تحميل رواية اولاد الجبالي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رأى عصام قوات الشرطة تحيط به فأدرك إن براء كان يخدعهم لذا صاح بصوت عالٍ: كنت قلبي حاسس إنك هتعملها يا براء. بس يكون في علمك أنا لو مخرجتش من هنا سليم أنا وبنتي والشحنة. هف.جر الحزام الناسف اللي حوالين وسط مراتك يا سيادة النقيب؟ فاتسعت عين براء من الصدمة وأرتخى فكه السفلي ونظر إلى زاد وتمنى أن تقول إن هذا كذب ولا ترتدي شيئًا. ولكن للأسف أكدت له بدموع عينيها التي انهمرت وكلماتها التي وقعت كالخنجر في قلبه: هموت يا براء أنا وابنك. بس عايزة قبل ما أموت أقولك سامحني إني شكيت فيك واتهمتك ظلم إنك خاين ب...
رواية اولاد الجبالي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيماء سعيد
أسرع باسم إلى والديه في المستشفى، وولج إليه.
فقطب منصور جبينه وأردف بإنفعال:
"أنتم عملتم إيه فيه يا ولاد زهيرة، وكيف رمتوني في المستشفى أكده؟"
عبس باسم وعندما أراد أن يجيبه باغته منصور بقوله:
"بس أنا خابر عملتوا إكده ليه؟ عشان مش طايجين مرتي نهلة ومتستكترين عليا الفرحة، بس لا أنا هطلع وأعرفكم مين هو منصور الچبالي. وهطردكم كلكم برا وهعيش أنا ونهلة بس عشان ميجدرش حد فيكم يدوس لها على طرف تاني."
تجمد باسم وهو يتطلع إلى والده بذهول غير مصدق ما يقوله عنهم، فانفجر غاضباً بقوله:
"نهلة يا أبوي اللى عايز تبعنا كلنا عشانها وتطردنا، هي اللى السبب إنك تدخل المستشفى دي. هي كانت عتطحلك السم في الوكل والشرب وكنت عتموت فيها لولا ستر ربنا."
اتسعت عين منصور وحرك رأسه بنفي:
"لاااا انت كداب. أنتم أكيد اللي عملتوا أكده عشان أموت وتورثوني لكن نهلة لا هي عتحبني أنا متوكد من أكده. وأنا عايزها، هي جت معاك، شيعلها وأخرج انت برا مش عايز أشوف حد فيكم."
فضحك باسم ضحكة ألم مردفاً بسخرية:
"لا حضرتك تجوم بالسلامة وبعدين تچيب عيش وحلاوة وتروح تزورها في السجن بنفسك."
كادت مقلتا منصور أن تخرج منه من الصدمة وهدر بقوله:
"سجن إيه يا طور انت وليه؟ انت أكيد هتهزر صوح!!"
باسم:
"لا مش بهزر، نهلة اتسجنت لأنها السبب في حالتك وفعلاً لقوا في دولابها أعشاب السموم اللي كنت عتخدها دي. يعني كانت عتخدعك وتضحك عليكِ ومش بتحبك. ومجوزاك عشان الفلوس واستعجلت كمان قدرك عشان تموت وتورث."
حرك منصور رأسه بنفي:
"لاااا يستحيل أصدق، يستحيل."
ثم دمعت عيناه وأخذ يتمتم:
"هي تحبني، محدش عمره حبني غيرها ولا شوفت كلام ولا حنان إلا منها. فكيف تجولوا أكده عليها وتحرموني منها."
اندهش باسم من ردة فعله ولا يعلم لما أشفق عليه، فهو أيضاً قد تعلق قلبه بملك ويعلم مرارة الحب. فتقدم منه وحاول أن يربت على كتفه بقوله:
"كلنا عنحبك يا بوي، بس أنت مش شايف حد غيرها."
فأبعد منصور يده بغلظة مردفاً:
"لا محدش عيحبني، كلكم عتكهروني وأولكم أمك."
ثم حاول التحرك مردفاً:
"أنا عجوم وأروح لنهلة وعطلعها وهعيش معاها، وأطردكم كلاتكم."
ولكنه عندما تحرك شعر بثقل في رأسه، فخانته قواه ورجع برأسه على الوسادة في شبه إغماء.
فاضطرب باسم وأسرع إلى الطبيب الذي أتى ورأى مؤشراته الحيوية التي كانت تحسنت، تراجعت مرة أخرى.
فعبس بقوله:
"إيه حصل، ده كان كويس جدا. انت قولت حاجة زعلته، وفين نهلة ياريت تجبها ضروري؟"
فطالعه باسم بحزن مردفاً:
"معينفش واتصرف معاه."
فأشار الطبيب إلى الممرضة لتعد له حقنة من شأنها تريحه بعض الشيء، ليلقى باسم عليه نظرة أخيرة ثم التفت مغادراً.
حمدي في معمل المواد المخدرة:
"شهلوا جوام، عشان البيه حمدان عايز يسلم النهاردة."
أحد الرجال:
"خلاص هانت يا كبير، عنجفل أهو الأكياس بالبودرة والحبوب كيف ماهي في العلب."
حمدي:
"تمام، لما اتصل بالقمر حجى، عشان تحلى الصفقة بطلتها."
فاتصل بها وهى في طريقها إلى مقابلة براء في شقتهم.
فأغمضت عينيها بحزن وتمتمت:
"لسالك يا حمدي، عتدعبس ورايا، بس ماشي خلاص هانت، هخلص منك يا واطى."
فاستجابت له:
"أهلا يا حمدي، كيفك؟"
حمدي:
"بخير يا جمرى. وعايزك الليلة، في نفس المعاد والمكان عشان نسلم المطلوب."
فابتسمت قمر محدثة نفسها:
"كويس أنها چت بالسرعة دي، خلينا نخلص منهم الليلة."
فاستجابت له بقولها:
"وماله يا حمدي، ماشي. بس على شرط."
حمدي:
"أشرط يا معلمى، أنتِ تؤمرى."
قمر:
"حمدان، يكون موجود في التسليم؟"
اتسعت عين حمدي مردفاً بصدمة:
"كيف ده؟ ده البيه بذات نفسه عيتابع بس لكن مينزلش واحنا عنفذ."
قمر:
"هو ده شرطي يا حمدي ولو وافق هبيت حداه الليلة."
فصاح حمدي:
"لا شكل دماغك باصة للتجيل جوي يا قمر. مكتيش إكده، إيه حوصل؟"
زفرت قمر بغصة مريرة:
"اتعلمت منك يا حمدي."
فضحك حمدي:
"مكتش خابر إني أستاذ أكده، بس ماشي يا قمرى. وحلو جوي الشغل ده، وحمدان عينغغك اكتر من براء كمان وساعتها عينبوني من الحب چانب ولا إيه."
قمر بدلال مصطنع:
"آه طبعاً ما انت اللي في الجلب يا حمدي."
ثم حدثت نفسها:
"ياريتهم يخلوني أعدمك بيدي عشان أشفي غليلي منك يا حمدي."
لتغلق معه الخط ثم ترفع بصرها إلى السماء تناجي ربها وتستغيث به مردفة برجاء:
"يارب أنا خابرة إني غلطت كتير جوي جوي وغلط مش بسيط دي كبيرة من الكبائر البشر عمرهم ما عيساامحوا واصل فيها، لكن خابرة إنك أحن من البشر وإنك جادر إنك تسامحني وتجعلني من أهل المغفرة بمشيئتك. يارب سامحني غرني جمالي بس فوجت على مصيبة وندمت وعرفت أن القرب منك النچاة والبعد عنك هلاك. فتمبعدنيش عنك بعد ما قربت، طب لو عتبعدني هروح فين دي الأرض أرضك والسماء سمائك ومليش غيرك وسلمت أمري ليك."
ومع كل كلمة كانت عينيها تذرف دموع الندم حتى أوشكت على الوصول إلى شقتها مع براء فدق قلبها بشدة حتى أنها رددت الشهادة بعد أن أدركت أنه ينوي على قتلها.
ثم وقفت السيارة أمام المنزل، فشعرت بثقل رجليها وكأنها لا تستطيع تحريكها من الخوف، كما ظهر ذلك على وجهها الذي تحول لونه للأصفر من كثرة الفزع.
وجاهدت بعد أن فتحت باب السيارة أن تخرج منها رجليها الثقيلة فبكت، فالتفت لها سائق السيارة الذي كان فرداً من الأمن ولا تعلم فحدثها باطمئنان:
"انزلي ومتخافيش المكان محاصر والشقة أصلاً فيها كمان حضرة الظابط لؤي."
فاتسعت عين قمر مردفة باندهاش:
"انت تبعهم، كنت بفتكرك سواق عادي."
أمين الشرطة ويدعى مسالم:
"ده لازم عشان نحميكي ويلا أمسحي دموعك دي وانزلي وربنا وكيلك وأنا حاسس بندمك وسمعت دعائك وربنا سبحانه ما بيردش إيد رفعتله بالدعاء."
فلمعت عين قمر وابتسمت له ابتسامة امتنان لتطمئنه لها.
ثم نزلت بالفعل مردفة:
"عليك التكلان يارب. وكل أمرك خير والشر ليس إليك."
رأها براء الذي كان ينتظرها بفارغ الصبر من الشرفة، فلمعت عينيه بالشر وتوعدها بقوله:
"چيتى لقدرك يا قمر، بجا كل الفترة دي كنتي عتخدعينى وتخونيني، أنا براء الچبالي. ياااه يا وجع جلبى وأنا اللي فضلتك على ست البنات زاد وجولت أنتِ الحب والچمال لكن هي إيه مجرد ست واتكتبت عليا بالغصب مرتي، لكن سبحان مغير الجلوب لجيت نفسي حبتها مش عارف كيف بس ضميري كان هينأبني عشانك وفي الأخر تعملي كده فيا."
ثم سمع براء صوت مفتاح الباب، ليسرع إليها.
فدلت قمر وعلامات التوتر بادية على محياها وفزعت عندما رأت في عينيه الشر فارتجفت وتراجعت للوراء.
فابتسم براء بتهكم مردفاً بسخرية:
"إيه مالك يا قمر، ووشك مفزوع ليه أكده، تعالي قربي، ده أنا براء حبيبك وچوزك."
أومأت قمر برأسها:
"آي نعم."
وحاولت السيطرة على نفسها واقتربت منه على حذر، تتلفت حولها، كأنها تستنجد بذلك الظابط لؤي المتخفي.
ثم تفاجئت بصفعة قوية على وجهها من براء هادراً في وجهها بقوة أفزعتها فصرخت:
"آه."
ليثور براء بقوله:
"آه وهو أنتِ لسه شوفتي حاچة."
ليمسكها بعد ذلك من ذراعيها الاثنين وأخذ يحركها مراراً تارة للأمام وتارة للخلف هادراً بقوله:
"لمين بعتيني يا قمر؟ وكنتي عتوصلي ليه المعلومات، ومن ميتى عتتواصلي معاهم. ويعني كل اللي بينا ده والحب ده كله كان وهم وعتخدعينى يا خاينة."
صرخت قمر:
"أناااا يا براء."
ولكن براء قطع حديثها بقوله:
"أنتِ إيه بالظبط! أنتِ يستحيل تكوني إنسانة، أنتِ أكيد شيطانة. أنا عملت فيكي إيه عشان تعملي فيا أكده، ليه تطعنيني في ضهري وأنا اللي أمنتِك على اسمي وشرفي وحطيت الدنيا كلها تحت رجليكي، بس مكنتش خابر إنك تطلعي واطية للدرجاتي وتحطي راسي في التراب، أنا المقدم براء الجبالي. اللي كان اسمي يرن في كل مكان بسبب نزاهتي، وفي الأخر يطلع أمر بالقبض عليه كيف المجرمين عشان خونت الأمانة بسبب حشرة زيك. ليه تدمرينى، ليه أنا عملت فيكي إيه؟"
ثم حاولت قمر التحدث والدفاع عن نفسها مردفة ببكاء:
"أنا كان غصب عني صدقني، مكنتش عايزة ده يحصل. ولا كنت عايزة الأمر بينا يوصل للدرجاتي. سامحني يا براء."
فضحك براء ضحكة ألم مردفاً بغصة مريرة:
"أسامحك. ده انتِ كتلتيني يا قمر، وأنا دلوك عاخد بتار نفسي."
ليخرج بعدها براء سكيناً كان يخفيه تحت قميصه.
فصرخت قمر:
"عتعمل إيه يا براء؟ أنا خابرة إني أستاهل والله، بس بلاش عشان خاطرك انت ومستقبلك، كده عتضيع، حرام عليك نفسك."
فحرك براء رأسه مردفاً بإنهزام:
"أنا خلاص ضعت بسببك."
ثم حرك السكين ليصوبها نحو صدرها هادراً:
"ودلوك لازم تموتي، ويموت معاكي شرك، أيوه الخاين ملهوش غير الموت."
ولكن براء وجد يد من خلفه قد أمسكت به بقوة، فاتسعت عيناه بصدمة، ثم التفت ليرى من، وكيف دخل؟ وصدم عندما رأى وجهها مألوفاً فردد:
"لؤي، كيف دخلت إهنه؟ وسيب يدي بجولك، ولا انت كمان معاها تبع المجرمين."
لؤي بتفهم:
"أهدى يا براء ومعاهم إيه بس!!"
ثم وجد مجموعة من أفراد الأمن قد ولجت وأحاطت به.
فحرك براء رأسه بعدم فهم مردفاً:
"هو إيه بيحصل، حد يفهمني؟"
لؤي:
"اللي بيحصل أن حضرتك غلطت وكمان عايز تصلح الغلط بغلط أكبر يا سيادة المقدم. وتنهي بيه حياتك المهنية خالص وتخسر نفسك وحريتك."
توتر براء:
"أناااا، بس هي تستاهل، تستاهل. بس انتوا إزاي عرفتوا وجيتوا، أنتم كنتم بترقبوني؟"
لؤي:
"لا يا سيادة المقدم، إحنا عرفنا من الست اللي عايز تقتلها دي، لأنها رغم خطأها البشع اللي عملته في حقك وحق نفسها، إلا أنها فاقت في آخر لحظة وبلغت عن المجرمين دول وساعدتنا إننا نرجع حق البلد وكمان نقبض عليهم متلبسين.. وكمان الأهم إننا نحميك من نفسك."
ضحك براء ساخراً:
"يعني بعد اللي حصل ده كله عرفت إن الله حق، ومتوقع مني إيه، أسقفلها وأجولها برافو ولا هتفضل طول عمرها في نظري حية خاينة."
لؤي:
"مش مطلوب منك ده، لكن على الأقل نحميها منك وهي هتتجازى لسه بالسجن."
ثم أشار لؤي إلى القوة للقبض على قمر.
ثم طالع براء بأسف مردفاً:
"وللأسف انت كمان مطلوب القبض عليك يا سيادة المقدم."
فنكس رأسه براء بخزي ثم رفعها لينظر إلى قمر نظرة طويلة بعتاب فأدارت وجهها وبكت لأنها تعلم أنها السبب في ذلك.
فأراد أن يبطش بها وحاول أن يمد يده عليها مردفاً بهدر:
"أنتِ السبب، منك لله، ياريتني ما شوفتك ولا عرفتك."
ولكن لؤي أمسك يده مرة أخرى مردفاً:
"قولنا إيه يا سيادة المقدم، ملهوش لزوم خلاص الغضب وكل واحد هيتحمل نتيجة غلطته عشان يتعلم منها."
فأومأ براء له برأسه.
لؤي بحرج:
"ودلوقتي تتفضل حضرتك معايا في عربيتي الخاصة، لأني مش هقدر طبعاً أخليك تركب البوكس."
فنظر لها براء بامتنان مردفاً:
"وأنا تحت أمرك، يلا بينا."
ثم أشار لؤي إلى أحد أفراد الأمن بأخذ قمر إلى سيارة الشرطة.
ولكن براء التفت مرة أخرى إلى قمر مردفاً:
"قم"
فطالعته قمر بغصة مريرة دون أن تتحدث.
براء بتنهيدة ألم:
"أنتِ طالق يا قمر."
فشهقت قمر وبكت بشدة.
ثم سار براء مع لؤي ثم تبعتهم قمر التي لم تكف عن البكاء، وعندما جاءت لتركب سيارة الشرطة، وجدت أمين الشرطة الذي أوصلها أمامها، فتعجبت لنظراته الحانية وابتسامته لها ووجدته يقول لها:
"شدة وتزول يا قمر واعتبريها فترة كده نقاهة من الدنيا ولي فيها، وتستعيدي فيها نفسك اللي نسيتيها. ودوري على قمر اللي جواكي، قمر اللي وشها كيف الملايكة بس جلبها كان كيف الوحوش. دوري عليها وهتلاقيها جلبها أبيض بس هي كانت عترسم نفسها حبتين. وأنا متأكد إنك عتلاقيها وكمان متأكد إنك فترة صغيرة وعتطلعي للدنيا تاني."
طالعته قمر باندهاش ولكنها تنهدت بمرارة مرددة:
"ولا أطلع، هطلع أعمل إيه بعد ما خلاص الكل عرف إن قمر مشيت غلط وخاينة، مين عيجدر يبص في وشي وعيتغمازوا عليا، فالسجن عندي أحسن."
فحدثها مسالم (أمين الشرطة):
"مش يمكن تلاقي واحد عيحبك صوح وعايز تعيشي معاه حياة تانية على الحلوة والمرة وأنه الوحيد اللي شايف الحلو اللي جواكي دونا عن الخلق كله."
فاتسعت عين قمر وأردفت:
"وه _ معقول ده. ده أنا أعيش خدامته العمر كله. بس فين؟"
مسالم مبتسماً:
"عتخلصي أنتِ مدتك وعتطلعي عتلاقييه قدامك."
ظهرت الصدمة على وجه قمر وفتحت فمها ببلاهة متسائلة:
"معقول يكون قصده عليه، لا أنا شكلي عحلم. مش معقول حد واصل يفكر في واحدة زيي بعد اللي حصل ده."
ثم تحركت السيارة فودعها مسالم بإشارة من يده.
أما براء فجلس بجانب لؤي في السيارة مهموماً وكأن هموم العالم كله قد أصابت قلبه، ثم شرد في زاد فابتسم دون وعي وهمس لنفسه:
"وحشتيني جوي، وحشتني عيونك اللي عتطلع دفء وحب، وحشني كل حاجة فيكي، حتى عصبيتك اللي من ورا جلبك وحشتني. ياااه للدرجاتي كنت عبيط ومش مقدر الكنز اللي كان بين إيديا. ياريت تسامحيني يا زاد، صدقيني أنا كنت مغفل وإن جلبى عمره ما حب غيرك أنتِ وبس."
ثم أخرج هاتفه وبعث لها رسالة:
"حبيبة جلبى زاد، صدقيني مفيش في جلبى غيرك وأنا خلاص طلقت قمر وعايزك تسامحيني على كل دمعة نزلت من عيونك الحلوة بسببي وأوعدك أعوضك عن كل لحظة حزن حسيتيها بقلبك الأبيض ده بس دلوقتي أنا محتاج دعواتك جدا. ادعيلى يا زاد، ادعيلى وهتوحشينى جوي جوي."
وصلت الرسالة إلى زاد، فلمعت عينيها بالفرح عندما علمت أنه طلق قمر وأنه بالفعل يحبها هي ولكن سرعان ما عبست مرددة:
"بس خايفة يكون ظلمها وطلقها عشاني واتحمل ذنبها."
ثم شعرت بغصة في قلبها مرددة:
"بس جلبى عيجولي فيه حاجة وحاجة وعرة جوي ورا الموضوع ده، وليه عيجولي ادعيلى وعتوحشينى. كيف عوحشه وهو خلاص طلق مرته، يعني بجا ليا لحالي ومفروض دلوقتي يجى يرمي نفسه في حضني. وأعلمه كيف الحب من الأول ونبتدي صفحة جديدة ويعرف جد إيه أنا أحبه ويعرف أنه النفس اللي يخليني عايشة لدلوقتي. وبعده وحبه لمرته الأولى كان عيجنني وياما نمت دموعي على خدي وكنت حاسة إني عموت ومش عتطلع عليا شمس."
ثم تابعت بقولها:
"لا أنا لازم أتصل بيه وأشوف فيه إيه؟"
اتصلت زاد به بالفعل، فاغمض عينيه براء متألماً بقوله:
"مش عايز أضعف أكتر من كده قدامك يا زاد، مش جادر أرد عليكي صدقيني."
ولكن زاد كررت الاتصال مرات عديدة فلم يجد مفر من الرد مردفاً:
"زااااد."
تحرك قلب زاد لسماع اسمها منه لأول مرة، لأنه خرج بآهات مكتومة وكأنه بث روحها قشعريرة سرت في أوردتها تحمل السعادة والقلق معاً.
فتحدثت بقولها:
"فيك إيه يا براء، قولى؟"
تنهد براء بألم:
"مفيش أنا بس مسافر مأمورية شغل وعغيب شوية عشان كده بجولك عتوحشيني وادعيلى."
حركت زاد رأسها بغير مردفة بغير تصديق:
"لا أنا جلبى حاسس إن فيه حاجة، أنت تعبان ومش عايز تجولي صوح."
براء:
"أنا فعلاً تعبان وأنا بعيد عنيكى يا زاد، ونفسي أشوفك وارمي نفسي في حضنك، عشان أحس بالأمان اللي افتقدته من سنين، أنا مكنتش أتصور إني بحبك للدرجة دي، ونفسي أتمم جوازنا ولا مصممة بردك يكون على الورق بس."
فشهقت زاد:
"وه _ بجولك أجفل أجفل عشان سمعت صوت برا."
فابتسم براء لحيائها واطبق على شفتيه ندماً لأنه لم يستمع لصوت العقل واتبع هواه مع قمر.
تهللت أسارير محمود عندما جمع كل الأدلة على براءة نهلة، تلك الفتاة التي أثرت قلبه بنظرة من عينيها التي وجد لها حنو وطيبة وتضحية لا مثيل لها.
لذلك أسرع إليها ليبشرها أنها في طريقها للحرية مجدداً.
وبالفعل تقابل معها، ووقف أمامها يطيل النظر إليها، فاخفضت رأسها خجلاً ثم رفعتها مرددة:
"شايفة في عينيك كلام كتير بس المرة دي جلبى عيجولي خير. فجول يا بيه وريح جلبى الله يريح جلبك."
فتنهد محمود مردفاً بعشق:
"ومين يريح قلبي أنا، غيرك يا نهلة."
فتلون وجهها بالحمرة من فرط الخجل، فابتسم محمود مردفاً:
"خلاص خلاص وأنا كمان آسف، بس صدقيني غصباً عني بس خلاص هانت أوي تخلصي من منصور وتبقى حرة نفسك بس بعديها هكلبشك أنا."
فظهرت الفرحة على وجه نهلة مردفة:
"بچد يا بيه! جول والله أكده."
ابتسم محمود مردفاً:
"والله يا نهلة. ده منصور طلع داهية ورئيس عصابة كمان، وجمعنا كل الأدلة لإدانته وجاري تصريح بالتحفظ عليه داخل المستشفى لغاية ما يخرج منها على السجن بإذن الله. وساعتها هترفعي قضية طلاق للضرر وبسهولة هتاخدى حريتك."
نهلة:
"كان جلبى حاسس إنه شيطان كبير، مش زير نسا وبس. حسبى الله ونعم الوكيل. بس وقضيتي؟"
محمود:
"لا متقلقيش إحنا عرفنا من كاميرات المراقبة إنه تولى هو دخل أوضتك في غيابك وخرج بسرعة وأنا متأكد لما نواجهه بالحقيقة هيعترف بكل حاجة."
تمتمت نهلة:
"يا ما أنت كريم يا رب. ألف حمد وشكر ليك."
محمود:
"الحمد لله، ودلوقتي هسيبك وتروح لزهيرة هانم أشرح لها الوضع وعارف إنها هتكون صدمة كبيرة أوي ليهم. وكمان هبشرها براءة جابر جوز بنتها، لأننا اكتشفنا أن حمدان تخيلي هو اللي قتلها."
فضربت نهلة على صدرها مردفة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. أيون ما هو حمدان اليد اليمين لمنصور وتتوقع منه كل حاجة نجسة زيه وكان عيروح فيها ابنه الطيب حامل كتاب ربنا بس الحمد لله على كل شيء."
وبالفعل ذهب محمود لمقابلة زهيرة.
محمود بحرج:
"أنا مش عارف أبدأ منين يا هانم بس للأسف عندي أخبار مش كويسة تخص منصور بيه."
فوقفت زهيرة بعد أن تهلل وجهها فرحاً مردفة:
"إيه مااات."
تعجب محمود من تلك الفرحة البادية على وجهها.
فسألها:
"ولو مات إزاي وشك فرحان كده مش زعلان؟"
شعرت زهيرة بالحرج وجلست مرة أخرى مرددة:
"امال خير يا سيادة المقدم."
محمود:
"للأسف اكتشفنا أن سيادة اللواء ومعرفش عمل كده إزاي وهو رجل قانون، أنه تاجر مخدرات وآثار بمساعدة حمدان. وجاري التحفظ عليه."
وهنا صرخت زهيرة:
"متقولش كده على منصور ده كان أشرف خلق الله."
فوقف محمود مردفاً بحرج:
"أنا مقدر موقفك بس للأسف عندنا أدلة إنه كده فعلاً."
زهيرة:
"لا مش منصور ده ممدوح يا ابني."
ثم بكت زهيرة بين تعجب محمود.
زهيرة:
"اقعد يا ابني عشان أجولك على كل حاجة، خلاص فاض بيا ومش قادرة أخبي أكتر من كده. حتى عشان سمعة جوزي وحبيبي متعكرش حتى لو كان بين إيدين ربنا وعشان ولادي كمان."
تعجب محمود من نبرة صوتها وجلس يستمع لها.
وبينما كانت زهيرة تقص له حكايتها مع ممدوح.
عاد باسم إلى القصر حزيناً على حبيبة القلب ملك وعلى أبيه أيضاً الذي لا يرى في الوجود سوى نهلة.
وعندما وصل للطابق الذي به غرفة والدته، رأى بانة فأسرعت إليه مردفة:
"كيفك يا خوي وكيف أبوي؟"
باسم:
"الحمد لله تتحسن شوية."
بانة:
"بجد الحمد لله يعني أروح أزوره وأطمن عليه."
فحرك باسم رأسه باستياء مردفاً:
"ملهوش عازة هو مش عايز غير نهلة وبس."
فوضعت بانة يدها على فمها ثم أردفت:
"معقول وهي اللي عملت فيه أكده."
باسم:
"تصوري ومش مصدق للأسف."
بانة:
"الله يهديك يا بوي. طيب أنا هدخل لأمي أطمن عليها واستأذن أروح أزور جابر ربنا يفك زنقته."
ثم بكت بانة فاحتضنها باسم وربت على كتفها بحنو مردفاً:
"إن شاء الله شدة وتزول وأنا متأكد إنه بريء وتعالى يلا أنا كمان عايز أدخل أطمن على أمي."
سمعوا حديث زهيرة مع محمود.
فاتسعت أعينهم وأخذوا ينظرون إلى بعضهم البعض بصدمة.
ففتحوا الباب وولجوا والصدمة على وجوههم.
فكيف ستكون المواجهة بين زهيرة وأولادها؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء سعيد
عندما أحببتك، كنت أعرف ما أنا مُقدم عليه، عرفت بأني سأغرق، وبأني سأصل إلى كل هذا العمق، وبأني مستعد لفعل أي شيء لأجلك، لكن، لم أعرف بأني سأكون في كل هذا لوحدي.
تقابل باسم مع بانة عند غرفة زهيرة استعداداً للاطمئنان عليها.
وبينما كانا يهمان للطرق على الباب والاستئذان للدخول، سمعا حديث زهيرة مع محمود.
فاتسعت أعينهما وأخذا ينظران إلى بعضهما البعض بصدمة.
ففتحا الباب وولجا والصدمة على وجهيهما.
ففزعت زهيرة لرؤيتهما على هذا النحو وشعر محمود بالحرج، فوقف وتنحنح مردفاً:
"طيب أشوف وشك بخير يا هانم وابقى طمنينا على صحتك."
ثم أشار إلى باسم بقوله:
"إزيك يا دكتور يارب تكون بخير. وإزي حضرتك يا مدام بانة؟"
ولكن باسم وبانة لم يقوما بالرد عليه من شدة حالة الذهول التي كانا عليها.
فوضعت زهيرة يدها على رأسها وتلون وجهها خوفاً وشعرت بثقل أنفاسها.
وحدثت نفسها:
"إظاهر جه خلاص أوان الحساب يا زهيرة، يا مرك يا زهيرة، منك لله يا ممدوح."
شعر محمود بخطورة الموقف من خلال ما يراه على وجوههم، فقرر الانسحاب سريعاً بقوله:
"طيب عن إذنكم يا جماعة أنا."
ثم اتجه نحو الباب.
وعندما خطا خطواته تفاجأ بصوت باسم المنكسر:
"حضرتك متأكد من الكلام اللي قلته ده على أبوي؟"
ثم دمعت عيناه وشعر بحرقة تجتاح جسده كله.
فتابع بين شهقات بانة التي بجانبه:
"قصدي عمي."
ثم لم يتحمل الوقوف أكثر من ذلك، فامسك بيد المقعد ثم جلس عليه.
ونظر إلى والدته بنظرة عتاب ولوم طويلة.
تحدث محمود بحزن:
"لا حول ولا قوة إلا بالله."
ثم اقترب منه وربت على كتفه بحنو مردفاً:
"عايزك تعرف أن اللواء منصور الله يرحمه كان من أشرف وأحسن خلق الله وهتفضل صورته الحلوة محفوظة قدام كل الناس، والحمد لله إننا عرفنا الحقيقة في الوقت المناسب وإلا كان هيكون الموقف صعب جداً عليكوا وعلى سمعتكوا."
فوقفت بانة أمام والدتها مردفة بأنين وصراخ:
"كيف تخبي علينا كل ده يا أمي، وكيف قبلتي تعيشي معاه كأنه أبوي؟ ليه؟ أوعي تقولي إنك عشقتيه بدل أبوي، عشان كده وفقتي على عيشتك معاه وخبيتي علينا وعاش معانا كأنه أبوي، مع إننا عمرنا ما حسينا إنه أبوي ولا حد منا شاف منه حنية ولا كلمة طيبة وكنا كأننا أيتام وأبوي على وش الدنيا وكنا متعجبين إزاي ده أبونا وكيف اتغير فجأة أكده."
فبكت زهيرة بهيستيرية مردفة:
"إيه بتقولي ده يا بنتي. عشق إيه وكلام فارغ إيه! أنا عمري ما حبيت غير أبوكي الله يرحمه لأن مفيش في الدنيا زيه ولا حد أبداً يعوض مكانه. ويوم ما عمك عمل عملته ورسم نفسه مطرح أبوكي ورجع البيت يعاملني كأنه منصور، قلبي حس على طول إنه مش جوزي اللي أعرفه واصل وواجهته بالكلام ده وهو منكرش وعرض عليا الجواز ولما رفضت وجولت هعرف الناس وأفضحك كان عايز يقتلني بس وأنا جولتله أعملها عشان أحصل منصور جوزي، لكن هو اختار الأصعب وإنه يقتلكم انتم قصادي عشان مكملش وأفتح خشمي بحاجة. فصرخت وجولت إلا عيالي. وعشان كده سكتت العمر ده كله عشان خاطركم يا بنتي عشان تعيشوا في أمان وحاولت بقدر الإمكان إني أربيكم على أخلاق أبوكم الله يرحمه وأبعدكم عنه والحمد لله محدش فيكم طلع زيه أبداً وعشان كده كان بيقسى عليكم عشان كان رايد حد فيكم يطلع شبهه. وقعدت السنين دي كلها مستحملة ظلمه وجسوته عشان خاطركم يا بنتي."
