تحميل رواية زهور بنت سلسبيل بقلم منى عبدالعزيز pdf
بقلم منى عبدالعزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحلام تركت سلسبيل ودخلت غرفتها تدور حول نفسها. أحلام: هعمل إيه في المصيبة دي؟ لازم أتصرف قبل ما يحصله حاجة أو يفوق. وساعتها هيِهد الدنيا على دماغي ومش بعيد يستغل ده ويورطني معاه. لأ، لازم أبعد من هنا. تَمد يدها وترفع قدميها تقف على أطراف أصابعها، تجذب حقيبة من فوق خزانة الملابس. تضعها على الفراش وتلتف، تفتح دولابها تجمع ملابسها وأشيائها في حقيبة قديمة. فتحت أحد الأدراج أخرجت ما به من نقود وأوراق، وضعتهم بعشوائية على ملابسها. أغلقت الحقيبة بإهمال من شدة توترها. ورعشة جسدها ظلت تجوب الغرفة تبحث عن...
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم منى عبدالعزيز
الحياة السعيدة مش في مانتمناه
ربما تكون شخص يأتيك كهدية
يمنحها لك القدر
يخلق لك شخص يشبه روحك
شخص يصبح توأمك أو نصفك الثاني
شخص يغير قوانين الحياة يتحكم بمزاجك
شخص مهما كانت الأوضاع سيئة يبقى
ملاذك الأخير
شخص لا تدري أصابك بسهمه أم
داواك بترياقه
ورغم كل شيء تظل أنت أجمل الأقدار.
تجلس عينها على الممددة على الفراش موصل بها عدة خراطيم طبية يتردد في أذنها كلام الأطباء
الحمد لله العملية نجحت بس للأسف هيكون
في قصور في رجليها اليمين مش هتقدر تمشي بيها زي الأول.
لتضع أحلام يدها على فاها تكتم شهقاتها
ليكمل الطبيب: ومع العلاج الطبيعي هتتحسن
بالتدريج صحيح هتقدر تمشي لكن مش زي الأول لكن كل ده العامل النفسي عليه عامل
كبير بلاش نظرة الشفقة اللي هتلاقيها في عيونكم
تعملوا معاها كانها طبيعية وياريت تبعد عن أي مكان له ذكري مؤلمة معاها.
لتنظر لها بحزن ليه الدنيا معاندكي والحظ مفارقك وكل ما أقول خلاص هتتعدل وفرجت ألاقيها تضيق من تاني لتناجي ربها.
أحلام: يا رافع السماء بلا عمد يا جامع يوسف
بيعقوب يارازق النملة في الحجر اشفي زهور
بحولك ورحمتك يارب عشمتين في عفوك
ورضاك يا كريم يا حليم يا لطيف الطف
بزهور بنت زياد وسلسبيل واجبر
بخواطرها وبخاطري بأنها ترجع
تمشي زي الأول.
رفعت رأسها للأعلى على صوت
نداء وهمهمات لتهب واقفة تقترب من
الصوت تحاول فهم ما يقال لتسيل دموعها مع تعالي همهماتها ومناتها بكلمات ليست مفهومة.
لتمر الساعات الأولى لزهور بغرفة الإفاقة بجوارها
أحمد ممسك بيد زهور.
أحمد: زهور زهور سمعاني فوقي فتحي عيونك.
يلتف إلى أحلام.
أحمد: فاهمه من كلامها حاجة مين اللي بتنادي
عليه ده.
أحلام: لا مش فاهمة مش عارفة ليه اتأخرت
علي ما تفوق إيه رأيك نسأل حد من الدكاترة ولا الممرضات.
أحمد: ابتسم لها وعاود النظر لزهور، التي بدأت بفتح عينها تئن من الألم.
زهور: آه آه.
أحلام اقتربت منها وأحمد وقف. يتحدثان بصوت واحد: حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
زهور: بابتسامة ألم: الله يسلمكم قالتها بصوت ضعيف.
أحمد: ينظر إلى وجهها الذي تنكمش ملامحه وصوت أنينها: زهور حاسة بإيه وإيه اللي بيوجعك.
زهور: أنا تعبانة أوي ضهري حاسة بنار فيه وريقي ناشف وحاسة إيديا متربطين مش قادرة أرفعهم.
أحمد: الحمد لله يا حبيبتي كده العملية نجحت الحمد لله وجع ضهرك من الجرح وطالما رجعتي تحسي بضهرك العملية نجحت مية في المية.
زهور: الحمد لله بس أنا ريقي ناشف عايزة أشرب.
أحلام أحضرت كوب ماء وأقتربت منها حاولت جعلها تشرب منه لتنجح بمساعدة أحمد لجعلها ترتشف بضع رشفات بللت فمها وحلقها.
ليدخل الطبيب المسؤول عن حالة زهور يبتسم وهو
يري أحلام وأحمد يجلسان على جانبي الفراش ممسكان بيد زهور.
الطبيب: حمد الله على السلامة أخبار مرضتنا إيه.
زهور: الحمد لله بس ضهري وجعني وايدي مش قادرة أرفعها ورجلي فيها نار بتخرج منها.
الطبيب: عال قوي كده نقدر نقول العملية نجحت
بنسبة كبيرة والوجع ده مؤشر جميل بأنك رجعتي
تشعري برجلك من تاني.
زهور: وجع جامد أوي مش قادرة أتحمله ولا أوصفه.
الطبيب: متقلقيش كل ده طبيعي الممرضة هتتابع معاكي وتديكي الأدوية بمواعيد هتساعدك متكسليش بالوجع ونامي كويس وحمد الله على السلامة مرة تانية ليخرج من الغرفة مناديا أحمد.
بعد ما تابع كل المؤشرات الحيوية والكشف على قدمها واختبار شعورها بأصابعها ابتسم لها: كله
تمام كام يوم وهتقدري تقومي من على السرير
ونبدأ بالعلاج الفزيائي.
أحمد: خرج خلف الطبيب يسأله بقلق ما سبب
نظرتة وامتعاض وجهه.
الطبيب: دكتور أحمد مش هخب عليك وأنا بشوف
حركة أصابع القدم اليمنى اكتشفت أنها مش بتشعر بيهم لأني شكيتهم فيهم ومشعرتش بوجع أو حصل أي ردة فعل بعكس الشمال.
أحمد: قصدك إيه زهور مش هتقدر تدوس على رجليها مرة تانية.
الطبيب: لا موصلش الأمر لده هي هتقف وهتمشي
لكن بصعوبة في البداية بس بالإرادة والعلاجات
هتقدر تمشي بس مش زي الأول.
ظل أحمد يسأل الطبيب وشكره وعاود الدخول للغرفة يبتسم رغم حزنه ووجعه على حالة زهور.
تمر الأيام وزهور بدأت في التحسن ويوم وراء
يوم ليتصدم بعدم مقدرتها على المشي بطبيعتها
مع تزايد ألم قدمها.
حاولت كبت دموعها كعادتها تدفن ألمها وحزنها
استجابة لكلام الأطباء وشرعت بالعلاج
الفيزيائي حضر الطبيب أحمد يبتسم لها
ممسك بيده عدة أوراق.
أحمد: بنتي عاملة إيه دلوقتي.
زهور: بابتسامة: الحمد لله كويسة.
أحلام: لا مش كويسة طول اليوم زعلانه ومش بتتكلم من وقت ما عرفت إن التنسيق نزل وهي
ساكتة ورافضة تاكل وتشرب.
أحمد: يقترب منها: وإيه اللي مزعلك يا جميل.
زهور: التفتت للجهة الأخرى دون التحدث.
أحمد: امم شكل الموضوع كبير وأنا
معرفش على العموم خلينا دلوقتي
نكتب رغبات الست زهور وأي كلية
تحب تدخلها وبعدين نناقش الزعل.
زهور: التفتت له بسرعة بفرحة.
بجد أنا هدخل الجامعة وهلحق
أقدم.
أحمد: أكيد طبعًا تلحقي متتلحقيش
ليه إنتي ناسيه ترتيبك من الأوائل وكل كليات
القمة بتناديكي.
زهور: جلست تثني قدمها على الفراش واقتربت منه تضمه: لو أبويا الحقيقي مش هيعمل اللي بتعمله معايا
ده ربنا يقدرني وأرد جزء من أفضالك عليا.
أحمد: أفضال إيه يا مجنونة أنا أبوكي وإنتي بنتي
برضاكي أو غصب عنك.
يلا نخلص كتابة الرغبات عشان ألحق أوديهم بطريقي للمركز عندي عملية مستعجلة.
نزلت زهور من على فراشها بمساعدة أحلام ممسكة بيدها وباليد الأخرى تستند زهور على حافة الفراش
لتصل للأريكة بالغرفة وتجلسها أحلام بجوار أحمد
وبدأت في قراءة الرغبات لتغمض عينها وتضم شفتها لتفتحهم مرة أخرى مخرجة تنهيدة قوية
لتتحدث: أنا مش عايزة كليات قمة ولا حاجة
أنا هدخل أي كلية عادية منها مش ملزمة أحضر كتير
وسهل أذاكر موادها بالبيت وأروح على الامتحانات
وفي نفس الوقت ما نتحملش مصاريف أكتر من طاقتنا.
أحمد: إنتي إيه اللي بتفكري فيه ده مصاريف إيه اللي
شغلاكي دي آخر حاجة تفكري فيها وهتدخلي طب زي ما كنتي بتحلمي.
أحلام: ببكاء: هو أنا كنت قصرت معاكي قبل كده لما أقصر دلوقتي ليه عايزة تنسي حلمك ووعدك بأنك
هتكوني دكتورة قد الدنيا وتثبتي للكل إنك أقوى
منهم ومن كلامهم.
زهور: تنظر لقدمها: عايزة أزماتكم الطب ينفع في حالتي دي أدخل طب أو صيدلة أو حتى أي كلية
عملية وأثبت لمين ياستي شكلي انكتب عليا
أعيش وأموت زهور بنت سلسبيل.
أحمد: سيبك من الكلام اللي لا بيودي ولا بيجيب
خلينا نكتب الرغبات واللي ربنا رايده يكون.
زهور: ونعم بالله بس زي ما قلت طب بأشكاله لا
يعني لا.
أحلام متدخلة: خلاص خلاص نمسك العصاية من النص نكتب كل كليات القمة غير الطب واللي تجي
هي نصيبك وتدخليها.
أحمد: بس يا ست أحلام.
زهور: مقاطعة: ما بسش زي ستي ما قالت هو ده اللي هنعمله.
أحمد: خلاص ماشي زي ما إنتم عايزين.
بدأ أحمد بتسجيل الرغبات حتى انتهى منها جميعًا
وقف يجمع الأوراق.
أحمد: دوب الحق أقدمهم مكتب التنسيق فاضل ساعة ويقفل. محتاجين حاجة أنا للأسف
مش هقدر أرجع عندي كام عملية بالمركز متأجلين.
خرج أحمد وقدم الأوراق لمكتب التنسيق وذهب للمركز الخاص به لعمل العمليات الجراحية.
مرت الأيام وزهور ما بين العلاج الطبيعي
والجلوس بالقرب من النافذة دائمًا شاردة
مرت أيام أخرى خرجت زهور لمنزلها
بعد محاولات فاشلة من أحمد اصطحابهم
معه لمنزله أو شراء منزل خاص بهم.
أحلام عاودت للعمل وقامت بفتح
دكان صغير بجوار روخيه تبيع به الخضار والفاكهة
تساعدها زهور لتمضية وقت فراغها حتى يأتي معاد الذهاب لجلسات العلاج الطبيعي.
لتفيق في أحد الأيام على صوت زغاريت في الخارج
لتخرج مستندة على عصي طبية تجد أحلام ممسكة بورقة وتهلل بفرحة وهي تقترب منها.
تبارك لها: مبروك يا زهور جاتلك كلية الهندسة.
زهور: رغم فرحتها بدخول كلية من الكليات شعرت بغصة شديد.
أتى أحمد ومعه سيدة جميلة عرفهما على بعض واحتفلوا جميعًا بدخول زهور كلية الهندسة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم منى عبدالعزيز
أحمد ينظر إلى زهور الجالسة دون أن تتحدث. يقترب منها بعد أن استأذن من التي بجانبه.
أحمد: عارف إنك زعلانة عشان مجبتلكيش سيرة علاقتي بالدكتورة هنا، بس كل حاجة جت فجأة من غير معاد.
زهور: بسرعة تحدثت. بالعكس، أنا فرحانة أوي عشان حضرتك. وربنا يعلم قد إيه سعيدة، وبدعي ربنا يعوضك على كل اللي عيشته. وكمان فرحانة إن الدكتورة باين عليها بتحبك أوي.
أحمد ابتسم وهو ينظر تجاه هنا.
أحمد: كل حاجة جت صدفة من غير معاد. عقلي اختارها قبل قلبي، والحمد لله هي كمان اختارت بنفس الطريقة. واتفقنا نديي بعض فرصة نقرب من بعض ونفهم شخصياتنا. وأهو كل يوم بنقرب من بعض، وقريب أوي هنعمل حفلة على الضيق وهنكتب الكتاب.
زهور بفرحة: ده أحلى خبر سمعته بحياتي. مبروك يا بابا.
لتقف سريعاً متناسية عصاها الطبية، تحاول تخطو تجاه هنا الجالسة بجوار أحلام تتجاذب معها أطراف الحديث. لتخطو خطوة والثانية لم تحملها قدمها وتسقط أرضاً.
لتصرخ بالجميع وهم يحاولون مساعدتها.
زهور: أنا مش عايزة أشوف النظرة دي في عيونكم، ومحدش يقرب لي. أنا هقف لوحدي. هو لازم أقع عشان أعرف أقف من تاني؟ هو مش هفضل طول عمري أقع وأنتم تساعدوني؟ مش طول الوقت هتكونوا جنبي.
لتحاول الوقوف عدة مرات لتسقط مع كل محاولة لها، تبكي وتضرب الأرض.
أحمد يقترب منها.
أحمد: زهور، خليني أساعدك المرة دي لحد ما تكملي علاجك وتعتمدي على نفسك.
زهور: أرجوك سيبني يا بابا دلوقتي. ويا ريت كلكم تسيبوني وتخرجوا. أنا عايزة أفضل لوحدي.
هنا نظرت لها بشفقة وتحدثت بحب لزهور.
هنا: مع إني كنت حابة أقعد معاكي شوية ونتعرف على بعض من كتر كلام أحمد عنك، وأنا نفسي نتعرف على بعض. بس إيه رأيك نحدد معاد تاني؟
زهور رفعت عينها لتقابل عين هنا. لتنظر لها هنا بابتسامة حانية.
زهور: وأنا نفسي أتعرف عليكي وأشوف الست اللي خطفت عقل وقلب بابا أحمد. بس أنا آسفة على اللي حصل، وأوعدك هاجي بنفسي للمركز ونتعرف على بعض.
خرجت هنا بصحبة أحمد وبدير وروحية وأحلام، بعد إلحاح من زهور.
ظلت زهور جالسة مكانها، عينها مثبتة على نقطة ما. تحاول رفع نفسها مرة تلو الأخرى، لأكثر من محاولة. نجحت أخيراً بعد ملامسة الكرسي لتقف بصعوبة. لتنقل قدمها اليسرى وتجر اليمنى التي فقدت الحياة. تشعر بأنها تقف على قدم واحدة، كادت أن تسقط لولا استندت على الكرسي.
لتعتدل وتجلس فوقه، تتلمس قدمها تحدثها وتضرب بيدها عليها. ظلت جالسة مكانها تتنفس بصوت عالٍ، تنظر أمامها وعينها مثبتة على الحائط وتجلس صامتة. لا تسمع غير صوت أنفاسها العالية. مرت عدة أيام وزهور قليل ما تخرج من غرفتها، دائماً نائمة مغمضة العينين، قريرة العقل. ترفض الذهاب لجلسات العلاج الطبيعي رأفة بحال جدتها من ثقل الحمل عليها وزاد بتلك الجلسات العلاجية المكلفة. حتى أحمد أصبحت ترفض مقابلته أو الاتصال به. انطفأت ضحكتها، أصبحت عصبية، ترفض تناول العلاج مهما ترجتها أحلام. شاردة معظم الوقت، لا تتحدث أو تنطق بكلمة مع جدتها. طوال الوقت نائمة. ترفع رأسها فور خروج أحلام من المنزل لتهب من مكانها، تجذب عصاها وتبدأ بالتمرين التي كانت تتدرب عليها بمركز العلاج الطبيعي وما تتعلمه من تمرينات على هاتفها. ساعدها المدرب وسجلهم له حتى تتدرب بالمنزل عليها. تبكي من شدة الألم وتحملها على نفسها، تضغط على أعصابها لتمر أيام وهي تتدرب حتى نجحت واستطاعت الوقوف بشكل طبيعي جداً. لم تدم فرحتها لتسقط أرضاً وتعاود الكرة مرات حتى نجحت، ولكن باءت محاولتها بالفشل. حتى تحاملت قبل سقوطها لتستند على عصاها. بدأت تمشي بثبات متكئة على عصاها لعدة أيام حتى نجحت أخيراً في خطو أول خطواتها بنجاح مع عرج بسيط بقدمها اليمنى. تقف تحمد ربها مع اتزان جسدها.
زهور: اللهم لك الحمد.
تقولها وهي تخطو ذهاباً وإياباً. لتأتي برأسها فكرة وتقوم باتصال هاتفي لجدتها.
أحلام جالسة في محلها تحدث بدير في عدة أمور.
أحلام: تعبت وقلبي معتش متحمل وأنا شايفة البنت بتنطفي قدام عنيا ومش قادرة أعمل ليها حاجة.
بدير: هنسيبها كده بتضيع نفسها ومستقبلها؟ الجامعات فتحت والدراسة بدأت فيها من شهر فات، مش حرام ده؟
أحلام: غلبت أقول لها. حتى الدكتور أحمد جاب ليها الكتب وكام محاضرة وبرضه رفضت تشوفهم أو تقربلهم. حتى إنها رفضت تقابله وكسرت فرحته.
لتذهل وهي ترى اسم زهور ينير هاتفها مع تزايد رناته، لتفتح الاتصال سريعاً.
أحلام تضع الهاتف على أذنها، تبتلع ريقها خلف بعضها. تبتسم وتدمع عينها لتغلق الهاتف وتلتف لبدير الواقف ينظر لها متعجباً للحالة التي عليها دون أن تنطق بكلمة مع المتصل.
أحلام: زهور اتصلت وبتقولي عايزاني ضروري بالبيت.
بدير: أنا جاي معاكِ، أمكن تحتاجوني.
أحلام: بلاش، لو احتاجتك هتصل عليك. زهور بقت حساسة، وأديك شفت آخر مرة حصل عملت إيه.
ذهبت أحلام لمنزلها وصعدت مسرعة الدرج وهي تلهث. فتحت الباب بيد مرتعشة لتقف متسمرة مكانها وهي ترى زهور واقفة دون عصا وترتدي ملابس خروج. تخطو خطوات تجاهها بدون أن تسقط أو تستند على شيء. تتساقط دمعتها من فرط سعادتها. لتقترب منها زهور، ترمي بنفسها بأحضانها.
زهور: حبيت أعملهالك مفاجأة.
أحلام تضمها إليها تنتحب بسعادة.
أحلام: الحمد لله يا رب الحمد لله. كده تخبي عليا وتسبيني قلقانة وهموت من القلق والخوف عليكي.
زهور: ننسى اللي فات.
لترفع وجهها.
زهور: ستي، وديني المركز لبابا أحمد. عايزة أعملهاله مفاجأة. هو تعب معايا كتير وأنا كنت قليلة الذوق معاه.
أومأت أحلام وأمسكت يدها وخرجتا من الشقة، تهبط الدرج بصعوبة لعدم تدربها على الصعود والهبوط. كادت تسقط لولا يد أحلام حتى انتهت من درجات المنزل لتخرج للشارع وتبعد يد أحلام عنها. تنظر للطريق بسعادة لتشير أحلام إلى عربة أجرة وصعدتا بها متجهين للمركز الخاص بأحمد.
أحمد جالس بمكتبه يراجع أحد التقارير مع هنا. ليدق الباب.
أحمد: ادخل.
ليفتح الباب وتدخل زهور بجوار أحلام.
زهور: بابا أحمد.
أحمد رفع عينه لأعلى ليهب واقفاً من مكان جلوسه وهو يرى تلك الواقفة أمام الباب. ليبتعد من مكانه وهو يرى خطواتها إليه وضحكتها على وجهها تحدثه مع كل خطوة تخطوها تجاهه.
زهور: وحشتني أوي يا بابا. آسفة إني زعلتك مني. حبيت أعملهالك مفاجأة وأجي بنفسي أشوف الدكتورة هنا وأتعرف عليها.
أحمد وقف أمامها تلقفها بيديه يدور بها وهو يضمها بسعادة.
هنا ببعض الحدة مما رأت من تبدل حال أحمد.
هنا: أحمد، مش كفاية كدة؟ خلينا أنا وزهور نتعرف على بعض.
أخرج أحمد زهور من أحضانه وأمسك بيدها وأجلسها بجواره بينه وبين هنا. وأشار إلى أحلام التي تنظر لهنا وامتعاض وجهها لتجلس بالقرب منهم.
أحمد: كده تتعبي أعصابنا الفترة اللي فاتت دي وترفضي تحضري جوازنا أنا وهنا.
زهور: سامحني يا بابا وحضرتك يا دكتورة غصب عني. كنت محتاجة أفضل لوحدي فترة أعتمد على نفسي وأستعيد قوتي. وأديني جيت أفرحكم معايا وأبارك لكم. وكمان كنت وعدت الدكتورة إني هاجي أزورها بنفسي.
ظلت فترة تتحدث مع هنا التي استشعرت غيرتها على أحمد منها. مهما حاولت هنا أن تداري مشاعرها وترسم الابتسامة على وجهها إلا وصلت تلك الأحاسيس لزهور لتستأذن بالذهاب.
زهور: أنا مبسوطة إني قابلتك أوي يا دكتورة، وإن شاء الله نتقابل قريب. بعد إذنكم لازم أمشي الوقت اتأخر وعندي جامعة بكرة.
خرجت زهور وأحلام دون أن تتحدثا.
يمر الليل بأحداثه، وفي الصباح ترتدي زهور ملابسها وتخرج لجدتها لتذهب معها لجامعتها بعد إلحاح من أحلام حتى تطمئن عليها.
ذهبت زهور لكلية الهندسة تسأل عن جدول محاضرتها ودخلت قاعة المحاضرة ترى عالماً جديداً عليها. شباب وبنات يجلسون بالقرب من بعضهم. ظلت تجوب بعينها بالمدرج تبحث عن مكان تجلس به، حتى وقع بصرها على مكان فارغ. ذهبت بخطواتها تحاول أن تسرع خوفاً من ملاحظة أحد عرج قدمها.
جلست بعد تعرفت على زميلة لها تجلس بجوارها بلباقتها.
زهور: السلام عليكم، أنا زهروان زياد، ممكن نتعرف؟
الفتاة: أهلاً زهروان، طبعاً. عارفك. كنت معاكي بالمدرسة بس عشان مكنتيش بتحضري كتير متعرفنيش. أنا ياسمين محمود.
تحدثتا سوياً وأخبرتها ياسمين بأنها سوف تعرفها على باقي زميلاتهم بعد المحاضرة.
أتى دكتور المادة بدأ بالشرح وزهور جالسة تستمع له بإنصات، تدون كل ما يقوله. بعد الانتهاء تعرفت على أكثر من زميلة. قامت ياسمين بتعريفها عليها.
مر اليوم، تبادلوا أرقام الهواتف. زهور طلبت منهم بعض المحاضرات التي فاتتها. قامت إحداهن بمساعدتها بشرحهم لها.
مرت الأيام وزهور تذهب للجامعة وتعود. أصبحت لا تقابل أحمد إلا نادراً حفاظاً على مشاعر هنا، وخاصة بتقرب هنا من رشا شقيقة أحمد.
زهور أصبحت حديث دكاترة الجامعة وطلابها بتفوقها ومناقشتها لهم. حاول الكثيرين التقرب منها، وخاصة بعض الشباب المشهورين بالجامعة، وأكثرهم جذباً للفتيات. تجنبتهم زهور بقدر الإمكان. جزبت أحدهم أصبح كظلها بالجامعة. حاولت الكثير أن تتلاشى الكلام معه مما زاد تعلقاً بها. أثار هذا حفيظة الكثير من الفتيات وأثارت غيرتهن، وخاصة من هن قريبات من ذاك الشاب. شارف العام على الانتهاء وهي تعاني من تنمر الفتيات عليها وكلامهم عليها بأنها تدعي البراءة وهي من تسعد بتقرب الشباب منها. حتى أنها انقطعت فترة عن الذهاب للجامعة واكتفت بمقابلة صديقتها ياسمين وأخذ المحاضرات منها. تذكرها جيداً. مما أثار شك أحلام. بدأت تسألها لتتهرب منها زهور وتخبرها كل يوم بحجة غير الأخرى. لتعود زهور للجامعة بصحبة ياسمين. فور دخولها المدرج وجدت من يجلس بجوارها يخبرها بسعادته بعودتها. يمسك كتابها ويكتب لها رقم هاتفه ويتركها تنظر في أثره بذهول. تشير إلى ياسمين وتحدثها.
زهور: شفتي بجاحة بالشكل ده؟ هو فاكر نفسه مين؟
ياسمين: متزعليش مني يا زهور، بس كل اللي بالجامعة بيحسدك على جمالك. وليه حق يجنن ويعمل أكتر من كده. مش بتشوفي وشك بالمراية ولا جمال عيونك يا بنتي؟ ده أنا بنت وعيونك جننوني. بق مش عايزة أبطل أبص فيهم. لونهم غريب، لا تعرفيهم أزرق ولا أخضر. حاجة كده تخطف القلب.
زهور: ياسمين انتي بتكلمي بجد؟ إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ أنا مستغرباكي.
ياسمين: يا بنتي حقك تفرحي، كل شباب ودكاترة كلية الهندسة بدفعاتها الخمسة هيجننوا عليكي. وتاني مرة بقولك ليهم حق أدب وجمال وأخلاق وتفوق. والله أنا كلمت ماما عليكي نخطبك لأخويا سيد.
زهور: تضرب كف بالآخر. والله مجنونة! يابنتي بقي عايزاني أجوز سيد أخوكي اللي في ثانوي؟ لا كمان أبقى مدام سيد!
لتضحكا معاً، لتختفي ابتسامتها تدريجياً وهي تسمع ما تلقيه عليها إحدى الطالبات، كلمات إهانة وتسبها أبشع السباب.
الفتاة: تقف أمامها وتشير عليها. بقي انتي اللي سامح سابني عشانها!
زهور: تنظر لها ببلاهة وتحدثها. نعم؟ سامح مين؟ لا مؤاخذة وسابك إزاي يعني؟
الفتاة: لا والله متعرفيش؟ بقي متعرفيش مين سامح؟ سامح اللي لسه كان قاعد جنبك وبيكتبلك رقمه على الكتاب حالا؟ ولا بقي هتعملي لي فيها وتقولي محصلش!
زهور: هو فرقع لوز ده اسمه سامح؟ تصدقي مخصليش القرف عشان أعرفه، ولو على الرقم أنا شطبت عليه وتقدري تتأكدي بنفسك.
لتفتح زهور كتابها ترفعه أمام عين الفتاة التي نظرت تجاه زهور بكراهية، تشير بإصبعها.
الفتاة: عمايلك دي تعمليها على حد غيري، أنا ما بيضحكش عليا بسهولة. أنا مش هقولك هعمل فيكي إيه، ماهو العيب ده وتمثيل التقل عليه لحد ما يقع فيكي ما يخليش عليا. وبقولك أهو ابعدي عنه أحسن لك.
لتتركها زهور تستشيط غضباً، تتوعد بداخلها لزهور بالانتقام منها.
زهور عادت لبيتها بعد يوم طويل لم تسلم فيه من نظرات الشباب لها وحديث الفتيات عليها. بالرغم من ملابسها العادية غير الملفته، لكن طالتها تخطف القلوب قبل العقول. قررت أن تبدل مظهرها وملابسها. لتقوم زهور برجوع لملابسها القديمة، البنطال الواسع والحجاب الطويل الذي يصل لمنتصف ظهرها والبلوزة الواسعة الثقيلة. وقامت بإخفاء نصف وجهها بالحجاب حتى تتجنب تلك النظرات.
لتصدم ياسمين من تلك الملابس التي ترتديها زهور.
سامح فور رؤية ياسمين تدخل الجامعة بدون زهور كما يعتقد، ذهب إليها يسألها عنها. ليصدم وهو يرى زهور هي التي بصحبة ياسمين. ليقترب منها جاذباً إياها من يدها.
سامح: ليه متصلتيش عليا طول الليل؟ مستني اتصالك.
زهور: أبعدت يده عنها وقامت بصفعه على وجهه بكف يدها، تحدثه بنبرة حادة.
زهور: انت اتجننت؟ إزاي تمسك إيدي بالشكل ده؟ وتطلع مين انت عشان أتصل عليك؟ أنا بحذرك لو قربت مني مرة تانية شوف اللي هيحصلك.
لتتركه يستشيط غضباً، ويقسم لها بأنها ستأتي لتعتذر منه عن قريب.
مرت الأيام على زهور، تأتي الجامعة على معاد المحاضرات، لا تبرح مكانها حتى تنهي كافة محاضرتها وتعود لمنزلها. وأحياناً تذهب إلى محل جدتها تقوم بإصلاحاتها والمكوث هي للبيع. حتى أتى شرف العام على الانتهاء. وأثناء زهور جالسة مع ياسمين وباقي زميلاتها، وجدت من تقف أمامها. لترفع زهور عينها تجد فتاة تبغضها بشدة. لتكز على أسنانها محاولة تمالك أعصابها ولا تثير أي مشكلة بالقرب من انتهاء العام الدراسي.
الفتاة: زهور بنت سلسبيل هنا بالكلية؟ معقولة دي؟ بس كان لازم أعرف من أول يوم. وأنا بقول ليه ريحة الكلية متغيرة؟ تحسها تقرف. ريحتها زي الطماطم المفعصة.
لترفع زهور عينها لمن تحدثها لتتهكم وتبعد عينها عنها وتحدثها بنفس أسلوبها مع نظرة استحقار لها لما ترتديه وطريقة كلامها.
زهور: أكيد ريحة الجامعة كلها هتتغير، مش انتي جيتي يا بنت سمير جابر بياع الخصار والطماطم المفعصة.
الفتاة: تشير على نفسها وتنظر لها بحقد. بقي بابي أكبر تاجر بالسوق وابن كبير السوق؟ اللي انتي كنتي شغالة فيه يوم من الأيام؟ حتة بياعة في محل من محلاته؟ وآخر اليوم تروحي يا حرام بشوية خصار وطماطم مفعصين!
زهور: بسخرية. آه فعلاً كنت بياعة بالسوق، بس مش عند المخروص أبوكي. أنا كنت ببيع على فرشي وبضاعتي. والطماطم المفعصة دي أبوكي كان بياكلها لك على إنها فاكهة جديدة نازلة السوق.
الفتاة: بقي أنا يتقالي الكلام ده يا بنت الحرام؟ والله لأفضحك في الجامعة كلها وأعرفهم مين هي زهور بنت سلسبيل.
زهور: وهي الحقيقة بتوجع. وعلى العموم أنا مابتهددش. وأعلى ما في خيلك اركبيه. وأنا زهرة زياد عبد الرحيم. وريني هتعملي إيه.
ذهبت الفتاة وهي تستشيط غضباً، وتتوعد لزهور.
استأذنت زهور من زميلاتها وعادت لمنزلها. لم تخبر أحد بذلك. ليمر اليوم عليها شاردة. حاولت الاتصال بأحمد تتحدث معه لعله ينصحها ماذا تفعل مع تلك الفتاة التي تتعمد إهانتها وتشويه سمعتها أمام زميلاتها عن عمد.
لتمر الأيام عليها. تذهب إلى كليتها لتصدم بابتعاد صديقاتها عنها ونظرات الاستحقاق التي ينظرون لها بها. حتى ياسمين بدأت تتحجج بأي سبب وعدم الجلوس بجوارها بمكانهما المفضل. لتصدم بصورة لها تقف تبيع الخضار بمحل جدتها وكلمات الفتاة عنها. لتبتسم بسخرية على هؤلاء الذين يأخذون بكلام الناس دون أن يفهموا حقيقة الأمور. وما العيب في عملها كبائعة تقتات قوت يومها بالحلال. لتمر الأيام. زهور أصبحت لا تكترث لأحد. تذهب لجامعتها صباحاً وتعود تذاكر طوال الليل. ليمر العام الدراسي بصعوبته ومشكلاته. وتأتي أيام الامتحانات التي عانت زهور بها تنمر زميلاتها عليها. وخاصة تلك الفتاة.
