تحميل رواية زهور بنت سلسبيل بقلم منى عبدالعزيز pdf
بقلم منى عبدالعزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحلام تركت سلسبيل ودخلت غرفتها تدور حول نفسها. أحلام: هعمل إيه في المصيبة دي؟ لازم أتصرف قبل ما يحصله حاجة أو يفوق. وساعتها هيِهد الدنيا على دماغي ومش بعيد يستغل ده ويورطني معاه. لأ، لازم أبعد من هنا. تَمد يدها وترفع قدميها تقف على أطراف أصابعها، تجذب حقيبة من فوق خزانة الملابس. تضعها على الفراش وتلتف، تفتح دولابها تجمع ملابسها وأشيائها في حقيبة قديمة. فتحت أحد الأدراج أخرجت ما به من نقود وأوراق، وضعتهم بعشوائية على ملابسها. أغلقت الحقيبة بإهمال من شدة توترها. ورعشة جسدها ظلت تجوب الغرفة تبحث عن...
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم منى عبدالعزيز
ااه من زمن اصبحت الخيانة تسمى مصلحة
والحقد أصبح عزة نفس
والغرور أصبح قيمة
زايد نهر شقيقته زينة وأبعدها عنه ودفعها بعيدًا واتجه إلى باب الممر وعاد إلى مكتب والده ليجد النيران تلتهم كل شيء بالغرفة وابنة شقيقته تصرخ بانهيار تنادي على أبيها ينقذها.
زايد سحب نفس قوي وكتم بداخله وكمم أنفه وفمه بعد أن خلع قميصه.
ومن شدة النيران والأدخنة المتصاعدة انعدمت الرؤية أمامه.
يسير في اتجاه صرخات نيرة حتى وصل لها وحملها وهي تلتقط أنفاسها بين سعلها بصعوبة.
ليعود في طريق الباب السري للممر بصعوبة وإصابته بحروق بيده وزراعيه.
يدخل للممر يضع نيرة أرضًا ويلتقط أنفاسه بتلاحق بعد أن فك القميص المكمم به فمه وأنفه مستندًا على الحائط.
تجمعت سيدات وبنات الغمراوي بالقرب من زينة التي تصرخ بشدة والجميع يبكون حزنًا عليها.
اقتربت منها ابنتها الصغرى صافية تضمها وتهدئها.
وغادير تحمل سيسيليا التي تنادي على أبيها.
بعد غلق الباب السري للممر ودخول والدها.
أمل لم تقو على الوقوف لتجلس أرضًا تضع وجهها بين يديها تبكي بنحيب.
وآيات شقيقتها تضمها وتهدئ من روعها لتهب واقفة.
زينة فور دخول زايد بابنتها هرولت تجاهه تصرخ باسمها.
جثث على ركبتها بجوار ابنتها بانهيار وهي تراها ممددة أمامها وجهها مشوه من النيران.
تقترب منها تضمها لصدرها تبكي بقهر وتحسبن على زوجها لما أوصل ابنتها بأنانيته وكذبه لما هي عليه.
زايد أبعد الجميع وحمل نيرة مرة أخرى وأشار لهم باتباعه.
يهرول بخطواته السريعة حتى خرج من الممر يصعق الجميع فور دخولهم خلفه وهم يرون المنزل كأنه قصر الغمراوي القديم بكل تصميمه.
يشير لهم زايد بالدخول.
يتساءلون فيما بينهم ما هذا وزاد فضولهم ودهشتهم تلك الحقيبة الكبيرة والتابلوهات والصور العائلية التي تجمعهم جميعًا ورسومات عمهم زياد رحمه الله.
أول من سألت كانت الصغيرة سيسيليا: بابي عملتلي كل اللي قلت لحضرتك عليه في أوضتي.
لينظر لها الجميع بدهشة.
لتجيبهم قبل أن يسألوها.
سيسيليا: أكيد يعني بابي قالي وكمان جينا هنا كتير أوي.
وبضحكة طفولية: وأنا اللي اخترت ديكورات أرضكم.
قاطعهم زايد ويشير لسيسيليا وهو لازال يحمل نيرة على كتفه: خلاص بقي ملوش لزوم الكلام الكتير.
وبعدين أكحلكم سر البيت ده.
دلوقتي اسمعوا كل كلمة هقولها من غير حد يقاطعني مفهوم.
زايد: البيت هنا أمان أنا مأمنه كويس أوي.
أنا وزيدان اللي معانا المفاتيح ومحدش يقدر يفتح غير بالمفاتيح دي.
أوض النوم فوق لسه مجهزة بس زيادة أمان تطلعوا فوق كل مجموعة في أوضة مهما سمعتوا من أصوات برة الأوضة.
اوعاكم تخرجوا.
يقترب من سيسيليا يقبل جبينها: وأنا هخرج.
بـ نيرة من الباب الخلفي للفيلا.
غادير تعالي اقفلي الباب ورايا.
مهما حصل يا غادير اوعي تسمحي لهم بالخروج.
أو تفتحوا شباك.
هطمن على نيرة وأشوف مكان آمن تختلفوا فيه لفترة.
زينة تقترب منه تستعطفه يأخذها معه للاطمئنان على ابنتها.
زايد رفض بشدة وأشار لزينب شقيقته بأن تحاول تهدئة شقيقتهم.
رحل زايد يحمل الفتاة وأغلقت غادير باب المنزل الداخلي.
غادير استدارت لهم بعد أن أخذت نفس عميق يهدي من روعها.
لتصفق بيديها: يلا زي ما عمو زايد قال كل على فوق.
ماما وخالتو وعمتو زينب وصافي وجميلة وجنى في أوضة.
وأنا وعمتو زينة ونورين وسيسيليا بأوضة.
أتت جنى وشقيقتها الاعتراض ويريدون المكوث مع والدتهم.
لتعترض.
غادير بشدة وتصمم على رأيها.
غادير: لو سمحتم مافيش مجال للاعتراض اتفضلوا على فوق كلكم سمعتم كلام عمو زايد وياريت نلتزم الهدوء ونطلع بشويش منعرفش مين عمل كده وإيه مصلحته بحرق البيت.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم منى عبدالعزيز
زايد ممدد على سرير الكشف حوله الأطباء، شعر بشيئ غرس بيده يئن بألم، قشعر وجهه بامتعاض، بين الوعي واللاوعي يرى طيف يهبط من مكان مرتفع، ينادي زايد بصوت ضعيف ويجاهد بالوقوف ويمد يده يبعد هذا الطيف عن فتاة صغيرة بي جدايل شعر بلونه الليلي الغطيس يحبو على يديه وقدميه، يصرخ وصوته لا يخرج منه، يرى الطيف يقترب منه فجأة انحن رويدا رويدا حتى كاد قاب قوسين منه نظر في عينه جحظت عيناه، والطيف يخطف الفتاة و تبتلعه الأرض لينتفض صارخا: سلسبيل! يحدثه الطبيب وبذل قصارى جهده حتى يجعله يتمدد على الفراش مرة أخرى، حتى ينتهي من الكشف عليه دون فائدة.
زايد كالذي أصابه مس يلتف يمين ويسار يفتش على زهور يكاد يبكي من الهلع من هول ما رأى ليهبط من على الفراش يسأل الأطباء: أين الفتاة ومن أحضره هنا؟
يجيبه أحدهم بما يعرف.
الطبيب: إهداء يا حضرت وياريت تتفضل ترتاح نكمل كشف.
زايد: يلتقط أنفاسه بصعوبة، جسده يتصبب عرقا، يجاهد بالحديث: متقولش إرتاح انت فاهم، قولي مين جابني لهنا، فين حسن، وزهروان فين؟
أحد الأطباء: دكتور حسن اللى نقل حضرتك للمستشفى، ومشفناش اي بنت معاه.
زايد: ازدراء ارياقه اصابته رجفة قوية كاد يسقط يضع يده بين عينيه ويهز رأسه بتأكيد: لا أنا متأكد، انا مجننتش مش معقولة هكون بتخيل كل ده انا لسه حاسس بضمتها.
إحدى الممرضات: دكتور حسن فعلا كان هنا، والأنسة اللى كانت دخلة مع حضرتك ما وقفت بكاء، اخدها معاه المكتب.
يهرول خارجا من غرفة الكشف، غير عابئ بنداءات الأطباء.
يتنفس بصوت عالي ليتوقف بعين زائغة وهو يرى من يقترب من مكتب حسن، يقترب ببطء دقات قلبه متصاعدة، يده تتعرق بشدة وهو يستمع لكلمات زهور بالغرفة.
---
تضرب بيدها كل شيئ تطوله يدها، تسقطه ارضا، مصدرا صوتا عاليا تمسك تمثال من الرخام موضوع على منضدة أمامها تلقيه بأقصى قوة لديها ليصدم بالحائط يتهاوى متناثرا لمئات الجبيبات، لينتفض الجالس أمام المكتب وهو يرى فتات التمثال تناثرت بالقرب منه يبتلع رمقة ويفك رابطة عنقه ويرفع يده يحركها أمام وجهه يهدأ من سخونة وجهه مما أصابة من فزع، تجوب الغرفة ذهابا وإيابا، وصوت جز أسنانها واصتقاقهم ببعض يسمعها من بالغرفة، تضع يدها على حافة المكتب راسها وكتفها لأسفل، ترفع عينها للجالس قبالها، وتصرخ بصوت جهوري تنادي على أحد من رجالها، يأتيها مهرولا يحدثها بصوت مهتز، من يراه بتلك الحالة وينظر الى جسده وعضلات جسمه الضخمة وطولة الفارع كأنه طفل صغير أخطاء خطأ فادح وينتظر عقاب والدية.
تلتف تجاهه دون أن يرجف لها جفن، رفعت يدها وهوت على وجهه صفعة و أخرى، تقترب منه تمسكه من جاكت حلته السوداء تهزه للإمام والخلف تحدثة بتهديد ووعيد.
نهال: قاعدة بالعربية متحركتش منها عينيا على القصر.
وفيش دبانة خرجت من الباب وحسب كلامك ان عبدالرحيم وولاده واولادهم موجودين مافيش غير حمزة اللى مش موجود، خمس ساعات النار بتاكل بالقصر خالته رماد، مافيش أثر لواحد فيهم ولا حتى جثة لقطة، اية مخاوين الأرض بلعتهم هم وقطتهم، وفين الشغالين اللى تبعك ايه فص ملح وداب هم كمان تصرخ به مش دول الشغالين ال زي الخاتم باصبعك راحوا فين هم كمان، انطق.
ـ ينظر إلى أسفل لا يقوى على أن ينبس بكلمة برفع عينه لاعلى على صوتها وهى تلتف تصرخ للجالس خلف المكتب.
فور سماعها لكلماته تسبه وتنهاررة.
الرجل: إهدي يا حبيبتي أعصابك، دلوقتي نفهم السر، أنا هبعت رسالة لنيرة تقولي هم راحوا فين وازاي خرجوا من القصر.
ـ نهال: متنطقش بتاتا كله منك ومن بنتك، تقدر تقولى الهانم فين كل ده، لا حس ولا خبر، والشو بتاع سوري يا بابي، نسيت الأوراق هدخل حالا أجابها، ههه الهانم بقى، دخلت مطلعتش، إتبخرت.
الرجل: يشير إلى الواقف ينظر له بتسأل، سامي قولى ال حصل، ازاى خرجوا وإنت بنفسك قايل متمم على الباب الخلفى وقفلة من برة هو وباب المطبخ.
سامي: أنا متأكد من كل كلمة قلتها، محدش خرج أو دخل للقصر من الساعة وحده بالليل وحدة ونص بالضبط كنت قافل الأبواب ومافيش هواء دخل أو خرج، كمان إتأكدت بنفسي وانا بتمم من المطبخ وسامع صوت زياد ببه وهو بتكلم، ويقولهم على فوق.
ـ بإبتسامة شر وعين كاتمه من الغل والحقد توزع بين فرد الامن و الجالس خلف المكتب.
نهال: اسمعنى انت وهو اللعبة هتتغير، مش هم فاكرين نفسهم أذكياء، وقدروا ينقذوا المجموعة من الحريق، نسبقهم بخطوه بلاغ للبوليس صغير قد كده مع إعتراف تنظر الى سامي بتقيم من فوق لتحت، وانك تعترف على نفسك، بإن عبدالرحيم وزياد اتفقوا معاك ودفعوا مبلغ كبير أنك تحرق المجموعة كاملة والاربع وحوش بتوعه، ساعدوك، خوف من حد سادس يعرف يبتزهم بالمستقبل ويفشي سرهم.
الأمن: يبتلع ريقه وعين زائغة يحرك رقبته يمين ويسار، ما كده انا هروح فى داهيه يا هانم، خصوصا أنا كنت موجود بالقصر.
نهال: هههه ما هى ده ال هتسبتها عليهم، هم يروحوا يحرقو الشركة وانت القصر، وبكده التهم تثبت عليهم وانت سنه بالكتير لو قلنا توجه لك تهمة انت هتروح تعترف، وتأخذ معك ال يثبت صحة الكلام ده.
-تصفيق وتهليل أطلقه الجالس خلف مكتبه، بسعادة يشيد بذكائها، لتلتف له بغضب بعد أخر كلماته.
هو: برافو عليكى يا حبيبتي، مخك الماظ، بس هو ايه الدليل هيقدمه، وليه؟
نهال: ينفع تسمعنا سكوتك، تلتف للأمن بالرغم من سؤاله الغبي، لكن سؤال مهم، لو اتسألت ليه بلغت دلوقتي ومطمعتش فى الفلوس وسكت، او ليه مبلغتش فى الاول، وايه مصلحتهم بحرق المجموعة والقصر، تجاوب بكل هدوء.
اولا: ليه مبلغتش؟ عشان هددونى بأولادي وأهلي، بس انت مقدرتش تتحمل تفضل ساكت بعد ما عرفت السبب الحقيقي وراء ال عملوه.
ثانيا: هيقولك ايه هو السبب؟ ترد وتقول إيه متعرفش السبب الحقيقي غير النهاردة، ان مبلغ التأمين كبير اوي مليارات، وكمان اختفائهم المفاجئ خلاك شكيت انهم رتبوا لحاجة أكبر، وهى الهروب برة البلد بالهلومه دى كلها بعد ما ياخدوا مبالغ التعويض خصوصا اختفاء أسرهم بالكامل واتاكدت انهم سافروا برة البلد.
ثالثا وده دليل قاطع: هتاخد معاك دا يثبت وهو رصيد بالبنك عشرة مليون جنيه.
الأمن: عشرة مليون مرة واحدة!
نهال: بالظبط كده اهم حاجه، عندي الغبي ال في المجموعة يظهر، واعرف اللى حصل وازاى اتكشف، ويشهد عليهم.
الأمن: ماهم ممكن يخرجوا بسهوله وخصوصا، انهم فص.
نهال: ما يخرجوا بس وقتها بقي، هنكون عملنا شوشرة والعيار ال ما يصبش يدوش ومش هتقوم ليهم قومه وخصوصا شركات التأمين هيرفضوا يدفعوا إليهم مليم.
يدق الباب عدة دقات ويدخل أحدهم.
نهال: انت ازاي تدخل من غير ما أذن ليك.
الشخص وهو يلتقط أنفاسه خوفا منها يتشجع قليلا: آسف يا هانم بس الخبر ال عندي يساوي مليون جنيه ومش بس كده الخبر هيفرحك أوي.
نهال اقتربت منه سريعا وقالت بلهفه: ايه هو الخبر؟
الرجل: وصلت الفندق يا هانم ودخلت مكتب المدير ولقت زايد بيه قاعد بالمكتب و.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم منى عبدالعزيز
زايد خرج من المستشفى. أشار إلى عربة أجرة، عيناه تكاد تشتعل من هوج احمرارها. يتنفس بعنف. أشار للسائق أن يتوقف عند أقرب محل ملابس رجالية. بعد قليل، توقف السائق عند أول محل. قابله. ترجل منه بعد أن طالبه بالانتظار.
دلف للمحل. زادت عصبيته من نظرات البائع وتهكمه بالحديث. أنهى ارتداء الملابس الذي اختارها، وكانت حلة رمادية اللون وقميص أبيض. خرج بعد أن دفع ثمنها. صعد إلى سيارة الأجرة. وأجرى عدة اتصالات هاتفية. أخبر السائق بالعنوان الذي يريده.
تأتيه عدة رسائل على هاتفه ليبتسم بأريحية ويتنهد ويمسح على وجهه. قليلاً وقفت العربة. أعطى السائق ما طلبة من أموال ودلف لداخل الفندق. أشار إلى مساعدته تأتي خلفه. يدخل المكتب كالمجنون. يفتح أدراج المكتب. يخرج منها عدة ملفات ويجلس يتصفحها بدقة بالغة.
ليغلقها بعنف ويرفع وجهه لأعلى. يشير إلى مساعدته. يقيم وجهها ونظرات عينها الزائغة في كل الاتجاهات. يهز رأسه.
يحدثها بصوت متحشرج مهتز.
زايد: هالة، الأوراق اللي كانت موجودة في الملف ده راحت فين؟
هالة تفرق بيدها. عينها الزائغة في كل إتجاه. تكاد تبكي من شدة التوتر الذي أصابها.
هالة: م م معرفش حضرتك. أوراق إيه دي؟ وإزاي اختفت من المكتب؟ مفيش حد بيدخل المكتب ده غير حضرتك وأنا. وأنا مع حضرتك من سنين. في حاجة اختفت قبل كده؟
زايد: طيب فهمني بقى. مفيش غيرنا إحنا الاتنين بندخل هنا. الفويل اللي فيه اختفى. يبقى واحد فينا إحنا الاتنين أخذه. أو بمعنى أدق، خفاه.
هالة ازدادت توترها. تبلع ريقها عدة مرات متتالية. ترفع يدها بالقرب من وجهها. تقسم بأنها لم تأخذ أي ملف من الغرفة.
زايد ابتسم متهكما وهب واقفا. استدار حول المكتب ليصبح مباشرا أمامها. ينظر بعينها الزائغة بعيدًا عنه. ليمر من جوارها بعد أن اقترب من أذنها. يهمس لها بكلمة جعلتها تنتفض بشدة.
زايد: بلاش يمين، ممكن يكون عقابه شديد. أنا عارف كل حاجة من يومين. ومعرفتكش عشان ظروف ابنك. لولا كده كنت بلغت الشرطة واديتهم الدليل. دلوقتي مش عاوز ألمحك بالفندق كله، مفهوم؟
هالة: ببكاء، والله غصب عني. حضرتك مقصرتش معايا. سبع سنين وحضرتك متحمل مشكلتي. ولولاك كان زماني مت. بس هددني بابني وقال: "زي ما اعترفت بيه، سهل أوي أرفع قضية وأشكك في نسبه." حضرتك وقتها كنت في المستشفى. مقدرتش أتصرف وأنا لوحدي. وماما ست مريضة. وأعمامي لو عرفوا هيقتلوني. هم مفكرني اتجوزت في السر عشان متجوزش حد من ولدهم. ضغط عليا. ولما تأكد أني ضعفت وانهارت. ضغط عليا بزيادة وبعت لي ورقة الجواز. وقالي الصور التانية هتوصل لأعمامك. وقتها مفكرتش، وافقت على طول. بس عملت حسابي. وكل ورقة اتلاعب فيها صورتها. الفويل الحقيقي ومن الفويل المزيف. وعملت أكتر من نسخة. وكنت هبلغ حضرتك أول ما ترجع بالسلامة. بس حصلت مشكلة "الهوس كيبر". ومكنش فيه وقت أكلم حضرتك.
زايد: وفين الملفات دي دلوقتي؟
هالة: ثواني، هجيب النسخ وأجي.
خرجت هالة سريعا من المكتب تجفف دموعها. اقتربت من مكتبها. أخرجت من حقيبة يدها ملف صغير ودلاية. وبعد دقيقتين عادت لزايد. مدت يدها بالملف وأخرجت "فلاشة" دلاية مفاتيحها.
هالة: الملف فيه كل الأوراق الأصلية والنسخة اللي اتلعب فيها. والفلاشة دي فيها أصل كل حساب ومعلومات تانية كتير عرفتها بالصدفة خلال الشهر ده.
زايد وضع الفلاشة في جيب بدلته. وأخذ يتصفح الملف بعناية شديدة. وعينيه تكاد تخرج لهيب من شدة احمرارها وتوهجها غضبا. رفع رأسه لأعلى.
زايد: عقله لا يتحمل كل تلك الأمور. أشار إلى مساعدته. كل ده حصل في الشهر اللي تعبت فيه.
هالة: للأسف يا حازم بيه. كان مشغول معاك. وساب كل حاجة في إيد إنسان معندوش ضمير.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم منى عبدالعزيز
زيدان يجوب الغرفة ذهابا وإيابا، ممسك الهاتف في يده، ينظر به كل ثانية، يكاد يسقط أرضا من القلق. قدماه لم تعد تحملاه.
ضربات قلبه سريعة، يشعر بالاختناق والبكاء، يعض شفتاه.
يكتم أنينه من العجز، يتلفت حوله، جالس بشقة خالته، لم يدخلها غير مرات لا تتجاوز أصابع يديه. اليوم هو حبسها حبيس غرفة، نعم متسعة لكن تطبق على روحه. إنارة خافضة.
تحيطه ذكريات لم يعشها، ينظر بعين مرغوة بالدموع.
على تلك الصور المعلقة بالحائط حوله، يدور حول نفسه.
يتلفت بكل زاوية. صور لطفولة شقيقه. فرت دمعة هاربة.
سحب نفس عميق، كتمه بداخله. يصرخ بصوت مكتوم: "باااه".
موجعة، فالحنين غلبه. لذكرى يوم قضاه مع زياد بمفردهم، واعترافه بحبه لابنة عمه. هذا الحب الذي جلب كل هذه المتاعب. يلوم حاله على أنانيته، فضل حبه لابنة عمه وشروط.
عمه المجحفة في حق والده وشقيقه، حتى يتزوج من هواها قلبه. نعم، لازال يهيم بها عشقا. ولعل حبه أصبح عشق مجنون ليلى. لكن في تلك اللحظة فقط شعر بجدران الغرفة يطبقون عليه، يكاد يخنق.
أغمض عينيه، تتدحرج دموعه متتالية. وما أصعب تلك الدموع. تحرق كل جزء تتدحرج عليه. ما بهم اليوم هو وحبه السبب به هكذا، يجوب بعقله.
أحن جزعه، يضع يديه على ركبتيه، يتنفس بصوت عالي. يرفع جزعه لأعلى، يصرخ بصوت عالي. ليفتح باب الغرفة، يلتفت لمن دخل، يسرع بخطواته، يرتتمي بأحضان.
___
زهروان الأم فتحت باب غرفة شقيقتها لحظة دخولها لمنزلها. حنينها لشقيقتها الكبرى التي ربتها منذ صغيرها. كانت أمها وأبوها وكل عائلتها. حرمت حالها من الزواج حتى اطمأنت عليها، زوجتها لمن أحبته. ضحت بميراثها عندما تعثر عبد الرحيم وباعت ميراثها وأعطته لها تساعد عبد الرحيم.
عندما واجهتها لما فعلت ذلك، منزل والدهم هو آخر ذكري لهم. أخبرتها بأن سعادتها لديها أهم من كل أموال الدنيا.
انتقلت لتعيش في منزل بالإيجار حتى لا تكون عبء عليها وعلى زوجها. راعتها كما ترعى الأم رضيعها. تعود بذاكرتها في إحدى الليالي كانتا جالستين على طاولة بعيدة عن الأنظار في إحدى الحفلات. التابعة للشركة. وأثناء جلوسهما، أتى زوجها وهمس لها برغبة أحد رجال الأعمال الأغنياء الزواج من شقيقتها. بعد أيام من إقناعها، وافقت. وتزوجت ذلك الشخص، ولكن لم يرزقها الله بأطفال. تمر.
الأيام والسنين ولم تنجب زهروان. يمرض زوجها ويصبح قعيد الفراش. تمرضه زهروان لأكثر من خمس عشر سنة.
تفيق يوما على أسوأ خبر موت زوج شقيقتها. ومرضها بعدوى فيروسية. جعلتها مصابة بمتلازمة تؤدي إلى ضمور عضلات جسدها مع التقدم بالعمر. لم تستطع تمريضها ولا رعايتها. لم تستطع رد جميلها وتضحياتها. انهمكت بزوجها وأبنائها. عندما طلبت إحدى بناتها ترعاها، رفض زوجها.
وأرسل فلذة كبدها زياد، طفلها الصغير الذي لا يقوى على رفع يده. يرعى خالته المريضة. بكت بقهر، ظلمت أعز اثنين بحياتها. شقيقتها وابنها. ثلاث عشر سنة قضاها طفلها مع خالته. أصبح شاب يافع قوي الشخصية. تزوج بأموال عمله راتبه الذي يتقاضاه من عمله في فندق خالته، وعمله بشركات والده. رفض رفض قاطع مساعدتها له. تزوج بفتاة كان يعشقها، لا يخجل من اعترافه بحبه لها. كم غارت في تلك الفترة من اهتمامه بها. أحد عشر شهر مدة زواجه. كم تندم الآن بعد فوات الزمن من المشكلات التي فعلتها مع زوجته.
كم تتمنى من رجوع الأيام والسنون، وتعتز منها، تدعو الله بعودة حفيدتها. تتنفس رائحة ولدها. تحنو عليها. تعوضها عن سنوات شقها وحرمانها من والدها. تجلس على الفراش.
تتلمس موضع نوم شقيقتها، تبكي بقهر. ترفع قدمها وتتمدد مكان شقيقتها. تمد يدها للكمود جوارها، تسحب إطار بع صورة لشقيقتها وولدها. تغمض عينيها. بعد فترة طويلة تنظر لهما.
___
أحلام ويحيى ممددان على الفراش، يحاوط يحيى أحلام بيده، وأحلام تضع رأسها على صدره.
أحلام: يحيى، تفتكر زهور فين دلوقتي؟ من وقت وائل ما طمنا عليها لحد دلوقتي. مش عارفين مكانها وبتعمل إيه.
يحيى: متقلقيش يا أحلام، مش دكتور حسن. اتصل من شوية وطمنك عليها. ليعتدل مرة واحدة، جاذب يده من حول خصرها. الا قوليلي يا ست أحلام. دكتور حسن ده عرف نمرتك منين؟ ولما رديت أنا؟ يقولي بكل برود. لو سمحت.
أنا طالب الست أحلام وعاوز أكلمها. هو فاكرني سوسن ولا إيه؟
أحلام: والنبي أنت فايق يا يحيى، هو ده وقته. وأنا إيه عرفني، هو عمل كده ليه. بس أكيد زهور هي اللي عطته الرقم.
يحيى: والله لولا مسكت نفسي عشان عارف قلقك على زهور. لا كنت رايح ليه لحد المستشفى مخرج عيني من مكانهم. مش هنسي كلامه ليكي وهو بيقولك. لسه زي ما انتي يا ست أحلام. متغيرتيش زي القمر وصغيرة.
أحلام: بضحك، والله ما قادرة. أنا كنت في إيه ولا إيه. ولا سمعته ولا رديت عليه. عقلي مع زهور.
يحيى: مش خلاص اطمنتي عليها؟ متقلقيش، زهور صاحبة حق وجدعة والكل حواليها. وأنا بلغت كام راجل تبعي هيقتروها في كل مكان هتروحه، وأي حاجة غريبة يحسوا بيها هيبلغوني.
أحلام: مش عارفة ليه قلقانة عليها. يا حبيبتي، في يوم واحد مر عليها سنين وجع وحزن، سنين حرمان. عرفت حاجات عقل رجالة كبيرة يشت منها. قلبي وجعني عليها.
عيلة صغيرة اتصدمت صدمات متتعدش ولا توصف.
يحيى: حكمة ربنا مالناش فيها يد. قدر وربنا كتبه. ظهر الحقيقة قدامها، واحمدي ربنا. إنها عرفت كل حاجة بالوقت المناسب والصح. ولسه وائل رانن عليكي من ساعة قبل ما يرجع البلد.
