تحميل رواية زهور بنت سلسبيل بقلم منى عبدالعزيز pdf
بقلم منى عبدالعزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحلام تركت سلسبيل ودخلت غرفتها تدور حول نفسها. أحلام: هعمل إيه في المصيبة دي؟ لازم أتصرف قبل ما يحصله حاجة أو يفوق. وساعتها هيِهد الدنيا على دماغي ومش بعيد يستغل ده ويورطني معاه. لأ، لازم أبعد من هنا. تَمد يدها وترفع قدميها تقف على أطراف أصابعها، تجذب حقيبة من فوق خزانة الملابس. تضعها على الفراش وتلتف، تفتح دولابها تجمع ملابسها وأشيائها في حقيبة قديمة. فتحت أحد الأدراج أخرجت ما به من نقود وأوراق، وضعتهم بعشوائية على ملابسها. أغلقت الحقيبة بإهمال من شدة توترها. ورعشة جسدها ظلت تجوب الغرفة تبحث عن...
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم منى عبدالعزيز
زايد جالس بمكتبه في فندق الزهروان ممسك بيده هاتفه ينظر إلى صورة فيه تارة وإلى صورة بإطار أمامه على المكتب يحدثها وعلى وجهه ابتسامة تملأ فاه.
زايد: سمتها سليا، كنت حابب أسميها سلسبيل على اسمك بس اترددت، لأن مش هقدر أنكر عشقك اللي محفور على جدران قلبي. خفت يتهموك بحاجة مش فيك ولا تعرفيها، يقولوا كلام يقتلني، يلوموا حبي ليك.
على آخر لحظة كتبتها سليا، قلت اسم جامع حروف اسمك.
إن كنتِ أنتِ العين والمياه العذبة السهلة وحلوة المذاق، فـ سليا هي الجنة والأراضي الخضراء الملينة بالخير الواسع والحدائق الجميلة اللي بتروي من المية الحلوة.
كنت أتمنى سليا تكون بنتي أنا وإنتي، بس القدر بعدك عني، حرمني منك. ليه يا سلسبيل تحرمني منك للأبد؟ لدرجة دي بتعشقي زياد؟ لدرجة دي فضلتيه للمرة التانية عليا؟ رحتي ليه وسبتيني أجنن بحبك؟
ليه استكترتي نفسك عليا؟ ليه حرمتيني أرتوي منك؟
ينظر لها نظرة مطولة، يمسك الإطار أمامه ويضمها لصدره، يشتد بضمها، ينزعها سريعاً ويضعها في أحد الأدراج ويغلقه سريعاً.
لازم أحط حد للجنون ده، لازم أخف من عشقك أنت، جرعة زايدة مش عارف أخلص منها، لازم أقاوِم.
يقف سريعاً ويتجه ناحية الباب.
أنا آخر مرة هدخل المكتب ده، هيتقفل بكل اللي فيه. طول ما أنا عايش مش هيتفتح أبداً مرة تانية غير لما أتعالج منك، وقتها بس المكتب ده هيتفتح.
ليذهب سريعاً خارجاً من المكتب قبل أن يضعف ويعود مرة أخرى.
يغلقه خلفه بمفتاحه الخاص.
يشير إلى سكرتيرته الخاصة: المكتب ده ممنوع فتحه لأي سبب من الأسباب، والإدارة من بكرة هتتنقل للمكتب القديم.
يترك الفندق ويعود إلى منزل العائلة، يصعد مسرعاً إلى غرفة نومه. يدق الباب ويفتحه بلهفة، يلقي السلام على زوجته التي تنظر لمن تجلس بجوارها على الفراش باستغراب، وهو يتجه إلى فراش صغيرته، يحملها بحب، يقبل يدها الصغيرة ووجنتها، يجلس على أقرب كرسي وعينه عليها.
يرفع عينه لزوجته يحدثها.
زايد: صغيرة أوي، شوفي إيديها صغيرين أوي.
لا تزال تنظر له وتعود بالنظر لشقيقتها التي وقفت تكتم ضحكاتها وخرجت من الغرفة دون أن تتحدث بكلمة. تهز رأسها لشقيقتها وتخرج من الغرفة، تغلق الباب خلفها وتنفجر من الضحك وهي تستمع لكلمات زايد.
زايد: إيه رأيك لو نعرضها على دكتور تغذية يفحصها ويديها فيتامينات وأدوية تساعدها تكبر بدل ما هي صغيرة أوي كده؟
أمال، زوجته، تحدثه بحدة قليلة: زايد، أنت واعي لكلامك؟ فاهم بتقول إيه؟ البنت يدوب عمرها يومين ووزنها كويس جداً ومناسب.
زايد: ينظر إلى سليا ويعاود تقبيل يدها متجاهلاً حديث زوجته والحدة بها. يرفع يدها.
صغيرة أوي، أوي، عايزك تتغذي كويس عشان ترضعي وتكبري بسرعة.
أمال: زايد، أنت طبيعي؟ بتتكلم بجد ولا بتهزر؟
زايد: يعتصر بداخله، يجاهد بنطق كلمة تهدأ ما بها.
أكيد يا حبيبتي، متأكد. عايز سليا جميلة زي مامتها، جميلة وحنينة وقلبها طيب، بس يا ريت ما تاخدش عصبيتك ولا صوتك العالي. حاولي الفترة الجاية صوتك يكون أهدى من كده. أوعدك إني ههتم بيكِ وبيها، ولو محتاجة حد معاكي ياخد باله منها ويرعاها، قوليلي وفي نفس اليوم تكون عندك اللي تساعدك.
ليقف وهو يحمل صغيرته، يقبل جبينها وهو يتلمسها بيده.
زايد: سمي الله وشيليها، وأنا هنزل ثواني أطمن على ماما وأجي أغير ليها معاكِ.
خرج زايد من الغرفة، يهبط الدرج بسرعة متوجهاً إلى غرفة والده.
أمال تنظر في أثره، عينها على الباب، تكاد تنفجر من الغضب. تنظر إلى ابنتها تحدثها.
أمال: إيه سر تعلقك بيها؟ وليه سليا بالذات؟ أنا كنت هسميكي على اسم ماما. لازم أعرف سر إصرارك على الاسم الغريب ده. محدش فاهمك قدي يا زايد، أكيد فيه سبب لكده. مش أنت اللي تعمل حاجة قبل ما تخطط ليها. صدقني لو كان اللي في بالي صح، أوعدك لا تشوف أيام ما كنتش تتخيلها.
نهال عندها حق، زايد مش طبيعي. طول عمره عملي، جوازنا كان عادي، علاقة أهالينا رسموها لينا واتقبلناها. حتى زاهر وحازم لما اتولدوا ما فرحتش كده ولا اهتم بيا في الحمل ولا الولادة، حتى أسميهم ما شغلش باله بتسميتهم. أكيد نهال عندها حق. أكيد مش هكون أمال اللي لما عرفت سر تغيرك كده.
لتضع الصغيرة بجوارها وتلتقط هاتفها تجري اتصال هاتفي.
زهور جلست بإرهاق في إحدى زوايا المستشفى. بعد قليل شعرت بالجوع، أخرجت من حقيبتها زجاجة مياه صغيرة وحقيبة بلاستيكية بها سندوتشات. أخرجت واحداً، سمت الله وقربته من فمها، أخذت لقمة ملء فاها، تلوكها وهي شاردة. لتنتفض فور خطف أحد منها طعامها.
زهور: تنظر بحدة وتتكلم وهي تبلع ما في جوفها بسرعة.
على فكرة دي مش تصرفات دكاترة عاقلة إنك تخطف الأكل من إيديا بالطريقة دي. لو جيت وقلت ممنوع الأكل هنا كان أفضل.
لتفتح فاها ببلاهة وعيونها تكاد تخرج من مقلتيها وهي ترى الطبيب التهم الطعام بيده، وانحن لأخذ آخر، التههمه في قضمتين، وأتى يمد يده لأخذ قطعة أخرى.
زهور: اختطفته منه. حيلك حيلك، هو جيت أدوقه ولا إيه؟ ابعد عني، أنا جعانة. ما اكتفيتش من امبارح جعان؟ نتقاسم فيهم، لكن تاكلهم من غير ما تسمي، يبقى ده إيه؟
الطبيب: يسعل من شدة الضحك، ليشير لها على زجاجة الماء.
زهور: مدت يدها له.
حتى المية معتقتهاش؟ خد يا عم، وابقى حبها على نفسك. عندك مستشفى كبيرة وعلى قلبك فلوس قد كده وبتستخسر تاكل؟ اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب. بلاش تكون بخيل وتبخل. تاكل وتبر نفسك عشرين تلاتين جنيه مش هيضيعوك.
الطبيب أحمد: لم يعد يتحمل كتم ضحكاته وهو يشرب، ليسعل بشدة وتخرج المياه من فمه على وجهها.
زهور: إيه اللي بتعمله ده؟ أقطع دراعي إن كنت دكتور. هو في دكتور بيعمل اللي بتعمله ده؟
أحمد وهو يحاول أن يتماسك ويكتم ضحكاته بصعوبة يحدثها بصعوبة: هم الدكاترة بياكلوا إزاي بقى يا بخيلة هانم؟
زهور: أنا بخيلة وحضرتك إيه؟ دانت لسه عايم مني عشرين ألف. شوف بقى عندك كام عيان بيدفعوا بالألوف ومستخسر تجيب أكل.
أحمد: الله أكبر في عينيكي. بتنقي عليا عينك عينك؟ طب احسدي من ورايا مش قدامي كده. نرجع لموضوعنا، بلاش تخدنا لحوارات تانية. من وجهة نظرك الدكاترة بياكلوا إزاي؟
زهور: بطراطيف صوابعهم مش زيك. كلت الأكل في لقمة. على العموم خد الباقي، شكلك جعان، كلهم وأنا هنزل أجيب غيرهم وأمري لله.
أحمد: بابتسامة. لا خلاص، نفسي أسعدت من كلامك. قالها وهو يلتهم الأخير.
زهور: تبتعد عنه. ماهو واضح إن نفسك أسعدت. اللي قولي يا دكتور، هتدخل عملية إمتى؟
أحمد: كمان ساعة كده. بتسألي ليه؟
زهور: عشان أروح أنبه على أهل العيان يتأكدوا من كبدته اللي تجوع تاكلها.
أحمد: بذهول من كلامها. يا نهار أسود! مش بينه لون؟ بقيت أنا الدكتور أحمد المغربي، أشهر جراح قلب في مصر، تقوليلي آكل كبدة المريض؟
زهور: تبتعد عنه. دكتور إيه وجراح إيه؟ والنبي شكلك ناجح بالواسطة زي ابن أبلة شيماء، مش بيعرف يكتب اسمه والأبلات بينجحوه عشان أمه ما تسقطش عيالهم في الامتحانات.
قالت كلماتها وهي تمشي من أمامه تهز رأسها وتحدث نفسها.
زهور: أنا هلكانة، مش قادرة أقف على رجلي. هنزل السلالم دي كلها وأمشي لحد ما ألاقي محل أكل، وأرجع أطلع من تاني. يا لهوي منك لله يا سكرة، عينك من الصبح راشق في الشغل، أهو القرشين هيضيعوا على الأكل.
لتصرخ وهي ترى نفسها معلقة في الهواء. يخرج على صوت صرختها بعض مرافقين المرضى والممرضات.
ليدخلها إلى مكتبه ويغلق الباب ويجلسها على المكتب.
أحمد: اخرسي! إيه سرينة واتفتحت؟ عاوز أتكلم معاكي وأعزمك على الأكل. إيه رأيك؟
زهور: مش بقولك شكلك مش دكتور، أصل بالعقل كده في دكتور بيعمل عمايلك كده.
أحمد: خديني على قد عقلي واقبلي عزومتي على الأكل، وبعدين نشوف حوار مش دكتور دي بعدين.
زهور: تومي برأسها بالموافقة. ياريت حضرتك متتأخرش عليا، أنا تعبانة وعايزة أطمن على ستي قبل ما أنام.
أحمد: هخرج خمس دقايق أشوف إجراءات العملية والمريض أخد أدويته قبل العملية، يكون الأكل جه وناكل سوا.
نزلت من على المكتب، هزت رأسها بالموافقة، وجلست على الكرسي تجاهد في فتح عينها.
ليمر وقت، يدخل الدكتور أحمد لها يحمل بعض العلب على يده.
ليضعهم سريعاً على الطاولة ويتجه إليها ينادي عليها ويضرب وجنتها بخفة.
أحمد: قومي يا زهور، الأكل وصل، قومي عشان تاكلي.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم منى عبدالعزيز
زاهر يجلس في استراحة المطار ينتظر موعد إقلاع طائرته العائدة لانجلترا مرة أخرى. يضع يده على وجنته يبتسم، فهو توقع أكثر من ذلك. نظرة جده له غير مفهومة، كأنه شعر بالفخر بها.
زاهر: ناناه هي الضحية في اللي حصل، لازم أعتذر لها وأطمن على ماما قبل ما أسافر. ازاي مشيت من غير ما أصمم أقبلها.
ليخرج هاتفه ويتصل على هاتف جدته الذي لا تزال تضعه بجيب ملابسها. ليفتح الهاتف بعد قليل.
زاهر: ناناه، آسف، خلفت وعدي معاكي ومقدرتش أوفي بوعدي إن الإجازة دي أدور على بنت عمو زياد.
زهور الجدة: تأخذ نفسًا عميقًا تتحدث بحزن، دموعها تسيل بقوة. أنت خلفت كل وعودك واتفاقك معايا. كلامك لجدك مكنش تحدي، لأ ده أنت كنت بتكسره، بتهينه، بتتعمد ده يا ابني. مهما حصل وشفت بعينيك متحكمش على شخص بمجرد موقف. شفته أنت ليه واخد موقف من جدك؟ الكلام اللي قلته ده يصغرك أنت قبل ما يكسره. لو عملت زي ما بتقول، يبقى بتدمر اسمك قبل منه، بتنهي مستقبلك قبل منه، ماضيه.
زاهر: ناناه، أنا مكنش قصدي الكلام بالمعنى ده. أنا... أنا.
زهور الجدة: خلاص، اللي حصل حصل. عيلتك لو وقعت، أنت أولهم. هتقع كـ... وافتكر كل كلمة هقولهالك. زاهر، أنت اسمك زاهر زايد عبد الرحيم الغمراوي. إن قدرت تغير اسمك وتنجح من غيره، أنا بنفسي هدعمك واقف جنبك. فيه حاجة مهمة فاتت عليك. إنت من صغرك ومن قبل ما يحصل اللي حصل، وأنت بتحب مهنة الطب. فاكر لما كنت بتختار لعبت الدكتور وتفضل تلعب وتكشف على حازم وحمزة وهما صغيرين؟ فاكر لما قلت أنا هكون أكبر جراح في العالم وهكون مشهور؟ وعملت قايمة بأشهر أطباء مصريين وعرب. فاكرة لما عملت سيرش على النت وبقيت تسأل عن أشهر وأعظم أطباء مصريين وعرب وتخصصاتهم وإزاي يتفوقوا وإزاي بقوا مشهورين على مستوى العالم؟ أنا لسه فاكرة كام اسم منهم وجنسيتهم من كتر ما كنت بتقول هبقى تلميذ ليهم. فاكر الكلام ده ولا نسيته؟ فاكر لما مسكت البحث وفضلت تقارن إنجازاتهم؟ ولما إسلام ابن عمتك زينب قالك هات البحث ووريني هتكون فاكر أسماءهم ولا.
زاهر: فاكر، فاكر يا ناناه. وقفت على السلم ووقفت عامل إيدي مايك وبقول كل اسم وتخصصاته. مجدي يعقوب، عبقري القلب. الدكتور محمد غنيم، أشهر أطباء الكلى. إلياس زرهوني، الطبيب الجزائري: رائد تشخيص المرضى بدون جراحة. عمر فخري: الجندي المجهول الذي أنقذ حياة ملايين. مايكل دبغي، الطبيب اللبناني.
الجدة: يا ابني، سيبك من الانتقام واهتمي بإنهاء دراستك. وارجع لجدك ولا أبوك. يتمنوا ليك شر. جدك زيه زي أي واحد بيخاف على عيلته وعاوزكم كلكم يد واحدة. إمبراطورية الغمراوي متكتملة. مافيش واحد فيهم يقول أنا اشتغلت وغيري لأ. فكر في الكلام وأنا مستنية ردك.
زهور الجدة: زاهر، زاهر، استنى ما تقفلش. نسيت أقولك، مامتك ولدت بنت زي القمر اسمها سيليا.
زاهر: أغمض عينه. تيته، لازم أقفل. بينادوا على الرحلة بتاعتي. آسف إني خزلتك. وأوعدك إن هكون زاهر حفيدك اللي هتفتخري بيه. بس مش هوعدك إن عبد الرحيم باشا وزايد باشا هيكونوا سبب في نجاحي، لكن هكون أنا سبب فخرهم. سامحني. مش راجع مرة تانية لمصر إلا لما أوفي بوعدي.
ليغلق الهاتف سريعًا قبل أن يستمع لرد جدته.
ليقف سريعًا ممسكًا بهاتفه ونظارته ومتعلقاته الأخرى، متجهًا إلى مكان صعود الطائرة. ليصطدم في شخص ويعتذر منه.
زاهر: أنت.
***
ممسكًا بهاتفه يترجل من السيارة بسرعة، يشير إلى قائدها ويشكره بعينه. يتحدث بحدة طفيفة.
حسن: أهدي إيه بس، متقوليش أهدي يا حسن. عاجبك حضرتك اللي حصل؟ كل يوم نفس المشكلة.
المتصل: ****
حسن: يا ماما، حبيبة بقت لا تحتمل. بتغير من إيه وعلي مين؟ بعد عشر سنين ولسه زي ما هي، مش بتكبر. بقت دكتورة بالجامعة إزاي.
مرڤت زوجة أبيه: يا ابني، استحملها. دي بتحبك، وغيرتها دي طبيعية للي بيحب.
حسن: بتغير من مين يا ماما؟ نسمة اللي أقل كلمة بتراضيها وبتعمل مهرجان لو بس قلت لها شكراً. ماما حبيبة بتغيرني أنا بينها وبين نسمة. لأ مش بتغيرني، دي بتلو دراعي. بتستغل حبي ليها وبتستغل ده. بقت أنانية. حتى بعد ما الأسبوع كله معاها ويومين لنسمة، هي اللي بتختارهم بمزاجها. ونسمة راضية. وقلت خلاص هتحمل أعوض نسمة في حاجة هي بتحبها وربنا يسمحني. لكن يوصل بيها الحال إنها عاوزة تحرم نسمة من حقها فيا. والولاد كمان. بقت تتعمد تشغل نسمة بيهم، ناسيه إنهم ولادها. هي مش كفاية تالا اللي من يوم ما ولدت التوأم سجا وزياد سابت مسؤوليتها لنسمة.
حسن: ماما، أنا مسافر لمدة ثلاث أسابيع. أرجع إن شاء الله ألاقيها عقلت وتشيل فكرة الطلاق دي من دماغها خالص، بدل ما يكون ليا تصرف تاني. ولو سمحتي يا ماما، بلاش تضغط على نسمة أكتر من كده وفهميها إنها هتحاسب بكده قبل منها. بلاش تستغل حبي ليها وتخليني أرتكب ذنوب. هقفل مع حضرتك. بينادوا على معاد الرحلة ويدوب هنهي الإجراءات.
ليغلق حسن الهاتف ويسرع لإنهاء إجراءات السفر ويتجه إلى مكان صعود الطائرة ليصطدم بشخص.
حسن: آسف، ما أخدتش بالي. ليصمت وهو يرى الواقف أمامه. معقولة، أنت زايد، مش كده؟
زاهر: لا، زاهر زايد الغمراوي يا عمو حسن.
حسن: ياااه، بقالي كتير أوي ما شفتكش من وانت عندك تلاتاشر، أربعتاشر سنة.
زاهر: آخر مرة كنا مع عمو زياد، الله يرحمه، واتقابلنا في النادي.
حسن: بحزن. الله يرحمه. أنت مسافر.
زاهر: أيوه، انجلترا. بدرس هناك.
حسن: أنا كمان مسافر انجلترا. عندي مؤتمر طبي كام يوم إن شاء الله. نتقابل كتير الفترة دي.
ليسمعا آخر نداء لصعود الطائرة.
حسن: بينا على الطائرة وبعدين نتكلم.
***
زهور نامت على الأريكة بمكتب الدكتور أحمد من شدة إرهاقها وتأخرها.
بعد قليل، حضر الدكتور أحمد يحمل بيده أشياء. دق الباب سريعًا ودخل الغرفة وأغلقه خلفه.
أحمد: آسف على التأخير، بس مش ذنبي ده ذنب الـ... ليصمت وهو يرى زهور ممدة على الأريكة تنام بعمق.
ليظل فترة واقفًا ينظر لها بابتسامة. تتدحرج دمعة من عينه وتختفي الابتسامة على وجهه. ليتجه إلى الطاولة أمامه ويضع ما يحمله بيده عليها ويجلس بجوار زهور يضرب وجنتها بخفة مناديًا عليها.
أحمد: زهور، زهور، قومي. الأكل وصل.
زهور: سبيني أنام يا ستي، أنا جعانة نوم.
أحمد: ستك مين؟ قومي يا بنتي، أنا الدكتور أحمد.
زهور: دكتور؟ دكتور إيه؟ لتفتح عينها سريعًا تتحدث بخوف وقلبها يدق بسرعة.
أحمد: اهدي، اهدي. متخافيش كدة.
زهور: هو حضرتك؟ أنا اتخضيت، أصل كنت بحلم واتخضيت لما قلت دكتور.
أحمد: آسف إني خصيتك. يلا فوقي كده. أنا طلبتلك أكل كتير أهو بدل اللي أكلته. شوفي بقي أنا جبتلك إيه.
زهور تعتدل وهي تنظر إلى الطاولة وما عليها بسعادة. بيتزا؟ حضرتك جبت بيتزا.
أحمد: أيوه بيتزا. يلا ناكلها قبل ما تبرد. أنا بحبها سخنة.
زهور: أمسكت واكده وفتحت العلبة بفرحة. الله، دي من اللي إعلانها بيجي في التلفزيون.
أحمد: يلا يا ست زهور اتفضلي كولي عشان أنا نص ساعة وهدخل العمليات.
التفت ليأخذ واحدة لتوقفه يد زهور.
زهور: عندك دول ليا لوحدي.
أحمد: أربعة ليكي لوحدك يا مفترية.
زهور: أكلت أربع سندوتشات مني وقزازة ميه معدنية، صح؟ يبقى كده خلصين. مع إنك محبتش ميه، بس مش مهم. هشرب من الكافتيريا.
أحمد: أربع بيتزا كبار قصاد سندوتشات فول وطعمية؟ أنت بتغشي يا زهور.
زهور تقف تحمل علب البيتزا بيدها. بغش، بغش. أنت البادي، وأنت البادي تدور.
أحمد: ههههههه، ههههههه. ليتوقف عن الضحك ويدخل في نوبة بكاء شديدة ويخرج، تاركًا زهور تقف مصدومة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم منى عبدالعزيز
زهور بنت سلسبيل.
زهور تقف تحمل علب البيتزا بيدها.
"ايه ده، انت البادي وعلي البادي تدور."
أحمد يضحك بشدة، يتوقف عن الضحك ويدخل في نوبة بكاء شديدة، ثم يخرج تاركاً زهور واقفة مصدومة.
زهور: "إيه ده، تعال يا عم أنا بهزر، إيه الدكتور الغريب ده."
تضع زهور ما تحمله بيدها على الطاولة وتتجه ناحية باب المكتب. تدق عدة مرات وتدخل إحدى الممرضات مسرعة.
الممرضة: "آسفة يا أحمد، دخلت قبل ما..."
تصمت وهي ترى فتاة صغيرة تقف في منتصف المكتب.
الممرضة: "انتي مين؟ وبتعملي إيه هنا؟ ودكتور أحمد فين؟"
زهور: "معرفش، كان هنا وخرج يبكي."
الممرضة: "لا حول الله، قلت له بلاش تحدد عمليات النهارده وخد لك إجازة، مسمعش الكلام. طول عمره عنيد. هدور عليه فين بس ياربي؟ العملية خلاص، فاضل على معادها عشر دقايق وبس."
زهور: "هو في إيه؟"
الممرضة بحدة: "انتي مين وبتعملي إيه هنا؟"
زهور: "أنا زهور، والدكتور كان عزمني على الأكل. وفجأة بكى وطلع يجري من الأوضة."
الممرضة: "من امتى خرج؟ وخرج من الباب ده؟"
زهور: "قبل ما تدخلي بدقيقة وحدة، أيوه خرج من هنا."
الممرضة: "الحمد لله، يبقى لسه هنا بالمركز."
رحلت الممرضة سريعاً من المكتب، وتوجهت إلى إحدى الغرف ولم تدري بمن لحقها. تفتح باب إحدى الغرف وتخطو داخلها بعد أن تنهدت بحمد الله.