مرت الأيام عليها، قاست به المرار بكافة أنواعه. لم تتذمر أو تغضب ربها. لكن دائماً هناك غصة بحلقها.
تمتحن المادة وتذهب سريعاً لبيتها. حتى آخر امتحان لها. تجد من يقف أمامها وعينه تمشط جسدها. وهذه الفتاة تقف بالقرب منه. يقترب منها يتوعدها لها ويهمس في أذنها. عاملة نفسك طاهرة وعفيفة. وإنتي بنت حرام. النهاردة تجيلي العنوان اللي هقولك عليه. اللي هتلاقي كل اللي بالجامعة يعرفوا حقيقتك. يا أه صحيح. اسم الشهرة طلع جميل زيك. زهور. هستناكي الساعة تسعة.
ليملي لها العنوان ويذهب، تاركاً إياها تقف مصدومة وجسدها ينتفض. لتعود مسرعة لبيتها تلقي بنفسها على الفراش تبكي بحرقة على حالها وما عانته طوال عمرها من شيء ينتسب لها وتهان عليه ولقب التصق بها. لتعપોعدل بعد وقت وتذهب لتتوضأ وتصلي فروضها. تدعو الله بمساعدتها والانتقام بمن ظلمها وأنسب لها ماليس بها. لتقرر المكوث بالبيت. وابتعدت عن الخروج نهائياً. أخبرت جدتها لتقنعها بعدم خروجها. أنها تعمل على نفسها. تقرأ في كافة المجالات لتوسع إدراكها. تعمقت بالكتب الدينية وكتب الفلسفة. كل عدة أيام تتصل للاطمئنان على أحمد. تجنبت هنا تماماً.
مرت الإجازة عليها. لم تخرج بها إلا مرات تعد على الإصبع الواحدة. ليأتي لها خبر ظهور النتيجة. لتقنعها جدتها بالذهاب للجامعة لإحضار نتيجتها. لتصدم بمن يقف أمامها بسيارته وعينه لا تبشر بالخير. لتتركه وترحل سريعا من أمامه. ليترجل من سيارته ويذهب خلفها ينادي عليها بالوقوف. لتسرع لخطواتها. لتجد بمن يحضنها من الخلف يحدثها بهستيريا.
زهور تحاول نزع يدها من بين يديه. تدفعه بعيداً عنها. كلما اقترب منها لتنجح في ذلك. لتهرول مبتعدة عن المكان. لتقف متسمرة وهي تجد الفتاة التي توعدتها من قبل. وبجوارها ابنة سمير جابر التي أهانتها قبل ذلك.
الفتاة: مش قلتلك قبل كده تبعدي عن سامح نهائي؟ بس انتي مسمعتيش الكلام وفضلتي ترسمي عليه لحد ما وقعتيه بحبك. ولما اتمكنتي ظهرتي من تاني بحجة النتيجة. بس على مين؟ دا أنا طول الفترة اللي فاتت وأنا مستنية اليوم ده بفارغ الصبر.
زهور: تتلفت للخلف خوفاً من ذلك الذي يلحقها. لتقوم الفتاة بجذبها من حجابها محاولة خلعه لها. لتمنعها زهور ويصل الأمر إلى حدوث مشادة بينهما. تطورت إلى التشابك بالأيدي. لتجد زهور نفسها محاطة بعدة فتيات. لتلتفت لصوت تبغضه بشدة.
لتغمض عينها وتفتحها لعلها يخيل لها ذلك الصوت. ليُمتعض وجهها وهي تسمعه مرة أخرى.
لتهمس لنفسها. طلعتي لي منين يا سكرة؟ وإيه اللي لم الشامي على المغربي؟ ليدوب الخوف أوصلها وهي ترى سكرة ومعها بضع فتيات يقتربن منها. لتلتفت حول نفسها لعل أحد يساعدها.
سكرة: تضحك ضحكة شامته. والله وجه اليوم اللي هشفي غليلي منك. دا أنا مصدقت البنات دول جولي وقالوا عايزين يعرفوا عنك كل حاجة.
زهور: تبتلع لعابها بصعوبة وهي ترى سكرة والفتايات يضيقن الحلقة حولها. تحاول دفعهم بعيداً وهي تصرخ بهم. كادت أن تنجح بالفرار من بينهن لتسقط أرضاً. أثر ضرب إحداهن لها على رأسها بشيء حاد. لتغمض عينها وهي تستمع لمن ينادي عليها وفرار الفتيات من حولها. لتسقط مغشياً عليها. لم تعِ لحالها إلا بعد فترة طويلة. تفتح عينيها بصعوبة تشعر بألم في رأسها من الخلف.
زهور فتحت عينيها تجد حالها ممددة على الفراش. تقف أمامها أحلام.
أحلام: تنظر لها بعتاب شديد.
زهور: تحدثها. هو إيه اللي حصل وجيت هنا إزاي؟
أحلام: إزاي؟ دي ناس اتصلوا بيا وقالولي إنك هنا. واحد جابك هنا وقال إنه لقاكي واقعة قريب من الكلية غرقانة في دمك.
زهور: آه، قالتها وهي تحاول أن تعتدل بجلستها تتأوه بألم. تحاول أن تتذكر كيف أتت للمستشفى. ومن أحضرها.
تنظر إلى أحلام الواقفة تنظر لها بعتاب، لتحدثها.
زهور: ستي مالك فيكي إيه؟ بتبصلي كده ليه؟
أحلام: خبيتي عليا ليه كل اللي كان بيحصل معاكي بالكلية؟ والبنت اللي عملت معاكي الخناقة دي ليه ما وقفتيهاش عند حدها من البداية؟ وسبتيها تتمادى معاكي. ومين الوالد ده اللي كنتم بتتخانقوا عشانه؟
زهور: ماهي مقلتش حاجة جديدة. كل اللي قالته الدنيا كلها عرفه. أنا زهور بنت سلسبيل بياعة في السوق. ماليش أب ولا أم. أن كنت سبتها سبتها عشان تعبت من المنهدة سنين وأنا على الحال ده. في البلد وهنا. لتصدم متذكرة كلام أحلام وقصدك إيه بالولد اللي بنتخانق عليه. إزاي تقولي كده عليا؟ انتي مش عارفة زهور تبقى إيه.
أحلام: لا عارفة زهور تبقى إيه قوي. بس الكلام ده اللي اتقال في التحقيق لما قبضوا على البنات اللي ضربوكي.
زهور: وصدقتي الكلام ده؟ وإنتي تعرفي كل حاجة عني وإني تربيت إيدك؟ ولا خفتي اللي يطلع زي المثل ما بيقول: اقلب القدرة على فمها تطلع البنت لامها.
أحلام: تقترب منها. قطع لسان اللي يجيب سيرة سلسبيل بالباطل. ومين قال إني شاكة فيكي؟ أنا بس بقول اللي اتقال عليكي.
زهور مقاطعة كلام أحلام تتحدث بوجع:
"ستي أنا خلاص كرهت كل حاجة، ومن هنا ورايح معتش رايحة الجامعة. هاخد حق كل كلمة اتقالت عليا، وهنزل أشتغل بالسوق من تاني. ومش بس كده، هوافق على الجواز من جابر كبير السوق وهنتقم من كل واحد أذاني بالفعل وبالكلام. ومتقوليش مستقبلك وعلامك، مهو خلاص معتش فارق العلام في حاجة بعد اللي حصل والكلام اللي اتقال."
أحلام بذهول مما تسمع:
"إنتي اتجننتي؟ إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ عايزة تسيبي علامتك وجامعتك اللي حربتي طول عمرك لحد ما خلاص حطيتي رجلك على أول السلم؟ تقولي هرجع سوق؟ إيه اللي ترجعيه؟ وعايزة تجوزي جابر اللي قرب على السبعين؟"
زهور ملتفتة للجهة الأخرى:
"قلت هجوز جابر يعني هجوزه."
أحلام صمتت فلا تريد أن تزيد معاناتها، لتجلس فترة طويلة لتأتي فكرة برأسها وتخرج خارج الغرفة وتجري اتصال هاتفي.
***
تخرج أحلام من المستشفى تذهب إلى بيتها. تجمع أغراضها ومدخراتها وتذهب إلى منزل روحية.
أحلام:
"السلام عليكم يا روحية، أمال بدير فين؟"
روحية:
"في الجامع بيصلي المغرب."
أحلام:
"ده مفتاح الشقة، أديه لصاحبها والأيجار أهو. وأنا هنزل. لو قبلت بدير يبقى خلاص، لو رجع وقال لك مشفتهاش يبقى تخليه ييجيني المستشفى ضروري."
روحية:
"أحلام، واخدة شنطة هدومك ورايحة فين؟ وليه هتسيبي الشقة؟"
أحلام:
"بدير هيفهمك كل حاجة، مفيش وقت. أنا اتأخرت على زهور، ممكن تكون فاقت."
خرجت أحلام مسرعة للخارج لتقف وهي ترى بدير أمامها.
بدير:
"السلام عليكم، كنت لسة هعدي عليكي في البيت أنا وأمي."
أحلام:
"اديني جيت لك أهو برجلي. عايزة أسألك كام سؤال وتجاوبني بصدق، والكلام اللي هقوله مش عايزة مخلوق يعرف بيه."
بدير وهو يخطو بجوارها، يحمل حقيبتها ليستشعر ثقلها ليرفعها على كتفه ويكمل:
"اسألي براحتك، ووكيلك ربنا. مفيش حرف هيخرج من بقي لأي مخلوق."
أحلام:
"أنا هاخد زهور وهنرجع من تاني الحارة. بس في كام حاجة عايزة أعرفها منك، بقالي سنين بحاول أسألك بس مجتليش الشجاعة."
بدير:
"اتفضلي، تحت أمرك. اسألي زي ما أنتِ عايزة."
أحلام:
"ماجد حكى لك إيه عني؟ وليه سبت الحارة؟ والناس هناك قالوا إيه عليا؟"
بدير:
"عم ماجد راجل محترم، مقلش حاجة غير إنه خزلك وليكي حق متعبرهوش بعد سوء الفهم اللي حصل ما بينكم، وإنه يتمنى الزمن يرجع لورا عشان ميعملش اللي عمله. بس مراته وأمه زعلانين منك أوي عشان مشيتي من غير ما تسلمي عليهم وتودعيهم. وأهل الحارة فيهم اللي قال ليه مشيتي فجأة وأنا أظهر فجأة، وكمان كتير ما كانوش يعرفوا إنك كنتي متجوزة وكمان مخلفة."
أحلام بتمتمة:
"كان في واحد عايزة أسأل لك عليه، تعرفه ولا لا؟"
بدير:
"ممكن تعرفيني ليه القرار المفاجئ ده؟ وليه دلوقتي بعد زهور ما دخلت الجامعة؟"
أحلام قصت على بدير ما حدث لزهور، قرار زهور وتصميمها عليه.
"هو ده كل اللي حصل، مالقتش قدامي غير كده. وأهو الحمد لله الدكتور أحمد هيساعدني في نقلها لجامعة القاهرة، ووحدة وحدة هتتعود على الوضع هناك."
بدير:
"لله الأمر من قبل ومن بعد. ليه نفرس الناس بقت وحشة بالشكل ده؟ والله حرام اللي بيحصل ده. ليها حق زهور تعمل أكتر من كده. وعلى العموم، أنتي كمان ليكي حق تخافي عليها وتبعدي بيها عن هنا."
ليقف يشير إلى عربة أجرة ويلتف لأحلام معتذرًا:
"أخذني الكلام، هو مين اللي عايزة تسألي عليه؟ ولو أعرف عنه حاجة مش هخبي عليكي."
أحلام تصعد إلى السيارة:
"خلاص ملوش لازمة. مفاتيح الشقة معاك ولا مع ماجد؟"
بدير:
"المفتاح البيت مع عم ماجد."
يغلق الباب خلفها ويتجه إلى الخلف بعد أن أشار للسائق بفتح شنطة السيارة ليوضع الحقيبة بها ويغلقها، لينطلق السائق مسرعًا بعد أن أخبرته أحلام بالعنوان.
بدير:
"لا حول الله. استعجلت، كنت هديها رقم المعلم يحي مفتاح المحل والحسابات معاه. على العموم، هتصل عليها لما توصل أقول لها، وبرضه أعرف المعلم يحي يسلم ليها المحل وحساب السنين اللي فاتت."
أحلام قبل ذهابها للمستشفى لزهور، أخبرت السائق بالتوجه إلى البلدة وأعطائه ما يطلبه بالكامل، ليوافق السائق ويتجه بها إلى البلدة بأقصى سرعة. ليصل بمدة أقل من العادة، لتتوجه لشيخ الجامع مباشرة.
تهبط من السيارة تخبر السائق بانتظارها. تتجه للمسجد ترسل صبيًا ينادي على الشيخ ليحضر لها وعلى وجهه ابتسامة مشرقة.
الشيخ:
"فور رؤيتها بنت حلال يا ست أحلام، كنت بفكر فيكي من شوية وأقول يا ريت أعرف أوصلك. الشيلة بقت كبيرة وتقيلة والعمر معتش فيه قد اللي مضى."
أحلام:
"ربنا يديك الصحة وطول العمر يا سيدنا."
الشيخ:
"الحمد لله على قد كده. مش عاوز طولت العمر، دي أهم حاجة رضا ربنا والموت على طاعته. المهم اتفضلي معايا جوه على البيت عشان تستلمي إيراد أرضك. على ما أشيع حد ينادي للمؤجر تتفقوا سوا على الجديد."
أحلام:
"بس أنا جاية النهاردة عايزة أبيع البيت والأرض، لأن خلاص هرجع من تاني أعيش بمصر."
الشيخ:
"بس فاتك حاجة يا ست أحلام، البيت والأرض انتي كتبيهم باسم بنت بنتك ومعتش ليكي الحق في بيعهم."
أحلام:
"آه راح بالي الموضوع. على العموم، أنا يدوب الحق أمشي والمؤجر على حاله. ولو في العمر باقية هاجي مرة تانية أزورك وآخد الإيجار، أو زهور هي اللي تيجي، ماهي أرضها وحقها."
لتمد يدها وتأخذ ظرفًا من الشيخ وتستأذنه. وقبل أن تخرج من المنزل، وقفت تتردد في سؤال تود طرحه.
الشيخ من الخلف:
"قولي اللي في جوفك، وخلاكِ عايزة تبيعي الأرض."
أحلام تلتفت له:
"شفيق وابنه، حصلهم إيه؟"
الشيخ:
"ربك مخلص حقوق الناس. الصافي دخل السجن وشفيق اتقتل من شهرين على إيد مراته نادرة، ومحدش فاهم السبب اللي خلاها تقتله."
أحلام:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. شفيق اتقتل."
لتنزل دمعة من عيونها جففتها سريعًا وتخرج بعد شكر الشيخ وتتجه إلى السيارة. صعدت بها وانطلق السائق عائدًا للمدينة مرة أخرى.
أحلام تجلس شاردة فيما حدث لشفيق، تشعر بالشفقة عليه. تتذكر يوم أن ساعدها تهرب من براثن ابنه منذ سنوات، لتترحم عليه وتدعو له بالمغفرة والرحمة.
لتفيق على أخبار السائق لها بالوصول أمام مستشفى طنطا العام كما أخبرته، لتعطيه أجرة الذي طلبه بالكامل وتهبط من السيارة تطلب منه انتظارها مرة أخرى لإيصالها للمحطة، فقط ينتظرها قليلاً لحين إحضار حفيدتها من الداخل.
تتوجه للداخل المستشفى بخطوات سريعة حتى وصلت لغرفة زهور، تجد الدكتور أحمد وهنا يجلسون مع زهور يتحدثون معها يحاولون إقناعها بالعدول عن ما تنوي عليه.
أحلام:
"ألقت السلام عليهم وشكرت أحمد لتلبية طلبها والجلوس مع زهور لحين عودتها."
أحمد:
"بتشكريني على إيه يا ست أحلام؟ زهور بنتي وحزين على اللي حصل ليها وإنها تتنازل عن حقها بالشكل ده، وكمان تتنازل عن اتهام اللي عملوا فيها ده مزعلني أكتر."
أحلام تنظر لزهور بابتسامة:
"زهور عندها حق في اللي عملته، هتستفاد إيه من حبسهم وضياع مستقبلهم؟ كفاية عليها تفوض أمرها لله ياخد حقها منهم."
زهور:
"مين قال إني مش هاخد حقي بإيدي؟ أنا صحيح اتنزلت عن حقي ومعترفتش عليهم عشان هخرج لهم وآخد حقي بنفسي من كل واحد منهم."
أحمد:
"شفتي كلامها اللي بتقوله."
أحلام تنظر له وتغمز بعينيها:
"زهور عندها حق، أنا رأيي من رأيها. لازم تاخد حقها منهم بالطريقة اللي تريحها، بس من غير ما تغضب ربنا ولا تسيب جامعتها."
زهور تتنهد بضيق من حديث أحلام، لم تقم بالرد.
أحلام تبتسم على حركات زهور:
"ساعدني يا دكتورة هنا، نسند زهور تاخد العلاج عشان متتعبش بالوجع."
لتُعطيها هنا الدواء وأحلام تساعدها على الجلوس، لتمر لحظات وتُغمض زهور عينيها.
أحلام:
"متشكرة أوي يا دكتورة. لولا فكرتك بالمنوم كانت غلبتني في الخروج والسفر."
لتلتف لأحمد:
"جميلك مش هنساه طول عمري، لا أنا ولا زهور."
أحمد ينظر لزهور بحب وحنان:
"مع إني حزين على بعدها عني، بس الأهم هي تبعد عن هنا وتشوف مستقبلها. ومتقلقيش من بكرة، إجراءات نقلها لجامعة القاهرة هتم. أنا وكلت المحامي بتاعي وزميل ليا بالمتابعة، وأنا إن شاء الله هجيب هنا وكل فترة هنزوركم."
ليقوم بمساعدة أحلام هو وهنا ووضع زهور على كرسي متحرك ويخرجان بها من المستشفى ويساعدنها بوضعها بالتاكسي والذهاب خلفها حتى المحطة. وساعدنها في نقلها مرة أخرى على الكرسي وأوصلوها للقطار حتى أجلسوا زهور بالمكان المخصص لها بجوار أحلام، لتقوم بإسنادها ووضع الحقيبة أمامها، لتشكرهم مرة أخرى ويودعها أحمد وهنا ويترجلان من القطار. يقفان يلوحان لها حتى اختفى القطار. ليمر وقت قليل وتتململ زهور من نومها لتُصدم وهي تفتح عينيها لتري نفسها بالقطار، لتلتف لأحلام بصدمة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم منى عبدالعزيز
أفاقت زهور من نومتها تشعر بدوار. تفتح عينيها على أصوات عالية وصفير قوي، لتفتحها بصدمة.
تلتفت جوارها تجد أحلام تبتسم لها.
أحلام: حمد الله على السلامة يا حبيبتي.
زهور: ستي، إحنا فين؟ وإيه اللي ركبنا القطار؟
أحلام: اصبري عشر دقايق، القطار خلاص وصل المحطة ننزل وهحكيلك كل حاجة.
ظلت زهور تنظر لأحلام بعتاب شديد، وأحلام تترجاها بعينيها أن تنتظر. لتتنفس زهور بضيق وتلتف للنافذة تنظر منها حتى توقف القطار. هبطت ممسكة بيد أحلام التي تتمسك بها وتحمل حقيبتها. تنظر حولها باستغراب، كل شيء تغير حولها، لم تعد تعرف أي طريق تسلك.
لتقف في مكان بعيد عن الزحام وهي لازالت ممسكة بيد زهور التي تتلفت حولها.
أحلام: إيه ده، هنروح فين ونيجي منين؟ الدنيا اتغيرت خالص.
زهور تنظر حولها تشعر كأنها تحلم. قدميها تكاد لا تحملها من هول ما تشعر به. تناست تعبها وألمها. كل شيء حصل معها، كل ما جال بخاطرها هو أنها خرجت من قوقعتها، وصلت إلى المكان التي تمنت زيارته طوال الأعوام الماضية.
لتلتف لأحلام تتوسلها.
زهور: ستي، أيًا كان، إنتي جبتينا هنا ليه وهنروح فين؟ أنا طول عمري بحلم باليوم اللي هجي فيه مصر. وحياة أغلى حاجة عندك، عايزة أشوف مصر حتة حتة وأروح الأهرامات والحسين والسيدة زينب. نفسي ألفها شبر شبر وكل الأماكن اللي قلتي لي عليها وإنتي بتحكي لي عن حياتك إنتي وستي أمل وأنتم صغيرين. تفرجي لي عليها.
أحلام بابتسامة: حاضر، هعمل كل ده بس أخرج بس من المحطة الطويلة العريضة دي. أنا باين لي حسبتها غلط، وكنت فاكرة هاجي ألاقي كل حاجة على حالها.
زهور: تعالي نسأل حد من بتوع الأمن هنا على المكان اللي إنتي عايزة تروحيه.
توجهتا إلى أحد أفراد الأمن وأخبرته أحلام بالمكان الذي تود الذهاب إليه، ليخبرهم بالطريق الذي تسلكه وأي وسيلة مواصلات تركب.
زهور: اهو عرفتي المكان وهنروح إزاي؟ بينا نلحق نود الشنطة ونريح شوية وبعدين نتفسح براحتنا.
أحلام بتوتر: طيب، إيه رأيك نقضي كام يوم في أي فندق على قدنا لحد ما تخفي وتستعيدي عافيتك وتزوري الأماكن اللي قلتي عليها، وبعدين نروح الحارة؟
زهور: بس هتحكي لي امتى وإزاي خططتي تجيبنا هنا وإنتي كنتي رافضة؟ ولا طلعتي خطيرة يا حلم وأنا معرفش بتخططي زي بتوع السيما؟ فكريني بالحق ندخل سينما كمان.
أحلام: تعالي يا لمضة نخرج من المتاهة دي وبعدين أحكيلك كل حاجة من طقطق للسلام عليكم.
خرجت زهور وأحلام بعد سؤال أكثر من شخص، لتصلا إلى عربة أجرة. طلبت أحلام التوجه إلى أحد الفنادق المتوسطة.
مر شهر كامل وزهور وأحلام يقيمان في أحد الفنادق. يخرجا معًا كل صباح لزيارة مكان ويعودا بالمساء على النوم. وهكذا حتى انتهت تقريبًا من كل الأماكن واستعادت زهور عافيتها ونشاطها البدني وتحسنت حالتها النفسية والمزاجية.
أحلام تجلس شاردة، مر الشهر عليها كأنه ساعات. كل يوم تنوي الذهاب إلى الحارة وتتحجج بزهور.
زهور: ستي، أنا خلاص جهزت الشنطة ولبست. يلا، دوب نحاسب ونمشي قبل المغربية.
أحلام: يلا بينا.
نزلا معًا، توجها إلى الاستقبال وأنهوا حسابهم. وبعد ذلك خرجتا معًا لتشاور زهور إلى سيارة أجرة وتصعدا معًا.
السائق: على فين يا هوانم؟
أحلام: على حارة الخضري لو سمحت.
السائق: يا دي النهار اللي مش معدي، ما لقيتيش غير المشوار المعقرب ده.
أحلام: ليه يا ابني؟ دي حتى حارة هادية وناسها كمل، ومن أجمل حواري شبرا وروض الفرج.
السائق: من إيه؟ بقولك إيه يا حاجة، شكلك كده قديمة وما جيتيش هنا من زمان. فتنزلي هنا وشوف لك تاكسي تاني يوصلك.
زهور بعصبية: نعم! هو إيه؟ ننزل في نص الطريق؟ إنت هتكمل المشوار بالذوق بالعافية هتكمله.
السائق: اوقف العربية وأشار إلى باب السيارة. بقولك إيه يا حاجة، خدي العيلة دي وانزلي. الحارة دي أنا مبدخلهاش، وياريت تناوليني أجرتي من سكات.
زهور بغضب: طيب، ما نزلناش ورينا هتنزلنا إزاي؟ ومن سكات شغل العربية وبصك على الحارة. لتخرج من حقيبتها شيئًا وتقربه منه من الخلف وتكمل حديثها: هتطلع بمزاجك ولا نخليها تقلب؟
أحلام تنظر لزهور برعب وهي ترى وجه السائق وامتعاضه.
السائق: استهدي بالله يا أبلة، خلاص خلاص هطلع. بس أنا مش داخل الحارة من جوة، هتنزلي أولها.
أحلام: وماله، أولها أولها، حتى أتمشى شوية. الحارة وبيوتها وناسها وحشني.
السائق: إنطلق تجاه الحارة وهو يسب ويلعن تحت أنفاسه. ليصل للحارة ويلتف إلى أحلام وزهور ويتحدث بفاه مفتوح هامسًا لنفسه: أوبا، يا دين النبي! هو أنا كنت عبيط وعنيا مدغششة؟ مشفتش القمرين اللي راكبين التاكسي؟ أما أنا طلعت.
أحلام مدت يدها: أجرتك يا أسطى، بس كمل جميلك ونزل لنا الشنطة.
السائق يبلع لعابه وهو ينظر إلى زهور: من عنيا. بس خليكي مكانك، أنا هوصلكم لحد عتبة البيت.
زهور: شكرًا، مستغنيين عن خدماتك وعنييك اللي واخدأهملك.
السائق: والله ما تحصل، لازم أوصلكم يعني لازم أوصلكم. ليهمس لنفسه: ماهو لازم أعرف العنوان. ليقود السيارة لداخل الحارة وعينه كل لحظة وأخرى ينظر إلى المرآة الذي سلطها على وجه زهور.
أحلام تنظر من النافذة بصدمة تضرب صدرها: إيه ده؟ هي الحارة اتغيرت كده ليه وشوارع متكسرة وضيقة؟ الله أكبر! إيه الزحمة دي؟
السائق: بقالك كتير ما زرتيش الحارة يا ست الكل.
أحلام بحنين تنظر إلى أحد المباني: بقالي فوق التمنتاشر سنة.
السائق: يااه، ده عمر تاني.
أحلام: بس يا أسطى، نزلنا هنا عند القهوة. ويا ريت تنزل الشنطة.
السائق: معاكي تليفون يا آنسة؟
زهور: نعم.
السائق: بسرعة، مخك ما يروحش لبعيد، عشان أديكي رقم تليفوني تتصلي عليا منين ما تحبي تروحي مشوار برة الحارة.
زهور: لا، ما معناش تليفونات واحنا مش ناوين نخرج برة الحارة.
لتترجل من السيارة تقف جوار أحلام التي تنظر لمباني الحارة بزهول وحنين. تدمع عينها وهي ترى الواقفة بالشرفة، لتلتف إلى مكان ما تنظر له. لتجد زهور تقترب من أحدهم.
زهور فور نزولها من التاكسي وقفت بجوار أحلام، ليلفت نظرها خناقة بين شابين، وأحدهم ممسك بسلاح أبيض يرفعه بيده وسط وقوف الجميع. ينظرون له ولا أحد يتدخل. لتترك الحقيبة التي تحملها وتهرول تجاه الشاب الحامل للسلاح وتباغته من الخلف وتسقط منه السكين الذي يمسكه بيده. لتهبط مسرعة تلتقطه بيدها. ليلتف لها ذلك الشخص يصرخ بها ويرفع يده لأعلى. لتباغته هي بضربه أسفل الحزام وتهوي على وجهه بكف تردد صوته بالمكان. ليصعق الجميع ويلوذ الآخر بالفرار. وزهور تقترب منه حاملة السكين بيدها.
لترفع عينها لأعلى على صوت سيدة تصرخ وتسبها. فجأة تصمت السيدة وترى جدتها. تنظر لها. لتصرخ السيدة منادية: أحلام! أحلام! أحلام رجعت! لترحل السيدة من الشرفة.
ليعم الصمت المكان. يهلهل البعض والآخر يقترب من الشاب الذي ينظر إلى زهور بتوعد.
زهور: بص على قدك يا عم وخد اللعبة بتاعتك دي وروح شوف بتعمل إيه.
الشاب بغضب وصوت عالي: إنتي مين إنتي؟ وإزاي تمدي إيدك عليا؟ لولا إنك بنت كنت فرجت عليكي الحارة وسففتك تراب الأرض.
زهور: طيب ما تورينا شطارتك.
لتقترب منها أحلام مسرعة تجذبها من يدها.
أحلام: زهور، تعالي هنا! هو ده الكلام اللي والوصايا اللي بقالي شهر بقولهالك؟ عجبك كده؟ الناس بتتفرج علينا والعملتيه ده إيه لازمته؟
زهور: خبارية يا ستي، الواد كان هيقتل زميله بالسكينة.
أحلام: ما المكان مليان رجالة أهو كانوا هيدخلوا، إنتي مالك؟
زهور: هم فين الرجالة دول؟ واقفين يتفرجوا وخايفين يقربوا.
ليلتفتوا على صوت سيدة تخرج من الباب مسرعة تضم أحلام وهي تصرخ باسمها.
أحلام ببكاء: نيفين، وحشاني أوي يا نيفين.
نيفين ببكاء: كده يا أحلام؟ هانت عليكي العشرة؟ تمشي ومتقوليش إنك ماشية ولا تسلمي علينا؟ تروحي وتقولوا عدولي.
أحلام: ظروف يا نيفين، وأهو رجعت للحارة من تاني وهحكيلك كل حاجة.
نيفين بسعادة: تعالي اتفضلي على فوق، ده الولاد هيفرحوا أوي لما يشوفوكي. استني استني، ده ماجد هيفرح أوي برجوعك.
لتخطو خطوات عدة لزقاق ضيق وتقوم بمناداة شخص يقف بوجه عابث ينظر للمارة من زجاج المحل، يوجه لصديقه الحديث: شهر يا ماجد وما جتش، وبدير متصل عليا ومأكد إنها جاية وطلب مني أسلمها المحل. وإرادته هتجنن يا ماجد هتجنن! بعد ما الأمل رجع لقلبي من تاني وقلت خلاص هترجع وهطلب منها السماح. شهر كامل ولا حس ولا خبر.
ليصمت على صوت نيفين تنادي: ماجد! يا ماجد! تعال شوف! أحلام رجعت! يا ماجد! أحلام رجعت!
ليخرج مسرعًا من المحل، قدماه تكاد لا تلامس الأرض. ليقف أمام أحلام. لتنظر زهور له تتفحصه، رجل في خمسيني يلبس جلباب طويل وذو شارب ولحية خفيفة، وخلفه آخر في نفس عمره يلبس قميص وبنطال ونظارة.
الشخص يقف أمام أحلام الذي تسمرت مكانها. تنظر له برعب تردد صوته بخفوت: معقولة يحي لسه عايش.
الشخص يقف أمام أحلام لا ينطق، فقط ينظر لها.
نيفين: معلم يحي، فاكر أحلام جارتنا.
ماجد ينظر لصديقه ولأحلام الواقفة مرعوبة بشفقة. يقترب مرحبا بها.
ماجد: أهلا أهلا بالغالية، أهلا ست أحلام! الحارة نورت برجوعك ليها.
نيفين: تعالوا على فوق، بلاش الوقفة في الشارع دي. اتفضل يا معلم يحي، بيتك ومرحك.
أحلام تهرب بعينها من الواقف ينظر لها باشتياق وعتاب. وتلتف لزهور وتمسك يدها وتذهب خلف نيفين. ويحي لا زال يقف مكانه لم ينطق بكلمة.
ليمر شهرين على ذلك اليوم وسط عتاب نيفين وأم ماجد لأحلام وزيارة أهل الحارة لها يهنئونها على عودتها بينهم.
تعرفت زهور بالجيران الذين ينادون عليها بسلسبيل، حتى والدة ماجد هي أول من نادى عليها بهذا الاسم.
تعرفت زهور على معظم أهل الحارة. حصل مشاداة بينها وبين الشخص الذي قامت بضربه أول يوم وطأت قدمها الحارة. تدخل ماجد وبعض رجال الحارة وتم الصلح بينهما. كونت زهور صداقة مع ابنة ماجد ونيفين الصغرى، إلينا.
مرت الأيام. أحلام طلبت من ماجد مفتاح المحل والذهاب معها سوق العبور لتوصيلها وإخبارها بالطريق. لتذهب معها زهور.
ماجد يحدث أحلام بهمس حتى لا تسمعه زهور.
ماجد: أحلام، ليه بتتجنباني؟ كل ما أجي أكلمك تقفلي على الموضوع وترفضي تسمعيني؟ لازم تعرفي اللي حصل زمان، وكمان يحي.
أحلام: لو سمحت يا ماجد، بلاش كلام في اللي فات. أنا خلاص نسيت اللي حصل، وياسيدي مسامحاك عليه. بس بلاش تفتح الموضوع مرة تانية. أنا مصدقت نيفين بطلت تسألني.
ماجد أوصل أحلام وزهور للسوق وأخبرهم على طريق الذهاب والعودة.
