تحميل رواية زهور بنت سلسبيل بقلم منى عبدالعزيز pdf
بقلم منى عبدالعزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحلام تركت سلسبيل ودخلت غرفتها تدور حول نفسها. أحلام: هعمل إيه في المصيبة دي؟ لازم أتصرف قبل ما يحصله حاجة أو يفوق. وساعتها هيِهد الدنيا على دماغي ومش بعيد يستغل ده ويورطني معاه. لأ، لازم أبعد من هنا. تَمد يدها وترفع قدميها تقف على أطراف أصابعها، تجذب حقيبة من فوق خزانة الملابس. تضعها على الفراش وتلتف، تفتح دولابها تجمع ملابسها وأشيائها في حقيبة قديمة. فتحت أحد الأدراج أخرجت ما به من نقود وأوراق، وضعتهم بعشوائية على ملابسها. أغلقت الحقيبة بإهمال من شدة توترها. ورعشة جسدها ظلت تجوب الغرفة تبحث عن...
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم منى عبدالعزيز
شفيق فقد عقله، كل يوم تأتيه تهديدات عدة. أحيانًا تأتيه رسائل تليفونيه، وأخرى رسائل بريدية. أصبح مشتتًا دائمًا، شاردًا. لا يخرج من مكتبه إلا للذهاب لمنزل أحلام. يحدثها، ترأف بحالته وتوافق على الزواج به. لا يجد منها سوى كلمة واحدة: إنها متزوجة. هذا يجعله يثار من الغضب، وظل يفكر في مكيدة تجعلها بين يديه.
شفيق: أكتر من عشرين سنة وأنا بتعذب، نار بتقيد في جسمي. عقلي معدش بيفكر غير فيها. قلبي قفل عليها، وهي قاعدة مربعة فيه. وتيجي بكل بساطة كده تقول: متجوزة واحد تاني. واحد يتمتع بيها وأنا لا، واحد غيري بينام في حضنها، ينام ويقوم على جمالها وأنا محروم منها. واحد تنادي عليه باسمه بشفايفها، وأنا بحلم بأنها بتنادي باسمي ليالي. عشرين سنة كل ليلة وهي مجافيني النوم، وهي بتنام مع غيري. وحياة حبك اللي مكلبش في ده، قالها وهو يشير على قلبه. لتكوني ليا الليلة قبل بكرة، لجيبك لحد عندي، وإنتي بتقولي: شبيك لبيك، أنا بين إيديك.
رحل شفيق وعلى وجهه ابتسامة خبيثة، ينظر أمامه ويهز رأسه ويشير بعينيه التي لمعت بعد أن جمع خيوط خطته في رأسه.
شفيق: هههههه، قلت لك هجيبك يعني هجيبك. بس في فرق يا أحلام، في فرق. الأولى بمزاجي، والتانية غصب. ويا ويلك من الغصب عندي، يا ويلك.
ظل يتمشى طول الطريق من منزل أحلام للدوار، وهو عاقد يديه خلف ظهره، يضحك بين الحين والآخر. حتى وصل للدوار، ينظر الغفر لبعضهم ببلاهة وهو يضحك دون سبب.
صعد شفيق مسرعًا لغرفة روحية لبدء تنفيذ خطته. ليقف مكانه ويبعد يده عن الباب، وهو يستمع لزوجته نادرة تهدد روحية وتطلب منها أموال وسيغة. حتى أنها سلبت خاتم ذهب في خنصر يدها بالقوة. ليكز على أسنانه مما سمع، ليرتد سريعًا للخلف ويهبط إلى مكتبه، ينادي على ذراعه الأيمن رجب.
***
نادرة خرجت من عند روحية، عينها تلمع من السعادة وهي تضع الخاتم في إصبعها. لتجد من يشير لها، تسير في اتجاهها وتغلق الباب خلفها.
نادرة بلهفة: في إيه يا أم محمود؟ مالك وجفة في الضلمة كده؟ وجفتي قلبي.
أم محمود تمسك يدها مبتعدة عن الباب.
تبلع ريقها بخوف تتحدث وهي تحرك يدها: العمدة، العمدة شافك وإنتي عند الست روحية. وسمع كل كلامك. ونزل وهو بينادي على كلبه الوفي رجب. ومن ساعتها وهم بيتدودو ومش باين ليهم صوت.
نادرة: تصق صدرها بخوف من انكشاف خطتها. تسرع بإجراء مكالمة هاتفية.
نادرة: خلي بالك من الطريق يا أم محمود. أي حركة بره شوريلي عليها طول.
بعد عدة مرات، أتاها الصوت بالإجابة.
نادرة: الو يا مسعود؟ بقالي ساعة برن عليك، كنت فين ده كله؟
مسعود بلهث: أنظر بجواري، مافيش. كنت بس مشغول شوية.
نادرة: مشغول في إيه السعادي؟ ومالك بتلقف نفسك كأنك كنت بتجري؟
مسعود: مافيش حاجة. التليفون كان فوق وطلعت السلالم بسرعة.
نادرة بشك: مش موضوعنا دلوقتي. شفيق سمعني وأنا بهدد روحية ونزل المكتب وبيتدودو مع رجب يجيهم ساعة دلوقتي.
مسعود: هب واقفًا من مكانه. رجب لازم نخلص منه. وشفيق لازم ينشغل بكام مصيبة ورا بعضهم كده يلبخوه، يطيروا النوم من عينه لحد ما نضرب ضربتنا ونمشي. ماهو مش بعد عشرين سنة تخطيط يضيع مننا كل حاجة.
نادرة: أنا خايفة يعمل حاجة كدة ولا كدة. إنت عارف إنه نابه أزرق وبحوره غميقة.
مسعود: حطيله حباية من اياهم، ومتقلقيش. مش هيفكر في حاجة خالص. كام يوم لحد ما أشوف له مصيبة تريحنا منه.
أغلقت الاتصال مع مسعود.
نادرة: يواه عليا، نسيت أسأله على العيال. عاملين إيه؟ صباح والصافي.
تعاود الاتصال مرة أخرى ليرد عليها مسعود بنفس اللهث.
نادرة: خبريه يا مسعود، مالك؟ كل ما أكلمك ألاقيك بتاخد نفسك بالعافية. فيك إيه؟
مسعود: أبداً، مافيش حاجة. اتصلتي تاني بسرعة كده ليه؟ حصل جديد؟
نادرة: لا، ماحصلش حاجة. كنت هسألك على صباح وصافي عاملين إيه؟ وصباح بتروح الكلية ولا مقضياها فرجة على التليفزيون وفسح.
مسعود ينظر بجواره ويتحدث بلجلجة: صباح، صباح زي الفل وبتروح كل يوم الجامعة. واصافي كمان بيروح مدرسته. حتى هو عنده درس وصباح لسه راجعة من كليتها من ساعه ومريحة في أوضتها.
نادرة: طيب كويس. خلي بالك منها يا مسعود. البت حلوة، أحد يلعب في عقلها كده ولا كده.
مسعود: هاه، لا متقلقيش. صباح جدعة وتربيتك. محدش يقدر يضحك عليها.
نادرة: كويس. طمنيني لما تصحى والصافي يرجع. هتصل على تليفوناتهم وأطمن عليهم بنفسي.
مسعود: ماشي. هقفل أنا بقي عشان ألحق أشوف هعمل إيه في حكاية رجب.
أغلق مسعود الهاتف وعاود النظر لجوارة وهو ينظر لها برغبة عارمة. ليغلق الهاتف نهائيًا وينقض كالذئب الجائع على فريستها. بعد وقت، ابتعد عنها، جلس على حافة الفراش يلتقط أنفاسه، وعاود النظر إليها مرة أخرى.
مسعود: أمك بتسأل عليكي وشوية وهتتصل. قولي لها إنك جيتي من الجامعة وريحتِ شوية والصافي في درسه.
صباح: تهز رأسها ببعض الخوف. أنا... أنا...
مسعود بمكر: اللي حصل ده معتش يتكرر. أنا طوعتك بيه بعد ما لقيتك تعبانة وحالتك صعبة، خفت عليكي.
صباح: مش عارفة إيه اللي حصل. أنا كنت كويسة قوي، وبعد ما شربت العصير اللي في التلاجة، معرفش إيه حصلي.
مسعود: ما أنا شربت منه. وأخوكي قالها وهو ينظر إلى درج الكومود بجواره وتلك الحبات.
صباح: أنا خايفة يحصل كده تاني. هعمل إيه وهصرف إزاي؟ أنا هرجع البلد.
مسعود بسرعة: ترجعي إيه دلوقتي؟ لا، أمك ممكن تشك فيكي، وخصوصًا الامتحانات قربت. أنا بقول لو حصل حاجة تاني هوديكي للدكتور، بس بلاش البلد دي خالص اليومين دول.
صباح فتاة جميلة ممتلئة بعض الشيء، شديدة الشبه بأمها في جمالها، في الثامنة عشر من عمرها. دائمًا مسعود يناديها بنادرة، حبه الأول من ضحى بمبادئه ليساعدها في انتقامها من عائلة شفيق. تمكن منه شيطانه وانتقم من محبوبته التي حلم بها طول عمره بابنتها شديدة الشبه بها، بوضع منشطات في شرابها جعلها غير مدركة لأي شيء سوى راحة جسدها.
شفيق قام من على الفراش: أنا هغير وأروح مشوار. قومي وغيري إنتي كمان وروحي على أوضتك قبل ما صافي يرجع ويشوفك هنا، وخليكي على طبعتك. وأنا هصرف بالموضوع ده وأشوف حل إنه ما يتكررش مرة تانية.
صباح: أومت برأسها وقامت من على الفراش بألم في جسدها. قلبها يكاد يقف من الخوف والخجل. لملمت ملابسها وتوجهت إلى غرفتها، رمت حالها على الفراش تبكي بألم وخوف، لا تعلم متى وكيف وصلت لما حدث.
مسعود بعد خروج صباح، فتح الكومود وأخرج ما به ووضعه في خزانة ملابسه وأغلقها بالمفتاح، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة. يربت على الخزانة: خليك هنا، محتاجك كتير الأيام اللي جايه. ليرتدي ملابسه ويمسك بهاتفه ويجري اتصالًا هاتفيًا ويخرج من منزله متوجهًا إلى مكان لتنفيذ خطته في الخلاص من رجب.
***
أحلام بعد أن انتهت من إطعام زهور وبدلت ملابسها، وضعتها على الفراش وذهبت إلى الخزانة وأخرجت حقيبة سلسبيل تتلمسها وأفرغت محتوياتها أمامها.
أحلام ببكاء: يا ريتني ما كنت شلت الشنطة بالدولاب. يمكن كنتِ فتحتيها وشوفتي الظرف وشهادة ميلاد البنت اللي فيها، وعرفتي إن زياد مظلوم. وما كنتِ مشيتي كده، لا معاكي حاجة ولا تعرفي الطريق. حتى التليفون مش موجود. كنت اتصلت على حد بطمن عليكي، وأنا لا حافظة رقم ماجد ولا نيفين. يا رب يطمني عليكي يا سلسبيل وترجعي لبنتك بالسلامة.
تنظر للنقود أمامها: دول أمانة. هعمل إيه وهصرف إزاي؟ والبنت كل يوم محتاجة غيره ولبس وأكل وشرب وعلاج. لو فضلت أسحب منهم وأصرف، هيجي يوم ويخلصوا. لازم أتصرف وأشتغل. أي حاجة آخد منهم قرشين، أتصرف بيهم في أي مشروع، والباقي أشيله على جنب لحد سلسبيل ما ترجع، وربنا يقدرني والمبلغ اللي هصرفه أرجعه من تاني مكانه.
تسمع صوت بالخارج ينادي عليها ويدق الباب دقات خفيفة. لتضع محتويات الحقيبة مرة أخرى فيها، وتضعها بالخزانة وتغلقها وتتوجه للخارج.
أحلام: تخرج من الغرفة تعدل في غطاء رأسها. اقتربت من الباب بخوف. مين بينادي؟ لم تجد ردًا. عادت سؤالها: مين؟ مين؟ مين؟ أيضًا لم تجد استجابة. تجلس على أول أريكة تقابلها بوهن، تشعر بانقباضة في قلبها. لتستعيذ وتقف متوجهة للحمام، قامت بالوضوء وظلت تصلي وتبكي في صلاتها، تدعو الله بالستر والصبر وأن يقويها ويعينها للخير ويبعد عنها وعن الصغيرة السوء. ظلت تدعو الله وتبكي حتى شعرت براحة في قلبها وهي تردد أدعية.
يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي.
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش. يا رب عليك باللي رايد بيا شر، يا رب ابعده عني والهيه في نفسه. يا رب أنا راضية بالمكتوب عليا، وحمدًا لك وشكرًا لفضلك، وعارفة ومتاكدة بحكمتك باللي حصل. هون عليا يا رب وقويني على اللي جاي، وطمن قلبي على اللي غابت.
أنهت دعاءها وظلت جالسة تسبح الله فترة، وقامت بعدها تطمئن على الصغيرة وتنام بجوارها بعد شعور راحة غريبة في قلبها.
***
وائل مع كبار تجار السوق، تم نقل جميع محلاتهم لمنطقة سوق العبور. وبمساعدة يحيي له، فتح محل يبيع به الخضار والفاكهة. علمه كل أمور العمل والشراء والبيع. كان سعيدًا بعمله وصلاح حاله، ولكن اشتياقه لروحية أمه هو ما يؤرقه، وبعد المسافة بين عمله والحارة جعله يرجع بوقت متأخر. أصبحت رؤيته لإلين قليلة جدًا، يستسرق فيهم النظر لها صباحًا، وأحيانًا يتحجج بأي شيء ويذهب لمنزلهم حتى يراها.
عدت الأيام والشهور، وأخيرًا استجمع قواه واعترف لها بحبه. كاد يموت فرحًا بعلمه بمحبتها له. أخبرها بأنه سيتقدم لها ليتزوجها، لكن خوفها من رفض أهلها بسبب الدين أرقهم، ليقرر طلب المساعدة من يحيي حتى يفيده بما يفعل.
شفيق بعد أن سمع تهديد نادرة لروحية نزل للمكتب.
شفيق يحدث نفسه: يا ويلك يا نادرة من اللي هعمله فيكي، بس الأول أخلص من اللي شاغل بالي، وبعدين أروقلك وأوريكي مين شفيق، وهيعمل فيكي إيه.
نادى على رجب وأخبره بخططه وما يريد منه تنفيذه.
شفيق يجلس على كرسي بجوار مكتبه وأمامه رجب، يهمس له بخطته.
بص يا رجب، أنت عارف أنا بثق فيك قد إيه. محدش يقدر ينفذ اللي عاوزة غيرك.
رجب: تحت أمرك يا حضرة العمده.
شفيق: هتروح لبيت أحلام، عاوزك تنزل فيه وتجيب البت الصغيرة من غير ما تحس، وتسيب ليها الورقة دي وتيجي طوالي على الشقة فوق مصنع العلف. وبعدين هقولك تاني تعمل إيه في الخطة اللي هنعرف بيها غرمنا.
بعد خروج رجب، خرج شفيق ووجد الخادمة تعد الطعام ونادرة تجلس وتشير له بالجلوس جوارها ليأكل من الطعام التي تأكل منه وهو ينظر لها بشك. ظل يأكل دون أن يتحدث، وقليلًا ما نهض من على الأكل ودخل لغرفة نومه ورمى نفسه على الفراش ليذهب في نوم عميق.
خرج رجب من الدوار، وبعد خطوات منه شعر بمن يمشي خلفه، استدار ليرى وجهه وما يريد، ليسقط أرضًا غارقًا بدمه في مكان مهجور، ليتركه القاتل مرميًا على الأرض ورحل سريعًا.
اليوم يوم الجمعة، وقف شيخ المسجد على المنبر يتلو آيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وعن عذاب وحرمانية قصف المحصنات، وأخرج من جيبه شهادة ميلاد وقرأ الاسم على مسامعهم.
عد يومين ولم يأتِ لا حس ولا خبر، وشفيق شعر بحدوث خطب ما. لتنقلب البلد رأسًا على عقب بعد العثور على جثة رجب.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم منى عبدالعزيز
اليوم يوم الجمعة وقف الشيخ يخطب خطبة عن حادثة الإفك، وبدأ الخطبة ببعض الأحاديث وأبيات شعر وآية قرآنية، وبدأ شرح المقصود منها وأسباب تلك الخطبة.
الشيخ: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، النبي الأمي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
أما بعد.
الكثير هنا سيتأفف من الخطبة ويقول: لقد سمعنا تلك الخطبة مرات كثيرة، لكن اليوم لها مضمون وأسباب لإعادتها مرة ومرات بعد ما تكررت أمامي ووصل إلى مسامعي حادثتان في نفس الوقت. وها هنا لابد من الوقوف والتخلي عن الصمت خوفاً من الله عز وجل، وخوفاً من تحملكم ذنوباً دون أن تشعرون أيها المؤمنون.
إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب.
إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، يهوي بها في النار سبعين خريفًا.
وإن العبد ليتكلم بالكلمة يكتب الله له بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه.
فاحفظ لسانك أيها الإنسان .. لا يلدغنك إنه ثعبان.
كم من المقابر من صريع لسانه .. كانت تهاب لقاءه الأقران.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"
منذ أيام اختفت ابنة أخ لنا في تلك البلدة، ابنة بارة بأبيها وأشقائها، ابنة كل واحد من البلدة، كم دخلت بيتكم، كم أكلت معكم في إناء واحد، شاركت بناتكم في نفس فراشهم. هل رأى أحد منكم ما يشوب أخلاقها؟ هل خضعت بالقول أمامكم أولادكم شباب؟ كم تمنوها زوجة صالحة لهم؟ كم من أم ذهبت لخطبتها لوالدها؟ كم أخت تمنت خطبتها لأخيها؟ ولم يحصل نصيب لفوز ولد عمها بخطبتها. اليوم، بدل أن نتكاتف بالبحث عنها، نؤازر والدها المريض وأشقاءها الذين باتوا لا يخرجون من بيتهم خشية الإهانة والمذلة، خشية العار الذي لحق بهم، عار خلقه البعض بسوء ظنهم، كلمة خرجت من فاه فاسق هدمت أخلاق بلدة بأكملها. أصبحت لا تتحدث إلا عن فتاة لا أحد يعلم مصيرها، فتاة يبكي القلب ويقطر دمًا عليها، فتاة تمنيتها كنة لي، لولا النصيب كنت زوجتها لولد من أولادي. فتاة ستقف أمام المولى عز وجل وتقتص منكم جميعًا ممن قال كلمة ليست فيها.
ليجلس جلسة الاستراحة، ثم أثنى على الله عز وجل وأكمل.
الحمد لله صاحب القدرة الباهرة، والعزة القاهرة، والعظمة الظاهرة. خلقنا ترابًا، ومن هذا التراب وهبنا هذه النضارة، وهذا الحسن، وذلك الجمال. من التراب أسمعك الله، ومن التراب بصرك الله، ومن التراب أنطقك الله.
الجمال قد يكون نقمة على صاحبه. منذ أيام حدثتني أخت في الله، لم أعرفها في بادئ الأمر، لولا ذكرتني بمن تكون وابنة من وأرملة من. إنها ابنة رجل ما زالت البلدة والبلدان المجاورة يترحمون عليه، مر على وفاته أكثر من عشرين عامًا ولا زلتم تترحمون عليه، تحدثون عنه طيبته، أخلاقه. إذا مرض طفل لكم تترحمون عليه وتقولون: لو ربنا يحب البلد دي يبعت لها واحد زي الحاج بدير. ذلك الشخص الذي أتى لبلدتنا يعمل في مستشفاها، فأصبح واحدًا من أهلها، دخل بيوتنا جميعًا، داوى أبناءنا وطيورنا، حتى مواشينا. وتلك زوجته السيدة الفاضلة التي تعلمت منها نساءنا الكثير والكثير، لا يوجد بيت في البلدة لم يرسل ابنته لتتعلم الحياكة عندها، والكثير من الحلويات التي تأكلونها وتترحمون عليها وعلى زوجها.
عندما تعود ابنته بعد سنوات، ضاقت بها الحال بعد وفاة أشقائها ومرض زوج ابنة شقيقتها وسفرها لأهلها للعلاج، وجدت أنها وحيدة، فأتت للبلدة التي عاشت بها وتزوجت بها، وهنا بيتها، أتت تتحمى فيمن اعتبرتهم أهلها. أهكذا تعاملونها؟ أهكذا تتجنبونها؟ بدل ما تمكث في دارها معززة مكرمة وتتكفلون بها وبمطالبها، ونسائكم يعاونونها محبة لها ولوالدها ولذكرى زوجها؟ بكر بن الشيخ منصور من أسس ذلك المسجد، من تبرع بالكثير من أراضيه لبناء المدرسة والمعهد الديني والمستشفى التي تتعالجون بها. أيكون جزاؤها أن تتعرض لتلك الأفعال والأقاويل؟ هل ذلك ما تربيتم عليه؟ تتحرشون بها؟ ترفضون بيع الطعام لها؟ تبصق النساء عليها؟ أهكذا تعاملون سيدة استجارت بكم، استقوت بكم، اعتبرتكم أشقاءها، أتت تحتمي بكم؟ قال الله عز وجل:
"إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ"
هل تعلمون معنى تلك الآية الكريمة؟ تمعنوا أيها الناس فيها ولما نزلت وبما انتهت. لا تقعوا في منزلة المنافقين، حيث كشفت حادثة الإفك سوء النفاق، وأظهرت قذارة المنافقين، ودلت على أن المنافق لا يتورع عن شيء في أذية المؤمنين. فحين عجز المنافقون عن النيل من النبي - صلى الله عليه وسلم - رموه في عرضه الشريف، وطعنوا في أحب أزواجه إليه مبالغة في أذاه.
