تحميل رواية اولاد الجبالي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رأى عصام قوات الشرطة تحيط به فأدرك إن براء كان يخدعهم لذا صاح بصوت عالٍ: كنت قلبي حاسس إنك هتعملها يا براء. بس يكون في علمك أنا لو مخرجتش من هنا سليم أنا وبنتي والشحنة. هف.جر الحزام الناسف اللي حوالين وسط مراتك يا سيادة النقيب؟ فاتسعت عين براء من الصدمة وأرتخى فكه السفلي ونظر إلى زاد وتمنى أن تقول إن هذا كذب ولا ترتدي شيئًا. ولكن للأسف أكدت له بدموع عينيها التي انهمرت وكلماتها التي وقعت كالخنجر في قلبه: هموت يا براء أنا وابنك. بس عايزة قبل ما أموت أقولك سامحني إني شكيت فيك واتهمتك ظلم إنك خاين ب...
رواية اولاد الجبالي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم شيماء سعيد
تأكد براء من خداع وخيانة قمر له، فتآكلت روحه وقرر الإنتقام منها وقتلها عن طريق استدراجها إلى شقتهم بعد أن طلب منها الحضور.
ابتلعت قمر مرارة جوفها بصعوبة مرددة …دخلك يا براء.
براء …ايوه ولا فيه حاجة تمنعك.
قمر …لا لا مفيش.
براء …يبقى مستنيكي.. متتأخريش عاد.
قمر ..حاضر مسافة السكة.
أغلقت قمر معه الخط، ثم طالعت اللواء محمد والدموع في عينيها مردفة …طلب يجيبلي يا بيه.
ثم أجهشت بالبكاء مرددة …بس مش قادرة أحط عيني في عينيه، بعد اللي حصل، وهو خابر دخلك إني كنت بخدعه وأغشّه.
فكيف هجوف جصاده، كيف، مش هتحمل واصل.
لتبكى بعدها بهيسترية مردفة بنحيب …وانا خابرة اللي في نيته يعمله.
عارفة عيكتلي، وده أنا مش خايفة منه بالعكس، أنا خلاص مبقيتش بايجة على الدنيا، وأنا فعلا أستحق الكتّل، عشان عملت كتير جوا، جوا.
بس يعلم ربنا إني هتجتّع من جوايا وإني ندمت على كل حاجة عملتها، وياريت ني سمعت كلام ملك ختي، ياما نصحتني ونبهتني بس أنا كان الغرور عميني وكنت بفتكر بجمالي هقدر أعمل كل اللي أنا عايزاه، لكن اكتشفت أن الجمال ميسواش حاجة طول ما هو من غير عقل حكيم يدله ومن غير إيمان يوجهه للطريق الصواب.
آه يا ندم عمري كله، ضيعت من يدي إنسان عيحبني وكان يتمنالي الرضا أرضه، وحط الدنيا كلها تحت رجلي.
بس للأسف أنا مشيت ورا جلبي وصدّقت حمدي الواطي، اللي ضيعني، وهو السبب في اللي أنا فيه ده كلّه.
منه لله، ربنا ينتقم منه ومن اللي وراه كلّهم.
وقف اللواء محمد أمامها مردفًا ببعض الحنو …يا بنتي، أنتِ فعلا غلطتي غلط فظيع لا يغتفر عند البشر فعلا، بس عندك ربنا سبحانه وتعالى هو أحنّ من البشر، ألجأي إليه واستغفريه وأنا متأكد عشان رحمته واسعة هيغفرلك عشان توبتك فعلا صادقة.
والدليل أنك جيتي بنفسك هنا في مديرية الأمن واعترفتي بكل حاجة وبسبب اعترافك ده، قدرنا فعلا نحمي كنوز بلدنا أنها متخرجش برا.
وياريت الكل يعمل زيك، أما بالنسبة لبراء.
فمتقلقيش منه مش هيقدر يعمل أي حاجة، لأن دلوقتي سبقك الضابط لؤي هيتخفى في الشقة استعدادًا لأي حركة مباغتة من براء.
ده غير القوة اللي هتكون موجودة تحت فعلا عشان فعلا هيتقبض عليه، لخيانة الأمانة.
فابتلعت قمر لعابها بصعوبة مرددة بحزن …ليه بس أكده، براء ميستاهلش ده، هو غصبًا عنه أنا اللي وجعته في الكلام لكن هو كان متحمس جوا ومش مدري خيانة أبدًا.
فسامحوه يا بيه، كفاية وجعه فيا، مش هيكون حبس كمان..
كفاية مش قادرة أتحمل ذنب حبسه، كفاية ذنب خيانته.
ابتسم اللواء محمد لها بقوله …متخفيش هي هتكون قرصة ودن كده، عشان ميكررهاش تاني، لأنها فعلا أمانة.
مفروض متخرجش لحد أبدًا ولا حتى أخوه أو والدته.
والمشكلة مش في قرصة الودن دي، المشكلة الأكبر إن أساس ده كله والراس الكبيرة طلع سيادة اللواء الأسبق والد براء.
أنا صراحة مصدوم ومش مصدّق فعلا ده.
إزاي راجل قانون ووايد العدالة ينحرف بالشكل ده؟
ليه وإزاي؟
وخايف فعلا من صدمة براء في والده، هيكون إيه إحساسه.
ده غير منظره قدام زمايله كمان.
فبكت قمر مردفة بنحيب ….والله خايفة يحصله حاجة، عيلاجه منين ولا منين.
ثم حمحمت قمر بحرج مردفة …تسمحلي يا بيه بس، قبل ما أروح الشقة، أعدّي على ملك في المستشفى، نفسي أشوفها قبل ما أقابل براء، لأني خابرة بعد أكده هطلع على السجن أقضي فترة عقوبة معرفش جدًا إيه؟
اللواء محمد ..متقلقيش هتاخدي أقل فترة عقوبة بسبب تبليغك للسلطات على العصابة، ودي نقطة في حقك.
وطبعًا تقدري تزوري أختك بس ياريت تكون زيارة سريعة لأن براء في انتظارك غير طبعًا حارس الأمن اللي هيكون متابعك خطوة بخطوة.
أومأت قمر برأسها بانكسار ثم أردفت …وامتى هيتم القبض على حمدي وحمدان عشان أشفي غليلي منه.
اللواء محمد …قريب جدًا عشان متقلقيش، عشان يتظبطوا متلبسين بالجريمة.
حركت قمر رأسها باستياء …تمام يا بيه.
بعد إذن حضرتك.
لتخرج قمر وهي ترى الدنيا أمامها تتوشح بالسواد ثم استقلت سيارة أجرة متوجهة بها نحو المستشفى حيث أختها ملك التي تتعالج من الإدمان الذي تسببت هي به.
ولا تدري كم ستعاني هي عندما تدخل للسجن وتبدأ في التخلّي عن الإدمان، فدمعت عينيها ونزلت الدموع على وجنتيها بغزارة ساخنة تلفحها وقلبها يعتصر ألمًا على ما فعلته في حق نفسها.
ولم يشفع لها جمالها بشيء.
ثم شردت في هذا اليوم الذي قررت أن تنهي تلك الحياة العفنة التي تعيشها في الحرام والتي كرهتها وفضلت السجن عليها.
لذا قررت أن تذهب لتبلغ عن حمدي وأتباعه ولتعترف بكل شيء.
وبالفعل ذهبت إلى مديرية الأمن بعد أن تأكدت من براء أنه ليس متواجد في ذلك الوقت، ليستوقفها أمين الشرطة.
أمين الشرطة …إيه هي وكالة من غير بواب، مش شايفاني جصادك، تبقي توجّفي وتجولي أنتِ مين وعايزة إيه؟
قمر بذعر ..أنا عايزة أكلم أكبر باشا هنا، عشان عندي معلومات خطيرة جوا.
فضحك أمين الشرطة …معلومات وخطيرة، تلاقي جوزك منكد عليكي وعايزة تتبلي عليه عشان تسجنيه ما أنا عرفكم صنف بياع.
فانفعلت قمر ..إيه عتجولوه ده يا راجل أنت، بجولك حاجة خطيرة تجولك جوزك ونكد، ينكد عليك ربنا يا بعيد.
وصادف حديث قمر مرور المقدم محمود بجانبها واستمع لحديثها، فوقف واقترب منها وابتسم مردفًا …روح أنت يا علوان شوف شغلك، ثم أشار لقمر بقوله …معاكي المقدم محمود.. عايزة تبلغي عن مين؟
ارتبكت قمر وظهر الخوف على وجهها وأردفت بهمس ..عجولك يا باشا بس ممكن نروح مكتبك عشان محدش يشوفني أكده ولا أكده، عشان خايفة جوا..
محمود ..تمام، تعالي معايا مكتبي.
فسارعت قمر من ورائه تلتفت يمينًا ويسارًا خشية أن يعرفها أحد أو يراها أحد من رجال حمدي.
ثم ولجت إلى مكتب محمود، فطلب منها الجلوس.
فجلست تفرك في يديها وتحاول السيطرة على جسدها المرتعش.
طالعها محمود متعجبًا مردفًا يتساءل ..ها أحكيلي مالك وإيه الحاجات المهمة اللي عايزة تقوليها؟
تنهدت قمر بغصّة مريرة ثم بدأت تقصّ حكايتها منذ البداية وكيف حبها براء واستغلت ذلك الحب من أجل حمدي الذي خدعها ونال منها بعد أن جعلها أدمنت، ثم استغلها في تهريب المخدرات وما حدث لأختها، ثم تلك العملية الأخيرة التي ستتم في الغد بدلًا من بعد غد كما في مخطط براء.
وكلما تحدثت قمر طالعها محمود باندهاش واتسعت عيناه ورفع حاجبيه ولسان حاله يردد….معقول ده يحصل، للدرجة دي براء كان لاغي عقله تمامًا وماشي ورا عواطفه.
وأنا قلبي كان حاسس إن منصور ده وراه مصايب بس مش توصل للدرجة دي، ده كان فرد مننا زمان إزاي اتحول أكده.
كل ده عشان الفلوس معقول.
ثم شرد في نهلة ..ياه ده أنتِ كنتِ عايشة مع فرعون وكويس أنه حصلها اللي حصل، عشان لو كان عرف اللي كنتِ بتعمليه فيه مكنش هسيبك عايشة أبدًا..
وسبحان الله زي ما بيقولوا طبّاخ السم بيدوقه، وزي ما أفسد شباب بالسم الهاري ده، هو كمان ابتلى بيه من خدامه اللي أكيد وراه حد عايز يخلّص منه، بس مين يا ترى؟
وحمدان ده كمان طلع داهية كبيرة أوي، وإزاي خطط لبراء إنه يقع بالسهولة ويتخدّع كده ويمشي ورا مشاعره ويلغي عقله بالطريقة دي.
ثم أفاق من شروده على صوت بكاء قمر بهيستريا مردفة بنحيب ..ياريت ني كنت سمعت كلام ملك أختي من الأول ومعملتش في نفسي أكده ولا رخصت نفسي، وحتى هي مسلمتش من شرّي وعَتعالج في المستشفى بسببي.
ثم ضربت على رأسها مردفة …وصوّح يا باشا.
عايزة أجولك على حاجة مهمة جوا كمان، عشان أتظلّم فيها إنسان بريء، مش جابر ابن حمدان اللي كتّل مرت أبوه.
ده حمدان يا بيه هو اللي كتّلها جدام عيني، لما حمدي الواطي دَلّه على ملك أختي وجّه عشان يعتدي عليها وهي نايمة وجاب مرته وراه عشان يجفّشها واتعاركوا مع بعض، وكانت عَتْمُوتَه بالسكين كان معاها، لكن هو صَدَّ يدها وبعدين خنقها بأيديه وماتت منه، وبعدين شالها هو وحمدي ورموها في المصرف.
فوقف محمود من صدمته في كل تلك المعلومات الخطيرة التي أدلت بها قمر مردفًا…أنا مش عارف أقولك إيه صراحة.
على قد غلطك اللي عملتيه لكن ساعدتينا جدًا أننا نعرف راس الحيّة اللي بندور عليها وكمان هتساعدي مظلوم أنه يخرج من السجن.
أنتِ مش وحشة أوي يا مدام قمر لسه فيكي جانب كويس وهو اللي جابك لحد هنا.
بس إيه هو السبب يا ترى؟
قمر …حسيت كأني كل ما بدْغُوص في الطين زيادة ولما اتعرّض عليه أكتّل أختي أو تدْمَن حسيت بالذنب أكتر ناحيتها لأنها متستاهلش أكده.
واخترت الأخف الإدمان عن الكتّل مع أنه مصيبة وأنا عايشاها وهو سبب كل البلبلو اللي عملتها.
ونفسي أتعالج منه وحسيت لو استمريت إن حياتي هتنتهي بمصيبة أو الكتّل.
فجولت لا هاجي واعترف بكل حاجة، ولو انتهت حياتي على توبة وندم هتكون أفضل عند ربنا من أنها تنتهي على معصية وكفاية أنا زهقت من كل ده وحتى الفلوس أنا زهدت فيها وعرفت إنها ملهاش لازمة طول ما هي من غير راحة بال.
وكمان عرفت إن الحب مكنش في الحلال بيكون نار بتكوّي وملهاش مرهم يدوّي، يعني موت بالحياة يا باشا.
وإن مفيش أحلى من الحلال.
وياريت ني كنت عرفت ده من زمان لكن للأسف نفسي إمارة بالسوء.
محمود …أنا مش هخبّي عليكي، أكيد هيكون فيه عقاب لكن شهادتك دي هتخفّفه عنك كتير.
ودلوقتي تعالي معايا عشان تعيدي لَمْش كل الكلام ده قدام اللواء محمد سعيد ضروري عشان نعرف هتصرّف إزاي في عملية بكرة وباقي العمليات اللي كنا مقررين نعملها.
فقامت قمر تتحرك بخطوات ثقيلة جدًا وكأنها تحمل جبلًا على كتفها.
كما أفْرَشَت الأرض بنظرها خجلًا وانكسارًا مما فعلته حتى وصلت إلى مكتب اللواء محمد سعيد.
تقدّمها محمود بقوله بعد أن أدّى التحية ..عندي لحضرتك مفاجأة هتقلب الموازين عرفتها من مدام قمر اللي واقفة قدام حضرتك دي.
بس قبل ما أتكلم عايز حضرتك توعدها إنك هتساعدها، وكمان تحميها من سيادة المقدم براء وكمان من المجرمين اللي هتقول أسمائهم لحضرتك دلوقتي..
طالعهم اللواء محمد بترقّب مردفًا …طيب اتفضلوا اقعدوا.
ثم أشار إلى قمر …ويا بنتي بدل ما دخلتي هنا برجليكي، تأكدي إنك في حماية الله عز وجل ثم احنا.
فاتكلمي متخافيش من حاجة.
لتبدأ قمر في سرد الحكاية من جديد بكل تفاصيلها.
فاتسعت عين اللواء محمد وعقد حاجبيه مردفًا باندهاش …ده آخر حاجة كنت أتوقعها من منصور الجبالي، أنا مش مصدّق فعلا.
ده إحنا كنا زمايل في الكلية وعارفينه وعارف أخلاقه كويس، وفعلا لاحظت في الفترة الأخيرة إنه اتغيّر بس متوقّعتش إنه يوصل للدناءة والقذارة دي، وإنه بدل ما يكون في حِمَى الوطن، أصبح سارق وخاين وعميل لأعداء الوطن.
ثم طالعها بحزن …بس للأسف أنتِ أكبر غلطة وأشد حاجة عملتيها هي خيانة شخص استأمنك على عُرْضِه وأنا لو مكان براء صراحة مكنتش عارف أتصرّف إزاي، لكن أنا وعدتك إني أحميكي.
وطبعًا براء برده مازال متهم، لأنه أفشى أسرار المهنة ودي أمانة، هنتحاسَب عليها قدام ربنا.
بس الكويس في الموضوع إنك فوقتي قبل ما الموضوع يتطوّر أكتر، لأنه يا بنتي ده طريق الشيطان وآخرته يا قتل يا حبس.
وأنا ممنون ليكي جدًا عشان المعلومات دي، اللي هنقدر بالفعل عن طريقها نرجع ثروات بلدنا ليها ونقبض على المجرمين دول.
لكن مش بالسهولة دي،
إحنا لازم نعمل خطة عشان نوهمهم فيها أن العملية هتمش لصالحهم، عشان يطلعوا اللي باقي في الجراب وبكده نقبض عليهم ونخلص الدنيا من شرورهم.
اتسعت عيني محمود مردفًا بإندهاش:
– يعني هنسبهم بكرة يسلموا القطعة، وتخرج برا البلد؟
فابتسم اللواء محمد مردفًا:
– هنسبهم أه يسلموها ويقبضوا تمنها كمان، لكن مش هتخرج برا البلد لأننا هتكون مراقبين الطرف التاني وهنوقفه طبعًا.
– بس زي ما قالت قمر أنهم مش بتوع آثار بس عشان نقبض عليهم بكرة وخلاص، دول كمان ليهم معمل للمواد المخدرة.
فلازم نقبض عليهم متلبسين في صفقة المخدرات.
ده غير قضية قتل مرات حمدان.
والمصيبة الكبرى منصور اللي بتمنى يخف عشان يعاقب على كل أفعاله دي ويكون عبرة لمن لا يعتبر.
محمود:
– تمام يا فندم، والمطلوب دلوقتي إيه؟
اللواء محمد:
– هتروح قمر بس تليفونها هيزود بخاصية التتبع وهتسجل العملية من غير ما حد يحس.
وبعدين هنراقب حركة حمدي وحمدان عشان نعرف كل اللي وراهم ونعرف نتحكم فيهم.
أما العميل الأجنبي فده اللي بعد العملية مباشرة بعد ما يبعد هنوقفه في هدوء وبدون شوشرة.
وطبعًا هنصادر قطعة الآثار ونوصلها في سرية تامة للمتحف المصري.
أما براء فطبعًا هياخد صدمته التانية لما ميلاقيش أي أثر لوجودهم وهيطلع أمر زي ما قلت بالقبض عليه عشان تكون قرصة ودن ميندهاش طول عمره ويرجع تاني براء الظابط النشيط اللي كلنا عرفينه.
ابتسم محمود:
– تمام يا فندم، علم وينفذ.
ثم أشار إلى قمر بقوله:
– دلوقتي تعالي معايا يا مدام قمر.
فذهبت قمر من ورائه وأمام عينيها شريط الذكريات وكيف تحولت من فتاة جميلة يهواها الجميع إلى تلك الحالة.
استفاقت قمر من شروطها عندما وقفت السيارة أمام المستشفى.
السائق:
– وصلنا يا مدام.
فأغمضت قمر عينيها بألم ثم تنهدت:
– تمام يا سطا.
ثم دفعت له الأجرة وترجلت سريعًا داخل المستشفى.
لتتوقف عندما وجدت باسم خارج الغرفة، يضع يديه على رأسه حزينًا.
فوقفت أمامه مردفة بإنكسار:
– إزيك يا دكتور باسم؟
فرفع باسم عينيه إليها ورمقها بنظرة حادة، ثم وقف هادرًا في وجهها:
– ليه عملتي فيها إكده؟ عملت فيكي إيه عشان تعملي أكده؟ دي أختك يا شيخة، حرام عليكي.
فأجهشت قمر بالبكاء مردفة بنحيب:
– خابرة وندمانة أشد الندم، بس كان غصب عني ومش في وعيي صدقني.
بس خلاص أنا هريحكم مني كلهاتكم.
بس عايزة بس أطل عليها ولو دقيقة واحدة.
باسم:
– ليكي عين تشوفيها بعد اللي عملتيه؟
انكست قمر رأسها بخزي وندم مردفة والدموع في عينيها:
– عندك حق، أنا مش أخت خالص، أنا أصلاً استحق الموت.
ثم رفعت عينيها مردفة:
– أنا همشي، بس خلي بالك منها، وياريت تترجاها تسامحني.
باسم بغلظة:
– المسامح ربنا، بس مش عارف هيسامحك على إيه ولا إيه. يلا ملهاش عازة الكلام، لأن اللي عملتيه صعب أصلاً حد يصدقه ولما كلمتني ملك، مكنتش مصدق حالي.
فلاش باك
عندما اتصل حسام على باسم.
دكتور حسام:
– لو سمحت يا باسم، تعال دلوقتي المستشفى، أنستي ملك في حالة هيجان تام لأن طبعًا جسمها اتعود على المخدرات، وهتاخد فترة عقبال ما يقدر جسمها يرجع طبيعي. فمحتاجك لإني حاسس إنك شخص قريب ليها، وممكن لما تشوفك تهدي شوية.
باسم بصدمة:
– إدمان، هي اللي عندها ده مش حالة نفسية؟
حسام:
– للأسف التحاليل أثبتت كده، والنوع اللي كانت بتاخده هو اللي سبب لها فقدان الذاكرة المؤقت، لكن لما احتاجت الجرعة، الذاكرة عادت ليها، لكن دلوقتي هي حاسة طبعًا بصداع شديد والعجيب أنها بتصرخ باسم قمر وبتقول أنها هي الوحيدة اللي عندها علاج الصداع ده وعايزاها. فأظن أن البنت دي هي السبب في إدمانها.
فانفعل باسم:
– أن قلبي كان حاسس، لأن ملك مش ممكن تعمل كده، وللأسف أقرب الناس ليها خدعها، بس ليه ليه بس. أنا جاي حالا يا حسام.
ليذهب إليها باسم، ومع كل خطوة كان يقف للحظة يحاول التقاط أنفاسه بعد أن شعر أن الهواء ينفذ من رئتيه من الخوف على حبيبته ملك.
حتى وصل إليها وعندما رأته شعرت بالخجل وتراجعت للوراء مردفة:
– باسم، إنت إيه جابك إهنه؟ امشي يلا عشان أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم. بس ربي يخليك أبعتلي قمر ضروري، تخرجني من إهنه وهي الوحيدة اللي قادرة تضيعلي الصداع ده. أرجوك يا باسم لو لسه فيك جبلب محبة ليا، شيلي قمر بسرعة.
ثم أمسكت برأسها وصرخت:
– آه يا دماغي هموت مش قادرة.
دمعت عيني باسم وارتبك ولكنه حاول السيطرة على نفسه ومحادثتها بهدوء:
– ملك معلش، أنا حاسس بيكي ومقدر إنك تعبانة، بس لازم نستحمل التعب ده شوية، لغاية ما بالتدريج يروح.
ملك:
– لا أنا عايزة قمر.
فانفعل باسم:
– قمر دي شيطانة، متجيبيش سيرتها تاني.
ملك:
– كيف تقول أكده على أختي؟
باسم:
– لأن حضرتك مدمنة، والسبب قمر.
طالعتيه ملك بذهول مردفة بصراخ:
– لااااا قمر أختي متعملش فيا أكده.
باسم:
– للأسف التحاليل أثبتت ده ودلوقتي بتصرخي عايزاها لأنها معاها المخدر اللي بيريحك.
فوضعت ملك يدها على الحائط وأخذت تبكي بمرارة حتى خارت قواها وجلست على الأرض تتعالى شهقات بكائها مردفة بنحيب:
– ليه كده يا بنت أبويا، ليه. ده أنا الوحيدة في العالم كله اللي كنت بخاف عليكي أكتر من نفسي.
أشفق باسم عليها وخطى إليها وانحنى بحذر إليها وحاول أن يربت على كتفها ولكنها ابتعدت عنه مردفة بحنق:
– بعد يدك عني، مينفعش تلمسني.
وهنا ابتسم باسم وتنهد بارتياح، فهذه فعلاً ملك التي يعشقها.
فألان القول لها:
– طيب بس جومي يا ملك واستعيني بالله وإن شاء الله في أقرب وقت هتقدري تتعالجي بس لازم تستحملي ويكون عندك إرادة قوية.
طالعتيه ملك بإنكسار، وعادت تمسك برأسها التي تشعر كأن أحدهم يمسك بعصا غليظة ويضربها بها.
وأخذت تصرخ من الألم، فتوتر باسم وخرج سريعًا ليأتي لها بطبيب يساعدها بأي شيء لكي يخفف عنها الألم.
………….
فتح منصور عينيه في حجرة العناية المركزة، وشعر بأنه مقيد فأخذ ينظر حوله، فوجد تلك الأجهزة التي تحيط به فتساءل:
– إيه ده، وأنا فين؟ و ليه جسمي عوياطني إكده، وراسي طجيلة. وفين نهلة، يا نهلة يا نهلة.
فاستمعت له الممرضة، فأسرعت إليه وابتسمت مردفة:
– أخيرًا حضرتك فوقت، ألف حمد لله على سلامتك. أنا هروح أنادي الدكتور بسرعة.
منصور:
– أنا فين وحصل إيه وفين نهلة، شيعهالي.
الممرضة:
– حضرتك في المستشفى عشان تعبان شوية، ومش عارفة مين نهلة، محدش هنا من أهلك. أنا هروح أنادي الدكتور، عشان يطمن على حالتك.
فأسرعت إلى الطبيب الذي آتى سريعًا، وأخذ يطمئن على مؤشراته الحيوية وتعجب أنه بالفعل في فترة قصيرة بدأت حالته تتحسن، وأن هناك أمل في عودته طبيعيًا.
الطبيب:
– ألف سلامة عليك يا منصور بيه، وماشاء الله عليك، حضرتك بطل عشان قدرت تقاوم حالتك السيئة اللي كنت عليها. والحمد لله مؤشراتك بدأت تتحسن يعني كده فيه أمل كبير في علاجك قريبًا.
منصور:
– أنا مش فاهم حاجة، أنا هنا ليه وحصل إيه؟ وفين مراتي نهلة؟
الطبيب:
– حضرتك بس تعبت شوية وأولاد حضرتك هما اللي جابوك هنا، وأنا حالا هتصل بدكتور باسم عشان يجي يجاوب على كل أسئلتك.
منصور:
– تلاجيهم عايزين يخلصوا مني عاد، لكن أنا عجوز وهفوقلهم، ومحدش يقدر عليّا. أنا مليش نهلة، أنا عايز مراتي.
طالعه الطبيب بإندهاش.
وأشار إلى الممرضة بالاهتمام به واستكمال العلاج.
ثم خرج ليتصل بدكتور باسم.
الذي كان في هذا الوقت يطالع قمر بإزدراء وهي تغادر أمامه.
فرن هاتفه، فاستجاب سريعًا.
الطبيب:
– أخبار كويسة يا دكتور، والدك فاق، ياريت حضرتك تيجي عشان تكون جنبه وبرده مستمر على طلب نهلة.
باسم:
– أنا جاي حالا.
ثم حدث نفسه:
– برده نهلة يا بوي، دي هي السبب في اللي حصلك ده. ومش عارف أقوله إيه؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم شيماء سعيد
أسرع باسم إلى والده في المستشفى، وولج إليه.
فقطب منصور جبينه وأردف بإنفعال...
- أنتم عملتم إيه فيه يا ولاد زهيرة، وكيف رمتوني في المستشفى إكده؟
عبس باسم وعندما أراد أن يجيبه باغته منصور بقوله...
- بس أنا خابر عملتوا إكده ليه؟
- عشان مش طايقين مرتي نهلة ومتستكترين عليّ الفرحة، بس لا أنا هطلع وأعرفكم مين هو منصور الجبالي.
وهيطردكم كلكم برا وهعيش أنا ونهلة بس عشان ميقدرش حد فيكم يدوس لها على طرف تاني.
تجمد باسم وهو يتطلع إلى والده بذهول غير مصدق ما يقوله عنهم، فانفجر غاضبا بقوله...
- نهلة يا أبويا اللي عايز تبعنا كلنا عشانها وتطردنا، هي اللي السبب إنك تدخل المستشفى دي.
هي كانت عطحلك السم في الوكل والشرب وكنت هتموت فيها لولا ستر ربنا.
اتسعت عين منصور وحرك رأسه بنفي...
- لاااا أنت كداب.
- أنتم أكيد اللي عملتوا إكده عشان أموت وتورثوني، لكن نهلة لا هي هتحبني أنا متأكد من إكده.
وانا عايزها، هي جت معاك، شيعلها وأخرج أنت برا مش عايز أشوف حد فيكم.
فضحك باسم ضحكة ألم مردفا بسخرية...
- لا حضرتك زود بالسلامة وبعدين تجيب عيش وحلاوة وتروح تزورها في السجن بنفسك.
كادت مقلتي منصور أن تخرج منه من الصدمة وهدر بقوله...
- سجن إيه يا ابن الـ... ولا إيه؟
- أنت أكيد هتهزر صح؟
باسم...
- لا مش بهزر، نهلة اتسجنت لأنها السبب في حالتك وفعلا لقوا في دولابها أعشاب السموم اللي كنت هتاخدها دي.
يعني كانت هتخدعك وتضحك عليك ومش بتحبك.
ومجوزاك عشان الفلوس واستعجلت كمان قدرك عشان تموت وتورث.
حرك منصور رأسه بنفي...
- لااا يستحيل أصدق، يستحيل.
ثم دمعت عيناه وأخذ يتمتم...
- هي تحبني، محدش عمره حبني غيرها ولا شوفت كلام ولا حنان إلا منها.
فكيف جولتم إكده عليها وتحرموني منها.
إندهش باسم من ردة فعله ولا يعلم لمَ أشفق عليه، فهو أيضا قد تعلق قلبه بملك ويعلم مرارة الحب.
فتقدم منه وحاول أن يربت على كتفه بقوله...
- كلنا بنحبك يا أبويا، بس أنت مش شايف حد غيرها.
فأبعد منصور يده بغلظة مردفا...
- لا محدش بيحبني، كلكم عايزين تتخلصوا مني وأولكم أمي.
ثم حاول التحرك مردفا...
- أنا هقوم وأروح لنهلة وهطلعها وهعيش معاها، وهطردكم كلكم.
ولكنه عندما تحرك شعر بثقل في رأسه، فخانته قواه ورجع برأسه على الوسادة في شبه إغماء.
فاضطر ب باسم وأسرع إلى الطبيب الذي آتى ورأى مؤشراته الحيوية التي كانت تحسنت، تراجعت مرة أخرى.
فعبس بقوله...
- إيه حصل، ده كان كويس جدا.
أنت قولت حاجة زعلته، وفين نهلة ياريت تجيبها ضروري؟
فطالعه باسم بحزن مردفا...
- معينش واتصرف معاه.
فأشار الطبيب إلى الممرضة لتعد له حقنة من شأنها تريحه بعض الشيء، ليلقى باسم عليه نظرة أخيرة ثم التفت مغادرا.
....
حمدي في معمل المواد المخدرة...
- شهلوا جوام، عشان البيه حمدان عايز يسلم النهاردة.
أحد الرجال...
- خلاص هانت يا كبير، هنجفل أهو الأكياس بالبودرة والحبوب كيف ما هي في العلب.
حمدي...
- تمام، لما اتصل بالقمر حجي، عشان تحلي الصفقة بطلعتها.
فاتصل بها وهي في طريقها إلى مقابلة براء في شقتهم.
فأغمضت عينيها بحزن وتمتمت...
- لسه يا حمدي، عايز تدعس ورايا، بس ماشي خلاص هانت، هخلص منك يا واطي.
فاستجابت له...
- أهلا يا حمدي، كيفك؟
حمدي...
- بخير يا جميلة.
وعايزك الليلة، في نفس المعاد والمكان عشان نسلم المطلوب.
فابتسمت قمر محدثة نفسها...
- كويس أنها جت بالسرعة دي، خلينا نخلص منهم الليلة.
فاستجابت له بقولها...
- وماله يا حمدي، ماشي.
بس على شرط.
حمدي...
- أشرط يا معلمي، أنتِ تؤمري.
قمر...
- حمدان، يكون موجود في التسليم؟
اتسعت عين حمدي مردفا بصدمة...
- كيف ده؟
ده البيه بذات نفسه هيتابع بس لكن مش هينزل وإحنا نفذ.
قمر...
- هو ده شرطي يا حمدي ولو وافق هبيت حداه الليلة.
فصاح حمدي...
- لا شكل دماغك باصة للتجيل جوا يا قمر.
مكنتش إكده، إيه حصل؟
زفرت قمر بغصة مريرة...
- اتعلمت منك يا حمدي.
فضحك حمدي...
- مكنتش خابر إني أستاذ إكده، بس ماشي يا قمري.
وحلو جوا الشغل ده، وحمدان هيغرك أكتر من براء كمان وساعتها هيبوني من الحب جانب ولا إيه.
