تحميل رواية زهور بنت سلسبيل بقلم منى عبدالعزيز pdf
بقلم منى عبدالعزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحلام تركت سلسبيل ودخلت غرفتها تدور حول نفسها. أحلام: هعمل إيه في المصيبة دي؟ لازم أتصرف قبل ما يحصله حاجة أو يفوق. وساعتها هيِهد الدنيا على دماغي ومش بعيد يستغل ده ويورطني معاه. لأ، لازم أبعد من هنا. تَمد يدها وترفع قدميها تقف على أطراف أصابعها، تجذب حقيبة من فوق خزانة الملابس. تضعها على الفراش وتلتف، تفتح دولابها تجمع ملابسها وأشيائها في حقيبة قديمة. فتحت أحد الأدراج أخرجت ما به من نقود وأوراق، وضعتهم بعشوائية على ملابسها. أغلقت الحقيبة بإهمال من شدة توترها. ورعشة جسدها ظلت تجوب الغرفة تبحث عن...
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم منى عبدالعزيز
ينظر للهاتف بهلع، وهو يرى نهال تقف من مجلسها تتجه ناحية زهور.
يعتدل بوقفته، تتسارع دقات قلبه وتجحظ عيناه وهو يرى شاشة الهاتف أظلمت أمامه.
يضربه بيده، يتفقده كالمجذوب ليلقيه بغضب بأقصى قوته أرضًا وهو يصرخ بحسرة، فقد أنسته المصائب المتلاحقة تفقده.
يدور حول نفسه في حلقة مفرغة، يتنفس بهلع، يظفر أنفاسه كالهبة نار مشتعلة، يحدث حالة ويلوم نفسه.
زايد: غبى غبى ازاي مخدتش بالى من شحن التليفون؟ ده مش وقته خالص، اعمل ايه وازاى اعرف ايه ال بيحصل؟ ونهال المجنونه قامت من مكانها هتعمل ايه؟ انا مش هقف متكتف كده، لازم أصرف.
ـ يخطو عدة خطوات تجاه الفندق، يتوقف مكورًا يده، يجز على أنيابه ويكشر وجهه، يتنفس بضيق، يركل الأرض بقدمه.
ـ هتجنن لو رجعت الفندق دلوقتي، هتكشف الخطه وكل ترتيباتنا؟ واللي خططنا له وقربت تنجح وخلاص، نهال بتعترف بكل جرائمها، يضيع بتسرعي؟ طيب ولو فضلت واقف مش عارف بيحصل ايه، وزهرا بأمان ولا لا هكون مرتاح، هتتحمل تسبها؟ لا لا أنا لازم أروح ليها مهما حصل، أكيد الحقيقة هتظهر فى يوم من الأيام، والثروة والفلوس سهل نرجعه، لكن البنت لا، لو حصل ليها حاجه لا يمكن أبدًا أسامح نفسي، ازاي أسيب البنت مع المجنونه دي واقف كده.
ـ يضع يده على قلبه، يتحدث بألم ودمعه تتدحرج وراء الأخرى: لازم أوفي بوعدي اللي وعدته مهما كلفني؟ أنا وعدتك يا سلسبيل، أحمى بنتك لآخر نفسي، ليا يعنى هحميها.
ـ يخطو بخطوات واسعة يعبر الطريق تجاه الفندق، ليتوقف برعب وهو يرى رئيس أمن الفندق يخرج وبجواره المساعد الشخصي لزوج شقيقته زينة، يطوقا نهال بين يديهما وسط صراخها، وخلفهم زوج شقيقته يخرج يحمل حقيبتها.
يعود زايد سريعًا، يتوارى بعيدًا حتى لا يراه أحدهما، ويسمع صياح وصرخات نهال برعب، وقدمه كالهلام لم تعد تحملاه، دقات قلبه تتزايد.
نهال: سيبوني سيبوني، أموتها ليه، بعتنى يا عاصم، سبنى أرجع أخلص عليها، سبنى أموتها.
يغلق عاصم زوج زينة باب السيارة ويصعد بجوارها، وبالجانب الآخر مساعده ونهال بالمنتصف، يشير للسائق بالرحيل دون أن ينبس بكلمة، ينظر إلى نهال بضيق ويظفر أنفاسه بامتعاض، ويشيح بنظراته تجاه النافذة، تتسع ابتسامته متذكرًا ما حدث قبل دقائق.
ـ جالس ينفث سجارة الكوبي بغضب، ينظر بساعة يده بين الفينة والأخرى، يهمس لنفسه: كل ده الهانم جوه والقاعد مرمى برة مستنيها ولا على بالها؟ أكيد قاعدة تمثل على العبيطة بنت زياد؟ أكيد زياد الأحدب بعبلة وتهتهته هيخلف ايه، أكيد شبه ونهال قدرت تسيطر عليها؟ ما هى ايه اللى يخليها اخده راحتها كل الوقت ده بالكلام إلا إذا كانت البنت غبية، ونهال بإسلوبها وألعابها اللي حفظتها ووقعت فيه، قدرت تدحلب لحد ما أقنعت البنت إنها منقذتها وملاكها الحارس.
ـ يتهكم بسخرية: هي ألعبها دي اللي وصلتنى للي أنا فيه؟ أنا عاصم الأسيوطي أقعد بالشكل ده زي اللي مستني دور يعمل مقابلة شغل وخايف اللي ما يتقبلش في الوظيفة؟
يرفع رأسه لأعلى بعد سماع صوت أحد يتحدث لهالة السكرتيرة.
هالة: إتفضل يا فندم، أرتاح خمس دقايق والهانم هتقابل حضرتك.
مر أكثر من عشر دقائق ولازال الحال كما هو، يجلس كما هو ينظر لساعة يده تارة ولباب المكتب أخرى، يظفر براحة مع سماعه صوت جرس يصدح أمام هالة السكرتيرة، لا يتوقف، ينظر بغرابة لعدم توقفه، تقف هالة وتسرع بخطواتها، تفتح باب المكتب حاملة عدة أوراق بيدها، تفتح باب المكتب ويسقط ما تحمله بيدها وتصرخ بصوت عالي ليفزع ومن معه ويهبون مهرولين تجاه المكتب، تجحظ عيناه وهم يرون نهال ظهرها لهم تتحدث بهيستريا وصوت صرخات ضعيفة.
عاصم: سامح بسرعة اللحق المجنونة، هتموت البنت، أول ما أشاور ليك أمسك إيديها وابعدها وأنا هشغلها.
ـ يقترب بروية من مكان وقوف نهال التي تطوق عنق زهور بين يديها، تتحدث بهيستريا وصوت مرعب، يشير لمساعد نهال بعينيه بالاقتراب، يقف هو بالقرب منها ومساعدها خلف نهال مباشرة، ينادي عليها بصوت عالي، تلتف نهال له.
يطوقها سامح مكبلاً يدها من الخلف وهو يجذب زهور من بين يديها ضامًا إياها لصدره.
عاصم: خدوا المجنونة دي برة، وأنتي يا مدام هالة بسرعة مايه للبنت.
ليغمض عينه، يسحب نفسًا عميقًا ويذهب بعالم آخر، يشتد بضم زهور له، يربت على ظهرها، يمرر يده برقة ظاهرها تهوين ودعم وباطنها استكشاف وتفرس، يبتلع رمقَه بذهول وصعقة ألجمته من هاتين العينين التي غرق بها وهي تحاول فتحها عدة مرات، يتحدث بصوت هادئ يطمئنها.
ليضيق بين عينيه ويشعر بروحه تسحب منه وبرودة تدب أوصاله ويده تهوي على الفضاء، يكشر عن أنيابه وهو يرى ويسمع.
ـ زهور تسعل بشدة، تلتقط أنفاسها بصعوبة بين الوعي واللاوعي، مغمضة عيناها، تتشبث بملابس أحدهم، بزعر صدرها يعلو ويهبط، تشعر بيد تتحرك على ظهرها برقة واضحة، تحاول فتح عينها، تبتعد عن من يضمها وحركته على ظهرها، وهي تستمع لكلماته المطمئنة لها كمن لسعته عقرب، ترتد للخلف خطوتين، تسحب نفسًا عميقًا، تظفرَه بهدوء، ترفع يدها.
زهور: مدام هالة بلغي الأمن يخرجوا مدام نهال واللي معاها برة الفندق، وممنوع يدخلوا للفندق مهما كان السبب.
ـ ينظر لها يتفحصها من رأسها لأخمص قدميها، عيناه تكاد تخرج من مقلتيه، يهز رأسه وابتسامة ملء فاه كمن يستمع لمقطوعة موسيقية نادرة، يقترب من زهور التي تبتعد للخلف، تشير لهالة ولمدير الأمن بأن يخرجوا الجميع من غرفة المكتب، يقترب منها لا يفصل بينه وبينها سوى خطوة واحدة، ينظر لشفتاها لا يحيد عنهما وهي تتحدث، ليعتدل فور انحناءَتَه مقتربًا منها، وهي تصرخ به.
زهور: حضرتك مش بتسمع، أنا قلت كلكم برة؟ مش عاوزة أشوف الست دي ولا أي حد معاها.
عاصم: دون أن يشيح بوجهه عن زهور يحدث سامح مساعد نهال: سامح خد نهال هانم واستناني برة دقايق وطالع لكم.
يخرج سامح يطوق نهال بمساعدة مدير الأمن لإخراجها وسط صرخاتها وتوعدها بقتل زهور، فجأة امتلأت عيناه بالدموع.
عاصم: معقولة اللي شايفة كأني شايف الغالية واقفة قدامي؟ ياه قد إيه سعيد إنك موجودة هنا وأخيرًا رجعتي تاخدي حقك، لو تعرفي قد إيه دورت عليكي، قدام جدك وأعمامك وعديتهم عشان حقك اللي طمعوا فيه وخصوصًا زايد؟ سنين وأنا مستني اليوم اللي ترجعي فيه؟ النهاردة بس زياد ارتاح في تربته.
ـ يصطنع البكاء ويقترب منها يضمها له، لترتد زهور للخلف تنظر له نظرات ساخرة تضحك بداخلها.
زهور: هههه ممثل فاشل أوي، حتى لو ما قرأتش مذكرات أبويا وعرفت إنت إيه وملكك إيه، لايمكن أصدق تمثيلك الهابط؟ ونظراتك الخبيثة وحركاتك القذرة؟ ههههه. أممم تمثيل بتمثيل، خلينا نشوف مين فينا الأشطر.
ـ زهور تجلس بأقرب كرسي لها، تتحدث بصوت هادئ رزين: أخيرًا قبلت حد من العيلة دي خايف عليا مش طمعان بالفندق، وكمان طلع بيدور عليا، حضرتك متعرفش قد إيه سعيدة إني قبلتك.
ـ تكمل حديثها وهي تشير له بيدها أن يجلس بالكرسي أمامها: إتفضل استريح.
أتى يجلس.
زهور: آه مش تعرفني بحضرتك في الأول.
عاصم: أنا عاصم جوز زينة الغمراوي، وكنت شريك جدك عبدالرحيم الغمراوي، وصديق المرحوم والدك الروح بالروح؟ متعرفش قد إيه تأثرت بموته.
زهور: تهمس لنفسها: آه يا غشاش؟ دلوقتي تقع في شر أعمالك؟ تتحدث بغموض وهي تضيق بين عينيها: أكيد حضرتك ليك ذكريات كتير مع والدي؟ ياريت تحكيلي عنها؟ وكمان إحكيلي عن وقوفك ضد كبير الغمراوية عشاني.
ـ أتى يجلس أمامها، توقفه زهور بسؤالها، يسمع صرخات نهال التي لا تتوقف بالخارج منادية باسم عاصم.
زهور: طبعًا حضرتك تعرف والدتي بما إنك صديق والدي الروح بالروح؟ ممكن تحكيلي عن حبهم وتعرفوا على بعض ازاي.
عاصم يبتلع رمقَه ويهرب بعينه التي كانت تفترسها، استغل صرخات نهال بالخارج للهروب من أسئلة زهور المتلاحقة عليه، يهمس لنفسه: بتزنقني في خانة اليك ليه، مش عارف أجاوب على سؤال واحد؟ بالرغم إن أسئلتها كلها سهلة وبسيطة؟ وأنت من أمتى بيصعب عليك تقنع اللي قدامك وخصوصًا الستات، ودي مش أي ست، دي بنت بنوناية بس، الشهادة لله ذكية، مش مدياني وقت أفكر حتى وهي سؤال ورا سؤال؟ لازم تصرف يا عاصم وتلاقي إجابات مقنعة، أي كلام دلوقتي يورطك؟ آه أخيرًا هستفيد من الغبية نهال.
يبتسم بمكر وهو يشير بيده للخلف: كنت حابب نتقابل بظروف أفضل من كده؟ ونقعد مع بعض قاعدة طويلة أجاوب على أسئلتك وأحكي لك عن حبه لوالدتك وقد إيه أنا ساعدتهم؟ بس أنتي سامعة صريق المجنونة اللي برة، وأكيد صوتها خارج بره المكتب ومسمع النزلاء؟ وده مش لطيف خالص وممكن يأثر على الفندق؟ هستأذن، أنا وأوعدك بكرة بالكتير هكون هنا عندك وأحكيلك كل حاجة.
تنظر له دون أن تتحدث أو تقاطعه، تضغط زر جرس السكرتارية لتدخل هالة سريعًا.
زهور: مدام هالة حددي ميعاد للبيه في أقرب وقت وبلغيه بيه.
هالة: تحت أمرك يا فندم، إتفضل سيادتك وأنا هبلغ حضرتك بالميعاد.
ينظر للسكرتيرة بعينه، يشير لها بالرحيل من أمامه، وجهه مشتعل من الغيظ، يحاول أن يحافظ على ماء وجهه، تقدم من زهور التي أدارت وجهها تجاه المكتب ممسكة بعدة أوراق تقوم بقراءتها هم، يمد يده كي يصافحها، لا تعيرَه أي اهتمام وادعت انشغالها بقراءة الأوراق أمامها.
عاصم: أوك بكرة في نفس الميعاد هتلاقيني قدامك.
زهور دون أن ترفع عينها: هالة هتبلغ حضرتك بالميعاد؟ ياريت تتفضل تشوف حل للي برة دي بدل ما أصرف أنا وأبلغ البوليس أو مستشفى المجانين.
عاصم يلتف بغيظ، أوم برأسه دون أن يتحدث، يتوقف ويلتف سريعًا وهو يسمع.
زهور: عاصم...
و صمتت لثانيتين.
التف عاصم لها بسعادة، خطى تجاهها قبل أن يتحدث، أشارت زهور على حقيبة نهال على الأرض بالقرب من قدمها.
زهور: عاصم بيه متنساش تاخد دي معاك وأنت خارج.
عاصم ينظر لها ببلاهة وهي تشير له بأخذ حقيبة نهال وتحسِّسَه على ذلك بالإشارة له دون أن تعاود الحديث معه.
ينحني يلتقط الحقيبة التي أسفل قدميها ويخرج من غرفة المكتب، ينفس بضيق شديد.
زهور فلتت ضحكة قوية من بين شفتاها على هيئته وهو خارج يحمل حقيبة نهال، لتنهض من مكانها، تمسك هاتفها بعد غلقه وتحمل حقيبة يدها وتخرج من المكتب، تقف أمام مكتب السكرتيرة التي هبت واقفة.
زهور: مدام هالة فين اللي طلبته منك.
هالة تقف من مجلسها: للأسف يا هانم مفيش أي نزيلة بالاسم ده.
زهور: ألغي ميعاد مدير أمن الفندق وأجلِه لبكرة.
قالت كلماتها وغادرت مكتب الإدارة واتجهت للاستقبال.
زهور: مساء الخير مفتاح السويت 303.
موظف الاستقبال: أحم سوري يا هانم السويت ده محجوز باسم.
زهور تنظر للموظف بضيق: لما أقول جيب مفتاح السويت 303 يبقى أكيد عارفة إذا كان محجوز أولا وأكيد برضه عارفة إن كان فاضي أو في نزيل يبقى تتفضل تجيب المفتاح من غير ولا كلمة! ولو اللي حصل ده اتكرر مرة ثانية تعتبر نفسك مفصول! وياريت تجهز ليا ملف بعدد الأجنحة بالفندق وحجوزاتها! وخصوصا الأجنحة اللي بتستقبل ضيوف بشكل خاص بالفندق أو احتفالات! لو في حجز دائم باسم سلسبيل أو عميلة بتجي الفندق دايما! التقرير ده عوزاه بشكل خاص وسري يعني تنتهي منه وتتصل على السويت تبلغني بكل المطلوب من غير ما حد يعرف مفهوم.
أوم الموظف واعتذر لزهور وأعطاها المفتاح اللي قبضت عليه بإيدها واتجهت للمصعد للصعود للجناح الخاص بعبد الرؤوف العقبي.
فور دخولها للجناح أغلقته جيدا خلفها واتجهت للأماكن اللي قال عليها عبدالرؤوف تبحث عما أخبرها به لتجد كل شيء أخبرها به فعلت كما قال أخذت ما يخصها من تسجيلات وقت عملها بالجناح! وقامت بفتح خزانته الخاصة بالأرقام السرية اللي كتبها لها بالهاتف لتجد أموال كثيرة ومجموعة من الأوراق وصندوق صغير من الإرابيسك المزخرف بنقوش إسلامية تفتحه وتقرأ ما كتب فيه لتعاود غلقه وتضع كل المحتويات اللي وجدتها بحقيبة بلاستيكية أخرجتها من حقيبة يدها وتجلس على الأريكة تفرد ذراعيها على حافتها وترجع راسها للخلف تحدث نفسها.
_ ياترى يا زهور إنتي رايحة على فين العالم ده كبير عليكي إنتي مش قدّه مابقلكيش فيه يومين وشفتي العجب فيه؟
طيب جاوبيني إنتي قد المسئولية اللي حملتيها لنفسك؟ هتقدري تكملي وتوصلي للي بدأتيه هتقدري يا زهور؟ ولا هتعملي إيه!
طيب هتتصرفي إزاي لو طلع الحمل تقيل عليكي؟ خايفة تضعفي ومتكونيش قد المسئولية؟
فكرتي عبد الرؤوف ها تساعديه إزاي وسط اللي إنتي فيه ده؟ و ياترى اللي قريتيه دلوقتي هتعملي إيه فيه ليه مش فرحانة بيه ليه مضايقة ودي أول مرة حد يجيب ليكي هدية غالية كده؟ طيب ليه أنا يجيبلها هدية؟ بلاش تفكري كتير يا زهور إنتي فيكي اللي مكفيكي! والراجل قال حكايته وعرفك سرّه واثق فيكي روحه في إيدك! لو تعبتي وضعفتي ولا مقدرتيش توصليله حاجته ها تضيعيه وتضيعي شقاه؟ فكري إزاي الحاجة دي هتوصله وإزاي هترجعي حقه من اللي غدروا بيه؟! وكله كوم وأمانته دي كوم تاني! هوصلها لصاحبتها إزاي إزاي هقدر على كل ده ياربي أنا مش قدّه هقدر أتحمل كل الحمل ده؟ أنا أضعف بناتم على وش الأرض! محتاجة اللي يساعدني يأخذ بإيدي ويمشي معايا خطوة خطوة يمد إيده ويلحقني لو اتكعبت يعرفني الصح من الغلط! يأخذني في حضنه ويطبطب عليا يقولي ارتاحي إنتي تعبتي خلاص بقى كفاية عليكي شقى وتعب لحد كده؟ من هنا ورايح لازم ترتاحي! وخصوصا بعد اللي حصلك النهاردة.
تضع يدها حول عنقها الحمد لله: لولا ستر ربنا كنتي في عداد الأموات! يدب في أوصالها رعشة بسيطة.
يا ترى نهال هتسكت ولا هترجع تعيد عملتها؟! وعاصم ده ناوي على إيه هتقدري يا زهور على اللي جاي هتقدري تنفذي وصية أبوكي هتقدري توفي بوعدك تجيبي حقك بعد كده منهم؟!
وطالما مصممة تأخذي حقك ليه تساعديهم ليه؟ طيب بعد ما عرفتي اللي حصل ما بعدتيش وخلاص؟ وقولتي ربنا يخلّصك حقك تاخدي ورثك وتبعدي وتعيشي حياتك تتمتعي بعد شقى سنين طويلة تلبسي أحسن لبس وتاكلي أحسن أكل تلفي العالم تخرجي وتسافري تدرسي بأفضل جامعات بالعالم؟ إيه يجبرك ترمي نفسك بالنار كل ده عشان وصية أبوكي!
طيب وسلسبيل يا زهور سلسبيل لغزها هتفكي سرّه إمتى؟ هتاخدي حقك منها ولا هتسامحيها زي ما سامحتي ولا هتعملي إيه بعد ما قلتي خلاص قربت أوصل ليها وأوجهها بعدت أكتر؟!.
لا كله هسامح فيه إلا حقي منها لازم أحسبها عليه! لازم أخذ حق عشرين سنة وجع وقهر منها أخذ حق عار زهور بنت سلسبيل اللي لسه ملازمني لحد اللحظة دي.
تعتدل في جلستها تجلي صوتها وتزيح عرقها بإيدها مع صوت هاتفها معلنا اتصال هاتفي! ترفعه بإيدها نصب عينيها ترى اسم المتصل تجيب عليه بالحال لتصمت بعد سماعها صوت المتحدث.
المتحدث: زهروان إنتي كويسة؟ عملت لك إيه الحيوانة نهال طمنيني عليكي إنتي بخير؟ يابنتي أنا بحبك من أي اتفاق بينا أنا كل اللي يشغلني هو سلامتك.
زهور: أنا بخير متقلقش! الحمدلله عدت على خير! حضرتك عرفت إزاي؟
المتحدث: اللواء خالد لسه قافل معايا! وحكالي كل حاجة! وقال إن اعتراف نهال هيفيدنا أوي بالقضية خصوصا إنه نجح بأخذ إذن النيابة بالتسجيل! لكن بسبب الكلام الأخير لنهال وحالة الهستيريا اللي دخلت فيها للأسف ممكن تضيع كل حاجة لو محاميها اعتمد على الملف المرضي ليها وممكن تأخذ حكم مخفف أو تدخل مصحة نفسية.
زهور: يبقى كده لازم نكثف الجهد وكل واحد فينا يمشي على الخطة المرسومة ليه! والأهم نأخذ اعتراف شركاتها بأي طريقة.
المتحدث: يابنتي اللي وصلنا ليه كفاية أوي ومش يفرق اعترافهم أو لا! إنتي سلامتك هي الأهم وأولاد عمك بأمان ونلتزم معاهم بخطتك.
زهور: ونعيد نفس الغلطة وينعاد اللي حصل من جديد؟ لكن بزيادة لأن الأول مكنتيش في الصورة لكن دلوقتي بقيت الصورة كلها! الأول كان الانتقام طمع في الثروة وحقد! دلوقتي الانتقام هيكوني مني أنا! بعد ما هكون السبب في فشل خططهم وكل أملاك الغمراوي باسمي.
المتحدث: كل ثروة الغمراوية! فداكي! إنتي وأولاد عمك سلامتكم ووجودكم قدامي تساوي كنوز الدنيا.
زهور تشعر بسعادة وابتسامة شقت وجهها: على قد ما كلامك فرحني! بس أنا عهدت نفسي لازم أرجع حقي لو حضرتك عايز تنهي الموضوع الخاص بحضرتك فبراحتك لكن حقي وحق ولدي مش هتنازل عنه! وخصوصا بعد ما انكشفت حقائق كتير قدامي.
الجد: اسمعني يا بنتي كويس! حقك وحق ابني هتاخديه مني قبل ما تخديه من نهال واللي معاها! يابنتي أنا ميهمنيش الثروة والشركات! أنا أولادي وأحفادي هم الأهم عندي!
علي العموم أنا يا بنتي هنفذ كل اللي تقولي عليه! وعشان أكون مطمن عليكي هتجيلك غدير بنت عمك زيدان في أي وقت أرجوكي يا بنتي قربي منها غدير تفكيرها زيك طبعها زي طبعك وانا واثق إنكم إنتم الاتنين هتنجحوا واسم العائلة هيعلى بيكي إنتي وهي! وآخر حاجة هوصيكي خلي بالك من نفسك استني قبل ما تقفلي جدتك عاوزة تكلمك.