وحينها شعرت بانة بالندم على ما تفوهت به، فأسرعت لمعانقة والدتها وتبعها باسم، ثم دخل الثلاثة في نوبة بكاء شديدة.
وحينها قرر محمود المغادرة ليتيح لهم الإفصاح عن كل ما يدور بداخلهم.
واتجه هو نحو مديرية الأمن لمناقشة خطة الهجوم على وكر المخدرات والقبض على حمدي وأعوانه متلبسين.
فاستأذن للدخول على اللواء محمد الذي كان في صحبة براء في ذلك الوقت يعنفه بعد أن وقف أمامه مطأطأ الرأس منكسراً لا يستطيع أن يرفع عينيه أمامه.
فردد اللواء محمد بعتاب ولوم بقوله:
"صراحة مش عارف أقولك إيه؟ ومش قادر أستوعب إزاي واحد في مكانتك يعمل كده ويخون الأمانة وده كله عشان مين؟ عشان واحدة اتجوزتها من الشارع وفي السر كمان وانت ابن النسب والحسب. هتقولي عشان بحبها، طيب والحب عماك لدرجة إنك مشكتش للحظة واحدة فيها وهي بتستغلك في فلوس أو بتستدرجك في الكلام عشان تعرف أسرارك. محسيتش من شكلها المتغير وأسلوبها إنها ممكن تكون بتتعاطى حاجة. محسيتش مرة إنها بتكلم حد أو بتشوف حد. كان فيه ألف حاجة تقدر تدلك وتعرف إن الإنسانة اللي اتجوزتها وأمنتّها على عرضك إنها بتخون سيادتك."
ففور براء يديه بغضب وضرب بها الهواء في انفعال مردداً بصوت عالٍ:
"لاااا مشكتش للحظة ولا حسيت بحاجة لأني كنت شايفها بقلبي مش بعينيه."
ثم لمعت عيناه بالدموع وخارت قواه وجلس على المقعد الذي من ورائه ووضع يديه على رأسه مردداً:
"بس فعلاً اللي غلطان فيه إني جولت أسرار شغلي، وندمان على ده فعلاً ومش مسامح نفسي."
ثم وقف متابعاً بانكسار:
"وأنا قدام حضرتك أهو ومستعد لأي محاكمة أو سجن ومش بس كده. أنا هقدم استقالتي، لأن المهنة دي أشرف من إنكم تشغلوا فيها واحد زيي."
وهنا أشفق براء عليه، فنظر نظرة مطولة إلى اللواء محمد يترجاه به أن يخفف عنه.
وأدرك اللواء محمد مخزى تلك النظرة، فهو في مكنون نفسه يعز براء منذ صغره وكأنه ولده وكان يرى به مستقبلاً باهراً كوالده، ولكن لا يعلم ماذا حدث لصديق عمره منصور وكيف تحول من رجل قانون لرجل مدان فعل كل ما حرمه الله.
فتنهد اللواء بغصة مريرة مردفاً:
"اقعد يا براء، انت فعلاً غلطت غلطة كبيرة مش مغتفرة بس مش لدرجة إننا نفقد واحد بكفاءتك وأنا عارف إنها غلطة ومش هتتكرر تاني. وكويس أوي إن قمر فاقت لنفسها قبل الأوان وتابت إلى الله وجت بنفسها واعترفت وإلا الأمر ما كنتش عارف هيوصل لأيه تاني، ومش بس كده ده عن طريق قمر قدرنا نوصل لرأس الحية."
فطالعهم براء بتفحص وضيق عينيه مردفاً بتساؤل:
"مين هو يا الجبان ده؟"
فنكس رأسه اللواء مردفاً بخزي:
"للأسف أنا مصدوم فعلاً وخايف أقولك هو مين، لأن كفاية اللي أنت فيه حالياً."
ظهرت علامات الحيرة على وجه براء فأردف:
"مين؟ بس شكلي هصطدم في حد تاني، يا ترى مين هو؟"
اللواء محمد متحاشياً النظر إلى براء:
"للأسف طلع منصور الجبالي صديق عمري وحمدان ابن عمه."
وهنا وقعت الصدمة على براء كأن أصابه ماس كهربائي جعله يتشنج ويصرخ:
"لاااا لاااا لاااا مش معقول. لا مش للدرجة دي، أبوي آه ظالم وجاسي لكن مش مجرم لااا."
وهنا دخل على صوته العالي:
"محمود."
وأدرك أنه علم بحقيقة والده، فاراد أن يهون عليه بقوله وهو يشير إلى سيادة اللواء محمد:
"آسف يا باشا إني دخلت كده دون استئذان بس لما سمعت صوت براء. وعارف إن الموضوع صعب جداً إنه يتحمله، بس أنا عندي ليكم مفاجأة هتغير مجرى الأحداث وهتهون عليكم الصدمة دي كلكم وخاصة براء."
طالعه اللواء بترقب مردفاً:
"قول يا محمود فيه إيه بسرعة؟"
صمت محمود للحظة قبل أن ينطق:
"سيادة اللواء منصور الحقيقي مات من زمان والموجود ده مش منصور، ده أخوه ممدوح التوأم اللي انتحل شخصيته بعد ما تخلص منه وقتله وعاش باسمه."
حرك براء رأسه بعد أن تجمدت أطرافه من الصدمة مردفاً:
"معقول ده، يعني السنين دي كلها كان بيغشنا، طيب وأمي كانت عارفة ده وساكتة ولا مخدوعة زينا."
محمود:
"كانت عارفة بس سكتت خوف عليكم عشان هددها بقتلكم."
براء:
"يا حبيبتي يا أمي، طول عمري حاسس إنها شايلة في قلبها وكاتمة وإنها اتعذبت عشان خاطرنا وبسبب كلب عامل نفسه أبونا بس عمرنا بجد ما حسينا بيه إنه أب صوح. وكنت بسأل نفسي ديماً معقولة ده أب، لا مش ممكن."
ثم نزلت دموعه مردفاً:
"رحمة الله عليك يا بوي، بس أنا لازم آخد بتاري أبوي منه وبتار كل السنين اللي عدت في العذاب ده."
محمود:
"اهدأ يا سيادة المقدم والتار هيتاخد بالقانون متقلقش. وإحنا بالفعل بعتنا له في المستشفى حراسة مشددة لغاية ما يخف ونواجهه بالأدلة اللي آخرتها إعدام بإذن الله."
فاغمض عينيه براء محدثاً نفسه:
"حاسس إني كنت عايش في كابوس، إمتى بس أصحى منه؟"
ثم شرد في تلك المتمردة التي استطاعت في فترة بسيطة أن تذهب عقله وقلبه وعلمته الحب بالفعل، حب حقيقي.
فوجده نفسه يتمتم:
"وحشتيني جوي يا زاد."
تنهد اللواء محمد بارتياح مردفاً:
"الحمد لله أنا كده فعلاً ارتحت لأني ما كنتش قادر أتخيل أو أصدق إن صديق عمري يعمل كده."
ثم أشار إلى براء قوله:
"ودلوقتي مفروض فعلاً قمر تروح مكان تسليم شحنة المخدرات، لأن حمدان هيكون موجود حسب طلبها وده اللي هيساعدنا في ضبطه متلبس بالجريمة."
براء:
"تمام أنا فعلاً نسيت، هروح أبلغها حالا ونستعد للعملية واتفق معاها تتصرف إزاي وتقول إيه."
ثم حمحم محمود بحرج مردفاً:
"كنت عايز أقول حاجة كمان لسيادة اللواء وانت كمان يا براء."
اللواء محمد:
"قول يا محمود."
محمود:
"فيه موضوع كمان زوجة منصور نهلة."
فانفعل براء بقوله:
"قصدك الخدامة اللي شافها علينا وحسبت نفسها سيدة القصر وفي الآخر كانت عايزة تموته عشان تورثه."
تلون وجه محمود حرجا وحاول الثبات مردفاً:
"على فكرة انت فاهم الموضوع غلط يا براء ونهلة مظلومة ولو سمحت بطل تكلم عنها بالشكل ده وإنها خدامة لأنها إنسانة زينا زيها بالظبط. ومش بس كده كمان، دي إنسانة اتظلمت وماتت أختها بسبب منصور أو بمعنى أصح ممدوح."
اتسعت عين براء مردفاً بتعجب:
"كيف ده وإزاي؟"
اللواء محمد:
"فهمنا حكاية نهلة دي كمان يا سيادة المقدم."
محمود:
"نهلة كان ليها أخت بتشتغل قبليها في قصر الجبالي وممدوح اتعدى عليها زي ما اتعدى على أغلب البنات اللي بتشتغل عنده لكن للأسف البنت مستحملتش ونزفت لغاية ما ماتت بسبب، وبعدين رماها الزراعات ولما اكتشفوا جثتها قالوا محاولة اغتصاب ومتوصلوش للجانى."
فاغمض براء عينيه بأسى وحزن وتساءل:
"كيف يكون أبوي الله يرحمه بالعقل والأخلاق دي وأخوه شقيقه توأمه يكون بالنقيض بالطريقة دي! وإزاي أتحول لشيطان كده وعمل كل ما لا يتخيله بشر."
ثم استكمل محمود كلماته:
"ونهلة عرفت من كلام أختها قبل الواقعة دي إنه بيتحرش بيها، فتأكدت نهلة إنه هو اللي عمل كده، فدخلت القصر وفي نيتها الانتقام منه عن طريق ادعاء الحب واتجوزها وكانت بتحط ليه أعشاب تفقد قدرته كرجل عشان تشوفه ضعيف قدامها. لكن المواد المخدرة مش هي اللي حطتها، اللي حطها هو متولي وده عرفناه من خلال الكاميرات المراقبة لكن إيه السبب لسه منعرفش، غير لما يتم القبض عليه واستجوابه."
فابتسم براء مردفاً:
"ياااه كل ده يطلع تفكير البنت دي. بس بصراحة عجبتني."
فتبدلت ملامح محمود للغضب وظهر على وجهه الغيرة مردفاً بغيظ:
"عاجباك إزاي يعني؟"
لاحظ براء الغيرة على وجهه ومن طريقة حديثه وعلم أنه معجب بها فابتسم مما أدى إلى اشتعال غيرة محمود أكثر.
فسارع براء بقوله:
"قصد يعني طريقة تفكيرها في الانتقام."
فتنهد محمود بارتياح:
"آه تمام. وعايز أقولك كمان حاجة هتفرحك أوي يا براء. إن اللي قتل فهيمة هو حمدان نفسه بشهادة قمر يعني جابر هيطلع منها قريب."
ابتسم براء لفرحته لبراءة جابر ولكن سرعان ما عبس فتساءل:
"وكيف عرفت قمر بالموضوع ده كمان، هي للدرجاتي كانت فاجرة وأنا ما كنتش واخد بالي!"
محمود بحرج:
"للأسف قمر هي اللي اتفاجئت بيه في شقتها، بعد ما اتفق مع واحد من صبيانه عشان يعتدي على أختها اللي كانت واقعة تحت تأثير المخدر بس لحقتهم مراته اللي حاولت تنتقم منه وتقتله بسبب خيانته ليها بس طبعاً هو اللي اتحكم فيها وخنقها وبعدين شالها هو والزفت التاني حمدي ورموها في المصرف."
حرك براء رأسه باستياء:
"يعني حتى أختها مسلمتش منها. لا حول ولا قوة إلا بالله."
ثم نظر إلى اللواء محمد بخجل مردفاً:
"وحضرتك شايف بعد ما اللي وعيته عن عمي اللي عاش مطرح أبوي وعمي التاني حمدان واللي عمله كمان، إني ممكن أستمر في عملي كضابط شرطة. ده صعب جداً ومحدش هيتقبله فعلاً، وعشان كده أنا بقدم استقالتي يا باشا."
أطلق اللواء محمد زفيراً غاضباً مردفاً:
"استقالتك مرفوضة طبعاً يا سيادة المقدم لأنك ابن منصور الجبالي اللي عارفين تاريخه كويس وعارفين كمان مين هو براء الجبالي. وده لوحده يكفيك، أما ممدوح وحمدان فممكن تلاقيهم في أي عيلة وهياخدوا جزائهم فمتفكرش فيهم خالص. وكل اللي عليك دلوقتي عشان حساسية الأمر بس إنك تاخد إجازة مؤقتة لغاية ما الأمور تهدى بعد القبض عليهم وحياتكوا ترجع طبيعية من جديد وترجع ساعتها المقدم براء اللي أنا أعرفه اللي متفاني في عمله ومستعد يفدي وطنه بدمه."
فأومأ براء رأسه وابتسم بامتنان.
اللواء محمد:
"ودلوقتي كل واحد يتفضل على المهمة اللي اتكلف بيها وطبعاً براء على البيت عشان يستريح."
اتسعت عين براء من الصدمة مردفاً:
"يعني بجد كلام حضرتك حقيقي مفيش أي إدانة ليا ولا عقاب بالحبس وأقدر فعلاً أروح دلوقتي."
ابتسم اللواء محمد ثم عبس وهدر بقوله:
"هو أنا بهزر يا سيادة المقدم ولا إيه؟ اتفضل يلا على بيتك تستريح أما لو عايز تخش التخشيبة اتفضل براحتك."
فرفع براء كفيه باستسلام مردفاً:
"لا لا يا باشا مروح فعلاً هو أنا أقدر."
ثم غادر بالفعل متوجهاً نحو القصر، ولكنه توقف في الطريق واشترى بوكيه من الورد الأحمر بجانب بعضاً من أنواع متعددة من الشيكولاتة وضعها مع الورد ثم تنفس بارتياح وهو يتخيل زاد بين أحضانه وسرى في جسده هرمون السعادة الحقيقية التي بدأت تقترب منه معها.
فأخرج هاتفه واتصل بها فاستجابت له على الفور:
"براء انت كويس، شغلتني عليك أوى، انت فين وحصل حاجة، طمني، اتكلم ارجوك، طيب انت تعبان، حاسس بحاجة، طيب قولي انت فين وأنا أجلك، ما تكلم يا براء ساكت ليه؟"
فضحك براء مردفاً:
"هو أنا عارف أتكلم من الراديو اللي فتح فجأة ده، أقفل شوية عشان أعرف أقولك."
فضمت زاد شفتيها وعبست ولاذت بالصمت، فشعر براء بغضبها، فداعبها بقوله:
"لا مش معقول عتزعلي زيينا يا زاد."
فثارت زاد مردفة بانفعال:
"ليه يعني مش بني آدمة زييكم ولا إيه؟ ولا فكرني بهيمة متحسش."
عاتب براء نفسه:
"لا شكلها كده زعلت بجد، لما ألحق نفسي."
فردد بحب:
"أنتِ ست البنات كلها يا روح قلبي، ومهما أقول وأوصف مش هقدر أقولك قد إيه بحبك يا زاد وأنا في العربية وحاسس نفسي عايز أطير عشان آجي وأشوفك يا ضي عينيه."
شعرت زاد بحرارة تسري في جسدها بأكمله وتلون وجهها بحمرة الخجل ولم تصدق أن براء بالفعل هو الذي يمطرها بكل تلك الكلمات التي تمنتها ودعت الله بها منذ سنوات.
براء:
"ساكتة تاني، لسه زعلانة، طيب أصالحك إزاي؟"
فحركت زاد رأسها مردفة بحنو:
"أنا مقدرش أزعل منك يا براء، وتصالحني بإني أشوفك قدامي وأطمن عليك بس."
فاتنهد براء تنهيدة عشق متيمة مردفاً:
"وأنا لحظات هكون عندك يا قلبي."
فأغلق براء الخط وذهبت زاد مسرعة إلى غرفتها تهذب من ملابسها وتضع بعض اللمسات الرقيقة من الزينة على وجهها ونثرت عطرها المفضل، ثم نزلت سريعاً إلى حديقة القصر لتستقبله وتمتع عينيها برؤيته.
ومع كل دقيقة تمر كانت تزداد معه ضربات قلبها، فأخذت تفرك في يديها وعينيها مسلطة على بوابة القصر حتى شهقت عندما سمعت صوت السيارة وفتح الحارس البوابة، فأسرعت تركض إليه فرآها براء فانتفض قلبه وأوقف السيارة سريعاً ثم ترجل منها وركض في اتجاهها حتى وصل إليها فتعانقت القلوب قبل الصدور، وضمها براء بقوة وود لو أدخلها بين ضلوعه، وازدادت ضربات قلبيهما حتى أخيراً سكنت بسكون القلب الذي أخيراً وصل إلى نصفه الآخر فأصبحا على قلب واحد وروح واحدة.
شعرت براء بالحرج وهي في عناقه فابتعدت بعد ما اكتسى وجهها بالحمرة، فابتسم براء لخجلها.
فخرجت زاد من شعورها بالخجل لتصنع الغضب بقولها:
"إيه حيلك انت مصدقت ولا إيه!"
فغمزها براء:
"هو أنا برضه ولا انتِ اللي كنتي عاملة كيف العيل اللي يستخبى في حضن أمه عاد."
فتبدلت ملامحها الهادئة لأخرى متشنجة مردفة:
"أنا برضه، ماشي يا براء، أنا غلطانة اللي استقبلتك عشان كنت بس قلقانة عليك عشان بس ابن خالي."
براء بغيظ:
"ابن خالك بس، يعني مش جوزك وحبيبك."
أعادت زاد على عقلها تلك الكلمات.. جوزك وحبيبك فابتسمت ودق قلبها ولكن سرعان ما عبست مردفة:
"إيه جوزك دي، مش إحنا قولنا فترة وتعدي، وعلى الورق بس."
فرفع براء حاجبيه وذم شفتيه مردفاً:
"تصوري أنا غلطان اللي كنت بقول ست البنات عشان ده أصلاً عيب في حقي لغاية دلوقتي، وامشي جر قدامي عشان نثبت الموضوع اللي على الورق على أرض الواقع، عشان نخلص من الكلمتين اللي بتلهفطيهم بيهم كل شوية دول."
وأنتِ خابرة إني لا يمكن أفرط فيكي، ثم غمزها مردفاً:
"عشان بحبك واموت فيكي يا زادي."
فارتبكت زاد وطالعته بخوف وهدرت في وجهه:
"تصور انت قليل الرباية،"
ثم التفتت وركضت إلى الداخل.
فأخذ براء يضحك على خجلها وحركاتها الطفولية ثم ركض ورائها مردفاً:
"والله ما أنا سيبك يا زاد."
***
جلست ريهام في غرفتها تبكي بمرارة بعد مغادرة محفوظ، لتجد فجأة من يقتحم عليها غرفتها ويدفع الباب بقوة أفزعتها.
ثم وجدت أمامها صباح تنظر إليها بغل وحقد مردفة:
"أهلاً بالسنيورة، إيه يا حبيبتي فاكرة نفسك عروسة بحق وحقيقي ولا إيه؟"
ثم تعالت ضحكاتها بسخرية مردفة:
"أمال مكنتش عارفة البير وغطاه يا بنت..."
فقامت إلهام ووقفت أمامها وصاحت في وجهها بكل قوة:
"حرام عليكي اللي بتعمليه وبتجوليه ده. أقسم بالله العظيم كان غصب عني، بس أنا خابرة مهما جولت ولا حلفت أنتِ مش هتصدقيني عشان أنا خابرة بتكرهيني من زمان جوي أنا وأمي ومش خابرة ليه وعشان إيه. بس عايزة أقولك حاجة واحدة، اتقي ربنا شوية يا مرت عمي، عشان النهاردة دنيا وبكرة آخرة."
فتلون وجه صباح بالغضب وصكت على أسنانها بغيظ وصاحت بانفعال:
"أنتِ بتكلميني أكده يا حزينة. طيب والله لأعلمك أنا الأدب اللي معرفتش أمي تعلمهولك."
ثم خلعت مداسها واخذت تضربها به في كل أنحاء جسدها وإلهام تصرخ من شدة الألم وتردد (حسبي الله ونعم الوكيل).
***
تحدث محمود في قمر عن العملية التي سيقوم من خلالها بالقبض على حمدي وحمدان.
فلمعت عين قمر بفرحة مرددة:
"أخيراً يا بيه هشوف اليوم ده. ياااه ما نفسي كمان أشوفهم متعلقين على حبل المشنقة."
فزفر محمود بضيق:
"هو ممكن حمدان آه عشان قتل لكن للأسف حمدي هيكون أقصى عقوبة ليه السجن لمدة 25 سنة."
فدمعت عين قمر واهتزت شفتيها بحزن:
"كان نفسي حمدي أكتر يا بيه لأنه هو السبب في الحالة اللي وصلت لها دي. أنا يمكن كنت بحبه لكن ما اخترتش أعيش معاه في الحرام كان غصب عني عشان الزفت اللي حطهولي من غير ما أعرف. أنا كان فكري بس هتجوز بس ما آخد من براء جرشين زي ما فهمني. بس ما كنتش أعرف إن هدخل معاه دوامة ملهاش آخر، بس إني غلطانة اللي صدقته من الأول، مفيش راجل صوح يحب إن اللي يحبها تتجوز غيره بس أنا كنت هبلة وصدقت."
ثم بكت بندم مردفة:
"وصراحة براء ما كانش يستاهل ده مني بعد ما أمنّي على عرضه وسره. نفسي ربنا يسامحني على كل اللي عملته ويتقبل مني التوبة."
فابتسم محمود:
"ربنا غفور رحيم يا قمر. ولي مش بيسامحوا الناس، ربنا بجلالة قدره بيسامح لأنه أحن من البشر."
قمر:
"ونعم بالله يا بيه، وأنا هعمل كل اللي حضرتك جولتوه بالحرف. وهروح أقابل حمدان وآخد منه اعتراف بقتل فهيمة كمان وبعدين أنتوا تهجموا ساعة التسليم."
محمود:
"تمام.. وأنا حالا هأمر سيادة الضابط مروة تظبط لكِ كاميرا مراقبة جهاز تصنت كمان للحوار اللي هيدور بينك وبين حمدان. ودلوقتي فاضل ساعة على المعاد، أكون خطفت رجلي مع القوة واخيراً هجيب متولي من قفاه عشان يعترف إنه اللي حط الأعشاب لمنصور وأعرف مين اللي وراه وليه عمل كده؟"
ثم حدث نفسه:
"عشان تخرج بقا نهلة للنور تاني، بس للأسف لسه هستنى عشان أوصلها لازم الأول تتطلق من منصور أو ممدوح."
وللحكاية بقية.
رواية اولاد الجبالي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيماء سعيد
توجه محمود إلى قصر الجبالي للقبض على متولي، الذي عندما رآه متوجهًا إليه ومعه القوة، ارتعد خوفًا.
اقترب منه محمود بشدة وطالعه بنظرة مميتة، دبّت الرعب في قلب متولي أكثر.
ليضع محمود يديه على كتفه مردفًا:
"تفضل معانا يا متولي."
متولي بخوف:
"خير يا باشا، أنا عملت حاجة."
محمود:
"هتعرف لما تشرف هناك، قدامي."
وبالفعل تم القبض على متولي، الذي ظل طوال الطريق إلى مركز الشرطة يرتعد خوفًا ويحدث نفسه:
"أستر ياللي بتستر. شكلها كده خربت خالص، البيه الكبير في المستشفى وحمدان مش عارف هو فين، ودلوقتي أنا شكلي كبش الفدا بتاعهم ولا إيه! و ياخدوني في الرجلين، بس لا أنا مش هغرق لوحدي وهما يعيشوا ويبرطعوا لحالهم، وعجول على كل حاجة. أيوه عليا وعلى أعدائي، أنا ما عنديش حاجة أخسرها."
ثم وصل متولي لمركز الشرطة، وامتثل أمام محمود في مكتبه بعد أن سبقه محمود إليه.
وظهر على وجه متولي الفزع، ولكنه حاول الثبات بقوله:
"هو فيه إيه يا باشا، أنا مش فاهم حاجة لغاية دلوقتي. أنا عملت إيه عشان تاخدوني على ملا وشي كده؟ ده أنا حتى طول عمري في حالي."
فضحك محمود ساخرًا بقوله:
"أنت هتقول لي يا متولي."
ثم ضيق محمود عينيه ونظر إلى متولي نظرة نارية بثت في قلبه الرعب، ثم اقترب منه محمود مجددًا هادرًا بقوة:
"مين اللي أمرك تدخل أوضة نهلة في عدم وجودها وتحط السموم دي في دولابها؟"
ارتبك متولي، ولكنه سرعان ما نفى بقوله:
"أنا، لا يا باشا، يستحيل أعمل كده، دي تلاقيها بتقول كده عشان تلبسني أنا التهمة وتطلع هي منها. بس أنا لا يمكن أعمل كده في ولي نعمتي، أنا راجل بصون النعمة."
حرك محمود شفتيه باستياء، ثم أخرج هاتفه وأداره على فيديو يظهر فيه متولي يتسلل إلى غرفة نهلة.
ثم هدر بقوله:
"تقدر تقول لي كنت بتتسحب زي الحرامية ودخلت الأوضة وخرجت بسرعة ليه؟"
متولي محدثًا نفسه:
"يا ليلة مش فايتة، إزاي فاتني حاجة زي دي وما وقفتش الكاميرا، أقول له إيه دلوقتي. آه يا باشا، عادي كان طلب مني حمدان بيه أدخل أجيب له أوراق مهمة في الشغل."
فانفعل محمود، وفقد أعصابه وقام بضربه لكي يجعله يعترف حتى ينجد نهلة من براثن السجن.
وعلى أصوات صراخ متولي، ولج لؤي سريعًا، فأمسك بيد محمود مردفًا:
"أهدى يا محمود، ما تتعصبش نفسك وتجيب لنفسك أذى عشان واحد زي ده لو مات في إيدك."
محمود:
"لا أنا هموته طول ما هو مصمم على الإنكار."
لؤي:
"مش بالطريقة دي، أنا هخليه يعترف من غير ما أمد إيدي عليه."
محمود:
"تفضل أهو قدامك، خد منه اعتراف، لأن فعلاً مش هطلعه من هنا غير لما يعترف."
متولي:
"يعني أعترف على حاجة معملتهاش، ده ظلم يا حكومة."
فابتسم لؤي بخبث مردفًا:
"أنت فعلاً مش محتاج تعترف، لأن اللي قالك أصلاً تحط لنهلة كده، هو اعترف على نفسه."
فاتسعت عين متولي مردفًا:
"مش معقول حمدان بيه يقول حاجة."
وحينها ابتسم لؤي لمحمود بخبث بعد أن أوقع متولي في الفخ.
تنهد محمود بارتياح بعد أن حصل أخيرًا على ما يبرئ به ذمة حبيبة قلبه (نهلة).
ثم نظر إلى لؤي نظرة امتنان.
لؤي بمكر:
"لا، قال حمدان كل حاجة، مش بس كده كمان. ده إحنا عرفنا كل تاريخه الأسود مع منصور اللي في الأصل هو ممدوح الجبالي."
وحينها وضع متولي يده على رأسه بخيبة أمل مردفًا:
"لا كده خربانة خربانة، وروحت في حديد خلاص يا متولي."
ليبدأ بعدها محمود في استجوابه عن علاقته بمنصور وحمدان.
ليقص له متولي كل ما يعرفه عنهما من بداية نشأة ممدوح وتقمصه دور أخيه منصور بعد قتله، ثم الاستعانة بحمدان الذي كان يكن له العداوة لأنه السبب فيما حدث لزوجته، لذا اتفق مع تلك الدجالة للقضاء على ممدوح ليخلو له الطريق بعده.
ثم بكى متولي مردفًا بنحيب:
"هي دي آخرة الحرام يا بيه. ياريتني سمعت كلام مراتي لما قالت... بلاش السكة دي يا متولي، آخرتها عفشة ولو ربنا هيسترها عليك دلوقتي، مسيرك هيجيلك يوم وتنفضح. وأهو جه اليوم اللي ما كنتش عامل حسابه."
انتهى محمود من استجوابه، ثم جعل العسكري ينقله إلى الحجز، ويأتي بعد ذلك بنهلة ليبشرها بقرب خروجها من محبسها.
ثم أخذ محمود يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا مع تزايد ضربات قلبه في انتظار نهلة، وأخذ يحدث نفسه:
"ياااه أخيرًا يا نهلة هتشوفي النور، وبعدها بسهولة هتقدري تتخلصي من منصور، وساعتها أقدر ارتبط بيكي. ياااه ما تتصوريش مستني اللحظة دي قد إيه، عشان أقدر أعبر لكِ عن مشاعري بدل ما أنا مش قادر حتى أبصلك كتير أو أقول أي كلمة مش من حقي طول ما أنتِ لسه على عصمته."
لتأتي بعد ذلك نهلة بصحبة العسكري، تفرك في أصابعها من فرط التوتر وتفترش بعينيها الأرض.
طالعها محمود بارتياح وكأن رؤيتها تجلب له الطمأنينة، ثم ابتسم على خجلها مردفًا:
"اقعدي استريحي يا نهلة."
فجلست نهلة، ثم طالعته بخجل مردفة:
"ها، قلبي بيقولي إنك عندك خبر هيفرحني."
ابتسم محمود وتابع:
"أيوه يا نهلة، وقلبك دليل، خلاص متولي اعترف، وخلال أيام هتخرجي من هنا بعد ما أنهي إجراءات خروجك."
فوقفت نهلة بعد أن تهلل وجهها فرحًا، وأخذت تقفز كالأطفال، ومحمود يطالعها بسعادة مردفًا:
"بجد يا بيه، أخيرًا هخرج من هنا وهعود على دوار أبويا."
محمود مندهشًا:
"يعني مش هترجعي القصر يا نهلة، حتى عشان حقوقك اللي فيه؟"
نهلة بنفي:
"لا، ما بعيزاش حاجة خالص، ده كان بالنسبة لي سجن كيف اللي أنا فيه دلوقتي وأوعر كمان، أنا هروح لأبويا، قعدتي معاه هو جنتي."
ابتسم محمود وتابع:
"يعني أكلم محامي يمشي في إجراءات طلاقك يا نهلة؟"
فسارعت نهلة بقولها:
"ياريت يا باشا، مبقتش قادرة خلاص استحمل ولو يوم زيادة أكون في ذمة الشيطان ده وخلاص، وربنا جاب لي حقي بمعرفته. فعايزة آخد حريتي منه."
فغمزها محمود بمكر:
"بس هتكون حرية مؤقتة يا نهلة، لأن فيه حد تاني عايز يدخلك القفص."
فأغمضت نهلة عينيها كأنها تشعر أنها في حلم جميل تخشى الاستيقاظ منه.
وحدثت نفسها:
"معقول يارب، أنا مش مصدقة إن البيه ريدني، معقول يكون ده العوض الجميل اللي الناس بتتكلم عنه، بس خايفة جوي إني أكون بحلم وأفوق على كابوس، أنا مش هستحمل حاجة تاني وكفاية اللي حصلي."
خرجت نهلة من شرودها على صوت لؤي حين ولج إلى مكتب محمود مردفًا:
"إيه يا سيادة المقدم، مش فيه عملية كمان ربع ساعة."
ثم غمزه مردفًا:
"ولا أروح أقول الباشا الكبير إنك مشغول."
فرمقه محمود بغيظ وصك على أسنانه مردفًا:
"لا، خفيف حضرتك، أنا مش ناسى وكنت قايم على فكرة."
فغمزه لؤي:
"طيب يلا بينا، أنا واقف أهو مستنيك."
تلون وجه محمود مردفًا بغيظ:
"اتفضل يا سيادة المقدم وأنا دقيقة وهكون معاك."
فضحك لؤي مردفًا:
"دقيقة وإلا هبعتلك الباشا بنفسه يستعجلك."
ثم خرج سريعًا قبل أن يبطش به محمود الذي كاد أن ينفجر من الغيظ.
فوقفت نهلة مردفة بحرج:
"طيب يا بيه، أنا هقوم أرجع للحجز وكفاية كده عشان ما تعطلش نفسك."
ثم ابتسمت ابتسامتها الساحرة، فدق قلب محمود وأعلن طبول الحرب.
نهلة:
"بس قبل ما أمشي مش عارفة أشكرك إزاي على كل اللي عملته معايا، تترد لك في الأفراح بإذن الله."