قمر بدلال مصطنع...
- أه طبعا ما أنت اللي في الجلب يا حمدي.
ثم حدثت نفسها...
- ياريتهم يخلوني أعدمك بيدي عشان أشفي غليلي منك يا حمدي.
لتغلق معه الخط ثم ترفع بصرها إلى السماء تناجي ربها وتستغيث به مردفة برجاء...
- يارب أنا خابرة إني غلطت كتير جوا جوا وغلط مش بسيط دي كبيرة من الكبائر اللي البشر عمرهم ما يسامحوا واصلوا فيها، لكن خابرة إنك أحن من البشر وإنك قادر إنك تسامحني وتجعلني من أهل المغفرة بمشيئتك.
يارب سامحني غرتني جمالي بس فوجدت على مصيبة وندمت وعرفت إن القرب منك النجاة والبعد عنك هلاك.
فتمبعدينيش عنك بعد ما قربت، طب لو عايز تبعديني هروح فين دي الأرض أرضك والسماء سمائك ومليش غيرك وسلمت أمري ليك.
ومع كل كلمة كانت عينيها تذرف دموع الندم حتى أوشكت على الوصول إلى شقتها مع براء فدق قلبها بشدة حتى أنها رددت الشهادة بعد أن أدركت أنه ينوي قتلها.
ثم وقفت السيارة أمام المنزل، فشعرت بثقل رجليها وكأنها لا تستطيع تحريكها من الخوف، كما ظهر ذلك على وجهها الذي تحول لونه للصفرة من كثرة الفزع.
وجاهدت بعد أن فتحت باب السيارة أن تخرج منها رجليها الثقيلة فبكت، فالتفت لها سائق السيارة الذي كان فرد من الأمن ولا تعلمه فحدثها بإطمئنان...
- انزلي ومتخافيش المكان محاصر والشقة أصلا فيها كمان حضرة الظابط لؤي.
فاتسعت عين قمر مردفة بإندهاش...
- أنت تبعيهم، كنت بفتكرك سواق عادي.
أمين الشرطة ويدعى مسالم...
- ده لازم عشان نحميكي ويلا أمسحي دموعك دي وانزلي وربنا وكيلك وأنا حاسس بندمك وسمعت دعائك وربنا سبحانه ما بيردش إيد رفعتلها بالدعاء.
فلمعت عين قمر وابتسمت له ابتسامة امتنان لتطمئنه لها.
ثم نزلت بالفعل مردفة...
- عليك التكلان يارب.
وكل أمرك خير والشر ليس إليك.
رأها براء الذي كان ينتظرها بفارغ الصبر من الشرفة، فلمعت عينيه بالشر وتوعدها بقوله...
- جيتي لقدرك يا قمر، بجد كل الفترة دي كنتي بتخدعيني وتخونيني، أنا براء الجبالي.
يااه يا وجع قلبي وأنا اللي فضلتك على ست البنات زاد وجعت أنتِ الحب والجمال لكن هي إيه مجرد ست واكتتبت عليّ بالغصب مرتي، لكن سبحان مغير القلوب لجيت نفسى حبيتها مش عارف كيف بس ضميري كان هينامني عشانك وفي الآخر تعملي كده فيا.
ثم سمع براء صوت مفتاح الباب، ليسرع إليها.
فدلفت قمر وعلامات التوتر بادية على محياها وفزعت عندما رأت في عينيه الشر فارتجفت وتراجعت للوراء.
فابتسم براء بتهكم مردفا بسخرية...
- إيه مالك يا قمر، ووشك مفزوع ليه إكده، تعالي قربي، ده أنا براء حبيبك وجوزك.
أومأت قمر برأسها...
- أي نعم،
وحاولت السيطرة على نفسها واقتربت منه على حذر، تتلفت حولها، كأنها تستنجد بذلك الظابط لؤي المتخفي.
ثم تفاجئت بصفعة قوية على وجهها من براء هادرا في وجهها بقوة أفزعتها فصرخت...
- آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ
فتعجبت لنظراته الحانية وابتسامته لها ووجدته يقول لها:
شدة وتزول يا قمر واعتبريها فترة كده نقاهة من الدنيا ولى فيها، وتستعيدي فيها نفسك اللى نستيها.
ودوري على قمر اللى جواكي، قمر اللى وشها كيف الملايكة بس جلبها كان كيف الوحوش، دوري عليها وهتلاقيها جلبها أبيض بس هي كانت عترسم نفسها حبتين.
وانا متوكد انك تلاقيها وكمان متوكد انك فترة صغيرة وتطلعي للدنيا تاني.
طالعته قمر باندهاش ولكنها تنهدت بمرارة مرددة:
ولا مطلعش، هطلع أعمل ايه بعد ما خلاص الكل عرف ان قمر مشيت غلط وخاينة، مين يقدر يبص في وشي وعيغمازوا عليا، فالسجن عندي أحسن.
فحدثها مسالم (أمين الشرطة):
مش يمكن تلاقي واحد يحبك صوح وعايز تعيشي معاه حياة تانية على الحلوة والمرة وأنه الوحيد اللى شايف الحلو اللى جواكي دون الخلق كلهم.
فاتسعت عين قمر وأردفت:
وهو معقول ده.
ده انا أعيش خدامته العمر كله.
بس فين؟
مسالم مبتسما:
تخلصي أنتِ مدتك وتطلعي تلاقيه جدامك.
ظهرت الصدمة على وجه قمر وفتحت فمها ببلاهة متسائلة:
معقول يكون جدّه عليه، لا انا شكلي بحلم.
مش معقول حد واصل يفكر في وحدة زيي بعد اللى حصل ده.
ثم تحركت السيارة فودعها مسالم بإشارة من يده.
أما براء فجلس بجانب زاد في السيارة مهموما وكأن هموم العالم كله قد أصاب قلبه، ثم شرد في زاد فابتسم دون وعي وهمس لنفسه:
وحشتيني جوى، وحشتني عيونك اللى تطلع دفا وحب، وحشني كل حاجة فيكي، حتى عصبيتك اللى من ورا جلبك وحشتني.
يااااه للدرجاتي كنت عبيط ومش مقدر الكنز اللى كان بين إيديا.
ياريت تسامحيني يا زاد، صدقيني انا كنت مغفل وان جلبي عمره ما حب غيرك أنتِ وبس.
ثم أخرج هاتفه وبعث لها رسالة:
حبيبة جلبي زاد، صدقيني مفيش في جلبي غيرك وانا خلاص طلقت قمر وعايزك تسامحيني على كل دمعة نزلت من عيونك الحلوة بسببي وأوعدك أعوضك عن كل لحظة حزن حستيها بقلبك الأبيض ده بس دلوقتي انا محتاج دعواتك جدا.
ادعيلي يا زاد، ادعيلي وهتوحشيني جوى جوى.
وصلت الرسالة إلى زاد، فلمعت عينيها بالفرح عندما علمت أنه طلق قمر وأنه بالفعل يحبها هي ولكن سرعان ما عبست مرددة:
بس خايفة يكون ظلمها وطلقها عشاني واتحمل ذنبها.
ثم شعرت بغصة في قلبها مرددة:
بس جلبي بيجولي فيه حاجة وحاجة واعرة جوى ورا الموضوع ده، وليه بيجولي ادعيلي وتوحشيني.
كيف توحشني وهو خلاص طلق مرته، يعني بجا ليا لحالي ومفروض دلوقتي يجي يرمي نفسه في حضني.
وأعلمه كيف الحب من الأول ونبتدي صفحة جديدة ويعرف جد ايه انا أحبه ويعرف أنه النفس اللى يخليني عايشة لدلوقتي.
وان بعده وحبه لمرته الأولى كان بيجنني وياما نمت دموعي على خدي وكنت حاسة اني عموت ومش هتطلع عليا شمس.
ثم تابعت بقولها:
لا انا لازم أتصل بيه وأشوف فيه ايه؟
اتصلت زاد به بالفعل، فأغمض عينيه براء متألما بقوله:
مش عايز أضعف أكتر من كده جدامك يا زاد، مش قادر أرد عليكي صدقيني.
ولكن زاد كررت الاتصال مرات عديدة فلم يجد مفر من الرد مردفا:
زااااد.
تحرك قلب زاد لسماع اسمها منه لأول مرة، لأنه خرج بآهات مكتومة وكأنه بث روحها قشعريرة سرت في أوردتها تحمل السعادة والقلق معا.
فتحدثت بقولها:
فيك ايه يا براء، جولي؟
تنهد براء بألم:
مفيش انا بس مسافر مأمورية شغل وعغيب شوية عشان كده بجولك توحشيني وادعيلي.
حركت زاد رأسها بغير تصديق مردفة:
لا انا جلبي حاسس إن فيه حاجة، أنت تعبان ومش عايز تجولي صوح.
براء:
انا فعلا تعبان وانا بعيد عنك يا زاد، ونفسي أشوفك وارمي نفسي في حضنك، عشان أحس بالأمان اللى افتقدته من سنين، انا مكنتش أتصور اني بحبك للدرجة دي، ونفسي أتمم جوازنا ولا مصممة بردك يكون على الورق بس.
فشهقت زاد:
وهو بيجولي أجفل أجفل عشان سمعت صوت برا.
فابتسم براء لحيائها واطبق على شفتيه ندمًا لأنه لم يستمع لصوت العقل واتبع هواه مع قمر.
……
تهللت أسارير محمود عندما جمع كل الأدلة على براءة نهلة، تلك الفتاة التي أثرت قلبه بنظرة من عينيها التي وجد لها حنو وطيبة وتضحية لا مثيل له.
لذلك أسرع إليها ليبشرها أنها في طريقها للحرية مجددًا.
وبالفعل تقابل معاها، ووقف أمامها يطيل النظر إليها، فأخفضت رأسها خجلًا ثم رفعتها مرددة:
شايفة في عينيك كلام كتير بس المرة دي جلبي مش بيجولي خير.
فجول يا بيه وريح جلبي الله يريح جلبك.
فتنهد محمود مردفًا بعشق:
ومين يريح قلبي أنا، غيرك يا نهلة.
فتلون وجهها بالحمرة من فرط الخجل، فابتسم محمود مردفًا:
خلاص خلاص وانا كمان آسف، بس صدقيني غصبا عني بس خلاص هانت أوي تخلصي من منصور وتبقي حرة نفسك بس بعديها هكلبشك انا.
فظهرت الفرحة على وجه نهلة مردفة:
بجد يا بيه!
جول والله أكده.
ابتسم محمود مردفًا:
والله يا نهلة.
ده منصور طلع داهية ورئيس عصابة كمان، وجمعنا كل الأدلة لأدانته وجاري تصريح بالتحفظ عليه داخل المستشفى لغاية ما يخرج منها على السجن بإذن الله.
وساعتها هترفعي قضية طلاق للضرر وبسهولة هتاخدي حريتك.
نهلة:
كان جلبي حاسس إنه شيطان كبير، مش زير نساء وبس.
حسبي الله ونعم الوكيل.
بس وقضيتي؟
محمود:
لا متقلقيش احنا عرفنا من كاميرات المراقبة أنه متولى هو دخل أوضتك في غيابك وخرج بسرعة وانا متأكد لما نواجهه بالحقيقة هيعترف بكل حاجة.
فتمتت نهلة:
يا ما أنت كريم يارب.
الف حمد وشكر ليك.
محمود:
الحمد لله، ودلوقتي هسيبك وتروحي لزهيرة هانم أشرح لها الوضع وعارف أنها هتكون صدمة كبيرة أوي ليهم.
وكمان هبشرها براءة جابر جوز بنتها، لأننا اكتشفنا أن حمدان تخفي هو اللى قتلها.
فضربت نهلة على صدرها مردفة:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
إيه وهو حمدان اليد اليمين لمنصور وتتوقع منه كل حاجة نجسة زيه وكان هيروح فيها ابنه الطيب حامل كتاب ربنا بس الحمد لله على كل شيء.
……
وبالفعل ذهب محمود لمقابلة زهيرة.
محمود بحرج:
انا مش عارف أبدأ منين يا هانم بس للأسف عندي أخبار مش كويسة تخص منصور بيه.
فوقفت زهيرة بعد أن تهلل وجهها فرحًا مردفة:
إيه مات؟
تعجب محمود من تلك الفرحة البادية على وجهها فسألها:
ولو مات إزاي وشك فرحان كده مش زعلان؟
شعرت زهيرة بالحرج وجلست مرة أخرى مرددة:
أمال خير يا سيادة المقدم.
محمود:
للأسف اكتشفنا أن سيادة اللواء ومعرفش عمل كده إزاي وهو رجل قانون، أنه تاجر مخدرات وآثار بمساعدة حمدان.
وجاري التحفظ عليه.
وهنا صرخت زهيرة:
متقولش كده على منصور ده كان أشرف خلق الله.
فوقف محمود مردفًا بحرج:
انا مقدر موقفك بس للأسف عندنا أدلة أنه كده فعلا.
زهيرة:
لا مش منصور ده ممدوح يا ابني.
ثم بكت زهيرة بين تعجب محمود.
زهيرة:
اقعد يا ابني عشان أجولك على كل حاجة، خلاص فاض بيا ومش قادرة أخبي أكتر من كده.
حتى عشان سمعة جوزي وحبيبي متتعكرش حتى لو كان بين إيدين ربنا وعشان ولادي كمان.
تعجب محمود من نبرة صوتها وجلس يستمع لها.
وبينما كانت زهيرة تقص له حكايتها مع ممدوح.
عاد باسم إلى القصر حزينًا على حبيبة القلب ملك وعلى أبيه أيضًا الذي لا يرى في الوجود سوى نهلة.
وعندما وصل للطابق الذي به غرفة والدته، رأى بانة فأسرعت إليه مردفة:
كيفك يا خويا وكيف أبويا؟
باسم:
الحمد لله تتحسن شوية.
بانة:
بجد الحمد لله يعني أروح أزوره وأطمن عليه.
فحرك باسم رأسه باستياء مردفًا:
ملهوش عازة هو مش عايز غير نهلة وبس.
فوضعت بانة يدها على فمها ثم أردفت:
معقول وهي اللى عملت فيه أكده.
باسم:
تصوري ومش مصدق للأسف.
بانة:
الله يهديك يا بويا.
طيب انا هدخل لأمي أطمن عليها واستأذن أروح أزور جابر ربنا يفك زنقته.
ثم بكت بانة فاحتضنها باسم وربت على كتفها بحنو مردفًا:
إن شاء الله شدة وتزول وانا متوكد أنه بريء.
وتعالي يلا انا كمان عايز أدخل أطمن على أمي.
سمعوا حديث زهيرة مع محمود.
فاتسعت أعينهم وأخذوا ينظروا إلى بعضهم البعض بصدمة.
ففتحوا الباب وولجوا والصدمة على وجوههم.
رواية اولاد الجبالي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم شيماء سعيد
فرحت زاد بالحمل مرة أخرى، لكن للأسف فرحتها لم تكتمل عندما شاهدت براء يضحك لشرطية زميلة له، والأخرى تبادله النظرات والضحكات.
لتشهق زاد بفزع: "عملتها تاني يا بصباص يا نسونجي يا خاين يا دون!"
ولم تشعر بنفسها إلا وقد تقدمت منهم على فجأة وصاحت بصوت عالٍ: "أنا هربيكم أنتم الاتنين!"
لتنزل بحقيبتها على رأس براء بيد، وباليد الأخرى جذبت شعر تلك الشرطية لتتألم: "آه! إيه يا مجنونة اللي بتعمليه ده؟"
زاد بانفعال: "هو انتِ لسه شوفتي جنان؟ أنا هوريكِ الجنان اللي على أصله."
لتنقض على ذراعها تنهشها بأنيابها، والأخيرة تصرخ. أما براء، فأسـ.ـرع بالهرب حتى لا تبطش به، وحدث نفسه: "وجعتك مربربة يا براء، واكده زاد هتعمل منك كفتة."
ثم استطرد عن زميلته: "معلش بقى يا نشوى، أنتِ جيتيني في الوقت الغلط، وزاد مش هترحمك، والجرى نص الجدعنة."
وأخذت نشوى تصرخ حتى جاء زملاؤها لينقذوها من براثن زاد وأبعدوها عنها حتى لا تقضي عليها.
فصاحت نشوى: "احبسوا المجرمة دي في التخشيبة."
لتصيح زاد: "أنا بردك اللي أتحبس يا خطافة الرجالة! عايزة تخطفي جوزي وأنا مخلفة منه عيل والتاني جاي في السكة."
نشوى: "أنتِ ولية خرفانة، جوزك مين؟ هو أنا أعرفه؟!"
زاد وهي تصك على أسنانها بغيظ: "جوزي الطور قصدي اللي كان واقف قصادك من شوية، سيادة المحترم براء."
فاتسعت عين نشوى مردفة بذهول: "سيادة المقدم براء، متجوز؟!"
"ومنك أنتِ كمان؟ ده كان لسه بيقولي أرمل."
فحركت زاد رأسها مؤكدة بقولها: "أيوه، ما أنا المرحومة بشحمها ولحمها قدامك أهو، بس بعون الله الليلة هكون أنا الأرملة، عشان هخلص عليه."
***
احتاجت مرام لدخول المرحاض، فتبعها سجينة جديدة. لم تكن تدرك مرام أن تلك السجينة مكلفة من فريد لإنهاء حياتها بسبب خيانتها له وإفشائها عن أسراره. لذا كانت تترصد كل حركاتها. وعندما طلبت دخول المرحاض وفتحت لها الشاويش، استأذنت الأخرى أيضًا لـتتبعها. وكانت تخفي بين طيات ملابسها سلاحًا أبيض لتطعنها به.
وبالفعل، ما إن ولجت مرام المرحاض حتى وقفت أمامها سريعًا وقالت بصوت يشبه فحيح الأفعى: "ازيك يا مرام؟ فريد بيه بعتني لكِ هدية هتريحك على الآخر."
فاتسعت عين مرام بذهول مرددة بذعر: "فريد؟"
لتخرج الأخرى ما في حوزتها سريعًا ثم انقضت عليها تطعنها طعنات متفرقة بشراسة، ومرام تصرخ بين يديها. وأخذت الدماء تنفجر منها حتى بدأت في التراخي وتلاشى صوتها تدريجيًا. ثم أسرعت الأخرى للعودة إلى مكانها كأنها لم تفعل شيئًا. وخرجت لتغمز الشاويش، فضحكت لها وأشارت إلى عنقها: "أي تم الاتفاق عليه."
الشاويش: "يلا في داهية تستاهل عشان تريحي بقى وتريحيني."
"وتعالي يلا أدخلك وشوية أسيبها لحد ما تصفي ونضمن إنها خلاص ودعت، وبعدين أبلغ الإدارة."
وبمرور الوقت، بلغت بالفعل الإدارة. إنها ولجت للمرحاض لتعلم سبب تأخر السجينة، وجدتها هكذا ولا تعلم من فعل ذلك بها. لتأتي الإسعاف سريعًا لتحملها. فسألتهم بترقب: "ماتت؟!"
فأخبرها المسعف: "على وشك، ونسبة نجاتها قليلة لأنها فقدت دم كتير قوي."
فابتسمت بمكر وحدثت نفسها: "يلا هبقى أقرأ لها الفاتحة، مع إنها متستاهلش."
على جانب آخر، كان جاسر جالسًا في محبسه، يقرأ في كتاب الله ثم شعر بنغصة في قلبه لا يعلم سببها. فاستغفر وحدث نفسه: "خير يا رب، إيه الوجع ده؟!"
ليسمع بعد ذلك صياح أحد قادة السجن، حيث كان سجن النساء يقابل سجن الرجال.
"محتاجين متبرع بالدم لفصيلة نادرة شوية لنزيلة تعرضت للقتل، ولو منقلتش دم حالا هتموت."
"الفصيلة هي **."
فقام جاسر منتفضًا ينادي على الشاويش: "أنا نفس الفصيلة، خدوني ليها."
فسخر منه الشاويش قائلًا بتهكم: "هو أنت عندك دم بالأساس عشان تتبرع بيه؟"
فتشنجت تعابير جاسر قائلًا: "مش وقته ده يا شاويش، افتح أنقذ الست."
ففتح له الشاويش وتهكم مجددًا: "تعال يا أخويا، إلهي تفطس أنت كمان وربنا يستر عليها، هتـ.ـنقلها دم نجس."
ليسلمه الشاويش إلى الإدارة التي نقلته سريعًا إلى مستشفى السجن، ومنها إلى غرفة العمليات ليجد من دق لها قلبه وتمنى أن يراها مجددًا، ممدة على السرير بوجه ذابل أزرق، مشرفة على الموت، لا تتحدث ولا يُسمع لها أنفاس، فكانت أشبه بجثة باردة.
فارتجفت جوارحه ووقف بجانبها ينظر لها بانكسار بعد أن تفتت قلبه أشلاء لرؤيتها هكذا، وشعر أنه على وشك فقدانها. فهي آخر أمل له في أن يكون إنسانًا لديه إحساس ويحب ويُحب، وأن هناك شيئًا من السعادة ينتظره في علم الغيب.
لذا انحنى وأخذ بيديها يبكي يرجوها: "لا، أرجوكِ متهملنيش، أنتِ لو جرالك حاجة هحس إنّي خلاص ماليش لزوم في الدنيا دي ومفيش حد أعيش عشانه."
فتقدم منه الطبيب وربت على كتفه قائلًا: "ادعيلها لأن حالتها صعبة جدًا للأسف، ويلا اتفضل قوم عشان نسحب منك الدم."
فقام جاسر وأمسك بيد الطبيب يقبلها والدموع في عينيه قائلًا: "اسحب براحتك، إن شاء الله تسحب دمي كله بس تعيش، أرجوك يا دكتور."
فابتسم الطبيب قائلًا: "قد كده بتحبها؟ والله يا بختها اللي تلاقي راجل يحبها بالشكل ده. بس عشان حبكم ده، يا ريت لو كتب ربنا ليها تعيش وخرجتم من هنا تبدأوا بداية نضيفة عشان مترجعوش هنا تاني."
جاسر بيقين: "ده أكيد، أنا وعدت ربنا بكده، بس ربنا يخليهالي."
ثم طلب منه الطبيب النوم على السرير المقابل الموازي لها ليسحب منه الدماء ويوصل بها لتستقبله. وأثناء ذلك، كان يقوم طبيب آخر بتطهير جروحها العميقة تلك وتخيطها، ولكن مؤشرات قلبها كانت تهبط. ورأى جاسر الفزع على وجوههم، فما كان منه إلا أن صرخ بقوله: "ياااارب نجّيها، وأوعدك إني مش هاكل لقمة تاني إلا من حلال." وأعاد قوله بإلحاح: "يااارب، يااارب."
لتصعد مرة أخرى مؤشرات قلبها بين تعجب الأطباء. لـتـنـتـهـي العملية وتُحجز بعد ذلك في غرفة العناية، ويعود جاسر إلى السجن بعد أن وعده الطبيب أن يخبره بأمرها أولًا بأول ليطمئن.
***
بعد عدة عمليات مع طبيب التجميل، لبانة استطاعت أن تعود لهيئتها بنسبة سبعين بالمائة، فحمدت الله على هذا القدر، وتغيرت من داخلها كثيرًا وتقربت من الله عز وجل، وأخذت تعامل الجميع بلطف، وكانت تطلب كثيرًا زيارة غيث لها، فيحمله جاد إليها، وكان يسعد بهذا الأمر في الآونة الأخيرة بعد أن كان يكره هذا الأمر، ولكن من أجل تلك الفتاة ريحانة التي لا يعلم لما يحب أن يلاطفها ويلاعبها ويفرح كثيرًا عندما تبتسم له. حتى أصبحت الصغيرة تردد اسمه بتلعثم: "داد، داد."
أما جابر، فتناسى بانة بمرور الوقت بعد أن عشق سلسبيل وتأكد أن حبه هذه المرة هو الحب الحقيقي فعلاً، ولكن بانة كان حبًا من نوع آخر، وربما لأنها كانت حلمًا تمنى أن يصل إليه. ولكن سلسبيل علمته فنون الحب والعشق، فوقع أسيرًا لها، ونتج عن هذا الحب نبتة صغيرة توشك أن تخرج للنور، وعندما علم أنها فتاة، قرر أن يسميها فاطمة لتكون أم أبيها وقرة عينه.
أما بانة، فكانت عندما يأتي الليل تبكي بين يدي الله لأنها أصبحت وحيدة دون خليل. وتمنت ودعت كثيرًا أن يرزقها الله برجل يعوضها عن مصابها في جابر الذي ضاع من بين يديها. لتتفاجأ باتصال طبيبها المعالج الذي كان في الأربعينات من العمر والفارق بينهما خمسة عشر عامًا. وجدته يقول: "بانة، من غير لف ودوران، عشان أنا راجل عملي شوية، ويمكن هو ده السبب اللي خلاني أتأخرت في الجواز. بس مش عارف فيه حاجة كده شدتني لكِ، وعارف إن فيه فرق سن بينا، بس زي ما أنتِ شايفة عشان دكتور تجميل مش واضح بقى يا ستي السن. وعشان كده بقولك دغري: تقبلي تجوزيني؟ بس وتعلميني يعني إيه حب، عشان أنا مكنش في قاموسي الكلمة دي أبدًا."
ففتحت بانة فمها بدهشة وصدمة ولم تتحدث، وسألت نفسها: "معقول حد يفكر فيها بعد اللي حصل؟" ثم استطردت: "هو صحيح بقيت أحسن بفضل الله، بس يعني بقيت إنسانة عادية مش جميلة قوي زي زمان." ثم ابتسمت وتابعت: "وجاي بيقول كبير، جاي ده اللي يشوفه يقول أصغر مني، ده غير حلاوته بـنـ اللذيذة. وجاي إيه عايز يتعلم الحب؟ لا، ميجلجش، أنا هغرقه حب." ثم سرحت بخيالها في حياة جديدة وسعيدة معه. وانتظر هو جوابها، وعندما يئس أن تتكلم قال بثقة: "اعتبر السكوت علامة الرضا، والنهاردة هكلم دكتور باسم وأخطبك منه."
فارتجفت بانة لجرأته وخجلت، فأغلقت الخط في وجهه. فضحك هو قائلًا: "من دلوقتي بتكسفي، امال بعد كده هتعملي إيه!"
***
اتـ.ـفـ.ـقـ.ـت عزة مع باسم منذ أن طلقها أن تربي ريحانة بينهما ويقسم الأسبوع بينهما بالتساوي حتى تتعلق بها ريحانة تدريجيًا وتدرك مع الوقت أنها هي والدتها الحقيقية وليس ملك. فخضع باسم لطلبها بين تذمر ملك.
ملك: "يعني إيه بنتي تبعد عني وتنام بعيد عن حضني؟"
فغضب باسم وصاح: "ملك زيادة بقى عاد. ويكفي إني ظلمت عزة وجيت عليها كتير، وبتمنى ربنا يسامحني."
فبكت ملك وجلست قائلة بتلعثم من بين دموعها: "أنا عارفة إن ريحانة من حق عزة، هي أمها صح. بس أنا جوايا نار محدش حاسس بيها يا باسم. كان نفسي قوي إني أجيبها من بطني، بس قدر ربنا. بس لما شفتها وضمتها لصدري وبعد كده رضعتها حسيت إني كأني اللي جبتها وإنها عوض ربنا ليا. وصح غلطانة عشان كنت هخاف عليها بزيادة وعزة كانت بتزعل مني، بس صدقني غصب عني. كنت خايفة تروح مني بعد ما لقيتها. وماشي يا باسم، أنا هتحمل بعدها عشان عزة، وكفاية زي ما قلت ظلم ليها. وربنا يسامحني أنا وانت، والحمد لله إن ربنا عوضها براجل يحبها ويقدرها."
وهنا تغيرت ملامح باسم، فالبرغم أنه لم يحبها، ولكن وجودها مع غيره يثير غيرته، وخصوصًا عندما رأى كيف تحولت ملامحها للأجمل مع أيمن، وكأن السعادة نورًا يضيء الوجه. والحزن يطفيه. فحدث نفسه: "أنا كنت غبي قوي، كيف سبتها تروح من يدي بالسهولة دي؟ دي كانت بتتمنى حتى كلمة حلوة مني، وهتهتم بيه أكتر من ملك، اللي بقت في الفترة الأخيرة تهملني عشان تهتم بريحانة. فعلاً الواحد مش بيحس بالنعمة غير لما تروح منه."
***
أقترب موعد ولادة نهلة، فجفاها النوم من القلق والخوف. أما محمود، فكان بجانبها يغط في نوم عميق. فنظرت له شرزًا قائلة: "عتنام أنت ورايق وأنا هاكل في نفسي، آه ما أنتوا تعملوا العمـ.ـلة واحنا اللي نشرب بسببكم."
"كان مالي أنا من الجواز وسنينه؟ فينـ.ـك يا منصوري؟ كنت معاك زي الأخوات وكنت هضحك عليك وأقولك إني سعيدة كيف الفراشة اللي بتطير فوق غيط الكرنب. دلوقت أنا اللي بقيت الكرنبة ذات نفسها."
ثم حاولت إيقاظ محمود فدفعته من كتفه قائلة: "يا محمود، يا محمود."
فقال بنعاس دون أن يفتح عينيه: "فيه إيه، بتصحيني ليه؟ سبيني أنام."
نهلة بتذكر: "طيب قول لي إنك بتحبني الأول وبعدين نام."
ففتح محمود عينيه واعتدل وجلس وقبلها في وجنتيها وأردف بحب: "بحبك يا نهلتي." ثم عاد للنوم واستطرد: "هنام بقى ماشي عشان شغلي الصبح."
فصكت نهلة على أسنانها بغيظ مردفة: "أنت مش بتحبني عاد وعتـ.ـخدني على جد عقلي، وتلاقيك مستني أموت وأنا بولد عشان تتجوز، صح؟"
فزفر محمود بضيق واعتدل من نومته وحاوط ذراعها بحنو وهمس: "إيه اللي بتقوليه ده!! أنا بحبك وأنتِ متأكدة من كده، وإن شاء الله هتقومي بألف سلامة، متوتريش نفسك وحاولي تنامي."
فأبعدت نهلة ذراعه وإجابته: "آه، مش عايزني أموت عشان أربي عيالك وأنت تسرح براحتك وتشوف واحدة تدلعك."
فوضع محمود يده على رأسه وهمس: "هي شكل الهرمونات اشتغلت أنا عارف، وشكل الليلة دي مش هتعدي." فاستطرد بصبر لتهدئ: "لا يا حبيبتي، هاتي بس أنتِ العيال وأنا اللي هربيهم، متقلقيش."
نهلة بغيظ: "آه عايز أنت تربيهم عشان يحبوك أكتر مني، ما أنت طول عمرك أناني ومش بتفكر غير في نفسك."
فذم محمود شفتيه وقام من التخت وسحب وسادته وقال: "بقولك إيه، أنا هروح أنام بره عشان ورايا شغل ونكلم في الموضوع ده بعدين."
فلمعت عين نهلة بالدموع وقالت: "شوفت أهو مش بتحبني يا كداب، عشان لو بتحبني مكنتش سبتني وتنام بره."
فوضع محمود يده على وجهه واستغفر وقال: "لا، كده كتير."
***
وقف براء أمام زاد كالفأر المبلول بعد مضي بعض الوقت عن ما حدث في واقعة تلك الضابطة. واشترطت عليه كي تسامحه أن يأخذ إجازة لبعض الوقت ولا يخرج من غرفته أبدًا. فوافق لأنه بالفعل شعر بالخجل من تصرفاته الصبيانية، وظل محبوسًا في غرفته، لا يخرج منها. ولكن مع الوقت شعر بالملل وإجازته التي أخذها مرغمًا بسببها أوشكت على الانتهاء.
فأخذ يرجوها بقوله: "يا حبيبتي، طيب انزل حتى شوية في الجنينة عشان مخنوق حبتين أشـ.ـم شوية هوا."
فحركت زاد شفتيها بتهكم مردفة: "تشـ.ـم هوا بردك!! لا، لو مخنوق قوي يعني هبعت باسم يجبلك نفس اصطناعي، لكن مهتخرجش من هنا ومش هتشوف غيري يا ابن الجبالي."
فندب براء على حظه قائلًا: "يا مرك يا براء، اتعمل فيك اللي بتعمله من المجرمين، بتـ.ـحـ.ـسـ.ـسـ.ـهم ودلوقتي مرتك حبساك. وأدى آخرة عينيك الزايغة، يكش تحرم بقى."
