تحميل رواية اولاد الجبالي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رأى عصام قوات الشرطة تحيط به فأدرك إن براء كان يخدعهم لذا صاح بصوت عالٍ: كنت قلبي حاسس إنك هتعملها يا براء. بس يكون في علمك أنا لو مخرجتش من هنا سليم أنا وبنتي والشحنة. هف.جر الحزام الناسف اللي حوالين وسط مراتك يا سيادة النقيب؟ فاتسعت عين براء من الصدمة وأرتخى فكه السفلي ونظر إلى زاد وتمنى أن تقول إن هذا كذب ولا ترتدي شيئًا. ولكن للأسف أكدت له بدموع عينيها التي انهمرت وكلماتها التي وقعت كالخنجر في قلبه: هموت يا براء أنا وابنك. بس عايزة قبل ما أموت أقولك سامحني إني شكيت فيك واتهمتك ظلم إنك خاين ب...
رواية اولاد الجبالي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء سعيد
بتنا في زمان لا يربط الناس فيه إلا المصالح، يبحث الجميع عن نفسه ومصالحه الشخصية، لا يضع أي من الناس اعتبار للحب والمشاعر الصادقة، فالمبدأ الأساسي هو نفسي نفسي.
أدركت نيلى منذ اللحظة الأولى التى هاتفها به فريد، إنه يريدها لمصلحة ما وليس حبا.
فهى تعلمه جيدا لا يحب سوى نفسه فقط والجميع لديه ما هم غير أدوات لتنفيذ رغباته.
أما هى لأجل المال تفعل ما تشاء وإن كان على حساب نفسها ولا يعينها ما يترتب على ذلك وكأنها باعت الآخرة بالدنيا.
فقالت: أدخل فى الموضوع على طول يا فريد، عايز ايه؟
فابتسم فريد قائلا: أحبك وأنت فهمنى يا قمر.
حضرى نفسك بقه عشان هتسجنى؟
فشهقت نيلى وقالت بفزع: ايه؟؟؟
فطمئنها فريد وهدئها بقوله: بس بس متتخضيش كده، أنا عايز مصلحتك.
وهو بس يومين تستحمليهم بالطول والعرض وبعدين هبعتلك ومحامى عقر يطلعك منها زى الشعرة من العجين وفوقيهم خمسين باكو.
فاتسعت عينيها طمعا مرددة بذهول: خمسين باكو حتة واحدة.
فريد بضحك: ايوه أمال إيه، أنتِ بتتعاملى مع فريد باشا.
فترددت نيلى وقالت: بس يا فريد هو لازم يعنى الشغلانة دى تكون بالسجن والبهدلة، ده أنا لسه خارجة وقولت توبة، حتى الشغل خليته على خفيف خفيف كده.
فريد: معلش، منا قولتلك كام يوم وهتطلعى ومش خسارة فى اليومين دول الخمسين ألف.
ومع ذلك لو مش عايزة، خلاص، كأنى مقولتش حاجة واتصل بواحدة حبيبتى تقضيلى الطلب.
لتجيبه نيلى بلهفة: لا يا باشا، هو فيه حبايب إلا أنا برده.
قول بس عايز إيه وانا أعمله بس أوعى يكون فيها دم، مليش فيه.
فنفى فريد: هو انا بتاع كده برده، هو بس قرصة ودن لواحد معرفة عشان يتلعم الأدب.
نيلى: نعلمه يا باشا، منعلموش ليه، كله الا الأدب، انا بموت فيه، بس إزاى؟
فريد بضحك: اه طبعا، ده حتى كنا بنطبق الأدب سوا.
ثم تابع بقوله: أما إزاى هقولك يا عسل.
هتطلعى على العنوان ده وهتستنى راجل بعربية ماركة باللون الاسود وهبعتلك صورته على الواتس.
وأول ما تشوفيه جى وخلاص بيهدى السرعة عشان يركن، تكونى واقعة قدام العربية كأنه خبطك.
فبصقت نيلى وقالت: تف من بوقك، بعد الشر عليه، ان شاء الله اللى يكرهنى.
فزفر فريد بضيق: بعد الشر يختى عليكِ.
المهم هو هينزل طبعا مخضوض ويسئلك أنتِ كويسة، أوديكِ المستشفى.
فتقومى بصاله ومسبلة كده عينيكِ وتقوليله:
هو اللى تعبنى عينيك الحلوة دى أكتر من الخبطة، ممكن تصلح غلطتك وتجوزنى.
طبعا هيتخض من كلامك، تروحى قايلة، قصدى ملوش لزوم المستشفى، بس لو توصلنى للبيت أكون شاكرة ليك عشان حاسه نفسى دماغى بتلف.
فطبعا هيقول: أكيد هوصلك طبعا.
تقومى يا شاطرة وخداه على مكان الحبايب اللى بنتقابل فيه وعلى السلم هتكونى طبعا مقربة منه عشان دايخة طبعا ويكون معاكِ الرش اللى بيدوخ، عارفاه طبعا، عشان ياما دوختينى بيه.
فعايزك تدوخيه، عشان يدخل معاكِ الشقة، وجوه بقه وهو دايخ كده ومش حاسس بنفسه، عايزك تصوريه كام صورة حلوة كده معاه تبعتهالى على الموبيل.
وبس كده عملتى اللى عليكِ وسيبى الباقى عليه، بس حضرى ملاية عشان يستر بيها نفسه.
عشان ميخلصنيش يمشى كده فى الشارع، عيب برده.
لازم يكون فى قلوبنا شوية حنية مع الناس دى.
فضحك نيلى مرددة بسخرية: اه منك يا حنين أنت.
وربنا يستر وتعدى على خير، بس شكلك بتعزه أوى.
فضحك فريد بخبث قائلا: ايوه اوى اوى مقلوكيش.
نيلى: واللى أمه داعية عليه ده هوصل عنده إمتى؟
فريد: تقدرى تتحركى من الآن عشان فضله ساعة ويوصل تقريبا.
بس لامؤاخذة تلبسى لبس محترم عشان ميشكش فى حاجة.
فضحكت نيلى: ولو إنى معنديش بس هتصرف، ممكن يعنى ايدى تطول على البلكونة اللى جمبى.
معلش مهو زى ما بيقولوا الضرورة تحكم وابقى ارجعلها تانى عشان أمانة.
فضحك فريد: أموت أنا فى الأمانة.
ليغلق معها على الخط بعد ذلك.
ليبدء فى تجهيز نفسه للذهاب إلى مرام ليقضى معها ليلة أخرى فى الحرام.
بعد أن أقترب من تنفيذ هدفه، ليجدها معه إينما شاء، ويستغلها هى أيضا لإرضاء نفسه الدنية.
***
بعث محمود بفنى كاميرات مراقبة ليأتى ليفرغ الكاميرات التى فى المصنع ومعه قوة من الشرطة حتى لا يتعرض له أحد.
وبالفعل إستطاع فعل ذلك، ليظهر جاسر فى الكاميرة يحمل حقيبة فى وقت متأخر من الليل بعد إنتهاء يوم العمل ولا يوجد أحد من العمال سوى الحارس.
ولكن الحارس لم يعارض على دخوله فى ذلك الوقت المتاخر لإنه يعلم مكانته فى قلب جابر.
وفى الكاميرا ظهر جاسر، يتلفت حوله يمينا ويسارا، حتى ولج إلى المخزن ليقوم فتح تلك الحقيبة، وإخراج تلك المواد المخدرة منها واخفائها فى صندوق من الصناديق التى يوضع بها الخيوط المستخدمة فى نسج السجاد اليدوى.
ثم وقف للحظات ينظر للصندوق بسعادة قائلا: أشتغل أنت فى السجاد يا اخوى وانا أشتغل فى اللى يعمر الدماغ ويجيب أضعاف أضعاف اللى عتكسبه وساعتها هاعمل انا مصنع أحسن منيك وأخليك أنت تجعد فى البيت.
ثم خرج سريعا بعد كلماته تلك.
ليكون هذا الفيديو دليل صريح على إدانة جاسر حمدان الجبالى وبراءة جابر مما نسب إليه ظلما.
وعندما وصل إلى محمود الفيديو ظهر على ملامحه الفرح وحدث نفسه: فعلا يا جابر أنت تستحق كل الحب اللى ناس بتحبهولك، ويمكن بفضل دعواتهم ظهرت الحقيقة بأسرع ما يمكن.
وجه عوض ده نجدة من عند ربنا ليك.
بس مش فاهم إزاى واحد زى جابر، يكون ليه أخ زى جاسر ده!!
وإزاى يعمل كده فى أخوه اللى مأمنه على حاله وشغله.
ده يخلينا منديش الأمان حتى لأقرب الناس لينا.
لأن للأسف الغدر دلوقتى مبقاش يجى الا من أعز الناس.
ليستدعى جابر بعد ذلك.
ليأتى جابر بعد لحظات من إستدعائه مبتسما فى وجه محمود قائلا: خير يا باشا، حضرتك طلبتنى!
طالعه محمود بإندهاش مردفا: أنت غريب أوى يا جابر!
جابر متعجبا: ليه قالوا عملت إيه يا باشا اكتر من كده؟
اتكىء محمود على مقعده ثم مسح على شعره وقال بثبات: أقعد يا جابر.
فجلس جابر منتظرا حديث محمود له.
اعتدل محمود فى جلسته وأستند بذراعيه على المكتب وأطال النظر إلى جابر ثم قال: أنا مستغرب إزاى واحد زيك رغم المشكلة اللى واقع فيها والثبات ده والإبتسامة على وشك مش بتفارقك.
ده غير إنى سمعت للأسف إن بسبب المشكلة دى انفصلت عن مراتك بعد قصة الحب اللى كانت بينكم.
إيه يا اخى أنت جبل، طيب كشر، عيط أعمل اى حاجة.
وهنا تذكر جابر تلك الغصة التى فى قلبه والجرح الذى لا يطيب ابدا الا وهى " بانة " ذلك الحب الزائف الذى طار مع الريح سريعا ولم يعلم أنه سينتهى بتلك السرعة وبتلك السهولة.
فالحب الصادق كالقمر عندما يكون بدراً، والكسوف هو نهايته عندما يلاقي غدراً.
وهنا ابتسم ابتسامة حزن وتنهد بقهر قائلا: طيب وايه يفيد البكى يا باشا غير وچع الجلب.
البكى مش هيرچع اللى راح، لكن إحنا نقدر نتخطاه بالصبر والدعاء عشان ربنا يعطينا الأجر ويعوضنا.
عشان سبحانه وتعال قال ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ).
لكن اللطم والجزع مش هيفيد بل هيضر اكتر ويضيع الثواب.
استمع له محمود بإعجاب ثم تسائل: جميل بس عايز أسئلك.
ليه واحد زيك كويس أوى كده ويحصله الحجات دى؟
ابتسم جابر بضعف قائلا: عشان الابتلاء بينزل على قدر الإيمان يا باشا.
عشان أكده تلاقى الانبياء أشد ابتلاء، واعظهم ابتلاء كان من نصيب حبيبك النبى صلى عليه.
محمود: صلى الله عليه وسلم.
جابر: سيدنا النبى أتولد يتيم الأب وبعد أمه ماتت ومات أولاده فى حياته، وابتلى فى عرضه لما تتكلموا على السيدة عائشة، ده غير إيذاء كفار قريش ليه.
فتبسم محمود قائلا: وعشان قلبك الطيب وصبرك وحب الناس ليك، ربنا ظهر الحق، وطلعت من القضية ولبسها للأسف أخوك جاسر هو اللى عمل كده فى غيابك.
وهنا وقعت الصدمة على جابر شديدة أكثر مما كان فيه، فوجده محمود تجهم وجهه ثم بكى بإنهيار مرددا بقهر: اخوى جاسر.
لا حول ولا قوة الا بالله.
ليه يا ولد أبوى تعمل فى نفسك أكده!!
ليه رجعت لنفس الطريق وانت خابر أخرته؟
تعجب محمود من حزنه على أخيه وليس حزنه على ما فعله هو معه وبسبب دخل السجن.
محمود: أنت مفروض تزعل منه مش تزعل عليه.
ده هو السبب فى اللى حصلك، يعنى غدر بيك وأنت أخوه.
جابر بنحيب: لو هو هان عليه الدم، انا عمرى ميهون عليه يا محمود بيه.
وأنا مش خابر ايه اللى خلاه يعمل أكده، ممكن أكون جصرت معاه فى حاچة.
فضرب محمود كفا بكف قائلا: لا انت أوفر زيادة، وكمان بتقول قصرت.
انت مقصرتش غير فى حق نفسك يا جابر.
طالعه جابر بتعجب متسائلا: كيف ده؟
محمود: أيوه قصرت، لأن الطيبة الزيادة وعدم الحرص بتعمل كده.
ده حتى المثل بيقول حرص ولا تخون.
خصوصا لو الإنسان ده شوفت منه وحش قبل كده وعلى حد علمى أنه لبسك قضية قتل قبل كده، غازى تأمن ليه تانى.
جابر: كان تاب لربنا وبقا كويس مش عارف ايه رجعه تانى؟
ثم أستطرد بقوله: اكيد مرته استغفر الله العظيم، انا نصحته ميچوزهاش, بس أهو اللى حصل.
محمود بإستفهام: قصدك مراته مشتركة معاه فى موضوع المخدرات ده.
جابر: لا الله أعلم مجدرش أجول أكده.
بس هى بنت ربنا يهديها وممكن تكون عتطلب منه طلبات كتير زيادة عن مرتبه وعشان يكفيها أضطر يرچع الحرام.
محمود: اه جايز فعلا.
المهم دلوقتى ياريت تكون أتعلمت من اللى حصلك يا جابر، عشان ياريت مشوفش وشك هنا تانى.
وتحرص ومش تآمن لحد مهما كان.
ثم ابتسم محمود وأفرد ذراعيه مردفا: بس تصور أنا كمان حبيتك أوى يا جابر.
فلمعت عين جابر بالسعادة وألقى نفسه فى أحضان محمود مردفا: أحبك الله الذى احببتنى به يا سيادة المقدم، وانا كمان بحبك فى الله.
ثم أبتعد عنه محمود برفق وطالعه بإمتنان مرددفا: أنت كمان علمتنى درس حلو أوى فى الصبر وبتمنى متزعلش من كلامى، بس انا خايف عليك ومن طيبة قلبك الزيادة ومش عايز حد يأذيك تانى.
ابتسم جابر ووضع يده على صدره بإمتنان وشكره: خابر والله، وانا بشكر حضرتك جدا.
ودلوقتى أقدر أمشى ولا ايه؟
محمود: للأسف مش هينفع النهاردة، لأن فيه شوية إجراءات منها تصريح النيابة بالإفراج.
كمان لسه هخرج دلوقتى حالا فى حملة القبض على جاسر.
وللأسف هيحصل بينكم مواجهة، وعايزك تكون قوى مش ضعيف فيها.
فطأطأ جابر رأسه مردفا: ما بلاش يا باشا، انا مش هستحمل صدجنى.
محمود: لا هتستحمل وهتتعود على أشكال الملايكة وقلوب الشياطين دى.
عشان لسه هتقابل كتير منهم فى حياتك وعشان كده بقولك حرص وخلى بالك وفتح عينيك كويس.
ليشعر جابر بغصة انتابت قلبه وكأن وصف محمود يطابق شخصية *بانة*.
وشرد فى ملامحها الملائكية التى خدعته وحدث نفسه: كيف هان عليكِ جلبى وهان عليكِ حبى.
بدور عليكى
بدور عليكى فى كل الوشوش
يا وش الملايكة يا قلب الوحوش
آهين على اللى نسى كل اللى فات
وخلف لى فى القلب كسر واهات
يا بانة
يا زارعة فى قلبي الشكوك
عبير الحبايب ساعات كله شوك.
***
الحب كالزهرة الجميلة والوفاء هو قطرات الندى عليها، والخيانة هي الحذاء البغيض الذي يدوس على الزهرة فيسحقها.
كان جاسر فى بيته، يركض وراء حسنية التى باتت تكره لقاء الحب بينهم وأخذت تتمنع عنه، مما زاده ذلك رغبة بها.
فركض ورائها كالأسد الجائع وتسمعه يقول: والله ما هسيبك الليلة دى يا بت، لغاية ما أخد غرضى منيكِ، وأعرف ايه اللى غيرك عليه أكده، عشان لو فيها إنّ هكتلك بيدى.
ابتلعت حسنية لعابها بذعر وتوترت وتوقفت وحاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها مردفة بدلال: ولا إنّ ولا أصحابها يا اخويا بس كل الحكاية إنى عدلع عليك عشان تشتاق ليه.
فوقف جاسر يلتقط أنفاسه ببطء ليطالعها بحب مردفا: أنا مبجتش مشتاق بس يا بت، انا خلاص صواميل مخى وجلبى ساحوا، ومبقتش شايف غيرك وحاسس چوايا نار ومش يطفيها غير قربك منى يا بت.
ومستعد أعمل اى حاچة عشان أنول الرضا منيكِ.
لتتنهد حسنية بحرارة وتشرد فى حمدى محدثة نفسها: وأنا مبجتش عايزة غيره هو وبس.
ومش خابرة أتاخر ليه عليه، أنا مبجتش طايقة جاسر خلاص.
ثم وجدت جاسر يقترب منها ويحاوطها بذراعه وانحنى ليدنو منها، فلم تستطع تحمل أنفاسه الكريهة بفعل تدخين الأرجيلة.
فأشاحت بوجهها عنه، فغضب وثار بقوله: عتبعدى عنى يا بت، طيب مكنش برضاكِ، يلجأ غصب عنيكِ عشان ده حجى.
ليطرحها بعد ذلك أرضا بقوة، ثم بدء فى تمزيـ...ق ملابسها وأخذت تستغيث: أنت مچنون حد هيعمل أكده.
مش أكده يا چاسر، بالحنية مش بالغصب.
جاسر: أنتِ السبب، واسكتى عاد، مش عايزة أسمع صوتك.
وعندما اقترب من مبتغاه، إستمع لطرق عنيف على الباب.
فزفر بضيق: مين جليل الذوق اللى چى دلوك، وعيخبط كيف ما يكون مسروع.
حسنية بمكر: طيب جوم شوف مين، ألا يكسر الباب علينا المعتوه ده.
فقام جاسر سريعا واحتلت تقاسيم وجهه الغضب وارتدى سرواله سريعا وتوجهه نحو الباب وهو يسب ويلعن قائلا: والله لأخلى وجعتك طين يلى عتخبط.
أما هى فارتسم على محياها ابتسامة وزفرت بإرتياح للتخلص منه قبل أن يقترب منها وحدثت نفسها مع ازدياد صوت طرقات الباب قائلة: يارب يكون اللى فى بالى صوح ويكونوا هما.
ثم إستمعت لقول أحدهم: أفتح بوليس.
فاتسعت ابتسامتها وحدثت نفسها: ياااه اخيرا، يلا عتوحشنى يا جاسر، ليك عندى أزورك واچبلك عيش وحلاوة.
لتستطرد بمكر بعد أن رسمت على محياها ابتسامة زائفة: امال ده إحنا بينا عيش وملح وانا بنت أصول بردك.
وهنا تجمد جاسر مكانه من الصدمة، ووضع يده على رأسه بخوف وندم قائلا: شكلك روحت فطيس يا حمدان، بدرى بدرى.
بس ليه هو أنا لحجت اعمل حاچة، انا شكلى اتنظرت.
أعمل ايه دلوك، افتح ولا أهرب ولا أعمل ايه؟
ثم ركض الى حسنية بوجه أزرق من شدة الخوف قائلا: بوليس يا بت، دسينى فى أى حتة بسرعة وافتحى أنتِ ليهم الباب.
ففكرت حسنية كثيرا بمكر حتى لا يفتضح أمرها أمامه فقالت بحذر: يا لهوتى، لا أنا مجدرش على بعدك يا حبيبى.
أجولك أطلع السندرة بسرعة إستخبى وإياك أسمع صوت نفسك حتى.
فتح جاسر فمه ببلاهة ثم قال: متنفسش كيف؟ ده أكده ممكن أموت فيها.
حسنية: مش أحسن ما تتمسك وشكلك يبقى مسخرة بين الخلق.
الموت بشرف أحسن يا جاسر.
إستحسن جاسر حديثها مردفا: ايوه عنديكِ حق، بس أنتِ وزعيهم بسرعة، قبل ما أفطس وأنا جعان ومأكلتش وعلى لحم بطنى من الصبح.
حسنية: يا كبدى، لا هروح افتح بسرعة، للحكومة.
لتركض بفرح ثم فتحت الباب واصطنعت الدهشة والخوف مردفة: الحكومة، خير يا باشا، حوصل إيه؟
طالعها محمود بعدم إطمئنان فقد أصبح لديه خبرة فى تحديد طبيعة الإنسان من مكنون عينيه وقد شاهد فيهما مكر شديد.
ليجيب بصرامة: جوزك فين؟
حسنية بإرتباك مصطنع: چوزى ليه عمل يا باشا؟
ضيق محمود عينيه واقترب منها بملامح جامدة، حتى شعر بإرتجاف جسدها وهمس: عشان اللى طبخينه سوا ريحته فاحت.
لتقول بنبرة متذبذبة: هو ايه ده يا باشا، أنا مش فاهمة حاچة؟
محمود بمكر: هتفهمى لما تشرفى معانا، أو تقولى هو فين عشان كده كده هنجيبه.
حسنية: لا مقدرش أفتن على چوزى يا باشا وأجول مستخبى فى السندرة، عيب يا باشا، لا هو مش موچود.
وهو معملش حاچة، ده طيب وابن حلال.
أومىء جاسر برأسه قائلا بعد أن استمع لقول حسنية: اه جوى جوى يا بت.
ليأمر محمود القوة بالتفتيش فى كل أركان المنزل، حتى وجدوه فى السندرة.
فرفع محمود عينيه إليه قائلا: بتعمل إيه فوق يا ابن حمدان؟
إبتسم جاسر ابتسامة واهنة وردد بلسان يرتعش: كنت بشم هوا يا باشا.
محمود: طيب نزلوه يسف التراب تحت.
ليكبلوا يديه بعد ذلك ويزجوا به للخارج، فصرخت حسنية: چوزى حبيبى هتاخدوه فين؟
ليجيبها جاسر: عيفسحونى يعنى يا بت!!
يلا السچن للجدعان، روحى بس حضريلى زيارة وتعالى بيها عشان چعان.
فقطبت حسنية جبينها محدثة نفسها: أكلت السم يا بعيد.
ده أنا مصدجت أخلص منيك وأفوق بجا لحبيب الجلب * حمدى*.
***
ظل براء شاردا فى زاد طوال الطريق فى زاد، تارة يبتسم عندما يتذكر ضحكاتها البريئة معه وتارة يغضب عندما تذكر أنها كانت ستضيع من يده عندما خطبها بنفسه لزميله صلاح فى بادىء الأمر.
فردد بغضب: مش خابر كان فين عقلى ساعتها!
بس يلا أهو راح، أظن لو كان عايش لدلوك، كنت عكتله لو حتى نطق إسمها جدامى.
وظل هكذا يحدث نفسه حتى وصل إلى البناية التى يقطن بها، حيث كانت عيون نيلى تنتظره بفارغ الصبر وما أن لمحته يستعد لإيقاف السيارة فى ذلك الركن المعد لها، حتى استغلت انشغاله فى النظر للخلف.
فأسرعت للوقوف أمام السيارة ثم صرخت بصوت عالى أتبعه سقوطها على الأرض ماشى عليها.
إنتبه براء لصوت صراخها ثم لمح شبح يسقط على الأرض ففزع ودق قلبه وتمتم بقوله ساخطا: هو يوم مش فايت من أوله.
وحظى أنا عارفه كويس.
لما انزل أشوف المصيبة اللى وجعت فوق راسى دى.
ثم رفع بصره للسماء: دى اكيد دعوة زاد عليه صوح يارب؟
وللحكاية بقية.
رواية اولاد الجبالي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء سعيد
أدرك براء أنه صدم أحدهم دون أن يقصد بسيارته، فغضب وتوتر ولعن حظه السيء دوماً وقال بجمود:
_ لما أنزل أشوف المصيبة اللي وجعت فوق راسي دي.
_ ما أنا خابر حظي زين، أكده ديما أطلع من نوجرة لدوحديرة.
ثم رفع بصره للسماء:
_ دي أكيد دعوة زاد عليّ صوح يارب!
_ ربنا يهديكِ يا زاد عليّ، وأهو شوفتي اللي عيحوص ليّ!!
_ فبزيادكِ عاد، أنا مش ناقص.
وعندما نزل من سيارته، تفاجأ إنها فتاة شابة ببشرة بيضاء وشعر باللون البني الفاتح، وجسد ممشوق فلمعت عيناه وابتسم مردفاً بمكر:
_ ده إيه المصيبة الحلوة دي!
_ لا أكده عاد مش دعوة زاد، دي دعوة محمود عشان هو ذوقه حلو.
_ وإظاهر أكده خلاص، العقدة اتحلت وحظي عيتعدل.
_ لما أشوف القمر اللي نزل من السما ده ووجع حدّي عربيتي أنا.
_ يا وعدي يا وعدي.
ليقترب منها ببطء قائلاً بهمس:
_ يا آنسة، يا آنسة.
_ إيه مش بتردي ليه! فطستي إياك!
_ منا خابر إن الحلوين مش بيعيشوا كتير في الدنيا دي وبيسبولنا الأشكال اللي تسد النفس تنكد علينا.
_ بس حتى جومي جول ليّ اسمك إيه يا جمر أنتِ.
_ وسمعيني صوتك حلو أكده زي رسمك.
فكادت نيللي أن تبتسم رغماً عنها ولكنها جاهدت حتى تتماسك ولا يكتشف أمر خدعتها. حتى وجدته ينحني إليها ويلملم خصلاتها التي تناثرت على وجهها وتمعن النظر إليها مردفاً:
_ مش خابر حاسس إني شوفتك قبل أكده بس مش فاكر فين؟
فحدثت نيللي نفسها:
_ مهو يعني أكيد كنت زبون من إياهم، أو لمحتني في القسم أباشا، بس يارب ماتفتكر خلينا نعدي الشغلانة دي على خير.
ليمسك براء بمعصمها يتحسس نبضها ثم ظهرت الراحة على وجهه بعد أن أدرك أنها مازالت على قيد الحياة فحدثها:
_ لا لسه فيكِ نفس، متجلجيش بجا وجومي يا عسل.
فتململت نيللي وهمست بوجع:
_ ااااه، ااااه.
فخفق قلب براء وأردف قائلاً:
_ سلامتك من الـ ااااه ياريتها كانت جت في اللي بالي وأنتِ لأ.
فتحت نيللي عينيها بتثاقل قائلة:
_ أناااا فين؟
براء:
_ في الجنة، جصدي في الشارع، جومي بجا قبل ما الناس تتفرج علينا.
فحاولت نيللي الوقوف فلم تستطع وسقطت من يديه، فزفر براء:
_ يا وجعتك المربربة يا براء وبعدين البت مش جادرة توجف على حالها، شكلها انكسرت وكسرت جَلبي معاها.
فطالعها بحزن مردفاً:
_ لا أكده لازم نروح المستشفى أطمن عليكِ ومتجلجيش أنا هدفع كل المصاريف مع إني لسه مقبضتش.
اصطنعت نيللي الرعب وتمسكت بقميصه:
_ لا مستشفى إيه، أنا بخاف من الدكاترة والإبر.
براء:
_ معتخافيش هدهالك أنا براحة، مش عتحسي بيها، عشان يدي خفيفة جوي زي جَلبي اللي عيرفرف دلوك.
نيللي بذعر مصطنع:
_ لاااا مش عايزة.
ثم بكت بدموع شيطانية:
_ وديني عند مامّي.
حاول براء تهدئتها بقوله:
_ طيب بس من غير عياط، وحاضر هوديكِ لماما وأجب لك شيكولاتة كمان، بس لو مسمعتيش الكلام هرجع أوديكِ المستشفى يدوكِ إبرة.
ثم حاول مساعدتها على النهوض مرة أخرى، فوقفت بصعوبة وأقتربت منه، حتى شعر بأنفاسها بجانبه، تداعب روحه فتنفس ببطء بعد أن أشعلت نار قلبه بداخله فحدث نفسه:
_ الله يخزيك يا شيطان، بس تصور يا براء، ياريتك كنت دكتور وبتدي إبر للمزز الحلوة دي، احسن من الشغلانة الناشفة اللي ميجيش وراها غير وجع الجَلَب دي.
ثم عاتب نفسه:
_ لا أجمد أكده، هو انت بيأثر فيك برده الحلويات دي.
ليستطرد قائلاً:
_ جول ليّ هو مامّي حلوة زيك أكده.
فضحكت نيللي:
_ لا أحلى كتير.
براء:
_ طيب جول ليّ عنوان مصنع الحلويات بتاعكم، جصدي عنوان بيتكم.
فوصفت له نيللي العنوان، ليساعدها بعد ذلك في الجلوس في السيارة، ولم تكف عن الأنين المصطنع.
فحدث نفسه براء:
_ وبعدين البت شكلها تعبان جوي، بس أعملها إيه، هي مش عايزة تروح مستشفى، هي حرة بجا وأنا مالي.
ليمر الوقت حتى استوقفته نيللي عند أحد الأبنية مردفة:
_ أيوه، بس هنا، العمارة الصفرا دي بتاعتنا.
براء:
_ تمام، بس أنتِ متأكدة إنك مش محتاجة مستشفى يا بنت الناس، عشان محسش بالذنب من ناحيتك.
فطالعته نيللي بشفقة وحدثت نفسها:
_ والله الراجل ده شكله طيب ودمه خفيف وميستهلش اللي هيحصل فيه ده، بس نصيبه كده، شكله أمه داعية عليه.
ثم إستطردت:
_ لا أنا بس محتاجة أستريح وهكون كويسة.
_ ساعدني بس أطلع السلم، إحنا اول دور الحمد لله.
فحدثها بمكر:
_ ليه ياريته كان العاشر.
فابتسمت له ومدت إليه يديها مرة أخرى، فتمسك بها جيداً وحاوطها بذراعه الآخر حتى وصل بها إلى ذلك السلم، ليستمع إلى صوت صاخب من الموسيقى والضحكات العالية.
فتساءل:
_ إيه الصوت ده، هو فيه فرح عندكوا ولا إيه؟
ابتلعت نيللي غصة في حلقها مردفة:
_ لا بس إحنا عيلة بنحب الفرفشة شوية.
فابتسم براء:
_ والله أحسن حاجة، بدل النكد اللي عندي في البيت، أطلعي أطلعي.
لتستند نيللي عليه بإرياحية وعلى حين غفلة منه، أخرجت تلك الزجاجة من حقيبتها سريعاً، ثم بحركة خفيفة نثرت على أنفه، فشعر براء بالدوار وأمسك برأسه مردفاً:
_ مش خابر دماغي لفت ليه أكده، يمكن عشان صوت الأغاني عالي عندكوا جوي.
فضحكت نيللي:
_ لما نطلع هخليهم يوطوها شوية.
لتجده قد ضحك بهيسترية وطالعها بنظرات ثاقبة مردداً بإعجاب:
_ بس تصوري أنتِ حلوة جوي جوي.
