تحميل رواية اولاد الجبالي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رأى عصام قوات الشرطة تحيط به فأدرك إن براء كان يخدعهم لذا صاح بصوت عالٍ: كنت قلبي حاسس إنك هتعملها يا براء. بس يكون في علمك أنا لو مخرجتش من هنا سليم أنا وبنتي والشحنة. هف.جر الحزام الناسف اللي حوالين وسط مراتك يا سيادة النقيب؟ فاتسعت عين براء من الصدمة وأرتخى فكه السفلي ونظر إلى زاد وتمنى أن تقول إن هذا كذب ولا ترتدي شيئًا. ولكن للأسف أكدت له بدموع عينيها التي انهمرت وكلماتها التي وقعت كالخنجر في قلبه: هموت يا براء أنا وابنك. بس عايزة قبل ما أموت أقولك سامحني إني شكيت فيك واتهمتك ظلم إنك خاين ب...
رواية اولاد الجبالي الفصل 101 - بقلم شيماء سعيد
إن جمال الحب هو تبادل المشاعر بين الطرفين.. فإذا لم يستجب الطرف الثاني للحب وكان الحب من طرف واحد، فعلى الشخص أن ينساه ويبحث عمن يُقدّر حبه، ولا يعيش وهم تجربة الحب إن كان من طرف واحد، فقد يكمن علاج هذا الأمر بالنسيان.
استدعى تفكير عزة إلى الذهاب لدجالة تقوم بالأعمال من أجل أن يحبها باسم ويقوم بتنفيذ كل ما تطلبه منه طواعية.
عزة بعيون تلمع بالشر: أيوه مفيش حل غير أكده، ما أنا مش هعيش في الهم ده على طول، ده مش بعيد كمان يزهق مني ويطلقني، فلازم ألحق نفسي. بس من وين أعرف مكان الست دي؟ أنا أسمع إن اسمها رابحة بس معرفش مكانها.
لتستطرد قائلة:
أيوه مفيش غير جليلة، هي أكيد تعرفها بس خايفة جوي ألا تجول لحد وأتفضح.
لتطمئن نفسها بقولها:
لا ما أنا هشتري لسانها بقرشين وغير أكده هتمسكن عشان أصعب عليها، عشان هي أكيد شايفة بعينيها اللي بيحصل وإن باسم مهملني وعيحب ملك وبس.
فقامت بالفعل بالاتصال عليها لتلبي طلبها على الفور. وقفت أمامها قائلة:
أمري يا ست عزة.
عزة بحزن:
الأمر لله وحده.
ثم بكت بدموع تماسيح لتثير الشفقة، ففزعت جليلة وسألتها:
مالك يا ست عزة كفا الله الشر؟
عزة بحزن:
تعبت يا جليلة، تعبت جوي وأنا كل يوم والتاني أشوف الراجل اللي عحبه داخل طالع على مرته اللي عيحبها ويموت فيها والابتسامة من إهنه لإهنه، وأنا بردك مرته بس مش بشوفه غير كل فين ويجي تقضية واجب بس وعافية ولا أشوفه عيبتسم ليه بنفس زييها. مش خابرة أنا ناقصني إيه عن ملك يحبها هي وأنا لأ! حتى البت اللي طلعت بيها من الدنيا خدتها مني ومش عارفة أتلم عليها.
فأشفقت عليها جليلة واقتربت منها تربت على كتفها بحنو مردفة:
بس هدي نفسك يا بنتي، وماتزعليش عاد. واعرفي إن الحب ده بتاع ربنا عاد وأكيد غصب عنه هيميل لملك عنكِ، بس هو غلطان عشان لازم يعدل بيناتكم. عشان الرسول صلى الله عليه وسلم كان بيعدل بين زوجاته لكن كان عيحب السيدة عائشة أكتر واحدة وكان يقول (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني بما لا أملك).
عزة:
بس ده لا بيحب ولا بيعدل يا جليلة ومش بعيد شوية كمان ويطلقني ومعرفش أروح فين دي أبويا مش بيطيقني وأمي قليلة الحيلة.
جليلة:
لا سي باسم ما يعملهاش ده ابن أصول.
عزة:
لا يعملها وكذا مرة يقولها لي، بدال زعلانة من حبي لملك أطلقك وتشوفي حالك.
ثم زادت في بكائها وتابعت:
كيف بس يطلقني وهو خابر إني روحي فيه يا جليلة، يرضيكِ أكده!
جليلة بعد أن حركت إحدى يديها مردفة بحيرة:
مش خابرة أقولك إيه يا ست عزة والله.
عزة بمكر:
أقولك أنا يا جليلة، أنا خلاص فاض بي ومعنديش غير حل واحد عشان أكمل مع باسم. وعشان أكده قلت لك تعالي عشان تساعديني ومستعدة أديكِ اللي تطلبيه بس بشرط ما يخرجش الموضوع ده بينتنا واصل.
جليلة بترقب:
قولي يا ست عزة ولو أقدر أعملك كل اللي تريديه من غير فلوس والله، أنا يعز علي زعلك أكده.
عزة:
تعيشي يا جليلة، ده عشمي فيكِ بردك. تعالي بس قربي مني وهأقول لك كل حاجة.
عرضت مرام على براء الزواج في مقابل أن تعترف بكل شيء وتبرئه في بث مباشر، ولكن لتنعم معه بليلة تمنتها كثيرًا يحتويها فيها بحبه الذي حرمت منه وتشعر ولو للحظات بسعادة كم تمنتها وحلمت بها، وربما تكون تلك الليلة الأولى والأخيرة.
تفاجأ براء بطلبها وتخبطت مشاعره ولم يستطع التركيز وشعرت هي بتشتته فحاولت القيام من على التخت لتقترب منه وترجوه أن يقبل. ولكنها ما أن خطت أول خطواتها إليه، أصابها دوار شديد فسقطت مغشيًا عليها.
ففزع براء وأسرع إليها مردفًا:
مرام، مرام.
ثم انحنى لها بجذعه وحملها ووضعها على التخت، ثم التفت لعله يجد لها أي عطر ينثره على أنفها لتفوق. وبالفعل أخذ العطر ونثره على أنفها ولكنها لم تستفق، فدب في قلبه الذعر.
يا دي الليلة اللي مش فايتة، طيب استني لما نتجوز الأول وتعيشي ليلة أحلامك اللي بتتمنيها. هتموتي أكده سادة بردك، يا عيب الشوم.
ثم تراجع سريعًا بقوله:
نتجوز إيه بس، دي زاد كانت هتعمل مني شورما. قومي بس يا ست مرام واعترفي عشان برستيجي قدام الناس الله يخليكِ. طيب أعمل إيه دلوقت يا بشر في المصيبة دي عاد؟ آه مفيش غير إني أحملها للمستشفى، على الله بس تعيش عشان ما تجيب لي مصيبة حتى وهي ميتة.
ليحملها بالفعل إلى المستشفى، ليذهبوا بها إلى غرفة العناية المركزة بعد أن قلت نسبة الأكسجين في الدم عندها ووضعت تحت جهاز التنفس الصناعي. ليخرج هاتفه ويتصل على حسام ويحدثه بما حدث، تحت ذهول حسام الذي تفاجأ وحديثه باندهاش:
آه يا بنت اللذينة. دي مصيبة متحركة، بس سبحان الله ربنا ابتلاها على قد اللي عملته في الناس، شربتهم السم وأهو دلوقت جأ لها ومفيش مخرج.
براء:
فعلاً بس على قد ده كله، صعبت علي. لأن الظروف هي اللي خلتها في الطريق ده، وبالرغم أن عندها كل حاجة من مال وجمال وسطوة إلا إنها خزان أحزان والله.
ثم أكمل بخبث:
وفوق ده كله بتحبني جوي وعايزة تتجوزني.
فضحك حسام:
ألف ألف مبروك وإن شاء الله أجي أبارك لك في الصبحية في الترب. بس لعلمك يا براء، أنت كده مش مجبر تنفذ اللي طلبته منك، لأن بالتسجيل اللي معاك قالت فيه كل حاجة وابعته لي وأنا هقدمه لسيادة اللواء وهو يعمل اتصالاته وإن شاء الله ترجع للشغل تاني.
بجانب كام منشور على الفيس يتعمل منهم حدوتة الناس تتكلم فيها وهتلاقي المذيعين عندك يعملوا حوار وتطلع في برامج وتكون ترند الموسم وتبقى أشهر من النار على العلم يا سيادة المقدم ومحدش هيعرف يكلمك.
فتنهد براء بارتياح قائلًا:
بأحمد الله والله يا حسام، أنا كنت عايش في كابوس صدقني، لإني حتى لو بيعجبني الصنف الحلو بس عمري ما تعديت حدودي وعملت كبيرة من الكبائر غير إني قصرت كتير مع مراتي والموضوع ده جاء بزيادة عليها وكانت هتروح فيها وساعتها ما كنتش أتحمل أعيش لو لحظة من غيرها.
حسام:
يااه ده أنت حبيب أهو، أمال عينك زايغة ليه يا راجل؟
فضحك براء وأجاب:
مش خابر بس أهو فراغة عين بس هي القلب والنني والله. بس أقولك توبة خلاص عيني تروح أكده ولا أكده، حتى أنا هأسيب الشغلانة دي خلاص وأشتغل تاجر بلح. ومش راجع الحكومة تاني وهأقعد جنب مراتي وابني.
فضحك حسام:
الله يجزيك يا براء، موتني ضحك. بقا سيادة المقدم اللي شغل الشرطة بيجري في دمه، يسيبه بالساهل كده.
براء بحزن:
غصب عني والله، أنا روحي في شغلي، بس بعد اللي حصل ورغم خلاص ربنا كرمني ما بقاش لي روح فيها وعايز فعلاً أشتغل حاجة خاصة.
حسام:
مش عارف أقولك إيه، بس المهم تكون مرتاح وسعيد في حياتك. ودلوقت هتعمل إيه، هترجع الصعيد؟
براء:
أكيد هرجع بس صراحة هستنى لما مرام تفوق وأطمن عليها.
حسام باندهاش:
يا راجل دي هي اللي جابت لكم الكافية، تتطمن إيه بس، ما تروح في ستين داهية ولا تبكي عليها.
براء:
لا برضه دي روح يا حسام وصعب علي أسيبها كده وخصوصًا فعلاً إني حسيت منها أنها ندمانة على كل اللي عملته، وعايزة تتوب قبل ما تقابل وجه كريم.
فسخر حسام:
ماشي يا شيخنا، بس الحلوة دي، من دلوقت هيتعين عليها حراسة أكيد، لغاية ما تفوق ونقدر نستجوبها، لغاية ما نشوف هتقدر على المحاكمة ولا هتفضل في مستشفى السجن بعد كده. بس لازم كمان تعترف عشان نقدر نجيب اللي وراها، من أول الدكتور اللي ساعدها في انتحال شخصية تانية وفريد والبت إياها اللي عملت عليك التمثيلية دي.
براء بسخط:
فعلاً دول نفسي أعلقهم. عشان كده مش راجع دلوقت غير لما القضية تمشي شوية.
أغلق براء الخط مع حسام وتنهد بارتياح قليلًا بعد أن اقترب من الحصول على براءته والعيش بسلام أخيرًا بجانب زوجته وابنه. ثم قرر أن يحدث باسم ليخبره بما حدث، ليطمئن والدته ويهدئ من روع زاد وبعث له التسجيل كي تسمعه بنفسها وتصدق.
فحدثه باسم بفرحة:
بجد يا خوي، اللهم لك الحمد. ما تتصورش قد إيه كنت حزين عليك لإني خابر إنك ما تعملهاش. ودلوقت خلاص تقدر تمشي راسك مرفوعة من جديد وترجع شغلك وربنا يسعدك أنت وزاد وتعوضها عن اللي حصل.
ابتسم براء وتخيل لحظاتها معه وتمنى فعلاً أن يستعيدوا حبهم من جديد فاستطرد قائلًا:
آه طبعًا، أنا خلاص كمان هأسيب الحكومة وأشتغل حر وهأكون براحتي معاها مفيش تقييد.
باسم بتجهم:
تسيب الحكومة، ليه بس يا أخوي، ده أنت روحك فيها، خسارة والله.
براء:
زهقت والله يا أخوي وما شفتش منها غير المشاكل وعايز أهدى وأشوف حياتي كويس.
باسم:
ربنا يقدم اللي فيه الخير. ودلوقت هأروح أفرح أمي وزاد المسكينة اللي وشها من ساعتها أصفر وذبلت خالص.
فذهب باسم وكانت والدته عند زاد تتفقدها وتطمئن على معاذ الصغير التي باتت لا تتركه بعد أن ابتعد عنها غيث. أما ريحانة ابنة باسم، فملك لا تدعها لأحد أبدًا.
فطرق باسم الباب بمرح مردفًا:
أنا باسم حد خالع رأسه عاد!
فضحكت زهيرة وأجابته:
ادخل يا ولد، زاد لابسة حجابها كانت هتصلي.
فولج باسم والابتسامة على شفتيه واقترب من والدته وقبل يديها ورأسها بحب ثم نظر إلى تلك الحزينة ذات العيون الذابلة وقال:
مش قلت لك يا زاد، ما يعملهاش براء واصل وهو مظلوم.
فحركت زاد رأسها بأسى قائلة:
مظلوم كيف وهو متصور معاها، لساك عايز تدافع عنه يا باسم. أرجوك أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده تاني، أنا خلاص نسيت إني متجوزة وخرجته من حياتي ومش مهم عندي غير ولدي وبس.
باسم:
مش مصدقاني، طيب أنا هأسمعك بنفسك وتعرفي إنك أنتِ اللي ظلمتيه.
فاتسعت عين زاد قائلة باستنكار:
أنا!
ليبدأ باسم في تشغيل الصوت المسجل لمرام التي تعترف به أنه هي من وراء ما حدث لبراء. ونظر باسم إلى تعبيرات وجهها وهي تستمع إليه وظن إنه وجهها سيتهلل فرحًا ببراءته كما حدث مع وجه والدته التي ابتسمت ثم سجدت لله شكر. ولكن زاد احتقن وجهها بالغيرة من حديث مرام وتصريحها بالحب، والصدمة أيضًا من عرض الزواج.
ليصيبها السخط عندما توقف المسجل دون أن تدري بما أجابها براء بالموافقة أم لا. لتسأل باسم:
خليه يشتغل، وقف ليه؟ عايزة أعرف أبو عين زايغة ده، وافق يتجوزها ولا إيه؟ ما أنا خابرة يعملها ما يصدق، عشان قلبه ضعيف.
فحاول باسم كتم ضحكته وقال:
لا التسجيل وقف على أكده. بس هي وقعت من طولها ووداها براء للمستشفى.
فاكملت ساخرة:
طول عمره حنين.
ثم وجدها تسرع إلى هاتفها وتتصل على براء. تسارعت نبضات قلب براء وهو يرى اسمها يزين الشاشة مجددًا فتحركت جوارحه وكأنه ما زال مراهقًا ولمعت عينيه ثم استجاب على الفور ظنًا منه أنها اتصلت لتصارحه بحبها له وندمها على شكها فيه وستعود أخيرًا المياه لمجاريها بعد انقطاع.
فردد براء بلهفة:
زاد أخيرًا هأسمع صوتك.
ليفجع بنبرة صوتها العالية بقولها:
كنت هتعملها صح يا براء، وتتجوزها تاني أم عين بجحة دي، ما أنا خابرة طول عمرك عينك زايغة وما يملاش عينيك غير التراب. وكمان قاعد جنبها بتداويها، ما أنا خابرة حنين جوي على اللي مش ليك.
اتسعت عين براء من الصدمة من كلامها المتلاحق ولم يستطع الدفاع عن نفسه وحاول قائلًا:
زاد إيه اللي بتقوليه ده بس! طيب اسمعيني.
زاد:
مش عايزة أسمع ولا أعرف خلاص حاجة، اعمل اللي تعمله،
أنا خلاص زهدت فيك.
ثم تفاجأت بأنها تغلق الخط في وجهه.
ليصيح براء: آه يا بت المجنونة، وأنا اللي كنت فاكر عتتصل عشان تحب فيا. ماشي يا زاد، إن طلعت كل ده على جثتك ما أبقاش أنا براء. وللعند فيك بقى مش سايب الحكومة، وهأحول شرطة آداب عشان عيني تزوغ براحتي.
****
اهتم جابر بصغيره غيث، حتى أنه كان يحمله على يديه أثناء مباشرة العمل في المصنع.
وعندما عاد إلى مكتبه حدثه جاد بضيق: ما ينفعش اللي عتعمله ده يا أخوي، عتنتبه لشغلك ولا لغيث.
_ جولتلك أعطيه لسلسبيل تهتم بيه، وما تخافش عليه دي حنينة جوي وعتكون أحن عليه من أمه اللي رمته.
جاد بنظرة حزن: مش عايز أكتر عليها يا جاد، دي لسه صغيرة وكفاية عليها حمل أخوها وأنت كمان عتراعيك. وخايف تضايق منيه، ده أنا لسه كنت بفكر أكلمها وأجولها لو حاسة إني عكون حمل عليك بولدي، بلاش منها الجوازة دي وتتجوز واحد زييها ما سبقلهوش الجواز أحسن.
صدم جاد وتغيرت ملامحه وعاتبه بقوله: عتجول إيه يا خوي، لا أكده حرام دي البت عتعشق التراب اللي عتمشي عليه، تجول تسيبها، دي تموت فيها. ولا أنت عتحجج وخلاص لأجل عيون الناس اللي باعتك بالرخيص وعايز تعمل زييها وتبيع ناس عتحبك وعتتمنى رضاك.
فصاح جابر بغضب: وبعدين معاك يا جاد، كفاية كلام في الموضوع ده، أنا خلاص قفلته. فبزيادك يا جاد بالله عليك، مش ناقص حرق قلب. أما على سلسبيل فأنا هتجوزها لو مش عتضايق من غيث، فما تجلقش. ودلوك أنا هأروح لها وأتفاهم معاها، ولو حسيت صوح أنها متقبلة ولدي، أحدد معاها معاد الجواز وعنزل معاها تشتري العفش اللي يعجبها وتفرش بنفسها كمان.
_ ها، حلو أكده يا جاد ولا في نفسك حاجة تجولها ثاني؟
جاد بفرحة: لا ما فيش، ربنا يسعدك يا غالي، وأنا خابر إنك مش عتندم أبدًا على جوازتك منها، وبكرة تجول جاد قال.
فابتسم جابر رغم حزنه قائلًا: الله يدبر الأمر، كله من عنده خير.
ثم تركه وتوجه إلى سلسبيل يحمل صغيره الذي أتم السنة من عمره وبدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة، ويستطيع المشي عندما يرتكز على أحد الأثاث ثم يسقط مجددًا لعدم اتزانه بعد.
اتصل جابر بها في الطريق ليخبرها أنه سيأتي لزيارتها حتى تكون على استعداد.
فامتلأت جوارحها بالسكينة ودخل في قلبها الفرح وسارعت إلى غرفتها تبدل ملابسها بأحسن ما عندها.
وعندما ارتدت عباءتها واختارت لها حجابًا بنفس اللون، طالعت نفسها في المرآة بحيرة ثم قالت: هو مش دلوك جابر يبقى جوزي على سنة الله ورسوله، يبقى مالهاش عايزة الطرحة عاد. وبردك العباية دي واسعة جوي، خليني أبدلها بحاجة تبين عودي وأسرح شعري أكده وأبين له كيف أنا حلوة بردك يمكن قلبه يحن ويحاول ينسى قديمه. آآآه يا جابر نفسي تحس بقلبي اللي عيحبك. صبرت كتير جوي قلبي ونفسي أشوف في عيونك الحلوة نظرة حب، آآآه يا قلبي من حبك.
ثم أعلن الطارق عن الوصول فاحمرت وجنتيها فرحًا ودق قلبها عندما سمعت صوته يتحدث: كيفك يا عمران؟
عمران: بخير يا أخوي، اتفضل. ده غيث صح! بسم الله ما شاء الله، ممكن أشيله يا عم جابر.
فابتسم جابر تناوله إياه قائلًا: أيوه، خذه يا حبيبي، بس خلي بالك منه وخاف على يدك منه عشان هيعض بسنته الحامية دي.
فضحك عمران مرددًا: ده سكر ربنا يحفظه.
لتأتي سلسبيل من الداخل بوجه بشوش تتغنج بمشيتها ويتحرك معها شعرها كلما خطت خطوة ورحبت به بقولها: أهلًا يا جابر، نورت.
ازداد لعاب جابر وهو يراها على تلك الهيئة التي لم يرها عليها من قبل فقد كانت جميلة حقًا ولكنه سرعان ما أخفض بصره حرجًا وأجابها: بنورك يا سلسبيل، كيفك؟
سلسبيل: بخير طول ما أنت بخير يا جابر.
لامست قلبه كلمتها واستحسنها فابتسم وقال: اقعدي يا سلسبيل رايد أكلم معاك كلمتين.
فجلست سلسبيل بجانبه، فتعرق جابر خجلًا وابتعد قليلًا، فتنهدت بعشق وحدثت نفسها: وبعدين بقى عتتعبني معاك، يعني ألبس وأتزوق وتنزل عينك من عليه وأقرب منك تبعد.
_ قرب يا جابر واطفئ الشوق اللي في قلبي ليك، وبص في عينيا هتشوف قد إيه بحبك ومشتاقة ليك. أنا أحبك. حاول أن تساعدني، فإن من بدأ المأساة ينهيها، وإن من فتح الأبواب يغلقها، وإن من أشعل النيران يطفيها.
حمحم جابر بحرج قائلًا: أنا جبت ولدي غيث وهو مع عمران جوه في أوضته، وأنت خابرة أن أمه تعبانة ومش عتقدر على تربيته، وأنا أخدته منها وهيكون معايا على طول عشان أراعيه. وعشان كده بسألك يا بنت الناس، راضية تتجوزيني وولدي معايا؟ يعني عتراعي ولدي وتكون أنت أمه، مش عتزهقي أو تملي أو تتعبي وتجولي يا ريتني أخدت أعزب! فجولي لو مش عتقدرى على المسئولية دي، عشان أعفيك منها وكل واحد يروح لحاله.
فتفاجأ جابر بها تضع يدها على فمها وتطالعه بحب مردفة: بس ما تكملش يا جابر، عشان ما تكسرش قلبي. أنا ما أتحملش كلمة زي دي صدقني، ما أقدرش تبعد عني ولو للحظة واحدة. ده أنت روحي اللي رجعت لي من ثاني. أنت النسمة الحلوة في حياتي. وغيث حتة منك، يعني حتى مني أنا كمان، أحبه على حبك وأراعيه بعيوني وعيصبرني على بعدك لما تروح الشغل وتبعد عن عيوني.
تجمد جابر ولم يدرِ ما يقوله بعد أن هاجمت قلبه بكل تلك المشاعر الفياضة التي لم يتوقعها منها، فهو تعود مع بانة على الجفاء ولم يبادلها أحد الحب من قبل وكان قلبه هو ما زال بكر.