فسارع محمود بقوله:
"أنتِ فرحتي يا نهلة."
فتلون وجهها خجلًا وسارعت للخارج لينقلها العسكري إلى محبسها حتى تتم إجراءات الإفراج عنها.
تنهد محمود:
"الصبر على الحلو يا رب."
ثم سارع بعد ذلك للحاق بلؤي لأداء تلك المهمة التي ستسطر في كتب التاريخ، وهي القبض على حمدان وحمدي متلبسين بالجريمة، وفي ذات الوقت فرض حراسة على منصور في المستشفى حتى يتم علاجه، ثم يزج إلى السجن ليحاسب حساب الملكين في عمره الذي قضاه في كل ما يغضب الله.
ركض براء وراء زاد بقلب ينبض بالحب وعلى وجهه ابتسامة تزين ثغره، حتى وصلت زاد إلى غرفتها بعد أن تسارعت نبضات قلبها من أثر الركض بجانب مشاعر الحرج التي سيطرت عليها.
وعندما حاولت أن تغلق الباب قبل مجيء براء، ولكنها وجدته أمامها قد وقف حائلاً بينها وبين الباب وقد مد ذراعيه كي لا تغلقه في وجهه.
ثم طالعها بنظرة ماكرة ودقق النظر في عينيها بشوق وهمس همس المحب المشتاق:
"هتهربي مني فين عاد يا زادي، ده أنا مصدقت لجيتك ولما لجيتك حسيت ساعتها إني لجيت نفسي كمان اللي كانت غايبة عني."
طالعته زاد بحرج وارتباك وتعلثمت بقولها:
"انت عايز مني إيه دلوقتي، روح يلا على أوضتك ريح جتتك."
فغمزها براء مردفًا:
"راحتي معاكي يا ست البنات، بس بزيادة بنات كده ودلوقتي نحولها لست الستات."
فضغطت زاد على شفتيها بأسنانها بحرج.
فصاح براء:
"لا، كله إلا الحركة دي، أنتِ بتجننيني بيكي كده أكتر."
ثم دفعها برفق للداخل وأغلق الباب.
وسدد النظر إليها برغبة سرت الحرارة في جسده، فارتجفت زاد وتراجعت للوراء مردفة بخجل:
"انت بتبص لي كده ليه يا براء، أول مرة تشوفني إياك!"
براء:
"تصوري، فعلاً حاسس إني أول مرة بشوفك، أو تقدر تقولي إن مش عينيه بس اللي شايفاكي، ده قلبي كمان، وما كنتش أتخيل إنك تطلعي بالحلاوة دي كلها."
ابتسمت زاد وتلونت وجنتاها خجلًا فزادتها جمالًا، لتجده فجأة قد قفز ووقف أمامها وحاصرها بذراعيه.
زاد بتوتر:
"براء، وبعدين، هملني لحالي."
براء:
"تؤتؤ، أنتِ خلاص حالي ومحتالي يا زادي، وما أقدرش أبعد، عشان أنتِ السبب."
اتسعت عين زاد مردفة بتساؤل:
"كيف ده؟"
براء:
"أيوه أنتِ اللي علمتيني الحب، وجننتيني بيكي."
ثم بدأت يده تتحرك على وجهها بلطف، فارتجفت زاد من لمسته، فضحك براء بقوله:
"لا، اجمد يا معلم، هو أنا لسه عملت حاجة."
زاد بغيظ:
"بس يا قليل الربااااية."
براء:
"أكده، طيب أنا هعلمك مين هو قليل الرباية."
ليطبق على شفتيها بقبلة طويلة، قاومته زاد في البداية ولكن سرعان ما استسلمت لهذه الأحاسيس الجميلة التي تعيش بها مع حب عمرها براء.
ثم ابتعد عنها ليتيح لها التقاط أنفاسها، ونظر لعينيها فوجدها هائمة وكأنها تحلم.
فابتسم قائلًا:
"طيب فرصة وهي مش في وعيها كده، ندخل على اللي بعده، بدل ما تكمل السيمفونية بتاعتها."
فحملها بخفة بين يديه، فدفنت رأسها في عنقه خجلًا، فقبل جبينها برفق، ثم وضعها على الفراش ليعيشوا معًا ليلة من أجمل لياليهم السعيدة التي طالما اشتاقوا إليها.
ولكن يا ترى هل ستدوم سعادتهم تلك أم للقدر رأي آخر؟
وقف حمدان أمام المرآة يهندم من ملابسه ويعقد شاربه بفخر محدثًا نفسه:
"ست الحسن والجمال قمر طلبتني بنفسها عاد الليلة، ده إيه حظك اللي في العالي ده يا حمدان. أخيرًا هتعيش ليلة ولا في الأحلام، بعد سنين طويلة مع بوز الأخص فهيمة، ياااه كانت هم وإنزاح، دي كانت وجفالي زي اللقمة في الزور، بس صعبان عليا الواد جابر يروح فيها وهو ملهوش في الطور ولا في الطحين، ولازم أشوف له صرفة عشان يطلع منها ولو حتى أدفع لحد من رجالتنا أي تمن ويدخل هو بداله."
ثم نظر إلى ساعته مردفًا بحماس:
"وخلاص كده، لحظة الهنا قربت، هبيع الصنف وأقبض المعلوم وكمان هدلع مع ست الستات قمر."
ثم ضحك ساخرًا:
"وسلام بقى لحضرة المقدم براء اللي نايم في العسل."
ليتوجه بعد ذلك إلى المكان المنتظر به تسليم المواد المخدرة.
واتصل في ذلك الوقت حمدي بقمر.
حمدي:
"إيه يا قمري، استعديتي، أنا واقف مستنيكي في المكان على نار والباشا زمانه على وصول. وعايزه يجي يلاقيكي عشان نفسه تتفتح عاد."
فضحكت قمر ضحكة ممزوجة بقهر مرددة:
"أنا خلاص دقيقة وأكون عندك يا حمدي."
حمدي:
"تمام في انتظارك، بس زي ما اتفقنا يونبني من الحب جانب، يعني حمدان حداه كتير قوي، أنتِ فاهمة طبعًا أنا أقصد إيه."
ابتسمت قمر مردفة بسخرية:
"آه طبعًا يا حمدي، إحنا هنقسم كل حاجة، متقلقش واصل."
حمدي:
"جلب حمدي أنتِ يا قمري."
فضحكت قمر مرددة بسخرية:
"انت بتقول لي."
ثم أغلقت الخط، لتسمح لدموعها المحبوسة بالنزول وجعًا.
فطالعها محمود بشفقة مردفًا:
"إيه يا قمر، مش قولنا نجمد كده عشان تقدري تمثلي دورك للنهاية وتشوفيها بعينيكي واحنا بنحط في إيديهم الكلابشات وتشفي غليلك منهم."
قمر بغصة مريرة:
"آه يا باشا، ولو إن قلبي مش هيهدى غير لما يتعلق حمدي على حبل المشنقة، مش هقدر أتحمل يتسجن بس ويخرج للدنيا تاني وعيني تقابل عينيه وساعتها ممكن حد فينا يخلص على التاني."
محمود:
"للأسف زي ما قولتلك هو تهمته مش هتديله إعدام، لكن أوعدك إني على الأقل مش هسمح بأقل من تأبيدة، يعني خمسة وعشرين سنة، يعني يا عالم هيطلع بعدها ولا يمكن يموت في السجن."
قمر:
"ربنا يعجل بقضائه."
محمود:
"يارب، ودلوقتي تقدري تنزلي وزي ما قولت متخفيش، أنتِ لابسة ساتر من الرصاص ومزودة بجهاز تصنت عشان نسجل كل كلمة للعصابة، ده غير إحنا محاوطين المكان كله ومراقبينك على بعد، يعني هندخل في اللحظة المناسبة."
قمر:
"تمام يا باشا، ربنا يستر. بس ليه طلب."
محمود:
"اتفضلي."
قمر:
"أنا بعد العملية دي خلاص هتحبس، فكنت عايزة حضرتك تطمني بعد كده على خيتي ملك في المستشفى، وكمان طلب إنساني، تبعت حد لأبويا يطمن عليه لأني عارفة ممكن يحصله حاجة لما يعرف اللي حصل. ده كان هيجنن لما سأل على ملك وجولتلُه نزلت ومعادتش ومقدرتش أقوله الحقيقة، وجعد يلف في البلد يدور عليها. ودلوقتي أنا كمان هختفي وأكيد هيجيله الأخبار ويعرف كل حاجة وأكيد هتكون صدمة كبيرة قوي عليه والناس هتاكل وشه."
طالعها محمود بشفقة مردفًا:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. صعب جداً على والدك ده، ليه بس واحدة زيك تعمل كده وما تحطش اعتبار لراجل رباها وشاله اسمه."
فأجهشت قمر بالبكاء مردفة بنحيب:
"الحب يا باشا عماني عن كل حاجة، وما فقتش منه غير على مصيبة."
فشرد محمود في نهلة وسأل نفسه:
"أنا فعلاً بحبها وقلقان من توابع الحب لأني فاهم إننا غير متكافئين، بس أكيد الحب هيقدر يذوب أي فوارق ما بينا وربنا يستر وأقدر أتخطى العواقب اللي هتقابلنا."
ثم خرج من شروده على صوت قمر:
"أنا نازلة يا بيه ومش هوصيك بقى."
محمود:
"تمام يا قمر، متقلقيش."
ثم خطت قمر خطواتها إلى المكان الذي ستقابل به حمدي، ليأخذها بسيارته إلى موقع تلك العملية.
استقبلها حمدي بابتسامة وأمسك بيدها ليقبلها مردفًا:
"ست الستات وقمر الزمان، ووش السعد."
بادلته قمر ابتسامة صفراء مردفة:
"إيه كل ده يا حمدي!"
حمدي:
"وأكتر يا قمري، ده أنتِ من النهاردة هتكوني الأكس بتاع الكبير قوي والخير هيعم علينا كلاتنا."
قمر:
"آه قولتيلي، طيب يلا عشان الكبير ما يزعلش لو اتأخرنا. والناس زمانها على وصول."
فضحك حمدي:
"تمام يا ست الكل."
اثناء ذلك كان حمدان قد تواجد مع رجاله وأمرهم بمحاصرة المكان ورفع الأسلحة للحظر من أي يحدث شيء.
ثم وصل إليه حمدي مع قمر التي تغنجت في مشيتها أمام حمدان حتى وصلت إليه ورأت في عينيه المتسعة الرغبة.
فضحكت وحدثت نفسها:
"هانت يا حمدان، كلها دقايق والحكومة تدلعك أحلى دلع."
حمدان وقد دقق النظر إليها:
"أهلا بيكي يا ست الستات، وأنا جيت أهو زي ما قولتي."
ثم غمزها وتابع بمكر:
"بس ممكن أعرف ليه طلبتي أكون موجود بنفسي؟"
رخمت قمر صوتها مرددة:
"صراحة يا حمدان بيه، من ساعة ما عيني شافتك اليوم ده لما جيت عندنا وجيت وراك مراتك. وأنا دخلت دماغي جوي جوي."
فجحظت عين حمدان ولف شاربه بفخر مردفًا:
"بجد يا بت! يعني أنا عجبتك عاد."
قمر:
"آه جوي، وخصوصًا لما حسيت إنك راجل قوي وما سمحتش لمراتك تعلي صوتها عليك، وروحت قاطع نفسها وخلصت منها."
فابتسم حمدان:
"آه، ده أنا أعجبك قوي، وأهي غارت بعد ما خلصت منها بإيدي دي."
وهنا ابتسم محمود حين أخذ اعترافه بقتل زوجته فهيمة، وبالتالي تبرئة جابر من ذلك الجرم.
رددت قمر بسخرية:
"لا راجل صح يا حمدان بيه."
ثم لاح نور سيارة العميل الذي سيشتري منهم تلك المواد المخدرة.
فصاح حمدي لقمر:
"الباشا وصل يا حمدان بيه."
حمدان:
"تمام حلو قوي، يلا نبتدي الشغل."
ثم طالع قمر مبتسمًا بقوله:
"تخلص بس العملية دي وأفضالك يا ست الستات وأحلى بوجك العسل ده بكل اللي تطلبيه."
قمر:
"وأنا مستنياك على أحر من الجمر يا سيد الرجالة."
فابتسم حمدان، ثم خطى خطواته مع حمدي، لاستقبال السيد كامل.
ابتسم السيد بقوله:
"معقول حمدان بيه بنفسه موجود، عاش مين شافك يا كبير."
حمدان:
"أهو قولت آجي بنفسي، عشان أسلم عليك يا غالي."
السيد:
"تسلم يا كبير، وعشان الحركة دي هزود المعلوم خمسين حتة تشبرقها على حبايبك."
حمدان:
"لا كلك ذوق يا سيد."
ثم أشار حمدان بإخراج البضاعة من السيارة، والتفت السيد لإحضار حقيبة الأموال.
وعند لحظة تسليم كل منهما للآخر، هنا أطلقت سيارة الشرطة صريرها العالي وصاح محمود في الميكروفون:
"بوليس! المكان محاصر من جميع الجهات، فميش داعي للمقاومة، وكل واحد ينزل سلاحه جنبه ويتسلم، وإلا هيتعرض للقتل من قبل القوات المسلحة."
وهنا اتسعت عين حمدان على أخرهما ونظر إلى حمدي الذي وضع يده على رأسه وظهر على وجهه الفزع مردفًا بتوتر:
"كبسة يا حمدان بيه، وهتتطربق فوق راسنا."
فخرج حمدان عن ذهوله مردفًا:
"لا، مش حمدان اللي يستسلم بالسهولة دي."
ثم صاح في رجاله:
"محدش فيكم يرمي سلاحه، وكل واحد يدافع عن نفسه، وأنا أولكم مش هخلي الحكومة بعد العمر ده كله تضيع اللي عملته سنين، ده على جثتي عاد."
ثم رفع سلاحه وتأهب لمقاومة الشرطة مع رجاله، فتبادلوا إطلاق النار.
فعم الذعر قلب قمر وأخذت تصرخ، ولاحظ محمود ذلك فخشى عليها.
فتطرق لأذن حمدي ما قالته أثناء إطلاقه النار على الشرطة مدافعًا عن نفسه.
فصاح بصدمة:
"أنتِ معقول الخاينة يا قمر؟ يا بت المركوب، طيب والله منا سايبكو، خلي الحكومة تنفعك بقى. أنا ورامي والزمن طويل يا قمر. واللة لأندمك على اللي عملتيه ده وأخليكي تبكي بدل الدموع دم."
رواية اولاد الجبالي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء سعيد
علم حمدي أن قمر هي من وشّت بهم عندما سمع حديثها مع محمود، فصاح بصدمة: "أنتِ معقول الخاينة يا قمر؟ يا بت المركوب، طيب والله ما أنا سايبكو، خلي الحكومة تنفعك بقى."
لذا قرر أن يقتص منها نظير خيانتها تلك. وأخذ يتسلل بين أفراد العصابة وأفراد الشرطة، متفاديًا طلقات الرصاص التي تأتي من كل مكان، حتى اقترب من قمر التي كانت تستعد في تلك اللحظة مع محمود للخروج سريعًا من أرض القتال المميت الذي تساقط فيه كثير من رجال حمدان، وأيضًا بعض من أفراد الشرطة.
فصوّب نحوها مسدسه، قائلاً بأعلى صوته: "قمررررررر!"
فانتفض قلب قمر عند سماع صوته، والتفتت لتجده مصوبًا نحوها المسدس، فصرخت. فأطلق نحوها الرصاصة، ولكن سرعان ما محمود الذي كان يراقبها من حين لآخر، وعندما سمع نداء حمدي لها ورأى في عينيه الغدر، أسرع إليها في تلك اللحظة التي أخرج بها حمدي مسدسه، فضغط على رأسها وأجبرها أن تنحني سريعًا.
فمرت الطلقة فوق رأسها بعد أن كانت كفيلة بأن تؤدي بحياته. ليباغت محمود بعد ذلك سريعًا حمدي بطلقة في قدمه، فصرخ على إثرها وسقط في الأرض.
فحدث محمود أحد جنوده بالإمساك به قبل أن يرتكب أي حماقة أخرى. ولكن حمدي صرخ رغم ألمه مرة أخرى: "مش هرحمك برده يا قمر، ومهما طال الزمان مسيرنا نتقابل."
مما أثار الرعب في قلب قمر، ولكن محمود طمأنها بقوله: "متخفيش وخلي عندك ثقة في الله، وهو هيفضل تحت عيونا حتى لو خرج من السجن."
فأومأت قمر برأسها مستسلمة لمصيرها.
أما حمدان فظل يقاوم الشرطة حتى استطاع أحد رجال الشرطة محاوطته من الخلف والإمساك به، فانهار وأخذ يردد: "لاااا أنا حمدان الچبالي، أنا ملك البلد دي، محدش يقدر عليه. وأنا ليه معارف كتير وهوريكم كيف هطلع منها زي الشعرة من العجين."
فوقف محمود أمامه وابتسم بتهكم: "لسه بتكابر يا حمدان يا جبالي؟ طيب لو طلعت من قضية المخدرات، ومعرفش هتطلع منها إزاي وأنت مقبوض عليك متلبس، هتطلع إزاي من قضية قتل مراتك فهيمة."
تلون وجه حمدان من الصدمة مردفًا: "لا أنا مكتلتهاش، مكتلتهاش."
محمود: "لا قتلتها، وإحنا سجلنا اعترافك بقتلها قدام قمر."
فبكى حمدان مردفًا بنحيب: "لا هي اللي قتلتني من يوم ما اتچوزتها، وخلتني أمشي في طريق الشيطان بعد ما كنت باكل بعرق جبيني لقمة حلال. صدقني يا باشا هي اللي قتلتني وكتلت الشريفة العفيفة مرتي فريال ودست السم في العسل. أنا بريء يا باشا، بريء. أيوه بريء، فسبوني أنا واقبضوا على منصور الجبالي راس الحية. اقبضوا عليه واعدموه يا باشا مش مرة واحدة لا مية مرة، عشان هو السبب في كل اللي حصولي ده. أنا كنت في حالي وكافي شرّي، بس هو اللي مسبنيش في حالي وخلاني شيطان."
محمود بتهكم: "أنت هتقولي يا حمدان." ثم أشار إلى العسكري بوضع الحديد في يده وزجه إلى عربة الشرطة.
وعندما وجد أتباع حمدان أنه تم القبض عليه، فالقوا سلاحهم واستسلموا لقوات الشرطة. لتنجح مهمتهم بنجاح، ولكن يشوبها الحزن على ما فقدوه من جندهم البواسل الشهداء. وتم الزج بحمدان وأعوانه داخل السجن لحين محاكمته. أما حمدي فقد أخذ إلى مستشفى السجن من أجل إخراج الرصاصة التي أصابت قدمه.
أما منصور، فُشددت من حوله الحراسة في المستشفى حتى يأتي اليوم الذي تستطيع به الشرطة مواجهته بالأدلة والبراهين كل ما نسب إليه من أعمال خارجة عن القانون من تجارة المخدرات وتهريب الآثار واغتصاب حتى الموت، وهذا غير انتحال شخصية أخيه بعد قتله.
***
استيقظ براء من نومه وفتح عينيه ليجد تلك الحورية الصغيرة بجانبه، وقد وضعت رأسها على صدره وتنام بارتياحية كأنها طفلة على صدر والدتها. فأخذ يداعب خصلات شعرها بيديه، ثم رفع رأسه ليقبل مقدمة رأسها. فشعرت زاد بحرارة قبلته فاستيقظت على إثرها، وفتحت عينيها ببطء، لتجد أنها على صدره، فخجلت وابتعدت سريعًا مردفة: "معلش، محسيتش بنفسي وأنا نايمة."
فابتسم براء وحاوطها بذراعه مردفًا بحب: "أسفه إيه بس، متتصوريش أنا فرحان جد إيه لما صحيت لقيتك أكده. حسيت فعلاً إني ممكن أكون أمان ليكي وتنامي مرتاحة وأنتِ على صدري."
ليضمها براء أكثر إليه، متففسًا رائحتها العطرة، ثم تنهد قائلًا: "ياااه، مكنتش أتصور إن حضنك دفا وحلو أوي كده، حضن نساني الدنيا كلها وبقيتِ أنتِ كل دنيتي. وبتمنى الوقت يقف على اللحظة دي."
دق قلب زاد وتراقصت نبضاته لتلك الكلمات التي لم تكن تتخيل أنها ستسمعه منه بعد ما حدث. فلم تدرِ بما ترد عليه، فصمتت خجلًا.
فأبعدها براء عنه ودقق النظر إلى عينيها هامسًا: "بحبك، بحبك أوي يا زاد. صدقيني يمكن أضعاف ما بتحبيني كمان."
فتنهدت زاد بحرارة، مردفة: "يااااه يا براء، أنا حاسة زي ما بكون بحلم، حلم جميل، مش عايزة أصحى منه أبدًا. متتصورش أنا استنيت اللحظة دي قد إيه؟ واتوجعت قد إيه لغاية ما سمعت منك الكلمة دي."
ثم دمعت عيناها مردفة بصوت ألم براء وجعله يندم على معاملته الحادة معها: "زاد: ياما نمت ليالي طويلة دموعي على خدي، ده غير النار اللي كانت في جوفي وكل ليلة أقول أنا أكيد هموت من كتر الحزن والقهر. ولما كنت أصحى أستغرب أنا لسه عايشة إزاي. طيب أنت ليه بتعمل فيه كده؟ أنا عملت إيه؟ أنا معملتش حاجة غير إني بحبك واستنيت كتير أوي اليوم اللي تصارحني به بحبك، بس كانت صدمة العمر إنك بدل ما تصارحني بحبك، جيت تصارحني بحب صاحبك وطلبه للجواز مني. ساعتها حسيت إن الدنيا بتدور بيه وإني في كابوس نفسي أصحى منه، وإن كل اللي كنت عيشاه وكنت فاكرة إنك بتحبني زي ما بحبك طلع وهم كبير. فصرخت ساعتها وقولت موافقة من كتر النار اللي كانت مولعة في قلبي."
لتبكي بعدها زاد وتنهمر دموعها ساخنة على وجنتيها. فشعر براء بالندم على ما فعله به، ولكنه كان رغما عنه، حيث لم يدرك أنه كان يحبها بل كان موهومًا بحب قمر. فضمها براء إليه بقوة وأخذ يردد: "أنا آسف، آسف يا زاد. أنا مش خابر كان فين عقلي ساعتها، ده أنا شكلي كنت مجنون بجد، بس الحمد لله ربنا خد بيدي وعقلت، ودلوقتي أنتِ مرتي وحبيبتي وهدية من ربنا ونعمة هفضل أشكر ربنا عليها طول عمري."
ابتعدت زاد عنه قليلًا ثم رسمت على ملامحها الغيظ واندفعت بقولها: "مش خابر حضرتك كان عقلك فين، ولا عامل نفسك عبيط! أفكرك أنا، كنت بتحب في ست الحسن والجمال قمر."
فتغير لون وجه براء عند سماعه اسم قمر، وقام عنها وكأنه لدغ من ثعبان وأجهش بصوت عالٍ غاضبًا: "زاد أنا ممكن أستحمل أي عتاب منك أو أي كلمة متضايقنيش، لكن إنك تجيبي سيرة الشيطانة الخاينة دي قصادي تاني، فده اللي مش مسمحولك بيه أبدًا، أنتِ فاهمة؟"
إرتبكت زاد وشعرت أنها قامت بجرم فظيع لم تكن تقصده، وما دفعه إليه هو الغيرة لا أكثر. فحمحمت بحرج بعد أن تحشرج صوتها: "أنااااا آسفة يا براء. وأوعدك مش هجيب سيرتها واصل تاني. بس أنت أهدى كده واقعد."
ولكن براء قد تعكر دمه بالفعل، ولكنه حاول التماسك وتهدئة نفسه لأنه يعلم أنها لا ذنب لها في انفعاله وغضبه من إنسانة وثق بها وحبها وأعطاها كل ما تريد، ولكن لم يجني منها سوى القهر والخيانة. فطأطأ رأسه بخزى وهمس: "معلش يا حبيبتي، أنا هدخل أستحمى وهطلع ألبس وأخرج لأمي أطمن عليها. وبستأذنك نفطر معاها، لكن لو مش حابة، خليكي وأنا هطمن عليها وهاجي نفطر سوا."
فابتسمت زاد بنعومة، فدقق قلب براء لبرائتها تلك مردفة: "بتقول إيه بس يا براء، أنا أصلًا مبعرفش آكل لقمة غير مع مرات خالي، دي أمي اللي ربتني وأحن واحدة عليا بعد ربنا سبحانه وتعالى."
فابتسم براء واقترب منها وطبع قبلة على وجنتيها مردفًا بغيرة: "إيه ده كله لست زهيرة؟ طيب أنا إيه وضعي عندكِ."
ابتسمت زاد: "أنت زادي وحالي وأنيسي وحبيب عمري."
فابتسم براء ثم غمزها بمكر بعد أن افترش بجسده مرة أخرى بجانبها مردفًا بعشق: "الله الله على الكلام اللي بيطلع عسل أبيض ده. بس فيه حاجة مهمة أنتِ ناسيها."
ففتحت زاد عينيها على وسعهما مرددة باستفهام: "حاجة إيه؟"
براء: "إن عندنا في شغل الحكومة مينفعش معانا الكلام بدون دليل. وعشان كده عايز دليل ودلوقتي حالا."
زاد: "قصدك إيه يعني؟"
فأشار براء إلى فمه، فضحكت زاد مرددة: "آه يا قليل الربااااية."
براء بغضب طفولي: "طيب كده، أنا هوريكِ كيف قليل الترباية دلوقتي." لينغمس معها مرة أخرى في لحظاتهم السعيدة التي لا تنتهي.
***
ارتدى باسم ملابسه وعيناه تملؤها الفرحة بعد أن غابت عنه لفترة طويلة، ولاحظت عزة ذلك. فأوجعها قلبها وحدثت نفسها: "هو ماله كده شكله مبسوط جوي على غير عادته وعمال يدندن ومغرق نفسه برفان. يكونش رايح يشوف البت اللي بيقول بيحبها. آه أكيد شكله كده."
ثم رددت بغيظ: "طيب وأنا مالي ميشوفها، هو أنا إيه مزعلني. ولا تكونيش فاكرة إنك مرته صح وبتغيري عليه. لا فُوقي لنفسك يا بت بسطويسي. أنتِ واحدة خاطية في نظره ويستحيل هيبص لكِ غير كده وملكيش أي حقوق عندي. فتحطي في خشمك بلوغة عاد وتسكتي خالص وتحمدي ربك إنه سترك وأواكى في بيته وطلع شهم، وإلا كان زمانك في خبر كان من أبوكي أو هو. فكلم عاد وأقول إيه بس. بس مش خابرة مالي ليه الغيرة بتأكل في قلبي. أوعى تكوني عشقتيه يا عزة."
فوضعت يدها على فمها وابتسمت: "معقول ده؟ أكون حبيته، ومش معقول ليه؟ هو حد ميحبش دكتور باسم بردك، جمال وهيبة وأخلاق. ياااه لو مكنش عملت اللي عملته قبل ما أتجوزه، وهو كان أول واحد في حياتي، كان ليه جَوْل تاني معاه. بس اللي حصل."
ثم دمعت عيناها وأكملت: "اللي حصل يخليني أسكت وأتحمل مهما حصل منه. ومش بس كده، لإنّي خابرة إني عمري ما هيبص لي طول ما هو قلبه متعلق بحد تاني. آآآه يا نار قلبي من اللي حصل، وكمان دلوقتي قلبي دق لواحد عمره ما قلبه هيفكر فيا واصل وعنده حق. بس مش قادرة بردك أسكت، أنا هقوم أكلمه وأتأكد رايح فين؟"
فوقفت عزة وخطت خطواتها إليه بقلب مرتجف حتى وقفت بجانبه وحاولت إخراج كلماتها بصعوبة، ولاحظ باسم أنها تريد التحدث بشيء. فحاول التبسط إليها مردفًا والإبتسامة تعلو ثغره، مما جعل قلب عزة ينفطر حزنًا أكثر لأنها ليس لها حق به.
باسم: "مالك يا عزة، شكلك بتقول عايزة تقولي حاجة. أنتِ كويسة؟ حاسة بحاجة؟ عايزك آخدك لدكتور تطمني على اللي في بطنك؟"
أشعلت كلماته النار في جوف عزة، فلم تدرِ بنفسها إلا وأخذت تضرب بكلتا يديها على بطنها مردفة بغصة مريرة: "أنا مش عايزة اللي في بطني، مش عايزة الحرام ده، اللي هيمنعني من الحلال وهو واقف قدامي ومش قادرة أكلمه ولا ألمسه ولا أسأل هو رايح فين وجاي منين ولا ليه عندي حق واصل."
اتسعت عين باسم مصدومًا وهو يرى عزة على هذا النحو، تضرب بطنها حتى أصابها الإعياء حتى أنها أُغشي عليها وسقطت في الأرض. فأرتبك باسم وأخذ يردد: "لا حول ولا قوة إلا بالله، هو أنا ناقص هم، ده أنا صدقت ملك بدأت تخف بعد ما المخدر بدأ ينسحب من جسمها وكنت رايح أطمن عليها في المستشفى. تقوم أنتِ تعملي كده وتوجعي من طولك. أعمل إيه أنا دلوقتي في المصيبة دي؟ أمري لله هشيل الهانم للسرير وأحاول أفوقها، وأشوف مالها بتتعصب ليه كده. هو أنا اللي قلت لها أمشي في الحرام. مش كفاية إني سترتها ودريت على عملتها السودا عشان ربنا يسترها معايا."
فاثنى باسم ظهره ثم حملها على الفراش، وتناول زجاجة العطر ونثر منه على أنفها حتى استفاقت. فطالعته بحب ثم ذرفت الدموع، فأشفق عليها باسم مرددًا: "إيه يا عزة مالك يا بنت الناس، مش قولنا خلاص اللي حصل، ومتجلجيش من اللي جاي، لزمته إيه بقى تعملي كده؟ طيب لو مش خايفة على اللي في بطنك خلفي على نفسك. لأن واعر عليكِ لو حصل حاجة للي في بطنك."
فاكتفت عزة بالبكاء ولم تجبه بأي كلمة. فحرك باسم رأسه باستياء مردفًا: "وبعدهالك عاد، أنا مش بستحمل الدموع دي."
فتفاجيء به تمد يدها لتلمس يده وتطالعه بنظرات عجيبة لا يفهمها، لتردد بعدها: "يعني بيعز عليك دموعي صح يا باسم."
فأبعد باسم يده بحرج مردفًا: "قصدي يعني عمومًا أنا ما بستحملش حد يبكي قصادي، تقدري تقولي كده قلبي رهيف حبتين."
لتلقي عليه عزة القنبلة في وجهه بقولها: "معشان كده حبيتك يا باسم."
فوقف باسم وكأنه صعق وتبدل لون وجهه مرددًا: "أنتِ بتقولي إيه يا عزة. أنتِ أكيد بتحلمي يا بنت الناس، ومش معنى إني سكت وسترت عليكِ، يبقى ده يديكي أمل إني ممكن أنسى اللي حصل وأعيش معاكِ عادي. لا مش ممكن يحصل. وكمان غير ده أنا قلت لك إني بحب إنسانة مفيش زيها واصل. وأنتِ بس أكيد موهومة مش أكتر، فبلاش تدخلي نفسك في عذاب تاني وخلينا كده يا بنت الناس. أنتِ مرتي على الورق بس وملكيش أي حقوق عندي. وبعد ما تولدي، ممكن أسرحك لوجه الله ونطلق عشان تشوفي حالك عاد."
فصرخت عزة: "لااااا خلينى جارك العمر كله يا باسم. وإن كان على الحقوق أنا مش عايزة منك حاجة، أنا كفاية أطلع لك كده بس وأحس بنفسك معايا. وخابرة إنك بتحب، وبدعيلك ربنا يوفقك معاها. وجلبي بردك بيقولي إنك رايح تقابلها صح."