وقفت أحلام باستغراب أمام المحل تنظر له وللافتة: "محل الأحلام لتجارة الخضار والفاكهة".
ماجد: "المحل من يوم ما بدير ابنك سابوه، في عهدة المعلم يحي وهو واخد باله منه زي محلاته بالظبط، وكثير بيقف بنفسه فيه."
أحلام أومأت برأسها ولم تتحدث، وهي ترى الذي هب واقفاً من أمام المكتب يمد يده لها يسلم عليها.
يحي: "السوق نور بقدومك يا ست أحلام." نطق اسمها ببطء وتمهل، يقبض على يدها بين يديه وينظر إلى عينها بشوق يود لو يخطفها لاحضانه.
أحلام تبلع ريقها تحاول نزع يدها من بين يديه.
ليفلت يدها وهي تحاول أن تنزعها من بين يديه، ويخرجا جميعاً على صوت صريخ امرأة وصوت تكسير.
لتهرول زهور تجاه السيدة التي تصرخ وهي تدعو على من قام بضربها.
زهور انحنت للسيدة تساعدها على الوقوف ليجذبها من تعدي على السيدة يبعدها.
لتلتفت له زهور بعصبية، تنهره على مسكه لها وتقوم بنزع يده ودفعه بعيداً، وتعاون مساعدة السيدة.
زهور: "هاتي ايدك يا خالة قومي."
السيدة: "مدت يدها تدعو لزهور ربنا يسترك دنيا وآخرة يا بنتي."
يحي خطى مسرعاً تجاه الشاب فور ملامسته لزهور، يبعدها عن السيدة ليقف مصدوماً من زهور وهي تدفعه ليسقط أرضاً، وتعاود النظر إلى السيدة وتساعدها.
مرت الأيام سريعاً، زهور أصبحت حديث سوق العبور بعد موقفها مع السيدة ومساعدتها، ولم تكتفِ بذلك، أنما وقفت مكانها تعد الشاي والمشروبات لمن يريد، حتى أنها طلبت من أحلام توفير مكان للسيدة بجوار المحل تسترزق منه.
مرت أيام الإجازة بحلوها ومرها وعناد زهور وقوة شخصيتها، وبين محاولات أحلام أن تبعدها عن السوق نهائياً، لياتي العام الدراسي الجديد.
زهور يازهور: "يا بنتي كل يوم نفس الحوار، مش عارفة من يوم ما بطلتي تنزلي السوق ونومك بقى تقيل. قومي اتأخرتي عن الكلية، قومي جهزي نفسك وصلي عقبال ما أجهز الفطار."
زهور: "صباح الخير يا ستي، هي الساعة كام؟"
الجدة أحلام: "الساعة سبعة، وأنتي معاد محاضرتك الساعة تمانية ونص، اجهزي يلا بسرعة عشان عاوزة أنزل على المحل، عمك ماجد اتصل من شوية بيقول في ناس عاوزين يقابلوني بالمحل."
زهور: "خلاص قمت أهو، مع إنّي منمتش غير الساعة خمسة ونفسي أنام من التعب والإرهاق."
أحلام: "نفسك يا بنتي، حرام عليكي السهر ده، إيه لزمته؟"
زهور: "كنت بذاكر وأراجع، أنتي عارفة إن كلية الهندسة صعبة وأنا محوّلة من جامعة تانية وخايفة أقع مع دكتور رزل يطنطط عليا ويفضل يسألني وأنا مش هقدر أمسك لساني لو اتريق عليا."
أحلام: "طيب يلا قومي اجهزي، وأنا هجهز عشان ألحق."
زهور: "ربنا يديكي الصحة والعافية يا ستي، بس ياريت تنفذي وعدك ليا."
أحلام: "وعد إيه يا ست زهور؟ أنا ما وعدتكِش بحاجة."
زهور: "ستي، انتي وعدتيني تحكيلي عن أهلي وهما فين، زي ما وعدتكِ ماليش دعوة بمشاكل السوق ولا أقف بيه من آخر مرة."
أحلام تنهدت بحزن وهمست لنفسها: "ولا تسألوا عن أشياء إن تبدو لكم تسوكم، هو أنا هلحقها منين ولا منين ياربي. حاضر يا زهور، أول ما ترجعي هكون دورت على الجواب اللي قلتلك عليه، وأديكي عنوان الشقة اللي كانوا عايشين فيها. يلا أنا هجهز الفطار عقبال ما تيجي."
قامت زهور من على سريرها، دخلت حمامها، أدت روتينها اليومي، وأبدلت ملابسها لبنطال واسع وترتدي عليه بلوزة لقرب الركبة وحجاب لمنتصف ظهرها، وخرجت من غرفتها وجدت الجدة تسكب كوب الشاي لها.
زهور: "صباح الورد يا ستي، اممم ريحة الفول والفلافل تجنن."
أحلام: "يلا اقعدي افطري."
زهور: "للأسف مش هقدر أفطر، أنتي عارفة إن أول يوم بكون متوترة وبطني بتمغص عليا."
أحلام: "لا، وانتِ الصدقة، طولت لسانك هي اللي بتخلي بطنك تمغص بعد ما بتلاقي المصيبة اللي عملتيها."
زهور: "حبيبتي يا أحلاموا، انتي اللي فهماني. يلا سلام، أول يوم والطريق طويل من هنا للجامعة."
أحلام: "مع السلامة يا حبيبتي، ربنا يصلح حالك."
لتخرج زهور من المنزل، تنزل درجات السلم تجد فتاة.
زهور بابتسامة: "صباح الخير يا هالينا."
إلينا فتاة في الرابعة والعشرين، ابنة ماجد ونفين، مرحة تعمل في فندق.
ألينا: "صباح الخير يا مشتل الورود، قلنا ميت مرة اسمي ألينا مش هالينا، بـ اوي."
زهور: "هههههه معلش بقى المرة الجاية هفضل أسمع الاسم لنفسي وأنا نازلة السلم عشان ما تزعليش يا ست إإليييييينا."
ألينا: "إنا بكلم مين؟ زهور اللي نص الحارة معدياها والنص التاني بيشاور عقله."
زهور ببراءة تشير إلى نفسها وتزبل عينيها: "أنا أنا، دي أنا كيوت خالص، وما تسمعيش صوتي، ولا بيطلع من بقي غير نعم وحاضر وتحت أمرك، حتى إسألي أي حد معدي وشوفي هيقولك إيه."
ألينا: "هههههه، علي يدي، وبدليل الناس اللي بتبعد عن الرصيف اللي إحنا ماشيين عليه."
زهور: "طبعاً يا بنتي، دي هيبة واحترام، مين يقدر يمشي في ممر الرئيس وهو معدي؟ هو أنا كده بالظبط، مفيش حد يقدر يمشي قدامي ولا ورايا، منطقة آمنة والناس مقمات."
ألينا: "تباً للتواضع، على إيه يا مشتل الورد؟ انتي عشان حلوة حبيتين تلاتة وعنيكي مش عارفين لونها، ولا خدودك التفاح وشفايفك الوردي، بس عليكي لسان يا ساتر، زي المبرد، تقولي قاموس تهزيق وردح. ولا إيدك إيه يا بنتي؟ ده الواد سمعان من يوم القلم اياه وهو فقد السمع."
زهور: "إيه بقى، طرشان مش سمعان؟ وإيه يا ختي، خمسة وخميسة، قلم إيه اللي فقد السمع بسببه؟ ده أنا يا دوب يا دوب صوابعي لمست وشه."
ألينا: "صوابعك يا مفترية؟ ده القلم نزل على وشه طراخ، الحارة كلها سمعت صدى صوته، وخمس عمارات اتهزوا، وسمعان فضل يترج ويتهاز ييجي ساعة مكانه لحد ما جت الإسعاف وشلته."
زهور: "هههههه، بلاش تأفوري، سيبك انتي، لقيتيلي شغل معاكي بالفندق ولا لسه كسلتي كالعادة وخفتي من كلام ستي وأمك؟ إم بولس ربعت إيدها والتانية على تشوح بيها بلاش يا ناناني زهور لسانها وإيديها طوال، كلمة كده ولا كده من أي حد تعملك مشكلة، وبدل ما تشغليها، لا تكون السبب في رفدك، ولا ستي تلاقيها، لا تكون السبب في رفدك، ولا ستي تلاقيها، بلاش يا ناني، أحلام هتزعل منك، عاوزة تشتغل، تدور على شغل بعيد عنك، ابعد عن الشر وغنيله يا بنتي، هم أهل في بعض، إحنا مناش دعوة بحد، هم جيراننا من زمان، بس عند أكل عيشك ولا هم من ناحية وإحنا من ناحية تانية."
ألينا تومي براسها: "هههههه، إيه يا بنتي، ده انتي قادتي تيته وماما بالظبط، تقولي هما اللي بيكلموا."
زهور: "لا، وعارفة الكلام اللي قالوه بالظبط."
ألينا: "يا ست ناني اللي ربى خير من اللي اشتري، وستك وأمك قرشين ملحتي من ساعة ما ضربت سي سمعان الخوط بتاعهم اللي كانوا بيقولوا عليه، قال إيه بيحمي المسحيين من أي حد يتطاول عليهم في الحارة أو يعاكسهم، بذمتك يا شيخة الحارة هديت ولا لا من اليوم اياه؟ شفتي خناقة واحدة من يومها، ولا بنت اشتكت من حد عاكسها."
ألينا: "فعلاً انتي كلامك صح، سمعان ده أوسخ المصايب اللي كانت بتحصل."
زهور: "مش لوحده، والواد محيي هو كمان."
"بس سيبك من الكلام ده كله، وما تاخدنيش في دوكة، يلا قولي، هركب المترو عشان هتأخر على الكلية. لقيتي شغل ولا إيه؟"
ألينا: "بس فترة مسائية، هتشتغلي معايا في الهوم سيرفس من نص الشهر، عشان في بنتين سابوا الشغل فجأة، ودول كانوا بيشتغلوا بالليل وبس، فاختاروني أنا، وأنا رشحتك لمستر حازم، وهو قال هيعمل معاكي مقابلة الأول وبعدين يقرر."
زهور: "المترو خلاص وصل، يلا باي، هتصل عليكي أول ما أخلص المحاضرات ونروح نعمل المقابلة."
ألينا: "فين أيام لما كنتي بتوهي وتركبي المترو غلط، دلوقتي بقيتي عارفة المترو وكل المواصلات اللي بتوديكي وتجيبك من الجامعة."
زهور: "وحياتك شهر واحد بس وهعرف كل شبر فيكي يا قاهرة المعز، يلا سلام بقى، نتقابل بعد ما أخلص."
ألينا: "بسبب الازدحام، تمام، بس ستي هتقولها إيه؟"
زهور مش سامعة حاجة، تشير لها وهي تضع يدها على أذنها بمعنى هتصل عليكي.
وصلت زهور لكلية الهندسة، تدخل من بواباتها الرئيسية، تتلفت حولها باستغراب، تنظر لمبانيها الشاهقة وللطلبة، تخطو لداخل الكلية، تشعر بالتوهة.
زهور: "يا لهوي، إيه المتاهة دي والطالبة الكتير دول؟ كلية دي ولا سوق الجمعة."
لتخطو للداخل، تسأل عن مدرج الدفعة الثانية، حتى وصلت أخيراً، لتدخل المدرج تتسمر مكانها.
زهور: "إيه ده؟ مدرج ده ولا يوم الحشر؟ وايه الوشوش الغريبة دي."
لتجلس على أول مكان فارغ أمامها.
ليأتي شاب يرتدي نظارات طبية سميكة يحدثها.
الشاب: "لو سمحتي يا آنسة، انتي قعدتي مكاني."
زهور: "مكانك إيه حضرتك؟ هو إحنا في المدرسة والّي يلحق المكان ولا إيه؟"
الشاب: "يا آنسة، أنا نظري ضعيف وبقعد هنا عشان أشوف الدكتور وهو بيشرح."
زهور: "يا حصتي، بتقعد في الأول عشان يدوب تشوف الدكتور لت..."
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم منى عبدالعزيز
ممسكة بكوب الشاي بيدها ترتشف منه وعينها مسلطة على صورة معلقة على الحائط، تحدث نفسها:
"أعمل إيه يا ربي وهقولها إيه إني رحت الشقة اللي كانوا عايشين فيها أبوها وأمها؟ مالقتهمش. سألت الجيران قالوا الشقة مقفولة من سنين ومحدش بيدخلها. مخلتش مكان ممكن سلسبيل تروحه، الـ دورت فيه. لا حول ولا قوة إلا بالله. البنت صعبانة عليا من يوم ما رجعنا من البلد وهي حالها متغير، بقت زي الآلة بتشتغل وبس."
تضع الكوب من يدها وترفع ورقة بجوارها:
"كل اللي أقدر أقدمهولك الجواب ده والكام صورة دول، والجواب اللي أمك سابته قبل ما تمشي."
لتسمع خبطات على الباب، تضع ما بيدها مكانه وتتجه ناحية الباب بعد هندمة ملابسها وحجابها.
أحلام: مين؟
ليأتيها صوت جارها أبو بولس وزوجته.
نفيين: افتحي يا أحلام أنا نفيين وماجد معايا، لو جاهزة يلا بينا.
أحلام: فتحت الباب وجذبت المفتاح وأغلقته خلفها.
أيوه جاهزة.
ليهبطا ثلاثتهم معًا ويشير ماجد لعربة أجرة ويصعدا بها ويرحلا من الحارة دون أن تتحدث.
أحلام تنظر من النافذة شاردة، لم تلتفت للـ جالسة بجوارها تتحدث معها كل حين بكلمة أو اثنتين.
حتى توقفت العربة وهبطوا منها، لتنظر حولها تجد أنهم ليسوا بالسوق إنما أمام أحد المطاعم.
أحلام: التفت إلى نفيين وماجد. إيه ده إحنا جينا هنا ليه؟ مش قلت فيه ناس عاوزين يقابلونا بالمحل؟
نفيين: علمي علمك. ماجد قالي تعالي معايا هنروح مشوار أنا وإنتي وأحلام.
ماجد: تعالوا ندخل جوه نتكلم براحتنا. وقفتنا كده مش ظريفة.
أحلام آتت تتحدث، أشار لها ماجد.
ماجد: وحياة زهور لتدخلي الأول. وأوعدني إنك تسمعي الكلام اللي هيتقال وبعدين إعملي اللي انتِ تشوفيه.
أحلام: بقلق. كلام إيه بس اللي يخلينا نجي المكان الغالي ده؟
نفيين: عندك حق والله يا أحلام. المكان بهي أوي.
ماجد: ادخلوا بقى. وقفتنا دي ملهاش لازوم.
ليخطوا الثلاثة للداخل. اختار ماجد طاولة منعزلة بعض الشيء وأشار لأحلام بالجلوس بها حتى ينهي أمره ما.
ماجد أمسك يد زوجته يضغط عليها قبل أن تتحدث، وجذبها سريعًا تاركًا أحلام تجلس وحدها لتصدم ممن جلس أمامها بغتة.
لتهمس بخفوت ورعشة بأوصالها تنطق اسمه يحي. وقبل أن تتحدث أو تنهض من مكانها تحدث إليها برجاء.
يحي: أحلام اسمعيني في الأول. وأقسم لك دي آخر مرة هتشوفي وشي فيها، لو الكلام اللي هقوله ما ردش عليكي.
لينظر لها يجدها صامتة، ليبتسم يدعو ربه بداخله أن يلين قلبها.
يحي: هحكيلك حكاية صغيرة في الأول.
ليرجع بجسده للخلف، عينه مثبتة عليها.
"من أربعين سنة أمي اتوفت. كنت وقتها ابن سبع سنين. كنت ولد على سبع بنات، دلع ولبس وإني أشاور عليه لو إيه ما بالذي يجيلي. بالرغم من كل ده، أبويا الله يرحمه كان شديد. نزلني السوق وعلمني كل صغيرة وكبيرة. وأنا ابن عشر سنين كنت بقعد مع معلمين السوق الكبار، سعري بسعرهم. اتحسبت واحد منهم. أبويا جوزني قبل ما أتم عشرين سنة بنت واحد من معلمين السوق. مقدرناش نتفاهم، اتطلقنا. بعدها بكام شهر ده اللي أبويا قاله عشان يسكت لسنة الناس. اللي حصل وقتها إني لما أبويا فتحني في مولد الجواز كنت رافض نهائي. قلتله لما إخواتي البنات يجوزوا. بس بعد كام يوم وأنا بزور ماجد وكنت قاعد معاه في البلكونة، عينيا وقعت على أجمل بنت شفتها. قلبي خرج من مكانه مرجعش لحد النهاردة. يومها نزلت من عند ماجد وأنا مشتت، لساني مربوط. خايف أسأله عليها، أتصدّم وتطلع مرات المعلم أحمد. لـ تـ لـ هـ تـ نـ ي عـ يـ نـ ي. جـ فـ ا هـ ا الـ نـ و م. صـ و ر تـ هـ ا قـ د ا مـ ي مـ ش بـ تـ فـ ا ر قـ نـ ي. مـ ن غـ يـ ر مـ ا ا حـ س س. لـ قـ يـ ت ر جـ لـ ي جـ يـ بـ ا نـ ي لـ لـ حـ ا ر ة عـ نـ د هـ ا و ا قـ ف. عـ يـ نـ ي عـ لـ ى ا لـ بـ لـ كـ و نـ ة. مـ ش بـ تـ و ر بـ عـ نـ هـ ا. ا لـ صـ بـ ح طـ لـ ع عـ لـ يـ ا و ا نـ ا و ا قـ ف. مـ كـ ا نـ ي. يـ و م و عـ شـ ر ة و شـ هـ ر. كـ ل يـ و م بـ ا لـ شـ كـ ل. د ة. هـ تـ جـ نـ ن. عـ شـ ا ن. ا شـ و فـ هـ ا. مـ ر ة. ا خـ ر ى. قـ لـ بـ ي. بـ يـ د ق. بـ س ر عـ ة. ر هـ يـ بـ ة. لـ حـ د مـ ا. فـ ا ض. بـ يـ ا. و ر حـ ت. لـ حـ د. عـ نـ د هـ ا. ا لـ بـ يـ ت. بـ حـ جـ ة. ا نـ ي. عـ ا و ز. ا لـ مـ عـ لـ م. ا حـ مـ د. فـ ي. ا مـ ر. ضـ ر و ر ي. و ا نـ ا. عـ ا ر ف. ا نـ ه. مـ ش. مـ و جـ و د. بـ س. عـ شـ ا ن. ا شـ و فـ هـ ا. و ا شـ بـ ع. عـ يـ و نـ ي. مـ نـ هـ ا. و قـ فـ ت. مـ كـ ا نـ ي. لـ مـ ا. شـ فـ ت. مـ ر ا تـ ه. و قـ تـ هـ ا. ا لـ د نـ يـ ا. مـ كـ نـ تـ ش. سـ يـ عـ ة. فـ ر حـ تـ ي. لـ مـ ا. عـ ر فـ ت. ا نـ هـ ا. مـ ر ا تـ ه. غـ يـ ر. ا لـ لـ ي. شـ فـ تـ هـ ا. و ا قـ فـ ة. بـ ا لـ بـ لـ كـ و نـ ة. ا سـ تـ ا ذ نـ ت. مـ نـ هـ ا. و مـ شـ يـ ت. و بـ عـ د هـ ا. قـ ا بـ لـ ت. مـ ا جـ د. و فـ ضـ لـ ت. ا تـ كـ لـ م. مـ عـ ا ه. عـ ن. ا لـ مـ عـ لـ م. ا حـ مـ د. و عـ ن. ا هـ ل. بـ يـ تـ ه. و ا خـ و ا تـ ه. لـ حـ د. مـ ا. خـ لـ ا ص. فـ ا ض. بـ يـ ا. سـ ا لـ تـ ه. عـ ن. ا لـ بـ نـ ت. ا لـ لـ ي. شـ فـ تـ هـ ا. فـ ي. ا لـ بـ لـ كـ و نـ ة. و صـ د مـ ت. لـ مـ ا. عـ ر فـ ت. ا نـ هـ ا. كـ ا نـ ت. جـ ا يـ ة. ز يـ ا ر ة. لـ ا خـ تـ هـ ا. و ر جـ عـ ت. مـ ع. ا مـ هـ ا. و و ا لـ د هـ ا. لـ بـ لـ د هـ م. و قـ تـ هـ ا. ا لـ د نـ يـ ا. ا سـ و د ت. فـ ي. عـ يـ نـ ي. بـ قـ يـ ت. لـ ا. ا كـ ل. و ا ا شـ ر ب. بـ ا تـ عـ صـ ب. مـ ن. ا قـ ل. حـ ا جـ ة. ا بـ و ي. عـ شـ ا ن. يـ خـ ر جـ نـ ي. مـ ن. ا لـ حـ ا لـ ة. د ي. جـ و ز نـ ي. بـ نـ ت. صـ حـ بـ ة. فـ ضـ لـ ت. مـ عـ ا يـ ا. مـ ا فـ يـ ش. مـ ا بـ يـ نـ ا. ا ي. عـ لـ ا قـ ة. غـ يـ ر. ا لـ سـ ر يـ ر. و بـ س. لـ ا. حـ و ا ر. و لـ ا. بـ نـ ت. كـ لـ م. و لـ ا. بـ نـ خـ ر ج. لـ حـ د. مـ ا. فـ ي. يـ و م. فـ ا ض. بـ يـ هـ ا. طـ لـ بـ ت. ا لـ طـ لـ ا ق. و قـ تـ هـ ا. مـ صـ د قـ ت. بـ س. عـ ر فـ نـ ا. ا نـ هـ ا. حـ ا مـ ل. فـ ضـ لـ ت. مـ سـ تـ حـ مـ ل. عـ شـ ا ن. ا لـ لـ ي. فـ ي. بـ طـ نـ هـ ا. لـ حـ د. مـ ا. و لـ د ت. و بـ عـ د. هـ ا. كـ ثـ ر ت. ا لـ مـ شـ ا كـ ل. و و قـ تـ هـ ا. ا بـ و ي. لـ قـ ي. ا نـ ه. مـ ا فـ يـ ش. حـ ل. غـ يـ ر. ا لـ طـ لـ ا ق. ر فـ ضـ ت. بـ عـ د. هـ ا. ا لـ جـ و ا ز. و فـ ضـ لـ ت. سـ نـ يـ ن. ر ا فـ ض. لـ حـ د. مـ ا. ر جـ عـ ت. مـ ن. تـ ا نـ ي. قـ لـ بـ ي. يـ و مـ هـ ا. طـ ا ر. مـ ن. ا لـ فـ ر حـ ة. سـ نـ ة. و ر اء. سـ نـ ة. و هـ ي. ر ا فـ ضـ ة. ا لـ جـ و ا ز. حـ تـ ى. ا نـ ي. ا تـ قـ د مـ ت. لـ جـ و ز. ا خـ تـ هـ ا. و ا تـ فـ قـ ت. مـ عـ ا ه. عـ لـ ى. كـ ل. ا لـ شـ ي. و ا نـ ه. هـ يـ قـ نـ عـ هـ ا. ا لـ قـ د ر. كـ ا ن. ا قـ و ى. مـ نـ ي. فـ جـ ا ة. ا تـ و فـ ي. و قـ فـ ت. و قـ فـ ة. ر جـ ا لـ ة. و مـ سـ كـ ت. مـ حـ لـ ه. تـ بـ يـ ع. و تـ شـ تـ ر ي. كـ ل. مـ عـ لـ مـ ي. ا لـ سـ و ق. كـ ا نـ و ا. هـ يـ جـ نـ نـ و ا. عـ لـ يـ هـ ا. ا تـ قـ د مـ ت. لـ يـ هـ ا. مـ ن. تـ ا نـ ي. ر فـ ضـ ت. و صـ مـ مـ ت. عـ لـ ى. ر فـ ضـ هـ ا. سـ نـ ة. بـ قـ ت. ا ر بـ عـ ة. و بـ ر د. ه. ر فـ ضـ ة. و مـ ش. مـ صـ د قـ ة. حـ بـ ي. لـ هـ ا. لـ حـ د. مـ ا. ا تـ فـ قـ ت. مـ ع. مـ ا جـ د. ا نـ ه. يـ جـ مـ عـ نـ ا. مـ ع. بـ عـ ض. و ا قـ نـ عـ ك. بـ ا لـ جـ و ا ز. بـ س. يـ و مـ هـ ا. خـ فـ ت. لـ ا. تـ ر فـ ض. لـ لـ مـ ر ة. ا لـ مـ لـ يـ و ن. قـ بـ ل. مـ ا. ا ر و ح. لـ هـ ا. ر حـ ت. لـ لـ مـ حـ ا مـ ي. و خـ لـ تـ و ه. يـ عـ مـ ل. لـ ي. و ر قـ تـ يـ ن. عـ ر فـ ي. عـ شـ ا ن. ا مـ ضـ يـ هـ ا. و و قـ تـ هـ ا. ا حـ طـ هـ ا. قـ د ا م. ا ل. ا مـ ر. ا ل. و ا قـ ع. صـ حـ يـ ح. ا نـ ا. غـ لـ يـ طـ ت. و مـ حـ سـ بـ تـ هـ ا. ش. صـ ح. و بـ ر د. ه. هـ ي. مـ د تـ نـ ي. ش. فـ ر صـ ة. ا فـ هـ مـ هـ ا. و ضـ ر بـ تـ نـ ي. عـ لـ ى. ر ا سـ ي. و لـ مـ ا. و قـ عـ ت. غـ ر قـ ا ن. فـ ي. د مـ ي. هـ ر بـ ت. و خـ ا فـ ت. فـ ضـ لـ ت. سـ نـ يـ ن. ا د و ر. عـ لـ يـ هـ ا. لـ مـ ا. ا بـ نـ هـ ا. جـ ه. ا لـ حـ ا ر ة. حـ ا و لـ ت. ا سـ ا لـ ه. عـ ن. مـ كـ ا نـ هـ ا. ا تـ ر جـ عـ ت. حـ بـ يـ تـ ه. و سـ ا عـ د تـ ه. كـ ا نـ ه. ا بـ نـ ي. عـ لـ ى. قـ د. حـ ز نـ ي. و قـ هـ ر ي. ا ن. لـ هـ ا. ا بـ ن. مـ ن. و ا حـ د. غـ يـ ر ي. كـ نـ ت. طـ ا يـ ر. طـ يـ ر. لـ مـ ا. عـ ر فـ ت. مـ نـ ه. ا نـ هـ ا. خـ لـ ا ص. ر ا جـ عـ ة. مـ ن. تـ ا نـ ي. فـ ضـ لـ ت. شـ هـ ر. كـ ا مـ ل. بـ سـ تـ نـ ا ه. كـ نـ ت. كـ ل. يـ و م. ا جـ ي. بـ ا لـ سـ ا عـ ا ت. عـ نـ د. مـ ا جـ د. ا مـ كـ ن. تـ جـ ي. و ا قـ بـ لـ هـ ا. و ا شـ بـ ع. مـ ن. عـ يـ نـ يـ هـ ا. ا لـ لـ ي. عـ مـ ر. هـ ا. مـ ا. فـ ر قـ تـ نـ ي. ا ر يـ ح. قـ لـ بـ ي. ا لـ لـ ي. ا تـ حـ ر م. سـ نـ يـ ن. مـ نـ هـ ا. جـ مـ عـ تـ نـ ا. ا لـ ظـ ر و ف. ا كـ ثـ ر. مـ ن. مـ ر ة. و د ا يـ مـ ا. بـ تـ هـ ر ب. مـ نـ ي. لـ مـ ا. يـ ا سـ ت. مـ لـ قـ ت. ش. قـ د ا مـ ي. غـ يـ ر. مـ ا جـ د. صـ د يـ ق. عـ مـ ر ي. ا لـ لـ ي. عـ ا ش. مـ عـ ا ي. عـ ذ ا ب. سـ نـ يـ ن. شـ و ق. و سـ هـ ر. لـ يـ ا لـ ي. عـ لـ يـ هـ ا. ا نـ ه. يـ جـ مـ عـ نـ ي. بـ يـ هـ ا. ا حـ ل ا م. ا نـ ا. بـ طـ لـ ب. مـ نـ ك. تـ سـ ا مـ حـ نـ ي. عـ لـ ى. ا ل. هـ صـ ل. ز مـ ا ن. و ا و عـ د ك. لـ و. ر فـ ضـ تـ ي. ا ل. طـ لـ ب. ا ل. هـ طـ لـ بـ ه. مـ نـ ك. مـ ش. هـ تـ شـ و فـ ي. و شـ ي. ل. ا خـ ر. يـ و م. بـ عـ مـ ر ي. و لـ و. و فـ قـ تـ ي. سـ ا عـ تـ هـ ا. هـ كـ و ن. ا سـ عـ د. مـ خـ لـ و ق. عـ لـ ى. و جـ ه. ا ل. ا ر ض. مـ ش. عـ ا و ز. ر د ك. ا ل. د ي. فـ كـ ر ي. و خـ د ي. و قـ تـ ك. و ا نـ ا. فـ ي. ا نـ تـ ظـ ا ر ك. ا حـ ل ا م. ا تـ جـ و ز نـ ي."
ليهب واقفًا فور إلقائه طلب الزواج ويكمل.
يحي: هنتظر ردك على أحر من الجمر. بلّغ ماجد بردك عليا.
ليخطو مبتعدًا عنها عدة خطوات على صوتها.
ليقف مصدومًا مما سمع، ليلتفت لها ويسقط أرضًا.
في بيت الغمراوي يجلس عبد الرحيم بجوار زوجته يبكي بقهر وألم على ما عرفه من أخبار خبأها عنه حفيده زاهر وغدير أثناء تعافيه من العمليات الجراحية، يحدث زوجته وأبناءه ودموعه تسيل على لحيته البيضاء كقطرات ماء تسقط على جبل جليد ناصع البياض.
عبد الرحيم: طول عمري وأنا ببني شركاتي بالحلال. لا عمري طمعت في اللي مش ليا ولا عمري جرت على حق حد. حفظت على اسم عيلتي وتعب جدي وأبويا. عهدت أمي إني هاخد بالي من أخويا وأفضل سند ليه. لما اختار إنه يشتغل بعيد عني وباع ورثه والشركة كانت هتقع، ادّينت وبعت صيغة أمكم وهي ساعدتني وباعت البيت اللي كانت ورثاه هي وأختها لحد ما رجعت نصيبه اللي باعه من ورايا. ما سبتهوش ولا بعت عنه، بالعكس فضلت محاوطاه وبساعده في شغله وكل ما يقع أقف جنبه. لما مراته ماتت وأجوز بعدها، رفضت إن بناته يعيشوا مع مراته وربيتهم معاكم، زيهم زيكم مفرقتش ما بينهم أبدا. لما زيدان طلب إيد أمال، جه واعترف ليا بحبها، فرحت وجريت على عبدالرحمن وطلبتها له، لكن هو مسكني من إيديا اللي بتوجعني وصمم وقال: "مجوزش الصغيرة قبل الكبيرة". وقتها مردتش أزعله، وفي نفس الوقت مش عاوز أكسر بخاطر ابني. جيت لزايد وضغطت عليه يجوز أمال وهو وافق عشان يراضيني. حتى نهال عبدالرحمن هو اللي طلب مني أجوزها لزياد وقالي: "هي طموحة ومهورة وخايف عليها تعمل حاجة تضيعها". بعد كل اللي عملته ده وابني اللي مات غضبان مني، وقلبي اللي انكوَى عليه، تطلع نهال هي السبب في كل اللي حصل، وكمان تسبب في موت بنت زياد، موت حفيدتي اللي بقالي سنين بحلم باليوم اللي ألاقيها. وأخويا اللي ماليش غيره يموت بسببها، بعد كل اللي عمله عشانها.
زهور زوجته تربت على قدمه وتجفف دموعه بيدها.
زهور: بشفقة وحزن. بلاش تتكلم وتجهد نفسك بالكلام. عبدالرحمن الله يرحمه مات، وده عمره وأجله. ونهال أخدت جزاءها ودخلت مستشفى المجانين. ولو على بنت زياد، عمامها بيدوروا عليها في كل حتة. لما اتأكدوا إنها ما اتتتش، صحيح اتأخرنا كام شهر بسبب اللي حصل وقتها واتلخمنا في وفاة عبدالرحمن وانهيار زينة من اللي جوزها عمله وبناتها وتعبك وبعدك عنا والشركة، زيدان وزايد وولادهم أخدوا وقتهم كله، وكل واحد فيهم بيحاول يوقفها من تاني ويرجع اسمها للسوق. شهور وهم بيوصلوا ليلهم بنهارهم لحد ما قدروا ينهوا المشكلة ويرجعوها زي ما كانت.
عبد الرحيم يرفع يدها يقبلها ويعاود الحديث.