ومنافقو عصرنا لم يتورعوا عن فعل ما فعل السابقون منهم، وهم يفترون الأكاذيب ويختلقون التهم في الأبرياء. اتقوا الله، اتقوا يومًا لا ينفع فيه مال ولا بنون. تذكروا واذكر نفسي.
الدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا كست أوكست.
أنهى الشيخ الخطبة وأقام الصلاة، والناس كأن على رؤوسهم الطير، وخرج كل واحد منهم إما لبيته أو لعمله.
مرت الأيام وفجأة انقلبت البلدة رأسًا على عقب.
وطوقها الأمن من جميع المنافذ بعد العثور على جثة رجب. هناك الكثير فرح بذلك الخبر، والبعض الآخر غير مبالٍ.
شفيق: يكاد يجن ممن فعل ذلك، من تجرأ على قتله بتلك الطريقة البشعة؟ رجب قوي البنية، عفي، رغم سنوات عمره الخامسة والأربعون، إلا أنه لا يزال يتمتع بالصحة والعافية. بعد انتهاء التحقيقات وسؤال عن أي خلاف للمجني عليه مع أحد من وقت قريب.
تحدث أحد الغفر أنه تم شجار بينه وبين أحد الأشخاص ويدعى توفيق. وبعد التحقيقات والتحريات علم أن توفيق جندي بالجيش وتم استدعاؤه للتحقيق. وبعد عدة أيام أخرى من التحقيقات مع توفيق، ثبت أنه ليس الفاعل بعد تأكيد قائد الوحدة بالجيش بأنه كان متواجدًا في المستشفى العسكري لإصابته في إحدى المهمات العسكرية أثناء مداهمة وكر للإرهاب، ولم يقو على الحركة لعدة أيام قضاها في العناية المركزة.
تم التحقيق مع جميع أهل البلدة والقبض على الكثير ممن يشتبه بهم. وبعد التحقيقات والتحريات تم تقييد الحادث ضد مجهول.
مرت الأيام وشفيق أصبح كالوحش الكاسر، وخاصة بعد وصول رسالة صوتية على هاتفه ورجب يستغيث به بإنقاذه قبل قتله.
شفيق: مين اللي بيعمل كل ده؟ غرضه إيه؟ فلوس وبديله كل اللي يطلبه، ليه يقتل رجب؟ غرضه إيه من ده؟ لو فاكر إنه بكده يكسرني ولا يهزمني، ههه، ده بعده. أنا شفيق بن الصافي، مجبتنيش ولادة. والكلمة اللي أقولها تؤمر وتطاع من الكبير قبل الصغير. أنا لازم أعرف مين اللي بينخور ورايا وغرضه إيه، حتى لو هدفع نص عمري.
شفيق ظل حبيس المنزل لا يقوى على الخروج بسبب قوات الأمن المتواجدة بالبلدة وإجراء التحقيق واستجواب المشتبه بهم في مكتبه.
تسحب في وقت متأخر من الليل وتوجه إلى بيت أحلام، يتلفت يمينًا ويسارًا، كلما سمع حركة للزرع ينتفض خوفًا. دق بابها مرات ومرات، لم يتلق إجابة. يلعن قاتل رجب بقتله قبل تنفيذ خطته.
عاود أدراجه لبيته مرة أخرى والنيران تلتهمه من الغيظ. رجب هو زراعه الأيمن، لا يثق في أحد غيره. يتساءل مرة أخرى عن سر قتله رجب.
أصبح يواصل الليل بالنهار من التفكير، لم ينم إلا سويعات قليلة ويقوم منها مخضوضًا.
نادرة تبلغ مسعود بكل شيء ليكون سابقًا لها بخطوات في التنفيذ.
ظلت نادرة تهدد روحية بالإبلاغ عن ابنها وائل بأنه هو من قتل رجب.
روحية في البداية اهتزت، ولكن بعد فترة أصبحت لا تبالي، بعد تذكرها بهروب وائل من فترة طويلة وأنه أصبح له اسم آخر.
نادرة: دخلت على روحية تهددها كالعادة.
روحية: هبت واقفة تصرخ بها بأن تفعل ما تريد، وأن تهديداتها لا تفرق معها. اقتربت أحلام بخطوات ثابتة وبغفلة قامت بثني يدها وأخذت خاتمها، آخر ذكرى لها من حبيبها بكر.
نادرة ارتعبت من نظرات روحية وصوتها، تخرج مسرعة من الغرفة مصدومة من حالة روحية.
روحية بعد خروجها قامت بتجهيز حقيبتها وخرجت من المنزل دون أن يراها أحد.
////////////////////////((((///////
عدة الأيام وزايد أصبح أكثر انطوائية، منعزل عن الجميع. يذهب معظم الوقت إلى فندق الزهروان، يجلس بالمكتب يدير شؤونه، ويفتح أحد أدراجه ويخرج صورة، ينظر لها، يتلمس وجنتها. لا يعلم كم من الوقت يمر عليه وهو هكذا.
في إحدى المرات دخل عليه والده وهو على شروده، رأى تلك الصورة بيده وتلك الدمعة تتدحرج من عينه. شفق على حال ابنه.
عبد الرحيم: دق على المكتب أمامه. إيه يا زايد اللي واخد عقلك؟ بقالي ساعة واقف ولا أنت هنا.
زايد: ابتسم بضعف، فتح الدرج ووضع الصورة فيه، وأتى يقف ليجلس والده مكانه.
عبد الرحيم: أشار له بالجلوس على الأريكة.
جلسا بجوار بعضهما، تحمحم ورفع نظره لزايد.
احكي كل اللي جواك، بلاش تكتم كده، وعشان ما تقولش ما فيش حاجة. حالتك دي واضحة للكل، بمن فيهم مراتك اللي أنت بقالك شهور بتنام بعيد عنها، مهملها وناسي إنك هتتحاسب على عمايلك دي قدام ربنا.
يابني أنا لو جرالي حاجة، مين هياخد باله من العائلة والشغل؟ مين هيكمل اللي بنيته؟ الأولاد سافرتهم بنفسي لإنجلترا وتأكدت من قوة المدرسة وصلابتها، واتفقت إنهم يبلغوني بتقرير عنهم أول بأول، اطمنت عليهم. أنت دلوقتي اللي قلقني عليك هيئتك دي، رجوعك كل يوم متبهدل، حصلت ترجع سكران؟ البنت افرض مراتك ولا حد سمع الكلام اللي قلته، كان موقفك هيكون إيه؟ أمك من وقتها وحالتها زادت سوء.
احكي كل حاجة من غير ما تتردد.
زايد: وضع وجهه بين يديه وأغمض عينيه وهو يحني ظهره للأمام. أنا فعلًا محتاج أتكلم، يمكن النار اللي جوايا تهدي، وحضرتك تشور عليا أعمل إيه. أنا طول عمري ماليش صحاب غير معتز، وبطبعي مش بحب أتكلم عن شيء يخصني قدام حد. ياريت تسمعني من غير ما تقاطعني وتتعصب وتغضب عليا.
معرفش امتى ولا إزاي قلبي مال ليها من أول عنيا ما شفتها وسمعت صوتها، قلبي خرج من مكانه، مرجعش مرة تانية. كنت بزور طنط زهروان في بيتها لأول مرة من وقت مرضها، ماما كانت واقعة ورجليها مكسورة. ماما كانت مصممة تروح تطمن عليها. أنا قلتلها: "هروح وأطمنك عليها". فرحت أوي وقالت: "اطمني عليها واطمنيها، لأنها عارفة إني هقول الحقيقة، عكس زياد اللي بيطمنها ويقول إنها كويسة ومفيهاش حاجة".
رنيت الجرس وفتحت ليا الباب بعد ما سألت أنا مين.
عاد بذاكرته.
يقف أمام الباب، ينظر في ساعة يده، يضع يده على جرس الباب ليأتيه صوت من خلفه جعله يقف معتدلاً.
الصوت: مين حضرتك؟
زايد: يشعر بتسرع دقات قلبه. يريد سماع صوتها مرة أخرى. رؤية صاحبة الصوت. أنا زايد ابن اختك مدام زهروان، ممكن تفتحي؟
هي: ثواني أسأل الهانم وأرجع.
زايد: هي دقيقة أو أقل. الوقفات اللي عدت عليا كأنها ساعة. لقيت الباب فتح وأنا دخلت وعنيا على صاحبة الصوت. قلبي بدأ يدق بسرعة. محسيتش بيها، قلبي نار ولعت فيه، ما انطفتش. حسيت بزلزال. عنيا مش بتترفعوا من عليها. غمضت عنيا وأنا بسمع صوتها للمرة التانية.
هي: اتفضل حضرتك، طنط مستنية حضرتك في الأوضة.
زايد: مشيت وراها وأنا ماسك نفسي بالعافية أطلب منها تتجوزني. أيوه عارف حضرتك هتقول ده جنون، بس ده وقتها. اللي حصل دخلت عند خالتوا، سلمت عليها، وقعت جنبها وعنيا عليها وهي بتسألني أشرب إيه.
خرجت من الأوضة وعنيا عليها. بعد ثواني رجعت عاملة أجمل فنجان قهوة شربته في حياتي.
وخرجت خالتوا، كانت بتكلمني ومعرفش قالت إيه. عينيا على الباب، كل حواسي معاها بره. استأذنت من خالتوا أدخل الحمام وبقيت أدور عليها بعينيا. رجليه أخدوني أفتح كل أوضة بالشقة، حتى المطبخ. وأنا بدور بعينيا سمعت صوت بيقرأ قرآن وهي بتطبخ.
رجليا أخدتني لحد عندها وأنا خلاص هضمها قلبي. هو اللي بيحركني، بيفكر بدالي، من غير ما تحس بيا. وقفت أسمعها وهي بتلف. انخضت من وجودي. الطبق اللي في إيديها وقع على الأرض. نزلت معاها وأنا عينيا عليها. مسكت إيدها ووقفتها ونزلت أنا أجمع الكسر.
انجرح صباعي وكان أحلى جرح بحياتي. جريت جابت مطهر وشاش وربطته. أنا بقى كنت في عالم تاني، مش عايزها تخلص. عينيا عليها مش بتتحرك. قربت منها ومن غير أي خيانة شدتها ليا واخدتها بحضني. هي انخضت وصرخت، مدتهاش فرصة تكملها. قلتلها من غير وعي: "تتجوزيني". بقت تبعد إيديا الاتنين عنها وأنا بشدها ليا أكتر. مش عايزها تخرج، عايز أدخلها جوه قلبي، مش عايز أبعد عنها لحظة واحدة. شلتها وقعتها على الكرسي لما فضلت تعيط. قلبي مستحملش. مسكت إيديها وهي بتشدها قلتلها:
أنا مش مجنون ولا هأذيكي، معرفش حصلي إيه لما شفتك وسمعت صوتك، حاسس إني عايز أدخلك جوايا، متخرجيش.
سمعت خالتوا بتنادي عليها في جهاز جنبها على الطربيزة. جريت على الأوضة وأنا قلبي بيجري وراها. سمعت خالتوا بتسأل عليا. دخلت بسرعة، خوفت تقولها على اللي حصل ويحصل مشكلة.
خرجت وأنا قعدت مع خالتوا. فضلت أسألها بطريقة غير مباشرة عنها لحد ما عرفت كل حاجة عنها ومواعيدها، امتى بتيجي امتى بتروح.
نزلت وفضلت قاعد بالعربية لحد ما نزلت. كل يوم براقبها. أركن العربية وأركب المترو وراها من غير ما تاخد بالها مني. سألت عليها في حارتها وعرفت كل حاجة عنها وقررت أتقدم ليها مهما كلفني الأمر ده.
وقتها حضرتك صممت إني أسافر ألمانيا أخلص تعاقدات، وطبعاً أصرت عليا آخد آيات معايا وأنا كنت رافض. ويوم ورا يوم وحضرتك تقول: "غير مراتك محتاجاك الفترة دي، الشغل بعدك عنها وعن ولادك".
شهر بعيد عنها رجعت. أول حاجة عملتها روحت لخالتوا عشان أشوفها وأسمع صوتها. فتحت ليا واحدة تانية. دخلت عند خالتو وأنا عينيا بدور عليها. سألتها عنها قالت إنها اتجوزت من كام يوم وسافرت مع جوزها شهر العسل.
لو جابت سكينة ودبحتني مكنتش هتوجع كده. مشيت من عندها وأنا مش شايفة قدامي. قلبي بيتقطع. رحت على الحارة بتاعتها اتأكدت من الخبر.
الخبر كان القاضية بالنسبالي. بقيت مش بتحمل، زادت عصبيتي، مش بتحمل حاجة حتى ولادي.
قلبي دفنته بحبها.
شهر وراء شهر وأنا حبها مش بيروح، بالعكس بيزيد.
لحد ما شفتها مرة تانية في المول. كنت طاير من السعادة إني شفتها. بس لما عينيا جت على واحد واقف جنبها وشفت إنه زياد، نار قادت فيا. فضلت أفكر أعمل إيه أطفي نار الغيرة. قلت لحضرتك: "موت زياد، حيا الأمل جوايا". وقلت بعد فترة أتقدم ليها. اتفاجأت إنها اختفت ومعرفش حاجة عنها. لحد ما من كام يوم عرفت إنها جت الفندق. جريت أشوفها وأطمن عليها. لقيتها دخلت المستشفى من صدمتها بموت زياد.
وقعت من على سلالم الفندق الخارجية وروحت المستشفى. جريت من غير وعي عليها. فتحت عينيها وأخدتها بحضني للحظات. فتحت عينيها نادت على زياد ومفتحتش تاني. فضلت أكلمها وأنادي عليها مردتش عليا. دفنتها بإيديا دول في التراب بعد ما أمضيت إنها مراتي. دفنتها لوحدي، دفنتها دفنتها ودفنت روحي معاها. البنت بنت زياد.
زايد: ماتت قبل ما تقول مكانها. سألتها كتير.
عبد الرحيم: أنا عارف إن القلوب مفيش عليها، بس أي اللي بتعمله ده اسمه جنان. بلاش تهدم بيتك. مراتك وولادك أهم. هي ماتت، انتبه لحالك، شوف مستقبلك. دور على بنت أخوك، هو ده شغلك.
ارجع زايد اللي تطمن على العايلة في أبديها.
دوس على وجع قلبك واتحمل. أنت لو تعبت افتكر الحمل اللي على ظهرك والكل هيقع لو ما اتحملتش اللي حصل.
زايد: أومأ برأسه بتفهم ومسح دمعة خائنة من عينيه قبل أن يراها والده.
عبدالرحيم: ربت على كتفه. أنا مقدر تعبك ووجع قلبك. بس كل اللي يهممني دلوقتي العايلة ومشاريعها وبنت أخوك وبس.
مرت الأيام يوم وراء يوم وزايد بيدور على بنت زياد. مش عشان كلام أبوه، ولكن وصيتها هي.
////////////////////
مسعود لازال على حالته. يضع المنشطات لصباح ابنة نادرة. وشفيق ينتقم من نادرة فيها. يمارس ساديته عليها. هي لا تزال صغيرة تتوسل إليه أن يتركها. توعده بأنها لن تفعل شي مرة أخرى، ستتحمل ما يحدث لها ولا تغضبه.
مسعود تركها بعد معاناتها وصوت صرخاتها عالي خوفاً من سماع أحد لها.
مرت شهور وهو على تلك الحالة. فور خروج شقيقها، يضع لها الحبة ويتركها قليلاً ثم يعود لها. يعاود ما يفعله بها منادياً عليها بنادرة بداخله. ينقض على الفتاة بوحشية وقوة يجعلها تصرخ حتى يغشى عليها. لا يبتعد عنها حتى يشبع رغبته من ضربها ونزف جسدها الذي أصبح مشوهاً من كثرة ضربها.
في إحدى الليالي وهو على تلك الحالة، أتاه اتصال من نادرة تخبره بقدومها له تود مقابلته في مكان بعيد عن الأعين ليدرسوا الخطة المتبقية.
مسعود نظر للفتاة وصب عليها
أبو العنين: ما فيش قول بعد قولك يا شيخ أحمد. الست أحلام من بكرة تختار المكان اللي تقعد فيه، والبضاعة هتجي لحد عندها.
بالفعل، عدة أيام وأحلام أصبح لها مكان بالسوق تبيع به. تأخذ الصغيرة معها، تضعها بجوارها، تنام في أحد صناديق الفاكهة والخضار. ولتتوالى معاناتهم بعد ذلك من جديد.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم منى عبدالعزيز
احلام بداءت في العمل بسوق القرية تذهب إلى
أكبر تجار في السوق تأخذ ما تريد وتدفع ثمنه وتعود مرة أخرى للسوق. كل هذا ومعه الصغيرة تحملها.
أصبح لها زبائن مخصوصون يشترون منها.
مرت شهور وهي على تلك الحالة، تخرج في الصباح الباكر وتعود قبل المساء. تغلق بابها ولا تفتحه إلا
في اليوم الآخر. في إحدى الليالي مرضت الصغيرة ولا يعرف السبب، حرارتها لا تنخفض، تتقيأ بلا توقف.
طوال الليل وهي بتلك الحالة، أبدلت أحلام ملابسها وملابس الصغيرة وتوكلت على الله وحملت الصغيرة
وتوجهت إلى الباب. مدت يدها تفتح القفل لترتد إلى الخلف برعب وتغلقه مرة أخرى سريعا فور وصول صوت شفيق لمسمعها ينادي عليها. كل يوم أطال مكوثه، لم يذهب يحدثها من خلف الباب.
أحلام تبكي بحرقة تناجي ربها بأن ينقذ الصغيرة.
لم تجد حلًا، ماذا تفعل؟ إذا خرجت سيكلفها حياتها هي أو الصغيرة. وإذا ظلت فحياة الصغيرة في خطر.
ينتفض جسدها بين الحين والآخر مع كل خبطة لشفيق على الباب.
شفيق: افتحي يا أحلام، خليني أروي شوقي وأطف نار قلبي، أشبع نفسي برحتك اللي كانت بتخطف قلبي زمان. فاكر أيام الخص وأيامنا الجميلة وحبنا
البريئ وقعدتنا المغربية والشمس بتبات وقرصها الأحمر وكلامك الحلو وأنتِ بتودعيها؟ وتاني يوم الصبح وأنتِ واقفة فـ بـ شباك أوضتك تستقبليها.
عارفة أنا لسه على نفس العادة، أمسي على الشمس عند الخص وأفتح الشباك من بدري عشان أصبح عليها. كل يوم من يوم ما هربتي من البلد وأنا بتخيلك الشمس بتودعني وبتصبح عليا.
اليوم اللي يفوت ومش عارف أودعك كنت
بصب غضبي على اللي قدامي إنه أخرني عن
الطقس اللي بقالي عشرين سنة ماشية عليه.
كل يوم والثاني اروي شجرة التين
عشان أنتِ زرعتيها معايا بإيدك. تعرفي
أنا اشتريت الأرض دي مخصوص عشان
الشجرة، محدش يقطعها.
شفيق: لسه قلبك ما ملش وحن للأيام دي؟
محنش لقعدتنا نتكلم على مستقبلنا
وأسماء ولادنا؟ محنتيش لأكل الدرة من إيديا؟
واول وردة من مشتل الورد بتاعي اللي زرعته
بإيدي وردة وردة؟ سميتيهم بنفسك.
كل ده أنا اللي فضلت عايش على ذكراهم بعد ما
تعبت من التدوير عليكي، بس كنت متأكد من رجوعك مرة ثانية والشوق جابك لهنا من تاني
ونعوض سنين حرماننا من بعض.
بس إنتي رجعتي واحدة ثانية، أسية قلبك جامدة،
بتعذبي فيا، حرماني من شفتك ومش بتبلي ريقي
بكلمتين تصبريني على النار اللي جايدة في جسمي.
أحلام لم تعد تقوى على الوقوف. أسندت ظهرها إلى الباب وجلست على الأرض تبكي بوجع على ذكريات
تمنت تمحوها من ذاكرتها، على أيام عذابها، كسرتها وكسرت والدها. اغتصابها من بكر بوحشية جعلها تكره كل الرجال. أقسمت بأن لن يمسها رجل مرة أخرى، لولا الحاجة والخوف من مصير مجهول
ما كانت عادت إلى ذلك المنزل مرة أخرى.
تنظر للصغيرة تبكي بصمت خوفًا من سماع شفيق
لبكائها.
ظلت على جلستها والصغيرة على قدمها حتى غفيا
معًا من شدة التعب.
لتفيق على صوت بكاء الصغيرة. تفتح عينها بكسل،
تشعر بتيبس جسدها وتخدل قدمها وألم عنقها.
تتلمس جبهة الصغيرة لتنتفض من مكانها.
تفتح الباب غير عابئة إذا كان شفيق لازال جالس أم لا.
تخرج مهرولة للطريق المتجه للمستشفى حتى وصلت عند بابها الموصد، تنادي وتستغيث بالطبيب
لإنقاذ الصغيرة.
خرج الطبيب على حمل منها الصغيرة ووضعها على سرير الكشف يتفحصها. بعد قليل من الكشف
علي: إزاي يا مدام تسيبي البنت سخنة بالشكل ده؟
إيه الإهمال ده؟ قبل كده سألت على التطعيمات ولا دورتوا؟
أحلام: البنت ما تعبتش غير من شوية صغيرين، وأول ما الترجيع هدي جيت بيها جري.
علي: للأسف البنت عندها نزلة معوية حادة.
هكتب دواء تنظموا بيه وهتتحسن بإذن الله.
ومتقلقيش من الحرارة هتنزل مع العلاج.
