تحميل رواية اولاد الجبالي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رأى عصام قوات الشرطة تحيط به فأدرك إن براء كان يخدعهم لذا صاح بصوت عالٍ: كنت قلبي حاسس إنك هتعملها يا براء. بس يكون في علمك أنا لو مخرجتش من هنا سليم أنا وبنتي والشحنة. هف.جر الحزام الناسف اللي حوالين وسط مراتك يا سيادة النقيب؟ فاتسعت عين براء من الصدمة وأرتخى فكه السفلي ونظر إلى زاد وتمنى أن تقول إن هذا كذب ولا ترتدي شيئًا. ولكن للأسف أكدت له بدموع عينيها التي انهمرت وكلماتها التي وقعت كالخنجر في قلبه: هموت يا براء أنا وابنك. بس عايزة قبل ما أموت أقولك سامحني إني شكيت فيك واتهمتك ظلم إنك خاين ب...
رواية اولاد الجبالي الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم شيماء سعيد
أولاد الجبالي
الحلقة السابعة عشر
الشوق إليك يقتلني دائمًا، أنت في أفكاري، وفي ليلي ونهاري، صورتك محفورة بين جفوني، وهي نور عيوني.
أخرجت زاد زفيرًا حارًا بقدر حبها لمتيمها ورفيق دربها براء، وقررت بعد أن بلغ الشوق إليه مبلغه أن تستعيده إليها، ولكن عليها في البداية أن تتعلم فنون العشق لتراوضه، فلم تجد سوى تلك الحسناء "نهلة" ذو الخبرة في فنون الحب والغرام أن تعلمها، لذا أرسلت إليها رسالة على الواتساب:
_ باقولك إيه يا قمر أنتِ، لو فاضية وجوزك مش هِنا، ممكن نقعد من بعض ندردش سوا.
فابتسمت نهلة عند قراءتها لرسالتها ثم كتبت لها:
_ أكيد يا قلبي، وياريت والله، ده أنا زهقانة قوي من ساعة ما محمود خرج مع براء، أنتِ مشفتهمش عاد ولا إيه؟
فصكت زاد على أسنانها بغيظ مردفة:
_ وأنا هعرف ولا أشوفه كيف وهو اتقمص كيف العيال الصغيرة وراح بات في أوضة ثانية، مش خابرة ليه يعني وأنا مهتمية بيه وعاملة مسك.
_ بس هو كده مهيطمرش فيه عاد.
_ راجل زنخ مبيحبش غير يبص بره لكن جوه هيعمل نفسه من بنها.
_ القصد هكتبلها إيه عاد، كان مزوغ مني ومش طايقني، يا عيب الشوم.
فكتبت لها:
_ لا عاد مشفتهوش، أصلًا خرج وأنا نايمة.
فكتبت نهلة:
_ أيوه عشان كده، طيب تعالي يا حبيبتي، ولا تحبي أجيلك أنا.
فكتبت زاد:
_ تعالي أنتِ يا حبيبتي، عشان فرصة الواد الزرزور ده كيف أبوه نايم، ولو حملته وجيت هيصحى ويسمعنا بقى صوت كيف صوت سرينة عربية البوليس اللي هيركبها أبوه.
_ شكله عايز يطلع ظابط كيف أبوه بردك بس يا رب ما يطلع كيفه في حاجة كده، عشان خطيبته ريحانة بت باسم متطَفش منه كيف ما أنا طفشانة كده.
قرأت نهلة ما أرسلت زاد، فضحكت من قلبها ثم أرسلت ليها إيموشن يعبر عن الضحك وحدثت نفسها:
_ شكلها معبية قوي من براء، ربنا يهدي سرهم ويصلح حالهم.
_ وكل كوم وأنها خطبت الولد معاذ وهو لسه في اللفة لريحانة اللي يا دوبك عمرها يوم والفرح هيعملوه عاد في الحضانة أكيد.
ثم كتبت لها:
_ هحط حاجة على راسي وجاية دلوقت يا حبيبتي.
فقامت زاد لتستعد لزيارتها ومشطت شعرها سريعًا ووضعت بعضًا من العطر.
وما هي إلا لحظات وطرقت نهلة الباب، فأسرعت زاد لفتح الباب واستقبلتها بترحيب.
ثم تأملتها بإعجاب وحدثت نفسها:
_ جميلة مفيش كلام عشان كده دوبت منصور الجبالي حتة واحدة ومن بعده جابت راجل محمود، أما أنا يا عيني عليَّ.
ثم أخفضت رأسها خجلًا مردفة:
_ اللهم بارك يا حبيبتي يا نهلة، زي القمر كيف ما أنتِ ويمكن احلويتي زيادة كمان لما أخدتي اللي بتحبيه، طبعًا أحسن كتير مع منصور الجبالي.
فتنهدت نهلة بحرارة بعد أن سرى أدرينالين السعادة في جسدها مردفة بحب:
_ إيش جاب لجاب يا زاد يا حبيبتي. فرق بين السما والأرض، محمود ده عوض ربنا ليَّ بعد العذاب اللي شوفته في حياتي، كان كيف البلسم اللي اتحط على الجرح يطيب ولغاية دلوقت مش مصدقة حالي أنه جوزي تصوري.
زاد مداعبة:
_ متتصوريش ليه، ما أنتِ كنتِ مرت منصور الجبالي، هتيجي على محمود ومينفعش.
ثم صمتت زاد للحظة وأردفت بحرج:
_ مهما بردوا مقدروش يوقفوا قدام جمالك يا نهلة، اللهم بارك.
ابتسمت نهلة مردفة:
_ تعيشي يا حبيبتي، بس الجمال مش كله حاجة، والحب الحقيقي ملوش سلطان بجمال أو غيره، ده حاجة كده من قلب لقلب ثاني على طول.
زفرت زاد بضيق مرددة وهي تحاول ألا تبكي:
_ ممكن ده يكون في الأول بس، لكن بعد كده هتلاقي الراجل يتغير ويبص بَرا ويقارن بين مراته والستات الحلوة.
ضمت نهلة شفتيها واستشعرت ما بداخلها ولكنها لم ترد أن تشعرها بالحرج بل عملت على أن تزرع بداخلها الثقة لذا أردفت:
_ صدقيني يا قلبي، طول ما كان الحب حقيقي، عمره ما يتغير مع الزمن مهما طال وتبدلت الأحوال، هتفضلي في عينيه نفس البنوتة اللي حبها ومش شايف غيرها.
فضحكت زاد بسخرية:
_ أنتِ بتقولي لي عاد، سيبك، سيبك المهم دلوقت، أنا عايزة أتعلم منك كلمات وحركات من اللي كنتِ بتعمليهم مع عمي منصور الجبالي وقدرتي بيهم توقعيه في حبك، عشان أنا خام شوية ومش بعرف في الحاجات دي.
فضحكت نهلة وأردفت بثقة:
_ بصي أهم من الجمال والحركات والدلع والحاجات دي، إنك تكوني واثقة من نفسك وإنك حلوة من جواكِ وقوية قوي، لأن الراجل ديما يجي على الست الضعيفة ويحسسها أنها قليلة في نظره حتى لو كانت حلوة. أما الست اللي واثقة من نفسها حتى لو مش حلوة قوي، الراجل هتلاقيه مدلوق عليها، هو الراجل كده مبيجيش منه غير لما يحس إن الست اللي قدامه تستاهل.
استمعت لها زاد بإنصات وانتباه لما تحدثها به وحدثت نفسها:
_ صح عندها حق، أنا عمري ما كان عندي ثقة بنفسي وكنت باقوله إنت بتحبني مع إني شكلي مش قد كده!!
_ لا من النهاردة لازم يعرف إني حلوة وحلوة قوي كمان ومش أقل من أي حد وعمري ما هضعف ثاني قصاده، يمكن يتهد ويهمد شوي بتاع النسوان ده.
لتستطرد نهلة بضحك:
_ والله فكرتيني أيام دلعي على منصوري، وكنت ساعتها هعصر على نفسي لمونة عشان أستحمل وأكمل.
زاد بضحك:
_ أيوه احكيلي كنتِ بتعملي إيه؟
نهلة:
_ بسلاح الأنوثة اللي عندنا كلنا يا حبيبتي، كنت بضيق خلجاتي عليه وأنزل شعري على وشي وامشي أدلع يمين شمال بخفة كده وكنت أشوفه عينيه هتبظ منه وهو بيطلعلي في الدخلة والخرجة. وأهم حاجة الصوت الشتوي، صوت مدلع كده ميتسمعش قوي. وأهم حاجة الكلام الحلو ديما كنت بزن بيه على ودانه، وده بيكون عامل كيف السحر والله وبداية الحب.
ثم شردت في ذكرياتها معه.
طالعت نهلة منصور بعشق مصطنع وأطلقت تنهيدة حارة قائلة:
_ آه من حبك اللي قايد نار في قلبي يا منصوري.
اتسعت عين منصور بفرحة بعد أن دغدغت مشاعره بكلماتها تلك فأردف قائلًا:
_ بتحبيني قوي كده يا بت!!
نهلة بتأكيد:
_ أومال يا سيد الرجالة، وأنا فرحانة بجوازي منك، أكتر من فرحة العيال لما تبلبط في الترعة.
خرجت نهلة من شرودها على صوت زاد:
_ تفتكري لو عملت اللي قولتي عليه ده، براء هيرجع يحبني كيف الأول ويشوفني حلوة في عينيه.
لمست نهلة ذقنها بلطف وحركت وجهها يمينًا ويسارًا مردفة:
_ والله أنا شايفة إنك زي القمر مش حلوة بس. ومحتاجة لمسات خفيفة كده من الميكب وهتكوني زي القمر.
ثم استطردت بقولها:
_ إيه رأيك أقوم أتعلم فيكِ اللي اتعلمته من البت سيلينا هوينا.
فضحكت زاد مردفة:
_ مين دي؟
نهلة:
_ لا دي حكاية طويلة قوي، بعدين هحكيهالك، دلوقت قدامي على كرسي التسريحة ده عاد وسيبلي نفسك خالص وإن شاء الله تنبسطي من النتيجة، وبعديها تفتحي دولابك وتنقي حاجة كده شفتشي. ولما يجي تشغلي النغمة الشتوي اللي قولتلِك عليها وتفضلي تتمايلي يمين شمال كأنك بتدوري على حاجة، وبس هو هيكمل بقى وتيجي تحكيلي حصل إيه.
فخجلت زاد وتوردت وجنتاها وأومأت رأسها، لتقوم بعد ذلك مع نهلة التي جعلت من وجهها بدرًا في ليلة تمامه بلمسات بسيطة من مستحضرات التجميل.
وهذا لأنه لا توجد امرأة على الإطلاق قبيحة ولكن هناك امرأة لا تعلم كيف تظهر جمالها الحقيقي.
لذا فأنا أرى أن كل امرأة ما هي إلا قطعة من السكر، تذوب عندما تجد الحب الحقيقي.
*****
علم حمدي من زرارة بالقبض على جابر، فتهلل وجهه فرحًا مردفًا:
_ كده حلو قوي، نفرح بقى الأول مع ست الحسن والجمال وبعدين نستعد عشان نطير اللوح المغفل جوزها وتتطلق منه لما يتقبض عليه وأتجوزها أناااا ونجيب حمدي وحسنية صغيرين، وكده العالم يولع إيه والله.
فصفق زرارة إعجابًا بتفكير حمدي قائلًا:
_ والعة معاك يا واد عمي. بس قولي هتعمل إيه مع قمر، ولا حسنية خليتك تنسى الدنيا كلها.
فتشنجت معالم حمدي وضغط على يديه بقوة مردفًا:
_ ودي حاجة تتنسي بردك. لا أنا بس مستني، أشحن النهاردة من البت حسنية، وأتفرغ بكرة للمحروسة قمر وأخليها تندم على اللي عملته معايا الخاينة دي.
فغمزه زرارة مردفًا:
_ طيب وأنا يا سيد الناس مش هينوبني من الحب جانب.
فقام حمدي من مجلسه وتقدم منه وقرص وجنتيه وضحك ضحكة شيطانية مردفًا:
_ لو على قمر، براحتك قوي من بعدي ولو إني خلاص زهدتها بس عشان محتاج أتصور معها سيلفي وأبعتها للخرونج جوزها وبعدين هسيبهالك أنت والرجالة تعيشوا زي ما يعجبكم.
زرارة برضا:
_ تعيش يا سيد الناس. طيب والقمر الثاني حسنية، وهنا تجعد وجه حمدي وأصدر فحيحًا يشبه فحيح الأفعى وأمسك زرارة من عنقه حتى كاد يختلعه من جسده نادرا: حسنية دي هتبقى مرتي، فاهم يعني إيه، يعني حتى اسمها متجيبهوش على لسانك ثاني. أنت فاهم!
فأخرج زرارة لسانه من شدة الاختناق وازرق وجهه حتى كاد أن تخرج أنفاسه وعندما لاحظ ذاك حمدي تركه سريعًا، فسقط زرارة على الأرض وصدره يعلو ويهبط ويحاول ببطء أخذ أنفاسه بصعوبة.
وحدث نفسه:
_ اتجنن ده إياك، هيموتني عشان بت الجهوجي المايلة اللي سمعتها على كل لسان. ماشي يا حمدي، إما ذقت حلاوتها أنا كمان، عشان تعرف مش بس جوزها اللي خرونج. لا أنت الطور الكبير سيادتك.
********
زرعت فيك أرضك خيرًا فحصدته خيبة منك.
وصل خبر القبض على جابر إلى بانة، فضربت على صدرها بفزع مرددة:
_ إيه، جابر جوزي أنا بيتاجر في المخدرات.
لتصرخ:
_ يا مصيبتي السودة ياما، أنا جوزي تاجر مخدرات. يا فضيحتك بين الناس يا بانة.
_ لا وكان عامل نفسيه مفيش زييه وهيتأمر عليه ويزعل وبقى شايف نفسيه بعد ما كان بيبوس الأيادي عشان أرضى عينيه ولا أبصله بصة حلوة.
_ كده يا جابر، دي آخرتها.
_ طيب معملتش خاطر لولدك، آه ما أنت تلاقيه عايزه يطلع شبهك زي ما أنت طلعت لأبوك فاجر.
_ منك لله يا أخي، كده أنا كرهتك كره العمى. ويستحيل أفضل على ذمتك ثانية واحدة بعد الآن وهروح لمحامي يطلقني منك.
فولجت إليها زهيرة بعد أن استمعت لصوتها العالي الخارج من غرفتها.
زهيرة بذعر:
_ فيه إيه حصل إيه ثاني يا بنتي؟
بانة بحدة:
_ اللي حصل ولا يتشاف ولا يتجرى ياما. واللي كنتِ بتقولي عليه خسرتيه وهتأنبي فيَّ بسببه، كأنه هو اللي ابنك مش أنا. طلع شيخ منصر وتاجر مخدرات، ودلوقت في الحبس بعد ما اتقبض عليه متلبس بالصنف في المخازن بتاعته. شوفتي بقى الخيبة اللي فيها بنتك، بس أنا مش هسكت وهطلق منه.
فضربت زهيرة على صدرها بصدمة مردفة:
_ جااااابر، لا يستحيل أصدق فيه كده أبدًا. ده أكيد ملعوب من حد بيكرهه يا بنتي. إياكِ تصدقي على جابر كده أبدًا، إلا أنتِ يا بانة حتى لو الكل شهد ضده. أنتِ مرته ولازم توقفي جنبه وتسانديه، يمكن دي تكون فرصة تخليه يحن ليكِ زي الأول وبعد ما يطلع بالسلامة يرجع ثاني يعشش في بيته.
فحركت بانة شفتيها ساخرة:
_ أنا أوقف جنب تاجر الحشيش ده. لا وألف لا، هي أصلًا جوازة شؤم من أولها وأنا مكنتش رايداه. كنت بحلم بواحد متعلم وابن ناس مش زي جابر اللي انكتب عليه راجل. لا أنا هطلق منه وأتجوز سيد سيده.
ليشتعل الغضب في قلب زهيرة، فأسرعت إليها وهوت على وجنتها بصفعة قوية مردفة:
_ يا ناكرة العيش والملح يا بت بطني.
فصرخت بانة ووضعت يدها على وجهها مردفة:
_ هتضربيني ياما عشان ابن المجنونة.
زهيرة بحدة:
_ ابن المجنونة ده هو اللي استحمل جنانك وفرشلك الأرض ورد، وخلاكِ ملكة تأمري وتنهي على حسه.
لكن للأسف مطمرش فيكِ.
_ وصراحة هو خسارة فيكِ وبكرة تندمي يا بت الجبالي لما ياخد ست ستك وأنتِ بجا ابقي جبليني لو لقيتي حد يستحملك عاد.
ثم تركتها في حالة ذهول، ولكن سيطر الشيطان على عقلها ووسوس لها أنها ما زالت صغيرة وجميلة وجامعية ومن حقها الارتباط بمن هو أفضل من جابر الذي ساءت سمعته بعد القبض عليه.
بانة بتصميم: هطلق منه وهوريكم كيف هاخد سيد سيده، وأنتم اللي عتندموا على اللي عملته فيه ده.
لتلمع عينيها بالشر، ثم نظرت إلى خزينة ملابسها والتقطت عباءة سوداء، لترتديها في الحال وأخذ صدرها يعلو ويهبط بغل مردفة: عجيلك يا جابر وهشمت فيك، كيف ما أنا هونت عليه وسبتني ومشيت وهان عليك دموعي وخلتهم يشمتوا فيه وصغرتني قدامهم.
_ مهو خلاص بانة اللي كنت بتبوس يدها بقت كوخة وأنت بقيت عسل النحل وشايف نفسك عليه.
_ لكن دلوك خلاص وقعت على رقبتك ومحدش هيسمي عليك يا ابن المجنونة.
تحولت بانة من الانكسار بسبب رفض جابر لها إلى وحش كاسر لا يرى أمامه ولا يدرك ما يفعله، إنما يحركه الغضب للإيقاع بفريسته فقط من أجل الانتقام.
لتخرج بعد ذلك متوجهة بسيارتها نحو قسم الشرطة.
ثم خطت خطواتها بداخله بقلب مرتجف ويد مرتعشة وخطوات بطيئة وأخذت عينيها تدور حول المكان بذعر مردفة: هو قلبي خايف أكده ليه كأني عاملة عملة، أنا باقول أعاود القصر أحسن، عشان رجلي مش حملاني وحاسة هأقع من طولي.
وإبقى أطلق وقت تاني مش لازم دلوك يعني محبكتش.
وبينما هي تعود لأدراجها لتخرج من هذا المكان الكئيب الذي أصابها بالخوف، وجدت براء أمامها، فطالعها باندهاش قائلًا: باااااانة!
_ إيه جابك هنا، أنتِ وصلك الخبر؟
طأطأت بانة رأسها خجلًا مردفة بحرج: جيت عشان أشوف جابر.
فابتسم براء ظنًا أنها أتت من شدة القلق والخوف عليه لتواسيه.
فربت براء على كتفها بحنو قائلًا: طيب تعالي لمكتبي وهأجيبهولك، هو فعلًا محتاج يسمع كلمتين منك يطمنوه عشان موقفه صعب قوي.
فحركت بانة شفتيها باستياء مردفة بسخرية: أطمنه!
_ اه قوي قوي.
ولج براء مكتبه ومن ورائه بانة ثم التفت إليها قائلًا: اقعدي يا بانة، بس عايزك تمسكي نفسك عاد وما تبكيش قدامه.
حدثت بانة نفسها ساخرة: أبكي، لا ده أنا اللي هأخليه يبكي عاد.
ولكنها في النهاية أومئت له برأسها، ثم استدعى براء العسكري.
_ تحت أمرك يا براء بيه، أؤمر.
براء: هات لي جابر من الحجز بسرعة.
_ حاضر يا باشا.
فذهب العسكري سريعًا وأتى لجابر الذي ظل طوال سيره إلى المكتب يذكر الله ويدعوه: يارب مفرج الهم، فرج همي.
وعندما وصل إلى المكتب، وقف له براء مردفًا بشفقة: كيفك دلوك يا جابر.
حرك جابر رأسه وعينيه تملؤها الحزن مردفًا: نحمد ربنا في السراء والضراء.
ليستمع جابر إلى صوت يعلمه جيدًا من ورائه:
_ كيفك يا شيخ جابر؟
فهمس جابر "باااانة" بعد أن ارتفعت نبضات قلبه، فكم يعشق هذا الصوت، وكم أوحشته كثيرًا وجفاه النوم لبعده عنها وكأنها هي مصدر اطمئنانه وراحته.
وظن لوهلة إنه ربما بسبب زيارتها له وهو على هذا الحال سيغفر لها ما حدث وسيبدأ معها من جديد لإنه تأكد أنها بنت أصول وستقف معه في محنته تلك.
لذا استدار بلهفة إليها، بكل ذرة في كيانه وود لو ألقى نفسه في أحضانها لعلها تخفف عنه وطأة هذا الابتلاء ويسمع منها ما يثلج صدره ويعينه على التحمل، حتى يمضي هذا البلاء بسلام.
ولكنه صُدم عندما وجد في عينيها نظرة الغل والتشفي، فتجمد مكانه وشعر بصوتها الذي اخترق أذنه كرصاصات قائلة: أيوه بانة يا مجرم يا بتاع الحشيش والبودرة، ما أنت ابن مين يعني!
_ ابن حمدان بتاع الكيف، اللي مرمي في السجن دلوك.
وأنت أهو عتحصله.
_ اه ما هو من شابه أباه فما ظلم.
_ لا وكمان إيه!
_ كنت شايف نفسك عليّ وكنت عتبعد عني بعد ما كنت بتبوس الأيادي عشان أرضى عنك.
_ أنا بانة الجبالي اللي قبلت أتجوز واحد زيك، وقلت بتاع ربنا، وفي الآخر ألاقيك بدل ما تطلع شيخ تطلع فاجر.
وقع كلام بانة على جابر كالسيف الذي أزهق روحه وجعلها أشلاء، ففتح فاهه بصدمة ولم يستطع النطق ولم تتحمله قدميه، فاهتز في وقفته، ليشهق براء ويسرع إليه يستنده، وأجلسه على المقعد ثم صرخ في بانة: إيه اللي عتقوليه ده يا مجنونة أنتِ.
_ كيف صدقتي إنه يعمل أكده، مع إنك أكتر واحدة خابراه زين.
_ ده حتى لو العالم كله وقف في وشه، يبقى إلا أنتِ يا بانة.
عيب قوي أكده، حرام عليكِ الراجل.
_ والله لو أعرف إنك جاية عشان تقولي له أكده، ما كنت وافقت أبدًا تقابليه.
_ يلا روحي دلوك وليه حساب عسير معاكِ هناك.
ولكن بانة لم تأبه لتعنيف براء لها ولم يرمش لها جفن.
بل طالعته بانة بتحدي مردفة بانفعال: مش هأروح قبل ما يرمي عليّ اليمين ابن المجنونة ده، يا إما هأرفع عليه قضية خلع، عشان ما اتعايرش بيه بعد أكده.
فاشتد غضب براء ووجدته يقف أمامها وقد رفع يده ليصفعها مردفًا: أنتِ اللي متخلفة ومجنونة ومعندكيش دم.
ولكنه وجد يدًا من خلفه تمسك يده قبل أن يصفعها بعد أن أغمضت بانة عينيها خوفًا ووضعت يدها على وجهها.
جابر بقهر: مش أكده يا براء، بانة محدش يمد يده عليها وأنا موجود.
ثم طالع بانة بحسرة وندم ومر أمام عينيه شريط ذكرياته معها، لتفر الدموع من عينيه، كبركان ثائر.
ثم أشار إليها بقوله: باااااانة.
لترفع عينيها بانة بحرج، لتشق رؤية دموعه قلبها الذي أحبه ولكنه تكبر بسبب رفضه لها.
ثم أدركت ما سيفعله، فتوسلت بعينيها ألا يفعل فهي مخطئة وما زالت تحبه.
ولكنه ألقى بكلمته التي اخترقت قلبها كالخنجر فأماتته.
_ أنتِ طااااااااااااالق يا بت الجبالي.
ثم أشار إلى براء بقوله: أرجوك يا سيادة المقدم، خليهم يرجعوني السجن، أنا راضي بيه دلوك.
_ صدقني دي جدرانه أحن عليّ من البشر.
آآآه من قلب لم يجد من الحب سوى عذااابه.
جعلني حبك أشتهي الموت بعد أن كنت لا أرى الحياة بدونك.
ولا أدري ما هو ذنبي غير إني أحببتك.
ولكن كنتِ لي كالنار التي أحرقت كل حصوني.
سامحك الله يا قرة العين.
ليرمق براء بانة بغضب، فأجهشت بالبكاء، ثم ركضت نحو الخارج هاربة من نظراتهم إليها.
أو تهرب من نفسها التي قضت عليها بتكبرها.
***
أطالت النظر حسنية من النافذة في انتظار قدوم حمدي كما وعدها لقضاء سهرة خاصة معهم بعد القبض على جابر.
ولاحظ جاسر شرودها فتعجب من أمرها قائلًا: ما تخشي يا بت ألا تستهوي بعدين.
_ تعالي تعالي اقعدي جواري عشان عايز أقولك كلمتين أكده.
فاحتقنت الدماء في عروق جاسر، لأنها تجاهلت طلبه، فخطى إليها بخطوات سريعة، وقام بجذبها من شعرها من الخلف، فصرخت حسنية: آآآآه، هملني يا مجنون ليه عتعمل أكده،
أنا عملت إيه؟
جاسر بحنق: مش خابرة عملتي إيه، مش بكلمك وعاتطنشيني، أنا عربيكِ عشان لما أكلمك بعد أكده، تنتبهي وتسمعي كلمتي على طول.
ثم أخذ يضربها ويركلها بكل قوته حتى صدى صوت صراخها بين يديه.
وأخذت تستغيث: بس حرام عليك يا ظالم يا مفتري.
_ غيثوني منه يا ناس، عيموتني.
حتى فجأة سمع صوتًا جعله ينتفض من مكانه!
فمن صاحب هذا الصوت؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم شيماء سعيد
أطاح الغضب بعقل جاسر بعد أن أهملت حسنية الاستجابة لطلبه ولم تُعره اهتمامًا. فأخذ يضربها ويركلها بكل قوته حتى صدى صوت صراخها في الأركان. وأخذت تستغيث:
"ألحقوني هيموتني، ألحقوني."
جاسر بانفعال:
"محدش هينقذك مني يا حسنية، عشان اللي أقوله يتسمع بعد كده على طول وتتربي على يدي من جديد، عشان أنتِ عيارك فلت مني. واظاهر إني دلعتك زيادة عن اللزوم، لغاية ما شوفتي نفسك عليَّ يا بت الجهوجي."
فازدادت صرخات حسنية، مع ضرب جاسر المبرح لها. حتى تفاجأ بسماع صوت يعلمه جيدًا، جعل قلبه ينتفض بخوف وتجمد مكانه. وهو صوت حمدي الذي تسلل خلسة من سطح المنزل إلى الداخل مع زرارة حتى لا يراه أحد. فجاء صوته كالأسد الثائر عندما رأى مُنية القلب تصرخ تحت يدي جاسر وقد تعالت صرخاتها التي مزقت قلبه فصاح بقوة:
"وقف يدك النجسة دي يا بن حمدان. مش قادر على الرجالة، فبتمد يدك على مرة يا عرة الرجالة.. خابر لو يدك اترفعت عليها تاني أنا هعمل إيه فيك!"
طالعه جاسر بنظرة فزع وارتعدت أوصاله. ليستطرد حمدي يتوعد:
"هقطعها لك، ومش بس كده. ممكن أطير رقبتك دي خالص، وأخليها تقعد تاخد عزاك."
فوضع جاسر يده على رقبته بخوف، وطالعته حسنية بشماتة، ثم وقفت سريعًا وتحول جمود وجهها وصرخاتها إلى ابتسامة عذبة عندما رأت حمدي، ثم أسرعت إليه مردفة:
"نورت يا سيد الناس، ومتتحرمش منك لحقتني في الوقت المناسب. ده أنا كنت هموت تحت يده المفتري ده."
كاد الخوف أن يطيح بجاسر من تهديد حمدي له، فكان كالفأر المبلول، وابتسم ابتسامة صفراء مردفًا:
"لا ضرب إيه يا معلم، ده أنا كنت ههزر معاها، بس هي اللي ما بتستحملش الهوا. تقولش بسكوتة ناعمة."
فطالع حمدي حسنية بنظرة مليئة بالحب وهمس:
"هي فعلًا كيف البسكوتة، أو كيف القشطة وعايزة تتشال جوه القلب وفوق العين بس."
توردت وجنتا حسنية من كلماته المعسولة، وازدادت ضربات قلبها التي تهيم به عشقًا قائلة:
"تسلم لي، محدش مقدرني غيرك يا سيد الناس."
فتشنجت معالم جاسر وطالعها بغضب قائلًا:
"كده يا حسنية، هانت عليكِ العشرة، ده أنا ياما قدرتك وفضلتك على الناس كلها وعلى إخواتي كمان وبعتهم عشان خاطرك."
ليتدخل زرارة لينهي هذا الجدال كي لا يسوء الأمر ومهما ما جاءوا إلا ليقضوا وقتًا لطيفًا مع بعضهم البعض.
زرارة:
"وبعدين يا جماعة ما كفاية قولتي وقلتِ، إحنا جايين عشان نتبسط ولا نعكنن على بعض."
ثم أشار إلى حسنية وغمزها:
"إيه يا ست الستات، مش وعدتينا إنك هترقصي وتدلعينا الليلة بمناسبة دخول اللي ما يتسمى السجن وبداية الشغل ما بينا."
فأشارت حسنية إلى عينيها مردفة بدلال:
"بس كده عيوني."
فصاح جاسر بغيرة:
"هو إيه ده اللي ترقص قدامكم، ده كان زمان، دلوقتي مش بترقص غير ليَّ وبس."
فوضع زرارة يده على كتف جاسر مردفًا بمكر:
"ما تبقاش أناني وخليك كريم، الليلة فرح يا جاسر. وأديك بتشوف العروسة في الفرح بترقص مع العريس قدام خلق الله كلهم، لكن إحنا حيالله إتنين بس."
فضيق جاسر عينيه بتفكير قائلًا:
"أيوه صح."
ثم أشار إلى حسنية:
"ارقصي يا بت، ده المعلم حمدي وزرارة بس مش كتير."