ثم رآها تسرع إلى غرفة عمران وتأتي بالصغير تضمه إليها بحب وتلاعبه وهو يضحك وتحدثه: قلب ماما أنت يا غيث، أحبك حبين مش حب واحد يا ولد الغالي.
فابتسم جابر واطمأن قلبه على ولده.
وقال: أكده على بركة الله يا سلسبيل والجمعة الجاية بإذن الله عندخل. ومن بكرة عأخدك تجيبي جهازك وتنقّي اللي يعجبك وتفرشي بنفسك.
فظهرت الفرحة على وجهها واشتد احمرار وجنتيها خجلًا، فأخيرًا سيجمعها سقف بيت واحد مع من تمنته زوجًا لها.
******
بثت عزة سمومها في أذن جليلة وظنت أنها ستوافق بعد أن اصطنعت الحزن والبكاء أمامها ولكنها تفاجأت بها تقول: العمل عمل ربنا يا ست عزة. وصدقيني عمل المحبة مش بيد حد غير ربنا عشان هو مقلب القلوب، فكلمي ربنا أحسن وادعيه يشرح صدر جوزك ليكي. لكن الست دي دجالة ما تعرفش ربنا، وممكن صوح تعملك عمل محبة ويشتغل شوية وبعدين يوقف وساعتها عتفزعي ثاني لما يتغير ناحيتك ويكرهك ويرميكِ كفى الله الشر. لكن لما تدعي ربنا هيدوم الحب وهيكرمك وكل واحد ربنا قسم له قسمته ومكتوب عنده واللي مكتوب هتشوفيه يا ست عزة، فما تخربيش على نفسك لأن لو حد شم خبر مش بعيد تتفضحي وأنا ما أرضاهاش ليكي، لأني أحبك كيف بنتي. فربنا يهدي سرك ويسعدك.
حملقت عزة بعينيها عليها وأعادت كلماتها على مسامعها وأدركت بالفعل أن ما تقوله صحيح، وحينها ستخسر كل شيء.
عزة: أيوه صوح عندها حق، لو أتفش الموضوع، ساعتها مش هيشوف قدامه ولا يراعي أني مراته وأم بنته وما هيصدق يطلقني ويخلص مني وهتكون حجته معاه. بس إيه العمل عاد ثاني معاه، ما هو أنا لا يمكن أستمر على كده. ولازمن ولابد أخليه يحبني كيفها وزيادة كمان.
لذا كان على عزة أن تفكر مجددًا، كيف ستجذب باسم إليها وتجعله يحبها وخصوصًا أنه سيكون بجانبها طوال اليوم في المستوصف. فهل ستستطيع؟ أم أن للقدر رأي آخر؟
رواية اولاد الجبالي الفصل 102 - بقلم شيماء سعيد
الغيرة كثرتها تجعل منكِ امرأة متسلطة ومزعجة، ولستِ واثقة بنفسك ولا برجلك، وقلتها تجعلك أنثى باردة تتخلى عن إحدى غرائزها الأنثوية كي لا تبدو ضعيفة. ولكن الغيرة المحببة له هي التي تشعره برجولته، وبها يتجدد الحب بينكما. والرجل الضعيف هو من لا يتحسس لمشاعر امرأته ويقول ويفعل ما يحلو له دون أن يعطي أدنى اهتمام لكرامتها، فبلا شك يا سيدي ستتخلى عنك إذا حاولت أن تثير جنونها.
أغلقت زاد الخط في وجه براء ونيران الغيرة تخرج من عينيها، وجاهد باسم في كتم ضحكاته بسبب ما قالته وتعبيرات وجهها العدائية، وحمد الله إنه ليس أمامها حتى لا تفترسَه بأسنانها هههههههه.
ثم استأذن للخروج حتى لا تنفجر به هو الآخر.
أما زهيرة فوضعت معاذ في سريره بعد أن نام على صدرها، ثم اقتربت من زاد وربتت على كتفها بحنو قائلة:
"يعني يا بنتي سبتي كل الكلام اللي كان فيه إنه بيحبك أنتِ ومسكتي في كلام الست إنها تحبه وعايزة تجوزه؟"
"طيب كيف يعني يجوز بذمتك واحدة مجرمة زي دي!"
"اعقلي يا بنتي وبزيادة عناد بينك وبين جوزك وهدي الحال عشان الدنيا تمشي، وحافظي على بيتك وعششي عليه بإيدك وسنانك عشان خراب البيوت مش بالساهل واصل يا بنتي."
"وعشان كمان العمر بيجري هوا، فحرام أكده يضيع في الحزن والنكد ده."
"فافرحي أنتِ وهو بشبابكم وحبكم اللي مالي قلوبكم، وحاولي يشد منكم، الثاني يرخي وأكده."
"وأهم حاجة أنه يحبك دي بالدنيا كلها يا بنتي."
فصاحت زاد:
"مهو يحب الستات كلها، جت عليه يعني!!"
فضربتها زهيرة على رأسها بغيظ قائلة:
"يعني بعد كل اللي قلته ده، ما فيش فايدة فيكِ يا آخرة صبري."
"إيه جاموسة ما هتفهميش إياك."
فصكت زاد على أسنانها بغيظ وأجابتها بتروٍ:
"يمّه افهميني عاد، أنا آه مقدرة كل الكلام اللي قلتيه، على عيني وراسي وكلام صح وزين جوي خابرة."
"بس أنا مش عايزة براء يحبني لمجرد إنه عارف أخلاقي كويس وعارف ديني ومتربية كويس على يدك وأكده ضامن إني هحافظ على بيتي وأربي ولده كويس ويكون مرتاح البال ومهما يعمل فيه هو ضامن إني موجودة وبحبه ويستحيل أبعد عنه، فعادي يعمل ما بداله."
"وأنا مش عايزة أكده لإن أكده ذل وعبودية مش حب حقيقي واصل."
"أنا عايزاه يحبني حب ثاني، يحب زاد من جوه، روحي يعني وده هو العشق اللي مالوش آخر."
"وكمان مش يشوف أي واحدة تعجبه، يريل عليها ويقول حلوة حتى لو مجرد إعجاب وبس."
"عايزاه مش يشوف غيري ومش بس أكده كمان، يشوفني في عينيه أجمل الستات حتى لو أنا مش أكده."
"لأن اللي يحب صح بيشوف بقلبه مش بعينيه."
فضحكت زهيرة مردفة بسخرية:
"شكلي بتحلمي إياك يا بنتي."
"ووسعت منك شوية، وفاكرة نفسك متجوزة ولي من أولياء الله الصالحين عشان ما يبصش لحرمة غيرك."
"هو فيه راجل ما يبصش غير لما يكون أعمى هههههه."
"يا بنتي أنتِ فاهمة الموضوع غلط، مش معناه بيبص يبقى أنتِ وحشة، لا ما أنتِ شايفة رجالة كتير متجوزين ملكات جمال وبيصوا ويخونوا كمان."
"بس هو الرجالة طبعهم أكده، أمال ربنا حلل التعدد ليه!! عشان خابر قلبه كيف الرمان وعيسع من الحبايب كتير."
فزمجرت زاد بضيق:
"واللي ما تقدرش على أكده تعمل إيه؟"
زهيرة بمرح:
"تعمل عامية هههههه وكل يوم تقرأ عدية ياسين عشان يرجع يبيت في حضنها."
فصاحت زاد:
"ليه فاكر نفسه مين!!"
"طيب لما يرجع لي بس."
فحركت زهيرة شفتيها باستياء مردفة:
"برضه مش ناوية تجيبها لبر؟"
"على العموم أنا نصحتك بقى وأنتم حرين، بس أنا خلاص تعبت من المناهدة وعسيبكم تمشوا حالكم بنفسكم ما حدش يشتكي لي."
"وربنا يستر وأشوفكم في المسامح كريم."
ثم تابعت بملل:
"أنا رايحة أمدد على فرشتي، سلام."
وبالفعل غادرت زهيرة وتركت زاد تتوعد لبراء وتتساءل:
"ممكن يعملها ويجوزها عشان يخاف تموت ويندم أنه مرضهاش صح."
"أيوه يعملها الخائن الدون وهطين عيشته ساعتها."
*****
بدأ العمل في المستوصف وتوافد الناس من كل صوب من أجل الرعاية الطبية المتميزة به، بجانب سعر الكشف الذي يناسب إمكانياتهم.
ودخل السرور قلب عزة لإن باسم أصبح معها طيلة اليوم، تحدثه ويحدثها، وظنت أنه هكذا سيتعلق بها ولكن لا تعلم أن القلب موصول بملك فقط.
وبعد انتهاء اليوم في المستوصف، دلفت إلى حجرته.
فاستقبلها باسم بابتسامة فاترة متعبة قائلًا:
"أهلا يا عزة، إيه خلصتي؟"
فجلست أمامه على المكتب لتكون على مقربة منه ومسدت على شعره بحنو مرددة بدلال:
"آه يا حبيبي."
"بس مالك شكلك تعبان جوي كده ليه؟"
ابتعد باسم قليلًا عنها بعد أن تغيرت معالم وجهه وقال بتحذير:
"عزة اقعدي كويس وبلاش الحركات دي، احنا في الشغل مش في البيت."
فتوترت عزة وشعرت بالحرج وصاحت بضيق:
"حركات إيه يا باسم، هو أنا ممرضة عندك ولا إيه!"
"أنا مرتك ولا نسيت!"
"ولا أقول لك آه شكلك نسيت يا باسم، ما أنت مش في عقلك ولا قلبك غير حبيبة القلب وبس."
"وأنا مجرد صورة أكده عاد، مالهاش لزمة."
وهنا كان دكتور أيمن في طريقه إلى مكتب باسم لمناقشته في بعض الأمور، وعندما جاء ليطرق الباب، سمع صوت عزة تعاتب باسم ثم استمع لشهقاتها وهي تبكي.
"أنا مش خابرة ليه حظي أكده، حتى بعد ما خلفت وقلت بقيت أم بنتك هتكون لي مكانة خاصة عندك."
"بس للأسف ما فيش حاجة اتغيرت، بل بالعكس ما بقتش تيجي عندي ولو ليلة واحدة في الأسبوع تتطفي نار قلبي اللي بتشتاق لك وأنت ولا على بالك."
"المهم عندك ملك وبس، ملك اللي أخذت كل حاجة، حتى البنت اللي خلفتها."
"والله حرام عليك وهتتحاسب على أكده."
أغمض باسم عينيه واستغفر:
"استغفر الله العظيم يا رب."
"عزة أنتِ خابرة أنا اتجوزتك ليه، مش عشان عيني فارغة ومش مكفياني واحدة، فقلت أتجوز ثاني وأنتِ خابرة أكده كويس."
"وخابرة إني أحب ملك لكن أنا برضه ما أكرهكش يا عزة وبأقدرك."
"وعشان عتابك ولومك لي ده أنا فعلًا حاسس بالذنب وكذا مرة أقول لك يا بنت الناس أنا مش قادر ولو عايزة أطلقك وتعيشي حياتك مع واحد يحبك، أنتِ ما بترضيش."
"فأعمل إيه يا عزة عشان ما تزعليش أكده!"
فبكت عزة وأجابته:
"تعمل إيه!"
"أنت لسه بتسأل يا باسم!"
"وأنت خابر إني أحبك ومش عايزة أطلق يعني عايزة إياك."
"عايزة تعاملني كزوجة حتى لو مش بتحبني، بس اكفيني زي ما ربنا أمر يا واد الأصول."
استمع أيمن لما قالته عزة مع بكائها فشعر بسكين يمزق قلبه ولعن الحب الذي يكسر صاحبه لهذه الدرجة.
وتساءل بمرارة:
"ليه يا عزة تعملي في نفسك كده، بدل مش بيحبك؟"
"ابعدي عنه وعززي نفسك ومسير الأيام تعوضك بواحد يشوفك أهم انتصاراته ويحبك زي ما أنتِ."
"بدل ما تضيعي عمرك كده على الفاضي مع واحد مهما قلتي مش هيحس بيكِ."
"وصدقيني أنتِ تستاهلي الأحسن بس ما ترخصيش نفسك."
ثم غادر حزينًا على تلك التي لمست قلبه من أول نظرة.
حدث نفسه باسم:
"كيف بس أفهمها دي إني مش رايدها."
"بس صح أخاف أقسى عليها أكثر من أكده تاخد البنت وتمشي وساعتها ملك ممكن تروح مني عاد وأنا ما أقدرش أعيش من غيرها."
"يبقى لازم أتحملها غصبًا عني وأروح لها من وقت للثاني، عشان كمان إحساس الذنب اللي بيلازمني ده."
لذا حاول الابتسام رغمًا عنه ولمس يديها فارتجفت من مجرد لمسة فتعجب على تأثيره عليها ومدى حبها له.
باسم:
"خلاص يا عزة بيكفي دموع وعايزك تسامحيني وحاضر من دلوقت هأديكِ حقك يا بنت الناس."
فلمعت عين عزة بالفرح وتعلقت به وهمست:
"بحبك يا باسم."
*****
مر أسبوع منذ ولوج مرام إلى المستشفى بصحبة براء، الذي كان يذهب إليها باستمرار ليطمئن على حالتها حتى اليوم الذي أبلغه به الطبيب إنها استفاقت من الغيبوبة واستقرت حالتها نوعًا ما وتم تحديد موعد عملية لاستئصال الورم حتى لا يتفشى في باقي جسدها ثم ستخضع إلى علاج بالكيماوي حتى يأمر الله لها بالشفاء.
ولج براء إليها في غرفتها فطالعته بلهفة وشوق ولمعت عينيها بحب قائلة:
"براء كنت خايفة ما أشوفك قبل ما أموت."
لمس براء يديها وربت عليها مردفًا بحنو:
"ما تقوليش أكده، هتعيشي خلي عندك أمل بالله."
فانهارت دموعها وأجابته:
"ما عادتش تفرق يعني هأعيش لمين ولا هأخرج لفين مهو للسجن."
تنفس براء ببطء وقال:
"مش هأقول لك إنه سهل أكيد صعب بس ممكن تعتبريها فترة تعيدي فيها حسابات نفسك بذهن صافي وتتخيلي حياتك بعد السجن هتكون إزاي؟"
"هتعيشي حياة عادية زي الناس تأكلي بالحلال وتقربي من ربنا ولا هترجعي لنفس المستنقع اللي كنتِ عايشة فيه."
أغمضت مرام عينيها بألم وحركت رأسها ثم قالت:
"لو كنت هأكمل ما كنتش صارحتك يا براء وأنت ما كنتش هتعرف تثبت حاجة."
"بس صدقني أنا خلاص مش قادرة أكمل حياتي بالشكل ده تعبت فعلًا وخصوصًا لما تعبت وحسيت أن نهايتي قربت، وبقيت شايفة مصيري قدامي."
"وكلام الدكتور فوقني، فما بقتش عايزة أخسر دنيا وآخرة كمان."
"وعشان كده من ساعة ما فوقت ولقيت نفسي هنا وأنا مش باقول غير يا رب سامحني."
ثم بكت بمرارة وتابعت بنحيب:
"بس خايفة قوي ما يسامحنيش."
ولسان حالها يقول:
"إلهي لا تعذبني فإني مقِرٌ بالذي قد كان مني"
"وما لي حيلة، إلا رجائي لعفوك إن عفوت وحسن ظني"
فطمأنها براء بقوله:
"ما تقوليش أكده، يمكن أنا مش متدين قوي لكن زاد مرتي ديمًا تقول أن ربنا أحن علينا من أبونا وأمنا وأنه يحب العبد الأواب اللي بيتوب وبيغفر كل شيء صغير وكبير."
فابتسمت مرام بوهن وسألته:
"بتحبها قوي مش كده."
براء بحرج:
"آه بحبها جدًا وبحس أنها روحي اللي عايش بيها والحاجة الحلوة اللي في حياتي."
تنهدت مرام وأخرجت زفير حار وتابعت:
"كان نفسي ألاقي حد يبادلني الشعور ده."
"كان نفسي تحبني يا براء زي ما حبيتك بس للأسف، بس صدقني خلاص أنا من بعد اللحظة دي مش عايزة أكون عقبة في حياتك خلاص، بس لي طلب واحد ممكن؟"
رفع براء حاجبيه باندهاش وترقب من أن تطلب أن يتزوجها مرة أخرى.
فأومأ برأسه لتتابع هي:
"عايزة أكون جنبك بأي شكل، أخت صديقة، تسأل عليّ يعني مش تخرجني خالص من حياتك."
"أنا ما بقاش لي حد خالص، فما تحرمنيش منك أنت كمان."
"ده أنا نفسي كمان لما أتحبس يكون عندكم في الصعيد، عشان تقدر تزورني من فترة للثانية."
ثم لمست يده وترجته بعين دامعة:
"أوعدني يا براء تكون جنبي، ومش تنساني أرجوك وأوعدك أنا إني لا يمكن أذيك بالعكس هأدعي لك بحياة سعيدة مع مراتك."
وهنا لمعت عين براء بالدموع عندما تأكد من حديثها أنها فعلًا تكن له حب كبير يجب عليه أن يحترمه وخصوصًا في ضعفها هذا، بجانب أنها أدركت أنه لا يمكن أن يكون لها واحترمت حبه لزوجته لذا لم يكن بمقدوره سوى الانصياع لطلبها قائلًا:
"غالي والطلب رخيص، تقومي بس أنتِ بألف سلامة وهأطلب نقلك سجن سوهاج."
"وإن شاء الله مع مرضك واعترافك على شركائك، ده هيكون كافي إن الحكم عليكِ يقل ومش هتطولي بإذن الله في السجن."
"وأوعدك كمان لما تخرجي هأشوف لك شغلانة حلال ومكان تسكني فيه."
فدمعت مرام دموع الفرحة لأول مرة وانحنت لتقبل يده ولكنه أبعدها مستغفرًا:
"استغفر الله العظيم."
وتابع بقوله:
"ربنا يطمنا عليكِ، ودلوقت وكيل النيابة منتظر بره، عشان تقولي له كل الحكاية من ساعة هروبك لغاية دلوقت."
أومأت مرام برأسها وأكدت:
"حاضر هأقول على كل حاجة ما تقلقش أنا وعدتك."
فابتسم براء وودعها وخرج.
ليدخل لها وكيل النيابة يستجوبها.
فأدلت بمعلوماتها عن الطبيب الذي ساعدها في المستشفى النفسي، ثم عن فريد ونيلي التي قامت بذلك الدور على براء، كما ذكرت كثيرًا من رجال الأعمال المتخفين وراء كلمة الاستيراد والتصدير، ولكن أصل أعمالهم هو التهريب وتجارة المخدرات.
وكلما ذكرت اسمًا مهمًا اندهش وكيل النيابة، وحدث نفسه:
"دي شكلها هتكون مطحنة وليلة جامدة، وربنا يستر مش هتكون بالساهل."
"وكده هي هتحتاج حماية لأن الأسماء اللي قلتها مش هتسكت وأكيد هيغتالوها."
تحدثت مرام بكل ما لديها، ولكنها في النهاية أصابها الإعياء، وأعلن جهاز القلب ناقوس الخطر وأصدر صوتًا مرعبًا.
لتفزع الممرضة وتفتح الباب لتنادي على الطبيب، بين نظرات الرعب في عين براء الذي كان ينتظر في الخارج ليتحقق من وكيل النيابة عن ما أدلت به ليطمئن قلبه.
وعندما ولج إليها حينما حضر الطبيب، وجد وجهها شاحبًا للغاية وكأنها على مشارف الموت، والطبيب يحاول أن ينعش قلبها بجهاز الصدمة الكهربائية.
فردد براء والدموع في عينيه:
"يارب خليها تعيش وتدوق حلاوة الحلال على قد ما كرهت الحرام، عشان خاطري يارب."
وهكذا أخذ يدعو ويكرر:
"يارب"، حتى سمع تنهيدة عالية من الطبيب الذي تمتم بحمد الله:
"الحمد لله رجع نبض قلبها."
ثم أشار إلى وكيل النيابة:
"لو سمحتم الحالة محتاجة راحة ومتقدرش على الكلام تاني عشان حالتها مش تنتكس تاني بالشكل ده."
وكيل النيابة:
"تمام أنا أصلًا خلصت."
فغادر وتبعه براء ليتنهد هو الآخر بارتياحية عندما استمع لكل ما حدثته به مرام.
براء:
"بس لازم كده قبل أي إجراء، نشدد الحراسة عليها."
وكيل النيابة:
"فعلًا الكلام اللي أدلت بيه في غاية الخطورة ويمس مناصب حساسة جدًا."
"وعشان كده هبعت حالًا لسيادة اللواء وهو أكيد هيبعت فرقة خاصة لحمايتها."
براء:
"تمام، الله المستعان."
******
علمت بانة أن تلك الليلة هي موعد زواج جابر وسلسبيل.
فشعرت بالنار تأكل في قلبها، وأخذت تدور حول نفسها في الغرفة وتهشم كل ما طالته يدها حتى انفجرت في البكاء بهيستيرية وجلست على الأرض ولم تشعر بتلك الدماء التي تنزف من قدميها نتيجة الزجاج المتناثر في الأرض.
وأخذ صدرها يعلو ويهبط من بين شهقاتها وأصدرت صوت أنين خافت مرددة:
"يا مرك يا بانة، أنتِ أكده خلاص ضيعتي، ولا منك رجعتي لجابر اللي ضيعتيه منك بيدك ودماغك الناشفة."
"ولا منك هتقدري تتجوزي تاني عشان محدش هيقدر يبصلك بعد ما اتشوهتي أكده وبقيتي كيف العفريت الكل هيفزع منه."
"وممكن كمان أموت بحسرتي."
"أنا إيه بس اللي عملته في نفسي ده؟"
"كان فين عقلي لما ضيعت راجل من إيدي بيحبني وعمره ما زعلني زي جابر، بالعكس أنا اللي كنت بزعله وهو بيستحمل ديما وكنت فاكرة أنه هيفضل كده على طول يستحمل مهما عملت."
"ومعرفش أن كل إنسان وليه طاقة وهيجي في الآخر ينفجر ويقول خلاص مش متحمل."
"ااااه يا جابر، خلاص أكده مبقاش ليك أي حاجة في قلبك واتجوزت."
"أنا خابرة أنه جالي بعد اللي حصل عشان يطمن عليّ، وشوفت في عيونه لسه شوية حب بس مقدرتش لأني خابرة إن ده حب بشفقة مش حب عادي."
"ومش بانة اللي تربط حد جنبها شفقة بيها."
...........
أتعلم ما هو الخذلان؟ أن تجعلني أسيرة بحبك ولا تبادلني نفس الشعور.
وعلى جانب آخر.
كانت تجلس سلسبيل على التخت بعد انتهاء حفل الزفاف بفستان الفرح التي طالما حلمت أن ترتديه لفارس أحلامها * جابر *.
وأخذت تفرك بأصابعها من الخجل فهي أول ليلة مع حبيب القلب والروح، وأغمضت عينيها لتتخيل ما سيكون شعورها عندما يكون بجانبها لأول مرة.
فكان مجرد التخيل كفيلًا أن يجعل جسدها كله يرتجف، فماذا إن شعرت بحبه لها حقًا ولمعت عينيه عند رؤيتها.