فحرك باسم رأسه: "أي نعم."
فتنهدت عزة بغصة مريرة مردفة: "وماله، روح يا دكتور، ربنا يسعدك معاها وانسى أي كلمة أنا قلتها زعلتك."
فطالعها باسم بريبة، فلم يعد يفهمها ولا يعلم ما تريد منه. واكتفى بإيماءة رأسه وخرج يقصد المستشفى نحو ملك. أما هي فدفنت رأسها في الوسادة وصرخت بقهر حتى لا يسمع صوتها أحد.
***
حاول باسم الهدوء وألا يشغل تفكيره عزة حتى يقبل على ملك بذهن صافٍ، ولكن للأسف تكدر محدثًا نفسه: "وادي جزاء معاملتي معاها، بتقول بتحبني، جال وشوية شوية بتقول لي أنا مرتك وليه فيك حق ومش بعيد توقف في قربي من ملك. وأنا اللي صدقت شوكة أبويا خلصت عاد، وكمان ملك تخف وساعتها مش هنتظر ولا دقيقة واحدة تانية وهتجوزها. ولو حاولت عزة توقف قصادي، هطلقها وتشوف حياتها بعيد عني، وبزيادة إني اتحملتها كل ده."
ثم تابع: "بس بس وشيلها من دماغك عشان لما أتكلم مع ملك متحسش بحاجة."
ثم تنهد وحاول رسم ابتسامة على وجهه ودلف إلى غرفة ملك في المستشفى، فوجدها على السرير تجلس بارتياحية تضع حجابها، وتقرأ في كتاب الله. وتطرق لأذنه آية: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب."
فوضع باسم يده على قلبه مرددًا: "وأنا صبرت كتير ودلوقتي جه الحساب."
باسم: "السلام عليكم، كيفك دلوقتي يا ملك؟"
أغلقت ملك كتاب الله، ثم طالعته بابتسامة مشرقة خطفت عقله مرددة: "وعليكم السلام، الحمد لله أحسن كتير يا دكتور."
تجهم وجه باسم مردفًا: "إيه دكتور دي، أنا باسم بس يا ملك."
ملك بخجل: "يعني بردك الناس مقامات."
اقترب منها باسم مرددًا: "وأنتِ مكانك في قلبي عالي جوي جوي يا ست البنات."
احمرت وجنتاها خجلًا مردفة: "وبعدين يا دكتور باسم. أنا آه خابرة اللي عملته معايا ومش هنسى جميلك ده واصل. بس صدقني كيف ما جولت لك زمان، إحنا منفعلش لبعض، أنت فين وأنا فين، ومش بس دي كمان المشكلة دلوقتي. أنت كمان بقيت راجل متجوز، وفيه واحدة أحق بيك مني."
فانفعل باسم غاضبًا: "إيه اللي بتقوليه ده يا ملك. أولًا أنتِ هنا في قلبي، ثانيًا يا ستي، أنتِ خابرة جوازي كان غصب وكمان طلع كيف ما جولتلك، وأنا عملت اللي جولت عليه وسترتها وعستني لما تولد كمان. لكن غير كده على مرتي على الورق بس، ملهاش أي حقوق عندي وهي خابرة كده كويس. لكن أنتِ حاجة تانية، أنتِ حبيبتي، و هتكوني مرتي على سنة الله ورسوله، أول بس ما تخفي وتطلعي من هنا بالسلامة. هروح أتجدملك يا ملك وهنتجوز. ومفيش حاجة هتقدر توقف قصادنا تاني."
رقص قلب ملك فرحًا، أنه أخيرًا سيجيب الله دعوتها وسيكون لها في الحلال. لكن ما زال أمر زواجه حتى لو كان على الورق يقلقها، فكيف تسمح لنفسها أن تأخذ رجلًا سبقها إليه امرأة أخرى. وتخشى أن تظلمه لأنها تعلم أنه يهواها هي ويكرهها هو. فرددت ملك: "بس يا باسم."
باسم: "مفيش بس، وإلا أنتِ مش بتحبيني زي ما بحبك يا ملك. متتصوريش أنا اتعذبت في بعدك قد إيه وعشت ليالي زي ما يكون واحد بيطلع في الروح لكن مش بيموت بيتعذب بس. ويوم ما الحمد لله ربنا فرجها تقول لي بس. لا مفيش بس يا ست ملك، ولو حتى أنتِ مش موافقة، أنا هجوزك غصب، ها قولتي إيه؟"
فابتسمت ملك، فكبر باسم: "الله أكبر. كده أنا مش هصبر وهطلع من هنا على بيت عم هريدي عدل."
فلمعت عين ملك بالدموع مرددة: "يا ترى أبويا حاله إيه دلوقتي، بعد اللي حصل لقمر، أكيد الناس بتاكل وشه. والله خايفة عليه جوي يا باسم، ياريت صح تروح له وتطمني عليه، لأنه من ساعة ما عرف إني هنا و جه يزورني مرة واحدة وقعد يبكي على خسارته عليا وعلى قمر، ومشى مجاش تاني. وجلبي وجعني عليه جوي."
باسم: "لا متقلقيش، أنا هطلع من هنا عليه على طول."
***
استفاق منصور من غيبوبته مرة أخرى وأخذ يردد: "نهلة، نهلة، أنتِ فين يا بت. مهملة كده منصورك حبيبك بردك. تعالي يا بت، نفسي أشوفك وأطلع لعينيكي الحلوين دول. ومهتمكيش حد، أنا أصلًا مش مصدقهم عاد، إنك اللي عملتي فيا كده. هما غيرانين منك، أنا خابر، ومش عايزين يشوفوني مبسوط. جبر يلمهم كلهم، أنا بس أقف على رجلي وهوريهم مكانهم عيال المركوب دول، عيال زهيرة. لكن أنتِ غالية و هتفضلي طول عمرك غالية يا بت. بس تعالي أشوفك."
سمعت الممرضة حديثه، فخرجت إلى الطبيب مسرعة، لتحدثه في الأمر. فزفر الطبيب بضيق: "هو فاق حضرته وبردك بيسأل عليها. أما لو عرف إنه خلاص كل حاجة انكشفت والحكومة مستنياه على نار عشان تحاكمه هيعمل إيه."
ثم ضحك بسخرية: "ساعتها يمكن يروح فيها خالص ونستريح من أمثاله المجرمين. آه لو بيدي كنت حقنته حقنة تخلصنا منه، لكن للأسف واجبي كطبيب ميسمحش ولازم تكون جانبه لآخر نفس. ونفسي فعلاً أشوف وشه والظابط بيقوله… أنت مش منصور، أنت ممدوح الجبالي؟"
رواية اولاد الجبالي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء سعيد
غلبه الشوق محمود وشعر مجددا بالأحتياج لرؤية نهلة ولم يصبر حتى تخرج من السجن بعد.
لذا قرر الذهاب إليها ليروي عطش قلبه لرؤيتها ليكون أول شخص تراه عندما تخرج من مركز الشرطة بعد الإفراج عنها.
حيث سارع محمود في بداية الأمر إلى إنهاء إجراءات الخروج، ثم أمر الباشويش عطيات أن تذهب إليها وتعطيها فستانا جديدا قد ابتاعه لها لتبدل به ملابس السجن وأن تهتم على راحتها حتى تخرج بأمان.
تعجبت عطيات من حديثه واهتمامه بتلك النزيلة (نهلة) التي تعرف ماضيها جيدا.
كما رأت عطيات لمعة عين محمود عند حديثه عنها، فأدركت أن وراء هذا الاهتمام الزائد حب أكيد.
فحدثت نفسها:
"شوفى البت اللى مش سايبة حد فى حاله، فى الأول قدرت تجيب رجل سيد البلد كلها بجلالة قدره منصور وتخليه يچوزها، ودلوك كمان سيادة المقدم بذات نفسيه، لا أكده كتير جوى جوى، هى البت دى ايه عتسحرلهم اكيد بعينيها السهتانة دى.
بس كله كوم وسيادة الباشا كوم تانى، دى متنفعهوش خالص ولا من طينته.
هو عايزله وحدة كيفه مصرواية متعلمة هانم صوح، مش بت فلاحة زى دى تعره جدام الخلق.
بس أجول ايه مراية الحب عامية عاد، خليه يشرب بجا.
بس بردك أظن يعنى محدش من أهله عيوافق على الچوازة العرة دى.
دى غير انها لسه على ذمة راچل، يا عيب الشوم، كيف بس يفكر فيها.
بس والله خسارة فيها البت دى. ده فستان شغله عالى واكيد بالشىء الفلانى.
واكيد عيبجا أحلى على بتى سمية، بس أعمل ايه لو دريته وطلعت بفستانها الجديم عيسئلها عن الفستان اللى جابه.
وأروح انا فى سين وجيم، فعلى ايه أدهولها وأريح دماغى."
ثم ختمت حديثها بقولها:
"يلا وانا مالى، هو حر عاد. لما أروح لها أديها الفستان."
فذهبت إليها وقامت بالنداء عليها ساخرة:
"ست نهلة."
فقامت نهلة على الفور مردفة:
"خير يا بشويش عطيات."
عطيات بتهكم:
"خير يا أختى وأنتِ عرفاه، اخيرا هنرتاح من خلجتك اللى تسد النفس وتخرجى من إهنه. بس على الله تلمى نفسك وتمشى چنب الحيط بعد أكده، عشان متشرفيش إهنه تانى."
فانفرجت أسارير نهلة وظهر على وجهها الفرح مرددة:
"اللهم لك الحمد."
ثم انطلقت مسرعة إليها مرددة:
"لا دى أخر مرة وهمشى چمب الحيط ولا أجولك أنا مش ههمل دارنا واصل."
فأمسكتها عطيات بقوة من معصمها وعينيها تطلق منهما شرار الغل والحقد مرددة:
"طيب يختى لما نشوف، انجرى يلا خلينا نخلص منك ومن وشك العكر ده."
ثم حركت شفتيها بتهكم مرددة:
"وعشان كمان البيه محمود مستنيكى على نار برا. بس عايزة أجولك نصيحة يا بت الناس وأديكى شوفتى اللى حاصلك من جوزتك من سيدك منصور الجبالي، فابعدى عن البيه لإنك متنفعيش ليه وهتبجا بردك چوازة شوم ويعالم آخرتك عتبجا فين المرة دى، ومحدش عيتجبلك من أهله واصل. مش بس ٱكده كمان، ده مش بعيد يرفدوه من الحكومة، لو شموا خبر أنه رايدك يا بت، يرضيكى أكده؟"
فانفطر قلب نهلة وتحولت سعادتها إلى حزن ارتسم على وجهها البريء، فوضعت يدها على قلبها متألمة مرددة:
"لا ميرضنيش، وأنا خابرة مجامى زين وخابرة معينفعش."
ثم ابتلعت غصة مريرة في جوفها مرددة:
"لا ميرضنيش وشكرا على النصيحة يا خالة."
فابتسمت عطيات بتشفى مرددة بمكر:
"أيوه أكده يا بتي، أكده تبجى عاقلة بصحيح. ويلا همى عشان تخلصى من السجن وأرفه."
فحدثت نفسها نهلة بمرارة:
"لا على أكده كان السجن أحلى وهو قريب منى وعشوفه واحس باهتمامه واشوف نظرة عينيه اللى كلها حب، لكن دلوك خلاص هطلع من سجن لسجن تانى عحبس فيهم جلبى وابعد عنيه عشان مصلحته. اااه يا جلبى، شكلك مش مكتوبلك الفرح واصل."
اخرجتها عطيات عن شرودها بقولها:
"مالك وجفة أكده وهتبرطمى تجولى ايه عاد، همى يلا وخدى الفستان ده، جيبهولك الباشا عشان تلبسيه وأنتِ خارجة."
فأخذته نهلة وضمتها لصدرها وانهمرت دموعها بحرارة على وجنتيها ولكنها رفضت ارتداؤه وأصرت أن تخرج بنفس الملابس التي جاءت بها.
حتى حانت لحظة الخروج وكان محمود في انتظارها ولمعت عيناه من الفرحة لرؤيتها ولكنه سرعان ما تمعض وجه عندما لم يجدها ترتدي الفستان الذي جلبه لها.
تقدم منها محمود وحاول اخفاء تمعضه وابتسم بقوله:
"أخيرا يا نهلة."
ثم داعبها بقوله:
"كفارة يا راجل."
ابتسمت نهلة رغما عنها مرددة:
"تشكر يا باشا. وأنا متشكرة جوى جوى على كل اللى عملته معايا. ودلوك استأذنك عشان أروح لأبوى، عشان اتوحشته جوى."
وهمت أن تغادر ولكنه استوقفها بقوله:
"استنى يا نهلة، أنا هوصلك."
غالبت نهلة مشاعرها وحاولت رسم الجدية على وجهها مرددة بغلظة:
"لا تشكر يا بيه لحد أكده، متتعبش نفسك. وصوح أمسك من يدي الحجات اللى جبتها دى، ملهاش لزوم ومتنفعش معايا دلوك لانى خلاص مبجتش نهلة هانم اللى كانت عتسكن قصر الجبالي وهرچع لأصلي بت الأجير الغلبان."
ألقت نهلة كلماتها تلك بين صدمة محمود التي ارتسمت على ملامح وجهه ولم يدرِ بما يجيبها ولا يعلم سر تحولها هذا.
فتساءل: أهذه حقا نهلة التي أحبها من لطافة كلماتها وبرائتها، فكيف لها أن تتحول إلى تلك الشرسة التي تحاوره الآن بجمود وكلمات لاذعة.
طالعها محمود بغرابة مردفاً:
"نهلة فيه ايه؟ مالك فهمينى؟ ايه غيرك بالطريقة دى وبالسرعة دى؟"
نهلة وهى تحاول امتصاص النار التي في جوفها مردفة ببرود ظاهري:
"مفيش حاچة يا باشا، شكلو متهيئلك بس. وخلاص خلصت الحكاية وانت عملت واجبك وتشكر، ومفيش اكتر من أكده وكل واحد يروح لحاله، عشان محدش يتلسن عليا وانا ست لسه فى عصمة راچل."
تلون وجه محمود غضبا واندفع بقوله:
"واجب وتشكر، بقا كده يا نهلة. وايه عصمة راجل دي، منا قولتلك دي فترة وتعدي وسهلة جدا تتطلقي منه يا نهلة."
نهلة بإقتضاب:
"أطلق ولا مطلقش، ملكش فيه عاد. وبزيادة كلام وحديت، أنا ماشية عاد."
ثم التفتت وسارعت بخطواتها أمامه ولكن ما أن ولته ظهرها حتى أطلقت من عينيها العبرات.
أما هو فوقف في مكانه مذهولا وهو يراها تسرع أمامه في خطاها وكأنها تهرب منه.
محمود:
"لا أنا مش قادر فعلا اصدق، معقول كنت عايش في وهم وصدقت انها بتبادلني نفس الشعور. معقول قلبي خدعني انا مش مصدق نفسي. بس خلاص أنا مش هفرض نفسي عليها تاني وهى حرة في حياتها."
ثم أغمض عينيه بألم وفتح زر قميصه بعد أن شعر باختناق ثم جاهد بخطواته نحو سيارته حتى يعود إلى بيته ليدفن نفسه على فراشه متألما كلما تذكر ملامحها البريئة وابتسامتها الساحرة.
بلغ الغضب بصباح والدة محفوظ مبلغه من إلهام عندما قامت بالدفاع عن نفسها، فضربتها صباح دون شفقة في كل أنحاء جسدها وإلهام تصرخ من شدة الألم وتردد (حسبي الله ونعم الوكيل).
وبينما كان محفوظ في الخارج شعر بنغصة في قلبه فردد (إلهااااام).
فحدث نفسه:
"جلبى عيوچعنى مش خابر ليه؟ خايف عليها رغم وعلى منيها، لا أنا هرچع الا تكون أمى عملت فيها حاچة. منا خابرها طول عمرها عتكرهها."
فأسرع محفوظ إلى المنزل وعندما أقترب سمع صراخ إلهام.
محفوظ متألما:
"اه يا جلبى، كل صرخة منيكى يا إلهام عتتطلع من جلبى انا."
ثم فتح الباب بقوة حتى أصدر صوتا قويا وأسرع إلى والدته مردفاً:
"حرام عليكى ياما ايه اللى عتعمليه ده. همليها ياما، ارجوكى."
صباح:
"لا مش عهملها بنت المركوب الخاطية دي. ولا انت خلاص يا ابن بطني حنيت ليها رغم اللى عملته؟"
شعر والد قمر بالجوع فنزل ليبتاع أي شيء يسد جوعه ولكن ما أن نزل وراه الناس حتى بدئت الألسنة تخوض في عرضه.
فقال أحدهم:
"هو ليه عين يوري وشه للناس بعد اللى حاصل، كان فيه لما بته كانت ماشية على حل شعرها واخرتها كمان اتسجنت، أنا لو منه كنت سيحت دمها وغسلت عارى بيدى."
ثم رد عليه آخر:
"اه والله عندك حق، وكله كوم وبته التانية كمان كوم، اللى مش خابرين راحت فين. وجال ايه فى المستشفى، عيضحك علينا، تلاجى واحد ابن حرام ضحك عليها هي كمان وهربت."
فتلون وجهه من الغضب وثارت الدماء في عروقه مع كل كلمة يرددها الناس حوله وتألمه كأنها خناجر تصوب إلى قلبه فتدميه.
فأسرع إلى ذلك الرجلين ووقف أمامهم غاضباً بقوله:
"اتقوا الله يا ناس، حرام عليكم، انتم معندكمش ولايا."
فأمسك به أحد الرجلين مردداً بغضب:
"والله يعني عتتعصب كيفنا اهو وعتشطر علينا، امال مجدرتش على بناتك ليه يا راچل؟"
والد قمر:
"محدش ليه صالح ببناتي، وكل اللي بيغلط بياخد جزاته، وأنا مش هسمح لحد يچيب سيرتهم على لسانه."
فضحك أحدهم شماتاً:
"لا والله، يا سبع الرچالة، يا أبو خضرة الشريفة."
فانفعل والد قمر وسدد له لكمات، فاجتمع عليه الرجال يضربونه.
ليأتي في هذه اللحظة باسم، الذي نزل سريعا من سيارته حين سمع صراخ والد قمر وتجمع الرجال حوله.
فدخل بينهم سريعا ليتفاجأ به ملقى على الأرض والدماء تتناثر من أنفه وشفتيه.
فصرخ باسم:
"حرام عليكم، ايه اللي هتعملوه في الراجل ده. أنا هوديكم في داهية."
ثم طالعه باسم بحزن كبير مردفاً:
"جوم معايا يا عمي."
والد قمر:
"انت مين يا ابني، وشك مش غريب عليا."
باسم بنوع من اللطف معه:
"أنا ابن الجبالي دكتور باسم يا عمي."
فنكس والد قمر رأسه وبكى مردفاً بغصة مريرة:
"وعايزين ايه منى يا ولاد الجبالي، مش بيكفي اللي حصل منيكم ولى حصل مع قمر؟ بعد عني وروح لحالك وهملني لحالي، وياريتك كنت سبتهم يخلصوا عليا، عشان ارتاح من الهم اللي انا فيه ده."
باسم بشفقة عليه:
"لا متجولش أكده يا عمي، وسيبك منيهم، الناس طول عمرها مورهاش غير الكلام. وأنا خابر قمر غلطت صوح، بس هي خدت جزائها وخابر أكيد ندمت ومسيرها تطلع وتكون أحسن من الاول. ده غير ملك اللي محتاجك چمبيها، وعتتوحشك جوي، ونفسها تشوفك."
فبكى والد قمر:
"ملك بتي، اتوحشتها جوي بس مكنتش جادر اشوفها وهى أكده. انت تعرفها يا ولدي؟"
ثم تغيرت ملامح وجهه الغضب مردفاً:
"اوعى تكون انت كمان منيهم وعايز تضحك على بتي."
فطمنه باسم:
"لا معاذ الله يا عمي، أنا رايد بتك على كتاب الله وسنة رسوله، وچي عشان اطلبها منيك وياريت توافق عشان تسعدنا."
فابتسم والد قمر، فاطمئن قلب باسم ومسك يده مردفاً:
"طيب دلوك يا عمي ملكش جعاد فى إهنه تانى بين الناس ديوهتجوم دلوك وتيچى معايا الجصر، تعيش فيه معزز مكرم."
والد قمر:
"لا يا ولدي أنا مجدرش أهمل بيتي واصل، اموت لو خرجت من اهنه، وإذ كان على الناس فمهما روحت مش هيبطلوا يتلسنوا، بس الوقت مسيره ينسيهم."
باسم:
"بس يا عمي عشان ترتاح شوى من جرفهم ده."
والد قمر:
"لا يابني مجدرش والله. ودلوك عايزك تخدني لملك أطمن عليها، عشان خلاص مبجتش جادر اني مشوفهاش اكتر من أكده. بس اسمحلى أدخل اغير خلجاتى الاول."
فابتسم باسم واومىء برأسه، لينقله بعد ذلك إلى ملك.
كانت بانة على فراشها نائمة ولكن كعادتها كل يوم ترى جابر في أحلامها يلاطفها ويحنو عليها.
حتى تلك الليلة رأته يقف على شاطىء النيل وهى على الطرف الآخر منه وتنظر إليه وتطالعه بإشتياق، وتناديه بقولها:
"جابر وبعدهالك يا جلبى، هتفضل أكده بعيد."
جابر:
"أنا مش بعيد جوى عنك يا بانة، واهو أنا شايفك وأنتِ شيفانى عاد."
بانة:
"لا يا جابر شيفاك اه بس ده مهيكفنيش، أنا عايزاك جارى، ألمس وشك بيدى، أدفن نفسى فى حضنك وانسى الدنيا كلاتها معاك يا جابر، أنا محتچاك جمبى، اتوحشتك جوى ومش جادرة على البعد ده."
ابتسم جابر بقوله:
"يعنى افهم من أكده يا بانة انك عاد عتحبينى كيف ما بحبك، أنا جابر اللى يدوبك هيفك الخط ومرحتش ولا چيت وإنسان على جدى، مش ابن الجبالي زيكى."
تنهدت بانة بلوعة المحب مرددة:
"يااااه لساك هتسئل يا جابر، ده أنا مش عجبك بس أكده حب عادي، أنا عشجتك كمان وبجيت باللنسبالى الهوا اللى عتنفسه ومن ساعة ما بعدت عنى وأنا حاسه نفسى مخنوقة وكأنى خلاص هموت. قرب منى يا جابر لو بتحبني وبزيادة بعد، أنا خلاص هموت من بعدك يا جابر، تعال وقرب. تعال يا جابر لو لسه بتحب بااانة، جابر، جابر."
ثم تساقطت دموعها على وجنتيها فوجدت بانة من يلمس وجنتيها برفق ويزيل عنها دموعها فانتفضت وفتحت عينيها، فوجدت جابر أمامها.
فاتسعت عينيها مرددة بصدمة:
"أنا أكيد بحلم صوح."
ثم بكت مرددة:
"وبعدين أنا أكده شكلي اتچنيت، كل ده من حبك يا جابر ميتى بس ربنا يفك حبسك وترجعلى."
ابتسم جابر ولمس وجهها بحنو مردداً:
"مكنتش خابر انك عتحبينى كده جوى يا بانة. متصوريش أنا فرحان جد ايه يا جلب جابر. وعلى فكرة أنتِ محتلميش، أنا جدامك صوح، أنا خلاص بجيت حر وأفرجوا عنى واول ما خرچت چيتلك جرى يا ضى عيونى، أتوحشتك جوى جوى يا بانة."
اتسعت عين بانة على اخرهم وانتفضت مرة أخرى ورددت والدموع في عينيها:
"يعني انت جدامى صوح يا جابر مش بحلم، بجد طلعت خلاص ورجعت ليا، رجعت لحضني وبچيت معايا ومش هتهملني تانى عاد."
ابتسم جابر مردداً:
"لا يا جلبى عمرى ما هسيبك تانى عاد خلاص، ومفيش حاچة عتفرق بناتنا غير الموت."
فوضعت بانة يدها على فمها مرددة:
"اوعاك تجول أكده يا جابر، لأن حتى الموت مش هيفرق بناتنا لانى هموت معاك مش هستحمل ولا دقيقة من غيرك."
فلمس يدها جابر ثم رفعها على فمه يقبلها بشوق وحب ثم نظر إلى عينيها وبريقها فهمس:
"وحشتني عيونك اللي هتلمع وعتجول أحبك من غير ملسانك يجولها."
ثم نظر إلى شفتيها المرتعشة من فرحة اللقاء، ليسكنها بقبلة طويلة يطفئ بها لهيب الأشواق والحب، ليبتعد عنها قليلا ليتيح لها أخذ أنفاسها ثم يعاود من جديد لقبلة أخرى ثم احتضنها بقوة.
لتبكي مرة أخرى بانة مرددة:
"ياااه يا جابر مش مصدقة فعلا انك في حضني، متصورش ليالي طويلة نمتها كيف لوحدي ودمعتي على خدي والكسرة في جلبى وانت بعيد عني."
فهمس جابر:
"لا خلاص يا جلب جابر، مش عايز دمعة وحدة اشوفها تنزل من عيونك الحلوة دي تاني. أنا جمبك خلاص ومش عهملك ابدا، غير على الحمام، لانى مش متحمل حالي بس مجدرتش ادخل وانا شايفك قدامي على السرير كيف حبة الكرميلا فجولت لازم ادوق أكده الاول حاجة بسيطة، لكن بعد ما اتسبح هاچي تاني واخلص العسل ده كله عشان وحشني جوي جوي."
فنكزته بانة في صدره مرددة:
"بس يا جليل الرباية. ويلا جوم على الحمام وأنا چاية معاك أسبحك بيدى."
فضحك جابر حتى ملىء فمه مردداً:
"هو انا اللي أكده جليل الرباية."
ثم تعالت ضحكات الاثنان، ليسجدوا بعدها سويا سجدة شكر إلى الله عز وجل أن جمعهم مرة أخرى مع بعضهما البعض ودعوا الله أن يكمل فرحتهم بالذرية الصالحة.
استفاق منصور من الغيبوبة ولم يكن على لسانه سوى نهلة فقط وتمنى أن يراها ويكون له معها عالمهم الخاص بهم، فهو لا يريد غيرها.
لتسرع بعد ذلك الممرضة إلى الدكتور لتخبره أنه قد فاق من الغيبوبة.
فقرر الطبيب الذهاب إليه للاطمئنان على مؤشراته الحيوية لمعرفة قدرته على الاستجواب من عدمه من جهة الشرطة للتحقيق فيما نسب إليه من اتهامات.
فولج إليه الطبيب وعلى وجهه التجهم، فهو أصبح لا يطيقه بعدما علم بحقيقته الفاسدة ولكن واجبه يحتم عليه التعامل معه برفق.
وعندما رآه منصور ردد:
"أنا خلاص حاسس اني بجيت زين جوى يا دكتور، فياريت تكتب ليه على خروج عشان عايز أخرج للجماعة اتوحشتهم جوى."
فابتسم الطبيب بتهكم مردفاً:
"انت من جهة هتخرج من هنه هتخرج متقلقش، لكن حتة الچماعة دي خليهم بقا هما اللي يقرروا يشوفوك أو لأ بعد ما تشرف السجن يا منصور بيه ولا تحب أقولك يا ممدوح."
ليتلون وجه منصور ويصبح بلون الدم من الغضب ثم صاح بقوله:
"انت شكلك هتخرف ولا ايه يا دكتور؟ ممدوح مين؟ أنا منصور الجبالي وهخرج من إهنه وهروح لنهلة وهطلعها من السجن وهخليها هي ست الجصر كلاته وهدخلهم هما السجن بدل ما."
فحرك الطبيب رأسه باستياء وحدث نفسه:
"من أعماله سُلط عليه، والإنسانة اللي الوحيدة اللي حبها، هي كانت بداية نهايته."
ثم تابع:
"وأنا مالي، أنا هخرج وأبلغهم أنه خلاص فاق وصحته تسمح بالاستجواب."
أما منصور فلم يكف عن ذكر اسم نهلة، حتى تفاجأ بدخول بعض أفراد من الشرطة ووجدهم يلتفون حوله.
فأخذ يتطلع إليهم بتجهم مردفاً:
"انتم مين وعايزين مني ايه؟"
ليبدأ حسام في التعريف بنفسه:
"أنا المقدم حسام المصليحي."
ثم وضع يده على كتف أسامة قائلاً:
"وحضرته أسامة المنسي وكيل النيابة المكلف باستجوابك. وده الكاتب بتاعه والباقيين طبعًا زي ما انت شايف عساكر."
فشعر منصور بالارتباك للحظات ثم حاول الثبات مردداً:
"انتوا جايين عشان نهلة صوح، أنا من ناحيتي هبرئها من الأتهام اللي ولادي اتهموها فيه، هي بريئة، طلعوها وهاتوهالي أنا محتاجها جوى جنبى."
أسامة بسخرية:
"متقلقش على المدام هي طلعت خلاص فعلاً براءة، بس حضرتك اللي هتشرف مكانها ومتقلقش مش لوحدك هتلاقي هناك حمدان هيسليك يا ممدوح."
فاضطرب منصور وتسارعت نبضات قلبه واضطربت رؤيته، ولم يرى إلا نفسه وهو صغير وأبيه يعنفه ويضربه ويفضل عليه أخيه منصور وينعته بالفاشل الفاسد.
فأخذ منصور يصرخ في هستيرية:
"لا أنا مش ممدوح الفاشل، لا أنا مش ممدوح اللي متعلمش وبقا ظابط كبير زي أخوه. لا أنا مش ممدوح اللي بيسرق وينهب عشان يجيب جرش يعمل ليه حساب عند الناس. لا أنا مش ممدوح اللي محدش عيحبه والكل شايفه وحش حتى اقرب الناس ليه. لا أنا مش ممدوح، أنا منصور اللي كل عيحبه ويضرب ليه تعظيم سلام. أنا منصور اللي عندي كل حاجة، مش ممدوح اللي معندهوش حاجة غير شوية فلوس معملتش ليه أي حاجة ومعرفش يشتري بيهم الحب اللي اتحرم منه طول عمره. لاااا أنا منصور الجبالي مش ممدوح أبدا. وأنا هعرف كيف أحاسبكم على الكلام ده كويس. اخرجوا يلا وهملوني لحالي، أنا مش عايز غير نهلة وبس هي الوحيدة اللي حبتني وشافتني راجل ملو هدومه. انتِ فين يا نهلة؟ انتِ يا فين نهلة؟ والحجيني حتى من ولاد منصور والناس كلها. كلهم عيكرهوني، وأنتِ بس اللي حبتيني. تعالي يا نهلة."
رواية اولاد الجبالي الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء سعيد
واجه وكيل النيابة منصور بحقيقته، فأنكر ودخل فى حالة هيسترية وذكر بها كل ما كان يعانيه منذ الصغر والذى أدى إلى ما هو عليه الآن.
حتى أشفق عليه حسام وحدث نفسه: لا حول ولا قوة إلا بالله، أول متهم فى حياتى يصعب عليا بالشكل ده. وحاسس أن ظروفه هى حولته لإنسان مجرم بالشكل ده، لكن للأسف كقانون مينفعش نقول ظروف هو فى النهاية مجرم ولازم يتحاسب على كل جرايمه.
ثم وقف أنس فى مواجهته يطالعه بتحدى مردفاً: حضرتك الإنكار مش هيفيدك بشىء ولا كل الكلام اللى بتقوله ده ليه معنى. لأن خلاص كل حاجة انكشفت وحمدي اعترف بكل شىء وبرضه زهيرة هانم حرم أخوك اللى قتلته وخدت مكانه قالت كل حاجة. وعرفنا كل جرايمك القديمة من نصب وسرقة وتجارة آثار ومخدرات وقتل أخوك ده غير اغتصاب الشغالات اللى عندك. أنا مش عارف إزاى تعمل كل ده، انت أكيد مش إنسان زينا، انت أكيد شيطان.