تعرفي يا زهرتي، بالرغم من زعلي وحزني على اللي حصل، إلا إني سعيد وفرحان وأنا شايف ولادي وأحفادي بيقاتلوا عشان ينقذوا الشركة. زين وحمزة وحازم ووقفتهم كتف بكتف ويد واحدة ينقذوا الشركة واسم عيلتهم. ده خلاني ما ندمتش على اللي عملته زمان وغادير وسفرها معايا، وإنها تضحي بمستقبلها وتضيع سنة من عمرها، وما سابتنيش لحظة واحدة، فرحتي بيها متتوصفش.
وزاهر العنيد، وقد إيه فخور بيه وأنا شايفه من أشطر وأشهر دكاترة في أعرق مستشفيات العالم، والكل بينادي عليه "دكتور غمراوي". وقتها لو كنت مت، كنت هموت وأنا مرتاح البال. وصلته لأحفادي، ولو شفته وهو بيتعمد يعاملني برسمية وبرود طول قاعدتي بالمستشفى، بكون كاتم ضحكتي على عمايله دي، لأني شفت وسمعته وهو قاعد جنبي بعد العملية، وقت ما فوقت وهو ماسك إيدي بيبوسها وبيعتذر على بعد سنين عننا، وقد إيه خفّ عليّ لما عرف إن أنا المصري اللي عمله العملية.
وغادير لما حكتلي على خوفه وسهرها جنبي بعد ما حصل مضاعفات بعد العملية.
اللي وجع قلبي بجد، زهرون بنت زياد وغادير، وكسرت نفسها برفض زاهر إنه يرجع وطلبها الطلاق منه، مع إنه سكت ومنطقش كلمة وقال "هيطلق أو لا". وبنت زياد خايف أموت وما ألحقش أشوفها وأطلب منها تسامحني.
ليعدّل بجلسته: زهرتي، عاوزك تعرفي إني كاتب لزهروان نصيب زياد بورثي، وكمان عامل وديعة باسمها بالبنك. كل مليم بصرفه على واحد من أحفادي، علامة حطيت ليها زيه، حتى مصاريف الفسح والسفر والعربية. مفيش مليم بصرفه على حد غير وأنا حاطه بحسابها. لو مت قبل ما أشوفها، ووصلتوا ليها، اديها حقها واطلبوا منها تسامحني.
ليتحدث الجميع الملتزمين للصمت في صوت واحد: بعد الشر عنك يا بابا.
ليصمتوا على صوت دخول حمزة يتحدث بغضب.
***
زهور، بعد يوم حافل بالمحاضرات وتنمرها على كل ما تقع عينها عليه ولا يعجبها، خرجت من الجامعة. أشارت إلى عربة أجرة وأملته العنوان، لتذهب إلى الفندق اللي أخبرتها عليه ألينا في اتصال هاتفي. لتجري مقابلة مع مسؤول العاملين، ويتم عملها بفندق زهروان بالمعادي. لتعاود مع ألينا إلى الحارة وهي تشارده طوال.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم منى عبدالعزيز
أحلام تجول بالشقة ذهابًا وإيابًا، تفرك يديها بتوتر.
تجلس تارة وتقف أخرى، تحدث نفسها بعتاب:
أحلام: ياتري اللي أنا عملته صح ولا غلط؟ طيب تسرعت بالرد ولا لأ؟ حالته دي واللي حصله ده أنا السبب فيه ولا الصدمة هي السبب؟ هعمل إيه بس يا ربي؟ ياتري هو دلوقتي لسه مصدوم؟
ولا فاق؟ يا رب ساعدني يا رب. فينك يا زهور تيجي تخرجيني من الحيرة دي؟
هنا تذكرت أنها تأخرت عن موعد وصولها، لتنظر على الساعة المعلقة بالحائط.
تجدها تجاوزت السادسة، فتمسك بهاتفها تتصل عليها بقلق وتوتر، تضع الهاتف على أذنها تحدث نفسها:
ياتري إيه اللي أخّرك يا زهور كده؟ استرها يا رب. هي كانت قايلة إنها هترجع من الجامعة على أربعة ونص بالكتير. ربنا يجعله خير.
يا رب ابعد عنها كل شر ووفقها، دي تعبت كتير أوي.
انتهى الاتصال ولم تجب، لتعاود مرة أخرى بعد قليل وتقوم بالاتصال مرة أخرى. تخرج للشرفة بعد ما تم تجاهل الاتصال.
تنظر بالطريق تتأكد من قرب وصولها.
زهور أجرت مقابلة العمل وعادت إلى الحارة برفقة إلينا.
طوال الطريق شاردة، لما تلك الروحانية التي شعرت بها بهذا المكان؟ الاسم المشابه لاسمها، ذلك الاسم النادر عندما بحثت عنه لم تجد سوى قلة قليلة يحملونه على مستوى العالم. تتساءل:
زهور: مش عارفة ليه قلبي بيدق؟ وإيه الراحة اللي كنت فيها وأنا بالفندق؟ سهولة المقابلة والتعيين بسرعة والاتفاق على ساعات العمل أربع ساعات بس، أكون مسؤولة عن جناح خاص بس من كل الفندق وبعدها أرجع البيت.
إلينا تحدثها: زهور، زهور سرحانة في إيه؟ بقالي كتير بكلمك وإنتي مش هنا.
تنظر لها زهور دون رد، لتكمل إلينا:
يلا وصلنا الحارة وردي على تليفونك.
اللي مش مبطل رن بقاله ساعة.
ترجلتا من السيارة، تخرج زهور هاتفها من حقيبتها.
زهور: دي ستي بتتصل. بقولك يا إلينا لو سألت ليه راجعين مع بعض، قولي لها إننا اتقابلنا أول الحارة. بلاش تعرف دلوقتي موضوع الشغل وربنا يسامحني على الكذبة دي لحد ما أبلغها وحدة وحدة.
لتضغط على زر إنهاء الاتصال، ترفع عينها تجاه المنزل، تجد أحلام تقف في شرفة الشقة تنظر للطريق.
أحلام فور رؤيتها لزهور تقترب من المنزل، برحت مكانها متوجهة ناحية باب الشقة، تفتحه بلهفة.
زهور صعدت سريعًا الدرج وخلفها إلينا، تجد أحلام واقفة عند الباب.
زهور: السلام عليكم. واقفة كده ليه يا ستي؟
أحلام: قلقت عليكي، اتاخرتي أوي. المفروض تكوني هنا من ساعتين أو أكتر.
زهور: بتهته، كل يوم هتأخر كده. المحاضرات اتغيرت مواعيدها وكل محاضرة هتكون تلات ساعات وفي عملي وكده.
إلينا: إزيك يا خالتي أحلام؟ شيفاني أنا ولا واخدة بالي منك يا زهور، بس إنتي اللي تكلميها. إلينا إيه ولا كأنها واقفة بقالها ساعة تقولك إزيك يا خالتي؟
أحلام: إزيك يا إلينا؟ معلش بقى دماغي مش فيا. بس غريبة يعني راجعين مع بعض؟ إيش لم الشامي على المغربي؟
إلينا: بتهته، أهلاً يا خالتي. اللي واخد عقلك يتهانه. ما أنا شامي ولا حاجة، اتقابلت مع زهور أول الحارة وجينا سوا. عن إذنكم أنا ميتة من التعب، يدوب آخد شاور وأنام.
زهور: شور شور يا بنتي، عيشي عيشة أهلك. قولي هستحمى، لكن شور ده مش لايق عليكي خالص. ما يبقاش العشا بصارة وشلولو وتقولي شاور؟
إلينا: استحمة بقى. إلينا ماجد تقول استحمة؟ لا شاور شاور شاور.
زهور: ابقي ابعتيلي طبق بصارة أغطس فيه.
لتدخل إلينا شقتهم، وأحلام وزهور التي تعالت أصوات ضحكاتهم.
أحلام: ادخلي غيري وتوضي وصلي، وأنا هجهز الأكل. تلاقيكي على لحم بطنك من الصبح.
زهور: فعلًا، ما دُقتش الأكل. لو كنت صايمت كان أحسن.
أحلام تركت زهور وتوجهت تعد طعام العشاء.
زهور ذهبت إلى غرفتها، أبدلت ملابسها وخرجت للمرحاض.
لتنعم بحمام لتنتعش، وتوضأت وخرجت تجد أحلام أعدت الطعام على الطاولة.
تجلس زهور موجّهة لأحلام، تتناول الطعام بشراهة.
لترفع عينها تحدث أحلام، لتزهل من أحلام الشاردة تتلاعب بالطعام ولم تتناوله.
زهور: تسلم إيدك يا ستي. الواحد هياكل صوابعه وراه.
أحلام: بنفس حالتها تحدثها: ألف هنا وشفا على بدنك يا حبيبتي.
زهور: مالك يا ستي؟ مبتأكليش ليه؟ إنتي تعبانة ومالك كده متوترة وحاسة في كلام عوزة تقوليه؟
أحلام: وضعت الملعقة من يدها، أخذت نفسًا عميقًا أخرجته ببطء. محتارة وقلقانة ومش عارفة أعمل إيه. هحكيلك كل حاجة حصلت معايا وقوليلي رأيك أعمل إيه وأتصرف إزاي.
زهور: وضعت ما بيدها ووقفت تحمل الأطباق متوجهة للمطبخ. الحمد لله أنا شبعت، هدخل الأطباق المطبخ وأعملنا كوبايتين شاي يعمروا الدماغ وأجي نحكي للصبح ونشوف اللي شاغل جميلة الجميلات الملكة.
أحلام: وأنا هواه.
أحلام ابتسمت على كلمات زهور تحدثها: نفسي تكلمي كلمتين جد على بعض.
زهور: بالمطبخ، سمعاكي يا أحلاموه.
انتهت زهور من جلي الأطباق وعمل الشاي وخرجت تحمل بيدها طبق تقديم عليه كوبان من الشاي، تقوم بتقليبهم، تجلس على الأريكة بجوار أحلام.
زهور تمد يدها بكوب الشاي: اتفضلي الشاي يا ستي. احكيلي إيه اللي شاغل بالك وقلقك كده.
أحلام ارتشفت عدة شرفات من الكوب ووضعته أمامها، واعتدلت بجلستها وبدأت تقص كل شيء لزهور منذ صغرها حتى طلب يحي الزواج منها وما ردت عليه به.
أحلام: هو أنا أسرعت بالرد وكنت فكرت وبعت الرد مع أبو بولس زي ما قال، ولا إيه رأيك؟
زهور: لا مسرعتيش بقى يا مفترية! الراجل يقولك هنتظر ردك، تقوم تصدميه بالشكل ده؟ يفرفر بين إيديكي؟ وبدل ما تخليكي جنبه، تسبيه وتيجي؟ طيب اعقدي شوية جنبه بالمستشفى لما يفوق، أهو ترد فيه الروح.
أحلام: أهو أنا مكنتش خايفة غير من نقوزتك بالكلام، اهو زي ما فكرت بتنقوزي عليا.
زهور: بس إنت قلقانة يا جميل وباين عليكي الخوف. طيب ما إحنا فيها أهو، قومي غيري وأنا كمان ونروح نطمن عليه.
أحلام: شُف البنت بتقول إيه؟ مستشفى إيه اللي عاوزانا نروحها السعادي؟ إحنا قربنا على نص الليل.
زهور: يعني لو مكنتش قربت على نص الليل كنتي وافقتي إننا نروح؟
أحلام: شُف البت بتوقعني بالكلام إزاي. أنا اللي غلطانة إني بتكلم مع عيلة.
زهور: ههههههه خلاص يا ست العرايس، نكلم جد بقى. المفروض نتطمن عليه وخصوصي إنك سبتيه في المستشفى لوحده ومشيتي. مش عاوزة تطمني عليه؟
أحلام: أنا قايمة أخش أوضتي، أنا اللي أستاهل إني عملت كبيرة وباخد رأيك.
زهور: بجدية، بس أنا مش بهزر. فعلاً مكنش ينفع تسيبيه لوحده وتمشي. المفروض كنتي استنيتيه يفوق وتشوفي الدكاترة هيقولوا إيه. وأقل حاجة كنتي اتصلتي بعم ما حد رحله.
أحلام: بخوف وتوتر، ما أنا فضلت قاعدة شوية لحد ما ابنه جه ومشيت من غير ما يشوفني. اتحرجت وكمان هقعد إزاي وبأي وش هقابله.
ليصمتوا على صوت خبطات عالية على الباب، واحد ينادي على أحلام بصوت عالي. لتجذب زهور حجابها وتذهب خلف أحلام التي تقف عند باب الشقة، تفتح فاها.
زهور: ستي واقفة كده ليه؟ لتقف بصدمة مما ترى. يحي يقف وجواره ثلاث رجال، واحد منهم يشبه لحد ما، والآخر بدير، والثالث ماسك بدفتر، وخلفه عائلة أبو بولس.
يحي يقطع الصمت: قلت أجيب المأذون والشهود ونكتب الكتاب قبل ما تغيري رأيك.
زهور تمسك يد أحلام المتسمرة مكانها، تنظر إلى يحي باستغراب وتبتعدا عن الباب وترحل به وبمن معه.
زهور: اتفضل اتفضل يا عم يحي، اتفضلوا يا جماعة.
يحي يدخل أولًا وهو يشير لمن معه بالدخول، يقترب من أحلام يهمس لها: مقدرتش أصبر، لو عليا كنت جيت من بدري بس الدكاترة ما وافقوا يخرجوني، وبدير وصل وقومت المأذون من النوم.
أحلام تتركه وتخطو مهرولة لغرفتها بتوتر، تجلس على حافة الفراش ممسكة به، كان أحد سيخطفها.
تدخل زهور الغرفة: ستي، إنتي لسه ملبستيش؟ يلا. الراجل قاعد على نار برة كل ده وأنا اللي بقول بتغير هدومها.
أحلام: هو اللي أنا فيه ده حلم ولا علم؟ ويحي بره هو والماذون ولا بيتهيألي؟
زهور: ستي أبوس إيدك ركزي معايا. مش الراجل فاق، إنتي تفرفري؟ يلا البسي بسرعة وتعالي. المأذون مستعجل وبيقول عم يحي شاله هيله بيله من على السرير. إيه اللي بلحق؟ فين بطاقتك أوديهاله لحد ما تيجي.
أحلام تشير على جزمتها دون أن تتحدث بكلمة.
لتذهب زهور وتأخذها.
زهور: متتأخريش، هوديها وأجي ألاقيكي غيرتي اللبس.
أومأت أحلام لها وظلت مكانها تتصبب عرقًا.
زهور: ستي، يلا معتش وقت.
زهور أعطت المأذون بطاقة أحلام وذهبت تقف بجوار إلينا، يهمسان معًا ويضحكان على كلام المأذون.
الماذون: أقسم إني ما شفتش زي الجوازة دي.
الماذون يحمل من فوق فراشه بملابس نومه، والعروس تصدم بعقد قرانها، والشهود أبناء العروسين.
ليضحك الجميع، بما فيهم أحلام التي خرجت من الغرفة فور وقوع عين يحي عليها. ليهب واقفًا، يخطو إليها قاطعًا المسافة في خطوة واحدة، كأنه يسبق الريح.
يمد يده لها، لتضع أحلام يدها بتوتر وخجل من نظرات الجميع المصوبة عليها.
يخطو يحي بها ويجلسها بجوار المأذون، وهو يجلس من الناحية المقابلة.
يحي: اتفضل اكتب الكتاب يا شيخ.
ليبدأ المأذون في قول خطبة قصيرة، ليقطعه يحي:
يحي: اخلص يا شيخ واكتب على طول عشان تلحق تكمل نوم.
الماذون: التف لأحلام، ليزهل مما يرى: بسم الله ما شاء الله، ليك حق يا معلم يحي إنك تصمم على الزواج.
الماذون: ما عندكش أخت تجوزهالي، ينوبك فيا ثواب؟
لينفجر الجميع في الضحك، وخجلت أحلام وكسرت نظرها لأسفل.
يحي بعصبية: يا خبراية يا شيخ محمود، خالصنا واكتب الكتاب وروح كمل نومك، الله لا يسيئك.
المأذون وعينه على أحلام: ردي ورايا يا ست الستات.
يحي: استغفر الله، الله ما طولك يا روح، إنجز يا شيخ واكتب الكتاب واتكل على الله بدل ما تتكل على الآخرة.
بدير بضحكة: صبرت سنين مش قادر تتحمل عشر دقايق.
يحي: أنا أصبر العمر كله، بس عجبك كلامه اللي يفور الدم.
ابن يحي ماجد وعينه على أحلام: ماهو معذور يا حج، ماهو ما فيش حد يشوف الجمال ده كله وميكلمش.
يحي: ولا أعقل، والله أتصل على مرتاتك يجوا يقندلوا عشتك.
ماجد الابن: وعلي إيه، خلصنا يا شيخ، خلينا نرجع سلام لبيوتنا.
الماذون: حوط إيدك يا معلم في إيد الست أحلام، منديل يا جماعة.
رددي خلفي يا ست أحلام.
الشيخ: قولي زوجتك نفسي على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى الصداق المسمى بيننا.
رددت أحلام خلفه.
الشيخ: قول ورايا يا معلم يحي.
الشيخ: قل وأنا قبلت زواجك على كتاب الله وسنة رسوله.
الشيخ: بارك لكم وبارك عليكم وجمع بينكم بخير.
لينتهي عقد القران، وتقوم نفين ووالدة ماجد بإطلاق زغاريت، وخلفهم زهور تطلق زغرودة عالية، ليتف لها الجميع، ومنهم ابن يحي ينظر لها بفم مفتوح وعيون جاحظة، يقترب منها كالمغيب.
زهور أنهت ذلك الصوت فور اقتراب ابن يحي منها، لتقف خلف إلينا.
زهور: يالهوي، الحقيني يا إلينا، ابعد يا عم.
الماذون: بعد إذنك يا معلم يحي، تخلي ولدك يقوم بإيصالي للمنزل.
يحي: ماجد وصل الشيخ لبيته وروح لبيتك.
ابن يحي: طيب، عرفونا طيب مين القمر.
أحلام: دي زهور بنت بنتي.
ليلتفت لها ماجد الابن: ماهو النحلة بالحلاوة دي، أكيد النتاج يكون عسل.
يحي: امشي يا ابن العبيط بدل ما أخذلك عنيك، وطمن جدك إني كتبت الكتاب خلاص.
استأذن بدير أيضًا بالرحيل.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم منى عبدالعزيز
انتهي عقد القران ورحل ماجد الابن بعد وقت مع المأذون ليجلس الرجال يتحدثون في الصالون.
وخرجت السيدات لإحدى الغرف.
نفين:
بقي كل السنين دي صحاب وأكتر من الأهل، ومعرفش غير النهاردة اللي حصل زمان وكمان اتفاجئت بأنكم اتفقتوا على الجواز.
أحلام:
زمان راح وإنتهي، بس وحياتك معرفش اللي يحي هيجيب المأذون ويصمم على كتب الكتاب غير لما جه.
نفين:
ولا ماجد يبق عارف كل حاجة. وكل لما أقوله إيه السر يخلي أحلام تمشي وتسيب البيت في نص الليالي، يقولي معرفش السر عندها هي. واتاريه مولس معاكي انتي والمعلم يحي.
أحلام:
طلبت منه يومها وحلّفته بيكي وبولاده محدش يعرف حاجة من اللي حصل. وانتي بنفسك كنتي معايا وشفتي اللي عمله، حتى إنه أخدك ومشي وسابني لوحدي.
إلينا:
ما خلاص يا ماما إيه لزمته العتاب؟ اللي حصل حصل، وعم يحي راجل جدع ويستاهل هو وخالتي أحلام كل خير. ويلا نروح بيتنا، تيتة نامت وهي قاعدة.
إلينا تقترب من زهور وتهمس لها:
بنت يا زهور ما تيجي تباتي معايا؟ نقعد نرغي وهفرجك على كام حاجة شرياهم لجهازي، إنما إيه واو.
زهور:
بلاش النهاردة، أنا ميتة من التعب وبكرة عندي محاضرات كتير.
إلينا:
يابت افهمي! تعالي معايا نخلي الجو للعرسان يكلموا كلمتين كده ولا كده. بلاش تبقي عزول.
زهور بعدم فهم:
ي بنتي ميقعدوا يتكلموا زي ما هم عاوزين، أنا هنام. هكون عزول ليه؟
إلينا:
يخربيت غبائك! افهمي.
لتصمت عند سماع صوت والدتها.
نفين:
نادي على باب يا إلينا ييجي يسند جدتك. أنا ولا انتي نقدر نسندها.
تبسم الجميع على تغير ملامح والدة ماجد وغمزات نفين لهن.
تخرج إلينا تنادي على أبيها ويستأذن بعد أن بارك ليحي ويذهب لشُقته وهو يحمل والدته وسط تزمّر نفين ونظرات الخبث من حماتها.
أغلقت زهور خلفهم الباب ودخلت المطبخ وأعدت عشاء على حامل طبق تقديم كبير وقامت بتغطيته وحملته لغرفة أحلام. وضعته على طاولة وأعدت الغرفة جيداً وذهبت إلى أحلام الجالسة بغرفتها.
لتخبرها برحيل عائلة أبو بولس وجلوس بدير ويحي يتحدثون.
أحلام:
طيب، هروح أنا أوضتي وأنامي براحتك.
زهور:
ستي، عاوزة أقولك على حاجة. إحنا متعودناش نخبي حاجة على بعض، وبرضه مش عاوزاكي تزعلي مني.
أحلام:
اختفت ابتسامتها. قولي يا بنتي، قلقتيني.
زهور:
أنا لقيت شغل ومن بكرة هستلم. ومن قبل ما تقولي حاجة وتزعلي، وحياتك يا ستي أنا عاوزة أشتغل. مش عشان انتي مقصرة ولا حاجة، بس أنا بحب الشغل ومش بحب قاعدة البيت. هما أربع ساعات بس والله بعد الكلية وهرجع البيت أذاكر ومش هقصر.
أحلام:
فين الشغل ده؟
زهور قصت لها على المقابلة وتعيينها.
زهور:
إن شاء الله بكرة هيكون أول يوم من الساعة أربعة للساعة ثمانية. هكون أنا وإلينا مسؤولين على جناح خاص بالفندق عن ترتيبه ونضافته.
أحلام:
بس يا بنتي انتي.
زهور مقاطعة:
مبسش، أنا خلاص مضيت يا ستي ومعادش في كلام.
لتصمتا عند سماع صوت غلق باب الشقة.
أحلام هبت واقفة وبتوتر:
شكل بدير ويحي مشيوا. يلا تصبحي على خير. هروح أوضتي أغير وأنام، أنا تعبانة. وبكرة إن شاء الله نكمل كلامنا.
زهور قبلتها وباركت لها واتجهت إلى فراشها.
أغلقت أحلام عليها باب الغرفة وأطفأت الضوء واتجهت إلى الباب تغلقه بالمفتاح وتطفئ الضوء. وخطت خطوتين تتجه تجاه غرفة نومها لتجد نفسها معلقة بالهواء.
لتصرخ من الخضة وتقطع صرختها بعد سماعها صوت بجوار أذنها.
يحي:
هش، أنا. متقلقيش، وطي صوتك. حد يسمع يقولوا إيه.
أحلام:
نزلني يا يحي. ورجعت هنا إزاي؟
يحي يخطو داخل غرفته نومها:
لو أطول أفضل شايلك ورجلِكِ متلمس الأرض هعملها. وأنا مخرجتش عشان أرجع.
أحلام:
نزلني، ما يصحش كده. زهور نايمة في أوضتها جوة، وكمان مينفعش.
يحي وضعها على السرير برفق وعينه على عينها:
مينفعش ليه؟ ده اليوم اللي فضلت أحلام بيه طول عمري. لو عليا هاخدك ونروح مكان مافيش مخلوق بالدنيا يقدر يوصلنا فيه. بس مش هتكوني مرتاحة وزهور لوحدها. فكرت آخدكم معايا البيت بس خفتك ترفضي وزهور كمان، فملقتش حل غير أفضل معاكي هنا.
أحلام بتوتر:
أحاول أن أتكلم. أصل، أصل.
يحي ينظر إلى توترها وخجلها بابتسامة يجلس جوارها:
لو خايفة مني، أنا كفاية عليا أفضل أبص لك كده وأشبع من عيونك ومن جمالك. ولو على كلام الناس، الصبح كل الحارة والسوق هيعرفوا بجوازنا، لأن أنا هعمل فرح يقعد تلات ليالي.
أحلام بابتسامة خائفة من كلام الناس:
لما يلاقوك قاعد هنا ويقولوا كلام طالع نازل.
يحي:
وأنا راضي يقولوا اللي يقولوه. ما يهمنيش غير إنك تبقي مرتاحة.
أحلام بخجل:
ربنا يريح بالك وميحرمنيش منك.
يحي:
ياسلام! إيه الكلام اللي يشرح القلب.
ليرفع كف يدها يقبله بحب شديد وينظر بعينيها ويتحسس وجهها بأصابعه ليطبع قبلة على وجنتها ليشعر بتصلب جسد أحلام ورعشة. ليقترب أكثر يهمس في أذنها:
اهدي يا أحلامي، خالص متخافيش. أنا.
ليصمت وأحلام تلتف له تومي برأسها. شفتها تهتز وهي تخرج كلماتها.
أحلام:
أنا، أنا مش خايفة. أنا.
لم تكمل لتجد شفتيها بين شفتيه يقبلها بنعومة. ليتركها ويبتعد عنها يشعر كأنه مالك الدنيا وما فيها. ينظر لأحلام التي تهرب من عينيه هرباً ليضحك بإنتشاء ويجذبها يضمها لصدره بشدة.
يحي:
لو مت، هموت وأنا أسعد إنسان في الدنيا.
أحلام تبتعد عنه وترفع يدها تكور وجهه بين يديها:
بعد الشر عنك. ربنا يديك طولت العمر ويخليك ليا.
يحي لم يتمالك كل تلك المشاعر والسعادة.
يحي:
أحلامي، أنا قلبي مش قادر يتحمل كلامك الحلو ده. أسف، مش هقدر أبعد أكتر من كده.
ليكمل باقي كلماته بقبلة عاصفة تحولت إلى قبلات. لتسقط أحلام على الفراش وهو بجوارها. ليبتعد عنها ويهب واقفاً يقوم بتبديل ملابسه ويرميها أرضاً.
أحلام شهقت بخوف فور رؤية يحي يعتليها بعد أن تحرر من ملابسه. لتتخدر أوصالها مع همساته لها يطمئنها. لتتوه بين كلماته وهمساته. لم تشعر بتجاوبها معه. يدها تتمسك بالمفرش تكوره بيدها. ليتعمق يحي بقبلاته. يده تجوب جسدها ليبدأ بنزع ما ترتديه بسهولة ويسر وهي كالمغيبة. جسدها مخدر من حركات يده. فجأة شعرت بألم شديد لتعلو صرخة من بين شفتيها يبتلعها هو بين خاصته. لتهدأ بين يديه ليتعمق بما يفعله فاقد كل ذرات التعقل. وهو يرى ويشعر بأنه أول رجل يلمسها. بالرغم أنها ليست عذراء. ظل وقت طويل تتأوه من قوته. تهمس باسمه. وهو يتغنى باسمها بين شفتيه. يزيد من قوته كأنه شاب في ريعان شبابه بكل ما أوتي به من قوة يضرب بجسده بداخلها. لتعلو صرخاتها. لا تعلم بأنها بفعلتها تجعله يزيد من قوته. ظل وقت لا يعلم كم مر عليهم وهم بتلك الحالة. حتى شعر يحي بالانتشاء. ينحني يقبل جبهتها ويتسطح جوارها. يتنفس بقوة. ليلتف بعد أن بدأت أنفاسه تهدأ. ينظر لها وهي تضغط على عينيها. تضمها بقوة. ليبتسم على حالتها وهروبها. يطبع قبلة أخرى على جبهتها ويسحبها لتنام بين يديه. ظل صامتان لا يتحدثان. لا يسمع منهم غير صوت أنفاسهم اللاهثة. كل بداخلة سعادة تجعله يطير
بدير: انتي عارفة كل حاجة عني، إني ابن بكر وروحية، مش ابن شفيق. بس من يومين أمي بتزن عليا أرجع البلد ونعيش في الدوار وأقدم للعمودية، بما إن محدش يعرف إني مش ابن شفيق. والدوار والأملاك مشتركة ما بينهم، وأنا دلوقتي الوريث ليه، وخصوصًا بعد سجن الصافي وجنان نادرة مراته. أنا رافض، لأن ده مش من حقي. وكمان خايف من كلام الناس لما أمي ترجع تعيش بالبلد، وأنا مش خايف عليها.
زهور: بتفكير، بص يا خالي، هقولك رأيي، وفيك تاخد بيه وفيك تسيبه. وافق على كلمها وعيش باسمك اللي اتولدت وكبرت بيه، وبدير ده خالك، ما بينا وبس. ولو على العمودية، في مليون واحد ممكن يتقدم ليها وياخدها. إحنا عاوزين اللي يراعي ربنا وما يتعداش على حقوق الناس. والورث، خده وطلعه لله، أصرف من حق والدتك. حقق العدل ورجع حقوق الناس اللي اتاخدت غصب عنهم. وربنا مع دول العدل، ولو كانت كافرة، يبالك بقى لما تكون عادل وانت حافظ كتاب الله وسنة نبيه.
بدير: كنت متأكد محدش هيريح قلبي بكلامه غيرك. إن شاء الله هفكر فيه. خلينا بقى في الموضوع التاني. في اتنين من كام يوم سألوا عنك، وقالوا إنهم عمامك، وكانوا عاوزين العنوان اللي اتنقلتي فيه. وكمان قالوا إنهم سألوا بالمستشفى اللي كنتي فيها أيام حادثة العربية، وهما اللي ادوني عنوان البيت والمحل، وادوني أرقام تليفوناتهم عشان أبلغهم بمكانك. بعد ما قلتلهم إنكم مشيتوا، وما نعرفش رحتم فين. بصراحة خفت أعرفهم مكانك لحد ما نتأكد إنهم أهلك بجد.
زهور: غورت عينها بالدموع. نجحت في منع نزولها. عمامي؟ أنا معقولة بعد السنين دي كلها طلع ليا أعمام.
بدير: هم قالوا إنهم بيدوروا عليكي من سبعتاشر سنة، وإنهم عرفوا بمكانك لما عرفوا اسمك من ضمن طلبة الثانوية العامة، ومن يومها بيدوروا عليكي لحد ما عرفوا العنوان، وبرضه مقدروش يوصلولك.
زهور: أرقامهم معاك لسه؟
بدير: أيوه، هبعتهملك على الواتس. أنا كنت عاوز أقول لأمي أحلام، بس فضلت إنتي اللي تعرفي الموضوع في الأول وتقرري تقبليهم ولا لأ.
زهور: أنا متشكرة أوي إنك قلتلي، وكويس إنك قلتلي. بلاش ستي تعرف دلوقتي بعد إذنك. يدوب ألحق المحاضرة، وانت كمان تلحق القطار. وهستنى تبعت أرقام التليفونات.
لترحل زهور بعد ودعها لبدير.
تهمس لنفسها ودموعها لازالت متحجرة: عمامي؟ طيب فين أبويا وأمي؟ ليه عمامي هما اللي بيدوروا عليا، وكمان بقالهم سنين بيدوروا عليا؟ وأبويا ليه مش بيدور؟ وكمان سلسبيل راحت فين؟ هي كمان ليه مش بتدور؟ معقولة تكون اتخلت عني نهائي وشافت نفسها.
لتصل لجامعتها بعد قليل، شاردة الذهن. تخطو من الباب الرئيسي دون أن تنتبه لمن يضرب ببوق السيارة خلفها.
لتبتعد بعد أن أشارت لها إحدى الطالبات مبتعدة عن ممر عبور السيارات.
لتخطو تجاه مدرج دفعتها، تجلس مكانها، ليأتيها نفس الطالب الذي يخبرها بأن تترك مكانه وتذهب لمكان آخر. لطلق لسانها العيار، تسبه.
زهور: بقولك إيه، المرة اللي فاتت وقلت زميل وظروفه كده، لكن تسوق فيها وكل مرة تعملهم، وعاوزني أصدقك؟ بس للأسف انت غبي. المرة اللي فاتت جيت لابس نظارة نظر، المرة دي جاي بنظارة شمس. فروح يا شاطر بعيد واعمل المقالب دي مع حد تاني. وبحذرك تتمادى في مقالبك البايخة دي معايا، أو تقرب مني. مفهوم.
ليرحل الشاب من أمامها بحرج بعد كشف لعبته ونظرات زملائه له.
ليعم الصمت بعد دخول أحد الدكاترة يلقي محاضرته.