اااه واااه من حبك يا جابر.
ولهفتي لقربك وهمسك.
لتطفئ نار شوقي إليك.
وأنعم بجوارك إلى آخر عمري.
لعلى ذلك يحيي قلبي بعد أن مات شوقًا إليك.
لتجد نفسها قد طال انتظارها له، ولم يأتِ بعد.
فهو عندما ولج بها إلى غرفتهم معًا بعد انتهاء العرس، استأذنها ليذهب إلى غرفة غيث مع جاد ليطمئن عليه.
وهي وافقت على الفور ظنًا منها أنها ستكون لدقائق وسيعود إليها سريعًا فهذه ليلة العمر ولن يتأخر عليها.
ولكنه فاق كل توقعاتها وها هي أول ساعة قد مضت والثانية تكاد أن تمضي هي الأخرى أيضًا وما زال لم يأتِ جابر إليها.
فدب الرعب في قلبها ولم تدرِ ما تفعل..
لتقرر بعد ذلك الذهاب بنفسها لتطمئن عليه، فاتجهت نحو الباب وسارت في الردهة حتى وقفت أمام غرفة الصغير وفتحت الباب ببطء شديد لتفاجأ بجابر يحتضن طفله وينام بجانبه.
فازداد لوعتها وحاولت ابتلاع تلك الغصة المريرة التي اجتاحت حلقها.
وهمست بحنق وقهر:
"أكده يا جابر من أول ليلة بينا تكسر بخاطري وبقلبي، ليه بس أكده؟!"
"ده أنا قعدت سنين وليالي طويلة أتمناها ولما تيجي تنام بعيد عن عني."
"أفهم إيه من أكده؟!"
"إنك مش عايزني، معقول؟!"
"لاااا ده أنا كنت أموت بحسرتي."
لتتجمع الدموع في عينيها ثم أغلقت الباب ببطء وذهبت إلى غرفتها تلقي بنفسها على التخت تبكي بمرارة لا تدري بما مر عليها من الوقت وهي تبكي هكذا حتى خلدت إلى النوم بفستان العرس.
فما أصعبه من خذلان.
*****
ليت الذي كان بيننا لم يبدأ أبدًا، ليتنا لم نلتقي من قبل.
كانت عزة في قمة سعادتها بعد أن وعدها باسم إنه سيأتي إليها ليعدل بينها وبين ملك حتى لا يتحمل إثمها أكثر من ذلك.
ففرحت وتهيأت له في غرفتها من أجل لقاء بعد طول غياب، وتحيرت في انتقاء قميصًا جذابًا لتختار في النهاية واحدًا باللون الأحمر المميز.
فأسرعت لارتدائه ثم وقفت أمام المرآة تضع بعضًا من مساحيق التجميل، ثم نثرت عطرًا فواحًا وأخيرًا أسدلت شعرها على ظهرها وأخذت تنظر لنفسها برضا وتحدثها:
"أكيد أكده مش هيقدر يغمض عينيه ولا يبعد عنك تاني يا زوزوة."
"وهعلمه كيف الحب من أول وجديد يا بسوم."
"آه لو تحس باللي في قلبي ما كنتش تقدر تهملني كل الليالي الطويلة دي لحالي، أشكو لربنا اشتياقي ولوعتي لقربك."
أما هو فكان في غرفته مع ملك، يجلس بتوتر ويطالعها بقلق ثم يقف يتحرك ويجوب الغرفة واضعًا يديه حول ظهره ثم يعود ليجلس مرة أخرى.
فسكتت ملك في أمره قائلة:
"أنت عايز تقول حاجة يا باسم بس مش قادر، صح؟"
"قول عايز إيه وخجلان أكده ليه كأنك عامل عملة؟"
ثم اقتربت منه وقالت بحب ودلال:
"ها يلا عايز تقول إيه؟"
"لو اللي في بالك فأنا كمان في بالي وريحانة أهي نايمة ففرصة."
ثم ابتعدت مرة أخرى لتضحك بجاذبية يعشقها باسم منها.
خفق قلبه وقال بلهفة:
"هو بعد اللي قلتيه وعملتيه أقدر أقول حاجة."
"بس استنى استنى بتبعدي ليه تاني عني يا ملك؟"
"ده أنتِ روح الروح يا قلبي."
"ملك ملك..."
رواية اولاد الجبالي الفصل 103 - بقلم شيماء سعيد
عاش باسم ليلة مليئة بالحب مع حبيبة القلب *ملك* وتناسى عزة التى ظلت تنتظره على نار ليطفئ نار قلبها المشتعلة من فرط حبها له، حتى سرت البرودة فى جسدها ودثرت نفسها بالغطاء ونزلت دموعها الحارة على وجنتيها وضمت جسدها بذراعيها محاولة أن تبث الدفء فيهما ولكن هيهات فالروح هى التى أصبحت ترتجف وأخذت تردد: أكده يا باسم، والله حرام عليك وهشتكيك لربنا يوم القيامة ثم أخذت تبكى بمرارة حتى غفت.
ونام باسم بجانب ملك، قرير العين ولكن بعد مرور ساعتين شعر بجفاف فى حلقه فقام ليمد يديه لتناول كوبا من الماء الذى بجانبه على الكومود.
فشرب ثم حاول العودة للنوم وفجأة تذكر عزة، فضرب على رأسه وهَوْلَ:
لا حول ولا قوة الا بالله، ده انا نسيتها خالص.
استغفر الله العظيم يارب، ثم نظر لتلك النائمة بجانبه بحب وعاتبها:
اه لو بس مكنتيش غصبتى عليه أروح عنديها، مكنتش عحس بالذنب دلوك وكنت طلّجتها من زمان.
فدلوك معلش سامحينى لازم أروح، كفاية لغاية أكده تجصير وإحساس بالذنب.
لذا قام ببطىء لكى لا تشعر به، وارتدى ملابسه ثم اتجه إلى غرفة عزة، وأقترب منها ليجد دموعها مازالت على وجنتيها ونائمة بوضعية الجنين فى بطن أمه.
فأشفق عليها ومد يده ليلامس وجهها ويزيل عنها تلك الدموع، فشعرت بيده فارتجفت وفتحت عينيها بتثاقل، لتراه أمامها يبتسم لها، فتسارعت نبضات قلبها بشده وهمست ببسمة وجع واشتياق:
بااااسم، اتأخرت عليه جوى.
انحنى باسم إليها وقال بحنو:
معلش آسف يا عزة.
لتسامحه فى التو واللحظة مقابل ابتسامة منه، فهى تعشقه وتغفر له دوما ما يفعله معها.
ابتسم باسم رغما عنه، ليبدء بعزف سيمفونية أخرى للحب ولكن ليس وتر كوتر، لإن قلبه وسعادته مع ملك وحدها.
أعطاها باسم حبه المزيف فابتسمت برضا وحاولت أن تكون بقربه قليلا لتشعر ببعض الحب والاهتمام قليلا وتنام بهذا الدفء ولكن وجدته يبعدها ويقوم يرتدى ملابسه.
لتعتدل هى بعد أن تبدلت معالم وجهها للدهشة قائلة:
عتعمل ايه يا باسم؟
باسم:
زى ما انتِ شايفة علبس هدومى ورايح أنام بجا وأنتِ كمان نامى على راحتك عشان تجومى الصبح فايجة للشغل.
عزة بحنق:
وليه متنمش جارى يا باسم، أنا محتاجك جمبى ولو ليلة واحدة بس، أظن من حقى.
فزفر باسم:
وبعدين يا عزة، انا مش عملت اللى عايزاه وچيت أهو، بلاش نكد بجا الله يخليكِ.
وهملينى أروح انام وارتاح شوية قبل الشغل.
ثم غادر تحت انظارها ولم ينتظر حتى يسمع منها اى تبرير اخر.
لتجد نفسها تنظر لمكان وجوده بجانبها منذ لحظات بعين متسعة لا تصدق أنه غادرها بتلك السرعة وكأنها ليست زوجته بل مجردة فتاة عابرة قضى معاها سويعات قليلة ثم رحل عنها سريعا دون أهتمام بمشاعرها.
فوجدت نفسها تعود للبكاء مرة أخرى بأشد مرارة وهى تلمس بيديها موضع نومه بجانبها وتهتف بجزع:
لميتى بس عستحمل جلة الجيمة دى يا باسم، لميتى؟
حرام عليك والله.
ولا يمكن حرام عليه عشان أنا اللى عملت فى نفسى أكده بس أعمل ايه ديما احكم جلبى وهو اللى هيضيعنى.
نفسى مرة أحكم عقلى يمكن أتغير شوى.
أما باسم فعاد سريعا للنوم بجانب ملك، واقترب من وجهها لينعم بالنوم على أنفاسها التى أدمنها ولا يستطيع النوم غير عليها.
وفى المستوصف، لم يتمالك أيمن نفسه عندما وجدها تدلف وراء باسم، بعين شاردة حمراء يظهر بها أثر البكاء، بجانب هالات سوداء تدل على مدى حزنها وقلة النوم.
فعلم أن مازال هذا الأبله يحزنها ولا يشعر بقيمتها، بينما هى فى نظره جوهرة تمنى لو يمتلكها بعد أن أمتلكت عليه جوارحه من أول نظرة ولكن ضميره يؤنبه دوما على ذلك ويريد الإبتعاد عن المستوصف بأكمله حتى ينساها لانها متزوجة ولا تحل له.
ولكن كل ذلك ذهب فى مهب الريح عندما رأها حزينة على هذا النحو وتمنى أن لو كان بيده شىء ليخرجها من هذا الحزن.
فحاول أن يتمالك نفسه لعدة دقائق ثم أمر الساعى بصنع كوبا من الليمون وإحضار بسكويت الشيكولاته معه.
وعندما تم ما أراد واستأذن الساعى للدخول بهم إلى حجرة عزة طالعته بإندهاش قائلة:
ايه ده يا عم حسن، انا مطلبتش حاجة؟
وعندما فتح حسن فمه ليجيبها، وجد من ورائه ايمن يقول:
طيب حط الحاجة على المكتب أنت يا عم حسن.
طالعته عزة بإستغراب وصمتت حتى غادر حسن لتسئله:
أفهم فيه ايه بالظبط؟
حمحم أيمن بحرج وقال:
مفيش يا دكتورة.
_أنا حسيت بس من دخولك إنك متوترة شوية ومن عينيكِ إنك منمتيش كويس.
فطلبت ليكِ ليمون وقولت كمان يمكن مفطرتيش، فقولت لازم يكون معاه البسكوت الحلو ده.
اضطربت معالم عزة لهذا الغزو المفاجىء، فهذه أول مرة أحدا يهتم به أو يلاحظ على وجهها شىء، فالكل يتجاهلها حتى أقرب الناس إليها.
فحمحمت هى الأخرى بحرج وخرج صوتها مهزوزا:
متشكرة جوى يا دكتور ايمن.
ثم اصطنعت الجدية حتى لا يتمادى معها:
بس لو سمحت بعد أكده، مش تتعب نفسك وتطلب حاجة ليه.
انا لما أحتاج هطلب لنفسى، ودلوقتى تقدر تتفضل تشوف شغلك.
شعر ايمن بإن دلوا من الماء البارد قد سُكب على رأسه عندما أحرجته عزة، فقال بحرج:
العفو وأسف ان كنت ضايقتك بس صدقينى انا مقصدش غير راحتك.
بعد اذنك، ثم غادر تحت انظار عزة التى ألقت بنفسها على المقعد وحدثت نفسها:
هى كانت ناجصاك أنت كمان يا أيمن عشان تحسسنى اكتر بالهم اللى انا فيه وأنه واضح للدرجة دى على وشى، يعنى بجيت مفضوحة.
ثم شردت فى باسم واستطردت بحزن:
ألا ما فيه مرة خدت بالك منى أكده يا باسم.
يلا هى شكلها عيشة والسلام.
قام جاد من النوم ليتفاجىء بنوم جابر بجانب غيث، فضم شفتيه بغيظ مردفا:
استغفر الله العظيم، من أولها أكده!!
_يا عينى عليكِ يا سلسبيل، متستحقيش أكده والله.
فقام من فراشه وبطرف أصابعه هز كتفه، فقام جابر مفزوعا مردفا:
ايه فيه ايه؟
فعقد جابر حاجبيه قائلا بحنق:
هو أنت ايه اللى فيه إيه يا اخوى!!
_ايه منيمك إهنه، ومهمل عروستك فى ليلة دخلتها؟
ده حتى عيبة فى حقك.
فاعتدل جابر وحمحم بحرج:
ايوه سلسبيل فكرتنى.
_بس معلش محستش بنفسى ونمت جمب غيث.
فضحك جاد وهو يلوح بيده:
محستش بنفسك ولا جاصد يا اخوى ومش عايز تقرب منيها، عشان اللى فى الجلب.
فوقف جابر وتبدلت ملامح وجهه الغضب وصاح:
يوووه بجا مش هنخلص من السيرة دى عاد.
_بجولك ايه يا جاد، انا رايح اتخمد هناك زى ما أنت عايز وخلى بالك من غيث لما يصحى وشيع للبت بهانة تغير له وتوكله.
وعندما التفت ليغادر صاح جاد:
جابر.
فالتفت له مجددا ونظرة التساؤل فى عينيه.
ليجيبه جاد:
انا لما عرضت عليك تچوز سلسبيل، كنت متوكد انك مش هتظلمها معاك.
فمتخلينيش دلوك أشك فيك وأندم على شورتى ليك.
تنهد جابر بحرارة واقترب منه يداعب وجنته وقال:
مش خابر كيف هتچيب الكلام الكبير ده رغم لساك صغير.
فابتسم جاد:
العقل مش بالسن يا ولد ابوى.
جابر:
صوح يا خوى، وادعيلى بس انت ربنا يريح جلبى.
جاد:
ربى يريح بالك وجلبك.
ويلا روح طيب خاطر الغلبانة دى، عشان أكيد نامت عتبكى لحالها.
فاومأ جابر برأسه وغادر، فدعا جاد:
ربنا يرزقك محبتها يا جابر.
إتجه جابر بخطوات بطيئة ثقيلة إلى غرفته مع سلسبيل وحدث نفسه:
مش خابر كيف عقدر أقرب منيها وانا جلبى لسه مش ملكى.
_اه يا وجع الجلب اللى انا فيه.
ثم تنهد بوجع وفتح الباب، ليجدها نائمة بفستان الزفاف، وهناك خطوط سوداء بفعل الدموع التى انهمرت من عينيها مختلطة بكحل العين.
فتمتم بحزن:
لا حول ولا قوة الا بالله، متخلينيش أندم إنى اتسرعت فى الچوازة دى وانا مش قدها عاد.
_اعمل ايه دلوك معاها ولا أطيب خاطرها كيف؟
_أصحيها طيب ولا أسيبها نايمة؟
ثم حمحم لعلها تستيقظ من صوته، لتفتح عينيها فتراه أمامها، فرمشت بأهدابها عدة مرات لتتضح رؤيته.
وأختلطت الفرحة برؤيته بإنكسار قلبها، فلم تبتسم له كعادتها بل اخفضت عينيها ثم حاولت الاعتدال والنزول من التخت قائلة:
محتاچ حاچة اعملهالك يا چابر، أحضرك الفطور؟
أقترب منها جابر ولمس يديها برفق، فانتفضت من لمسته وشعر هو بإرتعاش جسدها، فابعد يده قائلا:
متخفيش عاد يا سلسبيل.
_ومش عايزك تزعلى منى، وتحملينى شوى معلش.
_انا جولتلك قبل ما نچوز انى محتاج وقت وأنتِ جولتيلى هتحمل صوح!
_فلزمته ايه عاد الدموع دى كلها اللى عيونك، متوجعيش جلبى الله يخليكِ.
أبتلعت سلسبيل غصة فى حلقها لتجيبه:
مفيش دموع ولا حاچة، واه جولت ولسه عقول خد وقتك يا چابر انا مش مستعچلة وكفاية عليه إنى بقيت مرتك وعتطلع ليك من غير حرج.
وبعد إذنك هروح أغير الفستان فى الحمام واتوضى أصلى، وبعدين أنزل احضر ليك الفطار.
جابر:
متتعبيش نفسك أنتِ لسه عروسة، عخلى بهانة تتطلع لينا الفطار إهنه.
فتمتمت بحزن:
عروسة!
_لا ملهوش لزوم، خلينا ننزل نفطر تحت كلاتنا مع جاد وعمران وأطمن على غيث.
ثم التفتت لتتجه إلى المرحاض متجاهلة نظراته إليها.
وجلس هو على التخت ينتظرها حتى تخرج، ليدخل هو أيضا.
تطلعت سلسبيل لوجهها فى المرأة ففزعت عندما رأته ملطخ بالسواد.
_ده شكل عروسة يوم الصباحية بردك!
ربنا يسامحك يا جابر، بس مش جولت أصبر واتحمل، ماشى
لما نشوف مين عاد اللى عيتحمل ويصبر.
لتأخذ بعد ذلك حماما سريعا، ثم ارتدت قميص شفاف من اللون الأبيض.
ثم فتحت جزء يسير من الباب لتعلم هل مازال موجودا ام خرج، لتطمئن عندما لمحته ينتظرها على التخت خروجها.
فخرجت كأنها لا تراه وأخذت تمشى بتغنج أمامه.
ثم أخذت تنحني بجسدها وكأنها تبحث عن إسدال الصلاة.
ليشهق جابر من رؤية تلك الحورية على هذه الهيئة الساحرة التى تذهب بالعقل، فسرت فى جسده حرارة وازداد لعابه وظلت عينيه متلصقة بها كلما خطت أمامه وكانت هى تلمح عينيه المتعلقة بها فابتسم وتحدث نفسها بمكر:
يا ويلك منى ومن حبى يا چابر.
حتى كاد جابر أن يفقد أعصابه عندما اقتربت منه ثم انحنت إليه لتسئله بخضوع:
جابر مشوفتش إسدال الصلاة بتاعى كان إهنه.
فاحترق قلب جابر بقربها منه هكذا وتعالت نبضات قلبه وظل يلعق شفتيه بلسانه الذى جف حتى استطاع بالكاد يحدثها:
_مش خابر شوفيه يمكن فى الدولاب عاد.
ثم وجدته يقفز من التخت بطريقة أضحكتها قائلا:
انا داخل أتسبح ويارب أطلع ألاقيكِ لبستى عشان ننزل نفطر.
ثم اسرع المرحاض واغلق الباب من ورائه هربا منها.
ليقف هو من وراء الباب مستندا عليه بظهره، يحاول إلتقاط أنفاسه بصعوبة وكأنها سحبت الهواء من رئتيه وحدث نفسه:
_ايه مالك يا جابر،
مش على بعضك أهدى.
ثم وجد نفسه يبتسم مرددا:
_ بس البت طلعت حلوة جوى جوى.
جميلة أنتي ❤
كجمال الياسمين
في فصل الربيع كجمال المطر
في نيسان كجمال القمر في عتمة الليل
جميلة أنتي ❤
لا تشبهين أحد
تشبهين كل الجمال الذي يلون الأرض
جميلة أنتِ كزهرة الاقحوان في البرية
جميلة أنتِ كحديقة بابلية علقت على جدار الإحساس
باختصار جميلة أنتِ في كل حالاتك لا تشبهين أحد.. ❤
ثم سريعاً ما عقد حاجبيه متابعاً:
_ بتقول إيه يا جابر، لا أهدى أهدى وأوزن الأمور عادي، مش دلوقتي خالص الموضوع ده.
لما أحاول الأول أداوى جرحي، بدل ما أنجرح من جديد.
*****
قامت حملة من الشرطة في توقيت واحد حتى لا يبلغ أحد من أولئك المجرمين أحدهم الآخر من الذين أفصحت عنهم مرام فيهرب.
لذا تم القبض عليهم في آن واحد.
وكان على رأسهم دكتور شاهين وفريد اللذين فوجئوا من صدمتهم واستنكر فريد ما يحدث بقوله:
_ أنتوا بتقبضوا عليه ليه؟
هي لعبة، أنتم مش عارفين أنا مين!
أنا مش هسكت أبداً وهحاسب المسؤول عن الأمر ده، لأن مفيش أي دليل.
فضحك حسام وهو يضع يده على كتفه قائلاً:
_ بس أهدى ووفر الجعورة دي قدام المحكمة لما نوريك الدليل صوت وصورة يا فريد بيه.
فابتلع فريد لعابه بخوف وحدث نفسه:
_ هو إيه اللي بيحصل ده أنا مش فاهم حاجة بس شكلي كده وقعت بس إزاي؟
كما تم القبض على نيلي ومجموعة من رجال الأعمال وشددت الحراسة على مرام بعد أن قامت في اليوم التالي بإجراء جراحة لاستئصال الورم ودُلفت للعناية المركزة حتى تستقر حالتها.
وقدم براء طلباً كما تمنت أن يتم احتجازها أحد سجون مدينة سوهاج لتكون قريبة منه.
وتم الموافقة على الطلب ولكن بعد أن تأخذ العدالة مجراها ويتم الحكم على المتهمين في القضية.
ليقرر بعد ذلك براء النزول إلى الصعيد ليطمئن على والدته ويرى تلك العنيدة التي أثرت قلبه وعقله ولكنه تمتم:
_ آه يا زادي وحشتيني جوى، بس لو ربنا يهديكِ عليه شوية.
كانت حياتنا هتكون أحسن كتير.
_ ربنا يديكِ العقل يا جلب براء.
ليتصل بأخيه ليخبره إنه سيكون لديهم الليلة.
باسم بفرحة:
_ بجد يا أخويا، يا هلا والله وحشني جوى..
تيجي بالسلامة وخلي بالك من الطريق وأنت جاي..
ليتصل بعد ذلك باسم بوالدته وزاد ليبشرهم بخبر عودته.
وعندما أغلقت زاد الهاتف، ابتسمت وتنهدت بعشق متيم مردفة:
_ أخيراً هشوفك يا براء، تعرف رغم كل اللي حصل ده بس عتوحشني.
ورغم إني ياما قلت مش عايزة أشوف خلقتك، لكن النظرة في عيونك بس كفيلة تحيي كل حاجة ماتت جوايا.
_ يااه لو تحس بجلبي وهو عيشوفك.
ما آه جلبي هو اللي عيشوفك قبل عينيه، عشان أكيد بحس بيك لما تقرب، قبل ما عيني تشوفك..
_ ورغم كل اللي عمل وأعمله معاك، بس جلبي عمره ما حب غيرك وبيكون نفسي لما أنكد عليك وأقول كلام مش اللي في جلبي صوح، يقرب مني ويقول أنا بحبك حتى وأنتِ أهدى متعصبة بس بحبك عشان يهديني.
_ هتقول عليه هبلة، عملك آه، بس حبي ليك.
حب من نوع خاص، ما أظنش حتى عيدَر يحبك كيفي أكيد.
ولا حتى الست بتاعة الحشيش وقلة الأدب دي..
_ آه يا نارِي منيك يا خاين يا دون يا مبصّبصتي.
طيب لما تيجي يا براء، هوريك النجوم في عز الضهر.