حسنية بدلال:
"بس كده عيوني. لحظة بس أبدل هدومي وجاية."
ثم قامت بغمز حمدي الذي وضع يديه على قلبه من شدة لهفته عليها وود لو قتل جاسر الآن لتكون له وحده، أو اختطفها ليطفئ نار قلبه المشتعلة. لتذهب سريعًا وترتدي ملابس ملتصقة بجسدها مفتوحة من الجانبين والصدر ثم أسدلت شعرها الأسود كالليل على ظهرها وزادت من تزيين وجهها بمساحيق التجميل ونثرت عطرها المفضل ثم أحاطت خصرها بإيشارب استعدادًا للرقص لتنهي ذلك بتشغيل أغنية صاخبة على هاتفها ثم التقطت العصا. وخرجت تتمايل بها أمام ذلك الزوج المخدوع والعشيق وصديقه.
لتلهب مشاعر حمدي ويبلغ به الشوق مبلغه، فلم يستطع الصمود أكثر من ذلك واستغل سكر جاسر وذهابه في عالم آخر جعله لا يشعر بمن حوله. فقام وحمل حسنية التي تغنجت بقولها:
"نزلني يا سيد الناس، مش كده، عيب أنا لسه على ذمة راجل."
ليبث حمدي سمومه في أذنها بعشق وخبث:
"من بكرة هنخلص منه وتكوني في ذمتي أنا."
لتطلق حسنية ضحكاتها التي ذهبت بعقل حمدي، ليسرع بها إلى أحد الغرف ليقضي معها ليلة في الحرام...
وما استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه.
********
خرجت بانة من مركز الشرطة تجر أذيال الخيبة، لا تصدق ما فعلت، هل للتو حصلت على ما تريد وطلقها جابر! جابر الذي جعلها تعشقه بل تدمنه بسبب حسن تعامله معها وحنوه عليها وتحملها أوقات غضبها ولم يتحمل ذلك غيره. فبكت في الطريق وكانت دموعها تنزل ساخنة على وجنتيها وشعرت بغصة في قلبها وأنها هكذا قد خسرته للأبد. ولكنها عندما اقتربت من القصر، أزالت دموعها سريعًا وحدثت نفسها بقوة مصطنعة:
"اثبتي كده ومتخليش حد يشمت فيكِ. وأنا كان لازم أعمل كده، مش المثل بيقول اللي باعك بيعه. وهو اللي ابتدأ من الأول وكان لازم آخد بتاري منه. آه كنت أحبه بس بكرة أنساه وآخد سيد سيده عادي، ده أنا بانة الجبالي."
ثم دلفت بانة للقصر بشموخ مُصنَّع، فوجدت زهيرة في انتظارها تطالعها بحدة، فابتلعت لعابها بصعوبة وتوترت. وحدثت نفسها:
"هو لحق براء يبلغها باللي حصل، يخيبه البعيد."
ابتسمت بانة لها بصعوبة مردفة:
"إيه يا ماما بتستنيني، أكيد غيث غلبك قوي، أنا خابراه زنان قوي ومابيهمدش. هو فين مش شايفاه معاكِ يعني؟ ولا نايم فوق؟"
فهدرت في وجهها زهيرة بغضب:
"مهو لازم يبقى زنان عشان مش لاقي صدر حنين منكِ، ويا حبة عيني يتمتيه من أبوه بدري بدري وهو لسه على وش الدنيا. حرمتيه من الحضن الدافي والحنية بتاعته اللي ما شوفتهاش عند حد. حرمتيه إنه يتربى على الدين والأخلاق كيف أبوه، ويا خوفي إلا يطلع زييكِ غبي وأناني وميحبش إلا نفسه."
تجعد وجه بانة من الغضب متسائلة:
"أنا يا ماما كده؟ وليه الكلام اللي يسد البدن ده؟ عملت إيه لده كله أنا؟"
زهيرة:
"عملتِ اللي هتندمي عليه طول عمرك يا بت بطني. وما كنتش متخيلة إنك قليلة الأصل للدرجات دي، ده أنا استحملت عمر بحاله عمك الدني ممدوح عشان أعرف أربيكم وأنتِ متحملتيش جوزك اللي كان شايلك من على الأرض شيل في أزمته. ورحتِ جرحتيه وكأنه عملها بجد وأنتِ خابرة إنه لا يمكن يعمل كده وزي ما اتهموه ظلم بقتل مرات أبوه. اتهموه برضه ظلم إنه هيتاجر في المحرمات دي. وأنا متأكدة إن ربنا هيجبر بخاطره وهتظهر الحقيقة وهيطلع قريب. وساعتها ألف مين تتمنى تتجوز بالشيخ جابر اللي كل الناس بتحبه."
لم تُعرها بانة ما عاتبتها بها والدتها إلا قولها الأخير أنه سيتزوج، لذا صاحت بصدمة:
"بتجولي إيه يا ماما، جابر يتجوز، ده يستحيل! هو ممكن يلاقي واحدة زيي، أو حتى يفكر؟ لااا، هتشوفي كده، هيجي وهيتحايل عليَّ عشان أرجع له وساعتها يا أوافق عشان غيث أو ما أوافقش على راحتي."
وهنا أطلقت زهيرة ضحكة ساخرة قائلة:
"يا عشم إبليس في الجنة، احلمي يا بانة."
ثم أمسكتها زهيرة من ذراعها بشدة حتى شعرت بانة بغرز أظافرها في لحمها فتألمت:
"آآآه يا ماما، حرام عليكِ."
زهيرة بغضب:
"حرمت عليكِ عيشتك يا بعيدة. وأهو كنتِ رايدة طلاق واتطلقتِ يا بانة، وسبتِ الراجل في حاله في محنته يا قليلة الأصل وبقيتي خلاص مطلقة، يعني تطلعي أوضتك وتقفلي عليكِ بابك وتربي ابنك ومفيش خروج تاني من القصر."
فعقدت بانة حاجبيها وصاحت بغضب:
"هو إيه ده اللي ما أخرجش من القصر، هتحبسوني إياك!"
زهيرة بحدة:
"أيوه هنحبسك يا بانة، عشان أنتِ عيارك فلت خلاص ونخاف تجيب لنا العار لو سبناكِ بدماغك دي."
لتشير بانة على نفسها بقهر مردفة:
"أنا يا ماما، بتقولي عليَّ الكلام ده! أمال لو ما كنتش تربيتك وخابراني كويس."
فرفعت زهيرة فمها بسخرية مرددة:
"مهو عشان كده طمرت تربيتي فيكِ وبعتِ الغالي بالرخيص. اطلعي يا بنتي واخفي نفسك عني، عشان ما أطولكيش يدي. ده أنا هنفجر منكِ بعد ما صغرتيني وصغرتِ أخوكِ."
فبكت بانة بقهر وطالعتها بعتاب ثم التفتت وركضت نحو غرفتها.
أما زهيرة فوضعت يدها على وجهها واستغفرت:
"أستغفر الله العظيم، ربنا يسامحك يا بنتي. ضيعتِ نفسك بمخك الزنق ده."
*******
هاتف محمود مسالم ليخبره إنه في الطريق إليه مع قوة في زي مدني لحماية قمر. فارتسمت ابتسامة اطمئنان على شفتيه مردفًا:
"في انتظارك يا باشا."
ليغلق معه الخط ويعود إلى قمر التي من الخوف لا تكاد تفارق فراشها. طالعته قمر وعيناها تدور من الخوف، فعاتبته بقولها:
"هتعمل إيه بره يا مسالم، مش قلت لك ما تتنقلش من جواري. شكلك مش خايف عليَّ، وما هتصدق أموت عشان تتجوز عليَّ، صح؟"
فطالعها مسالم بذهول بعد أن اتسعت عيناه من الصدمة من كلماتها تلك وهي تعلم يقينًا أنه يخاف عليها أكثر من نفسه ولكنه ابتسم لإنه على علم بهرمونات الحمل وما تفعله بالنساء. ولكنها هاجمته بقولها عندما رأته مبتسمًا:
"يعني عجبك كلامي ومبسوط قوي وبتضحك. يعني نفسك تعملها يا مسالم، طيب حتى استنى لما أولد."
فداعبها مسالم بقوله:
"واستنى ليه لما تموتي ولا تولدي، ما أنا أتجوز دلوقتِ عادي يعني وتحمل وأخليها تولد على السابع عشان تحصلك. عشان كده أكون عادل بينكم."
ففتحت قمر فمها ببلاهة ولمعت عيناها بالدموع، فتجعد وجه مسالم بعد أن شعر أنها صدقت ما يقول حقًا، فأسرع إليها ونظر لعيناها بحب مردفًا:
"آآآه يا قلب مسالم. أهو أنا ما استحملتش بس دمعة من عينيكِ الحلوين دول، هستحمل تبعدي عني. ولا حتى عيوني تشوف غيرك، وهشوف إزاي بس، وأنا هسيب عيوني وقلبي هنا قبل ما أمشي."
قمر بتهكم:
"كيف ده! يعني هتمشي تلف في الشارع، عميت إياك."
فضحك مسالم:
"أيوه عميت عن كل ستات الدنيا كلها ومش شايف إلا قمر وبس. واظاهر عقبال ما تولدي، مش هكون عميت بس، هكون اتجننت."
قمر بحنق:
"ليه أنا عملت إيه؟"
ففتح مسالم فمه ببلاهة للحظة ثم ابتسم قائلًا:
"لا ما عملتيش حاجة، أنا قصدي اتجننت بحبك."
فابتسمت قمر أخيرًا وداعبت وجنتيه بلطافة ثم..... فابتعد عنها مردفًا بمرح:
"فاكراني عيل صغير إياك بتضحكي عليَّ، ولولا الباشا محمود جه، ما كنتش سبتك دلوقتِ وإلا جبنا لشمس أخ."
فشهقت قمر قائلة:
"مش لما تطلع دي الأول."
ليصيح صوت رنين الباب، فتفزع قمر وتتعلق برقبة مسالم. فتعصف بقلبه بفعلتها تلك، فيربت على ظهرها بحنو:
"قلت لك ما تخافيش طول ما أنا معاكِ عاد. ده تلاقيه سيادة المقدم محمود. أنا هروح أفتح له، وأنتِ جهزي حالك والبسِ وحطي نقابك وتعالي، عشان عايز يكلم معاكِ كلمتين."
فأومأت قمر برأسها وحاولت السيطرة على خوفها وتركته ليفتح له الباب، ثم قامت لترتدي ثيابها. فتح مسالم الباب ورحب بمحمود قائلًا:
"أهلًا يا باشا نورت، اتفضل بيتك ومطرحك."
فابتسم له محمود بود قائلًا:
"أهلًا بيك يا مسالم. إزيك وإزاي مدام قمر؟"
مسالم:
"بخير يا باشا، ونفسي تطمنها بنفسك عشان حالتها تصعب عليك."
دي عتتنفض من أي صوت ولا حركة، وعتشعلق في رقبتي زي العيل الصغير.
فابتسم محمود وربت على كتف مسالم: متقلقش خير بإذن الله.
والله أنت كمان محتاج حد يطمنك، عشان شايف في عينيك خوف أكتر من اللي بتقوله عليها.
فتنهد مسالم مردفًا: اه والله يا باشا، إن جيت للحق مرعوب مش خايف بس كمان.
قمر دي مش مرتي وبس، دي بقت كل دنيتي وأمي وأبوي كمان، وأم بنتي اللي لسه مشفتش الدنيا.
ابتسم محمود وبارك له: حامل، ألف مبروك.
وصراحة مش مصدق كل الحب ده في قلب راجل صعيدي.
أنت هتخليني أغير فكرتي عن الصعايدة وخصوصًا الرجالة هنا.
بيكونوا ناشفين قوي على حريمهم ويستخسروا حتى فيهم الكلمة الحلوة ولا المعاملة الطيبة، عشان ما تاخدش عليه ويكون راجل قليل في نظرها.
فضحك مسالم مردفًا بسخرية: خليهم يبقوا رجالة بس على نفسهم بقى، لأن في النهاية عتلاقي ستاتهم عايشين كيف الأموات والله من غير روح ومحبة، وتلاقي البيت مليان نكد ومشاكل على طول.
وتلاقيه يشتكي بقى أنه مش لاقي اهتمام من مراته ولا حب.
طيب عتحبك كيف وأنت منكد عليها ديما وماسك ليها العصاية.
دي مش رجولة يا باشا، الراجل الصُح هو اللي يعرف قدر الست اللي معاه ويديها الحب والاهتمام زي ما هو محتاجه منها بالضبط، كده تكون معادلة بينهم عشان الحياة تمشي سهلة والعيال كمان يطلعوا نفسيتهم زينة وكويسين مش معقدين.
طالعه محمود بانبهار ثم وقف وصفق له بحرارة مردفًا: والله ما قصّرت.
فضحك مسالم مردفًا: الله يعزك يا باشا.
ثم جاءت قمر تمشي على استحياء منها، ولا يرى منها إلا عينيها التي بلون السماء.
والتفت لها محمود حين قالت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمود بتعجب واندهاش: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ليحدث نفسه: سبحان مغير الأحوال، سبحان مقلب القلوب.
اللهم ثبت قلوبنا على طاعتك.
وسبحان الله فعلًا الحب بيعمل المعجزات، وعشان مسالم بيحبها حقيقي وراجل بجد دي النتيجة.
محمود: ما شاء الله عليكِ يا قمر، ربنا يحفظك.
بس إزاي أنتِ كده وبتقولي خايفة، يا ستي ارمي توكالك على ربنا.
تنهدت قمر مردفة: ونعم بالله يا باشا.
بس الخوف غصبًا عني.
فقام مسالم وأمسك بيديها بحنو ثم أجلسها قائلًا: اقعدي يا أم شمس وارتاحي الأول قبل الكلام.
فابتسم محمود: أم شمس، أنتم سميتوها كمان.
فضحكت قمر: لا وكمان حدد إنها بنت مع إننا لسه ما عرفناش بنت ولا ولد.
فضحك محمود: دي بركات مسالم أكيد.
على العموم ربنا يقومك بالسلامة، ومش عايزك تقلقي خالص.
المكان حواليكِ فيه عيون كتير مننا، وأي حد هيشتبهوا فيه هيمسكوه على طول.
ده غير دوريات الأمن اللي في المنطقة اللي هتطلع من اليوم تمشط المنطقة وتبحث عن حمدي، وأنا متأكد أنه هيتجَاب.
ما كانش النهاردة، يبقى بكرة.
فمش عايزك تخافي خالص، تمام؟
فطالعته قمر بتيه، لأن الخوف الذي يمتلكها من الداخل لا أحد يشعر به سواها، فهي وحدها التي تعلم حقيقة هذا الشيطان حمدي.
ثم قام محمود مردفًا: طيب بعد إذنكم، أسيبكم ترتاحوا.
ولكنه قبل أن يغادر، أشار إلى مسالم: وحضرتك هتلازم البيت ولا إيه!
ما لوش أي داعي، اطمّن زي ما قلت لك المكان كله متراقب.
وانزل شغلك عادي.
فتعلق نظر قمر به، فأوجعه ذلك فأردف بقهر: شوية بس أكده يا باشا لما أطمن عليها أكتر.
أومأ محمود برأسه قائلًا: زي ما تحب.
يلا سلام.
اتصل محمود على براء.
محمود: عم البراء، فينك يا ريس.
رجعت القصر وسألت عليك قالوا لسه ما وصلتش.
فينك يا سيادة المقدم؟
زفر براء بضيق: وأروح يعني أعمل إيه!
ما فيش هناك غير أشكال تسد النفس.
لكن أنت الله أكبر مجوز حتة فراولة، قدرت توقع منصور الجبالي واتجوزته وجابت رجلك أنت كمان.
لكن أنا رجلي اتلوت وانكسرت بسبب حتة حديدة مصدية.
فتبدلت تعابير محمود للغضب قائلًا: براء، ما اسمحلكش.
واعرف إني بغير على مراتي وما أحبش أسمع سيرة إنها كانت مرات أبوك دي تاني، أرجوك.
براء بحرج: معلش يا محمود مش قصدي أكيد، بس من الهم اللي الواحد فيه.
استكشف محمود أنه بينه وبين زاد بعض المشاكل فقال: مالك يا براء؟
أنت متخانق مع زاد؟
فصمت براء للحظة ثم قال: مش عارف يا محمود، بس كل اللي أقدر أقوله إنها ما بقتش زاد اللي أنا اتجوزتها وبعدين حبيتها أكتر من نفسي.
اتغيرت خالص عن الأول، بقت عنيدة قوي، وما بقتش تهتم بنفسها وكمان بتتجاهلني والمسافة بينا يوم عن يوم بتوسع.
محمود: ما هو أكيد فيه سبب لكده مش من فراغ هتعمل كده.
ليه ما تقعدش معاها، قعدة لطيفة وتتكلم معاها وتصارحها بكل اللي مضايقك، صدقني ما فيش أجمل من الحوار بين الزوجين.
وإنكم تحلوا مشاكلكم أول بأول.
لكن تجنب الكلام وتعدوا مشكلة وراها مشكلة من غير حل، ده بيسبب حاجة اسمها تراكمات.
والتراكمات دي مشكلة بتكون عاملة زي قنبلة موقوتة ممكن تنفجر في أي وقت.
وممكن دي الحالة اللي فيها زاد وهي على وشك الانفجار.
براء بذعر: يا ستير يا رب، بس أقول لك يكش تنفجر وتريحني من لسانها الطويل وخلقتها اللي تسد النفس دي.
فضحك محمود قائلًا: يا شيخ أنت بتقول كده من ورا قلبك، لكن أنت بتحبها ومش بتتحمل فيها الهوا.
فتنهد براء بحب قائلًا: أيوه بحبها، بس هي تقلانة عليّ قوي اليومين دول، وبتمنى أسمع منها كلمتين حلوين يفتحوا النفس عشان حتى أشحن قبل ما أسافر القاهرة بكرة إن شاء الله.
محمود: على طول كده!
براء: أيوه، ما هو خلاص هأعمل إيه هنا، وورائي شغل متعطل هناك.
محمود: ربنا ييسر أمرك ويصلح ما بينكم.
بس يلا يا ابني، تعال الوقت اتأخر وادخل عليها كده بوش بشوش وكلمة حلوة، أكيد هتلين.
زفر براء بضيق: هتلين!!
دي دماغها حجر بعيد عنك.
وعلى العموم أهو أنا في السكة عاد وقربت أوصل ولما أشوف هتعمل إيه فيّ تاني زاد!
ألا قربت أطلع من خلجاتي.
كأنّ الذي في القلبِ سِحرٌ أصابني
فأمسى جنونُ الحُبِّ في كُلِّ مَوْضعِ
فأنتَ ليَ الروحُ التي بين أضلُعي
وعيني التي ترنو وقلبي ومسمَعي
فلا زهرةٌ إلّا وجدتُكَ عطرَها
ولا غفوةٌ إلا وأنتَ مَعي
وإن كُنتُ في حُلمٍ فدَعني أعيشُهُ
ويا ليتَ قلبي لا يفيقُ ولا يعي ..
كانت زاد في غرفتها تنظر لنفسها في المرآة من حينٍ لآخر، للتأكد من مظهرها وشعرها وتهندم من ملابسها.
ثم أخذت تجوب الغرفة يمينًا ويسارًا وتتسائل: هو ماله اتأخر أكده ليه؟
يكونش القطر داس عليه فرَمه؟
ولا خبطت فيه عربية دشدشته؟
ولا غرق في الترعة؟
لاااااا إن شاء الله بسيطة ويكون بس رجله انكسرت.
اتصلت مرام على فريد وهي تطلق نار الغضب من عينيها وأردفت بسخط: إيه كل ده يا فريد عقبال ما ترد عليّ.
فريد: معلش يا روح الروح كنت مشغول.
بس إيه يخلي القمر بتاعي زعلان كده؟
مرام: زعلانة طبعًا: عشان كل ده ما عملناش اللي اتفقنا عليه على براء.
فضحك فريد: معلش هانت، وهو ما كانش هنا، أنا اتقصيت وعرفت أنه كان في الصعيد وجاي قريب.
ما تقلقيش أنا مش ناسي الموضوع بس مستني الفرصة وأهل قربت...؟
الصيد قرب ينزل القاهرة عشان يستلقي وعده ويندم على اللي عمله معاكِ يا حب.
وتمتعي عينيكِ الحلوة بيه وهو مكسور ومذلول قدامك.
يا ترى هيحصل إيه؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم شيماء سعيد
قد يرى البعض أن التسامح انكسار، وأن الصمت هزيمة، لكنهم لا يعرفون أن التسامح يحتاج قوة أكبر من الانتقام، وأن الصمت أقوى من أي كلام.
ما زال شعور الانتقام يسيطر على مرام، وحدثت فريد في إتمام ما اتفقوا عليه سويًا ضد براء، ولكنه حدثها أنه ليس بمتواجد في القاهرة، وإنما هو في الصعيد، وعليها التمهل حتى يأتي.
فانفعلت بقولها:
"طبعًا في الصعيد عند حبيبة القلب مراته اللي شبه شوال الفحم. آه يا ناري، ياما نفسي أشوفهم بيولعوا قدامي."
فضحك فريد:
"هانت الصبر يا حلوة، وبكرة يجي وتولع مراته لما تعرف أنه سيادته مقضيها هنا."
فضحكت على إثره مرام مردفة بتمني:
"يا ريت أشوف الحسرة في عينيها ساعتها."
ثم حدثت نفسها:
"زي ما أنا حسيت وهما مع بعض."
******
تعجبت زاد من تأخر براء بالخارج إلى هذا الحد، ومن ثم شعرت بالتوتر والخوف عليه، واعتقدت أنه حدث له مكروه.
زاد:
"ربنا يستر بجا، ما أنا خابرة حظي، يوم ما أنويها أكون كويسة معاه ولبست واتزوجت زي بعضه عشان خاطره، يرجع لي مكسور ولا متصاب وتبوظ الليلة."
"بس يعملها أكده وأنا هكمل عليه، ما هو مش بعد ما عملت كل أكده يطلع على الفاضي."
"هو بالساهل بردك أفضل متقيدة بالحزق والملزق ده ومش قادرة أجعد على راحتي."
"ملها الجلابية بس!"
"جصرت معاه في حاجة، لازم يعني اللبس جليل الحيا ده."
وبينما تحدث نفسها سمعت صوت أقدام بالخارج، فتوترت وفركت كفيها مردفة:
"شكله جه، جه."
لتسرع مرة أخرى إلى المرآة لتنهدم من نفسها مرة أخرى.
ثم أخذت ضربات قلبها في التسارع، تنتظر اللحظة التي يراها بها في لهفة.
أما براء فكان كلما تقدم خطوة من غرفته معها، تأخر خطوة محدثًا نفسه بضجر:
"الواحد جلبه مش جايبه يدخل عنديها وكالعادة تسد نفسه."
"أنا بجول أروح على أي مطرح أبيت فيه وخلاص وبلاها هم."
ليتجه بالفعل إلى أحد الغرف الفارغة التي توجد في نهاية الردهة بعد الغرفة التي يوجد محمود ونهلة، ثم غرفته مع زاد، ثم تلك الغرفة.
فمر في البداية على غرفة محمود، ولكنه توقف عندما سمع ضحكات نهلة وحديث محمود لها.
محمود:
"هتروحي مني فين يا نهلة، هجيبك يعني هجيبك وساعتها مش هرحمك."
فأجابته نهلة بدلال أنثوي وضعف مصطنع وهي تختبئ وراء الستار:
"هتعمل فيه إيه يا باشا، ده أنا غلبانة جوي."
فصك محمود على أسنانه بغيظ مردفًا:
"أنتِ غلبانة أنتِ!"
"ده أنتِ غلبتيني معاكِ لغاية ما يدوبك فتحتي نفسي للحب."
"لكن مش عارف أشبع منك يا نونو."
"تعالى بقا قبل ما نرجع مصر، وأمي تاخدك لحسابها وتتفقع مرارتي أنا."
فضحكت نهلة وأخرجت رأسها من الستار وطالعته بحب قائلة:
"وبعدين بقا معاك يا باشا، متخلينيش أضعف قدامك."
ليسير إليها محمود ويمسك بيديها ويرفعها إلى فمه ويقبلها بعشق مردفًا:
"باشا إيه، أنتِ اللي باشا يا بغاشة."
وهنا وضع براء يده على أذنيه بعد أن تجعد وجهه من الغيظ مرددًا:
"ااااه ياني على حظي المنيل بنيلة."
"شوف البت مرات أبويا، عاملة إيه في محمود، خربت عقله خالص من الدلع والحب."
"أما أنا يا عيني عليه بس أعمل إيه؟ آدي ألله وآدي حكمته، يا رب صبرني على ما ابتليتني به."
ثم سار عدة خطوات أخرى، وحينها دق قلب زاد من وراء الباب وابتسمت وانتظرت أن يدخل إليها ورؤيته لها بتلك الهيئة الفاتنة.
ولكن براء وقف أمام غرفتها وطالع الباب بنظرة نفور وحدث نفسه:
"آه يا باب، كان وراك قلب ما شفتش في الدنيا دي زيه في حنيته وحبه، بس للأسف أتغير زي ما كل حاجة في الدنيا دي عتتغير."
"ليه بس يا جلبي وأنتِ عارفة إني روحي فيكِ."
ثم تنهد بغصة مريرة واستكمل بخطواته نحو الغرفة التي سينزل بها.
وحينها استمعت زاد لصوت خطواته مرة أخرى، فتوترت وتلون وجهها بحمرة الغضب مردفة:
"هو فيه إيه!!"
"لدرجادي كرهني ومش عايز يطل في وشي عاد."
"وعيروح ينام بعيد عني."
"هان عليك زاد للدرجادي يا براء."
"آه يا جلبي آه."
"بس ينفع أكده، بعد ما لبست واتزوجت، كل ده يجي على الفاضي."
"طيب يطلع ليه ولو بنظرة واحدة بس، عشان مش ضامنة أعمل أكده تاني."
"أعمل إيه دلوك يا ربي دبرني."
"بس لا مش عسيبه الليلة دي بالذات."
لذا فتحت الباب سريعًا ورأته من ظهره يتقدم نحو الغرفة الأخرى، فقلدت صوت القطة:
"بس بس بس."
فمتعض وجه براء وأردف:
"هو أنا عشان مش لاجي حد يعبرني إهنه، أقوم للدرجادي صعبت على القطط عتكاسني."
ثم أكمل سيره للأمام دون أن يلتفت، فلم تجد زاد مفر عندما لم يستجب غير أن تناديه باسمه بصوت خافت:
"براااااااء."
استمع براء باسمه بصوت لذيذ فارتسم على ثغره ابتسامة جذابة وحدث نفسه:
"إيه الليلة دي مش كفاية البِسة ودلوك كمان عروسة البحور، هو فيه إيه، ولا دي يمكن تهيؤات!!"
"ولا يكونش عندنا ضيوف!"
ثم استدار فاتسعت عيناه لما رأى من ملاك جميل يشير له من بعيد.
فأشار على نفسه:
"أناااا، حضرتك بتنادي علي أناااا؟"
ثم حدث نفسه:
"والله خايف من زاد، تكون عاملة فيه ملعوب وجايبة صاحبتها عشان تمسكني متلبس، ما أنا خابر ما هتصدق وتقوم الدنيا علي حريجة."
"وعشان أكده، بلاش الجاذبية الأرضية اللي تودي في داهية دي."
لذا قال:
"بجولك إيه يا قمر أنتِ، لا أنا بحب مرتي جوي ومجدرش أخونها، فابعدي عني ألا جيلك عاد ونتهور وتمسكنا مرتي اللي بحبها جوي متلبسين ونتفضح فضيحة المطهر عاد."
وهنا اتسعت ابتسامة زاد وأردفت:
"يا حبيبي يا براء، أنا كنت خابرة أنه لا يمكن تعرف غيري."
"تعال يا جلبي، أنا زاد بس عاملة نيو لوك."
فتح براء فمه ببلاهة قائلًا بتيه:
"أنتِ بوسى ملاك الرحمة."
"قصدي زاد، مرتي اللي أنا خابرها، اللي عتلبس الأسدال وإحنا نايمين."
"لااااا أنا مرتي مش بالأخلاق دي، مش مصدق حالي."
زاد بضحك:
"أنا والله يا جلبي، تعال بجا، لا أرجع كيف ما كنت."
لتجده قد ركض إليها في الحال، ودفعها للداخل وأغلق الباب خلفه واستند بظهره عليه وأفرد ذراعيه قائلًا:
"لا ترجعي إيه!"
"بس مش مصدق، بجد أنتِ مرتي زاد."
"طيب اجرصيني أكده!!"
فوجدها تقترب منه وتمد يدها على ذراعه، فأبعده بذعر قائلًا:
"خلاص صدقت عشان خابر صوح إنك جبلة."
فصاحت زاد بغضب قائلة:
"أنا جبلة يا بتاع النسوان، إلهي يجي ويحط عليك."
جحظت عين براء وحدث نفسه:
"مفيش فايدة، مهما نضفت من برا، من جوه عندها عقدة، مش ناوية تبطلها."
"أعمل إيه في حظي العفش ده، بس أهي ليلة وتعدي عشان أكده عتحملها وخلاص وبكرة أطفش من وشها العكر."
لذا اصطنع الابتسامة وقام بلف ذراعيه حولها وقربها منه ونظر في عينيها بتيه وعشق مردفًا:
"بس أنتِ طلعتي حلوة جوي جوي يا زاد، إيه يا بت الحلاوة دي كلها!!"
وهنا تذكرت زاد كلام نهلة، وأنها يجب أن تكون عندها ثقة في نفسها فقالت:
"أنا حلوة من زمان، بس أنت اللي معتشوفش."
فوضع يده براء على رأسه وأغمض عينيه من الغيظ، فسألته زاد بقلق:
"مالك يا حبيبي أنت تعبان؟"
فحرك براء رأسه:
"أبدًا الضغط بس علي عليه شوي."
ثم غمزها بمكر قائلًا:
"بجولك إيه يا حبيبتي، ما تيجي نحب بعض من سكات، عشان الكلام بينا آخرته مش حلوة."
ليحملها بعد ذلك براء، ويلقي بها على الفراش.
فطالعته زاد بألم، ولا تدري لما وصلت بينهم الأمور إلى كل ذلك التعقيد، ولكنها استسلمت له، ولم ترفض احتياجه لها لأنه زوجها وله حق عليها.