فصاحت زاد بحدة قائلة: "عتـ.ـرـ.ـطـ.ـم تجول إيه؟"
فحرك رأسه نافيًا: "مهـ.ـجولش غير إني بحبك يا زادي."
فضحكت زاد وغمزته وقالت: "أنت بتقولي."
لتطرق الباب ملك، فتفتح لها زاد. ابتسمت ملك واستأذنت: "زاد، معاذ تحت مع الحاجة وشبطان يروح معايا عند شمس." ثم ضحكت وتابعت: "ابنك شكله هيطلع نمس كبير، وبيحب من دلوقتي ولسه مكملش سنتين."
فصكت زاد على أسنانها بغيظ مردفة: "هيطلع لمين يعني؟ أبوه طبعًا. ويا عيني على ريحانة، هيبص لها من دلوقتي، امال لما يكبر هيعمل فيها إيه عاد!!"
فضحكت ملك وسألتها: "هو أنتِ لسه في دماغك ياخد ريحانة؟ لا يا ستي، هو ميال لشمس بنت قمر أكتر."
وهنا وقف براء الذي كان يتابع هذا الحديث الساخر على مضض قائلًا بحدة وتشنج ظهر على ملامح وجهه: "ابني مش هياخد غير بت عمه، هي أولى بيه، لكن متـ.ـاخدنيش يا ملك."
"على جثتي لو ياخد بت قمر، وأنتِ خابرة ليه عاد؟"
فاخفضت ملك رأسها بحرج وقالت: "سبحان الله، ربنا أرحم بعباده من البشر وهيقبل التوبة وعباده لأ."
وعندما شعرت زاد بحزن ملك، أردفت بحرج: "متزعليش، براء مش قاصده، ودول عيال لسه."
"خديه يا حبيبتي يلعب معاهم بس متعوّجوش، وخلي بالك منه عشان بيعض على غفلة."
فتغيرت ملامح ملك مردفة: "أيوه، ومتجيش العضة غير في ريحانة، وعتـ.ـخاف منه ومش هتحبه، لكن مهيجربش من شمس واصل."
كتمت زاد ضحكتها حتى لا تحزن ملك على ذلك الشقي الصغير، ثم استطردت: "معلش يا حبيبتي، وأنتِ خلي بالك منها زين. وصوح، بكرة معادها تروح لعزة."
ابتـ.ـلـ.ـعـ.ـت ملك غصة في حلقها ثم قالت بحزن: "أيوه، والله بيبكوا يومين صعبين قوي لما تبعد عن عيوني. بس أعمل إيه، هي أمها بردك، وكتر خيرها هتسبهالي."
زاد: "وأنتِ مفيش أحن منك يا ملك والله."
"وجولي لي صوح، سمعت إنها اتجوزت؟"
انفرجت أسارير ملك لتجيبها: "أيوه الحمد لله، كانت صعبة عليا رغم كل حاجة. اتجوزت دكتور بيحبها وحامل كمان منه، ربنا يسعدها."
تعجبت زاد من دعائها لها بعد أن كانت غريمتها، ولكنها لم تـ.ـريد أن تلفت نظرها لذلك، وبادرت بالسؤال عن مسالم وحاله الآن.
فأجابتها ملك بابتسامة: "لا، مسالم بخير من ساعة ما عيونه وعيت قمر، تقدري تقولي كده، شوفتها ردت فيه الروح من جديد. وكمان يا ستي حملت وعتجيب له ولد كمان، عقبال ما تقومى بالسلامة."
فتحت فمها زاد بتعجب: "حملت ولسه شمس صغيرة، وأنا بقول إني اللي استعجلت. لا كده تمام، أنا وربنا يجومها بالسلامة."
ملك: "طيب أفوتك بعافية عشان ألحق أروح وأجي قبل ما ييجي باسم."
زاد بابتسامة: "تعودوا بالسلامة إن شاء الله."
لتغادر ملك وتغلق زاد الباب وتلتفت لترى الغضب على وجه براء، فسألته: "إيه مالك مكشر ليه عاد؟"
فصاح براء بحدة: "بقولك إيه يا زاد، دي آخر مرة توفقي معاذ يروح عندهم. أنا مش رايد الولد يتـ.ـعـ.ـلـ.ـق بالبت دي خالص، أنتِ فاهمة. عشان لو هي آخر بت في الدنيا مش هجوزهاله."
فحاولت زاد تهدئته: "طيب ماشي خلاص، متزعلش نفسك. أنت عتاخد على لعب عيال ده ولا إيه."
***
عندما ولج جاد بصحبة غيث إلى القصر، وجد ملك تصطحب ريحانة ومعاذ وتستعد للخروج. وعندما رأت ريحانة جاد، تركت يد ملك وأسـ.ـرعت إليه بخطوات خفيفة مرددة بصوت طفولي: "داد ده."
ليمد جاد ذراعه حتى أتت إليه، ثم حملها وضمها بحب قائلًا: "حبيبة داد أنتِ يا ريحانة. بس أنتِ متشيكة كده ورايحة على فين؟"
ريحانة: "رايحة عند شمس، ألعب."
فابتسم جاد واستطرد: "طيب خلي بالك من نفسك، ولو الواد معاذ ده عضك تاني قول لي، مش هسكت له المرة دي."
فأخرج معاذ لسانه له، فانفعل جاد وقال: "عيب والله على اللي ربوك يا طور يا صغير أنت."
فضحكت ملك: "معلش يا جاد، ده لسه صغير، بس أنت ما شاء الله كبرت، أنت في سنة كام دلوقتي؟"
جاد: "أنا عندي أربعتاشر سنة وفي تانية إعدادي."
ملك: "ما شاء الله ربنا يوفقك."
ثم نظرت لغيث وانحنت تقبل يده الصغيرة مردفة: "غيث السكر عامل إيه."
ليردف الأخير بطفولة: "أنا كبرت خلاص، مش تقولي سكر، قول لي غيث بس."
فضحكت ملك وأجابته: "شكلك هتطلع جد زي أبوك."
لتقوم زهيرة بالنداء عليه: "غيث حبيب تيتا، تعالي يا قلبي."
ليسرع الصغير إلى جدته، يحتضنها بحب. ومن ثم إلى بانة في الأعلى ليقضي معها اليوم كما اتفق عليه.
***
عندما استعادت مرام وعيها وتحسنت صحتها نوعًا ما، ولج إليها الطبيب وعلى وجهه ابتسامة قائلًا: "حمد الله على سلامتك يا مرام."
"وصراحة لو فضلت تذكر ربنا طول عمرك إنه نجاكِ من اللي محاولة القتـ.ـل دي مش هتوفيه، لأنك صراحة كانت نسبة نجاتك واحد في المية."
فحاولت مرام التقاط أنفاسها وتحدثت بخفوت: "الحمد لله يا دكتور، كل ما يصيبنا إلا ما كتب الله لنا."
الطبيب: "وفيه واحد كمان عايزك تشكريه جدًا جدًا، لأنه السبب بعد ربنا سبحانه وتعالى إنك تعيشي، ودلوقتي دمه بيجري في دمك، وكان مستعد يضحي بحياته كمان عشان تعيشي أنتِ."
إتسعت عين مرام ونظرت بتيه، ولم تصدق ما يقول لأنها أول مرة تعلم أن هناك من يهتم لأمرها حقًا. وظنت لوهلة أنه براء، فابتسمت وقالت: "مين سيادة المقدم براء؟!"
فحرك الطبيب رأسه بنفي قائلًا: "لا سيادة المقدم براء، كل اللي عمله لنا عرف اللي حصل إنه اتصل يطمن على حالتك مرة ومتصلش تاني."
فتنهدت مرام بحرارة وشعرت بغصة في حلقها واستطردت: "امال مين ده؟"
فصاح الطبيب بصوت عالٍ: "دخله يا شاويش."
فولج جاسر ملهوفًا لرؤيتها وخطى إليها سريعًا وعانقت عينيه عينيها في حب ولهفة قائلًا: "حمد لله على سلامتك يا ست الكل."
فلمعت عين مرام وتسائلت بدهشة: "أنت!! أنت اللي نقلت لي دمك وكنت خايف عليه للدرجة دي! بس إزاي وانت متعرفنيش ومش شوفتني غير مرة واحدة."
فأخرج جاسر تنهيدة حارة مطولة ثم أجابها بتلقائية: "ما هي المرة دي اللي لخـ.ـفـ.ـت حياتي، وبعد ما كنت ضربتها صارمة وحاسس إني ماليش لزوم في الدنيا دي. شفتك وقلبي دق لك وحسيت بحاجة كده مش خابر معناها، ودعيت أشوفك تاني. وحسيت إن فيه أمل في الدنيا أعيش عشانه، وإن ممكن أعيش بعد ما نخرج من هنا زي أي ناس طبيعية في الحلال ونكون بيت ونجيب عيال يكبروا حوالينا."
فأصاب جسد مرام رعشة وانفجرت في البكاء من حديثه التي طالما بكت من أجل تحقيقه، وكم تمنت أن تكون زوجة عادية لرجل تحبه ويحبها وتنجب منه أطفال. وها هو الآن يتحقق حلمها. نعم، لم تحبه بعد وما زال شيء في القلب لبراء، ولكن ما يقوله لها يذهب العقل ويجعلها تحبه رغماً عنها.
انفطر قلب جاسر وهو يراها تبكي هكذا، فاستطرد بدعابة لكي تبتسم مجددًا: "لا إيه البكاء ده، أحبوش أنا. ولو بتبكي عشان مش عايزة تجوزيني، فخلاص، بس بشرط ترجعيلي المهر، قصدي دمي اللي اديتهولك. ها جولتي إيه!"
فابتسمت مرام وهمست: "لا، مش عايزة إيه؟ عايزة طبعًا، بس أنت تعرف أنا عملت إيه في حياتي الأول! يمكن لو عرفت تاريخي، تسحب عرضك للجواز وتندم كمان. ده غير إني مريضة بمرض خطير وممكن أموت منه."
جاسر بضحك: "أنتِ محـ.ـسـ.ـسـ.ـني إني جابلتك في النادي. لا يا ستي الكل، إحنا اتجابلنا في السجن، يعني كلنا في الهوا سوا. بس بعون الله هننسى اللي راح ونبدأ من جديد وأنتِ معايا. بعد سنة من دلوقتي بإذن الله، بس عنكتب الكتاب عشان لا مؤاخذة." ثم غمزها: "عشان أبعتلك مراسيل كيف العيال اللي بتـ.ـحـ.ـب."
فضحكت مرام ثم أغمضت عينيها بألم: "وتفتكر السرطان هيخليني أعيش عشان أحقق الأحلام دي كلها؟"
جاسر: "هتعيشي لغاية ما نجوز عيالنا كمان يا ستي الكل. وسـ.ـرـ.ـطـ.ـان إيه، أنا لسه مكلم الدكتور وجال إنه آخر جلسة المرة الجاية لأنه الحمد لله صغر قوي وهنكمل براشيم لغاية ما تخفي خالص مالص."
فقالت بلهفة: "بجد الكلام ده ولا هتقول كده عشان تديني أمل وخلاص؟"
جاسر: "أمل وعمر، دول عيالنا إن شاء الله."
فضحكت مرام، فصاح جاسر: "يا دين النبي على الضحكة اللي بتنور دنيتي دي. والله هاين عليا أشيلك ونهرب دلوقتي نتجوز."
***
لتمر بعض الأشهر على أبطالنا، استقرت فيها حياتهم واستأنس كل منهم بأنيسه في حب وود. إلا من بعض المشاحنات بين زاد وبراء، ولكنها كانت تنتهي بالصلح كعادتهم. وقد قلت كثيرًا بعد أن وضعت له فتاة جميلة تشبه عمتها بانة، وأطلقوا عليها اسم **ماسة**.
ووضعت قمر ولدًا أطلق عليه مسالم اسم **بدر**. كما وضعت عزة بنت أخرى أطلق عليها زوجها اسم **مسك**. قائلًا: "دي مسك الختام بقى يا عزة، وكده عندي تلت بنات وبقيت أبو البنات."
فحدثه عزة بصوت رخيم: "كان نفسي أجيب لك ولد بس النصيب."
فقبـ.ـلـ.ـها أيمن من جبهتها بحب وود: "متقوليش كده، ده البنات نعمة من عند ربنا وخير ورزق. وربنا يقدرني ونربيهم أحسن تربية."
كما تزوجت بانة من الطبيب المعالج لها، وكانت شخصيته جادة، فلم تستطع أن تفرض عليه آرائها كما كانت تفعل مع جابر، لذا ظلت عمرًا بأكمله تندم على ما فعلت وتفريطها في جابر بتلك السهولة. وقد أنجبت منه ولدًا أطلقوا عليه اسم **حذيفة**.
كما تزوج جاسر ومرام، التي تعافت من السرطان بفضل الله، وبعد مرور سنة رزقهم الله بالفعل تؤم (أمل وعمر). وكأن الأقدار تكتب مما نتفوه به ونحن لا ندري. لذا علينا أن نتفائل مهما عصفت بنا الريح.
ثم مرت السنين بحلوها ومرها على أبطالنا ليكبر أحفاد الجبالي.
***
معاذ بن براء، الذي يدرس في كلية الطب، ينتظر شمس بنت قمر، التي فاقت والدتها جمالًا ربانيًا يسلب العقول، أمام مدرستها حيث إنها في السنة الأخيرة من الثانوية العامة. وعندما رآها تخرج، أعلن قلبه طبول الحرب وتسارعت نبضاته، وكادت عيناه أن تخرج من مقلتيه، وأسرع إليها بلهفة مناديًا: "شمس قلبي وهوى نفسي."
وعندما استمعت لصوته، ارتجفت وحاولت الإسراع في مشيتها. ولكنـ.ـه كان أسرع منها ووقف أمامها قائلًا: "بتهربي مني ليه يا شمس؟ وأنا عارف ومتأكد إنك بتحبيني زي ما أنا بحبك؟؟"
لتضع شمس يدها في إحدى جنبيها، ثم تمـ.ـاـ.ـلـ.ـت قليلاً وهي تشيح بيدها الأخرى قائلة بحدة: "أنت عايز مني إيه يا ابن براء الجبالي؟"
هنعرف ليه في الجزء الرابع بإذن الله 😂 من أحفاد الجبالي.
يارب تكون الحلقة الأخيرة نالت رضاكم وألاقي تفاعل يرضيني أنا كمان ويدفعني إني أقدم عمل جديد.
فمتنسوووش لايك وكومنت في صفحتي روايات ام فاطمة.
وكمان ياريت لما حد يطلب اسم رواية صعيدي في أي جروب ترشحوا له أولاد الجبالي.
دمتم في حفظ الله وأمنه.
وتقبل الله صالح أعمالكم ورزقكم من خير الدنيا والآخرة.
وأتمنى أن لا تنسوني من صالح دعائكم ❤️
ام فاطمة ❤️ شيماء سعيد
رواية اولاد الجبالي الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم شيماء سعيد
صبرك عن محارم الله أيسر من صبرك على عذاب الله.
………
توجه محمود إلى قصر الجبالي للقبض على متولي، اللي عندما رآه متوجه إليه ومعه القوة ارتعد خوفًا.
اقترب منه محمود بشدة وطالعه بنظرة مميتة دبت الرعب في قلب متولي أكثر، ليضع محمود يديه على كتفه مردفًا:
أتفضل معانا يا متولي.
متولي بخوف:
خير يا باشا، أنا عملت حاجة؟
محمود:
هتعرف لما تشرف هناك قدامي.
وبالفعل تم القبض على متولي اللي ظل طيلة الطريق إلى مركز الشرطة يرتعد خوفًا ويحدث نفسه:
أستر يا ربي بتستر.
شكلها إكده خربت خالص، البيه الكبير في المستشفى وحمدان مش عارف هو فين ودلوقتي أنا شكلي كبش الفداء بتاعهم ولا إيه!
وعيخدوني في الرجلين، بس لا أنا مش هغرق وحدي وهما يعيشوا ويبرطعوا لحالهم، وعجل على كل حاجة.
أيوه عليا وعلى أعدائي، منا معنديش حاجة أخسرها.
ثم وصل متولي لمركز الشرطة وأمتثل أمام محمود في مكتبه بعد أن سبقه محمود إليه.
وظهر على وجه متولي الفزع ولكنه حاول الثبات بقوله:
هو فيه إيه يا باشا، أنا مش فاهم حاجة لغاية دلوقتي.
أنا عملت إيه عشان تخدوني على ملأ وشي إكده؟
ده أنا حتى طول عمري في حالي.
فضحك محمود ساخرًا بقوله:
أنت هتقولي يا متولي.
ثم ضيق محمود عينيه ونظر إلى متولي نظرة نارية بثت في قلبه الرعب، ثم اقترب منه محمود مجددًا هادرًا بقوة:
مين اللي أمرك تدخل أوضة نهلة في عدم وجودها وتحط السموم دي في دولابها؟
ارتبك متولي ولكنه سرعان ما نفى بقوله:
أنا، لا يا باشا، يستحيل أعمل إكده، دي تلحقها بتجول إكده عشان تلبسني أنا التهمة وتطلع هي منيها.
بس أنا لا يمكن أعمل إكده في ولي نعمتي، أنا راجل بصون النعمة.
حرك محمود شفتيه باستياء، ثم أخرج هاتفه وأداره على فيديو يظهر فيه متولي يتسلل إلى غرفة نهلة.
ثم هدر بقوله:
تقدر تقولي كنت بتسحب زي الحرامية ودخلت الأوضة وخرجت بسرعة ليه؟
متولي محدثًا نفسه:
يا ليلة مش فايتة، إزاي فاتني حاجة زي دي وموجفتش الكاميرا، أقوله إيه دلوقتي.
آه يا باشا، عادي كان طلب مني حمدان بيه أدخل أجيب له أوراق مهمة في الشغل.
فانفعل محمود، وفقد أعصابه وقام بضربه لكي يجعله يعترف حتى ينجد نهلة من براثن السجن.
وعلى أصوات صراخ متولي، ولج لؤي سريعًا، فأمسك بيد محمود مردفًا:
أهدى يا محمود، متعصبش نفسك وتجيب لنفسك أذى عشان واحد زي ده لو مات في إيدك.
محمود:
لا أنا هموته طول ما هو مصمم على الإنكار.
لؤي:
مش بالطريقة دي، أنا هخليه يعترف من غير ما مد إيدي عليه.
محمود:
اتفضل اهو قدامك خد منه اعتراف، لأني فعلاً مش هطلعه من هنا غير لما يعترف.
متولي:
يعني اعترف على حاجة معملتهاش ده ظلم يا حكومة.
فابتسم لؤي بخبث مردفًا:
أنت فعلاً مش محتاج تعترف، لأن اللي قالك أصلاً تحط لنهلة كده، هو اعترف على نفسه.
فاتسعت عين متولي مردفًا:
مش معجول حمدان بيه يعمل حاجة.
وحينها ابتسم لؤي لمحمود بخبث بعد أن أوقع متولي في الفخ تنهد محمود بارتياح بعد أن حصل أخيرًا على ما يبرئ به ذمة حبيبة قلبه (نهلة) ثم نظر إلى لؤي نظرة امتنان.
لؤي بمكر:
لا قال حمدان كل حاجة، مش بس كده كمان.
ده احنا عرفنا كل تاريخه الأسود مع منصور اللي في الأصل هو ممدوح الجبالي.
وحينها وضع متولي يده على رأسه بخيبة أمل مردفًا:
لا إكده خربانة خربانة، وروحت في حديد خلاص يا متولي.
ليبدأ بعدها محمود في استجوابه عن علاقته بمنصور وحمدان.
ليقص له متولي كل ما يعرفه عنهما من بداية نشأة ممدوح وتقمصه دور أخيه منصور بعد قتله ثم الاستعانة بحمدان اللي كان يكن له العداوة لأنه السبب فيما حدث لزوجته، لذا اتفق مع تلك الدجالة للقضاء على ممدوح ليخلو له الطريق بعده.
ثم بكى متولي مردفًا بنحيب:
هي دي آخرة الحرام يا بيه.
ياربي سمعت كلام مرتي لما قالت: بلاش السكة دي يا متولي، آخرتها عفشة ولو ربنا عيسترها عليك دلوقتي، مسيرك هيخليك يوم وتنفضح.
وأهو جه اليوم اللي مكنتش عامل حسابه.
انتهى محمود من استجوابه ثم جعل العسكري ينقله إلى الحجز، ويأتي بعد ذلك بنهلة ليبشرها بقرب خروجها من محبسها.
ثم أخذ محمود يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا مع تزايد ضربات قلبه في انتظار نهلة وأخذ يحدث نفسه:
ياااه أخيرًا يا نهلة هتشوفي النور وبعدها بسهولة هتقدري تتخلصي من منصور وساعتها أقدر أرتبط بيكي، ياااه متصوريش مستني اللحظة دي قد إيه، عشان أقدر أعبر ليكي عن مشاعري بدل ما أنا مش قادر حتى أبصلك كتير أو أقول أي كلمة مش من حقي طول ما أنتِ لسه على عصمته.
لتأتي بعد ذلك نهلة بصحبة العسكري، تفرك في أصابعها من فرط التوتر وتفترش بعينيها الأرض.
طالعها محمود بارتياح وكأن رؤيتها تجلب له الطمأنينة ثم ابتسم على خجلها مردفًا:
اقعدي استريحي يا نهلة.
فجلست نهلة ثم طالعته بخجل مردفة:
ها جايبلي عجولي إنك عندك خبر يفرحني.
ابتسم محمود وتابع:
أيوه يا نهلة وقلبك دليل، خلاص متولي اعترف وخلال أيام هتخرجي من هنا بعد ما أنهي إجراءات خروجك.
فوقفت نهلة بعد أن تهلل وجها فرحًا وأخذت تقفز كالأطفال ومحمود يطالعها بسعادة مردفة:
بجد يا بيه، أخيرًا هخرج من إيده وهعاود على دوار أبويا.
محمود مندهشًا:
يعني مش هترجعي القصر يا نهلة حتى عشان حقوقك اللي فيه؟
نهلة بنفي:
لا معوزاه حاجة خالص، ده كان بالنسبة لي سجن كيف اللي أنا فيه دلوقتي وأوعى كمان، أنا هروح لأبويا جعدتي معاه هو جنتي.
ابتسم محمود وتابع:
يعني أكلم محامي يمشي في إجراءات طلاقك يا نهلة؟
فسارعت نهلة بقولها:
ياريت يا باشا، مبقتش قادرة خلاص استحمل ولو يوم زيادة أكون ذمة الشيطان ده وخلاص ربنا جاب لي حاج بمعرفته.
عايزة أخد حريتي منه.
فغمزها محمود بمكر:
بس هتكون حرية مؤقتة يا نهلة، لأن فيه حد تاني عايز يدخلك القفص.
فأغمضت نهلة عينيها كأنها تشعر أنها في حلم جميل تخشى الاستيقاظ منه.
وحدثت نفسها:
معجول يا رب، أنا مش مصدقة إن البيه عايزني، معجول يكون ده العوض الجميل اللي الناس بتكلم عنه، بس خايفة جوا إني أكون بحلم وأفوق على كابوس، أنا مش هستحمل حاجة تاني وكفاية اللي حصلي.
خرجت نهلة من شرودها على صوت لؤي حين ولج إلى مكتب محمود مردفًا:
إيه يا سيادة المقدم، مش فيه عملية كمان ربع ساعة؟
ثم غمزه مردفًا:
ولا أروح أقول الباشا الكبير إنك مشغول.
فرمقه محمود بغيظ وصك على أسنانه مردفًا:
لا خفيف حضرتك، أنا مش ناسي وكنت قايم على فكرة.
فغمزه لؤي:
طيب يلا بينا أنا واقف اهو مستنيك.
تلون وجه محمود مردفًا بغيظ:
اتفضل يا سيادة المقدم وأنا دقيقة وهكون معاك.
فضحك لؤي مردفًا:
دقيقة والا هبعتلك الباشا بنفسه يستعجلك.
ثم خرج سريعًا قبل أن يبطش به محمود اللي كاد أن ينفجر من الغيظ.
فوقفت نهلة مردفة بحرج:
طيب يا بيه، أنا عايزة أرجع للحجز وكفاية إكده عشان متعطلش نفسك.
ثم ابتسمت ابتسامتها الساحرة فدق قلب محمود وأعلن طبول الحرب.
نهلة:
بس جد ما أمشي مش عارفة أشكرك إزاي على كل اللي عملته معايا، تترد لك في الأفراح بإذن الله.
فسارع محمود بقوله:
أنتِ فرحتي يا نهلة.
فتلون وجهها خجلاً وسارعت للخارج لينقلها العسكري إلى محبسها حتى تتم إجراءات الإفراج عنها.
تنهد محمود:
الصبر على الحلو يارب.
ثم سارع بعد ذلك للحاق بلؤي لأداء تلك المهمة اللي ستسطر في كتب التاريخ وهي القبض على حمدان وحمدي متلبسين بالجريمة وفي ذات الوقت فرض حراسة على منصور في المستشفى حتى يتم علاجه ثم يزج إلى السجن ليحاسب حساب الملكين في عمره اللي قضاه في كل ما يغضب الله.
………
ركض براء وراء زاد بقلب ينبض بالحب وعلى وجهه ابتسامة تزين ثغره، حتى وصلت زاد إلى غرفتها بعد أن تسارعت نبضات قلبها من أثر الركض بجانب مشاعر الحرج اللي سيطرت عليها وعندما حاولت أن تغلق الباب قبل مجيء براء ولكنها وجدته أمامها قد وقف حائلًا بينها وبين الباب وقد مد ذراعيه كي لا تغلقه في وجهه، ثم طالعها بنظرة ماكرة ودقق النظر في عينيها بشوق وهمس همس المحب المشتاق:
هتهربي مني فين عاد يا زادي، ده أنا مصدق لجيتك ولما لجيتك حسيت ساعتها إني لجيت نفسي كمان اللي كانت غايبة عني.
طالعته زاد بحرج وإرتباك وتعلثمت بقولها:
أنت عايز مني إيه دلوقتي، روح يلا على أوضتك ريح جسمك.
فغمزها براء مردفًا:
راحتي معاكي يا ست البنات، بس بزيادة بنات إكده ودلوقتي نحولها لست الستات.
فضغطت زاد على شفتيها بأسنانها بحرج فصاح براء:
لا كله الا الحركة دي أنتِ عجنتني بيها أكده أكتر، ثم دفعها برفق للداخل وأغلق الباب.
وسدد النظر إليها برغبة سرت الحرارة في جسده، فارتجفت زاد وتراجعت للوراء مردفة بخجل:
أنت بتبصلي إكده ليه يا براء، أول مرة تشوفني إياك!
براء:
تصوري فعلاً حاسس إني أول مرة بشوفك، أو تقدري تقولي إني مش عيني بس اللي شافتك ده قلبي كمان ومكنتش اتخيل إنك تطلعي بالحلاوة دي كلها.
ابتسمت زاد وتلون وجنتيها خجلاً فزادها جمالاً، لتجده فجأة قد قفز ووقف أمامها وحاصرها بذراعيه.
زاد بتوتر:
براء وبعدين هملني لحالي.
براء:
تؤتؤ، أنتِ خلاص حالي ومحتالي يا زادي.
ومقدرش أبعد، عشان أنتِ السبب.
اتسعت عين زاد مردفة بتساؤل:
كيف ده؟
براء:
أيوه أنتِ اللي علمتيني الحب، وجننتيني بيكي.
ثم بدأت يده تتحرك على وجهها بلطف، فارتجفت زاد من لمسته، فضحك براء بقوله:
لا أجمد يا معلم، هو أنا لسه عملت حاجة؟
زاد بغيظ:
بس يا جليل الربااااية.
براء:
أكده، طيب أنا هعلمك مين هو جليل الرباية، ليطبق على شفتيها بقبلة طويلة، قاومته زاد في البداية ولكن سرعان ما استسلمت لهذه الإحاسيس الجميلة اللي تعيش بها مع حب عمرها براء.
ثم ابتعد عنها ليتيح لها التقاط أنفاسها، ونظر لعينيها فوجدها هائمة وكأنها تحلم فابتسم قائلًا:
طيب فرصة وهي مش في وعيها إكده، ندخل على اللي بعده، بدل ما تكمل السيمفونية بتاعتها.
فحملها بخفة بين يديه، فدفنت رأسها في عنقه خجلاً، فقبل جبينها برفق ثم وضعها على الفراش ليعيشوا معًا ليلة من أجمل لياليهم السعيدة اللي طالما اشتاقوا إليها.
ولكن يا ترى هل ستدوم سعادتهم تلك أم للقدر رأيًا آخر؟
………..
وقف حمدان أمام المرآة يهندم من ملابسه ويعقد شاربه بفخر محدثًا نفسه:
ست الحسن والجمال قمر طلباني بنفسها عاد الليلة، ده إيه حظك اللي في العالي ده يا حمدان.
أخيرًا هتعيش ليلة ولا في الأحلام، بعد سنين طويلة مع بوز الأخت فهيمة، ياااه كانت هم وإنزعاج، دي كانت وجعالي زي اللجمة في الزور، بس صعبان عليا الواد جابر يروح فيها وهو ملهوش في التور ولا في الطحين، ولازم أشوف له صرف عشان يطلع منيها ولو حتى أدفع لحد من رجالتنا أي تمن ويدخل هو بداله.
ثم نظر إلى ساعته مردفًا بحماس:
وخلاص إكده لحظة الهنا جات، هبيع الصنف وأقبض المال وكمان هدلع مع ست الستات قمر ثم ضحك ساخرًا:
وسلام بجا لحضرة المقدم براء اللي نايم في العسل.
ليتوجه بعد ذلك إلى المكان المنتظر به تسليم المواد المخدرة.
واتصل في ذلك الوقت حمدي بقمر.
حمدي:
إيه يا جمرة، استعديتي، أنا واجف مستنيكي في المكان على نار والباشا زمانه على وصول.
وعايز يشوف يلاقيكي عشان نفسه تتفتح عاد.
فضحكت قمر ضحكة ممزوجة بقهر مرددة:
أنا خلاص دقيقة وأكون عندك يا حمدي.
حمدي:
تمام في انتظارك، بس زي ما اتفقنا يونبني من الحب جانب، يعني حمدان حداه كتير جوا، أنتِ فاهمة طبعًا أنا قصدي إيه.
ابتسمت قمر مردفة بسخرية:
آه طبعًا يا حمدي، احنا هنقاسم كل حاجة،
متقلقيش، واصل.
حمدى … جيب حمدى، أنتِ يا جمرى.
فضحكت قمر مرددة بسخرية… أنت عملت لي.
ثم أغلقت الخط، لتسمح لدموعها المحبوسة بالنزول وجعاً.
فطالعها محمود بشفقة مردفاً… إيه يا قمر، مش قولنا نجمد كده عشان تقدري تمثلي دورك للنهاية وتشوفيهم بعينيكي واحنا بنحط في أيديهم الكلابشات وتشفي غليلك منهم.
قمر بغصة مريرة… آه يا باشا، ولو إن جلبي مش هيهدى غير لما يتعلق حمدى على حبل المشنقة، مش هقدر أتحمل يتسجن بس ويخرج للدنيا تاني وعيني تجاهب عينيه وساعتها ممكن حد يقتل التاني.
محمود… للأسف زي ما قولتلك هو تهمته مش هتديله إعدام لكن أوعدك إني على الأقل مش هسمح بأقل من تأبيدة، يعني خمسة وعشرين سنة، يعني يعني هيطلع بعدها ولا يمكن يموت في السجن.
قمر… ربنا يعجل بقضاه.
محمود… يا رب، ودلوقتي تقدري تنزلي وزي ما قولت متخفيش، أنتِ لابسة ساتر من الرصاص ومزودة بجهاز تصنت عشان نسجل كل كلمة للعصابة، ده غير احنا محاوطين المكان كله ومراقبينك على بعد، يعني هندخل في اللحظة المناسبة.
قمر… تمام يا باشا، ربنا يستر.
بس ليه طلب.
محمود… اتفضلي.
قمر… أنا بعد العملية دي خلاص هتحبس، فكنت عايزة حضرتك تطمني بعد أكده على خيتي ملك في المستشفى، وكمان طلب إنساني، تبعت حد لأبويا يطمن عليه لأني خايفة ممكن يحصله حاجة لما يعرف اللي حصل.
