تحميل رواية اولاد الجبالي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رأى عصام قوات الشرطة تحيط به فأدرك إن براء كان يخدعهم لذا صاح بصوت عالٍ: كنت قلبي حاسس إنك هتعملها يا براء. بس يكون في علمك أنا لو مخرجتش من هنا سليم أنا وبنتي والشحنة. هف.جر الحزام الناسف اللي حوالين وسط مراتك يا سيادة النقيب؟ فاتسعت عين براء من الصدمة وأرتخى فكه السفلي ونظر إلى زاد وتمنى أن تقول إن هذا كذب ولا ترتدي شيئًا. ولكن للأسف أكدت له بدموع عينيها التي انهمرت وكلماتها التي وقعت كالخنجر في قلبه: هموت يا براء أنا وابنك. بس عايزة قبل ما أموت أقولك سامحني إني شكيت فيك واتهمتك ظلم إنك خاين ب...
رواية اولاد الجبالي الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم شيماء سعيد
تفاجأ باسم بسؤال عزة اللي أوقعه في الحرج الشديد وبدأت حبات العرق تتساقط من جبينه وبدى على وجهه الحرقة وحاول إخراج صوته بصعوبة وعندما تأخر في الإجابة عليها، عادت تسأله مجددًا.
عزة بتمنّى:
_ مردتش عليه ليه يا دكتور.
هو سؤالي صعب أكده جوا ده!!
_ وهعيده عليك تاني، يمكن مسمعتنيش ولا حاجة.
_ بقولك فيه أمل تحبني يا باسم ولا العمر هيعدي أكده، ولا أنا طايلة حبك ولا حتى هتيجي تبقى جاري وأحس بنفسك معايا غير كل فين وفين كإني هسيح منك حقي عليك.
ثم بكت مرة أخرى:
_ أنا تعبت فعلاً من الحال ده.
_ تعبت إني أشوف جوزي حلالي عيدلع مرته قدامي، وأنا ميعبرنيش حتى بنظرة ولا كلمة تطفي النار اللي جايدة في جلبي.
أشعلت كلماتها تلك النار في جوف باسم وأحس أنه هكذا سيحاسب حساب عسير أمام الله لأنه غير عادل.
ولكن مهلاً، أليست هي من رضيت بذلك من البداية ووافقت أنه ستكون زوجته على الورق فقط حتى دون لقاء خاص، لتكون بجانبه.
فلما تتذمر الآن وتطلب المزيد رغم علمها أنه ليس في قلبه سوى ملك.
لذا صارحها بقوله:
_ عزة أنتِ كلامك ده عيعذبني يا بنت الناس، ويحسسني إني ظالم.
_ مع إني يا بنت الناس مغصبتكيش على أكده، وأنتِ اللي اخترتِ الحياة دي وكنتِ خابرة أنها هتكون واعرة عليكِ وصعبة، وساعتها قولتلك عشان مظلمكيش أطلّقك وتشوفي حياتك أحسن من إنسان يحبك وتحبيه.
_ بس أنتِ قولتِلي مش عايزة غير أكون جنبك وبس، صح الكلام ده ولا أنا غلطان؟
_ فكيف دلوقتي تعاتبيني على حاجة كنتِ راضية بيها.
فانفعلت عزة مرددة:
_ إيوه كنت راضية، بس كان عندي أمل مع الوقت تحنّلي وتحبني وتعدل بيني وبين ملك.
_ وكانت الأرض مش سيعاني لما جيت وقربت مني وقولت بس أكيد هيكون ليه في جلبي نصيب وساعتها دوقت الفرحة اللي كانت غايبة عني سنين.
_ لكن للأسف بعد ما طلعت سابع سما في التمنّي والحلم بإنك تكون ليه، وجعت على جلبي اللي انكسر في سابع أرض.
_ وأنا شايفاك قصادي حنّيتك وحبك وقربك من ملك وبس، وأنا اللي هنام كل ليلة دموعي على خدي وأنا عتحسّس مكانك جنبي اللي فاضي ونار الشوق عتكلّمني.
توتر باسم من كلماتها ولم يدرِ بما يجيبها، لأنه يعلم أنها تقول حقيقة مرة لا يستطيع هو تقبلها لذا عرض عليها مرة أخرى الانفصال قائلاً بحرج:
_ يا بت الناس وأنا ميخصنيش تعبك وأظلمك أكده.
ابتسمت عزة وظنت إنه سيميل إليها ويعدل بينها وبين ملك.
ولكنها انصدمت عندما تابع بقوله:
_ عشان أكده بعرض عليكِ تاني تشوفي حالك بعيد عني.
شعرت عزة بنار في جوفها وحاولت التحدث بمرارة مردفة:
_ يااه على جلبك القاسي ده، ومفيش عندك غير إننا نبعد مع إنك خابر إني عحبك.
ثم حدثت نفسها:
_ ده شكله مش عايز غير بالقوة ومش نافع معه حديث ولا كلام.
لتبدأ في استغلال سلاح الأنوثة، فنزعت عنها الروب اللي كانت ترتديه فوق قميصها الأحمر القصير.
واقتربت منه بدلال وعينيها تلمع بالرغبة مردفة بعتاب مقنع:
_ قولتلك مقدرش على بعدك وجلبي متعلق بيك وعيطمناك وده حقي وحقك يا باسم.
فتعرّق باسم وشعر أنه فقد السيطرة على نفسه، فهو رجل مهما كان وهي حلاله وليس للقلب هنا دخل بل حكمه سلطان آخر، فوقع عليها، ولكنه كعادته بعد ذلك يشعر بالندم لخيانته حب ملك، فقام سريعًا ليأخذ حمامه ثم ارتدى ملابسه وخرج على الفور سريعًا دون أن يرتدي نعله، وخطى حافيًا دون أن يشعر.
وحدث نفسه:
_ سامحيني يا ملك، مش خابر عملتها كيف معها، وضعفت قدامها، بس قولت ده شرع ربنا.
_ بس رغم أكده بحس بنار في جلبي بعدها، وكإني خنّتك.
_ آه يا جلبي، اللي مبجاش شايف ولا عايز غيرك يا قلب باسم.
لتضحك عزة بعد خروجه على تلك الحالة حافيًا، ثم ضيّقت عينيها مردفة بنبرة ماكرة:
_ معلش النهاردة تهرب، بكرة تعشّش جنبي.
_ إيوه كفاية أكده تفريط في حقي، لزمن أخده منك بالعافية وعشان تعرف ست ملك إني مرته وليه فيه زيها بالظبط.
_ ومش بس حقي اللي هاخده، أنا هاخد أكتر، بحق عذاب الليالي اللي كنت فيها لحالي وكنت عبهكي بدل الدموع، دم.
******
ولج باسم إلى غرفته حيث ملك، فقامت لتستقبله بابتسامتها العذبة ولكنها تفاجئت به يتجاهلها وخطى نحو الشرفة.
شعرت ملك بغصة في قلبها لتجاهله لها، وطالعته بإندهاش وهو يقف شاردًا في الشرفة.
ثم تنبهت أن ملابسه غير مرتبة كما خرج من عندها، حيث يظهر جزء من قميصه خارج بنطاله وجزء بداخله.
ومررت بنظرها إلى قدميه لتتفاجأ إنه حافي القدمين.
فأوجعها قلبها حتى أنها وضعت يدها عليه متألمة وحدثت نفسها:
_ هو كان عندها، ويعني حصل ولغبطت كيانه للدرجة دي، إنه مش عارف يظبّط قميصه، وكمان خرج حافي.
لتسمع طرقًا على الباب فتردد:
_ مين؟
لتجيب عزة:
_ عزة يا ملك، ممكن دقيقة بس عاد.
فتنّهدت ملك بحرارة وحاولت السيطرة على غيرتها بقدر الإمكان ثم توجهت لفتح الباب بعد أن رسمت ابتسامة شاحبة على وجهها مرددة:
_ أهلاً يا عزة، اتفضلي.
عزة بمكر:
_ تعيشي يا ملك، بس أنا جيت بالمركوب بتاع باسم.
ثم اصطنعت ابتسامة خجل مرددة:
_ أصل نسيه عندي، مهو أكده لما يكون عندي بينسى الدنيا كلها.
_ وقلّيله عزة عتستناك على نار المرة الجاية.
فتجمدت ملك وبهت لون وجهها ووقفت الكلمات في حلقها، فأدركت عزة أنها قد وصلت إلى مرادها فاستأذنت:
_ طيب عسيبك بجا يا حبيبتي، عشان أروح أخد شاور أكده، وأمدّد على ضهري عشان تعبت جوا.
_ دعواتك أجي بالسلامة.
لتخرج عزة، لتنهار ملك من البكاء، حتى أنها دفعت الباب بقوة، سمعتها عزة فضحكت مردفة:
_ أنتِ لسه شوفتِ حاجة عاد.
_ خلاص بجا الطيبة ماتت، وعتشوفوا عزة تاني خالص.
_ ومحدش يلوم غير نفسه.
أما باسم ففزع لصوت الباب، اللي أخرجه من شروده.
والتفت ليرى ملك منهارة من البكاء، ففزع وأسرع إليها قائلاً وهو يضع يديه على كتفها:
_ ملك مالك يا حبيبتي، حصل إيه؟
فنزعت ملك يده مردفة بقهر:
_ بعد يدك عني.
_ مش طايقة تلمسني عاد.
ثم قذفت حذائه على الأرض بانفعال قائلة:
_ وياريت بعد أكده، تخلّي بالك من منظرك وأنت طالع من عندها ومتنساش مركوبك تاني.
_ فرض حد شافك من اللي هيخدموا إهنه، عيجولوا إيه يا جوز التنين أنت، عقلك طار؟
اتسعت عين باسم وشعر كأن أحدهم سكب عليه دلو من الماء البارد، فانفرجت شفتيه ببلاهة مردفًا:
_ ملك أناااااا.
ملك بقهر:
_ ملوش لزوم تبرّر ولا تقول حاجة.
_ أنا خابرة أنها حلالك يا باسم ومحدش يلومك يا ابن الجبالي.
_ بس بجا خد بالك من حالك، عشان متجيش تكيد فيه لما جابت مركوبك وتقول أصلاً عندي بينسى الدنيا كلها.
فقبض باسم على يده بقوة غاضبًا مرددًا:
_ هي قالت أكده.
_ ماشي يا عزة: يمين تلاتة يا ملك، عزة محرّمة عليه من النهاردة زي أمي وأختي.
_ وأنا أصلاً مش راضيها من الأول وأنتِ اللي غصبتِ عليه.
_ فلو زعلانة دلوقتي من اللي حصل، متلوميش غير نفسك.
_ وأنا لولا البت اللي في بطنها عاد، كنت طلّقتها ورميتها.
فصرخت ملك:
_ لااااا حرام عليك يا باسم، متقولش أكده.
_ وحرام برضو تحرّمها أكده.
_ ولازم تكفّر عن يمينك ده اللي أخد حكم الإظهار من قوله تعالى قال: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [سورة المجادلة:3]، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [سورة المجادلة:4].
باسم:
_ يعني إيه الكلام ده؟
ملك:
_ يعني قبل ما تقرّب منها تاني، يا تعتِق عبد ودلوقتي مفيش الكلام ده فتصوم شهرين ولو مش قادر، تطعِم ستين مسكين.
فانفعل باسم:
_ أعتقّني أنا لوجه الله، وأنا مش عايز أقرّب منها تاني، دي كانت لحظة ضعف وعدّت ومش زي ما هي بتقول نسيت نفسي معاها، بالعكس أنا مكنتش طايق نفسي بعدها وحاسّس بالذنب وجريت من عندها من غير ما أحس إني مش لابس المركوب.
ليقترب منها باسم محاولاً تهدئتها وتهدئة نفسه فردّد:
_ ملك صدّقيني أنا في اللي قولته وإني عجبك أنتِ ومش شايف غيرك وهي مجرّد لحظة وقتية وعدّت ومش عايزها تاني.
ابتسمت ملك عندما رأت الصدق في عينيه ولكن ضميرها ينؤبها، لأنها لا تريد أن تتحمّل إثم أن يبتعد باسم عن عزة بسببها لذا قالت:
_ باسم لو بتحبني صح، كفّر عن يمينك واعدِل بيننا عشان ربنا يرضى عنّا.
_ وصدّقني أنا راضية لأنه شرع ربنا، بس غصباً عني أكيد عغيّر عليك وكنت أتمنّى أكون أنا بس اللي في حياتك، لكن القدر قال كلمته خلاص ولازم نرضى بالمكتوب.
فتنّهد باسم بعدم ارتياح ولاذ بالصمت وحدث نفسه:
_ لمّا هفضل في الهم ده؟
***
أشعلت حسنية قلب جاسر متعمّدة بعد أن رفض أن يعود لمزاولة التجارة المحرّمة.
لذا قرّرت استخدام سلاحها الإنثوي اللي لن يستطيع أن يقاومه جاسر.
فتعمدت أن ترتدي كل ليلة أمامه ما يثير غريزته من ملابس تفضح أكثر ما تستر، وتسير أمامه بخطوات متغنجة.
فتلوّن وجه جاسر بالحمرة من الحرارة اللي أشعلت في جسده لرؤيتها هكذا أمامه ولا يستطيع أن يقترب منها بسبب ما تريده أن يفعله.
جاسر بغيظ:
_ يخربيتك يا بت، جنّنتيني بحلاوتك وعايز أكلك أكل.
_ الرحمة يارب مش قادر أستحمل سامحني غصب عني.
لاحظت حسنية عين جاسر اللي تلاحقها أينما ذهب فابتسمت محدّثة نفسها:
_ إظاهر العاقل فاضله تكّة ويقع.
فولجت للمطبخ وأعدّت وجبة عشاء سريعة ثم توجهت به نحوه وتعمدت التقرّب منه وهي تنحني بجسدها لتضع الطعام أمامه.
وفي تلك اللحظة فاقت قدرة جاسر على التحمّل، فقام وحاوَطَها بذراعيه وأغمرها بقبلاته.
فحاولت التملّص من يديه مردّدة بدلال:
_ أوعاك تقرّب مني، ابعد عني يا جاسر.
_ أبعد يا أبو قلب جاسي.
_ أبعد عشان أنت خابر إني عحبك جوا، ومع ذلك بعدت عني وأنا محتاجاك يا سيد الرجالة.
_ هملّني يلا عشان أنا مخصماك، رغم إني روحي فيك وعيطمناك وعتمّنت أكون سيد الكفّر ده كله.
_ بس يلا أبعد عني وخلّيك في حالك وأنا في حالي.
جاسر بلهفة وإشتياق:
_ أبعد إيه يا بت، ده أنا خلاص سلّمت الراية ومعدتش متحمّل.
_ أنا بحبك يا بت جوا جوا.
حسنية بدلال:
_ لا لو عتحبني، كنت سمعت وعملت بنصيحتي.
جاسر:
_ بس بس مش وقت كلام ده.
_ تعالي بس جوّة، وبعدها هعمل كل اللي إتقلتِلي عليه.
حسنية:
_ يا سلام، ما أنت ممكن تضحك عليه ومتنفّذش.
جاسر:
_ لا هعنفذ وتشوفي، بس خلّيني أغرق في العسل الأبيض ده.
فضحكت حسنية ضحكة ماكرة، ليعود جاسر من تلك الليلة إلى سابق عهده اللي تاب منه، ولكن للأسف غوَتْه امرأة شيطانية فانصاع لها واتبع هواه ولم يأخذ العبرة ممن سبقه.
ولم يكتفِ جاسر بالعودة لماضيه الأسود فقط، بل استغل براءة أخيه جاسر وثقته به، وقام بتخزين المواد المخدّرة في أحد مخازن المصنع دون أن يدري.
****
اتصل براء بـ جاسر فاستجاب جاسر بقوله مرحبًا:
_ أهلاً بسيادة المقدّم، كيفك؟
فحدّثت براء معاتبة:
_ أنت بعدت جوا عنّا جوا كده، لدرجة أنك نسيت أننا إخوات، ومفيش ألقاب بينا.
جاسر بحرج:
_ أكيد إخوات طبعًا.
براء:
_ طيب لو فاضي دلوقتي أجي أتكلّم معاك كلمتين أكده على الماشي.
جاسر:
_ بس أكده،
انت تنور ولو حتى مش فاضي أفضّلك.
انا موجود في المصنع في انتظارك.
براء: تمام مسافة السكة أكون عنديك.
ليغلق الخط ثم التفت فوجد زاد خلفه تطالعه بغضب مردفة:
انت خارج دلوقتي وتسيبني لحالي؟
براء: اه معلش مشوار صغير ع كده وراجع على طول.
زاد: ووافرض تعبت وانت عارف اني ممكن أولد في ايه وقت أعمل ايه.
ابتسم براء:
لو حسيتي بحاجة كلّميني على طول هجيلك بسرعة البرق.
زاد بحنق:
وانا هيكون فيه نفس أكلم عاد.
_ انا عارفة حظي كويس، روح يا براء ولا يهمك، وانا من امتى بهمّك إياك.
_ انا اخر وحدة تفكر فيها اصلا، ومش من ضمن حساباتك.
والكل عندك أهم مني.
أوجعته تلك الكلمة براء فطالعها بعتاب ثم اقترب منها فضمها بحب مردفا:
كيف متهمّنيش وانا اصلا محدش يهمني قدّك يا عمري أنتِ.
ابتسمت زاد وتنهدت بارتياح، فهو في الآونة الأخيرة يثبت لها حبه كل لحظة ولكنها تعاندّه لتستمع بتأكيده لها لحبّه وكأنها تعوّض تلك الليالي التي باتت بها باكية وهي تظن أنه لا يحبها.
ابتعدت عنه زاد برفق وابتسمت مردفة:
خلاص روح، وكيّلك ربنا.
ولو ابنك صمّم يجي هكلّمه وأجولّه: استنى يا ولد أبوك، عيب ع كده.
فضحك براء قائلا:
ايوه ع كده، عايزة يسمع الكلام من أولها، ده ابن براء الجبّالي مش زي حد.
فحرّكت زاد شفتيها باستنكار قائلة:
انت عايز تجيله، استر يا رب.
ليقبّلها براء بحب بين عينيها ثم خرج متجها نحو المصنع.
حيث استقبله جابر بترحيب شديد وعناقه بحب.
ثم تحدّث كل منهما عن عمله في بادئ الأمر، ليبدأ بعد ذلك براء في التحدّث عن ما حدث بينه وبين بانة.
و تعجّب براء من لمعة عين جابر وهو يحدّثه عنها فحدّث نفسه:
يجتطّع الحب وسنينه، يعني البت بانة مُرَمَطَاه وهو عايزها ويموت فيها بس مكابر.
براء:
ايه يا جابر، مش كفاية البعد كل ده عن بيتك ومرتك وابنك الصغير غيث، ولا انت خلاص مصدّق تعيش عيش العزوبيّة والحريّة من جديد بدل خنقة الستات وزن العيال.
هو صراحة عندك حق مفيش أحسن من العزوبيّة.
_ بس ده أمر الله وسنّته في الكون يا جابر ومسؤوليّة لازم نؤدّيها لغاية آخر يوم في عمرنا.
تنهد جابر بلوعة وقال:
ساعات البعد بيكون أسلم وأولى في حق حياة زوجيّة اتكتبت عليها الفشل لأن الزوجين مش متكافئين.
_ ولو استمر الجواز بينهم ع كده، هيتظلّم بينهم العيال بسبب المشاكل اللي ديما تحصل بينهم.
وعشان ع كده انا صعب أرجع للأسف يا براء يا أخويّ مش لإني كرهت بانة بالعكس أنا لسه عايزها واكتر كمان، لكن لو رجعت وفضل الحال زي ما هو ساعتها متزعلش منّي انا ممكن أكرهها وانا مش عايز ده، انا عايز تفضل صورة بانة في عيني كيف ما شوفتها أول مرّة.
استمع له براء بإعجاب في كل كلمة ينطقها وحدّث نفسه:
هو ده اللي عاتّعيريه يا بانة أنّه مش متعلم عليه النعمة دي عايفَهْم أكتر منكِ يا أم عقل زنخ أنتِ.
_ ده اللي يشوف كلامك ويسمعك يقول ما دخلتيش حتى حضانة.
_ الله يسامحك ضيّعتي راجل مفيش زيه، أجولّه ايه انا دلوقتي.
بس هحاول عشان حتى خاطر أمّي والواد الصغير.
براء:
ولو جولتلك أن خلاص بانة اتغيّرت وحست بغلطها وعرفت قدرك كويس وعمرها ما لسانها هيتحرّى منّيها تاني ع كده وتهلْفَطْ بالكلام، تجول ايه؟
جابر:
للأسف هي كل مرّة تندم وفي لحظة غضب كيف ما بيقولوا ترجع ريمي لعادتها القديمة.
براء:
معلش عشان خاطري انا، يمكن ربنا يهدّيها ومتعملش ع كده تاني.
جابر متردّدًا:
لا مظنّش.
براء:
والله بانة عايزاك يا جابر، متبقاش قاسي ع كده، انت لو شوفتها هتعصّب عليك والله.
الفراق أثّر فيها ومنعت الوكيل ووشها بقى جد اللقمة.
ومتهيّألي لو بعدت عنها أكتر من ع كده ممكن تروح فيها.
فمعلش سماح المرّة دي، وامسحها فيّا انا.
فوقف جابر ولمعت الدموع في عينيه مردفًا:
لا متجولش ع كده، بعد الشر.
دي لو حصلها حاجة أنا أروح فيها.
ثم حدّث نفسه:
اه يا مُنْيَ الجلب والروح، لو تعرفي جد ايه عايزك.
كنتِ خجلتِ من نفسك، من اللي عاتعمليه في جلب عايزك كل الحب ده.
_ وحشْتيني جوّا يا بانة بس أعمل ايه في عزّة نفسّي اللي دَوَسْتِي عليها.
_ مبجيش خلاص متحمّل منك كلام تاني يقلّ منّي.
وكنت فاكر إنّ حبّي ليكي هيشفَعْ عليّ عندكِ، بس للأسف طلع إنّ الحبّ وحده في الجواز معيْنْفِش لازم يكون فيه احترام وتفاهم كمان.
ثم خرج جابر من شروده على صوت ضحك براء الذي استطرد بقوله:
شوف الراجل هيعمل كيف ما المثل بيقول عيني فيه وأجول أخيه.
يلا يا بني معايا بدل خايف عليها ع كده.
تنهد جابر بإنكسار:
صدّقني مش قادر.
ثم رن هاتف براء من قبل والدته، فاستجاب لها سريعًا دون أن يستمع لها بقوله:
ايوه يا ست الكل متجلْجِيش مش همشّي غير لما أجيبها معايا.
زهيرة بقلق:
مش بتكلم على بانة يا ولدي.
إلحق مرتك شكلها عاتولد ومش راضيّة تنزل المستشفى غير لما تيجي، تجولش أنت اللي عاتولدها عاد!!
فانفعل براء:
مجنونة إياك، خدّوها بس على المستشفى وانا جاي حالا.
زهيرة:
مش راضيّة ابدًا، وتجول لا يمكن الولد يجي من غيره أبوه، عشان عايزاه يطلع مؤدّب ويسمع الكلام.
براء بضحك:
يخربّيت دماغك يا زاد.
انا جاي للمجنونة دي، ويا خوفي على الولد يطلع زيها.
وعلى رأي المثل: متخافش من المجنونة خاف من ولدها.
ثم استأذن براء من جابر للذهاب سريعًا للقصر.
فوقف جابر قائلاً:
انا جاي معاك، لازم أقف معاك في الظروف دي.
طالعه براء بامتنان:
تعيش يا جابر.
حدث حمدي أحدهم عبر الهاتف الذي سرقَه من أحد العساكر بخفّة لم يشعر بها.
_ ايه الأخبار سبع ولا ضبع؟
زرارة:
سبع يا سيد الرجالة والكل مستنيك يا كينج عشان تعيد أمجادنا من جديد، بعد ما الكل خاف وركَن من ساعتها والحالة بقت ضنك على الأخر ويدوبك اللي جاي من سرقة المواشي رايح على الحشيش.
_ أقول إيه بس مفيش بركة.
حمدي:
لا أخرج انا بس والبركة هتجي وتعمّ الكل وهنتقلب في الحرير بس نعدّي اليوم ده على خير.
_ وجولي خلص تمام الحفر، وظبّط الدنيا.
انا عايزها ولا سبع نجوم، أجوْدْ وأتنّك فيها براحتي.
عقّبال ما الدنيا تهدّى والحكومة تبطّل تدور عليها وبعدين أخرج بقى ونبدأ الشغل على أصوله.
ثم حدّث نفسه:
هانت يا ست الستات، والدلال هانت يا قمر.
_ عطّلْعْلَكْ عاد، وأفكّرْك بحمدي وأيّامه.
_ وأخلّيكِ تندَمِيْ عاد على اليوم اتولدتِ فيه، لما فكرتِ تغدَرِيْ بيه.
وهعرّفكْ عاد مين هو حمدي؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم شيماء سعيد
ختم الله على قلب حمدى ولم يعتبر بما حدث له ومن هو على شاكلته وأصر على متابعة ما كان يفعله ويضيف إليه أيضا ما هو أبشع الا وهو قتل نفس بريئة لمجرد الإنتقام.
حمدى:
خلاص عاد يعنى كيف ما جيت خلص حفر وعمل ليه أوضة تمام التمام.
_ عشان لو البوليس جاش فجأة أكون أنا تحت فى الأوضة اللى حفرها ليه تحت بيته، ومحدش يدرى بيه.
زرارة:
أيوه، متقلقش عاد.
حمدى:
لا مش قلقان، أنا بس بفكر فى مين اللى جابه من حديد، واللى جى بعربيته وسلاحه يوقف عربية الترحيلات اللى تكون فيها يوم الخميس الجى عشان نهرب.
زرارة:
بتفكر ليه بتفكر، منا أهو قدامك، ولا فكرنى لسه صغير عاد يا واد عمى.
حمدى:
لا طبعا أنت راجل وقدها وقدود، بس يعنى أنا خايف عليك تصيبك طلقة أكيد ولا أكيد، وأنا مستغناش عنك ومحتاجك جوة فى الفترة الجاية دى.
زرارة:
تعيش يا حمدى، ومتخافش عليه، محسوبك زى القطط بسبع أرواح.
حمدى:
تمام يا واد عمى، على البركة، حضّر حالك زين ومعاك حد من الرجالة وبالتمام الساعة تسعة الصبح على الطريق السريع بتعدي عربية الترحيلات.
_ وعلى قد ما تقدروا مش عايز دم كتير، عشان الحكومة متجيشاش عليه وأنت جلدك رهيف.
ومش عايز أعادى الحكومة، ده أنا باكل عيش وملح معاهم.
فضحك زرارة:
جوة جوة يا واد عمى.
لا إبن أصول صوح وعتصون العيش والملح.
فضحك حمدى وأكد:
أمااااال طبعا، عشان ولد حلال.
******
تعالت صرخت زاد من ألم المخاض وبكت من أجلها ملك التى حدثتها بخوف:
جولى يارب يا زاد وهو هيهونها عليكِ ويجعلها ساعة سهلة بإذن الله.
واستهدى بالله إكده ويلا بينا على المستشفى، عشان خطر عليكِ أكده أنتِ والعيل اللى فى بطنك.
فأشارت لها زهيرة:
جوللها يا بتى، عشان مش مصدقانى.
ومش راضية تسمع الكلام، وتريح نفسها.
زاد بصراخ:
لا لما يجيبى براء، عشان يشوف بنفسه كيف تعبانة ويحس بيه، مش يشوف إبنه على الجاهز أكده كإنه أكلة دليفرى، لازم يطبخ ويتعب.
عشان يقدر حالى بعدين ويراعيه وأشوف منه حنية أبو جلد جاسى ده.
فضحكت بانة مرددة:
يا عينى عليك يا اخوى، كتر خيرك والله.
فصرخت زاد:
جصدك ايه يا بانة؟
عتابت زهيرة بانة بعينيها ثم حدثت زاد:
مجصدهاش يا بتى، دى هتهزر معاكِ بس.
_ يلا يا بنى بينا على المستشفى، أنا كلمته وهو جاي على هناك.
عزة بخوف على نفسها:
جومى يا زاد، أنتِ خوفتينى أكده جوة.
فطالعتها زاد بحنق مردفة:
ليه عاد شايفانى عفريت!!
وأمرى لله هجوم عشان أريحكم كلاكتكم.
_ وماشى يا براء لما أشوفك عاد، هملص ودانك.
ثم قامت لتذهب معهم إلى المستشفى بعد أن بلغ بها التعب مبلغه.
ليدخلوها سريعا إلى غرفة الولادة، وأجتمع جميعهم أمام الغرفة ينتظرون خروجها هى والمولود بفارغ الصبر.
وبالفعل وصل براء إلى المستشفى بعد أن أبلغه باسم أن يلحق بهم.
ليقف أمام غرفة العمليات والخوف يغزو ملامحه، يفرك فى يديه متوترا، فذهب إليه باسم وربت على كتفه بحنو قائلا:
أذكر الله يا براء ومتخافش هتقوم بالسلامة وتفرح بولدك.
براء:
يارب يا خوى.
ثم اقترب منه جابر قائلا:
ربنا يجعله بشارة خير ويتربى فى عزك بإذن الله.
براء:
تعيش يا جابر.
عقبال ما افرح بغيث.
ليلتفت جابر ليجد بانة فى وجهه، تحمل طفلهم غيث، فتتقابل أعينهم فى نظرة عتاب طويلة، لتفترش بانة بعينيها الأرض خجلا منه.
فحدث نفسه جابر:
اه يا جلدى، لساك بتدق لجلد مش شايفك ولا بيقدرك.
_ اه لو تعرفى كيف بحبك يا بانة، مكنتيش عملتى أكده فيه.
_ وصدقينى البعد بياكل فيه اكتر منيكِ وزيادة، بس جلدى معدتش قادر على الوصال.
ثم بكى الصغير غيث على يد بانة، فدق قلب جابر له وقال:
هاتيه عنك يا أم غيث.
فرفعت عينيها بانة الملئية بالدموع قائلة بحزن:
هو أنا عنديك بقيت أم غيث وبس يا جابر.
_ قدرت تنسى بانة بالسرعة دى!
_ أنت لو كنت تحبنى صوح، مكنتش تقدر تبعد عنى ده كله.
_ بس حتى لو مكنتش لو مكنتش خلاص تحبنى، أرحم جلدى اللى بحبك ورايد وصالك ومش قادر على بعدك أكتر من أكده.
جابر بحزن:
يعز عليه دموعك الغالية دى يا بانة يا بت جلدى.