زهور: السلام عليكم. تصمت وهي تستمع لصوت المتحدث.
زهور الجدة: هات يا عبد الرحيم التليفون! مش قادرة أصبر أكتر من كده! زهروان زهروان سمعيني أنا جدتك زهور يا حبيبتي إم بابا زياد يا زهروان سمعيني يابنتي! سمعيني أنا هتجنن وأخدك بحضني هتجنن من وقت ما عرفت باتفاقك مع جدك ليه يا زهروان تعملي كده يا بنتي إنتي عندنا أهم من الفلوس والشركات وكل كنوز الدنيا! أحلام وصفتك ليا وجدك كمان وصفك بس أنا نفسي أشبع منك أشم ريحتك! سنين وأنا بدعي ربنا يطول في عمري للحظة دي! سمعيني صوتك قولي أي كلام حتى لو هتعاتبيني ليكي حق في كل كلمة هتقوليها. نفسي أسمعك وأشوفك نفسي أحضنك وبعدها لو مت هموت مرتاحة.
بصوت متحشرج نطقت زهور: بعد الشّر عليكي.
زهور الجدة ببكاء يدمي نياط القلب: يانور عيني يا بنت الغالي اتكلمي اتكلمي عاوزة أسمعك ما تسكتيش.
زهور: أقول إيه.
زهور الجدة ببكاء وصوت متحشرج ودموعها منهمّرة لا تتوقف: قولي أي حاجة قولي كل اللي جواكي! اتكلمي عاتبنا! اشتمينا خرّجي كل وجعك! احكيلي عنك اوصفيلي شكلك! والأهم نادي عليا باسمي وقولي إنك بنت زياد ابني! قولي إنك خلاص رجعتي وبقيتي بنت مش هتسيبنا قولي إنك هتيجي تعيشي معانا وأشبع منك قولي أي حاجة بس سمعيني صوتك.
زهور بصوت مهتز ودموع تسيل على وجنتيها: ستي زهور أنا بنت زياد بنت زياد زهور بنت زياد ابنك! يختنق صوتها بالبكاء وتظل تردد أنا زهور بنت زياد بنت زياد.
الجد: إيوه بنت زياد بنت ابني يا زهروان بنته أنا هاجي الفندق حالا هاجي مش قادرة أصبر هاجي أضمك وأحضنك هاجي أشبع منك مش مهم أي حاجة إنتي أهم.
زهور: تاخذ نفس عميق ستي لو سمحتي أنا أخدت عهد على نفسي! مش هرجع فيه حتى لو انتهى الموضوع اللي اتفقت مع عبدالرحيم بيه عليه! مش هرجع إلا لما أخد حقي.
زهور الجدة: كل حقوقك مضمونة الفنادق وفلوسك بالبنك حتى نصيبك في ثروة جدك معروف ومن شيلك من يوم ولادتك للنهاردة.
زهور: حقي مش فلوس وثروة أنا آخر حاجة تشغلني هي الفلوس! لا أنا حقي أيام وليالي بكيت فيها وأنا وحيدة معرفش أبويا وأمي مين وفين! حقي أبقى زهروان زياد الغمراوي! أوعدك وقت ما أكون زهروان زياد مش زهور هتلاقيني أنا من نفسي عند حضرتك.
زهور الجدة ببكاء: حقك عليا أنا خدي حقك مني زي ما إنتي عاوزة أنا موافقة بس متحرمنيش من إن أخدك في حضني.
زهور: أنا اللي محتاجة أرتمي في حضنك.
الجدة ببكاء: أنا هجيلك مش هقدر أستنى أكتر من كده.
زهور: أرجوكي بلاش! مقابلتنا الفترة دي مش هتكون لطيفة وخصوصا أنا منعت أي حد من عائلة الغمراوي أينما كان يدخل الفندق.
زهور الجدة: حرام حرام بعد السنين الطويلة دي مستنية اليوم ده يجي أتحرم من بنت ابني بالشكل ده؟ مش عاوزة فلوس ولا شركات مش عاوزة حاجة من كل ده مين يقول أتحرم من بنت ابني بالشكل ده.
زهور: ببكاء هجيلك قريب أوي! بعد إذنك هقفل في حد بيخبط على الباب.
الجدة: لا بلاش تقفلي معايا! شوفي مين على الباب! أنا قلقانة عليكي.
اتجه زهور لفتح الباب ممسكة بالهاتف لتجد أمامها
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم منى عبدالعزيز
خرج من غرفته عازم أمره بالبوح بمكنون صدره. يخطو مهرولاً عائداً إلى مجلسه الذي تركه على عجلة خوفاً من افتضاح أمره. قلبه يقرع طبولاً متعددة، غير راسٍ على واحدة. غيره وعشق وخوف وتشتت. وقف متخوفاً من نتيجة ما هو مقدم عليه. قدمه تيبست مكانها، عينه مشتتة، يحاول الهرب من النظر لمن استحوذت عليه قلباً وقالباً. يبلع ريقه بصعوبة، وتلك العظمة بحلقة تفاحة آدم تعلو وتهبط بوضوح. ترى رؤى الشمس للجميع.
أنفه انتفخ، عينه توهجت، أصبحت كنيران مشتعلة مع كل كلمة وقعت على مسامعه. يخطو للداخل بخطوات ثقيلة، مجاهداً نفسه على التحمل، ولا يفتك بالجالس يتدلل ويتغنج على الجالسة بجواره. يلقي السلام وهو يجز على أسنانه، محاولاً الاعتذار برحيله مسرعاً.
عبدالرؤوف: السلام عليكم. آسف والله، رحلت سريع ومرحبت بعودتك بحمد الله سالم. السموحة منكم.
هوت قدمه، قلبه خرج من مكانه. يسمع حديثها كأنغام موسيقية، يستمتع بسماعها، يغمض عينيه، يحرك رأسه.
روحية: محصلش حاجة تطلب عليها السماح. انت صاحب دار تدخل وتخرج وقت ما تحب. طلباتك أوامر، وإن مشالتكش الأرض نشيلك فوق روسنا وجوه عنينا ونغطيك برموشنا.
فقد آخر ذرات حصونه. رمش عدة مرات، تلمس بيده الفضاء حوله، يبحث على شيء يستند عليه خوفاً من أن يهوى أرضاً.
من معسول كلماتها التي تشدو به.
_ تتسع عيناه، يوزع نظراته بين الواقف هيمان، وبين أمه وتلك الابتسامة التي ملئت وجهها، ونعومة صوتها التي تجلت بكلامها. ينظر تارة لأمه وأخرى لرؤوف، لينتفض كمن لسعه عقرب بما جال بمخيلته. ليحمحم مرات متتالية مخرجاً كلاهما من هيامهما.
وائل: احم احم. ولا يهمك يا عم. إحنا إخوات مبناش الكلام ده. واعتبر نفسك في بيتك. تخرج وتدخل من غير ما تحس إنك غريب. واعتبرني أخوك وأمي أمك.
تسعل بشدة بعد سماعها تلك الكلمات التي هوت عليها كالخناجر تطعنها. لا تعلم لما شعرت بالحزن، تجهم وجهها ومحيت ابتسامتها. تنظر للأرض بحزن، ودمعة هاربة من مقلتيها تدحرجت. لترفع يدها تبعدها خوفاً من ملاحظتهم ما أصابها. لتمد يدها تلتقف كوب ماء مد لها. ترفع عينها تجد رؤوف هو من يحمله، وتظهر بوضوح معالم القلق والرعب عليه.
روحية: مدت يدها تحمل الكوب منه، توم برأسها شاكرة إياه.
تتناوله بيد مرتجفة، تتساقط المياه منه.
_ وائل بغيره جالية للعيان، ينفس بغضب أنفاسه كثور في حلبة مصارعة. ينظر لمصارعه بشراسة، يضرب قدمه بالأرض مصدر أنفاس عالية، وفجأة ينقض عليه يود الفتك به.
ـ مش تتفضل تقعد تكمل أكلك يا أخ رؤوف، لأن فيه كلمتين عاوز أقولهم لك، بعتهم زهور مع حاجتك اللي طلبت منها تجيبها ليك.
روحية تضع كوب الماء على الطاولة. شعرت بحدة وتهكم في حديث ابنها الموجه لرؤوف. تجلى صوتها، تخفض بصرها حتى لا تشعر بالتوتر وتثير الريبة حول تبدل حالها.
ـ مكملتش إيه اللي حصل لزهور وقبلتها إزاي.
_ وائل يعتدل للخلف، يشير بعينه لرؤوف بالجلوس بنظرة أمره: زهور بعد ما كلمت جدتها وقبل ما تنهي الاتصال معها، باب الجناح خبط عليها. وهي منبهة على الاستقبال محدش يزعجها، وأي حاجة مهمة يكلموها على تليفون الجناح. حاسة بالخوف، حاولت تقفل مع جدتها وتشوف مين.
جدتها رفضت وصممت تفتح الباب وهي معها على التليفون. فتحت الباب بشويش تشوف مين. لقت بنت واقفة قدامها.
زهور ظفرت أنفاسها براحة وهي ترى من تقف أمامها، لتبتعد عن الباب سامحة لها بالدخول. تحدث جدتها:
بعد إذن حضرتك، إدي التليفون لعبد الرحيم بيه.
الجدة: طمنيني في الأول، مين اللي خبط عليكي.
زهور: حضرتك هتعرفي كل حاجة حالا. ممكن تفتحوا الأسبيكر.
الجدة: فتحته خلاص. ممكن تطمنيني، قلبي خلاص مش متحمل.
زهور: حضرتك من دقايق قلت فيه حد من طرفك هيجي يقابلني. ممكن توصفها لي بالضبط.
الجد بفرحة واضحة بالكلام: غدير وصلت عندك، مش كده.
زهور: مش متأكدة إن كانت هي ولا لا.
الجد: هي، أنا متأكد إنها هي. غدير مقدرتش تتحمل الكلام اللي أنا قلته، وزي ما خططت بالضبط جاتلك الفندق عشان تعاتبك، وبنفس الوقت تتعرف على بنت عمها. زهور غدير بمية راجل. حماقية شوية، طبعها زي طبعي وطبعك، مش بتتنازل عن حقها، واللي يهوب جنب اللي منها، تِكله بسنانها زيك بالضبط. عمرك ما عرفتنا ولا عشتي معانا، متحملتيش اللي عرفتيه وصممتي تعرفي الحقيقة وتساعدينا. افتحي الأسبيكر.
زهور: قبل ما أفتحه، ممكن تقولي حضرتك قلت إيه خلاها تيجي بالوقت ده.
الجد: اسمعيني وأنا بكلمها.
زهور أبعدت الهاتف وفتحت السماعات الخارجية، تشير بيدها للواقفة أمامها. تضم يدها لصدرها، تضرب الأرض بمقدمة نعلها تريد الحديث. لترفع زهور إصبع يدها تشير على فاها، تحثها على الاستماع وعدم الكلام.
الجد: غدير، أثبتي لي إن كنت صح طول عمري. تربيتي ليكم، وكل القيم والمبادئ اللي غرستها فيكم ظهرت وقت الشدة. معدنكم النظيف وأصلكم الطيب هو رأس مالكم. اسمعيني كويس، انتي وزهوان. مكنش ممكن تتقابلوا في الظروف اللي إحنا فيها غير بالطريقة دي، وخصوصاً زهروان مصممة متقبلش حد من العائلة غير لما تاخد حقها وتكشف الحقيقة. غدير، أنا كذبت عليكي، زهروان مرفعتش قواضي ولا حاجة. زهروان عرفت كل اللي حصل وصممت تساعدنا.
ورسمت خطة، حتعرفيها منها بعد ما تتعرفوا على بعض.
زهروان غادير، أكتر واحدة هتساعدك في أي حاجة تقف قدامك. تقدري تعتمدي عليها اعتماد كلي وتثقي فيها ثقة عمياء. شفتي بنفسك قدرت توصل للجناح اللي انتي فيه من غير ما حد يشوفها ولا يشعر بها.
أنا هقفل معاكم وأسيبكم تكلموا وتخرجوا اللي جواكم. اتعرفوا على بعض. وآخر كلمة هقولها، أنا لو مت أموت وأنا مرتاح وسعيد، عارفين ليه؟ عشان ها كون مطمن إن عائلتي بأمان بيكم أنتم الاتنين، زهروان وغادير. من النهاردة، شركات وأملاك الغمراوي بأمان معاكم. من بكرة، كل ما أملك هيكون تحت تصرفكم. لأن عارف ومتأكد إنكم مش ها تطمعوا ولا ها تغدروا بأولاد عمكم وأخواتكم. حتى بنات وولاد عماتكم هتعرفوا تضمهم ليكم، واللي أنا فشلت فيه هتنجحوا فيه أنتم الاتنين. زهروان غادير، خلوا بالكم من بعض.
تنظران لبعضهما، عيونهما تتحدثان دون أن تنطق إحداهما بكلمة. ظلتا على حالتهما حتى تخدرت قدماهما دون شعور. رفعتا يديهما يضمان بعضهما، تربت كل واحدة بحنان على كتف الأخرى، مغمضين أعينهما. تحدثت غادير:
_ تعرفي أنا كنت جاية وجوايا مليون سؤال وعتاب ليكي. لكن أول ما دخلت الفندق، كل اللي شغل تفكيري هتصرف إزاي لما أكون واقفة قدامك وشايفاكي بعنيا. بالرغم مش أول مرة أقابلك وأشوفك، بس المرة دي مختلفة. لأن هقابل بنت عمي اللي اتربيت على حبها من غير ما أعرفها ولا أشوفها. حبيتها من حب إخواتي وأولاد عمي لعمو زياد الله يرحمه، لأن مكنتش بشوفها غير شبهه ونسخة منه. كل واحد فيهم كان متعلق بيه بطريقته، زي ما تعلقوا به وهو عايش. تأثروا بموته، وشخصية كل واحد فيهم تكونت من الجزء اللي اتعلمه منه.
زهور وهي لازالت على حالتها، تشتد بضمها لغادير، تشعر براحة وبنفض كل الثقل الذي كانت تشعر به على كاهلها.
احكي لي عنهم، إيه اللي اتعلموه منه، أوصفي لي شكله، مين أكتر واحد فيه شبه منه. وأكتر واحد اتأثر بموته.
غادير: تعالي نرتاح شوية وأنا هحكيلك كل حاجة.
زهور: لو قلت لك إني لأول مرة في حياتي أحس براحة زي دلوقتي. بس على العموم اتفضلي نقعد هنا. بس قبل ما يأخذنا الكلام، في حاجة مهمة محتاجاها منك. وقبل ما تقولي هي إيه.
الشنطة دي، عاوزاكي توصليها لواحد قريبي ضروري، لأنها مسألة حياة أو موت. ثانياً، تعرفيني إزاي دخلتي هنا من غير ما حد من الأمن يشوفك!
غادير: هحكيلك كل حاجة بعدين، بس الأول عرفيني إيه حكاية الشنطة دي وعلاقته وقريبك ده مين، وإيه حكاية حياة أو موت؟!
زهور قصت لها كل شيء، حتى خطتها مع جدها لإبعاد أبناء عمها في مكان داخل البلد، وعدم تهريبهم للخارج حتى ظهور براءتهم، وبنفس الوقت تربيتهم من جديد وتعليمهم تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس.
غادير: حفيدة عبدالرحيم الغمراوي على حق. فولة واتقسمت نصين، لا تلاتة. نفس الطبع والشخصية والدهاء. أمنتيهم بمكان استحالة حد يوصلهم فيه، وبنفس الوقت عينك عليهم، وكمان هتطبقي المثل اللي مربوهوش أهله تربية…
زهور: هربيه زهور بنت سلسبيل.
غادير بحنان ربتت على كتف زهور.
احكي لي كل اللي جواك. عايزة أسمعك، أعرف كل حاجة عنك. وإيه حكاية زهور بنت سلسبيل دي!
زهور اتجهت للفراش تتكئ على جانبها، يدها أسفل رأسها.
ممكن الأول تحكي لي عنهم وعن شخصياتهم، ومين فيهم اتأثر بموت والدي.
غادير شعرت بحاجة زهور لمعرفة شخصية والدها لتقص عليها.
_ زين، أخذ الهدوء والطاعة يكتم جواه ما يخرجش اللي تعبه حتى لأقرب حد ليه. متفاني في عمله، مضحي عشان عيلته. يجي على نفسه عشان اللي بيحبه يكون مرتاح ومبسوط.
حازم: كان صغير وقتها، أنا وهو بينا شهور. ملحقناش نتعلم منه، بس تأثرنا بموته، لأننا عشنا حزن كل واحد في العائلة عليه. كبرنا على حبنا ليه ولكي.
_ تتنهد وتشرد بحديثها، تتلمس شفتاها، تضم يدها حول نفسها، عينيها تلمعان بسعادة، ترجع رأسها على حافة الأريكة، تتسع ابتسامتها.
ـ زاهر ده حكاية لوحده، كوكتيل واخد من كل واحد من رجالة العيلة خصلة من خصاله. واخد من بابا زيدان طبته وعفويته. ومن عمي زايد جسمه وطوله وكثير من ملامحه. ومن جده قوة شخصيته. ومن عمي زياد عنده وجرأته. بيداري وجعه وراء صوته العالي، وبداري حزنه وراء وحدته وبعده. عيونه لونها بيتغير لما بيفرح. ضحكته تنور وشه وملامحه الباردة اللي رسمها لنفسه.
زهور: ترفع نصفها العلوي ضاحكة. انتي حافظة كل حاجة فيه. فاكرة زاهر ابن مين في العائلة.
غادير: مش بقول لك حفيدة الغمراوية. ترفع يدها لأعلى عشان أريحك. زاهر يبقا خطيبي، أو بمعنى أدق، جوزي. مكتوب كتابنا من ثلاث سنين.
حمزة ده حكايته حكايات، أكتر واحد اتأثر بموت عمو زياد لأنه تقريبًا كان مثله الأعلى، شخصيته تبدلت، متعرفيش بيفكر إزاي، كل ما تقوليلي فهمتيه تلاقيه اتقمص شخصية غير شخصيته الحقيقية.
دايمًا بيظهر عكس اللي جواه، مش هو أخويا الكبير وأستاذي بالجامعة، بس كتير بحس إني أنا الكبيرة، وأوقات كتير بحس إنه غامض مش فاهمه، شخصيته عينه دايمًا حزينة، قريب أوي من الكل وبعيد في نفس الوقت، أخذ من عمو زايد كتمان وجعه وحزنه، بيأثر الكل على مصلحته وراحته، ومن عمو زياد شخصيته المرحة وحبه وشغفه المصارعة والألعاب القوى، بس ما مارسهاش أبدًا، أو بمعنى أصح مشفنهوش بيلعبها أو بيتفرج عليها.
زهور تعتدل بجلستها، ترجع ظهرها على الفراش، فور ورود إشعار رسالة على هاتف روحية تلتقطه من على الكومود بجوار الفراش، تقرأه وتبتسم، ترفع عينها تجاه غادير الشاردة تتلمس شفتاها.
زهور: غادير غادير، هاي، رحتي فين.
غادير: هاه، مفيش، بس شردت شوية، في إيه.
زهور: بعد نص ساعة، هتروحي تقابلي قريبي اللي قلتلك عليه وتوصلّي إليه الشنطة دي وتطمني منه على اللي واخد عقلك.
غادير: تقصدي مين.
زهور: ههه، اللي بقالك ساعة بتفكري فيه وإيدك على شفايفك.
غادير: تعرفي إنك رزلة، لولا مافيش وقت ماكنتش عديت كلامك ده أبدًا.
زهور: فعلًا مفيش وقت، بس قبل ما تمشي كنت عاوزة أعرف كل حاجة عن نيرة وأخواتها ونورين وتعرفي المستشفى اللي هي فيها.
غادير: تقصد عليها ما تعرفه من نقاط ضعف وقوة لكل واحدة ممن ذكرت اسمهم.
كده حكيت لك عن شخصية كل واحدة، عمو زايد هو بس اللي يفيدك بعنوان المستشفى.
زهور: كده تمام، دلوقتي هتعرفيني آخر حاجة قبل ما تمشي تلحقي معادك مع خالي وائل.
_ خالك وائل، اللي أعرفه إن والدتك مالهاش إخوات وملهاش غير قريبة واحدة.
_ هو مش خالي بمعنى الكلمة، بصي أنا بثق فيه وهو برضه اللي دايمًا كان سند ودعم ليا، في حاجات كتير مشتركة مابيني وبينه، هعرفك كل حاجة بعدين، يدوب دلوقتي تلحقي تخرجي قبل ما الهوس كيبر يملوا الدور والفندق، وأبقى طمنيني أول ما توصلي البيت.
_ عندك حق، وأنا يدوب أوصل على معاد قريبك، في حاجات كتيرة محتاجينها، يدوب أروح أشتريها وأرجع البيت.
وبالنسبة إني أطمنك لما أوصل البيت شيليها من دماغك خالص، لإن أنا متأكدة إني هاواجه عاصفة رباعية من سيدات الغمراوي، وكله كوم وسيسيليا كوم تاني، دعواتك ليا.
زهور: من سيسيليا دي اللي خايفة أوي منها.
_ سيسيليا زايد الغمراوي، مش باينة من الأرض، أصغر أحفاد الغمراوية، جبارة، رويترز العائلة، محبوبة الكل، عندها حصانة تعمل كل حاجة ومتتعاقبش، أسرار كبار العائلة معاها، تونّز وكاتم أسرار الكل، معشوقة أولاد الجيران والأقارب، لسانها مبرد، مأدبة زميلها بالمدرسة، مشيبة مدرسينها، لميظة وذكية، وكل ده متعرفيش تأخدي منها حق ولا باطل، تشوفيها تحبيها، تتكلمي معاها تخطف عقلك قبل قلبك.
_ ياااه، شوقتيني أشوفها وأقبلها.
_ إن شاء الله نجتمع كلنا مع بعض قريب وتتعرفي على الكل.
زهور: إن شاء الله، بس في مشوار مهم أوي لازم نروح مع بعض، حاولي تفضي بكرة أو بعده بالكتير.
غادير: مشوار إيه ده.
زهور: هتعرفي لما نتقابل، سيبّي رقم تليفونك، أول ما أكون جاهزة هبعتلك رسالة.
غادير: زهروان، عايزة أسألك سؤال وخايفة تفهميني غلط.
زهور: مش هفهمك غلط، لإنّه نفس السؤال اللي عندي.
غادير بذهول: قصدك إيه.
زهور: مقابلتنا النهاردة دي طبيعية! مش ده سؤالك؟ وقبل ما أجاوبك هقولك أنا كنت راسمَة سيناريوهات كتير أوي لمقابلة كل فرد في عائلة الغمراوي، إلا إنتي، حاولت كتير أوي أتخيل شكل مقابلتنا إزاي معرفتش.
غادير: أنا عكسك، كنت متوقعاها باردة، جافة، وخصوصًا إن شفت طريقتك بالكلام ولسانك اللي غسل حمزة وحازم من غير ما تخافي ولا تخجلي، وبعد كلام جدو والفيلم اللي حكاه ليا وأنا صدقته صراحة، كنت جايه وناوية إني أعملك أسوأ معاملة، بس كل خططي باءت بالفشل.
زهور: هههه، باءت بالفشل.
غادير: زهور، انتي جميلة أوي وضحكتك حلوة، أنا حاسة إني أعرفك من سنين، أنا ماليش أخت، وإنتي أختي اللي طول عمري بتمنّاها.
أنهت كلامها لتجد زهور تفتح ذراعيها لترتمي غادير بأحضانها، تبكي كل واحدة بصمت، لترفع غادير رأسها وترفع يدها تكور وجه زهور بيدها تجفف دموعها بأطراف أصابعها، تبتسم لها تحدثها.
_ العيون الجميلة دي متبكيش، من هنا ورايح مش أشوف دموعك دي تاني. عاوزة ضحكتك الحلوة تزين وشك.
زهور: بصوت باكي، ممكن أحضنك مرة تانية؟ مجربتش دفء وشعور الحضن قبل كده، أول مرة حد يضمني كده.