نيللي:
_ هو فيه بحلاوتك أنت، تصور دخلت دماغي وخلال فيك اليومين اللي هاخدهم عشانك.
براء:
_ بجولك إيه؟
نيللي:
_ قول.
براء بضحك:
_ نتفق، زي ما وصلتك توصليني، وبعدين أوصلك وتوصليني.
فاطلقت نيللي ضحكاتها مرددة:
_ ولفي بينا يا دنيا.
_ أنت تؤمر يا باشا، شكل دماغك عمرت أوى، ولي جي أحلى.
ثم بدأ براء يدندن ويغني بمرح مع الأغنية الصاخبة التي يصدح صوتها من الشقة.
حتى وصلا إلى الشقة، فقامت نيللي بالضغط على رنين الباب.
لتفتح لها سيدة في منتصف الأربعينات بوجه ممتلئ ومليء بالمساحيق كأنها لوحة لبهلوان في السيرك.
وترتدي ملابس تكشف عن جسدها أكثر مما تخفيه لتقول بضحكة رنانة:
_ نيللي، عاش مين شافك يا بت.
نيللي بترحاب:
_ والله ليكِ وحشة يا خالتي.
ليحدثها براء:
_ القنبلة دي خالتك، أمال أمك إيه شكلها صاروخ أرض جو.
طالعته بديعة بإعجاب مردفة:
_ أول مرة تجيبى واحد عليه القيمة يا بت يا نيللي وشكله دمه خفيف وبيفهم.
_ بقولك إيه متسبيهولي أخده لفة.
لتدفعها نيللي بيديها للداخل مردفة بضجر:
_ هو إحنا عنقطع على بعض ولا إيه يا خالتي، وسعي كده خلينا نريح الزبون.
فحركت بديعة شفتيها بتهكم مردفة:
_ خشي يا أختي، يعني أنا كنت هاكله.
ترنح براء أثناء سيره مع نيللي، لتتحاوطه نيللي بذراعيها حتى لا يسقط، فأخذ يضحك مردفاً:
_ هو أنا اللي سندك ولا أنتِ اللي سانداني، سبحان الله الحال بيتغير بسرعة.
نيللي:
_ مدوقش المهم محدش يقع.
وكلما تقدم معها براء أستمع للأصوات التي تصدر من الغرف فتساءل:
_ هو فيه عندكوا حتى تعبان غيرك ولا إيه؟
فضحكت بدلال:
_ أيوه ما إحنا زي ما تقول كده زي المستشفى، بنستقبل اللي قلوبهم تعبانة ونريحهم على الأخر.
فغمزها براء:
_ ده أنا أكده تعبان جوي جوي.
لتضع نيللي يدها على قلبه مردفة:
_ فعلاً قلبك بيدق جامد، وأنا عندي العلاج.
ثم فتحت تلك الغرفة المخصصة لها، ودلفت به للداخل وساعدته على الجلوس على الفراش.
لتبدأ هي فيما اتفقت عليه مع فريد وبراء ينظر إليها بذهول ولكنه في حالة لا تسمح له بالرفض بل كان كالدمية بين يديها تحركه كيف تشاء.
ليجدها تقترب منه فشيئاً فتوتر وقال وهو يلعق شفتيه بلسانه:
_ هتعملي إيه، لا حرام عليكِ أنتِ معندكيش أخوات رجالة.
فغمزته نيللي واومأت برأسها:
_ لا معنديش.
وكلما زادت في اقترابها تلون وجهه براء بالحمرة واشتعل قلبه وهمس:
_ طيب بوسة واحدة عشان أنا مؤدب.
فتعالت ضحكات نيللي، لتفتـ...رسه بعد ذلك وكان هو كالضحية لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
ثم أخذت هاتفها وقامت بتصويره معها في عدة أوضاع فاضحة، لترسلها في الحال إلى فريد الذي كان في نفس التوقيت مع مرام.
وعندما أضيئت شاشته التقطه سريعاً، ليبتسم بمكر ثم مرر الهاتف إلى مرام التي شعرت بنغصة في قلبها لرؤيته هكذا وتمنت أن تكون هي معه، لإنها لم تشعر بالحب سوى معه فقط.
وأخذت تتأمله بنظراتها كثيرا وحدثت نفسها:
_ اااااه يا براء لو تعرف قد إيه وحشتني، وقد إيه بحبك.
_ وكل اللي بعمله ده عشان أنتقم منك عشان كرامتي اللي بعترتها لما فضلت عليه مراتك اللي شبه الشوال دي، وقتلت بابا قدام عينيه.
_ وكان مفروض بعد ده كله أكرهك، بس لقيت نفسي لسه بحبك.
_ وبمجرد نظرة لصورتك، رجع كل الحنين في قلبي تاني ليك وأكتر.
لاحظ فريد نظراتها المطولة إلى براء ولمسات يديها على الهاتف، فأثارت في نفسه الغيرة وشعر بالنقص في رجولته.
فاختطف منها الهاتف وتبدلت ملامحه الجمود مردفاً:
_ ودلوقتي هتصل ببوليس الآداب، عشان يعمل الواجب معاه.
_ وبعديه هتصل بواحد صاحبي، صحفي مغمور ما هيصدق خبر زي ده ينشره بالصور ويبقا ترند الموسم.
_ مهو الناس كده يا روحي تحب أوى الفضايح وتنشرها، أما الحلو فتخبيه من الحسد.
***
قامت إدارة المستشفى بالاتصال على باسم.
فاستجاب سريعاً:
_ أيوه، إيه الأخبار، بخير، فاقت ولا حصل حاجة، قول بسرعة؟
لتخبره الموظفة:
_ يا فندم متقلقش، الدكتور كلمني أقول لحضرتك إن مدام عزة فاقت وبتسأل عليك.
فاتسع فاه باسم بقوله:
_ فااااقت أنا جي حالا.
ثم التفت إلى ملك فوجد عينيها قد امتلأت بالدموع وتضم ريحانة إلى صدرها بذعر وكأنها تخشى عليها من أن ينتزعها أحدهم من صدرها.
فأغمض عينيه بحزن بعدما أدرك حقيقة خوفها ثم إستطرد بخفوت:
_ عزة فاقت يا ملك.
_ إيه رأيك تلبسي وتيجي معايا أنتِ وريحانة عشان أكيد هتسأل عليها.
ابتلعت ملك غصة مريرة اجتاحت حلقها بصعوبة لتجيبه بخوف:
_ آه، آه، وماله، حمدلله على سلامتها.
ثم استعطفته بقولها:
_ بس بالله عليك، تعاملها كويس يا باسم ويا ريت يعني تجولها إنها تسيب ريحانة معايا عقبال ما تشد حيلها شوية.
طالعها باسم بشفقة وابتسم واومأ برأسه:
_ حاااضر.
_ يلا قومي ألبسي، عقبال ما أدخل الحمام.
لتحدث نفسها بإنكسار وهي تنظر لوجه ريحانة الملائكي:
_ خايفة جوي يا نور عيني تاخدك مني، بعد ما خلاص اتعودت عليكِ وبقيتي حتى مني، وحاسة بعدتي عني أنا ممكن أروح فيها.
ثم رفعت بصرها للأعلى وناجت ربها:
_ يارب متحرمنيش منها بعد ما أكرمتني وعوضتني بيها.
لتمر عدة دقائق، قد أتما فيهما باسم استعداده وملك للخروج.
ليغادروا سوياً نحو المستشفى.
وظلت ملك طوال الطريق تضم ريحانة لصدرها وتتطلعها بحنو وحب وكأنها تقول لها:
_ أنا ماما ومش هفارقك ولا تفارقيني ابدا، صح يا ريحانتي.
حتى وصلا إلى المشفى، وسارع باسم ومن ورائه ملك إلى العناية المركزة.
وما أن وقع نظر عزة عليه حتى صاحت وعينيها تملؤها الدموع:
_ باسم حبيبي.
لتغمض ملك عينيها بألم وغيرة على رفيق الروح وقطعة من القلب.
ثم لاحظت عزة وجودها من ورائه، فلوت شفتيها وحدثت نفسها:
_ إيه اللي جابها معاه، خايفة عليه يتخطف ولا إيه ولا هو مييعرفش يمشى من غيرها بتحرسوا إياك!!
ثم انتبهت إنها تحمل بين يديها طفل، فارتعدت شفتيها ونطقت بلهفة:
_ دي بنتي صح.
حاول باسم إلهائها قليلاً، لتأخذ تلك التي ورائه أنفاسها التي انقطعت عند ذكر عزة طفلتها.
باسم:
_ حمد لله على سلامتك يا عزة، متتصوريش أنا كنت قلقان كيف عليكِ، بس ربنا سترها واهو جومتي بالسلامة.
_ ألف سلامة عليكِ ودلوك حاسة بإيه؟
_ زينة ولا لسه تعبانة؟
فأطالت عزة النظر إلى عينيه بشوق ولم تنطق سوى:
_ انا زينة أول ما شوفتك قدامي يا باسم، وياريت كنت غيبتي عن وعيى بدري عن أكده عشان أشوف الخوف والحنية دي في عينيك، أنا مش مصدجة حالي.
فصكت ملك على أسنانها بغيظ ولم تتحمل حديثهما، فأقتربت من ذراع باسم وقامت بقرصه فصاح:
_ اااااه.
عزة:
_ إيه فيك إيه يا غالي؟
باسم بحرج:
_ آه كنت قلقان عليكِ، والحمد لله إنك بخير.
ثم عادت عزة النظر إلى ملك ومدت ذراعها بشوق:
_ ريحانة بتي، يا ترى عملتي إيه من غيري.
فشددت ملك مرة أخرى عليها بخوف ولكن باسم استدار إلى ملك، ومد يده بحنو قائلاً:
_ هاتى ريحانة لـ عزة تشوفها.
فلم تجد ملك سوى أن تدعها له، وما أن فارقت صدرها حتى شعرت بأن روحها قد فارقتها.
فشعر باسم بها فقبض على يديها كأنه يطمئنها أنه معها ويأزرها وأنها لديه أغلى ما يملك.
بينما كانت عزة تتطلع إلى ريحانة بحب ولهفة ثم رفعتها إلى فمها فقبلتها عدة مرات متتالية بنهم مرددة:
_ الله أكبر، عسل عسل يا بتي.
ثم أشارت إلى باسم:
_ شبهك جوي يا باسم، شوف من حبى ليك، جَت البت شبهك كيف.
فحمحم باسم بحرج:
_ بالعكس دي شبهك خالص يا عزة.
عزة:
_ هو أنا جمر أكده.
_ يبقا من حبك ليك أكيد.
فانفعلت ملك وسرعان ما مالت إليها لتأخذ ريحانة مردفة:
_ لا شبهك ولا شبهو، شبهي أنا، وكفاية بوس أكده، البت لسه صغيرة مهتتحملش.
فطالعتها عزة شرزا مردفة بحنق:
_ وأنتِ بتعدي عليّ البوسة ولا بتكوني أحن مني على بتي.
_ وهاتيها يلا وروحي أنتِ عاد وهملي باسم.
فحركت ملك رأسها بذعر مرددة:
_ لاااااا.
فردد باسم:
_ لا حول ولا قوة الا بالله.
ثم حاول تلطيف الجو كي يهدئ الإثنين، فأشار إلى عزة.
_ معلش سبيها دلوك يا عزة عشان لساكِ تعبانة ومحتاجة راحة ومش هتقدري عليها، لما تجومي بالسلامة والدكتور يكتب لك خروج، ابقى راعيها زي ما تحبي.
طالعتها عزة بحب واستطردت:
_ اللي تشوفه يا باسم، بس هاتيه طيب أرضعها.
حركت ملك رأسها مردفة:
_ لا رضعت وشبعانة ونايمة اهي كيف الملاك.
فصاحت عزة:
_ اصحيها ملكيش فيه، هاتى البت أرضعها بجولك.
فأخذت الحيرة باسم بينهما ولم يدري بما يفعل ولكن عزة على حق فهي ابنتها ولذلك التفت إلى ملك يرجوها بعينيه محاولاً بهدوء:
_ معلش هاتيها وبعديها تاخديها على طول وعنمشي.
ترددت ملك قليلاً ولكن في النهاية ناولته الرضيعة ليعطيها لغزة التي ضمتها لصدرها بقوة، فاستيقظت الصغيرة باكية، فحاولت إرضاعها مراراً وتكراراً ولكن الرضيعة رفضت وظلت تبكي كثيراً.
حتى انفطر قلب ملك ومالت إليها تأخذها من بين يديها قائلة:
_ جولتلك شبعانة، هاتى هاتى وريحي أنتِ.
وما أن ضمتها ملك حتى استكانت ريحانة بين يديها وتوقفت عن البكاء.
فتعجبت عزة وضمت شفتيها بسخط وحدثت نفسها:
_ هو إيه الحكاية! هي السهتانة دي مش كفاية عليها باسم عاد، كمان بتاخد بتي مني.
_ لا أنا مش هسكت، وعاخد بتي منها.
فسارع باسم لينهي الموقف:
_ طيب استأذنك دلوك أروح ملك وأشوف شغلي بس هعدي عليكِ تاني بالليل أطمن وأشوف لو الدكتور هيكتب لك خروج ولا لسه محتاجة راحة.
عزة برجاء:
_ أيوه ياريت يا باسم، أنا مهطقش رقدة المستشفى، أنا بجيت زينة الحمد لله.
ثم طالعته بحب وهمست بعشق:
_ ما تخليك شوية كمان، ملحجتش عيني تشبع منك.
لتصيح ملك:
_ يلا يا باسم، عشان أنا مليش في كُهن الحريم ده.
ثم طالعت عزة شرزا وتابعت:
_ حمد لله على سلامتك يا عزة.
_ وبجولك ريحي نفسك واهدي أكده، عشان مش حلو عشانك.
عزة بغل:
_ قصدك إيه عاد؟
ليتدخل باسم قبل أن يشتعل الحريق بينهم.
_ مجصدهاش يا عزة، وعسيبك بجا دلوك، وزي ما جولتلك هرجع تاني ليكِ باليل عاد.
***
تعجب زرارة من حديث حمدي أنه بإستطاعته أن يتغلب على العيون التي تحاوط قمر من كل اتجاه لحمايتها لذا قال متعجباً:
_ كيف ده؟
اتكأ حمدي على مقعده بإرياحية وبجمود قال:
_ هفهمك يا واد عمي.
_ هتروح تشتري من محل ألعاب العيال، لعبة على شكل قنبلة أكده.
فاتسعت عين زرارة وفتح فمه ببلاهة مردفاً:
_ عاااا.
ليصيح حمدي:
_ فتح مخك معايا أمال، وبطل هطل.
_ جولت هتشترى القنبلة اللعبة دي وتحطها في كيس أسود زي خلجتك ومتنساش طبعاً تلثم وشك بالشال عشان محدش يعرفك.
_ وتمشي في الشارع وتوقع الكيسة من يدك وتهملها وتمشي بعيد شوية.
_ وبعد أكده يجوم واحد من رجالتنا يعدي، ويشوف الكيس ويفضل يصرخ ويقول: قنبلة، قنبلة، إلحقونا يا خلق هو.
_ هتلاقي أمة لا إله إلا الله اتجمعت حوله، عشان تتفرج، ما إحنا شعب أكده أهطل، بدل ما يهربوا هيجوفوا يتفرجوا.
_ وهتلاقي كل نفر من اللي بيراقبوا جه على الصوت.
_ في اللحظة دي، هييجي رضوان عشان خابره جَلبه حديد وعيبيع حتى أمه بالفلوس بالعربية بتاعته معاه رش المخدر، وعيطلع يخبط على المحروس جوزها وأول ما يفتح يرش عليها يخدره.
_ وأول ما يوقع يدخل للبرنسيسة هي كمان ويخدرها، وأنت تسحب وتطلع وراه عشان تحملها معاه وتجيبها طوالي، قبل ما الحكاية تتكشف، وترجع العيون لمكانها.
فقام زرارة شفتيه وغمزه بإعجاب مردفاً:
_ أما فكرة بجد.
_ دماغك دي عايزة تتلف في حرير يا واد عمي.
_ وخسارة أنت في البلد دي والله.
فطالعه حمدي بغرور وتابع:
_ يلا بجا حظوظ، والدنيا أكده مبتديش، بتاخد بس.
_ وجوم فز من مكانك يلا وفهم الرجالة يعملوا إيه بالظبط زي ما فهمتك.
_ مش عايز غلطة واحدة، عشان لو حصلت الحكومة هتعالجنا.
زرارة:
_ لا متخافش عنفذ بالظبط.
_ وعقوم دلوك على طول.
ثم وقف وفرك في يديه ولمعت عينيه بمكر وأستطرد:
_ اااااه شكلها هتعون ليلة ولا ألف ليلة.
وعندما هم ليغادر، إستوقفه حمدي بقوله:
_ استنى.
فالتفت إليه زرارة مترقباً ما يقول.
حمدي:
_ دلوك أنا قربت أكون عريس على البت حسنية، فعايزك تشوف لي مطرح الچن الأزرق مايعرفش يوصله.
_ ويكون جاهز من كله، عشان نتقابل أنا وهي فيه.
_ عشان مكانها مش هيكون مضمون دلوك بعد اللي حصل.
فأشار زرارة إلى عينيه مردفاً:
_ عيوني يا واد عمي، ومبروك عليك المهلبية دي.
_ عقبال ما أشيل عوضك.
فأمن حمدي على دعائه:
_ يارب، متى بس أشوف اليوم ده.
_ دي الفرحة مش هتكون سيعاني.
زرارة:
_ أيوه هتكون فرحة، وهعمله أفخم سبوع، عشان عيكون ولد الغالي.
حمدي:
_ تعيش يا زرارة.
ليغادر بعدها لتنفيذ خطته، فما سيحدث؟
.....
نختم بدعاء جميل ❤️
" اللّهم إنّك لا تحمّل نفساً فوق طاقتها فلا تحملني من كرب الحياة ما لاطاقة لي به وباعد بيني وبين مصائب الدنيا كما باعدت بين المشرق و المغرب❤️ "
ام فاطمة ❤️ شيماء سعيد
رواية اولاد الجبالي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شيماء سعيد
اتخذ باسم قرار زواجه من عزة على عجلة من أمره دون أدنى تفكير في تأثير ذلك على علاقته بزوجته ملك، وأيضًا عزة التي أصبحت بالفعل الآن زوجته على سنة الله ورسوله ولها أيضًا حقوق عليه يجب أن يوفيها. بل والأدهى من ذلك رجوعها للقصر مرة أخرى.
ولكنه قبل العودة للقصر قرر أن يصارحها بما يدور في خاطره.
"عزة، عايز أقولك حاجة، وأتمنى إنك تتقبليها بصدر رحب. أنا بحب مراتي ملك، لكن أنا اتجوزتك عشان..."
فأصابت كلمته تلك قلب عزة فقتلته حزنًا، ولكن حبها له كان شفيعًا له عندها.
لذا أسرعت عزة بوضع يدها على فمه مردفة بانكسار:
"خابرة من غير ما تقولي يا دكتور. وده عشان أنت شهم وابن ناس، وعشان كده..."
ثم صمتت للحظة وتابعت بحرج:
"حبيتك يا باسم، وأنت مش متصور كيف أنا فرحانة قوي عشان رجعتني. يعني كده هقدر أشوفك تاني على طول، وأملي عيني منك، وأحس إني مطمنة طول ما أنت جنبي. وعشان كمان تكون مطمن عادي وتريحك مراتك اللي أكيد هتتصدم لما تعرف. أنا متنازلة عن حقوقي كزوجة ومسامحاك، ويكفيني بس أطلع لك بس، ده في حد ذاته راحة لقلبي."
فطالعها باسم باندهاش محدثًا نفسه:
"إيه قلبك ده يا عزة، معقول كده؟ ترضي تعيشي حياتك مع واحد من غير ما تاخدي حقوقك منه لمجرد إنك بتحبيه بس! تعبتيني قوي يا عزة، وإظاهر إني قلبي كده عمره ما هيرتاح. بس بجد اللي بتعمليه مكانتك هتزيد عندي يوم بعد يوم."
ثم تنهد بحرارة مردفًا:
"طيب يلا نتوكل على الله عشان ترتاحي شوية."
فابتسمت عزة ببراءة كالأطفال، ورقص قلبها الحزين حين استمتعت بأنفاسه وهو بجوارها، ويكفيها من الدنيا لحظات اهتمامه بها.
وبالفعل عادت إلى البيت معه، ليقوم باسم بالنداء على أم جليلة بقوله:
"يا خالة أم جليلة."
فأسرعت إليه بقولها:
"أؤمرني يا دكتور؟"
باسم:
"الأمر لله يا خالة."
ثم طالعت جليلة عزة باندهاش وحدثت نفسها:
"غريبة، إيه رجعها تاني هنا؟ طيب وست ملك، ربنا يستر، دي هتكون شكلها مطحنة بنتهم، بس وأنا مالي، خليني لوحدي. بس شكلها مخرشم كده!"
جليلة:
"حمد لله على السلامة يا ست عزة، وألف سلامة عليكي، مالك عاد؟"
عزة بحرج:
"الله يسلمك يا خالة."
باسم:
"تعبانة بس شوية وعايزك تعمل لها شوربة خضار وتسلقي فرخة وتطلعيهم في الجناح الفاضي اللي فوق جنب جناح بانة."
جليلة:
"حاضر، عيوني يا دكتور."
وعند لحظة نداء باسم لجليلة في بادئ الأمر، خرجت ملك وعلى وجهها ابتسامة مشرقة لسماع صوته لكي تستقبله، وأيضًا زهير خرجت من غرفتها ووقفت بجانب ملك.
لتعلو الصدمة على وجوههم عندما سمعوا حواره وعزة بجانبه.
لتصب ملك في الحال رجفة في جسدها وهمست:
"عزة تاني."
ثم لم تشعر بنفسها إلا وقد سقطت بجانب زهيرة مغشي عليها.
فصرخت زهيرة:
"ملك!"
فانقبض قلب باسم ورفع نظره لأعلى، ليطالع والدته التي رمقته بنظرة لوم وعتاب.
فقام مرة أخرى باسم سريعًا بالنداء على أم جليلة.
باسم:
"معلش ساعدي عزة تطلع لأوضتها."
ثم تركها وأسرع هو إلى ملك.
لتنهمر دمعة ساخنة على وجه عزة مرددة:
"القلب وما يريد. بس أقول إيه، ربي يهونها عليه."
لتساعدها أم جليلة على الصعود.
أما باسم حين وصوله إلى ملك انحنى ليحملها بين يديه وضمها لصدره ولسان حاله يقول:
"آسف، آسف يا قلب باسم، بس غصب عني صدقيني."
ثم ذهب إلى غرفتهم، ليضعها على الفراش برفق وتبعته والدته ولكنها وقفت بجانب الباب، تنتظر أن تتطمئن عليها.
ليسرع باسم لإحضار العطر فنثره على أنفها، فاستعادت وعيها، فرأته أمامه.
فرمقه أيضًا بنظرة لوم مرددة:
"انت اتجوزت عزة يا باسم تاني، ولا جايبها ضيفة بس عشان تمرضها هنا؟"
حاول باسم ابتلاع الغصة التي في حلقه ثم قال بتلعثم:
"أيوه يا ملك، أنا كتبت عليها بس."
فقاطعته ملك:
"بس إيه يا دكتور!"
وهنا انسحبت زهيرة وحدثت نفسها:
"جبت لنفسك الهم يا ولدي، اشرب بقى."
ثم عادت إلى غرفتها.
ملك بصوت خافت بسبب شهقاتها:
"يعني كنت بتخدعني وحبيتها ومقدرتش على بعدها فاتجوزتها؟ أمّال اتجوزتني أنا ليه؟ شفقة أو عشان بس كنت وعدني بالجواز؟ بس أنا مهستحملش ده يا باسم، وعشان كده بقولك يا ابن الجبالي طلقني، طلقني، أنا مهستحملش أعيش معاك وأنت في قلبك واحدة تانية غيري."
أتمت ملك كلماتها القاسية على قلب باسم وانتظرت منه رد.
ولكنها صُدمت عندما وجدت عزة قد ولجت إليها مستندة على جليلة حتى وقفت أمامها ثم انحنت إليها والدموع في عينيها مرددة:
"متظلميش باسم يا ملك."
ثم تنهدت بحرارة كادت تحرق روح باسم، فهو الوحيد الذي يشعر بها.
"باسم عمره ما حب غيرك يا ملك، وعمره ما حبني رغم إني أحبه أكتر من نفسي. ومجوزنيش عشان اللي في بالك، لا اتجوزني أنا شفقة كيف ما كنتي بتقولي على نفسك. بس أنتِ اللي غلطانة في قولك ده عشان هو بيحبك قوي. لكن أنا اتجوزني عشان زي ما أنتِ شايفة جسمي مكسر ووشي أزرق من ضرب أبويا ليه عشان عايز يجوزني غصب واحد أكبر مني عشان يوفر قمطي عندي. ويعلم لو كنت رجعت عنده تاني كان ممكن أموت في يده لو أصريت على الرفض.. فعشان كده اتجوزني عشان يحميني من أبوي الظالم المفترى.. بس متقلقيش جوازنا هيكون على الورق وبس. وأنتِ بس اللي حبيبته ومراته."
ثم بكت عزة بمرارة وأشارت إلى جليلة:
"يلا رجعيني لأوضتي يا خالة."
ف عادت عزة مع جليلة، فوجدت جليلة تربت على ظهرها بحنو مرددة:
"ياه يا بتي، ده أنتِ طلعتي قلبك أبيض وشايلة فيه كتير، بس يسلم خشمك إنك راعيتي الست ملك وهي بردك طيبة قوي. بس صراحة أنا هدعيلك ربنا يحبب فيكي الدكتور عشان ربنا يراضي قلبك الطيب ده. هقولك على دعاء حلو قوي تقوليه عشان يحبك. (وألقيت عليك محبة منى)."
ابتسمت عزة ابتسامة حزينة:
"تسلميلي يا خالة."
طالع باسم تأثير حديث عزة على ملك التي كانت في حالة صدمة ولكنها تأثرت بكلماتها وظهر ذلك على وجهها ولمعة عينيها ولم تستطع الرد عليها واكتفت بالصمت.
وعندما خرجت حدثها باسم بقوله:
"صدقتي بقى إني بحبك أنتِ وبس يا ملك."
أخفضت ملك رأسها بحرج مرددة:
"أيوه."
"بس انت لازم تعذرني لإني بغير عليك جوي عشان بحبك جوي يا باسم. ورغم إني اتأثرت بكلامه بس بردك وجودها معايا في نفس المكان مش هيريحني يا باسم."
باسم:
"معلش يا ملك، اصبري بس لغاية ما تشد حيلها شوية وبعدين أجيب لها شقة."
لتأخذها الغيرة مرة أخرى:
"لا تاخد لها شقة تانية عشان معرفش هتعملوا إيه من ورايا. لا خليها هنا عشان تكون تحت عيني."
فضحك باسم:
"أمرك يا ست ملك."
ثم شردت ملك في قول عزة إنها تحب باسم.
فأشفقت عليها لأنها تعلم معنى الحب جيدًا.
"كيف بس يا عزة بتشجيه وبتستحملي يكون ليا لحالي، إيه قلبك وصبرك ده؟"
"ده أنا مقدرش أعملها."
ثم عضت على شفتيها.
"وكمان خايفة آخد ذنب إني السبب في إنه يمنع نفسه عنها. بس وأنا مالي صح، لا مش هاخد ذنب طول ما هي اللي قالت كده واختارت. أيوه باسم جوزي لحالي وهي هعتبرها ضيفة وبس."
مرت بعض الأيام على براء وزاد وكل يوم يمر يشعر زاد أنها تبتعد عنه وأصبحت مزاجية متغيرة ولا يعلم السبب وراء ذلك واتعبه الحديث معها حتى يعلم سر تغيرها ولا يجد منها أي حديث مقنع لذا تجنبها هو الآخر. بل وسبب تهربها منه في الفراش إلى انفعاله عليها بعصبية في أي موقف بسيط يمر بينهم.
حيث ولج براء إلى شقتهما بعد يوم شاق من العمل.
فاستقبلته زاد بابتسامة باهتة ولم تسرع إليه.
فتحدث براء بضيق:
"لو سمحتي حضري الأكل عشان جعان قوي."
زاد:
"حاضر عقبال ما تاخد حمامك أكون حضرته."
فانفعل براء:
"أنتِ لسه هتحضري يا هانم، بقولك جعان. محضرتيش من بدري ليه، وراكي إيه."
لمعت عين زاد بالدموع لأنها لا تعرف فيما أخطأت، فأسرعت من أمامه سريعًا غاضبة.
فزفر براء:
"وبعدين بقى في النكدية دي، اللي كل ما أكلمها تبكي. هو أنا ناقص فقر مش كفاية الشغل والرفاهية. وسيادة اللواء اللي فكرني سوبر مان وعايز في أقل من أسبوع أكون كشفت عن العقل المدبر لأخطر عمليات تهريب المخدرات للخارج. ده أنا دوبي وصلت للعيال بتوع الحواري المعروفين أصلًا. لكن ده عجيبة منين وإزاي؟ ولسه مش قدامي حتى خيط واحد يوصلني له. أنا دماغي هتنفجر."
ثم جاءه اتصال من محمود.
محمود:
"عامل إيه يا براء؟"
براء:
"بخير يا ابني، بس فيه حاجة ولا إيه، عشان إحنا لسه سايبين بعض!"
محمود:
"صراحة مخنوق، وكنت عايز أتكلم معاك في موضوع كده."
براء:
"ومين سمعك يا محمود. ماشي، تعال نتقابل في الكافتيريا اللي تحت دي، ونشكيلنا لبعض همومنا."
محمود بسخرية:
"أنت كمان، جبتك يا عبد المعين يعني."
أغلق براء معه الخط، ثم رفع صوته لتسمعه زاد:
"أنا نازل، متعمليش حاجة، ويمكن أغيب شوية وهاكل أي حاجة بره، فنامي أنتِ ومتشغليش بالك."
تخشبت زاد في مكانها وشعرت بأن روحها تحترق عندما غادر وأغلق الباب من ورائه بقوة.
صكت زاد على أسنانها بغيظ:
"معقول يكون رايح يقابلها وكمان يتعشى معاها؟ معقول يا براء كل اللي بينا طلع هوا، سراب ملهوش وجود."
ثم لمست بطنها بيدها:
"آه يا ولدي، شفت أبوك هيعمل إيه فينا. بس أنا مش هسكت وهنزل وراه أقفشه متلبس أبو عيون زاغرة ده وهخليه يطلقني."
فارتدت الأسدال سريعًا، ثم أسرعت من ورائه.
فرأته يتجه نحو الكافتيريا فأطبقت على شفتيها بغيظ:
"كمان هتقابلها في الكافتيريا اللي جنبنا على طول، ومش خايف حد يشوفك معاها، يا بجحتك يا شيخ. ماشي يا براء، دي فضيحتك هتكون بجلاجل الليلة."
ثم أخذت تراقبه عن بعد حتى وجدت محمود يدخل بعده.