_ بس يا بت الناس، أنا خايف على ولدنا مش عايزه يطلع يشوفنا بنتشاكل ولا أقل من نظره وهو شايفك كل حين تقللى من قدرى وإنى مش راجل ومش جد أولاد الجبالى.
بانة بحرج:
يجطع لسانى لو خرجت منى تانى كلمة أكده ولا أكده.
_ لا يا جابر ده أنت مقامك عالى عندى جوة، بس كانت ذلة لسان ومش هتكرر تانى أوعدك ولو كررتها تانى يبقا عنديك حق ساعتها تهملنا.
بس إدينى فرصة مرة تانية.
أثرت تلك الكلمات على جابر وود أن لو يضمها إليه، لتعلم أنه أكثر إحتياج لها ولكن الحرج يمنعه.
ثم خرجت الممرضة من غرفة العمليات وبيدها معاذ الصغير، فقامت زهيرة بإطلاق زغرودة من فرحتها بالحفيد الأول لمنصور الجبالى.
فأشار لها براء:
إستنى ياما لما نطمن على أمه الأول.
الممرضة:
بخير الحمد لله وهتخرج كمان شوية، بس هو حضرتك براء.
براء متعجبا:
ايوه أنا، فيه حاجة.
فضحكت الممرضة، فطالعها براء بحنق مرددا بإنفعال:
ممكن حضرتك تفهمينى ايه اللى بيضحك؟
الممرضة بحرج:
آسفة يا فندم.
_ بس مدام زاد وهى فى البنج حكت الماضى بتاع حضرتك كله، تقريبا من أول وحدة إسمها شمس أو قمر حاجة أكده، وبعدين مرام تقريبا وقالت ويعالم مين تانى يا بتاع النسوان.
فوضع براء يده على وجهه مستغفرا بحرج.
لتتابع الممرضة قولها:
وبعدين وصت ابنها لما سمعت صوته بيعيط: أوعاك يا ولدى تطلع زى أبوك أبو جلد حشر.
فجحظت عين براء وكاد أن يشل لولا أن الممرضة أقتربت منه وغمزته مردفة بدلال:
هى شكلها بتغير عليك جوة، بس لو تحب تكمل مغامراتك، أنا فى الخدمة.
ثم ضحكت بصوت عالى وتركته وهى تهمس:
يخربيت جماله وليه حق يبص بره، أصل صراحة مرته دى مش لسانها متبرى منيها بس، دى كمان شكلها عادى أكده مش زيه جمر وطول بعرض.
فتشنجت تعابير وجه براء ووقف متجمدا فى مكانه، ويزفر بغضب ويتوعد زاد ولكن سرعان ما هدء عندما خرج الطبيب، فتجمعوا حوله يسئلونه عن زاد:
عاملة كيف دلوقتى زاد يا دكتور؟
الطبيب:
بخير، الحمد لله.
وهى فاقت دلوقتى وهتطلع.
_ بس هو فين براء؟
تلون وجه براء بالحمرة حرجا وهمس فى نفسه:
يا ترى جالت ايه بنت الورمة دى تانى عليه!
فأشار باسم إلى براء، فرمقه براء بنظرة حارقة لم يفهمها باسم وتعجب منها.
براء:
أكده يا باسم، ما أنت متعرفش اللى هلفطت بيه الست هانم زاد، ده أنا اتجرحت على أخر الزمن.
فطالعه الطبيب ضاحكا بقوله:
اهلا بحضرتك.
_ وعلى فكرة إبنك مسبش إيد الممرضة خالص وهى بتحميه بعد الولادة، ومدام زاد قالت: طالع شبه أبوه بيموت فى الصنف الحلو.
_ وبعدين لقيناها صرخت وبتقول: دخلوه تانى أنا مش عايزاه.
_ ليميل عليه الطبيب هامسا فى أذنه: صراحة كنت عايزة أدخله تانى بس من بوقها عشان تسكت شوية، عشان طاقم التمريض كله كان بيضحك ومش عارف يشوف شغله.
_ وكأن لوحا من الثلج انصب على براء من الحرج ليتوعدها فى سره: ماشى يا ست زاد، ان شاء الله الولادة الجاية هتكون على إيدى فى أوضتنا عشان الفضايح دى ومتخافيش هتفرج على يوتيوب قبلها ( أسرع طريقة لأخراج الجنين فى خمس دقايق).
طالعت زهيرة جابر بحب ثم أقتربت منه قائلة بحب:
وحشتنى كلمة يمّا منك يا ولدى وسؤالك عليا ودخلتك علينا.
_ فجول وريح جلدى انك هتعاود معانا الليلة تانى، عشان أزغرد بجلد تانى.
_ ومتخافش من بانة، هى أتعلمت الدرس كويس.
فابتسم جابر، وحمد الله أن عوضه بأم مثل زهيرة وأخ مثل باسم وبراء.
ثم قال:
اكيد يمّا هروح معاكم الليلة، عشان أتوحشت لمتكم، ربنا ما يفرقنا عن بعض تانى.
وهنا أطلقت زهيرة زغرودة مبهجة ثم تقدمت نحو بانة وهمست فى أذنها:
هيرجع يا ضنايا، أمسحى دمعتك خلاص.
_ وخلى بالك منيه بعد أكده، وحاولى بعد إكده تمسكى لسانك عاد وياريت تكونى إتعلمتى الدرس زين.
فلمعت عين بانة من الفرحة وعناقت والدتها بحرارة ثم نظرت إلى جابر بحب وأشارت إلى قلبها، فابتسم وذهب إليها وهمس فى أذنها:
مهنش عليه دموعك واصل يا جلد جابر.
بس نفسى كيف ما أنتِ مش بتهونى عليه، أنا كمان مهونش عليكِ تانى يا بانة.
فأخرجت بانة تمهيدية حارة مرددة:
ياااه وحشنى أسمع أسمى منك يا جابر، ووحشنى كل حاجة حلوة منيك.
_ وخلاص أنت دوبت بانة دوب، ومش محتاجة توصينى.
ثم خرجت زاد وبمجرد رؤيتها نسى براء كل ما فعلته وما توعدها إياه واسرع إليها ثم انحنى مقبلا جبينها مردفا بحب:
حمدالله على سلامتك يا زادى.
ابتسمت زاد بنعومة مرددة:
الله يسلمك يا جلد زاد.
جولى: الولد حلو شبهى أكده، وراجل يعتمد عليه.
فكتم براء ضحكاته مردفا بسخرية:
من جهة شبهك صوح راجل.
لتنفعل زاد قائلة:
جصدك ايه يعنى، ايوه ما أنت مش بيعجبك غير السحنة الحلوة اللى بتلزق.
_ بجولك ايه يا براء، طلّجني
وهملنى أنا وابنى وروح اتجوز عروسة المولد اللى تعجبك.
_ طلّجني.
فصك براء على أسنانه بغيظ:
حاضر بس مش دلوقتى عشان مصدع، لما أفوق الأول.
ثم تجمع حولها زهيرة وملك وباسم يهنئونها على معاذ الصغير.
ابتسمت زاد لملك مردفة:
الله يبارك فى عمرك.
لتستطرد بحنو معها:
_ معلش ممكن تجيبيلى معاذ عشان أطلعله وأشوف وشه وأشم ريحته وأقربه من جلدى.
تجمدت ملك مردفة:
أنا أشيله وهو لسه أكده صغير، لا بلاش.
ثم إلتفت إلى بانة:
تعالى يا بانة شيليه واديه لزاد.
فعارضتها زاد بقولها:
محدش هيشيله غيرك يا ملك.
وعتقدرى، سمى الله يلا وهاتيه.
فدق قلب ملك ولمعت عينيها بالدموع وطالعت بانة فوجدتها تحيل بوجهها عنها حرجا بعد ما فعلته معها.
_ ثم بخطوات بطيئة وصلت إلى سرير الصغير، وانحنت لتحمله بين يديها بحرص ونزلت دمعة حبيسة بين أهدابها على وجنتيها، ثم رفعته إلى صدرها وسمت الله وقبلته بنعومة مردفة:
بسم الله ماشاءالله، اللهم بارك.
ربنا يجعله من الصالحين، ثم ناولته إلى زاد لترضعه.
ومر اليوم سريعا وعندما شعرت زاد بالتحسن عادت إلى القصر بوليدها.
****
حمحم باسم بحرج وهو بجانب ملك عندما مروا على غرفة عزة.
وعندما ولجوا إلى غرفتهم رأت ملك فى عينيه كلام لا يستطيع البوح به.
فاشتعلت النيران فى قلب ملك ولكنها أبت أن تظهر ذلك بل قالت بنفس راضية:
روح يا باسم لمرتك وأطمن عليها، دى على وش ولادة وراضيها عشان ربنا يراضيك.
طالعها باسم بإمتنان لإنها تفهمه ولكنه خشى أن تظن أنه يريدها ليقضى حاجته منها كرغبة.
لذا صحّح لها هذا بقوله:
"أنا يا جلبي باسم مش رايح أدخل عشان حابة أكده من اللي في بالك."
بالعكس أنا عايزك معايا عشان كمان هي تهبط ومش تستخدم أسلوبها ده معايا تاني وتخلي في عينيها حصوة ملح إني مش رايدها وأني مخليها إهنة عشان اللي في بطنها وبس.
نطق باسم كلماته تلك التي تسعد أي امرأة تزوج عليها زوجها ولكن على قدر ما أسعد ملك ولكن خوفها من الله دائمًا يجعلها تخالف هواها لذا قالت:
"على فكرة أكده حرام وربنا هيسألك، وهي روح مش جماد وأكيد محتاجاك يا باسم وده حقها."
زفر باسم بضيق وهمس:
"وانا عشان أكده، جولتلها أطلقك وتشوف اللي يراعيها، بس بترفض."
تجمدت ملك في مكانها ورمقت باسم بغضب وقالت بحزن:
"تطلق أم بنتي اللي عستناها بفارغ الصبر، عشان تهون عليه وحدتي وتعوضني عن ابتلاء ربنا لي إني مخلفش ولا أشوف الضنا."
ثم إنهمرت دمعة ساخنة على وجنتيها وخرجت كلماتها بصعوبة من شدة القهر:
"عايز تطلقها عشان تاخد بتها وتمشي."
"يبقى أنا نوّلت إيه من جوزك عليه غير القهر والحزن."
إفترش باسم بنظرة الأرض خجلاً مردفًا بحزن:
"ملك أنا آسف مش جاش في بالي اللي عتجوليه ده."
"ومكنتش فاكر إن بنت عزة تهمك أوي أكده، وكنت فاكرك زعلانة لإنك كنتِ عايزة ولد وجولتِ عتسميه فارس كمان."
ملك:
"أنا لا بالعكس، حمدت ربنا كتير إنها بنت مش ولد وفرحت جوا، لإن البنات حنينة جوا وجولت هي دي اللي عتنفعني لما أكبر في السن."
باسم:
"بكرر أسفي يا ملك، أنا فكري بس لما أطلقها، أننا نرتاح أنا وأنتِ من المشاكل عادي وتحسي فعلاً إني رايحك وبحبك أنتِ وبس."
"وهي كمان تشوف حالها عشان مكونش ظلمها معايا."
ملك:
"عزة خلاص واقع في حياتنا يا باسم، ولو كنت عايز تعمل أكده، كان من الأول مش دخلك وهي شايلة قطعة منيك."
"دلوقتي لازم تتقبل أنها مرتك إما تحبها متحبهاش دي بتاعة ربنا، غير أكده لازم تعدل عشان ربنا."
إنفعل باسم بقوله:
"يعني إيه، مفيش فايدة، مكتوب عليه الهم."
فلكزته ملك بمرح رغم البركان الذي يشتعل في صدرها، فما أصعب على المرأة أن تشاركها امرأة أخرى في زوجها تداعبه وتضاحكه.
ملك:
"هم برضك يا باسم، عليه أنا!!"
"ده متعة وحلال ربنا الرجالة بدل الوحدة أربعة كمان، هيصة يعني، روح يا باسم وكيلك ربنا."
ثم أدارت وجهها لتخفي دموعها.
فوقف باسم عاجزًا عن فعل أي شيء يطيب خاطرها، ليجدها تأمره مرة أخرى:
"روح يا باسم أرجوك، وهملني الليلة دي لحالي، أنا محتاجة أختلي بنفسي فعلاً وأكلم ربنا كتير عشان محتاجاله جوا، هو وحده اللي عيحس بيه وعيجبر بخاطري."
تنهد باسم بحرارة وآثر بالفعل أن يتركها تلبية لرغبتها هي وليس احتياجًا لغيرها.
ثم خطى خطواته نحو الباب، ومع كل خطوة كان قلب ملك يدمى ألمًا ووجعًا ولكنها كانت تناجي ربها بالصبر.
وعندما أدار باسم مقبض الباب ليخرج، وجد نفسه يلتفت مرة أخرى وكأنه لا يريد أن يفارقها.
وقام بالنداء عليها:
"ملك."
فالتفتت له بلهفة، لتجده قد مد ذراعيه لها وابتسم، فركضت إليه ملك والتقت نفسها على صدره ليحاوطها بذراعيه ويضمها بحب وهمس في أذنها:
"بحبك واتأكدي أن الكلمة دي عمرها ما اتقالت ولا قبلك ولا بعدك."
"وساعة ما بخرج من الأوضة دي معاكِ، أنا بسيب فيها قلبي، ويخرج بجسم من غير روح، عشان أنتِ روحي وجلبي يا أعز الناس."
"يا من سرق قلبي مني
يا من غيّر لي حياتي
يا من أحببته من كل قلبي
يا من قادني إلى الخيال"
ملك من بين دموعها:
"وانا أكده أسعد وحدة في الدنيا كلها بحبك ده يا باسم، ربي يخليك لي وما يحرمني منك يا أبوي وأخويا وابني وحبيبي وجوزي وكل ما أملك في دنيتي."
"ويلا يا ابن الجبالي روح لمرتك."
فقبلها باسم واتجه إلى عزة، لتبكي ملك ورفعت رأسها لتناجي المولى عز وجل بقولها:
"يارب أنا راضية بكل ما كتبته عليّ ومش هقنط أبدًا من رحمتك، بس لي طلب واحد يارب تهونه عليه وترزقني الصبر عشان أتحمل."
طرق الباب باسم على عزة فردت:
"مين بيخبط؟"
"أنا باسم يا عزة."
فقامت عزة مسرعة بعد رقص قلبها طربًا لمجيئه واستقبلته بعناق حار مردفة:
"جلبي يا باسم أتوحشتك كتير جوا."
فاكتفى باسم بإيماءة رأسه، دون حديث، مما أثار غضبها فقالت:
"مالك إكده مش هتنطق، كأن الحديث أكل لسانك!"
"ولا تكونش جاي بطلب من حبيبة الجلب 'ملك' هي كمان دخلك اللي عتتحكم في تيجي ولا تيجيش وتحت أمرها أنا."
فتلون وجه باسم واحتنقت الدماء في عروقه وهب واقفًا، ثم خطى خطواته نحو الباب وهو يردد:
"تصوري أنا غلطان إني جيت لغاية عندكِ، وجيت أطمن عليكِ وعلى اللي بطنك وأتكلم معاكِ كلمتين مهمين، تروحي برضك تجيبي سيرتها وأنتِ عارفة أن ده عيزعلني، يعني كأنك بتقولي مش يهمني زعلك."
"خلاص أنا ماشي، ومش هحوب ناحيتك تاني."
وهنا وضعت عزة يدها على وجهها بحزن وندم على تسرعها في الحديث الذي سيجعله يبتعد عنها أكثر.
وفكرت سريعًا في شيء يجعل قلبه يلين مجددًا، فوضعت إحدى يديها على ظهرها وأخرى على بطنها وتأوهت ألمًا مردفة:
"اااااه، مش قادرة، ألحقني يا باسم."
فزع باسم وعاد إليها سريعًا وأمسك بيديها مردفًا:
"مالكِ فيكِ إيه يا عزة، عتعمليها دلوقتي ولا إيه؟"
عزة بصوت ضعيف:
"لا مش لسه معادي شوية، بس تعبانة جوا."
"ساعدني بس أكده أطلع على السرير أمدد بس وأرتاح."
فساعدها باسم حتى افترشت السرير، وجلس بجانبها فأمسكت بيده ورفعتها إلى فمها وقبلتها بحنو مردفة:
"ربي يخليك لي."
"ومتزعلش مني يا باسم، غصباً عني عغير بس وأنا عارفة جد إيه أنا عحبك وعتمنى قربك دايماً مني."
باسم:
"وانا برضك ععزك يا عزة ومش بكرهك بس يا بنت الناس، بلاش الكلام اللي ممكن يخرب بينا ده."
عزة محدثة نفسها:
"أكده يا باسم، ماشي."
"أنا هصبر بس لغاية ما تيجي البت، يمكن تاخد عقلك وتنسيك السهطانة مرتك دي."
عزة بخبث:
"حاضر، المهم متزعلش مني، بس قولي إيه الموضوع اللي كنت عايز تكلمني فيه؟"
باسم:
"المستوصف اللي قولتلك عليه، خلاص قرب يبقى حقيقة، وخلاص العمال قربوا ينهوه، واكده مفضلش غير التجهيزات الأخيرة والمعدات الطبية اللي هنحتاجها وشوية تصاريح ودي أمرها سهل."
"وكمان نشوف مين هيقدر يساعدنا من الدكاترة، عايزين تخصصات مختلفة عشان نخدم الناس في كل اللي يطلبوه."
فابتسمت عزة مردفة:
"بحمد الله ده أحلى خبر سمعته، إني أرجع أمارس مهنتي من جديد وأثبت فيها نفسي في تخصص الباطنة، ومتهيألي أنت تسيبك من شغل الطبيب العام وترجع تخصص العظام أفضل."
باسم:
"أنا فعلاً نفسي في أكده، وفعلاً قدمت لعمل الماجستير وحالياً بذاكر وبتدرب وربنا يوفق."
فخطفت عزة قبلة من وجنتيه مردفة بعشق:
"ربنا يوفقك يا روح الروح أنت."
فابتسم باسم على حرجه وحدث نفسه:
"كيف بس أبعد عنيكِ وأنتِ عتحبيني أكده وبتعذبي عشان مش قادر أجاريكِ في الحب ده!!"
*******
قامت قمر من نومها صارخة:
"لاااااااا، لاااااااا."
ففتح مسالم عينيه بفزع واعتدل من نومته سريعًا وجلس قائلًا بقلق:
"إيه فيه إيه مالك يا حبيبتي؟"
"أنتِ شكلك كنتِ عتحلمي ولا إيه؟"
قمر وهي تزيل حبات العرق من على وجهها الذي ملؤه الخوف مردفة:
"ايوه كابوس، كابوس واعر جوا."
"ربنا يستر."
فما رأت قمر في منامها حتى تفزع بهذا الشكل.
رواية اولاد الجبالي الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم شيماء سعيد
وهذا ما حدث لقمر عندما رأت نفسها في أحلامها تقف بين يدي الله تصلي فريضتها.
ثم فجأة شعرت بأنفاس حارة من خلفها، فأمتلكها الرعب ولكنها حاولت الثبات ولم تلتفت ولكن الشيطان حمدي لم يراعِ إنها تقف بين يدي الله، فانقض عليها بكل قوته ونزع عنها بقوة حجابها قائلاً بصوت جهوري حاد:
عملي فيها ست الشيخة يا قمر وعتصلي!!
_ من ميتى الكلام ده؟
_ ده احنا دفنينه سوا، وياما قضينا ليالي متنساش سوا في الحب والغرام على حساب المغفل براء.
فصرخت قمر متألمة ودب الرعب في أوصالها وانتفضت جوارحها عند سماع صوت تألفه جيداً من ورائها، فاهتزت أحبالها الصوتية ليخرج اسمه مهزوزاً:
حمممممممدي.
فارتسمت بسمة ماكرة على شفتيه مردداً:
عيون حمدي، وحشتيني يا بت، ووحشتني أيامك.
_ وأنا جي عشان نرجعها تاني من جديد يا عيوني.
فصاحت قمر:
_ بس أنا دلوقتي ست متجوزة يا حمدي وميصحش أعمل أكده تاني بعد ما وثق فيه واتجوزني رغم كل عيوبي اللي مش يتحملها راجل أبداً.
فضحك حمدي وقال متهكماً:
هو أنتِ هتعسمي مسالم ده راجل بعد اللي عمله معاكِ واتجوزك وهو عارف اللي فيها، ده لا مؤاخذة خرونج.
_ واعتبريه أختك يا قمر، وعادي حتى لو عرف إننا رجعنا للحب من جديد، ممكن شوية يزعل هبابة بس أنتِ لما تمثلي عليه إني ضحكت عليكِ تاني هيسامحك عشان هو قلبه كبير جوا.
فابتسمت قمر مؤكدة كلامه:
ايوه جوا جوا.
هو طيب جوا وعيحبني موت وعيسامحني، أنا عارفة.
فابتسم حمدي بمكر ثم مد ذراعيه لها وقال:
مش بجولك، تعالي في حضني يا قمر عشان أتوحشتك جوا جوا.
قمر بخجل:
وأنت كمان يا حمدي، رغم كل اللي عملته معايا، لسه قلبي عيحبك ومحبش غيرك يا قلب قمر.
لتسرع قمر لتعانقه بحرارة اللهفة والشوق، فيشدد حمدي من عناقها، ثم أفلت إحدى يديه وأخرج خنجراً يخفيه في جيبه.
ثم حدث نفسه:
سامحيني يا قمر، من كتر حبي ليكِ مش هقدر أشوفك مع حد ولا حتى جوزك.
فمع السلامة يا جمري، ثم إنهال عليها بالطعن في ظهرها، فصرخت، فوضع يده على فمها كي لا يفتضح من صوت صراخها العالي.
ثم أخذ يطعنها عدة مرات حتى يروي عطش الإنتقام الذي كان يشعر به منذ القبض عليه حتى هروبه.
حتى سقطت أمامه ميتة، فابتسم وهو يزيل الدم من على خنجره:
يلا في ستين داهية ونشوفك يا قمر في جهنم.
استيقظت قمر فور رؤية تلك الرؤيا وصرخت:
لااااا لاااا.
مش عايزة أموووووت.
لا هملني في حالي، لا.
ففزع مسالم من نومه واعتدل ليقول لها:
مالك يا حبيبتي، أنتِ تعبانة ولا ده حلم أكيد وحش؟
_ استعيذي بالله من الشيطان الرجيم كده واتفلي على شمالك تلاتة لأنه من الشيطان.
_ بكت قمر مردفة بحزن:
صوح ده شيطان، شيطان.
ثم أخذت تتأمل في وجه مسالم، ودفنت رأسها في صدره وهمست:
أنا بحبك جوا يا مسالم، صدقني.
_ أنا عمري ما شفت راجل في طيبتك وحنيتك وأخلاقك دي.
وصدقني هفضل طول عمري شايلة جميلك فوق راسي وهصون عرضك حتى لو فيها موتي وعمري ما عخيب ظنك فيه بعد اللي عملته معايا.
_ وصدقني أنا عحبك جوا، ومعاك عرفت يعني إيه صوح حب حقيقي.
أحبك يا ملكة قلبي، أحبك بكل كياني.
وكأن ما خلق الحب إلا لأجلك.
فدني أنهل من بحر حبك
ولا تتركني لأهلك.
ثم حدثت نفسها:
على قد ما إنه طلع حلم، بس خجلانة منه، كيف أعمل أكده وأرجع أخون بعد ما ذوقت طعم الحلال وتوبت إلى الله، يستحيل أعمل أكده، يستحيل.
فقبل مسالم رأسها بحنو مردفاً:
وأنا عارف ومتوكد يا قلب مسالم من أكده وعارف إنك بقيتي وحدة تانية خالص.
_ وعشان أكده أنا عايزك تنسي اللي فات ولا تحطيه في دماغك وتبطلي تعذبي نفسك أكده يا قمر.
_ ولا حتى تشكريني عاد، وعامليني إني جوزك وبس اللي عيحبك وأنتِ عتحبيه لنفسه مش عشان عمل حاجة.
تنهدت قمر بحرارة مردفة بندم:
ياريت أقدر يا مسالم، ياريت
عشان طيف الماضي بيلحقني زي ظلي، وعامل زي ما يكون وحش بيقرب مني وعايز يموتني.
_ ونفسي أنساه لكن مش قادرة، للأسف.
مسالم:
ده شيطان عشان ييئسك من رحمة ربنا ويخليكِ حزينة طول الوقت، فأنتِ قاوميه وراضي قلبك الحزين ده وافرحي بحياتك الجديدة وقربك من ربنا سبحانه وتعالى.
قمر:
ياريت يا مسالم.
ربنا مسالم على كتفها بحنو وقال:
يلا استعيذي بالله من الشيطان الرجيم وكملي نوم عاد.
ابتسمت له قمر وأجابته:
بس هروح الحمام الأول، مش عارفة طول الليل رايحة جاية على الحمام وبطني مجلوبة أكده.
مسالم بقلق:
ألف سلامة على الجميل، تلاحظي دور برد عفش، معلش، روحي أنتِ للحمام وأنا هقوم أعملك شاي ليمون أكده يروق بالك ويهدي معدتك.
ابتسمت له قمر بحب مردفة:
ربي لا يحرمني منك يا قلب قمر.
وعندما قامت قمر من الفراش ووقفت شعرت بأن الأرض تدور من حولها، فأمسكت برأسها، ثم لم تشعر بنفسها وهي تسقط أرضاً مغشياً عليها.
لينتفض مسالم ويصرخ:
قمر.
ثم أسرع إليها وحملها بيده المرتجفة من الخوف، ووضعها على الفراش، حاول أن يوقظها بنثر العطر على مقدمة أنفها.
فاستفاقت مرددة بضعف:
مسالم أنت فين؟
مسالم بقلق:
أنا هنا جمبك يا قلبي، إيه مالك عاد؟
_ بدل تعبانة أكده جوا ليه مجولتيش أوديكِ للحكيم.
قمر بضعف:
مش مستهلة، وأكيد ده شوية برد وعيروحوا لحالهم.
فحرك رأسه مسالم:
لا أنا قلقان جوا عليكِ يا قمر، ومش قادر أشوفك تعبانة أكده واسكت.
_ أنتِ عارفة إني مليش غيرك في الدنيا دي، ولازم أطمن عليكِ.
قمر:
متقلقش نفسك، أنا كويسة وهنام بس شوية وهقوم زي الفل.
مسالم:
لا أنتِ مش عشاني بقالك كام يوم ووشك أصفر ودبلان.
_ بصي أنا مش هرتاح غير لما أعرف مالك، وعشان أكده أنا هخبط على الست الدكتورة اللي جمبنا، تيجي تشوف فيه إيه وتطمنا.
قمر:
بس الوقت متأخر جوا يا مسالم، ده الفجر على آذان.
مسالم:
لا دي ما أسمعها في الوقت ده عتصحي ولادها، عشان المدارس.
هروح أخبط عليها.
ثم ذهب مسالم ووقف أمام شقتها ثم طرق الباب وتراجع للوراء في خجل، فأسرعت صفاء لارتداء إسدالها سريعاً لتعلم من يطرق الباب في ذلك الوقت المتأخر وعندما رأت أنه جارها مسالم، فتحت الباب وظهر على وجهها القلق مرددة:
مسالم خير فيه إيه؟
مسالم بحرج:
آسف يا ست الدكتورة بس مرتي قمر تعبانة شوية وكنت عايزك تشوفي مالها؟ وتطمنيني عشان قلبي مشغول عليها جوا.
فابتسمت صفاء مردفة:
حاضر ثواني أجيب شنطتي وجاية وراك.
لتفعل ما أرادت، ثم ولجت إلى قمر
_ خير يا ست قمر مالك؟
قمر بخجل وصفت لها ما تعانيه، فابتسمت صفاء مرددة:
أكده.
طيب خلينا نشوف.
فوضعت سماعتها على قلب قمر، لتبتسم بفرحة عندما سمعت صوت دقات قلب مختلفة.
لتتأكد أن قمر حامل وقلب جنينها ينبض بالحياة.
صفاء ببشاشة وجه:
ألف مبروك يا قمر، ألف مبروك يا مسالم مرتك حامل.
فتعلق نظر مسالم بعين قمر في فرحة لا تستطيع الكلمات أن توصفها.
مسالم:
بجد يا دكتورة؟
صفاء:
ايوه بجد وفي شهرها التاني على ما أظن، ويلا من بكرة تاخدها وتابع عند دكتورة نساء عشان توصيها على نفسها والجنين وتتطمن أنت عليها.
ها نفسك في إيه، أكيد ولد صوح؟
كل الصعايدة عيحبوا الولاد!
مسالم:
لا عتصدقيني لو جولت نفسى في بنت، تكون شبه قمر أكده، وفي حنيتها.
عشان أنا اتحرمت من أمي بدري وعايز بت تكون في حنية أمي.
وعايز أسميها كمان شمس، عشان أكده أكون جمعت في بيتي الشمس والقمر مع بعض.
فضحكت صفاء مرددة:
وأكده أنت الوحيد اللي تعيش في النور عشان عندك الشمس والقمر واحنا لأ عاد.
فضحك مسالم وأجابها:
كيف ده، ده حضرتك النور كله.
صفاء بامتنان:
تعيش يا مسالم، وربنا يجومها بالسلامة.
ثم استأذنت للعودة لبيتها.
أوصلها مسالم إلى باب الشقة، ثم عاد لقمر يضمها بحب ويقبلها بشوق مردفاً:
مبروك يا أم العيال.
قمر بفرحة:
الله يبارك في عمرك يا أبو العيال يا غالي.
_ فرحان يا مسالم إن يكون حداق عيال مني؟
ابتسم مسالم وأجابها:
كل كلام الدنيا مش يوصف فرحتي يا قمري.
ياااه، عستنى اليوم اللي أشوف فيه جطعة مني ومنك جدام عيني، وأحفظها في قلبي وأغل عليها برموشي، عشان مش هتحمل فيها حتى ريح تصبها.
***
لم يغمض جفن لحمدي طوال الليل من التفكير، وطال انتظاره لشروق الشمس من أجل الاستعداد للترحيل والهروب.
فحدث نفسه:
يكش يا واد عمي تطلع راجل صوح وتنفذ كل اللي اتفقنا عليه بالملي وميحصلش ولا غلطة ويعدي الموضوع بسلام أكده من غير دم كتير.
_ يااااه نفسي أوي في اللحظة اللي أشوف فيها السما والحرية بعيد عن السجن وأرفع ده، خلاص جربت أشق خلجاتي منه.