تتحدث مع اقترابها من مكان جلوسه.
"الحمد لله، كنت متأكدة هلاقيك هنا. ليه بتعذب نفسك بالشكل ده؟ طول اليوم شغل شغل وعملية ورا التانية. أسبوع وانت على الحال ده. اترجتك كتير بلاش عمليات النهاردة وبرضه صممت. ذنبه إيه المريض يتوتر وهو داخل عملية خطيرة؟ ولا أهله اللي منهارين من غير حاجة وزاد لما اتأخرت على معادك معاهم؟ افتكروا إن التحليل طلع بيها خلل."
تضع يدها على كتفه من الخلف.
رشا: "انسي يا أخويا وشوف مستقبلك. تلات سنين وانت على الحال ده. مش بقولك انساهم، ولا بقولك متحزنش عليهم، بس لازم تصبر وتحتسب. متنساش انت دكتور بتعالج الناس، فين كلامك اللي كنت بتقوله للمرضى وأهلهم."
أحمد: "غصب عني، قلبي تعبني. وحشوني أوي أوي. وحشني حضنهم، صوت ضحكهم، كلمة بابا بتتردد في وداني. بموت من جوايا وأنا بتخيلهم كانوا بينادوا عليا الحقهم. كل ما افتكر كل يوم يحكولي أنا وأمهم على اللي عملوه في يومهم ببقى هجنن. بخاف أرجع البيت وأسمع صوت مناديتهم بابا ماما وأتلفت حواليا مالقهمش. النهاردة عيد ميلادهم العاشر."
رشا: "يا حبيبي ربنا يصبرك ويقويك على فراقهم. بس حرام عليك صحتك وعمرك. لازم تنتبه لنفسك ولشغلك. طول عمرك مؤمن راضي بقضاء ربنا. ربك قبل ما بينزل الابتلاء بينزل الصبر قبله."
أحمد: "ونعم بالله. بس مش قادر. كل ما افتكر إنهم ماتوا وأنا بعيد عنهم قلبي بيوجعني. كل ما أشوف طفل صغير قلبي بيتعصر وأنا بتخيله مهند. ضحكت وشقاوة ميرنا بيتجسدوا قدامي. مع بنت صغيرة جات مع جدتها، كل ما عيني تقع عليها ببقى عايز أضمها، آخدها في حضني، أشم ريحتها. كل حاجة فيها بتفكرني بميرنا."
زهور تقف أمام الباب تستمع وعينها تدمع على كلام أحمد. لأول مرة تضعف، أول مرة تترك دمعتها تسيل على وجنتيها. خطت ثلاث خطوات دون تفكير ولا وعي منها. وقفت بين الممرضة وأحمد. التفت للممرضة كأنها تخبرها ما عليها فعله. لم تتلقى أي ردة فعل. تقدمت خطوة واحدة تجاه أحمد الذي يخفي وجهه بين يديه ينتحب من شدة البكاء.
زهور: "على فكرة لو العياط بيريحك عيط على قد ما تقدر تخرج اللي جواك. لكن لو مش بيريحك بلاش تزود وجعك بيه. ربنا قال لينا الصلاة والقرآن هم اللي بيبعدوا عنا الهم والحزن. الشيخ محمود الشازلي كل يوم يقولنا بالحلقة: ربنا كريم، أدانا قلب نحس بيه وعقل نفكر فيه، أدانا لسان نستخدمه يا ندخل بيه الجنة يا النار. إحنا اللي بإيدينا ده ورحمة ربنا فوق كل ده. أدانا سلاح كبير أوي اسمه 'وادعوني أستجب لكم'. بتقول نفسك تحضني؟ لو قلت لك معرفش يعني إيه الحضن ده، معرفش بابا دي إيه تتقال امتى، بس بقولك أنا أهو قدامك، احضني."
أحمد جذبها لحضنه، تفاجأت بتمسك زهور بضمة لها. يديها من الخلف متمسكة بملابسه، تتنفس بعمق. رفعت وجهها، قبلت وجنته. لم يتمالك نفسه، اشتد بضمها، يبكي بصوت عالٍ يتحدث بهستيريا.
أحمد: "وحشتني، وحشتني يا ميرنا، وحشتيني. مش هسيبك تبعدي عني تاني."
يقبل وجنتيها، قُبلة عدة مرات، ثم يشتد في ضمها مرة أخرى.
رشا تنظر لشقيقها وضمه لزهور وكلماته بخوف. هيئة شقيقها تدل على انهيار كامل له. كبت سنوات من الوجع. ربما يسير هوس أو جنون، تعلقه بفتاة تشبه لحد ما ابنته المتوفاة أرعبها. خرجت من الغرفة للحظات وعادت معها شخص آخر. اقترب بحذر منه مع تزايد تألم زهور من اشتداد ضمته. فور اقتراب الشخص من الخلف للطبيب ونظراته لزهور بأن لا تتحدث. غرس بيده في أحمد شيئاً، ليلتف له وهو لا يزال يشتد في ضمها. يحدث الشخص.
أحمد: "ميرنا رجعت يا عادل، ميرنا رجعت ليا من تاني. النهاردة عيد ميلادها ورجعت من تاني تعوضني عن بعدها، هي ومهند."
ليبتر كلامه ويبدأ بفك حصاره لها.
"ليه يا عادل تديني المهدئ؟ أنا عارف إنها زهور مش ميرنا. أنا بس..."
ليغمض عينه ويشعر بدوار. ينزل زهور ببطء.
"متسبنيش يا زهور، خليكي قاعدة جنبي لحد ما أفوق."
رشا: "زهور، متخليهاش تخاف مني. وعادل، افوق بس."
ليسنده عادل ويضعه على الفراش. ينام وهو ينادي "زهور متسبنيش".
رشا اقتربت من زهور التي تنتفض. تهدأ من روعها.
زهور: "هو حصل له إيه؟ والراجل ده عمل له إيه؟"
رشا: "متخفيش، أحمد نام والدكتور عادل أداله حقنة مهدئة هتساعده ينام ويهدي أعصابه. تعالي وأنا هحكيلك كل حاجة لحد ما يفوق."
رشا: "باختصار، دكتور أحمد يبقى أخويا الكبير. من تلات سنين مراته وولاده ماتوا في حادثة عربية. وهم راجعين من المدرسة، كان مستنيهم بالبيت وعامل مفاجأة لعيد ميلادهم. اتصدم لما عرف بوفاتهم، لكن كتم جواه. لأول مرة يبكي بالشكل ده أو يتعلق بطفل كده. مع إن الشبه بينك وبين ميرنا قليل، بس تعلقه بيكي غريب. معرفش ليه انتي بالذات. بس بقولك متخفيش منه وخليكي جنبه لحد ما يفوق. هو دقايق وهيفوق. الحقنة دي يدوب نص ساعة بالكتير وهيروح مفعولها. أنا خفت عليه لما حضنك جامد ونادى عليكي. متأكدة كمان إنه جاب أنواع البيتزا اللي ولاده بيحبوها وممكن يكون بقاله يومين أو أكتر ما أكلش حاجة."
زهور أومأت برأسها.
"هو أنا ممكن أسألك سؤال؟"
رشا: "أكيد."
زهور: "هي بنته كانت قدي؟"
رشا: "كان عندها عشر سنين بالضبط."
زهور: "أنا كمان عندي عشر سنين."
رشا ربتت على كتف زهور وابتسمت ونظرت لأحمد بحزن. ووقفت.
"أنا هسيبك مع أحمد وهروح أشوف الدكاترة عملوا إيه بالعملية وأرجع عشان أطمئن. بلاش تسيبيه لوحده وخليكي جنبه لما يفوق. هيفرق وجودك جنبه."
خرجت رشا. اقتربت زهور منه بحزن تحدثه.
زهور: "ستي بتقول دايماً اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته. عارف يا دكتور أحمد، ربنا أخد منك ولادك ومراتك، وأكيد عطاك العوض وعندك وقت وفلوس تجوز وتخلف غيرهم. لكن أنا وستي كل يوم مشكلة ومصيبة. من يوم ما وعيت للدنيا وأنا مشفتش يوم حلو. شقا وبهدلة وختمت بتعب ستي. عارف أنا أول مرة اتكلمت معاك كنت مستثقلة دمك وبقول مغرور وإنت بس زي الشيخ ما قال: طالما متعرفش اللي قدامك متحكمش عليه غير لما تتعامل معاه وتفهم شخصيته. ستي بتقول كل يوم الدنيا مش بتقف على حد، لا الفرح بيدوم ولا الحزن بيدوم. وبقولك تاني، اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته."
صمتت وهي تستمع له.
أحمد يفتح عينه.
"كلامك صح يا زهور، بس نعمل إيه في وجع القلب والفكر اللي مش بيسيبنا."
زهور: "نتغلب عليهم بالصلاة والقرآن، الدعاء عشان الشيطان ما يلاقيش طريق يدخل لينا. الشيخ قال كده."
أحمد اعتدل بجلسته، ابتسم لها.
"عارفة يا زهور، أنا كمان أول ما شفتك قلت بنت رزلة ولسانها متبري منها، بس لما اتكلمت معاكي وفهمتك احترمتك أوي وحبيتك. ممكن ما تزعليش مني ولا تخافي ونبقى أصحاب طول ما انتي قاعدة هنا مع جدتك."
زهور بابتسامة صغيرة: "بس مش لآخر العمر."
أحمد: "بجد يا زهور، عاوزانا نبقى أصحاب لآخر العمر؟"
زهور أومأت برأسها: "بس بشرط."
أحمد: "اشرطي زي ما انتي عايزة، انتي بتحييني."
زهور: "تجبلي بيتزا كل يوم لحد ما نمشي من هنا."
أحمد: "كل يوم وساعة وطول ما أنا عايش."
زهور: "استنى شوية وجاية."
خرجت زهور واتجهت ناحية المكتب وقامت بإحضار عبوات البيتزا وعادت له على وجهها ابتسامة سعيدة.
زهور: "أنا عارفة إنك ضحيت بمبلغ كبير أوي وجبت البيتزا دي وأنا مخلتكش تاكل منها، فنفسيتك تعبت. أنا بقول نتشارك فيها ونعمل سباق، اللي يخلص أول واحدة يحدد للتاني حكم ينفذه."
أحمد ينظر لها بابتسامة ضعيفة.
"أنا موافق، بس انتي متغشيش. هتاكلي واحدة جديدة، ما أكلتيش منها ولا قطعة."
زهور: "موافقة. أول ما أعد واحد اتنين تلاتة، يلااا، ابتدي."
بدأ بتناول البيتزا بسراهة وبسرعة. انتهى أحمد من تناول الأولى وزهور بعده بقليل. أشارت للأخرى وبالفعل بدأوا معاً. انتهت زهور الأول بقطعتين كانت أكلتهم قبل ذلك.
أحمد: "لا، انتي غشاشة. لازم تاكلي قطعة من عندي."
زهور: "لا، أنا فزت وبحكم عليك تاكلهم. حكم أول، وبعدين هحكم عليك مرة تانية بحكم لازم تنفذه."
أحمد: "لا، ده غش بالعرف. أنا اللي فايز وانتي غشيتي."
زهور: "وبالذكاء أنا اللي فزت ويلا كل بسرعة، فيه أحكام لسه مستنياك."
أحمد بسعادة: "أوك، بس هطمن الأول على العملية وصلوا فيها لإيه."
زهور: "لا، مفيش خروج من هنا إلا لما تخلص الأكل. يلا هشجعك تاكلهم زي ما بنعمل أنا والعيال في السوق لما نعمل سباق أكل الفلفل الحامي والليمون."
أحمد يضحك: "فلفل وليمون؟ وانتي بتاكلي معاهم ولا بتغشي؟"
زهور: "أنا اللي بفوز طبعاً وبكون البريمو وبشجع الباقين. مرة هعزمك على أكلة من دي."
أحمد: "لا، أنا منسحب. فلفل حامي وليمون اللي أكلهم. لو حاجة تانية موافق."
زهور: "في كتير. كل أسبوع مسابقة، بس يا خسارة عندنا مسابقة بكرة على فسيخ وملوحة. أسرع واحد هيخلص الفسيخ ليه هدية معتبرة. بس ماليش نصيب بقي. يلا الكلام هياخدنا، وإنت هتاكل؟ هشجعك اهو."
زهور: "بص شوف حمادة بيعمل إيه، حمادة يلعب، حمادة يكسب. هههههه يا هيه ههههه يا هيه."
أحمد: "هههههه ههههه، بس معتش قادر. هموت على إيدك من اللي بتعمليه فيا."
زهور بابتسامة: "مبروك الفوز يا ميدو. خلاص كده نجحت وفزت."
ليجلس أحمد يشير لها بالجلوس.
"أنا بحبك أوي يا زهور، انتي جتيلي في الوقت المناسب. موافقة نبقى أصحاب."
زهور: أنا ما عنديش مانع، كفاية بقى نقرأ الفاتحة على الإخلاص والوفاء، ومحدش يغدر بالتاني.
أحمد: مد يده لها موافق، وبينا نتعرف على بعض من الأول.
أنا أحمد المغربي، أخصائي جراحة قلب، عندي اتنين وأربعين سنة.
زهور: زهور بنت سلسبيل، عندي ١٠ سنين، تلميذة في رابعة ابتدائي.
أحمد: بنت سلسبيل.
زهور: تضرب على مقدمة رأسها. آخ، نسيت. ده اسم الشهرة، اسمي.
لتصمت فور دخول شخص عليهم.
جلسا معاً، يقص كل منهما للآخر يومه من أول ما يفيق من نومه لآخره.
مر وقت، وبدأت زهور بالنعاس، ونامت في مكانها حتى الصباح، وأحمد جالس جوارها ينظر لها بسعادة.
صباحاً، فاقت زهور لتجده نائماً مكانه، يضع يده أسفل وجهه ومرتكزاً على حافة الكرسي.
خبط الباب، ودخلت رشا شقيقته، وجدته نائماً وزهور تجلس على الأريكة أمامه. أشارت لها وخرجتا معاً، تاركينه ينام.
ذهبت زهور، بعد ما اطمئنت على أحلام التي استعادت وعيها بشكل كامل، لكن لازالت الزيارة ممنوعة. ذهبت إلى السوق لتعمل. أخبرت شريكات جدتها أن الزيارة ممنوعة حتى الآن، وطمئنتهم على أحلام. تحاول أن تعمل وتتجنب المشاكل مع منافسين جدتها، ومنهم سكرة، التي تتعمد إهانة زهور.
عدة الأيام التالية بنفس المنوال.
تذهب للمستشفى بعد انتهائها من عملها. انقطعت تلك الفترة على الذهاب للمدرسة.
تبدل حال أحمد، واستمر لقاءه يومياً بزهور قبل ذهابها للسوق، الذي حاول كثيراً أن يجعلها تترك العمل به ويتكفل هو بمصاريفها، إلا أنها رفضت.
خرجت أحلام لغرفة عادية، تقيم معها بزهور. توطدت علاقتها مع رشا شقيقة الطبيب. مر أكثر من شهر، خرجت أحلام من المستشفى بعد تمام شفائها.
أحمد حزن بشدة لبعد زهور عنه. شعرت شقيقته بدخوله في حالة اكتئاب. أقنعت أحلام بتأجير شقة بالمدينة تلك الفترة حتى تستعيد عافيتها بالكامل، ومقدرة زهور الذهاب بسهولة للمدرسة.
مرت الشهور، وزهور ما بين السوق والمدرسة، والذهاب لأحمد يذاكر لها جميع موادها، حتى أتت الامتحانات، وكالعادة تفوقت زهور، وكانت من أوائل الطلبة. مرت الأيام، وقررت أحلام العودة إلى البلدة لعدم مقدرتها على سداد إيجار الشقة لقلة ما تكسبه زهور من عملها.
تلك الفترة، ورفضهم مساعدة أحمد لهم. وافق أحمد على مضض، بعد رفض أحلام أخذ أموال العملية التي أعطتها زهور له.
كان وداعاً صعباً، بكى أحمد كثيراً، تعود على وجود زهور بحياته.
أقنعت زهور أحمد بأنها ستأتي له يومياً لرؤيته.
عادت أحلام وزهور لمنزل البلدة. انهارت أحلام من البكاء بعد علمها بصرف زهور كل المال التي بالصندوق.
أحلام: دي فلوسك أنتِ، كنت شايلالك للزمن، تصرفيهم كلهم عليا؟ كنتِ سبتيني أموت وبلاش تصرفيهم، كنتِ أمني مستقبلك بيهم.
زهور: مستقبلي أنتِ وأماني وجودك جنبي. فلوس إيه اللي زعلانة إني صرفتهم؟ ما يجوش جنب يوم سهري جنبي، والإهانة اللي عشتها معاكي يوم بيوم. والناس بيقولولي بنت سلسبيل. ياما سمعتك وأنتِ بتبكي بليل وبتعتبي سلسبيل، ونفس الوقت خايفة عليها. بصي يا ستي، أنتِ أمي وأبويا، إزاي عاوزاني أسيب علاجك بعد كل اللي عملتيه عشاني؟
أحلام: تبكي بشدة. أنا محلتش غير البيت والأرض اللي حواليه، هكتبهملك باسمك. كده كده ماليش حد غيرك يورثني. من بكرة هروح لمحامي يكتبهملك.
زهور: أنا مش عاوزة حاجة غيرك وبس.
مضت الليلة عليهما، لم تذق أي منهما النوم.
أحلام: عازمة على كتابة المنزل والأرض لزهور.
وزهور: تبكي بصمت، تريد معرفة من أبويها ولما لا تعرف عنهم شيء. كلما أرادت سؤال أحلام تعود عن الفكرة.
مر الليل سريعاً، وأتى الصباح يحمل لكل منهما مفاجآت.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم منى عبدالعزيز
زهور: يبق مين يا ستي.
أحلام: زياد أبوكي والله العظيم أبوكي.
زهور: هو فين ليه مافيش صورة ليه ولا لسلسبيل.
أحلام: فيه بس مش هنا في بيتنا.
زهور: فين في البيت أروح أجيبها وأوريها للزفتة سكرة اللي كل شوية تقولي ماليش أب وأمي طفشت وسبتني.
أحلام: مش قايلالك ميت مرة بلاش تسمعي كلام الست الحقودة دي.
زهور: لما تقول إنك كمان مشيتي وسبتيني لأنك زهقتي مني وعايزة تجوزي وتعيشي بعيد عني.
أحلام: اقتربت منها وضمتها لصدرها. تعرفي عني كدة يا زوزو؟ إنتي روحي أنا، بس رحت مشوار صغير ومتأخرتش. يا عبيطة، تلاقيها متغاظة بالزباين الجداد اللي اتعرفتي عليهم بالمستشفى وبقوا زباينك وفرشك أكبر ما فرشها، ومش بس كدة ابنها اللي إنتي ضربتيه وخالتك، السوق كله بيضحك عليه. استفزتك بكلامها وأهي خدت اللي فيه النصيب.
زهور: هديت قليلاً. سالت دمعة واحدة من عينها. جففتها سريعاً وخرجت من حضن أحلام بابتسامة: أنا فضيت غلي فيها ملوحة دي.
أحلام: ههههههه. ملوحة؟ شفتي يا أم ربيع بتقول على سكرة ملوحة!
أم ربيع: أيوه جدعة، هو ده الاسم اللي يليق عليها. دي ملوحة قال سكرة قال، دي سكرة إيه دي؟ كل شباب السوق بيتعاركوا مين اللي يخطبها ويحجزها لنفسه قبل التاني.
أحلام: اختفت ابتسامتها. نظرت بين زهور وأم ربيع. دب الرعب في أوصالها. لم يكن في حسبانها أن يحدث مثل هذه الأمور. زهور لازالت صغيرة. نظرت إلى جسدها ووجهها لأول مرة بتمعن. صدمت.
ملامح زهور مزيج من والديها، غلبة لسلسبيل بجمالها الخاطف للقلوب. اختل توازنها وهي تغمض عينيها وتفتحها تتساءل.
أحلام: إزاي ما خدتش بالي إنها كبرت وكل يوم بتشبه أمها أكتر من الأول! هسيبها كدة يحصل لها حاجة بعد الكلام اللي سمعته ده. لازم أتصرف وأخليها تبعد عن السوق بأي طريقة. ما قداميش حل غير واحد بس، أبعدها وأشغلها بحاجة تانية. بس إيه وازاي هسيبها لوحدها.
زهور: هزتها. ستي ستي مالك تعبانة ولا إيه؟ تعالي نروح للدكتور أحمد يكشف عليك.
أحلام: فتحت عينيها بسرعة. لاحت ابتسامة على وجهها. هو ده مافيش غيره اللي هيساعدني. لا يا حبيبتي مش تعبانة، بس دخت شوية. هقعد شوية هرتاح.
أم ربيع: أخدتي دواكي يا أحلام!
زهور: ستي، إنتي ما أكلتيش ولا أخدتي الدواء.
أحلام: لسه. أنا حبيت أكل معايا وقلت نفطر كلنا سوا. نادي سميحة وأم كريم وعطيات، وإنتي يا أم ربيع وصي إبراهيم يجيب الشاي.
زهور: هييجوا كلهم وهيسبوا الفرش لوحده؟
أحلام: ما فيهاش حاجة.
اجتمعت البائعات وجلسوا يتناولون الطعام وسط مرحهم ومدحهم في زهور وشجاعتها وضربها لسكرة بتلك الطريقة، وأنها لم تخف من صغر حجمها بالنسبة لسكرة.
أحلام: تنظر لزهور بابتسامة تتمعن في وجهها. اختفت ابتسامتها لتشرق وتسعل بشدة مع كلام إحدى البائعات وهي تتحدث.
البائعة: زهور من النهاردة هتكون خطيبة كريم ابني. الواد من يومين بيقولي إنه عايز يخطبها سنتين تلاتة ويجوزوا يكون خلص الدبلوم وأنا جهزت له شقته.
زهور: أعطت كوب ماء لأحلام وتحدثت قاطعة كلمات السيدة. بصي يا خالتي كريم بيحب البت نوسة ولازق ليها على فرشه، وأنا لسة صغيرة ومش قدامي دراسة كتير. أنا عايزة أكون دكتورة.
أحلام: رفعت عينيها بفرحة شديدة لكلام زهور. هدأ سعالها.
أرتشفت باقي الماء وهبت واقفة.
أحلام: أنا شبعت الحمدلله. هروح على الفرش. كفاية كدة. زهور لمي الأكل وخلصيني بكباية الشاي والعلاج.
انتهى اليوم بأحداثه وسط غضب البائعة من كلام زهور وعدم اهتمام أحلام بالرد عليها. ليعودوا إلى المنزل. تدخل زهور أولاً وخلفها أحلام.
التي جلست على الأريكة تفكر في أمور لم تكن في حسبانها.
أحلام: تحدث نفسها. زهور لازم تبعد عن السوق بأي ثمن. جمالها ده لازم يتدارى! أنا إزاي ما خدتش بالي قبل كده من جمالها ومن جسمها اللي بيكبر وبيقلب على أمها. بس إزاي هسيبها لوحدها من الصبح للمسا؟ وكمان لو سبتها عند الدكتور أحمد هتكون بعيد عن عيني، وبرضه أخاف حد كدة ولا كدة يدوس لها على طرف ولا يعمل فيها حاجة. يارب دبرني، أعمل إيه بس.
زهور ما بقتش العيلة اللي بربطها بحبل عشان ما تتشتتش مني وأشد الحبل أحزمه على إيديها لما تبعد وأشدها منه. دي بقت شجرة كل يوم بتكبر وبتحلو عن اليوم اللي قبله. بعد اللي سمعته النهاردة، زهور لازم تخف من السوق أو أمشي بيها من هنا خالص. آخدها وأروح أي بلد. أتشرد مرة أخرى، ما بابا فضل يتنقل بينا من بلد لتاني عشان شغله. لو مشيت بيها هقولها حجة إيه؟ وزمان كنا بنسكت ومنين ما يودينا شغله بنروح معاه، لكن زهور مش بتسكت. طيب لو مشيت بيها وسلسبيل جات تدور علينا أعمل إيه؟ ولا هتعرف طرقنا إزاي.
ترفع يدها للسماء. يارب ماليش غيرك. دبرني وقويني وابعد عنها الأذى.
أنهت دعاءها ونهضت من مكانها ممسكة بحقيبة يدها الصغيرة، ودخلت غرفة نومها ووضعتها بخزانة الملابس في صندوق صغير وأغلقت عليه جيداً وأخفت المفتاح أسفل الملابس.
زهور: دخلت المنزل وتوجهت إلى المطبخ تضع ما به من أغراض على طاولة صغيرة. أخرجت بعض المأكولات التي أحضروها ووضعتها على صينية. وخرجت تنادي على جدتها.
جلست تنتظرها. شردت فيما حدث اليوم من بدايته.