_ بس دلوقتي هدخل أظبط نفسي وأعمل نيو لوك، عشان يشوف النجوم في عز الضهر وهو مبسوط هههههه.
فدخلت إلى المرحاض وأخرجت عبوة الصبغة ذات اللون الأحمر القاني، وبدأت في تقسيم شعرها لتساعد على عمل تلك الصبغة بإتقان وما أن فرغت، حتى أعدت لنفسها حماماً مغربياً لتزيل عن جسدها الجلد الميت وتلك التصبغات لتصبح في النهاية كمشعة مضيئة تلمع وأخيراً غسلت شعرها من الصبغة بعد مضي الوقت، لتخرج لتبدل ملابسها بفستان أزرق لامع بحمالات عريضة، قصير، ضيق يلتصق بجسدها يظهر مفاتنها.
ثم جلست لتنشف شعرها بالاستشوار وهي تطالع بإعجاب ذلك اللون الجديد الذي يليق مع بشرتها تماماً.
لتضع بعد ذلك لمسات من زينة الوجه لتبرز جماله ثم أخيراً نثرت عطرها الفواح وارتدت صندل أزرق ذو كعب عالي، ولم تنسَ أن تزين قدمها بخلخال فضي اللون.
وما أن انتهت حتى نظرت لنفسها في المرآة، فضحكت مرددة:
_ هو مين دي اللي قدامي، مش معقول أبداً أنتِ يا بت.
كنتِ مخبية الجمال ده كله فين بس.
إيوه أهدى يا جمالووو، وهشوف الخاين الدون ده هيعمل إيه لما يشوفني عادي أهدى.
أكيد هيطير البرج اللي فاضل من نفوخه، يلا ابن حلال ويستاهل.
_ مر الوقت سريعاً وفي أول الليل وصل براء سالماً، لتكون زهيرة في الاستقبال على أحر من الجمر وبكت عندما رأته ليسارع إلى أحضانها لتمده بالحنو والعطف والحب الذي يحتاجه.
زهيرة:
_ وحشتني جوى جوى يا ولدي، أهدى كل الغيبة الطويلة دي.
ابتعد عنها براء وظل يقبل وجهها في كل إنش بحب ثم قال:
_ غصب عني يا ست الكل، بس أهو الحمد لله قدامك دلوقتي بفضل دعواتك يا حبيبتي.
زهيرة:
_ أحمدك وأشكر فضلك يارب.
ليستمع إلى صوت باسم المرح قائلاً:
_ إيه وأنا ابن البطة السودة يمه ولا إيه، مفيش دعوة أهدى ولا كده.
حتى أخويا الحبيب مش معبرني.
فضحكت زهيرة وقالت:
_ كيف ده، أنت الخير والبركة.
ليطالعه براء بحب ثم أشار إلى صدره ليرتمي باسم عليه ويحتضنه بحب هامساً:
_ ياااه يا ولد أبويا، وحشني حضنك ده جوى، حاسس إني رجعت للأمان من جديد، وكنت من غيرك حاسس إني يتيم.
فدمعت عين براء قائلاً:
_ وأنت ابني البكري يا حبيب أخوك، ربنا لا يحرمني منيك.
ثم ابتعد عنهم ودار ببصره من حوله ليعود إليهم مرة أخرى قائلاً:
_ إما فين البت بانة مش شايفها ليه وحشاني جوى.
مع إني زعلان منها عشان مرفعتش عليه سماعة التلفون وجابت كيفك واطمنت عليه في الظروف دي.
مهو ما أظنش يعني زعلانة أنها اتطلقت عشان هي اللي طلبت أصلاً وأنا خابر إن جابر مش في دماغها من الأول مع إنه خسارة راجل في زمن قل فيه الرجولة.
فبكت زهيرة مرددة بنحيب:
_ يا عيني عليكِ يا بتي وعلى اللي حصلك.
فتجهم وجه براء وارتبك قائلاً:
_ هو فيه حاجة أنا معرفهااش.
حصل لها إيه بانة يمه، طمنوني عشان جلبي وجعني؟
ابتعل باسم غصة في حلقه ثم استطرد:
_ مش رضينا نجيبلك عشان خابرين فيك اللي مكفيك.
بس اللي حصل صعب، ثم بدأ يقص له ما حدث حتى الآن وأنه منتظر شفاء جروحها بالكامل حتى يشرع في أول عملية تجميلية لتحسين مظهرها قليلاً.
فوضع براء يده على وجهه وحوقل:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.
معقول ده!
بانة اللي كانت زي حتة من الجمر، يحصل لها أهدى.
بس أقول إيه عادي، قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
ربنا يصبرها على الابتلاء الكبير ده عادي، مع إنها السبب فيه.
بس ابتلاء واعر جوى جوى.
زهيرة ببكاء:
_ إيوه يا ولدي.
براء:
_ طيب أنا هطلع الأول أشوف معاذ عشان وحشني جوى، وبعدين هحاول أدخل لها مع إني حاسس إن جلبي هيوقف لو شفتها بالشكل ده.
دي بأنه يمه، يعني بتي اللي ربيتها على إيدي.
باسم:
_ آه يا أخويا خابرين ده، بس حقك تطمن على ولدك الأول ثم غمزَه قائلاً: ومرتك بس يعني عايزك تكون صبور لغاية آخر حد معلش.
أنت خابر الستات في الغيرة كيف المدفع اللي معيشهاش جدامه.
فضحك براء رغماً عنه قائلاً:
_ خابر، أستر يارب.
هطلع أهو عشان أستلَمِي وعدي.
فدعت له زهيرة:
_ ربنا يهدي سركم يا ولدي.
ثم التفت براء ليطلع إلى زاد.
وقلبه يلهث بالدعاء:
_ ربنا يهديكِ عليه يا زاد.
حتى وصل إلى غرفته وأدار مقبض الباب وكانت هي تقف أمام المرآة تهتم من هيئتها مرة أخرى عندما رأته من الشرفة.
ليدخل هو ليرى امرأة لا يعرفها من ظهرها ذات شعر أحمر قاني، بجسد متناسق فاتسعت عيناه بصدمة لينظر إلى باب الغرفة قائلاً:
_ هو أنا دخلت أوضة غلط ولا إيه عادي.
_ هي مين دي؟
هو إحنا عندنا ضيوف وأنا معرفش.
_ بس أول مرة يجينا ضيوف بالحلاوة دي.
ليعاتب نفسه:
_ وبعدين معاك يا براء مفيش فايدة في عينيك اللي عودوك في داهية دي.
اجفل اجفل الباب جرب ما تحس بيك ولا زاد تشوفك وتبدأ نار جايدة متتطفيش.
وعندما همَّ ليغلق الباب، سمع صوتها يقول...؟
رواية اولاد الجبالي الفصل 104 - بقلم شيماء سعيد
لم يتعرف براء على زاد اللي كانت توليه ظهرها بشعرها الحريري المنسدل على ظهرها باللون الناري اللي هتشعل بيه قلبه.
وظن إنه ربما أخطأ في الغرفة وما هي إلا ضيفة لديهم فحدث نفسه: من إمتى عيالنا ضيوف بالحلاوة دي؟
ولكنه سرعان ما عاتب نفسه: مفيش فايدة في عيونك الزايغة دي، طيب أكده تستاهل اللي عتعمله فيك زاد، إشرب بجا.
وعندما أراد أن يلتفت ليغادر حتى لا تشعر به تلك الضيفة فتقوم بفضحه لإنه يتلصص عليها ويتابعها بنظراته.
وجد من تستوقفه (زاد اللي سمعت همسه وثناؤه عليها واعتقاده أنها ضيفة لديهم).
حيث صاحت بسخرية: ايه مش عارفني يا بصباص يا بتاع النسوان.
_ اه ما هو كتر الغياب أكده عيني الواحد حتى نفسه.
_ بس أجول ايه ربنا على القوى.
تجمد براء في مكانه بعد أن تعرف على الصوت ولكن الهيئة مختلفة ففتح فمه ببلاهة قائلا: هو الصوت ده طالع منين؟
ليستطرد بتهكم لاذع:
_ يا ربي أنتِ أتلبستي يا زاد بجنية حلوة أكده جوي معجول!
لتشد زاد فستانها من عند الصدر وتصيح بغيظ: لا ده انت بجح صوح وعتخليني أطلع من خلجاتي.
فابتسم براء بمكر وغمزها قائلا: ياريت عشان أنتِ وحشاني جوي جوي.
فأطبقت زاد على شفتيها وذمت بغيظ: اه يا جليل الرباية، هو انت إيه عشان أكده، ده بعينك التنين، روح روح لستات اللي عترفهم يا بصباص يا خاين.
فأقترب منها براء وكلما خطا خطوة إليها ارتجفت وزاد نبض قلبها، أما هو فكان كلما أقترب منها زاد شوقه إليها ولمعت عيناه وأطال النظر إليها كعاشق متيم، يرى في محبوبه الأنس والسكن اللي لا يستطيع أن يعيش بدونه.
فتراجعت زاد للوراء بعدما قرأت ما في عقله وصاحت: انت بتقرب ليه أكده!
_ بعد عني.
براء بمكر: ولو مبعدتش عتعملي إيه؟
زاد بحنق: هصوت وعلم الناس عليك.
براء: ليه يا جلب براء، هو أنا غريب، أنا جوزك حبيبك ولا أنتِ نسيتي عاد.
زاد: ايوه نسيت لما كنت أنا آخر حاجة تفكر فيها ومش يهمك غير البحلجة بره وبس.
براء: طيب ما أنا ببحلج جوة أهو، اديني فرصة عشان مبجحلش بره، أنتِ اللي في إيدك المفتاح.
وانا عطشان ومحتاج ترويني من حبك يا زاد.
محتاج صدجيني تخديني في على قد عقلي زي العيل الصغير وتطبطبي عليه عشان حس بحنيتك وحبك واتعلق بيكِ يوم عن يوم أكتر.
محتاج أحس إني متجوز عشان أرتاح مش عشان أدخل في دوامة عتاب ديما.
_ أنتِ سكني وروحي يا زاد بس محتاجك تفهميني وتحتويني.
_ تكوني زي أمي اللي مهما غلطت عتاعتبني صوح وتعلمني الصح من الغلط لكن جلبها عمره ما يجسى عليه.
_ أنا محتاج زاد حبيبتي ومرتي وبنتي ودلوك لما شوفتها بالحلاوة دي، بقت عشقتي اللي مستغناش عنها، واكده خلاص يبقى جفلتي كل الطرق، إني أبصبص بره تاني..
طالعته زاد بعشق جارف بعد أن سحرته كلماته ومدى احتياجه إليها فأرضى بذلك غرورها لتتمتم: يعني لو عملت كل ده هتبطل رمرمة.
فابتسم براء وأومأ برأسه: اه طبعا يا جلبي.
زاد: ولو عملتها تاني بعد ما عملت كل ده، أعمل فيك إيه؟
فأخرج براء مسدسه الميري وأعطاه لها وقال: طوخيني على طول.
ارتجفت يد زاد وهي تحاول الإمساك به، فسقط على الأرض وقالت بحب: مجدرش عشان لو عملتها هكون بكتل نفسي جبليك.
ابتسم براء وأدرك مدى حبها له، فاقترب منها ليهديء من ضجيج قلبه، لتهمس هي في أذنه: طيب يعني دي آخر مرة؟
فهمس براء بحب: آخر مرة.
لترتخي أعصابها وحاولت التحدث بالكاد وهمست: خلاص هسامحك المرة دي.
فضحك براء ولمس وجنتيها بحب ثم حملها قائلا: كنت عارف إنك جلبك طيب يا عمري انا.
فحدثت زاد نفسها ساخرة: جصدك هبلة، ايوه عارفة.
بس بحبه واشتقت ليه المضروب ده.
ليعيشوا بعد ذلك في لحظاتهم سعيدة اللي تنسيهم العالم كله ولا صوت يعلو غير صوت الحب والاشتياق، لينعم كل منهم بالأنس والسكن والحب اللي يحتاجه.
ولم يخرجهم من عالم الأحلام هذا سوى بكاء الصغير معاذ.
فاعتدل براء قائلا بمداعبة: الواد ده عايز كلمتين يتنيم عقله زي ما عملت في أمه.
ليقوم إليه يحمله ويضمه إليه قائلا: وحشتني جوي يا روح جلبي.
_ بس الله يخليك نام دلوك عشان ورايا مهمة تجيلي جوي.
فضحكت زاد وقالت: هات معاذ يا براء، مش عينام طول ما هو جعان.
_ هاته أرضعه، ثم غمزته مردفة بدلال: وانت أصبر على رزقك شوي.
فأجابها براء بلهفة: حد يشوف الحلاوة دي كلاها ويقدر يصبر بردك.
تخضب وجنتيها باللون الأحمر لمغازلته وحلقت روحها في السماء بعد أن كادت أن تزهق خوفا من خسارته.
ناولها براء معاذ ثم قال بعد أن تنهد بحزن: طيب أنا هدخل أتسبح والبس وهروح أطمن على بانة شوية وأرجعلك يا جميل، تكوني نيمتي الولد الشقي ده..
فأغمضت زاد عينيها بألم وأجابته بحزن: روح يا جلبي، بس خليك حنين معاها ومتعتبهاش وطبطب عليها بس وصبرها على اللي هي فيه.
دي حالها يصعب على الكافر، في لحظة أكده اتحولت من واحدة مفيش حد في حلاوتها، لوحدة تخاف تبصلها عشان جلبك عيوضعك من حالها.
_ ربنا يتولاها برحمته ويارب عملية التجميل تعمل حاجة عشان نفسيتها تستريح شوية عشان معتبطلش بكي وكمان معتحبش حد يدخلها خالص منينا حتى الوكيل، جليلة عتحطه جدام الباب وتخبط وتهمله هي تاخده.
ومهدخلش غير مرت خالي بالعافية لما تجي تتحايل عليها بالساعة عشان تطمن عليها.
فزفر براء: لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يقدرني إني اتحمل أنا كمان شوفتها أكده.
ثم التفت وخطى نحو المرحاض ليستعد بعد ذلك لرؤية بانة.
وجدت بانة من يطرق عليها الباب، فصاحت بغضب: جولت مش عايزة أشوف حد، ايه مهتفهموش!
_ سبوني لحالي وخليكم في حالكم الله يكرمكم.
لتبكي مستطردة بحزن: بيكفي اللي أنا فيه ومحدش حاسس بيه ولا بالنار اللي عتاكل جوايا.
_ وإن كنتم عتبكوا عليه شوي، بس لما تخلوا بنفسكم عتاكلوا وتشربوا وتضحكوا عادي.
_ مهو صوح محدش بيحس بالنار غير اللي كويها.
_ فابعدوا عني عشان متزودوش ناري.
لتبكي بعد ذلك بهيستريا، ويبكي على بكائها براء وحدث نفسه:
_ صوح اللي عتجوله محدش بيحس بالنار غير اللي اكوايها، أنا كنت من شوية هعيش حياتي مع مرتي واضحك وهي عتبكي إهنه، بس ده حال الدنيا للأسف.
وانا كان برده في مشكلتي محدش كان يحس باللي أنا حاسه.
فحاول أن يمتلك أعصابه نوعا ما وخاطبها بقوله: أنا براء يا جلب أخوكِ، ممكن أدخل أطمن عليكِ.
ارتجفت بانة عند سماع صوته ووقفت وأسرعت للباب بلهفة مرددة: برااااء أخوي حبيبي ولكنها عندما وضعت يدها على مقبض الباب تذكرت حالها فارتخت يديها وأغمضت عينيها بحزن وقالت: حبيبي يا أخوي، وحشاني جوي والله.
_ بس سامحني مش هقدر أفتح الباب، وأنت أكيد عرفت اللي حصل.
_ فخليني كيف ما كنت في عينيك البنت الحلوة، لكن لو شوفتني عتتفزع وأنا مجدرش أشوف النظرة دي في عينيك.
_ ده إلا أنت يا براء، ده أنت أبوي اللي رباني..
فبكى براء وقال بنحيب: مجدرش أعمل أكده، وعتفضلي مهما حصل أنتِ بنتي البكرية الحلوة لإني بشوفك بجلبي مش بعيني يا روح جلبي.
_ بس نفسي أطمن عليكي عاد، متحرمنيش منك.
فلم تتحمل بانة كلماته اللي أثرت على قلبها، وفتحت الباب.
فصدم براء من هيئتها ولكنه حاول أن يخفي صدمته فدمعها سريعا ليخفي معالم وجعه اللي ظهرت على وجهه.
وحوقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا عيني عليكِ يا بت أبوي.
ياريت كنت أنا وأنتِ لأ.
بس أنا مش عسكت وعلف بيكِ الدنيا كلها عشان ترجعي كيف ما كنتِ وأحلى.
مضى شهر من عودة براء للصعيد.
خلاله تحسنت علاقة براء بزاد كثيرا وتجدد الحب بينهم، فكان لا يصبر على فراقها ولو ساعة واحدة، فيقوم بالاتصال بها من عمله بعد عاد اللي مديرية أمن سوهاج، بعد أن رفضت زاد أن يتخلى عن حلمه وتحقيق ذاته كرجل شرطة من أجلها.
فشجعته على الاستمرار ودعمه اللواء محمد فهو يعتبر الأب الروحي له.
وخلال ذلك الشهر قامت بانة بإجراء عمليتين جراحيتين لتجميل وجهها اللي تحسن بنسبة خمسين في المئة وهذا أعطاها الأمل من جديد وتحسنت نفسيتها نوعا ما وخصوصا أن الطبيب وعدَها أنها خلال سنة ستتحسن شيئا فشيئا لتقترب إلى ما كانت عليه نوعا ما.
لذا اتجهت إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء والاستغفار ليغفر لها ما فعلت ويهدي لها نفسها الأمارة بالسوء.
وقلب الأم اشتاقت إلى صغيرها وحدثت براء اللي بدوره حدث جابر، فلم يمانع إطلاقا بل فرح أن قلبها بدأ يلين لطفلهم.
وأمر جابر أن يذهب به، فتعجب جابر لإنه يعلم أنها ما زالت في قلبه ولربما يود أن يذهب ليطمئن عليها ولا يعلم أن خلال هذا الشهر، استطاعت سلسبيل أن تذهب بعقله ويوما عن يوم بدأ يتعلق بها ويريد أن يشعر معها بلذة الحلال ولكن خجله يمنعه.
لينفذ جابر ما أمره به وحمل الصغير غيث وذهب به إلى والدته وصحبه عمران ليستأنس به في الطريق.
ثم وجد نفسه جابر يسرع إلى غرفته متلهفا لرؤيتها وعندما أدار مقبض الباب ليدخل، فوجدها في مقابلته رتدت عباءة بيتية وتضع الطرحة بإهمال على شعرها فسقطت خصلاته على وجهها وتستعد للنزول إلى بهو المنزل.
فنظر لها بشراسة بحنق قائلا: أنتِ كنتِ نزلة ولا إيه؟
توردت وجنتيها خجلا عندما وجدته أمامها، ونظراته تفترسها من أعلاها لأسفلها.
فحمحمت بحرج وأجابت: ايوه نزلة أحضر العشا مع بهانة.
فضغط على شفتيه بغيظ مردفا: طب أدخلي دلوك.
فتراجعت للوراء رهبة منه وهي تراه يتقدم منها شيئا فشيئا حتى التصقت بالحائط، فحاوطها بذراعيه وعينيه لا تفارق عينيها وقال بغيرة واضحة على ملامحه: جولتيلي عايزة تنزلي تحت أكده وأنتِ لابسة المحزق والملزج، وشعرك باين من الطرحة وأنتِ عارفة إن جابر وعمران تحت، فكيف ينضروكِ أكده؟
ابتسمت سلسبيل لنبرة صوته اللي تدل على الغيرة، فهي تعلم جيدا إنه مفتاح الحب.
وأدركت حديث عينيه ونظرة عينيه إليها بلهفة وشوق.
فحركت شفتيها بدلال مما أثار جنونه أكثر وقالت بمكر: وهو فيها إيه يعني؟
_ عمران أخويا، وجابر برده صغير لسه ومفيش حدانا رجالة.
ومفيش غير البت بهانة.
رمقها جابر بحدة وأجابها: عمران وجابر مبقوش عيال خلاص، دول بقوا رجالة طولي عاد ومينفعش تلبسي جدامهم ضيق يحدد عودك الحلو ده.
_ محدش يشوف الحلويات دي غيري أنا.
أنا جوزك وحبيبك يا سلسبيل.
تراقصت نبضات قلب سلسبيل وهي تسمع ثناؤه عليها لأول مرة بعد شهر من الزواج لم يقرب منها ويكتفي بالنظر إليها كلما ذهبت.
وتفننت هي في إغوائه بكل طرق الحب حتى تلين ذلك القلب القاسي.
حتى هلت بشائر الحب اللي تراها لأول مرة حاضرة في عينيه.
وعينيها تطالب منه بالمزيد، فالقلب لم يعد يحتمل.
والنفس تهفو له ولقربه، ليبحرا معا في نهر من عسل مصفى.
_ يااه يا جابر،
بزيادة اتحرك بسرعة وجول إنك قلبك مالي.
_ أنا مستنية تنطقها وتجول بحبك يا سلسبيل.
_ جولها أنت بس وأنا هديك قلبي وعمري كله وأكون بين إيديك ومش هكون عايزة حاجة من الدنيا دي كلها إلا راحتك وسعادتك بس جول بحبك وعشقتك ومبقيتش شايف غيرك خلاص.
ونسيت الماضي وطويت صفحته.
ونعيش أنا وأنت من جديد في دنيا تانية مكتوبة باسمَنا.
وكل سطر فيها هيقول بحبك يا عمري.
خليني أحس بيك وأنسى الدنيا كلها.
عشان الحب ميخلصش غير لجابر وبس.
هو ضيّ عينيا وسَكني وحالي وروحي.
ليزداد لعابها مع تورد وجنتيها حين سألته بحرج:
يعني أنت شايفني بعيونك حلوة يا جابر؟
أقترب جابر منها وهمس بحب:
أنتِ مش حلوة بس، أنتِ عسل وأنا صراحة مبقيتش قادر أتحمل بعدك.
_ أنتِ خلبتيني خالص يا سلسبيل وحاسس إني عاااايز يعني.
سلسبيل:
جول عايز إيه يا جابر؟
جابر بلهفة عاشق متيم:
عايزك تكوني حلالي.
أنا بحبببببببك يا سلسبيل.
أراكِ لي عمرا.... وَلقلبِي حباً.......
وَلروحي شيئاً.... يغنيني عن كلّ.. الأشياء.......
ليرتفع هرمون السعادة لديهم، اللي أعلن الحرب للتو، ليخضوا معركة الحب اللي يعلن كلاهما فيه إنه سكن وجزء لا يتجزأ من الآخر وروح واحدة في جسدين يجمعهما الحب والمودة اللي ستظل لآخر العمر.
لتصبح سلسبيل منذ تلك اللحظة زوجته بالفعل، وما حدث جعل حبها يزيد في قلبه أكثر وأصبحت جزءا لا يتجزأ من روحه.
ونفسه اللي عثر عليها بعد طول غياب.