_ ثم لمعت عيونه بالشر مردفاً:
وبس أرتاح نفسى أكده وأضمن إن الحكومة بطلت خلاص تدور عليه وساعتها أفوق للخاينة الدون "قمر" وأعرف أندمها كيف على اللي عملته معايا وأشرب من دمها.
لتمر اللحظات بعد ذلك كالدهر عليه، ثم وجد الجميع حوله يستعدون للترحيل، فابتسم واستعد سريعاً بقلب منشرح يطالع من حوله بنظرات طويلة وكأنه يقول لهم:
هتوحشوني يا ولاد المركوب.
ثم أخلس النظر إلى حمدان الذي كان ينظر له الأخير بريبة من تصرفاته وشك أنه بالفعل سينفذ ما أخبره به.
فحدث حمدان نفسه:
سيهرب من قدر الله إلى قدر الله.
ولو علم العبد ما في الغيب، لاختار الواقع.
_ بس خليه يعرف بنفسه حمدي، ويرجع هنا تاني، والله أعلم ممكن ميرجعش كمان ويفارق الدنيا كلها وأكده يبقى ريح واستريح.
ليخرج بعدها حمدي إلى عربة الترحيلات، وقد أوشكت الساعة المحددة في الاقتراب.
وعلى الناحية الأخرى استعد زرارة مع رجلين آخرين لتلك المهمة واعدوا لها العتاد من السلاح وسيارة مغلقة محصنة نوعاً ما، دون أرقام حتى لا يتبعها أحد من أفراد الشرطة.
_ ثم أخذوا طريقهم نحو المكان الذي حدده لهم حمدي على الطريق السريع ووقفوا على جانب الطريق في انتظار العربة التي تنقل المساجين.
_ كانت كل لحظة تمر على حمدي في الغربة، تثير أعصابه ثم يحاول بكل جهد أن يكبت ويستكين حتى لا يشك به أحد.
_ وعندما وصلت العربة للطريق المنشود، هب واقفاً وزاغت عينيه من ذلك الشباك الصغير من عربة السجن.
ليأمره العسكري بغلظة:
اتنيل أجعد يا زفت يا جعران يا حمدي، أنت فاكر نفسك في رحلة هتبص من الشباك إياك.
فطالعه حمدي بعين حمراء كالنارة المتأججة وحدث نفسه:
ماشي، هانت بس.
فجلس وبعد لحظات توقفت العربة فجأة فانقلب المساجين على بعضهم البعض، فحاول حمدي التماسك والانزلاق من بينهم.
وسمع أحد العساكر يقول بفزع:
يا ليلة مش فايتة.
_ ليتسمع حمدي لصوت إطلاق النار فصاح بفرحة:
ايوه أكده، سمعني واشجيني.
_ صوب النار زرارة على الضابط المسئول عن نقل المساجين فرداه قتيلاً، أما العساكر فاستسلموا بعد موت قائدهم خوفاً.
ليفتح أحدهم باب العربة بعد ما أمره زرارة.
لتنشرح أسارير حمدي عند رؤيته قائلاً بفرحة:
طلعت قدها وقدود يا واد عمي، تعيش يا أخوي.
ثم نزل سريعاً وعانقه بحب.
زرارة:
مش جولتلك،
أنا جدّها وجدود.
وبعون الله، عطيني يدك اليمين في كل حاجة.
حمدي بامتنان:
ده عشمي فيك يا واد عمي.
والتفت بعد ذلك إلى باقي السجناء اللي كانوا في حالة هلع وخوف لا يعرفون ما يعملوا.
فحدثهم حمدي:
اللي عايز يجي معايا ويكون من رجالتي يجي يا رجالة، والشغل معايا بيجيب دهب.
_ و اللي عايز يهرب لأي مكان براحته.
_ أما اللي راضي بحياة السجن والأرف يخليه عادي.
فنظر الجميع إلى بعضهم البعض بتفكير، وقرر اثنين الهرب مع حمدي واثنين هربوا إلى مكان آخر.
وبقى آخرين عقلاء قال بعضهم للآخر:
لااا أنا مش هقضي اللي باقي من حياتي هربان، أنا أخلص اللي عليا وأطلع وأعيش بحريتي مش خايف أحسن.
حمدي:
طيب على أكده، بينا يا رجالة، قبل ما الحكومة تشم خبر.
لينطلق حمدي معهم نحو بيت تمام اللي أعد له غرفة مجهزة أسفل منزله وشاركه بها ذلك الرجلين (بهير وعزام).
وعندما انطلقوا، سارع أحد العساكر بالاتصال بمديرية الأمن ليقص ما حدث، ليصدر بيان سريع بالبحث عن الهاربين والأمر بعربية إسعاف لحمل جثة الضابط الشهيد.
*****
كان محمود على وشك مغادرة المنزل، وتودعه نهلة فحاصرها بذراعيه واقترب منها بشدة ليقبلها.
فأبعدته عنها بخجل مردفة:
عيب أكده يا محمود، أمك تشوفنا عاد.
فضحك محمود مرددا ما قالته ساخرا:
أكده وأمك.
اه لو سمعتك ماما، اللي بتحبك عشان تتعلم منك الإتيكيت.
فضحكت نهلة مجيبة له:
أنا بحس إني مربوطة من لساني مع الست والدتك يا محمود، وعطلع الكلمة من طرف لساني بالزج إكده ومش حساها ولا ليها معنى عندي.
_ لكن معاك أنت بحب أكون على طبيعتي ولا تحب أكلم معاك زي ما بتكلم معاها.
فحرك رأسه محمود بنفي:
لا أنا حبيتك حبيتك زي ما أنتِ كده يا قلبي.
فخليكِ على طبيعتك اللي بحبها، ويلا بقا سلام عشان متأخرش.
فدعت له نهلة:
ربنا معاك يا جلبي أنا.
ثم رن هاتف محمود ليجيب على الفور:
أهلا سيادة اللواء.
اللواء مصطفى:
أنت فين يا سيادة المقدم، ليه مش موجود على مكتبك.
محمود بحرج:
في الطريق أهو يا فندم.
اللواء مصطفى:
طيب أسرع عشان فيه مصيبة، لو متحلتش أعتبر نفسك مفصول عن العمل أنت وبراء باشا اللي إجازته خلصت ولسه حضرته موصلش.
_ بس ماشي خليه عنده لأني محتاجه هناك دلوقتي وحضرتك هتحصله.
اتسعت عين محمود مرددا بدهشة:
أسافر الصعيد، طيب حضرتك فهمني اللي حصل.
اللواء مصطفى:
فيه إن اللواء محمد كلمني عن هروب واحد اسمه حمدي في القضية اللي كنت حضرتك بتباشرها قبل ما تنتقل القاهرة، هرب أثناء ترحيله بمساعدة ناس يعرفهم من خارج السجن وراح فيها الظابط المسئول عن ترحيله للأسف.
تفوه محمود بصدمة:
حمدي هرب، بس كده يا فندم حياة الشاهدة على القضية "قمر" في خطر ولازم يتعين لها حراسة فورا.
اللواء مصطفى:
أتصرف يا محمود مع القادة هناك وبلغني بلي هيحصل، أنا ورايا مصائب وأشغال هنا.
ثم أغلق الخط في وجهه.
نهلة بفزع:
فيه إيه يا محمود؟
محمود:
فيه إن إنسانة بعد ما الدنيا بدئت تضحكلها شوية، هتغدر بيها وممكن تروح فيها بسبب إنسان عماه رغبة الانتقام عن الحق.
نهلة بعدم فهم:
بتكلم عن مين أنا مش فاهمة حاجة؟
محمود:
مش وقته أفهمك يا نهلة، أدخلي أنتِ دلوقتي وحضري لي شنطة سفر لبلدكم، عقبال ما أروح المديرية، أتابع الموضوع وأكلم براء أشوف هنتصرف إزاي؟
نهلة:
وأنا هنزل معاك مش هسيبك أبدا.
محمود بقلق:
لا أخاف عليكِ، المجرم ده مش سهل أبدا.
نهلة بتصميم:
لا لازم أسافر، مش هقعد أهنا وأحط إيدي على خدي عاد، أنا مش هطمن غير لما أكون معاك.
محمود:
وأمي هتعمل إيه لوحدها ومين يسليها بالدروس بتاعتك.
نهلة بداعبة:
وانا مالي يا أخويا جبلها سلاية بالكهربا ولا أجيبلك هتلها سيلينا تهوى على روحها عقبال ما نرجع.
فضحك محمود:
ماشي كلامك يا نهلتي حضري نفسك وربنا يستر.
ابتسمت نهلة وودعته ثم ولجت للداخل تحضر احتياجاتهم وفي قلبها فرح للعودة إلى موطن أصلها اللي سيظل في قلبها مهما بعدت عنه.
وفي الطريق اتصل محمود على براء، ليبلغه بالأمر.
فلم يعطِ براء أي انفعال وكأنه لم يقل شيئا ولم يهمه الأمر.
فتعجب محمود بقوله:
إيه يا براء، هو مش بكلمك وبقولك الزفت حمدي هرب وقمر دلوقتي في خطر.
فأغمض براء عينيه بألم متذكرا ما فعلته قمر وعشقيها حمدي معه، تلك الخائنة اللي تابَتْ توبة، ستظل في عينيه خائنة إلى آخر العمر ولم يصفو لها أبدا.
فالإنسان للأسف لا يسامح رغم ضعفه، أما الله عز وجل فيصفح رغم قوته ما أعظمك يا الله.
ثم تحدث ببرود بعد زفير حار أطلقه منفثا به عن غضبه:
ما يولعوا في بعض عادي، وأنا مالي.
_ مليش أنا في القضية دي يا محمود، الله يخليك، بعدها عني، أنا ما بصدق أنسى اللي حصل.
_ تجوم تشعل النار فيه من جديد، الله يسامحك واتصرف بعيد عني.
طعنتي في قلبي وشرفي، لا لا لن أسامحها أبدا
أنا ما قدمت لها غير كل حب وما قدمت لي غير كل ألم.
محمود بحرج:
أنا آسف يا براء، بس بعيد عن أي حاجة، ده شرف المهنة، وواجب علينا حمايتها مهما عملت، وواجب برده نتحرى وندور على المجرم ده، قبل ما يرتكب أي جريمة تاني.
_ غير كده وكده حضرتك مكلف بالعملية إجباري، يعني مفيش أي داعي للاعتذار، فهمني.
وضع براء يده على رأسه ونظر أمامه بوجوم وحيرة، وزاد ترى تعابير وجهه من بعيد فتتعجب ويصيبها القلق ولكن لا تدري ما يحدث، فتركت وليدها مع ملك تهدهده، فينام على صدر تلك الحنونة.
لتقترب هي من براء فتسمع قوله عبر الهاتف:
خلاص يا محمود، هتزفت وأشوف فيه وياله مني، عشان أكده فتح على نفسه نار جهنم لما يقع في يدي.
_ أما اللي ما تسمى، فده هيكون مهمتك أنت، مليش دخل فيه.
محمود بتفهم:
تمام يا براء، ربنا يعدي المأمورية دي على خير.
_ وبقولك أنا خلاص قدامي نص ساعة وهرجع أخد نهلة ونبدأ مشوارنا الصعيد.
وعايز أطلب منك طلب معلش.
براء:
أمر يا محمود.
محمود:
عايز أهل بيتك يستضيفوا نهلة عندهم، عشان أي مكان تاني في البلد في الظروف دي مش هتكون أمان وهخاف عليها.
_ بس قولي هتكون فيه مشكلة أو إحراج للجماعة؟
ابتسم براء قائلا بسخرية:
يا هلا بمرات أبوي.
دي غالية علينا كلنا، وفي مجام أمنا كمان.
فتجهم وجه محمود وتلون وجهه بحمرة الغضب قائلا بغيظ:
براء أرجوك، مش قلت ياريت تنسى الموضوع ده إنها كانت مرات أبوك، ليه مش بتحترم مشاعر.
_ وغيرتي على مراتي يا أخي!
ثم استطرد بقوله:
_ ولا أقولك خلاص، هتصرف أنا وأحطها في أي مصيبة واقفل عليها.
_ ربنا يسامحها قولتلها تقعد ومصممة تيجي معايا، تقولش طالعين رحلة.
فضحك براء:
بس بس أعصابك ومعلش يا عمنا معدتش أكررها تاني.
_ متزعلش بجد وعديها عاد.
_ وتعال بس وهاتها وهعملك أحلى عصير ليمون ليك وللبرنسيسة نهلة.
_ ده أكيد بانة أتوحشتها كتير يا أخي.
محمود بصدمة:
باااااااانة.
لااااااا
أنا مش مستغني عن مراتي يا جدع.
فضحك براء قائلا:
ليه عاد، دي باااانة بلسم.
محمود:
أنت هتقولي!
رواية اولاد الجبالي الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم شيماء سعيد
انزعج محمود من حديث براء عن نهلة وأنه مازال ينظر إليها إنها زوجة أبيه الراحل،
فشعر بالغيرة والقتامة وندم على طرح تلك الفكرة الغبية،
ولكنه فعل ذلك لخوفه عليها مما سوف يحدث لاحقا.
براء بمرح:
يا عم هاتها ومتقلقش والكل هيرحب بيها،
ده حتى بانة إتوحشتها كتير جوى.
محمود بصدمة:
لا كله الا بانة يا براء،
خليها تبعد عنها خالص،
ده نهلة لسه جسمها معلم فيها عضتها المفترية،
ونصحتها كتير تاخد مصل عضة الكلب مش راضية.
زفر براء بضيق مردفا:
كلب لما يلهفك،
ما اتحسن ملفظك يا سيادة المقدم.
ضحك محمود:
معلش خنى اللفظ،
مش قاصد سورى.
براء بتذمر:
سورى معاك يا أخينا.
المهم دلوك،
هروح انا المديرية هنا،
واتشاور مع القادة،
فى طرق البحث عن الزفت الجطران حمدى ده،
وأخد قوة نمشط المنطقة.
عقبال ما حضرتك تيجى انت والهانم نهلة،
وتشوف شغلك مع اللى ما تسمى.
زفر محمود بقلق:
والله خايف عقبال ما أوصل يكون حصلها حاجة.
انا هكلم مسالم جوزها حالا ياخد باله منها.
فردد براء ساخرا:
جصدك تجول الطور اللى مچوزها،
أبو قرون صوح!
فأجابه محمود بضيق مدافعا عن غيبة الرجل:
استغفر الله العظيم،
ما تنقى ملافظك يا براء مش كده.
وعلى فكرة حرام جدا اللى بتقوله،
لأن فعلا هى تابت وهو راجل كويس على فكرة وشاف فيها الحلو اللى محدش شافه وحبها على كده،
وفى المقابل هى قدرت ده ودلوقتى عايشة حياة هادية،
بس للأسف خروج حمدى،
ممكن يهد حياتها،
ربنا يستر ونوصله قبل ما يوصلها.
حرك براء شفتيه بلامبالاة وكرر حديثه:
حلوة تابت دى.
صدقني دي الكلب عمره ما يتعدل.
محمود بسخط:
مش عارف أقولك ايه صراحة،
غير ربنا يهدى نفوسنا.
وصراحة الحمد لله أن ربنا سبحانه وتعالى هو اللى بيحاسبنا مش البشر،
لأن ربنا أحن وأرحم.
زى الأعرابى اللى جه للرسول وسئله من سيحاسب الناس يوم القيامة.
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: الله.
فابتسم وقال: نجوت ورب الكعبة.
لإنه عارف ومتأكد إن ربنا أرحم بينا من نفسنا.
فحرك براء فمه بإستياء،
لأن غضبه من قمر مازال قائما ولن تغفر لها الأيام عنده.
وعندما وجده محمود بذلك الجمود،
إستطرد بقوله:
سلام دلوقتى يا صاحبى،
عشان المجادلة معاك ملهاش فايدة.
فأغلق براء معه الخط وهو يسب ويلعن فى قمر وتحدث بإنفعال:
انا بجه عايزه يوصلها ويخلص عليها عاد،
ويعمل اللى مفروض انا كنت عملته،
بس لحجونى فى أخر وقت للأسف.
اشفقت زاد على براء من إنفعاله الواضح،
فأقتربت منه ووضعت يدها على كتفه مردفة بحنو:
حبيبى مش نهدى نفسنا شوى،
ومنفكرش غير فى المصلحة العامة،
إن فيه واحد خارج على القانون ولزمن ولابد يتمسك عاد قبل ما يفسد فى الأرض من جديد.
فوقف براء يرمقها بغضب مردفا:
أنتِ كنتِ حاطة ودانك معايا يا زاد ولا إيه؟
وجاية كمان تنصحينى وتعلمينى شغلى.
توترت زاد وظهر على وجهها الحرج من كلماته اللاذعة،
وحولت التغلب على غضبها منه لإحراجها بهذا الشكل،
فاظهرت غير ما تبطن من غضب وابتسمت ابتسامة باهتة مردفة:
طبعا مش چوزى حبيبى وده واچب عليه أوچهه للحق،
ومش بس أكده كمان موضوع الست دى فأنا مش هلومك على كلامك فيه،
لإنى خابرة أنه من حرجتك على نفسك،
بس لو چيت للحق.
إحنا قدام ربنا منعرفش مين أحسن من التانى ومنقدرش نحكم على حد.
لتتابع بقولها:
"رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا"
علم براء أنها تقول فعلا الحق،
ولكن هذا الحق يخالف هواه الغاضب من قمر فهو لن يسامحها طوال حياته،
لذا تكابر بغضب مردفا:
ياريت توفرى نصايحك لنفسك يا زاد.
ودى أخر مرة هسمحلك تدخلى فى شغلى،
وخليكِ أنتِ فى نفسك واهتمى بولدنا وبس.
استمعت زاد لتكرار إهانته لها بصدمة،
فلمعت عينيها بالدموع مردفة بأنين:
منا خابرة إنى طول عمرى لحالى وفى نفسى،
ومليش حق عليك يا ابن الجبالى.
ودلوك اللى بينى وبينك هو ولدنا معاذ وبس.
وانت أعمل ما بدالك،
ما انا خابرة زين إنك جبروت ومش يهمك غير نفسك وبس.
هروح أشوف ولدى.
ثم التفتت وأسرعت إلى غرفتها،
لتتيح لعينيها البكاء دون أن يراها أحد،
فيكفى ما بها من ألم.
اليوم أوقن أنني لن أحتمل.
اليوم أوقن أن هذا القلب مثقوب ومجروح ومهزوم.
وأنّ الصبر كل
عض براء على شفتيه بندم وضرب على رأسه معاتبا نفسه بقوله:
ايه اللى أنا هببته ده!
وفى مين فى زاد،
اللى أقسمت بينك وبين نفسك إنك عمرك ما هتأذيها تانى ولو حتى بكلمة،
تقوم تعمل فيها أكده!!
ده انت مسحت بكرامتها الأرض.
أعمل ايه عاد،
مهو كله بسبب سيرة الخاينة دى،
ببجا مش طايق نفسى ولا اتحمل حد.
انا هنزل شغلى وأشوف الحال،
عشان مش متحمل أطلع اتكلم معاها دلوك وأشوف دموعها اللى عتجطع فى جلبى دى.
مش وجوه عتاب ولا حديت،
بعدين لما أخلص من الهم اللى أنا فيه دلوك.
قام محمود بالإتصال على مسالم.
مسالم:
أهلا يا مرحب بسيادة المقدم،
اتوحشناك والله يا راچل.
محمود:
تسلم يا مسالم،
وانت كمان وعشان كده أنا جى أشوفك وأطمن عليكم.
شعر مسالم بالقلق نوعا ما فردد بتخوف:
تآنس وتشرف.
بس خير إن شاء الله.
توقفت الكلمات فى جوف محمود من الخوف تأثير كلمته على مسالم،
ثم جاهد فى النطق قائلا:
خير ان شاء الله.
بس قولى أنت فين دلوقتى؟
مسالم:
انا فى الشغل عاد،
جول يا سيادة المقدم.
عشان شغلتنى وأنا أصلا جلبى أكده عيجولى إن فيه حاچة واعرة جوى چاية.
فحدث نفسه محمود:
لا حول ولا قوة الا بالله.
الراجل قلبه حاسس،
وبعدين بقا.
بس أعمل إيه لازم يعرف.
محمود بآسى:
للأسف يا مسالم عندى ليك خبر مش تمام.
فارتجف مسالم وقال بلعثمة:
جول يا باشا وربك يسترها.
محمود:
حمدى هرب من السجن.
وانا فى طريقى حاليا للصعيد عشان أتولى البحث عنه أنا وبراء وكمان أوفر حماية لمدام قمر.
فصاح مسالم بذعر:
حمدى،
يا ويلك يا مسالم.
قمر،
قمر.
انا اللى عحمى مرتى ومش عستنى حد يحميها عاد.
انا هروح أجعد جارها ومش عسبها أبدا.
من لى سواكِ يا قمر فانتِ لى حياة وبعدك الموت
سأحميكِ حتى من نفسى.
وسأخفيكِ فى عيونى
وأغلق عليكِ جفونى.
فانا لا احتاج للرؤية عينى
بل يكفينى أن أرى بعينيكى.
سارع محمود بقوله لتهدئته:
إستنى بس وهدى نفسك مش كده.
ومتشغلهاش عشان الخوف مش كويس عليها وممكن لا قدر الله يحصلها حاجة كمان من التوتر.
أنت بس خليك جمبها لغاية ما أوصل وبعدين هانوفر لها حماية متقلقش.
فدعا مسالم:
أستر،
أستر يارب.
ثم استأذن سريعا من عمله واتجه إلى قمر بقلب خائف يخشى مرارة الفقد بعد اللقاء
تقلبت مرام على فراشها بإرياحية وارتسمت البسمة على وجهها وهى تفتح عينيها على فراشها الوثير مردفة:
قومى بقا يا شاهى وبطلى كسل (شاهندة اسمها الذى تعيش به الآن).
ثم وجدت هاتفها يرن من قبل رجل أعمال يدعى (فريد الضو).
فابتسمت مردفة:
ده فريد،
صراحة الراجل ده چانتيه خالص وكمان طول بعرض ومز كده يهبل.
ثم شردت فى براء وأخرجت تنهيدة حارة وألم مزق قلبها ثم فرت دمعة ساخنة على وجنتيها،
فأزالتها بطرف أصابعها وبقهر تكلمت:
رغم كل اللى حصل،
تصور يا براء إن قلبى لسه بيحبك،
وده اللى فشل فيه اى راجل عرفته أو لسه هعرفه.
محدش قدر فيهم ياخد قلبى زيك.
بس انت طلعت خاين وكسرت قلبى وقتلت بابا.
لتلمع عينيها بالشر مردفة بتصميم:
وعشان كده مش هتبرد نار قلبى غير لما أشوفك مذلول قدامى وتتمنى الرحمة ومش تلاقيها،
وساعتها أخرج روحك بإيدى وبعدين هبكى على فراقك عشان هتوحشنى يا براء أوى عشان لسه بحبك.
ثم أفاقت من شرودها على تكرار رنين الهاتف من فريد.
فقات بحرج:
يا لهوى،
ده انا نسيت الراجل بيرن وقعدت أفكر فلى ما يسمى
فأجابته سريعا بقولها:
يا صباح الفل على عيونك يا فيرى.
تنهد فريد وأصاب صوتها الرحيم رعشة فى أوصاله ليردد بخفوت:
يسعد صباح ست الستات وست الكل وستى أنا كمان،
اللى وحشانى جدا ونفسى أشوفها وأشبع من عينيها الحلوين.
أطلقت مرام زفيرا حارا قبل أن تجيب:
على فكرة انا بكسف من الكلام الحلو ده.
ده غير انى ممكن أتعود على كده وتلاقينى بحسبك لو بطلت تقول،
مهو الإهتمام مبيطلبش.
فريد:
هو انا أقدر،
ده انا نفسى تحسى بس،
بربع اللى أنا حاسس بيه من ناحيتك يا قمر أنتِ.
مرام:
قمر ايه بس،
ده كان زمان لما كنت بشكل الأصلى،
دلوقتى بشكل شاهندة.
فريد:
لا متقوليش كده،
أنتِ كنتِ الأول قمر،
ودلوقتى قمرين.
ويا ستى المهم الروح وكمان القالب جامد،
مشوفتش زيك.
فعضت مرام على شفتيها بغيظ وحدثت نفسها:
اه يا حقير،
كلكم مش بتفكروا غير فى كده وبس.
الست عندكم مجرد جسم للمتعة بس.
اه ياما نفسى أرجع لأيام زمان،
لما كان كلى حلمى إنى أتجوز واحد أحبه ويحبنى وأخلف منه عيال يلعبوا حواليا.
بس للأسف دلوقتى بقيت لعبة فى أيديهم بيتسلوا بيها ورا مراتتهم.
فريد:
ايه سكتى ليه؟
ولا تكونيش لسه بتفكرى فى طليقك،
اللى كان سبب فى كل المشاكل اللى مريتى بيها دى.
وهو اللى خلاكى بوش شاهندة مش مرام وبقيتى شخصية تانية خالص.
ايه لسه بتحنى ليه يا مرام؟
أحرقت كلماته دماء مرام وتلون وجهها بحمرة الغضب لتقول بإنفعال:
لا مش بحن أبدا.
وأكيد مش ناسية ومش هنسى،
ومش هرتاح غير لما أشرب من دمه وأقتـ.له بإيدى دى.
فريد بضحك:
لا منصحكيش تقتليه كده على طول،
ده الموت راحة يا قلبى.
مرام:
عندك حق،
بس مش عارفه أعمل ايه عشان يجيلى مذلول وأكمل عليه.
فريد:
ولى يقولك على المفيد وتشوفيه فعلا مذلول ومحروق دمه ويدمر سمعته وسمعة عيلته،
ده غير أن اكيد مراته بعدها هتطلب الطلاق وتسيبه ومش بس كده هيترفد من شغله.
فلمعت عين مرام بالفرحة مرددة بعدم تصديق:
بجد.
فريد:
وانا من إمتى بقول اى كلام وخلاص.
مرام:
طيب ازاى؟
فريد:
لا مينفعش فى التليفون الكلام ده.
ده عايز قعدة رواقة كده،
عشان نتكلم براحتنا.
ولو إن اللى يشوف جمال ويدوق حبك،
ينسى العالم كله ويفقد النطق كمان.
فضحكت مرام ضحكة مغلفة بالألم بعد أن أصبحت مجرد سلعة وتسليه لهم.
مرام:
على كده مستنياك يا فرى،
متتأخرش عليه.
فريد:
اتأخر إيه،
هتلاقينى قصادك حتى قبل ما تقومى من مكانك.
مرام:
يا ترى فى دماغه ايه الشيطان ده؟
بس مش مهم،
أى حاجة هيقولها هعملها،
المهم قلبى المحروق ده يبرد لما أتشفى فى براء وأشوفه مكسور زى ما كسرنى.
كان الجميع يحب جابر من أصغرهم إلى أكبرهم لحسن خلقه وتدينه وعطفه على الصغير والكبير.
وكان محافظا على الصلوات ويأم العاملين معه فى المصنع عليها.
وعندما عاد جاسر إلى ماضيه القذر،
أجتمع فى قلبه السواد مرة أخرى وبدئت الضغينة تملىء قلبه من أخيه بسبب حب الناس له،
على العكس منه وكأنه كتب على وجهه عاصٍ مما جعل الناس ينفرون منه ويشتكون من غلظته معهم فى التعامل.
لذا قرر أحدهم أن يشتكيه إلى جابر،
فذهب إلى مكتبه وطرق الباب، فأذن له جابر بالدخول ورحب به مردفًا:
أهلا يا حاج كرم.
أتفضل اجعد وجولي تشرب شاي ولا قهوة؟
فجلس الحاج كرم بخجل لترحيب صاحب الشأن به وهو رجل بسيط، كيف يشتكي أخيه بعد ترحيبه به.
فصمت الحاج كرم، ولكن تعابير وجهه تظهر أنه يريد التحدث في أمر ما ولكنه غلبه الحياء.
لذا قال جابر:
إيه يا راجل يا طيب، ساكت ليه؟
قول يلا اللي كنت عايز تقوله وأنا سمعك متستحيش.
أيه عايز سلفة على المرتب عيني عشانك والله.
فطالعة الحاج كرم بإندهاش قائلاً:
أنا مش عارف أنت كيف كويس جوا كده وراجل حكيم وحنين وبتاع ربنا، وأخوك ربنا يسامحه مش أكده خالص ولسانه أطول منه، ويهين الكبير قبل الصغير ويعاملنا كأننا عبيد عنده.
ضيق جابر عينيه واعتلى الغضب وجهه فوقف هادرًا:
كيف ده؟ أخويا جاسر يعمل أكده!
فوقف الحاج كرم مرتجفًا خوفًا من غضب جابر مردفًا بهلع:
أيه والله يا جابر بيه.
هيهزقنا كلنا على الفاضية والمليانة وأنت مش هناك ويخصم من مرتبنا ظلم كمان.
شعر جابر أنه قد أخاف الرجل الكبير بانفعاله، فهدأ من روعه قليلاً وأقترب من الرجل ووضع يده على كتفه مردفًا:
لو كان عمل أكده كده، أنا هأعتذر بالنيابة عنه وأوعدك يا حاج كرم أنها مش تتكرر تاني.
وهصرف ليك أنت وكل راجل اتهان من أخويا واتخصم من مرتبه ظلم تعويض.
فتهللت أسارير الرجل قائلاً:
الله يعمر بيتك ويحفظك من كل شر ويزيدك من نعيم الله.
ثم استأذن ليخرج، لينادي بعد ذلك جابر على مساعده عوض قائلاً:
عوض، تعال عايزك.
فأسرع له عوض ملبيًا:
خير يا جابر، أمرني يا واد عمي.
جابر:
الأمر لله، عايزك تجيبلي جاسر من أي داهية هو فيها دلوقتي.
عوض:
حاضر، أنا لسه لمحته عند المخازن.
جابر:
ابعتهولي دلوقتي.
فخرج عوض وذهب حيث جاسر مردفًا:
أخوك عايزك دلوقتي عنده في المكتب فوق يا جاسر.
فزفرت جاسر بضيق:
مش شايف إني مشغول يا عديم المفهومية، روح قوله عخلص وأجيله.
طالعة عوض بحنق مرددًا بتصميم:
لأ هو جاي يقول دلوقتي، فجدامي يا ابن حمدان.
ارتبك جاسر من تصميم عوض وحدث نفسه:
أيه الدنيا، هو عرف حاجة ولا إيه؟
بس لو عرف كان بلغ عني عشان يخلي مسئوليته خصوصًا أن المخازن بتاعته وهو اللي هيتحاسب عليها لو حد من الحكومة شاف خبر من حد تاني.