غادير ببكاء: من هنا ورايح مش هنبطل أحضان ليكي عليا، أحضنك كل ما نتقابل حتى واحنا قاعدين، وياستي بكرة تزهقي من الأحضان، كفاية تيتا واللي هتعمله. ظلوا وقت هكذا لتبتعد غادير عنها تبتسم بوجهها: مش كفاية كده؟ هتتأخري على معاد قريبك، وكمان سيسيليا متأكدة دلوقتي مقومة الدنيا، وخصوصًا مش متعودة على غياب عمو زايد عنها.
زهور: تبتسم، شوقتيني أشوفها من كلامك عليها.
غادير: زهور، إيه رأيك تيجي معايا القصر تقبليها و..
زهور مقاطعتها تبتعد عنها: لا لا، مش هينفع أبدًا دلوقتي خالص، فيه حاجة مهمة لازم أنهيها قبل كل حاجة.
غادير: براحتك يا زهروان، الوقت اللي تحبي تيجي أكيد كلنا هنكون سعداء بيكي. دلوقتي أنا لازم أمشي، وإيه فين حاجة قريبك.
زهور: يا ريت تقولي زهور، لسه بدري على زهروان، اتفضلي الشنطة أهي، والعنوان... خالي بالك كويس وإنتي خارجة، حد ياخد باله منك يراقبك والخطة كلها تفشل قبل ما تبتدي.
_ انتي طيبة أوي يا زهور، على العموم مافيش حد شافني وأنا داخلة ولا حد هيشوفني وأنا خارجة.
_ إزاي ده حصل؟ رشيتي حد من الأمن ولا لبستي طاقية إخفاء.
_ ههه، حاجة زي كده. متقلقيش، بكرة بالكتير ها تعرفي كل حاجة. يلا سلام، الساعة قربت على عشرة صباحًا ورجوعي البيت هيبقى صعب وفيه مجازفة.
تبادلتا الأحضان وخرجت غادير وأغلقت الباب خلفها، تسير بالكلودور دون أن تلتفت خلفها حتى ابتعدت عن الجناح المقيمة فيه زهور، وقامت بفتح إحدى الغرف ودلفت وأغلقت الباب.
زهور بعد رحيل غادير جلست على حافة الفراش، أمسكت حقيبتها وأخرجت دفتر مذكرات أبيها تتصفحها، توقفت عدة دقائق تقرأ بعناية إحدى صحفها حتى شعرت بالنعاس، تعتدل بجلستها تتمدد على الفراش وتصفح أخرى حتى ارتخت جفونها وذهبت في نوم عميق ضامة المتبقي من ذكرياتها والدها تشتد باحتضانها.
لتفيق فزعة على اتصال هاتفي الفندق.
زهور تشهق فازعة وتلتقط الهاتف بيدها بعد أن هدأت قليلًا، تستمع لحديث من يحدثها بذهول، تغلق معه وتهب تعدل من ملابسها التي لازالت ترتديها من عدة أيام.
________
_ يغلق الهاتف ويرتمي بأحضان زوجته يبكي كأنه لم يبكِ طوال عمره، يبتعد قليلًا عنها بعد مدة طويلة من ضمها، يشعر ببكائها بصمت وحركة يدها على ظهره تربت عليه كطفل رضيع تهدده أمه.
عبدالرحيم: أكثر من خمسين سنة وإنتي سندي وعكازي، رميت حمولي عليكِ، ما كلتيش ولا تعبتي ولا مرة اشتكيتي.
شلتني بأزماتي، بعتي ورثك وبيت أهلك وأنقذتني من ضياع الشركة بعد عبدالرحمن ما ضيعها. ربيتي أولادنا وأحفادنا أفضل تربية، حتى بنات عبدالرحمن ربيتيهم زي ولادك وأحسن. كاتمَة حزنك وأوجاعك جواكي، فضلتِ تسكتي ما تتكلميش وتعيشي سنين عجزة عشان ما تجرحينيش بكلمة واحدة ولا تتهمني بإني السبب بموت زياد. زهور بعترفلك لأول مرة من عشرين سنة، أنا مكنتش ببقى نايم زي ما كنتي فاكرة وإنتي بتعاتبيني وبتعيطي على زياد وحرمانك منه ومن بنته، كنت بمسك نفسي من ضمك وبموت ألف مرة، بتقطع من جوايا بس كنت بتحمل عشان تخرجي اللي جواكي، كنت بستحمل كلامك، وأول ما تنامي أروح عند قبر زياد وأخرج كل أوجاعي أحكيله عن كلامك وقد إيه انتي حزينة وموجوعة على فراقه.
زهور الجدة: سامحني يا عبدالرحيم، تعبتك سنين طويلة معايا.
عبدالرحيم: يبتسم لها، يلمس بيده على وجهها بيده، سامحيني انتي على كل التعب والحزن اللي عيشتيهم بسببي. زهروان كمان نفسي تسامحني، نفسي أغمض وأفتح ألاقي اللي إحنا فيه ده انتهى واتجمعت أنا وأولادي وأحفادي بما فيهم زهروان، وأطمن عليها وبعدها أموت وأنا مستريح.
زهور الجدة: شاهقة، بعد الشر عليك، ربنا يديك طولت العمر وتفرح ليهم كلهم وتشوف أحفاد أحفادك.
تصمت فزعة مع سماعهم دقات جرس الباب التي لا تتوقف.
يقف وجهه كجمر شديد الحمرة، يكظم غيظه بصعوبة بالغة، يكور إحدى يديه والأخرى متكئ بها على كرسي أمامه، ينفس بغضب وهو يستمع لضحكات خافتة حوله، ليرفع عينه يصوبها للمتحدث يكاد يفتك به.
_ هتفضل على الحالة دي كتير؟ هتقدر تتحمل أكتر من كده؟ يابني أنا دخلت مفهاش حاجة يعني.
_ حمزة، مش عاوز أسمع صوتك أبدًا، أدخل فين؟ انت مش إزاي قدرت تدخل القرف ده؟ مش شامم الريحة ولا لون الماية؟ ولو كل ده ميفرقش معاك، فين المكان اللي..
حد يصرف ويفتح الباب ده ولا شباك، مش قادر أتحمل أكتر من كده.
حازم: ريح نفسك يا زين، متحاولش تفتح الشبابيك، أنا حاولت أكتر من مرة، حتى فكرت أكسرهم، للأسف معرفتش، مقفولين من برة والباب نفس الكلام.
زين: مين الغبي اللي عمل كده؟ لو أشوفه هقتله. لازم نتصرف ونفتح الباب ده بأي طريقة، أنا كمان مخنوق ومش قادر أتنفس، لازم أخرج من هنا.
حمزة: هنفتحه إزاي وهو مقفول من برة، ولو مخنوق ومحتاج تشم هواء، اطلع زي حازم على السطوح وشم هواء وارجع.
زين: بالرغم من برودك ده، إلا إنك أول مرة تفكر صح. مفيش غير كده، أنا هطلع فوق وأشوف مكان أقدر أنزل منه.
وأفتح الباب. البيت مش عالي ويكون سهل النزول.
حمزة: زين، انت متأكد من اللي بتقوله؟
زين: ما قدامناش حل غير كده.
صعد زين وصعد الدرج الخشبي لأعلى، تجول على السطح.
ينظر للأسفل عن مكان يستطيع القفز منه بسهولة دون أن يصاب بأي أذى. ظل دقائق على هذا الحال، حتى وقع بصره على كومة من القش على مسافة قريبة من المنزل من الخلف. ليحسم أمره ويرتد للخلف وأخذ وضع الوثب وقطع المسافة في خطوتين قافزًا على كومة القش لتهوي به ويسقط في مكان لزج ذو رائحة كريهة من رأسه لأخمص قدمه.
يخرج منه ينفض نفسه وهو يسب ويلعن حاله ومن أحضرهم لهذا المكان. ينفض عن يديه ويزيح عن وجهه، وعينه تجحظ عيناه وهو يرى ما سقط به. يشعر بالغثيان وهو يرى روث الحيوانات ليبتعد سريعا للخلف وهو يخلع نعله ويرميه بعيدا. يرفع يده يبعد ما يتساقط من على جبهته وعينه وباقي وجهه ملطخ بالروث. تلفت يمين ويسار حتى وقعت عيناه على مجرى مائي على بعد خطوات. يهرول تجاهه ليفزع وهو يصطدم بأحدهم وسماع صرخات عالية وكلمات لم يفهم منها سوى...
استغفروا لعلها تكون ساعة استجابة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم منى عبدالعزيز
قابع بسيارته يجلس بجوار النافذة عينه على الفندق ابتسامة خبيثة على وجهه شاردا في تلك العينين رفع يده يتلمس صدرة يغمض عينيه يسحب نفس عميق وتتسع إبتسامته.
يهمس لنفسه: أول مرة أطلع من ورا نهال دي، خير.
يرفع يده يرسم منحنيات جسد في الهواء، ولا زال يحدث نفسه: جمال وحلاوة وجسم كيرفي منحوت نحت. يحرك لسانه على شفتاه.
يتذكر كيف جذبها من بين براثن نهال، يشتد في ضمها وحركة يده على ظهرها وشعوره بالخواء فور ابتعادها عنه وعينه التي تتفرص بجسدها حتى خروجه من مكتبها.
يلتف للجالس أمام مقود السيارة بأمر:
_ عماد، عشر دقايق وتكون جيبلي كل كلمة وحركة ليها بالفندق من وقت ما دخلته لحد ما نامت. لو طولت تجيبلي النفس اللي اتنفسته، متترددش.
عماد ببلاهة: قصدك مين يا باشا؟
يعاود الالتفاف ينظر له نظرة يكاد يفتك به بعينيه، ليبلع الآخر رمقه بصعوبة. يحرك رابطة عنقه يحدثه بتوتر وهو يترجل من السيارة والآخر ينظر له بوعيد.
عماد: آسف يا باشا، ثواني وكل أوامرك مجابة.
الباشا: خمس دقائق وتكون عندي معاك تفاصيل يومها، حتى أكلت إيه شربت إيه.
يحدث نفسه بعد رحيل مساعده للفندق: الغبي بيسأل هي مين.
وهل ينسى القمر؟ يعاود رسم منحنياتها بيديه ويتأوه: ااه، دي مش بس جمال وحلاوة، لا دي فرصة. فرصة رابحة، هي اللي هتقش كل حاجة. ههههه، وأنا الفارس اللي يفوز بالسباق. وأهمهم الفرسة، هي ليلة واحدة بس. ليلة هتكون بألف ليلة أتمتع بجمالها وجسمها. ووقتها مش هيهمني أي حد، لا نهال المجنونة ولا عبد الرحيم. هههه، وقتها هتكون خاتم في صباعي، ألعبها زي ما أنا عايز. صحيح، متستاهلش اللي هعمله فيها في الأول، بس بعد كده هعيشها ملكة. ماهي ملكة بالفعل.
أعرف بس أدخلها منين وإزاي، وبعدها.
يتلمس صدره بحركة شهوانية وعينه بالخارج تتحرك مع القادم تجاه السيارة والفرحة على وجهه. يصعد مكانه يتحدث بفخر والآخر يسأل بفضول.
الباشا: ها، طمني عرفت حاجة؟
عماد: أيوه يا باشا، من وقت ما دخلت الفندق وهي بتسأل عن واحدة اسمها سلسبيل.
الباشا: سلسبيل مين دي وبتسأل عليها ليه؟
عماد: محدش عارف يا باشا، بس شكلها حد مهم أوي لأنها كلفت هالة تجيب ليها أسماء ستات مقيمين بشكل دائم في الفندق أو ستات بتيجي كل ليلة للزباين.
الباشا: وكل ده ليه؟
عماد: معرفش، كل اللي قدرت أوصله اسم الست اللي بتسأل عليها سلسبيل، هو ده الاسم يا باشا.
الباشا بعصبية مفرطة: هعمل بيه إيه وأعرف إزاي مين دي وسبب اهتمامها بيها؟
عماد: حاجة تمخّول يا باشا.
الباشا: اخلص يا عماد، شف حل.
عماد بتفكير: بس لقيتها يا باشا، هنعرف مين دي والسر وراء اهتمامها بيها.
الباشا بلهفة: إزاي؟ قولي.
عماد: البنت إيه يا باشا، صاحبتها وجارتها في الحارة، اللي لولاها ماكناش عرفنا إن بنت زياد عايشة.
الباشا: صح، برافو يا عماد. اطلع على الشقة واتصل، جيب البنت دي من تحت الأرض.
عماد: متقلقش يا باشا، نص ساعة بالظبط وهتلاقيها تحت رجليك يا باشا.
يجري اتصال هاتفي وبعد دقايق وصلوا إلى شقة فخمة في منطقة راقية. جالس ينفخ سيجارة الكوبي، عينه على الباب، يعتدل للخلف يضع قدم على الأخرى وإحدى يديه على قدمه.
عينه تتفرس في التي تخطو تجاهه ممسكة بملابس من يسير بجوارها. دون أي مقدمات فور اقترابهم انهال عليهم بالأسئلة والأخرى تجيب عليه بسلاسة ويسر كلما سألها عن شيء.
يشير لها بالانصراف بعد أن ألقى لمن معها بمبلغ مالي كبير على الطاولة أمامه. فور خروجهم هب واقفاً، أطفأ سيجارة الكوبي، خطى تجاه النافذة الزجاجية، يقف ينظر على الطريق يحدث مساعده.
الباشا: سمعت اللي قالوا عليه؟ تجيبلي المطلوب وتيجي على هنا. أنا هتصل بالمحامي يجهز كام ورقة تعدي تجيبهم في طريقك.
عماد: تحت أمرك يا باشا. في أوامر تانية تؤمر بيها حضرتك؟
الباشا بمكر: طبعًا، أهم حاجة اسمعني، هتعمل إيه والكلام ده تحفظهولها زي اسمها. ومتنساش بقى أهم حاجة، البهدلة اللي فيها والضيق اللي عاشته. اختار واحدة تمثل الدور مظبوط من غير ما تأفور. يلا شوف هتعملها إزاي. لو الموضوع مشي زي ما رسمته في دماغي، كل أحلامك هتتحقق والفندق هيكون باسمك وملك ليك. هرتاح ساعتين تلاتة وعاوز أول حاجة أفتح عيني عليهم ألاقيك بتقول كله تمام، وسيب الباقي عليا.
عماد بفرحة واضحة يكاد يطير من السعادة يتشكر ه ويتحدث بخضوع: ربنا يخليك ليا يا باشا، متحرمش من كرمك علينا. حط في بطنك بطيخة صيفي يا باشا، نام وارتاح، ومن النجمة هتلاقيها عندك حضرتك.
غادر عماد وفور خروجه اتجه إلى النافذة يراقب الطريق حتى خرج عماد من البناية وصعد إلى سيارته. ظل يراقب بعينيه حتى ابْتَعَدَ عن مرمى بصره. التف بجزعه، أخرج هاتفه وقام بإرسال رسالة. سحب نفس وأخرجه برواية وعلى مهل. وخطى تجاه غرفة نومه تسطح على الفراش شارد الذهن يلامس صدره وابتسامة حالمة على ثغره ترخي جفونه وذهب في نوم عميق.
____
الظلام يخيم على المكان، يجلس عينه على الباب. يعتدل بجلسته فور سماعه صوت إدارة مفتاح الباب. يكور لسانه بفمه ويهب واقفاً يمشي بهدوء وهو يستمع إلى كلمات التي تهمس بها لأحدهم بالهاتف. تضع يدها على قابس الإضاءة، تشهق فزعة، يسقط الهاتف من يدها وهي ترى الواقف خلفها.
ينحني يلتقطه من على الأرض، يفتح السماعة الخارجية. يستمع لكلمات المتحدث بعين تشتعل غضباً، ليلقي الهاتف ويرفع يده ويهوي بها على وجه الواقفة، ترتجف تسقط أرضاً، تخرج صرخة مدوية من قوة الصفعة. وينحني يجذبها من خصلات شعرها الكيرلي، يصفعها بيده الأخرى على وجهها مرات متتالية. لم يترك خصلاتها حتى مع صدوح جرس الباب. ليرفعها لتقف وهو يجذبها، وصوت صراخها المتوسل له جعل من يقف على الباب يزيد من خبطاته.
يفتح الباب بعصبية، لأول مرة بحياته يكون على تلك الحالة. يدلف للمنزل ويغلق خلفه، ينهره على ما يفعله. يحاول تخليص المتوسلة له من بين يديه والآخر يشتد يجذب خصلات شعرها، يكاد يخلعها من جذورها. لينجح أخيراً من تخليصها ويحدثه بلطف.
_ ماجد، استهدِ بالله، مالك؟ في إيه؟ ومن إمتى بتتعصب كده؟ البنت عملت إيه عشان تضربها بالشكل ده؟ إنت عمرك ما مديت إيدك على ولادك ودايماً كنت بتقول الضرب مش حل بالتربية يا يحيى.
ماجد: طلعت غلطان يا يحيى. بنتي اللي كان يضرب بها المثل في كل حاجة الأدب والأخلاق والتدين، طلعت ممثلة شاطرة حتى على أبوها وأمها.
يجلس على أقرب كرسي يلتقط أنفاسه، يمسح على وجهه بيده.
أقولك إيه يا صاحبي؟ أقولك أنا انكسر ضهري وبنتي طلعتني راجل مش محترم.
يحيى يقترب منه يجلس على الكرسي القريب منه، ينظر تجاه الجالسة تبكي تضع يدها على وجنتها نظرة احتقار ودونية. يعاود النظر لصديقه بشفقة على حالته ويعاود النظر إليها مرة أخرى يكاد يفتك بها، لكن خوفاً على شعور صديقه. تحدث محاولة التخفيف عنه:
إلينا استحالة تعمل حاجة غلط يا ماجد، دي تربيتك إنت ونفين.
ماجد: كنت فاكر كده يا صاحبي. للأسف خيبت ظني باللي عرفته وسمعته بوداني.
يحيى: إهدى بس وخد نفسك، إنت تعبان والانفعال غلط عليك.
ماجد: أهدى إزاي بعد اللي عرفته؟ أهدى إزاي وبنتي بتكذب علينا وقالت رفضوا يدوها إجازة من الشغل النهاردة. بسأل عليها في الفندق بعد ما أمها فضلت ترن عليها فوق الخمسين رنة ومفيش رد. اتصلت على مديرها بالفندق قالي إنها إجازة من أسبوع وجت من يومين، أخذت راتبها وقعدت شوية مع زميلاتها ومشيت. مقدرتش أستنى، جيت في أول قطار.
طول الطريق هتجنن ودماغي بتودي وتجيب، حصل إيه؟ مش بتردي ليه على اتصالات أمها؟ كل الأفكار السودة جات في دماغي. جيت جري على البيت ملقتهاش، نزلت رحت سألت عليها عند كل قرايبنا ومعارفنا ملقتهاش. رحت الفندق سألت عليها البنات اللي شغالين معاها محدش شافها من يومين.
يسحب نفس عميق يده ترتجف وينظر للأسفل. وفي بنات منهم قالوا كلام كسرني وجرحني، حسيت إني بنظرهم راجل مش محترم يا يحيى. صاحبك طلع راجل مش تمام. كل كلمة قالوها نزلت عليا سكاكين بتقطع في قلبي. ماجد اللي عاش طول عمره الناس تحلف بأخلاقه، بنته طلعته راجل مش تمام.
تعبت من اللف والتدوير، رجعت من تاني على هنا لقيتها مرجعتش. فضلت مستنيها طول الليل ولحد وش الصبح، داخلة تسحب وبتتوشوش في التليفون وبتقول: دخلت الشقة، وأحلام ويحيى مشافونيش ولا حسوا بيا، هاخد هدومي وأروح البلد. ويا ريت وقفت على كده يا يحيى. سمعت بودني وفهمت البنات كانوا يقصدوا إيه.
يحيى: ينظر لها نظرة تكاد تحرقها. متصدقش كلام حد يا ماجد، إلينا استحالة تعمل حاجة غلط وتزعل لك منها.
ماجد: للأسف يا يحيى، طلع حقيقي. كل كلمة طلعت حقيقية. سمعت بودني والحيوان جورج خطبها بيكلمها.
تنهد بوجع شديد وهو ينظر إليها بحسرة.
ليقص عليه بعد ما أخذ منها الهاتف وقام بتشغيل السماعة الخارجية.
خلاص يا جميل، أيام الفقر خلاص راحت. الفلوس بتاعت النهاردة كدة خلاص كل مشاكلنا اتحلت. ترجعي من البلد هاجي أحدد الإكليل مع عمي ونتجوز ونسافر إيطاليا ونلف العالم. بعد الباشا ما انبسط منك. بس ما قولتليش أخدتي كام بالظبط. بعد ما خرجنا خدت الفلوس لشنطتك وما رضيتش تخلينا نعدها.
ليصمت من القهر وينظر إلى ابنته. وفجأة انقض عليها يضربها ويصرخ بها بقهر: فضحتني! بتبيعي نفسك؟ بتبيعي شرف بالفلوس؟ عملتلك إيه عشان تفضحيني بالشكل ده؟ ليبتعد عنها بصعوبة وهو ينهال عليها بيديه بالصفعات على جسدها ورأسها. أبعده يحيي بعيدًا بعد حملة بالقوة بعيدًا عنها. وصرخاتها المترجية له وقسمها بأنها لم تفعل شيئًا مما يتخيله.
يجلس على الأرض يسند ظهره للأريكة يبكي بقهر. يدعو على نفسه بالموت قبل أن يفضح على يد ابنته. يحيي يجلس بجواره يربت على فخذه يتناشده بالتريث حتى يفهم الأمر من ابنته بعد قسمها بأنها لم تدنس شرفها وأن ما حدث ليس كما تخيل.
يحيي: انطقي، احكي. أبوكي قلبه هيقف. معنى كلام خطيبك إيه؟
إلينا تنظر لحالة والدها والعرق الذي يتصبب من جبهته وصوت نحيبه. تنظر للأسفل: الباشا ده مدير جورج. عرف إن زهور جارتنا وسألني كم سؤال عن سلسبيل أم زهور. وصدقني يا بابا، هو ده كل اللي حصل. والفلوس اللي جورج قال عليها مكافأة المدير لينا على المعلومات.
يحيى: ومدير جورج يعرف زهور منين وبيسأل ليه على سلسبيل؟ إنتي قولتي له إيه؟
إلينا: معرفش. كل اللي سأل عليه مين سلسبيل وحكايتها إيه. وأنا حكيت له كل حاجة أعرفها وسمعتها من خالتي أحلام وزهور.
يحيى شرد بكلام إلينا يحدث نفسه: إيه علاقة مدير جورج بسلسبيل؟ بيسأل عليها ليه؟ ويعرف زهور منين؟ في حلقة مفقودة تربط الاثنين ببعض. يرفع رأسه يسأل إلينا. ينتفض على صرخها مع تمايل صديقه على جانبه لا يتحرك.
يصرخ بها: إحضار كوب ماء! يحاول أن يساعده على رشف بعض منه. لا يجد استجابة.
يحيى: ماجد رد عليا. مالك يا ابني؟ إيه حصل؟ لا يجد استجابة.
يصرخ بها وهي تصرخ وتنادي على والدها: اتصلي على الإسعاف بسرعة.
بعد قليل حضرت سيارة الإسعاف وتم نقل ماجد إلى المستشفى وتم الكشف عليه ووضع بغرفة العناية المشددة بعد تدهور حالته الصحية. خرج الطبيب يخبرهم بأن لديه انسداد بالشريان التاجي ولابد من عمل عملية فورًا لأن هناك صمام لابد من تغييره.
إلينا ببكاء: حضرتك مستني إيه؟ أعمل العملية. وأي مصاريف أنا مستعدة.
يحيى ينظر لها باشمئزاز وقرف: حضرتك شوف كل المطلوب حتى لو هان سفرة بره البلد.
الطبيب: للأسف المستشفى دلوقتي ما فيهاش طبيب جراحة قلب. الوقت متأخر والدكتور مسافر في مؤتمر طبي. لو تقدروا تنقلوا المريض مستشفى تانية ياريت يكون بسرعة أو نقدر نشوف دكتور جراحة قلب نستدعيه للمستشفى.
يحيى: ساكت ليه يا دكتور؟ من بدري دلوقتي قولنا إيه المطلوب وشوف موضوع الدكتور ده.