ما زال أيمن يحاوط عزة باهتمامه رغم تمنعها ولكن شيء بداخلها يجعلها تستمتع بهذا الاهتمام اللي لا تجده من باسم.
وظل هكذا حتى بضعة أشهر.
فشعرت عزة أنها أوشكت على دخول الحمى فرفضت رفضا قاطعا تدخله في حياتها وحتى لو كان بحسن نية.
فهي رغم كل شيء زوجة تحب زوجها حتى لو كان هو لا يبادلها نفس الشعور.
عزة بحنق وهي ترفع سبابتها:
أرجوك يا دكتور أيمن تلتزم حدودك في التعامل معايا ومترفعش الألقاب وملهوش لزوم كل شوية عاملة إيه، طمنيني عليكي.
أنا مش فاهمة قصدك إيه من أكده وأنت عارف إني إنسانة متجوزة، فأظن أكده ميصحش.
فرمقها أيمن بنظرة عتاب ودافع عن نفسه:
أنا عارف ده يا دكتورة عزة وأظن أنا لم أتخطَ حدودي معاكِ.
وفعلا بتعامل معاكِ بحسن نية وربنا يعلم.
وكل الحكاية أنه يهمني أمرك وفعلا بزعل لما بشوفك حزينة.
سامحيني بجد، بس لو ده مضايقك أنا هبعد عن هنا خالص.
لأني بجد مش هقدر أقعد هنا وأنا مسبب ليكِ الضيق والإحراج ده.
ويمكن فعلا عندك حق أنتِ إنسانة متجوزة، ويمكن لو مكنتيش متجوزة كان هيكون ليه كلام تاني.
وعشان فعلا أقدر أسيطر على نفسي، هبعد وأتمنى ليكِ كل سعادة وإن دكتور باسم يشوفك زي ما أنا شايفك كده.
نجمة في السماء.
ثم استطرد بقوله:
بعد إذنك.
استقالتي هتكون على مكتب باسم النهاردة وهرجع البلد اللي كنت شغال فيها.
قال أيمن كلماته تلك ولم ينتظر ردا منها حتى لا يضعف أمامها.
فهو يعلم بينه وبين نفسه أنه يحبها ولكنه حب محرم لا يجوز، وحاول وجاهد كثيرا حتى يكتم مشاعره تلك لكن كانت تخرج أحيانا على هيئة اهتمام وسؤال رغما عنه.
ولكن يبدو أن الأمر أصبح يتجه لطريق آخر صعب، لذا عليه الانسحاب حتى لا يتطور إلى ما يغضب الله عز وجل.
وحدث نفسه بقهر:
_ ااااااه يا أيمن يعني أول ما قلبك دق، دق لوحدة مش ليك.
إيه العذاب ده بس.
أنا فعلا لازم أمشي، أهرب بسرعة من مشاعري دي عشان ميهلكنيش أكتر من كده.
فذهب إلى مكتبه وكتب اعتذار إلى باسم وتقدم من الساعي وأشار إليه بأن يقدمها إلى باسم عندما تخرج الحالة اللي بين يديه.
تجمدت عزة لبعض ثواني في مكانها بعدما أفصح عن نيته في الابتعاد وشعرت إنها هكذا خسرت الإنسان الوحيد اللي يهتم بأمرها.
ثم جلست على مقعدها مضطربة المشاعر تحدث نفسها:
_ لااا أنا لازم أواجه باسم وأحط خطوط واضحة لعلاقتنا مع بعض.
_ مهو أنا مش هعيش طول عمري أكده على الهامش.
_ وإن مفيش في حياته غير ملك وبس وأنا أظلم نفسي وأضيع شبابي.
لا كفاية كده ومن حقي يعاملني كزوجة ومن حقي أخد بنتي من ملك اللي استولت عليها ولا كأني أنا أمها.
وده كله مش هيحصل غير لما أطلع من القصر الكئيب ده.
أنا هطلب منه يشوفلي شقة بره، أخد فيها بتي وأربيها بمعرفتي وهو يجي ويروح عليها وأشوف منه شوية اهتمام عشان أقدر أعيش ومحتاجش أسمع ده من بره عشان حرام والله حرام.
أنا إنسانة برده ولي مشاعر.
دخلت قمر في شهرها التاسع وأصبحت تمشي بثقل شديد والتعب والإجهاد يظهر على ملامحها.
وعطية يراقبها في كل حركاتها حبا وخوفا عليها أن يصيبها أذى.
حتى جاء اليوم اللي خرج لبعض الوقت ثم جاء وبيده كيسا وجلس أمام قمر قائلا:
عايزك يا حلوة أنتِ تغمضي عينيكِ ومتفتحيهاش غير لما أقولك ماشي.
فسخرت منه والدته اللي كانت تقف تراقب الموقف مردفة:
أنت اتسخرت ولا إيه يا ولد.
هتعلب معاها استغماية ولا إيه؟
فضحك عطية شفتيه بسخط ثم أشار إلى والدته بقوله:
استني بس يمّه، متبوظيش المفاجأة.
ابتسمت قمر له بحنو واردفت:
ماشي يا عطية أغمضت لما أشوف عملك مفاجأة إيه؟
فأخرج عطية من الكيس اللي بيده، ملابس مواليد صغيرة، وببرونة اللبن وحفاضات وصابونة صغيرة.
فشهقت والدته مردفة:
الله أكبر، جبت كل ده منين يا ولد؟
لتفتح قمر عينيها وتتفاجأ بما أحضره لها فتلمع عينيها من الفرحة وطالعتَه بامتنان قائلة:
معقول كل ده ليه أنا!!
عطية:
أيوه، إمّال ده أنتِ هتجيبي بتي اللي هربيها أنا بيدي.
قمر:
بس ده كتير عليك جدا يا عطية والله.
عطية بحب:
مفيش حاجة أكتر عليكِ يا حلوة أنتِ.
والدة عطية بسخط:
وجبت الفلوس الحاجات دي منين يا عطية؟
عطية:
كنت بعوش يمّه من الفلوس اللي بنسترزق بيها، وكمان بعت الساعة بتاعتي.
فضربت والدته على صدرها مردفة:
بعت الساعة!
دي كانت عزيزة عليك جدا يا ولدي عشان من ريحة المرحوم أبوك.
عطية:
خلاص بجد يمّه متقطمنيش، والمثل بيقول الحي أبقى من الميت.
ودي روح ربنا عيبعتهالنا هدية، هي أولى.
فدمعت عين قمر ورمشت بأهدابها عدة مرات واستطردت بحنو:
ربنا يخليك يا عطية.
_ ده جميل عمره ما هنساه منيك واصل يا ابن الأصول.
عطية:
مفيش جميل ولا حاجة، أنتِ تستاهل الخير كله.
فطالعتَه والدته بشفقة مرددة:
مفيش فايدة فيك يا ابن بطني، مصمم تتعب روحك مع حاجة مالهاش فايدة.
ثم تغير لون قمر وازداد احمرار وجهها وظهر عليه التعب ولاحظ ذلك عطية فسألها بفزع:
مالك يا حلوة أنتِ، وشك اتغير ليه أكده؟
وكمان شكلك هتتوجعي؟ صوح!
قولي حاسة بإيه متخافنيش عليكِ عاد.
فأمسكت قمر ببطنها من شدة الألم اللي أصابها فجأة ثم صرخت:
اااااه حاسة حاجة بتضربني في بطني وضهري جامد.
اااااه يا ناس، مش قادرة أستحمل.
ففزعت أم عطية واقتربت منها قائلة:
شكلك هتعمليها خلاص يا بتي وده طلع الولادة عادي.
ربنا يسترها معاكِ يا بنتي ويجيبك بالسلامة.
ثم أشارت إلى عطية:
أجري يا عطية شيل لأم سيدة الداية عشان تولدها.
فعقد عطية حاجبيه قائلا:
لا أم سيدة مين، دي تجيب أجلها.
ثم ازدادت صرخات قمر ففزع وقال:
لا أنا هوديها المستشفى يمّه.
فصاحت والدته:
مستشفى!!
دي محتاجة مصاريف واحنا ربنا عالم بحالنا يا ولدي.
عطية:
أنا سمعت إن فيه مستوصف على أول البلد بيعالج بمصاريف جيليلة أوي للناس اللي زينا يمّه.
بتاع دكتور اسمه إيه؟
اسمه إيه يا عطية؟
ااااه اسمه باسم؟
رواية اولاد الجبالي الفصل 105 - بقلم شيماء سعيد
تمر الأيام والليالي ولا أدري بأيّة الكلمات أشرح حبّي إليك.
كي يؤلمني أن أحبّك بصمت وأن تضيع الكلمات كلما وقفت أمامك.
من أصعب ما قد يواجهه الحبيب أن يتألم في صمتٍ لا ينتهي وتخونه العبارات كلما وقف أمام من يحب.
خاضت قمر آلام المخاض وصرخت بكل قوتها فهزت حصون عطية من خوفه عليها،
فقرر أن يذهب بها إلى مستوصف باسم.
وأشار إلى والدته بفزع:
«همى يمّه لبسيها أي حاجة ومت نسيش كيس هدوم البت، عجلال ما يجي توكتوك يوصلنا المستوصف عاد».
ثم رفع وجهه للسماء داعيًا بقلب مرتجف:
«وحياة حبيبك النبي يارب، تجيبها بالسلامة، عشان أنا مقدرش أشوف فيها حاجة وحشة».
ثم أسرع للخارج يبحث عن من يوصله للمستوصف حتى استوقف توكتوك،
ثم دلف للداخل يساعد والدته في إسناد قمر التي لم تفتر عن الصراخ.
فحاولت أم عطية تهدئتها بقولها:
«تحملي يا بتي معلش، هانت إن شاء الله».
لتركب معهم وينطلقوا بها نحو المستوصف،
وعندما وصلوا، صاح عطية:
«إلحقوني أختي عتولد وتعبانة جوا، إلحقوها بالله عليكم».
فخطت نحوهم الممرضة وسارعت بقولها:
«حاضر. تعالوا معايا حالا أوضة الكشف عند دكتورة النسا همت في أول الردهة».
ثم تقدمتهم الممرضة وعطية ووالدته من ورائها وقمر من بينهم تصرخ بشدة.
ليصل صراخها إلى حجرة كشف باسم التي كانت في نهاية الردهة فظن أن حدث شيء ما،
فخرج ليستكشف الأمر.
وكانت الصاعقة عندما رأى قمر تتوسط سيدة طاعنة في السن ورجل شاب وهي بينهم تصرخ من آلام المخاض.
فرمش بإهدابه عدة مرات ليتأكد إنها هي ثم حدث نفسه:
«معقول اللي أنا شايفه ده!!
مش جالوا ماتت من كام شهر على يد المجرم اللي كان خطفها.
يبقى مين دي تكونش واحدة شبهها وأنا من قلة النوم عيني مش شايفة كويس.
بس كيف ده!!
هو أنا هتوّه عن قمر برضو، لا دي قمر وأنا متأكد».
ثم أسرع إليها ووقف قبالتهم مردفًا:
«قمر أنتِ بجد هنا ولا أنا متهيألي!».
وبالكاد رفعت قمر بصرها إليه، بسبب شدة الألم وأخذت تتمعن في قسمات وجهه كأنها رأته من قبل ولكن لا تتذكر من هو.
قالت قمر بوهن:
«أنت تعرفني؟»
فصُدم باسم وقال:
«كيف معرفكيش يا قمر!
أنا باسم جوز أختك ملك».
فرددت قمر الاسم على مسامعها:
«ملك، ملك».
فرمقه عطية بحدة بعد أن شعر بوجعًا في قلبه أصابه فجأة حين أحس إنها قد حانت لحظة الفراق التي يخشاها دائمًا أن يتعرف عليها أحد أو هي تذكرت من هي، فتعود من حيث جاءت وتتركه وحيدًا كما كان، وهو الذي لم تحلو حياته أبدًا إلا بوجودها.
أما والدة عطية فكانت على النقيض منه بل ابتسمت حينما شعرت بالأمل فيه إنه أخيرًا ستعلم قمر من هي وتعود إلى أهلها،
لكي يستطيع ابنها العيش بسلام ويبحث عن من تناسبه ولا يتعلق بها أكثر من ذلك دون فائدة.
لذا أسرعت بقولها:
«يا ما أنت كريم يارب، أخيرًا عرفنا حد يعرفك يا بتي».
ثم أشارت إلى باسم:
«حضرتك تعرفها!».
«أصلها يا حبة عيني من ساعة ما لقيناها وهي مش فاكرة حاجة خالص ولا تعرف هي مين».
فتجمد باسم من الصدمة مرة أخرى وأدرك في التو الآن لمَ لم تعرفه.
ليخرج من شروده على صوت صراخها مرة أخرى:
«آآآه».
وهنا فتحت الممرضة الباب من حجرة الكشف قائلة:
«الدكتورة مستنياكِ، تعالي أنتِ بس».
ثم أشارت إلى عطية ووالدته:
«وأنتم انتظروا هنا من فضلكم».
فولجت قمر مع الممرضة للداخل بين الخوف الذي يظهر على وجه عطية.
ليستطرد باسم:
«لا حول ولا قوة إلا بالله، حصل إزاي ده؟
إحنا للأسف كنا فاكرين أنها ماتت بعد اللي حصلها.
وأيوه أنا أعرفها دي أخت مراتي».
فأسرعت أم عطية بقولها:
«طيب طمني أول حاجة هي متجوزة، عشان يا حبة عيني كانت خايفة جوا عشان مش فاكرة حاجة عن حياتها إن الحمل يعني لا مؤاخذة يكون من حرام».
فتلون وجه باسم وسارع بقوله:
«لا طبعًا متجوزة.
ومتجوزة راجل بيحبها أوي لدرجة أنه فقد عقله لما عرف إنها ماتت وهو في المستشفى بيتعالج من الحالة النفسية اللي ثابته».
وهنا فقد عطية قدرته على الثبات فترنح في وقفته،
بسبب تلك الصدمة التي ستذهب بعقله هو الآخر بعدما تأكد أنه سيفقدها قريبًا لا محالة.
وكاد أن يسقط لولا أن والدته صرخت عندما شعرت بتخبطه بعد أن كانت تراقب ردة فعله على كشف حقيقة شخصية قمر.
«إبني حبيبي، مالك يا ولدي؟»
فاستند عطية على الحائط وقال بخفوت:
«مفيش يمّه، مفيش.
حاسس إني دايخ بس شوية».
فأقترب منه باسم وقال بلطف:
«تقدر تيجي مكتبي، تستريح شوية وأطلب ليك عصير.
عقبال ما نطمن إن قمر قامت بالسلامة».
فصاح عطية:
«لا أنا مش هتحرك من هنا غير لما أطمن عليها».
فطالعه باسم ببعض الشك،
فخشيت أم عطية أن يظن السوء به فسارعت بقولها:
«أصله من ساعة ما جت حدانا وعرف إنها يا حبة عيني مش فاكرة حاجة، ده غير اللي صابها وهو جيبه ضعيف جوا، فبقت تعز عليه كيف أخته وحس إنها مسئولة عنه لغاية ما نعرف لها أهل.
والحمد لله إننا جينا هنا عشان النصيب تشوفنا وتعرفها وترجع لحبايبها».
فدمعت عين عطية وحدث نفسه:
«ياربي ما شورت عليهم الشورة دي وكانت ولدتها الداية وخلصنا».
لتخرج الممرضة، فحدثها باسم:
«إيه الأخبار؟»
قالت الممرضة:
«خلاص هانت دي حتى ما شاء الله مش محتاجة غرفة عمليات، عشان المولود نزل برأسه والدكتورة بتخلص معاها.
بس بعتتني أجيب دكتور الأطفال عشان يطمن على المولود».
ثم أشارت إلى والدة عطية:
«وعايزة ملابس الطفل لو سمحتي».
فأعطتها لها أم عطية ولهجت بالدعاء:
«ربنا يسهلك الحال يا بتي»،
حتى سمعوا صوت بكاء الطفلة.
فارتسمت ابتسامة على وجوههم جميعًا.
وهمس عطية:
«الحمد لله».
قال باسم:
«الحمد لله، شكلها خلاص جات بالسلامة».
قالت الممرضة:
«كده لازم أدخل يا دكتور باسم عشان البس المولود.
وحضرتك ياريت تكلم دكتور الأطفال».
قال باسم:
«ماشي».
وما هي إلا لحظات حتى خرجت الممرضة بوجه بشوش،
تحمل الطفلة قائلة:
«تتربى في عزكم بنوتة زي القمر».
وعندما جاء باسم ليحملها أسرع عطية وحملها هو،
وأخذ يتأمل وجهها البريء فسألت دمعة ساخنة على وجنتيه.
ثم ضم الطفلة لصدره بحنو وحدث نفسه:
«يااه أنتِ حلوة حلاوة كيف أمك، ياربي أنا كنت أبوكِ، كان زمان الفرحة مش سيّعاني دولك.
ومش عارف هعمل إيه من غيرك وغير أمك دولك، ياربي ما عرفتكوا عشان متعذبش العذاب ده كله».
طالعتْه أم عطية بفرحة مردفة:
«نوليني البت يا عطية عشان أشوفها».
فناولها إياها فسمّت وصلت على رسول الله ثم ناولتها إلى باسم فابتسم قائلًا:
«سبحان الله كلها قمر».
قال عطية للممرضة:
«وقمر عاملة إيه دولك؟»
قالت الممرضة:
«بخير الحمد لله».
قال عطية:
«طيب ندخل نطمن عليها؟»
قالت الممرضة:
«شوية بس الدكتورة بتظبط حالها».
ليعطِ لها باسم الطفلة،
ثم أخرج هاتفه واتصل على محمود يبشره بالأمر،
ليتفاجأ بقوله:
«عايشة معقول.
سبحان الله، ده مسالم فعلًا مكنش بيقول غير كده.
كان قلبه حاسس، وأظن لما يشوفها قدامه هيخف على طول.
ياريت يا دكتور باسم تزوره وتطمن على حالته وتاخد ليه قمر، عشان فعلًا اللي حصل معاه ما أثر معايا لغاية دلوقتي».
قال باسم:
«آه طبعًا، هعمل كده.
ودولك مش عارف أودي قمر فين صراحة، شقتها طيب مين هيراعيها!».
«الجسر: مش هينفع عشان براء يطيج العمى وميطجهاش.
وأبوها الله يرحمه مات من الحزن عليها».
قال محمود:
«وديها شقتها وابعت أختها يا سيدي تاخد بالها منها».
فضم باسم شفتيه قائلًا:
«وأنا أقدر أجيب من غير ملك».
فضحك محمود:
«معلش يا سيدي الظروف تحكم وابقى طب زيارة من وقت للتاني لغاية بس ما تقدر ترجع لطبيعتها».
سكن صوت قمر بعد أن وضعت مولودتها وأغمضت عينيها بألم وهي تسمع بكاء طفلتها.
وغفلت قليلًا لترى في غفوتها ذكرياتها كأنها شريط يمر أمامها وكأن تلك الغفوة بداية عودة الذاكرة لها بسبب ما عانته من ألم المخاض الذي جعلها تحرك رأسها على سرير الكشف عدة مرات بقوة وتصطدم به لعدم تحملها الألم.
لتفتح عينيها مرة أخرى وهي تهمس:
«مسالم، أنت فين يا مسالم؟»
ثم صرخت بصوت عالٍ هز أركان الغرفة ووصل إلى باسم ومن معه وهي تستغيث:
«ابعد عني يا حمدي، ابعد عني.
هكتلك لو لمستني».
وهنا لم يتحمل عطية استغاثتها وولج للغرفة ومن بعده باسم ووالدة عطية.
وحينها علم باسم عندما سمع ما تقول أنها عادت إليها ذاكرتها.
فأشار إلى عطية:
«أظن كده خلاص الحمد لله رجعت ليها الذاكرة، بس فيه حاجات حصلت ليها صعبة عشان كده في حالة الهياج دي».
قال عطية بحزن يفتت القلب:
«وكده يعني خلاص افتكرت وهتنسانا إحنا.
هتنسى كل الأيام اللي عُدّت وهي بنا عتاكل وتشرب وتكلم وتضحك وما بصدق يخلص يومي في الشغل عشان أروح أطلع لوشها اللي يجيب الرزق من حلاوته، فيروح كل تعبي.
لا أنا مش عايز قمر بتاعتكم، أنا عايز قمر اللي كانت ناسية كل حاجة ومتعرفش غير أنا وأمي بس».
ليبكِ بعدها بقهر،
ليدرك باسم أن تلك الدموع دموع عاشق أحب من كل قلبه بصدق.
لتشعر والدته بالحرج من حديثه،
فوضعت يدها على فمه مردفة:
«بزيادة عاد يا عطية، قولتلك ملوش لزوم وجع الجلب ده من الأول ما صدقتنيش».
ثم جذبتْه من يده قائلة بأمر:
«ويلا نروح ونرجع عاد لحياتنا قبل ما نشوفها عاد ومن بكرة هروح أخطب لك بت الحلال اللي تنسّيك قمر».
فأخرج عطية تنهيدة حارة طويلة وأردف بوجع:
«ياريت أقدر يمّه، أنا حاسس إني انكسرت خلاص».
فدفعته والدته رغمًا عنه ليغادروا معًا وهي تدعو الله أن يربط على قلبه ويعوّضه بمن تسعد قلبه.
ليقف باسم أمام قمر قائلًا:
«كيف عتخلي الرجالة يوجعوا في غرامك أكده يا قمر».
ففتحت قمر عينيها لترى باسم أمامها فصاحت:
«باسم.
هو أنا فين وفين مسالم»
ثم بكت وتابعت بنحيب:
«وشفت اللي حصلي من حمدي الكلب».
فهمس باسم:
«بس عايزك تهدي خالص وانسي حمدي عشان خلاص خد جزائه ومات مقتولًا.
أما مسالم فهو تعبان عشان اللي حصل ومش هيخف غير لما يشوفك قدامه».
قالت قمر:
«يا حبيبي يا مسالم، وحشني جوا جوا».
قال باسم:
«ودلوقتي هتصل بملك عشان تفرح إنك بخير».
فاتصل بها ولكنه لم يخبرها بحقيقة الأمر واكتفى بقوله:
«تعالي المستوصف يا ملوكة، عشان محضّر ليكِ مفاجأة حلوة جوا».
قالت ملك بلهفة:
«مفاجأة إيه عاد يا باسم؟
ما تجيب المفاجأة وأنت جاي معاك أحسن.
أخاف أخرج بريحانة تبرد».
فصَكَّ باسم على شفتيه بغيظ وحدث نفسه:
«وبعدين في خوفها الزايد عن الحد على البنت دي.
ومش عارف كمان لما تقعد بأختها، عزة عترضي تاخد ريحانة معاها ولا إيه؟
أنا شكلي أكيد داخل على معركة وربنا يسترها معايا، عشان أنا غلبان والله».
ليستطرد:
«ملوكة حبيبتي، ليه تجيبيها معاكِ، سبيها مع أمي هي هتاخد بالها منها عجالًا ما ترجعي».
فشهقت ملك:
«مقدرش أسيب بتي ولو لحظة واحدة».