على العموم أطلع أشوف إيه عاد؟
فذهب معه عوض وبكل خطوة يفكر فيما يريد منه جابر، حتى وصل عنده، ليتفحص وجه أخيه، فوجده لا يبشر بالخير، فارتبك وحاول السيطرة على نفسه بابتسامة باهتة مردفًا:
خير يا خويا طلبتني؟
رمقه جابر بغضب قائلاً:
كيف يا جاسر تهين الناس اللي بتشتغل عندي من غير سبب، وكمان تخصم ليهم المهالة بدماغك أكده من غير ما تشاورني.
هي دي الأمانة اللي أمنتك عليها في غيابي يا جاسر!!
وهنا تنهد جاسر بارتياح بعد أن خشي أنه علم بأمره، فأعاد خصلات شعره للوراء ثم أطلق زفيرًا غاضبًا وتصنع الغضب:
مين الراجل المفتري اللي جاي يقول عليا أكده؟
ماهم لله والله دول ناس عايزين يوقعوا بيني وبينك يا جابر يا أخويا متصدقهمش.
فطالعه جابر بشك وقام بالنداء على عوض مرة أخرى.
جاء عوض سريعًا:
نعمين يا واد عمي.
جابر:
سمعت بودنك جاسر أخويا، هيهين العمال وشفت بعينك ساعة القبض يخصم من مرتبهم، مع أن الحسابات عندي تمام ومفيش حاجة مكتوبة أنه اتخصم منها.
نظر جاسر إلى عوض نظرة تهديد كي لا يتحدث، ولكن عوض وجدها فرصة كي يشهد عليه لأنه يبغض أفعاله وكان ينتظر أن يشتكي العمال في بادئ الأمر أولاً.
طالعه عوض بشماتة وأشار إلى جابر:
أيوه يا جابر، سمعت وشفت بودي، بس مكنتش قادر أكلم بدال صواحب الشأن مشتكوش.
ليصيح جاسر:
لا أكده أنتم شكلكم متفقين عليا، يا ناس اتقوا الله شوية.
فرمقه جابر بحدة:
إحنا برده يا أخويا، الله يهديك ويصلح حالك، وأنا اللي قولت خلاص بقيت إنسان تاني، لكن للأسف خيبت ظني فيك.
رجعت تاني تاكل حرام من دم الغلابة.
وعشان أكده يا جاسر، للأسف ملكش شغل عندي تاني، عشان لو وقفت تكمل بالشكل ده، أكده أنا هكون ظالم معاك.
وربنا يقدرني وأقدر تعوض الناس اللي أكلت فلوسهم بالحرام دي.
فانفعل جاسر وأشار بيده:
يعني هتخرجني من الشغل يا حي، ماشي يا جابر، أنا ماشي وسيبهالك.
ثم غادر سريعًا وهو يعد بأن يرد له الصاع صاعين، جزاء لما فعل فعله معه.
بكت زاد في غرفتها كثيرًا، ثم فجأة أزالت دموعها مرددة بقسوة:
ماشي يا براء، وحياة جابك الجاسوس ده يا أبو عين زايغة، هخلي عيشتك مرار.
بجا أنا قولي خليكِ في حالك، ومتعرفش أن حالك هو حالي وهقعد فيه واستربع كمان.
وبس تتجاهليني والله لأسوق عليك العفاريت الزرق، هو أنت فكرني عاد زاد بتاعة زمان ولا إيه، لا خلاص.
أنا هاخد حقي بيدي يا آكل ناسك.
وعتشوف مني وش تاني خالص وتخليك تمشي تكلم نفسك عاد.
بس هعمل أكده من ورا ظهري عشان عجبك يا أبو ظهر حديد.
يا طور أنت.
ثم سمعت طرقًا على الباب وصوت ملك:
زاد أنتِ صاحية، معاذ الصغير عيان وعيبكِ، رضعه عاد وبعدين أخده منك تاني وريحي شوية معلش.
فابتسمت زاد لتلك الحنونة ملك، التي تسعى إلى راحتها وتعتني بطفلها ولن تجد أكثر منها حنانًا وعطفًا على طفلها.
فقامت وفتحت الباب بابتسامة رغم حزنها وقالت:
تعبتك معايا يا ملوكة والله، هاتيه يا حبيبتي وأنتِ روحي نامي شوية.
هو أكيد هيرضع وينام، ولما يصحى هجيبه تلاعبيه، ما أنتم بجيتم أصحاب خلاص.
فضحكت ملك:
متقوليش أكده، ده ابني، ربنا يحفظه ليكِ ويحميه وتشوفيه عريس.
زاد:
آمين يا رب، ويرزقك الخير كله يا ملك.
وبقولك لو وعيتِ براء، قوليله ميجيش عندي، عشان ننام أنا وابنه ومش عايزين إزعاج عاد.
عشان ده صوته ولا وبابور الجطر.
فضحكت ملك مرددة:
يا مرك يا ملك وعايزاني أنا أقوله أكده!
لا يا ستي يطسني عيار ميراي.
ثم غادرت ضاحكة، فأغلقت زاد الباب بالمفتاح مرددة:
طيب أنا هعرف عتصرف عاد.
مضى الوقت سريعًا ووصل محمود مع نهلة إلى القصر وكانت زهيرة في استقبالهم بعد أن أبلغها براء بالأمر.
زهيرة بترحيب:
أهلا وسهلا، أنستوا وشرفتوا، نورتونا والله.
محمود:
منور بيكِ يا حاجة والله.
نهلة ببشاشة وجه:
أتوحشتك كتير يا حاجة والله.
زهيرة بحب:
وأنتِ كمان يا نهلة، تعالي في حضني يا بنتي.
فعانقتها زهيرة بحب، ثم ابتعدت مردفة:
اتفضلوا اجعدوا استريحوا عقبال ما أنادي على جليلة تطلع شنطكم فوق، وبعدين تطلعوا تستريحوا عاد.
محمود:
معلش إحنا آسفين على إزعاجكم والله يا حاجة.
زهيرة:
متقولش أكده، عيب.
أنت كيف براء يا ولدي: تيجي أي وقت، ده بيتك.
محمود:
الله يعزك يا حاجة.
ثم فجأة سمعوا صوت صراخ عالي زلزل كل أركان القصر
ليعم الفزع في قلب الجميع.
متسائلين من أين هذا الصوت ومن الذي يصرخ ولما؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم شيماء سعيد
رحبت زهيرة بمحمود ونهلة كثيراً ودعتهم الجلوس قليلاً حتى تنتهي جليلة من ترتيب غرفتهم ونقل أمتعتهم.
وبينما هم في هدوء إذ صدح صوت صراخ عالي من الدور الأول في القصر، جعل الجميع في حالة هلع، يترقبون ما يحدث.
فوقفت زهيرة مرددة بقلب خائف:
- خير يا رب.
محمود بفزع:
- هو في إيه؟ مين بتصرخ كده؟
لتستطرد نهلة بذعر:
- أنا جلبي وجعني جوا.
لتطل عليهم جليلة من فوق قائلة:
- إلحقي يا ست زهيرة، ست عزة عتوجع جوا وشكلها عتولد.
- وبتجولك كلمي سي الدكتور باسم وشيعيله يجي بسرعة.
لتتقابل مع جليلة ملك وبانة وزاد بعد أن أيقظهم من نومهم صوت الصراخ فخرجوا على أثره.
فولجوا جميعاً إلى عزة بوجه قلق وبدأ عليهم التوتر.
وكان في مقدمتهم ملك التي أسرعت في إمساك يديها بحنو بعد أن كانت تستند عزة على خزانة الملابس منحنية بجسدها للأمام وتضع رأسها على الخزانة وتمسك بإحدى يديها بطنها متألمة وتصرخ.
أراحت ملك كف يد عزة بين يديها مرتبة عليه بحنو مرددة:
- سلامتك يا عزة، معلش استحملي شوية وإن شاء الله تقومي بالسلامة أنتِ وحبيبة جلبي ريحانة.
عزة بخفوت متألمة:
- إيوه ادعيلي كتير يا ملك، آآآه مش قادرة.
حاولت زاد تهدئتها بقولها:
- معلش يا حبيبتي مجربة الوجع أنا، ربنا يجعلها ساعة سهلة عليكِ أكده.
أما بانة فتذمرت بقولها:
- بطلي صريق عاد أكده، هو أنتِ أول وحدة تولدي ولا إيه عاد!!
ثم أشارت إلى ملك وزاد بحدة:
- وإنتم بعدوا عنها أكده، عشان متكتموش نفسها والبت تنزل مفرفرة.
فرمقتها زاد بغضب مردفة بغيظ:
- خفي يا بانة، مش وقته حديتك الماسخ ده.
- وقولي يا رب يسهلها الحال.
فوضعت بانة يديها على خصرها ومالت بعض الشيء وذمت شفتيها مردفة:
- أنا حديتي ماسخ يا زاد، ولا هو كده نسوان وخلاص.
- بعدوا عنها عشان متتكهنش أكده كتير من كتر الدلع الماسخ ده.
- ده أنا ولدت ولدي غيث الله يحرسه، وأنا واجفة.
ثم نظرت إلى ملك وحركت فمها باستياء مردفة:
- وأنتِ يا ست ملك، روحي نامي وسيبك من الحاجات دي، عشان ملكيش فيها.
فانفطر قلب ملك للمرة الثانية بسبب تلك المتعجرفة التي لا تراعي إحساسها.
وحاولت ملك بلع غصة مريرة مرت في حلقها بصعوبة ولمعت في عينيها الدموع وانكمشت على نفسها.
ثم ربتت على يد عزة بحنو قائلة بصوت مخنوق حزين:
- ربي يجومك بالسلامة، هروح عاد وأجي أطمن عليكِ تاني.
ثم خرجت مسرعة قبل أن تسكب دموع الحسرة والحزن على وجنتيها بسبب تلك قاسية القلب بانة.
وما أن خرجت حتى رمقتها زاد بنظرة نارية مردفة:
- أنتِ مفيش فايدة فيكِ مش تحاسبي على ملافيك اللي كيف الحية دي.
- حرام عليكِ ملك تكسري بخاطرها كل شوية، اتقي الله شوية، بيكفي اللي هي فيه.
- فبزيادة كل شوية تفكريها إنها مهتخلفش، حرام عليكي والله.
فصكت بانة على أسنانها بغيظ مجيبة عليها:
- بجولك إيه يا زاد متعمليش عليا شيخة، وخليكِ في نفسك عاد، بلا هم.
- وأنا ماشية يا أختي بدال كلمتي لكل واحدة منيكم هتوجف في الزور، حريم عايزة الكتل وربنا.
ثم ذمت شفتيها وأشارت إلى عزة:
- وأنتِ خدي نفس أكده واكتميه عشان الوجع يقل وأمسكي نفسك عاد عشان البت متنزلش هينة وتطلع قوية كيف عمتها.
فحركت زاد رأسها باستنكار من حديثها، أما عزة فهاجمها الألم أكثر فازداد صراخها وقامت بالنداء:
- هاتولي جوزي يلحقني، أبوس إيديكم بموت.
فحركت بانة شفتيها يميناً ويساراً باستهجان:
- يختي باسم اللي عيولدك يعني ولا إيه!
- ولا هو تلزيق وخلاص وأنتِ خابرة إنه عيحب ملك وأنتِ مخليكِ عشان تجيبي العيال وبس.
فصرخت عزة:
- حرام عليكِ أنا مش ناقصة كفاية اللي أنا فيه.
فقامت بانة بغضب من جلستها مردفة:
- خلاص خلاص، أنا جامة وسيبهالكم مخضرة، ولما تولدي إبجوا شيعولي أشوف البت عشان لو طلعت حلوة كيف إخواتي، أحجزها لولدي غيث، أما لو طلعت كيفك أكده، خليها لإبن براء هو كيف أبوه روحه حلوة.
ثم نظرت إلى زاد وابتسمت بتشفي ثم خطت خطواتها للخارج، قبل أن تطلق زاد شرار غضبها عليها بعد أن تلون وجهها بحمرة الغضب.
وكادت زاد أن ترد لها الصاع صاعين لجرئتها عليها بهذه الصورة المهينة لكرامتها.
وعندما همت أن تستوقفها لتوبخها، وجدتها قد سارعت في الهرب حتى لا تفتك بها زاد.
ثم وجدت كلاً من زهيرة ونهلة على باب الغرفة يستعدان للدخول.
لتلتقِ عين نهلة مع بانة في نظرة طويلة مليئة بالعتاب واللوم ولكن بانة كانت نظرتها استهجان واندهاش فمررت بعينيها عليها من رأسها إلى مخمص قدميها ثم قالت بسخرية:
- إيه جابك إهنا يا مرات أبوي، يوه جدادي عمي الله يرحمه.
- اللي جبتي أجله، وكنتِ في الشوم علينا كلنا وجيتي بالخراب والموت.
- ومش خابرة تعملي السحر فين اللي بتجيبي بيه الرجالة على دماغهم ويجوزوكِ.
- في الأول عمي الله يرحمه، ودلوك المقدم محمود يا قادرة.
- مش خابرة عجبه فيكِ عاد، طلتك البهية ولا عودك اللي كيف عود الكبريت معصصة مفيش أي ملامح أنوثة.
تجمدت نهلة في مكانها وأخذت عينيها تدور من الحرج وشعرت بفوران الدماء في أوصالها ولم تدرِ بما ترد عليها ولما ما زالت تضمر لها كل تلك العداوة بعد انكشاف أمر عمها ممدوح ووفاته.
وتساءلت فيما أخطأت؟
فهي ما فعلت ذلك لطمع في أموال أو إرث وإنما جاءت لتنتقم من موت أختها على يد ذلك الطاغية الذي استحل عفتها واغتصبها عنوة حتى نزفت وماتت ثم أمر برميها كأنها مجرد قمامة وليست بشر.
وشردت في منصور وعادت ذكرياتها الأليمة:
ولج منصور إلى غرفته حاملاً نهلة بين يديه كالأطفال، ثم وضعها على الفراش برفق.
سألها منصور بحنو:
- ها مرتاحة أكده ولا أزودلك مخدة ورا ضهرك؟
نهلة بدلال مصطنع:
- تسلمي يا سيد الرجالة، مرتاحة اه.
- أجدع أنت استراح شوية.
- أنت من بدري واجف على رجلك كيف التور اللي عايل في الساقية وميملش ولا يتعب.
- ولا كمان وأنت شيلني عاد على يدك، ولا هرقليز في زمانه.
منصور بحب:
- أنا راحتي، هي راحتك يا ست الستات كلها.
- وأنا مستعد أعمل أي حاجة المهم أنولد رضاكِ يا جلبي.
اتسعت عين نهلة مرددة:
- عتحبني جوا أكده يا منصور!!
أمسك منصور يدها ورفعها لفمه يقبلها بحب مردفاً بحنو:
- عتسأليني بردك يا نهلة!
- ده أنتِ متعرفيش حالي كان كيف من غيرك.
- كنت عموت وبجيت أكلم نفسي كمان.
- ومتردتش لي روحي غير لما أطلعتلك تاني.
طالعتْه نهلة بنظرة انتصار وحدثت نفسها بغل:
- ولسه عتموت على يدي كتير جوا جوا يا منصور.
- مش موتة واحدة بس، عخليك تبكي بدل الدموع دم.
- على اللي عملته في أختي وغيرها.
لمعت عين نهلة بالدموع عند تذكرها ذلك الخبيث، ثم استفاقت من شرودها على صوت زهيرة تعنف بانة هادرة في وجهها:
- بانة، إيه اللي عتجوليه ده!!
- اتجننتي إياك!!
ثم استغفرت زهيرة ربها وتابعت:
- أنتِ لساكِ لسانك أكده، مفيش فايدة منه، كيف الحية اللي عايطلوي ويبث سمها في كل مكان ومبترفقش بين الكويس والعفش.
- عيب عليكِ يا بتي، عيب بجد لضيفة جت عندكِ ولي فات خلاص مات مع موت اللي ما يتسمىقاتل أبوكِ.
- ده أنتِ مفروض تاخديها بالحضن وتبوسي يدها، عشان على دخلتها بناتنا، جابت نهاية المفتري ممدوح، ربنا يقحمه في نار جهنم البعيد.
فتحت بانة فمها ببلاهة من الصدمة في ذلك الهجوم عليها من والدتها من أجل تلك الغريبة ثم حاولت التحدث بصوت مهزوز:
- أنا ياما جولتلي الكلام ده عشان وحدة جاية من ورا الجاموسة وفاكرة نفسها هانم.
- على العموم أشبعي بيها ياما، ثم اصطنعت البكاء وتابعت:
- حاسة كأني مش يتيمة أبو وبس، أم كمان صدرها يسيع الناس كلها إلى بتها الوحيدة.
- أنا ماشية وسيبهالكم عاد.
ثم التفتت لتغادر ولكنها توقفت للحظة تعمدت بها أن تدوس قدم نهلة بقوة قبل أن تسرع إلى غرفتها.
لتصرخ نهلة متألمة:
- آآآآآآآآه رجلي.
لتصك زهيرة على أسنانها بغيظ وحرج لما فعلته ابنتها معها.
لتشير إلى نهلة بحرج:
- معلش يا نهلة يا بتي، معرفش ملها بانة اليومين دول، مكنتش أكده، عقلها طاير وركبها الغرور.
ثم صمتت لحظة وتابعت:
- سامحيني يا بتي وامسحيها فيا أنا، وعلى قد ما تقدري طول ما أنتِ إهنا اتجنبيها خالص وأنا هشوف شغلي معاها بت الجبلي المجنونة دي.
قدرت نهلة اعتذار زهيرة وابتسمت قائلة:
- خلاص يا حاجة حصل خير وهي كيف أختي بس زرزروة شويتين والله الهادي.
- وأنا مش عايزة أتقل عليكم، وعكلم محمود يشوفلي أي مكان تاني عشان ميحصلش مشاكل بسببي.
فشهقت زهيرة مردفة:
- يا عيب الشوم، كيف ده!
- أنتِ نسيتي أصلاً أن ليكِ في القصر ده كيف بانة، يعني زيك زيها.
- فمتجوليش أكده وأنتِ مش عتمشي من إهنا غير على بيت جوزك في مصر.
نهلة بامتنان:
- تعيشي يا حاجة.
لتبدأ عزة وصلة أخرى من الصراخ، فتسرع لها زهيرة مرددة:
- معلش يا بتي، استحملي شوية كمان، باسم زمانه على وصول أهو.
ليدخل في تلك اللحظة باسم وعلى وجهه علامات التوتر مردفاً:
- أنا جيت أهو.
ثم اقترب منها وحاوطها بيده ليسندها فابتسمت له رغم ألمها وتمتمت بحب:
- خايف عليها يا باسم صوح ولا على بتك بس؟
عقد باسم حاجبيه مردفاً:
- مع إن ده مش وقته، بس بردك عخاف عليكِ يا عزة، أنتِ برده مرتي وشايلة أسمى وأم بتي.
فشعرت عزة بنوع من الراحة لكلماته ولكن ما زال ينقصها أن تشعر بحبه لها كما تحبه هي.
ليذهبوا بها سريعاً إلى المستشفى، ومن ثم غرفة الولادة.
والجميع في الخارج ينتظر بقلق خروجها سلامة هي والمولودة الصغيرة.
ولكن باسم شعر بغربة شديدة في مكان ليس به ملك.
كيف لي أن أكون في مكان ولا أرى وجهك البريء وأستأنس به.
ألا تعلمي غاليتي، إني بدونك وحيد وغريب.
فلا شيء يطمني سوى وجودك بجواري، أينما كنت مليكتي.
لذا وجدوه قد تقدم من براء قائلاً بحرج:
- خد بالك من الجماعة وعزة لو طلعت كلمني وطمني عليها وعلى ريحانة الصغيرة.
- عقبال بس ما أروح أجيب ملك عشان عايزها هي أول يد تشيل البنت وتفرح بيها، وصراحة مش قادر أعيش اليوم ده من غيرها.
طالعه براء بإندهاش مردفاً:
- عتسيب مرتك عتولد وأدور على ملك عتطير إياك!
تنهد باسم بحرارة وتابع:
- خايف أجولك إني مهيمنيش غيرها، متصدقنيش ولا تجول إني راجل خرق.
- بس الحق فعلاً ملك مش مرتي بس، دي كمان بنتي قبل اللي عتيجي دي، وكان نفسي تكون منها هي بس النصيب.
ابتسم براء مردفاً بمرح:
- ياربي أنا كنت ملك عشان تحبني أكده يا روميو.
- روح يا ابني ده أنت حالتك صعبة جوا، ومحتاج دكتور.
- بس متتأخرش عاد، عشان صعب مرتك تطلع مش تلاجيك جدامها ومفروض أنت أول إيد تشيل بتك.
ابتسم باسم ولكز براء في كتفه مردداً:
- أكده ماشي يا خويا، بس تعرف إني عحبك أنت حب عجيب ملوش تفسير ولا أقدر أعبر عنه كيف حبي لملك.
- عشان أنت مش أخو بس، أنت أبوي اللي رباني وسندي في الدنيا دي.
دمعت عين براء وعانقه بحب وربت على ظهره مردفاً:
- ربي لا يحرمني منك يا أخويا ويلا عاد روح ومتغيبش.
فانطلق باسم مسرعاً إلى القصر.
وعندما غادر أقتربت زاد من براء والتوى ثغرها ببسمة ساخرة مرددة:
- شوفت الراجل اللي عيحب بجد،
ساب الدنيا كلها وراح ورا مرته اللي مش قادر يقعد من غيرها.
_ مش زي ناس مش حدا داهم غير لسان وبس، لكن فعل مفيش.
وعنده استعداد يبعد ولا يسأل كمان.
_ ثم أطلقت زفيرا حارا وتابعت: يا بختك يا ملك.
ضيّق براء عينيه، ثم حك بيده شعر لحيته اللي نبتت مؤخرا ثم همهم وأردف: تصوري أنتِ غريبة جوه يا زاد!
حركت زاد شفتيها باستياء مردفة: غريبة كيف يعني؟
براء بمكر: عشان عتقولي يا بختك يا ملك، مع إن باسم مقتوز عليها.
_ بس خلاص بدال أنتِ شكلك مبسوط جوه كده من الموضوع، وأنا طبعا مش هرضي ني يكون نفسك في حاجة زي ملك ومعملهااش، وعشان كده قررت أتزوج عليكِ بس طبعا أنتِ اللي عتقولي في الجلب بس وهدلعك كيف باسم بالظبط.
ها قولتي إيه عاد؟
فتحشرج صوت زاد من الصدمة ولم تدري بما أجيبه ولم تشعر بنفسها إلا وقد رفعت حقيبتها ونزلت بها رأسه هادرة بصراخ: عايز تتزوج عليه تاني يا ظالم يا مفتري، مش مكفيك التنين اللي اتزوجهم عليه.
_ ولا قدامه اه ناقصة الرابعة كمان.
_ وعامل نفسك حال مؤدب وهتستأذن.
_ طيب اعملها كده تاني يا براء، وقول على نفسك يا رحمن يا رحيم، هطلع روحها قدامه الأول عشان تتحسر عليها وبعدين روحك بعدها يا بتاع النسوان يا قادر.
رأت ذلك زهيرة فخفق قلبها على براء وتجهم وجهها وأسرعت إليه، وحدثت زاد بغلظة: انتِ اتجننتي يا زاد!
_ هتضربي ابني وقدامه كمان.
_ فين الخشا والحيا يا عاقلة يا رزينة يا ملتزمة.
فتجمدت زاد في مكانها محرجة وافترشت بنظرها الأرض وطالعها براء بجمود بعد ما تعرض له من حرج، فلم يكن من المتوقع أن تثور لهذه الدرجة، فهو لم يقصد سوى أن يمزح معها.
زاد بحرج: أنا آسفة جوه يا مرة خال، بس كان غصب عني وما دريتش بنفسي وهو هيقول عايز يتزوج تاني عليه.
ثم انفجرت في البكاء.
لتشهق زهيرة مشيرة إلى براء: عايز إيه يا ابن بطني، مكفكش اللي عملته، لا كده استني بس يا زاد لما تروحوا وكملي عليه وأنا معاكِ.
فشهق براء وأخرج صوته بفزع: واه.
_ متأكدة إنك أمي أنا يا حاجة زهيرة.
فرفعت زهيرة أحد كفيها في وجهه مع تحريك أحد أصابعها مرددة بسخرية: كده مو.
فعبث براء في شعره مردفا بحرج: شكلكم اتفقتوا عليه.
_ طيب ماشي، لولا ابنك باسم، أمني أخلي بالي منيكم ومن مرته اللي ولدت دي، كده سبتلكم الدنيا كلها وطفشت.
زاد بحنق: أيوه ما أنت ما هتصدق، عشان تعمل ما بدالك وتتزوج عليه يا أبو عين زايغة.
صك براء على أسنانه بغيظ مردفا: ما كنتش كلمة دي، صبرني يارب.
_ وصراحة يا بختك يا باسم يا أخوي بمرتك العاقلة الراسية ملك.
تفاجئت ملك بوجود باسم، فقلقت في بادئ الأمر وأسرعت إليه مردفة: إيه يا باسم حصل حاجة؟
_ عزة ولدت بالسلامة والبنت بخير؟
_ اتكلم متوجعش جلبي.
ابتسم باسم وهو يطالعها بحب ومدقق النظر في عينيها: أنتِ اللي وجعتي جلبي في حبك، لدرجة إني ما قدرتش أقعد هناك وأنتِ إنه لحالك وقعدت أفكر فيكِ.
وعشان كده جيت يا ملك، عشان تصدقي إنك عندي بالدنيا كلها وأهم حاجة في حياتي، ولا يهمني عزة ولا بتها.
_ لم تهتم ملك لعبارات الغزل والحب الصادق في عين باسم وتركه لزوجته التي تضع مولودتها وأتى إليها، لتفاجئه بقولها: يعني عزة دلوقتي ولدت وأنت أطمنت عليها وعلى بتي أنا ريحانة ولا لسه؟
فاتسعت عين باسم مندهشا من ردها اللي كان لا يتوقعه بعد كل ما حدثها به وردد كالأبله اللي لا يفهم: عتقولي إيه؟
ملك باستفهام: إيه يا باسم، أنت مش مركز معايا ولا إيه؟
_ بقولك عزة ولدت وأطمنت على بتي اللي مخلفتهاش ريحانة جلبي ولا لسه؟
_ بتي اللي منتظرها بفارغ الصبر، أشمها وأضمها لصدري.
ثم وجدها تبكي، فألمه بكاؤها وحينها أدرك أنها ليست في حالتها الطبيعية وإن الاشتياق لطفلتها قد بلغه أشده.
فعبس بوجهه بعد أن خشي عليها من فرط التعلق بطفلتها من عزة، وما سيؤدي ذلك تفاقم غيرة عزة أكثر وحينها ستفتعل مشاكل لن يستطيع إيقافها.
فرفع ببصره إلى السماء وناجى ربه: يارب ألطف بيه وبيها.
ولج جابر إلى بانة فوجدها تجلس على الأريكة وصدرها يعلو وينخفض وتطلق زفيرا غاضبا وتحدث نفسها: بجا كده كلكم عليه، عشان عايزة مصلحتكم.
وبقول الحق ومش منافقة، ماشي، حتى أنتِ ياما.
ما أنا خابرة حظي زين، أنا ما خدتش من الدنيا دي غير جوزي حبيبي جابر.
فابتسم جابر وخطا خطوات خفيفة حتى جلس من ورائها على الأريكة دون أن تشعر، ثم حاوطها من ظهرها وقبلها برقة في عنقها مردفا: مين مزعل جمري اللي منور حياتي.
ابتسمت بانة وأصاب جسدها رعشة من قبلته واردفت بدلال: يوه يا جابر، كده تخدني على غفلة، مش تدخل تقول سلام عليكوا ولا دستور الأول.
_ كده أتخضيت وممكن ما أخلفش تاني.
فضحك جابر: وإيه يعني ما كده الحمد لله، عندي بنوتة كبيرة اسمها بانة وواد صغير كده اسمه غيث.
وبعدين أنا قلت السلام عليكم، بس أنتِ كنتِ في واد تاني خالص وبتكلمي نفسك، بس عجبتيني لما قلتي جوزي حبيبي، أخيرا حسيت صح إني ليه مكانة عنديكِ يا بانة.
بانة بحب: طبعا يا روح الروح، أنت أصلا في كفة والعالم كله في كفة تانية.
ابتاع زرارة بعض الملذات المحرمة من خمر وسجائر الأرجيلة اللي تذهب بالعقل ونزل بها إلى تلك الغرفة اللي أعدها لحمدي وصاحبه بها اثنين من الرجال الذين هربوا معه.
صاح حمدي بفرحة: الله عليك يا واد عمي، ما تعرفش قد إيه اشتقت لجعدة الأنس دي جوه جوه.
_ بس تعرف نجصها إيه؟
زرارة بضحك: إيه يا سيد المعلمين وأنا أجيبهولك؟
فشردت حمدي في قمر وتذكر لحظاته الممتعة معها ثم استفاق على حاله الآن وهو هارب، فقبض على يديه بقوة متوعدا لها: _ عجيبك يا قمر، ومش هقتلك بس مرة، لا هقتلك ألف مرة.
لما أخدك إنه ونتسلى عليكِ أنا والرجالة دي.
_ ومعلش بقى إنسى موضوع الخيانة الشريفة اللي عملتيها وسمعنا عنها.
_ ومعلش بقى يا جوز الست، أستحمل زي ما أستحمل اللي جابك سيادة المقدم حته واحدة.
ثم أشار إلى زرارة: افتح يا واد عمي وصب وخلينا ننسى الهم، عشان بعد كده نفكر كيف هنعيد أمجادنا من تاني.
زرارة: أيوه يا سيد الكل، وندخل بجلب جامد.
وخابر مين ممكن يكون يدك اليمين، كيف أنت زمان ما كنت يده اليمين ومن ريحة الحبايب كمان وهيساعدك توقف على رجلك من جديد.
ضيّق حمدي عينيه متسائلا: هو مين ده؟
يا ترى مين؟
رواية اولاد الجبالي الفصل السادس والسبعون 76 - بقلم شيماء سعيد
جلست نهلة في غرفتها التي أعدت لها في القصر مع محمود شاردة، تنتقل بعينيها إلى كل ركن بها.
فهي بعينها التي كانت تسكنها مع ذلك الظالم منصور الجبالي.