الطبيب: اتفضل معايا على الإدارة نشوف هنعمل إيه ونحاول نشوف دكتور متفرغ الوقت ده. مع إني متأكد مافيش غير دكتور أحمد المغربي أشطر وأنجح دكتور جراحة قلب في مصر اللي يقدر يتعامل مع الحالة.
يحيى: شوف المطلوب يا دكتور وكل اللي يطلبه أنا جاهز بيه.
دلف يحيى خلف الطبيب لمكتب الإدارة وبدأوا في الاتصال بالطبيب أحمد الذي لبى النداء ولم يتوانى. بعد أقل من ساعتين حضر الطبيب أحمد وبعد أن درس الحالة والسجل المرضي لماجد أمر بتجهيز غرفة العمليات. ليشرع في إجراء العملية التي استمرت أكثر من ست ساعات.
كانت الأصعب على يحيى الذي لم يتحمل البقاء في مكان واحد مع إلينا التي لم تتوقف عن البكاء. يرحل من جوارها ويذهب بعيدًا حتى خرج إلى حديقة المستشفى. مع بزوغ ضوء النهار يجلس على الأريكة الخشبية يخرج هاتفه الذي لا يتوقف على الاتصال. يسرع بفتحه فور وقوعه على اسم المتصل.
_____
تقف أمام المرآة تهندم ملابسها تدقق فيها ثم تعاود النظر لملابسها. تنظر لنفسها بإشمئزاز. تدير وجهها ترفع يدها تشتم رائحتها. تضحك على حالها وتعاود النظر للمرآة تحدث نفسها.
من إمتى يا بنت سلسبيل، بيهمك شكلك هدومك ولا ريحتك؟
فوقي يا زهور، خلاص يومين عز عشتيها هيغيروكي. لحقتي تنسي؟ الله يرحم لما كانت الهدوم بتستنى عليكي بالأسبوع. نايمة قايمة بيهم. مكنتيش بتبقي قرفانة ليه يا بنت سلسبيل؟ ولا العز فعلاً بينسي؟ ههه. اعقلي كده. إنتي هنا عشان حاجتين. وصية أبوكي، والعهد اللي أخدتيه على نفسك إنك تنفذيه للنهاية. لا هتتهني ولا يهدأ بالك إلا لما تقبضي سلسبيل وتاخدي حقك منها.
تعض شفتها بتوتر. عينها تغيم بسحابة من الدموع. تتنهد تنهيدة طويلة ثم تأخذ نفس وزفرته بهدوء. التقطت حقيبتها وخطت تجاه باب الغرفة. وقفت لثانيتين تشجع حالها وأدارت مقبض الباب وفتحته وخرجت من الغرفة. تمشي بخطوات ثابتة. يد بجوارها والأخرى تحمل حقيبتها. تخطو بخطى ثابتة.
حتى وصلت المصعد المخصص للنزلاء. فور فتح باب المصعد وجدت هالة السكرتيرة تخرج منه حاملة بيدها ملف كبير. أشارت لها بالمكوث مكانها ودلفت تقف بجوارها. تنظر إلى ما تحمله بيدها. يلفت نظرها اسم مكتوب عليه لتلتقط الملف من فوق يد هالة السكرتيرة.
تحدثها باللجلجة: عرفتي حاجة عنها؟ قولي فين أوضتها.
هالة تنظر للأسفل تكور ورقة بيدها تضغط عليها وعين مرقرقة بالدموع وصوت متقطع: للأسف يا فندم ملهاش أوضة هنا. بعد ما سألت كل العاملين بالفندق وراجعت سجلات الزباين عرفت من واحد من بتوع الأمن اللي ليهم سنين بيشتغلوا هنا.
زهور: وصلتي ليها فين أوضتها؟ عرفتي إيه عنها؟ قولي كل اللي تعرفيه.
يتوقف المصعد. تخرج زهور وبجوارها هالة فور فتح بابه. لتتوقف زهور تلتف لها تلتقط الملف من يدها تتصفحه والأخرى تجيبها.
هي كانت بتيجي كل يوم هنا بالفعل كام سنة؟ تجي تسأل على زياد بيه وتمشي.
لأن محدش من عاملين الفندق يعرف حاجة عنه. لأن عبدالرحيم بيه غير الصنف كله. وطبعًا كانوا بيرفضون يقبلوها ولا حتى يعرفوها إن زياد بيه اتوفى. من سنتين بس إختفت ومحدش عارف راحت فين. بس أنا أنا عرفت مكانها وهي راحت فين. بالصدفة البحتة افتكرت موظف اختفى من سنتين و مجاش الفندق من آخر مرة جات سلسبيل لهنا وزياد بيه طردها ورمها قدام الفندق.
قلبها يدق بسرعة. يدها تتصبب عرقًا. شعرت بقدمها تسمرت مكانهم لم تستطع التحرك. سعادة وفرحة واضحة تجلت عليها. تحاول السيطرة على فرحتها. لم تسمع باقي كلام السكرتيرة. كل ما يتردد على سمعها. عرفت مكانها. بصوت تغلغلته الفرحة وأنفاس متلاحقة من كثرة كبتها لسعادتها.
زهور: بتقولي إيه؟ عرفتي مكانها بجد يا مدام هالة؟ عرفتي مكانها.
هالة تنظر لحالتها بألم تومي برأسها دون أن تتحدث. رفعت يدها أخرجت ورقة من الملف ومدت يدها المرتجفة لها.
هالة: ده العنوان اللي ساكنة فيه.
زهور خطفت الورقة تقرأها تختلط الحروف عليها بعد ما غيمت سحابة الدموع بقطرات غيثها. أنفها تلون بلون حمرة زاهية. شفتاها ترتجفان مع نطقها كل حرف.
زهور: مدام هالة العنوان ده فين؟ أنا معرفش المنطقة دي.
ممكن تقوليلي المكان ده فين وأقول لسواق التاكسي وديني فين.
هالة بصوت ضعيف: في عربية هتوصل حضرتك للمكان.
منتظرة قدام الفندق. بعد حضرتك ما تنهي الاجتماع هتوصلك للعنوان.
زهور تحدثها وهي تخطو تجاه الخارج تسرع بخطواتها.
أجلي كل حاجة بعد ما أرجع. متشكرة أوي يا مدام هالة.
هالة تنظر في أثرها تبلع ريقها تنطق كلمتها بمرارة: سامحيني. غصب عني. معنديش رفاهية الرفض. ماسكني من إيدي اللي وجعاني.
خرجت زهور بسرعة من الفندق تقف تبحث عن السيارة بعينها. تسمع صوت زمور سيارة تسرع بخطواتها تجاهها. قدمها تكاد لا تلامس الأرض. تصعد للسيارة دون تفكير.
وقبل أن تنطق بكلمة انطلق السائق بسرعة.
السائق: بخبث. متقلقيش يا هانم. مدام هالة قالت لي على العنوان. عشر دقايق ونوصل.
أومأت برأسها دون أن تنطق كلمة واحدة. تضم حقيبتها. قلبها تتسارع دقاته. عينها على الطريق. تتسع ابتسامتها. تهمس بين نفسها.
زهور: تغمض عينها تتخيل لقاءها بأمها. تتساءل مع حالها. ماذا سيحدث فور وقوع عينها عليا؟ تتعرف عليا بسهولة ولا لا؟ ياترى لما أشوفها أنا هعمل إيه؟ هجري عليها أحضنها وأعوض سنين بعدها عني؟ ولا أسلم بإيدي بس وأكتفي بعتاب عيني ليها؟ طيب أقولها ماما ولا سلسبيل؟ أكلم عادي معاها ولا عتابها على بعدها السنين دي عني؟ أسألها ليه هربت وسيبتني؟ ولا أستنى هي تحكيلي حكايتها واللي حصلها السنين دي كلها.
يا ترى لما تعرف إني بنتها وبتشوفني لأول مرة هتفرح؟ ولا شعورها هيكون إيه؟ يا ترى شكلها إيه؟ فعلاً زي ما الكل بيقول إني شبهها ولا لأ؟ طيب ليه مرجعتش البلد؟ ولا سألت مرة عليا؟ وإزاي تفضل العمر ده كله متحاولش تدور في مكان تاني وتسأل عليه؟ ليه بتسأل في الفندق بس؟ مع إنهم كانوا عايشين في بيت واكيد لو كانت راحة كانت عرفت إنه توفى. على الأقل حد من الجيران هيكون عارف إنه توفى.
ليه ما راحتش لصاحب عمي حسن؟ شعرت بنغزة في قلبها تجهم وجهها فور ورود تلك الأسئلة بعقلها. ترفع عينها وتلتفت لباب العربة المفتوح بجوارها والسائق يخبرها بالوصول. تترجل من السيارة تنظر للمكان بذهول واستغراب. تلتفت للسائق الذي يسير خلفها تسأله.
زهور: هو ده العنوان؟ لتفتح الورقة التي لا تزال تكورها بيدها تتحدث بعفوية. بس المكان هنا راقي جدًا والعنوان المكتوب هنا مكتوب بحارة اسمها.
السائق مقاطعًا: اتفضلي حضرتك هتعرفي كل حاجة.
تشعر بريبة وقلبها ينقبض، تخطو ببطء، تستمع لكلمات السائق الذي يحدثها دون أن تنطق بكلمة. تسأل نفسها:
"هو ليه مفكرتش في الكلام ده؟ مسألتش نفسي الأسئلة دي قبل كده؟ ليه أنا هفضل كده تعبانة كتير؟ إمتى هرتاح من كل ده؟"
يفتح السائق باب المصعد، تدلف داخله وخلفها السائق. رجفة انتابتها كلما ارتفع المصعد لأعلى، تشعر بروحها تنسحب منها، قلبها يدق بسرعة رهيبة. ثقل على أكتافها حتى توقف المصعد.
ترجل السائق أمامها، تترجل من المصعد. تقدم قدم وترجع الأخرى، حتى توقف السائق أمام إحدى الشقق. تتلفت حولها بخوف، يدها أصبحت كلبوظ من شدة برودتها. تبتلع ريقها مرات متتالية.
فور أن فتح الباب وأشار السائق لها بالدخول، تدلف للداخل. تقف مستمرة مكانها فور سماع صوت ينادي عليها ويجذبها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم منى عبدالعزيز
يعكف يديه لصدره، جالس على قارعة الطريق، قابع كما هو. عيناه على الفندق لم تتزحزح برهة واحدة. من يراه يشعر بأنه تمثال نحت بعناية فائقة. جنى الليل بظلمته وهو كما هو، لولا حركة صدره التي تعلو وتهبط لاعتقد المارة بأنه بالفعل تمثال.
تثاءب بتعب وجهد. نوم زهده وحرمه حتى يحمي وصية متيمة قلبه وروحه. نادته الطبيعة لنداء لم يستطع أن يتجاهله. مرغماً تحرك كالآلي الذي عطبت برمجته. خطوة للأمام وللخلف، يلتفت وينظر على الفندق حتى توارى عن الأعين.
يدخل بستان الورود القريب من الفندق، يمشي في ممشى بين أشجار الزينة حتى توقف أمام باب مغلق. يتلفت حوله يتأكد من عدم رؤية أحد له. يخرج مفتاحه، يفتح باباً ويدلف بداخله. يسير في ممر طويل حتى وصل لمبتغاه.
يصعد ثلاث درجات، يرفع يده لقابض الكهرباء ليضيء المكان حوله. يخرج هاتفه، يضعه في وصلة الشاحن على طاولة صغيرة. دلف للداخل نحو باب صغير. بعد دقيقتين، سُمع قرقعة مياه الصنبور وخرج، يرتمي على الأريكة.
يعتدل بجلسته، يشبك أصابعه، يرتكز على فخذه وجبهته على يديه. يتنهد بحزن وهو لازال يسأل حاله: ماذا تفعل بهذا الوقت؟ وما حالها؟ هل نامت الآن أم لازالت بلا نوم؟ يتساءل ماذا فعلت جعلت تلك المجنونة نهال تخرج منهارة بتلك الحالة وصوت صرخاتها يدوي بالمكان.
يمدد جسده بعد يوم طويل قضاه على قدميه متسمراً، سابحاً في أفكاره. لترتخي جفونه ويغط في نوم متقطع، يجاهد في عدم ذهابه في نوم عميق.
لينهض فزعاً على صوت أحد يسير بالممر ويقترب من الوصول لمكانه. يسرع بالاختباء خلف الأريكة، يراقب من يدلف المكان. يتنهد براحة فور رؤيته لغادير.
ينظر لمن تقترب، تتلفت حولها فور رؤيتها للأنوار. يخفض رأسه ويبتسم على كلماتها.
غادير: أكيد عمو زايد سابقني. آه لو يعرف إن معايا نسخة من المفاتيح كان عملتي كفتة.
حتى وصلت إلى باب مصعد صغير في زاوية الغرفة. يخرج من مخبئه بعد صعودها وفرحة واضحة على ثغره فور تأكده من وصولها.
عاود الجلوس مكانه، يشعر بسعادة وفخر بنفسه. لولا أفكاره ومساعدة غادير له وتصميم تلك الأفكار والدراسة العلمية لما نجحوا في تنفيذها دون معرفة أحدهم، مستغلين قيامهم ببعض ترميمات بالفندق وعمل ممر سري ومصعد يساعدهم في دخول الفندق والخروج دون أن يشعر بهم أحد من العاملين بالفندق والمغادرة منه دون معرفة أحد. كما في منزله عندما صمم على عمل نفق سري يربط منزلهم بآخر ملك لهم وتم إنقاذ الجميع من موت محتم. لولا فضل الله عليه استطاع كشف ذلك المخطط الشيطاني لنهال وزوج شقيقته.
يشد في جسده الذي يتوسل له بالراحة. يلتقط مفتاحه وهاتفه ويخرج مسرعاً قبل عودة ابنة شقيقته ورؤيته. يسرع بالخروج والتأكد من غلق الباب خلفه ويخطو تجاه باب البستان الخارجي. يقف قليلاً ثم يشير إلى عربة أجرة ويغادر، يخبره بالمكان ويغادر سريعاً.
وصل إلى وجهته، ترجل من العربة. أخبر السائق بأن ينتظره قليلاً. يدلف إلى بناية، يصعد عدة درجات سريعاً ثم يدخل لداخل شقة. يتوقف أمام مكتب صغير، يلقي السلام على الجالس الذي يرفع رأسه، يهب واقفاً مرحباً به ويشير له بالجلوس.
زايد: مرة تانية هقعد. المرة دي مستعجل شوية. هما كلمتين وها مشي على طول.
الشخص: على طول بتجي مستعجل كده ياباشا وتمشي.
زايد مد يده في جيب سترته، أخرج ظرفاً وقدمه للشخص.
زايد: اتفضل.
الشخص: زي عادتك تجيب الظرف وتمشي من غير ما تقول حضرتك مين.
زايد: بابتسامة طفيفة. يلا سلام عليكم.
الشخص: طلب صغير اعتبره فضول مش أكتر. فيك تجاوب أو متجاوبش.
زايد: اتفضل.
الشخص: عشرين سنة وحضرتك بتجيب الظرف ده وتكفل الدار. ولا مرة اتأخرت يوم ولا فوتت نفس اليوم. كل سنة وتقريباً نفس الساعة.
زايد: كل اللي أقدر أقوله حتى لو حصلي حاجة إن شاء الله الظرف ده مش هيتقطع. هيوصل في نفس اليوم.
الشخص: طيب هي تبقالك إيه؟ مراتك؟ بنتك؟ والدتك؟
زايد: هي ولا واحدة منهم. بس هي كل دول.
الشخص: ها قصدك إيه.
زايد: سلام. ويا ريت زي ما كل مرة بقولك المكان يبقى عامل إزاي.
الشخص: متقلقش يا باشا. بقالنا سنين مع بعض. عمرك لقيتنا قصرنا ولا المكان نقصه حاجة.
زايد رحل، تاركاً الرجل يتحدث، يشير له بالسلام ويغادر. يصعد إلى عربة الأجرة ويخبره بالعودة إلى نفس المكان.
عينه على الطريق، يهز رأسه كلما داهمته ذكرى عبور ذلك الطريق من سنوات ماضية. يعتدل بجلسته وهو يرى إحدى سيارات الفندق يقودها مساعد شقيق زوجته تعبر بالطريق المعاكس للطريق الذي يعبر عليه. يدقق النظر بداخلها. يصرخ في سائق عربة الأجرة بأن يسرع خلف السيارة في الاتجاه المعاكس.
السائق: يابيه دي لفة كبيرة قوي. على ملفها تكون العربية خرجت من المعادي كلها.
زايد: يخرج نقود ويعطيها للسائق ويسرع بعبور الطريق للجهة المقابلة. يشير إلى عربة أجرة يصعد بجوار السائق. يحثه بالإسراع خلف العربة. بالفعل فعل السائق بعد أن وعده بإعطائه مبلغ مالي كبير. فجأة اختفت العربة من أمامهم، لا يراها. كاد يجن ويصرخ بالسائق يتهمه بالتقصير. بعد وقت من الاتهامات المتبادلة، ترجل من السيارة بعد دفع المبلغ الذي اتفق مع السائق عليه. يجوب المكان على قدميه. مر وقت وهو لا يرى السيارة. يركل الأرض بقدمه، يصرخ بصوت عالٍ وعين مرقرقة بالدموع. أصابته حرقة بقلبه.
يجلس على إحدى الاستراحات في الطريق. أخذ يحدث نفسه.
زايد: خلاص هتستسلم يا زايد وتسيب بنتك تضيع من بين إيديك؟ تعبت وسلمت بدل ما تهد الدنيا لحد ما تلاقيها؟ هعمل إيه؟ هعمل إيه؟ هتجنن؟ العربية فص ملح وداب. يمكن كان بيتهيألي ومكنش فيه عربية ولا حاجة. طيب لو الكلام ده صح السواق اللي شاف العربية وكان بيجري وراها إيه؟
وزهروان أنا شفتها بنفسي. معقولة كمان بيتهيألي؟ أكيد لأ. أنا لسه متجننتش ولا عقلي فوت. طيب أعمل إيه وأتصرف إزاي؟ يارب دلني على الطريق. يارب لو كانت اللي شفتها زهروان. نجيها يارب. يارب احفظها.
لم يعد يتحمل، فقد كل ذرات عقله. أخرج هاتفه ليتأكد ممن رآها. أجرى اتصالاً هاتفياً ليصعق مما سمع.
زايد: هالة. زه.
ـ هالة: مقاطعته ببكاء. سامحني يا بيه. عماد أخذ أمي والولد وهددني لو منفذتش اللي يطلبه مني هيموتهم. والله حاولت كتير أفهمها وأنبها. حتى أنا كتبت ليها ورقة تقراها وتأخذ حذرها. بس للأسف ما قرأتهاش واستعجلت ومشيت. الحقها يابيه. الحقها. عماد واللي مشغله مش ناوين على خير. دول عرفوا كل حاجة عنها من وقت ما دخلت الفندق لحد ما خرجت معاهم. في واحد من الشاغلين هنا حكاله على كل حاجة. عرفوا إن الست اللي بتسأل عليها من وقت دخول الفندق تبقى أمها.
ـ زايد يسحب نفس عميق بهدوء قاتل: احكيلي كل حاجة حصلت امبارح من أول ما دخلت الفندق للحظة اللي سابت الفندق فيها.
هالة قصت عليه كل ما حدث من وقت دخول زهور حتى خرجت مسرعة من الفندق وما طلبه عماد وتلك القصة عن سلسبيل وكم عانت وأين مكانها.
زايد يضع الهاتف على أذنه، لا يتحرك ولا ينطق بحرف، يستمع فقط لكل كلمة بدقة. يهب واقفاً بصوت مرعب.
زايد: العنوان إيه بالتفصيل اللي قلتي عليه.
هالة: أخبرته العنوان الذي أعطاه لها عماد. يلتف حوله يتأكد بأن زهور بخطر محتم. يغلق مع هالة السكرتيرة. يهب واقفاً محدثاً نفسه.
زايد: آه يا عاصم الكلب. أقسم بالله ما هسيبك. أطمن على البنت بس ومن سلامتها وبعدها موتك على إيديا. يجري اتصال هاتفي بأحد الأشخاص.
زايد: عنوان عاصم إيه وآخر مرة شفته كان من إمتى.
الشخص: أخبره العنوان. ليلتفت حوله بفرحة، يسرع بخطواته ولا يزال الآخر يحدثه. اتصل على اللواء محمود، بلغه بكل حاجة. أنا خلاص قربت من العمارة. بعد ما أدخل تجيب رجالتك وتيجي ورايا. يغلق الهاتف بسعادة ويضعه في جيب سترته. فور وقوع عينيه على السيارة التي رأى فيها زهور، يهرول تجاهها ويسرع بدخول البناية ويصعد بالمصعد ليتوقف بالعنوان الذي أخبره به من كلفه بمراقبة زوج شقيقته.
وصلت غادير القصر فور دخولها، وقفت متسمرة مكانها وهي ترى والدها وباقي العائلة يحاولون السيطرة على عمتها زينة التي تصرخ بانهيار تحاول الخروج والبحث عن ابنتها.
اقتربت منها بعد ترك ما تحمله بيدها، بهدوء تحدثها.
ـ عمتو زينة اطمني حضرتك. أنا لسه راجعة من عند نيرة. هي كويسة قوي. عمو زايد جنبها متقلقيش. وكمان يومين هتخرج من المستشفى وعمو زايد يخرجها ويجوا على هنا. متقلقيش حضرتك.
تنظر لزينة التي تنظر لها بريبة وتبتسم لها بثقة.
ـ أوعدك يا عمتو يومين بس الدنيا تهدأ وهاخدك تزوريها ونجيبها ونيجي على هنا.
زينة ببكاء: انتي وابوكي خرجتي وجيتي اهو. ليه خايفين من خروجي؟ أنا كمان أشوفها وأطمن عليها.
زيدان: انتي متعرفيش عملنا إيه عشان نيجي لهنا. اعقلي يا زينة. غادير خلاص طمنتِك وتعالى ارتاحي وكلي. خالي الباقية تأكل. من يومين ما أكلتوش.
غادير تربت على يد زينة: تعالي يا عمتو. اطمني خالص. نيرة بخير وأنا اطمنت عليها. الأمور تهدأ وهنخرج كلنا. لو حد فينا ظهر اليومين دول الباقية بخطر. ربنا نجانا من الحريق بمعجزة.
أومأت زينة لها وانصاعت لكلماتها، تسير معها بهدوء وصعدوا للأعلى. دلفوا غرفة واحدة. رتبت الفتيات المكان للطعام وجلس كل منهم يتناوله، كلاً شارد في ملكوته.
زيدان ينظر لابنته أن تقترب منه، تشير له بعينها تطمئنه بما يشغل باله.
يلتف الجميع على صوت بالقرب من باب الغرفة، تصدح ضحكة خفيفة على ما يسمعونه.
سيسيليا: صحيح هم بطني. نازلين أكل ولا على بالكم الغايبين؟ مافيش حد فيكم افتكر يقومني من النوم عشان آكل. ناسين إني جعانة ونايمة. مش أكلت؟ وحضرتك يا ست غادير نسيتي عمتك اخت جوزك وقاعدة تأكلي كده عادي؟ بزمتك يا شيخة جايلك نفس تاكلي وضميرك مرتاح وعمتك ما أكلتش؟
غادير بضحك: أيوه ضميري مرتاح جداً كمان. تعالي يا لمضة كلي.
سيسيليا: هو فين الأكل على أساس؟ خليتوا حاجة؟ انتوا نسفتوا الأكل كانكم بقالكم عشر سنين ما أكلتوش.
زيدان: إحنا نقدر منعملش حسابك يا حبيبة عمك. استحالة طبعاً.
سيسيليا: مش واضح يا عمو. لو كنت فاكرني كنت جبت ولد قمر زي أبيه زين تجوز هولي بدل كده ما أنا الوحيدة اللي هتخرج بره العيلة.
آمال: سيسيليا عيب كده. ما يصحش الكلام ده. لا وقته ولا سنك يسمحوا بالكلام ده.
سيسيليا: بس يا ماما الله لا يسيئك. بلاش نتعاتب عشان أنا شايلة منك قوي. قاعدة تاكلي ونسياني ولا على بالك بنتك الطفلة البريئة سيسيليا اللي محتاجة تاكل وتتغذى.