ده كان هيجن لما سئل على ملك وقلتله نزلت ومعادوشت ومقدرتش أقوله الحقيقة، وقعد يلف في البلد يدور عليها.
ودلوقت أنا كمان هختفي وأكيد هيجيله الأخبار ويعرف كل حاجة وأكيد هيكون صادمة كبيرة جواه عليه والناس هتأكله وشه.
طالعها محمود بشفقة مردفاً… لا حول ولا قوة إلا بالله.
صعب جداً على والدك ده، ليه بس وحدة زيك تعمل كده ومتحطيش اعتبار لراجل رباها وشيلها على أسمه.
فأجهشت قمر بالبكاء مردفة بنحيب… الحب يا باشا عمياني عن كل حاجة، وموجدتش منه غير على مصيبة.
فشرد محمود في نهلة وسأل نفسه… أنا فعلاً بحبها وقلقان من عواقب الحب لأني فاهم إننا غير متكافئين، بس أكيد الحب هيقدر يذوب أي فروق ما بينا وربنا يستر وأقدر أتخطى العواقب اللي هتقابلنا.
ثم خرج من شروده على صوت قمر… أنا نازلة يا بيه ومش هوصيك بجاي.
محمود… تمام يا قمر، متقلقيش.
ثم خطت قمر خطواتها إلى المكان اللي ستقابل فيه حمدى، ليأخذها بسيارته إلى موقع تلك العملية.
استقبلها حمدى بابتسامة وأمسك بيدها ليقبلها مردفاً… ست الستات وقمر الزمان، ووش السعد.
بادلته قمر ابتسامة صفراء مردفة… إيه كل ده يا حمدى!
حمدى… وأكتر يا جمرى، ده أنتِ من النهاردة هتكوني الأكس بتاع الكبير جواي والخير هيعم علينا كلنا.
قمر… آه قولتلي، طيب يلا عشان الكبير ميزعلش لو اتأخرنا.
والناس زمانها على وصول.
فضحك حمدى… تمام يا ست الكل.
أثناء ذلك كان حمدان قد تواجد مع رجاله وأمرهم بمحاصرة المكان ورفع الأسلحة للحذر من إي حدث شيء.
ثم وصل إليه حمدى مع قمر اللي غنغنت في مشيتها أمام حمدان حتى وصلت إليه ورأت في عينيه المتسعة الرغبة.
فضحكت وحدثت نفسها… هانت يا حمدان كلها دقايق والحكومة تدلعك أحلى دلع.
حمدان وقد دقق النظر إليها… أهلاً بيكي يا ست الستات، وأنا جيت أهو زي ما قولتي ثم غمزها وتابع بمكر… بس ممكن أعرف ليه طلبتي أكون موجود بنفسي؟
رخّمت قمر صوتها مرددة… صراحة يا حمدان بيه من ساعة ما عيني شافتك اليوم إياه لما جيت حدانا وجيت وراك مرتك.
وأنا دخلت دماغي جواي جواي.
فجحظت عين حمدان ولف شاربه بفخر مردفاً… بجد يا بت!
يعني أنا عجبتك عادي.
قمر… آه جواي وخصوصاً لما حسيت إنك راجل جواي ومسمحتش لمرتك تعلي صوتها عليك وروحت جاطع نفسها وخلصت منها.
فابتسم حمدان… آه، ده أنا عجبتك جواي، وأهي غارت بعد ما خلصت منها بيدي دي.
وهنا ابتسم محمود حين أخذ اعترافه بقتل زوجته فهيمة وبالتالي تبرئة جابر من ذلك الجرم.
رددت قمر بسخرية… لا راجل صوح يا حمدان بيه.
ثم لاح نور سيارة العميل اللي سيشتري منهم تلك المواد المخدرة.
فصاح حمدى لحمدان… الباشا وصل يا حمدان بيه.
حمدان… تمام حلو جواي، يلا نبدأ الشغل، ثم طالع قمر مبتسماً بقوله… تخلصي بس العملية دي وأفضالك يا ست الستات وأحلى بوجك العسل ده بكل اللي تطلبيه.
قمر… وأنا مستنياك على أحر من الجمر يا سيد الرجالة.
فابتسم حمدان، ثم خطى خطواته مع حمدى، لاستقبال السيد كامل.
ابتسم السيد بقوله… معقول حمدان بيه بنفسه موجود، عاش مين شافك يا كبير.
حمدان… أهو جيت أجي بنفسي، عشان أسلم عليك يا غالي.
السيد… تسلم يا كبير، وعشان الحركة دي هزود المبلغ خمسين حتة تشبرقها على حبايبك.
حمدان… لا كلك ذوق يا سيد.
ثم أشار حمدان بإخراج البضاعة من السيارة، والتفت السيد لإحضار حقيبة الأموال.
وعند لحظة تسليم كل منهما للآخر، هنا أطلقت سيارة الشرطة سيرينها العالي وصاح محمود في الميكروفون… بوليس.
المكان محاصر من جميع الجهات، فميش داعي للمقاومة، والكل ينزل سلاحه جنبه ويستسلم وإلا هيتعرض للقتل من قبل القوات المسلحة.
وهنا اتسعت عين حمدان على أخرهما ونظر إلى حمدى اللي وضع يده على رأسه وظهر على وجهه الفزع مردفاً بتوتر… كبسة يا حمدان بيه، وهتتطربق فوق راسنا.
فخرج حمدان عن ذهوله مردفاً… لا مش حمدان اللي يستسلم بالسهولة دي.
ثم صاح في رجاله، محدش فيكم يرمي سلاحه، وكل واحد يدافع عن نفسه، وأنا أولكم مش هخلي الحكومة بعد العمر ده كله تضيع اللي عملته سنين، ده على جثتي عادي.
ثم رفع سلاحه وتأهب لمقاومة الشرطة مع رجاله، فتبادلوا إطلاق النار.
فعم الذعر قلب قمر وأخذت تصرخ، ولاحظ محمود ذلك فخشي عليها.
فتطرق لأذن حمدى ما قالته أثناء إطلاقه النار على الشرطة مدافعاً عن نفسه.
فصاح بصدمة… أنتِ معقول الخاينة يا قمر؟
يا بت المركوب، طيب والله منا سيبك.
وخلي الحكومة تنفعك بجاي.
أنا ورامي والزمن طويل يا قمر.
ووالله لأندمك على اللي عملتيه ده وأخليكي تبكي بدل الدموع دم.
رواية اولاد الجبالي الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم شيماء سعيد
علم حمدي أن قمر هي من وشّت بهم عندما سمع حديثها مع محمود.
فصاح بصدمة:
— أنتِ معقول الخاينة يا قمر؟
— يا بت المركوب، طيب والله منا سيبك وخلّي الحكومة تنفعك بجاه.
لذا قرر أن يقتص منها نظيرًا لخيانتها تلك،
وأخذ يتسلل بين أفراد العصابة وأفراد الشرطة متفاديًا طلقات الرصاص التي تأتي من كل مكان
حتى اقترب من قمر التي كانت تستعد في تلك اللحظة مع محمود للخروج سريعًا من أرض القتال المميت الذي تساقط فيه كثيرًا من رجال حمدان وأيضًا بعضًا من أفراد الشرطة.
فصوّب نحوها مسدسه
قائلًا بأعلى صوته:
— قمرررررررر!
فانتفض قلب قمر عند سماع صوته والتفتت لتجده مصوبًا نحوها المسدس فصرخت.
فأطلق نحوها الرصاصة ولكن سرعان ما محمود الذي كان يراقبها من حين إلى آخر
وعندما سمع نداء حمدي لها ورأى في عينيه الغدر،
فأسرع إليها في تلك اللحظة التي أخرج بها حمدي مسدسه.
فضغط على رأسها وأجبرها أن تنحنى سريعًا فمرت الطلقة فوق رأسها
بعد أن كانت كفيلة أن تؤدي بحياتها.
ليباغت محمود بعد ذلك سريعًا حمدي بطلقة في قدمه فصرخ على إثرها وسقط في الأرض.
فحدّث محمود أحد جنوده بالأمساك به قبل أن يرتكب أي حماقة أخرى.
ولكن حمدي صرخ رغم ألمه مرة أخرى:
— مش هرحمك برده يا قمر، ومهما طال الزمان مسيرنا نتقابل.
مما أثار الرعب في قلب قمر ولكن محمود طمّأنها بقوله:
— متخافيش وخلّي عندك ثقة في الله وهو هيفضل تحت عيونا حتى لو خرج من السجن.
فأومأت قمر برأسها مستسلمة لمصيرها.
أما حمدان فظل يقاوم الشرطة حتى استطاع أحد رجال الشرطة محاصرته من الخلف والإمساك به
فانهار وأخذ يردد:
— لاااا أنا حمدان الجبالي أنا ملك البلد دي، محدش يقدر عليه.
— وأنا ليه معارف كتير وهوريكم كيف هطلع منها زي الشعرة من العجين.
فوقف محمود أمامه وابتسم بتهكّم:
— لسه بتكابر يا حمدان يا جبالي، طيب لو طلعت من قضية المخدرات ومعرفش هتطلع منها إزاي وأنت مقبوض عليك متلبس، هتطلع إزاي من قضية قتل مراتك فهيمة؟
تلون وجه حمدان من الصدمة مردفًا:
— لا أنا مكتلتهاش، مكتلتهاش.
محمود:
— لا قتلتها واحنا سجّلنا اعترافك بقتلها قدام قمر.
فبكى حمدان مردفًا بنحيب:
— لا هي اللي كتلتني من يوم ما اتجوزتها، وخلتني أمشي في طريق الشيطان بعد ما كنت باكل بعرق جبيني لقمة حلال.
— صدّقني يا باشا هي اللي كتلتني وكتلت الشريفة العفيفة مرتي فريال ودَسَت السم في العسل.
— أنا بريء يا باشا، بريء.
— أيوه بريء، فسبوني أنا واقبضوا على منصور الجبالي راس الحية.
— اقبضوا عليه واعدموه يا باشا مش مرة واحدة لا مية مرة، عشان هو السبب في كل اللي حصلي ده.
— أنا كنت في حالي وكافي شري، بس هو اللي مسبنيش في حالي وخلاني شيطان.
محمود بتهكّم:
— أنت هتقولي يا حمدان.
ثم أشار إلى العسكري بوضع الحديد في يده وزجه إلى عربة الشرطة.
وعندما وجد أتباع حمدان أنه تم القبض عليه،
فألقوا سلاحهم واستسلموا لقوات الشرطة.
لتنجح مهمتهم بنجاح ولكن يشوبها الحزن على ما فقدوه من جنودهم البواسل الشهداء.
وتم الزج بحمدان وأعوانه داخل السجن لحين محاكمته،
أما حمدي فقد أُخِذ إلى مستشفى السجن من أجل إخراج الرصاصة التي أصابت قدمه.
أما منصور فشُدِّدَت من حوله الحراسة في المستشفى حتى يأتي اليوم الذي تستطيع به الشرطة مواجهته بالأدلة والبراهين
كل ما نُسِبَ إليه من أعمال خارجة عن القانون من تجارة المخدرات وتهريب الآثار واغتصاب حتى الموت
وهذا غير انتحال شخصية أخيه بعد قتله.
…………..
استيقظ براء من نومه وفتح عينيه ليجد تلك الحورية الصغيرة بجانبه وقد وضعت رأسها على صدره وتنام بإرياحية كأنها طفلة على صدر والدتها.
فأخذ يداعب خصلات شعرها بيديه،
ثم رفع رأسه ليقبّل مقدمة رأسها،
فشعرت زاد بحرارة قبلته فاستيقظت على إثرها،
وفتحت عينيها ببطء،
لتجد أنها على صدره فخجلت وابتعدت سريعًا مردفة:
— معلش محستش بنفسي وأنا نايمة.
فابتسم براء وحاوَطَها بذراعه مردفًا بحب:
— آسفة إيه بس، متصوّريش أنا فرحان جدًا إيه لما صحيت لقيتك أكده.
— حسيت فعلًا إني ممكن أكون أمان ليكي وتنامي مرتاحة وأنتِ على صدري.
ليضمّها براء أكثر إليه متأثِّرًا رائحتها العطرة ثم تنهّد قائلًا:
— ياااه مكنتش أتصور إن حضنك دفا وحلو أوي كده، حضن نسّاني الدنيا كلها وبقيتي أنتِ كل دنيتي.
— وبتمنى الوقت يقف على اللحظة دي.
دقّ قلب زاد وتراقصت نبضاته لتلك الكلمات التي لم تكن تتخيل أنها ستسمعها منه بعد ما حدث.
فلم تدرِ بما ترد عليه فصَمَتْ خجلًا.
فأبعدها براء عنه ودَقَّقَ النظر إلى عينيها هامسًا:
— بحبك، بحبك أوي يا زاد.
— صدّقيني يمكن أضعاف ما بتحبيني كمان.
فتَنَهَّدَتْ زاد بحرارة مردفة:
— يااااه يا براء، أنا حاسة زي ما بكون بحلم، حلم جميل، مش عايزة أصحى منه أبدًا.
— متتصوّريش أنا استنّيت اللحظة دي قد إيه؟
— واتوجّعت قد إيه لغاية ما سمعت منك الكلمة دي.
ثم دَمَعَتْ عيناها مردفة بصوت ألم براء وجعله يندم على معاملته الحادة معها.
زاد:
— ياما نمت ليالي طويلة دموعي على خدّي، ده غير النار اللي كانت في جوفي وكل ليلة أقول أنا أكيد هموت من كتر الحزن والقهر ولما كنت أصحى استغرب أنا لسه عايشة إزاي.
— طيب أنت ليه بتعمل فيه كده؟
— أنا عملت إيه؟
— أنا معملتش حاجة غير إني بحبك واستنّيت كتير أوي اليوم إلخ تصارحني بحبك، بس كانت صدمة العمر إنك بدل ما تصارحني بحبك، جيت تصارحني بحب صاحبك وطلبه للجواز مني.
— ساعتها حسيت إن الدنيا بتدور بيها وإني في كابوس نفسي أصحى منه وإن كل اللي كنت عيشاه وكنت فاكرة إنك بتحبني زي ما بحبك طلع وهم كبير.
— فصرخت ساعتها وقولت موافقة من كتر النار اللي كانت مولِّعَة في قلبي.
لتبكِ بعدها زاد وتَنهَمْرَ دموعها ساخنة على وجنتيها،
فشعر براء بالندم على ما فعله بها ولكنه كان رَغْمًا عنه حيث لم يدرك أنه كان يحبها بل كان موهومًا بحب قمر.
فضَمَّها براء إليه بقوة وأخذ يردِّد:
— أنا آسف، آسف يا زاد.
— أنا مش عارف كان فين عقلي ساعتها، ده أنا شكلي كنت مجنون بجد بس الحمد لله ربنا خد بيدي وعقلت ودَلَّوكِ أنتِ مرتي وحبيبتي وهدية من ربنا ونعمة هفضل أشكر ربنا عليها طول عمري.
ابتعدت زاد عنه قليلًا ثم رسَمَتْ على ملامحها الغيظ واندفعت بقولها:
— مش عارف حضرتك كان عقلك فين، ولا عامل نفسك عبيط!
— أفكِّرك أنا، كنت عتحب في ست الحسن والجمال قمر.
فتغيَّر لون وجه براء عند سماعه اسم قمر،
وقام عنها وكأنه لُدْغَ من ثعبان وأَجْهَشَ بصوت عالٍ غاضبًا:
— زاد أنا ممكن استحمل أي عتاب منك أو أي كلمة متلدش عليها، لكن إنك تجيبي سيرة الشيطانة الخاينة دي جصادي تاني، فده اللي مش مسمحولك بيه أبدًا، أنتِ فاهمة؟
ارتبكت زاد وشعرت أنها قامت بجرم فظيع لم تكن تقصده وما دَفَعَهُ إليه هو الغيرة لا أكثر.
فحَمْحَمَتْ بحرج بعد أن تَحَشَّرَجَ صوتها:
— أنااااا آسفة يا براء.
— وأوعدك مش هجيب سيرتها واصل تاني.
— بس أنت أهدى أكده واجِعْدْ.
ولكن براء قد تعكَّر دمه بالفعل ولكنه حاول التماسك وتهدئة نفسه
لأنه يعلم أنها لا ذنب لها في انفعاله وغضبه من إنسانة وثِقَ بها وحبَّها وأعطاها كل ما تريد
ولكن لم يَجْنِ منها سوى القهر والخيانة.
فطَأْطَأَ رأسه بخزيٍّ وهمس:
— معلش يا حبيبتي، أنا هدخل أتسبَّح وهطلع ألبس وأخرج لأمّي أطمِّن عليها.
— وبستأذنك نفطر معاها، لكن لو مش حابَّة، خلِّيكي وأنا هطمِّن عليها وهاچِي نفطر سوا.
فابتسمت زاد بنعومة فدقَّ قلب براء لبراءتها تلك مردفة:
— عَتْجُولْ إيه بس يا براء، أنا أصلًا مبعرفش أكل لقمة غير مع مرت خالي، دي أمّي اللي ربَّتني وأحنّ واحدة عليَّ بعد ربنا سبحانه وتعالى.
فابتسم براء واقترب منها وطَبَعَ قبلة على وجنتيها مردفًا بغيرة:
— إيه ده كله لست زهيرة، طيب أنا إيه وضعي حدَّاكِي.
ابتسمت زاد:
— أنت زادي وحالي وأنيسي وحبيب عمري.
فابتسم براء ثم غَمَزَها بمكر بعد أن افْتَرَشَ بجسده مرة أخرى بجانبها مردفًا بعشق:
— الله الله على الكلام اللي بينْجَطْ عسل أبيض ده.
— بس فيه حاجة مهمة أنتِ نسياها.
ففتحت زاد عينيها على وسعهما مردِّدَة باستفهام:
— حاجة إيه؟
براء:
— إن عندنا في شغل الحكومة مينفعش معانا الكلام بدون دليل.
— وعشان كده عايز دليل ودَلُّوكِ حالا.
زاد:
— جصدك إيه يعني؟
فأشار براء إلى فمه،
فضحكت زاد مردِّدَة:
— آه يا جليل الرباية.
براء بغضب طفولي:
— طيب أكده، أنا هوريكي كيف جليل الرباية دَلَّوكْ.
لينغمس معها مرة أخرى في لحظاتهم السعيدة التي لا تنتهي.
………
ارتدى باسم ملابسه وعينيه تملؤها الفرحة بعد أن غابت عنه لفترة طويلة
ولاحظت عزة ذلك.
فأوجَعَها قلبها وحدَّثَتْ نفسها:
— هو ماله أكده شكله مبسوط جوا على غير عادته وعَمَّالْ يدَنْدَنْ ومغرق نفسه برِفْهانْ.
— يكونش رايح يشوف البت اللي بيجول عَيْحِبْها.
— آه أكيد شكله أكده.
ثم رَدَّدَتْ بغيظ:
— طيب وأنا مالي ميشوفها، هو أنا إيه مزعلني.
ولا تكونيش فاكرة إنك مرَّتْه صوح وهتغيِّرْي عليه.
لا فوْجِي لنفسك يا بت بسطاويسِي.
أنتِ واحدة خاطية في نظره ويستحيل هيبصّ ليكي غير أكده وملكيش أي حقوق عندِه.
فتحطِّي في خشمك بولغة عاد وتسكتِّي خالص وتحمَدِّي ربَّك إنَّه سَتَرَكْ وأَوَاكِي في بيته وطلع شهم وإلا كان زمانك في خبر كان من أبوكِي أو هو.
فاكْلِمْ عاد وأجُولْ إيه بس.
بس مش عارفة مالي ليه الغيرة عَتَاكِلْ في جِلْبِي.
أوعْيْ عَتْكُونِي عَشْجَتِيهْ يا عزَّة.
فوضَعَتْ يدها على فمها وابتسمت:
— معقول ده؟
— أكون حبِّيتْهُ، ومش معقول ليه؟
— هو حد ميحبِّش دكتور باسم برْدَكْ، جمال وهيبة وأخلاق.
— ياااه لو مكنش عملت اللي عملتِهْ قبل ما أتْجَوْزْهْ وهو كان أول واحد في حياتي كان ليه جَوْلْ تاني معاه.
بس اللي حَصَلْ ثم دَمَعَتْ عيناها واكْمَلَتْ:
اللي حَصَلْ يخلِّيني أسكت وأتحمَّلْ مهما حَصَلْ منِّيهْ.
ومش بس أكده لأنِّي عارفة إنِّي عمري ما عَيْبْصَلِي طول ما هو جَلْبِهْ متعلِّقْ بحدّْ تاني.
آآآاه يا نار جِلْبِي من اللي حَصَلْ وكمان دَلَّوْكْ جِلْبِي دَقْ لواحد عمْرُهْ ما جَلْبُهْ يَفْكِرْ فيَّ واصل وعندِهْ حق.
بس مش قادرة برْدَكْ أسكت، أنا عَجُومْ أكْلِمْهْ وأتَأَكَّدْ رايح فين؟
فوقفت عزَّة وخَطَّتْ خطواتِها إليه بقلب مرتجِّف حتى وقفت بجانبِهْ
وحاولت إخراج كلماتِها بصعوبة ولاحظ باسم أنَّها تريد التحدَّث بشيء.
فحاول التبسُطْ إليها مردفًا والابتسامة تعلو ثغْرَهُ،
مما جَعَلْ قلب عزَّة ينْفَطِرْ حُزْنًا أكثر لأنَّها ليس لها حقٌّ به.
باسم:
— مالَكْ يا عزَّة، شكلَكْ بيجُولْ عايزَةْ تجُولِي حاجة.
— أنتِ كويسة؟ حاسِّةْ بحاجة؟ عايزْكْ أَخْدَكْ لدكتور تِطْمَنْ عَلَيْكِ عَ الْلي بِطْنَكْ؟
أشعلت كلماتُهُ النار في جَوْفِ عزَّة،
فلم تَدْرِ بنفْسِها والا وأخَذَتْ تَضْرِبْ بِكِلْتَىْ يَدَيْها عَلَى بَطْنِها مردْفَةْ بِغَصَّةْ مُرِيرَةْ:
— أنا مش عايزَةْ الْلي بِطْنِي، مش عايزَةْ الْحَرَامْ دَهْ، الْلي هَيْمَنَعْنِي مِنْ الْحَلَالْ وْهُوْ وَاقْفْ قُدَّامِي وْمَشْ قَادِرَةْ أكْلِمْهْ وْلا أَلْمُسْهْ وْلا أَسْأَلْ هُوْ رايْحْ فِينْ وْجَايْ مِنْإِينْ وْلا لِيْهْ عَلَيْهْ حَقْ وَاصِلْ.
اتْسَعَتْ عَيْنْ بَاسِمْ مُصْدَوْمًا وْهُوْ يَرى عَزَّةْ عَلَى هَذَا الْنَحْوْ، تَضْرِبْ بَطْنَها حَتَّى أَصَابَهَا الْأَعْيَاءْ حَتَّى أَنَّهَا أَغْشَى عَلَيْهَا وْسَقَطَتْ فِي الْأَرْضْ.
فَارْتَبَكْ بَاسِمْ وْأَخَذْ يَرْدِدْ:
— لا حَوْلْ وَلا قُوَّةْ إِلا بِاللَّهْ، هُوْ أَنَا نَاجِصْ هَمْ، دَهْ أَنَا مُصْدَقْتْ مَلِكْ بَدَأَتْ تَخِيفْ بَعْدْ مَا الْمُخَدِّرْ بَدَأْ يَنْسْحَبْ مِنْ جِسْمْهَا وْكُنْتْ رايْحْ أَطْمَنْ عَلَيْهَا فِي الْمُسْتَشْفَى.
— تْجُومْ أَنْتِ تْعْمَلِي إِكْدَهْ وْتْوَجْعِي مِنْ طُولَكْ.
— أَعْمَلْ إِيهْ أَنَا دَلْوَكْ فِي الْمَصِيبَةْ دِي؟
— أَمْرِي لِلَّهْ هَشِيلْهَا الْهَانِمْ لِلسَّرِيرْ وْأَحَاوَلْ أَفْوْقْهَا، وَأَشُوفْ مَالْهَا إِتْتْعَصَّبْ لِيْهْ إِكْدَهْ.
هو أنا اللي جولتلها أمشي في الحرام.
مش كفاية إني سترتها ودريت على عملتها السودة عشان ربنا يسترها معايا.
فأمسك باسم ظهرها ثم حملها على الفراش، وتناول زجاجة العطر ونثر منه على أنفها حتى استفاقت.
فطالعتْه بحب ثم ذرفت الدموع، فأشفق عليها باسم مرددا:
إيه يا عزة مالك يا بنت الناس، مش قولنا خلاص اللي حصل، ومتقلقيش من اللي جاي، لازمة إيه بجد تعملي إكده؟
طيب لو مش خايفة على اللي في بطنك خلي بالك على نفسك.
لأن واعر عليكي لو حصل حاجة للي في بطنك.
فاكتفت عزة بالبكاء ولم تجبه بأي كلمة.
فحرك باسم رأسه باستياء مردفا:
وبعدين لك عاد، أنا مش بستحمل الدموع دي.
فتفاجأ به تمد يدها لتلمس يده وتطالعه بنظرات عجيبة لا يفهمها، لتردد بعدها:
يعني عيهمك دموعي صوح يا باسم.
فأبعد باسم يده بحرج مردفا:
جدًا يعني عمومًا أنا مهستحملش حد يبكي قدامي، تقدري تجيبي لي رهيف حبتين.
لتلقي عليه عزة القنبلة في وجهه بقولها:
معشان إكده حبيتك يا باسم.
فوقف باسم وكأنه صعق وتبدل لون وجهه مرددا:
أنتِ قولتِلي إيه يا عزة.
أنتِ أكيد بتحلمي يا بنت الناس، ومش معنى إني سكت وسترت عليكي، يبقى ده يديكي أمل إني ممكن أنسى اللي حصل وأعيش معاكي عادي، لا مش ممكن يحصل.
وكمان غير ده أنا قولتلك إني بحب إنسانة مفيش زيها واصل.
وأنتِ بس أكيد موهومة مش أكتر، فبلاش تدخلي نفسك في عذاب تاني وخلينا أكده يا بنت الناس.
أنتِ مرتي على الورق بس وملكيش أي حقوق عندي.
وبعد ما تولدي، ممكن أسرحك لوجه الله ونطلق عشان تشوفي حالك عاد.
فصرخت عزة:
لااااا خليني شاركك العمر كله يا باسم.
وان كان على الحقوق أنا مش عايزة منك حاجة، أنا كفاية أطلع لك أكده بس وأحس بنفسك معايا.
وخابرة إنك بحب، وبدعي لك ربنا يوفقك معاها.
وجيبي بردك عيجيب لي إنك رايح تجيبها صوح.
فحرك باسم رأسه:
أي نعم.
فتنهدت عزة بغصة مريرة مردفة:
وماله، روح يا دكتور، ربنا يسعدك معاها وانسى أي كلمة أنا قولتها زعلتك.
فطالعها باسم بريبة، فلم يعد يفهمها ولا يعلم ما تريد منه.
واكتفى بإيماءة رأسه وخرج يقصد المستشفى نحو ملك.
أما هي فدفنت رأسها في الوسادة وصرخت بقهر حتى لا يسمع صوتها أحد.
………..
حاول باسم الهدوء وإلا يشغل تفكيره عزة حتى يقبل على ملك بذهن صافي ولكن للأسف تكدر محدثًا نفسه:
وادي جزاة معاملتي معاها، قالت بحبك جاي وشوية شوية قولي أنا مرتك وليك حق ومش بعيد توقف في قربي من ملك.
وأنا اللي مصدقت شوكة أبويا خلصت عاد وكمان ملك تطلع وساعتها مش هنتظر ولا دقيقة واحدة تانية وهجوزها.
ولو حاولت عزة توقف قدامي، هطلقها وتشوف حياتها بعيد عني وبزيادة إني اتحملتها كل ده.
ثم تابع:
بس بس وشيلها من دماغك عشان لما تكلم مع ملك متحسش بحاجة.
ثم تنهد وحاول رسم ابتسامة على وجهه ودخل إلى غرفة ملك في المستشفى، فوجدها على السرير تجلس بإريحية تضع حجابها، وتقرأ في كتاب الله.
وتطرق لأذنه آية:
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
فوضع باسم يده على قلبه مرددا:
وأنا صبرت كتير ودلوقتي جه الحساب.
باسم:
السلام عليكم، كيفك دلوقتي يا ملك؟
أغلقت ملك كتاب الله، ثم طالعتْه بابتسامة مشرقة خطفت عقله مرددة:
وعليكم السلام، الحمد لله أحسن كتير يا دكتور.
تجهم وجه باسم مردفا:
إيه دكتور دي، أنا باسم بس يا ملك.
ملك بخجل:
يعني بردو الناس مقامات.
اقترب منها باسم مرددا:
وأنتِ مكانك في قلبي عالي جوا جوا يا ست البنات.
احمرت وجنتيها خجلاً مردفة:
وبعدين يا دكتور باسم.
أنا أه خابرة اللي عملته معايا ومش هنسى جميلك ده واصل.
بس صدقني كيف ما قولتلك زمان احنا مننفعش لبعض، أنت فين وأنا فين، ومش بس دي كمان المشكلة دلوقتي.
أنت كمان جيت راجل متجوز، وفيه واحدة أحق بيك مني.
فانفعل باسم غاضبًا:
إيه اللي قالتِيه ده يا ملك.
أولًا أنتِ هنا في قلبي، ثانيًا يا ستي، أنتِ خابرة جوازي كان غصب وكمان طلعت كيف ما قولتلك وأنا عملت اللي قولتِ عليه وسترتها وعستناها لما تولد كمان.
لكن غير أكده على مرتي على الورق بس، ملهاش أي حقوق عندي وهي خابرة أكده كويس.
لكن أنتِ حاجة تانية، أنتِ حبيبتي، وعشاني مرتي على سنة الله ورسوله، أول بس ما تطلعي وتطلعي من إهنة بالسلامة.
هروح أتجوزك يا ملك وهنجوز.
ومفيش حاجة هتقدر توقف قدامنا تاني.
رقص قلب ملك فرحًا، أنه أخيرًا سيجيب الله دعوتها وسيكون لها في الحلال.
لكن ما زال أمر زواجه حتى لو كان على الورق يقلقها، فكيف تسمح لنفسها أن تأخذ رجل سبقتها إليه امرأة أخرى.
وتخشى أن تظلمها لأنها تعلم أنه يهواها هي ويكرهها هي.
فرددت ملك:
بس يا باسم..!
باسم:
مفيش بس، والا أنتِ مش بتحبيني زي ما بحبك يا ملك.
متصوريش أنا اتعذبت في بعدك قد إيه وعشت ليالي زي ما يكون واحد بيطلع في الروح لكن مش بيموت بيتعذب بس.
ويوم ما الحمد لله ربنا فرجها تقولي بس.
لا مفيش بس يا ست ملك ولو حتى أنتِ مش موافقة، أنا هجوزك غصب، ها قولتِ إيه؟
فابتسمت ملك، فكبر باسم:
الله أكبر.
كده أنا مش هصبر وهطلع من إهنة على بيت عم هروح دي عدل.
فلمعت عين ملك بالدموع مرددة:
يا ترى أبويا حاله إيه دلوقتي، بعد اللي حصل لقمر، أكيد الناس عتاكل وشه.
والله خايفة عليه جوا يا باسم، ياريت صوح تروحله وتطمني عليه، لأنه من ساعة ما عرف إني إهنة وده يزورني مرة واحدة وجاي يبكي على خسرته عليا وعلى قمر، ومشى مشاش تاني.
وجيبي وجعني عليه جوا.
باسم:
لا متقلقيش، أنا هطلع من إهنة عليه على طول.
…….
استفاق منصور من غيبوبته مرة أخرى وأخذ يردد:
نهلة، نهلة، أنتِ فين يا بت.
مهملة أكده منصورك حبيبك بردو.
تعالي يا بت، نفسي أشوفك وأطلع لعينيكي الحلوين دول.
ومهيمنكيش حد، أنا أصلًا مش مصدقهم عاد، إنك اللي عملتِ فيا أكده.
هما غيرانين منك، أنا خابر، ومش عايزين يشوفوني مبسوط.
جبر يلمهم كلهم، أنا بس أقف على رجلي وهوريهم مكانهم عيال المركوب دول، عيال زهيرة.
لكن أنتِ غالية وهتفضلي طول عمرك غالية يا بت.