أحلام: براحة، الحمد لله. جلست تتنهد براحة.
وهي تضم الصغيرة لصدرها تقبل جبهتها.
شكرته وأخذت الروشتة منه وخرجت إلى الصيدلية.
بعد كلام ومروغات الطبيب ومحاولته الدائمة التحرش بها بالقول، بعد نفاد صبر، أخذت الأدوية
وهي تسب وتلعنه طوال الطريق. تلعن شفيق وبكر ويحي وذاك الصيدلي وكل الرجال الذين يأتون إليها للشراء. يلتمسونها بأعينهم. لتقف بخوف وتختبئ خلف شجرة وهي ترى شفيق عاد مرة أخرى ويقف معه شيء يفتح به الباب. تكتم أنفاسها خوفًا من سماعه لصوت أنفاسها العالية. شعرت بتململ الصغيرة بيدها لتعاود الرجوع للخلف، عائدة للبلدة. تتجه إلى مسجد القرية تستغيث بالشيخ أحمد والمصلين.
تخبرهم وهي تلتقط أنفاسها بأنها ذهبت إلى المستشفى للكشف على الصغيرة، وهي عائدة لبيتها وجدت شخص ملثم يحاول كسر باب المنزل وأنها هربت خوفًا من أن يشعر بها. انطلق المصلون تجاه المنزل يرمحون حتى وصلوا إلى منزل أحلام ينقضون شفيق
من الخلف يكيلون له وسط صراخه بتركه. ليبتعدوا عنه بعد إخبارهم بأنه العمدة.
شفيق: ابعد يا بقرة، منك ليه؟ أنا العمدة شفيق.
الشيخ أحمد: العمدة وإيه اللي وقفك هنا يا عمدة؟
وماسك أجنة بتفتح بيها الباب ليه؟
شفيق: بلبلة. أنا كنت بمر على البلد وشفت واحد واقف بيحاول يفتح الباب، قربت منه وضربته وكنت بحاول أخرج الأجنة. أنتم جيتوا.
الواقفون ينظرون إلى بعضهم يضحكون بدون صوت
على كلامه وعلى هيئته المبعثرة.
الشيخ أحمد: لا لا يا عمدة، بقي أنت بنفسك بتمر على رعاياك من أهل البلدة؟ جعل الله اللي بتعمله في ميزان حسناتك. وطالما أنت موجود وشفت الحرامي بنفسك، يبقى إيه يا رجالة؟ ينظر له الجميع.
يكمل: يبقى إحنا كل ليلة نقسم الليل على مجموعات، كل مجموعة تحرس بيت الست أحلام كام ساعة والمجموعة الثانية تستلم منها.
العمدة: أنت بتقول إيه؟ وأنا والغفر رحنا فين؟
الشيخ أحمد: غفر إيه يا عمدة؟ دول من يوم ما مات
رجب وهم بيخافوا يمشوا بالنهار. هيطلعوا بالليل.
الشيخ أحمد: ادخلي يا ست أحلام دارك ومتقلقيش. أنا والرجالة هنفضل قاعدين عشان لو ابن الحرام ده رجع من تاني يلقينا هنا. يخاف يهوب هنا.
دخلت أحلام واستأذنت منه وأغلقت الباب دون النظر لشفيق الذي يكاد يقتلها بنظراته.
الشيخ أحمد: اتفضل يا عمدة اقعد ويانا. القاعدة صباحي.
العمدة: والصلاة يا شيخ الجامع؟ هتقعد هنا ومين هيؤم الناس في الصلاة؟
الشيخ: محسوبك يا عمدة. المصلين هنا أهم والأرض طهور ومتوضين. يلا يا شعلان أذن وأقم الصلاة على ما أجيب شوية قش نفرشهم نصلي عليهم.
ولا العين تترفع عن الحاجب. أنت إمامنا يا عمدة وصلي بينا.
شفيق: بلبلة. لا أعفني أنا. يا دوب ألحق أروح الدوار عشان ألحق أتوضأ وأروح أصلي في الجامع الغربي زي ما متعود. يلا تقبل الله يا رجالة.
الشيخ أحمد: منا ومنك يا عمدة.
ليصدح صوت الرجال ضاحكين.
الشيخ أحمد: يلا يا رجالة على الجامع نصلي الفجر أزف.
أحد الرجال: مش قلت هنصلي هنا يا شيخ.
الشيخ أحمد: يلا يا أبو علي على الجامع. ده للعمدة.
رحل الجميع وسط ضحكاتهم على هيئة العمدة.
أحلام دخلت المنزل تحمد الله على نجاتها من شفيق.
وضعت الصغيرة على الفراش وبدأت تعطي لها علاجاتها حتى خفضت حرارتها.
ظلت أحلام ليومين لم تبرح بيتها حتى شفاء الصغيرة تمامًا. وبعد شفائها عادت إلى مكانها بالسوق.
تجد الجميع يتجنبها، وخاصة السيدات.
استغفرت ربها وجهزت مكانها ووضعت الصغيرة في ذاك الصندوق وجلست تبيع لأحد الزبائن.
عدت الأيام وتتزايد أعداد زبائنها الذين يشترون منها
لنزاهتها وحسن كلامها مع الزبائن. ليغير منها باقي البائعات واتفقوا أنهم يفعلون شيئًا حتى يبعدوها عن السوق.
كل يوم يلقحون عليها بالكلام ويحرضون زوجات الرجال الذين يشترون من أحلام، الذي تعبت من الإهانات التي تلحقها. وزاد الأمر عندما رأت واحدة منهن الرجال يجلسون أمام منزلها في وقت متأخر من الليل، ومن وقتها أشاعت أن أحلام تفتح بيتها
للرجال ليلاً بالدور.
أشيعت الأخبار بالبلدة وأحلام لا تعلم ما يدور من كلام عليها، لولا تدخل الشيخ أحمد وطلب من كبير السوق مساعدتها بعيدًا عن سوق القرية.
ليلب التاجر وينقلها إلى السوق الكبير بالمركز
مع كم بائع من البلدة وتزيد المعاناة.
من المسافة بين البلدة للمركز وطريق الذهاب والعودة، والصغيرة التي بدأت تحبي وزاد الإجهاد في البيع والشراء والتحكم بالصغيرة. وشهر وراء شهر كبرت زهور وبدأت بالوقوف والمشي. لتقوم أحلام
بتقييدها بحبل موصول بيدها عندما تبتعد عن مكان جلوسها أثناء انشغالها، تقدر تمسكها بالحبل ولا تبعد عنها وتختفي وترهق من البحث عنها.
أحلام كونت صداقات مع بعض البائعات بالسوق واتفقوا وفتحوا محل مشترك ولا تزال تقيد زهور، الذي عرفها كل بائعي السوق وبعض الزبائن.
بدأت أحلام بالاستقرار بعض الشيء حتى قدمت إحدى البائعات بالسوق القديم تعمل بسوق المركز
وبدأت تتحدث عن أحلام والكلام الذي أشيع عليها بالبلدة. وبدأت تنادي على زهور ببنت سلسبيل.
مرت سنة سريعًا على سفر الأحفاد إلى إنجلترا للدراسة في إحدى أعرق وأشهر المدارس الداخلية بالعالم الذي يرتادها أبناء الأمراء والملوك وأغنى رجال العالم.
زاهر هو أكثر الأحفاد سعادة بالابتعاد عن العائلة.
يتصل بجدته ووالدته كل يوم يطمئن عليها.
زين رضخ لكلام الجد، ينفذ كلامه دون نقاش.
حمزة كون صداقات مع زملاء له، أخذ لنفسه وضعًا آخر
غير أشقائه.
مرت الأيام والسنين وكبر الأحفاد وبدأوا في الدراسة.
زايد أصبح يعمل لساعات طويلة، لا يزال قلبه ينبض بعشق سلسبيل، يبكيها ليلاً، يزور قبرها يوميًا.
يتابع عمله في شركات العائلة ويدير فندق شقيقه.
يتجنب زوجته، ازدادت المشكلات بينهم، تدخل عبد الرحيم.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم منى عبدالعزيز
زايد أصبح أكثر حدة في التعامل مع زوجته، دائم الخلاف معها. تتهمه بالإهمال والتقصير. أصبح يتجنب المكوث معها في غرفة واحدة. لم تعد تتحمل إهماله.
اجتمع كل من بالمنزل على صوت شجارهم. إحداهن كانت ممسكة بصورة في يدها، تصرخ عليه وتبكي بقهر وألم.
زايد جذب الصورة من يدها بصعوبة، وسط نظرات الجميع يتساءلون عن تلك الصورة.
"إنتي مجنونة؟ غيرتك عمتك! مش مقدرة حزني ووجعي على أخويا اللي مات وهو في عز شبابه. وكنت سبب من أسباب موته عشان ضغطت عليه عشان يجوز اختك الطماعة اللي اتجوزت بعد كام يوم من وفاة زياد. اللي هي نفسها كانت أكبر سبب في اللي حصل لها."
رفع الصورة أمام الجميع وهو يتألم بداخلة من كذبته، لكن ما باليد حيلة، لابد من تقوية موقفه.
"شوفوا الصورة! للهانم بتتهمني فيها. شوفوا صورة مين!"
رفع إحدى جانبي الصورة. "دي آخر صورة اتصورها زياد قبل ما يموت بكام يوم. تاريخ الصورة عليها من وراء عشان محدش يقول عرفت منين. بصوا كويس، وإنتي كمان يا مراتي يا المفروض تقفي جنبي تخرجني من وجعي وهمي وشعور الذنب اللي بيقتلني، بدل ما كل يوم والتاني تلمي علينا كل اللي في البيت."
ليسترسل: "أنا شايف إن كل واحد جوة عينه سؤال."
لينظر له الجميع بذهول.
"يعني إنت عارف السؤال؟"
"طبعًا عارف. وهو هو نفس السؤال اللي كلكم بتسألوه لنفسكم. هو ليه ما قصش الصورة وخلى الجزء اللي فيه زياد لوحده؟"
فك طرف الجزء الآخر، يجاهد في ضبط نفسه. أعطى الصورة لزيدان وأشار له بتمريرها على شقيقاته الملتفات حول زوجته يربتون على كتفها.
"شوفوا إيدين زياد فين. لو قصت الصورة زي ما الكل بيسأل، كان حصل إيه للصورة؟ واسألوا الهانم لما خرجت الصورة من جيب البدلة، كانت محطوطة إزاي."
آيات تقترب منه تتحدث بلجلجة: "أنا أنا آسفة. غيرتي عمت عنيا. تأخيرك باليوم والاتنين برة البيت، رجوعك متبهدل، كلامك وانت نايم، وصوت بكاك بالليل وأنا بسمعك بتنطق اسم مش عارفة أميزه. كل ده مخلّيش فيا عقل. أي زوجة في الدنيا هتعمل زي اللي عملته وأكتر."
زيدان أشار للجميع بالخروج وترك بعض الخصوصية ليتحدثوا معًا.
زايد هب واقفًا منادياً بلهفة: "زينب الصورة هاتيها."
زينب التفتت له، تمد يدها له ليلتقطها بيده بلهفة. وطواها كما كانت ووضعها في جيبه مرة أخرى.
يعاود النظر إلى زوجته، ينظر لها بشفقة، يلعن قلبه الذي ينبض بعشق من توارت بالتراب. ليبتسم لها وهو يمد يده يساعدها على الوقوف أمامه، مقبلاً رأسها.
"يزيح دموعها مقبلاً مكانها: أسف، أنا قصرت في حقك كتير. استحمليني."
آيات تبتسم له، تقبل بطن يده التي يزيح دموعها من على وجنتها. تومي له برأسها.
لتمر أيام وشهور على تلك الليلة، ويعود الوضع كما كان، يهملها مرة أخرى ونفس المشاكل ونفس الوعود. حتى تدخل عبد الرحيم وبحنكته أعاد الهدوء لحياتهم. وتمر الأشهر شهرًا وراء شهر. مر عام على سفر الأحفاد، ليقرر الجد كسر الروتين وسفر كل من زيدان وزايد وزوجتهم لقضاء الإجازة مع أبنائهم بالخارج.
هَدَأَت الأوضاع قليلاً بعد كلام زايد مع والدة وتشجيعه، وافق على السفر.
***
حسن عاد إلى بيته بعد اتصال زوجة والده به.
ليرى نسمة ممددة على الأرض، عينها مفتوحة، يخرج سائل من فمها، جسدها يتصبب عرقًا مع رجفتها. ليسرع بفتح حقيبة يده مخرجًا مصلًا وحقنة. بيدها بعد معاناة، كلما حقنها يدها تهتز. لينظر إلى حبيبة الواقفة تبكي على ما أصاب نسمة، لاول مرة تراها بتلك الحالة.
"بصوت مرعب: حبيييييييه، وقّف عندك، تعالي امسكي إيديها، ثبّتيها كويس، وإنتي يا ماما ثبتي الإيد التانية."
استطاع حسن أخيرًا حقنها وأشار لهم بتركها. واتجه إلى رأسها، وأثنى قدمه ورفع رأس نسمة عليه، يتلمس شعرها بيده، وباليد الأخرى يضرب وجنتها بخفة. تتسع ابتسامته وهو يراها تنظر له وتُنطق اسمه.
"هسن هسن."
"عيون حسن."
"أنا زعلان أوي هسن، إنت."
"زعلانة مني ليه يا قلب حسن؟"
"يوم ويوم ويوم كتير، وهسن مش يجي بيت. نسمة مش شوفة، وبيبي عيط، ونسمة عيط، وماما عيط، وهسن مش يجي."
اقترب منها: "متزعليش مني، أنا خلاص مش هتأخر مرة تانية في الشغل وهاجي في معادي، ونرجع نلعب سوي زي الأول."
نسمة تعتدل سريعًا وتضمه بقوة، ليسقط من قوة دفعتها وهي تضمه.
لتنظر له حبيبة بحزن وترحل لغرفة نومهم، ترمي نفسها على الفراش تبكي بحزن على حالها، ونار الغيرة من اهتمام حسن بنسمة وقلقه عليها.
لتعتدل بجلستها، تنظر بشرود، تهز رأسها بين الحين والآخر. لتهب واقفة تتجه إلى خزانة ملابسها، وأمـسكت حقيبة ووضعت بها ملابسها، واتجهت إلى المكتب تأخذ أوراقها وكتبها. أحكمت غلق الحقيبة جيدًا، وأبدلت ملابسها. فجأة فتح الباب الغرفة بسرعة وصوت ضحكات حسن ولهاثه.
"هههههه أخيرًا عرفت أهرب من نسمة."
ليصمت وهو يرى حبيبة أبدلت ملابسها وتحمل حقيبة ملابس بيدها. ليقترب منها بعد اختفاء ضحكته. يقترب بخطوات ثقيلة، عينه تنظر لعينها، نبضات قلبه تضعف رويدًا رويدًا. شعر بالخمول.
يقف أمامها، يخفض بصره، ينظر ليدها التي لازالت قابضة على الحقيبة.
"وقف أمامها بصوت مهتز: حبيبة. إيه الشنطة اللي في إيدك دي؟"
"زي ما انت شايف شنطة هدومي. وقبل ما تسأل ليه، هقولك. همشي من هنا. معتش ليا لازمة أفضل في مكان مش مرغوب فيه وعالة على صحبة. أنا هاخد أمي وهنمشي من هنا."
ابتعدت قليلاً ووقفت مرة أخرى: "ياريت تجيب المأذون عشان ننهي كل حاجة، وتخف من العبء عليك."
"التفت لها بصدمة، بخطوة واحدة اقترب منها، أمسكها من يدها لتسقط الحقيبة أرضًا. إنت بتقول إيه؟ إنتي اتجننتي؟"
"لا عقلت. عقلت لدرجة إني مستغربة نفسي. ليه مكنتش كده؟"
"كده إزاي يعني؟"
"ملوش لزوم خلاص. اللي ما بنا انتهى. ياريت على ما أقول لماما تجهز شنطتها، تتصل على المأذون نخلص كل حاجة من سكات. وأوعدك هبريك من كل حاجة."
"بصدمة قربها له، ينظر بعينها: عيدي كلامك تاني. قلتي إيه؟"
"إنت سمعت كويس أوي كلامي وفهمت قصدي."
"بوجع: ليه كل ده حصل؟ إيه؟"
"تنظر لي يده: إنت مش طبيعي. كل اللي حصل وبتقول ليه؟ لما أكون آخر اهتماماتك، لازم أبعد. لم تحسسني إني ما أسواش وأشعر بالدونية. لما أستناك يوم ورا يوم تبرر اللي عملته. بتسأل ببساطة حصل إيه؟"
"إمتى عملت اللي بتقوليه ده؟"
اقترب أكثر منها، يرفع يده، يكوّر وجهها بين يديه.
"لو سمحت، مالوش لزوم اللي بتعمله. إنت عارف عملت إيه كويس، وبعدك الفترة اللي فاتت. حتى لما سبتنا بالبلد ومشيت، مقلتليش. جيت وفضلت أنتظر ولو كلمة تطمني عليك. لكن كل اللي عملته اتصلت بماما."
"يومها خفت تكوني زعلانه مني إني خلفت وعدي ليكي. إني ضعيف وشهواني. خفت وقتها مسيطرش على نفسي وأنا فرحتي إن حبيبتي خلاص بقت مراتي وبين إيديا. كل اللي فكرت فيه خوفي أشوف نظرة خذلان في عينيكي. خفت، كنت بهرب من نظراتك. بخاف أشوف حاجة غير حبك ليا. لما سبتكم في البلد وجيت عشان أشتري البيت."
"بحـدة: مش مبرر اللي بتقوله ده ميشفعلكش. لو كنت مترددة، بطلب الطلاق دلوقتي، مصممة عليه أكتر من الأول."
"وحبنا راح فين؟ ووعدنا اللي اتعهدنا عليها راحت فين؟ كل ده نسيتيه؟ إنتي من أول يوم وعارفة ظروفي ووافقتي عليها. جاية دلوقتي وتهربي مش متحملة. مين فينا بيهرب؟"
"عذر أقبح من ذنب. ظروفك، ظروفك دي الشماعة اللي بتعلق عليها أخطائك. مقدرتش ليه ظروفي لما أوجه الموت وأنا لوحدي وبحاول أنقذ البنات اللي بسببك وبسبب ظروفك ماتوا؟ كنت فين وقتها؟ كنت فين وهم بينادوا عليك تنقذهم؟ لما نادوا عليك مشيت وسبتهم وهم كانوا بينادوا عليك يعرفوك إن النار مالية المطبخ. يمكن لو كنت سمعتهم كانوا عايشين. ما بنا لكن إنت أناني. حتى نسمة اللي متعلقة بيك وعارف قد إيه بتحبك، أهملتها. بدل ما تحاول تخفف عنها اللي حصل وتخرجها من الرعب اللي عاشته، لا كنت بتبعد كل يوم بتبعد عن اليوم اللي قبله. حسن، إنت محتاج دكتور نفسي تتعالج عنه."
"يقترب منها: لا، محتاجك إنتي أكتر. إنتي أحسن دكتور نفسي ليا. إنتي صوت ضميري. أنا لا يمكن أبعد عنك ولا هقدر أبعد. أنا لو هعيش، هعيش عشان أسعدك وأكفر عن ذنبي. حبيبة، سامحيني وخلينا نبدأ من جديد. كان اللي فات ما كان. خلينا ولاد النهارده."
اقترب أكثر منها، أمسك يديها، وضع واحدة على قلبه: "ده بينبض بحبك، بلاش تأسي عليه. لو بعتي عني هيقف نهائي. حبيبتي سامحيني في اللي هعمله ده."
لينحني ويحملها ويتجه بها ناحية الفراش، يلقيها عليه وسط صراخها. تحاول النهوض ليرمي نفسه فوقها، مقيدًا يديها: "إنسي إنك تتحركي. هتتحاسبي على إنك فكرتي تبعدي عني. وأوعدك النهاردة هتكون أجمل أيام عمرنا. هنقعد نفتكرها سنين طويلة."
"إبعد يا حسن، مينفعش اللي بتعمله ده."
"لا ينفع ونص. ولو عملتي إيه مش هبعد. فهمه؟ مش هبعد."
"ماهو ماهو."
حسن يرفع نفسه، يخلع جاكت بدلته وقميصه.
"لو عملتي إيه بالذي مش هبعد. فهمه؟ مش هبعد."
"لا هتبعد، لأن أنا أنا."
حسن يضيق عينه: "قصدك أسباب فسيولوجية؟"
يقترب منها، يهمس لها: "إنتي ناسيه. أنا عارف إمتى بتيجي لكل واحدة فيكم. ولا نسيتي كمية المسكنات اللي بجيبها كل شهر."
"تبعد عينها عنه وتبتسم بخجل: بس مش ده اللي أقصدُه."
لتهمس له، ليبتعد فزعًا من فوقها، يهز رأسه ويشير بيده لها: "إلا سمعته ده بجد؟ ولابتهربي؟"
"تومي برأسها وتشير له على الكومود، ليرى ورقة، يمد يده يفتحها، ليقف بصدمة وعيون جاحظة. ليشير لها: عقابًا ليكي على اللي عملتيه، مش هتقومي من مكانك إلا بعد التاسع. فاهمه."
"حبيبة..."
لتكمل الكلمة بين شفتيه وباءت محاولتها بالفشل. مرت ليلتهما بين عتاب واعتذار ووعود.
لتمر الأيام والشهور، وتصبح حبيبة في السادس، وتبدأ معاناة أخرى بشك الطبيبة بوجود خطب ما في الجنين، لتنهار حصون حسن نهائيًا. حتى أنه أصبح عاد لعادته القديمة، يعمل لوقت متأخر حتى لا يشعر بالذنب تجاهها، لعلمه أن جيناته الوراثية هي السبب وأنه أخفى تلك الحقيقة عليها قبل زواجهم. ليهرب من المواجهة بالسفر للخارج. بعد ترك رسالة لها بأنه لن يعود إلا بعد إجراء عملية حتى لا ينجب أطفالًا يعانون ما عان منه شقيقته وأبناء أعمامه، وخاصة بعد معرفته أن الجنين فتاة.