آمال: الله يسامحك يا زايد. انت السبب في طول لسان اللمضة دي.
سيسيليا: فينك يا أبو زاهر يا عسل تجبلي حقي منهم كلهم.
زيدان: مينفعش أنا.
سيسيليا: اممم ينفع.
غادير: يا سلام يا سي بابا. هتنسي بنتك وحدتك كده بسهولة.
سيسيليا: يابنتي بطلي نفسنة واشتريني لصفك. أنا عمتك اخت جوزك. مفروض تتمني لي الرضا عشان أرضى عليكي وأعيشك مرتاحة.
جلس الجميع يتحدثون ويضحكون على كلمات سيسيليا المضحكة، ليمر الوقت وهم بتلك الحالة حتى ورد لغادير اتصال هاتفي.
تخرج هاتفها الذي يهتز دون أن يصدر أي صوت. تستأذن للدخول إلى المرحاض. تفتح الاتصال تتحدث بهمس، وتغلق الهاتف وتسرع بالخروج بهدوء دون أن يشعر بها أحد.
زهور تسمرت مكانها فور سماعها لصوت ينادي عليها، واحد يجذبها لأحضانه. تستمع لكلماته، تغمض عينيها، تتسارع دقات قلبها.
الشخص: زهروان بنتي حبيبتي. ياقلبي سنين وأنا بحلم باليوم ده.
زهور تشعر بزلزلة بجسدها، صدرها يعلو ويهبط، أنفاسها تخرج بصوت عالٍ. فور وقوع عينها على من تحتضنها، يدها إلى جانبها واقفة كالتمثال الحجري. تجز على أسنانها، تكور يدها، تنظر لمن تمسكها من رسغها. تشير لها بالجلوس. تغمض عينيها تحاول تجميع أفكارها. تفتحهم بصدمة مع سماعها صوت من يقترب منها لتجلس على الأريكة.
تكور قماش الأريكة بيدها، تهمس لحالها.
زهور: ليه متوترة وقلقانة بدل ما تفرحي؟ مش هي دي اللي فضلت سنين مستنية اليوم ده عشان تكلميها وتعاتبيها؟ وريني شجاعتك هتقولي اللي جواكي إزاي؟ يلا اسأليها كل الأسئلة اللي نفسك تسأليها ومحضرها على لسانك.
تلتف لها ترسم ابتسامة باهتة على وجهها.
زهور: ياه معقولة انتي هنا وشايفاكِ قدامي؟ مش بحلم ولا بيتهيألي. أنا مش قادرة أستوعب ولا أصدق إنك موجودة وشايفاكي. تعرفي ستي أحلام هتفرح قوي. أنا هتصل عليها تجي تشوفك وتقبلك بنفسها. مش هتصدق.
السيدة بجوارها تنظر لعاصم الذي التف لا إرادياً تجاه مساعدة المتنكر بالسائق. يستشير في إجابة محبوكة.
السيدة: صحيح أمي وحشاني قوي ونفسي أشوفها. بس انتي أهم يا زهروان.
زهور: ليه كده؟ حتى جدي يحيى وخالي نفسهم يشوفوك؟
السيدة: أنا كمان نفسي أشوفهم وأكلمهم. أكيد كلهم وحشني. أمي وأبويا وأخويا وبيتنا. بس مفيش حد أهم منك. عايزة أشبع منك. احكيلي عنك وعن حياتك. رجعتوا إمتى من البلد؟ أحكيلي ناوية تعملي إيه مع أهل أبوكي.
زهور تكاد تجز على أسنانها، أنفها يتسع من شدة الغضب، أظافرها تغرسها في الأريكة. أخرجت خيطانها بيدها. ظلت عدة ثوان على تلك الحالة. رفعت رأسها وعينها مصلتة على الجالس يشير للسيدة بيده على عينيها ويرسم بأصابعه على وجنتيه خط. تضحك بداخلها بتهكم. تمتثل هي لما يشير للسيدة به.
زهور بدموع: أنا شفت أيام قهر. كل الناس ظلموني. حتى جدي وخالي نفسهم ظلموني. دايماً يقولوا أمي جابت لنا العار. لولا ستي أحلام هي اللي كانت بتحميني منهم. كانوا عايزين يجوزوني راجل كبير في السن عشان يرتاحوا مني. ستي هربتني منهم وجينا هنا مصر وعشنا في الحارة. واشتغلت بالفندق وبالصدفة عرفت إن الفندق بتاعنا.
السيدة تنظر لعاصم الذي يشير لها بالبكاء. تهز رأسها له، وتضع يدها على وجهها تخفيه.
هو ده اللي كنت خايف أرجع عشانه. خفت منهم. صممت أفضل هنا عشان أجيب حقي وحقك منهم. أنا بعد ما ضيعت سنين رايحة جاية على الفندق عشان أقابل أبوكي وأخليه يعترف بيكي. سنين راحت من عمري وعبدالرحيم وابنه زايد نكرين مني لحد ما حطوا إيديهم على الورث وتمكنوا منه وسيطروا على كل حاجة. زايد بكل جبروت وحقد.
قال لي حبيب القلب مات من زمان. ولو حاطة في دماغي الورث مافيش حاجة تثبت إنك مراته. الخبر نزل عليا قاتلني. ضيعت عمري وبنتي وجوزي مات. هرجع لأهلي أقولهم إيه؟ جوزي مات وكمان أهله حطوا إيديهم على الورث وأنكروا جوازي من ابنهم.
محسيتش بنفسي ولا حسيت بأي حاجة. مشيت أصرخ وأبكي. الدنيا اسودت في عنيا. رميت نفسي قدام عربية معدية قدام الفندق. نجت بمعجزة. واحد من بتوع الأمن صعبت عليه أنقذني وداني المستشفى وفضل جنبي وأخذني بيته. وبعد ما عرف زايد الحرامي رفده من الشغل. فضلت عايشة معاه في بيته هو وأهله سنين.
وامبارح عمك عاصم عرف طريقي وقدر يوصل لي. فضل يعاتبني ليه ما رحتش ليه؟ وهو كان جابلي حقي. تعرفي أنا غلطت إن ما رحتلوش. كان كل حاجة اتغيرت. كنا زمانا عايشين مع بعض وجاب لينا حقنا. ده بس مكنش صحبه ده كان أقرب واحد لأبوكي. وهو اللي حكى لي إنك بدورى عليا وجابني على هنا وقال إنه هيساعدنا أنا وانتي ناخد حقنا ويرجع الفندق والثروة اللي أخدها زايد وعبد الرحيم.
زهور بغضب شديد هبت واقفة: أنا مش هسكت على اللي عملوه فيكي. لازم أنتقم منهم. بس إزاي أعمل كده وأنا لوحدي؟ صحيح أنا طردت زايد. بس أنا معرفش هو بيفكر في إيه. وكمان أنا لوحدي وهم عائلة كبيرة وليهم نفوذ.
عاصم هب واقفاً من مكانه. اقترب منها، مد يده يجذبها له. كور يده بضيق فور جلوسها مرة أخرى يتحدث بغيظ فقد فوتت عليه فرصة الاقتراب منها وضمها بين يديه.
متقوليش كده. أنا موجود وهاقف جنبك وأخد لك حقك منهم ومش بس كده. كل اللي يملكه عبدالرحيم وأولاده هيكون باسمك انتي وتحت تصرفك. بس حطي إيدك في إيدي ونتفق.
زهور تضحك بداخلها. تنظر إلى نظراته المتبادلة مع السيدة يحثها على التحدث. تقسم بداخلها سوف تنتظر للنهاية حتى تتعرف على كل مخططاتهم.
السيدة: شفتي يا زهروان عمك عاصم هيساعدنا نرجع حقنا. اسمعي كلامه وحطي إيدك في إيده واسمعي كلامه. هو الوحيد اللي هيجيب حقنا.
زهور بمكر تتحدث بتأثر: أكيد. أنا إيدي في إيدك يا عمي. كل اللي هتقول عليه أنا هعمله على طول. قولي حضرتك مطلوب مني إيه وأنا أنفذه على طول.
عاصم بفرحة: مفيش غير كام ورقة هتمضي عليها والباقي سبيه عليا. آه فيه حاجة مهمة هتفضلي قاعدة هنا. مش هتروحي هنا ولا هنا عشان ميوصلوش ليكي ويأذوكي.
زهور: أنا موافقة طالما حضرتك موافق. فين الورق ده وأنا أمضي عليه حالا.
عاصم بفرحة يشير لمساعده بإحضار الأوراق: كام ورقة هتمضي عليها وأنا اللي هقفلهم. يشير بعينه للسيدة بالتحدث.
تقترب منها السيدة تتحدث لها. تقاطعها زهور بسؤالها.
السيدة: أخيراً زهروان يا بنتي. ربنا جمعنا ومش بس كده هناخد حقنا ونتقم من اللي فرقونا.
زهور: هو ليه حضرتك بتناديني زهروان؟ مش بتناديني باسم انتي اخترتيه ليا.
السيدة: ها ابداً ابداً. بس خفتك تزعلي.
زهور: لا طبعاً هزعل من إيه. أنا بحب الاسم اللي انتي اخترتيه. ناديني بيه.
السيدة: ها اصل اصل.
زهور: اسمي زوزو. هو ده الاسم اللي ستي قالت إنك دلعتيني بيه.
السيدة: آه صح زوزو. اصل نسيت يا زوزو. هههه.
زهور تلعب بلسانها في حلقها. تنظر بطرف عينها على الواقف يتفحص في جسدها. تعض على لسانها بأسنانها. تحدث نفسها: اصبري يا زهور. اتحملي التمثيلية الفاشلة دي كام دقيقة تانية.
ترفع عينها ترى السائق يضع أمامها على الطاولة ملف به عدة أوراق ويشير للسيدة بأن تحدثها. زهور فهمت أنه يريد أن يشغلها عن قراءة الأوراق.
زهور: فين القلم.
عاصم: عماد انت اتجننت؟ جايب الورق وماجبتش القلم.
عماد: القلم أنا حاطه جنب الورق. زهور وهي ترفع الملف تنظر على الطاولة. مفيش حاجة. معلش بتحصل. ممكن يكون وقع على الأرض أو جبنا قلم تاني.
استغلت انشغالهم ومررت عينها سريعاً على الأوراق لتشهق فور وقوع عينها على إحدى الورقات. تغلق الملف تحاول تهدئة نفسها. تضع الأوراق على الطاولة. تجد من يرفع القلم أمامها.
عاصم: جبت لك قلمي الخاص. اتفضلي امضي بيه واسمحي لي أدهولك هدية مني ليكي.
زهور تومئ برأسها دون أن تتحدث. فتحت أول ورقة بالملف: أمضي فين.
عاصم: أشار لها على مكان التوقيع وهو يكاد يطير من السعادة. هنا يا حبيبتي. امضي هنا.
زهور: كتبت أول حرف من اسمها ثم تركت القلم من يدها لتختفي ابتسامة عاصم الذي تحدث بحدة.
عاصم: ما مضيتيش لسه؟ مش تكملي اسمك.
زهور: ماهو مش هينفع. أنا افتكرت حاجة مهمة قوي.
الجميع: إيه.
زهور: أنا لسه قاصر. مكملتش واحد وعشرين سنة عشان أمضي. وكمان والدتي هي المفروض الوصية عليا وتمضي هي. آه نسيت كمان أقولكم حاجة مهمة قوي.
عاصم بعصبية: إيه تاني.
زهور تلتف تجاه السيدة: الورث مكتوب باسم حضرتك. سلسبيل أحمد. يعني انتي الوحيدة اللي تقدري توكلي عمي عاصم أو أي محامي يجيب حقنا. اتفضلي القلم. إمضي حضرتك.
السيدة: ها أمضي أنا إزاي.
زهور: إزاي؟ إيه؟ القلم اهو اتفضلي امضي على الورق.
السيدة: أصل أصل.
عاصم يحاول أن يهدئ من عصبيته. ينظر لمساعده أن يرفع الأوراق من على الطاولة.
زهور تمسك الأوراق بيدها تحاول جذبها: سيب الأوراق. لسه ما اتمضوش.
عاصم: يحاول أن يجد رداً مناسباً. أصل الأوراق دي عشانك بس. مكنش في بالنا إن الثروة باسم والدتك. على العموم حصل خير. فيه كام ورقة بس هتمضيهم انتي.
زهور تهب واقفة بعد أن فقدت كل ذرات تحملها: ممكن نأجلها؟ أنا تعبانة دلوقتي وعايزة أخد أمي ونرتاح شوية. بعد إذنك هنرجع الفندق قبل ما حد منهم يعرف إني مش موجودة ويعمل حاجة كده ولا كده. تلتف للسيدة وتحاول أن تخرج الكلمات من فمها.
ـ يلا بينا يا يا إمي. فيه كلام كتير عايزة أحكيه ليكي. محتاجة أعرفك وتعرفيني.
عاصم يشير إلى مساعده وإلى السيدة بترك المكان. يقترب من زهور التي ارتدت للخلف عدة خطوات كلما اقترب منها وهو ممسك بالأوراق والقلم بيده.
_ أنا من بدري عارف إنك كشفتي اللعبة. بس قلت أصبر عليكي يمكن تطلعي هبلة زي أبوكي. لكن طلعتي كولك زايد وعبد الرحيم. نهال طلع معاها حق. بس على مين؟ أنا عاصم. عارفه يعني إيه عاصم.
زهور تبتعد عنه فور التفافه للخلف. يصرخ على مساعده.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم منى عبدالعزيز
قلبي ممزق بنار فراق عهد قطعته على قلبي بعدم النسيان.
جسد بلا روح، قلب بلا دقات، عقل رسمت مخيلته بحبيب توارى تحت التراب.
عين لم تعد ترى من بعده إلا سواه، أنامل لا تخط إلا باسمه، وورقة لا ترسم إلا بملامحه.
عين لا تهنأ بنوم إلا وصورته بين الجفون تنعم بدفئه.
ممدة على الفراش تتثأب، تلتفت للجهة الأخرى، تحرك يدها تتلمس الفراش بيدها، تنادي على النائم جوارها.
"يحيى يحيى قوم، الفجر بيأذن."
تنتفض جالسة بعد ملامسة يدها للفضاء، تلملم شعرها للخلف، تهبط من على الفراش تخطو تجاه الباب.
تضع يدها على فمها وهي تتثأب، تفتح الباب تخطو خارج الغرفة.
ترى إنارة المنزل مضاءة، تنادي على زوجها.
"أصبحنا وأصبح الملك لله.
يحيى ليه ما صحتنيش لما صحيت؟
يحيى يا يحيى فينك؟
أنتي يا أحلام عليكي مخ.
أكيد نزل يصلي الفجر بالجامع."
تتنهد بحزن وهي تمر من أمام غرفة زهور.
"ربنا يوقفلك ولاد الحلال يا زهروان بنت زياد وسلسبيل.
وحشاني يا زهور، البيت من غيرك وحش أوي.
مش عارفة كنت هستحمل إزاي أعيش فيه من غيرك.
الحمدلله ربنا رزقني بيحيى سند وحمى بعد السنين دي."
أنهت حديثها، دلفت للمرحاض، اغتسلت وتوضأت، وخرجت أدت فرضها وجلست تصبح الله وتتلو بعض من القرآن الكريم.
مر وقت وهي جالسة حتى شقشق ضوء النهار معلناً عن بزوغ يوم جديد.
تقف من جلستها تنظر بساعة الحائط أمامها، تشعر بنغزة بقلبها.
مر وقت ولم يعاود يحيى للمنزل.
ظلت جالسة عينها على باب المنزل، يتآكلها القلق.
تجوب المنزل ذهاباً وإياباً، تقف خلف النافذة المطلة على الشارع تنظر عبرها على المارة تستمع لأصواتهم.
"معقولة يكون راح السوق ولا راح يشق على أهله؟
طيب مقالش ليه؟
بس لا هو متفق معايا هنروح النهارده البيت الكبير.
مش عارفة قلبي بينغز عليا وحاسة بخنقة.
ياترى فيه إيه حصل؟
لا مش قادرة أصبر أكتر من كده.
أتصل على يحيى، قلبي واكلني على زهور أوي.
يارب يسترها عليكي يا بنتي."
خطت إلى غرفتها لا تعلم لما هذا الثقل على قلبها.
أمسكت هاتفها بيد مرتجفة، ضغطت على رقم يحيى، بعد محاولات أتاها الرد بعد أن هوى قلبها من الخوف.
أحلام ببكاء وصوت متحشرج: "الو الو يحيي يحيي."
يحيى بلهفة: "الو أحلام."
أحلام: "يحيى إنت بخير طمني عليك."
يحيى: "عيون يحيى، إهدي يا نور عيني، أنا بخير متقلقيش."
أحلام: "صوتك ماله يحيى؟ فيه حاجة حصلت؟ صوتك مش عادته. فيه إيه؟ سبتني وسبت البيت ليه يا يحيى؟"
يحيى: "إهدي يا أحلام، أنا مسبتش البيت، أنا في المستشفى."
أحلام مقاطعته: "مستشفى ليه؟ مالك تعبان؟ فيه إيه؟ ما تنطق يا يحيى، مش قادرة أتحمل."
يحيى: "مفيش أنا..."
أحلام مقاطعته: "قولي اسم المستشفى إيه."
يحيى: "أحلام أنا شو."
أحلام ببكاء بصوت مختنق لا يكاد يسمع: "الله يخليك قول اسم المستشفى إيه وفين؟ معتش قادرة أتحمل. دماغي بتودي وتجيب ومش هرتاح إلا لما أشوفك قدامي."
يحيى بسعادة من كلام أحلام، أخبرها باسم المستشفى.
ينظر في الهاتف الذي أغلق بوجهه بابتسامة، يشكر الله على العوض الجميل بعد سنوات الصبر والشوق الطويل.
ظل جالس كما هو، بعد أقل من نصف ساعة صدح هاتفه برنات متتالية.
يبتسم وهو يرى اسم المتصل، يقف من جلسته و يخطو عدة خطوات.
يقف أمام أحلام التي تقف تتلفت حولها وهي تستمع لصوت رنين الهاتف الذي تحفظه عن ظهر قلب.
فور رؤيته أمامها، أسرعت تجاهه، ترتمي بأحضانه تبكي.
يحيى بعالم آخر، يشعر بأنه طائر فوق السحاب، لا يصدق أن أحلام عشق عمره التي عانى سنوات فراقها اليوم هي من ترمي بأحضانة تمطره بكلمات الخوف والقلق عليه.
يحيى: "أنا لو قالولي إنك خلاص هتموتي ودي آخر لحظة بعمرك هقولهم موافق، طالما بين إيدين أحلام وفي حضنها."
أحلام بخوف اشتدت بضمة، تتمسك بجلبابه من الخلف تكوره بيدها: "بعد الشر عنك، ربنا يديك طولت العمر يارب."
تخرج من بين أحضانه تبتسم له وهو يكشر وجهه، تحدثه بصوت مازال يشوبه الاختناق من البكاء: "فيه إيه؟ جيت المستشفى ليه؟ حصل حاجة للحج الكبير؟ زهور حصلها حاجة؟ طمني الله يخليك."
يحيى قبض على يدها، نظر إلى عينيها الباكية، رفع يده الأخرى يجفف دمعاتها: "إهدي مفيش حاجة. تعالي نقعد وأنا أحكيلك كل حاجة. مالك قلقانة كده ليه؟ واديكي متلجة أوي."
يجلس يحيى وبجواره أحلام، يحرك يده على يدها يدفئها: "اهدي خالص، لا أبويا ولا زهور حصلهم حاجة. ده ماجد."
أحلام: "ماجد؟"
يحيى: "أيوه ماجد. اسمعيني للآخر من غير ما تقاطعيني، وانتي هتفهمي كل حاجة."
تهز رأسها بالموافقة، ويكمل يحيى حديثه: "أنا مكنش جايلي نوم، قمت لبست هدومي وقلت أنزل القهوة شوية وسيبك نايمة نص ساعة وارجع. نزلت وهناك السهرة أخذتني مع أبويا ومعلمين السوق ووصلت أبويا البيت. وأنا راجع سمعت صوت في شقة ماجد وصريخ إلينا."
و ليقص لها كل ما حدث حتى وصوله.
أحلام سحبت يدها من بين يديه، هبت واقفة، تتحدث ببكاء: "زهور مش كويسة يا يحيي. زهور هيحصلها إيه أكتر من اللي حصلها؟ قولي إلينا فين؟ هنا ولا في البيت؟"
يحيى: "إهدي بس، زهور بخير متقلقيش."
"لا مش بخير، أنا حاسة بكده. مش بخير. بسرعة قولي إلينا فين."
"فوق، قاعدة قدام العمليات."
أحلام بسرعة: "يا يحيى مفيش، أنا قلبي مش مطمن."
تهرول أحلام بجوار يحيى حتى وصلوا مكان جلوس إلينا التي تتحدث مع أحد الأطباء، لتجذبها أحلام من رسغها تحدثها بصوت متقطع من الشهقات.
"إلينا زهور فين؟ ومين الراجل اللي بعتي زهور ليه يا إلينا؟ انطقي."
إلينا: "خالتي أحلام أنا أنا معرفش."
أحلام: "انطقي متكدبيش! فين زهور؟ ومين الراجل اللي سألك عن سلسبيل وعاوز إيه من زهور؟ ومكانه فين؟ أقسم بالله لو كذبتي في كلمة واحدة ما يكفيني موتك. وريح أبوكي الراجل المحترم اللي طول عمره أخ وصاحب وجار، هو وأمك مشفناش منهم العيبة منك، من غير ما يغمض لي جفن. انطقي من غير لف ولا دوران."
إلينا ببكاء قصت كل ما حدث من وقت معرفتها بأن زهور هي زهروان ابنة صاحب الفندق حتى وقفهم أمامها.
يقف بذهول، يستمع لما يقال.
دون سابق إنذار، رفع يده يصفع الواقفة أمامه تتحدث.
تصعق أحلام مما رأت، تلتف تنظر لمن فعل ذلك، وليحيى الذي انقض عليه.
أحلام تصرخ بي يحيى: "يحيى سيبه ده."
يحيى: "انطقي من ده."
أحلام: "دكتور أحمد."
أحمد غير عابئ بما يقولون، يمسك يد إلينا يهزها وبصوت مرعب: "انطقي فين زهور وعنوان الراجل ده إيه؟ انطقي اللي هطلع روحك في إيديا."
إلينا بخوف أخبرتهم العنوان، ليتركها يحيى من يده ويهرول خلفه.
يحيى وأحلام غير عابئ بمناداة أحد الأطباء له، يخرج من المستشفى.
يصعد سيارته ويقودها تجاه العنوان، وخلفه أحلام ويحيى بعد أن صعدوا في سيارة أجرة.
ليصلوا خلف بعضهم للمكان التي أخبرتهم به إلينا.
تقف من باب الغرفة تحاول فتحة، ارتجفت يدها، تلتفت للخلف تستند على الباب بذعر وهي تراه يقترب منها.
ينظر لها بخبث، يفك أزرار قميصه ليكشف عن صدره.
تعاود الالتفاف، تستنجد بأحد، تدق على باب الغرفة.
تلتفت نصف التفاته، تنظر بعينها، تبتعد عن الباب فور رؤيتها لمن يحاول تطويقها من الخلف.
تسرع بالابتعاد عن الباب ليهوي هو عليه ويتأوه من الألم بعد أن ضرب رأسه ويده بالباب.
يلتف لها بسرعة يحدثها بغل شديد.
"هههه فرسة فرسة. بصي يا قمر لو فكرة بعمايلك دي هتفلتِ من بين إيديا يبقى بتحلمي. عمايلك دي بتخليني أجنن عليكي أكتر. واديكي شايفة الباب مقفول من برة وعماد ومشي، البيت فاضي علينا والعمارة هو مفهاش صريخ ابن يومين، فخلينا كده حلوين مع بعض وبلاش فرهده."
تجوب بعينها الغرفة تبحث عن أي شيء تحتمي به، تبتسم بداخلها فور رؤيتها لحقيبتها.
نظرت بطرف عينها عليه وهو يتقدم تجاهها بخبث، لتنحني تلتقط حقيبتها بخفة.