بس تعالي أشوفك.
سمعت الممرضة حديثه، فخرجت إلى الطبيب مسرعة، لتخبره في الأمر.
فزفر الطبيب بضيق:
هو فاق حضرته وبرضو بيسأل عليها.
أمال لما يعرف إنه خلاص كل حاجة انكشفت والحكومة مستنياه على نار عشان تحاكمه هيعمل إيه.
ثم ضحك بسخرية:
ساعتها يمكن يروح فيها خالص ونستريح من أمثاله المجرمين.
آه لو بيدي كنت حقنته حقنة تخلصنا منه، لكن للأسف واجبي كطبيب ميسمحش ولازم أكون جانبه لآخر نفس.
ونفسي فعلًا أشوف وشه والظابط بيقوله:
أنت مش منصور، أنت ممدوح الجبلاوي؟؟
رواية اولاد الجبالي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم شيماء سعيد
غلبه الشوق محمود وشعر مجددا بالاحتياج لرؤية نهلة ولم يصبر حتى تخرج من السجن بعد.
لذا قرر الذهاب إليها ليروى عطش قلبه لرؤيتها ليكون أول شخص تراه عندما تخرج من مركز الشرطة بعد الإفراج عنها.
حيث سارع محمود في بداية الأمر إلى إنهاء إجراءات الخروج، ثم أمر البشويش عطيات أن تذهب إليها وتعطيها فستانا جديدا قد اشتراه لها لتبدل به ملابس السجن وأن تهتم براحتها حتى تخرج بأمان.
تعجبت عطيات من حديثه واهتمامه بتلك النزيلة (نهلة) التي تعرف ماضيها جيدا.
كما رأت عطيات لمعة عين محمود عند حديثه عنها، فأدركت أن وراء هذا الاهتمام الزائد حب أكيد.
فحدثت نفسها:
شوفي البت اللي مش سايبة حد في حاله، في الأول قدرت تجيب رجل سيد البلد كلها بجلالة قدره منصور وتخليه يجوازها، ودلوقتي كمان سيادة المقدم بذات نفسه، لا أكده كتير جوا جوا، هي البت دي ايه اللي سحرلهم اكيد بعينيها السهرانة دي.
بس كله كوم وسيادة الباشا كوم تاني، دي متنفعوش خالص ولا من طينته.
هو عايزله واحدة كيفه مصرية متعلمة هانم صوح، مش بت فلاحة زي دي تعرّه قدام الخلق.
بس أجل ايه مراية الحب عمياء عاد، خليه يشرب بيها.
بس برضو أظن يعني محدش من أهله هيوافق على الجوازة العرّة دي.
دي غير انها لسه على ذمة راجل، يا عيب الشوم، كيف بس يفكر فيها.
ثم ختمت حديثها بقولها:
يلا وأنا مالي، هو حر عاد.
لما أروح لها أديها الفستان.
ثم توقفت للحظة مرددة بتفكير ونفس حقودة:
بس والله خسارة فيها البت دي.
ده فستان شغله عالي واكيد بالشيء الفلاني.
واكيد عيشها أحلى على بتي سمية، بس أعمل ايه لو دريته وطلعت بفستانها الجديم عيسألها عن الفستان اللي جابه.
وأروح أنا في سين وجيم، فعلى ايه أديهولها وأريح دماغي.
فذهبت إليها وقامت بالنداء عليها ساخرة:
ست نهلة.
فقامت نهلة على الفور مردفة:
خير يا بشويش عطيات.
عطيات بتهكم:
خير يا أختي وأنتِ عارفاه، أخيرا هنرتاح من خلقتك اللي تسد النفس وتخرجي من إنه.
بس على الله تلمي نفسك وتمشي جنب الحيط بعد اكده، عشان متشرفيش إنه تاني.
فانفرجت أسارير نهلة وظهر على وجهها الفرح مرددة:
اللهم لك الحمد.
ثم انطلقت مسرعة إليها مرددة:
لا دي أخر مرة وهمشي جنب الحيط ولا أجلك أنا مش ههمل دارنا واصل.
فأمسكتها عطيات بقوة من معصمها وعينيها تطلق منهما شرار الغل والحقد مرددة:
طيب يا أختي لما نشوف، أنجري يلا خلينا نخلص منك ومن وشك العكر ده.
ثم حركت شفتيها بتهكم مرددة:
وعشان كمان البيه محمود مستنيكي على نار برا.
بس عايزة أقولك نصيحة يا بت الناس وأديكي شوفت اللي حصلك من جوزتك من سيدك منصور الجبالي، فابعدي عن البيه لإنك متنفعيش ليه وهتبقي برضو جوازة شوم ويعلم آخرتك تبقي فين المرة دي، ومحدش هيتقبلك من أهله واصل.
مش بس اكده كمان، ده مش بعيد يرفدوه من الحكومة، لو سمعوا خبر أنه رايدك يا بت، يرضيكي اكده؟
فانفطر قلب نهلة وتحولت سعادتها لحزن ارتسم على وجهها البريء، فوضعت يدها على قلبها متألمة مرددة:
لا ميرضنيش، وأنا عارفة مجاميع زين وعارفة معينفعش.
ثم ابتلعت غصة مريرة في جوفها مرددة:
لا ميرضنيش وشكرا على النصيحة يا خالة.
فابتسمت عطيات بشفى مرددة بمكر:
ايوه اكده يا بتي، اكده تبقي عاقلة بصحيح.
ويلا همي عشان تخلصي من السجن وأرتاح.
فحدثت نفسها نهلة بمرارة:
لا على اكده كان السجن أحلى وهو قريب مني وعوشوفه وأحس باهتمامه وأشوف نظرة عينيه اللي كلها حب، لكن دلوقتي خلاص هطلع من سجن لسجن تاني عحبس فيهم جلبي وابعد عنه عشان مصلحته.
آه يا جلبي، شكلك مش مكتوبلك الفرح واصل.
أخرجتها عطيات عن شرودها بقولها:
مالك وجفة اكده وهتبرطمي أقولك ايه عاد، همي يلا وخدي الفستان ده، جيبهولك الباشا عشان تلبسيه وأنتِ خارجة.
فأخذته نهلة وضمتها لصدرها وانهمرت دموعها بحرارة على وجنتيها ولكنها رفضت ارتداؤه وأصرت أن تخرج بنفس تلك الملابس التي جاءت بها.
حتى حانت لحظة الخروج وكان محمود في انتظارها ولمعت عينيه من الفرحة لرؤيتها ولكنه سرعان ما تمعض وجهه عندما لم يجدها ترتدي الفستان الذي جلبه لها.
تقدم منها محمود وحاول إخفاء تمعضه وابتسم بقوله:
أخيرا يا نهلة.
ثم داعبها بقوله:
كفارة يا راجل.
ابتسمت نهلة رغما عنها مرددة:
تشكر يا باشا.
وأنا متشكرة جوا جوا على كل اللي عملته معايا.
ودلوقتي استأذنك عشان أروح لأبويا، عشان اتوحشته جوا.
وهمت أن تغادر ولكنه استوقفها بقوله:
استني يا نهلة، أنا هوصلك.
غالبة نهلة مشاعرها وحاولت رسم الجدية على وجهها مرددة بغلظة:
لا تشكر يا بيه لحد اكده، متتعبش نفسك.
وصوح أمسك من يدي الحاجات اللي جبتها دي، ملهاش لزوم ومتنفعش معايا دلوقتي لأني خلاص مبقيتش نهلة هانم اللي كانت تسكن قصر الجبالي وهرجع لأصلي بت الأجير الغلبانة.
ألقت نهلة كلماتها تلك بين صدمة محمود التي ارتسمت على ملامح وجهه ولم يدرِ بما بقيها ولا يعلم سر تحولها هذا.
فتساءل أهذه حقا نهلة التي أحبها من لطافة كلماتها وبرائتها، فكيف لها أن تتحول إلى تلك الشرسة التي تحاوره الآن بجمود وكلمات لاذعة.
طالعها محمود بغرابة مردفا:
نهلة فيه إيه؟ مالك فهميني؟
إيه غيرك بالطريقة دي وبالسرعة دي؟
نهلة وهي تحاول تمتص النار التي في جوفها مردفة ببرود ظاهري:
مفيش حاجة يا باشا، شكله متهيجلك بس.
وخلاص خلصت الحكاية وانت عملت واجبك وتشكر، ومفيش أكتر من اكده وكل واحد يروح لحاله، عشان محدش يتلسن عليا وأنا ست لسه في عصمة راجل.
تلون وجه محمود غضبا واندفع بقوله:
واجب وتشكر، بقى كده يا نهلة.
وإيه عصمة راجل دي، منا قولتلك دي فترة وتعدي وسهلة جدا تتطلقي منه يا نهلة.
نهلة بإقتضاب:
أطلق ولا مطلقش، ملكش فيه عاد.
وبزيادة كلام وحديث، أنا ماشية عاد.
ثم التفتت وسارعت بخطواتها أمامه ولكن ما أن ولته ظهرها حتى أطلقت من عينيها العبرات.
أما هو فوقف في مكانه مذهولا وهو يراها تسرع أمامه في خطاها وكأنها تهرب منه.
محمود:
لا أنا مش قادر فعلا أصدق، معقول كنت عايش في وهم وصدقت انها بتبادلني نفس الشعور.
معقول قلبي خدعني أنا مش مصدق نفسي.
بس خلاص أنا مش هفرض نفسي عليها تاني وهي حرة في حياتها.
ثم أغمض عينيه بألم وفتح زر قميصه بعد أن شعر باختناق ثم جاهد بخطواته نحو سيارته حتى يعود إلى بيته ليدفن نفسه على فراشه متألما كلما تذكر ملامحها البريئة وابتسامتها الساحرة.
……
بلغ الغضب بصباح والدة محفوظ مبلغه من إلهام عندما قامت بالدفاع عن نفسها، فضربتها صباح دون شفقة في كل أنحاء جسدها وإلهام تصرخ من شدة الألم وتردد:
حسبي الله ونعم الوكيل.
وبينما كان محفوظ في الخارج شعر بنغصة في قلبه فردد:
إلهام.
فحدث نفسه:
جلبي عايشيعني مش عارف ليه؟
خايف عليها رغم وعلى منية، لا أنا هرجع الا تكون أمي عملت فيها حاجة.
منا عارفها طول عمرها بتكرهها.
فأسرع محفوظ إلى المنزل وعندما أقترب سمع صراخ إلهام.
محفوظ متألما:
آه يا جلبي، كل صرخة منك يا إلهام بتطلع من جلبي أنا.
ثم فتح الباب بقوة حتى أصدر صوتا قويا وأسرع إلى والدته مردفا:
حرام عليكي يا أما ايه اللي بتعمليه ده.
همليها يا أما، أرجوكي.
صباح:
لا مش ههملها بنت المركوب الخائنة دي.
ولا أنت خلاص يا ابن بطني حنيت ليها رغم اللي عملته؟
………
شعر والد قمر بالجوع فنزل ليبتاع أي شيء يسد جوعه ولكن ما أن نزل وراه الناس حتى بدأت الألسنة تخوض في عرضه.
فقال أحدهم:
هو ليه عين يوري وشه للناس بعد اللي حصل، كان فيه لما بته كانت ماشية على حل شعرها واخرها كمان اتسجنت، أنا لو منه كنت سيحت دمها وغسلت عاري بيدي.
ثم رد عليه آخر:
آه والله عندك حق، وكله كوم وبته التانية كمان كوم، اللي مش عارفين راحت فين.
وجال ايه في المستشفى، عيضحك علينا، لقيت واحد ابن حرام ضحك عليها هي كمان وهربت.
فتلون وجهه من الغضب وثارت الدماء في عروقه مع كل كلمة يرددها الناس حوله وتألمه كأنها خناجر تصوب إلى قلبه فتدميه.
فأسرع إلى ذلك الرجلين ووقف أمامهم غاضبا بقوله:
اتقوا الله يا ناس، حرام عليكم، أنتم معندكمش ولايا.
فأمسك به أحد الرجال مرددا بغضب:
والله يعني بتتعصب كيفنا اهو وبتشطر علينا، أمال مقدرتش على بناتك ليه يا راجل؟
والد قمر:
محدش ليه صالح ببناتي، وكل اللي بيغلط بياخد جزاءه، وأنا مش هسمح لحد يجيب سيرتهم على لسانه.
فضحك أحدهم شماتا:
لا والله، يا سبع الرجالة، يا أبو خضرة الشريفة.
فانفعل والد قمر وسدد له لكمات، فاجتمع عليه الرجال يضربونه.
ليأتي في هذه اللحظة باسم، الذي نزل سريعا من سيارته حين سمع صراخ والد قمر وتجمع الرجال حوله.
فدخل بينهم سريعا ليتفاجأ به ملقى على الأرض والدماء تتناثر من أنفه وشفتيه.
فصرخ باسم:
حرام عليكم، ايه اللي هتعملوه في الراجل ده.
أنا هوديكم في داهية.
ثم طالعة باسم بحزن كبير مردفا:
جوم معايا يا عمي.
والد قمر:
أنت مين يا ابني، وشك مش غريب عليا.
باسم بنوع من اللطف معه:
أنا ابن الجبالي دكتور باسم يا عمي.
فنكس والد قمر رأسه وبكى مردفا بغصة مريرة:
وعايزين ايه مني يا ولاد الجبالي، مش بيكفي اللي حصل منكم ولي حصل مع قمر؟
بعد عني وروح لحالك وهملني لحالي، وياريتك كنت سبتهم يخلصوا عليا، عشان أرتاح من الهم اللي أنا فيه ده.
باسم بشفقة عليه:
لا متقولش اكده يا عمي، وسيبك منهم، الناس طول عمرها مورش غير الكلام.
وأنا عارف قمر غلطت صح، بس هي خدت جزاءها وعارف اكيد ندمت ومسيرها تطلع وتكون أحسن من الأول.
ده غير ملك اللي محتاجةك جنبها، وبتوحشك جوا، ونفسها تشوفك.
فبكى والد قمر:
ملك بتي، اتوحشتها جوا بس مكنتش قادر أشوفها اكده.
أنت تعرفها يا ولدي؟
ثم تغيرت ملامح وجهه للغضب مردفا:
أوعي تكون أنت كمان منهم وعايز تضحك على بتي.
فطمأنه باسم:
لا معاذ الله يا عمي، أنا رايد بتك على كتاب الله وسنة رسوله، وجيت عشان أطلبها منك وياريت توافق عشان تسعدنا.
فابتسم والد قمر، فاطمئن قلب باسم ومسك يده مردفا:
طيب دلوقتي يا عمي ملكش جاعد في إنه تاني بين الناس دي
وهتجوم دلوقتي وتيجي معايا القصر، تعيش فيه معزز مكرم.
والد قمر:
لا يا ولدي أنا مقدرش أهمل بيتي واصل، أموت لو خرجت من إنه، وإذ كان على الناس فمهما روحت مش هيبطلوا يتلسنوا، بس الوقت مسيره ينسيهم.
باسم:
بس يا عمي عشان ترتاح شوية من جرحهم ده.
والد قمر:
لا يا ابني مقدرش والله.
ودلوقتي عايزك تخدني لملك أطمن عليها، عشان خلاص مبقيتش قادر إني مش شايفها أكتر من اكده.
بس اسمحلي أدخل أغير هدومي الأول.
فابتسم باسم وأومأ برأسه، لينقله بعد ذلك إلى ملك.
………
كانت بانة على فراشها نائمة ولكن كعادتها كل يوم ترى جابر في أحلامها يلاطفها ويحنو عليها
حتى تلك الليلة رأته يقف على شاطئ النيل وهي على الطرف الآخر منه وتنظر إليه وتطالعه بإشتياق، وتناديه بقولها:
جابر وبعدّهالك يا جلبي
هتفضل أكده بعيد.
جابر:
أنا مش بعيد جوا عنك يا بانة، واهو أنا شايفك وأنتِ شايفاني عاد.
بانة:
لا يا جابر شايفك إيه بس ده مش هيكفنيش، أنا عايزاك جواري، ألمس وشك بإيدي، أدفن نفسي في حضنك وأنسى الدنيا كلها معاك يا جابر، أنا محتاجاك جنبي، اتوحشتك جوا ومش قادرة على البعد ده.
ابتسم جابر بقوله:
يعني أفهم من كده يا بانة إنك عاد هتحبيني كيف ما بحبك، أنا جابر اللي يدوبك هيفق الخط ومرحتش ولا جيت وإنسان على جدّي، مش ابن الجبالي زيكي.
تنهدت بانة بلوعة المحبّ مرددة:
يااااه لساك هتسأل يا جابر، ده أنا مش عاجبك بس كده حب عادي، أنا عشقتك كمان وبقيت بالنسبة لي الهوا اللي بعتنفسه ومن ساعة ما بعدت عني وأنا حاسة نفسي مخنوقة وكأني خلاص هموت.
قرب مني يا جابر لو بتحبني وبزيادة بعد، أنا خلاص هموت من بعدك يا جابر، تعال وقرب.
تعال يا جابر لو لسه بتحب بااانة، جابر، جابر.
ثم تساقطت دموعها على وجنتيها فوجدت بانة من يلمس وجنتيها برفق ويزيل عنها دموعها فانتفضت وفتحت عينيها، فوجدت جابر أمامها.
فاتسعت عينيها مرددة بصدمة:
أنا أكيد بحلم صح.
ثم بكت مرددة:
وبعدين أنا أكده شكلي اتجننت، كل ده من حبك يا جابر ميتّى بس ربنا يفك حبسك وترجع لي.
ابتسم جابر ولمس وجهها بحنو مرددا:
ماكنتش خابر إنك هتحبيني كده جوا يا بانة.
متصوريش أنا فرحان جدّ أيه يا قلب جابر.
وعلى فكرة أنتِ محتلميش، أنا قدامك صح، أنا خلاص بجيت حر وأفرجوا عني وأول ما خرجت جيت لك جري يا ضيّ عيوني، اتوحشتك جوا جوا يا بانة.
اتسعت عين بانة على آخرها وانتفضت مرة أخرى ورددت والدموع في عينيها:
يعني أنت قدامي صح يا جابر مش بحلم، بجد طلعت خلاص ورجعت لي، رجعت لحضني وبكيت معايا ومش هتهملني تاني عاد.
ابتسم جابر مرددا:
لا يا قلبي عمري ما هسيبك تاني عاد خلاص، ومفيش حاجة هتفرق بيناتنا غير الموت.
فوضعت بانة يدها على فمها مرددة:
أوعاك تقول كده يا جابر، لأن حتى الموت مش هيفرق بيناتنا لأني هموت معاك مش هستحمل ولا دقيقة من غيرك.
فلمس يدها جابر ثم رفعها على فمه يقبلها بشوق وحب ثم نظر إلى عينيها وبريقها فهمس:
وحشتني عيونك اللي بتلمع وعيونك تقول أحبك من غير ما لسانك يقولها.
ثم نظر إلى شفتيها المرتعشة من فرحة اللقاء، ليسكنها بقبلة طويلة يطفئ بها لهيب الاشتياق والحب، ليبتعد عنها قليلاً ليتيح لها أخذ أنفاسها ثم يعاود من جديد لقبلة أخرى ثم احتضنها بقوة.
لتبكي مرة أخرى بانة مرددة:
ياااه يا جابر مش مصدقة فعلاً إنك في حضني، متصورش ليالي طويلة نمتها لوحدي ودمعتي على خدّي والكسرة في قلبي وأنت بعيد عني.
فهمس جابر:
لا خلاص يا قلب جابر، مش عايز دمعة واحدة أشوفها تنزل من عيونك الحلوة دي تاني.
أنا جنبك خلاص ومش ههملك أبداً، غير على الحمام، لأني مش متحمل حالي بس مقدرتش أدخل وأنا شايفك قدامي على السرير كيف حبة الكريميلة في جولت لازم أدوق كده الأول حاجة بسيطة، لكن بعد ما أتسبح هاخلّص تاني وأخلّص العسل ده كلّه عشان وحشتني جوا جوا.
فنكزته بانة في صدره مرددة:
بس يا جليل الرباية.
ويلا روح على الحمام وأنا جاية معاك أسبحك بإيدي.
فضحك جابر حتى ملأ فمه مرددا:
هو أنا اللي أكده جليل الرباية.
ثم تعالت ضحكات الاثنين، ليسجدا بعدها سوياً سجدة شكر إلى الله عزّ وجلّ أن جمعهم مرة أخرى مع بعضهما البعض ودعوا الله أن يكمل فرحتهم بالذرية الصالحة.
………
استفاق منصور من الغيبوبة ولم يكن على لسانه سوى نهلة فقط وتمنى أن يراها ويكون له معها عالمهم الخاص بهم، فهو لا يريد غيرها.
لتسرع بعد ذلك الممرضة إلى الدكتور لتخبره أنه قد فاق من الغيبوبة.
فقرر الطبيب الذهاب إليه للاطمئنان على مؤشراته الحيوية لمعرفة قدرته على الاستجواب من عدمه من جهة الشرطة للتحقيق فيما نسب إليه من اتهامات.
فولج إليه الطبيب وعلى وجهه التجهّم، فهو أصبح لا يطيقه بعدما علم بحقيقته الفاسدة ولكن واجبه يحتم عليه التعامل معه برفق.
وعندما رآه منصور ردّد:
أنا خلاص حاسس إني بجيت زين جوا يا دكتور، فياريت تكتب لي على خروج عشان عايز أخرج للجماعة اتوحشتهم جوا.
فابتسم الطبيب بتهكّم مردفاً:
أنت من جهة هتخرج من هنا هتخرج متقلقش، لكن حِتّة الجماعة دي خليهم بقى هما اللي يقرروا يشوفوك أو لأ بعد ما تشرف السجن يا منصور بيه ولا تحب أقولك يا ممدوح.
ليتلون وجه منصور ويصبح بلون الدم من الغضب ثم صاح بقوله:
أنت شكلك هتخرف ولا إيه يا دكتور؟
ممدوح مين؟
أنا منصور الجبالي وهخرج من هنا وهروح لنهلة وهطلّعها من السجن وهخليها هي ست القصر كلّه وهدخّلهم هما السجن بدالها.
فحرّك الطبيب رأسه باستياء وحدث نفسه:
من أعماله سُلط عليه، والإنسانة اللي الوحيدة اللي حبّها، هي كانت بداية نهايته.
ثم تابع:
وأنا مالي، أنا هخرج وأبلّغهم أنه خلاص فاق وصحته تسمح بالاستجواب.
أما منصور فلم يكف عن ذكر اسم نهلة، حتى تفاجأ بدخول بعض أفراد من الشرطة ووجدهم يلتفون حوله.
فأخذ يتطلّع إليهم بتجهّم مردفاً:
أنتم مين وعايزين مني إيه؟
ليبدأ حسام في التعريف بنفسه:
أنا المقدّم حسام المصليحي.
ثم وضع يده على كتف أسامة قائلاً:
وحضرته أسامة المنسي وكيل النيابة المكلّف باستجوابك.
وده الكاتب بتاعه والباقيين طبعاً زي ما أنت شايف عساكر.
فشعر منصور بالارتباك للحظات ثم حاول الثبات مردّداً:
أنتم جايين عشان نهلة صح، أنا من ناحيتي هبرّئها من الاتهام اللي ولادي اتهموها فيه، هي بريئة، طلّعوها وهاتوها لي أنا محتاجها جوا جنبي.
أسامة بسخرية:
متقلقش على المدام هي طلعت خلاص فعلاً براءة، بس حضرتك اللي هتشرف مكانها ومتقلقش مش لوحدك هتلاقي هناك حمدان هيسلّيك يا ممدوح.
فاضطرَب منصور وتسارعت نبضات قلبه واضطربت رؤيته، ولم يرَ إلا نفسه وهو صغير وأبيه يعنِفه ويضربه ويفضّل عليه أخيه منصور وينعته بالفاشل الفاسد.
فأخذ منصور يصرخ في هيستريا:
لا أنا مش ممدوح الفاشل، لا أنا مش ممدوح اللي متعلمش وبقى ضابط كبير زي أخوه.
لا أنا مش ممدوح اللي بيسرق وينهب عشان يجيب جرش يعمل له حساب عند الناس.
لا أنا مش ممدوح اللي محدش بيحِبّه والكل شايفه وحش حتى أقرب الناس ليه.
لا أنا مش ممدوح، أنا منصور اللي كل بيحِبّه ويضرب له تعظيم سلام.
أنا منصور اللي عندي كل حاجة، مش ممدوح اللي معندوش حاجة غير شويّة فلوس معملتش له أي حاجة ومعرفش يشتري بيهم الحب اللي اتحرَم منه طول عمره.
لاااا أنا منصور الجبالي مش ممدوح أبداً.
وأنا هعرف كيف أحاسبكم على الكلام ده كويس.
اخرجوا يلا وهْمِلوني لحالي، أنا مش عايز غير نهلة وبس.
هي الوحيدة اللي حبّتني وشافتني راجل ملّو هدومه.
أنتِ فين يا نهلة؟
أنتِ يا فين نهلة؟
والحجيني حتى من ولاد منصور والناس كلها.
كلهم عيكرَهوني، وأنتِ بس اللي حبّيتيني.
تعالي يا نهلة.
وللحكاية بقية.
رواية اولاد الجبالي الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم شيماء سعيد
واجه وكيل النيابة منصور بحقيقته،
فأنكر ودخل في حالة هيسترية وذكر بها كل ما كان يعانيه منذ الصغر والذي أدى إلى ما هو عليه الآن.
حتى أشفق عليه حسام وحدث نفسه...
لا حول ولا قوة إلا بالله،
أول متهم في حياتي يصعب عليا بالشكل ده.
وحاسس أن ظروفه هي حولته لإنسان مجرم بالشكل ده،
لكن للأسف كقانون مينفعش نقول ظروف هو في النهاية مجرم ولازم يتحاسب على كل جرايمه.
ثم وقف أنس في مواجهته يطالعه بتحدي مردفا...
حضرتك الإنكار مش هيفيدك بشيء ولا كل الكلام اللي بتقوله ده ليه معنى.
لأن خلاص كله حاجة انكشفت وحمدي اعترف بكل شيء وبرده زهيرة هانم حرم أخوك اللي قتلته وخدت مكانه قالت كل حاجة.
وعرفنا كل جرايمك القديمة من نصب وسرقة وتجارة آثار ومخدرات وقتل أخوك ده غير اغتصاب الشغالات اللي عندك.
أنا مش عارف إزاي تعمل كل ده،
أنت أكيد مش إنسان زينا،
أنت أكيد شيطان.
ليخرج منصور عن وعيه ويحاول أن يتهجم على وكيل النيابة حيث أمسك بقميصه مرددا بغضب...
أنتم كلكم الشياطين،
مش أنا.
ثم تركه منصور حين تدخل العساكر ليبعدوه عنه.
ليبكي بعدها منصور مردفا بنحيب...
إيوه أنتم كلكم شياطين،
وأنتم السبب اللي خلاني أعمل ده كله،
وتستاهلوا.
عشان محدش حبني فيكم وعلى طول شايفني مجرم ووحش مع إني كنت أتمنى حد بس يطبطب عليا ولا يخدني في حضنه ويفهمني بالراحة الصح والغلط لكن حكموا عليا بدري إني وحش وأنا معملتش حاجة غير اللي جالوه عني،
يبقى تحاسبوهم هما مش أنا،
مش أنا.
وأيوه أنا اللي قتلت منصور أخوي ثم لاحت ابتسامة تشفي على ثغره قائلا...
ولو أطول أرجع أكتله تاني أكتله.
عشان هو أخد مني كل حاجة وأنا مخدتش حاجة خالص،
خد حب أبويا والناس وأنا مخدتش غير الكره.
عشان كده كتلته وخدت مكانه في كل حاجة.
ثم صمت منصور وبكى مرددا...
الا برده الحب،
محدش حبني غير نهلة وبس.
وخابر إني كده خلاص انتهيت،
مش فارقة معايا،
عشان أنا أصلا انتهيت من زمان جوا جوا.
بس لو ليا طلب قبل ما تعدومني أشوف نهلة وبس.
فنظر أنس إلى حسام وحرك رأسه بأسى،
ثم طلب من العساكر تقييد يده بالكلابشات ثم الزج به إلى سيارة الشرطة ومن ثم التوجه به لمركز الشرطة للبدء في التحقيق معه ثم محاكمته في كل التهم المنسوبة إليه.
………….
عاد باسم إلى القصر سعيدا بعد أن وافق والد قمر على خطبته لملك ولكنه لم يعلم كيف يتحدث مع والدته في الأمر وهو الآن متزوج من عزة،
ولكنه قرر التحدث معها وإقناعها بشتى الطرق.
وبالفعل ولج إليها وقبل يديها.
زهيرة بحب...
أبن قلبي،
كيفك يا ضنايا؟
باسم...
بخير يا ست الكل طول ما أنتِ بخير.
ثم حمحم باسم بحرج...
ياما،
أنا كنت رايح أقولك حاجة أكده وياريت تفهميني كويس.
أمعنت زهيرة النظر إليه مرددة...
خير يا ولدي،
أنت كويس؟
ومرتك كويسة؟
فزفر باسم بضيق...
كويسة،
بس أنا مش كويس ياما.
عقدت زهيرة حاجبيها مرددة...
قلقتني،
مالك يا ولدي؟
باسم...
أنتِ خابرة أن قلبي مش بيدي ياما وأني اتجوزت عزة غصب وأني عايز أحب غيرها،
بسبب عمي اللي كان عامل أبويا.
ودلوقه خلاص ربنا بعد شره عننا بعد ما عرفنا كل حاجة.
وأنا عايز أداوي قلبي بلي عايزها ياما،
وهي صبرت كتير عليا والنهاردة بس كلمت أبوها ووافق على إني أخوزها.
فتبدلت تعابير زهيرة للغضب مردفة...
يعني كمان روحت واتفقت من ورايا،
طيب إيه ليه ما خلاص،
عملت اللي في كيفك،
لازمته إيه تقولي،
ولا عشان بس من باب العلم بالشيء.
حاول باسم ابتلاع غصة في حلقه مردفا بحرج...
لا ياما أنتِ الخير والبركة،
وأنا مش إيه أقولك وخلاص،
أنا مش هخوزها إلا بموافقتك طبعا.
حركت زهيرة رأسها مردفة باستنكار...
مش مهم موافقتي أنا يا ولدي دلوقتي،
أنا عليه عايزة سعادتك بس فيه إنسانة دلوقتي هتظلمها معاك وملهاش ذنب مرتك عزة،
ده غير أهلها هيقولوا إيه لما يلاقوك هتخوز على بنتهم وهي لساها عروسة كام شهر.
فابتسم باسم ابتسامة تهكم مردفا...
هظلمها،
اسكتي ياما أنتِ متعرفيش حاجة،
وإن كان على عزة متحمليش همها وهي خابرة أصلا وموافقة كمان.
فاتسعت عين زهيرة مردفة...
بجد موافقة.
باسم...
إيوه ومتسألنيش كيف،
خلي الطابق مستور.
فأيقنت زهيرة أن هناك سرا لا تعرفه ولكنها أثرت الصمت حتى لا تحرجه بسؤالها
ولكنها رددت...
خلاص يا ولدي على البركة ربنا يسعدك.
فقبل باسم يدها بحب ثم استأذن وذهب إلى غرفته سعيدا.
ولكن سرعان ما تغير وجهه عندما وجد عزة وقد انتهت من صلاتها ورفعت يديها بالدعاء مرددة...
يا رب أنا خابرة إني غلطت جوا جوا،
بس أنت كريم ورحيم ورزقتني واحد ستر عليا وطلع زين الرجال وأنا حبيته جوا من قلبي،
بس هو عايز يحب غيري وأنا قلبي عايز يتجطع عليه،
بس خابرة أنه من حقه يعيش حياته بس غصبا عني عايزة عليه.
بس يا رب مش طالبة غير إنك تبرد قلبي وتخليه ميهملنيش ويفضل جمبي طول العمر،
ويااه كمان لو أشوف من عينيه ولو نظرة حب واحدة بدل نظرة الاتهام دي والشفقة.
أنا خابرة إني مستهلش بس أنت رحيم بعبادك وبقلبي يا رب.
ليطبق باسم على شفتيه وسرت قشعريرة في جسده وحدث نفسه...
وبعد هالك يا عزة،
متصعبهاش عليه بعد ما ربنا سهلها.
وقلبي مش بيدي وأنا بحب ملك،
وبرضه مراعي ظروفك وهقف جمبك بس مش أكتر من أكده.
