تحميل رواية زهور بنت سلسبيل بقلم منى عبدالعزيز pdf
بقلم منى عبدالعزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحلام تركت سلسبيل ودخلت غرفتها تدور حول نفسها. أحلام: هعمل إيه في المصيبة دي؟ لازم أتصرف قبل ما يحصله حاجة أو يفوق. وساعتها هيِهد الدنيا على دماغي ومش بعيد يستغل ده ويورطني معاه. لأ، لازم أبعد من هنا. تَمد يدها وترفع قدميها تقف على أطراف أصابعها، تجذب حقيبة من فوق خزانة الملابس. تضعها على الفراش وتلتف، تفتح دولابها تجمع ملابسها وأشيائها في حقيبة قديمة. فتحت أحد الأدراج أخرجت ما به من نقود وأوراق، وضعتهم بعشوائية على ملابسها. أغلقت الحقيبة بإهمال من شدة توترها. ورعشة جسدها ظلت تجوب الغرفة تبحث عن...
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منى عبدالعزيز
زهور: احكي يا حبيبي، خرج كل اللي جواك، أنا هسمعك، مش هقطعك نهائي لحد ما تنهي كلامك وتريح قلبك.
زياد: ماما أنا محتار، وفي نفس الوقت فرحان، وقلبي من الفرح والسعادة ما يتوصفوش. ماما أنا بحب، حبيت بنت من أول ما سمعت صوتها قبل ما أشوف وشها، حبيتها من كلام ماما زهروان عليها، ولما شفتها من غير ما أعرف هي مين، قلبي انخطف من مكانه.
عرفت الابتسامة طريقها لوشي، الفرح دخل لقلبي من أول ما دق ليها. ماما أنا محتار وخايف يا ماما، خايف من حالتي ومن ظهري وشكله.
زهور: ماله شكلك، شاب سبحان من صور جمال وشك وأخلاقك، مصلي وعابد ومتدين، من أغنى عائلات البلد، كل بنات الدنيا تتمنى إنك تبصلهم وتكلمهم.
زياد: بس نسيت أهم حاجة، جسمي واللي فيه، إذا كان أقرب الناس ليا مش بيستحملوا يشوفوني، هي هتكون وضعها إيه.
زهور: يا حبيبي، ده مش عيب فيك، دي حاجة ربنا ميزك بيها عن غيره. احكي لي عن اللي خطفت قلبك، وأنا هكلمك بابا ونتقدم ليها.
زياد: لا بلاش بابا يعرف، إنتى نسيتي موضوع نهال، لو عرف ممكن يؤذي سلسبيل، وكمان أنا مش معرفها إن والدي صاحب شركات، كل اللي تعرفه عني إن ابن اخت زهروان وبس.
زهور: مش ممكن تكون عارفة وبتعمل كده.
زياد: لا متعرفش حاجة، أنا متأكد من ده. ماما أنا محتاجك أوي تقفي معايا، بلاش بابا يعرف دلوقتي، لو عرف أنا هدمر، مش هستحمل بعدها عني، لو بعدت عني هموت.
زهور: بعد الشر عنك، أنا جنبك يا حبيبي، إنت عايز إيه وأنا هقف جنبك ومش هسيبك أبداً.
ماما، قالها زياد بحنان جعل جسدها ينتفض.
عاوز أتقدم لسلسبيل وأتجوزها من غير بابا ما يعرف، هو وإخواتي، عاوز أعيش مع اللي اختارها قلبي من غير ما حد يعرف ويهدني قدامها.
زهور: والبنت وأهلها هيوافقوا يا بني على الكلام ده إزاي، هتتقدم من غير أهلك.
زياد: سلسبيل والدها متوفي، مافيش غير أمها وخالتها، وهنتقدم أنا وإنتي وحسن. صدقيني يا ماما كده أحسن، هعيش مرتاح معاها، كده مافيش حاجة، كده كده أنا عايش مع ماما زهروان وسلسبيل الممرضة بتاعتها، محدش هيشك في حاجة، وهيفضل موضوع جوازي بعيد عن بابا.
زهور: يا بني، حتى لو وافقوا واتجوزتوا، إنت ناسي أبوك مصمم على جوازك من نهال بنت عمك.
زياد: نهال لا ومليون لا، دي بنادمة انتهازية، شوفي بابا وعدها بإيه عشان توافق تجوزني، دي بتعملني كأني وباء، بتقرف مني، ياما جرحتني بكلامها ونظراتها، دي بتكسف تقول إنها مراتي، لما نتجوز هتقول إنها مراتي إزاي، لا يمكن أبداً ارتبط بيها.
ماما، أنا أخدت معاد من الست أمل أم سلسبيل، أتقدم ليها النهاردة.
أرجوكي وافقي، أنا كل اللي عاوزه من حضرتك تطلبيها من والدتها وبس، لو وافقوا هكون أسعد إنسان في الدنيا، موفقوش يبقى.
زهور: هيوافقوا يا حبيبي، إنت أي بنت تتمناك. خلاص أنا هاجي معاك المعاد؟ الساعة كام.
زياد: يقبل يدها، متشكر أوي يا أمي، المعاد إن شاء الله الساعة سبعة، حسن هيعدي علينا هنا ونروح عليهم على طول.
زهور: زهروان عرفة.
زياد: ماما زهروان تقريباً هي اللي كلمت سلسبيل على كل حاجة، وقالت ليها إني معجب بيها وعاوز أتقدم وأخطبها.
زهور: كان ردها إيه.
زياد: كان ردها غريب أوي يا أمي، قالت ليها حاجة لا يمكن كنت أتخيل إنها بنت تقولها. قالت إنها متقدرش تقول أه أو لا إلا لما أروح وأقابل أهلها وأشوفهم على طبيعتهم في حارتهم وبيتهم، وكمان إنها كانت مخطوبة ومحصلش نصيب وسابوا بعض، ولازم إني أعرف السبب اللي بسببه خطوبتها انتهت عشانه، بالرغم إن فرحها كان فاضل عليه أيام.
زهور: وعرفت السبب ولا لأ.
زياد: طبعاً يا ماما، هي حكت لي كل حاجة حصلت بالظبط، وأنا وحسن سألنا وتأكدنا من كل كلمة، وبعدين أنا رحت الحارة وقابلت والدتها وخالتها واتعرفت عليهم ورجعت البيت وعملت أكتر من صلاة استخارة، والحمد لله أنا مرتاح، وقلت أتصل على حضرتك لو تحبي تتقدمي لي معاها.
زهور: ربنا يتمم لك بخير يا حبيبي، هو حسن هيجي إمتى؟ الساعة قربت على ستة ونص.
تصمت على أثر طرقات على الباب ودخول شخص سريعاً.
زياد: أهو جه على السيرة زي القطط.
حسن: السلام عليكم، إزي حضرتك يا طنط، أنا مش هرد عليك عشان طنط وحرام تروح تخطب وأنت متخرشم.
زياد: يلا يا خويا بلاش كلام كتير، مش كفاية متأخر.
حسن: متأخر إيه بس، الساعة ستة ونص والمعاد سبعة.
ومن هنا لروض الفرج فردة كعب.
زهور: هي العروسة ساكنة في روض الفرج.
زياد: أيوه يا أمي، والدها تاجر كبير في السوق وليه محل كبير باسمه، بس لما اتوفى قريبة المسكينة.
زياد رأى نظرات أمه المشتتة وتجهم وجهها، اقترب منها بابتسامة حزينة.
زياد: ماما أنا بعفيكي من المشوار ده، مش عاوزك تروحي وإنتي مش مرتاحة، وتأكدي إني لا يمكن أن أزعل من حضرتك، بس أوعديني لا بابا ولا إخواتي هيعرفوا، وخصوصاً زايد وزينة.
ليشير إلى حسن صديقه، يلا بينا يا حسن.
خطى زياد خطوة والتانية ليقف على صوت مناداة والدته.
زهور: زياد أنا جاية معاك يا حبيبي.
زياد وهو على نفس وضعه، لم يلتفت، لا يا أمي متغصبيش على نفسك عشان ترضيني، أنا هتقدم، وافقوا بيا هكون أسعد إنسان في الدنيا، موفقوش.
مش هكون خسرت حاجة غير إني.
لتقاطعه أمه وهي تديره ناحيتها، هيوافقوا، هيوافقوا.
إنت مليون بنت يتمناولك نظرة من عيونك.
يلا بينا هنتاخر على المعاد، لتمشي أمامهم وحسن.
يحاول أن يهدئ الأجواء.
حسن: بحركة مسرحية، عريس فرست.
زياد: مش عارف هتعقل إمتى، بس بقيت دكتور قد الدنيا ولسه عقلك صغير، أفعالك أفعال طفل في الروضة.
حسن: بابتسامة، أنا معاك يا صاحبي، بكون على طبيعتي غير الدنيا كلها، بكون واحد تاني معرفهوش.
حسن: وعلى العموم، هعقل لما أفرح بيك وأشيل ولادك وأربيهم زي ما أنا عاوز.
زياد: جزبه لأحضانه واختنق صوته بالبكاء، حسن إنت أجمل حاجة حصلت ليا في حياتي بعد ماما زهروان وسلسبيل.
حسن يربت على كتفه، شعر بحاجة صديقه للمؤازرة.
ينظر له بابتسامة، عد الجمايل، وسلسبيل بقى دي تعد عشا لولايا مكناتوش عرفتوا ولا حبيتوا بعض، أول ولد تسموه حسن.
زياد: لو بنت هنسميها إيه، حسنيه.
حسن: ههههه، حسنيه إيه، لا إنت عايز البنت تتعقد، لا لو بنت جوزهالي.
زياد: وأنا موافق أجوزهالك.
حسن: خلاص نقروا الفاتحة عشان مترجعش في كلامك وتقولي إنت كبير على بنتي.
زياد: ضاعت ابتسامته، مش ممكن تطلع زي أبوها وترفض إنت تجوزها.
حسن: اختفت ابتسامته، وليه متقولش، دي ميزة فيها وهتخليني أتمسك بيها أكتر، دا إنت فصيل يا أخي، إحنا في إيه وإنت في إيه، يلا على العربية، والدتك سبقتنا، ليسرع في خطاه مبتعداً ويصعد سيارته، يزيح دمعة انزلفت من عينه وهو يرى نظرة الحزن والخوف في عين زياد الممسك بيد والدته أثناء خروجهم من باب الفندق، ليعتدل في جلسته وزياد يفتح باب السيارة الخلفي لوالدته و.
يصعد السيارة بجوار حسن الذي انطلق بسيارته حتى توقف في حارة شعبية مكتظة بالسكان، يترجل حسن وزياد يفتح الباب لوالدته التي تنظر حولها باستغراب من كم الباعة المتجولين وأصواتهم العالية والأطفال الذين يعبرون الطريق أمام السيارات وسباب ساقيها لهم، تترجل بصعوبة من السيارة وتردد تنظر إلى ابنها، ترى نظرة الانكسار على وجهه، لتهبط مسرعة تقف بجواره حاملة حقيبتها، تمسك يده وهي تعبر الجهة الأخرى من الطريق بصعوبة من كم الحفر الصغيرة به وكعب حذائها الذي كاد أن يكسر أكثر من مرة نتيجة التواء قدمها عدة مرات.
ليصلوا أخيراً أمام بناية ذو طابع شعبي قديم ولونها الدخاني وبعض النقوش عليها وشرفها القريبة من بعضها، تنظر لها تبلع لعابها بصعوبة وتوتر من القادم، ليدخلوا للداخل، تقف تسحب يدها من يد ابنها.
زهور: هم ساكنين في الدور الكام، أنا لا يمكن أطلع السلم الغريب ده.
حسن: بسرعة قبل أن يتحدث زياد، متقلقيش يا طنط، السلم كويس أوي ومتخفيش من أي حاجة، أنا وزياد معاكي، هنطلع وحدة وحدة، وهم كام سلمة، سلسبيل ساكنة في الدور الثاني، قالها وهو يشير برأسه ناحية زياد الذي ينظر إلى أسفل بخزي.
زهور: تصعد بسرعة بعد أن أومأت برأسها لحسن ممتنة له، مش يلا بينا ولا أنتم عاجبكم الوقفة هنا، تلاقي العروسة منتظرة على نار.
ليصعد حسن وخلفه زياد ليشير حسن لها على الشقة.
حسن: الشقة اللي في الوش دي يا طنط، اتفضلي.
لتقف بجوار زياد تبتسم بوجهه وتربت على يده الذي ازدادت رعشته وشحوب وجهه.
زهور: بلاش تتوتر كده، إن شاء الله هيوافقوا، هم هيلقوا زيك فين.
ليبتسم لها زياد ولا تزال يده تنتفض.
دق حسن جرس الباب وابتعد يقف بجوار زياد ووالدته، لتزهل وهي ترى الباب يفتح وتقف سيدة فائقة الجمال تشير لهم بالدخول.
السيدة: أهلاً وسهلاً، اتفضلوا.
زياد: أهلاً بحضرتك يا ست أحلام.
ليكمل: ماما يا ست أحلام.
أحلام: أهلاً وسهلاً، نورتينا يا مدام.
زياد: الست أحلام خالة سلسبيل يا ماما.
زهور: مدت يدها تسلم عليها، أهلاً بيكي يا ست أحلام.
زياد: الدكتور حسن صديقي وأخويا.
أحلام: أهلاً بيك، اتفضلوا، البيت نور بيكم.
حسن: عينه لم تفارق أحلام مزهول من جمالها، تاه في عينها السوداوين وتلك الهالة بها. البيت منور بأصحابه يا ست أحلام.
زياد لكز حسن ونظر له أن يبعد نظره عن أحلام التي خجلت من نظره عليها.
أشارتهما خالتان لهم على غرفة يدخلون بها.
أحلام: اتفضلوا على الصالون، تحبوا تشربوا إيه.
زياد: نظر إلى والدته بعينه، لتجيب أحلام.
زهور: أي حاجة من إيدك يا ست أحلام.
حسن يجلس ولا تزال عينه على أحلام لا تحيد حتى.
ذهبت وأغلقت باب الغرفة خلفها.
زياد: حسن مالك يا ابني متنح كده ليه.
حسن: هه، مش عارف، هو في كده جمال بالشكل ده.
مش عارف إيه اللي حصلي، قلبي بيدق من أول عيني ما جت عليها، ولما سمعت صوتها بحس بشعور غريب أوي.
زهور: تضرب كف على الآخر، هو إيه حكايتك إنت وصخبك، هو يقول حبتها أول ما سمعت صوتها وإنت تقول صوتها عمل وعمل.
حسن: بقولك إيه يا زيزو، هي متجوزة أو مخطوبة.
زياد: بزهول، حسن إنت اتجننت يا ابني، بتسأل ليه السؤال ده.
حسن: لو مش متجوزة يبقى يبخت جوزها، ولو مخطوبة ممكن تسيب خطيبها عادي، ولو لأ يبقى أتقدم ليها وطنت تخطبهالي بالمرة ونعمل فرحنا مع بعض زي ما كنا بنحلم.
زياد: لا إنت فعلاً اتجننت، على العموم الست أحلام أرملة ورفضة تتجوز مرة تانية.
حسن: أرملة ومين المغفل اللي يموت ويسيب واحدة زيها، ده معندوش نظر.
زهور: ههههه، الله يحظك يا حسن، إنت بتكلم جد.
حسن أتى ليتكلم، يجد باب الغرفة يفتح وتدخل منه سيدة على مقعد متحرك، رفع الجميع رأسه ينظرون إلى من دخلت، ليقف حسن بفم مفتوح وهو يرى سيدة جميلة بنفس ملامح أحلام كأنها توأمتها تجلس على ذلك الكرسي المتحرك.
وتغطي قدمها بوشاح خفيف، وعلى وجهها ابتسامة.
يرفع عينه لأعلى باتجاه أحلام ثم يعاود النظر تجاه.
السيدة: السلام عليكم، أسفين على التأخير، كنت بصلي العصر واتأخرت عليكم.
زياد يقف ويخطو باتجاهها يمد يده إليها يسلم عليها، مافيش تأخير ولا حاجة يا ست أمل، ليشير إلى والدته التي بدأت تشعر بضيق.
أعرفك على ماما وصحبي حسن يا ست أمل.
أمل: أهلاً وسهلاً بيهم، شرفونا ونورونا.
زهور: الله يشرف مقدارك والبيت منور بأصحابه.
حسن: ينظر إلى زياد ويهمس له: هو أنا اللي شايفه ده بجد ولا بيتهيأ لي؟
زياد: بنفس الهمس: ههههه الله يخرب بيتك هتفضحنا. اللي يشوفك يقول عمرك ما شفت ستات. وأنتم عائلتكم ما فيهاش راجل غيرك.
حسن: أكيد يا ابني. اللي يشوف الجمال ده أكيد ما شافش. ولو اعتبرت مرات أبويا ومرات عمي وبنات عمي ستات، يبقى فعلاً أنا ما شفتش.
زهور: أمال فين عروستنا؟
أمل: تشير إلى أحلام: استعجلي سلسبيل وشوفي الأول الجماعة يشربوا إيه.
زهور: إن شاء الله شربات يا ست أمل.
أمل: حمحمت عدة مرات قبل أن تتكلم: يشرفني طبعاً نسب المهندس زياد، وخصوصاً لما سألنا عنه وعرفنا أخلاقه. وكفاية كلام بنتي عنه وعن احترامه. وأنها طول ما هي بتتابع الست زهروان وهو في حاله، لا عمره احتك بيها ولا بزميلاتها. وكبر في نظري لما جه ليا بنفسه واعترف بإعجابه ببنتي ورغبته في الارتباط بيها قبل ما يكلمها. ولما سألت سلسبيل، قالت إن زهروان هانم كلمتها وقالت ليها على طلبك يا باشمهندس زياد. وأكيد أنت عرفت هي قالت إيه للهانم وموافق، يبقى على خيرت الله. أنا موافقة.
زياد: بسعادة: متشكر ليكي يا ست أمل. طبعاً الكلام اللي ماما زهروان حكتهولي ولا يفرق معايا. وبالنسبة لموضوع خطوبتها وإلغاء الفرح قبل معاده، ما يشغلنيش. وخصوصاً إن السبب كان تافه. وبقول لعل الله سبب الأسباب والفرح اتلغى عشان يكون لينا نصيب في بعض.
زهور تنظر إلى زياد بتوتر. تود أن تسأله عن ذلك السبب الذي ألغى بسببه الزفاف. لتري أمل ذلك.
أمل: باشمهندس زياد، أنت مقلتش للست الوالدة عن السبب اللي سلسبيل سابته عليه خطيبها؟
زياد: بتوتر ولجلجة: لا بس ده حاجة بسيطة أوي. وماما أكيد يهمها سعادتي وراحتي.
حسن مقاطعاً زهور قبل أن تتحدث، بعد أن لاحظ غضبها: أكيد يا ست أمل، ده سبب طبي. وفيه علاج كتير ظهر بيعالج البهاق. والحمد لله دي نسبة بسيطة في إيديها ورقبتها. وأنا قدرت أتواصل مع دكتور زميل ليا بيدرس في ألمانيا متخصص في الأمراض الجلدية. وقال إنه علاج جديد ظهر. وإن شاء الله كام يوم وهيوصل مصر. وهيتابع حالة سلسبيل بعناية. وطلب مجموعة تحاليل والتاريخ المرضي لخالتها من امتى بالضبط. وهيتابع معاها لحد ما تخف بإذن الله.
أمل بفرحة: ربنا يجبر بخاطرك يا دكتور حسن. ويرزقك ببنت الحلال اللي تسعدك. ويزيدك من علمه ومحبة الناس يا رب العالمين.
زهور: بقلق: بهاق إزاي؟ ومعدي ولا حاجة طبيعية؟ وإزاي خطوبتها اتلغت عشانه؟
أمل: متقلقيش يا ست هانم. ده جاله من فترة صغيرة في إيديها وجزء من رقبتها. بس نحمد ربنا مفيش غير كده. والفرح اتلغى لما كانت بتقيس فستان الفرح. وأخت العريس شافت رقبتها وصرخت في المحل وقالت إننا خدعناهم ومقولناش إن سلسبيل في رقبتها بقع بهاق. مع إننا قولنا لأخوها كل حاجة في نفس اليوم اللي ظهر في إيديها ورقبتها. وأهو كل واحد راح لحاله. وربنا يسعد الجميع.
زهور: وهل لسه على غضبها تتكلم بصوت عالي وغاضب: أفهم من كده إنه قريب الموضوع ده؟ وما كانش في جسمها؟
أمل: ابداً. جات كده. عمرها ما كان بيها أي شيء. بس من كام شهر انخضت جامد في الضلمة. وبعدها البقعة دي ظهرت في إيديها. وبعدها بفترة بدأت تزيد في إيديها.
البارت الحادي عشر
خرجت زهور أم زياد وزاهر من البيت خلسة دون أن يراهم أحد لانشغالهم بمراسم العزاء. وصلوا إلى منزل شقيقتها ودخلت مسرعة على غرفة والدها تنادي عليه بصوت متحشرج من البكاء.
زهور: فينك يا نني عيني؟ فينك يا ابن قلبي؟ روحت فين وسبتني؟ روحت فين يا أحن وأطيب قلب؟ مش هسامح نفسي ولا هسامح أبوك وزايد ونهال. هم السبب في بعدك عني. آآآه يا حبيب أمك. يا ريتني كنت أنا وأنت. لا. وقفت في الغرفة تصرخ بصوت لا يخرج منها وهي ترى ما بالغرفة من زينة وملابس موضوعة بطريقة جميلة على السرير الصغير بأحد أركان الغرفة. والألعاب بجواره. تتلمس بيدها كل ما عينها تقع عليه. لتقف عينها على صورة معلقة على الحائط في مقابل السرير. والدها بجوار فتاة رائعة الجمال. اقتربت من الصورة تتلمس إطارها. تغمض عينيها تحدث الصورة. تغمض عينيها تنادي بصوتها الذي يكاد يسمع. تتحدث بوجع مرة أخرى تردد كلماتها وتتوعد لنفسها ولزوجها بالعقاب. تتمسك بإطار الصورة بقوة وتتلمس زجاجها باليد الأخرى كأنها تلامس وجنته.
زهور: فين يا حبيبي؟ روحت فين وسبتني؟ سامحني. مقدرتش أقف جنبك وأتصدى لحكم أبوك. قلت اللي بيعمله عشان مصلحتك. مكنتش أعرف إني هكون زيهم جلادك وأتحرم منك. سامحني يا ابني. سامحني. نار بتكوي قلبي. مش هسامح أبوك أبداً على اللي عمله. وحرمك من مراتك وبنتك. أوعدك هحميهم منه. آآآه يا رب صبرني على فراقه. وأديني القوة أدافع وأحمي بنته. تذكرت آخر كلماته أثناء ضمها له. تبارك له على زواجه من نهال.
زياد همس في أذنها: سلسبيل ولدت زهروان. بدل ما تباركيلي إني بقيت أب، بتبركيلي على جنازتي؟ على إعدامي النهاردة؟ مش فرحي. النهاردة جنازتي. أنا غيرت اسمها. كنت وعدتك إني هسميها زهور. بس سميتها على اسم الست الوحيدة اللي وقفت جنبي في كل حاجة. كانت حنينة عليا لآخر لحظة في حياتها. سميتها زهروان. لتبكي بحرقة وهي تتذكر خروجه من أحضانها. ونظرة عينيه الحزينة. وكلماته التي أشعلت نيران داخلها من الخوف والحزن. منها. لتلتف الجهة الأخرى. تضع يدها على قلبها. تحدث نفسها.
زهور: فراقك نار يا زياد. فراقك نار بتحرق قلبي. لترفع رأسها وتزيح دمعاتها. تخطو تجاه خزانة الملابس. تفتحها وتخرج أحد قمصانه وتضمه إلى صدرها. تنزل على ركبتيها أرضاً تبكي بحرقة وهي تضم قميصه إلى صدرها. تخرجه تنظر إليه بعينها التي تكسوها الدموع. وترجع تضمه مرة أخرى. تحدث قميصه كأنه هو بين أضلاعها. تخبره بكل حبها له وشوقها له. لغيرتها من زوجته التي سلبت قلبه وعقله. تتذكر فرحتها عندما أتى إليها يخبرها بحبه وعشقه.
عادت بذاكرتها لعشرة أشهر مضت. عندما اتصل بها زياد وطلب منها أن تقابله خارج المنزل لأمر هام. لتقابله كما اتفق معها في فندق خالته الذي يديره هو.
زهور: والدته قلقتني يا حبيبي. ليه صممت نتقابل هنا؟ وماتقابلناش عند خالتك؟
زياد يقبل يدها: يضمها: أسف يا ست الكل. بس في موضوع مهم حابب آخد رأيك فيه وتنصحيني أعمل إيه. ومش عاوز حد يعرف بيه غيرك. أنتِ عاوز أخرج اللي جوايا من غير ما أخاف وأتوتر. محتاج أخرج من حيرتي وخوفي. محتاج حضرتك تسمعيني وتفهمي اللي جوايا. تقوليلي أعمل إيه. تقولي أنا صح ولا غلط. الخوف اللي جوايا طبيعي ولا عشان إني مختلف؟
زهور: احكي يا حبيبي. خرج كل اللي جواك. أنا هسمعك. مش هقطعك نهائي لحد ما تنهي كلامك وتريح قلبك.
زياد: ماما أنا محتار. وفي نفس الوقت فرحان. وقلبي من الفرح والسعادة ما يتوصفوش. ماما أنا بحب. حبيت بنت من أول ما سمعت صوتها قبل ما أشوف وشها. حبيتها من كلام ماما زهروان عليها. ولما شفتها من غير ما أعرف هي مين. قلبي انخطف من مكانه. عرفت الابتسامة طريقها لوشي. الفرح دخل لقلبي من أول ما دق ليها. ماما أنا محتار وخايف يا ماما. خايف من حالتي ومن ظهري وشكله.