وشردت في يوم زواج أولاده وكان بلغ به التعب مبلغه وفقد عقله فخشيت من أن يفسد فرحة أولاده فخاطبته على قدر عقله بقولها:
...بجولك يا منصوري يا عسل أسود أنت، سيبك من اللعب ده وجوم يلا عشان تريح جسمك شوية وتنام وتريحني وتريح نفسك.
فطالعها منصور بحب مردفا:
...ماشي يا جلب منصور، أنا هسمع الكلام، بس لازم تحكيلي حدوتة الأول عشان أعرف أنام.
ابتسمت نهلة مردفة:
...بس إكده، حاضر.
فقام منصور على الفراش وبدأت نهلة تقص عليه حكاية أختها ناهد.
تنهدت نهلة بغصة مريرة وأردفت:
...كان ياما كان في سالف العصر والأوان أختين حلوين وبيحبوا بعض جوا، لكن واحد ظالم أخد واحدة منهم وموتها.
لتهبط دموعها على وجنتيها تأثرا بما تذكرته، فلاحظ ذلك محمود، فشعر بغصة في قلبه من أجلها.
لذا اقترب منها وأزال دموعها برفق متوددا لها بقوله:
...إيه يا نهلة، متحسسنيش إني غلطت لما شورت على براء، نيجي هنا عشان تكوني في أمان.
لأن حاسس من ساعة ما دخلتي القصر وأنتِ مش طبيعية خالص، وديما سرحانة وبتبكي من غير ما تحسي.
ابتسمت نهلة من بين دموعها فكانت بسمتها الشمس التي تنير سماء محمود ثم لمست وجهه بحنو مرددة:
...لا أنت مش غلطان يا جلبي، وفعلا إحنا أمان والكل عيحبني ما عدا الحية اللي أسمها بانة دي، بس الحاجة زهيرة عاقلة وراسية وعتمدعها عني.
أما الدموع فسامحني، غصبا عني فكري يروح لأختي اللي أتغدر بيها في عز شبابها على يد الخسيس منصور.
...وكنت عتعجب من نفسي كيف أستحملت أجي إحنا وأعمل اللي عملته وأتجوزه وأنا كنت بكره التراب اللي عيمشي عليه.
...وبعدين اللي حصلي وحبسي ظلم.
للتوقف عن الحديث وتطيل النظر إلى محمود.
فيبتسم مرددا:
...إيه وقفتي كلام ليه، قولي كل اللي نفسك مرة واحدة عشان ترتاحي ومشوفش دموعك الغالية اللي بتعذبني دي.
نهلة بحب:
...ما أنا سكت واطلعتلك، عشان حمدت ربنا في سري.
...عشان رغم إني دخلت محنة كبيرة جوا لما دخلت السجن ظلم وده اللي كنت شايفاه بعيني، لكن سبحان الله.
كان جوة العتمة دي نور، وجوة المحنة منحة، إني شوفتك يا غالي وجلبك حبني وحبك ودلوقتي أنت معايا إحنا، عشان تنسيني كل اللي شوفته.
...وعوضتني عن كل حاجة عفشة، وعشان أكده عشكر ربنا.
...عشان أنت نعمة كبيرة أوي في حياتي.
مكنتش أتخيل إن ربنا عيحبني جوا أكده عشان ربنا يرزقني بيك.
ضربت نهلة بكلماتها تلك على وتر محمود الحساس، فلم يتمالك نفسه بعد أن أشعلت في قلبه نار الحب، فوجدته وقف ثم انحنى ليحملها بين يديه كالأطفال.
فضحكت نهلة وأخذت تضرب بقدميها في الهواء مردفة بدلال:
...هتعمل إيه يا مجنون نزلني، عيب أكده إحنا في بيت الناس!!
غمزها محمود بعينيه هامسا بحب:
...هي حلاوتها في بيت الناس عشان تكون ليلة مميزة.
نهلة بحرج:
...اه يا جليل الرباية، طيب استنى لما نطمن على مرت الدكتور باسم قامت بالسلامة ولا لسه.
محمود بمرح:
...ما إحنا هنقوم بالواجب يا روحي عشان تحصليها قريب ويطمنوا عليكِ أنتِ كمان.
لتستسلم معه لسلطان الهوى، فغرقوا في نهر من العسل المصفى لا يكون طيبا لذيذا إلا في الحلال الطيب.
ذهب مسالم مسرعا إلى بيته بقلب ينبض بالخوف والذعر على حبيبته وزوجته قمر وكانت روحه تأن بالألم من الخوف عليها وصدره يعلو ويهبط من سرعته في الخطى حتى وصل إليها.
وعندما فتح الباب قام بالنداء عليها:
...قمر، قمر.
فعلت ابتسامة على وجه قمر لسماع صوته الذي يبث في قلبها الطمأنينة وكانت في تلك اللحظة ممدة على الفراش تتلو آيات من الذكر الحكيم فقامت بالتصديق وأجابته بصوت ناعم:
...أنا هنا يا مسالم.
فذهب إليها سريعا وعلى وجهه علامات التوتر ولم يهدأ سوى عندما رآها بخير والابتسامة على وجهها.
فأخرج تنهيدة حارة وجلس بجانبها ثم اقترب منها ليقبلها بين عينيها بحنو مرددا:
...الحمد لله إنك بخير.
تعجبت قمر من هيئته والخوف الذي يظهر في عينيه ولهفته عليها فقالت:
...مالك يا حبيبي قلقان إكده؟
...هو فيه حاجة حصلت؟
...ومش عاديك كمان تيجي قبل معادك!
فحمحم مسالم وحاول السيطرة على خوفه مرددا بثبات مصطنع:
...لا مفيش حاجة، كل الأمر إني دخلت ملقتكيش فقلقت، خوفت تكوني نزلتي والدكتورة منبهة عليكِ متنزليش عشان الحمل يثبت.
ابتسمت قمر ومدت يدها بحنو تلمس وجهه مردفة:
...عتخاف عليها ولا على ولدك اللي جاي في الطريق.
رفع مسالم يده ليلامس يدها ثم رفعها إلى فمه وقبلها، ليضم بعد ذلك يدها إلى راحته ويطلق عليها بحنو متمتما:
...أنا اللي يهمني هو أنتِ يا قمر، وهي هتكون جزء منكِ، وتهمني عشان هي الصلة بيني وبينك.
فضحك قمر مردفة:
...بتكلم زي ما تكون متأكد إنها بنت، دخلت في علم الغيب إياك!!
ابتسم مسالم:
...لا، بس جلبي عيقل بت، وأنا جلبي ميكدبش عليه واصل، وأنا في انتظارها بفارغ الصبر.
ثم تابع بحذر كي لا تشعر بشيء:
...وعشان أكده جولت أخد أجازة يومين تلاتة أكده يكون عديتي أيام الخطر في الحمل ده، ومتجوميش خالص، وأنا يا ستي أعمل كل حاجة.
فضحكت قمر:
...لا أنا مش واخدة على أكده، أنا بحب أعمل حاجتي بإيدي ومتخافش عليها يا جلبي.
...وروح أنت شغلك ومتعطلش نفسك.
فانفعل مسالم بصوت أفجأها:
...أروح إزاي وأسيبك يا قمر، مش رايح.
ظهرت الريبة على وجه قمر، فتلك المرة الأولى التي ينفعل عليها بصوت عالي، فحاولت تهدئته بقولها:
...طيب خلاص متزعلش نفسك عاد واهدي يا مسالم، أنا بس كان جلبي عليك.
حرك مسالم رأسه وعاتب نفسه:
...إيه اللي بعمله ده، كده هتشك إن فيه حاجة، أستر يا رب.
...وأبعده عننا، أنا مجدرش أعيش من غيرها.
مسالم بندم:
...معلش متزعليش مني يا قمر، أنا بس من خوفي عليكِ.
فابتسمت قمر:
...أنا مزعلش منك أبدا يا مسالم، ولو حتى حطيت المركوب على راسي، ده كفاية اللي عملته معايا.
فأقترب منها مسالم واحتضنها بحب هامسا:
...أنا معملتش حاجة، ولو أطول أفديكِ بنفسي وتعيش أنتِ يا قمر.
...وتعالي في حضني عشان تحسي كيف مسالم عيشقك وتعرفي إنك عنديه أهم من نفسه كمان.
فلمعت الدموع في عين قمر وعانقته بحب وهمست:
...ربي لا يحرمني منك يا جلب قمر.
فدق قلب مسالم بلوعة وخوف من أن يفتقدها قائلا:
...ولا منكِ يا روح الروح.
ثم دعا ربه:
...يا رب أسترها معانا.
أخذ باسم نفسا طويلا قبل أن يجيب ملك التي أرهقت قلبه وعذبته:
...ملك أنتِ بتقولي إيه!
...أنا بكلمك عن حبي ليكِ وإني مقدرتش أستحمل وجودي هناك من غير ما تكوني معايا، وجيت أشوفك عشان أطمن عليكِ.
...وفي الآخر كل اللي يهمك بت عزة.
ملك بقهر:
...ده عتكون بتي أنا مش بت عزة.
فقام باسم بتكرير نفس حديثه، من أجل أن تفوق ملك من تلك الغيبوبة، فهي ليست ابنتها.
باسم بحدة:
...فوقي لنفسك يا ملك، البنت بنت عزة، وعشان أكده مش عايزك ترتبطي بيها جوا، لأن ده ممكن يخلي عزة تغير منكِ، وممكن تاخدها وتمشي.
فصرخت ملك:
...لاااا يستحيل، دي بنتي اللي استنيناها بفارغ الصبر.
فضرب باسم كفا بكف مرددا:
...لا يا ملك مش أكده أرجوكِ، وأنا أكده ندمت إني قربت منها وحملت، لأن كده هي اللي أخدتك مني، مش هي خدتني منك.
أغمضت ملك عينيها بألم وحاولت السيطرة على مشاعرها المكبوتة وحاولت الاقتراب من باسم لتهدئة الوضع المتأزم بينهم بقولها:
...باسم اسمعني، أنا يستحيل حد ياخدني منك، لإنك السبب الوحيد اللي مخليني أعيش، عشان أسعدك وأكون جمبك.
...وسامحني في اللي جولته عشان خابر إن جلبي متعلق بالأطفال جوا ومش بس بت عزة اللي بعتبرها بتي، لا ومعاذ ابن براء وكمان غيث حتى لو أمه عتبعد عني، بس أحب أبصله وأتمنى أخده في حضني.
فأقترب منها باسم ليحاول هو أيضا التخفيف من هذا التوتر فقال مداعبا لها:
...خلاص اعتبريني أنا كمان عيل صغير، واحضنيني يا ماما.
فضحكت ملك من بين دموعها وأفردت ذراعيها إليه، ليسرع باسم إليها ليضمها بلهفة وحب.
باسم:
...أنا عحبك جوا جوا يا ملك.
ملك:
...وأنا أكتر يا جلبي ومتزعلش مني.
باسم:
...لا مش زعلان، ويلا حضري حالك عشان نروح بسرعة للمستشفى، وبإذن الله أنتِ أول واحدة عتشيلي ريحانة الصغيرة.
فابتسمت ملك وأطلقت زفيرا حارا، وأسرعت لوضع العباءة على جسدها سريعا وتوجهت مع باسم إلى المستشفى بكل شوق ولهفة لرؤية صغيرتها ريحانة.
تابع زرارة حديثه مع حمدي قائلا بتحمس:
...خابر مين ممكن يكون يدك اليمين، كيف أنت زمان ما كنت يده اليمين ومن ريحة الحبايب كمان وهيساعدك توقف على رجلك من جديد.
ضيق حمدي عينيه متسائلا بفضول:
...هو مين ده؟
التوى ثغر زرارة بابتسامة قبل أن يجيبه:
...جاسر واد حمدان الجبالي.
اتسعت عين حمدي مجيبا:
...جاسر واد حمدان، بس ده أنا سمعت أنه جال إيه تاب واستشيخ كيف أبوه، وعيشيشتغل مع أخوه بالأرض.
قهقه زرارة:
...أيوه بس كيد النسا جابة في الأرض، واتجوز حسنية بت الجهوجي، والبت دي ولا قمر في زمانها.
...بس قمر إيه، قمر كانت طيبة لكن دي شيطان متحرك.
فلمعت عين حمدي وضيق عينيه بمكر واستطرد بلهفة:
...شوقتني أشوفها يا ولد.
...ده أنا أموت في الصنف اللي يشغل عقله ده ويحط جلبه تحت مداسه ولا يهمه حد.
ثم غمزها بإحدى عينيه مردفا بعد أن نفث دخان أرجيلته في وجهه:
...بس جولي هي حلوة يا واد عمي، تستاهل يعني الواحد يرمي نفسه في حضنها وهو مطمن.
ثم تنفس بغضب مردفا:
...ولا ممكن تطلع غدارة كيف قمر؟
زرارة بتأكيد:
...لا يا حمدي، دي كيف ما جولتلك شيطان، وأهم حاجة عندها مصلحتها والجرش اللي بيمشيها.
...صب أنت بس في حجرها، وهتلاقيها في طوعك وتحت رجليك.
فجلس حمدي بإريحية يتنفس الهواء المحمل بأنفاسه العكرة مستمعا وشرد فيما كان يخفيه من أموال في شقته التي كان يقطن بها قبل اعتقاله.
حمدي بلهفة:
...اه لو طلعت كيف ما بيقول زرارة، هنغنغج يا بت.
...ويمكن أخلي الواد جاسر ده يطلجك، وأنا أتجوزك عشان رايد واد من صلبي يورث دماغ أبوه ويكون دراعي اليمين لما يكبر ويحافظ على اللي عملته ويكبره.
...صوح كنت رايد أتجوز واحدة بت حلال ومعرفتش راجل غيري، بس لقيت أنها ممكن تفضل تجولي حلال وحرام ويحزنون وأنا عايز اللي تسندني.
لتأتي صورة قمر أمامه مرة أخرى فتتشنج ملامحه ويصيح:
...بجولك إيه يا زرارة.
زرارة:
...أمرني يا واد عمي.
حمدي بصوت يشبه فحيح الأفعى:
...عايزك تراقب بيت اللي اسمها قمر كويس جوا، وتعرف ساعة البرمبة بتاعها، عينزل ميتى الشغل بتاعه.
...وبرضك خلي بالك عاد من المخبرين حوالين بيتها عشان أكيد بعد خبر هروبي من الحكومة وصلها.
...فأكيد الحكومة عشان الجميل اللي عملته ليهم، هيتوصوا بحمايتها.
ثم ضحك ساخرا بقوله:
...بس حتى لو عملوا إيه باللذي هوصلها يعني هوصلها.
ده tarp بينا ولازم أخده، حتى لو فيها روحي، بس لازم أخد روحها الأول الخاينة اللي غدرت بيه وهي سبب كل اللي أنا فيه دلوقتي.
شردت مرام بعد حديثها مع فريد.
فيما يمكن أن تفعله مع براء كي تنتقم منه بطريقة لا يتخيلها هو، وتكون سبب في هلاكه وفقدان وظيفته وطلاق زوجته منه.
مرام بحيرة:
يا ترى إيه في دماغك يا فريد؟
ثم قامت من فراشها لتستعد للقائه، فأخذت حمامًا ساخنًا وخرجت لتنتقى فستانًا قصيرًا مزركشًا باللون الأحمر، وأسدلت شعرها الحريري على ظهرها، ثم تفننت باحترافية في وضع أدوات التجميل، ونثرت عطرها الذي يُشم من عدة أمتار.
ثم طالعت نفسها في المرآة بانتشاء وإعجاب قائلة:
كده حسيت إني مرام شوية، لما قربت بالمكياج من شكلي الحقيقي.
لأني من ساعة ما غيرت شكلي للبنت دي، وحاسة إني مش أنا، واحدة تانية معرفتهااش.
ومش عارفة الدنيا هتعمل فيه إيه تاني، مش كفاية الإنسان الوحيد اللي كان بيحبني من غير مصالح، بابا حبيبي مات غدر.
وسبنی لوحدي والكل طمعان فيه.
لتهبط دموعها رغمًا عنها، لتستمع بعد ذلك إلى رنين الباب الذي أعلن قدوم فريد، فأزالت دموعها العالقة في أهدابها سريعًا.
وحاولت سريعًا تهيئة فستانها ثم تبعته بتمشيط شعرها مرة أخرى، لتسرع بعد ذلك إلى فتح الباب، لتجده أمامها ببدلته الرجولية فقد كان يتمتع بجسد فاره الطول، وتبرز عضلاته من أسفل قميصه الملتصق بجسده.
فطالعتْه مرام بإعجاب ولكنها لم تتحدث واكتفت بحديث نفسها:
لا ده إحنا حلوينا أكتر وشكلي فعلًا هحب وجوده معايا.
أما هو فطالعها بنظراته كرجل لا يعنيه سوى ما جاء لأجله ولو كانت أمة عرجاء شمطاء سليطة اللسان.
فتجده في البداية ركّز النظر في منحنيات جسدها باشتهاء ثم أخيرًا وجهها فقام بإطلاق صفيرًا تعبيرًا عن أعجابه بها قائلًا:
إيه الجمال والدلال ده يا مريومة.
مكنتش أتخيل إنك إحلويتي أوي كده.
أنتِ كده هتخليني أقيم عندك، عشان محدش يقدر يسيب الجمال ده كله ويمشي.
فضحكت مرام بدلال ولاعبت خصلات شعرها مرددة:
وبعدين معاك أنا بتكسف.
فقهقه فريد وأغلق الباب من ورائه، ليحملها هامسًا:
معايا هتنسي حاجة إسمها كسوف ومش هتعرفي غير حاجة إسمها الحب والدلع وبس، وهخليكِ تتدمنيني.
لتعش معه مرام لحظاتهم المحرمة في سعادة مؤقتة سوف تورث خيبة وندامة.
لتحدثه بعد ذلك في أمر براء:
ها ما قولتليش هتصرف إزاي في موضوع براء؟
ليخطف فريد قبلة سريعة مجددًا من شفتيها قبل أن يجيبها:
سهلة جدًا.
مرام بفضول:
اتكلم أرجوك، متشوقنيش أكتر من كده.
اعتدل فريد وجلس أمامها وأمسك راحة يدها بلطف وتمعّن النظر في عينيها قائلًا:
أنا مش عارف إزاي أقدر يقاوم سحر عينيكِ ده ويعمل كده.
وهنا فقدت مرام سيطرتها على أعصابها مرددة:
أوف، سيبك بقى مني، وقول أعمل إيه مع براء.
زفَر فريد قائلًا بهدوء بعد أن رفع يده وضم أحد أصابعه بخفة:
بلاغ صغير قد كده.
إن حضرته بيسلي أوقاته بعد الشغل في شقة مشبوهة مع بنات الليل، ويتقبض عليه متلبس.
وبس كده، راح في شر أعماله.
وطبعًا أول حاجة هتتعمل إنه هيترفد من شغله عشان سمعته بقت في الأرض وأهان المهنة العفيفة.
تاني حاجة مهمة مراته لما يوصلها صورة وهو في حضن واحدة وبعدين تسمع خبر أنه أتقبض عليه في قضية آداب.
أكيد يا كبدي هتصدم فيه وتصرخ وتقول: واطي وخاين ليه حبيته وساعتها هتطلب الطلاق.
ومش بعيد تقتله من حرقتها فيه، وبكده تكوني خلصتي منه، من غير ما تعكري إيدك بدمه.
استمعت له مرام بكل حواسها في كل كلمة ينطقها واتسعت ابتسامتها بإعجاب لتفكيره الشيطاني، ليجدها في نهاية حديثه قد جلست على ركبتيها وصفقت له بحرارة مردفة:
برافو عليك يا فريد، أنا مش عارفة كانت غايبة عني الفكرة دي فين.
ابتسم فريد بغرور ووضع كفيه على أكتافها وغمزها بقوله:
عشان تعرفي إني غير.
مرام بضحك:
فعلًا دماغك متكلفة.
بس إزاي هنفذ الموضوع ده!
فطالعها فريد برغبة متمتِّمًا بهمس:
هقولك بس بعد ما أدوق العسل عشان جوعت.
لينغمса مرة أخرى في الحرام.
وصلت ملك مع باسم بدقات قلب متسارعة وعين تكاد تنطق من اللهفة لرؤية صغيرتها ريحانة.
رآهم براء من على بعد خطوات منهم أمام غرفة العمليات، فابتسم ثم غمز زاد ومال على أذنها مردفًا بمكر:
شايفة يحبها إزاي جوا، رغم أنه متجوز عليها.
يا بختك يا باسم يا أخويا، لاعبة معاك حلاوة، واحدة جوا كيف تولد الغزال، وواحدة برا كيف الحورية من حوريات الجنة، وأنا وحيد لحالي مع قرد ينطط قدامي.
فرمقته زاد بنظرة حارقة وصكّت على أسنانها بغيظ مردفة:
أنا قرد!!
قرد لما ينططك يا بعيد.
أنا قرد يا أبو عيون زايغة، مهو الراجل اللي جلبه كيف الرمان، ما يشوفش بعينيه زينا.
براء بضحك:
أمال يشوف من جفونه!
زاد:
لا وأنت الصادق، ده بيكون أعمى الجلب والبصيرة.
ثم ابتعدت عنه وولّتْه ظهرها، كي لا يرى ضعفها بعد أن أوجعها كلمته حتى لو كانت مزحة وتساءلت:
هو لسه يا براء مش شايفني حلوة في عينيك كيف الستات، رغم إنك أكدتلي إنك شايفني حلوة بس ساعات الحقيقة طالعة في كلمة بين الهزار.
ليضغط براء على شفتيه بندم مردفًا:
أنا إيه اللي قلته ده، ما يصحش يا براء يوصل بيك الهزار لكده.
خصوصًا أن الأمر حساس عندها جوا وممكن تاخده لمحمل تاني، أنت فهمه كويس.
بس ربنا يعلم أن لو اجتمعت عندي جمال نساء الدنيا كلها مش هيكونوا كيف زاد ليها حلاوة تانية في جلبي.
وعندما همَّ أن يذهب إليها ليصالحها، وجد الممرضة قد خرجت بالطفلة، ليتجمع الجميع حولها.
وكان في مقدمتهم ملك حيث أخرجت تنهيدة حارة ساخنة كفيلة بإحراق العالم كله، فأخذتها بيد مرتعشة وطالعتها بحب وشوق ولمعت الدموع في عينيها، لتهوى على خدّيها بقبلة دافئة، لتستنشق عبيرها ثم احتضنتها بخفة خوفًا عليها، وشعرت في تلك اللحظة أنها امتلكت العالم كله.
ثم همست:
اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد.
فامتلأت العيون حولها بالدموع وتمنّوا أن لو جاءت من رحمها هي وليست عزة.
ثم خرجوا من حالتهم تلك على صوت الطبيب، الذي خرج وعلى وجهه علامات التوتر.
ففزع قلب باسم وتوجه إليه بقلب مرتجف قائلًا:
خير يا دكتور، أخبار عزة إيه؟
فأخفض الطبيب رأسه قائلًا بحزن:
للأسف مدام عزة.....
فما حدث لعزة يا ترى؟
رواية اولاد الجبالي الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم شيماء سعيد
١٣&١٤
أولاد الجبالى3
الحلقة الثالثة عشر
.......................
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله 🌺
"عندما تكون صبورآ في محنتك وترضى بقضاء الله يعوضك الله بما هو خير لك وأجمل من توقعاتك قل يارب ❤️ "
............
وبين فرحة قدوم الصغيرة *ريحانة* بخير ،وتلك المشاعر المتأججة فى قلب ملك ، فقد كانت تحمل بين جمبيها رحمة وحب يساع العالم أجمع .
وبين ترقب لخروج عزة من غرفة الولادة سالمة ولكن تأخر خروجها بعض الشىء ، مما جعل القلق يدب فى قلوب الجميع .
وبات الكل ينتظر بلهفة خروج الطبيب ليطمئنهم على حال عزة .
ثم خرج الطبيب فى بادىء الأمر وظهر على ملامحه التوتر ،فأقبل عليه باسم بقلب مرتجف خشية أن يكون حدث لـ عزة شىء فهى فى النهاية أم إبنته ونفس يعز عليه فقدانها بسهولة .
باسم بقلق : طمنى على عزة يا دكتور ؟
تنفس الطبيب ببطىء قائلا : للأسف مدام عزة أتعرضت لفقدان كمية كبيرة من الدم والأكسجين قل جدا فى جسمها ودخلت فى غيبوبة يعالم هتفوق منها إمتى ؟
تجهم وجه باسم وحدثه بألم ظهر على وجهه : يعنى ايه ، أكده خلاص هتروح عزة منينا من قبل حتى ما تشوف بتها .
_ لا يا دكتور ، لا ، جول إنها كويسة وعتفوق دلوك ونشوف بتها .
فوضع الطبيب يده على كتفه ليهدىء من روعه مردفا : قول يارب ، محدش مننا يقدر يقول حاجة زى دى .
_ الأعمار بيد الله يا دكتور باسم ، ما أنت عارف ياما بتقبلنا حالات مستعصية ونقول مفيش أمل ونتوقع النهاية ويجى ربنا سبحانه وتعالى يقول أنا الرحيم وانا اللى حدد والحالة تخف وتقوم وكأن مفهاش حاجة .
طأطأ باسم رأسه بحزن قائلا : ونعم بالله .
ثم رفع رأسه مردفا : ممكن ندخل نشوفها ولو حتى دقيقة واحدة .
الطبيب : دلوقتى مش هينفع للأسف ، لأننا بنحاول دلوقتى ننقل لها دم عشان تعوض جزء من اللى فقدته ، غير أنها على تنفس صناعى .
وبعد ما تخلص نقل الدم ، هننقللها عناية مركزة ، وساعتها ممكن حضرتك تشوفها لحظات معدودة .
ثم غادره الطبيب ، ليضع باسم يده على رأسه .
_ ليلاحظ براء وزاد وملك ووالدته ملامح حزنه أثناء تحدثه مع الطبيب ، فسارعوا إليه .
وكان فى مقدمتهم براء الذى سئله بلهفة : ايه يا باسم مالك وشك مخطوف ليه أكده ، هو الدكتور قالك ايه !
_ وعزة مخرجتش ليه لغاية دلوك ؟
فأشارات زاد إلى براء : مهو أكيد حد طسها عين ، عشان أكده شكلها هتفرفر چوه .
فضغط براء على شفتيه بغيظ وتمتم : نجطينا بسكاتك دلوك ، وخلينا نسمع باسم عشان نعرف حوصل ايه .
أما ملك فقالت بحنو بعد أن أمسكت بيده وضغطت عليها برفق لتسانده : ملها عزة يا باسم ؟
فصمت باسم ولم يتحدث ولكن نار الفقد تنهش فى جسده ، فهو يخشى أن يفقدها ولم يكفر بعد عن ذنب إبتعاده عنها وعدم عدله بينها وبين ملك .
_ لا متموتيش يا عزة دلوك ، مش عقدر إستحمل.
_ كيف يعنى عشتى مظلومة وتموتى من غير ما الفرحة تدخل جلبك وأتحسر أنا على تجصيرى معاكِ وأشيل ذنبك .
لتصيح زهيرة : ما تكلم يا ولدى ، وجعت جلوبنا عاد ؟
فحاول باسم إخراج تلك الغصة التى تقف فى حلقه ، وزفر بضيق مردفا : عزة دخلت فى غيبوبة ويعالم عتفوق منها ميتى ، ودلوك هيدخلوها العناية وربنا يستر.
تنهدت زاد بألم مرددة : لا حول ولا قوة الا بالله.
زهيرة بحزن : ليه بس أكده ، استغفر الله العظيم يارب .
أما ملك فبكت مرددة بنحيب : لا عتفوق عزة يا باسم ، عشان تشوف بتها وتفرح بيها ، دى ريحانة كيف الملاك الصغير .
أما براء فوضع يده على كتفه بحنو مرددا: هدى نفسك وقول يارب أحسن من كل شىء وبكرة تفوق وتبجا زى الفل .
باسم بحزن : يارب .
ثم أتت الممرضة لتخبرهم ببكاء الصغيرة *ريحانة * من الجوع .
الممرضة : البنوتة عتعيط ولازم ترضع ، والأم تعبانة للأسف ، وعشان أكده لازم حضرتك تشيع تچيب لبن صناعى .
أومىء باسم رأسه : حاضر عجيب .
سمعت ملك حديث الممرضة ، فقذف الله فى قلبها أمر فابتسمت لمجرد التفكير فيه وارتجف جسدها .
ثم أمسكت بي باسم مردفة بخجل : باسم ممكن أطلب منيك حاچة ؟
حدقها باسم بعينيه المحبة مستطردا بهمس : أنتِ مش تطلبى ، أنتِ تاخدى عينيه يا روح الروح أنتِ يا ملك .
ابتسمت ملك بخجل وهمست : ربى يخليك ليه وما يحرمنى منيك .
_ انا بس سمعت أن هناك حبوب او إبر عتاخدهم الستات عشان ينزل ليهم لبن ويرضعوا .
_ وعشان إكده فلو مكنش عنديك مانع ، تچبلى يمكن ربنا يكرمنى عاد وينزل لبن صوح وأرضع بتى ثم تابعت بحرج "
_أقصد بت عزة عقبال ما ربنا يعافيها ، عشان أنا خابرة اللبن الصناعى ده تقيل على المعدة واللبن الطبيعى أفيد.
إبتسم باسم ولمس إحدى وجنتيها بلطف قائلا : بس إكده عيونى ، وأكده سبحان الله عتكونى أمها بچد يا ملك بالرضاعة .
سبحانه مسبب الأسباب .
فلمعت دموع الفرحة فى عيون ملك وتمتمت : اللهم لك الحمد وانا رضيت ، وعشان إكده رضانى .
إستمعت زاد لحديث ملك وباسم فدعت لهم أن يديم عليهم محبتهم ولكنها فى ذات الوقت شعرت بالغيرة من ملك ،لإن براء مختلف كليا عن باسم ولا يعطيها نفس الإهتمام ولا يحدثها بعشق مثله .
فأخرجت تنهيدة حارة منفثة بها عن ما فى صدرها ، فشعر بها براء فداعبها بقوله : مالك إكده عتنفخى وعتطلعى من خشمك دخان كيف العربية اللى عتسخن عشان تمشى .
ليستطرد بسخرية :
_ أروح أجبلك واحد بيبسى ساجع طروى بيهم على مرواحك ؟
فوضعت زاد يدها على رأسها التى تكاد تنفجر مرددة : والله أنت اللى محتاچ سطل مياة سخنة مولعة تنزل على جتت عشان تسيح البرود اللى أنت فيه ده .