ليخرج منصور عن وعيه ويحاول أن يتهجم على وكيل النيابة حيث أمسك بقميصه مردداً بغضب: انتم كلكم الشياطين، مش أنا.
ثم تركه منصور حين تدخل العساكر ليبعدوه عنه. ليبكى بعدها منصور مردداً بنحيب: أيوه انتم كلكم شياطين، وانتم السبب اللى خلانى أعمل ده كله، وتستاهلوا. عشان محدش حبنى فيكم وعلى طول شايفنى مجرم ووحش مع إني كنت أتمنى حد بس يطبطب عليا ولا يخدنى فى حضنه ويفهمنى بالراحة الصح والغلط لكن حكموا عليا بدرى إني وحش وأنا معملتش حاجة غير اللى جالوه عنى، يبجا تحاسبوهم هما مش أنا، مش أنا.
وأيوه أنا اللى قتلت منصور أخوى. ثم لاحت ابتسامة تشفى على ثغره قائلاً: ولو اطول ارجع أقتله تانى أقتله. عشان هو أخد مني كل حاجة وأنا مخدتش حاجة خالص، خد حب أبوي والناس وأنا مخدتش غير الكره. عشان كده قتلته وخدت مكانه فى كل حاجة.
ثم صمت منصور وبكى مردداً: الأ بردك الحب، محدش حبني غير نهلة وبس. وخابر إني كده خلاص انتهيت، مش فارقة معايا، عشان أنا أصلاً انتهيت من زمان جوى جوى. بس لو ليا طلب قبل ما تعدوموني أشوف نهلة وبس.
فنظر أنس إلى حسام وحرك رأسه بآسى، ثم طلب من العساكر تقييد يده بالكلابشات ثم الزج به إلى سيارة الشرطة ومن ثم التوجه به إلى مركز الشرطة للبدء في التحقيق معه ثم محاكمته في كل التهم المنسوبة إليه.
عاد باسم إلى القصر سعيدا بعد أن وافق والد قمر على خطبته لملك ولكنه لم يعلم كيف يتحدث مع والدته في الأمر وهو الآن متزوج من عزة، ولكنه قرر التحدث معها واقناعها بشتى الطرق.
وبالفعل ولج إليها وقبل يديها.
زهيرة بحب: ابن قلبي، كيفك يا ضنايا؟
باسم: بخير يا ست الكل طول ما أنتِ بخير.
ثم حمحم باسم بحرج: ياما، أنا كنت رايد أجولك حاجة أكده وياريت تفهميني كويس.
أمعنت زهيرة النظر إليه مرددة: خير يا ولدي، انت كويس؟ ومراتك كويسة؟
فزفر باسم بضيق: كويسة، بس أنا مش كويس يا أما.
عقدت زهيرة حاجبيها مرددة: قلقتني، مالك يا ولدي؟
باسم: انتِ خابرة إن قلبي مش بيدي يا أما وإني اتجوزت عزة غصب وإني أحب غيرها، بسبب عمي اللي كان عامل أبوي. ودلوك خلاص ربنا بعد شره عننا بعد ما عرفنا كل حاجة. وأنا عايز أداوي قلبي بلي أحبها يا أما، وهي صبرت كتير عليا والنهاردة بس كلمت أبوها ووافق على إني أجوزها.
فتبدلت تعابير زهيرة للغضب مردفة: يعني كمان روحت واتفقت من ورايا، طيب جي ليه ما خلاص، عملت اللي في كيفك، لزمته إيه تجولي، ولا عشان بس من باب العلم بالشئ.
حاول باسم ابتلاع غصة في حلقه مردفاً بحرج: لا يا أما أنتِ الخير والبركة، وأنا مش جي أجولك وخلاص، أنا مش هجوزها إلا بموافقتك طبعاً.
حركت زهيرة رأسها مردفة بأستنكار: مش مهم موافقتي أنا يا ولدي دلوك، أنا عليه عايزة سعادتك بس فيه إنسانة دلوك هتظلمها معاك وملهاش ذنب مراتك عزة، ده غير أهلها هيقولوا إيه لما يلاقوك هتجوز على بنتهم وهي لسه عروسة كام شهر.
فابتسم باسم ابتسامة تهكم مردفاً: هظلمها، اسكتي يا أما أنتِ متعرفيش حاجة، وإن كان على عزة متحمليش همها وهي خابرة أصلاً وموافقة كمان.
فاتسعت عين زهيرة مردفة: بجد موافقة.
باسم: أيوه ومتسئلنيش كيف، خلي الطابق مستور.
فأيقنت زهيرة أن هناك سرا لا تعرفه ولكنها أثرت الصمت حتى لا تحرجه بسؤالها.
ولكنها رددت: خلاص يا ولدي على البركة ربنا يسعدك.
فقبل باسم يدها بحب ثم استأذن وذهب إلى غرفته سعيدا. ولكن سرعان ما تغير وجهه عندما وجد عزة وقد انتهت من صلاتها ورفعت يديها بالدعاء مرددة: يارب أنا خابرة إني غلطت جوي جوي، بس انت كريم ورحيم ورزقتني واحد ستر عليا وطلع زين الرجال وأنا حبيته جوي من جَلبي، بس هو بيحب غيري وأنا قلبي بيتعطع عليه، بس خابرة إنه من حقه يعيش حياته بس غصباً عني بغير عليه. بس يارب مش طالبة غير إنك تبرد قلبي وتخليه ميهملنيش ويفضل جنبي طول العمر، ويااه كمان لو أشوف من عينيه ولو نظرة حب واحدة بدل نظرة الاتهام دي والشفقة. أنا خابرة إني مستهلش بس انت رحيم بعبادك وبقلبي يارب.
ليطبق باسم على شفتيه وسرت قشعريرة في جسده وحدث نفسه: وبعدهالك يا عزة، متصعبهاش عليّ بعد ما ربنا سهلها. وجلبي مش بيدي وأنا بحب ملك، وبرضه مراعي ظروفك وهقف جنبك بس مش أكتر من أكده.
اتصل حسام على براء الذى كان نائما وعلى صدره زاد ويحاوط خصرها بيديه. ولكننه استفاق من رنين الهاتف والتقطه بصعوبة حتى لا يزعجها في نومتها وتحدث بنعاس مردفاً: الو يا حسام.
لاحظ حسام نبرته الناعسة فداعبه بقوله: احنا شقيانين وانت نايم في العسل يا باشا يبختك يا با.
فضحك براء: من نفسي يا أخى، وبطل نقر بجا. وجول عايز إيه عشان أكمل نوم في العسل.
حسام بضحك: ولعة معاك يا با.
ماشي يا سيدنا، خلاص كله تمام وعمك مشرف عندنا والقضية كده تمام من كل ناحية.
فابتسم براء مردداً: الحمد لله، ربنا ينتقم منه ولولا إني راجل قانون كنت كتلته بيدي وخدت بتاري منه. منه لله عيشنا في عذاب سنين وكنت ديما بسأل نفسي، ليه هيعملنا أكده كأننا مش ولاده، وفعلا طلعنا مش ولاده.
حسام: بس أتصور صعبان عليه لأن كل اللي عمله بسبب تربيته الغلط وتفضيل والده عليه.
براء: بس ده مش سبب لكل اللي عمله برضه، مش كل واحد يغير من أخوه يقتله، كده هتكون غابة.
حسام: آهو هياخد جزاه هو وحمدان وأعوانه.
براء: طيب ولسه جابر مطلعش ليه؟
حسام: لا طلع من امبارح يا ريس، انت إزاي معرفتش.
براء بتفاجؤ: بجد، آه النمس، هشوفه عشان وحشني.
حسام: طيب سلام، بس متاخدتش قوي على الراحة، لأن من أول الأسبوع هتشرف حضرتك وأنا ومحمود هناخد إجازة وانت تشيل بقا يا ريس.
براء: آه يا خونة، هو إحنا فين من أكده، لا قدروا إني لسه عريس، عشان أعمل معاكم الواجب لما تدخلوا دنيا.
فضحك حسام: لما بقا، سلام يا عريس.
اغلق براء الخط، لينظر إلى زاد فوجدها تدفن رأسها على صدره.
براء: مالك أكده، وريني عينيك الحلوة دي، وحشتني.
زاد: لا مكسوفة، مش قادرة أحط عيني في عينك بعد اللي حصل.
براء بمكر: هو حصل إيه، أنا مش فاكر حاجة. فكريني أكده، بس أحكي لي وحدة وحدة عشان أفهم وأستوعب.
فضربته زاد بيدها على صدره مرددة: بس يا جليل الرباية.
فأمسك براء بيدها ثم رفعها إلى فمه يقبلها بحنو مردفاً بهمس: أنا جليل الرباية طيب وديني لأوريكى.
ليعيشوا معا لحظات جميلة مرة أخرى.
وعندما انتهوا طالعها براء بحب مردفاً: ما كنتش خابر إني أحبك قوي أكده يا زاد، وإن القرب منك جنة على الأرض.
زاد بدلال: أعملك إيه ما أنت كنت غشيم ومش شايف النعمة اللي قصاد عينيك.
فضحك براء: بقا كده، طيب يا ستي، اديني شوفت خلاص وأوعدك مش هسيب النعمة دي تروح من إيدي تاني.
فأطالت زاد النظر إليه وكأنها غير مصدقة أنها معه وبين أحضانه.
براء: مالك بتبصيلي كأنك هتشبهي عليّ أكده، على العموم عجولك أنا مين، أنا جوزك حبيبك.
فابتسمت زاد مرددة: بجد يا براء، أنا لغاية دلوقتي حاسة إني في حلم جميل مش عايزة أصحى منه. وخايفة أفوق منه على كابوس. اوعدني يا براء إنك تكون ليا لآخر العمر ومتسبنيش أبدا.
قبّلها براء بنعومة مردداً: أوعدك يا زاد، مش هسيبك أبدا ومفيش حاجة هتقدر تفرق بينا.
ولكن زاد أغمضت عينيها وشعرت بغصة في قلبها وقلق لا تعرف سببه حتى أنها حدثت نفسها: خير يارب. مش خابرة أنا قلقانة ليه أكده قوي. فما ستخبئ لهم الأيام؟
طبع براء قبلة على جبينها مردفاً: دلوك أنا هقوم أسبح، عشان أطلع أطمن على أمي وأسلم على جابر وأشوف آخر أخبار الدكتور باسم.
ابتسمت زاد بنعومة مرددة: وأنا كمان هاجي معاك.
فغمزها براء بمكر: عايزة تيجي تسبحي معايا.
فتذمرت زاد مرددة بغيظ: بس يا جليل الرباية.
فعلت ضحكة براء ثم كشف عنها الغطاء وحملها بين يديه كالأطفال مردداً: طيب وعشان الكلمة دي، هتسبحي معايا.
فدفنت زاد رأسها في عنقه من الخجل ولكنها ابتسمت حين تذكرت أن هذا من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حيث كان يغتسلان معاً روى عن عائشة – رضى الله عنها- قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، يبادرني وأبادره، حتى أقول: «دعي لي الماء»، وأقول أنا: «دع لي».
وبعد الانتهاء من الأستحمام وإرتداء ملابسهم، وضع براء يده في يد زاد وأحكم عليها كأنها أغلى ما يملك.
فابتسمت زاد ورفرف قلبها من السعادة ثم توجهوا للخارج ليصادف خروج بانة وجابر من غرفتهم وعلى وجههم نفس تلك السعادة التي على وجه براء وزاد.
فصاح براء: اهلا بأبو نسب، كفارة يا راجل.
فسارع له جابر وقام بإحتضانه بحب مردفاً: اتوحشتك يا سيادة المقدم.
فنكزه براء مردفاً: لا من النهاردة تقول يا خوي، ولا مينفعش.
جابر: لا هو أنا أطول، ده يشرفني.
براء: يشرفك إيه بقا، ده احنا طلعنا عيلة ما تسرش عدو ولا حبيب.
ثم انفجر براء ضاحكاً، وتبعه زاد وبانة التي احتضنتها أيضاً بحب مردفة: حمدلله على سلامة جابر يا بانة.
بانة: الله يسلمك يا زاد.
براء: يلا نسلم على ست الكل ونطمن عليها. بس استنوا نخبط على باسم.
استفاق باسم على صوت طرق الباب وقول براء: يا سيادة الدكتور لسه نايم ولا إيه، طيب فوق أكده وحصلنا على أمك، عايزين نكلم شوية.
فرك باسم عينيه من أثر النعاس مردداً: ماشي يا خوي هغسل وشي وأحصلك.
استيقظت على إثر حديثه عزة مردفة بنعاس: فيه حاجة حصلت يا باسم، الحاجة زهيرة كويسة؟
تمعض باسم فهو لا يحب أن تتدخل بشيء فرمقها بغضب مردفاً: مش جلتلك قبل سابق ملكيش صالح بحاجة ولا تسألي في ولا تتدخلي في حاجة.
ابتلعت عزة غصة في حلقها من الحرج بمرارة مردفة: أسفة أنا كنت بس بطمن على الحاجة. وأنا هقوم أحضرلك الحمام وأطلع لك جلابية تلبسها.
وعندما قامت عزة وخطت خطواتها أمام باسم، لاحظ أن بطنها بالفعل قد بدأت في الظهور نوعاً ما.
فاستغفر وحاول يكتم غضبه ثم حاول التحدث بهدوء: تعالي يا عزة، أجعدي عايز أتكلم معاكي.
طالعته عزة بإندهاش ثم اقتربت منه وجلست بجواره تطالع تقسيمات وجهه بحب وأطالت النظر إليه، حتى شعر باسم بالحرج وأخفض نظره ثم أردف: عزة للأسف بطنك كبرت وخايف لو جعدنا أكتر من أكده حد يلاحظ.
فضمت عزة شفتيها بحرج ووضعت يدها على بطنها ثم أردفت بندم: طيب والعمل؟
باسم: كيف ما جلتلك أجول عنسافر مؤتمر طبي وهأجر لكِ شقة في المحافظة هتقعدي فيها لغاية ما تولدي بالسلامة. وهنعمل ساعتها اللي اتفقنا عليها. بس بعد أكده، هجيب لكِ شقة بعيد عن القصر، لأني...
ثم سكت للحظة حرصاً على مشاعرها ولكنها شعرت بما يدور في خلده فانهمرت دمعة ساخنة على وجنتيها مردفة بحزن: خابرة هتجوز اللي بتحبيها وتجيبها هنه، هي صح أولى مني بناسك. لكن أنا إيه يعني، أنا واحدة خاطية ملهاش تنطق ولا تكلم، وتحمد ربنا بس إنك سترت عليا.
شعر باسم بمرارة حديثها ولكنه رغم مرارته فهو الحقيقة، وهي لن تكون في يوم بمكانة ملك.
باسم: سبق وجلتلك أسرحك لوجه الله بدال مش متقبلة جوازي.
فصرخت عزة: لاااااا راضية وعحط بلغة في خشمي، المهم أكون جنبك حتى لو كنت على هامش حياتك يا باسم.
فأغمض باسم عينيه وحدث نفسه: تعبتيني كده وتعبتي نفسك يا عزة.
ثم أردف: بس أنا مش هقدر أقعد معاكي في الشقة وهأرجع هنا وهأقول إنك هتستني عشان تاخدي الماجستير وياريت فعلاً تستغلي الفرصة وتاخدي الماجستير فعلاً. لأن ده هينفعك في شغلك، لأن فعلاً ناوي أعمل مستوصف مش مستشفى استثماري كيف ما كان بيخطط أبوي وأبوكي للأسف. أنا هعمل مستوصف بأسعار رمزية أخدم فيه أهل البلد.
فطالعته عزة بحب وحدثت نفسها: كنت فين بس يا أبو قلب أبيض قبل ما أقابل أبو قلب أسود اللي سود حياتي. بس صح ما استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وأنا أهو محرومة منك وانت قصادي، أي وجع قلب ده.
ليتركها باسم في أحزانها إلى المرحاض فتوضأ وأدى فرضه ثم توجه نحو غرفة والدته. احتضنها هي في بادئ الأمر ثم قام بالترحاب بجابر ثم مشاكسة براء وبانة.
ابتسم براء بقوله: إيه يا دكتور، شكل الغزالة رايقة يا عمنا. يا ترى خلاص رضيت على المدام.
امتعض وجه باسم، فباغتته والدته بقولها: لا أخوك هيجوز على مرته وهي موافقة تصور!
فشهقت زاد وبانة.
بانة: كيف ده يا باسم؟
باسم بحرج: إيه يا جماعة هو أنا أول واحد يتجوز تاني، وكمان ده شرع ربنا مفهوش حاجة، خصوصاً كمان إنكم خابرين إني اتجوزت عزة غصب، وهي خابرة أكده وموافقة تتجوز ومش عايزة تتطلق كمان. وكمان هاخدها وهسافر مؤتمر طبي قريب ولما أرجع هجوز بإذن الله.
تلون وجه براء وشعر بثقل في أنفاسه وخرجت كلماته بصعوبة: هتجوز ملك يا باسم، أخت قم….
ولم يستطع أن يكمل اسمها على لسانه، ثم قبض بيده وضرب بها في الهواء تنفيساً عن غضبه.
فأمسكت بيده زاد واخدت تربت على يده بحنو مردفة: أهدي يا حبيبي عشان خاطري.
طالعته باسم بحزن مردفاً بحرج: أنا آسف يا خوي، بس انت خابر إن ملك ملهاش ذنب، وهي حاجة وأختها حاجة تانية خالص، فسامحني غصباً عني، انت أكتر واحد خابر أحبها قد إيه ومصدقت وفقت على الجواز مني وهي خابرة ظروفي دي.
أومأ براء برأسه ثم همس: تمام ربنا يسعدك. ثم تابع: طيب اسمعوا عندي ليكم خبر. خلاص ربنا هيجيب حقنا من اللي كان عامل نفسه أبوكم وفاق وقبضوا عليه وهو دلوك في السجن واكيد إعدام بإذن الله.
فصاحت زهيرة بفرحة: الف حمد وشكر ليك يارب. اخيرا هنام وأنا بالي مرتاح بعد ما قعدت سنين طويلة أخاف أنام كويس إلا يعمل فيكم حاجة، فكنت كل ما عيني تغفل، أقوم مفزوعة على أوضتكم أطمن عليكم.
طالعها براء وزاد وبانة وباسم بشفقة، ثم اقترب منها براء وقبل يدها بحنو: تعبتي واتعذبتي كتير عشان خاطرنا يا أما. وآآن الأوان إحنا اللي نتعب وأنتِ اللي تستريحي.
زهيرة: راحتي إني أشوفكم قدامي متهنيين ومرتاحين يا ضنايا. بس جول لي أخبار نهلة إيه؟
فرددت بانة: لساكي هتهتمي بالبت دي يا أما، ما خلاص غارت زي ما غار اللي منه لله.
أطلقت زهيرة زفير غاضب مرددة: وأنتِ لساكي خطاها في دماغك، ما خلاص يا بنتي، دي طلعت غلبانة قوي وكانت جاية تنتقم مني لأختها، راحت هي فيها.
براء: متخافيش عليها يا أما، الحمد لله طلعت من السجن بعد ما خلاص عرفوا الحقيقة كلها.
تنهدت زهيرة بارتياح: الحمد لله يا ولدي. امال راحت فين؟ مجتش ليه تاخد خلجاتها ودهبها، ده حقها يا ولدي.
براء: اللي عرفته من محمود، أنا رجعت لدوار أبوها وبتجول مش عايزة حاجة منينا. فخليها براحتها يا أما وانسيها بجا عاد وانسى اللي فات كله وخلينا نعيش حياتنا الجديدة في هدوء وراحة أكده.
زهيرة: عمر اللي راح ما يتنسى يا ولدي، والبت غلبانة قوي ولزمن تساعدها.
فضحك براء مردفاً بسخرية: غلبانة، دي زي ما وقعت منصور الجبالي بجلالة قدره، قدرت دلوك كمان توقع مين تصورى في شباكها وعيموت عليها ومنتظر تتطلق عشان يجوزها كمان.
فسددوا جميعا النظر إليه ليعرفوا من هو؟
براء: سيادة المقدم محمود بذاته.
بانة: معقول ده، هو أهبل ده ولا إيه؟ كيف واحد في مركزه يبص لوحدة أكده خدامة وفلاحة.
وهنا حمحم جابر بحرج مردفاً بعد ما شعر بالإمتهان لأنه أقل منها فردد بحرج: طيب أستأذن أنا يا جماعة.
وهنا رمق باسم بانة نظرة غاضبة لإحراج جابر ثم تابع باسم بقوله: إيه يا جابر، خليك معانا شوية.
جابر: معلش محتاج أروح أستريح شوية.
ثم خرج، لتعاتبها زهيرة: وبعدهالك يا بتي مش تاخدي بالك من كلامك عاد اللي يخرج منكِ كيف الرصاص ده. وتعرفي إن الناس مش بالشهادات ولا بالعيلة والمركز، الناس بأخلاقها وتربيتها. وأديكي شوفتي جابر الله يحفظه ويصونه ويديمه نعمة في حياتك. وكمان أكيد محمود شاف في نهلة اللي إحنا مش شايفينه. وإن جيتي للحق هي تستاهل بعد اللي حصلها ده كله حد يعوضها. ربنا يجعله من نصيبك يا نهلة.
زهيرة: الله يهديك يا بتي. ويلا روحي لجوزك وراضيه، وصراحة كتر خيره هو إنه مستحمل ده كله منكِ.
رواية اولاد الجبالي الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيماء سعيد
أسرعت بانة خلف زوجها، تلوم نفسها على ما تفوهت به وقد أثار غضبه.
فدخلت فوجدته على فراشه يستند برأسه على ذراعه التي وضعها خلف رأسه، ويبدو عليه الحزن.
فزفرت بضيق واقتربت منه ترسم على وجهها ابتسامة صفراء، فوضعت يدها على فخذه مداعبة له بقولها:
"إيه يا شيخ جابر، مالك بقيت روحك في منخيرك أكده وهتزعل بسرعة. أنا مقصدتش حاجة خالص من كلامي، وأنت أصلاً فين والبت دي فين، أنت سيدي وتاج راسي ولو لقيت الدنيا كلها مش هلاقيك زيك يا نور عيني."
قرب جابر يديها بحنو مردفًا:
"وأنا كمان يا جلب جابر."
فابتسمت بانة بقولها:
"يعني مش زعلان مني."
جابر برفق:
"لا أنا مزعلش منكِ أبداً يا بانة وأنتِ خابرة ده زين، بالعكس أنا زعلان عليكي."
اندهشت بانة مرددة:
"كيف ده؟"
جابر:
"لأنك لسه هتنوزني الناس بمقامهم ونسبهم مش بأخلاقهم، كلنا عباد الله يا بانة. وزي ما قال حبيبنا النبي صلى عليه: لا فرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى. ولما واحد من الصحابة قال لسيدنا بلال رضي الله عنه (يا ابن السوداء) زعل النبي وقاله: أنت امرؤ فيك من الجاهلية. عرفتي ليه أنا زعلان عليكي عشان النبي أكيد زعلان منك."
فحركت رأسها بحزن مردفة:
"لاااا إلا النبي، لا معدتش أكررها تاني يا جابر، أوعدك."
فابتسم جابر لطفلته التي يحبها، فاحتضنها بحب، فابتسمت بسعادة وأغمضت عينيها لأن حضنه هو أمانها والصدر الحنون الذي تلقي عليه كل ما يشغلها أو يحزنها.
***
تقابل منصور مع حمدان في الزنزانة الخاصة بالمساجين.
سخر حمدان عند دخول منصور إليه، فوقف مردفًا بشماتة:
"نورت السجن يا منصور بيه."
ثم نظر لمن حوله مردفًا بتهكم:
"تعظيم سلام الباشا الكبير يا جدعان."
فاستشاط غضبًا منصور عندما رآه وأسرع للفتك به وأمسكه من تلابيب قميصه مردفًا:
"إنت هنا يا خاين العيش والملح. أكده تبعني يا حمدان يا واد عمي، وأنا اللي كنت عامل لك صاحبي وأخوي وخيري كان مغرقك من ساسك لراسك. تبعني وتقول على كل حاجة."
فابتسم حمدان بغل مردفًا:
"امال كنت عايزني أشيل الليلة لوحدي عاد، وانت تنعم بره على راحتك. لا كلنا في الهوا سوا يا واد عمي."
منصور:
"لا أنا مش خسيس زيك يا حمدان، كنت جايب لك أحسن محامي وكنت هخرجك منها زي الشعرة من العجين. بس أنا بعت بدري ووديتنا كلنا في داهية ملهاش مهرب. ليه أكده بس يا حمدان، ده إحنا كنا دفنينه سوا، ليه الغدر ده!"
فأغمض حمدان عينيه متألماً بقوله:
"أنا اللي غدرت بيك بردك يا واد عمي."
ثم قام برفسه ليبتعد عنه منصور، ثم انقض عليه مرة أخرى يخنق بيديه مردفًا بغصة مريرة:
"إنت اللي غدرت بيه من زمان جوي يا ممدوح، يوم ما جيت واتعديت على مرتي ومن الصدمة عقلها خف واتجننت، واتجوزت أنا المصيبة فهيمة اللي موتتها مرتي. ومات أنا قلبي في اليوم اللي مطلعش له شمس اللي وافقت أشتغل معاك فيه ودنست شرفي ودنست عيشتي بعد ما كنت باكلها بالحلال."
أزرق وجه منصور وكاد أن يختنق ولكن السجناء تجمعوا على حمدان ودفعوه عنه قبل أن تخرج روحه.
فقال أحدهم:
"بعد يدك عنه، هو انت ناقص جرائم، تقتل حد هنا في السجن كمان عشان يحطوك في زنزانة لحالك تكلم نفسك ومش بعيد تجن كمان."
فبكى حمدان:
"ياريت أجن عشان أنسى كل اللي عملته في نفسي، وأرتاح."
أما منصور فحاول التقاط أنفاسه بصعوبة وانزوى بعد ذلك في أحد الأركان يعيد على ذاكرته طفولته الصعبة وشبابه مرورًا بنهلة التي أخذ يردد باسمها ويبكي حتى نام.
***
بينما كانت نهلة تنظف أمام المنزل بمكنسة صغيرة وتنحني ظهرها، رأت أمامها قدمي رجل بنفس الحذاء التي تعودت تراه، فهو حذاء ميري، فدق قلبها بشدة هامسة:
"محمود."
ثم رفعت رأسها لتراه أمامها بطالته الرجولية الفارهة التي طالما عشقتها ولم تقدر ولو للحظة واحدة أن تنساه.
تنهد محمود بعشق قبل أن يحدثها بقوله:
"عاملة إيه يا نهلة؟ طبعًا كان نفسي أقول كلمة تانية بس مش هقدر دلوقتي."
تخشبت نهلة في مكانها وحاولت التحدث بجدية مردفة:
"ولا دلوقتي ولا بعدين يا باشا. ويا ترى إيه سبب زيارتك دي؟"
فزفر محمود بضيق وتحدث بعصبية:
"نهلة، كلمي عدل لو سمحتي. وأوعي تصدقي إني مصدق طريقة كلامك الجديدة دي معايا. حرام عليكي يا نهلة، متتصوريش أنا كانت حالتي عاملة إزاي اليومين اللي فاتوا، لما اتصورت لحظة إني فعلاً مش في بالك. بس رجع قلبي طمني وقال إنه عمره ما ضحك عليه وإنه حاسس إن اللي في قلبك هو اللي في قلبي يا نهلة. فملوش لزوم الدور اللي أنتِ رسماه ده مش لايق عليكي."
أخرجت نهلة من جوفها نارًا كفيلة بحرق ما حولها ولكنها لم تأبى الاستسلام لأنها تعلم عواقب الأمر فقالت بجدية مصطنعة:
"لا قلبك خدعك المرة دي يا باشا. وأنا اللي في قلبي على لساني، وأنت موهوم مش أكتر. فروح دور على غيري، أنا منفعتكش أنا ست مجوزة ويلا امشي بسرعة عشان محدش يشوفك واقف معايا ويلسن عليا بكلمتين."
انفعل محمود بقوله:
"قولت هتطلقي منه يا نهلة وقريب جدًا، فارجوكي بلاش حجج."
نهلة:
"ومين قالك إني عايزة أطلق؟"
اتسعت عين محمود مردفًا بإندهاش:
"يعني إيه؟ امال عايزة تكوني على عصمة واحد قتال قتلة وهيتحكم عليه بالإعدام. إنتِ بتتخرفي تقولي إيه؟"
نهلة:
"أيوه، ما هو يا باشا عندنا الواحدة الأرملة بيحترموها عن المطلقة. عشان كده أحسن إني أنتظر يتكل على الله وأكون أرملة أفضل من إني أطلق وتبجى بردك سيرتي على كل لسان."
فزفر محمود بضيق مردفًا:
"لا ده تفكير عقيم. وأنا مش هقدر أنتظر كتير لأن الموضوع بطول في المحكمة وبعده استئناف وشغلانة، فممكن يقعد سنة عقبال ما يتنفذ الحكم."
نهلة:
"يقعد زي ما يقعد يا باشا أنا مش مستعجلة."
فهدر محمود بصوت عالٍ أفزعها:
"نهلة."
نهلة بغصة مريرة:
"شرفت وأنست يا باشا."
تملك الحزن قلب محمود رغم إحساسه أنها تبادله نفس الشعور ولا يعلم سر تحولها لهذه الدرجة فردد:
"يعني برده مصممة على موقفك يا نهلة."
نهلة:
"أيوه، ويا ريت تنساني يا باشا وتدور على بنت الحلال اللي تناسبك."
أطال محمود النظر إليها بحزن شديد ولكن قلبه العاشق أبى أن يستسلم فردد:
"بصي يا نهلة أنا هسيبك دلوقتي يا بنت الناس، بس صدقيني هرجع ومش هستسلم أبداً للي بتقوليه ده. عشان حاسس إنه من ورا قلبك، ومش بس كده ده أنا همشي في محاكمة الزفت القطران منصور أو ممدوح ده عشان يعجلوا بالإعدام أو يكشف أديله طلقة أنا أنهي حياته وأخلص وتبقى سيادة الأرملة هانم زي ما أنتِ عايزة، المهم أوصلك يا قمر."
ثم غمزها والتفت ليغادر سريعًا قبل أن يسمع ردها على حديثه.
أندهشت نهلة من حديثه وتمسكه بها رغم ما قالته له، فلاحت ابتسامة على فمها ووضعت يدها على قلبها لعله يهدأ قليلاً.
***
مر بعض الوقت.
سافر بالفعل بها باسم مع عزة إلى المدينة لتكون بعيدًا عن الأنظار وصاحبها إلى عيادة دكتورة نساء لتطمئن على الجنين.
الدكتورة:
"حضرتك دلوقتي في الشهر السادس والجنين في وضع كويس جدًا ولو استمر على كده، احتمال تولدي طبيعي بإذن الله."
ثم ابتسمت مرددة:
"بس هو شقي جدًا وبيتحرك كتير في السونار. ها ناوية تسميه إيه؟"
فطالعت عزة باسم بحب مردفة:
"هسميه باسم."
فسدد باسم النظر إليها بتعابير جامدة، فلم تعرف منه، أهو راضي أم غاضب.
الدكتورة:
"اسم حلو أوي، ربنا يجعله سبب سعادة ليكم."
ليعود بعد ذلك باسم مع عزة إلى شقتهما التي استأجرها لها.
حمحم باسم بحرج:
"عزة معلش أنا مضطر أرجع للبلد، وهسيبك هنا، بس في أي وقت حسيتي بأي تعب كلميني وهتلاقيني عندك على طول."