الدكتور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا الدكتورة حبيبة الرشيدي، هدرس ليكم مادة الإنشاءات، وبعد كل محاضرة هطلب منكم بحث تقدموه ليا المحاضرة اللي بعدها. هوضح كل اللي مطلوب في البحث ونتناقش فيه. الغرض من البحث ده توسيع معرفتنا، وكمان المناقشة بتوسع الإدراك، وبنستفاد كلنا من المعلومات اللي بقوم بيها كل واحد ببحثه. دلوقتي هنشرح المحاضرة. ليمر الوقت والطالبة كان على رؤسهم الطير من شرح حبيبة.
انتهت المحاضرة وأخبرتهم ما تريد في البحث. وأعطت كل طالب حرية اختيار المصدر الذي يبني عليه بحثه.
مر اليوم على زهور سريعا، واتجهت إلى الفندق بعد لاستلام عملها.
لتبدأ زهور أول أيام عملها بسعادة وروحانية تحاط بها فور دخولها للمكان الذي خصص لعملها.
أحلام: فاقت على دقات على باب الغرفة، لتشهق بصوت عالي، ليفزع من جوارها، ليهمس مهدئها.
يحي: أحلام، اهدي، مالك، جر إيه.
أحلام: تشير للباب وتهمس: زهور بتخبط على الباب، ومش عارفة إنك بايت هنا، هتقول علينا إيه.
يحي: يقبل وجنتها، اهدي، زهور عاقلة وهتفهم الوضع. ويا ستي متقلقيش. لو عاوزاني أفهمها إني هعيش معاكم لحد ما تتجوز وتروح بيت عدلها، وبعدين آخدك ونطير في مكان نعيش أنا وإنتي وبس، نعوض سنين حرماني منك.
أحلام: البنت برة، بلاش كلامك ده.
يحي: ابتعد عن أحلام، هبط من على السرير، لتشهق أحلام وتخفي وجهها بيدها.
يحي: هههههههه، ليرجع مكانه ويضم أحلام، يقبلها على شعرها بسعادة من خجلها، كفتاة صغيرة لازالت في السادسة عشر من عمرها.
يحي: وهو لازال يضمها، عارفة امبارح لما قلتلي إنك موافقة على الجواز، من كتر الفرحة مقدرتش أتحمل ووقعت من طولي. كنت واعي لكل حاجة، كل كلمة قلتيهالي وانتي بتفوقيني، وحتى في المستشفى كلامك اتحفر جوة قلبي. كنت عاوز وقتها أقولك إني واعي وحاسس بيكي، بس خفتك تخافي وتتحرجي مني. كنت فرحان بكلامك وانتي ماسكة إيدي ودموعك نازلة على وشك بتحرق بقلبي. لولا كنت عاوزك تخرجي اللي جواكي، كنت قمت حضنتك ومخرجكيش أبداً.
لصمت متذكراً حديثها.
أحلام: ممسكة بيد يحي وتبكي: يحي، كنت أتمنى أكون شجاعة وأحكيلك الكلام ده وانت قاعد قصادي، لكن ما باليد حيلة. عاوزة أقولك إن كلامك هزني، اعترافك بحبي ليا طول السنين دي خلى قلبي ينتفض. حسيت بصدق كلامك من صوته والوجع اللي فيه، وقد إيه انت تعبت السنين دي. رفضك إنك تجوز واحدة تانية وتفضل عايش على أمل إني أرجع وأعترف بحبك. يحي، أنا اكتشف إني كنت بحبك، ورفضي ليك كان عشان خوفي من الجواز نفسه. في حاجات كسرتني زمان خلتني برعب قرب أي راجل مني، حتى لو السلام اللي عيشته خلاني بترعب من فكرة إني أجوز وراجل يلمسني. يحي، سامحني على سنين تعبتك فيها، وسامحني إني كنت السبب في نومك دي. اعذرني، أنا لازم أمشي. زمان أهلك جاين، وأنا مش عاوزة يحصل ما بينا كلام يبعدنا عن بعض مرة تانية.
يحي: أخرج أحلام من حضنه، ينظر لها بحب.
يحي: أحلامي، أوعدك إني هكون أبوكي، ابنك، حبيبك، عشيقك، جوزك، هكون كل دول. بس دلوقتي هكون جوزك وبس. ليعتليها مرة واحدة، يغوصا معاً في دوامة عشق، كل منهما يتغنى للآخر ويعزف معزوفة باسمه.
زهور: وجدت رسالة على الواتس بالأرقام الذي أخبرها بهم بدير. تنظر لهما بتردد، لتغلق الهاتف فور سماعها صوت المشرف على عملها يتحدث معها.
المشرف: انتم هتكونوا مسؤولين عن الجناح ده. أي تقصير أو شكوى توصل منكم هتتفصلوا نهائياً. الجناح ده لشخصية مرموقة، سكن دائم.
الينا: تحت أمرك يا مستر هاني.
هاني: زهور، انتي هتكوني تحت الاختبار لحد مستر حازم ما يوافق ويمضي العقد معاكي.
زهور: أومأت برأسها لتحمل أدوات التنظيف وتدخل مع الينا للجناح الخاص بعملهم.
تدخل الينا وزهور إلى أكبر جناح بالفندق.
الينا: شاهقة: يالهوي! إيه ده؟ هو الديكور اتغير امتى؟ أنا لسه من يومين كنت هنا.
زهور: يا بنتي قولي بسم الله ما شاء.
الينا: باسم الرب بس. أنا مستغربة، ده كل حاجة اتغيرت بالسرعة دي. أنا هجنن من الجمال ده، ولا الانتيكات دي. لو واحد في بيته مش هيعمل الجمال ده.
زهور: تضع ما بيدها من أدوات تنظيف. الحمام فين.
الينا: إحنا هنبدأ بالغرفة الأول، وبعدين الحمام. الجناح كبير وهيأخد شغل كتير.
زهور: أنا عاوزة أظبط هدومي، مش واخدة على الحجاب الصغير.
الينا: إحنا بنات زي بعض. عدلي الحجاب هنا عادي.
زهور: لا مش هينفع هنا. ممكن المشرفة تدخل، ولا مستر هاني يدخل يفتش ورانا، وحرام يشوفني من غير حجاب.
الينا: أشارت لها على مكان الحمام هنا على جنب.
لتدخل زهور الحمام، تذهل من جماله. أعوذوا من الخبث والخبائس. لترفع حجابها، وذلك الجاكت التي ترتديه، لينساب شعرها الطويل بلونه البني اللامع يقترب من الأرض. لتقوم بلفه عدة مرات ووضع ربطة الشعر جيداً عليه، وترتدي حجابها وتعقده بعناية شديدة، وتدخله أسفل ملابسها كي تضمن عدم ظهور جزء منه إذا انفكت عقدته مرة أخرى. لترتدي ذلك الجاكت مرة أخرى وتخرج لتجد صديقتها.
زهور: الين، بتعملي إيه.
التفت إليها الين ممسكة بقطعة من الشوكولاتة تود أن تأكلها.
الينا: في إيه يا زهور، خضتني. بعمل إيه يعني، دي شوكولاتة هأكلها.
زهور: بس ده ما يصحش، وحرام أصلاً.
الينا: حرام ليه؟ دي واحدة نفسي راحت ليها، وفي كتير أوي. ما فيش حد هيلاحظ لو واحدة ولا اتنين نقصوا.
زهور: لا، في مشكلة كبيرة. لازم تستأذني صاحبها. ثانياً، يا ستي نفسك راحت ليها، واحنا مروحين نعدي على محل الشوكولاتة نشتري، لكن ما ناكلش حاجة حرام.
الينا: انتي بتحلمي يا بنتي. النوع ده بمبلغ خرافي، مرتب شهرين تلاتة.
زهور: هو لازم تجيبي كمية؟ اشتري على قدك. وكمان إيه عرفك البتاعة دي فيها إيه؟ مش ممكن تكون نوع من أنواع الخمور زي ما بنسمع.
الينا: هههههههههههه، خمور إيه يا زهور؟ شوكولاتة فيها خمور.
زهور: حطي اللي في إيدك مكانها وبلاش كلام كتير بينا. نخلص شغلنا.
الينا:
بس أنا فتحتها وأكلت منها حتة وحرام تترمي في الزبالة، هاكلها وخلاص والرب يسمحني.
زهور: خد الورقة معاكي، وأول وآخر مرة تمدي إيدك على حاجة.
إلين: وهي تقوم بأخذ الورقة من سلة القمامة. هعمل إيه بالورقة؟ ما خلاص البسكوت هنبدله بواحد تاني وخلاص.
زهور: عشان تشتري واحدة بدالها، ويوم ما تيجي هنا تحطيها مكانها.
إلين: وهي مزهولة من كلام زهور. أنتي مجنونة يا بنتي، أنتي عارفة الشوكولاتة غالية قد إيه، وغير كده أنا مفلسة، لسه بدري على ما أقبض، وبرضو مش هعرف أشتري أي حاجة، أنا عندي التزامات وجمعية.
زهور: وهي تبدل شرشف السرير. ولا يهمك، أنا هشتريها من مرتبي، لسه ما صرفتهوش، بس دي أول وآخر مرة.
إلين: وليه التعب ده؟ ما خلاص أنا أكلتها ودي واحدة والعلبة مليانة أهو.
زهور: ولو دي اسمها سرقة، وأنا شاهدة عليكي، يبقى شركتك فيها، ولازم أشارك في إرجاعها بما إني شاهدة على كده.
أنهت من ترتيب السرير وظلت تعمل بجد وهي تتحدث مع زميلتها حتى وصلت إلى الحمام ودخلته مرة أخرى. وبعد الانتهاء منه، رفعت ساعة يدها لتشهق.
زهور: إلين، بصي أنا هستعمل الحمام، هتوضأ، بس الظهر هيفوتني لو استنيت لما نخلص خالص.
إلين: طيب اتوضي، ده مش حرام يعني؟ دي شوية ميه والفندق بيحاسب عليها، مش العميل يعني.
زهور: مش بيدفع فاتورة وبيكون منها الكهرباء والمياه، أنا هتوضأ وأصلي، بس ياريت تخلي بالك لو مستر هاني يجي، تنبهيني عشان أنهي صلاتي، لأنه مش ينفع يشوفني بصلي.
أنهت زهور الوضوء وجففت المياه بعد وضوئها وخرجت تنظر يمين ويسار. حتى وجدت مكان ينفع أن تصلي فيه. خلعت ما ترتديه بقدمها وشرعت في صلاتها بخشوع وتأنٍ حتى انتهت منها وجلست قليلاً تسبح الله. وقامت تكمل عملها بدقة وإتقان. قليلاً حضر المشرف عليها مع المدير يراجعوا خلفها هي وإلين ليشيدوا بتنظيمهم للغرفة.
خرج الجميع من الجناح بعد التأكد من تنظيمه جيداً ولا شيء ينقصه.
يجلس أمام مكتبه يعمل بجد على جهاز اللاب توب أمامه ليهتز هاتفه بإشعار خاص ليرفع رأسه سريعاً.
يمسك هاتفه ينظر ما به. يرجع برأسه للخلف معتدلاً بجلسته، وضع هاتفه أمامه يرى ويسمع ما وصله.
"أنتم هتكونوا مسؤولين عن الجناح ده، أي تقصير أو شكوى توصل منكم هتتفصلوا نهائياً. الجناح ده لشخصية مرموقة سكن دائم."
"تمام يا فندم، إن شاء الله هنكون عند حسن ظن حضرتك."
تدخل فتاتان يحملان أدوات تنظيف لغرفته نومه بالفندق. لفت انتباهه صوت تلك التي تتحدث فور دخولها جناحه الخاص.
تضع ما تحمله في يدها من أدوات ممسكة بحجابها.
إلين: الحمام منين تعرفي؟
الفتاة الأخرى: أنتي عايزة الحمام ليه؟ إحنا هنبدأ بالغرفة الأول.
الفتاة الأولى: محتاجة أظبط هدومي، أنا مش متعودة على الحجاب الصغير ده ومحتاجة أظبطه.
الفتاة الأخرى: ما تظبطيه هنا عادي يعني، إحنا بنات زي بعض.
الأولى: ممكن المشرفة ولا مستر هاني يدخل يفتش ورانا ويشوفني وأنا من غير حجاب، مش يصح وحرام.
الثانية: الحمام في جنب ده.
الأولى: دخلت الحمام ليقف بذهول مما رأى.
ليغض بصره مسرعاً يستغفر ربه، يستمع فقط للصوت دون النظر إلى الهاتف.
يستمع إلى كل كلمة بدقة بالغة.
بالفندق.
وقف ينظر إلى هاتفه بانبهار مما سمع. وراء ابتسم. هل يعقل أن يوجد أحد ورع بتلك الصورة؟ تخاف أن تكون شريكة في سرقة قطعة شوكولاتة، وهناك يسرق الكثير. لا يخاف أبداً.
أغلق هاتفه ورجع إلى عمله مرة أخرى.
شارد في تلك الفتاة يردد اسمها بين شفتيه.
أفاق على صوت بجانبه يحدثه.
الشخص: الملف اللي حضرتك طلبته، وفي شخص من السفارة طالب يقابل حضرتك.
عبد الرؤوف: ضع الأوراق على الطاولة، ودخل المندوب اللي بالخارج.
واطلب السائق يجهز بالسيارة، بعد نصف ساعة هنعاود الفندق.
السكرتير: تحت أمر حضرتك.
خرج السكرتير ودخل مندوب السفارة.
المندوب: السلام عليكم يا طويل العمر.
عبد الرؤوف: عليكم السلام، حياك الله خوي. اتفضل، شو صار ها المرة؟ إنذار ولا ترحيل؟
المندوب: لا هايك ولا هيك. اجلس يا خي، بدي أخبرك ليش جدمت ليك من غير موعد، في أمر هام محتاج أخبرك بيه.
عبد الرؤوف: اتفضل خبرني شو السالفة، وياريت ما يكون طق حنك وخلاص، لاني دماغي ضايج.
المندوب: إن شاء الله خير، لا يكون في بالك شر. السالفة زوجتك.
عبد الرؤوف: مو زوجتي صارت.
المندوب مقاطعاً: الله يطول بعمرك، اترك اكمل حكياتي، ولو ما كانوا ظراف، انحاش وأنا أرجع وأخبر السفير وينجل ما تريد للمملكة.
أومأ برأسه دون الرد.
المندوب: وصل للسفارة أن زوجتك تريد أن ترجع لتجيم معاك، وأخذت الموافقة من صاحب السمو وبدها تعاود، وأبلغنا بأخبارك وأي معاد بدك تستجبلها.
عبد الرؤوف: خوي، ها كفيت حديثك ولا في شي؟
المندوب: لا، كفيت. وبدي أفهم شو رأيك.
عبد الرؤوف: لا، موافق. وبدي توصل اعتراضي وتخابر سيادة السفير بكلامي عدل. بدي تخبره مرة مو موافق، وكفيت. ما صار بطلت زوجتي من زمان، وهاي الطالعة الثالثة.
المندوب: كيف الثالثة وهي ما تدري؟
رؤوف: لا تدري عدل كل شي، لكن هي عميانه عن الحقيقة. تريد ترجع بعد ما درت نجاح مشروعي واستجراري بمصر، وبجيت زين بدونها. رايدة تنعم مرة بالحلال تبعي، دريتها ولا ما دريتها.
المندوب: طول عمرك حلالك مرة، وجابتلك من أشهر وأغنى عائلات المملكة، وحلالك وايد مرة زايد. وهي بنت عممتك وحلالها وايد مرة. ليش صار تطمع هيك؟
رؤوف: لا، مو طمع في الحلال، لا دي طمع غيرها تكون ليها نصيب فيه، لكن أنا كرهت كل الحرمات مرة.
مابدي أريهم ولا أسمع صوتهن. هي انحاشت وجت ما ضاجت، والربع بعد عني ورجعت بكيانه بعد ولدي ما طاح وسامحتها مرة وعشرة. انحاشت مرة ثانية وجالت دراستي وجامعتي وممتي. ماراح أصبر على فراجهم، وانحاشت ورادت للمملكة وتركتني بجهري على والدي اللي فرحان بيه وايد، يا خي والله هاذول يكفرن العشير والنار بدوهن مرة جنه.
المندوب: هههههههههههه، هن يكفرن العشير، لكن بدونهن الجنة ما تصير.
رؤوف: هههههههههههه، لا تصير، وايد الجنة مرة حلوة.
المندوب: بعيد عن السالفة، مابدك تطلع مع الربع، نطق حانك ولا مرة، مشتاقين نسامر ونجدي يوم مع الشباب.
رؤوف: وهاي علي خابر الشباب، وأنا هنتظرك تخابرني.
المندوب: ولا بدنا تعطيس كييف الأيام هادولا.
رؤوف: ولا ال بدك إياه بيصير، خابر الربع، وأنا متحمس ومنتظرك تخابرني بالموعد.
المندوب: هههههههههههه، ولا جاتك طاير من بكير ومعاي الربع كلياتهم.
يلا سلام، يدوب الحج أخابر السفير يبلغ جوابك، وأخابر الشباب ونجتمع عندك بدارك.
رؤوف: أنا تركته واستجريت بفندق زهروان المعادي.
أخدت جناح خاص أمس، وجهزته كييف ما بدي.
هاد عنوانه، أعطيه للشباب، وأنا منتظركم.
المندوب: ليش هديت دارك، وتجيم في فندق؟
رؤوف: كرهتها وايد، ما بحس فيها بالأمان، وماهدتها.
تركتها بكل ما فيها، أنا انحاشت عنها. كل يوم تفتيش وشغل مخابرات تجول داير خاليه.
المندوب: حرص، ولا تخون، ممكن يكون حد يسمع عليك يا خي، دير بالك زين، صار ال صار بسبب كلمة جلتها في وقت غضب.
رؤوف: الحمد لله، وعسى أن تكرهوا شيئاً.
المندوب: يلا سلام عليكم، انتظر مخابراتي اليوم.
نتسامر الليلة بعيد عن الربع، ومن باكر نخابرهم.
رؤوف: بالمهالي صديج.
رحل مندوب السفارة، وجلس عبد الرؤوف ينظر إلى هاتفه، وعلى وجهه ابتسامة لاول مرة منذ أشهر. يبتسم ليدخل عليه سكرتيره الخاص.
المساعد: السيارة جاهزة جنابك.
رؤوف: لبس نظارته الشمسية، وأرجع كرسيه للخلف، وهب واقفاً، واضعاً هاتفه في جيب جلبابه شديد البياض، وأمسك مسبحته وخرج من المكتب.
بعد قليل، إلى مكان إقامته الدائم بفندق زهروان المعادي.
ليصعد مباشرة إلى جناحه الخاص، يفتحه ويدلفه.
ليبتسم وهو يستنشق تلك الرائحة العطرة، يجلس على الأريكة بإرهاق، يغمض عينيه، يتنهد بتعب، ليغفو.
لحظات ويفيق على صوت رسالة على هاتفه. ليفتح عينيه بتعب، ويخرجه من جيبه. يفتح ويقرأ الرسالة.
وما هي إلا برهة ووصل له إشعار آخر بتسجيل صوتي.
ليستمع له ولصاحبته بإشمئذاذ، ويغلقه قبل الانتهاء منه. ويقف متجهاً إلى المرحاض، ليبتسم وهو يتذكر تلك الفتاة التي رآها على هاتفه. ليخرج بعد أن أنهى استحمامه، ويتجه مباشرة تجاه الطاولة، يمسك هاتفه ويفتحه على تسجيلات الكاميرات، ويتسطح على الفراش، ينظر إلى الهاتف بابتسامة واسعة وهو يشاهد ويسمع كلام تلك الفتاة التي جذب حديثها لزميلاتها.
ليغمض عينيه ويسقط الهاتف من يده، ويذهب إلى ثبات لم يخلُ من كابسة اليومي وصوت أنين حزين.
لا يفارقه طوال عامين كاملين. يهمس بنومه منادياً على شخص ما، ليفيق وهو يتصبب عرقاً، ويتنفس بأنفاس متلاحقة، كأنه يجري بماراثون للجري حتى كادت تقطع أنفاسه من هول ما رأى.
ليجلس مستغفراً ربه عدة مرات، ويهبط من على فراشه متجهاً إلى المرحاض، يتوضأ ويقيم الليل.
حتى أعلن لصلاة الفجر، وبعد انتهائه من الصلاة.
عاود لفراشه ممسكاً بهاتفه، يعاود فتحه، وتتسع ابتسامته وهو يسمع حوار زهور مع إلينا.
ليغفو مرة أخرى حتى الصباح.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم منى عبدالعزيز
انهت زهور عملها وغادرت الفندق من المدخل الخاص للعاملين. نظرت في ساعة يدها وابتسمت لخاطرة لاحت بمخيلتها، تحدثت مع نفسها:
زهور: ليه لا، فكرة حلوة. وكمان أنا من زمان نفسي أغير جو. آخر حاجة أهو أشوف حاجة عمري ما شفتها. أتمشى شوية وأشوف أماكن جديدة محلمتش يوم أشوفها. أتصل بستي وأقولها متعودتش أروح في مكان من غيرها ولا من غير إذنها. لا بلاش، هتقلق وهتقول ملوش لزوم. يا إما تصمم تيجي عشان ما أزعلش وتبقى مطمنة عليا، وده ممكن يزعل عمي يحي. ممكن لو ستي صممت تيجي، خلاص كده كده لسة بدري، ما فيهاش حاجة لو لفيت حوالين الفندق وشفت مدخله وأخد كام صورة قدامه وأبعتهم لبابا أحمد.
هزت رأسها فرحًا وصفقت بيديها بسعادة، تقنع نفسها بتلك الفكرة. تخطت المسافة بخطوات سعيدة، تقطع المسافة وهي تمشي بخطوات تثني قدميها وتقدم واحدة تلو الأخرى، مشية المقص، كطفلة صغيرة تلهو بالطريق. وصلت بعد وقت لاهثة.
زهور: إيه ده؟ نفسي اتقطع. بسم الله ما شاء الله، الفندق كبير أوي. أنا كنت فاكرة مدخله قريب.
وقفت متسمرة وهي تنظر للفندق من الواجهة. قشعريرة أصابت جسدها كأن لفحتها ريح باردة. وقفت تنظر للواجهة وتلك الأضواء التي تزين الاسم.
أخرجت هاتفها بيد مرتعشة، التقطت عدة صور للواجهة. بابتسامة ازدانت وجهها، أعادت تشغيل الكاميرا والتقطت صور سيلفي لها وهي تقف عند إحدى الشجيرات القريبة من المدخل، مزينة باسم الفندق "زهروان".
وجدت أحد أفراد الأمن يقترب منها، فارتدت للخلف وقامت بتسجيل فيديو لها، تتهرب من فرد الأمن حتى لا يراها. تضحك بخفة كلما نظرت تجاه الأمن ورأت نظراتهم المصوبة تجاهها.
صدمت بشخص من الخلف، فالتفت بخوف، اعتذرت لمن صدمت به وفرت هاربة. سمعته ينادي عليها. وقفت لبرهة من ذلك الاسم الذي يناديها به، فابتلعت ريقها بصعوبة ورحلت مبتعدة عن المكان.
أشارت لأول عربة أجرة قابلتها وصعدت بها، وأخبرت السائق بسرعة الرحيل وهي لازالت تسمع صوت مناداة ذلك الشخص لها بنفس الاسم الذي ناداها به.
أخبرت السائق بالعنوان وجلست وهي تلتفت تنظر من زجاج السيارة الخلفي. قلبها يدق بسرعة، وبه نغزة قوية تعتصر جسدها. ينتفض بشدة، فتستدير وهي تتحسس ذراعيها تدفئهما.
تتردد بمسامعها مناداة ذلك الشخص، تلوم نفسها: "ليه ما وقفتش وسألته عن صاحبة الاسم ده اللي طالما أردت معرفة أي شيء عنها؟"
زهور: ليه نادى عليا بـ "سلسبيل"؟ غبية يا زهور، ليه ما مشيتيش قبل ما تعرفي؟ ليه نداكي بالاسم ده؟
تغور عيناها وتتدحرج دمعاتها.
زهور: تعاود تطرح السؤال على حالها. ليه نادى عليا بـ "سلسبيل"؟ معقولة الشبه مابيننا جامد كده؟ أنا شفت صورتها اللي ستي أحلام ادتهالي وهي لسه صغيرة. الشبه قريب بس مش للدرجة دي. طيب يعرفها منين؟ هجنن! معقولة يعرفها من وهي في سني لدرجة ما فرقش بيني وبينها؟ ماهي حاجة من الاتنين: يا إما يعرفها كويس، يا إما سلسبيل عايشة متصابية ومقضياها.
معقولة سلسبيل تكون...
وضعت يدها على فمها بيدها التي ترتعش. معقولة تكون... تكون...
تغمض عينيها. لا، لا. ليه؟ ماهو واضح أهي زي الشمس. فندق خمس نجوم وزبون مريش، أكيد اتعودت على العز. سلسبيل... سلسبيل... سبتيني ورحتي للعز؟ أكيد ماهي ظاهرة أهي واتحلت بالنسبالي كل الألغاز. هي وزياد كانوا على علاقة مش كويسة، ولما جيت أنا، هو اتبر مني وهي رمتني وخلصت مني. ماهو ملوش تفسير غير كده. ياترى هي دي الحكاية؟ ولا إيه حكايتك يا سلسبيل؟
لم تستطع كبح دموعها. فتحت عينيها بصدمة كبيرة. وضحت الرؤيا: إنها "زهروان" والفندق "زهروان". قيدتها سلسبيل بذلك الاسم تيمنًا بمحل عملها ومقابلة عشقها.
مرت ذكريات أمامها كعرض سينمائي. ترى فتاة صغيرة مربوطة من يدها بحبل طويل، تجذب منه بقوة. وهناك من يلقبها بـ "ابنة غلطة" أو "ابنة حرام". وهناك من ينادي عليها بـ "بنت سلسبيل". عار لازال يلازمها طوال سنوات عمرها. نظرات مصوبة أمامها تتهمها بشيء وعار لم تكن السبب فيه.
لازالت شاردة، تسند رأسها على زجاج السيارة بجوارها. عينها تسيل منها دموعها. جففتها سريعًا فور أن أخبرها السائق بالوصول للحارة. هبطت من السيارة وتوجهت ناحية السائق تعطي له الأجرة.
مد يده ينظر لها باشمئزاز وهو يلتقط النقود منها بأطراف أنامله ويحدثها:
السائق: لولا العوزة والعربية شغالة عليها مكنتش أخدت من واحدة زيك فلوس. ربنا يتوب علينا من الأشكال الزبالة دي.
زهور: تلبدت مكانها. عقد لسانها. رعشة قوية زلزلت كيانها. كيف يقول هذا الكلام لها؟ ماذا رأى عليها حتى يخبر بتلك الكلمات المسيئة؟ أغمضت عينيها فور انطلاق السائق من أمامها، تتحدث نفسها بغصة.
زهور: قصده إيه بالكلام ده؟ هو ليه يقوله ليا؟
شعرت بغصة وخوار قدميها. هزت رأسها: لا، لا. كده خلاص وضحت. سلسبيل زبونة معروفة بالمنطقة والسواق قال كده فاكرني هي. لترحل بالمكان وتعبر الطريق تجاه المنزل. تصعد درجاته بصعوبة كمسنة فوق الستين تعاني من صعود الدرج، حتى وصلت الدور الخاص بشقتها. وقفت متسمرة، عينها اشتعلت بوهج من شدة احمرارها. تتنفس بصوت عالٍ وهي تسمع جارتها أم ماجد.
أم ماجد: بت يا سلسبيل، بتعدي كده ومتسلميش عليا؟ عاملة نفسك يا سلسبيل مش واخدة بالك مني؟ بقي بدل ما تيجي تسلمي عليا وتسأليني عاملة إيه يا خالتي، بتعدي كده وتطنشيني؟ مكنش العشم يا سلسبيل. فعلاً زي ما قلت لنفين، البت سلسبيل متغيرة.
أغمضت زهور عينيها وهي تستمع لكلام أم ماجد وهي تكمل. لتنهار قوة تحملها، فتلتفت لها تصرخ بهستيريا.
أم ماجد: بقي بكلمك يا سلسبيل ومش معبراني وعطياني ضهرك؟ أم أنتِ قليلة الأصل؟ هو ده الأدب اللي اتعلمتيه يا ست سلسبيل؟ إخص ومليون إخص.
زهور: أنا زهور مش سلسبيل. سلسبيل الاسم ده مش عاوزة أسمع حد ينادي عليا بيه مرة تانية. أنا زهور وبس. زهور وبس. زهور وبس.
أم ماجد: كعادتها، يقطعك يا سلسبيل؟ بقي بتشخطي فيا وبتعلي صوتك عليا؟ ولا أحلام معرفتش تربيكي يا سلسبيل؟
زهور: قلت متقوليش ليا الاسم ده مرة تانية. انتي ليه بتحبي تعصبيني؟ أنا قلتلك بلاش الاسم ده. بلاش! ليه بتستفزني؟ قصدك إيه بإنك تفضلي تعيدي الاسم مليون مرة في الدقيقة؟
صمتت على أثر تلقيها صفعة قوية على وجهها. وقفت متسمرة مكانها للحظات، تنظر أمامها لتلك العيون التي تبكي أمامها. هزت رأسها بأسف، فتخطتها زهور ودخلت الشقة مباشرًة.
وقفت بالقرب من الباب، تستمع لصوت اعتذار أحلام لجارتهم. تسرعت لغرفتها بعد أن استمعت لما قالته الجارة.
أحلام: متأخذيهاش يا أم ماجد. زهور أكيد في حاجة مزعلها واتعصبت عليكي من غير قصد. امسحيها فيا أنا.
أم ماجد: لا أمسحها فيكي ولا في حد تاني. البنت دي من يوم ما جات معاكي وأنا مش برتحلها. لا تعرفيها طيبة ولا خبيثة. بتحبنا ولا مش بتقنا. ما إحنا طول عمرنا جيران، بس نقول إيه؟ أقلب القدرة على فمها تطلع البنت لامها. سلسبيل زمان مكنتش بتحبنا وعلى طول واخدة جنب مننا. لا بتيجي عندنا ولا بتحب قربنا. لولا الملامة كانت خرجتنا من البيت والشقة.
أحلام: ما يصحش الكلام اللي بتقوليه ده يا أم ماجد. إمتى حصل الكلام ده؟ سلسبيل طول عمرها متربية معاكم في البيت من عمر شهر وقت ما المرحومة أمها تعبت وهي ملزمة نيفين. حتى كانت بتناديها يا ماما. تقولي الكلام ده ولزمته إيه؟
أم ماجد: مطمرش فيها تعب مرات ابني ولا تطمر فيها تربية. بس نقول إيه؟ نكارة جميل. بدليل سبتلك بنتها لحمة حمرا ومتعرفوش عنها حاجة من يومها. لو منك أحذر من بنتها.
أحلام: بس لحد كده وكفاية يا ست أم ماجد.
نظرت لنيفين الواقفة لا تتحدث بعتاب وندم أنها قصت عليها ما حدث أثناء جلوسهم يتسامرون إحدى المرات عن سلسبيل ولما ليست معهم.
وترتد للخلف، تدخل الشقة متوجهة إلى غرفة زهور التي أغلقتها خلفها بالمفتاح حتى لا يدخل أحد إليها.
زهور رمت نفسها على الفراش، دافنة وجهها بوسادتها تبكي بدون صوت. تسمع صوت خبطات أحلام ومناداتها ولا تجيبها، حتى غفت وهي على حالتها.
تري في منامها طفلة بملابس زفاف وبجوارها غربان يحومون حولها. ترفع الطفلة عينها تجدها مسخًا يخرج لسانه مشقوقًا شطرين. تخرجه من فمها، تحاول ضربها به حتى صوبته ونجحت به. لتفيق من نومها فزعة، لتستعيذ من الشيطان وترمي نفسها مرة أخرى على الفراش.
الغرفة مظلمة، لا ترى كف يدها. ظلت مكانها لا تتحرك. لا تعلم إن كانت مغمضة العينين أم عيناها مفتوحة. تضع يدها على جبهتها، عينها تؤلمها. تتنفس بعمق، تستغفر الله لتهدي من ضربات قلبها التي تكاد تكون مسموعة لمن بالخارج من شدتها وسرعتها.
لتشرد في التفكير مرة أخرى. تنعاد عليها أيام وكلمات قد محتها من ذكرياتها وهي تلميذة بعامها الثالث الإعدادي، عندما سألت إحدى زميلاتها مدرسة الفصل: "ما معنى لقيط يا أبلة؟"
المدرسة: هو ذلك الطفل الذي يرميه أهله في الشارع مجهول النسب.
المدرسة: بتسألي ليه على السؤال ده؟
التلميذة: أصل امبارح بليل الناس لقوا عيل صغير مرمي قدام الجامع والناس بيقولوا عليه لقيط وكنت عاوزة أفهم معناها.