………….
اتصل حسام على براء الذي كان نائما وعلى صدره زاد ويحاوط خصرها بيديه.
ولكنه استفاق من رنين الهاتف والتقطه بصعوبة حتى لا يزعجها في نومتها وتحدث بنعاس مردفا...
الووو يا حسام.
لاحظ حسام نبرته الناعسة فداعبه بقوله...
إحنا شقيانين وأنت نايم في العسل يا باشا يبختك يا با.
فضحك براء...
من نفسى يا أخي،
وبطل نقر بجا.
وقول عايز إيه عشان أكمل نوم في العسل.
حسام بضحك...
ولعة معاك يا با.
ماشي يا سيدنا،
خلاص كله تمام وعمك مشرف عندنا والقضية كده تمام من كل ناحية.
فابتسم براء مرددا...
الحمد لله،
ربنا ينتقم منه ولولا إني راجل قانون كنت كتلته بيدي وخدت بتاري منه.
منه لله عيشنا في عذاب سنين وكنت ديما بسأل نفسي،
ليه هيعملنا أكده كأننا مش ولاده،
وفعلا طلعنا مش ولاده.
حسام...
بس أتصور صعبان عليه لأن كل اللي عمله بسبب تربيته الغلط وتفضيل والدك عليه.
براء...
بس ده مش سبب لكل اللي عمله برضه،
مش كل واحد يغير من أخوه يقتله،
كده هتكون غابة.
حسام...
أهو هياخد جزائه هو وحمدان وأعوانه.
براء...
طيب ولسه جابر مطلعش ليه؟
حسام...
لا طلع من إمبارح يا ريس،
أنت إزاي معرفتش.
براء بتفاجؤ...
بجد،
اه النمس،
هشوفه عشان وحشني.
حسام...
طيب سلام،
بس متاخدش أوي على الراحة،
لأن من أول الأسبوع هتشرف حضرتك وأنا ومحمود هناخد إجازة وأنت تشيل بقا يا ريس.
براء...
اه يا خونة،
هو إحنا فين من أكده،
لا قدروا إني لسه عريس،
عشان أعمل معاكم الواجب لما تدخلوا دنيا.
فضحك حسام...
لما بقا،
سلام يا عريس.
أغلق براء الخط،
لينظر إلى زاد فوجدها تدفن رأسها على صدره.
براء...
مالك أكده،
وريني عينيكي الحلوة دي،
وحشتني.
زاد...
لا مكسوفة،
مش قادرة أحط عيني في عينك بعد اللي حصل.
براء بمكر...
هو حصل إيه،
أنا مش فاكر حاجة.
فكريني أكده،
بس احكيلي واحدة واحدة عشان أفهم وأستوعب.
فضربته زاد بيدها على صدره مرددة...
بس يا جليل الرباية.
فأمسك براء بيدها ثم رفعها إلى فمه يقبلها بحنو مردفا بهمس...
أنا جليل الرباية طيب وديني لأوريكي.
ليعيشوا معا لحظات جميلة مرة أخرى.
وعندما انتهوا طالعها براء بحب مردفا...
مكنتش خابر إني عايز أحبك جوا أكده يا زاد،
وإن القرب منك جنة على الأرض.
زاد بدلال...
أعملك إيه ما أنت كنت غشيم ومش شايف النعمة اللي قصاد عينيك.
فضحك براء...
بقا كده،
طيب يا ستي،
اديني شوفة خلاص وأوعدك مش هسيب النعمة دي تروح من إيدي تاني.
فأطالت زاد النظر إليه وكأنها غير مصدقة أنها معه وبين أحضانه.
براء...
مالك عتبصيلي كأنك هتشبهي عليا أكده،
على العموم عجولك أنا مين،
أنا خوزك حبيبك.
فابتسمت زاد مرددة...
بجد يا براء،
أنا لغاية دلوقتي حاسة إني في حلم جميل مش عايزة أصحى منه.
وخايفة أفوق منه على كابوس.
اوعدني يا براء إنك تكون ليا لآخر العمر ومتسبنيش أبدا.
قبلها براء بنعومة مرددا...
اوعدك يا زاد،
مش هسيبك أبدا ومفيش حاجة هتقدر تفرق بينا.
ولكن زاد أغمضت عينيها وشعرت بغصة في قلبها وقلق لا تعرف سببه حتى أنها حدثت نفسها...
خير يا رب.
مش خابرة أنا قلقانة ليه أكده جوا.
فما ستخبيء لهم الأيام؟
طبع براء قبلة على جبينها مردفا...
دلوقتي أنا هقوم أتسبح،
عشان أطلع أطمن على أمي وأسلم على جابر وأشوف آخر أخبار الدكتور باسم.
ابتسمت زاد بنعومة مرددة...
وأنا كمان هاجي معاك.
فغمزها براء بمكر...
عايزة تيجي تسبحي معايا.
فتذمرت زاد مرددة بغيظ...
بس يا جليل الرباية.
فعلت ضحكة براء ثم كشف عنها الغطاء وحملها بين يديه كالأطفال مرددا...
طيب وعشان الكلمة دي،
هتسبحي معايا.
فدفنت زاد رأسها في عنقه من الخجل ولكنها ابتسمت حين تذكرت أن هذا من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حيث كان يغتسلان معا
لما روى عن عائشة – رضي الله عنها - قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، يبادرني وأبادره، حتى أقول: دعي لي الماء»، وأقول أنا: «دع لي».
وبعد الانتهاء من الاستحمام وارتداء ملابسهم،
وضع براء يده في يد زاد وأحكم عليها كأنها أغلى ما يملك.
فابتسمت زاد ورفرف قلبها من السعادة ثم توجهوا للخارج ليصادف خروج بانة وجابر من غرفتهم وعلى وجههم نفس تلك السعادة التي على وجه براء وزاد.
فصاح براء...
أهلا بأبو نسب،
كفارة يا راجل.
فسارع له جابر وقام باحتضانه بحب مردفا...
اتوحشتك يا سيادة المقدم.
فنكزه براء مردفا...
لا من النهاردة تقول يا خويا،
ولا مينفعش.
جابر...
لا هو أنا أطول،
ده يشرفني.
براء...
يشرفك إيه بقا،
ده إحنا طلعنا عيلة ما تسرش عدو ولا حبيب.
ثم انفجر براء ضاحكا،
وتبعه زاد وبانة التي احتضنتها أيضا بحب مردفة...
حمدلله على سلامة جابر يا بانة.
بانة...
الله يسلمك يا زاد.
براء...
يلا نسلم على ست الكل ونطمن عليها.
بس استنوا نخبط على باسم.
استفاق باسم على صوت طرق الباب وقول براء...
يا سيادة الدكتور لسه نايم ولا إيه،
طيب فوق أكده وحصلنا على أمك،
عايزين نكلم شوية.
فرك باسم عينيه من أثر النعاس مرددا...
ماشي يا خويا هغسل وشي وأحصلك.
استيقظت على إثر حديثه عزة مردفة بنعاس...
فيه حاجة حصلت يا باسم،
الحاجة زهيرة كويسة؟
تمعض باسم فهو لا يحب أن تتدخل بشيء فرمقها بغضب مردفا...
مش قولتلك قبل كده ملكيش صالح بحاجة ولا تسألي في ولا تتدخلي في حاجة.
ابتلعت عزة غصة في حلقها من الحرج بمرارة مردفة...
آسفة أنا كنت بس بطمن على الحاجة.
وأنا هقوم أحضرلك الحمام وأطلع لك جلابية تلبسها.
وعندما قامت عزة وخطت خطواتها أمام باسم،
لاحظ أن بطنها بالفعل قد بدأت في الظهور نوعا ما.
فاستغفر وحاول يكتم غضبه ثم حاول التحدث بهدوء...
تعالي يا عزة،
اجلسي عايز أتكلم معاكي.
طالعتْه عزة بإندهاش ثم اقتربت منه وجلست بجواره تطالع تقسيمات وجهه بحب وأطالت النظر إليه.
حتى شعر باسم بالحرج وأخفض نظره ثم أردف:
… عزة، للأسف بطنك كبرت وخايف لو قعدنا أكتر من أكتر حد يلاحظ.
فضمت عزة شفتيها بحرج ووضعت يدها على بطنها ثم أردفت بندم:
… طيب والعمل؟
باسم:
… كيف ما قولتلك قبل عن سافر مؤتمر طبي وهأجري ليكي شقة في المحافظة هتقعدي فيها لغاية ما تولدي بالسلامة.
وهنعمل ساعتها اللي اتفقنا عليها.
بس بعد أكتر، هجيب ليكي شقة بعيد عن الجيران، لأني…
ثم سكت للحظة حرصًا على مشاعرها ولكنها شعرت بما يدور في خلده فانهمرت دمعة ساخنة على وجنتيها مردفة بحزن:
… خابرة عايزة اللي عايزها وتجيبها إنه، هي سود أولى مني بناسك.
لكن أنا إيه يعني، أنا واحدة خاطئة ملهاش تنطق ولا تكلم، وتحمد ربنا بس إنك سترت عليها.
شعر باسم بمرارة حديثها ولكنه رغم مرارته فهو الحقيقة، وهي لن تكون في يوم من الأيام بمكانة ملك.
باسم:
… سبق وقولتلك أسرحك لوجه الله بدل ما متقبلة جوازي.
فصرخت عزة:
… لاااااا راضية وعحط بولغة في خشمي، المهم أكون جمبك حتى لو كنت على هامش حياتك يا باسم.
فأغمض باسم عينيه وحدث نفسه:
… تعبتيني كده وتعبتي نفسك يا عزة.
ثم أردف:
… بس أنا مش هقدر أقعد معاكي في الشقة وهرجع هنا وهقول إنك هتستني عشان تاخدي الماجستير وياريت فعلاً تستغلي الفرصة وتاخدي الماجستير فعلاً.
لأن ده هينفعك في شغلك، لأن فعلاً ناوي أعمل مستوصف مش مستشفى استثماري كيف ما كان بيخطط أبويا وأبوكي للأسف.
أنا هعمل مستوصف بأسعار رمزية أخدم فيه أهل البلد.
فطالعته عزة بحب وحدثت نفسها:
… كنت فين بس يا أبو قلب أبيض قبل ما أقابل أبو قلب أسود اللي سود حياتي.
بس سود ما استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
وأنا أهو محرومة منك وأنت جصادي، أي وجع جلب ده.
ليتركها باسم في أحزانها إلى المرحاض فتوضأ وأدى فرضه ثم توجه نحو غرفة والدته.
احتضنها هي في بادئ الأمر ثم قام بالترحيب بجابر ثم مشاكسة براء وبانة.
ابتسم براء بقوله:
… إيه يا دكتور، شكل الغزالة رايقة يا عمنا.
يا ترى خلاص رضيت على المدام.
امتعض وجه باسم، فباغتت والدته بقولها:
… لا أخوك هيجوز على مرته وهي موافقة تصور!
فشهقت زاد وبانة.
بانة:
… كيف ده يا باسم؟
باسم بحرج:
… إيه يا جماعة هو أنا أول واحد اتجوز تاني، وكمان ده شرع ربنا مفهوش حاجة، خصوصًا كمان إنكم خابرين إني اتجوزت عزة غصب، وهي خابرة أكتر وموافقة اتجوز ومش عايزة تتطلق كمان.
وكمان هخدها وهسافر مؤتمر طبي قريب ولما أرجع هجوز بإذن الله.
تلون وجه براء وشعر بثقل في أنفاسه وخرجت كلماته بصعوبة:
… هتجوز ملك يا باسم، أخت قم… ولم يستطع أن يكمل اسمها على لسانه، ثم قبض بيده وضرب بها في الهواء تنفيسًا عن غضبه.
فأمسكت بيده زاد واخدت تربت على يده بحنو مردفة:
… أهدى يا حبيبي عشان خاطري.
طالعه باسم بحزن مردفًا بحرج:
… أنا آسف يا خويا، بس أنت خابر إن ملك ملهاش ذنب، وهي حاملة وأختها حاملة تاني خالص، فسامحني غصب عني، أنت أكتر واحد خابر عجبها قد إيه ومصدقت وفقت على الجواز مني وهي خابرة ظروفي دي.
أومأ براء برأسه ثم همس:
… تمام ربي يسعدك.
ثم تابع:
… طيب اسمعوا عندي ليكم خبر.
خلاص ربنا عيطل حقنا من اللي كان عامل نفسه أبوكم وفاق وقبضوا عليه وهو دلوقتي في السجن واكيد إعدام بإذن الله.
فصاحت زهيرة بفرحة:
… ألف حمد وشكر ليك يا رب.
أخيرًا هنام وأنا بالي مرتاح بعد ما قعدت سنين طويلة أخاف أنام كويس ألا يعمل فيكم حاجة، فكنت كل ما عيني تغفل، أقوم مفزوعة على أوضتكم أطمن عليكم.
طالعها براء وزاد وبانة وباسم بشفقة، ثم اقترب منها براء وقبل يدها بحنو:
… تعبتي واتعذبتي كتير عشان خاطرنا ياما.
وآن الآوان احنا اللي نتعب وأنتِ اللي تستريحي.
زهيرة:
… راحتي إني أشوفكم جدامي متهنيين ومرتاحين يا ضنايا.
بس قولي أخبار نهلة إيه؟
فرددت بانة:
… لساكي هتهتمي بالبت دي ياما، ما خلاص غارت زي ما غار اللي منه لله.
أطلقت زهيرة زفير غاضب مرددة:
… وأنتِ لساكي خطاها في دماغك، ما خلاص يا بنتي، دي طلعت غلبانة جواها وكانت عايزة تنتقم منه لأختها، راحت هي فيها.
براء:
… متخافيش عليها ياما، الحمد لله طلعت من السجن بعد ما خلاص عرفوا الحقيقة كلها.
تنهدت زهيرة بارتياح:
… الحمد لله يا ولدي.
إمّال راحت فين؟ مش تش ليه تاخد خلعاتها ودهبها، ده حقها يا ولدي.
براء:
… اللي عرفته من محمود، إني رجعت لدوار أبوها وبتجول مش عايزة حاجة مننا.
فخليها براحتها ياما وانسيها بجد عاد وانسى اللي فات كله وخلينا نعيش حياتنا الجديدة في هدوء وراحة أكتر.
زهيرة:
… عمر اللي راح ما يتنسى يا ولدي، والبت غلبانة جواها ولازم تساعدها.
فضحك براء مردفًا بسخرية:
… غلبانة، دي زي ما وقّعت منصور الجبالي بجلالة قدره، قدرت دلوقتي توقّع مين تصوري في شباكها وعيموت عليها ومنتظر تتطلق عشان يجوزها كمان.
فسددوا جميعًا النظر إليه ليعرفوا من هو؟
براء:
… سيادة المقدم محمود بذات نفسه.
بانة:
… معقول ده، هو أهبل ده ولا إيه؟
كيف واحد في مركزه يبص لوحدة أكتر خدامة وفلاحة.
وهنا حمحم جابر بحرج مردفًا بعد ما شعر بالإمتهان لأنه أقل منها فردد بحرج:
… طيب استأذن أنا يا جماعة.
وهنا رمق باسم بانة نظرة غاضبة لإحراج جابر ثم تابع باسم بقوله:
… إيه يا جابر، خليك معانا شوية.
جابر:
… معلش محتاج أروح أستريح شوية.
ثم خرج، لتعاتبها زهيرة:
… وبعد هالك يا بنتي مش تاخدي بالك من كلامك عاد اللي يخرج منك كيف الرصاص ده.
وتعرفي إن الناس مش بالشهادات ولا بالعيلة والمركز، الناس بأخلاقها وتربيتها.
وأديكي شوفتي جابر الله يحفظه ويصونه ويديمه نعمة في حياتك.
وكمان أكيد محمود شاف في نهلة اللي احنا مش شايفينه.
وإن جيتي للحق هي تستاهل بعد اللي حصلها ده كله حد يعوضها.
ربنا يجعله من نصيبها يا نهلة.
زهيرة:
… الله يهديك يا بنتي.
ويلا روحي لجوزك وراضيه، وصراحة كتر خيره هو إنه مستحمل ده كله منك.
رواية اولاد الجبالي الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم شيماء سعيد
أسرعت بانة خلف زوجها سريعًا، تلوم نفسها على تفوهها به وقد أثار غضبه.
فولجت فوجدته على فراشه يستند برأسه على ذراعه التي وضعها خلف رأسه، ويبدو عليه الحزن.
فزفرت بضيق واقتربت منه ترسم على وجهها ابتسامة صفراء، فوضعت يدها على فخذه مداعبة له بقولها:
«إيه يا شيخ جابر، مالك بجيت روحك في منخيرك أكده وهتزربن بسرعة.»
«أنا مقصديش حاجة خالص من كلامي، وانت أصلاً فين والبت دي فين، أنت سيدي وتاج راسي ولو لقيت الدنيا كلها مش هلاقي زيك يا نور عيني.»
قرّب جابر يديها بحنو مردفًا:
«وأنا كمان يا قلب جابر.»
فابتسمت بانة بقولها:
«يعني مش زعلان مني.»
جابر برفق:
«لا أنا مزعلش منك أبدًا يا بانة وأنتِ خابرة ده زين، بالعكس أنا زعلان عليكي.»
اندهشت بانة مرددة:
«كيف ده؟»
جابر:
«لإنك لسه هتنوزي الناس بمقامهم ونسبهم مش بأخلاقهم، كلنا عباد الله يا بانة.
وزي مقال حبيبنا النبي صلى الله عليه وسلم: لا فرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى.
ولما واحد من الصحابة قال لسيدنا بلال رضي الله عنه (يا ابن السوداء) زعل النبي وقاله: أنت أمرؤ فيك من الجاهلية.
عرفتي ليه أنا زعلان عليكي عشان النبي أكيد زعلان منك.»
فحركت رأسها بحزن مردفة:
«لاااا الله لا النبي، لا معدتش أكررها تاني يا جابر، أوعدك.»
فابتسم جابر لطفلته التي يحبها، فاحتضنها بحب، فابتسمت بسعادة وأغمضت عينيها لأن حضنه هو أمانها لها والصدر الحنون الذي تلقي عليه كل ما يشغلها أو يحزنها.
…………
تقابل منصور مع حمدان في الزنزانة الخاصة بالمساجين.
سخر حمدان عند ولوج منصور إليه، فوقف مردفًا بشماتة:
«نورت السجن يا منصور بيه»،
ثم نظر لمن حوله مردفًا بتهكم:
«تعظيم سلام الباشا الكبير يا جدعان.»
فاستشاط غضبًا منصور عندما رآه وأسرع للفتك به وأمسكه من تلابيب قميصه مردفًا:
«أنت إيهنه يا خاين العيش والملح.
أكده تبعني يا حمدان يا واد عمي، وأنا اللي كنت عملك صاحبي وأخوي وخيري كان مغرقك من ساسك لراسك.
تبعني وتقول على كل حاجة.»
فابتسم حمدان بغل مردفًا:
«أمال كنت عايزني أشيل الليلة لوحدي عاد، وانت تنعم بره على راحتك.
لا كلنا في الهوا سوا يا واد عمي.»
منصور:
«لا أنا مش خسيس زيك يا حمدان، كنت هعملك أحسن محامي وكنت هخرّجك منها زي الشعرة من العجين.
بس أنا بعت بدري وودتنا كلنا في داهية ملهاش مهرب.
ليه أكده بس يا حمدان، ده احنا كنا دفيننه سوا، ليه الغدر ده!»
فأغمض حمدان عينيه متألمًا بقوله:
«أنا اللي غدرت بيك بردك يا واد عمي.»
ثم قام برفسه ليبتعد عنه منصور، ثم انقض عليه مرة أخرى يخنقه بيديه مردفًا بغصة مريرة:
«أنت اللي غدرت بيه من زمان جوا يا ممدوح، يوم ما جيت واتعديت على مراتي ومن الصدمة عقلها خف واتجننت، واتجوزت أنا المصيبة فهيمة اللي موّتتها مراتي.
ومات أنا قلبي في اليوم اللي مطلعش ليه شمس اللي وفقت اشتغل معاك فيه ودنست شرفي ودنست عيشتي بعد ما كنت بكلها بالحلال.»
أزرق وجه منصور وكاد أن يختنق ولكن السجناء تجمعوا على حمدان ودفعوه عنه قبل أن تخرج روحه.
فقال أحدهم:
«بعد يدك عنه، هو أنت ناجص جرائم، تكتل حد إيده في السجن كمان عشان يحطوك في زنزانة لحالك تكلم نفسك ومش بعيد تجن كمان.»
فبكى حمدان:
«ياريت أجن عشان أنسى كل اللي عملته في نفسي، وأرتاح.»
أما منصور فحاول التقاط أنفاسه بصعوبة وانزوى بعد ذلك في أحد الأركان يعيد على ذاكرته طفولته الصعبة وشبابه مرورًا بنهلة التي أخذ يردد باسمها ويبكي حتى نام.
……
بينما كانت نهلة تنظف أمام المنزل بمكنسة صغيرة وتنحني ظهرها، رأت أمامها قدمين رجل بنفس الحذاء اللي تعودت تراه، فهو حذاء ميري، فدق قلبها بشدة هامسة:
«محمود.»
ثم رفعت رأسها لتراه أمامها بطالته الرجولية الفارهة التي طالما عشقتها ولم تقدر ولو للحظة واحدة أن تنساه.
تنهد محمود بعشق قبل أن يحدثها بقوله:
«عاملة إيه يا نهلة؟
طبعًا كان نفسي أقول كلمة تانية لكن مش هقدر دلوقتي.»
تخشّبت نهلة في مكانها وحاولت التحدث بجدية مردفة:
«ولا دلوقتي ولا بعدين يا باشا.
ويا ترى إيه سبب زيارتك دي؟»
فزفر محمود بضيق وتحدث بعصبية:
«نهلة، أكلمي عدل لو سمحتي.
وأوعي تصدقي إني مصدق طريقة كلامك الجديدة دي معايا.
حرام عليكي يا نهلة، متصوريش أنا كان حالتي عاملة إزاي اليومين اللي فاتوا، لما تصورت لحظة إني فعلاً مش في بالك.
بس رجع قلبي طمنني وقال إنه عمره ما ضحك عليه وإنه حاسس إن اللي في قلبك هو اللي في قلبي يا نهلة.
فلمهوش لزوم الدور اللي أنتِ رسمته ده مش لايق عليكي.»
أخرجت نهلة من جوفها نارًا كفيلة بحرق ما حولها ولكنها لم تأبَ الاستسلام لأنها تعلم عواقب الأمر فقالت بجدية مصطنعة:
«لا قلبك خدعك المرة دي يا باشا.
وأنا اللي في قلبي على لساني، وانت موهوم مش أكتر.
فروح دور على غيري، أنا منفعكش أنا ست متجوزة ويلا امشي بسرعة عشان محدش يشوفك واقف معايا ويلسن عليا بكلمتين.»
انفعل محمود بقوله:
«قولتِ هتطلقي منه يا نهلة وقريب جدًا، فارجوكِ بلاش حجج.»
نهلة:
«ومين قالك إني عايزة أطلق؟»
اتسعت عين محمود مردفًا بإندهاش:
«يعني إيه؟
أمال عايزة تكوني على عصمة واحد قاتل قتلة وهيتحكم عليه بالإعدام.
أنتِ اتخرفي تقولي إيه؟»
نهلة:
«…..أيوه، ما هو يا باشا عندنا الوحدة الأرملة بيحترموها عن المطلقة.
عشان كده أحسن إني أنتظر يتكل على الله وأكون أرملة أفضل من إني أطلق ويبقى بردك سيرتي على كل لسان.»
فزفر محمود بضيق مردفًا:
«لا ده تفكير عقيم.
وأنا مش هقدر أستنى كتير لأن الموضوع ببطولة في المحكمة وبعده استئناف وشغلانة، فممكن يقعد سنة عقبال ما يتنفذ الحكم.»
نهلة:
«يقعد زي ما يقعد يا باشا أنا مش مستعجلة.»
فهدر محمود بصوت عالي أفزعها:
«نهلة.»
نهلة بغصة مريرة:
«شرفت وأنست يا باشا.»
تملك الحزن قلب محمود رغم إحساسه أنها تبادله نفس الشعور ولا يعلم سر تحولها لهذه الدرجة فردد:
«يعني برده مصممة على موقفك يا نهلة.»
نهلة:
«أيوه، وياريت تنساني يا باشا وتدور على بنت الحلال اللي تناسبك.»
أطال محمود النظر إليها بحزن شديد ولكن قلبه العاشق أبى أن يستسلم فردد:
«بصي يا نهلة أنا هسيبك دلوقتي يا بنت الناس، بس صدقيني هرجع ومش هستسلم أبدًا للي بتقوليه ده.
عشان حاسس أنه من ورا قلبك، ومش بس كده ده أنا همشي في محاكمة الزفت القطران منصور أو ممدوح ده عشان يعجلوا بالإعدام أو يكشف أديله طلقة أنا أنهي حياته وأخلّص وتبقي سيادة الأرملة هانم زي ما أنتِ عايزة، المهم أوصلك يا قمر.»
ثم غمزها والتفت ليغادر سريعًا قبل أن يسمع ردها على حديثه.
أندهشت نهلة من حديثه وتمسكه بها رغم ما قالته له، فلاحت ابتسامة على ثغرها ووضعت يدها على قلبها لعله يهدأ قليلاً.
………
مر بعض الوقت.
سافر بالفعل بها باسم مع عزة إلى المدينة لتكون بعيد عن الأنظار وصاحبها إلى عيادة دكتورة نساء لتطمئن على الجنين.
الدكتورة:
«حضرتك دلوقتي في الشهر السادس والجنين في وضع كويس جدًا ولو استمر على كده، احتمال تولدي طبيعي بإذن الله.»
ثم ابتسمت مرددة:
«بس هو شقي جدًا وبيتحرك كتير في السونار.
ها ناوية تسميه إيه؟»
فطالعت عزة باسم بحب مردفة:
«هسميه باسم.»
فسدّد باسم النظر إليها بتعابير جامدة، فلم تعرف منها، اهو راضي ولا غاضب.
الدكتورة:
«اسم حلو أوي، ربنا يجعله سبب سعادة ليكم.»
ليعود بعد ذلك باسم مع عزة إلى شقتهم التي استأجرها لها.
حمحم باسم بحرج:
«عزة معلش أنا مضطر أرجع للبلد، وهسيبك هنا، بس في أي وقت حسيتي بأي تعب كلّميني وهتلاقيني عندك على طول.»
سرت قشعريرة في جسد عزة وأمسكت بيديه تترجاه بقولها:
«هتهملني وتمشي يا باسم، لا مش هقدر على إكده، أرجوك خليك معايا، أنا خلاص أتعودت عليك جانبي، حتى لو مبتكلمنيش وياما اتحملت نظراتك اللي كلها اتهام وعتاب.
واتحملت كمان كلامك عن الإنسانة اللي بتحبها وشوفتك في عينيك الفرحة لما وافقت على الجواز منها.»
ثم انهمرت عزة في الدموع بغزارة وبمرارة مرددة بنحيب:
«كل ده استحملته ومستعدة أستحمل أكتر غير إنك تبعد عني يا باسم ويعدي يوم من غير ما أشوفك وأبص لعينيك رغم قسوتها وهي بتبصلي.»
اتسعت عين باسم وهو يطالعها بحيرة عند كل كلمة تتفوه بها وحدث نفسه:
«ياااه يا عزة كل ده في قلبك، وبجد حبيتيني كده، رغم معاملتي ليكي الصعبة، بس أنا ذنبي إيه يا بنت الناس، أنا كمان قلبي مش ملكي ومش هيرتاح غير لما أتجوز ملك، وصراحة أنا تعبت وحاسس وجودك في حياتي غلط ولازم بجد أبعد عنك عشان الأمر ميتطوّرش أكتر من كده وتنسيني.»
خرج باسم من شروده وظهر على وجهه الغضب مردفًا بجدية:
«أنتِ زودتيها أوي يا عزة، وكده مش هينفع ولو فاكرة إن بكلامك ده ممكن أحن ليكي وأهمل ملك تبقي بتحلمي، ده لا يمكن ولولا وعدي ليكي إني مش هسيبك عشان تربي ابنك، كنت قولتلك دلوك كل واحد من سكة.»
فصرخت عزة:
«لا أرجوووك يا باسم.»
فتنهد باسم بعدم ارتياح مردفًا:
«يبقى مش عايز أسمع منك الكلام الفارغ ده تاني، وأرضي بنصيبك اللي أنتِ عملتيه بنفسك.
ودلوك أنا ماشي، فعيشي حياتك وذاكري عشان الماجستير عشان تنسي أي حاجة تانية ملهاش عازة.»
ليغادر بعدها باسم إلى البلدة ويتركها تأنّ من البكاء.
عزة:
«ماكنتش خابرة إن غلطة واحدة هتخليني أندم العمر كله أكده وهفضل أدفع تمنها لغاية ما أموت.
اااااااه يا وجع قلبي.
حاسة إني مش هستحمل بعدك يا باسم وممكن أموت فيها.
رحمتك بيه يارب وبقلبي.»
لتعاود البكاء حتى نامت والدموع على وجنتيها.
لترى في أحلامها شابة جميلة تقترب منها وتمسح دموعها بحنو ثم ابتسمت مرددة:
«بزيادة دموعك يا عزة، وقلي يارب.
وهو قادر يريح قلبك ومتعرفيش ربنا شيلك إيه.»
فأخذت تردد عزة:
«يارب، يارب.»
…………
في غيابات السجن كانت تجلس قمر في أحد أركانه لا تتكلم مع أحد وتنزوى على نفسها، ولا تفتر عن البكاء وتنعى حالها.
«شوفتي يا قمر نتيجة أفعالك، شوفتي إن الجمال مش كل حاجة، كنتي فاكرة إنك عشان حلوة هتقدري تاخدي كل اللي عايزاه بإشارة منك فلوس وحب وهنا.
بس لقيت نفسي مخدتش غير الوجع وجلّة القيمة، لما اللي حبيته طلع بيستغلني زي ما أنا استغليت براء بالظبط.
يااااه على الوجع وأنا اللي جبت هعيش كيف الأميرة، دلوقتي بتمنى الزمن يرجع بيه وأعيش زي ملك وأستنى نصيبي بالحلال ولو حتى أوضة فوق السطح ولقمة بملح بس أغمزها وأنا فرحانة وحاسة بالأمان.
مش بالذل والخيانة وآخرتها سجن لحالي وهفضل طول عمري أجنى اللي عملته في نفسي، ياريت كنت سمعت كلامك يا ملك.
أديني خسرت كل حاجة، حتى الندم مبقاش ينفع.»
لاحظت بكاءها سجينة معها، تُدعى هالة دخلت السجن ظلمًا بسبب أخيها حتى لا تطالب بميراثها منه، فلفّق لها قضية مخدرات بعد أن وضع في حقيبتها تلك المواد المخدرة دون أن تعلم ثم بلّغ عنها ليقبضوا عليها في الطريق.
فتم الحكم عليها خمس سنوات ظلمًا ولسان حالها يردد حسبنا الله ونعم الوكيل.
فأقبلت منها هالة وربتّت على كتفها بحنو مردفة:
«بزيادة دموع يا بنت الناس، صدقيني لو كانت بتنفع كنت عملتها لك، عشان أنا جربتها كتير ملجتش ليها عازة، فسلّمت أمري لله.
عشان كده سلّمي أمرك لله يا أختي وقلي يارب.»
فنظرت قمر للأعلى:
«يارب.»
يارب.
ثم نظرت إليها مرددة بندم...
بس تفتكري هيسامحني عشان أنا ذنبي كبير جوا جوا.
ابتسمت هالة مردفة...
ربنا بيسامح كل ذنب كبير أو صغير إلا الشرك بالله.
فأكدت وحدة الله أكده، يا...؟
قمر...
إسمي قمر.
هالة...
عاشت الأسماء يا قمر، بس قمر ده اسم على مسمى.
فحركت شفتيها قمر باستياء مرددة...
خلاص مبيجاش يفرحني الكلام ده بالعكس بعد اللي حصل تتمني إني أكون وحشة ومحدش يبص في خلقتي أحسن من اللي أنا فيه دلوقتي.
هالة...
وبعد حالك يا بنت الناس، مش يمكن كل اللي حصلك ده خير وأنتِ مش شايفاه.
قمر ببلاهة...