أحلام: الحمد لله، ربنا يطمنا عليها.
يحيى: إيه، هنفضل طول الليل نتكلم وناسية إننا لسه عرسان جداد.
أحلام بخجل من كلماته: والله أنت فايق ورايق، هو ده وقته.
يحيى: ههه، طبعًا وقته ونص. ينحني، مقبلها، ويحاوطها بيده.
يبتسم على خجلها الذي لا ينتهي.
______
زهور خرجت من المستشفى سريعا، تخطو بخطى مهرولة.
على وجهها علامات الدجر، صدرها يصعد ويهبط. تقسم بداخلها بأن تنتقم من كل من آذوها على طريقتها. أخرجت هاتف روحية من جزلانها وأجرت اتصال هاتفي، وأغلقت. بعد أن أخبرت من اتصلت به ما تريد. أشارت لسيارة أجرة، صعدت بها. أخبرت السائق بمكان وجهتها. شاردة فيما سمعت. حزينة على ما تفوهت به، لكن تشجع حالها وتهدئ من روعها، تطمئن حتى وصلت لوجهتها. ترجلت من السيارة بعد دقيقة كاملة تلتقط أنفاسها وتظفرها لتشجع حالها. وقفت قليلا تنظر إلى الفندق من الخارج. تتذكر ذلك اليوم الذي رغبت في التقاط صور لمدخل الفندق وتعرف زايد عليها ومناداتها باسم سلسبيل. أيام قليلة مرت على ذلك اليوم. جعلتها تعاني أوجاع يشيب لها الولدان. كلما خطتت خطوة تجاه المدخل. قلبها تزداد شدة ضرباته. لتقف تتلو بعض الآيات القرآنية.
والأدعية. استدعت شجاعتها، رفعت وجهها، دخلت تخطو.
تجاه الفندق، تسير بثقة، تحاول أن لا تشتت حالها بما تراه من الداخل. تجبر عينيها أن لا تحيد عن وجهتها حتى. وصلت.
للاستقبال. وقفت بهدوء وثقة، وبصوت خرج متزن وبثقة، سألت موظف الاستقبال عن مكان مدير الفندق. ليسألها.
الموظف. عما تريد من المدير. فهو ممكن أن يساعدها.
زهور: أشارت له بالاقتراب وهمست بالقرب منه.
زهور: خمس دقايق، واستقالتك تكون على مكتب المدير.
لترفع صوتها: مفهوم.
نظر الموظف لها وأطلق ضحكة عالية لفتت أنظار بعد رواد الفندق القريبين، وأيضا زميلته الواقفة بجواره. تسأل عما يضحك. ليخبرها بما أخبرته به زهور.
زهور تعقد يديها على صدرها، تضرب بقدمها الأرض. تنظر للموظفين بنظرة تفحصية. لتعادل بوقفتها، تضرب بيدها.
على مكتب الاستقبال، وبصوت دب الرعب بالاثنين. من يسمعه يقسم بأن من أخرجت هذا الصوت ليست فتاة ابنة العشرين ربيعا، وإنما هي امرأة فوق الأربعين.
زهور: خمس ثواني بعد ما أنهي كلامي، مش عاوزه أشوف وش واحد في فيكم هنا، مفهوم.
تركتهم وتوجهت إلى مكان وقوف أحد العاملين. أخبرته بمكان مكتب المدير. ليشير لها على مكانه. وتتجه ناحيته. تخطو خطوة والثانية، تقف مرة واحدة، ملتفة للموظفين. تجدهما ينظران لها بذهول. تشير لهم بها وهي تنظر بساعة يدها وترحل من مكانها. تتجه إلى مكان إشارة العامل لها. تدخل إلى المكان، تجد فتاة جالسة على مكتب منكبة على عملها على جهاز الكمبيوتر أمامها.
زهور: وقفت أمام المكتب، تضرب بيدها عليه. ترفع الجلسة نظرها للأعلى، ترجع ظهرها للخلف، تسأل زهور عما تريد.
الموظفة: أفندم، تلزم خدمة.
زهور: تشير على باب مغلق بالقرب من مكتب الموظفة. ده مكتب مدير الفندق.
الموظفة: اممم، وحضرتك بتسألي ليه.
زهور: هتعرفي بعد ثانية واحدة. لتتركها زهور وتتجه ناحية الباب، وسط سخط الفتاة وصوت مناداتها على زهور وصل لمسامع زايد بالداخل.
هالة الموظفة: استنى عندك، حضرتك رايحة فين، هي وكالة من غير بواب. ومالهاش صاحب.
زهور: دون أن تلتف لها. حالا هتشوفي صاحبها. تفتح الباب وتدخل للمكتب، ليهب زايد واقفا.
هالة: أسفة يا فندم، الأنسة دخلت بالطريقة دي. حالا هبلغ الأمن يجوا يخرجوها.
زهور توجهت إلى المكتب، تسير بخطى ثابتة حتى وصلت بجوار زايد، الذي ابتعد لا إراديا عن مكان وقوفه. لتجلس زهور على الكرسي أمام المكتب، تضع جزلانها أمامها.
ترجع ظهرها للخلف. تشير إلى هالة. اتفضلي اطلبي الأمن. وبعدها استقالتك تكون قدامي، انتي والاتنين بتوع الاستقبال.
هالة واقفة تنظر بذهول لزايد المتجمد مكانه، لا يتحرك أو ينبس بكلمة واحدة!
زهور: هتفضلي واقفة كتير؟ اتفضلي، نفذي اللي قلت عليه. واه، قبل ما تمشي، بلغى مدير الحسابات ومدير العاملين والعلاقات العامة والاصطف كامل على اجتماع بعد ساعة في قاعة من قاعات الفندق. واتصلي بالمحامين المسئولين عن المشاكل القانونية. وقبل كل ده، جميع ملفات وحسابات وإيرادات الفندق تكون قدامي هنا. يلا، اتفضلي، نفذي اللي قلتلك عليه.
هالة تنظر لزايد الواقف، ينظر لزهور دون حركة أو تعليق على كلامها. تحمحم، لينظر لها، ولا تجد استجابة.
زهور: هتفضلي واقفة كتير؟ يلا، اتفضلي، اعملي اللي قلت عليه. واه، مدير أمن الفندق ومدير المشتريات يكونوا هنا.
هالة: زايد باشا، هو في إيه بالظبط؟ أنفذ كلام الآنسة ولا أطلب لها الأمن؟
زايد: كما هو، لا يتحرك أو ينطق بكلمة. كل ما فعله وضع يده على المكتب، أحنى رأسه، يسحب نفس عميق وراء الآخر.
زهور: أوامرك تأخذيها مني أنا. الباشا بتاعك مالهوش صفة هنا، من الساعة دي، لأن خلاص صاحبة الفندق رجعت، وهتستلم الفندق وسلسلة الفنادق التابعة له.
هالة: ها، هي مين؟
زهور بعصبية: هبت واقفة تضرب المكتب بيدها. اللي قلت لك عليه، نفذيه بالحرف الواحد وحالاً. هتعرفي مين صاحبة الفندق.
التف زايد تجاه هالة، أشار لها بالخروج وتنفيذ ما طلبته زهور.
خرجت هالة بعد أن أشار زايد لها، وسط حديثها لنفسها.
تتساءل عن هوية الفتاة، وعن ماهية زايد الواقف لا يتحرك أو يتنفس. أمسكت هاتف المكتب وقامت بالاتصال بمن طالبتهم ليحضروا لمكتب المدير العام، وأيضاً باقي الموظفين، أخبرتهم على مكان الاجتماع بقاعة من قاعات الفندق.
أغلقت الهاتف سريعاً، وسط سماعها صوت عالٍ خارج من المكتب. اقتربت من باب المكتب تستمع لما يقال، لتضع يدها على فمها وهي تستمع كلمات زايد وزهور التي علا صوتها، تقسم بالانتقام منه ومن جميع أفراد عائلته.
تبتعد سريعاً عن المكتب وهي تسمع صوت أحد يدق على باب مكتبها. تسمح لمن يدق على الباب ليدخل، مدير الحسابات ومن معه.
يقفوا مصدومين من الصوت وهم يرون باب المكتب فتح.
ووقف فتاة تشير بيدها وتصرخ بصوت عالٍ.
زهور: اتفضل برة الفندق، ومش عاوزة أشوفك هنا مرة تانية. وأنا بنفسي هراجع كل حسابات الفندق، ووقتها المحاكم بينا.
ذهل الجميع من خروج زايد مطأطأ الرأس.
ظل الجميع يتبعه بأنظارهم حتى خرج نهائياً من المكتب، ليلتفوا على صوت قوي.
زهور: حضراتكم واقفين كده ليه؟ سايبين أشغالكم وواقفين تتفرجوا. يلا الكل يتفضل على مكتبه، الشو خلص، وإنتي يا هانم، عملتي اللي قلت لك عليه.
هالة: أيوه يا فندم، كل اللي أمرتي بيه حصل، والأساتذة موجودين بالقاعة الكبيرة بالفندق، الأستاذ مدير الأمن والحسابات.
زهور: والمحامي فين؟ مش قلت لك يجي معاهم.
هالة: بلغته يا فندم وهو بالطريق.
زهور: اتفضلوا على القاعة، وأول ما المحامي يوصل بلغني.
زهور خطتت أمام الجميع تخرج من باب المكتب وسط تساؤلهم: من تلك الفتاة؟
وقفت زهور فجأة والتفت لهم، تحدثهم بحدة.
زهور: هتفضلوا واقفين تتهامسوا كتير؟ اتفضلوا قدامي، وورونا طريق القاعة منين.
هالة: اتفضلي يا فندم، القاعة بالدور الأول.
خطوا جميعاً تجاه الدرج يصعدوا خلف زهور التي تصعد الدرج بهدوء وثقة، لتستمع لأحد يتحدث خلفها.
الشخص: مين دي اللي يشوفها ويشوف طريقتها يحلف دي قوة عبد الرحيم بيه الغمراوي. أنا اشتغلت سبع سنين عنده بالشركة قبل ما زايد بيه ينقلني لهنا.
تصل القاعة، يفتح الأمن لها الباب، تخطو للقاعة رافعة وجهها لأعلى، اتجهت للمكان المخصص لها، وقفت بكل شموخ وأشارت للجميع بالجلوس. تمسك المايك وعينها تجوب القاعة حتى وقعت على أحدهم لتبتسم بروية، ولتسحب نفس عميق تخرجه بأريحية. ترفع المايك أمامها، تخطو عدة خطوات حتى وقفت بمنتصف المكان المخصص لها.
زهور: كلكم بتسألوا أنا مين والاجتماع ده كله ليه.
أولاً: أنا مين؟ أنا زهروان زياد الغمراوي، صاحبة ومديرة سلسلة فنادق زهروان.
تصمت وسط تعالي أصوات الجميع.
ودخول.
____
تجمع الشباب الأربعة بعد خروجهم بحازم من المستشفى بصعوبة قاتلة. توجهوا إلى محل ملابس في منطقة شعبية، اشتروا أكثر من قطعة مختلفة الألوان والأشكال. ينظر كل منهم للآخر بنظرات تنم عن استيائهم بصعوبة بالغة. أبدل حازم ما يرتديه، وارتدى قميصاً فضفاضاً وبنطالاً من الجينز.
ينظر لما يرتديه باشمئزاز. خرجوا أربعة، يمشون على أقدامهم حتى ابتعدوا عن الشارع الرئيسي، يتوقفوا أمام عربة تقف عند مدخل منزل بسيط. ترجل من بداخلها، أشار لهم بالصعود خلفه. يصعدوا أربعة على درجات الدرج المنهدمة بصعوبة حتى وصلوا أمام باب مفتوح. خطوا للداخل، يلتفتون في كل أركان المنزل بذهول.
يشير لهم بالدخول وغلق الباب خلفهم. يجلس على مقعد وحيد بالمكان، يضع قدم على الأخرى، يحدثهم بصوت رخيم.
الشخص: الشقة دي هنفضل فيها سواد الليل، وإن شاء الله من الفجر هنتوكل على الله وهنمشي على مكان آمن.
زين ينظر للمتحدث من رأسه لأخمص قدميه. يخطو تجاهه، يتوقف بالقرب منه، يضم يديه لصدره.
زين: ممكن بقى تعرفنا حضرتك مين، ومكان إيه اللي هنروحه، ومين اللي اداك الحق تتكلم وفوضك؟
الشخص: بابتسامة عريضة، هجاوبك من آخر سؤالك.
مين فوضني واداني الحق بالكلام؟ جدك عبد الرحيم وعمك زايد. مكان إيه اللي هتروحه؟ إن شاء الله بكرة هتشوفه بنفسك، ومتأكد إنه هيعجبك أوي.
لينظر إلى وجوههم ويكمل حديثه. ينزل قدمه ويقف، يخطو تجاه الباب ويتوقف قبل خطوات من الباب، يلتف لهم.
الشخص: آه، نسيت سؤالك الأول، أنا مين؟ أنا يا سيدي الفاضل، أبقى وائل المعداوي. يلا بعد إذنكم همشي أنا. أجيب أكل تأكلوا لقمة تسندوا نفسكم. يخطو خطوة أخرى، يتوقف مسنداً باب الشقة، يلتف لهم يحدثهم.
وائل: آه، كنت هنسى أهم حاجة جدك أكد عليها.
الشباب الأربعة بصوت واحد: إيه هي؟
وائل: موبايلاتكم تجبوها أسلمها له وأنا رايح أقابله.
زاهر بعصبية: وإحنا إيه اللي يخلينا نصدقك؟ ونتأكد من كلامك إزاي؟
وائل بهدوء: أكيد حضرتك دكتور زاهر. أمم، تقدر تتأكد بنفسك، بس للأسف مش هينفع تتصل بتليفونات أي حد من عائلتك بأي رقم من تليفوناتكم. ثانياً، الرقم الوحيد اللي هتقدروا تتواصلوا به مع عائلتكم هو رقم تليفوني أنا.
حمزة بعصبية زائدة عن الحد: مين أنت عشان تكلمنا بالشكل ده؟
وائل بهدوء مميت وابتسامة سامجة: متهيأ لي قلت لحضرتكم من شوية، أنا وائل المعداوي. ليضرب يديه ببعضهما. أخ، نسيت أهم حاجة فعلاً، عندك حق. عرفتكم بيا غلط. أنا غلطان، حقكم عليا. معاكم العبد لله، العمدة وائل شفيق المعداوي.
بعين جاحظة وأفواه مفتوحة مما سمعوا، يقف الأربع شباب مذهولين مما سمعوا. يفيقوا على صوت غلق باب الشقة.
ينظرون إلى الباب تارة وإلى بعضهم تارة أخرى. حازم لازال ملتزماً الصمت حتى خرج وائل من المنزل دون أن ينبس ببنت شفة. توجه إلى باب المنزل، مد يده على مقبض الباب، يفتحه ليبتعد، ضارب الباب بقدمه ويصرخ منادياً على وائل بصوت جهوري.
حازم: ووائل، هقتلك! افتح الباب بقول لك!
يقترب الجميع منه ليوقفوه على ما يفعله من ضرب باب المنزل بقدمه ومناداته بهذه التهديدات. يكفيهم ما هم فيه الآن.
وائل فور خروجه من المنزل بعد إلقائه تلك الكلمات، خطى خارج المنزل يغلقه من الخارج بالمفتاح، ويسند رأسه على الباب من الخارج، يضع يده على قلبه يهدأ من روعه، ليفزع على صوت ضرب أحدهم الباب بعنف ومناداة أحدهم عليه، مطلق وابل من التهديدات والسباب. يهبط الدرج سريعاً، محدثاً حاله.
وائل: الحمد لله خرجت على آخر لحظة. لو كنت فضلت ثانية كمان، كأنهم زمنهم كلوني وحلوا ورايا. بسم الله ما شاء الله، الواحد فيهم قد الحيطة. عضلات بطول وعرض. ليضحك خارجاً من المنزل. الله يخرب بيت أفكارك يا زهور. كنت هضيعيني. قونا على الباقي يا رب.
سحب زاهر حازم، محاوطاً بيده من خلف الباب، يوقفه على ما يفعله وسط تذمر حازم وهو يحاول فك حصاره من أخيه الذي يحاوطه بجسده.
حازم: سبني يا زاهر، سبني أخرج من هنا. عجبك كلام اسمه إيه ده؟ سيبني خليني أعرفه حجمه. لازم أخرج.
حمزة: ما تهدأ يا أخي. مش عمي قايل لك على المصيبة اللي إحنا فيها؟ ناسي بمجرد خروجك من هنا هيتقبض عليك، مش بس عليك، هيتقبض علينا كلنا. بتهم ظلم، فاهم معنى الكلام إيه؟
حازم على نفس غضبه: أنا ما يهمنيش يتقبض عليا. أنا اللي غلطت، وكنت السبب في المصايب دي. وأنا لازم أتحمل نتيجة غلطي.
زين جلس على الكرسي الوحيد بالمكان: لازم نتروى بشويش، ونفكر بهدوء. نعتبرها فترة تحدي واستجمام. وأكيد جدك وعمك ليهم وجه نظر بده.
حمزة: عمك وجدك ده مربط الفرس. يعرفوا الـ... كان هنا منين عشان يثقوا فيه؟ لا، مش بس ثقة، ده الباشا مش باين من الأرض وعمل سبع رجالة في بعض، ويهددنا.
زاهر يبحث بعينيه عن مكان يجلس به، يتلفت يميناً ويساراً.
تقع عينه على فراش أرضي وعليه متكأ. يشير بيده تجاهه.
زاهر: شايفين اللي أنا شايفه ده؟ أقطع دراعي ما كان كل ده مقصود. جدو وبابا مهما وصل بهم الأمر، استحالة يوصل تفكيرهم لده. عندي شعور قوي إن فيه حاجة مش مفهومة.
زين: كله محصل بعضه. وأنا من رأيي نهداء. نعتبر اللي إحنا فيه فترة استجمام نجمع فيها أفكارنا، وندرس كل حاجة حصلت معانا ونرتب الأحداث. وبعدين نتناقش في كل صغيرة وكبيرة. ووقت ما نلاقي حل، ومش أي حل، لا، حل جذري ونهائي يخرجنا من المصايب اللي إحنا فيها، ونخلص منها نهائي.
جلس الأربعة على الأرض بعد خلع نعالهم، تمددوا على الفراش بعد أن حاولوا الجلوس عدة مرات. لم يستطيعوا لشعورهم بعدم الراحة.
بعد قليل سمعوا صوت رنين هاتف قريب منهم. وقف حمزة، يخطو تجاه الصوت حتى وصل لمنضدة بوسط المكان، نظر عليها وجد هاتف صغير ذو ماركة قديمة. أمسكه ووقف مذهولاً مما مكتوب بشاشته، يلتف للجميع.
حمزة: العمدة المعداوي باعت رسالة، بيقول كم اجهزوا، قدامنا ساعة ونمشي، هو خلاص آمن الطريق. إيه ده؟ ده بعت رسالة تانية، بيقول نسيب تليفوناتنا هنا أأمن لينا. ولو حابين أكل معين نكتبه في رسالة، وهو يصرف في الموضوع وهيجيبه.
زاهر: ماليش نفس. بس قوله يعدي على أي صيدلية يجيب الأدوية اللي هقولك عليها عشان حمزة. نسيت خالص أجيبها واحنا بطريقنا لهنا.
زين: أي أكل مش فارق، بس أهم حاجة القهوة. مش قادر أفتح عنيا، وأنا لو نمت مش هقوم من التعب ولو بعد أسبوع.
حازم: مش عاوز أي حاجة. مين له نفس يأكل في المصايب اللي نازلة علينا دي؟
حمزة أرسل رسالة بطلباتهم وعاد يجلس مكانه. تمدد على الفراش وضع رأسه على متكئ من الموضوع وأغمض عينه.
يفكر بما حدث منذ بداية يومه. يتذكر ما مر به منذ أمس، مقابلته الغريبة لابنة عمه، وتلك الطريقة الغريبة التي قبلها بها. تشق ابتسامة وجهه وهو يتذكر توبيخها له. يتلمس تلك الوشوم بيده، تختفي ابتسامته ويجز على أسنانه.
"بقي أنا شبه الحمار وقصاص الحمير يحلق ليهم نفس حلقتي. آه لو أشوفك."
زين شارد بملكوته يتذكر زوجته التي منذ عقد قرانهما وهي تتجنبه. حتى تجمع العائلة تتخلف عنه. أغمض عينه بحزن يحدث نفسه:
"إن شاء الله أول ما المشاكل تنحل، أطلقها وأسيبها لحال سبيلها وأتمنى لها تعيش بسعادة مع اللي اختاره قلبها."
يتذكر كم حاول معها وصبر سنوات عليها لعلها تلين. طلب منها ألاف المرات أن يخرجوا سويا يقضوا بعض الوقت معا. أو تناول الطعام لم توافق نهائيا. لو طلبها للجلوس معا يتناقشون في حياتهم، ترفض رفض قاطع وتخبره بأن يتفق مع والدتها. ليقسم بأنه سوف ينسى حبها ويعتصر قلبه ولن يتنازل عن كرامته. ليقرر أن ينفذ ما عقد عليه قبل أن يرحل للمكان الذي يحدثهم عنه وائل.
زاهر: فور تمدده على الفراش غط في نوم عميق.
حازم: يلوم نفسه على طيبته وثقته العمياء فيمن حوله. أقسم أن يتعامل مع الجميع بحذر ولا يعطي ثقته لأي إنسان على وجه الأرض.
بعد ساعة أو أكثر نهضوا من مكانهم على صوت رنين الهاتف. يفتح حمزة الصوت، يأتيه صوت وائل يخبرهم بالهبوط للأسفل، فقد حان موعد رحيلهم. وحثهم على ترك هواتفهم قبل رحيلهم.
فعل الأربع شباب كما أخبرهم به وهبطوا الدرج. بعد غلق الباب، وجدوا سيارة تقف أمام باب المنزل ووائل جالس بها أمام عجلة القيادة.
صعدوا بها. زين جلس جواره وجلس الآخرون بالخلف. انطلق وائل بالسيارة وسط سخط الجميع من حجمها وضيقها وسرعتها البطيئة.
مر أكثر من نصف ساعة على رحيلهم ليمد وائل يده بكيس به عصائر وبعض الوجبات السريعة. أخذها زين ووزع على الجميع. تناولوها دون حديث، ليلتف وائل لهم بضحكه عالية.
وائل: هههه نوم العوافي يا غمراوية. ربنا يعيني على اللي جاي. والله يسمح يا زهور على أفكارك السوداء.
بعد قيادة لأكثر من ساعتين وبالقرب من مدخل القرية، توقف بالسيارة بجانب الطريق. هز زين الجالس جواره، ليفيق من نومه هو واخوته.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم منى عبدالعزيز
انهت زهور لقائها مع المديرين وتركتهم جميعا بالقاعه واقفون يتحدثون.
مع دخول محامي الفندق، أو بالأخص المحامي الخاص بزهروان وزياد مالكا الفندق.
انهت سريعا كل شيء طلبته منه إنهاء الإجراءات القانونية.
وبعد مدة من الاجتماعات دخلت عليها هالة السكرتيرة تبلغها بوجود سيدة تود مقابلتها.
زهور: باستغراب، موظفة بالفندق؟
هالة: لا يافندم، دي مدام نهال الغمراوي بنت عم والدك.
زهور: بسخرية وضحكة متهكمة، ممكن عشر دقايق بس. قدمي ليها حاجة تشربها. في كام ورقة قدامي هنهي قرايتهم وهطلبك تدخليها. واه متنسيش اللي أنا قلته، الاثنين بالاستقبال يقدموا استقالتهم وانتي هديكي فرصة تانية. اتفضلي دلوقتي وعشر دقايق ودخليها.
لتسرع زهور بعد غلق هالة السكرتيرة الباب بفتح حقيبتها وإخراج مذكرات والدها تقرأ ما به تستقوي قليلا بكلماته.
ابنتي قلبي، برعمتي الصغيرة. أخط لكي تلك الكلمات لا أعلم إن وصلتك يومًا أم ستكون حبيسة تلك الورقات. أقص عليكي حكاياتي من بدايتها، لا أعلم متى الأجل. لاخطه في تلك السطور ما يواسيني أني أعلم بطيبة قلب والدتك وأنها ستخبرك عني وعن حبي لها. برعمتي، زهرتي الجميلة، نبتت حبي وهيامي وعشقي لأجمل وأحن قلب على وجه البرية.
بنيتي، قبل أن أبدأ سرد كلماتي، أود إخبارك بلوعة قلبي بكسر روحي بجرح غائر ينهش جسدي يمزقني أشلاء صغيرة. اعلمي أنني كتبت تلك الكلمات ليس دفاعًا عن نفسي، ولكن لتعلمي أنني لم أتخل عنكن.
بل حرمت أنا أيضًا منكن. أنفاسي الذي أتنفسه، أشم رائحتك، عيون معشوقتي لا تفارق عيناي. إذا قد الله اللقاء، اعلمي أنني ما عشت إلا لرؤياك. وإذا قدر الله الرحيل واختارني للجوار، فاعلمي أنني رحلت مشتاقًا للقائك. ترحمي علي حتى يصلني، فأنا سأنتظر رحماتك.
الآن، أقص عليكي حكاياتي.
أنا زياد الغمراوي. اليوم أكملت عامي الخامس والعشرين، ولكن لو حسبت الأيام بسعادة، فعمرى يعتبر ساعات أو بالأدق أيام. ولو حسبت بالحزن، فعمرى سبعون. ولو حسبت بالخذلان، فعمرى ملايين السنين.
أنا الفتى المدلل كما يعتقد الجميع، لكن أنا منذ نعومة أظافري أتحمل مسؤولية جبال عاتية.
أنا أصغر أخواتي. ولدت بعجز في يدي اليسرى وتشوه في جسدي. لدي حدبة بظهري يشمئذ منها أقرب الناس إلي، لكن أمي الغالية لم تحسسني أبدًا بعجزي.
ولدت في عائلة ثرية. والدي من أشهر رجال المعمار في البلد، صاحب أكبر شركات الهندسة والبناء بالبلد.
لدي أربع أخوة أكبر مني، ولدين وبنتين. لم ترتبط بينا علاقة أخوة على عكسهم، هم مترابطون وصداقتهم قوية.
لم أحس بحنان الأب. كانت أمي هي كل عالمي. عندما يسخر مني أحد الأولاد بالمدرسة كانت هي ملجأي. في عمر السادسة توفت زوج خالتي وأصبحت وحيدة وليس لها أولاد. طلبت من أمي إحدى شقيقتي لتمكث معها وتراعيها. أبي رفض بشدة، ولكن قال لها: "خدي زياد لو تودي".
وافقت خالتي، وكان ذلك طوق نجاتي. مكثت مع خالتي وتأتي أمي لزيارتي كل أسبوع وتصطحبني معها لقضاء يومي الخميس والجمعة مع أشقائي.
حتى لا يحدث فجوة كبيرة بيننا، لكن كانوا يمرون علي بصعوبة بالغة فقد تعودت على خالتي، حنانها.
وحبها عوضني كل شيء. قامت بتحفيظي القرآن، تعلمي الصلاة. لم تشمئذ يومًا من تلك الكتلة بظهري.
علمتني دعاء أقوله وقت الحزن. كيف أدافع عن نفسي ببعض كلمات، حتى مع أخواتي وأبي.
كانت توصلني إلى المدرسة كل يوم. تعرفت على صديقي الوحيد حسن، شجعتني أن أقوي علاقتي به.
للأسف، بسبب إعاقة يدي لم أدخل مثل أشقائي كلية الهندسة التي تعتبر معبدًا لأبي، فهو يود أن يصير كل أفراد العائلة خريجي هندسة حتى يعملوا بشركاته.
شجعتني خالتي أدرس إدارة أعمال حتى أستطيع إدارة أملاكها، وهي عبارة عن فندق كبير تملكه خالتي.