إحدى الفتيات تنظر لزهور بحقد: البلد لمّت أغراب، وفي يوم وليلة بقينا نشوف ونسمع حاجات غريبة.
المدرسة: اعقدي مكانك انتي وهي، بلاش كلام كتير في الموضوع ده. درس ليكم تتعلموا منه تحافظوا على نفسكم ومتقدموش على شيء يدمركم أنتم وأهلكم.
لينتهي الدوام المدرسي وتخرج تنتظر صديقتها المقربة لتعودا معًا لمنزلهما ككل يوم. يغدوا ويعودوا معًا. زهور تتجه للسوق والفتاة لمنزلها.
لتذهل من خروج صديقتها من باب المدرسة. تخطو بخطوات واسعة وسريعة. كلما نادت عليها بأن تتوقف وتحد من سرعتها، كلما أسرعت الأخرى. لتسرع زهور بخطواتها لتصل إليها أخيرًا، توقفها.
زهور: فيه إيه يا فاطمة؟ بتجري كده ليه وعاملة نفسك مش سامعاني وأنا بناديكي؟
فاطمة تتلفت يمينًا ويسارًا، تبعد يد زهور الممسكة بمعصمها وتحدثها بصوت مرتعش وعالٍ بعض الشيء.
فاطمة: ابعدي إيدك. أوعك تلمسيني مرة تانية. ولما ألقيني بطريق، أمشي بطريق تاني.
زهور: فاطمة، أنا عملت إيه خلاكي تقولي الكلام ده؟
فاطمة: تتلفت يمينًا ويسارًا بقلق. بقولك إيه يا زهور؟ ابعدي عني. لوحد شافني واقفة معاكي مش هيحصل كويس وممكن إخواتي يطلعوني من المدرسة.
زهور: ليه كل ده؟ وإخواتك ليه يعملوا كده؟
فاطمة: من الآخر كده، من وقت ما لقوا العيل قدام الجامع والبلد كلها مالهاش سيرة غيرك انتي وستك والواد ده. زيه زيك، محدش يعرف أهله. ولا أنتي؟ هو ابن حرام، وانتي مش معروف أبوكي وأمك قريبت أمك اللي بتربيكي.
لتعود من ذكرياتها على صوت خبطات على الباب.
أحلام دخلت خلف زهور تنادي عليها، وضعت يدها على المقبض لتدخل خلف زهور، وجدت الباب مغلقًا من الداخل، فبدأت تدق عليه عدة دقات وتنادي عليها.
أحلام: زهور، زهور، افتحي الباب.
وقفت أمام الباب لدقيقة، ثم أعادت مناداة زهور وزادت من خبطاتها على الباب.
أحلام: ببكاء، وضعت أذنها على الباب، لم تسمع أي صوت، فنادت بخوف: زهور، افتحي يا بنتي، افتحي، أنا آسفة، كنت أقطع يدي قبل ما أمدها عليكي، افتحي، افتحي، طمنيني عليكي.
التفتت على صوت من يحدثها من الخلف.
وجدت يحي يحمل بيده حقيبة صغيرة، وباليد الأخرى أكياس هدايا، وضعها على الطاولة وخطا تجاهها برعب.
يحي: أحلام، مالك؟ في إيه؟ والباب ده إزاي تسيبيه مفتوح بالشكل ده؟
وضع ما يحمله بيده على الطاولة وهرول تجاه أحلام فور أن رأى دموعها.
يحي: بخضة، أحلام، بتعيطي ليه؟ إيه اللي حصل؟
أحلام أشارت على غرفة زهور، تبكي وتتحدث بصعوبة.
أحلام: هق هق، زهور قافلة على نفسها، مش بترد عليا ولا سامعة لها صوت، هق هق.
يحي جذبها لصدره، خطا بها تجاه الأريكة ليجلسها برفق، يربت على ظهرها كطفل رضيع تهدئه والدته.
يحي: اهدي كده واحكيلي كل اللي حصل، إيه اللي خلى زهور تقفل على نفسها الباب كده؟
أحلام، وهي لا تزال تبكي، رفعت جذعها لأعلى.
أحلام: معرفش حاجة، أنا كنت واقفة بالمطبخ بجهز الغداء، سمعت صوت زعيق قدام باب الشقة، خرجت بسرعة، لقيت جارتنا أم ماجد، وبتنزل شتيمة وتلقيح كلام على زهور، وزهور صوتها عالي بتصرخ فيها، وأم ماجد استفزتني بكلامها، مستحملتش، ضربت زهور بالقلم، ودي أول مرة أمد إيدي عليها، ومن وقتها دخلت أوضتها ورفضت ترد، بقالي ساعة وأكتر بحايل عليها تفتح وهي رافضة تفتح.
يحي ابتسم لها، قبل بطن يدها.
يحي: أنتِ حنينة أوي يا أحلام، بس سيبها تقعد مع نفسها، تأخذ وتدي معاها، هي اتصدمت من ضربك ليها، وأنتِ بتقولي دي أول مرة تعمليها، أنتِ بتقولي زهور كانت متعصبة وبتزعق في أم ماجد، ودي مش عادتها، فأنا بقول أكيد حصل حاجة كبيرة خلت زهور تعمل كده، أو اتعرضت لضغط شديد من أم ماجد خلى أعصابها تفلت من كلامها.
أحلام: مكنتش طبيعية، عيونها كانوا ووشها ونظرتها ليا بعد ما ضربتها، فيهم وجع وحزن مش قادرة أوصفهم.
يحي وضع يده على يد أحلام.
يحي: قومي اغسلي وشك وحضري الغداء، وأنا هروح لحد ماجد أفهم إيه اللي حصل، وصل الأمر لكده، وبلاش تخبطي على زهور ولا تقربي من أوضتها لحد ما أرجع وأروح ليها بنفسي.
يحي ذهب تجاه شقة ماجد، وضع يده على جرس الباب، وقبل أن يضغط، سمع صوت نيفين تصرخ على حماتها، وماجد يعاتب أمه، ليستمع لردها الذي صدمه، وعاد للخلف تجاه شقة أحلام بعقل مشتت.
ليدخل الشقة ويجلس على أول كرسي قابله، يردد ما سمعه من كلام أم ماجد.
أم ماجد: انت ومراتك نازلين فيا سلخ وعتاب، واللي يصح واللي ما يصحش، وأنا عملت إيه؟ ها؟ قولي يا ست نيفين، مش هي اللي فضلت تزعق وتقل في أدبها؟ وكل اللي أحلام عملته ضربتها بالقلم، اللي متعرفوش إن الهانم كانت نازلة من تاكسي وهدومها متبهدلة وحالتها مش مظبوطة، تاكسي ولحد هنا، وفي الوقت ده عارف معناه إيه؟ وكمان وقفت شوية مع السواق تتكلم معاه، ومد إيده بفلوس وادهالها، ده معناه إيه يا سي ماجد؟ بتزعق لامك عشان تراضي مراتك وخايف على زعل صاحبك لما البرنسيسة تشتكيله؟
يحي يضع يده على وجهه، يهز رأسه، لا يتساءل ما حل بزهور، وما سمعه من أم ماجد هذا صحيح؟
ليرفع رأسه لأعلى، ينظر لأحلام التي تحدثه كأنها في مكان عالٍ، وهو بالأسفل، لا يستمع إلى ما تقوله، وهو يقف بالأسفل يشعر بدوار من نظره للأعلى.
أحلام: مالك يا يحي؟ قاعد كده ليه؟ ملقتش ماجد رجعت بسرعة؟
يحي: أحلام، زهور رجعت إمتى؟ ومعاد رجعها إمتى بالظبط؟
أحلام باستغراب: حصل إيه يا ماجد؟ زهور رجعت من ساعة، وهي في العادة بترجع الساعة ستة، بس زهور بتشتغل بعد الكلية أربع ساعات في الفندق اللي إلينا بتشتغل فيه، وبترجع على هنا على طول.
يحي: قولي بتسأل ليه؟ ورحعت بسرعة من عند ماجد؟
يحي قص كل ما سمعه من أم ماجد على مسامع أحلام.
أحلام تصق وجهها مما سمعت، وبدون تفكير أسرعت، تهرول تجاه غرفة زهور، تدق على الباب بعنف، ويحي يحاول تهدئتها.
يحي: اهدي يا أحلام، الأمور مش بتتاخد بالشكل ده، اهدي، اعرفي منها إيه اللي حصل، وبعدين نشوف هنتصرف إزاي.
أحلام: أنا مش هاممني كل اللي قالته أم ماجد، لإن عارفة بنتي كويس، وإنها تقدر تحافظ على نفسها كويس قوي، أنا خايفة عليها، تكون تعبت عشان كده تكون ركبت التاكسي لوحدها في الوقت ده.
أحلام تدق على الباب، تنادي على زهور، التي فتحت الباب وهي لا تزال بملابسها، حتى حذائها لازالت ترتديه، لتجذبها أحلام لصدرها، تضمها وتبكي.
أحلام: حبيبتي يا بنتي، سامحني، كانت تقطع.
لتقاطعها زهور، تقبل يدها.
زهور: ألف بعد الشر عليكي يا ستي، أنا آسفة إني حطيتك في الموقف ده واتسببت في إهانتك، وأنتِ طول عمرك مربياني على احترام الصغير قبل الكبير، بعد إذنك هروح لبيت عمو ماجد، أتأسف عشان عليت صوتي على خالتي أم ماجد.
لترحل زهور من أمامهم بسرعة البرق، تخرج من الشقة وهي لا تزال على حالتها.
زهور التفت، تخرج من أحلام ويحي، تجهم وجهها لما سمعته من حديث يحي وأحلام، لتقسم بداخلها بأنها سوف تقطع ألسنة أي شخص يتحدث عليها بنصف كلمة.
تدق باب شقة ماجد، الذي فتح الباب سريعًا، لتستأذنه وتدخل، وخلفها أحلام ويحي، لتقف نيفين بذهول، وأم ماجد أيضًا سقطت من يدها ما كانت تمسكه.
زهور هي من تحدثت، لتحسم النظرات المتسائلة في عيون الجميع.
زهور، تعض على شفتها، تنظر إلى أم ماجد ونفين بنظرة غامضة، توزع نظراتها فيما بينهما، فتحت فاها بابتسامة متهكمة.
زهور: عم ماجد، أسفة على اللي حصل، أنا كنت تعبانة ومنمتش امبارح كويس، وحصل موقف في الكلية تعب أعصابي شوية، وخالتي هلين ضغطت على أعصابي بكلامها، فما تمالكتش أعصابي، وعليت صوتي عليها، أسفة ومعاد هتتكرر.
لتلتف لأم ماجد بنظرة تحدي واضحة.
زهور: ومن هنا ورايح يا خالتي، ليكي عليا لا أشوفك وأنا طالعة ولا نازلة عشان مزعلكيش.
لتخرج فور انتهاء كلماتها، وطأت قدمها خارج الباب، لتقف تنظر لها مرة أخرى.
زهور: على فكرة، أنا جبت تاكسي لأن تعبت، وكمان هدومي زي ما هي، حتى نمت من غير ما أغير ولا أقلع جزمتي.
لتذهب سريعًا إلى شقتهم، وخلفها يحي وأحلام.
يحي: بإعجاب بشخصية زهور.
يحي: جدعة يا زهور، أخدتي حقك بالأدب وعرفتيها غلطها من غير ما تغلطي بكلمة واحدة، وعرفتيها كذبتها اللي ألفتها من دماغها، وقد إيه عجبتني لما اعتذرتي لماجد، وموجهتيش كلام لا لنفين ولا لحماتها عشان يعرفوا غلطهم وميكرروهوش مرة تانية، وحطيتي حد ليهم بمراقبتك بدخلة والطالعة. ليا طلب عندك، بلاش الشغل ده اللي هيجيلك وجع دماغ منه، ويا ستي أنا موجود معاكم أهو ومش غريب عنكم، اللي ينقصك رقبتي سدادة.
زهور: بابتسامة.
زهور: عم يحي، أنا بشكرك على كلامك ده، قد إيه فرق معايا، وعلى قد ما نفسيتي تعبانة، ريحتني بكلامك ده، وكمان بتأكد إن جواز ستي أحلام منك أحسن حاجة حصلت لينا من يوم ما جينا الحارة. بعد إذنك، عندي اعتراض صغير، الشغل مش هقدر أسيبه مهما حصل، وخصوصًا الفترة دي، أنا لازم ألتزم بوعودي ليهم، وإمضائي على العقد ده مش معناه إني بقلل من كلامك اللي تاج على راسي وفضلك ده مش هنساه أبداً، بس والله ما أقدر أنهي الشغل دلوقتي خالص.
لتقف وتذهب لتجلس جوار أحلام، تقبل رأسها وتعتذر لها. وتعتدل وتكمل كلامها.
زهور: أنا آسفة يا ستي عشان زعلتك مني.
لضحك، تقاطعها أحلام بالكلام وتلتف.
زهور: أنا جعانة، هدخل أجهز الأكل بسرعة، أنا واقعة من الجوع.
لترحل تجاه الحمام، تغسل وجهها ويدها، وتعاود الدخول للمطبخ، تسكب الطعام بعد تسخينه، لتقف تزيح دموعها وهي تتذكر مناداة الشخص أمام الفندق عليها. وضعت الطعام وظلت شاردة، تنظر للطعام أمامها، باءت كل محاولات أحلام بالتخفيف عنها هي ويحي.
زهور: الحمد لله شبعت، هدخل الأطباق وهدخل أذاكر، عندي بحث مهم لازم أنهيه وأسلمه بكرة للدكتورة، بعد إذنكم.
أحلام: وقفت شيلي الأطباق، وادخلي أنتِ غيري هدومك وصلي فروضك اللي فاتت، وذاكري زي ما أنتِ عايزة، وأنا هشيل الأكل وأعملك أحلى كوباية شاي بالنعناع زي زمان.
أومأت زهور برأسها وذهبت دون أن تتحدث.
تدخل غرفتها، فعلت ما قالته أحلام، وشرعت بصلاتها، ودموعها لا تتوقف، كلما سجدت دعت ربها بوجع وحزن بأن يظهر الحقيقة أمامها، وتعلم حقيقة سلسبيل، وهل هي ابنة زواج شرعي أم ابنة سفاح.
وقف للحظات مصدومًا، وهو يرى تلك التي خبطت. هي فقط لحظة، أدارت وجهها ناحيته، لمحها فقط. شعر بأنه يحلم. نظر في أثرها بعد اعتذارها له. لينادي عليها بلا شعور.
زايد: سلسبيل، سلسبيل.
لتتوقف مكانها وظهرها له، ليسرع تجاهها، وقبل أن يصل إليها، كانت صعدت إلى سيارة الأجرة ورحلت. ليهرول خلفها ينادي عليها.
زايد: سلسبيل، سلسبيل.
حتى ابتعدت السيارة، ليقف مكانها، يلتقط أنفاسه، وهو يحني جذعه الأعلى، ويضع يديه على ركبتيه. ليرفع نفسه على صوت مناداة أحد له من الخلف.
ليل تلتفت له بوجه غير الوجه، وهو يسمع كلمات من يقف بجواره.
حازم: بابا، بابا، مين البنت اللي كنت بتجري وراها دي؟ وليه بتنادي عليها سلسبيل؟ حضرتك بتشبه عليها؟
زايد ينظر إلى ابنه، يشير تجاه عربة الأجرة.
زايد: حازم، شفت البنت دي؟ شفت وشها؟ ولا بتهيقلي؟
حازم: أيوه شفتها، بس مخدتش بالي منها أوي.
زايد تنهد، شعر بدقات قلبه تتسارع، كاد يتعثر، وهو يعبر الطريق، ليتكئ على يد ابنه ويحدثه بصوت متعب.
حازم: بهلع، وهو يرى ترنح والده وحالته التي تبدلت.
حازم: بابا، بابا.
لا يجد ردًا، يشير إلى أحد أفراد الأمن ليساعده. ليتهادى زايد أرضًا من يد حازم ويسقط أرضًا.
يسرع الأمن ورواد الفندق إليه، ويساعدوا حازم بحمله ووضعه في السيارة، ويذهب حازم لأقرب مشفى. يصل بعد دقائق ويطلب مساعدة أحدهم ليدخل زايد إلى غرفة الاستقبال. وبعد معاينته، يخرج الطبيب يخبر حازم.
الطبيب: حضرتك تقرب إيه للمريض اللي جوه؟
حازم: أنا ابنه، بابا، في إيه يا دكتور؟
الطبيب: والدك بيعاني من أي مرض في القلب؟
حازم: لا، بابا رياضي وصحته كويسة، عمره ما اشتكى من أي تعب.
الطبيب: ممكن تحكيلي إيه اللي حصل، والإغماء من إمتى؟
حازم قص له أن والده قام بالجري لدقائق بلهث، وبعدها شعر بدوار وسقط دون أن ينطق.
الطبيب: اممم يؤسفني أبلغك إن والدك للأسف الشديد بعد عمل إيكو وجد عنده تضخم الصمام الرئوي (Pulmonary valve).
وأعراضه متنوعة:
تعب من أقل حركة مفاجئة.
ضيق النفس.
اضطراب نظم القلب أو سماع نفخات قلبيه.
تورم في كفّي القدمين أو في الكاحلين.
ألم في الصدر.
غير إنه عنده مشكلة كبيرة في الشريان الأورطي ولازم تدخل جراحي حالا.
حازم ارتد للخلف حتى لمس الحائط خلفه، يتصبب عرقًا.
"بابا طول عمره رياضي وبيّلعب تنس، معقول! في لحظة يحصل كل ده."
الطبيب: ما فيش وقت يا أستاذ، والدك محتاج عملية فورًا.
حازم: بتهته... عملية؟
الطبيب: أيوه عملية، وكمان محتاج تمضي على إقرار.
نظر إلى حازم الذي انهار تمامًا ويبكي.
الطبيب: يبني ياريت تتصل على حد من أهلك، العملية خطيرة ولازم إقرار.
حازم: أيوه أيوه، ثواني.
جفف دموعه وأخرج هاتفه.
أجرى اتصال هاتفي بغدير ابنة عمه، فهي أكثر حنكة. سوف تخبر الجميع، وخاصة الجد والجده، بطريقة هينة.
بعد أن أنهى الاتصال، توجه إلى مكان الطبيب ليعلم ما هي الخطوة القادمة.
غادير أنهت الاتصال مع حازم، جلست تفكر فيما عليها أن تفعله، حتى خطرت ببالها فكرة.
أمسكت هاتفها، راسلت أخويها حيث كتبت لهم ما أخبرها به حازم ليسرعوا بالذهاب دون أن يعلم أحد من العائلة ولا الجد والجدة.
ثم ذهبت إلى أمها وأخبرتها بأن تأخذ خالتها وتحاول إقناعها بالذهاب لشراء شيء ما، وبالطريق تخبرها بما حدث حتى لا يعلم الجد وتسؤ حالته الصحية.
أنهت ما تفعله وخرجت هي الأخرى متوجهة إلى المستشفى المتواجد به عمها.
وصلت بعد قليل للمستشفى وهي لا تزال بسيارتها، جلست تفكر قليلاً لتحدث نفسها.
غادير: هو ده الوقت اللي لازم زاهر يرجع مصر؟ مهما كلفني الأمر لازم أرجعه، أنا وعدت جدو إنه يرجع.
لِتضع رأسها على المقود.
غادير: لازم ترجع يا زاهر، وبعدها أنا هصمم على الطلاق برضاك أو غصب عنك، وقلبي اللي عشقك وبل بتعمله فيه ده، هاخد حقه منك.
أخرجت هاتفها وقامت بالاتصال به عدة مرات دون إجابة.
لتتنهد بحسرة وتهبط من سيارتها وتذهب تجاه الاستقبال تسأل عن غرفة عمها.
لتجد هاتفها يرن برقم زاهر.
لتفتح بسرعة وقلبها يتراقص من الفرح.
تضع الهاتف على أذنها، تستمع لصوت كانغام موسيقية.
لتنتبه على حالتها وهو يصرخ في أذنها.
غادير: خلصت الوصلة بتاعت كل مرة، أنا مش متصلة بيك عشان موضوع الطلاق زي ما حضرتك فاكر.
معتش يفرق معايا تطلق أو لا، لأن خلاص هوكل محامي يرفع قضية طلاق.
لتسمع ما جعلها تتعصب منه.
غادير: بقولك إيه، اعمل اللي تعمله. أنا متصلة بيك عشان عمي وقع قدام الفندق وللأسف هيدخل عمليات وحالته خطيرة.
وقبل ما تقول دي خطة جديدة، تقدر تتصل بحازم وتفهم منه.
تغلق الهاتف قبل أن تستمع لرده وتذهب تجاه مكان عمها.
لتجد أخويها وحازم يقفون مع الطبيب وحازم شبه منهار.
تقترب منهم بهلع لتصدم مما يقول الطبيب.
الطبيب: يشرح حالة زايد وأن الحالة تطورت وأصبح لابد من إجراء تدخل جراحي فورًا، وإلا سنفقد المريض.
وبالمصادفة هنا بالمستشفى أكبر طبيب قلب في مصر هو اللي هيجري العملية بنفسه، دكتور أحمد المغربي.
وقع حازم على الإقرار وأُدخل زايد العمليات.
زين يجري اتصال هاتفي يخبر والده بهدوء كعادته.
حمزة: أسرع في إسناد خالته التي استمعت إلى ما يقال وكادت تسقط أرضًا لولا صرخة والدته تستنجد به.
غادير بجوار حازم تربت على كتفه تواسيه.
بعد عدة ساعات، جاوزت السبع ساعات متواصلة من القلق والتوتر، أخيرًا خرج الأطباء معلنين نجاح العملية وخروج زايد لغرفة العناية الفائقة.
وأثناء وقوف الجميع أمام الغرفة ينظرون من النافذة الزجاجية، تفاجأوا بمن يحدثهم من الخلف.
مرت عدة أيام على تلك الأحداث.
زهور أصبحت روتينية في التعامل، تذهب إلى الجامعة ثم إلى الفندق وتعاود الحارة دون أي تغير.
تقضي كل وقتها بغرفتها تشعر بالوحدة تتزايد بداخلها، تضع كل أحزانها بالمذاكرة.
أصبحت حديث الجميع بمناقشتها مع مدرسيها.
حاول الكثير التقرب منها، ترفض بلباقة.
لم تصادق أي فتاة خوفًا مما حدث معها سابقًا.
اتخذت نهجًا لها بأنها ستعيش لنفسها وبنفسها، تكتفي بحالها دون أن تشعر أحد بها.
تذهب إلى الفندق، تذهب مباشرة إلى الجناح الخاص بترتيبه بعد أن أوكل لها فقط بناءً على طلب مديرها منها.
والينا أصبحت مسؤولة عن عمل آخر، تتبادل الشكر والمدح من مستأجر الجناح يوميًا بورقة تلصق على زجاج المرآة.
تقرأها وتطويها وتضعها في جيب ملابسها وتكمل عملها.
لتقرر في أحد الأيام أن ترد عليه، وأصبحت عادة يومية يتبادلان السلام والشكر.
حتى أصبح أول ما تقوم به فور دخولها للجناح أن تسرع للمرآة لتقرأ ما يكتب.
تبدل حالها، أصبحت تشرد كثيرًا وهي تقرأ الورقة بعد عودتها للمنزل.
مر شهر وهي بتلك الحالة.
وفي أحد الأيام، وأثناء دخولها الجامعة، تحاول الإسراع لدخول الجامعة من الباب الرئيسي.
تخطو للداخل وهي شاردة، تخطو في ممر العبور لتنتفض على صوت بوق السيارة لتبتعد عن الطريق فزعة.
تصرخ فيمن فعل ذلك.
ليهبط من السيارة شبان وفتاة.
تنظر إلى أحدهم بذهول! وتضحك كأنها لم تضحك من قبل وهي تشير عليه.
جعل من معه يضحكون على كلماتها، ليقترب منها وهو يصرخ بها.
لتقوم بسبه وإهانته بطريقة دبلوماسية، ليرحل من أمامها صاعدًا سيارته يكمل طريقه وهي أيضًا.
كلما تذكرت ذلك الشاب تتسع ابتسامتها، حتى صدمت وهي تراه يقف.
تعرف بحالة الدكتور حمزة الغمراوي مدرس مادة *****.
لتتصدم منه ومن همسات الفتيات عنه.
لتقع عينه عليها ليبتسم بمكر.
حمزة: إحنا هنبدأ نتعرف على بعض بسؤال كل طالب سؤال بسيط، وبعد الإجابة يقول اسمه والاختيار هيكون عشوائي.
يعني مثلًا الطالب اللي في آخر بنش فوق، أيوه أنت، السؤال هو ******.
ليجيب الطالب ويعرف بإسمه.
ظل وقت قصير حتى أشار على زهور وقام بسؤالها سؤال صعب جدًا.
ينظر لعينها بشماتة وهي تناطحه النظرة بسخرية.
زهور: وقفت تجاوب بكل ثقة وتناقشه فيما يتعلق بالسؤال الذي طرحه عليها.
ليمُر الوقت وهم يتبادلون السؤال والجواب حتى انتهى وقت المحاضرة.
ويهم بالرحيل لتوقفه زهور.
زهور: يا يا دكتور.
ليلتف لها بغل على تعمدها تلك الإهانة.
حمزة: في حاجة يا آنسة؟
زهور: نسيت أقول اسمي عشان نتعرف.
زهروان زياد عبد الرحيم.
ليخرج حمزة من أمامها وهو يكاد ينفجر من الغيظ منها، ويقابل شقيقته وحازم اللذان انفجرا من الضحك على ما يقوله وعلى كلام زهور له قبل دخول المحاضرة.
ليذهبوا إلى المنزل، وطوال الطريق يسب ويلعن بها وحازم لا يتمالك نفسه من الضحك.
حتى وصلا إلى منزلهم.
يتحدث حمزة بعصبية وينهر حازم.
يتنفس بغضب شديد.
على ضحكات أخته وابن عمه.
حمزة: ارحموني، أنا تعبت منكم، مش كفاية عليا المتخلفة اللي قرفتني من كلامها دي مصيبة متحركة.
غادير: دي سكر. دي من ساعة ما شفتها وهي دخلت قلبي، كفاية إنها قوية وصريحة وما فيش حاجة مش عاجباها هيئتها إلا وعلقت عليها ومخفتش من إنها تقول رأيها بصراحة.
حازم: بجد هموت من الضحك، هي قالت إيه شبه الحمار عندهم لما قصاص الحمير يحلق لهم زي قصت شعرك والوشوم اللي على إيدك ورجلك، ههههههه.
حمزة: ما هي قالت عليك برضه، يا تها خيبة اللي عاوزة تخلف زيك، أنت طويل وأهبل وفاتح جالكك كده يدخل فيه الدبان.
حازم: يعني إيه جالكك دي يا حمزة؟ هجنن وأعرف القاموس بتاع مفردات البنت دي.
حمزة: حازم ارحمني، البنت دي لو أطول أطبق في زمبرة رقبتها، هطبق فيها.
غادير: والله بعد اللي شوفته وسمعته منها، ممكن هي اللي تطلع زمبرة رقبتك وتزمر بيها.
هنا رنت أصوات ضحكات عالية تهز جدران القصر الذي لم يبتسم سكانه من سنوات.
حمزة: اضحكوا اضحكوا، أنتم ما شفتوهاش ولا سمعتوها وهي واقفة ببرود وبتقول يا يا نسيت أقول لك على اسمي.
زهروان زايد عبد...
ويقطع الكلمة وسط وقوف الجميع وصراخ جدته عليه.
أول من وصل إليه قاطع المسافة هو زاهر، الذي أمسكه من تلابيب ملابسه.
زاهر: أنت بتقول اسمها إيه؟
حمزة: ابعد يا عم، في إيه، اسمها زهروان زا.
يانهار مش باينة لونه، هي دي زهروان؟
الجد: يسرع تجاه باب القصر مناديًا عليه، وخلفه باقي العائلة يخرجون من القصر.
وزاهر ممسك بحمزة يصرخ به: أنت مجنون يا بني، بقي البنت تقول لك اسمها وتمشي وتسبها؟
حمزة: ما أنا كنت متعصب منها، مركزتش في الاسم.
الجد: سيبه يا زاهر، تعالي معايا بسرعة على الجامعة وريني البنت دي.
الجده: خدوني معاكم، عبد الرحيم خدني معاك أشوف بنت زياد.
ليصعد عبد الرحيم بالسيارة بعد مساعدة زهور زوجته، وبالمقدمة زاهر يجلس أمام المقود وحمزة جواره.
زهور جالسة بالمدرج تجمع أشياءها، تجد من ينادي عليها.
لتخطو تجاهه تسأله عما يريد منها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم منى عبدالعزيز
جالسة بمكتبها تراجع الأبحاث التي كلفت بها طلابها. عملت لتقف عند بحث تراجعه بدقة. ابتسمت وأشادت بمقدمة، ثم قلبت بصفحاته حتى وقع نظرها على اسم مقدمه.
هبت واقفة بزهول وهي تقرأ الاسم. لتقف على اسم الأب. نظرت له وتحدثت نفسها:
"معقول أن يوجد تشابه باسم الأب بتلك الدرجة. لابد التأكد من ذلك."
أخرجت هاتفها.
"حبيبة... الو الو حسن."
"حسن: عيونه."
"حبيبة بلهفة: في حاجة عايزة أسألك عنها."
"حسن: حبيبتي اسألي ولو مليون سؤال. أنا تحت أمرك، بس ترضي عليا وتوافقي نرجع لبعض من تاني."
"حبيبة: حسن مش وقته خالص كلامك. ونرجع لبعض إزاي واحنا عايشين في بيت واحد."
"حسن: فعلاً في بيت واحد، بإمارة شهرين بتنامي مع الولاد وسيباني لوحدي. تعالي هنا قوليلي إيه هو السؤال المهم اللي يخليكي تتصلي وقت المحاضرات ده. أكيد معجزة."
"حبيبة: ولا معجزة ولا حاجة. المحاضرة انتهت من ربع ساعة. خلينا في المهم. زياد صاحبك اسمه إيه بالكامل."
"حسن: حبيبتي هو في إيه بالظبط؟ إيه اللي فكرك بزياد."
"حبيبة: قول يا حسن اسمه إيه وبنته اسمها إيه."
"حسن: هب واقفاً من مكانه. حبيبة إيه اللي خلاكي تفتكري زياد واسم بنته دلوقتي. فهميني أنا بدأت أقلق."
"حبيبة: قول يا حسن الاسم وهفهمك كل حاجة."
"حسن: زهروان زياد عبدالرحيم الغمراوي."
"حبيبة بصدمة: حسن حسن هي... يا حسن هي."
"حسن: هي إيه."
"حبيبة: هنا عندي طالبة اسمها زهروان زياد عبدالرحيم في الدفعة التانية."
"حسن بصوت مهتز: بتقولي إيه؟ انتي متأكدة؟ طيب قولي الاسم مرة تانية. حاسس مسمعتش كويس."
"حبيبة: زهروان زياد."
"حسن: هي هي هي بنت زياد يا حبيبة. أنا أنا جايلك حالا. لو البنت عندك، ياريت تحاولي بأي شكل تتأكدي إنها ما خرجتش من الجامعة."
"حبيبة: حاضر. هروح ليها المدرج بنفسي أنادي عليها. بس ياريت ألاقيها، ما تكونش مشيت."
"حسن: يارب تلقيها. وخليكي معايا على اتصال. وحاولي تعطليها لحد ما أوصل. مسافة السكة وهكون عندك."
"حبيبة: حاضر حاضر. حسن اهدا وسوق على مهلك. متوترش نفسك."
"حسن: متقلقيش. أهم حاجة البنت."
ليسارع بفتح أحد الأدراج ويخرج منه ظرف وصندوق من الخشب المزخرف ويخطو خارج مكتبه.
"حبيبة: متقلقش. أنا هصرف وهتلاقيها في المكتب."
"حسن: خليني معاكي على التليفون. أنا متوتر. معقولة بعد السنين دي كلها... أقبل بنت زياد."
"حبيبة: لازم نتأكد في الأول. ممكن يكون تشابه أسماء."
"حسن: إن شاء الله هي. خالة زياد الله يرحمهم اسمها زهروان. والاسم نادر. أنا عملت سيرش عليه كذا مرة. قليل اللي أسمائهم بالاسم ده. أنا خلاص خرجت من المستشفى. مش هتأخر عليكي. حاولي على قد ما تقدري تتكلمي معاها وتعرفي منها أي معلومة تتأكدي منها إنها فعلاً بنت زياد على ما أوصل."
"حبيبة: متقلقش. أنا هصرف. بس بلاش التوتر ده."
"حسن: مش مصدق نفسي. معقولة بعد السنين دي كلها أخيراً هوفي بوعدي لزياد."
"حبيبة: حسن أنا هقفل دلوقتي وأروح أشوف البنت وأتأكد هي لسه بالكلية ولا مشيت."
