت عليكي الكل موتك. معرفش ليه وقتها عملت كده. بس دلوقتي لازم يعرفوا. لنا قربتك قالت إن في لغز باختفائك وأنا نار واشتعلت جوايا. تسعة عشر سنة ومش مصدق إنك متي. لأن حبك في قلبي بيزيد مش بيقل. بيزيد ويكبر. تعرفي إن زهروان شبهك أوي أوي أوي. أنا عرفت اللي أتقابلتها عند الفندق من كام شهر هي.
ليصمت قليلاً يجمع أفكاره. ليهب واقفًا يتنفس بعمق. يضع يده على المقبرة ويحني جزعه ويرفع نفسه لأعلى مرة أخرى.
يصرخ بصوت مكتوم. ويسب نفسه بغضب.
غبي غبي. ما فكرتش للحظة تسأل عنها في الفندق. مفروض أول حاجة كنت عملتها بعد العملية. بس إنت غبي يا زايد غبي. ضيعت حب عمرك بسبب جبنك وضيعت بنت أخوك بسبب غبائك.
يربط على شاهد القبر.
أوعدك يا حبيبتي أوعدك هجيب بنتك هنا تزورك. ووقتها هكون وفيت بوعدي ليكي.
ليخرج من المقابر متجهاً إلى الفندق. ليقابله حازم ابنه في مكتبه ويخبره بكل ما حدث واتهام زهور بالسرقة والخطف.
لينتفض حازم على صوت والده.
زايد
وإنت عملت إيه يا أستاذ وإتصرفت إزاي؟
حازم
قص عليه ما قاله وما أمر به.
زايد
الاتنين اللي اتهموا زهروان تجيبهم وتيجي على الشركة. وقبل ده تروح تشوف الكاميرات بنفسك. مستني إيه؟ إيه؟ نفذ اللي قلتلك عليه.
ليرفع يده ينظر لساعته.
الساعة قربت على عشرة قبل نص الليل. معرفتش توصل لزهروان ومكانها. تجي بالاثنين دول على الشركة.
حازم
بذهول. بابا وأنا هعرف مكانها إزاي؟ وكمان حضرتك ليه مصمم أجيب الناس دي؟
زايد
إنت لسه واقف مكانك. أنا هتصرف. بلغ إنت بتوع الأمن يمنعوا خروج العيال اللي قلت عليهم وخدوهم على الشركة.
ليفعل حازم ما أمر به والده.
زايد
قام بإجراء عدة اتصالات هاتفية وخرج من مكتبه متوجهاً إلى مكتب مراقبة الكاميرات ليصدم مما رأى.
عبدالرؤوف خرج من الغرفة يحضر كوب الماء التي تركتها زهور له قبل دخولها الغرفة. ليستمع لصوت خبطات على الباب. ومناداة أحدهم بالخارج باسم زهور وسيدة أخرى.
يتردد في فتح الباب ويحمل كوب الماء ويتوجه تجاه الغرفة التي بها زهور.
ليزيد الطرق على الباب بقوة ليحسم أمره.
ويتجه لفتح الباب.
ليجد شاب يقف أمام الباب يرتدي جلباب وعليه عباءة سوداء ويضع على رأسه غترة ولديه لحية.
رؤوف
بحدة بسيطة. ويش تريد؟ ليغير لهجته سريعاً. إيه يا أخي. وضع يدك على الباب ما بترفعها. ما مراع حرمة البيت واللي فيه.
الشاب
بذهول. إنت مين وازاي دخلت هنا؟ وفين زهور؟ أنا سمعت صوتها من شوية.
رؤوف
مين إنت وإيش دخلك بزهور وإيش سمعت؟
الشاب ينظر لرؤوف بريبة ويزيحه من أمامه ويدخل للمنزل منادياً عليها.
زهور زهور زهور. ليفزع على صوت أنين خافت من الغرفة. يلتفت إلى عبدالرؤوف.
الشاب
إنت عملت إيه في زهور؟ ويتركه ويهرول تجاهها بعد أن جال بخاطره أفكار موحشة. ليدخل الغرفة يقف مصدوم. زهور ممددة على الأرض وهناك أوراق متناثرة حولها وتضم بعض منها. ليلتف إلى الواقف بالقرب منه ينظر.
الشاب
زهور مالها؟ حصل إيه؟ عملت للبنت إيه؟
عبد الرؤوف
استغفر الله. تعوز من إبليس. أخي تعوز. ما فعلت شيئ هي فجأة.
ليصمت وهو يستمع لأننينها وبكاها.
الشاب
ينحن جاثياً أمامها ينادي عليها.
زهور. زه.
زهور بعد رحيل رؤوف من الغرفة لازالت تضم الأوراق لها مغمضة العينين تتحدث بصوت ضعيف.
زهور
بابا بابا إنت فين؟ ليه مش بتكلم؟ ساكت ليه؟ أنا وعدتك مش هفتح عيني عشان أفضل فاكرة ملمحك. سمعني صوتك. قولي يا بنتي قولي اسمي زهور يابنتي. لنفتح عينيها بضعف.
رحت فين انت كنت هنا. أنا حسيت بيك. حسيت بحضنك. أنا شميت ريحتك. رحت فين وسبتني؟
لتصرخ بأنين وتفتح عينيها مرة أخرى وهي تستمع إلى صوت أحدهم.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثالث والستون 63 - بقلم منى عبدالعزيز
زهور ممددة على الأرض تقوس قدميها وتضم يدها محتضنة عدة ورقات تتمسك بهم بشدة. تئن بصوت متحشرج من البكاء. يهرع إليها الواقف بخوف وذهول من حالتها. يجثو أمامها ينادي عليها.
الشاب: زهور زهور فيك إيه؟ إيه ال حصلك؟ وفين إمي أحلام؟ فهميني ليه بتعيطي؟ عملت فيها إيه يا حيوان انت؟
قالها وهو ينظر تجاه عبد الرؤوف، الذي ينظر له بغضب على نعته بالحيوان.
زهور: فتحت عينها للمتحدث. اعتدلت تحدثه بصوت ضعيف من بين شهقاتها.
زهور: خالي وائل، شفت ال حصل؟ طلع مظلوم. مسبنيش زي ما كنت فاكرة. طلع ميت وأنا ال كنت بستنى اليوم ال هقبلله فيه.
وائل: هو مين اللي طلع ميت؟ فهمني وإيه الكلام ده؟ يلتفت حوله. جيتي إزاي لهنا؟ وأمي أحلام فين؟ ومين البنى آدم ده؟
زهور: أبويا طلع ميت. زياد ال فضلت سنين طويلة بتهمة إنه رماني طلع ميت. ومش بس كده، ده مات من بعد أمي ما سيبته. عارف يعني إيه؟
وائل: بحزن ينظر لها وحالتها المزرية بشفقة.
وائل: اهدي يا حبيبتي وفهميني. وحدة واحدة.
زهور: بحسرة. من وقت ما وعيت على الدنيا وأنا بتهم بأبشع الاتهامات. ومش بس كده، كنت بلعنه وبحقد عليه. ولما الدنيا كانت تضيق بيا كنت بدعي عليه دعوات. بعد ما بفوق كنت بترعب إن دعوة منهم تتحقق.
زهور: وفي الآخر طلع ميت.
تعتدل في جلستها.
زهور: فاكرة مرة قلت لي إن حالنا زي بعض؟ انت مشفتش ابوك ولا أنا أنت معرفتوش، بس حبيته وفخورة بيه من كلام الناس عنه وعن أصله وأخلاقه الطيبة ورجولته وشهامته وحب الناس ليه. كلام والدتك وستي أحلام عنه. وقتها انت قلت إيه؟ كنت تتمنى لو فضل عايش. فاكرة يومها قلت إيه؟ بالرغم إن ال عرفته عن ظروف ولادتك والحقيقة الصعبة ال عرفتها، إلا إنك مش زعلان منه. انت فخور إنك ابن راجل محترم وجدع متخلاش عنك وكتبك بإسمه. منكرش فعلته وهرب ولا اتبرا منك. بالعكس، ده ضحى بكل حاجة وبروحه وفضل إنه يتسجن ويتهم بتهمة بريء منها عشان يحافظ على سمعة الإنسانة اللي حبها وعشان الناس وكلامهم ومتعيش ذليل وتتوسم بعار هيفضل ملازمك العمر كله.
لتكمل ببكاء وهي ترفع الخطاب بيدها.
زهور: أنا بقى سمعت بودني قد إيه أبويا كان طيب وحنين. قد إيه ابن بار بأهله. وكان بيحب أمي لدرجة إنه مستحملش إنها تبعد عنه. مات من حزنه على فراقها. قريت ال كتبه بعيوني. كلام يدخل القلب على طول. كلام تحس بكل كلمة تقرأها إن شاعر ب يوصف حبه لحبيبته. منسنيش في كتاباته. حتى إنه طلب مني أسامحه ووصاني بوصية صعبة عليا أوي. وصاني إني أترحم عليه.
لتنهار وتبكي بهستيريا وتنظر لوائل بعيون جاحظة تكاد تخرج من مقلتيها. تضربه على صدره وتصرخ به.
زهور: انت إزاي تدوس برجلك على الورق ده؟ انت مش بتشوف؟ حرام عليك؟ دي آخر ذكرى ليه؟ هي دي كل اللي ليا منه؟
لتدفعه وتبعده عن الأوراق وتقوم بجمعها وتنفضها بيدها تذيل ما علق بها من أتربة. تصرخ به بهستيريا وهي ترى عبد الرؤوف يقترب منها وكاد يضع قدمه على إحدى الأوراق التي تحتوي على إحدى رسوماتها له.
ليتوقف من شدة صرخاتها. ينظر لها بهلع وهي تحبو على يدها وتجذب الأوراق والرسومات المنثورة بالغرفة وهي تبكي بنحيب.
زهور: سامحني يا بابا. سامحني.
لتنظر لهم وتصرخ بهم.
زهور: أخرجوا بره. مش عاوزة حد فيكم هنا.
لتنظر لهم وهم لا زالوا متسمرين مكانهم.
زهور: قلت أخرجوا برة. مبتفهموش الكلام ليه؟ عاوزة أكون لوحدي.
لتصرخ مرة أخرى بصوت موجع.
زهور: سيبوني مع نفسي ومع ذكريات أبويا. سيبونا لوحدنا.
ليخرج عبد الرؤوف وخلفه وائل مغلق الباب خلفه.
زهور ممسكة بإحدى رسوماتها ترفعها لأعلى. تحدثها وهي تجفف دموعها.
زهور: سامحني. متزعلش مني. مكنتش عارفة إنهم ها يدوسوا على صورتك. سامحني. وأوعدك. أنا هنفذ كل كلمة كتبتها في وصيتك. هكون قوية زي ما قلت لي. هاخد حقي من كل اللي ظلموني وظلموك. مش بس كده، هروح بنفسي لعائلتك وأوجههم. بس قبل كل ده، هدور على سلسبيل وأعرف باقي الحقيقة منها. ووقتها بس، هروح وأنا زهروان زياد الغمراوي.
زهروان ال هتاخد بتارها من كل حد جرحها. ومش هنسى حسابي الطويل مع سلسبيل.
لتضم الصورة لصدرها وهي تمحو خط من الدموع يسيل على وجنتها.
زهور: وبحق حضنك اللي اتحرمت منه وقد إيه مشتاقة ليه. ما هسيب حقي أبدا. ومرة تانية بوعدك. لا أترحم عليك كل لحظة طول ما أنا عايشة على وش الدنيا. ولا أدعي ربنا بصلاتي إنه يجمعني بيك. حتى لو كنت في نار جهنم. مع إن متأكدة إن واحد ب حنيتك وطيبتك وال قريته بخط إيدك يدل إنك في الجنة ونعمها. ويارب يجمعني بيك تعوضني عن سنين بعدك عني. بس أعرف حكاية سلسبيل. وقتها بس، لو مت وكنت جنبك، هموت وأنا أسعد إنسانة بالدنيا. وقتها هزعل ليه؟ ما أنا هكون بحضنك ال اتحرمت منه سنين.
تجمع الأوراق وترتبها وتزيح دمعاتها التي تتحرج بدون شعور منها.
وتهب واقفة وتجذب حقيبتها من على الأرض وتجلس على الفراش.
تفتح تلك المذكرة التي خطها لها بيده وتبدأ بقراءتها.
بسم الله الرحمن الرحيم. حبيبتي ألآن أبدأ بسرد حكايتي من أنا حتى تعلمي كل شئ عن والدك من هو، كيف عاش، ما احب وما كره، متى عشق ولما إبتعد عنك.
أروى لك، برعمتي، كل ما مررت به من يوم مولدي حتى آخر نفس التقطته.
وأنت بعيدة عني.
أنا زياد الغمراوي. اليوم أكملت عامي الخامس والعشرون. ولكن لو حسبت الأيام بسعادة، فعمري ساعات أو بالادق أيام. ولو حسبت بالحزن، فعمري سبعون. ولو حسبت بالخذلان، فعمري يعتبر ملايين السنين. أنا الفتى المدلل كما يعتقد الجميع. لكن أنا منذ نعومة أظافري أتحمل مسئولية جبال عاتية.
نعم صغيرتي، لا تتعجبي! فانا كنت أصغر أخواتي. ولدت بعجز في يدي اليسرى وتشوه في جسدي. لدي حدبة بظهري يشمئز منها أقرب الناس إلي. لكن أمي الغالية لم تشعرني أبدا بعجزي. ولدت في عائلة ثرية. والدي من أشهر رجال المعمار والبناء في البلد. صاحب أكبر شركات الهندسة. مجموعة شركات الغمراوي جروب للانشاءات الهندسية المعمارية.
لدي أربع أخوة أكبر مني. ولدين وبنتين. لم ترتبط بينا علاقة أخوة على عكسهم، هم مترابطين وصداقتهم قوية. لم أشعر بحنان الأب كما كنت أعتقد. سوف أخبرك بكل شئ بوقته. لا تتعجلي. كانت أمي هي كل عالمي. عندما يسخر مني أحد الأولاد بالمدرسة كانت هي ملجأي. في عمر السادسة توفى زوج خالتي وأصبحت وحيدة وليس لها أولاد. طلبت من أمي إحدى شقيقاتي لتمكث معها وتراعيها. أبي رفض بشدة. ولكن قال لها: "خدي زياد لو تودي". وافقت خالتي. وكان ذلك طوق نجاتي. مكثت مع خالتي. وتأتي أمي لزيارتي كل أسبوع. تصطحبني معها لقضاء يومي الخميس والجمعة مع أشقائي. حتى لا يحدث فجوة كبيرة بيننا. لكن كانوا يمروا علي بصعوبة بالغة. فقد تعودت على خالتي وحنانها ودلالها. تعودت على حكايتها قبل النوم. فكثيرا كنت أتصل بها تقص علي إحدى قصصها حتى أستطيع أن أنام. وحبها عوضني كل شئ. قامت بتحفظي القرآن، تعلمي الصلاة. لم تشمئز يوما من تلك الكتلة بظهري.
علمتني دعاء أقوله وقت الحزن. كيف أدافع عن نفسي ببعض كلمات حتى مع أخواتي وأبي. كانت توصلني إلى المدرسة كل يوم. تعرفت على صديقي الوحيد حسن. شجعتني أن أقوي علاقتي به. للاسف، بسبب إعاقة يدي لم أدخل مثل أشقائي كلية الهندسة التي تعتبر معبد ومحراب لأبي. فهو يود أن يصير كل أفراد العائلة يعملون بشركاته. وجميع العائلة يصبحوا خريجي هندسة.
شجعتني خالتي أدرس إدارة أعمال. ولا أحد يعلم بذلك من العاملين بشركات أبي. فكما الأموال تورث، فالألقاب بعائلتي تورث. أصبحت بلا تعب ألقب بالمهندس زياد. أصبح يلازمني ذلك اللقب الذي مثل الطوق حول عنقي. درست إدارة أعمال وتفوقت بها. كل ذلك بتشجيع من خالتي. حتى أستطيع إدارة أملاكها. وهي عبارة عن فندق كبير تملكه خالتي وبازار سياحي ومركب سياحي. وكثير من الأراضي ومحلات بيع الأزهار. طوال تلك السنوات وأنا على نفس المنوال أعيش مع خالتي. ليس لي أصدقاء سوى حسن صديقي. بعيد كل البعد عن أشقائي. لكن شقيقي زيدان بدأ يتقرب مني. يتحدث معي عكس طفولتنا. كان بعيد كل البعد. اندمجت معه. أصبح بيننا اتصال هاتفي يوميا. نتسأل عن حال بعض. اعترف لي بحبه لابنة عمي. خاف أن يرفض عمي تزوجها لأنها الوسطى. وهناك أخرى أكبر منها. كنت معه أشجعه على التكلم مع أبي لإقناع عمي. حتى وافق عمي. لكن بشرط. ومن هنا بدأت معاناة بشكل آخر للجميع. كل منا له معاناة.