ليعطيها براء ظهره بعد ذلك، فوجدت نفسها تبكي بصمت وأخذت تردد بانكسار:
"أيوة تعبني هواك وياك ياللي ظلمت الحب معاك."
"أيوة تعبت تعبت تعبت زي ما بتقول اتغيرت."
"اتغيرت من الحرمان مش باتحمل زي زمان."
"وأنا هاتغير أنا هاتغير."
"إلا في حبك."
"طمن قلبك لسه باحبك."
"زي زمان وأكثر بزمان."
"ياللي بتسأل عن أحوالي وبتستغرب ع اللي جرى لي."
"اتمنيتك تسأل عني قبل بعادك ما يغيرني."
أما براء فلم يشعر بما تعانيه زاد وخلد إلى النوم سريعًا.
********
لا توجد في العالم وسادة أنعم من حضن الأم، ولا وردة أجمل من ثغر.
عاد باسم في وقت متأخر منهك القوة وشاحب الوجه وحزينًا على عزة ليس حبًا، ولكن خشية أن يفقدها دون أن تسامحه على تقصيره معها، فيُسأل أمام الله عنها.
وعندما ولج إلى غرفته وجد ملك نائمة وتحتضن الصغيرة ريحانة وهي جالسة على المقعد وتستند عليه بظهرها ورأسها منحنية للخلف.
فابتسم باسم مردفًا:
"أنا ما حبتكيش من شوية يا ملك."
"صراحة ما شفتش حد زي جلبك الطيب الحنين ده."
"وعلى قد ما أنا فرحان إنك مبسوطة بـ ريحانة، بس خايف من عزة لما تفوق وتسأل عليها وتاخدها من حضنك."
"ساعتها هيكون إحساسك إيه، وأنا خابر أنها بقت روحك وقطعة منك خلاص."
ثم اقترب منها وانحنى إليها وقبل رأسها بحنو، ثم طالع صغيرته التي وجدها قد ابتسمت له، فتعلق قلبه بها.
فمد يده ليحملها ليريح ملك بعض الشيء، ولكن عندما حاول جذبها، فزعت ملك وشددت من احتضانها وتمتمت:
"بنتي."
ليتركها باسم الصغيرة ثم همس وهو يربت على كتف ملك بحنو:
"ملك، قومي يا حبيبتي، ريحي على السرير شوية."
"وأنا هاخد ريحانة."
ففتحت ملك عينيها بتكاسل مردفة بنعاس:
"باسم أنت جيت يا حبيبي."
باسم بضحك:
"لا ده عفريتي."
فضحكت ملك مرددة:
"طيب انصرف، انصرف."
"مش فضيالك دلوك، أنا معايا حبيبة قلبي "ريحانة"."
ثم انحنت برأسها إليها وقبلتها بحب.
فزمجر باسم كالأطفال:
"أكده يا ملك، ده بدل ما تقولي أتوحشتك، عايزة تبعديني عشان تاخدي راحتك مع البنت."
"من أولها أكده خدت هي اهتمامك وأنا راحت علي خلاص."
فوضعت ملك يدها على فمها وشعرت بالحرج، ثم وقفت ومالت إليه وقبلته في وجنته مردفة بحرج:
"إزاي ده وإحنا لينا أنا وريحانة بركة غيرك يا أبو ريحانة يا سكر."
فابتسم باسم بمراوغة قائلًا:
"ثبتيني كده خلاص."
ليحاصرها بذراعيه ثم أطال النظر في عينيها بحب قائلًا:
"تعرفي إنك وحشتيني جوي."
"واكتشفت إني مقدرش أقعد ولو ساعة واحدة من غيرك."
توردت وجنتي ملك خجلًا مردفة:
"وأنت كمان يا قلب ملك، ربي يخليك لي وما يحرمنيش منك واصل."
"بس قولي إيه أخبار عزة دلوك طمني؟"
فأغمض باسم عينيه متألمًا ثم تراجع للوراء حتى استند على الفراش، فشعرت ملك بالخوف مردفة بفزع:
"إيه حصل يا باسم؟"
"أوعى تقول ماتت!"
فحرك باسم رأسه قائلًا:
"لاااا بس أنا خايف تموت وربنا يحاسبني عليها يا ملك."
ثم طالع ملك بنظرة عتاب قائلًا:
"ربنا يسامحك أنا ما كنتش رايدها وأنتِ اللي خلتيني أقرب منها ودلوك لو ماتت وأنا كنت مقصر معاها، هيكون حالي إيه بجا!"
اقتربت منه ملك وربتت على كتفه بحنو مرددة:
"هتعيش يا باسم وإن شاء الله تعوضها عن اللي قصرت فيه."
"ما تشيلش نفسك الهم وادعي بس ربنا يشفيها."
طالعها باسم باندهاش قائلًا:
"أنتِ كيف أكده!"
"وحدة زيك كانت تتمنى تموت وتخلص منها مش تدعي لها بالشفاء."
"طيب مش خايفة تاخد منك البنت اللي نايمة على صدرك وحاملاها بردك ومش عايزة تريحي نفسك منها شوي وتحطيها على السرير."
فتركت ملك ذراعه لتشدد على ريحانة بذراعيها الاثنتين قائلة:
"ما حدش يقدر ياخد ريحانة مني."
باسم:
"بس دي أمها يا ملك، هتقدري تقول لها لأ ما تاخديش بنتك."
فابتلعت ملك غصة مريرة في جوفها ثم رددت:
"هنربيها سوا يا باسم."
"أنا خابرة أنها بنتها ومش ناسية."
بس أنا حاسة إني دمي أنا اللي عيجري في عروقها، وأنا بردك أمها بالرضاعة يعني بنتي أنا كمان ومحدش يجدر يجول غير أكده.
_ وكمان عزة عتشتغل معاك ومش عتكون فاضية تهتم بيها وتربيها.
فقاطعها باسم بقوله:
_ يعني أنتِ هتكوني المربية للبنت يا ملك!
_ ليه تجبلي على نفسك أكده؟
فوضعت ملك ريحانة على السرير برفق وأخذت تطالعها للحظات بحب، ثم التفتت إلى باسم وهمست بعد أن لمعت عينيها بالدموع:
_ أيوه قابلة أكون مربية وخدامة كمان بس تكون جاري العمر كله.
فأشفق عليها باسم، فهو لا يتحمل دموعها، لذا وقف واقترب منها وأزال دموعها برفق وطالعها بعشق مردفًا:
_ أنتِ أحلى وأحن أم في الكون كله.
ثم استطرد مداعبًا:
_ بس إيه تكون جارك العمر كله دي!
_ يعني عايزة البت تعنس ومتتجوزش ولا إيه!
فابتعدت عنها بعد أن ارتسم على وجهها ابتسامة عذبة، رغم تلك الدموع التي ما تزال عالقة في أهدابها قائلة:
_ لا بعد الشر على بنتي من العنوسة، بس هو عريسها جارنا أهنه مش هتطلع بره، معاذ ابن أخوك "براء" هو أنت مش خابر إنهم مخطوبين ولا إيه عاد!
طالعها باسم باندهاش ورمش بأهدابه عدة مرات متتالية من الصدمة قائلًا:
_ وكيف أنا محضرش خطوبة بنتي!
_ لا عاد أنا مش موافق على الجوازة دي.
ليجدها قد أمسكت يده وقبلتها وقالت برجاء:
_ لا أبوس يدك متبوظش الجوازة دي، والبت ياخدها حد غريب وتبعد عني. وعايزاك كمان تقرب من عزة حبتين وأنا مسمحاك وربنا عشان تسيبلي البنت ومتغضبش.
فطالعها باسم بصدمة وضرب باستنكار قائلًا:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.
_ بجولك إيه يا ملك، أنا تعبان وعايز أنام، ومش فايق للي عجوليه ده.
ثم افترش السرير بجسده وأغلق عينيه وسرعان ما ذهب في نوم عميق.
لتطالعه ملك مردفة بتصميم:
_ عتجوز معاذ يعني عتجوزه.
********
طرق زرارة الباب قبيل الفجر على حمدي وحسنية وهمس بخفوت:
_ يا سيد الناس، الله يستركم.
_ يلا نمشي قبل ما النهار يطلع علينا ونتجفش.
_ وكمان جاسر قرب يفوق، ولو فاق وشافك أكده مش بعيد يعمل مصيبة ونتفضح ويبجى على رأي المثل:
_ مشفهمش وهما عيسرجوا شافوهم وهما عيتحاسبوا.
ليجد حمدي قد فتح الباب فجأة وهدر في وجهه:
_ بتجول إيه يا طور!
ولكن زرارة لم يجبه بل وقف على أطراف أصابعه ينظر لداخل الغرفة بعين متسعة لعله يرى حسنية في الفراش.
فانتبه حمدي لعينيه، فغضب وضربه في مقدمة رأسه قائلًا:
_ عينيك لأخزقهالك.
_ بتبص على حريمي يا نجس.
فحدث زرارة نفسه:
_ دي أمة لا إله إلا الله بتبص عليها، والله أنت وجعتك منيلة زي وشك يا حمدي.
ليجده أغلق الباب مرة أخرى في وجهه مردفًا:
_ هلبس خلجاتي وآجي يا طور.
ثم اقترب من حسنية وداعب وجنتيها بلطف فاستيقظت على إثرها مبتسمة وطالعته بحب مردفة بدلال:
_ حبيبي وسيد الرجالة كلها.
فأخرج حمدي زفيرًا حارًا قائلًا بلهفة وعشق:
_ عجبتك الليلة دي يا بت؟
فغمزته حسنية:
_ طبعًا ده أنا أول مرة معاك أحس إني وحدة ست، وحسيت إني جبل أكده إني متجوزة طور.
فضحك حمدي:
_ صوح عندكِ حق.
ثم ابتعد عنها مردفًا:
_ همشي أنا دلوك قبل النهار ما يطلع، عتوحشيني يا قمر.
فجلست حسنية بعد أن تبدلت ملامحها للحزن قائلة:
_ وبعدين معاك يا قلب حسنية، هفضل أشوفك خطافي أكده.
_ لا مقدرش، أنا عايزة أفضل جمبك العمر كله.
ابتسم حمدي وخطف منها قبلة سريعًا مردفًا:
_ وأنا كمان يا قلبي، بس هانت من النهاردة هبلغ عن الطور جاسر جوزك إنه هو اللي عيخزن المخدرات مش جابر أخوه.
فضربت حسنية على صدرها:
_ بس أكده هتطلع الراجل الفقري جابر وأنا كان نفسي يجمعهم بورش واحد.
حمدي:
_ مينفعش يا قلبي أكده عيتفقوا علينا جوه، فإكده أحسن وكمان جابر ده سره باتع، فخليه يخرج بدل ما يدعي علينا.
ثم غمزها:
_ وإحنا لسه داخلين دنيا والرزق جدامنا.
أومأت حسنية برأسها مردفة:
_ اللي تشوفه يا قلبي.
فابتسم حمدي وقبلها ثم أتمم ملابسه وخرج مسرعًا مع زرارة.
وفي الطريق حدثه:
_ بجولك إيه يا زرارة؟
زرارة:
_ جول يا واد عمي اللي تأمر بيه.
حمدي:
_ تروح لعوض اللي كان عيدير مصنع جابر، وتعمل نفسك حزين على اللي حوصل ليه. وبعدين تفضل تكلم معاه وتجوله، أكيد مظلوم وإنك متصدقش إنه عمل كده. فهو عيجولك أيوه، وأكيد شاكك في المدعوج جاسر أخوه لإني خابر إنه عيكرهه جوي من زمان.
_ بس مش خابر أثبت كيف إنه هو اللي عملها.
فأنت تروح جايله:
_ سهلة جوي، مش عنديكم كاميرات مراقبة.
عتلاقي عينيه بقت في نص رأسه ويجولك أيوه.
_ تروح تحوله خلاص روح القسم وحول الكلام ده وهما عيتاكدوا من الكلام بنفسيهم.
_ بس وتسيبه وترجعلي عايزك في موضوع قمر، عشان أكده تيجي خبطتين في رأس واحدة.
فضحك زرارة مردفًا:
_ يا دماغك العالية يا سيد الناس. عُلم وينفذ يا واد عمي.
******
ولجت سلسبيل إلى جاد في غرفته مع عمران أخيها فوجدته ما زال يبكي والطعام الذي تركته له منذ الأمس موجود كما هو لم يقرب منه.
فطالعته بحزن وعاتبته بقولها:
_ وبعدين معاك يا جاد، أنا أكده هزعل منيك.
_ كده الأكل بحاله، مكلتش ليه؟
_ وأنت يا عمران مش جادر توكل صاحبك وأخوك.
عمران باستياء:
_ مش قدرت عليه واصل يا سلسبيل، دماغه كيف الحجر.
_ وعيجول مش عندي نفس آكل لقمة وأخوي محبوس.
سلسبيل بغصة مريرة:
_ أنا خابرة إنها حاجة تحزن بس الأكل ملوش دعوة بإكده، لزمن تاكل عشان تتجوى ولما يطلع جابر بيه يلاجيك راجل جوي أكده ويعتمد عليك.
طأطأ جاد رأسه بحزن وبكى بحدة قائلًا:
_ أنا عايز أخوي، عايز أخوي.
ثم رفع عينيه وحدثنا برجاء:
_ ربنا يخليكِ يا سلسبيل، وديني عنده أشوفه، بالله عليكِ.
فأغمضت سلسبيل عينيها بحزن وقهر وحدثت نفسها:
_ ومين سمعك يا جاد، أنا كمان نفسي أشوفه.
_ ياااه وحشني جوي، ومكنتش خابرة إنه غالي عندي أكده جوي غير لما خدته الحكومة جدام عيني.
_ حسيت إن روحي انسحبت مني وكنت عموت بحسرتي.
_ ربنا يفك ضيقتك يا جابر قلبي وتخرج بألف سلامة.
*****
يبلغ الحب القمة متى تنازلت المرأة عن عنادها والرجل عن كبريائه.
استيقظ براء من النوم وأدار وجهه ليرى زاد، فتفاجأ بدموعها التي حفرت طريقًا على وجنتيها وسمع شهقاتها وهي نائمة.
فعاتب نفسه مردفًا:
_ هو إيه اللي إحنا فيه ده أنا وهي.
_ مش خابر ليه هنعمل أكده في بعض، رغم إني عحبها جوي.
_ وهي بردك عتحبني وأنا متأكد من أكده، بس للأسف العند عيهد حياتنا وعيقضي على الحب اللي بينا للأسف.
_ ومش خابر أصلح ده إزاي!
_ وكل اللي بفكر فيه إني أهرب وبس من الضغط اللي أنا فيه إهنه، يمكن لما أرجع مصر وأكون لحالي، أعرف أفكر شوي في حل يريحني ويريحها.
ليقوم بعد ذلك إلى المرحاض ويخرج يرتدي ملابسه، ثم أخرج حقيبة ملابسه وجمع بها احتياجاتهم سريعًا.
ثم ألقى نظرة أخيرة إلى زاد، ثم طالع ذلك الملاك البريء النائم في فراشه معاذ، ثم تقدم منه وأخذ براحة يده وقبلها بنعومة مردفًا:
_ عتوحشني يا حبيبي، وأمك كمان ربنا يعلم إنها عتوحشني، أشوفكم على خير.
ثم أخرج هاتفه وكتب لها رسالة على الواتس:
_ (زاد خلي بالك من نفسك عاد ومن معاذ، وعتوحشوني، ويمكن لما تعاود من شغلي مرة تانية تكون حياتنا أفضل كتير من دلوك، دعواتك حبيبتي، سلام).
ثم تنهد بحرارة وهو ينظر لها نظرة أخيرة، لتصيبه نغصة في قلبه فجأة، فتألم قائلًا:
_ اااه.
ثم ردد:
_ خير يا رب.
ليتساءل بدهشة وهو يضع يده على قلبه:
_ هو البعد عنيكم عيوجع القلب إكده؟
_ يا ترى إيه مستنيك يا براء؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم شيماء سعيد
لم يستطع براء حل مشاكله المتراكمة مع زاد، ولم يجد مفرًا سوى الهروب منها دون مواجهة، وهي نائمة، ولم يترك لها سوى رسالة من مجرد كلمات، وظن أنها معبرة، ولكن القلب عند زاد امتلأ خيبة وألمًا وقهرًا، فلن تجدي معها تلك الرسالة.
ثم ودعهم براء، ولكنه قبل أن يغادر شعر بنغصة في قلبه آلمته وتساءل:
"هو البعد عنيكم يعوّج الجلب أكده؟"
فأغمض عينيه بألم واستطرد:
"يارب سلّم."
ثم التفت وغادر سريعًا قبل أن يضعف قلبه أمامها، وظن أن هذا الحل هو الأسلم لعلاقتهما حتى لا تتدهور أكثر من ذلك.
ولكن ما فعله خطأ، فمواجهة المشكلات في حينها أفضل من تركها تتراكم حتى تولد الانفجار.
ليجد محمود على باب غرفته مع نهلة، يودعها بقبلة على الهواء مردفًا:
"خلي بالك من نفسك يا نونو."
"يلا سلام يا قلبي."
لتجيبه بحب:
"وأنت خلي بالك من روحي اللي أخدتها معاك وأنت ماشي يا جلبي."
"ومتتأخرش عليّ عشان بتوحشني حتى وأنت معايا."
فتنهد محمود بحرارة وقال بعشق جارف:
"لا ما أقدرش أنا على الكلام الحلو ده كله."
"بقولك إيه، أنا بقول كفاية كده الشغلانة دي."
ثم غمزها وتابع:
"وأدخل أريحك جمبك شوية، مهو أنا يا بنتي أصلًا تاجر بلح."
فتعالت ضحكات نهلة حتى دمعت عيناها ثم أجابته:
"على عيوني والله."
"بس معلش عدّيها يا سيادة المقدم ويلا زوج عجلك وشوف شغلك."
محمود بضحك:
"كده، ماشي."
ثم خطف قبلة سريعة من إحدى وجنتيها.
محمود:
"سلام يا روح الروح."
فتلون وجه براء بحمرة الغيظ وصك على أسنانه محدثًا نفسه:
"لا إكده كتير، وسدّوا نفسي على الصبح وأنا فيّ اللي مكفيني."
وعندما أغلق محمود باب الغرفة على نهلة، وجد براء من ورائه يقبض على مؤخرة عنقه مردفًا بغيظ:
"صباحية مباركة يا عريس، إيه معتزهجش من الحب اللي يموّع النفس ده!!"
فضحك محمود وغمزه قائلًا:
"لما تقرب وتجرب مش هتزهق، بس أنت اللي مش عايز تقرب وبتبعد."
أخرج براء زفيرًا حارًا قائلًا:
"أنا فعلًا هبعد وحاسس إن ده الأسلم دلوك، عشان ما عنديش استعداد للكلام ولا للعتاب وحاسس لو فعلًا كلمتها زي ما بتقول أكده هطربقها فوق نفوخها أكثر لأنها ما هتحسش إني راجل وليّ حقوق عليها."
احتضن محمود ذراع براء وسار معه للخارج وهو يحدثه بعقلانية يفتقدها براء:
"الحياة يا صاحبي مش حقوق وبس."
"لازم تدي قبل ما تاخد، وعشان كده اعمل الواجبات اللي عليك، وبعدها انتظر حقوقك هتاخدها بالكامل وزيادة كمان."
"لأن الست اللي بتلاقي اهتمام ومحبة وتقدير من جوزها، بتلاقيها زي الفراشة آه والله بتطير من الفرحة وبتديك أضعاف أضعاف اللي أنت اديتهولها."
حرك براء رأسه باستياء قائلًا:
"دي لما تكون بتفهم، لكن زاد مش نافع معاها حاجة."
"دي ولا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب."
محمود بنفاذ صبر:
"تعبتني معاك يا براء، وحاسس أنه بيتهيألك كده، لأن فعلًا مدام زاد حسب كلامك عنها في البداية ومعرفتي بيها إنسانة كويسة جدًا، فخسارة تضيعها من إيدك بالسهولة دي."
براء:
"وأنا قولتلك هطلقها؟!"
"اديها قاعدة على جلبي."
محمود:
"الطلاق مش شرط يكون بكلمة، صدقني الطلاق النفسي أصعب وأشد."
طالعه براء باندهاش قائلًا:
"أنت شكلك بقيت حكيم وأنا مش عارف ولا إيه؟!"
"على العموم نتكلم بعدين عشان ألحق أوصل في ميعادي."
محمود:
"توصل بالسلامة إن شاء الله وابقى طمني عليك."
"وأنا كمان هروح أشوف آخرة المعتوه حمدي ده إيه وهو فين؟"
"لأن إمبارح طلعت حملة نشطت المنطقة كلها، لكن للأسف زي ما يكون فص ملح وداب."
"مش عارف فين البني آدم ده؟"
حرك براء رأسه باستياء مردفًا:
"هيروح فين يعني!"
"هتلاقيه في النهاية ما تقلقش."
"مهو مهما طال الزمن على الأشكال دي مسيرها تقع في الآخر."
محمود:
"أيوه بس نفسي يكون في أقرب وقت عشان قمر الخوف هيموتها وده غلط عليها لأنها حامل."
"والغريب إن جوزها متوقع أنها هتجيب بنت ويسموها شمس كمان."
فلوى براء شفتيه قائلًا بسخرية:
"بنت!"
"اقلب القدرة على فمها، تطلع البنت لأمها."
"يا عيني على اللي ياخدها دي كمان."
محمود بأسى:
"مفيش فايدة فيك، ربنا يصلح قلبك يا صاحبي."
*****
ذهب زرارة إلى عوض كما أمره حمدي.
فوجده زرارة على عتبة بيته يستعد للمغادرة، فاستوقفه زرارة بقوله:
"على فين العزم يا عوض، ده أنا كنت جايلك أتكلم معاك كلمتين."
فأشاح عوض بيده مردفًا بحزن:
"مش فايق والله يا زرارة، خلينا وقت تاني."
زرارة بخبث:
"مالك يا راجل أكده، شايل طاجن ستك على الصبح؟"
عوض:
"أنت ما دريتش أن جابر اتقبض عليه ولا إيه؟"
"وأنا دلوك رايح له، ومش بس أنا، كل العمال هنروح له كل يوم، لغاية ما يطلع بالسلامة."
"ما تتصورش أنا زعلان ومقهور عليه قد إيه!"
زرارة باندهاش:
"للدرجة دي يا عوض زعلان عليه؟"
عوض:
"وهو فيه حد ما يزعلش على جابر، ده مش إنسان، ده ملاك من السما."
"ومنه لله اللي كان السبب، يجيك ويحط عليك يا جاسر يا ابن حمدان."
زرارة بمكر:
"وماله جاسر باللي حصل يا عوض؟"
عوض:
"ما أنا متأكد إنه هو اللي عملها، عشان خابر أن العرق دساس وهو من يومه قلبه أسود بعيد عنك."
زرارة:
"وأنت ما قولتش ده للحكومة ليه، بدل ما ياخدوا جابر؟"
عوض:
"مهو أنا معييش دليل على أكده، يا ريتني كنت شوفته وهو بيحط الحاجات المنيلة على عينه دي، كنت طبقت في زمارة رقبته."
زرارة:
"مهو بردك عندكوا عيون صناعية اسمها كاميرات المراقبة ودي بيكون ليها سجل عن اللي بيحصل في المصنع في غيابكم."
فضرب عوض على رأسه قائلًا:
"صوح عندك حق، كانت غايبة عن راسي فين الفكرة دي!"
"طيب بعد إذنك يا زرارة."
زرارة:
"هتعمل إيه قول لي بس؟"
عوض:
"على الحكومة طوالي، أقول لهم على جاسر النجس ده، وأقول لهم يشوفوا الكاميرات ويتأكدوا."
فغادر عوض سريعًا أما زرارة فضحك ضحكته الشيطانية وحدث نفسه:
"يلا مع ألف سلامة يا جسور، باي باي زي بتوع البندر."
"عشان سيد الناس يعرف يعيش بالحلال بقى مع المهلبية حسنية."
ثم قهقه واستطرد ساخرًا:
"أيوة مهما التنين يموتوا في الحلال على يدي."
"بيخدعوا نفسيهم بس أنا خابر القصة، وخابر إنها طين بس مفيش منها مهروب."
"ودلوك حان الأوان عشان أروح أنا كمان أظبط نفسي مع البنت قمر بعد ما طبعًا سيد الناس ياخد دوره الأول."
"أموت أنا في العسل الأبيض وأحب أغرق فيه."
*****
شيء عالق في منتصف الروح
لا يشرحه الكلام ولا يكفي فيه البكاء.
أيتها الأيام القادمة، مري علينا بسلام فقلوبنا جد متعبة ومرهقة.
أرهقتها الحظوظ، وأتعبتها التراكمات التي نالت من سفينة الود، وأصبحت أرواحنا تعاني الوجع، ووجع الروح هو أنين لقلب صامت يمنعه كبرياء العقل عن البوح بآلاف الكلمات التي تعجز الجوارح عن التعبير عنها. وجع الروح في ضحكة دون فرح وبكاء قلب دون دموع ما أصعبه.
اختلاط المشاعر بين أنين خيبة أمل وخذلان.
تقلبت زاد في الفراش ومدت ذراعها في محاولة لإحاطة براء، ولكن يدها سقطت على الفراش فتعجبت وأخذت يدها تبحث عنه فلم تجده، ففتحت عينيها بتثاقل، فتفاجأت بعدم وجوده.
فجلست مرددة باندهاش:
"هو راح فين؟"
ليلفت انتباهها أن خزانة ملابسه مفتوحة وفارغة وحينها شعرت بنغصة في قلبها وشهقت مرددة بصدمة:
"عملتها يا براء!"
"هربت وسبتني أكده حتى من غير وداع."
"من غير ولا كلمة ولا كأننا كنا مع بعض، كأنك كنت مع وحدة من بتوع الشارع مش مرتك."
لتنهمر دموعها على وجنتيها مردفة:
"جد أكده بقيت رخيصة عندك، ومليش أي مقام عندك."
"طيب حتى على الأقل كنت قول لي، ده أنا كنت نايمة في حضنك بس الظاهر إني خلاص ما بقاش ليّ في قلبك مكان."
"ربنا يسامحك يا براء ومش قادرة أقول أكثر من أكده عشان الحب اللي في قلبي ناحيتك لسه وزيادة كمان بس للأسف أنت ما تستاهلوش."
ثم رأت إضاءة هاتفها تضيء وتطفئ مرة أخرى، فعلمت أن هناك رسالة مرسلة إليها، فالتقطته وفتحته لتجد رسالة من براء.
(زاد خلي بالك من نفسك عاد ومن معاذ، وهتوحشوني، ويمكن لما أعود من شغلي مرة تانية تكون حياتنا أفضل كتير من دلوك، دعواتك حبيبتي، سلام).
فأغمضت زاد عينيها متألمة ثم أردفت:
"هو ده وداعك يا براء، كلمات من غير أي معنى."
"وأدعي لك، ما أنا ديما بدعي لك من غير حاجة، مش عارفة أقول إيه!!"
"أنا حاسه إني انتهيت."
ثم دخلت في نوبة بكاء، فبكى على إثره معاذ، فقامت على الفور تحمله وتضمه بحنو إلى صدرها وتشتكي له:
"شوفت أبوك يا معاذ، هملنا وسافر من غير ما يقول ولا يودعنا."
"آه يا قسوة قلبك يا براء."
"الظاهر أكده، إننا مش هيكون لينا غير بعض يا حبيبي."
لتخرج تنهيدة بغصة مريرة ثم استطردت بدعاء:
"يا رب صبرني واجبر كسر قلبي، عشان أنا لو هونت على الكل مش ههون عليك يا حبيبي يا أرحم الراحمين."
*******
الشيخ الشعراوي قال: إذا رأيتم الكرب يشتد، فاعلموا أن فرج الله قريب.
"هانت فاستبشر خيرًا"
وصل عوض أمام مركز الشرطة فوجد أغلب العاملين متجمعين حوله ومن بينهم سلسبيل وجاد.
وعندما رأوا عوض وقفوا جميعًا والتفوا حوله، ووجد عوض جاد يبكي، فاحتضنه بحب وقال:
"بس ما تبكيش يا ولدي."
جاد:
"كيف ما ابكيش وأخوي واخدينه مني، وما بقاش ليّ حد وبقيت يتيم من كله."
فعاتبته سلسبيل بقولها:
"كيف ده وأنا مش مالية عينيك ولا إيه عاد، مش أنا كيف أختك بردك يا جاد؟"
طالعها جاد بامتنان قائلًا:
"تشكري يا سلسبيل وأنتِ أكثر من أختي والله وأحن من جاسر أخوي اللي من لحمي ودمي ورماني."
"بس أنا محدش يعوضني عن جابر أخوي واصل."
فحدثت سلسبيل نفسها:
"إيه والله عندك حق، أنا من ساعة ما أخذوها وأنا حاسة الدنيا زي ما تكون ضلمت وما بقاش ليّ نفس لحاجة وحاسة إني مخنوقة قوي كأنه كان الشمس اللي بتنور الدنيا وكأنه كان الهوا اللي بتنفسه."
"آه من حبك يا جابر، اللي مش مخليني يغمض ليّ جفن وأنت بعيد أكده وقلبي اللي انكسر وأنا خابرة إنك في ضيقة أكده ومفيش في يدي حاجة أعملها."
"يا ريت كان بيدي يا حبيب القلب والروح."
ثم استطردت:
"ربنا يفك ضيقته يا قادر يا كريم ويخرج بالسلامة."
ثم تحدث أحد العمال:
"وبعدين يا ريس عوض، هنفضل واقفين مش عارفين نعمل حاجة ولا نطلع الراجل من سجنه وإحنا خابرين كويس أنه مظلوم."
عوض:
"لا هانت خلاص يا جماعة، وهيطلع بكتيره بكرة أو يمكن النهاردة كمان."
فتعلقت العيون به في دهشة متسائلين:
"كيف ده؟"
عوض:
"عشان خابر اللي عمل أكده كويس ودلوك هدخل أبلغ عنه وهما هيجيبوه من قفاه ويطلعوا جابر بيه."
فكبر الجميع:
"الله أكبر، ولله الحمد."
وصل صوت التكبير إلى داخل المركز فتحدث محمود:
"إيه صوت التكبير ده، هو النهاردة العيد وأنا مش عارف ولا إيه؟"
ثم تنهد بحرارة قائلًا:
"ولا انتصرنا أخيرًا والتحرر المسجد الأقصى، ياما نفسي أسمع الخبر ده."