وبازار سياحي ومركب سياحي. طوال تلك السنوات وأنا على نفس المنوال، عايش مع خالتي، ليس لي أصدقاء سوى حسن صديقي. بعيد كل البعد عن أشقائي. لكن شقيقي زيدان بدأ يتقرب مني، يتحدث معي عكس طفولتنا كان بعيد كل البعد. اندمجت معه، أصبح بيننا اتصال هاتفي يوميًا نتساءل عن حال بعض. اعترف لي بحبه لابنة عمي. خاف أن يرفض عمي تزوجها لأنها الوسطى.
وهناك أخرى أكبر منها. كنت معه أشجعه على
التكلم مع أبي لإقناع عمي، حتى وافق عمي وزوجها. بعد خطبة شقيقتها الكبرى لأخي زايد، بعد طلب أبي منه ذلك.
مرت الأيام وأنا بتلك الحال، كل ما أفعله هو الدراسة
ومساعدة خالتي في إدارة الفندق. حتى مرضت خالتي وأصبحت طريحة الفراش. لم أعرف ماذا أفعل، أصبحت ضعيفًا مثل القشة من حزني على حالتها. قام صديقي حسن بإحضار طبيب مشهور وطمأنني على حالتها وأحضر ممرضة ترافق خالتي نهارًا وتذهب ليلاً وتحضر أخرى.
كنت أتولى أعمال خالتي بجوار عملي مع والدي الذي صمم أن أعمل معه في شركاته.
مرت الأيام وأنا هكذا. ما بين عملي مع أبي وأشقائي
وتولي أعمال خالتي. مرت تلك الأيام بين إصرار والدي.
تزوجني من ابنة عمي الصغرى نهال. لن أنسى يومها ما حييت. ما حدث يومها من خلاف مع والدي على تلك الزيجة، كالعادة منذ صغري. أحضر يومي الخميس والجمعة لقضاء بعض الوقت مع أمي وأشقائي في منزل العائلة.
على مائدة الطعام.
عبد الرحيم: زياد بعد الغداء عاوزك في موضوع مهم.
زياد: حاضر.
زايد: بعد إذن حضرتك يا بابا أجل كلام مع زياد لبليل في موضوع مهم جدًا محتاج آخد رأيك فيه.
أنا وزيدان.
عبد الرحيم: تمام بالليل تعالى المكتب.
حازم: بهمس، عمو زيزو بعد جدو ما يدخل المكتب، نطلع الجنينة نلعب ماتش كورة. من زمان ملعبتش معايا.
زياد: بنفس الهمس، وطّي صوتك جدك يسمعنا نروح ورا الشمس.
حمزة: أنا سمعتكم. لو ملعبتيش معايا هقول لجده.
زاهر: وأنا كمان سمعتكم.
زياد: وطّي صوتك. هنلعبك، بس مش عاوز أسمع صوت جدو. لو سمعنا مش هنلعب وهنتعاقب.
زاهر: خلاص مش هكلم، بس هتلعب معايا مصارعة.
زياد: أوك، بس وطّي صوتك. مخدتش من أبوك غير الصوت العالي، الحمد لله.
عبد الرحيم: زياد بتتوشوش أنت والولاد في إيه.
زياد: مفيش. الولاد بيكلموا معايا من فترة طويلة. ما
اتكلمناش مع بعض.
عبد الرحيم: مش مكسوف من نفسك؟ شاب طول بعرض عامل عقلك بعقل ولاد صغيرين.
زياد: عادي يا بابا. الولاد وحشوني. بقالي فترة ما لعبتش معاهم ولا اتصلت بيهم.
عبد الرحيم: أنت مجنون؟ إزاي تلعب معاهم ولا تتصل عليهم.
زياد: بحزن من كلمات والده. فيها إيه لما أكلم ولاد أخواتي وألعب معاهم؟ أنا مش متواجد معاهم طول الأسبوع، ولا أنا منبوذ مفروض أبعد عن الكل بفرمان حضرتك.
عبد الرحيم: نظر إلى زياد بغضب وقام وترك الطعام
متوجهًا إلى المكتب وهو ينادي بصوت جهوري.
عبد الرحيم: زياد تعال عندي حالًا.
نظر الجميع بشفقة لزياد، فهو أغضب والده بشدة.
دخل زياد المكتب خلف والده وأغلق الباب خلفه.
زاهر ابن زايد: ليه جدو مش بيحبنا نلعب مع زيزو؟ إحنا بنحبه وبنلعب معاه. كل مرة بيعمل مشكلة.
حازم: أنا بحب زيزو أكتر من جدو. صح، هو ليه دايمًا بيعمل مشكلة لما يلاقيه بيلعب معانا.
حمزة: أنا كمان بحب زيزو. مش بحب جدو عشان
بيزعلوا كل مرة يجي هنا.
زايد: أمسك ابنه بغضب. زاهر، عارف لو أسمعك بتقول الكلام ده هيحصلك إيه. ويلا اتفضل على فوق، مش هتكمل أكل ومحروم طول اليوم من الخروج من أوضتك.
حازم: بجراءة، عمو ده ظلم.
زيدان: حازم احترم نفسك. إزاي تقول كده لعمك؟ اتفضل اعتذر له.
حازم: آسف.
زيدان: اتفضل على أوضتك أنت كمان. محروم إنك تخرج من أوضتك طول اليوم.
وأنت كمان يا حمزة اتفضل، حصلهم. مفيش لعب ولا
خروج من أوضتك.
زينة: الولاد ملهمش ذنب للي حصل. بيحبوا عمهم ومش بيشوفوه إلا كل فترة. عادي لما يلعبوا معاه
ويهزروا.
زيدان: زياد طيب وحنين على الولاد. بيتعامل معاهم على أنهم من سنه وده مخليهم متعلقين بيه. بس بابا عاوزهم يحترموه.
زينب: زياد طول عمره بيعمل مشاكل. مافيش مرة جمعنا إلا وحاصل مشكلة. أنا مش بجيب ولادي يوم التجمع عشان ما يتأثروا بكلامه زي حازم وزاهر كده.
زهرة: بغضب من كلاماتها. يا ريت أنتِ كمان متكونيش موجودة. وقت ما يكون هنا. خليكي مع ولادك أفضل ما تلقطي كلمة منه وولادك يتعلموها.
زينب: ماما، حضرتك فهمتي قصدي غلط. أنا.
الأم: أنا فاهمة قصدك كويس. بلاش تبرري كلامك.
زيدان: قبل رأس أمه. ماما، زينب قصدها أن زياد
بيهزر مع الولاد وبيتعلقوا بيه، وبابا مش بيحب كده.
عاوزة يكون شخصيته قوية.
صمتت الأم وهي تنظر إلى المكتب وقلبها حزين على ابنها الأصغر.
زياد: تحت أمر حضرتك.
التف عبد الرحيم إليه وقام بضربه بكف شديد.
عبد الرحيم: اقترب منه مرة أخرى وأمسكه من تلبيبه وضربه عدة ضربات متتالية، ولكن لم يكمل بعد دخول زوجته إليه وأمسكت ابنها وخرجت من عند والده ودخلت به لغرفته.
زهرة: زياد حبيبي، عيط. طلع اللي جواك. متسكتش.
فضفض.
زياد: ممسك دموعه. محصلش حاجة. أعيط عشانها؟ أنا متعود على كده. سواء هنا أو في الشغل، أنا المنبوذ. وبعد إذن حضرتك أنا همشي لأن مش هستحمل صدام من حد تاني ومش همسك لساني. فياريت
متزعليش مني.
صمت فور سماع صوت عالٍ.
عبد الرحيم: زياد.
زهرة: عبد الرحيم، زياد مقلش حاجة.
عبد الرحيم: اخرجي بعد إذنك يا زهرة وسبينا نتكلم شوية.
زهرة: بس أنا.
عبد الرحيم: زهرة لو سمحتي.
خرجت زهرة وهي خائفة من المواجهة وما سيترتب عليها.
عبد الرحيم: اقعد واسمعني، مفهوم.
زياد: جلس دون أي كلمة.
الأب: اللي حصل بره ده آخر مرة يحصل. كلكم أولادي، مش بفرق بينكم. وإن بكلم عن علاقتك بالولاد، فده عشان يحترموك ويخافوا منك. أنت شايف زيدان وزيد علاقتهم إزاي؟ لازم يحترموك ويكون ليك وضع بينهم.
ثانيًا: اعمل حسابك إن خطوبتك على نهال بنت عمك بعد ما تخلص امتحاناتها، يعني بعد شهر من دلوقتي.
والفرح بعد فترة صغيرة.
زياد: لا، كله كده. أنا لا يمكن أتزوج. حضرتك عارف وضعي وأنا مش هجوز واحدة تقرف مني.
الأب: أنت مجنون؟ بقلك أنا طلبتها من عمك وهو وافق.
زياد: حضرتك اللي طلبتها مش أنا، وأنا استحالة أوافق على الجواز وخصوصًا نهال بنت عمي.
الأب: مجنون! أنت إزاي مش عاوز تتجوز؟ ونهال اللي زي القمر اللي بيتقدم ليها كل يوم شباب زي الورد
ترفضها أنت.
زياد:
بحزن من كلمات والده، زي ما حضرتك قلت شباب زي الورد، أنا منفعهش. ازاي عاوزني اتجوز واحدة بتكسف تقول ده ابن عمي. ياما احرجتني قدام صحابها في النادي والشركة، قدام الناس، ازاي توافق تتجوزني؟ بابا بعد اذنك، أنا مش هتجوز. وسبق وقلت وضعي ما يسمحش إني اتجوز وأحس بالاشمئزاز منها، بعد اذنك ياريت تسبني بحريتي زي ما طول عمرك بتعمل، بعد اذنك أنا همشي. وتقدر تعتذر لعمي وشوف حضرتك وعدتها بقد إيه عشان توافق على الجواز.
خرج زياد مسرعاً من الغرفة متجهاً إلى باب المنزل دون الالتفات لنداء أشقائه إليه.
صعد إلى سيارته وانطلق بها سريعاً، حزين على ما حدث. وصل أمام منزل خالته، أوقف سيارته، ظل بها فترة من الوقت يتنفس بسرعة عالية، هدأ من روعه.
مسح على وجهه مستغفراً ربه.
زياد: استغفر الله العظيم، ربي إني قد مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
نزل سريعاً من سيارته يجمع شتات نفسه، يجاهد على مسح دموعاته. وقف أمام المصعد لتصدم به فتاة وهي تتحدث بالهاتف وممسكة بيدها مجموعة من الأكياس وتتحدث بالهاتف.
الفتاة: أنا خلاص أهو قدام الأسانسير خلاص، أيوه جبت كل الطالبات، معلش عارفة إني اتأخرت، بس الطلبات اللي طلبها كتير. آآآآه آسفة، آسفة ما أخدتش بالي.
زياد: رفع عينه ليجد فتاة عيونها خطفته، قلبه كاد أن يقفز من مكانه. دقاته علت، بلونها الرمادي، حجابها الطويل، ملابسها الفضفاضة، كم الأكياس التي تحملها بيدها. ابتعد زياد عن باب المصعد كي تدخل هي أولاً. دخلت الفتاة، أتت لتضع الأكياس أرضاً وتغلق باب المصعد. وجدت...
الفتاة: رايح فين حضرتك؟
زياد: نعم، داخل الأسانسير.
الفتاة: معلومة جديدة أضفتها، ما أكيد عارفة إنك داخل. بعد إذنك ممكن تخرج مرة تانية؟ أنا متأخرة من غير حاجة، مش ناقصه تأخير أكتر من كده.
زياد: وأخرج ليه إن شاء الله؟ الأسانسير كبير عادي، لما نطلع مع بعض.
الفتاة: لا، مش عادي، ده حرام أولاً. ثانياً أنا طالعة الرابع يعني مش هاخد وقت كبير، ثواني والأسانسير هيكون عندك.
زياد: بس أنا مش خارج.
أتت يغلق باب المصعد ويضغط زر الصعود.
الفتاة: استنى، بما إن حضرتك مش هتخرج، أنا هخرج. ابعد لو سمحت.
خرجت الفتاة وخرج خلفها قلب زياد. ابتسم لا إرادياً على فعلتها وبخ نفسه. فتح باب المصعد يعتذر لها، لم يجدها. خرج مسرعاً خارج المبنى، لم يجدها. عاد مرة أخرى، صعد، دخل المصعد وهو حزين، اعتقد للحظات أنه كان يتخيل.
وصل زياد إلى شقته التي يسكن بها مع خالته، يتنهد، يرسم ابتسامة على وجهه. دخل وجد خالته تجلس على كرسيها المتحرك، عيناها على الباب.
زياد: مساء الخير على أجمل زهروان.
زهروان: مساء الورد على ابني حبيبي. حبيبي إيه رجعك؟ مش مفروض هتقضي النهاردة وبكرة مع أخواتك؟
زياد: بابتسامة زعلانة إني جيت.
زهروان: أنا أزعل منك يا نور عيني؟ أنا لو عليا مش عاوزاك تبعد من جنبي لحظة واحدة، بس أنا حاسة إن في حاجة مزعلاك.
زياد: ما فيش حاجة، أنا مرهق شوية بس ومقدرتش أستنى، محتاج أنام وأستريح.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السادس والسبعون 76 - بقلم منى عبدالعزيز
زايد خرج من الفندق مطأطأ رأسه، على كتفه جبال من الهموم. خرج من الباب الأمامي للفندق، لم يلتفت للخلف قط.
يخطو بخطى ثابتة حتى وصل للطريق. توقف للحظات يظفر أنفاسه مرات متتالية، يسحب نفس عميق ثم عبر الطريق دون أن يتلفت يمين ويسار، ليتوقف يلتقط أنفاسه فزعاً إثر توقف سيارة تعبر الطريق بسرعة. يتلقى السباب من قائدها. يهز رأسه متأسفاً ويكمل عبور الطريق ليقف في الطريق المعاكس والمقابل للفندق، ينظر تجاه درجات الدرج الخارجي ويعود بذاكرته لعشرين عاماً ماضية. يرى تجمع أمام الفندق وسيارة إسعاف تشق الطريق بصوتها. يسرع بسيارته، يوقفها أمام الفندق. يخبره أحد أفراد الأمن وسكرتيرته الخاصة بما حدث.
ليرجع للواقع، يهز رأسه عدة مرات، يلامس صدره بيده، يحركها لأعلى وأسفل يهدأ من نغزات قلبه، محدثاً نفسه وهو يتذكر ملامح محبوبته التي حفرها بقلبه قبل عقله. يلمس قلبه الذي يكاد يخرج من مكانه. يتحدث بألم وحزن.
زايد: لا مش وقت حزن وعتاب وندم. صحيح مش بتفارقني عشرين سنة ولسة كل لحظة بتمر عليا كأنها واقع قدام عيوني مش بتتنسي. نار فراقك بتقتلني كل لحظة. أنا لو عايش لحد دلوقتي عايش بس عشان أوفي بوعدي ليك.
تتوالى عليه الذكريات بلا رحمة، تشعل بداخله نيران متوهجة. يتحدث بصعوبة وقشعريرة بجسده.
زايد: نار قلبي مبتهداش. كلامك مش بيخرج من وداني. باسمع صوتك ووصيتك بقلبي. منستش كلمة خرجت من بين شفايفك. قلبي مهما مر عليه مش ناسي آخر كلامك ليا اللي لسه معيشنى لحد دلوقتي بيها قوي وبيها هقوي لحد لقياك. وأوعدك من جديد بنتك هقف جنبها وهوصلها لبر الأمان حتى لو كان دي آخر حاجة أعملها بحياتي. وقتها هموت وأنا أسعد إنسان لأن وقتها هكون وفيت بوعدي ليكِ.
يسحب نفس عميق يخرجه بضيق شديد وهو يرى من تترجل من سيارتها تخطو تجاه الفندق بخطي مهرولة وخلفها اثنين من أبغض الرجال على قلبه.
أخرج هاتفه أرسل رسالة، توجه إلى مكان هادئ على شاطئ النيل. يستند على الحائط الخرساني. فتح هاتفه. ظهر أمامه مكتبه داخل الفندق وزهور جالسة أمامها. أوراق منكبة على قراءتها. ظلت وقت على تلك الحالة. يمرر يده على الشاشة ينظر لها وإلى الأوراق التي تقرأها بعناية. يحفر ملامحها بقلبه قبل عينيه. يمرر يده كأنه يتلمس وجنتها. يهمس من بين شفتاه: "كأني شايفك قدامي نسخة طبق الأصل منك".
لينتفض قلبه تزامننا مع رفع زهور رأسها لأعلى تجفف دمعاتها، وتفتح أحد أدراج المكتب وتضع ما كان أمامها بداخله. تقف تعدل من هيئتها وملابسها. سحبت منديل من صندوق مزخرف موضوع على المكتب أمامها. تجفف دموعها وتجلس مرة أخرى على الكرسي بعد أن استجمعت شتات نفسها. تخرج عدة أنفاس خلف بعضها لتهدأ من روعها. ترفع يديها لأعلى وأسفل مع نفث أنفاسها حتى هدأت قليلاً. اعتدلت بجلستها. وضعت يدها تضغط على زر جرس موضوع أمامها على المكتب. لتدخل لها هالة السكرتيرة بعد لحظات.
هالة: دخلت للمكتب. خطت تجاه زهور الجالسة.
هالة: تحت أمرك يا فندم.
زهور: اتفضلي اقعدي. محتاجة أعرف كام معلومة منك. وبعديها دخلي المدام اللي برة.
هالة: تحت أمرك يا فندم.
زهور: اللي فهمته إنك هنا من سنين طويلة وعارفة كل صغيرة وكبيرة بالفندق. وأكيد مر عليكي مدراء ومعظم العاملين.
هالة: أنا من عشرين سنة ويمكن أكتر من وأنا طالبة بالجامعة كنت بشتغل وبدرب بنفس الوقت.
زهور ارتجف جسدها. وقفت سريعا من جلستها. خطت تجاه مكان جلوس هالة السكرتيرة. تجلس بالكرسي أمامها. أتت هالة تقف. أشارت لها بالجلوس كما هي.
زهور: مدام هالة قصدك إنتي كنتي سكرتيرة هنا أيام والدي.
هالة: لا أنا وقتها كنت لسه بدرس وكنت بدرب بكل الوظائف من السويتش والاستقبال وبعدها بالعلاقات العامة أيام زياد بيه الله يرحمه. بس كنت عارفه البيه لأنه الله يرحمه كان يتابع الشغل بنفسه وكل يوم اجتماع مع كل الإدارات وكل عنده خطة عمل واحدة. حتى بعد وفاته زايد بيه مشي بطريقته. مافيش حاجة اتغيرت غير قفل المكتب القديم ونقله هنا. والإدارة من فترة صغيرة لما حازم بيه مسك وقت زايد بيه ما تعب عين بداله واحد من زميله.
زهور: مدام هالة أكيد إنتي تعرفي الزبائن المهمين والدائمين بالفندق اللي ليهم وقت وتقريباً بيقضوا وقت كبير بالفندق.
هالة: الفندق من سنين ليه سمعة كويسة أوي. وفي كتير من رواد الفندق بيفضلوا يرجعوا للفندق لجمال معماره والأريحية بالمعاملة معاهم. وكمان هنا بالفندق مجموعة أجنحة سكن دائم لبعض رجال الأعمال العرب والممثلين.
زهور: طيب في زبونة تتردد هنا بالفندق بشكل يومي.
هالة: في كتير سيدات أعمال بيجتمعوا هنا مع بعضهم.
زهور بملل: ممكن تقوليلي أسماء سيدات الأعمال دول بقالهم كام سنة بيجوا هنا.
هالة: مش كتير متهيألي أربعة أو خمسة بالكتير. لتقص أسماءهم على زهور التي تردد الأسماء باهتمام.
زهور: مدام هالة من الآخر في زبونة مشهورة هنا وبتيجي تقضي وقت معين بالفندق مع بعض رواد الفندق وتمشي.
هالة: أنا بقالي عشرين سنة بالفندق. غير إني بقيت مساعدة لزايد بيه من سبع سنين بس. أول مرة أسمع الكلام ده. ممكن لو تقولي الاسم أسأل حضرتك حالا في الاستقبال.
زهور: بلهفة أغمضت عيناها. تنطق الاسم بلجلجة وتوتر شديد. اسمها اسمها سلسبيل.
هالة: مش أول مرة الاسم ده أسمعه. حالا هسأل لحضرتك على الاسم وارجع على طول.
زهور: آخر سؤال وبعدها دخلي الهانم اللي برة. تعرفي إيه عن مدام نهال الغمراوي.
هالة: كل اللي أعرفه إنها بنت عم زايد بيه وأخت مراته. وبينهم خلافات وتقريباً مقاطعين بعض. وا وا.
زهور: قولي اللي عندك من غير خوف ولا لجلجة.
هالة: أبداً مفيش حاجة. بس اللي أعرفه إن زياد بيه اتوفى يوم فرحه مع الست نهال. مات وهو قاعد على كرسي الزفة.
أغمضت زهور عيناها. تتنفس بأصوات عالية عدة مرات. تفتح عيناها مرة أخرى. هدأت انفاسها. رفعت قدميها على الأخرى. أرجعت ظهري للخلف. أشارت إلى هالة.
زهور: اعملي زي ما قلت لك وبيانات الست تكون عندي ورقم الأوضة اللي نزلة فيها. تقدري تتفضلي. آه دخلي المدام اللي برة لوحدها وكمان بلغي رئيس الأمن يجيلي بعد ربع ساعة من دلوقتي.
هالة: حاضر يا فندم تؤمرينى بخدمة ثانية.
زهور هزت رأسها بلا. لتقف بعد رحيل هالة وتتجه للجلوس أمام المكتب. تمسك هاتفها بتوتر. قامت بالاتصال على رقم ولم تتحدث. استمعت لفتح باب المكتب ودخول أحد منه. تسمع صوت خطوات الحذاء تضرب بالارض. لترفع عينيها تجاه الباب لتفتح فاها مما ترى. سيدة لا يظهر عليها سنوات عمرها. ترتدي تنورة سوداء ضيقة أسفل الركبة بقليل وبلوزة بيبي بلو الفاتح يشف أسفلها. مطلقة لشعرها العنان. وجهها جميل ملفت بتلك الزينة المنمقة عليه.
زهور نكست وجهها تنظر إلى ما ترتديه بإشمئزاز. تهمس لنفسها: "هو أنا بقارن إيه بإيه؟ استغفر الله. من امتى بيفرق معاكي يا بنت أحلام الهدوم؟ معاكي بالجامعة أشكال وألوان عمرك ما قارنتي ولا همك لبس". لترفع عينها مرة أخرى تزامننا مع وقوف نهال الغمراوي أمام المكتب تمد يدها تجاه زهور.
_____
بينما قبل عدة دقائق ترجلت نهال ومعها رجلين من سيارة أمام الفندق. تدخل بغرور تتجه ناحية مكاتب الإدارة مباشرة. تدلف إلى مكتب هالة السكرتيرة لتهب واقفة فور رؤيتها لمن دخلت الغرفة. عليها تبتسم بتوتر وهي تمد يدها تدعوها بالجلوس وهي تخرج من خلف مكتبها لتقف بالقرب من نهال. تتوتر بشدة وهي تستمع لصوت من يرافق نهال بصوته الأجش.
الشخص: مدام نهال جاية تقابل الآنسة زهروان. ادخلي بلغيها بإن نهال هانم الغمراوي عايزة تقابلها.
نهال: قبل ما تدخلي احكيلي كل اللي حصل من أول ما دخلت البنت دي للحظة اللي وقفت فيها قدامي. واوصفيلي شكل زايد كان إيه وهو خارج من المكتب. قالت ذلك وهي تجلس تضع قدم على الأخرى. وخلفها جلس الرجلان.
هالة: بتوتر تتلفت يمين ويسار. تخرج من خلف مكتبها. تبعد نظرها عن من يقف بالقرب من مكان جلوس نهال. تجاهد في إمساك دمعاتها تتحدث بصوت متلجلج. تخبرها بكل ما حدث وما فعلته زهور منذ لحظة دخولها الفندق. وتلك الثقة والقوة التي تعاملت بها مع الجميع. تضحك نهال بهستيريا مع وصف هالة السكرتيرة لزايد وهو خارج من المكتب بعد أن حدثت مشادة كلامية بينه وبين زهور. جعلت زهور تفتح باب المكتب وتشير له بالخروج وطلبت من رجال الأمن عدم السماح لهم بإدخاله له هو أو أي أحد من عائلة الغمراوي. تختفي ابتسامتها وتجهم وجهها مع آخر كلمات هالة.
هالة: الهانم بالرغم من صغر سنها لكن عليها كارزما وثقة بشخصيتها. من أول ما دخلت الفندق وليها طالة وهيبة غريبة. ثقتها بكلمها وصوتها الرزين يخلى اللي قدامها يقف مينطقش بكلمة. ولا أسلوبها بالكلام وهي بتتكلم مع المحامي والمدراء أرعبت كل الحاضرين من غير ما توجه كلمها لشخص بعينه. الكلام كان للكل سواسية. بس من نظرتها لكل واحد في الموجودين وأسلوبها كأنها بتتكلم عنه. أنا هنا من سنين وكتير حضرت اجتماعات لزياد بيه الله يرحمه ولزايد بيه. مخفتش بالطريقة دي. بالرغم من إنها داخلة لوحدها ومش معاها ورقة واحدة تثبت بيها عن هويتها. إلا إن من أول وهلة تقولي بنت زياد بيه.
نهال: شاردة في حديث هالة تهمس لنفسها.