فشهقت:
"كمان محمود هيشوفك وبتتفضح في الداخلية يا براء."
ثم حاولت الاقتراب أكثر لتراه بوضوح، لتجد براء بمفرده ثم وقف لمصافحة محمود وجلسوا سويًا.
زاد:
"معناه إيه ده؟ تلاقي كل واحد مستني القطة بتاعته."
لتنتظر بفارغ الصبر وصول تلك الفتاة التي يخونها معها براء ولكنها لم تحضر حتى شعرت بالنعاس ووقفت تتثائب فقررت العودة للنوم مردفة:
"خلاص هعدي المرة دي يا براء، والمرة الجاية أكيد هقفشك يا خاين يا بتاع الستات. بس يا ترى شكلها إيه بتاعة الحلق دي، أكيد حلوة. ماشي يا براء، بس أشوفك معاها."
ثم عادت إلى المنزل، وبسبب هرمونات الحمل غطت في نوم عميق.
جلس محمود مهمومًا، فطالعه براء بحنو مردفًا:
"مالك يا سيادة المقدم."
محمود بحزن:
"مش عارف يا براء أتصرف إزاي مع أمي. براء: مالها الست الوالدة؟"
محمود:
"رافضة تمامًا موضوع نهلة ومش مدركة أن أساس أي علاقة هو الحب وأن أي حاجة تانية هتيجي بعدين. ومش بس كده دي كمان مصممة تخطبلي بنت صاحبتها، أنا خلاص هتجنن ومش عارف أعمل إيه؟ وخصوصًا أن نهلة كانت رافضاني في الأول عشان كده، بس أكدت لها إني راجل ويستحيل حد يأثر عليه. ومش عارف أواجهها إزاي برفض أمي، عشان عارف إني ممكن أخسرها، عشان كده كلمتك تشوفلي حل."
وأنهى محمود حديثه وانتظر رد براء ولكن وجده شارداً وكأنه لم يستمع لما يقوله.
فأخرجه من شروده بقوله:
"ها روحت فين يا براء؟ بكلمك وأنت ولا هنا."
براء بحرج:
"ها قولت إيه؟"
فضحك محمود:
"يا عيني يا خويا، ده أنت شكلك مزنوق أكتر مني، طيب قولي مالك يمكن أقدر أفيدك؟ بس قولي الأول أعمل إيه مع أمي في موضوع نهلة؟"
براء:
"أنت فعلاً بتحب نهلة يا محمود وشايف أنها زوجة مناسبة لواحد في مكانتك؟"
محمود:
"أنت لسه بتسأل يا براء! أيوه بحبها جدًا وشايف أن مفيش حد هيقدر يسعدني غيرها، وحكاية مناسبة دي، أنا ممكن أغير طريقة لبسها وكلامها وهي عندها استعداد لده وده مش عشان أنا محرج منها، لا أنا بحبها على فطرتها بس عشان متتعرضش للإحراج من أي حد."
فابتسم براء:
"يبقى فعلاً تتمسك بيها يا محمود، لأن الحب ميتعوضش وعلى حسب اللي سمعته من نهلة وحب أمي ليها خلاني فعلاً أحترمها وأشوف إنها إنسانة كويسة وتستاهل كل خير."
محمود:
"فعلاً يا براء، بس ماشاء الله لسانك بقى زينا هو مش صعيدي أوي."
فضحك براء:
"آه بحاول أتأقلم معاكم على لغتكم العامية يا سيدي عشان التنمر. لكن ساعات برجع لطبيعتي غصب عني اللي اتربيت عليه."
محمود:
"عندك حق وعلى فكرة أنا بموت في الصعيدي."
براء:
"قصدك بتموت في نهلة."
فضحك محمود:
"أيوه بعترف، لكن أمي مشكلة."
براء:
"هقولك، أنت متستعجلش على الجواز، وخد وقتك وهات نهلة هنا وشوف بنوتة تعلمها الإتيكيت فعلاً واللبس قبل ما تعرفها على والدتك. ولما تبدأ فعلاً تتعلم وتحس إنها اتغيرت شوية قدمها لوالدتك على إنها بنت أعجبت بيها مش نهلة. وساعتها والدتك مش هتعارض، ولما تقرب منها وتحبها ساعتها ممكن تقولها على الحقيقة وساعتها مش هترفضها."
فصاح محمود:
"الله على أفكارك المهلبية يا سيادة المقدم. كانت غايبة عني فين دي."
براء:
"عد الجمايل يا ريسنا، وعقبال لما أوصل للرأس المدبر للعملية اللي كلفنا بيها سيادة اللواء."
محمود:
"متقلقش، الموضوع محتاج شوية تحريات واستجواب للعيال اللي قبضنا عليهم، وممكن كمان نسرح الريس بتاع العيال دي، أنت عارفه، المعلم حديدة. ونديله الأمان عشان يتصرف بحرية ونراقب خطواته ونشوف بيتعامل مع مين وبكده شوية شوية هنقدر نوصل للرأس المدبر."
فقام براء بالتصفير مرددًا:
"لا كده أنا اللي هرفعلك القبعة يا سيدي المقدم."
فضحك محمود:
"وهو كذلك، عد بقى الجمايل أنت."
"بس أنت برده دماغك تتلف في حرير، بس مش عارف مالك اليومين دول مش مركز كده، وعصبي حبتين. أحكيلى يمكن أقدر أخفف عنك."
فتنهد براء ثم خرج اسم زاد من شفتيه بحنق:
"زاااااد يا محمود."
محمود بإندهاش:
"مالها زاد، ده أنت كنت مبسوط قوي، وبتقول مفيش في الدنيا غيرها وحنيتها وحبها واهتمامها بيك وكنت طالع بيها السما، إيه اللي وقعك كده على جد رقبتك. إيه العسل خلص بدري ولا إيه؟"
براء:
"هتتريق حضرتك."
محمود:
"لا مش قصدي، بس مالها زاد؟"
فزفر براء بغيظ:
"مش عارف، بقالها فترة بعيدة عني وبتحاول تتجنبني وفي عينيها كلام وحزن مش عارف سببه."
محمود:
"طيب مسئلتهاش ليه عشان تعرف فين المشكلة؟"
براء:
"سألتها كتير ومصممة أن مفيش حاجة، وأنا بس تعبانة وزهقانة وكده لكن مفيش سبب واضح."
محمود:
"يمكن فعلًا ملت من قعدتها لوحدها، حاول تخرجها في يوم الإجازة أو تنزلها البلد شوية وبعدين ترجع تاخدها. وحاول معلش تحتويها أكتر لأن زي ما بيقولوا الستات دول عندهم هرمونات بتجنن، يعني تقولك ابعد عني قصدها قرب مني. تقولك بكرهك يعني بحبك، تقولك مش عايزة حاجة بس هي عايزة حاجة معينة لمحت بيها ليك من فترة وأنت مخدتش بالك منها. ولما تيجي تسألها مالك تقولك، ما أنت لو مهتم كنت عرفت لوحدك، والاهتمام مبيطليش."
فجحظت عين براء مرددًا:
"إيه ده كله، وأنا أعرف إزاي؟ وإيه اللخبطة دي، أنا كان مالي ومال الهم ده. دي كده أنا عايز كتالوج عشان أفهمها. أقولك حاجة يا محمود، أنت كده كويس متجوزش، السنجلة جنتلة متجبش لنفسك النكد يا خويا، أنا قلبي عليك."
فضحك محمود مرددًا:
"لا أنا لازم أجرب بنفسي."
براء ساخرًا:
"بس متجيش تشتكي بقا عشان أنا حذرتك أهو."
لينهوا بعد ذلك المقابلة ويعود براء إلى منزله، ويبحث عن زاد فيجدها نائمة، فأخذ يتطلع إليها بحب وحدث نفسه:
"شوف كيف الملايكة وهي نايمة إزاي، لكن لما تقوم وتقلب على الوش التاني أعوذ بالله، ربنا يهديك عليه يا زاد."
ثم استبدل ملابسه، وافترش بجسده بجانبها.
وتذكر أن غدًا الثلاثاء موعد فتاة المول فابتسم:
"كويس أهو نشوف أشكال عدلة بدل الخلقة اللي جنبي اللي تسد النفس دي."
وقفت بانة في وجه جابر مردفة بغضب:
"جاسر إيه اللي بتجيبه يشتغل معاك يا جابر! أنت نسيت هو عمل معاك إيه، ده كان السبب في سجنك ولولا ربنا ستر كنت زمانك اتعدمت وأنا اترملت وابنك اتيتم قبل ما يطلع للدنيا."
ابتسم جابر قائلاً:
"تعرفي إنك شكلك حلو حتى وأنتِ متزربنة كده. بس أنا خايف عليكي عشان الواد اللي في بطنك زمانه بيتعتصّب كيفك كده وبيتجلجل وتيجي تشتكي إنه تعبك."
فهدأت بانة من روعها قليلاً:
"تصوري عندك حق، فعلاً جنابي وجعتني من خبيطه. بس أعمل إيه أنت بتنرفزني."
فأمسك جابر بيدها ورفعها إليه وقبلها بنعومة مردفًا:
"لا عاش اللي ينرفزك يا قلبي هدي حالك، مفيش حاجة تستاهل زعلك. وإن كان على جاسر متخافيش هو اتغير خالص من ساعة ما أبوي اتسجن وعرف إنه اللي عملها. وحس إنه كده مبقاش عنده ولا أب ولا أم وبقى لحاله ضعيف بعد ما كان بيستند على أبوي ويعمل نفسه كبير. فجه عندي واتأسف وقال إنه ندمان على اللي عمله من زعله على أمه الله يرحمها. وأنه مفيش حد ليه دلوقتي غير أنا وجاد الصغير. وأنه نفسه نكون أخوات صح وايد واحدة. وساعتها صعب عليا وحسيت إني لازم أكون صح أخوه الكبير وأراعيه وأخد بيده هو وجاد. وعرضت عليه يشتغل معايا عشان يكون تحت عيني، وهو وافق. أروح دلوقتي أقوله لأ، ترضيها عليه دي يا بانة إني أرجع في كلمتي."
بانة:
"بس يا جابر أنت طيب قوي وأنا خايفة عليك، يكون بيضحك عليك بكلمتين عشان ياكل عقلك وبعدين يعملك مصايب في شغلك وأنت مصدقت تقف على رجليك وبقى ليك صيت في البلد."
طالعها جابر بحب مردفًا:
"خايفة عليه يا بانة؟"
ابتسمت بانة:
"أيوه يا حبة عيني، ما كنتش هخاف عليك أخاف على مين، ده أنت يا جابر كل دنيتي وأبو ولدي."
فاحتضنها جابر ثم قبل رأسها وهمس:
"ربي يخليكي ليا يا أحلى نعمة من ربنا عطاها لي. ومتخفيش عاد أنا هحطه قدام عيني ديما لغاية ما أتأكد فعلاً إنه كويس."
استيقظ براء من نومه فلم يجد زاد بجانبه، فبحث بعينه فراها تصلي صلاة الضحى.
فهي صلاة الأوابين وليها أجر عظيم حيث ورد في حديث عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى."
فقام براء وتوضأ ليصلي، فتقابلت أعينهم في نظرة عتاب.
زاد:
"حضرتك هتصلي الفجر قضاء، ويا ريت تحافظ على صلاة الفجر بعد كده."
وتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها."
"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها... لهما أحب إلي من الدنيا."
فردد براء:
"صلى الله عليه وسلم، معلش راحت عليه نومة، وكنت بفتكرك أنتِ كمان كده عشان لقيتك بتصلي."
زاد:
"لا أنا صليت وكنت بصلي الضحى."
براء:
"ما شاء الله عليكي يا حجة زاد، طيب ومصحيتنيش ليه للفجر؟"
زاد:
"صحيتك، بس أنت نومك تقيل وإظاهر عقلك مش فيك."
صك براء على أسنانه بغيظ:
"الناس تقوم تقول يا صباح. أصبحى يا زاد. وأهمليني عشان أروح شغلي أنا مش فايق. وأعملي حسابك آخر الأسبوع هننزل البلد وهسيبك كده شوية تروقي حالك."
فضيقت زاد عينيها وحدثت نفسها:
"آه عايز ياخد راحته معاها، بس لا يا براء مش هسيبك تتهنى معاها وهقعد على أربيزك. لما أشوف آخرتها معاك."
ثم ذهب بالفعل لعمله، وفي نفس المعاد التي تذهب فيه مرام المول كان متواجدًا ينتظرها.
حتى رآها بالفعل أمامه بلوك مختلف حتى شك أنها ليست هي، فكانت بعيون زرقاء وشعر باللون الناري.
فوقف يتطلع إليها كثيرًا ليتأكد منها حتى وقفت هي أمامه مردفة:
"براء، إيه الصدف السعيدة دي، أنت متعود تيجي المول هنا كتير."
براء:
"هو حضرتك مرام، أصل يعني شكلك متغير شوية."
فضحكت مرام بدلال:
"قصدك يعني عشان الشعر واللينزز، أنا كده بحب التغيير على طول."
فحدث نفسه براء:
"أما اللي عندي نفس السحنة على طول ليه، أدي الحريم ولا بلاش."
مرام:
"الجو حر قوي، إيه رأيك أعزمك على آيس كريم يخفف علينا الحر."
ابتسم براء:
"موافق تعزمني."
ثم غمزها:
"بس الحساب عليه. أنت نسيت إني راجل صعيدي ولا إيه!"
مرام:
"لا طبعًا ودي أكتر حاجة عجبتني فيك. يلا بينا."
وماذا بعد يا براء؟
وللحكاية بقية.
نختم بدعاء جميل.
اللهم في ثامن أيام ذي الحجة نجنا من جار السوء وصديق السوء، اللهم وألهمني رشدي. يا رب قد ضاقت بي الدنيا ولا منجي من الهم سواك، اللهم في اليوم الثامن من ذي الحجة اشرح صدري وازل المشاكل من حياتي. اللهم في هذا اليوم الطيب العامر بالإيمان اجعل لي النصيب الجميل من الرزق، واسترني فوق الأرض وتحت الأرض.
شيماء سعيد 🤍 ام فاطمة
رواية اولاد الجبالي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شيماء سعيد
جلس براء ومرام يتسامرون بينما يتناولون الآيس كريم.
أطلقت مرام النكات لتظهر بروح خفيفة وبراء مستمتع ويضحك كثيراً.
براء بضحك: يخربيت خفة دمك يا شيخة، موتيني ضحك.
ثم حدث نفسه: مش الشاويش عطية اللي عندي في البيت عاد، عتضحك بالبطاقة.
فأطالت مرام النظر إليه مرددة: بس انت عارف إنك ضحكتك حلوة قوي.
فشعر براء بالإحراج وجاملها بقوله: انتِ أحلى يا ست البنات.
ثم نظرت مرام إلى ساعتها: ياه الوقت عدى بسرعة معاك، بس معلش أنا لازم أرجع دلوقتي عشان بابي ميقلقش عليا.
براء: وهو كذلك، بس تسمحلي أوصلك؟
مرام: بس أنا معايا عربية.
براء: مفيش مشكلة، ممكن أوصلك أنا بعربيتك، وبعدين أرجع لعربيتي.
مرام: ياريت، بس كده هيكون تعب عليك.
براء: لا متقوليش أكده. اتفضلي يلا.
وظلت مرام طوال الطريق تختلس إلى براء النظر، وهو يدرك ذلك لكن لا يجعلها تدرك ذلك حتى لا يوقعها في الحرج.
وحدث نفسه: إيه البت اللي وجعت من أول نظرة دي. ده أنا طلعت جامد أوي كده.
ليصلوا أخيراً إلى الفيلا، فنظرت إليه مرام وابتسمت: ياريت متكنش دي أول وآخر صدفة تجمعنا، ونشوف بعض تاني.
طالعها براء بإعجاب مردفاً: لا أنا كمان محتاج أضحك كتير، وعشان كده عايز أشوفك تاني أكيد.
فضحكت مرام: على كده مفروض أشوفك تلت مرات في اليوم، قبل الأكل عشان أفتح نفسك.
ليقهقه براء: ياريت.
مرام: طيب ممكن رقم موبايلك.
براء: بس كده، اتفضلي.
ليتبادل الاثنان الأرقام، على وعد باللقاء مرة أخرى قريباً.
***
أراد باسم قبل أن يتجه إلى عمله أن يدخل إلى عزة ليطمئن على صحتها. فطرق الباب برفق لربما تكون نائمة ولا يريد أن يزعجها.
ولكنه استمع لصوتها: مين؟
باسم: أنا يا عزة.
فنبض قلبها حباً لتبتسم: أدخل يا باسم.
لتعتدل في جلستها سريعاً وتهندم ملابسها وتهذب خصلات شعرها وتفرك وجنتيها ليعود لها الاحمرار.
فيدخل باسم مبتسماً، ثم جلس على طرف الفراش مردفاً: كيفك دلوقت يا عزة، يارب تكوني أحسن شوية.
بادلته بابتسامة ربما ليست من شفتيها فقط ولكن من عينيها التي يراها تلمع كلما رأته أمامها مردفة: نحمد ربنا ونشكر فضله يا باسم وكتر خيرك جوي على اللي عملته معايا ووقفتك جنبي.
باسم: متقوليش أكده يا عزة، والحمد لله إنك بخير.
ثم قام وتابع: طيب أنا ماشي دلوقتي، هتعوزي أي حاجة مني.
وبينما كان باسم في غرفة عزة، كانت ملك تجوب غرفتها يميناً ويساراً، تصك على أسنانها بغيظ، بعد أن ودعت باسم لخارج غرفتها ثم رأته يتجه لغرفة عزة.
ملك: لا أنا أعصابي متتحملش أكده، كل شوية يروح ويجي عليها، ويمكن شوية شوية تحلو في عينيه ويقول وماله مراتي حلالي، وهوب يحصل المحظور وألاقيها بقت مرته حقيقي وتشاركني فيه. آه يا مرك يا ملك، وبعدين هتعملي إيه؟ وجال إيه ياخدها بره، إذ كان هنا داخل وطالع عليها، امال لو خدلها شقة بره هيعمل إيه؟ يمكن يبات كمان. لااااا أنا أكده قرب يحصلي حاجة. وإيه كل ده عندها، مش مفروض سلام سلام وخلاص. يا ترى بيعمل إيه، وعيقولها وتجوله إيه؟
عزة برضا: عايزة سلامتك يا باسم، تروح وتيجي بالسلامة.
ثم حاولت النهوض لتوصيله إلى الباب، وقامت بالفعل بالوقوف.
فأشار إليها باسم: لا خليكي مرتاحة.
عزة: أنا بقيت كويسة خلاص.
ولكنها عندما خطت خطوتين شعرت بدوار وترنحت وكادت تسقط، فلاحظ ذاك باسم فأسرع للإمساك بها فوجدت نفسه بين أحضانه، تستنشق رائحة عطره فذابت روحها لهذا الإحساس الجديد عليها من رجل تعشقه وتمنت أن تدوم تلك اللحظة للأبد.
اما هو فأغمض عينيه وكأنه يتلذذ وهي بين أحضانه وشعور جميل انتابه وراحة لا يعلم معناها.
ولكنه في النهاية حمحم بحرج وأبعدها رويداً، فوجد عيناها لا تريد مفارقته وتحدثه بكل معاني العشق ولكن بصمت.
حمحم باسم بحرج: طيب أنا همشي وخلي بالك من نفسك يا عزة، وكلي كويس عشان تقدري تصلبي طولك.
فحدثت عزة نفسها: لو كانت قلة الأكل هي السبب في حضنك الدافي يا باسم، فأنا مش عايزة أمد يدي عليه تاني. ويكفيني حضنك هو اللي يشبعني.
ثم خرج باسم إلى عمله، محاولاً تجاهل هذا الإحساس العجيب الذي بدأ يتسلل إليه تجاه عزة.
وعاتب نفسه: انت بتحب ملك وبس يا باسم، فأوعاك تنسى نفسك وعزة مجرد ضيفة هنا لأجل غير مسمى وعمرها ما هتكون في مكانة ملك واصل. ولي بتحسه ده مجرد تحرك زي ما أي راجل عيونه عتقابل واحدة من صنف الحريم.
***
اتصل محمود على نهلة، فاستجابت له سريعاً تلك المرة بعد أن تعلمت كيف ترد على الهاتف.
نهلة: محمود، كيفك؟
محمود بعشق: بخير طول ما أنتِ بخير يا قلبي. وعايز أقولك كلمة سر.
نهلة بتعجب: إيه خير قول؟
محمود: وحشتيني أوي، ونفسي أطير وأجي أشوفك.
تلونت وجنتا نهلة بالحمرة مردفة: وبعدين معاك بقى، أنا عتكسف عاد!
محمود: وأنا بحب أشوفك وأنتِ مكسوفة، عشان خدودك بتكون شبه التفاحة.
نهلة: طيب مستني إيه، بقالك كتير في مصر، مش ناوي تنزل تطل علينا.
محمود: لا ناوي، ومش بس أطل، أنا مش هرجع إلا وأنتِ معايا.
نهلة: يا عيب الشوم، كيف ده وأنا لسه مخلصتش العدة. مينفعش يا محمود.
محمود: متخافيش منا عارف إنه لسه. وعشان كده أنا هجبلك شقة أنتِ وعمي عشان تكونوا جمبي، ووقت ما أحب أشوفك أجى على طول. وفيه كمان شوية حاجات كده هقولك عليها لما أجي إن شاء الله.
نهلة بحيرة: مش خابرة أبويا عيرضى ولا إيه، خايفة ميرضاش عشان هو عيحب هنا ويجول هنا ناسى وحالي ومقدرش أبعد.
محمود: سيبى الموضوع ده عليا، متقلقيش يا حبيبتي.
ليغلق معها الخط بعد دخول براء إلى مكتبه.
محمود: أهلاً بسيادة المقدم.
براء: حبيبي يا محمود. إيه أخبار المهمة اللي كلفنا بيها سيادة اللواء.
محمود: تمام، دلوقتي إحنا سرحنا الريس حديدة، وهنسيبه براحته لغاية ما يطمن إن مفيش عليه مراقبة ويرجع يمارس نشاطه من تاني. وساعتها هنعرف هو بيتعامل مع مين؟ ومين ده هو فعلاً الرأس بتاعتهم ولا مجرد واسطة بينهم. فالأيام الجاية إن شاء الله هتكشف لنا الحقيقة.
براء: ياريت عايزين نخلص من الهم ده بقى.
ليمر يومه في العمل بالكاد وخرج ليعود إلى منزله بسيارته.
وأثناء ذلك وضع هاتفه في سترته، فوجد أن الحلق مازال معه.
فضرب رأسه بيده مردفاً: وه _ هو أنا نسيت أديهولها، امال أنا كنت رايح ليه؟ وكيف هي مش زعلانة إنه وقع منها حاجة غالية كده ولا كأن فيه حاجة حصلت وهتغير وهتخرج عادي. يلا أنا عكلمها وأقولها عليه عشان أمانة عندي.
فصوره براء وبعث لها صورته على الواتس مع رسالة:
(وقع مني في أول يوم شوفتك وقررت أعرف أنتِ مين وبتيجي إمتى عشان أجي أديهولك، بس قعدتي معاكي نسيت أنا كنت عايز أقابلك ليه)
اتسعت عين مرام من الفرحة وكتبت: بجد أنت لقيته، أنا رجعت البيت لقيت فردة بس ودورت على التانية ملقتهاش وزعلت شوية لإنه كان غالي عليا وقولت لبابا، بس ربنا يخليه ليا قال هخلي الصايغ يعملك فردة غيرها تشبهه. بس كويس أنها معاك، وبقولك لو فاضي، أنا موجودة في نايت كلب دندشة في الزمالك، ممكن تجيلي فيه.
فحدث براء نفسه: نايت كلب يا عيني يا مرمر، ده أنتِ عايشة حياتك على الآخر، وكيف أبوكي سايبك كده على حل شعرك. بس وأنا مالي هي حرة. بس لو روحتلها دلوقتي، زاد عتجلب الدنيا ومش بعيد تنزل تدور عليا في الشوارع. لا أنا هخلي مشوار مرمر دي عاد بكرة وأقول لـ زاد هتأخر في الشغل بكرة عشان تحل عن سمايا وتبطل تزن كل شوية عاد.
فكتب إلى مرام: معلش نخليها بكرة عشان مشغول دلوقتي.
مرام بحنق: يا خسارة كنت عايزة أشوفك دلوقتي بس معلش استحمل لبكرة. في نفس النايت كلب عشان أعرفك على أصحابي.
براء: تمام.
وبينما كان براء في طريقه إلى زاد، كانت هي تجوب الشقة تفرك في أصابعها قلقاً من تأخره.
زاد: هو اتأخر كده ليه، أكيد عيأابل اللي متتسمى دي. ده خلاص شكله اتجنن بيها وأنا ولا في دماغه. كده يا براء، ماشي. طيب بس أول ما يهل عليا هقوله طلقني وهسيبك تعيش حياتك براحتك وهحرمك من ولدك كمان. وحتى لو رجعتلي وبوست الأيادي مش هسامحك تاني أبداً. أنا غلطانة اللي سمحتك في الأول وصدقت إنك عتحبني. بس أعمل إيه دلوقتي، أنا هموت من القلق عليه.
ثم قررت أن تلهي نفسها بعض الشيء في وسائل التواصل الاجتماعي، ففتحت الفيس بوك بملل وأخذت تقلب حتى وجدت منشور بعنوان (تزوجي زوجك من جديد بتغيير الروتين).
وكان مضمون المنشور، أن الزواج يبدأ بالحب ثم تليه مرحلة ملل بسبب الروتين المعتاد. وقد ترى أن كثير من الأزواج يلفت نظرهم الكثير من النساء خارج بيته نظراً لاختلاف بينهم وبين زوجته، لذا عليكي أن تلفتي نظره إليكي من جديد ليعود له الانبهار كما كان في بدء علاقتكم الزوجية. فلا مانع من تغيير لون شعرك كل فترة وارتداء الملابس المثيرة المتجددة في المنزل والتحدث بنبرة هادئة وتزيين الطعام للفت نظره، والكف عن إزعاجه بمشكلات الأطفال اليومية. ولا مانع من إحضار له كل مناسبة هدية تدخل السرور على قلبه ولا تنسي أيضاً أوقات عمل زوجك أن تبعثي به برسالة على هاتفه بكلمة (بحبك، وحشتني) لتجددي معه الحب. فإن فعلت كل هذا ستجديه قد تبدل وأصبح معكي كما كان في السابق.
فتحت زاد فمها مرددة: ها يعني عشان يرجعلي أتمسخر وأقل بقيمتي؟ لا لا أنا معملش كده وخليه يشبع بيها وأنا هطلق.
ثم مر بعض الوقت، سمعت زاد صوت مفتاح براء في الباب.
لتنظر إلى نفسها بخجل بعد أن ارتدت قميصاً باللون الأحمر الشفاف وقصير يصل إلى فوق الركبة.
ثم نظرت إلى نفسها في المرآة وقد أسدلت شعرها الطويل على ظهرها، وأمسكت بقلم الشفاه الأحمر لتضع المزيد منه. ثم نثرت العطر على جسدها كله.
ثم بدأت تمشي بتغنج لتجرب صوتها مردفة بصوت خافت: انت جيت يا براء.
ولكنها تراجعت مرددة: لاااا كده صوت صيفي، لا هرخمه شوية عشان يكون شتوي كيف ما قالت البت الرخمة اللي شفتها في الفيديو.
ثم أسرعت بإيقاد الشموع على السفرة بعد أن أحضرت وجبة عشاء مميزة ومنسقة.
ولج براء إلى الداخل وتعجب من تلك الرائحة العطرة للشقة ومن ثم رائحة طعام شهي تسرب إلى أنفه فزاد إحساسه بالجوع.
ثم وضع يده على زر الكهرباء ليوقده، ولكنه توقف عند سماع صوت رخيم سمعه بالكاد يقول: لا بلاش تولع النور، يا براء. كفاية نور الشموع.
فارتجف براء مردداً: بسم الله الرحمن الرحيم. صوت مين ده؟
لتقترب منه زاد: إيه مش عارف صوت مين، أنا زااااد يا حبيبي.
براء: أنتِ اتلبستي ولا تعبانة ولا إيه؟
فكتمت زاد غيظها حتى لا تفسد الليلة بانفعالها.
ثم أقاد براء النور ليراها، ليقف مصدوماً أمامها لإنها أول مرة يراها هكذا، حيث كانت تخجل أن ترتدي أي شيئاً مكشوفاً أمامه.
ثم أخذ يطالعها برغبة، فاحمرت وجنتا زاد عندما رأته ينظر إليها بتلك الطريقة وافترشت بنظرها الأرض ليبتسم لخجلها وحدث نفسه: الغزالة شكلها رايقة بس غريبة، معقولة دي زاد. بس صراحة زي الجمر وعاملة زي لهطة القشطة وشكل ليلتنا فل الليلة ويمكن تعوضني عن اليومين الهباب اللي فاتوا.
لذا صاح مردفاً: إيه الحلاوة دي يا زادي، أنتِ عتسينيني نفسي.
زاد بهمس: ويا ريت تنسي خطافة الرجالة العقربة دي.
براء: عتقولي إيه يا جَلبي؟
زاد بابتسامة صفراء: عجول وحشتني أوي يا براء.
فوضع براء يده على قلبه مردداً: آه جَلبي الضعيف الضعيف لا يتحمل الحب ده كله.
فابتسمت زاد محدثة نفسها: شكل نصايح البت المسهتنة دي عتجيب نتيجة.
ثم وجدته يقترب منها واحتضنها بقوة هامساً: وأنتِ كمان يا زادي وحشتيني أوي.
ثم نظر إلى طاولة الطعام المزينة، فحدثها: بس إيه المفاجآت الجميلة دي، يكونش النهاردة عيد جوازنا وأنا ناسي. بس كيف إحنا لسه معندناش سنة، طيب يكونش عيد ميلادك، يا وجعة مربربة، شكلها هتجلب عليا عشان مچبتش هدية. ولا يكونش عيد ميلادي أنا.
فقاطعته زاد: متقلقش لا ده ولا ده، ومش لازم أعمل كل ده عشان مناسبة، انت وجودك في حياتي عيد كل يوم بالنسبالي.
براء: زيدي يا زيدي، بس خلى بالك أنا عاتعود أكده على الدلع.
فضحكت زاد: اتعود يا حبيبي.
ليجلسا سوياً بعد ذلك يتناولان الطعام في جو رومانسي.
فحدث نفسه براء: ولا ما مصدق حالي، وخايف أكون بحلم وألاقيها تزربن وتقلب عليا دلوقتي، ولا تكونش بتخطط لمصيبة وبتداري عليها. بس صراحة زي الجمر، دي غلبت البت مرام في الدلع.
زاد محدثة نفسها: هو ماله شارد كده، يكونش عيفكر فيها بردك، رغم كل اللي عملته، منا خابرة صنف ملوش أمان.
لتضرب زاد المائدة بيديها بقوة، ليخرج براء عن شروده مفزوعاً: إيه فيه إيه؟
فانفعلت زاد مرددة بصوت صيفي: أنت اللي فيه إيه؟ جعدة أقولك كلام حلو، ولبسلك شفتشي وحاطة روج أحمر كمان، وعملاك وكل مطاعم وكل ده وجاعد سرحان.