ينقض عليها من الخلف لتلتف بكل قوتها وتضربه بحقيبتها، ليسقط على الأريكة متأوهاً.
يضع يده على جبهته يصرخ من الألم، تجحظ عيناه وهو يرى تلك الدماء التي تسيل على وجهه.
يصرخ بها يسبها ويقسم بأن يجعلها تبكي من الألم على فعلتها.
"لو فاكرة بعملتك دي توقفيني يبقى بتحلمي يا بنت الأحدب. لو كنت عاوزك قيراط دلوقتي مصمم أربعة وعشرين. شايفة الدم اللي بينزل من راسي ده هخلي كل حتة في جسمك تنزله."
تقف متسمرة مكانها، ترى الدم المتدفق بخوف.
كلما اقترب منها ترجع خطوة للخلف.
ظلت تتحرك حتى التصقت بباب الغرفة، لتغمض عينيها وتتشبث بحقيبتها وسط ضحكاته التي يتردد صداها بالمكان.
فجأة صرخت وكادت تسقط أرضاً بعد فتح باب الغرفة من الخارج، لولا يد أحدهم استندت عليها.
يخرج من المصعد، عينه تجوب يمين ويسار يبحث عن رقم الشقة.
خطى تجاهها فور وقوع عينه عليها.
وقف لحظات يشعر بريبة فور رؤيته لباب الشقة مفتوح على مصراعيه.
وقف متردداً، حسم أمره ودخل ليقف متسمراً، ينظر للممدد على الأرض إحدى الغرف قريب من بابها والدماء تحاوطه.
يلتفت للخلف فور شعوره بحركة خارج الشقة.
يسرع في رؤية ما هناك، لعله من فعل تلك الفعلة.
خرج ينظر ماذا هناك، يلتف يمين ويسار، صعد درجات الدرج لم يجد شيئاً.
ليسمع صوت صرخة أحدهم يهبط الدرج.
فور تأكده من صاحب الصوت، يسرع في هبوط الدرج ليقف أمام البناية يتلفت يمين ويسار.
يقف يلتقط أنفاسه، يتلفت حوله وهو يستمع لصوت بكاء.
يسرع تجاهه، يصعق مما يرى.
يقطع المسافة في خطوتين، ينظر جالسة على الرصيف بزعر وبكاؤها يقطع نياط القلب.
يجلس بجوارها يحدثها بصوت حنون.
فجأة جحظت عيناه ودون أن يشعر رفع يده وهوى على وجنتها بصفعة مدوية.
ثم جذبها من يدها وأشار إلى عربة أجرة ودفعها تصعد بها وجلس بجوارها.
صدره يعلو ويهبط، أنفه تخرج منه أنفاسه كأنه ألهبة نيران في أوج اشتعالها.
يخبر السائق بمكان وجهته، يشتد في مسك يدها دون أن يتحدث.
مازال على هيئته لا يتحدث، فقط ينظر بطرف عينه على الجالسة بجواره تبكي بشهيق.
يجز على أنيابه بضيق، يخرج هاتفه أجرى اتصال هاتفي وأغلقه، يخبر السائق بالاسراع.
بعد وقت توقفت العربة بالمكان.
ترجل من السيارة يجذب الجالسة بجواره بعنف.
يخرج من جيب بنطاله ميدالية مفاتيحه، يفتح الأقفال بأحدهم، يفتح الباب على مصراعيه وهو مازال يمسك براسغها.
يخط للداخل وينظرها من يده، يشير لها بيده ويحدثها بصوت أجش مختنق.
تنزل كلماته عليها كالصاعقة، تنظر للمكان بذهول وهي ترى كم الأشجار والورود بالمكان.
تنزل على ركبتيها جاثية تبكي بقهر.
يسرع بسيارته، يطلق بوقها ليبتعد سائقي السيارات أمامه ويفسحوا الطريق أمامه حتى وصل العنوان الذي سمعه.
يهبط من سيارته، يدلف البناية وقبل أن يضغط على زر المصعد، التفت على صوت من يحدثه من الخلف.
"دكتور أحمد استنانا، احنا جاين معاك."
يضغط على زر المصعد، يشير لهم بالدخول ويدلف خلفهم.
يضغط على زر الصعود ورقم الطابق دون أن يتحدث بكلمة، فقط عينه على لوحة التحكم بالمصعد لا تحيد عنها حتى توقفت بالطابق المنشود.
يخرج أولاً فور توقف المصعد، يسرع بخطواته يبحث عن رقم الشقة التي أخبرته به إلينا.
يسرع في دخول الشقة أولاً، يرتد للخلف فور وقوع عينه على المدد على الأرض.
يلتف مع صرخات أحلام المتتالية ومحاولة يحيى تهدئتها وهي تشير على حقيبة زهور الملقاة أرضاً.
ينحني أحمد يلتقطها، وقبل أن يرفعها، وجد من يمسك يده ويحدثه بأمر.
تسللت من بينهم بعد تلقيها اتصال هاتفي، خرجت من الباب الخلفي للقصر دون أن يراها أحد.
تقف أمام القصر تشير إلى عربة أجرة تخبره بالمكان الذي تريده.
تصعد العربة وتجلس بالخلف تحدث نفسها بصوت واضح.
يسألها السائق هل تحدثت وتهز رأسها وتخبره بلا.
"ياترى حصل إيه؟ عمو يطلب مني أقبله في المكان ده؟ وليه صمم محدش يعرف؟ ربنا يستر قلبي مش مطمن، حاسة فيه حاجة وحاجة كبيرة كمان."
السائق: "فيه حاجة يا أستاذة؟ بتكلمني؟"
غدير: "لا بس ياريت تزيد السرعة شوية."
يومي السائق برأسه ويهمس لنفسه: "ربنا يستر، قرافة وبتكلم نفسها. أنا كان مالي ومال المشوار ده بس ياربي. ربنا يعدي المشوار ده على خير."
غدير لازالت على حالها تتسأل ماذا حدث، وما تلك الأصوات التي سمعتها أثناء حديث عمها لها.
قلبها يدق بسرعة مع تخيلها لما قد يحدث، تدعو ربها بأن يخلف ما يحوب بعقلها.
يتوقف السائق أمام المكان التي أخبرته به ويخبرها.
تنظر حولها تجده يقف بعيداً عدة أمتار عن المكان.
غادير: "وقفت ليه هنا؟ لسه موصلناش المكان."
السائق: "يا أبلة الله لا يسيئك انزل اتمشي الشوية دول على رجليكي. أنا مش هقدر أكمل لجوة."
غادير: "ليه ان شاء الله؟ أنا قلتلك العنوان وحضرتك وفقت، يبقى تكمل الاتفاق ودخلني للمكان إلا لو كنت مش عاوز حسابك."
السائق: "يعني إيه؟ بعد المسافة دي كلها غير تلبيشت جسمي، وانتي نازلة كلام مع نفسك مش عاوزة تدفعي تمن المشوار."
غادير: "هو كده عجبك ولا مش عجبك، هتكمل كان بها، هتاخد حسابك تالت ومتلت. مش هتكمل يبقى خلاص، هنزل ومفيش ولا مليم."
السائق: "أولاً أنا ميهمنيش الفلوس، بس هكمل مروءة مني عشان متمشيش في الحر ده المسافة دي كلها. وكمان ممكن حد كده ولا كده يطلع لك. بس بلاش تكلمي نفسك الله يكرمك، خليكي كده قمورة بنفسك لحد ما تنزلي."
تبتسم له على كلماته وتهز رأسها بالموافقة.
تشير له على المكان الذي يمر منه وتنظر من النافذة حتى وصلت إلى مقصدها.
تخبره بالتوقف، تخرج من جزدانها مبلغ مالي وتعطيه له وتترجل من السيارة وهي تشكره.
تخطو باتجاه المكان، تقف بعد دخولها تضع يدها على فمها وهي ترى وتسمع عمها يقف ظهره لباب المكان.
يشير بيده تجاه قبر مكسو بالورود، يتحدث بصوت وهن مقهور.
زايد: "سلسبيل اللي بتتهميها بأنها عديمة الأخلاق، بأنها سبب اللي حصلك، بتلعني فيها وبتسبيها. سلسبيل آخر كلمة نطقت بها كانت اسمك سلسبيل اللي عمالة تلعنيها، لمجرد كذبة وإنتي صدقتيها. سلسبيل ماتت من عشرين سنة زي النهارده، ماتت مقدرتش تتحمل خبر موت أبوكِ."
يقترب منها، ينزل ببطء، يجثو على ركبتيه، يتلمس الاسم المنحوت.
"عارفة يعني إيه الإنسان اللي بتحبه وبتعشقه يموت؟ العالم يقف عند اللحظة دي، حياتك كلها بتقف معاه. عقلك مش بيتذكر غير اللحظة دي. كل ذكرياتك معاه هي اللي عايشة بيها، ووصيته هي اللي عايش عشان تنفذها ليه. عارفة يعني إيه تكوني عايشة وميتة بنفس الوقت؟ عارفة يعني إيه بتتقطع جواك مليون حتة وإنت بتفتكر أول مقابلة وأول دقة قلب، أول كلمة ونظرة عينيه وابتسامته الجميلة اللي تخليك تبتسم كل ما تفتكرها. لما كل ده يروح من قدامك ويروح لغيرك وترضي بقضاءك وتحاول تعيش، فجأة الأمل يتجدد قدامك وترسم بخيالك قصور الرمل وتيجي موجة عالية تمحي اللي بنيته. عارفة معنى إنك تدفن كل ده تحت التراب بإيدك وتعيش؟ متبعد كل ده بكل وقاحة جاية تقولي عليها قدامي إنها."
يكور يده، يجز على أسنانه يكاد يطحنهم من شدة الضغط عليها.
يتكلم بصوت مكتوم من بين شفتيه.
"مش قادر أنطقها. سلسبيل أهي قدامك أهي. العنها زي ما كنتي من شوية نازلة تلعني وتقسمي بكرهك ليها."
تزحف على ركبتيها، ترمي على قبر والدتها، تضمه بيدها تبكي وهي تقبله.
دموعها تنزل كشلال لا يتوقف، تتحدث بصوت يكاد يسمع.
"من يوم ما وعيت على الدنيا وأنا بلعن فيكي. عشرين سنة وأنا بنادي باسمك كأنك عار ووصمة لازقة بيا. كل يوم أحط راسي على المخدة وأنا بدعي عليكي. كل يوم بتهمك بأنك سبب عذابي وقهرى. كل يوم بلعنك ألف لعنة ولعنة. مفيش مرة جه في بالي إنك تكوني ميتة ومدفونة تحت التراب. كنت بتهمك بالطمع، بتهمك بتهمة غير اللي قبلها. كل تعبي ووجعي اتهمك إنك السبب فيهم. سامحت زياد ونفذت وصيته وحقدت عليكي وأنا بقرا مذكرات وكل كلمة حب قالها ليكي. كنت بحلم باليوم اللي هشوفك وتاخديني بحضنك. دلوقتي أنا بحضن قبرك بدل حضنك. عشرين سنة والكل بيتهمك بأقذر الاتهامات وإنتي هنا مدفونة تحت التراب. ااه يا أمي ااه يا أمي."
ترفع رأسها تنظر للجالس أمام القبر، يسند على حافة القبر يبكي وشهقاته تتردد بالمكان.
"احكلي عنها. ماتت إزاي؟ وعرفت مكانها إزاي؟ ومين اللي دفنها هنا؟ وليه ناديت عليا باسمها أول ما شفتني قدام الفندق، طالما كنت عارف بموتها؟"
يرفع رأسه، ينظر لها نظرة طويلة، يتحدث وهو يضع يده على قلبه ويسقط أرضاً.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم منى عبدالعزيز
ظل يتمتم بكلمات ويلعن تحت أنفاسه شقيقه واللامبالاة التي يجسدها. ينظر له ويهز رأسه على تلك الابتسامة الساذجة على وجهه. يرفع كتفيه لأعلى ويتنهد.
"مالك يا بني فاتح بقك فرحان كده ليه؟ ولا كأننا كلنا في نفس البلوة. نقول البيت رطب ريحته مش لطيفة، تقول هادي ومريح للأعصاب. نقول المياه والحمام تقول دخلت عادي ومفهوش حاجة. لو مكنتش عارفك وعارف قد إيه أنت قراف وماشي بالمعقم والمطهرات، كنت قلت اللي بتعمله ده عادي. لكن كلنا عارفينك وعارفين طبعك. إيه بقى حكايتك عامل كده ليه؟ أرجوك بلاش نظرتك والبرود اللي أنت فيهم ده."
يهز رأسه ويصعد الدرج وهو يستمع لحديث شقيقه بغير تصديق لما يقوله.
"يا حول الله، مش مستحملين يوم. أرضوا بالواقع اللي بقينا فيه، محدش عارف هنفضل كده قد إيه. طول عمرها عايشة في البيت ده، قد إيه عانت واتبهدلت. أنا إزاي معاش كام يوم من السنين الطويلة اللي عشتها."
"يا ناس ارحموني، بطلوا كلام. خلاص هنفجر، مش قادر أتحمل. وزين بيعمل إيه ده كله؟ واحد فيكم يطلع يشوفه."
"يا بني ادخل الحمام ريح نفسك، ما أنت لازم تتعود. محدش عارف هنعيش قد إيه هنا. وأنا دخلت قدامك. قوله يا حازم، أنت مش لسه كنت بالحمام."
بعصبية، يضع يده على جنبه، ينفخ من فمه مرات متتالية، يتحدث من بين أسنانه.
"مت'قولش حمام قدامي ده، لا يمكن يكون حمام أبداً. حازم ارحمني واطلع شوف زين، كل ده بيعمل إيه؟ قدر يلاقي حل يخرجنا من هنا ولا لأ."
حازم أومأ برأسه وصعد الدرج حتى وصل لسطح المنزل. يدور حول نفسه، يجوب بعينيه بحثاً عن زين. يسرع بخطواته على السطح، ينظر للأسفل، مع سماعه لصوت صراخ. يفتح فاهه وتجحظ عيناه وهو يرى.
زين بعد قفزة بكومة الروث، معتقداً إنها كومة من القش. يتلمس وجهه، يجد شيئاً لزجاً ذو رائحة كريهة يملأه من رأسه لأخمص قدمه. ينفض نفسه وهو يسب ويلعن حاله ومن أحضرهم لهذا المكان. ينفض عن يديه ويزيح عن وجهه، يخطو بعيداً. يسرع بخلع نعليه ويلقيه بعيداً بعد شعوره بشيء لزج يعيق سيره. يرفع يده يبعد ما يتساقط من على جبهته وعينه. يسب بصوت جهوري ويركل الأرض بقدمه وينحني يخلع جواربه. ويتلفت يميناً ويساراً حتى وقعت عيناه على مجرى مائي على بعد خطوات. يهرول تجاهه، وهو يبعد بيده ما يتساقط من شعره على عينيه يعيق رؤيته. يشعر باصطدامه بأحدهم، ليسقطا معاً ببركة المياه. يفتح عينه ويرتد للخلف، يسقط على ظهره مغمض العينين. ينظر المياه باستمتاع على وجهه ويضرب بيده يلعب بالمياه.
يفتح عينيه بذهول وهو يستمع لصوت أنثوي يصرخ وصوت ارتجافه يحرك المياه. يعتدل سريعاً، ينظر لها وهي تفتح عينيها. تلتقي العينان بنظرة دامت لثوانٍ. شاح بعينه يتفحصها وينظر لشعرها الذي تتساقط منه المياه كأنها حبات لؤلؤ تنفرط من سلسال ذهبي طويل. يعاود النظر لعينيها، يقف بدون حركة أو نفس يخرج منه. ينظر لفرق الطول بينهما، يوزع نظراته بين عينيها وفمها وهي تنطق بصعوبة بكلمات لا يفهمها. يلتف كل منهما للجهة الأخرى، يخرجا من المياه ويصرخان بكلمات غير واضحة لكليهما.
زين يهرول نحو المنزل حتى وقف يلتقط أنفاسه أمام الباب من الخارج. يتمتم بكلمات.
"بسم الله الرحمن الرحيم. جنيه جنيه المايه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إيه المكان العجيب ده ياربي. أقسم بالله إيديا يطولوا اللي جبنا لهنا. لما ربيته على عملته دي. مبقاش زين الغمراوي."
ينظر إلى أعلى، يستمع لصوت يضحك ويشير عليه. يحدثه من بين ضحكاته، ويتوعده زين بأن يؤدبه على ما يقوله.
"ههه عفريت بعيون خضرة ههه. زين الغمراوي مدير شركات الغمراوي على سن ورمح بقى عفريت بعيون خضر. فين جدي يشوف أسد العيلة وكبيرها خايف من عيلة صغيرة وبيقول عليها جنيه الميه."
"زين بعصبية وصوت متوتر بعض الشيء يحاول أن يجمع شتاته."
"حازم اخرس خالص مش عايز أسمع صوتك. مش كفاية كل اللي إحنا فيه بسببك. وبسبب استهتارك. وأنصحك خليك مكانك عشان لو إيديا مسكوك مش هيحصلك كويس."
"حازم: ههه مش قادر هههه شكلك مسخرة وإنت بتجري أول ما شفت البنت. الا هي راحت فين صحيح دي إختفت."
ليبلع ريقه بخوف ويسرع بالهبوط من على درجات الدرج محاولاً الثبات حتى لا يتخذه الجميع سخرية.
زين يتلفت حوله بخوف جالي، وجسده بدأ بالتعرق. يشعر ببرودة أوصاله. يسرع بضرب الباب بجسده يحاول فتحه دون جدوى. ليبتعد قليلاً يبحث عن شيء يكسر به قفل الباب. يبعد خطوات قليلة عن باب المنزل، ينظر يميناً ويساراً وينحني يلتقط فأساً صغيراً وجده بجانب المنزل. يسرع بالعودة. يرفع الفأس وبقوة يهوي على القفل يكسره ليقع أرضاً أثر صراخ حازم الذي فتح الباب على مصراعيه. محذراً إياه من أحد خلفهم.
ــــــــــــــ
"تهرول وهي تنادي على شقيقتها بصوت غير واضح تتمتم بكلمات غير مفهومة."
"ع ع عفريت بعين خضراء عفريت المياه، جنات جنات."
تقترب منها شقيقتها تحدثها بسعادة وفرحة عند سماع صوتها. تكور وجهها بين يديها تنظر لها بحب وحنان أخوي وبعين دامعة تحدثها.
"جنات: جنه انتي رجعتي تتكلمي زي الأول؟ أنا مش مصدقة نفسي. الحمد لله يارب الحمد لله. قد إيه بابا الله يرحمه كان هيفرح برجوعك تكلمي مرة تانية."
تفتح عينها وتهز رأسها وتذهل مما تسمعه لثوانٍ معدودة وتخرج منها ضحكة عفوية. تضم شقيقتها تربت على ظهرها تحاول تهدئتها بعد إجهاشها في البكاء.
تصمت وتستمع لشقيقتها وهي تشير لها على المياه، تحدثها بصوت مهتز.
"جنة: عفريت بعيون خضر يا جنات شفته شفته عفريت عملاق وعيونه خضراء بالمياه. طويل أوي طول الشجرة." لتصمت وصوت بكاها غلب على صوتها. تسحبها جنات تضمها.
"إهدي يا جنة يا حبيبتي متخافيش مفيش حاجة أنا معاكي اهو. مفيش حاجة ظهرت ممكن بس بتهيألك فرع شجرة عايم على وش الميه ولا حاجة. انتي مالك مبلولة ليه كده وفين حجابك يا جنه؟ إحكيلي إيه حصلك."
جنه تخرج من أحضانها وبصوت متحشرج من البكاء تقص لشقيقتها ما حدث.
"أنا روحت أشوف الحوض القبلي المايه وصله ليه ولا لا زي ما قولتيلى. خلصت وأنا ماشيه بعدل حجابي على شعري معرفش إيه حصل لقيت نفسي وقعة بقناة الري ومحستش حصل إيه كأن اتخبطت فى حيطة. مشفتش حاجة غير وأنا المياه مغرقاني والحجاب عام مع الماية. وقفت بسرعة ألحقه وببص عليه لقيت واحد نايم على ضهره على الميه وعمال يلعب فيها بيده. ولما صرخت وقف مرة واحدة لقيته طويل وعيونه خضر. نفس وصف العفريت اللي بابا دايماً كان بيقولنا عليه وإحنا صغيرين."
"جنات تربت على كتفها."
"متخافيش يا حبيبتي إهدي خالص، مفيش عفاريت ولا حاجة. بابا الله يرحمه كان بيخوفنا بس عشان منجيش الأرض وهو مش معانا."
تبتر كلامها وتشير لها بالصمت وترفع يدها لأعلى. تلتفت جنة لما تشير إليه، ترتجف وتتمسك بجنات التي أشارت لها بالصمت وتهمس لها بأن تتبعها، دون أن تصدر أي نفس وهم يرون الواقف على سطح المنزل ينظر إلى أسفل يحدث أحداً.
"جنات بهمس: ده مش عفريت يا جنه دول حرامية بيسرقوا بيت خالتي أحلام."
تنحني تمسك عصا خشبية سميكة بيدها تلتف إلى شقيقتها تشير لها بعينيها وتضع إصبعها على فمها بأن لا تصدر أي حركة وتظل مكانها، لتهز جنة رأسها بالرفض، لتخطو جنات تجاه المنزل تلتصق بجانب المنزل وبجوارها جنة تفعل كما تفعل شقيقتها. تسير بمحاذاة المنزل حتى اقتربت من الباب الأمامي لتباغت الواقف أمام المنزل تزامنًا مع كسرة لباب المنزل صراخ أحدهم. يفتح الباب على مصراعيه يسقط الأول أرضاً ويتلقى الأخرى الضربة مكانه ويسقط أرضاً متأوهاً يضع يده على جبهته ويغشى عليه وهو يرى دماء تتدفق من جبهته.
تتسمر الفتيات مكانهما دون حركة وسط صراخ أحدهم لهن.
زاهر لم يعد يتحمل الوقوف هرول تجاه المرحاض بعد أن فقد كل ذرات تحمله ليخرج بعد قليل يكتم فمه بيده يحاول أن يخفف شعوره بالغثيان. ليقف لثوانٍ معدودة ويهرول تجاه الباب وهو يرى شقيقه ممدداً على الأرض وبجواره زين وحمزة يحاولان إفاقته. يقترب منهم ينحني بجذعه يرى تدفق الدماء من جبهة شقيقه. ينزع قميصه ويكوره ويكتم به الدماء ويصرخ بحمزة بأن يساعده بحمله ويدخله داخل المنزل.
زين يلتف تجاه الفتيات يبتلع ريقه بصعوبة وهو يرى نسخة مطابقة لنفس الفتاة نفس الطول والملامح والعيون الزرقاء مع اختلاف واحدة ترتدي حجاب وأخرى لا. يقف دون حركة غير قادر على نطق كلمة. يستمع لصوت زاهر ينادي عليه من داخل المنزل ولا يستطيع أن يرد عليه. يبتلع ريقه مرات متتالية وعينه لا تتزحزح من مكانها. ينتفض فزعاً ويلتفت بطرف عينه مع وضع أحدهم يده على كتفه من الخلف. يشير على الفتيات وهو يستمع لحديث من يكلمه.
"زاهر: زين إنت مجنون يا بني إزاي تضرب حازم بالشكل ده، عمل إيه خلاك تفقد أعصابك بالشكل ده."
زين يشير تجاه جنة وجنات ويعاود الإشارة إلى نفسه يهز رأسه ويتحدث بصوت يكاد يسمع.
"زين: أنا معملتش حاجة. دي دي بسم الله الرحمن الرحيم ال واقفة قدامك دي."
زاهر يتركه ويتجه إلى الفتيات يحدثهم بغضب وصوت مرتفع.
"انتم مجانين ضربتوه الضربة الغبية دي ليه."
جنات تحاول تجمع شتاتها وتظهر قوتها.
"جن لما يلخبطك إحنا مكناش نقصده هو. تشير على زين. إحنا كنا نقصد ده والأخ التاني هو اللي عمل ذكي وأخذ الضربة مكانه."
"زاهر: وفرقت إيه ده من التاني؟ عملولك إيه لكل ده."