نهال: لا باين بنت بياعة الخضار قوية
لاه هتحتاج دخلة تانية غير اللي كنت راسماها
ياترى يابنت بياعة الخضار أي دخلة هتمشي معاكي
ههه لو انتي بنت زياد
فأنا نهال اللي هتنتقم منه فيكي
صحيح الكلام اللي سمعته ده يخليني أفكر
وأوقف ألف مرة
قبل ما أدخل أي لعبة قصادك بس طلعتي ولا نزلتي عيلة وخداني الحماسة
صحيح قدرت على زايد باشا الغمراوي
بس أنا لأ
أنا نهال ولا زايد ولا مليون قدروا عليا
واللي بأمر بيه يطاع في الحال
بس يلا ندخل دخلة الحنينة لما نشوف هتاكل معاكي ولا لأ
ههه لا كده اللعب هيحلو أوي أوي بس أكيد أكيد مش هتاخدي في إيدي غلوة
تفيق من شرودها
ادخلي بلغيها بوجودي
وأنا عاوزة أقابلها في موضوع مهم
ترحل هالة من أمامها
وبعد لحظات خرجت
هالة: الهانم هتنهي اتصال مهم
مسافة ما تشربي قهوة سعادتك تكون انتهت
قهوة حضرتك إيه أطلبها
تجلس نهال تضع قدما على الأخرى بعجرفة
تضيق عينيها بملل تنظر للجالس بجوارها
يشعل سيجار بقدحته
يظفر بضيق
عدة دقائق وصدح جرس أمام هالة السكرتيرة
أسرعت بالدخول للمكتب
وتمكث وقت ولم تخرج لهم
نهال:
تنفخ بضيق وهي تستمع للجالس ينفث الأدخنة المتصاعدة من سيجاره الكوبي بيده
الشخص:
عيلة لا راحت ولا جت مقعدنا برة لينا أكتر من نص ساعة
نهال:
ممكن تسمعنا سكوتك
مش كفاية عملتك السودة أنت وبنتك اللي هتكلفنا كتير
زوج زينة:
مش بنتي دي فكرتك
وإنتي اللي رسمتي الخطة وأنا نفذت كل حرف فيها
حتى إني مسألتش عنها وجيت معاكي
مسبتكيش لوحدك
نهال:
تهمس لنفسها
ياريتك ما كنت جيت
بسبب غبائك إنت وبنتك
خلتني أنا نانا تيجي لبنت بتاعة الخضار
تصق أسنانها
مع حديثة لتلتف له بغضب
تحدثة بسخرية
زي عادتك لما تفشل في حاجة ترمي التهم على غيرك
وياريت بدل ما أنت قاعد تندب حظك فكر هتعمل إيه
مع زينة وبناتها
لتصمت وتشير له بالصمت مع خروج هالة السكرتيرة تخبرها بالدخول وحدها
نهال: أوك وأنا شايفة كده برضه
هالة اطلبي عصير ليمون للباشا يهدي أعصابه
زوج زينة:
يستشيط غضبا يهب واقفا وهو يطفئ سيجارة بمنفدة أمامه على الطاولة
هي وصلت لكده
حتة العيلة اللي جوه
بترفض تقابلني أنا
هالة: الآنسة زهروان طلبت تقابل نهال هانم
بصفة أنها قربتها قالت حبة تتعرف عليها بالأول
زوج زينة:
آه الهانم عاوزة تتعرف
طيب وماله اتفضلي يا قربتها اتعرفوا على بعض
ياريت نطلع بحاجة بعد التعارف ده
رحلت نهال دون أن تعيره اهتمام
تفتح لها هالة باب المكتب
وتغلقه خلفها
تدخل نهال للمكتب تكاد تحطم أسنانها من شدة جزها عليها وعينها مصلتة على الجالسة على كرسي طالما حلمت به
سحبت نفس عميق وكتمته بداخلها وانفثته بهدوء
وتخطو تجاه زهور
لتبادل نظرتها الحاقدة
وتبتسم ابتسامه ماكرة تزامن مع رفع زهور عينها لأعلى تلتقي بعيونها
تهمس لحالها
نهال: حاولي تهدي خالص يا نانا بلاش تتعصبي ريلاكس
استحملتي السنين دي كلها
وإنتي بتحلمي باليوم اللي هتكوني
صاحبة الفندق ده وسلسلة الفنادق اللي تابعة ليه
مش بعد الصبر ده كله واللي عملتيه تضيعه في لحظة
الجربوعة دي
مش هي اللي هتخليكي تضيعي تعبك
راحت ولا جت
بياعة خضار
تبتسم بخباثة وتقترب من زهور كادت تتفشكل قدمها بالطاولة أمام المكتب
بعد ذهولها مما رأت
زهور تنظر لها بابتسامه باهته تقف باحترام تمد يدها
لنهال ممسكه بها بقوة كأنها تخبرها بمدى قوتها
وبنفس الوقت تبث بها ثقة
لأسباب في جوفها
نهال: نهال الغمراوي سيدة أعمال
وبنت عم المرحوم
لتدعي إختناق صوتها بالبكاء
وتعيد كلامها وهي تخرج محرمة تجفف دموعها الوهمية وتنظر لزهور التي ارتعشت يدها بيد نهال
لتستشعر نهال بأن قيادة دفة الحديث لصالحها
تأكدت أكثر من تجمع العبرات بعين زهور
لتهلل بداخلها من نجاح أول خطوة لها بجدارة
نهال:
اضرب الحديد وهو ساخن البنت
باين عليها ضعيفة
تتأثر بالكلام
مش هتغلبي في كلمتين يا ننوس
تضحكي على عقلها
وتخليها زي الخاتم في صباعك
اللي تشوري عليه
تنقذه ليكى
ههه يا حرام بتبكي يا بيبي
يلا أهو نمثلنا شوية بقالي كتير
ممثلتش أهو نضيع الملل من الحيوان اللي برة
نهال: آسفة بس مقدرتش أتحمل
مش بقدر أنطقها كتير بيتهيألي إن زياد عايش ممتش
تزداد في شهقاتها وتنظر لزهور وتكمل مسرحيتها
نهال: هو ممكن آخدك في حضني
حاسة إني شايفة المرحوم
تنهار بالبكاء وهي تقترب من زهور تجذبها لاحضانها فور تحريك زهور لرأسها
نهال: بدموع التماسيح وهي تضم زهور تفتح عينها التي تشتعل بحمرة الحقد تود الفتك بزهور بين يديها
تتحدث بصوت مكتوم من تمثيلها التأثر برؤية زهور
تبتعد عنها وتقف مقابلها تنظر لوجهها
لتعلو أنفاسها وهي ترى وجه زهور عن قرب
لترتجف وتعود خطوة للخلف
نهال بصدمة تهمس لحالها : إيه ده معقولة لي شيفاه قدامي ده
زياد نسخة طبق الأصل
لا مش قادرة أصدق في حد شبه حد بالشكل ده
عينين زياد هي اللي بتبصلي
صحيح مكنش بيقدر يقف قدامي إلا إن ابنته غير
تبتلع ريقها برعب لا تعلم لما
لتقسم بداخلها بالانتقام منه في ابنته حتى تشف غليلها
زهور متذبذبة داخلها مشاعر متعددة
حزن وألم وأوجاع
اشتعلت مع ضمة نهال لها
سالت دموعها بلا توقف
تهمس لحالها
زهور: ليه ما رفضتي طلبها يا زهور
إزاي تسمحي لها
بأنها تحضنك
هو ده العهد اللي أخدتي على نفسك
هو ده قسمك لا تاخدي حقك وحق أبوكي من كل اللي حرمكم من بعض
وأولهم سلسبيل أمك
لتفيق من تلك الدوامة التي كادت تنجرف بداخلها على صوت نهال
نهال: آسفة يا بنت الغالي
مقدرتش أتحمل
أصل متعرفيش قد إيه كنت بحب زياد ولما شفتك
حسيت إنه هو اللي واقف قدامي
زهور تشير لها بالجلوس وتتجه للجلوس بمقعدها أمام المكتب
وهي تتحدث بصوت رزين
خرج منكسر بعض الشيء متأثرا بحالتها النفسية وما مر بها من كبت مشاعرها الثائرة بداخلها
زهور: بالرغم إني كنت رافضة مقابلة أي حد من عائلة الغمراوي
بس بعد اللي عرفته من خلافات بينك وبينهم
هو اللي شفع لحضرتك
ووافقت على المقابلة دي
وقبل أي كلام وعواطف اللي نركنها في تعاملنا على جنب
أنا ميهمنيش
غير مصلحتي وفلوسي وكمان أنتقم من عائلة الغمراوي فرد فرد وصغيرهم قبل كبيرهم
وكل يوم عيشته في فقر هنتقم منهم وهاخد كل اللي حيلتهم
ليا لوحدي ومش بس كده لا هصرف كل قرش فيه قدام عنيهم وأمواتهم بحسرتهم
نهال: تستمع لكلام زهور بذهول
لا تعرف أتفرح بحديث زهور
أم تخاف من فحواه
لكن غرورها صور لها بأن تطرق الحديد وهو ساخن
تكشف أوراقها أمام زهور
حتى تكسب ثقتها وبعد ذلك تسقيها من العذاب ألوان
زهور: نهال هانم
نهال: عمتو يا زهروان قولي عمتو
زهور: لا عمتي دي لما نكون عائلة كويسة مع بعضينا
أنا بقول نخليها رسمي أحسن عشان نقدر نتعامل
ولو لقيت مصالحنا واحدة ساعتها مش بس هقولك يا عمتي
مش بس كده دا أنا هديكى عيوني
نهال: أوك كلام جميل عجبني كده نتفق مع بعض
مصلحتنا واحدة
زهور: لا واحدة وحدة يا مدام
الأول ارمي بياضك وخليني أثق فيك
مصالحنا وحدة إزاي وإيه اللي يضمن ليا إنك مش بتخدعني
وفي نفس الوقت قدم لي إثبات على كلامك
نهال تنظر تجاه زهور تتفحصها تثبت عينها بعين زهور لا تحيد عنها وزهور كالصنم أو كالكفيف لا ترمش بعينها
لتقلب دفة حوار الأعين لصالحها تهمس لنفسها
زهور: جيتي في ملعبي يا نهال هانم
فكرة لما تبص في عيوني أخاف وأكش وتلجلج وأديكي الفرصة تشتري وتبيعي فيا بس على مين إن كنتي إنتي نهال
فأنا زهور بنت السوق زهور اللي هاخد حقها وحق أهلها منك بضحكة ساخرة داخلها معزورة أصلك
متعرفيش إن دي اللعبة الوحيدة اللي
اتعلمتها من السوق
بس يلا اهو نلعب زي زمان
والله وحشني السوق واللعبة
نهال:
بغيظ إيه البنت دي لا خافت ولا كسرت عينيها
كل الوقت ده ولسه عينيها في عيني
مش عارفة أقرأها ولا أخوفها
ياترى ده ليه
البنت بجد عاوزة تنتقم منهم
وتأخذ كل حاجة
طب وماله فيها إيه هي تاخد كل حاجة وتنتقم براحتها وأنا برضه هاخد كل حاجة وبريدها لما أمضيها على كل تنازل بكل الأملاك بيع وشراء
يلا كفاية كده عيوني تعبوا
نهال: تعرفي أنا حبيتك أوي ثقتك بنفسك
واصرارك على أخذ حقك عجبني أوي وعشان كده هعمل معاك
اتفاق أوك
زهور: أولا تحبني متحبنيش
مش فارق معايا
أنا كل اللي فارق معايا هي الطريقة اللي هتساعديني بيها
أنقم من عائلة
الغمراوي كلها
واه برضه الإثباتات والبراهين هم مفتاح الثقة
بيني وبينك
نهال: تحرك لسانها داخل فمها المغلق
تضع قدم على الأخر
أوك يا زهروان
قولي عاوزة إثبات من أي نوع
زهور: ترجع بظهرها للخلف وبثقة تنظر لها وهي تسمع صوت خبطات على الباب ودخول هالة السكرتيرة خلفها
للأسف كنت فكرة ذكية و هتفهمي قصدي
على العموم
هالة ها تبلغك بموعد المقابلة الجاية قريب
نهال تكاد تشتعل من الغيظ
وجهها إحتقن من الحمرة عينها تبرزان للخارج تحدثت بصوت حاد
وغليظ
نهال: إنتي واعية للكلام اللي قلتيه
فهمة معناه إيه
زهور تضع فدم على الأخرى
تبتسم وبداخلها تكاد تموت من الخوف من ردة فعل نهال
زهور: طبعاً متأكدة من كل كلمة وفهمه وتوابعها إيه، بس اللي حضرتك مش فاهماه ولا واصلك إني مش بثق في حد بسهولة، وأكيد بعد اللي مريت بيه وعشته لازم آخد حذري من كل حاجة وأعرف عدوي من صديقي، وأكيد عشان أعرف ده لازم يكون في إيدي أدلة وبراهين تؤكد حسن نوايا اللي قدامي.
هالة: آسفة يا فندم. مدير أمن الفندق بره زي ما حضرتك أمرتي.
زهور: داخليه، وقبل كده حددي موعد مع نهال هانم في أقرب وقت.
نهال: تقف وتقترب من المكتب، تضع يدها عليه، تنظر في عين زهور وصوت أنفاسها يعلو ويهبط. أوك أنا موافقة على كلامك، فعلاً ليكي حق تقلقي، كل الأدلة والبراهين هقولها لك، بس أنا اللي هحدد الميعاد.
زهور تشير إلى هالة السكرتيرة بالخروج.
زهور: مدام هالة اتفضلي على مكتبك، وبلغي مدير الأمن ينتظرني لحد ما أُنهي المقابلة مع نهال هانم.
خرجت هالة، وأشارت زهور لنهال بالجلوس.
زهور: اتفضلي حضرتك ارتاحي في الأول، ونتكلم بعد ما تهدي. مع إني شايفة مفيش حاجة تعصبك بالشكل ده، وأظن من حقي أعرف إنتي بالفعل معايا ولا عليا، وخصوصاً حضرتك من عائلة الغمراوي، ومش بس كده، أخواتك الاتنين متجوزين ولاد عمك، وهما وأولادهم مستفيدين بالثروة، ومش معقول هتضري أخواتك وأولادهم. معتقدش إنك شايفاني بالسذاجة دي.
نهال: ارتخت ملامحها، أطلقت ضحكة عالية صدحت بالمكان لتتوقف على كلمات زهور.
زهور: ما تضحكيني معاكي يا نهال هانم.
نهال: سوري، بس كلامك على أخواتي وأولادهم ضحكني أوي.
زهور: هو أنا قلت لحضرتك كلام يضحك؟ مش دي الحقيقة.
نهال جلست تتحدث بعد اختفت ضحكتها وتحول وجهها إلى العبوس: أنا فعلاً كنت مستهترة بيكي وبقول عيلة ومش هتاخد في إيدي غلوة وهعرف آخدك لصفّي، بس إنتي طلعتي ذكية، ومش بس كده عرفتي تفهميني وجه نظرك كويس أوي، وليكي حق تخافي وتاخدي احتياطاتك كويس أوي، وعشان كده اطمني أوي من ناحيتي. لو إنتي عايزة تنتقمي من عائلة الغمراوي قيراط، فأنا عايزة أنتقم مليون قيراط. هحكيلك حاجة بسيطة أوي، من كام ساعة بس شركات وقصر عبدالرحمن الغمراوي اتحرقوا بفعل فاعل، مش بس كده، الفاعل ده اتهمهم إنهم ورا الحريق لأكثر من سبب، وبالأوراق والأدلة، غير تهرب ضريبي، والتهرب من تسديد قروض بنكية مخدوهاش أصلاً. ومش بتقولي ولاد أخواتي، أهم ولاد أخواتي دول اتسببت في سجنهم، أو بمعنى أدق، مابين لحظة والتانية هيتقبض عليهم ويسجنوا مابين سنة لعشرة، هم ونصبهم.
زهور: ارتجفت أوصالها، شعرت إنها أمام امرأة بلا قلب أو مشاعر، تسأل حالها إذا كان أبناء شقيقتيها وفعلت بهم ذلك، ماذا ستفعل بها وهي ابنة أكثر شخص تكرهه؟ لتقرر بين حالها بضرورة توخي الحذر وأخذ كل الاحتياط في تعاملها.
زهور: آسفة في اللي هقوله. هستفيد إيه أنا من حريق الشركات والقصر وسجن أي واحد فيهم؟ أنا كنت عايزة آخد كل اللي حيلتهم، الشركات والقصر، حتى هدومهم والصيغة اللي في إيد حرمهم، وسجن إيه اللي هيشفي غليلي منهم فيه؟ ما هم هيلقوا أكل ونوم، وغير كده أي محامي أو عرض خرجي ممكن يطلعهم منها بسهولة، زي ما لعبتي في شوية أوراق، هم مش هيغلبوا. لا وحاجة مهمة أوي، أنا اتعودت لما أنتقم من اللي قدامي مضربش تحت الحزام، لا، أوجه عدوي بنزاهة وشرف عشان أحس بطعم الفوز لما أقف قدامه، أشوف الذل والإنكسار بعيونهم، وقتها بس أكون رضيت نفسي وغروري.
وتسترسل زهور: آسفة في اللي هقوله. حضرتك بتقولي إنك السبب في كل ده، وأنا إيه اللي يثبت لي كلامك؟ ما هم ممكن اللي عاملين ده كله ويضربوا كذا عصفور بحجر واحد، ومنها مثلاً مليارات التأمين على شركاتهم وأملاكهم، وياخدوا فلوس وقروض من البنوك لإعادة إعمار لشركاتهم، من الآخر، أنا محتاجة دليل قاطع يثبت كل كلامك، وقتها بس هحط إيدي في إيدك وكل كلمة بتقوليها هنفذها من غير نقاش، غير كده موعدكيش.
نهال شاردة بكلام زهور، لقد نسيت نفوز كل فرد في العائلة وعلاقته من عبد الرحيم كبيرهم لصغيرهم حازم، لتفرك بيدها وتهز قدمها دليل على توترها. هي حبكت خطتها، وضيقت الحلقة على عائلة الغمراوي كاملة، لكن حتى الآن لم تحصد أي نتيجة لتلك المخططات. أسئلة لا حصر لها بداخلها. هل ما فعلته سينجح أم مصيره الفشل الذريع كباقي مخططاتها السابقة؟ تلك الصغيرة استهانت بها، لكن كل كلمة من كلامها صحيح! لتلتف تجاه زهور تتحدث لها.
نهال دون تفكير: أنا هحكيلك تفاصيل كل الخطة وإزاي نفذتها، وكمان بعد ما اقتنعت بكلامك هسشارك في باقي الخطة.
تقص نهال كل ما قامت به منذ سنوات حتى اتفاقها مع بعض الأشخاص القريبين من عائلة الغمراوي، وشرائهم بأموال طائلة، وتكمل باقي خطتها وما اتفقت عليه مع واحد من اتباعها بتسليم نفسه للشرطة ومعه بعض الأدلة، ويتهم زايد والشباب ويتعفنوا بالسجون.
زهور: تنظر للهاتف أمامها، تبتسم بداخلها بفرحة عارمة وهي تستمع لكلام نهال، ليتجهم وجهها مع آخر كلمات نهال، وتتحدث بسرعة رهيبة جعلت نهال تفزع من طريقتها.
زهور: لازم تتواصلي مع الشخص ده، ويوقف كل حاجة طلبتيها منه، لأن ده زي ما إنتي اشتريتيه بالفلوس، من السهل يبيعك للي يدفع أكتر. تاني حاجة معظم كلامك يوضح إنك مدخلة خيوط كتير في بعض، لازم نحل خيط خيط ونفك التشابك. بعد كده نخطط ونتكتك على الهادي. وقبل كل ده، أنا عايزة أنتقم منهم على سنين عشتها يتيمة وفقيرة، ومش بلاقي عيش حاف آكله. عايزة أنتقم لكل دمعة نزلت من عيوني. لكن سبب انتقامك إنتي إيه؟
نهال برعب داخلي من كلمات زهور، هي لم تحسب حساب نفوس البعض ممن اشترتهم بالأموال من السهل بيعها بحفنة أخرى من الأموال، تبتلع رمقها مع كلمات زهور التي تشرح كل مخاوفها.
نهال: حاجات كتيرة أوي تخليني أنتقم منها. من وأنا صغيرة عيلة عمري عشر سنين، وأنا بكرههم وبنتقم منهم.
لتقص عليها كل جرائمها التي اقترفتها طوال سنوات عمرها، كأنها مغيبة، عينها تدور بكل مكان، تقضم بأظافر يدها تارة، وتارة تضرب بأصابعها على سطح المكتب. لتقف بالحديث فجأة وتهب واقفة، تقترب من زهور بعين بيضاء لا بها لون تتحدث بطريقة مخيفة، وهي تنحني على زهور، تقرب يدها تجاهها.
نهال: مغيبة تماماً تتحدث بهستيريا. إنتي السبب يا زهور، إنتي السبب. أخدتيني أنا وأخواتي وسعدتي بابا يجوز. كنتي السبب في المشاكل بينهم. كل يوم ماما وبابا يتخانقوا ويقولها تتعلم منك، عندك بدل العيل خمسة بما فيهم ابنك المعاق وبتهتمي بيهم كلهم ومش مهملة جوزك. كل يوم مشكلة ورا التانية وإنتي تدخلي زي الشيطان ما بينهم وتعملي قلبك على ما ما وتنصحيها إنها تهتم بيه مش كل حاجة أنا وأخواتي. وتقولي ليها ليه حقوق عليكي لحد ما ما ما أهملتني وبعدت عني وكل اللي همها إنها ترضيه. لحد ما ما ما ماتت إنتي بدل ما تقفي ليه؟ لأ ساعدتيه إنتي وعبدالرحيم يجوز مرة واتنين وعشرة. عبدالرحيم ضحك عليا وأخد ثروتي. كل ما أطلب حاجة يقولي اطلبي من عمك عبدالرحيم ولا من زهور مراته. كنتي بتديني بالقطارة، أطلب عشرة تديني خمسة وأوقات تقولي راحوا فين اللي عطيتهم لك من يومين. بشوفك وإنتي بتهتمي بزينة وبزينب وزياد وتديهم من غير ما يطلبوا. طلبت تعملي لي حفلة عيد ميلاد، عملتيها مع عيد ميلاد زينة. كل الهدايا راحت ليها، وعشان تباني إنك طيبة قسمتيها ما بينا بعد ما اخترتي الهدايا القيمة لبنتك. من يومها وأنا باخد كل حاجة لزينة. أي حاجة بتحبها لازم آخدها. حتى جوزها اللي كانت بتعشقه وكلمة سيف على رقبتها لازم تنفذها، أخدته منها. حاجات كتير أخدتها منها وزينب ما نستهاش بنتقامي لما سمعتها يوم بتقول لعبد الرحيم بلاش تجوز نهال لزياد. نهال أنانية ميهمهش غير مصلحتها، وكان هيغير رأيه لولا أنا اتدخلت بآخر لحظة كان سمع كلامها. تعرفي أنا عملت إيه؟ خليت واحدة صحبتي تلعب عليه وتخليه يعشقها ويجوزها، بس يا خسارة، مات بعد كام يوم من طلقة هو وزينب. زهور، لو حد هيموت، تبقي إنتي فاهمة، إنتي اللي هتموتي.
لتنحني مقتربة من زهور، تحاوط رقبتها بيدها، لتبتعد بعد قليل.
بعد أن.
استغفروا لعلها تكون ساعة استجابة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم منى عبدالعزيز
ممدد على الفراش، لا تعلم هل هو مغمض العينين أم لا. يده على مقدمة رأسه، سارح في ملكوته. ابتسامة تشق وجهه. صوتها يتردد في أسماعه. ابتسامتها التي لا تفارقها. تلك النغزتين على جانبي وجنتيها تزين وجهها. صوتها الحنون الذي خطف لبه. حكمتها في الحديث. درايتها بمكنون من يجالسها. أشعل فتيل بداخله. يهمس بين حناياه متغنيا باسمها. أيام قليلة، أو بالأصح سويعات معرفته بها. شغلت كل تفكيره.
يخرج من ملكوته منتفضا فور سماعه لصوتها خارج غرفته. ليهب واقفا، يسرع بخطواته متجها للنافذة الخشبية المزخرفة بالأرابيسك، المطلة على حديقة المنزل. ينظر من بين ثقوبها. يراها تحلق كالفراشة، يدها بيد من حولها، تعد بيدها طاولة الطعام الأرضية بحفاوة. يتراقص قلبه فرحا وهو يستمع لصوتها تنادي على أحدهم وتشير تجاه غرفته. ليبتعد من مكان وقفته. يجلس على الأريكة بجوار النافذة، قلبه يكاد يخرج من موضعه. لا يعلم ما سبب تلك الانتفاضة بداخله. يسحب نفساً عميقاً ويظفره سريعاً. متسائلاً: هل رأته وهو يتلصص ويختلس النظرات على نساء البيت؟ وأرسلت من يوبخه ويحذره.
ليسمح للطارق بالدخول مع تصاعد دقات على باب غرفته.
ليقف بسعادة، قدماه تكاد لا تلامس الأرض مع كل كلمة تخرج من بين شفاه الواقف أمامه. يستمع لكلماته بفرحة عارمة.
الشخص: الست بتقول لجنابك اتفضل، الأكل جاهز.
بسعادة شكره وخرج خلفه، يخطو بخطى واسعة حتى اقترب من مكان جلستها، ويلتف حولها عدة سيدات. يقترب وعلى وجهه ابتسامة تتسع بزيادة. قربه لمكانها. يهمس لنفسه: ملكة متوجة وحولها وصيفاتها. شمس المغيب أينعت بالرحيل وشمس جمالك أشرقت بقلبي. خيوط الظلام كست الآفاق وسهم عيناك غز وجداني. بعثرتني الأيام ولملمت أنت أحوالي. خطفت الحديث من بين شفتاي وأنا الكتوم الحريص. أتساءل منذ تراقصت مسامعي بالحان كلماتك. نسيم الصباح بروائحه العطرة لم تتخلل أنفاسي كما تخللتها مسك عبيرك. مولاتي، آه لو ترفقي بحالي وتخبريني، هل أنا مستيقظ أم في منامي.
يبتلع ريقه بتوتر فور ابتعاد من حولها من النساء. وتبتسم بوجهه تحدثه. يعلو صدره ويهبط فور سماعه صوتها تناديه باسمه. يتلذذ بجمال وحلاوته مع نطقها له بصوتها، وكأنها تنشد ألحاناً وتنظم بيت شعر. يجلس مكان ما تشير بيدها مقابل جلستها. تحتفل به بضراوة. تمد يدها تضع الطعام أمامه. يلتقطه يضعه بفمه يلوكه مستمتعاً بمذاقه. ينظر أمامه كأن دلواً من ماء سكب فوق رأسه، يخرجه من لذة ما به وتلك الأحلام التي ينسجها خياله. مع سماع صوت من خلفه يحدثها، مثنيا عليها، أو بالأدق يمتدح كرمها وحفاوته به.
تجهم وجهه وانكسرت عيناه بحزن. ينظر أمامه إلى طعام، ينظر له ونيران تنهش به تحرق داخله. وهو يراها تقف مهللة لمحدثها. تلتقطه بين ذراعيه، تربت بيدها على كتفه وتجذبه. يجلس بجوارها. تطعمه بيدها وهو يتحدث عما حدث له بعد رحيله منذ يومين حتى عودته. ليرفع رأسه، يجاهد في ثباته. يتحدث بصوت رزين بعض الشيء وهو ينظر تجاه الجالس أمامه، محاولاً إبعاد نظره عن الجالسة بقربه. يستأذن بالرحيل. ويهب واقفا يخطو تجاه غرفته بخطى واسعة. يتمتم بكلمات غير مفهومة. لم يلتفت لمناداته عليه. يدخل غرفته. يسرع بالوقوف أمام النافذة. يختلس النظرات لهما. وتجحظ عيناه ويضرب بيده على قطع الأرابيسك بالنافذة يكاد يكسرها. وهو يرى من سلبت عقله تقبل جبين جالسه.
يرتد للخلف مغلق زجاج النافذة ويطلق سباباً لمرات متتالية. يقترب من فراشه يرمي نفسه عليها. يتقلب يميناً ويساراً. يجلس ويتمدد مرة أخرى. جسده مشتعل كالجمر. يتساءل بين حالاته: ما حل بك بك يا رؤوف؟ من متى وأنت تترك قلبك يتحكم بك؟ ماذا حدث لك؟ أين عقلك؟ ماذا أنت فاعل بنفسك؟ أتترك نفسك لتلك الموجة تسحبك بداخلها؟ أم ستجدف بعكس التيار؟
رؤوف بحيرة يجيب على الأسئلة بأخرى: ويش دراني أنا. تائه حيران لا أعلم ما بي. لا أعرف من أنا. أتساءل متى وأين حدث ذلك؟ كيف تسللت لداخلي؟ سأجن مما أنا به. يومان، يومان فقط. لم ينته أحدهم وأشعر بمعرفتها منذ نعومة أظافري. صوتها يجعل أنغام القيثارة تشدو بأذني. ابتسامتها تخجل الشمس من سطوعها. خطفت لبي قبل قلبي. مشغول بها. صوتها لا يفارقني حتى في نومي. يصلني طنينه بمرقدي. لم أشتق لإنسان مثل اشتياقي لها. أشتاقها فور التفاتي وابتعدي عنها. وما زاد الطين بله غيرتي. نعم أغار عليها من ولدها. من اقترابه منها. من لمسته له. ترحيبه به. من ابتسامتها بوجهه. نيران تشتعل بقلبي وروحي. عقلي يكاد يجن. ما تلك الحالة التي تنتابني؟ لم أحتاج لمخلوق على الأرض كما أحتاجها. لم أفتقد الابتعاد عن عشيرتي كما أفتقد قربي لها.
يسحب نفساً عالياً كتمه بداخله. أخرحه بضيق من صدره وهو يجلس على الفراش. يحدث نفسه مرة أخرى.
رؤوف: تريث يا فتى، هل جننت؟ أم مسك شيطان؟ ما هذا الهراء الذي تتحدث به؟ أنت ضيف على منزلها. أهذا غض بصرك الذي نشأت وتربيت عليه؟ أهذا نظير استقبالهم وترحيبهم لك ومعاملتهم الحسنة معك؟ هذا رد الجميل؟ هذا وعدك لحالك بأن تغلق قلبك ولا تفتحه لبشر؟ منذ متى أصبحت متهوراً؟ أين عقلك يا رؤوف؟ أين هو؟
رؤوف: لا أعلم كيف أشرح لك ما أنا به، لكن أنا لم أحتاج إلى أحد كما أحتاجها. كل خلية بجسمي تريدها.