سافر حسن لإنجلترا، وكل يوم يجري فحوصات طبية ليتأكد من وجود ذلك الخلل في جيناته الوراثية، ليتصل على حبيبة، لا يتحدث، يسمع صوتها ليعلو صوت بكائه ونحيبه، يعتذر لها، يطلب مسامحتها، ويغلق الهاتف. حتى حدد موعد إجراء العملية، ويفاجأ بدخول حبيبة ونسمة عليه الغرفة قبل الاستعداد للعملية.
قبل أن يتحدث بكلمة، تلقى صفعة قوية على وجهه.
من يد حبيبة، التي تحدثت بلهث: "انت مش هتبطل الأنانية اللي فيك؟ بتتصرف من نفسك لتاني مرة تخلف وعدك إننا نشترك في كل قراراتنا. قبل ما كنت تسافر وتعمل العملية، كنت خد رايي، يمكن أرفض. ليه تقتنع برحمة ربنا؟"
مدت يدها له بأوراق.
حبيبة تستكمل: "دي تحليل وأشعة ومعاهم التقارير. أنا عملت أشعة جديدة وثبت إني حامل في تؤام. إمكانية إن واحد فيهم يكون داون تسعين في المية. وأنا عندي يقين بالله وأمل إن العشرة في المية دي هي اللي أتمسك بيها وولادي يكونوا طبيعيين. ولو حتى كانوا الاتنين، لقدر الله، عندهم متلازمة داون، أنا راضية وهسيب الدنيا كلها عشانهم."
ومدت اليد الأخرى، أخرجت تقريراً من حقيبة يدها. "ودي تحليل لـ نسمة تؤكد إن المتلازمة اللي عندها غير متورثة. ممكن زي ماما ما بتقول إن والدتها اتوحمت على حد بالشكل ده، لأن شكلها ووضعها الصحي يؤكد يا دكتور فرق كبير بينها وبين هنا. الله يرحمها. وكمان تقدر تجوز وتخلف بشكل طبيعي جدا."
حسن ينظر للتقارير بيديه بجنون ويستمع لكلمات حبيبة، كأنه يسمعه من مسافة بعيدة، ليشعر بدوار ويسقط أرضاً. لتصرخ نسمة وتجري عليه حبيبة.
ليفيق بعد وقت، يجد حبيبة ونسمة بجواره يبكون. والطبيب ينادي عليه.
لينهض من على الفراش بسرعة. يقترب من حبيبة، يضمها إليه، يقبل وجهها ودموعهم تتلامسان. لتضربه حبيبة على صدره عدة مرات وتضمه بقوة. لتقترب نسمة منهم، ليفتح حسن يده لترتمي بين يديه.
خرج حسن من المشفي بصحبة حبيبة ونسمة.
وزوجة أبيه التي قامت بصفعه عدة مرات على وجهه. ليضمها حسن ويقبل جبينها.
ليقضوا بضع أيام قاموا خلالها بجولة سياحية دون التطرق للموضوع مرة أخرى. وفي إحدى الليال، سأل حسن حبيبة: "لو إن الطبيبة سمحت لهم بقضاء وقت حميمي معا، هل لا يزال خطر عليها؟" أومأت حبيبة بأنها سمحت له. لم يمهلها حسن أن تتحدث وعاشوا معا ليلة من ليالي عشقهم معا. يعاملها فيها بحنان وبلطف، يقبل جبينها وينام بجوارها، يضمها لصدره.
ليعتدل مرة واحدة، ينظر لها.
حسن: "بيبة، انت ليه عملتي تحليل وأشعة لـ نسمة، وخصوصاً على الرحم؟"
حبيبة: بابتسامة واسعة وضحكة صدحت على هيئته وهو يرفع حاجبه. "بالظبط كده، الـ وصلك. لو في نسبة إنها تحمل وتجيب طفل سليم، يبقى..."
حسن: يضع يده على فمها قبل أن تكمل. "انتي متخيلة معنى كلامك إيه؟ بقي عايزاني أستغل نسمة عشان أخلف ولاد طبيعيين؟ فهمه؟ أنا وقتها هيكون شكلي قدام نفسي إيه، والأهم قدام ربنا إيه، وقدامك انتي إيه؟ عارفة، أنا كنت عارف إن نسمة طبيعية وإن نسبة المتلازمة ضعيفة جداً، بس بسبب إهمال عمي ومراته، نسمة بقت بالحالة دي. تعرفي إن كتير بابا الله يرحمه صمم إني أعمل علاقة مع نسمة كام مرة؟ تعرفي إني فعلاً كنت مستعد لده وفكرت بكده بدل المرة مليون، بس لا ضميري سمح لي، وعلى قلبي اللي اتعلق بيكي سماح لي بكده. كنت بحزن عليها وشايفها بتمر بهرموناتها وقد إيه بتكون تعبانة، بس كنت بتراجع. عارف كمان إن ربنا هيحاسبني على كده، بس مش بقدر. حاولت بس مش بقدر. بتراجع كل مرة."
حبيبة: قبلت يده بحنان، ربتت على كتفه فرحة بكلامه، لكن شعور غيرة جديد عليها دب في قلبها. لتشرد قليلاً وتتحدث مرة واحدة: "أنا عارفة إن مش هستحمل أشوفك مع حد تاني، بس نسمة بتحبك. ومن كام يوم جت الأوضة بتبكي وبتقول إني أنا اللي ببعدك عنها، وهي اللي طلبت أوديها للدكتور تكشف. حسن، عشان خاطري، تم جوازك معاها. هسافر أنا وماما عشان الامتحانات، وانت أفضل معاها كام يوم. والله يخليك، بلاش تكسر بخاطرها. انت بنفسك قلت كتير شفتها تعبانة."
حسن: "حبيبة، انت مجنونة؟ أنا كنت هضحي بكل حاجة وأعمل عملية وأتحرم من الأبوة، تقومي تقولي تم جوازك على نسمة؟ إزاي أستغلها بالشكل ده؟"
حبيبة: "الـ عندي قلته. أنا مش هستحمل إنك تنام معاها في أوضة واحدة وأنا هنا. فحجزت ليا ولماما، وهنسافر بكرة بليل. اتصل عليك تقولي إن نسمة بقت مراتك."
حسن: نهض من على الفراش. "لأ، انتي اتجننتي على الآخر. لأ، يمكن أعمل كده."
حبيبة: "حسن، ارجوك. هي اللي طلبت بده." وفضلت تبكي وتقول: "هي عايزة تكون ماما هي كمان. نسمة واعية وفاهمة كل حاجة، عارفة إزاي بيحصل حمل وفهمة العلاقة كويس. ولما سألتها قالت إن في المركز كانوا بيفهموهم العلاقة دي عشان لو حد حاول يمارسها معاهم، إزاي يتصرفوا ويدافعوا عن نفسهم. حتى إنها قالت لي إنها سألت الأخصائية إنها متجوزة و..."
حسن: "وإيه؟"
حبيبة: "طلبت منها تفهمها أكتر عنها."
حسن: يجلس على الفراش بصدمة. "نسمة؟ نسمة؟ يطلع كل ده منها!"
حبيبة: "بتحبك."
حسن: "بس أنا..."
حبيبة: "بلاش تفكر كتير. ارجوك، طيرتنا الصبح أنا وماما. اخرج معاها وافهم وجهة نظرها، وبعدين يا تقنعك يا تقنعها."
حسن: أومأ برأسه وظل طول الليل جالس يفكر فيما قالته حبيبة، حتى أتى الصباح بما يحمله من مفاجآت. بالفعل سافرت حبيبة بعد وداعها لحسن، تجاهد في إمساك دموعها.
أثناء جلوسهم بالطائرة، ارتجفت وعلا صوت بكاها، لترتمي في حضن أمها.
حبيبة: "مش قادرة يا ماما، مش قادرة. حاسة إن قلبي هيقف."
الأم: "ليه أقنعته بكده طالما مش هتتحملي؟"
حبيبة: "معرفش. نسمة صعبت عليا أوي، وكمان كلام الدكتورة اللي بيثبت إن احتمال الأولاد يكونوا داون هو اللي خلاني صممت أكتر بده. يمكن نسمة تحمل في أولاد أصحاء، بس نار قايدة في قلبي."
ربتت الأم على كتفها. "إن شاء الله خير. ربنا هيديكي على قد نيتك الصافية وحبك لحسن ولنسمة هيعوضكم كلكم. هي صعبة على أي ست إن جوزها يكون لغيرها، بس حكمت ربنا، ومافيش اعتراض على حكمه."
حسن بعد سفر حبيبة، جلس بالغرفة فترة طويلة، حتى أنبه ضميره. أخرج هاتفه، نظر به على صورة زياد.
حسن: "لو تعرف قد إيه محتاجك دلوقتي. انت الوحيد اللي هتهرجني من حيرتي."
لابتسم وهو يتذكر كلام زياد لو كان موجوداً، وهو يخبره بالصلاة الاستخارة وترك الباقي بيد الله.
ليقوم ويصلي، وبعد الانتهاء من الدعاء، قام وتوجه إلى غرفة نسمة وطلب أن يتحدث معها لبعض الوقت. لم يشعر كم مر عليه الوقت، ليشعر براحة داخلية. ليتم بالفعل زواجه مع نسمة، الذي زهل من جمالها. لأول مرة ينظر لها بنظرة مختلفة عن السابق.
ليعيشا معا عدة أيام قضاه كأنه أول مرة يتزوج. فنسمة مختلفة في كل شيء. حسن كان مختلفاً أيضاً معها. يتعاملان معا بطفولية شديدة، ينعمان معا بوقت حميمي بشكل غير طبيعي. مرت الأيام المفروض بعدها يعود ليتصل على حبيبة، يخبرها بقضاء بعض الوقت، متأججاً أنه لازال يشعر بالتخبط، بالرغم من شعورها بالغيرة، إلا أنها وافقت وطلبت منه العودة بعد انتهائها من الامتحانات.
حسن: وافق ليعود لنسمة التي تبهرة كل يوم بأفعالها، وكم تمنى أن لا تنتهي تلك الليالي التي أشبعت فيها نسمة كل احتياجاته، لكن لازال عشقه لحبيبة هو المسيطر.
لتمر الأيام، لم يخرجا معا من غرفة الفندق إلا سويعات قليلة، والباقي يقضيها معا في حبهم الجديد ولياليهم الذي ينسجونها معا ليشبع كل منهم الآخر بطريقته. أتى معاد سفرهم، ليطلب منها عدم إفشاء أي أمر حصل بينهما لأي شخص، وخاصة حبيبة ووالدتها، وأنه سيقسم الأيام بينها وبين حبيبة بالعدل والتساوي.
لتمر الأيام على الجميع بهدوء وراحة وسعادة. بالفعل قسم الأيام بينهم. نيران تدق بقلب حبيبة وقت ذهابه لنسمة، وخاصة وهي ترى نظرات نسمة له والسعادة على وجهها قبل وبعد قضاء ليلتها مع حسن.
حسن نفسه يرفض تبديل ليلته بنسمة بأي طريقة، ويذكرها بأن ذلك عدل وهو ما اتفقوا ثلاثتهم عليه.
تمر الأيام والشهور، وحبيبة دخلت مرحلة المخاض وتذهب لتلد. وفي أثناء العملية، تسقط نسمة أرضاً.
وبعد الكشف والتحليل، ثبت أنها حامل، ليعيش حسن أسوأ كوابيسه. بالغيرة المفرطة بينهما بعد إنجاب حبيبة لطفلين ذوي متلازمة داون، نجا واحد منهم، والأخرى توفيت بعد أيام. تمر الشهور وراء بعضها. حبيبة لم تجد ما يطفئ نار غيرتها. بعد إقناع حسن ووالدتها بإكمال دراستها وعمل الماجستير، وترك الصغيرة التي تشبه نسمة لحد ما، لم يكن سهلاً تقبل حبيبة لها. بأن بالعلاج والجلسات العلاجية قد تشفى.
لتأتي اللحظة الموعودة، يوم ولادة نسمة. الغريبة الذي أتت بعد قضاء ليلتها مع حسن. وأثناء العلاقة، شعر بوجود سائل تدفق من نسمة. لينهض فزعاً، يرتدي ملابسه بصعوبة ويساعدها في ارتداء ملابسها، ليصرخ على حبيبة ووالدتها، وهو يرى خروج الجنين من بين قدميها.
لتلد نسمة بمساعدة حسن طفل طبيعي يشبه حسن بشدة. لتغار حبيبة أكثر، ولكن احتواء حسن لها جعلها تهدأ، وخاصة تدخل والدتها بأن ذلك إحدى أسباب إقناعها لحسن بإتمام زواجه مع نسمة.
مرت شهور وسنين، وحملتا الاثنتين مرة أخرى. حبيبة هذه المرة تأكد أن حملها معافى والجنين بصحة جيدة. كذلك نسمة. لكن حبيبة ضعيفة البنية، ومع إرهاق المذاكرة لإنهاء الدكتوراة، أصبحت هزيلة، لتصبح طريحة الفراش خوفاً على جنينها.
وبالرغم من ذلك، لم يتركها حسن، وظل بجوارها. يعدل فيما بينهم، ولكن لنسمة الغلبة في ليالٍ خاصة بهما، يعيش معها بحميمية وحب غريب لا ينقص، ولكن يتزايد. حسن لازال على عهده لزياد. بالرغم مما يعيشه، يذهب له يزوره مرتين أسبوعياً، يقص له عما به عن علاقته الغربية مع زوجاته وحبه لهم، وتلك الراحة واللذة الغريبة مع نسمة، وخاصة بعد تعافيها بصورة كبيرة وجمالها الذي يعشقه. يشكي له غيرة حبيبة وتقصيره في البحث على زهور وسلسبيل.
لتمر الأيام والسنين. وفي أحد الأيام، تتصل حبيبة عليه لتخبره بشيء جعله ينتفض كلياً.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم منى عبدالعزيز
مسعود ترك صباح تواجه مصيرها بين طبيب منعدم الضمير كل ما يشغله هي حفنة الأموال التي تلقاها منه.
صباح هزيلة، حزينة، قلبها يدق بعنف خوفًا بعد ترك مسعود لها وذهابه. تجلس ودموعها تسيل على وجنتيها بلا توقف. حتى أتت إليها ممرضة اصطحبتها للداخل. لترتجف وهي ترى الطبيب واقفًا وبجواره ممرضة أخرى، لتتحدث بخوف وهي ترى نظرات الطبيب المشمئزة منها.
صباح: أنا أنا عاوزة أمشي.
لتنهره الممرضة: مدام، إنتِ خائفة ليه؟ عملتِ كده.
صباح: (تبكي) غصب عني والله، غصب عني. انبِي سيبوني أمشي.
الطبيب: خالصينا يا مدام، إنتِ جيتِ هنا يبقى ما فيش تراجع. الأستاذ اللي جابك طلب إننا نخلص كل حاجة عشان يرجع ياخدك.
صباح: (تبكي، تومئ برأسها) لتذهب مع الممرضة لتبديل ملابسها وهي ترتجف بشدة، لتعود مع الممرضة مرة أخرى. ويشير لها الطبيب بالصعود على الفراش.
لتصعد مرعوبة وهي ترى الطبيب ممسكًا بيده حقنة كبيرة. لتعدلها إحدى الممرضتين، والأخرى تضع لها جهاز الأكسجين، ويقوم الطبيب بحقنها. وثوانٍ قليلة وتغمض عينها ويبدأ بإجراء العملية. لينتفض وينظر إلى الممرضتين برعب وهو يرى كم النزيف الذي حدث ولا يتوقف نهائيًا.
الممرضة: الحق يا دكتور، جهاز القلب وقف.
الطبيب: (بفزع) يا دي المصيبة! بسرعة شوفي النبض.
الممرضة: ما فيش نبض يا دكتور.
الطبيب: (بخوف) يبتعد عنها، يقوم بنزع القفازات الملوثة بالدم ويلقيهم بالقمامة، ويخطو تجاه صباح.
ليعتدل بصدمة.
الطبيب: دي ماتت.
الممرضة: (بخوف) هنعمل إيه يا دكتور؟ دي رابع حالة الشهر ده.
الطبيب: بسرعة ومنك ليها، لبسوها لبسها اللي جاية بيه وهاتصل على الراجل اللي جابها ييجي ياخدها. وبلاش حالات النهاردة، معتش فيا أعصاب.
اتصل الطبيب على مسعود، وجد الرقم غير صحيح. أعاد الاتصال عدة مرات، نفس الرد.
الطبيب: الراجل طلع نصاب، اداني رقم غلط.
الممرضة: هنعمل إيه في المصيبة دي؟ اللي فاتوا اللي معاهم كانوا بيخلصوا منهم، دي هنعمل فيها إيه؟
الطبيب: جهزوها بسرعة ولفوها كويس بالملاية على بال ما أجهز العربية وأجيبها قدام مدخل العمارة وأرميها في أي حتة مقطوعة قريبة من الأرياف. أهم حاجة حطوا شنطتها وأي متعلقات تانية ليها. الوقت ليل، بسرعة مش عاوز تأخير. ونظفوا العيادة كويس وخدوا يومين إجازة لحد ما نشوف المصيبة دي هترسي على إيه.
مسعود عاد إلى منزله على وجهه ابتسامة ماكرة. يشعل سيجارة ويجلس في أحد الأركان، ينظر في ساعته. ينفس دخان سيجارته وعينه على الباب. ليهب واقفًا ويطفئها في منفضة السجائر ويذهب ليفتح الباب الذي تعلو الخبطات عليه.
فور فتح الباب يجد الصافي يدخل مهرولًا ووجهه شاحب وملابسه ممزقة.
الصافي: اقفل الباب بسرعة يا خال.
مسعود: يغلق الباب. إيه مالك متبهدل بالشكل ده ووشك أصفر؟
الصافي: يرمي جسده على الأريكة يلتقط أنفاسه. مصيبة، مصيبة يا خال. مش عارف هعمل إيه. لو أبويا عرف هتكون وقعة منيلة ومش هخلص من كلام أمي.
مسعود: قول يا زفت، حصل إيه؟
الصافي: كنت متفق مع واحد زميلي يساعدني في الامتحانات، يكتب اسمي على ورقة الإجابة. واتفقت معاه على خمس آلاف جنيه مقدم وخمسة آخر يوم في الامتحانات. أدهمله بعد ما اتفقت معاه وخد الفلوس من كام يوم. جه في الامتحان ومرديش يبدل الورقة ولا ردي يديني الفلوس. النهاردة اتمقلت عليا وأنا مش عارف أحُل. بعد اللجنة، وخلى زمايلي ضحكوا عليا. فضلت قطعتُه لحتة مقطوعة وأخدته على خوانه ونزلت فيه ضرب لحد ما قطع النفس. وطب ساكت، خفت وجيت جري على هنا. لملمت حاجاتي وأخدت البيت صباح وارجع البلد.
مسعود: (بخبث) لو رجعت البلد أول واحد هيشكو فيه أنت. فخليك هنا كام يوم. اخرج واسهر عادي مع صحابك عشان محدش يشك فيك. إنت ضربت الواد فين بالظبط عشان أروح أشوفه عايش ولا حصله حاجة ونلحقه لو لسه في الروح.
الصافي: أنا أنا معرفش اسم المنطقة. أنا كنت ماشي وراه، كل اللي في دماغي اضربه وخلاص. مخدتش بالي من المنطقة.
مسعود: ما فيش علامة كده ولا كده؟
الصافي: أيوه، خدت بالي وأنا بجري وجاي على هنا. سوبر ماركت اسمه جورجينا.
مسعود: فين ده؟ طول عمري عايش في طنطا، أول مرة أسمع الاسم ده. على العموم، ادخل غير هدومك وكُل لقمة. أنا خارج عندي شغل مهم وشوية وراجع. أوعك تمشي وتسيب البيت لحد ما أرجع.
الصافي: حاضر، حاضر يا خال. بس فين صباح؟ تحضر العشاء من ساعة ما جيت مشفتهاش ولا سمعت صوتها.
مسعود: (بلجلجة) هه، صباح خرجت تزور واحدة صحبتها قبل ما تسافر البلد. ادخل إنت وشوية وهاجيلك.
دخل الصافي غرفته وأغلق خلفه الباب. جسده ينتفض، يشعر بالاختناق. يذهب في اتجاه النافذة، يفتحها قليلاً ويقف يستنشق هواءً طلقًا. ليصعق.
بعد دخول الصافي إلى غرفته، أسرع مسعود إلى غرفته، يخرج حقيبته ويسرع بالخروج من الشقة ويصعد سيارته ويرحل. ممسكًا بهاتفه وينظر إلى البناية وعلى وجهه ابتسامة ماكرة ونظرة خبيثة. ليرى الصافي يقف في الشرفة، يرفع يده ويشير له بيده. يضع يده بالقرب من جبهته ويرفعها لأعلى. وينطلق بسيارته سريعًا وهو يضحك بهستيريا.
الصافي شعر بأن قدميه لا تحمله. مسعود، نظراته وسلامه الغريبة تبعث الريبة في نفسه. ليترك غرفته متوجهًا إلى غرفة مسعود. يبحث في محتوياتها، ليصعق مرة أخرى وهو يرى الخزانة خاوية من ملابسه إلا من بعض الأشياء القديمة. لينتفض على صوت بوق سيارة شرطة، فيفزع من مكانه ويخرج من المنزل مهرولًا مغلقًا الباب خلفه.