ليحدث نفسه باسم:
«كل مرة عتصعبيها عليه أكتر يا ملك».
«أمري الله: طيب ماشي يا ملك دثريها كويس وتعالي يلا».
فوافقت ملك على مضض:
«ماشي يا حبيبي وربنا يستر عليها».
أغلق باسم الخط ليفكر.
ماذا سيفعل إن أرادت ملك اصطحابها معها عند قمر لرعايتها؟
هل ستوافق على ذلك عزة بسهولة أم سيحدث ما لا يحمد عقباه.
خضعت مرام في مستشفى السجن لجلسات الكيماوي حتى لا ينتشر الورم في جسدها ويقل حجمه بالتدريج.
ولكن كانت مع كل جلسة تضعف ولا تستطيع السير بإتزان.
فكانت الحارسة تعنفها بشدة، حيث كانت ذو قلب قاسٍ ولا تشعر بأن الكيماوي هذا نار تسري في الجسد فتهلكه أكثر ما هي تعالجه، عفانا الله وإياكم.
_ بجولك إيه يا جاموسة أنتِ، إمشي عدل، عشان أنا مفيش حيل أسند واحدة عجلة زيك إكده.
فدمعت عين مرام وشعرت بالقهر مرددة: الله المستعان.
_ صدقيني غصب عني والله، أنا مش قادرة أتحرك وجسمي واقف.
الحارسة: إتمسكيني عاد، فاكرة نفسك في بيت أبوكِ.
لا فوجي أنتِ في السجن.
كما وافق شعور مرام بالضعف، القيء المفاجئ وهذا أيضا من أعراض الكيماوي، فقذفت ما في جوفها رغما عنها.
وصادف رؤية هذا المشهد الباكر، جاسر حيث كان أيضا في المستشفى بسبب معاناته مع ألم المرارة وتحدد له يوم لإجراء جراحة لاستئصالها.
فرأى مرام فأعجب بها من أول نظرة وأشفق عليها وهو يراها ضعيفة لتلك الدرجة، تسير ببطء والحراسة معها تنهرها وتبوخها.
فحدث نفسه: تنشكي في معمعيك يا بعيدة، حد يزعج المهلبية دي، مش كفاية إنها تعبانة يا حبة عيني.
ثم وجدها تمادى عليها بالضرب، عند تقيؤها.
فلم يتحمل ووقف وشد مع حارسه أيضا إليها وعنفها بقوله:
_ هو فيه إيه يا حُرمة أنتِ، مش لاجية حد يلمك، مالك أكده زي الطور سرعان عمالة تلطشي في البنية وهي مش مستحملة وعيانة.
ما تخفي عليها وكفاية اللي فيها، جبر يلمك.
لتنظر له مرام نظرة إعجاب بموقفه ودفاعه عنها، فهي أول مرة يقف بجانبها أحد دون أي مصلحة، فحتى براء وقف بجانبها لإنها أخرجته من أزمته التي أوقعته به.
_ ويكاد يكون نساها بعد أن قلت زيارته لها للاطمئنان على صحتها.
لتحاول هي في بعده تحمل الشوق إلى رؤيته بالاقتراب من الله عز وجل ليزيل وحشتها ويؤنسها بقربه، فما أصبح لديها غيره سبحانه وتعالى.
ولكن الحارسة اشتعلت النار في رأسها بسبب توبيخها بهذا الشكل أمام الناس وليته أحد الضباط مثلا أو الأطباء ولكن هو مجرد مسجون أي حشرة تداس بالأقدام لتنفجر به قائلة:
_ أنت اتجننت بتشتميني وبتعترضيني وأنا بأدي عملي يا مسجون يا جليل الرباية.
_ متعرفيش أن دي جنحة تانية هتضاف ليك.
_ ماشي أنا هوديك في ستين داهية عشان تتعلم الأدب وتتربى كويس.
فابتسم جاسر لا مباليا بما تقول ليشعلها برودة أكثر.
لتصيح بغيظ: عتضحك كمان يا جبلة والله لأوريك مجامك.
لتخلع حذاءها لتهبط به على رأسه ولكنه أمسك بيدها قائلا بعزة:
_ لا إلا أكده أنا مستعد أدفنك إهنا واتعدم مش مشكلة لكن مجبلش على نفسي إن حد يمد إيده عليه وخصوصا لو كانت حُرمة.
_ فزاد إعجاب مرام به وهمست: الله راجل أوي.
لينهره الحارس الذي معه بقوله:
_ خلاص يا أبو الرجالة، عملت فيلم هندي كان ممكن فيه تتحبس بزيادة وتجيب جية عمرك إهنا.
ثم أشار إليها بقوله:
_ معلش يا ست، خدي المسكونة عاد وسيبك منيه ده بوج على الفاضي وامسحيها فيه.
وأنت جدامي يا ابن حمدان، ويا سلام لو ربنا كرم وفطست في العملية، يوم يوم المنى ونستريح منيك.
ليبتسم جاسر غير مباليا ويقول:
_ لا هقوم منها خابر ليه؟
الحارس: ليه يا فالح؟
جاسر: عشان أنا زي الجط بسبع أرواح.
ثم التفت ليغمز مرام وهمس:
_ يا حلو أنت يا حلو، يارب أجيبلك تاني.
نام مسالم بعد تلك الجرعة المهدئة التي يتناولها منذ أن اتحجز في مستشفى الأمراض النفسية، فرأى في أحلامه قمر تنظر له من أعلى شرفة وتناديه:
_ مسالم، يا مسالم.
_ أنا اهو فوق، شايفني؟
فابتهج لرؤيتها وصاح:
_ قمر حبيبتي، وحشتيني جوا.
إنزلي عشان تاخديني عشان أنا مش قادر، أنا تعبان أوي من غيرك يا قمر.
فاستفاق من نومه فرحا من رؤيتها وقام وارتدى ملابسه وجلس بجانب النافذة ويعلو وجهه ابتسامة.
وعندما ولج له الطبيب المعالج تعجب من هيئته وتلك الابتسامة على شفتيه ولكن قال:
_ إيه ده فجأة كده نضيف ومبسوط بعد ما كانت حالته صعبة ومش بيبطل بكا.
أخيرا يمكن العلاج جاب نتيجة وحالته استقرت.
لذا اقترب منه ووضع يده على كتفه بحنو قائلا:
_ إزيك يا مسالم؟
_ أنا شايف ماشاءالله إنك اتحسنت كتير أوي ولو فضلت كده، ممكن تخرج قريب.
فوجده يقول ما صدمه:
_ اه هخرج لما تيجي قمر.
_ أنا جاعد اهو مستنيها، هي جات جاية ومش هتتأخر.
فضرب الدكتور يده بيده الأخرى واردف باستياء:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنا اللي قلت خف، أتاري بتزيد الحالة وبيتهيأ ليه كمان.
_ كده للأسف هتخليني استخدم الصدمات الكهربائية عشان تفوق وتدرك إن مراتك ماتت يا مسالم وحالتك متتأخرش أكتر من كده.
فوجد مسالم ينفعل عليه ويقف أمامه وصاح في وجهه:
_ جولتلكم مية مرة قمر مماتتش وعايزة تيجي تخدني.
فحوقل الطبيب: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم نادى على التمريضي الذي جاء سريعا وقال له:
_ حضر مسالم عشان هياخد حالا جلسة كهربا.
التمريضي: حاضر يا دكتور، ثم حاول أن يمسك بذراعه لياخذه نحو حجرة الكهربا ليعده للجلسة.
فدفعه مسالم ورفض وصاح:
_ لا مش هعمل حاجة وقمر عايزاني دلوك تخلصني منيكم.
الطبيب: لا كده محتاج حقنة بسرعة عشان نسيطر عليه وناخده نايم.
لذا أخرج الحقنة وأشار إلى التمريضي أن يتمسك به جيدا.
فحاول التمريضي رغم الإمساك به حتى حقنه الطبيب وغاب عن الوعي من أجل تلك الصعقة الكهربائية التي تجعل الإنسان يشعر بالموت ولكنه لا يموت.
قرر باسم أن يخبر عزة بما حدث قبل مجيء ملك حتى لا تفاجأ بالأمر، فريحانة ابنتها وليس من حق أحد أن يبعدها عنها رغما عنها.
فولج إليها فابتسمت له بحب قائلة:
_ معقولة دكتور باسم جاي لغاية عندي بنفسه، يلا هلا ويا مرحبا.
فابتسم باسم بحرج ولاذ بالصمت للحظات، فاستشفت عزة أن هناك شيء ما فخاطبته:
_ فيه حاجة يا باسم.
شكلك بيقول فيه حاجة!
باسم بحرج:
_ هو خلي حلو تصوري قمر أخت ملك طلعت عايشة بس كانت فاقدة الذاكرة ورجعت ليها مع الم الولادة عندينا إهنا.
ودلوك شايعة لملك عشان تيجي وهاخدهم عندها في الشقة لغاية ما تقدر قمر توقف على حالها.
فابتسمت عزة للحظات بمكر بعد أن جاءت لها الفرصة لتختلي بباسم وتبعد عنه ملك لبعض الوقت.
فرحبت بالفكرة:
_ والله، طيب الحمد لله، ربنا كبير.
وفعلا عندك حق أختها بردك ولازم تراعيها.
وفرصة أنا كمان عايزة أخد أجازة يومين تلاتة عقبال ما ترضع عشان أراعي ريحانة حبيبة جلب أمها اللي عاتكبر حبة حبة.
فازداد لعاب باسم وحاول النطق بحرج:
_ وليه أنا محتاجك إهنا وخلي ملك تاخد ريحانة معاها عند قمر.
فتجمدت عزة في مكانها وابتلعت غصة مريرة في حلقها مردفة:
_ أنت عايز إيه يا باسم، عايزها تاخد بنتي وتبعد بيها عن عيني كام يوم.
_ لا مش كفاية سيباها ليها وأنا في الشغل وفي الليل كمان بحجة الرضاعة.
_ ده أنا حاسة إنها هي اللي أمها مش أنا، أكده حرام.
اخدتك مني في الأول ودلوك البنت اللي حيلتي.
لا أااا أنا خلاص جبت أخرى من الموضوع ده.
ومعدتش قادرة أستحمل أكتر من أكده.
وعشان كده بجولك يا باسم، أنا عايزة...؟؟؟
يا ترى عزة عايزة إيه وإيه هيكون رد فعل باسم؟
رواية اولاد الجبالي الفصل 106 - بقلم شيماء سعيد
صُعقت عزة عندما طلب باسم منها أن تأخذ ملك ريحانة عند قمر لعدة أيام،
فصرخت بهيسترية:
أنت بتقول إيه!
عايزها تاخد بتى منى!
_لاااا أنا خلاص جبت أخرى من الموضوع ده.
ومعدتش قادرة أستحمل أكتر من كده.
وعشان كده بقولك يا باسم،
أنا عايزة أسيب القصر وأعيش لحالى برا أنا وأنت وبنتنا
وبزيادة أكده عليه اللى هتعملوه فيه.
فتجمد باسم مردفا بصدمة:
يعنى إيه؟
عزة بجمود:
اللى سمعته يا دكتور.
باسم بحنق:
بتقولى إتجننتى عاد يا عزة.
كيف عايزانى أسيب أهلى ومرتى والمكان اللى أتربيت فيه
وعشان خاطر مين يعنى!
فطالعته عزة بنظرة انكسار وقالت:
ايوه ما أنا عارفة إني مليش عندك خاطر يا ابن الجبالى.
وانا مجولتش عتهملهم خالص عشان خاطرى طبعا،
مع أن لو ملك هى اللى طلبت منك كده كنت هتوافق عن طيب خاطر على طول.
بس القصر يا باسم وانت حر بقى فى حياتك أنت.
لكن حياتى أنا وبنتى ملكش صالح بيها،
طول ما انت اخترت نفسك ومرتك عنى أنا وبنتى.
ودلوقتى يا ابن الناس أنت ملزم
تجيبلي مطرح بره أعيش فيه أنا وبنتى
عشان خلاص معدتش ليه مكان إنه بعد اللى شوفته منكم.
وأنت خليك مع أهلك وناسك ومرتك حبيبتك
ويوم ما نهف عليك تعال زورنا وقضى معانا اليوم يا ابن الأصول
اللى عارف شرع ربنا.
وهنا لعبت عزة على وتره الحساس لتشعره بالدونية وأنه مقصر معها.
_ولكن مهلا أتريد أن تبعد مع ريحانة،
كيف هذا؟
وملك!!
هذا كفيل بقتلها حية،
فهى لا تقدر على فراقها لبعض دقائق معدودة،
فكيف بفراقها كلية.
لا لن تتحمل وهو لم يتحمل أن يرى انكسارها.
لذا حاول أن يعاملها بالدهاء لكى تهدأ وتنسى تلك الفكرة المدمرة.
فأقترب منها وأحاطها بذراعيه وقال بحب مصطنع:
وكيف يعنى يجيبلي نوم وأنتِ وريحانة بعيد عنى يا عزة.
وانا عارف إني مقصر معاكِ،
حقك عليه،
ومن النهاردة هحاول أوزن أمورى عشان أراضيكِ ومتبعديش عنى.
ضيقت عزة عينيها ولاحت ابتسامة تهكم على شفتيها
وأدركت أنه يقول ذلك ليس حبا لها وإنما خوفا على حبيبته ملك
من أن تأخذ ابنتها التى تعلقت بها.
ولكن لا لن ترضخ تلك المرة،
فهو وعدَها كثيرا وأخلف ولن يتغير
لأنها لن تستطع أن تدخل قلبه وتظن أنها لم تفعل
وستبقى معلقة هكذا للأبد.
لذا يجب عليها استئصال تلك العلاقة السامة
حتى لا ينتشر سمها فى باقى جسدها فتموت.
_ثم لمحت طيف أيمن فى الأفق فأغمضت عينيها
وحدثت نفسها:
إظاهر جه الوقت اللى أعمل بنصيحتك يا أيمن.
لذا تشنجت تعبيرات وجهها ليرى باسم وجه جديد عليها يهدر فى وجهه:
لا معدش يضحك عليه يا باسم تانى.
أنت بتقول كده عشان حبيبة الجلب ملك مش عشانى.
عشان أنت ياما وعدتنى وخليت بيه.
وانا مش هتراجع عن قرارى،
إنك تجيب شقة ليه برا أعيش فيها مع بتى،
وأنت وقت ما تحب تيجى تتفضل.
اتسعت عين باسم وهو ينظر لها بإندهاش
غير مصدق أن تلك التى تتحدث أمامه بتلك القوة
هى عزة الضعيفة التى كانت تتمنى منه لو كلمة واحدة طيبة
أو حتى ابتسامة فترضى،
وأن أهم شىء كان لديها هو أن تبقى بجواره
مهما أبتعد عنها أو فضل عليها ملك
لإنه يضمن وجودها بجانبه.
فما حدث لها الأن ومن أين استمدت تلك القوة؟
وكانت الإجابة:
_نعم إنها التراكمات التى لا تترك عزيز،
فالتراكمات مع الوقت تصبح كقنبلة موقوتة
ممكن أن تنفجر فى أى وقت،
فلا تجعل شىء مضمون.
وهناك مثل دارج (اتقى شر الحليم إذا غضب).
فزفر باسم بقوة وزمجر بغضب:
يعنى ده أخر كلام عندكِ يا عزة؟
بس لعلمك كده انتِ بتفتحى النار على نفسك،
عشان بتعصى كلامى يا بنت الناس.
أومأت عزة بتصميم:
ايوه يا باسم وده قرار مش هرجع فيه ابدا.
فلم يجد باسم سوى أسلوب التهديد لعله يجدى معها
وتخاف أن تفقده فهدر بقوة:
كده يا عزة،
يبقى أنتِ اللى حكمتى بالنهاية اللى كان لازم أعملها من زمان
بس أنتِ اللى كنتِ رافضة.
فانقبض قلب عزة وارتعشت شفتاها وهى تقول:
بتطلقنى يا باسم عشان عايزة أحس زى بقيت خلق الله
إني متجوزة وليه مطرح خاص بيه أعيش فيه مرتاحة البال
مع جوزى وبنتى اللى طلعت بيها من الدنيا.
بدل ما أنت بتجيبلي كل كام شهر دقايق وتجي تخرى من جارى
كإنك عامل عملة وأبص على مكانك ألاجيه فاضى
واتعذب من الوحدة وأضم بيدى جتتى عشان أدفيها،
وافضل أتعذب ليالى طويلة وانا شايفة جوزى قدامى
مع مرته ينيهيها ويراضيها وانا يهملنى أعانى لحالى
وأتحرم من أبسط حقوقى عليه.
أنت كيف ظالم كده يا ابن الجبالى!!
ولكن باسم لم يهتم بمشاعرها وعذابها النفسى لهجره لها
وأصر على تكملة تهديده لعلها ترجع عما نوت.
باسم:
بزيادة كلام عاد وأنا قولت كلمتى،
عايزة تكملى معايا يبقى مفيش خروج من القصر.
عايزة مكان لحالك يلجأ كل واحد يروح لحاله
وساعتها مش هيكون بينا غير ريحانة وبس.
فظهرت ابتسامة تهكم على شفا عزة وسخرت بقولها:
انا مش شايفة فرق بين التنين،
كده لحالى واكده لحالى.
بس لحالى مع نفسى ومع بتى أحسن
من إني أكون مقهورة كل شوية يا ابن الجبالى.
ليقبض باسم على يديه بغضب وتشتعل النيران فى جوفه،
فتخرج الكلمة كالبركان الذى يحرق الأخضر واليابس:
كده تبقى،
طاااالق يا عزة.
وهنا وقعت الكلمة على عزة كالسكين الذى أصابها فى مقتل
فترنحت وحاولت الاستناد على المكتب بعد أن خارت قواها،
ثم بكت بهيسترية حتى علّى صوتها.
وكانت فى تلك اللحظة ملك تفتح الباب
بعد أن سُئلت عليه وعلمت بوجوده معها.
لتصعق عندما سمعت تلك الكلمة التى تنهار بيها البيوت
وهى أكره الحلال عند الله.
فولجت إليهم وعلى وجهها الصدمة
ثم نظرت إلى باسم تعاتبه قائلة:
ايه اللى عملته ده يا باسم؟
ليجيبها باسم دون أدنى تردد:
ده اللى كان لازم أعمله من زمان يا ملك،
بس أنتِ الله يسامحك اللى خلتينى أتمادى
وجبت منها بت عتفضل تعانى طول عمرها
من التشتت شوية معايا وشوية معاها.
فاتسعت عين ملك بصدمة غير مستوعبة ما يقول
مردفة وهى تضم بقوة ريحانة إلى صدرها:
يعنى إيه بتى عتبعد عنى.
لا ده لا يمكن أبدا.
لتنفجر عزة من ألم والغيظ بعد أن تعدت ملك حدودها
ونسبت لنفسها ابنتها.
فاقتربت منها وصاحت فى وجهها:
بنتك ايه يا ملك،
انتِ نسيتى نفسك ولا ايه
ومش عايزة أقول كلمة عفشة عشان العيش والملح اللى كلناهم سوا
وعشان كمان أنا مش جَليلة الأصل.
دى بتى أنا يا ملك،
ويلا هاتيها وكفاية عليكِ جوى باسم.
ثم طالعت باسم بعيون مازالت تكن له بالحب رغم ما حدث
و همست بإنكسار:
وصراحة اللى عندها راجل كيف باسم وعيحبها كده زيك
متفكرش فى عيل ولا تيه.
فأحرجت كلماتها باسم وشعر بالندم فعلا على تقصيره معها.
ثم مدت عزة يديها ورددت مرة أخرى:
هاتى البنت.
ولكن ملك بكت وشددت من احتضانها ريحانة
وتوسلت بنظراتها إلى باسم لكى يفعل شيئا
ولكن الاخير وقف عاجزا،
فلم يعد بيديه شىء وهى إبنة عزة فى النهاية
وهى من لديها الحق.
ولا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن ينزع طفل من أحضان والدته.
ثم تذكر باسم أمر قمر،
فأراد أن يليها هذا عن ما يحدث،
لعلها تجد فى إبنة قمر العوض الحقيقى
لإنها خالتها واقرب الناس إليها بعد والدتها وأم ثانية لها.
فحدثها باسم:
شوفتى كنت هنسى أنا شيعت ليكِ ليه!
إديها بس الأول يا ملك بنتها
وأنتِ ربنا عوضك ببنت تانية عتفرحى بيها جوى جوى
لأنها منك ويستحيل أمها عتزعلك.
فنظرت له ملك بدهشة متسائلة:
قصدك إيه،
انا مش فاهمة حاجة.
فحاوط باسم كتفها بحنو بين أنظار تلك التى يتأكل داخلها
ولكنها أخذت تردد (اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلفنى خيرا منها).
باسم:
قمر أختك يا ملك ماتتش صوح كيف ما كان حاسس مسالم.
والنهاردة بس عرفت لما جت تولد عندينا
ومكنتش فاكرة حاجة وولدت بنت زى الجمر.
يلا أدى البنت لعزة وتعالى أطمنى على أختك.
فبكت ملك بفرحة مرددة بشهقات:
قمر عايشة،
يا ما أنت كريم يارب.
ثم نظرت إلى ريحانة التى تنظر إليها ببراءة فبكت وتابعت:
بس ريحانة دى بتى كمان،
ده أنا مرضاعها يعنى أمها مهما قولت يا باسم.
فكيف تحرمونى منها!!
زفر باسم بضيق ومد ذراعه ليأخذ ريحانة قائلا:
معلش يا حبيبتى وأكيد هجيبها تشوفيها كل فترة.
ملك بقهر:
فترة ده أنا مجدرش تبعد عن عينى لحظة.
لينفعل باسم رغما عنه من حديثها ويأخذ منها البنت قائلا:
بزيادة يا ملك.
ثم التفت إلى عزة واعطاها البنت وقال بحزن:
خلى بالك منها،
ودلوقتى قادرة تروحى القصر تقعدى بس ولو يومين
عجبال ما أعرف أوفر ليكى مكان مناسب.
واكيد مكانك إنه فى الشغل موچود لو حابة تستمرى معانا
ولو مش عايزة براحتك.
بكت ريحانة كثيرا عندما حملتها عزة
لإنها ارتبطت بملك ولا تسكن الا بين يديها.
وأخذت ترفع ذراعها الصغير مشيرة إلى ملك لتحملها،
فانفطر قلب ملك وحاولت الاقتراب لتاخذها مردفة:
هاتيها يا عزة،
هى كده مهتسكتش غير معايا.
فغضبت عزة ونهرتها:
عشان أنتِ السبب،
مكنش ليه لزوم ترضعيها بس معلش
هى خلاص جربت على سنة،
فتتفطم أحسن وبكرة تاخد علبة أنا.
وعتعيط شوية وتسكت.
ثم شددت من عناق الصغيرة وربتت على ظهرها لتهدأ
وحملت حقيبتها وهمت للمغادرة قائلة:
انا همشى دلوقتى للقصر وهقعد يومين زى ما قولت وهمشى.
سلام.