سرت قشعريرة في جسد عزة وأمسكت بيديه تترجاه بقولها:
"هتهملني وتمشي يا باسم، لا مش هقدر على كده، أرجوك خليك معايا، أنا خلاص اتعودت عليك جانبي، حتى لو مبتكلمنيش وياما استحملت نظراتك اللي كلها اتهام وعتاب. واتحملت كمان كلامك عن الإنسانة اللي بتحبها وشفتك في عينيك الفرحة لما وافقت على الجواز منه."
ثم انهمرت عزة في الدموع بغزارة وبمرارة مرددة بنحيب:
"كل ده استحملته ومستعدة أستحمل أكتر غير إنك تبعد عني يا باسم ويعدي يوم من غير ما أشوفك وأبص لعينيك رغم قسوتها وهي بتبص لي."
اتسعت عين باسم وهو يطالعها بحيرة عند كل كلمة تتفوه بها وحدث نفسه:
"ياااه يا عزة كل ده في قلبك، وبجد حبيبتيني كده، رغم معاملتي ليكي الصعبة، بس أنا ذنبي إيه يا بنت الناس، أنا كمان قلبي مش ملكي ومش هيرتاح غير لما أتجوز ملك، وصراحة أنا تعبت وحاسس وجودك في حياتي غلط ولازم بجد أبعد عنك عشان الأمر ميطورش أكتر من كده وتنسيني."
خرج باسم من شروده وظهر على وجهه الغضب مردفًا بجدية:
"إنتِ زودتيها أوي يا عزة، وكده مش هينفع ولو فاكرة إن بكلامك ده ممكن أحن لكِ وأهمل ملك تبقي بتحلمي، ده لا يمكن ولولا وعدي ليكي إني مش هسيبك عشان تربي ابنك، كنت جلت لك دلوقتي كل واحد من سكة."
فصرخت عزة:
"لا أرجوك يا باسم."
فتنهد باسم بعدم ارتياح مردفًا:
"يبقي مش عايز أسمع منك الكلام الفارغ ده تاني، وارضي بنصيبك اللي أنتِ عملتيه بنفسك. ودلوقتي أنا ماشي، فعيشي حياتك وذاكري عشان الماجستير عشان تنسي أي حاجة تانية ملهاش لازمة."
ليغادر بعدها باسم إلى البلدة ويتركها تئن من البكاء.
عزة:
"مكنتش خابرة إن غلطة واحدة عتخليني أندم العمر كله أكده وهفضل أدفع تمنها لحد ما أموت. اااااه يا وجع قلبي. حاسة إني مش هستحمل بعدك يا باسم وممكن أموت فيها. رحمتك يا رب وبقلبي."
لتعاود البكاء حتى نامت والدموع على وجنتيها.
لترى في أحلامها شابة جميلة تقترب منها وتمسح دموعها بحنو ثم ابتسمت مرددة:
"بزيادة دموع يا عزة، وجولي يارب. وهو قادر يريح قلبك ومتعرفيش ربنا شايل لك إيه."
فأخذت تردد عزة:
"يارب، يارب."
***
في غيابات السجن كانت تجلس قمر في أحد أركانه لا تتكلم مع أحد وتنزوي على نفسها، ولا تفتر عن البكاء وتنعى حالها.
"شوفتي يا قمر نتيجة أفعالك، شوفتي إن الجمال مش كل حاجة، كنتي فاكرة إنك عشان حلوة هتقدري تاخدي كل اللي عايزاه بإشارة منك فلوس وحب وهنا. بس لقيت نفسي مخدتش غير الوجع وقلة القيمة، لما اللي حبيته طلع بيستغلني زي ما أنا استغليت براء بالضبط. ياااه على الوجع وأنا اللي جلت هعيش كيف الأميرة، دلوقتي بتمنى الزمن يرجع بيه وأعيش كيف ملك وأستنى نصيبي بالحلال ولو حتى أوضة فوق السطح ولقمة بملح بس أغمزها وأنا فرحانة وحاسة بالأمان. مش بالذل والخيانة وآخرتها سجن لحالي وهفضل طول عمري أجني اللي عملته في نفسي، يارتني كنت سمعت كلامك يا ملك. أديني خسرت كل حاجة، حتى الندم مبقاش ينفع."
لاحظت بكاءها سجينة معها، تُدعى هالة دخلت السجن ظلمًا بسبب أخيها حتى لا تطالب بميراثها منه، فلفق لها قضية مخدرات بعد أن وضع في حقيبتها تلك المواد المخدرة دون أن تعلم ثم بلغ عنها ليقبضوا عليها في الطريق.
فتم الحكم عليها خمس سنوات ظلمًا ولسان حالها يردد: حسبنا الله ونعم الوكيل.
فأقتربت منها هالة وربتت على كتفها بحنو مردفة:
"بزيادة دموع يا بنت الناس، صدقيني لو كانت بتنفع كنت عجلك، عشان أنا جربتها كتير ملجتش ليها عازة، فسلمت أمري لله. عشان كده سلمي أمرك لله يا أختي وجولي يارب."
فنظرت قمر للأعلى:
"يارب، يارب."
ثم نظرت إليها مرددة بندم:
"بس تفتكري هيسامحني عشان أنا ذنبي كبير جوي جوي."
ابتسمت هالة مردفة:
"ربنا بيسامح كل ذنب كبير أو صغير إلا الشرك بالله. فوحدي الله أكده، يا...؟"
قمر:
"اسمي قمر."
هالة:
"عاشت الأسامي يا قمر، بس صح ده اسم على مسمى."
فحركت شفتيها قمر باستياء مرددة:
"خلاص مبقاش يفرحني الكلام ده بالعكس بعد اللي حصل تتمني إني أكون وحشة ومحدش يبص في خلقتي أحسن من اللي أنا فيه دلوقتي."
هالة:
"وبعدهالك يا بنت الناس، مش يمكن كل اللي حصلك ده خير وأنتِ مش شايفاه."
قمر ببلاهة:
"خير كيف، أنا بقولك عملت بلاوي متلتلة."
هالة:
"منا خابرة بس اهو أخدتي عقابك في الدنيا وده أرحم من إنك تاخديه في الآخرة، وربنا فتح لك بابه عشان تتوبي يعني بيحبك."
فصدمت قمر:
"ربنا بيحبني، كيف، ده أنا عملت وعملت وعصيت ربنا كتير جوي."
هالة:
"خابرة، بس طول ما أنتِ ندمتي وجلتي يارب ونويتي التوبة، ده من نفسك عشان فيه ناس هتعمل الذنب ومكملة عادي من غير ما تندم ويكونوا على سوء خاتمة والعياذ بالله. لكن بدل ندمانة يبقى ربنا بيحبك وهو اللي ناداكي عشان تجيله وأنتِ مكسورة أكده وتجولي سامحني يارب، فيتوب عليكي وده اللي حصل مع الصحابة اللي ذكروا في سورة التوبة في قوله تعالى (ثم تاب الله عليهم ليتوبوا). وكمان حديث رسول الله: لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته التي عليها طعامه وشرابه فأضلها في أرض فلاة، فاضطجع قد أيس منها، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة على رأسه فلما رآها أخذ بخطامها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح."
فبكت قمر:
"رحمتك يا حبيبي، وأنا عاهدك إني عمري ما هعمل أكده تاني لحد ما ترضي عني."
ثم تابعت بقولها:
"إنتِ كلامك حلو جوي، زي واحد أكده عرفته شكله طيب وغلبان جوي، بس ياريت كنت عرفته في ظروف أحسن من أكده أو بقلب غير قلبي ده."
ابتسمت هالة بقولها:
"والله لو ليكي نصيب فيه ربنا أكيد هيجمعوا بيكي."
فضربت قمر على صدرها مرددة:
"معقول ده! بس تصوري هو جالي هستناكي بس أنا مصدجتش كيف واحد زيه عارف اللي أنا عملته كله ويقبل على نفسه كده."
هالة:
"ده أكيد بيحبك جوي يا قمر، لأن اللي بيحب بيغفر كل حاجة للإنسان اللي بيحبه ومش بيشوف فيه غير الحلو بس."
فشردت قمر به وما قاله لها عندما حدثته أنها لا تريد الخروج من السجن حتى لا يعايرها أحد بما فعلت.
فطمئنها أن هناك من يحبها رغم كل شيء.
قمر بإندهاش:
"فين ده؟"
مسالم مبتسمًا:
"عتخلصي أنتِ مدتك وعتطلعي عتلاقيه قدامك."
قطعت هالة شرودها:
"القمر سرح في إيه؟ أكيد اللي جلتيه صح؟ وأنا حاسة إنه هيكون هدية من ربنا ليكي بعد المحنة دي. ما هو كل محنة جواها منحة إلهية."
قمر:
"سبحان المدبر."
هالة:
"أيوه سبحانه، أديكي عندك أنا هو، مكنتش واصل أحب المذكرة وديما كنت أسقط أسقط وأجولهم أنا مش عايزة علام وعايزة أجوز ومردتش أكمل في الثانوي مع إن كان فاضلي سنة واحدة بس وأدخل الجامعة. بس سبحان الله لما دخلت السجن ظلم ولجيت نفسي لوحدي وموريش حاجة، حاجة إلهي أكده جلتلي إيه رأيك يا بت يا هالة لو تكملي علام وتاخدي الثانوية العامة ومش بعيد تدخلي كلية كمان. قوم إيه بجا فعلاً كلمت إدارة السجن وجابولي كل الكتب اللي محتاجاها وذاكرت لما طلع عيني وامتحنت هنا تحت الحراسة وسبحان الله نجحت وجبت مجموع وكمان قررت أدخل كلية الحقوق عشان أدافع عن كل مظلوم كيفي أكده."
قمر:
"ما شاء الله عليكي يا هالة، ربنا يديكي كل اللي عتتمنيه."
***
محفوظ مدافعًا عن إلهام:
"سبيها ياما حرام عليكي، بزيادة اللي هي فيه."
صباح:
"أيوه ما انت خلاص رضيت بالخاينة دي اللي فرطت في شرفها عشان الفلوس أكيد وخابرة إنك عتحبها وعترضى تجوزها. وكده بجيت بقرون يا محفوظ بعد ما كنت سيد الرجالة."
محفوظ بإنفعال:
"حرام عليكي ياما، وإيوه بحبها وخابرة إنها غصب عنيها اللي حصل رغم كل اللي عملته معاها وزعلي وكلامي اللي يسم البدن عشان مش قادر أصدق اللي حصل وإن فرحتي انكسرت بالشكل ده. بس خلاص ياما اللي حصل حصل ومهما عملت مش هيغير اللي حصل. فهمليها وهمليني وبيكفي النار اللي جايدة في قلبي أنا وهي. اللي يعلم متى هتتطفى."
لتبتسم إلهام رغم الألم الذي تشعر به لأنها أيقنت أن حبها في قلب محفوظ كما هو لم يتغير.
***
وجاء اليوم الموعود وهو محاكمة منصور الجبالي أو ممدوح مع حمدان وحمدي وبعضًا من أتباعه.
وأصرت زهيرة أن تحضر تلك المحاكمة لتتشفي في ممدوح عند النطق بالحكم عليه.
براء:
"ما بلاش يا ست الكل، أنتِ تعبانة، وخليني أنا أحضر وباسم ولما نرجع عجولك كل اللي حصل."
فزمجرت زهيرة بغضب مردفة:
"لا يمكن أبدًا، رجلي جبل رجلكم، ده اليوم ده كنت مستنياه من سنين طويلة بفارغ الصبر. ياااه أخيرًا قلبي ناره هتبرد لما يحكموا عليه بالإعدام، وأبوك كمان ينام مرتاح في قبره."
فتنهد براء:
"رحمة الله عليك يا أبوي."
"ماشي يا ست الكل يلا بينا."
ليحمحم باسم بحرج:
"بقولك إيه يا براء، متخليك أنت كمان يا خوي وأنا هاخد أمي ومتخافش عليها دي أمي بردك."
فطالعه براء بشك:
"والله خابر إنها أمك بردك يا دكتور حتى بالأمارة إن اسمها زهيرة كيف أمي."
فابتسم باسم بحرج، فهدر براء في وجهه:
"مش عايزني أروح ليه يا دكتور؟"
باسم:
"عشان خايف عليك يا خوي تتهور لما تشوف قمر عاد؟"
فتلون وجه براء بغضب جحيمي مردفًا:
"حاسس فعلاً إني لما أشوفها هطبق على زمارة رقبتها لحد ما تموت في يدي الخاينة دي."
باسم:
"لااااا لااااا يا خوي أرجوك، خليك هنا، مش عشانها، عشانك أنت منقدرش نخسرك."
ثم دمعت عين باسم:
"إنت دلوقتي في مقام أبونا ومحتاجينك."
ليضمه براء بحب إلى صدره هامسًا:
"وأنا عشان خاطر كده، همسك أعصابي فوق ما تتخيل وكفاية ذل السجن اللي عتتشوفه ولو إنها كمان تستاهل الإعدام."
باسم:
"ربنا يكملك بعقلك يا خوي."
ليحاوطها كلاهما باسم وبراء، ويذهبوا بها إلى المحكمة.
أما بانة فلم تستطع الذهاب مردفة ببكاء:
"مجدرش أروح أشوفه أكده حتى لو خابرة إنه مش أبوي بس يعز عليّ وربنا يسامحه إنه حرمني من أبوي الله يرحمه، فجلست وجلست معها زاد."
أما نهلة فقد علمت موعد المحاكمة من محمود عندما اتصل بها قبل موعدها بيوم مردفًا بسعادة:
"واخيرًا بكرة يا نهلة هتخلصي من منصور وباذن الله مش هيكون فيه فرصة للاستئناف وهيكون حكم نهائي ويتنفذ بأسرع وقت وكده تكوني أرملة زي ما أنتِ عايزة."
وضعت نهلة يدها على قلبها الذي خفق بشدة:
"ياااه أخيرًا يا منصور هشوفك مكسور ومذلول وأمر ربنا هينفذ فيك. وأخيرًا هترتاح ناهد في قبرها، ياه يا فرحة قلبي."
فتهد محمود على الطرف الآخر مردفًا:
"عقبال فرحة قلبي أنا كمان."
فأغلقت نهلة الخط في وجهه بعد أن لاحت ابتسامة زينت ثغرها ولكن سرعان ما تلاشت عندما تذكرت كلام عطيات. لا.
فقررت أن تنهي ذلك الأمر قريبًا.
أما هو فابتسم:
"مسير الجميل يحن."
وعندما جاء الموعد أمسكت يد والدها مردفة:
"يلا بينا يا أبوي على المحكمة عشان جلبك يبرد على ناهد وتقدر بعدها تنام وأنت مطمئن."
ليأتي رد أبيها:
"ياااه يا بنتي، كل ده كنتِ شايلاه في جلبك وساكتة وأنا اللي كنت فاكر إنك اتجوزتيه عشان تعيشي مرتاحة."
فانهمرت دموع نهلة مردفة بنحيب:
"أعيش مرتاحة، لا يا بوي أنا عمري ما همني الفلوس لإني خابرة إنها متعملش بني آدم، أنا اتجوزته عشان آخد بتاري منه وحصل بس مكنتش خابرة إن كل ده هيحصلي، بس قدر ولطف والحمد لله ربنا هيجازيه بمعرفته."
ثم توجهت إلى المحكمة بصحبة والداها.
وكان محمود في انتظار قدومها بفارغ الصبر. ليشبع عينيه العطشى لرؤيتها.
ولكن ما أن وصلت وتقابلت أعينهما حتى اخفضتها مجددًا وتقدمت مع والدها ولم تتيح له فرصة للتحدث.
ثم جلست تترقب بدء الجلسة ورؤية منصور ذليلًا وراء قضبان القفص.
وتسلل أيضًا إلى المحكمة شخصًا آخر. كان ينتظر مثلهم ذلك اليوم بفارغ الصبر.
ولكنه لم يكن لينتظر حكم المحكمة بل أراد تنفيذ هو حكمه بنفسه بعد أن أخفى سلاحه بين طيات ملابسه.
منتظرًا اللحظة الحاسمة.
فمن هو؟ وماذا سيحدث في تلك الملحمة أقصد المحاكمة؟
وللحكاية بقية.
رواية اولاد الجبالي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيماء سعيد
ابتعدت صباح عن إلهام بالفعل، ولكنها أخذت تسبها بأفظع الشتائم. لم يسلم محفوظ أيضًا من لسانها الحاد، ولكنه اكتفى بالنظر إليها بعتاب. ثم حاوط إلهام بحنو وحملها بحب إلى غرفتهم. دَفَنت رأسها في عنقه بخجل.
ليضعها بعد ذلك على الفراش وأخذ يطالعها لبعض الوقت دون حديث. وهي تطالعه بترقب وتنتظر أن يحدثها بحديث يطيب قلبها المكلوم.
لتجده يتحدث أخيرًا بقوله:
"بصي يا بت عمي، أنا صوح أحبك من جَلبي ووعد مني أحميكي من أمي. لكن صدقيني مش قادر. أجي جمبك رغم إني أشتهيكي، بس كل ما أحاول أقرب منك، بلاقي صورة منصور قدامي وتوقف بيني وبينك."
فبكت إلهام بمرارة وأخذت تضرب نفسها مرددة:
"ياريتني موت قبل ما يعمل فيا أكده، ويحرق جلبي وجلبك يا محفوظ."
فوقف محفوظ والشر يتطاير من عينيه مردفًا:
"وأنا مش هسكت يا بت عمي عن اللي حصل ده، وهاخد بتارك منه. وأوعدك هخليكي تشربي من دمه كمان. بس لحد ما يجي اليوم ده، نعيش كيف الأخوات."
فصرخت إلهام:
"لاااااااا! عتقتله يا محفوظ حتى قبل ما توصل له."
محفوظ:
"متخافيش، هوصله وهقتله، بس هستنى اللحظة المناسبة."
إلهام ببكاء:
"حتى لو قتلته، هيحبسوك يا محفوظ، وكيف هعيش من غيرك؟"
محفوظ بثبات:
"عتعيشي مرفوعة الرأس يا إلهام، وعتستنيني لما أخرج. حتى لو خمسين سنة، ولما أطلع هعمل ليكي فرح من أول وجديد."
لتمر الأيام بالفعل، ويعلم محفوظ ما حدث لمنصور وما ينتظره من عقاب في يوم المحكمة. لذا أصر أن يحضر بنفسه بعد أن عزم الأمر على قتله أمام الناس مهما كانت عاقبة ذلك، حتى لو قتلوه بعدها. فالأهم عنده هو الانتقام لشرفه.
ليأتي بالفعل هذا اليوم الذي انتظره الجميع بشغف ليروا نهاية هذا الظالم الجبار. لإن وعد الله حق، ولكل ظالم نهاية، ومن قُتل يُقتل ولو بعد حين.
اصطف جميع الحضور في المحكمة منتظرين بدء المحاكمة ورؤية المتهمين.
رأت نهلة زهيرة، فوجدت نفسها تقف وتخطو إليها حتى وقفت أمامها مبتسمة مردفة:
"كيفك يا ست زهيرة؟"
طالعتها زهيرة بلهفة ووقفت عند رؤيتها وضمتها لصدرها بحنو هامسة:
"نهلة، وحشتيني يا بتي. أنتِ اللي كيفك؟ ومجتيش ليه القصر عاد تشوفى حالك؟"
ابتعدت نهلة مردفة بحب:
"أتوحشتك الجنة يا ست زهيرة، وأنا بخير طول ما أنتِ بخير."
ثم ضحكت بوجع مرددة:
"قصر إيه وحال إيه يا ست زهيرة! خلاص كل واحد رجع لأصله. وأنا كيف ما جولتلك أنا مكنتش جايه عشان الفلوس وأعيش مرتاحة. أنتِ خابرة أنا اتجوزته ليه؟ والحمد لله إنها وصلت لكده وجه اليوم أخيرًا اللي نتشفى فيه أنا وأنتِ، ومعيزاش حاجة أكتر من أكده."
طالعت براء بتعجب من حديثها وحدثت نفسها:
"غريبة جوي البت دي، بس على كده ليه حق فعلًا محمود يعجب بيها، لإنها حالة نادرة بين البنات اليومين دول وجلبها طيب كيف زاد."
ثم أعلن حاجب المحكمة ببدء الجلسة، فدق قلوب الحضور وأخذوا يسلطون أعينهم بترقب على قفص المتهمين لرؤية ذلك الرجل الذي أوهمهم لسنوات طويلة أنه منصور الجبالي. ليزج بهم بالفعل في القفص واحدًا تلو الآخر. فعلت صيحات الحضور عند رؤيتهم. فغضب القاضي وطلب الصمت حتى لا يضطر بالزج بهم خارج القاعة، فلاذوا بالصمت جميعًا.
حاولت قمر الابتعاد عنهم في القفص بقدر الإمكان خوفًا من بطش حمدي الذي كان يرمقها بنظراته الحارقة، فتنتفض خوفًا. وكادت أن يقف قلبها عندما رأته يشير إلى عنقه ويحرك يديه عليه (أي سيذبحها).
فتلتفت تهمس لنفسها:
"يارب نجيني منه، ده هو السبب المجرم ده في كل اللي أنا فيه دلوقت. يارب عدّي اليوم ده على خير."
ثم أشاحت بوجهها عنه، لتصدم برؤية عيني براء التي تحمل العتاب واللوم والازدراء والغضب حتى تلونت بالحمرة. فبكت قمر وتوسلت بعينيها إليها كأنها تقول:
"سامحيني سامحيني يا براء."
ثم أغمضت عينيها حتى لا ترى أحدًا وأطبقت على شفتيها بحزن وندم.
كما حاول براء عدم النظر إليها مجددًا حتى لا تثير أعصابه وحدث نفسه:
"ياااه يا قمر، ياما عيون زاد بكت بسبب وحدة زيك متسواش. وأنا كنت مغفل ومش خابر حاجة. ياريت ربنا يديني العمر عشان أعوضها عن كل لحظة حزن عشتها بسبب حبي الوهمي لقمر."
أما حمدي، فكان يحترق بداخله وعيونه تلمع بالشر:
"كله بسببك يا قمر، كنا عايشين وعنشتغل ومحدش يدري بينا. وكنت هكون دراع حمدان اليمين والدنيا كانت بدأت تضحكلي بعد الفقر والضنك اللي كنت فيه. تيجي أنتِ يا قمر في لحظة واحدة تضيعي ده كله وتهدي كل أحلامي اللي بقالي سنين بحلمها، في إني يكون لي مال وجاه. ماشي يا قمر، مش سيبك وأهي كده موتة وكده موتة، بس مش هرتاح غير لما أطلع روحك بيدي الأول."
وقف منصور في القفص وعلى وجه الوهن والضعف، حتى أن قدميه لم تكن تحمله وأخذ يترنح بجسده. والعسكري يوبخه بقول:
"اجف عدل يا متهم."
ليحاول مجددًا التماسك، ثم أخذت تدور عيناه بين الحضور وكأنه يتلهف لرؤية نهلة، ولكن تصادم برؤية زهيرة في بادئ الأمر. ورأى في عينيها الكره والشماتة به، فأغمض عينيه متألماً.
"خابر يا زهيرة إنك جايه تشمتي فيه، وعذرك ما أنتِ معشتيش اللي أنا عيشته ولا حسيتي بالوجع اللي حسيته من وأنا جد كده. اااااه محدش حس بيه ولا حبني طول عمري غير نهلة."
ثم أخرجه من شروده صوت جابر وهو متعلقًا بالقفص يبكي وهو يلمس يد أبيه حمدان مردفًا:
"ليه بس يا بوي عملت أكده، ليه؟ ياما جولتلك الحرام آخره وحش، وهينهش في الجسم كيف ما هينهش النار في الحطب، وادي آخرتها."
تنهد حمدان وكأن النار تخرج من جوفه مردفًا بندم:
"يارتني كنت سمعت كلامك يا ولدي، بس خلاص سهم القدر نفذ وكنت رايد أنتقم لأمي الله يرحمها."
فبكى جابر:
"يارتني ما جولتلك اللي حصل، كنت عيل ومش فاهم حاجة، مكنتش خابر إنك هتعمل أكده."
حمدان:
"وأنا من ساعتها منمتش ولا ليلة مرتاح وكنت فاكر إن كده هقدر أجيب حقها، بس كنت بضحك على نفسي وضيعتها أكتر وأكتر. سامحني يا ولدي وادعيلي بالرحمة وادعيلي ربنا يسامحني، يمكن ربنا يستجيب منك أنت عشان أنت جلبك أبيض وطول عمره طاهر."
فحدث نفسه منصور بآسي:
"يا بختك يا حمدان، عندك اللي يحبك ويترحم عليك، لكن أنا اتحرمت من كل حاجة حتى الرحمة. ياما كان نفسي أكمل مع البت نهلة وأجيب منها قطعة عيل بس منهم الله الرمم، حتى دي مهنونيش عليها، طول عمري محروم من كل حاجة."
ثم أخذت عيناه تدور مرة أخرى لعله يراها فتطيب نفسه المشتاقة إليها متسائلاً:
"أنتِ فين بس يا بت نهلة؟ نفسي حتى أطلعلك لآخر مرة قبل ما أموت."
ليتفاجأ منصور بمن تقف أمامه بكل جبروت وعينيها تنذر بغضب جحيمي مردفة بهمس:
"كيفك يا منصورى؟"
لتطلق عيون منصور قلوب حمراء امتلأت بها قاعة المحكمة حتى كادت تخرج منها أيضًا، وعلت دقات قلب منصور حتى سمعها من بجواره واضطربت جوارحه وهمس باسمها:
"نهلة، نهلة.. أنتِ قدامي صح يا بت ولا بحلم؟"
نهلة بسخرية:
"تحب أقرصك يا منصورى، عشان تتأكد إني واقفة قصادك يا راجل!"
منصور بهيام عاشق:
"اقرصيني يا بت، ده أنا أتوحشتك جوي جوي.. ياااه أخيرًا شوفتك، كنت حاسس إنهم هييموتوني مرتين لو مشوفتكيش يا جلب منصور. ياااه بتمنى أغمض عيني وأفتحها وألاقي إن كل اللي أنا فيه ده حلم يا بت. وأننا في أوضتنا أنا وأنتِ وعتسمعيني كلامك الحلو ده يا بت. يلا سمعيني أي كلمة حلوة عشان خاطر حتى حلاوة الروح، وادعيلي يا بت لما يموتوني، عشان خابر إني محدش حبني خالص غيرك يا نهلة."
لتحتقن الدماء في عروق نهلة مردفة بغل:
"أسمعك الرعد في ودانك يا منصور. وإنا جايه يا حزين مش عشان أحبك، بالعكس أنا أكتر واحدة هكرهك في الخلق دول كلهم. ثم تابعت بشماتة: "وجال إيه بيقول أدعيله، لا ده أنا هدعي عليك يا منصور ربنا يحرقك في نار جهنم، بحق اللي عملته في ناهد الطاهرة أختي، فاكرها يا منصور؟ ناهد اللي دنستها بعفنتك وكتلتها ورميتها للكلاب اللي شبهك."
ليتجمد منصور في مكانه وجحظت عيناه وجاهد لإخراج كلماته بصعوبة:
"نااااااهد، يعني أنتِ كنتِ خابرة وضحكتي عليا عشان أتجوزك."
فضحكت نهلة:
"أيوه وكنت هحطلك اللي يموت رجولتك في اللبن عشان متلمس منى شعرة يا منصورى."
ليثور منصور ويعلو صوته:
"آآآه يا فاجرة، حتى أنتِ طلعتي مبتتحبينيش يا نهلة."
ليحاول بعد ذلك مد يده من القفص ليخنقها وبالفعل استطاع ولف يده حول رقبتها، لتجحظ عين نهلة بعد أن نفذ الهواء من رئتيها وكادت أن تموت. ولا تدخل محمود في اللحظة المناسبة قبل أن تزهق روحها لأنه كان يراقبها وعينيه لم تفارقها ولو للحظة واحدة.
ليلفت إليه نظر كل من في القاعة وهو يهجم عليه ويوبخه ويزيل يديه عنها. ليتدخل الحرس في إنهاء هذا التداخل ويصيح القاضي مرة أخرى في الحضور بالهدوء مع تعنيف منصور بقوله:
"مش كفاياك كل تاريخك الدموي يا ممدوح وبدل ما تنهيه بتوبة لعل الله يغفر لك، عايز تنهيه بقتل روح تاني."
فردد منصور بقهر:
"اللي كنت هقتلها دي هي روحي مش روحها يا باشا." ثم أخذ يبكي بانهيار.
وجلست نهلة بجانب والدها مرة أخرى وجلس بجانبها محمود وعينيه لا تفارقها وقلبه ينتفض كلما رآها تأخذ أنفاسها بصعوبة.
محمود:
"مش هينفع كده يا نهلة، قومي نروح لدكتور أو على الأقل نخرج بره عشان تقدري تاخدي نفسك."
فترفض نهلة:
"لا، أنا مش هرتاح غير لما أسمع الحكم عليه بنفسي."
ليبدأ بالفعل القصاص. فتحدث القاضي:
"بعد مناقشة الأدلة تم إثبات كل الإدعاءات على المتهم الأول ممدوح الجبالي الذي تحكم به الشيطان بالكلية وجعله أداة ينفذ به كل ما يريد في صورة إنسان ألغى عقله وخسر دينه وبالتالي آخرته. وزي ما هياخد العقاب دلوقتي اللي يستحقه في الدنيا، لسه برضه هيوقف قدام الملك الجبار في الآخرة عشان يحاسبه حساب عسير."
ثم أصدر الحكم:
بالإعدام شنقًا.
ثم المتهم الثاني حمدان الجبالي:
بالأشغال الشاقة المؤبدة. (لأن قتل مراته بعد ما كانت هي عايزة تقتله ويعتبر دفاع عن النفس والسجن عشان جرائمه التانية).
المتهم الثالث حمدي:
بالسجن 15 سنة.
وهكذا بقية الأفراد كل واحد على جزاء عمله.
ليصرخ منصور بهيستيرية:
"عتعدموني وماله، ما أنا كده كده كنت ميت من زمان جوي، ومكنش حد حاسس بيه. حتى أبوي وأمي كنت بالنسبالهم عار وعايزين يخلصوا مني، وعمره ما حد منهم طبطب عليا ولا جالي كلمة حلوة وكنت ديما أشوف الكره في عيونهم وديما أمي كانت تجول: يارتني ما جبتك وجبت منصور بس. والكل كان يبعد عني، حتى مكنش حد يحب يلعب معايا، فكنت لوحدي، يمكن الكلاب كانت أرحم منكم عليا. أنتم كلكم السبب في اللي أنا فيه دلوقت، أنتم اللي وصلتونى لكده، أنتم المجرمين، أنتم مفروض اللي تموتوا كلكم. لأن محدش خد بيدي وعلمني الصح من الغلط. إعدموني وربنا اللي عتقوله عليه ده هيحاسبني، لا أنا هرحله وهشتكيله منيكوا ولي عملتوه فيا، وعيكون رحيم بيا عشان خابر أنا اتظلمت كيف منيكم."
ليجهش كل من في القاعة في البكاء لحاله وضعفه، إلا زهيرة ونهلة. وأيضًا هذا الذي ظهر فجأة أمام منصور شاهراً سلاحه الذي كان يخفيه.
محفوظ بعين تطلق شرار الشر:
"أنا اللي هوصلك حالا لربنا يا منصور بيدي قبل حبل المشنقة عشان أغسل عاري وإن شاء الله يكتلوني بعدها. بس أريح نفسي وأريح إلهام اللي غدرت بيها وضحكت عليا وجوزتهالي بعد ما جنيت عليها وضيعت فرحة السنين عشان مزاجك العكر."
لتنطلق منه رصاصة إلى قلب منصور، فيسقط ميتًا. ليصدق (من قتل يقتل ولو بعد حين).
ليبدأ الصخب يعم قاعة المحكمة ووجد براء وباسم أنفسهم بدون شعور يسرعون إلى قفص الاتهام مرددين:
"أبوي أبوي."