لتستمر زهور في قراءة مذكرات والدها بتمعن حتى ارتخت جفونها وغفت مكانها.
خرج وائل وعبد الرؤوف من الغرفة. جالس كل واحد منهم على أريكة.
وائل عينه على باب غرفة زهور. يشعر بحزن في قلبه. يهز رأسه بحزن وألم. يضرب يديه ببعضهما يحدث نفسه بكلمات غير مسموعة. وعبد الرؤوف لا يقل ألماً عن وائل. ينظر على باب الغرفة بحزن. يلتف ناحية وائل وينظر له. ويمتعض وجه باستغراب من نظرات وائل المصوبة عليه. ليبعد نظره بعيداً عن وائل. يهمس بصوت ظاهر لمن حوله.
وائل محدثاً نفسه: يااااااه يا زهور بكام كلمة صحيتي نار بحاول أخمدها جوايا. نار بتحرقني من جوه. ليه توجعي قلبي عليكي؟ أنا مصدقت أتعايش مع ماضي ملوث وعار قتل فيا كل المشاعر. لحد ما جيتي انتي وداويتني. كلامك كان بلسم يطيب جروحي وأوجاعي. روحي اتعلقت بيك. كنت زي العيل الصغير الفرح برجوعه من المدرسة لقى أمه مستنياه وفاردة إيديها بضمه. قلبي كان طاير من الفرحة ورجليه مش لامسة الأرض. من وقت ما جالي الغفير يقولي إنك رجعتي البلد من تاني. سنين طويلة وأنا عايش بلا قلب. لحد قلبي ما انشغل بيك. وعقلي مش بيفكر غير فيك. ياترى أنا رايح على فين بحكايتي معاك؟
يلتف تجاه عبد الرؤوف الجالس على يساره بغل وغيره. يود أن يفتك به. يود سؤاله ما علاقته بزهور ولما هو هنا معها وبأي صفة. هل هو من أخبارها عن وفاة والدها؟
عبد الرؤوف يكاد ينقض على وائل الذي ينظر له باستعلاء وحقد. يهز رأسه بنفي يحدث نفسه بصوت مسموع كعادته.
عبد الرؤوف: والله هذا مجنون. ماذا فعلت له؟ هاد زلمة غريب. من وقت ما دق الباب وهو مو طايقني. ويش يكون لزهور؟
ليغمض عينيه ويتنفس بعمق ويخرجه ببطء ويضع يده على قلبه.
عبد الرؤوف: والله حيران. والله ليش القلب عورني بكاك. يسقط من بين جفونك يحرقوني. ليش من وقت ما نظرتك أول مرة وطيفك ما فرجني. صوتك كروان ينشد تسابيحه في جوف الليل. يحرم علي النعاس ويضل يفكر بيك. كلماتك عشقتها. حفظتها حتى أمثالك وتشبهاتك. وكل كلمة تخرج من بين شفاتك أعشقها. يا ترى القدر وضعك في طريقي ليش؟ من قبل شهر كنت ما أشتهي أضحك أو حتى الابتسامة تقرب ناحية فمي. ويش صار وايش ناوي عليه القدر. يعد على يده ويكمل حديثه.
نجاتي من الموت كانت على يدك لولاك، كنت الآن في عداد الموتى.
مرمى قريب من أي مكب نفايات.
ما تركتني ضلتك معي، ما خفتي ولا تخليتِ عني.
ضليت حادي من مكان لمكان، حتى بيتك جيتني.
ليه ما خفتي ولا قلتِ كلام الناس والشيطان؟
قوية رغم أنك صغيرة وأنا ضعف عمرك، لكن تعلمت منك أكبر درس بالحياة.
ليكز على أسنانه وهو يتذكر دخول وائل الغرفة عليها.
يقوم بالربت على كتفها.
يلتفت إليه بعيون تكاد تشتعل بها النيران.
يضرب يديه ببعضهما، يكور إحداهما ويضرب الأخرى بها.
ليهب واقفاً أثر اقتراب وائل منه.
استغفروا لعلها تكون ساعة إستجابة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الرابع والستون 64 - بقلم منى عبدالعزيز
مر اليوم وجنى الليل بستارة المظلمة ولازال زاهر وحمزة يجوبون الفنادق بحثا عن زهور.
لم ينتهوا من البحث في كثير من الفنادق الكبيرة والمتوسطة، لم يتركوا فندق أولكاندا إلا وقد سألوا بها ليعودا خائبين الرجاء يصعدا إلى السيارة.
حمزة: مخلاناش فندق في البلد ما دورنا ش فيه. لولا أنه من المستحيل يحصل لو واحد في الميه كنت قلت ليك نروح نسأل في فندق زهروان.
زاهر يضع رأسه على عجلة القيادة، يغمض عينه بإرهاق يستمع لكلمات حمزة بملل. ليرفع رأسه ويلتف لحمزة بذهول ويتحدث إليه: اتصور أول مرة تتكلم صح. بالرغم من أنه احتمال صغير ألا أنه ممكن يكون أقوى.
ليدير سيارته ويتجه لطريق المعادي للذهاب للفندق الخاص بعمهم.
حمزة بهلع من سرعة زاهر بالقيادة: هدي شوية يا زاهر، الدنيا ما طارتش. نتصل بحازم أكيد يعني لو هي بتشتغل هناك كان عرف. انت ناسي أنه مدير العاملين بالفندق.
زاهر: اتصل بيه وأنا هتصل بتيته أسألها امكن تكون رجعت بيت قريبتها.
حمزة وهو يتصل على حازم: طيب وقف العربية على جنب بطريقتك دي هنعمل حادثة أكيد، والعمر مش بعزقة، وحرام نضيع أرواح الناس.
ليصمت وهو يستمع لصوت حازم.
حمزة: السلام عليكم حازم. بقلك إحنا دورنا على زهروان بكل فنادق البلد ملهاش أثر.
ليقطعه حازم: أنتم فين ارجعوا البيت وأنتم هتفهموا كل حاجة. حازم تنهد بحزن وصوت مكسور: حمزة زهروان بقالها شهر كامل شغالة بالفندق ومحدش كان عارف ولا هي نفسها كانت تعرف أنه ملك والدها.
حمزة: نرجع البيت ليه؟ هي زهروان رجعت معاكم؟
حازم: ارجعوا البيت؛ وأنتم تعرفوا كل حاجة. بابا بيتصل هقفل معاك وانت ارجع البيت انت وزاهر جدو محتاجكم.
حمزة: يا بني فهمني في إيه وليه مُصر على أننا نرجع البيت. ليظفر بضيق ويكمل: قفل الحيوان من غير ما يفهمنا إيه اللي حصل.
زاهر: قالك إيه؟
حمزة: بيقولي روحوا البيت ضروري وأنتم تعرفوا كل حاجة.
زاهر: أنا برن على تيته مش بترد. الموضوع بقى يقلق.
حمزة: ارجع البيت أكيد في حاجة حصلت. حازم مش من عادته يبقى متوتر كده إلا إذا كان في كارثة عملها.
زاهر أدار السيارة وعاد بالطريق مرة أخرى متوجهاً لبيت العائلة، قصر الغمراوي.
يترجل كل منهما سريعاً ويصعد الدرجات الدرج الخارجي بسرعة. يدلفا للداخل من باب القصر المفتوح على مصراعيه. يتفاجأ بوجود جديهما وباقي العائلة.
يخطوا تجاه الجدة فور وقوع عينهم عليها وهي تبكي والجد يربت على كتفها.
زاهر أول من وصل لجدته، جثى على ركبتيه يربت على يدها بخوف.
زاهر: تيته بتبكي ليه؟
لا يجد رداً منها، تبكي بلا توقف، تشهق وتزداد بضم شيء بين يديها.
ليلتف لجده التى تتساقط دموعه بلا هوادة، ينظر له بذهول!
زاهر لنفسه هامساً: معقولة عبد الرحيم الغمراوي بيبكي؟ دي معجزة. أكيد حصل حاجة.
ليهلع قلبه من تلك الفكرة ليتجه إلى عمه بالسؤال.
زاهر: عمي فهمنا إيه اللي حصل وجدو وتيته يبكون ليه بالطريقة دي.
حمزة: بابا حصل إيه؟ زهروان جرالها حاجة؟ قالها وهو يرتعد مما سيسمعه.
زيدان: للأسف زهروان محدش عارف طرقها. وزاد وغطى البنت جارتهم رجعت من شغلها وقالت إن زهروان متهمة بالسرقة من الفندق وهربت مع حد.
زاهر: أنا مش فاهم حاجة. إيه الكلام المش مفهوم ده.
زيدان: المصيبة إن حازم أكد كلام البنت. وقال إنها فعلاً متهمة بالسرقة والمصيبة الأكبر مشتركة بخطف شخص ومش عارفين ليه وإزاي عملت كده.
حمزة: إيه الجنان ده؟ حازم إجنن ولا إيه؟ معقولة بنت زي زهروان تعمل كل ده تسرق وتخطف وكمان من فندق طويل عريض كل شبر فيه كاميرات مراقبة، وأمن بيفتش الهواء الداخل. أنا لا يمكن أصدق.
ليقاطعه صوت من خلفه.
صوت: أيوه نصدق كل حاجة. أكيد ليها حد تتعاون معاه. ماهو مش صدفة تشتغل في الوقت اللي زايد عملت العملية. لا وتمسك جناح Vib لكبار نزلاء بالفندق. وفجأة كده كل ده يحصل من غير ما حد يعرف. وكمان مين قالكم إن قريبتها مكنتش تعرف أنها شغالة فيه. أبصم لكم بالعشرة مكنتش هي اللي مخططلها كل ده والحاصل تمثيل في تمثيل.
لتصمت وسط ذهولها وذهول الجميع! إثر تلقيها صفعة قوية.
عبد الرحيم رفع رأسه، جفف دموعاته. صوت أنفاسه يعلو وهو يستمع لتلك الكلمات عن حفيدته. ليهب واقفاً ويرفع يده ويهويها على وجه التي تتحدث، وينهرهها ويشير لها بالصمت.
عبد الرحيم: جاتلك الجراءة تتهمي بنت أخوكي، بدل ما تحاولي تخففي عن أمك، نزله اتهام وراء اتهام وفوق كل ده بتتهمي الست اللي ربتها وعلمتها وصرفت عليها طول السنين اللي فاتت بالتهم دي. لا ومراعتيش وجودي ووجود أمك اللي مش مبطلة بكاء من وقت ما رجعت. حتى ما هنش عليكي تهديها.
ليكمل بحزن: طول عمرك بتكرهي زياد يا زينة ومش بتحبيه. وما صدقتي لقيتي حجة تكرهي الكل في بنته. للأسف أنانيتك وحقدك مبتعرفيش تخبيهم.
زينة بذهول ودموع تسيل على وجنتها: أنا عمري ما كرهت زياد. صحيح كنت بغير منه وإحنا صغيرين بس عمري ما كرهته. ولما ربطت الأحداث ببعض، لقيته منطقي. ماهو مش معقولة، تشتغل في الفندق شهر وما يلفتهاش اسم الفندق اللي اسمها على اسمه. وكمان قريبتها دي إزاي مسألتهاش عنه ومتعرفش مكانه. إلا إذا كانت مرتبة كل ده. ولا وتقابل حمزة وبالصدفة مرات حسن صاحبه تكون دكتورة في نفس الكلية وتكتشف بالصدفة قال إيه زهروان بنت زياد. وحسن ييجي يحكيلها كل حاجة. وقال إيه تصدم تمشي وتسيب المستشفى تروح الفندق والسرقة تتم. ماهي واضحة زي الشمس أهي كله متخطط له. واللي يأكد كلامي حسن نفسه اللي راح وراكم الحارة عشان يأكد كلام قريبتها ويبعد التهمة عنها.
لتصمت وتلتف للخلف برعشة قوية بجسدها وهي تستمع لصوت من الخلف أرعبها.
_________
زايد بعد أن تفقد كاميرات المراقبة بعناية شديدة، أجرى عدة اتصالات. ولم يترك الفندق إلا بعد الانتهاء من معرفة جزء من الحقيقة. وعاد مع ابنه بعد أن شعر بالتعب بعد بذله لمجهود وهو لا يزال في فترة نقاهة.
ليقف مصعوقاً وهو يسمع كلمات شقيقته. لم يتحمل ما يسمعه يصرخ بها أن تصمت.
زايد / زينة: اخرسي خالص! البنت فعلاً طلعت بريئة من كل الاتهامات دي. حتى أنها ما كانتش تعرف بإن الفندق فندق أبوها. أنا ما رجعتش غير لما عرفت الحقيقة كاملة. ومش بس كدة عرفت إيه اللي حصل من أول ما اشتغلت بالفندق للدقيقة دي. الحاجة الوحيدة اللي هتجنني راحت فين!
كل هذا تحت مسامع الجميع الذين هبوا واقفين بذهول مما يسمعون. ليصمت زايد وهو يرى والدته تقترب منه وهي تتعثر بخطاها. ليسرع تجاهها يمسك يدها بيده وباليد الأخرى أحاط كتفها. خطى بها وأجلسها على الأريكة وجلس بجوارها.
زهور الأم: ببكاء وصوت متحشرج: زايد قولي الحقيقة. الكلام اللي سمعته من البنت جارتها كذب وإن بنت ابني معملتش حاجة من اللي قالته. قولي كل حاجة انت عرفتها.
زايد يرفع يده يزيح دموع والدته من على وجنتيها ويقبل جبهتها وينحني رغم ألم صدره يقبل يدها.
زايد: اهدي يا أمي وأنا هحكيلك كل حاجة. ممكن الأول حد فيكم يحكيلي اللي حصل بالضبط.
زيدان: أنا هحكيلك كل حاجة حصلت من بعد ما مشيت.
ليعود بالوقت لقبل ساعة.
زيدان: ماما كانت بتكلم مع الست أحلام عن زهور وأمها ومن امتى رجعوا الحارة. حتى حسن قال كل اللي حصل وإزاي مراته هي اللي عرفت زهروان وبلغته. واحنا قاعدين لقينا بنت داخلة علينا الشقة وبتقول.
البنت: الحقي يا خالتي أحلام الحقي.
لتهب أحلام من جلستها بخوف وبصوت مهزوز.
أحلام: إلينا في إيه يا بنتي مالك مخضوضة كده ليه؟ حصل إيه؟ زهور حصلها إيه؟ قوليلي.
إلينا: وقفت قليلاً تنظر للجالسين، لتذهب لها أحلام تهزها.
أحلام: انطقي يا إلينا زهور حصلها إيه.
إلينا: وعينها على الجميع تبتلع ريقها بصعوبة وبصوت مهزوز: زهور سرقة موبايلات وحاجات من الغالية من أوض الفندق بتاعت نزلاء الفندق. واللي زاد وغطى، سرقة الجناح المسئولة عنه وأخذت مبالغ منه وساعة دهب وخرجت من غير ما حد يعرف ولا يشك فيها.