ثم وضعت يدها على ذقنها مرددة: يا ترى مين اللي واكل عقلك يا سيادة المقدم.
فارتبك براء وحدث نفسه: أيوه كده، دلوقتي عرفت إن وراها حاجة، تكونش حست بالمهلبية مرام بس هتعرف منين بس. لا هي أكيد بس الهرمونات اللي عيقولوا عليها محمود. وأنا عحاول أراضيها زي ما قال.
فتبسم مردفاً: شارد في جمالك اللي طير عقلي ده يا روحي. هكون شارد في مين غيرك يعني، أنا أصلاً عيوني عمرها ما هتشوف غيرك.
فضيقت زاد عينيها هامسة: حلو وكداب، ليه صدقتك.
ليمسك براء يديها ليقبلها بلطف: بس تسلم يدك الأكل زي العسل. وفاضل نحلي بقى.
زاد ببراءة: أيوه ما أنا عملتلك جيلي بالفراولة.
فضحك براء: أيوه أنا محتاج فعلاً الفرولة اللي قصادي دي. لينهل من شفتيها ولم يتركها حتى حملها للداخل ليقضوا ليلة سعيدة.
ولكن تأتي الرياح دوماً بما لا تشتهي السفن.
فحينما استعد براء للمغادرة لعمله في اليوم التالي، ووقفت زاد لتوديعه.
حدثها براء بقوله: بجولك يا جَلبي، أنا هتأخر الليلة عشان فيه مأمورية مهمة.
فطالعته زاد بشك وحدثت نفسها: بجا كده، يعني مفيش فايدة رغم اللي عملته يعني صدق المثل اللي عيقول… ديل الكلب عمره ما يتعدل، ماشي يا براء. أنا كده جبت أخرى.
ثم ابتسمت له ابتسامة صفراء: ماشي، ترجع بالسلامة إن شاء الله.
فودعها واتجه إلى عمله حيث استقبله محمود: أهلاً بسيادة المقدم، أحب أبشرك أن خلاص بدينا نمسك أول خيط لرأس الحية وباذن الله خلال فترة قريبة أوي هيكون واقع تحت أيدينا وساعتها مش هنرحمه زي ما رحمش شباب كتير راحت بسببه.
ثم جلسا سوياً لمناقشة بعض الأمور.
ثم حدثه محمود: أسكت مش النهاردة مفروض أخطب بنت طنط شهيرة.
فاتسعت عين براء: معقول طيب ونهلة.
فضحك محمود: لا ااا منا هخلي الست الوالدة بقى تخطبها وهقفل الموبيل عشان متعرفش توصل ليا. ومش هروح قبل غير على الفجر تكون نامت لأن لو ظبطتني هتروقني ولا عيل صغير في ابتدائي.
فقهقه براء: والله أنت مشكلة.
***
في مكالمة بين شخصين.
أحدهم: عرفت مين اللي بيخون ورانا وفاكر نفسه ذكي أوي وهيقدر يوقعني بالسهولة دي.
الآخر بضحك: عرفت يا باشا وكان غيره أشطر بس ولا يكون عندك فكرة، انساه خالص وسبهولي أنا هعلمه الأدب.
أحدهم: ماشي، أما التاني بقى، فده هيكون دراعي اللي بحركه من غير ما يعرف.
الاخر بضحك: مش بقولك باشا بجد، أنت معلم واحنا منك نتعلم.
لتنتهي المكالمة.
***
أنهى براء عمله ثم بعث رسالة إلى مرام: أنا جي في السكة. ممكن تبعتلي الأبلكيشن عشان أقدر أوصل للمكان بسهولة.
مرام: آه بس كده عيوني، وهكون في انتظارك على أحر من الجمر.
وبالفعل وصل براء الذي ولج إلى المكان، ولكنه تفاجأ بصوت موسيقى عالٍ، حتى أنه وضع يده على أذنه.
فرأته مرام فذهبت إليه سريعاً مردفة بضحك: إيه مالك حاطط ايدك على ودنك.
براء بحنق: صوت الموسيقى عالي أوي، مش خابر مستحملينه إزاي؟
مرام: عادي بكرة هتتعود، تعالى بس لما أعرفك بأصحابي.
فأخذته من يده.
ليقابل سراج وسالي ودهب ولؤي.
سراج: أهلاً بيك، نورت الشلة بتاعتنا. وعشان نورك اللي حل علينا ده، لازم نعزمك على مشروب هيخليك تنسى الدنيا.
ثم ضحك بصوت عالٍ مشيراً إلى النادل: كاس دوبل هنا لو سمحت.
فقطب براء جبينه وهمس إلى مرام: لا يا مرام معلش أعفيني أنا مش بشرب خمرة.
مرام: ليه دي لذيذة أوي وهتحسسك إنك في عالم تاني وهتلاقي نفسك مبسوط وبتضحك لوحدك.
براء: لالا معلش، مش عايز.
فأومأت مرام برأسها: تمام.
ثم أشارت إلى النادل لإحضار عصير بديلاً عن الخمر.
ثم اقتربت منها بدلال: بس تعرف ريحة البرفيوم بتاعك تجنن.
فابتعد براء وأخذ يزفر: استغفر الله.
ثم غير مجرى الحديث ليخرج من سترته الحلق مردفاً: اتفضلي يا ستي.
فالتقطته مرام منه بفرحة: أوه ميرسي أوي يا براء.
ثم قدمت له العصير.
فشرب منه ثم بدأ يطالعها عن قرب مردفاً بإعجاب: صراحة أنتِ حلوة أوي أوي يا مرمر، حتة كده زي المارون جلاسيه.
فضحكت مرام: وإيه تاني. أنت بتغازلني ولا إيه.
براء بضحك: يعني حاجة زي كده.
مرام: طيب ما تيجي نقوم نرقص.
براء: بس أنا معرفش.
مرام: أنا هعلمك.
لتأخذه لساحة الرقص، تعلقت بعنقه واقتربت منه حتى لا تصبح شيئاً يفصل بينهم.
***
ازدهر شغل جابر وكبر مصنعه مع الوقت وأصبح له اسم في السوق، حتى أتى له الناس من خارج البلدة لشراء تلك اللوحات الفنية التي على شكل سجاد يدوي.
وفي أحد الليالي كان يمشي جابر متجهاً إلى القصر بعد انتهاء عمله.
فوجد صوت صارخاً باسمه: خلى بالك يا خوي.
لينتبه جابر ويلتفت سريعاً، ليجد شخص ملثم يمسك فاساً وكاد أن يضربه على رأسه، وعندما وجد الرجل نفسه قد اكتشف أمره فر هارباً.
فنظر جابر بذهول ثم وجد أمامه أخاه جاسر يركض إليه بلهفة حتى وقف أمامه يلهث مردفاً: انت كويس يا خوي، الحمد لله. ولا صابك شيء.
فابتسم جابر وربت على كتفه: أنا بخير الحمد لله. بس إيه حصل وانت إيه جابك ورايا.
جاسر: أنا لقيتك نسيت المحمول بتاعك على المكتب، فجريت وراك عشان ألحقك وأديهولك، بس لاحظت واحد ماشي وراك وحسيت إنه خطر وفي يده فاس، ومرة واحدة لقيته رفعه وهوب كان عايز ينزل بيه على دماغك يقتلك. أكيد عشان يسرقك يا خوي، فخلى بالك بعد كده ومتمشيش تاني في الطريق اللبش ده، عشان فيه عيال شاربة ومش دارية بحالها وهيستلقطوا أي واحد عشان يسرقوه ويصرفوا على كيفهم.
ثم أخرج جاسر هاتفه ليؤكد له صحة حديثه.
فطالعه جابر بحب واحتضنه مردفاً: ربي يخليك ليا يا جاسر. يعني من غيرك كان زماني دلوقتي من الأموات.
فبكى جاسر في حضنه مردفاً بأسى: بعد الشر عليك يا خوي. ده انت اللي فضلي انت وجاد من الدنيا. وفعلاً الدم عمره ما يكون مية. وسبحان القائل (سنشد عضدك بأخيك).
***
انقضت تلك الليلة وأشرقت الشمس، وتخللت أشعتها داخل الغرفة، فأيقظ نورها براء.
ففتح عينيه، ليجد نفسه في غرفته على فراشه ويده تحاوط زاد.
ولكنه عندما دقق النظر إليها، صرخ: مراااااااااااااام.
كيف ده؟
يا ترى حصل كده إزاي؟
يا وجعتك المربربة يا براء.
وللحكاية بقية.
رواية اولاد الجبالي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شيماء سعيد
فتحت براء عينيه على أشعة الشمس. وجد نفسه على سريره، ويده تحتضن شخصًا. ظن أنها زاد، لكن عندما دقق النظر، صرخ: "مرام!".
"كيف هذا حدث؟ وماذا أتت تفعل هنا؟ وعلى فراشي أيضًا؟ يا مصيبتك السوداء يا براء. هل شربتك شيئًا أصفر؟"
ثم دق قلبه وكاد أن يموت. "طيب وزاد أين؟ آه يا مرك يا براء، هذه آخرة العين الزائغة. أشرب بقا يا معلم وألبس. طيب ماذا أفعل الآن؟"
لفت نظره ورقة معلقة على مرآة الزينة. قام فوجدها من زاد.
"الله يسامحك يا براء. كان قلبي يحس أنك تعرف واحدة غيري، من يوم ما شفت الحلق الذي وقع من جيبك. لهذا غيرت في معاملتي معك قليلاً، غصب عني. من بعد ما كنت أتمنى لك الرضا، أرضى. ولم أرد أن أواجهك إلا لما أتأكد أولاً. ورغم هذا، قلت أقرب منك، رغم حرقة قلبي، وقلت يمكن أنا مقصرة معك، ويمكن لما أقرب تنسى أي أحد غيري. بس للأسف، الخيانة في طبعك يا ابن الجبالي، وما في فايدة فيك. ومش عارفة كيف وصلت بك الدناءة تجيبها لي البيت وعلى سريري كمان. للدرجاتي يا براء، ما تخاف من ربنا؟ وللدرجاتي أنا كنت مخدوعة فيك وصدقت للحظة إنك تحبني. بس كل هذا طلع وهم. حسبي الله ونعم الوكيل، وفوضت أمري لله. وبأقولك يا ابن الجبالي، أنت خلاص ما عاد تهمني، وأنا سبت لك الشقة عشان تشبع بالحرام. بس ورقة طلاقي عايزها توصلني في يدي في أقرب وقت."
كان براء يقرأ كلمات زاد. ومع كل كلمة، كانت دموعه تنهمر من عينيه، حتى وصل إلى كلمة "طلاق" فانهار وصرخ: "لااااا يا زاد. لا تعملي فيني كذا. يستحيل تفارقيني ويستحيل أطلقك."
استيقظت مرام على إثر صوته. فتحت عينيها وأخذت تنظر حولها متعجبة، مرددة باندهاش: "أنا فين؟ وإيه اللي جابني هنا؟" ثم رأت براء أمامها. "براء، إحنا فين؟ وإيه اللي بتعمله؟"
نظرت إلى نفسها فوجدت أنها تكاد تكون بدون ملابس. فصرخت صرخة مدوية وأمسكت بالملاءة تستر بها نفسها.
"انت عملت فيني إيه يا حقير انت؟"
ارتبك براء ولم يعرف بماذا يجيبها. ولكن عندما اشتد صراخها، خشي أن يفتضح أمام الجيران. فاقترب منها لكي تهدئ. وأمسك بيديها المرتجفة قائلاً: "مرام، أهدي أرجوكي. مش عارف هتصدقيني ولا إيه. بس والله أنا مش فاكر أي حاجة ومش عارف إزاي ده حصل. كل اللي فاكره إننا كنا مع بعض في النايت وشربنا ورقصنا، وفجأة لقيت نفسي على السرير وأنتِ معايا، ومش عارف إزاي ولا حصل إيه."
"انت أكيد بتستعبط صح! لااا، انت أكيد سهتني وحطت لي حاجة في الكاس بتاعي عشان ما أحسش بنفسي وأجي معاك." ثم أخذت تضربه بكل قوتها في صدره مرددة: "حرام عليك، حرام عليك، ضيعتني."
حاول براء أن يهدئها بقوله: "والله ما حصل ده، صدقيني. وأنا هعمل دا ليه؟ دي مش من أخلاقي. وكمان أنا متجوز. فتخيلي الصدمة، إني مش حاسس بنفسي بجد، وجبتك هنا، ومراتي شافتني وسابت البيت وطالبة الطلاق. يعني كمان أنا حياتي اتهددت."
"وأنا أعمل إيه كمان؟ منا كده حياتي اتدمرت وانت السبب." ثم بكت بانهيار.
فأشفق عليها براء مردفًا: "طيب قولي لي أعمل إيه، وأنا أعمله عشان تهدي."
فسددت له مرام النظر بغضب مردفة: "طبعًا تتجوزني، وفي أسرع وقت."
فوضع براء يده على رأسه. "شكلها ضاعت خالص، واطربقت على دماغك من كل حتة يا سيادة المقدم. ودي كمان مش بنت عادية، ما بتسيبيها تشرب من البحر. دي بنت راجل مهم، ممكن يرميك ورا الشمس. ده غير فضيحتك في الداخلية. فما في في إيدك حاجة فعلاً غير إنك تجوزها."
فكتّم أنفاسه للحظة، واستغفر، ثم نطق مرغمًا: "وأنا موافق يا مرام، لأن الغلطة فعلاً غلطتي. وتقدر تقوم دلوقتي تروحي، وأنا بالليل هكون عند والدك بطلب إيدك."
فابتسمت مرام، ثم قامت بالفعل. ولكنها عادت إليه مرة أخرى، وقبلته في إحدى وجنتيه، ثم ولجت للمرحاض وأبدلت ملابسها. وخرجت مردفة بأمر: "انت واقف عندك بتعمل إيه؟ يلا عشان توصلني."
حاول براء التقاط أنفاسه ببطء، ويسيطر على غضبه، مردفًا: "حاضر."
وبالفعل أوصلها، وذهب إلى عمله. ليرى محمود الذي داعبه بقوله: "إيه يا سيادة المقدم التأخير ده كله؟ شكل ست زاد راضية عليك."
ابتسم براء ابتسامة صفراء، مرددًا بسخرية: "جدًا، ما أقولكش."
محمود: "تمام زي الفل. بقولك، الجمعة نازل البلد، هجيب نهلة وهعمل زي ما قولت بالظبط، وربنا يسهل ويعدي الموضوع، وماما تتقبلها."
براء: "بإذن الله ربنا ييسر أمرك، طول ما أنت بتحبها وعايزها فعلاً. بس قول لي، عملت إيه والدتك فيك لما رجعت متأخر عشان تهرب من موضوع العروسة؟"
فضحك محمود: "ما تفكرنيش. أنا رجعت وش الفجر عشان تكون نامت، ودخلت البيت على طراطيف صوابعي والدنيا مظلمة، هش هش. ولسه يا دوبك بتحرك خطوتين، لقيت صوتها... أقف عندك يا سيادة المقدم المحترم والعاقل. فصراحة أنا اتخشبت في مكاني واتشهدت على نفسي."
فضحك براء حتى دمعت عيناه. "لا حول ولا قوة إلا بالله. بس أنت أهو قصادي، ووشك حلو، ما اتخرمش ولا جسمك اتكسر."
محمود بضحك: "منا عارف أمي بتتعصب وتطلع على مفيش. أنا عملت نفسي مؤدب وسكت خالص، وما ردتش، وسبتها تقول كل اللي نفسها فيه وتطلع كل اللي مضايقها، وأنا بحرك راسي بس. وكده خلاص ارتاحت، وقالت إياك تعملها مرة تانية عشان قصرت برقبتي قدام الناس، وعيب كده. ونشوف معاد تاني نروح عشان تصلح اللي هببته ده."
فهزيت راسي وخلاص، وعدت الليلة. بس قول لي، أنت هتنزل معايا الجمعة البلد؟
أطلق براء زفيرًا حارًا، وهو يفكر في حاله، ثم قال: "مش عارف والله يا محمود، لسه هشوف ظروفي."
محمود: "تمام، شوف وكلمني."
ثم تفرقا، كلا منهم ليباشر عمله. وجلس براء على مكتبه، وفتح هاتفه على الواتس، يحاول أن يكتب أي شيء إلى زاد. ولكن كلما كتب شيئًا، مسحه، وهكذا. لأنه يعلم أنه لو كتب كل قاموس العالم من كلمات العذر، لن تكفي أمام هذا الجرم الذي فعله في حق زاد، أو نفسه.
ثم تساءل: "يا ترى عاملة إيه دلوقتي؟ ويا ترى قالت لهم إيه وهي داخلة لحالها كده؟ أكيد منهارة. وأكيد أمي هتنفجر لما تعرف، وعنديها حق. طيب أعمل إيه؟ أنزل مع محمود؟ طيب أقولها إيه؟ ده ما في كلمة تعترضها. مش كفاية اللي حصل قبل سابق، عملته دلوقتي بأشد؟ كيف هقولها صدقيني بعد ما أكدت لها مليون مرة إن ما في في قلبي غيرها. آه يا مرك يا براء."
ثم وجد نفسه يكتب لها:
"زاد، أنا مش هقولك إن غلطان وسامحيني، ومعلش آخر مرة، ويعدي الموضوع وخلاص، لأن عارف إنك مجروحة قوي، ومهما جوان، عارف إن قلبك عمره ما هيصفح أو يسامح. بس عايز أقولك، هو آه عيني زاغت كيف أي راجل، لكن لحد الحرام؟ لا. ويعلم ربنا إن اللي حصل ده ما كانش بإرادتي، ومش عارف حصل إزاي. صدقيني يا زاد. ويستحيل كمان أفرط فيكي يا زاد، ده الموت عندي أهون. أنا مش هضغط عليكي في إنك ترجعي لي، هسيبك ترتاحي ونفسيتك تهدى، لكن إحنا في الآخر واحد، ما نقدرش نستغنى عن بعض مهما حصل."
وصلت رسالة براء إلى زاد، التي كانت في غرفتها منطوية على نفسها، لا تكف عن البكاء. وحاولت معها زهيرة وبانة في معرفة ما حدث ومجيئها المفاجئ وبكاءها المستمر، ولكنها كانت تكتفي بالصمت، مرددة فقط: "معلش، سيبوني لحالي، أنا عايزة أكون لوحدي."
فيتركوها على مضض وحزن على حالها. حتى قالت بانة: "أقطع دراعي، أكيد براء عمل عملة عفشة خلتها يا حبة عيني تموت من القهرة ومش قادرة حتى تتكلم."
زفرت زهيرة بضيق: "بدل مش عايزة تتكلم، خلاص نسيبها على راحتها، ويحلوا مشاكلهم بنفسهم، وإحنا علينا ندعي ربنا يهدّي سرهم. ويا بتي، البيوت مليانة مشاكل، والعاقلة هي اللي تقدر توازن أمورها وتعدي عشان بيتها."
بانة: "بس يا أما، زاد طيبة قوي وما تستاهلش كل الحزن ده، وبيكفي اللي عمله فيها من جوازه قبل كدا. وهي استحملت وعاشت، مفروض يشلها بقى فوق راسه. ليه يزعلها تاني؟"
زهيرة: "أيوه يا بتي، زاد كيف البسكوتة الناعمة. وأنا لما يجي لي براء، هكلمه وأوصيه عليها، ما يزعلهاش واصل. وتعالي بقى معايا، عشان عملالك مفاجأة."
فابتسمت بانة كالاطفال بفرحة، مرددة: "بجد يا أما؟ إيه خير؟"
فأمسكتها زهيرة من يدها مرددة: "تعالي وشوفي بنفسك."
فدلت بانة مع زهيرة إلى غرفتها، لتجد على الفراش، مجموعة من ملابس الأطفال حديثي الولادة، ومجموعة من أشياؤه الخاصة التي تهمه في بداية عمره. فهتفت: "الله عليكي يا أما." ثم ألقت بنفسها على الفراش، تحتضن الملابس بسعادة.
فضحكت زهيرة مرددة: "مش عارفة كيف طفلة تجيب طفل وتربيه كيف! طيب احسبي على نفسك يا مهبولة." ثم دعت الله زهيرة بقولها: "ربنا يكملك على خير يا بتي، ويا رب وأفرح كمان بعوض براء وباسم، وربنا يرزق كل مشتاق."
أما في غرفة باسم مع ملك، شعرت ملك بمن يقبلها بلطف. فاستيقظت لتراه أمامها، يتطلع لها بحب. فابتسمت ملك: "صباح خير يا حبيبي."
باسم: "صباحك سكر يا قلبي. إيه صحي النوم؟ ده إحنا بقينا العصر. إيه النوم ده كله؟ ده أنا روحت المستوصف ورجعت لقيتك لسه نايمة."
ملك بإندهاش: "يااااه، أنا نمت ده كله. كتير قوي. بس مش عارفة مالي؟ الأيام دي صح بنام كتير قوي وحاسة راسي تقيلة قوي."
فتلمس باسم نبضها، ثم قاس لها الضغط، مردفًا: "مظبوط، أمّال ليه الإحساس ده؟"
باسم: "وحاسة بحاجة تانية؟"
ملك: "أيوه، معدتي مقلوبة ومش طايقة الوكل، وبأرجع كتير."
وهنا ابتسم باسم: "لا معقول، أنا مش مصدق. شكلك حصلتي بانة يا عمري، وحامل." فقبلها مرة أخرى بحب، مرددًا: "ألف ألف مبروك."
ارتجفت شفتي ملك، مردفة: "بجد يا باسم، أنا حامل."
باسم: "آه بإذن الله حبيبتي. وقومي غيري هدومك، وهخدك لدكتورة نسا زميلة، نطمن."
وبالفعل ارتدت ملابسها وذهبت معه. لتؤكد الطبيبة على ما ظن باسم، لتشعر ملك بالفرحة. ثم سألته في الطريق: "ها، وتحب يجي ولد ولا بنت يا باسم؟"
باسم: "كل حاجة من ربنا حلوة. المهم بس أنتِ تاخدي بالك من نفسك، وتسمعي كلام الدكتورة، وتاخدي الفيتامين، وتتغذى كويس."
ملك: "حاضر يا حبيبي، ربنا يخليك ليا."
وحيث كان الجميع في فرحة، كانت زاد تتجرع مرارة الألم بمفردها. وزاد بكاؤها حين قرأت رسالة براء: "يعني مش عايز تطلقني يا براء؟ أيوه، ما أنت خلاص استعبدتني وعايزني كده صورة في حياتك، وتعمل اللي تعمله عادي يا براء. وقال إيه، مش حاسس بنفسه. قال، معلش أصلوا شربته هي حاجة صفرا. ربنا يسامحك يا براء، بس خلاص كده حلو قوي، وكل واحد يروح لحاله. وهحرمك من ابنك."
مر اليوم على براء بصعوبة، وبدون تركيز في أي شيء، حتى جاء موعد ذهابه لخطبة مرام. وصل في موعده المحدد، وتفاجأ أن بوابة الفيلا قد فتحت أمامه إلكترونياً حين وقف أمامها، ثم ولج للداخل من خلال ممر طويل على جانبيه حديقة الفيلا، ولاحظ به براء عدة كاميرات مراقبة.
ثم نزل من سيارته وارتقى الدرج حتى باب الفيلا، الذي فتح من قبل الخادمة دون أن يطرق الباب. فاستقبلته بباشاشة وجه، مردفة بترحاب: "أهلاً أهلاً يا براء بيه. اتفضل، عصام بيه في انتظارك."
فاضطرب براء وتحرك بتوتر، حتى وجد أمامه رجل طويل ممتلئ، على وجهه هيبة، ويظهر على ملامحه القسوة. ولكنه ابتسم عند رؤيته، مردفًا: "أهلاً يا ابني. اتفضل."
براء: "أهلاً بيك."
ثم جلسا يتحدثان.
براء: "أعرفك بنفسي، أنا براء الجبالي، مقدم في الداخلية، قسم مكافحة المخدرات."
فابتلع عصام لعابه بخوف، مردفًا: "ربنا يحفظنا من الناس اللي هتضر شبابنا دول، منهم لله. ثم تابع: بس اتشرفنا بيك يا ابني، وأنا صراحة مش عايز من الدنيا غير فرحة بنتي، دي هي الحيلة اللي طلعت بيها من الدنيا."
ابتلع براء غصة مميتة في حلقه، مردفًا: "إن شاء الله هسعدها على قد ما أقدر، بس ياريت الجواز يكون في أقرب وقت."
عصام: "وأنا موافق، بس على شرط. عشان زي ما قلت لك، دي بنتي الوحيدة، يعني مش هقدر تبعد عني، فجوازكم يكون معايا هنا في الفيلا."
فزفر براء بضيق: "ده إيه الخنقة دي! كده مينفعش، وأنا أصلاً كنت هتجوزها يومين كده عشان اللي حصل وخلاص. لكن كيف دلوقتي هقدر أفلفص منهم، وأنا قاعد معاهم؟ طيب وزاد أعمل إيه معاها؟ ياربي، أعمل إيه في الحيرة دي؟ بس هي غلطة ولازم تتصلح بأي طريقة. فـأعمل إيه؟ هوافق، ما في في إيدي غير كده."
براء بابتسامة صفراء: "وهو كذلك يا عصام بيه."
فابتسم عصام، وأشار إلى الخادمة: "اطلعي نودي مرام هانم."
فمرت لحظات حتى أتت مرام، ترتدي ملابس ضيقة قصيرة. وتخطو بدلال، ويتحرك معها شعرها في كل خطوة، وجسدها يلمع بسبب ما تضعه عليه.
براء محدثًا نفسه: "مش عارف والله أنتِ حلوة صح، ولا من كتر اللي بتحطيه على خلقتك. وخايف والله يوم الدخلة تغسلي وشك ألاقيكِ شاويش عطية، ويبقا كده أخدت جزائي تالت ومتلت. ربنا يستر بقى."
وقف براء، ومد يده إلى مرام، فصافحته. ثم رفع يديها إلى فمه وقبلها. ثم جلسا.
عصام: "طيب، مش نقرأ الفاتحة كده مؤقتًا، عقبال يعني ما تجيب أهلك معاك المرة الجاية ونتفق."
فحمحم براء بحرج، فسارعت مرام بقولها: "بابي، معلش، براء من الصعيد، ووالدته ست مريضة، فمش لازم يجوا، وكفاية عليه هو من الدنيا كلها."
ابتسم عصام: "بقا كده يا ست مرام. ماشي يا ستي. وأنا متأكد من أن سيادة المقدم هيكون جدير بيكي. وعشان كده أنا بقول نفرح بيكم في أقرب فرصة، وجواز على طول، مش لازم انتظار، بدال الحمد لله كل حاجة متيسرة."
فطالع براء بريبة: "ده أنتم واجعين قوي، وإيه الجوازة اللي ببلاش دي، مع إن بنتهم زي القمر."
عصام: "بس يعني، زي ما أنت عارف، التقاليد لازم نكتب مؤخر، أو أقولك وصل أمانة بحاجة بسيطة يعني، مليون جنيه بس. ودي حاجة كده رمزية بس عشان الناس."
فتلعثم براء: "مليون إيه! لا طبعًا، مقدرش أكتب على نفسي مبلغ زي ده."
فرمقته مرام بغضب، مردفة: "يعني إيه؟ يا براء، أنا في نظرك قليلة، مستاهلش مبلغ تافه كده؟"
براء بحرج: "لا تستاهلي وأكثر، بس..."
عصام: "بس إيه يا ابني؟ دي حاجة رمزية، قولت يعني صورة مش حقيقية، عشان بس منظرنا قدام الناس."
فشعر براء أنه محاط منهم، ولم يستطع الرفض، فوافق، وتم تحديد موعد الزواج بعد أسبوع من الآن.
عاد براء إلى منزله، مكبًا على وجهه حزينًا. ثم ولج إلى شقته، فشعر أن الهواء يستنفذ من رئتيه، وشعر بالاختناق. فحاول فك رابطة عنقه. ثم تهيأ له أن زاد تقف أمامه تستقبله كعادتها بابتسامتها الصافية، فيأخذها بين أحضانه ويستنشق عبيرها الذي ينسيه مشقة العمل.
ثم دلف إلى كل غرفة من الشقة، يتخيلها بها. هنا وقفت، وهنا جلست، وهنا ضحكت، وهنا قضوا أجمل لحظاتهم السعيدة. ليجلس بعد ذلك على طرف الفراش، ووضع يده على وجهه، ثم جهش بالبكاء ندماً.
ليحاول بعد ذلك التحدث إلى زاد، وبعث لها رسالة أخرى: "أنا جاي يوم الجمعة يا زاد، ومش همشي غير وأنتِ معايا. صدقيني، أنا هتعذب، وحاسس نفسي مخنوق وهموت، ومش عارف بتصرف كده إزاي."
فقرأتها زاد، وحدثت نفسها: "بعد الشر عليك يا براء. بس لا، يستحيل أرجعلك يا ابن الجبالي."
فكتبت له: "لا، ما تجيش يا براء، لأن أنا مش هرجع مهما قلت وعملت. فما تحرجش نفسك قدام أهلك. وما تخافش، أنا ما قلتش لحد على قذارتك دي، لأنك في الآخر برضه ابن عمتي. وكمان ما تحاولش تكلمني تاني، لأن هحذرك."
فحاول براء أن يرسل لها رجاء آخر، ولكنها بالفعل حذرته. فانفعل براء، وقام بإلقاء الهاتف، مرددًا بانفجار: "أكده يا زاد، ماشي. بقا تحذريني أنا."
استعدت نهلة للقاء محمود بعد غياب، وأخذت تطيل النظر إلى المرآة، وتهندم في حجابها. ثم تلتفت إلى أبيها تسأله: "إيه رأيك يا بوي؟ حلوة؟"
فابتسم والدها مرددًا: "وهو ده فيه كلام؟ وهو اللي جاي منصور الجبالي على ملا وشه، وبعدين سيادة المقدم غير الحلاوة دي."
فتبدلت تعابير نهلة الغضب، مردفة: "ليه بس يا ابوي، تجيب لي سيرته؟ أنا نفسي أنساه، وما أفتكرش حاجة غير النعمة اللي ربنا كرمني بيها، وبس، وهي محمود."
لتجد شخصًا من ورائها يقول: "إيه ده؟ ما أنتِ بتعرفي تقولي اسمي أهو. بس صراحة، طالع منك زي السكر."
فدق قلب نهلة، وتلون وجهها بالحمرة، والتفت إليه مرددة: "نورت يا بيه."
فصك محمود على أسنانه بغيظ: "لا، أنتِ كده هتتعاقبي، وأنا عقابي شديد قوي." ثم سلم على والدها مردفًا: "يا حاج، لو اللي لفت نظر منصور الجمال، فأنا لا، لأن الحلوين كتير. لكن نهلة اللي شدني ليها حلاوة روحها وطيبتها وعيونها، وإنها بنت بلد جدعة، كانت عايزة تضحي بنفسها عشان تاخد تار أختها. وده فعلاً اللي بيدوم، لكن الجمال بيروح مع الوقت."