زهور: النهاردة غريب أوي. خالتي رشا أول يوم تعملني بالطريقة دي. حتى نظرات الدكتور أحمد ليها مكنتش مريحاني، كأنه بيترجها تعملني كويس. وسكرة وكلامها وستي وحالها اللي مش عاجبني. وليه مش بتحكيلي على أبويا وأمي؟ كل ما أسألها تقولي ادعي لأمك ترجع بالسلامة. آه لو أعرف ليه مشيت وسبتني وزياد ده فين أراضيه؟ آه لو أعرف أوصله.
لتكمل زهور بتوعد: أقسم بالله لو أعرف ليه طريق ما هسيبه إلا لما أعرف ليه عمل فيا وفي سلسبيل كدة. ليه؟ وليه ما دورش عليا؟ لتصمت. ومش يمكن سلسبيل راحت ليه واتفقوا إنهم يعيشوا مع بعض بدل ما يخلصوا مني. ما هو مافيش سبب يمنع سلسبيل ترجع تاني لهنا إلا لو رجعت ليه أو اتجوزت وعاشت حياتها مع واحد تاني.
حضرت أحلام وجلسا يتناولون الطعام. كل منهم شارد في ملكوته.
مر الليل سريعاً وفي الصباح ذهبوا إلى السوق. وتوجهت زهور للمستشفى. جلست قليلاً مع الدكتور أحمد واستأذن منها لدخوله العمليات. وطلب منها انتظاره حتى يخرج منها.
وافقت زهور وجلست في مكتبه. وجدت رشا شقيقة أحمد تقف تنظر لها نظرات استحقار وغضب.
زهور: وهي تنظر لها بابتسامة. إزاي حضرتك يا خالتي رشا.
رشا: جلست ولم تجيب عليها. تنظر لها فقط.
زهور: أتت تجلس وجدت من يشير لها لتظل واقفة.
رشا: بقولك إيه يا اسمك إيه؟ من هنا ورايح تخفي في المجي. مالهوش لازمة تجيء الصبح وبالليل. ياما كل يوم مرة وبعدين تخفي خالص في المجي لحد ما أحمد يتعود على غيابك ويبعد عنك. بلاش تبقي زي اللزقة كدة. ويا ريت تأخذي بعضك وتمشي من هنا دلوقتي، ولو سأل هقوله اتأخرتي على جدتك.
زهور: أومأت برأسها دون كلمة واحدة وخطت تجاه الباب. لتقف وهي تضع يدها على المقبض.
زهور: وهي معرضة ظهرها لرشا. ممكن أعرف السبب لتغيرك ده؟ هو أنا حصل مني حاجة زعلتك مني؟
رشا: إنتي مين عشان تعملي ليا حاجة؟ بنت لا معروف ليها أصل ولا فصل، لقيطة من الشارع. حد زقك على أخويا تضحكي عليه لحد ما يتعلق بيكي ويكتب لك اللي حالته.
زهور: التفت لها بذهول وبغضب. إنت بتقولي إيه؟ مين اللي من الشارع وإيه أخد فلوسه دي؟ أنا معرفش بتقولي إيه.
رشا: لا ممثلة شاطرة. إيه الزمن الغريب ده اللي فيه العيال بتمثل باحترافية. بصي يا بنت انتي، زي ما قلت لك تجي مرة، وتاخدي في اليوم، وبعدين تخفي في المجي لحد ما يتعود على غيابك. وبعدين تروحي مكان ما جيتنا ومش عايزين نشوف وشك تاني.
خرجت زهور دون أن تتحدث غير ببضع كلمات.
زهور: مش هرد عليكي في حاجة مش فاهمها، بس هقولك كلمتين. مش زهور اللي يتغلط فيها وتسكت. بس اللي لجم لساني احترامي لنفسي وللدكتور أحمد. ولو سأل عليا، قوليله مشيت ومش راجعة تاني، لأن ما يشرفنيش آجي مكان واحدة زيك فيه.
خرجت بخطى واثقة تهبط الدرج دون أن تهتز. ولكن يدها تنتفض وهي مقبضة على حافته.
ذهبت إلى السوق مرة أخرى. تجلس بجوار أحلام دون أن تتحدث. شاردة فيما حدث وما بدل رشا بتلك الطريقة.
أحمد: أنهى العملية وأسرع بالتوجه إلى مكتبه. فتحه وعلى وجهه ابتسامة كبيرة لتختفي وهو يرى رشا جالسة. وزهور مش موجودة.
أحمد: رشا زهور فين.
رشا: بتوتر ولجلجة. مشيت جدتها أخذتها ومشيت.
أحمد: ينظر لها بشك. جدتها اللي جات ولا قلت لها حاجة.
رشا: لا مقلتش.
أحمد: رشا بلاش تكذبي. وشك باين عليه وعنيكي اللي بتبعديهم عني. انطقي قولي قلتي لزهور إيه.
رشا: بصراحة بقى قلت لها تخف من المجي. ما هو بعد اللي سمعته عنها هي وجدتها وشفتها بنفسي بتضرب الست في السوق، وأنا كرهتها. ولما سألت الست اللي كانت بتضربها حكت لي كل حاجة عنهم. وأنا أخاف عليك وعلى اسمك. يطلق من أفعالهم.
أحمد: بغضب. شفتي منها إيه عشان تقولي كده؟ ولا خفتي بجد تكتب لك كل فلوسي؟ قلتي ابعدها عنه.
رشا: أنا مقلتش كده. فلوسك وأنت حر فيها. بس اللي سمعته خوّفني منها. والبنت مش سهلة. كلامها وحركاتها أكبر من سنها. ما فيش عيل في سنه بيكلم بأي طريقة دي ولا بالجرأة دي. لو شفتها بالسوق كنت فهمت أنا خايفة عليك منها ليه.
أحمد: جلس على الأريكة. بكرة تجي وأفهم منها كل حاجة.
سكّرة: بعد ضرب زهور لها، لم تعود للسوق وعادت للبلدة وذهبت إلى الصافي. أخبرته بما حدث وأنها نفذت خطتهم سوياً.
الصافي: ابتسم وهو يتذكر ما رآه وهو يقف بمكان قريب من السوق. كان في طريقه لأحلام لشغفه في معرفة من تلك أحلام التي جعلت عقل أبيه يجن بها. وكل ما يسأل عنها يمتدح جمالها. حتى والدته نفسها تخبره عن جمالها.
الصافي: زهل من جمال أحلام فور رؤية سيدة تجذب الطفلة التي كانت تجثو على سكّرة تضربها بعنف. وقف متسمراً مكانه وهو يرى وجهها الجميل الذي لا يظهر عليه عمر وجسدها الأنثوي رغم ملابس أحلام الفضفاضة.
سكّرة: يا عمدة يا عمدة بكلمك مش بترد عليا.
الصافي: أفاق من شروده وهب واقفاً. بلاش تجي هنا اليومين دول. عندي مشوار مهم. هغيب عن البلد كام يوم. لما أرجع هشيع لك تجي.
خرج صافي تاركها تجلس مكانه وذهب إلى الدوار وصعد إلى والدته يبتسم له وهو يجده جالسًا على الفراش.
الصافي: عامل إيه النهاردة يا عمدتنا؟
شفيق بصوت ضعيف: كويس.
الصافي: جلس بجواره تحدث له دون خجل.
الصافي: قولي يا أبى أحلام بنت التمرجي حلوة؟
شفيق بصوت ضعيف: أحلام حلوة؟ وبس دي فرسة. ياما اتمنتها جسمها طول عمري بشتهيه لولا ابن الحرام عمل فيا ال عمله كنت طولتها وشبعت منها. أحلام ال حلم ال بشوفه كل يوم ومش بيتحقق.
الصافي بشغف وشهوة: وال يحققهولك ويطولها. وياخد ال مقدرتش عليه تديله إيه؟
شفيق: قصدك إيه؟ هتجبهالي هنا؟
الصافي: هنا فين يا أبى؟ بقولك هطول جسمها وأتمتع بيه. وال زمان منعتك منه أنا هاخده بسهولة ودوق الجمال ال بتقول عليه.
شفيق بجنون: بتقول إيه يا كلب؟ أحلام بتاعتي أنا، أنا ال هدوقها والمسها. أنت ال عليك تجبهالي هنا وبس.
الصافي: هنا فين يا أبى؟ وهتعمل ليها إيه بحالتك دي؟
شفيق: لسه عافية وفرسة زي ماهي. أنا لما شفتها مصدقتش إنها من دور أمي. دي ال يشوفها ما يدهاش عشرين سنة. أنا خلاص حطتها في دماغي ومش هيعدي النهاردة إلا وهي نايمة في حضني. دي أنا مجهزة ليها خطة ما تخرش المية.
الصافي: هقتلك لو لمستها. دي ليا أنا، بتاعتي أنا.
شفيق: وهتعمل معاها إيه؟ هتقف تتفرج عليها ولا هتعيط جنبها؟ دي عاوزة شاب بعافيته عشان يقدر عليها. وأنا الشاب ده.
خرج يضحك من عند أبيه الذي يصرخ عليه بجنون، يغلق عليه باب الغرفة بالمفتاح ويذهب من المنزل لبيت أحلام.
***
زهور حكت لجدتها كل ما قالته رشا لها، مما أغضب أحلام وأقسمت بعدم ذهاب زهور لأحمد مرة أخرى.
طلبت من زميلاتها أخذ بايها من الفرش وأن يبيعوا أشياءها لعدة أيام، وأمسكت زهور مزيدها وعادت إلى القرية وتوجهت إلى شيخ الجامع.
أحلام: أنا جيتك يا شيخ عشان تشوف لي حد يزرع الأرض ويفلحها بدل ما هي بيرة كده.
الشيخ: بس دي هتصرف كتير. بقالها سنين مش بتزرع وهتكلف كتير.
أحلام: تصرف زي ما تصرف، أنا مستعدة وهساعده وإيدي بإيده. أنا وزهور نتشارك معاه. هو النص واحنا النص، وال يطلع ينقسم ما بينا.
الشيخ: إن شاء الله بعد المغرب هيكون عندك الرد. عندي كام فلاح بيأجروا الأرض وقول لهم، وال يوافق هجيبه وأجيلك ونكتب العقد.
خرجت أحلام وزهور من عند الشيخ بعد شكرها.
ليصلا البيت دون أن تتحدث بكلمة. ليمر وقت وهم جالسون بالمنزل حتى دق الباب عدة مرات واتجهت زهور تفتح الباب.
لتقف وهي ترى.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم منى عبدالعزيز
عبد الرحيم / زاهر تعال هنا انت وزين وزيدان وزايد وانت يا حازم ادخل لجدتك اوضتها بلغها بوصول زاهر وجبها علي المكتب وتعالي ايات في ضيف بالطريق اول ما يوصل دخليه فورا للمكتب.
انهي حديثه ودخل مكتبه وتبعه الجميع زايد وزيدان.
وخلفهم زين وزاهر ينظر الي والدته لتوم راسها له.
تترجاه بنظراتها بذهابه خلفهم. مدت يدها تحمل
الصغيرة منه لترفض وتتشبث بزاهر منافيه للعادات
بخوف الاطفال من الغرباء.
دخل المكتب بضيق انحن مقبل يد جده عبدالرحمن وبعدها توجه ناحيه جده عبدالرحيم انحن يقبل يده ليجد نفسه بين احضانه يبتعد بعد قليل يجلس الجميع بعد ان اشار لهم الجد بالجلوس.
لحظات ودق الباب تدخل الجدة علي كرسيها المدولاب يدفعها من الخلف حازم.
بعد وصله من العناق والاشتياق والعتاب ابتعد زاهر عن جدته بعد سماع دقات علي الباب يدخل شخص.
ملقيا السلام لينظر له الجميع بزهول يتسألون فيما بينهم لما ات هذا الشخص.
عبدالرحيم / زاهر زين جيب بطاقتك الشخصية وانت يا زاهر جيب باسبورك. وادوهم للاستاذ سليمان.
زايد ينظر إلي شقيقه ليرد الاخر له نفس النظرة ويخفض عينه للارض.
بعد وقت من الصمت وتبادل النظرات. قطع صوت
الشخص / اين بطاقة الوكلاء.
عبدالرحيم / زيدان عبدالرحمن بطايقكم للشيخ.
اخرج زيدان وعمه بطاقتهم واعطوها للشيخ وبعد قليل مد عبدالرحيم يده ببطاقتين كان همس لحفيدة حازم بان يخرج ويحضرهم من صاحبتيهم.
الشيخ / ضع يدك يا دكتور زاهر بيد عمك ووالد عروسك غادير زيدان.
زاهر / نعم.
الجدة لاول مرة تخرج من كونها مستمعه / مد إيدك لعمك يا زاهر من غير كلام.
زاهر/ ناناه حضرتك.
الجدة مقاطعه / مد ايدك وانهي الموضوع ولينا كلام تاني.
مد زاهر يده بغضب ليد عمه يردد خلف الشيخ ما يقوله بعد ما انهي عمه كلاماته ليبتعد عن مكان جلوسه ويقف بجوار جدته يعاتبها بنظراتة.
عبدالرحيم / زين مد ايدك لجدك عبد الرحمن.
زين بدقات قلب متسارعه ينظر لجدة مستعطفا
لترتسم ابتسامه علي وجهه وهو يسمع اسم زوجته المستقبليه.
الشيخ / ضع يدك بيد وكيل العروس نوران احمد عبدالرحمن الغمراوي.
بعد الانتهاء من عقد القرآن تلق زين المباركات من الجميع.
اشار الجد لحازم باحضار الفتيات للتوقيع.
دخلت غادير ونوران دون ان يعرفا السبب.
اشار لهم الجد بالتوقيع ووضع الشيخ امامهم الختامه لتبصم كل منهما علي موضع الصور الشخصية مع استغراب الجميع من اين تلك الصور الشخصية
وكيف جهز الجد كل تلك المفاجاءات ولا أحد يعلم بقدوم زاهر.
الجد بعد ان ودع الشيخ واخبره باحضار قسائم الزواج فور خروجها.
ليجلس امام مكتبه ويشير للجميع بعد ان نادي علي نساء العائله بالحضور ايضا واخبرهم بزواج احفاده
زاهر وغادير وزين ونوران.
لينهض زاهر بغضب معلنا احتحاجه علي تلك الفعلة
وخروجه من المكتب يغلق خلفه الباب بعنف لتسقط غادير ارضا من هول ما سمعته.
يغادر زاهر القصر وهو يسب ويلعن قلبة فهو سبب قدومة ليصدم بتخطيط جده له بالاتفاق مع جدته وامه بعدم الرد عليه وبمجرد علمه ممن كلفهم بحماية زاهر ومراقبته بوصوله للمطار جهز كل شئ واعلم الجدة بوصول زاهر واخبرها بمخطتته لاول مرة يجد ترحيب من الجده بما ينوي عليه وخاصة وهي تعلم تعلق حفيدتها بزاهر ومدي عشقها له.
ورغم حزنها علي طريقه الزواج الا انها شجعته.
زين منذصغرة متيم بنوران ابنه خالة الذي توف
منذ سنتين بعيدا عن العائله بعد طلاقة لزينب زوجته
وتزوجه باخري ليفجعوا بعد سنتين من ابتعادة وسفرة للخارج بوفاته نتيجه حادث لتقع العائله في حزن وخاصه عبد الرحمن فهو احد اسباب تفكك ابناءه احمد ونيهال.
نوران رغم حبها لزين الا انها ايضا معترضه علي الزيجه بتلك الطريقه لتخرج أيضا من المكتب بعد زاهر تاركه الجميع يقف بزهول.
سافر زاهر مرة اخري لانجلترا يكاد يموت من الغيظ
من فعلت جده عقلة يحدثة بطتليق غادير ولكن هناك هاجس يمنعه من ذالك.
لضرب بيده كل ما تطولة يده ويسب ويلعن في نفسه لما صمت علي تلك الفعلة.
***
زهور فتحت الباب لتجد شاب يقف علي الباب يخفي جزء من وجهه.
زهور/ مين انت.
الشخص / مش ده بيت الست أحلام بدير.
زهور / ايوة هو مين انت.
الشخص يتلفت حوله بحزر.
ويعاود الحديث معها / هي موجودة.
زهور/ ايوة نقلها مين.
الشخص / قوللها بدير بكر المنصوري.
ليدخل بغته فور اقتراب سيارة بها شخص من المنزل.
احلام تقف بخوف من ذالك الذي اقتحم المنزل.
زهور / تسبه وتلعنه انت يا بنادم أنت داخل زي التور كده من غير ما تستأذن ولا اسمحلك تدخل.
يغلق الباب بسرعه فور دخول العربه طريق المنزل.
بدير / اسف يا ست أحلام اني دخلت كده بس مش عاوز حد يشفني وفي حد داخل علي هنا بعربيه.
أحلام / بدير ادخل يا بني ادخل اهلا وسهلا.
بدير يقترب منها يمد يده يسلم عليها.
بدير / وجه شاحب عينه باهته هلات سوداء
تحت عينه. اهلا بيكي يا ست أحلام أعزريني علي جيتي المفجاءة دي بس في موضوع مهم عاوز أسالك عليه وكمان عوزك تشيعي لامي روحية عاوزها ضروري.
احلام /اتفضل يابني اقعد مالك وشك مخطوف كدة ليه مالك تعبان ولا ايه.
بدير /جلس مكان ما اشارت له احلام.
احلام / زهور روحي حضرنا لقمه ناكلها علي مع خالك بدير يرتاح من الطريق.
زهور رحلت بعد نظرات احلام لها.
بدير / لا عشا ولا حاجه انا بس عاوز امي روحية ضروري وياريت لو تقدري تبعتي ليها تجي انا هكون ممنون ليكي لاخر العمر.
أحلام/ ارتاح بس في الاول. وكلك لقمة ونكلم بعدين روحية مشيت من البلد في هاخدك الصبح ونروح ليها.
بدير / لا صبح ايه مش هينفع حد يشفني ولا يعرف اني هنا بالبلد.
احلام أهدي بس يا بني مالك في ايه.
تقطع كلامها مع سماعها صوت خبطات علي الباب
لينتفض بدير.
أحلام دب الرعب في قلبها اشارت له بأن يذهب داخال الغرفة لتتجة الي باب المنزل وتلتف إليه
لتجدة دخل الغرفة واغلق بابها.
أحلام /مين.
بالخارج / الشخ علي شيخ الجامع بعتني عشان الأرض.
فتحت أحلام بعد ما إطمئنت لتصدم من وجود شاب اول مرة تراه شديد الشبه بشفيق يقف علي وجهه ابتسامة غريبه.
خطتت خطوة للخارج لم تشعر بنفسها الا وهي تحمل علي كتفه لا تقوي علي الصريخ اثر رزاز قام برشه علي وجهها فور خروجها من المنزل.
الصافي حمل أحلام علي كتفه ووضعها بالسيارة التي كان فتح بابها من قبل وصعد بجوارها وإنطلق بالسيارة لشقة المصنع بعد قليل وصل للباب الخلفي للمصنع انحنا وحملها وصعد بها درجات السلم بسرعه فتح باب الشقة ووضعها علي السرير.
يتظر لوجهها ويتلمسة انحنا يقبل كل إنش به.
لم يعد يتمالك نفسة خلع جلبابة وبداء بفك
حجابها يقبلها مرة إخري برغبة أقوي.
لينهض عنها يجاول يجردها من ملابسها ليصدم من جمال جسدها ليتجرد من ملابسه وينقض عليها يقبلها ويحدثها بين قبلاته.
الصافي/ ليه حق أبويا يموت عليكي وامي تغير منك
بقي الجمال ده كلة والجسم الملبن ده ما اشبعش منه واتمتع بيه رغبة إجتاحدته اسرع في نفض ملابسها
وكاد ان يلمسها بجسدة فجاءة وجد من يضربه علي راسة من الخلف ليلتف قليلا يري من قام بضربه
لتجحظ عيناه وينطق بصعوبه.
الصافي / ابا ويسقط بجوار أحلام علي الفراش بعد تلقية ضربه قوية مرة إخري.
شفيق اصيب بهستريا شديده بعد خروج ابنه وغلقة الباب عليه من الخارج ظل ينادي بصوت جاهوري.
فجاءة فتح الباب وتدخل نادرة عليه تنظر له بغل.
تحدثة بشماته.
نادرة / في ايه عمال تنادى بصوتك ال زي الرعد مش بتفصل ال يسمع صوتك من شوية ما يصدقش انك ال بتنادي دلوقتي قالتها وهي تلكزة. بعصي طويلة.
شفيق/ نظر لها بمكر وجزبها بغته اليه ممسكا بطرف العصي لتصبح وجهها امام وجه تحاول ان تبتعد عنه لم تقوم فقد اسرع شفيق بمسك يدها جيدا وضربها
علي راسها لتسقط عليه ليزيحها بيده لتسقط أرضا مغشيا عليها وينهض مسرعا ويلبس ملابسه واتجه الي مكتبه اخرج عدة أوراق من خزانتها والاموال بها وخرج مسرعا يصعد الي كارته ليصل الي مصنع العلف يري ابنة يحمل احلام معشوقته ويدخل بها الي شقة ملذاته ليصعد بسرعه يدخل من بابها.
ليقف مصدوم وهو يري ابنه مجرد من ملابسه ويحاول نزع ملابس أحلام.
ليرفع يده بعصاة ويضربه من الخلف بغته ويعاود الضرب مرة إخري من الامام.
شفيق جلس علي طرف الفراش جوار أحلام بشوق.
يحدثها وهو يضرب وجنتها بيدة لتستيقظ.
سفيق / احلام فزي يا حببتي فتحي عيونك الحلوين. متخفيش لحقتك قبل الخسيس
ما يعمل فيكي حاجه. انا لا يمكن اسيب
حد غيري يتمتع بيكي حتي لو كان ابني.
احلام تتململ من نومتها تفزع مع تذكرها
ما حدث لها لتنتفض جالسه علي الفراش.
تصرخ بهستريا تفتح عينها تجد شفيق قريب
منها والناحية الاخر من قام باحضارها مغشي عليه بدون ملابس.
شفيق / اهدي اهدي ملحقش يعمل حاجه انا لحقتك قبل ما يقربلك او يلمس جسمك.
انتفضت من علي الفراش بسرعه تهندم ملابسها وتعدلها تسحب حجابها وتغطي خصلاتها.
تحاول الخروج من الغرفه لتشعر بدوار شديد لتستند علي الحائط حتي لا تسقط.
شفيق / براحة يا احلام انا هسندك.
يقترب منها يحاول مسك يدها تنفضه عنها وتصرخ به بصوت متحشرج من البكاء والخوف.
أحلام /أبعد عني نتلمسنيش حسبي الله ونعم الوكيل فيك وفي ابنك منكم لله.
اختل توازن شفيق كاد يسقط لكنه تمالك نفسها.
امشي معايا يا احلام تعالي نرحل من البلد ونعيش مع بعض واوعدك هعيشك ملكه ومش هقربلك نهائي كفاية تكوني جنبي واتمل في حسنك. يخرج من جيب جلبابه اوراق واموال.
أحلام / ابعد عني مش عوزة اشفك ولا اسمع صوتك.
ابعد بفلوسك واراضيك ابعد بقرفك انت وزريتك.
لو فعلا يهمك امري ابعد عني كفاية ال حصلي وبيحصل بسببك.
شفيق: انا بحبك.
أحلام / انا بكرهك وبكرة الساعه ال حبيتك فيها وبندم علي اليوم ال صدقت فيه كلامك ابعد عني.
مش عوزة اشفك قدامي لا انت ولا حد من طرفك.
تخرج أحلام وتهبط الدرج، كادت تتعثر مرات متتالية حتى هبطت لأسفل بصعوبة.
التفتت يمينًا ويسارًا، تنظر إلى الطريق لتسلك الطريق القريب من منزلها.
تبكي بصمت على ما يحدث لها.
وصلت بعد فترة من الهرولة، تتلفت حول نفسها بخوف كلما سمعت نباح الكلاب.
تتنفس بصوت عالٍ لتقف على بعد مسافة من المنزل تلتقط أنفاسها.
فوجئت بوجود من يرمي بحضنها.
زهور أنهت من وضع الأكل على الطاولة، ثم زادت على جدتها، لم تتلق استجابة.
وجدت باب المنزل مفتوحًا، اتجهت إليه بسرعة تنادي عليها، لم تجدها.
لتسرع بمناداتها وتبحث عنها بجوار المنزل، لتجلس على جذع شجرة قريب من المنزل.
فجأة ظهرت أحلام أمامها بعد أن يأست من إيجادها وعصفت بها الأفكار.
لتسرع بضمها واحتضانها.
ظلت أحلام تتمسك بضمها، تبكي معها بصمت.
أحلام: ازاحت دمعتها وأمسكت يدها. تعالي بينا على البيت بسرعة، هنمشي من هنا.
زهور: الضيف فين؟
أحلام: أنا شفت باب البيت مفتوح، جريت من غير ما أقوله.
دخلت أحلام وزهور المنزل، اتجهت إلى غرفة النوم مباشر، لتقف وهي تجد بدير ممددًا على الفراش يغط في نوم عميق.