زهور: ماله شكلك؟ شاب سبحان من صور جمال وشك وأخلاقك. مصلي وعابد ومتدين. من أغنى عائلات البلد. كل بنات الدنيا تتمنى إنك تبص لهم وتكلمهم.
زياد: بس نسيتي أهم حاجة. جسمي واللي فيه. إذا كان أقرب الناس ليا مش بيستحملوا يشوفوني، هي هتكون وضعها إيه؟
زهور: يا حبيبي ده مش عيب فيك. دي حاجة ربنا ميزك بيها عن غيره. احكلي عن اللي خطفت قلبك. وأنا هكلم أبوك ونتقدم ليها.
زياد: لا بلاش أبويا يعرف. أنتِ نسيتي موضوع نهال. لو عرف ممكن يؤذي سلسبيل. وكمان أنا مش معرفاها إن والدي صاحب شركات. كل اللي تعرفه عني إنها ابن أخت زهروان وبس.
زهور: مش ممكن تكون عارفة وبتعمل كده؟
زياد: لا متعرفش حاجة. أنا متأكد من ده. ماما أنا محتاجك أوي تقفي معايا. بلاش أبويا يعرف دلوقتي. لو عرف أنا هدمر. مش هستحمل بعدها عني. لو بعدت عني هموت.
زهور: بعد الشر عنك. أنا جنبك يا حبيبي. أنت عاوز إيه؟ وأنا هقف جنبك ومش هسيبك أبداً.
زياد: ماما. قالها زياد بحنان جعل جسدها ينتفض. عاوز أتقدم لسلسبيل وأتجوزها من غير أبويا ما يعرف هو وإخواتي. عاوز أعيش مع اللي اختارها قلبي من غير ما حد يعرف ويهدني قدامها.
زهور: والبنت وأهلها هيوافقوا يا بني على الكلام ده إزاي؟ هتتقدم من غير أهلك؟
زياد: سلسبيل والدها متوفي. مفيش غير أمها وخالتها. وهنتقدم أنا وأنتِ وحسن. صدقيني يا ماما كده أحسن. هعيش مرتاح معاها. كده مفيش حاجة. كده كده أنا عايش مع ماما زهروان وسلسبيل الممرضة بتاعتها. محدش هيشك في حاجة. وهيفضل موضوع جوازي بعيد عن أبويا.
زهور: يا بني حتى لو وافقوا واتجوزتوا، أنت ناسي أبوك مصمم على جوازك من نهال بنت عمك؟
زياد: نهال لا ومليون لا. دي بنت انتهازية. شوفي أبويا وعدها بإيه عشان توافق تجوزني. دي بتعاملني كأني وباء. بتقرف مني. ياما جرحتني بكلامها ونظراتها. دي بتكسف تقول إنها بنت عمي. لما نتجوز هتقول إنها مراتي ازاي؟ لا يمكن أبداً ارتبط بيها. ماما أنا أخدت معاد من الست أمل أم سلسبيل. أتقدم ليها النهاردة. أرجوكي وافقي. أنا كل اللي عاوزاه منك تطلبيها من والدتها وبس. لو وافقوا هكون أسعد إنسان في الدنيا. موفقوش يبق...
زهور: تقاطعه: هيوفقوا يا حبيبي. أنت أي بنت تتمناك. خلاص أنا هاجي معاك المعاد. الساعة كام؟
زياد: يقبل يدها: متشكر أوي يا أمي. المعاد إن شاء الله الساعة سبعة. حسن هيعدي علينا هنا ونروح عليهم على طول.
زهور: زهروان عرفة؟
زياد: ماما زهروان تقريباً هي اللي كلمت سلسبيل على كل حاجة. وقالت ليها إني معجب بيها وعاوز أتقدم وأخطبها.
زهور: كان ردها إيه؟
زياد: كان ردها غريب أوي يا أمي. قالت ليها حاجة لا يمكن كنت أتخيل إنها بنت تقولها. قالت إنها متقدرش تقول آه أو لا إلا لما أروح وأقابل أهلها وأشوفهم على طبيعتهم في حارتهم وبيتهم. وكمان إنها كانت مخطوبة ومحصلش نصيب وسابوا بعض. ولازم إني أعرف السبب اللي بسببه خطوبتها انتهت عشانه. بالرغم إن فرحها كان فاضل عليه أيام.
زهور: وعرفت السبب ولا لأ؟
زياد: طبعاً يا ماما. هي حكتلي كل حاجة حصلت بالظبط. وأنا وحسن سألنا واتأكدنا من كل كلمة. وبعدين أنا روحت الحارة وقابلت والدتها وخالتها واتعرفت عليهم. ورجعت البيت وعملت أكتر من صلاة استخارة. والحمد لله أنا مرتاح. وقلت أتصل على حضرتك لو تحبي تتقدمي ليا معايا.
زهرة: ربنا يتمم لك بخير يا حبيبي. هو حسن هييجي امتى؟ الساعة قربت على ستة ونص.
تُصمت على أثر طرقات على الباب ودخول شخص سريعًا.
زياد: أهو جه على السيرة زي القطط.
حسن: السلام عليكم، إزي حضرتك يا طنط؟ أنا مش هرد عليك عشان طنط وحرام تروح تخطب وانت متخرشم.
زياد: يلا يا خويا بلاش كلام كتير، مش كفاية متأخر.
حسن: متأخر إيه بس؟ الساعة ستة ونص والمعاد سابعة. ومن هنا لروض الفرج فردة كعب.
زهور: هي العروسة ساكنة في روض الفرج؟
زياد: أيوه يا أمي، والدها تاجر كبير في السوق وليه محل كبير باسمه، بس لما اتوفى قريبها اللي ماسكها.
زياد رأى نظرات أمه المشتتة وتجهم وجهها، فاقترب منها بابتسامة حزينة.
زياد: ماما، أنا بعفيكي من المشوار ده. مش عاوزك تروحي وانتي مش مرتاحة. وتأكدي إني لا يمكن أزعل من حضرتك. بس أوعديني لا بابا ولا إخواتي هيعرفوا، وخصوصًا زايد وزينة.
يشير إلى حسن صديقه.
زياد: يلا بينا يا حسن.
خطى زياد خطوة والثانية ليقف على صوت مناداة والدته.
زهور: زياد، أنا جاية معاك يا حبيبي.
زياد وهو على نفس وضعه لم يلتفت.
زياد: لا يا أمي، متغصبيش على نفسك عشان ترضيني. أنا هتقدم، وافقوا بيا هكون أسعد إنسان في الدنيا. موافقوش مش هكون خسرت حاجة غير إني...
تقاطعه أمه وهي تديره ناحيتها.
زهور: هيوافقوا، هيوافقوا. انت مليون بنت يتمنوا نظرة من عيونك. يلا بينا هنتاخر على المعاد.
لتمشي أمامهم وحسن يحاول أن يهدئ الأجواء.
حسن: (بحركة مسرحية) عريس فرست!
زياد: مش عارف هتعقل امتى، بس بقيت دكتور قد الدنيا ولسه عقلك صغير، أفعالك أفعال طفل في الروضة.
حسن: (بابتسامة) أنا معاك يا صاحبي، بكون على طبيعتي، غير الدنيا كلها. بكون واحد تاني معرفهوش.
حسن: وعلى العموم، هعقل لما أفرح بيك وأشيل ولادك وأربيهم زي ما أنا عاوز.
زياد: (يجذبه لاحتضانه، واختنق صوته بالبكاء) حسن، انت أجمل حاجة حصلت ليا في حياتي بعد ماما زهروان وسلسبيل.
حسن يربت على كتفه. شعر بحاجة صديقه للمؤازرة.
حسن: ينظر له بابتسامة. عد الجمايل، وسلسبيل بقى دي تعد عشا لولايا ما كنتوش عرفتوا ولا حبيتوا بعض. أول ولد تسموه حسن.
زياد: لو بنت هنسميها إيه؟ حسنيه؟
حسن: ههههه. حسنيه إيه؟ لا أنت عاوز البنت تتعقد. لا لو بنت جوزهالي.
زياد: وأنا موافق أجوزهالك.
حسن: خلاص، نقروا الفاتحة عشان مترجعش في كلامك وتقولي انت كبير على بنتي.
زياد: (ضاعت ابتسامته) مش ممكن تطلع زي أبوها وترفض انت تجوزها؟
حسن: (اختفت ابتسامته) وليه متقولش؟ دي ميزة فيها وهتخليني أتمسك بيها أكتر. ده انت فاصل يا أخي، احنا في إيه وانت في إيه؟ يلا على العربية، والدتك سبقتنا.
ليسارع في خطاه مبتعدًا ويصعد سيارته. يزيح دمعة سالت من عينه وهو يرى نظرة الحزن والخوف في عين زياد الممسك بيد والدته أثناء خروجهم من باب الفندق. ليعتدل في جلسته وزياد يفتح باب السيارة الخلفي لوالدته ويصعد السيارة بجوار حسن الذي انطلق بسيارته حتى توقف في حارة شعبية مكتظة بالسكان.
يترجل حسن وزياد، يفتح الباب لوالدته التي تنظر حولها باستغراب من كم الباعة المتجولين وأصواتهم العالية والأطفال الذين يعبرون الطريق أمام السيارات وسباب سائقيها لهم. تترجل بصعوبة من السيارة وتردد. تنظر إلى ابنها، ترى نظرة الانكسار على وجهه. لتهبط مسرعة تقف بجواره حاملة حقيبتها، تمسك يده وهي تعبر الجهة الأخرى من الطريق بصعوبة من كم الحفر الصغيرة به وكعب حذائها الذي كاد أن يكسر أكثر من مرة نتيجة التواء قدمها عدة مرات.
ليصلوا أخيرًا أمام بناية ذات طابع شعبي قديم ولونها الدخاني وبعض النقوش عليها وشرفها القريبة من بعضها. تنظر لها، تبلع لعابها بصعوبة وتوتر من القادم. ليدخلوا للداخل، تقف تسحب يدها من يد ابنها.
زهور: هم ساكنين في الدور الكام؟ أنا لا يمكن أطلع السلم الغريب ده.
حسن: (بسرعة قبل أن يتحدث زياد) متقلقيش يا طنط، السلم كويس أوي ومتخفيش من أي حاجة. أنا وزياد معاكي، هنطلع وحدة وحدة. وهم كام سلمة؟ سلسبيل ساكنة في الدور الثاني.
قالها وهو يشير برأسه ناحية زياد الذي ينظر إلى أسفل بخزي.
زهور: (تصعد بسرعة بعد أن أومأت برأسها لحسن ممتنة له) مش يلا بينا ولا أنتم عاجبكم الوقفة هنا؟ تلاقي العروسة منتظرة على نار.
ليصعد حسن وخلفه زياد. ليشير حسن لها على الشقة.
حسن: الشقة اللي في الوش دي يا طنط، اتفضلي.
لتقف بجوار زياد. تبتسم لوجهه وتربت على يده الذي ازدادت رعشته وشحوب وجهه.
زهور: بلاش تتوتر كده، إن شاء الله هيوفقوا. هم هيلقوا زيك فين.
ليبتسم لها زياد ولا تزال يده تنتفض.
دق حسن جرس الباب وابتعد يقف بجوار زياد ووالدته. لتزهل وهي ترى الباب يفتح وتقف سيدة فائقة الجمال تشير لهم بالدخول.
السيدة: أهلاً وسهلاً، اتفضلوا.
زياد: أهلاً بحضرتك يا ست أحلام.
ليكمل: ماما يا ست أحلام.
أحلام: أهلاً وسهلاً، نورتينا يا مدام.
زياد: الست أحلام خالة سلسبيل يا ماما.
زهور: مدت يدها تسلم عليها.
زهور: أهلاً بيكي يا ست أحلام.
زياد: الدكتور حسن صديقي وأخويا.
أحلام: أهلاً بيك، اتفضلوا، البيت نور بيكم.
حسن: عينه لم تفارق أحلام، مزهول من جمالها، تائه في عينها السوداويتين وتلك الهالة بها. البيت منور بأصحابه يا ست أحلام.
زياد: لكز حسن ونظر له بأن يبعد نظره عن أحلام التي خجلت من نظره عليها.
أشارتا لهما على غرفة يدخلون بها.
أحلام: اتفضلوا على الصالون، تحبوا تشربوا إيه؟
زياد: نظر إلى والدته بعينه لتجيب أحلام.
زهور: أي حاجة من إيدك يا ست أحلام.
حسن يجلس ولا تزال عينه على أحلام لا تحيد حتى ذهبت وأغلقت باب الغرفة خلفها.
زياد: حسن، مالك يابني متنح كده ليه؟
حسن: هه، مش عارف. هو فيه كده جمال بالشكل ده؟ مش عارف إيه اللي حصلي. قلبي بيدق من أول عيني ما جت عليها. ولما سمعت صوتها حاسس بشعور غريب أوي.
زهور: (تضرب كف على الآخر) هو إيه حكايتك انت وصخبك؟ هو يقول حبتها أول ما سمعت صوتها وانت تقول صوتها عمل وعمل.
حسن: بقلك إيه يا زيزو؟ هي متجوزة أو مخطوبة؟
زياد: (بزهول) حسن، انت اتجننت يا بني؟ بتسأل ليه السؤال ده؟
حسن: لو مش متجوزة يبق يبخت جوزها. ولو مخطوبة ممكن تسيب خطبها عادي. ولو لا يبق أتقدم ليها وطنط تخطبهالي بالمرة ونعمل فرحنا مع بعض زي ما كنا بنحلم.
زياد: لا، انت فعلاً اتجننت. على العموم، الست أحلام أرملة ورفضت تتجوز مرة تانية.
حسن: أرملة؟ ومين المغفل اللي يموت ويسيب واحدة زيها؟ ده معندوش نظر.
زهور: ههههه، الله يحظك يا حسن. انت بتتكلم جد؟
حسن أتى ليتكلم، يجد باب الغرفة يفتح وتدخل منه سيدة على مقعد متحرك. رفع الجميع رأسه ينظرون إلى من دخلت. ليقف حسن بفتحة فم مفتوح وهو يرى سيدة جميلة بنفس ملامح أحلام، كأنها تؤأمتها، تجلس على ذلك الكرسي المتحرك وتغطي قدمها بوشاح خفيف وعلى وجهها ابتسامة.
يرفع عينه لأعلى باتجاه أحلام ثم يعاود النظر تجاه السيدة.
السيدة: السلام عليكم. أسفين على التأخير، كنت بصلي العصر واتأخرت عليكم.
زياد يقف ويخطو باتجاهها يمد يده إليها يسلم عليها.
زياد: مافيش تأخير ولا حاجة يا ست أمل.
ليشير إلى والدته التي بدأت تشعر بضيق.
زياد: أعرفك على ماما وصحبي حسن يا ست أمل.
أمل: أهلاً وسهلاً بيهم، شرفونا ونورونا.
زهور: الله يشرف مقدارك والبيت منور بأصحابه.
حسن: (ينظر إلى زياد ويهمس له) هو اللي أنا شايفه ده بجد ولا بيتهيألي؟
زياد: (بنفس الهمس) ههههه، الله يخرب بيتك، هتفضحنا. اللي يشوفك يقول عمرك ما شفت ستات. وانتو عيلتكم ما فيهاش راجل غيرك.
حسن: أكيد يا بني، اللي يشوف الجمال ده أكيد ما شافش. ولو اعتبرت مرات بابا ومرات عمي وبنات عمي ستات، يبق فعلاً أنا مشفتش.
زهور: امال فين عروستنا؟
أمل: (تشير إلى أحلام) استعجلي سلسبيل وشوفي الأول الجماعة يشربوا إيه.
زهور: إن شاء الله شربات يا ست أمل.
أمل: (حمحمت عدة مرات قبل أن تتكلم) أنا يشرفني طبعًا نسب المهندس زياد، وخصوصًا لما سألنا عنه وعرفنا أخلاقه. وكفاية كلام بنتي عنه وعن احترامه، وإنها طول ما هي بتتابع الست زهروان وهو في حاله، لا عمره احتك بيها ولا بزملائها. وكبر في نظري لما جه ليا بنفسه واعترف بإعجابه ببنتي ورغبته في الارتباط بيها قبل ما يكلمها. ولما سألت سلسبيل وقالت إن زهروان هانم كلمتها وقالت ليها على طلبك يا باشمهندس زياد. وأكيد انت عرفت هي قالت إيه للهانم وموافقة، يبق على خيرت الله. أنا موافقة.
زياد: (بسعادة) متشكر ليكي يا ست أمل. طبعًا الكلام اللي ماما زهروان حكتهولي ولا يفرق معايا. وبالنسبة لموضوع خطوبتها وإلغاء الفرح قبل معاده ما يشغلنيش، وخصوصًا إن السبب كان تافه. وبقول لعل الله سبب الأسباب والفرح اتلغى عشان يكون لينا نصيب في بعض.
زهور تنظر إلى زياد بتوتر، تود أن تسأله عن ذلك السبب الذي ألغى بسببه الزفاف، لتري أمل ذلك.
أمل: باشمهندس زياد، أنت مقلتش للست الوالدة عن السبب اللي سلسبيل سابت عليه خطيبها؟
زياد: (بتوتر ولجلجة) لا بس ده حاجة بسيطة أوي وماما أكيد يهمها سعادتي وراحتي.
حسن مقاطعًا زهور قبل أن تتحدث بعد أن لاحظ غضبها.
حسن: أكيد يا ست أمل، ده سبب طبي. وفيه علاج كتير ظهر بيعالج البهاق. والحمد لله، دي نسبة بسيطة في إيديها ورقبتها. وأنا قدرت أتواصل مع دكتور زميل ليا بيدرس في ألمانيا متخصص في الأمراض الجلدية. وقال إنه علاج جديد ظهر وإن شاء الله كام يوم وهيوصل مصر وهيتابع حالة سلسبيل بعناية. وطلب مجموعة تحاليل والتاريخ المرضي لخالتها من امتى بالظبط وهيتابع معاها لحد ما تخف بإذن الله.
أمل: (بفرحة) ربنا يجبر بخاطرك يا دكتور حسن ويرزقك ببنت الحلال اللي تسعدك ويزيدك من علمه ومحبة الناس يا رب العالمين.
زهور: (بقلق) بهاق إزاي؟ ومعدي ولا حاجة طبيعية؟ وازاي خطوبتها اتلغت عشانه؟
أمل: متقلقيش يا ست هانم، ده جالها من فترة صغيرة في إيديها وجزء من رقبتها. بس نحمد ربنا مافيش غير كده. والفرح اتلغى لما كانت بتقيس فستان الفرح وأخت العريس شافت رقبتها وصرخت في المحل وقالت إننا خدعناهم ومقولناش إن سلسبيل في رقبتها بقع بهاق، مع إننا قولنا لأخوها كل حاجة في نفس اليوم اللي ظهر في إيديها ورقبتها. وأهو كل واحد راح لحاله وربنا يسعد الجميع.
زهور: (وهي لا تزال على غضبها تتكلم بصوت عال وغاضب) أفهم من كده إنه قريب الموضوع ده ومكنش في جسمها؟
أمل: أبداً، جات كده. عمرها ما كان بيها أي شيء. بس من كام شهر انخضت جامد في الضلمة وبعدها البقعة دي ظهرت في إيدها وبعديها بفترة بدأت تزيد في إيديها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم منى عبدالعزيز
زهور / بفرحة تعرفي إيه عنه وعن والده.
سلسبيل / اللي أعرفه عنه اللي طنط زهروان قالته وده كفاية عندي، ووالده للأسف معرفتوش شخصياً، بس الكلام اللي سمعته عنه، آسفة على اللي هقوله، إني ما أحبش أقابله ولا أعرف حاجة عنه لو حصل نصيب.
ولو كنا لبعض، أفضل أبعد عنه، لأن أب بالشكل ده أكيد هيرفضني في حياة ابنه. آسفة يا طنط لو كلامي ضايقك، بس أنا بجاوب حضرتك بصراحة.
زهور بتفهم / طيب، دلوقتي زياد ما يملكش أي حاجة في الدنيا غير مرتبه، ومعندوش شقة، وما يقدرش يشتري شقة في الوقت الحالي، وإنه مش هينفع يبعد عن خالته، ولازم يفضل جنبها.
سلسبيل بتوتر / طبعاً دي عقبة كبيرة، وممكن والدتي ترفض عشانها، بس أنا مستعدة أقعد في شقة إيجار، حتى لو أوضة وصالة في أي مكان. وبالنسبة لظروفه المادية، أنا كمان بشتغل، وأكيد هنساعد بعض ونبني مستقبلنا. وبالنسبة لـ طنط زهروان، أنا مرافقتها، فمش هيكون عندي مشكلة لو بدلت مع زميلتي، وهي بقت بالنهار وأنا بليل، وكده زياد مش هيهمل معاها، ولا هفضل لوحدي في الشقة.
زهور / سؤال أخير، ونخرج لهم، تلاقي زياد هيجنن من تأخرنا عليه.
سلسبيل / تحت أمر حضرتك في أي سؤال، اتفضلي اسألي وأنا هجاوب حضرتك.
زهور / حسن تعرفيه من امتى؟ وكمان ليه علاقة بحبك لزياد؟
سلسبيل بحزن بعد ما فهمت قصدها.
دكتور حسن معرفهوش معرفة شخصية، غير من فترة قصيرة لما طنط تعبت، والبشمهندس زياد بعته يكشف عليها. لكن أنا ممرضة في المستشفى اللي شغال فيها، والدكتور مراد السعيد هو اللي رشحني أنا وزملائي ليه، لما طلب ممرضتين مرافقين لـ طنط زهروان. وما تكلمناش قبل كده مع بعض، ولا يعرف أي حاجة عني. وأعتقد لو شافني مش هيعرفني، لأن ما تقابلناش غير المرة اللي قلت لحضرتك عليها. وتقدري تتأكدي من كلامي بنفسك.
زهور بحرج / ما تزعليش مني، سؤالي بس لازم أطمن زياد ابني. طيب وحنين، وعايزة أطمن إن مافيش أي حاجة ممكن تجرحه في يوم من الأيام، وإن اختياره صح.
سلسبيل تومي برأسها بتفهم.
زهور / ممكن نخرج بقى نطمنهم.
سلسبيل / ثواني هلبس حجابي وأخرج مع حضرتك.
لتقوم بلف شعرها ولبس حجابها الطويل الذي تجاوز منتصف ظهرها، ومن الأمام جاوز نصف جسدها أيضاً، ولم تضع أي مساحيق تجميل، وسط نظرات زهور المعجبة بجمالها الطبيعي وبساطة ملابسها.
سلسبيل / أنا جاهزة، اتفضلي حضرتك.
خرجت سلسبيل خلف زهور حتى وصلوا الصالون، ليقف حسن بذهول فور ابتعاد زهور من أمام سلسبيل.
حسن / ينظر لسلسبيل ثم لأحلام ولامل باستغراب.
ويسال بغباء / هو أنتم توائم ولا أنا بيتهيألي؟
زياد / وقف بجواره، جزبه اسكت، فضحتنا، توائم إيه، اقعد الناس هيفكرواك مجنون.
زياد / آسف يا ست أمل، حسن بس بيحب يهزر وعاوز يخفف من التوتر اللي إحنا فيه.
زهور بضحكة / حسن عنده حق، بسم الله ما شاء الله، التلاتة تحس إنهم شبه بعض أوي.
أمل بابتسامة / ما فيش حاجة يا بشمهندس، الدكتور حسن معذور، أول مرة يشوفنا، بس لما يعرفنا هيعرف إننا ملامحنا مختلفة.
زهور / نتكلم في المفيد يا ست أمل، طبعاً زياد سبق واتقدم لطلب إيد سلسبيل، وأنا بعيد طلب إيديها لابني زياد، وإحنا جاهزين لطلباتكم، بس في شرط واحد.
زياد ضاعت ابتسامته ونظر لوالدته، يرجوها بعينه.
أمل / شرط إيه يا ست زهور؟
زهور / إننا نكتب الكتاب النهاردة، والفرح بعد كام يوم، ويكون على الضيق ما بينا، يعني عشان ظروف أختي، هنعمله عندها في الشقة، ويقدروا بعدها يسافروا في أي مكان يحبوا يروحوه، يقضوا كام يوم مع بعضهم.
زياد لانت ملامحه، وكاد يقفز من السعادة من كلام والدته، لكن تغيرت ملامحه مرة أخرى، وتجهم وجه مع كلام أمل.
أمل / كلام إيه ده يا ست زهور؟ حضرتك تفهمي في الأصول كويس أوي، كتب كتاب إيه اللي النهاردة؟ عايزة الناس يقولوا إيه علينا؟ وكمان مش لازم أهلها وعمامها يحضروا، ويكون واحد فيهم وكلها.
وبالنسبة للفرح والسفر، هما أحرار بعد كتب الكتاب.
ياخد عروسته لبيته، وهو حر يعمل ليها فرح في المكان اللي يحبه، لكن فرحنا هيكون هنا في حارتنا وبين أهلنا، مع كتب كتابهم. أكيد كلامي ما فيهوش غلط، ولا إيه؟
حسن / والله عداكي العيب يا ست أمل، وأنا رأيي من رأيك، كتب الكتاب محتاج إجراءات واتفاقات مع المأذون، وكام يوم مش هيفرقوا.
زياد في نفسه / منك لله يا حسن، كام يوم إيه بس.