والد نهلة: "ربنا يسعدكم يا ابني."
محمود مشيرًا إلى نهلة: "ها، حضرتي كل حجتك عشان دوبك نرجع قبل ما الليل يدخل علينا."
نهلة: "وهـ... على طول كده."
محمود: "أيوه، وهنستنى ليه؟ الشقة جاهزة هناك من كل حاجة. وفيه آنسة هتزورك تلت أيام في الأسبوع عشان تعلمك فنون الإتيكيت، وزيها التلت أيام التانيين هتعلمك القراءة والكتابة والإنجليزي كمان."
اتسعت عين نهلة، مرددة بقلق: "بعد ما شاب ودوه الكتاب، وتفتكر هقدر أتعلم بعد ما كبرت كده."
محمود: "أنا واثق إنك هتتعلمي في أقرب وقت، لأن فعلاً دماغك عالية قوي يا نهلة، وخسارة إنك ما تعلمتيش من زمان."
نهلة: "النصيب والحوجة يا بيه."
فانفعل محمود وأمرها بمد يدها: "إفردي إيدك يا نهلة."
نهلة: "ليه بس؟"
محمود: "إفرديها بس."
فقامت نهلة بفردها، ليخرج قلماً، ثم يرسم على يديها قلباً. ثم ضربها ضربة خفيفة بالقلم على كف يدها، مردفًا: "أهو، لما بتقولي يا بيه، كإنك بتضربي قلبي بالظبط."
نهلة بفزع: "لاااا، لاااا، ما عدتش أقولها تاني إلا قلبك ده."
فابتسم محمود لمعشوقته الصغيرة، ثم ساعدهم في حمل حقائبهم إلى السيارة، ليعود بهم إلى القاهرة.
مر بعض الوقت على حمل ملك. كانت حريصة على نفسها وتلازم الفراش، وباسم يتابعها في أخذ ما كتبت لها الطبيبة. ولكنها كانت تشعر بالملل من ملازمة الفراش، لذا قررت أن تهبط إلى بانة وزهيرة في حديقة القصر لتقضي معهم بعض الوقت.
فاتجهت إلى الدرج لتنزل، ولكن فجأة انزلقت قدمها من عليه دون أن تشعر، لتأخذ الدرج كله على ظهرها، وتعالت صرخاتها. ففجعت كل من في القصر بصراخها.
فماذا حدث لها؟ وما سيكون نتيجة زواج براء من مرام؟
وللحكاية بقية.
رواية اولاد الجبالي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شيماء سعيد
لازمت ملك الفراش لفترة بسبب حرصها على حملها في بدايته، لكنها شعرت ببعض الملل، لذا قررت أن تهبط إلى بانة وزهيرة في حديقة القصر لتقضي معهما بعض الوقت.
اتجهت إلى الدرج لتنزل إليهم، ولكن فجأة انزلقت قدمها من عليه دون أن تشعر، فسقطت منه حتى نهاية الدرج على ظهرها.
تعالت صرخاتها المدوية، وخصوصاً عندما شعرت بسائل يتدفق منها بغزارة. ضمت يدها على بطنها صارخة:
"ابني لااا، متسبنيش أرجوك."
ففزعت كل من في القصر من صراخها، فهرلوا إليها مسرعين. وكانت عزة في مقدمتهم.
"يا حبيبتي، كيف وجعتي أكده، لا حول ولا قوة إلا بالله."
فطالعتها ملك باندهاش عندما رأت تعابير الخوف والقلق على ملامحها. ثم أتت زهيرة وبانة التي شهقت عندما رأتها على هذا النحو وصرخت:
"ملك حبيبتي."
انحنت إليها وقبلت رأسها:
"يا عيني عليكي يا ملك، سلامتك يا حبيبتي."
أما زهيرة فبكت:
"حبيبتي ألف سلامة عليكي، ويلا يا عزة أنتِ وملك سندوها وطلعوها أوضتها ترتاح، لغاية ما اتصل بباسم ييجي يطمن عليها."
حاولت كلا من عزة وبانة مساعدتها على النهوض شيئاً فشيئاً بصعوبة بالغة، ولكن عندما رأوا بركة الدم التي في أسفلها فزعوا. فوضعت عزة يدها على فمها وبكت مردفة:
"يا عيني عليكي وعلى وجع جلبك."
فصرخت ملك:
"ابني رااااح مني، وأنا السبب، أنا اللي كتلته. أنا السبب."
حاولت بانة تهدئتها:
"أهدي يا حبيبتي، وإن شاء الله خير، يمكن لسه موجود وعايزة بس تنامي شوية على ضهرك عشان يثبت."
فبكت ملك:
"لا، أنا حاسة إنه خلاص يا بانة."
زهيرة:
"وحتى لو مفيش نصيب المرة دي، الأيام جاية كتير جوي وبكرة ربنا يكرمك تاني وتالت يا بتي، المهم أنتِ وصحتك الأول، متزعليش نفسك، كل شيء نصيب."
عزة:
"أيوه، إن شاء الله ربنا هيكرمك تاني قريب يا ملك. بس على كده مينفعش تطلعي أوضتك دلوقت، ولازم نروح المستشفى يعملوا اللازم عشان الدم ده يقف عشان خطر عليكي."
زهيرة بقلق:
"نكلم باسم فوراً، يبعت الإسعاف."
فحدثته زهيرة، لتصيبه الصدمة مردفاً بفجع:
"ملك. أنا جي حالا."
ليذهب هو بنفسه إلى سيارة الإسعاف وجلس بجانب السائق وظل طوال الطريق يرجوه أن يسرع في طريقه ليصل بأقصى سرعة.
حتى وصل القصر وركض للداخل وتبعه المسعف، ليجدها مفترشة الأرض وبجانبها زهيرة وعزة وبانة وكلاهما يبكون. فسقط قلبه خوفاً وفزعاً مردداً:
"ملك حبيبتي، حصل كيف ده؟"
فلم يجد منها سوى البكاء، فاحتضنها. فرأت عزة في عينيه مقدار حبه لملك، فتمنت أن تنال منه لو نظرة واحدة حنونة مثل هذا.
ملك بقهر:
"إبننا راح يا باسم، وأنا السبب، أنا اللي مختش بالي ووجعت من السلم."
أطلق باسم تنهيدة حارة مؤلمة، ولكنه طمأنها بقوله:
"بس بس، أنا ميهمنيش غيرك يا حبيبتي، المهم أنتِ بخير."
فلم تستطع عزة أن تتحمل كلماته وحبه الصريح لها، فانسحبت دون أن يشعر بها أحد. ثم تم نقلها إلى سيارة الإسعاف، ومن ثم إلى المستشفى.
وبالكشف عليها وجد أن فعلاً أنها فقدت الجنين، فدخلت ملك في حالة انهيار، ولكن لم يتركها باسم.
باسم:
"بس اهدى يا حبيبتي، والحمد لله على كل حال. ملناش خير فيه، بس إن شاء الله ربنا هيعوضنا غيره بإذن الله."
ملك بإنكسار:
"يارب يارب."
ثم فجأة شعرت ملك بالوهن الشديد وتلون سرير المستشفى باللون الأحمر بسبب كثرة تدفق الدم. حتى غابت ملك عن الوعي، فصرخ باسم:
"ملك، ملك."
فتدخل طبيب زميل له متخصص نساء:
"النزيف كده مش طبيعي أبداً، ومحتاجة تدخل أوضة العمليات حالا عشان نحاول نوقف النزيف ده بأي طريقة، لأن حياتها كده معرضة للخطر. وكمان لازم كيس دم ضروري، هي فصيلتها إيه؟"
باسم:
"اعمل كل اللي شايفه يا دكتور، المهم هي تكون كويسة. وفصيلتها B."
الطبيب:
"تمام متوفر، هنقللها حالا."
ثم أشار إلى الممرضة لتجهيز غرفة العمليات سريعاً. وبالفعل ولجت ملك إلى غرفة العمليات وانتظرها باسم أمام الغرفة، حيث أنه لم يتحمل أن يراها بهذا النحو واكتفى بالدعاء والتهلل إلى الله.
"يارب احفظها وعافيها، يارب أنا بحبها جوي ومقدرش تروح مني، هموت يارب لو راحت مني، احفظها يارب."
وظل هكذا لفترة ليست بالقصيرة يدعو الله بقلب منكسر، حتى خرج الطبيب، فتعلق عين باسم به، فأسرع إليه.
باسم:
"طمني على مرتي يا دكتور."
الطبيب:
"الحمد لله قدرنا نوقف النزيف وحالياً هي بتفوق من البنج، بس للأسف اضطرينا نشيل الرحم لأن مكنش قدامنا وسيلة تانية عشان نوقف النزيف غير ده، بعد ما استنفذنا كل الطرق، لكن للأسف كان النزيف مستمر، فخوفنا على حياتها، وعشان كده اضطريت أشيله. أنا عارف أن الخبر هيكون صعب عليها جداً، بس أنا شايف في عينيك حب كبير ليها وهتوقف جنبها. وإن شاء الله تعدي المرحلة دي على خير وترضى بقضاء الله، لأن الأطفال مش كل حاجة في الدنيا، بالعكس كمان ممكن تتكفلوا بطفل يكون ليكم سند وأحن من طفل يكون من صلبكم."
فتنهد باسم بوجع ودمعت عيناه بمرارة، فربت الطبيب على كتفه وحاول أن يواسيه بقوله:
"عارف صعب، بس ده قدر ولازم نسلم بيه ونرضى عشان ربنا يجازينا على صبرنا."
فهمس باسم:
"الحمد لله على كل حال."
ثم ولج إليها باسم بقلب منكسر وعين تحكي الحزن أكثر من اللسان، ولكنه ابتسم رغماً عنه وقبلها من جبينها مردداً:
"الف حمد الله على سلامتك يا جلبى، أجر وعافية بإذن الله."
فبكت ملك:
"سامحني يا باسم، كان نفسي أجيب لك عيل يفرح جلبك."
فابتلع باسم غصة مريرة في حلقه مردفاً:
"أمر الله يا حبيبتي، ملناش فيه ودي إرادته يعني أكيد خير، الحمد لله وأنتِ مؤمنة أكتر مني وخبرة."
ملك بحزن يعصف بقلبها:
"أيوه خبرة، بس غصب عني، الحمد لله، وبدعي ربنا يعوضنا قريب."
فطالعها باسم بحزن، وكاد أن يقول لها الحقيقة ولكنه لم يستطع، فيكفي ما بها الآن. فاكتفى بإيماءة رأسه، وحمد الله على قدره.
بلغت سيارة محمود شوارع القاهرة، فاتسعت عين نهلة على آخرهما وهي تنظر يميناً ويساراً على كل ما يقابلها، وتارة تبتسم وتارة يظهر على وجهها الغضب. ومحمود يتابع حركات وجهها ويبتسم لابتسامتها ويندهش لغضبها، فسألها:
"الجميل ساعة يبتسم فينور الدنيا وساعة يكشر فيزعل قلبي، فليه كده يا حبيبتي؟"
ابتسمت نهلة لسماع كلمة حبيبتي التي تسمعها منه كأنها لحن جميل ممتع ولا تريده أن ينتهي.
نهلة:
"أنا مش مصدقة اللي شيفاه حواليه ده يا باسم، الأنوار في كل حتة والكباري والجسور والعمارات العالية والشوارع المترصفة والعربيات أشكال وأنواع، وكل ده حلو جوي كيف ما كنت أشوفه في التلفزيون. لكن لما عيني تشوف بنات لابسين حاجات ملزقة ومن غير طرحة فوق رأسهم، بأختشي وأقول أستغفر الله، ليه بس قلة الحيا دي."
فضحك محمود:
"هو أنتِ لسه شوفتي حاجة، ده كمان فيه لابسين طرح من فوق ومن تحت لأ."
فوضعت نهلة يدها على فمها مرددة:
"يا عيب الشوم."
لتصل السيارة بعد ذلك أمام تلك البناية التي بها شقتها، فنزلوا واتجهوا إليها، وكانت شقتهم في الدور العاشر. فتوجه بهم محمود إلى المصعد.
فولجت نهلة لداخله مردفة:
"هو إحنا دخلنا جوه التلاجة دي ليه؟"
فقهقه محمود:
"تلاجة، أهو التلاجة دي هتوصلك الشقة."
وما أن صعد المصعد حتى صرخت نهلة وتمسكت في ملابس أبيها مرددة:
"بسم الله الرحمن الرحيم. نزلنوا نزلوني، أنا جلبى اتخطف، هموت هموت."
فضحك محمود وتمنى لو أن يحضنها ليهدئ من روعها، ولكن ليس الآن، فهو لن يستعجل بالحرام حتى يمن الله بها عليه بالحلال.
وعندما وصل المصعد وخرجت منه نهلة تشهدت وحمدت الله:
"الحمد لله، بس معدتش أركبه تاني البتاع ده، وهطلع على السلم أحسن."
ثم ولجوا للشقة، فرسمت نهلة ابتسامة على شفتيها أذابت قلب محمود وتمنى اليوم الذي يغلق عليهم باب واحد وتكون حلاله.
محمود:
"ها عجبتك الشقة يا نهلة؟"
نهلة بفرحة غامرة:
"جوي جوي، أنا حاسة كأني في الجنة. ربنا يديمها نعمة ويديمك أنت في حياتنا."
محمود:
"أنا وعدتك إني هعمل كل حاجة تسعدك، بس معلش عايزك في الفترة الجاية تصبري شوية لإني عارف إنها هتكون مش سهلة. وهكرر تاني، أنا مش عايزك تتعلمي وتكلمي زينا عشان أنتِ مش عاجباني كده، لا بالعكس أنتِ عاجباني قوي كده وبحب كلامك اللي طالع بالفطرة ومن القلب، ومفيش في قلبك غل ولا حقد، إنما حب لكل الناس. ومش بس كده، أنا عايزك لما تتعلمي متنسيش كلامك دلوقتي عشان عايزك تشجعيني بيه لما نكون لوحدنا."
فضحكت نهلة:
"وة، حيرتني معاك يا محمود."
فأطال محمود النظر إليها وود لو خلى العالم كله إلا منها، وهو ليعلمها هو كيف يكون الحب الذي حفظه في قلبه طول تلك الفترة.
نهلة:
"بس أوعاك تكون المدرسة جايبة معاها عصاية، إلا وربنا أهرب ومش هتشوفني تاني."
فضحك محمود:
"لا متخافيش يا قلبي، هي بنت رقيقة قوي وهتكون معاكي وحدة وحدة، بس أنتِ فتحي دماغك ومتغلبهاش، وإن شاء الله تكوني تلميذة شاطرة. عشان لو قالت عنك كويسة هجيب لك شيكولاتة معايا."
فقفزت نهلة من الفرحة:
"شيكولاتة، لا كده هسمع الكلام وأكتب الواجب كمان."
فضحك محمود حتى دمعت عيناه.
قضى براء أياماً عصيبة قبل زواجه من مرام، حتى أنه ترك الشقة، لأنه ما عاد يستطيع العيش بدون زاد، فكلما دخلها شعر بالاختناق وكاد يجن كلما يتذكرها عندما كانت تتحدث معه أو تضحك أو حين تطعمه بيديها ويتذكر نظراتها إليه كأنه حلم تحقق لها على أرض الواقع، ولكنه بعد ذلك كله خذلها وضربها ضربة قاتلة في قلبه. ويا ليتها كانت الأولى، بل هي الثانية، فأي قلب أنتِ يا زاد حتى تتحملي كل هذا.
لذا ترك الشقة ونزل في فندق إلى أن يتم زواجه من مرام. ثم وجد مرام قد بعثت له برسالة، مفادها:
"سبريز براء، تعرف إن بابي حجز لنا على طيارة لفرنسا عشان نقضي شهر العسل يا حبيبي. أنا فرحانة أوي، لأن عندي بابا عظيم زي بابي وكمان هتجوز راجل عظيم زيك وواثقة إنك هتكون حنين وكويس معايا أكتر من بابي كمان. صح يا براء؟"
فزفر براء بضيق:
"والله أنتِ خنيقة أنتِ وأبوكي ده. المهم هي غلطة ولازم أتحمل نتيجتها. واهي جوازة والسلام."
ثم بعث لها:
"أكيد طبعاً يا مرام."
ثم وجدت مرام والدها يدخل عليها الغرفة مبتسماً:
"بتعملي إيه يا حبيبة بابا؟"
فتعلقت مرام برقبته:
"بعمل اللي أمرتني بيه يا باشا. عشان الكل بيمشي بأمرك وكلنا تحت إشارة منك."
ابتسم عصام بإمتنان مردفاً:
"تعرفي يا مرام، أنا لو خلفت ولد حاسس إنه مكنش هيقدر يكون زيك وبذكائك وبيساعدني كده وبيشور عليا في كل كبيرة وصغيرة."
فضحكت مرام:
"يعني كان عندي حق لما وقعت ابن الجبالي اللي جاي من أدغال الصعيد ومخه على قده وقال إيه بمخه الصغير ده بيدعبس هو وصاحبه ورانا وفاكر إنه ممكن يوصل لحاجة، كان غيره أشطر. وأي واحد بس فكر أو حاول قبل كده قدرت أوقفه عند حده، بجمالي طبعاً."
عصام:
"بس المرة دي فيها جواز يا مرام، فخلي بالك."
مرام:
"ماهو براء مكنش هينفع معاه غير كده، لإنه صعيدي وعنده أخلاق."
فضحك عصام:
"ماشي مفيش أحسن من الحلال، واهو يشوف له يومين قبل ما يكون كارت محروق ونرميه رمية الكلاب."
فضحكت مرام:
"حبيبي أنت يا بابي."
عصام:
"وهتعملي إيه في البودرة، هتحطيها إزاي في الشنطة وأنتِ مسافرة لفرنسا؟"
مرام:
"بسيطة، هفرغ الميكب بتاعي وإزازة البرفيوم كمان وهصنع إزاز مخصوص أحط جواه البودرة وحوله هيكون البرفيوم. وعشان طبعاً سيادة المقدم معانا، محدش هيفكر طبعاً يدقق في الشنطة وهتعدي."
فضحك عصام:
"بنت أبوكي صح يا مرام. بس عايزك تقعدي كده، وتحكيلي عرفتيه إزاي من الأول."
فجلست بنت الشيطان تقص له ما حدث.
مرام:
"عرفت طبعاً من عيونا اللي القسم، إن اتنين ظباط عاملين نفسهم شطرين قال. جم القاهرة مخصوص عشان يوصلوا للرأس الكبيرة اللي بتهرب الكيف خارج مصر. فالفضول بقى، أنت عارف بنتك، كان لازم أطقس وأعرف بنفسي دول مين وشكلهم إيه. وساعتها عرفت إن واحد فيهم اسمه براء ومجوز وحدة على شكل غفير كده، واحد تاني بيحب وهيمان بس وحدة حلوة. فنشنت طبعاً على المجوز لأن أكيد عنده نقص وفعلاً. رقبت حركاته لغاية ما دخل المول وعملت عليه الفيلم الهندي ووقعت الحلق بتاعي عن قصد وكنت عارفة هو هيعمل إيه لما لقيت فعلاً في عينيه إعجاب بيه. وتأكدت إنه هيجي فعلاً تاني عشان يقابلني."
عصام:
"يا بنت اللعيبة، كملي وبعدين."
مرام:
"وبس جه فعلاً المول، وقابلته وبعدنا نكلم وعملت فيها إسماعيل يس كل شوية أضحكه وأفرد وشه العكر لغاية ما وقع وحتى نسي يديني الحلق. ولما مشي افتكر وكلمني، وقولت يقابلني في النايب كلب. عشان أكمل الخطة. ولما جه طبعاً رفض يشرب خمرة، عامل نفسه شريف أوي وهو بيسرح من ورا مراته. فجبتله العصير، ووصيت وحدة من أصحابي وهو مش واخد باله، تدوب فيه برشامة تخليه مصهلل بس في نفس الوقت مش في وعيه. وبس كده، حصل وشلناه وجرى على بيته وخدته تحت دراعي وفتح بنفسه الباب."
عصام بضحك:
"آه يا قادرة، على بيته وأنتِ عارفة إنه مجوز."
رفعت مرام شفتيها بسخرية:
"ماهي كانت لازم تغور، عشان تغور في ستين داهية عشان أتجوزه وأخليه يشتغل معانا من غير ما يحس وأبقى سلمتلي على الشهدا اللي معاك."
فوقف عصام مردداً بفخر:
"ده أنتِ غلبتي إبليس يا مرمر."
فضحك مرام وتابعت:
"بس يا بابي، وشافتني بقى العقربة مراته، وتقول شافت عفريت منها لله، لقيتها اتفجعت كده وبقت ترتجف وتشال وتتحط، مش عارفة ليه؟ أول مرة يعني واحد مجوز يجيب وحدة الشقة يسلي نفسه."
عصام:
"لا ملهاش حق."
مرام:
"مش كده يا بابي."
عصام:
"كده يا عيون بابي، وبعدين."
مرام:
"قعدت تزعق وتشتمني، تصدق يا بابي تشتمني أنا."
عصام:
"لا معش ولا كان، وليها درس مني مش هتنساه."
مرام:
"أيوه يا بابي، لازم تتربى فعلاً عشان مش متربية (درتي ومن) فعلاً، امرأة سيئة. وبعدين اتهبلت وقعدت تعيط، مش عارفة ليه، وعلى إيه الوحدة تعيط على راجل أصلاً، كلهم لا مؤاخذة يا بابي ولا يسووا حاجة إلا أنت طبعاً يا سيد الكل."
فوضع عصام يده على صدره يحييها.
مرام:
"وقعدت تقوله دي جزاء حبي ليك، تخدعني وتخوني مع الأشكال الزبالة دي. والله ما أنا قاعدة لك فيها يا براء وعايزة ورقة طلاقي توصل لي. وبس دخلت لميت هدومها، وأنا عشان بس قلبي طيب. ساعدتها عشان تخلص، صراحة عشان كنت عايزة أنام، عشان صدعت من صريخها."
عصام:
"طول عمرك قلبك أبيض وتحبي تساعدي الناس مع إنهم ميستهلوش، بس معلش عند ربنا."
مرام:
"أيوه على الله. بس يا بابي وخرجت، روحت رامية براء على السرير، راح اتخمد ونام على طول، وأنا خففت هدومي ونمت جنبه عشان أرتاح، بس متخافش يا بابي ملمسنيش، أمّال بنتك أشرف من الشرف ويستحيل أغلط، ده أنا بنت عصام الدمنهوري."
فقام عصام وقبلها مردفاً:
"عارف طبعاً يا بنتي، هو فيه زيك دلوقتي، أنا متأكد من أخلاقك."
مرام:
"بس وعدي الليل وطلع النهار وقام الباشا لقاني جنبه، قام مخضوض، مش عارفة ليه؟ رجالة آخر زمن، حد يقوم من النوم يشوف وحدة قمر زيي ويعمل كده."
عصام:
"لا طبعاً يا حبيبتي."
مرام:
"حبيبي يا بابي."
"وبعدين بقى اشتغلت المسكنة ودمعت وقولتله أنت عملت فيا إيه يا دون، مش حرام عليك تعمل في بنات الناس كده، أنت معندكش أخوات بنات، وأعمل إيه في المصيبة دي دلوقتي؟"
عصام:
"حسبي الله ونعم الوكيل في ولاد الحرام دول، يعملوا العملة وينكروها. بس أنا مش هسكت لازم يصلح غلطته."
مرام:
"طبعاً يا بابي، وفعلاً اتأثر وقال هيجي يتقدملي ويصلح غلطته."
فضحك عصام:
"حلو أوي، عشان كده كفأته، بسافريه فرنسا. (حوار أبليسة وربنا 😂)"
عاد باسم إلى القصر بصحبة ملك في اليوم التالي بعد أن تعافت نوعاً ما، ولكن مازال الألم النفسي يسيطر عليها. فساعدها باسم إلى الدخول إلى غرفتها ثم أراحها في فراشها. ليجدها قد أغمضت عينيها، وكأنها تهرب من عينيه بالنوم.
فجلس بجانبها يتأملها وحدث نفسه:
"حبيبتي يا ملك، أنا محبتش غيرك وأنتِ فعلاً أهم عندي من أي حاجة تانية، وصدقيني أنا زعلان على زعلك أنتِ، لكن أنتِ بالنسبة لي حبيبتي وأختي وبنتي."
وعندما تأكد من نومها، تذكر عزة، فهو منذ أيام لم يدخل لها أو يطمئن على حالها.
"أنا فعلاً مقصر جوي مع عزة وسايبها أكده من غير حتى سؤال ولا كلام وهي متستاهلش أكده."
فقام وقبل جبين ملك بلطف، ثم خطى خطواته للخارج وأغلق الباب، وذهب إلى غرفة عزة. فطرق الباب، فأجابته:
"مين؟"
"أنا باسم يا عزة."
فتلون وجهها بلون الفرحة، حيث تورّدت وجنتيها الذابلتين لمجرد سماع اسمه ونبض قلبها بحبه. فأسرعت للمرآة تهندم من هيئتها، ثم سمحت له بالدخول.
فولج باسم يخفض طرفه من الحرج بسبب إهماله لها. وحدثها بصوت منخفض:
"كيفك يا عزة؟"
عزة بصوت ينشد بالحب:
"أنا بخير طول ما أنت بخير يا باسم. كيفك أنت وكيف ملك دلوقت؟ يارب تكون بخيروربنا يعوض عليكم قريب بإذن الله."
فاضطرب باسم ورجع بظهره ليرتمي بنفسه على المقعد الذي ورائه ووضع يده على رأسه. فشعرت عزة بالقلق عليه ومن هيئته تلك الحزينة، فأقتربت منه وربتت على كتفه بحنو:
"معلش متزعلش، إن شاء الله قريب ربنا هيكرمكم بطفل تاني."
فرفع باسم بصره إليها ورأى فيها الحزن عليه، فحدثها بإنكسار:
"للأسف مش هيكون لينا طفل يا عزة، لأن الدكتور استأصل الرحم ومش عارف أصارح ملك إزاي بالمصيبة دي."
فضربت ملك على صدرها مردفة:
"يا جلبى. يااااااه مفيش أصعب من أكده للست، ربي يهون علينا."
ثم وجدت نفسها تبكي مرددة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله."
تعجب باسم من بكائها لأنها بالمفترض غريمتها وتعلم أن قلبه معها هي وليس لها. فوقف مندهشاً:
"هتبكي على ملك يا عزة؟"
فابتسمت بوجع مرددة:
"مستغرب ليه يا باسم، هو أنا مش إنسانة أزعل لما ألاقي غيري في ضيقة حتى لو كان عدوي. وبالعكس ملك مش عدوتي لإني خابرة إن القلب ده بتاع ربنا. وهي مذنبهاش حاجة وصعبة عليا جوي. خصوصاً إني جربت موت الضنا، ومع إني مشلتش الرحم فأنا بردك كيفها هفضل طول عمري مليش عيل يكون سند ليا."
أوجعه باسم كلماتها حيث فهم منها المقصود، ولكنه يعلم أنه ليس بيده، فهو يحب ملك أما هي فمجرد زوجة على الورق فقط. فطالعها بحزن مردداً:
"عزة، أنا شكلي أكده ظلمتك بالجواز مني وإكده صح هتتحرمي من العيال وإكده مينفعش. وعشان أكده يا بنت الناس لازم تشوفي حياتك بعيد عني، وتجوزي راجل يعرف قيمتك وتخلفي منه عيال."
فصرخت عزة:
"هتقول إيه يا باسم؟"
رواية اولاد الجبالي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء سعيد
أخبر باسم عزة بحقيقة ما حدث لملك فحزنت عليها. وعندما تعجب باسم من حزنها رغم أنها غريمتها، عللت أنها مثلها عاشت تجربة موت ابنها، بجانب أنها أيضًا لن تحمل مرة أخرى لأن زواجه منها على الورق فقط. فأشفق عليها باسم وشعر أنه ظلمها بزواجه منها دون أن يعطيها حقوقها، لذا قال:
"يا بنت الناس لازم تشوفي حياتك بعيد عني، وتتچوزي راجل يعرف قيمتك وتخلفي منه عيال."
فصرخت عزة:
"عتجول إيه يا باسم، إياك تنطقها من خشمك تاني، ده أنا مصدجت روحي رچعتلي بعد ما كانت ماتت لما اتفرقنا أول مرة."
ثم بكت بلوعة مرددة:
"انت بس عشان مش حاسس إني عحبك جد إيه، وإني يكفيني من الدنيا شوفتك ونفسك اللي ماليه حالي، ومش مهم العيال يا باسم، كفاية أنتِ عندي. چوزي وحبيبي وابني وكل دنيتي حتى لو عتحب غيري."
ثم تابعت بإنكسار:
"اعمل إيه بس، دي حكمة ربنا، والهوى سلطان ما يعرفش يختار صح."
طالعها باسم بحيرة واندهاش وتساءل:
"معقول أكده، عتحبيني للدرجة دي يا عزة؟ رغم إنك خابرة إني متچوز وعحب مراتي وكمان حرمت عليكي نفسي. لا أنتِ أكده جبل يا بنت الناس وكل يوم عتصعبيها عليّ أكتر وأنا احترت وخايف من حساب ربنا ليه، وكمان مش عايز أجرح ملك لأنها متستاهلش أكده مني."
أخفض باسم رأسه من الحرج ثم همس:
"طيب هتحتاجي حاجة قبل ما أمشي؟ جولّي متتكسفيش يا عزة، وكل طلباتك بإذن الله هتكون مجابة مهما كانت."
تنهدت عزة بحرارة وهي تراه أمامها بجسده الرجولي وعضلاته البارزة، فتمنت أن تحتضنه. فرددت بحرج:
"مهما كانت يا باسم؟"
باسم:
"أيوه، اللي تطلبيه."
فأغمضت عينيها هامسة بخفوت:
"تحضنيني."
توتر باسم وتلون وجهه وهمس:
"إيه؟"
عزة:
"انت قلت مهما كانت، بس مش عايزة أضيقك، فتوكل على الله وروح شوف أشغالك."
ابتلع باسم مرارة في حلقه. وعندما حاول يستدير ليغادر، حبست عزة أنفاسها وتجمعت الدموع في عينيها لرفضه، ولكنها حاولت التماسك. ولكنها تفاجئت به يلتفت إليها مرة أخرى وأشرق وجهه بابتسامة عذبة ومد ذراعيه وأشار برأسه. لينتفض قلب عزة ويتهلل وجهها وتسكب دموعها، ولكن تلك المرة بفرحة. ثم أسرعت إليه تلقي بنفسها على صدره، فيضمها هو بقوة كي تهدئ شهقاتها، ولم يتركها حتى سكنت بين ذراعيه. وودت عزة أن يتوقف الزمن لكي تظل بين أحضانه هكذا. ولم ينكر باسم أنه شعر براحة غريبة وهي تسكن بين يديه، ولكن ما بالأمر حيلة، يكفي هذا وعليه أن يبعدها. فابعدها برفق، ليفاجئ بها تلقي قبلة على جبينه ناعمة ثم تتراجع بعد أن اكتسى وجهها بالحمرة. ليبتسم هو ثم خرج سريعًا ليسطر على تلك المشاعر التي اجتاحته فجأة. لتلقي هي بنفسها على الفراش سعيدة فرحة بما نالته وكأنها أنجزت كل أحلامها.