"وكفاية بقى قهرة ووجع قلب على إخواتنا في فلسطين."
"يا رب انصرهم وحاوطهم برعايتك وأمنك."
ثم ولج إليه العسكري قائلًا:
"فيه واحد بره اسمه عوض يا باشا،"
عايز يشوف حضرتك ضروري وبيقول فيه معلومات مهمة جوي عايز يجولها لحضرتك.
ضيق محمود عينيه بغرابة ثم قال:
دخله ده كمان نشوف عايز يقوله مهم كده.
على الله ميكونش زي اللي جه قبله وكان بيبلغ عن مراته اللي سرقت التموين وعطيته لأهلها.
ولا اللي جاية تشتكي من جارتها عشان جارتها غسلها بينقط عليها.
والله ده أنا اللي جبلولي نقطة.
فضحك العسكري وخرج ليأتي بعوض.
ولج عوض على خجل، فطالعه محمود بتأني مردفًا:
اتفضل اقعد قول اللي عندك بس يا ريت تنجز.
فحاول عوض إخراج كلماته بصعوبة من الخوف قائلًا:
يا باشا مش چابر بيه اللي عيخبي البودرة في المخازن.
هو بريء يا بيه.
محمود:
الكل بيقول كده بس أنا عايز دليل يا عوض.
عوض:
حضرتك عتجيب الدليل من كاميرات المراقبة اللي في المصنع، وهتعرف ساعتها أن جاسر الچبان ده أخو جابر بيه هو اللي كان عيحطها من غير ما جابر بيه يعرف عنه حاچة.
فوقف محمود قائلًا بصدمة:
جاسر أخوه معقول!!
عوض:
أيوه يا باشا، هو من يومه شيطان ومهما عمل فيه جابر، ما بيطمرش، واهو عض الإيد اللي كانت بتتقدمله.
الله يخزيه مطرح ما كان.
أومأ محمود برأسه قائلًا:
طيب اتفضل أنت دلوقتِ، وأنا هبعت خبير للمكان ويفرغ الكاميرات ونشوف.
عشان كل واحد ياخذ جزاءه.
ومش عارف إزاي الدم بيتحول لمية كده، وإزاي هان عليه أخوه يعمل فيه كده.
اه ياني من غدر البشر، ده الحيوانات بتكون أرحم من الإنسان والله.
وصل زرارة عند حمدي في مخبأه.
طالعه حمدي بترقب قائلًا:
ها يا واد عمي سبع ولا ضبع؟
زرارة:
سبع طبعًا، وأنت من إمتى عتجولي على حاچة ومأنفذهاش.
وهو النهاردة عاد أو بكرة بالكتير وعتلاقي جاسر مسحوب كيف البهيمة.
ومبروك عليك حسنية بقى يا سيد الناس.
لمعت عين حمدي من الفرحة عند تخيل حسنية معه ثم أردف قائلًا:
عفارم عليك يا زرارة.
زرارة:
تسلم يا كبير.
بس دلوك البت لازم ترفع قضية طلاق وعتاخد وقت، وبعد الطلاق عدة ثلاث شهور وشغلانة.
عتقدر تصبر على إكده يا سيد الناس!
اتسعت عين حمدي على آخرهما مردفًا:
ليه ده كله؟
لا أنا ما عنديش صبر.
زرارة:
أمال عتعمل إيه وأنت بتجول عايز تجوزها؟
حمدي بعد تفكير:
ممكن نضرب ورقة عرفي أكده، عشان نكون في السليم عقبال ما تطلق وتخلص العدة بتاعتها على راحتها.
فضحك زرارة مردفًا بسخرية:
وده على ملة مين يا سيد الناس؟
فضحك حمدي قائلًا:
على ملتي أنا يا ولا، ولا أنا مش عجبك.
زرارة:
لا طبعًا عجبني وبحب فيك جوي، إنك بتموت في الحلال، كيفي بالضبط.
فضحك الشياطين مع بعضهما البعض بعد أن حللوا لأنفسهم الحرام بحلال مزيف ليرضوا أهوائهم الدنية.
ثم غمز زرارة حمدي قائلًا:
طيب يا سيد الناس، والمأمورية الثانية بتاعة الست قمر، هنعملها ميتى، عشان القلب جايد نار ومفيش حاچة تطفيه غيرها.
فضحك حمدي، ثم ضيق عينيه بمكر، وأردف قائلًا بخبث:
لو عايز الليلة ما عنديش مانع.
فاتسعت عين زرارة ورفع حاجبيه مردفًا:
كيف ده؟
والحكومة معششة في كل مكان هناك، ده غير جوزها من ساعة ما عرف إنك هربت وهو ملازمها.
الواد بسطويسي اللي هيشتغل معاه أمين شرطة يبقى واد عمي لزم وهو اللي جالي ومتوكد منيه.
وعشان أكده حاسس إن الموضوع ده صعب جوي، وأي حركة أكده ولا أكده، ممكن نتقفش كلنا ونروح ببلاش.
فاتكأ حمدي على إحدى يديه ثم ثنى ركبته على المقعد وطالعه بخبث مردفًا:
بسيطة جوي جوي يا ولا.
ده أنا حمدي اللي عيلعب مع الحكومة ويخليهم يوقفوا على رجل واحدة.
زرارة بتعجب ظاهر على قسمات وجهه:
كيف ده؟؟
أتتعرفون ما هو الغريب في مشاعرنا..
إننا .. نبتعد
ونحن في أمس الحاجة للقرب.
إننا.. نتماسك
ونحن في أمس الحاجة للانهيار.
إننا .. نصمت
ونحن في أمس الحاجة للعتاب.
إننا... نبتسم
لم يتوقف براء طيلة سفره عن التفكير في زاد.
وأخذ يحدث نفسه:
اه لو تعرفي قد إيه بحبك يا زاد، أكيد عتسامحيني لو زعلتك لأنه أكيد بيكون غصب عني.
وأسلوبك صعب معايا ومش مخليني عارف أعبر ليكِ عن مشاعر وبقفل بسرعة.
لكن حقيقي أنا بحبك، ومش شايفه وحدة غيرك في قلبي حتى لو ملكة جمال الكون وحتى لو بصيت لوحدة نظرة إعجاب لكن الحب هو زاد.
يا ريت تعرفي ده وتقديره يا زاد.
وأنا صح هربت من المواجهة معاكِ عشان خوفت بدل ما نحل الموضوع بيتعقد أكتر، لكن أنا بحبك يا زاد وعتوحشيني بجد.
........
على جانب آخر تحدث فريد مع مرام.
فريد:
عندي ليكِ خبر بمليون جنيه.
انفرجت أسارير مرام مردفة:
براء وصل القاهرة!!
فريد بمكر:
هو أنتِ ما عندكيش أي كلام غير عنه!!
الظاهر إنه لسه معشش في قلبك يا مرام، ومش قادرة تنسيه.
أمال أنا إيه في حياتك؟
مرام بحرج:
معلش هو عشان مش قادرة أركز في أي حاجة غير لما أشوفه مكسور قدامي وقلبي يرتاح.
فريد:
ماشي يا ستي، هاعمل نفسي مصدق كلامك.
وخلينا نشوف بعدها البال هيرتاح وتفوقي لينا يا جميل ولا إيه.
مرام بمكر:
ده أكيد بس قولي وفرحني، كده خلاص وهيحصل اللي قلتلي عليه؟
فريد بتأكيد:
آه.
ولو عايزة النهاردة عيوني، بس حساب الحب هيتقل عشان أنا خلاص أدمنتك يا حب.
زفرت مرام بضيق وحدثت نفسها:
أنا قرفت من الحياة دي بجد، رغم أن عندي كل متع الدنيا بس عمري ما حسيت بالسعادة.
إلا لحظات قليلة لما كنت مع براء، حبه كان مخليني أحس إني ملكة العالم ده كله.
قد إيه الحب جميل، بس للأسف رغم جمالي ما لقيتش اللي يحبني عشان أنا مرام لكن كلهم بيحبوني كجسم بس، وآخر الليل كل واحد فيهم يروح لمراته وعياله.
وأنا أبكي لوحدي، ما ليش حد.
ولو بعد كده كبرت في السن والجمال راح، محدش هيعبرني وهموت من غير ما حد يحس بيه.
كان نفسي أكون زوجة ولي بيت صغير وأولاد بيتنططوا حواليا، دي نعمة كبيرة أوي محدش يحس بيها غير اللي اتحرم منها.
لتفر الدموع من عينيها حسرة على حالها ولم يخرجها من شرودها هذا غير صوت فريد الملئ بالرغبة:
ها قلتي إيه يا قمر؟
لو وافقتي هاجي دلوقتِ، وهأظبطلك سيادة المقدم النهاردة.
ونغير كمان الخطة بحاجة أسهل، لإنه أكيد هينزل بعربيته على البيت على طول عشان يستريح من مشوار السفر.
ليضحك فريد ضحكة شيطانية قائلًا:
بس أنا هاخليه يريح في البورش جنب الجماعة اللي بيقبض عليهم، عشان يحس نفس إحساسهم.
فضحكت مرام رغم ما بها من ألم قائلة:
يا ريت يا فريد.
وتعال طبعًا ده خلاص بيتك وأنا كمان بأكون مبسوطة وأنا معاك.
فريد بلهفة وشوق:
يا عيني على الكلام الحلو، أنا جاي حالًا ويمكن أجيبلك الخبر الأكيد معايا.
وهأسيبك دلوقتِ أتصل بنيلي.
مرام بحيرة:
مين نيلي؟
فريد:
هأقولك لما أجي يا قمر أنتِ.
ليغلق معها الخط ويتصل بـ نيلي وهي شابة في العشرينات، ولكنها فتاة ليل تعرف عليها فريد منذ فترة في إحدى الشقق.
ومنذ تلك اللحظة وتوطدت صداقتهم أكثر من هي ليلة ومضت، فكان يستغلها في كثير من الأحيان من أجل المال.
فاتصل بها قائلًا:
القمر اللي وحشني.
فضحكت نيلي بمياعة مردفة:
أدخل في الموضوع على طول يا فيري، أنا خلاص حفظت الدخلة بتاعتك لما تكون عايز مصلحة.
فريد:
أحبك وأنتِ فاهمني يا قمر.
حضري نفسك بقى عشان هتتسجني؟
فشهقت نيلي:
إيه؟؟؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم شيماء سعيد
بتنا في زمان لا يربط الناس فيه إلا المصالح. يبحث الجميع عن نفسه ومصالحه الشخصية. لا يضع أي من الناس اعتبارًا للحب والمشاعر الصادقة، فالمبدأ الأساسي هو نفسي نفسي.
أدركت نيللي منذ اللحظة الأولى التي هاتفها بها فريد، إنه يريدها لمصلحة ما وليس حبًا.
فهي تعلمه جيدًا، لا يحب سوى نفسه فقط، والجميع لديه ما هم غير أدوات لتنفيذ رغباته.
أما هي فلأجل المال تفعل ما تشاء وإن كان على حساب نفسها، ولا يعنيها ما يترتب على ذلك، وكأنها باعت الآخرة بالدنيا.
فقالت: أدخل في الموضوع على طول يا فريد، عايز إيه؟
فابتسم فريد قائلًا: أحبك وأنتِ فاهمني يا قمر. حضري نفسك بقى عشان هتتسجني!
فشهقت نيللي وقالت بفزع: إيه؟؟؟
فطمأنها فريد وهدّأها بقوله: بس بس متتخضيش كده، أنا عايز مصلحتك.
وهو بس يومين تستحمليهم بالطول والعرض، وبعدين هبعتلك ومحامي عقر يطلعك منها زي الشعرة من العجين، وفوقيهم خمسين باكو.
فاتسعت عينيها طمعًا مرددة بذهول: خمسين باكو حتة واحدة؟
فريد بضحك: أيوه أومال إيه، أنتِ بتتعاملي مع فريد باشا.
فترددت نيللي وقالت: بس يا فريد هو لازم يعني الشغلانة دي تكون بالسجن والبهدلة؟ ده أنا لسه خارجة وقولت توبة، حتى الشغل خليته على خفيف خفيف كده.
فريد: معلش، ما أنا قولتلك كام يوم وهتطلعي، ومش خسارة في اليومين دول الخمسين ألف.
ومع ذلك لو مش عايزة، خلاص، كأني مقولتش حاجة، وأتصل بواحدة حبيبتي تقضيلي الطلب.
لتجيبه نيللي بلهفة: لا يا باشا، هو فيه حبايب إلا أنا برده.
قول بس عايز إيه، وأنا أعمله بس أوعى يكون فيها دم، مليش فيه.
فنفى فريد: هو أنا بتاع كده برده، هو بس قرصة ودن لواحد معرفة عشان يتلعم الأدب.
نيللي: نعلمه يا باشا، منعلموش ليه، كله إلا الأدب، أنا بموت فيه، بس إزاي؟
فريد بضحك: آه طبعًا، ده حتى كنا بنطبق الأدب سوا.
ثم تابع بقوله: أما إزاي هقولك يا عسل.
هتطلعي على العنوان ده *** وهتستني راجل بعربية ماركة ** باللون الأسود وهبعتلك صورته على الواتس.
وأول ما تشوفيه جاي وخلاص بيهدي السرعة عشان يركن، تكوني واقعة قدام العربية كأنه خبطك.
فبصقت نيللي وقالت: تف من بوقك، بعد الشر عليه، إن شاء الله اللي يكرهني.
فزفر فريد بضيق: بعد الشر يختي عليكِ.
المهم هو هينزل طبعًا مخضوض ويسألك أنتِ كويسة، أوديكِ المستشفى.
فتقومي باصالحه ومسبلة كده عينيكِ وتقوليله:
هو اللي تعبني عينيك الحلوة دي أكتر من الخبطة، ممكن تصلح غلطتك وتجوزني.
طبعًا هيتخض من كلامك، تروحي قايلة، قصدي ملوش لزوم المستشفى، بس لو توصلني للبيت أكون شاكرة ليك عشان حاسة نفسي دماغي بتلف.
فطبعًا هيقول: أكيد هوصلك طبعًا.
تقومي يا شاطرة وواخداه على مكان الحبايب اللي بنتقابل فيه.
وعلى السلم هتكوني طبعًا مقربة منه عشان دايخة طبعًا ويكون معاكِ الرش اللي بيدوخ، عارفاه طبعًا، عشان ياما دوختيني بيه.
فعايزك تدوخيه، عشان يدخل معاكِ الشقة، وجوه بقى وهو دايخ كده ومش حاسس بنفسه، عايزك تصوريه كام صورة حلوة كده معاه تبعتهالي على الموبايل.
وبس كده عملتي اللي عليكِ وسيبى الباقي عليه، بس حضري ملاية عشان يستر بيها نفسه.
عشان ميهمنييش يمشي كده في الشارع، عيب برده.
لازم يكون في قلوبنا شوية حنية مع الناس دي.
فضحكت نيللي مرددة بسخرية: آه منك يا حنين أنت.
وربنا يستر وتعدي على خير، بس شكلك بتعزه أوي.
فضحك فريد بخبث قائلًا: أيوه أوي أوي مقلوكيش.
نيللي: واللي أمه داعية عليه ده هوصل عنده إمتى؟
فريد: تقدري تتحركي من الآن عشان فضله ساعة ويوصل تقريبًا.
بس لا مؤاخذة تلبسي لبس محترم عشان ميشكش في حاجة.
فضحكت نيللي: ولو إني معنديش بس هتصرف، ممكن يعني إيدي تطول على البلكونة اللي جمبي.
معلش مهو زي ما بيقولوا الضرورة تحكم وأبقى أرجعلها تاني عشان أمانة.
فضحك فريد: أموت أنا في الأمانة.
ليغلق معها على الخط بعد ذلك.
ليبدأ في تجهيز نفسه للذهاب إلى مرام ليقضي معها ليلة أخرى في الحرام.
بعد أن اقترب من تنفيذ هدفه، ليجدها معه أينما شاء، ويستغلها هي أيضًا لإرضاء نفسه الدنيئة.
*********
بعث محمود بفني كاميرات مراقبة ليأتي ليفرغ الكاميرات التي في المصنع ومعه قوة من الشرطة حتى لا يتعرض له أحد.
وبالفعل استطاع فعل ذلك، ليظهر جاسر في الكاميرا يحمل حقيبة في وقت متأخر من الليل بعد انتهاء يوم العمل ولا يوجد أحد من العمال سوى الحارس.
ولكن الحارس لم يعارض على دخوله في ذلك الوقت المتأخر لأنه يعلم مكانته في قلب جابر.
وفي الكاميرا ظهر جاسر، يتلفت حوله يمينًا ويسارًا، حتى ولج إلى المخزن ليقوم بفتح تلك الحقيبة، وإخراج تلك المواد المخدرة منها وإخفائها في صندوق من الصناديق التي يوضع بها الخيوط المستخدمة في نسج السجاد اليدوي.
ثم وقف للحظات ينظر للصندوق بسعادة قائلًا: اشتغل أنت في السجاد يا أخوي وأنا أشتغل في اللي يعمر الدماغ ويجيب أضعاف أضعاف اللي هتكسبه، وساعتها هعمل أنا مصنع أحسن منك وأخليك أنت تقعد في البيت.
ثم خرج سريعًا بعد كلماته تلك.
ليكون هذا الفيديو دليلًا صريحًا على إدانة جاسر حمدان الجبالي وبراءة جابر مما نُسب إليه ظلمًا.
وعندما وصل إلى محمود الفيديو ظهر على ملامحه الفرح وحدث نفسه: فعلًا يا جابر أنت تستحق كل الحب اللي ناس بتحبهولك، ويمكن بفضل دعواتهم ظهرت الحقيقة بأسرع ما يمكن.
وجه عوض ده نجدة من عند ربنا ليك.
بس مش فاهم إزاي واحد زي جابر، يكون ليه أخ زي جاسر ده!!
وإزاي يعمل كده في أخوه اللي مأمنه على حاله وشغله.
ده يخلينا منديش الأمان حتى لأقرب الناس لينا.
لأن للأسف الغدر دلوقتى مبقاش يجي إلا من أعز الناس.
ليستدعي جابر بعد ذلك.
ليأتي جابر بعد لحظات من استدعائه مبتسمًا في وجه محمود قائلًا: خير يا باشا، حضرتك طلبتني!
طالعه محمود باندهاش مردفًا: أنت غريب أوي يا جابر!
جابر متعجبًا: ليه قالوا عملت إيه يا باشا أكتر من كده؟
اتكأ محمود على مقعده ثم مسح على شعره وقال بثبات: اقعد يا جابر.
فجلس جابر منتظرًا حديث محمود له.
اعتدل محمود في جلسته واستند بذراعيه على المكتب وأطال النظر إلى جابر ثم قال: أنا مستغرب إزاي واحد زيك رغم المشكلة اللي واقع فيها والثبات ده والابتسامة على وشك مش بتفارقك.
ده غير إني سمعت للأسف إن بسبب المشكلة دي انفصلت عن مراتك بعد قصة الحب اللي كانت بينكم.
إيه يا أخي أنت جبل، طيب كشر، عيط، أعمل أي حاجة.
وهنا تذكر جابر تلك الغصة التي في قلبه والجرح الذي لا يطيب أبدًا إلا وهي "بانة" ذلك الحب الزائف الذي طار مع الريح سريعًا ولم يعلم أنه سينتهي بتلك السرعة وبتلك السهولة.
فالحب الصادق كالقمر عندما يكون بدرًا، والكسوف هو نهايته عندما يلاقي غدرًا.
وهنا ابتسم ابتسامة حزن وتنهد بقهر قائلًا: طيب وإيه يفيد البكي يا باشا غير وجع القلب.
البكي مش هيرجع اللي راح، لكن إحنا نقدر نتخطاه بالصبر والدعاء عشان ربنا يعطينا الأجر ويعوضنا.
عشان سبحانه وتعالى قال (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).
لكن اللطم والجزع مش هيفيد بل هيضر أكتر ويضيع الثواب.
استمع له محمود بإعجاب ثم تساءل: جميل بس عايز أسألك.
ليه واحد زيك كويس أوي كده ويحصله الحاجات دي؟
ابتسم جابر بضعف قائلًا: عشان الابتلاء بينزل على قدر الإيمان يا باشا.
عشان أكده تلاقي الأنبياء أشد ابتلاء، وأعظمهم ابتلاء كان من نصيب حبيبك النبي صلى عليه.
محمود: صلى الله عليه وسلم.
جابر: سيدنا النبي اتولد يتيم الأب وبعد أمه ماتت ومات أولاده في حياته، وابتلى في عرضه لما تكلموا على السيدة عائشة، ده غير إيذاء كفار قريش ليه.
فتبسم محمود قائلًا: وعشان قلبك الطيب وصبرك وحب الناس ليك، ربنا ظهر الحق، وطلعت من القضية ولبسها للأسف أخوك جاسر هو اللي عمل كده في غيابك.
وهنا وقعت الصدمة على جابر شديدة أكثر مما كان فيه، فوجده محمود تجهم وجهه ثم بكى بانهيار مرددًا بقهر: أخوي جاسر.
لا حول ولا قوة إلا بالله.
ليه يا ولد أبوي تعمل في نفسك أكده!!
ليه رجعت لنفس الطريق وأنت خابر آخرته؟
تعجب محمود من حزنه على أخيه وليس حزنه على ما فعله هو معه وبسببه دخل السجن.
محمود: أنت مفروض تزعل منه مش تزعل عليه.
ده هو السبب في اللي حصلك، يعني غدر بيك وأنت أخوه.
جابر بنحيب: لو هو هان عليه الدم، أنا عمري ميهون عليه يا محمود بيه.
وأنا مش خابر إيه اللي خلاه يعمل أكده، ممكن أكون قصرت معاه في حاجة.
فضرب محمود كفًا بكف قائلًا: لا أنت أوفر زيادة، وكمان بتقول قصرت.
أنت مقصرتش غير في حق نفسك يا جابر.
طالعه جابر بتعجب متسائلًا: كيف ده؟
محمود: أيوه قصرت، لأن الطيبة الزيادة وعدم الحرص بتعمل كده.
ده حتى المثل بيقول حرص ولا تخون.
خصوصًا لو الإنسان ده شفت منه وحش قبل كده وعلى حد علمي أنه لبسك قضية قتل قبل كده، إزاي تأمن ليه تاني.
جابر: كان تاب لربنا وبقى كويس مش عارف إيه رجعه تاني؟
ثم استطرد بقوله:
أكيد مرته استغفر الله العظيم، أنا نصحته ميجوزهاش، بس أهو اللي حصل.
محمود باستفهام: قصدك مراته مشتركة معاه في موضوع المخدرات ده.
جابر: لا الله أعلم مقدرش أقول أكده.
بس هي بنت ربنا يهديها وممكن تكون بتطلب منه طلبات كتير زيادة عن مرتبه وعشان يكفيها اضطر يرجع الحرام.
محمود: آه جايز فعلًا.
المهم دلوقتى ياريت تكون اتعلمت من اللي حصلك يا جابر، عشان ياريت مشوفش وشك هنا تاني.
وتحرص ومش تأمن لحد مهما كان ثم ابتسم محمود وأفرد ذراعيه مردفًا: بس تصور أنا كمان حبيتك أوي يا جابر.
فلمعت عين جابر بالسعادة وألقى نفسه في أحضان محمود مردفًا: أحبك الله الذي أحببتني به يا سيادة المقدم، وأنا كمان بحبك في الله.
ثم ابتعد عنه محمود برفق وطالعه بامتنان مردفًا: أنت كمان علمتني درس حلو أوي في الصبر وبتمنى متزعلش من كلامي، بس أنا خايف عليك ومن طيبة قلبك الزيادة ومش عايز حد يأذيك تاني.
ابتسم جابر ووضع يده على صدره بامتنان وشكره: خابر والله، وأنا بشكر حضرتك جدًا.
ودلوقتى أقدر أمشي ولا إيه؟
محمود: للأسف مش هينفع النهاردة، لأن فيه شوية إجراءات منها تصريح النيابة بالإفراج.
كمان لسه هخرج دلوقتى حالًا في حملة القبض على جاسر.
وللأسف هيحصل بينكم مواجهة، وعايزك تكون قوي مش ضعيف فيها.
فطأطأ جابر رأسه مردفًا: ما بلاش يا باشا،
أنا مش هستحمل صدقني.
محمود: لا هتستحمل وهتتعود على أشكال الملايكة وقلوب الشياطين دي. عشان لسه هتقابل كتير منهم في حياتك وعشان كده بقولك حرص وخلي بالك وفتح عينيك كويس.
ليشعر جابر بغصة انتابت قلبه وكأن وصف محمود يطابق شخصية "بانة". وشرد في ملامحها الملائكية التي خدعته وحدث نفسه: كيف هان عليكِ قلبي وهان عليكِ حبي.
بأدور عليكي
بأدور عليكي في كل الوشوش
يا وش الملايكة يا قلب الوحوش
آهين على اللي نسي كل اللي فات
وخلف لي في القلب كسر وآهات
يا بانة يا زارعة في قلبي الشكوك
عبير الحبايب ساعات كله شوك.
******
الحب كالزهرة الجميلة والوفاء هو قطرات الندى عليها، والخيانة هي الحذاء البغيض الذي يدوس على الزهرة فيسحقها.
كان جاسر في بيته، يركض وراء حسنية التي باتت تكره لقاء الحب بينهم وأخذت تتمنع عنه، مما زاده ذلك رغبة بها. فركض ورائها كالأسد الجائع وتسمعه يقول: والله ما هسيبك الليلة دي يا بت، لغاية ما آخد غرضي منيكِ، وأعرف إيه اللي غيرك عليّ أكده، عشان لو فيها إنّ هقتلك بيدي.
ابتلعت حسنية لعابها بذعر وتوترت وتوقفت وحاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها مردفة بدلال: ولا إنّ ولا أصحابها يا أخويا بس كل الحكاية إني أدلع عليك عشان تشتاق ليّ.
فوقف جاسر يلتقط أنفاسه ببطء ليطالعها بحب مردفًا: أنا ما بقتش مشتاق بس يا بت، أنا خلاص صواميل مخي وقلبي ساحوا، وما بقتش شايف غيرك وحاسس جوايا نار ومش يطفيها غير قربك مني يا بت. ومستعد أعمل أي حاجة عشان أنول الرضا منيكِ.
لتتنهد حسنية بحرارة وتشرد في حمدي محدثة نفسها: وأنا ما بقتش عايزة غيره هو وبس. ومش خابرة أتأخر ليه عليه، أنا ما بقتش طايقة جاسر خلاص.
ثم وجدت جاسر يقترب منها ويحاوطها بذراعه وانحنى ليدنو منها، فلم تستطع تحمل أنفاسه الكريهة بفعل تدخين الأرجيلة. فأشاحت بوجهها عنه، فغضب وثار بقوله: هتبعدي عني يا بت، طيب ما كانش برضاكِ، يلجأ غصب عنيكِ عشان ده حقي.
ليطرحها بعد ذلك أرضًا بقوة، ثم بدأ في تمزيق ملابسها وأخذت تستغيث: أنت مجنون! حد هيعمل أكده! مش أكده يا جاسر، بالحنية مش بالغصب.
جاسر: أنتِ السبب، واسكتي عاد، مش عايز أسمع صوتك.
وعندما اقترب من مبتغاه، استمع لطرق عنيف على الباب. فزفر بضيق: مين قليل الذوق اللي جاي دلوقت، وعيخبط كيف ما يكون مسروع.
حسنية بمكر: طيب قوم شوف مين، ألا يكسر الباب علينا المعتوه ده.
فقام جاسر سريعًا واحتلت تقاسيم وجهه الغضب وارتدى سرواله سريعًا وتوجه نحو الباب وهو يسب ويلعن قائلًا: والله لأخلي وجعتك طين يا اللي عتخبط.
أما هي فارتسم على محياها ابتسامة وزفرت بارتياح للتخلص منه قبل أن يقترب منها وحدثت نفسها مع ازدياد صوت طرقات الباب قائلة: يا رب يكون اللي في بالي صح ويكونوا هما.
ثم استمعت لقول أحدهم: افتح بوليس.
فاتسعت ابتسامتها وحدثت نفسها: ياااه أخيرًا، يلا هتوحشني يا جاسر، ليك عندي أزورك وأجيبلك عيش وحلاوة.
لتستطرد بمكر بعد أن رسمت على محياها ابتسامة زائفة: أمال ده إحنا بينا عيش وملح وأنا بنت أصول بردك.
وهنا تجمد جاسر مكانه من الصدمة، ووضع يده على رأسه بخوف وندم قائلًا: شكلك روحت فطيس يا حمدان، بدري بدري. بس ليه هو أنا لحقت أعمل حاجة، أنا شكلي اتنظرت. أعمل إيه دلوقت، أفتح ولا أهرب ولا أعمل إيه؟
ثم ركض إلى حسنية بوجه أزرق من شدة الخوف قائلًا: بوليس يا بت، دسيني في أي حتة بسرعة وافتحي أنتِ ليهم الباب.
ففكرت حسنية كثيرًا بمكر حتى لا يفتضح أمرها أمامه فقالت بحذر: يا لهوتي، لا أنا ما أقدرش على بعدك يا حبيبي. أقولك اطلع السندرة بسرعة استخبى وإياك أسمع صوت نفسك حتى.
فتح جاسر فمه ببلاهة ثم قال: ما أتنفسش كيف؟ ده أكده ممكن أموت فيها.
حسنية: مش أحسن ما تتمسك وشكلك يبقى مسخرة بين الخلق. الموت بشرف أحسن يا جاسر.
استحسن جاسر حديثها مردفًا: أيوه عنديكِ حق، بس أنتِ وزعيهم بسرعة، قبل ما أفطس وأنا جعان وما أكلتش وعلى لحم بطني من الصبح.
حسنية: يا كبدي، لا هروح أفتح بسرعة، للحكومة.
لتركض بفرح ثم فتحت الباب واصطنعت الدهشة والخوف مردفة: الحكومة، خير يا باشا، حصل إيه؟
طالعها محمود بعدم اطمئنان فقد أصبح لديه خبرة في تحديد طبيعة الإنسان من مكنون عينيه وقد شاهد فيهما مكر شديد. ليجيب بصرامة: جوزك فين؟
حسنية بارتباك مصطنع: جوزي ليه عمل يا باشا؟
ضيق محمود عينيه واقترب منها بملامح جامدة، حتى شعر بارتجاف جسدها وهمس: عشان اللي طبخينه سوا ريحته فاحت.