لتنظر له بحزن تهمس لنفسها.
أحلام: يا ترى حكايتك إيه يا ابن بكر، انت كمان.
خرجت مرة أخرى، وجدت زهور ممددة على الأريكة.
جلست بجوارها تتلمسها تتحدث بخوف.
لازم نبعد عن البلد، بس إني اللي بفكر فيه وأعرف بدير عاوز إيه، وبعدين نمشي ناخد شقة قريبة من السوق عشان نكون بأمان.
وانتي يا زهور لازم جمالك يتدارى ولبسك كمان يتغير وما يبينش جسمك.
كفاية اللي شفته واللي بيحصلي.
أغلقت الباب بالمفتاح وتمددت على الأريكة الأخرى.
ليفيقوا جميعًا على صوت أذان الفجر.
خرج بدير من الغرفة يتأسف لها.
أحلام أشارت له بالجلوس.
بدير: أنا عارف إنك بتسالي ليه بعد السنين دي كلها رجعت، وباسأل على أمي روحية، أنا هحكيلك كل حاجة.
أنا رحت الحارة زي ما قلتي لي وعشت فيها سبع سنين، وفتحت المحل وكبرته.
ومن سنتين الحكومة نقلت السوق للعبور، وأخذت محل كبير هناك واتعرفت على عائلة عم ماجد وحببتهم وحبوني، بس قلبي اتعلق ببنتهم وهي كمان حبتني واتعلقت بيا.
واعترفنا لبعض بالحب، دخل ناس تخطبها لي ورفضوا الموضوع وقالوا الدين وأنها مخطوبة لابن عمها بالصعيد.
اترجيته وقلت له: الدين بيسمح بزواج المسلم بمسحية، رفض رفض قاطع وسفروا بنتهم وحرموني منها.
وزاد الوجع لما في يوم كنت بالمحل ووقعت من طولي، ولما كشفت وظهر عندي تعب في الكلى، ومن يومها وأنا الدنيا ملطشة معايا.
أمي روحية، كنت بتصل برقمها كل فترة وفجأة مبقتش ترد وتليفونها مقفول.
أحلام: ألف سلامة عليك يا ابني، أمك روحية سابت البلد من كام سنة وجاتلي السوق وعرفتي مكانها، وبتجيني كل فترة وتمشي.
إن شاء الله هاخدك ونروح ليها، بس همتك معايا نلم حاجتنا من هنا.
أنا كمان همشي وأروح أعيش في طنطا، نفسها البلد مبقتش تدخل.
زهور: ستي انتِ.
أحلام: خلاص يا زهور، أنا قلت هنمشي يعني هنمشي.
دق الباب عدة دقات، أسرع بدير بالاختفاء بالغرفة.
أحلام وقفت برعب شديد، رفضت اتجاه زهور لفتح الباب، اتجهت إلى المطبخ وحملت سكين واقتربت من الباب تسأل عن هوية الواقف أمام الباب.
أحلام: مين.
أتاها الرد: أنا الشيخ علي، شيخ الجامع.
اعذريني يا بنتي، أنتِ جيتك الساعة دي، بس لما عرفت من سيد الملحي إن الصافي ابن العمدة كرشه بعد المغرب وقاله إنه هيأجر الأرض وأنا شكيت بالموضوع.
أول ما قالي جيت طوالي عليكي.
أحلام فتحت الباب وأخفت السكين خلف ظهرها.
لانت ملامحها بعد أن تأكدت من الشيخ.
أحلام: شيخ علي، الأرض بأمانتك، أجرها بمعرفتك، وكل زرعة شيل حسابها على جنب، طلع منه جزء لله لليتامى والفقراء وذكاة الزرعة.
والباقي لو مفهوش تعب، خليه معاك لحد ما أشيع لك حد من طرفي بأمارة نتفق عليها كل مرة بنفس المبلغ اللي هيوصلني منك، وهديك ورق الأرض تقدر تستلم بيه المبيدات والسماد.
الشيخ علي: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، إن شاء الله لو في العمر بقية هكون قد المسؤولية.
العمر قاصر، هحمل أمانتك لواحد من ولادي وهيكون على نفس العهد.
أحلام انحنت تقبل يده.
سحب يده.
الشيخ: لا تركبني ذنب يا ست أحلام، والدك والشيخ المنصوري أفضلهم عليا، ومهما عملت مش هرد لك جزء من أفضالهم.
أحلام: ادعي لنا يا شيخ، هاخد البنت وهنمشي من البلد ومن الجهه كلها، مبقتش لينا قاعدة.
لولا مدرسة البنت، كنت مشيت من طنطا ومن الغربية كلها، بس إيدي متربطة بعلمها.
ادعيلنا بالتساهيل ويبعد عنا ولاد الحرام.
أنا تعبت قوي يا شيخ، تعبت لدرجة بتمنى الموت، يمكن أرتاح من الشقى والظلم اللي عشناه أنا والغلابة اللي جوه.
الشيخ علي: ارمي حمولك على الله، وربك ما بيضيع حق مظلوم، وإن شاء الله حقكم هيرجع ليكم قريب قوي.
أحلام: يارب يا شيخ، يارب، مبقاش فيا حيل ولا قدرة أستحمل الغدر والنفوس الضعيفة.
الشيخ: أومأ رأسه بتفهم. روحي يا بنتي، يمكن المرة دي تلاقي راحتك، وتأكدي إني على العهد، وأرضك وبيتك في الحفظ والصون.
أحلام: بالحق يا شيخ، عايزة أقولك على حاجة.
البيت والأرض بكر الله يرحمه كان كتبهم لي باسمي بيع وشراء، وأنا لما تعبت وعملت عملية القلب، فلوس زهور كلها صرفتها على العملية.
فأنا من يومين رحت الشهر العقاري وكتبت ليها الأرض والبيت.
بس في حاجة حصلت خلتني أحس بعذاب الضمير.
الشيخ: احكي كل اللي عندك، وإن شاء الله تلاقي اللي يريحك.
أحلام: بكر كان ليه ولد من ست تانية، و... وبص يا شيخ هقولك كل حاجة وأنت تقولي أعمل إيه.
قصت أحلام قصة روحية وإنجابها للوائل وكتابته باسم بدير وباسمها هي، لكن لم تذكر الأسماء.
قصت له بدون أسماء، هل تأثم على ذلك والأرض والبيت له نصيب به.
الشيخ: استغفر الله العظيم. بصي يا بنتي، اللي حصل ده اسمه تحايل على الشرع والقانون، حرام حرام.
لكن اللي حصل حصل، طالما الولد يعلم أنك لست والدته وأن زوجك هو من كتب الأرض والبيت تعويض لكِ، فأنتِ غير آثمة.
شكرته أحلام وطلبت منه أن ينتظر حتى تحضر له أوراق الأرض.
دخلت وبعد قليل حضرت بالورق، أعطته له ورحل الشيخ.
ودخلت جمعت أغراضها وكتبت لزهور وخرجت مع بزوغ ضوء الصباح.
فور وصول زميلاتها، رحلت أحلام من البلدة ومن المركز بالكامل واتجهت لتعيش بمدينة طنطا بشقة قريبة من شقة روحية.
زهور أصبحت أكثر عدائية بعد سماع حديث بدير وروحية وأحلام.
لتمر الأيام والسنين.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم منى عبدالعزيز
في أحد الأماكن الراقية بمدينة طنطا، بالتحديد في شقة بالدور الرابع ذات طابع أرستقراطي، يقف يتحدث بعصبية:
"يعني إيه رحت البيت لقيته مقفول والسوق محدش عارف مكانهم."
يكمل بغضب:
"خلاص أنا هتصرف."
"أعمل اللي قلتلك عليه من غير ما حد يعرف. ورشا لو سألتك قوليها سافرت مؤتمر أسبوع لأمريكا وراجعة."
أغلق الهاتف بحزن. أحنى جسده للأمام، وضع مرفقيه على قدميه، وكور وجهه بين يديه يتنفس بوجع.
يحدث نفسه بأنفاس لاهثة:
"ليه يا زهور تروحي من غير ما تودعيني؟ هو ده الوعد اللي اتفقنا عليه؟ يا ترى فين أراضيك؟ حصل لكم إيه تختفوا بالشكل ده."
"كله منك يا رشا، انتي والزفت عادل. طمعكم هو اللي مخليكم فاكرين إن أي حد يقرب مني يبقى طمعان فيا. أنا هبعد وهسيبلك كل حاجة. خلاص ما عدش فيه سبب أفضل عشانه."
ليخرج ورقة من جيب جاكيته يقرأها بصوت مسموع:
"دكتور أحمد، أنا زهور. آسفة إني كتبت لك الجواب ده ومجتش بنفسي أقابلك وأودعك. كنت أتمنى أجي أترمى في حضنك وأشكيلك اللي جوايا. يمكن كلامي أكبر من سني، بس ممكن اللي عشته في حياتي ناس عمرها ستين وسبعين سنة ما عاشوهوش. كتبت لك الجواب ده وبدعي ربنا إنه يوصلك. أنت أنا مخفتش ولا اتهزيت ولا زعلت من كلام خالتي رشا، وكنت هاجي أشوفك زي ما وعدتك كل يوم، بس اللي حصل حاجة خرجت عن إرادتي. كتبت لك عشان أعرفك إني مش هاجي المركز تاني. متزعلش مني. وقريب أوي هزورك. دعواتك ليا يا أصدق وأحن حد قابلته في حياتي. على فكرة، كل فترة هكتب لك جواب وأبعته على المركز وهدعي ربنا إنه يوصلك انت. هطمنك عليا وهعرفك كل حاجة بعملها. أوعدك هذاكر وأجتهد. دلوقتي هقولك سلام، والجواب الجاي هقولك باقي حكايتي زي ما وعدتك."
ليفتح ورقة أخرى:
"وحشتني أوي. النهاردة ليا 4 شهور ما كتبتش ليك. النهاردة أنا كتبت ليك أفرحك إني نجحت وطلعت الأولى زي ما وعدتك في امتحان الترم. وأوعدك هكتبلك المرة الجاية وأبعتلك كل حاجة. سلام يا أطيب وأحن قلب."
أحمد ببكاء:
"أنا مش صادق يا زهور، أنا آخدك دواء لجروحي. متعرفيش قد إيه تعبان من غيرك. بقالي أربع شهور هموت وأشوفك. أنا هسافر كام يوم وهرجع. هقلب الغربية كلها عليكي. مش هسكت غير لما ألاقيك."
***
زهور وأحلام وبدير وصلوا إلى مكان روحيه. شقة متوسطة في حي شعبي. بعد سلام واشتياق وبكاء سنوات فراق، لتبدأ وصلة عتاب طويلة.
أحلام:
"هستأذن أنا. يدوب ألحق أروح أفرش الشقة اللي أخدناها."
بدير:
"ست أحلام، يا ريت تفضلي معانا وتحكيلي كل حاجة. الحقيقة كاملة. أنا ابن مين بالظبط؟ ابنك وابن بكر المنصوري؟ ولا ابن روحيه وابن شفيق الصافي؟"
روحيه تضع يدها على فمها، تبتلع رمقها بصعوبة.
أحلام بلجلجة:
"إيه الكلام ده؟"
بدير أخرج من جيبه مصحف صغير:
"احلفي على المصحف ده إنك هتقولي الحقيقة."
أحلام تنظر إلى روحيه بخوف تخبرها ماذا تقول. لتقاطعه روحيه.
روحيه:
"أنا هحكيلك كل حاجة. وأحلفلك هقولك الحقيقة كاملة من غير ما أنقص حرف. اقعد يا ابني واحلف ليا إنك تسمعني للآخر وإنك مش هتسبني لأخر العمر."
بدير:
"بعد ما أعرف الحقيقة ابقى أشوف."
روحيه قصت عليه كل شيء من بداية حبها هي وبكر، وتلك الغلطة التي نتج منها كل ما حدث، وإنه ابن تلك الغلطة. تحكي وهي تبكي وصوت متحشرج، تقص له كل شيء، ولما تركت المنزل، وكيف هربت من الدوار، واستأجرها تلك الشقة، وقيامها باستئجار محل وفتحه أدوات خياطة.
بدير بذهول مما يسمع ظل صامت فترة طويلة ينظر لشيء.
بدير:
"من وأنا عيل صغير بسأل نفسي ليه شفيق بيقولي يا ابن روحيه يا ابن الحرام؟ كل ما أقوله يا با. أتاري كنت غبي، بدل ما أسأله ليه بيقولي الكلام ده. أجري عليكي تقوليلي أصله عصبي وزهقان بيعاملك كده عشان تبقى راجل تتحمل المسؤولية. هو اتربى كده وبيربيك زي ما اتربى."
"عارفة إيه؟ بعد العمر ده كله أعرف حقيقتي. أنا ابن حرام، ابن غلطة. الكل كان بيقولي ابن روحيه، ابن روحيه. ليا أم وماليش أب. مكتوب في ورقة باسم واحد تاني."
"عارفة يعني إيه تعيشي مالكيش أب؟ بتتنادي باسم أمك. عارك ملزمك. عارفة وأنا في المستشفى كان معايا راجل عمره فوق السبعين طول الليل يعيط ويدعي على أمه وأبوه. لما قعدت معاه وفضلت وراه لما حكالي. ليه بتدعي عليهم؟ انت أب ممكن ولادك يعملوا كده؟ ماهو محدش بيدعي على أمه وأبوه كده."
"قالي كلمتين فوقوني. قالي بدعي عليهم من قهري لما تعيش سبعين سنة الكل بينادي عليك بابن الحرام. ينادوك باسم أمك. لما تروح تتقدم لبنت وأنت فرحان إن هيكون ليك بيت وعيلة. وخلاص هتعيش مع الإنسانة اللي اختارها قلبك. وفجأة تلاقي كل حاجة راحت من بين إيديك بسبب عار مالكش ذنب فيه. واحد ووحدة غلطوا ورموك للدنيا تشايلك وتهبدك. يومها بس كل كلمة شفيق قالها ليا، وآخرهم لما هربتني من البلد باسم بدير. ساعتها بس عرفت مين أنا. أنا ابن حرام، ابن روحيه."
زهور تجلس بصمت، ترى ما يقال بذهول. يتردد في أذانها: ابن روحيه، بنت سلسبيل، ابن حرام، بنت حرام. اسمي باسم أب تاني. مين أبويا؟ فين أمي؟ حكايتها متشابهة مع بدير. الفراق، إنه عارف أمه، هي متعرفش فين أمها وأبوها. متعرفش هي بنت حرام زي ما بتسمع؟ ولا هي مين؟ هي زهور؟ ولا زهروان؟ أحلام تبقى مين؟ جدتها فعلاً؟ ولا حد عطف عليها ورباها؟ زهور بنت سلسبيل، زهور بنت سلسبيل. اسم كم كرهته. تود لو تمحوه من أذنها. تسيل دمعاتها دون إرادة منها.
لتهب واقفة وتخطو تجاه باب المنزل، تخرج منه بسرعة البرق.
أحلام:
"زهور رايحة فين؟ زهور زهور."
بدير هب واقفاً، خرج من المنزل بسرعة، ينزل الدرج، يخطو عدة درجات في مرة واحدة، ينادي عليها حتى تقف. ليخرج إلى الشارع، ينظر يمين ويسار، لا يراها. كأنها تبخرت من مكانها. وخلفه أحلام تهبط الدرج تنادي على زهور وهي تتلمس قلبها، تتنفس بألم. سألوا المارة والمحلات بالمنطقة، لم يدلهم أحد عن مكانها.
أحلام لم تعد تقوى على الحركة. قلبها ازداد ألمه، جلست على الأرض مكانها بوجهها الشاحب وبكاها الذي يفطر القلوب. التف المارة حولها.
زهور خرجت من المنزل، تعدو بسرعة حتى وصلت إلى شارع صغير. جلست على درجات سلم لأحد البيوت الخاصة، تبكي بخوف. لأول مرة تخرج وحدها. اليوم تعرت أمام حالها. جلست تلتقط أنفاسها، عينها مثبتة على الأرض أمامها، تهز جسدها للأمام والخلف، تحدث نفسها.
زهور:
"أنا بنت مين؟ بنت زياد؟ ولا أبويا مين؟ سلسبيل أمي؟ ولا مش أمي؟ زياد أبويا؟ ولا لا؟ حبانه يا زهور. جبانة، وطول عمرك هتفضلي جبانة. لما حد كان بيقولك بنت سلسبيل كنتي متبقيش عارفة تردي."
فجأة فتح الباب وخرج شيخ عجوز مستند على عكاز خشبي. يجد زهور جالسة، ممانعة لا تتحرك. ينادي عليها، أيضاً لا تجيب. عينها تدمعان. اقترب منها الشيخ، جلس جوارها.
الشيخ:
"أنا ليه حاسس إنك تايه ومش عارفة فين بيتك؟"
زهور:
"لا رد. دموعها تسيل على وجنتيها."
الشيخ:
"اتكلمي يا بنتي. مالك؟ طيب انتي بتسمعيني ولا لا؟"
زهور:
"هزت رأسها بدون أن تتكلم."
الشيخ:
"طيب مالك؟ انت اسمك إيه؟ طيب بنت مين؟ أهلك فين؟ طيب تعرفي بيتك فين ولا لا؟"
زهور:
"معرفش أنا بنت مين ولا اسم أبويا إيه. الناس بينادولي زهور بنت سلسبيل."
الشيخ:
"يا سلام! زهور وسلسبيل. إيه الحلاوة دي. زهرة وعين من الجنة. بسم الله ما شاء الله."
زهور ببكاء نظرت للشيخ:
"هو يعني إيه ابن حرام؟ ويعني إيه ملاكش أهل؟"
الشيخ:
"افهم الأول إيه الحكاية وأنا أفهمك."
زهور قصت حكايتها التي تعلمها، وقصتها لها أحلام.
الشيخ:
"بصي يا بنتي، انتي لسه صغيرة. في كلام انتي مش هتعرفيه إلا لما تكبري. بس أنا اللي فهمته من حكايتك إن سِتّك صدقت بكلامها. انتي بنت حلال. وهقولك كلمة: مسيرك تكبري وتعرفي الحقيقة، وسر الغايب يتعرف. وكمان انتي فيكِ تعرفي أصلك وأهلك بعلمك وتفوقك. لما الدنيا كلها تعرفك ويشاوروا عليكي بدل ما كانوا بينادوا عليكي زهور بنت سلسبيل، هينادوكِ الدكتورة زهور أو العالمة زهور. خالي بالك، الإنسان مش بابن مين وأبوه وأمه مين، لكن طبعك وأدبك وأخلاقك وتدينك وعلمك، هو ده قيمتك."
زهور:
"وقفت، لازم أرجع لستي. تلقيها قلقانة عليا. أنا جريت وسبتها ومتعرفش أنا فين."
الشيخ:
"تعرفي بيتكم؟"
زهور:
"أيوة. أنا عارفاه. متشكرة أوي."
عادت زهور إلى العمارة التي تقطن بها روحيه، وجدت أحلام جالسة أمام البناية تبكي بشدة وحولها عدة أشخاص.
زهور:
"اقتربت منهم، نادت بصوتها: ستي."
لتقف أحلام بسرعة، تتلفت حولها، اختل توازنها، كادت تسقط. التقطتها يد زهور، لتخطفها أحلام بين يديها تضمها بقوة. صوت نحيبها أبكى من حولها. بدير نظر إليهما، جفف دموعه، واقترب من والدته، قبل رأسها، وأمسك يدها. شكر من يقفون على مساندتهم، وطلب من أحلام الصعود هي وزهور للأعلى.
رفضت زهور، وأصرت على الذهاب إلى منزلهم الجديد. بعد فترة قصيرة، أنهت زهور من ترتيب الأغراض، جلست بجوار أحلام التي لازالت تنظر لزهور وتبكي بصمت.
زهور:
"سامحيني يا ستي، أنا تعبتك باللي عملته، بس غصب عني مقدرتش أتحمل. وأوعدك من النهاردة هتعلم وأشتغل وهخليكي تفتخري بيا. ومش أنا اللي هدور على أبويا ولا أمي، هم اللي هييجوا لحد عندي."
أحلام:
"يا بنتي، أقسم بالله إنتي بنت حلال. بس أنا معرفش إيه اللي حصل لهم. غير جواب لقيته بعد أمك ماراحت تجيب شهادة ميلادك وراحت ما جت. الجواب والأوراق والفلوس وشهادة ميلادك لقيتهم في شنطتها. ومن يومها وأنا شايلالهملك لحد ما تكبري وتوعي وتقدر تفهمي. وأديلك كل حاجة."
زهور:
"أوعديني يا ستي، لما أكبر وأدخل الجامعة تحكيلي كل حاجة ومين أهلي."
أحلام:
"أوعدك يا بنتي."
عدت الأيام والسنين، وزهور وفّت بعهدها لنفسها ولجدتها. تعمل بائعة في محل بعد المدرسة، وداومت على حفظ القرآن الكريم. داومت على إرسال خطاباتها للدكتور أحمد على التوالي. مرت سبعة سنوات من عمرها، وأصبحت في الصف الثالث الثانوي. بالرغم من معاناتها من بعد المسافة بين مدرستها القديمة وبين المنطقة التي تقطنها مع جدتها. أول عامين عانت من تنمر زميلاتها عليها، وخاصة أبناء الأثرياء الغيرون من تفوقها وجمالها.
مرضت أحلام بشدة، جعلها المرض طريحة الفراش. ضاق الحال بهما. أصبحت زهور تعمل نهاراً في السوق، وفي المساء تقف في محل روحيه بأجر زهيد.
في إحدى الأيام وهي جالسة تبيع الخضار، وجدت من يقف أمامها ينظر لها.
ليقشعر بدنها بخوف شديد من نظراته بعد انتهائه من شراء ما أراد. تفاجأت به يمسك يدها أثناء دفع ثمن المشتريات. لتبعد يدها بسرعة وتهب واقفة. وبيدها الأخرى قامت بضربه على وجهه ولعنته. تجمع الكثيرون من الباعة من الرجال وتهاوشوا مع الرجل. لولا تدخل بعض الزبائن لإنهاء المشكلة.
زهور: استغفر الله العظيم. ناس معندهاش أخلاق.
راجل شايب وعينه زيغة، عاوز حش رقبته.
إحدى البائعات: نص رجالة السوق هيجننوا عليكي يا زهور. من أكبر معلم لأصغر بياع يا بنتي. وفقي على واحد منهم يسترك ويحافظ عليكي ويشيل من عليكي الحمل. إنتي وستك. اللي يوم كويسة وعشرة محجوزة بالمستشفى.
زهور: نظرت لها نظرة ألجمتها. لأقف من مكاني. أنا خلاص خلصت البضاعة اللي قدامي. يدوب الحق أروح لستي المستشفى.
البائعة: فكري في كلامي. أنتم ولايا وأغراب. ولا ليكم أهل ولا عزوة. محتاجين راجل يأخد باله منكم. لو ستك جرالها حاجة لقدر الله، هتعملي إيه وهتروحي فين؟ مين هيرضي يسكنك في بيته وإنتي بنت ولوحدك. وكمان لا مؤاخذة إنتي ملكيش أب ولا أم.
أنا لو منك اختار معلم من المعلمين الكبار اللي هيموتوا عليكي. وأجي زيه هيعيشك ملكة ويلبسك حرير ومصاغ من ساسك لراسك. ووقتها هتكوني الست زهور مرات المعلم الكبير. مش زهور بنت سلسبيل بياعة على فرش بالإيجار. وآخر اليوم تروحي بيومية وشوية طماطم وخضار لو باتوا هيحمضوا.
زهور: بسخرية. وعلى كده يا أم كريم رأيك اختار مين من المعلمين؟
البائعة: اختاري أغناهم وأكبرهم بالسوق. المعلم جابر. راجل ملو هدومه ويحتكم على نص تجارة السوق. غير الأملاك والعمارات والعربيات. حتى الفرش ده في ملكه. شوفي بقى هتبقي إيه وتنتقلي إزاي من بياعة على الفرش لصاحبة الفرش نفسه.
زهور: امم. المعلم جابر اللي أصغر أحفاده قدي في السن. لا نسيتي دي حفيدة ابنه. وماله ما يجرالش حاجة. وأهو المعلم مقتدر. مجوز فوق الثلاثين مرة. وعنده أربعين عيل غير الأحفاد. بس قوليلي حلوتك هتكون إيه والمهر اللي هيدفعه كام؟
البائعة: أعدم عنيا لو كنت هاخد حاجة. دي محبة لله في لله. إنتي حبيبتي. كنت بتمنى تبقي مرات ابني. بس مالهوش نصيب.
زهور: بصي يا أم كريم. قولي للمعلم جابر ليا شروط. لو نفذها أنا هوافق عليه. وأولها يجي يطلبني من ستي هو وولاده. ويعملي فرح كل السوق يكلم بيه. ويكتبلي تلات محلات باسمي هدية الخطوبة. والفرش ده بالذات قبل منهم. ويعيشني في قصر. ولو ستي وافقت لازم نعمل سنة خطوبة ندرس فيها بعض.