وكأنهم تناسوا للحظة أنه ليس بوالدهم، ولكن هنا غلبت الرحمة على العقل. وعندما علموا بوفاته، انهمرت دموعهم بغصة مريرة وكأنهم فقدوا أبيهم للمرة الثانية.
فقامت زهيرة بحزن وتقدمت إليهم وربتت على ظهورهم بحنان مردفة:
"مفيش أصعب من إن نفس تموت كده. ومنكرش صعب عليه رغم كل اللي عمله، لكن مفيش في إيدنا غير إننا ندعيله لعلى وعسى ربنا يخفف عنه العذاب."
فردد براء وباسم:
"الله يرحمه."
ثم التفتوا إلى أمهم ليغادروا. ولكن فوجئوا بصراخ مرة أخرى.
ليلتفتوا مجددًا، ليجدوا قمر قد افترشت الأرض والدماء تسيل من صدرها بعد أن طعنها حمدي الذي كان يخبئ سكينًا صغيرًا في جوربه على حين غفلة في هذا الصخب الذي حدث بعد مقتل منصور والقبض على محفوظ.
فشهق براء:
"قمر."
وهَمّ أن يتقدم منها ولكن فوجئ بمن جاء على نحو السرعة ووقف يصرخ أمامها:
"قمر، لااااا، فوقي يا قمر.. أنا مستنتكيش السنين دي كلها عشان في الآخر تموتي وتهمليني بعد ما قولت هانت خلاص وهيتحقق حلم السنين وعتكوني ليا في الحلال، بعد كل الحب اللي حبتهولك وأنتِ مش دريانة."
مسالم:
"قومي يا قمر، قومي شوفي مين اللي حبك من جلبه. حبك عشان أنتِ قمر لنفسك مش عشان أنتِ حلوة وبس. وخابر إنك من جوه مش وحشة بس مستنية حد ياخد بيدك ويطلع الحاجة الحلوة اللي فيكي يا قمرى."
فأغمض براء عينيه مرددًا:
"صوح، هو ده الحب الحقيقي، وده اللي اكتشفته مع زاد. لكن قمر كان حب وهمي بشكلها الخارجي الحلو بس."
ثم تدخل باسم بقوله:
"أنا دكتور، خلوني أدخل لها بسرعة عشان أعرف لسه فيها نبض وعايشة ولا لا قدر الله ماتت. فلو فيها بإذن الله نبض أحاول أخفف من النزيف ونطلب الإسعاف بسرعة."
ففتحوا له القفص وانحنى إليها بجذعه ليرى أنها مازالت على قيد الحياة، فصرخ:
"إسعاف! لسه فيها نفس."
ثم خلع عنه سترته في محاولة منه للضغط على الجرح للمساعدة في عدم تدفق الدم نوعًا ما.
أما حمدي، فقام العساكر بضربه حتى كسروا عظامه وأخذ يتأوه من الألم ثم قاموا بحبسه في زنزانة بمفرده.
ثم جاءت الإسعاف سريعة لنقل قمر إلى مستشفى السجن، وقام بمرافقتها مسالم بحكم عمله كأمين للشرطة.
ليحاول الأطباء نجدتها ثم نقلها إلى الرعاية الطبية، حتى تستقر حالتها الصحية.
خرجت نهلة من قاعة المحكمة منكسرة حزينة على كل ما حدث أمامها. فبرغم دافع الانتقام الذي كان يراودها دوماً نحو منصور، ولكن ألمها نهايته. فرددت في نفسها:
"الله يرحمه، ظلموه وظلم نفسه."
ثم وجدت من يهمس بجانبها:
"نهلة."
فتوقفت لتجد محمود يظهر على وجهه البشاشة:
"نهلة، إيه نقول ألف مبروك واخيرا تحقق اللي كان نفسك فيه وبقيتي أرملة."
فابتسمت بمرارة:
"نفسي فيه؟ ااااه يا وجع قلبي، على إنسان راح لربنا بكل المعاصي دي كلها."
فاندهش محمود وأصاب قلبه الغيرة فحدثها بغيظ:
"إيه صعبان عليكي ابن الجبالي يا نهلة! تكوني حبتيه وأنا معرفش."
فصمتت نهلة ولم تجبه، فثار محمود وانفعل بقوله:
"لاااا! أنتِ زودتيها أوي يا نهلة، كل ده ليه؟ عشان عارفة وحاسة كويس بلي في قلبي ناحيتك، فعايزة تجنيني صح؟ لكن لكل شيء حد ولازم دلوقتي تردي عليه، تجوزيني يا نهلة بعد ما تخلصي عدتك من المرحوم اللي صعبان عليكي ده؟"
فصمتت نهلة واكتفت بدموع حارقة على وجنتيها.
وكانت زهيرة تشهد الموقف من بعيد وكذلك والدها الذي كان يعلم حقيقة الأمر وتركها لتحدد مصيرها بنفسها دون ضغط عليها، ولكن قلبه يتمنى أن توافق، فلن يجد أبدًا زوجًا مثل محمود لها.
محمود بنفاذ صبر:
"قولت ردي عليه يا نهلة، وصدقيني أنا مش هنقشك في قرارك لو رفضتي المرة دي، لأن ملوش داعي خلاص وكل شيء واضح."
فحدثت نفسها نهلة بإنكسار:
"أنا كمان واضح حبي ليك يا أغلى من عينيه. ده أنا ياما بس تمنيت التراب اللي عتمشي عليه بس يا محمود. بس واضح برده إني هبكي على فراقك العمر كله. واضح كمان إنه انكتب عليّ الحزن والشقا والفرحة ما تلمس قلبي. وواضح إني أدَفن جلبي بعدك مع إنك قدامي وعتتعذب يمكن أكتر منك. وواضح إن الناس مش هيسيبوا حد في حاله وعيستكتروا عليه النعمة لحد ما تروح من يده. كيف أقولك بس إني بحبك وريداك وأظلمك معايا ويوجعني ندمك لو حسيت في يوم إنك اتسرعت والحب راح بعد الجواز. لاااا يبجا من دلوقتي أحسن يا ابن الناس. عشان كده بجولك."
ثم رفعت صوتها بنبرة قاتلة:
"أيوه يا محمود أنا مش ريداك، ومش عايزة أجوزك وروح لحالك بجا."
فأغمض محمود عينه متألماً وحاول ابتلاع الغصة التي في حلقه ثم فتح عينيه ببطء ليلقي عليها نظرة أخيرة قبل أن يغادر. نظرة كفيلة تميت فيها كل شيء.
ثم غادر دون أن ينبس بكلمة كما وعدها، لتلتفت هي إلى والدها وتسرع إليه وتلقي بنفسها في أحضانه تبكي.
والد نهلة:
"ليه طيب يا بتي عملتي كده وأنا حاسس إنك ميالة ليه وريداه، وصراحة هو ده عريس يترفض بردك! هو أنا نطول واحد زيه، شباب ومركز عليه قيمة. وفوق ده كله بيحبك وكان بيعتذر عشان توافقي مع إنك يعني."
فقاطعته نهلة بقولها الصادم الذي أدمى قلب أبيها وتعجب لسماعه زهيرة وولديها:
"‘أيوه يا بوي كيف ما أنت جولت بالظبط إحنا نطول واحد زيه! عشان كده رفضته وأنا ريداه وجلبي اتعلق بيه. عشان أنا مانفعوش يا بوي، أنا مين عشان أتجوز ضابط ابن ناس ومصراوي كمان. أنا حي الله فلاحة وبعد كده كنت خدامة ويدوبك هفك الخط. واه صوح اتجوزت منصور الجبالي رغم إنه كان كبير البلد وعنديه كتير، لكن كان بردك راجل كبير وأنا صغيرة، فعمره ما كان حيعتذر مني، لكن عياله عملوها وقللوا مني كتير جوي، وقالوا خدامة تتجوز منصور الجبالي واتهنت واتضربت على يد بتهم الله يسامحها وقالوا كمان اتجوزته عشان الفلوس. وما يعرفوش كانوا إني اتجوزته عشان أخد بتار أختي منه، واهو خلاص سبتلهم الجمل بما حمل وطلعت بالجلابية اللي عليا مش عايزة غير ستر ربنا. فدلوقتي بعد ما ربنا سترني، كيف أفضح نفسي تاني مع ناسه اللي خابرة إنهم هيعملوا معايا كيف ما عمل أولاد الجبالي ويمكن أكتر كمان لأنهم بزيادة متعلمين ومصراوية وأنا مش من طبعهم ولا مكانهم. وهو صغير يعني ممكن بعد الجواز يقل الشوق، فيفوق لنفسه لما يتأثر بكلام اللي حواليه ويندم اللي أخد واحدة مش من طينه ولا تشرفه قدام الناس وساعتها ممكن يرمينا ويشوف واحدة من طينته تناسبه. وساعتها أنا جلبي هينكسر وهرجع ذليلة مقهورة أكتر من اللي أنا فيه دلوقتي مليون مرة. فعلى إيه العذاب ده كله، حالي دلوقتي أهون شوية. وإذ كان هو حيعذب شوية كده ويعنسيني ويشوف حاله ويمكن يقول الحمد لله إنها جت منها عاد، ده أنا كنت حوجع نفسي في مصيبة. عرفت يا أبوي ليه بجا رفضته رغم إني ريداه."
فتنهد والد نهلة بغصة مريرة:
"اااااه يا بتي، ويا عيني عليكي. شايلة المرار من صغرك، بس أدي الله وأدي حكمته، ملناش فيه يا بتي. ومش خابر أقولك إيه، فيي إن ربنا يهونها عليكي ويعوضك عن المرار ده كله."
تساقطت دموع نهلة الحارة على وجنتيها ورفعت رأسها للسماء مرددة:
"يارب يارب."
ثم اخفضت رأسها بإنكسار مردفة:
"يلا بينا يا أبوي نعاود عشان خلاص مش قادرة أصلب طولي."
نطق براء بصدمة:
"مش معقول البت نهلة دي، فظيعة، مكنتش أتخيل إنها كده وبالعقل ده. تضحي بحبها وواحد زي محمود عشان مجرد إحساس ممكن يكون في خيالها بس. لإن خابر محمود كويس مش ممكن يعمل كده وبدل ما عايزها فعلًا يبقى بيحبها صح ويستحيل يغير رأيه بعد كده. وإذ كان على أهله فهو راجل ويعمل اللي رايده ويقدر يقنعهم."
فعارضته زهيرة:
"الزن على الودان أمر من السحر يا ولدي. وأنا ياما جولت لكم إنها بت زينة عشان كده حبيتها وأنتم مكنتش مصدقين وياما كيف ما جالت كسرتوا جلبها وهنتوها. فمش عايزة ده يتكرر تاني خصوصًا مع إنسان بتحبه."
باسم:
"مش خابر أقول إيه، بس صراحة ربنا يكون في عونها وصعب جوي اللي عملته لأنها كده برده بتعذب نفسها. ياريت ربنا يجمعهم لأن بعد اللي سمعته هي فعلًا تستحق واحد زي محمود يعوضها."
ثم انضم لهم جابر مطأطأ الرأس حزينًا على والده.
باسم:
"إيه يا أبو نسب، فكها بجا على الأقل أبوك لسه موجود، لكن إحنا كان عندنا اتنين وماتوا."
فابتسم باسم رغم حزنه مردفًا:
"رحمة الله عليهم وربنا يفك كربك يا بوي ويسامحك."
زهيرة:
"طيب يلا بينا يا ولاد."
فرجعوا جميعًا إلى القصر. ما عدا باسم الذي اتصل به طبيب ملك يبشره أن حالتها قد استقرت وكتب لها على خروج. فانشرح صدر باسم مردفًا بفرح:
"ياااه الف حمد وشكر ليك يارب."
ولج جابر إلى بانة في غرفتهم، فأبتسمت لرؤيته وأسرعت بخطاها إليه ولكنها فجأة قبل أن تصل إليه شعرت بدوار وسقطت مغشي عليها.
فصرخ جابر:
"باااااااااااانة."
فإيه اللي حصل لبانة؟ ويا ترى هيحصل إيه تاني لأولاد الجبالي؟
قصتنا لسه فيها كتير فكونوا بالقرب.
وياريت حلقة النهاردة اللي أخدت مجهود كبير جدًا مني ودمعت عيني فيها بجد وأنا بكتبها تكون عجبتكم وتفضلوا فاكرينها وترشحوا الرواية في المنشورات اللي بتطلب روايات صعيدي.
وللحكاية بقية.
نختم بدعاء جميل ❤️
"رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" .. [إبراهيم:
رواية اولاد الجبالي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء سعيد
ولج جابر إلى بانة في غرفتهم، فابتسمت لرؤيته وأسرعت بخطاها إليه. ولكنها فجأة، قبل أن تصل إليه، شعرت بدوار وسقطت مغشياً عليها.
فصرخ جابر: "بانة!"
ثم أسرع إليها وحملها بقلب خائف، فهي تعد نفسه التي بين جنبيه. ثم حاول أن يفيقها بلمس وجهها وأخذ يردد: "بانة، بانة. فيكِ إيه يا قلبي؟"
لتستعيد وعيها بعض الشيء وهمست بصوت خافت: "جابر."
جابر بلهفة: "إنت جنبِ أهو يا قلبي، مالك حاسة بإيه؟"
فابتسمت بانة وأمسكت بيده ووضعتها على بطنها مردفة بحرج: "ده ابنك الشقي، مش خابرة ليه مش طالع كيف أبوه طيب وهادي، شكله طالع زيي مزربن وأنت أكده هتفرح فيا يا جابر أنا خابرة وتجول إستحملي طبعك عاد."
فتجمدت ملامح جابر من الصدمة. فسألته بانة: "إيه يا جابر؟ حساك مش فرحان! ده أنا حامل في تلت شهور ومع ذلك مردتش أقول لحد غير لما تعرف إنت الأول لما تخرج بالسلامة. تجوم بدل ما تفرح تبلم إكده. إنت إيه عاد؟ بطلت تحبني ومش عايز مني عيال ولا إيه؟"
جابر: "إنتِ عتكلمي بجد يا بانة؟ يعني أنا هبقى أب وعيكون ليا عيل منكِ."
فحركت بانة شفتيها بتهكم: "تصور، بحسبه طلعلى من البخت."
فضحك جابر وحملها مرة أخرى وأخذ يدور بها في الغرفة.
بانة: "براحة عليا، يعني دلوك فرحان، امال مبنش عليك ليه أول ما قلت وكأنك نزل عليك سهم الله."
جابر: "كيف مش فرحان؟ ده أنا حاسس نفسي هطير وفرحان جوي، بس هي من صدمة الفرحة."
ثم وضعها برفق على الفراش، ثم سجد لله سجدة شكر يحمد الله على منه وعطياه.
***
وصل باسم لدى ملك، فابتسمت له ابتسامتها التي ذهبت بلب عقله. فصاح: "لا أكده إحنا مش هنروح على البيت، إحنا هنروح للمأذون على طول وبعدين للقصر سيدتي الجميلة."
فشهقت ملك: "لاااا أكده على طول!"
باسم: "وفيها إيه؟ ده أنا صبرت كتير جوي يا ملك ومنتظر اللحظة دي بفارغ الصبر."
فعبست ملك مرددة: "وعايزني أدخل على أوضة مرتك عزة يا باسم."
فتبدلت ملامح باسم مردداً بحنق: "مرتي إيه بس يا ملك؟ ما أنتِ خابرة اللي فيها وهي على الورق بس وملهاش عندي أي حاجة وهي خابرة أكده وراضية ومش عايزة إلا الستر ومش رايدة أطلقها عشان تربي ولدها. فبرجوكِ يا بنت الناس ما تجبليش سيرتها لو بتحبيني. وإيه قولك بجا إنها مش هتدخل القصر تاني؟ أنا جولتلها أكده وهخدلها شقة بره تربي ولدها بعيد عنينا وأنا عليه بس أتحمل مسئوليته لغاية ما يوقف على رجله. وأظن أكده عداني العيب بزيادة."
ثم غمزها بقوله: "ومن حقي دلوك أشوف نفسي ولا إيه يا ملاكي. نفوت بجا على المأذون عشان خلاص حبيبك مش قادر على نار البعد وربنا وخلاص نفسي آخدك في حضني يا ملك."
فتلونت وجنتي ملك بالحمرة من شدة الخجل مردفة: "بس يا جليل الرباية."
باسم: "أكده؟ طيب يمين الله لأعملها وهشيع لأبوكي يقابلنا عنديه."
ملك بضحك: "لا انت مجنون صوح."
باسم: "عنديكِ حق، هو حد يشوف الجمال ده كله وميبقاش مجنون بيكي يا ملك. يلا بينا على المأذون."
ملك: "استهدى بالله أكده، وكلم أبويا الأول."
فجلس باسم وحدثها: "ماشي يا ستي أكلمه."
والد ملك: "والله طبعاً دي حاجة تفرحني يا دكتور، بس مينفعش أكده من غير ما الناس تعرف، ده إنت خابر اللي حصل. فلازم نعمل قعدة ونكتب الكتاب عشان يعرفوا وأتشرف بيك يا دكتور جدامهم يمكن ساعتها يبطلوا كلام وحديث عليا وعلى بتي."
فتنهد باسم بحزن وحدث نفسه: "يا عيني على اللي حصل لقمر من المجرم ده. يا ترى هي عاملة إيه دلوك؟ وخايف أقولهم اللي حصل تتعب ملك بزيادة ولا أبوها يحصله حاجة، فأسكت أحسن وهبقى أروح أطمن عليها."
ثم تابع حديثه بقوله: "ماشي يا عمي، بس إكده، عيوني وأنا هجيب ناسِ الليلة كمان وانت تجيب ناسك. وتعلق النور ونكتب وواخدها بعد إكده للقصر."
فضحك والدها: "ربنا يسعدكم يا ابني."
فأغلق معه الخط ليرى ملك قد وضعت يدها على وجهها من فرط الخجل.
فقام ووقف بجانبها ليفزعها وهو يصرخ في أذنها: "توووت."
فغضبت ملك وابتعدت: "بردك إكده يا باسم."
فضحك باسم: "أعمل إيه لجيتك نايمة جولِت أصحيكِ. يلا فوقي إكده عشان ورانا مشاوير كتير. أولاً هوديكي بيوتي سنتر، تعملك كل الحاجات اللي محتاجها العروسة، واشتريلك فستان. وبعدين هتلبسيه في بيتكم عاد، وأنا هجيب أمي وأخواتي والمأذون وأجي وعمي هيعمل اللازم ويعلق نور ويعزم الناس، وبعد كده هاخدك وأطير لعش حبنا يا ملك."
ابتسمت ملك: "مش قادرة أصدق يا باسم، معقول نِجوز بالسرعة دي، بعد كل اللي حصل؟ حاسة كأني بحلم."
باسم: "ربنا كريم وحنين جوي وكان حاسس بينا. وعارف إننا منفعتش غير نكون لبعض وبس. يلا يا قلبي عشان الوقت."
فأسرعت ملك معه وقلبها يرقص من الفرحة وتحمد الله أن جمعها مع حب عمرها في الحلال الطيب.
***
زهيرة بإندهاش: "إكده على طول يا باسم من الدار للنار، كنت صبرت شوية يا ابني الدنيا مخلصتش."
باسم: "صبرت كتير جوي ياما، واهو الحمد لله جبرني، فبالله عليكِ تيجي معايا عشان الراجل الطيب ده."
زهيرة بنفاذ صبر: "أقولك إيه بس، ماشي يا ولدي."
وعندما أخبر باسم بانة، فرح جابر مردداً: "يااه النهاردة الفرحة فرحتين، فرحتي بولدي اللي جاي في الطريق وفرحتي بيك يا دكتور."
فشهقوا جميعاً: "إنتِ حامل يا بانة؟"
فاخفضت بانة رأسها بحرج: "أي نعم."
فعانقتها زهيرة بحب: "مبارك يا بتي، ربنا يتمم على خير."
وهنأتها زاد أيضاً بقولها: "مبارك يا أحلى بانة."
بانة بحب: "الله يبارك في عمرك وعقبالك يا قلبي."
فهمست زاد: "ياااارب."
فغمزها براء وهمس في أذنها بعد أن ابتعدت عن بانة: "طيب الموضوع ده مينفعش بالدعاء بس، لازم ليه درس عملي أفهمك كيف؟"
فنكزته زاد بحرج: "بس يا جليل الرباية."
فتعالت ضحكات براء، ثم اتجه كل واحد إلى غرفته يستعد لزواج باسم.
***
وعلى جانب آخر كانت عزة منهمكة بعض الشيء في دراستها للماجستير، ولكن فجأة شعرت بنغصة في قلبها أوجعتها. فوضعت يدها على قلبها متألمة: "آه، خير يا رب."
ثم همست: "باسم، يا ترى فيك إيه؟ قلبي مش مستريح. ألا يكون صابه حاجة. لما أتصل بيه وأطمن عليه، يمكن حتى يحن لصوتي مرة ويجي يطل عليا. عشان وحشني جوي جوي، ومش قادرة أقولهاله عشان ميصدنيش كيف ما بيعمل كل مرة. متى بس يا قلبي تحس بقلبي وتنسى اللي فات، مع إنه عمره ما يتنسى، بس القلب ليه أحكامه."
ثم اتصلت به، وكان حينها باسم يجلس بجانب ملك بعد عقد القران ممسكاً بيديها بحب ويتهامسان كلمات الشوق والغرام بعد أن أصبحت حلاله بعد طول انتظار.
باسم: "مش ناوية تقوليها بقا يا ملوكة؟ نفسي أسمعها منك."
ملك بخجل: "هي إيه دي؟"
باسم: "يعني مش خابرة؟ ولا لسه بتكسفي مني؟ أنا خلاص بقيت جوزك يا قلبي. يلا قولي بحبك يا باسم وراضي قلبي اللي يعشق نور عينيكِ."
ملك: "وبعدين معاك، مش قادرة دلوك. لما نروح عاد. عشان حاسة إن كل العيون عليا ومكسوفة جوي."
باسم: "بس أكده غالي والطلب رخيص. وأنا كمان عايز أغمض عيني وأفتحها ألاقي نفسي معاكي هناك تحت سقف واحد لحالنا وساعتها بس..."
ولم يستكمل كلامته عندما سمع رنين هاتفه ليخرجه ليجد عزة هي المتصل، فزفر بضيق محدثاً نفسه: "أوف، هو ده وقته. لا مش هرد عليها."
ثم انقطع الاتصال فدمعت عين عزة: "أكده يا باسم، مش عايز حتى ترد عليا. طيب حتى أسمع صوتك وأطمن، مش عايزة أكتر من كده. أعمل إيه دلوك وأنا قلبي مغوغوش عليه، مفيش في يدي حاجة غير إني أتصل عليه تاني، وحتى لو رد وهزقني بس أسمع صوته وأطمن بدل القلق ده."
فقامت بالاتصال به مرة أخرى.
فردت ملك: "مين بيتصل بيك يا باسم وليه مش عايز ترد؟ رد يمكن يكون عايزك في حاجة مهمة."
باسم بتجهم: "مش عايز أقطع علينا لحظتنا الحلوة دي يا ملك."
ملك: "طول ما أنت هتكون جنبي العمر كله، هتكون لحظاتنا كلها جميلة."
باسم: "يا وعدي يا وعدي، أخيرا الجبل نطق. طيب هقوم أشوف مين وأرجع للقمر."
فقام باسم يزفر بضيق ثم قام بالرد عليها: "نعم يا عزة، فيه حاجة."
شعرت غزة ببرودة حديثه فتأوهت حزناً ولكنها تغاضت مردفة: "أنا بس كنت بتصل عشان أطمن عليك يا باسم. مش خابرة ليه حسيت إن فيك حاجة فجولت أطمن."
باسم: "أنا كويس يا ستي متقلقيش ومفيش داعي لاتصالك وأنا جولتك متتصليش إلا لو فيه حاجة ضروري، تعبانة ولا حاجة."
فابتلعت عزة غصة مريرة في حلقها مردفة بأنكسار: "ماشي، أنا آسفة يا باسم، معدتش أكررها تاني حتى لو تعبانة."
ثم تخلل لأذنها صوت الزغاريد، الذي كان بمثابة صوت طلقات الرصاص. فشهقت: "إنت ليلتك النهاردة على العروسة يا باسم؟"
توتر باسم ولكنه وجد أنه حقه فردد: "أيوه، فيه حاجة ولا إيه؟ مش هتقوليلي مبروك!"
شعرت عزة إن الهواء قد نفذ من رئتيها وأخذت تشهق محاولة أخذ أنفاسها من الصدمة. أحس باسم بأنفاسها المتسارعة وتعجب من صمتها فسألها: "عزة أنتِ كويسة؟ عزة ردي عليا."
عزة. ولكنها لم تجيبه ففزع من أن قد أصابها مكروه، فلم يدرِ ما يفعل، فذهب سريعاً إلى ملك يعتذر منها.
"معلش في حالة طارئة فعلاً ولازم أروح أشوفها، أتمنى متزعليش مني إني سبتك في يوم زي ده."
فأومأت ملك بتفهم: "أكيد طبعاً مش كنت أحب تسبني بس ده واجبك يا باسم اتفضل روح."
فأقترب منها باسم وقبل جبينها وهمس: "هتوحشيني."
ثم ذهب إلى براء وحدثه: "معلش أنا مضطر أمشي دلوك، ولو اتأخرت خد ملك وروحوا وخلي البنات معاها لغاية ما أرجع. مش هوصيك عليها يا براء."
ابتسم براء: "متقلقش طبعاً، بس حالة إيه دي؟ في يوم زي ده، وهو مفيش دكتور غيرك يعني."
باسم بتجهم: "معلش أمر الله، هسيبك دلوك وهبقى أطمن روحتم ولا لسه. سلام."
وعندما خرج باسم سريعاً هكذا تهامس الناس بسخرية: "هو العريس شكله طفش ولا إيه؟ صوح عنده حق هو فيه حد يناسب الراجل ده اللي سيرته على كل لسان بردك."
فزفر والد قمر بضيق مردداً: "لا حول ولا قوة إلا بالله، مفيش فايدة في الناس، تركتهم ليك يارب."
***
وفي هذا الوقت جاء اتصال من اللواء محمد إلى براء.
براء: "أهلاً بسعادة الباشا."
اللواء محمد: "أهلاً بيك يا سيادة المقدم. أنا بتصل بيك عشان هقولك هتوحشني."
براء: "ليه حضرتك بتقول كده، حضرتك مسافر ولا إيه؟"
فضحك اللواء محمد مردفاً: "مش أنا، إنت يا براء."
براء: "أناااا ليه وفين؟"
اللواء محمد: "القاهرة يا براء ومش آثار المرة دي، لا مخدرات. ويا ريت بقا تطول رقبتي، وعايز أسمع عنك كل خير وتعمل تاريخ مشرف زي ما أنا متوقع عنك بإذن الله."
براء: "صراحة مش خابر أقول إيه، أفرح ولا أحزن عشان هسيب الصعيد اللي اتولدت واتربيت وعشت فيه وإخواتي كمان فيه. وفي نفس الوقت أكيد فرصة جديدة قدامي مش عايز أفوتها من تحت إيدي."
اللواء محمد: "فعلاً فرصة وسيبك من أي مشاعر دلوقتي المهم مستقبلك."
براء: "تمام يا فندم."
اللواء: "تمام حضر نفسك في خلال يومين هتسافر. أما السكن فمتشغلش بالك، هتقابل هناك النقيب مؤمن وهو هيدلك على شقة كويسة في عمارة الظباط."
براء: "تمام يا فندم، هجهز أنا والجماعة ونروح إن شاء الله."
اللواء محمد: "إنت هتاخد مراتك معاك؟"
براء: "آه أكيد بدل هستقر هناك لفترة."
اللواء محمد: "بس الشغل ده نوعاً ما خطر وهتكون منشغل عنهم لفترات طويلة، فمن الأفضل تسبها في البلد ولما يسمح لك في النزول تنزل تشوفها."
فتنهد براء بعدم ارتياح لأنه لا ينكر أنه عشق تلك الحورية زاد ولا يستطيع أن يمضي يوماً دون أن يراه أو أن يخلد إلى النوم بدون حضنها الدافئ.
ثم تابع بقوله: "طيب يا فندم هتكلم معاهم في الموضوع وأشوف هقرر إيه."
***
في وقت قصير وصل باسم سريعاً إلى عزة وكان يلوم نفسه طوال الطريق بقوله: "أنا مش هسامح نفسي لو جرالها حاجة، عشان مرعتش نفسيتها وخابر إنها بتحبني ومرعتش مشاعرها وأنا أكتر واحد خابر الحب وعمايله. وإذا كان على اللي حصل فهي غلطت كيف أي إنسان ضعيف بيغلط، ففضل لغاية ميتي بس أعلق لها حبل المشنقة. ده ربنا سبحانه وتعالى بيغفر ويشيل الذنب كأنه متعملش، فليه إحنا عمرنا ما بننسى؟ حتى لو كان من بره قولنا مسامحين لكن من جواتنا لأ. بس أنا غصب عني عشان بحب ملك وده اليوم اللي كنت بتمناه، فهي جت هددت الفرحة دي في لحظة. بس على الأقل كنت رديت عليها كويس مش بالبرود ده. اديها أهي مستحملتش وخايف يكون جرالها حاجة."
وصل باسم وفتح الباب بيد مرتعشة، لينظر أمامه فوجدها مغشياً عليها، فارتجف وتقدم منها وهتف بذعر: "عزة."
ثم فحص نبضها فوجده ضعيف. ليلاحظ بعد ذلك أن ملابسها ملوثة بالدم، ففجع.
ليخرج هاتفه على الفور واتصل بالإسعاف لتأتي بعد حيناً من الوقت مضى عليه كالدهر وهو يدور حول نفسه في قلق وتوتر ويكاد يموت من الفزع كلما نظر إلى وجهها الذي تلون بالصفرة وتلك الدماء التي تتدفق من أسفلها.
باسم: "آآآه ربنا يسترها، مش هسامح نفسي أبداً لو جرالها حاجة، ده أنا مشوفتش منها غير كل حب، أما أنا مجدمتش ليها غير الإهانة في الريحة والجاية وبرود واستهتار بمشاعرها."
لتأتي بعد ذلك الإسعاف، ويساعدهم باسم في نقلها. لتصل إلى المستشفى وبالكشف أخبره الطبيب: "أنها ولادة مبكرة."
باسم: "لا حول ولا قوة إلا بالله، بس هي لسه في السابع، أكده مش خطر عليها وعلى الجنين."
الطبيب: "قول يارب، وإن شاء الله تكون كويسة، أما الجنين هيدخل حضانة عشان هيكون مش مكتمل النمو."
باسم: "يارب."
وبالفعل دخلت عزة إلى غرفة العمليات. ولم يفتر باسم عن الدعاء لها، ثم تذكر ملك فضرب بيده على جبينه مردفاً: "آآآخ، ملك."
"ده إيه حظي ده."
ثم قام بالاتصال ببراء بعد أن خجل من الاتصال بها، فما عساه أن يقول.
براء: "كل ده تأخير يا دكتور، ده الناس زهقت وروحوا."
باسم: "معلش غصب عني وأنا جولتك لو اتأخرت خدها وروحوا عاد."
براء: "بس يعني جولِت إنت بنفسك أفضل عشان منكسرش بفرحتها في يوم زي ده."
باسم: "خابر ومش قادر حتى أكلمها عشان أعتذر، فمعلش حاول إنت وأمي تراضوها وتروحوا وأنا أول ما أخلص هحصلكم بإذن الله."
فضحك براء: "ماشي بندبسنا، ربنا يستر بجا ولما ترجع نسمعش المعركة اللي هيحصل بينكم لأن أكيد هترجع تلاقيها متزربنة واستحمل بجا يا جوز الإثنين، إنت اللي جبته لنفسك."
عض باسم على شفتيه بغيظ مردفاً: "خليك محضر خير يا براء، بدل متولعها أكده يا خوي، أنا مش ناقص كفاية اللي أنا فيه."