ليتحدث سريعاً / طبعاً كلامك صح يا ست أمل، لكن
أنا من رأيي خير البر عاجله، وإن شاء الله بعد بكرة
يكون كتب الكتاب والفرح، وأنا جاهز لأي طلبات ليكم، وكل اللي تحتاجه سلسبيل وتقول عليه، أنا جاهز.
بيه.
أمل / بعد بكرة مش بدري أوي يا ابني، هنلحق نجهز البنت ونفرش فرشها، وهنعزم الناس امتى؟ وكمان أهلنا بعيد في البلد، مش لازم نديهم خبر قبلها بوقت كافي.
زياد / الشقة جاهزة من مجمعيها يا ست أمل، تقدروا تجوا تشوفوها، واللي هتقولوا عليه يتغير، هيتغير فوراً.
كل اللي تأمري بيه هيتنفذ، بس اللي أنا طالبه إننا نكتب الكتاب في المعاد اللي قلت عليه.
وكمان حاجة مهمة، الشقة اللي أقصدها دي شقة خالتي، اللي عايش معاها فيها، هي كتبتها باسمي عشان نعيش معاها وما أبعدش عنها.
زي ما عشت معاها السنين اللي فاتت.
أمل / يا ابني المكان اللي هتعيش فيه بنتي، هتكون معاك فيه برضه. بعد بكرة قريب أوي، وفي ضروريات البنت محتاجاها، لازم نجهزها.
زياد / أوعدك أي حاجة تنقصها، أنا هجيبها ليها. غير كده نتكلم في المهر والشبكة والمؤخر.
أمل / الشبكة دي أنت وهي أحرار فيها، والمهر والمؤخر زي الشرع ما قال. الأهم عندي إنك تحافظ على بنتي وتحطها جوه عينيك.
زياد / أكيد طبعاً. جوه عنيا.
حسن / نقروا الفاتحة بقى ولا إيه يا ست أحلام.
أحلام بخضة / هه، حضرتك بتكلمني.
حسن بضحكة / بسألك إيه
رايك نقروا الفاتحة.
أحلام / تنظر لأمل وسلسبيل، لو أمل وسلسبيل موافقين، أكيد طبعاً نقروها.
زهور / إيه رأيك يا سلسبيل في الكلام اللي سمعتيه؟ موافقة عليه؟
سلسبيل / تنظر للأرض بحرج وتومي برأسها بالموافقة.
زياد بسعادة / نقروا الفاتحة يا ست أمل، وننزل نشتري الشبكة حالا.
أمل / الفاتحة يا ابني.
ليقرؤوا الفاتحة، وبعد الانتهاء، يهني الجميع لهم، ويقبل زياد والدته ويشكرها، ويقوم حسن بتقبيل زياد ويهمس له / اطلبلي إيد أحلام، ونجوز في يوم واحد.
زياد / أعقل يا مجنون، وخطيبتك بنت مرات أبوك، هتسيبيها بعد السنين دي كلها مستنياك؟ ولا بنات عمامك التلاتة اللي مكتوبين على اسمك هتعمل فيهم إيه؟ والشرع حلل أربعة، وأنت العدد كمبليت عندك.
حسن / يبعد زياد عنه / هو أنا كل ما أنسى تفكرني ليه بس؟ حرام عليك يا أخي الواحد يخطب واحدة على مزاجه، لكن من بختي الأسود، أتخطب أنا لأربعة مرة واحدة، وغصب عني، ومطلوب مني أجوزهم، والمصيبة موافقين.
زياد / يا ابني حقك تفرح، هو حد يطول يجوز أربعة مرة واحدة وبموافقتهم؟ حقك تفرح، في ناس كتير هيحسدوك.
حسن / على إيه؟ يجوا يجوزوهم ويريحوني منهم الأربعة، وأختار أنا اللي تعجبني وتعجبها، وأجوزها
برضايه.
زياد / بلاش بطر، آخره وحشة.
حسن / آخره أحلام إن شاء الله، بس أنت اقف جنبي واقنعها بيا.
زهور / هتفضلوا تتكلموا كده كتير؟ مش تبارك لعروستك يا زياد؟ وأنت يا حسن تعال معانا برة نسيب العرسان مع بعض شوية.
تعود مرة أخرى من ذكرياتها، تضم قميص زياد لصدرها، وترفعه أمام عينيها، وتقربه من وجهها، تقبله وتستنشق عبق رائحته، وتبكي بقهر، وتغمض عينيها، وتحدثه / مش هنسى اليوم ده يا حبيبي، وفرحتك وأنت بتلبس القميص ده، وبتنادي عليا أربطلك الكرافت، مش هنسى السعادة والفرحة اللي كانت في عينيك، ولا كلامك.
لتغمض عينيها وتعود لذكرياتها.
بعد مرور اليومين، قضتهم مع زياد تجهز معه متطلبات زفافه وتجهيز الغرفة التي سيعيشون بها، وشراء الشبكة لسلسبيل، أتى معاد كتب الكتاب والفرح.
لتذهب مع ابنها وحسن صديقه والمحامي الخاص بشقيقتها معه، لينبهروا من كم الأنوار والزينة بالحارة، والموسيقى الشعبية التي تصدح بالمكان، ومقابلة أهل الحارة لهم بحفاوة ومباركاتهم لزياد، وذلك الصوان الكبير، وجلوس الجميع بداخله، من بينهم أمل واحلام، وبجوارهم مجموعة من الرجال، ليقفوا فور اقترابهم.
وبعد التعارف، تم عقد القرآن، وبدأ الزغاريت بكل بيت من الحارة تصدح، ليتم الزفاف وسط الحارة.
ويعودوا بعد وقت، بعد انتهاء فقرات الغناء والرقص الشعبي، لمنزل شقيقتها، تقضي الليلة معها، بعد ذهاب زياد وسلسبيل لغرفتهم.
تمر الأيام، لاحظت زهور تغير زياد، وقلت زياراته للمنزل، بأنه يتلافى الصدام مع والدته وإلحاحه عليه الارتباط بـ نهال ابنة عمه.
لتبدأ زهور بالغيرة من اهتمام زياد بسلسبيل وحبه لها الذي يتزايد، وعدم رغبته الابتعاد عنها، وافتعال المشاكل لها كلما أتت تزور شقيقتها، تبكي بحزن وقهر عما كانت تسببه من حزن لابنها من تلك الغيرة.
تضم القميص بقوة / سامحني يا بني، كتير ضيعت سعادتك وفرحتك.
تتذكر يوم أن أخبرها بحمل زوجته، وكم هو سعيد بذلك الحمل.
لتصدمه وتتلاشى سعادته بذلك الحمل.
زهور / حامل؟ معقولة؟ انت متأكد من كلامك ده؟ إزاي تسمح بده يحصل؟ أنت ناسي وضعك ووضعها؟ عاوزين يخلفوا والولد يبقى مشوه.
تتذكر كم مرة جرحت سلسبيل بتلك الكلام، وخاصة حين علمت بحملها بفتاة، مما جعل توتر دائم بينهم.
عبدالرحيم دق باب المنزل بقوة، ليدخل إلى المنزل بخطى سريعة بعد أن فتح له حفيده زاهر الباب.
عبدالرحيم / ينظر إلى زاهر دون أن يتحدث، بالرغم من تلك الثورة التي بداخله، ونيران الغضب الذي يود أن يخرجها. ينظر إلى حفيده ويضيق عينه.
ليجد نظرة تحدي بعين الصغير، ينظر له كأنه ند له.
عبدالرحيم / كأنه غفل عما أتى إليه، ولكن بداخله شعر بفخر من قوة حفيده، ووقوفه بقوة أمامه. لم يهرب فور رؤيته، أو يبكي، أو ينادي على جدته.
ليغلق الصبي الباب ويخطو بخطى واثقة، ويشير إلى إحدى الغرف.
زاهر / يشير بيده / تيته في الأوضة دي. بس بلاش تدخل عندها دلوقتي لو سمحت يا جدو، هي طلبت مني أسيبها براحتها، خليها تقعد مع نفسها شوية.
ليلتف بنظره بعيدًا عن زاهر، يخطو نحو الغرفة بحزن شديد، ليتوقف على صوت زاهر.
زاهر / جدو لو سمحت اقف، سيب تيته لحزنها.
الجد التفت لزاهر وأشار له بالصمت، ودخل على زوجته.
عبدالرحيم دخل الغرفة، عينه تجوب بها قلبه، يكاد يخرج من مكانه. تسمر واقفًا مع أول خطوة له، وعينه على تلك الصورة المعلقة على أحد جدران الغرفة، ينظر له بحزن.
الله يرحمك يا زياد يا ابني، الصورة هتنطق، كأنك حي قدامي.
ليفيق، يخطو سريعًا تجاه الجاثية على قدميها، تبكي وتنتحب وتولول على وفاة صغيرها.
عبدالرحيم أسرع في خطواته وهو ينادي عليها / زهورررر! بصوت يتردد في أرجاء الغرفة.
لتلتف تنظر له بحزن وعيون كلها عتاب.
يقترب منها، يجلس أمامها، يمد يده يحاوطها بيديه.
لتبعده عنها بيده، وتتحدث بهستيريا وقهر.
وهي تبكي بصوت مبحوح ضعيف.
زهور: أنت السبب في موته، أنت السبب في بعده عني طول عمرك ظالم. بتيجي عليه دون عن خواته، كنت بتفرق ما بينهم، عمرك ما أخدته في حضنك ولا اهتميت بيه. ابعد عني، مش عاوزة إيدك تلمسني.
تضربه بيدها.
زهور: سبني، عاوزة أحس بالاستقلالية، كفاية طول عمري تبع ليك، بمشي على رأيك وبس، اللي أنت عاوزه لازم يكون ويكون، وناسيني خالص، ولاغي شخصيتي. كل اللي بتؤمر بيه بنفذه من غير نقاش. ابعد عني بقولك وامش. سبني أحزن على ابني، كفاية إنك حرمتني إني أودعه الوداع الأخير. حرمتني منه، وأنت السبب في موته.
عبدالرحيم يمد يده مهزوزة ليحاوطها.
زهور: ابعد عني، ابعد بقولك، ما تلمسنيش. مش قادرة أستحمل لمست إيدك، إيدك اللي ضربت بيها ابني وهنته قدام إخواته وولادهم، فضلت تكسره قدامهم لحد ما خليته مريض.
تصرخ به.
زهور: اخرج برة، مش عاوزة أشوف وشك ولا وش حد فيكم، أنت وزايد اللي استخسر يشوف أخوه سعيد. وعمل كل حاجة عشان يوجعه ويكسره. طول عمره بيقرب، وأنت وزايد اللي كنتم بتبعدوه. مش هاسمحك ولا هاسمحهم.
عبدالرحيم بصوت متحشرج: أنا آسف. لو فضلت عمري اللي جاي أتأسف ليكي، مش هيوفي ليكي حقك ولا هيرجع اللي راح. تعالي نرجع بيتنا، وأوعدك هنفذ كل اللي تأمري بيه.
زهور: ارجع؟ ارجع فين؟ البيت ده استحالة أرجع ليه مرة تانية. أنا كرهته وكرهت كل اللي فيه، لا يمكن أرجع. مكان فيه اللي كانت السبب في موته وحرماني من ابني. أنا خلاص مش هرجع لهناك تاني مهما حاولت. أنا هعيش هنا وهجيب بنته ومراته يعيشوا معايا هنا.
عبدالرحيم بصوت يكاد يسمع: هربت بالبنت، هربت، ومافيش حد عارف يوصل لمكانها. حتى حسن راح ليها الحارة أكتر من مرة، كأنها فصلت ملح وزاب.
***
أحلام هبت واقفة تزيح عبراتها التي تسيل على وجنتها بصمت وبهدوء. تخطو لداخل الغرفة بهرولة وحزن على ذكريات جاهدت لسنوات محاولة نسيانها.
تدخل الغرفة تجد سلسبيل تنادي عليها بصوت ضعيف، ويدها تربت بها على الصغيرة تحاول إسكاتها.
سلسبيل ممددة على الفراش، على جبهتها قماشة مبللة، وبإحدى يديها موصل بها كانيولا وجهاز المحلول. وبيدها الأخرى تربت على الصغيرة دون أن تقوى على رفع نفسها أو عينها لتراها.
سلسبيل: أعذريني يا خالتي، قومتك من النوم بس مش قادرة أسكت البنت ولا قادرة أتحرك عشان أغير ليها.
أحلام: أنا ما كنتش نايمة، والبنت مغيره ليها من شوية بس نامت وأنا برضعها. تلقيها جعانة، هروح أجهز ليها الرضعة وهاجي أرضعها. نامي أنتِ وريحي، فاضل كتير لما المحلول يخلص.
سلسبيل: مين هيجيله نوم؟
أحلام: شوية وهاررجع بالرضعة، البنت بدأت تصرخ من الجوع.
خرجت أحلام وتوجهت إلى المطبخ لتقوم بإعداد الرضعة للصغيرة. تنهدت تنهيدة قوية وتعود بذكرتها.
خرجت من المستشفى، قلبها يدق بسرعة، تشعر بالحزن على حالها. بالرغم من كلامها لسميحة، إلا أنها لم تشعر بالراحة. لازال عقلها يخبرها بأنها لم تنتقم منها ومن إهانتها لها ولأهلها.
أحلام تقف فجأة، وبكر لا يشعر بها، فهو يسبقها بكام خطوة غارق في أفكاره. لتعود أحلام سريعا إلى المشفى وتدخل غرفة سميحة مرة أخرى وسط صراخ سميحة عليها.
سميحة تكاد تسقط من على الفراش وهي تحاول أن تنزع الأسلاك الموصلة بها. لتقترب منها أحلام ببطء وعينها تشتعل نيران كلما سبتها سميحة، لتمد يدها وتمسك وجه سميحة، مما جعلها تخاف وتصمت.
أحلام: أهدي وبلاش تتحركي، أنا جاية أساعدك وأخرجك من هنا، وأوديكي للبلد تشوفي بنفسك الفرح وروحية لبسة فستانك الأبيض وجنبها شفيق حبيبك وخطيبك اللي قاعد فرحان بأنه خلص منك. وكمان أخد أرضك وورثك وهيرميكي هنا بالمستشفى بحجة إنك تعبانة، وما فيش أحسن من هنا يراعوكي. وما فيهاش حاجة لما يدفع مبلغ كل شهر. وبعدين حقنة هواء، والله يرحمها سميحة ماتت يا عيني، وابن عمها ما قصرش في أي حاجة، كان بيدفع ليها ألوفات عشان تتعالج.
سميحة تنظر بعينها السليمة وتصرخ بصوت متحشرج: أنتي بتقولي إيه؟ أنتي كذابة، أنا مش مصدقاكي.
أحلام: براحتك تصدقي أو لا. أنا كنت جاية وعاوزة مصلحتك بس، أنتي حرة. عاوزة تصدقي براحتك، مش عاوزة براحتك برده. أنا كده كده ريحت ضميري. وعشان تعرفي إني مش بكذب، شفيق وبكر متفقين إن بكر يبيع الأرض والبيت لشفيق، ويطلقني بعد ما نبعد عن البلد. وشفيق هيطلق روحية ويهربها، وتجوز بكر بعد ما ياخدوا الورث زي أبوه ما وعده إنه يعمله مصنع الأعلاف وعطاله أرضه.
سميحة بصوت مهزوز: أنتي كذابة، إيه اللي يخليكي تقوليلي الكلام ده، وأنتي وشفيق هتكونوا لبعض.
أحلام: مين قالك إني موافقة على الاتفاق ده؟ أنا لا يمكن أوافق بق، بعد ما اتهنت أنا وأهلي، واتجوزت بالطريقة دي، وكذب روحية وغدرها. هاسيبها تتهنى كده من غير ما آخد حقي منها؟ لا طبعًا. وكمان ما جاش في بالك مش معنى المرة دي الكرته وقعت بيكي، وانقلبت، وأنتي طول اليوم رايحة جاية بيها، وكان الطريق أوعر من كده، مش عاجب المرة دي. وفرحك كان فاضل عليه ساعات. على العموم، أنا عوقت أفوتك بعافية، أنا هسيبك وأروح أبارك للعروسة.
خطت أحلام ناحية الباب ووضعت يدها تفتحه. أبعدت يدها وهي تبتسم وتلتف للخلف.
سميحة: استني، خديني معاكي أشوف كل حاجة بنفسي، ويا ويلك لو كنتي بتكذبي.
أحلام: بيقولوا المايه تكدب الغطاس. استني هشوف كرسي بعجل أعرف أنقلك عليه، ونشوف الطريق سالك ولا لا.
خرجت أحلام وتوجهت إلى الاستقبال.
أحلام لإحدى الممرضات: السلام عليكم، لو سمحتي.
الممرضة: عليكم السلام، اتفضلي، أقدر أساعدك في إيه.
أحلام: محتاجة كرسي بعجل، أختي زهقت من قعدة السرير وعاوزة تحرك جسمها وتتمشى شوية، بعد إذنك ممكن تساعديني أمشيها شوية.
الممرضة: أختك في أوضة كام.
أحلام بتوتر: الأوضة اللي جنب السلم دي.
الممرضة: معقولة أنتي أختها؟ مافيش شبه ما بينكم.
أحلام بضحكة خفيفة: أنا أختها من والدها، والدتي مش مصرية، وأنا شبهها، وسميحة شبه والدي أوي.
الممرضة بابتسامة: حاضر هساعدك، بس مش هينفع نخرجها برة الأوضة.
أحلام: بس هي زهقت من قعدة الأوضة، وأنا هكون جنبها، وكمان همشيها هنا قدام عينيكي.
الممرضة بصوت هامس: مش هينفع، بلاش تودينا في داهية، ممنوع.
أحلام بشك: قصدك إيه.
الممرضة تتلفت يمين ويسار: ما قصدتش حاجة، اللي عندي قلته، بعد إذنك عندي شغل. الكرسي أهو، بس ممنوع تخراجيها برة الأوضة.
أحلام بدأ الشك بداخلها، واقتربت من الكرسي، وأتت تضع يدها عليه، وجدت يد تجذبها للخلف.
لتصرخ وتضع يدها على فمها تكتم صرختها، وهي ترى بكر هو من قام بجذبها.
بكر بأنفاس عالية يلتقطها بصعوبة: إيه اللي رجعك تاني لهنا من تاني؟ وبتعملي إيه؟ وإيه اللي في دماغك؟
أحلام أبعدت يدها عن فمها، وأزاحت يده الممسكة بيدها، وجذبت الكرسي وخطت به: عاوز تعرف، تعال ورايا وأنت تفهم كل حاجة.
بكر: أمسكها مرة أخرى من يدها، لا فهمني الأول وبعدين أجي وراكي.
أحلام: تبعد يده، الناس هتأخد بالها، وطي صوتك، قلت لك هتعالي وهتفهم كل حاجة.
بكر بنظرة توعد: ماشي يا أحلام، لما نشوف آخر اللي بتعمليه ده إيه.
دفعت أحلام الكرسي أمامها ودخلت غرفة سميحة، وخلفها بكر.
سميحة: كل ده بتجيبي الكرسي؟ ومن اللي جايباه معاكي ده.
أحلام بسخرية: سلامة الشوف يا سميحة، بكر، مش عارفة بكر.
سميحة بشك: وجايبه بكر معاكي ليه؟ أنا الفار ابتدى يلعب في عبّي. بقولك إيه، فهمني، أنتي بتلعبي بيا ولا إيه؟ دانا أصوت وأوديكم في داهية، سامعين.
أحلام: بكر اللي هيساعدنا نخرج من هنا بسهولة، وكمان أنتي متوصي عليكي أوي، وممنوعة تخرجي من أوضتك. محتاجين حد يخرجنا من هنا من غير ما حد يشك. وبعدين أحنا التلاتة في مركب واحدة، وكلنا عاوزين ننتقم من شفيق وروحية.
بكر اقترب من أحلام وأمسكها من رسغها: أنتي اتجننتي؟ عاوزة تهربيها برة المستشفى؟ عاوزة تودينا في داهية.
أحلام بتألم تحاول أن تبعد يده عنها: عاوزة آخد حقي من الكل. وبعدين مالك، مش كنت مصمم تنتقم منهم؟ أهو، مافيش أحسن من سميحة، هتأخد حقنا منهم.
بكر: أيوه، بس مش بالطريقة دي، إننا نعمل جناية ونودي نفسنا في داهية. أنا عندي خطة أحسن. تفضل سميحة هنا بالمستشفى، ونتصل بالعمدة ونقوله إن سميحة حالتها اتدهورت وعاوزة تشوف أختها وخطيبها حالا.
أحلام: وبعدين هنستفاد إيه؟ ما هم عادي ممكن يجوا بعد ما الفرح يخلص، ولا يتصلوا يتأكدوا من حالتها كل شوية. ماهي خطة بكر؟ استغفر الله، لعلها تكون ساعة استجابة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منى عبدالعزيز
وفي حاجة كمان كل يوم بتجي جوابات واحد باسمك واحد النهاردة جه واحد باسمي خد شوف كده مكتوب في إيه. وانت تفهم كل حاجة.
شفيق أخذ منها الخطاب وقبل قراءته: فين هم اللي باسمي؟ أنا مشفتهمش.
روحية اقتربت من الكمودينة وفتحت أحد أدراجها وأخرجت ثلاث رسائل منه باسمه.
تمد يدها له: كل يوم بنفس الميعاد يجي ساعي البريد ويدي رجب الغفير الرسالة ويمشي، وأنت مش بتكون هنا. ولما بتيجي بتنام على طول وبخاف أصحيك تتنرفز عليا.
شفيق جذب من يدها الرسائل: غبية! حاجة مهمة زي دي ما يسكتش عليها.
نظر لها باشمئزاز وبدأ يقرأ الرسالة وتلك الكلمات بعيون جاحظة وينظر لروحية: إيه الكلام المكتوب ده؟ مين يعرف اللي حصل بالحرف ده؟ وبيهددنا لو مدفعناش هيفضحنا بالبلد.
روحية: هو مين اللي يعرف كل حاجة عننا غيره؟
شفيق: بكر قصدك؟ بلاش جنان، لو هو بكر هيبعت ليه جواب وهو نفسه في نفس المركب. ولو حد عرف الكلام ده هيتضح.
روحية: طيب افتح جواباتك وشوف بيقول إيه. أمكن نعرف هو مين.
شفيق بدأ يفتح الخطابات واحد تلو الآخر حتى وقع الأخير من بين يديه. وهب واقفاً ودون سابق إنذار رفع يده ونزل على وجه روحية بكف يده من الخلف على وجهها عدة مرات وحزبها من شعرها.
يضربها بهستيرية: بقي يا كلبة يا حقيرة بتبعتي إنتي اللي بتبعتيهم وجاية تلعبي عليا؟ حصلت تبتزيني أنا!
روحية بصراخ تحاول تخليص نفسها: والله ما أعرف، بتكلم عن إيه وابتزاز إيه اللي بتكلم عليه؟ والله ما فاهمة حاجة.
شفيق مد يده بالرسالة: اقرئي ما فيه.
وتصق وجهها.
روحية: يا لهوي يا لهوي يا فضيحتي يا فضيحتي! مين يعرف اللي حصل يوم الفرح؟
شفيق: شوفي إنتي بقي.
روحية: دي مصيبة! اللي عارف الكلام ده وكل حاجة بتحصل وحصلت.
شفيق: اللي حصل ليلة الدخلة وإني مقربتلكيش؟ والدم ده مزيف؟ غيري أنا وإنتي.
روحية: والله ما أعرف، هو أنا هفضح نفسي بعد ما سترتني؟
شفيق أخذ الرسائل وخرج مسرعاً. وجهه مكفهر من شدة الغضب. صعد إلى دراجته البخارية وانطلق بها متوجهاً إلى بيت بكر. يدق عليه بعنف. لم يفتح له الباب. ركله بقدمه وأدار دراجته وتوجه إلى مقر عمل بكر ويدخل غرفة مكتبه راكل بابها بقدمه.
بكر هب واقفاً فور سماعه فتح الباب بطريقة همجية وبتمثيل ثار مز الغضب. وقف يسب ويلعن في شفيق حتى اجتمع زملاؤه بالعمل.
شفيق اقترب منه وأمسكه من تلبيبه ورفع الرسائل بيده أمام بكر: إنت اللي بتبعت الجوابات دي.
بكر يبعد يده عنه ويشير إلى زملائه: أسفين على الإزعاج يا باشمهندسين، مشكلة صغيرة وهتنحل. اتفضلوا على مكاتبكم.
ويجلس على مقعده بارتياح. ينظر إلى بكر باستخفاف وهو يرجع بمقعده للخلف ويضع يده على صدره.
بكر: جوابات إيه يا سي شفيق اللي جاي تقول عليها؟ من غرامك مبنامش الليل وببعتلك جوابات وغراميات.
شفيق قالها بغضب: اتعدل إنت، فاهم كويس بتكلم عن إيه.
بكر هب واقفاً وبغضب وصوت أرعب شفيق: أوعاك تعلي صوتك عليا وهنا في مقر شغلي. ماتنساش إنت اتهمت عليا وفي محل شغلي وفي شهود على كده. ودي تعتبر جناية تعدي على موظف حكومي أثناء تأدية عمله.
شفيق بلجلجة بكلامه: أنا ما يهمنيش كل اللي قلت ده. إنت عارف أنا ابن مين.
بكر مقاطعاً: بطل العنجهية الكدابة دي. قول جاي ليه وجوابات إيه دي اللي بتقول عليها.
ومد يده لشفيق.
شفيق مد يده بها وأخذهم منه بكر. وجلس مرة أخرى وبدأ قرائتهم بصوت يكاد يسمع. وبدراما أجاد تأديتها هب واقفاً يتحدث.