رحل الصافي من الشقة مهرولًا للخارج، يتجه إلى أعلى الشقة. يقف فوق سطح البناية، يرى بوضوح الطريق. ليهدأ قليلاً ويلتقط أنفاسه وهو يرى العربة تبتعد عن المكان. ليهبط الدرج كأنه يسبق الريح. يدخل للشقة ويغلقها جيدًا خلفه ويسرع في ضم أغراضه جيدًا. ويجلس في انتظار شقيقته. يقوم بالاتصال بها فوق العشرين مرة ويرسل الرسائل بأنه سيخبر والدهم بتأخرها بالخارج دون أن تخبره، وعليها العودة حالًا للذهاب إلى البلدة قبل المساء.
ظل طوال الليل في انتظارها. لم تعد. ليغفو في مكانه. ويستيقظ على اتصال هاتفي في ساعات الصباح الأولى. ليقوم مفزوعًا مما سمع. ليسرع بالخروج من الشقة. ليتعركل بحقيبة ملابسه في طريقه للباب. يصل إلى المكان الذي أخبره به المتصل بعد قليل. يقف بخوف ورعب. عيناه لا تتوقف عن الدموع من هول ما سمع. عقله لا يتحمل ما سمعه. كيف حدث ومتى حدث؟ تهالت عليه الأسئلة. يجيب عليها بصعوبة بالغة من بكائه.
قليلًا وبدأت التحقيقات. قبل ذلك بساعات، أثناء خروج الطبيب معدوم الضمير هو وإحدى الممرضتين يحملون جثة صباح. لفت انتباه أحد المارة صدى صوت هاتف لا يتوقف عن الرنين في تلك اللفافة التي يحملونها. ليتوار خلف أحد أعمدة الإنارة. ويراهما يتهامسون بخوف من سماع أحد تلك الرنات، خاصة في ذلك الوقت المتأخر من الليل والهدوء بالطريق الجانبي الذي تقبع به العيادة. ليصدم وهو يرى قطرات الدم التي تتساقط من اللفافة أثناء انشغالهم بوضعها في حقيبة العربة. ليسرع في لفت انتباه بعض المارة والجيران بصراخهم. وخاصة بعد محاولة الطبيب الصعود إلى السيارة والهرب منه. ليتجمع الكثير من الجيران ويتم القبض عليه. لتبدأ التحقيقات معه. وبعد معرفة هوية الفتاة من متعلقاتها الشخصية. وأثناء البحث في المتعلقات، يصدح صوت الهاتف مرة أخرى بعدة اتصالات متواصلة. ويصمت بعد وقت من معرفة هوية المتصل. تم أخذ الرقم من الهاتف قبل تسليمه للطب الشرعي لمعاينته والاتصال بهاتف آخر.
عودة للتحقيقات.
المحقق: اسم وسنك وعنوانك وعلاقتك بالمجني عليها.
الصافي: (بلجلجة وتوتر) الصافي شفيق، عمري سبعة عشر سنة. تبق أختي.
المحقق: آخر مرة شفتها كان امتى؟
الصافي: الصبح قبل ما أروح للامتحانات. هي صحتني وفطرتني ورحت الامتحان. ولما رجعت ما شفتهاش.
المحقق: عملت إيه لما مالقتهاش؟
الصافي: الأول سألت خالي عليها. قال إنها راحت لواحدة صحبتها. ولما اتأخرت اتصلت عليها أكتر من مرة وغفيت وأنا قاعد. لحد ما جالي اتصال بالمصيبة دي.
المحقق: إنت طبعًا عرفت بال حصل وإن المجني عليها ماتت وهي بتعمل عملية إجهاض. تعرف مين يكون والد الطفل ده ولا لأ؟ وخصوصًا إن الدكتور اعترف بأن فيه شخص أربعيني هو اللي وداها تعمل العملية وطلب يجهضوها ودفع المبلغ بزيادة وعطاه رقم تليفون ومشي.
الصافي: لا معرفش مين ده. بس لو وصفه لي ممكن أعرفه لو كان قريب لنا أو حد من زمايلنا.
المحقق: مين عايش معاكم بالبيت غيرك إنت وياها؟
الصافي: إحنا عايشين في شقة خالي. هو ابن خالة أمي. الأول كنا عايشين مع أخويا بس خالي أقنع أمي إننا نعيش معاه عشان أخويا ومراته ما يزهقوش مننا ومن طلباتنا.
المحقق: تعرف أصحاب اختك كويس؟
الصافي: أيوه. مالهاش غير بنت واحدة من بلد جنبنا عايشة في المدينة الجامعية.
المحقق: تفتكر يكون اللي عمل العملة دي مع أختك يكون مين؟
الصافي: معرفش والله، معرفش. صباح بتخاف من خيالها ومش بتروح كده ولا كده. من البيت للجامعة والعكس.
المحقق: طيب خالك فين؟ مجاش معاك؟
الصافي: معرفش فين هو. خد شنطة هدوم ومشي من بدري.
ليستمر التحقيق وتحولت القضية للنيابة واتصل الصافي على والديه.
بعد التحقيق والتحريات وتحول القضية للنيابة، تم حبس الطبيب والممرضتين على ذمة القضية. وقدوم تقرير الطب الشرعي بوجود علامات تعذيب على الجثة. وأثبتت التحريات أن صباح ظلت لأيام لم تغادر المنزل. أمرت النيابة بتفتيش المنزل القاطنة به للبحث عن أي أدلة توصل للرجل الذي اصطحبها لعيادة ذلك الطبيب.
تم تفتيش الشقة بعناية ليجدوا الصدمة الأولى. في غرفة صباح لم يجدوا شيئًا سوى اختبار حمل في سلة مهملات بجوار مكتبها.
وفي غرفة مسعود يجدوا سوطًا كبيرًا معلقًا على أحد حوائط الغرفة. وبتفتيش الأدراج وجدوا مجموعة من الأقراص. وبقراءة الأغلفة الخاصة بها تأكد أنها منشطات جنسية نسائية قوية المفعول. لتتأكد الشكوك حول مسعود وتصدر النيابة أمرًا بالقبض عليه.
علم شفيق بما حل بابنته. أغشي عليه من الصدمة وقلة النوم لأيام. نادرة فقدت ذرات عقلها فور علمها بأن مسعود هو من فعل بابنتها تلك الأفعال وهو السبب في وفاتها. تركت الصافي وشفيق في المستشفى وذهبت تجاه منزل خالتها والدة مسعود لتبحث عنه. لعله مختفي بها وتنتقم منه. لتذهب وتفتح بالمفتاح الذي أصر عليها مسعود بأخذه في إحدى المرات التي قبلتها بها لإعداد خطتهم تجاه شفيق للانتقام منه.
تبحث عنها بجميع الغرف لتقف جاحظة وهي ترى ثوراً لها بغرفته الخاصة، لكل لقاء لهم وخاصة الأخير وهي عارية تماماً وبأوضاع مخلة معه تلك الليلة المشؤومة.
وخطاب على الفراش لتسقط على الفراش بقهر وهي تقرأ كلماته، صدمة وراء صدمة لتنهار حصونها بعد علمها ببيع جميع ممتلكاتها التي باسمها، حتى الأموال بالبنك حولها لحسابه بالتوكيل التي مضت عليه من أيام.
ليغشى عليها بعد قراءتها للخطاب، ظلت على حالتها ساعات حتى أفاقت تشعر بصداع، لتقوم مترنحة وتقوم بإشعال النار في الغرفة وإلقاء الخطاب بها وتخرج للذهاب للمشفى عند شفيق وصافي، منهارة لا تعلم ماذا تفعل.
اتفق شفيق وولده أن يكتموا نبأ ما حدث لابنته عن أهل البلدة، وأنها توفيت بحادث سيارة.
ليعودوا إلى البلدة بها تجمع الكثير من أهل البلدة والبلدان المجاورة.
ودفن الجثة والعزاء وسط همسات المعزين عن الحادث الذي علموه من الجرائد.
مرت الأيام والشهور، نادرة حزينة على ضياع كل أملاكها والثروة التي كانت بين يديها تتأكلها النيران بداخلها.
تدخل أم محمود عليها تجدها مغشي عليها، لتخرج هلعة تنادي على شفيق وولده ليسرعا لغرفتها.
الصافي كان الأسرع يجد والدته ممددة على الأرض ليسرع بحملها ووضعها على الفراش.
شفيق صعد رغماً عنه بعد طلبه من أحد الغفر يذهب لإحضار الطبيب.
قليلاً حضر الطبيب وبعد الكشف على نادرة.
الطبيب: متقلقوش دي حاجة طبيعية للزيها وخصوصاً لأن سنها كبير والحمل في الوقت ده خطر عليها.
صدمة وراء صدمة تلقاها شفيق ليشير إلى ابنه بتوصيل الطبيب وإلى أم محمود، إيا ليقف ينظر إلى نادرة التي فاقت، نظرة أرعبتها.
لينقض عليها يلف يده حول رقبتها، يقوم بخنقها.
شفيق: حامل حامل يا فجرة انطقي من سكات. مين الفاجر اللي نمتيله يا يا ساقطة انطقي قبل ما أقتلك وأدفن عارك.
نادرة تحاول فك يده حول رقبتها تتنفس بصعوبة.
نادرة: شفيق روحي هطلق ابعد هقولك هقولك مسعود مسعود السبب.
شفيق أبعد يده ورجع للخلف بصدمة.
شفيق: مسعود عمل كل البلاوي دي في بنتي وكمان مراتي حامل منه.
نادرة تلتقط أنفاسها.
نادرة: مكنتش بوعيي خدارني وأنا بزور العيال وعمل عملته قبل وفاة صباح بكام يوم.
لينقض عليها مرة أخرى يشد في طبق يديه على رقبتها، كادت تلتقط أنفاسها لولا تلك التي ضربت شفيق من الخلف بعصا غليظة أفقدته توازنه ويسقط أرضاً.
مرت الأيام، شفيق أصبح طريح الفراش بسبب تلك الضربة القوية جعلته يصاب بشلل، ومع كم الصدمات التي تلقاها في فترة وجيزة فقد النطق.
نادرة تدخل كل ليلة أمامه ببطنها التي تكبر تهمس له أن الأيام دول أمه حملت من الصافي أبيه بعد اغتصابه لها وقتله والدها وتشردها هي وأخواتها وموت أمها قهراً بعد اتهامها بأنها خائنة.
تخبره بكل مصائبه وكم اغتصب فتيات وكم واحدة ماتت بين يديه، آخرهم سعاد.
شفيق كاد يجن مما تخبره به، وخاصة آخر حادثة له.
أصبح لا يقوى على الحركة، حتى يوم والدتها وسماع صوت صريخها ليحاول النهوض، يضع يده على صدره ويجر إحدى قدميه وفمه الذي أصبح معوجاً، ليظل يخطو ببطء حتى وقف بالقرب من الغرفة ينظر للتي تخرج من الغرفة بحقد وتوعده لها بالانتقام منها.
يسمع صرخات طفل ليختل توازنه وكاد يسقط، ليدخل لها بعد رحيل الداية، يغلق الباب خلفه ويتوجه ناحية الفراش الممددة عليه نادرة غافية، ينظر بجوارها يجد الصغير نائم بجوارها ليقترب منه يضع يده على وجهه الصغير يكتم أنفاسه حتى يتأكد من موته.
ابتعد عنه ينظر لنادرة بحقد، يقسم لها بداخله بالانتقام منها، يتوعدها بأن يتركها عايشة ويسقيها العذاب بأضعاف مضاعفة.
الصافي استقر بالبلدة خوفاً من اكتشاف أنه سبب موت زميله كما اعتقد.
مرت الأيام عليه، اقترب منه أحد الغفر أصبح صديقه الصدوق، يذهبا معاً.
أخبره بكل ما حدث الأيام والشهور الذي كان بعيداً عن القرية.
كان حزيناً بخبر حمل والدته خوفاً من إنجابها شريكاً له بالثروة.
كان سعيداً جداً عندما علم بموت الصغير.
اقترب من أبيه وبدأ بالذهاب معه لتلقي العلاج في إحدى العيادات الخاصة بحالته حتى شفي، ليس كالسابق، لكن استطاع شفيق السير جيداً وينطق الكلام بفهم.
شفيق: أول شيء فعله بعد شفائه ذهابه إلى منزل محبوبته، يدق بابها ويترجاها الزواج به، فهي المرأة الوحيدة التي يثق بها.
مرت الشهور وهو بتلك الحالة، دبر مكيدة للخادمة أم محمود وقتلها دون أن يشعر به أحد، وقام بحرق غرفتها حتى لا يكتشف أمره.
نادرة أصبحت تغلق بابها بالأقفال عليها خوفاً من انتقام شفيق الذي يتلذذ برعبها.
صافي: أصبح لديه خبرة في أحوال البلدة.
مرت الشهور والسنوات حتى مرت خمسة عشر عاماً.
أحلام بالسوق أصبحت صديقة للجميع، مخزن أسرارهم، الكل يحب مشاركتها الحديث.
كونت صداقة بسيدتين، إحداهما أكبر منها والأخرى في عمرها، يذهبن معاً ويعودن معاً، ينتظرن حين دخولها لبيتها وإغلاقه خلفها، يوصلونها لمنزلها في طريقهن بعربة كارو يجلسن فوقها، وفي الصباح تنتظرهن أيضاً أمام منزلها.
وكثيراً بالداخل خوفاً من شفيق ومراقبته لها.
زهور أصبحت حديث الجميع، تلك الفتاة الجميلة التي تقيدها جدتها أحلام، بالرغم من استقرارها بعض الشيء في العمل وحب الناس لها، إلا أن تلك الغيرة والحقد جعل يومها لا يخلو من المشاكل التي تتجنبها إلى حد ما، خاصة بعد قيام البائعة بسوق القرية بقص كل ما حدث لأحلام بالقرية وأن زهور ابنة غير شرعية قدمتا للبلدة سوياً.
وبعد عدة أيام هربت أمها وتركت مسؤولياتها.
أحلام التزمت الصمت في البداية، ولكن لم تحتمل وتلك الشمطاء تتفنن كل يوم في قول الأكاذيب عن سلسبيل.
وطفح الكيل بها عندما أطلقت على الصغيرة اسم بنت سلسبيل، وكما العادة الكلمة السيئة هي الدارجة، أصبح ذلك الاسم هو لقب زهور، بنت سلسبيل هو الاسم التي تنادى به الصغيرة.
مرت الأيام وزهور أصبحت في السابعة وبدأت دراستها بالمدرسة، وللقدر دائماً نصيب، أصبحت مشهورة بين المدرسين لذكائها، وبحكم تعاملها بالسوق بالبيع والشراء أصبحت جريئة بالتعامل لا تخاف من أحد.
تذهب للمدرسة صباحاً، وبعدها تذهب إلى السوق تساعد جدتها في العمل، وأوقات كثيرة تعمل بدلاً منها في الإجازة.
مرت الأيام وازدادت جمالاً في سن التاسعة، ختمت حفظ القرآن كاملاً وحفظت ألفية ابن مالك والأحاديث النبوية، حصلت على جوائز كثيرة بالمسابقة الرمضانية.
أحلام: مرضت في أحد الأيام، تركتها زهور وخرجت ليلاً تجري تجاه إحدى العيادات الخاصة تطلب من الطبيب القدوم معها للكشف عليها.
الطبيب أتى معها بعد الكشف على أحلام التي تئن من الألم.
أخبرها الطبيب بضرورة ذهابها للمشفى لعمل بعض التحاليل الطبية.
زهور بالرغم من صغر سنها الذي لم يتجاوز العاشرة من عمرها، بعد انتهاء الطبيب من الكشف على أحلام، خرجت خلفه وأشارت له بالجلوس وجلست أمامه تناقشه في مرض أحلام، لم تهتز أو تبكي أمامه وهو يخبرها.
زهور: قولي يا دكتور لو سمحت كل حاجة بصراحة، حضرتك شاكك بإيه وستي عندها إيه بالضبط.
الطبيب ينظر لها كأنه يخبرها بأنها لازالت صغيرة لتعرف.
زهور: قول يا دكتور أنا مش صغيرة، ستي تعبانة عندها إيه بالضبط وحالتها كويسة ولا خطرة.
الطبيب: مهو مافيش حد كبير هنا أتكلم معاه.
زهور: أنا أهو قدامك بقولك قول، أنا وستي مقطعين من شجرة ما ناش غير بعض، فقول كل حاجة من غير ما تقلق ولا تخاف عليا.
الطبيب: بصي يا بنتي أنا مشفق عليكي، انتي ممكن متفهميش كلامي ده معناه إيه، بس كل اللي أقدر أقوله إن جدتك لازم تروح مستشفى وتعمل فحوصات وتحاليل كتير وأشعة عشان نتأكد الأول.
زهور: حضرتك شاكك بإيه.
الطبيب: صمت قليلاً، ومع إلحاح زهور.
الطبيب: بصي يا بنتي جدتك بالتأكيد عندها تعب بالقلب واحتمال كبير مع الأعراض اللي بتحكي عليها إنها تعمل عملية، فلازم تلحقي توديها مستشفى عشان الحالة متتدهورش أكتر من كده.
زهور: ابتلعت لعابها بصعوبة، تحجرت الدموع بمقلتيها.
زهور: حضرتك تعرف مستشفى كويسة أعمل ليها تحليل والأشعة فيها؟ حضرتك شايف الحال.
الطبيب: المستشفيات الحكومية مزدحمة وما فيهاش الإمكانيات اللازمة، لازمنا مستشفى كبيرة، حتى معهد القلب مش هينفع معانا الفترة دي لأن الحالة متتحملش انتظار، فمفيش غير مستشفى متخصصة بالقلب.
زهور: أروحها، اديني العنوان وأنا أوديها.
الطبيب: بس دي غالية ومصارفها كتير.
زهور: مفيش حاجة تغلى على ستي، حتى لو بعنا البيت ده.
الطبيب: نظر لها بفخر وسعادة بكلامها وقوة تحملها، ينظر لها يرى محاولتها التمسك بعدم هبوط دموعه ليبتسم لها.
الطبيب: استعدي وجهزي جدتك وأنا هجيب عربيتي وأجي نوديها لأقرب مستشفى متخصص بالقلب في طنطا.
دقائق خرج الطبيب يحضر سيارته وتوجهت زهور إلى غرفة أحلام التي تلتقط أنفاسها بصعوبة كبيرة.
أخرجت زهور صندوق من أسفل السرير وفتحته بمفتاحه بعد أن أخذته من أسفل الوسادة، لتخرج مبلغاً مالياً كبيراً وقامت بوضعه وفوقه ملابس لأحلام بحقيبة والدتها، تلك الذكرى الوحيدة منها.
لتخطو زهور تجاه معاناة أصعب في حياتها المريرة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم منى عبدالعزيز
عبد الرحيم جالس بمكتبه يراقب اجتماع الجمعية العمومية لمجموعة شركاته وحاملي الأسهم.
علي يمينه زيدان وعلي يساره زايد.
تدخل عليهم السكرتيرة باعتذار تطلب من عبد الرحيم إجابته على اتصال هام جداً.
عبد الرحيم يقف معتذراً ليتجه إلى الخارج وهو يشير لزيدان باستكمال الاجتماع ورئاسته.
يخرج في اتجاه مكتبه وهو ممسك بهاتفه يعاود الاتصال ليصدم مما سمع.
عبد الرحيم بعصبية: يعني إيه الكلام ده.
الطرف الآخر: بقول لحضرتك الأولاد دخلوا هندسة معاد زاهر النهاردة بس اللي عرفناه إنه درس طب.
عبد الرحيم بعصبية: الولد ده طول عمره مشاكس بيتحداني أنا.
الشخص: أؤمرني أعمل إيه يا باشا.
عبد الرحيم: مش اتحداني خمس سنين وفاكر إنه كده مشي رايه عليا. أنا بقي هخليه يندم ندم السنين لما أشوف هيدفع مصاريف السنين الباقية منين ومصاريف إقامته.
الشخص: يعني إيه قصد حضرتك مدفعش مصاريف الجامعة ليه السنة دي.
عبد الرحيم: بالضبط كده وخليه يوريني هيكمل إزاي.
تحجز تذكرتين لحمزة وزين وبس يرجعوا وهو خليه براحته.
الشخص: أوامرك يا باشا في أي حاجة حضرتك تؤمر بيها تاني.
عبد الرحيم: استنى مني تليفون أبلغك بيه بالجديد. بس زين يكون عندي النهاردة.
عبد الرحيم أغلق الخط ينظر بشرود أمامه يكز على أسنانه بقوة أصدرت صوت قوي من يسمعها يكاد يقسم بأنها تهشمت جميعها.
هب واقفا وضرب بيده على المكتب عدة مرات: زاهر زاهر لا يمكن هسمحلك تفرط العقد من بين إيديا وتضيع سنين عمري وأنا برجع بناء إمبراطوريتي مش بعد ما دوست على قلبي وكتمت حزني ووجعي على زياد وبنته ونظرات الاتهام من زهور تقوم تيجي أنت وتتحداني.
لينادي بصوت غاضب ويقوم بإزاحة محتويات المكتب بيده يسقطها أرضاً.
يدق الباب بعدة خبطات ويدخل والديه زيدان وزايد مسرعين ينظرون إلى حالة الفوضى بمكتبه باستغراب ينظرون إلى بعضهما. وإلى والدهم ووجهه المحتقن بحمرة يكاد يشتعل من شدتها وعيناه الحمروتان.