أحلام: التفتت للجميع: الكلام ده كله كذب. زهور لا يمكن تعمل أي حاجة من اللي اتحكى ده. زهور بتخاف من ربنا وعمر ما نزل جوفها لقمة حرام ولا بصت لحاجة في إيد حد. وليه تمد ايديها وفي نفس اليوم اللي تعرف فيه أصلها وفصلها؟ هتستفاد إيه لو عملت كده؟ هتشوه سمعتها بيدها. وزهور اللي ربتها وعرفها أكتر من نفسي استحالة تمد ايدها على حاجة مش بتاعتها. دي كانت بتموت من الجوع و متمدش ايديها على حباية فاكهة من اللي ببيعها في السوق وهي قاعدة على فرش حد من البائعين زميلنا. هتمد ايدها على فلوس وكمان حرام؟ انت ناسيه يا إلينا انتي بنفسك قلتي إيه عليها لما كالتي شوكولاتة من الأوضة اللي كنتوا بتنضفوها سوا وهي اللي اشترت الشوكولاتة وتاني يوم حطتها مكانها عشان متحملش ذنبك؟ ده كلامك ليا أنا وأمك وستك من فترة ولا نسيتي زهور اللي بتسيب اللي في إيدها مهما كان وتصلي فرضها؟ بقي زهور تمد ايديها لحاجة مش حاجتها وياريت في يوم عادي دي في يوم تكسر وسطها اليوم اللي فضلت تحلم بيه طول عمرها إنها تشوف أبوها وتترمي بحضنه؟ بقي زهور هتعمل ده وهي مكسورة مدبوحة بموت حلمها؟
أحلام وهي تقترب من إلينا تمسكها من كتفها.
أحلام: قوليلي يا إلينا الحقيقة مين اللي لبس زهور المصيبة دي واستغل حالتها.
يحيى مقاطعاً أحلام: إلينا تعالي هنا. انتي مش كنتي مسافرة البلد مع أهلك عند اختك؟ رجعتي امتى وكمان انتي بترجعي من الشغل امتى بالضبط؟ اللي أعرفه إنك بترجعي في مواعيد زهور صح يا أحلام؟ يعني المفروض بترجعي الساعة عشرة بالليل دلوقتي الساعة لسه ثمانية.
إلينا بلجلجة وتوتر: أنا أنا استأذنت عشان أبلغ خالتي أحلام وأجي الحق زهور وأنصحها ترد الحاجة قبل البوليس ما يجي يفتش البيت.
أحلام بعصبية: يجي البوليس يفتش البيت زي ما هو عاوز. معندناش حاجة نخبيها. بس البنت لسة ما رجعتش يا يحيى. أنا خايفة اللي عمل العملة السودة دي يكون أذاها واستغل كسرتها.
عبدالرحيم: إقترب من إلينا، بهدوء ينظر لها مقيمها. قوليلي يا بنتي اسم الفندق اللي بيشتغلوا فيه اسمه إيه واحنا نتصرف.
إلينا تلتف تنظر لأحلام تسألها بعيونها عن هذا الشخص وهل تخبره أم لا؟
أحلام فهمت نظرات عيونها لتصرخ بها: انطقي إسم الفندق إيه.
إلينا بخوف من نظرات الجميع المصوبة تجاهها: اسمه اسمه زهروان المعادي.
ليختل توازن عبدالرحيم وكاد يسقط لولا يد ابنه زيدان لحقت به وساعده يجلس.
زهور الأم: زيدان إتصل بسرعة على زايد ولا حازم شوف الكلام ده صحيح وزهروان موجودة بالفندق ولا لا.
زيدان عاد مرة أخرى للوقت الحالي: طبعاً اتصلت بحازم اللي أكد كلام البنت وإن زهروان متهمة بنفس التهم وزاد عليها خطفت نزيل مهم بالفندق ومش معروف السبب. ولما قريبتها سمعت الكلام ده ولقتنا مش عارفين نعمل إيه وتقريباً كلنا شكنا فيها قامت طردتنا من بيتها وخصوصاً حسن قال زهور في حالة هستيريا ممكن تعمل أي حاجة من غير ما تشعر تنفيس عن غضبها وحزنها. مستحملتش كلمة من حد فينا وفضلت تصرخ وتزعق واغم عليها وجوزها جرى بيها على المستشفى مع حسن. وقبل منها كان طردنا من شقته.
زهور الأم: خلاص كلكم عرفتوا اللي حصل. هتعملوا إيه؟ هتسيبوا بنت عمكم؟ هتسيبوا زهروان؟ محناش عارفين حصلها إيه ولا هي فين؟ هتسيب حفيدتك يا عبدالرحيم؟ هتسبها؟ ولا تكون مصدق الكلام الخايب اللي قالته البنت اللي من أول كلمة بان كذبها وإنها بتحاول تلبس زهروان مصيبة. وأنا اتأكدت لما استغلت وقوع أحلام وأنا بدور على حاجة نفوقها بيها. والبنت دخلت أوضة وكانت بتخرج حاجة من شنطتها. لولا أنا دخلت عليها وعملت حجة بدور على برفان تفوق بيه أحلام. ولما بصيت في الأوضة لقيتها أوضة سلسبيل أنا عارفها كويس. ولقيت دي صورة صغيرة لزهروان. وتجهش في البكاء.
ليلتف الجميع حولها.
زايد: أوعدك يا أمي مش هيغمض لي جفن غير لما ألاقيها وأجيبها هنا.
عبدالرحيم: زيدان اتصل بكل معارفنا بالداخلية يقلبوا البلد عليها لحد ما يلقوها. وانت يا حمزة أكيد عارف شكلها تروح على الحارة تفضل مراقب البيت مترجعش غير في حالة من اتنين يا تجيبها وتيجي، يا نتصل عليك ونقولك تعالى. غير كده مشوفش وشك مفهوم. زاهر انت وحازم على كل مستشفيات البلد تدوروا عليها. وأنا هروح لحسن المستشفى أطمن على أحلام مهما كان دي اللي ربت حفيدتي وليها حق في العملته.
زايد: شعر بنغزة شديدة بصدره. استغل انشغال الجميع وصعد إلى غرفة نومه. رمى نفسه على الفراش يتحسس موضع جرحه الذي يئن من آلامه وهو يغمض عينه. ليفيق على يد تتلمس وجنته ليبتسم ويفتح عينيه ويرفع نفسه رغم ألمه يجذب صاحبة اليد إلى صدره.
زايد: حبيبة بابي ليه لسه مانمتيش لحد دلوقتي.
سيسيليا: بابي أنا زعلانة منك أوي مش جيت أوضتي واتطمنت عليا. زي كل يوم أنام أنا إزاي من غير ما تحكي لي حكاية سلسبيل زي كل يوم.
زايد: يغمض عينه ويعض شفته يكتم آه موجعه. ليربت على ظهرها بحنان: سلسبيل دي حلم ما فقتش منه. جرح متألمش. نار مش تنطفي. شوق ما بيترويش. سلسبيل نبع جف واندفن. عشقها مرض ملوش دواء. كل عشقها ماتوا وبقوا تحت التراب. يا ميتين وهم عايشين. سلسبيل مش بس جمال. سلسبيل سحرها جنن العشاق. لو ليلي ليها مجنون. سلسبيل ليها ألف مجنون. أحكيلك عن سلسبيل وأقول إيه؟ سلسبيل حكايتها مبتنتهيش. وخوفي من الجاي يا ترى هاوفي بوعدي لها ولا هكون جبان زي ما ضيعتها من بين إيديا زمان، وراحت لغيري. ياتري يا زايد هتعمل إيه وهتقف قدامها إزاي؟ ليغمض عينيه ويذهب في غفوة لا يعلم كم مر عليه من وقت. ليفيق بعدها على صوت رنات هاتفه ليهب فزعاً وهو يستمع لكلمات المتحدث.
___________
وائل كاد يفتك بعبدالرؤوف بعد استماعه لهمساته. اقترب منه يمسكه من تلابيبه.
عبدالرؤوف: انت مجنون ولا بيك جان؟ وخر يدك عني ويش تسوي يا مخبول؟ قالها وهو يتلقى لكمة قوية من يد وائل.
وائل بغيرة وعيون تكاد تخرج من مقلتيه: إيه الكلام اللي سمعتك بتقوله ده؟ وإزاي تسمح لنفسك تحبها؟ انت متعرفش دي مين؟
ليصمت إثر تلقيه دفعة من عبدالرؤوف ويصدم مما سمع ليجلس بانهيار.
عبدالرؤوف: دفع وائل بعيداً عنه. ويش بيك يا مخبول؟ زهور بنتي خيتك، وأنا ما قلت ما يعيبها. أنا أحدث نفسي على ما صار بي وقت ريتها وعيوني وقعوا عليها وقلبي انخطف لما سمعت صوتها.
وائل: ضربة لكمة أخرى بغتة. لا انت اجننت؟ إزاي تقول الكلام ده قدامي.
عبدالرؤوف: وهو يتلمس موضع اللكمة. اعذر لي جراءتي يا أخي. أعرف إنك خالها ومقام أبيها. ليصمت إثر جلوس وائل على الأريكة بعيون جاحظة ينظر له. ويقترب منه بحذر: وش صارلك؟ إيش قلت أغضبك؟ والله لولا الظرف ما مناسب ولا وضعي هالا كنت تقدمت ليك وطلبتها للزواج منك.
وائل لم يتمالك نفسه ليهب واقفاً. لكمة مرة أخرى يسقطه أرضاً من قوتها. ويتركه ويرحل من المنزل قبل أن يفتك به. يغلق الباب خلفه بعنف وعبدالرؤوف فاقد الوعي ممدد على الأرض أثر ارتطامه بها.
وائل خرج يسرع بخطواته مهرولاً كأنه يسبق الريح تجاه دوار العمده. يضرب الأرض بقدمه من شدة غضبه. ليدخل الدوار تفاجأ بجلوس والدته ليقف مغمض عينيه بوجع.
روحية تقف فور رؤيتها لابنها بتلك الحالة ووجه الشاحب وعينيه المغرورة بالدموع. تقترب منه تسأله ما به. لتتفاجأ برتمائه بأحضانها.
روحية: فيك إيه يا نضري؟ جاي متبهدل كده ليه؟ من بعد العشاء وأنا مستنياك. كنت فين وايه اللي فيك؟
وائل: بحزن: رجعت يا مه رجعت. ولما رحت زي كل يوم عند البيت سمعت صوتها قلبي طار من الفرحة. قلت خلاص السعد جالي. أكيد رجعت وهتفضل هنا. أكيد لو طلبتها للجواز مش هتمانع هي وأمي أحلام. قلت استغل الفرصة أضرب الحديد وهو سخن تلقيها جاية مكسورة من مصر. وعيشتها وخصوصاً لما أمي أحلام اتجوزت وبقت لوحدها. قلت حالي زي حالها. لا تعيرني ولا أعيرها. قلت توبها زي توبي. مفهاش حاجة كام سنة أكبر منها. حبي ليها والعز اللي هعيشهولها. مكنتش تحلم بيه يوم. هتوافق عليا. اتريني طلعت هواء بالنسبالها. شيفاني خالها وفرق السن طلع مش بس كام سنة. لا اللي يشوفني يقول أبوها. تعرفي يامه، أنا النهاردة بس حسيت بالتعب. شفتي السنين اللي فاتت وقد إيه أنا تعبت واتغربت. ما يجيش نقطة في بحر اللي أنا فيه دلوقتي. إتكسرت قدام نفسي. لأول مرة أحس إني قليل.
ليرفع رأسه يخرج من أحضان أمه ليواجهها بجلستها.
وائل: أنا محبتش زهور يمه زي ما كنت فاكر. لا أنا حبيت وضعها اللي زي وضعي. هي زهور بنت سلسبيل وأنا بدير ابن روحية زي شفيق ما كان بيقولي يا ابن روحية.
روحية: قولي في إيه حصل خلاك تقول الكلام ده؟ وزهور رجعت البلد ولا إيه؟ قالتلك إيه خلاك بالشكل ده؟
اعتدل وائل وأخذ نفس عميق وهب واقفاً يخرج أنفاسه بقوة وخلف بعضها. وقص على روحية كل ما حدث حتى عودته للدوار.
روحية ببكاء: انت ابن بكر وروحية ابني. معروف أصلك وفصلك. حتى شفيق معروف هو مين وأصله وعائلته مين. زهور لا من توبك ولا تنفعك. إن كنت وافقتك قبل أحلام ماتجوز كنت موافقة عشانك انت وكلامك عن حبها اللي دخل قلبك. انت محبتش زهور، انت حبيت البنت القوية الجدعة. وفي نفس الوقت مكسورة. انت وهي حالكم واحد. بس انت نسيت أهم حاجة. زهور عافية لكن مش زي أحلام زمان أغلب شفيق معاها. وزقني عليها عشان تحبه. ومن زنى وكلامي انضحك عليها بكلمتين بس ربنا نجاها واتورط أنا. هي عاشت مرفوعة الراس وأنا عشت زليلة ومكسورة. هي أخدت قلب أكتر إنسان أنا حبيته وضحت بشرفي وبنفسي عشانه. وكفاءها بأنه كتب ابنه وحيدة باسم أبوها. ومكتفاش بكده خلف اتفاقي معاه وكتبه باسمها. اللي زي زهور عمرها ما هتسلم قلبها لحد. بس لما هتحب، مش هتخبي ولا تضعف. بدليل أحلام حبت شفيق بس هي ما غفرتلوش عملته واللي جرالها منه. بالرغم من إنزال شفيق ليها وجنانه بحبها. لكن لما عشقت وقلبها مال أول ما قال يا جواز أجوزته. يابني قلبك لسه مدقش لـ تستاهله كل اللي انت فيه ده مش حب. بدليل إنك مشيت وسبتها. ما غيرتش عليها ولا خفت إنك سايبها مع راجل غريب. تعرف شفيق أنا اتأكدت إنه فعلاً بيحب أحلام. أول ليلة لها في بيت بكر كان زي المجنون. كسر الأوضة بتاعته. مكتفاش بكده لا راح لبكر البيت وهدده يلمس أحلام. لدرجة إنه عرض عليه أرض وفلوس. شوف الفرق بينك وبينه.
وائل: ابتعد عن والدته ينظر لها بذهول! معقولة يمه اللي بتقوليه ده؟ أنا محبتهاش أمال اللي حسيت بيه إيه؟
روحية: لا اللي حسيت بيه مش حب يابني. ده احتياج لحد تحس إنه في نفس ظروفك أو أقل منك. بس لو فكرت في نفسك شوية كنت فهمت. انت محتاج تحب وتتحب. محتاج زوجة متعرفش ماضيك، تعيش معاها وانت مرتاح البال وإنك مش عريان قدامها. محتاج ستتحبك وتهتم بيك تكون انت أول اهتمامها. لكن زهور زيها زيك محتاجة كل ده. محتاجة أب وزوج وحبيب. محتاجة اللي يديها مش اللي يأخذ منها. محتاجة حنان ودلع. اللي شفته في حياتها يديها الحق في ده. كل واحد فيكم محتاج حد تاني في حياته.
لتربت على يده وتومي له برأسها.
روحية: كلامي هو الصح يا بني. لسه اللي قلبك هايحيا بحبها مستنياك. قوم بينا نروح بيت أحلام. ما يصحش نسيب البنت في حالتها دي مع واحد منعرفش هو مين. ويبقى لها إيه.
________
يقف خارج الغرفة يكاد يفتك بالواقفة أمامه بنظراته. يكور يده يضغط عليها. يستمع من حوله لتقطت عظمات يده. يكز على أسنانه ويضيق عينيه وهو يرى وجهها الشاحب ونظراتها بشاشة الهاتف بين الحين والآخر وتلك أصوات الرسائل التي لا تنقطع.
يحيى: يقترب منها بهدوء. وحش كاسر يتربص بفريسته. ل يباغتها ويلتقف الهاتف من بين يديها وينظر إلى شاشته وسط ارتباكها. ليرفع عينه يصوبها عليها وبصوت مزلزل.
يحيى: هتحكي كل حاجة ولا أتصل بأبوكي يجي ياخدك البلد. وال حصل زمان مع إلين هتلاقيه. بس بقي المرة دي هيكون أصعب. لأن قبلها هبلغ البوليس كل حاجة وتليفونك شاهد عليكي.
إلينا وبكاء وخوف وبصوت ضعيف: أبوس على إيدك يا عم يحيى بلاش بوليس ولا بابا يعرف. أنا هحكيلك كل حاجة بس وحياة خالتي أحلام متجبش سيرة لحد. أوعدني الكلام اللي هقوله محدش يعرفه غيري أنا وانت وبس.
لتصمت وتلتف للخلف برعب وهي تسمع صوت خلفها مباشرة.