بكر: إنت مجنون بقي تصدق إني أكتب الكلام الفارغ ده؟ واللي يديني أكتر ما يدينك. وتعالى هنا أعرف أنا إيه اللي حصل بينك وبين روحية ليلة دخلتكم عشان أهددك بيه؟ وأكتب إني كنت قبل منك؟ وأكتب اسمي؟ هه، قول يا أفندي هستفاد إيه من الكلام ده؟ وأنا وإنت في نفس المركب. إمكن أنت ناحيتك موزونة. إنت سترت عليها من الفضيحة. يعني لو الجواب ده اتعرف كل الناس هتقول شهم وستر بنت عمه من الفضيحة. لكن أنا بالمكتوب ده مدان بأكتر من جريمة. أولها الزنا والخيانه. وأنا بريء من الاتنين. وبلاش سب وهتك أعراض. شوف مين غيري غلطت معاه حرمك وهو اللي كتب الكلام ده. أنا اللي كان بيني وبينه ما وصلش لكده. وعلي يدك أنا كنت هجنن لما قلت هتعمل دخلة بلدي وتدخل عليها.
شفيق بتشتت: لا يعرف ماذا يجاوبه. فهو بالفعل كاد يفتك به عندما علم بزواجه من روحية وإصرار والده على عمل دخلة بلدي لينفي عن ابنه شقيقه أي اتهام.
بكر: اتفضل من غير مطرود. شوف غريمك بعيد عني. عندي ورايا شغل ومصالح ناس لازم أخلصها. وتاني مرة هتعمل اللي عملته هاخد معاك إجراء قانوني.
يخرج شفيق ليقف على صوت مناداة بكر له.
بكر: تعال هنا يا ابن العمدة. خود الورق اللي سبته على المكتب. حد يدخل ويقراه وساعتها فضحتك هتكون على كل لسان.
شفيق بحقد وعيونه تكاد تخرج منها النيران. التف إلى بكر وأخذ الخطابات بقوة من على المكتب وخرج مغلقاً الباب خلفه بغل جعله يصدر صوتاً عالياً جعل الباب يهتز.
بكر ضاعت ابتسامته الذي رسمها على وجهه في وجود شفيق. اظلمت عيناه ووضع يده على المكتب ورجع بجسده للخلف يتذكر.
أثناء زيارته لوالد أحلام بالمستشفى ترك أحلام معهم وهبط يأتي ببعض العصائر لهم. تقابل مع سميحة بالصدفة أثناء دخولها المستشفى لعمل بعض الفحوصات الطبية. وأشارت له بعينيها بأنها تريدها بخصوص أمر هام.
ليذهب للممرضة المرسال بينهما وتأخذه لأحدي الغرف وتذهب بعدها وتحضر سميحة على الكرسي المتحرك بحجة عمل أشعة لها. وتركت والدتها تجلس بانتظارها.
سميحة: الحمد لله إني قابلتك. كنت محتارة هبلغك الكلام اللي عندي إزاي. اسمعني كويس من غير ولا كلمة لحد ما أقول اللي عندي ونشوف هنتصرف إزاي. ولمين فيهم هتبعت الجواب المرة دي؟ امبارح بالصدفة سمعت أمي وروحية بيتكلموا. وأمي بتتخانق معاها على اللي حصل ليلة الدخلة وأنها اضطرت تكتب أرض الجنيه القبلية لشفيق عشان يستر عليها بعد الفضيحة اللي عملتها روحية. وأنها مش بنت بنوت. غير إنها دفعت مبلغ كبير للداية اللي كانت حاضرة معاهم بالاوضة عشان تسكت ومتقولش اللي سمعته.
بكر برجفة أغمض عينيه: هو تمادى في علاقته مع روحية، لكن أراد أن يصلح غلطه ويتزوجها. لكن هي التي اختارت المال والثروة وفضلت الفضيحة.
سميحة: ها، رحت فين دلوقتي؟ اقعد واكتب كل اللي هقولك عليه ونشوف هنبعت الجواب لمين فيهم.
بكر: المرة دي لروحية. التلاتة التانيين ما شفناش رد فعل لشفيق. المرة دي هي اللي لازم تتهدد. وكمان ننتقم منهم مرة واحدة ونشفي غلنا.
سميحة: خلاص اكتب وزي كل مرة ابعته بالبوسطة. بس بلاش أحلام تعرف حاجة.
بكر: خلي الموضوع ده عليا. المهم الأرض هتعملي فيها إيه؟
سميحة: إنت وشطارتك، لأعلى سعر بيعها لعمي وخلي الفلوس معاك. هقولك تعمل إيه بيهم بعدين.
بكر: عاوزك تبلغني أول بأول بأي خبر تعرفيه عشان نسبقهم بخطوة. شفيق سيبه عليا. أنا هلعبه على نار هادية كام يوم والدنيا هتسود قدامه قوي. لما يلاقي مشروعه اللي صرف عليه دم قلبه وضحي بكل حاجة عشانه وغدر بأقرب الناس ليه بيقف. لا مش بيقف وبس، لا ده كمان هيسحب منه التراخيص اللي دفع فيها أولوفات. وكده نكونوا ضربنا عصفورين بحجر واحد.
أتت الممرضة وساعدت بكر على الخروج مرة أخرى دون أن ينتبه أحد له. وعادت إلى سميحة لإنهاء فحصها الطبي وهي تشعر بانتشاء من السعادة لانتقامها ممن غدروا بها.
خرج بكر من المستشفى حزين. فها هي ثمار تلك الغلطة تأتي بأول ثمارها. فقد روحه وشخصيته تدينه تربيته وأصبح حليف الشيطان في مخططاته. جلس قليلاً على أحد الكراسي بكافتيريا المستشفى يلعن نفسه ويلعن قلبه الذي أوقعه في ذلك الوباء. ظل وقتاً على حالته حتى حضرت أحلام تبحث عنه لتأخره.
أحلام: بكر، بكر، مالك قاعد كده ليه ومال وشك أصفر ليه كده؟
بكر أفاق من شروده وهب واقفاً: أحلام، بتعملي إيه هنا؟
أحلام: إنت اتأخرت ومعاد الزيارة انتهى. ودورت عليك وقلت أشوفك هنا.
بكر: معلش اتأخرت عليكم، بس حسيت بشوية إرهاق. قلت أريح بس الوقت سرقني وماخدتش بالي.
أحلام: مالك؟ لو في حاجة تعباك نكشف عليك بالمرة واحنا هنا ونطمن.
بكر: لا، ملوش لازوم. ده أكيد إرهاق وقلة نوم. أول ما أروح هنام هقوم فايق.
أحلام: يلا نمشي عشان ترتاح شوية. وكمان ماما طالبة مني أروح بيتنا أروقه وأهويه عشان بابا خلاص هيخرج بعد بكرة. وبالمرة أجيب كتبي الامتحانات خلاص على الأبواب.
ليعود مرة أخرى من شروده يتنهد بحزن على حاله ويكمل عمله.
وصل زيدان وزايد أمام شقة خالتهم.
زايد قلبه يدق بسرعة. يدعو بداخله أن تكون زوجة زياد بالداخل. يدق جرس الباب بسرعة رهيبة.
فتح الباب ودخل مسرعاً للداخل محاولاً التماسك. يبحث بعينه المكان يبحث عنها.
زيدان: زاهر، تيته وجدة فين؟
أشار الطفل على غرفة زياد.
زاهر: تيته هنا ومش عاوزة أي إزعاج من أي حد.
زايد رمى نفسه على الكرسي جواره. وجه حزين. كان يدعو ربه أن يراها.
جلس زايد عينه على باب الغرفة يتذكر أول مرة رآها فيها. عاد لقبل سنة أثناء مرض خالته وطلبت منه والدته أن يذهب لزيارة خالته والاطمئنان عليها ويخبرها بصحتها ويعتذر منها بمرض أمه بأنفلونزا شديدة ولم تستطع زيارتها.
بتذكر تلك الجميلة التي فتحت له الباب بعد أن سألته عن هويته ومعرفة سبب زيارته.
ليقف متسمراً أمام الباب عينه تكاد تخرج من مكانها من شدة جمالها. ليخطو بالداخل.
بخطوات بطيئة خلفها لتشير له على الغرفة الماكتة بها خالته وتركته. ولم يراها. حاول أن يسأل خالته عنها تردد من سؤالها عن هويتها.
ظل مشغولاً بها لعدة أيام لم يخلُ منامه من طيفها.
أصبح يتحجج بأي شيء ليأتي لزيارة خالته من وقت لآخر حتى يشبع من جمالها.
كثيراً وقف بسيارته بالقرب من البناية جالس بسيارته يراقب خروجها ليلاً من المنزل ليظل فترة يسير خلفها للاطمئنان عليها. ظل قرابة الشهرين على تلك الحالة حتى طلب من والدته السفر للخارج لإنهاء بعض الأمور الخاصة بالعمل.
ليعود بعد أيام حاسم أمره أن يزور خالته ويعرف كل شيء عنها ويعترف لها بحبها الذي اخترق قلبه.
بالفعل بعد عدة أيام قضاهم في العمل الدؤوب مواصلاً ليله بنهاره حتى ينتهي من عمله ويعود لمصر بسرعة حتى يشبع قلبه بتلك الجميلة التي حركت قلبه بداخله بعد أن ظن إنه توقف عن الحياة.
ليصدم بزواجها من عدة أيام وتركها للعمل. وتأكد من وجود مرافقة أخرى ليضع على جرحه ملحاً يغلق قلبه مرة أخرى. ولكن هيهات فمازال طيفها يراوده بأحلامه يومياً.
ليصدم قبل عدة أيام وهو يراها أمامه بالصدفة في أحد المولات. ليقرع قلبه الطبول وهو يراها أمامه. ولكن كانت الصدمة حين رأى هوية الشخص الذي تزوجته وهو يرى شقيقه زياد يقف بجوارها ويحاوطها. ظل واقفاً دون أن يتحرك من هول صدمته.
استأذن من صديقه وخرج يراقبهم حتى تأكد بالفعل مما يرى ليعلم بزواجه من قرابة سنة.
ليقرر إخبار والدته.
هاشم بداخل ينادي بصوت جهوري باسم زوجته التي فقدت وعيها.
فهرع مع أخيه تجاه الغرفة.
"استغفروا، لعلها تكون ساعة استجابة."
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم منى عبدالعزيز
يشعر بحزن وألم بقلبه على فراق زياد، شقيقه وصديقه الوحيد.
كاتم أسراره لسنوات طويلة.
ينظر لصور زياد المعلقة في كل ركن من أركان الشقة، وضع وجه بين يديه وأطلق لدموعه العنان.
ليرفع رأسه على صوت مناداة والده ينادي على والدته، ليهرول ناحية باب الغرفة خلف زايد أخيه.
يجد والدته ممددة على الأرض بالقرب من الباب ووالده جالس جوارها يحاول إفاقتها.
زايد:
تائه في أحزانه، يود أن يصرخ، يخرج ما بداخله.
زاد حقده على أخيه زياد.
يحدث نفسه: "على قد حزني على موتك، إلا أني أتمنى تكون عايش دلوقتي وسلسبيل هنا موجودة ما بينا.
مطمن عليها حتى لو كانت بعيد عني.
ليه وأنت عايش أنت ما وقفت عقبة في حياتي؟
أخذت حب ماما وحنانها واهتمامها، أبعدتها عني.
كتير اتعاقبت منها بسببك، لو بس لمستك زمايلنا بالمدرسة كانوا بيعيرونا بيك.
كرهت أي مكان يجمعني بيك.
حتى البنت الوحيدة اللي خطفت قلبي، اللي حسيت بأنه رجع للحياة، جت أنت واخدتها
مني.
حتى بعد موتك، أبعدتها عني."
ليفيق على صوت مناداة والده وصريخه باسم والدته، ليدخل مسرعاً لداخل الغرفة ووالدته ممددة على الأرض وزيدان شقيقه انحنى وحملها على يده وخرج مهرولاً وخلفه والده.
لا يزال واقفاً كما هو، عينه مثبتة على تلك الصورة التي على الحائط، يخطو بخطى ثابتة حتى وقف أمامها ينظر لتلك الجميلة.
بعد مدة تحرك يجوب الغرفة بعينه، خطى ناحية شيء وقعت عليه عينه.
اقترب منها، مد يده عليها، جذبها بيده، قربها من أنفه، يشتم رائحتها، تنهد بحرقة، وأثناء وضعه بجيب بدلته الأمامي.
اتسعت ابتسامته وهو يرى صورة صغيرة على الكومود بجوار السرير تجمعها مع شقيقه، مد يده وأمسكها، بدأ ينزع إطارها وأخرجها ورمى الإطار على الأرض.
نظر إليها بحقد، أتى ليمزق الجزء الذي به زياد، تراجع خوفاً من أن يتمزق جزء من يد سلسبيل.
قام بثني الصورة لاثنتين، جهة شقيقه وجه سلسبيل.
ليضعها بملابسه، وجه سلسبيل ناحية قلبه وزياد للخارج.
ظل وقتاً يبحث بعينه في الغرفة، واقترب من طاولة الزينة بتلمس ما بها حتى توقفت يده على فرشاة شعرها وأمسكها، يخرج ما بها من شعر وفتح جزدانه ووضعها بداخله.
لم يعد يقوى، ازدادت رغبته باقتناء متعلقاتها، بدأ يبحث في كل مكان عن أشياءها.
اقترب من خزانة الملابس يفتحها واحدة تلو الأخرى حتى وجد ملابسها، ينظر لها، يجذبها إلى صدره، يضمها.
أصابته هستيريا فور وقوع عينه على ملابس نومها، يتلمسها ويجذبها، يضمها، يلعن أخيه كلما تخيلها ترتدي له تلك الملابس.
رمى نفسه على الأرض يبكي بقهر ونيران بداخله، يضم ملابسها إلى صدره بقوة، يحدثها كأنها أمامه.
"ليه يا سلسبيل؟ هو وأنا لا؟ أنا طول عمري بسمع كلام والدي، تابع له، أعمل ده بعمله، أجوز بنت عمك، أجوزتها.
لما قلبي دق وعشقك دون عن بنات الدنيا كلها، تروحي لحد تاني؟ ولمين؟ لأخويا؟ وبعد ما قلت خلاص بعد عنك وممكن تكوني ليا، تروحي تبعدي ومعرفش مكانك؟ هنتي عليا توجعني بالشكل ده؟
نار جوايا وأنا عاجز مش عارف أطمن عليكي."
ظل فترة على تلك الحالة ضاماً الملابس لصدره.
يقبلها تارة ويضمها مرة أخرى.
ليتأفف من صوت هاتفه الذي أخرجه مما هو فيه.
ليفتح زر الاتصال، يستمع لصوت والده الغاضب يتحدث بصوت عالٍ.
فور فتح زايد الهاتف:
الأب: "أنت فين يا زايد؟ وصلنا المستشفى وأنت فين؟"
زايد: "شويه وهكون قدام حضرتك، آسف، اضطررت أدخل الحمام ثواني وهتلاقيني قدامها."
ليقف ويضع الملابس مكانها ويخرج من الغرفة ويغلقها خلفه ويذهب إلى والدته بالمشفى للاطمئنان عليها.
بعد مدة وصل للمستشفى، يجد والده وأخيه وزاهر ابنه يقفون مع أحد الأطباء.
ليقترب منهم ليقف مصدوماً مما سمع.
الطبيب: "بعملية، آسف إني أبلغكم إن المدام للأسف أصيبت بجلطة ودخولها غيبوبة."
ليرى والده ينهار ويبكي بحزن وقهر.
حسن:
يجلس بمكتبه بإرهاق، فقد مر يومان ولم يتوصل لمكان سلسبيل.
بعد أن يئس من البحث على سلسبيل ليل ونهار، أبلغ الشرطة بمواصفات سلسبيل للبحث عنها بين المفقودين.
سأل زملاءها القدامى الذين عملوا معها قبل زواجها، لعل أحد منهم يعرف طريقها.
ولم يتوصل لها.
وضع رأسه على المكتب يحدث نفسه: "ما خليتش مكان ما سألتش فيه عليها، كل المستشفيات وأقسام البوليس، اديت نشرة بأوصافها، يارب ساعدني أوصل ليها وأوفي بوعدي لصاحب عمري بأن حفظت على بنته."
ظل فترة طويلة على حالته حتى غفى من شدة الإرهاق.
أفاق على صوت رنات هاتفه المتلاحقة دون توقف.
ليرفع رأسه يشعر بألم في رقبته وصداع شديد.
يخرج هاتفه من جيبه، يرفعه أمامه ويفتح الاتصال والسماعة الخارجية.
حسن: "الو."
المتصل: "كده يا حسن؟ يومين يا بني لا بتتصل تطمنا عليك ولا جيت شفنا. هو مش إحنا ستات وأنت راجلنا الوحيد وملزومين منك."
حسن: "بضيق وبصوت موجوع: آسف يا ماما، انشغلت، سامحوني."
المتصل: "فيك إيه يا حسن؟ مالك يا بني؟ صوتك كله وجع، طمني يا حبيبي."
حسن: "شوية إرهاق بس يا ست الكل."
المتصل: "تعال يابني ريح لك شوية وشوف البنات هيجننوا عليك، ونسمة مش مبطلة سؤال عليك ورافضة تاكل من إمبارح حتى العلاج رافضة تاخده."
حسن: تنهد عدة مرات: "خلاص يا ماما، شوية وهكون في البيت، أنا في الطريق."
المتصل: "حسن بلاش تسوق وأنت تعبان كده يا حبيبي، تعالي في تاكسي."
حسن: "متقلقيش يا ماما، أنا كده كده هجيب تاكسي، أنا مش قادر أفتح عيني، محتاج أريح. سلام بقى، أنا خلاص خارج من المستشفى."
قالها وأغلق الهاتف سريعاً وهب واقفاً يخطو بخطى متثاقلة حتى خرج من المستشفى وأشار إلى سيارة أجرة.
وأملى العنوان وصعد بجوار السائق، أسند رأسه للخلف وأغمض عينه من شدة الإرهاق والتعب.
سالت دموعه فور أن أتى طيف ذكره مماثلة حين أتاه اتصال تخبره والدته برفض نسمة الطعام بدونه.
حسن: "سلام بقى يا صاحبي، كنت حابب أقضي السهرة معاك بس أديك شفت بنفسك أول القصيدة.
نسمة وعمايلها."
زياد: "ههههههه جالك الموت يا تارك الصلاة."
حسن: "بتضحك فعلاً بتقول فيها، بس والله أنا بصلي، بس ليه نصيبي طلع لي."
زياد: "عارف يا حسن، أنا بحسدك، عندك اللي يهتم بيك وبيدور عليك، واللي خايف على زعلك، وفي نفس الوقت
عندهم استعداد يعملوا أي حاجة عشان يرضوك. وبرضه
وفي الوقت نفسه، هم حياتهم من غيرك ولا حاجة.
أنت برضه حياتك من غيرهم ناقصة، بترعاهم وبيراعوك. لو تعرف قد إيه بتمنى أكون مكانك، وكل شوية تليفون يجي وألاقي حد بيطمن عليا ويهتم بيا.
أنا خايف أعيش وأموت كده وما ألاقيش اللي يهتم بيا.
خايف في يوم الحضن اللي يضمني ويحتويني هو تراب قبري، وأعيش وأموت كأني ما كنت.
حسن متزعلش إنهم كتير، افرح بيهم وبخوفهم واهتمامهم، حلو أوي شعور إنك تكون أول اهتماماتهم."
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منى عبدالعزيز
يشعر بحزن وألم بقلبه على فراق زياد، شقيقه وصديقه الوحيد.
كاتم أسراره لسنوات طويلة، ينظر لصور زياد المعلقة في كل ركن من أركان الشقة.
وضع وجه بين يديه وأطلق لدموعه العنان.
ليرفع رأسه على صوت مناداة والده، ينادي على والدته ليهرول ناحية باب الغرفة خلف زايد أخيه.
يجد والدته ممدة على الأرض بالقرب من الباب ووالده جالس جوارها يحاول إفاقتها.
زايد:
تائه في أحزانه، يود أن يصرخ، يخرج ما بداخله.
زاد حقده على أخيه زياد.
يحدث نفسه: "على قد حزني على موتك، إلا أني بتمنى تكون عايش دلوقتي وسلسبيل هنا موجودة ما بينا.
مطمن عليها حتى لو كانت بعيد عني.
ليه وأنت عايش وأنت ما بتوقف عقبة في حياتي.
أخذت حب ماما وحنانها واهتمامها، بعدها عني.
كثير اتعاقبت منها بسببك، لو بس لمستك زمايلنا بالمدرسة كانوا بيعيرونا بيك.
كرهت أي مكان يجمعني بيك.
حتى البنت الوحيدة اللي خطفت قلبي اللي حاسس بأنه رجع للحياة، جت أنت واخدتها
مني، حتى بعد موتك بعدها عني."
الفيق على صوت مناداة والده وصريخه باسم والدته، ليدخل مسرعاً لداخل الغرفة ووالدته ممددة على الأرض وزيدان شقيقه انحنى وحملها على يده وخرج مهرولاً وخلفه والده.
لا يزال واقفاً كما هو، عينه مثبتة على تلك الصورة التي على الحائط.
يخطو بخطى ثابتة حتى وقف أمامها، ينظر لتلك الجميلة.
بعد مدة، تحرك يجوب الغرفة بعينه، خطى ناحية شيء وقعت عليه عينه.
اقترب منها، مد يده عليها، جذبها بيده، قربها من أنفه، يشتم رائحتها.
تنهد بحرقة، وأثناء وضوعه بجيب بدلته الأمامي.
اتسعت ابتسامته وهو يرى صورة صغيرة على الكمود بجوار السرير تجمعها مع شقيقه.
مد يده وأمسكها، بدأ ينزع إطارها وأخرجها ورمى الإطار على الأرض.
نظر إليها بحقد، أتي يمزق الجزء الذي به زياد، تراجع خوفاً من أن يتمزق جزء من يد سلسبيل.
قام بثني الصورة لاثنين، جهة شقيقه وجه سلسبيل.
ليضعها بملابسه، وجه سلسبيل ناحية قلبه وزياد للخارج.
ظل وقت يبحث بعينه في الغرفة، واقترب من طاولة الزينة بتلمس ما بها حتى توقفت يده على فرشاة شعرها وأمسكها، يخرج ما بها من شعر وفتح جزلانه ووضعها بداخله.
لم يعد يقوى، ازدادت رغبته باقتناء متعلقاتها، بدأ يبحث في كل مكان عن أشياءها.
اقترب من خزانة الملابس، يفتحها واحدة تلو الأخرى حتى وجد ملابسها.
ينظر لها، يجذبها إلى صدره، يضمها.
أصابته هستيريا فور وقوع عينه على ملابس نومها، يتلمسها ويجذبها، يضمها، يلعن أخيه كلما تخيلها ترتدي له تلك الملابس.
رمى نفسه على الأرض، يبكي بقهر ونيران بداخله، يضم ملابسها إلى صدره بقوة، يحدثها كأنها أمامه.
"ليه يا سلسبيل؟ هو وأنا لا؟ أنا طول عمري بسمع كلام والدي، تابع له، أعمل ده بعمله، أجوز بنت عمك؟ أجوزتها.
لما قلبي دق وعشقك دون عن بنات الدنيا كلها، تروحي لحد تاني ولمين؟ لأخويا.
وبعد ما قلت خلاص بعد عنك وممكن تكوني ليا، تروحي تبعدي ومعرفش مكانك؟ هنتي عليكي توجعني بالشكل ده؟
نار جوايا وأنا عاجز مش عارف أطمن عليكي."
ظل فترة على تلك الحالة، ضاماً الملابس لصدره، يقبلها تارة ويضمها مرة أخرى.
ليتأفف من صوت هاتفه الذي أخرجه مما هو فيه.
ليفتح زر الاتصال، يستمع لصوت والده الغاضب يتحدث بصوت عالٍ.
فور فتح زايد الهاتف:
الأب: "أنت فين يا زايد؟ وصلنا المستشفى وأنت فين."
زايد: "شوية وهكون قدام حضرتك، آسف اضطريت أدخل الحمام. ثواني وهتلاقيني قدامها."
ليقف ويضع الملابس مكانها ويخرج من الغرفة ويغلقها خلفه ويذهب إلى والدته بالمستشفى للاطمئنان عليها.
بعد مدة وصل للمستشفى، يجد والده وأخيه وزاهر ابنه يقفون مع أحد الأطباء.
ليقترب منهم ليقف مصدوماً مما سمع.
الطبيب: "بعملية؟ آسف إني أبلغكم إن المدام للأسف أصيبت بجلطة ودخلت غيبوبة."
ليرى والده ينهار ويبكي بحزن وقهر.
حسن:
يجلس بمكتبه بإرهاق.
فقد مر يومان ولم يتوصل لمكان سلسبيل.
بعد أن يأس من البحث على سلسبيل ليل ونهار، أبلغ الشرطة بمواصفات سلسبيل للبحث عنها بين المفقودين.
سأل زملاءها القدامى الذين عملوا معها قبل زواجها، لعل أحد منهم يعرف طريقها.
ولم يتوصل لها.
وضع رأسه على المكتب يحدث نفسه: "ما خليتش مكان ما سألتش فيه عليها، كل المستشفيات وأقسام البوليس.
أديت نشرة بأوصافها، يارب ساعدني أوصل ليها وأوفي بوعدي لصاحب عمري بأن حفظت على بنته."
ظل فترة طويلة على حالته حتى غفى من شدة الإرهاق.
أفاق على صوت رنات هاتفه المتلاحقة دون توقف.