أحضر محمود في بداية الأمر إلى نهلة بعض الملابس التي تتماشى مع العصر، ولكن في نفس الوقت محتشمة ذات ألوان هادئة مع حجاب مناسب لكل زي، ولم ينس الأحذية أيضًا وحقيبة بنفس لون الحذاء، كما أشارت إليه الفتاة التي ستعلم نهلة الإتيكيت ببعض الإكسسوارات اللازمة لكل طقم منهم. وسيلينا هو اسم تلك الفتاة، وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، خمرية اللون ذات عيون سوداء واسعة، أنيقة، لا تتحدث سوى بكلمات لها معنى وهدف، ولا تبتسم إلا بحساب، كما أنها رشيقة جدًا.
تحدث محمود عبر الهاتف إلى نهلة أنه سيأتي بصحبة سيلينا بعد دقائق.
نهلة باندهاش:
"انت جاي وجايب بنسليين ليه يا محمود؟ انت تعبان يا خويا؟ جالك إمتى السكر ده؟ اه ياني، ألف سلامة عليك، ده أكيد حسد والله عشان انت دمك زي السكر. وخلاص معدتش تجيب اشتيكلاتة تاني عشان مش هقدر آكلها قدامك وانت هتتحرم من الحاجات الحلوة دي."
فضحك محمود ولكنه أحس بحب نهلة له من شدة نبرة الخوف في صوتها عليه، وأنها ستحرم نفسها من شيء تحبه من أجله.
نهلة باندهاش:
"انت بتضحك!! طيب كويس إنك مش زعلان عشان ميغلاش عليك السكر يا محمود."
محمود:
"أدينى فرصة أتكلم، سكر إيه بس، أنتِ اللي سكر والله. أنا بقولك جاي ومعايا البنت اللي هتعلمك الإتيكيت واسمها سيلينا مش بنسليين يا حبيبي."
فضحكت نهلة:
"أيوه فهمت، ماشي يا خويا وماله، اهو تيجي تسلينا، بدل القعدة لحالي أنا وأبويا، اللي عايز يزهق مني لما أتكلم كتير. هو أنا هتكلم كتير يا محمود بردك؟ ولا أنا خابرة أبويا هو أكده روحه في مناخيره."
فصك محمود على أسنانه بغيظ مرددًا:
"أبدا يا حبيبي، ده أنتِ زي القطر بالظبط ما بيوقفش."
فقطبت نهلة جبينها:
"أكده يا محمود."
محمود:
"لا يا حبيبي، انتِ عسل، وافتح الباب أنتِ عسل، أنا وصلت وأنتِ بتكلمي أصلاً."
فدق قلبها بشدة وسارعت لفتح الباب، فتلاقت أعينهم في نظرة طويلة وكأنهم يضمون بعضهم البعض بتلك النظرة العاشقة. فحمحمت سيلينا بحرج:
"أكيد دي آنسة نهلة اللي كلمتني عليها؟"
محمود بحرج لأنه تناساها بسبب انشغاله بنهلة:
"أيوه فعلاً، اتفضلي يا سيلينا."
فاشتعل في قلب نهلة الغيرة، وهي ترى فتاة جميلة أمامها منمقة وتخرج كلماتها من أنفها، وترتدي ملابس مثل المذيعات التي تراهم في التلفزيون وقد فاح عطرها في جميع أرجاء الشقة. طالعت سيلينا نهلة باندهاش لمظهرها الذي يدل أنها فتاة ريفية، محدثة نفسها:
"أوف ده أنا شكلي هبدأ من أول ألف باء إتيكيت معاها، بس أعمل إيه الشغل وتعبُه."
فابتسمت سيلينا بالكاد مرددة:
"أهلاً آنسة نهلة، أنا سيلينا وياريت من النهاردة نكون أصدقاء ونقضي وقت مع بعض ظريف."
نهلة بغيظ:
"أهلاً بيكي يا حبيبتي ويا ترى هتسلينا بإيه النهاردة؟"
فكتّم محمود ضحكته مرددًا:
"نهلة، بصي دي شنطة فيها مجموعة مختلفة من الفساتين، إيه رأيك تدخلي جوه مع الآنسة تساعدك في اختيار لون مميز فيهم يعجبك وتعلمك إزاي تكملي الطقم ولفة الحجاب وكده."
رمقته نهلة بنظرة غاضبة:
"وأنا أعرف ألبس لحالي، عيلة صغيرة أنا إياك."
فحاول محمود أن يكون صبورًا فحدثها بلطافة:
"مش قصدي يا سكر، أنتِ طبعًا هتلبسي لوحدك بس هي هتساعدك في حاجات تانية، شغل ستات بقا أنا مفهمش فيه، مش كده يا سيلينا."
سيلينا بتفهم:
"فعلاً."
ثم أشارت إلى نهلة:
"تعالي معايا ومتقلقيش خالص."
فنظرت نهلة إلى محمود فطمئنها بنظرة حنونة فابتسمت ودلفت معها للداخل، لتنتقي لها سيلينا فستانًا من اللون الأبيض وبه فراشات من اللون الزهري مع حجاب من اللون الزهري وكذلك الحذاء وبعض الإكسسوارات.
نهلة:
"طيب مش اخترتي خلاص، يلا أوقفي كده وشك للدولاب وإياك تبصي غير لما أقولك خلصت."
ابتسمت سيلينا بتفهم مرددة:
"زي ما تحبي."
فأسرعت نهلة لتبديل ملابسها وهي تنظر إلى سيلينا من وقت لآخر لتتأكد أنها لا تراها. وعندما انتهت أردفت نهلة:
"يلا لفي خلاص."
فالتفتت سيلينا مرددة بإنبهار:
"حلو أوي عليكي. دلوقتي هلف ليكي الطرحة وهنحط ميكب خفيف كده ونلبس الإكسسوارات والشوز."
فجلست نهلة مستسلمة لما تفعله معها سيلينا. وعندما انتهت أردفت سيلينا:
"تعالي كده شوفي نفسك في المراية."
فنظرت نهلة إلى نفسها في المرآة، فانبهرت بجمالها، فقامت بإطلاق زغرودة مرددة:
"اللهم صلي على النبي، إيه الحلاوة دي، تسلم إيدك يا سيلينا يا أختي."
فكادت سيلينا أن يغشى عليها من كلماتها.
نهلة:
"مالك يا أختي، عتبصيلي كده ليه، قولي ما شاء الله حتى، خمسة وخميسة في وشك."
سيلينا بغضب:
"لا أنتِ صعبة أوي، وحاسة إن هيجرالي حاجة عقبال ما أقدر أعلمك. أنا خارجة بره، عقبال ما تخلصي الفرح اللي أنتِ عاملّاه ده."
فأطبقت نهلة على شفتيها بغيظ مرددة:
"عايزة تطلع بره عشان تستفرد بيه، لا مش هنولها اللي في بالها."
لذا قالت:
"استني يا حبيبتي، أنا طالعة معاكي، ميصحش بردك أهملك لحالك. قدامي يا خيتي."
سيلينا:
"نهلة هانم اتفضلي أنتِ الأول، ويا ريت مشيتك تكون هادية وخطواتك متزنة وعينيكِ في اتجاه واحد."
نهلة بسخرية:
"هو أنا لابسة كده عشان داخلة عرض أزياء من اللي بيمشوا دول زي المسطرة."
سيلينا:
"من فضلك اسمعي كلامي، عشان ده لمصلحتك."
نهلة:
"وماله يا خيتي، مش عيب."
ثم خطت نهلة بخطواتها الواثقة وكأنها في عرض أزياء بالفعل، فتعجبت سيلينا من إتقانها لتلك الحركات. حتى خرجت أمام محمود فطالعها بإعجاب شديد حتى أنه قام بالتصفير مرددًا:
"ما هذا الجمال سيدتي."
ولكنه لاحظ ترنحها بسبب هذا الكعب العالي وكادت في لحظة أن تسقط، فأسرع إليها ليتفادى سقوطها فسقطت بين أحضانه. فسرت في جسدها رجفة وإحساس غريب لأول مرة يحتاجها. ونظرت إلى عينيها العاشقة، ولكنها تململت سريعًا بين يديه وابتعدت مردفة بحرج:
"تشكر يا بيه."
فانفعل محمود مردفًا بغيظ:
"أنتِ عارفة لو كنت أعرف إنك هترجعي تقولي الكلمة دي تاني، كنت سبتك تقعي على نفوخك يمكن يتعدل."
فضحكت نهلة حتى أشرق وجهها فابتسم محمود، فكم يعشق ضحكاتها. ثم نظر إلى سيلينا مرددًا:
"ميرسي أوي يا سيلينا، وأنا مقدر تعبك بس عايز خلال شهر تكون ولا الأميرة ديانا."
ابتسمت سيلينا:
"بإذن الله كابتن محمود."
فطالعتها نهلة بغيظ مردفة:
"طيب مش خلصت حصتك النهاردة؟ خلاص بقا يا سيلينا هوينا."
جاء يوم الجمعة وحان موعد زفاف براء ومرام الذي أقيم عصرًا، فهذه موضة هذا العصر أن الأفراح تقام بالنهار تقليدًا للغرب. وقف براء في انتظار مرام، ومع كل لحظة في انتظارها كانت تتعالى نبضات قلبه، كما شعر بأن الدماء تغلي في عروقه عندما شاهدها أخيرًا تخطو بخطواتها إليه بصحبة أبيها، بذلك الفستان الأبيض القصير الذي ترتديه ويظهر مفاتنها. فحدث نفسه:
"أنا إيه اللي عملته في نفسي ده!! شتان بينها وبين زاد، فرق بين السما والأرض، بس أعمل إيه، أنا اللي جبته لنفسي وبقى أمر واقع ولازم أتحمل نتيجته. بس يا ترى كيفك دلوقت يا زاد؟ لو تعرفي كيف أوحشتك جوي، آه لو تعرفي مكانتك عندي وإن اللي حصل ده كان غصب عني، كنتي عتسامحيني يا جَلبي. بس خايف عشان خابرة إنك مجروحة جوي مني، وخابرة عقلك زين. وخابرة إنه بردك غصب عنك عشان شوفتي مني كتير، بس أعمل إيه بس في جَلبي، عيحبك والله وده كله مجرد فراغة عين مش أكتر وحرمت أعملها تاني بس تسامحيني يا زاد. وربنا يجدرني وأخلص من المصيبة اللي اسمها مرام دي، بس كيف؟"
بينما كانت زاد في عالم آخر، تغوص في بحر من الأحزان، تغلق عليها غرفتها، لا تسمح لأحد أن يتحدث معها ودموعها لا تتوقف. واضعة يدها على بطنها تحدث جنينها فقط بقولها:
"أنا آسفة يا حبيبي، إني اخترتلك أب كيف أبوك خاين وغشاش، كان نفسي يكون أب محترم بس أعمل إيه؟ بس متقلقش مش هخليه يعرف بيك واصل وهربيك أنا زين على الأخلاق والدين."
ثم أخذت تردد:
"حسبي الله ونعم الوكيل. عملت إيه أنا يا براء عشان تعمل فيا كده، وأنا كل ذنبي إني حبيتك، هان عليك حبّي، هان عليك يا زاد يا أبو جلب كيف الحجر. ربنا يسامحك يا براء."
أما هو فخرج من شروده على صوت مرام:
"إيه رأيك حلوة مش كده؟"
فابتسم براء ابتسامة صفراء مرددًا:
"ويعني عشان حلوة عتفرجي أمة لا إله إلا الله عليكي، معرفتيش تختاري فستان أطول من كده شوية، كنتي جولتلي أدفع تمنه إنه بدل فلوسك على قد القصير ده."
فاتعلقت مرام برقبته وابتسمت وكأنها لم تفهم تلميحه مرددة:
"تصور أنا حبيتك عشان دمك الخفيف ده يا براء زي ما أنت حبتني عشان كنت هضحك بردوا. شكلنا هنكون زوجين فريش ومختلفين عن أي زوجين. ويلا بقا عشان نفرح عشان الطيارة هتقوم الساعة سبعة بالظبط."
فحدث نفسه براء:
"قامت قيامتك يا بعيدة."
ليتم عقد القران بالفعل بين فرحة والدها وأقاربها وأصدقائها. وأجبرته مرام على الرقص للحظات. ولكن بعد ذلك تهرب منها وجلس، فأخذت ترقص هي بين أصدقائها دون أن تعيره أي اهتمام. ومر الوقت حتى جاء موعد الطائرة. فاصطنعت مرام الحزن في توديع أبيها وبكت دموع التماسيح واحتضنت والدها الذي همس في أذنها:
"جوليا هتكون في انتظارك في المطار، هتستلم منك الشنطة. وبعدين يا قلبي تعشيلك يومين في فرنسا وتيجي تنوري قلب بابا تاني، هتوحشيني يا قلبي."
مرام:
"وانت كتير كتير يا دادي."
لينطلقوا بعد ذلك إلى الطائرة. وأثناء تفتيش الحقائب ظهر على وجه مرام شيء من التوتر، فحدثها براء:
"مالك يا حبيبتي، أنتِ تعبانة ولا حاجة؟"
مرام بتلعثم:
"لااا لااا مفيش حاجة، الجو بس حر."
فحدثها براء ساخرًا:
"حر! طيب هتقلع إيه أكتر من كده؟"
ثم كتم براء ضحكاته حتى لا يوترها أكثر من هذا. فحدثت مرام نفسها:
"سمج وبيستظرف، بس مضطرة أستحمل عشان الموضوع يعدي، والأهم حاجة في شغلنا المصلحة مش العواطف."
نظر الضابط إلى براء مبتسمًا بقوله:
"سيادة المقدم، ألف مبروك، رحلة سعيدة بإذن الله."
ثم أشار إلى العسكري:
"بتفتش إيه يا ابني دي شنطة سيادة المقدم، اقفل اقفل وعديه."
وهنا تنهدت مرام بارتياح وعادت إليها الطمأنينة وابتسمت بنعومة مرددة:
"ميرسي كلك ذوق."
لتقلع الطائرة بالفعل إلى مطار باريس، وتكون في استقبالهم جوليا التي رحبت بمرام كثيرًا. ثم أشارت إلى براء:
"أهلاً بيك مستر براء. أرجو أن تكون رحلتك سعيدة معنا."
مرام:
"ياريت تكوني محضرة لينا برنامج تمام يا جوليا، أنا مش عايزة أرجع مصر غير لما أتفسح في كل حتة هنا. ده غير إن إيدي بتكلني وعايزة أشتري آخر موضة نزلت هنا."
جوليا:
"لا تقلقي عزيزتي، سأقوم على كل شيء يرضيكِ هنا. ولكن الليلة سأتركك مع زوجك، إنها ليلة زفافك."
مرام:
"والله كلك نظر يا جوليا."
ثم غمزتها مرام مردفة:
"واتفضلي دي هدية بسيطة من مصر، يارب تعجبك."
ابتسمت جوليا:
"ميرسي، صديقتي العزيزة."
ثم أخذت منها تلك الحقيبة المليئة بالمخدرات. لتصطحبهم إلى غرفتهم بالفندق. دلفوا سويًا للداخل، ولكن براء كان يشعر بالخيانة نحو زاد، رغم أن مرام أصبحت زوجته وحلاله. ولكن ذلك الشعور جعله ينفر منها، رغم محاولاتها معه ليقترب منها. لاحظت مرام جموده فثاورها الشك وحدثت نفسها:
"هو ماله مبلم كده، ومش بيعمل أي حركة، هو فيه حد تكون معاه مرام ويقف متنح كده. بس صراحة هو داخل دماغي ابن الإيه ده، وجذاب أوي ولا عضلاته فتنة. هشوف أبدأ أنا يمكن مكسوف."
فخطت إليه واحتضنته من ظهره مرددة:
"إيه يا حبيبي، مش هتغير هدومك، وتعمل زي العرسان وتساعدني أقلع الفستان."
فسخر منها براء:
"هو أنتِ لابسة عشان أقلعك. أنتِ كده جاهزة. بس استنى نبل ريقنا بعصير الأول عشان ريقي ناشف، بعدين أحلى بيكي يا مهلبية."
مرام:
"إحنا فعلاً محتاجين كاسين شامبانيا عشان نبسط الليلة."
فحدث نفسه براء:
"البنت دي بتجرني لرذيلة، قال شامبانيا قال، ده أنا بشرب العرقسوس بدوخ."
براء:
"زي الفل، بس أنتِ متتعبيش نفسك، وأدخلي خدي شاور الأول عشان كمان هطلب أكل، عشان فجأة كده لقيت بطني بتصوصو، إظاهر إن اللي يشوفك نفسه بتتفتح."
فضحكت مرام بدلال:
"أحلى كلام غزل سمعته، نفسك بتتفتح. طيب هروح أنا آخد شاور إلا لو قعدت قدامك مش ضامنة نفسي، تاكلني بعدين. واطلب يلا الأكل وحضر الكاسين."
براء بمكر:
"تمام يا مرامي."
فدخلت مرام المرحاض، فبدل ملابسه سريعًا واتصل بإدارة الفندق لحجز العشاء، ثم أخرج الحبوب المنومة من حقيبته الخاصة، ليفرغها في الكأس الخاص بها. لتخرج بعد ذلك مرام، لتتناول معه العشاء مع ارتشاف النبيذ بتلذذ حتى وجدها براء قد أمسكت برأسها بعد أن شعرت بدوار.
براء:
"إيه مالك يا حبيبتي. شكل البلا الأزرق اللي بتشربيه ده، عملك دماغ واعرة جوي."
مرام بنعاس:
"شكله كده، بس نوعه خطير. بس حاسة إني عايزة أنام."
وبالفعل تراجعت برأسها وذهبت في نوم عميق. فضحك براء مرددًا:
"نوم الهنا يا عروسة."
في اليوم التالي، ولج باسم إلى غرفة أمه للإطمئنان عليها، فسألته عن حال ملك، فوجده مهمومًا ففزعت:
"إيه مالك يا ولدي، مش زينة ملك، حصل حاجة تاني؟"
باسم:
"لا ياما، هي زينة النهاردة بس أنا اللي جَلبي وجعني عليها."
زهيرة:
"ليه يا ولدي، إن شاء الله هتشيل الشهر اللي جاي على طول وتفرح."
فأطأطأ باسم رأسه مرددًا:
"مهينفعش ياما، خلاص."
باسم:
"ملك مش سقطت بس، ملك شالت الرحم."
فضربت زهيرة على صدرها مرددة:
"يا مرّي. ليه أكده بس؟ استغفر الله العظيم، دي بت طيبة جوي وتتحط على الجرح يطيب، لا حول ولا قوة إلا بالله. وكفاية أنها صبرت إنك رجعت عزة عليها، بس ليه يا ولدي عملت أكده، أنا مرضتش أتكلم وجلت أكيد وراك سر."
باسم بإنكسار:
"النصيب ياما، بس أنا وعدتها إنها مراتي على الورق بس عشان بس أحمي عزة من أبوها اللي منه لله كان عايز يجوزها لراجل كبير."
زهيرة:
"على الورق بس كيف، بس ده ظلم يا ضنايا. وربك قال اعدلوا واكده هتتحمل إثم كبير."
باسم:
"بس هي راضية ياما وعايزة بس الستر."
زهيرة:
"يبقي معتحبنيش ولا إيه؟"
باسم:
"بالعكس وده اللي تعبني جوي ياما، عتحبني لدرجة إنها مش عايزة من الدنيا غير إنها تشوفني بس عشان خابرة إني عحب ملك."
زهيرة:
"والله قطعت جَلبي على الاتنين دلوقتي يا ولدي. بس يا ولدي مش كل حاجة الحب، الرسول صلى الله عليه وسلم كان عيحب السيدة عائشة لكن كان هيعدل بين زوجاته. ودلوقتي كمان عشان اللي حصل لملك، مش هينفع تحرم حالك من الخلفة ومراتك التانية قصادك."
باسم:
"مقدرش ياما عشان ملك، أنا وعدتها واكده هتحزن فيها أكتر وهتحس إنها مبقاش ليها قيمة عندي، بس يعلم ربنا إنها أهم عندي من كل حاجة."
زهيرة:
"خابرة يا ولدي، بس ده حقك وعزة بردك زينة البنات، يمكن هي لحالها ما بتتكلمش بس أنا بردك عحبها عشان مشوفتش منها حاجة وحشة. فراضيها يا ولدي طالما عتقول عتحبك وارضي نفسك عشان ربنا يكرمك بالولد الصالح."
باسم:
"صعب صعب جوي."
ليتفاجأ بمن تفتح عليها الباب وقد أصبحت عينيها بلون الدم من كثرة البكاء قائلة بإنكسار:
"لا مش صعب ولا حاجة، ده حلال ربنا."
رواية اولاد الجبالي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شيماء سعيد
علمت زهيرة بما حدث لملك فحزنت عليها كثيرا، وعلمت أيضًا بحب عزة لباسم فأشفقت عليها، لأنها تعلم لوعة الحب جيدًا بعد فقد زوجها منصور الجبالي.
لذا حدثته أن يكرم الأولى (ملك) ولا يظلم الثانية (عزة). وأن يجمع بينهما بما أحله الله والعدل فيما يملك. أما الحب فهو بيد الله، ولكن باسم رغم ارتياحه إلى عزة، ولكنه يخشى من أثر ذلك على ملك، فهو يحبها لدرجة أنه يضحي من أجلها ولا تحزن، وأخذ يردد: صعب صعب.
ليتفاجأ بمن تفتح عليها الباب وقد أصبحت عينيها بلون الدم من كثرة البكاء قائلة بإنكسار:
"لا مش صعب ولا حاجة، ده حلال ربنا يا دكتور، وأنا أصلًا كنت حاسة بالذنب عشان بسببى مانع نفسك من عزة، بس كنت بصبر نفسي وأقول هي راضية خلاص، بس اللي سمعته دلوقتي غصب عني وأنا كنت جاية أطمن على الحاجة وأقعد معاها شوية أفك عن نفسي. فعرفت أن عزة بتحبك وعرفت أنها بنت أصول عشان راضية ومتحملة بعدك عنها وده ميخلصنيش يا باسم. وأنت تعرف زين أن أهم حاجة رضا ربنا عندي."
ثم تابعت وصدرها يعلو ويهبط من كثرة الدموع وباسم يكاد أن يبكي هو الآخر لبكائها.
"انت لازم تدخل على عزة يا باسم عشان ربنا الأول هيحاسبك على تقصيرك. وكمان اللي مش بيعدل بين زوجاته هييجي يوم القيامة يمشي كتفه مايل وأنا ميخلصنيش كده. وعشان كمان تجيب منها الولد اللي أنا مش هقدر أجبهولك عاد كيف ما قالت الحاجة."
ابتلعت زهيرة غصة مريرة في حلقها بعد أن أحزنها رؤيتها هكذا فأردفت بحرج:
"يا بتي متزعليش مني، ويشهد ربنا إني حبيتك كيف بنتي، بس زي ما قولتي شرع ربنا. وربنا سبحانه وتعالى يعوضك في الجنة يا بتي وحب باسم ليكي يغني عن كل حاجة، مش كده ولا إيه!"
فابتسمت ملك بمرارة:
"آه طبعًا هو حبيبي وجوزي وابني ومهما عمل مش هقدر أزعل منه."
دمعت عين باسم بالفعل واقترب منها واحتضنها بقوة مردفًا:
"وأنا أحبك أكتر من نفسي يا ملك، ولا مش هدخل على عزة وهي لو جت واشتكت هطلقها عشان مظلمهاش، ومش عايز عيال، أنا عايزك انتِ وبس يا قلبي."
فابتعدت عنه ملك وبثبات مصطنع:
"باسم أنا اللي هطلب الطلاق لو معملتش اللي قولتي عليه، لأني كده أنا اللي أحس إني بظلمكوا انتوا الاتنين وده اللي مش هقدر أبدًا أستحمله. فلو بتحبني صوح كيف ما بتقول، يبقى راضي عزة اللي بتحبك."
ثم رتلت آية عظيمة:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) سورة المائدة.
باسم بصدمة:
"ملك أرجوكي لو بتقولي كده عشان اللي حصل فأنا بقولك مش عايز عيال صدقيني."
ملك:
"لا يا ابن الجبالي عشان شرع ربنا كيف ما قولت."
ثم تابعت بإنكسار:
"واعمل حسابك الليلة مش هتبيت عندي، هتبيت عند عزة."
قالت تلك الكلمة وأسرعت إلى غرفتها حتى لا يرى ضعفها أكثر من هذا، فلا يستجيب لما قالت.
وعندما خرجت قالت زهيرة:
"اهو الحمد لله، جت من عندها يا ولدي، فمتزعلش نفسك عاد."
ثم غمزته:
"وافرح واتهنى مع الاتنين، حد كدك عاد."
ابتسم باسم مرغمًا ولكن تبقى غصة في حلقه من أجل ملك.
***
قامت إلهام بزيارة محفوظ في السجن.
فتنفس محفوظ بارتياح وطالعها بعشق متيم مرددًا:
"إلهام، أخيرًا جيتي تتطلي عليه، متعرفيش كان حالي عامل كيف وأنا مش عارف انتِ عاملة إيه من ساعة اللي حصل. وكنت خايف عليكي من أمي جوي، بس مكنش بإيدي حاجة وأنا هنا. وكنت هعد الأيام والليالي والساعات كمان من جهرتي على حالك من بعدي. وكان كل ما ييجي لسجين زيارة وينادوا على اسمه، كان قلبي هيهف وأقول أكيد أنا عليه الدور وعينادوا عليه عشان أشوفك. بس لما معينادوش عليا كنت أحس إني هموت من الخوف عليكي. ليه اتأخرتي عليا إكده يا بنت الناس ليه؟"
تحدث محفوظ كلماته تلك إلى إلهام ولكنه لم يجد منها سوى الدموع وشهقات مؤلمة تخرج من صدرها كأنها خنجر يشق صدره.
***
نام براء بجانب مرام بعد أن سبقته هي للنوم من أثر المنوم الذي وضعه لها في الشراب. ولم تستيقظ سوى على رنين هاتفها في الصباح من قبل جوليا، من أجل أخذهم في جولة سياحية في باريس.
مرام بنعاس:
"سوري يا جوليا، راحت عليا نومة. بس نص ساعة وهنكون تحت."
جوليا:
"تمام في انتظارك."
ثم التفتت مرام إلى الذي نائم بجوارها عاري الصدر مرددة:
"صعيدي بس مز."
لتمد يدها لتتحسسه ولكن تفاجأت به يردد:
"بس يا زاد همليني انام شوية كمان."
فيسيطر على مرام الغضب:
"زاد مين يا سيادة المقدم، أنا مرام حضرتك."
ففتح براء عينيه ليراها، ثم أغمض عينيه مرة أخرى وكأنه لا يريد أن يعيش معها في الواقع وإنما يعود إلى زاد في أحلامه.
مرام بعصبية:
"أنا بكلمك على فكرة وانت رايح تنام تاني."
فاعتدل براء مردفًا ببرود:
"صباحية مباركة يا عروسة."
ابتسمت مرام:
"ميرسي، بس يلا نغير هدومنا عشان جوليا تحت مستنية، عايزين نقضي يوم لذيذ ومش نسيب أي مكان هنا غير لما نزوره، ونشتري منه تذكار."
براء:
"ماشي كلامك، يلا بينا."
وبالفعل نزلوا يتنقلون من مكان لآخر، لتتركه للحظات مع جوليا وتتصل على والدها.
عصام:
"أحلى عروسة، وحشتيني."
مرام بتنهيدة:
"وانت كمان كتير وحشتني."
عصام:
"مالك حاسس صوتك زعلان؟"
مرام:
"مفيش بابا."
عصام:
"لا فيه، أوعى يكون الإنسان ده زعلك من أولها، هدمره مش هو بس وكل عيلته كمان."
مرام:
"لا بابي بليز، هو كويس."
عصام:
"مرام فيه إيه، إيه مضايقك؟"
مرام:
"بصحيه بيقول اسم مراته تصور يا بابي، يعني مش ناسيها بالرغم أنه معايا. أنا مرام اللي أي حد يكون معايا بخليه ينسى نفسه."
عصام بتحذير:
"مرام، أوعى اللي بفكر فيه يكون صح. أوعى مرام ده يكون بداية إعجاب وبعدين تقولي بحبه وندخل في دوامة ممكن تضيعنا وأنتِ عارفة طبيعة شغلنا مفهاش أي عواطف ولازم لها قلب من حديد تدوس بيه على رقبة أي حد يوقف في طريقنا أو ممكن يهدد حياتنا."
دمعت عين مرام مرددة:
"أوكي بابي، عارفة كويس الكلام ده. بس برده حتى لو مفيش حب، لازم برده أحس أنه مهتم عشان كرامتي، مش يحن لواحدة فلاحة متصدقش إنها ست أصلًا، مفهاش ريحة أي أنوثة."
عصام:
"فهمك أنا يا مرام، قولي عايزة نعمل إيه فيها وأنا أعمله عشان ميكونش في حياته ولا يشوف غيرك لغاية بس ما مدته تخلص معانا."
فضحكت مرام مرددة:
"هفكر وأقولك بابي، هسيبك دلوقتي عشان ميحسش بحاجة، سلام."
***
أرسل محمود إلى نهلة مدرسة تأسيس تعلمها كيفية القراءة والكتابة للغة العربية بجانب الإنجليزية وقواعد الرياضيات.
فوضعت نهلة يدها على رأسها باكية:
"آه يا ناني، من بعد ماشاب ودوه الكتاب. هو أنا لسه هتعلم كل ده، هو أنا هجوز ولا داخلة الجامعة؟"
فضحكت رقية الفتاة التي تعلمها:
"معلش يا نهلة، أنا معاكي واحدة واحدة، وصدقيني لما تتعلمي هتحسي بإنجاز وفرحة عشان تقدري تتعايشي مع المجتمع وتطوراته، الجاهل دلوقتي ملوش مكان ولا قيمة، عشان كده التعليم سلاح تقدري تواجهي بيه المجتمع وعشان كمان أولادك في المستقبل تعلميهم وتعرفي هما بيعملوا إيه."
نهلة بإمتنان:
"والله كلامك حلو يا ست رقية، ماشي، جولتلي بجا."
"بجرة اسمها إيه، أيوه افتكرت على اسم حاجة هنشربها. أيوه كاكاو."
فقهقهت رقية:
"cow، كاو."
نهلة:
"أيوه أيوه، دي مقدور عليها، لكن كله كوم واسم الكورة بالإنجليزي دي كوم تاني، وريحة الاسم بتطلع علينا واحنا قاعدين."
رقية بضحك:
"قصدك ball بول كرة."
نهلة:
"أضحكي أضحكي، بس أنتِ بستيني النهاردة وأنا عايزة أبستك مش زي حسن شاكوش الراجل العرة اللي بيقول (هبستك إزاي وأنتِ مش بستاني) ده راجل ناكر للجميل. وعشان كده هقوم أعملك حلبة بعسل، تخليكي تربي أكده بدل ما انتِ كيف السلعوة أكده."