يجيب نفسه: أخبرك أنا بما لا تجيب به نفسك حتى تفيق من تلك الأوهام. كفاك خداعاً وتوهماً. أنت تتوهم، صديقي، وحدتك التي تعيشها. كم الصدمات التي مررت بها. فراغك العاطفي. بعدك عن عائلتك. احتياجك لامرأة جعلك تتوهم ما أنت به. فبمجرد عودتك لحياتك وعملك سوف تضحك على كل هذا وتسب حالك كثيراً على تلك الأوهام.
رؤوف بغضب يتحدث مرة أخرى: لا تقل إنني متوهم بعد ما مررت به وهذا وهم سأفيق منه بعد عودتي لحياتي وعملي. لا لا، أقسم بأن تلك المشاعر حقيقية، لا أكذب ولا أتجمل، ولا هي مشاعر مراهقين. أعلم أن منذ نعومة أظافري بعيداً عن والدي وإخواني. تعودت على بعدهم، قليل ما أشتاق لهم. كل منهم له حياته الخاصة. والدي مع أولاده وزوجاته، وأمي مع رجلها وأبنائها، وكل منهم في عالم بعيد عني. لا تقل لهذا أحتاجها لفقداني والدي ورأيت دلالها لوحيدها جعلتني أتمنى قربها للحصول على ما فقدته طوال حياتي. لا والف لا. تربيت في كنف جدتي لوالدي عوضتني الحنان. لم أشعر ببعد أمي عني يوماً. تركت لي حلالاً لا يعد. عندما شعرت لي احتياجي لامرأة تزوجت. لكن مشاعري تجاهها كا كانت بتلك القوة التي تجتاحني وتزيد من إصراري على ما سأقوم به.
ليخرج من الغرفة سريعا.
يقف ينادي عليه بعد رحيله مسرعاً وسط دهشته من عدم الرد عليه. يجلس بجوار والدته الشاردة تنظر في أثر الراحل. تفكر كيف كان منذ قليل وتلك الابتسامة التي زينت وجهه وحالته وعبوسه بعد عودة ولدها.
وائل: ماله ده؟ إيه حصل له؟ حتى أنا جايب له أخبار حلوة وأمانة كان موصي عليها زهور.
روحية: زهور؟ أنت قبلت زهور؟ فين؟ تعالي هنا قولي يوم بليلة. يوم بليلة معرفش عنك حاجة. جالك قلب تمشي ومتعرفنيش انت فين وبتعمل إيه؟ يوم بليلة دماغي هتشت مني وقلبي قايد نار من خوفه عليك وفكري يودي ويجيب. وأسأل عليك الغفير. يقول لي نزلت مصر قبل الفجر.
وائل اقترب منها قبل يدها واعتذر لها وبدأ يقص عليها سبب رحيله دون إخبارها.
وائل: متزعليش يا غالية، هحكيلك كل اللي حصل.
يعود بذاكرته قبل يومين، يشرد قليلاً قبل حديثه.
جفاه النوم بعد استماعه لحديث رؤوف الذي قص لهم كل ما حدث له. وعن مساعدته زهور له بالهرب. نيران اندلعت بداخله. قلبه ينبض بسرعة. يجوب الغرفة يشعر بضيقها عليه. رغم اتساعها. يخطو تجاه خزانة ملابسه يفتح إحدى ضلفها. يبحث عن شيء أسفل ملابسه. حتى وجدها. لتتسع ابتسامته فور وصوله لمبتغاه. يمسكها بين يديه يتجه لفراشه. يتمدد عليه يفتح يده يخرج صورة صغيرة لزهور من أيام مدرستها الثانوية. أثناء مساعدتها في الالتحاق بها. احتفظ بواحدة. لا يعلم سبب تلك الرغبة حينها. تنهد بحزن متذكراً كلمات والدته عن فرق السن بينهما. وشخصية زهور القوية.
لينهض من على فراشه ويبدل ملابسه. ويضع عباءته على كتفه. ويهبط لأسفل وهو لازال ممسكاً بتلك الصورة بيده. يخرج من منزله يسير بالطريق. ليراه الغفير المخصص بحمايته يسير خلفه. حتى ساقته قدماه لمنزل أحلام. يجلس أمامه على إحدى الأرائك الخشبية. يتنفس رائحة تنعش القلب. أشعرته براحة كبيرة. يلتفت لمن يقف بالقرب منه. يحدثه.
وائل: شامم الريحة الحلوة دي؟
الغفير: شامم يا حضرة العمدة. دي ريحة ورد مسك الليل جاية من مشتل الورد اللي وراء البيت.
وائل يقف ويخط تجاه مصدر تلك الرائحة بدهشة. يسأل الغفير.
وائل: مشتل إيه؟ ومن إمتى فيه مشتل وراء البيت وأنا معرفش؟
الغفير: ده بقاله يجي سبع ثمان شهور. بنات سيد أبو علي مواجرين الأرض بتدرس في الزراعة ابصر إيه كده وعاملين مشتل للورود ومشتل للأعشاب الطبية. وكل يوم والتاني. تجي عربية تاخد الورد ده وتمشي. بس بقالها كام يوم مجتش العربية ولا البنات جم على المشتل زي عادتهم.
وائل: ياه ده أنا بعيد قوي عن البلد معرفش الموضوع ده إزاي ومين سيد أبو علي ده وبناته.
الغفير: ده رجل طيب غريب عن البلد ساكن قرب جامع عفيفي. والست أحلام أجرت له الأرض. وشيخ علي شيخ الجامع هو اللي بباشر معاه كل صغيرة وكبيرة. وبيستلم الإيجار ويبعته للست.
وائل: أيوه أيوه افتكرت من سنتين تلاتة الموضوع ده. بس أول مرة أعرف بوجود المشتل وأشم الريحة الجميلة دي.
الغفير: الريحة دي من كام يوم يا بيه لما جينا هنا. نشقوا على الدار بعد صلاة العشاء. بس جنابك ملحقتش تشمها عشان دخلت البيت على طول ومشيت على طول.
وائل: هز رأسه وأكمل خطواته حول المشتل بانبهار. ليصدح صوت هاتفه. يخرجه من جيب جلبابه. يفتح بسرعة وهو يرى رقم هاتف والدته هو الظاهر على شاشة الهاتف.
يصمت نهائياً وهو يستمع لصوت المتحدث. ويهرول عائداً لمنزله وهو ما زال يستمع للمتحدث. يصعد سيارته ويبعد الهاتف قليلاً كاتم الصوت بيده. أخبر الغفير بذهابه للقاهرة لأمر هام. يخبر والدته.
روحية: هاه؟ ما تحكي مالك سرحان في إيه؟
وائل: ابتسم لها ووقف من جلسته ومد يده يساعدها بالوقوف. تعالي ندخل المكتب أحكيلك كل اللي حصل هنا. الخدمين والغفر مش هناخد راحتنا.
دلفوا إلى غرفة المكتب، أغلقه خلفهما وجلس بالقرب من والدته.
وائل: زهور اتصلت بيا وقالت إنها محتاجاني في موضوع ضروري ومهم ومش عاوزة حد يعرف بيه. فضلت أكلمها لما وصلت العنوان اللي قالت عليه. عملت كل كلمة قالتها ونفذتها زي ما اتفقت معاها.
روحية: إيه هو الكلام ده وإيه هو الموضوع؟
وائل يقترب بشدة منها: زهور عرفت أهل أبوها. وتقولي زهور راحت ليهم. الناس دي واقعة في ضيقة غريبة، الله أعلم أمتى هيخرجوا منها. بيتهم وشركاتهم اتحرقوا، ربنا نجاهم على آخر لحظة.
روحية: ماتحكي كل حاجة. أنا مش فاهمة نص كلامك. قول كل اللي تعرفه من غير ما تنسى حرف.
وائل: بعد ما وصلت زهور للمحطة وتأكدت من القطار طلع، وأنا جاي بالطريق رن عليا عمي يحيى. وعرفته إن زهور ركبت القطار، وساعتين بالكتير وتوصل. بعدها رجعت البلد. زهور اتصلت بيا وكلمتني بعد ما كلمتني وعرفت إنها وصلت، كانت محتارة تتكلم بالألغاز. مفهمتش حاجة منها. بليل لما اتصلت بيا حكتلي على كل حاجة حصلت.
زهور: خالي وائل، اسمعني بس، ماتردش عليا. في موضوع مهم جداً محتاجالك فيه. اسمعني للنهاية، وبعدها قول كل اللي أنت عايز تقوله.
لتقص له مقابلتها بحسن، صديق والدها. وتفاجأت بوجود عمها.
وقصت ما أصابه حتى وصولها للمستشفى.
روحية: وزهور عملت إيه؟ واتعرفت إزاي على باقي أهلها؟ وفرحوا بيها؟ ولما كل اللي حيلتهم راح، زهور رجعت الحارة ولا راحت فين؟
وائل: زهور متعرفتش غير على عمها وجدها وصاحب أبوها. هحكيلك اللي عرفته بس اصبري على رزقك. لما راحوا المستشفى، عمها دخل في غيبوبة وكان تعبان ومرهق. صديق والدها أخدها لمكتبه تستريح لحد ما يفوق عمها، وحكت اللي حصل ده.
زهور: دخلت المكتب جسمي ينتفض. شكل عمي وكلامه الغريب. ولما كشفوا عليه وشفت جرح كبير في صدره وحروق على إيديه، قلبي وجعني عليه أوي. دموعي نزلت من غير ما أشعر بيها. عمي حسن قرب مني، لقيته بيبكي بصوت عالي وبيقول: "فعلاً اللي خلف ماماتش". فيكي كتير من زياد يبان قوي، بس هو أضعف ما يكون. قلبه طيب، مع إني كتير كنت بحس قد إيه إنه غامض. حاجات كتير جداً معرفتهاش غير من جواب سابه ليا بعد وفاته. وقتها معرفتش أزعل منه ولا أحزن عليه أكتر ما أنا حزين. عرفت منه ما تحكمش على إنسان بمجرد موقف حصل ما بينا. اتعلمت منه حاجات لو كان عايش وقتها استحالة كنت عرفتها، أو بمعنى أدق مكنتش شغلت بالي إني أعرفها. منها الأسرار اللي محدش يعرفها غيره. وكمان كنت فضلت بتهم والده بظلمه وهو السبب في موته. شهور بعد وفاته وأنا على الحال ده. لحد في يوم وأنا بزور قبر زياد زي كل يوم من وفاته، ولحد النهارده وأنا بزوره بشكل يومي. في اليوم ده كان جوايا كره لأبوه ميتوصفش. قرأت جوابه فوق العشرين مرة ومفهمتش هو يقصد إيه. وأنا قريب من قبره لقيت واحد قاعد على الأرض وساند راسه عليه. أول ما عرفت هو مين، لفيت وكنت ماشي. وقفت على صوت بينادي عليا.
عبد الرحيم: على فين يا حسن؟ ماشي كده من غير ما تزور صاحبك زي كل يوم؟ ولا عشان أنا موجود؟ على العموم، أنا كنت هاجي أزورك بالمستشفى وأكلمك. يقف من جلسته ويقترب من حسن، الذي اقترب منه يقف أمامه. فين بنت ابني يا حسن؟ أنا ما خليت مكان إلا ودورت فيه. بلد مرات زياد رحتها، ملقتهاش أثر. أهل أبوها أكدولي مشفهاش من يوم وفاة أبوها. أنا دورت في أماكن كتير ممكن ألاقيها فيها. حسن، أبوس إيدك عرفني طرقها. قال ذلك وهو ينحني على يد حسن يقبلها.
حسن يسحب يده ويتحدث بحدة: وده تكفير ذنب ولا ناوي تتخلص منها؟ زي ما تخلصت من أبوها زمان ووديته لخالته، عشان كنت بتستعر من شكله سنين وعمرك ما حسسته إنه ابنك ولا مرة أخذته بحضنك. مافيش غير أوامر وبس. فاكر كام مرة وجعته؟ كام مرة جرحته؟ كام مرة كره نفسه بسبب معاملتك ليه؟ لا مش معقول. عاوز تريح ضميرك بعد ما كنت السبب في موت زياد بسهولة كده؟ وهو تربي بنته كتعويض.
عبد الرحيم ينظر لحسن، برغم من حزنه من كلماته الجارحة، لكن سعيد بداخله. اهتز قلبه بقهر مع تزايد اتهامات حسن له.
عبد الرحيم: عمري ما استعريت من زياد، بالعكس. دايماً كنت بقول هو وش السعد عليا وعلى خالته زهروان الله يرحمها. كنت بتفائل بيه. أصرّيت ييجي يشتغل بالمجموعة، عشان بتفائل بوجوده. الصفقة اللي يحضرها، كنت بكسبها. إمكّن ده مالوش علاقة بالفال ويكون نصيب، بس أنا شفت بنفسي معجزات حصلت بوجوده. هحكيلك حاجة محدش يعرفها غير أنا وزهروان الله يرحمها وزيدان ابني كان شاهد. وعشان زيدان كتوم ومش بس كده، استحالة يقول حاجة لحد ما دام أنا قلت له متقولش.
حسن: هو إيه السر ده؟
عبد الرحيم: زهروان الله يرحمها كانت بتأمن بالـ "فال" قوي. وللأسف أنا كتير اتكلمت قدامها عن البركة والمكاسب اللي ربنا فتحها علينا من وقت ولادته. وزهور شفيت من مرضها وخفت بفضل ربنا ورضاها بعجز زياد. تعرف ليه سميته زياد؟ مع إني كنت واعد عبد الرحمن أسمي الولد على اسمه. عشان لما اتولد الدكتور بلّغني إنه فيه حدبة في ظهره. وقتها قلت له لو ينفع أعمله عملية تجميل وهو لسه طفل. كانت صدمة، قالي للأسف الحدبة استحالة تتشال أو يقلل حجمها. أنا قلت ده نزل زايد، الحمد لله اسمه زايد مش ناقص. وسميته زياد.
جات ليا المكتب وطلبت مني أقنع زهور مراتي إنها تديها زياد تربية بعد وفاة جوزها، لأنها متأكدة إن زهور هترفض نهائي. وعملنا خطة: زهروان تطلب بنت من البنات تعيش معاها. وطبعاً أنا هرفض، لأن من المستحيل أوافق بنت تخرج برة البيت لوحدها، يبال لو نامت. وقتها زياد كان خارج من موضوع الجراحة والتشوه اللي حصل له ونفسيته تعبانة جداً، وخصوصاً لما أخواته حبوا يرفهوا عليه وهو افتكر هزارهم تريقة عليه. الدكتور اللي كان يعالجه هو قال زياد قاله هو حابب يعيش بعيد عن البيت لفترة دي. وهو ال أقنعني أكتر. مع إن زهروان ربّته أفضل تربية وعدّلت من سلوكه، وصحّحت ليه وللتأني مرة يدخل في حالة اليأس وصمم يشوه الحدبة من تاني. فاكر أنت وقتها زياد كان بين الحياة والموت؟ وقتها أنا اللي كنت بموت من حزني عليه. زيدان وزايد وقتها راحوا المدرسة وكسّروها ومسكوا الولاد اللي تنمروا عليه وضربوهم، غير إن كاميرات المراقبة ثبتت. عميلهم فيه وقتها. قدمنا شكوى، واترفضوا من المدرسة. وبعدها زياد نفسيته تحسنت من جديد قوي بيك وبزهروان. تعرف، مصروف زياد لحد ما اشتغل، أنا اللي كنت ببعته. مخلّيتش زهروان تصرف عليه مليم. صمّمت على شغله بالمجموعة، عشان يفهم كل كبيرة وصغيرة. كنت بصمم يحضر الاجتماعات ويلم بالعمل ويجمع خبرة بكل التفاصيل عشان يقدر يحافظ على ورثه ويديره. حتى شجعته يمسك ويدير فندق خالته ويمسك كل شغلها برضه عشان يكون عنده خبرة.
كنت بعرف عنه كل كبيرة وصغيرة، إلا موضوع جوازه. لو كنت عرفته قبل ما أوعد أخويا بإنقاذ شرفه من أفعال بنته وطمعها. وقتها عرفت إنه متجوز بنت ملهاش أصل ولا فصل. ملحقتش أجمع معلومات عنها. هددته وقلت له هموتها أو أسجنها لو ما اتجوزش نهال. كنت خايف عليه من البنت تكون اتجوزته عشان فلوسه. وفي نفس الوقت عارف نهال قد إيه طماعة وأنانية، بس وعدي لأخويا كان أقوى من حبي لابني. يوم وفاة زياد، ده اليوم اللي قلبي اتكسر فيه. يومها مش بس زياد مات، لا أنا انكسرت من كله. مراتي اتهمتني بأبشع اتهام. معرفتي إنه خلف، الحاجة الوحيدة اللي مصبرني على موته، إن ليه بنت من صلبه هيشيل اسمه. هشّم ريحة ابني فيها. هعوضها عن حرمانها من أبوها. هطلب منها تسامحني كل لحظة معشتش بين حضن أبوها وأمها.
أنا مش بني آدم ولا قادر أعيش. قلبي بقى ضعيف لدرجة خفت على أحفادي. بعتهم عن حضن أمهاتهم عشان يجمدوا ويقووا عودهم ويقدروا يكملوا امتداد العائلة. وفي نفس الوقت ما بعدت عنهم، كنت ما بينهم عيني عليهم. عارف كل صغيرة وكبيرة عنهم. إلا بنت زياد، قلبي مش يهدى ولا يرتاح إلا لما ألاقيها وأخدها بحضني، وأربيها على إيدي.
حسن بذهول مما يسمع.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم منى عبدالعزيز
عاد إلى بيته ليجد كالعادة صراع زوجتيه. والجميع يقف حولهم، لا يعرف أبناء من فيهم متحيزين لمن من الزوجتين.
يقف يضحك من قلبه بسعادة غامرة، كل خلية في جسده تتراقص فرحاً. ينظر للجميع ويستمع لحديث كل واحد في أفراد عائلته، ليصمتوا جميعاً مع تردد صوت ضحكات من خلفهم. يلتفوا لمصدر الصوت ويجروا جميعهم تجاهه وهم يرونه فاتح ذراعيه، تتعلق به طفلته الكبرى زوجته نسمة كعادتها منذ صغرها، ليرتد للخلف عدة خطوات.
حسن: نسمة حبيبتي إهدي، أنا مش قدك كبرت على حركاتك دي.
تذوم وهي لازالت تحيطه بيديها، يربت على ظهرها بحنان كعادته، يهمس في أذنها بكلمات جعلت ابتسامتها تتسع، وسط نظرات حبيبه التي ترفع حاجبها لأعلى، لتقترب منه وتضمه وتهمس هي بأذنه، ليضيق ما بين حاجبيه ويهز رأسه من حركاتها الطفولية. يقبل أبناءه واحد تلو الآخر، ينحني على يد زوجة أبيه ووالدة حبيبه، يقبل يدها.
زوجة أبيه: حمد الله على سلامتك يا حسن، سنين وأنا مش شفت ضحكتك الحلوة دي منورة وشك كده.
حسن: خلاص يا ماما من هنا ورايح مفيش غير الضحك والفرح.
زوجة أبيه: ربنا يجعل أيامك كلها فرح يا حبيبي، إيه طمني زهروان رجعت؟
حسن: اقعدوا كلكم وأنا هحكيلكم كل حاجة. طبعاً كلكم عارفين زياد صديق عمري وحكايته وحكاية بنته، بس أنتم متعرفوش أصل الحكاية. هاحكيلكم كل حاجة من يوم ما صحبت زياد للساعة دي.
زمان وأنا طفل صغير كنت منطوي أوي، ماليش أصحاب، كنت أسمراني وشعري مجعد ولابس نظارة سميكة، وفوق كل ده كنت ضعيف جداً. كان الأولاد بيتنمروا عليا من مدرسة لمدرسة لحد ما استقريت في مدرسة وبالصدفة لقيت ولد تاني والولاد بيتنمروا عليه. كنت أنا وهو بنهرب جوه جنينة المدرسة. كنا تقريباً مش بنشوف بعض غير وقت البريك لما بنهرب في الجنينة. اتعرفنا على بعض وبقينا نحكي على تنمر الولاد علينا. الغريب إحنا نفسنا تنمرنا على بعض وفضلنا نضحك. يومها قالي حاجة غريبة: "ربنا خلقنا بالشكل ده لحكمة عنده وإننا مميزين ولازم نتعامل مع الأولاد على الأساس ده". وفعلاً بعدها الأولاد بطلوا يقربوا مننا. وقتها صحوبيتنا قويت يوم ورا يوم، بقينا صحاب. زياد كان طيب جداً وحنين أوي، نظرة عيونه كلها حزن. دايماً كان كتوم أوي، بيتكلم بالقطارة، حزنه دفنه جواه. نسيت أقولكم، زياد كان عنده حدبة في ظهره. تعرفوا أنا دخلت طب تخصص جراحة ليه؟ عشان كنت سبب رئيسي في تشوه ضهره بشكل مباشر. عشان كده تخصصت جراحة، كنت بحلم أعالجه وأشيله الحدبة دي، لأن كنت فاكر إنه سهل إنها تتشال. المهم.
كبرنا مع بعض، لينا مكان مخصص نتقابل فيه، كنا تقريباً بنعرف عن بعض كل حاجة، ده اللي كنت فاكره. بس النهاردة عرفت قد إيه زياد كان كتوم، معرفش عنه غير ربع اللي جواه. النهاردة عرفت سر حزن عينيه. زياد كان عظيم بدرجة لا توصف. النهاردة بس اتأكدت حزني عليه مجاش من فراغ. افتقادي ليه العشرين سنة الفاتوا ولا حاجة جنب شعوري دلوقتي. بعد عشرين سنة عرفت الحقيقة كاملة، عرفت سر وفاة زياد اللي أنا دكتور معرفتهاش ولا شكيت إنه مات بسبب الصرع أبداً، أو ما يعرف بـ... واللي أحد أهم أسبابها فعلاً الشعور بالحزن المستمر والضيق والضغط العصبي. ده بجانب أمراض تانية كانت عنده. بعد عشرين سنة ظهرت براءة الكل، أبوه وأخواته، حتى سلسبيل مراته، ظهرت براءتهم. والغريبة، لعشرين سنة كانت بين إيديا الحقيقة ومعرفتهاش غير من بنته زهروان.
حبيبة: أنا مقبلتش زياد غير مرة واحدة، بس متهيألي زهروان شبهه.
حسن: زهروان مش بس شبه شكلاً، لا دي فولة واتقسمت اتنين. بس تختلف عنه في شخصيتها القوية ونفس الوقت ضعفها. اللي. بدريه ببراءة. كلمها فيه رزانة وهدوء، عندها ثقة في نفسها. تشفيها وهي بتكلم عن كل واحد من كلام زياد، كأنها عاشت معاه العمر كله.
حبيبة: معقولة قصدك على مذكرات زياد؟
حسن: أيوه هي المذكرات، زهروان قريتها كلها وعرفت حقيقة كل فرد في عائلة أبوها. والغريب اللي حصل ما فيش عقل يستوعبه لحد دلوقتي.
ليقص عليهم ما حدث من اتصال حبيبه به يخبره بأمر زهروان بالجامعة، ويعيد قص ما حدث من وقت مقابلتها في الصباح الباكر أمام محطة القطار ومعرفتها ومقابلتها زايد عمها، التي تعرفت عليه وعانقته كأنهم أب وابنته تلاقيا بعد سفر طويل.
حسن: زايد من شدة الإرهاق وكان باين عليه بقاله فترة ما نامش ولا أخذ أدويته، دخل في إغماء. وخصوصاً مقابلة زهروان له بصدر رحب وأنها تعرفه بسهولة، فرحته كانت أكبر من قوة تحمله. مش هطول عليكم، أخذته المستشفى. لأول مرة أتأكد من مقولة عمر الدم ما يبقى ميه. زهروان كانت منهارة بمعنى الكلمة. أخدتها لمكتبي تستريح، وبالمرة أخلص ضميري من ربنا، لأن من فترة طويلة وأنا في صراع مع نفسي بحاول أوصل حلقة مفقودة في حياة زياد والكلام اللي سمعته من والده مرة في زيارة لقبر زياد.
يقص كل كلمة أخبره بها والد زياد. ليتوقف، يتنهد بقوة. يرفع عينه على كل ابن من أبنائه.
حسن: تخيلوا أب بشكل ده، دافن جواه أوجاع وحزن كبير، عايش بس يسعد اللي حواليه ويظلم في نفسه. إنسان يضحي بسعادته وراحته في سبيل يوفي بوعده لأخوه. يتهم بكل التهم، يفقد ابنه، يكتم وجعه جواه، كل ده عشان يبري قسم أقسمه لوالدته قبل وفاتها إنه هيفضل جنب أخوه ومش هيزعله أبداً.
حسن: أنا حكيت لزهروان كل حاجة عرفتها، وقبل ما أكلمها كنت اتصلت بيه ولحسن الحظ مكنش بعيد عن المستشفى. أنا شفت الراجل ده في كل حالاته، قوته وجبروته، شفت دموعه وكسرته على موت زياد اللي مظهرهوش غير بين نفسه. بس اللي شفته بمقابلته لزهروان، مهما تخيلت شكل مقابلتهم، ما كنتش هتكون بالشكل ده.
يعود بذاكرته قبل يوم.
حسن: باب المكتب انفتح علينا مرة واحدة، برفع عيني أشوف مين، لقيت زهروان مرفوعة من على الأرض وصوت بكاء بيجلجل المكتب كله. لو حد حكالي اللي سمعته وشوفته بعنيا ده، لا يمكن كنت أصدق. كنت برسم بخيالي مقابلته هتكون إزاي. الراجل ده خلف كل توقعاتي، حتى البنت نفسها خلفتها. البنت أول ما الباب انفتح كانت هي اللي رمت نفسها بحضنه، وهو كمان كانه يعرفها ومتأكد إنها حفيدته، بيلف بيها المكتب ويكلمها وصوته مخنوق من البكاء.
عبد الرحيم: سامحيني يا بنت الغالي، سامحيني على سنين بعدك عني، سامحيني على حرمانك من أبوكي. يقبل وجنتيها ويجذبها يضمها لصدره. سامحيني على كل لحظة عشتيها من غير سند، سامحيني على سنين تعبك وصبرك. سامحيني على كل دمعة وجع دمعتها عيونك، على كل يوم نمتي وإنتي بتشتاقي لأبوكي. كل لحظة عشتيها في اتهام ووصمة عار مش فيكي، سامحيني على كل يوم وإنتي بعيدة عن عائلتك. سامحيني على دموعك دي. سامحيني على كل حاجة وأي حاجة.
زهروان: أنا إنسانة أكيد جوايا مشاعر وألم سنين طويلة، مش في إيدي أسامح ولا أتنازل عن حق من حقوقي. أنا عاهدت نفسي هاخد حقي من كل اللي ظلمني. أنا ما شفتش يوم حلو في حياتي. عارف حضرتك لما تعيش مسجون بتهمة إنت بريء منها، إحساس الظلم وحش أوي. عاهدت نفسي هاخد حق كل دمعة دمعتها بعيوني، هنتقم من كل اللي كان السبب فيها. وبالرغم من كل ده، أنا نسيت كل حاجة حصلت زمان. نسيت كل وجعي بضمتك دي، سنين عذابي راحت في اللحظة دي. أنا اتولدت من جديد من وقت ما قريت مذكرات أبويا. تخرج من بين أحضانه، تحاوط وجهه بيدها. تعرف كنت خايفة معرفكش من وصفه ليك، بس لقيتك زي ما وصفك بالظبط، طبعاً مع فرق بسيط وهو شعرك.
عبدالرحيم شعر بدوار، ارتد للخلف، يسرع حسن بإمساك يده ويساعده بالجلوس، ليشكره الجد ويشير لزهور بالاقتراب منه، وهو يوجه الكلام لحسن.
عبد الرحيم: سمعت اللي أنا سمعته؟ زياد وصفني لبنته عشان لما تكبر تعرفني، متخيل الكلام ده معناه إيه.