عبد الرحيم: ينظر لهما زمان وأنا عيل صغير والدي قالي كلمتين قالي أنا اتولدت وفي بقي معلقة دهب. كان وحيد لا ليه أخ ولا أخت جدتي كانت بتخاف عليه من الهوا جدي دايما كان على خلاف معاها على أسلوب تربيتها لما اتخرج من الجامعة وبدأ يمسك شركات جدي لقي نفسه لايص مش فاهم حاجة خالص مهمته كانت يمضي وبس. جدي حاول يعلمه كتير لحد ما بدأ يفهم واحدة واحدة لكن للقدر رأي تاني جدي اتوفى في نص المسافة لا علمه ولا سابه زي ما هو بقي مش عارف يصرف إزاي مستشارينه بيدوله الحلول الوسط. كل ده عشان دراسته غير مجال شغل العيلة جدتي دايما تطمنه زي عادتها مخلتوش من صغره يتحمل مسؤولية. هش ضعيف كلمة تجيبه وكلمة توديه مش فاهم يعني إيه أساسيات المجال ببساطة كان واحد زائد واحد يساوي اتنين ما عندوش خلفية بأي حاجة مشروع وراء مشروع فشل وراء فشل مقاولين مع مهندسين مع عمال كله مركب واحد رئيسها قليل الخبرة وجداف. قليل الخبرة ضاعت الشركات واسم جدي اللي فضل سنين حافظ عليه من جدود لجدود الغمراوي للعمارة والإنشاءات سمعة الشركة بقت في الحضيض. هتقولوا ليه متعلمش السوق أبو مين يعلم وكثير دخلوا مجال مش مجالهم وفهموه وبقوا أشطر من اللي درسينه هقول لكم حاجة واحدة كل دول بيجي وقت عليهم ومبيكونوش قادرين يصرفوا. دماغهم وقفت لحد معين ولازم يقفوا لأسباب كتير أولها مثلا اختيارهم لمساعدين غلط أو معلومة مفهموهاش صح زي والدي الله يرحمه لما اتعرضت عليه المشروعات دي واستشار مساعديه وبرضه كلهم أكدوا له إن المشروعات ناجحة مية في المية. لو كان دارس كان سأل أكتر وبحث أكتر أقل حاجة بنعملها في دراسة أي مشروع هي إيه؟ دراسته جيداً. كل واحد فيكم له دور كبير في إنجازه للشغل المطلوب منه جدي كان عصامي اتعلم كل حاجة في الشغل كان بيروح لنفسه وبيشوف سير العمل. لسه للأسف والدي أهمل كتير لحد ما الشركة كانت على وشك الإفلاس في سنتين لحد ما صديق لجدي تدخل وعلمه كل شيء وساعده لحد ما الشركة وقفت على رجل ومن وقتها أقسم إن أولاده وأحفاده يدرسوا مجال شغلنا أنا وعمك كده وأنتم كمان كده حتى إخواتك البنات واللي مش بيشتغلوا كده. لكن يجي واحد من نسلي يغير كلامي ويكسره ويتحداني وبفرط العقد من إيديا يبق ده حبة فلوس قبل ما تفرط العقد الحر يبق لازم تنفصل عنه وتترمى.
زيدان: حصل إيه لكل ده.
عبد الرحيم: زاهر زاهر هو الحبة الفلوس اللي لازم تخرج من العقد.
زايد: عمل إيه تاني عصب حضرتك بالشكل ده.
عبد الرحيم: البيه مفروض مفهمنا إنه بيدرس هندسة في ألمانيا بس الباشا المحترم طلع بيخدعنا وبيدرس طب بس على مين أقسم بالله لأنّدمه وأخليه يدرس هندسة من أول وجديد وأضيع عليه الخمس سنين اللي فاتوا من عمره.
زيدان: اقترب من والده. لو سمحت يا بابا بلاش سيبه براحته كفاية زمان واللي حصل فيه وكفاية زياد واحد في العيلة كفاية حزن أكتر من كده عشر سنين واحنا بنتألم على موته بلاش نفضل طول عمرنا نندم على اللي بنضيعهم من بين إيدينا. لو زاهر مدرس هندسة عندك عشر أحفاد غيره نقدر نعمل معاهم زي ما حضرتك عاوز كل اللي مطلوب هم ينفذوه.
زايد بحزن: بابا لو سمحت زيدان عنده حق بلاش نغلط مرة تانية وبعد إذنك نفك الحصار على الأولاد شوية حضرتك تقريباً بتعد عليهم الأنفاس.
عبدالرحيم نظر لهما وهز رأسه بالموافقة.
بس لازم أدب زاهر وأعرفه ميفتكرش نفسه ذكي.
ويلعب معايا مرة تانية.
زيدان: حضرتك اللي تشوفه اعمله محدش هيعارض حضرتك في أي حاجة هتعملها بس بلاش تأذي عليه.
عبدالرحيم: تمام هي قرصة ودن صغيرة عشان يتعلم منها الأدب وميفكرش يتحداني.
فجأة علا صوت رنات هاتف زايد ليقوم بفتحه.
زايد: الو. بتقولي إيه طيب اقفلي عشر دقايق وهكون عندك سلام.
زيدان: في إيه مين اللي بيتصل عليك.
زايد وهو يسرع بالخروج: آيات تعبانة أوي وشكلها بتولد. قالها وفتح الباب وخرج.
عبدالرحيم: عارف لولا اللي عاشه زايد الفترة اللي فاتت كان ليا كلام مع زاهر بس مش عاوز أزود الفجوة بينهم.
زيدان: حضرتك صح وكمان ماما متعلقة بيه أوي فخايفة تتأثر لو عرفت باللي هتعمله لزاهر.
عبدالرحيم: تمام متقلقش دي قرصة ودن صغيرة. يلا نلحق أخوك ونشوف الحفيد المرة دي إيه.
الولاد أخوك بيطلعوا مخهم ناشف ربنا يستر المرة دي.
زيدان: زايد كان بيقول لو ولد مش عاوزه هو تعب منهم ههههههه بقي غريب في كلامه على أساس إنهم مش واخدين صلابة رأيه وعصبية أمه.
خرجوا معا يتحدثون على ما حصل بالاجتماع ونتيجته.
ليصلا بعد قليل للمنزل.
زهور وأحلام بصحبة الطبيب وصلا إلى مركز الطب الدولي بطنطا ساعدهم الطبيب في إنهاء الإجراءات وشرح الحالة للطبيب المختص الذي حدد الأشعة المطلوبة والتحليل وبدأ في الكشف على أحلام التي وضعت في الحال في غرفة العناية المركزة.
وزهور مع الطبيب يشرح لها الوضع والحالة كما أخبره الطبيب المختص.
زهور: التفتت للطبيب اتفضل حضرتك اعمل اللازم والمصاريف المطلوبة أنا هدفعها بالكامل.
ينظر لها الطبيب باستغراب يرى طفلة أمامه جسدها ضعيف طويلة بعض الشيء تلبس حجاب نصف جسدها وبنطال واسع ليسألها.
الطبيب: انتي عندك كام سنة.
زهور: هو سني هيفرق معاك في إيه. المهم ليك حساب المركز بتاعك هقدر أدفعه ولا لأ.
الطبيب بعصبية يشير لها بسخرية: وانتِ بقي هتقدري تدفعي.
زهور وهي تنظر له بتحدي: زي ما أنت مقتنع إن حضرتك هتقدر تعالج ستي.
الطبيب: لا انتي مش.
زهور:
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم منى عبدالعزيز
زاهر يقف بالقرب من الباب يستمع لحديثها ليبتعد سريعا. ويصعد إلى غرفته يقف أمام المرآة
ويدخل في نوبة ضحك وهو يتحدث.
زاهر: متخيل إيه اللي حصل امبارح لما عرف الحقيقة هههههههه ههههههه ههههههه لتسيل دمعة من شدة الضحك يزيحها بيده مع تزايد سعاله. كنت أتمنى أشوفه بنفسي.
لينظر للمرآة وتختفي ضحكته.
زاهر: ما كنتش أتمنى يكون الوضع كده بس لو فاكر إن منعك للمصاريف هيأثر عليا تبقى غلطان. أنا ما بتفرقش معايا.
لتعلوا ضحكاته مرة أخرى.
نفسي أشوفه لما يعرف إني بدرس بمنحة ههههه مش بدفع والمصاريف الخمس سنين اللي فاتوا ههههههه في حسابي الشخصي ههههههه. يلا بقى هستحمل ساعتين كمان وأشوفه بنفسي.
ليصمت مع سماعه لصوت هاتفه.
زاهر: حبيبتي يا ناناه وحشتينييييي كتتتتير أوي. كام ساعة وهكون عندك إن شاء الله وأشبع من حضنك أنتِ وماما. متعرفيش وحشاني قد إيه.
الجدة: صوتك مبسوط وباين فيه الفرحة.
زاهر: فعلاً عايز أقولك السبب بس خايف تزعلي مني.
الجدة: لا أنت بالذات أي حاجة بتعملها بتفرحني أنا.
زاهر: جدو عرف الحقيقة هههههههه ههههههه. من شوية كحكح كحكح سوري يا ناناه مش قادر.
وعمل العقوبة في الحال. تخيلي إيه هي.
الجدة: عرفت من صوتك بس بلاش تفرح قوي. أنت لسه ما وصلتش لذكاء جدو. لو فاكر إن عقابه سهل تبقى أنت متعرفش حاجة.
زاهر: متقلقيش يا نانا.
الجدة: يوه نسيت. أيوه قالت أكلمك. نفسها تشوفك.
زاهر: انتفض من مكانه. إيه يا ناناه؟ ماما مالها؟ بقالها فترة مش عجباني.
الجدة: لما تيجي هتعرف.
زاهر: بلاش تلعبي بأعصابي يا زوزو. قولي ماما مالها.
الجدة: أبداً ما لهاش. هتجيب لكم أخ صغير.
زاهر: نعم.
الجدة: سلام بقى. سامعة صوت بره. هقفل قبل ما حد يسمعنا ويشك.
أغلقت الهاتف سريعًا ووضعته بجوارها قبل أن يراها أو يسمعها أحد.
زاهر: استني يا تيته فهميني. لينظر في الهاتف بحيرة يتساءل. لسه مكلم ماما من يومين. حصل امتى وإزاي وهي وزايد باشا في مشاكل على طول.
يا خبر. بفلوس. كمان ساعتين تلاتة وهعرف كل حاجة.
يدوب الحق أوصل المطار. لتصدح ضحكته. يلا يا عبده باشا. مكتوب لك تاخد الصدمات مرة واحدة.
***
زهور تجلس أمام غرفة العناية بعد أن تحدثت مع الطبيب وحدثت مشادة بينهم انتهت لصالحها. تنظر إلى الغرفة وأخيرًا أطلقت لعينيها العنان يقذفان دمعاتها المتحجرة. تغمض عينيها تتذكر كلام
الطبيب.
الطبيب: جدتك للأسف بعد الأشعة والتحليل
طلعت عندها انسداد في شريانين وكمان تغير صمامين غير حاجات لسه عقلك ما يستوعبهاش.
زهور: يا ريت حضرتك تفهمني كل حاجة عشان أطمن. وكمان عايزة أعرف كل حاجة عن العملية. وفي خطر على ستي؟ وهتعيش ولا لأ.
الدكتور: هشرحلك كل حاجة بس تفائلي يا شيخة. بلاش تشاؤم.
ليشرح لها الطبيب كل المقصود.
الدكتور: بصي يا آنسة
عملية القلب المفتوح دي عملية من العمليات الكتير اللي بنعملها لعلاج مشاكل القلب زي كده. عدي على صوابعك. أيوه عدي. مش بتعرفي تعدي.
زهور: تنظر له بحدة. لو سمحت يا دكتور. أنا عايزة أفهم. مش وقت هزار. لو حضرتك مشكور بتخفف عني أنا شاكرة ليك. بس أنا قلقانة وعايزة أطمن.
الطبيب: بتفحميني بردودك على فكرة. ولا بلاش. يلا نكمل.
الدكتور: المشاكل زي
العيوب الخلقية.
استئصال أورام القلب.
تغيير الصمام الأورطي أو أي صمام تالف في القلب.
إغلاق الثقوب التي قد تتكون بين الأذينين أو البطينين. أنا عارف إنها أسماء ومصطلحات كتير وصعب تعرفيها في سنك ده. بس حبيت أعرفك.
زهور: تومي برأسها. متشكرة لحضرتك. طيب هي ستي عندها إيه من اللي قلت عليهم.
الدكتور: بصي. إحنا هنعمل فحوصات وأشعة وهنحدد العملية وبعدين هنعرف بقى كل التفاصيل.
وكمان جراحات القلب المفتوح لإصلاح العديد من الأمراض التي تصيب القلب.
وهي كتير. مش هندخل في تفاصيل أكتر. أنا فهمتك إيه المقصود من عملية القلب المفتوح. عندك أسئلة تانية تحبي تسأليها.
زهور: سؤال. لا سؤالين بس. الأولاني.
العملية هتتعمل على طول؟ وإيه المطلوب مني أعمله.
هتقعد قد إيه في العملية؟ وهتخف بعدها؟ وهتعيش ولا لأ.
وكمان بعد العملية هتفضل هنا كام يوم.
والعلاج.
الدكتور: حيلك حيلك. إيه الأسئلة دي كلها؟ أنتِ قلتي سؤالين.
مش لستة.
بصي يا اسمك إيه؟ ما قلتيليش.
زهور: زهور يا دكتور.
الدكتور: أنا شرحتلك يعني إيه عملية قلب مفتوح وهنعمل إيه.
هقولك أهم التعليمات والأشعة والتحاليل اللي بنطلبها والعلاجات.
وبعدين هرد عليكي سؤال سؤال. بس بعد كده مفيش أسئلة تاني.
ليشرح لها الطبيب.
الدكتور: أهم تعليمات فترة ما قبل عملية القلب المفتوح.
بعد الكشف على المريض وعمل الفحوصات المطلوبة وتحديد نوع الجراحة للمريض بنعرف المريض أو حد من أهله أو مرافقيه له طريقة إجراء الجراحة والتحضير للعملية والأدوية المطلوب تناولها والمضاعفات المحتملة ونسب نجاح العملية والتي تختلف من مريض لآخر. وبنعرفه بإقرار إجراء العملية. وطبعًا إحنا محتاجين حد كبير يمضي لنا على الإقرار. وكمان يا ستي بنقوم بإعطاء المريض كافة التعليمات لفترة ما بعد إجراء الجراحة. وهقولك دلوقتي على حاجات هنعملها زي مثلا.
ضبط مستوى السكر بالدم إذا كان المريض يعاني من مرض السكر. والحمد لله جدتك مش مريضة سكر بناءً على التحاليل اللي عملناها.
ضبط مستوى هرمون الغدة الدرقية إذا كان المريض يعاني من زيادة أو قلة نشاطها. وبرضه جدتك سليمة الحمد لله.
وبعدين بنحجز المريض في اليوم السابق للجراحة وبيتابع حالته أكتر من دكتور زي الدكتور الجراح والتخدير وبيراجعوا كافة الفحوصات وتحضير مشتقات الدم.
يتم التأكد من وجود كافة المستلزمات الطبية اللازمة للجراحة مثل جميع مقاسات الصمامات مثلاً في مرضى استبدال الصمامات.
زهور: طيب حضرتك قلت في فحوصات وأشعة هتعملوها ولا هتدخلوها العملية عشان هي تعبانة. وإيه تبديل الصمامات.
الدكتور: بابتسامة صغيرة. أسئلتك كترت بس هجاوبك عشان تطمني. بصي يا آنسة زهور. إحنا لازم أول المريض ما بيجينا بنعمل أشعة وتحاليل مبدئية لحد ما نعرف بيعاني من إيه الأول. وبعد ما بنحدد نوع العملية بنجهزه ونعمله فحوصات وأشعة وكمان بنديله علاجات معينة تساعدنا قبل العملية في تنظيم حالته النفسية.
وبنعمل للمريض الفحوصات والأشعة اللي هقولك أسماءها.
أشعة على الصدر.
أشعة الرنين المغناطيسي.
الأشعة المقطعية العادية أو متعددة المقاطع.
أشعة الساليوم التي تحدد حيوية عضلة القلب.
أشعة مقطعية على الشريان الأورطي أو الرئوي.
الموجات فوق الصوتية على شرايين الرقبة والمخ.
الخضوع للفحص الطبي عبر زيارة الطبيب المختص.
القسطرة التشخيصية اليمنى أو اليسرى أو قسطرة الشرايين التاجية.
الايكو (العادي أو بالمجهود) أو الموجات فوق الصوتية على عضلة القلب.
عمل رسم للقلب (العادي أو بالمجهود) لمعرفة اضطرابات دقات القلب وقصور الشرايين التاجية.
إجراء تحاليل الدم (صورة الدم، وظائف الكبد والكلى، سرعة الترسيب، السيولة، إنزيمات القلب، تحليل فيروسات الدم).
بالطبع يحدد الطبيب المختص أي من هذه الفحوصات يحتاجها المريض على حسب العديد من المتغيرات مثل سن المريض وجنسه، و شكوى المريض، ونتائج الفحوصات السابقة.
أظن كده خلاص فهمتي كل حاجة. ممكن بقى تجاوبي على الأسئلة اللي هسألهالك وتتصلي بماما وبابا أو حد كبير يجي يتابع معايا ويمضي على الإقرارات.
زهور: اتفضل اسأل. بس ما فيش. أنا عايشة أنا وستي لوحدنا.
الدكتور بتأثر: نخلي الموضوع ده بعدين على ما الأشعة تنتهي نشوف هنعمل إيه.
قوليلي جدتك الفترة اللي فاتت كانت بتشتكي من إيه.
وبتأخد أدوية ولا لأ. ولو بتاخد تعرفي أسمائها. وآخر مرة جالها إغماء كان من امتى.
زهور: ولا حاجة من اللي قلتها حصلت. لا بتاخد دواء ولا أغمى عليها ولا شفتها تعبت. دي مرة واحدة
لقيتها ماسكة صدرها وتشاور لي ومش قادرة تتكلم ولا تتنفس.
الدكتور: فهمت قصدك. على العموم اتفضلي ارتاحي بره شوية وأنا هتابع الحالة بنفسي وهقولك على
التفاصيل وامتى معاد العملية.
وقفت زهور وخطت عدة خطوات تجاه الباب ليوقفها الطبيب.
الدكتور بابتسامة لعوب: يعني سألتي على كل حاجة.
ومسألتش على تكلفة العملية.
زهور: التفتت له. قلت لحضرتك كل اللي هتقول عليه هدفع. ومش زهور بنت سلسبيل اللي ترجع في كلمتها ولا تاكل حق حد. وعرقك هتاخده على داير المليم من جنيه لمية.
الدكتور بذهول يتحدث: عرقي ومن جنيه لمية.
اخرجي يا زهور بدل ما أدخلك العمليات وأقص لسانك اللي أطول منك ده.
خرجت زهور والتفت الطبيب لزميله الطبيب الذي حضر مع زهور.
الطبيب الأول: بتضحك. أنت جبت لي البلوة دي منين.
شفت ردها ولا ثقتها بنفسها وهي بتقول.
مس زهور بنت سلسبيل اللي تاكل عرق حد. بقي بعد السنين دي كلها من الدراسة والسفر وتقريبا خامس أشطر جراح قلب في مصر. المفعوصة دي تقولي عرقك ومن جنيه لمية.
الطبيب الثاني: ههههههه مش قادر. البنت أفحمتك.
بص يا دكتور محمد. حضرتك أستاذي وكل يوم بتعلم من حضرتك. فعلاً أنت جسدت إنسانية الطبيب
في تعاملك مع زهور وصبرك على أسئلتها وشرحك ليها بالتفصيل الممل. فده يدل على قد إيه حضرتك عظيم ومثل يحتذى به. وأنا بشكرك على المجهود وتقبلك لظروفها. ومن كلام حضرتك اتأكدت إنك مش هتكلفها أي مصاريف للعلاج.
الطبيب: ابتسم له وأومأ بالموافقة. ينظر في أثر زهور. على قد ما بتبان قوية بس من جواها ضعيفة وهشة. عيونها كلها دموع بس مسكتها. رفضت تنزلها قدامنا وتبان ضعيفة. رك ما تقعد مع نفسها هتنهار.
الطبيب: من أول ما جت العيادة تاخدني أكشف على جدتها وهي بتذهلني بتصرفاتها اللي أكبر من سنها.
لهب واقفا: هستأذن أنا بقى. وإن شاء الله همر أطمن على زهور وجدتها بكرة بعد إذن حضرتك.
ليخرج الطبيب وخلفه دكتور محمد يبحث بعينه
على زهور ليجدها تجلس أمام غرفة العناية مغمضة العينين ودموعها تسيل على وجنتيها. ليشفق عليها
ويذهب تارك لها مساحة لتخرج ما بداخلها.
أحلام داخل العناية موصل بها مجموعة من الأجهزة الطبية وقناع الأكسجين. تعود بذاكرتها لعدة أيام أثناء عودتها إلى المنزل وذهاب زهور قبلها لفتح باب المنزل ودخولها وجدت من خرج لها يمسك بيدها ويجذبها بعد أن كمم فمها وأصطحبها إلى خلف المنزل وأسند ظهرها و.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم منى عبدالعزيز
أحلام فتحت عينيها برعب تحاول أن تتخلص من اليد على فمها، لم تقوِ، ليزداد من قبضة يده على يديها، يثنيهما لظهرها. تحاول مرة أخرى، ليجذبها ويرميها على كومة قش الأرز، على بعد أمتار من المنزل.
يسقط عليها وهو فوقها، يقيد يديها. يحدثها بهستيريا:
"أنا.. أنا صبرت كتير قوي يا أحلام، صبرت سنين كتير.