البائعة: حايلك حايلك. إيه الطلبات دي كلها؟ وكمان إنتي عاوزة كبير السوق كله يروح يتقدملك إنتي وياخد ولاده؟ وهيطلبك من مين يا حلتها؟ بابا السفير ولا ماما سلالة الحسب والنسب؟
زهور: باستفزاز وقلبها يكاد يتمزق من الألم والإهانة. ابتسمت ابتسامة ساخرة. لا. هيطلبني من ستك وتاج رأسك أحلام.
البائعة: هبت واقفة. همت تضرب زهور على وجهها. رفعت يدها لأعلى لتظل مثبتة مكانها. تحاول نزعها من بين يد زهور. لم تقو. رفعت الأخرى تهوي بها على وجهها. لتجد يدها الاثنتين معلقتين في الهواء.
أعلت صوتها ليتجمع البائعات. يحاولن فك تشابكهم. وبعد محاولات فكت زهور حصار يد البائعة بين يديها. تصرخ بها البائعة بغضب وتسبها بأبشع وأقبح الألفاظ النابية.
البائعة وهي تسب زهور وتهددها: النهاردة آخر يوم ليكي على الفرش وفي السوق كله. ابقي وريني هتقدري تبيعي قشاية في السوق من تاني. ومن الساعة دي تمشي ومش عاوزة أشوف وشك بالسوق اللي بعد كده. هيوحشك ديتها شوية ماية يترشوا في وشك. وبعدها وريني بقى هتشرطي إزاي وقتها.
زهور بعيون تكاد تشتعل من الغضب. تحاول فك حصارها من بين يدي باقي البائعات.
زهور: أنا مبتهددش. فاهمة ولا لا؟ ومن غير ما تقولي ده آخر يوم ليا في السوق. هاخد حسابي ونسبتي النهاردة ومش عاوزة أتملي بسحنتك البهية.
البائعة: مالكيش حاجة عندي. ويلا بدل ما أنادي على كريم واللي معاه يرموكي برة السوق.
زهور: انحنت. فتحت أحد الأدراج أمامها وأخرجت منه نقود. وقامت بعدها أمام زهول الواقفين جميعاً. لترفع يد البائعة وتعطيها المال المتبقي.
زهور: دول حقي على تعبي طول اليوم. وإنتي مقضياها مشاوير ومرقعة. وأنا طالع عيني مع الزباين. ودي نسبتي في المكسب. أنا همشي وقدام الكل أهو بشهدهم عليكي. لو حصلي حاجة يبق إنتي وابنك المسؤولين على اللي حصلي. ومن غير السلام عليكم.
رحلت زهور. وبمجرد أن ابتعدت قليلاً عن السوق شعرت بوجود أحد يخطو خلفها. لتسرع بخطاها. حتى وصلت لشارع مكتظ بالناس والباعة الجائلين. لتختفي بين بعض النسوة من يقمن بالشراء. عينها تجوب المكان لترتعد أوصالها وهي ترى نفس الشخص الذي أمسك يدها بالسوق بالصباح يبحث عنها. ظلت واقفة بين النسوة بعد أن وضعت إحدى الملابس التي أمسكتها من العربة المتجولة لتخفي ملابسها التي ترتديها. وكانت عبارة عن شال شتوي طويل. وسحبت حجاب بلونه ووضعته على رأسها. قامت بدفع المبلغ الذي طلبه البائع دون جدال. واستغلت التفاف الشخص بالبحث في المحلات. وعاودت أدراجها للخروج من الشارع. وأشارت لعربة تكتك وأخبرته بالاسراع حتى ابتعدت عن المكان. لتصل إلى محل روحية وترجلت من العربة. وأعطته ما طلبه. وأسرعت بالدخول إليه وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة.
تجلس أحلام بالمحل مع روحية وبدير، الذي أطلق لحيته أصبح أكثر تديناً. يعمل في مصنع حلويات نهاراً وليلاً. يقضي معظمه في المسجد أو يساعد روحية بشراء مستلزمات المحل. رفض الزواج نهائياً. قامت روحية بالتبرع له بإحداها بعد مرضه الشديد.
زهور بوجه شاحب وصوت حاولت إخراجه بصعوبة. ألقت السلام.
زهور: السلام عليكم. ستي إنتي خرجتي ليه من المستشفى؟ أنا كنت هغير هدومي وأجيلك.
أحلام: الحمدلله بقيت كويسة وصحتي اتحسنت وبقيت زي الفل. هفضل ليه قاعدة هناك؟ وكمان خلاص بقي أسبوعين على الامتحانات. لازم تقعدي من الشغل وتذاكري دروسك براحة وبهدوء.
زهور: أنا كده كده سبت الشغل عشان الامتحانات. ومتقلقيش. أنا بذاكر كويس. وإن شاء الله الفترة دي هلم المنهج كامل. لتلتف إلى روحية. وكمان هاخد إجازة من الشغل عند ستي روحية لحد ما أخلص الامتحانات. وخالي بدير هيستلم مكاني. صح؟
بدير: إن شاء الله يا دكتورة زهور. يلا من دلوقتي. خدي أمي أحلام واتفضلوا من غير طرود. مش عاوز أشوفكم نازلين الشارع نهائي لحد الامتحانات. وأي حاجة تعوزوها تتصلوا بيا. وإن شاء الله هتلقوها بالتو واللحظة عندكم.
أحلام ابتسمت له وربتت على كتفه. وهي ترى فيه ملامح بكر وطيبته وقلبه الأبيض المتسامح. تدمع عينها وتحدثه. ربنا يبارك فيك يا بكر. طول عمرك شهم.
روحية نكست وجهها للأرض. تساقطت دموعها بعد رحيل أحلام وذكرها لبكر. لتغوص بذكرياتها معه. تتذكر كلماته لها وحبه ومشاعره الصادقة. تحمله المسؤولية تجاهها بعد ما حدث بينهم. اعتذاره لها على ما حدث. حتى بعد ما خذلته عدة مرات. إلا أنه أخبرها في إحدى زياراتها السرية له بالسجن بحبه وعشقه لها. ومسامحتها له على خذلانه والمتواصل من أفعاله.
زهور صعدت إلى منزلهم مع أحلام تمسك بيدها. أحلام لاحظت توتر زهور أثناء عبورهم الطريق والتفاتها حول نفسها. وعينها التي تجوب بالشارع بين وجوه المارة. وتلك الملابس التي تضعها على ترتديها.
لتبلغها بالسؤال.
أحلام: من غير لف ولا دوران ولا حجج. قولي اللي حصل دغري كده. بدل ما أعرف بطريقتي.
زهور تبتلع رمقها. تنزع ما ترتديه فوق ملابسها وحجابها. هحكيلك كل حاجة من طق. عشان حجتين. أولهم إني متعوجتش أخبي عليكي حاجة. والتانية. لأن مش هينفع تروحي السوق مرة تانية بعد اللي حصل.
لتجلس أحلام تستمع لها بإنصات. لتضرب على صدرها بعد وصف الشخص الذي أمسك يدها وتباعها بعد ذلك. لتنهض من مكانها بخوف. تقترب من النافذة. تنظر من خلفها على الشارع. تتفقد المارة والجالسين على المقهى. تتأكد من عدم تتبعه لها.
زهور: متخافيش يا ستي. أنا عرفت أهرب منه. وكمان مش هيقدر يوصل لينا. محدش يعرف المكان هنا. حتى بتوع السوق محدش يعرف العنوان هنا. متقلقيش.
أحلام: الحذر واجب. ياما قلتلك بلاش تروحي السوق. أنا لما رجعت هناك معنديش شغلانة غيرها. هي دي اللي أعرفها من أكتر من عشرين سنة. ماليش غيرها. لو كنت أعرف أشتغل حاجة تانية ما كنتش أترددت. بس إنتي ليه توقعي كلامي وتروحي؟ أنا بلبس نقاب على وشي. محدش يقدر يعرفني. لكن إنتي روحتيلهم برجليكي. وشك باين وعيونك بتجنن الكل. كام مرة فهمتك. داري وشك. بلاش يبان منه حاجة. أدي نتيجة عندك وصلنا لفين. من هنا ورايح لبسك بناطيل واسعة وهدوم واسعة. هفصلهالك على إيدي. وحجاب طويل يخفي جسمك ووشك ده مش عاوزة يبان منه ولا حتة. فهمة؟ ومافيش نزول من البيت نهائي لحد الامتحانات ما تخلص. ومرواحك ومجيك رجلي على رجلك. فهمة.
زهور: أومأت برأسها وذهبت إلى المطبخ تعد الطعام لها ولجدتها.
أحلام جلست على الأريكة الوحيدة المتهالكة الموجودة بالمكان. أسندت رأسها للخلف. أغمضت عينيها. عادت بذاكرتها لشهر قبل مرضها. وهي تجلس بالسوق تبيع لأحد الزبائن. لتتفاجأ بمن يقف أمامها. ينحني لأسفل يحدثها بمكر وهو يقترب منها.
الشخص: عاش من شافك يا أحلام. معقولة بعد السنين دي أشوفك من تاني وأقابلك.
أحلام تنظر له. دب الرعب بقلبها. بصوت مهزوز. حاولت لا تبين له معرفتها بهويته.
أحلام: مين إنت؟ وأنا أعرفك ومنين تعرف أنا مين؟ وأحلام مين اللي بتقول عليها؟
الشخص: بضحكة ماكرة. سبع سنين وأنا رايح جاي أسأل عليكي. أغيب أغيب وأجي أسأل بنفسي. مش بتكل على حد. لحد ما عرفت إنك أحلام ورجعتي للسوق. وإنتي لبسة البتاع اللي على وشك ده. وزي ما وصلت ليكي هنا هوصل للي أنا عاوزه. واللي ما أخدتهوش من سبع سنين هاخده. وقريب أوي.
رحل بعد أن أخذ ما قام بشرائه ودفع مبلغ كبير لها ورحل.
أحلام شعرت بدوار شديد. الأرض تحيد بها. قلبه تعالت سرعاته. ضاق نفسها. تسحب الهواء بصعوبة. التقطت زجاجة المياه وحبات الدواء بجوارها بصعوبة. حتى هدأت قليلاً. لتفكر كيف الهرب منه. وكيف تعود لمنزلها دون أن يعرف مكانها. لتأكدها من مراقبته لها. لتنتهز هروب إحدى البائعات ترتدي نفس نقابها. وتترك مكانها لزميلة لها وذهبت مع تلك البائعة. وصعدت بجوارها بتكتك وسط السوق. ليصدم حسها وهي ترى ذالك الشخص جالس بسيارته بالقرب من مدخل السوق والمخرج الوحيد للخروج من السوق. لتحمد ربها أنه لن يأخذ باله منها. لتترجل على بعد أمتار من مكان عربته. تتجه تختفي بين الناس. تخطو من شارع لآخر. حتى وصلت إلى مكان معيشتها. ليحدث ما ليس متوقع. لا يتحمل قلبها ذالك الكم الهائل من التوتر والخوف. لتسقط أرضا فور وصولها درج البناية التي تقطن بها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم منى عبدالعزيز
مرت الأيام وزهور تواصل الليل بإنهار تذاكر دروسها.
بدير يمر عليهم يوميا. يذهب مع زهور إلى مدرستها ويعاود معها. تكونت صداقة بينهما. قص لها عن حياته، أخبرها عن حبه الذي لا يزال في قلبه لإلين ابنة ماجد. تطور الأمر إلى إخباره عن حياته بالحارة ومساعدة ماجد ويحي. انبهرت زهور بما قاله لها عن يحي وعن حبه لامرأة ورفضه الزواج من غيرها، وعن صداقتهما وتواصلهما سويا حتى الآن، وهو من يدير له محل الخضار في السوق بجانب تجارته الكبيرة وتواضعه مع الجميع رغم أنه من أكبر رجال السوق. زهور أيضا قصت له ما مرت به في حياتها وعن الطبيب أحمد وكيف تذهب إلى المركز تقف بالقرب منه حتى تراه.
بدير: ليه كل ده؟ ما تدخلي تقابليه وتطمني عليه بنفسك؟ وكمان سؤال، ليه الدكتور أحمد؟
زهور: لو قلت لك معرفش ليه متعلقة بيه؟ يمكن عشان حكايته وحزنه على أولاده، ويمكن على معاملته ليا. بس اللي متأكدة منه إن أول مرة أحس بحنان الأب كان معاه. أول مرة أخدني في حضنه، شعور غريب حسيت بيه. من وقتها عاهدت نفسي أن أعرف أخباره وفي نفس الوقت أطمّنه. كل شهر في نفس اليوم والميعاد ترسل له خطاب تحكي له فيه عن كل ما تقوم به.
مرت أيام الامتحانات التي لم تخلُ من تنمر الفتيات عليها لتتشتت وتفشل في إجابتها. رغم اهتزازها داخليا إلا أنها تحملت ما يقومون به. ثباتها الانفعالي يُحسد عليه. وأثناء فترة الاستراحة بين المواد ذهبت لتغتسل وتهدي من غضبها على ما قامت به بعض الفتيات وإهانتها قبل بدء الامتحان. وأثناء خروجها من اللجنة لتُصدم من قيام أحداهن بغلق الباب عليها من الخارج. ظلت وقت واقفة مكانها تستوعب ما حدث. إنها لم تؤذِ واحدة منهن ولا تعرف بعضهن. مر وقت طويل وهي تشعر بدوران الأرض أسفل قدميها. لأول مرة تطلق لدموعها العنان.
يمر الوقت وبدأ امتحان المادة الأخيرة. ماذا عليها أن تفعل؟ زهور تهاوت كل حصونها. شعرت بالغثيان. المكان أصبح يضيق عليها. تلتقط أنفاسها بصعوبة. استندت على الحائط خلفها تدعو ربها بداخلها. قلبها تسارعت دقاته. رفعت يدها للسماء بمساعدتها. تحاملت على نفسها. ضربت الباب بيدها بقوة لتقف منتصبة بفرحة وهي ترى الباب يفتح أمامها لتخرج بسرعة البرق. تصعد درجات السلم بسرعة حتى وصلت إلى مكان لجنتها لتدخل تعتذر من مراقبي اللجنة وتخبرهم بما حدث وعيناها قد لا ترى من يقف أمامها، ليرأفوا بحالها ويدخلوها وسط ذهول الفتيات. لتجلس مكانها تجفف دموعها. قرأت بعض آيات القرآن. أحضر لها المراقب أوراق الامتحان لتبتسم بفرحة رغم توترها وانتفاض جسدها. سمت الله وبدأت في كتابة اسمها على ورقة الإجابة.
زهروان زياد عبد الرحيم. فتحت الورقة وبدأت تدون إجابتها على الأسئلة. أحنت رأسها على ورقة الإجابة لم ترفعها إلا بعد الانتهاء من حل جميع الأسئلة. بالرغم من مرور ربع الوقت عليها محبوسة بالحمام إلا أنها استطاعت حل جميع الأسئلة على آخر وقت. أعطت ورقة الإجابة للمراقب ووضعت رأسها على الطاولة أمامها لتجهش بالبكاء بصوت سمعه الجميع. لتعاطف معها بعضهن والأخريات يبتسمن بسعادة بالغة. لتقترب منها بعضهن تشمتن بها ويتنمرن عليها.
رفعت زهور وجهها لأعلى وعيناها قد كستها الحمرة. كفكفت دمعتها وابتسمت بغصة. اقتربت من إحداهن. وقفت تنظر لها من أعلى لأسفل.
زهور: ما تفتكريش عياطي ده عشان اللي عملتوه فيا. لا، وإني اتأخرت على اللجنة. لا، ده من فرحتي بأني قدرت أحل الامتحان كامل من غير ولا غلطة. لتقترب منها أكثر: افتكري كلامي وعلمي عليه. أوله: إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. والتانية: كما تدين تدان. خلي الكلمتين دول حلقة في ودنك. ومن ناحيتي، هفضل ليل نهار أدعي ربنا يقتص ليا منكم. ومش هقول غير حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم. حسبي الله ونعم الوكيل.
لتنحن تلتقط أشياءها وتخرج وسط ذهول الواقفات. لتقف على بعد خطوات منهن تحدثهم دون النظر إليهن.
زهور: الحمد لله إن ده آخر يوم ليا معاكم ومش هقابل وشوشكم بعد كده.
لتذهب وهي تهبط الدرج بجسد خالٍ من الحياة. تهبط الدرج بملامح وجه شاحبة لتخرج تجد بدير كالعادة يقف ينتظرها ليصدم وهو يراها تقترب منه بتلك الهيئة.
ات يتحدث ويسألها ما بها ليبتلع سؤاله بحلقه وهو يرى هيئتها ليشفق عليها. يتساءل بداخله عما حدث لها. هل أخفقت بإجابتها؟ أم حدث لها شيء بالداخل؟ تردد كثيرا هل يسألها أم ينتظر عودتهم إلى المنزل. ليحسم أمره وينتظر عودتهم. ليلتف ويبتسم لها وألقى كلمات يضحكها بها. لا يجد أي رد فعل لها. يلتف بين الحين والآخر طوال الطريق. تخطو جواره وعيناها زابلة. تخطو كإنسان آلي موجه يعلم الطريق. ليرأف بحالها يشير إلى عربة أجرة. اقترب منه أخبره بالعنوان الذي يريده. ساعدها بالصعود بالخلف وهو صعد بجوار السائق.
دقائق ووصل العنوان الذي أخبره به. ليهبط سريعا يفتح لها باب السيارة. تهبط منها وهي بنفس هيئتها. أمسكها من يدها يخطو بها لداخل المكان. تمشي خلفه دون أن تلتفت أو تسأله أين هم. تخطو خطواتها خلفه كالمغيبة عن الواقع. ليقف أمام غرفة يدق على بابها. يسمح له بالدخول.
لترفع عينها وهي تستمع إلى صوت الواقف أمامها. ليسقط ما تضمه بيدها وترتمي بأحضان. تبكي بقهر. ليشتد بضمها يبكي هو الآخر.
بكر ترك زهور جالسة واستأذن وخرج من الغرفة تاركاً لها بعض الخصوصية.
بعد وقت طويل من بكاء الطرفين خرجت زهور من بين أحضانه تنظر له وهو يزيح عبراتها من على وجنتيها بابتسامة تملأ وجهه. أمسكها من يدها وأجلسها جواره على الأريكة ليتحمحم مرات متتالية يحدثها.
أنا جوايا عتاب وشوق مالهمش مثيل ولا وصف. بس شوقي غلب عتابي. هخلي العتاب لبعدين ونسيب الشوق يعوض السنين الطويلة دي. عايز أعوض اللي فات وأفضل أسمع صوتك. ال من كتر ما هو وحشني مش عايزك تبطلي كلام نهائي.
زهور: تنظر له بفرحة. مع إني كنت بشوفك كل فترة. أجي أقف قدام المركز لحد ما أشوفك. كل مرة بمسك نفسي عشان ما أضعفش وأجي أرتتمي بحضنك وأشتكيلك من الدنيا واللي بتعمله فيا. بقيت خلاص هنادي عليك بابا أحمد. بكتمها وبضغط على بقي بإيديا عشان ما تطلعش وتسمعها.
أحمد: أنا كل يوم بانتظر جوابك على نار. لدرجة بقيت مقيم هنا. ركبت كاميرات بكل شبر وربطهم على تليفوني عشان أول ما جوابك يوصل أضمن محدش يخفيه.
زهور: كنت بكتبلك كل يوم اللي بيحصل معايا أول بأول وأجمعهم وأبعتهم. وأفضل أدعي ربنا إنهم يوصلوك. كنت بطمن عليك وبفرح لما أعرف أخبار نجاح عملياتك. وفرحت أوي لما عرفت بالمستشفى الجديدة بتاعتك.
أحمد: كل ده كان ناقصه أنتِ تكوني جنبي. كلمة بابا كنت بحلم بيها وأنتِ بتقوليها لي. ليعتدل بجلسته ويلتف لها: سيبك من اللي فات. المهم إنك جنبي دلوقتي. عايز أسمعك. قولي كل أي جواكي. ما تخليش حاجة جواكي إلا لما تقوليها.
زهور: قصت له كل شيء حدث معها وما عاشته من وقت ما وعى على الدنيا ومعاناتها. أخبرته عن أشياء أخفتها عن الجميع. عن كم التحرش الذي تعرضت له في السوق والتنمر عليها. مناداتها باسم والدتها واتهامها بأشياء لا تعلمها. أطلقت لروحها العنان لتبكي سنوات عمرها السابعة عشر. تخرج ما بجعبتها من ظلم ووجع وقهر. سعادتها بأقل القليل. ظلت تبوح بكل شيء وهو يستمع لها. يبكي على بكاها. يبتسم على ابتسامتها. حتى انتهت من سرد كل شيء عنها.
ليقف بغضب: أنتِ إزاي تسكتي على حقك؟ تعالي معايا هنروح نقدم بلاغ في البنات دي.
زهور: بابا ياريت تهدي. أنا اشتكيتهم للي ما بيضيعش عنده حق مظلوم. اشتكيت لربنا. اللي عملوه فيا وفوضت أمري لله فيهم وفي كل اللي ظلمني.
أحمد: ونعم بالله العلي العظيم. ربنا ياخد لك حقك منهم يا بنتي.
زهور: وأنا دعوتك دي بالدنيا وما فيها. ودلوقتي حاسة براحة. كان جبل وانزاح من على قلبي. تعرف من كام يوم كنت حاسة بهموم الدنيا على كتافي. بعد ما خرجت كل اللي جوايا وأنا حاسة بسعادة ملهاش مثيل.
أحمد: أنتِ بريئة أوي يا زهور. بريئة وطيبة وقلبك نقي. بالرغم من كل اللي عشتيه وحكتلي عنه إلا أن إيمانك بربنا كبير. ربنا يباركلك يا بنتي ويعوض سنين تعبك.
زهور: يارب. أنا لازم أمشي. تلاقي ستي قلقانة عليا. أنا اتأخرت أوي. خالي بدير.
لتصدم من عدم وجوده.
أحمد: خرج من بدري مستنينا برة.
زهور: وقفت استاذنت منه. همشي أنا دلوقتي وهجيلك كل فترة أطمن عليك.
أحمد: لا خلاص. أنا عرفت العنوان وكل يوم هاجي أزورك. مش هفضل على أعصابي عشان أطمن عليكي.
ليخرج هاتف من جيبه: اتفضلي ده.
زهور: إيه ده.
أحمد: ده تليفون. خليه معاكي عشان أطمن عليكي منه. وبلاش تخرجي من البيت الفترة دي لحد ما أجهز ليكم سكن قريب من هنا.
زهور: التليفون هدية مقبولة. بصراحة نفسي فيه من زمان. لكن السكن لا. أنا ولا ستي هنوافق. كفاية إن نطمن على بعض كل يوم.
أحمد: الكلام ده نكلم فيه بعدين. دلوقتي أخرج أشكر الراجل المحترم اللي رجعك ليا تاني.
خرجا سويا توجهوا إلى مكان جلوسه.
بدير جالس على كرسي بالقرب من المكتب. عاد بذكرياته قبل وقت. بعد أن أوصل زهور لمدرستها. وطوال الطريق تخبره بأنها كم اشتاقت للطبيب أحمد وإلى اهتمامه بها. ليوصلها إلى المدرسة ويشير إلى عربة أجرة. وبعد وقت وصل إلى أمام المركز. دخل إليه طلب مقابلة الطبيب أحمد. وبعد قليل سمح له بمقابلته. ليخبره أول ما جلس أمامه.
أحمد: اتفضل. قولي بتشتكي من إيه.
بدير: مش أنا اللي بشتكي. دي واحدة أنت غالي عليها. هي اللي بتشتكي.
أحمد: مش فاهم تقصد إيه ومين دي اللي بتكلم عليها.
بدير: زهور.
أحمد هب واقفاً: زهور؟ هي فين؟ بقالي سنين طويلة بدور عليها. هي فين؟ تعرفها منين؟ عاملة إيه؟ تعالي وديني ليها.
بدير قص له كل شيء وأعطاه العنوان وطلب منه أن يحضر بعد انتهاء الامتحان. ليعود مرة أخرى إليه بعد خوفه من تلك الحالة التي رآها عليه. فاحضرها إلى الطبيب أحمد لأنه الشخص الوحيد التي تحتاجها زهور في تلك اللحظات التي تمر بها.
بعد الشكر والامتنان ذهب بدير وزهور مع الوعد برد الزيارة سريعا.
مرت عدة أيام وزهور من منزلها إلى محل روحية. يومها أصبح فارغ. تقرأ وردها اليومي. تتواصل مع الطبيب أحمد على الهاتف. حتى حان موعد إعلان النتيجة.
وفي أحد الأيام صباحا وهي لازالت نائمة تفيق على اتصال هاتفي لتمسك هاتفها تتحدث وهي ناعسة.