"جنات: حرامي بيكسر قفل الباب. إيه هنسمي عليه ولا هنشجعه."
يسرعوا جميعاً تجاه المنزل مع مناداة حمزة لهم بصوت مرتفع أرعبهم. يسرع زاهر تجاه شقيقه يحاول إفاقته.
"جنات اقتربت منه بخوف تتحدث إليه."
"حصل له إيه؟ مات."
"زاهر: يلتفت لها. إنتي اجننتي! إيه اللي بتقوليه ده."
"جنات: بخوف بص يا كابتن. في مستشفى قريبة من هنا ربع ساعة بالضبط ونكون فيها. شيلوه وأنا هجيب العربية ونطلع قوام على المستشفى."
زين: عينه على الواقفة على بعد أمتار من المنزل. تغمض عينها مع تعامد الشمس عليها، تجذب ملابسها الملتصقة من الماء على جسدها بيد وبيد أخرى تلملم شعرها الذهبي الملتصق بوجنتها تحاول وضعه خلف أذنيها ليعود كما هو من كثافته. يدلف للداخل مسرعاً يبحث بعينه مكان مبيتهم لتقع عينه على ما كان يبحث عنه. يسرع بفتح حقيبته ويخرج منها شيء ويعاود الخروج من المنزل يجوب بعينيه لا يرى أحد ليسقط ما بيده ويهرول لداخل المنزل يرتد فزعاً متلعثماً يتمتم بكلمات غير واضحة يفرق عينيه ويعاود بفتحها وهو يرى التي تقترب منه. يبتعد عنها وهي تخطو تجاه الباب.
"زين: بسم الله الرحمن الرحيم. سلامًا قولا من رب الرحيم. بسم الله بسم الله. ياربي إيه اللي بيحصل للواحد ده. هي دي إنس ولا جن. ودخلت إمتى. أنا خلاص قربت أتجنن. مرة بشعرها ومرة بحجاب. هم اتنين ولا واحدة؟ أنا متأكد إني شفتهم اتنين من شوية. فجأة بقت واحدة. كانت واقفة قدامي بشعرها دخلت وخرجت ملقتهاش. دخلت لقيتها قدامي. لو هم اتنين راحت فين التانية؟ ومين اللي واقفة قدامي بحجاب؟ هي نفسها ولا نسخة تانية منها."
ينتفض ويقفز فزعاً مع ربت أحد على كتفه من الخلف. ليضع يده على صدره يهدئ من روعه وهو يستمع إلى من يتحدث معه عينه على الباب غير قادر على الرد.
"حمزة: زين مالك يا بني واقف كده ليه؟ إيه جرالك."
يضع يده على فمه وأنفه.
"ايه الريحة المقرفة دي افف. ادخل غير هدومك يا بني هتبرد وأصرف في راحتك دي."
ينظر إلى شقيقه وحالته الغريبة وملابسه الرثة والمبللة بالماء. يربت يديه ببعضهما يحدثه وهو يرحل مغلقاً الباب خلفه.
"لا إنت حالتك غريبة. رد يابني ساكت كده ليه. على العموم أنا هروح مع زاهر المستشفى نطمن على حازم. يلا سلام."
تخرج جنات مسرعة تنادي على شقيقتها وتبحث عنها بأحواض الزهور. تهرول باتجاه إحدى الزوايا بالمشتل تجد شقيقتها تجلس متقوقعة على حالها.
"جنات: جنه قاعدة كده ليه."
"جنة بصوت ضعيف: أنا قاعدة في الشمس لحد هدومي ما تنشف."
"جنات: لا كده هتاخدي برد وصدرك يتعب. أنا خلاص قفلت ماكينة الري. البسي عبايتك وشالك وروحي البيت غيري واشربي حاجة سخنة. أنا هاخد العربية والجدع اللي ضربته أوديه على المستشفى."
"جنة: لا متسبنيش لوحدي. أنا مش هقدر أروح لوحدي ولا هقدر أفضل هنا."
"جنات: خلاص البسي عبايتك بسرعة على ما أجهز العربية والبغل."
ـــــــــــ
يقف مسند شقيقه بيده بعد خروجهم. يتركه حمزة يطمئن على زين لحين قدوم الفتاة بالعربة كما أخبرتهم. تجحظ عيناه ويفتح فاه بصدمة وهو يرى العربة التي أخبرتهم عنها الفتاة. يهز رأسه بعدم تصديق. يلتفت لمن يضحك خلفه بصوت عالي جداً. ويعاود النظر تجاه الفتاة وإلى العربة. يحرك رأسه يميناً ويساراً بغير تصديق وهو يرى عربة حديدية صغيرة لها جوانب حديدية ويجرها بغل كبير.
"ا تشير له بأن يضع شقيقه داخل العربة، وتحثه على الإسراع للحاق بالطبيب. وتهبط من العربة تنهر الذي يقف يضحك دون أن يتحرك من مكانه."
"الفتاة: إنت يا أستاذ واقف كده ليه؟ اتحرك بسرعة الجدع دمه هيصفي. ركبه العربية بسرعة عشان نلحق الدكتور قبل ما يمضي ويمشي. وإنت يا أستاذ بدل ما حضرتك عمال تضحك عمال على بطال. تعال ساعد الجدع يطلعه على العربية."
حمزة هز رأسه وساعد زاهر وحملوا حازم يضعونه في العربة ويصعد حمزة ويضع رأس حازم على قدمه وهو لازال يضحك. يشير إلى زاهر بالصعود جواره.
"زاهر: نفسي أعرف جايب البرود اللي أنت فيه ده منين."
"حمزة: تتبدل ملامحه وتختفي ابتسامته يحدثه باتزان."
"اطلع يا زاهر إحنا في وضع مش قدامنا غير الرضا بالأمر الواقع. معدش في رفاهية الاختيار. وياسيدي اعتبر إنك نايم وبتحلم."
"زاهر بحدة: ده مش حلم ده كابوس. كابوس بشع. أنا مش قادر أصدق إن في ناس كانت عايشة في البيت ده."
"جنات: مش يلا بينا بقى يا أستاذ؟ هتركب تيجي معانا ولا لا؟ مفيش وقت مش هنلحق الدكتور."
زاهر يتنفس بضيق يومئ برأسه ويصعد يجلس بجوار حمزة دون أن ينطق بكلمة. تنطلق جنات بالعربة بعد صعود جنة جوارها. بعد وقت قليل وصلوا أمام وحدة صحية. ترجلت جنة وجنات من العربة وأشارت لهم بحمل حمزة والقدوم خلفها. تدلف داخل الوحدة تبحث عن أحد تسأله عن مكان الطبيب. لا تجد سوى ممرضة تخبرها برحيل الطبيب. تخرج لهم تخبرهم برحيل الطبيب. يخبرها زاهر بأنه طبيب. تنظر له من أعلى لأسفل بعدم تصديق. يكور زاهر يده بعصبية يتحدث من بين أسنانه محاولاً تمالك نفسه.
"زاهر: شيل معايا يا حمزة ندخله أوضة الكشف. لو وقفت ثانية كمان ها أرتكب جناية."
يحمل حمزة وزاهر حازم يدلفون داخل الوحدة يبحث بعينيه عن غرفة الكشف يسرعوا تجاهها يضعون حازم على فراش صغير متهالك. تأتي الممرضة تنهرهما على دخولهم الغرفة يلتفت لها زاهر يحدثها بعصبية ويطلب منها إحضار ما يلزم لخياطة الجرح وتعقيمه.
بعد وقت انتهى زاهر من خياطة جرح حازم بمساعدة الممرضة المذهولة من خفة يده وبراعته في قضم الغرز. يطلب منها مجموعة من الأدوية المسكنة لا يجدها متوفرة تخبره بأنها من الممكن إيجادها في صيدلية البلدة. يتلفت حوله لا يجد حمزة. يخرج زاهر يبحث عنه لا يجده. يقترب من الفتيات يسألهم عن مكان صيدلية البلدة. تسأله جنات لما يسأل يخبرها بأنه يريد إحضار مجموعة من الأدوية والمحاليل الطبية. تطلب منه إخبارها بأسماءها وأنها سوف تحضرهم له. ينظر لها نظرة ساخرة ويحدثها باستهزاء.
"زاهر: هههه أقولك الأسماء وإنتي تجيبيها؟ طيب هتعرفي تقولي اسمها؟ قولي أكتبها لك."
"جنات بعصبية: بقي أنت يا دكتور الحيوانات بتتريق عليا؟ أنا. أنت فاكرني جهلة. اللي واقفين قدامك دول معاهم بكالوريوس زراعة بدرجة امتياز."
زاهر ينظر لهم بذهول وإلى ملابسهم ويلتف ينظر للعربة يهز رأسه بعدم تصديق. يشير لهم بطرف يده مستنكراً كلامهم.
"بكالوريوس وامتياز أنتم؟ طيب الواحد يصدقك إزاي."
"جنه بصوت هادئ مهتز: قصدك إيه إننا بنكذب."
"زاهر: الحقيقة كلامكم مش راكب على اللي شايفه قدامي. مش باين عليكم متعلمين أصلاً. مش معاكم بكالوريوس وبامتياز."
"جنات: امال باين علينا إيه إن شاء الله؟ ومين أنت عشان تصدق يا دكتور البهايم؟ إن شاء الله عنك ما صدقت. عارف أنا الغلطانة عشان بكلم مع واحد زيك."
ينظر لهما ويتركهما واقفين ويدلف للداخل، ليتوقف قليلاً ويضحك باستهزاء على كلامها ويدلف إلى غرفة الكشف يجد حازم فاق.
"جنات بعصبية: هتيجي لحد عندي ومش هساعدك غير لما تعتذر."
"زاهر: حمد الله على سلامتك يا زوما."
"حازم: دماغي وجعاني قوي يا زاهر وعنيا مش قادر أفتحها من الصداع."
"زاهر: أكيد لازم تحس بشوية ألم أنت أخدت ضربة جامدة على راسك."
يلتفت للممرضة.
"الصيدلية بعيدة عن هنا."
"الممرضه: أيوه ساعة الصيدلية في قلب البلد متوهش جنب مسجد البلد."
"زاهر: ساعة مشي من هنا؟ سهلة. خدي بالك كويس منه لحد ما أرجع."
"الممرضة: مشي إيه حضرتك؟ ساعة دي بعربية توكتك لو مشي قدامك ساعة ونص ساعتين. حضرتك شكلك غريب بدل ما تتعب نفسك المهندسة جنات قولها على الأدوية وهي تجيبها وترجع."
"حازم بألم: آه دماغي هتنفجر من الوجع مش قادر أستحمل. شوفلك حل يا زاهر."
"زاهر: حاضر حاضر اصبر شوية. هنرجع البيت ونشوف حل ما أنا لا يمكن أعتذر للبتاعة دي."
حمزة يقف عند باب الغرفة.
"أهلا عبدالرحيم باشا."
يلتفت له زاهر وحازم يرفع عينه تجاه بصعوبة.
"زاهر: فين جدو؟"
"حمزة: يشير على زاهر. حضرتك عبدالرحيم باشا شكلاً وموضوعاً. نفس الأسلوب ونفس طريقة الكلام. ومش بس جدو لا عمتو زينة فولة واتقسمت نصين. بدل ما تشكر البنت على مساعدتها لينا لا تستهزء بها وتسخر منها. للأسف يا زاهر كل يوم بتثبت إن مبادئك غير أفعالك. زي ما تيته بتقول الطبع غلاب وحضرتك الغرور والعنجهية جزء من شخصيتك. أنا خارج أعتذر للبنات على تعبهم معانا."
"حازم بتعب: حمزة عنده حق يا زاهر. أنت أوقات غرورك بيخليك تدوس على مشاعر اللي حواليك. أنا صحيح مش فاهم حمزة بيتكلم عن مين بس لو أنت غلطت اعتذر."
زاهر ينظر لي حمزة وهو يرحل يضرب يده بباب غرفة الكشف ويرحل خلفه. يقف متسمراً وهو يرى حمزة يهرول خلف الفتيات بعد رحيلهم تاركين العربة أمام المشفي. يقف ينظر لـ حمزة وهو يتحدث مع الفتيات ويعود وحيداً. يقترب منه يرفع كتفيه ويهز رأسه بأسف ويدلف للغرفة تاركاً إياه يقف يوزع نظراته بين الفتيات وهم يبتعدوا وبين العربة. يلتفت على صوت الممرضة تتحدث مع حمزة تطلب منهم الرحيل لاقتراب موعد مغادرتها. يخرج حمزة وهو يساعد حازم بعد شكرهم للممرضة واقترابهم منه يحدثه حمزة بسخرية.
"حمزة: إتفضل يا دكتور زاهر سوق بينا حضرتك العربية لان أنا هسند حازم عشان ميتعبش."
"زاهر: نعم؟ ودي بقي هتسوق إزاي والهانم أخدت الحمار ومشيت."
"حمزة: أولاً ده بغل مش حمار. ثانياً حضرتك زي ما كنت السبب في زعل البنات وخليتهم يمشوا يبقى أنت اللي تسوق العربية وتوصلنا."
"حازم: أنا مش قادر أقف على رجليا ودماغي هتنفجر من الوجع. ممكن تشوفوا حل بسرعة."
"حمزة: مقدمناش غير حل من اتنين. يا تركب العربية دي وزاهر يشدها لحد ما نوصل البيت يا إما نمشي على رجلينا لحد البيت ونستريح بالسكة."
"حازم: يبني أنا مش قادر أخطي خطوة واحدة تقولي أمشي."
"حمزة: هم دول الحلول اللي قدامي."
"زاهر: نمشي نمشي. لكن أنا استحالة أعمل اللي بتقول عليه وأكون بديل الحصان أبداً."
"حمزة: بغل مش حصان. أصلها بتفرق."
زاهر بغيظ يقترب من شقيقه يقف أمامه يشير له وهو يحدثه.
"تعالي هشيلك على ظهري شوية وأبدل أنا وحمزة. ومش عايز حد فيكم يكلم كلمة واحدة مفهوم. يلا يا حازم مش هنفضل اليوم كله واقفين."
يستجيب حازم ويصعد على ظهر زاهر يحاوط رقبته بيده ويسيروا في نفس طريق قدومهم للمشفى. بعد سيرهم مسافة طويلة وقفوا يلتقطون أنفاسهم. يطلب زاهر من حمزة حمل حازم ليوافق حمزة على مضض ويكملوا طريقهم حتى وصلوا أمام المنزل يرون سيارة تقف أمام المنزل. يدلف زاهر أولاً فور تأكده من هوية السيارة. يقف دون أي مقدمات ينقض على الجالس مع زين يلكمه بضربات متتالية.
_______
"يسقط من يدها ما تحمله تضع يدها على قلبها تشعر بنغزة قوية اخترقت قلبها ودوار داهمها وتستند على الحائط جوارها تستعيذ من الشيطان مما جال بخاطرها. يقترب منها بخوف فور سماعه ما سقط من يدها يربت على كتفها يهدئها ويحاول معرفة ما أصابها."
"عبدالرحيم: في إيه يا زهور؟ تعبانة؟ اتصل على حسن ييجي يكشف عليكي."
تومي برأسها بالرفض تنطق بصوت مهتز وعين دامعة.
"زهور: مش عارفة يا عبده. قلبي اتقبض مرة واحدة وحسيت إن ولادي بخطر."
"عبدالرحيم: استعيذي من الشيطان الرجيم. الولاد بخير. أنا لسه قافل مع زيدان طمني عليهم والولاد بالبلد اطمنت من العمدة عليهم. وزهروان سمعتي صوتها بنفس هي وغادير. إيه اللي جرالك."
"زهور الجدة: مش عارفة. في حاجة طبقت علي نفسي. حاسة في حاجة حصلت لحد من الولاد مش عارفة مين فيهم بس هو مين مش عارفة أحدد."
"قومي استعيذي وصلي لك ركعتين إن شاء الله تهدّي بعدهم. وأنا كمان هصلي معاكي وندعي ربنا ينجيهم من أي شر يقرب منهم."
أومت رأسها بالموافقة وشرعوا بصلاتهم. وبعد وقت من دخولهم في الصلاة صدح هاتف عبدالرحيم بالاتصال ولا يتوقف من الرنين ليجيب عليه فور تسليمه من الصلاة ليقع الهاتف من يده وهو يستمع لما يقوله الطرف الآخر.
تقترب منه بخوف تحدثه بهلع.
"ولادي حصلهم إيه يا عبدالرحيم؟ إلا اتصل بيك قالك إيه؟"
"عبدالرحيم: مصيبة يازهور مصيبة. زهروان متهمة بقتل عاصم جوز زينة. وللأسف البوليس قبض عليها هي وغادير وزايد وهم راجعين الفندق."
تضع يدها على فمها بصدمة تهز رأسها مستنكرة مما تسمع. تتكلم بتقطع.
"مين اللي بلغك بالكلام ده؟ وزهروان تعرف عاصم منين؟"
"مش عارف مش عارف يازهور ولا فاهم حاجة. اللواء أشرف اللي بلغني. أنا لازم أتصرف في المصيبة دي. مفيش وقت للكلام لازم أتصل على المحامين وأروح ليهم القسم. قبل ما يتحولوا للنيابة. هتصل بيكي أول ما أعرف حاجة."
"هو أنا هصبر لحد ما تتصل؟ رجلي على رجلك. وبلاش ترفض لآني بيك من غيرك هروح أطمن على ابني وبنات ولادي."
تخطو تجاه الباب وهو خلفها. بعد وقت ليس بقليل وصلوا إلى مقر قسم البوليس يجدوا زايد وغادير جالسين وبجوارهم تجلس أحلام ويحيى وهناك شخص آخر يقف على بعد خطوات منهم. تتجه ناحيتهم وقبل أن تسأل فتح الباب وخرج شخص مكبل بالأصفاد وأخر يجذبه من رسغه ويغلق الباب مرة أخرى. ينقض عليه زايد ويلكمه لكمة قوية سقط أرضاً قبل أن يعاود الانقضاض عليه. يتجمع مجموعة من العساكر الموجودين بإبعاد زايد الذي يسب ويصرخ به.
يقترب عبدالرحيم بخطوات ثابتة تجاه زايد يعتذر من العسكري الممسك به يحدثه ويطلب منه تركه بعد تأكيده تعهده بعدم المساس بذلك الشخص. زايد ينظر لوالده بخجل وينكس رأسه لأسفل ويسحبه والده يضمه يربت على كتفه ويحدثه ويبتعدوا عدة خطوات.
"عبدالرحيم بصوت أجش مملوء بالحزن: متعتبرش الكلام اللي هقوله ده لوم أو عتاب. زهروان قصرت ليه في حمايتها مع إنّي متأكد إنك حاولت لكن تقصيرك واضح في نظرة الخزي اللي في عينيك ده أولاً. ثانياً: زهروان إيه وصلها لعاصم، وإيه وصلها خلها تقتله؟ ثالثاً: عماد علاقته إيه بالموضوع وليه ضربته!؟"
يستأذن والده بالجلوس لم تعد قدماه تحملانه. يقترب من الدرج يساعد والده بالجلوس ويجلس بجواره. يبدأ بسرد كل ما حدث حتى ألقي القبض عليهم وبصوت متحشرج من البكاء.
"زياد: عندك حق يا بابا أنا خذلتك وخذلت عهدي بحمايتها لسلسبيل أمها. بس أقسم لك لو عاصم كان لسه عايش كنت قتلته بإيديا دول. صحيح معرفش حصل إيه ومين قتله زهروان ولا حد تاني، بس عاصم أنا وأنت عارفين حقارته وخسته."
"عبدالرحيم: احكي لي كل اللي حصل وإزاي اتقبض عليكم!؟"
زايد يقص عليه منذ تركه مستشفى حسن حتى إلقاء القبض عليهم.
"زهروان عرفت بموت سلسبيل وانهارت. فضلت تسأل أسئلة فوق احتمالي رجعتني أصعب لحظة في حياتي لحظة موت سلسبيل. مقدرتش أتحمل حسيت روحي بتتسحب مني. محسيتش بنفسي غير وغادير جنبي بتفوقني. بعد شوية فقت قدرت أتحمل أسئلتها وإلحاحها. حكيت لها جزء من اللي حصل. للأسف إنهارت وفضلت تصرخ وتطلب من أمها تسامحها. وأنا وغادير بصعوبة قدرنا نهديها ونخرجها من المدفن وكنا في طريقنا للبيت عند ماما. هي صممت نرجع الفندق واحنا على الباب اتقبض علينا."
"عبدالرحيم: وعلاقة موت عاصم بـ زهروان إيه، وليه ضربت عماد."
"زايد: معرفش معرفش مين قتله. أنا لما دخلت كان مرمي على الأرض ملحقتش أدخل الشقة سمعت حركة وصوت برة الشقة. طلعت لقيت زهروان نازلة السلم بتبكي. جريت وراها ومعرفش حصل إيه قبل ما أوصل. بس لما وصلنا هنا عرفت من المعلم يحيى إنهم عرفوا من البنت جارتهم اللي طلبة عاصم منها ونقطة ضعف زهروان. ولما وصلوا لقوا عاصم غرقان في دمه وشنطة سلسبيل على الأرض. وعماد هو اللي منعهم في البداية يشلوها من مكانها بس الدكتور أحمد اتخانق معاه وضربة. وأنا كنت طالب من واحد مكلفه يراقب عاصم يبلغ اللواء أشرف ويحصلوني على شقة عاصم وهناك اتقبض عليهم كلهم وعماد الحيوان هو اللي بلغ عليا أنا وهي واتهمنا بأننا قتلنا عاصم."
"عبدالرحيم: وليه يقول كده وزهروان ليه تقتله."
"زايد: للأسف زهروان ساكتة مش بتنطق ومعرفش حصل إيه وليها دخل ولا لأ."
"عبدالرحيم: عاصم وكلنا عارفين قذارته وأكيد نهايته كانت متوقعة..." يصمت يعتصر يديه. "تفتكر زهروان هي اللي عملتها."
"زايد: معرفش رافضة تتكلم ساكتة. حاولت معاها وغادير وأحلام منطقتش بكلمة واحدة. حتى اللواء أشرف تدخل بنفسه وحاول يفهمها خطورة الموقف ومفيش فايدة ساكتة. والضابط المسؤول عن التحقيق خرجنا كلنا وبدأ باستجواب كل واحد فينا لوحده. المحامي معها بيحضر التحقيق."
"عبدالرحيم: فعلاً لو كان اللي في دماغي هو اللي حصل وعاصم حاول يعتدي عليها فأكيد برافو عليكي يا زهروان إنها قتلته وحافظت على نفسها ومقدرش يلمسها."
"زايد: حضرتك بتقول إيه؟ دي لو ثبت عليها."
"عبدالرحيم: استحالة تأخد دقيقة حبس في الكلب ده. كانت بدافع عن شرفها. وأنا لا يمكن أسمح إنها تتحبس حتى لو أنا اعترفت على نفسي إني قتلته."
"زايد: ياريت يا بابا كان ينفع. حاولت أعمل كده للأسف كلامي منافي للواقعة. نص الحقيقة عند زهروان والنص التاني عند عاصم والقاتل الحقيقي. وعماد لو كانوا سابوني عليه الخاين ده كنت طلعت روحه في إيديا."
"عبدالرحيم: أنا مش هفضل قاعد كده ومش قادر أحمي عائلتي. لازم أدخل بأي ثمن لـ زهروان أطمئنها بأننا معاها وواثقين فيها. أنا هتصل باللواء أشرف أطلب منه يساعدني."
"زايد: لو على الدخول سهل جداً حضرتك تدخلها بس ياريت تقدر تقنعها تتكلم. زهروان مستسلمة أوي."
يقفا مسرعين وهم يرون التي تقف أمامهم.
ــــــــــــــ
"تقترب ببطء تجلس بجوار غادير وأحلام توزع النظرات فيما بينهما تلقي بسؤالها لكلتيهما."
"زهور الجدة: حصل إيه بالظبط؟ كل واحدة فيكم تحكي لي حصل إيه."
غادير تلتفت لجدتها بعينها الدامعة تحدثها بصوت يغلبه البكاء وشهقات تخرج مع كلماتها. تقص ما حدث منذ تلقيها اتصال هاتفي من عمها زايد واخبارها بأن تحضر لمدفن العائلة.