لتغادر بين أنظار ملك المحطمة
التى ما أن خرجت حتى صرخت باسم ريحانة،
فحاول باسم تهدئتها بحب قائلا:
بس يا ملك،
مش قادر أتحمل دموعك دى أرجوكِ بزيادة كده.
وأنتِ عارفة كويس أن ده حق عزة
ودلوقتى عشان الطلاق نفسيتها صعبة،
فشوية تتعود وهى بنفسها عترجع تتديكِ البنت.
عاتبته ملك:
ليه بس طلقتها يا باسم،
ده أنا كنت موصياك تعاملها كويس عشان خاطرى.
ابتعد باسم عنها ولمس يديها بحنو قائلا:
ده حاجة كان لازم تحصل من زمان يا ملك،
انا مش عايز غيرك وبس.
وياريت صفحة عزة دى تتقفل نهائى.
ثم أشار إليها بقوله:
دلوقتى تعالى نشوف قمر وبعدين هاخدك لشقتها،
تراعيها يومين كده تسند طولها وبعدين ترجعى.
وبالفعل تقابلت ملك مع قمر فى مشهد مؤثر ملىء بالمشاعر والأحاسيس
ولم يفتر الإثنان عن البكاء طويلا وهى تعانقها بلهفة وشوق.
ملك وهى تبعدها عنها برفق:
انا مش مصدقة حالى إنك واقفة قصادى يا قمر
وإنك بخير يا بت أبوى!
قمر:
الحمد لله،
لسه مكتوبلى اعيش فى الدنيا دى يا ملك.
وربنا يكمل الباقى من عمرى بالستر.
ثم طالعت ملك الصغيرة شمس بحب وضمتها إلى صدرها بحنو
لعلها تعوضها عن ريحانة ولكن هيهات
فوجع فراق ريحانة بنت قلبها لا يعوض بأحد
وان كانت ابنة قمر.
وطلبت قمر من باسم أن يأخذها إلى مسالم وألحت عليه
ولكنه رفض حتى تستعيد فى بادىء الأمر صحتها
لتستطيع الوقوف بجانبه.
فهو يحتاج أيضًا لعناية حتى يعود إلى حالته الطبيعية مرة أخرى.
فعادت إلى بيتها على مضض بصحبة قمر التي سهرت على راحتها رغم انكسار قلبها.
.........
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
.........
أما عزة فحاولت مرارًا وتكرارًا أن تهدئ من روع ريحانة التي لم تكف عن البكاء بسبب احتياجها للرضاعة وإحساسها ببعد ملك عنها.
ولكنها لم تستطع السيطرة عليها وأشفقت عليها من كثرة البكاء الذي بسببه تلون وجهها بالحمرة فخشيت عليها أن يصيبها مكروه وهنا اتصلت على باسم، لتعلم منه عنوان قمر لتأخذ إليها ريحانة ترضعها حتى تهدأ.
ليغلب هنا إحساس الأمومة على إحساس الغل والحقد على ملك التي استطاعت الفوز بلقب باسم وأيضًا ابنتها.
ولكن قلبها كأم لم يدرك سوى الخوف على ابنتها كي لا يصيبها أذى.
وهنا تنهد باسم بارتياح بعد أن أدرك أن ريحانة ستظل برعاية ملك ولن تبعد عنها.
وبعد يومين استطاع باسم أن يوفر شقة لعزة مجهزة بكل ما تحتاجه، كما كتبها باسمها لعلها تغفر له تقصيره معها.
وقبل أن يرحل باسم ويتركها بمفردها وقف أمامها وحمحم بحرج قائلاً:
عزة أنا مش عارف أقولك إيه، بس صدقيني غصب عني والحب والكره ده مش بإيدينا.
وصدقيني حاولت كتير عشان أحبك عشان أنتِ فعلاً تستاهلي لإني فيكِ صفات حلوة كتير بس مجدّرتش.
وكل ما كان الوقت يمر كان إحساسي بالذنب يكبر وأنا شايفك عتحبيني كل الحب ده، لكن مش قادر أبادلك.
والإحساس ده كان بيخليني أفكر كل شوية في الانفصال عشان يكون قدامك فرصة ترتبطي بواحد أحسن مني، يديكِ اللي أنا مجدّرتش أديهولك.
فسامحيني يا عزة وبتمنى ليكِ حياة سعيدة، وبتمنى ما تسيبي المستوصف عشان احنا اللي بينا مش مجرد عقد وانتهى، احنا بينا عشرة على الحلوة والمرة وكمان بينا ريحانة كانت أجمل حاجة في علاقتنا.
تجمعت الدموع في عين عزة لإحساسها بالانكسار والقهر وهو يعترف لها إنه لم يستطع أن يحبها وحاولت هي التماسك حتى لا يشفق عليها فهي لا تحبذ أبدًا الشفقة بعد أن اتخذت من اسمها أخيرًا عزة بكبريائها.
لتومأ له في صمت ثم قالت:
خابرة يا ابن الجبالي وأنا كمان بتمنى ليك حياة سعيدة مع ملك، الأم التانية لبنتي اللي شاركتني فيها.
فابتسم باسم بامتنان لها ثم ودّعها وغادر.
لتترك العنان لنفسها بعد غلق الباب حيث استندت عليه بظهرها واجهشت بالبكاء الكامن في صدرها حتى بلغ بها التعب مبلغه فجلست مكانها شاردة تفكر في حياتها وحظها السيء فهي منذ طفولتها حزينة من أب قاسي الطبع بخيل، ليس له وسيلة للتفاهم سوى الضرب، ثم كبرت ودخل الحب حياتها وظنت أنه معه سيكون العوض ولكن للأسف كان ذئب افترسها دون رحمة ثم تخلى عنها.
ومن ثم كان باسم الذي أحبته من خلقه وطيبته ورأت به رجولة حقيقية افتقدتها مع غيره ولكن قلبه لم يكن لها.
فأردفت بحزن:
حياتك عاملة زي مجزرة الحزن اللي أبكي الملايين يا عزة.
وعمالة توجعي يا من نجتِ لدوهديرة، وإيه عتعيشي حياتك أكده من غير فرح وتموتي مقهورة لحالك.
ثم بكت بمرارة ووجدت نفسها تدعو الله وترفع يديها بدعائها الذي اخترق سبع سماوات:
(يا رب حزني مش اعتراض على قدرك، بس أنا عايزة رحمتك بقلبي المكسور، يا رب نفسي أفرح ولو مرة في حياتي، عشان تعبت أوي أوي يا رب، يا رب أجبر بخاطري ومتعملنيش بعدلك عاملني برحمتك، يا رب).
ثم أخذت تكرر الدعاء حتى استمعت إلى رنة تعلن وصول رسالة إليها، فقامت لترى ممن تلك الرسالة؟
فكانت محتواها:
(كفى دموعًا فقد أهلكتني عينيك الحزينة، ووددت لو أكون بجانبك لتدفئي حزنك هذا على صدري.
وأقسم لكِ إني سأكون سببًا لأرى ابتسامتك التي لا أعلم عندما أراها ما سيحدث لقلبي الذي أحبك من أول لقاء فاتنتيني.
ستقتليني بابتسامتك العذبة التي ستذيب جميع حصوني أمامك)
كما أرى إنك مع كلمة تقرئينها تعجبين وتندهشين ولا تعلمي من أنا.
سأقول لك سيدتي من أنا؟
أنا المحب الذي عشق عينيكِ ودعا الله في كل سجدة أن تكوني حلاله بعد أن أبتعد حتى لا يقع فيما حرمه الله.
أنا أيمن سميني عاشق مجنون، سميني واحد مغرم.
لم تصدق عزة ما قرأت وأخذت تقرأ رسالته عدة مرات.
ليشرد نظرها في بقعة خالية وحدثت نفسها:
معقول يا عزة بعد كل ده في حد يحبك، معقول تلاقي النور بعد سنين الظلمات دي كلها، معقول تلاقي حد يرويكِ بعد ما جربتِ تموتي من العطش، لا أنا مش مصدقة حالي.
لتأتيها رسالة أخرى:
أتقبلين حبيبة القلب والروح أن تنوري مملكتي بعد أشهر العدة التي سأنتظرها تمضي بفارغ الصبر.
لتندهش وتسأل حالها:
هو عرف إزاي ده؟
ليأتيها جوابه:
أنا عارف دلوقتي أنتِ بتسألي إزاي عرفت إنك طلقتِ أخيرًا من إنسان مش عارف قيمتك، من الممرضة سهام اللي وصّتها تاخد بالها منك من ساعة مشيتِ وهي سمعت بنفسها باسم عشان كان صوته عالي جدًا ومش هي بس ده كتير وبلغتني وعلى قدر حزني على زعلك، على قد فرحتي إني خلاص قربت أوصل لحلمي اللي هو أنتِ يا عزة.
ليسدل الستار هنا عن عوض الله وما أدراك ما عوض الله.
فاعبده بحب لتدهش بعطائه.
*****
ظل مسالم طوال الليل يلهث بكلمات غير مفهومة بعد أن أصابته الحمى كنتيجة للصعقات الكهربائية في رأسه.
ولكن ما بين كلماته الغير مفهومة كان اسم قمر فزفر الممرض بضيق الذي ولج إليه ليعطيه حقنة خافضة للحرارة:
صراحة أنا عمري ما شفت حد يحب مرته الحب ده كله.
ده أنا مبصدق أخرج من البيت يا جدع عشان أخلص من خلّجتها اللي تسد النفس دي ولا طلبات وزن العيال اللي مينتهيش.
بس أكيد مرتك كانت حاجة تفتح النفس عشان تحبها أكده، ده أنا حبيتها من كلامك عليها بس، يلا الله يرحمها بجاه ويشفيك يا مسالم.
ليمضِ الليل الحزين ويأتِ يومًا آخر أشرقت به الشمس بأمل جديد، ليقف الجميع مذهولًا عندما صدق شعور مسالم أن حبيبته لم تمت بل على قيد الحياة.
لينطق الطبيب بإندهاش قائلاً:
أنتِ قمر فعلاً مرات مسالم.
لتؤكد قمر:
أيوه يا دكتور، أنا قمر اللي ربنا كتبها عمر جديد عشان ترجع لجوزها وحبيبها وتاخده من إهنة ويرجعوا لعشهم.
ضرب الطبيب يدًا بيد قائلاً:
سبحان الله، تصوري مسالم كان قلبه حاسس أنه فعلاً مموتيش مهما حاولنا نقنعه ونحاول نخليه يتقبل الأمر الواقع لكن مع كل يوم كان يؤكد لنا إحساسه لدرجة إنه امبارح لبس هدوم الخروج وقعد مستني تيجي تاخده.
ده إيه الترابط الروحي اللي بينكم ده وأنا اللي للأسف اعتقدت حالته انتكست واضطريت...
ولكنه لم يستكمل عندما اعترضته قمر بقولها:
اللي بيني وبين مسالم حاجة مفيش كلام يقدر يعبر عنها ودلوك لو سمحت عايزة أشوفه ويخرج معايا بإذن الله على ضمانتي وأنا هرعيه بنفسي.
الطبيب:
أكيد وأظن أنه لما يشوفك خلاص انتهت مشكلته.
ليصطحبها بالفعل إليه، ليجده الطبيب عندما فتح الباب واقفًا وكأنه مستعد لمجيئها.
لتتعانق القلوب قبل العيون وصاحت قمر بشوق ولهفة:
مسااااالم حبيبي، أتوحشتك جوا يا ضي عيوني.
أما هو fartجف جسده ولمعت عيناه لرؤيتها ثم بكى وهو يمد يديه لها قائلاً:
أستنيتك كتير جوا يا قمر.
ليه اتأخرتِ عليه كل ده؟
ثم نظر لبطنها الخاوية، فلمحت قمر سحابة حزن في عينيه فأدركت سببها فطمئنته بقولها وهي تضع يدها على بطنها:
شمس منتظرك في البيت مع ملك يا أبو شمس.
ثم أسرعت إليه بشوق، ليعود إليها إحساس الأمان من جديد وهي بجانبه.
وهذا كان كفيلًا أن يغسل كل أحزانهم، ليبدأوا حياة جديدة أساسها الحب وأركانها المودة والرحمة.
..........
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
..........
أما زاد بعد مرور شهرين من عودة براء وتآلف أرواحهم من جديد بعد التنافر شعرت ببعض الألم في معدتها ورغبتها في التقيؤ.
فسألت نفسها:
إيه يا زاد شكلك عملتيها تاني ولا إيه عاد؟
للتأكد بالفعل من حملها عندما أجرت اختبار الحمل المنزلي، فابتسمت بسعادة قائلة:
يا رب تيجي المرة دي بنت.
واستطردت:
لما ألبس وأروح أطبّ على براء في القسم وتكون مفاجأتين ليه، واحدة بوجودي والتانية بالحمل، ده أكيد هيفرح جوا.
عشان كمان هو وحشني ومش هقدر أصبر لما يجي.
فأسرعت لارتداء ملابسها ثم توجهت للقسم الذي يعمل به، لتتفاجأ به يقف مع امرأة ترتدي الزي الرسمي للضباط، ويتبادلون الضحكات.
لتتجمد زاد في مكانها ثم حاولت ابتلاع غصة مريرة في حلقها مردفة:
نهار أبوك أبيض، تاني يا بصبصاص يا بتاع النسوان محرمتش عاد.
والله لأخليك عبرة لمن لا يعتبر.
رواية اولاد الجبالي الفصل 107 - بقلم شيماء سعيد
أولاد الجبالى 3
الحلقة الثالثة والأربعون والأخيرة
...........
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله 🌺
وتظنُّ أنك خسرت، والحقيقه أنّ ما خسرته تمهيدًا لمكسب عظيم سيكافئ الله قلبك به.
وتظنُّ أنك حُرِمت، والحقُّ أنك رُحِمت..
وتظنُّ أنّ الله ابتلاك، والحقيقة أنّه نَجَّاك..
وتظنُّ أنّ الأوان قد فات، ويكون الأجمل ما هو آت.
..................
فرحت زاد بالحمل لمرة أخرى لكن للأسف فرحتها لم تكتمل عندما شاهدت براء يضاحك شرطية زميلة له والأخرى تبادله النظرات والضحكات .
لتشهق زاد بفزع : عملتها تانى يا بصباص يا نسونـ.جى يا خـ.اين يا دون ولم تشعر بنفسها وإلا قد تقدمت منهم الإثنان على فجأة وصاحت بصوت عالى : انا هربيكم أنتم التنين ، لتتنزل بحقيبتها على رأس براء بيد وباليد الاخرى جذبت شعر تلك الشرطية لتتألم : ااااااه ، ايه يا مجنونة اللى بتعمليه ده ؟
زاد بإنفعال : هو انتِ لسه شوفتى چنان ، انا هوريكِ الچنان اللى على أصله .
لتنقض على ذراعها تنهـ.شه بأنيابها والأخيرة تصر.خ ، أما براء فأسرع بالهرب حتى لا تبطش به وحدث نفسه : وجعتك مربرة يا براء ، واكده زاد عتعمل منيك كفتة .
ثم إستطرد عن زميلته : معلش بجا يا نشوى ، أنتِ جيتيلى فى الوجت الغلط وزاد مش هترحمك والچرى نص الچدعنة .
وأخذت نشوى تصـ.رخ حتى جاء زملائها لينقذوها من براثن زاد وأبعدوها عنها حتى لا تقضى عليها .
فصاحت نشوى : أحبسوا المجر.مة دى فى التخشيبة .
لتصيح زاد : انا بردك اللى أتحبس يا خطافة الرچالة ، عايزة تخطفى چوزى وانا مخلفة منه عيل والتانى چى فى السكة .
نشوى : أنتِ ولية خرفانة ، جوزك مين هو أنا أعرفه .!
زاد وهى تصك على أسنانها بغيظ : چوزى الطور جصدى اللى كان واقف جصادك من شوى ، سيادة المحترم براء .
فاتسعت عين نشوى مردفة بذهول : سيادة المقدم براء ، مجوز !!
_ ومنك أنتِ كمان ،ده كان لسه بيقولى أرمل .
فحركت زاد رأسها مؤكدة بقولها : ايوه ما أنا المرحومة بشحمها ولحمها جدامك أهو ، بس بعون الله الليلة عكون انا الأرملة ، عشان عخلص عليه .
******
الله يخبىء لك من يشبه روحك ، فلا تيئس
احتاجت مرام لدخول المرحاض ، فتبعها سجينة جديدة لم تكن تدرك مرام أن تلك السجينة مكلفة من فريد لإنهاء حياتها بسبب خيانتها له وإفشاءها عن أسراره .
لذا كانت تترصد كل حركاتها ، وعندما طلبت دخول المرحاض وفتحت لها الشاويش ، استأذنت الأخرى أيضا للتبعها .
وكانت تخفى بين طيات ملابسها سلا..ح أبيض لتتط..عنها به .
وبالفعل ما أن ولجت مرام المرحاض حتى وقفت أمامها سريعا وقالت بصوت يشبه فحيح الأفعى : ازيك يا مرام ، فريد بيه بعتنى ليكِ بهدية هتريحك على الأخر .
فاتسعت عين مرام بذهول مرددة بذعر : فريد .
لتخرج الأخرى ما فى حوذتها سريعا ثم انقضت عليها تتطعنـ.ها طعنـ.ات متفرقة بشراسة ومرام تصرخ بين يديها وأخذت الد..ماء تنف..جر منها حتى بدئت فى التراخى وتلاشى صوتها تدريجيا ، ثم أسرعت الأخرى للعودة إلى مكانها كأنها لم تفعل شيئا .
وخرجت لتغمز الشاويش فضحكت لها وإشارات إلى عنقها : اى تم ما اتفقوا عليه .
الشاويش : يلا فى داهية تستاهل عشان تريح بجا وتريحنى .
وتعالى يلا أدخلك وشوية أسبها لغاية ما تصّفى ونضمن إنها خلاص ودعت وبعدين أبلغ الإدارة .
وبمرور الوقت بلغت بالفعل الأدارة ،إنها ولجت للمرحاض لتعلم سبب تأخر السجينة وجدتها هكذا ولا تعلم من فعل ذلك بها .
لتأتى الإسعاف سريعا لتحملها ، فسئلتهم بترقب : مااااتت !!
فأخبرها المسعف : على وشك ونسبة نجاتها قليلة لأنها فقدت دم. كتير اوى .
فابتسمت بمكر وحدثت نفسها : يلا هبجا اقرء لها الفاتحة مع انها متستهلش .
على جانب آخر كان جاسر جالسا فى محبسه ، يقرء فى كتاب الله ثم شعر بنغصة فى قلبه لا يعلم سببها ، فاستغفر وحدث نفسه : خير يارب ، ايه الوجع ده !
ليسمع بعد ذلك صياح أحد قادة السجن حيث كان سجن النساء يقابل سجن الرجال .
_ محتاجين متبرع بالدم لفصيلة ناردة شوية لنزيلة تعرضت للقت..ل ولو منقلتش دم حالا هتموت .
الفصيلة هى **
فقام جاسر منتفضا ينادى على الشاويش : انا نفس الفصيلة خدونى ليها .
فسخر منه الشاويش قائلا بتهكم : هو أنت عندك دم بالأساس عشان تتبرع بيه .
فتشنجت تعابير جاسر قائلا : مش وجته ده يا شاويش افتح أنقذ الست .
ففتح له الشاويش وتهكم مجددا : تعال يا اخويا ، آلهى تفطس انت كمان وربنا يستر عليها هتنقلها دم نجس .
ليسلمه الشاويش إلى الإدارة التى نقلته سريعا إلى مستشفى السجن ومنها إلى غرفة العمليات ليجد من دق لها قلبه وتمنى أن يراها مجددا ، ممدة على السرير بوجه ذابل أزرق مشرفة على الموت ، لا تتحدث ولا يسمع لها أنفاس فكانت أشبه بجثة باردة .
فارتجفت جوارحه ووقف بجانبها ينظر لها بإنكسار بعد أن تفتت قلبه لإشـ.لاء لرؤيتها هكذا ، وشعر أنه على وشك فقدها .
فهى أخر أمل له فى أن يكون إنسان لديه إحساس ويحب ويُحب وان هناك شىء من السعادة ينتظره فى علم الغيب .
لذا انحنى وأخذ بيديها يبكى يرجوها : لا أرجوكِ متهملنيش ، أنتِ لو چرارك حاچة عحس انى خلاص مليش لزوم فى الدنيا دى ومفيش حد أعيش عشانه .
فتقدم منه الطبيب وربت على كتفه قائلا : ادعلها لأن حالتها صعبة جدا للأسف ، ويلا اتفضل قوم عشان نسحب منك الدم .
فقام جاسر وأمسك بيد الطبيب يقبلها والدموع فى عينيه قائلا : اسحب براحتك إن شاءالله تسحب دمى كله بس تعيش ، أرجوك يا دكتور .
فابتسم الطبيب قائلا : قد كده بتحبها ؟
والله يا بختها اللى تلاقى راجل يحبها بالشكل ده .
بس عشان حبكم ده ياريت لو كتب ربنا ليها تعيش وخرجتم من هنا تبتدوا بداية نضيفة عشان مترجعوش هنا تانى .
جاسر بيقين : ده أكيد أن وعدت ربنا بكده بس ربنا يخلهالى .
ثم طلب منه الطبيب النوم على السرير المقابل الموازى لها ليسحب منه الدماء ويوصل بها لتستقبله .
وأثناء ذلك كان يقوم طبيب آخر بتطهير جروحها العميقة تلك وتخيطها ولكن مؤاشرات قلبها كانت تهبط ، ورأى جاسر الفزع على وجوههم فما كان منه إلا أن صرخ بقوله : يااارب نجيها وأوعدك أنى مش هاكل لجمة تانى الا من حلال .
واعاد قوله بإلحاح : يااارب ، يااارب .
لتصعد مرة أخرى مؤشرات قلبها بين تعجب الأطباء .
لتنتهى العملية وتحجز بعد ذلك فى غرفة العناية ويعود جاسر إلى السجن بعد أن وعده الطبيب أن يخبرها بأمرها أول بأول ليطمئن .
*****
النفس تحتاج لمن يروضها أن أساءت ولعل ذلك خير لها لتستقيم .
بعد عدة عمليات مع طبيب التجميل لبانة إستطاع أن تعود لهيئتها بنسبة سبعين فى المائة فحمدت الله على هذا القدر وتغيرت من داخلها كثيرا وتقربت من الله عز وجل وأخذت تعامل الجميع بلطف وكانت تطلب كثيرا زيارة غيث لها ، فيحمله جاد إليها وكان يسعد بهذا الأمر فى الآونة الأخيرة بعد أن كان يكره هذا الأمر ولكن من أجل تلك الفتاة ريحانة التى لا يعلم لما يحب أن يلاطفها ويلاعبها ويفرح كثيرا عندما تبتسم له .
حتى أصبحت الصغيرة تردد اسمه بتلعثم : داد ، داد .
اما جابر فتناسى بانة بمرور الوقت بعد أن عشق سلسبيل وتأكد أن حبه تلك المرة هو الحب الحقيقي فعلا ،ولكن بانة كان حب من نوع اخر وربما لأنها كانت حلم تمنى أن يصل إليه .