زهور: الو.
أحمد: مبروووووك يا دكتورة زهور. ألف مبروك.
زهور: مين معايا؟ ودكتورة إيه؟ مافيش دكاترة هنا.
أحمد: زهور، انتي لسه نايمة؟ النتيجة ظهرت.
لترمي الهاتف من يدها وهي تسمع أصوات الزغاريد بالخارج.
لتخرج مسرعة تجد بدير وروحية وأحلام.
روحية تطلق الزغاريد.
بدير: مبروك يا زهور، نجحتي وطلعتي التانية على محافظة الغربية، والأولى على طنطا، والخامسة على مستوى الجمهورية.
زهور: (بعدم استيعاب وهي تنظر لهم ببلاهة، تشير على نفسها بغير تصديق) أنا؟ أنا نجحت؟
لتلتف ناحية الباب تجد أحمد يدخل منه مسرعاً.
أحمد: (يلتقط أنفاسه بصعوبة) كده تقلقيني عليكي.
زهور: (تقف تنظر لهم جميعاً) هو أنا بحلم ولا اللي بتقولوه ده حقيقي؟
أحلام: (تقترب منها) مبروك يا حبيبتي، مبروك يا غالية، ربنا مخيبلكيش تعب.
زهور: يا جماعة، أكيد فيه غلط. أنا إزاي طلعت من الأوائل؟ أنا مش مصدقة وداني.
أحمد: بنتي طول عمرها متفوقة وشاطرة، أكيد هتطلع من الأوائل كعادتها.
مرت الأيام وزهور تتلقى المباركات.
لتأتي مرحلة التكريم على مستوى محافظة الغربية للمتفوقين.
ويحضر الاحتفال لفيف من رجال أعمال المحافظة، وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وعدد من أعيان المحافظة.
أثناء التكريم، وأثناء وقوفها مع زميلاتها، فوجئت بمن يقف خلفها ويقترب منها يتحدث بفحيح.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم منى عبدالعزيز
يجوب مكتبة ذهاباً وإياباً، يضرب كفاً بكف.
يحدث نفسه وهو كالمجنون:
"إزاي يحصل كل ده؟ أربعين سنة مخسرتش مناقصة ولا فشلت في مشروع. اسم شركات الغمرواي جروب لوحده كفيل بثقة أي عميل. أربعين سنة وأنا مثال الأمانة والشرف. لا يوم طمعت في اللي مش من حقي، ولا يوم لعبت في مواد البناء. طول عمري دغري، عارف ربنا كويس وحق ربنا بيخرج قبل أي حاجة، حتى لو المكاسب زيروا. لازم أخرج حق الله. ولا مرة اتهربت من الضرايب أو أي رسوم بتتفرض على الشركات. في غمضة عين كل التهم دي أُتَّهَم بيها بقي؟ بعد السنين دي وشركاتي من أكبر شركات الإعمار بالبلد والشرق الأوسط؟ فجأة كدة أكبر مشروع داخل بكل ما أملك فيه يحصل فيه كل المخلفات دي والمشروع يفشل بالشكل المريع ده؟ طب ليه؟ وإزاي؟ ومين المستفيد بده؟ وألاهم من الخاين اللي بنا القدر يعمل كل البلاوي دي؟ أنا كنت فين؟ زايد وزيدان فين؟ فين ولادكم؟ فين يا زا؟"
ليقطع كلامه ويمسك قلبه بألم، ليسقط أرضاً.
تزامناً مع ولوج زايد إلى المكتب بلهفة، لينادي بصوته:
"زايد: باااااابا."
ليجثو بجواره محاولاً إفاقته، ينادي على سكرتيرة والده بالاتصال بالإسعاف.
هرج ومرج بالشركة وهم يرون رب عملهم، الرجل القوي الذي يرتعد منه الجميع، يحمل على حامل عربة الإسعاف، لا حول له ولا قوة.
يصعد زايد بجوار والده بالإسعاف، يمسك هاتفه.
يجري اتصال هاتفي بشقيقه.
"زايد: زيدان، إنت فين؟"
"زيدان: أنا بالموقع بشوف حجم الخساير والحمد لله الموضوع في طريقه للحل. قدرت أجمع كل أوراق المشروع اللي عليها إمضاءات المقاولين والمهندس المسؤول، وبلغت المباحث على المهندس البديل للمهندس إسلام، بعد ما اتأكدت إن له دور كبير في المصيبة دي."
"زايد: زيدان، سيب كل حاجة للمحامين وتعالى لنا المستشفى. بابا تعب وإحنا في الطريق للمستشفى. وبهدوء هات كل الأوراق اللي قدرت تجمعها، واطلب بعمل حراسة على كل المكاتب بالموقع، واحرز على كل الملفات، ومتعرفش أي بني آدم اللي حصل لبابا."
"زيدان: زايد، طمني على بابا، حصله إيه بالظبط؟"
"زايد: اقفل دلوقتي، وصلنا المستشفى خلاص. إنهي كل حاجة وتعالى لي على المستشفى."
يسرع زايد بخطواته خلف المسعفين الذين ينقلون والده تجاه غرفة الاستقبال، ليتجمع حوله عدد من الأطباء.
يقف بالخارج يتابع دخول وخروج الأطباء والممرضين، ليخرج والده ممدداً على سرير طبي.
يسرع الممرضون بدفعه تجاه غرفة الأشعة، ليلتف إلى الطبيب الذي يخرج من غرفة الاستقبال يسأل عن مرافق المريض.
"زايد: أنا ابنه."
"الطبيب: اتفضل حضرتك معايا على المكتب على ما الأشعة تطلع."
زايد بعد أن دخل خلف الطبيب وقبل أن يتحدث الطبيب، تلقى اتصال هاتفي ليخرج يتحدث في الهاتف بعد معرفة هوية المتصل.
زايد يسمع إلى المتصل بعيون جاحظة ووجه شاحب.
ليسع بدخول مكتب الطبيب.
"زايد: دكتور، حالة والدي إيه بالظبط؟"
"الطبيب: للأسف من المعاينة المبدئية والدك داخل على جلطة قلبية والمؤشرات الحيوية بدل نزيف على المخ. مش هنقدر نحدد المشكلة غير لما الأشعة تطلع ونشوف حجم الضرر."
"زايد: أي كان الخطورة، حضرتك جهز لي تقرير بالكلام ده، وأنا هجهز طيارة طبية لنقل والدي للخارج حالا."
"الطبيب: حضرتك بتقول إيه؟ والدك استحالة يعيش ساعة واحدة لو نزيف المخ متلحقش. بمجرد الأشعة ما تخرج هندخله عمليات."
"زايد: ضرب سطح المكتب بيده. قلت لحضرتك كل اللي تقدر تعمله تديني تقرير بحالته وبس. أنا المسؤول ومستعد أمضي لك على إقرار بالمسؤولية الكاملة. ومتتحولش، أنا هسفره يعني هسفره."
"الطبيب: بعصبية. اتفضل حضرتك في الاستقبال وتجهز طريقة سفره. أمضي على إقرار بخروجه على ما أجهز التقرير والأشعة تكون خرجت وأخلي مسؤوليتي عن حالة والدك."
"زايد: متقلقش، كل حاجة جهزت. على ما الأشعة تخرج فيه طيارة مجهزة هتنقلنا للمطار. بعد إذن حضرتك همضي على الإقرار ومتشكر لتفهمك."
خرج زايد ممسكاً بهاتفه يجري اتصال هاتفي وهو بطريقه للاستقبال.
فور تلقيه الإجابة:
"زايد: الو، غادير، إنتي فين؟"
"غادير: أنا في الطريق، قربت أوصل البيت."
"زايد: باسبورك معاكي ولا بالبيت؟"
"غادير: متهيقلي في مكتب جده من وقت التجديد وهو معاه."
"زايد: إنتي فين بالظبط؟"
"غادير: أنا خلاص داخلة من بوابة القصر."
"زايد: من غير ما حد ياخد باله تدخلي مكتب جدك، تجيبي باسبورك وباسبور جدو وتجي على مستشفى المنيري من غير ما مخلوق في البيت يحس، فاهمه؟"
"غادير: عمو، في إيه؟ حضرتك قلقتني."
"زايد: غادير، نفذي الكلام من غير نقاش. لما تجي هتعرفي كل حاجة."
"غادير: حاضر يا عمو، بس لو حد أخد باله هقوله إيه؟"
"زايد: اصرفي يا غادير، اخترعي أي كلام وخلاص. المهم محدش يعرف أي حاجة من اللي قلته."
أغلق الاتصال مع غادير وقام بإرسال عدة رسائل.
واتجه إلى الاستقبال، أنهى الإقرار وإجراءات الخروج من المستشفى، وبعد انتهاء كافة الإسعافات الأولية وتجهيز عبدالرحيم للسفر.
غادير هبطت من سيارتها سريعاً، دخلت القصر، تلفتت يميناً ويساراً، تنهدت براحة لعدم وجود أحد في باحة القصر، لتخطو سريعاً إلى مكتب الجد.
شرعت في فتح أدراج المكتب واحد تلو الآخر حتى وجدتهم أخيراً، لتلتقطهم وتضعهم بحقيبتها.
ليفتح الباب فجأة وتدخل عمتها زينة تنهرها.
لتلتقط ملفاً من على المكتب كانت أخرجته من أحد الأدراج تحمله بيدها.
"زينة: غادير، داخلة تسحبي لمكتب جدك كده ليه؟"
"غادير: جدو اتصل محتاج الملف ده في الشركة حالا، بعد إذنك يا عمتوا هتأخر وجدو هيتعصب عليا."
غادرت غادير سريعاً وخرجت من القصر، صعدت لسيارتها تتنهد بأريحية وتنطلق بسرعة لتصل بعد قليل المستشفى، لتتصل بعمها زايد تخبره بوجودها بالخارج.
"زايد: انتظري مكانك، أنا خارج لك حالا."
أغلق زايد الهاتف وأسرع بالخروج لها.
"زايد: أشار لغادير لتصعد خلفه."
غادير ترجلت من سيارتها تحمل حقيبة يدها وذلك الملف وتصعد خلفه.
"زايد: هاتي مفتاح العربية، واحد من البودي جارد هيوديها جراج الشركة. حد من الموجودين في البيت أخد باله؟"
"غادير: عمتوا زينة دخلت المكتب، فاضطريت آخد الملف ده وأقولها جدو اتصل عليا وطلبه."
"زايد: برافوا عليكي. دلوقتي انتي هتسافري مع جدو في طيارة خاصة لإنجلترا على مستشفى مستشفى لندن الملكي. كل الإجراءات انتهت، بمجرد وصولكم هتلاقي اتنين من طرفي في استقبالكم. مش عاوز بني آدم على وجه الأرض يعرف بمكانكم، وتليفونك يتقفل نهائياً. ليكي أوضة باسمك محجوزة، مرافق أي حاجة تحتاجيها هيكونوا تحت أمرك. لبسك تنزلي تشتري اللي إنتي محتجاه، ده كارت ائتمان، تقدري تصرفي زي ما انتي عايزة بس بحذر. الفترة اللي جاية هتكون صعبة، على قد ما تقدري تجنبي الظهور في أي تجمعات لمصريين وبلاش تتواصلي مع أي من أصدقائك، مفهوم."
زايد مكملاً: "آه وأنا هتواصل معاكي على تليفون هتستلميه أول ما توصلي المستشفى. جدو في أمانتك، خلي بالك منه."
"غادير: بلجلجة. عمو زايد، جدو تعبان، عنده إيه؟"
"زايد: يلا بسرعة اركبي الطيارة وهناك هتعرفي كل حاجة."
صعدت غادير إلى المروحية وتقلع فور صعودها.
تنظر إلى جدها وهو مغمض عينيه وتلك الوصلات وجهاز التنفس الاصطناعي، يقوم أحد المسعفين بالضغط عليه، لتصل بعد قليل المطار، وجدت كل الإجراءات منتهية وتم نقل عبدالرحيم إلى الطائرة الطبية، وغادير، وتقلع الطائرة إلى وجهاتها.
بعد سفر خمس ساعات، وصلت الطائرة لمهبط الطائرات فوق سطح المستشفى.
يحمله المسعفون يهبطوا به من الطائرة، ليتلقاه مجموعة من الممرضين والأطباء ويسرعون بالتوجه إلى غرفة العمليات مباشرة.
بعد الانتهاء من الفحوصات الطبية، دخل عبدالرحيم للعمليات، وغادير تجلس في الاستراحة، تجلس بتوتر وخوف، لتجد رجلين يقفان على بعد خطوات قليلة منها.
"احدهم: آنسة غادير."
غادير رفعت عينها، جففت دموعها بيدها، أومأت برأسها.
"الشخص: مصطفى الشامي وزميلي أندروا. زايد باشا بلغنا نكون تحت أمرك الأربعة وعشرين ساعة. اتفضل ده التليفون للباشا بلغك بيه."
مدت غادير وأمسكت الهاتف دون أن تتحدث، فقط عينها تزرف دموعها التي لم تتوقف عن زرفها طوال ساعات السفر، وهي ترى جدها وقدوتها ممدداً على حامل المرضى بالطائرة لا حول له ولا قوة.
مرت أكثر من سبع ساعات متواصلة ولا يزال عبدالرحيم بالعمليات، لم يخرج أحد أو يدخل أحد.
في داخل غرفة العمليات.
يتحدث لفيف من الأطباء على حالة المريض وهم يقومون بمناقشة مخاطر عمل هاتين العمليتين، فكلتهما أخطر من الأخرى.
يدخل بهيبته مرتدياً قناع الوجه وتساعده إحدى الممرضات بارتداء القفازات، ليبدأ في إجراء العملية بعد استدعائه من منزله لقطع إجازته الأسبوعية، ويدخل مباشرة إلى غرفة العمليات.
يقف على مكان شاشة طبية وضع الأشعة بها، وبدأ يتحدث بطلاقة وهو يشير إلى أماكن التجمع الدموي على المخ.
ليسع بإجراء العملية.
لينتهي بعد أكثر من سبعة وثلاثين دقيقة، تمت العمليتان بنجاح.
ليخرج مرهقاً ومن معه، ليدخل غرفته مكتبه.
يقرأ المعلومات الطبية التي أرفقت معه من مصر.
ليهب واقفاً وهو يرى اسم جده عبدالرحيم زاهر الغمراوي.
ليسع بالتوجه إلى الاستقبال ليسأل عمن أتى مرافقاً مع جده.
لتخبره موظفة الاستقبال بوجود سيدة معه وتعطيه رقم الغرفة، ليتركها ويهرول تجاه الغرفة.
ليدق الباب عدة دقات ويفتح الباب منادياً باسم جدته.
"زاهر: ناناه، وحشتيني."
ليبتر كلامه وهو يرى فتاة تجلس على كرسي تضع وجهها بين يديها وتبكي.
ليقف مزهولاً وهو يرى فتاة ملامحها ليست غريبة عليه.
غادير فور فتح الباب وسماعها صوت المتحدث تهب واقفة تنظر إلى وجهه، لتغمض عينها وتستسلم لإغمائها.
وقبل أن ترتطم بالأرض كان تلقفها بيديه.
يضعها على السرير.
زاهر يضرب على وجهها حتى تفيق، وضغط على زر القرب من الفراش ويطلب ممرضة تدخل له الغرفة.
طلب منها إفاقة المريضة وتركها وخرج إلى خارج المستشفى، ينفس عن غضبه ويصرخ عدة مرات.
ويدخل مرة أخرى، يدخل الغرفة دون استئذان، يقف بجوار الفراش ينظر إلى الجالسة على حافته.
أشار زاهر للممرضة بالرحيل واقترب من غادير.
يضع يده في جيب بنطاله، ينظر لها ولدموعها التي تتساقط على الأرض وهي منكسة وجهها لأسفل. قلبه ينغزه. اقترب ليقف أمامها مباشرة.
يسألها ببرود كأنه لا يعرفها.
زاهر: حصل إيه؟ وصل عبد الرحيم باشا لكده؟
غادير رفعت عينها المدمعتين لتقابل عينيه السوداوين.
غادير: نكست وجهها لأسفل مرة أخرى دون أن تجيبه.
زاهر ظل ينظر لها لفترة طويلة، يتمعن بها ويتفحصها، يتذكر ملامحها منذ آخر مرة رآها.
ليضغط على يده ويكز على أسنانه، يكاد يكسرها.
ليتجه ناحية الباب ويلتف، ينظر لها نظرة أخيرة.
ليخرج مغلق الباب خلفه بعصبية.
غادير انتفضت من قوة غلقه للباب خلفه.
ليخرج يتابع حالة جدته في غرفة الإفاقة.
يتابع مؤشرات الحيوية ويدوّن ملاحظاته ويخرج مرة أخرى تجاه غرفة غادير.
دق عدة دقات ودخل كالإعصار، لتهب غادير واقفة بخوف.
زاهر: اتفضلي، جيبي حاجتك وتعالي ورايا.
لتظل مكانها.
زاهر: بقولك اتفضلي معايا، يبقى تتفضلي معايا.
فهمتِ ولا أفهمك بطريقتي.
غادير: مقدرش أسيب جدو وأمشي.
زاهر: جدك لسه قدامه كام يوم على ما يفوق.
ومش هينفع أسيبك هنا لوحدك وأمشي.
غادير بالرغم من حالتها الحزن بداخلها، إلا أنها سعدت بكلماته. لتحدثه باستخفاف.
غادير: مين قالك إني لوحدي؟ معايا اتنين بودي جارد بره.
زاهر: بودي جارد؟ اممم. طيب زي الشاطرة كده تعالي معايا من غير ولا كلمة.
غادير: سوري، مش هقدر أسيب جدو.
ممكن يفوق في أي لحظة.
زاهر: غادير، أنا تعبان ومرهق ومنمتش بقالي يومين.
إخلاصي، أنا مش قادر أفتح عيني.
غادير: ما تنام، هو حد ماسكك.
زاهر: لأ بقى، إنتِ هتغلّبيني وأنا مش فايقلك.
لينحني ليحملها بغتة، لتصرخ بفزع.
غادير: إنت بتعمل إيه؟ نزلني! خلاص خلاص، هاجي.
هاجي.
زاهر: كان من الأول. يلا قدامي.
غادير فور ملامسة أقدامها للأرض، ابتعدت عنه قليلاً.
غادير: ممكن أطمن على جدو الأول وبعدين نمشي.
زاهر: للأسف هنا في نظام وممنوع تقربي من العناية الفائقة نهائي إلا بموافقة الطبيب المعالج.
غادير: طب إزاي أطمن على جدو؟ حالته؟
زاهر: في الطريق هعرفك كل حاجة. يلا، أنا تعبان.
غادير خرجت خلفه تحمل حقيبة يدها فقط، وتخطو بجواره حتى وصلا للمصعد. وهنا توقفت فور وقوع بصرها على مصطفى وأندروا بطولهم الفارع.
زاهر: وقفتي ليه؟
مصطفى: آنسة غادير، حضرتك رايحة فين؟ وإزاي تخرجي من غير ما تبلغينا؟
غادير: أنا... أنا.
زاهر: يكز على أسنانه. مصطفى، بلاش تختبر صبري.
وحسابنا بعدين. ابعد من طريقي. السعادة. ليمد يده ويمسك بيد غادير ويدخل المصعد دون أن يتحدث.
ليخرج منه فور وصوله لجراج المشفى في الطابق السفلي. ويسمع فتح باب سيارته، ويساعدها في الصعود، وأغلق الباب وتوجه لمكانه يقود سيارته.
حتى وصل إلى محل سكنه.
بعد قليل، كانت تقف جواره داخل شقة، تتلفت حولها.
تري فوضى بكل مكان، والملابس متناثرة في كل مكان. لتشهق مما رأت.
غادير: تشير له على الفوضى.
زاهر: أنا هدخل أغير هدومي وأطلب أكل وهخرج ألم الفوضى دي.
غادير أومأت برأسها وهي تري نظرة الإحراج في عينه.
ليدخل غرفته، لتضع غادير حقيبتها وتتجه لجمع ملابسه من فوق الأريكة والأرض. لتلتقط إحدى القطع لتشهق وتضع يدها على فمها، وأغرورقت عيناها بالدموع وهي ترفعها لأعلى. ليقترب منها، يلتقطها من يدها بحرج شديد ويحمل ما بيدها من ملابس.
زاهر: ادخلي الأوضة غيري على الأكل ما يوصل.
غادير: أنا عايزة أرجع حالا المستشفى.
زاهر: غادير، بطلي جنان. اتفضلي على الأوضة.
غيري هدومك وخديلك شور. ومخك ما يروحش لبعيد. القطعة دي معرفش جات إزاي بلبس.
اتفضلي، خدي شور على الأكل ما يوصل.
ليجوب بعينيه المكان. فين شنطة هدومك؟
غادير: لازالت تبكي وتنظر للأسفل، تكتم نحيبها.
وتضغط على شفاها، أخرجت الكلمات بصعوبة.
ملحقتش أجيب أي هدوم معايا. هنزل من بكرة أشتري كام طقم يقضوا الفترة اللي هقعدها هنا.
لتضيف ببعض الحدة وقد فقدت تحكمها في بكائها.
لو سمحت، عايزة أرجع المستشفى حالا.
زاهر وضع الملابس الذي يحملها بيده على الأريكة واقترب منها بتوتر.
زاهر: ليه العياط ده؟ قولتلك جات غلط مع الغسيل.
إنتي عارفة هنا الغسيل بيكون يوم محدد في مكان مخصص ليه بالمبنى. وأنا بسبب شغلي ومش بقدر أنزل الهدوم، فبدي المفتاح لحمزة أخوكي ينزلهم.
وامبارح جاب الغسيل كله هنا، والقطعة دي جات معاه.
اقترب أكثر لها، وتقدر تتأكدي من كلامي أول ما يرجع.
غادير: تلتقط أنفاسها، أومأت برأسها.
زاهر: بضحكة. يعني مش زعلانة إن أخوكي جاب دي؟
غادير: رفعت عينها لتقابل عينيه ولم تتحدث. تركت لعيناها البوح بما في قلبها. ظلت وقت على تلك الحالة حتى قطع تواصل عينهم فتح باب المنزل ودخول شخص منه.
لتلتف لذاك الصوت وتفتح فاها وتجحظ عينها وهي تري حمزة شقيقها مصطحباً لفتاة. تنظر لهيئته باستغراب لتصرخ به.
غادير: حمزة! إيه اللي إنت عملته في نفسك ده؟ وحصلت البنات كمان.
حمزة: ابتعد عن الفتاة سريعاً واعتدل في وقفته.
ينظر لصاحبة الصوت باستغراب.
حمزة: غا... غا... غادير! إنتي بتعملي إيه هنا؟
غادير: ماتغيرش السؤال بقى. الدكتور حمزة الغمراوي.
دكتوراة في الهندسة المعمارية من أعظم جامعات العالم. راسم وشوم على جسمه بالشكل ده؟ مش خايف على منظرك قدام الطلبة بتوعك وزمايلك بالجامعة؟
ومين السلعوه اللي جايبها معاك؟
زاهر: كتم ضحكاته بنظر لحمزة بتشفّي.
حمزة: يتهرب من الإجابة. يلتف إلى الفتاة يعتذر لها. أخرج مبلغ مالي من جيبه ودسه في يدها.
وأوصلها للباب وأغلقه خلفها. وقف قليلاً خلفه،
يستجمع شجاعته، فهو وضع في موقف لا يُحسد عليه أمام شقيقته الصغرى.
يحاول التملص من الإجابة ليبادرها بسؤالها.
حمزة: يقترب منها. حمد الله على سلامتك يا قمر. وحشاني أوي. ماقلتيش إنك جاية لما اتصلت بيكي من يومين. بس مفاجأة حلوة أوي.
ليقترب منها، يضمها ويقبل وجنتها.
غادير: إنت أكتر يا أبيه. بس برضه إيه اللي عملته في نفسك ده؟
حمزة: نيو لوك. فترة وهغيره. مكلفني مبلغ مهول عشان يطلع بالدقة دي.
غادير: نيو لوك إيه بس ده قرف! معرفش إزاي ترسم جسمك بالشكل ده.
ليدق جرس الباب ويذهب زاهر لفتحه، وأخذ الطعام من عامل التوصيل وأعطاه الحساب وغلق الباب.
زاهر: غادير، اغسلي إيدك على ما أجهز السفرة.
أشار لها على دورة المياه. وبعد ذهابها، التف إلى حمزة الذي يحدثه.
زاهر: يارب تتهد بقى وتبطل القرف اللي بتعمله ده كل يوم بنت ووشم. عاجبك منظرك الزبالة قدام أختك الصغيرة؟
حمزة: بلا مبالاة. في الأول والآخر هنزل وهيشوفوا الوشم. بس إيه اللي جاب غادير هنا؟ وخصوصاً الامتحانات شغالة ولسه مخلصتش باقي المواد.
غادير: أنهت غسيل يدها وخرجت تجد حمزة وزاهر جالسين أمام طاولة الطعام. ليشير لها حمزة الجلوس بجواره.