حسن خرج من حجرة الكشف التي ترقد بها أحلام وبجوارها زوجته. وبعد الانتهاء من الكشف خرج ليطمئن زوجها الذي كاد يفتك به. يدخل الغرفة للإطمئنان عليها. فور اقترابه من الباب وفتحه استمع لكلمات يحيى لتلك الفتاة التي أصر يحيى اصطحابها رغم اعتراضها وتحججها بتعبها من العمل وما حدث فيه. يستمع إلى الحديث الدائر بينهما ليذهل من رد الفتاة!
حسن: مش هينفع الكلام هنا. اتفضلوا قدامي على المكتب.
إلينا تبتلع ريقها بخوف. أتت تعترض وجدت يد يحيى تجذبها ويخطو بها إلى المكان الذي يشير حسن باتجاهه.
يدخل حسن غرفة مكتبه وخلفه يحيى يدفع إلينا للداخل ويغلق الباب خلفه.
حسن أشار لهم بالجلوس وتحدث وهو يجلس على الكرسي المواجه لإيلينا ينظر لعينيها التي تتهرب من النظر له.
حسن: بعد إذنك يا معلم يحيى، في سؤال مهم جداً محتاج أعرفه قبل أي حاجة.
يحيى: اتفضل يا دكتور بس في الأول طمني على مراتي.
حسن: اطمن الست أحلام فاقت وبقت كويسة جداً الحمد لله. شوية ترتاح وتقدر تخرجوا بعد ما تخلص المحلول. بس دلوقتي القمورة تحكيلنا كل الحكاية بعد ما تجاوب على سؤالي.
إلينا: سؤال إيه؟
حسن: من امتى عرفتي إن زهور هي زهروان بنت صاحب الفندق؟ وليه في الوقت ده بالذات حصلت المشكلة؟
إلينا بتوتر: تفرك بيدها وتنظر ليحيى الذي اقترب من مكان جلوسها، لتتحدث بصوت ضعيف: أنا معرفتش غير من فترة صغيرة بعد ما لفت اسمها اللي هو اسم الفندق وأنا بكلم مع خطيبي. وبعدها اتفقنا ندور ورا الموضوع وعرف إن زهور بنت صاحب الفندق. وعشان هو كان مزنوق في قرشين يكمل تجهيزات الشقة وبابا كان مديله آخر فرصة يشطبها. اتفق مع اتنين صحابه في الفندق من الشغالين معاه في الأمن وبنتين من بتوع الهوم سيرفس. وكل كام يوم ناخد شوية حاجات خفيفة من أوض الزباين ميلحظوش إنها بتختفي. وبما إن زهور هي صاحبة الفندق، ومتعرفش. هنستغل النقطة دي ناخد كل حاجة. ولو اكتشفنا هنلبسه لها. وأكيد وقتها هتتعرف إنها صاحبة الفندق ومحدش هيأذيها. وبكده نكون استفدنا. مش هنكشف. وطبعاً زهور كانت مسئولة عن أكبر جناح بالفندق. وأنا كنت معاها فترة وعرفت من ريسنا إن صاحب الجناح ادلها مكافأة كبيرة ظرف مليان دولارات مش فلوس مصري. خلناها طلعت الجناح. ووحده من المشتركين معانا وقفت اتكلمت معاها. كان ماجد اخذ الظرف وتليفونها. ولما خلص نادي على البنت يعرفها إنه خلص. بس هو ده اللي حصل. والعذراء ما كذبت ولا في كلمة.
لتتفاجأ
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخامس والستون 65 - بقلم منى عبدالعزيز
ذهب برفقة زوجته وزيدان إلى المستشفى الخاصة بحسن، ليزوروا أحلام. توجهوا إلى مكتب حسن ليسألوا عن حالتها الصحية وهل يستطيعون زيارتها أم لا. ليقفوا مصعوقين مما سمعوا.
ليمُد يده ويفتح الباب بغضب جامح، يشير إلى إلينا وبصوت رخيم يحدثها، وسط زهول يحيى وحسن الذين اقتربوا من عبد الرحيم خوفًا من انقضاضه عليها.
عبدالرحيم: متخفش يا سيد يحيى، أنا مش همد إيدي على حد من أحفادي. اللي غلطت في حق صاحبتها وغدرت بها، لا ومكتفتش بخيانتها. لا، كانت جاية البيت تكمل لعبتها الدنيئة مع شركاتها وتخبي مسروقات من الفندق في أوضتها. لِيقترب قليلاً منها من غير نفس: تتفضلي معايا تعرفيني طريق حفيدتي.
إلينا بخوف تنظر ليحيى لنجدتها: معرفش. والعذراء ما أعرف.
عبدالرحيم: متعرفيش إزاي؟ أمال عرفتي منين الكلام اللي جيتي قلتيه؟ وكنتِ عاوزة تورطيها بالمسروقات عشان تثبتِ السرقة عليها.
إلينا تبلع ريقها بخوف: أنا مكنتش عاوزة أأذيها ولا أخبي عليها. وحياة بابا أنا بحب زهور وكنت هعرفها الحقيقة، بس فيه حاجة منعتني. وكنت لازم أعمل كدة عشان خطيبي يكمل الجواز، وإلا كانت هتبقى مصيبة لو سابني وبابا ممكن يروح فيها. زهور صحبتي واختي، والرب، كنت هعرفها كل حاجة، حتى السرقة وأنها بنت صاحب الفندق. بس خطيبي خوّفني وهددني يسبني. وتجهش في البكاء: والعذراء ما كنتش بشترك معاهم ولا بمد إيدي على أي حاجة. أنا بس كنت بعرفهم بخطوات زهور. والعذراء يا عم يحيى، وحياة بابا ما كذبت في كلمة. وأنا، أنا هحكيلكم كل اللي حصل من أول اليوم. خطيبي أقنعني آخد إجازة من الفندق كام يوم قدام زهور، وفي نفس الوقت معرفش أهلي إني واخدة إجازة. ويوم السفر اتصل بيا وقال إن المدير رفض الإجازة ولازم أرجع الشغل أو أنفصل. وطبعًا كنا متفقين على كده ونزلت عادي من البيت مع بابا وماما وتيتة كأننا مسافرين البلد. ورحت أنا الفندق. وهناك عرفت من خطيبي إن الشيخ الخليجي اللي زهور مسكت الجناح بتاعه اتفق مع مدير الهوم سيرفس يدي زهور ظرف مليان فلوس مكافأة منه نظير شغلها وأمانتها. وقال إنها مسيرها تعرف إنها صاحبة الفندق وهتلعب بالملايين، مش هيجرى حاجة لو أخدنا الظرف ده وموبايلها الجديد. وكمان زي كل يوم ناخد كام حاجة من أوض النزلاء، ونقسمها علينا كلنا عشان ميشكوش بالمبلغ اللي بالظرف ويطمعوا فيه. واحنا أحق بيه عشان نجهز شقتنا. عملنا كده، وزي كل يوم واحد من الشباب ينزل عند صندوق الزبالة ويبعده، ويقف هو مكانه وياخد الكيس اللي مجمعين فيه المسروقات من ماسورة كبيرة بنخرج منها أكياس الزبالة. تنزل بالصندوق ويرجع الصندوق مكانه. ويخبي كيس المسروقات في عربيته. وآخر اليوم يصرف فيها ونتقابل كلنا بعد الشغل نقسم الفلوس. بس النهاردة اتنين شافوه وهو بيعمل كده. وخصوصًا لما رن تليفون زهور فجأة. وهو من خوفه منهم جري، وهم قبضوا عليه واعترف بكل حاجة. وأخدوه من المدخل الخلفي للأوتيل وطلعوا جناح الشيخ. وعرفوا منه إن أنا الوحيدة اللي أعرف كل حاجة عن زهور وأعرف مكانها. جابونا أنا وخطيبي والاثنين بتوع الأمن اللي كانوا موقفين كاميرات المراقبة في مخرج الفندق. هددونا لو معملناش اللي هما عاوزينه، ها يبلغوا الإدارة تفصلنا. غير ها يتهمونا بخطف مديرهم. بهدلوا السويت وسرقوا كام حاجة منه. بتوع الأمن لعبوا بالكاميرات وجابوا تسجيل لزهور وهي بتخرج من السويت هي والشيخ. معرفش هي خرجت إزاي لأن مسفتش التسجيلات. وبما إن خطيبي واحد من الأمن قدر يحذف جزء كبير من التسجيلات دي. واتفقوا إني أرجع الحارة وأدخل شقة خالتي أحلام وأحط كام حاجة من حاجات الشيخ.
ليقطعها زيدان: حاجات إيه؟
إلينا بشهقات فتحت حقيبتها، وأخرجت حقيبة بلاستيكية ومدت يدها ليحيى ليخرج محتوياتها أمام الجميع.
يحيى: موبايل وساعة يد وازايز برفان رجالي. وإيه ده؟
إلينا: ده صابون مخصص للفندق.
عبدالرحيم: هيستفيدوا بإيه لما يحطوا الحاجات دي في أوضة زهور؟
إلينا: معرفش. كل اللي طلبوه مني إني أخبي الحاجات دي في أوضة زهور عشان يسموها ويسموا خالتي أحلام لو مقلتش على مكان زهور.
حسن: إيه الناس دي؟ عملتلهم إيه زهور عشان يؤذوها بالشكل ده؟
إلينا ببكاء: معرفش، معرفش. أنا سألتهم قالوا ضيعت شغلهم وتعبهم وملايين كانت بأيديهم.
عبدالرحيم: حسبي الله ونعم الوكيل. أنتم إيه؟ مش بشر؟ عملتلكم إيه البنت عشان تؤذوها بالشكل ده؟ حرام والله حرام. كنتوا جربتوا تحكيلها عن حقيقتها وأنها صاحبة الأوتيل، كنتِ عرفتيها طريقنا. تفتكري بشخصية زهور كانت هتعمل معاكي إيه لو حكتلها؟
إلينا ببكاء: تضع يدها على وجهها وتتحدث بصوت يكاد يسمع: كنت هحكيلها كل حاجة، بس فيه سبب أقوى مني مقدرتش. كان لازم أعمل كدة. سامحوني. سامحني يا عم يحيى. سامحني. أرجوك.
يحيى ينظر لها بذهول يتساءل بينه وبين نفسه: ما هو السبب القوي الذي جعل إلينا الفتاة الطيبة تفعل كل تلك الأمور؟ وما معنى كلامها؟ ليفتح عينيه باتساع فور وصول ما تقصده لعقله. ليقترب منها وهو يستمع لبكائها وطلبها السماح منه.
يحيى: معقولة إنتي يا إلينا؟ معقولة تعملي كده؟ بقي ماجد ونفين يستاهلوا منك كده؟ دول مربينك أحسن تربية. دي جزاء ثقتهم فيكي دي مكافأتهم منك؟
حسن: بعد إذنك يا معلم يحيى، الأنسة شكلها تعبانة ونفسيتها مدمرة، وأكيد السبب اللي خلاها تعمل كده كان قوي. أنا مش بديها مبررات إن اللي عملته كان صح. بس دلوقتي تقدر تصلح غلطتها وتعترف على شركاتها والاتنين اللي في الفندق قبل ما يوصلوا لزهور، أو لو كانت معاهم نلحقها قبل ما يعملوا لها حاجة.
زهور الجدة: شهقة وبصوت مهتز: اصرف يا عبد الرحيم. اصرفوا كلكم. أنا عاوزة بنت ابني بأي طريقة تجبهالي.
يحيى: إلينا انطقي، تعرفي مكان زهور ولا لا؟
إلينا: معرفوش. وحياة بابا معرفة. ولا هم يعرفوه لأنهم كانوا بيدوروا عليها وطلبوا مني أعرف لهم مكانها. والتليفون معك يا عمي يحيى، شوف الرسايل وأنتم تعرفوا إني مش بكذب.
زيدان: بعد إذنك يا بابا، أنا هتصل باللواء مصطفى الغمراوي. هو يصرف في الموضوع ده. وكلام الأنسة والرسائل، وأكيد لينا يتقبض على الولاد دول يعترفوا بكل حاجة.
إلينا بانهيار: بلاش بوليس يا عم يحيى. أبوس إيدك بلاش البوليس.
زيدان: متخفيش يا آنسة، أنت هتكوني شاهدة. وعشان تتأكدي من كلامي هطلب من اللواء يتكلم معاكي بشكل ودي.
ليصمتوا جميعًا إثر سماعهم خبطات على الباب.
ويسمح حسن لمن بالخارج بالدخول، تدخل ممرضة تخبره إفاقة أحلام.
ويهرول يحيى خارجًا من المكتب تجاه غرفة أحلام، فتح الباب سريعًا ويتجه إليها مباشرة، يضمها.
أحلام ببكاء: يحيى، زهور يا يحيى، زهور عمرها ما تعمل اللي قالوا عليه. زهور دي تربية إيدي. زهور حافظة القرآن من وهي لسه عيلة. عمرها ما مدت إيدها. تتخرج من بين أحضانه تتلفت بعينيها الغرفة وتعاود النظر ليحيى: فين زهور؟ رجعت ولا لسة؟ قولي الحقيقة. بنتي جرالها إيه يا يحيى؟
يحيى: إهدي يا نني عين يحيى من جوه، زهور كويسة، متقلقيش. كلنا مش ساكتين وهنعرف مكانها.
أحلام ابتعدت عنه تحاول الهبوط من على الفراش وهي تنزع جهاز المحلول من يدها: أنا هدور عليها بنفسي. مش هرجع اللي بيها.
زوجة حسن تدخلت تهديها وتمنعها عن نزع جهاز المحلول من يدها: إهدي يا ست أحلام. لتنظر لحسن: الحقنا يا حسن، الكانولا مفتوحة.
حسن بخطوتين كان أمامها ممسك بيد أحلام بقوة يعيد الجهاز بخفة.
أحلام: لو سمحت أبعد يا دكتور. أنا هخرج يعني هخرج. بنتي في خطر، مش هفضل قاعدة هنا ومش عارفة هي فين وجرالها إيه.
يحيى: ممسك بيدها: أوعدك نطمن على صحتك وهدور عليها بنفسي.
أحلام: أنا كويسة، متقلقيش عليا. بس مش هقدر أستنى لحظة كمان وبنتي مش عارفين هي فين.
يحيى: هتدوري عليها فين بس؟ مخلناش مكان مدورناش فيه!
أحلام: ما فيش غير مكان واحد بس، هو المكان الوحيد اللي زهور ممكن تكون راحت له.
زهور الجدة لم تقوى على الوقوف خارج الغرفة فور سماعها لكلام أحلام: هو فين المكان ده يا ست أحلام؟ أبوس إيدك.
أحلام: بيتنا اللي في البلد هو المكان الوحيد اللي زهور ممكن تروحه. هي متعرفش حتة تانية.
زهور الأم: قولنا العنوان وإحنا نروح حالا نجيبها.
أحلام: أنا هروح بنفسي. مش هقدر أستنى أكتر من كده.
يحيى: إيه رأيك نتصل بـ بدير يروح يشوفها في البيت ولا لا؟ بدل ما نروح على الفاضي. إحنا عدينا نص الليل وعلى ما نوصل هنكون قربنا على الفجر.
أحلام: زهور لو هي هناك وفي صدمتها وكسرتها مش هتفتح لحد. حتى لو كسر الباب عليها مش هتتحرك من مكانها، بنتي وأنا عارفاها. الفجر، الفجر.
زهور الجدة: رجلي على رجلك. مكان ما هتروحي هروح.
حسن: كلنا يا طنط هنروح سوا. زهور محتاجانا كلنا جنبها.
ليخرج الجميع من الغرفة بعد نزع حسن الجهاز من يد أحلام، تاركين المشفى للذهاب إلى البلدة.
عبدالرؤوف ممدد على الأرض فاقد الوعي كما تركه وائل. ظل فترة كما هو، ليفيق بعد مدة يشعر بألم في رأسه من الخلف وظهره. لينهض متألمًا ممسكًا برأسه يشعر بدوار وهو يستمع لصوت دقات على الباب. ليخطو تجاه الباب بعدم اتزان يفتحه وكاد يسقط أرضًا لولا يد وائل التي ساعدته. ليخطو به للداخل ويجلسه على الأريكة.
لتدخل خلفه روحية تحمل بيدها أكياس وخلفها شاب يحمل صينية بها طعام. تشير له على الطاولة أن يضعها.