لتقول بنبرة متذبذبة: هو إيه ده يا باشا، أنا مش فاهمة حاجة؟
محمود بمكر: هتفهمي لما تشرفي معانا، أو تقولي هو فين عشان كده كده هنجيبه.
حسنية: لا ما أقدرش أفتن على جوزي يا باشا وأقول مستخبي في السندرة، عيب يا باشا، لا هو مش موجود. وهو ما عملش حاجة، ده طيب وابن حلال.
أومأ جاسر برأسه قائلًا بعد أن استمع لقول حسنية: آه قوي قوي يا بت.
ليأمر محمود القوة بالتفتيش في كل أركان المنزل، حتى وجدوه في السندرة.
فرفع محمود عينيه إليه قائلًا: بتعمل إيه فوق يا ابن حمدان؟
ابتسم جاسر ابتسامة واهنة وردد بلسان يرتعش: كنت باشم هوا يا باشا.
محمود: طيب نزلوه يسف التراب تحت.
ليكبلوا يديه بعد ذلك ويزجوا به للخارج، فصرخت حسنية: جوزي حبيبي هتاخدوه فين؟
ليجيبها جاسر: هيفسحوني يعني يا بت!! يلا السجن للجدعان، روحي بس حضريلي زيارة وتعالي بيها عشان جعان.
فقطبت حسنية جبينها محدثة نفسها: أكلت السم يا بعيد. ده أنا مصدقت أخلص منيك وأفوق بقى لحبيب القلب حمدي.
**********
ظل براء شاردًا في زاد طوال الطريق، تارة يبتسم عندما يتذكر ضحكاتها البريئة معه وتارة يغضب عندما تذكر أنها كانت ستضيع من يده عندما خطبها بنفسه لزميله صلاح في بادئ الأمر.
فردد بغضب: مش خابر كان فين عقلي ساعتها! بس يلا أهو راح، أظن لو كان عايش لدلوقت، كنت عقتله لو حتى نطق اسمها قدامي.
وظل هكذا يحدث نفسه حتى وصل إلى البناية التي يقطن بها، حيث كانت عيون نيلي تنتظره بفارغ الصبر وما أن لمحه يستعد لإيقاف السيارة في ذلك الركن المعد لها، حتى استغلت انشغاله في النظر للخلف. فأسرعت للوقوف أمام السيارة ثم صرخت بصوت عالي أتبعه سقوطها على الأرض ماشيًا عليها.
انتبه براء لصوت صراخها ثم لمح شبحًا يسقط على الأرض ففزع ودق قلبه وتمتم بقوله ساخطًا: هو يوم مش فايت من أوله. وحظي أنا عارفه كويس. لما أنزل أشوف المصيبة اللي وقعت فوق راسي دي.
ثم رفع بصره للسماء: دي أكيد دعوة زاد عليّ صح يا رب؟
رواية اولاد الجبالي الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم شيماء سعيد
أدرك براء أنه صدم أحدهم دون أن يقصد بسيارته، فغضب وتوتر ولعن حظه السيئ دومًا وقال بجمود:
لما أنزل أشوف المصيبة اللي وجعت فوق رأسي دي.
ما أنا خابر حظي زين، أكده ديما أطلع من نوجرة لدوحديرة.
ثم رفع بصره للسماء:
دي أكيد دعوة زاد عليه صوح يا رب!
ربنا يهديكِ يا زاد عليه، وأهو شوفتي اللي عيحصلي!!
فبزيادتكِ عاد، أنا مش ناقص.
وعندما نزل من سيارته، تفاجأ أنها فتاة شابة ببشرة بيضاء وشعر باللون البني الفاتح، وجسد ممشوق فلمعت عيناه وابتسم مردفًا بمكر:
ده إيه المصيبة الحلوة دي!
لا أكده عاد مش دعوة زاد، دي دعوة محمود عشان هو ذوقه حلو.
وإظاهر أكده خلاص، العقدة اتحلت وحظي عيتعدل..
لما أشوف القمر اللي نزل من السما ده ووجع حدي عربيتي أنا.
يا وعدي يا وعدي.
ليقترب منها ببطء قائلًا بهمس:
يا آنسة، يا آنسة.
إيه مش بتردي ليه!
فطستي إياك!
منا خابر إن الحلوين مش بيعيشوا كتير في الدنيا دي وبيسبولنا الأشكال اللي تسد النفس تنكد علينا.
بس حتى قومي قولي اسمك إيه يا قمر أنتِ.
وسمعيني صوتك حلو أكده زي رسمك.
فكادت نيللي أن تبتسم رغمًا عنها ولكنها جاهدت حتى تتماسك ولا يكتشف أمر خدعتها. حتى وجدته ينحني إليها ويلملم خصلاتها التي تناثرت على وجهها وتمعن النظر إليها مردفًا:
مش خابر حاسس إني شوفتك قبل أكده بس مش فاكر فين؟
فحدثت نيللي نفسها:
مهو يعني أكيد كنت زبون من إياهم، أو لمحتني في القسم أباشا، بس يا رب ما تفتكر خلينا نعدي الشغلانة دي على خير.
ليمسك براء بمعصمها يتحسس نبضها ثم ظهرت الراحة على وجهها بعد أن أدرك أنها ما زالت على قيد الحياة فحدثها:
لا لسه فيكِ نفس، متقلئيش بقى وقومي يا عسل.
فتململت نيللي وهمست بوجع:
ااااه، ااااه.
خفق قلب براء وأردف قائلًا:
سلامتك من الـ ااااه يا ريتها كانت جت في اللي بالي وأنتِ لأ.
فتحت نيللي عينيها بتثاقل قائلة:
أناااا فين؟
براء:
في الجنة، قصدي في الشارع، قومي بقى قبل ما الناس تتفرج علينا.
فحاولت نيللي الوقوف فلم تستطع وسقطت من يديه، فزفر براء:
يا وجعتك المربربة يا براء وبعدين البنت مش قادرة توقف على حالها، شكلها انكسرت وكسرت قلبي معاها.
فطالعها بحزن مردفًا:
لا أكده لازم نروح المستشفى أطمن عليكِ ومتتقلئيش أنا هدفع كل المصاريف مع إني لسه ما قبضتش.
اصطنعت نيللي الرعب وتمسكت بقميصه:
لا مستشفى إيه، أنا بخاف من الدكاترة والإبر.
براء:
ما تخافيش هدهالك أنا بالراحة، مش هتحسي بها، عشان يدي خفيفة قوي زي قلبي اللي عيرفرف دلوقت.
نيللي بذعر مصطنع:
لاااا مش عايزة.
ثم بكت بدموع شيطانية:
وديني عند مامي.
حاول براء تهدئتها بقوله:
طيب بس من غير عياط، وحاضر هوديكِ لماما وأجيبلك شيكولاتة كمان، بس لو ما سمعتيش الكلام هرجع أوديكِ المستشفى يدوهك إبرة.
ثم حاول مساعدتها على النهوض مرة أخرى، فوقفت بصعوبة واقتربت منه، حتى شعر بأنفاسها بجانبه، تداعب روحه فتنفس ببطء بعد أن أشعلت نار قلبه بداخله فحدث نفسه:
الله يخزيك يا شيطان، بس تصور يا براء، يا ريتك كنت دكتور وبتدي إبر للمزز الحلوة دي، أحسن من الشغلانة الناشفة اللي ما يجيش وراها غير وجع القلب دي.
ثم عاتب نفسه:
لا اجمد أكده، هو أنت بيأثر فيك برضه الحلويات دي.
ليستطرد قائلًا:
قوليلي هو مامي حلوة زيك أكده.
فضحكت نيللي:
لا أحلى كتير.
براء:
طيب قوليلي عنوان مصنع الحلويات بتاعكم، قصدي عنوان بيتكم.
فوصفت له نيللي العنوان، ليساعدها بعد ذلك في الجلوس في السيارة، ولم تكف عن الأنين المصطنع.
فحدث نفسه براء:
وبعدين البنت شكلها تعبان قوي، بس أعملها إيه، هي مش عايزة تروح مستشفى، هي حرة بقى وأنا مالي.
ليمر الوقت حتى استوقفته نيللي عند أحد الأبنية مردفة:
أيوة، بس هنا، العمارة الصفرا دي بتاعتنا.
براء:
تمام، بس أنتِ متأكدة إنك مش محتاجة مستشفى يا بنت الناس، عشان ما أحسش بالذنب من ناحيتك.
فطالعته نيللي بشفقة وحدثت نفسها:
والله الراجل ده شكله طيب ودمه خفيف وما يستاهلش اللي هيحصل فيه ده، بس نصيبه كده، شكله أمه داعية عليه.
ثم استطردت:
لا أنا بس محتاجة استريح وهكون كويسة.
ساعدني بس أطلع السلم، إحنا أول دور الحمد لله.
فحدثها بمكر:
ليه يا ريته كان العاشر.
فابتسمت له ومدت إليه يديها مرة أخرى، فتمسك بها جيدًا وحاوطها بذراعه الآخر حتى وصل بها إلى ذلك السلم، ليستمع إلى صوت صاخب من الموسيقى والضحكات العالية.
فتساءل:
إيه الصوت ده، هو فيه فرح عندكم ولا إيه؟
ابتلعت نيللي غصة في حلقها مردفة:
لا بس إحنا عيلة بنحب الفرفشة شوية.
فابتسم براء:
والله أحسن حاجة، بدل النكد اللي عندي في البيت، أطلعي أطلعي.
لتستند نيللي عليه بارياحية وعلى حين غفلة منه، أخرجت تلك الزجاجة من حقيبتها سريعًا، ثم بحركة خفيفة نثرت على أنفه، فشعر براء بالدوار وأمسك برأسه مردفًا:
مش خابر دماغي لفت ليه أكده، يمكن عشان صوت الأغاني عالي عندكم قوي.
فضحكت نيللي:
لما نطلع هخليهم يوطوها شوية.
لتجده قد ضحك بهيستيرية وطالعها بنظرات ثاقبة مرددًا بإعجاب:
بس تصوري أنتِ حلوة قوي قوي.
نيللي:
هو فيه بحلاوتك أنت، تصور دخلت دماغي وخلال فيك اليومين اللي هاخدهم عشانك.
براء:
با قولك إيه؟
نيللي:
قول.
براء بضحك:
نتفق، زي ما وصلتك توصليني، وبعدين أوصلك وتوصليني.
فأطلقت نيللي ضحكاتها مرددة:
ولفي بينا يا دنيا.
أنت تؤمر يا باشا، شكل دماغك عمرت قوي، واللي جاي أحلى.
ثم بدأ براء يدندن ويغني بمرح مع الأغنية الصاخبة التي يصدح صوتها من الشقة. حتى وصلا إلى الشقة، فقامت نيللي بالضغط على رنين الباب. لتفتح لها سيدة في منتصف الأربعينات بوجه ممتلئ ومليء بالمساحيق كأنها لوحة لبهلوان في السيرك. وترتدي ملابس تكشف عن جسدها أكثر مما تخفيه لتقول بضحكة رنانة:
نيللي، عاش مين شافك يا بت.
نيللي بترحيب:
والله ليكِ وحشة يا خالتي.
ليحدثها براء:
القنبلة دي خالتك، أمال أمك إيه شكلها صاروخ أرض جو.
طالعته بديعة بإعجاب مردفة:
أول مرة تجيبي واحد عليه القيمة يا بت يا نيللي وشكله دمه خفيف وبيفهم.
با قولك إيه ما تسبيهولي أخده لفة.
لتدفعها نيللي بيديها للداخل مردفة بضجر:
هو إحنا هنقطع على بعض ولا إيه يا خالتي، وسعي كده خلينا نريح الزبون.
فحركت بديعة شفتيها بتهكم مردفة:
خشي يا أختي، يعني أنا كنت هاكله.
ترنح براء أثناء سيره مع نيللي، لتتحاوطه نيللي بذراعيها حتى لا يسقط، فأخذ يضحك مردفًا:
هو أنا اللي ساندك ولا أنتِ اللي سانداني، سبحان الله الحال بيتغير بسرعة.
نيللي:
ما تدوقش المهم ما حدش يقع.
وكلما تقدم معها براء استمع للأصوات التي تصدر من الغرف فتساءل:
هو فيه عندكم حد تعبان غيرك ولا إيه؟
فضحكت بدلال:
أيوة ما إحنا زي ما تقول كده زي المستشفى، بنستقبل اللي قلوبهم تعبانة ونريحهم على الآخر.
فغمزها براء:
ده أنا أكده تعبان قوي قوي.
لتضع نيللي يدها على قلبه مردفة:
فعلًا قلبك بيدق جامد، وأنا عندي العلاج.
ثم فتحت تلك الغرفة المخصصة لها، ودلفت به للداخل وساعدته على الجلوس على الفراش. لتبدأ هي فيما اتفقت عليه مع فريد وبراء ينظر إليها بذهول ولكنه في حالة لا تسمح له بالرفض بل كان كالدمية بين يديها تحركه كيف تشاء. ليجدها تقترب منه فشيئًا فتوتر وقال وهو يلعق شفتيه بلسانه:
هتعملي إيه، لا حرام عليكِ أنتِ ما عندكيش أخوات رجالة.
فغمزته نيللي وأومأت برأسها:
لا ما عنديش.
وكلما زادت في اقترابها تلون وجه براء بالحمرة واشتعل قلبه وهمس:
طيب بوسة واحدة عشان أنا مؤدب.
فتعالت ضحكات نيللي، لتفترسه بعد ذلك وكان هو كالضحية لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
ثم أخذت هاتفها وقامت بتصويره معها في عدة أوضاع فاضحة، لترسلها في الحال إلى فريد الذي كان في نفس التوقيت مع مرام. وعندما أضيئت شاشته التقطه سريعًا، ليبتسم بمكر ثم مرر الهاتف إلى مرام التي شعرت بغصة في قلبها لرؤيته هكذا وتمنت أن تكون هي معه، لأنها لم تشعر بالحب سوى معه فقط. وأخذت تتأمله بنظراتها كثيرًا وحدثت نفسها:
اااااه يا براء لو تعرف قد إيه وحشتني، وقد إيه باحبك.
وكل اللي باعمله ده عشان أنتقم منك عشان كرامتي اللي بعترتها لما فضلت عليَّ مراتك اللي شبه الشوال دي، وقتلت بابا قدام عينيَّ.
وكان المفروض بعد ده كله أكرهك، بس لقيت نفسي لسه باحبك.
وبمجرد نظرة لصورتك، رجع كل الحنين في قلبي ثاني ليك وأكثر.
لاحظ فريد نظراتها المطولة إلى براء ولمسات يديها على الهاتف، فأثارت في نفسه الغيرة وشعر بالنقص في رجولته. فاختطف منها الهاتف وتبدلت ملامحه الجمود مردفًا:
ودلوقتي هاتصل ببوليس الآداب، عشان يعمل الواجب معاه.
وبعديه هاتصل بواحد صاحبي، صحفي مغمور ما هيصدق خبر زي ده ينشره بالصور ويبقى ترند الموسم.
مهو الناس كده يا روحي تحب قوي الفضايح وتنشرها، أما الحلو فتخبيه من الحسد.
***
قامت إدارة المستشفى بالاتصال على باسم. فاستجاب سريعًا:
أيوة، إيه الأخبار، بخير، فاقت ولا حصل حاجة، قول بسرعة؟
لتخبره الموظفة:
يا فندم ما تقلقش، الدكتور كلمني أقول لحضرتك إن مدام عزة فاقت وبتسأل عليك.
فاتسع فاه باسم بقوله:
فااااقت أنا جاي حالًا.
ثم التفت إلى ملك فوجد عينيها قد امتلأت بالدموع وتضم ريحانة إلى صدرها بذعر وكأنها تخشى عليها من أن ينتزعها أحدهم من صدرها. فأغمض عينيه بحزن بعدما أدرك حقيقة خوفها ثم استطرد بخفوت:
عزة فاقت يا ملك.
إيه رأيك تلبسي وتيجي معايا أنتِ وريحانة عشان أكيد هاتسأل عليها.
ابتلعت ملك غصة مريرة اجتاحت حلقها بصعوبة لتجيبه بخوف:
آه، آه، وماله، الحمد لله على سلامتها.
ثم استعطفته بقولها:
بس بالله عليك، تعاملها كويس يا باسم ويا ريت يعني تقولها إنها تسيب ريحانة معايا عقبال ما تشد حيلها شوية.
طالعها باسم بشفقة وابتسم وأومأ برأسه:
حاضر.
يلا قومي البسي، عقبال ما أدخل الحمام.
لتحدث نفسها بانكسار وهي تنظر لوجه ريحانة الملائكي:
خايفة قوي يا نور عيني تاخدك مني، بعد ما خلاص اتعودت عليكِ وبقيتي حتة مني، وحاسة بعدتي عني أنا ممكن أروح فيها.
ثم رفعت بصرها للأعلى وناجت ربها:
يا رب ما تحرمنيش منها بعد ما أكرمتني وعوضتني بها.
لتمر عدة دقائق، قد أتمَّ فيهما باسم استعداده وملك للخروج. ليغادروا سويًا نحو المستشفى. وظلت ملك طوال الطريق تضم ريحانة لصدرها وتتطالعها بحنو وحب وكأنها تقول لها:
أنا ماما ومش هفارقك ولا تفارقيني أبدًا، صح يا ريحانتي.
حتى وصلا إلى المشفى، وسارع باسم ومن ورائه ملك إلى العناية المركزة. وما أن وقع نظر عزة عليه حتى صاحت وعيناها تملؤها الدموع:
باسم حبيبي.
لتغمض ملك عينيها بألم وغيرة على رفيق الروح وقطعة من القلب.
ثم لاحظت عزة وجودها من ورائه، فلوت شفتيها وحدثت نفسها:
إيه اللي جابها معاه، خايفة عليه يتخطف ولا إيه ولا هو ما يعرفش يمشي من غيرها بتحرسه إياك!!
ثم انتبهت إنها تحمل بين يديها طفل،
فارتعدت شفتاها ونطقت بلهفة:
دي بنتي صح؟
حاول باسم إلهائها قليلًا، لتأخذ تلك التي وراءه أنفاسها التي انقطعت عند ذكر عزة طفلتها.
باسم:
حمد لله على سلامتك يا عزة، ما تتصوريش أنا كنت قلقان كيف عليكِ، بس ربنا سترها وأهو قمتي بالسلامة.
_ ألف سلامة عليكِ، ودلوق حاسة بإيه؟
_ زينة ولا لسه تعبانة؟
فأطالت عزة النظر إلى عينيه بشوق ولم تنطق سوى:
_ أنا زينة أول ما شوفتك قدامي يا باسم، وياريت كنت غيبت عن وعيي بدري عن أكده عشان أشوف الخوف والحنية دي في عينيك، أنا مش مصدقة حالي.
فصكت ملك على أسنانها بغيظ ولم تتحمل حديثهما، فاقتربت من ذراع باسم وقامت بقرصه فصاح:
آه!
عزة:
إيه فيك إيه يا غالي؟
باسم بحرج:
آه، كنت قلقان عليكِ، والحمد لله إنك بخير.
ثم عادت عزة النظر إلى ملك ومدت ذراعها بشوق:
ريحانة بنتي، يا ترى عملتي إيه من غيري.
فشددت ملك مرة أخرى عليها بخوف ولكن باسم استدار إلى ملك، ومد يده بحنو قائلًا:
هاتي ريحانة لـ عزة تشوفها.
فلم تجد ملك سوى أن تدعها له، وما أن فارقت صدرها حتى شعرت بأن روحها قد فارقتها.
فشعر باسم بها فقبض على يديها كأنه يطمئنها أنه معها ويؤازرها وأنها لديه أغلى ما يملك.
بينما كانت عزة تتطلع إلى ريحانة بحب ولهفة ثم رفعتها إلى فمها فقبلتها عدة مرات متتالية بنهم مرددة:
الله أكبر، عسل عسل يا بنتي.
ثم أشارت إلى باسم:
شبهك جوي يا باسم، شوف من حبي ليك، جت البنت شبهك كيف.
فحمحم باسم بحرج:
بالعكس دي شبهك خالص يا عزة.
عزة:
هو أنا قمر أكده؟
يبقى من حبك ليك أكيد.
فانفعلت ملك وسرعان ما مالت إليها لتأخذ ريحانة مردفة:
لا شبهك ولا شبهه، شبهي أنا، وكفاية بوس أكده، البنت لسه صغيرة ما هتتحملش.
فطالعتها عزة شزرًا مردفة بحنق:
وأنتِ هتعدي علي البوسة ولا هتكوني أحن مني على بنتي؟
وهاتيها يلا وروحي أنتِ عاد وهملي باسم.
فحركت ملك رأسها بذعر مرددة:
لاااااا.
فردد باسم:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم حاول تلطيف الجو كي يهدأ الاثنان، فأشار إلى عزة:
_ معلش سيبيها دلوق يا عزة عشان لساكِ تعبانة ومحتاجة راحة ومش هتقدري عليها، لما تقومي بالسلامة والدكتور يكتب لك خروج، ابقي راعيها زي ما تحبي.
طالعتها عزة بحب واستطردت:
اللي تشوفه يا باسم، بس هاتيها طيب أرضعها.
حركت ملك رأسها مردفة:
لا رضعت وشبعانة ونايمة أهي كيف الملاك.
فصاحت عزة:
هصحيها ملكيش فيه، هاتي البنت أرضعها بقولك.
فأخذت الحيرة باسم بينهما ولم يدرِ بما يفعل ولكن عزة على حق فهي ابنتها ولذلك التفت إلى ملك يرجوها بعينيه محاولًا بهدوء:
معلش هاتيها وبعديها تاخديها على طول وهنمشي.
ترددت ملك قليلًا ولكن في النهاية ناولته الرضيعة ليعطيها لعزة التي ضمتها لصدرها بقوة، فاستيقظت الصغيرة باكية، فحاولت إرضاعها مرارًا وتكرارًا ولكن الرضيعة رفضت وظلت تبكي كثيرًا.
حتى انفطر قلب ملك ومالت إليها تأخذها من بين يديها قائلة:
قلت لك شبعانة، هاتي هاتي وريحي أنتِ.
وما أن ضمتها ملك حتى استكانت ريحانة بين يديها وتوقفت عن البكاء.
فتعجبت عزة وضمت شفتيها بسخط وحدثت نفسها:
هو إيه الحكاية!
هي السهتانة دي مش كفاية عليها باسم عاد، كمان هتاخد بنتي مني.
لا أنا مش هسكت، وهاخد بنتي منها.
فسارع باسم لينهي الموقف:
طيب أستأذنك دلوق أروح ملك وأشوف شغلي بس هعدي عليكِ تاني بالليل أطمن وأشوف لو الدكتور هيكتب ليكِ خروج ولا لسه محتاجة راحة.
عزة برجاء:
أيوه ياريت يا باسم، أنا ما أطيقش رقدة المستشفى، أنا بقيت زينة الحمد لله.
ثم طالعته بحب وهمست بعشق:
ما تخليك شوية كمان، ما لحقتش عيني تشبع منك.
لتصيح ملك:
يلا يا باسم، عشان أنا ماليش في كُهن الحريم ده.
ثم طالعت عزة شزرًا وتابعت:
حمد لله على سلامتك يا عزة.
وبقولك ريحي نفسك واهدئي أكده، عشان مش حلو عشانك.
عزة بغل:
قصدك إيه عاد؟
ليتدخل باسم قبل أن يشتعل الحريق بينهما:
ما قصدهاش يا عزة، وهسيبك بقى دلوق، وزي ما قلت لك هرجع تاني ليكِ بالليل عاد.
*******
تعجب زرارة من حديث حمدي أنه باستطاعته أن يتغلب على العيون التي تحاوط قمر من كل اتجاه لحمايتها لذا قال متعجبًا:
كيف ده؟
اتكأ حمدي على مقعده بارتياحية وبجمود قال:
هفهمك يا واد عمي.
هتروح تشتري من محل ألعاب العيال، لعبة على شكل قنبلة أكده.
فاتسعت عين زرارة وفتح فمه ببلاهة مردفًا:
عاااا.
ليصيح حمدي:
فتح مخك معايا أمال، وبطل هطل.
قلت هتشتري القـنبلة اللعبة دي وتحطها في كيس أسود زي خلقتك وما تنساش طبعا تلثم وشك بالشال عشان محدش يعرفك.
وتمشي في الشارع وتوقع الكيسة من يدك وتهملها وتمشي بعيد شوية.
وبعد أكده يقوم واحد من رجالتنا يعدي، ويشوف الكيس ويفضل يصرخ ويقول: قنبلة، قنبلة، إلحقونا يا خلق هو.
هتلاقي أمة لا إله إلا الله اتجمعت حوله، عشان يتفرجوا، ما إحنا شعب أكده أهطل، بدل ما يهربوا هيقفوا يتفرجوا.
وهتلاقي كل نفر من اللي بيراقبوا جه على الصوت.
في اللحظة دي، هيجي رضوان عشان خبره قلبه حديد وهيبيع حتى أمه بالفلوس بالعربية بتاعته معاه رش المخدر، وهيطلع يخبط على المحروس جوزها وأول ما يفتح يرش عليه يخدّره.
وأول ما يوقع يدخل للبرنسيسة هي كمان ويخدّرها، وأنت تسحب وتطلع وراه عشان تحملها معاه وتجيبها طوالي، قبل ما الحكاية تتكشف، وترجع العيون لمكانها.
فقام زرارة شفتيه وغمزه بإعجاب مردفًا:
أما فكرة بجد.
دماغك دي عايزة تتلف في حرير يا واد عمي.
وخسارة أنت في البلد دي والله.
فطالعه حمدي بغرور وتابع:
يلا بقى حظوظ، والدنيا أكده ما بتديش، هتاخد بس.
وقوم فز من مكانك يلا وفهم الرجالة يعملوا إيه بالظبط زي ما فهمتك.
مش عايز غلطة واحدة، عشان لو حصلت الحكومة هتعلقنا.
زرارة:
لا ما تخافش هنفذ بالظبط.
وهقوم دلوق على طول، ثم وقف وفرك في يديه ولمعت عينيه بمكر واستطرد:
أه شكلها هتكون ليلة ولا ألف ليلة.
وعندما هم ليغادر، استوقفه حمدي بقوله:
استنى.
فالتفت إليه زرارة مترقبًا ما يقول.
حمدي:
دلوق أنا قربت أكون عريس على البنت حسنية، فعايزك تشوف لي مطرح الجن الأزرق ما يعرفش يوصله.
ويكون جاهز من كله، عشان نتقابل أنا وهي فيه.
عشان مكانها مش هيكون مضمون دلوق بعد اللي حصل.
فأشار زرارة إلى عينيه مردفًا:
عيوني يا واد عمي، ومبروك عليك المهلبية دي.
عقبال ما أشيل عوضك.
فأمن حمدي على دعائه:
يارب، متى بس أشوف اليوم ده.
دي الفرحة مش هتكون سايعاني.
زرارة:
أيوه هتكون فرحة، وهعمله أفخم سبوع، عشان هيكون ولد الغالي.
حمدي:
تعيش يا زرارة.
ليغادر بعدها لتنفيذ خطته، فما سيحدث؟
رواية اولاد الجبالي الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم شيماء سعيد
خرجت سيارة الشرطة في الحال من بلاغ عن شقة بها أعمال منافية للآداب، ويتردد عليها كثير من الرجال والنساء، ويعلو منها كثير من الأصوات المزعجة من أغانٍ صاخبة وأصوات ضحكات فاضحة لا تليق بآداب المجتمع المصري.
ليتفاجأ كل من بالشقة بصوت رنين الباب المتواصل، بجانب طرق شديد على الباب.
فدب الذعر في قلوب الجميع، وانتفضت قلوبهم وارتجفت جوارحهم.
وقال أحدهم: "أوبا، كبسة وروحنا في داهية. وسمعتي هتكون على كل لسان. بس أنا اللي جبته لنفسي، حد برده يسيب الحلال الطيب في البيت ويجي هنا. ياريتني ما ممشيت ورا نفسي الأمارة بالسوء. وأديني أهو هتفضح قدام مراتي وولادي وأهلي."
ثم حاول كل منهم ستر أجسادهم، ولكن قوة الشرطة لم تمهلهم، بل قاموا بكسر الباب والدخول عنوة للقبض عليهم متلبسين.
فصرخت بديعة وصاحت: "يادي المصيبة، روحنا في داهية."
أما نيلي فبالرغم من أنها تعلم ما سيحدث، ولكن قلبها انقبض ولمعت عينيها بالدموع من الخوف. وتمنت لو يخسف بها الله الأرض كي لا تفضح بتلك الطريقة، رغم أنها قبض عليها من قبل في ذلك الموقف ولكنها لم تعتد على التكرار، ودخل في قلبها الفزع كأنها أول مرة.
أما براء فكان في غير وعيه ولم يشغله ذلك الصخب الذي في الخارج، بل عندما وجدها ابتعدت عنه قليلًا من الخوف قال: "بعدتي ليه يا قمر، هاتي سكر يا سكرة."
فنظرت إليه نيلي شرزًا مرددة: "هيطفحولك السكر دلوقتي يا جدع."
لتبدأ قوات الشرطة في الاندفاع إلى الداخل والدخول إلى الغرف والقبض على المتهمين متلبسين بممارسة الحب المحرم. لتعلو صرخات النساء التي تشق الصدور.
ليصيح الضابط في أحدهم: "هتصوتي دلوقتي يا أختي، عندك دم يعني، وكان فين الدم ده من الأول لما بعتوا نفسكم."
ثم ولجت قوة إلى غرفة براء ونيلي، فصرخت نيلي.
بينما نظر براء إلى أفراد الشرطة باستغراب وضحك مردفًا: "إيه يا جماعة عنقطع على بعض، مينفعش أكده. أقولكم أوقفوا طابور وبالدور كل واحد ياخد سكر."
فزفر الضابط بغضب واسترسل بانفعال بعد أن تقدم منه وحاوط عنقه بيديه وكاد أن يخنقه: "أنت بتهزر يا روح أمك. مش مكسوف من نفسك وأنت بالشكل ده."
أخذ يلهث براء من شدة قبضة الضابط على عنقه، ولم يستطع إخراج صوته، فتراجع الضابط وأبعد يديه سريعًا ليلتقط براء أنفاسه بصعوبة ثم استطرد مداعبًا: "طيب أنا على الأقل هزاري خفيف، لكن أنت هزارك تقيل جوي."