خير كيف، أنا بقولك عملت بلاوي متلتلة.
هالة...
منا عارفة بس اهو أخدتِ عقابك في الدنيا وده أرحم من إنك تاخديه في الآخرة، وربنا فتح لك بابه عشان تتوبي يعني بيحبك.
فصدمت قمر...
ربنا بيحبني، كيف، ده أنا عملت وعملت وعصيت ربنا كتير جوا.
هالة...
عارفة، بس طول ما أنتِ ندمتِ وبقولتِ يارب ونويتِ التوبة، ده من رحمته عشان فيه ناس هتعمل الذنب ومكلمة عادي من غير نادمة ويكونوا على سوء خاتمة والعياذ بالله.
لكن بدل نادمانة يبقى ربنا بيحبك وهو اللي ناداكِ عشان تجيله وأنتِ مكسورة أكده وتقولي سامحني يارب، فيتوب عليكِ وده اللي حصل مع الصحابة اللي ذكروا في سورة التوبة في قوله تعالى (ثم تاب الله عليهم ليتوبوا).
وكمان حديث رسول الله 🌺: لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته التي عليها طعامه وشرابه فأضلها في أرض فلاة، فاضطجع قد أيس منها، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة على رأسه فلما رآها أخذ بخطامها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح.
فبكت قمر...
رحمتك يا حبيبي، وأنا عاهدك إني عمري ما هعمل أكده تاني لغاية ما ترضى عني.
ثم تابعت بقولها...
أنتِ كلامك حلو جوا، زي واحد أكده عرفته شكله طيب وغلبان جوا، بس ياريت كنت عرفته في ظروف أحسن من أكده أو بقلب غير جلبي ده.
ابتسمت هالة بقولها...
والله لو ليكِ نصيب فيه ربنا أكيد هيجمعهم بيكِ.
فضربت قمر على صدرها مرددة...
معقول ده!
بس تصوري هو جاي عستناكِ بس أنا مصدقتش كيف واحد زيه عارف اللي أنا عملته كله ويقبل على نفسه أكده.
هالة...
ده أكيد بيحبك جوا يا قمر، لأن اللي بيحب بيغفر كل حاجة للإنسان اللي بيحبه ومش بيشوف فيه غير الحلو بس.
فشردت قمر به وما قاله لها عندما حدثته أنها لا تريد الخروج من السجن حتى لا يعايرها أحد بما فعلت.
فطمئنها أن هناك من يحبها رغم كل شيء.
قمر بإندهاش...
فين ده؟
مسالم مبتسمًا...
لما تطلعي أنتِ مدتك وتطلعي هتلاقيه جدامك.
قطعت هالة شرودها...
قمر سرحتِ في إيه؟
أكيد اللي قولتِ عليه صوح؟
وأنا حاسة أنه هيكون هدية من ربنا ليكِ بعد المحنة دي.
ما هو كل محنة جواها منحة إلهية.
قمر...
سبحان المدبر.
هالة...
إيوه سبحانه، أديكِ عندك أنا هو، مكنتش واصلة أحب المدرسة وديما كنت أسقط أسقط وأقولهم أنا مش عايزة علامة وعايزة أتجوز ومفردتش أكمل في الثانوي مع إن كان فضلي سنة واحدة بس وأدخل الجامعة.
بس سبحان الله لما دخلت السجن ظلم ولقيت نفسي لوحدي وموريش حاجة، حاجة إلهي أكده قالتلي إيه رأيك يا بت يا هالة لو تكملي علامة وتاخدي الثانوية العامة ومش بعيد تدخلي كلية كمان.
قولت إيه بقى فعلا كلمت إدارة السجن وجابولي كل الكتب اللي محتاجاها ودرست لما طلع عيني وامتحنت أهنا تحت الحراسة وسبحان الله نجحت وجبت مجموع وكمان قررت أدخل كلية الحقوق عشان أدافع عن كل مظلوم زيي أكده.
قمر...
ماشاء الله عليكِ يا هالة، ربنا يديكِ كل اللي تتمنيه.
……………
محفوظ مدافعًا عن إلهام...
سبيها ياما حرام عليكِ، بزيادة اللي هي فيه.
صباح...
إيوه ما أنت خلاص رضيت بالخاينة دي اللي فرطت في شرفها عشان الفلوس أكيد وعارفة إنك هتحبها وهترضى تتجوزها.
وكده بقيت بقرون يا محفوظ بعد ما كنت سيد الرجالة.
محفوظ بإنفعال...
حرام عليكِ ياما، وإيوه بحبها وعارف إنها غصب عنها اللي حصل رغم كل اللي عملته معاها وزعلي وكلامي اللي يسم البدن عشان مش قادر أصدق اللي حصل وإن فرحتي انكسرت بالشكل ده.
بس خلاص ياما اللي حصل حصل ومهما عملت مش هيغير اللي حصل.
فهمّليها وهمليني وبيكفي النار اللي جاية في جلبي أنا وهي.
اللي يعلم ميتى هتطفي.
لتبتسم إلهام رغم الألم الذي تشعر به لأنها أيقنت أن حبها في قلب محفوظ كما هو لم يتغير.
…………..
وجاء اليوم الموعود وهو محاكمة منصور الجبلاوي أو ممدوح مع حمدان وحمدي وبعضًا من أتباعه.
وأصرت زهيرة أن تحضر تلك المحاكمة لتتشفى في ممدوح عند النطق بالحكم عليه.
براء...
ما بلاش يا ست الكل، أنتِ تعبانة، وخليني أنا أحضر وباسم ولما نرجع قولك كل اللي حصل.
فزمجرت زهيرة بغضب مردفة...
لا يمكن أبدًا، رجلي جبل رجلكم، ده اليوم ده كنت مستنياه من سنين طويلة بفارغ الصبر.
يااااه أخيرًا جلبي ناره هتبرد لما يحكموا عليه بالإعدام، وأبوك كمان ينام مرتاح في قبره.
فتنهد براء...
رحمة الله عليك يا أبويا.
ماشي يا ست الكل يلا بينا.
ليهمس باسم بحرج...
بقولك إيه يا براء، متخليك أنت كمان يا خويا وأنا هاخد أمي ومتخفش عليها دي أمي برضو.
فطالعه براء بشك...
والله عارف إنها أمك برضو يا دكتور حتى بالأمارة إن اسمها زهيرة زي أمي.
فابتسم باسم بحرج، فهدر براء في وجهه...
مش عايزني أروح ليه يا دكتور؟
باسم...
عشان خايف عليك يا خويا تتهور لما تشوف قمر عاد؟
فتلون وجه براء بغضب جحيمي مردفًا...
حاسس فعلًا إني لما أشوفها هطبق على زمرة رقبتها لغاية ما تموت في يدي الخاينة دي.
باسم...
لااااا لااااا يا خويا أرجوك، خليك هين، مش عشانها، عشانك أنت منقدرش نخسرك.
ثم دمعت عين باسم...
أنت دلوقتي في مكان أبونا ومحتاجينك.
ليضمه براء بحب إلى صدره هامسًا...
وأنا عشان خاطر أكده، همسك أعصابي فوق ما تتخيل وكفاية ذل السجن اللي هتشوفه ولو إنها كمان تستاهل الإعدام.
باسم...
ربنا يكملك بعقلك يا خويا.
ليحيطها كلًا من باسم وبراء، ويذهبوا بها إلى المحكمة.
أما بانة فلم تستطع الذهاب مردفة ببكاء...
مقدرش أروح أشوفه أكده حتى لو عارفة إنه مش أبويا بس يعز عليه وربنا يسامحه إنه حرمنا من أبويا الله يرحمه، فجلست وجلست معها زاد.
أما نهلة فقد علمت موعد المحاكمة من محمود عندما اتصل بها قبل موعدها بيوم مردفًا بسعادة...
وأخيرًا بكرة يا نهلة هتخلصي من منصور وبإذن الله مش هيكون فيه فرصة للاستئناف وهيكون حكم نهائي ويتتنفذ بأسرع وقت وكده تكوني أرملة زي ما أنتِ عايزة.
وضعت نهلة يدها على قلبها الذي خفق بشدة...
ياااه أخيرًا يا منصور هشوفك مكسور ومذلول وأمر ربنا هينفذ فيك.
وأخيرًا هترتاح ناهد في قبرها، ياه يا فرحة جلبي.
فتهدج محمود على الطرف الثاني مردفًا...
عقبال فرحة قلبي أنا كمان.
فأغلقت نهلة الخط في وجهه بعد أن لاحت ابتسامة زينت ثغرها ولكن سرعان ما تلاشت عندما تذكرت كلام عطيات لا.
فقررت أن تنهي ذلك الأمر قريبًا.
أما هو فابتسم...
مسير الجميل يحن.
وعندما جاء الموعد أمسكت يد والدها مردفة...
يلا بينا يا أبويا على المحكمة عشان جلبك يبرد على ناهد وتقدر بعدها تنام وأنت مطمئن.
ليأتِ رد أبيها...
ياااه يا بنتي، كل ده كنتِ شايلاه في جلبك وساكتة وأنا اللي كنت فاكر إنك اتجوزتيه عشان تعيشي مرتاحة.
فانهمرت دموع نهلة مردفة بنحيب...
أعيش مرتاحة، لا يا أبويا أنا عمري ما همنى الفلوس لأني عارفة إنها متعملش بني آدم، أنا اتجوزته عشان أخد بتاعتي منه وحصل بس مكنتش عارفة إن كل ده هيحصلي، بس قدر ولطف والحمد لله ربنا هيجازيه بمقدرته.
ثم توجهت إلى المحكمة بصحبة والديها.
وكان محمود في انتظار قدومها بفارغ الصبر، ليشبع عينيه العطشة لرؤيتها.
ولكن ما أن وصلت وتقابلت أعينهم حتى أخفضتها مجددًا وتقدمت مع والدها ولم تتيح له فرصة للتحدث.
ثم جلست تترقب بدء الجلسة ورؤية منصور ذليلًا وراء قضبان القفص.
ووتسلل أيضًا إلى المحكمة شخص آخر، كان ينتظر مثلهم ذلك اليوم بفارغ الصبر.
ولكنه لم يكن لينتظر حكم المحكمة بل أراد تنفيذ هو حكمه بنفسه بعد أن أخفى سلاحه بين طيات ملابسه.
منتظرًا اللحظة الحاسمة.
رواية اولاد الجبالي الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم شيماء سعيد
ابتعدت صباح عن إلهام بالفعل ولكنها أخذت تسبها بأبشع الشتائم،
بل لم يسلم محفوظ أيضًا من لسانها الحاد ولكنه أكتفى بالنظر إليها بعتاب،
ثم حاوط إلهام بحنو وحملها بحب إلى غرفتهم فدفنت رأسها في عنقه بخجل.
ليضعها بعد ذلك على الفراش وأخذ يطالعها لبعض الوقت دون حديث
وهي تطالعه بترقب وتنتظر أن يحدثها بحديث يطيب قلبها المكلوم.
لتجده تحدث أخيرًا بقوله:
بصي يا بت عمي،
أنا سكت على حبك من جلبي ووعد مني أحميكي من أمي.
لكن صدقيني مش قادر،
أشوف شايفك رغم إني أشتهيكي بس كل ما أحاول أقرب منيكي،
بيلا صورة منصور قدامي وتوقف بين وبينك.
فبكت إلهام بمرارة وأخذت تضرب نفسها مرددة:
ياريت ني موت قبل ما يعمل فيه أكده،
ويحرق جلبي وجلبك يا محفوظ.
فوقف محفوظ والشر يتطاير من عينيه مردفًا:
وانا مش هسكت يا بت عمي عن اللي حصل ده،
وهاخد بتارك منيه.
وأوعدك هخليكي تشربي من دمه كمان.
بس لغاية ما يجي اليوم ده،
عنعيش كيف الأخوات.
فصرخت إلهام:
لاااااااا عيكتلوك يا محفوظ حتى قبل ما توصل ليه.
محفوظ:
معتخافيش هوصله وعيكتله بس هستنى اللحظة المناسبة.
إلهام ببكاء:
حتى لو كتلته،
عيحبسوك يا محفوظ وكيف هعيش من غيرك.
محفوظ بثبات:
ع تعيشي مرفوعة الرأس يا إلهام
و تع تستنيني لما أخرج حتى لو خمسين سنة
ولما أطلع هعمل ليكي فرح من أول وجديد.
لتمر الأيام بالفعل ويعلم محفوظ ما حدث لمنصور وما ينتظره من عقاب في يوم المحكمة.
لذا أصر أن يحضر بنفسه بعد أن عزم الأمر على قتله أمام الناس مهما كانت عاقبة ذلك حتى لو قتلوه بعدها.
فالأهم عنده هو الإنتقام لشرفه.
ليأتي بالفعل هذا اليوم الذي انتظره الجميع بشغف ليروا نهاية هذا الظالم الجبار،
لأن وعد الله حق ولكل ظالم نهاية ومن قتل يقتل ولو بعد حين.
إصطف جميع الحضور في المحكمة منتظرين بدء المحاكمة ورؤية المتهمين.
رأت نهلة زهيرة فوجدت نفسها تقف وتخطو إليها حتى وقفت أمامها مبتسمة مردفة:
كيفك يا ست زهيرة؟.
طالعتها زهيرة بلهفة ووقفت عند رؤيتها وضمتها لصدرها بحنو هامسة:
نهلة وحشتيني يا بتي،
أنتِ اللي كيفك،
ومجتيش ليه الجصر عاد تشوفي حالك؟.
ابتعدت نهلة مردفة بحب:
أتوحشتك الجنة يا ست زهيرة،
وانا بخير طول ما أنتِ بخير.
ثم ضحكت بوجع مرددة:
جسر إيه وحال إيه يا ست زهيرة!
خلاص كل واحد رجع لأصله
وانا كيف ما قولتلك أنا مكنتش عايزة عشان الفلوس وأعيش مرتاحة،
أنتِ عارفة أنا اتجوزته ليه
والحمد لله إنها وصلت لكده وجيه اليوم أخيرًا اللي نتشفى فيه أنا وأنتِ
ومعيزاش حاجة أكتر من أكده.
طالعتها براء بتعجب من حديثها وحدث نفسه:
غريبة جوا البت دي،
بس على إكده ليه حق فعلاً محمود يعجب بيها،
لأنها حالة نادرة بين البنات اليومين دول وجلبها طيب كيف زاد.
ثم أعلن حاجب المحكمة ببدء الجلسة فدق قلوب الحضور وأخذوا يسلطون أعينهم بترقب على قفص المتهمين لرؤية ذلك الرجل الذي أوهمهم لسنوات طويلة أنه منصور الجبالي.
ليزج بهم بالفعل في القفص واحد تلو الآخر،
فعلت صيحات الحضور عند رؤيتهم.
فغضب القاضي وطلب الصمت حتى لا يضطر بالزج بهم خارج القاعة،
فلاذوا بالصمت جميعًا.
حاولت قمر الإبتعاد عنهم في القفص بقدر الإمكان خوفًا من بطش حمدي الذي كان يرمقها بنظراته الحارقة،
فتنتفض خوفًا.
وكادت أن يقف قلبها عندما رأته يشير إلى عنقه ويحرك يديه عليه (أي سيذبحها).
فالتفتت تهمس لنفسها:
يارب نجيني منه،
ده هو السبب المجرم ده في كل اللي أنا فيه دلوقتي.
يارب عدي اليوم ده على خير.
ثم أشاحت بوجهها عنه،
لتصدم برؤية عيني براء التي تحمل العتاب واللوم والإزدراء والغضب حتى تلونت بالحمرة.
فبكت قمر وتوسلت بعينيها إليها كأنها تقول:
سامحيني سامحيني يا براء.
ثم أغمضت عينيها حتى لا ترى أحدًا وأطبقت على شفتيها بحزن وندم.
كما حاول براء عدم النظر إليها مجددًا حتى لا تثير أعصابه وحدث نفسه:
ياااه يا قمر،
ياما عيون زاد بكت بسبب واحدة زيك متسواش
وانا كنت مغفل ومش عارف حاجة.
ياريت ربنا يديني العمر عشان أعوضها عن كل لحظة حزن عشتها بسبب حبي الوهمي لقمر.
أما حمدي فكان يحترق بداخله وعيونه تلمع بالشر:
كله بسببك يا قمر،
كنا عايشين وعنشتغل ومحدش يدري بينا.
وكنت هكون دراع حمدان اليمين والدنيا كانت بدأت تضحكلي بعد الفقر والضنك اللي كنت فيه.
تيجي أنتِ يا قمر في لحظة واحدة تضيعي ده كله وتهدي كل أحلامي اللي بقالي سنين بحلمها،
في إني يكون لي مال وجاه،
ماشي يا قمر،
مش سيبك وأهي كده موتة وكده موتة بس مش هرتاح غير لما أطلع روحك بإيدي الأول.
وقف منصور في القفص وعلى وجه الوهن والضعف حتى أن قدميه لم تكن تحمله وأخذ يترنح بجسده والعسكري يوبخه بقول:
أجف عدل يا متهم.
ليحاول مجددًا التماسك ثم أخذت تدور عينيه بين الحضور وكأنه يتلهف لرؤية نهلة ولكن تصادم برؤية زهيرة في بادي الأمر،
ورأى في عينيها الكره والشماتة به،
فأغمض عينيه متألمًا.
خابر يا زهيرة إنك عارفة تشمتي فيه،
وعذرك ما أنتِ معشتيش اللي أنا عشته ولا حسيتي بالوجع اللي حسيته من وأنا جد إكده.
آه محدش حس بيه ولا حبني طول عمري غير نهلة.
ثم أخرجه من شروده صوت جابر وهو متعلقًا بالقفص يبكي وهو يلمس يد أبيه حمدان مردفًا:
ليه بس يا بويا عملت أكده،
ليه؟
ياما قولتلك الحرام آخره وحش،
وهينهش في الجسم كيف ما هينهش النار في الحطب،
وإيه أخرتها.
تنهد حمدان وكأن النار تخرج من جوفه مردفًا بندم:
ياريت ني كنت سمعت كلامك يا ولدي،
بس خلاص سهم القدر نفذ وكنت رايد أنتقم لأمك الله يرحمها.
فبكى جابر:
ياريت ني ما قولتلك اللي حصل،
كنت عيل ومش فاهم حاجة،
مكنتش عارف إنك هتعمل أكده.
حمدان:
وانا من ساعتها منمتش ولا ليلة مرتاح
وكنت فاكر إن أكده هقدر أجيب حقها بس كنت بضحك على نفسي وضيعتها أكتر واكتر.
سامحني يا ولدي وادعيلي بالرحمة وادعيلي ربنا يسامحني،
يمكن ربنا يستجيب منك أنت عشان أنت جلبك أبيض وطول عمره طاهر.
فحدث نفسه منصور بآسى:
يا بختك يا حمدان،
عندك اللي يحبك ويترحم عليك،
لكن أنا اتحرمت من كل حاجة حتى الرحمة،
ياما كان نفسي أكمل مع البت نهلة واجيب منها قطعة عيل بس منهم الله الرمم حتى دي مهنونيش عليها،
طول عمري محروم من كل حاجة.
ثم أخذت عينيه تدور مرة أخرى لعله يراها فتطيب نفسه المشتاقة إليها متسائلًا:
أنتِ فين بس يا بت نهلة،
نفسي حتى أطلعلك لآخر مرة قبل ما أموت.
ليتفاجأ منصور بمن تقف أمامه بكل جبروت وعينيها تنذر بغضب جحيمي مردفة بهمس:
كيفك يا منصوري؟
لتطلق عيون منصور قلوب حمراء إمتلئت بها قاعة المحكمة حتى كادت تخرج منها أيضًا،
وعلت دقات قلب منصور حتى سمعها من بجواره واضطربت جرواحه وهمس باسمها:
نهلة، نهلة..
أنتِ قدامي صح يا بت ولا بحلم؟
نهلة بسخرية:
تحب أقرصك يا منصوري،
عشان تتأكد إني وجعة جصادك يا راجل!
منصور بهيام عاشق:
إقرصيني يا بت،
ده أنا أتوحشتك جوا جوا..
ياااه أخيرًا شوفتك،
كنت حاسس إنهم عيموتوني مرتين لو مش شوفتكيش يا جلب منصور.
ياااه بتمنى أغمض عيني وأفتحها وألاقي إن كل اللي أنا فيه ده حلم يا بت.
وأننا في أوضتنا أنا وأنتِ وتع تسمعيني كلامك الحلو ده يا بت.
يلا سمعيني أي كلمة حلوة عشان خاطر حتى حلاوة الروح،
وادعيلي يا بت لما يموتوني،
عشان عارف إني محدش حبني خالص غيرك يا نهلة.
لتحتقن الدماء في عروق نهلة مردفة بغل:
أسمعك الرعد في ودانك يا منصور.
وهو أنا عايزة يا حزين مش عشان أحبك
بالعكس أنا أكتر واحدة هكرهك في الخلق دول كلهم.
ثم تابعت بشماتة:
وجاي إيه بيقول أدعيله،
لا ده أنا هدعي عليك يا منصور ربنا يحرقك في نار جهنم،
بحق اللي عملته في ناهد الطاهرة أختي فاكرها يا منصور؟
ناهد اللي دنستها بعفنتك وكتلتها ورميتها للكلاب اللي شبهك.
ليتجمد منصور في مكانه وجحظت عينيه وجاهد لإخراج كلماته بصعوبة:
نااااااهد،
يعني أنتِ كنتِ عارفة وضحكتي عليا عشان أتجوزك.
فضحكت نهلة:
أيوه وكنت عاحتفلك اللي يموت رجولتك في اللبن عشان متلمس مني شعرة يا منصوري.
ليثور منصور ويعلو صوته:
اااااه يا فاجرة،
حتى أنتِ طلعتي معتحبنيش يا نهلة.
ليحاول بعد ذلك مد يده من القفص ليخنقها وبالفعل استطاع ولف يده حول رقبتها،
لتجحظ عين نهلة بعد أن نفذ الهواء من رئتيها وكادت أن تموت.
ولا تدخل محمود في اللحظة المناسبة قبل أن تزهق روحها لأنه كان يراقبها وعينيه لم تفارقها ولو للحظة واحدة.
ليلفت إليه نظر كل من في القاعة وهو يهجم عليه ويوبخه ويزيل يديه عنها.
ليتدخل الحرس في إنهاء هذا التداخل ويصيح القاضي مرة أخرى في الحضور بالهدوء مع تعنيف منصور بقوله:
مش مكفيك كل تاريخك الدموي يا ممدوح
وبدل ما تنهيه بتوبة لعل الله يغفر لك،
عايز تنهيه بقتل روح تانية.
فردد منصور بقهر:
اللي كنت عموتها دي هي روحي مش روحها يا باشا،
ثم أخذ يبكي بانهايار.
وجلست نهلة بجانب والدها مرة أخرى وجلس بجانبها محمود وعينيه لا تفارقها وقلبه ينتفض كلما رآها تأخذ أنفاسها بصعوبة.
محمود:
مش هينفع كده يا نهلة،
قومي نروح لدكتور أو على الأقل نخرج بره عشان تقدري تاخدي نفسك.
فترفض نهلة:
لا أنا مش هرتاح غير لما أسمع الحكم عليه بنفسي.
ليبدأ بالفعل القصاص.
فتحدث القاضي:
بعد مناقشة الأدلة تم إثبات كل الإدعاءات على المتهم الأول ممدوح الجبالي
الذي تحكم به الشيطان بالكلية وجعله أداة ينفذ به كل ما يريد في صورة إنسان ألغى عقله وخسر دينه
وبالتالي أخرته وزي ما هياخد العقاب دلوقتي اللي يستحقه في الدنيا،
لسه برده هيوقف قدام الملك الجبار في الأخرة عشان يحاسبه حساب عسير.
ثم أصدر الحكم:
بالإعدام شنقًا.
ثم المتهم الثاني حمدان الجبالي..
بالأشغال الشاقة المؤبدة.
(لأن قتل مراته بعد ما كانت هي عايزة تقتله ويعتبر دفاع عن النفس والسجن عشان جرايمه التانية).
المتهم الثالث..
حمدي بالسجن ١٥ سنة.
وهكذا بقية الأفراد كل واحد على جزاء عمله.
ليصرخ منصور بهيستريا:
ع تعدموني وماله،
ما أنا كده كده كنت ميت من زمان جوا،
ومكنش حد حاسس بيه حتى أبويا وأمي كنت بالنسبة لهم عار وعايزين يخلصوا مني،
و عمره ما حد منهم طبطب عليا ولا قالي كلمة حلوة
وكنت دايمًا أشوف الكره في عيونهم ودايمًا أمي كانت تقول..
ياريت ني ما جبتك وجبت منصور بس.
والكل كان يبعد عني،
حتى مكنش حد يحب يلعب معايا،
فكنت لوحدي،
يمكن الكلاب كانت أرحم منكم عليا.
أنتم كلكم السبب في اللي أنا فيه دلوقتي،
أنتم اللي وصلتوني لكده،
أنتم المجرمين،
أنتم مفروض اللي تموتوا كلكم.
لأن محدش خد بإيدي وعلمني الصح من الغلط.
إعدموني وربنا اللي عتجازف عليه ده عيحاسبني،
لا أنا هرحله وهشتكيله منكوا وألي عملتوه فيا.
وعي كون رحيم بيا عشان خابر انا اتظلمت كيف منيكم.
ليبكي كل من في القاعة في البكاء لحاله وضعفه إلا زهيرة ونهلة وايضا هذا الذي ظهر فجأة امام منصور شاهرا سلاحه الذي كان يخفيه.
محفوظ بعين تطلق شرار الشر...
ـ انا اللى هوصلك حالا لربنا يا منصور بيدى قبل حبل المشنقة عشان أغسل عارى وان شاء الله يكتلونى بعدها.
بس أريح نفسى وأريح إلهام اللى غدرت بيها وضحكت عليا وجوزتهالي بعد ما جنيت عليها وضيعت فرحة السنين عشان مزاجك العكر.
لتنطلق منه رصاصة إلى قلب منصور، فيسقط ميتا.
ليصدق (من قتل يقتل ولو بعد عين).
ليبدأ الصخب يعم قاعة المحكمة ووجد براء وباسم أنفسهم بدون شعور يسرعوا إلى قفص الاتهام مرددين..
ـ أبوى أبوى.
وكأنهم تناسوا للحظة أنه ليس بوالدهم ولكن هنا غلبت الرحمة على العقل.
وعندما علموا بوفاته، انهمرت دموعهم بغصة مريرة وكأنهم فقدوا أبيهم للمرة الثانية.
فقامت زهيرة بحزن وتقدمت إليهم وربتت على ظهورهم بحنان مردفة...
ـ مفيش أصعب من أن نفس تموت أكده ومنكرش صعب عليه رغم كل اللى عمله لكن مفيش في يدنا غير أننا ندعيله لعلى وعسى ربنا يخفف عنه العذاب.
فردد براء وباسم...
ـ الله يرحمه.
ثم التفتوا إلى أمهم ليغادروا.
ولكن فوجيئوا بصراخ مرة أخرى.
ليلتفتوا مجددا، ليجدوا قمر قد أفترشت الأرض والدماء تسيل من صدرها بعد أن طعنها حمدى الذي كان يخبيء سكينا صغيرا في جوربه على حين غفلة في هذا الصخب الذي حدث بعد مقتل منصور والقبض على محفوظ.
فشهق براء..
ـ قمر.
وهم أن يتقدم منها ولكن فوجيء بمن جاء على نحو السرعة ووقف يصرخ أمامها...
ـ قمر، لااااا، فوقى يا قمر.. انا مستنتكيش السنين دي كلها عشان في الاخر تموتي وتهمليني بعد ما قولت هانت خلاص وهيتحقق حلم السنين وعتكوني ليا في الحلال، بعد كل الحب اللى حبتهولك وأنتِ مش دريانة.
مسالم...
ـ جومي يا قمر، جومي شوفي مين اللى حبك من جوّه.
حبك عشان أنتِ قمر لنفسك مش عشان أنتِ حلوة وبس وخابر انك من جوّه مش وحشة بس مستنية حد ياخد بيدك ويطلع الحاجة الحلوة اللى فيكي يا قمري.
فأغمض براء عينيه مرددا...
ـ صوح هو ده الحب الحقيقي، وده اللى اكتشفته مع زاد لكن قمر كان حب وهمي بشكلها الخارجي الحلو بس.
ثم تدخل باسم بقوله...
ـ انا دكتور، خلوني أدخل لها بسرعة عشان أعرف لسه فيها نبض وعايشة ولا لا قدر الله ماتت.
فلو فيها بإذن الله نبض أحاول أخفف من النزيف ونطلب الإسعاف بسرعة.
ففتحوا له القفص وانحنى إليها بجذعه ليرى أنها مازالت على قيد الحياة، فصرخ...
ـ إسعاف لسه فيها نفس.
ثم خلع عنه سترته في محاولة منه للضغط على الجرح للمساعدة في عدم تدفق الدم نوعا ما.
أما حمدى فقام العساكر بضربه حتى كسروا عظامه وأخذ يتأوه من الألم ثم قاموا بحبسه في زنزانة بمفرده.
ثم جاءت الإسعاف سريعا لنقل قمر إلى مستشفى السجن، وقام بمرافقتها مسالم بحكم عمله كأمين للشرطة.
ليحاول الأطباء نجدتها ثم نقلها إلى الرعاية الطبية، حتى تستقر حالتها الصحية.
خرجت نهلة من قاعة المحكمة منكسرة حزينة على كل ما حدث أمامها فبرغم دافع الإنتقام الذي كان يروادها دوما نحو منصور، ولكن ألمها نهايته، فرددت في نفسها...
ـ الله يرحمه ظلموه وظلم نفسه.
ثم وجدت من يهمس بجانبها...
ـ نهلة.
فتوقفت لتجد محمود يظهر على وجه البشاشة...
ـ نهلة، ايه نقول ألف مبروك واخيرا تحقق اللى كان نفسك فيه وبقيتي أرملة.
فابتسمت بمرارة...
ـ نفسى فيه؟
ـ اااااه يا وجع جلبي، على إنسان راح لربنا بكل المعاصي دي كلها.
فاندهش محمود وأصاب قلبه الغيرة فحدثها بغيظ...
ـ ايه صعبان عليكي ابن الجبالي يا نهلة!
تكونيش حبتيه وانا معرفش.
فصمتت نهلة ولم تجبه، فثار محمود وانفعل بقوله...
ـ لاااا انتِ زودتيها أوي يا نهلة، كل ده ليه عشان عارفة وحاسة كويس بلي في قلبي ناحيتك، فعايزة تجنيني صح؟
لكن لكل شيء حد ولازم دلوقتي تردي عليه، تجوزيني يا نهلة بعد ما تخلص عدتك من المرحوم اللى صعبان عليكي ده؟
فصمتت نهلة واكتفت بدموع حارقة على وجنتيها.
وكانت زهيرة تشهد الموقف من بعيد وكذلك والدها الذي كان يعلم حقيقة الأمر وتركها لتحدد مصيرها بنفسها دون ضغط عليها ولكن قلبه يتمنى أن توافق فلن يجد ابدا زوج مثل محمود لها.
محمود بنفاذ صبر...
ـ قولت ردي عليه يا نهلة، وصدقيني انا مش هنقشك في قرارك لو رفضتي المرة دي، لأن ملوش داعي خلاص وكل شيء واضح.
فحدثت نفسها نهلة بإنكسار...
ـ انا كمان واضح حبي ليك يا أغلى من عينيه.
ده انا ياما بس تمنيت التراب اللى عتمشي عليه بس يا محمود.
بس واضح برده إني عِبكي على فراقك العمر كلها.
واضح كمان إنه انكتب عليه الحزن والشقا والفرحة ما تلمس قلبي.
وواضح اني أدفن جلبي بعدك مع انك جدامي وعتعذب يمكن اكتر منك.
وواضح أن الناس معتسبش حد في حاله وعيستكتروا عليه النعمة لغاية ما تروح من يده.
كيف أجوزك بس اني بحبك وريداك وأظلمك معايا ويوجعني ندمك لو حسيت في يوم انك أتسرعت والحب راح بعد الجواز.
لاااا يبقى من دلوك أحسن يا ابن الناس.
عشان كده بجوزك ثم رفعت صوتها بنبرة قاتلة...
ـ ايوه يا محمود انا مش ريداك، ومش عايزة أجوزك وروح لحالك بقى.