_ بجولك إيه انا مش جعدة إهنه تانى ، انا عروح وإبجا أطمن من باسم على حال عزة .
_ انا ماشية عشان خلاص چبت أخرى منيك .
فتح براء فمه ببلاهة مردفا : والساجع .
زاد بصراخ : أشربه انت مهو شبهك ، ساجع وبارد.
ثم ركضت فى إتجاه الخارج ، فأقتربت منه زهيرة ومدت يدها لتمسك بأذنه وجذبتها بقوة ،فتألم براء مردفا : ايه يمّه ، فيه ايه ؟
_ هو انا علاجيها من زاد ولا أنتِ كمان عاد !
زهيرة بغيظ : مهو من عمايلك ، ايه اللى عتهببه مع مرتك ده !
_ على طول أكده ناقر ونقير ، ومعدتش تبل ريقها بكلمة حلوة .
إكده متزعلش يا ولدى لو راحت منيك .
إتسعت عين براء بصدمة قائلا : تروح منى ، لا ده يستحيل .
_ انا ههزر معاها مش أكتر ياما ، لكن أنا عحبها جوى وأنتِ خابرة .
إلتوى فم زهيرة بسخط مرددة : وعينفع بإيه لما تخبى الحب فى جلبك من غير ما تعبر عنيه وهى تحس بيه .
_ وتخليها تحس إنها قليلة فى نظرك ، وعينيها عتبظ لباسم ومرته .
براء بحرج : لا مش للدرجاتى ، هى عارفة إنى بحبها ويمكن حبى ليها اكتر من حب باسم لملك .
زهيرة: انا نصحتك يا ولدى وانت حر عاد .
ثم جاء باسم بتلك الحبوب ، وتناولتها ملك بلهفة ، ليمضى عدة ساعات شعرت حينها بثقل فى صدرها تمهيدا لنزول اللبن وما لبث أن نزل بالفعل فبكت وضمت تلك الملاك الصغير إلى صدرها وأرضتعها حتى شبعت ونامت فى إحضانها .
ملك بفرحة : ياااه على كرمك ولطفك يارب ، إحساس چميل جوى اللى انا فيه دلوك .
يارب ما تحرم حد وأعطى كل مشتاق
***
إتصل محمود ببراء ليطمئن على عزة ومولدتها ، وأخبره براء بما حدث فحزن لذلك كثيرا ودعا لها بالشفاء .
_ ثم أخبره بما كُلف به فى الغد وهو تمشيط القرية والقرى المجاورة بحثا عن حمدى .
وسيرافقه هو ، بعد أن يشرف بنفسه على الأفراد الذين سيكونوا فى حماية قمر .
فزفر براء بضيق : تمام يا محمود ، نتقابل بكرة بإذن الله.
ثم حدث نفسه بمرارة : مش هنخلص عاد من الموضوع ده ، يكش يعتر فيها ويخلصوا على بعض ويبجا أكده ريحوا وارتاحوا .
***
الشخص الذي يفكر دوماً بالانتقام، هو شخص يبقي جراحه مفتوحة.
داعبت مرام خصلات شعر فريد وهو بجانبها على الفراش وتسائلت : ها مقولتليش هنفذ خطتنا دى إزاى مع براء ؟
_ وإزاى أصلا هيروح الشقة الملعوبة دى ؟
إبتسم فريد بثقة وهو يلاعب أرنبة أنفها قائلا: بسيطة وحدة من معرفتى ، هتقصده وهو ماشى ، وتعمل نفسها مغمى عليها ، هيلحقها طبعا عشان معروف عنه حنين زى حالاتى كده ويموت فى الصنف الحلو .
تقوم رشة عليه حاجة تخليه مش فى وعيه بس فى نفس الوقت يقدر يتحرك عادى ، فتاخده وتطلع الشقة .
_ وبس ليكِ أن تتخيلى الباقى ، وبعديها يصوروه .
_ وبعدها تليفون صغير ، لبوليس الاداب ، يجى يقبض على سيادة المقدم متلبس ومع البوليس صحفى نص كوم معرفة ، يحب يصطاد فى المية العكرة عشان يستنفع ويشهر نفسه.
_فيصور ويكتب بقا الخبر بالبونط العريض فى كل مواقع التواصل الأجتماعى .
_ ويا فضيحة تبقا بجلاجل وتخيلى مراته لما تشوف جوزها بالوضع ده .
وهنا أطلقت مرام ضحكة مدوية تحمل فى طياتها كثير من الغل والحقد على على زاد التى فضلها براء عليها رغم أنها أقل كثيرا منها فى الجمال .
مرام : يا حلاوتك يا جمالك يا أحلى فريد فى الدنيا ، إمتى بجى اليوم ده .
فريد بثقة : قريب جدا , بس نشوف أراضيه فين دلوقتى وحالته إيه عشان نعرف ننفذ الخطة .
وقلبك يفرح يا روح قلبى أنتِ .
********
ابتعدت قمر عن حضن مسالم الدافىء مردفة بحب : طيب هقوم دلوك أحضرلك الغدا ، اكيد چعان يا حبة عينى .
_ ولو اعرف إنك چى بدرى أكده ، كنت حضرته من بدرى ، معلش حقك عليه ، بس مش هغيب إن شاء الله.
أتمت كلماتها تلك واستعدت للوقوف ولكن أمسك مسالم بيديها مردفا : بس بس رايحة فين ، مفيش جومة من السرير ده !
_ وإن كان على الوكل ، فأنا عملت حسابى بحجات سهلة على التحضير وانا هقوم أحضرها .
ابتسمت قمر وربتت على يده بحنو : ربى ما يحرمنى منك ، بس ليه أكده الحجات دى غالية عليك ، وانا زينة متقلقش عليه ، بحضر عادى الاكل من غير تعب .
مسالم : مفيش حاچة تغلى عليكِ يا جلب مسالم .
ثم شعرت قمر بحرارة فى جسدها وهذا بسبب هرومنات الحمل ، فحدثت مجاهد : معلش أفتح الشباك عشان حاسه چتتى عتطلع سخونية يچيب شوية هوا .
فتلون وجه مجاهد خوفا مستطرا : لا شباك لأ ، ولا حتى بلكونة تتفتح من النهاردة يا قمر ، أنتِ فاهمة !
_ ولو عملتيها هزعل منيكِ جامد .
إندهشت قمر من ردة فعله على طلبها البسيط فقالت : عتزعل منى عشان عايزة أفتح الشباك يا مسالم !
مسالم بتصميم : ايوه .
فحاولت قمر السيطرة على نفسها الغاضبة مرددة بإستسلام خلاص اللى تشوفه ، المهم متزعلش عاد .
ولكنها حاصرته بنظراتها المندهشة المعاتبة له ، لذا قام سريعا حتى لا تفضحه عيناه أمامها وتعرف ما قد يجعلها تموت خوفا .
ثم إستمع إلى طرق الباب فتوتر خوفا ، ليعود بإدراجه إلى غرفة قمر قائلا : اوعاكِ أسمع ليكِ صوت ، ومتفتحيش الباب مهما حصل لغاية ما أجى انا افتحه ، فاهمة ؟
شعرت قمر بالتوجس من كلماته فسئلته بحيرة : هو فيه ايه يا مسالم ؟
_ انا حاسه انك مخبى عليه حاچة .
_ ومين اللى عيخبط على الباب ؟
مسالم : مش خابر هروح افتح وأشوف، بس زى ما فهمتك ماشى .
فاومئت قمر برأسها حتى لا تثير إنفعاله وتوجه هو لرؤية من الطارق , فوجده طفل صغير بعثه المكوجى ببعض الملابس .
فـ تنهد بإرتياح وأخذ منه ملابسه مبتسما وشكره وأعطاه المال المطلوب بزيادة له .
ففرح الطفل وغادر سريعا .
ليعود إلى قمر مبتسما وفتح الباب وقام بوضع ملابسه فى الخزينة بين نظراتها المدهشة ثم خرج .
قمر بحيرة : هو ماله الراچل ده النهاردة ، غريب جوى !!
وعندما خرج شعرت قمر ببعض الملل ،تناولت هاتفها ثم فتحت وسائل التواصل الاجتماعى تقلب بين صفحاتها قليلا لتقضى بعض الوقت .
حتى وقع بصرها على خبر جعلها تصرخ , فسمعها مسالم فانقبض قلبه من الفزع وكاد أن يسقط صريعا .
********
نفث حمدى دخان سيجارته الملفوفة بالحشيش بإستمتاع ، ثم إنحنى على أذن زرارة قائلا بهمس : بجولك يا يا واد عمى .
زرارة : جول يا حمدى , كل اللى نفسك فيه .
حمدى : انا دماغى خلاص چابت أخرها من كلامك على البت دى ، ومش جادر أصبر عشان أشوفها .
ورايد أشوفها دلوك يا زرارة ، جلبى جايد نار يا خوى.
زرارة بضحك : يا كبدى ، بس يا سيد الناس يعنى ، العين عليك جامدة جوى دلوك ، وأخاف أطلعك من إهنه حد يعرفك يبلغ عنك ، ونروح كلنا فى حديد .
*****
يبدو الثأر في البداية حلو المذاق، ولكن أثره مردود فيما بعد.
على جانب آخر كانت حسنية فى البيت تطالع جاد أخو جاسر بغل ، فما عادت تطيقه فى المنزل معها .
_ خصوصا إنه يترصد حركاتها ويوشى بما تفعله من أفعال غير لائقة لجاسر ، لينهرها ويوبخها الأخير ويهدد بطلاقها ولكن سرعان ما تهدئه كعادتها بسلاح الحب وأنوثتها الطاغية .
وما زاد تصميمها تلك المرة ، عندما سمعها جاد وهى تحدث أحد الرجال بإنتشاء ودلال وضحكات تصدح فى أركان المنزل :
_وبعدين معاك يا معلم حنتيرة ، انا مجدرش على الكلام الحلو ده .
_ وكمان عيب ده انا ست متچوزة عاد .
المعلم حنتيرة بتنهيدة حارة : أعمل ايه بس يا بت ، منا أنتِ جننتينى بچمالك ، ومعدتش جادر أمنع نفسى عنك .
_ وجلبى بيجيد نار لما بشوف چوزك معاكِ ،وبجول أنتِ بچمالك ده خسارة فيه وانا أولى بيكِ
_ ها جولتى إيه ؟
فشهقت حسنية : يا عيب الشوم ، عايزنى أطلج يا معلم !
وهنا وجدت جاد على باب الغرفة يرمقها بنظرة حادة .
فتوترت وحدثت المعلم حنتيرة بقولها : طيب أجفل دلوك يا معلم ، ونبجا نكلم وجن تانى .
وعندما أغلقت الخط ، اتجهت نحو جاد وعينيها تنذر بالشر مردفة : أنت يا طور ، إيه موجفك إهنه ، عتصنت عليه ؟
نظر لها جاد بإشمئزاز مردفا : أنتِ مَرة جليلة الحيا ،وانا عجول لاخوى جاسر على كل حاچة ، وعخليه يطلجك عشان تبعدى بعفنتك دى عنينا .
فدق قلبها خوفا وتوتر ونظرت حوليها بإرتباك حتى رأت عصاة غليظة ، فالتقتتها سريعا وصاحت بغلظة فى وجهه : أكده يا جاد ،طيب ودينى لأموتك بيدى قبل ما تلحق تجول حاچة .
ثم رفعت العصا لتهوى بها على رأسه ولكن جاد فر من إمامها سريعا وولج إلى غرفته واغلق عليه الباب خوفا منها .
ليهبط ويعلو صدرها خوفا أن أبلغ جاد أخيه جاسر بما سمعه فربما يقتلها .
لذا جلست تفكر فيما تقول له حتى تنجو منه ،حتى جاءتها فكرة شيطانية وهى أن تدعى إنه كان يتلصص عليها وهى تبدل ملابسها دون أن تدرى وان لم يطرده ستترك له البيت وتذهب لأبيها .
ليمر حينا من الوقت ، لتستمع إلى صوت مفتاح الباب ثم قوله : أنتِ يا بت يا حسنية ؟
_ لتسارع هى فى البكاء بإصطناع بصوت عالى ، فامتلىء قلب جاسر بالفزع وأسرع إليها يقدم قدم فوق قدم حتى وصل إليها مردفا بهلع : حوصل ايه يا بت ، انطوجى جولى ؟
حسنية ببكاء : بص بجا يا جاسر ، يا أنا يا أخوك فى البيت ده .
_ ولو موفقتش المرة دى هتكون مش راچل ، عشان مفيش راچل يقبل أن أخوه عيبصص لمرته وهى عتغير خلجاتها من غير ما تحس .
تشنجات ملامح جاسر وصاحب بإنفعال : معقول ده !
_ لا كله الا إكده ، وجعته مطينة بطين ومهواش بايت فيها النهاردة ..
ابتسمت حسنية بمكر ، حين ولاها جاسر ظهره وذهب لأخوه يعنفه ويطرده .
وعندما سمع جاد صوت أخيه ، فتح الباب ليخبره بما حدث ولكن ما أن وقف أمامه وفتح فاه ليتكلم ، هوى جاسر على وجهه بصفعة قوية جعلته يترنح مردفا بقسوة :
_ انت يا كلب عتبصص على مرتى وانت لساك عيل اتناشر سنة امال لما تكبر عتعمل ايه عاد !
وضع جاد يده على وجنته وأغرقت عينيه بالدموع وارتجفت شفتيه وهو يقول : اناااا والله ما حصل ، دى هى اللى ...
ولم يكمل حديثه حتى صاحت حسنية : انا ايه يا ولا ، يا كداب يا جليل الحيا.
ثم أشارت إلى جاسر بقولها : الواد ده لو جعد ثانية إهنه كمان ، هلم هدومى وامشى يا جاسر وانت حر بجا .
جاسر : لاا ، هو اللى عيمشى ودلوك ، انا مستغناش عنك يا بت واصل .
جاد بنحيب : حسبى الله ونعم الوكيل ، عتطردنى من بيت ابوى يا جاسر ..
زفر جاسر بضيق مؤكدا بإنفعال وهو يشير بيده نحو الباب : ايوه _ اطلع بره ومش رايد اشوفك تانى ولو شوفتك جصادى هكتلك.
_ روح لأخوك جابر اللى فاكر نفسيه محدش زيه واصل واحنا چمبه ولا حاچة .
وهو طردنى من الشغل وخلى رجبتى زى السمسمة ، بس ماشى يا چابر ، عتشوف منى وش تانى خالص وعندمك على اللى عملته ده .
ثم صرخ فى جاد مرة أخرى قائلا : انت لسه واجف عنديك ، جولت بره .
فزدادت دموع جاد بهيسترية ثم ركض للخارج بقلب متحطم ، نحو قصر الجبالى حيث اخوه جابر.
نظر جاسر إلى أثره مردفا: فى ستين داهية.
لتأتى إليه حسنية تتغنج فى مشيتها وتضع يدها على كتفه مردفة بدلال: تسلملى يا سيد الرچالة .
فلمس جاسر يدها ورفعها إلى فمه وقبلها مردفا : ويخليكِ ليه يا جمرى .
ثم تركها وجلس مهموما على الأريكة التى من ورائه ووضع يده على رأسه ، فأتت إليه حسنية وجلست بجانبه وداعبت خصلات شعره مردفة بحنو : إيه مالك يا حبيبى ، شايل طاجن ستك ليه إكده ؟
رفع جابر رأسه ونظر إلى عينيها ثم أغمضهما بحزن مردفا : سى چابر بيه طردنى يا حسنية ، انا أخوه عشان ناس ملهاش جيمة ومتمشيش غير بالمركوب .
عقدت حسنية حاچبيها مردفة بغلظة : عبيط أخوك چابر ده ، انا خابره وطالع زى أمه مچنون ، كيف ما أمى بتجولى .
_ بس سيبك منيه ، هو احنا يعنى محتاچين الكام هلفوت اللى بيچى منيه .
_ احنا خلاص بجينا فى العالى ، عشان تعرف بس فضل مرتك حسنية.
حرك جابر رأسه مؤكدا ولكنه أجاباها بإستياء: مجولناش حاچة بس يا فهيمة عصرك وأوانك ، كيف هنتصرف فى البضاعة دلوك اللى عنديه فى المخازن بعد ما طردنى ومينفعش دلوك أخطى چوه المصنع تانى عاد .
فوضعت حسنية يدها على رأسها مردفة بضجر : ايوه _ طيب وبعدين هنتصرف كيف ؟
_ دى مشكلة واعرة جوى ، واحنا محتاجين البضاعة عشان نقبض تمنها ونمشى حالنا الواجف ده
_ ولولا أكده ، كنت شورت عليك تبلغ عنيه وشوطه تاخده نستريح .
أومىء جابر برأسه : ايوه ، بس عنعمل ايه دلوك ؟
وفى تلك اللحظة سمعوا طرق خفيف على الباب ، فتجهم وجه حسنية مردفة : يوه ، ده شكله المنيل أخوك جاد رچع تانى ، وأهو چابر أخوك اللى فاكر نفسه راچل بتاع قال الله وقال الرسول مستحملهوش دقيقة وخلته يعاود .
_ بس ادينى عجولهالك تانى يا جاسر , لو دخلته إهنه تانى ، انا هطلع فى ساعتها .
_ اه ما انا مش هستنى لما فى يوم يچى ويتهچم عليه ، ده الموت عندى أرحم .
تجهم وجه جابر ووقف والدماء تغلى فى عروقه مردفا بإنفعال : ده انا كنت أحط رجبته تحت رچلى.
ومتخافيش مش هدخله تانى ، ويبات بجا فى أى زريبة ، تليج بيه الحيوان ده .
ثم اتجه لفتح الباب وهو يضرب بقدميه فى الارض من الغضب ، وأدار مقبض الباب بيد مرتجفة من شدة الإنفعال ليهدر : انت چيت تانى ليه يااااا ولكنه لم يكمل كلمته لإنه رأى ....؟
ماذا رأى جاسر جعله ينتفض هكذا ؟
وهل سيستطيع بالفعل حمدى أن يصل إلى قمر ؟
تابعوا الرواية يا قمرات عشان نعرف الإجابة .
نختم بدعاء جميل ❤️
"وَقُلُوبنَا يَارَبُّ صَبَرَتْ؛ فَأَنْعِمْ عَلَيْهَا بِأَفْرَاحٍ تُغَيرْنَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ يُرْضِيكَ وَيُرْضِينَا." 🤲💚
ام فاطمة ❤️ شيماء سعيد
رواية اولاد الجبالي الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم شيماء سعيد
ظن جاسر وحسنية أن الطارق الذى أتى إليهم هو أخيه الصغير جاد، فاستشاط غضبا.
ثم توجه لفتح الباب وهو يضرب بقدميه فى الأرض من الغضب، وأدار مقبض الباب بيد مرتجفة من شدة الإنفعال ليهدر:
- أنت جيت تانى ليه يااااا...
ولكنه لم يكمل كلمته لإنه رأى أمامه رجل ملثم، فضيق عينيه جاسر مدهشا مردفا:
- أنت مين يا جدع أنت؟
ليظهر من ورائه زرارة الذى يعلمه جيدا جاسر فقال بإندهاش:
- زرارة، أنت تعرف الراجل ده؟
زرارة بمكر:
- ايوه وأنت كمان تعرفه زين وهتعرف لما بس ندخل جوا، بسرعة بس وسعلنا أكده وأجفل الباب ورانا.
تعجب جاسر ثم التفت الى حسنية مشيرا لها:
- خش جوا يا بت دلوك.
طالعت حسنية بطرف عينيها ذلك الملثم بإندهاش مردفة:
- يا ترى مين ده؟
وعندما حدقها جاسر بغضب لوقوفها مكانها، أسرعت للدخول.
ثم لم يجد جاسر سوى أن يفسح لهم المكان للدخول، فولج الرجل الملثم الذى وزع نظراته فى كل أركان المنزل بحثا عن التى شغلت قلبه دون أن يراها.
ثم أتبعه زرارة، حتى جلسا فى مندرة الضيوف.
دب القلق والتوتر فى قلب جاسر وهو ينظر إلى نظرة عين ذلك الملثم الحادة، فحاول الإبتسام رغما عنه مردفا:
- مش بجينا لحالنا اهو، تقدر تشيل الشال ده وتعرفنى أنت مين؟
فأزال حمدى اللثام الذى على وجهه مبتسما بشر مرددا بصوت يشبه فحيح الأفعى:
- كيفك يا جاسر يا ابن الغالى حمدان الجبالى؟
اتسعت عين جاسر من الصدمة ووقف مذهولا مرددا:
- حمدى!!
- كيف ده، أنت خرجت إزاى، ولا تكونش....
ليقاطعه حمدى بثبات مكملا كلمته:
- ايوه هى دى، هربت.
- واجعد إكده واهدى ومتخافش، عشان نعرف تكلم عاد فى المفيد.
فجلس جاسر وصدره يعلو ويهبط من القلق، ليتحدث زرارة:
- إيه يا راچل معتزمش علينا حتى بكوباية شاى، ده انت أبوك ابو الكرم.
جاسر بحرج:
- اه طبعا، لا مؤاخذة يعنى، المفاجأة خلتنى مش دارى بحالى.
- وطبعا هنضيفكم واحنا فى الساعة لما يچلنا الريس حمدى بحاله.
ليقوم بالنداء على حسنية بعد ذلك:
- أنتِ يا بت، الشاى للمعلمين بسرعة.
إستمعت حسنية لقوله فأجابت بصوت رخيم داعب قلب حمدى:
- من عينيه التنين، حالا عيكون عنديكم.
فهمس حمدى لذاته:
- يا عينى على ده صوت، يشبه صوت الكروان أكده.
- ودخل جلبى كأنها عتجولى عحبك يا حمدى.
- أمال شكلها إيه عاد المهلبية دى!!
ليرحب جاسر رغما عنه خوفا منه:
- يا مرحب يا معلم جاسر، نورت الدار.
حمدى بمكر:
- نور بأهلها يا جاسر.
- وطبعا زمانك عتسئل نفسيك أنا چى ليه؟
أبتلع جاسر غصة فى حلقه مردفا:
- مچيتك على راسى يا معلم حمدى، بس أكيد عايز أعرف ليه؟
فتدخل زرارة والإبتسامة تعلو وجهه:
- عشان الشغل طبعا يا جاسر، آمال عشان إيه!!
- سيد الكل حمدى واد عمى، عايز يعيد أمجاد منصور وحمدان الچبالى من جديد وعشان إكده چينا، عشان نحط إيدينا فى إيد بعض ونكون إيد واحدة ونبتدى الشغل التجيل على مية بيضة.
- ها إيه جولك يا چاسر، ولا عچبك الشغل الجطاعى اللى أنت فيه ده
- ولى چى منيه يدوبك ميساويش تعبك فيه.
فتراجع جاسر للوراء وأستند بظهره على مقعده ومسح بيده على شعره وأخذ يقلب حديث زرارة فى عقله ولكنه شعر بغصة تجتاح قلبه فغلب عليه التردد وظهر ذلك فى قوله:
- بس يا زرارة!!
ليجتاح الغضب وجهه حمدى ووقف منفعلا وصاح بقوله:
- بس أيه يا واد يا چاسر، هو أنت ليك رأى جصادى ومش عايز تشتغل معايا ولا ايه؟
وكانت حسنية من وراء الستار تستمع إلى كل كلمة كانت بينهم وتختلس النظر إليهم وخصوصا حمدى فحدثت ذاتها:
- الراچل ده شكله هيبة جوى ومالى مركزه وكلمته موزونة، وواثق من نفسه عشان أكيد عنده خبرة وعينفعنا أكيد فى اللى چى.
- ده غير شكله حليوة جوى، وطول بعرض أكده، ده جاسر جمبه مش باين ويا بختها مرته بيه.
- أدى الرجالة ولا بلاش!
- اللى تملى العين والجلب، والست معاه تتهنى وتحس إنها ملكت الدنيا معاه.
- ولما أدخل أجول كلمتى وأراضيه فى اللى عايزه، عشان جاسر شكله عيطينها ومش فاهم مصلحته وعقله على قده..
فحملت حسنية الشاى ودلفت للداخل، تتغنج فى مشيتها، تحدق بعينيها حمدى بنظرة إعجاب، مرددة بإبتسامة هادئة:
- العوافى عليكم.
- أهلا وسهلا نورتونا والله.
فسحب حمدى نفسا مطولا وهو يطالعها عن كثب من مخمص قدميها إلى رأسها ثم وجهها ذو البشرة البيضاء الفاتنة وعينيها شديدة السواد الواسعة ذات الاهداب الطويلة.
فاتسعت عينيه وفتح فمه ببلاهة، ولاحظت حسنية نظراته إليها، فزدادت من ميوعتها وتقدمت منه وانحنت بعض الشىء لتعطيه كوبه من الشاى وهى تنظر إلى عينيه مباشرةً مردفة:
- إتفضل يا سيد الناس؟
طالعها حمدى بشغف ودقق النظر فى ملامحها لكى يحفرها فى ذاكرته جيدا ليتخيلها بعد ذلك وحدث نفسه:
- يا لوز أنتِ يا لوز.
- غزال يا اخواتى، لهطة جشطة، عسل نحل حاچة أكده
- وخسارة فعلا فى اللطع اللى اسمه جاسر ده.
- وانا أحق بيها منيه.
ثم مد يده المرتجفة من إطالة النظر إليها، فكاد الكوب أن يسقط منه، فغمزته حسنية مستطردة بدلال:
- خلى بالك يا سيد الناس عشان الشاى سخن.
فتنهد حمدى بحرارة:
- مش قدى يا بت يا حسنية أنتِ.
لا أستطيع أن أصف ما أشعر به معك، كل ما أستطيع قوله أنني أشعر بك هنا في رُوحي.
لاحظ جاسر نظرات حمدى لها، فاندلعت الغيرة فى قلبه ووقف هادرا بقوله:
- ما تخلصى يا بت وتخش جوا، خلينى أعرف اتكلم مع الرچالة.
فاعتدلت حسنية واقفة، وحدقت جاسر بغضب مردفة:
- حاضر يا جاسر، بس كنت عايزة أجول حاچة.
- سى حمدى راچل تمام وعنديه خبرة فى شغلنا، وده يخلينا نعلى ونعلى وعشان إكده انا موافقة إننا نشتغل معاه وأظن أنت كمان معندكش مانع.
فابتسم حمدى بغرور وغمزها وهمس:
- عفارم عليكِ يا بت شكلك عتفهمى عن الطور اللى مچوزاه ده.
فصك جاسر على أسنانه بغيظ وقبض على يده بقوة، لينفث غضبه مردفا:
- انا مش جولتلك خش جوا يا بت وسبينا أنا اتكلم مع الرچالة وتوفقى ولا متوفقيش ده شىء ميخصكيش.
فحدقته بغضب مرددة بإنفعال:
- كيف ده!
- مش مالنا كلنا وليه حق أتكلم فيه واتكلم ونص كمان.
فتقدم منها جاسر بعد أن شعر بغليان الدماء فى عروقه ورفع يده ليصفعها، فوضعت حسنية يدها على وجهها بذعر، وعندما هوى بيده ليصفعها وجد يد حمدى تمسكها بقوة.
فتألم جاسر وطالعه بغضب، فحدقه حمدى بنظرة نارية وبصوت يشبه فحيح الأفعى قال:
- إياك تمد يدك عليها أنت فاهم.
- وإلا عتشوف منى وش تانى خالص يا ابن حمدان.
- وجول على نفسك يا رحمن يا رحيم.
فارتجفت جاسر وامتلكه الرعب من حمدى، فتراجع ولاذ بالصمت.
فنظرت حسنية إلى حمدى بإمتنان، ثم أشار حمدى إلى جاسر قائلا:
- ودلوك نقرء الفاتحة على شغلنا مع بعض يا جاسر.
- الفاتحة عشان محدش منينا يخون التانى وتكون كلمتنا دلوك كلمة راچل واحد متتغيرش.
ففتح جاسر فمه ببلاهة، فلكزته حسنية مردفة:
- ما تقرء يا جاسر.
والفاتحة حديث حق، أرادوا بيه الباطل للأسف.
وعندما انتهوا باغته جاسر بقوله:
- بس دلوك فيه مشكلة عندى يا معلم حمدى، قبل ما نتكلم فى الشغل.
طالعه حمدى بإنتباه مردفا:
- وهى إيه المشكلة دى؟
- بس بعون الله مفيش مشكلة عندى ملهاش حل.
فحدقته حسنية بإعجاب وبادلها النظرة محدثا نفسه:
- وأنتِ أطعم وأحلى مشكلة قابلتها فى حياتى وعتتحل قريب جوى.
زفر جاسر بضيق وقال:
- البضاعة اللى عندى مش عارف أصرفها دلوك، عشان أنا كنت دسسها فى مخازن أخوى جابر لما كنت اشتغل معاه من غير ما يدرى، لكن دلوك هو طردنى ومش خابر هعتب كيف هناك بعد اللى عمله.
- وإكده شغلى هيوقف عقبال ما فكر كيف هطلع البضاعة من إهناك.
فضيق حمدى عينيه بتفكير، ثم لاحت أمام عينيه فكرة تطيحه من أمامه بسهولة لينفرد بتلك الحسناء الذى أذهبت بعقله من أول نظرة.
فرفع حمدى كوب الشاى إلى فمه وأرتشف منه بتلذذ وأشار الى حسنية:
- الله على دى كوباية شاى، تسلم الأيادي.
حسنية بدلال:
- تسلم يا سيد الرچالة.
فتلون وجه جاسر ولم يستطع تحمل نظرات حمدى وكلامه الى حسنية فهب واقفا مجددا، وأمسك بذراع حسنية ودفعه بقوله:
- مالك أكده واقفة زى خيال المآتة عاد، خشى إترزعى جوا.
طالعته حسنية بغضب:
- ما براحة عاد يا جاسر، وماشى عتنيل أخش جوا، وورينى عتصرف كيف مع الرچالة بمخك الضلم ده.
ثم خطت خطواتها للداخل، وتبعها حمدى بنظراته ثم نظر إلى جاسر بسخط واستطرد:
- بص يا واد حمدان الجبالى.
- إستعوض ربنا فى البضاعة دى، وبلغ عن أخوك اللى عامل نفسه مستشيخ ده واكده تكون خدت بتارك منيه.
جاسر بغضب:
- واشتغل كيف تانى وانا معنديش سيولة تكفى وكنت منتظر أبيع البضاعة دى.
حمدى مشيرا إلى رقبته:
- أنا رقبتى سدادة، متشلش هم عاد.
- ده أنت ولد الغالى حمدان.
وحينها ابتسم جاسر وهدئت نفسه بعد أن غزى الطمع كيانه وأنساه أخيه الذى لم يرى منه غير كل خير.