فعنفه الضابط: "أنت عتستعبط يلا. أنت شكلك أصلاً مجنون مش طبيعي."
ثم أشار إلى العسكري ليفحص بنطاله ويخرج منه بطاقته ليتعرف على هويته. فأخرجها ثم ناولها له، ليصعق عندما رأى اسمه، فهو لم يكن يعرفه شخصيًا لكنه كان يسمع عنه فقط.
فاستطرد باندهاش: "معقول ده !! سيادة المقدم براء الجبالي، في موقف زي ده !! لا حول ولا قوة إلا بالله، العلي العظيم. ليه تعمل كده وتضيع نفسك وسمعتك بالشكل ده؟"
طالعه براء بذهول مرددًا: "أنت عرفت اسمي كيف؟ بس تصور أنت شطور." ليشير إلى نيلي: "وعشان أكده يا نيلي أديله هو سكر الأول."
فكور الضابط يديه بغضب وانفعل بقوله: "لا أنت شكلك مش طبيعي أبدًا وأكيد بتتعاطى حاجة. لا حول ولا قوة إلا بالله، لما رجل شرطة يعمل كده، أمال الناس تعمل إيه. الأمر لله من قبل ومن بعد، مفيش في إيدي للأسف غير إني أسلمك."
ثم أشار للقوة بالإمساك بهم وزجهم في عربة الشرطة.
ليأتي سامح ذلك الصحفي المغمور في تلك اللحظة، ويقوم بتصويره في هذا الوضع المخزي.
فاستوقفه الضابط بوضع يده على كتفه قائلًا بحدة: "أنت بتعمل إيه هنا؟ ومين أنت ولا تكونش واحد منهم؟"
فحرك سامح بنفي: "لا يا باشا أنا صحفي وبالصدفة كنت معدي لقيت ناس متجمعة وبيشاوروا على الشقة، فقولت أكيد حدث مهم، فطلعت أسترزق، قصدي أصور."
فتركه الضابط مردفًا بحنق: "استرزق يا أخويا على حساب سمعة الناس، بس صراحة يستاهلوا هما اللي عملوا في نفسهم كده. ويلا لموهم على البوكس كلهم بالملايات دي، وجمعوا هدومهم في كيسة وبطايقهم في كيسة. وخلي اللي ما يشتري يتفرج عليهم، عشان يكونوا عبرة بس للأسف محدش بيعتبر."
لينتهي الاقتحام والقبض على كل من تواجد في تلك الشقة والزج بهم إلى سيارة الشرطة.
ثم لم تمر دقائق معدودة وربما لم ينتظر سامح نزول السلم للأسفل، بل أمسك بهاتفه وكتب عنوانه المثير للقارئ: "القبض على رجل شرطة في شقة منافية للآداب."
وكتب تحت العنوان: "تم القبض على رجل شرطة مع فتاة ليل. وحنث بالقسم وباع نفسه من أجل رغبة عابرة ويدعى (ب، م) واكتفى بكتابة الحرف الأول والثاني من اسمه."
ثم استخرج من المعرض صورة براء مع نيلي، ليضغط بعد ذلك على كلمة نشر لينزل الخبر في الحال على صفحة الجريدة، بجانب عمل مشاركة على صفحته الشخصية. لينتشر الخبر سريعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي كسرعة انتشار النار في الهشيم، بجانب عدة مشاركات من قبل الناس من أجل زيادة التفاعل عندهم لا أكثر.
حتى ظهر الخبر أمام فريد، فضحك بسعادة وناول هاتفه لمرام، فأغمضت عينيها وأشاحت بيدها الهاتف مرددة بحزن: "كفاية خلاص معدتش قادرة أشوفه كده."
ليلتفت إليها فريد بكل جسده وطالعها بعمق للحظات ثم استطرد: "إيه الجميل شكله حن ولا إيه؟ معقول تكوني زعلانة عليه، مش ده كان اتفاقنا !! وكنتي مستنية التنفيذ بفارغ الصبر. ولا يكونش أنا مش مالي نظرك."
لتخرج مرام زفيرًا حارًا وتجيبه: "لا إزاي!! أنا فعلًا كنت مستنية اليوم اللي أشفى فيه وآخذ بتاري منه. وأهو جه. بس أنا خلاص معدتش عايزة أشوف خلقته. وخلاص بعد ما أخذت بتاري منه مبقاش يهمني في حاجة. وعايزة أنساه خالص وأفوق لنفسي وأعيش حياتي."
فصاح فريد وحرك ذراعيه في الهواء بمرح: "هو ده الكلام يا موزتي، نفوق بقى ونشوف شغلنا على مية بيضة. ودلوقتي فكريني إحنا كنا بنعمل إيه قبل ما نتكلم في سيرة اللي ما يتسمى ده."
لتضحك مرام ضحكة ألم ممزوجة بقهر وتستسلم له من جديد.
وعندما انتهى الأمر حدثته مرام بدلال: "بتحبني قد كده يا فيري؟"
ليداعب فريد خصلات شعرها بحنو مجيبًا: "أنتِ محتاجة تسألي، مش حاسة بيه ولا إيه؟"
مرام: "بس كنت محتاجة أسمع منك."
ثم اعتدلت ونظرت في عينيه ورمشت بأهدابها كثيرًا حتى سألته: "تجوزني يا فريد!"
للحظة فريد صمت من المفاجأة، وفتح فاه مجيبًا: "بتقولي إيه؟"
*******
غريبة هي الأيام، عندما نملك السعادة ولا نشعر بها ونعتقد أننا من التعساء، ولكن ما إن تغادرنا تلك السعادة التي لم نقدرها حق قدرها احتجاجًا، حتى تعلن التعاسة عن وجودها الفعلي فنعلم أن الألم هو القاعدة وما عداها هو الشذوذ عن القاعدة، ونندم ساعة لا يفيد الندم على ما أضعنا وما فقدنا.
انعزلت بانة في غرفتها بعد أن أجبرتها والدتها على ذلك ولكي تتجنب نظرات الشفقة ممن حولها بعد أن طلقت. لتجلس أمام المرآة تصفف شعرها الذي انسدل كالحرير إلى أسفل ظهرها.
ثم أخذت تطالع ملامحها بكبر مرددة: "مش خسارة الحلاوة دي كلها تتحبس أكده. لا أنا لازم أخرج للدنيا وأشتغل بشهادتي، ده أنا خريجة فنون جميلة. ومش هسكت على حالي ده، يمكن أقابل حد صح يفهمني ويحبني وأحبه. يعني الدنيا كانت هتقف على جابر، مفيش غيره إياك!"
لتنتفض فجأة بذعر من مكانها عندما فتحت زهيرة الباب بقوة وولجت إليها وطالعتها بنظرات حادة وقد تلون وجهها بالحمرة من شدة الغضب وكانت كالقنبلة التي تستعد للانفجار لتطلق بعد ذلك صريخ هادر في وجهها قائلة بمرارة: "الراجل اللي افتريتي عليه وقلتي عليه مجرم يا ست هانم واتطلقتي منه غصب، وطلعتي قليلة الأصل عشان موقفنيش جنبه في محنته. أهو طلع بريء منها وهيطلع بكرة بزفة من القسم."
فابتلعت بانة غصة اجتاحت حلقها واتسعت عينيها من الصدمة مردفة: "بريء!!"
زهيرة بتأكيد: "أيوه بريء يا عين أمك، واشربي بقى وابقي شوفي مين يعبرك ولا يحبك ويحترمك زيه. وهو بكرة ياخد ست ستك وتتنعم في حبه وأخلاقه."
فخرجت بانة عن صدمتها لتكابر بانفعال: "لا جابر بيحبني وهتشوفي هيطلع من السجن عليَّ، عشان أكيد اتوحشته جوي أنا وابنه. وساعتها هفكر أنا أرجع ليه ولا مرجعش."
فضحكت زهيرة ساخرة: "عشم إبليس في الجنة يا بنتي. وخلاص أكده العصفور طار من عشه وما صدق شاف الحرية، ويستحيل يرجع تاني. وأنتِ اللي طيرتيه بنفسك ولا تلومي إلا نفسك."
ثم طالعتها بسخط مستطردة: "ربي ولدك يا بانة. بس يا خوفي ألا يطلع زيك، كان نفسي أبوه اللي يربيه ويطلع كيفه بسم الله ما شاء الله. بس النصيب غلاب."
ثم استدارت وهي تتنفس بمرارة شديدة لما فعلته ابنتها في حق نفسها، وغادرت وتركتها متجمدة مكانها، خوفًا من أن يكون حديثها صحيح ولا يأتي جابر.
وحدثت نفسها: "معقول أكده خلاص، جابر راح مني."
ثم حركت رأسها بنفي: "لا أكيد هيرجع، هو عيحبني وعيسامح، أنا خابرة. تعال يا جابر وخيل ظنونهم ومش تشمتهم فيَّ."
فهل سيعود؟
*****
امتثل جاسر أمام محمود في قسم الشرطة. حاول في البداية التماسك قائلًا بجمود: "أنا مش خابر جبتني ليه، أنا عملت إيه؟ أنا واحد طول عمري ماشي جنب الحيط ولا لي في حاجة واصل؟"
فتسبب حديثه في قهقهة محمود الذي قال ساخرًا: "أيوه، أنت هتقولي. من الحشيش للبيت ومن البيت للحشيش دوغري. ومش الحشيش بس، ده أخواته كمان معاه."
فأشار جاسر على نفسه بيده: "أنا يا باشا، ده أنا غلبان!"
فضرب محمود على المكتب بيده ثم وقف غاضبًا وصاح: "أيوه يا روح أمك، أنت ولا هتستهبل. أنا مش عارف جنسك إيه بالضبط، أكيد شيطان صغير زي أبوك، وحتى أخوك مسلمش منك. ومش عارف ليه بتعمل كده معاه، مع أنه عمره ما آذاك في حاجة بالعكس كان أحن الناس عليك."
فاخفض جاسر رأسه خجلًا ثم رفعها وتكبر: "وأنا مالي بيه أنا اللي قولتله تاجر في الصنف هو حر."
محمود بضحك: "أنت بتعمل زي المثل اللي بيقول، يقتلوا القتيل ويمشوا في جنازته. يااه قد إيه أنت طلعت خسيس ومش عندك ريحة الدم. أنت فعلًا مش إنسان، أنت شيطان."
فحاول جاسر الدفاع عن نفسه واصطنع الحزن: "لا أكده كتير يا باشا، وده ظلم."
فضحك محمود ساخرًا مرددًا: "ظلم آه، يا حنين."
ليفتح محمود هاتفه على ذلك الفيديو الذي يثبت إدانته وبراءة جابر. ليستطرد: "بص كده الفيديو ده هيعجبك أوي."
ليتجمد جاسر عند رؤيته لنفسه في الفيديو وجحظت عينيه خوفًا بعد أن اكتشف أمره.
محمود بعد أن ضيق عينيه: "ها إيه رأيك لسه هتنكر برده؟"
فحدث جاسر نفسه: "أنا خلاص كده ضعت، منك لله يا بنت يا حسنية، أنتِ السبب. أنا كنت ماشي في جنب الحيط، أنتِ اللي رجعتيني السكة الهباب دي. وأهو النتيجة روحت في داهية بدري بدري، حتى ملحقتش أعيش حياتي شوية زي أبوي."
فبكى جاسر وخارت قواه وتراجع للوراء حتى كاد يسقط.
فأمر محمود العسكري أن يلحق به قبل أن يسقط.
وعندما أمسك به قال بوهن: أيوه أنا اللي عملت أكده يا باشا وغلطت في حق نفسي، قبل ما أغلط في حق أخوي.
ومتعلّمتش الدرس من أبوي، إن الحرام ما يدومش وآخرته أكده.
ثم صاح بقهر: اعدموني يا باشا، أنا أستحق الإعدام، عشان نفسي رديّة، وأخاف لما أخرج من إهنه تاني أرجع، فاعدموني عشان أريحكم مني.
شعر محمود بالشفقة عليه لوهلة، ولكن عاتب نفسه سريعًا بقوله: أنت برده هيغرك دموع التماسيح دي، دي تمثيلية أكيد.
ليستطرد قائلًا: غالي والطلب رخيص.
لتجحظ عين جاسر خوفًا وينقبض قلبه وفتح فاه قائلًا: عتعدموني يا باشا؟ ده أنا لسه حتى ما دوقتش من حلة المحشي اللي عملتها البت حسنية اللي منها لله.
فضحك محمود، ثم وجد العسكري يدخل بصحبة جابر.
ليزرق وجه جاسر كأنه مشرف على الموت من شدة خجله مما فعله مع أخوه الذي لم يجد منه سوى كل إحسان ولم يبادله هو سوى بالخذلان.
فتقابلت عين جابر مع عينيه في نظرة مليئة بالعتاب، فأخفض جاسر عينيه ليهرب من نظراته تلك.
ليجد جابر ينهره بقوله: ليه يا ولد أبوي تعمل أكده فيه وفي نفسك؟ ليه؟
أنا ما حوشتش عنك حاجة أبدًا، وكانت ماهيتك كأنك أكبر موظف في البلد، كنت عامل لك شريك ليه مش موظف عندي.
ولو كنت جيت وقلت لي عايز محتاج فلوس تاني كنت عطيتك.
ومش بس أكده، ده أنا كنت مستعد أفديك بدمي، بس تعيش أنت مرتاح.
فليه تعمل أكده؟ ليه؟
هان عليك نفسك وهان عليك أخوك.
فبكى جاسر حتى احمر وجهه وسمعوا لصدره زئيرًا من شدة البكاء حتى صاح بقهر: أنا غلطان يا أخوي، سامحني.
غلبتني نفسي والشيطان ما سابنيش لحالي، وأهو خدت جزائي.
فاسامحني وأوعدك المرة دي توبة وما عدتش أبدًا أمد يدي لحاجة حرام بس سامحني أنت الأول، أهم عندي من كل حاجة.
فبكى جابر على بكائه، واقترب منه وأفرد له ذراعيه، ليعانقه جابر بنفس صافية كقلبه وهمس له: مسامحك يا أخوي، مسامحك حتى لو حطيت السكين على رقبتي.
خابر ليه؟
فابتعد عنه جاسر وتطلع له باندهاش.
ليستطرد جابر: عشان أنت أخوي ومن لحمي ودمي، حتة مني ومن روحي ومهما حصل قلبي عمره ما يجسي عليك أبدًا.
فزفر جاسر بقهر مجيبًا: يا ريتك كنت شتمتني ولا ضربتني يا جابر كان أهون عليّ من كلامك اللي قتلني ده.
لأني ما أستحقش حبك ده يا ولد أبوي.
جابر: لا يا جاسر، أنت مش وحش للدرجاتي، لساك فيك حتة حلوة، ويمكن السجن المرة دي يكون علام ليك وعشان تقعد تفكر في حالك وتعرف إن الدنيا ولا حاجة.
فأومأ جاسر برأسه مؤكدًا: صح يا أخوي.
عندك حق، أنا فعلًا محتاج أتربى، عشان أعرف إن الله حق.
وأقدر النعمة اللي كنت فيها وراحت مني بغبائي.
ثم أجهش بالبكاء وقال بنحيب: سامحني يا أخوي، سامحني.
فتألم جابر لبكائه، ووضع يده على كتفه قائلًا: مسامحك يا ولد أبوي.
توجه زرارة ليفعل كل ما أملاه عليه الماكر حمدي، وظل طوال الطريق يردد في ذهنه المطلوب كطفل صغير، يخشى أن ينسى ما طلبت منه أمه.
زرارة محدثًا نفسه: هو قال اشتري اللعبة من المحل وأحطها في كيس أسود كيف عمله الردي، وأتنيل زي الأهبل وتقع مني في الشارع وأهملها وأستخبى كيف العيال.
عشان يجي الزفت القطران شلاطة الملطش يشوفها ويصرخ كيف العيال، عشان يتجمع عليه الناس.
وبعدين رضوان يطلع يخدر مسالم وأنا أخش للمهلبية اللي جوه وأخدرها وآخد بوسة أكده تصبيرة عقبال ما نرجع ومكمل وكل.
أيوه تمام أكده، مش ناسي حاجة يا زرارة!
لا مش ناسي، بس هو قال أشتري إيه؟
ليتذكر بعدها حين وصل إلى محل الألعاب واشترى قنبلة بحجم كبير حتى يظن الرائي أنها حقيقية.
ثم توجه بها إلى الشارع الذي تقطن به قمر وتركها في مقدمته، ليشير بعد ذلك للذي يقف عند محل البقالة بعينيه كي ينفذ ما حدثه به حمدي.
ليحاسب صاحب المحل على علبة السجائر ثم التفت ليغادر وعندما وجد ذلك الكيس صاح بصوت عالٍ:
قنبلة، قنبلة.
ليسرع الناس إليه، ليستكشفوا ما في الأمر، ومنهم أمناء الشرطة الذين تخفوا في زي مدني لمراقبة أي دخيل يصل إلى قمر.
ليخرج أحدهم هاتفه ويخبر رؤساءه بما حدث، ليرسلوا على وجه السرعة خبير مفرقعات.
ليستغل رضوان انشغال الناس والبلبلة التي حدثت بسبب تلك التمثيلية، ويصعد إلى سكن قمر واتبعه زرارة.
وكانت تلك اللحظة قمر تسأل مسالم عن ما يحدث في الخارج وسر ذلك الصخب المفاجئ.
ولكن مسالم لم يهتم وقال غير مباليًا: سيبك أنتِ من الناس، وخلينا في نفسنا عاد.
ودلوقت أروح أحضر لكِ لقمة تأكليها.
فابتسمت قمر بعذوبة، خفق لها قلب مسالم، فهو كل مرة ينظر إليها كأنها أول مرة، يخفق قلبه وتلمع عينيه وتتدفق الدماء في عروقه وينتشر هرمون السعادة في جسده.
قمر: لا خليك أنت مرتاح عاد وأنا هقوم، أنا زينة الحمد لله.
وعندما جاءت لتستعد للقيام، أسرع إليها مسالم ووضع يده على منكبيها قائلًا بحنو: والله ما أنتِ قايمة، أنا هعمل كل حاجة وأنتِ عليكِ ترتاحي وبس طول ما أنا قاعد معاكِ لغاية ما الغمة دي تنزاح.
لتغمض قمر عينيها بحزن مؤمّنة على دعائه: يا رب، يا رب.
ليطبع قبلة حانية على جبينها ثم التفت ليذهب إلى المطبخ.
ولكنه توقف عند سماع صوت طرق على الباب.
لينظر لتلك التي اصفرّ وجهها فزعًا، فهي في كل مرة أحد يطرق الباب تخاف حتى لو هو معها.
فحدث نفسه: لميتى بس عترجع عيونك كيف الأول ما تخافش أكده.
يا رب فرجك قريب.
ليطالعها بحب، ليبث لها الطمأنينة في قلبها الذي هو يفتقدها ويخشى عليها أكثر مما هي تخشى على نفسها.
قائلًا: ما تخافيش أكده، دي تلاقيها الدكتورة اللي قصادنا جاية تتطمن عليكِ.
ولكن قمر شعرت بغصة في قلبها، وتعالت نبضات قلبها وأحاطت بذراعيها صدرها، لعلها تهدأ قليلًا.
بينما توجه مسالم لفتح الباب، ليجد رجلًا أمامه لا يعرف هويته، فانقبض قلبه هو الآخر قائلًا بتمعر: أنت مين وعايز إيه؟
فابتسم رضوان بخبث قائلًا: أنا صبي المكوجي الجديد.
فيه مكواة عند حضرتك.
فحدثه مسالم بتجهم: لا ما فيش، ثم هم أن يقفل الباب.
ليجد رضوان وضع يده ليحول بينه وبين قفل الباب.
فطالعه مسالم بحدة بعد أن امتلأ قلبه بالذعر، وعندما جاء لينهره وصاح: أنت...
لم يجعله رضوان يستكمل جملته وإنما نثر على وجهه ذلك المخدر، فترنح مسالم بجسده وتراجع مسالم للوراء قليلًا وصاح بخفوت: أنت عملت إيه فيه؟
فضحك رضوان قائلًا بسخرية: شممتك حاجة صفرا.
ويلا نام أكده وكل رز مع الملايكة عاد.
عشان ندخل للملاك اللي جوه ونشوف حالنا.
أغمض مسالم عينيه بتثاقل وجاهد قليلًا لكي يحاول الثبات وتمتم بحزن: قمّمممر.
ولكنه لم يستطع الثبات أكثر من ذلك بفعل المخدر.
ليسقط بعد ذلك مغشيًا عليه.
ليشير رضوان إلى زرارة، ليتبعه.
ودلفا معه للداخل يبحثان عن قمر التي من الخوف كانت منزوية في أحد أركان الغرفة تتمتم بخفوت: مسالم غبت عليّ ليه؟
تعال عشان هموت من الخوف وطمّن قلبي.
أستر يا رب، أنا مش سامعة حسه ليه.
أنا قلبي مش مطمن، لتحاوط بيديها بطنها خوفًا.
وتحدث ابنتها: أبوكِ خرج يشوف الباب وما رجعش، يا خوفي عليه وعليكِ يا بنتي.
لتجد فجأة من يقتحم عليها الغرفة، فسقط قلبها خوفًا، وازرّق وجهها وارتجفت أوصالها وصرخت: مساااااااالم!
أنت فين يا مسالم؟؟
وضاعت قمر.
فما سيحدث لتلك المسكينة؟
وهل تلك نهايتها؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم شيماء سعيد
عندما تأخر مسالم في العودة لطمأنة قمر ولم تسمع له صوت، دب الخوف والفزع في قلبها وقالت بذعر:
أتأخرت ليه عليه أكده يا مسالم؟
لا أنا جلبي مش مطمن، استر يارب.
ثم تفاجئت بمن يقتحم عليها الغرفة، فسقط قلبها خوفًا، وازرق وجهها من شدة الذعر وارتجفت أوصالها فأخرجت صرخة هزت جميع أركان المنزل: مساااااااالم.
أنت فين يا مسالم؟
فضحك زرارة ساخرًا: مسالم بره نايم في سابع نومة، وبطلي صريخ بجا يا حلوة عشان متصحهوش.
خليه يريح منك شوية، ثم طالعها بلهفة من شدة جمالها وأردف وهو يسير إليها: صراحة أنتِ مش قمر واحد أنتِ قمرين، حاجة كده تفتح النفس وخسارة في مسالم.
عشان كده هنخدك منه يا قمر أنتِ.
فاتسعت عين قمر من الخوف وتجمدت الدماء في عروقها ورفعت يديها مشيرة إليه بفزع: إياك تقرب مني، بعد عني.
وإلا هصرخ وفي دجيجة هتلاقي الحكومة اهنه، عشان هما محاوطين البيت وساعتها هتندم، فبعد عني أحسلك.
فضحك زرارة مردفًا بسخرية: هما لو محاوطين البيت كنا عرفنا نجيبك.
يلا يا حلوة عشان حبيب الجلب حمدي مستنيكي على نار.
فازداد لعاب قمر وتيبس جسدها وتوقفت الكلمات في حلقها وشخص بصرها وجاهدت حتى تصرخ تستغيث فلم تستطع سوى أن تهمس بألم: حمدي.
لتنهمر الدموع في عينيها وظهر أمام مخيلتها كل ماضيها المؤلم معه من اغتصابها وهي تحت تأثير المواد المخدرة، ومواقعتها بعد ذلك رغماً عنها بعد أن أدمنت، ثم إجبارها على العمل معه في تلك الصفقات المشبوهة.
والأدهى من ذلك ضعفها الذي جعلها تضع المواد المخدرة لأختها، حتى تذوق من نفس الكأس التي ذاقته هي.
وكل ذلك تحت ستار الحب المزيف الذي أوهمها حمدي به وحلمت باليوم الذي تتزوج منه بعد أن يطلقها براء.
ولكنها وقعت فريسة له، لتستيقظ بعد ذلك على كابوس أسود دمر حياتها.
ليأتي بعد ذلك شعاع نور بين كل ذلك الظلام الذي عاشت به وكان هذا الشعاع هو "مسالم" الذي أضاء سماء حياتها الحالكة وعلمها معنى الحب الحقيقي الذي أثمر عن نبتة مازالت في أحشائها لم ترَ النور بعد.
كل ذلك جعلها تصرخ مجددًا باسم مسالم لكي ينقذها كما وعدها وطمأنها من قبل أنه لن يحدث لها شيء طالما هو بجانبها.
فلم خذلها الآن في أكثر وقت تحتاج إليه!!
مسااااااااالم، الحقني، يا مسااااااالم.
هيخدوني لحمدي تاني بعد ما لقيتك.
هرجع تاني بعد ما نضفت توبي.
مساااالم، أنت فين، إلحقني.
ليصرخ رضوان في زرارة: أنت مستني إيه خدرها بسرعة، قبل ما تفضحنا بصريخها ده، وحد يسمعها ونروح في داهية.
صك زرارة على أسنانه بغيظ مردفًا: طيب من غير زعيق، ده أنت كده اللي هتفضحنا لكن هي صوتها كيف النعامة.
ثم اقترب منها وحاولت هي التراجع للخلف خوفًا منه وجاهدت لتخرج صوتها لتستغيث ولكنه باغتها ونثر المخدر على أنفها، ففقدت توازنها ثم سقطت بين يدي زرارة مغشيًا عليها.
فأخذ صدره يعلو ويهبط من اللهفة عليها وهي بين يديه ولا يستطيع الفتك بها الآن.
فصاح رضوان: هتفضل تتأمل فيها كتير أكده، لغاية ما الحكومة تتطب علينا ولا جوزها يفوق.
يلا بينا بسرعة من أهنه قبل ما يحس بينا.
فحملها زرارة على كتفه، ثم ألقى رضوان عليها ملاءة لتغطيها حتى لا يراها أحد ويفتضح أمرهم.
ثم غادروا سريعًا بها، ووضعوها في السيارة لينطلقوا بها إلى مصيرها حيث حمدي.
فـ ااااااه عليكِ يا قمر.
بعد أن وقعت بين يدي من لا يحرم.
وأنت أيها المسالم.
كيف سيكون وقع الأمر عليك عندما تكتشف أن منية القلب التي كنت تحاوطها بجفون عيونك، قد سرقوها منك.
فأي ألم هذا!!
******
تفاجأ فريد بطلب مرام بالزواج، ففتح فاه ببلاهة مرددًا:
إيه!
لتحتقن الدماء في جسدها وتكرر طلبها بخفوت: قولت نتجوز.
مش قولت بتحبني يا فريد، وأي قصة حب لازم تنتهي بالجواز.
فضحك فريد وعبث بخصلات شعره ليستطرد ساخرًا:
أديكِ قولتيها يا مرام، تنتهي.
ثم استطرد بمرح: وأنا مش عايزها تنتهي.
أنا عايز أحبك كده لغاية آخر العمر يا قلب فريد أنتِ.
لتبتعد عنه مرام بعد أن شعرت بغصة في قلبها، وطالعته شرزًا قائلة بانفعال: يعني أفهم من كده إنك عايز تعيش معايا كده في الحرام على طول من غير جواز.
فقطب فريد جبينه وعقد حاجبيه وزفر بضيق مردفًا: مرام أنتِ عايزة إيه بالضبط؟
عايزة توصلي لايه؟
لأني مش مقتنع بحكاية الجواز دي، لأني لمؤاخذة عارفك من سنين وإنك مقضياها ومش بتحبي التقييد.
فليه جاية دلوقتي تقولي جواز وبتاع؟
ليه نجيب النكد لنفسنا، ده أنا ما بصدق أسيب النكد وهم العيال وأجيلك هنا أفرفش ساعتين، تقومي تقوليلي جواز.
يعني أطلع من نكد لنكد، ده هو كده الحرام بعينه!!!
قال جواز قال، ما في أحلى من الحب كده يا جميل.
فأغمضت مرام عينيها حزنًا على ما فعلته بنفسها لأنها تعلم أنه صادق فيما يقول ولن يتزوجها رجل يعرف ماضيها الأسود.
ثم فرت الدموع من عينيها وتمتمت بحزن: كل الحكاية إني كان نفسي أستقر ويكون لي عيال زي أي واحدة ست.
فسخر منها فريد بقوله: عيال إيه بس، هو مرام هانم الدلوعة، تربي عيال برضه!!
ده العيال بتجيب الهم والضغط يا شيخة ويعجزوكِ بدري.
وأنتِ ما تقدريش على كده.
سيبك سيبك، ثم حاول أن يقترب منها مرة أخرى واستطرد: خلينا في الحب وبس وسيبنا من سيرة النكد دي.
وحينها أدركت مرام أنه لا فائدة من الحديث معه وأنها ستظل هكذا حتى آخر رمق.
*****
جلس باسم يطالع تلك التي تجلس على الفراش وتحتضن ريحانته الصغيرة وتطعمها من صدرها بحب.
ليخرج هاتفه بعد ذلك ليلهي نفسه قليلًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي حتى تنتهي ملك من إرضاع صغيرتها، لعلها تحنو عليه هو الآخر ببعض الحب الذي يشتاق إليه معها.
فقد أصبح يغير حقًا من صغيرته التي استأثرت حب وحنو ملك وأهملته هو، وهو المتيم بحبها ويعشق تفاصيله معها.
وعندما فتح الفيس وأخذ ينتقل من خبر لآخر، وجد عنوانًا جذبه للغاية وتوقف عنده ليتابع بقية الخبر.
(القبض على رجل شرطة في شقة منافية للآداب).
ليفجع بعدها برؤية أخيه براء بجانب فتاة ليل، فاتسعت عيناه قائلًا بذهول: لاااا مش معقول، أخوي يعمل أكده!!
دي أكيد صورة متفبركة، أخوي ما يعملش أكده أبدًا مهما كان.
هو ممكن يحب الهزار كيف أنا زمان، لكن لغاية الحرام لأ لأ ما يعملهاش.
ثم وقف وغادر الغرفة دون أن ينظر إلى ملك غاضبًا، حتى يتسنى له الحديث مع براء عما رآه ليؤكد له أنه ليس الذي في الصورة ويطمئن قلبه.
وعندما قام بالاتصال به وجد هاتفه مغلقًا، فوضع يده على وجهه واستغفر: استغفر الله العظيم.
ده وقت تليفونك يكون مقفول يا براء.
استر يارب، استر.
ثم حاول عدة مرات وكانت النتيجة واحدة، فدخل الشك في قلبه.
ثم وجد اتصالًا من محمود، فاستجاب له على الفور قائلًا: أهلًا بسيادة المقدم.