فأغمض محمود عينه متألما وحاول أبتلاع الغصة التي في حلقه ثم فتح عينيه ببطء ليلقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يغادر.
نظرة كفيلة تميت فيها كل شيء.
ثم غادر دون أن ينبس بكلمة كما وعدها، لتلفت هي إلى والدها وتسرع إليه وتلقى بنفسها في أحضانه تبكي.
والد نهلة...
ـ ليه طيب يا بتي عملتي أكده وانا حاسس إنك ميالة ليه وريداك، وصراحة هو ده عريس يترفض بردك!
هو انا نطول واحد زيه، شباب ومركز عليه قيمة.
وفوق ده كله عيحبك وكان عيتذلل عشان توافقي مع انك يعني.
فقاطعته نهلة بقولها الصادم الذي أدمى قلب أبيها وتعجب لسماعه زهيرة وولديها...
ـ ايوه يا بوي كيف ما أنت جوزت بالظبط إحنا نطول واحد زيه!
عشان إكده رفضته وانا ريداك وجلبي أتعلق بيه.
عشان أنا معنفعهوش يا أبوي، انا مين عشان أتجوز ظابط ابن ناس ومصراوي كمان.
انا حيالله فلاحة وبعد أكده كنت خدامة ويدوبك هفك الخط.
واه صوح اتجوزت منصور الجبالي رغم أنه كان كبير البلد وعنديه كتير، لكن كان بردك راجل كبير وانا صغيرة فعمره ما كان عيستعر مني، لكن عياله عملوها وقالوا مني كتير جوا، وجالوا خدامة تتجوز منصور الجبالي واتهنت وضربت على يد بتهم الله يسامحها وجالوا كمان اتجوزته عشان الفلوس.
وميعرفوش كانوا اني اتجوزته عشان أخد بتاعت أختي منه، واهو خلاص سبتلهم الجمل بما حمل وطلعت بالجلابية اللي عليا مش عايزة غير ستر ربنا.
فدلوك بعد ما ربنا سترني، كيف أفضح نفسي تاني مع ناسه اللي عارفة أنهم هيعملوا معايا كيف ما عمل أولاد الجبالي ويمكن اكتر كمان لأنهم بزيادة متعلمين ومصراوية وانا مش من طبعهم ولا مكانهم.
وهو صغير يعني ممكن بعد الجواز يقل الشوق، فيفوق لنفسه لما يتأثر بكلام اللي حواليه ويندم اللي أخد وحدة مش من توبه ولا تشرفه جدام الناس وساعتها ممكن يرمينا ويشوف واحدة من طينته تناسبه.
وساعتها انا جلبي عينكسر وهرجع ذليلة مقهورة اكتر من اللي انا فيه دلوقتي مليون مرة.
فعلى ايه العذاب ده كله، حالي دلوقتي أهون شوي.
وإذ كان هو عيتعذب شوي أكده وعينساني ويشوف حاله ويمكن يقول الحمد لله انها اتفضلت منها عاد، ده انا كنت عوجع نفسي في مصيبة.
عرفت يا أبوي ليه بقى رفضته رغم اني ريداك.
فتنهد والد نهلة بغصة مريرة...
ـ ااااااه يا بتي، ويا عيني عليكي.
شايلة المرار من صغرك، بس أدي الله وأدي حكمته، ملناش فيه يا بتي.
ومش عارف أقولك ايه، فيي أن ربنا يهونها عليكي ويعوضك عن المرار ده كله.
تساقطت دموع نهلة الحارة على وجنتيها ورفعت راسها للسماء مرددة...
ـ يارب يارب.
ثم أخفضت رأسها بإنكسار مردفة...
ـ يلا بينا يا أبوي نعوذ عشان خلاص مش قادرة أصبر طولي.
نطق براء بصدمة...
ـ مش معقول البت نهلة دي، فظيعة، مكنتش اتخيل أنها أكده وبالعقل ده.
تضحي بحبها وواحد زي محمود عشان مجرد إحساس ممكن يكون في خيالها بس لأني عارف محمود كويس مش ممكن يعمل أكده وبدل عايزها فعلا يبقى بيحبها صوح ويستحيل يغير رأيه بعد أكده.
وإذ كان على أهله فهو راجل ويعمل اللي رايده ويقدر يقنعهم.
فعارضته زهيرة...
ـ الزن على الودان أمر من السحر يا ولدي.
وانا ياما قولتلكم أنها بت زينة عشان أكده حبها وانتم مكنتش مصدقين وياما كيف ما قالوا كسروا جلبها وهنوها.
فمش عايزة ده يتكرر تاني خصوصا مع إنسان عتحبه.
باسم...
ـ مش عارف أقول ايه، بس صراحة ربنا يكون في عونها وصعب جوا اللي عملته لأنها أكده برده بتعذب نفسها.
ياريت ربنا يجمعهم لأن بعد اللي سمعته هي فعلا تستحق واحد زي محمود يعوضها.
ثم انضم لهم جابر مطأطأ الرأس حزين على والده.
باسم...
ـ ايه يا أبو نسيب، فكها بقى على الأقل أبوك لسه موجود لكن احنا كان عندنا اتنين وماتوا.
فابتسم جابر رغم حزنه مردفا...
ـ رحمة الله عليهم وربنا يفك كربك يا بوي ويسامحك.
زهيرة...
ـ طيب يلا بينا يا ولاد.
فرجعوا جميعا إلى القصر.
ماعدا باسم الذي اتصل به طبيب ملك يبشره أن حالتها قد استقرت وكتب لها على خروج.
فانشرح صدر باسم مردفا بفرح...
ـ يااااه ألف حمد وشكر ليك يارب.
ولج جابر إلى بانة في غرفتهم، فابتسمت لرؤيته وأسرعت بخطاها إليه ولكنها فجأة قبل أن تصل إليه شعرت بدوار وسقطت مغشي عليها.
فصرخ جابر...
ـ بااااااااااااانة.
رواية اولاد الجبالي الفصل الخمسون 50 - بقلم شيماء سعيد
ودخل جابر إلى بانة في غرفتهم،
فابتسمت لرؤيته وأسرعت بخطاها إليه،
ولكنها فجأة قبل أن تصل إليه شعرت بدوار وسقطت مغشيّ عليها.
فصرخ جابر:
– باااااااااااانة.
ثم أسرع إليها وحملها بقلب خائف،
فهي تعد نفسه اللي بين جمبه.
ثم حاول أن يفيقها بلمس وجهها وأخذ يردد:
– بانة، بانة.
– فيكي إيه يا قلبي؟
لتستعيد وعيها بعض الشيء وهمست بصوت خافت:
– جابر.
جابر بلهفة:
– إنتي جنبك إيه هو يا قلبي، مالك حاسة بإيه؟
فابتسمت بانة وأمسكت بيده ووضعتها على بطنها مردفة بحرج:
– ده ابنك الشقي، مش عارفة ليه مش طالع كيف أبوه طيب وهادي،
شكله طالع زيي مزرب وإنت أكيد هتفرح فيا يا جابر،
أنا عارفة وتجولي استحملي طبعك عاد.
فتجمدت ملامح جابر من الصدمة،
فسألته بانة:
– إيه يا جابر، حساك مش فرحان!
– ده أنا حامل في تلات شهور ومع ذلك مردتش أجول لحد غير لما تعرف إنت الأول،
لما تخرج بالسلامة، تجوم بدل ما تفرح تبلم إكده.
– إنت إيه عاد بطلت تحبني ومش عايز مني عيال ولا إيه؟
جابر:
– إنتي عايزة تكلمي بجد يا بانة، يعني أنا هبقى أب وعيكون ليه عيل منكي.
فحركت بانة شفتيها بتهكم:
– تصور، بحسبه طلع لي من البخت.
فضحك جابر وحملها مرة أخرى وأخذ يدور بها في الغرفة.
بانة:
– براحة عليا، يعني دلوقتي فرحان، إمال مبنش عليك ليه أول ما قولت وكإنك نزل عليك سما لله.
جابر:
– كيف مش فرحان، ده أنا حاسس نفسي هطير وفرحان جوا، بس ده من صدمة الفرحة.
ثم وضعها برفق على الفراش،
ثم سجد لله سجدة شكر يحمد الله على منه وعطياه.
.....
وصل باسم لدى ملك،
فابتسمت له ابتسامتها اللي ذهبت بلب عقله فصاح:
– لا أكيد احنا مش هنروح على البيت، احنا هنروح للمأذون على طول وبعدين للقصر سيدتي الجميلة.
فشهقت ملك:
– لاااا أكيد على طول.
باسم:
– وفيها إيه، ده أنا صبرت كتير جوا يا ملك ومنتظر اللحظة دي بفارغ الصبر.
فعبست ملك مرددة:
– وعايزيني أدخل على أوضة مرتك عزة يا باسم.
فتبدلت ملامح باسم مرددا بحنق:
– مرتي إيه بس يا ملك، ما إنتي عارفة اللي فيها وهي على الورق بس وملهاش عندي أي حاجة،
وهي عارفة أكيد وراضية ومش عايزة إلا الستر ومش راضية أطلقها عشان تربي ولدها.
فأرجوكي يا بنت الناس ما تجيبي لي سيرتها لو بتحبيني.
– وإيه جولك بقى إنها مش هتدخل القصر تاني، أنا جولتلها أكيد وهخليها شقة بره تربي ولدها بعيد عنينا،
وانا عليه بس أتحمل مسئوليته لغاية ما يوقف على رجله.
– وأظن أكيد عدا ني العيب بزيادة،
ثم غمزها بقوله:
– ومن حقي دلوقتي أشوف نفسي ولا إيه يا ملاكي.
– نفوت بقى على المأذون عشان خلاص حبيبك مش قادر على نار البعد،
وربنا وخلاص نفسي أخدك في حضني يا ملك.
فتلونت وجنتي ملك بالحمرة من شدة الخجل مردفة:
– بس يا جليل الرباية.
باسم:
– أكيد، طيب يمين الله لأعملها وهشيع لأبوكي يقابلنا عنده.
ملك بضحك:
– لا إنت مجنون صوح.
باسم:
– عندكي حق، هو حد يشوف الجمال ده كله وميبقاش مجنون بيكي يا ملك.
– يلا بينا على المأذون.
ملك:
– استهدي بالله أكيد، وكلم أبويا الأول.
فجلس باسم وحدثها:
– ماشي يا ستي أكلمه.
والد ملك:
– والله طبعا دي حاجة تفرحني يا دكتور، بس مينفعش أكيد من غير ما الناس تعرف،
ده إنت عارف اللي حصل.
– فلازم نعمل جعدة ونكتب الكتاب عشان يعرفوا وأتشرف بيك يا دكتور جدامهم،
يمكن ساعتها يبطلوا كلام وحديث عليا وعلى بتي.
فتنهد باسم بحزن وحدث نفسه:
– يا عيني على اللي حصل لقمر من المجرم ده.
– يا ترى هي عاملة إيه دلوقتي؟
– وخايف أجولهم اللي حصل تتعب ملك بزيادة ولا أبوها يحصلها حاجة،
فأسكت أحسن وهبقى أروح أطمن عليها.
ثم تابع حديثه بقوله:
– ماشي يا عمي، بس أكيد، عيوني وأنا هجيب ناسي الليلة كمان وإنت تجيب ناسك،
وتعلق النور ونكتب وأخدها بعد أكيد للقصر.
فضحك والدها:
– ربنا يسعدكم يا ابني.
فأغلق معه الخط ليرى ملك قد وضعت يدها على وجهها من فرط الخجل.
فقام ووقف بجانبها ليفزعها وهو يصرخ في أذنها:
– تووووت.
فغضبت ملك وابتعدت:
– بردك أكيد يا باسم.
فضحك باسم:
– أعمل إيه لجيتك نايمة جولت أصحيكي.
– يلا قومي أكيد عشان ورانا مشاوير كتير.
– أولا هوديكي بيوتي سنتر، تعملك كل الحاجات اللي محتاجها العروسة، واشتريلك فستان.
– وبعدين تعلبسيه في بيتكم عاد، وأنا هجيب أمي وأخواتي والمأذون وأجي وعمي يعمل اللازم ويعلق نور ويعزم الناس،
وبعد أكيد هاخدك وأطير لعش حبنا يا ملك.
ابتسمت ملك:
– مش قادرة أصدق يا باسم، معقول نچوز بالسرعة دي، بعد كل اللي حصل، حاسة كأني بحلم.
باسم:
– ربنا كريم وحنين جوا وكان حاسس بينا.
– وعارف أننا مينفعش غير نكون لبعض وبس.
– يلا يا قلبي عشان الوقت.
فأسرعت ملك معه وقلبها يرقص من الفرحة وتحمد الله أن جمعها مع حب عمرها في الحلال الطيب.
.....
زهيرة بإندهاش:
– أكيد على طول يا باسم من الدار للنار، كنت صبرت شوية يا ابني الدنيا مخلصتش.
باسم:
– صبرت كتير جوا ياما، واهو الحمد لله جبرني، فبالله عليكي تيجي معايا عشان الراجل الطيب ده.
زهيرة بنفاذ صبر:
– أقولك إيه بس، ماشي يا ولدي.
وعندما أخبر باسم بانة،
فرح جابر مرددا:
– يااه النهاردة الفرحة فرحتين، فرحتي بولدي اللي جاي في الطريق وفرحتي بيك يا دكتور.
فشهقوا جميعا:
– إنتي حامل يا بانة.
فأخفضت بانة رأسها بحرج:
– أي نعم.
فعانقتها زهيرة بحب:
– مبارك يا بتي، ربنا يتمم على خير.
وهنئتها زاد أيضا بقولها:
– مبارك يا أحلى بانة.
بانة بحب:
– الله يبارك في عمرك وعقبالك يا قلبي.
فهمست زاد:
– يارب.
فغمزها براء وهمس في أذنها بعد أن ابتعدت عن بانة:
– طيب الموضوع ده مينفعش بالدعاء بس، لازم ليه درس عملي أفهمك كيف؟
فنكزته زاد بحرج:
– بس يا جليل الرباية.
فتعالت ضحكات براء،
ثم اتجه كل واحد إلى غرفته يستعد لزواج باسم.
....
وعلى جانب آخر كانت عزة منهمكة بعض الشيء في دراستها للماجستير،
ولكن فجأة شعرت بنغصة في قلبها أوجعتها،
فوضعت يدها على قلبها متألمة:
– اه، خير يارب.
ثم همست:
– باسم، يا ترى فيك إيه، قلبي مش مستريح.
– ألا يكون صابه حاجة.
– لما أتصل بيه وأطمن عليه، يمكن حتى يحن لصوتي مرة ويجي يطمن عليه.
– عشان وحشني جوا جوا، ومش قادرة أقولهاله عشان ميصدنيش كيف ما بيعمل كل مرة.
– ميتى بس يا قلبي تحس بقلبي وتنسى اللي فات مع أنه عمره ما يتنسى بس القلب ليه أحكامه.
ثم اتصلت به،
وكان حينها باسم يجلس بجانب ملك بعد عقد القران ممسكا بيدها بحب ويتهامسان كلمات الشوق والغرام بعد أن أصبحت حلاله بعد طول انتظار.
باسم:
– مش ناوية تقوليها بقى يا ملوكة، نفسي أسمعها منك.
ملك بخجل:
– هي إيه دي؟
باسم:
– يعني مش عارفة؟ ولا لسه بتتكسفي مني، أنا خلاص بقيت جوزك يا قلبي.
– يلا قولي بحبك يا باسم وراضي قلبي اللي عاشق نور عينيكي.
ملك:
– وبعدين معاك، مش قادرة دلوقتي لما نروح عاد.
– عشان حاسة إن كل العيون عليه ومكسوفة جوا.
باسم:
– بس أكيد غالي والطلب رخيص.
– وأنا كمان عايز أغمض عيني وأفتحها ألاقي نفسي معاكي هناك تحت سقف واحد لحالنا وساعتها بس....
ولم يستكمل كلامه عندما سمع رنين هاتفه ليخرجه ليجد عزة هي المتصل،
فزفر بضيق محدثا نفسه:
– أوف، هو ده وجته.
– لا مش هرد عليها.
ثم انقطع الاتصال فدمعت عين عزة:
– أكيد يا باسم، مش عايز حتى ترد عليا، طيب حتى أسمع صوتك وأطمن مش عايزة أكتر من أكده.
– أعمل إيه دلوقتي وأنا قلبي مغلوق عليه، مفيش في يدي حاجة غير إني أتصل عليه تاني،
وحتى لو رد وهزقني بس أسمع صوته وأطمن بدل القلق ده.
فقامت بالاتصال به مرة أخرى.
فرددت ملك:
– مين بيتصل بيك يا باسم وليه مش عايز ترد.
– رد يمكن يكون عايزك في حاجة مهمة.
باسم بتجهم:
– مش عايز أقطع علينا لحظتنا الحلوة دي يا ملك.
ملك:
– طول ما إنت بتكون جنبي العمر كله، هتكون لحظاتنا كلها جميلة.
باسم:
– يا وعدي يا وعدي، أخيرا الجبل نطق.
– طيب هقوم أشوف مين وأرجع للقمر.
فقام باسم يزفر بضيق ثم قام بالرد عليها:
– نعم يا عزة، فيه حاجة.
شعرت عزة ببرودة حديثه فتأوهت حزنا ولكنها تغاضت مردفة:
– أنا بس كنت بتصل عشان أطمن عليك يا باسم.
– مش عارفة ليه حسيت إن فيك حاجة فجولت أطمن.
باسم:
– أنا كويس يا ستي متقلقيش ومفيش داعي لاتصالك وأنا جولتلك متتصليش إلا لو فيه حاجة ضروري،
تعبانة ولا حاجة.
فابتلعت عزة غصة مريرة في حلقها مردفة بأنكسار:
– ماشي، أنا آسفة يا باسم، معدتش أكررها تاني حتى لو تعبانة.
ثم تخلل لأذنها صوت الزغاريد،
اللي كان بمثابة صوت طلقات الرصاص.
فشهقت:
– إنت ليلتك النهاردة على العروسة يا باسم؟
توتر باسم ولكنه وجد أنه حقه فردد:
– أيوه، فيه حاجة ولا إيه؟
– مش هتقولي لي مبروك!
شعرت عزة إن الهواء قد نفذ من رئتيها وأخذت تشهق محاولة أخذ أنفاسها من الصدمة.
أحس باسم بأنفاسها المتسارعة وتعجب من صمتها فسألها:
– عزة إنتي كويسة؟
– عزة ردي عليا.
– عزة.
ولكنها لم تجيبه ففزع من أن قد أصابها مكروه،
فلم يدر ما يفعل،
فذهب سريعا إلى ملك يعتذر منها:
– معلش في حالة طارئة فعلا ولازم أروح أشوفها،
أتمنى متزعليش مني إني سبتك في يوم زي ده.
فأومأت ملك بتفهم:
– أكيد طبعا مش كنت أحب تسبني بس ده واجبك يا باسم اتفضل روح.
فأقترب منها باسم وقبل جبينها وهمس:
– هتوحشيني.
ثم ذهب إلى براء وحدثه:
– معلش أنا مضطر أمشي دلوقتي، ولو اتأخرت خد ملك وروحوا وخلي البنات معاها لغاية ما أرجع.
– مش هوصيك عليها يا براء.
ابتسم براء:
– متقلقش طبعا، بس حالة إيه دي؟
– في يوم زي ده، وهو مفيش دكتور غيرك يعني.
باسم بتجهم:
– معلش أمر الله، هسيبك دلوقتي وهبقى أطمن روحتي ولا لسه.
– سلام.
وعندما خرج باسم سريعا هكذا تهامس الناس بسخرية:
– هو العريس شكله طفش ولا إيه؟
– صوح عنده حق هو فيه حد يناسب الراجل ده اللي سيرته على كل لسان بردك.
فزفر والد ملك بضيق مرددا:
– لا حول ولا قوة إلا بالله، مفيش فايدة في الناس، تركتهم ليك يارب.
وفي هذا الوقت جاء اتصال من اللواء محمد إلى براء.
براء:
– أهلا بسعادة الباشا.
اللواء محمد:
– أهلا بيك يا سيادة المقدم.
– أنا بتصل بيك عشان هقولك هتوحشني.
براء:
– ليه حضرتك بتقول كده، حضرتك مسافر ولا إيه؟
فضحك اللواء محمد مردفا:
– مش أنا، إنت يا براء.
براء:
– أناااا ليه وفين؟
اللواء محمد:
– القاهرة يا براء ومش آثار المرة دي، لا مخدرات.
– وياريت بقى تطول رقبتي، وعايز أسمع عنك كل خير وتعمل تاريخ مشرف زي ما أنا متوقع عنك بإذن الله.
براء:
– صراحة مش عارف أقول إيه،
افرح ولا تحزن عشان هسيب الصعيد اللي اتولدت واتربيت وعشت فيه وإخواني كمان فيه.
وفي نفس الوقت أكيد فرصة جديدة قدامي مش عايز أفوتها من تحت إيدي.
اللواء محمد:
فعلاً فرصة وسيبك من أي مشاعر دلوقتي المهم مستقبلك.
براء:
تمام يا فندم.
اللواء:
تمام حضر نفسك في خلال يومين هتسافر.
أما السكن فمتشغلش بالك، هتقابل هناك النقيب مؤمن وهو هيدلك على شقة كويسة في عمارة الضباط.
براء:
تمام يا فندم، هجهز أنا والجماعة ونروح إن شاء الله.
اللواء محمد:
أنت هتاخد مراتك معاك؟
براء:
آه أكيد بدل ما هستقر هناك لفترة.
اللواء محمد:
بس الشغل ده نوعاً ما خطر وهتكون منشغل عنهم لفترات طويلة، فمن الأفضل تسبها في البلد ولما يسمح لك في النزول تنزل تشوفها.
فتنهد براء بعدم ارتياح لأنه لا ينكر أنه عشق تلك الحورية زاد ولا يستطيع أن يمضي يوماً دون أن يراها أو أن يخلد إلى النوم بدون حضنها الدافئ.
ثم تابع بقوله:
طيب يا فندم هتكلم معاهم في الموضوع وأشوف هقرر إيه؟
……
في وقت قصير وصل باسم سريعاً إلى عزة وكان يلوم نفسه طوال الطريق بقوله:
أنا مش هسامح نفسي لو جرالها حاجة، عشان ما رعتش نفسيتها وما عارفش إنها عتحبني وما رعتش مشاعرها وأنا أكتر واحد عارف الحب وعمايله وإذ كان على اللي حصل فهي غلطت كيف أي إنسان ضعيف بيغلط فهفضل لغاية ميتى بس أعلق لها حبل المشنقة، ده ربنا سبحانه وتعالى بيغفر ويشيل الذنب كأنه ما تعملش، فليه احنا عمرنا ما بننسى حتى لو كان من بره قولنا مسامحين لكن من جواتنا لا.
بس أنا غصب عني عشان عشان أحب ملك وده اليوم اللي كنت عتمناه، فهي جت هددت الفرحة دي في لحظة.
بس على الأقل كنت رديت عليها كويس مش بالبرود ده.
أديها إيه هي مستحملتش وخايف يكون جرالها حاجة.
وصل باسم وفتح الباب بيد مرتعشة، لينظر أمامه فوجدها مغشي عليها، فارتجف وتقدم منها وهتف بذعر:
عزة.
ثم فحص نبضها فوجده ضعيف.
ليلاحظ بعد ذلك أن ملابسها ملوثة بالدم، ففجع.
ليخرج هاتفه على الفور ويتصل بالإسعاف لتأتي بعد حين من الوقت مضى عليه كالدهر وهو يدور حول نفسه في قلق وتوتر ويكاد يموت من الفزع كلما نظر إلى وجهها اللي تلون بالصفرة وتلك الدماء اللي تتدفق من أسفلها.
باسم:
آآآآآآه ربنا يسترها، مش هسامح نفسي أبداً لو جرالها حاجة، ده أنا مش شفتش منها غير كل حب، أما أنا ما قدمتش ليها غير الإهانة في الراس والحاجة وبرود واستهتار بمشاعرها.
لتأتي بعد ذلك الإسعاف، ويساعدهم باسم في نقلها.
لتصل إلى المستشفى وبالكشف أخبره الطبيب:
أنها ولادة مبكرة.
باسم:
لا حول ولا قوة إلا بالله بس هي لسه في السابع، أكيد مش خطر عليها وعلى الجنين.
الطبيب:
قول يا رب، وإن شاء الله تكون كويسة، أما الجنين فهيدخل حضانة عشان هيكون مش مكتمل النمو.
باسم:
يا رب.
وبالفعل دخلت عزة إلى غرفة العمليات.
ولم يفتر باسم عن الدعاء لها، ثم تذكر ملك فضرب بيده على جبينه مردفاً:
آآآآآآخ، ملك.
ده إيه حظي ده.
ثم قام بالاتصال ببراء بعد أن خجل من الاتصال بها، فما عساه أن يقول.
براء:
كل ده تأخير يا دكتور، ده الناس زهقت وروحت.
باسم:
معلش غصب عني وأنا قولتلك لو اتأخرت خدها وروحوا عادي.
براء:
بس يعني قولت أنت بنفسك أفضل عشان ما تنكسرش بفرحتها في يوم زي ده.
باسم:
عارف ومش قادر حتى أكلمها عشان أعتذر، فمعلش حاول أنت وأمي تراضوها وتروحوا وأنا أول ما أخلص هحصلكم بإذن الله.
فضحك براء:
ماشي بندبسها، ربنا يستر عيالك ولما ترجعي منسمعش المعركة اللي هتحصل بينكم لأن أكيد هترجعي تلاقيها متزعلانة واستحمل عيالك يا جوز الإتنين، أنت اللي جبتها لنفسك.
عض باسم على شفتيه بغيظ مردفاً:
خليك محضر خير يا براء، بدل ما تولعها أكتر يا خويا، أنا مش ناقص كفاية اللي أنا فيه.
ليخرج الطبيب فيسرع باسم في قوله:
طيب أنا هضطر أقفل ديك وأعمل اللي قولت عليه، سلام.
ثم أسرع إلى الطبيب ليطمئنه.
الطبيب وعلى وجهه الآسى:
الأم الحمد لله حالتها مستقرة، لكن للأسف الجنين مات.
فأغمض باسم عينيه بحزن مردداً:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
طيب ممكن أدخل أطمن عليها.
الطبيب:
إيوه، دلوقتي هينقلها الغرفة، بس حاول تخفف عنها بعد ما تعرف لأن عارف تأثير موت الطفل اللي كانت بتستناه شهور بفارغ الصبر هيكون صعب جداً عليها وربنا يعوضكم غيره بإذن الله.
فردد باسم بإندهاش:
غيره!
ليتركه الطبيب في حيرة في أمره.
ليتحرك باسم بعد ذلك لرؤية عزة.
فوجدها تأن من الألم ودموعها لا تتوقف، فتنهد بعدم ارتياح وإحساس بالندم سيطر عليه من أجلها وأقترب منها وحاول الابتسام بالكاد بقوله:
حمد لله على السلامة يا عزة.
كيفك ديك، تعبانة جوا أنادي عليهم يديكي مسكن؟
طالعته عزة بحب وتاهت في عينيه وهمست:
باسم، أنت جيت كيف وحصل إيه؟
ثم وضعت يدها على بطنها فلم تجدها مرتفعة مثل ذي قبل فتساءلت بإندهاش:
بطني فين عاد؟ هو أنا ولدت بدري إكده، وفين ولدي باسم؟
فلم يستطع باسم الرد عليها ولكن تعبيرات وجهه كانت تقول ما لا يقوى عليه لسانه.
فصرخت عزة:
ولدي، ولدي.
وأخذت ترتجف في الفراش، ففزع باسم مردفاً:
بس يا عزة أرجوكِ مش متحمل أشوفك أكده، استعدي بالله وقولي الله يرحمه وعيكون بإذن الله شفيع ليكي يوم القيامة.
ولكن شخصت عين عزة وزاد ارتجافها فهرع باسم إلى الطبيب ليأتي ليحقنها بمهدئ لتنام.
فأخذ باسم يتطلع إليها وهي نائمة مردفاً بحزن:
لا حول ولا قوة إلا بالله، قد إيه الإنسان ضعيف جوا، بس شكلها وهي نايمة بريئة جوا.
ثم عاتب نفسه بقوله:
إيه بريئة جوا دي؟
ومالك أكده حزينان جوا، ما عادي وكمان دي فرصة إنك تسرحها بالمعروف خلاص العيل مات.
ثم عاتب نفسه بقوله:
بس خلي عندك شوية دم، مش ديك عشان ميبقاش موت وخراب بيت.
آه فعلاً لازم أستنى شوية.
وديك هطلع أكلم ملك عشان عارف زمانها متزعلانة عشان اتأخرت جوا.
باسم:
الووووووو يا ملك.
لو سمحتي جلبي معاكي، فقولت أتصل أطمن على جلبي اللي عندكي.
زفرت ملك بغضب:
طيب ما تقولي الأول جلبي اللي عندك وتعبته معاك عامل إيه يا دكتور ولا هو الناس عندك أهم منه.
ومهمله في أول ليلة المفروض نكون مع بعض.
صراحة أول مرة أشوف عروسة من غير عريس.
أنت مش عارف الناس كانت عاتبة عليّ كيف لما مشيت ولا لما نزلت مع أخواتك لحالي.
كلامهم كان عامل زي السم لما جالهم، العريس شكله طفش وواخدينها ليه غصب.
شعر باسم بمرارة في صوتها فأشفق عليها وشعر بنغزة في قلبه وحاول أن يراضيها بقوله:
عارف إن ملاكي زعلان، بس صدقيني غصب عني.
وعارف إن كلام الناس واعر، بس معلش ملحوقة لما يشوفونا مع بعض بعد إكده مبسوطين هيحطوا بولغة في خشومهم.
وأنا آسف يا ملوكة، متزعليش مني يا جلبي وإن شاء الله هعوضك عن الليلة دي بالعمر كله يا روحي أنتِ.
فاحمرت وجنتيها خجلاً وسمع باسم صوت أنفاسها المتسارعة.
باسم:
إيه أفهم من سكوتك إنك خلاص سمحتيلي.
السكوت علامة الرضا.
ملك:
أنا بس أشوفك يا باسم قدامي عنسي كل حاجة، بس تعال يلا أتوحشتك جوا.
باسم:
لا مقدرش على الكلام الحلو ده، وفي أقرب وقت هكون عندك يا جلبي.
……….
خلد براء إلى النوم وعلى صدره زاد يضمها إليه بحب، ولكنه لم يتكلم معها كثيراً كعادته قبل نومه، فاستشعرت زاد إنه يشغله شيء فسألته:
فيك إيه يا حبيبي شاغل بالك؟
رد عليه:
أنا عارفة إنك ما نمتش عادي لسه، ورموشك إيه هي بتتحرك كتير ونفسك عامل يعلى ويقل.
فابتسم براء وفتح عينيه:
إيه ده أنتِ فاقشاني إكده على طول.
فضحكت زاد:
إيوه، أنا عارفك أكتر من نفسي.
يلا قول على طول فيك إيه؟
براء:
تمام يا فندم.
زاد:
قولي فيه إيه شغلك؟
براء:
صراحة جاتلي فرصة شغل جديد في القاهرة في مكافحة المخدرات.
فاتسعت عين زاد مرددة بقلق:
القاهرة ومخدرات، لا ده شغل واعر وأنا أخاف عليك يا براء.
خليك هنا أحسن.
براء:
مش بإيدي ده أمر ولازم أنفذه، بس اللي مضيقني هو بعدي عنك مش أكتر.
زاد بفزع:
إيه، لا طبعاً، أنا أرجع على رجلك، يستحيل أسيبك لوحدك هناك.
براء:
مش هينفع هكون مشغول طوال الوقت، فخليكي هنا أفضل عشان أكون مطمن عليكي.
زاد بعبوس:
أسيبك عشان تبرتع هناك لحالك وخصوصاً البنات المصراويات اللي عايشين لابسين ومش لابسين دول.
هو أنا لحقت خلصت من اللي هنا عشان تروح هناك لحالك.
لا لا يمكن أرجع على رجلك.
فضحك براء وضمها مجدداً لصدره:
يا بنتي أنتِ دماغك راحت فين بس، أنا بقول شغل.
وكمان أنا عيوني خلاص عمرها ما هتشوف غير زاد وبس.
أنتاب زاد شعور بالفرحة لكلماته ولكن سرعان ما انقبض قلبها ولا تعلم السر وراء ذلك؟