ليرفع رأسه يشعر بألم في رقبته وصداع شديد.
يخرج هاتفه من جيبه، يرفعه أمامه ويفتح الاتصال والسماعة الخارجية.
حسن: "آلو."
المتصل: "كده يا حسن، يومين يا ابني لا بتتصل تطمنا عليك ولا جيت تشوفنا. هو مش إحنا ستات وأنت راجلنا الوحيد وملزومين منك."
حسن: "بضيق وبصوت موجوع: آسف يا ماما إنشغلت، سامحوني."
المتصل: "فيك إيه يا حسن؟ مالك يا بني؟ صوتك كله وجع، طمني يا حبيبي."
حسن: "شوية إرهاق بس يا ست الكل."
المتصل: "تعال يا ابني ريحلك شوية وشوف البنات هيجننوا عليك، ونسمة مش مبطلة سؤال عليك ورافضة تاكل من امبارح حتى العلاج رافضة تاخده."
حسن: تنهد عدة مرات: "خلاص يا ماما شوية وهكون في البيت، أنا في الطريق."
المتصل: "حسن بلاش تسوق وأنت تعبان كده يا حبيبي، تعالي في تاكسي."
حسن: "متقلقيش يا ماما، أنا كده كده هجيب تاكسي، أنا مش قادر أفتح عيني محتاج أريح. سلام بقى أنا خلاص خارج من المستشفى."
قالها وأغلق الهاتف سريعاً وهب واقفاً، يخطو بخطى متثاقلة حتى خرج من المستشفى وأشار إلى سيارة أجرة وأملأ العنوان وصعد بجوار السائق.
أسند رأسه للخلف واغمض عينيه من شدة الإرهاق والتعب.
سالت دموعه فور أن أتى طيف ذكره مماثلة حين أتاه اتصال تخبره والدته برفض نسمة الطعام بدونه.
حسن: "سلام بقى يا صاحبي، كنت حابب أقضي السهرة معاك بس أديك شفت بنفسك أول القصيدة.
نسمة وعمايلها."
زياد: "ههههههه جالك الموت يا تارك الصلاة."
حسن: "بتضحك؟ فعلاً بتقول فيها، بس والله أنا بصلي، بس ليه نصيبي طلع لي."
زياد: "عارف يا حسن، أنا بحسدك. عندك اللي بيهتم بيك وبيدور عليك واللي خايف على زعلك، وفي نفس الوقت
عندهم استعداد يعملوا أي حاجة عشان يرضوك. وبرضه
وفي الوقت نفسه هم حياتهم من غيرك ولا حاجة.
أنت برضه حياتك من غيرهم ناقصة، بترعاهم وبيراعوك. لو تعرف قد إيه بتمنى أكون مكانك، وكل شوية تليفون يجي وألاقي حد بيطمن عليا ويهتم بيا.
أنا خايف أعيش وأموت كده وملقيش اللي يهتم بيا.
خايف في يوم الحضن اللي يضمني ويحتويني هو تراب قبري، وأعيش وأموت كأني ما كنت، وأنا واحد.
حسن متزعلش إنهم كتير، افرح بيهم وبخوفهم واهتمامهم، حلو أوي شعور إنك تكون أول اهتماماتهم."
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السادس عشر 16 - بقلم منى عبدالعزيز
يقف ينظر في أثر هبوطهما الدرج. كلمات أحلام تعاد في أذنه.
أحلام: كويس أوي إننا شفناك يا أبو بولس. مفتاح المحل والمخزن هتلاقيهم متعلقين جنب صورة المرحوم المعلم أحمد. المحل في أمانتك والبضاعة اللي في المخزن اصرف فيها وكمل جميلك. ادخل شوف صاحبك جوة، ياريت تخرجه برة الشقة بأي طريقة زي ما سهلت له يجي لحد هنا. ويا ريت تكتم على الخبر واللي حصل، بلاش حد يعرفه. بيه حتى نڤين. وكل فترة والتانية هحاول أتصل عليك.
تهبط الدرج سريعاً ممسكة بيد سلسبيل. ليتجهم وجهه ويلتفت ناحية شقة أحلام يرى بابها مفتوحاً. يخطو مهرولاً يدخلها مغلقاً الباب خلفه.
فور دخوله، وقعت عينه على ذاك الممدد غارقاً في بركة من الدماء. اقترب منه يبتلع ريقه بصعوبة. أوصاله ترتعد، يدور في مخيلته ألف سيناريو.
لينحني ويجثو جواره. يتلمس عرقه النابض. ليبعد يده فوراً ويقف مرة واحدة. اختفى قليلاً وعاد يحمل كوباً من الماء وقماشة يحملها على يده. بدأ يسكب على وجهه الماء ووضع القماشة مكان الجرح، يكتم مكان إصابته.
أبو بولس: ماجد بولس حنا، جار والد سلسبيل منذ سنوات طويلة. زوج صديقة أحلام في الثلاثين من عمره. تربطه علاقة صداقة مع شريف... الجوكر.
يضع الكوب جانباً وهو يرى حركة شريف بيده وبؤبؤ عينه.
أبو بولس: مد يده يهزه وينادي عليه.
شريف يا شريف فوق يا بني.
شريف: بدأ يستعيد وعيه. يفتح عينه بصعوبة. يحرك أهدابه عدة مرات. بدت الرؤية مشوشة أمامه. حاول أن يعتدل. انزلقت يده سقط بشيء لزج.
اقترب منه أبو بولس ساعده في أن يقف. يحدثه بغضب وبحدة في صوته: فوق يا شريف. وابتعد عنه بعد استعادة شريف توازنه لحد ما. ينظر إليه بعتاب.
شريف الجوكر: ممسكاً برأسه يشعر بألم يكاد يفجر رأسه.
آه دماغي. مش قادر أفتح عيني من الصداع والوجع اللي فيهم. إيه اللي حصل.
أبو بولس: بتسألني أنا إيه اللي حصل؟ اسأل نفسك هببت إيه.
لينتفض شريف مما يسمع. يتلفت حوله. كاد أن يسقط على الأرض من سرعة الحركة.
شريف: أحلام.. أحلام روحتي فين يا أحلام؟ راحت فين أحلام يا ماجد؟ يسرع في خطواته بعدم توازن. كاد يسقط عدة مرات ممسكاً بتلك القماشة يكتم بها تلك الدماء التي تسيل من رأسه. ويفتح باب الغرف واحدة تلو الأخرى ينادي على أحلام بصوت مهتز وجسد ينتفض.
كل ذلك تحت أنظار ماجد الذي يتعجب مما يرى وحالة صديقه.
شريف اقترب من مكان وقوف ماجد ممسكاً بتلابيب ملابسه.
شريف: أحلام فين يا ماجد؟ ودتها فين؟ أيوه أيوه أكيد خافت مني وراحت عند نڤين في الشقة. ليبعد يده عن ماجد ويسرع بخطاه تجاه باب المنزل. ليتوقف ملتفتاً ينظر إلى ماجد بذهول.
ماجد: أحلام مشيت من البيت ومن الحارة كلها. مشيت ونظرة عينيها كلها اتهام ليا. عملت ليها إيه؟ خلها تبصلي باحتقار بالشكل ده. عملت إيه؟ خلتها مكسورة كده. هو ده اللي اتفقنا عليه؟ إنك هتكلمها وتقنعها بكلامك؟ وإن الكلام هيكون قدامي وأقنعها معاك؟ بقي دي أخلاق ولاد البلد كده؟ تطلعني عيل مبحفظش على عرض جارتي اللي واكل معاها عيش وملح.
يستمع لكلام صديقه بغصة في حلقه. يتهرب من نظرة عينه التي تحرقه ومن كلماته التي تخترقه.
شريف: صدقني يا ماجد أنا معملتش ليها حاجة. أنا كنت بخوفها بس عشان توافق تجوزني. حتى شوف. يمد يده في جيبه يخرج ورقة يعطيها له. اقري وشوفي بنفسك. ده عقد جواز مكتوب عند محامي كبير أوي يضمن حقها.
ماجد: أنت أكيد مجنون! بقي داخل تتهجم على واحدة في بيتها وتهددها بأنك هتغتصبها وبعدين تقول عامل العقد ومجهزه.
شريف: أعمل إيه؟ أربع سنين وأنا داير وراها. فر كل مكان أتحايل وأترجى عشان توافق إني أتقدم ليها. وهي بترفض. أقسمت ليها بدل المرة ألف مرة إني بحبها وإني عاوز أجوزها وتكوني مراتي قدام الدنيا كلها. تتحجج إنها كانت متجوزة قبل كده وأنا دي أول جوازتي. وأبويا وإخواتي هيرفضوا. معرفش حبها بيزيد في قلبي. بتعلق بيها بجنون كل يوم أكتر من الأول. سبت شغلي وهي بقت شغلي. وراها في كل مكان. وعلى يدك لولا أنا معاها وبحميها. تحار السوق كانوا عملوا إيه؟ أنا بحبها لنفسها. حبيت أحلام لأحلام. شخصيتها وروحها الحلوة. هي اللي شدتني ليها من أول مرة قبلتها هنا على السلم أول يوم جات هنا الحارة لأختها. أكتر من أربع سنين قلبي فاط من مكانه وأنا نازل السلم جري بعد ما باركتلك يوم صبحيتك. من يومها وقلبي بينبض بحبها.
ماجد: اللي يحب ما يكسر حببته بالشكل ده. اللي بيحب بيدافع عنها. بيحميها حتى من نفسه. عملتك دي حتى لو قاصد منها إنك تحطها قدام الأمر الواقع. فالأسف إنت ضيعتها من إيدك للأبد. وفي نفس الوقت كسرتها وهزيت ثقتها في كل اللي حواليها.
شريف: شعر بغشاوة في عينه ودوار هاجمه والصداع يفترسه.
ماجد الحقني. مش قادر أصلب طولي ومش شايف بعنيا. ساعدني أخرج من البيت من غير ما حد يشفني وأنا خارج من هنا.
ماجد: إقترب منه. تعال هسندك للحمام أغسل وشك والدم اللي عليه وعلى رقبتك. عبال ما أروح أجيب لك غيار من عندي تخرج بيه بدل ده والدم اللي مغرقه.
شريف أومأ برأسه. تلاشت الرؤية بالفعل أمامه. وضع رأسه تحت الماء وأغمض عينه يبكي بقهر. اختلطت دموعه مع الماء والدماء التي تسيل من الجرح.
عاد ماجد يحمل ملابس وتسحب ينظر لأعلى ولا أسفل خوفاً من أن يراه أحد. يدخل لشقة أحلام.
شريف لا يزال يضع رأسه تحت الماء غير قادر على الحركة. شعر بتخدر قدمه. جاهد محاولاً غلق صنبور المياه. اقترب منه ماجد وضع المنشفة على رأسه يحاول تجفيفها وكتم مكان الجرح الغائر في رأسه.
ساعده وابدل ملابسه وترك كل شيء مكانه.
ماجد: أنا هخرجك من الباب القديم. والكل مشغول بفرح ابن المعلم طه أبو حسين والحارة كلها في صوان الفرح.
بالفعل استطاع ماجد إخراج شريف بنجاح والتوجه به للطبيب لاختتاب الجرح.
شريف بعد انتهاء الطبيب أشار إلى ماجد أن يساعده في الوقوف فقد خارت قواه وتجمعت الدموع بمقلتيه. ليساعده ماجد ويخرجوا من العيادة. وتوجه به إلى بيته الخاص الذي أعده له ولأحلام يعيش به بعد زواجهما.
شريف: ماجد مش عايزك تزعل مني. إنت عارف قد إيه أنا بحب أحلام وقد إيه أتمنيت رضاها وقربها. والبيت ده جهزته بنفسي عشانها. ومن النهاردة أقسم لك ما هدخله إلا وهي جواه ومراتي. حتى لو بعد ألف سنة. وتحرم عليا حريم الدنيا بعدها. ولو هعيش عمري كله عازب من غير جواز.
شريف رشدان العربي ابن أكبر تاجر بالسوق. شاب مفتول العضلات طويل. شارب ولحية خفيفة تزين وجهه خمري اللون. ابن السابع والعشرون.
وقع كلام الطبيب على الواقفين كالصاعقة.
عبدالرحيم اختل توازنه كاد يسقط أرضاً بعد أن تفرقت قدماه وهو يجاهد في إسناد نفسه على أقرب جدار يقابله. أسرع زايد بخطاه يسند ويمسكه. ينادي على زهرته بصوت يتردد في أروقة المستشفى.
زاهر يقف ينظر لجده وتبدل ملامح وجهه والحالة التي داهمته. لأول مرة يجده بتلك الحالة.
زيدان: للطبيب أنت بتقول إيه؟ إزاي دخلت غيبوبة.
الطبيب: بعد ما عملنا التحاليل والأشعة المقطعية اتأكدنا من عدم وجود نزيف في المخ. وإن الجلطة من السهل إذابتها ومعالجتها مع الوقت بسرعة استجابة المريضة للعلاج.
عبد الرحيم: هتفوق من الغيبوبة.
الطبيب: إن شاء الله أول ما السكر يضبط هتستعيد وعيها بالتدريج. لأن حسب التحاليل إن سكرها عالي فجأة. مع ارتفاع الضغط حصل الجلطة ومعها غيبوبة السكر.
زايد: السكر بس. ماما مش مريضة سكر.
الطبيب: لا طبعاً. المدام حسب التحاليل بتعالج من مرض السكري من فترة طويلة. وده بعد ما اتأكدنا من التحاليل لمعرفة أنواع العقاقير والأدوية اللي أخدتها. لمعرفة أسباب الجلطة وسرعة علاجها.
عبدالرحيم لم تعد تحمله قدماه. حبيبته مريضة منذ سنوات وتخفي عنه. يلوم حاله بإنشغاله بعمله وعدم الاهتمام بالقدر المناسب بها. حملها فوق طاقتها مع تزايد أعباء عائلته. حزنها على صغيرها ووفاته. لم يراف بحالها وهو يلقي عليها خبر اختفاء زوجة زياد وابنته.
استأذن الطبيب ورحل. ساعد زايد والده بالجلوس.
زاهر لا يفقه كلمة مما سمع. اقترب وجلس بجوار جده ينظر له ولوالده وعمه وتجهم وجههم.
زايد وقف أمام النافذة الزجاجية بغرفة العناية. ينظر إلى أمه يعاتبها. في الوقت اللي محتاجك فيه تقفي جنبي وتقويني وتساعدني أوصل لسلسبيل. تبعدي نفسك عني ليه يا أمي؟ أنا كنت برسم مليون طريقة وطريقة أقنعك بيها بجوازي منها بمساعدتك.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع عشر 17 - بقلم منى عبدالعزيز
افتح قلبك للإنسان
الذي يعطيك ولا يسأل لماذا أو ما المقابل
يحمل على ظهره كل همومك ويدعو لك
يشاركك أحلامك وطموحاتك
يأخذ من ابتسامته ويرسمها على وجهك
يغار من الدمعة إن لامست خديك
يوجهك إن ضللت الطريق
يجعل من أذنيه ملجأ لغضبك
يخاف عليك دائما إلى جانبك
يراك عظيما وقادرا عندما ترى نفسك
سعادته لا يعطيها لأحد منذ علمه برجوع أحلام
يكاد يطير من السعادة تجدد بداخله حلم تمناه تحقيقه لسنوات. يحدث نفسه
ينطق اسمها بتلذذ أحلام أحلام زي ما انتي متغيرتيش لسه جميلة وحلوة زي ما انتي، لا انتي أحلوتي أكتر، زدتِ جمال على جمال وحلاوة على حلاوة. اللي يشوفك لا يمكن يديكي سن لأنك واقفة على بنت ستاشر سنة.
ياترى إيه اللي رجعك تاني، لا يفرق معايا ويهمنييش سبب رجوعك، اللي يهمني دلوقتي إنك ترجعلي أنا واللي اتحرمت منه زمان هيكون ليا دلوقتي. بأي طريقة وبأي تمن.
نادى على أحد العاملين عنده.
شفيق: رجب يا رجب.
رجب: نعم يا عمدة تحت أمر جنابك.
شفيق: ادخل واقفل الباب وراك.
يشير له بالاقتراب يقترب منه يهمس بجوار أذنه
الكلام اللي هقوله دلوقتي مش عاوز بن آدم يعرفه
كلمة واحدة من اللي هقوله ده.
رجب: تحت أمر جنابك يا عمدة.
شفيق: تروح على بيت أحلام عيونك زي الصقر مفنجله تاخد بالك منها إن خربت تكون زي ضلها راحت فين جات منين من دخل من خرج عندها يكون عندي في التو واللحظة. كل ده يحصل من غير ما تاخد بالك منها إنت فاهم ولا لا.
رجب: حاضر جنابك كل اللي تؤمر بيه يا حضرت العمدة.
شفيق: روح اعمل اللي جلتلك عليه وبلاش تيجي هنا أي حاجة
تعالى لي على المصنع بلاش هنا عشان العقارب اللي برة دول.
رجب: تمام يا حضرت العمدة.
شفيق يشير له بالرحيل.
رجب: تذكر أمر عاد لمكان جلوس شفيق.
من حق يا حضرت العمدة في حاجة كده حصلت من يومين وكل ما أجي أقول لجنابك بتكون مشغول.
شفيق: لو كلامك ده مش وقتك خالص أنا دماغي
مشغول ومعنديش طولت بال لرطك.
رجب: سي وائل بيه.
شفيق: رفع رأسه ماله سي زفت هبب إيه تاني.
رجب: أصل أصل الست روحية كانت يعني نبهت على الغفر ما يجولوش اللي حصل لجنابك بس يعني
الموضوع اتعرف والكلام اتنطور في البلد وقلت أقول لجنابك بدل ما تعرف من برة و و.
شفيق: ما تأووش كتير قول اللي في جوفك وبوز الأخص بطرمخ عليه زي العادة.
رجب: سي وائل وجنابك في طنطا عمل حاجة كده مع البت سعاد ولحقناها على آخر لحظة وكان خلاص.
شفيق: سعاد الشغالة الجديدة. هي حصلت الشغالين كمان مش كفاية المصيبة اللي ورطني فيها وجوازته اللي خسرتني دم قلبي؟ كمان بيبص للشغالين.
روح إنت نفذ كل اللي قلتلك عليه وشايع للبت سعاد
تجي هنا عاوز أفهم كل اللي حصل منها بالظبط.
~~~~~~~~~~~~~~~
زهور ممددة على الفراش بجوارها ممرضة تضع لها أدوية في ذاك السيروم الموصل بيدها خرجت الممرضة من الغرفة بعد تأكدها من جميع المؤشرات الحيوية.
تسلل الصغير من جوار أبيه وجده لداخل غرفة العناية بعد رحيل زيدان لإجراء اتصال هاتفي.
دخل للغرفة الساكنة سوى صوت طنين جهاز القلب.
اقترب من جدته ينظر إلى كم الوصلات الموصلة بها وإلى ذاك الصوت بذالك الجهاز القريب من الفراش.
اقترب من جدته يتلمس جبينها وانحنى وقبلها عدة مرات ويدها قبلها أيضا بنفس الطريقة خلل أصابعه الصغيرة بين أصابع جدته.
زهور واقفة في مكان كله رمال وأشواك وبتجري يمين ويسار تبحث عن طريق يخرجها من المكان.
كل ما ترى طريق يظهر أمامها تهرول تجاهه وقبل أن تصل إليه يرفع أمامها حاجز من الأسلاك الشائكة وساتر ترابي تتلفت حول نفسها تنادي بصوت عالي لكن لا يخرج ذاك الصوت هي لا تسمع صوتها فكيف سيسمعه غيرها. لم تستسلم ظلت تبحث عن أي مخرج حتى وجدت سرداب تحت الأرض أسرعت بخطاها إليه سعيدة برؤيته ابتسامتها من الفرحة أنارت وجهها وما أن وصلت إليه حتى ضاعت ابتسامتها وتجهم وجهها شعرت بضيق في صدرها أنفاسها بدأت تتلاشى مع تزايد دقات قلبها.
وهي ترى ذاك السرداب يغوص تحت الأرض ويخرج منه حية كبيرة تقترب من طفل صغير يبكي وحيدا لا يوجد جواره أحد. جلست مكانها متقوقعة
تبكي بصوت لا يخرج منها لا يصل لأذنيها.
فجأة اختفى صوت بكاء الطفلة بدأت تفتح عيونها
بخوف وهي تدعي ربها بزوال الخطر وابعاده عن الصغيرة.
لترى ضوء من بعيد وهناك شخص يقف على تلة عالية بملابس شديدة البياض يشير إلى الطفل بيده والأخرى يرفعها للسماء.
لتختفي الأشواك من حول الصغيرة مع ثبات الحية أمامه دون أن تتحرك. مدت يدها تحاول أن تحمل الطفل الذي بكى جعل الواقف على التلة يختل توازنه كاد أن يسقط فجأة بدأت ملابسه البيضاء
تتلون بألوان متعددة وهناك جرح ينزف مكان قلبه يسيل منه سائل كجري مائي منبعه قلبه ومجراه.
خط ثابت مستقيم مصبه عند الطفل بدأ يتغير لونه ويطفو الطفل لأعلى مع تزايد تدفق السائل ترفع رأسها لأعلى تجد الشخص جاثيا على قدميه ملابسه توشحت بالسواد يضع يده على الجرح ورفع عينه لعينها وأشار على الطفل لتلتفت لها تجد تزايدت الأشواك حولها لم يعد يظهر منها إلا طرف ملابسها لتعاود النظر إليه تحاول أن تخرج صوتها تستنجد به أن يوقف تدفق السائل عن الطفلة لتجده يضع يده على الجرح يكتم تدفقه وبدأ يسقط على الأرض واحدة واحدة ببطء شديد بعد أن خارت قواه لتظهر معالم وجهه لتشهق مرة واحدة جعل جسدها ينتفض بشدة وهي ترى وجهه لتصرخ بصوت عالي غير مسموع منادية عليه فور ارتطام وجهه بالأرض مصدرا صوت ارتطام قوي مسموع. زيااااااد.
لتنفض وتفتح عينها بسرعة وهي تشعر بتمسك أحد بيدها وتشعر بقبلات على جبينها ويدها لتفتح بفرحة تنادي زياد بفرحة لتزهل وهي ترى حفيدها يقف ممسك بيدها يرفعها يقبلها ويهمس بمنادتها تيته تيته.
زهور: أغمضت عينها بوجع كانت تتمنى نفسها بأن زياد هو من يقبل جبينها ويدها لتفتح عينها بفرحة فاه هو حفيدها يفعل ما كان يفعله والدها البار مقبلًا حبيبينها ثلاث ويخلل إصبعه بأصابعها كما كان يفعل زياد.
زاهر انتفض من الفرحة كاد يترك يدها ويهرول مناديا الجميع ليتوقف مع همهمات جدته وهزها لرأسها له ترجوه بعينها تتحدث بصوت شبه مفهوم.
زهور: زاه ر تلتقط أنفاسها مت سب ني ش زي زي اد سبني ومشي.
زاهر: متخفيش يا ناناه أنا هفضل جنبك ومش هسيبك أبدا وكل حاجة عمو زياد حبيبنا كان بيعملها أنا هعملها.
زهور: ابتسمت على كلام الصغير بلاش تقلد حد، خلك شخصية قوية متخليش حد يتحكم في قراراتك. اعمل اللي تحبه وواثق إنه صح أوعدني بأنك هتكون قد الكلام ده وهتنفذه بالحرف.
زاهر: بالرغم من عدم فهمه ما تحاول أن توصله له
أوعدك يا ناناه أعمل كل اللي قلتلي عليه.
زهور: واوعدني بلاش حد يعرف إني أنا وأنت بنتكلم سوا أو بتكلم من الأساس، أوعدني وأنا هفهمك بعدين.
زاهر: يومي برأسه عدة مرات مرددا أوعدك.
دخلت ممرضة الغرفة تشهق وهي ترى الجالس بجوار المريضة.
الممرضة: أنت بتعمل إيه هنا.
زاهر: وقف بسرعة ترك يد جدته وقف بعيدا عنها ينتفض جسده فور اقتراب الممرضة تجذبه من يده وتسحبه للخارج.
الممرضة: لو سمحتوا ياريت خالوا بالكم من الولد إزاي تسمحولوا إنه يدخل عند المريضة وده غلط على صحته.
زايد: وقف اقترب من الممرضة نزع يده من يدها ورفع يده لأعلى لتهبط على وجهه ليضع زاهر يده على وجهه دون أن يرمش له جفن ينظر إلى أبيه
بنظرة غامضة وكسر بصره ناحية باب العناية كأنه يقول لن أنكسر مهما حاولت.
زيدان أنهى اتصاله بزوجته آيات يطمئنها ويطمئن على ابنيه فهو خرج يبحث عن والدته ولا يعلم ماذا حدث بعدها. وأخبرها بوجود والدته
بالمستشفى وما أخبرهم به الطبيب ليتوقف مكانه مصدومًا من صوت قوي فور ارتطام يد شقيقه على وجه زاهر.
ليقطع المسافة بينه وبين زايد يحجزه للخلف مبعده عن زاهر الذي يحبس دموعه ويكور يده ويكز على أسنانه.
زيدان يشير للممرضة بالرحيل ويلتف لزايد أنت مجنون إزاي تعمل كده بالولد عمل إيه عشان تضربه بالشكل ده بدل ما تفتخر بيه إنه في سنه ده ما سابش جدته لوحدها وكان في الوقت ده أنت إيه يا أخي قلبك ده إيه حجر ما يعرفش الرحمة ما بيحسش ولا بيحب.
زايد: جلس على المقعد خلفه يضع يده موضع قلبه
للأسف يتمتم حس وذاق الحب بس للأسف حس وحب بس مطلش.