ولم يفكر سوى فى نفسه وما سيعود عليه من مشاركة ذلك الشيطان حمدى.
********
تحدث جابر وبانة كثيرا واطمئنت بانة لوجوده بجانبها وطالعته بصمت وهو يرويها من لسانه العذب بكل كلمات الحب.
أحبك قالها حرفي
وردد قولها طرفي
وكم حاولت مجتهدا
أواري الشوق في جوفي
فتفضح أعيني حبي
وتبدي كل ما أخفي
أحبك قلتها ألفاً
وزاد القلب عن ألفي
ألم تسمع نداءاتي؟
ألا تحنو أيا لهفي!
ألا تغزوك أشواقي!
وقلبك يرتجي طيفي!
فهل تهدي فؤادك لي
لأسكنه بلا خوف؟
فحدثت نفسها بانة:
- ياااه يا چابر، أنت لحالك أكده إتجمعت كل نعم ربنا فيك، مش خابرة من غيرك كنت عملت إيه لحالى.
- ومحدش عيتحملنى زييك، حتى أمى عتغضب منى، مش خابرة ليه!
- عشان يعنى مش منافقة وأجول الحق وميهمنيش حد عاد.
لاحظ جابر نظراتها إليه المطولة، التى تخرج قلوبا امتلئت بها الحجرة، فأمسك يديها بلطف قائلا:
- ها يا جلبى، مش عتجوليلى عاد مين عيضايقك وليه؟
- وأنتِ عملتى ايه عاد عشان يعملوا أكده؟
اصطنعت بانة الحزن واستكانت قائلة:
- هو انا بردك أقدر اعمل حاچة تزعل حد منى، ده انا مش بعرف أطلع من بوجى غير الكلمة الطيبة، بس أجول ايه!
- معيطمرش فى حد ابدا.
فوضع جابر يده على فمه ليخفى ضحكته حتى لا تغضب وهمس:
- أيون، انتِ عتجوليلى، ما أنا مچرب.
لاحظت بانة إبتسامته فصكت على أسنانها غيظا لتقوم غاضبة مردفة:
- أنت كمان زييهم عتضحك عليه وأنا اللى جولت أنت غير.
- ماشى يا جابر، خليك بجا لحالك وانا عنام عشان إبنك عيسهرنى طول الليل.
فأمسك جابر بيدها ورفعها لفمه لي..قبلها بحنو قائلا:
- لا أنا مجدرش على زعل الجميل عاد.
ثم جذب يدها وأجلسها على فخذه، ثم قبل جبينها بحنو:
- مالك بس يا جلبى، جوليلى إيه مزعلك طيب منيهم؟
ذابت كل حصون بانة جراء معاملة جابر لها الحنونة،
فلم تستطع الصمود فطوقت عنقه وأحضنته هامسة:
مفيش زعل طول ما أنا في حاسة إني في قلبك وجسمك وروحي هي روحك يا حبيبي.
وعتنسيني العالم كله، ومبجاش عايزة من الدنيا دي غيرك.
فابتسم باسم وعانقها بحب واسترسل بعشق جارف:
يااه يا قلب جابر.
مجدرش أنا أتحمل الكلام الحلو ده كله.
أنا بحبك جوا يا عيون جابر.
ليحملها بعد ذلك بهدوء، فضحكت بانة ودفنت رأسها في عنقه ثم وضعها برفق على الفراش.
وما كاد يجلس بجانبها حتى استمع إلى طرق على الباب، فعبس بوجهه قائلاً بنفور:
هو ده وجته برده كده.
فأشاحت بانة بيدها مردفة:
سيبك من اللي قيخبط كأنك مش سمعه وتعالى ارتاح، أنت تعبان.
فغمزها جابر هامساً بحب وهو يفترش السرير:
على جوالك خلى اللي يخبط يهبط.
ولكنه اعتدل فجأة مرة أخرى عندما سمع صوت جليلة من الخارج:
يا جابر بيه، يا جابر بيه.
أخوك جاد تحت عايزك وعايزكي معرفش ليه.
جتع قلبي والله يا كبدي.
فهمس جابر بفزع:
أخويا جاد،
ثم صاح بقوله:
أنا جاي حالا يا خالة، إسبقيني أنتِ.
جليلة:
حاضر يا بيه، متعوجش بس عشان عايزكي يا حبة عيني.
جابر:
لا يا جليلة أنا نازل، هحط بس الجلبية عليه.
فقام جابر، ليرتدي جلبابه الصعيدي، فتلوت بانة في الفراش وضغطت على شفتيها بغيظ ثم اعتدلت وجلست بانفعال مردفة من بين أسنانها:
هو ده وقت أخوك يجي فيه أكده يا جابر!
وكمان من غير ما يكلمك الأول على التلفون.
ابقى علمه أصول الزيارة لما تنزل.
أوجعته جابر كلمات بانة وشعر بانخفاض أنفاسه وسكون الدم في أوردته وكأنه على مشارف الموت، ثم التفت إليها وحدقها بحزن:
ماشي يا بت الأصول، معلش مهو جاد لسة عيل، وكمان محلتوش ولا أبو ولا أم تعلمه الأصول، فمعلش المرة دي.
ارتبكت بانة من نظرته تلك ووضعت يدها على فمها بندم، فها هي تخطئ مرة أخرى في أحب الناس إليها.
لتحاول بعد ذلك الوقوف والسير إليه وهو يعدل من وضع جلبابه الذي ارتداه على نحو خاطئ من فزعه على أخيه الصغير.
اقتربت منه بانة وعندما حاولت لمس كتفه، ابتعد جابر وكأن لدغته عقربة.
فارتجفت بانة وضمت يدها مرة أخرى مردفة:
جابر أنا مش قصدي حاجة، أنا بس عشان زعلت لما قمت من جنبي.
حرك جابر رأسه باستياء ثم قال:
ولا قصدك مفرجتش يا بت الناس.
أنا نازل لأخويا أشوفه ماله وارتاحي أنتِ براحتك، متنظرنيش، عشان لو طولت معاه.
فصكت بانة على أسنانها بغيظ، ودعست بقدميها الأرض، فلم يعيرها جابر اهتماماً وخرج مسرعاً لملاقاة جاد.
ثم نزل السلم سريعاً وراه من بعيد قد أحمر وجهه من كثرة البكاء واستمع إلى شهقاته التي فزعت قلبه، فاقترب منه مردفاً:
جاد مالك يا حبيب أخوك، ليه عيالك؟
حصل إيه؟
فألقى جاد نفسه في حضن أخيه، فشدد جابر من احتضانه حتى يهدأ مردفاً:
بس اهدى يا حبيبي، أنت دلوقتي في حضن أخوك، ميقدرش حد يأذيك.
فهدأ جاد قليلاً وابتعد عنه قائلاً:
أنا مش راضي أعيش تاني مع الحية حسنية وجاسر أخويا.
ده غير إنه طردني، تصور يا أخويا طردني من بيت أبويا وعشان مين مرته العقربة حسنية اللي ماشية على حل شعرها.
فوضع جابر يده على وجهه واستغفر:
استغفر الله العظيم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الله يهديك يا جاسر، وياريت كان عمل بنصيحتي لما قلتله بلاش البت دي، واهو اللي كنت خايف منه حصل وكمان مش راجل وبدل ما يطلقها هيطردك.
فبكى جاد:
ما هو مش عارف اللي هتعمله، دي كمان اتهمتني ظلم إني هتجسس عليها وهي تغير هدومها، وعشان كده ضربني وطردني.
واحلفلك بإيه يا أخويا، إني معملتش أكده، ده أنا تربيتك وبتحفظني كتاب الله وعسلي معاك صلاة الجماعة.
فاحتضنه جابر مرة أخرى وتمتم بحزن:
بس يا أخويا اهدى ومتحلفش، أنا مصدقك، وليه كلام مع جاسر تاني.
جاد بفزع:
هتقوله يرجعني، لا يا أخويا معايزش أرجع أرجوك وأشوف وش العقربة دي تاني.
ولو أنت كمان مش عايزني، أنا عندي أبات في الشارع ولا أرجع ليهم.
فضم جابر وجنة جاد بيده مردفاً بحنو:
هتقول إيه يا واد يا عبيط أنت!
أنت أخويا ويسعك قلبي قبل بيتي، بس للأسف دي مش بيتي عشان أستضيفك فيه.
جاد بصدمة:
يعني إيه!
عايش في الشارع.
جابر:
لا يا حبيب أخوك، أنا هطلع أجيب هدومي وهنروح أنت وأنا المصنع نبيت فيه.
لغاية ما نشوف شقة صغيرة أكده على اسم جدنا أنا وأنت نعيش فيها سوا.
فتهلل وجه جاد بقوله:
ياريت يا أخويا، وياريت تجيب غيث الصغير يعيش معانا، عشان أنا بحبه جوا جوا.
فابتسم جابر بمرارة:
وهو بيحبك جوا كمان يا جاد.
بس أنت عارف إنه لسة صغير وبيحتاج أمه، لما يكبر شوية ناخده.
فتساءل جاد:
هي أبلة بانة مش هتعيش معانا في الشقة دي؟
فحرك جابر رأسه بقهر مردفاً:
برده بانة هانم توافق تسيب القصر وتجي تعيش في شقة.
على الله حكايتك يا جاد، إحنا هنعيش لحالنا.
فابتسم جاد مردفاً بخجل:
متأخذنيش يا أخويا، أكده صوح لحالنا أحسن، عشان أبلة بانة دي، دمها تجيء جوا وتتكلم من طرف مناخيرها.
وصراحة كان نفسي تتجوز واحدة طيبة أكده، زي أمك أنت الله يرحمها.
فدمعت عين جابر حين تذكر والدته وحنوها عليه قبل أن يذهب بعقلها المريض.
ليستطرد بقوله:
النصيب يا جاد، مفيش منه مهروب.
ودلوقتي ارتاح يا عيالك، هروح أجيب هدومي.
واجعد هنا بأدب عقبال ما أرجع.
جاد بابتسامة بريئة:
حاضر يا أخويا.
******
عاد براء إلى القصر وحديث والدته يدور في ذهنه عن إظهار اهتمامه بزاد حتى لا يفقدها من بين يديه.
فعزم الأمر تلك الليلة أن تكون ليلة مميزة يستعيد بها لحظاتهم السعيدة التي افتقدوها تلك الأيام نتيجة عنادها وتجاهلها هو.
فولج للقصر، فوجد جاد الصغير فرحب به قائلاً:
أهلاً يا أبو الشباب الصغير.
فضحك جاد:
أهلاً بحضرتك يا عمو.
براء:
ربنا يحفظك يا حبيبي، تأمر بأي حاجة قبل ما أطلع.
جاد بخجل:
ربي يخليك، أنا مستني جابر أخويا.
براء:
تمام يا حبيبي، بعد إذنك.
ثم توجه للأعلى حيث غرفته مع زاد.
فأدار المقبض، فشعرت زاد به، فأدرت وجهها للجهة الأخرى على الفراش واصطنعت النوم.
وعندما رأها براء نائمة فزفر بضيق قائلاً:
يا ده الليلة اللي مش في بالي.
أعمل إيه دلوقتي، أصحيها عشان نعيش شوية، ولا أسيبها وخلاص ونعمل بالمثل اللي بيقول نوم الظالم عبادة.
استمعت زاد لكلماته تلك فشعرت بغصة في قلبها وحدثت نفسها بحزن:
أنا ظالمة يا براء، أكده ماشي وربي لأوريك.
استطرد براء:
طيب أشوف أكده يمكن تحس على نفسها البعيدة بيه وتقوم لحالها، لما تسمع صوت الجلبان اللي هعمله في الأوضة دلوقتي.
ليتحرك نحو خزانة الملابس، فيفتحها ويخرج منامته ثم أغلقها بقوة فأصدر صوتاً عالياً.
فتجهم وجه زاد محدثة نفسها:
يفجعك عفريت أحول يا بعيد.
ثم أخذ براء يدندن ويغني بصوت عالي:
غلطة ندمان عليها وبقولك واسمعيها قلبي مش ملك إيدك أو لعبة بتلعبيها حسستك بالأمان وأديتك الحنان وحاجات كتير زمان مقدرتيش تفهميها قلبي.
فصكت زاد على أسنانها بغيظ محدثة نفسها:
هو فين الحنان يا بتاع النسوان، ده مش وشفتش بربع جنيه حنان منك.
اه لو تديني يا براء حبة دلع في رغيف، كنت وكلتك الهناء كله.
بس متستاهلش عاد.
ليطالعها براء بطرف عينيه لعله يجدها استيقظت على أثر صوته، ولكنه وجدها ما زالت نائمة، فانفعل ودبدب بقدميه كالأطفال مردفاً:
نومها تقيل زي دمها.
خلاص أكده شكل الليلة ضاعت فشوش، لما أدخل أبرد جتتي اللي جاية نار دي وأتسبح.
ثم ولج المرحاض غاضباً.
لتعتدل زاد فور دخوله للمرحاض وعلى وجهها ابتسامة ماكرة مردفة:
لما تخرج بس يا براء هلاقيك أحلى مفاجأة تستاهلك يا بتاع النسوان.
رواية اولاد الجبالي الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم شيماء سعيد
غضب براء بعد أن يئس من استيقاظ زاد، بعد أن افتعل كثير من الأصوات المزعجة لكي تستيقظ.
وفي النهاية استسلم وذهب ليأخذ حمامه، ليخلد للنوم بعده.
وأثناء تواجد براء في الحمام، ابتسمت زاد بمكر مردفة:
هتخرج عتلاجي أحلى مفاجأة يا بتاع النسوان.
فقامت ولطخت وجهها بمسك الفحم الأسود، ونظرت لهيئتها في المراية فضحكت مرددة:
يلا عشان بس تعرف إني عهتم بنفسي وببشرتي عشان خاطرك يا جلبي.
ثم عندما سمعت صوت الماء الخارج من الحمام قد توقف، فأسرعت للفراش مجددا واصطنعت النوم.
خرج براء من المرحاض، فوجدها ما زالت نائمة وتولي ظهرها له، فحرك رأسه باستياء مردفا:
نامي نامت عليكِ حيطة.
ثم ألقى المنشفة بغضب على الأرض، ليفترش السرير محاولا النوم.
ولكنه أخذ يتقلب كأنه ينام على جمرة من النار، وأعاد على ذاكرته لياليهم السعيدة معا، فأخذته اللهفة والشوق لها.
لذا استدار وقبّلها وأخذ يلاعب خصلات شعرها وانحنى برأسه على أذنها هامسا بحب:
ما تقومي بقا يا زاد، عشان أتوحشتك جوا يا جلبي.
فأصدرت زاد شخيرا مصطنعا، فشهق براء مرددا:
يخربيت نهيق الحمار بتاعك ده كمان.
_ بس على مين، أنا طلبت معايا أصحيكِ يعني هصحيكِ.
فأمسك بذراعها وحاول أن يجعلها تلتفت له.
فحدثت زاد نفسها:
انت أكيد اللي جنيت على نفسك عاد.
لتلتفت له زاد مع حركة يده، ليصعق براء من وجهها الأسود ويفزع وينتفض من على التخت صائحا:
عفريت، عفريت يا أبوي.
إلحقوني يا ناس، عفريت.
فاعتدلت زاد وكأنها لم تفعل شيئا وهي تتثاءب وتدعك عينيها ثم طالعته باندهاش مردفة:
براء، انت چيت يا حبيبي؟
_ ومالك أكيد وشك مخطوف، أنت تعبان ولا حاجة؟
فصرخ براء:
اه تعبان، تعبان جوا.
وعشان أكيد عروح أنام في أوضة تانية، عشان إهنه مش متحمل أخد نفسي، چبتيلي المرض منك لله.
ثم اتجه نحو الباب وخرج وأغلقه بقوة فأصدر صوتا عاليا أفزع زاد ووضعت يدها على أذنيها ثم قالت:
تستاهل يا براء، ولسه ياما تشوف مني، طول ما انت لسه عتبصص النسوان وشايفني في عينيك قردة.
ومتلومش إلا نفسك، أنا كنت عحبك أكتر من نفسي وتتمنى لك الرضا ترضي.
_ بس حسيت إني قليلة في نظرك، ومش شايفني حلوة في عينيك وعتبص للحلوين.
وزمانك عتجول في نفسك: أنا إيه اللي بلاني بيها دي.
عشان أكيد عتطلعهم على جايك وأنتقم لنفسي منيك.
_ بس رغم ده كله، عحبك وعتصعب عليه.
_ فلاشي يعادل قربك بجانبي، كل الأشياء التي أود أن تستمر هي أنت.
_ يا أحسن الناس في عيني، وأعذبهم.
غضب براء بعد أن يئس من إستيقاظ زاد ، بعد أن افتعل كثير من الأصوات المزعجة لكى تستيقظ .
عندما أطال جابر جلوسه مع جاد، انتظرته بانة على مضض وأخذت تدور الغرفة ذهابا وإيابا تلعن نفسها بسبب ذلك الكلام الذي يخرج منها دون وعي.
ثم لعنت جاد بقولها:
كان وقتك دي دلوك يا ابن حمدان، هلاقيها منيك ولا من أخوك اللي ما بيصدق يزربن بسرعة ويزعل مني.
_ وأنا كمان مش قادرة أحط لساني جوة خشمي وأسكت.
يا خوفي لتضيع مني تاني يا جابر، ويبقى منظري عفش جدامهم ويتلسعوا عليه ويجولوا طفشتيه من لسانك اللي مبيهمدش ده.
_ لا بس أنا أول ما يطلع هبوس على يده واستسمحه عشان ميزعلش مني، وهو أنا عارفة أنه طيب وعيسامحني.
_ بس هو طول ليه أكيد مع الشيطان الصغير ده؟
ثم سمعت صوت صرير الباب وهو يفتح، فأسرعت إليه ووقفت قبالته وحاولت عناقه مردفة:
حبيبي أتوحشتك جوا، ليه عوقت تحت أكيد؟
_ وأخوك مشى خلاص، كان عايز منيك حاجة؟
فأبعدها جابر عنه برفق، ثم توجه لخزينة ملابسه وأخرج حقيبة صغيرة ووضعها على السرير ثم بدأ يخرج بعضا من ملابسه ويضعها في الحقيبة.
فارتجفت بانة وسددت له النظر بفزع وحاولت إخراج صوتها الذي علق في عنقها من الخوف من مرارة الفقد مرة أخرى، فخرج صوتها مهزوز:
جااااابر، أنت هتعمل إيه؟
_ إياك تجول إنك هتهملني مرة تانية، لا يا جابر، أرجوك.
_ صدقني جلبي مش هيتحملها المرة دي.
فالتفت لها جابر وطالعها بنظرة قهر حزينة ثم أردف:
بانة معدتش ليه لازمة الكلام يا بت الناس.
_ أنا دلوك في رقبتي أخويا الصغير، بعد ما طرده الله يصلح حاله جاسر.
_ وخلاص عشان يجعد معايا إهنه، عشان دلوك ملهوش حد غيري.
فتشنجت ملامح بانة مردفة بما قطع آخر خيط وصل بينها وبين جابر بحماقة شديدة:
يجعد فين ابن حمدان، هو فاكرها تكية ولا إيه؟
_ ولا إحنا فاتحينها ملجأ!!
وكل من هب ودب عايز يجعد فيها!!
فأغمض جابر عينيه متألما، مع أنه كان يتوقع ردة فعلها تلك ولكن شعر بكلماتها تلك في قلبه كأنها طعنته بسكين حاد، نزف قلبه على إثرها، ومات في الحال.
فأومأ جابر رأسه بخزي مردفا:
آه عندكِ حق، وعشان أكيد، هاخده وامشي وهنخرج من الجنة بتاعتك دي واجعدي فيها لحالك يا بانة، عشان ترتاحي وتاخدي راحتك عاد، كيف ما أنتِ عايزة.
اتسعت عين بانة عن آخرهما ورفعت إحدى يديها مشيرة إليه باستنكار:
أنت اتجننت يا جابر، عتهمل مرتك وابنك عشان أخوك الصغير ده.
_ للدرجة إننا طلعنا هينين عندك، وبعتنا أكيد بسرعة!!
طالعها جابر بذهول من منطقها الغريب الذي تتحدث به ولم يستطع الرد عليها سوى بآيات من الذكر الحكيم قائلا:
أنتِ عارفة يا بانة كلامك وقلب الحقيقة عيفكرني بإيه؟
بانة بحدة:
بإيه يعني؟
جابر:
بقوله تعالى( ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.
بانة ببلاهة:
مش فاهمة يعني إيه؟
جابر بمرارة:
ولا عمرك هتفهمي.
ثم تحرك نحو سرير ابنه النائم، فقبله بعين تلمع من الدموع وحدث نفسه:
آسف يا ولدي، آسف بجد إني اخترت أم على هواى مش على هوى رب العالمين ووصية رسول الله ( اختر ذات الدين تربت يداك ).
ثم عاد فأمسك بحقيبته وطالعها بانكسار نظرة أخيرة مردفا:
يا خسارة يا بانة.
ثم استدار وغادر، ليسمع صراخها:
مجنون، أكيد مجنون، كيف أمه صح!
_ أنا غلطانة إني اتكلمت واستسمحتك يا جابر، لكن خلاص بدال أنت اخترت تبعد، فابعد براحتك وأنا مش هدور عليك تاني لآخر العمر.
ثم ألقت بنفسها على السرير تبكي بمرارة بقولها:
مش عارفة إيه حظي العفش في الدنيا ده مع كل الناس، مع إن جلبي أبيض.
نزل جابر للأسفل وتقدم من أخيه وحاوطه بذراعيه قائلا:
يلا أخويا بينا من إهنه، أنا أصلا عمري ما حبيت الصريات دي، بس كنت مضطر بس دلوك خلاص أخدت حريتي من جديد.
ويستحيل بعد أكيد أحكم جلبي قبل عقلي، خدها مني نصيحة يا أخويا، اختار دايما اللي بيجوله عقلك، لأن اختيار الجلب عيجيبك الأرض وتندم.
طالعه جاد بعدم فهم ولكنه لم يجد سوى أن يؤمّن له برأسه موافقا على كلماته التي لم يفهمها.
وصدق قوله تعالى ( سنشد عضدك بأخيك ).
فالأخ لا يعوض بأحد.
فقد خير الحجاج إمرأة أن تختار ما بين زوجها وولدها وأخيها من منهم سينجو من براثنه.
فاختارت المرأة الأخ لأن الزوج والولد قد يأتي غيرهم أما الأخ فلن يأتي غيره.
فأفرج عنهم الثلاثة الحجاج لفصاحتها ومعرفة قدر أخيها.
أسرع مسالم بقلب فزع على حبيبته قمر بعد أن استمع لصراخها المفاجئ،
وخشي أن يكون حمدي قد ولج بغتة عليها دون أن يشعر به.
فركض سريعا إليها وعندما وصل لديها أخذ صدره يعلو ويهبط وحاول التقاط أنفاسه التي كادت تنقطع من الخوف والذعر.
فوجدها على فراشها تبكي ولم يجد أحدا، فوقف يلتقط أنفاسه بصعوبة ثم توجه نحوها وأحاطها بذراعيه لتهدئتها قائلا:
قمر، مالك حبيبتي، فيك إيه يا جلبي، مالك، تعبانة؟
_ أشيع أجيبلك الدكتورة؟
فطالعته قمر بعين خائفة شاخصة، وجسد مرتجف تحول لونه للزرقة كأنها على مشارف الموت وجاهدت لتخرج ذلك الاسم الذي تخشاه وتكرهه من جوفها، فخرج اسمه مهزوزا:
حمممممدي، عيكتلني.
ثم وضعت يدها على بطنها وانهمرت الدموع من عينيها وحاولت ابتلاع تلك الغصة المريرة التي اجتاحتها مستطرة:
كان نفسي أشوف بتي وأحملها على يدي.
طالعها مسالم بانكسار وقهر على حالها الذي عصف بقلبه ومد يده ليزيل عنها دموعها وحاول الثبات ليبث في قلبها الطمأنينة التي افتقدها هو منذ أن علم بهروب حمدي.
_ بس يا قمر، أهدي شوية، ومتخافيش طول ما أنا جنبك محدش يقدر يمس منيكِ شعرة واحدة إلا بموتي.
فتعلقت قمر به وألقت برأسها على صدره، وقالت من بين شهقاتها:
عتصدقني لو جولتلك أنا كمان خايفة عليك يا مسالم، يمكن أكتر من نفسي.
لأن نفسي، ملهاش قيمة من غيرك.
_ أنت حياتي ودنيتي كلها، أنت اللي خليت قمر إنسانة لها بيت وعتبقى أم.
_ نعم كتير ربنا أنعم عليّ بيها بعد معرفتك، عشان أكيد خايفة جوا، كل ده يروح مني في غمضة عين.
خرجت تنهيدة حارقة من جوف مسالم مستطردا بقوله:
جولتلك متخافيش يا جلبي، وربنا عيدوم النعمة بالشكر صدقني.
عشان هو عيقول في كتابه العزيز: ( ولئن شكرتم لأزيدنكم ).
فهمست قمر من بين دموعها:
ألف حمد وشكر ليك يارب.
مسالم بطمأنينة زائفة:
عايزك بس تهدي وتسلمي أمرك لله، ومتخافيش مش يقدر يهوب إهنه، أنا معاكِ وكمان فيه ناس تحت تبعي من الشرطة محاوطين المكان وعيراقبوا، يعني لو ظهر أي لحظة في المنطقة مش عيعرف يفلت من إيديهم.
_ ده غير إن عيمشطوا الكفر كلها عليه، وإن شاء الله يجيبوه ولو حتى تحت سابع أرض.
شعرت قمر بشيء من الطمأنينة من حديث مسالم ولكن ما زالت شيء في قلبها يحدثها أن شيء ما سيحدث ولن يمر هذا الأمر بسلام.
فاوجست خيفة وأخذت تردد:
يارب سلم.
يارب سلم.
تحولت غيرة جاسر وبغضه لهذا الدخيل الذي يطالع إمرأته بنظرات راغبة إلى طمع في إمداده بالمال اللازم من أجل التجارة بالمخدرات، ومن ثم يحقق رغبته في الإطاحة بأخيه من خلال الإبلاغ عنه، وهو الذي لم يجد منه غير كل خير ولكن تبقى النفوس الخبيثة خبيثة، ولو أعطيتهم من الود أطنانا وتظل النفوس النقية نقية ولو أعطيتهم من الكره قنطارا.
لذا ابتسم جاسر قائلا:
تسلم يا معلم حمدي، ده عشنا فيك بردك.
وان شاء الله تكون فاتحة خير علينا كلنا.
بادله حمدي الابتسامة بمكر وأومأ برأسه:
اه طبعا، كل خير.
ومن بكرة تروح تعمل بلاغ في جابر عشان تخلص منه ويتشمع مصنعه اللي شايف نفسه فيه ده عاد.
وبعدين أجي نحتفل سوا بالمناسبة الحلوة دي وترقصلنا ست حسنية على الطبلة، ما أنت متعرفش أصل أني في الأول قبل ما أشتغل مع حمدان الجبلي كنت طبال في الموالد بتاعت النجهول اللي حوالينا.
_ فخلينا أسترجع ليالي الملاه دي عنديكم.
ثم ضحك ضحكة شيطانية أدخلت الرعب في قلب جاسر.
ليشير زرارة بعد ذلك إلى حمدي بقوله:
مش نقوم بجا يا سيد الناس،
الفجر قرب يأذن وعايزين نلحق نرجع قبل ما العيون تطلعلنا.
فقام حمدي قائلاً:
صوح عندك حق،
ثم عقد اللثام على وجهه وأسرع بالمغادرة مع زرارة من حيث أتوا.
ولكنه في تلك الليلة لم يغمض له جفن من كثرة الشرود في تلك التي ذهبت بعقله حسنية، وكذلك هي ظلت شاردة به.
وحدثت نفسها:
يا ترى ميتى أشوفك تاني يا حمدي.
فمتى إذا سيجتمع الشياطين مرة أخرى؟؟
سمح الطبيب لباسم زيارة عزة، فولج إليها بخطوات متثاقلة، كأنه يحمل فوق رأسه هموم كالجبال.
حتى وصل إليها وعندما رأها على هذا الضعف من وجه ذابل، وجسد ممد كالجثة أمامه لا تشعر بشيء ولا يسمع غير صوت تلك الأجهزة التي تحيط بها.
فأغمض عينيه متألماً لحالها وتمتم:
لا حول ولا قوة إلا بالله، طول عمرك يا عزة تعبانة في حياتك.
_ بس إن شاء الله تشفي بالسلامة، عشان حتى بنتك ريحانة وهي على فكرة فيها شبه منك أكتر مني عاد.
_ شفي يا عزة، متحسسنيش بالذنب إني أهملت فيكِ لغاية ما تروحي مني.
_ شفي يا عزة وسامحيني، مش بيدي والله.
الهوى ليه سلطان وقلبي ما لملك وبس.
انتبعت زهيرة أثناء مرورها في الردهة إلى صوت الصغير غيث فأوجعها قلبه من أجله، ولاحظت أن الباب مفتوحاً.
فتوجهت نحوه وولجت للداخل لتجد بانة تفترش الأرض تبكي، وصغيرها في فراشه يبكي جوعاً.
فأسرعت إليه تحمله وتهدهده مردفة:
قلبي ستك يا ولدي، بس بس.
ثم حدقت ببانة بإندهاش مردفة:
عتبكِ ليه يا حزينة!
مش بعادة يعني، هو أنتِ عتحسي زينا.
فرمقتها بانة بغضب وصرخت:
حتى أنتِ ياما قاسية عليه، أنا مش عارفة عملت إيه ليكم.
_ ليه أكده محدش بيحبني فيكم، وليه بتعاملوني أكده؟
_ حتى اللي كان ميستحملش دمعة من عيني، وكان بيتغزل فيه طول الليل، وكان يجولي مش مصدق إنك مرتي.
_ طلع كل ده كلام، وهملني تاني، لكن خلاص في داهية ابن المجنونة ده.
فضربت زهيرة على صدرها مردفة:
طفشتيه تاني يا حزينة.
_ منك لله يا شيخة، بس يكون في علمك أنا خلاص زهقت وعسيبك المرة دي ومش هدخل تاني.
_ عشان أنتِ تستاهلي الكل يبعد عنكِ بلسانك العفش اللي رايح ييكسر في جلو الناس وأنتِ زي البهيمة مش حتحسيش وكمان بتسألي ليه محدش بيحبك.
_ عشان أنتِ مش بتحبي غير نفسك وبس.