حمزة: دود، تعالي جنبي هنا.
جلست بجواره مقابل لزاهر الذي يتناول طعامه دون أن يرفع رأسه.
حمزة قرب الأكل منها. كولي يا حبيبتي. لترفع عينها مرة أخرى تجاه زاهر لتجده كما هو.
غادير: مدت يدها، أخذت قطعة من البيتزا التي تعشقها. ابتسمت بمرارة، فهي تعشق أي شيء يحبه زاهر الذي لا يعيرها أي اهتمام ويتناول الطعام بنهم. لتقف بعد الانتهاء من تناولها.
غادير: الحمد لله شبعت. هنام فين؟
حمزة: ما أنصحكيش تدخلي أوضتي. الدنيا ملخبطة فيها.
زاهر: تقدري تدخلي تنامي في أوضتي وأنا هنام هنا.
حمزة بغباء: ما تنام عادي في أوضتك معها. مش مراتك؟
زاهر: نظر له بحدة وضرب قدمه أسفل الطاولة.
ليلتف لغادير. اتفضلي يا غادير على الأوضة. أنا هنام هنا على الكنبة دي.
دخلت غادير الأوضة تتلمس محتوياتها. فتحت خزينة الملابس تتلمس ملابس زاهر المرتبة.
تبتسم وتضمها، تستنشق رائحة عطرة بالغرفة.
أخرجت تيشيرت بلون رمادي وأبدلت ملابسها.
وارتدته لتلقي نفسها على الفراش تضم وسادته بأحضانها بفرحة شديدة، لتغفو بعد فترة من أحلام اليقظة تتخيل زاهر هو الذي يضمها.
زاهر بالخارج ممدد على الأريكة يحاول يغمض عينيه. لم يعرف يتساءل بين نفسه عن سبب ما حدث لجدّه جعله بتلك الحالة شديدة الخطورة.
لينهض من على الأريكة اتجه تجاه الغرفة. دق بابها ودخل مسرعاً ينادي على غادير التي هبت واقفة على الفراش بزعر من صوت زاهر ينادي عليها وهي في بداية غفوتها.
زاهر: آسف، كنت مفكرك لسه ما نمتيش. كنت عايز أسألك سؤال.
غادير: مافيش حاجة. أنا لسه كنت بنام. اتفضل اسأل.
زاهر: خطى تجاه الفراش ينظر لها وما ترتديه. ليخفض بصره للأرض ويشير لها بأن تجلس.
جلست غادير مكانها.
غادير: قلقتني. في إيه؟ جدو كويس؟
زاهر: اقترب منها واعتدل بجلسته. متقلقيش، أنا اتصلت من شوية واطمنت عليه.
أنا عايز أعرف إيه السبب اللي وصل جدّه للحالة دي.
غادير: معرفش. كل اللي حصل قصته عليه ما قاله عمها زايد وما أخبرها به وطلب منها عدم معرفة أحد مكانها. لتنهض بسرعة تترجل من على الفراش. حمزة ممكن يكلم ماما ويعرفها مكاني ووقتها عم زاد هيزعل. لتخرج مسرعة من الغرفة. ليقف زاهر مكانه ينظر في أثرها وشعرها الذي انسدل على ظهرها.
لتعود مرة أخرى ليشعر بقدومها. يتمدد على الفراش.
مغمض عينيه كأنه غفى بسرعة.
عادت غادير ممسكة بهاتف حمزة.
غادير: تحدث زاهر، لقيته نايم وتليفونه جنبه. أخدته عشان أضمن ما يتصلش بماما لحد ما أعرفه إحنا هنا ليه.
لترفع عينها تري زاهر مغمض عينيه وذهب بالنوم. لتبتسم بسعادة وتلتف الجهة الأخرى على الفراش.
تجلس بجواره تنظر له بشغف وعشق، ترسم ملامحه في عقلها وقلبها. تبتسم وهي تتخيل أشياء في عقلها.
لتهز رأسها واختفت ابتسامتها وخرجت لتنام على الأريكة. ظلت فترة محلقة بالسقف حتى غفت وذهبت في ثبات عميق.
زاهر بعد رحيلها، فتح عينيه يحدث نفسه.
زاهر: ياترى لو كانت طريقة جوازي عادية كان الحال هيكون بينا إزاي. ظل فترة على حاله، لينهض مسرعاً وهو يتذكر ملابسها. ليفتح باب الغرفة ويذهب إلى مكان نوم غادير ليجدها ذهبت في النوم. يقف مصعوقاً وهو يرى معظم جسدها عاري وما تلبسه مرفوع لأعلى.
بدون تفكير، انحنى يحملها وذهب تجاه غرفته. وضعها على الفراش ودثرها جيداً وتمدد بجوارها يجاهد نفسه حتى غفى بجوارها.
مرت ساعات الليل ويفيق زاهر على صوت رنات هاتفه. يحاول النهوض ليصدم من نفسه، يده محاوطة غادير بيديه.
ليرفع يده بسرعة، ينهض سريعًا ويخرج من الغرفة يتحدث بالهاتف. ليعود مرة أخرى يجد غادير تجمع شعرها للخلف.
زاهر: أنا هنزل بسرعة، اتصلوا من المستشفى، جدوا تعب ولازم أروح بسرعة. صحّي حمزة وحصّلوني.
كل هذا قاله زاهر وهو يبدل ملابسه، ليخرج مسرعًا قبل أن تسأله ما حدث.
لتبدل ملابسها سريعة وتذهب لغرفة أخيها وتدق باب غرفته بسرعة ليفيق. لتخبره بوجود جدة بالمستشفى وعليه أن يصلها لهناك.
ليرتدي حمزة ملابسه سريعًا دون فهم وينطلق مسرعًا بسيارته وجواره غادير التي لا تتوقف عن البكاء. ليصل إلى المستشفى ويتوجهوا للداخل ليقابل زاهر.
غادير: زاهر، جدو جراله إيه؟
زاهر: اطمني، الحمدلله قدرنا نسيطر على النزيف ونوقفه. الأربعة وعشرين ساعة الجايين هيكون تحت الملاحظة وندعو ربنا يمروا على خير.
في مصر، الجميع يجلس بذهول من هول ما يسمعوا.
زايد، ممسكًا بهاتفه، يجري اتصالاته.
زيدان أيضًا يتحدث بعصبية لمحدثه.
زين مع مجموعة من المهندسين يناقشون حجم الخسائر.
جميع من بالشركات يعمل على قدم وساق.
زايد أنهى اتصاله ليجلس بإرهاق بجوار أخيه.
زيدان: طمني، بابا فين دلوقتي وصحته؟
زيدان: اطمن، الحمدلله عمل العملية ونجحت ومتقلقش، بابا بقى بأمان. أنا أول ما عرفت إن فيه بلاغ ضد بابا وممكن يتوجه له اتهام ويحطوا عليه حراسة، سفرته برة البلد ومعاه غدير من غير ما أي بن آدم يعرف.
زين يدخل مسرعًا عليهم المكتب.
زين: الحمدلله قدرنا نسيطر على الأخبار وعرفنا مين المتسبب في اللي حصل واتقبض عليه حالا وهو بيحاول يحرق المكاتب بالأوراق اللي فيها.
زايد: هب واقفًا، مين يا زين؟ مين؟
زين: المهندس وفيق، وهو حاليًا في طريقه للتحقيق معاه.
زيدان أغلق هاتفه، المحامي بلغني إنه قدم شكوى للنائب العام بوقف النشر في الموضوع وسحب أي موقع ينشر الخبر قبل ما يتأكد من صحة الكلام.
زايد: أعرف مين المتسبب في الخسائر دي وأقسم بالله لأخليه يتمنا إن أمه ما تكونش ولدته.
زين: اللي أعرفه إن جدو طول عمره ملوش أعداء، ليه دلوقتي بالذات ظهر له أعداء ويضربونا في أضخم مشروع بالشكل ده؟
زيدان: ده اللي هيجنني، ليه في الوقت ده بالذات؟ وخصوصًا إن المشروع قرب على التسليم.
زايد: حاجة من الاتنين، يا حد نعرفه كويس وقريب مننا لدرجة إنه عارف كل أسرارنا، يا واحد من مصلحته نختفي من السوق. وفي الحالتين مش هرحمه أين كان.
ليفتح الباب وتدخل فتاة تمشي بغرور وصوت ضربات كعب حذائها يعلو بالمكان. ليرفع الجميع رأسه لأعلى ليجدوا.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم منى عبدالعزيز
لتفتح الباب وتدخل فتاة تمشي بغرور وصوت ضربات كعب حذائها يعلو بالمكان، ليرفع الجميع رؤوسهم للأعلى ليجدوا.
زايد: نهال، بتعملي إيه هنا في الوقت المتأخر ده؟
نهال: تجلس تضع قدمًا على الأخرى بغرور. جايلكم بعرض مغري، لتنقذوا بيه سمعتكم وتلحقوا تنهوا الباقي من المشروع من غير خسائر.
زيدان: إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ وعرفتي إزاي اللي حصل ومحدش يعرف حاجة بره الشركة.
زايد: هب واقفًا، قطع المسافة بينه وبين نهال لينقض عليها ممسكًا بها من يدها بعنف، يغرس أصابعه في رسغها. ماهي وضحت أهي يا زيدان. الهانم طلعت وراء كل اللي حصل وجاية تساومنا بعد ما اتأكدت من نجاح لعبتها.
زين: حضرتك يا طنط نهال؟ طب ليه؟ وإنتي واحدة من العيلة. اللي يضرها يضرك زييك زي الكل.
زايد: إنت بتكلم مين؟ دي ميهمشها غير مصلحتها بس. هي جت بنفسها.
ليصمت على تعالي أصوات رنات هواتفهم جميعًا.
زين: الو؟ أيوه يا ماما.
زيدان: أيوه يا عمي.
زايد: قوله يروح على البيت. ليجذب نهال، يجرها خلفه. زيدان، إنت وزين انهوا باقي الشغل، وكل الموظفين من بكرة يتحقق معاهم. وأي واحد يتشك فيه متورط مع الهانم، نزّله على المخزن تحت وأنا هتعامل معاه بنفسي.
ليخرج من باب المكتب ويهبط من مصعد خاص بالإدارة بعيدًا عن باقي الشركة، ليهبط بها الجراج.
يدفعها إلى سيارته ويغلق خلفها الباب، لا يستمع إلى صوت صرخاتها.
ليدخل السيارة وينطلق بها دون أن يلتفت لها.
حتى توقف أمام القصر، يترجل من سيارته بسرعة.
يفتح الباب من جهتها ويجذبها من السيارة، يدفعها أمامه ليدخل القصر. يجد عمه وشقيقاته وزوجته وزوجة شقيقه ووالدته منهارة من البكاء.
ليرمي نهال على الأرض أسفل قدم والدته.
زايد: طبعًا كلكم عرفتم اللي حصل والخسارة اللي حصلت. عاوز أعرف مين اللي بلّغكم والخبر لسه متنشرش.
عمه: نهال اتصلت بيا من ساعة وقالت إن عبدالرحيم تعب واتنقل للمستشفى.
أمال: في إيه يا زايد؟ نهال عملت إيه عشان تعمل فيها كده؟
أتت تساعدها على الوقوف.
زايد: أمال، مكانك. وإياكي تلمسيها. وإنتي عرفتي منين اللي حصل.
أمال: تنظر إلى نهال بعينيها تسألها ماذا فعلت.
زايد: إنطقي. وكل واحدة هنا تقول اللي حصل من غير ما أسأل.
أمال: نهال اتصلت بيا وقالت المشروع اللي دخلتم فيه خسر، وإن في مخلفات في المباني المنتهية.
آيات: أمال بلغتني من شوية.
زينب: أمال لسه مبلغانا.
زينة: جوزي اتصل بيا وقالي إيه حصل من عشر دقايق وقال إن أسهم الشركة نزلت بطريقة رهيبة في البورصة.
زايد: زينة، اتصلي عليه. خليه يجي هنا حالًا من غير ما تقولي له أي تفاصيل، فاهمة؟ قوليله إخواتي مش هنا وماما تعبت أوي ورافضة تروح المستشفى.
ليلفت الفتيات حول جدتهم وسيليا ابنته التي تجفف دموع جدتها، ليبتسم لها.
لينادي على ابنة شقيقته.
زايد: نوران، خدي سيليا واطلعي فوق.
لتصعد نوران دون أن تتحدث، تمسك بيد سيليا وتصعد لأعلى.
زايد: يتجه إلى نهال، يجذبها لتقف أمامه.
قولي ليه عملتي خطتك الحقيرة دي؟ ليه؟
ليشير لها لتصمت أول ما بدأت تتحدث.
أنا هقولك عملتي إيه وإزاي نفذتي، بس هسيبك تقولي مبرراتك قبل ما تحكمي على نفسك.
زايد: وهو يشير على نهال. الهانم قدرت تغوي مدير الإدارة الهندسية للمشروع وعملت معاه اتفاقية قذرة. وفي نفس الوقت اتفقت مع كام مهندس ومقاول وصحفي فاشل عاوز يشتهر بسبق صحفي. لأ، ومكتفتش بكده. لأ، أجوزت عرفي جوز زينة، الباشا المحترم، أجوز الهانم واتفق معاها على تدمير الشركة. وتيجي الهانم تساومنا على إنقاذ الشركات، وبمعنى أدق تنقذنا من الحبس، بأننا ما نصدق ونقبل بمساومتها ونديها الفندق بمجموعه سلاسلها قصاد إنها تدينا دليل البراءة وتدينا تسجيلات بصوت المقاولين والمهندس المسؤول على الكارثة. وبكده تكون ضربت عصفورين بحجر واحد. تخلص من اتفاقها مع المهندس وتاخد الفندق اللي طول عمرها بتحلم بيه.
ليصمت فور سماعه صوت سيارة بالخارج.
يقترب من النافذة يرى زوج زينة يهبط من سيارته، ليشير للجميع بالصمت ويجذب نهال. يجلسها جوار عمه ويخرج مسدسًا من جيبه يشير لها به.
تفتح زينب الباب ليدخل زوج زينة وتغلق خلفه بإحكام.
زايد: أهلًا أهلًا يا عريس، شرفت.
زوج زينة عاصم: يلتفت حوله، تختفي ابتسامته وهو يرى تجمع كل أفراد العائلة بمن فيهم بناته الصغار.
عاصم: بتوتر ولجلجة. إيه يا زايد؟
زايد يشير له بالجلوس جوار نهال.
اقعد جنب عروستك، مع إن الجواز من فترة، بس لسه عرسان جداد برضه.
عاصم يبتلع ريقه، ينظر إلى نهال برعب، وإلى زينة.
ليحدثها.
عاصم: زينة حبيبتي، في إيه؟ مش فاهم زايد بيقول إيه.
زايد: ممثل فاشل يا عاصم. لعبتكم انكشفت. عارف سبحان الله، كله بالصدفة. هحكيلكم. من كام ساعة طلبت طلب من غدير تجيبه من مكتب جدها. وزينة دخلت عليها، وعشان زينة متعرفش هي بتعمل إيه بمكتب جدها، أخدت ملف لقته على المكتب بسرعة وخرجت. وللعجب يا أخي، الملف ده فيه ورقة جوازكم العرفي وكام صورة ليكم انتوا الاتنين في أوضاع زبالة. ومعلومة صغيرة جت قدامي وأنا بقرا التقرير اللي مع الصور، خلت الشك يزيد جوايا. وأديت المعلومة دي لضابط صاحبي. وهو اللي جابلي كل المعلومات اللي كنت محتاجها. واتفقت معاه يعمل الخطة. وحتى البورصة، اتفقت مع كام واحد من طرفي يوقعوا الأسهم. وبعد ما وصلتك المعلومة ليك، الأسهم علت بصورة رهيبة.
بس كان ناقص حاجة واحدة، نهال تيجي الشركة برجليها عشان أدي الأمان لشريكها هناك ويكشف نفسه هو وكل أعوانه. وقد كان. وزيدان وزين قاموا بالواجب وزيادة.
الجميع مصدوم مما يسمعونه.
زينة: إقتربت من زوجها ووقفت أمامه.
زينة: سبب واحد يخليك تعمل اللي عملته؟
عاصم: نظر للأرض ولم يفتح فمه.
زينة: بصراخ. إنطق! سبب واحد يخليك تعمل كده؟ وكمان تجوز بنت عمي اللي مفروض أختي، متربية معانا، أمي يا ما سهرت بيها.
عاصم: زينة، أنا أنا غلطت. سامحني. أنا آسف. قدرت تغويني وتلعب عليا وأنا ضعفت، واتجوزتها.
زينة: عذر أقبح من ذنب. بس هقول إيه؟ أنا اللي أستاهل كل اللي أنا فيه. كنت عامية عن أفعالك القذرة وبصدق كلامك من غير ما أناقشه.
زايد: وإنتي يا ست نهال؟ مبرراتك إيه؟
نهال: تنظر إليهم بحقد. لأني بكرهكم كلكم وبحقد عليكم. وخصوصًا إنتي يا زهور، بحقد عليكي حب عمي ليكي ولادك حواليكي. إنتي الوحيدة اللي مكنتيش موافقة على جوازي من زياد. وما اكتفيتيش بده، لأ، كنتي عارفة بجوازه من واحدة تانية. ولادك جنبك وأنا أمي ماتت واتربيت من غير أم. بابا سبني واتجوز وعاش حياته. كنتي بتعاقبيني على أي غلطة صغيرة عملتها. عمي وبابا رموني لأول واحد اتقدملي عشان يخلصوا مني. حتى حلم عمري، الفندق والأراضي اللي جنبه ومشروع المجموعة السكنية باسمي اللي كنت بحلم بيه ووافقت أجوز زياد المعاق عشان أحقق حلمي.
لما أجوزه والفندق وثروته تبقى كلها ملكي. عملت إيه؟
تنظر لزياد بحقد. لتكمل كلامها.
إنت مصدقت يوم الوصية إنك بقيت مدير الفندق. فاكر بعدها بفترة جيت عرضت عليك تدخل شريك معايا؟ عملت إيه فيا؟ طردتني وقلتلي نجوم السما أأقربلي من الفندق. وعملت منه سلسلة فنادق بنفس الاسم. حتى لما قولتلك خلي الفندق وأديني الأراضي، قلت إيه وقتها؟ دي حق أخواتك وهما اتنزلوا لبنت زياد عليه. عارف أنا بقى اللي طول السنين دي بخطط إزاي أوقعكم.
بابا اللي قاعد جنبي ده مش قادر يتكلم. أول واحد انتقمت منه لما قتلت مراته. وبعدها خططت لكل واحد هنا. أنا اللي زقيت صحبتي على أحمد أخويا لحد ما حبها واتجوزها. وأنا اللي بعت لزينب فيديو جوازه. وأنا اللي أقنعتها تطلب الطلاق. وآيات وأمال كنت بعرف كل الأخبار منهم من غير ما يحسوا.
وكمان أنا اللي بوقف البحث عن بنت زياد. وعشان لحد دلوقتي مش عارفين توصلوا ليها بالرغم من نفوذكم وعلاقتكم.
ومش هتعرفوا توصلولها. عارف ليه؟ عشان حالًا في واحد من طرفي قدر يوصل ليها وبعت اللي يقتلها.
لتضحك بهستيريا. شفت بقى إني لعبت بيكم كلكم. قدرت تكشفني وتوقعني، لكن برضه أنا نجحت في تدمير كيان عبدالرحيم الغمراوي بكل جبروته. وقتلت بنت زياد، قتلتها زي ما قتلتوني كلكم.
زهور: تصرخ بها. إنتي مجنونة! إيه الحقد اللي جواكي ده؟ ذنبها إيه البنت عشان تقتليها؟ عملتلك إيه؟ إنطقي! هي فين؟ إنطقي!
نهال: بهستيريا. خلاص قتلتها! قتلتها من ساعتين بس! قتلتها وصورتها وهي ميتة معايا على التليفون. أهي.
لتفتح هاتفها أمام الجميع، تروي فتاة غارقة بدمها، وبجوارها لفيف من الناس، وهناك سيدة تجلس بجوارها.
لتصرخ زهور الجدة وتسقط أرضًا من هول ما رأت.
زايد: اقترب من نهال، يصفعها عدة صفعات على وجهها، لتسقط عند قدم والدها المنكسر رأسه للأسفل.
لم يرفعه من وقت ما جلس. لتصرخ نهال به.
نهال: بابا قوم دافع عني ولو مرة واحدة! قوم!
لتهز والدها وتصرخ، وهو يميل على جانبه دون أن يتحرك. ليبعدها زايد عنه ويعدل عمه، يتحسس عرقه النابض، ليفزع، ينادي على ابنة شقيقته.
زايد: نوران، بسرعه اتصلي على الإسعاف.
ليستغل زوج زينة تلك الحالة، يحاول الفرار.
ليقف مبتعدًا على الباب وهو يرى زين وزيدان، وخلفهم مجموعة من الضباط يدخلون المنزل.
ليعود للوراء.
زيدان: اتفضل يا حضرة الضابط. سمعت بنفسي اعتراف المسؤولين عن اللي حصل، وأكيد شفت بنفسك اعتراف المهندسين والمقاولين. مين اتفق معاهم وخلاهم غشوا في مواد البناء والأساسات.
نهال تصرخ بهستيريا ممسكة بيد والدها. قوم يا بابا قوم دافع عني ولو مرة واحدة. قوم لسه ملحقتش أفرح بانتقامي منهم. قوم متسبنيش إنت كمان.
آيات تضم والدها وبجوارها أمال يهزونها وتبكيان.
بابا قوم متسبناش. مالناش غيرك.
نهال تصرخ. بابا الحقني يا بابا قوم ابعدهم عني. لتصرخ في الضابط وهو يبعدها عن والدها. تضرب يده. ابعد عني سبني! أنا معملتش حاجة. أنا يا دوب انتقمت لنفسي منهم.
ليجذبها الضابط ويأمر أحد المجندين بوضع الكلابشات بيدها. وتصطحب هي وعاصم، الذي يستنجد بزينة وبناته.
ليرحل الضابط بعد وضعهم بسيارة الشرطة متوجهًا بهم للتحقيق معهم.
بينما زايد والجميع يلتفون حول عبدالرحمن الذي لا يتحرك.
ليقوم زايد بحمله بمساعدة زين ووضعه على الفراش في أقرب غرفة، وتغطية وجهه وجسده بمفرش السرير، ويخرج تاركًا أمال وآيات يجلسون حوله يبكون وينادون عليه.
زايد: زيدان، تعالي معايا المكتب. إنت وزين. وزينب، ساعدي ماما ودخليها أوضتها إنتي وزينة، وادولها أدويتها. وخلي زينة جنبها. وحصلينا على المكتب.
زايد / جفف دموعك يا زين. اتصل بحمزة وحازم يرجعوا، مالهوش لازمة يفضلوا برة أكتر من كده. عرفهم بوفاة جدهم عبد الرحمن، وإنهم ينزلوا على أول طيارة.
وأنت يا زيدان، اتصل بكل معارفنا وبلغهم بوفاة عمي، ونزل نعي في كل جرايد البلد. وأنا هروح ورا نهال أعرف طريق بنت زياد، ولو معرفتش هقلب البلد لحد ما أوصل ليها.
زيدان بصوت متحشرج من البكاء / مش وقته يا زايد. بعدين نشوف الموضوع ده. دلوقتي نشوف هنعمل إيه وهنخرج إزاي من المصيبة دي. أنت عارف بالرغم من القبض على المسئولين عن اللي حصل، اللي أنت بنفسك عارف حجم الضرر، وإن المشروع خلاص فشل ودخلين على الإفلاس.
زايد / زين، اخرج نفذ اللي قلت لك عليه، ويا ريت تبعت نوران هنا.
بعد خروج زين، جلس زايد بجوار زيدان.
زايد / هجنن يا أخي. لولا الصدفة ما كناش عرفنا مين السبب. واللي مش قادر أصدقه، ليه بابا لما عرف بجواز نهال وعاصم سكت؟ وليه مقراش التقرير وقتها؟
زيدان / مش ممكن يكون مقراهوش، بس فيه حاجة منعته.
يحكي أو يصرف.
زايد / قصدك اتهدد بحاجة معينة زي بنت زياد مثلاً؟
زيدان / أو حياة حد فينا.
زايد / معتقدش. حاسس إن بابا كان مرتب لحاجة، واللي حصل ده برجله، وخصوصًا كل الأمور جت ورا بعضها.
دق الباب، دخلت نوران بصحبة زين وهو يضمها ويحوط كتفها بيده يهدئها من شدة البكاء.
زايد / اقف وأشر لها لترتمي بحضنه وتبكي بقهر.
زايد / على شغلك يا زين، متقلقش. نوران هتبقى كويسة. أهم حاجة تنفذ اللي قلت لك عليه.
زين نظر نظرة حزينة إلى نوران وأومأ برأسه وخرج.