محمود بصوت يتخلله الحزن: دكتور باسم، ياريت لو تقدر تنزل القاهرة حالًا، لأني للأسف مرتبط بمأمورية مهمة هنا ومش هقدر أسيبها.
حاول باسم ابتلاع غصة اجتاحت حلقه ليردد بخوف: براء أخوي ماله، حصل إيه؟
معقول اللي شفته على الفيس ده صح؟
أوعاك تقول صح وهو دلوك... لا لا مش أخوي ده.
أكيد دي صور مفبركة.
صمت محمود للحظة وتنهد بقهر ليجيبه: للأسف صح.
وهو اتقبض عليه متلبس، بس أنت عارف إن الرجالة اللي بيتقبض عليها بتخرج بضمان إقامة لكن الستات هي اللي بتتحبس، كان الذنب على الست بس، مع أن الاتنين مشاركين في الجريمة، قانون ظالم للأسف.
وعشان كده لازم تكون موجود، عشان حالته صعبة جدًا.
لأنه للأسف اللي حصل مش هيعدي بالساهل وسمعت أنه ممكن يتوقف عن العمل.
فصاح باسم بقهر: إيه، لااااا.
أنا مش مصدق اللي حصل ده!
كيف براء يعمل أكده!
اااااا يا وجع جلبي عليك يا خوي.
والله على وجع جلبي لما مراته كمان تعرف.
ليسمع باسم صراخًا يأتي من غرفة زاد، فأغمض عينيه بألم قائلًا: طيب هقفل دلوك أشوف المصيبة اللي كانت ولا على البال ولا الخاطر.
وأحضر نفسي عشان أنزل القاهرة.
محمود: الله المستعان.
........
كيف أقولها وقلبي يتألم من البكاء، كيف أحببت يومًا قلبًا لا يعرف البكاء، كيف اشتقت لعينيك وأبحث عنها بين النجوم، هل تعرف حقًا معنى البكاء، هل تعرف يومًا معنى الوفاء، هل تركت القلب يهوى وعشقت البكاء، أبدًا لن تعرف البكاء، لن يعرف قلبك البكاء.
دوى صوت صراخ زاد في أركان القصر بعد أن أصابتها الصدمة بعد رؤية صور براء مع تلك العاهرة في الفراش.
اااااااااه يا خاين، يا خسيس.
يا بتاع النسوان.
من يومك وأنت أكده، مش بتحرم أبدًا، وآخرتها كمان شقق استغفر الله العظيم.
آه يا مري، وفضيحتك يا زاد بين الخلق وهما جايبين جوزك أبو ولدك إكده.
اااااه يا النار اللي في جلبي.
للدرجاتي أنا وحشة أكده، عشان يوصل بيه الحال كمان للشقق.
منك لله يا بعيد، ربنا ينتقم منك على قدر حرقة الجلب اللي أنا فيها وعلى قد حبي ليك.
اللي عمرك ما عملت له قيمة خالص، وكل شوية تقهرني.
أنا غلطانة عشان سامحتك في الأول وصدقت إنك بتحبني.
بس كنت باقية عليك وبحبك.
وأهو سوقت فيها وعملت ما في بدالك واتفضحت بين الخلق كمان.
حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا براء، عمري ما هسامحك أبدًا.
ويستحيل أقعد على ذمتك ثانية واحدة.
أنا خلاص بكرهك ومش عايزة أشوفك تاني أبدًا.
ااااااااه على وجع جلبي.
لتزداد صرخاتها ثم دخلت في نوبة هيستيرية وأخذت تبكي دون توقف.
وتجمع على صوت بكائها وصراخها، باسم وملك وزهيرة ونهلة وبانة.
وجدت بانة نهلة تقف على باب زاد ويظهر على وجهها القلق، فوقفت بجانبها وطالعتها بحنق مردفة: أنتِ إيه جابك اهنه، ما تخليكي في حالك وما تدخليش بينا.
مش كفاية وشك الفقر اللي من ساعة ما شفناه، وإحنا بنقع من مشكلة لمشكلة.
أنا لو مكانك ما أقعدش ولو ثانية واحدة تاني من الكسوف.
لترفع نهلة أحد حاجبيها مرددة بثبات: والله اللي مش عجبه حالي، يخليه في نفسه عاد ويقفل على روحه.
لكن أنا الحمد لله، الكل هيموت فيه اهنه ويكفيني حب جوزي، مش محتاجة رأي حد تاني.
الدور والباقي على الناس اللي سحنتهم حلوة بس قلوبهم كيف الحجر القطران وهيطفشوا الناس من بين إيديهم.
وهيقعدوا بطولهم ومحدش هيعبرهم بعد أكده.
فاتشنجت تعابير وجه بانة وصاحت في وجهها: أنتِ قصدك مين بالكلام ده يا سهتانة، يا اللي ماشية على حل شعرك عشان أكده هتوقعي الرجالة فيكِ.
فسخرت منها نهلة: والله اللي على رأسه بطحة،
وأنا لو ماشية على حل شعري ما كنتش اتجوزت سيد الرجالة سيادة المقدم حتة واحدة يا صفرا.
لتغلي الدماء في عروق بانة، وتحرقها بنظراتها ثم قبضت بيديها على حجابها بقوة حتى مالت نهلة للوراء من شدة الألم وصرخت.
لتصيح بانة بغضب: أنا صفرا يا جاموسة أنتِ! والله لأعلمك إزاي تكلمي ستك وتاج راسك، عشان الظاهر نسيتي أصلك إنك كنتِ خدامة عندنا.
لتفزع زهيرة وباسم من صراخ نهلة أيضًا، أليس يكفي صراخ تلك التي في الداخل.
لتصيح زهيرة في بانة بغضب: شيلي يدك عنها يا بانة وإلا والله، لأرميكِ في أوضتك وأحبسك وأقفل عليكِ الباب بالمفتاح، عشان نستريح من عمايلك السودة دي في خلق ربنا.
لتصك بانة على أسنانها بغيظ مردفة:
أنا يا ماما! عتحبسيني عشان الخدامة دي؟!
ليهدر باسم بغضب: بااااااانة، وبعدين! ادخلي أوضتك دلوقت، عشان إحنا في مصيبة سودة وجعت على دماغنا كلاتنا، ومش فايقين للعب العيال بتاعك ده.
فطالعته بانة بحزن وعتاب، ثم التفتت إلى غرفتها متوعدة تلك الدخيلة التي وبختها بعقاب قاسٍ جدًا ولن ينجدها أحد منها تلك المرة.
طالعت زهيرة نهلة بخجل مرددة: معلش يا بنتي، ما تزعليش. هي بانة أكده عقلها متركب شمال لكن قلبها أبيض.
أومأت نهلة برأسها: ما فيش حاجة يا حاجة، إحنا أخوات في الآخر مهما حصل.
لتتعالى صرخات زاد، لتصيح زهيرة: افتحي يا بنتي، مالك حصل إيه؟ افتحي هتفزعي الولد أكده، حرام عليكِ.
فوضع باسم يده على كتف زهيرة وربت بحنو، فاستدارت إليه فتعجبت عندما وجدت عينيه مليئة بالدموع.
فشعرت بغصة في قلبها وتساءلت: مالك يا ولدي أنت كمان؟ هي فرة مسكت فيكم كلاتكم يا ولاد الجبالي ولا إيه؟
طأطأ باسم رأسه بحرج قائلًا: أمي، تعالي عايز أقول لك حاجة، قبل ما ندخل لزاد عشان تعرفي كيف تتعاملي معاها لما ندخل.
اتسعت عين زهيرة بعدم فهم واستطردت بحيرة: هو أنت خابر مالها يا باسم ومخبي عليّ؟ هو براء حصل له حاجة ولا إيه وأنا ما أعرفش؟ قول لي يا ولدي وطمن قلبي.
فرفع باسم عينيه ولكن إلى نهلة قائلًا بترجٍ: معلش يا مدام نهلة، ممكن أنتِ تحاولي مع زاد تفتح وتدخلي تكلميها لغاية ما تهدى شوي.
فأومأت نهلة برأسها مردفة: أكيد طبعًا بس تفتح، قلبي معاها والله.
فتنهد باسم بحرارة متسائلًا: أنتِ عرفتي!
حمحمت نهلة بحرج: آه وأكيد مصر كلها عرفت للأسف، عشان هو كده ناسنا تحب الفضايح والصور اتشيرت بالآلاف.
فوضع باسم يده على وجهه واستغفر: أستغفرك ربي وأتوب إليك.
دارت أعين زهيرة بينهم وانقبض قلبها فصاحت: حد يفهمني حصل إيه؟ وصور إيه وفضايح إيه! استرها من عندك يا رب.
فحاوطها باسم بذراعه وتقدم بها قائلًا: تعالي يا أمي جوه وأنا هقول لك على كل حاجة.
فسارت معه زهيرة بقلب منقبض، حتى دلفا سويًا للداخل وأجلسها باسم على مقعدها.
ثم حاول أن يجمع كلماته حتى تخرج بصورة هينة على قلبها، فهي أم وأقل شيء يؤلم قلبها.
صاحت زهيرة بعد أن نفذ صبرها: ما تتكلم يا ولدي، طمن قلبي على أخوك، الله يطمن قلبك.
مسح باسم على وجهه ثم تنهد بقهر مرددًا: ياما، براء أخوي، شكل واحدة من إياهم لعبت عليه وخدته معها الشقة، وعلى حظه الموضوع اتكشف لأنها شقة مش تمام واتقبض عليه معاها وطبعًا اتصوروا ونزلت الصور على النت وزاد أكيد شفتها وعشان أكده عتصرخ من الصدمة.
فضربت زهيرة على صدرها بصدمة وصاحت بانفعال: إيه!! ولدي أنا اللي مربياه، هيعرف بنات أستغفر الله العظيم وهيروح معاهم شقق كمان! لاااا ما أصدقش أبدًا ده! معقول للدرجة دي الشيطان لعب بيه ومشي على هواه وخسر دنيته وآخرته! وكمان اتفضح على رؤوس العالمين! آآآه يا خسارة تربيتي فيك يا ابن بطني! ويا عيني عليكِ يا زاد، دي مش تصرخ وبس. دي ممكن تتجلط وتروح فيها كمان، عشان دي مش أول مرة يعملها فيها. دي شافت منه كتير قوي، وما عدتش فيها حاجة ممكن تتقال تصبرها ولا تهون عليها تاني. بالعكس اللي هتطلبه المرة دي أنا هنفذه، وهحط السيف على رقبة ولدي عشان هو يستاهل.
ثم بكت بمرارة مرددة: أستغفر الله العظيم. ليه يا ولدي تعمل أكده، هان عليك نفسك ومرتك ودينك.
نفخ باسم بضيق وأتبع بمرارة: ياما أنا يمكن خابر إن براء بيحب الهزار وأكده لأنه قلبه ضعيف شوي قدام الصنف الحلو، بس عند الحرام ويوقف مش بيتخطاه. وعشان أكده حاسس إن فيه حاجة في الموضوع ومش طبيعي. مش للدرجة دي براء يروح شقة مشبوهة حتى لو ما كانش عارف ربنا بس على الأقل عشان خابر مكانته كراجل شرطة وده ما ينفعش أبدًا.
طالعته زهيرة بحيرة مرددة: يا ريت يكون فيه حاجة صح، عشان قلبي اللي قايد نار ده يبرد. والغلبانة اللي جوه دي تهدى شوي، بس هنعمل إيه يا باسم دلوقت دبرني معاها.
فجلس باسم بجانبها ومسك كفيها وقبلهما مردفًا بحنو: عايزك ياما، تقوليلها إنك حاسة بيها وهو يستاهل الحرق عشان عمل أكده واللي تطلبه هتنفذيه بس إلا الطلاق. هتقول لك ليه؟ قوليلها عشان أنتِ بنت أصول ولازم توقفي مع جوزك قدام الخلق ما تسيبيهوش حتى لو قلبك قايد نار ناحيته. بس وقفتك قدام الناس وكلامك إنك مش مصدقة اللي حصل وإن مش جوزك اللي عمل أكده ودي صور مفبركة أكيد. ممكن يقل شوية من الفضيحة مش عشان خاطره حتى عشان خاطر ولدك. هتقول لك ده اتقبض عليه متلبس، قوليلها لازم نسمع منه الأول عشان نقدر نحكم دي حاجة كانت حيلة عليه زي جوازته من بتاعة المخدرات دي، ولا رايح على كيفه. وأهو كلمتين من كده تحاولي تهديها بأي طريقة. وأنا دلوقت هأنزل مصر حالًا، وأشوف حاله وأشوف حصل إزاي ده وأجيبه معايا.
أومأت زهيرة برأسها مرددة: ربنا يسلم عمرك وطريقك يا ابن بطني. وربك يكملها بالستر وينجيك منها يا براء يا ولدي.
******
أما عند زاد فكانت تبكي بهيستيرية ثم انتبهت لنداء نهلة: افتحي يا زاد، افتحي يا حبيبتي. حرام عليكِ نفسك وولدك أهو بيصرخ زيك، أكده هيتسرع حرام. افتحي بس نتكلم شوية، أنا خابرة اللي حصل وخابرة مش هين أبدًا. بس ذنبه إيه العيل الصغير ده، معلش عشان خاطره افتحي حتى أحمله أنا وأهديه يا حبيبتي.
فطالعت زاد معاذ بحزن وقهر مرددة: أنا محجوجالك يا ولدي والله. أنا اللي غلطانة إني اخترت أب لك زي براء. وإن المفروض الوحدة لما تيجي تتجوز، مش تختار زوج أكده وخلاص ولا حب ولا كلام فارغ من ده. لازم تختار أب يعرف ربنا ويعرف يربي صح عشان ما تندمش، كيف ما أنا ندمانة دلوقت. آآآه يا حرقة قلبي. لما خونتني وأنت كنت لي نبض قلبي! أما كان يكفيك روحي! لما هان عليك ودي!
*******
تململ مسالم في نومته على الأرض بعد أن بدأ ينتهي مفعول المخدر ليعود رويدًا إلى رشده، ثم فتح عينيه بتثاقل. ليسأل نفسه للحظة كي يدرك الحال الذي عليه: أنا مين وفين وحصل إيه؟
حتى عادت لها ذاكرته ليتذكر ما حدث وفتح الباب لذلك الرجل ثم من بعدها لم يشعر بشيء.
لتنتفض كل جوارحه، ووقف فجأة كالملدوغ يصرخ: قمرررررررررر. لا لن تتركيني لأهلك وأنا المتيم في عشقك. لا تكتبي لي الهلاك وأنا لم أنعم بعد بحبك. لا سبيل لي يا قمر بعدك. قمرررررررر. وأين قمر وما سيحدث لها على يد هؤلاء المجرمين؟
رواية اولاد الجبالي الفصل التاسع والثمانون 89 - بقلم شيماء سعيد
كن مجروح ولا تكن جارح، فالمجروح يعلم إنه سيأتي من يطيب جروحه، ولكن الجارح يخشى من المستقبل لإنه يعلم جيدًا إنه كما تدين تدان.
كادت عيون حمدي تخرج من مقلتيها بعد أن وضع زرارة قمر التي ما زالت تحت تأثير المخدر أمامه، واضطربت مشاعره بين الحنين وذكريات الماضي معها بعد أن كان في أوج أوقاته وقد شارف أن يكون ذا شأن بعد ما حقق من أطماع وحلم بمستقبل باهر ينافس به منصور الجبالي في مكانته.
ولكن ذهب كل هذا في مهب الريح على يدها بعد أن أوشت به، فتحولت عينيه للقتامة وتشنجت تعابير وجهه وصاح:
"الخاينة... اللي كانت هتضيع عمري ودلوك بسببها هربان وخايف إني أتمسك في أي وقت."
ثم وقف غاضبًا واحتنقت الدماء في جسده وتلون وجهه بالحمرة وكأنه حل في جسده الشيطان بشره وخبثه، وانحنى إليها ليحاوط عنقها بيديه يريد أن يخنقها ليشفى غليله منها.
وفي تلك اللحظة تململت قمر وبدأت في الاستيقاظ، وأخذت تحرك رأسها تقاوم ذلك الغادر الذي يريد أن ينهي حياتها.
وحينها فزع زرارة لرؤيتها هكذا وخشى أن تموت بين يديه. فانحنى إلى حمدي يرفع يديه عنها ويهدئه بقوله:
"إيه يا سيد الناس مش ده اللي اتفقنا عليه عاد؟ أكده عتموت مرة واحدة."
"لكن لما تعمل اللي اتفقنا عليه عتموت ألف مرة."
"فمتخليش الغضب ينسيك اللي اتفقنا عليه."
دفع حمدي يده وشعر بنفوق الدماء في رأسه من شدة الغضب مستطردًا:
"لا سبني أموتها عاد، مش قادر أشوف خلقتها الخاينة دي."
ليصرخ زرارة في رضوان مشيرًا إليه:
"أمسكه معايا يا رضوان، عيبوظ لينا الليلة اللي كنا عنحلم بيها."
"ولا أنت عايز تنام مع جثة من غير روح؟"
رضوان بذعر:
"لاااا ياما، جثة إيه؟!"
فأقبل مع زرارة يدفعون عنه قمر التي جحظت عينيها وازرق وجهها وكادت أن تختنق. وعندما ابتعد حمدي عنها أخذت تلهث بشدة، محاولة أن تأخذ أنفاسها بصعوبة بعد ما أبعدوه عنها.
ولم تكن بعد في كامل وعيها وكانت رؤيتها مشوشة، ولكنها ميزت هذا الصوت الذي تعرفه جيدًا. فأخذت ترمش بأهدابها كثيرًا لكي تتحقق من رؤيته بعد أن ظنت إنها ربما تكون في حلم تريد الاستيقاظ منه.
وعندما تحققت من رؤيته أمامها بهيئته الشيطانية تلك، خفق قلبها بشدة وكادت روحها أن تزهق خوفًا فصرخت:
"حمدي!"
حمدي بفحيح الأفعى:
"أيوه حمدي يا قمر، ولا كنتِ فاكرة إني نسيتك ولا مش هعرف أوصلك حتى لو قفلتي على نفسك ألف باب وباب."
"كنت هجيبك برضه، عشان أوريكِ من هو حمدي."
"وعشان أخليكِ تندمي على اللي عملتيه معايا."
ثم انحنى إليها مرة أخرى وجذبها من شعرها فصرخت:
"إيه يا ست الستات أوعى أكون موحشتكيش، ولا خلاص عاد ما بجتيش تحبيني."
ثم تابع بسخرية:
"آه ما أنتِ صح نسيتي حبك القديم حمدي وحبيتي خيال المآتة أمين الشرطة مسالم."
ثم ضحك ضحكة أفزعتها ليستطرد بسخرية:
"مش خابر أنتِ عبيطة ولا هبلة؟!"
"حد بعد ما كان مجوز سيادة المقدم براء الجبالي ومواعدة حمدي على سن ورمح تبصي لمسالم."
"ده ذوقك بقى عفش قوي."
لتصرخ قمر مجددًا:
"آااااه."
"أيوه حبيته يا حمدي، لإنه راجل صح مش كيف براء كان جبان مقدرش يواجه أهله بجوازنا ولا كيفك خسيس ملكش عزيز ولا تعرف ربنا."
"لكن هو حاجة تانية خالص وعمرك ما هتكون زيه أبدًا."
"خابر ليه لإنك مش راجل، أنت حيوان يا حمدي."
"ملكش قلب، متعرفش ربنا، شيطان إكده."
ليشتد الغضب بحمدي حتى برزت عروقه وأخذ صدره يعلو ويهبط كأنه في سباق، حتى رفع يده الأخرى ونزل بها على وجهها بصفعة قوية أدمت شفتيها وتركت علامة حمراء عليه وصاح بانفعال:
"أنا حيوان يا بنت الـ...!"
"وكمان مش راجل، طيب هوريكِ دلوك أنا راجل كيف."
لينقض عليها كالوحش الكاسر ينزع عنها ملابسها، فتصرخ بقوة:
"لاااا أحب على يدك يا حمدي، بلاش."
"عايز تكتلني اقتلني، لكن أكده لا، أرجوك."
"مش هستحمل ده تاني، أنا مصدقت ضل راجل بتاع ربنا وحيطة أستر وراها."
"فمترجعنيش للي كنت عايزة أنساه، حرام عليك يا حمدي."
فحرك حمدي شفتيه باستياء قائلًا بحنق:
"دلوك عتطلبي الرحمة، وتجولي حلال وحرام."
"بس أنا صح كيف ما قولتي حيوان شيطان اللي تحبيه معرفش يعني إيه رحمة."
"وهعمل ما بدالي قدام الرجالة دي كمان، وأنتِ اللي جبتيه لنفسك، يوم ما خونتيني يا قمر بعد ما كنا سمن على عسل."
"لكن دلوك عتفتحي قبرك برجليكي."
لينقض عليها مرة أخرى ينزع ما بقي من ملابسها فتمتمت بقهر:
"حسبي الله ونعم الوكيل."
ثم دعت عليه بقلب منكسر ودموع حارقة:
"ربنا يفضحك يا حمدي في الدنيا والآخرة ويقصر عمرك وتموت شر ميتة كيف الكلب وتنهش فيك الديابة زي ما نهشت في لحمي."
ولكن حمدي لم تعره كلماتها ولا دعاءها، فقد ختم الله على قلبه وأصبح قلبه كالحجر بل أشد قسوة، وألقى بنفسه عليها ثم أشار إلى زرارة لتصويره كما اتفق معه.
وحينها شعرت قمر بالموت يزحف إليها بل وتمنته حقًا بعد أن ذبحت عفتها وتركها جسد بلا روح، تئن من الألم الذي لن يطيب أبدًا.
ثم قام عنها حمدي وبصق على جسدها بدناءة مردفًا:
"لا ما كيفتنيش خسارة تعبي فيكِ."
ثم أشار إلى رجاله بقوله:
"اتفضلوا يا رجالة الوكل جاهز وسخن، كلوا كيف ما بدكم وبعدين ربطوها أكده على حالها."
"عشان عايز أدخل أطلع أتسلى عليها كيف الدخان."
ثم ضحك بهيسترية وخرج ليتركهم يفعلوا بها ما يشاءون.
بكت قمر لهم حتى يتركوها لحالها وصرخت:
"أرجوكم ارحموني مش قادرة."
"أنا كمان حامل وإكده ممكن أروح فيها أنا واللي في بطني، وما هينوبكم بعد أكده إلا الندم لما يتحكم عليكم بالإعدام."
فخاف رضوان من حديثها، وأن يفقد عمره لمجرد لحظة عابرة، لذا تراجع مشيرًا إلى زرارة:
"بلاش يا عمنا عشان لو حصلها حاجة هنروح فيها والعمر مش بعزقة."
فحرك زرارة شفتيه بتهكم مشيرًا له بسخرية:
"إيه خوفتك من كلمة."
"ده دلع يا رضوان وأنا خابرها زين البت دي، ولو حتى حصلها إيه بردك مش عسيبها، ده أنا استنيت اللحظة دي بفارغ الصبر."
رضوان بخوف:
"لا مليش فيه، أنا ماشي يا عم وأنت حر بقى."
"يا روح ما بعدك روح."
فتركه رضوان، لينقض عليها زرارة بلا رحمة ولم يتأثر بتوسلاتها حتى فقدت الوعي بين يديه وشعر بسائل لزج ينزل منها.
فابتعد عنها سريعًا ليفجع من منظر الدماء التي انفجرت من رحمها.
فانتفض برعب ووضع يده على رأسه:
"شكلك خلاص أكده ضعت يا زرارة والبت راحت فيها صح كيف ما قالت."
"يا مصيبتك السودة، عتعمل إيه دلوك وع تخفيها فين؟"
جلس براء بجانب نيلي في عربة الشرطة يغني ويدندن وكأنه في رحلة نيلية.
"خد الإزازة وقعد لعبني دي المازة طازة والحال عجبني."
ثم يميل نحو نيلي ويهمس:
"ما تجيبي بوسة كمان يا عسل."
فلكزته نيلي بغضب بعد أن سلط الأنظار عليهم بغنائه وحديثه.
نيلي:
"احترم نفسك يا أخينا، إحنا في إيه ولا إيه."
"ولا لسه مش حاسس إنك في مصيبة وإننا في البوكس يا جدع."
"وشوف عمالين يبصولنا إزاي!"
"شكلهم هيحفلوا علينا هناك بسببك."
فمتعض براء وحرك رأسه وعاتبها:
"بقيتي قاسية عليَّ قوي يا نيلي ليه، ما كنا حلوين."
فأشفقت عليه نيلي:
"معلش بقى يا جدع، أنت هتعيط ولا إيه؟"
"لا اجمد إحنا لسه داخلين على الثقيل وهتتمرمط."
براء:
"طيب صالحيني وهاتي بوسة."
فضحك العسكري على حديثه وطالعه بخبث مردفًا:
"ما تقلقش يا سيادتك، أول لما تخش التخشيبة هيظبطوك."
فاتسعت عين براء مردفًا ببلاهة:
"بجد بس أنا عايز نيلي."
فوضعت نيلي يدها على رأسها وحدثت نفسها:
"آه يا أنا يا أما ده هينقطني، كان مالي ومال الشغلانة المهببة دي."
ثم أشارت إلى العسكري:
"هو فاضل كثير على القسم، عشان لو قعدت جملة أكثر من كده هيحصلي حاجة وربنا."
العسكري بحنق:
"مستعجلة قوي يا أختي، آه مهو اللي زيك أخذ على المرمطة وقلة القيمة، منكم لله ربنا ياخدكم ونستريح من أشكالكم."
ليصلوا بعد ذلك إلى القسم، ويحضروا أمام مكتب المقدم حسام. الذي وقف والشر يتطاير من عينيه، يريد أن يفتك بهؤلاء الحثالة الذين تسوقهم شهواتهم الدنيئة ويسيئون لأنفسهم وعائلتهم، فتمسهم وصمة عار إلى يوم القيامة للمرأة أكثر من الرجل لأن مجتمعنا ذكوري بحت للأسف.
يصف تلك الفعلة بغلطة للرجل لأن زوجته أهملته، أما المرأة فتفضح ويطلقها زوجها وتصبح منبوذة من المجتمع بأسره.
وعندما هم حسام أن يصيح بهم، استمع لصوت يعلمه جيدًا كان معه في الصعيد قبل أن ينتقل إلى القاهرة. حيث قال براء بدون وعي لحاله:
"يا ريت حد يعملي فنجان قهوة عشان مصدع شوي."
فنظر حسام لمصدر الصوت ليتفاجأ ببراء، يستر جسده بملاءة. فاتسعت عيناه مصدومًا:
"براء أنت بتعمل إيه هنا؟"
"وأنت معقول كنت معاهم بالشكل ده؟!"
ليجده حسام يشير إليه ويبتسم قائلًا:
"آه كنت معاهم، تعال أعرفك على نيلي، حتة مهلبية من الدرجة الأولى، تعال خدلك بوسة منها."
لم يستوعب حسام ما يقول من الصدمة ولكنه أدرك أنه ليس بالطبيعي فليس هذا براء الرجل الصعيدي الذي يعلمه جيدًا. لذا لم يتحمل أن يراه بتلك الهيئة المزرية، وصاح في العسكري، أن يأخذ باقي المتهمين إلى الحجز ويترك براء ويأتي له بملابسه.
فحركت نيلي شفتيها يمينًا ويسارًا مردفة بتهكم:
"هي الكوسة هتشتغل من أولها ولا إيه."
ثم حدثت نفسها:
"شكلهم هيطبخوها سوا، أمال كان لازمته إيه البهدلة من الأول."
ثم صاحت بقولها:
"يا باشا مينفعش نتحجز بالمنظر ده، عايزين لبسنا إحنا كمان."
فأومأ حسام برأسه وأشار العسكري أن يصطحبهم لارتداء ملابسهم ثم يزج بهم في الحجز. لتخلو الغرفة بعد ذلك منهم إلا براء.
فتقدم منه حسام يطالعه عن قرب متسائلًا:
"أنا مش مصدق نفسي معقول أنت يا براء تعمل كده."
"وتضيع تاريخك اللي عملته في سنين لمجهودك عشان لحظة."
فطالعه براء بعدم استيعاب وليس على لسانه إلا:
"حسام أنا مش فاهم عتقول إيه، بس كل اللي عايزه منيك فنجان قهوة عشان دماغي عتفجر."
"ومش عارف أنا عملت إيه غير إني بوست البت المهلبية دي، مش خابر أنتم زعلانين ليه أكده قوي!"
حسام بحنق:
"لا أنت فعلًا مش طبيعي وشكلك شارب حاجة، مسببالك الحالة دي."
"مش عارف وصل بيك الحال لكده إزاي!"
"تدمن عقاقير هلوسة وبيوت دعارة، أنا مش مصدق صراحة إن اللي واقف قدامي ده براء الجبالي اللي كان من أنزه رجال الشرطة."
"فإزاي تتحول بالطريقة دي!"
"وحاليًا لازم أتصل بالدكتور، يجي يفوقه عشان أعرف أتكلم معاه."
فاتصل بالفعل بالطبيب وجلس ينتظره ثم اتصل على محمود:
"محمود عندي ليك خبر وحش للأسف."
زفر محمود بضيق:
"عارفه، هو خلاص حضرته شرف عندك."
حسام باندهاش:
"أنت عرفت منين، ده لسه واصل حالًا."
محمود:
"مش بس أنا اللي عرفت، ده الدنيا كلها عرفت والبركة في الفيس اللي خلى الدنيا كلها تعرف حتى دبة النملة، ربنا يرحمنا منه."
حسام:
"أيوه عندك حق، بس كده إيه حكايته وهتصرف معاه إزاي، ده مش طبيعي خالص وضارب حقن هلوسة."
محمود:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا مش عارف عمل كده إزاي؟"
"وللأسف اللواء محمد كمان عرف واتصدم وللأسف قال: مش هيقدر يدافع عنه أكثر من كده ووصاني أكلمه يقدم استقالته."
حسام بصدمة:
"للدرجاتي!"
"يا خسارة يا براء."
استطرد محمود:
"أيوه للأسف."
"بس حاول تشوف دكتور يشوف حالته يمكن يعرف يفوقه من الحالة اللي هو فيها."
حسام:
"أنا فعلًا بعت للدكتور يجي يشوفه عشان يفوق وأعرف أتفاهم معاه."