زهور: مش بس وصف حضرتك شكلاً، لا ده وصف طيبتك وحنانك، ومش بس كده، لا ده حكالي كل حاجة من يوم ما اتولد لليوم اللي اتولدت أنا فيه. ومكتفاش بده، لا وصاني بوصية أوصلها لكل واحد فيكم، أولاها لحضرتك، ولسه هوصل لكل واحد وصيته. الحمد لله قدرت أنفذ أول وصية خلاص.
حسن وعبد الرحيم يسألها: ما هي الوصية التي تتحدث عنها؟
تقترب زهور من حقيبتها وتخرج منها دفتر مذكرات والدها.
زهور: أبويا وصاني أول ما أقابلك أحضنك وأقولك ده حضن متأخر ليك، وإنه مش زعلان من اللي حصل لأنه عارف إنك لا يمكن تخلف وعد وعدته لأخوك. في كلمتين لازم حضرتك تعرفهم، مكتوبين بخط يده. بيقول فيهم... لتقرأ ما خطه زياد لوالده.
بابا أنا مش زعلان من حضرتك. طول عمري بحملك تعبي ووجعي، كنت بتتهمني بكرهك ليا، دايما شيلتك تهم حضرتك بريء منها. كنت بفسر تصرفاتك بالدكتاتورية، دايما بعرضك أي حاجة تطلبها، أعملها كنت بعمل عكسها. كبر جوايا العند، كنت فاكر إني كده بكون قوي الشخصية، أو بالدقة بعيد عن قيودك اللي بتفرضها علينا. مكنتش حابب أكون نسخة تانية من زيد أو زايد.
كنت دايما بعارض حضرتك قدام الأولاد، وقتها كنت فاكر إني بكده بخليهم يتمردوا عليك. حتى في بداية مذكراتي كتبت كل اللي مريت بيه في حياتي لبنتي من يوم ما اتولدت لحد لحظة اللي كتبت السطور دي. لولا جواب وقع بالصدفة بأيدي، غير كل مفاهيمي، غير جوايا حاجات كتير. جوايا صراع مش قادر أوصفه.
هل أنا ظالم ولا مظلوم؟ ظلمت بنتي ولا لأ؟ ظلمتها لما كتبت حاجات تكرهها في عائلتها. وممكن تكتفي باللي كتبته ومتكملش قراءة باقي المذكرات. أنا في حيرة وصراع. جوايا بيطلب أمحي كل حرف كتبته، والتاني يقول: خليه عشان بنتك تتعلم متحكمش على حاجة من غير ما تتأكد منها، لازم تتعمق فيها قبل ما تحكم عليها. لازم تتعلم إن الظواهر خداعة زي المظاهر بالظبط. لازم تعرف وتتعلم نفوس اللي حواليها.
بابا أنا متأكد بإن حضرتك مستغرب كلامي اللي بالألغاز. هتعرف أقصد إيه. بابا أنا عرفت قد إيه أنت عظيم، أب بمعنى الكلمة. قد إيه بتتحمل، قد إيه بتيجي على نفسك عشان غيرك. كنت فاكر إن حضرتك متملك وأنانى. لحد ما قريت رسالة ماما زهروان بالصدفة، بعد ما كتبت جزء كبير من مأساتي زي ما كنت مصدق نفسي وعايش في دور الضحية. لبنتي وقع في إيدي جواب بخط ماما زهروان.
قريت كلامها وأنا مصدوم من اللي بتقوله، ووصيتها ليا حقايق كتير بالأسماء والتواريخ. حكت ليا عن تضحيتك، عن اتفاقك معاها. حكت عن المصاريف اللي صرفتهم عليا. عن سنين حبك لماما وقد إيه أنت اتعذبت واشتغلت لحد ما بنيت نفسك ورجعت شركة العيلة جنب والدك، واللي جه عمي وضيعها بإهماله وطيشه.
بابا أنا موجوع أوي من جوايا. موجوع على حرماني من بنتي. موجوع إني كده كده هسيبها، أنا أيامي بالدنيا معدودة. الكلام ده محدش يعرفه أبداً.
مفيش أمل من شفائه. أي وقت ممكن أموت. سبحان الله نفس اليوم اللي عرفت فيه هو نفس اليوم اللي صممت عليا بجوازي من نهال. وقتها مفرقش معايا إني أتجوزها. نهال والموت أمر واحد. أنا اتوجعت والحسرة ملت قلبي من تهديدك المبطن: يا أوافق أجوز نهال، يا تسجن سلسبيل. وقتها الدنيا اسودت في عيني.
كنت برسم في خيالي كلها كام يوم وأقابل ربنا، وقبلها هوصي حسن يعرفك بإني متجوز ومخلف. وأنا عارف قد إيه أنت هتحافظ على بنتي لأنها حفيدتك، هتاخدها في حضنك. بس تهديدك بسجن سلسبيل واتهامها بأبشع تهم، خوفوني عليها. وفقت على الجواز وإني أطلق سلسبيل بعد ما أكتب كل اللي أملكه باسمها هي وبنتي. لأن كنت عاجز أحميها منك ومن غدر نهال اللي متأكد منه.
بابا وقتها قلت أصرحك بوجود زهروان بنتي. خفت عليها منك ومن عمي ونهال. خفت من كل الموجودين. خفت في يوم يتكاتروا ويتفقوا يخلصوا منها. سم نهال عارفة بيسري بالدم، ومتأكد إنها وراء ملعوب الجواز ده، وإنها اللي أقنعت عمي يضغط عليك، خصوصاً والكل عارف إن حضرتك لا يمكن ترجع في وعد أديته لعمي عبد الرحمن، حتى لو الحاجة دي فيها موتك.
بابا للأسف أنا ضعيف إني أحمي بنتي ومراتي. طلقتها وبأنانية رديتها لعصمتي من غير ما أعرف حد. يدوب كتبت ليها جواب بده. جواب خلتها فيه تكره جدها هنا وتخاف منك ومن زايد. جواب يخليها تخاف وتبعد لحد ما تقدر ترجع تطالب بحقها وحق بنتي. في النهاية بابا اليوم اللي هيوصلك الكلام ده، اعرف إني مسامح حضرتك، وياريت تسامحني.
يصمت حسن عن الكلام، يجاهد في التحكم في تلك الدموع التي تتزاحم بمقلتيه، تتسارع بالهبوط. يسحب نفس عميق ويخرجه وهو يوزع نظراته بين أطفاله. لتقع عينه على ابنه الأكبر زياد المصاب بمتلازمة داون، الذي غفى وهو جالس. يهب واقفاً ويخطو تجاهه، يساعده في النهوض وهو يطلب من الجميع بالذهاب للنوم. وسط تذمرهم، فهم يريدون أن يستمعوا لباقي الحكاية. بعد أسرار حسن عليهم، توجهوا لغرفهم، وساعد هو ابنه حتى أراحته بفراشه. واتجه للخارج ليقف مصدوماً، وهو يرى حبيبة تشير له بالقدوم لغرفتها. ليسير تجاه الغرفة وهو يتلفت يميناً ويساراً، حتى وصل إلى مكان وقوف حبيبة التي تتراجع للخلف، تدفع الباب بظهرها وتدخل الغرفة.
ليدخل حسن خلفها، يفاجأ بمن تحاوط خصره من الخلف، تهمس بالقرب من أذنه بكلمات صدم من واقعها عليه. لتنتابه قشعريرة بكامل جسده. آثار قبلة على رقبته، لينتفض مرة واحدة مع إسناد رأسها على ظهره ويدها لازالت تحوطه. ليمسك يدها المتشابكة ويديرها إليه، ينظر لوجهه الذي اشتاقه.
وعينيها التي تلمع بتلك اللامعة الذي افتقدها لسنوات، تبوح له باشتياقها له. ليفقد كل ذرة تحكم في عقله مع لمسات يدها وهي تفك أزرار قميصه. لينحني بعد أن نزعه، يحملها تجاه الفراش.
يقضي معها وقت لم يناله معها منذ زواجهما. قلبه يرفرف فرحاً من كلماتها التي تشدو بها، كأنها مقطوعة موسيقية تعزفها على أوتار قلبه. مر وقت طويل وهم بتلك المعزوفة، حتى شعرا بالكمال. ليتمدد جوارها. لتزيد من دهشته وهي تضع رأسها على صدره ويدها تحوطه. ليبتسم ويرفع رأسه لأعلى، يضحك بصوت تردد في أرجاء الغرفة.
حبيبة ترفع عينها تجاهه، تبتسم على ضحكته. تتحدث بلهفة:
بتضحك على إيه؟
يقبل يدها بضحك:
على حركاتك برة والكلام اللي قلتيه. مفهمتهوش غير دلوقتي. مع إني أسعد إنسان على وجه الأرض باللي حصل ده، بس مستغرب سر تغيرك المفاجئ.
من هنا ورايح هتلاقيني كده. مش هسيبك تاني أبداً. أنت مش بس جوزي وأبو ولادي، أنت حب عمري. آسفة على التأخير في الاعتراف ده، بس اللي يشفع لي نظرة العشق في عيونك. صبرك طول الفترة اللي فاتت.
تصمت، ترفع جسمها لأعلى.
أنا عرفت كل حاجة حصلت الفترة اللي فاتت، وإنك كنت بتنام بالمكتب. في اليوم المخصص ليا، حتى في يوم نسمة كنت بتخرج تقعد بالمكتب لحد ما تنام. حسن، أنا بعشقك.
وبعشق كل تفصيلة فيك.
حسن: يقبل يدها، يحاوطها ويقربها لتضع رأسها موضع قلبه.
تعرفي يا حبيبة، أنا فرحان أوي بكلامك ده، وفرحان برجوع زهروان لعائلتها. بالرغم من حزني إن زياد خبى عليا حاجات كتير. بس اللي شفع له كلامه اللي كتبه لابنته.
حبيبة: احكيلي باقي التفاصيل. حصل إيه وزهروان رجعت مع جدها ولا راحت فين.
_ لا، زهروان راحت على الفندق بعد ما اتفقت مع جدها على.
مسند رأسه على حافة القبر، دموعه تسيل دون توقف. يبكي بصوت يقطع نياط القلب، يهتز جسده من شدة بكائه. يرفع رأسه، يجفف دموعاته. ويعتدل بوقفته بعد حديث هامس بينه وبين صاحب القبر. يلقف نفس وراء الآخر. ينحني مرة أخرى مقبلاً أعلى القبر، ويتحدث بألم لصاحبه ويرحل دون الالتفاف. يصعد سيارته ويسرع بقيادتها، يشق ظلمة الليل.
ودموعه لا تتوقف تسيل على وجنتيه مع تردد كلمات سمعها قبل قليل. يرددها بينه وبين حاله. حتى توقف بسيارته أمام البناية الكائن بها. يضع رأسه على مقود السيارة، يتنفس بسرعة، يجفف دموعه. يرفع رأسه، ينظر لأعلى، يثبت عينه. يرى طيفاً من بعيد يقف بشرفة الشقة الكائن بها. نغزة قلبه بعد التأكد من هوية الواقف. يترجل سريعاً من السيارة، مطلقاً لقدمه العنان.
تقف بشرفة الشقة، تتوشح بوشاح شقيقتها. عينها تفتش بين المارة العابرين الطريق عنه. لتعتدل بوقفتها، تنظر لأسفل البناية. مع توقف سيارة أمام البناية. تصاعدت أنفاسها وهي ترى من ترجل من السيارة. يقف أمامها، تتلاقى الأعين. لتسرع بالابتعاد عن الشرفة، تخطو تجاه باب الشقة، تزامننا مع خطواته تجاه البناية بخطوات سريعة. دلف للمصعد، ضغط زر الصعود، يتنفس بصوت مسموع. لم يتمالك حاله فور رؤية من تقف أمام باب الشقة، تفتحه على مصراعيه. تفرد ذراعيها ليرتمي بها. تربت على كتفه وتحدثه.
زهور الأم: مالك يا نور عيني؟ خرجت من غير ما تقول. رنيت على تليفونك كتير، قلقتني عليك. حصل إيه خلاك راجع منهار كده.
ابتعد قليلاً عنها، وأمسك يدها: تعالي، ودلف داخل المنزل.
ليترك يدها ويقف أمام صورة بطول الحائط.
_ شفتها يا زياد، قبلتها، أخدتها بحضني. شميت ريحتك فيها. عينيها نفس عيونك، بتكلم وتبوح بما في الجواها. شفت فيهم سنين عذابها وحرمانها. شفت فيهم عتاب لو خرجته تحتاج قد عمرها تتكلم وتخرجه من جواها. شفت فيهم نبتة طيبة وحنان. شفت فيهم عيون أمي وحكمتها. والأهم من كل دول تضحيتها.
يلتف لمن تضع يدها على كتفه من الخلف، تحدثت بصوت مهتز.
_ في إيه يا عبد الرحيم؟ إيه الكلام اللي بسمعه ده؟ أنت أنت قبلت زهروان؟ معقولة تشوفها وتقابلها، ومتقوليش؟ هي فين؟ مجبتهاش معاك ليه؟ إزاي تروح تقابلها من غير ما تقولي؟ معقولة رفضت تيجي معاك؟ طيب خدني ليها، هي عند أحلام مش كده؟
_ شفتها وقلبي رفرف بفرحة محسيتش بيها من وأنا عيل صغير. تعالي أحكيلك كل حاجة.
_ تجلس مقابلة له، تنظر إلى عينيه وتلك الدموع التي تسيل منها. ترفع يدها لا شعورياً تجففها له، ليقبل بطن يدها قبلة شاكراً. ليرفع هو الآخر يده يزيح دموعها التي تسيل من عينيها مع كل كلمة تخرج منه.
عبدالرحيم: حسن اتصل بيا وقالي إن زهروان معاه بالمستشفى، وزايد كمان. دخلت أفرحك وأخدك معايا، لقيتك نايمة وخادة صورة بحضنك. مقدرتش أصحيكى وأقولك الخبر ده، خفت عليكي. وفي نفس الوقت مستعجل أشوفها وأطلب إنها تسامحني. أخذت مفتاح عربية زيد، والحمد لله المستشفى مش بعيد. وصلت المستشفى وأنا سايق بأقصى سرعة، وساعدني على ده الطريق فاضي. اتصلت بالمعلم يحيى والست أحلام، طمنتهم. وهم كمان مكذبوش خبر وجم بعديا بفترة صغيرة.
ليقص عليها لقائه بزهور.
_ طيب ليه مجبتهاش معاك؟ أملي عيوني بشوفتها، اخذها بحضني. خدني ليها يا عبدالرحيم، وديني الحارة عند أحلام أشوفها وأقنعها تعيش معانا هنا.
عبدالرحيم: زهروان مش في الحارة، زهروان بالفندق دلوقتي.
_ أنت بتقول إيه؟ زهروان بالفندق؟ أنت عقلك جاله إيه؟ إزاي تسيبها تروح الفندق لوحدها؟ ناسي المجنونة نهال بنت أخوك، ممكن تعمل إيه في البنت.
_ زهروان مش لوحدها، أنا مأمنها كويس أوي خطوة بخطوة. في ناس معاها صوت وصورة غير رجالتى مأمنها. ولو على نهال متخفيش، قربت تقع، والفضل لزهروان إن شاء الله هتقع في شر أعمالها.
_ لا، أنا مش هصبر ولا يهدالي بال وأنا قاعدة هنا ومش عارفة البنت فين وجرالها إيه.
اطمئني، زهروان هتكون بخير إن شاء الله. اللي قلقان عليه هو زايد، خايفة يتهور لو قابل نهال. ولا شد مع زهروان. زايد عصبي وممكن يضيع كل حاجة بسبب عصبيته.
_ أنت قلقتني أكتر. فهمني الحكاية إيه بالضبط.
_ اهدي بس وأنا هحكيلك كل حاجة. ليقف فزعاً أثر صوت زيد ابنه.
زيد: مش معقولة اللي بيحصل ده. راحوا فين؟ تليفوناتهم جرس ومش بيردوا.
_ يجلس يظفر أنفاسه بضيق يحدث ابنه.
حضرتك بترن على مين مش بيرد.
ــــ آيات يابابا آيات من الصبح برن عليها جرس ومش بترد. حتى غدير بتصل عليها مش بترد.
آيات آيات مافيش ف حياتك غير آيات. كفاية بقي أمته هتفوق. بسبب حبك لها بنعاني كلنا. أنا واخواتك كلنا بندفع تمن الحب ده. حتى ولادك اللي ولا في دماغك ولا شاغل تفكيرك هم فين وبيعملوا ايه. قولي اتصلت اطمنت على أولادك فين حصلهم ايه. على أخوك كل ال شغلك آيات. أنا مش رافض حبك ليها حبها زي ما انت عاوز بس اتحمل مسئولية شويه. بسبب حبك ده عبدالرحمن اشتري واتحكم فيا. دايما ماسكني من ايدي اللي بتوجعنى عارف نقطة ضعفي. بيك عارف اني مستحملش اشوفك مهموم سنين استغل حبك لابنته لتضغط عليك وعليا ننفذ كل اللي يؤمر بيه. فلوس ياخد على المكشوف. ظلمت اخواتك عشان يوافق على جوازك منها واكتر واحد اظلم هو زايد. زايد اللي عايش ومش عايش سنين متحمل جوازه من آمال عشان ميحصلش بينك وبين مراتك مشكلة. زايد اللي رغم تعبه ولسه مستر دش صحته بعد العملية لحد دلوقتي بيحمينا. احنا هنا متخبين خايفين من نهال ومكايدها وهو من مكان لمكان يواجه كل مخططاتها. انت كل اللي شغلك هي الهانم مراتك. هو مشغول بينا كلنا. يحارب كل الجبهات لوحده معهوش حد يساعده. انا وانت هنا منعرفش عنه حاجه. بس متأكد ان زايد مشغول بالكل. فوق يا زيد انت مش صغير كلها كام سنه وتبقى جد. مش بقولك بطل تحبها بس افصل بين حبك وبين عالتك. ولادك بردة ليهم حق عليك. سألت هم فين نجوا من تدببر نهال ولا لا. يابني أنا مش هفضل عايشلكم اكتر ما عشت. انت واخوك هتمسكوا العايلة من بعدي. بلاش ترمى كل الحمل عليه. عارف انك مش مقصر بس دايما محتاج اللي يوجهك ومش مفروض تكون ايات.
زيد: بصوت مخنوق. أنا فعلا مريض بحبي لآيات لأنها هي الوحيدة ال بشعر معها بأهميتي بأن ليا لازمه. حضرتك كنت المتصرف الوحيد في حياتنا اعملوا ده متعملوش ده البس دي متلبس دى حتى الاكل مفيش حاجه اخترتها غيرها آيات هي اللي اخترتها. حضرتك اتحكمت فى كل حاجه حتى ولادي حضرتك ال اختارت أسميهم وحياتهم. عارف ان عمي الله يرحمه استغل حبي ليها. وظن بعده نهال. صحيح أنا مشغلتش بالي بولادي لان عارف ومتأكد ان حضرتك وزايد اهتموا بالموضوع ده. مشغلتش بالي لان عارف انهم في بر الامان طالما عمهم جنبهم. مشغلتش بالي غير بآيات لانى عارف محدش منكم هيهتم بيها. حتى غادير بنتى مشغلتش بالي بيها لانى متأكد انها هي واخده بالها من الكل وناسيه نفسها ماهي تربيتك يا بابا اقرب مني انا شخصيا لحضرتك.
عبدالرحيم: يربت على كتفه. يابني أنا مقصدتش اللي وصلك آيات بنتي أنا مش بنت عبدالرحمن أنا اللي ربتها. أنا مش هو هو أبوابها في شهادة الميلاد وبس. بس عشان أنا ربتها انا وامك كويس كانت بتسمع كلامه من غير ما تفكر وتناقش. أنا لو اتكلمت معاك بالطريقة دي عشان تأخد بالك انت بعيد عن ولادك اوى. مش عايزك انت وأخوك تعيدوا حكايتى مع زياد. كفاية اللى بنعنية لحد دلوقتي. وعلي العموم ظنك فى محله فعلاالولاد دلوقتي في مكان أمين بس لا انا ولا زايد السبب دي دي زهروان بنت زايد.
وائل ظل يقص ل روحية كل شئ حتى قدومه للبلدة.
روحية: معقولة اللي بسمعه ده في ناس بالشكل ده. واية جدها ده الراجل ده جبل لو واحد غيره كان وقع من الحمل اللي شيله على كتافة وقلبه. معقولة حبه لأخوه ده هو في أخوات بالشكل دى. فعلا متحكمش على بني آدم غير لما تتعامل معاه متعتمدش على السمع.
وائل: فعلا كلامك صح. الراجل ده تشفية تقولي متكبر مغرور شخصيته والهالة اللي حواليه عملاله هيبه. تتكلمى معاه ايه كم التواضع اللي فيه. صوته الرزين عقله نبرة الحزن والقهر بصوته وبالرغم من كل ده محافظ على وقارة.
احكيلي زهور قابلته ازاي. اتعملت معاه ولا ايه ال حصل. وطلبت ليه وهتروح تاني ولا لا.
حيلك حيلك يا ام وائل وحدة وحدة عليا. هحكيلك كل حاجه بعدين بس دلوقتي خلي الشغالين يحضروا اكل كتير و فرش. و يبعتو على بيت امى أحلام.
ليه هى أحلام جات البلد طب مجتش معاك هنا ليه.
الأكل والفرش مش لامى أحلام دول ل.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم منى عبدالعزيز
وائل ظل يقص لروحية كل شيء حتى قدومه للبلدة.
روحية: معقولة اللي بسمعه ده، في ناس بالشكل ده؟ واية جدها ده؟ الراجل ده جبل، لو واحد غيره كان وقع من الحمل اللي شيله على كتافه وقلبه. معقولة حبه لأخوه ده، هو في أخوات بالشكل ده؟ فعلاً متحكمش على بني آدم غير لما تتعامل معاه، متعتمدش على السمع.
وائل: فعلاً كلامك صح. الراجل ده تشفيه؟ تقولي متكبر، مغرور، شخصيته والهالة اللي حواليه عملاله هيبة. تتكلمي معاه؟ إيه كم التواضع اللي فيه؟ صوته الرزين، عقله، نبرة الحزن والقهر بصوته، وبالرغم من كل ده محافظ على وقاره.
ـ احكيلي زهور قابلته إزاي؟ اتعملت معاه ولا إيه اللي حصل؟ وطلبت ليه، وهتروح تاني ولا لأ؟
ـ حيلك حيلك يا أم وائل، وحدة وحدة عليا. هحكيلك كل حاجة بعدين، بس دلوقتي خلي الشغالين يحضروا أكل كتير وفرش، ويبعتوا على بيت أمي أحلام.
ـ ليه؟ هي أحلام جات البلد؟ طب مجتش معاك هنا ليه؟
ـ الأكل والفرش مش لأمي أحلام، دول لضيوف زهور.
ـ ضيوف زهور؟ ويطلعوا مين الضيوف دول؟ وائل، إيه الحكاية بالظبط؟
وائل: ولا حكاية ولا رواية. كل ما في الموضوع دول ولاد عم زهور، حبة تحميهم وفي نفس الوقت تربيهم على طريقتها.
ـ لا، أنا مش فاهمة. فهمني، وحدة واحدة، اصل الموضوع.
وائل: ابدأ. بعد ما زهور اتصلت مع جدها وعرفت كل حاجة...
روحية: لا، اهدي كده وارجع لورا شوية. في كلام مقولتوش. حصل إيه وإضافوا إزاي؟
ـ ابدأ يا ست الكل، أنا حكيت ليكي كل حاجة. مفيش بس غير اتصال جه لجدها، وهم بيتكلموا من شخصية كبيرة في البلد، وقال له إن أحفاده مطلوب القبض عليهم بتهم حرق مجموعة شركات الغمراوي جروب والقصر، وفي شاهد بجرائمهم، مدير أمن القصر ومساعديه، غير وجودهم في مقر المجموعة. ونصحه إن الأولاد يهربوا برا البلد لحد ما يثبتوا براءتهم. الرجل كان هيتجنن. رئيس الأمن بقاله سنين معاهم، إزاي يعمل كده؟ وليه؟ ويثق في مين بالحالة دي؟ هيعمل إيه ويتصرف إزاي؟ اتصل على كتير من معارفه يساعدوه في إنهم يخرجوا من البلد لحد ما يثبتوا براءتهم. بس زهور وقفت مرة واحدة تسأله بستنكار، وحدة، وانفاسها متسارعة وهي تحدثه.
زهور: لو سمحت حضرتك، ممكن تفهمني الموضوع كله؟ ليه إصرارك تهرب أحفادك بالطريقة دي؟
الجد: جذب يد زهور وأجلسها بجواره، ينظر لها بعيون دامعة ويتحدث بتوتر وصوت منكسر وسط ذهولها من تبدل حاله. قبل ثوان كان يجلس بكل وقار ويتحدث بثقة مع محدثه بصوت رزين وقوي. من يراه لا يكاد يصدق أنه نفس الشخص الجالس يتهته بالكلام أمام فتاة.
الجد: قولى جدو يا زهروان، قوليهالي. متحرمنيش منها، قولى جدو فرحى قلبى الموجوع. بلاش حضرتك، قولى أولاد أعمامي، مش أحفادك. قولى جدو، نفسي أسمعها منك.
زهور: ممكن متستعجلش ونسبق الأحداث؟ حضرتك خلي كل حاجة تيجي بوقتها.
الجد: هو لما أقولك قولى جدو، بلاش حضرتك، يبقى أحداث إيه اللي نسبقها؟ هو مش طبيعي تقولي جدو؟
ــ مش هكدب على حضرتك وأقول حاجة مش حساها، ولا هقدر أنطقها وأرددها زي البغبغان. وعارفة اللي بيدور في دماغ حضرتك. أمال اللي حصل من شوية كان إيه؟ لما بقول الكلام ده، لأن ببساطة أنا كنت بنفذ وصية والدي. لكن كزهور، لسه جوايا أسئلة وحقائق كتير محتاجة أعرفها وأتأكد منها. لو كنت فاكر عشان الكام حضن اللي حصلوا من شوية هنسى، يؤسفني أبلغ حضرتك إنهم استحالة كانوا حصلوا لولا وصية أبويا. هو اللي وصاني بيهم، وأكيد وصية المتوفى واجبة النفاذ.
ــ الجد يلتف لحسن، ينظر له باستغراب، يهز رأسه، يشعر بالعجز. عقد لسانه مع كل كلمة تخرج من فمها: طيب وكلامك من شوية لما قلتي إنك نسيتي و...
ــ مش ناسية. أنا قلت إيه؟ أنا قلت إني أقسمت إني أنتقم من كل اللي كان السبب. وحضرتك أثبت إنك مكنتش تعرف بوجودي اللي بعد وفاة أبويا. وده هو اللي أثبته، مش حضرتك. فياريت خلي كل واحد فينا يتعامل بطبيعته. أنا عن نفسي مش هقول غير اللي لسانه هينطقه من غير كذب أو تكلف.
ــ حاولي يا...
ــ لو سمحت، ياريت بلاش نتكلم في موضوع مفروغ منه بالنسبالي. وأظن موضوع أحفادك أهم.
حسن متدخلاً بالحديث: زهروان، ممكن تهدي شوية. وحضرتك يا عمي، سيبها على راحتها. بالرغم إني عندي تحفظ على جزء من كلامها، بس عندها كل الحق في موضوع الأولاد، حسب ما سمعنا من شوية. مفيش وقت، ولابد من خروجهم بره البلد بأقصى سرعة.
ــ قص الجد على زهور وحسن كل ما حدث من مؤامرات طوال السنوات الماضية، حتى اليوم. قص لهم عن سفره منذ عدة سنوات للخارج لتلقي العلاج وإجراء عملية دقيقة بالمخ، حتى نجح أولاده وحفيده الأكبر زين في إثبات براءته، والقبض على من تسبب بكل تلك المؤامرات. ليكتشف بعد سنوات قليلة هروب المتهمين وقيامهم بحرق شركاته وقصره.