اتسعت عين رقية مرددة:
"لاااا بالله عليكي، مش عايزة. اقعدي نكمل الدرس عشان سيادة المقدم عطيني مهلة شهرين مش أكتر تكوني اتأسستي كويس."
فابتسمت نهلة لذكر اسمه الذي يصيب قلبها في مقتل كلما ذكر أمامها.
***
مضى النهار وأسدل الليل ستائره وعاد باسم من عيادته الخاصة، وتوجه نحو غرفته مع ملك ولكنها وجدها موصدة.
ابتسمت ملك في بادئ الأمر، لأنه بالفعل قصدها هي ولم يذهب إلى عزة مباشرة كأنه كان يريد هذا منذ البداية ولكنه كان محرجًا منها.
ولكن سرعان ما عاد تجهمها ولكنها أمسكت بكتاب الله وضمته إلى صدرها لعله تجد منه القوة وصاحت قائلة:
"جولتلك مكانك مش هنا الليلة يا دكتور، روح بيت عند مراتك وأحسن ليها وأكرمها."
ثم صمتت قليلاً، تحاول ابتلاع تلك الغصة التي في حلقها:
"وان شاء الله ربنا يعوض عليكم."
فضم باسم شفتيه بحزن ثم قال:
"أرجوكي يا ملك، بلاش الأسلوب ده معايا، قولتلك مش هروح أفتحي يلا."
ملك بتصميم:
"مش فاتحة يا باسم."
باسم برجاء:
"يا ملك جولت مش عايز عيال وعايزك أنتِ."
أغمضت ملك عينيها بحزن مرددة:
"وأنا مبقاش ليا في الدنيا غيرك يا عيوني. لكن الأمر لله وحده، روح يا جلبى، الله يهنيك."
فانفعل باسم:
"أكده يا ملك، طيب. لا عندك ولا عندها، أنا هبيت تحت في الجنينة."
فابتسمت ملك:
"مجنون إياك."
باسم:
"مجنون أيوه بحبك."
فحدثت نفسها:
"أكده هيخليني أضعف بس مينفعش، بردك مش هرتاح ولازم ياخد حقه."
فقامت وفتحت الباب ولكنها أغلقت الباب ووقفت أمامه وامسكت يده وسحبته من يده نحو غرفة عزة.
باسم بإندهاش:
"عتعملي إيه يا مجنونة؟"
ملك بإشارة على فمها:
"هش."
طرق الباب على عزة حتى سمعت صوتها:
"مين؟"
ملك:
"أنا ملك ومعايا الدكتور."
فتلون وجه عزة، فهي تخشى أن تفضحها عيناها أمام ملك وتعرف أنها تحبه بل تعشقه أكثر من نفسها.
ولكن سارعت بقولها:
"اتفضلوا."
لتتخشب عزة في مكانها عندما وجدت ملك تدفع باسم للداخل مرددة:
"عزة جوزك عندكِ أهو. راضية وهو هيرضيكي يا بنت الناس وأنا مسامحة من جوايا عشان محدش فيكم يحس بالذنب وربنا يعوض عليكم عن قريب، وتجيبيلي باسم صغير."
ثم لم تنتظر منهم ردًا وأغلقت الباب وأسرعت إلى غرفتها.
وألقت بنفسها على الفراش وكتمت فمها في الوسادة، كي لا يسمع أحد شهقاتها المؤلمة.
مرددة:
"اللهم اربط على قلبي، وأفرغ عليا صبرًا."
أما عزة فوقفت مصدومة تتطلع إليه بحرج والأدهى أن باسم كان أشد منها حرجًا.
ووقف صامتًا وشاردًا.
فحدثت نفسها:
"مش مصدجة حالي، معقول ده! هيبيت عندي وفي حضني ويكون حلالي. لاااا حاسة أنه هيحصل لي حاجة، وقلبي هيوقف من الفرحة."
ثم اكتسى وجهها بالحزن عندما أدركت أنه جاء مغصوبًا من ملك، ولكنها قالت:
"مش مهم المهم جه وخلاص. والمرة دي مغصوب، المرة الجاية هييجي بنفسه بإذن الله. آآآه كنت عارفة أكيد ربنا هيرضيني بعد الحزن ده كله."
عزة بحرج:
"هتفضل واقف أكده كتير يا باسم."
باسم بتلعثم:
"لاااا هقعد، أنتِ كيفك، زينة؟"
عزة بعشق:
"ده أكتر يوم حاسة إني فيه بخير وزينة، عشان أخيرًا هتكوني حلالي يا باسم. متتصورش أنا تمنيت اللحظة دي قد إيه، رغم إني كنت ببين إنه عادي والمهم عندي إني أشوفك. لكن كنت بتعذب كل ليلة، وأبص جارى وأفضل أتخيل إنك جنبي وفي حضني وبتونس بيك."
تنهد باسم بمرارة:
"ياه كنت للدرجاتي ظالم أوي ليكي ووحش كده يا عزة."
فأسرعت إليه عزة ووضعت يدها على فمه مردفة:
"لا متقولش كده، انت حبيبي وبس مهما عملت."
ليجدها باسم قد مدت يدها لتزيل عنه سترته، ثم احتضنته ودفنت رأسها في عنقه، فاشتعلت أنفاسها جسده.
لتجده هو الآخر حاوطها بيده، ثم رفعها قليلاً عن الأرض وخطى بها نحو الفراش ليسمع باسم أنينها، ليذهب معها إلى عالمهم الخاص لتكون ليلة من أسعد ليالي عزة.
وكانت على نقيضها ملك، ولكن قدر الله فوق كل شيء.
***
زار مسالم قمر في السجن.
فابتسمت لرؤيته وغازلها بقوله:
"ما شاء الله، انتِ جيتي على السجن وأحليتي أكتر يا ست الستات. لو أعرف كده كنت من زمان جيت واتخانقنا مع بعض وكل منا نطح التاني واتسجنا. وبعدين بردك كنت هجوزك عشان نعمل كيف المثل اللي بيقول ما محبة إلا من بعد عداوة."
فضحكت قمر ثم تنهدت بحرارة:
"ياريت فعلاً كنت عملتها يا مسالم كنت وفرتني لحالي قبل ما اللي حصل يحصل."
مسالم:
"وايش عرفني إنك ساعتها كنتي بتحبيني كده، لا يا ستي ده نصيب عشان نكون لبعضنا يا بنت الناس."
قمر:
"صراحة مش عارفة من غير وجودك في حياتي، كان زماني كيف. أنا كنت حاسة نفسي هموت خلاص لحالي وخسرت نفسي وأبويا وأختي. بس ربنا كريم وعوضني بيك."
ثم بكت قمر:
"بس أبويا وحشني جوي وملك كمان. ونفسي أبوس على يده ويسامحني."
ابتسم مسالم:
"طيب تعملي إيه في اللي يجيبلك أبوكي لحد هنا."
تهلل وجه قمر مرددة:
"يااااه ياريت ولو أطول أديه عمري أديله عن طيب نفس."
مسالم:
"ده عمره كله هو انتِ يا قمري."
ثم قام وفتح الباب، وقال:
"اتفضل يا أبو قمر."
فانتفضت قمر من مكانها ووقفت ولمعت عينيها بالدموع وأسرعت إليه بلهفة تحضنه تارة وتقبل يده تارة أخرى ووالدها يبكي، ومسالم من ورائهم يبكي.
والد قمر:
"كيفك يا بتي؟"
قمر:
"بخير من ساعة ما شوفتك يا أبوي. أنا كنت كيف الميتة وحييت دلوقتي."
ثم قبلت يده مردفة برجاء:
"سامحني يا أبوي، سامحني أرجوك، كنت طايشة وعامية وأديني اهو أخدت جزائي بزيادة شوية، فسامحني يا أبوي."
طالعها والدها بحزن مردفًا بإنكسار:
"طول عمرك بتبصي للي مش في إيدك يا قمر، وياما نصحتك وجولتلك اللي يبص لفوق يتعب يا بتي وارضى باللي ربنا قسمهولك وخليكي كيف ملك راضية بكل حاجة، لكن يلا اللي حصل أنا مش جاي عشان أقلب في اللي فات، عشان خلاص عمره ما هيرجع يا بتي. خلينا في اللي جاي وإن شاء الله تكوني أحسن فيه وتحمدي ربنا إن واحد زي مسالم معاكي، ده فضل ونعمة."
فنظرت له قمر بطرف عينيها وابتسمت:
"ألف حمد وشكر يا أبوي."
والد قمر:
"ربنا يرضى عنك وعنيكي، وتخلصي من الجرف ده، وتتستري معاه يا بتي، بس تبدأي معاه على مية بيضة وتتقي الله فيه عشان ربنا يدوم ستره عليكي."
قمر:
"من غير ما تقول يا أبوي، ياااه متى بس أخرج من هنا."
مسالم:
"الأيام بتجري وإن شاء الله قريب."
قمر:
"يارب."
ثم سألت والدها عن ملك، كيفها؟
تنهد والدها بحزن مردفًا:
"تصعب عليكي يا بتي."
فاضطربت قمر مرددة بفزع:
"مالها يا بوي؟"
"لسه تعبانة من اللي حصل بس دي مقعدتش كتير وسايباها هتتعالج، ده أنا اتعالجت في السجن الحمد لله. صح كنت من الوجع هضرب راسي في الحيط، وعتتممرغ في الأرض وصوتي كان هيفزع اللي معايا بس الحمد لله استحملت وعدت وبقيت زينة الحمد لله."
والد قمر:
"الحمد لله يا بتي. أنا مش قصدي على أكده."
"ملك اتجوزت باسم."
فلمعت عين قمر من الفرحة:
"بجد الحمد لله. أمال مالها؟"
والد قمر:
"حملت وسقطت وشالت الرحم يا بتي."
قمر بصدمة:
"يا حبيبتي يا خيتي، ليه أكده. استغفر الله العظيم."
والد قمر:
"ومش بس أكده، رجع جوزها طلقته، يعني النار هتنهش فيها من كل حتة."
قمر بقهر:
"يا جلب أختك، متستاهلش ملك كل أكده. لا حول ولا قوة إلا بالله، الصبر من عندك يارب."
"وليه باسم يعمل أكده بس وهو بيقول بيحب ملك ولا هو كلام وحديث وخلاص. ولا آه عشان يجيبله الولد اللي نفسه فيه، هو أكيد عنده حق بس برده هانت عليه ملك يا بوي؟"
والد قمر:
"اللي شايفه يا بتي إنه بيشجعها، بس النصيب وغصب عنيه، هو جالي كده. المهم ربك يربط على جلب أختك ويعوضها خير."
قمر:
"يارب يا بوي، وحشتني جوي جوي ونفسي أشوفها."
والد قمر:
"متزعليش مني يا بتي، عيب أقول لجوزها وهو ابن الجبالي هاتها تزور أختها في السجن."
فنكست قمر رأسها بخزى مرددة:
"عندك حق يا بوي. ربنا يفرجهالها من عنده."
***
في الصباح استيقظت عزة قبل باسم، فأخذت تنظر إليه كثيرًا، وكأنها لا تصدق أنه بجوارها.
ثم وجدت أن وقت عمل باسم قد أوشك، ولابد أن توقظه.
فداعبته من أرنفة أنفه، ثم وضعت عطرًا على يديها واقتربت بها من أنفه فاستيقظ مرددًا:
"ملك بتعملي إيه، سبيني أنام شوية."
فأغمضت عزة عينيها متألمة وأدركت أنها لم ولن تكون يومًا في قلبه مثل ملك، فدمعت عينيها وسمع لها باسم شهقة، ففتح عينيه ليجد أنه في غرفة عزة وليس مع ملك.
فوضع يده على فمه محدثًا نفسه:
"وبعدين بقى، بس غصب عني، بس يا ترى هي عاملة إيه دلوقتي وقضت ليلتها إزاي؟ أنا قايم أشوفها."
فاعتدل سريعا مردفًا:
"أنا آسف يا عزة، ياريت متكونيش زعلتي مني."
عزة:
"لا مقدرش أزعل منك واصل يا باسم."
باسم:
"طيب أنا معلش هسيبك دلوقتي."
ثم ارتدى ملابسه سريعًا، وغادر دون أن يتحدث معها بكلمة.
لتتابعه هي بنظراتها لتجده قد أسرع إلى غرفة ملك.
فوضعت يدها على قلبها مرددة:
"اللهم صبرًا، اللهم قوة لأتحمل."
ثم أغلقت الباب وعادت إلى فراشها تتحسس بيديها مكانه، فهو مازال دافئًا ثم احتضنت وسادته التي كان نائمًا عليها.
أستقبلته ملك بلهفة مرددة والدموع في عينيها وكأنه كان غائبًا عنها منذ سنين:
"باااااسم، وحشتني جوي جوي."
باسم:
"وانتِ أكتر يا جلبى. ودي آخر مرة تقوليلي أعمل أكده. أنا مش عايز غيرك وبس."
يعود معها الكرة وكأنه لا يطفئ ظمأه من الحب سواها.
***
مرت الأيام وعاد براء مع مرام إلى فيلا والدها عصام.
ولكن بلغ الشوق إلى زاد مبلغه، فقرر أن يسافر إليها حتى وإن رفضته ولكنه يكفيه أن يراها.
فحدث مرام:
"بقولك إيه يا مرام."
فتعلقت مرام برقبته مرددة:
"قول يا حبيبي، كلي آذان صاغية."
فزفر براء بضيق:
"هو أنا كنت واخد إجازة أسبوع ولسه فيه يومين، فمحتاج أروح أطمئن على أهلي."
فنزعت مرام يدها من رقبته، مردفة بغضب وانفعال بصوت عالٍ:
"أهلي برده يا براء، ولا مرات سيادتك. مراتك اللي شبه شوال البطاطا، بقى تسبني أنا مرام الدمنهوري وتروح لدي."
فقبض براء على يديه بقوة، ليتمالك أعصابه التي على وشك أن يفقدها.
ولكن نبرة صوته فضحت ما يدور بداخله مردفًا:
"بصي يا بت الدمنهوري، مهما كنتي ولا علوتي ولا شايفة نفسك عشان بتغيري حالك كل يوم بشكل. فانتِ مهتيجيش حاجة جنب مرتي زاد، فمفيش وجه مقارنة أصلًا. عشان كده اياكي تجيبي سيرتها تاني على لسانك، ده لو عايزة الجوازة دي تعمر."
لتتسع عين مرام من الصدمة وغلت الدماء في عروقها ورفعت يدها لتصفعه لترد إهانته لها مرددة:
"أنا تقول لي كده، ده أنا ستك وتاج راسك يا اللي جاي من ورا الجموسة."
فأمسك براء بيدها قبل أن تهوي بها على وجهه، بعد أن بلغ به الغضب مبلغه هادرًا في وجهها:
"مش ابن الجبالي اللي تمد إيدك عليه مرة يا بت الدمنهوري. وأنا هوريكي مين اللي جاي ده من ورا الجاموسة."
رواية اولاد الجبالي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شيماء سعيد
الغيرة نار والقلب حطب، فإن لمست قلبك الغيرة، فإعلم أنه سيحرق.
***
إشتعلت النار بين مرام وبراء إلى حد أن تطاولت عليه مرام وكادت أن تصفعه ولكنه أمسك بيديها ووبخها لتزداد غضبا وتهينه بقولها:
(انت واحد جاي وراء الجاموسة)
كما هو منتشر عندهم في الصعيد. فثار براء وانفعل، وبخها أيضا ثم قرر أن يترك لها المكان ويرحل. وعندما فتح الباب وجد من يقف له بالمرصاد، فقد كان عصام يستمع لحوارهما معًا كلمة بكلمة.
ولكنه أخذ يلعن ابنته على تفاهتها وأنها في طريقها لإخراج خططهم، ألا وهي استغلاله بسبب منصبه دون أن يعلم.
عصام محدثًا نفسه:
(هتبوظي كل حاجة بغيرتك العامية دي يا مرام، للأسف كنت فاكرك أعقل من كده، عشان كده مسمحتش للحب يدخل حياتي أبدًا بعد موت أمك الله يرحمها وأنتِ لسه صغيرة. لا ده كمان مش حب عادي، ده حب غبي، يعني بدل ما تتطبّعي وتتدلعي عشان يحبها، لأ عايزة تضربيه ومفكراه هيقولها ضرب الحبيب زي أكل الزبيب.)
نظر براء إلى عصام بحرج مردفًا بلعثمة:
(عمي أنااا.)
فرمقه عصام ابنته بنظرة حارقة، ثم ابتسم لبراء مردفًا:
(انت إيه يا سيادة المقدم!! انت عريس ومن حقك تدلع، بس بنتي عارفها مخها ضلم حبتين تقول إيه هي الصعيدية. بس معلش حقك عليا أنا وسماح المرة دي، عشان هي اه زرزورة بس قلبها طيب.)
فصكت مرام على أسنانها بغيظ مردفة:
(بابا، انت بتقول إيه؟)
عصام بحدة:
(بقول اللي سمعتيه، ويلا اتفضلي اتأسفي لجوزك يا هانم وبوسي رأسه كمان.)
مرام بإنفعال:
(لا ده لا يمكن أبدًا.)
فنظر لها عصام بتحدي:
(مرام أنا قلت كلمة ولازم تتنفذ، وإلا انتِ عارفة زعلي.)
فابتلعت مرام لعابها بخوف وأقدمت نحو براء الذي ظهر على شفتيه ابتسامة تشفي، ثم أخفض لها رأسه لتقبلها. فقبلته مرام بنفور ثم تراجعت متوعدة لنفسها.
عصام:
(تمام كده ربنا يهدي سركوا وانت برضه يا ابني، متقفلش برضه دماغك عشان انت عارف الستات وهرموناتها اللي بتطلع فجأة، فمعلش عديها وبكلمتين منك حلوين هتهدي الدنيا.)
ابتسم براء بخبث:
(حاضر يا عمي.)
عصام:
(طيب هسيبكم دلوقتي تتفاهموا مع بعض وتقضوا ليلة ظريفة.)
وعندما أستعد للمغادرة، أستوقفته مرام بقولها:
(بابا، لو سمحت أنا عايزة أكلم معاك.)
ثم نظرت إلى براء، ففهم ما تريد مردفًا:
(طيب أنا هنزل أشم شوية هوا في الجنينة وبالمرة أشرب فنجان قهوة.)
ثم غادر بالفعل براء وتركهم يتحدثون بحرية.
وقفت مرام تحاوط جسدها بذراعيها ووجهها كان ينذر بقنبلة على وشك الانفجار.
مرام بعصبية:
(تقدر تقول لي إيه اللي عملته ده يا بابا مع براء. ده بدل ما تعلمه الأدب وتعرفه هو مجوز مين! تقوم تخليني أنا أبوس راس الجربوع ده وأعتذر له.)
فضيّق عصام عينيه:
(جربوع يا مرام. أمال حبيته ليه؟)
حركت مرام رأسها بالنفي:
(لا لا أنا أحب ده، انت فاهم غلط يا بابا، هو مجرد تملك وبس مش أكتر.)
عصام:
(أتمنى يكون الأمر زي ما بتقولي، لأن زي ما قلتلك إحنا مش بتوع عواطف. وعملت كده ليه، عشان بأسلوبك ده هيطير منك، وإحنا محتاجينه الفترة الجاية في شغلنا، أمال أنتِ اتجوزتيه ليه؟)
مرام:
(ايوه يا بابا بس يعني مش لدرجة اللي حضرتك عملته ده.)
عصام:
(أنا عارف إني كنت قاسي عليكي، بس أوعدك إني هعلمه درس عمره ما هينساه أبدًا، بس نخلص العملية الجاية دي.)
ابتسمت مرام:
(إيه خلاص نويت.)
عصام:
(ايوه.)
مرام:
(بس يعني موضوع الأدوية المخلوطة بالمخدر ده جديدة.)
عصام بضحك:
(مهو لازم نتطور شغلنا يا مرامي، ونكيف الكل بالحلال. تخيلي كده إن بدل ما كانت البضاعة بتتباع في الخفاء واحنا مرعوبين نتقفش، دلوقتي تتباع في الصيدليات بروشتة وعلني.)
فضحكت مرام:
(زي الفل، وشحنة الأدوية المتكلفة دي هتوصل إمتى؟)
عصام:
(أول ما تنتهي جوليا مع الخبير المختص، هتبلغنا وساعتها لازم تروحي مع سيادة المقدم تستلمي الشحنة لأن اسمه لوحده، هيخلي الموضوع يمشي بسهولة.)
مرام:
(تمام يا بابي.)
عصام:
(يبقى زي ما اتفقنا، تهاوديه عشان يكون زي الخاتم في صباعك وينفذ كل اللي بتقوليه.)
حركت مرام رأسها مرددة:
(حاضر يا بابا عيوني.)
فقبلها عصام مردفًا:
(طيب هسيبك دلوقتي ترتاحي وأنا كمان هروح أريح شوية.)
ليغادر عصام بالفعل، فتقف مرام شاردة أمام ما قاله والدها عن حبها لبراء، فابتسمت:
(معقول يكون صح، وأنا فعلاً بحبه. ولا زي ما قلت حب امتلاك مش أكتر؟)
مضت الليلة بسلام من اعتذار مرام مرة أخرى وقبول براء لذلك في سبيل أنها تسنح له الفرصة بزيارة ذويه وبالأخص زاد.
***
وفي الصباح.
أعد بالفعل براء نفسه للسفر، ولكنه كان في حيرة من أمره، فكان يتوقع من مرام الضجر والصخب والتأفف كعادتها ولكن الغريب أنها كانت هادئة تمامًا وتنظر إليه بعينيها في صمت تام. فتعجب براء من هدوئها ولكن آثر الصمت حتى انتهى من إعداد حقيبته، ثم اعتدل مردفًا:
(يلا أشوف وشك بخير يا مرام. هتعوزي حاجة أجبهالك من هناك؟)
فحركت مرام رأسها بالنفي (لااا)، دون كلام. فتعجب براء ثم التفت وخطى خطواته نحو الباب، ليتفاجأ بمن تحاوطه من ظهره وتشـهق من البكاء مردفة:
(هترجع تاني يا براء مش كده، مش هتسيب مرام صح.)
أبعد براء يديها بلطف والتفت، ليرى في عينيها بريق غريب غير الذي اعتاده منها فتعجب مردفًا:
(أكيد يعني هرجع يا مرام. إيه خلاكي تقولي كده؟ وايه لازمة الدموع دي عاد!)
مرام بضعف لأول مرة:
(إحساس إني ممكن أفقدك ومش أشوفك تاني صعب أوي وحسيت نفسي مخنوقة ومحستش بنفسي غير وأنا ببكي.)
براء بجمود:
(لا متبكيش، بت الدمنهوري متبكيش واصل.)
ثم قبلها بين عينيها ثم غادر، لتشعر أن أنفاسها تنسحب منها ببطء.
فأسرعت إلى والدها والدموع قد أحـرقت وجنتيها صارخة في وجهه:
(براء مشي يا بابا، مشي.)
فشعر عصام بنغصة في قلبه لبكاؤها وتأكد أنها بالفعل تحبه فزفر بضيق مردفًا:
(هو ده اللي أنا كنت خايف منه، حبيته يا مرام مش كده؟)
فدفنت مرام وجهها على صدره وتعالت شهقاتها:
(ايوه حبيته، معرفش إزاي وليه بس حبيته. بس هو محبنيش يا بابا، أنا بالنسبة له واحدة حلوة وبس لكن هو قلبه مع مراته حتى لو مش حلوة، أعمل إيه يا بابا، خايفة ميرجعش؟)
فرفع والدها أسفل وجهها برفق ونظر إلى عينيها الباكية مردفًا بجدية:
(وحياة كل دمعة من عيونك الحلوة دي، هيرجع يا مرام، ومش هيكون في قلبه غيرك أنتِ وبس. أما مراته دي فنسيها أو تقدري تترحمى عليها من دلوقتي.)
***
توجه براء بالفعل إلى الصعيد وظل طوال الطريق يفكر كيف سيتعامل مع زاد وكيف سيراضيها ولكنه يعلم جيدًا أن كلمات العالم كله لن تستطيع أن تطفئ النار التي في جوفها نحوه وبخاصة أنها ليست أول مرة، فقد أحرق قلبها من قبل بزواجه بقمر وها هو ختم زواجه بمرام فكأنه أصبح بين فكين حادين وهو وهي بينهم معذبين.
ظل هكذا طوال الطريق، حتى وصل بالفعل.
رآه جابر في بادئ الأمر حيث كان متجها إلى عمله. فتهلل وجه فرحًا:
(سيادة الباشا براء.)
(اهلا يا خوي، أتوحشك جوي.)
براء بفرحة لرؤيته:
(وانت كمان يا جابر.)
ليضمه إلى صدره في حنان وحب أخوي، ثم أبعده برفق مردفًا:
(كيفك وكيف بانة، يارب تكون هديت عليك ولا لسه محيراك معاها؟)
فتلفت جابر حوله لعلها تسمعه ثم همس:
(ادعي لي ربنا يصبرني، عشان دي عقبال ما تولد هتكون ضيعت اللي باقي من عقلي يا خوي.)
فضحك براء:
(للدرجاتي، عملت فيك إيه المصيبة دي وأنا هكلمها؟)
فحرك جابر يديه:
(لاااااا متكلمهاش، هو أنا ناقص چنان. دي هتنام زي الفل جنبي، فجأة ألاقيها صحيت تعيط، أتخض أنا وأفتكر إنها تعبانة ولا حاجة، فسألها مالك يا بانة تعبانة أشيع لك دكتور؟ تجوم هابه فيه وتجول لي، أنا هموت وأنا بولد يا جابر وانت ما هتصدق وعـتـجوز وعـتـنسانى. أروح أطبطب عليها وأجولها ده أكيد حلم يا بنت الناس واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، وإن شاء الله عتولدي وتقومي بالسلامة وعتنسي الوجع وهتشيلي تاني وتملي القصر عيال. تروح تجولي... أيوه عايزني أملى القصر عيال عشان أتلهى فيهم وانت تروح تجوز وحدة تانية صغار تدلعك مش أكده؟)
فضحك براء:
(لا دي لسعت خالص، ربنا يصبرك يا جابر.)
ليسمع براء صوت بانة:
(يصبره على إيه إن شاء الله؟)
فرح براء لرؤيتها مردفًا:
(بانة الغالية حبيبة أخوها.)
لتسرع إليه بانة وتحتضنه بحب:
(حمد لله على السلامة يا خوي. وكويس إنك جيت عشان تشوف مراتك اللي من ساعة ما جت وهي جافلة عليها ومش رايدة تكلم حد واصل وعـنـسمعها عـتـبكي وجلبنا عـتـتحسر عليها ومش خابرين مالها. انت زعلتها في حاجة يا خوي؟)
فتنهد براء بمرارة مردفًا:
(هشوف يا بانة، هشوف.)
(وأمي فوق في جناحها؟)
(ايوه.)
(وباسم كيفه؟)
(فوق مع أمي.)
ثم ضحكت بانة.
براء مندهشًا:
(إيه في حاجة إياك.)
بانة بضحك:
(الدكتور عايش حياته، وبقى شهريار زمانه ومـجـوز اتنين وعيلف ما بينهم.)
فابتسم جابر، فرمقته بانة بغضب مردفة بإنفعال:
(عـجبك أوي الكلام أنا خابرة، ونفسك تكون زيه مش أكده؟)
جابر بنفاذ صبر:
(لا حول ولا قوة إلا بالله. أنا ماشي أشوف حالي، قبل ما تكمل بانة زوابعها.)
فضحك براء:
(مع السلامة، ربنا يكون في عونك.)
ثم أشار إلى بانة:
(بس كيف عملها وهو عـيحب ملك؟)
ولكن عندما نطق تلك الكلمة تبدلت ملامحه بالحزن لأنه فعل مثله، أحب زاد وتزوج مرام.
بانة:
(رجع عزة تاني، بس ملك رضيانة ومش زعلانة عشان يا حبة عيني مش عـتـخلف، ربنا يجبر بخاطرها.)
براء:
(لا حول ولا قوة إلا بالله. طيب هروح أنا أطمن عليهم.)
بانة:
(خدني معاك يا خوي، ده أنا مصدجت نتلم مع بعضينا تاني، وربنا ما يفرقنا.)
فابتسم براء ووضع يديها في ذراعه واتجه بها نحو غرفة والدته.
والتي عندما رأته وقفت سريعا مرددة بلهفة:
(ولدي، ولدي.)
فأسرع إليها براء فاحتضنها بحب وهمس:
(أمي أتوحشك جوي جوي.)
زهيرة وهي تقبله في كتفه:
(وانت كمان يا ضي عيني، أتوحشك جوي يا ولدي.)
ثم ابتعدت وضمت وجه بكلتا يديها في حنان مردفًا:
(بجا أكده تمشي وتجول عدولي، إيه ما صدجت تعيش هناك، حتى شيعت مراتك عشان تعيش لحالك. وهي من ساعة ما جت جافلة على نفسها وكل ما أسألها مالك متردش علي. حصل إيه يا ولدي، زعلتها في إيه بس! وليه دي زاد دي مفيش زيها واصل، كيف هان عليك تزعلها؟)
فأغمض براء عينيه متألمًا:
(غصب عني يا ما والله.)
زهيرة:
(طيب يا ولدي، ادخل يلا راضيها بكلمتين وأنا خابرة إن جلبها أبيض وعتـسـامح وربنا يهدى سركم وأفرح بعوضكم يا ولدي.)
براء:
(يارب.)
ثم حدث نفسه:
(بس مفتكرش عـتـسـامحني في دي، وعنديها حق.)
باسم:
(وبعدين معاكي ياما، اصبري طيب أسلم عليه الأول.)
فاحتضنه باسم بحب مردفًا:
(نورتنا يا خوي.)
براء:
(ده نورك يا حبيبي. كيفك وكيف أحوالك وعامل كيف مع حريمك؟)
فنظر باسم إلى بانة بغيظ مردفًا:
(لحقتي تجولي يا بانة، يا ستير عليكي.)
بانة بضحك:
(هو أنا جولت حاجة غلط مش دي الحقيقة يا ولد أبوي.)
باسم:
(ايوه، والنصيب غلاب يا براء. لكن اللي في القلب ملك لكن منكرش إني أرتاح بردك مع عزة ويكفي إنها عـتحبني.)
براء:
(الله يسعدك يا خوي، المهم تخلي بالك منهم عاد والأهم إنهم راضيين بحالهم.)
ثم حدث نفسه:
(عقبال اللي في بالي.)
براء:
(طيب هقوم أطمن على زاد أنا.)
ليتركهم ويتجه نحو غرفة زاد ومع كل خطوة كان قلبه يدق بعنف خوفًا من المواجهة وخشية من رد فعلها الذي يعلم جيدًا أنه سيدمي قلبه.
وقف براء أمام غرفتها يحاول التقاط أنفاسه، يفكر مرارًا وتكرارًا فيما سيقوله.
ثم قرر أخيرًا طرق الباب.
ليسمع صوتها الحزين:
(مين عـيـخبط، جولت مش عايزة أشوف حد ولا أتكلم مع حد، هملوني لحالي بجا، وإلا والله أسيب هنا كمان ولا حد هيعرف لي مُطرح.)