_ ولولا إني أمك كنت دعيت عليكِ بس قلبي ميجدرش عشان بنتي ومش عقول غير ربنا يهديلك نفسك.
_ ودلوك عاخد غيث يبيت معايا عشان أراعيه ووكله بيدي، بدل ما يموت منكِ يا حزينة.
ثم توجهت به للخارج وتركت بانة تواجه نفسها وتبكي ندمًا لما أقترفته في حق نفسها المتكبرة.
انطوى الليل بهمومه وأحزانه على قلوب كثير من أبطال رواية أولاد الجبالي ليأتي نهار جديد ربما يحمل في طياته فرج أو يتبعه ليل قاسي مجددًا.
استيقظ براء مبكرًا للحاق بمديرية الأمن، من أجل إعداد سلسلة حملات تمشيط في المنطقة للبحث عن المجرم الهارب حمدي.
ليتذكر ما حدث بالأمس مع زاد فحدث نفسه:
مش خاير آخر اللي بتعمليه معايا ده إيه يا زاد؟
_ إحنا أكده بنبعد عن بعض أكتر يوم عن يوم.
_ وأنا خاير إيه إني ساعات بعزدها معاكِ لكن أنا بهزر وقلبي معيشوفش غيرك وصدقيني أنا شايفك ست الستات في عيوني يا قلب براء.
_ لكن أنتِ بقيتِ عنيدة جوا غير الأول خالص.
ومش بقيت خاير أتصرف معاكِ إزاي؟
ثم زفر بضيق واستطرد:
مش خاير كمان ألاقيها منين ولا منين؟
منكِ واللي بتعمليه فيه ولا من جرف الشغل والمصيبة قمر دي كمان.
_ يلا لما أتزفت أروح عاد أشوف الحال.
وعندما وصل براء إلى مديرية الأمن أخبره محمود بأنه تم تعيين بعض من أمناء الشرطة في زي مدني لمحاصرة بيت قمر لحمايتها من أي هجوم غير متوقع من حمدي لها.
براء بتهكم:
كل ده عشان ست قمر، بقى ليها قيمة دلوقتي.
سبحان مغير الأحوال.
فأجابه محمود باستياء:
وبعدين معاك يا براء، ده واجب علينا حماية المدنيين سواء يستاهلوا أو لأ.
_ ودلوقتي اتفضل قدامي عشان الاجتماع،
وبالفعل دلفا سويًا.
وجلس براء بجانب محمود، متأففًا من تلك العملية الثقيلة على نفسه وحدث نفسه:
ما يتحرقوا بجاز.
_ وصراحة أنا نفسي يوصل حمدي لقمر ويخلص عليها، وبعدين أنا أخلص عليه وأكده أكون ارتحت منهم الخونة.
لاحظ اللواء محمد شرود براء وغضب ملامحه، فتيقن اللواء محمد أن الموضوع يسبب له حساسية.
فأدرك حينها إنه غير مؤهل لتلك العملية وعليه استبعاده.
كما لاحظ محمود أيضًا، فلكزه مردفًا:
براء مالك شارد كده؟
_ خلي بالك اللواء محمد واخد باله منك وأكيد بعد ما يخلص هيتناقش معانا في اللي قاله وسعتها هيكون منظرك وحش لإنك مش مركز.
فزفر براء بضيق وتمتم:
وهو أنا أصلاً أكده مش شكلي وحش من غير حاجة!!
بص حواليك شوف عيون السادة الضباط لغاية آخر عسكري عمالين يبصوا ليه إزاي!
عشان خايرين أن الست اللي عايزين يحموها دي كانت مرتي واللي عايزين يقبضوا عليه كان عشقها وأنا كنت كوز درة، وبدل ما أكتلها وأغسل عاري، جاي إيه أحميها. شوفت خيبة أكتر من أكده!
فتنهد محمود بحيرة مردفًا:
وبعدين معاك متغلبنيش وانسى اللي فات وخلينا في شغلنا وواجبنا بدون ما ندخل حياتنا الخاصة في الشغل.
ثم استأذن المقدم حسام للدخول عليهم، فأذن له اللواء محمد.
فدخل وألقى التحية، ثم وضع مذكرة أمام اللواء محمد.
فطالعها اللواء بعين ثاقبة ثم عقد حاجبيه بغضب مردفًا:
إزاي ده، معقول!!
فتصلطت أعين الحضور على اللواء محمد متسائلين:
ما الأمر يا ترى؟
ليقف اللواء محمد ويطالع براء بنظرة ذات مغزى، ثم يطلب من الحضور الإنصراف إلا من براء ومحمود.
فوقف الجميع تلبية لرغبته وأدوا التحية وسارعوا في المغادرة وبقي محمود وبراء، ينظرون لبعضهم البعض بإندهاش.
ثم وقف اللواء محمد وتقدم منهم قائلاً:
عارفين المذكرة اللي قدامي دي فيها إيه؟
براء:
خير يا فندم.
اللواء محمد:
مش خير إبدًا.
_ فيها بلاغ ضد جابر جوز أختك يا براء، أنه بيتاجر في المخدرات وبيخفيها في المخازن بتاعته.
فوقف براء مذهولاً وردد بعين زائغة:
لا ده أكيد بلاغ كيدي.
_ جابر عمره ما يعمل أكده.
_ ده إنسان بيعرف ربنا كويس ويستحيل يعمل حاجة زي أكده.
_ يستحيل، أنا خايرة أكتر من نفسي وياما كان هيوقف جصاد أبوه عشان بيتاجر في المخدرات ويقوله حرام.
_ يقوم هو يعملها، لا لا مصدقش.
فوضع محمود يده على كتف براء قائلاً:
أهدي شوية يا براء.
_ وأكيد بلاغ كيدي، لأن فعلاً جابر إنسان كويس أوي ومش شفتش منه غير كل خير.
اللواء محمد:
على العموم، إحنا لازم طبعًا نقوم بشغلنا ونتأكد بنفسنا أنه بلاغ كيدي، مش بالكلام وبس.
وبأمل فعلاً أنه يكون كده.
_ ودلوقتي اتفضلوا حضراتكم خدوا قوة مع إذن النيابة على مصنع جابر وفتشوا وشوفوا بنفسكم وبلغوني بآخر الأخبار.
فوقف براء للحظات متجمدًا خشية أن يكون هذا البلاغ حقيقي.
ثم تنبه لصوت محمود:
يلا بينا يا براء.
فأدوا التحية واستعدوا للمغادرة، ولكن اللواء محمد استوقف براء بقوله:
استني يا براء.
فتوقف براء والتفت إليه بعين شاخصة تائهة بعد أن شعر أن كل الأمور تقف ضده.
اقترب منه اللواء محمد ووضع يده على كتفه وطالعه بحنو قائلاً:
شوف مأمورية مصنع جابر دلوقتي، وبعدين تقدر ترجع شغلك في القاهرة.
وسيب موضوع حمدي وقمر للمقدم محمود وحسام.
_ لإني مقدر حساسية الأمر ليك، مع أن المفروض ده شغل ومفروض ملوش دعوة بحاجات شخصية.
_ بس خلاص عشان متقعش في حرج أكتر من كده.
فطالعه براء بامتنان مردفًا:
بشكرك جداً لتفهمك حساسية موقفي.
ثم أدى التحية وخرج مسرعًا مع محمود نحو المصنع.
رواية اولاد الجبالي الفصل الثمانون 80 - بقلم شيماء سعيد
قام جاسر فور دخوله إلى المنزل بالنداء على حسنية قائلاً:
أنتِ يا بت فينك يا مهلبية يا وش الخير.
سمعت حسنية صوته من الداخل فتأففت وتجعد وجهها من العبوس مردفة:
هو إيه جابه دلوك، ملياش نفس لدلعله الماسخ خلاص.
مبقيتش أشوفه في عيني راجل يملي العين زي حمدي كده، حاجة جامدة ودوبني من نظرة واحدة من عينيه التنين.
ثم تنهدت بحرارة مستطردة:
ياااه ميتى أشوفه تاني بس؟
كرر جاسر النداء، فاستجابت حسنية على مضض مردفة:
جاية أهو يا جاسر.
ثم زفرت بضيق:
مش قادرة صراحة أطلع لخلقته اللي تسد النفس ولا قادرة يلمسني، مبقيتش طايقة نفسه حتى.
فكرر جاسر النداء:
أنتِ يا بت، مش سمعاني ولا إيه عاد؟
أطرشتي إياك.
فزمجرت حسنية بغضب:
تتعمى في عيونك يا أبو لسان زفر.
ثم لم تجد مفر سوى الذهاب له ورسمت ابتسامة صفراء على وجهها، حتى لا يشك في أمرها.
وعندما رآها جاسر ابتسم لها بحب صادق وخطى إليها بشوق ولهفة مردفاً:
أتوحشتك يا بت الشوية دول.
حدثت حسنية نفسها:
يوحشك عذرائيل يا بعيد.
لتستطرد بقولها:
ها طمني عملت إيه في موضوع اللي ما يتسمى أخوك جابر؟
أجابها جاسر بعد أن ابتعد عنها:
خلاص يا بت حصل البلاغ وزمانهم دلوك في طريقهم للمحروس أخوي، عشان يقبضوا عليه متلبس.
ونخلص بيها منه ومن نصايحه في الروحة والجاية، إعمل ده ومتعملش ده.
وكإنه اتعصب عليه شيخ.
فظهرت الفرحة على وجه حسنية وحدثت نفسها:
أكيد يبقى قريب أشوف حمدي وأمتع عيني بشوفته.
يااااه حاسة إني عطير في السما، ودي أول مرة أحس الإحساس ده.
وحشتني جوا يا أسمك إيه.
حسنية بشماتة:
أحسن خلينا نخلص منه ونفوق بيها لشغلنا.
جاسر:
ايوه، بس ربنا يستر والمعلم حمدي يكون جد كلمته.
عشان لو مطلعش قد كلمته، أكيد يبقى خسرنا كل حاجة.
فدافعت عنه حسنية:
لا ده راجل وسيد الرجالة كمان وبكرة تشوف.
جاسر بغيرة:
وأنتِ محمواجه كتير جوا كده ليه يا بت؟
ما تحترمي نفسك قدام جوزك، مش شايفاني راجل قدامك ولا إيه!!
فابتسمت حسنية بتهكم وحدثت نفسها:
شايفاك جرد عيتنطط قدامي.
ولكنها أجابته بقولها بتصنع لترضي غروره:
كيف ده!
هو أنا عيني عتشوف غيرك يا جوز حسنية.
فحمحم جاسر وابتسم مردفاً:
وأنتِ روح الروح يا بت.
تنفس براء الصعداء حين خرج من مديرية الأمن بعد أن تخلص من تلك المهمة التي أثقلت كاحله ولكن ما يؤرقه الآن هو الخوف أن يكون البلاغ ضد جابر صادق وهو الذي لن يتحمله.
ربنا يسترها، معقول يكون اتخدع في جابر هو كمان!!
لا أكيد هيكون كتير جوا عليه وسمعتي عتتأثر أكتر من أكيد.
وشكلي همشي أحط راسي في الطين.
يارب يكون بلاغ كيدي وأرجع مصر راسي مرفوعة.
ثم وجد يد محمود تربت على كتفه بحنو مردفاً:
صلى على النبي يا عمنا، متخفش أكيد بلاغ كيدي، لأن فعلاً جابر إنسان فوق الوصف ويستحيل يعمل كده.
ابتسم براء على مضض، لأنه يشعر بنغصة في قلبه لا يعلم مصدرها.
ثم توجه معه حيث القوة الخاصة التي ستشارك في تلك الحملة إلى سيارة الشرطة ومنها إلى المصنع.
وأثناء ذلك كان جابر في المصنع يتفقد العمال، ويوزع ابتسامته العذبة على الجميع ويخاطبهم باحترام وأدب.
ويتفقد أحوالهم ويشاطرهم أحزانهم وأفراحهم ويساعد المحتاج منهم.
حتى بات الجميع يعشقه لدماثة خلقه وتمنوا لو أن لديهم ابناً أو أخاً مثله.
ثم عاد إلى مكتبه، الذي يلحق به حجرة صغيرة، ينام بها هو وجاد الصغير.
حيث تطرق لأذنه منها صوت فتاة فتعجب وتجهم وجهه وتساءل من التي تجرئت وأتت إلى هنا دون استئذان.
ثم توجه إلى مصدر الصوت بخطوات خفيفة حيث لا يشعر به أحد، ليستكشف ما يدور حوله دون علمه.
وكلما اقترب سمع صوت الفتاة يقول:
كل بس دي من يدي يا جاد، متغلبنيش كيف ما عمران أخوي مغلبني في البيت.
جاد بامتنان:
لا خلاص شبعت، الحمد لله.
شكراً جوا يا سلسبيل على الوكل الحلو ده، تصوري بجالي كتير مأكلتش أكده.
الله يسامحها مرت أخوي جاسر، كانت عتحرمني من اللقمة الحلوة ومش تسبلي غير العيش والجبنة الجديمة.
سلسبيل بحزن:
يا عيني عليك يا جاد، والله عمران لما حكالي جطعت جلبي.
وكويس إنك جيت هنا مع جابر بيه، هو إنسان كويس جوا عن أخوك التاني ده ربنا يهديه.
ثم أمسكت بالكيس الذي بجانبها وأخرجت منه جلبية وقدمتها إلى جاد قائلة:
خد الجلبية دي بتاعة عمران موصيني أجيبهالك عشان ترتاح وتنام بيها.
وبيقولك لما تيجي المدرسة عاد، عيكون حوش من مصروفة وجيبلك هدوم المدرسة.
جاد بفرحة:
ربي يخليه عمران، ده كيف إخوي جابر في حنيته.
وانا هستأذن من أخوي جابر وهروح ألعب معاه شوية.
سلسبيل:
ماشي، ده هيفرح جوا لما يشوفك.
ودلوك عسيبك أروح أشوف شغلي، عشان جابر بيه ميزعلش مني، وانا محبش أبداً أشوفه زعلان.
ثم تنهدت بحرارة وحدثت نفسها:
يارب أنا عارفة إني غلطانة ما جلبي مال لواحد متجوز بس غصب عني عاد.
حبيته من أخلاقه واتمنيته مع إني عارفة إن ده في الأحلام، عشان عيحب مرته جوا وانا يستحيل أعمل أي حاجة تخليه يميل لي ويهملها، حرام.
عشان أكيد، يارب قادرني واقدر أنساه وأخرجه من تفكيري عشان متعبش أكتر من أكده.
ربنا يهديني لنفسي ويصلحله الحال يارب.
لتلتفت بعد ذلك لتغادر، فوجدت جابر أمامها، فتخشبت مكانها من الحرج ووقفت الكلمات في عنقها ثم حاولت التحدث فخرج صوتها مهزوزاً متلعثماً:
جااابر بيه، أنا آسفة بس كنت...
حدقها جابر بنظرات شك مردفاً:
كنتِ تعملي إيه هنا؟
فصمتت سلسبيل وازداد لعابها من الحرج بعد أن وقفت الكلمات في حلقها.
فخرج جاد على صوت جابر فأجابه بالنيابة عنها:
سلسبيل يا أخوي أخت عمران زميلي في المدرسة وصاحبي.
وانا كنت عحكيله كل حاجة، فصعبت عليه ووصى سلسبيل تجيبلي وكل وجابت لي منه جلبية كمان.
معلش يا أخوي متزعلش ولا تزعلها عشان سابت الشغل وجت عندي.
دي هي خمس دجايج بس، وسلسبيل في مقام أختي الكبيرة كويسة جوا معايا كأنها أمي اللي اتحرمت منها بدري.
ثم دمعت عيناه فتأثر جابر بدموعه لأنه مثله فقد أمه مبكراً في وقت كان يحتاجها جداً.
فأقترب منه جابر واحتضنه بحب قائلاً:
بس يا أخوي، معلش دي أعمار.
وانا جنبك أهو مش عسيبك أبداً.
ثم نظر بامتنان إلى سلسبيل قائلاً:
وأنتِ تشكري يا بنت الناس على اللي عملتيه، وأنا مش زعلان إنك سبتي شغلك وجيتي عشان توكلي جاد.
فابتسمت سلسبيل بعد أن هدأ قلبها قليلاً بعد أن طمأنها جابر وقالت:
مفيش شكر يا جابر بيه، وجاد أنا هعزه كيف عمران أخويا واكتر.
جابر بحرج:
عارف، بس يا بنت الناس، ميصحش تطلعي أكده هنا لحالك كل شوية، الناس هنا أنتِ عارفة كلامهم ودماغهم عتودي لبعيد.
فشهقت سلسبيل:
يا همتي، مجاش في بالي حاجة زي دي، معدتش أعملها تاني يا جابر بيه.
الواحد أصلاً ميملكش في الدنيا دي غير سمعته الطيبة.
جابر:
أنا آسف إني بقولك أكده، بس أنا خايف عليكِ.
ولو على جاد، أنا عخليه ينزل ليكِ تحت، وكمان بفكر ينزل يتعلم وفرصة في إجازة المدرسة، عشان بعد أكده يكون دراعي اليمين.
ثم أشار إلى جاد:
صوح يا جاد.
ابتسم جاد بحب:
صوح يا جابر.
سلسبيل بحرج:
ربي يخليكم لبعض، واستأذن أنا دلوك أشوف شغلي.
ثم خرجت مسرعة لينظر جاد في أثرها ثم استطرد:
سلسبيل دي، بت جدعة أحسن من مليون راجل والله.
هي اللي عتصرف على عمران لحالها بعد ما أمها اتجوزت وهملتهم بعد ما أبوها مات.
تمعض وجه جابر حزناً فأردف:
لا حول ولا قوة إلا بالله، أكده لازم أزود لها المرتب عاد.
ربنا يكرمها ويرزقها الزوج الصالح اللي يتكفل بيها وبأهلها.
ثم فجأة سمع سرينة الشرطة، فتعجب قائلاً:
خير يارب.
ليتوقف الصوت فجأة، ليسمع بعدها صوت أقدام تقترب من مكتبه.
ثم وجد عوض يدخل عليه وعلى وجهه علامات الفزع قائلاً:
مصيبة يا جابر، مصيبة.
اتسعت عين جابر وشعر بأن أنفاسه تنسحب منه قائلاً بصوت منخفض:
قول يا عوض، فيه إيه؟
وقبل أن يجيب عوض عليه، وجد جابر قوة من الشرطة تقتحم مكتبه وعلى رأسهم براء ومحمود.
طالعهم جابر بريبة وشعر بقشعريرة تجتاح جسده وحدثه قلبه أن الأمر جلل ولكن لا يدري ما في الأمر.
ولكنه حاول الترحيب ببراء قائلاً:
أهلاً بسيادة المقدم، اتفضلوا إقعدوا، نورتونا والله.
ليجد رد صادم من براء قائلاً بصوت عالٍ أفزعه:
أنت هتستهبل يا جابر، هو إحنا جايين نضايف حضرتك.
ابتعل جابر إهانة براء بمرارة سرت في حلقه وتحدث بخفوت:
براء أنت بتكلم معايا بالطريقة دي ليه؟
ضيق براء حاجبيه ثم نهره بشدة قائلاً:
عامل نفسك مش عارف!!
إخص عليك يا جابر، حتى أنت طلعت أكده، وأنا اللي كنت مستعد أبصم بالعشرة إنك غير أي حد.
خسارة فعلاً يا جابر، هانت عليك نفسك، طيب مفكرتش في بانة أختي وولدك غيث.
ليه تعمل أكده، كان ناقصك إيه!
أنت عندك مصنع شغال والحمد لله، ومجوز بانة الجبالي وساكن في قصر.
ليه عملت أكده، حرام عليك، خليت رقبتي جد السمسمة.
طالعه جابر بإندهاش وارتجف جسده ليخرج صوته ببطء:
أنا مش فاهم حاجة خالص، أنا عملت إيه لده كلام ده.
ليصيح محمود في وجهه هادراً بقوة:
مش فاهم يا روح أمك عملت إيه، هتستهبل يلا!!
صراحة خيبت أملي فيك وكنت فاكر إنك غير كده خالص بس للأسف طلعت شبه أبوك للأسف.
وهنا لم يتحمل جابر وشعر بفوران دمائه ليقول بصوت عالٍ مكبوت:
والله العظيم ما فاهم حاجة، وليه الأسلوب ده معايا.
أنا عمري ما حد اتكلم معايا بالأسلوب ده، ده الصغير قبل الكبير بيحترمني.
ليستطرد براء بانفعال:
ده في الأول عشان كانوا مخدوعين فيك زينا لكن دلوك لما يعرفوا إنك عتاجر في المخدرات كيف أبوك يا جابر عيستجلوا بيك ويكرهوك.
جابر بصدمة:
اناااااا، اتاجر في المخدرات، يستحيل.
أنت بتقول إيه!!
ليصيح براء في العسكري خلفه:
هات الشوال يا عسكري.
ليأتِ العسكري بالشوال ويأمره براء أن يفرغه أمام نظرات جابر المبهمة مردفاً:
إيه ده وإيه جابه هنا؟
ليضحك محمود ساخراً:
ده هيروين يا جابر ولقيناه في المخزن عندك تحت.
فصرخ جابر:
لاااا يستحيل، أنا معرفش حاجة عنه، صدقوني.
ثم نزلت دموعه الحارقة على وجنتيه قائلاً:
حسبي الله ونعم الوكيل.
أنا طول عمري بعرف ربنا وحافظ كتابه وكنت دايماً بأمر بالمعروف وأنهي عن المنكر، فأجي في الآخر وأعمل أكده، لا يستحيل.
أنا معرفش إيه اللي جاب ده عندي، في المخزن صدقوني.
أوجعه براء دموعه وللحظة شعر أنه يصدقه، لأنه لم يجد فعلاً منه غير كل خير ولكن للأسف هو أمام القانون مُدان ولا يستطيع فعل شيء له.
لذا قال بحزن:
حاول تثبت ده قدام النيابة يا جابر.
وياريت تشوف محامي بسرعة.
_ ودلوك أتفضل معانا على القسم نكمل الإجراءات ولازم تعرف إني مش هقدر أساعدك خالص في الموضوع ده للأسف.
بالعكس أنا هاجي عليك عشان صلة القرابة اللي بينا وده خلى موقفي حساس أوي.
أخفض جابر برأسه بخزي وقال بحزن: ربي إني مغلوب فانتصر.
ثم أمر العسكري براء بتقييده والذهاب به إلى سيارة الشرطة.
وحينها صرخ جاد الصغير وحاوط بذراعيه جسد جابر باكيا بقوله:
لااااا محدش ياخد أخوي، جابر أخوي معملش حاجة حرام عليكم.
ليبدأ العمال في التجمع غير مصدقين ما حدث، ومنهم سلسبيل التي ولجت سريعا إليهم باكية بقولها:
لا يا سيادة الظابط، يستحيل جابر يعمل كده، ده أكيد حد دسها عشان يغير منه.
الكل هنا يحب جابر بيه، عشان مفيش زيه في طيبته وأخلاقه، ويستحيل نصدق أنه عمل كده.
فطالعها جابر بنظرة إمتنان وكأنه يقول لها: مش هنسى أبدا اللي جولتيه عليه، تشكري يا بنت الناس.
ليقف بعد ذلك جميع العمال في وجه براء ومحمود ليقول أحدهم:
محدش هياخد جابر بيه من هنا، ومش هتاخدوه إلا على جثتنا كلنا.
فدمعت عين جابر من حب الناس له وتمتم: الحمد لله.
وهنا نظر محمود إلى براء نظرة يؤكد له إنه فعلا رجل لا غبار عليه والدليل أمامهم وهو حب الناس له.
_ ولكن ما الذي جاء بتلك المواد المخدرة في مخازنه؟
كما عليهم تنفيذ أمر القانون ولا مجال للعواطف في عملهم.
لذا أشار براء إلى جابر بقوله:
لو سمحت يا جابر، كلم عمالك، لأن إحنا جايين ننفذ القانون، وكده يعتبر تعدي على أفراد الشرطة وعقوبته حبس لكل فرد فيهم.
فخاف جابر على عماله فتوجه لهم بالحديث:
_ صراحة مش عارف أقولكم إيه في وقفتكم جمبي دي، ربنا يجزيكم خير ولا يوقعكم في ضيقة أبدا.
_ بس معلش سيبوهم يعملوا شغلهم عشان محدش يتأذى بسببي وده اللي أنا مش مستحملهوش أبدا.
_ وإن شاء الله ربنا هيظهر الحق، ده أملي فيه.
_ ومش عايز غير دعواتكم وبس.
ليجهش الجميع بالبكاء بين إندهاش براء ومحمود.
فحدث نفسه براء: للدرجة الكل يحبك يا جابر!!
أمال إيه اللي حصل ده؟
ليشير جابر إلى براء:
أنا جاهز يا سيادة المقدم، شوف شغلك.
فيطالعه براء بأسف مردفا:
أنا آسف فعلا، بس زي ما قلت ده شغل، ولازم فعلا تقوم محامي عشان تثبت براءتك.
جابر:
هسبها على الله يا براء بيه.
ثم تلى قوله تعالى بصوته الشجي ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)).
ليأخذوه بعد ذلك إلى سيارة الشرطة، ليحاول جاد اللحاق به صارخا ببكاء:
ليه مين بعدك يا أخوي، هروح فين دلوك؟
ليلتفت له جابر وعينيه تملؤها الحزن على أخيه أكثر من نفسه قائلا:
عندك ربنا يا أخوي، هو أحن وأكرم وهو هيتولاك برحمته.
لتقوم سلسبيل بجذبه إلى أحضانها وتربت على ظهره بحنو قائلة:
أنا أهو عندك أختك يا جاد، مش هسيبك أبدا ودلوك عتروح معايا على بيتنا، ده عمران يفرح جوا.
عندما ولج جابر لسيارة الشرطة، أمر براء أحد أفراد القوة بغلق المصنع وتشميعه.
فردد جابر بقوله تعالى (((وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون))).
وعندما أمر براء سائق السيارة بالانطلاق نحو قسم الشرطة، استمع لأصوات العمال:
_ شد حيلك يا جابر بيه، واعرف أن وراك رجالة مش هسيبوك واصل، وعنيجى كلنا وراك وإن شاء الله نبيت جدام القسم لغاية ما تطلع بالسلامة لينا يا غالي.
أصاب محمود وبراء الذهول من هذا الحب الجارف لرجل بسيط مثل جابر.
فحدث محمود براء بقوله:
كده يا براء الموضوع فيه إن بجد.
ومن اللي شوفناه، أن يستحيل الراجل ده يعمل كده.
ولازم نعمل تحرياتنا ونشوف مين اللي عمل كده.
براء:
ياريت فعلا يكون حد غيره، ده أنا دماغي هتنفجر من التفكير.
_ بس مين يقدر يعمل كده وأنت شايف الناس عنده بتحبه إزاي!
محمود:
فعلا، وده اللي محيرني.
******
لم تنم ملك في تلك الليلة التي عادت بأغلى ما تملك من المستشفى.
عادت بروح صغيرة تؤنس وحدتها، روح تمنتها كثيرا وشاء الله أن يعطيها لها بعد هذا الحرمان الموجع.
فضمتها لصدرها بحنو وأخذت تردد الدعاء:
يارب أحفظها وأرزق كل مشتاق الذرية الصالحة.
ثم وجدت الصغيرة تتململ في حضنها، لتطالعها بحب وأخذت ضربات قلبها تزداد كلما رأتها تبحث بفمها عن مصدر طعامها وتلوى شفتيها يمينا ويسارا ثم بدأت في بكاء خفيف.
لتبتسم ملك مردفة بلطف:
عدوري على إيه يا رورو يا ريحانة جلبي، على المم، عيوني يا حتة من جلبي.
لتخرج لها ملك مصدر غذائها، لتطعم تلك الصغيرة من لبنها، وباليد الأخرى تلمس شعرها الحريري بحنو.
وظلت هكذا حتى غفت الصغيرة مرة أخرى، فلم تشأ أن تضعها في الفراش، ولكن ظلت على صدرها، حتى نامت ملك وهي تحملها على المقعد ورأسها تستند على ظهر المقعد.
*****
لم تستطع زاد النوم في تلك الليلة أيضا حتى الصباح وأخذت تارة تؤنب نفسها بقولها:
هو إيه اللي أنا بعمله مع براء ده!
_ هو ليه أنا مش زي الستات اللي عتعرف تبرم جوزها وتتمسك وتتدلع كيف البت نهلة أيام المرحوم منصور الجبلي.
_ دي كان عليها ماشية قدامه، كانت تخلي عنيه عتبع منه وميبجاش شايف غيرها.
_ وكان عيتمنالها الرضا ترضى، وأنا اللي خايبة ومش عارفة أكل عينيه وكمان عطشانة مني.
_ لا أنا أكده لزملي جعدة مع البت نهلة وأخليها تديني دروس في ج...لة الأدب دي والدلع عشان الراجل ميطفش مني عاد.
_ ده أنا إكده السبب إني خليته يجول عليه قردة كمان...
ثم تلون وجهها بحمرة الغضب مردفة:
أه صح أفتكرت، ده جال عليه قردة، أكده يا براء، والله بتشوف مني الويل يا بصباص يا بتاع النسوان.
ثم عادت مرة أخرى بعد أن وجدت نفسها تبتسم حين تذكرت ملامحه التي تعشقها.
لا بس أنا عحبه ولزمن ولابد أخليه يحبني كيف ما أنا عحبه وأكتر.
آهٍ كم أودُّ أن أخترعَ لغةً جديدةً لكَ وحدكَ
أُصيغ لكَ منها شِّعرًا وحُبًّا.
فأنا مغرمة بك برائي.
*****
وصل الخبر إلى جاسر إنه تم القبض على جابر، وتم إغلاق المصنع فتهلل وجهه فرحا وقام بالنداء على حسنية:
أنتِ يا بت، بلي الشربات خلاص أتقبض على الشيخ جابر وأخيرا خلصت منه.
فتنهدت حسنية بحرارة مردفة:
يعني أكده عيشرف سيد الرجالة عندينا
_ اه يا حمدي، أتوحشتك جوا جوا يا روح الروح.
حبيبي
الشوق إليك يقتلني
دائماً أنت في أفكاري
وفي ليلي ونهاري
صورتك
محفورة بين جفوني
وهي نور عيوني
***
وصل الخبر أيضا عن طريق زرارة إلى حمدي، بالقبض على جابر.
فظهرت على محياه ابتسامة واسعة ونفث سيجارته بتلذذ ليردف بمكر:
أكده الموضوع ماشي زي الفل.
وقريب جوا هيحصله .....؟؟؟