وإنتي ولا على بالك، حتى مهانش عليكي تطمني عليا وأنا تعبان ومش بتحرك. استنيتك كتير قوي، وأقول هحن، هتيجي. وأمني نفسي بجيّتك. يوم ورا يوم، وشهر ورا شهر، وإنتي ولا عبرتيني، حتى معزتنيش في بنتي اللي كان ممكن في يوم تبقى بنتك إنتي.
عارفة؟ أنا كل يوم كنت باجي أقعد جار الخص وأفتكر أيامنا فيه. بفتكر أول مرة مسكت إيدك فيه بعد غلب، وإنتي بتتمنعي. مش هنسى يوم ما سالم أبو سمايع كان معدي وجرينا على الخص. وأول مرة أحضنك فيه، كنت هجنن وأبوسك. شفايفك دول اللي فضلوا مجننيني السنين دي كله. كنت هموت عليكي، وتبقى مراتي. واترجيتك ترحمي حالتي. ووعدتك هجوزك وآخدك ونهرب، بس إنتي رفضتي وفضلتِ تعيطي. ولما استسلمت وقلتلك خلاص، هتحمل، إنتي ما صدقتي وجريتي. وزعلتي وفضلتِ كام يوم مش بتخرجي من البيت، وأنا كنت هجنن، بموت من شوقي ليكي.
عملتي إيه إنتي؟ كل ما أبعتلك ترفضي تيجي؟ كنت بقف تحت شباك بيتك أسمع صوتك مع أختك، ولا روحية. كانت نار وبتلعب في جسمي وأنا بسمعكم بتتكلموا وبتضحكوا، وروحية بتوصف جسمك وإنتي لابسة لبسها اللي بتفرجك عليه.
من يومها وأنا نفسي فيكي مش بتسبني. كل يوم أنام وأصحى أتمنىك بين أحضاني، ليلاتي بتكوني مراتي. تعبت لحد ما فاض بيا، بقيت مش بتحمل. رجليه ودوني للحريم إياهم، كنت بقرف منهم مابلقيش فيهم. وصف جسمك وشفايفك مكانوش غير في البنات الصغيرين. كنت بجنن لما ألاقي بنت قدامي وأبص على جسمها وألاقيكي إنتي.
ولما رحتلك قدام المدرسة أقنعك وإنتي رافضة تسمعيني، لولا ما حلفتلك معتش هتحصل، وفضلت على عهدي ليكي لحد ما حصل اللي حصل. والمجحومة سميحة قالت لأبويا وطب علينا يومها، كنت هموت، هجنن وأنا شايفك بتضيعي من إيديا. وأبويا بيقول لرجب الغفير وبرعي واحد فيهم يجوزك. جريت على بكر بعد ما نطيت من شباك الدوار، وقلتله يلحقك وييجي لأبوكي ويقول إنكم كنتم بتحبوا بعض. وأنا كنت بقابلك عشان أقنعك تقبلي تاخدي قرشين وتوافقي على العملية عشان أمنع بكر ينام معاكي ويكمل جوازة منك. لكن الملعون طمع فيكي وعمل اللي كنت خايف منه، وخدك وبقيتي مراته ولمس جسمك، أخدك، اتمتع بيكي.
عارفة؟ أنا ليلاتي كنت باخد بنت بنوت أستمتع بيها وأدوق اللي اتحرمت منه بسبب بكر. اللي رحتله السجن وأقوله يطلقك. قال إنه يستحيل يطلقك بعد ما داق عفافك وجمالك وإنتي بين إيديه. عارفة يومها بات في قبره. دفعت الفاتورة ودخلتله اللي قتلته وخلصت منه للأبد. واستنيتك شهور وإنتي ترفضي، والشهور لسنين، والسنين زادت وهربتي مني. لكن القدر رجعك، وقلت خلاص أحلام رجعت، هتعوضني عن سنين. بعدها لكن إنتي جسية، رفضتيني. يومها ماشفتش غيرك في عيوني، لقيتك في كل بنت تقع عليها عينيا. لحد ما سعاد كانت اللي وقع عليها الاختيار. خدتها غصب، كنت شايفها إنتي. عياطها وهي بترفضني فكرتني بيكي. معتش شايف غيرك قدامي. رميتك على السرير وإنتي بتصرخي، ومافيش قدامي غير يوم ما خطفتك وإنتي راجعة من الامتحان. وقتها عوضت الشوق، مرحمتكيش تحتي. طلعت كل سنين شوقي ليكي في البنت سعاد اللي ماتت، متحملتش اللي بعمله فيها. يوم مهمنيش موتها قد ما زعلت إنها ارتاحت من اللي هعمله فيها.
بس خلاص، كفاية بقي حرمان. وبنات صغيرة. أنا دلوقتي هاخد اللي اتحرمت منه سبعة وعشرين سنة. دلوقتي هتكوني مراتي، بس مش حلم، لا فعل. هدوق شفايفك اللي اتمنيتهم. هرفع إيدي لو صرختي ولا عملتي حاجة كدة ولا كدة، هقتلك. والبت اللي جوه في البيت مستنياكي هتكون مكانك."
أحلام قلبها ينغزها ألم قوي، يعتصرها. أنفاسها تعلو وتهبط، دقات قلبها سريعة. دموعها تسيل على جانبي وجنتيها، مروراً بإذنيها. تدعو ربها بكلمات غير مسموعة. تطبق على شفتيها تخفيهم من أمام عينيه. فتحت عينيها بخوف وهي تراه يتجرد من ملابسه. في لمح البصر، يقف كما ولدته أمه، يشق ملابسها. تغمض عينيها برعب من مصيرها المحتوم. استسلمت لموت محقق. لتفتح عينيها فور سماعها لصرخة وسقوط شيء بجوارها، لتجد شابين يقفان بيدهم قطعة خشبية وكيس كبير.
انحنى واحد منهم، يتحسس نبضه، ليلتف للآخر.
الشاب الأول: "لسه الفاجر عايش وبيتنفس."
الشاب الآخر: "وسع، اضربه كمان ضربة تقضي عليه."
أحلام جسدها انتفض، لا تقوى على إخراج الكلام. تتنفس بأنفاس عليا. التفت بعينيها للشاب بجوارها، تهز رأسها له وتترجاه بعينيها. لينحن لها الآخر، يساعدها بالجلوس لتلتقط أنفاسها بضعف. تحدثت بضعف شديد:
"أنا معرفش أنتم مين وتاركم إيه معاه، بس باين عليكم موجعين منه. أنتم لسه الدنيا والعمر قدامكم، بلاش تضيعوا نفسكم عشان خسيس ميستحقش تودوا نفسكم في داهية عشانه. كفاية البلد كلها تقوم الصبح تلاقيه بالشكل ده، ويقولوا عليه مجنون، ويعيش اللي فاضل في عمره مش قادر يخرج من بيته ولا يرفع عينه في حد، وهو عايش الذل قدام الكل."
أحد الشباب: "ده يستحق الموت."
أحلام: "هيكون راحة ليه."
الشاب: "لازم ناخد بتار سعاد أختي اللي قتلها ورماها في الترعة، وملقناش جثتها. وأبويا مات بحسرته عليها، مات ومعرفش إنها بريئة."
أحلام أغمضت عينيها بوجع، عارفة إحساس الظلم اللي عشتوه وأبوكم عاشه. بس أنتم شباب زي الورد، بلاش تضيعوا عمركم في كلب ولا يساوي. خدوه زي ما هو كدة وارموه في مكان، البلد كلها تقوم تلاقيه بالشكل ده.
الشاب الآخر: "وضيع حق أختنا. مش كفاية مبروكة هربت قبل ما ندبحها على اللي عملته؟ هربت بالفلوس اللي باعت سعاد بيها للنجس ده."
أحلام: "مين مبروكة وعملت إيه؟"
الشاب: "دي مرات أبونا، هي اللي ودت سعاد تخدم في الدوار، وهي اللي بعتها للكلب ده قصاد عشرين ألف وحتة أرض. هربت بعد ما كشفناها وهي بتعد الفلوس. لما دخلنا عليها عقد الأرض وقع من خوفها والفلوس كمان، لما قرينا العقد باسمها والبايع هو العمدة. هددناها لحد ما حكت كل اللي عمله الكلب ده. استغلت صدمتنا، إزاي ما شكناش فيها وهربت بالفلوس. ومن يومها واحنا حلفنا لنقتلها ونتقصله، كل يوم بنراقبه سنة كاملة وإحنا وراه، وتوفيق ابن عمي بيدور على مبروكة. بعد ما جات الفرصة، لحظ عندنا. عاوزانا نسبها؟ لا لازم نقتله ونرميه في الترعة زي ما عمل لأختنا.
أحلام: "فيكم تعملوا فيه أكتر من اللي قتل، لما تمشوه وتزفوه بالبلد وتقولوا عليه مجنون، هيعيش ميت. بدل ما تلوثوا إيديكم بدمه الزفر، موتوه بالبطيء. خلوه يتعذب ويدوق العذاب. وبعد ما كان شفيق العمدة، هيبق شفيق المجزوم. وقتها بس تبق أخدتم تار أختكم، مش تموتوه ويرتاح. لازم كل لحظة تمر عليه يموت فيها ألف مرة. فيكم تنتقموا منه بضربة وتعذيبه وتخلوه مشوه، ميبقاش في حتة سليمة في جسمه، اللي إزاي بيه ناس كتير بافتراء."
الشاب الآخر: "كلامها صح. اتصل بتوفيق يجي، خليه ياخد حقه منه الأول، وبعدين نلف بيه البلد، واللي ما يشتري يتفرج."
أحلام: "عين العقل. بس بلاش تظهروا في الصورة، خليه انتقام من بعيد لبعيد."
لتصمت برهة وهي تستمع لصوت زهور ينادي عليها، لتلتف سريعاً تحاول النهوض، لا تقوى، لتحدثهم:
"بعد إذنكم، حد يساعدني أقف وأرجع البيت، قبل البنت ما تيجي وتشوف الحيوان بالشكل ده."
مد أحد الشباب يده لها، والآخر يتحدث بالهاتف، ليلغلقه ويحدثها سريعاً:
"ست أحلام، مش هنوصيكي، إحنا متقابلناش ولا شفنا بعض."
أحلام بقلب تزداد ألمه، تمسكه بيدها، تومي برأسها: "أنا اللي عاوزة أقولكم الكلام ده."
خطت أحلام تجاه بيتها، لم تلتفت إليهم حتى وصلت إلى بيتها، تجد زهور تقف أمام المنزل تنادي عليها.
لتحدثها بضعف:
"أنا أهو يا زوزو، معلش شفت حاجة بتتحرك ورا البيت وكنت بتأكد ميكونش حرامي."
زهور: "وطلع حرامي وعملتيله إيه؟ ومالك متبهدلة كده وهدومك كلها قش؟"
أحلام: "ما فيش، ده الهوا حرك فرع شجرة وأنا خفت ورجليه ازحلقت ووقعت على القش."
زهور: "بضحك، طيب عدلي إيه، لقيتي الحرامي ولا لأ؟"
أحلام: "طلع كلب خسيس وكان يستاهل القتل، بس يلا، يمكن ربنا راددله يعيش."
زهور: "بعدم فهم، هروح أسخنلك حلة مية عقبال ما تحضري غيارك، هكون دخلتهالك."
أحلام تهز رأسها بالموافقة. ترحل زهور، ترمي حالها على السرير، تبكي بقهر، تشعر بضيق في أنفاسها وألم يعتصر قلبها.
مر يومان وأحلام لم تخرج من المنزل بسبب ألم جسدها وروحها. لم تعرف ماذا حدث وما فعله الشابين في شفيق، لكن تدعو الله بحفظهما.
ليضيق نفسها وتصرخ من ألم في قلبها، تسقط أرضاً. لتفتح عينيها بعد محاولات عدة، تجد نفسها ممددة على الفراش وموصل بها أجهزة.
زاهر وصل لمنزل الغمراوي، وجد الجميع يجلسون. الجدة على كرسيها المتحرك، وبجوارها الجد وخالتها وعمها وزين وباقي أطفال العائلة وأشقائه وعماته، معاداً والديه.
زاهر: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
الجدة: "بفرحة، تفتح يدها ليدخل في أحضانها، تربت على كتفه بفرحة وحنان، تهمس له بأذنها بفرحتها برؤيته."
الجميع ينظر له بذهول، وخاصة الجد وزين.
زين: "مقلتش ليه إنك جاي."
ليصمت وهو يرى الجد يقف ويقترب من زاهر، وفجأة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم منى عبدالعزيز
خرج زاهر من أحضان جدته واعتدل ليرد على سؤال زين ليتفاجأ بصفعة قوية على وجنته.
شهق كل الحاضرين من قوتها.
الجد: أهلا وسهلا بالدكتور زاهر، الرجل المحترم اللي كلمته، اللي وفي بوعده.
يقف الجميع بذهول، ينظرون إلى بعضهم بحزن شديد.
تضع الجدة يدها على فمها تكتم صوتها.
زين: أغمض عينيه وهو يضع يده على وجنته.
زيدان ينظر إلى زوجته بصدمة.
لأول مرة يروا عبد الرحيم بتلك الحالة والغضب. الجميع يعلم عصبيته وغضبه، ولكن أول مرة يقوم بضرب أحد من أحفاده.
زاهر: وضع يده على وجنته ينظر إلى الجد ند بالند.
لتصدح ضحكته تغزو السكون الذي حدث وتزداد نظرات الاستغراب.
زاهر: ههههههه ههههههه، لا لا يا عبده باشا، إيدك ضعفت أوي والقلم معلمش ولا وجع مكانه، بس عمل حفرة في قلبي. أوعدك بعدها هكون أكبر عدو ليك، بعدها كل اللي هيزعلك ويعصبك هعمله، هخلي اسمك اللي زعلان عشانه في الأرض. هتتمنى الاسم اللي ضيعت عمرك عشانه، واللي ضحيت بابنك زياد بحجة تحافظ على نسل العيلة ما يدخلهاش دم غريب. أوعدك اللي ما عملهوش عمو زياد، هعمله أنا.
ليصمت وينظر إلى جده بتحدي، ويخطو ليصعد إلى أعلى.
يضع قدمه على أول درجة.
يتوقف ويكز على أسنانه وهو يستمع إلى كلمات جده.
عبد الرحيم: استنى عندك، رجلك ما تخطيش خطوة تانية جوة بيتي، زي ما جيت اتفضل برة زي ما جيت. ومن اللحظة دي اعتبرتك مت، مفيش في إمبراطورية الغمراوي ولد اسمه زاهر. هنزل نعي بموتك وهقف وأنا سعيد باخد العزاء فيك.
زاهر: ههههههه ههههههه ههههههه ههههههه، مش جديد عليك يا عبده، ألا يموت ابنه ويعيش خيانة وينام وهو ما يعرفش حاجة عن حفيدته. يعمل كل حاجة.
ليرحل سريعا من المنزل دون النظر خلفه.
ليقف عند الباب.
زاهر: نانا، أسف سامحيني، وأوعدك هكون زي ما تتمني. أوعدك هدور على بنت عمي لحد ما ألاقيها. أوعدك تاني هلقيها وهجيبها لحد عندك. ماما ابقي سلميلي عليها، كنت حابب أطمئن عليها، بس قراقوش حكم.
زيدان: ينظر إلى أمه الذي تبكي بصمت ليقترب منها.
زيدان: ماما، اهدى بلاش تبكي.
عبد الرحيم: اقترب من زوجته وقام بدفع الكرسي الجالسة عليه وقام بالانحناء وحملها من فوق الكرسي وسط اعتراضها، وأدخلها غرفتها وأغلق الباب خلفه.
يضعها على الفراش ويتمدد بجوارها.
يضمها إليه، لأول مرة منذ مرضها يقوى على الاقتراب منها. ضمها بقوة.
عبد الرحيم: ما آن الأوان زهرتي تغفر لي وتسامح؟ تتكلمي مع الكل وعندي تحرميني من سماع صوتك؟ زهرة وحشتني، وحضنك وحشني. محتاجك تخرجي كل الوجع اللي جوايا. انتي الوحيدة اللي ببيع روحي قدامها من غير ما أخاف ولا أهتز. بخرج كل مخاوفي وأفراحي وأوجاعي، وعارف إنها في بير محدش يقدر يوصله. زهرتي محتاجك تسمعيني زي زمان، تخففيني وتطبطبي على كتفي. انتي عشتي معايا سنين طويلة. من أول يوم لينا مع بعض واحنا اتحدنا ما نزعلش من بعض وما نخبيش حاجة على بعض. استحملت عشر سنين اتهاماتك بعيني.
ليعتدل ويكور وجهها بيديه يثبتها تجاهه، ينظر لها بشوق.
عبد الرحيم: حبيبتي، زياد ابني زيه زي باقي إخواته، حطيته في قلبي زيهم. لما أسيت عليه، أسيت عشان مستقبله. خفت دلالك واهتمامك ليه يكون هش ضعيف، ما يعرفش يعتمد على نفسه. لما صممت يروح يعيش مع زهروان مش عشان بكره وجوده أو أخلص منه، لا بعته عشان يتعلم المسؤولية والاعتماد على نفسه. زياد قريب من أبويا في كل حاجة، حتى الحتة كان أبويا كده بس ما كانتش ظاهرة أوي زي زياد. جدتي كانت بتخاف عليه لدرجة إنه لما جدي مات، شفت قد إيه بابا ضعف وضيع ثروة وشركات جدودي تعبوا فيها. وانتي بنفسك عشتي معايا في بداية جوازنا، عبد الرحمن عشان دلعته ماما ضيع ورثه إزاي واختار مجال غير مجال العيلة. شفتي حالته بنفسك لما صمم يبتعد عن عاداتنا وشغلنا، إيه اللي حصل له. لولا لحقته على آخر لحظة وهو بيمضي على بيع نصيبه بالقصر لشريكه. مخلاص حق فكرة وقتها قلتلي إيه؟ قلتلي متزعليش منه، ما لاقاش اللي يقف جنبه ويعلمه الصح من الغلط. صممتي إنه وبناته يعيشوا معانا في بيت. كل دي عوامل خلتني آسي على زياد. انتي فاكراني مش بدور على بنته؟ تعرفي عني كده؟ دي حفيدتي، حتى مني الذكرى الوحيدة اللي باقيالي منه. أنا ما خليتش مكان إلا وسألت عليها.
زاهر الوحيد اللي شبهي قوي، من برة ضعيف، من جوة بيتحكم في فرحته وسعادته. كنت بتمنى يكون خلفتي هو الوحيد اللي أقدر أسيب في إيديه إدارة الشركات وأنا مطمئن إنه قدها، هيقدر يتحمل الحمل ويكون شياله في نفس الوقت. مش هيفكر غير في مصلحة عيلته، لأنه مش أناني ولا طماع. تعرفي أنا لما ضربته، ما ضربتهوش عشان إنه خبى عليا دراسته، لا أنا ضربته عشان أشوف نظرة الند في عينيه. النظرة دي بتخليني أفتخر بيه. على قد كلامه المجرح، كنت فخور بيه وبثقته في نفسه وعارف إنه قدها، ووعده اللي وعدك بيها.
دموعه سالت بعينيه. ترك وجهها وارتمى بحضنها.
عبد الرحيم: محتاج حضنك قوي، محتاج أعيش، أعيش وأرتوي من حبك زي زمان. كل ما أضعف تقويني، كل ما أتعب وأميل تشجعني. موت زياد ما يكسركيش لوحدك، كسرني أنا قبلك.
ليدق باب الغرفة خبطات متتالية. ليبتعد عنها ويتجه إلى الباب.
يقوم بفتحه. يجد زايد ابنه يقف فرحاً وبيده يحمل طفل على يده. يمده لوالده وهو قمة في السعادة والفرحة.
زايد: بابا، سليمان زايد عبد الرحيم الغمراوي.
ليحمله عبد الرحيم ويقبل جبينها. ويتجه إلى زوجته يضعها بين يديها. ويزيح دموعه.
يدعو الله أن يعثر على ابنه زياد قبل وفاته.
***
بعد رحيل أحلام ودخولها بيتها، والأخوان ينظران في أثرها. اهتز هاتف واحد منهم ليرفعه أمامه ويفتحه بسرعة.
الشاب: أيوه يا توفيق، أنا بسمعك. معقولة الكلام ده؟ طيب هنعمل إيه؟
ليقص توفيق خطته.
الشاب: متأكد من اللي بتقوله ده؟ براحتك. هنشيله ونجيبه على الغيط القبلي عند الخص عشان محدش ياخد باله.
صرخ: لحد ما نخلص اللي بتقول عليه، وبعدين نرميه في أي مكان. استنانا هناك، مش هنأخر.
أغلق الهاتف وأشار إلى شقيقه الذي يشير له.
الشاب: شيل معايا وهتعرف كل حاجة. توفيق مستنينا عند خص الساقية القديمة، كباس السمايعة.
ليرفعا معاً ويضعوه على عربة كارو ويتجهون إلى الخص. يجدون توفيق يقف بانتظارهم يحمل بيده كيساً. يدخل أمامهم الخص. ويحملا الشقيقان شفيق الذي بدأ يفيق ويلقياه على الأرض.
ليتأوه بوجع فور ارتطامه بالأرض. يفتح عينيه بذهول وهو يرى ثلاث شباب يقفون أمامه ينظرون له بحقد. يحمل أحدهم مقص ومشرط طبي. ينظر لهم برعب.
ليصرخ بخوف وهو ينظر إلى نفسه مجرد من ثيابه، عاري تماماً.
ليقترب منه توفيق وأشار للشباب بتجهيزه وهو يشير لهم على حبال يقيدوه بها.
بعد وقت من المقاومة، استطاعوا تقييده ووضع لفافة من القش الملوث بفمه.
لينظر بعيون جاحزة وهو يرى توفيق يبتر له عضوه الذكري. ليصرخ صرخة مكتومة ويغشى عليه.