روحيه: حط الصينية إنت واستنانا برة. بعد رحيله التفتت إلى وائل: شرب الجدع مياه شكله تعبان ولا أكل ولا شرب من فترة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السادس والستون 66 - بقلم منى عبدالعزيز
بعد خروج عبدالرحيم وزوجته وابنه زيدان، جلست سيدات عائلة الغمراوي وبناتها ينظرن إلى بعضهن.
لتخرج واحدة منهن تتحدث قاطعة الصمت.
غادير، ابنة زيدان الصغرى وزوجة زاهر، تتحدث بحكمة كعادتها.
غادير: إحنا هنفضل قاعدين كدة ومش بنعمل حاجة؟ مش زهروان قريبتنا إحنا كمان، ولا إيه يا جماعة؟
أمال، زوجة زايد: هنعمل إيه يا غادير؟ إنتِ بنفسك سمعتي اللي حصل، وإحنا لا نعرف شكلها ولا أي حاجة عندها.
غادير: نقدر نعمل كتير يا خالتو. ببساطة نربط الأحداث ببعضها ونعمل إحداثيات بخطوات زهور ونحط احتمالات للأماكن اللي ممكن تروح ليها. قبل ما تسألوا إزاي وإحنا هنعرف مكانها منين؟ هقولكم كل حاجة بوضوح. كل اللي عليكم تعملوه تسجلوا الخطوات اللي هعملها.
ودلوقتي عمتو زينب تتصل على زين وتعرف منه آخر الأخبار، وماما تتصل على بابا، وعمتو زينة تتصل على تيتا، وأنا هتصل بحمزة، ونورين تتصل على حازم، وطنط آمال على زاهر، ونيرة على الفندق، والبنات تسجلوا كل كلمة نقولها بالورقة والقلم.
لينفذوا جميعًا ما أخبرتهم به غادير ودونوا كل كلمة يسمعونها.
لتحضر غادير لوحة كبيرة ومجموعة من الأكواب البلاستيكية.
وخططت اللوحة بالأماكن التي ذهبت إليها زهور، اسم المكان والوقت التي تواجدت به.
بداية من تركها لبيتها بالحارة، ذهابها للجامعة وتسجيل موعد خروجها، وذهابها للمشفى الخاص بدكتور حسن وكم بقيت وساعة خروجها، والمدة التي استغرقتها من وقت خروجها من المستشفى حتى ذهابها للفندق، كم ظلت به، موعد تركها للفندق.
غادير: بعد المعلومات اللي إحنا جمعناها دي كلها، أقدر أقولكم زهور موجودة بالمكان الوحيد اللي هي تعرفه كويس، وعاشت فيه طول عمرها. بس لو جدو وتيتا يردوا على اتصالاتنا، كنا عرفنا هي كانت عايشة فين بالضبط.
زينة: يعني بعد كل التعب والمجهود والسهر ده وفي الآخر طلع كل حاجة صفر في النهاية؟
غادير: تنظر إلى لوحتها بتمعن، تحرك أحد الأكواب بيدها وتبتسم بسعادة. أنا عرفت زهور ممكن تكون فين.
الجميع يهب واقفًا ويقتربون من غادير.
يتحدثون في صوت واحد لتصرخ بهم غادير.
غادير: ممكن تسكتوا وتسمعوني الأول؟ ببساطة ومن غير أي تعقيدات نربط الأحداث والكلام ببعضهم. نعد على أيدينا.
1: الدكتور حسن راح الجامعة بعد الدكتورة حبيبة بلغته. بعد شوية زهروان من الصدمة بموت عمي تعبت وراحت المستشفى مع الدكتور حسن. هناك زي ما قال إنها تفاجأت إنه توفي بعد فترة قليلة. خرجت من المستشفى رجعت على الشغل بالفندق. لو حسبنا الوقت يبقى هي سابت الفندق على الساعة 6. ومن ستة لـ... رجعت الحارة؟ ولا في مستشفى؟ ولا حد يعرف مكانها؟ وإحنا عرفناه عنها متعرفش أي حد ولا أي مكان. من الحارة للجامعة للفندق للحارة. يبقى منطقي كده مالهاش غير المكان اللي عاشت فيه.
تصمت على سماعها تصفيق من الخلف.
واحد يمتدحها.
تلتفت لمصدره.
تقف بذهول وهي ترى صاحب الصوت يقترب منها.
قاطع المسافة بخطوة لتجد نفسها مرة واحدة مرفوعة لأعلى وسط ذهول الجميع.
لتخرج منها صرخة وهي ترى نفسها مرفوعة لأعلى وقدمها لا تلامسان الأرض.
تغمض عينيها من شدة توترها وخجلها.
تحاول فك حصارها من بين يديه ليبتسم بخبث وهو يخفف حصار يده.
لتتمسك به محاوطة رقبته بيدها.
وجهها مقابل وجهه.
تنظر بعينيه ترى تلك النظرة التي تراها لأول مرة وابتسامته.
لتدقق في ملامحه التي تعشقها.
لتغمض عينيها تهدأ من شدة توترها وتسارع دقات قلبها.
ليستغل هو حالتها مقبلًا مقدمة أنفها.
لتقبل مقدمة أنفها لتفتح عينيها بذهول وهي تشعر بتلامس شفتيهما.
تنظر له ببلاهة ترى ابتسامته الساحرة.
تشعر بدقات قلبها تتزايد ويسمعها الجميع من حولها.
لتنتفض عند تذكرها الجميع قد رأوا تلك الحركات التي يفتعلها هذا الشخص.
لتحرك نفسها من بين يديه لتزداد خجلًا تزامنا مع تحدث الواقفون.
تضربه على صدره بخفة محاولة جعله يبتعد عنها.
لينزلها ببطء شديد جدًا يتلاعب بأعصابها.
غادير بمجرد ملامسة قدمها الأرض ابتعدت عنه.
تحاول استجماع رباطة جأشها.
تأخذ نفس عميق.
تتلاشى النظر في أعين الجميع بعد ما شاهدوه.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع والستون 67 - بقلم منى عبدالعزيز
روحية فور دخولها لبيت أحلام شعرت بارتجاف جسدها برودة تدب في أوصالها شعرت بأن أحد اعتصر قلبها عينها إغروت بالدموع وهما يجوبان المنزل باشتياق لمن بناه لها بيده وعلى ذوقها ، طالما أخبرتة برغبتها في منزل ليس كابيوت الأرياف تريد منزل هي من تقوم باختيار كل شئ به ليفاجئها ببناء هذا المنزل كما تخيلته اعده بكل مدخراته حتى صرفها عن آخرها وعدها باستكمال تجهيزاته كلما ادخر من راتبه، لتنتبها ارتجافه أكبر كادت تستسلم لها
لولا كلمات والدها مع هذا الغريب التي أخرجتها من نوبة بكاء كانت تجاهد في التغلب عليها، لتأخذ نفس عميق وتعاود الإلتفاف لهما، تبتسم على كلمات وائل له، تنظر للغريب بشفقه على حالته وكيف لا يستطيع الوقوف ولا فتح عينيه لتخبر والدها.
روحية: وائل الجدع بينه تعبان أوي مش قادر يصلب طولة
اديله شويه ماية بردين يجروا الدم بعروقة واكلة يابني بينه
بقالة فترة كبيرة مكلش وضغطه نزل.
وائل: ينظر الي عبدالرؤوف بطرف عينه، جتدة على الفاضي
ال يشوفك يتغر فيك ويقول وحش؛ وانت ورق مش قادر تصلب طولك.
عبدالرؤوف محاولا التحدث، يحرك لسانه بضعف بعد جفاف حلقة يبتلع ارياقة كاشواق في جوفه.
عبدالرؤوف: والله يا أخى لولا ال زيي يحمد ربه ملايينا لمرات لان لساته عايش لداحين والله ال ريته ومريت بيه الفترة هاد تشيب الراس وتوجع القلوب وزيد يدك الثقيل واخدك على خوانه لى تقتلني وتتركنى بلا شفقه بين الحياه
والموت.
وائل: بالرغم مش فاهم قصدك بكلامك لكن تتعدل اشرب الاول واغسل وشك وكلك لقمتين، تصلب بيهم طولك، وابق نفهم حكايتك، ومين انت وزهور فيها ايه.
روحية تتلفت حول نفسها: صحيح اومال زهور فين.
وائل يشير لها على احدي الغرف.
وائل: بالأوضة اللى وراكي طوالي.
روحية ادارت جسدها تعالت ضربات قلبها وهي تخطو تجاه الغرفه كل خطوه تهبط دمعه حارقة تقف عند باب الغرفه تشعر بانسحاب روحها بيد مرتعشة تضع يدها على مقبض الباب تشعر بلفحة هواء بارد ضربتها ليختل توازنها مع مداهمتها ذكرى طالما جاهدت في محوها من ذكرتها تزامنا مع شعورها بتلك البروده التي شعرت بها لتدخل الغرفة مع تزايد ضربات قلبها لتقع عينيها على زهور وهي متكورة حول نفسها وتضم يدها إلي صدرها وجسدها ينتفض تشعر بارتجاج الفراش من شدة ارتجاف زهور لتسرع تجاهها تجلس بجوارها على الفراش تمسد على جبهتها تشعر ببرودتها تخفض وجهها وتقترب منها تسمع هذيان زهور ومناداتها على أحد لتعتدل وتتمدد جوارها متكئة على إحدى يديها والاخر تمسد بها علي رأس زهور وجبهتها، تعاودها ذكري مشابه لها من سنوات وهي في عمر زهور، تنظر وعينها مثبته أمامها على المرأة تتذكر.
روحيه انتظرت بكر في مكانهم المفضل ذالك المكان السري الذي يلتقيان به بعد عودتها من المدرسة ظلت فترة جالسة، تنتظره دون جدوى لتعاود الرحيل لمنزلها، لكن فضولها مع
شعور سيطر عليهم بحدوث خطب ما صارت تجاه المنزل في بعد وقت الظهيرة مع اشتداد حرارة الجو وخلو الطريق من المارة اتجهت نحو بيت بكر تتلفت يمين ويسار وخلفها تري هل أحد مار بالطريق رآها لتتنفس براحه وتدق علي الباب ليفتح معها لتشعر بوجود خطب ما لتنادي على بكر عدة مرات، لتدخل سريعا للمنزل وهي تستمع لصوت عواء كلب يقترب منها تدلف للداخل تنظر الى المنزل بإبتسامه وهي تري المنزل أعدّه بكر مثلما أخبرته به،لتدخل لإحدى غرفه وهي تسمع صوت شخصان يتحدثان خارج البيت ودولوفهم للداخل لتطمئن وهي تسمع وترى من ثقب في مقبض الباب بكر والشخص يدخلان اثاث للغرفة المجاورة ليغيبا في الغرفه يدخل بكر ويخرج حامل قطع من الأثاث
بعد وقت خرج الشخص واغلق الباب الخارجي وظل بكر بالغرفة لتتنفس الصعداء واتت تفتح الباب لتخرج فجئت
ببكر يدخل الغرفه ليصدم هو الآخر من وجودها.
لتشهق برعب تخرج الكلمات من فمها بصعوبة وما زاد من توترها وقوف بكر أمامها عاري الصدر،ليقترب منها بكر يسالها!؟
بكر: روحية! دخلتي ازاي هنا!؟ ومن امتى وانتِ هنا؟
روحية: تبتلع لعابها أنا أنا قلقت عليك لما مجتش في معادنا
قلت اجي اطمن عليك، لقيت الباب مفتوح كنت همشي بس لقيت كلب برة خفت دخلت واول ما بعد ولسه هخرج سمعت صوتك انت واحد معاك خفت يشوفني جريت استخبيت في الاوضة دي وكل ما أخرج الاقيك رايح جاي تدخل عفش.
بكر بسعادة: اسف يا حبيبتي خالتك تقلقي عليا، غصب عنى عبال ما نزلت البندر و جبت اوضة النوم اللى كانت عجباكي في بيت ابن خالتك وجبت كام حاجة عجبتني ويارب يعجُبكِ، واكيد ربنا بيحبني عشان تشوفيها بنفسك
ولو معجبكيش لونها الحق أغيرها.
روحية بفرحه: بجد يا بكر جبت اوضة النوم ! بس دي غاليه اوي جبت فلوسها منين وانت خلصت ورثك في بناء البيت.!؟
بكر: تعالي بس شفيها عشان لو حاجه مش عجبتك الحق اغيرها وبالمرة تقولي ط الحاجات اللي جبتها لك.
دخلت روحية لغرفة النوم تكاد تطير من الفرحه وهي ترى تلك الغرفة بلونها الذهبي ذو النقوش الفرعونية تدور بالغرفه حول نفسها بسعادة لتقف وهي ترى بكر يقوم بفتح خزانة الملابس تنظر إلي الملابس المعلقة بذهول! تقترب منها تمسها بيدها تخرج أحدهم تضعه علي جسدها و تنظر إلى المرآة وتلتف بفرحة غامرة تجاه بكر تشكره على تلك الهدايا التي أحضرها لها، تعاود النظر للمرآة تنظر بها لتفتح عينها وتستدير لبكر وهو يرفع بيده حقيبة هدايا مخرج منها كندارة
بيضاء ذو كعب عالي مدبب كما تمنت في مقابلة بينهما أن تسمح لها والدتها بشراء واحدة، تخطفها من بين يديه وتنحني وترتديها بقدميها تخطو خطوتين وتتعرقل أخرى حتى نجحت في الاعتدال تبتسم ل بكر الذي ينظر لها بعشق تخطو تجاهه
خطوة والثانية وتتعرقل لتسقط بين يديه ويسقطان سويا على الفراش وسط شهقاتها ينظران الى بعضهما ليتوهان معا في دوامة لم يفيقا من تلك الدوامة الا علي صرخة روحية بعد شعورها بألم لينتفض بكر يلملم ملابسه ويعتذر لروحية التي تبكى وتصق وجهها.
بكر: يقترب منها روحية سامحنى والله ما حسيت بنفسي سامحني سامحنى لا انا ولا انت خططنا لده واوعدك، هتقدملك قريب اوي اكمل تجهيز باقي البيت وعشان تطمني هكتب ورقة اعترف انك مراتى وال حصل ما بينا ده انا مسئول قدام ربنا والقانون بنتيجته، موافقة يا روحية موافقة .
روحية: ببكاء تحاول النهوض وتهز رأسها بالموافقة.
بكر: خليك مرتاحه هجيب ورقة وقلم وهاجي بسرعه.
قليلا وعاد بكر بورقه وكتب كل ما قاله واعطها الورقة بعد ان كتب واقر بكل شئ ساعدها بالنهوض يتركها ترتدي ملابسها وخرج ينتظرها،حتى انتهت وخرجت من الغرفة تزيح دموعها، ينظر لها بكر بشفقة يعتذر منها ويسير أمامها يفتح باب المنزل يتفقد الطريق ليخرج أمامها وتلحقه هي تخرج من المنزل تسرع خطاها مبتعدة عن المنزل حتى بعدت عنه، مرت الايام وهم يتقابلوا بمكانهم السري، واعترف بكر لشفيق برغبته بخطبة روحية ويريد مساعدته
لإقناع والده وزوجة عمه ليستغلها شفيق لمصلحته للإيقاع بأحلام وإقناعها بحبه لها، لتمر الأيام وتنجرف مع بكر في متاهة أعمق لتنتج تلك الدوامة بوحدها وائل.
لتزيح دموعها المتساقطة وهي تسمع أنين زهور ومناداتها بصوت ضعيف على شخص وتصمت مرة أخرى.
___________
زهور ترى فى منامها فتاة ترتدى ملابس مزخرفه بالوان متداخلة تدور حول نفسها تتطاير تنورتها لأعلى وهناك شخص يقف بعيد مناديا عليها يفتح يديه وعلى وجهه ابتسامة متسعه، وهناك صوت من بعيد يحثها بالذهاب إليه، لتفيق من نومها ببتسامه وهي تشعر بيد تتلمس وجنتها بحنان تفتح عينها عدة مرات، تتأكد من بجوارها.
زهور: سيتي روحية قالتها بصوت يكاد يسمع.
روحية: بابتسامة ايوة ستك روحية يازهور.
لتعتدل روحية وزهور لازالت كما هي ممددة بالفراش تضم تلك الأوراق لصدرها.