ولكن سلسبيل علمته فنون الحب والعشق فوقع أسيرا لها ، ونتج عن هذا الحب نبتة صغيرة توشك أن تخرج للنور وعندما علم انها فتاة ،قرر أن يسميها فاطمة لتكون أم ابيها وقرة عينه.
أما بانة فكانت عندما يأتى الليل تبكى بين يدى الله لأنها أصبحت وحيدة دون خليل .
وتمنت ودعت كثيرا أن يرزقها الله برجل يعوضها عن مصابها فى جابر الذى ضاع من بين يديها .
لتتفاجىء بإتصال طبيبها المعالج الذى كان فى الأربعينات من العمر والفارق بينهم خمسة عشر عاما .
وجدته يقول : بااانة من غير لف ودوران عشان انا راجل عملى شوية ويمكن هو ده السبب اللى خلانى اتأخرت فى الجواز .
بس مش عارف فيه حاجة كده شدتنى ليكِ وعارف ان فيه فرق سن بينا بس زى ما أنتِ شايفة عشان دكتور تجميل مش واضح بقا يا ستى السن .
وعشان كده بقولك دوغرى : تقبلى تجوزينى ، بس وتعلمينى يعنى ايه حب عشان أنا مكنش فى قاموسى الكلمة دى ابدا .
ففتحت بانة فمها بٱندهاش وصدمة ولم تتحدث وسئلت نفسها : معقول حد يفكر فيها بعد اللى حصل .
ثم أستطردت :
هو صحيح بجيت أحسن بفضل الله بس يعنى بجيت إنسانة عادية مش جميلة اوى زى زمان .
ثم ابتسمت وتابعت :
وجال بيجول كبير جال ، ده اللى يشوفه يجول أصغر منى ، ده غير حلاوته بن اللذية .
وجال ايه عايز يتعلم الحب ، لا ميجلجش انا هغرجه حب .
ثم سرحت بخيالها فى حياة جديدة وسعيدة معه .
وانتظر هو جوابها وعندما يئس أن تتكلم قال بثقة : اعتبر السكوت علامة الرضا والنهاردة هكلم دكتور باسم وأخطبك منه .
فارتجفت بانة لجرأته وخجلت فأغلقت الخط فى وجهه .
فضحك هو قائلا: من دلوقتى بتكسف امال بعد كده هتعملى ايه !
*****
كنت بين يديك ولم تشعر بى وضيعتنى وعوضنى الله من هو خير لى وما أحلى واكرم عوض الله وتركت له ندم سيلزم قلبك ، لأنى لا أحد يشبهنى .
إتفقت عزة مع باسم منذ أن طلقها أن تربى ريحانة بينهم ويقسم الأسبوع بينهم بالتساوى حتى تتعلق بها ريحانة تدريجيا وتدرك مع الوقت إنها هى والدتها الحقيقية وليس ملك .
فخضع باسم لطلبها بين تذمر ملك
ملك : يعنى ايه بنتى تبعد عنى وتنام بعيد عن حضنى ؟
فغضب باسم وصاحب : ملك بزيادة بجا عاد .
ويكفى انى ظلمت عزة وچيت عليها كتير وبتمنى ربنا يسامحنى .
فبكت ملك وجلست قائلة بتلعثم من بين دموعها : انا خابرة أن ريحانة من حق عزة ، هى أمها صوح .
بس أنا چوايا نار محدش حاسس بيها يا باسم .
كان نفسى جوى إنى أجبها من بطنى ، بس قدر ربنا .
بس لما شوفتها وضمتها لصدرى وبعد أكده رضعتها حسيت انى كأنى اللى جبتها وأنها عوض ربنا ليه .
_ وصوح غلطانة عشان كنت عخاف عليها بزيادة وعزة كانت بتزعل منى ، بس صدجنى غصب عنى .
كنت خايفة تروح منى بعد ما لجيتها .
_ وماشى يا باسم أنا هتحمل بعدها عشان عزة وكفاية زى ما جولت ظلم ليها .
وربنا يسامحنى انا وانت ، والحمد لله أن ربنا عوضها براچل يحبها ويقدرها .
وهنا تغيرت ملامح باسم ، فالبرغم أنه لم يحبها ولكن وجودها مع غيره يثير غيرته .
وخصوصا عندما رأى كيف تحولت ملامحها للأجمل مع أيمن .
وكأن السعادة نورا يضىء الوجه .
والحزن يطفيه.
فحدث نفسه : انا كنت غبى جوى ، كيف سبتها تروح من يدى بالسهولة دى .
دى كانت بتتمنى حتى كلمة حلوة منى ، وهتهتم بيه اكتر من ملك ، اللى بقت فى الفترة الأخيرة تهملنى عشان تهتم بريحانة
فعلا الواحد مش بيحس بالنعمة غير لما تروح منيه .
*******
أقترب موعد ولادة نهلة ، فجفاها النوم من القلق والخوف أما محمود فكان بجانبها يغط فى نوم عميق .
فنظرت له شرزا قائلة: عتنام أنت ورايق وانا عاكل فى نفسى ، اه ما انتوا تعملوا العملة واحنا اللى نشرب بسببكم .
_كان مالى انا من الچواز وسنينه ، فينك يا منصورى كنت معاك زى الأخوات وكنت عضحك عليك وأجولك انى سعيدة كيف الفراشة اللى عتطير فوق غيط الكرنب .
_دلوك أنا اللى بجيت الكرنبة ذات نفسيها .
ثم حاولت إيقاظ محمود فدفعته من كتفه قائلة : يا محمود ، يا محمود .
فقال بنعاس دون أن يفتح عينيه : فيه ايه ,بتصحينى ليه سبينى أنام .
نهلة بتذكر : طيب جولى إنك عتحبنى الأول وبعدين نام .
ففتح محمود عينيه واعتدل وجلس وقب*لها فى وجنتيها وأردف بحب : بحبك يا نهلتى ، ثم عاد للنوم واستطرد
_ هنام بقا ماشى عشان شغلى الصبح .
فصكت نهلة على أسنانها بغيظ مردفة : أنت مش بتحبنى عاد وعتاخدنى على جد عقلى ، وتلاجيك مستنى أموت وأنا بولد عشان تجوز ، صوح ؟
فزفر محمود بضيق واعتدل من نومته وحاو*ط ذراعها بحنو وهمس : ايه اللى بتقوليه ده !!
أنا بحبك وأنتِ متأكدة من كده وان شاء الله هتقومى بألف سلامة متوتريش نفسك وحولى تنامى .
فأبعدت نهلة ذراعه وإجابته : اه مش عايزنى أموت عشان أربى عيالك وانت تسرح براحتك وتشوف واحدة تد.لعك .
فوضع محمود يده على رأسه وهمس : هى شكل الهرمونات اشتغلت أنا عارف وشكل الليلة دى مش هتعدى .
فاستطرد بصبر لتهدء : لا يا حبيبتي ، هاتى بس أنتِ العيال وأنا اللى هربيهم متقلقيش .
نهلة بغيظ : اه عايز أنت تربيهم عشان يحبوك اكتر منى ، ما أنت طول عمرك انانى ومش بتفكر غير فى نفسك .
فذم محمود شفتيه وقام من التخت وسحب وسادته وقال : بقولك إيه ، أنا هروح أنام بره عشان ورايا شغل ونكلم فى الموضوع ده بعدين .
فلمعت عين نهلة بالدموع وقالت : شوفت اهو مش بتحبنى يا كداب عشان لو بتحبنى مكنتش سبتنى وتنام بره .
فوضع محمود يده على وجهه واستغفر وقال : لا كده كتير .
*****
وقف براء أمام زاد كالفأر المبلول بعد مضى بعض الوقت عن ما حدث فى واقعة تلك الضابطة .
واشترطت عليه كى تسامحه أن يأخذ إجازة لبعض الوقت ولا يخرج من غرفته ابدا .
فوافق لانه بالفعل شعر بالخجل من تصرفاته الصبيانية ، وظل محبوسا فى غرفته ، لا يخرج منها .
ولكن مع الوقت شعر بالملل واجازته التى اخذها مرغما بسببها أوشكت على الإنتهاء .
فأخذ يرجوها بقوله : يا حبيبتى ، طيب أنزل حتى شوية فى الجنينة عشان مخنوق حبتين اشم شوية هوا .
فحركت زاد شفتيها بتهكم مردفة : تشم هوا بردك !!
لا لو مخنوق جوى يعنى هبعت باسم يجبلك نفس اصطناعى ,لكن مهتخرجش من إهنه ومش هتشوف غيرى يا ابن الجبالى .
فندب براء على حظه قائلا : يا مرك يا براء ، اتعمل فيك اللى عتعمله من المجرمين ، عتبحسهم ودلوك مرتك حبساك .
وأدى آخرة عينيك الزايغة ، يكش تحرم بجا .
فصاحت زاد بحدة قائلة : عتبرطم تجول ايه ؟
فحرك رأسه نافيا : مهجولش غير انى بحبك يا زادى .
فضحكت زاد وغمزته وقالت : أنت عتجولى .
لتطرق الباب ملك ، فتفتح لها زاد .
ابتسمت ملك واستأذنت : زاد ، معاذ تحت مع الحاچة وشبطان يروح معايا عند شمس .
ثم ضحكت وتابعت : إبنك شكله عيطلع نمس كبير ، وعيحب من دلوك ولسه عاد مكملش سنتين .
فصكت زاد على أسنانها بغيظ مردفة : عيطلع لمين يعنى ، أبوه طبعا .
ويا عينى على ريحانة عيبصص عليها من دلوك ، امال لما يكبر هيعمل فيها ايه عاد !!
فضحكت ملك وسئلتها : هو أنتِ لسه فى دماغك ياخد ريحانة ، لا يا ستى هو ميال لشمس بت قمر اكتر .
وهنا وقف براء الذى كان يتابع هذا الحديث الساخر على مضض قائلا بحدة وتشنج ظهر على ملامح وجهه : ابنى مش هياخد غير بت عمه هى أولى بيه ، لكن متاخذنيش يا ملك .
على جثتى لو ياخد بت قمر وأنتِ خابرة ليه عاد ؟
فاخفضت ملك رأسها بحرج وقالت : سبحان الله ، ربنا أرحم بعباده من البشر وهيقبل التوبة وعباده لأ .
وعندما شعرت زاد بحزن ملك اردفت بحرج : متزعليش براء مش جصده ودول عيال لسه .
_ خديه يا حبيبتى يلعب معاهم بس متعوجوش ، وخلى بالك منيه عشان بيعض على غفلة .
فتغيرت ملامح ملك مردفة : ايوه ومتجيش العضة غير فى ريحانة وعتخاف منيه ومهتحبوش لكن مهيجربش من شمس واصل .
كتمت زاد ضحكتها حتى لا تحزن ملك على ذلك الشقى الصغير ثم أستطردت : معلش يا حبيبتى وأنتِ خلى بالك منيها زين .
وصوح بكرة معادها تروح لعزة .
أبتلعت ملك غصة فى حلقها ثم قالت بحزن : ايوه ، والله بيبكونوا يومين صعبين جوى لما تبعد عن عيونى .
بس اعمل ايه هى امها بردك وكتر خيرها هتسبهالى .
زاد : وأنتِ مفيش أحن منك يا ملك والله .
وجوليلى صوح سمعت انها اتچوزت ؟
انفرجت أسارير ملك لتجيبها : ايوه الحمد لله ، كانت صعبانة عليه رغم كل حاجة .
اتجوزت دكتور عيحبها وحامل كمان منيه ، ربنا يسعدها .
تعجبت زاد من دعائها لها بعد أن كانت غريمتها ولكنها لم تريد أن تلفت نظرها لذلك وبادرت بالسؤال عن مسالم وحاله الأن .
فأجابتها ملك بابتسامة : لا مسالم بخير من ساعة ما عيونه وعيت قمر ، تجدرى تجولى أكده ،شوفتها ردت فيه الروح من جديد .
وكمان يا ستى حملت وعتچبله ولد كمان ، عجبال ما تجومى بالسلامة .
فتحت فمها زاد بتعجب : حملت ولسه شمس صغيرة وأنا بجول انى اللى استعجلت .
لا أكده تمام أنا وربنا يجومها بالسلامة .
ملك : طيب أفوتك بعافية عشان ألحق أروح وأجى قبل ما يچى باسم .
زاد بإبتسامة : تعودوا بالسلامة ان شاء الله.
لتغادر ملك وتغلق زاد الباب وتلتفت لترى الغضب على وجه براء ، فسئلته : ايه مالك مكشر ليه عاد ؟
فصاح براء بحدة :بجولك إيه يا زاد ، دى أخر مرة توفجى معاذ يروح عنديهم .
_ انا مش رايد الولد يتلعق بالبت دى خالص ، أنتِ فاهمة .
_ عشان لو هى اخر بت فى الدنيا مش هچوزهاله .
فحاولت زاد تهدئته : طيب ماشى خلاص ، متزعلش نفسك .
_ انت عتاخد على لعب العيال ده ولا ايه .
****
عندما ولج جاد بصحبة غيث إلى القصر وجد ملك تصطحب ريحانة ومعاذ وتستعد للخروج .
وعندما رأت ريحانة جاد تركت يد ملك وأسرعت إليه بخطوات خفيفة مرددة بصوت طفولة : داد ده .
ليمد جاد ذراعه حتى أتت إليه ثم حملها وضمها بحب قائلا : حبيبة داد أنتِ يا ريحانة .
بس أنتِ متشيكة أكده ورايحة على فين ؟
ريحانة : راحه عند سمس ، ألعب .
فابتسم جاد واستطرد : طيب خلى بالك من نفسك ولو الواد معاذ ده عضك تانى جوليلى ، مش هسكتله المرة دى .
فأخرج معاذ لسانه له ، فانفعل جاد وقال : عيب والله على اللى ربوك يا طور يا صغير أنت .
فضحكت ملك : معلش يا جاد ، ده لسه صغير ،بس أنت ماشاء الله كبرت ، أنت فى سنة كام دلوك ؟
جاد : انا عندى اربعتاشر سنة وفى تانية إعدادى .
ملك : ماشاء الله ربنا يوفقك .
ثم نظرت لغيث وانحنت تقبل يده الصغيرة مردفة : غيث السكر عامل ايه .
ليردف الأخير بطفولة : أنا كبرت خلاص مش تجولى سكر ، جولى غيث بس .
فضحكت ملك واجابته : شكلك هتطلع چد زى أبوك .
لتقوم زهيرة بالنداء عليه : غيث حبيب تيتا ، تعالى يا جلبى .
ليسرع الصغير إلى جدته ، يحتضنها بحب .
ومن ثم إلى بانة فى الأعلى ليقضى معها اليوم كما متفق عليه .
******
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
عندما أستعادت مرام وعيها وتحسنت صحتها نوعا ما ، ولج إليها الطبيب وعلى وجهه ابتسامة قائلا : حمدالله على سلامتك يا مرام .
وصراحة لو فضلت تذكرة ربنا طول عمرك أنه نجاكِ من اللى محاولة القت..ل دى مش هتوفيه ، لأنك صراحة كانت نسبة نجاتك واحد فى المية .
فحاولت مرام التقاط أنفاسها وتحدثت بخفوت : الحمد لله يا دكتور ، كل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا .
الطبيب : وفيه واحد كمان عايزك تشكريه جدا جدا ، لانه السبب بعد ربنا سبحانه وتعالى انك تعيشى ، ودلوقتى دمه بيجرى فى دمك ، وكان مستعد يضحى بحياته كمان عشان تعيشى أنتِ .
إتسعت عين مرام ونظرت بتيه ، ولم تصدق ما يقول لأنها أول مرة تعلم أن هناك من يهتم لامرها حقا .
وظنت لوهلة أنه براء فابتسمت وقالت : مين سيادة المقدم براء !!
فحرك الطبيب رأسه بنفى قائلا : لا سيادة المقدم براء ،كل اللى عمله لنا عرف اللى حصل أنه اتصل يطمن على حالتك مرة ومتصلش تانى .
فتنهدت مرام بحرارة وشعرت بغصة فى حلقها واستطردت: امال مين ده ؟
فصاح الطبيب بصوت عالى : دخله يا شاويش ..
فولج جاسر ملهوفا لرؤيتها وخطى إليها سريعا وعانقت عينيه عينيها فى حب ولهفة قائلا : حمد لله على سلامتك يا ست الكل ..
فلمعت عين مرام وتسائلت بدهشة : أنت !!
أنت اللى نقلت ليه دمك وكنت خايف عليه للدرجة دى !
بس إزاى وانت متعرفنيش ومش شوفتنى غير مرة واحدة .
فأخرج جاسر تنهيدة حارة مطولة ثم أجابها بتلقائية : ما هى المرة دى اللى لخفنت حياتى وبعد ما كنت ضربها صارمة وحاسس انى مليش لزمة فى الدنيا دى .
شوفتك وجلبى دق ليكِ وحسيت بحاچة أكده مش خابر معناها ، ودعيت أشوفك تانى .
وحسيت أن فيه امل فى الدنيا أعيش عشانه ، وإن ممكن أعيش بعد ما نخرج من إهنه زى اى ناس طبيعية فى الحلال ونكون بيت ونچيب عيال يكبروا حوالينا .
فأصاب جسد مرام رعشة وانفجرت فى البكاء من حديثه التى طالما بكت من أجل تحقيقه ، وكم تمنيت أن تكون زوجة عادية لرجل تحبه ويحبها وتنجب منه أطفال .
وها هو الآن يتحقق حلمها ، نعم لم تحبه بعد ومازال شىء فى القلب لبراء .
ولكن ما يقوله لها يذهب العقل ويجعلها تحبه رغما عنها .
انفطر قلب جاسر وهو يراها تبكى هكذا فاستطرد بدعابة لكى تبتسم مجددا : لا إيه البكى ده أحبوش أنا .
ولو بتبكى عشان مش عايزة تچوزينى ، فخلاص بس بشرط ترجعيلى المهر ، جصدى دمى اللى أدتهولك .
ها جولتى ايه !
فابتسمت مرام وهمست : لا مش عايزة ايه ؟
عايزة طبعا بس أنت تعرف أنا عملت ايه فى حياتى الأول !!
يمكن لو عرفت تاريخى ، تسحب عرضك للجواز وتندم كمان .
، ده غير انى مريضة بمرض خطير وممكن أموت منه .
جاسر بضحك : أنتِ محساسنى إنى جبلتك فى النادى .
لا يا ست الكل احنا اتجبلنا فى السجن يعنى كلنا فى الهوا سوا .
بس بعون الله هننسى اللى راح ونبتدى من جديد وأنتِ معايا .
بعد سنة من دلوك بإذن الله ، بس عنكتب الكتاب عشان لا مؤاخذة ثم غمزها : عشان أبعتلك مراسيل كيف العيال اللى عتحب .
فضحكت مرام ثم أغمضت عينيها بألم : وتفتكر السرطان هيخلينى أعيش عشان أحقق الاحلام دى كلها .
جاسر : هتعيشى لغاية متچوزى عيالنا كمان يا ست الكل .
وسرطان ايه ، أنا لسه مكلم الدكتور وجال أنه أخر جلسة المرة الچاية لانه الحمد لله صغر جوى وهنكمل براشيم لغاية ما تخفى خالص مالص .
فقالت بلهفة : بجد الكلام ده ولا هتقول كده عشان تدينى أمل وخلاص .
جاسر : أمل وعمر دول عيالنا ان شاء الله.
فضحكت مرام فصاح جاسر : يا دين النبى على الضحكة اللى عتنور دنيتى دى .
والله هاين عليه أشيلك ونهرب دلوك نچوز .
*******
لتمر بعض الأشهر على ابطالنا استقرت فيها حياتهم وأستأنس كل منهم بأنيسه فى حب وود .
الا من بعض المشاحنات بين زاد وبراء ولكن كانت تنتهى بالصلح كعادتهم وقد قلت كثيرا بعد أن وضعت له فتاة جميلة تشبه عمتها بانة واطلقوا عليها اسم * ماسة * .
ووضعت قمر ولد أطلق عليه مسالم اسم * بدر *
كما وضعت عزة بنت أخرى أطلق عليها زوجها اسم * مسك *.
قائلا : دى مسك الختام بقا يا عزة وكده عندى تلت بنات وبقيت ابو البنات .
فحدثه عزة بصوت رخيم : كان نفسى أجبلك ولد بس النصيب .
فقب*لها أيمن من جبهتها بحب وود : متقوليش كده ، ده البنات نعمة من عند ربنا وخير ورزق .
وربنا يقدرنى ونربيهم أحسن تربية .
كما تزوجت بانة من الطبيب المعالج لها ، وكانت شخصيتة جادة فلم تستطع أن تفرض عليه أرائها كما كانت تفعل مع جابر ، لذا ظلت عمر بأكمله تندم على ما فعلت وتفريطها فى جابر بتلك السهولة ، وقد أنجبت منه ولدا أطلقوا عليه أسم * حذيفة *.
...
كما تزوج جاسر ومرام التى تعافت من السرطان بفضل الله وبعد مرور سنة رزقهم الله بالفعل تؤم ( امل وعمر ) .
وكأن الأقدار تكتب مما نتفوه به ونحن لا ندرى.
لذا علينا أن نتفائل مهما عصفت بينا الريح .
........
ثم مرت السنين بحلوها ومرها على أبطالنا ليكبر أحفاد الجبالى ..
أحبك يا من ملكت فؤادى
فاروينى من حبك لتحيى نبض قلبى
إنتظر معاذ بن براء الذى يدرس فى كلية الطب ، شمس بنت قمر التى فاقت والدتها جمال رباني يسلب العقول أمام مدرستها حيث إنها فى السنة الأخيرة من الثانوية العامة.
وعندما رآها تخرج أعلن قلبه طبول الحرب وتسارعت نبضاته وكادت عينيه أن تخرج من مقلتيه واسرع إليها بلهفة مناديا : شمس قلبى وهوى نفسى .
وعندما استمعت لصوته ارتجفت وحاولت الإسراع فى مشيتها .
ولكنه كان أسرع منها ووقف أمامها قائلا : بتهربى منى ليه يا شمس ؟
وانا عارف ومتأكد إنك بتحبينى زى ما أنا بحبك ؟؟؟
لتضع شمس يدها فى إحدى جمبيها ثم تمالت قليلا وهى تشيح بيدها الأخرى قائلة بحدة : أنت عايز منى ايه يا ابن براء الجبالى ؟؟
هنعرف ليه فى الجزء الرابع بإذن الله 😂 من أحفاد الجبالى.
يارب تكون الحلقة الاخيرة نالت رضاكم وألاقى تفاعل يرضينى انا كمان ويدفعنى انى اقدم عمل جديد
فمتتسوووش لايك وكومنت فى صفحتى روايات ام فاطمة
وكمان ياريت لما حد يطلب اسم رواية صعيدى فى اى جروب ترشحوا ليه أولاد الجبالى
دمتم في حفظ الله وامنه
وتقبل الله صالح اعمالكم
ورزقكم من خير الدنيا والآخرة
واتمنى ان لا تنسونى من صالح دعائكم ❤️
ام فاطمة ❤️ شيماء سعيد