"غادير: عمو زايد اتصل عليا قال لي أجي ليه على المدفن جنب مدافن العائلة وقال محتاجني موضوع مهم جداً. وبالفعل قدرت أخرج من غير ما حد من العائلة ياخذ باله ووصلت بعد منهم على طول. دخلت المدفن لقيت زهروان بضم قبر وعمو زايد قاعد قدام القبر."
لتقص كل ما سمعته من كلمات زهور ورد زايد عليها.
"زهروان فضلت تصرخ في عمو زايد وتقوله ليه لما قبلتني قدامك الفندق ناديت عليا بسلسبيل وانت عارف إنها ميتة. عمو فضل يقولها على اللي حصل من يوم وفاة عمو زياد وهروب أمها لحد رجوعها بعد كام يوم تسأل عليه وقد إيه انهارت وقت ما عرفت بموته ومقدرتش تتحمل الخبر وماتت في الحال. وزهروان انهارت تماماً وعمو زايد بيحكي لها عن وصية أمها إنها تدفن جنب عمو زياد وإنه اشترى المدفن ده وراء مدفن عمو زياد عشان ينفذ وصيتها وإنه فضل سنين يدور عليها ومعرفش يوصل ليها. ولما سألته ليه لما شافها نادى عليها وقال سلسبيل وقلها إنها شبها أوي ولما عينه وقعت عليها كان فاكر إنه بيتهيأ له لأن اليوم ده كان ذكرى وفاتها."
تلتفت تجاه غادير تسألها بصراخ وتهب واقفة توقف غادير من جلستها تهزها بعنف.
"أحلام: سلسبيل مين اللي ماتت؟ إيه اللي بتقوليه ده؟ ساكتة ليه؟ انطقي سلسبيل ماتت امتى وازاي؟ انطقي."
يحيى يقترب من أحلام يحاوطها بيده يبعدها عن غادير وسط صراخها.
"يحيى: إهدى إهدى يا أحلام."
تلتفت له بغضب.
"مش سامعة يا يحيى بتقول إيه."
يحيى يسحبها لحضنه يربت على ظهرها لتتمسك بملابسه من الخلف تبكي بحرقة وهي تتحدث.
"أحلام: ماتت يا يحيى سلسبيل ماتت ماتت عشرين سنة وهي ميتة والكل ينهش في لحمها كل يوم في العشرين سنة دول وأنا بلعنها. ياما صليت ودعيت عليها فاهم يعني إيه تلعن وتدعي وتفتكر إنها رمت بنتها وآه من بنتها ووجع قلبي عليها وعلى وجعها وحسرتها. ياما حلمت باليوم اللي هتقابل أبوها وامها فيه. الاتنين تتحرم منهم الاتنين يطلعوا ميتين. ليه بس كده ياربي البنت المسكينة دي ذنبها إيه؟ آه يا قهر قلبي عليكي يا سلسبيل آه على بختك وعلى اللي جرى لك يا بنتي."
تفلت ملابس يحيى تبتعد عنه تجفف دموعها تجوب بعينها لتقع على ما تبحث عنه. تخطو بخطوات مهرولة لتقف على بعد خطوة من الدرج تصرخ به.
"أحلام: قلبك إيه يا أخي حجر مبتحسش. بكل بجاحة تأخذ الغلبانة زهور على قبر أمها من غير لا شفقة ولا رحمة بها. روح منك لله ربنا يأخذ حق البنت منك. وسلسبيل قلت لها إيه خلها ماتت مقهورة من غير حس ولا خبر؟ قتلت القتيل ومشيت في جنازتها ولا دفنتها من غير جنازة ولا صلاة عليها. بسببك مش بس سلسبيل ماتت لا قتلت آخر أمل للبنت. يا عالم هي دلوقتي بتفكر في إيه ولا حالتها إيه؟ لو جر لها حاجة ذنبها في رقبتك."
يحيى يجذب أحلام من يدها يبتعد بها عن مكان تجمع الجميع وبعض المارة في داخل القسم. تبتعد وهي تشير له.
"منك لله لو حصل حاجة لزهور هتكون بسببك."
"يحيى: أحلام خلاص لا المكان ولا الزمان ينفع. وبطلي كلام. سلسبيل الله يرحمها عند اللي أحسن من الكل. خلاص وربك غفور رحيم. وإهدي يا أحلام ادعولها بالرحمة وادعي لزهور ربنا ينجيها من اللي هي فيه."
"أحلام: زهور آه على زهور واللي بيحصل لها يا قهر قلبي. ملحقتش تفوق من صدمة موت أبوها تيجي لها القاضية موت أمها."
تصمت أحلام و تسرع بخطواتها فور سماعها حديث أحد أمام غرفة التحقيقات.
يفتح باب غرفة التحقيق يخرج منها أحدهم يلتفت الجميع له. تقترب منه زهور الجدة التي كانت تقف تتمسك بحفيدتها غادير تبكي على كلمات أحلام.
"زهور الجدة: أستاذ محمد خارج لوحدك ليه؟ زهروان مخرجتش ليه معاك."
"المحامي: للأسف الأنسة رافضة تتكلم نهائي. مهما كلمت معها أو الضابط سألها مفيش أي رد فعل ليها. بتبكي وبس. طلبت من حضرة الضابط يؤجل التحقيق وخرجت. أسأل مين أكتر حد تثق فيه ممكن يخليها تتكلم."
يبتعد عن الحائط المسند عليه غير عابئ بما يحدث من حوله من كلام أو صراخ يعتدل في وقفته فور سماعه لما يقوله المحامي دون أن يتحدث. خطى تجاه باب غرفة التحقيقات. وقف عند باب الغرفة. دق الباب ودلف وخلفه أحد العساكر يحاول منعه ليشير الضابط القابع خلف مكتبه للعسكري بالانصراف مع كلمات المتحدث.
"أنا دكتور أحمد المغربي. تسمح لي حضرتك أتكلم مع زهور لدقيقة واحدة بس."
الضابط يقف مرحباً به.
"غني عن التعريف دكتور أحمد بس للأسف إحنا دلوقتي بتحقيق رسمي ومش هينفع أي كلام. وايضاً ما صلة القرابة بينكم."
"أحمد: كلامي معها هيفيد التحقيق وكله قدام ساعتك. هي دقيقة ومش هطول عنها."
الضابط ينظر إلى زهور الجالسة بلا حركة عينها على الحائط ودموعها تسيل بلا توقف.
"للأسف من وقت ما بدأ التحقيق وهي على الحالة دي."
أحمد اقترب من مكان جلوسها جثى على ركبتيه أمامها بصوت حنون.
"زهور بنتي أنا بابا." يقطع كلامه مع ارتطامها بأحضانه تبكي بنحيب كلماتها جعلت من بالغرفة يشعر بالشفقة عليها.
زهور كما هي على حالتها دموعها تسيل. فجأة سمعت صوت قريب منها. أرجعت بصرها تجاه الصوت. ترمي بأحضانه تبكي بوجع وصوت متألم تتحدث.
"زهور: بابا أحمد."
"أحمد: أيوه أنا يا زهور."
زهور تخرج من بين يديه تنظر له وعينها تكاد لا ترى وجهه من دموعها التي لا تتوقف وتحدثه بإنهيار.
"ماتت ماتت أمي. طلعت ميتة من عشرين سنة. ماتت وآخر كلمة ليها كانت بتنطق اسمي. ظلمتها. وأنا كنت فاكراها رمتني وعايشة حياتها ونسيتني. كنت بستعر من اسمها جنب اسمي. كل لحظة بلومها على حاجات ملهاش ذنب فيها. كل ما حد يجيب اسمها قدامي أو ينادي عليا باسمها كنت بلعنها. كنت بكرها أكتر من كرهي لها. ياما اتخيلت مقابلتي ليها وأنا بعتبها على كل اللي عشته بسببها وقد إيه أظلمت وقد إيه بكرهها."
تنظر لاحمد تحدثت بنحيب.
"فاكر لما قلت لك مش مسمحاها ولو قبلتها هدفعها تمن السنين اللي عشتها بعار بسببها. كنت بكذب على نفسي وعلى الكل. أنا والله كنت أتمنى أشوفها وأحضنها. تعرف كم مرة حلمت بحضنها ده ولا كلمة ماما؟ قد إيه أتمنى أناديها بيها. عارف يابابا أنا حسيت بحنانها وأنا بضم قبرها." تتوقف عن الكلام تضم يدها لصدرها يعلو صوت بكاها وتعاود الحديث بصوت متحشرج.
"حسيت بها بضمي وأديها محوطاني. سمعت صوتها بتنادي عليا وتقولي بنتي بنتي أخيراً جئتني. صوتها وهي بتناديني لسه في وداني. دفئ لمس قلبي لأول مرة في حياتي أحس به وأنا حاسة بيدها تحوطني. قد إيه الأم حنينة حتى قبرها بيبقى حنين على ولادها."
تكمل حديثها.
"أنا عايزة أروح لها أنام بحضنها اللي اتحرمت منه. أنا تعبت تعبت عايزة أرتاح بقي. معتش قادرة الدنيا تيجي عليا أكتر من كده." بانهيار.
"أنا عايزة أموت عايزة أموت وأدفن جنبها. موتوني أعدموني أنا مجرمة مجرمة أعدموني وادفنوني جنبها."
أحمد يجفف دموعه ويهب واقفاً يجذب زهور لتقف يهزها بعنف وبكل قوته يرفع يده ويهوي على وجهها لتصمت وترتمي مرة أخرى بحضنه تبكي بقهر.
"أنا مجرمة ظلمت أمي. دعيت عليها احتقرتها. كنت بجهر بكرهي لها بس والله كان كل ده من برة قلبي. والله كنت بحلم باليوم اللي أقابلها هي وأبوها وأشوفهم قدام عنيا."
"أحمد: زهور اسمعني دلوقتي اهدي. أنا حاسس بكِ و قد إيه انتي موجوعة. لومك لنفسك وقد إيه نفسك تقولي كلام كتير مش قادرة تعبري عنه وعن اللي جواكي من وجع وحزن. عارف كل ده أنا عشته لولا ربنا رزقني ودخلك حياتي مكنش زماني واقف قدامك دلوقتي وبقيت أحمد المغربي الدكتور المشهور. أنتِ بعد ربنا السبب في إني عايش. يابنتي انتي زمان قولتي لي ربنا بيدينا على قد ما بيحبنا وعلى قد إحنا مانتحمل الشيلة. صحيح انتي تحملتي اللي محدش يقدر يتحمله في سنك أو قد عمرك عشر مرات. بس مش معنى كده تضعفي وتضيعي نفسك وشبابك في جريمة معملتيهاش. بنتي أنا عارف إن صدمة موت والدتك مأثرة عليكي مش مخلياكي تفكري في اللي انتي بترمي نفسك فيه. لو فعلاً بتحبيها وعاوزها ترتاح في قبرها اتكلمي احكي اللي حصل. سكوتك مش معناه إنك بكده تعاقبي نفسك بجريمة معملتيهاش عشان شعورك بالذنب تجاهها يروح بالعكس انتي كده بتضيعي نفسك وبس ومش بتريحيها في قبرها. قولي كل اللي حصل أكيد هي حاسة بيكي. اتخيلي لو هي موجودة دلوقتي كانت هتتحمل تشوفك كده."
زهور ببكاء توم برأسها.
"ياريتها كانت موجودة كانت حياتي كلها اتغيرت."
"أحمد: اعتبريها موجودة وقولي لها كل اللي نفسك فيه واحكي كل اللي حصل من وقت ما جيت الدنيا لحد اللحظة دي."
ينحني يلتقط كوب ماء على طاولة الضابط يقدمه لها ويساعدها في ارتشاف بعض قطرات ويساعدها بالجلوس وهو يهدئها ويجلس بجوارها على أريكة في إحدى زوايا غرفة التحقيق. يشير للضابط بأن يدون ما تقصه وهو يسألها. يهمس الضابط بعدم جواز ذلك فهو ليس قانوني ولا يعتبر تحقيق رسمي هو فقط سيستخدم روح القانون حتى تهدأ وبعد ذلك سيفتح تحقيق رسمي.
زهور عينها تتبادل بين احمد والضابط تنصت لكل كلمة يتهامسون بها تغمض عينها تضم شفتها وتبدأ تقص ما حدث.
"أحمد: قولي يا زهور كل حاجة. ريحي ماما خرجي كل اللي جواكي."
زهور تجفف دموعها تسحب نفس عميق تبلع ريقها تلتفت لأحمد.
"متشكرة لحضرتك. أنا فعلاً هتكلم وأقول كل حاجة حصلت مش عشان أخرج من القضية لا عشان أريح أمي فعلاً أقدر أخرج من هنا عشان أرجع لها حقها من اللي ظلمها."
ترفع عينها تجاه الضابط.
"أنا هحكي كل اللي حصل يا حضرة الضابط بس بعد إذنك خلي بابا أحمد معايا."
الضابط: يجلس على مقعده يضغط على زر أمامه على المكتب يدخل عسكري يؤدي التحية العسكرية يشير له الضابط ويحدثه.
"نادي يا ابني للمحامي من برا."
يدخل المحامي ويحدث الضابط العسكري الجالس بالقرب من المكتب.
"افتح يا بني المحضر واكتب تاريخ اليوم والساعة."
ويبدأ التحقيق وتدوين كل ما تقوله زهور.
"الضابط: اسمك وسنك وعنوانك."
"زهور بنت سلسبيل."
"الضابط: اسمك يا آنسة."
"زهور: قلت لحضرتك اسمي زهور بنت سلسبيل ده اسمي."
"الضابط: يا آنسة اسمك اللي في بطاقتك الشخصية."
أحمد يربت على يد زهور ترفع عينها تجاهه تهبط دمعة وتغمض عينها وهي تنطق.
"زهروان زياد عبدالرحيم الغمراوي. السن عشرين سنة ساكنة في فندق زهروان المعادي حالياً. قبل كده كنت عايشة..."
"الضابط: ما هي أقوالك فيما نسب إليك من اتهام بقتل عاصم الزيات."
"زهور: أنا مقتلتوش مع إنّي كنت أتمنى أكون أنا اللي قتلته لأنه فعلاً يستحق القتل بدل المرة مليون مرة."
"الضابط: أفهم من كده إيه؟ ياريت تكلمي بوضوح. إحنا في تحقيق رسمي وكل كلمة بتتقال بتتكتب فياريت توضحي كلامك وقولي كل اللي تعرفيه."
زهور تقص عليهم بداية من كلام هالة السكرتيرة حتى غلقه باب الغرفة عليهم ومحاولة الاعتداء عليها.
"أنا كنت واقفة عند الباب بخبط ونادي على حد ينجدني منه وبعد ما خلاص فقدت الأمل فجأة باب الأوضة اتفتح وقبل ما أقع على الأرض إيد حد حمتني ولحقتني أقع وصوت عاصم بينادي اسمها وبيقول."
تعود بذاكرتها قبل ساعات.
زهور واقفة عند الباب بتخبط. وعاصم يقترب منها بابتسامة خبيثة بعد أن تحرر من قميصه وأصبح عاري الصدر يحدثها.
"عاصم: قلت لكِ متتعبيش نفسك الباب أنا خليت عماد يقفله من برة ومش هيفتح غير لما أنا أديله الأوكي. بالهداوة كده تسكتي وبلاش تتعبي إيديكي الحلوين دول بالخبط على الباب وصوتك وفرية بعد شوية أصل بحب أسمع الصراخ أوي."
تتعالى أصوات جرس المنزل. ينادي على عماد مساعده يفتح باب المنزل. بعد ثوانٍ توقف صوت جرس المنزل وعاود عاصم الحديث لها، وهي تستنجد بمن بالخارج. تلتفت بظهرها متسمرة أمام باب الغرفة تحاول التفكير في حل لما هي فيه. فجأة فتح الباب المسندة عليه بظهرها لتشهق وهي تشعر بيد تسندها من الخلف تحميها من السقوط. وقبل أن تلتف ترى من اقترب عاصم منها يحاول جذبها له لتنتفض ويد ذلك الشخص تجذبها لتقف خلفه ليدور مشادة كلامية بينهم. يصمت عاصم بعد أن رأى دخول فتاة من باب الشقة. ينظر لها برعب.
"عاصم: نهال انتِ عرفتي مكان الشقة هنا إزاي و."
تقاطعه نهال.
"اه يا خسيس! بقى ترميني مرة ثانية في المستشفى وتتفق مع الدكتور ميخرجنيش عشان تلعب لعبتك القذرة زي عادتك لما بتلوّي ذراع حد. فاكر إن أنا نهال ممكن حاجة تستخبى عليا. وعماد الخائن اللي باعني واتفق معاك عليا." تشير إلى المدد على الأرض مغمى عليه.
تجحظ عيناه وهو يرى عماد ممدداً على الأرض. أتى يتحرك باتجاه عماد. أوقفته نهال بمسدس تصوبه تجاهه. ليلعق ريقه مرات متتالية بخوف ظاهر. يحدث نهال بمكر.
"عاصم: ناني حبيبة قلبي إنتي إزاي تفكري إني أقدر أأذيكي. أنا فعلاً ودّيتك المستشفى عشان كانت حالتك صعبة أوي لازم حد يهديكي ويتابعك وأكيد مش هثق في حد غير في دكتورك."
"نهال بسخرية: ههههه اللي متعرفوش أنا كنت شاكة فيك ودايماً مستخونك فأجرت واحد يراقبك ويبلغني بكل تحركاتك خطوة بخطوة."
"عاصم: حبيبتي أنا عملت ده من خوفي عليكي والشقة دي كنت هقولك عليها. أنا في الأساس واخدها عشان نعيش فيها أنا وانتي لحد ما ننتقم من عبدالرحيم بعيد عن العيون."
"نهال: صدقتك أنا؟ ألعب اللعبة دي على حد تاني يا عاصم. حد ميكونش عارفك وعارف وسختك. فبلاش تلعبها معايا، لآني سمعت كل كلمة قلتها لبت الأحدب دي. بقى أنا نهال تخدعني وتفضل عليا دي." تشير بسلاحها أمام عينيه.
"عاصم بهلع من كلماتها والسلاح التي تشهره بوجهه."
"يخطو ويقترب منها وهو يحدثها بصوت مذبذب."
"نانى أنا أنا كنت عايز أنتقم لك من زياد في بنته. ولما أكسر عينها وأتجوزها غصب عنها وأخد كل أملاكها نتمتع بيها أنا وانتي. ناني انتي ناسيه أنا حبيتك انتي وسبت زينة والبنات نسيتي؟ أنا وافقت على خطتك بحرق القصر باللي فيه وبناتي منهم. كل ده عشان بحبك. حتى نيرة بنتي اللي كانت بتساعدنا وتنقلنا تحركاتهم وكل كلمة بيقولوها مخلتش الأمن ينقذها. كل ده عشانك انتي. قلت هخلف غيرهم منك ونتمتع مع بعض بثروة عبدالرحيم وثروة زياد وبنته."
زهور تقف مذهولة مما تسمعه جسدها ينتفض. فقد مر عليها يوم عصيب عقلها توقف عن العمل. قدمها متيبستان مكانهما لا تقوى على الحركة. تشعر بروحها تسحب منها. وتشهق وهي تسمع كلمات نهال تلتف على سماع صوت بكاء.
"نهال: اممم تصدق أقنعتني. يعني كنت هتغتصبها عشان تخليها توافق تتجوز ها وبعدين تمضيها على الثروة."
"عاصم: أيوه بالضبط كده وكمان انتقم من زياد فيها وأخد حقك منه."
"نهال: اممم ومكنش قدامك حل غير ده."
"عاصم: للأسف أيوه لازم الحل ده. نص الثروة باسم أمها وهي المتصرفة الوحيدة في الأملاك. زياد الغبي كتب كل حاجة باسمها وبما إن بنته لسه قاصر لازم وصي عليها. ففكرت أكون أنا بصفتي جوزها."
"نهال بمكر: يا يا عاصم قد إيه ظلمتك يا حبيبي. خلاص أنا فهمت خطتك. مش كنت عرفتني من الأول اهو كنت وفرت كل ده وكان زمانك متجوزها من بدري. على العموم يا حبيبي خدها. أنا مش ممانعة بس ليا شرط واحد."
"عاصم بفرحة وسعادة ظاهرة: أمري يا ست الكل."
"نهال: تمضي لي على أوراق بأن كل ما تملكه باسمي حتى بنت الأحدب هتمضي معاك."
"عاصم بذهول من كلمها يقف محتاراً في كلمها يتحدث محاولاً إقناعها. تجحظ عيناه وهو يرى من تقف تبكي."
"حبيبتي أنا كلي ملكك أنا وفلوسي وكل ما أملك لكِ. أنا ضحيت بالبنات وأمهم عشانك انتي. تفتكري بعد كل ده واللي بعمله عشانك هرفض أمضي على ورقة تنازل؟ أنا أمضي لك وعيوني مقفولة."
يتوقف عن الكلام ينظر للواقفة على باب الشقة تتحدث ببكاء وتصرخ به وتخطو تجاهه تتحدث بصوت منكسر.
"معقولة أنا كنت مخدوعة فيك بالشكل ده؟ صدقت كلامك وساعدتك وخونت أمي وجدي وأخوالي. وأنا فاكرة بساعدك ترجع حقك اللي جدو أخذه منك زي ما فهمتني. وفي الآخر طلعت بتكذب عليا؟ معقول اللي سمعته ده؟ أنت اتفقت مع نهال على موتي أنا وأمي وأخواتي وكل العيلة. بس عشان ترضيها. أنت استحالة تكون أب استحالة تكون بنادم أصلاً. أنا ندمانة على اللي عملته عشانك. بس مش هسمح لك أنت والمجنونة دي تدمروا حياة المسكينة دي مهما حصل. حتى لو موتوني استحالة هتقربولها فاهمين." تشير إلى زهور بأن تتقدم تجاهها. ترفع يدها الأخرى بسلاح تصوبه تجاه نهال تحدثها بتهديد.
"ارمي المسدس اللي معاكي على الأرض. متنسيش إني واخد بطل العالم في الرماية تلات سنين ولا بعض وأقدر أصيب أي هدف على بعد. يبالك بقى وبيني وبينك مفيش كام متر. وإنتي تحركي تعالي هنا جنبي."
"نهال: بصراخ. انتي اتجننتي يا نيرة بتهدديني أنا نهال؟ بتهددي ناني؟ طيب وريني هتقدري تعملي إيه." تشير بمسدسها على رأس زهور من الخلف وهي تخطو تجاه نيرة.
"نيرة قبل ما طلقة تخرج من سلاحك هتكوني جثة." يستغل عاصم الحديث المتبادل ويحاول أن ينقض على نهال يجذب منها المسدس وسط صراخها لتستغل نيرة تلك الجلبة وتمسك يد زهور وتخرج مسرعة بها من الشقة. يستمعوا إلى صوت طلق ناري وهم بالقرب من المصعد الذي يصعد. تهرع الفتيات بخوف تهرب كل واحدة في اتجاه. تصعد نيرة لأعلى وتهبط زهور على الدرج لتصرخ بعد أن تعرقلت على الدرج وتسرع بالهبوط وتهرول بالشارع بعد شعورها بأحد يجري خلفها. وتكمل باقي كلمها وتقص ما حدث وعلمها بخبر وفاة والدتها حتى إلقاء القبض عليها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم منى عبدالعزيز
نيرة قبل ما طلقة تخرج من سلاحك هتكوني جثة.
يستغل عاصم الحديث المتبادل، ويحاول أن ينقض على نهال.
يجذب منها المسدس وسط صراخها.
لتستغل نيرة تلك الجلبة، وتمسك يد زهور وتخرج مسرعة بها من الشقة.
يستمعوا إلى صوت طلق ناري وهم بالقرب من المصعد الذي يصعد.
تهرع الفتيات بخوف، تهرب كل واحدة في اتجاه.
تصعد نيرة لأعلى، وتهبط زهور على الدرج.
تصرخ بعد أن تعرقلت على الدرج وتسرع بالهبوط.
وتهرول بالشارع بعد شعورها بأحد يجري خلفها.
وتكمل باقي كلامها وتقص ما حدث، وعلمها بخبر وفاة والدتها حتى إلقاء القبض عليها.