توفيق: بسرعة شلوه وارموه قدام الجامع، وأنا هنضف هنا من القرف بتاعه ده. ارموه وطوالي على الدار. مبروك مربوطة في مرقد البهايم، عاوزين نخلص عليها قبل الفجر، ونلحق نرميها في نفس مكان سعاد.
لينطلقا بسعادة يحملون شفيق الذي ينزف ووضعوه على العربة وينطلقوا إلى الجامع الكبير في وسط البلد ويرموه يهذي من الألم. وينطلقوا عائدين إلى منزلهم. يجدوا توفيق يقف يسب ويلعن في الممددة على الأرض.
أحد الشباب: استعجلت ليه بموتها؟ كنا عذبناها زي سعاد ما اتعذبت.
توفيق: جيت لقيتها خانقة نفسها بالحبل، لافة على رقبتها لحد ما ماتت.
اقترب منها الشاب وانحنى بجوارها.
الشاب: اللي اتعمل فيكي هيتعمل فيهم.
توفيق: ولا تزروا وازرة. ربنا قال العين بالعين. خلاص غرمتنا وقتلت حالها، ماتت كافرة. هموا معايا نرميها في الترعة، خلي السمك ينهش جثتها. مع إني مشفق على السمك بأكل لحمه. استغفر الله، بينا نرميها ونرحل تاني من غير ما حد ياخد باله. والحمد لله، انتقمنا وخدنا بتارنا من اللي قتلوا سعاد. بقي مسعود الكلب، أوصله بس وهخليه عبرة للكل.
رحل توفيق وأبناء عماته دون أن يشعر بهم أحد. لتفيق القرية على خبر وجود شفيق العمدة ملقى بالقرب من الجامع الكبير عاري تماماً، يقبع في بقعة من الدماء مبتور. لينتشر الخبر في البلدة ويقوم الشباب بالتقاط الصور له وشماتة الكثيرين به.
ليصل الأمر لابنه صافي. ليأتي مسرعاً له ويبعد عنه التجمع الكثيف من أهل البلدة ومعه مجموعة من الغفر. يحملونه مسرعين به إلى المشفى مع توعد صافي بالانتقام من الفاعل فور معرفته به.
/////////////////////////////////////
زهور لا تزال جالسة أمام الغرفة الموضوع بها أحلام. لتضع رأسها على حافة الكرسي وتغمض عينيها من التعب والإرهاق بالسوق طوال اليوم والسهر الآن بانتظار إفاقة أحلام.
ل يمر الليل سريعاً ويبدأ نهار جديد. تبدأ معاناة من نوع آخر لزهور، معاناة لا يتحملها الكثيرون منا.
أفاقت من نومها على صوت أحد يجلس بجوارها. تفتح عينيها. تجد الطبيب أمامها مبتسماً.
الطبيب: صباح الخير.
زهور: اعتدلت في جلستها. صباح الخير يا دكتور.
الطبيب: ستي فاقت.
الطبيب: مبروك يا ست زهور، جدتك عملت العملية من ثلاث ساعات بس، كنتي نايمة ومحبناش نقلقك. دوب خلصت العملية وجدتك هتتنقل للعناية فترة لحد ما تستقر حالتها وتخرج لأوضة عادية، وتقدر تطمني عليها من الشباك الإزاز ده.
زهور: تقف بسرعة، تخطو تجاه النافذة. تنظر لجدتها الممددة على الفراش. وبجوارها طبيب آخر وممرضة يقومان بتوصيل يدها بمحاليل العلاج والأجهزة.
لتستدير بسرعة للطبيب.
زهور: كده ستي عملت العملية وهتعيش؟
الطبيب: إن شاء الله هتعيش. واطمني جدتك بخير ومؤشراتها تمام، وكم يوم وهنخرجها غرفة عادية.
زهور: تقترب منه، تخرج من كيس من القماش تحمله برقبتها مبلغ مالي كبير فئة المئتان جنيه.
زهور: اتفضل يا دكتور، الحساب أهو. والباقي هصرف فيه. وقبل ما ستي تخرج هيكون عندك.
الطبيب: بسعادة وزهول من كلامها. خلي فلوسك معاكي يا زهور، جدتك عملت العملية على حسابي الشخصي.
زهور: لا، أنا اتفقت من الأول مع حضرتك إنّي هدفع الحساب. مستورة والحمد لله. في غيرنا محتاج يقدر يساعد حد محتاج أكتر مننا.
الطبيب: بس أنا اتحملت المصروفات ومش هرجع في كلامي.
زهور: مدت يدها وأمسكت بيده ووضعت بها المبلغ.
زهور: دول أربعين ألف. والباقي كم يوم وهيكونوا عندك. وبعد إذنك، أنا هروح البيت، هخلص شغل وأدفع حساب البضاعة وأرجع طوالي. بعد إذن حضرتك.
خرجت زهور بسرعة ولا يزال الطبيب ينظر في أثرها حتى ابتعدت. ليبتسم على كلماتها وهو ينظر للنقود بيده ويتجه للحسابات. يضع المبلغ في رصيد عملية أحلام.
زهور اتجهت للسوق القريب بعض الشيء من المشفى. قضت يومها تبيع حتى شعرت بالإرهاق. جلست بتعب بجوار إحدى البائعات تستريح، غافلة عن تلك الأعين المتربصة بها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الأربعون 40 - بقلم منى عبدالعزيز
يهمهم بألم وينادي بين غفوته.
"أحلام... أحلام."
يصمت، يغوص في نومه، ويعاود النداء مرة أخرى.
"أحلام."
ظل طوال الليل على تلك الحالة. يستمع إلى همهمات أبيه والشر يتطاير من عينيه. يقسم بداخلة أنه سيذيق من فعل بوالده ذلك، أو بالأخص فعلت.
يخرج من غرفة أبيه ويدخل غرفة أمه.
"مسا الخير يا أما."
"يسعد مساك يا صافي. انت لسه صاحي؟"
"ومين هيجيله نوم بعد اللي حصل والفضيحة اللي جرتنا بالبلد. بقي العمدة يحصل فيه كده."
"بسخرية وشماتة في نفسها: أحسن حاجة حصلتله. يا ريته كان اتعمل فيه كده من سنين."
يجلس على الكرسي بجوارها.
"قوليلي يا أمي مين أحلام دي؟"
"أحلام؟ وانت عايز تعرف عنها إيه؟ وتعرف اسمها منين؟"
"احكيلي كل حاجة، وهفهمك بعدين كل اللي حصل."
روت له كل ما تعلمه عن العلاقة بين أحلام وشفيق، وذهاب شفيق يقف أمام منزلها بالساعات يترجاها تفتح له.
"تفتكري تقدر تعمل اللي اتعمل في أبويا؟"
"أحلام اللي بتخاف تفتح له، هتعمل كده؟ لا مش أحلام، دي أضعف ما يكون."
"والتوفيق وسعاد يبقوا مين؟"
"سعاد دي آخر ضحايا أبوك. عمل فيها زي ما عمل في صباح بالظبط، ويمكن أكتر. قتلها."
"وتوفيق يبق ابن عمها وخطبها."
"وبرضه ما أعتقدش إنه يعملها. ده طفش من البلد يوم ما ماتت. وما يعرفش أصلًا بموتها. لأن أبوك والمخسوف رجب قالوا وقتها إنها هربت مع واحد. وما قدرش يتحمل كلام الناس وطفش من سنين."
"أومال مين بس يكون عملها؟ وليه بيقول اسمهم طول ما هو نايم؟"
"أحلام طول عمره بيناديها في نومه. وسعاد بقي، تلقيه بيحلم بأفعاله السودة."
"يبق كده الكل هيتعاقب. البلد كلها هيتشك فيها. وأقسم بالله لاخليه عبرة للجهة كلها. اللي عمل كده لاشفي منه. نساير نساير، وأوكلها للكلاب. مش أنا اللي اسكت على تار أبويا. وهبدأ بأحلام وأشوف تقدر ولا ما تقدرش."
تركته والدته تحدثه بألا يفعل ويجعل بينه وبين أهل البلدة عداوة، وأنه يقترب منهم أفضل.
خرج الصافي ينادي على الغفر ويطلب منهم مراقبة أهل البلدة ومن يشك فيه، ويصطحبوه إلى مخزن مصنع الأعلاف.
ليصعد سيارته ويتوجه بصحبة أحد الغفر لبيت أحلام.
ليصل بعد دقائق، يترجل من السيارة ويتجه يدق على الباب بعنف. ليقف فجأة ويلتف للخلف وهو يستمع للصوت القادم من الخلف. تقع عينه على فتاة لا تصل إلى قدمه وهي تحدثه بقوة.
"أرفع إيدك من على الباب، هتكسره! البعيد إيه؟ مش بيفهم. خبطت مرة واتنين، ما حدش رد عليك. يبق ما فيش حد موجود بالبيت. لكن البعيد بينه أعمى وأطرش، لا بيسمع ولا بيشوف. الباب مقفول بالقفل قدام عينك. بيقول ما فيش حد في البيت. لكن نقول إيه بقي."
يلتف إلى الباب، يرى بالفعل أحد الأقفال على الباب. ليغمض عينه ويكور يده بغيظ من نفسه ومن الغفير الواقف جواره.
ليعاود النظر للفتاة، يستمع لها وهي لازالت تصفق على يدها وتسب وتنعتة بالغبي.
ليقترب منها ويحدثها بعنف وهو يجذبها ممسكًا برسغها. يقربها منه وجهًا لوجه، لتقع عينه على عينها. يشعر بالندية منها وثباتها. تقوم بحك أسنانها ببعضها مصدرة صوتًا بهم، كأنها تهدد بسلاحها.
تنطر يده من يدها وتكمل سبه. ليقترب منها الغفير ينهارها.
ليشير له الصافي وهو لازال عينه على عين الفتاة.
ليبعد يده عنها ويعتدل في وقفته. يحدثها بصوت رخيم.
"خلاص حصل خير، متأخذناش. ما أخذناش بالنا. عندك حق تزعلي على الباب. بس بقي انتي مين، ومالك ومال الباب والبيت واللي فيه؟"
تضرب يديها ببعضهم.
"الله ما طولك يا طولت البال. بص يا عم، انت شكلك كده زي المثل اللي بيقول: الجسم جسم فيل والعقل عقل نملة."
"بنت، انتي اتعدلي بكلامك. فهمة سؤال وردي عليا من سكات. تعرفي أحلام اللي ساكنة هنا فين دلوقتي؟ ولا لأ."
تنظر له من فوق لتحت بسخرية.
"الست أحلام تعبانة وفي المستشفى في طنطا بقالها كام يوم. عاملة عملية. يلزم حاجة؟ أبلغها للست أحلام."
"تعبت له وعملية إيه؟ من امتى الكلام ده؟"
"من يومين. تعبت. نقولوا للتعب بلاش تجي اليومين دول، أصل في تور هييجي يخبط على الباب، ولازم نكون في شرف استقباله."
نفذ صبره من حديث الفتاة.
"بنت، انتي بطلي كلامك المستفز ده وتقولي أحلام في أي مستشفى."
تنظر له بعدم اهتمام.
"ممنوع الزيارة، وخصوصًا للغرب."
يرحل وهو يشير للغفير.
"يلا، دي بنت لسانها متبري منها. اللي يشوف طولها ما يشوفش طولت لسانها. اللي عاوز حشة من لغلوغه."
تنظر له الفتاة وتلتف لفتح الباب وهي تسبه. ترفع قدمها على الأرض، تقف على أطراف أصابعها، تحاول فتح الباب لتصرخ وهي ترفع من على الأرض لأعلى.
تحاول تخليص نفسها لتجد من يديرها له ويضحك على رعشتها وانتفاضها بين يديه. ليديرها له ببطء وهو لازال يحملها، يضحك بقوة على خوفها الظاهر على وجهها. لينزلها ببطء وهو يسند ظهرها على الباب ويحاصرها بجسده. تفتح عينها فور ملامست قدمها للأرض. تنظر له بغضب. ليقربها لصدره ولازالت عينه على عينها.
"كلمة واحدة كمان وهرفعك تاني، ووقتها هعلقك على الباب ده. فبلاش تختبري صبري. قولي أحلام فين."
"ببعض الهزة بصوتها: ابعد، ولو انت راجل بجد، حاول مرة تانية."
"بلاش. من شوية كنتي عاملة زي الفرخة المدبوحة."
"خدتني على خوانة، وأنا مدياك ضهري. لو كنت راجل كنت عملتها وانت واقف قدامي."
ابتعد عنها وهو يضحك.
"لا، فصيحتك بالكلام مش حلوة وبس."
"هسيبك وامشي. وهزور أحلام قريب قوي."
ليتجه إلى سيارته ويصعد بجوار ه الغفير ويرحل بعد أن أشار لها وهو يضحك بصوت عالي، ويطلق بوق سيارته.
يحدث الغفير.
"مين البنت دي؟"
"دي زهور، تبق ستي أحلام."
"زهور."
يحدث نفسه: "البت عليها جوز عيون يخبلوا. متعرفش لونهم إيه؟ شرطة. العين تهوس. من دلوقتي لما تكبر، ودوار البنات يجيها، هتكون إيه؟ فرسة. آه لو كانت كبيرة شوية كنت جوزتها وقتي."
"يا عمدة، يا عمدة."
"في إيه؟ بتنادي ليه؟ يلا، كمل حكايتها."
يقص الغفير كل ما يعرفه عن زهور، وعن كره إحدى بائعات السوق لهم.
"البياعة دي تكون عندي بالليل في شقة المصنع."
"اعتبرها جات يا عمدة."
يصل الصافي للسوق بعد قليل وينزل الغفير، يخطو تجاة الداخل، يسأل على إحدى البائعات حتى وصل لمكانها. ليقترب منها مناديًا عليها ويحدثها وهو يشير لمكان السيارة الواقفة بالقرب من مكان السوق.
يحدثها قليلاً ويرحل متجهًا إلى السيارة مرة أخرى.
الصافي فور صعود الغفير جواره.
"قلتلك إيه؟ وعرفت مكان المستشفى؟"
"أيوه جنابك عرفتها. وبعد ما تخلص اللي قدامها هتحصلنا على شقة المصنع زي ما حضرتك أمرت."
عاد الصافي إلى البلدة بعد تأكيد الغفير على كلام البائعة أن أحلام بالعناية المركزة وأن الزيارة ممنوعة بعد ما ذهب عدد من الباعة يزورونها ورفضت الإدارة دخولهم.
عاد اليوم وحضرت البائعة إلى مصنع العلف وصعدت خلف الغفير للشقة، تتلفت حولها مبهورة من الأثاث. تتلفت حول نفسها لتقف وهي ترى الوسيم الذي خرج عليهم من الغرفة.
"أهلاً وسهلاً يا سكرة، نورتي الشقة."
سكرة تخطت الثلاثين من عمرها. جسدها ممشوق. جميلة لحد ما، ملامحها مقبولة. تغير من أحلام لجمالها الفتان الذي لا يتغير مع كبر عمرها. من يراها يفتن بها ولا يعيرها هي اهتمام.
"أهلاً بيك يا عمدة. الشقة منورة بوجودك."
الصافي يشير إلى الغفير بالخروج ويجلس على أقرب كرسي، ويشير إلى سكرة وهو يتفحص جسدها بجرأة. وهي تتقدم إليه ليشير لها بالجلوس أمامه على الأرض. لا يفصل بين جلستها على الأرض وبين قدم الصافي غير بضع سنتيمترات فقط. تنظر له بجرأة وهو يتأكلها بعينيه.
"آمر يا عمدة."
عينه مسلته عليها. ينزل يجلس بجوارها، يضع يده على كتفها.
"قولي كل اللي تعرفيه عن أحلام والبنت اللي معاها."
"زهور. قطيعة تقطعها البنت. عاملة زي أم أربعة وأربعين. لسانها متبري منها. وقدرة وقوية." لتقص عليه كل شيء من أول قدومهم للسوق حتى اليوم.
تنتهي من الحديث.
"عايزك كل يوم تجيبيلي أخبارها أول بأول. وأول ما الزيارة تفتح والناس تروح ليها، تبلغيني فورًا."
"من عنيا يا عمدة. يلزم خدمة تانية؟"
ينظر لها بجرأة ويقف يحذبها إليه، يقبلها. وأمسكها من يدها يجذبها خلفه لأقرب غرفة. بعد وقت طويل رمى نفسه على الفراش يتنفس بلهث.
"كل يوم لما تخلصي شغل تعرفيني أول بأول أخبار أحلام وزهور. ونقعدوا مع بعض قاعدة حلوة زي دي."
"من عنيا يا عمدة. من عنيا."
هب واقفًا، ارتدى ملابسه سريعًا، وأشار لها بارتداء ملابسها، وخرجا معا وخلفهم الغفير.
ليذهب كل منهم في اتجاه، ويعود الصافي للدوار. يذهب لغرفة والده يلقي نظرة عليه ويخرج لغرفته.
يضحك بصوت عالي بعد تذكره لكلمات زهور له.
"صغيرة وبالشكل ده، لما تكبر هتكون إيه؟ صاروخ، صاروخ." ليلقي بنفسه على الفراش، وهو لازال يضحك. ليغمض بعد قليل عينه ويذهب في نوم عميق.
زهور فتحت القفل بصعوبة ويدها تهتز، حتى نجحت ودخلت للبيت وجسدها ينتفض. ظلت واقفة خلف الباب عدة دقائق تلتقط أنفاسها لتهدأ، وتتجه إلى غرفة النوم تلقي بنفسها على الفراش بإرهاق شديد من قلة النوم وإرهاقها بالعمل بالسوق. لتغمض عينها وتنام. وتصحو كعادتها على أذان الفجر. تفيق بكسل وتذهب لدورة المياه وتستحم، وبعد قليل تخرج تصلي فرضها. وقامت بفتح الصندوق وإخراج باقي الأموال به بعد عدها. وضعتهم في حقيبة والدتها ومعها بعض الملابس لها ولأحلام يرتدونها لعدة أيام. خرجت من المنزل بعد سماعها صوت زميلاتها في السوق وصعدت تجلس بجوارهم على العربة بعد تأكدها من غلق الباب جيدًا.
ذهبت إلى السوق أولًا لتنهي بيع حصتها من الخضار والفاكهة. وتذهب إلى مركز القلب واتجهت مباشرًا إلى غرفة العناية. تنظر بلهفة لسرير جدتها التي لازالت مغمضة العينين. وقفت قليلًا تنظر لها، لتفيق على صوت خلفها ويد توضع على كتفها. لتلتف بسرعة لتهدأ من أنفاسها المتسارعة، وهي ترى من فعل ذلك.
"هو حضرتك يا دكتور أحمد؟"
"كويس أن حضرتك هنا. عايزة أتكلم مع حضرتك ضروري." قالتها بتلاحق دون التقاط أنفاسها.
"اهدي، اهدي، خدي نفسك في الأول وتعالي على المكتب." قالها وهو يقلدها وهي تلتقط أنفاسها.
بابتسامة صغيرة على تقليد الطبيب لها، تومي برأسها وتذهب خلفه بعد أن ألقت نظرة على جدتها.
دخلت للغرفة، أشار لها بالجلوس.
فتحت حقيبتها وأخرجت ما بها من متعلقات. ينظر لها الطبيب بذهول وهو يرى ما تخرجه: كيس مغلق، وملابس مطوية، ونقود.
مدت يدها بالنقود وتحدثت.
"اتفضل حضرتك، دول كل الفلوس اللي فضلت من مصاريف العملية. بس لو سمحت، عايزة حضرتك تسمحلي أفضل هنا جنب ستي. بلاش حكاية أروح وأجي أزورها بمواعيد الزيارة. هاجر أوضة هنا أنام فيها، ولما ستي تفوق وتخف يبق نخرج."
بضحكة: "تأجري أوضة؟ لا يا ستي، احنا مش فندق عشان تأجري. كده كده جدتك لما تفوق هتتنقل أوضة عادية. فانا هسمحلك تفضلي فيها لحد ما تفوق."
"وشيلي الفلوس دي، خلاص حساب العملية اتقفل بالمبلغ اللي دفعتيه. وليكي لسه خمس آلاف جنيه من المبلغ اللي دفعتيه. وادي يا ستي الوصل والفلوس."
تنظر له بشك.
"متسألنيش كده. أيوه، المبلغ كله كان 38 ألف جنيه التكلفة الرسمية للعملية. فعملنا تخفيض وخلناه 35 ألف. يبق فاضلك من الأربعين ألف خمس آلاف جنيه. اتفضلي."
"ممكن حضرتك تخليهم معاك؟ هما دول اللي يضيعوا مني. وبعدين هاخدهم لما نخرج."
مد الدكتور أحمد بعد ما اقتنع بكلامها لياخذ المال.
تقف تتجه إلى باب الغرفة.
"كده خلصنا يا دكتور. أنا سألت وعرفت التكلفة وأنك خفضتها من مئة ألف. وحضرتك خفضتها. وأنا قلتلك قبل كده فيه ناس أحق مننا. الحمد لله مستورة."
قالتها وخرجت من المكتب.
بذهول: "ضحكت عليا أم لسانين. ههههههه. ذكية بنت الـ...". ليضع المبلغ في درج مكتبه ويغلقه ويخرج خلفها يتابع مروره على مرضاه.
لتقع عينه عليها، تجلس في زاوية تخرج أكل من الكيس وتلتهمه بمتعة. ليقترب منها براوية ويخطفه من بين يديها ويضحك على هيئتها.
يحدث نفسه: "ما الاستمتاع والسعادة التي تحدث له فور كلامه معها."
ليلتف خلفه بعد أن أشارت له زهور وتقوم بخطف الأكل من يده وتضحك بقوة عليه.