روحية: بشفقه احكيلي يا زهور ايه ال مزعلك وأحلام مجتش معاكي ليه، في حاجه حصلت ما بينكم.
زهور: تشعر بصداع تغمض عينيها من شدة المها لتبكي ترتمي بأحضان روحيه التي تربت على يدها بحنان أموي
لتقص على روحية كل شئ ومعرفتها بموت والدها حتى مجيئها للبلدة مع عبدالرؤوف.
روحية تحدثها بحزن تطيب من وجعها: يااه يازهور الجدع ال برة ده ربنا وقعه في طريقك عشان تنقذه من الموت ووقعك في سكته عشان ينقذك من نفسك سبحان الله فعلا ربنا مخلقش حاجه ضارة أبدا فكري كده لو كنتي رجعتي لبيت ستك احلام بالحارة مكنتيش هتشوفي الجدع ده ولا هتنقذ يه وممكن وقتها كانوا قتلوه ولا ذبحوه،وكمان انتي لو كنتي لسة هناك قريتي الكلام ده كنتى عملتى ايه اول حاجه كنتي هتعمليها ايه هتنتقمى من الكل اولهم امك وعائلتك لكن لما جيتي هنا وانقذتى الجدع وقريتي كل كلمة كتبها ابوكي وعرفتي جزء من الحقيقة أكيد في حاجه جواكى اتغيرت إترحمى على ابوكى اترحمي عيله يا زهور ونفذ ى وصيته.
زهور ببكاء تغمض عينها تشتد بضم الاوراق بيدها تبكي وتترحم على أبيها .
روحية: تربت على كتفها بحنان هسيبك شوية مع نفسك وهخرج اطمن وائل والجدع ال برة تكوني هديتى وفكرتى شوية ولما تحسي انك بقيتي احسن نادى عليا يا تخرجي تكلي لك لقمة تُصلبى بيها طولك وتقدرى تفكرى فى ال جاى.
تومى زهور برأسها بالموافقة وتخرج من الغرفة فور خروجها تجد وائل وعبد الرؤوف يقفان أمامها يسألونها عن زهور وما بها وكيف حالها؟
تشير لهم بالجلوس وتقص عليهم كل ما قالته زهور لها،
تنظر بحزن لعبد الرؤوف وتحدثه.
روحية: سبحان الله ربنا نجاك على ايد زهور وفي نفس الوقت ربنا نجها من نفسها لتصمت وهي تري باب الغرفة
يفتح وزهور تخرج من الغرفة تحمل بيدها حقيبة يدها .
__________
زهور: بعد خروج روحية جلست لدقائق تفكر في كلماتها، لتجمع الأوراق وترتبها واعادتها بالمظروف ووضعتها بحقيبتها هبطت من على الفراش تهندم ملابسها وتزيح عبراتها المتساقطة تعيد تنظيم حجابها وقفت أمام المرآة
زهور: لازم ارجع قوية ال جاي مش سهل ومش صعب، بس
كله متوقف على سلسبيل وباقي الحقيقة وقتها بس هحدد انتقم واخد حقى وحق ابويا ولا أكتفي باخد ورثى وابعد، بس فى الاول لازم اتغير وانسي طيبة قلبى لازم ادوس على قلبى وامحى كل الخوف ال جوايا ااه الخوف الكلمة دى لازم تنتهى من قاموسي تسحب نفس عميق وتخرج من الغرفة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثامن والستون 68 - بقلم منى عبدالعزيز
زهور وقفت قرب الباب، أخذت نفس عميق واستجمعت قواها وخرجت من الغرفة.
تجد روحية جالسة وجوارها وائل، ويقابلهما بالجهة الأخرى عبدالرؤوف. لينتفض الأخير واقفًا فور سماعه صوت زهور.
تلقي السلام عليهم.
زهور: السلام عليكم.
الجميع: عليكم السلام.
لينتفض رؤوف ويقترب منها بسعادة:
رؤوف: كيفك زهور؟ عورتي قلوبنا عليكي.
زهور: الحمد لله بقيت أحسن. آسفة أقلقتكم.
روحية تشير لها:
روحية: تعالي يا زهور اقعدي جنبي هنا.
زهور: تنظر لها بامتنان: متشكرة أوي يا ستي روحيه، لولاكي كنت فضلت تايهة في اللي أنا فيه. معلش مش هقدر أقعد لآني لازم ألحق قطار الفجرية اللي رايح مصر، وقبل منه عندي مشوار مهم أوي لازم أعمله. لو سمحت يا خال وائل توصلني بعربيتك. وحاجة كمان، البيت زي ما أنتم شايفين محتاج حاجات كتير عشان مينفعش يتعاش فيه. فبعد إذنكم تشوفوا بيت ينفع يقعد فيه الأستاذ عبدالرؤوف كام يوم بس لحد مشكلته ما تتحل ويرجع لحياته من تاني. أنا عارفة بتقل عليكم بطلباتي، بس أنا ماليش غيركم دلوقتي.
لتصمت بمرارة: حتى محدش دور ولا سأل أنا فين وجرالي إيه.
روحية:
روحية: إزاي بس تقولي كده؟ إحنا أهل، والأستاذ يتفضل ينورنا بالدوار، وإن مشلتوش الأرض نشلوه فوق روسنا. وإزاي تقولي محدش دور عليكي؟ أكيد أحلام هتجنن عليكي.
زهور:
زهور: بسخرية: عندك حق، هتجنن عليا وبدليل ما اتصلتش عليا ولا مرة واحدة. وادي التليفون أهو.
تفتح زهور حقيبتها، تمد يدها تبحث عن الهاتف. لتقترب من الطاولة، تفرغ محتويات الحقيبة. لا تجد الهاتف ولا ظرف النقود التي أخذته من مديرها بالفندق.
زهور:
زهور: مش لاقية التليفون ولا الفلوس، وأنا متأكدة إنهم كانوا بالشنطة من قبل ما نسيب الفندق.
لتجلس على أقرب كرسي لها، تجز على أسنانها، وهي تتذكر حديثها مع زميلتها بالفندق التي كانت تتحدث معها بمواضيع غير مفهومة وكلام غير مرتب، حتى مناداة أحد زملائها واستئذانها منها وسط ابتسامة لاحت بوجهها.
لتكور يدها:
زهور: هم فاكرين نفسهم أذكياء ومش هينكشفوا. اتأكد بس من اللي في دماغي، ووقتها هعرف إزاي أدبهم على عملتهم دي.
وائل:
وائل: مالك يا زهور؟ سرحانة في إيه.
زهور: تهب واقفة:
زهور: مافيش حاجة. لو مش هتعبك يلا بينا، يدوب نلحق مشوارنا، الفجر خلاص قرب.
تقترب من عبدالرؤوف الذي ملتزم الصمت، غارق في أفكاره.
زهور:
زهور: أنت هنا هتكون في إيد أمينة. الناس هنا طيبين، ستي روحية وخالي وائل هيشلوك جوه حِبابي عنيهم. احكيلهم حكايتك وخرج اللي جواك، اعتبرهم أهلك. وإن شاء الله قريب أوي هجيب حقك، وأعرف إزاي فندق كبير عريض نظامه الأمني ضعيف بالشكل ده.
عبدالرؤوف: بحزن:
عبدالرؤوف: الله معك ويوفقك. أنا عارفك قوية وتقدرين توصلين لمسؤولين الفندق. لكن كوني على علم إن اللي عمل هذا أكيد مأمن حاله ومتأكد من هذا. ثانيًا، بدك تاخذين حذرك كثير. ووقت ما يصح لك وتعرفين توصلين للسويت حقي في غرفة النوم حقي، تلاقين بالخزانة الملابس. خزانة صغيرة بعطيكِ الأرقام وكلمة السر بيها أوراق مهمة وتلاقين دفتر شيكاتي، مجموعة علب مكتوب عليها بعطيهم لمين والسبب. هجيلك مرة ثانية عليه، وإيش السبب أعطيهم لصاحبة الاسم. وأيضًا ما أنسى، في كاميرات مراقبة بكل زاوية في السويت حقي. أنا وضعتهم بيدي من غير ما أحد يعرف، حتى بالتواليت. هدول الكاميرات فيهم نظام فائق السرعة يصوروا ويسجلوا الصوت، حتى لو أحد يهمس. بدك تخرجي التسجيلات هدول وتخرجي الخاص منهم، والباقي تسليم للشرطة لو احتجتيهم. بدك ترفعين درج أسفل المغسلة، هتلاقين فلاشات. دول مهمين كثير. بدي ياكي تحذرين ولا أحد يعلم بيهم مهما حصل. ولو تقدرين أرسليهم لي أكون مشكورة. هدول الفلاشات وتسجيلات الكاميرات فيهم حياتي وكل ما أملك.
زهور:
زهور: إن شاء الله. أول حاجة هعملها هو موضوعك، بس يا ريت ما تظهرش كثير بالبلد الفترة دي، أمان ليك. أنا لسه ما عرفتش الناس اللي وراك قدروا يوصلوا لأيه. واسمع كلام خالي وائل، هو هيكون المرسال بيني وبينك، وكمان هيعرف يحميك لو قدروا يعرفوا طريقك. يلا بعد إذنكم، يدوب ألحق القطار، الفجر أذن خلاص.
وائل:
وائل: يلا يا يمه، نوصلك معانا البيت وجهزي المندرة للأستاذ عبدالرؤوف، وأخذ العربية أوصل بيها زهور لمصر.
زهور:
زهور: لا، للمحطة وبس. بلاش تظهر دلوقتي نهائي معايا بأي مكان، ما نعرفش إيه اللي حصل هناك والناس دول إيديهم وصلت لحد فين.
روحية:
روحية: كلام زهور صح، يا بابني. وصلها المحطة وما تمشيش لحد القطار ما يمشي.
تخرج روحية هاتفها وتعطيه لزهور:
روحية: خذي تليفونى معاكي. هتحتاجيه، وإحنا هنا نطمن عليكي بيه.
عبد الرؤوف ينظر لروحية بإعجاب، بالرغم من بساطتها إلا أنها سريعة البديهة.
عبدالرؤوف:
عبدالرؤوف: والله كفو يا أم وائل، كفو. الجوال هاد أجا بوقته.
ليلتفت لزهور:
عبدالرؤوف: بعطيكِ رقم هام لصديق لي. عرفيه كل اللي صار، وهو هيعرف ويش يعمل. لا تخبريه عن مكاني. هاتي الجوال أسجلك الرقم، وأيضًا الأرقام والباسورد للخزانة.
زهور:
زهور: يلا، يدوب نمشي قبل ما النهار يطلع والناس تروح وتجي.
وائل:
وائل: يلا، أنا جاهز. هنادي الغفير يشيل الصينية ونخرج طوالي.
ليرحلوا جميعًا، مغلقين المنزل، وتوجهوا إلى الطريق للدوار.
تدخل روحية وخلفها عبدالرؤوف، ويرحل وائل وزهور بالسيارة تجاه المحطة. لتصعد زهور إلى القطار قبل رحيله بدقائق، ويرحل وائل عائدًا للدوار.
زهور صعدت القطار، تبحث بعينها على مكان تستطيع الجلوس به. بعد قليل وجدت مبتغاها، تذهب إليه. مقعد وحيد ليس جواره أحد في زاوية بطرف العربة، تجلس عليه. تنظر خارج القطار من النافذة، ترى ابتعاد القطار عن المحطة. تلتف مرة أخرى، تعتدل بجلستها، تحدث نفسها.
زهور:
زهور: سبحان الله اللي قال حياتنا قطار، اللي بتجي نهايته بينزل بمحطته. تبتسم بسخرية: ياترى محطتي إمتى قربت؟ ولا لسة هعاني من جديد؟ ماهو صعب أتحمل أي وجع من تاني. خلاص قلبي ما عادش يتحمل وجع وقهر. كفاية عليا الصدمات اللي خدتها في حياتي، كفاية العذاب اللي لسة فيه والحيرة اللي بتموتني بالبطيء. اللي عرفته لحد دلوقتي كفاية عليا، كفاية والله كفاية. كم الصدمات اللي عشتها في يوم واحد، ولسة اللي جاي يا ترى هيكون إزاي؟ ماهو بعد الكلام اللي قريته ده مش عارفة مين الظالم ومين المظلوم، مين الطيب ومين الشرير. ياترى ليه كتبت الكلام ده يابويا؟ قصدك من إيه؟ وبتوصل لي رسالة إيه؟ بتعرفني ماضيك؟ ولا حاضر ومستقبل أمشي عليه؟ ماضي مميت، وحاضر معتم، ومستقبل مش واضح. ألغاز محتاجة تتحل. يااه يابويا لو كنت أعرف قصدك إيه من كلامك.
لتخرج المظروف من حقيبتها، تقوم بفتحه وأخذ المذكرات الخاصة بأبيها، تتصفحها بعناية، تقرأ كل كلمة بها بصدمة وذهول!
ما هذا الرجل؟ لم يترك شخص في عائلته إلا وقص لها عنه. علمت عدد أفراد عائلة والدها. وصف الجد والجدة وأشقائه شكلاً وموضوعًا. أغمضت عينيها، تكبح جموح دموعها. ابتسامة لاحت على وجهها وهي تقرأ كلمات أحد صغار العائلة مع والدها. طوال مدة جلوسها بالقطار، قرأت جزء كبير من تلك المذكرات. لم تمل للحظة. كتابة والدها وهو يحكي عن عائلته وعلاقته بكل فرد بها جعلها تعيش بأحداثها كأنها واحدة منهم. كونت فكرة عن كل فرد من العائلة. لتوقفها ورقة اعتراف من والدها. قرأت كل كلمة فيها بذهول. لم تأخذ المذكرات بقراءتها كل هذا الوقت التي قرأت فيها تلك الورقة. تغلقها وتغمض عينيها. تتدحرج دمعة ساخنة على خديها. ترفع يدها تجففها وهي تسمع أصوات القطار معلنة على الوصول للمحطة الأخيرة. تضع تلك المذكرات بحقيبتها مرة أخرى، وتستعد للهبوط من القطار.
تمشي بالزحام، بقوة دفع المارة. ليس لديها قوة لتحريك قدمها. تأن بألم خبطات ودفعات المسافرين المهرولين للحاق بقطارهم. لتصل لباب الخروج مع بزوغ ضوء النهار. تخطو للخارج. تسير بجوار السياج الحديدي الفاصل بين المحطة والشارع الخارجي. تسير وتسير شاردة فيما قرأته. لتجلس على رصيف أحد الشوارع، تنظر لأقدام المارة بتخبط، تسأل حالها.
زهور:
زهور: أنا زهور ولا زهروان؟ بنت زياد وسلسبيل؟ ولا بنت الدنيا اللي استعلت عليا؟ كلام صاحب أبويا بيقول قد إيه كان طيب وعشقه لسلسبيل موته. طيب معنى الكلام اللي قريته ده إيه؟ أنا مبقتش فاهمة حاجة خالص. أسامح ولا أنتقم؟ وآخد ولا أرد حقوق؟ أفرح بأهلي وعائلتي وأرتمي بحضنهم؟ ولا أحزن وأبعد وأعيش زي ما أنا عايشة وخلاص؟ أقرب ولا أبعد؟ طيب لو قربت هواجهم إزاي؟ للأسف ما عطانيش حلول. ليه تعمل فيا كدة يابويا؟ حملتني وصية أصعب من الأولى. وصية وراء وصية. أنا مش جبل هتحمل كل ده. حكتلي عن كل واحد فيهم ووصفته حتة حتة. بخلت عليا ليه مقلتليش أتعامل إزاي؟ للدرجة دي استخسرت راحتي. عملت زي الصياد اللي عطى لابنه الشبكة والمركب وقاله صيد غداك، وما عملوش الصيد ولا إزاي يجدف ويواجه الموج.
مر وقت. زهور على حالها، تجلس تضع يدها أسفل وجهها، متكئة بها على قدمها وعينها على الأرض. ترسم بقدمها دوائر وهمية. دقائق أخرى، وصدح هاتف روحية الذي بحوزتها. نشلها من دوامة أفكارها. لتهب واقفة، تخرج الهاتف من حقيبتها وتضغط على زر الاتصال.
زهور: السلام عليكم.
وائل: عليكم ورحمة الله وبركاته. طمنيني وصلتي بالسلامة.
زهور: وصلت وموصلتش.