ليخرج الطبيب فيسرع باسم في قوله: "طيب أنا هضطر أقفل دلوك وأعمل اللي جولته، سلام."
ثم أسرع إلى الطبيب ليطمئنه.
الطبيب وعلى وجهه الآسي: "الأم الحمد لله حالتها مستقرة، لكن للأسف الجنين مات."
فأغمض باسم عينيه بحزن مردداً: "لا حول ولا قوة إلا بالله."
"طيب ممكن أدخل أطمن عليها."
الطبيب: "أيوه، دلوقتِ هينقلوها الغرفة، بس حاول تخفف عنها بعد ما تعرف لأن عارف تأثير موت الطفل اللي كانت بتستناه شهور بفارغ الصبر هيكون صعب جداً عليها وربنا يعوضكم غيره بإذن الله."
فردد باسم بإندهاش: "غيره!"
ليتركه الطبيب في حيرة في أمره.
ليتحرك باسم بعد ذلك لرؤية عزة. فوجدها تئن من الألم ودموعها لا تتوقف، فتنهد بعدم ارتياح وإحساس بالندم سيطر عليه من أجلها وأقترب منها وحاول الابتسام بالكاد بقوله: "حمد لله على السلامة يا عزة. كيفك دلوك، تعبانة جوي أنادي عليهم يدولك مسكن؟"
طالعته عزة بحب وتاهت في عينيه وهمست: "باسم، إنت جيت كيف وحصل إيه؟"
ثم وضعت يدها على بطنها فلم تجدها مرتفعة مثل ذي قبل فتسائلت بإندهاش: "بطني فين عاد؟ هو أنا ولدت بدري إكده، وفين ولدي يا باسم؟"
فلم يستطع باسم الرد عليها ولكن تعبيرات وجه كانت تقول ما لا يقوى عليه لسانه.
فصرخت عزة: "ولدي، ولدي."
وأخذت ترتجف في الفراش، ففزع باسم مردفاً: "بس يا عزة ارجوكِ مش متحمل أشوفك أكده، استهدي بالله وجولي الله يرحمه وعيكون بإذن الله شفيع ليكي يوم القيامة."
ولكن شخصت عين عزة وزاد ارتجافها فهرع باسم إلى الطبيب ليأتي ليحقنها بمهدئ لتنام.
فأخذ باسم يتطلع إليها وهي نائمة مردفاً بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله، قد إيه الإنسان ضعيف جوي، بس شكلها وهي نايمة بريء جوي."
ثم عاتب نفسه بقوله: "إيه بريء جوي دي؟ ومالك أكده حزنان جوي، ما عادي وكمان دي فرصة إنك تسرحها بالمعروف خلاص العيل مات."
ثم عاتب نفسه بقوله: "بس خلي عندك شوية دم، مش دلوك عشان ميبقاش موت وخراب بيت."
"آه فعلاً لازم أستنى شوية."
"ودلوك هطلع أكلم ملك عشان خابر زمانها متزربنة عشان اتأخرت جوي."
باسم: "الووووو يا ملك، لو سمحتي أنا قلبي معاكي، فجولِت أتصل أطمن على قلبي اللي عندكِ."
زفرت ملك بغضب: "طيب ما تجولِ الأول قلبي اللي عندك وتعبته معاك عامل إيه يا دكتور ولا هو الناس عندك أهم منه. ومهمله في أول ليلة المفروض نكون مع بعض. صراحة أول مرة أشوف عروسة من غير عريس. إنت مش خابر الناس كانت بتبصلي كيف لما مشيت ولا لما نزلت مع أخواتك لحالي. كلامهم كان عامل زي السم لما قالوا، العريس شكله طفش وواخدينها ليه غصب."
شعر باسم بمرارة في صوتها فأشفق عليها وشعر بنغزة في قلبه وحاول أن يراضيها بقوله: "خابر إن ملاكي زعلان، بس صدقيني غصب عني. وخابر إن كلام الناس واعر، بس معلش ملحوقة لما يشوفونا مع بعض بعد إكده مبسوطين هيحطوا بلغة في خشمهم. وأنا آسف يا ملوكة، متزعليش مني يا قلبي وإن شاء الله هعوضك عن الليلة دي بالعمر كله يا روحي إنتِ."
فاحمرت وجنتيها خجلاً وسمع باسم صوت أنفاسها المتسارعة.
باسم: "إيه أفهم من سكوتك إنك خلاص سامحتيني. السكوت علامة الرضا."
ملك: "أنا بس أشوفك يا باسم قدامي عنسي كل حاجة، بس تعال يلا أتوحشتك جوي."
باسم: "لا مجدرش على الكلام الحلو ده، وفي أقرب وقت هكون عندك يا قلبي."
***
خلد براء إلى النوم وعلى صدره زاد يضمها إليه بحب، ولكنه لم يتكلم معها كثيراً كعادته قبل نومه، فاستشعرت زاد إنه يشغله شيء فسألته: "فيك إيه يا حبيبي شاغل بالك؟"
رد عليه: "أنا خابرة إنك منمتش عاد لسه، ورموشك أهي بتتحرك كتير ونفسك عمال يعلى ويوطي."
فاابتسم براء وفتح عينيه: "إيه ده إنت فقساني إكده على طول."
فضحكت زاد: "أيوه، أنا خابراك أكتر من نفسي. يلا جول على طول فيك إيه؟"
براء: "تمام يا فندم."
زاد: "جول فيه إيه شغلك؟"
براء: "صراحة جتلي فرصة شغل جديد في القاهرة في مكافحة المخدرات."
فاتسعت عين زاد مرددة بقلق: "القاهرة ومخدرات؟ لا ده شغل واعر وأنا أخاف عليك يا براء. خليك إهنه أحسن."
براء: "مش بيدي ده أمر ولازم أنفذه، بس اللي مضيقني هو بعدي عنك مش أكتر."
زاد بفزع: "إيه، لا طبعاً، أنا رجلي على رجلك، يستحيل أسيبك لوحدك هناك."
براء: "مش هينفع هكون مشغول طوال الوقت، فخليكي إهنه أفضل عشان أكون مطمن عليكِ."
زاد بعبوس: "أسيبك عشان تبرتع هناك لحالك وخصوصاً البنات المصريات اللي ماشيين لابسين ومش لابسين دول. هو أنا لحقت خلصت من اللي إهنه عشان تروح هناك لحالك. لا لا يمكن رجلي على رجلك."
فضحك براء وضمها مجدداً لصدره: "يا بنتي إنتِ دماغك راحت فين بس، أنا بقول شغل. وكمان أنا عيوني خلاص عمرها ما هتشوف غير زاد وبس."
أنتاب زاد شعور بالفرحة لكلماته ولكن سرعان ما انقبض قلبها ولا تعلم السر وراء ذلك؟ فما يا ترى سيحدث في مصر المحروسة؟
رواية اولاد الجبالي الفصل العشرون 20 - بقلم شيماء سعيد
كأنّ الذي في القلبِ سِحرٌ أصابني
فأمسى جنونُ الحُبِّ في كُلِّ مَوْضعِ
فأنتَ ليَ الروحُ التي بين أضلُعي
وعيني التي ترنو وقلبي ومسمَعي
فلا زهرةٌ إلّا وجدتُكَ عطرَها
ولا غفوةٌ إلا وأنتَ مَعي
وإن كُنتُ في حُلمٍ فدَعني أعيشُهُ
ويا ليتَ قلبي لا يفيقُ ولا يعي
لم يستطع براء حل مشاكله المتراكمة مع زاد ولم يجد مفر سوى الهروب منها دون مواجهة وهى نائمة. ولم يترك لها سوى رسالة من مجرد كلمات وظن إنها معبرة، ولكن القلب عند زاد امتلىء خيبة وألم وقهر، فلن تجدى معها تلك الرسالة.
ثم ودعهم براء، ولكنه قبل أن يغادر شعر بنغصة فى قلبه ألمته وتساءل: هو البعد عنيكم عيوچع الجلب أكده؟
فأغمض عينيه بألم واستطرد: يارب سلم.
ثم إلتفت وغادر سريعا قبل أن يضعف قلبه أمامها، وظن إن هذا الحل هو الأسلم لعلاقتهم حتى لا تتدهور أكثر من ذلك.
ولكن ما فعله خطأ، فمواجهة المشكلات فى حينها أفضل من تركها تتراكم حتى تولد الإنفجار.
ليجد محمود على باب غرفته مع نهلة، يودعها بقبلة على الهواء مردفًا: خلى بالك من نفسك يا نونو.
_ يلا سلام يا قلبي.
لتجيبه بحب: وأنت خلى بالك من روحي اللى أخدتها معاك وأنت ماشي يا جلبى. ومتتأخرش عليه عشان بتوحشنى حتى وأنت معايا.
فتنهد محمود بحرارة وقال بعشق جارف: لا مقدرش أنا على الكلام الحلو ده كله.
_ بقولك ايه، أنا بقول كفاية كده الشغلانة دى.
ثم غمزها وتابع: _ وأدخل أريحك جمبك شوية، مهو أنا يا بنتي أصلا تاجر بلح.
فتعالت ضحكات نهلة حتى دمعت عيناها ثم أجابته: على عيوني والله.
_ بس معلش عديها يا سيادة المقدم ويلا زوج عجلك وشوف شغلك.
محمود بضحك: كده، ماشي.
ثم خطف قبلة سريعة من إحدى وجنتيها.
محمود: سلام يا روح الروح.
فتلون وجه براء بحمرة الغيظ وصك على أسنانه محدثًا نفسه: لا إكده كتير، وسدوا نفسى على الصبح وأنا فيه اللى مكفينى.
وعندما أغلق محمود باب الغرفة على نهلة، وجد براء من ورائه يقبض على مؤخرة عنقه مردفًا بغيظ: صباحية مباركة يا عريس، إيه معتزهجش من الحب اللى يموع النفس ده!!
فضحك محمود وغمزه قائلاً: لما تقرب وتجرب مش هتزهق، بس أنت اللى مش عايز تقرب وبتبعد.
أخرج براء زفيراً حاراً قائلاً: أنا فعلاً هبعد وحاسس إن ده الأسلم دلوك، عشان معنديش إستعداد للكلام ولا للعتاب وحاسس لو فعلاً كلمتها زى ما بتجول أكده هطربقها فوخ نفوخها اكتر لأنها مهتحسش إنى راجل وليه حقوق عليها.
إحتضن محمود ذراع براء وسار معه للخارج وهو يحدثه بعقلانية يفتقدها براء: الحياة يا صاحبي مش حقوق و بس.
_ لازم تدي قبل ما تاخد، وعشان كده أعمل الواجبات اللى عليك، وبعدها إنتظر حقوقك هتاخدها بالكامل وزيادة كمان.
_ لأن الست اللى بتلاقي إهتمام ومحبة وتقدير من جوزها، بتلاقيها زى الفراشة اه والله بتطير من الفرحة وبتديك أضعاف أضعاف اللى أنت أدتهولها.
حرك براء رأسه بإستياء قائلاً: دي لما تكون بتفهم، لكن زاد مش نافع معاها حاجة.
_ دي ولا يعجبها العجب ولا الصيام فى رجب.
محمود بنفاذ صبر: تعبتني معاك يا براء، وحاسس أنه بيتهيألك كده، لأن فعلًا مدام زاد حسب كلامك عنها في البداية ومعرفتي بيها إنسانة كويسة جدًا، فخسارة تضيعها من إيدك بالسهولة دي.
براء: وأنا قولتلك عطلقها!
_ أديها جاعدة على جلبى.
محمود: الطلاق مش شرط يكون بكلمة، صدقني الطلاق النفسي أصعب وأشد.
طالع براء بإندهاش قائلاً: انت شكلك بقيت حكيم وأنا مش عارف ولا إيه!!
على العموم نتكلم بعدين عشان ألحق أوصل في معادي.
محمود: توصل بالسلامة إن شاء الله وابقى طمني عليك.
_ وأنا كمان هروح أشوف آخرة المعتوه حمدي ده إيه وهو فين؟
_ لأن امبارح طلعت حملة نشطت المنطقة كلها، لكن للأسف زي ما يكون فص ملح وداب.
_ مش عارف فين البني آدم ده؟
حرك براء رأسه بإستياء مردفًا: هيروح فين يعنى! عتلاجيه في النهاية متجلجش.
_ مهو مهما طال الزمن على الأشكال دي مسيرها تقع في الأخر.
محمود: أيوه بس نفسي يكون في أقرب وقت عشان قمر الخوف هيموتها وده غلط عليها لأنها حامل.
_ والغريب ان جوزها متوقع أنها هتجيب بنت ويسموها شمس كمان.
فلوى براء شفتيه قائلاً بسخرية: بت!
_ أقلب القدرة على فمها، تطلع البت لأمها.
_ يا عيني على اللى ياخدها دي كمان.
محمود بآسي: مفيش فايدة فيك، ربنا يصلح قلبك يا صاحبي.
ذهب زرارة إلى عوض كما أمره حمدى.
فوجده زرارة على عتبة بيته يستعد للمغادرة، فاستوقفه زرارة بقوله: على فين العزم يا عوض، ده أنا كنت جيلك أتكلم معاك كلمتين.
فأشاح عوض بيده مردفًا بحزن: مش فايق والله يا زرارة، خلينا وقت تاني.
زرارة بخبث: مالك يا راجل أكده، شايل طاجن ستك على الصبح؟
عوض: انت مدرتش أن جابر أتقبض عليه ولا إيه؟
_ وأنا دلوك ريحاله، وم مش بس أنا، كل العمال هنروحله كل يوم، لغاية ما يطلع بالسلامة.
_ متتصورش أنا زعلان ومقهور عليه قد إيه!
زرارة بإندهاش: ،للدرجاتى يا عوض زعلان عليه؟
عوض: وهو فيه حد مزعلش على جابر، ده مش إنسان، ده ملاك من السما.
_ ومنه لله اللي كان السبب، يچيك ويحط عليك يا جاسر يا ابن حمدان.
زرارة بمكر: وماله جاسر بلى حوصل يا عوض؟
عوض: ما أنا متأكد إنه هو اللي عملها، عشان خابر أن العرق دساس وهو من يومه جلبه أسود بعيد عنك.
زرارة: وأنت مجولتش ده للحكومة ليه، بدل ما ياخدوا جابر؟
عوض: مهو أنا معييش دليل على أكده، يارتني كنت شوفته وهو بيحط الحاجات المنيلة على عينه دي، كنت طبجت في زمارة رقبته.
زرارة: مهو بردك عندكوا عيون صناعية اسمها كاميرات المراقبة ودي بيكون ليها سجل عن اللي بيحصل في المصنع في غيابكم.
فضرب عوض على رأسه قائلاً: صوح عندك حق، كانت غايبة عن راسي فين الفكرة دي!
_ طيب بعد إذنك يا زرارة.
زرارة: هتعمل إيه جولى بس؟
عوض: على الحكومة طوالى، أجولهم على جاسر النجس ده، وأجولهم يشوفوا الكاميرات ويتأكدوا.
فغادر عوض سريعا أما زرارة فضحك ضحكته الشيطانية وحدث نفسه: يلا مع ألف سلامة يا جسور، باي باي زي بتوع البندر.
_ عشان سيد الناس يعرف يعيش بالحلال بجا مع المهلبية حسنية.
ثم قهقه واستطرد ساخراً: أيون مهما التنين يموتوا في الحلال على يدي.
_ بيخدعوا نفسيهم بس أنا خابر القصة، وخابر إنها طين بس مفيش منها مهروب.
_ ودلوك حان الأوان عشان أروح أنا كمان أظبط نفسي مع البت قمر بعد ما طبعا سيد الناس ياخد دوره الأول.
أموت أنا في العسل الأبيض وأحب أغرق فيه.
شيء عالق في منتصف الروح
لا يشرحه الكلام ولا يكفي فيه البكاء ..!!
أيتها الأيام القادمه
مري علينا بسلام فقلوبنا جد متعبة و مرهقه
أرهقتها الحظوظ ..
وأتعبتها التراكمات التي نالت من سفينة الود وأصبحت أروحنا تعاني الوجع ووجع الروح هو أنين لقلب صامت يمنعه كبرياء العقل عن البوح بالاف الكلمات التي تعجز الجوارح عن التعبير عنها وجع الروح في ضحكه دون فرح وبكاء قلب دون دموع ما اصعبه
اختلاط المشاعر بين أنين خيبة أمل وخذلان
تقلبت زاد في الفراش ومدت ذراعها في محاولة لإحاطة براء، ولكن يدها سقطت على الفراش فتعجبت وأخذت يدها تبحث عنه فلم تجده، ففتحت عينيها بتثاقل، فتفاجئت بعدم وجوده.
فجلست مرددة بإندهاش: هو راح فين؟
ليلفت انتباهها أن خزانة ملابسه مفتوحة وفارغة وحينها شعرت بنغصة في قلبها وشهقت مرددة بصدمة: عملتها يا براء!
_ هربت وسبتني أكده حتى من غير ودااااااع.
_ من غير ولا كلمة ولا كأننا كنا مع بعض، كأنك كنت مع وحدة من بتوع الشارع مش مرتك.
لتنهمر دموعها على وجنتيها مردفة: جد أكده بجيت رخيصة عندك، ومليش أي مقام عندك.
_ طيب حتى على الأقل كنت جولى، ده أنا كنت نايمة في حضنـ....ك بس إظاهر إني خلاص مبجاش ليه في جلبك مكان.
_ ربنا يسامحك يا براء ومش قادرة أقول أكتر من أكده عشان الحب اللي في جلبى ناحيتك لساه وزيادة كمان بس للأسف أنت متستهلهوش.
ثم رأت إضاءة هاتفها تضيء وتطفئ مرة أخرى، فعلمت أن هناك رسالة مرسلة إليها، فالتقطته وفتحته لتجد رسالة من براء.
(زاد خلى بالك من نفسك عاد ومن معاذ، وعتوحشونى، ويمكن لما تعاود من شغلى مرة تانية تكون حياتنا أفضل كتير من دلوك، دعواتك حبيبتى، سلام).
فأغمضت زاد عينيها متألمة ثم أردفت: هو ده وداعك يا براء، كلمات من غير أي معنى.
وادعيلك، منا ديما بدعيلك من غير حاجة، مش عارفة أقول إيه!!
أنا حاسة إني انتهيت.
ثم دخلت في نوبة بكاء، فبكى على إثره معاذ، فقامت على الفور تحمله وتضمن بحنو إلى صدرها وتشتكي له: شوفت أبوك يا معاذ، هملنا وسافر من غير ما يقول ولا يودعنا.
_ اه يا جسوة جلبك يا براء.
_ إظاهر أكده، إننا مش هيكون لينا غير بعض يا حبيبي.
لتخرج تنهيدة بغصة مريرة ثم استطردت بدعاء: يارب صبرني واجبر كسر جلبى، عشان أنا لو هونت على الكل مش ههون عليك يا حبيبي يا أرحم الراحمين.
الشيخ الشعراوي قال: إذا رأيتم الكرب يشتد، فاعلموا أن فرج الله قريب. " هانت فاستبشِر خَيرًا "
وصل عوض أمام مركز الشرطة فوجد أغلب العاملين متجمعين حوله ومن بينهم سلسبيل وجاد.
وعندما رأوا عوض وقفوا جميعاً والتفوا حوله، ووجد عوض جاد يبكي، فاحتضنه بحب وقال: بس متبكيش يا ولدي.
جاد: كيف مبكيش وأخوي وخدينه مني، ومبجاش ليه حد وبجيت يتيم من كله.
فعاتبته سلسبيل بقولها: كيف ده وأنا مش ملية عينيك ولا إيه عاد، مش أنا كيف اختك بردك يا جاد؟
طالعها جاد بإمتنان قائلاً: تشكري يا سلسبيل وأنتِ أكتر من اختي والله وأحن من جاسر أخوي اللي من لحمي ودمي ورمانى.
بس أنا محدش يعوضني عن جابر أخوي واصل.
فحدثت سلسبيل نفسها: إيه والله عندك حق، أنا من ساعة ما خدوها وأنا حاسة الدنيا زي ما تكون ضلمت ومبقاش ليه نفس لحاجة وحاسة إني مخنوقة جوي كأنه كان الشمس اللي عتنور الدنيا وكأنه كان الهوا اللي عتنفسه.
اااه من حبك يا جابر، اللي مش مخليني يغمضلي جفن وانت بعيد أكده وجلبي اللي انكسر وانا خابرة إنك في ضيقة أكده ومفيش في يدي حاجة أعملها.
_ ياريت كان بيدى يا حبيب الجلب والروح.
ثم استطردت: ربنا يفك ضيقته يا قادر يا كريم ويخرج بالسلامة.
ثم تحدث أحد العمال: وبعدين يا ريس عوض، هنفضل واقفين مش عارفين نعمل حاجة ولا نطلع الراجل من سجنه وإحنا خابرين كويس إنه مظلوم.
عوض: لا هانت خلاص يا جماعة، وعيطلع بكتيره بكرة أو يمكن النهاردة كمان.
فتعلقت العيون به في دهشة متسائلين: كيف ده؟
عوض: عشان خابر اللي اعمل أكده كويس ودلوك هدخل أبلغ عنه وهما عيجبوه من جفاه ويطلعوا چابر بيه.
فكبر الجميع: الله أكبر، ولله الحمد.
وصل صوت التكبير اللي داخل المركز فتحدث محمود: إيه صوت التكبير ده، هو النهاردة العيد وأنا مش عارف ولا إيه؟
ثم تنهد بحرارة قائلاً: ولا انتصرنا أخيرا والتحرر المسجد الأقصى، ياما نفسي أسمع الخبر ده.
_ وكفايا بقا قهرة ووجع قلب على اخواتنا في فلسطين.
يارب إنصرهم وحاوطهم براعيتك وأمنك.
ثم ولج إليه العسكري قائلاً: فيه واحد بره اسمه عوض يا باشا، عايز يشوف حضرتك ضروري وبيقول فيه معلومات مهمة جوي عايز يجولها لحضرتك.
ضيق محمود عينيه بغرابة ثم قال: دخله ده كمان نشوف عايز يقوله مهم كده.
_ على الله ميكونش زي اللي جه قبله وكان بيبلغ عن مراته اللي. سرقت التموين وعطيته لأهلها.
_ ولا اللي جاية تشتكي من جارتها عشان جارتها غسيلها بينقط عليها.
_ والله ده أنا اللي جبلولى نقطة.
فضحك العسكري وخرج ليأتي بعوض.
ولج عوض على خجل، فطالعه محمود بتأني مردفًا: إتفضل أقعد قول اللي عندك بس ياريت تنجز.
فحاول عوض اخراج كلماته بصعوبة من الخوف قائلاً: يا باشا مش چابر بيه اللي عيخبى البودرة في المخازن.
_ هو بريء يا بيه.
محمود: الكل بيقول كده بس أنا عايز دليل يا عوض.
عوض: حضرتك بتجيب الدليل من كاميرات المراقبة اللي في المصنع، وهتعرف ساعتها أن جاسر الچبان ده أخو جابر بيه هو اللي كان عيحطها من غير ما جابر بيه يعرف عنه حاجة.
فوقف محمود قائلاً بصدمة: جاسر أخوه معقول!!
عوض: أيوه يا باشا، هو من يومه شيطان ومهما عمل فيه جابر، مبيطمرش، واهو عض الإيد اللي كانت بتتقدمله.
الله يخزيه مطرح ما كان.
أومأ محمود برأسه قائلاً: طيب اتفضل أنت دلوقتي، وأنا هبعت خبير للمكان ويفرغ الكاميرات ونشوف.
_ عشان كل واحد ياخد جزائه.
ومش عارف إزاي الدم بيتحول لمية كده، وإزاي هان عليه اخوه يعمل فيه كده.
_ اه ياني من غدر البشر، ده الحيوانات بتكون أرحم من الإنسان والله.
وصل زرارة عند حمدى في مخبأه.
طالعه حمدى بترقب قائلاً: ها يا واد عمي سبع ولا ضبع؟
زرارة: سبع طبعاً، وأنت من إمتى عتجولي على حاجة ومأنفذهاش.
_ وهو النهاردة عاد أو بكرة بالكتير وعتلاجى جاسر مسحوب كيف البهيمة.
_ ومبروك عليك حسنية بجا يا سيد الناس.
لمعت عين حمدى من الفرحة عند تخيل حسنية معه ثم أردف قائلاً: عفارم عليك يا زرارة.
زرارة: تسلم يا كبير.
_ بس دلوك البت لازم ترفع قضية طلاق وعتاخد وقت، وبعد الطلاق عدة تلت شهور وشغلانة.
_ عتقدر تصبر على إكده يا سيد الناس!
إتسعت عين حمدى على اخرهما مردفًا: ليه ده كله؟
_ لا أنا معنديش صبر.
زرارة: أمال عتعمل إيه وأنت بتجول عايز تجوزها؟
حمدى بعد تفكير: ممكن نضرب ورقة عرفى أكده، عشان نكون في السليم عقبال ما تطلق وتخلص العدة بتاعتها على راحتها.
فضحك زرارة مردفًا بسخرية: وده على ملة مين يا سيد الناس؟
فضحك حمدى قائلاً: على ملتي أنا يا ولا، ولا أنا مش عجبك.
زرارة: لا طبعاً عجبني وبحب فيك جوي، إنك بتموت في الحلال، كيفي بالظبط.
فضحك الشياطين مع بعضهما البعض بعد أن حللوا لأنفسهم الحرام بحلال مزيف ليرضوا أهوائهم الدنية.
ثم غمز زرارة حمدى قائلاً: طيب يا سيد الناس، والمأمورية التانية بتاعة الست قمر، هنعملها ميتى، عشان الجلب جايد نار ومفيش حاجة تطفيه غيرها.
فضحك حمدى، ثم ضيق عينيه بمكر، وأردف قائلاً بخبث: لو عايز الليلة معنديش مانع.
فاتسعت عين زرارة ورفع حاجبيه مردفًا: كيف ده؟
_ والحكومة معششة في كل مكان هناك، ده غير جوزها من ساعة ما عرف إنك هربت وهو ملازمها.
_ الواد بسطويسي اللي هيشتغل معاه أمين شرطة يبجا واد عمى لزم وهو اللي جالي ومتأكد منه.
_ وعشان أكده حاسس إن الموضوع ده صعب جوي، وأي حركة أكده ولا أكده، ممكن نتقفش كلنا ونروح ببلاش.
فاتكىء حمدى على إحدى يديه ثم ثنى ركبته على المقعد وطالعه بخبث مردفًا: بسيطة جوي جوي يا ولا.
_ ده أنا حمدى اللي عيلعب مع الحكومة ويخليهم يوجفوا على رجل واحدة.
زرارة بتعجب ظاهر على قسمات وجهه: كيف ده؟
أتعرفون ماهو الغريب في مشاعرنا..إننا..
نبتعد ونحن في أمس الحاجة للقرب.
إننا.. نتماسك ونحن في أمس الحاجة للانهيار.
اننا .. نصمت ونحن في أمس الحاجة للعتاب.
إننا...نبتسم
لم يتوقف براء طيلة سفره عن التفكير في زاد.
واخذ يحدث نفسه: اه لو تعرفي قد إيه بحبك يا زاد، أكيد عتسامحيني لو زعلتك لانه أكيد بيكون غصب عني.
_ وأسلوبك صعب معايا ومش مخليني عارف أعبر لكِ عن مشاعر وبقفل بسرعة.
_ لكن حقيقي أنا بحبك، ومش شايف وحدة غيرك في قلبي حتى لو ملكة جمال الكون وحتى لو بصيت لوحدة نظرة إعجاب لكن الحب هو زاد.
_ ياريت تعرفي ده وتقديره يا زاد.
_ وأنا صح هربت من المواجهة معاكِ عشان خوفت بدل ما نحل الموضوع بتعقد اكتر، لكن أنا بحبك يا زاد وعتوحشيني بجد.........
على جانب آخر تحدث فريد مع مرام.
فريد: عندي ليكي خبر بمليون جنيه.
إنفرجت أسارير مرام مردفة: براء وصل القاهرة!!
فريد بمكر: هو أنتِ معندكيش أي كلام غير عنه!!
إظاهر إنه لسه معشش في قلبك يا مرام، ومش قادرة تنسيه.
أمال أنا إيه في حياتك؟
مرام بحرج: معلش هو عشان مش قادرة أركز في أي حاجة غير لما أشوفه مكسور قدامي وقلبي يرتاح.
فريد: ماشي يا ستي، هعمل نفسي مصدق كلامك.
وخلينا نشوف بعدها البال هيرتاح وتفوقي لينا يا جميل ولا إيه.
مرام بمكر: ده أكيد بس قولى وفرحنى، كده خلاص وهيحصل اللي قولتلي عليه؟
فريد بتأكيد: اه.
_ ولو عايزة النهاردة عيوني، بس حساب الحب هيتقل عشان أنا خلاص أدمنتك يا حب.
زفرت مرام بضيق وحدثت نفسها: أنا قرفت من الحياة دي بجد، رغم أن عندي كل متع الدنيا بس عمري ما حسيت بالسعادة.
إلا لحظات قليلة لما كنت مع براء، حبه كان مخليني أحس اني ملكة العالم ده كله.
_ قد إيه الحب جميل، بس للأسف رغم جمالي ملقتش اللي يحبني عشان أنا مرام لكن كلهم بيحبوني كجسم بس، وآخر الليل كل واحد فيهم يروح لمراته وعياله.
وأنا أبكي لوحدي، مليش حد.
_ ولو بعد كده كبرت في السن والجمال راح، محدش هيعبرني وهموت من غير ما حد يحس بيه.
_ كان نفسي أكون زوجة وليه بيت صغير وأولاد بيتنططوا حواليا، دي نعمة كبيرة اوى محدش يحس بيها غير اللي اتحرم منها.
لتفر الدموع من عينيها حسرة على حالها ولم يخرجها من شرودها هذا غير صوت فريد المليء بالرغبة: ها قولتي إيه يا قمر؟
_ لو وفقتي هاجي دلوقتي، وهظبطلك سيادة المقدم النهاردة.
ونغير كمان الخطة بحاجة أسهل، لإنه أكيد هينزل بعربيته على البيت على طول عشان يستريح من مشوار السفر.
ليضحك فريد ضحكة شيطانية قائلاً: بس أنا هخليه يريح في البورش جمب الجماعة اللي بيقبض عليهم، عشان يحس نفس إحساسهم.
فضحكت مرام رغم ما بها من ألم قائلة: ياريت يا فريد.
_ وتعال طبعاً ده خلاص بيتك وأنا كمان بكون مبسوطة وأنا معاك.
فريد بلهفة وشوق: يا عيني على الكلام الحلو، أنا جاي حالا ويمكن أجيبلك الخبر الأكيد معايا.
وهسيبك دلوقتي أتصل بنيلى.
مرام بحيرة: مين نيلى؟
فريد: هقولك لما أجي يا قمر أنتِ.
ليغلق معها الخط ويتصل بـ نيلى، وهي شابة في العشرينات، ولكنها فتاة ليل تعرف عليها فريد منذ فترة في إحدى الشقق.
ومنذ تلك اللحظة وتوطدت صداقتهم أكثر من هي ليلة ومضت، فكان يستغلها في كثير من الأحيان من أجل المال.
فاتصل بها قائلاً: القمر اللي وحشني.
فضحكت نيلى بمياعة مردفة: أدخل في الموضوع على طول يا فيري، أنا خلاص حفظت الدخلة بتاعتك لما تكون عايز مصلحة.
فريد: أحبك وأنت فهمني يا قمر.
حضري نفسك بقه عشان هتتسجني؟
فشهقت نيلى: إيه؟؟
يا ترى هتعمل إيه نيلى؟
يارب أمسح على صدري برحمتك ولاتدع لي حزنآ يقلق مضجعي ولا بكاء يرهق روحي وحقق لي ما أتمنى وأبعد عني شر الحاسدين وأنت خير الحافظين اللهم إني أسألك توفيقآ في طريقي وراحة في نفسي وتيسيرآ لأمري.