عبد الرحيم: عينه على زاهر يتمعن النظر إليه يرى نفسه في ذاك الطفل وعناده وتمسكه بشخصيته.
انبهر من قوة تحمل الصغير تلك الضربة القوية على وجهه.
ليشير إلى زاهر بأن يجلس جواره يتمعن بالنظر له بذهول وهو يراه يجلس في مكان غير الذي أشار له عليه.
ليلتف لأبنائه اتفضلوا انتوا الاتنين على البيت وأنا أول ما أمكم تفوق هتصل عليكم اتفضلوا ومن غير نقاش أنا مش عاوز أسمع صوت واحد فيكم.
وخد زاهر معاك يا زيدان.
زاهر: على جلسته لم يلتف ناحية جده أنا جيت مع ناناه وهرجع معاها.
الجد: الكلمة اللي قلتها تتنفذ.
زاهر: وأنا قلت لحضرتك أنا هرجع مع ناناه وبرضه مش هرجع في كلمتي أنا وعدتها هفضل جنبها ومش هاسبها بعد إذنكم متتعبوش نفسكم أنا مش همشي غير مع ناناه.
زايد: لا انت عيارك فلت بقي انت بتتحدي كلام حدوا وبتكسر كلامه يلا اتفضل قدامي بدل ما آخدك بمعرفتي.
عبد الرحيم: زايد سيبه يا زايد براحته وبعدين أنا هعقبه بطريقتي.
ليلتف زاهر له يبتسم بسخرية ويبعد نظرة مرة أخرى بعيدًا عنهم.
عبد الرحيم في نفسه بسعادة أنا كده اتأكدت إنك خلفتي وهتقدر على اللي مش هيقدر عليه أبوك وعمك.
رحل رجب وأرسل الخادمة كما قال له شفيق.
وقف شفيق مبتعدًا عن مكتبه فور دخول سعاد للغرفة يتفحصها من أعلى لأسفل يتمعن النظر لها.
ليبتسم بمكر وهو يجلس على المقعد بجوار مكتبه.
سعاد فتاة جميلة عشرينية جسد ممشوق لكن شحوب وجهها أفقد رونق لجمالها.
شفيق: يشير لها بالاقتراب منه ويجلسها على الأرض أمامه بالقرب من قدمه اسمك إيه يابت انتي وعندك كام سنة.
سعاد: خدمتك سعاد يا حضرة العمدة بت مبروكه وحسنين قربت أخلص العشرين.
شفيق: يرفع وجهها بيده عينه على عينها متجوزة ولا بت لسه مدخلتيش دنيا.
سعاد بخجل لا متجوزتش لسه يا حضرة العمدة.
شفيق: بمكر قوليلي الواد وائل عمل إيه معاكي ومن غير كدب واوعاكي تخبي حاجة عني.
سعاد قصت ما فعله.
وائل بيه اتهجم عليا وأنا في المخزن بطلع حبوب للطيور ولولا ساتر ربنا عم رجب جاب ست روحية ولحقه كان كان.
شفيق: بست زفت عملت إيه وقالتلك إيه.
سعاد: بلجلجة: ما فيش ما فيش.
شفيق: انطقي بالحقيقة بدل ما أسيب عليك جعفر وأقولك كل حاجة.
سعاد: أبوس على إيدك يا بيه، أنا غلبانة وأبويا عيان والست اتكفلت بمصاريف العملية.
شفيق: ومن امتى الحداية بتحدف كتاكيت يا روحية.
ولا سي وائل ابن بـ.
ليلتفت لسعاد: فزي يابت، خدي المفتاح ده بتاع البيت اللي فوق مصنع العلف، عدي على أمك وخذيها واستنيني هناك، وأنا شوية وهحصلكم.
سعاد: مدت يدها المرتعشة وأخذت المفتاح وأومأت برأسها وخرجت.
شفيق خرج من مكتبه وتوجه إلى غرفة روحية، فتح الباب بعنف يصرخ منادياً باسمها، روحيه.
لتفزع من نومتها برعب.
روحيه: تضع يدها على صدرها تهدئ حالها من الخضة من دفع شفيق باب الغرفة وغلقه بعنف وصوته الجهوري.
إيه؟ إيه اللي خلاك داخل زي القطر كده؟
شفيق: اقترب منها، لحد إمتى هتفضلي تداري على عمايل ابنك؟ لحد إمتى هتشيل عاره؟ والكل بيقول ابن العمده شفيق فالت وفاجر، هه، قوللي ابنك اللي لبست عاره من سنين، مش آن الأوان بقي يبعد عني.
بعاره ووسخته.
روحيه: إنت اتجننت؟ إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ والواد كان عمل إيه عشان تقول الكلام الماسخ ده اللي لا بيودي ولا يجيب؟
شفيق: بقي عاملة نفسك متعرفيش؟ طيب عدي على إيدك.
من سنة اتهجم على بنت السايس واغتصبها وماتت في إيديه، وإنتي داريتي الموضوع وقلتي إنها ماتت بعد ما رفصها الحصان في بطنها، وأديتي أبوها الوفات ومشّيتيه من هنا بدل ما كنتي تعاقبيه وتعرفيه غلطه وتبلغي على جريمته، لا هددتي الراجل الغلبان ومشّيتيه من البلد.
وتاني مرة لما اتمسك مع زمايله بالكلية في شقته اللي جبتهاله جنب الكلية وخلّينا جوّزنهاله عشان نداروا الفضيحة، ودفعني دم قلبي عشان أراضي أبوها وأتقي شره، ولا نسيتي كانت بنت مين؟
ولما جرى كل يوم والتاني عمل مصيبة وفضيحة، وآخرها البت الغلبانة الخدامة الجديدة، فاضل إيه معملهوش المحروس ابن بك.
روحيه: تصرخ مقاطعة كلامه، قلتلك ميت مرة متقولش ابن بكر مرة تانية، ده ابني أنا وبس، فاهم؟
ومن إمتى الحامية وخداك قوي كده؟ ما أنت واخد تمن كتابته باسمك، أرض المصنع والبرج اللي في المركز.
غير الفلوس اللي عطتهالي إمي.
شفيق: اديكي قلتي عشان أكتبه باسمي بدل ما يشيل العار والناس تقول عليه ابن العمدة شفيق المعداوي مش ابن حرام اتولد بعد ست شهور من جوازنا اللي ما لمستكيش فيه ولا مرة.
روحيه: عاوز إيه يا شفيق؟ جيب من الآخر، حاطت الواد فوق دماغك وبتزعق ليه؟ ماتروح تشوف المحروس ابنك ابن السنيورة بيعمل إيه؟ ولا هو حلال لابنك وحرام لابني؟ تداري على عمايله هو وأخته.
شفيق: حسك عينك تجيبي سيرة الصافي ورويدا على لسانك مرة تانية، دول ولاد حلال، ولادي أنا من صلبي، مربيهم كويس جوي، وأمهم بتحافظ عليهم وبتعلمهم الصح والغلط، مش ابنك اللي بتعلميه يدوس على الكل وينهش لحم الغلابة.
روحيه: آخره، عاوز إيه؟ بلاش لف ولا دوران من وراء كلامك ده، أي حاجة لا هتودي ولا هتجيب.
شفيق:
أرض الجنينة الشرقية جاي ليها زبون تقيل عاوز يشتريها، وأنا محتاج فلوس عشان الانتخابات، ولازم تمضي عشان أعرف أبيعها.
روحيه:
ما كنت قول من الأول ووفرت، عليك وعليا.
كلامك الماسخ ده.
شفيق:
كلامي الماسخ ده بدفع تمنه كل يوم ولحظة بعد.
ما أبويا وسميحة الله يجحمها ما ورطتني وشبكتني معاكي شبكة سودة، معرفش أصرف ولا أبيع حاجة إلا بإذنك.
أنا هروح على المصنع، هغيب يومين تلاتة، عندي شغل كتير، عاوز أرجع ألاقيكم معقلة المحروس ابنك يروح يصالح مراته وأهلها، أنا داخل على انتخابات ومش عاوز شوشرة، مفهوم.
خرج شفيق من الغرفة، غالقا الباب بعنف.
روحيه خرجت من الغرفة تنادي على سعاد الخادمة بغضب دون جدوى، لتخرج لها سيدة جميلة تتمشى بدلال وتهز يدها مصدرة أصوات عالية من كم الأساور الذهبية بيدها.
استغفروا لعلها تكون ساعة استجابة.
روحيه:
البارت السابع عشر
زهور بنت سلسبيل
بقلمي منى عبدالعزيز.
افتح قلبك للإنسان
الذى يعطيك ولا يسأل لماذا أو ما المقابل
يحمل على ظهره كل همومك ويدعو لك
يشاركك أحلامك وطموحاتك
يأخذ من ابتسامته ويرسمها على وجهك
يغار من الدمعة إن لامست خديك
يوجهك إن ضللت الطريق
يجعل من أذنيه ملجأ لغضبك
يخاف عليك دائما إلى جانبك
يراك عظيما وقادرا عندما ترى نفسك.
//////////////////////////////////////////
سعادته لا يعطيها لأحد منذ علمه برجوع أحلام.
يكاد يطير من السعادة، تجدد بداخله حلم تمنى تحقيقه لسنوات. يحدث نفسه.
ينطق اسمها بتلذذ، أحلام، أحلام، زي ما إنتى متغيرتيش، لساتك جميلة وحلوة زي ما إنتي، لأ إنتي احلوتي أكتر، زدتِ جمال على جمال، وحلاوة على حلاوة، اللي يشوفك لا يمكن يديكي سن، لأنك واقفة على بنت ستاشر سنة.
ياترى إيه اللي رجعك من تاني؟ لا ميفرقش معايا، وميهمنيش سبب رجوعك، اللي يهمني دلوقتي إنك ترجعلي أنا، واللي اتحرمت منه زمان هيكون ليا دلوقتي. بأي طريقة وبأي تمن.
نادى على أحد العاملين عنده.
شفيق: رجب يا رجب.
رجب: نعم يا عمدة، تحت أمر جنابك.
شفيق: ادخل واقفل الباب وراك.
يشير له بالاقتراب، يقترب منه يهمس بجوار أذنه.
الكلام اللي هقوله دلوقتي مش عاوز بني آدم يعرفه.
كلمة واحدة من اللي هقوله ده.
رجب: تحت أمر جنابك يا عمدة.
شفيق:
تروح على بيت أحلام، عيونك زي الصقر مفنجلة، تاخد بالك منها، إن خربت تكون زي ضلها، راحت فين، جات منين، مين دخل، مين خرج عندها، يكون عندي في التو واللحظة، كل ده يحصل من غير ما تاخد بالك منها، إنت فاهم ولا لا.
رجب:
حاضر جنابك، كل اللي تؤمر بيه يا حضرت العمدة.
شفيق:
روح اعمل اللي جلتلك عليه، وبلاش تيجي هنا، أي حاجة.
تعالى لي على المصنع، بلاش هنا عشان العقارب اللي برة دول.
رجب:
تمام يا حضرت العمدة.
شفيق يشير له بالرحيل.
رجب: تذكر أمر، عاد لمكان جلوس شفيق.
من حق يا حضرت العمدة، في حاجة كده حصلت من يومين، وكل ما أجي أقول لجنابك بتكون مشغول.
شفيق:
لو كلامك ده مش وقتك خالص، أنا دماغي.
مشغول ومعنديش طولت بال لرطك.
رجب:
سي وائل بيه.
شفيق:
رفع رأسه، ماله سي زفت؟ هبب إيه تاني؟
رجب:
أصل أصل الست روحية كانت يعني نبهت على الغفر ما يجولوش اللي حصل لجنابك، بس يعني.
الموضوع اتعرف والكلام انتشر في البلد، وقلت أقول لجنابك بدل ما تعرف من برة، و و.
شفيق: ما تـاؤوش كتير، قول اللي في جوفك، وبوز الأخص بطرمخ عليه زي العادة.
رجب:
سي وائل وجنابك في طنطا عمل حاجة كده مع البت سعاد، ولحقناها على آخر لحظة، وكان خلاص.
شفيق:
سعاد الشغالة الجديدة؟ هي حصلت الشغالين كمان؟ مش كفاية المصيبة اللي ورطتني فيها وجوازته اللي خسرتني دم قلبي، كمان بيبص للشغالين.
روح إنت نفذ كل اللي قلتلك عليه، وشايع للبت سعاد.
تجي هنا، عاوز أفهم كل اللي حصل منها بالظبط.
~~~~~~~~~~~~~~«
زهور ممددة على الفراش بجوارها ممرضة تضع لها أدوية في ذالك السيروم الموصل بيدها، خرجت الممرضة من الغرفة بعد تأكدها من جميع المؤشرات الحيوية.
تسلل الصغير من جوار أبيه وجده لداخل غرفة العناية بعد رحيل زيدان لإجراء اتصال هاتفي.
دخل للغرفة الساكنة سوى صوت طنين جهاز القلب.
اقترب من جدته ينظر إلى كم الوصلات الموصلة بها وإلى ذالك الصوت بذالك الجهاز القريب من الفراش.
اقترب من جدته يتلمس جبينها وانحنى وقبلها عدة مرات ويدها قبلها أيضا بنفس الطريقة، خلل أصابعه الصغيرة بين أصابع جدته.
زهور واقفة في مكان كله رمال وأشواك وبتجري يمين ويسار تبحث عن طريق يخرجها من المكان.
كل ما ترى طريق يظهر أمامها تهرول تجاهه، وقبل أن تصل إليه يرفع أمامها حاجز من الأسلاك الشائكة وساتر ترابي، تتلفت حول نفسها تنادي بصوت عالي لكن لا يخرج ذالك الصوت، هي لا تسمع صوتها فكيف! سيسمعه غيرها؟ لم تستسلم، ظلت تبحث عن أي مخرج حتى وجدت سرداب تحت الأرض، أسرعت بخطاها إليه سعيدة برؤيته، ابتسامتها من الفرحة أنارت وجهها، وما أن وصلت إليه حتى ضاعت ابتسامتها وتجهم وجهها، شعرت بضيق في صدرها، أنفاسها بدأت تتلاشى مع تزايد دقات قلبها.
وهي ترى ذالك السرداب يغوص تحت الأرض ويخرج منه حية كبيرة تقترب من طفل صغير يبكي وحيدا لا يوجد بجواره أحد. جلست مكانها متقوقعة.
تبكي بصوت لا يخرج منها، لا يصل لأذنيها.
فجأة اختفى صوت بكاء الطفلة، بدأت تفتح عيونها.
بخوف وهي تدعي ربها بزوال الخطر وإبعاده عن الصغيرة.
لتري ضوء من بعيد وهناك شخص يقف على تلة عالية بملابس شديدة البياض يشير إلى الطفل بيده والأخرى يرفعها للسماء.
لتختفي الأشواك من حول الصغيرة مع ثبات الحية أمامه دون أن تتحرك! مدت يدها تحاول أن تحمل الطفل الذي بكى، جعل الواقف على التلة يختل توازنه، كاد أن يسقط، فجأة بدأت ملابسه البيضاء.
تتلون بألوان متعددة وهناك جرح ينزف مكان قلبه يسيل منه سائل كـمجرى مائي منبعه قلبه ومجراه.
خط ثابت مستقيم مصبه عند الطفل، بدأ يتغير لونه ويطفو الطفل لأعلى مع تزايد تدفق السائل، ترفع رأسها لأعلى تجد الشخص جاثم على قدميه، ملابسه توشحت بالسواد، يضع يده على الجرح ورفع عينه لعينها وأشار على الطفل، لتلتفت لها تجد تزايدت الأشواك حولها لم يعد يظهر منها إلا طرف ملابسها، لتعود النظر إليه تحاول أن تخرج صوتها تستنجد به أن يوقف تدفق السائل عن الطفلة، لتجده يضع يده على الجرح يكتم تدفقه وبدأ يسقط على الأرض واحدة واحدة ببطء شديد بعد أن خارت قواه، لتظهر معالم وجهه، لتشهق مرة واحدة جعل جسدها ينتفض بشدة وهي ترى وجهه، لتصرخ بصوت عالي غير مسموع منادية عليه فور ارتطام وجهه بالأرض مصدرا صوت ارتطام قوي مسموع. زيااااااد.
لتنفض وتفتح عينها بسرعة وهي تشعر بتمسك أحد بيدها وتشعر بقبلات على جبينها ويدها، لتفتح بفرحة تنادي زياد بفرحة، لتزهل وهي ترى حفيدها يقف ممسك بيدها يرفعها يقبلها ويهمس بمناداتها، تيته تيته.
زهور: أغمضت عينيها بوجع، كانت تتمنى نفسها بأن زياد هو من يقبل جبينها ويدها، لتفتح عينيها بفرحة، فاهو حفيدها يفعل ما كان يفعله والدها البار، مقبلاً حبينها ثلاث ويخلل إصبعه بأصابعها كما كان يفعل زياد.
زاهر: انتفض من الفرحة، كاد يترك يدها ويهرول منادياً الجميع، ليتوقف مع همهمات جدته وهزها لرأسها له، ترجوه بعينيها تتحدث بصوت شبه مفهوم.
زهور:
زاه ر تلتقط أنفاسها، متسبنيش زي زي اد، سبني ومشي.
زاهر: متخافيش يا ناناه، أنا هفضل جنبك ومش هسيبك أبدا، وكل حاجة عمو زياد حبيبي كان بيعملها، أنا هعملها.
زهور
ابتسمت على كلام الصغير: "بلاش تقلد حد، خال ليك شخصية قوية، متخليش حد يتحكم في قراراتك. اعمل اللي تحبه وانت واثق إنه صح. أوعدني بأنك هتكون قد الكلام ده وهتنفذه بالحرف."
زاهر
بالرغم من عدم فهمه ما تحاول أن توصله له: "أوعدك يا نانا، أعمل كل اللي قلتلي عليه."
زهور
"و أوعدني بلاش حد يعرف إني أنا وانت بنتكلم سوا أو بتكلم من الأساس. أوعدني وأنا هفهمك بعدين."
زاهر
يومي برأسه عدة مرات مرددًا: "أوعدك."
دخلت ممرضة الغرفة تشهق وهي ترى الجالس بجوار المريضة.
الممرضة
"أنت بتعمل إيه هنا؟"
زاهر
وقف بسرعة، ترك يد جدته وقف بعيدًا عنها. ينتفض جسده فور اقتراب الممرضة تجذبه من يده وتسحبه للخارج.
الممرضة
"لو سمحتوا ياريت خلوا بالكم من الولد. إزاي تسمحولوا إنه يدخل عند المريضة وده غلط على صحته."
زايد
وقف، اقترب من الممرضة، نزع يده من يدها، ورفع يده لأعلى لتهبط على وجهه. ليضع زاهر يده على وجهه دون أن يرمش له جفن. ينظر إلى أبيه بنظرة غامضة، وكسر بصره ناحية باب العناية، كأنه يقول: "لن أنكسر مهما حاولت."
زيدان
أنهى اتصاله بزوجته آيات يطمئنها ويطمئن عليها وعلى ابنيه، فهو خرج يبحث عن والدته ولا يعلم ماذا حدث بعدها. وأخبرها بوجود والدته بالمستشفى وما أخبرهم به الطبيب، ليتوقف مكانه مصدومًا من صوت قوي فور ارتطام يد شقيقه على وجه زاهر. ليقطع المسافة بينه وبين زايد، يحزبه للخلف مبعده عن زاهر الذي يحبس دموعه ويكور يده ويكز على أسنانه.
زيدان
يشير للممرضة بالرحيل، ويلتف لزايد: "انت اتجننت؟ إزاي تعمل كده بالولد؟ عمل إيه عشان تضربه بالشكل ده؟ بدل ما تفتخر بيه إنه في سنه ده ما سابش جدته لوحدها؟ وكان في الوقت ده إنت إيه يا أخي؟ قلبك ده إيه؟ حجر ما يعرفش الرحمة؟ ما بيحسش ولا بيحب؟"
زايد
جلس على المقعد خلفه، يضع يده موضع قلبه.
زايد
"للأسف يتمتم، حسيت وذاق الحب بس للأسف حسيت وحب بس مطلقتش."
عبد الرحيم
عينه على زاهر، يتمعن النظر إليه، يرى نفسه في ذلك الطفل وعناده وتمسكه بشخصيته. انبهر من قوة تحمل الصغير لتلك الضربة القوية على وجهه. ليشير إلى زاهر بأن يجلس جواره. يتمعن بالنظر له بذهول وهو يراه يجلس في مكان غير الذي أشار له عليه.
عبد الرحيم
"ليلتف لأبنائه: اتفضلوا انتوا الاتنين على البيت، وأنا أول ما أمكم تفوق هتصل عليكم. اتفضلوا من غير نقاش، أنا مش عاوز أسمع صوت واحد فيكم. وخد زاهر معاك يا زيدان."
زاهر
على جلسته لم يلتف ناحية جده: "أنا جيت مع نانا وهرجع معاها."
الجد
"الكلمة اللي قلتها تتنفذ."
زاهر
"وأنا قلت لحضرتك أنا هرجع مع نانا، وبردة مش هرجع في كلمتي. أنا وعدتها هفضل جنبها ومش هاسيبها، بعد إذنكم متتعبوش نفسكم. أنا مش همشي غير مع نانا."
زايد
"لأ انت عيارك فلت بقى، انت بتتحدي كلام حد وبتكسر كلامه؟ يلا اتفضل قدامي بدل ما آخدك بمعرفتي."
عبد الرحيم
"زايد سيبه يا زايد براحته. وبعدين أنا هعقبه بطريقتي."
زاهر
يلتف له، يبتسم بسخرية، وأبعد نظره مرة أخرى بعيدًا عنهم.
عبد الرحيم
(في نفسه بسعادة)
"أنا كده اتأكدت إنك خلفتي وهتقدر على اللي مش هيقدر عليه أبوك وعمك."
رحل رجب وأرسل الخادمة كما قال له شفيق.
وقف شفيق مبتعدًا عن مكتبه فور دخول سعاد للغرفة. يتفحصها من أعلى لأسفل، يتمعن النظر لها. ليبتسم بمكر وهو يجلس على المقعد بجوار مكتبه.
سعاد
فتاة جميلة عشرينية، جسد ممشوق، لكن شحوب وجهها أفقد رونق لجمالها.
شفيق
يشير لها بالاقتراب منه ويجلسها على الأرض أمامه بالقرب من قدمه: "اسمك إيه يابت انتي وعندك كام سنة؟"
سعاد
"خدمتك سعاد يا حضرة العمدة. بت مبروكه وحسنين. قربت أخلص العشرين."
شفيق
يرفع وجهها بيده، عينه على عينها: "متجوزة ولا بت لسه مدخلتيش دنيا؟"
سعاد
بخجل: "لأ متجوزتش لسه يا حضرة العمدة."
شفيق
بمكر: "قوليلي الواد وائل عمل إيه معاكي ومن غير كدب، واوعاكي تخبي حاجة عني."
سعاد
قصت ما فعله.
سعاد
"وائل بيه اتأهجم عليا وأنا في المخزن بطلع حبوب للطيور، ولولا ساتر ربنا عم رجب جاب ست روحية ولحقه كان كان."
شفيق
"وست زفت عملت إيه وقالتلك إيه؟"
سعاد
بلجلجة: "هـ هـ ما فيش ما فيش."
شفيق
"انطقي بالحقيقة بدل ما أسيب عليكي جعفر ويفرتك بكل حاجة."
سعاد
"أبوس على إيدك يا بيه، أنا غلبانة وأبويا عيان والست اتكفلت بمصاريف العملية."
شفيق
"ومن امتى الحداية بتحدف كتاكيت يا روحية؟ ولا سي وائل ابن بـ."
ليلتف لسعاد: "فزي يابت خدي المفتاح ده بتاع البيت اللي فوق مصنع العلف. عدي على أمك وخديها واستنيني هناك وأنا شوية وهحصلكم."
سعاد
مدت يدها المرتعشة وأخذت المفتاح وأومأت برأسها وخرجت.
شفيق خرج من مكتبه وتوجه إلى غرفة روحية. فتح الباب بعنف، يصرخ مناديًا باسمها: "روحية!"
لتفزع من نومتها برعب.
روحية
تضع يدها على صدرها تهدئ حالها من الخضة من دفع شفيق باب الغرفة وغلقه بعنف وصوته الجهوري: "إيه في إيه خلاك داخل زي القطر كده؟"
شفيق
"إقترب منها: لحد إمتة هتفضلي تداري على عمايل ابنك؟ لحد إمتة هتشيل عاره؟ والكل بيقول ابن العمدة شفيق فالت وفاجر، هه؟ قوللي ابنك اللي لبس عاره من سنين مش آن الأوان بقى يبعد عني بعاره ووسخته."
روحية
"إنت اتجننت؟ إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ والواد كان عمل إيه عشان تقول الكلام الماسخ ده اللي لا يودي ولا يجيب؟"
شفيق
"بقي عاملة نفسك متعرفيش؟ طيب عدي على إيدك. من سنة اتأهجم على بنت السايس واغتصبها وماتت في إيديه، وانتِ داريتي الموضوع وقلتي إنها ماتت بعد ما رفصها الحصان في بطنها، واديتي أبوها الوفات ومشيتيه من هنا. بدل ما كنتي تعاقبيه وتعرفيه غلطه وتبلغي على جريمته، لا هددتي الراجل الغلبان ومشيتيه من البلد. وتاني مرة لما اتمسك مع زمايله بالكلية في شقته اللي جبتيهاله جنب الكلية وخلنا جوزنهاله عشان نداروا الفضيحة، ودفعني دم قلبي عشان أراضي أبوها وأتقي شره. ولا نسيتي كانت بنت مين؟ ولما جرا كل يوم والتاني عمل مصيبة وفضيحة، وآخرها البنت الغلبانة الخدامة الجديدة. فاضل إيه معملهوش المحروس ابن بـ."