وائل: محتارة ليه؟ ومن إيه؟
زهور: قولي اختار طريق قلبي وأمشيه؟ معايا ولا عقلي وأمشي وراه؟
وائل: مع إني مش فاهم وحاسس فيه ألغاز كثير معرفهاش ومش هتحكيها، بس طول عمرك حكيمة ورأيك دايما صح. وبتختاري عقلك وتمشي وراه. المرة دي جربي قلبك ومشوا مع بعض، مرة تصيب ومرة تخيب. والأهم ما تطلعيش خسرانة.
زهور: محتارة. عرفت كثير أوي ماضي ما عشتهوش. ومطلوب مني أعيش حاضر مفروض عليا ومستقبل مجهول. ماضي مطلوب أسدد ديون لناس معرفهمش، وحاضر أخد حقي من ناس عرفتهم، ومستقبل هحصد فيه تمن اختياري.
وائل: زي ما بتعملي دايما، اتجهي لربنا واشكيله همك. وادعيه يذلل كل الصعاب. ومهما مر عليكي مش هيكون زي اللي فات.
زهور: بابتسامة: عندك حق. أنا عرفت هعمل إيه. أول حاجة.
تشكر زهور وائل.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل التاسع والستون 69 - بقلم منى عبدالعزيز
خرج عبد الرحيم من المستشفى الخاص بحسن زيدان وزهور الأم تقف ممسكة بيد أحلام تنظر لها بشفقة لحالتها المزرية تشكرها بعينها على تربيتها لزهور تربت على يدها.
يحيى ممسك باليد الأخرى لأحلام يخلل أصابعهما وحسن يحدث زوجته لتستأذن من الجميع وتأخذ سيارتها وعادت للمنزل.
يصعد زيدان السيارة ويقودها تجاه الجميع. يوقف السيارة أثر تلقيه اتصال هاتفي من زايد شقيقه يحدثه لتظهر علامات الغضب والذهول مما يسمع.
يغلق الهاتف مع شقيقه ويعاود الاتصال بأحد ويحدثه بصوت غاضب. كل هذا ووالده يرى ملامح وتعبيرات وجهه التي تبدلت أثناء التحدث بالهاتف. يترك الجميع ويصعد بجوار ابنه.
عبدالرحيم: زيدان من غير كلام كتير وتبريرات مين اتصل عليك وقالك إيه قلب وشك بالشكل ده؟ مش عايز لف ودوران وتفكر هتقول إيه.
زيدان: للأسف مينفعش ألف ودور لأن الموضوع ده بالذات لازم تعرفه. إلا كان على التليفون زايد وقالي مصيبة هتحصل. هو قدر يحل جزء منها قبل ما يسيب الفندق والباقي حازم بالصدفة اكتشفه وهو بيفّرج الكاميرات زي ما حضرتك طلبت منه. ولما زايد عرف إننا رايحين البلد اللي عاشت فيها زهروان مع قريبتها حذرني نروح إحنا أو قريبتها لأننا نعتبر كلنا مترقبين.
ليخرج سريعًا من السيارة وهو يرى يحيى يهرول خلف سيارة. يترجل مهرولاً خلف حسن ليعرف ماذا حدث جعله يفعل هذا.
بعد دقائق عاد وبجواره يحيى يضرب يد بأخرى.
زايد: يلتقط أنفاسه. حصل إيه خلاك جريت ورا العربية دي؟ أنا افتكرتك شفت زهروان.
يحيى وقف بجوار الجميع ينظر لأحلام يهز رأسه: ملحقتهاش ركبت العربية وجريت. حتى ملحقتش آخد نمرها.
عبدالرحيم: ماتفهموني في إيه ومين اللي بتتكلموا عليها.
يحيى: دي إلينا شفتها واقفة برة المستشفى وجات عربية وركبت فيها. جريت الحقها وأنزلها قبل ما تحكي حاجة عن مكان زهور بس ما لحقتهاش.
أحلام: إلينا تعمل ليه كده؟ وكمان هي زهور عملت ليها إيه عشان تأذيها؟
حسن: كده في خطر أكبر على زهور لو وصلوا قبلنا. لازم نتصرف بأي طريقة.
يحيى: أحلام هي إلينا عارفة عنوانك بالبلد؟
أحلام: أنا عمري ما قلت لحد حتى ليك كنا عايشين فين. وزهور ما كانتش بتحب تتكلم عن البلد نهائي مع حد. متهيألي زهور ما حكتلهاش.
زيدان: ممكن ندخل جوة المستشفى أو نركب العربية. وقفتنا بالشارع كده مش لطيفة وهتلفت الانتباه وكشفت تصرفاتنا وكلمنا واضح للرايح والجاي.
يبتعد عنهم فور وصول رسالة لهاتفه ينظر للهاتف بذهول يقترب من والده ويشير له مبتعدًا عن الجميع.
زهور الأم تنظر لهما باستغراب فما يحدث ولما وجه زوجها وابنها مكفهرين؟ ما خطب تلك الرسالة؟
يحيى: إزاي فات عليا ده؟ فينا نتأكد زهور بالبلد ولا لأ.
عبدالرحيم: بلهفة. إزاي؟
يحيى: بكر ابن أحلام عايش بالبلد. نتصل عليه وهو يروح يشوفها بالبيت ويعرفنا. لقاها يجبها ويجي. ملقاهاش يبق وفر علينا سفر طويل. ممكن ندور عليها هنا واحنا خلاص قربنا على الفجر. ومين عارف ممكن تكون رجعت للحارة واحنا هنا.
أحلام: عندك حق يا يحيى. زهور ممكن تكون رجعت للبيت. يلا بينا نرجع البيت.
زهور: اتصلوا الأول بابنك يا ست أحلام يعرفنا زهور هناك بالبلد ولا.
يحيى أخرج هاتفه يتصل على وائل ليأتيه الرد بعد لحظات.
يحيى يتحدث سريعًا: بكر اعذرني بتصل بيك في الوقت المتأخر ده بس في حاجة مهمة عاوزك فيها.
***
زايد أفاق من نومه على اتصال هاتفي فتح الاتصال بعد أن رأى اسم المتصل. يضع الهاتف على أذنه يستمع للمتحدث. يستمع لما يقوله دون مقاطعته حتى انتهى من سرد كل ما لديه. ليبدأ زايد بشرح ما عليه فعله بعقلانية وهدوء. انتهى من الحديث وأغلق الهاتف.
ابتسم وهو يرى طفلته المدللة تنام بجواره. اعتدل بنومته مقبل رأسها وينهض بخفة من جوارها.
يفتح خزانة ملابسه يفتح درج صغير بها مخرج أوراق ومبالغ مالية وعلبة من الخزف الكبيرة. وضع كل شيء بحقيبة سفر كبيرة. حمل الحقيبة بين يديه وخرج بسرعة من الغرفة.
توجه إلى غرفة نوم الفتيات وجمع كل ما بالخزانة من حلي وأوراق خاصة ونقود. وأيضًا غرف شقيقاته فعل ذلك ولم يستطيع الدخول لغرفة شقيقه. انتهى من جميع الغرف وهبط بخفة لغرفة والديه فتح خزانة كبيرة بالضغط على الأرقام السرية وأخرج ما فيها من نقود وأوراق وضعهم بالحقيبة.
بعد انتهائه من وضع جميع مقتنيات والدته وذكرياتها اقترب من باب الغرفة يفتح الباب يقف بجانبه ينظر خارج الغرفة ليُرى هل هناك أحد. يتنهد براحة يخرج من الغرفة بخطوات واسعة رغم ثقل الحقيبة واتجه لمكتب والده فتح أدراج المكتب وأخرج جميع الملفات الهامة به وجميع الصور العائلية على المكتب ويغلق الحقيبة جيدًا ويخرج من باب سري بغرفة المكتب يدخل بممر يضغط على زر الكهرباء ليضيء الممر الطويل حتى خرج منه لمكان ما واضع الحقيبة.
يعاود أدراجه للقصر مرة أخرى كما خرج منه دون أن يراه أحد يدخل المكتب يجلس بأريحية تجاه صورة معلقة على أحد جدرانه ينظر لها دون حديث. لينهض سريعًا يجمع كافة الصور المعلقة ويدخلها للممر ويعود مرة أخرى شعر بالإرهاق والتعب جلس يلتقط أنفاسه. تلقى اتصال هاتفي مرة أخرى وجده من حازم ابنه وكعادته فتح الاتصال يستمع إلى ما يقوله حتى انتهى ليتحدث هو بهدوء ورزانة كأنه يعلم ما أخبره به والده.
زايد: مين جنبك من ولاد عمك.
حازم: أنا وزاهر بأوضتي وزاهر بيتصل بزين يطلع لينا الأوضة من غير ما حد يشعر.
زايد: كويس أوي اتصل بحمزة. وأنتم التلاتة تخرجوا من باب القصر الوراني مش عاوز مخلوق يحس بيكم وتقابلوا حمزة واستنوني بمخزن الشركة. لو اتأخرت عليكم أكتر من ساعة تاخدوا الموجودين فيه وتطلعوا لأي مكان تكون واثق فيه ومأمنه كويس.
حازم: هنخرج إزاي والكل صاحي؟ وأكيد مش هنخلص من أسئلة ماما وعمتو زينا وغادير.
يقف زايد من مكانه: سيب الموضوع ده عليا. أول ما أرن عليك تخرجوا من غير صوت.
يغلق الاتصال معه ويخرج من المكتب تجاه الأصوات بغرفة المعيشة ليتحدث بصوت غاضب.
زايد: أقدر أفهم الهوانم صاحيين لحد دلوقتي ليه؟ مش حضرات عندكم مدارس وجامعات الصبح؟ مش عاوز أسمع نفس. كله على أوضته يلا اتفضلوا. آيات عاوزك ضروري لو سمحتي دقيقة واحدة.
صعدت جميع النساء إلا آيات: نعم يا زايد قلقتني في حاجة.
زايد: أمال تعالي مع آيات على المكتب. يلتف للواقفين.
بعصبية وهو يستمع لهمساتهم ينتفضوا على صوته العالي: مالكم واقفين كده ليه؟ يلا كله يتفضل على أوضته. تلات ثواني لو لقيت واحدة فيكم برة أوضتها مش هيحصلها كويس. لتسرع الفتيات بالصعود ما عدا واحدة تصعد ببطء تستمع لهمسات والدتها وخالتها.
زينا لتقترب من شقيقتها زينب تهمس لها: هو زايد خرج إمتى ورجع إمتى؟ وماله متعصب كده ليه.
زينب: ولا أعرف أخوك. أحواله عجيبة.
زايد: هتفضلوا تتوشوشوا كده كتير؟ يلا يا زينة خدي نيرة وزينب في إيدك واتفضلوا ناموا.
ينظر بعينه تجاه أمال وآيات يحدثهم:
زايد: وحضراتكم واقفين تتفرجوا على إيه؟ أنا قلتلكم إيه؟ ليكم أنتم كمان يلا على المكتب.
صعد الجميع يراقبهم زايد جيدًا يضيق عينيه ويهز رأسه يجز على أسنانه. ويذهب للمكتب يغلقه جيدًا وذهب للجلوس على الطاولة مقابل أمال وآيات.
زايد: بصوت هامس عارفكم مستغربين أنا ليه قاعد كده وبتكلم بصوت واطي ليه؟ هتعرفوا كل حاجة بس أوعدوني محدش يعرف ولا كلمة من اللي هتتقال ومش عاوز أسمع صوت ولا تقاطعوني.
أومأت السيدتان بعد أن شعرتا بخطورة الحديث.
زايد أخرج هاتفه ووضعه أمامهما وتجحظ عيناهما وهما يريا شقيقتهما نيهال مع شخص يعرفونه جيدًا يدلفون إحدى الغرف.
زايد: بالصدفة النهاردة بعد اختفاء بنت زايد واطبع أنتم عارفين اللي حصل واتهمها بالسرقة واختطاف شخص. بالصدفة وأنا براجع كاميرات كل طوابق الفندق لقيت التسجيل اللي أنتم شفتوه قدامكم. ولما رجعت التسجيلات القديمة لقيتها من فترة بالفندق وزي ما أنتم شايفين الهانم قاعدة في السويت الخاص بزياد الله يرحمه واللي مقفول من وقت وفاته. ومحدش يقدر يدخل السويت ده من العاملين أو يفتحه وممنوع يتحجز لأي حد من نزلاء الفندق. يبقى ده مالهوش غير معنى واحد. إن كده في حد جوة الأوتيل هو اللي مساعدها بده. وطبعًا الحد ده مش بتوع الاستقبال. وبرضه القدر زي ما حطها بطريقي بتسجيلات الكاميرات ظهر الشخص ده قدامي وأنا عرفته وقدرت بطريقتي أوصله. وهو بمكان الجن الأزرق ميعرفش يوصله. كل ده مش مشكلة. ما خفي كان أعظم. الهانم لسه ما اتعظتش من اللي حصل وموت عمي من أفعالها. رجعت مع الحيوان جوز زينا. وبيلعبوا لعبة كبيرة عشان يخلصوا منا كلنا. جندوا ناس من الأمن والشغالين هنا ومعاهم نيرة تبلغهم كل كلمة وكل حركة بنعملها لحظة بلحظة. الهانم بتساعد أبوها الخاين. بس أنا مكنش زايد الغمراوي لو ما أدبتها.
أمال وآيات ينظران إلى بعضهما بعيون ممتلئة بالدموع. هاي هي شقيقتهما تعود مرة أخرى لعمل المشاكل غير عابئة بما حدث في الماضي ووفاة والدهما قهراً من فعلتها.
أمال بصوت متحشرج من البكاء: هي مكفاها اللي عملته واللي عشناه بسببها. حرام عليها هي عايزة منا إيه؟ مش كفاية بابا توفى بسببها واحنا حياتنا اللي تقريبًا منعدمة. هي لسه عايزة منا إيه.
آيات: تضع يدها على فمها تكتم شهقاتها. لو انت شاكك فينا إننا بنساعدها.
يقاطعها زايد بحدة ضاربًا الطاولة بيده: أنا لو عندي شك واحد في المليون فيكم كنت محيتكم من على وش الدنيا. أنا عارف كويس مين اللي بيساعدها جوة البيت وبراه وحسابهم شديد معايا. أنا حبيت أعرفكم من البداية الموضوع. تاخدوا حذركم لتكونوا أول من يعرف ما تنصدموش من اللي هيحصل. دلوقتي بقى بطلوا عياط واسمعوني كويس. كل واحدة فيكم هتعمل إيه. أمال هتطلعي أوضتنا سيسيليا نايمة هناك بشويش تفوقيها وتجيبها وتيجي على هنا على المكتب. وانتِ يا آيات تجيبي أي أوراق مهمة عند زيدان ومجوهراتك وأول ما أرن عليكِ تنزلي على هنا.
يلا اتفضلوا اعملوا اللي قلت عليه.
ليلتقط هاتفه من على الطاولة يرسل عدة رسائل و عدة اتصالات هاتفية يأتيه إشعار ينهي الاتصال سريعًا يفتح عينه بذهول وهو يرى ويسمع لما يحدث.
***
داخل غرفة غادير اجتمعت الفتيات يكملن ما كانوا يفعلونه. وغادير شاردة تتلمس شفتاها بين الحين والآخر تتذكر حركات زاهر الجديدة عليها تحدث نفسها.
غادير: معقولة اللي حصل؟ مش قادرة أصدق زاهر هو اللي عمل كده. تلمس أنفها وتتذكر مداعبته لها. أكيد أنا كان بيتهيألي ده خرج زاهر ورجع واحد تاني خالص. تتسع ابتسامتها تتذكر حديثه لشقيقه زين يؤكد عليه بأنها زوجته.
لتعود من شرودها على صوت الفتيات ينادونها.
غادير: تحمحم بحرج. سوري شردت شوية.
نورين: إيه ال واخد عقلك.
غادير: أبداً، سرحانة في زهروان. ياترى هتعمل إيه؟ هتوافق تعيش معانا ولا هترفض؟ هتتعامل معانا إزاي؟ إننا أقاربها ولا أعدائها؟ لما تعرف إنها صاحبة أكبر سلسلة فنادق في البلد، ومش بس كده، أراضي وبازارات سياحية وباخرة نيلية سياحية، هيكون موقفها إيه؟ بحاول أخمن ردود أفعالها. بتخيل سيناريو براسي وقدام عنيا. بنت عاشت سنين بفقر كبير، فجأة تبقى مليونيرة، ومن أكبر وأعرق عائلات بالبلد.