زايد / اقعدي جنب خالك زيدان واهدي شوية، واسمعي كلامي.
زايد / نوران، عاوزاكي تتمسكي. محتاجك. دلوقتي تدخلي تعملي لي بحث على اسم زهروان زياد، وأول ما توصلي لحاجة بلغيني.
أومأت نوران برأسها وخرجت. وخرج زايد وزيدان للخارج بعد انتهائهما من إنهاء بعض الأمور، والاطمئنان من نجاح عملية والدهم. وبدأوا في إجراءات العزاء لعمهم بعد حضور الطبيب وإعلان ساعة الوفاة.
***
زهور تقف بعد تكريمها من المحافظ واستلامها لشهادة تقدير باسمها. وبعد الانتهاء، وقفت بجوار أحلام والدكتور أحمد. لتتفاجأ بأحد يضع يده عليها من الخلف. لتلتف بسرعة لتصدم من نفس الرجل التي رأته في السوق. ابتسم لها بمكر ورحل قبل أن تتحدث.
يختفي بين الحضور.
زهور ظلت تحوب بعينيها المكان لم تجده، لكن لديها شعور بوجود أحد يراقبها، لتطلب من الدكتور أحمد الانصراف.
زهور / ستي، أنا تعبت. مش يلا بينا بقى؟ هنفضل لحد إمتى؟ خلاص التكريم خلص والباقي مالهوش لازمة.
أحلام / أنا كمان تعبت. يلا بينا قبل الدنيا ما تميل.
زهور / هقول لبابا أحمد ونمشي على طول.
أحلام / طيب قول له، وأنا هشاور لتاكسي على ما تيجي.
خرجت أحلام من القاعة التي يتم بها التكريم. تقف تنظر إلى باب القاعة. فور رؤيتها لزهور، التفتت تشير إلى عربة أجرة لتقف أمامها واحدة.
أحلام / أخبرته العنوان.
السائق / تمام يا مدام. المهم ما يكونش شارع مقلقل وعيال تقرفني.
أحلام / متقلقش. البيت في أول الشارع والأرض مستوية.
السائق / بخبث، اتفضلي اركبي. إحنا قدام المحافظة والوقفة هنا ممنوعة.
أحلام / ثواني. يا تطلع قدام شوية بنتي جاية هناك أهي.
السائق / شاور لها وأركبي بدل الوقفة في الزحمة دي، واللي رايح واللي جاي بيخبط فيكي، وأنا هستناها قدام. لو الأمن أخد باله من وقفتي هنا، هيسحب الرخصة.
أحلام / أشارت إلى زهور وصعدت إلى السيارة، لينطلق السائق للأمام. يقف على بعد خطوات. وفور اقتراب زهور، أدار المحرك مستعداً للانطلاق.
زهور خرجت من القاعة الملحقة بمبنى المحافظة. تتلفت يميناً ويساراً تبحث بعينيها على جدتها، لتجدها تقف على مقربة من الطريق تشير إلى عربة. لتسرع بخطاه بين الحشود أمام المبنى من أهالي الطلبة المكرمين. تخترق الطريق بينهم وهي تحاول أن تشق طريقاً لتتنفس الصعداء وهي تقترب من مكان وقوف جدتها. لتراها تصعد إلى العربة وتشير لها على الأمام. لتكمل سيرها بين الحشود تتلقى ضربة من هذا وتعتذر لهذا، حتى خرجت من بين الحشود وتسرع بخطاه باتجاه محل وقوف عربة الأجرة. لتنزل من على الرصيف تعبر الطريق لتصل للعربة. لتسقط أرضاً غارقة بالدماء إثر اصطدام عربة مسرعة بها وتكمل سيرها بسرعة.
أحلام رأت ما حدث وهي تنظر من الزجاج الخلفي للسيارة لتصرخ.
أحلام / زهوررررررر. لتمد يدها لفتح الباب لتصرخ والعربة تنطلق بها بسرعة جنونية. لتصرخ بالسائق تحثه على الوقوف، ليلتف لها ويرش بوجهه رذاذ.
لتغيب عن الوعي.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخمسون 50 - بقلم منى عبدالعزيز
زهور نطق بها أحمد وهو يبعد المتواجدين حول زهور وهناك سيدة تضع رأس زهور على قدمها تنادي بصوت عالٍ.
السيدة: إسعاف إسعاف يا خلق البونيه دمها هيصفى.
أحمد: اقترب من زهور وجثا على الأرض بجوارها.
من يراه ينادي على زهور بصوت يرج الأرض، بكاه وكلماته تجعل الحجر يبكي. من يقف يستمع له يبكي على بكاه، يقسم إنه لم يبكي من قبل حزنًا على أحد.
أحمد: تجسدت أمامه ذكريات مضى عليها أعوام، نسي من هو وعمله، نسي المحيطون به. فقط أمامه زهور غارقة بدمائها، وجهها الشاحب. يقترب منها، يضمها إلى صدره. نحيبه هو المسيطر على المكان، يهمس في أذنها: "زهرتي متسبينيش، زيهم هم سبوني وربنا عوضني بيكي، قومي يا حتة من قلبي، قومي يا نور عنيا، زهووووور فوقي يا قلب أبوكي، فوقي يا زهووووووور فوقي."
تحضر عربة الإسعاف، حاول العاملون إبعاده عن زهور حتى نجحوا في إبعاده ونقلوها إلى العربة.
وتوجهوا إلى أقرب مستشفى. لم يترك يدها حتى دخولها لغرفة العمليات.
هرج ومرج في كل المستشفى. من يعرف ما حدث لزهور.
من جيرانها وأهل السوق يحضرون إلى المستشفى. تجمع قوات الأمن لمنع دخول ذاك الكم من الناس.
حضر المحافظ ولفيف من قوات الأمن بعد إصدار أمر بمراجعة كافة كاميرات المراقبة بالمكان ومعرفة ملابسات الحادث.
يدخل الجميع يجدون أحمد يفترش الأرض، يضع يده على رأسه ومسند مرفقيه على قدميه، تائه في ذكرياته معها من بداية تعارفهم إلى آخر كلماتها له. يبكي وينتحب بصوت يدوي بالمكان وهو يتذكر كلماتها وهي تلقي بضع كلمات امتنان وشكر لأهلها ومدرسيها.
زهور تقف بشموخ على منصة التكريم بعد استلامها شهادة التكريم. ألقت كلماتها:
"بداية بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيد الخلق أجمعين، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أنا مش عارفة أقول إيه بس الـ أقدر أقوله إني بشكر كل الموجودين هنا من المحافظ والقيادات بالمحافظة على التكريم والاحتفال الرائع والمنظم.
وبشكر كل اللي فرحوا بنجاحي واللي ساعدوني، خالي بدير. وبشكر أهم اتنين في حياتي، هم السبب في وقوفي هنا ونجاحي بتفوق. أولهم إنسانة عظيمة ضحت براحتها وصحتها من لحظة والدتي للحظة دي، وهي لسه بتضحي. مهما قلت كلام شكر مش هأوفّيها حقها وفضلها عليا بعد ربنا. علمتني الدين قبل الدنيا، علمتني الاعتماد على النفس، علمتني أكون أنا، علمتني كتير أوي. ومن مكاني هنا أحب أقولها: 'النجاح ده والتكريم حضرتك اللي تستاهليه، مش أنا. بهديكي النجاح ده يا ستي يا صاحبة الفضل بوجودي في الحياة.'
والإهداء التاني بهديه لإنسان وطبيب القلب، أحن إنسان في الدنيا، بابا أحمد. طبعاً مفيش شخص في محافظة الغربية وفي مصر كلها ما يعرفش الدكتور أحمد المغربي، الطبيب العظيم اللي اعتبرني بنته. بابا أحمد هو اللي شجعني إني أدرس وأتعلم كتير. تعب معايا في المذاكرة من وأنا لسه في ابتدائي سنين. بعدتنا الظروف عن بعض، لكن كلماته كانت محفزة ليا. أول واحد آمن بيا وبنجاحي، وهو برضه اللي بلغني بنتيجتي قبل أي حد يعرف. كلماته منقوشة على جدران قلبي، متذكرها وحافظاها عن ظهر قلب. قال: 'الإنسان في إيده ينجح وفي إيده يفشل، مفيش حاجة اسمها ظروف، لكن فيه قدرات. ربنا إدانا عقل وميزنا بيه على سائر خلقه. الإنسان لو عنده طموح ورغبة في الدراسة والتفوق هيتفوق مهما كانت ظروفه ومكان دراسته.' علمني ما أوقفش على البحث والاطلاع، علمني القراية في كل المجالات، زود إدراكي ومعلوماتي. ما بخلش عليا بالنصيحة ولا وقته من بداية معرفتنا للحظة دي. علمني حاجات كتير أوي لو فضلت أعدها مش هيسعها الوقت. لو هشكرك على كل ده، مش هقدر أشكرك على أهم حاجة اديتهالي في الدنيا، كلمة بابا. بشكرك من كل قلبي على كل حاجة قدمتهالي. بابا، بهديك التكريم ده لأن حضرتك تستحقه أكتر مني."
يبكي ويبكي، غير مدرك بمن حوله. ظل فترة طويلة على تلك الحالة. الجميع يحدثونه وهو لا يزال على جلسته، حتى فتح باب غرفة العمليات وخرج الأطباء، ليهب واقفًا.
أحمد: بنتي جرالها إيه؟
الطبيب المعالج ابتسم له بعد أن رأف بحالته معتقدًا أنها ابنته: "اطمن حضرتك، الحمد لله. إصابتها مش خطيرة وقدرنا نسيطر على النزيف. لكن الأربعة وعشرين ساعة الجايين مهمين جداً، لأن الخبطة كانت شديدة ووقعها على راسها. للأسف منعرفش حجم الضرر اللي أصاب المنطقة دي، وحضرتك طبيب وعارف، في حاجات مش بتظهر إلا بعد المريض ما يفوق. هنعرف وقتها حجم الضرر."
أحمد تنهد براحة، يحمد الله. ترك الطبيب يتحدث وأسرع يخطو تجاه غرفة العمليات مع خروج زهور ممددة على الفراش، ممسكًا بيدها ويسير معها وهم يقومون بنقلها إلى غرفة العناية.
ترك يدها بعد أن رفضوا دخوله معها وأشاروا له على يده وملابسه الملوثين بالدم، حتى اقتنع وترك يدها. وقبل دخولهم بها، جثا على قدمه يهمس في أذنها:
أحمد: هستناكي ترجعيلي، زهور بنتي، متخذلنيش وتسبيني. مش هتحرك من مكاني غير لما تفتحي عيونك وتنادي عليا بأجمل كلمة تخرج من بين شفايفك، "بابا أحمد". وقتها بس هعتبر روحي ردت فيا.
ليترك يدها بعد تقبيلها عدة مرات، ينظر في أثرها ويهب واقفًا. يخرج هاتفه من جيبه ويُجري اتصالًا هاتفيًا وهو يجفف دموعاته.
***
أحلام تنظر من الزجاج الخلفي للتاكسي، تصرخ وهي ترى زهور تسقط أرضاً غارقة بدمائها بعد أن دهستها عربة مسرعة. لتلتف، تفتح الباب، وجدتُه انطلق بالسيارة بأقصى سرعة. لتصرخ به يتوقف. ليرش بوجهها رزاز جعلها تغمض عينيها وتسقط مغشياً عليها مكان جلوسها.
بينما السائق أخرج هاتفه يتصل بأحدهم.
السائق: الأمانة معايا بالتاكس يا كبير، قربت أوصل المكان اللي قلت عليه. أمان؟ أطلع بيها ولا في لبش؟ أتأخر شوية.
الطرف الآخر: تعال متتأخرش، مستنيك على نار. أدخل الجراج على طول وهتلاقي اللي مستنيك. يستلم البضاعة ويديك حقك، ولا من شاف ولا من دري.
بعد دقائق، ترجل من التاكسي حاملًا أحلام على كتفه، ليلتقطها منه آخر. يحملها هو ومد يده له بحقيبة سوداء. فتحها، نظر بها بسعادة، وأغلقها، وخرج مسرعًا بالعربة خارج الحراج.
يصعد الآخر بأحلام الدرج حتى يصل إلى شقة. يدخل بخطى سريعة، وضعها على الفراش. ينظر حوله بالغرفة، ولذلك الواقف ينظر للطريق من النافذة.
الشخص: كل تمام يا عمدة. والسواق بيقول معرفش، جاب البنت عربية خبطتها ووقعت غرقانة بدمها.
أشار له بالخروج وتحدث معه: انزل تحت، خد بالك، وأول ما الغفر يجوا طلعهم على طول.
خرج الشخص ووقف الآخر بالقرب من السرير ينظر لأحلام بنظرات شهوانية. اقترب منها يتلمسها.
ياااه يا ست الحسن والجمال، اللي يشوفك يطير عقله من جمالك وتمنعك، يلهم القلب. عشقتك من كلام أبويا. عنيا مش بتشوف غيرك. حتى بعد السنين دي كلها، مفيش ست عرفت تخرجك من نفوخي. بقيت أعذر أبويا وجنانه بيكي، وأمي وغيرتها منك. جسمي بيجيب نار بمجرد ما تيجي بخيالي. يا خسارة، كنت بمن نفسي هعيش الليلة دي هرون الرشيد وأتمتع بيكي وبالقمر التانية. بس يا خسارة، عمرها قصر، وربنا بيحبها واترحمت من اللي هعمله فيها. أصلها بالعافية وكانت هتبهدلني، بس عزرائيل كان أسرع مني. يلا، بس أنتِ بقي تكفيني وزيادة. كفاية الطاعة لوشك، ترجع الواحد عشر سنين لورا. يبال بقي حضنك يعمل إيه.
ليقترب منها، يتلمس وجهها، يطبع عدة قبلات على وجهها. ليرفع نفسه عنها بغضب وهو يستمع لدقات عالية على الباب.
ليفتحه سريعًا، يجد ثلاثة رجال يحملون شفيق، والده، مكممين فمه.
أحدهم: أسفين يا عمدة على التأخير، بس العمده الكبير غلبنا على ما ركبناه العربية، وملجأناش حل غير نربط حنكه عشان محدش ياخد باله من صوته العالي.
الصافي: يشير لهم بإنزاله والخروج. انزلوا لتحت لحد ما أنادي عليكم.
ليقترب من شفيق بعد خروج الغفر، يحدثه بحقد.
الصافي: أهلاً يا عمدة. مالك خايف كده ليه؟ متقلقش، مش هخلص عليك. أنا بس جايبك تتفرج عليا وأنا بدخل على حبيبة قلبي اللي زمان ضربتني على دماغي مرتين وسببت في ضياع عين من عنيا، معتش بشوف بيها. جبتك عشان تتحسر على حالك وأنا بتمتع بيها، بدل المرة هيكون مية. هخليك تشوف بعينك دي أحلام وهي بتصرخ باسمي وانت قاعد مش قادر تعمل حاجة. وريني بقي هتنقذها إزاي مني المرة دي.
ليجذب شفيق خلفه للغرفة، ولم يفك وثاق يده وفمه. يجعله يقف أمام الفراش الممددة عليه أحلام.
الصافي: شوف مين نايم هنا، شوف جمالها زاد إزاي. مبتكبرش، لسه زي ما هي حلوة. وشها زي اللبن الحليب، جسمها زي جسم البنات. شوف بعينك اللي فضلت عمرك هتموت عليها، وأنا بأخدها قدامك.
ليسقطه أرضاً، ويبدل ملابسه سريعاً، ويرمي نفسه على الفراش بجوار أحلام التي تسيل دموعها على جانبي عينيها المغمضتين وهي تستمع إلى ما يقوله بعد إفاقتها من تأثير ذلك الرزاز.
أحلام: يارب أرحمني من اللي أنا فيه، يارب أستر عرضي ونجيني واحفظني يا كريم، يارب، يارب، استرني، يارب، يارب، استرني، يارب، قبل ما يلمسني خد روحي، يارب، يارب، يارب.
تدعو بقلبها، تستنجد بربها بكل دعاء تعرفه. يارب، إيماني بيك كبير وبرحمتك أستغيث. أرحم ضعفي ونجيني من اللي أنا فيه. يارب، برحمتك أستغيث وبعفوك أستجير. أنت الملجأ ولا جوار إلا جوارك. أرحمني ولا تفضحني، يارب. طول عمري طاهرة وعفيفة، يارب، خد أمانتك وأنا بعفتي وطهارتي.
ظلت تردد: يارب، يارب، يارب.
رجفة انتابتها فور اقتراب الصافي منها على الفراش، مستلقي بجوارها، ينظر إلى والده الذي يزوم ويحاول فك وثاقه.
الصافي: هههههههه، متحولش يا أبو الصافي، المرة دي عاملت حسابي وخليت الغفر رابطوا ايديك جامد. دلوقتي متع عينك باللي هعمله.
ليهب فزعاً أثر دفع باب الغرفة ودخول أشخاص عليه.
الصافي: أنتم مين وازاي تدخلوا على الناس في بيتها كده؟
يدخل ضابط الغرفة وهو ينظر إلى الممددة على الفراش، ويلتف ناحية صوت مكتوم، يرى شخصاً مكبل اليدين والفم.
الضابط: أشار لأحد المجندين بالقبض على الصافي. وآخر بفك وثاق شفيق. وينحني بجوار أحلام يحاول إفاقتها.
أحلام لازالت مغمضة العينين تدعو ربها. قلبها وكل حواسها تستغيث الله. حدة أنفاسها وهي تحمد ربها بنجاتها. لتفتح عينيها بصعوبة وهي تستمع لكلمات الضابط ينادي عليها.
الضابط: ست احلام فوقي.
احلام فتحت عينها، أجهشت بالبكاء.
الضابط: بشفقة على حالتها: الحمدلله، حضرتك بخير، محصلش ليكي حاجة.
الحقنة قبل ما يقرب منك.
احلام لازالت تحمد ربها وتشكر، التفتت للضابط الذي مد يده إليها يساعدها على الوقوف، تشكره وتسأله بلهفة عن زهور وما حدث لها.
الضابط: ده عملته شغلي، واجبي، مفيش حاجة تستحق شكرك عليها، ومعرفش حضرتك بتسألي عن مين.
احلام: زهور بنت بنتي، ضربتها عربية وهربت.
الضابط: آه عرفتها، أخُدُوها على المستشفى، اتفضلي ننهي الإجراءات وهخدك بنفسي تطمني عليها.
خرجت احلام بجوار الضابط تنظر إلى الصافي الذي يصرخ بصوت عالٍ يسب ويلعن، من يقبض على يده.
الصافي: ابعد وسيبوني، أنا ما عملتش حاجة، واحد مع مراته، أنا هاوديكم في داهية كلكم، إزاي تدخلوا علينا بالشكل ده زي الحرامية.
الضابط: اممم مراتك آه مراتك، ابق قول الكلام ده في التحقيق.
رحل الضابط يسند احلام التي تعثرت بخطواتها، ساعدها على الصعود للسيارة وجلس بجوارها، وصلا مديرية الأمن وبدأ التحقيق، وتم تحويل المتهمين للنيابة العامة بعد مواجهة الصافي بسائق التاكسي واتفاقه معه، وكلام الغفر وشفيق ومواجهته بتسجيلات كاميرات المراقبة على الطريق، ليتم توجيه تهمة الخطف أنثى غير عدة قضايا، آخرها اتهام والده بتعذيبه وتكبيله ومنعه من الخروج.
بعد الانتهاء من التحقيق وأخذ أقوال احلام، خرجت بمساعدة الضابط لتوصيلها للمستشفى عند زهور.
وصلت المستشفى وجدت بدير وروحية بجوارهم الدكتور أحمد وملابسه ملطخة بالدماء، لتسرع تجاههم بلهفة.
احلام: زهور زهور، حصل ليها إيه.
بدير تلقاها بيده بعد أن كادت تسقط من سرعتها وهي تخطو تجاههم.
بدير: الحمدلله بخير، متقلقيش، زهور زي الفل.
روحية وقفت تساعدها على الجلوس.
روحية: اهدي يا أحلام، الحمدلله زهور بخير.
احلام تنظر لأحمد وتشير على ملابسه.
احلام: أمال إيه الدم اللي على هدومك يا دكتور.
أحمد: دم زهور قبل ما تدخل العمليات، اطمني الحمدلله زهور بقت بخير، أنا اتأكدت من صحتها ونجاح العملية، كام يوم وهتخرج لأوضة عادية.
مرت الأيام وزهور بدأت تفوق وعرف مقدار الضرر الذي نتج عن الحادث.
لتصدم احلام وأحمد الذي انهار كلياً بعد تلقيه وضع زهور الحالي.
أحمد: مش قادر أصدق اللي بتقوله ده، إزاي زهور مش هتقدر تمشي، أكيد في حاجة غلط، إزاي ما عرفتوش الكلام ده وقت العملية.
احلام التزمت الصمت، تنظر بعينيها لزهور من خلف زجاج نافذة غرفة العناية، تحمد ربها على نجاتها، دمعتها تسيل على وجنتيها، تتحسر على تلك الزهرة التي ذبلت قبل أوانها، تهمس بين حالها.
احلام: هتلاقيها منين ولا منين يا زهور، ربنا يقويكي يا بنتي، من يوم يومك وأنتي حمالة أسية، مشفتيش يوم حلو، ولما قلنا خلاص هتتعدل، حصل اللي حصل، حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب.
أحمد لازال لا يصدق كلمات الطبيب، حتى ذهب بنفسه يراجع الأشعة والتقارير الطبية ليعلم مدى الضرر الذي أصابها، وهل تستطيع أن تمشي مرة أخرى أم لا.
بعد وقت من النقاش مع الأطباء، خرج أحمد على وجهه ابتسامة، ليهرول تجاه احلام الواقفة.
يديرها بيده.
أحمد: فيه أمل يا ست أحلام، فيه أمل، عملية وتقدر تمشي، بس كل اللي مطلوب منك إنك تمضي على إقرار، أنا حاولت أمضي أنا، إدارة المستشفى رفضوا، وكمان أنا بعت لأكبر جراح متخصص في حالة زهور، هييجي يعمل لها العملية، بالكتير بكرة.
احلام انحنت على يده تقبلها وتشكر.
أحمد سحب يده: متشكرنيش يا ست أحلام، أنا معملتش حاجة، ده فضل ربنا علينا إنه جمعنا مع بعض من غير معاد، عوضتوني عن أهلي وولادي، زهور حياتني، أدتني الأمل اللي أعيش عشانه، يلا بينا ندخل لها نطمنها، الدكتور بيقول من وقت ما عرفت إنها مش بتحرك رجليها وهي ساكتة ورافضة تتكلم.
دخل أحمد واحلام بعد تعقيمهما لغرفة زهور، لم تتمالك نفسها، أطلقت لدموعها العنان فور رؤيتها، لاحلام التي اقتربت منها تضمها لصدرها تبكي على بكاء زهور.
أحمد جاهد في التماسك أمامهم، تحدث بمرح يخفف من الأجواء.
أحمد: أهو أنتم كده يا ستات، تفرحوا، تعيطوا، تفرحوا، تعيطوا، هو ده اللي شاطرين فيه وبس.
زهور ابتعدت عن احلام تبتسم على كلماته وتنظر له بشك.
زهور: طب عيني في عينك كده.
أحمد اقترب منها من الجهة الأخرى، جذبها لصدره، وجهش في بكاء.
أحمد: حمد الله على سلامتك يا حبيبة قلبي.
زهور ابتعدت عنه تنظر لعينيه.
زهور: أنا مش زعلانة إني مش همشي مرة تانية، أنا زعلانة إني مش هوفي بوعدي لنفسي ولك باني هكون أشطر وأشهر دكتورة قلب وأساعد كل المرضى المحتاجين.
أحمد: هتقدري وهتخفي وتمشي من أول وجديد، وهتدخلي الطب وهتكوني أشطر وأجمل دكتورة في مصر والعالم.
احلام: كلام الدكتور أحمد صحيح، إن شاء الله كام يوم وهتبقي زي الفل وترجعي تمشي زي الأول وأحسن.
زهور: اللي ربنا رايده يكون، والحمد لله على عطاياه.
مرت الأيام وانتقلت زهور لغرفة عادية، بدأت للاستعداد للعملية الطبية نفسياً بدخولها علاج نفسي يهيئها للعملية، توافد عليها الزائرون من محبيها.
لم يتركها أحمد طوال تلك الأيام، ظل يرافقها حتى يوم العملية، أصر على دخول العمليات معها كما وعدها، وتمت الموافقة احتراماً لمكانته وقامته العلمية المشرفة.
الجميع يجلس خارج غرفة العمليات، ليخرج الأطباء بعد أربع ساعات كاملة على وجههم علامة الحزن.
أحمد لازال ممسك بيد زهور: إن شاء الله هتنجح العملية وتمشي، إن شاء الله.
احلام تقف أمام الأطباء بعد خروجهم.
احلام: طمنوني، زهور حصل لها حاجة.
لتضع يدها على فمها تكتم صوت شهقتها.