روحية
تصرخ مقاطعة كلامه: "قلتلك ميت مرة متقولش ابن بكر مرة تانية. ده ابني أنا وبس، فاهم؟ ومن امتى الحامية واخدة بالك قوي كده؟ ما انت واخد تمن كتابته باسمك أرض المصنع والبرج اللي في المركز، غير الفلوس اللي ادتهالك إمي."
شفيق
"اديكي قلتي عشان أكتبه باسمي بدل ما يشيل العار والناس تقول عليه ابن العمدة شفيق المعداوي مش ابن حرام اتولد بعد ست شهور من جوازنا اللي ما لمستكيش فيه ولا مرة."
روحية
"عاوز إيه ياشفيق؟ جيب من الآخر. حاطط الواد فوق دماغك وزاعق ليه؟ ما تروح تشوف المحروس ابنك ابن السنيورة بيعمل إيه؟ ولا هو حلال لابنك وحرام لابني؟ تداري على عمايله هو واخته."
شفيق
"حسبي عينك تجيبي سيرة الصافي ورويدا على لسانك مرة تانية. دول ولاد حلال أولادي أنا من صلبي، مربيهم كويس جوي وامهم بتحافظ عليهم وبتعلمهم الصح والغلط. مش ابنك اللي بتعلميه يدوس على الكل وينهش لحم الغلابة."
روحية
"آخره عاوز إيه؟ بلاش لف ولا دوران من وراء كلامك ده أي حاجة لا هتودي ولا هتجيب."
شفيق
"أرض الجنينة الشرقية جاي ليها زبون تقيل عاوز يشتريها، وأنا محتاج فلوس عشان الانتخابات ولازم تمضي عشان أعرف أبيعها."
روحية
"ما كنت قولت من الأول ووفرت على عليك وعليا كلامي الماسخ ده."
شفيق
"كلامي الماسخ ده بدفع تمنه كل يوم ولحظة بعد ما أبويا وسميحة الله يجحمها ما ورطني وشبكتني معاكي شبكة سودة معرفش أتصرف ولا أبيع حاجة إلا بإذنك. أنا هروح على المصنع، هغيب يومين تلاتة عندي شغل كتير. عاوز أرجع ألاقيكم عقلتوا المحروس ابنك يروح يصالح مراته وأهلها. أنا ورا الانتخابات ومش عاوز شوشرة، مفهوم؟"
خرج شفيق من الغرفة، غالقًا الباب بعنف.
روحية خرجت من الغرفة تنادي على سعاد الخادمة بغضب دون جدوى. لتخرج لها سيدة جميلة تتمشى بدلال وتهز يدها مصدرة أصوات عالية من كم الأساور الذهبية بيدها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم منى عبدالعزيز
رحل زايد وزيدان من المشفى، يتولى زيدان القيادة وزايد بجواره.
راح زايد جسده على مقعد السيارة، أرجع رأسه للخلف، أغمض عينيه هرباً من كلام أخيه. يضع يده على قلبه يحدثها: "ليه تدقين؟ ما نصيبك تعشقين اللي مش لك. كنت مرتاحة وأنتِ راضية بنصيبك، وكل اللي يهمك شغلك ومستقبلك. ليه غيرتي منهجك؟ ليه تعذبين نفسك وتعذبيني؟ أنا لا عارف أرجع زي الأول ولا عارف أنسى وجعك. صورتك وعينيكِ مش مفارقيني."
"عملت إيه أنا عشان يحصل لي كل ده؟" يشتد في إغماض عينيه يعتصرهم. "دلوقتي بس حسيت بيك يا زياد وحزنك على فراقها. قد إيه النار اللي جوايا بتزيد وأنا حاسس إني متكتف، مش عارف أدور عليها ولا أطمن عليها. مش عارف مكانها، عاملة إيه، حالتها إيه، بتبكي ولا مين بيهتم بيها."
يكور يده بجواره ويضغط على أسنانه: "أنا، أنا السبب، أنا اللي ضيعتها من بين إيديا بغبائي. وصلتني دعوة الفرح. آه لو الزمن رجع بيا لورا كنت غيرت حاجات كتير أوي."
"أنا اللي ضيعتها من بين إيديا. أول مرة شفتها وقلبي دق ليها، راقبتها وعرفت عنها كل حاجة. لو كنت صممت وقوّيت قلبي ساعتها ما كنت ندمان دلوقتي."
"يا ريتني ما كنت بعتلها دعوة الفرح، على الأقل كانت هتفضل قدامي. انتي فين؟ انتي فين؟ أنا اللي جرحتك، مش هو." يكتم آهة داخلية تعتصرها داخله وهو يشتد في إغماض عينيه.
"أنا بغبائي للمرة التانية ضيعتها. لما ما جريت وراها وهي خارجة من الفرح مجروحة ومكسورة. كنت احتويتها وطيبت بخاطرها، كنت بعتها عن الدنيا كلها. انتي فين يا سلسبيل؟ ألقيكي فين؟ آه لو أعرف مكانك، آه لو بس أطمن عليكي. يا ترى فين أراضيكي."
أفاق من شروده على مناداة أخيه له.
زيدان: "زايد، زايد. يلا وصلنا البيت."
ترجلا من السيارة خلف أخيه.
توقفا أمام المنزل يستمعان إلى نساء العائلة.
تسمر مكانه مع كل كلمة تقع على أذنه. كل واحدة تتهم الأخرى بحقدها على أخيه زياد والأنانية.
حتى وصل الأمر للشجار بأيديهن.
ليفتح باب المنزل بقوة وبصوته الجهوري: "والله عال العال يا هوانم! ماما تغيب على البيت ساعتين البيت يقلب ومزانه يختل. يلا كل واحدة فيكم تتفضل على بيتها وولادها ومش عايز أشوف طيف واحدة فيكم هنا. لا محترمين اللي إحنا فيه ولا حالة ماما."
زينة أتت تتحدث، أشار لها بالصمت.
"مش عايز أسمع صوت. اتفضلوا يلا من قدامنا، بكرة يوم طويل."
غادر شفيق المنزل تاركاً روحه تشتعل من كلامه.
توجه إلى مصنع الأعلاف، بدأ يتفقد سير العمل.
وصعد إلى الدور العلوي الذي خصصه له.
شقة مجهزة بأحدث الأجهزة.
فتح بابها وعينه تجوبها، اتسعت ابتسامته فور أن رأى ما يبحث عنه.
شفيق: "أهلاً أهلاً يا مبروكه. نورتي الشقة والمصنع."
مبروكة، امرأة خمسينية بدينة، ملامحها حادة.
مبروكة: "منورة بحسك يا حضرة العمدة."
شفيق: عينه على الواقفة تنظر للأرض بخجل.
اقترب منها وهو يتفحص جسدها بجراءة.
أمسك يدها وجذبها له والتفت لمبروكه.
شفيق: "بيت وخمس فدادين ومواشي وعشر آلاف جنيه، قلتي إيه يا مبروكه؟"
مبروكة: "قليلين يا بيه العشرة، خليهم عشرين."
شفيق: "خمسة عشر ومافيش مال زيادة. المحامي هيجي يكتب العقودات. عقبال ما يجي ادخلي الأوضة جوة جهزي العروسة. عشر دقايق والقاها جاهزة من كله. أخلص تاخدي الفلوس والعقد وما شفتش وشك غير بعد أسبوعين. تجي تاخديها، مفهوم؟"
مبروكة: "بس يا حضرة العمدة، هقول إيه لأبوها لما تغيب الأسبوعين وما تزوروش ولا يوم، وإخواتها أكيد هيقلقوا ويروحوا الدوار يسألوا عنها."
شفيق: "خمسة كمان ومافيش ولا مليم زيادة. لو الأسبوعين دول عجبوني وريحتيني هخليهم مفتوحين. وكل ما أعوزها هشجعك تجيبيها."
مبروكة: "وقتها نتكلم يا عمدة." مدت يدها وجذبت سعاد التي تقف لا تفقه شيئًا مما يقال، لتدخل الغرفة. خلف مبروكه تقف مبهورة مما ترى من جمال الغرفة.
مبروكة أدخلتها حمام ملحق بالغرفة.
سعاد: "أما مبروكه، العمدة قصد إيه بكلامه؟"
مبروكة: "العمدة عايز يجوزك."
"ودفع مهرك وهتفضلي هنا معاه أسبوعين وبعدين ترجعي معايا البيت. وكل ما يجي هنا هيشجعك تجي له."
سعاد: "يا لهوي! يا ماما هجوزه ده كبير قوي عليا، وإزاي أجاوزه من غير أبويا ما يعرف ولا إخواتي، وناسية إني مخطوبة لتوفيق ابن عمي."
مبروكة: "وإيه يا عني؟ هتجوزيه كام يوم وهتعيشي فيهم مالكة وتطلعي لك بقرشين وحتتين سيغة كويسين، وإخواتك وأبوكي يعيشوا مرتاحين، وسي توفيق يخلص جيشه ويرجع، وقتها يحلها حلال."
سعاد: "إزاي تقولي كده؟ طيب والفرح هيعمل إيه ساعتها؟ وأنا ساعتها وتوفيق هيسكت؟ وقتها ده مش بعيد يدبحني. أنا لا يمكن أرضى بكده."
مبروكة: "مش وقته كلامك ده. سواء رضيتي ولا لا، العمدة حطك في دماغه وهياخد اللي عاوزه. فخلصيني خليني أرجع لأبوكي قبل ما يستعجلني."
سعاد: "لا، أنا لا يمكن أوافق. ترضيها على بناتك؟ ولا عشان أنا مش بنتك تبيعني؟ أنا همشي من هنا وهقول لأبويا على كل حاجة."
مبروكة: جذبتها وأغلقت باب الحمام بقوة.
"انتي فاكرة دخول الحمام زي خروجه؟ ولا هتعرفي تطلعي برة؟ خطوة واحدة. أخلصي تعالي عشان أجهزك، ما عادش وقت."
سعاد: ببكاء، "سبيني يا ماما حرام، ده مش جواز."
مبروكة: "أخلصي تعبتني. لو سمعك العمدة هيطين عيشتك. ارضي بنصيبك كام يوم وهيعوّضوا، وأنتي وشطارتك. يا يوديكي الدوار بمزاجه، يا يوديكي بيت أبوكي. شوفي بقى أنهون أحلى، تكوني ست الدوار ولا ترجعي تذلي للخدمة من تاني."
سعاد: ببكاء، "أنا عايزة أروح، مش عايزة حاجة."
مبروكة: "براحتك." جذبتها وخرجت لخارج الغرفة.
"يا عمدة، أنا غلبت معاها وهي رافضة."
شفيق: وقف من مكانه والشرار يتطاير من عينيه. اقترب منها وجذبها من يدها. "المحامي في الطريق، افتحيله الباب ودخليه، وأنا هخلص. وخذيها معاكي، ما هيش وش نعمة."
قام بالانحناء وحمل سعاد وسط صراخها واستنجادها بمبروكه، وأدخلها الغرفة ورماها على الفراش بعنف. تبدلت ملامحه، عيناه غامت وتجهم وجهه، يتحدث بصوت دب الرعب في أوصالها.
أتت تتكلم، بترت كلماتها فور تلقيها صفعة وراء الأخرى حتى تلاشت قواها واستسلمت لقدرها.
شفيق: هجم بوحشية عليها، يتحدث بهستيريا: "انتي ليا يا أحلام، ليا أنا. بعشقك، بعشقك. انتي بتاعتي أنا وبس. لا يمكن بكر يلمسك قبلي، فاهمة؟ مش هيلمسك ولا يتمتع بيكي. أنا بس اللي هلمسك. انتي بتاعتي أنا، جسمك ليا أنا." هجم عليها بوحشية لتخرج منها صرخة قوية زلزلت جدران الغرفة وصمتت بعدها مغمضة عينيها. بعد قليل ابتعد عنها يشعر بالسعادة وهو يراها مستسلمة لا تتحرك، ينظر لما قام به بانتشاء.
يقف ينظر لها قليلاً، وأصوات تنفسه العالية هي المسموعة بالغرفة. ليقترب مرة أخرى منها كوحش مفترس ينقض على فريسته، يعاود يحدثها بجنون منادياً عليها بأحلام. لم يبتعد عنها إلا بعد سماع دقات جرس الباب.
تقف تنظر في أثرها، وصوت استنجادها به زلزل كيانها. ابتعدت عن مكان وقوفها بجسد ينتفض وهي تسمع صرخاتها ومنادتها لها بالإنقاذ، لتضع يدها على أذنها حتى لا تسمع. تتمنى نفسها بالأموال والأراضي التي ستكون من نصيبها، تتخيل تبدل معيشتها من الفقر إلى الثراء. تقسم بداخلها أنها سوف تنتهز الفرصة وتستغلها جيداً وتجعل كل شيء لها وحدها. لن تعطي لسعاد أي قرش من الأموال التي ستحصل عليها. فيكفيها ما ستحصل عليه من مساغ وهناء فترة مكوسها في ذلك المنزل. تدور حول نفسها بسعادة وفرحة، لتفيق على رنات الجرس. تسرع بسعادة لفتح الباب.
أحلام: "سلسبيل."
"قولي لي ليه سميتوا البنت زهروان؟ مش كنتي قلتي هتسموها زهور على اسم أم زياد، أو زهرة صاحبة المجنون؟"
سلسبيل بابتسامة لاحت على وجهها: "اسمه الدكتور حسن يا خالتي."
أحلام: "يا أختي حسن ولا حسين؟ قولي لي ليه غيرتوه؟ زهور ولا زهرة اسمين أحلى من بعض وليهم معنى، لكن زهروان دي تقيلة ومالهاش دلع ومعناها مش مفهوم. أنا هناديها زهور على اسم جدتها، حتى حلو وجديد وخفيف."
سلسبيل: دمعة هبطت من عينها، أسندت رأسها إلى ظهر السرير، تتذكر قبل أيام إخبار الطبيبة بجنس الجنين بعد إصرار زياد على معرفته ورغبتها هي بعدم معرفته وجعله مفاجأة، وتلك السعادة الذي أبداها زياد وذهابهم فور خروجهم من عند الطبيبة لمحل ملابس أطفال وقام بشراء العديد من الملابس الخاصة بالفتيات والألعاب وحقيبة خاصة بملابس الصغيرة والألعاب ومجموعة كاملة من عرائس الباربي وسرير خاص بالصغيرة وضعه في غرفة نومهما بالقرب من الناحية التي ينام عليها حتى تكون بالقرب منه.
بعد وقت قضاه في ترتيب الغرفة وتنظيمها وتنسيق الألعاب والملابس الخاصة بالصغيرة، زياد ظل يقف ينظر لما فعله بسعادة وابتسامة على وجهه تتسع ابتسامته مع سماع ما تقوله سلسبيل.
سلسبيل: "زياد، زيزو، هتفضل واقف كده تتفرج على السرير واللبس وناسي أهم حاجة. أنا ما كنتش عايزة أعرف نوع الجنين عشان كده لسه ما جتش وأخدتك مني. طب لما تيجي هتعمل فيا إيه؟"
زياد بضحكة ساحرة اقترب من الفراش وانحنى وقبل ثغرها: "حبيبي اللي بيغير من بنته."
"اديني جيت جنبك يا ستي أهو. إيه هي الحاجة اللي أهم من السرير؟"
سلسبيل تعتدل بجلستها وتشير له على قدمها، ليضع زياد رأسه على قدمها.
زياد يمسك بيدها يقبلها: "قولي بقي يا ستي ليه زعلانة إني صممت أعرف بنت ولا ولد؟ ولا تكوني من الستات اللي بتحب خلفة الصبيان والبنات لأ."
سلسبيل: "لأ طبعاً، اللي بيفكر كده بيكون إنسان جاهل. بس أنا عارفة البنت وعلاقتها بأبوها وأمها دي بتكون ضرتها، وأكيد هناخدك مني."
"وتسيبيني أنا على الرف. اسألني أنا على الموضوع ده."
زياد يمسك يدها يقبلها: "أنتم أهم اتنين في حياتي كلها. محبتكم في قلبي زي بعض. أنا كنت قبلك عامل زي الأرض البور الميتة، وأنتِ رويتيها وحييتيها، خليتيها أرض خصبة قوية وعافية. بحبك وحنانك ومراعاتك لها وبنتنا أول نبته فيها."
"عارفة يا سلسبيل إن اللي هون عليا وفاة ماما زهروان إنك وقتها طلعتي حامل. يومها فضلت أدعي ربنا طول الليل إن الحمل يكمل وإنه يكون سليم ويكون الحمل بنت."
سلسبيل تنظر له بسعادة وعطف.
زياد: "قولي يا ستي إيه الموضوع المهم اللي قلقك."
سلسبيل: "هو مش قلقني، هو تقريباً ما فضلش غير الاسم. هنسميها إيه."
زياد: "هو ده الموضوع المهم اللي شغلك؟ ما تقلقيش يا ستي، أنا خلاص اخترت الاسم وهيعجبك أوي كمان."
سلسبيل: "إيه هو."
زياد: "أنا عاوز أسميها زهور على اسم ماما، وحسن بيقول زهرة أخف وأجمل وراكب علينا."
سلسبيل: "جميل. زهرة وخفيف. زهرة زياد. جميل، عجبني أوي."
زياد: خلاص نسميها زهور وندلعها بزهرة.
احلام: سلسبيل سلسبيل رحتي فين؟ ال واخد عقلك؟
سلسبيل ببكاء وصوت مخنوق: صعبان عليا نفسي اوي يا خالتي وصعبان عليا بنتي.
احلام: استهدي بالله كده وان شاء الله ربنا هيحلها من عنده. تبات نار تصبح رماد.
قومي قومي امشيكي شويه بالبيت وناكل لقمه. من وقت ما جانا محطناش لقمه في جفنا.
استغفروا لعلها تكون ساعة استجابة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم منى عبدالعزيز
فتح حسن الباب ليجد والدة حبيبته وزوجة أبيه.
ابتعد عن الباب سامحًا لها بالدخول.
جيهان، والدة حبيبة وزوجة أبيه، تزوجها والده بعد وفاة زوجته بعدة سنوات. كانت ونعم الزوجة والأم لابن زوجها، اعتبرته ابنها. هي من طلبت منه أن يناديها بـ "ماما" حتى بعد وفاة طليقها وقدوم ابنتها لتعيش معها. لم تغير معاملتها له حتى أنجبت ابنتها.
شقية حسن لم تهمله أو تقصر في أموره، بالرغم من تزايد الأعباء عليها مع طفلة مريضة بمتلازمة داون.
سعادتها التي أبدتها عندما أعترف لها حسن برغبته بالزواج من ابنتها رحبت بشدة، ولكن صممت على عدم الزفاف لحين الانتهاء من دراستها.
دخلت السيدة جيهان الغرفة تبتسم لابنتها وجلست على حافة الفراش تشير إلى حسن أن يجلس جوارها وابنتها على الجهة الأخرى.
جلسا الاثنان بجوارها لترفع يدها تحاوطهما.
جيهان: من غير مقدمات وكلام لا بيودي ولا يجيب.
حسن: يا بنى أنا قبل كده قلتلك إنك لو عاوز عين من عينيا مش هتأخر عليك، وكمان احترمت رغبتي بتأجيل الفرح. أنا دلوقتي بحلك من وعدك بالتأجيل وبقولك أنا موافقة إنكم تعملوا الفرح وتعيشوا مع بعض زي أي زوجين عاديين.
حسن: هب واقفًا، حضرتك قلتي إيه؟
جيهان: موافقة إنكم تعملوا الفرح وتتجوزوا.
حسن: ارتمى في حضنها يبكي بنحيب، وأيضًا تتردد كلمات زياد داخل أذنه: "من عمل عمل يريد به وجه الله كان الله في عونه".
حسن: خرج من أحضان جيهان، ماما أنا مقدرش أعمل فرح الفترة دي خالص ولا بعدين، وخصوصًا وأنا بالحالة دي ووفاة زياد وسفري مع نسمة للعملية.
جيهان: مين قال هنعمل فرح ومعازيم؟ لا، أنا قصدي نحتفل بيكم هنا وتتموا جوازكم وتعيشوا مع بعض في مكان واحد.
يابني أنا حاسة بيك، أنت محتاج حد جنبك الفترة دي يحتويك ويطبطب عليك. تمم جوازك يابني بحبيبة وربنا يفرحكم، ولما الظروف تتحسن ابقوا روحوا أي مكان قضولكم يومين حلوين.
حسن: أمسك يدها يقبلها وعيناه لا تتوقف عن الدموع.
حبيبة: تبكي على بكاه.
جيهان: بدل ما تفرحوا وتهيصوا بتبكوا، يلا أنا همشي، شكلي عزلت بينكم وفي كلام كتير شيفاه في عنيكم لبعض.
///////////////////////////
رحل والداه، نظر في أثرهما يدعو ربه أن يحفظهما، فهم سنده بتلك الحياة. نكس وجهه للأرض، دموعه تتساقط محدثة أصواتًا مع تراطمها بأرضية المستشفى. كم يحتاج لأن يرتتمي في أحضان حبيبته، عشقه، ملاذه، اليد الحنون التي تربت على قلبه وتشد من أزره. تنهيدة حارة خرجت من جوفه، أزاح دموعه بيده ووقف يخطو تجاه النافذة الزجاجية بغرفة العناية المشددة، ينظر إلى حبيبته، زوجته، عشقه الأول، بحزن وقلب ملتاع. يضع يده على زجاج النافذة يحركه كأنه يتلمس وجنتها، يحدث نفسه: "هو ليس بالزوج ولا بالأب الجيد، أهملها، تناسى وعوده لها بأنها أولى اهتماماته". ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه أخفاها كعادته وعاد تجهم وجهه كما كان. يلوم نفسه بعد فوات الأوان. "فين زهرة الحلوة الجميلة والرقيقة؟ راحت فين؟ تركها تتحمل أعباء كثيرة فوق طاقتها. كانت نعم الأم والزوجة. لم يكن يومًا قريبًا من أحد من أبنائه الخمسة، عكس زوجته فهي قريبة منهم جميعًا، كاتمة لأسرارهم". يتذكر كلما أراد واحد منهم أن يطلب طلباً منه يذهب إلى والدته يطلبه منها، هي تخبره بما يريد. حبها له جعلها تستسلم لأوامره، لم تناقشه في أي من قراراته. يعاتبها بعينه على إخفائها سر زواج والدها، على حالتها تلك وما أصابها.
"زهوررر سامحني يا عمري أنا السبب في اللي حصلك، أنا لا يمكن أسامح نفسي أبدًا، بس ارجعيلي وفوقي من حالتك دي، وأوعدك هدور على بنت زياد لآخر يوم بعمري وهجبهالك تربيها بنفسك".
ليبتعد عن النافذة ويتجه للجلوس بجوار حفيده.
ابتعد عنه مرة أخرى ليرفع عينه باستنكار.
ليحدثه.
الجد: لو تعبت من القعدة أخلي السواق يوصلك.
زاهر: بدون أن يلتفت له، لا أنا كويس.
الجد: جعان؟
زاهر: لا، ماليش نفس.
الجد: احكيلي كل اللي حصل وتيته عرفت مكان المفاتيح.
زاهر: أنا معرفش تيتة عرفت مكان المفاتيح، واللي حصل أكيد مش محتاج كلام، حضرتك عرفته بدليل عرفت مكانها بسرعة.
الجد بانبهار من ردود حفيده، نظر له نظرة مطولة.
يحدث نفسه: "شايف زياد صغير في عينيك وحركاتك وردودك، حتى ملامحك قريبة منه".
لتخرج الممرضة تبتسم بوجهه.
الممرضة: المريضة فاقت.
الجد: هب واقفًا بسعادة، ممكن أدخل أشوفها وأطمن عليها بنفسي؟
الممرضة: لسه شوية، أنا قلت أطمن حضرتك الأول. لازم الدكتور يطمن عليها ويشوف حالتها وصلت لإيه.
///////////////////////
خرج العمدة من الغرفة يجفف عرقه بطرف أكمام جلبابه الواسع وخرج من الغرفة ينادي.
شفيق: مبروكه يامبروكه.
مبروكة: وضعت يدها على قلبها، قفزت من مكان جلوسها تهرول تجاه الصوت، نعمين يا عمدة أنا أهو.
شفيق: ادخلي قوميها ونضفي الأوضة قبل ما تمشوا، عبال ما أخلص مع المحامي كل حاجة، تجوا تمضوا.
مبروكة: من عنيا يا عمدة، خمس دقايق وهنكون عندك.
ابتعد العمدة عن باب الغرفة واتجه إلى مكان جلوس المحامي، واتجهت مبروكة للداخل الغرفة.
شفيق: أهلاً أهلاً يا أستاذ مسعود، نورت.
مسعود، محامي منزوع الضمير، عار على المحاماة، يتبع الطرق الملتوية لبلوغ هدفه. عبد سيده، يعشق المال بشدة، طويل ونحيف ولديه باطن بارز غير مناسب لضعف جسده.
مسعود: وهو يقف ويمد يده يسلم عليه وباليد الأخرى يرتب عليه، أهلاً بيك يا كبيرنا. ينظر له ويتحدث برياء: بسم الله ما شاء الله، وشك منور وكأنك صغرت عشرين سنة. مبروك يا عمدة، شكل العروسة المرة دي عجبتك قوي، مقدرتش تستنى العقد وتدخل كده طوالي؟ وأنت راجل حقاني ومش بتحب الحرام.