جنا (ابنة عمتها زينة): فعلاً بحاول أكون فكرة عنها. مش قادرة، بس أكيد هتفرح. وأكيد هتصرف ببذخ. تعمل شوبنج لحاجات بلدي وعلى ذوقها. ولا لبسها! ياااي! مش قادرة أتخيل.
غادير: بلاش التفكير السلبي ده. إحنا بنتكلم دلوقتي في تقبلها وجود عائلة وقرايب، وخصوصاً مقابلتها حمزة.
نورين: بلاش نسبق الأحداث. أنا أكتر حاجة شغلاني، هي فين؟ معقولة محدش عارف يوصل لمكانها؟ مش غريبة دي.
غادير: عندك حق. في لغز في الموضوع وإحنا لازم نعرفه.
لتلتفت للجالسة بصمت تنظر إلى هاتفها الذي لا يتوقف من إرسال الإشعارات كل ثانية.
غادير: نيرة، مالك ملتزمة الصمت ليه؟ وإيه حكاية الرسائل دي؟ من وقت ما دخلنا الأوضة واحنا مسمعناش صوتك، وعينيكِ على التليفون. مش ترفعينهم؟
نيرة: (بتوتر) هقول إيه؟ أنتم شاغلين بالكم. تيجي تختفي؟ أنا ما يهمنيش. كل اللي يهمني مستقبلي وبس. وفي نفس الوقت مش هسمح لها تأخذ حقوقنا.
غادير: وايه كمان يا ست نيرة؟ وحقوق إيه اللي بتتكلمي عليها؟ دي ورثها من أبوها. مالناش في أي حقوق.
نيرة: أنا رايحة أوضتي. الكلام معاكم مافيش منه فايدة.
خرجت نيرة مغلقة الباب خلفها وأسرعت بدخول غرفتها، تزامنًا مع صدوح صوت هاتفها.
نيرة: (تبتعد عن الباب، تقترب من الشرفة) تتحدث بصوت خافت. بابي.
والدها: نيرة، ساعة ببعتلك رسايل ومش بتردي. ها، طمنيني، وصلوا لمكان البنت ولا لسه؟
نيرة: لا لسه. محدش عرف مكانها. ولاد خالو رجعوا معرفوش يوصلوا لها. جدو وخالو وتيتا بيزوروا قرايبتها ومعرفش عنهم حاجة. وخالو زايد متعصب. والبنات زي ما هما عاملين يتكلموا وخلاص.
والدها: كلهم في البيت دلوقتي؟ انتي متأكدة.
نيرة: أيوه متأكدة. وكلهم تعبوا من السهر وهيناموا. وأنا كمان تعبانة وهنام أول ما أقفل مع حضرتك.
والدها: (بعصبية) تنامي إيه؟ فُوقي كده. هقولك إيه واسمعيه كويس. بعد ما تتأكدي إن كلهم ناموا، اخرجي من الفيلا. هتلاقي اتنين من الأمن. سامي إنتِ عارفاه وواحد معاه. بس قبلها تروحي المكتب تجيبي أي ورق تلاقيه باسمي وتخرجي بسرعة، لأن بعد عشر دقايق البيت ده كله هيولع.
نيرة: بابي، بتقول إيه؟ ومامي وجنا وجميلة وصافي؟
والدها: (بحقد) متقلقيش. عامل حسابي وهأخرجهم بالوقت المناسب.
نيرة: أوك. هقفل مع حضرتك وأطمن إنهم ناموا وأبلغك.
كل هذا تحت سمع زايد، الذي يكاد يكسر الهاتف بيده. يعود بذاكرته قبل ساعة حين تلقى اتصال من أحد رجاله، يبلغه فيه بكشف من يساعد نهال وزوج شقيقته السابق من داخل المنزل. ليذهل مما يسمع. ليقرر وضع كاميرا صغيرة بأحد زوايا الغرفة الخاصة بمن ذُكر اسمها من قبل رجاله. ليتأكد. وها هو تأكد من صحة ما سمعه.
يهدأ من روعه دخول زوجته وبيدها ابنته سيسليا، وخلفهم آيات بعد دقائق منهما. ليصطحبهم في هدوء ويدخلهم لذلك الممر السري. ويخطو أمامهم دون حديث، حاملًا ابنته بتملك، ونيران تخرج من عينيه، حتى وصل لنهايته، تاركًا إياهم.
زايد: استنوني هنا عشر دقايق. اتاخرت تكملوا للآخر. هتلاقوا باب تفتحوه وتدخلوا البيت. متخرجوش منه لحد ما الباقين يوصلولكم.
آمال: زايد، هو فيه إيه بالظبط؟ وليه الغموض ده؟ وحكاية المكان ده إيه؟
زايد: (بحدة) يعطيها سيسليا. أمال، مش وقت أسئلة. اعملوا اللي قلت عليه. ومهما حصل، إياكم تجوا ورايا، مفهوم؟
زايد أجرى اتصالًا هاتفيًا: زايد، غادير، إنتي لوحدك ولا حد معاكي من البنات؟
غادير: أيوه يا عمو، معايا جنا ونورين وجميلة.
زايد: كويس أوي. بشويش من غير صوت. تعالي المكتب إنتي وهما من غير ولا صوت، ياريت. وإنتي خارجة تقفلي أوضتك بالمفتاح. ونبهي على البنات ما يعملوش صوت.
غادير: (بقلق) عمو، فيه إيه؟ قلقتيني.
زايد: (بحدة) غادير، انجزي. ما فيش وقت. اعملي اللي بقولك عليه.
غادير تنظر للهاتف بعد قيام زايد بغلقه، تحدث البنات: بسرعة، عمو زايد عاوزنا بالمكتب بس من غير ما نعمل صوت.
نورين: غريبة دي. خالو زايد بالمكتب والساعة دي.
غادير: يلا، ما فيش وقت.
جنا: مقلش نجيب نيرة معانا؟
غادير: لا، قال إحنا الأربعة وبس. بسرعة، شكل فيه حاجة مهمة.
خرجت الفتيات وهبطن الدرج سريعًا. يجدن زايد يقف أمام باب المكتب ينظر في ساعة يده.
زايد: يشير لهن بالصمت أن يدخلن خلفه.
زايد: ادخلوا هنا. هتلاقوا أمال وآيات. استنوني معاهم من غير كلام، مفهوم؟ يلا، اتفضلوا. ما فيش وقت.
أغلق باب الممر خلفهم وأكملوا هم الطريق حتى وصلوا لأمال وآيات.
زايد صعد إلى غرفة زينب شقيقته، تحدث معها قليلًا وتركها، وذهب لغرفة زينا التي كانت استعدت للنوم. تفاجأ بدخول زايد غرفتها دون استئذان. تهب واقفة من الخضة.
زايد: اهدي يا زينا. غيري هدومك وحصلينا على المكتب. متنسيش تقفلي النور بعد ما تخرجي من غير صوت يا زينة.
زينة: هو فيه إيه يا زايد؟
زايد: بسرعة يا زينة، وهتفهمي كل حاجة لما تنزلي.
خرج زايد وأبدلت زينة ملابسها سريعًا وخرجت تتقابل مع شقيقتها زينب ويتساءلان ماذا هناك؟
نيرة: كادت تخرج من الغرفة. وقفت عند سماعها صوت خارج الغرفة. ابتعدت عن الباب وأغلقت إضاءة الغرفة خوفًا من كشف أمرها. ظلت فترة تقف خلف نافذة الغرفة تراقب من يقف بالحديقة يتحدث بالهاتف. تنظر بالهاتف، ترى اتصال من والدها يسألها عن نوم الجميع. تجيبه بأنها ستتأكد. يحدثها: اخرجي بسرعة أول ما تتأكدي من نوم الجميع.
زينب وزينة وصلتا المكتب يجدن زايد يشير لهن بالصمت ويغلق الإضاءة. تصعق زينة وهي ترى ابنتها تتحدث بالهاتف. تصق وجهها وهي تسمع حديثها. زينب، شقيقتها، تضمها تهديء من روعها.
زايد: أغلق هاتفه نهارها بغضب. زينة، بطلي شغل الجنان ده لو سمحتي. لينا كلام بعدين. دلوقتي اتفضلوا معايا. ما فيش وقت.
زينة: نروح فين؟ أنا طالعة لـ.
ليقطعها زايد: مش عاوز كلمة زيادة. ما فيش وقت. هي اختارت أبوها بعد اللي عمله. وهي كانت حاضرة واعية لكل حاجة.
زينة: دي متفقة معاه يحرقوا القصر! مش سامع كلامها. هنسيبهم يعملوا كده؟ أنا لا يمكن أفضل ساكتة. أنا أموتها بإيدي ولا أخليها تروح لأبوها بالشكل ده.
زايد: اهدي يا زينة. معتش وقت. يدوب نلحق. نيرة مش لوحدها. نيرة والأمن والشغالين باعونا، فاهمة؟ بعدين هعرفكم كل حاجة. دلوقتي لو سمحتي امشي معايا من سكات.
فتح زايد الباب السري للممر وأدخل شقيقاته وأعاد إشعال ضوء غرفة المكتب وأغلق الممر خلفه. وبدأ يخطو ممسكًا بيد زينة التي تحاول العودة لابنتها.
زينة: سبني يا زايد، سبني أقطعها بسناني الحيوانة دي. بعد كل اللي حصل، تترمي في حضنه.
زايد: أفلت يدها. صقها على وجهها: قلتلك اهدي. سبيها تروح لأبوها. هي اختارته. ضحك عليها. هي بنفسها هتيجي ندمانة لما تعرف حقيقته.
زينب: (بحزن على حال شقيقتها) اقتربت منها. اهدي يا زينة، اهدي. كلام زايد صح. خليها تشوف بنفسها حقيقته، بكرة ترجع ندمانة لما تصدم فيه.
زينة: تنزل على قدميها، تضرب الأرض بيدها: قصرت في إيه معاها عشان تعمل كده؟ تتفق مع أبوها على حريق القصر؟ مخفتش علينا؟ مخفتش على أخواتها وأمها؟ مخفتش على عائلتها اللي ربوها؟ تبكي بقهر، وجهها للأرض.
سمع الجميع ما حدث، يلتفوا حولها. تقترب منها بناتها يبكين على حالتها.
نيرة: خرجت من غرفتها بهدوء. تنظر يمينًا ويسارًا تتأكد من عدم وجود أحد وهدوء بالمكان. تهبط الدرج سريعًا. ترى إضاءة بغرفة المكتب. تخرج لخارج القصر. تجد الرجال الذين أخبرها عنهم والدها. فور خروجها قابلها المدعو سامي ويشير لمن معه بحرق القصر.
ليقوم الآخرون بإلقاء العبوات التي بأيديهم وتشتعل النيران بسرعة البرق في ذلك المبنى.
تتذكر نيرة طلب والدها أوراق تخصه من غرفة مكتب جدها. لتسرع تجاه القصر الذي أصبحت تخرج ألسنة النيران من كل جوانبه. تدخل المكتب تبحث في أدراجه تجد ظرفًا مكتوبًا عليه اسمه. تلتقطه سريعًا وتأتي تخرج من غرفة المكتب تجد النيران بكل مكان. تعاود الدخول لغرفة المكتب الذي بدأت النيران تلتهم أجزاء منها. ليسقط ما تحمله بيدها أرضًا وهي تصرخ من إحاطة النيران بها.
صوت صرختها سمعه من داخل السرداب. ليهب زايد يفتح لها وينقذها. ليتق متسمرًا وهو يري شقيقته تتمسك بقدمه تمنعه من ذلك.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السبعون 70 - بقلم منى عبدالعزيز
وصل الشباب إلى المخزن. وجدوا مجموعة من الأمن واقفين، وهناك أربعة أشخاص مقيدين بزاوية المخزن. اقتربوا من أحد أفراد الأمن يسألونه عما يحدث ومن هؤلاء.
حازم أول من تعرف على أحدهم. اقترب باستهزاء، واضعًا يده في جيب بنطاله، مبتسمًا بسخرية وهو يوزع نظراته من أعلى لأسفل. انحنى صوبه يتحدث بغضب:
"كنت فاكر هتفلت بفعلتك ومش هتنكشف؟ عضيت الإيد اللي وثقت فيك وكبرتك. نسيت كنت إيه وبقيت إيه؟ نسيت مين ساعدك ومسكك منصبك بالفندق والثقة اللي اديتهالك؟ خليناك واحد منا. كنت شايف فيك الصديق الوفي. سبتلك كل حاجة وعليت عليك. قلت صاحب عمري وزي أخويا ومتربيين سوا. في الآخر تطلع إنت سبب الفساد ده كله؟ شفت مني إيه عشان تورطني بالشكل ده."
لم يتمالك حازم نفسه وأخذ يسدد اللكمات له. استمع إلى ما يقوله ليتوقف بصدمة. نظر لأخيه وأبناء عمه بخوف وهلع. اقترب منه مرة أخرى، أمسكه من تلابيبه، وضربه بقوة.
مع كل كلمة يسمعها.
"ههههه اضرب، خرج كل اللي جواك. زود الاتهامات اللي هتدخلك السجن من أوسع أبوابه. عد على إيدك كده. أولاً: تهرب ضريبي، تزوير في دفاتر الحسابات، طمس الأرباح وإعلاء الدائن. ثانياً: استخدام مواد منتهية الصلاحية وتعبئتها في عبوات عالمية. ثالثاً: استخدام الفندق في أعمال منافية للآداب والتربح بعمل صالة للمراهنات دون إبلاغ الغرفة التجارية أو شرطة السياحة. رابعاً: عدد العمال الوهميين في السجلات والمرتبات اللي بتتمضي عليها وبتدخل جيبك الخاص. خامساً: بلاغات السرقات من غرف النزلاء. سادساً: خطف وتعذيب مواطن لإجباره على تغيير شهادة لصالحك."
أطلق ضحكات هستيرية، وأكمل: "فاكرين نفسكم أذكياء وإنكم سابقين بخطوة وتقدروا تلحقوا تنقذوا ما يمكن إنقاذه؟ ههههه. اللي متعرفوهوش إن كل حاجة متخطط لها كويس أوي، وإحنا اللي كشفنا خيوط اللعبة. بداية من الكاميرات اللي سجلت ظهور مدام نهال لحد دلوقتي. هههه. اللي متعرفوهوش بقى إنها عرفت تفكير أبوك صحيح، كشفت الأوراق بدري، بس كله عشان ظهور بنت عمك. لولا الصدفة خدمتها وقدرت تهرب، كان زمانها بتقروا الفاتحة على روحها. هههه. بس ملحوقة، هتقراها بالسجن."
أشار إلى حازم بالاقتراب منه.
"تعرف إنكم دلوقتي متهمين بإيه؟ ههههه، بحرق الشركة والمخازن لطمس الأوراق اللي تدينكم. أحب أقولكم باي باي يا آل الغمراوي، باي باي، أشوفكم بالسجن وأنا بزركم وجايب لكم عيش وحلاوة ههههه."
ابتلع حازم ريقه بصعوبة. ضرب هذا الشخص لكمة قوية أسقطته أرضًا. نزل لمستواه يتحدث بفحيح متوعدًا.
"بالترجي الموت ولن أسمح له."
أطلق الآخر ضحكة هستيرية. نظر إلى حازم، ووزع النظرات بين الثلاث شباب، وصرخ بهم ليصعقوا مما سمعوا.
"الساعة خمسة بالضبط كل أملاك الغمراوي هتتساوى بالتراب. لا ومش بس كده، رجالة الغمراوي كلهم هيكونوا بالسجن بما فيهم عبد الرحيم باشا الغمراوي. ههه. إنتوا بقى يا حرام متصورين وإنتوا داخلين على هنا؟ يا أخي لما يكون رزقك في رجليك تكون عامل حسابك على زين، ولو صدفت يبقى حازم أو حمزة إخوه. سبحان الله، تجوا إنتوا الأربعة. هههه. مبروك عليكم السجن يا بشوات. بصوا في ساعتكم وعدوا وشوفوا بعينكم الشركة بكل اللي فيها بتولع ههههه."