أغلق حسن الهاتف ليجهش بالبكاء. ينظر إلى صورة صغيرة موضوعة على تابلوه السيارة. ليجفف دموعه أثناء وقوفه عند إشارة المرور. التف لينظر إلى المظروف والعلبة الخزفية بجوارها. تنهد بحزن شديد. عاد بذكرته.
لتسع عشر سنة. يتذكر تلك السنوات الذي بحث فيها عن سلسبيل وزهروان. وكم عانى بالبحث عنهما طوال تلك السنوات.
حسن كعادته يومياً يذهب إلى الحارة. حتى بات معروفاً من سكانها. يسأل جارهم عنهم ويطلب منه للمرة التي لا يعرف عددها أن يخبره فور وصولها للمنزل أو علمه بمكانها. لتمر الأيام ويتصل به المحامي الخاص بزياد ويطلب مقابلته في أسرع وقت.
ليذهب حسن إليه في العنوان الذي أخبره به. يجد والد زياد وإخوته ووالدته وأبناء العائلة وزوجات إخواته. ومعهم نهال الذي نظر لها نظرة تكاد تحرقها. وجلس بعد أن انحنى وقبّل رأس زهور أم زياد. الذي بكت فور وقوع عينها على حسن وهو يلقي السلام.
"المحامي: دكتور حسن اتفضل اقعد. في كلام مهم هقوله حالا من غير مقدمات. ياريت في الأول نقرأ الفاتحة على روح المرحوم زياد."
بعد الانتهاء، اعتدل المحامي بجلسته.
"المحامي: المرحوم زياد جالي يوم وفاته وكتب وصية. وطلب مني أبلغكم بيها. وكمان عطاني أوراق أوصلها لكل واحد موجود هنا. هنبدأ بالأولاد الصغيرين. عمكم زياد عطاني جوابات خاصة بكل واحد فيكم. نادي على الأسماء: حمزة وزاهر وزين. وأعطى كل واحد فيهم خطاب كتبه لهم."
"المحامي: الست زهور اتفضلي الظرف ده خاص بيكي."
أعطى المحامي كل الموجودين أظرفاً معاد زوجات أشقائه ونهال الذي تجلس وعيونها على الجميع.
"المحامي: هبدأ بقراءة الوصية. وياريت محدش يقاطعني للنهاية."
"بسم الله الرحمن الرحيم."
"أنا زياد عبد الرحيم وبكامل قواي العقلية والبدنية أوكلت الأستاذ محمود السيد المحامي الخاص بيا بقراءة تلك الوصية وتنفيذ بنودها وتوصيل مجموعة من الخطابات إلى عائلتي وصديقي حسن."
"أولاً: أحب أوضح شيء مهم جداً. أنا طلبت من الأستاذ محمود يكون الاجتماع ده في مكتبي في الفندق عشان صحبي حسن يوافق يجي. وأن كل كلمة لازم تتنفذ. والأستاذ محمود هو اللي هيكون مسؤول عن تنفيذها."
"ثانياً: أنا كتبت الفندق والأراضي والفلوس اللي في البنك حولتهم لودائع باسم زهروان. الـ ورثته من ماما زهروان بأسم بنتي زهروان زياد عبد الرحيم وزوجتي سلسبيل أحمد المحمدي بنتي."
ليسود الهرج بالمكان. وخبط المحامي على المكتب.
"المحامي: لو سمحتوا ياريت نسكت ونسمع الباقي، وبعدين اتكلموا براحتكم."
"ثالثاً: الشقة اللي كنت عايش فيها وورثتها منها باسم ماما زهور. عارف قد إيه حبك لماما زهروان وقد إيه ليكم ذكريات بالشقة مع بعض. فحبيت تكون الشقة ليكي. انتي أحق حد بيها. بس طلب صغير. ياريت تحتفظي بالحاجات الخاصة بيا وب سلسبيل وتديها لبنتي بإيدك لما تكبر. اللي عارف قد إيه انتي حزينة عليا وزعلانة مني في نفس الوقت إني غيرت اسم البنت من زهرة وزهور لـ زهروان. بس مش عايزك تزعلي. أنا متفق مع سلسبيل تنادي عليها بالاسمين. وخصوصاً زهور."
"دلوقتي إخواتي زيدان وزايد وزينب وزينة."
"عارف إنكم كنتم زعلانين إن خالتكم حرمتكم من الورث. وخصوصاً القرية السياحية اللي صممها زيدان وزايد. أنا كتبتها باسمهم هم الأربعة بالتساوي في الأرباح. والشرط الوحيد إن اسمها ما يتغيرش."
"زوجات إخواتي آيات. انتي كنتي بتخافي تبصي ليا وإنتي حامل لحد ما الولاد يجي زيي. وقد إيه كنتي بتحاولي ما تظهريش ده. بس كنت بحس بيه. وعشان انتي مجرحتنيش بالكلام بس حركاتك كانت مفهومة. كتبت ليكي الحضانه باسمك. ونفس الشرط ممنوع تغيري اسمها."
"أمال. طول عمري بشفق عليكي. ونظرة عينيكي الحزينة. عارف اللي بتعاني منه. وطيبة قلبك. كتبت ليكي مشاتل الورود اللي قريبة من الفندق. ونفس الشرط ممنوع تغير الاسم."
"نيجي لحسن. صحبي. تؤم روحي. أخويا الجدع وصديقي الأوحد."
"حسن عارف مقدار حزنك على فراقي. وإنك قد المسؤولية اللي كلفتك بيها. وإنك هتحافظ عليها."
"عيش يا صحبي وحب واتحب. سيب نفسك وبلاش الأفكار اللي في دماغك. وأنا بحلك من أي وعد وعدته وأخذته على نفسك. مش هطول عليك. الظرف اللي مع الأستاذ محمود المحامي هتعرف منه كل اللي عايز أقولهولك. صاحبي أنا عارف قد إيه هتزعل من اللي هقوله وهترفضه. بس دي وصيتي ليك. أنا كتبت ليك نصيبي بالمستشفى. بيع وشراء. انت حر فيها."
"حسن بلاش تتعصب وتغلط. وافق من غير ولا كلمة. أنا استأمنتك على مراتي. المستشفى ولا تسوى حاجة جنب اللي عملته زمان واللي هتعمله."
"بابا. طول عمرك بتعاملني بقسوة. ونفس الوقت بحس بخوفك عليا. أول مرة أشوف قسوتك فعلاً يوم ما طلبت أطلق مراتي عشان تجوزني واحدة تانية. أنا مكتبتش حاجة ليك. بس في رسالة مهمة. ياريت تقرأ كل اللي فيها وتنفذ."
"أخيراً نهال."
"عارف إنك بتكرهيني وكنتي بتتقرفي مني من وإحنا صغيرين. طلبتي تغيري مدرستك عشان ما تكونيش معايا في نفس المدرسة. كنتي بتتحرجي تقولي إن ابن عمك لو اتقابلنا صدفة في أي مكان. وإنك وافقتي إنك تجوزيني بعد بابا وعمي ما وعدوكي بحاجة مهمة. وعارف قد إيه عينك على ورث خالتي كله. ليكي وخصوصاً الفندق. بس أحب أقولك كل ما أملك باسم بنتي. والفندق بالذات."
ليعود من ذكرياته يجفف دموعه.
"أنت يا حضرت الإشارة فتحت من بدري وحضرتك ولا هنا، مش سامع كلاكسات العربيات وراك ولا شتيمة الناس."
"أسف، ماخدتش بالي."
انطلق حسن بسيارته سريعا، وصل أمام الجامعة، أخذ المظروف والعلبة وترجل من السيارة متوجهاً إلى مكتب زوجته حبيبة، رفيقته في البحث عن ابنة صديقه.
أغلقت حبيبة الهاتف مع زوجها وقامت من مكانها متوجهة إلى قاعة المحاضرات، تفكر كيف تقوم بإحضار زهروان إلى مكتبها لحين وصول زوجها.
دخلت قاعة المحاضرات لتنظر للطلبة، تبحث عن زهور بعينها، حتى وقع بصرها، لتنادي على أحد العاملين وطلبت منه أن يطلب من الطالبة زهروان الحضور لمكتبها لمناقشة البحث والتصميم الذي قدمته لوجود أجزاء تحتاج توضيح.
عادت بعد قليل لمكتبها لتقف مصدومة مما رأت، حسن زوجها يقف بمنتصف المكتب، لتطلق تضحكة وتشير بيدها: "ههه، إيه الـ انت عامله في نفسك ده."
حسن باستغراب ينظر إلى نفسه: "بتضحكي على إيه وهو إيه الـ أنا عامله."
حبيبة: "حسن مش معقولة، انت مش واخد بالك إنك لابس البلطو الأبيض؟ ههههه، معقولة مشيت كده في الشارع ودخلت الجامعة ومشيت إزاي لهنا بين الطلبة."
حسن: ينظر لنفسه، يبتسم لها: "والله مركزتش نهائي، أنا عقلي راح من أول ما سمعت بالاسم، معقولة أنا طول السنين اللي فاتت بدور عليها في كل مكان وفجأة تظهر كده قدامي كده من غير ما أفكر ولا جه في بالي إننا نلاقيها بعد العمر ده هنا بالكلية."
حبيبة: "قول الحمد لله، وبعدين دي ترتيبات القدر، ربنا قادر على كل شيء."
حسن: "ونعم بالله."
صمتوا عند سماعهم طرقات هادئة على باب المكتب.
حبيبة: "أكيد دي زهروان، اقلع البلطوا وجيبه هنا جنبي."
"بلاش البنت تاخد فكرة مش الـ هي عنك."
حسن وهو يعطيها البلطوا: "فكرة مش ولابد، مجنون أنا مثلاً ولا إيه."
حبيبة: "اتفضل، ادخل."
دخلت من الباب، ألقت السلام.
زهور: "السلام عليكم ورحمة الله، حضرتك طلبتني يا دكتورة."
حبيبة: "عليكم السلام، اتفضلي يا زهروان."
زهور: "زهور، أفضل، زهروان ده بسجلات الحكومة فقط."
حسن بعيون تكاد تخرج من مكانها، يكاد يهب واقفاً، يضمها إليه، قلبه يدق بسرعة، رعشة قوية انتابته، أغمض عينيه، يسترجع ذكرته، يجمع شتات نفسه، كيف يعقل تلك الملامح تحمل ملامح والديها، ينظر لها يتفحصها.
حسن: "نفس حواجب زياد ولون عينيها غريب شوية، بقها ومناخيرها سلسبيل."
زهور: تحدث نفسها: "إيه الوقاحة دي؟ هو بيبص فيا جامد كده ليه؟ قلة ذوق وأدب، الأخلاق انعدمت."
حسن غير قادر على تمالك نفسه، فقد كل درجات التعقل، باغت زهور بأسئلته.
حسن بابتسامة على وجهه من فرط السعادة: "وأخيراً هأوفي بوعدي لصديقي وأوصل أمانته، اسمك زهروان صح؟ كنتي فين السنين اللي فاتت دي كلها وساكنة فين دلوقتي ووالدتك فين؟ رجعتوا هنا من امتى وكنتم فين؟"
زهور باستغراب من ذالك الشخص وتلك النظرات المتفحصة والأسئلة الغريبة الذي يطرحها عليها.
"نعم، وده علاقته إيه بالتصميم؟"
حسن: "جاوبي لو سمحتي على الأسئلة،" قالها وهو يقف يقترب منها بطوله الفارع.
زهور ارتدت للخلف بغضب من اقتراب ذالك المتطفل، التفتت إلى حبيبة.
"دكتورة لو سمحتي، حضرتك طلبتني بمكتبك عشان نناقش التصميم ولا جايبالي شخص معرفهوش شغال تحقيق في موضوعات خاصة."
حسن: "سبحان الله، نفس عصبيته ونفس الاندفاع بالكلام والعيون اللي بتقلب مع العصبية، بس الشكل شكل سلسبيل."
زهور: "استغفر الله، لولا حضرتك كبير واكيد الدكتورة حبيبة تعرف حضرتك كان ليا كلام تاني معاك."
حبيبة: "ممكن بقى نهداء وتتعرفوا الأول وبعدين كل واحد فيكم يحكي اللي عنده."
زهور: "حضرتك طالباني عشان نناقش التصميم ولا..."
حبيبة مقاطعة: "زهروان اتفضلي ارتاحي في الأول وهتفهمي كل حاجة بالظبط، أعرفك الدكتور حسن محمود زوجي، وقبل أي كلام، وبدون مقدمات كتير وكلام ملوش أهمية، الدكتور حسن هيكلمك في موضوع مهم لازم تعرفيه، وكمان في أمانة ليكي عنده سنين، دور عليكي يمكن أكتر من ثمنتاشر سنة عشان يوصلهالك."
زهور: نظرت إلى الجالس ينظر لها ويبتسم: "ممكن أفهم إيه الأمانة دي وحضرته يعرفني منين."
حسن: "بسرعة، ياه، أنا أعرفك من سنين طويلة، يعنى نقول أعرفك من لحظة ولادتك، يعني بمعنى أنتِ مولودة على إيدي وأنا أول واحد شافك وشالك."
زهور: بسخرية وزهول من رده: "ياه، ومالك بتقولها وأنت فرحان أوي كده وبتقولها بفخر أوي كده؟" لتشير لحبيبة: "هو ده الموضوع المهم؟!"
حسن: "أنا أول واحد شفتك وشيلتك على إيديا دول."
زهور: "الله ما طولك يا روح، بتهزر حضرتك ولا إيه؟" تصفق بيديها وتتهكم بالحديث: "بتقول الكلام ده على أي أساس، بتكرمني مثلاً ولا بتعرفني بإنجازاتك المهمة إني اتولدت على إيدك؟ تحب أقولك متشكرين على الإنجاز ده ولا تحب أنزلك شكر على التلفيزيون."
حسن: "ههههه، نفس ردوده وعصبيته."
زهور: "كده كتير، دكتورة بعد إذن حضرتك ياريت تفهميني إيه اللي بيحصل؟"
حسن: "أنا هفهمك. الموضوع وما فيه..." ليقف مقترب منها، ينزل بمستواها، عيناه ممتلئة بالدموع: "زهروان، أنا مش عارف أكلم ومش عارف أنا بقول إيه، بس كل اللي حاسس بيه إني على قد قلبي ما هو فرحان إني أخيراً وصلت ليكي وهأوفي بوعدي لصديقي، على قد وجعه على فراقه."
زهور قلبها يدق بشدة، تشعر بارتجاف في أوصالها، لا تفهم أي كلمة من كلماته، تلتف تنظر لحبيبة ثم لحسن مرة أخرى.
حسن: "أنا بكون صديق والدك وليكي أمانة عندي، أنتِ ووالدتك، وأمانة سلسبيل لازم أسلمها بنفسي ليها."
لتهب واقفة رغم رجفة قلبها ومطالبة بالإنصات له ومعرفة أي شيء على ذلك الاسم الذي اقترن باسمها طوال عمرها، إلا أنها تحاملت، كرامتها وعزة نفسها انتصرت على أمنية قلبها، لتتحدث بعصبية تخفي خلفها ضعفها: "أبويا مين وأمانة إيه؟ أولاً مش عايزة أعرف الأمانة اللي وصاك بيها الإنسان اللي رماني واتخلّى عني، والست سلسبيل دي أنا معرفش مكانها ولا عمري شفتها. آه، أنت ممكن تسأل عليها في فندق زهروان المعادي، هي مشهورة هناك. ألف من يدلك عليها."
حسن: "يا بنتي أبوكي..."
زهور مقاطعة: "أنا ماليش أب معرفوش، عمري ما شفته ولا أحب أشوفه،" لتكمل: "الاب اللي يخلف ويرمي بنته وما يحاولش إنه يشوفها ولا مرة طوال السنين اللي فاتت، يبقى ما يلزمنيش ولا يشرفني اقتراني بيه. وآه، واسم الست دي مش بحب أسمعه."
حسن سقط على الكرسي ينظر لها بذهول من كلماتها، هيتجنن، كيف تنعت صديقه بتلك التهم البشعة، وهو مات حزناً على بعدها هي ووالدتها عنه، ليغمض عينه، عبراته تتساقط، ينظر لزهروان التي شحب وجهها قليلاً لرؤيتها له على هذا الوضع.
حسن وهو ينظر لها باستنكار: "بلاش تقولي كلام هتندمي عليه، كل كلمة قلتيها مش صحيحة في حق زياد."
زهور بعصبية: "ماهو لازم تدافع عنه، هو مش صاحبك."
حبيبة: "استنى، يتحسن، إهدي بس، وأنتِ يا زهور ممكن لو سمحتي تهدي؟ في حاجات غايبة عنك لازم تعرفيها، بس لا المكان ولا الزمان مناسبين، يالا بينا من هنا نروح أي مكان هادي نتكلم فيه على راحتنا."
زهور: "مش مهتمية إني أعرف عنه حاجة."
حسن بصوت مهتز، ينظر تجاه زهور يحدثها: "يا بنتي أنتِ لازم تعرفي إن زياد الله يرحمه."
زهور قلبها ارتجف من واقع تلك الكلمات عليها، بصوت مرتعش لا تعلم لما تلك الرجفة التي انتابتها: "قصدك إيه؟ بالله يرحمه."
حسن: "قصدي إن زياد أبوكي مات، مات الراجل اللي ميشرفكيش يكون أبوكي، مات في نفس اليوم اللي بعدت فيه أنتِ ووالدتك عنه."
زهور نظرت له تحاول أن تستوعب ماسمعته: "انت بتقول إيه؟ مات أبويا؟ مات؟ زياد الـ عشت طول حياتي معنديش أمنية غير إني أشوفه؟ خلاص مات؟" لتهتز أوصالها، دقات قلبها تتسارع، صدرها يعلو ويهبط، وجهها شحب، أسنانها تصك ببعض. اقتربت منها حبيبة مشفقة على حالتها، تبكي بصمت، أمسكت يد زهور التي بدأت تتحدث بهستيريا.
حبيبة: "اهدي يا زهور، تعالي اقعدي ريحي أعصابك."
زهور: "أنا مش مصدقة الكلام ده، قولوا إنكم بتكدبوا عليا وإنه لسه عايش، أصله إزاي مات؟ يعني طول السنين دي كلها وهو ميت؟ يعني مش هلومه وأقوله سبتني ليه ومشيت؟ مش هعاتبه على كل مرة كان نفسي أقول فيها يا بابا ومالقتهوش، عن كل مرة وقعت وكنت مستنية إيده ترفعني تشدني،" لتنظر لحسن بدموع وصوت متحشرج: "انت ما كنتش همشي، كنت هقف وهسمع، أنا كان نفسي حتى أعرف شكله إيه، أمنيتي أدوق طعم كلمة بابا، انت عارف وانت بتقول أبوكي وإني من طرفه زي اللي حط شال على كتفي، لم جسمي ودفني ورجعت عريتني تاني، بتقول مات؟ مات ليه؟ ليه يموت قبل ما نتصالح ونتكلم؟ وأنا اللي كنت محضرة كلام كتير عايزة أقولهوله وعتاب وأسئلة أكتر محضراها من سنين، عايزة أعرف إجابتها، كنت بحلم باليوم اللي هشوف فيه رد فعله لما يعرف أنا مين، كنت بحلم كل يوم بيه وهو فرحان إنه شافني، كنت بحلم بكلمة بنتي بينادي عليا بيها بدلع ليا، كنت بنام وأحلم بحياتي معاه، كان ممكن تكون إزاي؟ بحلم بحضنه، أحس بحنانه، بفرحته برجوعي ليه، وساعات كتير كنت بكرهه وبحقد عليه، بتمنى أشوفه وأواجه، كنت بلعنه لما الناس تنهش في عرضي وسيرة أمي وإني بنت منبوذة مش معروف أبوها، وبعد كل السنين دي يبقى ميت من سنين طويلة، ميت وأنا اللي كل ثانية بلعنه هو وأمي، عارف يعني إيه تعيش تسعتاشر سنة منبوذة والكل فاكرك إن مالكش أب وتكبر جواك كره وحقد على الشخص ده، وفي نفس الوقت تكون بتحبه وبتتمنى تشوفه وتعرفه؟ عارف يعني إيه قلب يكون مقسوم نصين؟ عارف إحساسي إيه؟ حاسس باللي أنا فيه، أنا... أنا..."
معقولة الدنيا جايه عليا أوي كده ليه.
ليه لا، ده ظلم، ظلم.
وقفت وجريت للخارج دون أن تكمل كلمها. خرجت من باب المكتب تجري خارج الجامعة، لا ترى أمامها. تصادمت بزملائها حتى اقتربت من الباب الخارجي لتجد يد حسن تجذبها إليه.
بعد خروجها، ظل واقفاً كما هو، ينظر في أثر زهور وهي تجري من أمامه. ظل بعض الوقت لم يتحرك، أفاق على صوت زوجته تنادي عليه بصوت يغلبه البكاء.
حبيبة: حسن، انت واقف كده ليه؟ بسرعة، الحق البنت، اللي تعمل في نفسها حاجة، مش شايف حالتها.
حسن: اقترب من المكتب وانحنى، جذب الظرف والصندوق الخزفي.
وأشار على الأرض: هاتي شنطتها وتعالي ورايا بسرعة.
خرج حسن خلفها، يسرع بخطواته، يراها وهي تصطدم بزملاؤها. أسرع بخطواته فور اقترابها من باب الخروج. جذبها من كتفها قبل أن تخرج، لتقع مغشياً عليها.
ليحملها سريعاً وسط التفاف عدد من الطلبة حولهم. لينطلق خارج الجامعة عند رؤيته زوجته.
حبيبة: أخذت متعلقاتها هي وزهور وكتبها، وأغلقت المكتب خلفها وخرجت مسرعة خلف حسن وزهور. ذهبت من الباب الخلفي لتقتصر المسافة، صعدت إلى سيارتها لتلحق بزوجها وزهور أمام الباب الأمامي للجامعة. أطلقت بوقاً عند رؤيتها زوجها يحمل زهور وهي فاقدة الوعي.
حسن: وضع زهور بالكرسي الخلفي للسيارة، وتوجه إلى أحد الطلبة وأخذ منه الظرف والعلبة اللذين سقطا منه أثناء حمله لزهور. صعد بجوار زوجته وانطلقوا بها للمستشفى.
بعد وقت طويل، أفاقت زهور، تهذي بكلمات غير مفهومة، تئن من الألم النفسي. تفتح عينيها بصعوبة بالغة، تشعر بألم يكاد يفتك برأسها. تسأل: أنا فين؟
يأتيها صوت أنثوي جوارها.
صوت: حمد الله على سلامتك يا زهروان.
زهور: تلتفت ناحية الصوت، لتنهض مسرعة تبكي. دكتورة حبيبة، انتي فعلاً موجودة؟ ال حصل ده حقيقي؟ مكنتش بتوهم؟ مطلعش كابوس؟ أبويا مات، مات.
حبيبة: تجلس أمامها على السرير، جذبتها لصدرها تبكي على بكائها، تحدثها بحنان أمومي: أهدي، اهدي يا بنتي، إهدي. الصدمة شديدة عليكي، بس لازم تكوني أقوى من كده.
زهور: تبتعد عن حبيبة، تجوب بعينيها المكان. هو فين؟ فين؟ عاوزة أعرف كل حاجة عن أبويا، عاوزة أشوفه. ودوني أزور قبره.
حبيبة: إهدي، إهدي. حسن هيجي حالا، هيشرح لكِ كل حاجة عاوزة تعرفيها.
ليفتح الباب ويدخل حسن منه وهو يحمل بيده ما كان يحمله، يخطو بخطواته الواثبة.
حبيبة: الحمد لله، أهو حسن جه أهو.
لتعتدل زهور، تجفف دموعها بيدها الاثنتين، تنظر إلى حسن بجمود.
زهور: بعد إذنك يا دكتورة، عاوزة أعرف كل حاجة عن أبويا وعن ال حصل وإزاي مات. ومدام بيحب سلسبيل ومات لما بعدت عنه، إيه ال حصل خلاه يبعد؟
حسن: جلس أمامها على الفراش وتحدث بهدوء يحسد عليه: أنا هحكيلك الجزء اللي يخصني وعايشته مع والدك ووالدتك لحظة بلحظة.
ليمُد يده بالظرف والصندوق بعد أن قص عليها كل ما يعرفه.
حسن: كل حاجة هنا، كل اللي عاوزة تعرفيه هتلاقيه هنا. وأي حاجة تحتاجي تستفسري عنها، تقدري تسأليني.
أومأت زهور برأسها، أمسكت الظرف والعلبة بيد مرتعشة، نظرت بينهم، تحدثت بضعف شديد: محتاجة أكون لوحدي لو سمحتم.
أتى حسن ليتحدث، لتسرع حبيبة.
حبيبة: وهي تمسك يد حسن: خدي راحتك يا بنتي، يلا يا حسن نخرج إحنا برة نسيب زهور لوحدها شوية.
حسن: بس ما...
زهور: مقاطعة: بعد إذنك يا دكتور، محتاجة أكون لوحدي، أرجوك تسبني، وأوعدك شوية وهنادي عليكم.
خرج حسن وحبيبة لخارج الغرفة. نادى على إحدى الممرضات.
حسن: أنا والدكتورة، هنكون في مكتبي. خلي عينك على المريضة اللي جوه، كل شوية ادخلي اطمني عليها وبلغيني. وعيونك على باب الأوضة، أول ما يتفتح تبلغيني فوراً لو حاولت تخرج أو طلبت حاجة.
زهور بعد خروج حسن وحبيبة، ظلت تنظر إلى الظرف بيدها والصندوق، لتضمهما لصدرها تبكي بحرقة وصوت يكاد يدمي من شدة نحيبها لبعده عنها. تزيح دموعها التي لا تتوقف، تضع الصندوق جانباً وتمسك الظرف بيدها.
زهور: فتحت الظرف، وجدت رسالتان، إحداهما مكتوب: حبيبتي، والثانية: زهرتي. فتحت الأولى، قرأت ما سطره زياد بخط يده. دموعها تسيل كنهر وقت فيضانه، حجبت الرؤية عنها، ضاعت الكلمات والأسطر.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم منى عبدالعزيز
زهور ممسكة برسالة زياد إلى والدتها، يأكلها الحزن والألم على أب طالما تمنت رؤياه. تعض شفتاها بقهر على ظنها به.
أزاحت دموعها التي لا تتوقف، تنهدت تنهيدة قوية وهي تحدث نفسها.
زهور: ياتري لو كنت لسه عايش كانت مقابلتنا شكلها إيه؟ هتفرح بانك شفتني؟ هتحضني؟ هتبكي من الفرحة! وأنا هكون عملت إيه؟ وأنا شيفاك قدامي وبناديك بابا؟ وتقولي أخيرا شفتك يابنتي؟ أخيرا لقيتك سنين وأنا بدور عليكي.
زهور تسأل نفسها: ياتري يا زهور كنتي هتفرحي بانك قبلتيه؟ ولا هتعتبيه؟
لتكمل كلامها وهي تنظر للمظروف بيدها محتارة أيهما تبدأ به. تمسك خطاب خطه بيده الأول باسم سلسبيل ملكة القلب وعشق الروح، والآخر زهرتي. تنقل بصرها بين الاثنين لتشرد قليلا لوقت قبل أن تحدث نفسها.
زهور: كلام صاحبك بيقول قد إيه أنت كنت حنين. حبك لسلسبيل وحبها ليك هو نفسه كان بيحسدكم عليه. طيب إيه حصل بعدكم عن بعض؟ وطالما بتحبها وهي بتحبك؟ إيه اللي فرقكم؟ خلاك متتحملش بعدها وتموت من حزنك على بعدها؟ طيب سلسبيل حكايتها إيه؟ اختفت فين وسبتني؟ ياااه لو أقدر أعرف أي حاجة عنها أو أقبلها، وقتها معرفش هعمل إيه وهتصرف إزاي. هترمي في حضنها ولا هعاتبها وخلاص؟ معرفش. لو شفتها قدامي هعمل إيه؟ بس أكيد هرمي في حضنها وهخلي كل الكلام لبعدين. قد إيه محتاجة لحضنها، قد إيه محتاجة. جنبي طول عمري وحيدة. آه لو تعرف شوقي ليها ولحضنها. اااه لو أغمض عيوني ألاقيها قدامي. أرمي في حضنها وأبكي لشوقي واحتياجي ليكم انتوا الاتنين.
لتعاود النظر لما بيدها وتضع أحدهما. مع إني متشوقة أعرف كاتب ليا إيه. الـكـلام جـمـيـل. حبك أثار فضولي.
أقرأ اللي كتبه لأمي. تخرج الخطاب من مغلفه. ترفعه أمام وجهها وتقربه من أنفها. تسحب نفسا قويا. تشم رائحة والدها. لم تتمالك حالها لتجهش بالبكاء وتضم الخطاب لصدرها. تركت لروحها العنان تبكي. سنوات ظلت دموعها حبيسة جفونها، تنهيداتها تخرج خلف بعضها حتى شعرت بخواء روحها.
اشتهت لضم والداها لها. حنين غريب لوالديها. لأول مرة تشعر بتلك المشاعر ورغبتها الجارفة لضمهما والبكاء بأحضانهم.
زهور: تشهق. ليه ملهوفة عليكم؟ وأنا طول عمري مكتفية بنفسي وبستي أحلام. يمكن من اللي سمعته عن حبكم.
لتفتح الخطاب. تقرأ كلمات زياد لسلسبيل.
زهور: تقرأ بصوت خافت كلمات زياد التي كتبها لسلسبيل.
بسم الله الرحمن الرحيم.
حبيبتي نور عيني، ملكة القلب وعشق الروح، نور دربي، سكن روحي، وملاذ أنفاسي التي أتنفسها. زوجتي وابنتي وشقيقتي وصديقتي، معشوقة قلبي. مهما وصفت حبي وعشقي لك، أحتاج إلى مجلدات وكاتب لا يمل من الكتابة وأشهر الرسامين يرسمك بقلبي وبعيني. حبيبتي بلسم جروحي، أنهار الحنان المتدفقة. أخط لك أصعب كلماتي، لعلها تكون آخرها. أعلمي أن تلك الكلمات ما هي إلا ذرة في بحر أوجاعي وآلامي. حبيبتي، لما أستطع مواجهتك وإخبار ما أريد قوله. ليس ضعفا مني ولا جبنا ولا هربا، لكن خوفا من نظرة الحزن بعينيك الصافية، من دمعة وجع منهما تحرقني، تمزقني إربا. معشوقتي، كتب علينا الحب صدفة وجمعنا القدر من غير موعد أو ترتيب. ها هي أيام سعادتي ترحل من بين يدي بعد أن جمعتنا. ها هو وقت الفراق بالإجبار، ولكن ليس أي إجبار، هو قتل بالبطيء. أود أن أعلمك، حبي لك وخوفي من فقدانك هما سبب ضعفي. عندما تقرئين تلك السطور، أكون حميتك من أقرب الناس إلي. زوجتي الغالية، نعم زوجتي، ستظلين زوجتي طوال عمري وسأدعو ربي ليلا ونهارا ما دمت حيا أن تصبحي زوجتي في جناته العالية. نعم جناته العالية، دعوت ربي ليالي طويلة أن يجمعني في دنياه بك. حبيبتي، اليوم سأبتعد عنك بجسدي، لكن روحي ستكون معلقة بك. حبك نبض قلبي، أنفاسي التي أتنفس بها، وعشقك قطرات دمي تسير بين أوردتي. أعلمي أني ما طلقتك إلا مجبرا، نعم نعم مجبرا، طلقتك غصبا عني. لم أقدر أن أنطقها بلساني، يدي عجزت عن توثيقها. أجبرت بعد تهديدات بلغت بقتلك، بحرماني منك بالموت، وثقتها بخوفي من سجنك بأي قضية مخلة بالشرف. أنكرت إنجابك لزهرتي، برعم حبي لك، خوفا من انتزاعها من بين يديك. أعلمي أنك لازلتي زوجتي مهما حدث، أنت زوجتي، نعم زوجتي. أقسم بكل قسم أعرفه، وبقلبي الذي ينزف ألما، بأنك لازلتي زوجتي. محبوبتي، أوصيكي بوصيتي بأن تقصي لابنتي عني وعن عشقنا، عن حبي لها، عن اشتياقي لرؤيتها وضمها. أتنفسها برائحتها المسكية. احكي لها على فرحتي يوم معرفتي بقدومها، عن حزني لابتعادي عنها، عن عجزي الذي حرمني منكن. حبيبة قلبي، ستجدين مع تلك الرسالة أوراق ملكيتك أنت وزهرتي، لجميع ما أملك. كل ما ورثت من خالتي رحمها الله، وزعته بالمناصفة، وكتبت لك ولها كل ما تبقى وأملكه. تتصرفين به كيفما تشائين، لكن حبيبتي، لا تنهزمي وتنكسري. نبض قلبي، أطلب منك أن تصيري قوية، تدافعي عن نفسك، عن زهرتي، لا تدعي أحد يكسرك مهما حاولوا. قصي لابنتي عني، قصي لها عن صديقي حسن، فهو شاهد على عشقي لك ولها. أخبريها بأن تصير قوية، تدافع عن نفسها، وطموحها لا تجبرها على شيء لا تريده. كوني معها كعادتك، صديقتها قبل أمها، احتويها كما احتويتني. اجعليها نسخة مكررة من سلسبيل، نبع الحنان. سلاما حبيبتي، فأنا على موعد مع زهرتي لأقص لها كل شيء، حتى تعلمي من أنا. المتيم بحبك، زياد.