يصمت قليلاً، يلتقط أنفاسه، ويكمل الحديث.
ــ لولا فضل ربنا علينا وذكاء زايد ابني، كنا كلنا متنا محروقين في القصر. العناية الإلهية ساعدتنا كتير. أنا وزهور جدتك وعمك زيدان كنا هنا بالمستشفى بنزور قربتك أحلام. وعرفنا بداية خيوط الجريمة من بنت جارتكم وشغالة بفندق معاكي. والأولاد كانوا بيدوروا عليكي بكل فنادق البلد والمستشفيات. زايد قدر يهرب باقي العائلة وخبأهم بمكان أمين. والأولاد بعد ما عرفنا بمكانك، طلب زايد منهم يروحوا مخزن الشركة يحققوا مع المتسببين في اتهامك بالفندق بالسرقة ومصائب كتير اكتشفناها بالصدفة. فجأة شب حريق بالمجموعة، ولولا وجود الأولاد بالوقت ده هناك، ولحقوا ينقذوا كتير من مباني المجموعة، كانت اتحرقت كلها.
حسن: أكيد في شهود بكده، وكاميرات المراقبة، وأمن الشركة يثبت براءتهم.
زهور: لا طبعاً. مش ملاحظ فيه حلقة في النص مفقودة؟ أو بالادق مرسومة ومحبوكة ومتفصلة تفصيل. واللي رسمها رسمها بالضبط من غير ما يسيب غلطة أو احتمال فشل. لو رتبتها من أول السطر.
تعتدل بجلستها، تقترب من الطاولة أمامهم، تزيح ما عليها بجانب من جوانبها وتشرح ما توصلت له.
ــ الخطة مرسومة إن العائلة كلها تموت في الحريق، ومحدش ينجي منها أبداً. وبالتالي، في وريث لكل ده. وفجأة، في مجموعة من العائلة ظهروا وخربوا الخطة الأولى. يبقى البديل حريق بالمجموعة، ودي جات على طبق من فضة بوجودهم بالمكان، أو ممكن خطة مدبرة. بس المؤكد إنها كانت مدروسة وبديلة، فشلت الخطة الأولى، ومكنش مقصود بيها الشباب. لا، دي متفصلة لشخص واحد بس. والشباب جم كبش فداء، زي ما يتقال كده، ضربة توجع وتموت. وبالنسبة للكاميرات، حضرتك ما سمعتش وهو بيقول رئيس الحرس ومساعديه معترفين. يعني الموضوع خلص.
ــ هتجنن. رئيس الحرس بقاله سنين طويلة شغال معانا. بنعمله كأنه فرد من العائلة، مش قادر أفهم ليه عمل كده.
ــــ إممم، لا، ده وراه سر كبير. لازم نخليه أول أولويتنا، لأنه مفتاح كل اللي جاي، أو بالادق طرف اللغز.
لتصمت قليلاً، تمد يدها، تمسك قطعة من التحف من طرف الطاولة، تضعها بالمنتصف، وأخرى بالقرب منها، تنظر لها وتحرك إصبعها برسم حلقات مفرغة على الطاولة، لترفع رأسها لأعلى، تنظر بوجه الجد، وتعاود النظر لرسوماتها مرة أخرى. تقف وتنظر للجد نظرة طويلة وتتحدث.
ــ مش ملاحظين حاجة في كل اللي حصل؟
ـ حاجة إيه اللي تقصدها؟
ــ اللي أقصدُه إن في مستفيد من حريق القصر وموت الكل. لكن لما فشلت الخطة، نفذ الخطة البديلة وهي حريق الشركة. بس مش حريق كامل، لا، دي حاجة كده متذكرش. وبرضه يضرب عصفورين. الأول هيدمر اسم العائلة ويساوم على الأدلة اللي في إيده ببراءة العائلة، وده طبعاً هتكون بشروط وتنازلات هتفرض على حضرتك شخصياً. ده أولاً. ثانياً: وده مهم أوي. المساومة مش على الشركات، المساومة هتكون على حاجة كبيرة عند المحرض، أو بمعنى صحيح المدبر لكل ده.
تصمت، تزامنًا مع فتح باب المكتب سريعًا ودخول زايد بلهفة. يتحدث.
زايد: يتنفس بصوت عالٍ، صدره يعلو ويهبط. كل كلمة قلتيها صح. اللي كان مقصود بحريق الشركة أنا. لكن كان مقصود كل الشركة، بس في واحد لقى نفسه هيخرج خسران، غير الخطة من غير علم التاني. وعندك حق، المساومة على حاجة تانية ملهاش علاقة بالشركات. المساومة هتكون على الفنادق. وخصوصًا كل الخطط اللي أدبرت توقع الفنادق اختفت كأن شيئ لم يحدث. شخص واحد بس طول عمره طمعان يمتلك الفندق بالأرض اللي حواليه. ودلوقتي متأكد مليون المية إن كلامك صح يا زهروان، كلامك صح. المساومة ببراءة الأولاد والعائلة تمنها سلسلة الفنادق.
الجد: يقف مسرعًا. قصدك نهال هي اللي وراء كل ده؟ طب إزاي؟ هي مش في المستشفى؟
لينظر إلى ابنه وشحوب وجهه ويديه الملفوفة بضماد طبي.
ــ زايد قالها بلهفة أب على والده: استريح يا بني، وبعدين اتكلم.
حسن: إزاي الدكاترة يسيبوك تخرج كده من العناية؟ لازم ترجع. حالتك متسمحش بالكلام.
زايد يقترب من زهور، الذي ابتعدت عنه خطوة كلما اقترب منها، لتجد نفسها بين يديه، يضمها له. صوت بكاه جعلها كالصنم، بعد أن حاولت التملص من بين يديه، توقفت، تغمض عينها، محاولة التماسك وعدم انخراطها بالبكاء، تأثرًا بذلك الذي يكاد يعتصرها بين يديه وصوت بكاه يزلزل الغرفة.
الجد: بصوت متحشرج مناديًا عليه: زايد، تعال هنا جنبي. أنا حاسس بـ... وقد إيه قلبك موجوع اللحظة دي. بلاش تتعب قلبك وتزيد عليه وجعه. زهروان كمان محتاجة تاخد وقتها.
زهور تائه بين يدي زايد، مشتتة بين قلبها وعقلها. بين احتياجها لتلك الضمة، وإلى رغبتها في تمردها. قلب يريد من يشعرها بالأمان، وعقل يريد إظهار قوتها وصلابتها. قلب مشتاق للحنان، ويريد الانخراط بتلك المشاعر التي تدفئه لأول مرة طوال سنوات عمرها. وبين عقل يرفض الخضوع والاستسلام، يأبى التأثر. ينادي بأن تظل ثابتة قوية، تثأر لنفسها. تتساءل بين حالها.
ــ هو أنا أملك حق الانتقام لسنين أوجاعي وقهر قلبي؟ بعد اللي قريته وتفرض عليا، ووصية أخدتها عهد على نفسي أنفذها كلمة كلمة، وأكون بره بوصية أب مشفتهوش، أب حلمت بيه، رسمته من خيالات، شفتها بمنامي. وصية ملزمة أنفذها بعد ما قريت كل كلمة فيها وصدقتها، ملزمة أنفذها لحد ما أتأكد من عكس الكلام اللي مكتوب فيها.
تشعر ببرودة وقشعريرة فجأة، لتفتح عينيها، ترى زايد يبتعد عنها رويدًا رويدًا، حتى ابتعد، لتشعر بصقيع يضرب جسدها بعد دفء لامس قلبها قبل جسدها.
زايد: يفك حصاره لزهور، يبتعد عنها وعيناه تسيل منها شلالات من الدموع. يلتف للخلف يجد حسن يبكي وصوت شهقاته عالية. ينخرطوا في نوبة بكاء جميعًا.
زهور تقاوم كعادتها منذ صغرها، لتحدثهم بصوت خرج متقطع ليقوى كلما تحدثت:
"أكيد دموعكم دي غالية، وفي نفس الوقت صعبة. بس في الأهم من البكاء على ماضي موجع. ممكن كلامي يجرحكم، والأكيد هتقولوا إني بلا مشاعر، مش بحس ولا بتأثر. مش هدافع عن نفسي وأقول لا، أنا مش كده. وإن متأثرة بكل اللي حصل، وقد إيه فرحانة إني بين أقرب حد ليا. كنت بحلم بس ألمح طيفهم، مش بس أقبلهم وأكون ما بينهم. ناس شفتهم بعين حد تاني، ولما بقيت بينهم شفتهم بقلبي قبل عيوني. صحيح مش هنكر إن جوايا متلخبطة، لسه ما حسمتش أمري في شكل علاقتي بيهم."
"بس في الأهم، اللي أنا شايفه إن اللي جاي أهم. وخصوصًا إننا مع عدو دارس كل خطوة ومرتب ليها أكتر من حل. عدو عارف كل تحركات العايلة وسبقنا بخطوات. عدو عارف كل كبيرة وصغيرة عن كل واحد في العايلة واحنا منعرفش عنه حاجة للأسف. عدو بيخطط ومعاه خيوط اللعبة مصممها ومفصلها على قد كل واحد فينا. مصممها بأنها تناسب كل واحد بالظبط، وامكن تكون محشورة فيه ضيقة مش مقاصة بدل ما يخرج منها. لا بضيق حوليه أو تخنقه وهو جواها. وده ما يمنعش إن العدو ده بيتحكم فينا بطريق غير مناسب ومؤكد إحنا عرايس بيلعبها بأيده. لازم نقلب الترابيزة ونكون بالموقف الأقوى، نسبقهم بخطوة تشتت أفكاره، وفي نفس نضرب في كل الجبهات في الوقت اللي يكون في أوج انتصاره. نكون احنا ملكنا خيوط اللعبة في أيدينا. وده هيجي بأكتر من طريقة. بس الأول ممكن تحكولي كل حاجة عن نهال دي والسبب وراء كل اللي بتعمله."
زايد بانبهار بحديث زهور، ينظر لها بعين ممتلئة بالسعادة والغبطة. يجلس بجوار والده ويشير لها بالجلوس لتجلس على الكرسي المقابل له. وجلس حسن خلف مكتبه.
يلتف الجميع تجاهه وهو يبدأ بالحديث:
"آسف إني هتكلم في البداية، بس لازم تعرفوا حاجة مهمة حصلت من فترة طويلة. بعد ما المحامي جمعنا لفتح وصية زياد، بالتحديد تاني يوم نهال جتلي هنا المستشفى. في الأول استخدمت أسلوب، اسف على اللفظ، بس لازم تعرفوا الهانم استخدمت أسلوب الإغراء. بعد فشل محاولاتها التجأت للتهديد. وبالفعل نفذت تهديدها بعدها بشهر واحد. ويومها جات هنا وساومتني. وقتها كنت بين خيارين، كل واحد فيهم أصعب من الثاني. الأول، أوڤي بوعدي لصاحب عمري. والثاني، أنقذ اسمي كدكتور وزوج، أو أضيع كل حاجة. اسمي والمستشفى وزوجتي. بعد ما اتفقت مع بنت ممرضة هنا بالمستشفى إنها تقدم بلاغ تتهمني فيه بأني حاولت أغتصبها، بعد ما رفضت مراودتي ليها، وإني هددتها بـ إني ها رفضها وها منعها تشتغل في أي مستشفى أو عيادة. وقتها فقدت كل ذرة في عقلي، هتجنن من اللي بيحصلي، وخصوصًا كنت وقتها بمر بمشكلة نفسية كبيرة."
"لولا فضل ربنا عليا، أثبت براءتي بنفس السلاح اللي حربتني بيه. وزملائي الأطباء والممرضات شهدوا لصالحي. وفي دكتور قدم تسجيل للبنت وهي بتغريه وتدخل بعلاقة كاملة معاه لأكتر من مرة. وبعدها خرجت من الموضوع ده، عملت بلاغ بأني استخدم المستشفى في عمليات مشبوهة وجرائم أخلاقية. بس الحمد لله خرجنا منها زي ما دخلنا."
"زايد: وهي عملت كل ده ليه معاك."
"حسن: كانت عاوزة تدخل معايا شريكة بالمستشفى بنصيب زياد. ولما رفضت وقلتلها دي أمانة صاحبي لبنته، لا يمكن أفرط فيها. لقيت ملامحها اتغيرت وبتكلم بهستريا وتهدد. وبعد فترة من المعاناة من المشاكل اللي مش بتنتهي، من اتهامات بسرقة أعضاء لمرضى، لحريق جزء غير حيوي من المستشفى، ضرائب وشكاوى بالصحة بمخلفات، وحتى شكاوي بأن الأدوية مغشوشة ومن مصادر غير معروفة، وأدوية وعقاقير مخدرة بكميات تكون بالمخازن. ومش بلحق أخرج من تهمة، ألاقي التانية. بس الحمد لله بعد فترة قدرت أثبت إنها تهم باطلة وكيدية، وخصوصًا كل الأدلة بتختفي. وده طبعًا كان إنذار عشان أستسلم وأتنازل عن نصيب زياد ليها. وبعدها اختفت لما ملقتش استجابة مني. ومسمعتش عنها حاجة من يومها غير النهاردة."
زهور: "مش ملاحظين حاجة في الكلام والأحداث؟ نفس الطريقة والخطط اللي استخدمتها مع دكتور حسن، هي هي الطريقة اللي استخدمتها مع حضرتك، بس زاد عليها حاجة، وجودي أنا."
الجد: "قصدك إيه."
زايد ينظر لها بذهول ويهز رأسه بلا. لتبتسم زهور وتتحدث معه بصوت واحد:
"تحرق القصر بالعايلة كلها. وبما إن المستفيد الوحيد من الحريق، وعندها دافع للانتقام، هي إنتي. أنا لـ إني الوريثة الشرعية لكل ثروة عايلة الغمراوي. وطبعًا كل الشكوك والاتهامات تحوم تجاهك. تجاهي ويتقبض عليا. عليكي."
تُصمت زهور، ويكمل زايد الحديث:
"وطبعًا تيجي نهال وتظهر كأنها الملاك المخلص، وتساوم على إظهار براءتك في سبيل تتنزلي ليها عن الفنادق وورثك من زياد الله يرحمه. ولما خطتها فشلت، قالت تلحق نفسها وتعدل الخطة بأنها تورط الأولاد وتساومنا، وفي نفس الوقت تنتقم مني لأسباب كثيرة، من أولها سجنها وموت عمي الله يرحمه. واتهمها بـ إني أنا السبب لما كشفت خطتها الدنيئة ومصايبها، واكتشاف عمي إنها سبب موت زوجته وأولاده الصغيرين."
الجد يشعر بأن قلبه سيخرج من مكانه مما يسمع من حقائق لأول مرة يعلمها عن ابنة شقيقه الذي رباها ببيته وعملها مثل أبناءه. تلك الشيطانة تقوم بكل تلك الأفاعيل وهو لا يعلم عنها شيء. يتحدث بقهر وقلب ممزق على شقيقه الذي توفي بعد صدمته في ابنته. هطلت دموعه كسرب من النمل يمشي بخط مستقيم، لا تخرج واحدة من خطها المستقيم التي تسير به صديقتها.
زهور بحمية وصوت رزين ومرتب، اقتربت من مكتب حسن وأمسكت حقيبتها. أخرجت منها هاتف روحية التي أعطته لها قبل رحيلها من البلدة، وأجرت اتصال هاتفي مع أحدهم، وأغلقت الهاتف بعد إخباره بما تريد منه وأن ينتظر اتصال آخر منها تخبره بما عليه أن يفعل.
"بتفكري في إيه يا زهروان؟ حاسس إنك فكرتي بخطة سريعة."
تنظر فر عينيه وتصمت دون حديث. ليعاود سؤالها مرة أخرى، لتخرج أنفاسها وتهز رأسها.
"أيوه عندي أكتر من حل مناسب جدًا للمشاكل دي. بس الأهم إننا نهرب الشباب لمكان آمن جوه مصر مش بره."
الجد: "إزاي جوه البلد؟ ممكن بسهولة يتقبض عليهم أو تكون مراقبهم وتعرف مكانهم. أنا هعمل ترتيباتي وهخرجهم قبل النهار ما يطلع على أي بلد مافيش فيه اتفاقية إنتربول."
"وحضرتك متخيل واحدة خططت لكل الجرايم دي مش هتكون فكرت ولو واحد في المليون بنفس كلامك؟ ومبلغتش أول حاجة عن هروبهم. ومش بعيد تروح المطار تلاقي إن كل الغمراوية ممنوعين من السفر. والأدهى بقي في نشرة بأوصاف العايلة كاملة."
"كلام زهروان صح يا بابا، كل كلمة قلتها. متأكد إن نهال فكرت فيها ونفذتها كمان. وأول حاجة عملتها قدمت بلاغ بمنعنا من السفر بره مصر."
"أنا مش مصدق كل اللي بسمعه. إمتى وإزاي لحقت تعمل كل ده وتخططت وتنفذ واحنا ولا حاسين ولا داريين بكل ده."
زايد: "للأسف استغلت انشغالنا ومشاكلنا اللي مش بتنتهي، وخصوصًا بعد ما دخلت العمليات واستغلت فترة مرضي. وقدرت تضرب ضربتها وتستغل ناس كتير شغالين بالفنادق والشركات والقصر."
تجـلس تستمع لما يقال بعقل مشتت، تحاول تجميع أفكارها. تحدث نفسها كأنها تتحدث مع شخص يقف أمامها وسط نظرات الجميع لها. لتبتسم ابتسامة تنير وجهها. تلتفت لهم تحد نظرات الاستغراب وتساؤلات تملأ أعينهم.
"أنا لقيت مكان ميخطرش على بال حد. هنهرب فيه شباب العائلة، وكمان جوه مصر مش بره. منها يختفوا عن العيون لوقت ظهور الحقيقة. والتانية حاجة في نفس يعقوب، بعدين هتعرفوا. الأهم من كل ده، محتاجة أعرف شخصية كل واحد فيهم بيحب إيه وبيكره إيه. ده أولًا."
"ثانيًا: محتاجة أعرف كل حاجة عن اللي اسمها نهال دي. وطلب بطلب من حضرتكم تساعدوني في اللي جاي، من غير ما تعترضوا أو تمنعوني. أنا هقابل اللي اسمها نهال دي النهاردة، وقبل ما تعترضوا، عندي خطة محدش يتوقعها ولا يمكن حد يعرف ينفذها غيري. كل اللي طلباه منكم أنتم الثلاثة، إنكم تسمعوني قبل ما تعترضوا. ويا ريت محدش يعرف بالكلام اللي هقوله دلوقتي لحد ما ننفذ الخطة، لأن بعد ما نرتب تفاصيلها وأبدأ في تنفيذها، هكون لوحدي بعيد عنكم."
"تفتكري إن أنا بعد ما لقيتك بعد السنين دي كلها، ممكن أعرضك للخطر؟ أو أسيبك تقابلي نهال؟ ملايين الدنيا فداء روحك، ووجودك قدام عيني، وإني أبقى شايفك قدامي. آخدك بحضني، أتنفس ريحة ابني فيكي. عندي بكنوز الدنيا كلها."
بسعادة غامرة قلبها، تكاد تلقي بحالها بين أحضان جدها. تحاول التماسك بكل ما أوتي لها من قوة. تتلمس يدها جانبي الكرسي الجالسة عليه، تتمسك بهما. يساعدها على تمالك أعصابها وعدم الانصياع لكل تلك الأفكار التي تداعب قلبها قبل عقلها. تخرج كلماتها بعد أن رتبت أفكارها حتى لا تضعف مقاومتها لمشاعر تتمنى الانصياع لها.
"حضرتك مقدمناش حل غير ده. اسمعني للنهاية بعد إذنك."
زايد وقف تجاهها، جثى على ركبتيه أمامها. رفع يده يكور وجهها بيده. هو قلبه يكاد يخرج من مكانه، يصرخ بلوعة وهو يرى ملامح وجهها. يغمض عينيه، تتدحرج دموعه، وعلت أصوات أنفاسه. صوت ابتلع ريقه يسمعه الجميع مع ارتفاع صدره وهبوطه. يهمس باسم طالما تمنى التقاط صاحبته بين حنايا صدره. تخرج كلماته غير مفهومة وهو يحاول أن يتماسك.
"إنسي الكلام اللي قلتيه. استحالة هسيبك تقابلي المجنونة دي. أو تعرضي نفسك للأذى. لو على السجن أنا مستعد أسجن. لو على الأولاد أنا هعرف أبعدهم وأخرجهم بره البلد بمعرفتي. لكن معنديش استطاعة إني أخسرك يا سلس."
زهور ضربات قلبها تتسارع، تشفق على الجالس مقابلها. تحدثه بنهره كأنه طفل صغير يتلقى التأنيب من والدته وهو ينصاع لكل حرف يخرج من بين شفتيها.
زهور: لو سمحت حضرتك اتفضل اقعد مكانك على الكرسي. في حاجات أولى من أي مشاعر وأحاسيس. مش هكدب عليكم وأقول إني مش بفكر بالمقابلة دي ولا إني مش خايفة ومرعوبة. لأ، أنا خايفة، بس مش خايفة من اللي اسمها نهال. لأ، أنا خايفة إني أفشل ومقدرش أنفذ خطتي. خايفة ماخدش تاري منها. وحاجة مهمة، مش عايزة أسمع كلمة "هرب". الولاد، وابعدهم، ممكن تفهمني؟ وبعد ما تهربهم، تظهر براءتهم إزاي؟
أو هما هيتعلموا من أغلاطهم إزاي؟ والأهم من ده، وده لازم يتربوا من أول وجديد. يتعلموا إن الدنيا مش دايماً ليهم.
يوجهوا مشاكلهم ويعتمدوا على نفسهم. حضرتك مش هتعيش ليهم العمر كله تخرجهم من كل مشكلة. أمتى هيبقوا رجال يعتمد عليهم؟ يبقوا سند ليكم ولباقي عيلتكم؟ يحافظوا على اسم العايلة اللي فضلتوا تبنوه وتحفظوا عليه. للأسف، بهروبهم حضرتك بتضعف شخصية كل واحد فيهم. ودايماً هيهربوا يواجهوا أي مشكلة. من الآخر، هيبقوا قش.
الجد بانبهار من تفكيرها وسعادة واضحة على وجهه: بالرغم من صغر سنك، لكن تفكيرك أفضل من تفكيري أو تفكير واحد فينا. وحدك غيرك كانت فرحت ببعد ولاد عمها وخلو الطريق قدامها، وإنها تستولي على كل قرش، ومش بس كده، تنتقم منا. بس انتي غير. زهروان يا بنتي، أنا من إيدك دي لإيدك دي.
موافق على كل كلمة بتقوليها. مش ضعف مني ولا استغلال ليكي. لا لا، دي ثقة بأنك هتخرجينا كلنا لبر الأمان. هتعلمي ولاد عمك اللي أنا والدنيا فشلنا فيه. لو مت، هموت مطمئن.
لأنك موجودة بينهم. هموت وأنا مرتاح. كنت بموت ألف موته كل ليلة وأنا بفكر لو مت وأنتي بعيد عني، مش عارف أوصل لمكانك. هقف قدام زياد ابني إزاي؟ هقوله إيه؟ بنتك معرفتش ألاقيها. آخر ذكرى منك ضيعتها، زي ما ضيعتك. هقف قدامه بأي وش؟ أطلب منه يسامحني؟ ولا لما ربنا يسألني وأنا واقف بين يديه، حفيدتك ذنبها هتدفعه إزاي؟ ميزانك ناقص في كفة، ومائل في كفة تانية من ثقل وزنه. من حق ابنك ومراته وبنته. سنين جافيني النوم وأنا بدعي ربنا أشوفك وأضمك وأطلب مسامحتك ليا قبل ما أواجه رب كريم. يا بنتي، قولي لي إيه اللي عندك؟ بتفكري في إيه؟ خطتك إيه؟ وقبل كل ده، إيه اللي محتاجاه مننا ودورنا هيبقى إيه؟
زياد يبتعد عن زهور، يلتف لولده يتحدث وصدره يعلو ويهبط من شدة انفعاله: بابا، حضرتك بتقول إيه؟ إزاي توافق على كلامها؟ إزاي هتأمن عليها تقابل المجنونة نهال؟ حضرتك متخيل نهال هتقبلها بالأحضان؟ دي مش بعيد تحاول تقتلها أول ما عينيها تقع على زهروان. لا، أنا لا يمكن أبداً أسمح بالمقابلة دي. لو على الولاد، اعملي كل اللي انتي عايزاه، لكن أضحي وأخليكي تقابلي المجنونة دي؟ لا وألف لا. لو مصممة، أنا اللي هقابلها. لو موتتني، أنا موافق، لكن مش مستعد أنا أو بابا أو أي واحد فينا بأننا نخسرك بعد ما تعبنا سنين واحنا مش قادرين نوصل ليكي.
زهور بسعادة تجاهد في عدم ارتمائها بين يديه، تضمه وتشتد في ضمته، تحارب تلك المشاعر المختلطة بين فرحتها بكلامه، وبين موجة من الدموع تكتلت بين جفونها لشعورها بصدق كل كلمة يبث بها عمها.
احمم، كلام حضرتك خلاني متمسكة أكتر برأيي. خوفكم عليا حفزني أكتر من الأول. إن كنت عاوزة أقبلها قيراط، بعد كلامك عاوزة أقبلها مليون قيراط. مش مكبرة، ولا ثقة في حضرتك، لأني هكون متسلحة بسلاح مش عندها.
زياد: سلاح إيه اللي هتدفعي بيه عن نفسك؟
ـ حضرتك هو سلاحي. مش معقولة هتسبني ليها، أو على الأقل مش هتأمن المكان اللي هقابلها فيه.
ــــ زايد بفرحه: أنا أحميك بروحي.
زهور: يبقى متفقين. ممكن بقى تسمعوا خطتي ونتفاهم على كل عناصرها ودور كل واحد فينا، ومين أهل الثقة ممكن يساعدنا. وأه، قبل كل ده، محتاجة محامي ثقة حالا. وكمان معارف حضرتك التقال بالبلد، هنحتاجهم.
حسن: وأنا دوري هيكون إيه؟
زهور ببتسامة: دور حضرتك بعد ما يوصل الشخص اللي اتصلت بيه من شوية، هتساعده في نقل الشباب للمكان هيقعدوا فيه الفترة الجاية، وكمان هتكون مرسال ما بينا وبينه من غير ما حد يعرف ولا ياخد باله.
الجد: طيب وجدتك وباقي العايلة اللي نفسهم يشوفوكي ويتعرفوا عليكي؟
زهور: آسفة من اللي هقوله، مقابلتي ليهم هتبوظ كل خطتي. لأن أكيد أكيد هيوصل للست دي. مش قصدي أخون حد من العائلة، بس من كلامك عليها يؤكد لي إن في حد من جوه البيت بيوصلها أخباركم لحظة بلحظة.
زايد: عندك حق. في حد كان بي يوصلهم أخبارنا، بس خلاص انكشف، أو بالأصح انكشفت.
الجد بذهول: مين دي يا زايد اللي بتتكلم عليها؟
ــــ نيرة بنت زينة يا بابا، للأسف.
زهور: يبقى مقدمناش غير إننا نأجل المقابلة دي بعدين. ممكن بقى تسمعوا خطتي.
صمت حل بالمكان، جلس الثلاث رجال بجوار بعضهما، وزهور بمقابلتهم، وبصوت هامس بدأت تسرد لهم خطتها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثمانون 80 - بقلم منى عبدالعزيز
جالس على الأريكة عينه مثبتة على إطار صغير، تدحرجت دمعة منه وهو يتذكر قبل فترة قليلة من الزمن.
"لا تنسى أبداً أن الله هو العدل، خلقنا لنعبده، وزع الأرزاق والأقدار. جعل منا المنعم ومنا المقدر، ومنا الغني ومنا الفقير، ومنا المتعافي ومنا المريض، ومنا القوي ومنا الضعيف، ومنا المعز ومنا الذليل، ومنا الصادق ومنا الكاذب. وزع المقادير بالعدل. منا من رضي ومنا من سخط. خلق الجنة والنار، ندخلها برحمته وندخلها بسخطه. رضاه الجنة وسخطه النار. رحمته وسعت السموات والأرض، وبالاستغفار يمح سخطه.