لتجد زاد من يفتح عليها الباب قائلاً:
(لا إلا كده يا زاد ارجوكى، اوعاكي تهملي هنا، على الأقل أنا مطمن عليكي بينهم ولو إن جـلـبـي هيموت من غيرك.)
وقفت زاد متصلبة عند رؤيته مردفة بهدر:
(انت! إيه اللي جابك هنا، واتفضل امشـي ارجوك مش طايجة أشوفك قدامي. انت إنسان خاين والخيانة بتجري في دمك، أنا بكرهك، بكرهك وبندم على كل لحظة جـلـبـي فيها مال ليك.)
ثم التفتت كي لا تراه لتسكب عبراتها في بحر قلبها الحزين.
فضم راحة يديه بإنكسار وشعر ببرودة تجتاح جسده وكأن روحه بدأت تنسحب من جسده. وهمس:
(زاد، ارحميني ارجوكى. وصدقيني لما أقولك، إن كل اللي حصل ده غصب عني، وبكرة تعرفي إن كلامي صح. وهترجعي لحضني يا زاد وأنا مش هزعل منك دلوقتي على الكلام اللي جولتيه لأنـي خابر إنه مش من جـلـبـك وإنه من زعلك وحقك يا بنت الناس. وأنا همشي دلوقتي زي ما أنتِ عايزة، بس قبل ما أمشي عايز أقولك إني محبتش غيرك يا زاد وربنا وحده اللي مطلع على حالي.)
لتلتفت إلى زاد ويتفاجأ بها تقترب نحوه غاضبة وأخذت تضرب صدره بكل قوتها وتبكي بمرارة مرددة:
(انت كداااااب. انت كداااااب. وأنا بكرهك يا براااء. بكرهك. وانت مش هتمشي قبل ما تطلقني. طلقني يا براء طلقني.)
وبراء ينظر إليها متألما ولا يستطيع أن يرد عليها ولا أن يبتعد لأن ضرباتها تؤلمه، بل وقف متحملاً كي تفرغ غضبها كله لعلها تستريح ولكنها تفاجئ أن قوتها خارت وبدأت تترنح حتى سقطت مغشيًا عليها.
فصرخ:
(زااااااااد.)
وعلى صرخته فزع كل من في القصر، وأسرعوا إليه. فحملها هو بين يديه ووضعها على الفراش وأسرع للباب يستنجد بباسم ليجده على الباب مع بانة وزهيرة وملك وعزة.
زهيرة بفزع:
(مالها زاد يا براء، حصل إيه؟ وصوتكم كان عالي ليه، وعملت إيه يا ولدي فيها. حرام عليك، دي وصية أبوك الله يرحمه.)
براء بإنكسار:
(معملتش حاجة هي وجعت كده والله لحالها. شوفها يا باسم بسرعة الله يخليك.)
فطلب باسم من ملك إحضار حقيبته الطبية. فأسرعت ملك لإحضارها، وطلب من عزة زجاجة العطر لينثرها بعضًا منها على أنفها لتستفيق.
وبالفعل استفاقت، وأخذت تنظر إليهم بعين منكسرة حزينة. وأحضرت ملك الحقيبة ليخرج باسم سماعته الطبية ويقوم بفحصها، ليتعجب عند سماع صوت نبضين القلب.
فيبتسم وينظر إلى براء مرددًا:
(مبروووك يا براء هتكون أب قريب.)
فحدق براء النظر إليه للحظات قبل أن يحدثه:
(معقول عتتكلم بجد.)
لتصرخ زاد:
(لاااا مش حامل.)
فتعجب من حولها من قولها واقتربت منها زهيرة وامسكت بيديها مردفة:
(هدي نفسك يا بتي، وألف سلامة عليكي، خضتينا عليكي. بس إن شاء الله حامل يا بتي، ياريت ده أنا نفسي جوي أشيل عوضكم.)
فدمعت عين ملك وشعرت بسخونة وكأن دمها يحترق، فانسحبت من بينهم ببطء دون أن يشعر بها أحد إلا باسم الذي لم تكن عيناه تفارقها عندما علم بحمل زاد. فاستأذن وذهب ورائها وطالعته عزة وفهمت ما الذي جعله يذهب من ورائها وحدثت نفسها:
(يارب ييجي اليوم يا باسم اللي ألاقيك فيه عـتـحس بيه من غير ما أتكلم كيف ملك.)
أما براء فمن نظرته لـ زاد ونفيها للحمل، جعله يتأكد من حملها ولربما أيضًا كانت تعلم حقيقة حملها ولكنها أخفته بسبب ما حدث وهذا كان كفيلاً لضرب قلبه في مقتل وتساءل:
(لدرجاتي يا زاد عتـكرهيني عشان تخبي حاجة زي دي عني، وعايزة تحرميني من ولدي كمان.)
زاد بدموع حارقة:
(لا مش حامل، ومش عايزة يكون منه عيل. وأخرجوا كلكم وهملوني لحالي.)
فغضبت زهيرة منها لأول مرة مرددة:
(أكده يا زاد عتـطرديني، ومش عايزة تخلفي من ولدي.)
زاد بحرج:
(مـقـصـدتـش يا مرت خال، ومعلش سامحيني غصب عني.)
زهيرة:
(مالك بس يا بتي، ده أنتِ كنتي ماشية من هنا زي الوردة المفتحة، رجعتي دبلتي ليه؟)
فنظرت زاد إلى براء نظرة عتاب طويلة ولم تتكلم. فادركت زهيرة أن الأمر جلل بينهم ولكنها كعادتها لا تحب التدخل في شئونهم، فآثرت الصمت.
وقفت مرددة:
(طيب هسيبكوا تصافوا مع بعضكم، لإني خابرة في الآخر إنكم مهتـهـنـوش على بعض.)
فحدثت زاد نفسها:
(لا هونت، هونت.)
ثم خرجت زهيرة وأغلقت الباب من ورائها، فتقدم براء من زاد وجلس على حافة الفراش يعاتبها:
(هي حصلت يا زاد عـتـنـكري إنك حامل في ولدي وعايزة تحرميني منه.)
زاد بصرامة وتأكيد:
(ايوه يا براء، معنديش ليك عيل. ومش عايزة أربيه عشان ميطلعش كيفك خاين واناني.)
فوقف براء غاضبًا:
(أنتِ زودتيها جوي يا بنت الناس. لكن أنا ممكن أسمحلك بأي حاجة إلا إنك تحرميني من ولدي. وبكرة الأيام تعرفك إنك جيتى عليه بزيادة وإن كل اللي حصل كان غصب عني.)
فسخرت منه زاد بقولها:
(انت عـتـجول إيه!!)
ليرن هاتف براء، فيخرج هاتفه ليرى أن مرام هي التي تتصل، فتلون وجهه وهمس:
(هو ده وقته.)
فلم يجبها. فأردفت زاد:
(متـردش ليه، رد رد وخد راحتك. ومتكسفش خلاص، خابرة ليه؟)
فطالعها براء بٱندهاش، لتكمل زاد:
(عشان انت مبجتش تهمني يا براء، ومات جـلـبـي اللي كان عـيحبك.)
فصك براء على أسنانه بغيظ وقام بالرد على مرام ليكيدها:
(ايوه يا حبيبتي.)
مرام:
(وحشتني أوي، هتيجي امتى؟)
براء:
(أنا لسه جاي، لحقت.)
مرام:
(ايوه كفاية كده مش شفتهم، يلا تعال مستنياك. ومش هنام غير وانت في حضني وده آخر كلام عندي.)
فزفر براء بضيق:
(ماشي جاي، جاي.)
لتحترق زاد بنار الغيرة، وعندما أغلق معها الخط. صرخت:
(جولتلك طلقني ويلا روح للهانم بتاعتك.)
براء:
(مش عـطلقك يا زاد، ويلا قومي البسي عشان نرجع بيتنا عاد.)
زاد بغيظ:
(انت اتـجـنـنت صوح، يستحيل طبعًا أرجع أعيش معاك، أنا بكرهك.)
ليبتسم براء بمكر مرددًا:
(وانا بحبك.)
زاد بإنفعال:
(كـداااب ويلا هملني وروح لها، مش طايجة أشوف وشك عاد.)
براء بغيظ:
(أكده يا زاد، طيب ماشي، أنا رايح لها.)
ليخرج بالفعل، لتنظر زاد بجانبها فلم تجد إلا زجاجة العطر، فالتقطتها بغضب وقذفت بها الباب.
فسمع براء صوت الارتطام فابتسم:
(جـال مش بتحبني جال، دي عـتموت عليا، وأنا هموت عليها أم ولدي. بس دي مأمورية وواجب لازم أعملها مهما كانت العواقب.)
***
حدثت مرام والدها عبر الهاتف:
(ايوه يا بابي جي في السكة.)
عصام:
(تمام. دلوقتي هكلمهم يجبهوهالك لحد عندك وتشوفى عايزة تعملي فيها إيه؟)
مرام:
(عايزة أشويها حية يا بابي.)
رواية اولاد الجبالي الفصل الثلاثون 30 - بقلم شيماء سعيد
إلهام تبكي أمام محفوظ، وهو لا يدري سبب دموعها.
"إيه بس مالك يا جلبى، بزيادة عاد بُكى وخلينا ننجضى الوقت فى الكلام قبل ما يجولوا خلاص خلصت الزيارة."
"غصبا عنى يا محفوظ، من اللى شوفته قبلك وبعدك كمان، مش خابرة بس ميتى الدنيا تضحكلى. ليه بس عملت أكده يا محفوظ، كنت سبته أكده أكده كان هياخد إعدام من كتر المصايب اللى كان هيعملها. لزمته ايه بس تكتله وتروح انت فيها؟ كنت سبته وفضلت معايا بدل ما تبعد أكده عنى ولسه يعالم هتخرج امتى وتهملنى كل ده للدنيا تلطش فيه."
وقف محفوظ مردفًا بإنفعال: "لا ولو كان هيعدموه جدامي، أنا أكده ارتحت لما خدت بتاري منيه وبردت ناري، وجدرت أشوفك من أول وچديد إلهام اللى حبتها وهى كلها خمس سنين وأطلع يا إلهام نعيش حياتنا من چديد. والحمد لله انها چت على خمسة بس ويمكن أطلع جبليهم حسن سير وسلوك كمان. وهما عطوني حكم إكده صغير رغم إني كتلته عشان خابرين اللى حاصل منه واني عملت أكده عشان الشرف."
"الحمد لله، يعدوا وتخرج ليه بالسلامة يا حبيبي وچوزي وواد عمي وكل حاجة ليه في الدنيا."
"الله على الكلام الحلو اللي يخليني أحلم باليوم اللي أطلع بيه من إهنه. وساعتها بس هعملك فرح من أول وچديد ونعيش حياتنا زى ما ربنا رايد ويعوض علينا ربنا بالعيال."
***
حدثت مرام والدها عبر الهاتف: "ايوه يا بابي جي في السكة."
"تمام. دلوقتي هكلمهم يجبهوهالك لحد عندك وتشوفى عايزة تعملي ايه فيها؟"
"ربنا يخليك يا ليه يا حبيبي."
اتصل عصام بأحد رجاله مردفًا بأمر: "مسافة الطريق وقبل كمان ما يوصل براء، عايزها عندي في فيلا المريوطية، ومش عايز نفر يحس بيها ومن غير شوشرة نهائي."
"إزاي يعني يا باشا هندخل ونطلع من غير شوشرة وصريخ من البت دي واعتراض الناس اللي حواليها، هو فيلم هندي يا باشا ولا إيه ده خطف؟"
زفر عصام بضيق: "عشان غبي ومبتفكرش، هو لازم تدخل القصر، عشان تعمل انت فيلم الخطف ده؟"
فرك مكاوي في رأسه: "امال هندخل عليها ونقولها اتفضلي معانا هنخطفك بالذوق ومتعمليش صوت وخليكي مؤدبة."
فصك عصام على أسنانه بغيظ مردفًا بغضب: "مش بقولك غبي وخايف تضيعنا بجد. انت إيه مبتفكرش، إنك ممكن تتصل بيها وتقولها خبر فيك أن براء عمل حادثة مثلا على الطريق وطالب يشوفك. فهي طبعًا هتجري تخرج من القصر، تقوم حضرتك تكون مستنيها بسيارة أجرة، هتشاور هي طبيعي وهتركب بإرادتها بدون إجبار ولا شوشرة فهمت يا غبي!"
ضرب مكاوي على رأسه مردفًا: "ااااخ، كانت رايحة عن بالي الفكرة دي فين بس. حاضر يا باشا، علم وينفذ، أديني الرقم."
فأملاه عصام الرقم.
ليقوم مكاوي بالاتصال بها على الفور، حيث كانت زاد مازالت في غرفتها تتحدث مع جنينها وكأنه أصبح ملاذها وصديقها الذي تشتكي له همها مرددة: "شوفت ابوك وعمايله يا ولدي، عين في المية وعين في النار، عيتمسك بيه جال وفى نفس الوقت عيتمسك بالبت المصرواية اللي شبه حلاوة المولد دي. وكأنه عايز يتغدى بيه الأول وبعدين يحلى بيها بت الملزقة دي. بس لا والف لا، هو انا چارية وهو سلطان ولا إيه، ده أنا زاد. ينسى خالص إني أكون ليه ابن الجبالي بعد اللي حاصل. وأنا خلاص كمان كرهته جوي، ثم وضعت يدها على فمها مرددة: بس لا مش كرهته جوي يعني، لسه جَلبي عيحن بس خلاص أنا عحط جَلبي تحت مداسي وأموته بيدي عشان ميحنش ليه تاني، مش أكده يا ولدي بردك."
ليرن هاتفها فطالعته بشيء من الدهشة لأنه رقم غريب، فترددت في بادئ الأمر أن تستجيب ولكنها في النهاية استجابت مرددة: "السلام عليكم."
"حضرتك الست زاد."
"ايوه، حضرتك مين وفيه حاجة ولا إيه؟"
"أنا فاعل خير يا مدام. للأسف براء جوزك عمل حادثة وعرة جوي في الطريق وأنا بفضل الله اتصلت بالإسعاف لما شوفته أكده وچت وخدته بس وصاني يا حبة عيني وهو مش داري بحاله بيكي وجعد يجولي كلم زاد، شيعهالي عايز أشوفها جبل ما أموت. وعطاني رقمك وهو دلوك في المستشفى ومش خابر حالته إيه دلوك! فياريت يعني يا ست تسرعي تلحجيه عاد في المستشفى جبل ما يفطس من غيرك ما يشوفك."
فصرخت زاد: "براااااء، لااااايا حبيبي يا براء، أنا جاية حالا. فين المستشفى؟"
فأخبرها مكاوي المكان. فأغلقت الخط وهي دموعها لا تتوقف، ثم أسرعت راكضة وغادرت.
وكانت بانة في شرفة غرفتها فشاهدتها تسرع للمغادرة. فحدثت نفسها: "هو فيه إيه؟ وعتجرى ليه زاد أكده؟ أستر يارب، هو حاصل إيه؟"
أما زاد فخرجت سريعا من الفيلا، لتشاور على أي سيارة لتنقلها. فوقف مكاوي أمامها. ففتحت الباب مردفة: "وصلني لمستشفى النصر من فضلك بسرعة بس الله يخليك."
وظلت زاد طوال الطريق تبكي: "يا ترى عامل إيه دلوك يا براء؟ اياك تهملني وتسبني، لا متموتش يا براء حتى لو كنت اتچوزت عليه البت المصرواية دي، لا عيش عشان أعرف كيف انتقم منك يا خاين يا دون، لكن متموتش."
وعندما طال الطريق بـ زاد، راودها الشك مردفة: "هو انت عتطول ليه أكده هي المستشفى دي فين؟"
"لسه جدامنا شوى يا ست، دي بعيدة جوي."
"طيب سرع عشان ألحق أطمن على چوزي الله يخليك." ثم بكت زاد.
فناولها مكاوي عصير مردفًا بمكر: "بس يا ست قطعتي جَلبي، هدى مني العصير ده عشان تهدى نفسك شوى، وعشان كمان زمانك عطشانة الجو حر زى ما أنتِ شايفة ولسه المشوار طويل."
شعرت فعلا زاد بجفاف حلقها، فتناولته منه على خجل، ولكن ما هي إلا لحظات حتى ذهبت في نوم عميق بسبب المخدر الذي كان متواجد في العصير.
فضحك مكاوي: "حلو جوي، اهي تنام عشان متصدعنيش الطريق كله، وندوس بنزين عشان أوصل بدري بدري زى ما وصاني الباشا."
ثم اتصل به: "الووووو كله تمام يا باشا والبضاعة معايا وكلها خمس ساعات بالكتير وأكون في الفيلا."
"تمام يا مكاوي، هتلاقيني في انتظارك."
ثم اتصل عصام بإبنته: "الهانم مراته في الطريق. هتيجي نتسلى عليها ولا الأفضل مش دلوقتى، خليها رهن لغاية ما سيادته يتم العملية الجاية والموضوع يمشى زى ما إحنا مخططين بالظبط."
"بس كان نفسي أطلع غضبي على جتتها يا بابي، وبعدين أخنقها بإيدي دي."
"هنصبر بس تعدي العملية وأعملي فيها كل اللي أنتِ عايزاه، هي كلبة ولا تسوى أصلا ومش عارف إزاي وحدة زي دي تهز شعرة من شعرك وتخليكي تغيري كده."
"غصبا عني يا بابا، مشوفتش عينيه وهي بتلمع لما تيجي سيرتها ولا كان ملهوف إزاي يروح يشوفها. مقدرتش أستحمل أنه ممكن في يوم من الأيام يسبني عشان خاطرها وإنه فعلا بيحبها هي وأنا مجرد وحدة وقعت في طريقه بالصدفة."
"لا أنتِ بنت عصام الدمنهوري، وأنا هخليه كلب وميقدرش يستغنى عنك."
"ياريت يا بابي عشان اتعلقت بيه أوى."
"ولو أن ده غلط بس المهم تكوني مبسوطة يا روح بابا."
***
أخذت تفكر بانة ما تفعل هل تحدث براء عن ما شاهدته، ولكنها ترددت كي لا تثير قلقه وظنت إنها ربما ستعود بعد قليل.
"ايوه أكيد هترجع هتروح فين يعني، بس تلاقيها زهجانة وراحت تتمشى تشم هوا."
***
بعثت نهلة إلى محمود رسالة من هاتفها باللغة الإنجليزية: "How are you?"
فابتسم محمود لصغيرته التي في أقل من شهر قد تعلمت الكثير بالفعل وتبدلت كثيرًا ولا شك أنها قريبًا ستكون الإنسانة التي تحلم والدته بأن يتزوجها من جمال وشياكة ولباقة.
ثم ضحك مرددًا: "نفسي يجي اليوم اللي تشوفيها فيه وتيجي تحكي لي عليها يا ماما، وتقولي لي زي ما كل مرة تشوفي بنت حلوة في النادي_ أما النهاردة شوفتلك عروسة قمر في النادي. ياااه مش هعرف ساعتها همسك نفسي إزاي وأتصرف كأني مش عارفاها إزاي."
ثم كتب ردًا على نهلة: "l am fine my princess الحمدلله أميرتي. متصوريش أنا فرحان اوى يا حبيبي إزاي، وفخور بيكي جدا. عشان أنتِ بطلة بجد وواجهتي كل التحديات واتعلمتي في فترة صغيرة اوى ومتوقع ليكِ مستقبل حلو، ده أنتِ مش بعيد تدخلي طب وكده تكوني ست الدكتورة ومعرفش أنا أكلمك كمان يا نهلة."
رأت نهلة رسالته فدق قلبها وابتسمت وكتبت له: "دكتورة مرة واحدة، ده أنا عمري ما تخيلت إني أكون هنا وأعيش العيشة دي وأتعلم كمان وأتجوز واحد زيك يا محمود. أنا لغاية دلوقتي حاسة إني في حلم جميل وخايفة أصحى منه. وحاسة إنك كتير كمان عليا، ربنا يقدرني وأعمل كل حاجة عشان أسعدك انت وبس."
ابتسم محمود لتعلمها أيضًا طريقة الحديث باللهجة العامية وليس بلهجة أهل الصعيد.
فبعث لها قلب ثم كتب لها: "ولو أن كلامك زينا خطف قلبي، بس برده العشق كله في كلامك بالصعيدي، فأنا عايز أحلى بيه بعد الكلام ده كله، يلا أشچيني."
فضحكت نهلة وكتبت: "وه _ وبعدين معاك، عتكسفني إياك."
فبعث لها محمود قلوب كثيرة، اخترقت قلبها الذي أصبح متيم به.
***
أثناء قيادة براء السيارة متوجهًا نحو القاهرة. قام بالاتصال بمحمود.
فاستجاب له محمود بقوله: "أهلين سيادة الباشا، ها قول لي رويت قلبك برؤية الحبايب ولا لسه؟"
تنهد براء بحرارة مردفًا: "ايوه وراجع أهو كمان، بس يارتني ما روحت تعبت أكتر يا محمود، مش قادر أشوفها قدامي بتتعذب كده وأنا السبب في كل مرة."
"معلش يا براء، هانت اهي وتعرف الحقيقة، إنك عملت ده كله لخدمة وطنك وإنه ده واجب عليك عشان توقع الكلب الحقير عصام الدمنهوري."
"خابر بس الموضوع صعب جوي عليها يا محمود. ومش عارف كان لزمته إيه الچواز من البت الصفرا دي؟"
"مهو مكنش ينفع غير كده عشان تدخل الفيلا بصفتك جوز بنته وطبعًا عشان مكانتك هيستغلك في شغله عشان يعدي بسهولة وبكده هنقدر فعلا نمسكه متلبس."
"طيب ما كان ممكن يتمسك مع سفرية شهر العسل، ليه استنيت ده كله؟"
"وبعدين يا براء، نعيد تاني، ما انت عارف إن الصفرا اللي بتقول عليها هي اللي هتتحبس عشان هي اللي شايلة الشنطة. وطبعًا مكنتش هتقدر تدخل أبوها في الموضوع، لأنها عارفة ومتاكدة إنه هيمخخ بره وأكيد هيلاقي ثغرة ويطلعها زي الشعرة من العجين. عشان كده، كان لازم ننتظر عملية أكبر يظهر هو فيها وبكده نقطع رأس الحية ونخلص منه ومن أتباعه."
زفر براء بضيق: "وعلى أكده عستنى كتير، ده ممكن تولد ولسه الموضوع شغال. اه يا مرك يا براء."
"بحولك إيه يا محمود، أنا عسيب الشغلانة المجندلة دي وهشتغل تاجر بلح."
فقهقه محمود مرددًا: "متجدرش يا جدع. عشان ده مش مجرد شغل وبس، دي حاجة بتجري في دمك وأنا عارف كويس إن كمان لو اتطلبت روحك فدا للوطن مش هتتأخر."
فدمعت عين براء وأقشعر جسده مرددًا: "طبعًا دمى فدا لكل شبر في أرض مصر."
"خلاص صلى على النبي كده، وهتعدي بإذن الله على خير وأنا بنفسي اللي هكلم زاد وهشرحلها الأمر."
فثار ذلك غيرة براء فاردف بغيظ: "عتكلمها كيف يعني لحالك. لا خليها زعلانة أحسن."
فضحك محمود: "بقا كده، طيب أتفلق انت وهي. بس اتصور يا براء، أنا فرحان بجد إنك بتحب زاد وبتغير عليها كده رغم إنك قدامك وحدة زي مرام مفهاش غلطة وتوقع أي راجل."
فزفر براء بضيق: "ده كلها عيرة يا محمود، ده أنا لحد دلوك معرفش هي شكلها الحقيقي إيه ولا شعرها وعينيها لونهم إيه. دي زومبي متحرك بشفايف كيف البجرة حدانا وخدود كيف الرمانة منفوخة وجسمها عيتلوي كيف الحية في الريحة والچاية. دي وحدة يتبص ليها من بعيد أكده حلاوة روح بس لكن متتعاشرش يا بوي ولا يتچاب منها عيال."
"عندك حق، يعني جمال ظاهري بس."
"ايوه، وانت كيفك مع مرت أبوي يا نمس."
فتلون وجه محمود غضبا مردفًا: "لو سمحت يا براء متجبليش السيرة دي ولو عايز تسأل عنها قول نهلة أو زي ما بتقولوا عندكم الجماعة."
فابتسم براء: "يعني عتغيير أهو وجوي كمان، مش إحنا بس عاد عشان بس تعذرني. بس على أكده صوح بتحبها بچد بدل عتغير عليها جوي أكده."
"لا أنا خلاص عديت مرحلة الحب يا براء. ده وصلت لمرحلة صعبة أوى ومش بس بغير عليها من اى حد، ده أنا بغير عليها من حتى هدومها اللي عليها وخصوصا دلوقتى اكتر واكتر لأنها بقت برنسيسة كده وخايف بجد تنزل الشارع ولا حد يشوفها، أقولك أنا هرجع أحبسها تاني أحسن بس في قلبي وبس."
فضحك براء مرددًا بداعبة: "لا أنا دماغك بجت عالية جوي وأنا طلعت غلبان مش جدك على أكده."
لينهي معه المكالمة ويستكمل طريقه وحدث نفسه: "لما أشوف ام أربعة وأربعين دي عتخلص ميتى من حوارها مع ابوها راس الحية ده."
ليشرد بعدها فيما حدث في بادئ الأمر.
عندما جاء هو ومحمود إلى القاهرة واجتمعوا بمركز قيادة مكافحة المخدرات، وحدثهم القائد عن حملة التطهير لهؤلاء الأوغاد الذين يضرون المجتمع وخاصة الشباب وعليهم أن يتخلصوا منهم في أقرب وقت وقد كلف كل فريق منهم الاتجاه في طريق معين.
أما براء ومحمود فحدثهم قائدهم عن شكوكه حول رجل أعمال يسمى عصام الدمنهوري ولكن في ظاهره أنه لا غبار عليه ولا دليل على إدانته.
وسبب الشك أنه جاء إلى القاهرة من دمنهور فقيرًا وفي سنوات قليلة أصبح تاجر ميسور الحال وسهمه يلمع بين رجال الأعمال.
وهذا ما أكد أن وراء عمله شيء غير مشروع.
فحدثهم القائد صفوان: "أنا جمعتكم النهاردة عشان متأكد أنكم قد المهمة دي من خلال اللي سمعتوا عنكم وتاريخكم المشرف."
"الله يخليك يا باشا."
"دلوقتي قدامكوا واحد اسمه عصام الدمنهوري، الراجل ده في سنتين تلاتة قدر يعمل اللي معملهوش أي راجل أعمال في ربع قرن وبقا غول في السوق ومسيطر كمان تقريبًا على رجال الأعمال الصغيرين اللي لسه بيقولوا يهادي. وصراحة أنا شاكك فيه بس مش عارف أوصل لأي دليل ضده."
"طيب والمطلوب إيه يا فندم؟"
"هندعبس ونشوف هو بيهبب إيه بالظبط."
"تمام، بس هنبتدي الخيط منين يا فندم؟"
دقق النظر فيهم صفوان قليلاً ثم أردف قائلاً: "اكيد من خلال بنته يا سيادة، هي شابة وجميلة وبتحب المغامرة والصحوبية والسهر والشرب. وأنتم شباب ومظهركم كويس جدًا، فهندخل من النقطة دي."
"برده مش فاهم، هنروح نقولها، هاى ممكن نكون صحاب ولا إيه؟"
فضحك براء ولكن نظرة صفوان له جعلته يتوقف مرددًا: "آسف."
"لا طبعًا يا سيادة المقدم. انت هتبتدي الأول وهتروح النايت كلب اللي بتسهر فيه البنت عادي كأي زبون وتسهر وتوزع نظراتك على الصف الموجود. لغاية ما تلفت انتباهها وهي اللي تيجي تكلم معاك بنفسها. وطبعًا هديك الأكونت بتاعها على الفيس عشان تشوف صورها لأنها بتغير من شكلها باستمرار في الشعر ولون العين."
فابتسم محمود: "وكده هعرفها إزاي بدال كل يوم بشكل."
"يعني فيه حاجات أساسية زي الصوت مثلا، ده غير فيه شامة في وشها."
"تمام، وهتعرف إني شرطة ولا هنتحل أي شخصية."
فضرب صفوان بيده على المنضدة التي أمامه وطالعهم بغضب قائلاً: "انتوا إيه يا سيادة التفكير بتاعكم ده!! تنتحل شخصية إيه يا سيادة المقدم، فاكر نفسك شخصية في رواية ولا فيلم هندي. متعرفش إننا في زمن التكنولوجيا الحديثة، يعني بضغطة واحدة تعرف انت مين وابن مين وبتشتغل إيه؟"
"محمود خجلًا وحمم بحرج: أيوه يا فندم."
"ياريت يكون فيه تركيز أكتر من كده، لأننا داخلين في مهمة صعبة ومحتاجة إرادة من حديد."
"واحنا قدها بإذن الله يا باشا."
"تمام، يبقى هتقدملها نفسك عادي جدًا. لأن أخلاق كل ظابط أكيد بتختلف عن الثاني وانت هنا هتكون الظابط الفريش وده اللي هو هتمثله."
"هو أنا فريش، بس مش اوى كده لدرجة الكباريهات، بس هحاول وأمرى لله مدام شغل ضروري."
"طيب وأنا هتكون إيه دوري كده، أوعى تقول لي أروح أنا كمان أسهر في البتاع ده، أنا مليش في الشغل ده خالص. استغفر الله العظيم يارب."
ابتسم صفوان مرددًا: "منا عارف، وعشان كده انت ليك مكان تاني هتقابلها فيه كأنه صدفة. بس ده لما نشوف محمود الأول هيعمل إيه."
"تمام يا باشا."
***
وصل بالفعل مكاوي إلى فيلا المريوطية.
والتفت حوله حتى يطمئن أن لا أحد يتبعه أو يراه. ثم نظر إلى زاد فوجدها مازالت تحت تأثير المخدر.
لذا فحملها على يديه وخطى بصعوبة بها إلى مدخل الفيلا، فوجد الباب يفتح من تلقاء نفسه.
فأدرك أن عصام موجود بالداخل بالفعل ويراه من خلال كاميرات المراقبة، بل وجد رجل من رجاله يسرع إليه ليحملها عنه.
"تسلم يا ذوق، عشان دي تقيلة أوى وكانت هتكسر ضهري."
في الداخل أشار عصام على ابنته بالهدوء والتريث مع زاد حتى يتم لهم ما أرادوا.
"مش قادرة يا بابي أشوفها قدامي ومكلهاش بسناني. وأطلع على جتتها لمعة عين حب براء ليها وهو بيتكلم عنها."
"معلش نهدى شوية بس."
ثم دخل بها بالفعل الرجل إلى الفيلا، فأشار إليه عصام أن ينقلها إلى قبو الفيلا.
فنزل بها إلى الأسفل بالفعل، وأمره عصام أن يقيد يديها بإحكام.
فقيدها وبالفعل لتسارع من ورائهم مرام وقد بلغها بها الغضب مبلغه وكأنه لم تستمع إلى أي كلمة من والدها.
"ما تعرف هي تهمني في إيه ده حشرة ولا تسوى؟?"
ياترى هيحصل إيه تاني؟