زهور أغلقت الرسالة، تتساقط دمعتها. تبكي وتبكي حتى انقطعت أنفاسها. تقبل الخطاب بهستيريا، تضمه لصدرها، تصرخ بصوت مكتوم بأهات موجعة.
زهور: اااه اااه. مش عاوزة حاجة. مش عاوزة فلوس ولا أملاك. أنا عاوزاك أنت. عاوزة أرمي في حضنك. قد إيه كلامك حسيت وجعك. بكل كلمة كتبتها عصرت قلبي. كل كلمة بتقول قد إيه أنت حنين، قد إيه اشتقتلك ومحتاجك جنبي. محتاجة لإيدك تطبطب على كتفي. حزنك ووجعك على فراقنا. حستهم من كلامك. لأمي. قد إيه محتاجة لحضنك. محتاجك يابابا. آه من الكلمة اللي طول عمري محرومة أقولها. قد إيه طعمها حلو بين شفايفي. بابا. ااااه اااه. يارب يارب قوني. يارب قوني على فراقه. متحملنيش فوق طاقتي. معاش قادرة أتحمل أكتر من كده. شوقي لأبويا ولضمته ليا. يارب على قد ما أنا موجوعة على فراقه. اديني قوة للتحمل بعده.
لتظل وقت طويل مش قادرة تتكلم. تسطحت على الفراش تضم الخطاب لصدرها مغمضة العينين ودموعها تسيل بصمت. بين برهة وأخرى تطلق شاهقة تخرج منها تحرق جوفها من قوتها والوجع بداخلها. تفتح عينيها المنتفخة من البكاء وتعتدل وهي ترفع نفسها لتجلس على الفراش، تتلمس الأوراق بيدها دون أن تنبس بكلمة.
لتفتح الخطاب الآخر. لتجده دفتر خاص بوالدها كتب عليها: إلى زهرتي. تتلمسه تبكي وهي تعيد نطق ما خطه بيده لها. فتحت أول ورقة وهي مغمضة عينها. تتصارع أنفاسها بالخروج. تشجع حالها باستمرار لقرائته. جاهدت لفتحه مرة تلو الأخرى. لم تقو لتغلقه مرة أخرى وتضمه لصدرها. تغمض عيونها وتهز جسدها للأمام والخلف مطلقة عنان بكائها ونحيبها حتى شعرت بخواء روحها والغرفة تضيق عليها. تلتقط أنفاسها بصعوبة لتزيح عبراتها بيدها وتهب واقفة تجمع محتويات المظروف ووضعته به مرة أخرى.
وهي تتحدث بوجع.
زهور: مش هقدر. مش هقدر أفضل هنا. حاسة لو فضلت لحظة كمان هتخنق. ولو جه صاحبك هترمي في حضنه من كتر ما أنا مشتاقة لك.
لتجوب بعينها الغرفة حتى وقعت عينها على حقيبتها لتسرع تجاهها. تلتقطها وتضع الظرف والصندوق بها. تجفف دموعها وتخرج من الغرفة بسرعة البرق. تهرول في أروقة المستشفى. لمحتها الممرضة وهي بطريقها إليها لتطمئن عليها. لتهرول تجاه مكتب حسن لإخباره بخروج المريضة زهور. نجحت في الخروج من المستشفى. أشارت إلى عربة أجرة وأخبرته بالعنوان التي تود الذهاب له.
لتصل للمكان بعد وقت. بعد أن شعرت بأن الطريق لا ينتهي والمسافة تزيد. طوال الطريق دموعها لا تتوقف. تضم حقيبتها لصدرها. ترجلت من العربة. أخرجت نقود لا تعلم عددها وأعطتها للسائق. ودلفت للفندق من الباب المخصص لدخول العاملين. أبدلت ملابسها وذهبت لرئيسها بالعمل الذي أخبرها بطلب مدير العاملين لمقابلتها وتوقيع العقد معها بعد إنتهائها من عملها. لتستلم، لتشكره وتذهب إلى الجناح. تدفع أمامها عربة أدوات التنظيف والشراشف النظيفة. تتجه إلى الجناح المسئولة عن تنظيفه طوال فترة الشهر الذي عملت به. تصعد بالمصعد الخاص بالعاملين. تدفع العربة بعد خروجها منه وتوقفها بالكلودور أمام أحد أبواب الجناح. تحمل الأغراض بيدها وتتلمس ملابسها تتأكد من الأوراق التي خبأتها به قبل صعودها إلى الجناح. وضعت أغراض التنظيف من يدها وتجهت سريعا تجاه الغرفة. تجلس أرضا تعيد قراءة خطاب والدها لأمها عدة مرات. تبكي بحرقة. لتشعر بحركة غير طبيعية وهمهمات وصوت أحد يزوم. لتصمت لحظات تتأكد من الصوت الذي اختفى. لتشعر بألم روحها. تنحني وتضم الخطاب وتعتدل بجلستها على أرضية الغرفة تبكي بنحيب. شعرت بحركة وهمهمات مكتومة مرة أخرى كأن أحد ينادي. لتغلق ما بيدها وتطويه سريعا. تضعه بداخل المظروف وتضعه في ملابسها وتقف مرتجفة. تخطو تجاه الصوت لتصل إلى مكان الصوت بأحد جانبي الغرفة. تسحب البرادي لتتفاجأ بشخص جالس على كرسي ويده وقدميه موثقان وفمه عليه شريط لاصق.
زهور: شاهقة. رجعت للخلف سريعا. ليزوم الشخص بشدة ويهز جسده. ينظر لها بترجى بعينه حتى كاد يسقط أرضا. لتتشجع وتخطو إليه مع تزايد شعورها بمعرفة ذلك الشخص. لتسرع بحذر تتلفت حولها تبحث عن شيء ما. حتى توقفت عينها على ما تريد. لتخطو إليه مسرعة. التقطته وعادت تجاه الشخص المقيد.
زهور: بيد مرتعشة قامت بنزع الشريط اللاصق من على فم الشخص الذي تحدث لها. يشكرها ويطلب منها الإسراع في فك وثاق يديه وقدميه.
الشخص: أنا شاكر لكل ما قمت به. برجاء أسرعي فكي رباط يدي ورجلي بسرعة قبل ما أحد يجي يذبحني أنا وانتي.
زهور: أومأت برأسها. تحاول فك ذلك الرباط بصعوبة. حتى نجحت في قصه لاثنين. وجثت على قدمها وانحنت تمزق ما على قدميه حتى نجحت في فكه.
ليهب الشخص واقفًا. ينحني يمد يده لزهور يساعدها على الوقوف. يحدثها بلغة لم تفهمها.
الشخص: هيا هيا أسرعي بالخروج ولا تعاودي مرة ثانية لهون. اليوم مهما حدث هيا أسرعي قبل ما يجدمون ويزبحوكي وياي.
زهور: ترفض مد يدها وتنهض هي بنفسها. أنت مين ومين اللي عمل فيك كده؟ وأهم حاجة انطق بلغة أفهمها. بلا يذبحني بلا يجدمون. آه.
الشخص: بابتسامة. كمان دمك خفيف. حاضر يا ست زهور. هجاوبك على أسئلتك بس مو هون. قصدي مش هنا. الغرفة مو أمان.
ليقترب منها يجذب يدها فور سماعه لصوت بخارج الغرفة. ليجذب زهور من يدها ويكمم فاها ويخطو تجاه باب أحد الغرف بالجناح المكون من ثلاث غرف للنوم وصالون كبير وصالة عرض وجيم صغير خاص برواد الفندق من VIP. فتح الباب وأدخل زهور الذي تنظر له بخوف. تحاول نزع يديه من على فاها. ليقترب منها يهمس لها لتستكين دون حركة.
كنت براسلك وأترك الخطاب على زجاج المراية كل يوم.
وإنتي تردين الجواب.
حتى إنتي أمس تركتي رسالة بتجولين فيها رد: "مش كل اللي بيتمناه الإنسان يدركه، أهم شيء يحمد ربنا على النعم اللي منّن عليه بيها".
هدّأت زهور لتشهق وهو يديرها خلف الباب ويقترب منها فور شعوره بوضع أحد يده على مقبض الباب.
لتتلاقى الأعين، كل منهم ينظر للآخر دون شعور.
ليبتعد عنها، ينظر إلى أسفل، يستغفر ربه ويعتذر لها، غير عابئ بتلك الأصوات التي يستمع لها بالخارج.
زهور بيد ترتعش فور اقتراب الصوت من باب الغرفة، مدت يدها له وجذبته بيد مرتعشة وخرجوا من الباب الأمامي للغرفة بعد فتحه بالمفتاح الإلكتروني الذي تحمله.
لترتسم علامات السعادة على وجهها وهي ترى عربة معدات التنظيف كما هي بالقرب من باب الجناح الكبير.
لتخطو تاركة عبد الرؤوف يقف متحفزاً.
لتسرع بدفعها تجاه رؤوف وتشير له بالاختفاء أسفل منها.
لتدفع العربة بعد صعوده بصعوبة بعد أن صعد بها، لتصل إلى المصعد المخصص لنقل العاملين وتلك العربات وتضغط على زر الهبوط، تحدثه بهمس.
زهور: "إحنا هننزل أوضة أدوات التنظيف، هناك في باب بيخرجوا منه الزبالة، هتخرج منه وأنا هغير الهدوم دي لأن ممنوع نخرج بيها من الفندق. استخبى في أي مكان وأنا مش هتأخر عليك، خال بالك لحد يشك بيك ولا الناس اللي بتقول عليهم هيدبحوك يلقوك."
فور وصول المصعد غرفة التنظيف، خرج عبد الرؤوف من أسفل العربة يفرد جسده الفارغ.
شاكراً زهور ليسمع لأحد يتحدث بالقرب منهم.
لتسرع زهور بالذهاب تجاه الصوت وتشير له على مكان مكب النفايات ليسرع بالخروج منه.
زهور تلتف للخلف تتأكد من خروجه، تقف مكانها تحمد الله بأن يكمل باقي خطة خروجهم على أكمل وجه.
ترسم على وجهها الابتسامة وهي ترى أمامها إحدى زميلاتها تعرفت عليها منذ أيام برفقة إلينا.
تتلفت للخلف بتوتر بعد تأخرها بالوقوف مع الفتاة التي لا تنتهي أسئلتها، لتستأذن منها أخيراً بعد دخول أحد العاملين منادياً على الأخرى.
تهرول زهور تجاه غرفة تبديل الملابس وتبدل ملابسها وتخرج ما بها وتضعه في حقيبتها.
لتنتهي من لف حجابها بفوضوية، تخرج من الغرفة للباب الخارجي وهي تهرول.
تصطدم بزميلاتها وتشير بيدها وتتأسف لهم، حتى خرجت من الباب المخصص للعاملين وتسرع بالجري تجاه مكب النفايات.
تبحث بعينها حولها لتشعر بالإحباط وهي لا تراه بالمكان.
تقترب من المكان أكثر تنادي عليه بهمس لتصرخ بهلع وسط شعورها بأحد يحدثها من خلفها.
تلتف ببطء وجسدها ينتفض، لتلين ملامحها وتسترخي في وقفتها وهي ترى من يحدثها.
تضع يدها على صدرها تلتقط أنفاسها.
عبد الرؤوف: "ليش تأخرتي؟ نتطرتك بالمكان اللي جلتيه عليه بس رائحته كريهة ما جدرت أتحمل."
ليستمعوا إلى صوت أحد يقترب منهم.
ليجذبها رؤوف ويسرع بالاختباء خلف إحدى العربات.
ينظر تجاه الصوت، يرى شابين.
فور أن رآهم أخفض رأسه وارتد للخلف.
يسيرون وهم يثنون أقدامهم مع تزايد اقتراب أصوات الأشخاص منهم.
الشخص الأول: "مالهمش أي أثر هنا، أنت متأكد من إنك شفت البنت وهي بتخرج من الباب ده؟"
الشخص الآخر: "والله ريتها. ويذوب جيت أخبرك وهي كانت واقفة تدور حول روحها عند مكب النفايات. وداحين هسه سامع صوت صياح. لانتظر انتظر."
سامع!
التفت إلى الخلف وهم يستمعون إلى صوت همس وحركة غير طبيعية قرب مكب النفايات.
ليسارعوا ناحية الصوت.
أشار أحدهما للآخر بإصبعه أن لا يصدر صوت.
وهم يجدون شخص يقف أسفل مخرج النفايات يشير إلى أحد ما يقف به.
يلتقط ما يقذفه الآخر له ويفتح ما التقطه بلهفة وسعادة ويغلقه مرة أخرى.
ليشير مرة أخرى لمن بالداخل.
يرفع إبهامه ويحمل ما بيده ويبتعد.
ليصدح رنات هاتف تخرج من ذاك الحمل الذي يحمله بين يديه وهو يبتعد من أمامهم بما بحمله وهم يعلمونها جيداً.
ليسرعوا تجاهه.
ليشعر بهم، يلتف بإيماءة بسيطة.
يرى أحد يهرول تجاهه.
ليسارع بخطواته ثم يطلق لقدميه العنان يجري بأقصى سرعة وهم خلفه.
حتى نجحوا في لقطه بعد أن انقطعت أنفاسهم من الجري خلفه.
عبد الرؤوف وزهور رأوا ما حدث، ينظران إلى بعضهما باستغراب دون أن يتحدثا بكلمة واحدة.
ليعتدل عبد الرؤوف وهو يرى عربة أجرة تقترب من المكان.
دون تردد أشار للسائق أن يتوقف، لتتوقف العربة.
ويلتف عبد الرؤوف إلى زهور التي لازالت كما هي عينها مثبتة تجاه ذلك الشخص الذي كان يقف عند المكب.
عبد الرؤوف خطى إليها يناديها وهي على حالتها تنظر تجاه المكان الذي يجري أمامهم هؤلاء الأشخاص الثلاثة.
ليقترب منها ويضع يده على كتفها.
لتنتفض زهور وتطلق صرخة ضعيفة وهي تلتف.
لتتنهد براحة، تضع يدها على صدرها.
وقبل أن تنطق بكلمة، التقط يدها يجذبها تجاه العربة وهو يحدثها بصوت هامس.
يجلسها بالعربة من الخلف ويصعد جوار السائق، يشير له بالابتعاد عن المكان.
السائق يحدثه: "على فين يا بيه؟"
عبد الرؤوف في حيرة من أمره، لا يعلم ماذا يخبره.
لتنطق زهور: "وديها السفارة السعودية يا أسطى."
عبد الرؤوف: يلتف لها يسألها بعينيه: "لماذا فعلت هذا؟"
يشير لها بعينه ويهز رأسه بلا.
ليحدث السائق بهدوء: "اطلع يا أسطى على الحسين."
السائق: "الحسين؟"
عبد الرؤوف: يهز رأسه بنعم.
يغلق زجاج السيارة ويضع يده على وجهه يخفي ملامحه طوال الطريق.
حتى وصلا إلى منطقة الحسين.
ترجل من العربة وزهور كذلك.
أعطى رؤوف الأجرة للسائق والتف لزهور التي تنظر له باستغراب على حالة الهدوء التي عليها.
زهور تخطو خلفه مهرولة تحدثه بعصبية.
زهور: "ممكن تفهمني إيه الهدوء ده اللي إنت فيه؟ وليه ما رحتش سفارة بلدك تطلب إنهم يحموك؟"
رؤوف: ينظر لها ويحدثها بنفس بروده: "أولاً تخفضي صوتك وإنتي تتحدثي، إنتي بنية وعيب وحرام صوتك يعلو في الشارع. ثانياً قبل ما نوصل للسفارة هكون حاجة من الاثنين، يا مقتول يا مخطوف، لأن اللي عمل هذه العملة خابر زين إني أول شيء هعمله هو الذهاب للسفارة أطلب منها الحماية. ثالثاً ما كان بدي تتورطين معي بهذه الطريقة، بعتذر لك على ما حدث. للأسف من فعل بي ذلك لابد أن يكون علم بمساعدتك لي وأنك فككت الوثاق وأيضاً ساعدتيني بالهروب وسوف ينتقموا منك لأنك أهدرتي عليهم مبالغ طائلة بتسليمي لعدو لي."
زهور: "أنا مش فاهمة أي حاجة. ولما إنت عارف إن ليك عدو هيعمل فيك كده ليه سكت؟ وكمان مش عاجب الحسين اللي قلت عليه؟"
رؤوف: "لأن الحسين ده أكتر مكان أعرفه بمصر و..."
ليصمت فجأة.
يلتف لزهور ممسكاً بيدها يجذبها ويخطو بها داخل أحد المحلات.
يحدثها بهدوء حتى لا يلفت انتباه أحد لهم.
"راح عن بالي إنه أول مكان هيدوروا عليا فيه هو الحسين."
زهور: برجفة وهي ترى اقتراب أحد الأشخاص الذي رأيته قبل ذلك في الفندق.
لتبتسم بسعادة وهي ترى جنازة تمر بالقرب من المكان.
لتشير لعبد الرؤوف ويخرجا من المحل.
يمشون بجانب المعزين.
يلتف عبد الرؤوف ينظر هل يتابعهم أحد.
ليبتعد عن موكب العزاء.
يشير لسيارة أجرة مرة ويصعد بها وبجوارها زهور.
زهور: "على محطة رمسيس يا أسطى."
عبد الرؤوف: يلتف للخلف يرى هل يتابعه أحد أم استطاعوا أن يهربوا ممن يراقبونهم.
بعد نصف ساعة أو أكثر وصلا إلى المحطة.
تهرول زهور بسرعة غير عابئة بذلك الذي يحدثها.
حتى وقفت بالقرب من أحد منافذ بيع التذاكر.
تلتقط أنفاسها.
رؤوف مد يده من يدها يحدثها بعصبية.
عبد الرؤوف: "تجري تجري وتسحباني كيف الخروف؟ ولا تجيبي عليا وين بدك نروح؟"
زهور: صدرها يعلو ويهبط تتحدث بصعوبة: "بما إني وإنت بمركب واحد والخطر علينا إحنا الاتنين. فمش هقدر أرجع بلدي لأنهم ممكن يؤذوني أو يؤذوا أي حد قريب مني. فما في غير نختفي لفترة في مكان محدش يقدر يوصلنا فيه. وبعدين إنت إزاي تتعصب عليا بالشكل ده؟ مش كفاية الورطة السودة اللي ورطتني فيها معاك."
عبد الرؤوف: ينظر لها بانبهار، كيف لفتاة بتلك الحجم والطول بالنسبة له طفلة في الثانية عشر من عمرها أن تحدقه بتلك الحدة.
وأيضاً تشير له بالصمت كلما تحدث.
عبد الرؤوف: قلت لك جبل سابق صوت ما يعلو، وأنتي بناية، وقبل هيك حرام تفهم.
زهور: بص يا أخ، أنا ممكن أسيبك وأروح بيتنا، ولا يمكن حد يقدر يأذيني في الحتة اللي ساكنة فيها، لأنهم ولاد بلد، واللي يحاول يأذي حد منهم هيقطعوه بسنانهم. أنا بس اللي مش عاوزة مشاكل. قالوا وقلنا.
وكمان بتقول هيدبحوك. فمن سكات كده تمشي معايا، هوديك مكان محدش يعرفه تقعد فيه كام يوم.
لحد ما تدبر أمورك. وأنا هرجع لبيتي وحتتي طوالي.
وكل كام يوم هخطف نفسي وأزورك وأجبلك اللي في النصيب. ما رضيت، ولا نفضتها سيرة وتروح لحال سبيلك. وأنا هيكون ضميري مرتاح.
عبد الرؤوف: بالله هيكون ضميرك مرتاح وأنتي بتتخلي عني وخبرة إني بخطر.
زهور: تستغفر ربها. بص، أعم، هقولك إيه. أنا واحدة خلقي ضيق. هتمشي معايا من سكات. أوديك للمكان والحق، أرد لبيتنا.
عبد الرؤوف: يشير بيده. تفضلي سوي ما بدك، بس.
أنا لا يمكن أتسبب لك في أي خطر.
زهور: ترحل من أمامه بغضب دون أن تتحدث له. تخطو تجاة مخرج المحطة دون أن تلتفت له، لتتوقف مرة واحدة، تضع يدها على سياج الحديد بجوارها، لتسحب نفس قوي، وتلتف مرة واحدة، وتعاود ادراجها، وتتجه ناحية الواقف ينظر في آثارها.
زهور: دون أن تتحدث إليه، أشارت له بالصمت، وتوجهت إلى نافذة بيع التذاكر.
زهور: تذكرتين طنطا لو سمحت.
لتحصل على التذاكر وتعود للواقف مكانه، تشير بيدها له بأن يتبعها، حتى وصلت لمكان القطار المزدحم وصاعدة إليه، وهو خلفها يبتسم على طريقتها بالتعامل معه.
زهور: تبحث بعينها عن مكان فارغ للجلوس به، حتى وجدت. تلتفت له وأشارت إليه مرة أخرى باتباعها، لتجلس على أحد المقاعد، وهو جوارها. بعد قليل رحل القطار. يتوقف كل الحين والآخر، والجالس جوارها يتأفف من كثرة التوقف ونزول وهبوط الركاب وهؤلاء الباعة الجائلين. كلما هب يعترض، تنظر له بامتعاض وتبعد نظرها عنه.
عبد الرؤوف: زهقتني والله. إيش هذا؟ والله لو طفل صغير مع مامته معاقب ما هيكون مثل ما تعاقب. إيش سويت لكل هذا؟
زهور: كما هي، تشير له بالصمت دون أن تتحدث.
عبد الرؤوف: ينفخ بضيق. إيش هذا يا ربي. حسبي الله على الظالم. ويش سويت لهاي المجنونة. والله.
مجنونة، هاي الصغيرة مجنونة.
ليصمت باقي الطريق وهو يعقد يديه، ينظر تجاهها بين الحين والآخر بطرف عينه، وهي على نفس هيئتها تنظر تجاه النافذة، ولا تلتفت تجاهه.
زهور تجلس شاردة، تحدث نفسها: هو أنتي ليه رجعت ليه تاني؟ مكنتي مشيتي وخلاص. واحد لا تعرفيه ولا تعرفي وراه إيه. مش يمكن عامل مصيبة. إيه اللي رجعك مرة تانية؟ ولا بتهربي من اللي حصلك واللي عرفتيه؟ ليه تعرضي نفسك للخطر مع واحد متعرفوهوش؟ وكمان ما انتيش عارفة اللي وراه؟ هم.
كام مرة بعتلك شكر في ورقة، تقومي تهربية؟ وكمان.
رايحة معاه برجليكي. مش كفاية اللي انتي فيه وعرفتي. وأبوكي اللي عرفتي حكايتك وحكايته. لتكمل حديثها: أمكن بهرب من نفسي من شوقي.
لحضن أبويا. لاحتياجي لضمته واللهفة لحضنه.
محتاجة لأب يلمس على ظهري. بحنانه. ولا بتهربي.
من نفسك من سنين عذاب وقهر وكل يوم بتلعني فيه. وتتهميه بأشد الاتهامات. ولا هربتي خايفة تتصدمي بحاجة تانية. وسلسبيل تظهر. وخايفة توجهيها. بتهربي.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الستون 60 - بقلم منى عبدالعزيز
خرجت زهور من المستشفى تلتقط أنفاسها، تعبر الطريق بين السيارات التي تمر، تتلقى السباب من قائدي السيارات. وهي كالمغيبة تعبر الطريق، فاقدة لكل أحاسيسها، تفكيرها منصب فيما قرأته في الخطاب.
زهور: ليه؟ ليه بيحصلي كل ده؟ عملت إيه يجرالي كل ده؟ سنين عايشة وحيدة، ماليش أب ولا أم، فجأة يظهروا، ويوم ما عرفت بوجود أبويا ألقيه مات، مات، مات!
تكاد تفقد سمعها من شدة بوق السيارات التي تطلق من قائديها، لتجري مسافة طويلة، تضم حقيبتها لصدرها، عينها تفيض منها الدموع، لتتوقف أخيراً تلتقط أنفاسها، وتتحدث بصوت مسموع.
زهور: تمسح دموعها. لازم أعرف باقي الحقيقة، مين اللي أجبره على الطلاق وإيه اللي حصل وقتها؟ خالي سلسبيل تهرب للبلد؟ وسلسبيل بريئة ولا مظلومة؟ مجني عليها ولا جانيه؟ ماهي مش معقول بعد الكلام اللي قريته واللي سمعته بودني من صحبة عن حبهم وتضحيتهم، وكمان الأملاك اللي سابها ليها وتهرب. أكيد عندها تبرير لكده. لازم أروح الفندق وأواجهها، ليه هربت وسابتني؟ ومدام بتحب بابا.
لتتوقف عند نطقها، تبكي بقهر. ااااه، على دي كلمة اتحرمت أنطقها طول عمري، ولما نطقتها قلتها لغيرك. كلمة خفيفة قوي، قوي، بس طعمها حلو. بابا، بابا، بابا.
زياد، تغمض عينيها، تنطقها مرات متتالية، تتلذذ بنطقها، لا تعرف كم مرة نطقتها. شعور بالاشتياق أذابها، تشتد بضمّتها لحقيبتها، تتنفس بسرعة، أنفاس متلاحقة، وتتنهد وهي تفتح عينيها.
زهور: ترفع مرفقها مع فتح عينيها. تنظر لساعة يدها. اتأخرت على معاد الشغل، يدوب ألحق أنهي شغلي وأروح الاستقبال أسأل على سلسبيل، من غير ما ألفت انتباه حد لو سألت عليها.
لتشير إلى عربة أجرة وتصعد بها، بعد إخبار السائق بوجهتها. تسند رأسها على زجاج السيارة، شاردة، تضع يدها على قلبها، تشعر بألم به، وشعور قوي بحدوث خطب ما.
لتصل للمكان بعد وقت، بعد أن شعرت بأن الطريق لا ينتهي والمسافة تزيد. طوال الطريق دموعها لا تتوقف، تضم حقيبتها لصدرها. ترجلت من العربة، أخرجت نقوداً لا تعلم عددها، وأعطتها للسائق، ودلفت للفندق من الباب المخصص لدخول العاملين. أبدلت ملابسها وذهبت لرئيسها بالعمل، الذي أخبرها بطلب مدير العاملين لمقابلتها وتوقيع العقد معها بعد اختبارها، وقدم لها ظرفاً به مكافأة لها عن فترة اختبارها بالعمل، وأنها سوف تحصل على راتبها عن تلك الفترة. لتخبره بالذهاب بعد انتهائها من عملها، لتشكره وتذهب إلى الجناح، تدفع أمامها عربة أدوات التنظيف والشراشف النظيفة. تتجه إلى الجناح المسئولة عن تنظيفه طوال فترة الشهر الذي عملت به. تصعد بالمصعد الخاص بالعاملين، تدفع العربة بعد خروجها منه وتوقفها بالكلودور أمام أحد أبواب الجناح. تحمل الأغراض بيدها، وتتلمس ملابسها، تتأكد من الأوراق التي خبأتها به قبل صعودها إلى الجناح. وضعت أغراض التنظيف من يدها، تشعر بغصة في حلقها. تبدأ بتنظيف أول غرفة دخلت إليها بسرعة ودون هوادة، حتى تستطيع أن تنهي عملها وتهبط للسؤال عن والدتها. ها هنا لم تحملها قدماها. لتجلس أرضاً، تخرج الأوراق من بين ملابسها، تقرأ كل كلمة كتبها زياد لسلسبيل، لتظل تعيد قراءة الخطاب عدة مرات، تبكي بحرقة حتى جف حلقها وانتفخت عيناها من الدموع. فجأة تصمت بخوف وهي تستمع لصوت حركة غير طبيعية، وهمهمات وصوت أحد يزمر كأنه ينادي على شخص. لتصمت للحظات، تتأكد من الصوت الذي اختفى. لتشعر بألم روحها، تنحني وتضم الخطاب لصدرها، تستمد منه القوة وتطلب الحماية منه. ليجذب انتباهها نفس الصوت والهمهمات مرة أخرى، كأن أحد ينادي.
لتغلق ما بيدها وتطويه سريعاً، تضعه بداخل المظروف وتضعه في ملابسها، وتقف مرتجفة، تخطو تجاه الصوت، لتصل إلى مكان الصوت، بأحد جانبي الغرفة، تسحب البرادي لتتفاجأ بشخص جالس على كرسي ويده وقدميه موثقان وفمه عليهم شريط لاصق.
زهور: شاهقة. رجعت للخلف سريعاً. ليزمر الشخص بشدة ويهز جسده، ينظر لها بترجٍ بعينه، حتى كاد يسقط أرضاً. لتتشجع وتخطو إليه، مع تزايد شعورها بمعرفة ذلك الشخص. لتسرع بحذر، تتلفت حولها، تبحث عن شيء ما تستطيع فك وثاقه. تتلفت يميناً ويساراً، حتى توقفت عينها على ما تريد، سكين صغير بجوار طبق الفاكهة، لتخطو إليه مسرعة، تلتقطه وعادت تجاه الشخص المقيد.
زهور بيد مرتجفة قامت بنزع الشريط اللاصق من على فم الشخص الذي تحدث لها، يشكرها ويطلب منها الإسراع في فك وثاق يديه وقدميه.
الشخص: أنا شاكر لكِ. رجاءً أسرعي، فكي رباط يدي ورجولي بسرعة قبل ما أحد يجي يذبحني أنا وأنتِ.
زهور: أ
ليسرعوا تجاهه، ليشعر بهم، يلتف بإيماءة بسيطة.
يرى أحدهم يهرول تجاهه، فيسرع بخطواته، ثم يطلق لقدميه العنان، يجري بأقصى سرعة وهم خلفه.
حتى نجحوا في لقطه بعد أن انقطعت أنفاسهم من الجري خلفه.
عبدالرؤوف وزهور رأوا ما حدث.
ينظران إلى بعضهما باستغراب، دون أن يتحدثا بكلمة واحدة.
ليعتدل عبدالرؤوف وهو يرى عربة أجرة تقترب من المكان.
دون تردد، أشار للسائق أن يتوقف، فتوقفت العربة.
ويلتف عبدالرؤوف إلى زهور التي لا تزال كما هي، عينها مثبتة تجاه ذلك الشخص الذي كان يقف عند المكب.
تضع يدها على فمها، تهز رأسها.
زهور تهمس لنفسها: طب إزاي وليه ومن امتى وهو بيشتغل في الفندق؟
وإلينا لتقاطع كلمتها، تلتف بزعر عند لمس أحدهم كتفها من الخلف.
عبدالرؤوف خطى إليها يناديها.
وهي على حالتها، تنظر تجاه المكان الذي يجري أمامه هؤلاء الأشخاص الثلاثة.
ليقترب منها ويضع يده على كتفها، فتنتفض زهور وتطلق صرخة ضعيفة وهي تلتف.
لتتنهد براحة.
تضع يدها على صدرها.
وقبل أن تنطق بكلمة، التقط يدها يجذبها تجاه العربة وهو يحدثها بصوت هامس.
يجلسها بالعربة من الخلف ويصعد جوار السائق، يشير له بالابتعاد عن المكان.
السائق يحدثه: على فين يا بيه؟
عبدالرؤوف في حيرة من أمره، لا يعلم ماذا يخبره.
لتنطق زهور: ودّينا السفارة السعودية يا أسطى.
عبدالرؤوف: يلتف لها يسألها بعينيه: ليه عملتِ كده؟
يشير لها بعينه ويهز رأسه بلا، ليحدث السائق بهدوء:
اطلع يا أسطى على الحسين.
السائق: الحسين؟
عبدالرؤوف يهز رأسه بنعم، يغلق زجاج السيارة ويضع يده على وجهه يخفي ملامحه.
طوال الطريق حتى وصلا إلى منطقة الحسين.
ترجل من العربة وزهور كذلك.
أعطى رؤوف الأجرة للسائق والتف لزهور.
التي تنظر له باستغراب على حالة الهدوء التي عليها.
زهور تخطو خلفه مهرولة تحدثه بعصبية.
زهور: ممكن تفهمني إيه الهدوء ده اللي إنت فيه؟ وليه مرحتش سفارة بلدك تطلب إنهم يحموك؟