وزع الأرزاق بين عباده، قد يكون رزقك في صبرك، ولعلك رزقك في بصيرتك، ولعلك رزقك في نفسك اللوامة وضميرك الحي. ولعلك الله منعها عنك ليشغلك به فترفع درجتك وتؤتى سؤالك وتضاعف حسناتك. دائماً تذكر أن ما تحصل عليه سوف يكون عوضاً بالإضافة إلى مكافأة الصبر. فكلما تأخر ما تريد أتاك إن أحسنت الظن أفضل مما أردت.
اللهم اجعلنا من المرحومين فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك. اللهم أحسن خاتمتنا وتوفنا وأنت راضٍ عنا. اللهم باعد بيننا وبين النار كما باعدت بين المشرق والمغرب. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد أن هديتنا للإيمان.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين."
هكذا أنهى الشيخ علي إحدى كلماته اليومية بعد صلاة العشاء. يخرج أهل القرية بعد الشكر والسلام عليه، تاركين الشيخ جالسًا ككل يوم في المسجد يقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، ليصدق سريعًا وهو يرى ذلك الجالس قبالته يغلق مصحفه ويربت على يد الجالس أمامه.
الشيخ علي بابتسامة تشع النور من وجهه: "أيوه كده يا أبو جنة، أخرج ونور مكانك بالجامع، بكفيك رقدة. أخرج وروح وتعالى، هتروق وتخف الجعدة والنوم ما يجيبوش غير التعب والمرض."
أبو جنة: "ربنا يخليك يا شيخ، كلامك بيريح الواحد، يرطب على قلبه. الحمد لله على نعمه. اسمعني يا شيخ، أنا جاي أبري ذمتي قدامك، ومن قبلك أبري ذمتي قدام ربنا سبحانه وتعالى.
أنا زي ما أنت عارف أجرت الأرض من الست أحلام وصرفت عليها على يدك لحد ما بقت عفية وبتجيب زرع مش في الجهة كلها. وطبعًا أول محصول حضرتك قلت لي: "انت صرفت كتير على الأرض وهتعرف الست أحلام ومافيش قسمة مابنا السنة دي". بس أنا بعت المحصول والحمد لله بفضله وكرمه كسبت أكتر ما صرفت أربع مرات. لولا شوية العيا جولي وموت أم جنة المفاجئ صرفت جزء كبير من الفلوس، والجزء الباقي ده من حق الست أحلام. اتفضل وصلهم ليها."
ليصمت قليلاً، يفرق في يده، ويتحدث مرة أخرى.
السيد أبو جنة: "بعد إذنك يا شيخ، أوصيك وصية. بناتي جنة وجنات، خد بالك منهم، حطهم جوه عينك، دول مالهمش حد نهائي من بعد ربنا سبحانه وتعالى غيري. لو ربنا أراد وأخد أمانته، مش هيكون ليهم حد غيرك. خلي بالك منهم وحاجي عليهم دول، دول ولاد اللي بيسمعوا كلامك. جنة عصبية شوية وحماقية في الحق، بس ومفيش أطيب من قلبها. لولا هي وأختها مكنتش عرفت أزرع الأرض وأجيب محصول. وكمان مشروع الورد اللي عملوه وراء بيت الست أحلام بقى عال، والحمد لله أهو بـ يجيب قرشين ليهم يصرفوا على نفسهم، والباقي دخلوه من ضمن إيجار الأرض."
الشيخ: "ربنا يحفظهم يا أبو جنات ويفرح قلبك بيهم وتجوزهم وتفرح بولادهم وولاد ولادهم."
أبو جنات: "يا ريت يا شيخ أعيش وأفرح بيهم بس وأطمن عليهم. جنة تقدر تكلم وتاخد حقها، لكن جنات قلبي وجعني عليها قوي. أوعدني يا شيخ لو جرالي حاجة تخلي بالك منهم وتسترهم مع رجالة ولاد حلال. أنا صحيح مملكتش من الدنيا غير البيت العايشين فيه وقرشين صغيرين يكفيهم ما يمدوش إيدهم لمخلوق، بس خايف عليهم من ولاد الحرام يطمعوا فيهم، وهم ولاد اللي ملهمش حد غير ربنا."
علي: "أديك قلتها بنفسك، ملهمش غير ربنا. ربنا هو القادر على كل شيء. متخفش يا أبو جنة، لو اجتمع الإنس والجن على أن يضروك بشيء ربك مش رايده، مش ها يضروك بشيء."
السيد: "ونعم بالله يا شيخ. أنا سيبهم في معية الله ومعيتك."
أنهى كلامه وهب واقفًا مستأذنًا من الشيخ، وقبل أن يتحدث الشيخ علي ويرد عليه، يجد من سقط أمامه أرضًا لا يتحرك. يسرع زحفًا إليه، يربت على خده، وينادي عليه، ليبكي بصوت متحشرج وهو يزيح وشاحه من على كتفه ليغطي به وجهه، ويترحم عليه. جلس لدقائق يحاول النهوض حتى نجح، ليتجه تجاه الباب مناديًا على بعض المارة.
ليفيق على صوت أحد يناديه، يزيح دموعاته بطرف يديه.
ليفتح عينيه عند سماع صوت ينادي عليه. يعتدل في جلسته محمحمًا، يبتسم بابتسامة باهتة وشفقة وهو ينظر لمن يناديه.
الشيخ علي: "نعم يا بشمهندسة جنة، متأخذنيش شردت شوية."
جنة: بخجل وعيون باكية، "متشكرين يا سيدنا الشيخ على وقفتك جنبي أنا وأختي طول أيام العزاء، مش هننساها طول ما إحنا عايشين وجميلك ده على روسنا من فوق."
"جميل إيه يابنتي، إنتم زي بناتي، أبوكم الله يرحمه ويغفر له كان ونعم الجار ونعم الصديق، وقبل ما يلاقي ربه وصاني عليكم. يا بنتي المرحوم توفي من شهر وزيادة، وإنتي وأختك ملزمين البيت ومخرجتيش منه، وناسية إن الأرض ومشروعكم محتاجين رعاية. وكمان وقت الحصاد قرب والزرع بقى حاله ما يسر عدو ولا حبيب، الطير بيسعى فيه. متنسيش إن الأرض أمانة صاحبتها سابتها في رقبة المرحوم أبوكي، وهو شقي فيها وتعب فيها هو والمرحومة والدتك، وإنتي واختك تعبتوا فيها جامد وقدرتم بمجهودكم وعلمكم تخلي الأرض البور أرض بكاري، عفية بتزرع أحسنها زرع وأجودها في البر كله. فبعد ده كله تضيعوا تعبكم، أكيد ما يرضيش ربنا."
جنه: "غصب عنا يا شيخ، إنت عارف اللي مرينا بيه وموت أبويا المفاجئ، وكلام الناس هيفضلوا ينهشوا في لحمي أنا وأختي وهيقولوا محزونوش على أبوهم وخرجوا ورحموا، وجاي، وإنت سيد العارفين كلام أهل البلد."
"يا بنتي الناس موارهاش غير الكلام، حتى لو قفلت بابك على نفسك انتي واختك مش هتسلمي من كلام الناس. يا جنة يا بنتي ارمي كلام الناس وراء ظهرك وحزنك على أبوكي مش قعدتك بالبيت وتضيعي شقى أبوكي وحلمك ومشروعك. إن شاء الله من الفجرية تصلوا وتتوكلوا على الله، تراعوا الأرض وتشوفي الزرع، وأي حاجة تحتاجوها شيعوا علينا عندك بإذن الله في التو واللحظة."
"إن شاء الله يا سيدنا الشيخ، اللي تؤمر بيه إحنا هننفذه حاضر."
الشيخ: "ربنا يسهلك الحال يا بنتي وما يؤمر عليكم ظالم ولا عدو. هستأذن أنا، يدوب الحق صلاة العشاء. يلا تتمسوا بالخير، بكرة أعدي عليكم بالأرض ألقاكم واقفين بمشتل الورود منورين."
جنة: "بإذن الله، منين ما تمر علينا هتلاقينا هناك."
رحل الشيخ، وأغلقت جنة باب المنزل خلفه، والتفت تقع عينها على شقيقتها الصغرى تقف بالقرب من باب إحدى الغرف.
جنة: "أخيرًا خرجتي يا جنات من الأوضة، حمد الله على سلامتك."
جنات: تضم رأسها ودموعها تسيل على وجنتيها، تنظر للباب الخارجي للمنزل وتشير بيدها.
جنة: "قصدك الشيخ علي."
جنات تهز رأسها بمعنى نعم.
جنة: "ماله الشيخ."
جنات تشير بيدها على إحدى صور والدها المعلقة، تزيح دموعها، تشير على نفسها تارة وعلى جنة أخرى، وتهز رأسها.
جنة: "إنتي موافقة على كلام الشيخ علي وهتروحي معايا الأرض عشان المرحوم."
جنات توم برأسها بالموافقة، وتتجه لشقيقتها، ترتمي بحضنها.
مضى الليل الطويل على الفتيات كدهر كامل، يفزعن كلما سمعا صوت أو مواء قطة، يَنمن متمسكات ببعضهن، مدثرات من أخمص أقدمهما حتى رأسيهما. ينهضن من نومهم المتقطع مع أذان الفجر. يرحلن من المنزل بعد أداء فرضهما وإعداد ما يلزمهم من لقيمات وماء وأدوات يستخدمونها في عملهم، ليصلوا إلى الأرض مع أول شعاع للشمس.
يومان بليلتيهم مضوا على وجود سيدات الغمراوية منعزلين عن بعضهن، الفتيات في غرفة والسيدات في أخرى. في غرفة السيدات جالسات ظهورهن للحائط، مبتعدات عن بعضهن، معاد زينب التي تضم شقيقتها زينة لصدرها، تربت على ظهرها، والأخرى تبكي بنحيب، جسدها يرتجف بشدة، مع كل شهقة تخرج من فاها تحدثها شقيقتها تحاول تهدئتها.
"إهدي يا زينة، إن شاء الله البنت هتكون بخير، وزايد مش هيسيبها غير لما تتحسن ويجيبها ويجي."
زينة تتحدث بصوت مكسور ضعيف، تخرج كل كلمة منها كسكين ينغز في حلقها.
"دول يومين يا زينب، يومين واحنا هنا محبوسين، لا حس ولا خبر، حتى زايد لا جه ولا طمنا، منعرفش حاجة."
"إطمني يا زينة، متقلقيش، زايد مش هيسيبها."
"طول عمري عايشة مطمئنة بوجود إخواتي جنبي، زايد وزيدان دايما كانوا سندنا جنب بابا، عمرهم ما قصروا معنا ولا مع أولادنا، سنين عايشين في القصر بعد اللي حصل، ولا مرة فرقوا بين أولادهم وأولادنا، بالعكس كتير كانوا بيفضلوا أولادنا على أولادهم. تقوم الطعنة والخيانة تجي من مين وعشان مين."
ترفع وجهها مقابل لوجه شقيقتها.
تفتكري أنا أكتر حاجة وجعاني ونار وقيدة في قلبي بسببها
إن اللي عمل كل ده مش حد غريب، لكن طلعت بنتي من بناتي هي اللي عملت كده. بنتي هي اللي حاولت بقلب بارد تموت كل عيلتها. بنتي أقرب واحدة ليا. الطعنة متجيليش غير منها. وشوفي اللي يحزنك ويوجع القلب إنها مش أي واحدة. دي أكتر واحدة أخدت اهتمام من جدها وأخوالها. طلباتها مجابة. مفيش مرة طلبت حاجة وتأخروا عليها. دراستها وهواياتها محرموهاش من حاجة. رحلاتها ومصاريف مشروعها جدها ساعدها وقالها: "كل اللي تطلبيه وتحلمي بيه أوامر". بعد كل ده الضربة متجيش غير منها هي. وياريت اكتفت بخيانتها وبس، لا دي حرقت القصر وإحنا جوه بدم بارد ومهمهاش نعيش نموت محروقين. وبعد ده كله بدل ما تنقذنا، لا مفكرتش غير في أوراق أبوها اللي بمكتب جدها. مهمهاش إنها تبقى مجرمة وتقتل عائلتها، لا الهانم رمت نفسها عشان شوية ورق! عملتهاش مع أمها وأخواتها. عارفة ده معناه إيه؟ أنا معرفتش أربي. استحالة دي تكون بنتي. استحالة.
زينب ببكاء على إنهيار وصدمة شقيقتها والرجفة اللي بتشعر بيها بجسد شقيقتها تحاول مواساتها، وهي تنظر لزوجات أشقائها تحسهم على الكلام والتخفيف عن زينة. لتجحظ عينيها وهي ترى وتسمع تلك الكلمات اللاذعة من فم.
خرجت عن صمتها وهدوئها المعتاد عليه لأول مرة بحياتها، تتحدث بهذه الطريقة. دموعها لا تتوقف، تبكي وتتحدث.
آيات: قبل ما تلومي بنتك اسألي نفسك ربيتيها صح ولا غلط؟
كلنا هنا في نفس المركب. كل واحدة فينا تتحمل تربية ولادها.
كلنا غلطنا. أنا وإنتي وآمال وزينب. يا إما كنا سلبيين أوي وعمي وماما زهور هم المتحكمين في كل أمورهم، يا إما...
مسيطرين زي ما عملت زينب. ولادها الاتنين فضلوا عرايس تحركهم بأيديها لحد ما فاض بيهم. وأهو بدأت نورين بالتمرد وقريب أوي هتشوفوا نتيجة التمرد دي. وأولكم زين ابني. أما...
إنتي يا زينة حاولتِ تكوني الأم المثالية الطيبة. ههه. قلتي مش هحرم البنات من أبوهم. أنا مش هكون أنانية. اللي بيني وبينه انتهى، بس البنات ملهمش ذنب. اهتمتي ببناتك فوق الوصف. بس للأسف حضرتك ضيقتي الخناق عليهم بدل ما تقربيهم. بعتيهم عنك. لما لقيتي البنات قربوا منه بقيتي دايماً بتفكريهم بعمله وخيانته ليكي. لما تعاقبي واحدة فيهم تقول لها: "هرمك لأبوكي". نسيتي إن بناتك بسن حرج ونسيتي جوزك كان إيه وبيعرف يوصل للي هو عايزه إزاي. نسيتي أهم حاجة تكوني صحبتهم. مرة ورا مرة بعتيهم عنك. بقيتي سليطة على الكل، شكاكة، موسوسة. بدل ما تحتوي بناتك، لا رميتيهم في حضن أبوهم. وإديكي شفتي بنفسك نتيجة اللي حصل كويس.
زينة رفعت رأسها مبتعدة عن شقيقتها وبصوت مختنق: بقيت أنا السبب في اللي حصل. بدل ما تقولي أختي هي السبب. من صغرها وهي بتغير مني وبتحط عينها على أي حاجة ليا. بقيت أنا السبب. أنا اللي غلطانة وكلكم ملايكة.
آمال تقف بصراخ: كفاية بقى انتي وهي! مفيش حد فينا بريء. كلنا غلطنا. أيوة كلنا وأنا أولكم. غلطت لما اتجوزت زايد وإحنا مش بينا أي مشاعر، حتى الرغبة مش بينا. غلطت لما سمعت كلام بابا: "جوازة مرتاحة وابن عمي هيخاف عليا ويحميني". غلطت لما خلفت ولادي وعيشتهم ما بين أب وأم مش بيحبوا بعض.
بدل ما نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي ربنا نجانا منها بمعجزة وكشف لينا كل حاجة ومين عدونا من حبيبنا. لا لسه بنلوم بعض ونقول عملت ومعملتش. لا كفاية بقى. إحنا هنا مش عارفين ولادنا فين وعمي وماما زهور وزايد وزيدان حصلهم إيه. بدل ما نهين بعض، نفكر مع بعض إزاي نقدر نطمن على ولادنا وحصل ليهم إيه. أنا قلبي هيقف من الخوف عليهم. عمر قلبي ما وجعني كده. كنت ببقى مطمنة إن عمي حاميهم مش مقصر معاهم. لكن دلوقتي متأكدة إن فيهم حاجة. قلبي بينغز عليا. ولادي مش بخير أبداً. أنا مش هستنى دقيقة واحدة قاعدة هنا ومعرفش حاجة عن عمي والباقين. فاهمين؟
زينب: عندك حق، بس هنعمل إيه؟ زايد مشدد علينا مش نخرج من هنا.
آمال: عارفة كل حاجة، بس أنا مش قادرة أستحمل ولادي. يا ناس قلبي بيقولي فيهم حاجة، وحازم بالذات قلقانة عليه.
في غرفة الفتيات تجلس كل منهن شاردة في ملكوتها. وسيسيليا لا تكف عن الحديث، تسأل غادير أسئلة كثيرة وغادير تكتفي ببعض كلمات تجيبها. حتى شعرت بالنعاس وتمددت على الفراش حتى غفت. تدثرها غادير وتمددت جوارها، تربت على كتفها. تتلمس شفتاها وتبتسم بخجل، مع تذكرها زاهر وحركاته. تجحظ عيناها عندما أعادت كلماته التي همس بها في أذنها. قلبها يكاد يخرج من مكانه. تتساءل ما معنى كلامه الذي حدثها به. تغمض عينها، تعيد ما قاله.
"اعملي حسابك الكلام اللي قلتيه لجده وتيته مش معدية. كام يوم وهنسافر لندن ووقتها هحاسبك بطريقتي وأعرفك إزاي تقولي اللي قلتيه."
تعود من ذكرياتها منتفضة: أنا نسيت تيته وجدو خالص. ياترى هما عاملين إيه؟ وعرفوا مكان زهروان ولا لسه؟ وتيته أخدت علاجها ولا نسيت نفسها؟ أنا لازم أتصرف. وأطمن عليهم بأي طريقة. ظلت طوال الليل تفكر في خطة تستطيع تنفيذها والخروج للاطمئنان على جديها، حتى بزغ أول شعاع لشمس الصباح.
نظرت حولها وجدت الفتيات غطوا في النوم. تتسحب من جوار سيسيليا بخفة حتى هبطت من على الفراش وأسرعت بالخروج من الغرفة. اقتربت من الغرفة اللي قاعد بها والدتها وباقي نساء الغمراوي. تتصنم مكانها وهي تستمع لحديثهم. تغلق باب الغرفة من الخارج بالمفتاح وتسرع بالهبوط من الدرج.
تتجه ناحية الباب وتفتحه براوية وتخرج بهدوء وهي تتلفت خلفها بحذر حتى هبطت الدرج كاتمة أنفاسها. اقتربت من باب المنزل فتحته بهدوء وأسرعت بالخروج راكضة حتى وصلت للباب الخارجي فتحته بصعوبة، تتلفت يمين ويسار. عبرت الطريق للجهة الأخرى وأشارت إلى سيارة أجرة. وأشارت له بالرحيل وأخبرته بالعنوان. لتصل بعد وقت للعنوان، تترجل من العربة مسرعة تدلف للبناية لتصعد بالمصعد وضغطت على زر الصعود قليلاً. كانت تضع يدها على جرس باب الشقة الجالس بها جديها. فتح الباب لتخطو للداخل بلهفة دون النظر لمن فتح الباب. لتلتف عند سمعها صوت والدها.
زيدان: غادير.
غادير: بابا. تترمي بأحضانة، تشتد بضمه، تحمد ربها على سلامته. تحدثه بهدوء: حضرتك هنا فين؟ تيته وجدو وعمو زايد.
تخرج من أحضانه على صوت خارج من غرفة مجاورة.
زيدان أسرع بغلق الباب وأمسكها من يدها وتوجهوا ناحية الغرفة. تجد الجد ممسك بهاتفه يتحدث بصوت غاضب. تتجه لجدتها تقف بجوارها تحدثها بهمس.
تيته هو إيه؟ جدو متعصب كده ليه.
مصيبة يا غادير. مصيبة. صدر أمر بمنعنا كلنا من السفر والقبض على أخواتك وولاد عمك. واللي زاد وغطى زهروان.
رفعت قضية على جدك وعمك زايد وحازم تتهمهم بالاستيلاء على أملاكها وتبديدها. والأسوأ نهال عرفت برجوعها.
أنا مش فاهمة حاجة. هي زهروان رجعت إمتى؟ ولحقت ترفع قضية إمتى؟ وطنط نهال وصلت ليها إزاي؟
مش عارفة يا غادير. دلوقتي جدو يخلص المكالمة ونعرف منه كل حاجة.
زيدان: أنا مش فاهم. نهال دي شيطان.
أغلق الهاتف بعصبية وجلس على أقرب كرسي يتحدث بوهن.
إنتي إزاي تخرجي بالوقت ده لوحدك؟ مش وتسيبي الباقيين؟ عارفة الخطر اللي إحنا فيه لو حد شافك وإنتي جاية على هنا وعرف إن باقي العائلة موجودين فيه. مفكرتيش في اللي ممكن يحصل ليهم؟ مش ممكن اللي حرقوا القصر أول مرة يحرقوا القصر ده؟ فيه للدرجادي بقيتي مستهترة يا غادير؟ هو أنا هلحق إيه ولا إيه؟ مش كفاية المصايب اللي نازلة على رأسي. مصيبة ورا التانية.
أنا آسفة يا جدو بس قلقت على حضرتك وتيته وخصوصاً تيته ماخدتش الدواء. وكمان يومين محدش من اللي في القصر عايش على الماية وسيسيليا طفلة صغيرة مش هتتحمل أكتر من كده. ومش مبطلة سؤال على عمو زايد. ومتقلقش يا جدو أخدت حذري وأنا خارجة من القصر وكمان وأنا جاية على هنا نزلت في مكان بعيد عن هنا بشوية.
الجد زيدان حاول تتصرف وتروح على القصر وتاخد أكل يكفيهم فترة طويلة أسبوع عشر أيام. وإنتي يا غادير شوفي محتاجين إيه كمان وروحي مع أبوكي واشتروه. بس بلاش تروحوا أي مول أو مكان تكوني معروفة فيه. وخليك معاهم. متخرجيش غير لما أتصل عليكي. حاول تطمنهم وتطمني زينة على بنتها وبلاش أي كلام وعتاب. أختك فيها اللي مكفيها. وبلاش تاخدي عربية من عربيتنا. خد أوبر ولا تاكسي.
غادير: لو سمحت يا جدو بعد إذن حضرتك ممكن بابا يروح الأول ياخد أي أكل معاه. قبل ما أجي سمعت طنط آمال منهارة ومصممة تخرج وكمان عمتو زينة هتجنن على نيرة. وأنا هاخد كل حاجة هنحتاجها. أنا هاخد وقت بشراء كل حاجة.
زهور الجدة: كلام غادير صح. روح يا زيدان. كلنا عارفين زينة وطبعها مش هتتحمل أي كلمة وآمال ممكن تعمل حاجة من غير ما تقصد تضيع كل تعب أخوك. وأي محل يقابلك بالطريق اشتري أي أكل وغادير تحصلك بالباقي.
زيدان: تمام. أنا هروح بالأكل وأطمن عليهم وأرجع هنا تاني. نشوف هنعمل إيه في المشاكل دي كلها. قعدي هناك ملوش لازمة.
لا مترجعش على هنا. وجودك هناك أهم. هنكون مطمئنين عليهم. وأنا وزايد هنتصرف وهنتابع معاك خطوة بخطوة.
أومأ زيدان برأسه وقبل يد والديه ورأسهما وخرج مسرعاً من الشقة بل من البناية. وقف قليلاً يمشط المكان بعينه ليتأكد من أمان الطريق. تنفس الصعداء ورحل بعيداً عن البناية. بعد عدة خطوات أشار إلى عربة أجرة. أخبره بالتوقف عند أقرب محل بيع طعام. اشترى كمية من الأكل والمرطبات وأخبر السائق بالعنوان الذي يريده. بعد دقائق قليلة توقف السائق في المكان الذي أخبره عليه زيدان الذي ترجل سريعا بعد دفع ما طلبه السائق وحمل الأغراض بيده. فور انطلاق السائق مبتعداً أشار إلى عربة أخرى وأخبره على عنوان آخر.
بعد أقل من نصف ساعة كان وصل زيدان القصر بعد ما تنقل من عربة لأخرى للأمان. دلف إلى القصر وضع ما يحمله بيده على طاولة صغيرة بالردهة يلتقط أنفاسه. يهرول صاعداً لأعلى مع سماعه لصوت خبطات على باب إحدى الغرف. يفتح الباب المغلق من الخارج بمفتاح موضوع بالمقبض. ليصدم مما يرى.
يجلس علي كرسي أمامه طاولة يتلمس رأسه يشعر بدوار وألم يفتك بها. ملامح وجهه ممتعضة. ينظر إلى الغبرة التى بالمكان، يسعل فور أن بعثر الأتربة. يقف بغضب ويرجع للخلف ليسقط الكرسي على الأرض. يركله بقدمه بشدة مصدرا صوت عالي. ليفزع من معه بالمكان ويهبون واقفين من نومتهم ينظرون حولهم باستغراب شديد يتساءلون فيما بينهم.
زين: إيه الدوشة ال إنت عملها ده يا سي حمزة عايزين نرتاح. إنت ناسي ورانا إيه.
ليقطع كلامه وتجحظ عيناه مما يرى.
زاهر: طول عمرك مزعج مش عارف ها تكبر أمتى وتعقل. إيه ده إحنا فين.
يدور حول نفسه بالمكان باستغراب شديد ليلتف للواقفين بجواره حالهم لا يقل عن حالة بصدمتهم.
زاهر: حد يفهمني إيه المكان الغريب ده. وجناه إزاي. وحازم فين.
ليعلى صوته مناديا على شقيقة.
حازم حازم. حمزة حازم فين.
حمزة: معرفش انا من شوية صغيرين فوقت من النوم. ومصدع ومش قادر افتح عيني ودايخ يادوب لحقت اقعد على الكرسي ده.
زين: يتحدث وهو يفتش بالمكان ويمشط كل زاوية بعينيه حتى وقع بصره على الأرض رأى آثار أقدام ليتبعها حتى وصل لأخر تلك الآثار يصعد درج صغير من الخشب ليصل للسطح يجد حازم جالس متقوقعا على نفسه ينظر أمامه.
ينادي عليه عدة مرات متتالية حتى تلقى استجابة منه يشير له ويهبط لأسفل خلفه حازم الذي يتنفس بضيق هابط خلفه.
هبط زين وخلفه حازم يهرع زاهر تجاه فور وقوع عينيه على قطرات الدم التي على ملابسه.
زاهر: حازم إيه الدم ده وازاي يا بنادم تحمل على إيدك وهى تعباك كده.
حازم: كنت مخنوق وزهقان جيت أخرج اتنفس هواء نصيف الباب مقفول من برة. افتح شباك نفس الحال دورت كتير لحد ما لقيت السلم ده وطلعت.
حمزة: أنا مش فاهم حاجة إحنا فين. وإيه البيت الغريب ده ومين جبنا هنا.
حازم: معرفش بيت مين. وجينا إزاي مع الشخص الغريب اللي جده بعته لينا. وإزاي أكيد العصير اللي شربناه بالطريق حاطط فيه منوم بس ليه وغرضه إيه مش فاهم.
حمزة: الباب مقفول من برة والشبابيك هو إحنا في سجن. جدو قال نروح معاه لحمايتنا مش يسجنا.
زاهر: مش وقت الكلام دلوقتي. حازم وأنت بتستكشف الكهف ده الحمام منين.
حازم: حمام إيه مافيش حمام. البيت أوضتين ومكان غريب كده فيه كام طبق وجنبه باب مقفول معرفش ده حمام ولا إيه.
زاهر: فين ده محتاج أدخل حمام بأي طريقة.
حازم: هناك جنب السلم بالضبط.
انطلق زاهر مهرولا ناحية ما أشار حازم. ليفتح الباب بحذر لينظر بداخله ويلتف لهم وعلى وجهه صدمة واضحة.