العمدة: أبداً، هي صحيح صغيرة وحلوة والسن اللي بحبه بالتمام، بس بنت المركوب ضيعت مزاجي وطلعت غرابني. لما رفضت وصممت تمشي، قلت ما بدهاش بقى، أدخل عليها وبعدين تاخد القرشين وتغور مع مبروكة، فداهية. قلت مزاجي، الله يقل مزاجها وعكرت دمي.
مسعود: لا عاش ولا كان اللي يعكر صفو جنابك يا كبيرنا. هي طول بنت الفرطوس دي تبوس إيدها وش وضهر لو نالها الشرف بأن جنابك تبصلها، بس مش تلمسها. والله ولا ليك عليا يمين لو عندي بنت ولا أخت لجوزها لك جنابك في التو واللحظة عشان ينولنا الشرف بقربنا منك.
شفيق: بغرور، فقد أرضته كلمات مسعود المحامي، بدأ يفرق في طرف شاربه، عشت يا مسعود، عشت. قد القول وزيادة، قالها وهو يربت على قدمه بيده ثلاث.
ليكمل: جهز الورق وعد الفلوس دي وختم البت ومبروكه، خليهم يغوروا من هنا.
مسعود: طول عمرك حقاني يا عمدة. بالرغم من اللي عملته البنت وقلة مزاج جنابك، إلا أنك مصمم تديها حقها. كبير كبير يا عمدة.
ليبتر كلامه ويهب واقفًا مع مناداة مبروكة بصراخ وولولة من الداخل.
يهرع كل من شفيق ومسعود تجاه الغرفة ليجدوا.
مبروكة: دخلت للغرفة بعد ابتعاد شفيق عن الباب.
تنظر إلى بهدلة الغرفة وإلى الممددة على الفراش.
مبروكة: يا لهوي! إيه اللي حصل ده؟ الأوضة من شوية كانت فل ومترتبة على سنجة عشرة، في لحظة انقلبت كده. يا لطيف. تتجه ناحية السرير.
مبروكة: قومي قومي يا ست سعاد، عجبك كده اللي حصل لك؟ مش كنتي وسعتي مخك شوية؟ كان زمانك دلوقتي قاعدة ومتهنية بيدلع فيكي ويلبسك حرير ومساج، بس نقول إيه؟ وش فقر زي اللي خلفك.
قومي يا ختي خلينا نرجع للخرابة اللي عايشين فيها. يا ريتني كنت صغيرة وجميلة زيك كده والكل هيموت عليا، كان زماني عايشة ملكة في سرايا وببقى حرير في حرير وبأكل أحلى أكل وبشرب أحلى شرب والخدمين يخدموني. يلا، قصرة الكلام، معتش منيه فايدة. قومي يا بت ولا السرير الطري ده عاجبك وريح جتك بدل المراتب الخوص اللي بتكسر الجسم.
يمد مبروكة يدها تهز سعاد وتنظر إليها لتضرب على صدرها وتنحي عليها تهزها وتنادي عليها بصوت ضعيف: بتي سعاد، إنتي يابت مالو وشك زي القطنة البيضة كده؟ وشفايفك زرق وعيونك مفنجلين كده ليه؟ قومي يا بت قومي، طوسي وشك بشوية ميه عقبال ما أعملك مباية ميه بسكر ترد فيكي الروح.
لمبروكه انحنت تساعدها على النهوض لتبتعد عنها وتصفق وجهها وتصرخ منادية على شفيق وهي تولول وتضرب صدرها.
مبروكة: يالهوي يالهوي، غرقنا يا عمدة، غرقنا، يا مصيبتك السودة يا مبروكة، يا مصيبتك السودة، رحتي في داهية، رحتي. بلاش البت مش بتتحرك، البت بتبان لها كده يا ختييي ياختتتي.
شفيق بخضة وصوت متلجلج: اتكتمي يامرة يا خرفانة، هتفضحنا. ما شفهمش وهم بيسرقوا، شفهم وهم بيتخسبوا.
مسعود: اقترب من السرير، جلس بجوار الفتاة، يضع يده على عنقها ليبتعد فورًا وهو يرى أثر الصفعات على وجهها. البت ماتت، قالها برعب وهو يهب واقفًا.
تلتف مبروكه وشفيق إليه بصدمة.
مبروكة: تصفق وجهها وتأتي تصرخ، وضع شفيق يده على فمها وكبل يدها الأخرى.
شفيق: اتكتمي، هتودينا فداهيه، ولا تلاته. بالله العظيم هخليكي تحصليها. اصبري لما نتأكد من اللي حصل ونشوف المصيبة دي.
مبروكة: تهز رأسها برعب ولم تقوى على الكلام.
فور إبعاد شفيق يده عن فمها، وقعت على الأرض تبكي بخوف وصمت.
شفيق: ينظر للفتاة دون أن يغمض له جفن، أنت متأكد يا مسعود إنها ماتت؟ مش مسروقة؟
مسعود: للأسف يا عمدة، البنت ماتت وشبعت موت. قالها وهو يضع الغطاء عليها يداري جسدها ووجهها.
مبروكة: ارتفع صوت بكاها.
يالهوي، روحنا فداهيه يا عمدة، هقول لأبوها إيه ولخواتها؟ أقولهم البنت ماتت إزاي وفين؟ يا مصيبتي، يا مصيبتي.
شفيق: قلتلك اتكتمي. مسعود، شوفلك حل للمصيبة دي، مش عاوز شوشرة وبوز. الأخص دي هتفضحنا بعمايلها.
مسعود: مافيش غير حل واحد، ناخدوها لما الدنيا تليل، ندفنها في أي مكان، ولا.
شفيق: أنت أجننت ولا إيه؟ ناسي إن أبوها عارف إنها بتشتغل عندي وإخواتها مش هيسألوا عليها ويدوروا هي راحت فين وجات منين؟ شوف حل تاني.
مسعود: مافيش غير حل واحد، ناخدوها لزراعات ونرميها هناك والفلاحين يلقوها مرمية ولا منشاف ولا من دري، وعقبال ما تنعرف مين نكونوا. حليني يا حلال.
شفيق: عفارم عليك يا مسعود. أول ما الدنيا تليل طوالي نشلها مع شولة العلف ونرميها في المصرف اللي في أول البلد.
مسعود: بس الأول لازم نخفي بصمتنا من عليها وأي دليل يوصل ليك يا عمدة. لمؤخذة يعني، إنك كنت نايم معاها.
شفيق: وهم هيعرفوا منين؟ اللي هو أنا اللي نمت معاها.
مسعود: مش القصد، بس ممكن ياخدوا عينة منها ويحفظوها ويطبقوها مع عينات تانية، وإحنا في غنى عن أي مشكلة ممكن تحصل. خلينا في السليم. يتجه لمبروكه الجالسة على الأرض تولول، يهزها بقدمه: قومي ساعديني ندخلها الحمام، شطفيها كويس من تحت، ولابسة حاجة في إيديكي عشان البصمات.
مبروكة: تقف وهي تسند على يدها بصعوبة وجسدها ينتفض من الخوف. قامت بحملها معه وأدخلها الحمام وقامت بعمل ما قاله بالضبط واتجهت بها مرة أخرى للخارج.
مسعود: لفيها كويس بالملاية واوعك تشيلي اللي لبساه في إيدك.
شفيق: هنعمل إيه يا مسعود دلوقتي؟ أنا خلتهم مشوا العمال بالمصنع، معتش غير الأمن.
مسعود: مافيش غير نصبر لما الدنيا تعتم شوية والرجل تخف، وننزلها بشويش ونرميها في أي مكان.
لينظر إلى مبروكه: قوليلي يا ولية، انتي ليكم عداوة مع حد؟
شفيق: بتسأل ليه يا مسعود؟ إيه علاقته باللي إحنا فيه؟
مسعود: إزاي ده ليه علاقة، وعلاقة قوية كمان. لو في خلاف بينهم وبين حد تاني، وخصوصًا لو كان خلاف أو عركة قريبة وفي شهود، وقتها سير التحقيق والشك يروح تجاهه، ومع عدم كفاية الأدلة والتحقيقات، تتوجه التهمة لطرف الخناقة على طول، كأنه انتقام. وساعتها تنام وأنت حاطط بطيخة صافي في بطنك.
مبروكه: لأ يا بيه، ملناش مشاكل مع حد. دي أبوها وإخواتها غلابة، والـ... الأرض بتحبهم.
مسعود: ولا حتى اتخانقتم خناقة خريم مع جيرانكم؟
شفيق شرد قليلاً في كلام مسعود: وياسلام لو في شهود على اللي حصل.
لتلمع عيناه بشدة وابتسامة لاحت وتكبر على وجهه.
ليلتف لمسعود: خلاص لقيت اللي يشيلها، وهنضرب عصفورين بحجر واحد.
مسعود: إزاي يا عمدة؟ فهمني الموضوع من الأول، ووحدة واحدة.
شفيق: شوف يا سيدي.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل العشرون 20 - بقلم منى عبدالعزيز
يرهقني وجودك في مخيلتي فيزداد شوقي إليك.
فيُحييني الحنين إليك مرة ويقتلني الألف مرات.
***
بعد رحيل شفيق وكلماته التي أشعلت النيران بداخلها، خرجت تنادي بصوت عالٍ.
روحية: سعاد بت يا سعاد! انتي يابت.
تصمت وتنفخ بضيق على إثر خروج امرأة متوسطة الطول، جسد ممتلئ، ملابس مزخرفة، تهز يدها يمين ويسار تصدر جلجلة بكم الأساور في يديها.
وبجوارها سيدة عجوز تحمل بيدها أرجيلة، تنظر إلى روحية بمكر.
نادرة، زوجة شفيق الثانية، تزوجها بعد وفاة والده وأحضرها للمنزل لمجاكرة روحية. أنجب منها ولد وبنت. تكره روحية، تجيد كيدها، كانت زميلة لها بالمدرسة مع أحلام. تزوجت بشفيق بعد رحيل أحلام من البلدة. استطاعت إغواءه.
تحقد على أحلام لعشق شفيق لها ومناداتها بأحلامه.
نادرة: إصباح الخير يا أم وائل. سمعاكي بتنادي على البت سعاد.
روحية بضيق: صباح الخير يا أم صافي. نمسيتك كوحلي ولا إيه؟ صباح إيه بقي وخلاص العصر أذن من شوية. وإيوة زي ما سمعتي كده بالظبط بنادي على البت سعاد.
نادرة: آآآآلاله! انتي متعرفيش؟ مش شفيق مشاها.
جلست روحية تحدث نفسها بغيظ، لم تعقب على كلام نادرة.
روحية: ياترى ناوي على إيه يا شفيق؟ مش مرتحالك، حاسة بمصيبة كبيرة بتخططلها.
نادرة تنظر إلى أحلام الشاردة، تبتسم بمكر، تشير للسيدة العجوز وتمد يدها تأخذ الأرجيلة منها كما الماضي.
نادرة للعجوز: ورجعت من امته يا أم محمود؟ ولساتها حلوة زي ما هي ولا حصل إيه؟
أم محمود: رجعت أولت إمبارح، حلوة بس دي قمر أربعتاشر حاجة كده تخطف القلب.
نادرة بغيظ من عدم تجاوب روحية: أحلام طول عمرها جميلة، زمان كانت بتوقف البلد كلها على رجل واحدة من جمالها.
العجوز: زمان إيه يا ست الستات دي؟ دي يدوب طالت في السوق والكبير والصغير وقف ليها تعظيم سلام.
نادرة تنظر إلى روحية بغيظ، تجدها شاردة، تحدث نفسها، تسمع صوت همهماتها لكن لا تفهم ما تقول.
نادرة: روحيه يا روحيه، روحتي فين؟
روحية تلتفت لها: في إيه؟ بتنادي عليا كده ليه؟
نادرة بخبث: متعرفيش إيه اللي رجع أحلام هنا من تاني؟
روحية: أحلام مين؟ لتصمت وتهب واقفة، بتقولي إيه؟ أحلام رجعت؟ رجعت إمته؟
نادرة: أم محمود بتقول من أولت إمبارح، بس بتقول إيه؟ جمي...
روحية رحلت من أمام نادرة وأسرعت في خطاها تجاه غرفتها، لتفتح الباب وتغلقه خلفها وتقف خلفه، تضع رأسها، دموعها تهبط دون صوت، صدرها يعلو ويهبط، أنفاسها متلاحقة.
تغمض عينيها تتذكر آخر لقاء لهن منذ سنوات.
بعد أن علم شفيق بحملها ومساومته لوالدتها ليصمت ولا يتحدث عن الأمر مرة أخرى.
شفيق بدأ في مشروعه، كلما انتهى من مرحلة ويبدأ بأخرى، يتبدد حلمه وسعادته من تدخل الحكومة. مهما حاول أن يرشي اللجنة، يتم الحجز على المشروع. كاد أن يجن، من له مصلحة بتعطيل مشروعه؟ وزاد الأمر سوء عندما علم أن والده كتب كل ثروته العائلة من أراضي وعقارات وأموال بالبنك مناصفة بينه وبين روحية، ولا يستطيع طرف منهم أن يتصرف دون موافقة الآخر.
حن جنونه عندما علم أن من أقنع والده ما هي إلا سميحة. أقسم على الانتقام منها. بدأ بمراقبتها، علم باتصالها ببكر، وهما سبب ما يحدث لمشروعاته. والغريب أن سميحة هي من كشفت خطتها لشفيق عندما واجهها.
رحل شفيق متوعدًا لبكر، يقسم بإنهاء حياته والانتقام منه.
روحية مصدومة مما سمعت، شقيقتها هي من خططت لكل تلك الأمور. لما تنتقم منها؟ فهي من هددتها بإخبار عمها وشفيق بما حدث بينها وبين بكر. هي من أقنعها بإنكار كل شيء أمام عمها ووالد أحلام.
والأدهى من ذلك، أنها أرسلت إلى بكر تعلمه بحمل أحلام.
روحية: ليه تعملي كل ده؟ مش حرام عليكي؟ هتستفادي إيه من الأذية دي كلها؟ عملولك إيه بكر وأحلام عشان تأذيهم بالشكل ده؟ وأنا أختك من لحمك ودمك، ليه تأذيني بالشكل ده؟
سميحة تنظر لها بعينها السليمة: كلكم عملتوا وأنا خلفت، يمين أني أنتقم منكم كلكم واحد واحد، بس ربنا بيخبني، كلكم جيتوا قدامي شروة واحدة.
إنتي بدأت بيها، عارفة ليه؟ عشان ساعدتي شفيق وأحلام يحبوا بعض وبعدتي شفيق عني وأنا كنت بحبه، وكنا موعودين لبعض من واحنا صغيرين.
حب أمي ليكي، تسمع كلامك، بتعمل أي حاجة عشان تراضيكي، وأنا مهما عملت ولا تعبرني، ولا عمرها اهتمت بيا.
عمك الخاين اللي أجوز مرات أخوه عشان الورث، وأخد مال بنات أخوه في كرشه، ومكتفاش بكده، لا عشان يضمن الورث، كسر بخاطري وجوزكم لبعض في نفس اليوم اللي عملت فيه الحادثة، مصبرش لما يطمنوا عليا.
روحية: أحلام؟ طيب بكر وأحلام ليه تأذيهم؟ عملولك إيه؟
سميحة: أحلام عشان باصت لحاجة غيرها. طمعت في اللي يخصني، ولا عملت نفسها قوية وجت تتشفي فيا وتنتقم لنفسها. ههههههه، متعرفش إني أنا كنت عارفة بكل حاجة، بس جارتها عشان أنتقم من شفيق ومنك من بعيد من غير ما ينشاف ولا من دري. لا وبكر أفندي ضميره صحي من وقت ما عرفت إنك حبلى وعاوز يوقف الانتقام، بعد ما قربت أنتقم من شفيق جاي يتوب؟ لا أنا بقي هديت المعبد على الكل. شفيق هيقتل بكر ويسجن، وعمك هيموت بحسرته، وإنتي عارك هيبان، وأمك خلاص معتش في إيديها تساعدك، وكل الأراضي والفلوس باسمك إنتي وشفيق، وشفيق مسجون وعمره ما هيوافق يمضي على مليم واحد. ههههههه ههههههه، شفتي بقي أنا اللي فزت في الآخر، انتقمت منكم كلكم مرة واحدة.
روحية بصريخ: إنتي مجنونة! مجنونة! وأخذت تصرخ وتهرول بالطريق، كادت تسقط على الأرض عدة مرات وهي تتعثر بالطريق، حتى وصلت لبيت بكر تدق عليه بعنف، حتى فتح لها الباب.
روحية دخلت إلى المنزل تنادي: بكر بكر. لتلتفت لأحلام التي تنظر لها بذهول. اقتربت منها: أحلام، بكر فين؟ بكر فين؟
أحلام نطرت يدها بعيدًا: ولك عين تيجي هنا؟ يا جبروتك يا شيخة.
روحية: مش وقته أي كلام، قولي لي بكر فين.
أحلام تركتها وجلست بغرور: معرفش هو فين، خرج من بدري، ومجاش. رايح فين؟
روحية: يادي المصيبة! يادي المصيبة! هدور عليه فين يا ربي؟ بس يارب يارب استرها يارب.
أحلام اقتربت منها: مالك؟ مش على بعضك، في إيه؟
روحية: سميحة، سميحة قالت لشفيق كل حاجة، وإن بكر هو وراه كل اللي بيحصله ده، وشفيق اتجنن وحالف لا يقتل بكر.
أحلام بصوت مهزوز: إنتي بتقولي إيه؟ سميحة، إزاي يعني؟ وهي اللي خططت لكل حاجة؟
روحية: بعدين هفهمك، بس جولي بكر فين؟ الله لا يسيئك.
أحلام: بكر مع بابا بالمستشفى بيعمل شوية فحوصات، وزمانهم راجعين بالطريق.
روحية: بينا بسرعة نلحقهم قبل ما شفيق ما يقتل بكر.
خرجتا أحلام وروحية بخطى سريعة، حتى اقتربوا من الطريق المؤدي للمستشفى، لتقف روحية بصدمة وهم يسمعون صوت طلقات نارية، لتصرخ أحلام وتهرول تجاه بكر وهو يسند والدها الذي سقط على الأرض إثر تلقيه طلق ناري بصدره.
روحية أفاقت من ذكرياتها، ابتعدت عن الباب وتوجهت إلى خزانة ملابسها وأخرجت ملابس لها وأبدلت ملابسها وخرجت من المنزل وهي على شرودها.
***
أحلام أسندت سلسبيل وقامت بمساعدتها تتمشى عدة خطوات وجلستا يتناولون الطعام، كل منهم شاردة في حياتها.
سلسبيل: خالتي، مكملتليش اللي حصل، والراجل اللي كان هنا ده عمل إيه؟ وجوزك فين؟ عمرك ما جبتي سيرته ولا شفت صورة ليه.
أحلام وضعت ما بيدها ونظرت لسلسبيل بابتسامة ضعيفة: بكر شايل نفسه، موت أبويا، وأنه السبب في اللي حصل له، وخصوصًا إن الفاعل مجهول ومحدش قدر يثبت إن شفيق وراه، وروحية كالعادة خافت تتكلم. بعد كام شهر، روحية جات ليا البيت هنا وقالت إن الولد ابن بكر، وإنها عاوزة بكر هو اللي ياخده يربيه بعيد عن البلد، بس بشرط إنه يخليها تشوفه من وقت للتاني. بكر كان فرحان إنه هياخد ابنه وهيربيه هو، ووافق وفعلاً يوم ولادتها أمها جابت الولد وبكر أخده وكتبه باسمه واسمي من غير ما أعرف إني أنا الأم. وعشان ما يظلمنيش لما يسيبني ويمشي من البلد، كتب البيت والأرض اللي حواليه باسمي، وأخد ابنه ومشي. كام شهر ومحدش عارف عنه حاجة. أمي قالت: بكفايانا اللي حصل لينا في البلد دي، نروح نعيش في بيتنا من تاني. قلت لها: استني شوية صغيرين، أصرف في البيت والأرض ونلم حاجتنا ونمشي. كل ما يجي مشتري للأرض يروح وما يرجعش. شهر وراء شهر لحد ما في يوم صحينا من النوم على صوت هبد على الباب، وبكر شايل عايل صغير على إيده ودخل البيت ونفسه مقطوع. بعد ما هدي شوية عرفنا إن شفيق راقب روحية وهي جاية تشوف ابنها، وهو هرب بمعجزة عشان شفيق ما ياخدهوش. لسه بكر ما كملش كلامه لقينا البوليس داخل علينا وقابض على بكر وبيقول إنه خطف ابن شفيق، وكان بيسومه على الفلوس. وروحية كالعادة خزلت بكر، واتحكم عليه بخمس سنين سجن. بعد تلات سنين شفت فيهم اللي محدش شافه، شفيق كل يوم والتاني جاي عاوز يجوزني، وكلام الناس مش بيرحم، وبكر رفض يطلق وفاكر كده إنه بينتقم من شفيق. لحد ما في يوم جالي خبر وفاته بالسجن. ماما صممت إننا نمشي ونسيب كل حاجة هنا، حتى هدومنا سبناها، لكن شفيق كان مراقبنا كويس وهددني إنه هيموت أمي لو مشيت وسبت البلد. شفت أيام ما يعلم بها إلا ربنا، لحد ما جأت الفرصة يوم موت العمدة وسميحة والبلد كلها مشغولة، وشفيق أخدت ماما وهربنا، وعشنا عند جدتي في بيتها. كنت بخاف أخرج من البيت، جدتي ماتت وأمي تعبت، واضطريت إني أخرج أشتغل وأصرف على البيت، بس أبوكي الله يرحمه رفض، وأخدني أنا وماما عنده، وخالتك إيمان كانت اتجوزت وسافرت وانقطعت أخبارها. وفضلنا عايشين معاكم في البيت، والباقي إنتي عرفاه.
سلسبيل: ليه رجعتي لهنا بعد اللي مريتي بيه وشفتيه؟
أحلام: معرفش، كل اللي جه في بالي وقتها إني أهرب في مكان محدش يقدر يوصله ولا يعرفه، لأن عمري ما قلت لحد عليه.
لتصمت مع سماعها دقات على الباب، لتقف أحلام وتفتح الباب، تقف مصدومة وهي ترى دخول آخر شخص تتوقعه.
***
المحامي مسعود: احكلي كل حاجة حصلت بالظبط، ومين اللي كان واقف وقت اللي حصل، وحصل إمته وفين.
قص شفيق كل ما أخبره به الغفير رجب وما أخبرته به سعاد.
مسعود بخبث: حظك في رجليك يا عمدة، جاية بالمقاس مظبوطة بالملي.
شفيق: يعني إيه؟ فهمني قصدك.
مسعود: هو فين دلوقتي؟
شفيق: حتة من الاتنين، يا في طنطا، يا في حضن أمه.
مسعود: اتأكد لينا من مكانه بس، وهقولك هنعمل إيه.
أخرج شفيق هاتفه وأجرى اتصالًا هاتفيًا.
وابتسم لمسعود بانتصار.
أغلق شفيق الهاتف في الطريق، داخل على البلد.
مسعود: التف إلى مبروكه التي تولول: اخرسي بقى يا ولية يا خرفانة! اسمعي كويس هقولك إيه تنفذيه بالحرف الواحد. هتروحي على بيت العمدة، أول ما تشوفي وائل نازل من العربية، تجري عليه وتقولي: وديت سعاد فين؟ وبعد ما تصوتي وتلمي البلد عليه، تروحي على القسم، وهبعت معاكي محامي تبعي ياخد باله منك من بعيد لبعيد. تبلغي باختفاء سعاد بنت جوزك، وتقولي كل اللي حصل، وكمان تبلغي فيه.
وانت يا عمدة، شوف غفير اللي بتثق فيهم يرمي الجثة في الاتجاه التاني للترعة، على ما تظهر الجثة وتخبط في الشبك الحاجز، ويعثروا عليها. يكون عند البوليس نشرة بأوصافها، وبكده القضية لبساه لبساه، وكمان المية هتساعد على طمس كتير من آثار الاعتداء عليها، وبكده القضية ما فيهاش غير مشتبه واحد.
شفيق: عفارم عليك يا مسعود، مش خسارة فيك.
مسعود: المليون جنيه، المليون جنيه يا عمدة، دي حبل المشنقة مش حاجة قليلة.
شفيق: المليون يا مسعود مش خسارة فيك.
مسعود: لمبروكه: انتي يا ولية، خلي بالك، أي غلطة هتروحي في داهية. إنتي كنتي معاها هنا، والأمن شاهد، يعني ممكن تلبسي إنتي كمان القضية. فاهمة؟ يعني عقلك يوزك كده ولا كده، يبق إيه؟ إنتي الجانية على نفسك. تعالي يلا، اختمي على ورق الأرض وخدي الفلوس.
مبروكه برعب: حاضر حاضر، تحت أمركم، كل اللي هتقولوا عليه هنفذه بالحرف الواحد.
***
خرج الطبيب من غرفة العناية وملامحه غير مبشرة بالخير.
عبد الرحيم: طمني يا دكتور.
الطبيب: الحمد لله، المدام فاقت، بس...
عبد الرحيم: بس إيه؟ اتكلم مرة واحدة.
الطبيب: المدام للأسف مش هتقدر تتكلم مرة تانية.
عبد الرحيم فقد توازنه، ترك الطبيب ودخل غرفة العناية. اقترب من زهور المغمضة عينيها، انحنى ليقبل وجنتها.
ابتعد عنها وهو يستمع لهمهماتها وهي تهز رأسها.
استغفروا، لعلها تكون ساعة استجابة.