محمود:
"كويس، وخليه عندك لغاية ما يوصل باسم أخوه يستلمه."
"وربنا يستر في الباقي،"
عشان دي كارثة جديدة لعيلة الجبالي.
ليغلق معه الخط وتمر لحظات عصيبة لدى الجميع.
ثم أتى بعد ذلك الطبيب المعالج.
فرحب به حسام:
"أهلًا يا دكتور."
ثم أشار إلى براء واستطرد بقوله:
"شوف كده هتتصرف معاه إزاي، عايزه يفوق؟"
الطبيب:
"حاضر، هي حقنة واحدة، هتقضي على إثر المخدر اللي في جسمه وهتعيد ليه التركيز."
حسام:
"تمام، ابدأ."
ليحقنه الطبيب، ولم تمر دقائق حتى بدأ براء يعود لرشده.
وأخذته الدهشة وهو يطالع بعينيه المكان الذي به، ثم وقعت عينيه على حسام فابتسم وقام:
"حسام باشا، ليك وحشة يا راجل والله."
ولكنه عندما قام شعر ببعض الدوار وأمسك برأسه، فتراجع وجلس ونظر المكان مرة أخرى وقال باندهاش:
"بس أنا فين؟ وإيه جابني إيه؟"
"ومش عارف دماغي تقيلة أوي ومش مركز خالص."
فتنفس حسام ببطء وشرد للحظات يفكر كيف سيلقي عليه ما حدث.
فسار إليه وجلس بجانبه ووضع يده على كتفه مردفًا:
"ليه يا براء تعمل في نفسك كده؟"
"وإيه وصلك للحالة دي؟"
رفع براء عينيه وسأله بحيرة:
"حالة إيه، أنا مش فاهم حاجة؟"
"وأنا في مكتبك يعني في القسم جيت إزاي؟"
"أنا آخر حاجة كنت فاكرها إني وصلت بالعربية البيت ونزلت."
ثم بدأ يستعيد على ذاكرته ما حدث.
"آه يكونش البنت اللي خبطتها بالعربية تعبت وقدموا فيّه بلاغ وعشان كده أنا هنا."
"بس برضه جيت إزاي، أنا مش فاكر حاجة خالص."
زفر حسام بضيق وأردف:
"هو شكل الصنف اللي بتتعاطاه أثر على ذاكرتك يا براء."
"ليه كده بس؟"
"إزاي راجل شرطة يتعاطى حبوب ولا حقن هلوسة!"
ظهرت الصدمة على معالم براء وتشنج وجهه وأردف بحدة:
"أنت بتقول إيه حبوب وحقن إيه؟"
"أنا مش فاهم حاجة ولا خدت حاجة."
"ما تكلم يا حسام أنا هنا إزاي وإيه اللي بتتكلم عنه ده؟"
فتنهد حسام ثم بدأ يقص عليه ما حدث وكلما تكلم حسام اتسعت عين براء وتلون وجهه بحمرة الغضب واشتعلت النار في جوفه ليقف مصدومًا وتخرج حروفه بلعثمة:
"أنت بتقول إيه؟"
"يستحيل ده، أنا عمري ما شربت حاجة ولا ليّه في الحرام."
"أنا ما رحتش الشقة دي بإرادتي ولا عملت حاجة من اللي بتقول عليها."
فأخرج له حسام هاتفه ليبين له الصور المنتشرة على الفيسبوك، ليصدق حديثه.
فشهق براء من الصدمة وصاح:
"آه يا بنت الـ***."
"إزاي ده حصل، ويعني إيه أنا كده اتفضحت بين الناس."
"يعني ممكن الصور دي تكون وصلت لمرتي زااااد."
"لااااااا، يعني كده أنا ضعت وسمعتي بقت في الوحل."
ثم شرد في زاد وحدث نفسه:
"كتير قوي اللي بيحصلنا ده يا زاد."
"وهفهمك وهقولك إيه في الموضوع ده؟"
"وأنتِ أكيد عتصدقيه وزمانك عتموتي دلوقت من القهر."
"حسبي الله ونعم الوكيل."
"يا ترى مين ورا البنت دي وخلاها تعمل كده عشان تضيع حياتي بالشكل ده؟"
ثم صاح:
"لااااا الموضوع ده ملعوب يا حسام، دي البنت اللي قولتلك عليها خبطتها بالعربية ورفضت تروح مستشفى وقالت أوصلها البيت وفعلاً وصلتها وبعد اللحظة دي أنا مش فاكر أي حاجة."
"صدقني يا حسام، أنت أكتر واحد عرفني وخابر إني لا يمكن أعمل كده."
رأى حسام في عينيه الصدق فأومأ برأسه وقال متفهمًا:
"طيب ليه البنت دي تعمل كده؟"
"أنت شوفتها قبل كده؟"
براء:
"لاااا أول مرة أشوفها، وأكيد وراها حد ولازم أعرفه."
"أرجوك يا حسام، ساعدني وهات البنت دي ضروري، وخليني أكسر رقبتها عشان أعرف ليه عملت كده وعايزة تهد حياتي بالشكل ده؟"
*****
كلما خطر ببالي الفراق ومقدار الألم الذي يسكنه في القلب تمنيت ألا أفارق أحدًا وأن يتجمد الوقت عند لحظة اللقاء.
استفاق مسالم على فاجعة حين تذكر ما حدث.
لتنتفض كل جوارحه، ووقف فجأة كالملدوغ يصرخ:
"قمرررررررررر."
ليركض بكل سرعته إلى غرفتها وقلبه يدعو أن يجدها كما هي في فراشها تبتسم إليه ابتسامتها العذبة التي تأخذ بلبابة قلبه كلما رآها كأنها أول مرة.
ولكن تلك المرة شعر بخفقان قلبه وكأنه مشرف على الموت، فوضع يده على قلبه الذي يعلو ويهبط من الفزع حتى ولج إلى غرفتها ووقف مصدومًا عندما رآها فارغة من القمر التي كانت تضيء سماءه، وأصبحت مظلمة سوداء في غيابها.
فصرخ لعلها تسمعه يناديها بكل جوارحه، أو لعله في حلم فيتيقظه:
"قمررررررررررررررر."
"لااااا مش معقول تروحي مني بعد ما لقيتك يا قمر."
"وكيف تروحي مني وأنا معاكِ وأنا وعدتك أن طول ما أنا جنبك يستحيل حد ياخدك مني."
"ومتخافيش من حد."
لتتعالى صرخاته مجددًا:
"ااااااااااااه."
"مش هسامح نفسي أبدًا لو حصلك حاجة، عشان هكون أنا السبب."
"أنا اللي وعدتك وما نفذتش وعدي."
"أنا اللي ما خدتش احتياطي وفتحت للمجرم ده من غير ما أتأكد."
ليصرخ مجددًا بقوة:
"أنتِ فين يا قمر؟"
"طيب هعمل إيه دلوقت من غيرك، وأنتِ خابرة إنك كنتِ روحي."
"دلوقت حاسس إني هموت مش هقدر صدقيني أعيش من غيرك."
"قمررررر، قمررررررررررررررر."
ليدخل في نوبة بكاء هستيرية، لينتفض جسده كثيرًا.
وشعر بمرارة الفقد التي تمزق قلبه، التي كانت كالنار تمزق أوردته.
وتمنى لو تعود هي وتزهق روحه هو فداءً لها.
ثم انتبه لحاله فجأة وضرب رأسه عدة مرات ووبخها بقوله:
"أنت عتقعد تولول كيف الحريم وسايبها كده تروح منك."
"لا قوم يا مسالم وخد سلاحك ودور عليها في كل شبر وركن في البلد لغاية ما تلاقيها."
"وساعتها أقسم بالله يا حمدي مش هرحمك وهخليك تندم على اللحظة اللي اتولدت فيها."
"وهخليك عبرة لمن لا يعتبر، وهخليها بنفسها تشوف كيف عتموت قصادها عشان قلبها يبرد."
"بس دلوقت لازم أبلغ عشان يكونوا على علم ويمكن يعرفوا يوصلوا ليها قبليه."
……………
اتصلت عزة على باسم وكان في طريقه إلى القاهرة.
فزفر بضيق:
"يووووه، ده أنا نسيتك خالص يا عزة."
"أقولها إيه دلوقت، مش ناقصاها أصلًا."
"ولو ما ردتش عليها عتقلب الدنيا."
"أمري لله هرد."
"أيوة يا عزة."
عزة بانفعال:
"ما جيتش ليه يا باسم تتطمن عليَّ ولا الست ملك نستك الدنيا وسبتني مرمية إهنا من غير سؤال ولا كلام."
"حتى بنتي واخدينها مني."
"والدكتور أصلًا عدى وكتب ليَّ خروج."
"فتعالى سيادتك خدني، عايزة أروح وآخد بنتي في حضني."
"مش كفاية ملك وواخداك مني، كمان عتاخد مني بنتي يا باسم."
"لا كده حرام، اللي عتعمله فيَّ ده والله."
فأغمض عينيه باسم بألم وحدث نفسه:
"أهو ده اللي كنت خايف على ملك منه."
"أعمل إيه دلوقت معاهم الاثنين؟"
"كان مالي ومال الهم ده كله."
"الله يسامحك يا ملك."
"أنتِ اللي قلبتي حياتنا بشورتك المهببة دي."
رواية اولاد الجبالي الفصل التسعون 90 - بقلم شيماء سعيد
تحدثت عزة مع باسم بعصبية؛ لأنه لم يذهب للاطمئنان إليها، وظنت أنه شغلته ملك التي لم تكتفِ بحبه لها، بل أخذت منها ابنتها أيضًا.
فأي ظلم هذا!
أما يكفي أنها حُرمت من حب زوجها الذي تعشقه، هل ستُحرم أيضًا من الصلة التي بينها وبينه.
فما سيتبقى لها إذا؟
فحاول باسم أن يهدئ من روعها ليس من أجلها هي ولكن من أجل ملك التي تعلقت بريحانة الصغيرة.
باسم: أنا مقدرش أنساكِ يا عزة على فكرة، فمتظلمنيش أكده على طول. ووالله غصب عني إني مجتش؛ لأن حصل ظروف صعبة جوي علينا كلاتنا، ودلوك أنا في طريقي للقاهرة عشان أشوف براء أخوي وأطمن عليه.
لم تنتبه عزة في حديث باسم كله إلا لجملة: "أنا مقدرش أنساكِ"، فارتخت معالم وجهها المتشنجة وابتسمت وازدادت نبضات قلبها وقالت بتيه وعشق: جول أكده تاني اللي جولته.
تعجب باسم وظن أنها لم تسمع فأعاد: جولت فيه ظروف أكده وأنا مسافر لأخوي براء.
فقاطعته عزة: لا مش دي، أول الكلام جولت إيه؟ لما جولتلك أنتِ عتنسانى.
فابتسم باسم وأخرج زفيرًا حارًا وتعجب لتلك العاشقة التي ترضى بقليل لا يُذكر من الحب والاهتمام، وحزن من أجلها؛ لأنه لا يبادلها نفس الشعور ولا يعطيها حقها، ويعاتب نفسه دومًا لذلك استطرد: أيوه يا عزة، أنا مش ناسيكِ وعخاف عليكِ كمان.
ليخرج من عيون عزة قلوب ملأت المكان ورفرف قلبها بسعادة قائلة: ياااه يا باسم متصورش أنا قد إيه ارتحت دلوك من كلمة بس جبرت فيها بخاطري. وأنا آسفة لو كنت اتعصبت عليك وأنا بكلم، بس قدر مشاعري وإني مرتك وأم بنتك.
باسم: خابر يا عزة، ربنا يحفظ لينا ريحانة. ومش زعلان منك، أنا بس فيه مشكلة عندينا، واعرة جوي. ادعي ربنا يعديها على خير.
ففزعت عزة وسألته: خير فيه إيه حوصل؟ وبراء بخير؟
تنهد باسم بقهر وأجاب: تعبان شوي وأهو في الطريق ليه. ولو عايزة ترجعي دلوك الجصر، هشيع لجليلة تاچي وتجيبك. أو الأفضل تبيتي الليلة دي في المستشفى وأهو زيادة حرص عشان يهتموا بيكِ هناك أكتر لغاية بس بكرة لما أرجع.
عزة: لا مهرجعش غير معاك يا غالي، وخلينا أبيت ماشي في المستشفى وترجعلي بألف سلامة.
ليُغلق معها الخط باسم بعد ذلك ليشرد في براء وتساءل: يا ترى عامل إيه دلوك يا أخوي.
*****
أمام إصرار نهلة لكي تفتح زاد الباب، بجانب رجاء زهيرة أيضًا التي أتت لها مرة أخرى بعد مغادرة باسم.
قامت زاد تجر أذيال الخيبة وشعرت بأن أقدامها في كل خطوة أنها تخطو على جمرة من نار يصل حرارتها إلى رأسها مرورًا بقلبها الذي كاد يكون احترق بالكامل. وأن دموعها قد تحولت لدم وقد اسودت الدنيا وكأنها فقدت الحياة إلا فقط من إحساس ذلك الكائن الصغير معاذ الذي يبكي لبكائها، ولكنها لا تستطيع الآن أن تحمله أو تطعمه بعد أن فقدت السيطرة على نفسها.
وبخطوات ثقيلة وبطيئة وصلت أخيرًا إلى باب الغرفة وفتحت الباب ولكنها لم تستطع التحمل أكثر من ذلك، لذا سقطت مغشيًا عليها.
فصرخت نهلة وزهيرة: زاااااد.
لتأتي ملك مرة أخرى بعد أن عادت لغرفتها عندما يئست أن تفتح زاد الباب لتهتم بالصغيرة ريحانة. وعندما رأت زاد على تلك الحالة بكت وتركت أمرها إلى نهلة وزهيرة الذين انحنوا بجسدهم ليحاولوا أن يعيدوها إلى وعيها.
أما هي فتحرك قلبها إلى ذلك الصغير الباكي *معاذ* فحملته وربت على ظهره حتى استكان وعاد إلى النوم مرة أخرى.
لتضعه في سريره مردفة: نام دلوك يا عريس بنتي، عقبال ما أطمن على حماة بنتي المكلوبة ربنا يصبرك ويربط على قلبك يا زاد. وأنت يا جوز بنتي، أوعاك تطلع زي أبوك عينه زايغة على النسوان، اِطلع زي عمك باسم طيب وحنين بس أقولك بلاش لا تطلع بردك كيف عمك باسم، جوز الاتنين ده إلا تعملها وتجوز على بنتي أقتلك. أقولك اطلع كيف جابر الله يمسيه بالخير ولا مسالم جوز خالتك قمر، دول تحس أكده أنهم من كوكب تاني غيرنا. وبكرة تندم ست بانة أنها هملت الراجل ده.
ثم استدارت لتجدهم قد ساعدوا زاد على النوم في فراشها بعد أن عاد لها وعيها ولكنها ما زالت في حالة صعبة ولا تكف عن البكاء تارة والصراخ تارة أخرى.
زهيرة برجاء: بس يا بنتي، حرام عليكِ نفسك أكده، طيب عشان ولدك أهدى شوي.
فأشارت نهلة إلى زهيرة: يا حاجة مش هينفع معاها كلام دلوك أنا خابرة، وبردك مش هينفع نسيبها على الحالة دي اللي تعمل في نفسها حاجة ولا يجرالها حاجة من كتر البكي.
زهيرة: طيب في إيدينا إيه يا بنتي نعمله؟
نهلة: نشبع نجيب لها دكتور، يديها حقنة مهدئة تريح أعصابها شوي وتنام.
زهيرة: أيوه عندكِ حق يا بنتي، أنا هكلم باسم عشان هو اللي يعرف ويبعت لنا دكتور.
نهلة: أيوه بسرعة قبل ما حالتها تتعب عن أكده.
لتتصل بالفعل على باسم الذي امتلكه الحزن عليها وأجابها: حاضر يا أما هشيع ليها دكتور حالًا، وخلوا بالكوا مني ربنا يصبرها ويصبرنا.
*****
خرج زرارة ينتفض من الخوف ووقف أمام حمدى الذي لاحظ ارتباكه فضحك ساخرًا بعد أن نفث دخان أرجيلته في وجهه مردفًا: إيه يا سبع البرمبة. فالح بس مستعجل وسابها مش كنا موتناها وخلصنا أحسن منها.
ليصدمه زرارة بقوله: ما أهي ماتت يا واد عمي، بعد ما نزفت كتير عشان كانت حبلى.
فوقف حمدي متصلبًا وللحظة شعر بانقباض قلبه ولكن سرعان ما عاد لطبيعته الشيطانية وضحك بهيستيرية قائلًا: ومالك أكده شكلك زي الفار المبلول عتنتفض، ما في داهية هي وأشكالها.
زرارة بخوف: بس احنا كنا متفقين على أكده، مش موت يا واد عمي وأكده ممكن يعدمونا لو اتجفشنا.
ازداد لعاب حمدى من القلق ولكن حاول الثبات: سيبك بقى، ومش هيجفشونا ولا حاجة متقلقش. المهم دلوك تحطها بسرعة في شوال وتاخدها على أي ناحية مهجورة بعيد عن البلد وترميها وترجع طوالي عشان عايزك تبلغ ستك حسنية على عنوان الشقة الجديدة تجابلني هناك. ومتنساش تجيب معاها ورقة وقلم عشان هكتب عليها عرفي عقبال ما تتطلق من الخرونج جوزها.
تمعض وجه زرارة وحدث نفسه: هو إحنا في إيه ولا إيه؟ لا ومصدق نفسه أنه بالورقة دي عتكون حلاله ومراته وهي أصلًا لساها على ذمة راجل، يعني هتجوز على جوزها. يا حلاوة يا ولاد، ده زي ما يكون فيلم هندي. بس أنا مالي، يعمل اللي عايزه وربنا يستر في المصيبة اللي وقعت فيها وراحت لقطة القشطة دي مني.
ليستطرد: حاضر يا سيد الناس اللي تؤمر بيه، ثم ولج مرة أخرى إلى قمر فتطلع إلى وجهها المستدير بحزن مرددًا: خسارة والله تموتي قبل أوانك يا ست الستات بس عمرك أكده بقى. يلا ارتحتي من هم الدنيا ده ومن الخسيس حمدي. وأكده كان جوزك عيموتك لما ترجعيله عشان يغسل عارك، لما يشوف صورك مع حمدي. وأكده أحسن موتي دلوك أحسن ما تكوني موتي من الضرب على يده.
ثم أحضر شوال، وحملها ووضعها فيه وربطه بإحكام ثم حمله على ظهره وخرج به ووضعها في السيارة، وسار به حتى وصل إلى أطراف القرية وألقى بها بين الزرع وفر هاربًا.
لينطلق مرة أخرى إلى حسنية.
أما حمدى فأخرج هاتفه وتمعن في النظر إلى صور قمر مرة أخرى ثم أخرج زفيرًا حارًا مردفًا: والله كنتِ حتة جاتوه يا بنت، بس يلا في ستين داهية بقى، وفيه غيرك خلاص يعوضني. ودلوك أبعت للخروف جوزها الصور عشان أنكد على اللي جابوه ويعرف أنه كان غلطان لما اتهف في عقله واتجوز واحدة زي قمر. ولسه كمان لما ياخد الصدمة التانية ويعرف أنها خدت الشر وراحت. ياااه نفسي أشوف شكله ساعتها.
ثم بضغطة على هاتفه بعث الصور إلى هاتف مسالم الذي حصل عليه من أحد رجاله.
ثم أخرج الخط الذي بعث به تلك الرسائل وكسره ووضع خطًا جديدًا.
****
أما حسنية فكانت في منزلها تطوف به بسعادة بعد أن تخلصت من جاسر، وتهفو إلى اللحظة التي تجتمع بها مع حمدى بعد أن عشقته ورأت به الراجل اللي يناسبها وتتطلع معه إلى حياة أفضل من جاه ومال وسلطان.
لتجلس بعد ذلك أمام مرآتها تتجهز للحظة التي يأتي بها حمدى إليها، فوضعت كثيرًا من الزينة على وجهها، لتشبه عروسة المولد، ثم مشطت شعرها الغجري ورفعتها كذيل الحصان.
ثم وقفت وتقدمت من خزانة ملابسها وأخرجت فستان قصير ضيق.
لترتديه ثم تعود إلى المرآة لتنظر لهيئتها بإعجاب ثم طبعت قبلة في الهواء لذاتها مرددة: إيه الجمال ده كله يا بنت!! ده حمدي لما يشوفك دماغه عتطير. بس وحشني ومش خابرة اتأخر أكده ليه؟
وعندما أنهت جملتها سمعت رنين الباب فتفوهت بلهفة: حمدي.
وأسرعت نحو الباب وفتحته وعينيها تلمع من الفرحة ولكنها وجدت زرارة الذي صدم من هيئتها تلك وظل للحظات متجمد مكانه لا يكاد يرفع عينيه من عليها وقد فتح فمه ببلاهة ولمعت عينيه.
لتخرجه حسنية من شروده قائلة بحدة: واقف متسمر أكده كده ليه يا ولا! أنطق فين سيدك حمدي؟ جه وراك مش أكده؟
حاول زرارة إخراج صوته بصعوبة: هو مش جي إهنه وبعتني عشان أقولك تجابليه فين؟
حسنية بلهفة: فين يا ولا؟
زرارة: شقة في المنطقة الجبلية متجهزة من مجاميعها يا عروسة وألف مبروك مقدمًا.
ابتسمت حسنية: الله يبارك فيك، عقبالك.
فطالعها زرارة مردفًا: يا ريت بس ألاقي واحدة بجمالك. تفتكري موجودة؟
فضحكت حسنية بدلال قائلة: لا مفيش غير حسنية واحدة.
فحدث زرارة نفسه: الحمد لله أنها واحدة ولا كانت البلد خربت أكتر منها خربانة. بس أعمل إيه وأنا مش قادر أهملها وأمشي ولو عملت حركة أكده ولا أكده، ممكن حمدي يكتلني فيها.
ثم لاح على عقله فكرة خبيثة، فأخرج محفظته المملوءة بالمال، فاتسعت عين حسنية على آخرهما، ولاحظ نظراتها الطامعة تلك.
فاستطرد: بقولك إيه يا ست حسنية متعرفيش واحدة أكده، أقضي معاها ليلة فرفشة وأديها كل اللي عايزاه. إن شاء الله تاخد الألفين جنيه اللي حيلتي دي بس تدلعني.
فتحت حسنية فمها وعينيها مسلطة على محفظته مردفة: ألفين جنيه حتة واحدة عشان ليلة.
زرارة بمكر: وزيادة كمان، ده غير إني حنين جوي وأعجبك وكمان كتوم، محبش أتكلم مع حد في مزاجي أبدًا.
فطالعته حسنية بقلق وتساءلت: يعني متعجولش لحد واصل اللي حوصل.
فأقترب منها زرارة حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلفح عنقها، فتراجعت للوراء، فولج زرارة للداخل وأغلق الباب من ورائه وتابع بنظرة رغبة: لا معجولش أبدًا، عشان متحسدش على الحلاوة دي يا ناس.
فتغنجت حسنية أمامه مرددة: يوه يا ولا، قفلت الباب ليه؟
ليقترب منها زرارة ووقف أمامها وحاوطها بذراعه وغمزها بإحدى عينيه قائلًا: خوفت ألا تستهوي يا ست الستات وتعالى أقولك كلمة سر جوا في الدفا على السريع أكده، قبل ما تروحي شقة الزوجية.
ثم أطلق ضحكة شيطانية وحملها بين يديه، ودلف بها للداخل ليقضوا لحظاتهم فيما حرمه الله وتهتز له سبع سموات.
وما فعله حمدى يُرد له، فكما تدين تدان.
ليقضي زرارة منها وطره، وينظر إلى ساعته ليقفز من التخت مردفًا بفزع: يخربيتك الوقت معاكِ عيطير وزمانه حمدي هيولع نار في الشقة لحاله ومستنيكِ.
فتوترت حسنية وترجلت سريعًا من التخت مردفة: طيب روح أنت دلوك ومتنساش تسيبلي الفلوس وكل ما تجمع زيهم، تعالى أدلعك.
فغمزها زرارة مردفًا بمرح: أحبك يا مدلعني.
ثم سارع زرارة في ارتداء ملابسه وخرج مسرعًا ولكنه لم يكف طوال الطريق على الضحك وحدث نفسه: مبروك عليك العروسة بنت الأصول يا سيد الناس. وكيف بس مفكرتش أنها كيف ما باعت جوزها،
عتبيعك أنت كمان.
_ دي حمار فلوس وميملاش عينيها إلا التراب.
_ بس صراحة تستاهل، وعاملة زي المهلبية بالمكسرات.
******
دار حمدي حول نفسه في تلك الشقة التي استأجرها في انتظار حسنية.
حمدي: هي إيه اللي آخرها أكده؟ يكونش البهايم زرارة موعهاش على العنوان كويس وتاهت؟ آه منا خابرها عاملة زي الجطة المغمضة ومتعرفش حاجة. بس أنا بعون الله، تفتحها على أيدي وأعلمها كل حاجة عشان تعلم ولدنا بس تيجي وأول درس أعلملها هو الحب. آه يا ناري، تعالي يا بت أتوحشتك جوي.
ليسمع طرق خفيف على الباب، فذهب مسرعًا ليفتح ليجدها هي تطالعه بابتسامتها التي ذهبت بلب عقله، ليأخذها من يديها للداخل وأغلق الباب ثم ضمها بشدة حتى كاد أن يكسر أضلعها لتقول: براحة شوية يا سي حمدي، مش جدك أنا دراعي يا راجل.
حمدي مشددًا عليها: هو أنتِ لسه شوفتي حاجة مني، أنا عنسيكِ أصلًا إنك كنتِ متجوزة، وكأني أول راجل في حياتك وعاتكوني أم عيالي كمان.
ثم أبعدها برفق وهمس: بس جولي عشان العيال يبقوا ولاد حلال مش حرام.
_ زوجتك نفسي أهو أكده بالقول عشان أنا مستعجل ومش لسه عاكتب ورقة عاد.
فضحكت حسنية وأجابت: أحب أنا المستعجل.
_ وزوجتك نفسي يا نفسي أنتِ وحياتي كلاتها.
لينهال عليها بقبلاته ثم يحملها لغرفة النوم ليقضوا أول أيام حياتهم الزوجية المنيلة بنيلة.
**********
جلس براء غير مستوعب ما يدور حوله أو ما يقوله حسام عما فعله وتلك الصور الفاضحة له التي انتشرت بسرعة الصاروخ عبر المواقع. فوضع يده على رأسه بألم، فما عاد يتحمل ما حدث له ثم قام فجأة وأشار إلى حسام بعصبية: أنا عايز البت دي دلوق يا حسام.
_ عشان أعرف ليه عملت أكده ومن وراها، وليه عايزين يحكموا مستقبلي للدرجة دي ويخربوا بيتي.
فطالبه حسام بالهدوء قائلًا: طيب أقعد شوية يا براء وهدّي نفسك، عشان تعرف تفكر كويس هتتعامل معاها إزاي. لأنك لو شوفتها وأنت بالعصبية دي، البنت هتخاف ومش هتقول حاجة.
_ بس المشكلة يا براء في الصور، اللي هتفضل معلمة في عقول الناس وعمرها ما تتمحي أبدًا حتى لو عرفوا إنك مظلوم.
فقبض براء على يديه بغضب قائلًا: حسبي الله ونعم الوكيل. أنا كان عندي الموت أهون من الفضيحة دي، وأكيد كل القيادات عرفت الخبر. وأكيد بردك قرار فصلي عن العمل جاهز من غير ما يعرفوا الحكاية الأول.
حرك حسام رأسه بأسى واستطرد: أيوه للأسف، بس اللواء محمد بيقول الأفضل تقدم استقالتك بنفسك.
فضحك براء بوجع: آه عشان شكلي أكده أحسن يعني، مش هتفرق يعني.
_ ده أكده الفضيحة بقت على عينك يا تاجر. بس أنا مش هسكت يا حسام والبت دي أنا هكتلها بيدي لو معرفتش وقالت مين وراها.
فزفر حسام ووضع يده في جنبيه وقال: وعشان كده يا براء مش هقدر أستدعيها طول ما سيادتك بالعصبية دي، عشان متقعش في جريمة تانية. وعشان كده هأجل المواجهة بينك وبينها شوية وأكيد لما يجي دكتور باسم وتقعدوا مع بعض ده هيساعدك إنك تفكر كويس بهدوء.
فأغمض براء عينيه بألم وردد: باسم أخوي جي، يعني وصله كل حاجة وشاف الصور وعيجي يشوفني في الحالة دي كمان وتجولي أهدى، أنا أكده عاتجنن أكتر.
_ ويعالم حالة مرتي إيه هي كمان بعد ما شافت الصور أكيد هتجنن ومصدقة لأنها خذلتها جبل سابق ودي التالتة.
********
حاول مسالم الثبات ليهدئ من روعه قليلًا ليتصل على محمود وعندما جاء ليتصل عليه وجد أن هناك رسائل من رقم مجهول قد وصلت إليه. فسارع إلى فتحها ربما كانت معلومة تدله على مكان قمر.
ليقف مذهولًا أمام فاجعة ما رأت عينيه، وارتعش جسده حتى أن الهاتف سقط من يده ليصرخ: لااااااااااااااا. لاااااااااا، يارتني موت قبل ما أشوف اليوم ده. اااااه يا قمر، أنا السبب في اللي حصلك ده. أنا اللي مكنتش جد الأمانة اللي حملتهالي. اااااه يا نار جلبي. ماشي يا حمدي، مش عاسيبك وربنا عاسيبك وأول ما أيدي تتطولك عاخد بتار مرتي منيك وعاغسل عاري بقتلك. ودلوق عاخد سلاحي وعادور في كل شبر في البلد ومش هرجع إلا لما أقتلك بيدي يا حمدي.
ثم أخذ بالفعل سلاحه ونزل إلى الشارع والشر يتطاير من عينيه وقابله زميله الذي يقوم على حراسة المنزل فاستوقفه بقوله:
_ مسالم مالك أكده شكلك متغير وعاتجري، فيه حاجة حصولت مرتك بخير؟
ولكن مسالم لم يعره انتباه واستمر في الركض.
فحدث نفسه الرجل: هو فيه إيه؟ مبيردش ليه ده؟ لما أتصل بالباشا أجوله يمكن يكون عارف حاجة.
….
فما سيحدث له أن علم بوفاة قمر التي كانت له روح الروح ونبض القلب. يااه على وجع القلب.